######OpenITI# #META# Author: #META# Title: خواطر محمد متولي الشعراوي #META# Date: ت 1418 ه #META# Tafsir_type: تفاسير حديثة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1] # القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل فيها نزل مقرونا بسم الله سبحانه ~~وتعالى - ولذلك حينما نتلوه فإننا نبدأ البداية نفسها التي أرادها الله ~~تبارك وتعالى - وهي أن تكون البداية بسم الله. وأول الكلمات التي نطق بها ~~الوحي لمحمد صلى الله عليه وسلم كانت # اقرأ باسم ربك الذي خلق # [العلق: 1]. وهكذا كانت بداية نزول القرآن الكريم ليمارس مهمته في ~~الكون.. هي بسم الله. ونحن الآن حينما نقرأ القرآن نبدأ نفس البداية. ~~ولقد كان محمد عليه الصلاة والسلام في غار حراء حينما جاءه جبريل وكان ~~أول لقاء بين الملك الذي يحمل الوحي بالقرآن.. وبين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قول الحق تبارك وتعالى: { اقرأ }. واقرأ تتطلب أن يكون ~~الإنسان.. إما حافظا لشيء يحفظه، أو أمامه شيء مكتوب ليقرأه.. ولكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما كان حافظا لشيء يقرؤه.. وما كان أمامه كتاب ~~ليقرأ منه.. وحتى لو كان أمامه كتاب فهو أمي لا يقرأ ولا يكتب. وعندما ~~قال جبريل: { اقرأ }.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنا ~~بقارئ.. وكان الرسول عليه الصلاة والسلام منطقيا مع قدراته. وتردد القول ~~ثلاث مرات.. جبريل عليه السلام بوحي من الله سبحانه وتعالى يقول للرسول: ~~{ اقرأ } ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما أنا بقارئ.. ولقد أخذ ~~خصوم الإسلام هذه النقطة.. وقالوا كيف يقول الله لرسوله اقرأ ويرد الرسول ~~ما أنا بقارئ. نقول إن الله تبارك وتعالى.. كان يتحدث بقدراته التي تقول ~~للشيء كن فيكون، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحدث ببشريته ~~التي تقول إنه لا يستطيع أن يقرأ كلمة واحدة، ولكن قدرة الله هي التي ~~ستأخذ هذا النبي الذي لا يقرأ ولا يكتب لتجعله معلما للبشرية كلها إلى ~~يوم القيامة.. لأن كل البشر يعلمهم بشر.. ولكن محمد صلى الله عليه وسلم ~~سيعلمه الله سبحانه وتعالى. ليكون معلما لأكبر علماء البشر.. يأخذون عنه ~~العلم والمعرفة. لذلك جاء الجواب من الله سبحانه وتعالى: # اقرأ باسم ربك ms0001 الذي خلق * خلق الإنسان من ~~علق # [العلق: 1-2]. أي أن الله سبحانه وتعالى الذي خلق من عدم سيجعلك تقرأ ~~على الناس ما يعجز علماء الدنيا وحضارات الدنيا على أن يأتوا بمثله.. ~~وسيكون ما تقرؤه وأنت النبي الأمي إعجازا.. ليس لهؤلاء الذين سيسمعونه ~~منك فقط لحظة نزوله. ولكن للدنيا كلها وليس في الوقت الذي ينزل فيه فقط، ~~ولكن حتى قيام الساعة، ولذلك قال جل جلاله: # اقرأ وربك الأكرم * الذى علم بالقلم # [العلق: 3-4]. أي أن الذي ستقرؤه يا محمد.. سيظل معلما للإنسانية كلها ~~إلى نهاية الدنيا على الأرض.. ولأن المعلم هو الله سبحانه وتعالى قال: # اقرأ وربك الأكرم # [العلق: 3] مستخدما صيغة المبالغة. فهناك كريم وأكرم.. فأنت حين تتعلم ~~من بشر فهذا دليل على كرم الله جل جلاله.. لأنه يسر لك العلم على يد بشر ~~مثلك.. أما إذا كان الله هو الذي سيعلمك.. يكون " أكرم ".. لأن ربك قد ~~رفعك درجة عالية ليعلمك هو سبحانه وتعالى. والحق يريد أن يلفتنا إلى أن ~~محمدا عليه الصلاة والسلام لا يقرأ القرآن لأنه تعلم القراءة، ولكنه ~~يقرؤه بسم الله، ومادام بسم الله.. فلا يهم أن يكون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تعلم من بشر أو لم يتعلم. لأن الذي علمه هو الله.. وعلمه فوق ~~مستوى البشرية كلها. على أننا نبدأ أيضا تلاوة القرآن بسم الله.. لأن ~~الله تبارك وتعالى هو الذي أنزله لنا.. ويسر لنا أن نعرفه ونتلوه.. ~~فالأمر لله علما وقدرة ومعرفة.. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. لذلك أنت تقرأ القرآن بسم الله لأنه جل جلاله هو الذي يسره ~~لك كلاما وتنزيلا وقراءة.. ولكن هل نحن مطالبون أن نبدأ فقط تلاوة ~~القرآن بسم الله؟ إننا مطالبون أن نبدأ كل عمل بسم الله.. لأننا لابد أن ~~نحترم عطاء الله في كونه. فحين نزرع الأرض مثلا.. لابد أن نبدأ بسم ~~الله.. لأننا لم نخلق الأرض التي نحرثها.. ms0002 ولا خلقنا البذرة التي نبذرها. ~~ولا أنزلنا الماء من السماء لينمو الزرع. إن الفلاح الذي يمسك الفأس ~~ويرمي البذرة قد يكون أجهل الناس بعناصر الأرض ومحتويات البذرة وما يفعله ~~الماء في التربة لينمو الزرع.. إن كل ما يفعله الإنسان هو أنه يعمل فكره ~~المخلوق من الله في المادة المخلوقة من الله.. بالطاقة التي أوجدها الله ~~في أجسادنا ليتم الزرع. والإنسان لا قدرة له على إرغام الأرض لتعطيه ~~الثمار.. ولا قدرة له على خلق الحبة لتنمو وتصبح شجرة. ولا سلطان له على ~~إنزال الماء من السماء.. فكأنه حين يبدأ العمل بسم الله، يبدؤه بسم الله ~~الذي سخر له الأرض.. وسخر له الحب، وسخر له الماء، وكلها لا قدرة له ~~عليها.. ولا تدخل في طاقته ولا في استطاعته.. فكأنه يعلن أنه يدخل على ~~هذه الأشياء جميعا باسم من سخرها له.. والله تبارك وتعالى سخر لنا الكون ~~جميعا وأعطانا الدليل على ذلك.. فلا تعتقد أن لك قدرة أو ذاتية في هذا ~~الكون. # . ولا تعتقد أن الأسباب والقوانين في الكون لها ذاتية. بل هي تعمل بقدرة ~~خالقها الذي إن شاء أجراها وإن شاء أوقفها. الجمل الضخم والفيل الهائل ~~المستأنس قد يقودهما طفل صغير فيطيعانه. ولكن الحية صغيرة الحجم لا يقوى ~~أي انسان على أن يستأنسها. ولو كنا نفعل ذلك بقدراتنا.. لكان استئناس ~~الحية أو الثعبان سهلا لصغر حجمهما.. ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن ~~يجعلهما مثلا لنعلم أنه بقدراته هو قد أخضع لنا ما شاء، ولم يخضع لنا ما ~~شاء. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 71-72]. وهكذا نعرف أن خضوع هذه الأنعام لنا هو بتسخير الله لها ~~وليس بقدرتنا. يأتي الله سبحانه وتعالى إلى أرض ينزل عليها المطر بغزارة. ~~والعلماء يقولون إن هذا يحدث بقوانين الكون. فيلفتنا الله تبارك وتعالى ~~إلى خطأ هذا الكلام. بأن تأتي مواسم جفاف لا تسقط فيها حبة مطر واحدة ~~لنعلم ms0003 أن المطر لا يسقط بقوانين الكون ولكن بإرادة خالق الكون.. فإذا ~~كانت القوانين وحدها تعمل فمن الذي عطلها؟ ولكن إرادة الخالق فوق ~~القوانين إن شاءت جعلتها تعمل وإن شاءت جعلتها لا تعمل.. إذن فكل شيء في ~~الكون بسم الله.. هو الذي سخر وأعطى.. وهو الذي يمنح ويمنع. حتى في ~~الأمور التي للإنسان فيها نوع من الاختيار.. واقرأ قول الحق تبارك ~~وتعالى: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما ~~إنه عليم قدير # [الشورى: 49-50]. والأصل في الذرية أنها تأتي من اجتماع الذكر والأنثى.. ~~هذا هو القانون.. ولكن القوانين لا تعمل إلا بأمر الله.. لذلك يتزوج ~~الرجل والمرأة ولا تأتي الذرية لأنه ليس القانون هو الذي يخلق.. ولكنها ~~إرادة خالق القانون.. إن شاء جعله يعمل.. وإن شاء يبطل عمله.. والله ~~سبحانه وتعالى لا تحكمه القوانين ولكنه هو الذي يحكمها. وكما أن الله ~~سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل القوانين تفعل أو لا تفعل.. فهو قادر على ~~أن يخرق القوانين.. خذ مثلا قصة زكريا عليه السلام.. كان يكفل مريم ~~ويأتيها بكل ما تحتاج إليه.. ودخل عليها ليجد عندها ما لم يحضره لها.. ~~وسألها وهي القديسة العابدة الملازمة لمحرابها.. # قال يمريم أنى لك هذا # [آل عمران: 37]. الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة.. مع أن مريم ~~بسلوكها وعبادتها وتقواها فوق كل الشبهات.. ولكن لنعرف أن الذي يفسد ~~الكون.. هو عدم السؤال عن مصدر الأشياء التي تتناسب مع قدرات من يحصل ~~عليها. # الأم ترى الأب ينفق ما لا يتناسب مع مرتبه.. وترى الابنة ترتدي ما هو ~~أكبر كثيرا من مرتبها أو مصروفها.. ولو سألت الأم الأب أو الابنة من أين ~~لك هذا؟ لما فسد المجتمع.. ولكن الفساد يأتي من أننا نغمض أعيننا عن ~~المال الحرام. بماذا ردت مريم عليها السلام؟ # قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء ~~بغير حساب # [آل عمران: 37]. إذن فطلاقة قدرة الله لا يحكمها ms0004 قانون.. لقد لفتت مريم ~~زكريا عليهما السلام إلى طلاقة القدرة.. فدعا زكريا ربه في قضية لا تنفع ~~فيها الا طلاقة القدرة.. فهو رجل عجوز وامرأته عجوز وعاقر ويريد ولدا.. ~~هذه قضية ضد قوانين الكون.. لأن الإنجاب لا يتم الا وقت الشباب، فإذا كبر ~~الرجل وكبرت المرأة لا ينجبان.. فما بالك إذا كانت الزوجة أساسا عاقرا.. ~~لم تنجب وهي شابة وزوجها شاب.. فكيف تنجب وهي عجوز وزوجها عجوز.. هذه ~~مسألة ضد القوانين التي تحكم البشر.. ولكن الله وحده القادر على أن يأتي ~~بالقانون وضده.. ولذلك شاء أن يرزق زكريا بالولد وكان.. ورزق زكريا بابنه ~~يحيى. إذن كل شيء في هذا الكون بسم الله.. يتم باسم الله وبإذن من الله.. ~~الكون تحكمه الأسباب نعم ولكن إرادة الله فوق كل الأسباب.. أنت حين تبدأ ~~كل شيء بسم الله.. كأنك تجعل الله في جانبك يعينك.. ومن رحمة الله سبحانه ~~وتعالى أنه علمنا أن نبدأ كل شيء بسم الله.. لأن الله هو الاسم الجامع ~~لصفات الكمال سبحانه وتعالى.. والفعل عادة يحتاج إلى صفات متعددة.. فأنت ~~حين تبدأ عملا تحتاج إلى قدرة الله وإلى قوته وإلى عونه وإلى رحمته.. فلو ~~أن الله سبحانه وتعالى لم يخبرنا بالاسم الجامع لكل الصفات.. كان علينا ~~أن نحدد الصفات التي نحتاج إليها.. كأن نقول بسم الله القوي وبسم الله ~~الرازق وبسم الله المجيب وبسم الله القادر وبسم الله النافع.. إلى غير ~~ذلك من الأسماء والصفات التي نريد أن نستعين بها.. ولكن الله تبارك ~~وتعالى جعلنا نقول بسم الله بسم الله بسم الله الجامع لكل هذه الصفات. ~~على أننا لابد أن نقف هنا عند الذين لا يبدأون أعمالهم بسم الله وإنما ~~يريدون الجزاء المادي وحده.. إنسان غير مؤمن لا يبدأ عمله باسم الله.. ~~وإنسان مؤمن يبدأ كل عمل وفي باله الله.. كلاهما يأخذ من الدنيا لأن الله ~~رب للجميع.. له عطاء ربوبية لكل خلقه الذين استدعاهم للحياة.. ولكن ~~الدنيا ليست هي الحياة الحقيقية للإنسان. # . بل الحياة الحقيقية هي الآخرة.. الذي في ms0005 باله الدنيا وحدها يأخذ بقدر ~~عطاء الربوبية.. بقدر عطاء الله في الدنيا.. والذي في باله الله يأخذ ~~بقدر عطاء الله في الدنيا والآخرة.. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير # [سبأ: 1]. لأن المؤمن يحمد الله على نعمه في الدنيا.. ثم يحمده عندما ~~ينجيه من النار والعذاب ويدخله الجنة في الآخرة.. فلله الحمد في الدنيا ~~والآخرة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع ". # ومعنى أقطع أي مقطوع الذنب أو الذيل.. أي عمل ناقص فيه شيء ضائع.. لأنك ~~حين لا تبدأ العمل بسم الله قد يصادفك الغرور والطغيان بأنك أنت الذي ~~سخرت ما في الكون ليخدمك وينفعل لك.. وحين لا تبدأ العمل بسم الله.. فليس ~~لك عليه جزاء في الآخرة فتكون قد أخذت عطاءه في الدنيا.. وبترت أو قطعت ~~عطاءه في الآخرة.. فإذا كنت تريد عطاء الدنيا والآخرة. فأقبل على كل عمل ~~بسم الله.. قبل أن تأكل قل بسم الله لأنه هو الذي خلق لك هذا الطعام ~~ورزقك به.. عندما تدخل الامتحان قل بسم الله فيعينك على النجاح.. عندما ~~تدخل إلى بيتك قل بسم الله لأنه هو الذي يسر لك هذا البيت.. عندما تتزوج ~~قل باسم الله لأنه هو الذي خلق هذه الزوجة وأباحها لك.. في كل عمل تفعله ~~ابدأه باسم الله.. لأنها تمنعك من أي عمل يغضب الله سبحانه وتعالى.. فأنت ~~لا تستطيع أن تبدأ عملا يغضب الله بسم الله.. إذا أردت أن تسرق أو أن ~~تشرب الخمر.. أو أن تفعل عملا يغضب الله.. وتذكرت بسم الله.. فإنك ~~ستمتنع عنه.. ستستحي أن تبدأ عملا بسم الله يغضب الله.. وهكذا ستكون ~~أعمالك كلها فيما أباحه الله. الله تبارك وتعالى حين نبدأ قراءة كلامه ~~باسم الله.. فنحن نقرأ هذا الكلام لأنه من الله.. والله هو الإله المعبود ~~في كونه.. ومعنى معبود أنه يطاع فيما يأمر به.. ms0006 ولا نقدم على ما نهى ~~عنه.. فكأنك تستقبل القرآن الكريم بعطاء الله في العبادة.. وبطاعته في ~~افعل ولا تفعل.. وهذا هو المقصود أن تبدأ قراءة القرآن بسم الله الذي ~~آمنت به ربا وإلها.. والذي عاهدته على أن تطيعه فيما أمر وفيما نهى.. ~~والذي بموجب عبادتك لله سبحانه وتعالى تقرأ كتابه لتعمل بما فيها.. والذي ~~خلق وأوجد ويحيي ويميت وله الأمر في الدنيا والآخرة. # . والذي ستقف أمامه يوم القيامة ليحاسبك أحسنت أم أسأت.. فالبداية من ~~الله والنهاية إلى الله سبحانه وتعالى. بعض الناس يتساءل كيف أبدأ بسم ~~الله.. وقد عصيت وقد خالفت.. نقول اياك أن تستحي أن تقرأ القرآن.. وأن ~~تبدأ بسم الله إذا كنت قد عصيت.. ولذلك أعطانا الله سبحانه وتعالى ~~الحيثية التي نبدأ بها قراءة القرآن فجعلنا نبدؤه بسم الله الرحمن ~~الرحيم.. فالله سبحانه وتعالى لا يتخلى عن العاصي.. بل يفتح له باب ~~التوبة ويحثه عليها.. ويطلب منه أن يتوب وأن يعود الي الله.. فيغفر له ~~ذنبه، لأن الله رحمن رحيم.. فلا تقل أنني أستحي أن أبدأ بسم الله لأنني ~~عصيته.. فالله سبحانه وتعالى يطلب من كل عاص أن يعود إلى حظيرة الإيمان ~~وهو رحمن رحيم.. فإذا قلت كيف أقول بسم الله وقد وقعت في معصية أمس.. ~~نقول لك قل بسم الله الرحمن الرحيم.. فرحمة الله تسع كل ذنوب خلقه.. وهو ~~سبحانه وتعالى الذي يغفر الذنوب جميعا. والرحمة والرحمن والرحيم.. مشتق ~~منها الرحم الذي هو مكان الجنين في بطن أمه.. هذا المكان الذي يأتيه فيه ~~الرزق.. بلا حول ولا قوة.. ويجد فيه كل ما يحتاج إليه نموه ميسرا.. رزقا ~~من الله سبحانه وتعالى بلا تعب ولا مقابل.. انظر إلى حنو الأم على ابنها ~~وحنانها عليه.. وتجاوزها عن سيئاته وفرحته بعودته إليها.. ولذلك قال الحق ~~سبحانه وتعالى في حديث قدسي. # " أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته، ~~ومن قطعها قطعته " # الله سبحانه وتعالى يريد أن نتذكر دائما أنه يحنو علينا ويرزقنا.. ويفتح ~~لنا أبواب التوبة ms0007 بابا بعد آخر.. ونعصي فلا يأخذنا بذنوبنا ولا يحرمنا من ~~نعمه.. ولا يهلكنا بما فعلنا. ولذلك فنحن نبدأ تلاوة القرآن الكريم بسم ~~الله الرحمن الرحيم.. لنتذكر دائما أبواب الرحمة المفتوحة لنا.. نرفع ~~أيدينا إلى السماء.. ونقول يا رب رحمتك.. تجاوز عن ذنوبنا وسيئاتنا. ~~وبذلك يظل قارئ القرآن متصلا بأبواب رحمة الله.. كلما ابتعد عن المنهج ~~أسرع ليعود إليه.. فمادام الله رحمانا ورحيما لا تغلق أبواب الرحمة أبدا. ~~على أننا نلاحظ أن الرحمن الرحيم من صيغ المبالغة.. يقال راحم ورحمن ~~ورحيم.. إذا قيل راحم فيه صفة الرحمة.. وإذا قيل رحمن تكون مبالغة في ~~الصفة.. وإذا قيل رحيم تكون مبالغة في الصفة.. والله سبحانه وتعالى رحمن ~~الدنيا ورحيم الآخرة. صفات الله سبحانه وتعالى لا تتأرجح بين القوة ~~والضعف. ### || [1.2-3] # فاتحة الكتاب هي أم الكتاب، لا تصلح الصلاة بدونها، فأنت في كل ركعة ~~تستطيع أن تقرأ آية من القرآن الكريم، تختلف عن الآية التي قرأتها في ~~الركعة السابقة، وتختلف عن الآيات التي قرأتها في صلواتك.. ولكن إذا لم ~~تقرأ الفاتحة فسدت الصلاة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من صلى صلاة لم يقرأ فيها أم القرآن فهي خداج ثلاثا غير تام " # أي غير صالحة. فالفاتحة أم الكتاب التي لا تصلح الصلاة بدونها، والله ~~سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: # " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل.. فإذا قال العبد ~~الحمد لله رب العالمين. قال الله عز وجل حمدني عبدي. فإذا قال: الرحمن ~~الرحيم، قال الله عز وجل: أثنى علي عبدي، فإذا قال مالك يوم الدين، قال ~~الله عز وجل: مجدني عبدي.. فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين، قال الله عز ~~وجل: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل.. وإذا قال: { اهدنا ~~الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضآلين } قال الله عز وجل: ~~هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ". # وعلينا أن نتنبه ونحن نقرأ هذا الحديث القدسي ان الله تعالى يقول: قسمت ~~الصلاة بيني وبين عبدي، ولم ms0008 يقل قسمت الفاتحة بيني وبين عبدي، ففاتحة ~~الكتاب هي أساس الصلاة، وهي أم الكتاب. نلاحظ ان هناك ثلاثة أسماء لله قد ~~تكررت في بسم الله الرحمن الرحيم، وفي فاتحة الكتاب، وهذه الأسماء هي: ~~الله. والرحمن والرحيم. نقول إنه ليس هناك تكرار في القرآن الكريم، وإذا ~~تكرر اللفظ يكون معناه في كل مرة مختلفا عن معناه في المرة السابقة، لأن ~~المتكلم هو الله سبحانه وتعالى.. ولذلك فهو يضع اللفظ في مكانه الصحيح، ~~وفي معناه الصحيح. قولنا: # بسم الله الرحمن الرحيم # [الفاتحة: 1] هو استعانة بقدرة الله حين نبدأ فعل الأشياء.. إذن فلفظ ~~الجلالة { الله } في بسم الله، معناه الاستعانة بقدرات الله سبحانه ~~وتعالى وصفاته. لتكون عونا لنا على ما نفعل. ولكن إذا قلنا: الحمد لله.. ~~فهي شكر لله على ما فعل لنا. ذلك أننا لا نستطيع أن نقدم الشكر لله إلا ~~إذا استخدمنا لفظ الجلالة الجامع لكل صفات الله تعالى. لأننا نحمده على ~~كل صفاته ورحمته بنا حتى لا نقول باسم القهار وباسم الوهاب وباسم الكريم، ~~وباسم الرحمن.. نقول الحمد لله على كمال صفاته، فيشمل الحمد كمال الصفات ~~كلها. وهناك فرق بين # بسم الله # [الفاتحة: 1] الذي نستعين به على ما لا قدرة لنا عليه.. لأن الله هو ~~الذي سخر كل ما في هذا الكون، وجعله يخدمنا، وبين { الحمد لله } ~~[الفاتحة: 2] فإن لفظ الجلالة إنما جاء هنا لنحمد الله على ما فعل لنا. # فكأن " بسم الله في البسملة " طلب العون من الله بكل كمال صفاته.. وكأن ~~الحمد لله في الفاتحة تقديم الشكر لله بكل كمال صفاته. و { الرحمن ~~الرحيم } [الفاتحة: 3] في البسملة لها معنى غير { الرحمن ~~الرحيم } [الفاتحة: 3] في الفاتحة، ففي البسملة هي تذكرنا برحمة الله ~~سبحانه وتعالى وغفرانه حتى لا نستحي ولا نهاب أن نستعين باسم الله إن كنا ~~قد فعلنا معصية.. فالله سبحانه وتعالى يريدنا أن نستعين باسمه دائما في ~~كل أعمالنا. فإذا سقط واحد منا في معصية، قال كيف استعين بسم الله، وقد ~~عصيته؟ نقول له ادخل عليه سبحانك وتعالى ms0009 من باب الرحمة.. فيغفر لك ~~وتستعين به فيجيبك. وأنت حين تسقط في معصية تستعيذ برحمة الله من عدله، ~~لأن عدل الله لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. وأقرأ قول الله تعالى: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]. ولولا رحمة الله التي سبقت عدله. ما بقي للناس نعمة وما ~~عاش أحد على ظهر الأرض.. فالله جل جلاله يقول: # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها ~~من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا ~~جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون # [النحل: 61]. فالإنسان خلق ضعيفا، وخلق هلوعا. ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " لا يدخل أحدكم الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته، قالوا: حتى أنت ~~يا رسول الله قال: حتى أنا ". # فذنوب الإنسان في الدنيا كثيرة.. إذا حكم فقد يظلم. وإذا ظن فقد يسيء.. ~~وإذا تحدث فقد يكذب.. وإذا شهد فقد يبتعد عن الحق.. وإذا تكلم فقد يغتاب. ~~هذه ذنوب نرتكبها بدرجات متفاوتة. ولا يمكن لأحد منا أن ينسب الكمال ~~لنفسه حتى الذين يبذلون أقصى جهدهم في الطاعة لا يصلون إلى الكمال، ~~فالكمال لله وحده. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ". # ويصف الله سبحانه وتعالى الإنسان في القرآن الكريم: # وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت ~~الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]. ولذلك أراد الحق سبحانه وتعالى ألا تمنعنا المعصية عن أن ~~ندخل إلى كل عمل بسم الله.. فعلمنا أن نقول: # بسم الله الرحمن الرحيم # [الفاتحة: 1] لكي نعرف أن الباب مفتوح للاستعانة بالله. وأن المعصية لا ~~تمنعنا من الاستعانة في كل عمل باسم الله.. لأنه رحمن رحيم، فيكون الله ~~قد أزال وحشتك من المعصية في الاستعانة به سبحانه وتعالى. # ولكن الرحمن الرحيم في الفاتحة مقترنة برب العالمين، الذي أوجدك من ~~عدم.. وأمدك بنعم لا تعد ms0010 ولا تحصى. أنت تحمده على هذه النعم التي أخذتها ~~برحمة الله سبحانه وتعالى في ربوبيته، ذلك أن الربوبية ليس فيها من ~~القسوة بقدر ما فيها من رحمة. والله سبحانه وتعالى رب للمؤمن والكافر، ~~فهو الذي استدعاهم جميعا الى الوجود. ولذلك فإنه يعطيهم من النعم ~~برحمته.. وليس بما يستحقون.. فالشمس تشرق على المؤمن والكافر.. ولا تحجب ~~أشعتها عن الكافر وتعطيها للمؤمن قط، والمطر ينزل على من يعبدون الله. ~~ومن يعبدون أوثانا من دون الله. والهواء يتنفسه من قال لا إله إلا ~~الله ومن لم يقلها. وكل النعم التي هي من عطاء الربوبية لله هي في ~~الدنيا لخلقه جميعا، وهذه رحمة.. فالله رب الجميع من أطاعه ومن عصاه. ~~وهذه رحمة، والله قابل للتوبة، وهذه رحمة. إذن ففي الفاتحة تأتي { ~~الرحمن الرحيم } [الفاتحة: 3] بمعنى رحمة الله في ربوبيته ~~لخلقه، فهو يمهل العاصي ويفتح أبواب التوبة لكل من يلجأ إليه. وقد جعل ~~الله رحمته تسبق غضبه. وهذه رحمة تستوجب الشكر. فمعنى { الرحمن ~~الرحيم } [الفاتحة: 3] في البسملة يختلف عنها في الفاتحة. فإذا ~~انتقلنا بعد ذلك الي قوله تعالى: { الحمد لله رب العالمين ~~} [الفاتحة: 2] فالله محمود لذاته ومحمود لصفاته، ومحمود لنعمه، ومحمود ~~لرحمته، ومحمود لمنهجه، ومحمود لقضائه، الله محمود قبل أن يخلق من ~~يحمده. ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه جعل الشكر له في كلمتين اثنتين ~~هما: الحمد لله. والعجيب أنك حين تشكر بشرا على جميل فعله تظل ساعات ~~وساعات.. تعد كلمات الشكر والثناء، وتحذف وتضيف وتأخذ رأي الناس. حتى تصل ~~إلى قصيدة أو خطاب مليء بالثناء والشكر. ولكن الله سبحانه وتعالى جلت ~~قدرته وعظمته نعمه لا تعد ولا تحصى، علمنا أن نشكره في كلمتين اثنتين ~~هما: الحمد لله. ولعلنا نفهم أن المبالغة في الشكر للبشر مكروهة لأنها ~~تصيب الإنسان بالغرور والنفاق وتزيد العاصي في معاصيه.. فلنقلل من الشكر ~~والثناء للبشر.. لأننا نشكر الله لعظيم نعمه علينا بكلمتين هما: الحمد ~~لله، ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه علمنا صيغة الحمد. فلو أنه تركها ~~دون أن يحددها ms0011 بكلمتين.. لكان من الصعب على البشر أن يجدوا الصيغة ~~المناسبة ليحمدوا الله على هذا الكمال الإلهي.. فمهما أوتي الناس من ~~بلاغة وقدرة على التعبير. فهم عاجزون عن أن يصلوا الى صيغة الحمد التي ~~تليق بجلال النعم.. فكيف نحمد الله والعقل عاجز أن يدرك قدرته أو يحصي ~~نعمه أو يحيط برحمته؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعطانا صورة العجز ~~البشري عن حمد كمال الألوهية لله، فقال: # " لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ". # وكلمتا الحمد لله، ساوى الله بهما بين البشر جميعا، فلو أنه ترك الحمد ~~بلا تحديد، لتفاوتت درجات الحمد بين الناس بتفاوت قدراتهم على التعبير. ~~فهذا أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يستطيع أن يجد الكلمات التي يحمد بها ~~الله. وهذا عالم له قدرة على التعبير يستطيع أن يأتي بصيغة الحمد بما ~~أوتي من علم وبلاغة. وهكذا تتفاوت درجات البشر في الحمد.. طبقا لقدرتهم ~~في منازل الدنيا. ولكن الحق تبارك وتعالى شاء عدله أن يسوي بين عباده ~~جميعا في صيغة الحمد له.. فيعلمنا في أول كلماته في القرآن الكريم.. أن ~~نقول { الحمد لله } [الفاتحة: 2] ليعطي الفرصة المتساوية لكل ~~عبيده بحيث يستوي المتعلم وغير المتعلم في عطاء الحمد ومن أوتي البلاغة ~~ومن لا يحسن الكلام. ولذلك فإننا نحمد الله سبحانه وتعالى على أنه ~~علمنا كيف نحمده وليظل العبد دائما حامدا. ويظل الله دائما محمودا.. ~~فالله سبحانه وتعالى قبل أن يخلقنا خلق لنا موجبات الحمد من النعم، فخلق ~~لنا السماوات والأرض وأوجد لنا الماء والهواء. ووضع في الأرض أقواتها إلى ~~يوم القيامة.. وهذه نعمة يستحق الحمد عليها لأنه جل جلاله جعل النعمة ~~تسبق الوجود الإنساني، فعندما خلق الانسان كانت النعمة موجودة تستقبله. ~~بل إن الله جل جلاله قبل أن يخلق آدم أبا للبشر جميعا سبقته الجنة التي ~~عاش فيها لا يتعب ولا يشقى. فقد خلق فوجد ما يأكله وما يشربه وما يقيم ~~حياته وما يتمتع به موجودا وجاهزا ومعدا قبل الخلق.. وحينما نزل آدم ~~وحواء إلى الأرض كانت ms0012 النعمة قد سبقتهما. فوجدا ما يأكلانه وما يشربانه، ~~وما يقيم حياتهما.. ولو أن النعمة لم تسبق الوجود الإنساني وخلقت بعده ~~لهلك الإنسان وهو ينتظر مجيء النعمة. بل إن العطاء الإلهي للإنسان يعطيه ~~النعمة بمجرد أن يخلق في رحم أمه، فيجد رحما مستعدا لاستقباله وغذاء ~~يكفيه طول مدة الحمل. فإذا خرج إلى الدنيا يضع الله في صدر أمه لبنا ينزل ~~وقت أن يجوع ويمتنع وقت أن يشبع. وينتهي تماما عندما تتوقف فترة الرضاعة. ~~ويجد أبا وأما يوفران له مقومات حياته حتى يستطيع أن يعول نفسه.. وكل هذا ~~يحدث قبل أن يصل الإنسان إلى مرحلة التكليف وقبل أن يستطيع أن ينطق: { ~~الحمد لله } [الفاتحة: 2]. وهكذا نرى أن النعمة تسبق المنعم ~~عليه دائما.. فالإنسان حيث يقول " الحمد لله " فلأن موجبات الحمد وهي ~~النعمة موجودة في الكون قبل الوجود الإنساني. والله سبحانه وتعالى خلق ~~لنا في هذا الكون أشياء تعطي الإنسان بغير قدرة منه ودون خضوع له، ~~والإنسان عاجز عن أن يقدم لنفسه هذه النعم التي يقدمها الحق تبارك وتعالى ~~له بلا جهد. # فالشمس تعطي الدفء والحياة للأرض بلا مقابل وبلا فعل من البشر، والمطر ~~ينزل من السماء دون أن يكون لك جهد فيه أو قدرة على إنزاله. والهواء ~~موجود حولك في كل مكان تتنفس منه دون جهد منك ولا قدرة. والأرض تعطيك ~~الثمر بمجرد أن تبذر فيها الحب وتسقيه.. فالزرع ينبت بقدرة الله.. والليل ~~والنهار يتعاقبان حتى تستطيع أن تنام لترتاح، وأن تسعى لحياتك.. لا أنت ~~أتيت بضوء النهار.. ولا أنت الذي صنعت ظلمة الليل، ولكنك تأخذ الراحة في ~~الليل والعمل في النهار بقدرة الله دون أن تفعل شيئا. كل هذه الأشياء لم ~~يخلقها الإنسان، ولكنه خلق ليجدها في الكون تعطيه بلا مقابل ولا جهد منه. ~~ألا تستحق أن نقول الحمد لله على نعمة تسخير الكون لخدمة الإنسان؟ إنها ~~تقتضي وجوب الحمد. وآيات الله سبحانه وتعالى في كونه تستوجب الحمد.. ~~فالحياة التي وهبها الله لنا، والآيات التي أودعها في كونه لتدلنا على أن ms0013 ~~لهذا الكون خالقا عظيما. فالكون بشمسه وقمره ونجومه وأرضه وكل ما فيه ~~مما يفوق قدرة الإنسان.. ولا يستطيع أحد أن يدعيه لنفسه. فلا أحد مهما ~~بلغ علمه يستطيع أن يدعي أنه خلق الشمس أو أوجد النجوم أو وضع الأرض أو ~~وضع قوانين الكون أو أعطى الأرض غلافها الجوي.. أو خلق نفسه أو خلق غيره. ~~هذه الآيات كلها أعطتنا الدليل على وجود قوة عظمى، هي التي أوجدت وهي ~~التي خلقت.. وهذه الآيات ليست ساكنة، لتجعلنا في سكونها ننساها، بل هي ~~متحركة لتلفتنا الي خالق هذا الكون العظيم. فالشمس تشرق في الصباح ~~فتذكرنا بإعجاز الخلق، وتغيب في المساء لتذكرنا بعظمة الخالق.. وتعاقب ~~الليل والنهار يحدث أمامنا كل يوم علنا نلتفت ونفيق.. والمطر ينزل من ~~السماء ليذكرنا بألوهية من أنزله.. والزرع يخرج من الأرض يسقى بماء واحد. ~~ومع ذلك فإن كل نوع له لون وله شكل وله مذاق وله رائحة.. وله تكوين يختلف ~~عن الآخر، ويأتي الحصاد فيختفي الثمر والزرع.. ويأتي موسم الزراعة فيعود ~~من جديد. كل شيء في هذا الكون متحرك ليذكرنا إذا نسينا، ويعلمنا أن هناك ~~خالقا عظيما. ونستطيع أن نمضي في ذلك بلا نهاية، فنعم الله لا تعد ولا ~~تحصى.. وكل واحدة منها تدلنا على وجود الحق سبحانه وتعالى وتعطينا الدليل ~~الإيماني على أن لهذا الكون خالقا مبدعا.. وأنه لا أحد يستطيع أن ~~يدعي أنه خلق الكون أو خلق ما فيه.. فالقضية محسومة لله.. و { ~~الحمد لله } [الفاتحة: 2] لأنه وضع في نفوسنا الإيمان الفطري ثم ~~أيده بإيمان عقلي بآياته في كونه. # بل إن كل شيء في هذا الكون يقتضي الحمد، ومع ذلك فإن الانسان يمتدح ~~الوجود وينسى الموجود!! أنت حين ترى جوهرة جميلة مثلا أو زهرة غاية في ~~الإبداع.. أو أي خلق من خلق الله يشيع في نفسك الجمال تمتدح هذا الخلق.. ~~فتقول: ما أجمل هذه الزهرة أو هذه الجوهرة أو هذا المخلوق.. ولكن المخلوق ~~الذي امتدحته، لم يعط صفة الجمال لنفسه.. فالزهرة لا دخل لها أن تكون ~~جميلة أو ms0014 غير جميلة، والجوهرة لا دخل لها في عظمة خلقها.. وكل شيء في هذا ~~الكون لم يضع الجمال لنفسه وإنما الذي وضع الجمال فيه هو الله سبحانه ~~وتعالى، فلا نخلط ونمدح المخلوق وننسى الخالق.. بل قل الحمد لله الذي ~~أوجد في الكون ما يذكرنا بعظمة الخالق ودقة الخلق. ومنهج الله سبحانه ~~وتعالى يقتضي منا الحمد.. لأن الله أنزل منهجه ليرينا طريق الخير ويبعدنا ~~عن طريق الشر. فمنهج الله الذي أنزله على رسله قد عرفنا أن الله تبارك ~~وتعالى هو الذي خلق لنا هذا الكون وخلقنا.. فدقة الخلق وعظمته تدلنا على ~~أن هناك خالقا عظيما.. ولكنها لا تستطيع أن تقول لنا من هو، ولا ماذا ~~يريد منا. ولذلك أرسل الله رسله، ليقولوا لنا إن الذي خلق هذا الكون ~~وخلقنا هو الله تبارك وتعالى وهذا يستوجب الحمد. ومنهج الله بين لنا ~~ماذا يريد الحق منا وكيف نعبده.. وهذا يستوجب الحمد. ومنهج الله جل جلاله ~~أعطانا الطريق وشرع لنا أسلوب حياتنا تشريعا حقا.. فالله تبارك وتعالى ~~لا يفرق بين أحد منا.. ولا يفضل أحدا على أحد إلا بالتقوى، فكلنا خلق ~~متساوون أمام الله جل جلاله. إذن، فشريعة الحق وقول الحق، وقضاء الحق، هو ~~من الله، أما تشريعات الناس فلها هوى تميز بعضا عن بعض.. وتأخذ حقوق بعض ~~لتعطيها للآخرين، لذلك نجد في كل منهج بشرى ظلما بشريا. فالدول ~~الشيوعية أعضاء اللجنة المركزية فيها هم أصحاب النعمة والترف. بينما ~~الشعب كله في شقاء.. لأن هؤلاء الذي شرعوا اتبعوا هواهم. ووضعوا مصالحهم ~~فوق كل مصلحة. وكذلك في الدول الرأسمالية. أصحاب رأس المال يأخذون كل ~~الخير. ولكن الله سبحانه وتعالى حين نزل لنا المنهج قضى بالعدل بين ~~الناس.. وأعطى كل ذي حق حقه. وعلمنا كيف تستقيم الحياة على الأرض عندما ~~تكون بعيدة عن الهوى البشري خاضعة لعدل الله، وهذا يوجب الحمد. والحق ~~سبحانه وتعالى، يستحق منا الحمد لأنه لا يأخذ منا ولكنه يعطينا. فالبشر ~~في كل عصر يحاولون استغلال البشر.. لأنهم يطمعون لما في أيديهم من ثروات ms0015 ~~وأموال، ولكن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج الى ما في أيدينا، إنه يعطينا ~~ولا يأخذ منا، عنده خزائن كل شيء مصداقا لقوله جل جلاله: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21]. فالله سبحانه وتعالى دائم العطاء لخلقه، والخلق يأخذون ~~دائما من نعم الله، فكأن العبودية لله تعطيك ولا تأخذ منك وهذا يستوجب ~~الحمد. والله سبحانه وتعالى في عطائه يحب أن يطلب منه الإنسان، وأن يدعوه ~~وأن يستعين به، وهذا يوجب الحمد لأنه يقينا الذل في الدنيا. فأنت إن طلبت ~~شيئا من صاحب نفوذ، فلابد ان يحدد لك موعدا أو وقت الحديث ومدة المقابلة ~~وقد يضيق بك فيقف لينهي اللقاء.. ولكن الله سبحانه وتعالى بابه مفتوح ~~دائما.. فأنت بين يديه عندما تريد وترفع يديك الى السماء وتدعو وقتما ~~تحب وتسأل الله ما تشاء فيعطيك ما تريده إن كان خيرا لك.. ويمنع عنك ما ~~تريده إن كان شرا لك. والله سبحانه وتعالى يطلب منك أن تدعوه وأن تسأله ~~فيقول: # وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين ~~يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين # [غافر: 60]. ويقول سبحانه وتعالى: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ~~لعلهم يرشدون # [البقرة: 186]. والله سبحانه وتعالى يعرف ما في نفسك، ولذلك فإنه يعطيك ~~دون أن تسأل. واقرأ الحديث القدسي: يقول رب العزة: # " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ". # والله سبحانه وتعالى عطاؤه لا ينفد، وخزائنه لا تفرغ، فكلما سألته جل ~~جلاله كان لديه المزيد، ومهما سألته فإنه لا شيء عزيز على الله سبحانه ~~وتعالى، إذا أراد أن يحققه لك.. واقرأ قول الشاعر: # حسب نفسي عزا بأنني عبد # يحتفي بي بلا مواعيد رب # هو في قدسه الأعز ولكن # أنا ألقى متى وأين أحب # إذن: عطاء الله سبحانه وتعالى يستوجب الحمد.. ومنعه العطاء يستوجب ~~الحمد. ووجود الله سبحانه وتعالى الواجب الوجود يستوجب الحمد.. فالله ~~يستحق الحمد لذاته، ولولا عدل الله لبغى الناس في الأرض ms0016 وظلموا، ولكن يد ~~الله تبارك وتعالى حين تبطش بالظالم تجعله عبرة.. فيخاف الناس الظلم.. ~~وكل من أفلت من عقاب الدنيا على معاصيه وظلمه واستبداده سيلقى الله في ~~الآخرة ليوفيه حسابه.. وهذا يوجب الحمد.. أن يعرف المظلوم أنه سينال ~~جزاءه فتهدأ نفسه ويطمئن قلبه أن هناك يوما سيرى فيه ظالمه وهو يعذب في ~~النار.. فلا تصيبه الحسرة، ويخف إحساسه بمرارة الظلم حين يعرف أن الله ~~قائم على كونه لن يفلت من عدله أحد. وعندما نقول: { الحمد لله } ~~[الفاتحة: 2] فنحن نعبر عن انفعالات متعددة.. هي في مجموعها تحمل ~~العبودية والحب والثناء والشكر والعرفان.. وكثير من الانفعالات التي تملأ ~~النفس عندما تقول: " الحمد لله " كلها تحمل الثناء العاجز عن الشكر لكمال ~~الله وعطائه. # . هذه الانفعالات تأتي من النفس وتستقر في القلب.. ثم تفيض من الجوارح ~~على الكون كله.. فالحمد ليس ألفاظا تردد باللسان ولكنها تمر أولا على ~~العقل ليعي معنى النعم.. ثم بعد ذلك تستقر في القلب فينفعل بها.. وتنتقل ~~إلى الجوارح فأقوم وأصلي لله شاكرا ويهتز جسدي كله وتفيض الدمعة من ~~عيني.. وينتقل هذا الانفعال كله إلى من حولي. ونفسر ذلك قليلا.. هب ~~أنني في أزمة أو كرب أو شيء سيؤدي إلى فضيحة.. وجاءني من يفرج ~~كربي فيعطيني مالا أو يفتح لي طريقا.. أول شيء أنني سأعقل هذا الجميل ~~فأقول إنه يستحق الشكر.. ثم ينزل هذا المعنى إلى قلبي فيهتز القلب إلى ~~صانع هذا الجميل.. ثم تنفعل جوارحي لأترجم هذه العاطفة إلى عمل يرضيه على ~~جميل صنعه. ثم أحدث الناس عن جميله وكرمه فيسارعون إلى الالتجاء ~~إليه.. فتتسع دائرة الحمد وتنزل النعم على الناس.. فيمرون بنفس ما حدث لي ~~فتتسع دائرة الشكر والحمد. والحمد لله تعطينا المزيد من نعم الله مصداقا ~~لقوله تبارك وتعالى: # وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن ~~كفرتم إن عذابي لشديد # [إبراهيم: 7]. وهكذا نعرف أن الشكر على النعمة يعطينا مزيدا من ~~النعمة.. فنشكر عليها فتعطينا المزيد وهكذا يظل الحمد دائما والنعمة ~~دائمة.. إننا لو استعرضنا حياتنا كلها فكل ms0017 حركة فيها تقتضي الحمد، عندما ~~ننام ويأخذ الله سبحانه وتعالى أرواحنا، ثم يردها إلينا عندما نستيقظ، ~~فإن هذا يوجب الحمد، فالله سبحانه وتعالى يقول: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون # [الزمر: 42]. وهكذا، فإن مجرد استيقاظنا من النوم، وأن الله سبحانه ~~وتعالى رد علينا أرواحنا، وهذا الرد يستوجب الحمد، فإذا قمنا من السرير ~~فالله سبحانه وتعالى هو الذي يعطينا القدرة على الحركة، ولولا عطاؤه ما ~~استطعنا أن نقوم.. وهذا يستوجب الحمد.. فإذا تناولنا إفطارنا فالله هيأ ~~لنا طعاما من فضله، فهو الذي خلقه، وهو الذي أنبته، وهو الذي رزقنا به، ~~وهذا يستوجب الحمد.. فإذا نزلنا إلى الطريق يسر الله لنا ما ينقلنا ~~الى مقر أعمالنا وسخره لنا، سواء كنا نملك سيارة أو نستخدم وسائل ~~المواصلات، فله الحمد، وإذا تحدثنا مع الناس فالله سبحانه وتعالى هو الذي ~~أعطى ألسنتنا القدرة على النطق ولو شاء لجعلها خرساء لا تنطق.. وهذا ~~يستوجب الحمد، فإذا ذهبنا إلى أعمالنا، فالله يسر لنا عملا نرتزق ~~منه لنأكل حلالا.. وهذا يستوجب الحمد. وإذا عدنا إلى بيوتنا، فالله ~~سخر لنا زوجاتنا ورزقنا بأولادنا وهذا يستوجب الحمد. # إذن، فكل حركة حياة في الدنيا من الإنسان تستوجب الحمد.. ولهذا لابد أن ~~يكون الإنسان حامدا دائما.. بل إن الإنسان يجب أن يحمد الله على أي مكروه ~~أصابه لأنه قد يكون الشيء الذي يعتبره شرا هو عينه الخير. فالله تعالى ~~يقول: # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النسآء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض مآ ~~آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ~~وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن ~~تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا # [النساء: 19]. إذن، فأنت تحمد الله لأن قضاءه خير.. سواء أحببت القضاء ~~أو كرهته فإنه خير لك.. لأنك لا تعلم والله سبحانه وتعالى يعلم. وهكذا من ~~موجبات الحمد أن تقول الحمد لله على كل ما يحدث لك في ms0018 دنياك. فأنت بذلك ~~ترد الأمر إلى الله الذي خلقك.. فهو أعلم بما هو خير لك. فاتحة الكتاب ~~تبدأ بالحمد لله رب العالمين.. لماذا قال الله سبحانه وتعالى رب ~~العالمين؟ نقول إن { الحمد لله } [الفاتحة: 2] تعني حمد الألوهية. ~~فكلمة الله تعني المعبود بحق.. فالعبادة تكليف والتكليف يأتي من الله ~~لعبيده.. فكأن الحمد أولا لله.. ثم يقتضي بعد ذلك أن يكون الحمد لربوبية ~~الله على إيجادنا من عدم وإمدادنا من عدم.. لأن المتفضل بالنعم قد يكون ~~محمودا عند كل الناس.. لكن التكليف يكون شاقا على بعض الناس.. ولو علم ~~الناس قيمة التكليف في الحياة.. لحمدوا الله أن كلفهم بافعل ولا تفعل.. ~~لأنه ضمن عدم تصادم حركة حياتهم.. فتمضي حركة الحياة متساندة منسجمة. إذن ~~فالنعمة الأولى هي أن المعبود أبلغنا منهج عبادته، والنعمة الثانية أنه ~~رب العالمين. في الحياة الدنيا هناك المطيع والعاصي، والمؤمن وغير ~~المؤمن.. والذين يدخلون في عطاء الألوهية هم المؤمنون.. أما عطاء ~~الربوبية فيشمل الجميع.. ونحن نحمد الله على عطاء ألوهيته، ونحمد الله ~~على عطاء ربوبيته، لأنه الذي خلق، ولأنه رب العالمين.. الكون كله لا يخرج ~~عن حكمه.. فليطمئن الناس في الدنيا أن النعم مستمرة لهم بعطاء ربوبيته.. ~~فلا الشمس تستطيع أن تغيب وتقول لن أشرق، ولا النجوم تستطيع أن تصطدم ~~بعضها ببعض في الكون، ولا الأرض تستطيع أن تمنع إنبات الزرع.. ولا الغلاف ~~الجوي يستطيع أن يبتعد عن الأرض فيختنق الناس جميعا.. إذن، فالله سبحانه ~~وتعالى يريد أن يطمئن عباده أنه رب لكل ما في الكون فلا تستطيع أي قوى ~~تخدم الإنسان أن تمتنع عن خدمته.. لأن الله سبحانه وتعالى مسيطر على كونه ~~وعلى كل ما خلق.. إنه رب العالمين وهذه توجب الحمد. # . أن يهيئ الله سبحانه وتعالى للإنسان ما يخدمه، بل جعله سيدا في كونه.. ~~ولذلك فإن الإنسان المؤمن لا يخاف الغد.. وكيف يخافه والله رب العالمين. ~~إذا لم يكن عنده طعام فهو واثق أن الله سيرزقه لأنه رب العالمين.. وإذا ~~صادفته أزمة فقلبه مطمئن إلى أن الله ms0019 سيفرج الأزمة ويزيل الكرب لأنه ~~رب العالمين.. وإذا أصابته نعمة ذكر الله فشكره عليها لأنه رب العالمين ~~الذي أنعم عليه. فالحق سبحانه وتعالى يحمد على أنه رب العالمين.. لا شيء ~~في كونه يخرج عن مراده الفعلي.. أما عطاء الألوهية فجزاؤه في الآخرة.. ~~فالدنيا دار اختبار للإيمان، والآخرة دار الجزاء.. ومن الناس من لا ~~يعبد الله.. هؤلاء متساوون في عطاء الربوبية مع المؤمنين في الدنيا.. ~~ولكن في الآخرة يكون عطاء الألوهية للمؤمنين وحدهم.. فنعم الله لأصحاب ~~الجنة، وعطاءات الله لمن آمن.. واقرأ قوله تبارك وتعالى: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في ~~الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعلمون # [الأعراف: 32]. على أن الحمد لله ليس في الدنيا فقط.. بل هو في الدنيا ~~والآخرة.. الله محمود دائما.. في الدنيا بعطاء ربوبيته لكل خلقه.. وعطاء ~~ألوهيته لمن آمن به وفي الآخرة بعطائه للمؤمنين من عباده.. واقرأ قوله ~~جل جلاله: # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء ~~فنعم أجر العاملين # [الزمر: 74]. وقوله تعالى: # دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها ~~سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]. فإذا انتقلنا إلى قوله تعالى: { الرحمن الرحيم } ~~[الفاتحة: 3] فمن موجبات الحمد أن الله سبحانه وتعالى رحمن رحيم.. يعطي ~~نعمه في الدنيا لكل عباده عطاء ربوبية، وعطاء الربوبية للمؤمن والكافر.. ~~وعطاء الربوبية لا ينقطع إلا عندما يموت الإنسان. والله لا يحجب نعمه عن ~~عبيده في الدنيا.. ونعم الله لا تعد ولا تحصى ومع كل التقدم في الآلات ~~الحاسبة والعقول الإلكترونية وغير ذلك فإننا لم نجد أحدا يتقدم ويقول أنا ~~سأحصي نعم الله.. لأن موجبات الإحصاء أن تكون قادرا عليه.. فأنت لا تقبل ~~على عد شيء إلا إذا كان في قدرتك أن تحصيه.. ولكن مادام ذلك خارج قدرتك ~~وطاقاتك فإنك لا تقبل عليه.. ولذلك لن يقبل أحد حتى يوم القيامة على ~~إحصاء نعم الله تبارك وتعالى لأن أحدا لا يمكن ms0020 أن يحصيها. ولابد أن نلتفت ~~إلى أن الكون كله يضيق بالإنسان، وأن العالم المقهور الذي يخدمنا بحكم ~~القهر والتسخير يضيق حين يرى العاصين.. لأن المقهور مستقيم على منهج الله ~~قهرا. # . فحين يرى كل مقهور الإنسان الذي هو في خدمته عاصيا يضيق. واقرأ الحديث ~~القدسي لتعرف شيئا عن رحمة الله بعباده.. يقول الله عز وجل: # " ما من يوم تطلع شمسه إلا وتنادي السماء تقول يا رب إئذن لي أن أسقط ~~كسفا على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. وتقول البحار يا رب إئذن لي أن ~~أغرق ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. وتقول الجبال يا رب إئذن لي أن ~~أطبق على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. فيقول الله تعالى: دعوهم دعوهم ~~لو خلقتموهم لرحمتموهم إنهم عبادي فإن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم ~~يتوبوا فأنا طبيبهم " # " رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ". تلك تجليات صفة الرحمن وصفة ~~الرحيم.. وكيف ضمنت لنا بقاء كل ما يخدمنا في هذا الكون مع معصية ~~الإنسان.. إنها كلها تخدمنا بعطاء الربوبية وتبقى في خدمتنا بتسخير الله ~~لها لأنه رحمن رحيم.. بعض الناس قد يتساءل: هل تتكلم الأرض والسماء ~~وغيرها من المخلوقات في عالم الجماد والنبات والحيوان؟ نقول نعم إن لها ~~لغة لا نعرفها نحن وإنما يعرفها خالقها.. بدليل أنه منذ الخلق الأول ~~أبلغنا الحق تبارك وتعالى أن هناك لغة لكل هذه المخلوقات.. واقرأ قوله جل ~~جلاله: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين # [فصلت: 11]. إذن، فالأرض والسماء فهمت كلتاهما عن الله.. وقالت له ~~سبحانه وتعالى # أتينا طآئعين # [فصلت: 11] ألم يعلم الله سليمان منطق الطير ولغة النمل؟ ألم ~~تسبح الجبال مع داود؟ إذن كل خلق الله له إدراكات مناسبة له.. بل له ~~عواطف.. فعندما تكلم الله سبحانه وتعالى عن قوم فرعون.. قال: # كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ~~ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها ~~قوما آخرين * فما بكت عليهم السمآء والأرض ms0021 وما ~~كانوا منظرين # [الدخان: 25-29]. إذن، فالسماوات والأرض لهما انفعال.. انفعال يصل إلى ~~مرحلة البكاء.. فهما لم تبكيا على فرعون وقومه.. ولكنهما تبكيان حزنا ~~عندما يفارقهما الإنسان المؤمن المصلي المطبق لمنهج الله.. ولقد قال علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان موضع في الأرض ~~وموضع في السماء.. أما الموضع في الأرض فهو مكان مصلاه الذي أسعده وهو ~~يصلى فيه. وأما الموضع في السماء فهو مصعد عمله الطيب. ### || [1.4-5] # إذا كانت كل نعم الله تستحق الحمد.. فإن { ملك يوم الدين } ~~[الفاتحة: 4] تستحق الحمد الكبير.. لأنه لو لم يوجد يوم للحساب، لنجا ~~الذي ملأ الدنيا شرورا. دون أن يجازى على ما فعل.. ولكان الذي التزم ~~بالتكليف والعبادة وحرم نفسه من متع دنيوية كثيرة إرضاء لله قد شقي في ~~الحياة الدنيا.. ولكن لأن الله تبارك وتعالى هو { ملك يوم ~~الدين } [الفاتحة: 4].. أعطى الاتزان للوجود كله.. هذه الملكية ليوم ~~الدين هي التي حمت الضعيف والمظلوم وأبقت الحق في كون الله.. إن الذي منع ~~الدنيا أن تتحول إلى غابة يفتك فيها القوي بالضعيف والظالم بالمظلوم هو ~~أن هناك آخرة وحسابا، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي سيحاسب خلقه. ~~والإنسان المستقيم استقامته تنفع غيره لأنه يخشى الله ويعطي كل ذي حق ~~حقه ويعفو ويسامح.. إذن كل من حوله قد استفاد من خلقه الكريم ومن وقوفه ~~مع الحق والعدل. أما الإنسان العاصي، فيشقى به المجتمع لأنه لا أحد يسلم ~~من شره ولا أحد إلا يصيبه ظلمه.. ولذلك فإن { ملك يوم الدين } ~~[الفاتحة: 4] هي الميزان.. تعرف أنت أن الذي يفسد في الأرض تنتظره ~~الآخره.. لن يفلت مهما كانت قوته ونفوذه، فتطمئن اطمئنانا كاملا إلى أن ~~عدل الله سينال كل ظالم. على أن { ملك يوم الدين } [الفاتحة: ~~4] لها قراءتان.. { ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4].. وملك يوم ~~الدين. والقراءتان صحيحتان.. والله تبارك وتعالى وصف نفسه في القرآن ~~الكريم بأنه: { ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4].. ومالك الشيء ~~هو المتصرف فيه وحده.. ليس هناك دخل لأي فرد آخر.. ms0022 أنا أملك عباءتي.. ~~وأملك متاعي، وأملك منزلي، وأنا المتصرف في هذا كله أحكم فيه بما أراه. ~~فمالك يوم الدين.. معناها أن الله سبحانه وتعالى سيصرف أمور العباد في ~~ذلك اليوم بدون أسباب.. وأن كل شيء سيأتي من الله مباشرة.. دون أن يستطيع ~~أحد أن يتدخل ولو ظاهرا. ففي الدنيا يعطي الله الملك ظاهرا لبعض الناس.. ~~ولكن في يوم القيامة ليس هناك ظاهر.. فالأمر مباشر من الله سبحانه ~~وتعالى.. ولذلك يقول الله في وصف يوم الدين: # كلا بل تكذبون بالدين # [الانفطار: 9]. فكأن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في الدنيا لتمضي به ~~الحياة.. ولكن في الآخرة لا توجد أسباب. الملك في ظاهر الدنيا من الله ~~يهبه لمن يشاء.. واقرأ قوله تعالى: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير # [آل عمران: 26]. ولعل قوله تعالى: " تنزع " تلفتنا إلى أن أحدا في ~~الدنيا لا يريد أن يترك الملك.. ولكن الملك يجب أن ينتزع منه انتزاعا ~~بالرغم عن إرادته.. والله هو الذي ينزع الملك ممن يشاء. وهنا نتساءل: هل ~~الملك في الدنيا والآخرة ليس لله؟.. نقول الأمر في كل وقت لله.. ولكن ~~الله تبارك وتعالى استخلف بعض خلقه أو مكنهم من الملك في الأرض.. ولذلك ~~نجد في القرآن الكريم قوله تعالى: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه ~~الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن ~~الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم ~~الظالمين # [البقرة: 258]. والذي حاج إبراهيم في ربه كافر منكر للألوهية.. ومع ذلك ~~فإنه لم يأخذ الملك بذاته.. بل الله جل جلاله هو الذي اتاه الملك.. إذن ~~الله تبارك وتعالى هو الذي استخلف بعض خلقه ومكنهم من ملك في الأرض ~~ظاهريا.. ومعنى ذلك أنه ملك ظاهر للناس فقط.. أن بشرا أصبح ملكا.. ولكن ~~الملك ليس نابعا ms0023 من ذات من يملك.. ولكنه نابع من أمر الله.. ولو كان ~~نابعا من ذاتية من يملك لبقى له ولم ينزع منه.. والملك الظاهر يمتحن ~~فيه العباد، فيحاسبهم الله يوم القيامة.. كيف تصرفوا؟ وماذا فعلوا؟.. ~~ويمتحن فيه الناس هل سكتوا على الحاكم الظالم؟.. وهل استحبوا المعصية؟ أم ~~أنهم وقفوا مع الحق ضد الظلم؟.. والله سبحانه وتعالى لا يمتحن الناس ~~ليعلم المصلح من المفسد.. ولكنه يمتحنهم ليكونوا شهداء على أنفسهم.. حتى ~~لا يأتي واحد منهم يوم القيامة ويقول: يا رب لو أنك أعطيتني الملك لاتبعت ~~طريق الحق وطبقت منهجك. وهنا يأتي سؤال.. إذا كان الله سبحانه وتعالى ~~يعلم كل شيء فلماذا الامتحان؟.. نقول إننا إذا أردنا أن نضرب مثلا يقرب ~~ذلك إلى الأذهان.. ولله المثل الأعلى.. نجد أن الجامعات في كل أنحاء ~~الدنيا تقيم الامتحانات لطلابها.. فهل أساتذة الجامعة الذين علموا هؤلاء ~~الطلاب يجهلون ما يعرفه الطالب ويريدون أن يحصلوا منه على العلم؟.. طبعا ~~لا.. ولكن ذلك يحدث حتى إذا رسب الطالب في الامتحان.. وجاء يجادل واجهوه ~~بإجابته فيسكت.. ولو لم يعقد الامتحان لادعى كل طالب أنه يستحق مرتبة ~~الشرف. اذا قال الحق تبارك وتعالى: { ملك يوم الدين } ~~[الفاتحة: 4].. أي الذي يملك هذا اليوم وحده يتصرف فيه كما يشاء.. واذا ~~قيل: { ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4]. # . فتصرفه أعلى من المالك لأن المالك لا يتصرف إلا في ملكه.. ولكن الملك ~~يتصرف في ملكه وملك غيره.. فيستطيع أن يصدر قوانين بمصادرة أو تأميم ما ~~يملكه غيره. الذين قالوا: { ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4] ~~اثبتوا لله سبحانه وتعالى أنه مالك هذا اليوم يتصرف فيه كما يشاء دون ~~تدخل من أحد ولو ظاهرا: والذين يقرأون ملك.. يقولون إن الله سبحانه ~~وتعالى في ذلك اليوم يقضي في امر خلقه حتى الذين ملكهم في الدنيا ~~ظاهرا.. ونحن نقول عندما يأتي يوم القيامة لا مالك ولا ملك إلا الله. ~~الله تبارك وتعالى يريد أن يطمئن عباده.. إنهم إذا كانوا قد ابتلوا بمالك ~~أو ملك يطغى عليهم فيوم القيامة لا مالك ولا ms0024 ملك إلا الله، جل جلاله.. ~~عندما تقول مالك أو ملك يوم الدين.. هناك يوم وهناك الدين.. اليوم عندنا ~~من شروق الشمس إلى شروق الشمس.. هذا ما نسميه فلكيا يوما.. واليوم في ~~معناه ظرف زمان تقع فيه الأحداث.. والمفسرون يقولون: { ملك يوم ~~الدين } [الفاتحة: 4] أي مالك أمور الدين لأن ظرف الزمان لا يملك.. ~~نقول إن هذا بمقاييس ملكية البشر، فنحن لا نملك الزمن.. الماضي لا نستطيع ~~أن نعيده، والمستقبل لا نستطيع أن نأتي به.. ولكن الله تبارك وتعالى هو ~~خالق الزمان.. والله جل جلاله لا يحده زمان ولا مكان.. كذلك قوله تعالى: ~~" مالك يوم الدين " لا يحده زمان ولا مكان.. واقرأ قوله سبحانه: # ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ~~وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج: 47]. وقوله سبحانه: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4]. واذا تأملنا هاتين الآيتين نعرف معنى اليوم عند الله ~~تبارك وتعالى.. ذلك أن الله جل جلاله هو خالق الزمن.. ولذلك فإنه يستطيع ~~أن يخلق يوما مقداره ساعة.. ويوما كأيام الدنيا مقداره أربع وعشرون ~~ساعة.. ويوما مقداره ألف سنة.. ويوما مقداره خمسون ألف سنة ويوما مقداره ~~مليون سنة.. فذلك خاضع لمشيئة الله. ويوم الدين موجود في علم الله سبحانه ~~وتعالى بأحداثه كلها بجنته وناره.. وكل الخلق الذين سيحاسبون فيه.. ~~وعندما يريد أن يكون ذلك اليوم ويخرج من علمه جل جلاله إلى علم خلقه.. ~~سواء كانوا من الملائكة أو من البشر أو الجان يقول: كن.. فالله وحده هو ~~خالق هذا اليوم.. وهو وحده الذي يحدد كل أبعاده.. واليوم نحن نحدده ظاهرا ~~بأنه أربع وعشرون ساعة.. ونحدده بأنه الليل والنهار.. ولكن الحقيقة أن ~~الليل والنهار موجودان دائما على الأرض.. فعندما تتحرك الأرض، كل حركة هي ~~نهاية نهار في منطقة وبداية نهار في منطقة أخرى. # . وبداية ليل في منطقة ونهاية ليل في منطقة أخرى.. ولذلك في كل لحظة ~~ينتهي يوم ويبدأ يوم.. وهكذا فإن الكرة الأرضية لو أخذتها بنظرة شاملة لا ~~ينتهي عليها ms0025 نهار أبدا.. ولا ينتهي عنها ليل أبدا.. إذن فاليوم نسبي ~~بالنسبة لكل بقعة في الأرض.. ولكنه في الحقيقة دائم الوجود على كل الكرة ~~الأرضية. والله سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن عباده.. إنهم إذا أصابهم ظلم ~~في الدنيا.. فإن هناك يوما لا ظلم فيه.. وهذا اليوم الأمر فيه لله وحده ~~بدون أسباب.. فكل إنسان لو لم يدركه العدل والقصاص في الدنيا، فإن الآخرة ~~تنتظره.. والذي اتبع منهج الله وقيد حركته في الحياة يخبره الله سبحانه ~~وتعالى بأن هناك يوما سيأخذ فيه أجره.. وعظمة الآخرة أنها تعطيك الجنة.. ~~نعيم لا يفوتك ولا تفوته. ولقد دخل أحد الأشخاص على رجل من الصالحين.. ~~وقال له: أريد أن أعرف.. أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟.. فقال له ~~الرجل الصالح.. إن الله أرحم بعباده، فلم يجعل موازينهم في أيدي ~~أمثالهم.. فميزان كل إنسان في يد نفسه.. لماذا؟.. لأنك تستطيع أن تغش ~~الناس ولكنك لا تغش نفسك.. ميزانك في يديك.. تستطيع أن تعرف أأنت من أهل ~~الدنيا أم من أهل الآخرة. قال الرجل كيف ذلك؟ فرد العبد الصالح: إذا دخل ~~عليك من يعطيك مالا.. ودخل عليك من يأخذ منك صدقة.. فبأيهما تفرح؟.. ~~فسكت الرجل.. فقال العبد الصالح: إذا كنت تفرح بمن يعطيك مالا فأنت من ~~أهل الدنيا.. وإذا كنت تفرح بمن يأخذ منك صدقة فأنت من أهل الآخرة.. ~~فإن الإنسان يفرح بمن يقدم له ما يحبه.. فالذي يعطيني مالا يعطيني ~~الدنيا.. والذي يأخذ مني صدقة يعطيني الآخرة.. فإن كنت من أهل الآخرة.. ~~فافرح بمن يأخذ منك صدقة.. أكثر من فرحك بمن يعطيك مالا. ولذلك كان ~~بعض الصالحين إذا دخل عليه من يريد صدقة يقول مرحبا بمن جاء يحمل ~~حسناتي إلى الآخرة بغير أجر.. ويستقبله بالفرحة والترحاب. قول الحق ~~سبحانه وتعالى: { ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4].. هي قضية ~~ضخمة من قضايا العقائد.. لأنها تعطينا أن البداية من الله، والنهاية الي ~~الله جل جلاله.. وبما أننا جميعا سنلقى الله، فلابد أن نعمل لهذا اليوم.. ~~ولذلك فإن المؤمن لا ms0026 يفعل شيئا في حياته إلا وفي باله الله.. وأنه ~~سيحاسبه يوم القيامة، ولكن غير المؤمن يفعل ما يفعل وليس في باله الله. # . وعن هؤلاء يقول الحق سبحانه: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. وهكذا من يفعل شيئا وليس في باله الله.. فسيفاجأ يوم ~~القيامة بأن الله تبارك وتعالى الذي لم يكن في باله موجود وأنه جل جلاله ~~هو الذي سيحاسبه. وقوله تعالى: { ملك يوم الدين } [الفاتحة: ~~4] هي أساس الدين.. لأن الذي لا يؤمن بالآخرة يفعل ما يشاء.. فما دام ~~يعتقد أنه ليس هناك آخره وليس هناك حساب.. فمم يخاف؟.. ومن أجل من يقيد ~~حركته في الحياة. إن الدين كله بكل طاعاته وكل منهجه قائم على أن هناك ~~حسابا في الآخرة.. وأن هناك يوما نقف فيه جميعا أمام الله سبحانه ~~وتعالى.. ليحاسب المخطئ ويثيب الطائع.. هذا هو الحكم في كل تصرفاتنا ~~الإيمانية.. فلو لم يكن هناك يوم نحاسب فيه.. فلماذا نصلي؟.. ولماذا ~~نصوم؟.. ولماذا نتصدق؟. إن كل حركة من حركات منهج السماء قائمة على أساس ~~ذلك اليوم الذي لن يفلت منه أحد.. والذي يجب علينا جميعا أن نستعد له.. ~~إن الله سبحانه وتعالى سمى هذا اليوم بالنسبة للمؤمنين يوم الفوز ~~العظيم.. والذي يجعلنا نتحمل كل ما نكره ونجاهد في سبيل الله لنستشهد.. ~~وننفق أموالنا لنعين الفقراء والمساكين.. كل هذا أساسه أن هناك يوما سنقف ~~فيه بين يدي الله.. والله تبارك وتعالى سماه يوم الدين.. لأنه اليوم الذي ~~سيحاسب فيه كل إنسان على دينه عمل به أم ضيعه.. فمن آمن واتبع الدين ~~سيكافأ بالخلود في الجنة.. ومن أنكر الدين وأنكر منهج الله سيجازى ~~بالخلود في النار.. ومن عدل الله سبحانه وتعالى أن هناك يوما للحساب.. ~~لأن بعض الناس الذين ظلموا وبغوا في الأرض ربما يفلتون من عقاب الدنيا.. ~~هل هؤلاء الذين أفلتوا في الدنيا من العقاب هل يفلتون من عدل الله؟.. ~~أبدا لن يفلتوا.. بل ms0027 إنهم انتقلوا من عقاب محدود إلى عقاب خالد.. وأفلتوا ~~من العقاب بقدرة البشر في الدنيا.. إلى عقاب بقدرة الله تبارك وتعالى في ~~الآخرة.. ولذلك لابد من وجود يوم يعيد الميزان.. فيعاقب فيه كل من أفسد ~~في الأرض وأفلت من العقاب.. بل إن الله سبحانه وتعالى يجعل إنسانا يفلت ~~من عقاب الدنيا.. فلا تعتقد أن هذا خير له بل إنه شر له.. لانه أفلت من ~~عقاب محدود إلى عقاب أبدي. والحمد الكبير لله بأنه { ملك يوم ~~الدين } [الفاتحة: 4].. وهو وحده الذي سيقضي بين خلقه. # فالله سبحانه وتعالى يعامل خلقه جميعا معاملة متساوية.. وأساس التقوى هو ~~يوم الدين. وقبل أن نتكلم عن قول الحق تبارك وتعالى: { إياك نعبد ~~وإياك نستعين } [الفاتحة: 5].. لابد أن نتحدث عن قضية مهمة.. ~~فهناك نوعان من الرؤية.. الرؤية العينية أي بالعين.. والرؤية الإيمانية ~~أي بالقلب.. وكلاهما مختلف عن الآخر.. رؤية العين هي أن يكون الشيء أمامك ~~تراه بعينيك، وهذه ليس فيها قضية إيمان.. فلا تقول إنني أؤمن أنني أراك ~~أمامي لأنك تراني فعلا.. مادمت تراني فهذا يقين.. ولكن الرؤية الإيمانية ~~هي أن تؤمن كأنك ترى ما هو غيب أمامك.. وتكون هذه الرؤية أكثر يقينا من ~~رؤية العين.. لأنها رؤية إيمان ورؤية بصيرة.. وهذه قضية مهمة جدا. # " وقد روى عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر. لا ~~يرى عليه أثر السفر. ولا يعرفه منا أحد. حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم. فأسند ركبتيه إلى ركبتيه. ووضع كفيه على فخذيه قال: يا محمد أخبرني ~~عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا ~~إله إلا الله. وأن محمدا رسول الله. وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة. وتصوم ~~رمضان. وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. فعجبنا له يسأله ~~ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر خيره وشره. ms0028 قال: صدقت. قال: فأخبرني عن ~~الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: ~~فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: أخبرني ~~عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها. وأن ترى الحفاة العراة ~~العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق فلبثت مليا.. ثم ~~قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ~~ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. " # قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # . هو بيان للرؤية الإيمانية في النفس المؤمنة.. فالإنسان حينما يؤمن، ~~لابد أن يأخذ كل قضاياه برؤية إيمانية.. حتى إذا قرأ آية عن الجنة فكأنه ~~يرى أهل الجنة وهم ينعمون.. وإذا قرأ آية عن أهل النار اقشعر بدنه.. ~~وكأنه يرى أهل النار وهم يعذبون. ذات يوم # " شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد صحابته وكان اسمه الحارث.. ~~فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟ فقال: أصبحت مؤمنا حقا قال الرسول: فانظر ما ~~تقول. فإن لكل قول حقيقة. فما حقيقة إيمانك؟ قال الحارث: عزفت نفسي عن ~~الدنيا. فأسهرت ليلي. وأظمأت نهاري. وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا. وكأني ~~أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها. وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون ~~فيها. يتصايحون فيها. قال النبي " يا حارث عرفت فالزم " # ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى وهو يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. يأخذ بعض المستشرقين هذه الآية في محاولة للطعن في القرآن ~~الكريم.. فقوله تعالى: # ألم تر # [الفيل: 1].. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ولد في عام الفيل.. إنه لم ~~ير لأنه كان طفلا عمره أيام أو شهور، لو قال الله سبحانه وتعالى ألم تعلم ~~لقلنا علم من غيره.. فالعلم تحصل عليه أنت أو يعطيه لك من علمه.. أي ~~يعلمك غيرك من البشر.. ولكن الله سبحانه وتعالى قال: # ألم ms0029 تر # [الفيل: 1].. نقول إن هذه قضية من قضايا الإيمان.. فما يقوله الله ~~سبحانه وتعالى هو رؤية صادقة بالنسبة للإنسان المؤمن.. فالقرآن هو كلام ~~متعبد بتلاوته حتى قيام الساعة.. وقول الله: # ألم تر # [الفيل: 1].. معناها أن الرؤية مستمرة لكل مؤمن بالله يقرأ هذه الآية.. ~~فما دام الله تبارك وتعالى قال: # ألم تر # [الفيل: 1].. فأنت ترى بإيمانك ما تعجز عينك عن أن تراه.. هذه هي الرؤية ~~الإيمانية، وهي أصدق من رؤية العين.. لأن العين قد تخدع صاحبها ولكن ~~القلب المؤمن لا يخدع صاحبه أبدا.. على أن هناك ما يسمونه ضمير الغائب.. ~~إذا قلت زيد حضر.. فهو موجود أمامك.. ولكن إذا قلت قابلت زيدا.. فكأن ~~زيدا غائب عنك ساعة قلت هذه الجملة.. قابلته ولكنه ليس موجودا معك ساعة ~~الحديث. إذن، فهناك حاضر وغائب ومتكلم.. الغائب هو من ليس موجودا أو لا ~~نراه وقت الحديث.. والحاضر هو الموجود وقت الحديث.. والمتكلم هو الذي ~~يتحدث. وقضايا العقيدة كلها ليس فيها مشاهدة، ولكن الإيمان بما هو غيب ~~عنا يعطينا الرؤية الإيمانية التي هي كما قلنا أقوى من رؤية البصر. فالله ~~سبحانه وتعالى حين يقول # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2].. { لله } غيب و # رب العالمين # [الفاتحة: 2] غيب.. و # الرحمن الرحيم # [الفاتحة: 3].. " غيب ".. و { ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4] ~~غيب.. وكان السياق اللغوي يقتضي أن يقال إياه نعبد. ولكن الله سبحانه ~~وتعالى غير السياق ونقله من الغائب إلى الحاضر.. وقال: { إياك ~~نعبد } [الفاتحة: 5] فانتقل الغيب إلى حضور المخاطب، فلم يقل إياه ~~نعبد، ولكنه قال: { إياك نعبد } [الفاتحة: 5].. فأصبحت رؤية يقين ~~إيماني. # فأنت في حضرة الله سبحانه وتعالى الذي غمرك بالنعم، وهذه تراها وتحيط بك ~~لأنه # رب العالمين # [الفاتحة: 2].. وجعلك تطمئن إلى قضائه لأنه # الرحمن الرحيم # [الفاتحة: 3]أي أن ربوبيته جل جلاله ليست ربوبية جبروت بل هي ربوبية # الرحمن الرحيم # [الفاتحة: 3] فإذا لم تحمده وتؤمن به بفضل نعمه التي تحسها وتعيش فيها. ~~فاحذر من مخالفة منهجه لأنه " مالك يوم الدين ". حين يستحضر الحق سبحانه ~~وتعالى ذاته بكل هذه الصفات.. التي ms0030 فيها فضائل الألوهية، ونعم الربوبية.. ~~والرحمة التي تمحو الذنوب والرهبة من لقائه يوم القيامة تكون قد انتقلت ~~من صفات الغيب إلى محضر الشهود.. استحضرت جلال الألوهية لله وفيوضات ~~رحمته.. ونعمه التي لا تحد وقيوميته يوم القيامة. عندما تقرأ قوله تعالى: ~~{ إياك نعبد } [الفاتحة: 5] فالعبارة هنا تفيد الخصوصية.. بمعنى ~~أنني إذا قلت لإنسان إنني سأقابلك، قد أقابله وحده، وقد أقابله مع جمع من ~~الناس. ولكن إذا قلت إياك سأقابل.. فمعنى ذلك أن المقابلة ستكون خاصة. ~~الحق سبحانه وتعالى حين قال: { إياك نعبد } [الفاتحة: 5] قصر ~~العبادة على ذاته الكريمة.. لأنه لو قال نعبدك وحدك فهي لا تؤدي المعنى ~~نفسه لأنك قد تقول نعبدك وحدك ومعك كذا وكذا. ولكن إذا قلت { إياك ~~نعبد } [الفاتحة: 5] وقدمت إياك.. تكون قد حسمت الأمر بأن العبادة ~~لله وحده فلا يجوز العطف عليها.. فالعبادة خضوع لله سبحانه وتعالى بمنهجه ~~افعل ولا تفعل.. ولذلك جعل الصلاة أساس العبادة، والسجود هو منتهى الخضوع ~~لله.. لأنك تأتي بوجهك الذي هو أكرم شيء فيك وتضعه على الأرض عند موضع ~~القدم. فيكون هذا هو منتهى الخضوع لله.. ويتم هذا أمام الناس جميعا في ~~الصلاة. لإعلان خضوعك لله أمام البشر جميعا. ويستوي في العبودية الغني ~~والفقير والكبير والصغير.. حتى يطرد كل منا الكبر والاستعداء من قلبه ~~أمام الناس جميعا فيساوي الحق جل جلاله بين عباده في الخضوع له وفي إعلان ~~هذا الخضوع. وقول الحق سبحانه وتعالى: { إياك نعبد } [الفاتحة: ~~5] تنفي العبودية لغير الله.. أي لا نعبد غير الله ولا يعطف عليها أبدا.. ~~إذن { إياك نعبد } [الفاتحة: 5] أعطت تخصيص العبادة لله وحده لا ~~إله غيره ولا معبود سواه.. وعلينا أن نلتفت إلى قوله تبارك وتعالى: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان ~~الله رب العرش عما يصفون # [الأنبياء: 22]. وهكذا فإننا عندما نقول # الحمد لله # [الفاتحة: 2] فإننا نستحضر موجبات الحمد وهي نعم الله ظاهرة وباطنة.. ~~وحين نقول # رب العالمين # [الفاتحة: 2] نستحضر نعم الربوبية في خلقه وإخضاع كونه.. وحين نستحضر # الرحمن الرحيم # [الفاتحة: 3] فاننا نستحضر الرحمة ms0031 والمغفرة ومقابلة الإساءة بالإحسان ~~وفتح باب التوبة.. وحين نستحضر: { ملك يوم الدين } [الفاتحة: ~~4] نستحضر يوم الحساب وكيف أن الله تبارك وتعالى سيجازيك على أعمالك. # . فإذا استحضرنا هذا كله نقول: { إياك نعبد } [الفاتحة: 5] أي ~~أننا نعبد الله وحده.. إذن عرفنا المطلوب منا وهو العبادة. وهنا نتوقف ~~قليلا لنتحدث عما يطلقون عليه في اللغة " العلة والمعلول " إذا أراد ابنك ~~أن ينجح في الامتحان فإنه لابد أن يذاكر.. وعلة المذاكرة هي النجاح.. ~~فكأن النجاح ولد في ذهني أولا بكل ما يحققه لي من ميزات ومستقبل مضمون ~~وغير ذلك مما أريده وأسعى إليه. إذن فالدافع قبل الواقع.. أي أنك استحضرت ~~النجاح في ذهنك.. ثم بعد ذلك ذاكرت لتجعل النجاح حقيقة واقعة. وأنت إذا ~~أردت مثلا أن تسافر إلى مكان ما فالسيارة سبب يحقق لك ما تريد وقطع ~~الطريق سبب آخر. ولكن الدافع الذي جعلني أنزل من بيتي واركب السيارة ~~وأقطع الطريق هو أنني أريد أن أسافر إلى الإسكندرية مثلا.. الدافع هنا ~~وهو الوصول إلى الإسكندرية.. هو الذي وجد في ذهني أولا ثم بعد ذلك فعلت ~~كل ما فعلته لتحقيقه. والله سبحانه وتعالى خلقنا في الحياة لنعبده.. ~~مصداقا لقوله تبارك وتعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. إذن فعلة الخلق هي العبادة.. ولقد تم الخلق لتتحقق ~~العبادة وتصبح واقعا.. ولكن " العلة والمعلول " لا تنطبق على أفعال الله ~~سبحانه وتعالى.. نقول ليس هناك علة تعود على الله جل جلاله بالفائدة. لأن ~~الله تبارك وتعالى غني عن العالمين.. ولكن العلة تعود على الخلق بالفائدة ~~فالله سبحانه وتعالى خلقنا لنعبده. ولكن علة الخلق ليس لأن هذه العبادة ~~ستزيد شيئا في ملكه.. وإنما عبادتنا تعود علينا نحن بالخير في الدنيا ~~والآخرة. إن أفعال الله لا تعلل، والمأمور بالعبادة هو الذي سينتفع بها. ~~ولكن هل العبادة هي الجلوس في المساجد والتسبيح أم أنها منهج يشمل الحياة ~~كلها.. في بيتك وفي عملك وفي السعي في الأرض؟.. ولو أراد الله سبحانه ~~وتعالى من عباده الصلاة والتسبيح فقط لما خلقهم مختارين بل ms0032 خلقهم مقهورين ~~لعبادته ككل ما خلق ما عدا الإنس والجن.. والله تبارك وتعالى له صفة ~~القهر.. من هنا فإنه يستطيع أن يجعل من يشاء مقهورا على عبادته.. مصداقا ~~لقوله جل جلاله: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. فلو أراد الله أن يخضعنا لمنهجه قهرا. لا يستطيع أحد ~~أن يشذ عن طاعته.. وقد أعطانا الله الدليل على ذلك بأن في أجسادنا وفي ~~أحداث الدنيا ما نحن مقهورون عليه.. فالجسد مقهور لله في أشياء كثيرة. # القلب ينبض ويتوقف بأمر الله دون إرادة منا.. والمعدة تهضم الطعام ونحن ~~لا ندري عنها شيئا.. والدورة الدموية في أجسادنا لا إرادة لنا فيها.. ~~وأشياء كثيرة في الجسد البشري كلها مقهورة لله سبحانه وتعالى.. وليس ~~لإرادتنا دخل في عملها.. وما يقع علي في الحياة الدنيا من أحداث أنا ~~مقهور فيه.. لا أستطيع أن أمنعه من الحدوث.. فلا أستطيع أن أمنع سيارة أن ~~تصدمني.. ولا طائرة أن تحترق بي.. ولا كل ما يقع علي من أقدار الله في ~~الدنيا. إذن فمنطقة الاختيار في حياتي محددة.. لا أستطيع أن أتحكم في يوم ~~مولدي.. ولا فيمن هو أبي ومن هي أمي.. ولا في شكلي هل أنا طويل أم ~~قصير؟ جميل أم قبيح أو غير ذلك. إذن فمنطقة الاختيار في الحياة هي المنهج ~~أن أفعل أو لا أفعل. الله سبحانه وتعالى له من كل خلقه عبادة القهر.. ~~ولكنه يريد من الإنس والجن عبادة المحبوبية.. ولذلك خلقنا ولنا اختيار في ~~أن نأتيه أو لا نأتيه.. في أن نطيعه أو نعصيه. في أن نؤمن به أو لا نؤمن. ~~فإذا كنت تحب الله فأنت تأتيه عن اختيار. تتنازل عما يغضبه حبا فيه، ~~وتفعل ما يطلبه حبا فيه وليس قهرا.. فاذا تخليت عن اختيارك إلى مرادات ~~الله في منهجه.. تكون قد حققت عبادة المحبوبية لله تبارك وتعالى.. وتكون ~~قد أصبحت من عباد الله وليس من عبيد الله.. فكلنا عبيد لله سبحانه ~~وتعالى، ms0033 والعبيد متساوون فيما يقهرون عليه. ولكن العباد الذين يتنازلون ~~عن منطقة الاختيار لمراد الله في التكليف.. ولذلك فإن الحق جل جلاله.. ~~يفرق في القرآن الكريم بين العباد والعبيد.. يقول تعالى: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ~~لعلهم يرشدون # [البقرة: 186]. ويقول سبحانه وتعالى: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين ~~يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ~~ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان ~~غراما # [الفرقان: 63-65]. وهكذا نرى أن الله سبحانه وتعالى أعطى أوصاف المؤمنين ~~وسماهم عبادا.. ولكن عندما يتحدث عن البشر جميعا يقول عبيد.. مصداقا ~~لقوله تعالى: # ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد # [آل عمران: 182]. ولكن قد يقول قائل: إن الله تبارك وتعالى يقول في ~~كتابه العزيز: # ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ~~أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل # [الفرقان: 17]. الحديث هنا عن العاصين والضالين. ولكن الله سبحانه ~~وتعالى قال عنهم عباد. نقول إن هذا في الآخرة.. وفي الآخرة كلنا عباد ~~لأننا مقهورون لطاعة الله الواحد المعبود تبارك وتعالى. # . لأن الاختيار البشري ينتهي ساعة الاحتضار.. ونصبح جميعا عبادا لله ~~مقهورين على طاعته لا اختيار لنا في شيء. والله سبحانه وتعالى قد أعطى ~~الإنسان اختياره - في الحياة الدنيا - في العبودية فلم يقهره في شيء ولا ~~يلزم غير المؤمن به بأي تكليف.. بل إن المؤمن هو الذي يلزم نفسه بالتكليف ~~وبمنهج الله فيدخل في عقد إيماني مع الله تبارك وتعالى.. ولذلك نجد أن ~~الله جل جلاله لا يخاطب الناس جميعا في التكليف.. وإنما يخاطب الذين ~~آمنوا فقط فيقول: # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما ~~كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون # [البقرة: 183]. ويقول سبحانه: # يآأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ~~إن الله مع الصابرين # [البقرة: 153]. أي أن الله جل جلاله لا يكلف إلا المؤمن الذي يدخل في ~~عقد إيماني مع الله. وسيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ms0034 عندما نضعه ~~في معيار العبادية يكون القمة فهو صلى الله عليه وسلم الذي حقق العبادية ~~المرادة لله من خلق الله كما يحبها الله. إذن، فالذي يقول غاية الخلق كله ~~محمد عليه الصلاة والسلام، نقول إن هذا صحيح، لأنه صلى الله عليه وسلم ~~حقق العبادية المثلى المطلوبة من الله تبارك وتعالى.. والتي هي علة ~~الخلق.. وهكذا نعرف المقامات العالية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند ~~خالقه. والله تبارك وتعالى قرن العبادة له وحده بالاستعانة به سبحانه.. ~~فقال جل جلاله: { إياك نعبد وإياك نستعين } [الفاتحة: ~~5] أي لا نعبد سواك ولا نستعين إلا بك. والاستعانة بالله سبحانه وتعالى ~~تخرجك عن ذل الدنيا فأنت حين تستعين بغير الله فإنك تستعين ببشر مهما بلغ ~~نفوذه وقوته فكلها في حدود بشريته. ولأننا نعيش في عالم أغيار فإن القوي ~~يمكن أن يصبح ضعيفا.. وصاحب النفوذ يمكن أن يصبح في لحظة واحدة طريدا ~~شريدا لا نفوذ له.. ولو لم يحدث هذا. فقد يموت ذلك الذي تستعين به فلا ~~تجد أحدا يعينك. ويريد الله تبارك وتعالى أن يحرر المؤمن من ذل الدنيا.. ~~فيطلب منه أن يستعين بالحي الذي لا يموت.. وبالقوي الذي لا يضعف، ~~وبالقاهر الذي لا يخرج عن أمره أحد.. وإذا استعنت بالله سبحانه وتعالى ~~كان الله جل جلاله بجانبك. وهو وحده الذي يستطيع أن يحول ضعفك إلى قوة ~~وذلك إلى عز.. والمؤمن دائما يواجه قوي أكبر منه.. ذلك أن الذين ~~يحاربون منهج الله يكونون من الأقوياء ذوي النفوذ الذين يحبون أن ~~يستعبدوا غيرهم.. فالمؤمن سيدخل معهم في صراع.. ولذلك فإن الحق يحض عباده ~~المؤمنين بأنه معهم في الصراع بين الحق والباطل.. وقوله تعالى: " وإياك ~~نستعين " مثل: " إياك نعبد ".. أي نستعين بك وحدك وهي دستور الحركة في ~~الحياة.. لأن استعان معناها طلب المعونة، أي أن الإنسان استنفد أسبابه ~~ولكنها خذلته.. حينئذ لابد أن يتذكر أن له ربا لا يعبد سواه. لن يتخلى ~~عنه بل يستعين به.. وحين تتخلى الأسباب فهناك رب الأسباب وهو موجود ~~دائما.. لا يغفل ms0035 عن شيء ولا تفوته همسة في الكون.. ولذلك فإن المؤمن يتجه ~~دائما إلى السماء.. والله سبحانه وتعالى يكون معه. ### || [1.6-7] # بعد أن آمنت بالله سبحانه وتعالى إلها وربا.. واستحضرت عطاء الألوهية ~~ونعم الربوبية وفيوضات رحمة الله على خلقه. وأعلنت أنه لا إله إلا الله. ~~وقولك: # إياك نعبد # [الفاتحة: 5] أي أن العبادة لله تبارك وتعالى لا نشرك به شيئا ولا نعبد ~~إلا إياه.. وأعلنت أنك ستستعين بالله وحده بقولك: # وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. فإنك قد أصبحت من عباد الله. ويعلمك الله سبحانه وتعالى ~~الدعاء الذي يتمناه كل مؤمن.. وما دمت من عباد الله، فإن الله جل جلاله ~~سيستجيب لك.. مصداقا لقوله سبحانه: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ~~لعلهم يرشدون # [البقرة: 186]. والمؤمن لا يطلب الدنيا أبدا.. لماذا؟.. لأن الحياة ~~الحقيقية للإنسان في الآخرة. فيها الحياة الأبدية والنعيم الذي لا يفارقك ~~ولا تفارقه. فالمؤمن لا يطلب مثلا أن يرزقه الله مالا كثيرا ولا أن ~~يمتلك عمارة مثلا.. لأنه يعلم أن كل هذا وقتي وزائل.. ولكنه يطلب ما ~~ينجيه من النار ويوصله إلى الجنة. ومن رحمة الله تبارك وتعالى أنه علمنا ~~ما نطلب.. وهذا يستوجب الحمد لله.. وأول ما يطلب المؤمن هو الهداية ~~والصراط المستقيم: { اهدنا الصراط المستقيم } [الفاتحة: 6]. ~~والهداية نوعان: هداية دلالة وهداية معونة. هداية الدلالة هي للناس ~~جميعا.. وهداية المعونة هي للمؤمنين فقط المتبعين لمنهج الله. والله ~~سبحانه وتعالى هدى كل عباده هداية دلالة أي دلهم على طريق الخير وبينه ~~لهم.. فمن أراد أن يتبع طريق الخير اتبعه.. ومن أراد ألا يتبعه تركه ~~الله لما أراد. هذه الهداية العامة هي أساس البلاغ عن الله. فقد بين ~~الله تبارك وتعالى في منهجه بافعل ولا تفعل ما يرضيه وما يغضبه.. وأوضح ~~لنا الطريق الذي نتبعه لنهتدي. والطريق الذي لو سلكناه حق علينا غضب الله ~~وسخطه.. ولكن هل كل من بين له الله سبحانه وتعالى طريق الهداية ~~اهتدى؟.. نقول لا.. واقرأ قوله جل جلاله: # وأما ثمود ms0036 فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا ~~يكسبون # [فصلت: 17]. إذن هناك من لا يأخذ طريق الهداية بالاختيار الذي أعطاه ~~الله له.. فلو أن الله سبحانه وتعالى أرادنا جميعا مهديين.. ما استطاع ~~واحد من خلقه أن يخرج على مشيئته. ولكنه جل جلاله خلقنا مختارين لنأتيه ~~عن حب ورغبة بدلا من أن يقهرنا على الطاعة.. ما الذي يحدث للذين اتبعوا ~~طريق الهداية والذين لم يتبعوه وخالفوا مراد الله الشرعي في كونه؟ الذين ~~اتبعوا طريق الهداية يعينهم الله سبحانه وتعالى عليه ويحببهم في الإيمان ~~والتقوى ويحببهم في طاعته. # . واقرأ قوله تبارك وتعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. أي أن كل من يتخذ طريق الهداية يعينه الله عليه.. ويزيده ~~تقوى وحبا في الدين.. أما الذين إذا جاءهم الهدى ابتعدوا عن منهج الله ~~وخالفوه.. فإن الله تبارك وتعالى يتخلى عنهم ويتركهم في ضلالهم. واقرأ ~~قوله تعالى: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف: 36]. والله سبحانه وتعالى قد بين لنا المحرومين من هداية ~~المعونة على الإيمان وهم ثلاثة كما بينهم لنا في القرآن الكريم: # ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على ~~الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين # [النحل: 107]. # ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ أو ~~يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا ~~الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين # [المائدة: 108] # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه ~~الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن ~~الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم ~~الظالمين # [البقرة: 258]. إذن فالمطرودون من هداية الله في المعونة على الإيمان هم ~~الكافرون والفاسقون والظالمون.. الحق سبحانه وتعالى يقول: { اهدنا ~~الصراط المستقيم } [الفاتحة: 6] ما هو الصراط؟.. إنه الطريق ~~الموصلة إلى الغاية. ولماذا نص على أنه الصراط المستقيم. لأن الله سبحانه ~~وتعالى وضع لنا في منهجه الطريق المستقيم.. وهو أقصر الطرق إلى تحقيق ms0037 ~~الغاية.. فأقصر طريق بين نقطتين هو الطريق المستقيم. ولذلك إذا كنت تقصد ~~مكانا فأقصر طريق تسلكه هو الطريق الذي لا اعوجاج فيه ولكنه مستقيم ~~تماما. ولا تحسب أن البعد عن الطريق المستقيم يبدأ باعوجاج كبير. بل ~~باعوجاج صغير جدا ولكنه ينتهي إلى بعد كبير. ويكفي أن تراقب قضبان السكة ~~الحديد.. عندما يبدأ القطار في اتخاذ طريق غير الذي كان يسلكه فهو لا ~~ينحرف في أول الأمر إلا بضعة ملليمترات.. أي أن أول التحويلة ضيق جدا ~~وكلما مشيت اتسع الفرق وازداد اتساعا. بحيث عند النهاية تجد أن الطريق ~~الذي مشيت فيه يبعد عن الطريق الأول عشرات الكيلو مترات وربما مئات ~~الكيلو مترات.. إذن فأي انحراف مهما كان بسيطا يبعدك عن الطريق المستقيم ~~بعدا كبيرا.. ولذلك فإن الدعاء: { اهدنا الصراط المستقيم } ~~[الفاتحة: 6] أي الطريق الذي ليس فيه إعوجاج ولو بضعة ملليمترات.. الطريق ~~الذي ليس فيه مخالفة تبعدنا عن طريق الله المستقيم. لذلك فإن الإنسان ~~المؤمن يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يهديه إلى أقصر الطرق للوصول إلى ~~الغاية.. وما هي الغاية؟ انها الجنة والنعيم في الآخرة.. ولذلك نقول يا ~~رب اهدنا وأعنا على أن نسلك الطريق المستقيم وهو طريق المنهج ليوصلنا إلى ~~الجنة دون أن يكون فيه أي اعوجاج يبعدنا عنها. # ولقد قال الله سبحانه وتعالى في حديث قدسي: إنه إذا قال العبد: { ~~اهدنا الصراط المستقيم } [الفاتحة: 6] يقول جل جلاله: هذا ~~لعبدي ولعبدي ما سأل. يقول الحق تبارك وتعالى: { صراط الذين ~~أنعمت عليهم } [الفاتحة: 7] ما معنى { الذين أنعمت ~~عليهم } [الفاتحة: 7]؟.. اقرأ الآية الكريمة: # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهدآء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # [النساء: 69]. وأنت حين تقرأ الآية الكريمة فأنت تطلب من الله تبارك ~~وتعالى أن تكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.. أي أنك تطلب ~~من الله جل جلاله.. أن يجعلك تسلك نفس الطريق الذي سلكه هؤلاء لتكون معهم ~~في الآخرة.. فكأنك تطلب الدرجة العالية في الجنة.. لأن كل من ذكرناهم ~~لهم مقام عال ms0038 في جنة النعيم.. وهكذا، فإن الطلب من الله سبحانه وتعالى هو ~~أن يجعلك تسلك الطريق الذي لا اعوجاج فيه، والذي يوصلك في أسرع وقت إلى ~~الدرجة العالية في الآخرة. وعندما نعرف أن الله سبحانه وتعالى قال: هذا ~~لعبدي ولعبدي ما سأل.. تعرف أن الاستجابة تعطيك الحياة العالية في الآخرة ~~وتمتعك بنعيم الله. ليس بقدرات البشر كما يحدث في الدنيا.. ولكن بقدرة ~~الله تبارك وتعالى.. وإذا كانت نعم الدنيا لا تعد ولا تحصى.. فكيف بنعم ~~الآخرة؟ لقد قال الله سبحانه وتعالى عنها: # لهم ما يشآءون فيها ولدينا مزيد # [ق: 35]. أي أنه ليس كل ما تطلبه فقط ستجده أمامك بمجرد وروده على خاطرك ~~- ولكن مهما طلبت من النعم ومهما تمنيت فالله جل جلاله عنده مزيد.. ولذلك ~~فإنه يعطيك كل ما تشاء ويزيد عليه بما لم تطلب ولا تعرف من النعم.. وهذا ~~تشبيه فقط ليقرب الله تبارك وتعالى صورة النعيم إلى أذهاننا، ولكن الجنة ~~فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وبما أن المعاني ~~لابد أن توجد أولا في العقل ثم يأتي اللفظ المعبر عنها.. فكل شيء لا ~~نعرفه لا توجد في لغتنا ألفاظ تعبر عنه. فنحن لم نعرف اسم التليفزيون ~~مثلا إلا بعد أن أخترع وصار له مفهوم محدد. تماما كما لم نعرف اسم ~~الطائرة قبل أن يتم اختراعها.. فالشيء يوجد أولا ثم بعد ذلك يوضع اللفظ ~~المعبر عنه. ولذلك فإن مجامع اللغات في العالم تجتمع بين فترة وأخرى لتضع ~~أسماء لأشياء جديدة اخترعت وعرفت مهمتها. وما دام ذلك هو القاعدة ~~اللغوية، فإنه لا توجد ألفاظ في لغة البشر تعبر عن النعيم الذي سيعيشه ~~أهل الجنة، لأنه لم تره عين ولم تسمع به أذن ولا خطر على القلب. # . ولذلك فإن كل ما نقرؤه في القرآن الكريم يقرب لنا الصورة فقط. ولكنه ~~لا يعطينا حقيقة ما هو موجود. ولذلك نجد الله سبحانه وتعالى حين يتحدث عن ~~الجنة في القرآن الكريم يقول: # مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ ms0039 أنهار من ~~مآء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار ~~من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ~~ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار ~~وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد: 15]. أي أن هذا ليس حقيقة الجنة ولكنها مثل فقط، يقرب ذلك إلى ~~الأذهان.. لأنه لا توجد ألفاظ في لغات البشر يمكن أن تعطينا حقيقة ما في ~~الجنة. وقوله تعالى: { غير المغضوب عليهم } [الفاتحة: 7].. ~~أي غير الذين غضبت عليهم يا رب من الذين عصوا. ومنعت عنهم هداية ~~الإعانة.. الذين عرفوا المنهج فخالفوه وارتكبوا كل ما حرمه الله فاستحقوا ~~غضبه. ومعنى غير { المغضوب عليهم } [الفاتحة: 7] أي يا رب لا ~~تيسر لنا الطريق الذي نستحق به غضبك. كما استحقه أولئك الذين غيروا ~~وبدلوا في منهج الله ليأخذوا سلطة زمنية في الحياة الدنيا وليأكلوا أموال ~~الناس بالباطل. وقد وردت كلمة { المغضوب عليهم } [الفاتحة: 7] ~~في القرآن الكريم في قوله تعالى: # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ~~من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا ~~وأضل عن سوآء السبيل # [المائدة: 60]. وهذه الآيات نزلت في بني إسرائيل. وقول الله تعالى: " ~~ولا الضالين " هناك الضال والمضل.. الضال هو الذي ضل الطريق فاتخذ ~~منهجا غير منهج الله.. ومشى في الضلالة بعيدا عن الهدى وعن دين الله.. ~~ويقال ضل الطريق أي مشى فيه وهو لا يعرف السبيل إلى ما يريد أن يصل ~~إليه.. أي أنه تاه في الدنيا فأصبح وليا للشيطان وابتعد عن طريق الله ~~المستقيم.. هذا هو الضال.. ولكن المضل هو من لم يكتف بأنه ابتعد عن ~~منهج الله وسار في الحياة على غير هدى.. بل يحاول أن يأخذ غيره إلى ~~الضلالة.. يغري الناس بالكفر وعدم اتباع المنهج والبعد عن طريق الله.. ~~وكل واحد من العاصين يأتي يوم القيامة يحمل ذنوبه.. إلا المضل فإنه يحمل ~~ذنوبه وذنوب من أضلهم مصداقا لقوله سبحانه: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم ms0040 بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون # [النحل: 25]. أي أنك وأنت تقرأ الفاتحة تستعيذ بالله أن تكون من الذين ~~ضلوا.. ولكن الحق سبحانه وتعالى لم يأت هنا بالمضلين. نقول إنك لكي تكون ~~مضلا لابد أن تكون ضالا أولا.. فالاستعاذة من الضلال هنا تشمل الاثنين. # لأنك ما دمت قد استعذت من أن تكون ضالا فلن تكون مضلا أبدا. بقي أن ~~نتكلم عن ختم فاتحة الكتاب. بقولنا آمين أسوة برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الذي علمه جبريل عليه السلام أن يقول بعد قراءة الفاتحة آمين، فهي ~~من كلام جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليست كلمة من القرآن. ~~وكلمة آمين معناها استجب يارب فيما دعوناك به من قولنا: { اهدنا ~~الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم } ~~[الفاتحة: 6-7] أي أن الدعاء هنا له شيء مطلوب تحقيقه. وآمين دعاء لتحقيق ~~المطلوب.. وكلمة آمين اختلف العلماء فيها.. أهي عربية أم غير عربية. وهنا ~~يثور سؤال.. كيف تدخل كلمة غير عربية في قرآن حكم الله بأنه عربي..؟ نقول ~~أن ورود كلمة ليس من أصل عربي في القرآن الكريم. لا ينفي أن القرآن كله ~~عربي. بمعنى أنه إذا خوطب به العرب فهموه.. وهناك ألفاظ دخلت في لغة ~~العرب قبل أن ينزل القرآن.. ولكنها دارت على الألسن بحيث أصبحت عربية ~~وألفتها الأذان العربية. فليس المراد بالعربي هو أصل اللغة العربية ~~وحدها.. وإنما المراد أن القرآن نزل باللغة التي لها شيوع على ألسنة ~~العرب. وما دام اللفظ قد شاع على اللسان قولا وفي الآذان سمعا. فإن ~~الأجيال التي تستقبله لا تفرق بينه وبين غيره من الكلمات التي هي من أصل ~~عربي.. فاللفظ الجديد أصبح عربيا بالاستعمال وعند نزول القرآن كانت ~~الكلمة شائعة شيوع الكلمة العربية. واللغة ألفاظ يصطلح على معانيها. بحيث ~~إذا أطلق اللفظ فهم المعنى. واللغة التي نتكلمها لا تخرج عن اسم وفعل ~~وحرف.. الاسم كلمة والفعل كلمة والحرف كلمة.. والكلمة لها معنى في ذاتها ~~ولكن هل هذا المعنى مستقل في الفهم أو غير مستقل.. إذا قلت ms0041 محمد مثلا ~~فهمت الشخص الذي سمى بهذا الاسم فصار له معنى مستقل.. وإذا قلت كتب فهمت ~~أنه قد جمع الحروف لتقرأ على هيئة كتابة.. ولكن إذا قلت ماذا وهي حرف ~~فليس هناك معنى مستقل.. وإذا قلت " في " دلت على الظرفية ولكنها لم ~~تدلنا على معنى مستقل. بل لابد أن تقول الماء في الكوب.. أو فلان على ~~الفرس.. غير المستقل في الفهم نسميه حرفا لا يظهر معناه إلا بضم شيء له.. ~~والفعل يحتاج إلى زمن، ولكن الاسم لا يحتاج إلى زمن. إذن الاسم هو ما دل ~~على معنى مستقل بالفهم وليس الزمن جزءا منه.. والفعل ما دل على فعل مستقل ~~بالفهم والزمن جزء منه.. والحرف دل على معنى غير مستقل.. ما هي علامة ~~الفعل؟!.. هي أنك تستطيع أن تسند إليه تاء الفاعل. # . أي تقول كتبت والفاعل هو المتكلم.. ولكن الاسم لا يضاف إليه تاء ~~الفاعل فلا تقول محمدت.. اذا رأيت شيئا يدل على الفعل أي يحتاج إلى زمن.. ~~ولكنه لا يقبل تاء الفاعل فإنه يكون اسم على فعل. آمين من هذا النوع ليست ~~فعلا فهي اسم مدلوله مدلول الفعل.. معناه استجب.. فأنت حين تسمع كلمة " ~~آه " إنها اسم لفعل بمعنى أتوجع.. وساعة تقول " أف " اسم فعل بمعنى ~~أتضجر.. وآمين اسم فعل بمعنى استجب.. ولكنك تقولها مرة وأنت القارئ، ~~وتقولها مرة وأنت السامع. فساعة تقرأ الفاتحة تقول آمين.. أي أنا دعوت ~~يارب فاستجب دعائي.. لأنك لشدة تعلقك بما دعوت من الهداية فإنك لا تكتفي ~~بقول اهدنا ولكن تطلب من الله الاستجابة. وإذا كنت تصلي في جماعة فأنت ~~تسمع الإمام وهو يقرأ الفاتحة.. ثم تقول آمين. لأن المأموم أحد الداعين.. ~~الذي دعا هو الإمام، وعندما قلت آمين فأنت شريك في الدعاء.. ولذلك فعندما ~~دعا موسى عليه السلام أن يطمس الله على أموال قوم فرعون ويهلكهم قال الله ~~لموسى: # قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعآن ~~سبيل الذين لا يعلمون # [يونس: 89]. أي أن الخطاب من الله سبحانه وتعالى موجه إلى موسى وهارون، ~~ولكن موسى ms0042 عليه السلام هو الذي دعا.. وهارون أمن على دعوة موسى فأصبح ~~مشاركا في الدعاء. ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1] # بدأت سورة البقرة بقوله تعالى: { الم } [البقرة: 1].. وهذه الحروف ~~حروف مقطعة.. ومعنى مقطعة أن كل حرف ينطق بمفرده. لأن الحروف لها أسماء ~~ولها مسميات.. فالناس حين يتكلمون ينطقون بمسمى الحرف وليس باسمه.. ~~فعندما تقول كتب تنطق بمسميات الحروف. فإذا أردت أن تنطق بأسمائها. تقول ~~كاف وتاء وباء.. ولا يمكن أن ينطق بأسماء الحروف إلا من تعلم ودرس، أما ~~ذلك الذي لم يتعلم فقد ينطق بمسميات الحروف ولكنه لا ينطق بأسمائها، ولعل ~~هذه أول ما يلفتنا. فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يقرأ ولا ~~يكتب ولذلك لم يكن يعرف شيئا عن أسماء الحروف.. فإذا جاء ونطق بأسماء ~~الحروف يكون هذا إعجازا من الله سبحانه وتعالى.. بأن هذا القرآن موحى به ~~إلى محمد صلى الله عليه وسلم.. ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم درس ~~وتعلم لكان شيئا عاديا أن ينطق بأسماء الحروف. ولكن تعال إلى أي أمي ~~لم يتعلم.. إنه يستطيع أن ينطق بمسميات الحروف.. يقول الكتاب وكوب وغير ~~ذلك.. فإذا طلبت منه أن ينطق بأسماء الحروف فإنه لا يستطيع أن يقول لك. ~~إن كلمة كتاب مكونة من الكاف والتاء والألف والباء.. وتكون هذه الحروف ~~دالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن ربه. وأن هذا ~~القرآن موحى به من الله سبحانه وتعالى. ونجد في فواتح السور التي تبدأ ~~بأسماء الحروف. تنطق الحروف بأسمائها وتجد الكلمة نفسها في آية أخرى تنطق ~~بمسمياتها. ف " الم " في أول سورة البقرة نطقتها بأسماء الحروف ألف لام ~~ميم. بينما تنطقها بمسميات الحروف في شرح السورة في قوله تعالى: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1]. وفي سورة الفيل في قوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. ما الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ينطق { الم } ~~[البقرة: 1] في سورة البقرة بأسماء الحروف.. وينطقها في سورتي الشرح ~~والفيل ms0043 بمسميات الحروف. لابد أن رسول الله عليه الصلاة والسلام سمعها من ~~الله كما نقلها جبريل عليه السلام إليه هكذا. إذن، فالقرآن أصله السماع ~~لا يجوز أن تقرأه إلا بعد أن تسمعه. لتعرف أن هذه تقرأ ألف لام ميم ~~والثانية تقرأ ألم.. مع أن الكتابة واحدة في الاثنين.. ولذلك لابد أن ~~تستمع إلى فقيه يقرأ القرآن قبل أن تتلوه.. والذي يتعب الناس أنهم لم ~~يجلسوا إلى فقيه ولا استمعوا إلى قارئ.. ثم بعد ذلك يريدون أن يقرأوا ~~القرآن كأي كتاب. نقول لا. # . القرآن له تميز خاص.. إنه ليس كأي كتاب تقرؤه.. لأنه مرة يأتي باسم ~~الحرف. ومرة يأتي بمسميات الحرف. وأنت لا يمكن أن تعرف هذا إلا إذا ~~استمعت لقارئ يقرأ القرآن. والقرآن مبني على الوصل دائما وليس على الوقف، ~~فإذا قرأت في آخر سورة يونس مثلا: # وهو خير الحاكمين # [يونس: 109] لا تجد النون عليها سكون بل تجد عليها فتحة، موصولة بقول ~~الله سبحانه وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم. ولو كانت غير موصولة لوجدت ~~عليها سكونا. إذن فكل آيات القرآن الكريم مبنية على الوصل.. ما عدا فواتح ~~السور المكونة من حروف فهي مبنية على الوقف.. فلا تقرأ في أول سورة ~~البقرة: { الم } [البقرة: 1] والميم عليها ضمة. بل تقرأ ألفا عليها ~~سكون ولاما عليها سكون وميما عليها سكون. اذن كل حرف منفرد بوقف. مع أن ~~الوقف لا يوجد في ختام السور ولا في القرآن الكريم كله. وهناك سور في ~~القرآن الكريم بدأت بحرف واحد مثل قوله تعالى: # ص والقرآن ذي الذكر # [ص: 1]. # ن والقلم وما يسطرون # [القلم: 1]. ونلاحظ أن الحرف ليس آية مستقلة. بينما " الم " في سورة ~~البقرة آية مستقلة. و: " حم ". و: " عسق " آية مستقلة مع أنها كلها حروف ~~مقطعة. وهناك سور تبدأ بآية من خمسة حروف مثل " كهيعص " في سورة مريم.. ~~وهناك سور تبدأ بأربعة حروف. مثل " المص " في سورة " الأعراف ". وهناك ~~سور تبدأ بأربعة حروف وهي ليست آية مستقلة مثل " المر " في سورة " الرعد ~~" متصلة بما بعدها.. بينما تجد ms0044 سورة تبدأ بحرفين هما آية مستقلة مثل: " ~~يس " في سورة يس. و " حم " في سورة غافر وفصلت.. و: " طس " في سورة ~~النمل. وكلها ليست موصلة بالآية التي بعدها.. وهذا يدلنا على أن الحروف ~~في فواتح السور لا تسير على قاعدة محددة. " الم " مكونة من ثلاثة حروف ~~تجدها في ست سور مستقلة.. فهي آية في البقرة وآل عمران والعنكبوت والروم ~~والسجدة ولقمان. و " الر " ثلاثة حروف ولكنها ليست آية مستقلة. بل جزء من ~~الآية في أربع سور هي: يونس ويوسف وهود وإبراهيم.. و: " المص " من أربعة ~~حروف وهي آية مستقلة في سورة " الأعراف " و " المر " أربعة حروف، ولكنها ~~ليست آية مستقلة في سورة الرعد إذن فالمسألة ليست قانونا يعمم، ولكنها ~~خصوصية في كل حرف من الحروف. وإذا سألت ما هو معنى هذه الحروف؟.. نقول إن ~~السؤال في أصله خطأ.. لأن الحرف لا يسأل عن معناه في اللغة إلا إن كان ~~حرف معنى. # . والحروف نوعان: حرف مبنى وحرف معنى. حرف المبنى لا معنى له إلا ~~للدلالة على الصوت فقط.. أما حروف المعاني فهي مثل: في ومن.. وعلى.. ~~في تدل على الظرفية.. ومن تدل على الابتداء وإلى تدل على الانتهاء.. ~~وعلى تدل على الاستعلاء.. هذه كلها حروف معنى. وإذا كانت الحروف في أوائل ~~السور في القرآن الكريم قد خرجت عن قاعدة الوصل لأنها مبنية على السكون ~~لابد أن يكون لذلك حكمة.. أولا لنعرف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر ~~أمثالها، لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف ". # ولذلك ذكرت في القرآن كحروف استقلالية لنعرف ونحن نتعبد بتلاوة القرآن ~~الكريم أننا نأخذ حسنة على كل حرف. فإذا قرأنا بسم الله الرحمن الرحيم. ~~يكون لنا بالباء حسنة وبالسين حسنة وبالميم حسنة فيكون لنا ثلاثة حسنات ~~بكلمة واحدة من القرآن الكريم. والحسنة بعشر أمثالها. وحينما نقرأ " الم ~~" ونحن لا نفهم معناها نعرف أن ثواب القرآن على كل حرف نقرؤه سواء ms0045 فهمناه ~~أم لم نفهمه.. وقد يضع الله سبحانه وتعالى من أسراره في هذه الحروف التي ~~لا نفهمها ثوابا وأجرا لا نعرفه، ويريدنا بقراءتها أن نحصل على هذا ~~الأجر. والقرآن الكريم ليس إعجازا في البلاغة فقط. ولكنه يحوي إعجازا ~~في كل ما يمكن للعقل البشري أن يحوم حوله. فكل مفكر متدبر في كلام الله ~~يجد إعجازا في القرآن الكريم. فالذي درس البلاغة رأى الإعجاز البلاغي، ~~والذي تعلم الطب وجد إعجازا طبيا في القرآن الكريم. وعالم النباتات رأى ~~إعجازا في آيات القرآن الكريم، وكذلك عالم الفلك. وإذا أراد إنسان منا ~~أن يعرف معنى هذه الحروف فلا نأخذها على قدر بشريتنا.. ولكن نأخذها على ~~قدر مراد الله فيها.. وقدراتنا تتفاوت وأفهامنا قاصرة. فكل منا يملك ~~مفتاحا من مفاتيح الفهم كل على قدر علمه.. هذا مفتاح بسيط يفتح مرة ~~واحدة وآخر يدور مرتين.. وآخر يدور ثلاث مرات وهكذا.. ولكن من عنده ~~العلم يملك كل المفاتيح، أو يملك المفتاح الذي يفتح كل الأبواب. ونحن لا ~~يصح أن نجهد أذهاننا لفهم هذه الحروف. فحياة البشر تقتضي منا في بعض ~~الأحيان أن نضع كلمات لا معنى لها بالنسبة لغيرنا.. وإذن كانت تمثل أشياء ~~ضرورية بالنسبة لنا. تماما ككلمة السر التي تستخدمها الجيوش لا معنى لها ~~إذا سمعتها. ولكن بالنسبة لمن وضعها يكون ثمنها الحياة أو الموت.. فخذ ~~كلمات الله التي تفهمها بمعانيها.. وخذ الحروف التي لا تفهمها بمرادات ~~الله فيها. فالله سبحانه وتعالى شاء أن يبقى معناها في الغيب عنده. # والقرآن الكريم لا يؤخذ على نسق واحد حتى نتنبه ونحن نتلوه أو نكتبه. ~~لذلك تجد مثلا بسم الله الرحمن الرحيم مكتوبة بدون ألف بين الباء والسين. ~~ومرة تجدها مكتوبة بالألف في قوله تعالى: # اقرأ باسم ربك الذي خلق # [العلق: 1]. وكلمة تبارك مرة تكتب بالألف ومرة بغير الألف.. ولو أن ~~المسألة رتابة في كتابة القرآن لجاءت كلها على نظام واحد. ولكنها جاءت ~~بهذه الطريقة لتكون كتابة القرآن معجزة وألفاظه معجزة. ونحن نقول للذين ~~يتساءلون عن الحكمة في بداية ms0046 بعض السور بحروف.. نقول إن لذلك حكمة عند ~~الله فهمناها أو لم نفهمها.. والقرآن نزل على أمة عربية فيها المؤمن ~~والكافر.. ومع ذلك لم نسمع أحدا يطعن في الأحرف التي بدأت بها السور. ~~وهذا دليل على أنهم فهموها بملكاتهم العربية.. ولو أنهم لم يفهموها ~~لطعنوا فيها. وأنا أنصح من يقرأ القرآن الكريم للتعبد.. ألا يشغل نفسه ~~بالتفكير في المعنى. أما الذي يقرأ القرآن ليستنبط منه فليقف عند اللفظ ~~والمعنى.. فإذا قرأت القرآن لتتعبد فاقرأه بسر الله فيه.. ولو جلست تبحث ~~عن المعنى.. تكون قد حددت معنى القرآن الكريم بمعلوماتك أنت. وتكون قد ~~أخذت المعنى ناقصا نقص فكر البشر.. ولكن اقرأ القرآن بسر الله فيه. إننا ~~لو بحثنا معنى كل لفظ في القرآن الكريم فقد أخرجنا الأمي وكل من لم ~~يدرس اللغة العربية دراسة متعمقة من قراءة القرآن. ولكنك تجد أميا لم ~~يقرأ كلمة واحدة ومع ذلك يحفظ القرآن كله. فإذا قلت كيف؟ نقول لك بسر ~~الله فيه. والكلام وسيلة إفهام وفهم بين المتكلم والسامع. المتكلم هو ~~الذي بيده البداية، والسامع يفاجأ بالكلام لأنه لا يعلم مقدما ماذا ~~سيقول المتكلم.. وقد يكون ذهن السامع مشغولا بشيء آخر.. فلا يستوعب أول ~~الكلمات.. ولذلك قد تنبهه بحروف أو بأصوات لا مهمة لها إلا التنبيه ~~للكلام الذي سيأتي بعدها. وإذا كنا لا نفهم هذه الحروف. فوسائل الفهم ~~والإعجاز في القرآن الكريم لا تنتهي، لأن القرآن كلام الله. والكلام صفة ~~من صفات المتكلم.. ولذلك لا يستطيع فهم بشري أن يصل إلى منتهى معاني ~~القرآن الكريم، إنما يتقرب منها. لأن كلام الله صفة من صفاته.. وصفة فيها ~~كمال بلا نهاية. فإذا قلت إنك قد عرفت كل معنى للقرآن الكريم.. فإنك تكون ~~قد حددت معنى كلام الله بعلمك.. ولذلك جاءت هذه الحروف إعجازا لك. حتى ~~تعرف إنك لا تستطيع أن تحدد معاني القرآن بعلمك. إن عدم فهم الإنسان ~~لأشياء لا يمنع انتفاعه بها.. فالريفي مثلا ينتفع بالكهرباء والتليفزيون ~~وما يذاع بالقمر الصناعي وهو لا يعرف عن أي ms0047 منها شيئا. # فلماذا لا يكون الله تبارك وتعالى قد أعطانا هذه الحروف نأخذ فائدتها ~~ونستفيد من أسرارها ويتنزل الله بها علينا بما أودع فيها من فضل سواء ~~أفهم العبد المؤمن معنى هذه الحروف أو لم يفهمها. وعطاء الله سبحانه ~~وتعالى وحكمته فوق قدرة فهم البشر.. ولو أراد الإنسان أن يحوم بفكره ~~وخواطره حول معاني هذه الحروف لوجد فيها كل يوم شيئا جديدا. لقد خاض ~~العلماء في البحث كثيرا.. وكل عالم أخذ منها على قدر صفائه، ولا يدعي ~~أحد العلماء أن ذلك هو الحق المراد من هذه الحروف.. بل كل منهم يقول ~~والله أعلم بمراده. ولذلك نجد عالما يقول الر وحم ون وهي حروف من فواتح ~~السور تكون اسم الرحمن.. نقول إن هذا لا يمكن ان يمثل فهما عاما ~~لحروف بداية بعض سور القرآن.. ولكن ما الذي يتعبكم أو يرهقكم في محاولة ~~إيجاد معان لهذه الحروف؟!. لو أن الله سبحانه وتعالى الذي أنزل القرآن ~~يريد أن يفهمنا معانيها.. لأوردها بمعنى مباشر أو أوضح لنا المعنى. ~~فمثلا أحد العلماء يقول إن معنى الم هو أنا الله اسمع وأرى.. نقول لهذا ~~العالم لو أن الله أراد ذلك فما المانع من أن يورده بشكل مباشر لنفهمه ~~جميعا.. لابد أن يكون هناك سر في هذه الحروف.. وهذا السر هو من أسرار ~~الله التي يريدنا أن ننتفع بقراءتها دون أن نفهمها. ولابد أن نعرف أنه ~~كما أن للبصر حدودا. وللأذن حدودا وللمس والشم والتذوق حدودا، فكذلك ~~عقل الإنسان له حدود يتسع لها في المعرفة.. وحدود فوق قدرات العقل لا يصل ~~إليها. والإنسان حينما يقرأ القرآن والحروف الموجودة في أوائل بعض السور ~~يقول إن هذا أمر خارج عن قدرة عقلي.. وليس ذلك حجرا أو سدا لباب ~~الاجتهاد.. لأننا إن لم ندرك فإن علينا أن نعترف بحدود قدراتنا أمام ~~قدرات خالقنا سبحانه وتعالى التي هي بلا حدود. وفي الإيمان هناك ما يمكن ~~فهمه وما لا يمكن فهمه.. فتحريم أكل لحم الخنزير أو شرب الخمر لا ننتظر ~~حتى نعرف ms0048 حكمته لنمتنع عنه. ولكننا نمتنع عنه بإيمان أنه ما دام الله قد ~~حرمه فقد أصبح حراما. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما عرفتم من محكمه فاعملوا به، وما لم تدركوا فآمنوا به ". # والله سبحانه وتعالى يقول: # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل ~~من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب # [آل عمران: 7]. إذن، فعدم فهمنا للمتشابه لا يمنع أن نستفيد من سر وضعه ~~الله في كتابه.. ونحن نستفيد من أسرار الله في كتابه فهمناها أم لم ~~نفهمها. ### || [2.2] # في الآية الثانية من سورة البقرة وصف الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم ~~بأنه الكتاب. وكلمة قرآن معناها أنه يقرأ، وكلمة كتاب معناها أنه لا ~~يحفظ فقط في الصدور، ولكن يدون في السطور، ويبقى محفوظا إلى يوم ~~القيامة، والقول بأنه الكتاب، تمييز له عن كل كتب الدنيا، وتمييز له عن ~~كل الكتب السماوية التي نزلت قبل ذلك، فالقرآن هو الكتاب الجامع لكل ~~أحكام السماء، منذ بداية الرسالات حتى يوم القيامة، وهذا تأكيد لارتفاع ~~شأن القرآن وتفرده وسماويته ودليل على وحدانية الخالق، فمنذ فجر التاريخ، ~~نزلت على الأمم السابقة كتب تحمل منهج السماء، ولكن كل كتاب وكل رسالة ~~نزلت موقوتة، في زمانها ومكانها، تؤدي مهمتها لفترة محددة وتجاه قوم ~~محددين. فرسالة نوح عليه السلام كانت لقومه، وكذلك إبراهيم ولوط وشعيب ~~وصالح عليهم السلام.. كل هذه رسالات كان لها وقت محدود، تمارس مهمتها في ~~الحياة، حتى يأتي الكتاب وهو القرآن الكريم الجامع لمنهج الله سبحانه ~~وتعالى. ولذلك بشر في الكتب السماوية التي نزلت قبل بعثة محمد عليه ~~الصلاة والسلام بأن هناك رسولا سيأتي، وأنه يحمل الرسالة الخاتمة ~~للعالم، وعلى كل الذين يصدقون بمنهج السماء أن يتبعوه.. وفي ذلك يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا ms0049 عندهم في التوراة والإنجيل.. # [الأعراف: 157]. والقرآن هو الكتاب، لأنه لن يصل إليه أي تحريف أو ~~تبديل، فرسالات السماء السابقة ائتمن الله البشر عليها، فنسوا بعضها، وما ~~لم ينسوه حرفوه، وأضافوا إليه من كلام البشر، ما نسبوه إلى الله سبحانه ~~وتعالى ظلما وبهتانا، ولكن القرآن الكريم محفوظ من الخالق الأعلى، ~~مصداقا لقوله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. ومعنى ذلك ألا يرتاب انسان في هذا الكتاب، لأن كل ما فيه من ~~منهج الله محفوظ منذ لحظة نزوله إلى قيام الساعة بقدرة الله سبحانه ~~وتعالى: يقول الحق جل جلاله: { لا ريب فيه هدى للمتقين } ~~[البقرة: 2]. والإعجاز الموجود في القرآن الكريم هو في الأسلوب وفي ~~حقائق القرآن وفي الآيات وفيما روي لنا من قصص الأنبياء السابقين، ~~وفيما صحح من التوراة والإنجيل، وفيما أتى به من علم لم تكن تعلمه ~~البشرية وما زالت حتى الآن لا تعلمه، كل ذلك يجعل القرآن لا ريب فيه، ~~لأنه لو اجتمعت الإنس والجن ما استطاعوا أن يأتوا بآية واحدة من آيات ~~القرآن، ولذلك كلما تأملنا في القرآن وفي أسلوبه، وجدنا أنه بحق لا ريب ~~فيه، لأنه لا أحد يستطيع أن يأتي بآية، فما بالك بالقرآن. فهذا الكتاب ~~ارتفع فوق كل الكتب، وفوق مدارك البشر، يوضح آيات الكون، وآيات المنهج، ~~وله في كل عصر معجزات. # إن كلمة الكتاب التي وصف الله سبحانه وتعالى بها القرآن تمييزا له عن ~~كل الكتب السابقة، تلفتنا إلى معان كثيرة، تحدد لنا بعض أساسيات المنهج ~~التي جاء هذا الكتاب ليبلغنا بها. وأول هذه الأساسيات، أن نزول هذا ~~الكتاب، يستوجب الحمد لله سبحانه وتعالى. واقرأ في سورة الكهف: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسا شديدا من ~~لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا حسنا # [الكهف: 1-2]. ويلفت الله سبحانه وتعالى عباده الى أن إنزاله القرآن على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم يستوجب الحمد من البشر جميعا، لأن فيه منهج ~~السماء، وفيه الرحمة ms0050 من الله لعباده، وفيه البشارة بالجنة والطريق إليها، ~~وفيه التحذير من النار وما يقود إليها، وهذا التحذير أو الإنذار هو رحمة ~~من الله تعالى لخلقه. لأنه لو لم ينذرهم لفعلوا ما يستوجب العذاب، ~~ويجعلهم يخلدون في عذاب أليم. ولكن الكتاب الذي جاء ليلفتهم إلى ما يغضب ~~الله، حتى يتجنبوه، إنما جاء برحمة تستوجب الحمد، لأنها أرتنا جميعا، ~~الطريق الى النجاة من النار، ولو لم ينزل الله سبحانه وتعالى الكتاب، ما ~~عرف الناس المنهج الذي يقودهم الى الجنة، وما استحق أحد منهم رضا الله ~~ونعيمه في الآخرة. وفي سورة الكهف، نجد تأكيدا آخر.. إن كتاب الله، وهو ~~القرآن الكريم لن يستطيع بشر أن يبدل منه كلمة واحدة، واقرأ قوله جل ~~جلاله: # واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل ~~لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا # [الكهف: 27]. ويبين الله سبحانه وتعالى لنا أن هذا الكتاب، جاء لنفع ~~الناس، ولنفع العباد، وأن الله ليس محتاجا لخلقه، فهو قادر على أن يقهر ~~من يشاء على الطاعة، ولا يمكن لخلق من خلق الله أن يخرج من كون الله عن ~~مرادات الله، واقرأ قوله سبحانه وتعالى: # طسم * تلك آيات الكتاب المبين * لعلك باخع ~~نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل ~~عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين # [الشعراء: 1-4]. ويأتي الله سبحانه وتعالى بالقسم الذي يلفتنا الى أن كل ~~كلمة من القرآن هي من عند الله، كما أبلغها جبريل عليه السلام لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم في قوله سبحانه: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم * إنه لقرآن كريم * في كتاب ~~مكنون * لا يمسه إلا المطهرون * تنزيل من ~~رب العالمين # [الواقعة: 75-80]. ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى ذلك الكتاب الذي هو ~~منهج للإنسان على الأرض، فبعد أن بين لنا جل جلاله، بما لا يدع مجالا ~~للشك أن الكتاب منزل من عنده، وأنه يصحح الكتب السابقة كالتوراة، ~~والإنجيل والتي أئتمن الله عليها البشر، فحرفوها وبدلوها، وهذا التحريف ~~أبطل مهمة المنهج الإلهي بالنسبة ms0051 لهذه الكتب، فجاء الكتاب الذي لم يصل ~~إليه تحريف ولا تبديل، ليبقى منهجا لله، إلى أن تقوم الساعة. # أول ما جاء به هذا الكتاب هو إيمان القمة، بأنه لا إله إلا الله الواحد ~~الأحد.. والله سبحانه وتعالى يقول: # الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * ~~نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه وأنزل التوراة والإنجيل # [آل عمران: 1-3]. وهكذا نعرف ان الكتاب نزل ليؤكد لنا، ان الله واحد ~~أحد، لا شريك له، وأن القرآن يشتمل على كل ما تضمنته الشرائع السماوية من ~~توراة وإنجيل، وغيرها من الكتب. فالقرآن نزل ليفرق بين الحق الذي ~~جاءت به الكتب السابقة، وبين الباطل الذي أضافه أولئك الذين ائتمنوا ~~عليها. ثم يحدد الحق تبارك وتعالى لنا مهمتنا في أن هذا الكتاب مطلوب أن ~~نبلغه للناس جميعا، واقرأ قوله سبحانه: # المص * كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج ~~منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين # [الأعراف: 1-2]. فالخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل خطاب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم، يتضمن خطابا لأمته ~~جميعا، فالرسول صلى الله عليه وسلم كلف بأن يبلغ الكتاب للناس، ~~ونحن مكلفون بأن نتبع المنهج نفسه ونبلغ ما جاء في القرآن للناس حتى يكون ~~الحساب عدلا، وأنهم قد بلغوا منهج الله، ثم كفروا به أو تركوه، إذن ~~فإبلاغ الكتاب من المهمات الأساسية التي حددها الله سبحانه وتعالى ~~بالنسبة للقرآن. والكتاب فيه رد على حجج الكفار وأباطيلهم. واقرأ قول ~~الله تبارك وتعالى: # الر تلك آيات الكتاب الحكيم * أكان للناس عجبا ~~أن أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر الناس ~~وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين # [يونس: 1-2]. وفي هذه الآيات الكريمة: يلفتنا الله سبحانه وتعالى إلى ~~حقيقتين.. الحقيقة الأولى هي إن الكفار يتخذون من بشرية الرسول حجة بأن ~~هذا الكتاب ليس من عند الله. وكان الرد هو: إن كل الرسل السابقين كانوا ~~بشرا، فما هو العجب في أن ms0052 يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا بشرا. ~~واللفتة الثانية هي إن هذا القرآن مكتوب بالحروف نفسها التي خلقها الله ~~لنا لنكتب بها، ومع ذلك فإن القرآن الكريم نزل مستخدما لهذه الحروف التي ~~يعرفها الناس جميعا، معجزا في ألا يستطيع الإنس والجن، مجتمعين أن ~~يأتوا بسورة واحدة منه. ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى لفتة اخرى إلى أن ~~هذا الكتاب محكم الآيات، ثم بينه الله لعباده، واقرأ قوله جل جلاله ~~في سورة هود: # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير * ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه ~~نذير وبشير # [هود: 1-2]. هذه هي بعض الآيات في القرآن الكريم، التي أراد الله سبحانه ~~وتعالى أن يلفتنا فيها إلى معنى الكتاب، فآياته من عند الله الحكيم ~~الخبير، وكل آية فيها إعجاز متحدي به الإنس والجن، وهذا الكتاب لابد ~~أن يبلغ للناس جميعا، فالكتاب ينذرهم ألا يعبدوا إلا الله، ليكون الحساب ~~عدلا في الآخرة، فمن أنذر وأطاع كان له الجنة، ومن عصى كانت له ~~النار والعياذ بالله. ثم يلفتنا الله إلى أن هذا الكتاب فيه قصص الأنبياء ~~السابقين منذ آدم عليه السلام، يقول جل جلاله: # الر تلك آيات الكتاب المبين * إنآ أنزلناه ~~قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * نحن نقص عليك ~~أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن وإن ~~كنت من قبله لمن الغافلين # [يوسف:1-3]. وهكذا نجد أن القرآن الكريم، قد جاء ليقص علينا أحسن القصص ~~بالنسبة للأنبياء السابقين، والأحداث التي وقعت في الماضي، ولم يأت ~~القرآن بهذه القصص للتسلية أو للترفيه، وإنما جاء بها للموعظة ولتكون ~~عبرة إيمانية، ذلك أن القصص القرآني يتكرر في كل زمان ومكان. ففرعون هو ~~كل حاكم طغى في الأرض، ونصب نفسه إلها، وقارون هو كل من أنعم الله ~~عليه فنسب النعمة إلى نفسه، وتكبر وعصى الله، وقصة يوسف هي قصة كل إخوة ~~حقدوا على أخ لهم، وتآمروا عليه، وأهل الكهف هم كل فتية آمنوا بربهم، ~~فنشر الله لهم من رحمته في الدنيا والآخرة، ما عدا قصة واحدة ms0053 هي قصة مريم ~~وعيسى عليهما السلام، فهي معجزة لن تتكرر ولذلك عرف الله سبحانه وتعالى ~~أبطالها، فقال عيسى بن مريم وقال مريم ابنة عمران. والكتاب الذي أنزله ~~الله سبحانه وتعالى فيه لفتة الى آيات الله في كونه. واقرأ قوله تعالى: # المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ~~ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون * ~~الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم ~~استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات ~~لعلكم بلقآء ربكم توقنون # [الرعد: 1-2]. وهكذا بين لنا الله في الكتاب آياته في الكون ولفتنا ~~إليها، فالسماء مرفوعة بغير عمد نراها، والشمس والقمر مسخران لخدمة ~~الإنسان، وهذه كلها آيات لا يستطيع أحد من خلق الله أن يدعيها لنفسه أو ~~لغيره، فلا يوجد حتى يوم القيامة من يستطيع أن يدعي أنه رفع السماء ~~بغير عمد، أو أنه خلق الشمس والقمر وسخرهما لخدمة الإنسان. ولو تدبر ~~الناس في آيات الكون لآمنوا ولكنهم في غفلة عن هذه الآيات. ثم يحدد الحق ~~سبحانه وتعالى مهمة هذا الكتاب وكيف أنه رحمة للناس جميعا، فيقول جل ~~جلاله: # الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من ~~الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط ~~العزيز الحميد * الله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد # [إبراهيم: 1-2]. أي أن مهمة هذا الكتاب هي أن يخرج الناس من ظلمات الجهل ~~والكفر والشرك إلى نور الإيمان، لأن كل كافر مشرك تحيط به ظلمات، يرى ~~الآيات فلا يبصرها، ويعرف أن هناك حسابا وآخرة ولكنه ينكرهما، ولا يرى ~~إلا الحياة الدنيا القصيرة غير المأمونة في كل شيء، في العمر والرزق ~~والمتعة، ولو تطلع إلى نور الإيمان، لرأى الآخرة وما فيها من نعيم أبدي ~~ولعمل من أجلها، ولكن لأنه تحيط به الظلمات لا يرى.. والطريق لأن ~~يرى هو هذا الكتاب، القرآن الكريم لأنه يخرج الناس إذا قرأوه من ظلمات ~~الجهل والكفر إلى نور الحقيقة واليقين. وبين الحق سبحانه وتعالى أن ~~الذين ms0054 يلتفتون إلى الدنيا وحدها، هم كالأنعام التي تأكل وتشرب، بل إن ~~الأنعام أفضل منهم، لأن الأنعام تقوم بمهمتها في الحياة، بينما هم لا ~~يقومون بمهمة العبادة، فيقول الحق تبارك وتعالى: # الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين * ربما يود ~~الذين كفروا لو كانوا مسلمين * ذرهم يأكلوا ~~ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون # [الحجر: 1-3]. هكذا يخبرنا الحق أن آيات كتابه الكريم ومنهجه لا تؤخذ ~~بالتمني، ولكن لابد أن يعمل بها، وأن الذين كفروا في تمتعهم بالحياة ~~الدنيا لا يرتفعون فوق مرتبة الأنعام، وأنهم يتعلقون بأمل كاذب في أن ~~النعيم في الدنيا فقط، ولكن الحقيقة غير ذلك وسوف يعلمون. وهكذا بعد أن ~~تعرضنا بإيجاز لبعض الآيات التي ورد فيها ذكر الكتاب أنه كتاب يبصرنا ~~بقضية القمة في العقيدة وهي أنه لا إله إلا الله وأن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم رسول الله. وهو بهذا يخرج الناس من الظلمات الى النور. ويلفتهم ~~إلى آيات الكون.. وليعرفوا أن هناك آخرة ونعيما أبديا وشقاء أبديا، ~~وليقيم الدليل والحجة على الكافرين، وأن قوله تعالى: { ذلك ~~الكتاب.. } [البقرة: 2] يحمل معنى التفوق الكامل الشامل على كل ما ~~سبقه من كتب. وأنه سيظل كذلك حتى قيام الساعة ولذلك وصفه الحق تبارك ~~وتعالى بأنه " كتاب " ليكون دليلا على الكمال. ولابد أن نعرف أن { ~~ذلك.. } [البقرة: 2] ليست كلمة واحدة.. وإنما هي ثلاث كلمات.. " ذا " ~~إسم إشارة.. " واللام " تدل على الابتعاد ورفعة شأن القرآن الكريم، و " ك ~~" لمخاطبة الناس جميعا بأن القرآن الكريم له عمومية الرسالة إلى يوم ~~القيامة. ونحن عندما نقرأ سورة البقرة نستطيع أن نقرأ آيتها الثانية ~~بطريقتين.. الطريقة الأولى أن نقول { الم * ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه.. } [البقرة: 1-2] ثم نصمت قليلا ونضيف: { هدى ~~للمتقين } [البقرة: 2] والطريقة الثانية أن نقول: { الم * ~~ذلك الكتاب لا ريب.. } [البقرة: 2] ثم نصمت قليلا ونضيف: { ~~فيه هدى للمتقين } [البقرة: 2] وكلتا الطريقتين توضح لنا ~~معنى " لا ريب " أي: لا شك. # . أو نفي للشك وجزم مطلق أنه كتاب حكيم منزل من الخالق الأعلى. وحتى ~~نفهم المنطلق الذي ms0055 نأخذ منه قضايا الدين، والتي ستكون دستورنا في الحياة، ~~فلابد أن نعرف ما هو الهدى ومن هم المتقون؟ الهدى هو الدلالة على طريق ~~يوصلك إلى ما تطلبه. فالإشارات التي تدل المسافر على الطريق هي هدى له ~~لأنها تبين له الطريق الذي يوصله إلى المكان الذي يقصده.. والهدى يتطلب ~~هاديا ومهديا وغاية تريد أن تحققها. فإذا لم تكن هناك غاية أو هدف فلا ~~معنى لوجود الهدى لأنك لا تريد أن تصل إلى شيء.. وبالتالي لا تريد من ~~أحد أن يدلك على طريق. إذن لابد أن نوجد الغاية أولا ثم نبحث عمن ~~يوصلنا اليها. وهنا نتساءل: من الذي يحدد الهدف ويحدد لك الطريق للوصول ~~إليه؟ إذا أخذنا بواقع حياة الناس، فإن الذي يحدد لك الهدف لابد أن تكون ~~واثقا من حكمته.. والذي يحدد لك الطريق لابد أن يكون له من العلم ما ~~يستطيع به أن يدلك على أقصر الطرق لتصل إلى ما تريد. فإذا نظرنا إلى ~~الناس في الدنيا نجد أنهم يحددون مطلوبات حياتهم ويحددون الطريق الذي ~~يحقق هذه المطلوبات.. فالذي يريد أن يبني بيتا مثلا يأتي بمهندس يضع له ~~الرسم، ولكن الرسم قد يكون قاصرا على أن يحقق الغاية المطلوبة فيظل ~~يغير ويبدل فيه. ثم يأتي مهندس على مستوى أعلى فيضع تصورا جديدا ~~للمسألة كلها.. وهكذا يكون الهدف متغيرا وليس ثابتا. وعند التنفيذ قد ~~لا توجد المواد المطلوبة فنغير ونبدل لنأتي بغيرها ثم فوق ذلك كله قد ~~تأتي قوة أعلى فتوقف التنفيذ أو تمنعه. إذن، فأهداف الناس متغيرة تحكمها ~~ظروف حياتهم وقدراتهم: والغايات التي يطلبونها لا تتحقق لقصور علم البشر ~~وإمكاناته. إذن، فكلنا محتاجون إلى كامل العلم والحكمة ليرسم لنا طريق ~~حياتنا.. وأن يكون قادرا على كل شيء، ومالكا لكل شيء، والكون خاضع ~~لإرادته حتى نعرف يقينا أن ما نريده سيتحقق، وأن الطريق الذي سنسلكه ~~سيوصلنا إلى ما نريده. وينبهنا الله سبحانه وتعالى إلى هذه القضية فيقول: # قل إن هدى الله هو الهدى.. # [البقرة: 120]. إن الله يريد أن يلفت خلقه ألى ms0056 أنهم إذا أرادوا أن يصلوا ~~إلى الهدف الثابت الذي لا يتغير فليأخذوه عن الله. وإذا أرادوا أن يتبعوا ~~الطريق الذي لا توجد فيه أي عقبات أو متغيرات.. فليأخذوا طريقهم عن الله ~~تبارك وتعالى.. إنك إذا أردت باقيا.. فخذ من الباقي، وإذا أردت ثابتا.. ~~فخذ من الثابت. ولذلك كانت قوانين البشر في تحديد أهدافهم في الحياة ~~وطريقة الوصول إليها قاصرة. # . علمت أشياء وغابت عنها أشياء.. ومن هنا فهي تتغير وتتبدل كل فترة من ~~الزمان. ذلك أن من وضع القوانين من البشر له هدف يريد أن يحققه، ولكن ~~الله جل جلاله لا هوى له.. فإذا أردت أن تحقق سعادة في حياتك، وأن تعيش ~~آمنا مطمئنا.. فخذ الهدف عن الله، وخذ الطريق عن الله. فإن ذلك ينجيك من ~~قلق متغيرات الحياة التي تتغير وتتبدل. والله قد حدد لخلقه ولكل ما في ~~كونه أقصر طريق لبلوغ الكون سعادته. والذين لا يأخذون هذا الطريق يتعبون ~~أنفسهم ويتعبون مجتمعهم ولا يحققون شيئا. إذن، فالهدف يحققه الله لك، ~~والطريق يبينه الله لك.. وما عليك إلا أن تجعل مراداتك في الحياة خاضعة ~~لما يريده الله. ويقول الله سبحانه وتعالى: { هدى للمتقين } ~~[البقرة: 2].. ما معنى المتقين؟ متقين جمع متق. والاتقاء من ~~الوقاية.. والوقاية هي الاحتراس والبعد عن الشر.. لذلك يقول الحق تبارك ~~وتعالى: # يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ~~وقودها الناس والحجارة.. # [التحريم: 6]. أي اعملوا بينكم وبين النار وقاية. احترسوا من أن تقعوا ~~فيها.. ومن عجيب أمر هذه التقوى أنك تجد الحق سبحانه وتعالى يقول في ~~القرآن الكريم - والقرآن كله كلام الله - # اتقوا الله.. # [البقرة: 278]. ويقول: # فاتقوا النار.. # [البقرة: 24]. كيف نأخذ سلوكا واحدا تجاه الحق سبحانه وتعالى وتجاه ~~النار التي سيعذب فيها الكافرون؟! الله تعالى يقول: # فاتقوا النار.. # [البقرة: 24]. أي لا تفعلوا ما يغضب الله حتى لا تعذبوا في النار.. ~~فكأنك قد جعلت بينك وبين النار وقاية بأن تركت المعاصي وفعلت الخير. ~~وقوله تعالى: # اتقوا الله.. # [البقرة: 278]. كيف نتقيه بينما نحن نطلب من الله كل النعم وكل الخير ms0057 ~~دائما. كيف يمكن أن يتم هذا؟ وكيف نتقي من نحب؟. نقول إن لله سبحانه ~~وتعالى صفات جلال وصفات جمال.. صفات الجلال تجدها في القهار والجبار ~~والمذل، والمنتقم، والضار. كل هذا من متعلقات صفات الجلال.. بل إن النار ~~من متعلقات صفات الجلال. أما صفات الجمال فهي الغفار والرحيم وكل الصفات ~~التي تتنزل بها رحمات الله وعطاءاته على خلقه. فاذا كنت تقي نفسك من ~~النار وهي من متعلقات صفات الجلال لابد أن تقي نفسك من صفات الجلال ~~كلها. لأنه قد يكون من متعلقاتها ما أشد عذابا وإيلاما من النار.. فكأن ~~الحق سبحانه وتعالى حين يقول: # فاتقوا النار.. # [البقرة: 24]. و: # اتقوا الله.. # [البقرة: 278] يعني أن نتقي غضب الله الذي يؤدي بنا إلى أن نتقي كل صفات ~~جلاله.. ونجعل بيننا وبينها وقاية. فمن اتقى صفات جلال الله أخذ صفات ~~جماله.. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كانت آخر ليلة من رمضان تجلى الجبار بالمغفرة " # وكان المنطق يقتضي أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم تجلى الرحمن ~~بالمغفرة ولكن ما دامت هناك ذنوب، فالمقام لصفة الجبار الذي يعذب خلقه ~~بذنوبهم. فكأن صفة الغفار تشفع عند صفة الجبار.. وصفة الجبار مقامها ~~للعاصين، فتأتي صفة الغفار لتشفع عندها، فيغفر الله للعاصين ذنوبهم، ~~وجمال المقابلة هنا حينما يتجلى الجبار بجبروته بالمغفرة فساعة تأتي كلمة ~~جبار.. يشعر الإنسان بالفزع والخوف والرعب. لكن عندما تسمع تجلى الجبار ~~بالمغفرة فإن السعادة تدخل إلى قلبك. لأنك تعرف أن صاحب العقوبة وهو قادر ~~عليها قد غفر لك. والنار ليست آمرة ولا فاعلة بذاتها ولكنها مأمورة. إذن ~~فاستعذ منها بالآمر أو بصفات الجمال في الآمر. يقول الحق سبحانه وتعالى { ~~هدى للمتقين } [البقرة: 2] ولقد قلنا إن الهدى هدى الله.. لأنه ~~هو الذي حدد الغاية من الخلق ودلنا على الطريق الموصل إليها. فكون الله ~~هو الذي حدد المطلوب ودلنا على الطريق إليه فهذه قمة النعمة.. لأنه لم ~~يترك لنا أن نحدد غايتنا ولا الطريق إليها. فرحمنا بذلك مما سنتعرض له من ~~شقاء ms0058 في أن نخطئ ونصيب بسبب علمنا القاصر، فنشقى وندخل في تجارب، ونمشي ~~في طرق ثم نكتشف أننا قد ضللنا الطريق فنتجه إلى طريق آخر فيكون أضل ~~وأشقى. وهكذا نتخبط دون أن نصل إلى شيء.. وأراد سبحانه أن يجنبنا هذا كله ~~فأنزل القرآن الكريم.. كتابا فيه هداية للناس وفيه دلالة على أقصر الطرق ~~لكي نتقي عذاب الله وغضبه. والله سبحانه وتعالى قال: { هدى ~~للمتقين } [البقرة: 2] أي أن هذا القرآن هدى للجميع، فالذي يريد ~~أن يتقي عذاب الله وغضبه يجد فيه الطريق الذي يحدد له هذه الغاية.. ~~فالهدى من الحق تبارك وتعالى للناس جميعا. ثم خص من آمن به بهدي ~~آخر، وهو أن يعينه على الطاعة. إذن، فهناك هدى من الله لكل خلقه وهو أن ~~يدلهم سبحانه وتعالى ويبين لهم الطريق المستقيم. هذا هو هدى الدلالة، وهو ~~أن يدل الله خلقه جميعا على الطريق إلى طاعته وجنته. واقرأ قوله تبارك ~~وتعالى: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت: 17]. إذن الحق سبحانه وتعالى دلهم على طريق الهداية.. ولكنهم ~~أحبوا طريق الغواية والمعصية واتبعوه.. هذه هداية الدلالة.. أما هداية ~~المعونة ففي قوله سبحانه: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. وهذه هي دلالة المعونة.. وهي لا تحق إلا لمن آمن بالله ~~واتبع منهجه وأقبل على هداية الدلالة وعمل بها.. والله سبحانه وتعالى لا ~~يعين من يرفض هداية الدلالة، بل يتركه يضل ويشقى.. ونحن حين نقرأ ~~القرآن الكريم نجد أن الله تبارك وتعالى يقول لنبيه ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء.. # [القصص: 56]. وهكذا نفى الله سبحانه وتعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أن يكون هاديا لمن أحب، ولكن الحق يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52]. فكيف يأتي هذا الاختلاف مع أن القائل هو الله. نقول: ~~عندما تسمع هذه الآيات اعلم أن الجهة منفكة.. يعني ما نفى غير ما أثبت.. ~~ففي غزوة بدر مثلا أخذ رسول الله صلى الله ms0059 عليه وسلم حفنة من الحصى ~~قذفها في وجه جيش قريش. يأتي القرآن الكريم إلى هذه الواقعة فيقول الحق ~~سبحانه: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.. # [الأنفال: 17]. نفي للحدث وإثباته في الآية نفسها.. كيف رمى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم.. مع أن الله تبارك وتعالى قال: # وما رميت.. # [الأنفال: 17]؟! نقول إنه في هذه الآية الجهة منفكة، الذي رمى هو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الذي أوصل الحصى إلى كل جيش قريش لتصيب كل ~~مقاتل فيهم هي قدرة الله سبحانه وتعالى. فما كان لرمية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حفنة من الحصى يمكن أن تصل إلى كل جيش الكفار، ولكن قدرة ~~الله هي التي جعلت هذا الحصى يصيب كل جندي في الجيش. أما قول الحق سبحانه ~~وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52]، فهي هداية دلالة. أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بتبليغه للقرآن وبيانه لمنهج الله قد دل الناس - كل الناس - على الطريق ~~المستقيم وبينه لهم. وقوله تبارك وتعالى: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56].. أي إنك لا توصل الهداية إلى القلوب لأن الله سبحانه ~~وتعالى هو الذي يهدي القلوب ويزيدها هدى وإيمانا. ولذلك أطلقها الله ~~تبارك وتعالى قضية إيمانية عامة في قوله: # قل إن الهدى هدى الله.. # [آل عمران: 73] فالقرآن الكريم يحمل هداية الدلالة للذين يريدون أن ~~يجعلوا بينهم وبين غضب الله وعذابه وقاية. ### || [2.3] # بعد أن بين الله سبحانه وتعالى لنا أن هذا الكتاب - وهو القرآن الكريم ~~- # هدى للمتقين # [البقرة: 2].. أي أن فيه المنهج والطريق لكل من يريد أن يجعل بينه ~~وبين غضب الله وقاية.. أراد أن يعرفنا صفات هؤلاء المتقين ومن هم.. ~~وأول صفة هي قوله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب.. } ~~[البقرة: 3]. ما هو الغيب الذي جعله الله أول مرتبة في الهدى.. وفي ~~الوقاية من النار ومن غضب الله؟. الغيب هو كل ما غاب عن مدركات الحس. ~~فالأشياء المحسة التي نراها ونلمسها ms0060 لا يختلف فيها أحد.. ولذلك يقال: ~~" ليس مع العين أين ".. لأن ما تراه لا تريد عليه دليلا.. ولكن الغيب لا ~~تدركه الحواس.. إنما يدرك بغيرها. ومن الدلالة على دقة التعريف أنهم ~~قالوا أن هناك خمس حواس ظاهرة هي: السمع والبصر والشم والذوق واللمس.. ~~ولكن هناك أشياء تدرك بغير هذه الحواس. لنفرض أن أمامنا حقيبتين.. نفس ~~الشكل ونفس الحجم. هل تستطيع بحواسك الظاهرة أن تدرك أيهما أثقل من ~~الأخرى؟. هل تستطيع الحواس الخمس أن تقول لك أي الحقيبتين أثقل؟.. لا.. ~~لابد أن تحمل واحدة منهما ثم تحمل الأخرى لتعرف أيهما أثقل. بأي شيء ~~أدركت هذا الثقل؟.. بحاسة العضل.. لأن عضلاتك أجهدت عندما حملت إحدى ~~الحقيبتين، ولم تجهد عندما حملت الثانية.. فعرفت بالدقة أيهما أثقل.. لا ~~تقل باللمس لأنك لو لمست إحداهما ثم لمست الأخرى لا تعرف أيهما أثقل.. ~~إذن فهناك حاسة العضل التي تقيس بها ثقل الأشياء. ولنفرض أنك دخلت محلا ~~لبيع القماش، وأمامك نوعان من قماش واحد.. ولكن أحدهما أرق من الآخر.. ~~بمجرد أن تضع القماشين بين أناملك تدرك أن أحدهما رقيق والآخر أكثر ~~سمكا.. بأي حاسة أدركت هذا؟ ليس بحاسة اللمس ولكن بحاسة البينة وحكمها ~~لا يخطىء. وعندما تشعر بالجوع.. بأي حاسة أدركت أنك جوعان؟.. ليس بالحواس ~~الظاهرة، وكذلك عندما تظمأ.. ما هي الحاسة التي أدركت بها أنك محتاج إلى ~~الماء.. وعندما تكون نائما.. أي حاسة تلك التي توقظك من النوم.. لا أحد ~~يعرف. إذن هناك ملكات في النفس وهي الحواس الظاهرة.. وهناك إدراكات في ~~النفس.. وهي حواس لا يعلمها إلا خالقها.. لذلك عندما يأتي العلماء ليضعوا ~~تعريفا للنفس البشرية نقول لهم: ماذا تعرفون عن هذه النفس؟!.. إنكم لا ~~تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا.. ولكن هناك أشياء داخل النفس لا ~~تعرفونها.. هناك إدراكات لا يعلم عنها الإنسان شيئا، وهي إدراكات كثيرة ~~ومتعددة. # . لذلك يخطئ من يقول إن ما لا يدرك بالحواس البشرية الظاهرة هو غيب.. ~~لأن هناك ملكات وإدراكات متعددة تعمل بغير علم منا. لو أعطي لطالب ~~تمرين ms0061 هندسي فحله وأتى بالجواب.. هل نقول: إنه علم غيبا؟.. لأن ~~حل التمرين كان غيبا عنه ثم وصل إليه.. لا.. لأن هناك مقدمات وقوانين ~~أوصلته الى هذا الحل.. والغيب بلا مقدمات ولا قوانين تؤدي إليه، وهل ~~عندما تعلن الأرصاد الجوية أن غدا يوم مطير شديد الرياح.. أتكون قد ~~علمت غيبا؟.. لا.. لأنها أخذت المقدمات ووصلت بها إلى نتائج وهذا ليس ~~غيبا. وإذا جاء أحد من الدجالين وقال لك إن ما سرق منك عند فلان.. أيكون ~~قد علم الغيب؟.. لا.. لأنه يشترط في الغيب ألا يكون معلوما لمثلك.. وما ~~سرق منك معلوم لمثلك.. فالسارق والذي بيعت له المسروقات يعرفان من الذي ~~سرق، وما الذي حدث.. والشرطة تستطيع بالمقدمات والبصمات والبحث أن تصل ~~إلى السارق ومن اشترى المسروقات.. وإذا جاءك دجال من الذين يسخرون ~~الجن.. والمعروف أن الجن مستور عنا يمتاز بخفة الحركة وسرعتها.. والله ~~سبحانه وتعالى يقول عن الشيطان: # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم.. # [الأعراف: 27]. فقد يكون هذا المستعان به من الجن قد رأى شيئا.. أو ~~انتقل من مكان إلى آخر.. فيعرف شيئا لا تعرفه أنت.. هذا لا يكون غيبا ~~لأنك جهلته، ولكن غيرك يعلمه بقوانينه التي خلقها الله له.. والعلماء ~~الذين يكتشفون أسرار الكون.. أيقال إنهم أطلعوا على الغيب؟.. لا.. لأن ~~هؤلاء العلماء اكتشفوا موجودا له مقدمات فوصلوا إلى هذه النتائج فهو ليس ~~غيبا. ولكن ما هو الغيب؟. هو الشيء الذي ليس له مقدمات ولا يمكن أن يصل ~~إليه علم خلق من خلق الله حتى الملائكة.. واقرأ قول الحق سبحانه ~~وتعالى حينما علم آدم الأسماء كلها وعرضهم على الملائكة قال جل ~~جلاله: # وعلم ءادم الأسمآء كلها ثم عرضهم على ~~الملائكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن ~~كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنآ إلا ما ~~علمتنآ إنك أنت العليم الحكيم * قال يآءادم ~~أنبئهم بأسمآئهم فلمآ أنبأهم بأسمآئهم ~~قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات ~~والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون # [البقرة: 31-33]. والجن أيضا لا يعلم الغيب.. ms0062 ولذلك عندما مات سليمان ~~عليه السلام.. وكان الله سبحانه وتعالى قد سخر له الجن لم تعلم الجن ~~بموته إلا عندما أكلت دابة الأرض عصاه.. واقرأ قوله تبارك وتعالى: # فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته ~~إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر ~~تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما ~~لبثوا في العذاب المهين # [سبأ: 14]. إذن فالغيب هو ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.. واقرأ ~~قول الحق جل جلاله: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ~~ومن خلفه رصدا # [الجن: 26-27]. وهكذا فإن الرسل لا يعلمون الغيب.. ولكن الله سبحانه ~~وتعالى يعلمهم بما يشاء من الغيب ويكون هذا معجزة لهم ولمن اتبعوهم. ~~وقمة الغيب هي الإيمان بالله سبحانه وتعالى.. والإيمان بملائكته وكتبه ~~ورسله والإيمان باليوم الآخر.. كل هذه أمور غيبية، وحينما يخبرنا الله ~~تبارك وتعالى عن ملائكته ونحن لا نراهم.. نقول ما دام الله قد أخبرنا بهم ~~فنحن نؤمن بوجودهم.. وإذا أخبرنا الحق سبحانه وتعالى عن اليوم الآخر.. ~~فما دام الله قد أخبرنا فنحن نؤمن باليوم الآخر.. لأن الذي أخبرنا به هو ~~الله جل جلاله.. آمنت به أنه إله.. واستخدمت في هذا الإيمان الدليل ~~العقلي الذي جعلني أؤمن بأن لهذا الكون إلها وخالقا.. وما يأتيني عن ~~الله حيثية الإيمان به أن الله سبحانه وتعالى هو القائل. ولا بد أن نعرف ~~أن وجود الشيء مختلف تماما عن إدراك هذا الشيء.. فأنت لك روح في جسدك ~~تهبك الحياة.. أرأيتها؟.. أسمعتها؟.. أذقتها؟.. أشممتها؟.. ألمستها؟.. ~~الجواب طبعا لا.. فبأي وسيلة من وسائل الإدراك تدرك أن لك روحا في ~~جسدك؟ بأثرها في إحياء الجسد.. إذن، فقد عرفت الروح بأثرها، والروح مخلوق ~~لله.. فكيف تريد وأنت عاجز أن تدرك مخلوقا في جسدك وذاتك وهو الروح ~~بآثارها.. أن تدرك الله سبحانه وتعالى بحواسك. ونحن إذا آمنا بالقمة ~~الغيبية وهو الله جل جلاله.. فلابد أن نؤمن بكل ما يخبرنا عنه وإن لم ~~نره.. ولقد أراد الله ms0063 تبارك وتعالى رحمة بعقولنا أن يقرب لنا قضية ~~الغيب فأعطانا من الكون المادي أدلة على أن وجود الشيء، وإدراك هذا ~~الوجود شيئان منفصلان تماما. فالجراثيم مثلا موجودة في الكون تؤدي ~~مهمتها منذ بداية الخلق.. وكان الناس يشاهدون آثار الأمراض في أجسادهم من ~~ارتفاع في الحرارة وحمى وغير ذلك وهم لا يعرفون السبب.. فلما ارتقى العلم ~~وأذن الله لخلقه أن يروا هذا الوجود للجراثيم.. جعل الله العقول قادرة ~~على أن تكتشف المجهر.. الذي يعطينا الصورة مكبرة.. لأن العين قدرتها ~~البصرية أقل من أن تدرك هذه المخلوقات الدقيقة.. فلما اكتشف العلم ~~المجهر.. استطعنا أن نرى هذا الجراثيم.. ونعرف أن لها دورة حياة وتكاثر ~~إلى غير ما يكشفه الله لنا من علم كلما تقدم الزمن. # إن عدم قدرتنا على رؤية أي شيء لا يعني أنه غير موجود.. ولكن آلة ~~الإدراك - وهي البصر - عاجزة عن أن تراه، لأنه غاية في الصغر، فاذا جئت ~~بالمجهر كبر لك هذا الميكروب ليدخل في نطاق وسيلة رؤيتك وهي العين.. ~~ورؤيتنا للجراثيم والميكروبات ليست دليلا على أنها خلقت ساعة رأيناها.. ~~بل هي موجودة تؤدي مهمتها.. سواء رأيناها أو لم نرها. فلو حدثنا أحد عن ~~الميكروبات والجراثيم قبل أن نراها رؤية العين.. هل كنا نصدق؟.. والله ~~سبحانه وتعالى ترك بعض خلقه غير مدرك في زمنه لبعض حقائق الكون ليرتقي ~~الإنسان ويدرك بعد ذلك، وكان المفروض أنه يزداد إيمانا عندما يدرك ~~وليعرف الخلق بالدليل المادي أن ما هو غيب عنهم موجود وإن كنا لا نراه. ~~والله تبارك وتعالى قد أعطانا من آياته في الكون ما يجعلنا ندرك أن لهذا ~~الكون خالقا.. فالشمس والقمر والنجوم والأرض والإنسان والحيوان والجماد ~~لا يستطيع أحد أن يدعي أنه خلقهم.. ولا أحد يمكن أن يدعي أنه خلق ~~نفسه أو غيره. ولا يمكن لهذا الكون بهذا النظام الدقيق أن يوجد بالصدفة ~~لأن الصدفة أحداث غير مرتبة أو غير منظمة.. ولو وجد هذا الكون بالصدفة ~~لتصادمت الشمس والقمر والنجوم والأرض ولاختل الليل والنهار. ولكن كل ما ~~في الكون ms0064 من آيات يؤكد لنا أن هناك قوة هائلة هي التي خلقت ونظمت وأبدعت، ~~فإذا جاءنا رسول يبلغنا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق هذا الكون ~~فلابد أن نصدقه. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { ويقيمون الصلاة.. ~~} [البقرة: 3].. والصلاة هي إدامة ولاء العبودية للحق تبارك وتعالى وهي ~~لا تسقط عن الإنسان أبدا.. فالإنسان يصلي وهو واقف، فإن لم يستطع يصلي ~~وهو جالس. فإن لم يستطع، فيصلي وهو راقد.. ولا تسقط الصلاة عن الإنسان من ~~ساعة التكليف إلى ساعة الوفاة كل يوم خمس مرات. ويقول الحق تبارك وتعالى: ~~{ ومما رزقناهم ينفقون } [البقرة: 3].. وحين نتكلم عن ~~الرزق يظن كثير من الناس أن الرزق هو المال.. نقول له لا.. الرزق هو ما ~~ينتفع به. فالقوة رزق، والعلم رزق، والحكمة رزق، والتواضع رزق.. وكل ما ~~فيه حركة للحياة رزق.. فإن لم يكن عندك مال لتنفق منه فعندك عافية تعمل ~~بها لتحصل على المال.. وتتصدق بها على العاجز المريض.. وإن كان عندك ~~حلم.. فإنك تنفقه بأن تقي الأحمق من تصرفات قد تؤذي المجتمع وتؤذيك.. وإن ~~كان عندك علم فأنفقه لتعلم الجاهل.. وهكذا نرى: { ومما ~~رزقناهم ينفقون } [البقرة: 3] تستوعب جميع حركة الحياة. ### || [2.4] # الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة يعطينا صفات أخرى من صفات ~~المؤمنين.. فبعد أن أبلغنا أن من صفات المؤمنين الإيمان بالغيب وإقامة ~~الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله.. يأتي بعد ذلك إلى صفات أخرى. فهؤلاء ~~المؤمنون هم: { والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك.. } ~~[البقرة: 4] أي بالقرآن الكريم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى.. و { ~~ومآ أنزل من قبلك.. } [البقرة: 4] وهذه لم تأت في وصف ~~المؤمنين إلا في القرآن الكريم.. ذلك أن الإسلام عندما جاء كان عليه أن ~~يواجه صنفين من الناس.. الصنف الأول هم الكفار وهم لا يؤمنون بالله ولا ~~برسول مبلغ عن الله.. وكان هناك صنف آخر من الناس.. هم أهل الكتاب ~~يؤمنون بالله ويؤمنون برسل عن الله وكتب عن الله. والإسلام واجه ~~الصنفين.. لأن أهل الكتاب ربما ظنوا أنهم على صلة بالله.. يؤمنون به ms0065 ~~ويتلقون منه كتبا ويتبعون رسلا وهذا في نظرهم كاف.. نقول لا، فالإسلام ~~جاء ليؤمن به الكافر، ويؤمن به أهل الكتاب، ويكون الدين كله لله. والله ~~سبحانه وتعالى في كتبه التي أنزلها أخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعن اسمه وأوصافه، وطلب من أهل الكتاب الذين سيدركون رسالته صلى الله ~~عليه وسلم أن يؤمنوا به. ولقد أعطى الله جل جلاله أوصاف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأهل الكتاب حتى إنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ~~بل كانت معرفتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزمنه وأوصافه معرفة ~~يقينية.. وكان يهود المدينة يقولون للكفار.. أطل زمن رسول سنؤمن به ~~ونقتلكم قتل عاد وإرم.. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أول ~~من حاربه وأنكر نبوته.. فأوصاف رسول الله عليه الصلاة والسلام موجودة ~~في التوراة والإنجيل.. ولذلك كان بعض أهل الكتاب من اليهود ينذرون الكفار ~~بأنهم سيؤمنون بالرسول الجديد ويسودون به العرب.. واقرأ قول الحق سبحانه ~~وتعالى: # ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة ~~الله على الكافرين # [البقرة: 89]. أي أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تكن مفاجئة لأهل ~~الكتاب بل كانوا ينتظرونها.. كانوا يؤكدون أنهم سيؤمنون بها كما تأمرهم ~~بها كتبهم.. ولكنهم رفضوا الإيمان وأنكروا الرسالة عندما جاء زمنها. ثم ~~يقول سبحانه وتعالى: { وبالآخرة هم يوقنون } [البقرة: 4] ~~ونلاحظ هنا أن كلمة { وبالآخرة } [البقرة: 4] قد جاءت.. لأنك اذا ~~تصفحت التوراة التي هي كتاب اليهود، أو قرأت التلمود لا تجد شيئا عن ~~اليوم الآخر. # . فقد أخذوا الأمر المادي فقط من كتبهم.. والله تبارك وتعالى أكد ~~الإيمان باليوم الآخر حتى يعرف الذين يقولون آمنا بالله وكتبه ورسله ولا ~~يلتفتون إلى اليوم الآخر، أنهم ليسوا بمؤمنين، فلو لم يجئ هذا الوصف في ~~القرآن الكريم ربما قالوا إن الإسلام موافق لما عندنا، ولكن الله جل ~~جلاله يريد تصوير الإيمان تصويرا كماليا بأن الإيمان بالله قمة ms0066 ابتداء ~~والإيمان باليوم الآخر قمة انتهاء.. فمن لم يؤمن بالآخرة وأنه سيلقى الله ~~وسيحاسبه.. وأن هناك جنة ينعم فيها المؤمن، ونارا يعذب فيها الكافر ~~يكون ايمانه ناقصا، ويكون قد اقترب من الكافر الذي جعل الدنيا غايته ~~وهدفه. فالمؤمن يتبع منهج الله في الدنيا ليستحق نعيم الله في الآخرة.. ~~فلو أن الآخرة لم تكن موجودة، لكان الكافر أكثر حظا من المؤمن في ~~الحياة.. لأنه أخذ من الدنيا ما يشتهيه ولم يقيد نفسه بمنهج، بل أطلق ~~لشهواته العنان.. بينما المؤمن قيد حركته في الحياة طبقا لمنهج الله ~~وتعب في سبيل ذلك. ثم يموت الاثنان وليس بعد ذلك شيء.. فيكون الكافر هو ~~الفائز بنعم الدنيا وشهواتها. والمؤمن لا يأخذ شيئا والأمر هنا لا ~~يستقيم بالنسبة لقضية الإيمان.. ولذلك كان الإيمان بالله قمة الإيمان ~~بداية والإيمان بالآخرة قمة الإيمان نهاية. ### || [2.5] # قوله تعالى: أولئك إشارة إلى الذين تنطبق عليهم كل الصفات التي يبينها ~~الله سبحانه وتعالى في الآيتين السابقتين، فأولئك الذين تنطبق عليهم هذه ~~الصفات وصلوا الى الهدى أي: إلى الطريق الموصل للإيمان، ووصلوا إلى ~~الفلاح، وهو الهدف من الإيمان. وقوله تعالى: { أولئك على هدى ~~من ربهم وأولئك هم المفلحون } [البقرة: 5] تشمل ~~الجميع. ولكن لماذا استخدم الله تبارك وتعالى { أولئك } مرتين؟ ~~تلك من بلاغة القرآن الكريم، ولماذا دمج الخبرين مع بعضهما؟ حتى نعرف أنه ~~ليس في الإسلام إيمانان، بل إيمان واحد يترتب عليه جزاء واحد.. وسيلته ~~الهدى، وغايته الفلاح.. ولو نظر إلى التكليفات التي هي الهدى الموصلة إلى ~~الغاية نجد أن الله سبحانه وتعالى رفع المهتدي على الهدى.. لنعرف أن ~~الهدى لم يأت ليقيد حركتك في الحياة ويستذلك، وانما جاء ليرفعك. إن ~~السطحيين يعتقدون أن الهدى يقيد حركة الإنسان في الحياة ويمنعه من تحقيق ~~شهواته العاجلة.. ولكن الهدى في الحقيقة يرفع الإنسان ويحفظه من الضرر، ~~ومن غضب الله، ومن إفساد المجتمع الذي سيكون هو أول من يعاني منه.. لذلك ~~قال تبارك وتعالى: { على هدى.. } [البقرة: 5]. و على تفيد ~~الاستعلاء. فإذا قلت أنت على الجواد ms0067 فإنك تعلوه.. كأن المهتدي حين يلزم ~~نفسه بالمنهج لا يذل.. ولكنه يرتفع إلى الهدى ويصبح الهدى يأخذه من خير ~~إلى خير، وذلك بعكس الضلالة التي تأخذ الإنسان إلى أسفل.. وذلك حين تقرأ ~~في القرآن الكريم قوله تعالى: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24]. ترى ما يفيد الارتفاع والعلو في الهداية، وما يفيد الانخفاض ~~والنزول في الضلالة وإنما كان العلو في الهدى، لأن المنهج قيد حركة ~~حياتك إعزازا لك لعلوك وسمو مقامك في أنك لا تأخذ من بشر تشريعا.. ولا ~~تأخذ من ذاتك حركة.. وإنما يرتفع بك لتتلقى عن الله سبحانه وتعالى.. وهذا ~~علو كبير، ولكن عند الضلال قال: " في ضلال ".. وفي تدل على الظرفية ~~المحيطة.. وهو كما وصفه الله سبحانه وتعالى في آية أخرى بقوله جل جلاله: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # [البقرة: 81]. أحاطت به الخطيئة.. أي لا يستطيع أن يفلت منها لأنه مظروف ~~في الضلال.. وما دامت الخطيئة محيطة به فلا يجد منفذا لأنها تحكمه.. وما ~~دامت تحكمه فلا يمكن أن يصل إلى هدى مطلقا.. فالحق سبحانه وتعالى حينما ~~قال: { أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون } [البقرة: 5].. اختار لفظا عليه دلالة دنيوية تقرب ~~المعنى إلى السامع. # ما هو الفلاح؟.. المعنى العام هو الفوز والمفلح هو الفائز. ومعنى ~~الآية الكريمة أولئك هم الفائزون وقال: " هم المفلحون ".. لأن الفلاح ~~مأخوذ من شق الأرض للبذر.. ومنه سمي الفلاح الذي صفته شق الأرض ورمي ~~البذور فيها. والحق سبحانه تعالى جاء بهذا اللفظ بالنسبة للآخرة لآنه ~~يريد أن يأتي لنا مع الشيء بدليله.. وهناك فرق بين أمر غيبي عنا لا ~~نعرفه، وأمر غيبي يستدل عليه بمشهود. فالدين يقيد حريتك في الحياة في أن ~~تفعل ولا تفعل.. ومنهج الله جاء ليقول لك: افعل كذا ولا تفعل كذا. وكثير ~~من الناس يظن أن ذلك تقييد لحركة حياة المؤمن وإثقال عليه.. لأنه أخذ منه ~~حرية حركته فقيدها. إن الله تبارك وتعالى حين يقول ms0068 لك: لا تفعل.. ~~معناها عند السطحيين أنه ضيق عليك ما تريد أن تفعله.. وحين يقول لك ~~افعل.. معناها يكون قد ضيق عليك في شيء لا تريد أن تفعله.. فمثلا: حين ~~يطلب منك الزكاة، فالزكاة في ظاهرها نقص المال، وإن كانت في حقيقتها بركة ~~ونماء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع ~~أحد لله إلا رفعه " # فالحق سبحانه وتعالى إذا قيد حركتك في الحياة.. لا تظن أن هذا تضييق ~~عليك، بل إن هذا لفائدتك.. لأنه لم يأمرك وحدك، ولكن الأمر للناس جميعا ~~حين يقول جل جلاله: لا تسرق.. فقد قالها للناس جميعا ولذلك تكون أنت ~~الرابح.. لأنه قيدك وأنت فرد من أن تسرق من غيرك.. ولكنه قيد ملايين ~~الناس من أن يسرقوا منك.. إذن فالله لم يضيق عليك، ولكنه حمى مالك من ~~الناس كل الناس.. قيدك وأنت فرد أن تسرق من مال غيرك، وقيد ملايين أن ~~يسرقوا من مالك.. فمن الفائز؟.. أنت طبعا. وقوله تعالى: { ~~وأولئك هم المفلحون } [البقرة: 5] المفلحون من مادة ~~فلح.. فإذا كانت الأرض صماء فحينما نشقها ونبذرها تعطي محصولا ~~عظيما، العملية أخذناها أبا عن جد.. فالأرض حين تشق وتبذر تعطي ~~محصولا وافرا.. وإذا كانت هذه العملية أخذت أبا عن جد.. يأتي السؤال ~~من الذي علم آدم البذر والزرع؟.. نقول علمه الله سبحانه وتعالى كما ~~علمه الأسماء.. وكما علمه ما يمكنه به أن يباشر مهمته في الأرض. والحق جل ~~جلاله لم يكن يترك آدم في حياته على الأرض دون أن يعلمه ما يضمن استمرار ~~حياته وحياة أولاده.. يعلمه على الأقل بدايات.. ثم بعد ذلك تتطور هذه ~~البدايات بما يكشفه الله من علمه لخلقه. # . وبعد ذلك جاءت القرون المتقدمة فاستطعنا أن نستخدم آلات حديثة متطورة ~~تقوم بعملية الحرث والبذر. ولكن الحقيقة الثابتة التي لم تتغير منذ بداية ~~الكون ولن تتغير حتى نهايته.. هي أن مهمة الانسان أن يحرث ويضع البذرة في ~~الأرض ويسقيها.. أما نمو الزرع ms0069 نفسه فلا دخل للإنسان فيه، وكذلك الثمر ~~الذي ينتجه لا عمل للإنسان فيه. ولقد نبهنا الله تبارك وتعالى إلى هذه ~~الحقيقة حتى لا نغتر بحركتنا في الحياة ونقول إننا نحن الذين نزرع.. ~~واقرأ قول الحق جل جلاله في سورة الواقعة: # أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون * لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم ~~تفكهون * إنا لمغرمون * بل نحن محرومون # [الواقعة: 63-67]. وهكذا ظلت مهمة الفلاحة في الأرض مقصورة على الحرث ~~والسقي والبذر، وحينما تلقى الحبة في الأرض يخلق الله في داخلها الغذاء ~~الذي يكفيها حتى تستطيع أن تأخذ غذاءها من الأرض، وإذا جئت بحبة وبللتها ~~تجد أنها قد نبت لها ساق وجذور.. من أين جاء هذا النمو؟. من تكوين الحبة ~~نفسها، والله تبارك وتعالى قد قدر في كل حبة من الغذاء ما يكفيها حتى ~~تستطيع أن تتغذى من الأرض.. وعلى قدر كمية الغذاء المطلوبة يكون حجم ~~الحبة.. وحين تضعها في الأرض فإنها تبدأ أولا بأن تغذي نفسها.. بحيث ~~ينبت لها ساق وجذور وورقتان تتنفس منهما.. كل هذا لا دخل لك فيه ولا عمل ~~لك فيه.. وتبدأ الحبة تأخذ غذاءها من الأرض والهواء، لتنمو حتى تصبح شجرة ~~كبيرة تنتج الثمر من نوع البذرة نفسه. ومن هنا جاءت كلمة المفلحون.. ~~ليعطينا الحق جل جلاله من الأمور المادية المشهودة ما يعين عقولنا ~~المحدودة على فهم الغيب.. فيشبه التكليف وجزاءه في الآخرة بالبذور ~~والفلاحة.. أولا لأنك حين ترمي بذرة في الأرض تعطيك بذورا كثيرة. واقرأ ~~قول الله سبحانه وتعالى: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم # [البقرة: 261]. وإذا كانت الأرض وهي المخلوقة من الله تهبك أضعاف أضعاف ~~ما أعطيتها.. فكيف بالخالق؟.. وكم يضاعف لك من الثواب في الطاعة؟.. هذا ~~هو السبب في أن الحق تبارك وتعالى يقول: { وأولئك هم ~~المفلحون } [البقرة: 5].. حتى يلفتنا بمادة الفلاحة.. وهي شيء ~~موجود نراه ونشهده كل يوم. وكما أن التكليف يأخذ منك ms0070 أشياء ليضاعفها لك.. ~~كذلك الأرض أخذت منك حبة ولم تعطك مثل ما أخذت، بل أعطتك بالحبة سبعمائة ~~حبة.. وهكذا نستطيع أن نصل بشيء مشهود يفصل لنا شيئا غيبيا. ### || [2.6] # وبعد أن تحدث الحق سبحانه وتعالى عن المؤمنين وصفاتهم، وجزائهم في ~~الآخرة وما ينتظرهم من خير كبير.. أراد أن يعطينا تبارك وتعالى الصورة ~~المقابلة وهم الكافرون.. وبين لنا أن الإيمان جاء ليهيمن على الجميع، ~~يحقق لهم الخير في الدنيا والآخرة.. فلابد أن يكون هناك شر يحاربه ~~الإيمان، ولولا وجود هذا الشر.. أكان هناك ضرورة للإيمان.. إن الإنسان ~~المؤمن يقي نفسه ومجتمعه وعالمه من شرور يأتي بها الكفر. والكافرون ~~قسمان: قسم كفر بالله أولا ثم استمع إلى كلام الله، واستقبله بفطرته ~~السليمة فاستجاب وآمن.. وصنف آخر مستفيد من الكفر ومن الطغيان ومن الظلم ~~ومن أكل حقوق الناس وغير ذلك، وهذا الصنف يعرف أن الإيمان إذا جاء فإنه ~~سيسلبه جاها دنيويا ومكاسب يحققها ظلما وعدوانا. إذن: الذين يقفون ~~أمام الإيمان هم المستفيدون من الكفر، ولكن ماذا عن الذين كانوا كفارا ~~واستقبلوا دين الله استقبالا صحيحا. هؤلاء قد تتفتح قلوبهم فيؤمنون. ~~والكفر معناه الستر.. ومعنى كفر أي ستر.. وكفر بالله أي ستر وجود ~~الله جل جلاله، والذي يستر لابد أن يستر موجودا، لأن الستر طارئ على ~~الوجود.. والأصل في الكون هو الإيمان بالله.. وجاء الكفار يحاولون ستر ~~وجود الله. فكأن الأصل هو الإيمان ثم طرأت الغفلة على الناس فستروا وجود ~~الله سبحانه وتعالى.. ليبقوا على سلطانهم أو سيطرتهم أو استغلالهم او ~~استعلائهم على غيرهم من البشر. ولفظ الكفر في ذاته يدل على أن الإيمان ~~سبق ثم بعد ذلك جاء الكفر.. كيف؟. سجود الملائكة وتعليم الأسماء أمر ~~مشهدي بالنسبة لآدم.. والكفر ساعتها لم يكن موجودا.. وكان المفروض أن ~~آدم بعد أن نزل إلى الأرض واستقر فيها.. يلقن أبناءه منهج عبادة الله ~~لأنه نزل ومعه المنهج في افعل ولا تفعل وكان على أبناء آدم أن يلقنوا ~~أبناءهم المنهج وهكذا.. لأن الخلق الأول وهو آدم الذي خلقه ms0071 الله بيديه.. ~~ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة.. وعلمه الأسماء كلها. ولكن بمرور ~~الزمن جاءت الغفلة في أن الإيمان يقيد حركة الناس في الكون.. فبدأ كل ~~من يريد أن يخضع حياته لشهوة بلا قيود يتخذ طريق الكفر.. والعاقل حين ~~يسمع كلمة كفر.. يجب عليه أن يتنبه إلى أن معناها ستر لموجود واجب ~~الوجود.. فكيف يكفر الإنسان ويشارك في ستر ما هو موجود.. لذلك تجد أن ~~الحق سبحانه وتعالى يقول: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون * هو ~~الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى ~~السمآء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء ~~عليم # [البقرة: 29]. وهكذا يأتي هذا السؤال.. ولا يستطيع الكافر له جوابا!! ~~لأن الله هو الذي خلقه وأوجده.. ولا يستطيع أحد منا أن يدعي أنه خلق ~~نفسه أو خلق غيره، فالوجود بالذات دليل على قضية الإيمان، ولذلك يسألهم ~~الحق تبارك وتعالى كيف تكفرون بالله وتسترون وجود من خلقكم؟. والخلق ~~قضية محسومة لله سبحانه وتعالى لا يستطيع أحد أن يدعيها.. فلا يمكن أن ~~يدعي أحد أنه خلق نفسه.. قضية أنك موجود توجب الإيمان بالله سبحانه ~~وتعالى الذي أوجدك.. إنه عين الاستدلال على الله، وإذا نظر الإنسان حوله ~~فوجد كل ما في الكون مسخرا لخدمته والأشياء تستجيب له فظن بمرور الزمن ~~أن له سيطرة على هذا الكون.. ولذلك عاش وفي ذهنه قوة الأسباب.. يأخذ ~~الأسباب وهو فاعلها فيجدها قد أعطته واستجابت له.. ولم يلتفت إلى خالق ~~الأسباب الذي خلق لها قوانينها فجعلها تستجيب للإنسان، وقد أشار الحق ~~تبارك وتعالى إلى ذلك في قوله جل جلاله: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. ذلك أن الإنسان يحرث الأرض فتعطيه الثمر.. فيعتقد أنه هو ~~الذي أخضع الأرض ووضع لها قوانينها لتعطيه ما يريد.. يضغط على زر ~~الكهرباء فينير المكان فيعتقد أنه هو الذي أوجد هذه الكهرباء! يركب ~~الطائرة.. وتسير به في الجو فيعتقد أنه هو الذي جعلها تطير.. وينسى ~~الخصائص التي وضعها ms0072 الله سبحانه وتعالى في الغلاف الجوي ليستطيع أن يحمل ~~هذه الطائرة.. يفتح التليفزيون ويرى أمامه أحداث العالم فيعتقد أن ذلك قد ~~حدث بقدرته هو.. وينسى أن الله تبارك وتعالى وضع في الغلاف الجوي خصائص ~~جعلته ينقل الصوت والصورة من أقصى الدنيا إلى أقصاها في ثوان معدودة.. ~~وهكذا كل ما حولنا يظن الإنسان أنه أخضعه بذاته.. بينما كل هذا مسخر من ~~الله سبحانه وتعالى لخدمة الإنسان.. وهو الذي خلق ووضع القوانين.. نقول ~~له: إنك لو فهمت معنى ذاتية الأشياء ما حدثتك نفسك بذلك.. الشيء الذاتي ~~هو ما كان بذاتك لا يتغير ولا يتخلف أبدا.. إنما الأمر الذي ليس بذاتك ~~هو الذي يتغير. وإذا نظرت إلى ذاتيتك تلك التي أغرتك وأطغتك.. ستفهم أن ~~كلمة ذاتية هي ألا تكون محتاجا إلى غيرك بل كل شيء من نفسك.. وأنت في ~~حياتك كلها ليس لك ذاتية.. لأن كل شيء حولك متغير بدون إرادتك، وأنت طفل ~~محتاج إلى أبيك في بدء حياتك.. فإذا كبرت وأصبح لك قوة واستجابت الأحداث ~~لك، فإنك لا تستطيع أن تجعل فترة الشباب والفتوة هذه تبقى، فالزمن يملك ~~ولكن لفترة محدودة. # . فإذا وصلت إلى مرحلة الشيخوخة فستحتاج إلى من يأخذ بيدك ويعينك.. ~~ربما على أدق حاجاتك وهي الطعام والشراب. إذن: فأنت تبدأ بالطفولة ~~محتاجا إلى غيرك.. وتنتهي بالشيخوخة محتاجا إلى غيرك.. وحتى عندما تكون ~~في شبابك قد يصيبك مرض يقعدك عن الحركة.. فإذا كانت لك ذات حقيقية فادفع ~~هذا المرض عنك وقل: لن أمرض.. إنك لا تستطيع. الله سبحانه وتعالى أوجد ~~هذه المتغيرات حتى ينتهي الغرور من نفس الإنسان.. ويعرف أنه قوي قادر بما ~~أخضع الله له من قوانين الكون.. لنعلم أننا جميعا محتاجون إلى القادر، ~~وهو الله سبحانه وتعالى، وأن الله غني بذاته عن كل خلقه.. يغير ولا ~~يتغير.. يميت وهو دائم الوجود.. يجعل من بعد قوة ضعفا وهو القوي ~~دائما.. ما عند الناس ينفد وما عنده تبارك وتعالى لا ينفد أبدا.. هو ~~الله في السماوات والأرض. إذن: فليست لك ذاتية ms0073 حتى تدعي أنك أخضعت ~~الكون بقدراتك.. لأنه ليس لك قدرة أن تبقى على حال واحد وتجعله لا يتبدل ~~ولا يتغير.. فكيف تكفر بالله تبارك وتعالى وتستر وجوده.. كل ما في الكون ~~وما في نفسك شاهد ودليل على وجود الحق سبحانه وتعالى. قلنا: إن الكافرين ~~صنفان: صنف كفر بالله وعندما جاء الهدى حكم عقله وعرف الحق فآمن.. ~~والصنف الآخر مستفيد من الكفر.. ولذلك فهو متشبث به مهما جاءه من الإيمان ~~والأدلة الإيمانية فإنه يعاند ويكفر.. لأنه يريد أن يحتفظ بسلطاته ~~الدنيوية ونفوذه القائم على الظلم والطغيان.. ولا يقبل أن يجرد ~~منهما ولو بالحق.. هذا الصنف هو الذي قال عنه الله تبارك وتعالى: { إن ~~الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم لا يؤمنون } [البقرة: 6]. فهم لم يكفروا لأن بلاغا ~~عن الله سبحانه وتعالى لم يصلهم.. أو لأنهم لم يلفتهم رسول أو نبي إلى ~~منهج الله.. فهؤلاء اتخذوا الكفر صناعة ومنهج حياة.. فهم مستفيدون من ~~الكفر لأنه جعلهم سادة ولأنهم متميزون عن غيرهم بالباطل.. ولأنهم لو جاء ~~الإيمان الذي يساوي بين الناس جميعا ويرفض الظلم، لأصبحوا أشخاصا ~~عاديين غير مميزين في أي شيء. هذا الكافر الذي اتخذ الكفر طريقا لجاه ~~الدنيا وزخرفها.. سواء أنذرته أو لم تنذره فإنه لن يؤمن.. إنه يريد ~~الدنيا التي يعيش فيها، بل إن هؤلاء هم الذين يقاومون الدين ويحاربون كل ~~من آمن.. لأنهم يعرفون أن الإيمان سيسلبهم مميزات كثيرة، ولذلك فإن عدم ~~إيمانهم ليس لأن منهج الإيمان لم يبلغهم، أو أن أحدا لم يلفتهم إلى آيات ~~الله في الأرض، ولكن لأن حياتهم قائمة ومبنية على الكفر. ### || [2.7] # وكما أعطانا الحق سبحانه وتعالى أوصاف المؤمنين يعطينا صفات الكافرين.. ~~وقد يتساءل بعض الناس إذا كان هذا هو حكم الله على الكافرين؟ فلماذا يطلب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان منهم وقد ختم الله على قلوبهم؟! ~~ومعنى الختم على القلب هو حكم بألا يخرج من القلب ما فيه من الكفر.. ولا ~~يدخل إليه الإيمان. نقول إن الله سبحانه وتعالى ms0074 غني عن العالمين.. فإن ~~استغنى بعض خلقه عن الإيمان واختاروا الكفر.. فإن الله يساعده على ~~الاستغناء ولا يعينه على العودة إلى الإيمان.. ولذلك فإن الحق سبحانه ~~وتعالى يقول في حديث قدسي: # " أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في ~~نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي شبرا ~~تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن ~~أتاني يمشي أتيته هرولة ". # وقد وضح الحديث القدسي أن الله تبارك وتعالى يعين المؤمنين على ~~الإيمان، وأن الله جل جلاله كما يعين المؤمنين على الإيمان.. فإنه لا ~~يهمه أن يأتي العبد إلى الإيمان أو لا يأتي.. ولذلك نجد القرآن دقيقا ~~ومحكما بأن من كفروا قد اختاروا الكفر بإرادتهم. واختيارهم للكفر كان ~~أولا قبل أن يختم الله على قلوبهم.. والخالق جل جلاله أغنى الشركاء عن ~~الشرك، ومن أشرك به فإنه في غنى عنه. إن الذين كفروا.. أي ستروا ~~الإيمان بالله ورسوله.. هؤلاء يختم الله بكفرهم على آلات الإدراك كلها.. ~~القلب والسمع والبصر. والقلب أداة إدراك غير ظاهرة.. وقد قدم الله القلب ~~على السمع والبصر في تلك الآية لأنه يريد أن يعلمنا منافذ الإدراك.. وفي ~~القرآن الكريم يقول الحق تبارك وتعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. وهكذا يعلمنا الله أن منافذ العلم في الإنسان هي: السمع ~~والأبصار والأفئدة، ولكن في الآية الكريمة التي نحن بصددها قدم الله ~~القلوب على السمع والأبصار. إن الله يعلم أنهم اختاروا الكفر.. وكان هذا ~~الاختيار قبل أن يختم الله على قلوبهم.. والختم على القلوب.. معناه أنه ~~لا يدخلها إدراك جديد ولا يخرج منها إدراك قديم.. ومهما رأت العين أو ~~سمعت الأذن.. فلا فائدة من ذلك لأن هذه القلوب مختومة بخاتم الله بعد أن ~~اختار أصحابها الكفر وأصروا عليه.. وفي ذلك يصفهم الحق جل جلاله: # صم بكم عمي فهم لا يرجعون # [البقرة: 18]. ولكن لماذا فقدوا كل ms0075 أدوات الإدراك هذه؟. # . لأن الغشاوة التفت حول القلوب الكافرة، فجعلت العيون عاجزة عن تأمل ~~آيات الله.. والسمع غير قادر على التلقي من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. إذن فهؤلاء الذين اختاروا الكفر وأصروا عليه وكفروا بالله رغم ~~رسالاته ورسله وقرآنه.. ماذا يفعل الله بهم؟ إنه يتخلى عنهم. ولأنه ~~سبحانه وتعالى غني عن العالمين فإنه ييسر لهم الطريق الذي مشوا فيه ~~ويعينهم عليه.. واقرأ قوله تبارك وتعالى: # ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين # [الزخرف: 36]. ويقول جل جلاله: # هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل ~~على كل أفاك أثيم # [الشعراء: 221-222]. ومن عظمة علم الله تبارك وتعالى أنه يعلم المؤمن ~~ويعلم الكافر.. دون أن يكون جل جلاله تدخل في اختيارهم.. فعندما بعث ~~الله سبحانه وتعالى نوحا عليه السلام.. ودعا نوح إلى منهج الله تسعمائة ~~وخمسين عاما. وقبل أن يأتي الطوفان علم الله سبحانه وتعالى أنه لن يؤمن ~~بنوح عليه السلام إلا من آمن فعلا، فطلب الله تبارك وتعالى من نوح أن ~~يبني السفينة لينجو المؤمنون من الطوفان.. واقرأ قوله جل جلاله: # وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من ~~قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون * واصنع ~~الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ~~ظلموا إنهم مغرقون # [هود: 36-37]. وهكذا نرى أنه من عظمة علم الله سبحانه وتعالى.. أنه يعلم ~~من سيصر على الكفر وأنه سيموت كافرا.. وإذا كانت هذه هي الحقيقة، ~~فلماذا يطلب الله تبارك وتعالى من رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغهم ~~بالمنهج وبالقرآن؟.. ليكونوا شهداء على أنفسهم يوم القيامة، فلا يأتي ~~هؤلاء الناس يوم المشهد العظيم ويجادلون بالباطل.. إنه لو بلغهم الهدى ~~ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لآمنوا.. ولكن لماذا يختم الله جل ~~جلاله على قلوبهم؟.. لأن القلب هو مكان العقائد.. ولذلك، فإن القضية ~~تناقش في العقل، فإذا انتهت مناقشتها واقتنع بها الإنسان تماما فإنها ~~تستقر في القلب ولا تعود إلى الذهن مرة أخرى وتصبح عقيدة وإيمانا.. ~~والحق ms0076 سبحانه وتعالى يقول: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46]. وإذا عمى القلب عن قضية الإيمان.. فلا عين ترى آيات ~~الإيمان.. ولا أذن تسمع كلام الله.. وهؤلاء الذين اختاروا الكفر على ~~الإيمان لهم في الآخرة عذاب عظيم.. ولقد وصف الله سبحانه وتعالى العذاب ~~بأنه أليم، وبأنه مهين، وبأنه عظيم.. العذاب الأليم هو الذي يسبب ألما ~~شديدا، والعذاب المهين هو الذي يأتي لأولئك الذين رفعهم الله في ~~الدنيا.. وأحيانا تكون الإهانة أشد إيلاما للنفس من ألم العذاب نفسه.. ~~أولئك الذين كانوا أئمة الكفر في الدنيا.. يأتي بهم الله تبارك وتعالى ~~يوم القيامة أمام من اتبعوهم فيهينهم.. أما العذاب العظيم فإنه منسوب ~~إلى قدرة الله سبحانه وتعالى.. لأنه بقدرات البشر تكون القوة محدودة.. ~~أما بقدرات الله جل جلاله تكون القوة بلا حدود.. لأن كل فعل يتناسب مع ~~فاعله.. وقدرة الله سبحانه وتعالى عظيمة في كل فعل.. وبما أن العذاب من ~~الله جل جلاله فإنه يكون عذابا عظيما. ### || [2.8] # الناس في الحياة الدنيا على ثلاثة أحوال: إما مؤمن، وإما كافر، وإما ~~منافق. والله سبحانه وتعالى في بداية القرآن الكريم في سورة البقرة.. ~~أراد أن يعطينا وصف البشر جميعا بالنسبة للمنهج وأنهم ثلاث فئات: الفئة ~~الأولى هم المؤمنون، عرفنا الله سبحانه وتعالى صفاتهم في ثلاث آيات، ~~في قوله تعالى: # الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بمآ أنزل ~~إليك ومآ أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * ~~أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون # [البقرة: 3-5]. والفئة الثانية هم الكفار، وعرفنا الله سبحانه وتعالى ~~صفاتهم في آيتين في قوله تعالى: # إن الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم ~~وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب ~~عظيم # [البقرة: 6-7]. وجاء للمنافقين فعرف صفاتهم في ثلاث عشرة آية متتابعة، ~~لماذا..؟ لخطورتهم على الدين، فالذي يهدم الدين هو المنافق، أما الكافر ~~فنحن نتقيه ونحذره، لأنه يعلن كفره. إن المنافق يتظاهر أمامك بالإيمان، ~~ولكنه ms0077 يبطن الشر والكفر، وقد تحسبه مؤمنا، فتطلعه على أسرارك، فيتخذها ~~سلاحا لطعن الدين.. وقد خلق الله في الإنسان ملكات متعددة، ولكن يعيش ~~الإنسان في سلام مع نفسه، لابد أن تكون ملكاته منسجمة وغير متناقضة. ~~فالمؤمن ملكاته منسجمة، لأنه اعتقد بقلبه في الإيمان ونطق لسانه بما ~~يعتقد، فلا تناقض بين ملكاته أبدا. والكافر قد يقال إنه يعيش في سلام مع ~~نفسه، فقد رفض الإيمان وأنكره بقلبه ولسانه وينطق بذلك، ولكن الذي فقد ~~السلام مع ملكاته هو المنافق، أنه فقد السلام مع مجتمعه وفقد السلام مع ~~نفسه، فهو يقول بلسانه، ما لا يعتقد قلبه، يظهر غير ما يبطن، ويقول غير ~~ما يعتقد، ويخشى أن يكشفه الناس، فيعيش في خوف عميق، وهو يعتقد أن ذلك ~~شيء مؤقت سينتهي. ولكن هذا التناقض يبقى معه إلى آخر يوم له في الدنيا، ~~ثم ينتقل معه إلى الآخرة، فينقض عليه، ليقوده إلى النار، واقرأ قوله ~~تبارك وتعالى: # حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله ~~الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة ~~وإليه ترجعون # [فصلت: 20-21]. إذن كل ملكاتهم انقضت عليهم في الآخرة، فالسلام الذي ~~كانوا يتمنونه لم يحققوه لا في حياتهم ولا في آخرتهم، فلسان المنافق يشهد ~~عليه، ويداه تشهدان عليه، ورجلاه تشهدان عليه، والجلود تشهد عليه، ~~فماذا بقي له؟ بينه وبين ربه تناقض، وبينه وبين نفسه تناقض، وبينه وبين ~~مجتمعه تناقض، وبينه وبين آخرته تناقض. وبينه وبين الكافرين تناقض. يقول ~~لسانه ما ليس في قلبه، بماذا وصف الحق سبحانه وتعالى المنافقين؟ قال ~~تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم ~~الآخر وما هم بمؤمنين } [البقرة: 8]. # هذه أول صفات المنافقين في القرآن الكريم، يعلنون الإيمان وفي قلوبهم ~~الكفر، ولذلك فإن إيمانهم كله تظاهر، إذا ذهبوا للصلاة لا تكتب لهم، ~~لأنهم يتظاهرون بها، ولا يؤدونها عن إيمان، وإذا أدوا الزكاة، فإنها تكون ~~عليهم حسرة، لأنهم ينفقونها وهم لها كارهون، لأنها في زعمهم نقص من ms0078 ~~مالهم. لا يأخذون عليها ثوابا في الآخرة، وإذا قتل واحد منهم في غزوة، ~~انتابهم الحزن، والأسى، لأنهم أهدروا حياتهم ولم يقدموها في سبيل الله. ~~وهكذا يكون كل ما يفعلونه شقاء بالنسبة لهم. أما المؤمن فحين يصلي أو ~~يؤدي الزكاة أو يستشهد في سبيل الله فهو يرجو الجنة، وأما المنافقون ~~فإنهم يفعلون كل هذا، وهم لا يرجون شيئا.. فكأنهم بنفاقهم قد حكم عليهم ~~الله سبحانه وتعالى بالشقاء في الدنيا والآخرة، فلا هم في الدنيا لهم ~~متعة المؤمن فيما يفعل في سبيل الله، ولا هم في الآخرة لهم ثواب المؤمن ~~فيما يرجو من الله. ### || [2.9] # وتأتي الصفة الثانية من صفات المنافقين، وهي صفة تدل على غفلتهم وحمق ~~تفكيرهم، فإنهم يحسبون أنهم بنفاقهم يخدعون الله سبحانه وتعالى، وهل ~~يستطيع بشر أن يخدع رب العالمين؟ إن الله عليم بكل شيء، عليم بما نخفي ~~وما نعلن، عليم بالسر وما هو أخفى من السر، وهل يوجد ما هو أخفى من ~~السر؟ نقول نعم، السر هو ما أسررت به لغيرك، فكأنه يعلمه اثنان، أنت ~~ومن أسررت إليه. ولكن ما هو أخفى من السر، ما تبقيه في نفسك ولا تخبر ~~به أحدا، إنه يظل في قلبك لا تسر به لإنسان، والله سبحانه وتعالى ~~يقول: # وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى # [طه: 7]. فلا يوجد مخلوق، يستطيع أن يخدع خالقه، ولكنهم من غفلتهم، ~~يحسبون أنهم يستطيعون خداع الله جل جلاله. وفي تصرفهم هذا لا يكون هناك ~~سلام بينهم وبين الله. بل يكون هناك مقت وغضب. وهم في خداعهم يحسبون ~~أيضا أنهم يخدعون الذين آمنوا، بأنهم يقولون أمامهم غير ما يبطنون، ولكن ~~هذا الخداع شقاء عليهم، لأنهم يعيشون في خوف مستمر، وهم دائما في قلق أو ~~خوف من أن يكشفهم المؤمنون، أو يستمعوا إليهم في مجالسهم الخاصة، وهم ~~يتحدثون بالكفر ويسخرون من الإيمان، ولذلك إذا تحدثوا فلابد أن يتأكدوا ~~أولا من أن أحدا من المؤمنين لا يسمعهم، ويتأكدوا ثانيا من أن أحدا من ~~المؤمنين لن يدخل عليهم وهم يتحدثون، والخوف ms0079 يملأ قلوبهم أيضا، في أثناء ~~وجودهم مع المؤمنين، فكل واحد منهم يخشى أن تفلت منه كلمة، تفضح نفاقه ~~وكفره. وهكذا فلا سلام بينهم وبين المؤمنين.. والحقيقة أنهم لا يخدعون ~~إلا أنفسهم. فالله سبحانه وتعالى، يعلم نفاقهم، والمؤمنون قد يعلمون ~~هذا النفاق، فإن لم يعلموه، فإن الله يخبرهم به، واقرأ قول الحق سبحانه ~~وتعالى: # ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم ~~أعمالكم # [محمد: 30]. ألم يأت المنافقون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ليشهدوا أنه رسول الله، ففضحهم الله أمام رسوله وأنزل قوله تعالى: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1]. جاء المنافقون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون ~~بصدق رسالته، والله سبحانه وتعالى يعلم أن هذه الشهادة حق وصدق، لأنه جل ~~جلاله، يعلم أن رسوله صلى الله عليه وسلم، صادق الرسالة، ولكنه في الوقت ~~نفسه يشهد بأن المنافقين كاذبون. كيف؟ كيف يتفق كلام الله مع ما قاله ~~المنافقون ثم يكونون كاذبين؟ نقول: لأن المنافقين قالوا بألسنتهم ما ليس ~~في قلوبهم، فهم شهدوا بألسنتهم فقط أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول ~~الله ولكن قلوبهم منكرة لذلك، مكذبة به، ولذلك فإن ما قاله المنافقون ~~رغم أنه حقيقة إلا أنهم يكذبون، ويقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، لأن ~~الصدق هو أن يوافق الكلام حقيقة ما في القلب، وهؤلاء كذبوا، لأنهم في ~~شهادتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا يعبرون عن واقع في ~~قلوبهم، بل قلوبهم تكذب ما يقولون. # وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم يفضح الله سبحانه وتعالى فيها ~~المنافقين وينبئ رسوله صلى الله عليه وسلم بما يضمرونه في قلوبهم، إذن: ~~فخداعهم للمؤمنين، رغم أنه خداع بشر لبشر، إلا أنه أحيانا تفلت ألسنتهم، ~~فتعرف حقيقتهم، وإذا لم يفلت اللسان، جاء البيان من الله سبحانه وتعالى ~~ليفضحهم، وتكون حصيلة هذا كله، أنهم لا يخدعون أحدا، فالله يعلم سرهم ~~وجهرهم، فمرة يعين الله المؤمنين عليهم ms0080 فيكشفونهم، ومرة تفلت ألسنة ~~المنافقين فيكشفون أنفسهم. إذن فسلوك المنافق، لا يخدع به إلا نفسه، وهو ~~الخاسر في الدنيا والآخرة، عندما يؤدي عملا إيمانيا، فالله يعلم أنه ~~نفاق، وعندما يحاول أن يخدع المؤمنين، ينكشف، والنتيجة أنهم يعتقدون ~~بأنهم حققوا لأنفسهم نفعا، بينما هم لم يحققوا لأنفسهم إلا الخسران ~~المبين. ### || [2.10] # فالله سبحانه وتعالى، شبه ما في قلوب المنافقين بأنه مرض، والمرض أولا ~~يورث السقم، فكأن قلوبهم لا تملك الصحة الإيمانية التي تحيي القلب ~~فتجعله قويا شابا، ولكنها قلوب مريضة، لماذا كانت مريضة؟ لقد أتعبها ~~النفاق وأتعبها التنافر مع كل ما حولها، وأحست بأنها تعيش حياة ملؤها ~~الكذب، فاضطراب القلب جعله مريضا، ولا يمكن أن يشفى إلا بإذن الله، ~~وعلاجه هو الإيمان الحقيقي الصادق، ذلك الذي يعطيه الشفاء، والله سبحانه ~~وتعالى يقول: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء: 82]. إذن فالإيمان والقرآن هما شفاء القلوب، كلاهما بعيد عن ~~قلوب هؤلاء المنافقين، فكأن المرض يزداد في قلوبهم مع الزمن، والله ~~سبحانه وتعالى - بنفاقهم وكفرهم - يزيدهم مرضا. وهذه هي الصفة الثالثة ~~للمنافقين.. إنهم أصحاب قلوب مريضة سقيمة، لا يدخلها نور الإيمان، ولذلك ~~فهي قلوب ضعيفة، ليس فيها القوة اللازمة لمعرفة الحق. وهي قلوب خائفة من ~~كل ما حولها، مرتعبة في كل خطواتها، مضطربة بين ما في القلب وما على ~~اللسان، والمريض لا يقوى على شيء، وكذلك هذه القلوب لا تقوى على قول ~~الحق، ولا تقوى على الصدق، ولا ترى ما حولها، تلك الرؤية التي تتناسب ~~وتتفق مع فطرة الإيمان، التي وضعها الله تعالى في القلوب، ولذلك إذا دخل ~~المنافقون في معركة في صفوف جيش المسلمين.. فأول ما يبحثون عنه هو الهروب ~~من المعركة، يبحثون عن مخبأ يختفون فيه، أو مكان لا يراهم فيه أحد، والله ~~سبحانه وتعالى يصفهم بقوله: # لو يجدون ملجئا أو مغارات أو مدخلا لولوا ~~إليه وهم يجمحون # [التوبة: 57]. لماذا؟ لأنهم أصحاب قلوب مريضة، لا تقوى على شيء، ومرضها ~~يجعلها تهرب من كل شيء، ms0081 وتختفي. وليت الأمر يقتصر عند هذا الحد، ولكن ~~ينتظرهم في الآخرة عذاب أليم، غير العذاب الذي عانوه من قلوبهم المريضة ~~في الدنيا، فبما كانوا يكذبون على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~ينتظرهم في الآخرة عذاب أليم أشد من عذاب الكافرين، والله سبحانه وتعالى ~~يقول: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار.. # [النساء: 145]. ### || [2.11] # الفساد في الأرض هو أن تعمد إلى الصالح فتفسده، وأقل ما يطلب منك في ~~الدنيا، أن تدع الصالح لصلاحه، ولا تتدخل فيه لتفسده، فإن شئت أن ترتقي ~~إيمانيا، تأتي للصالح، وتريد من صلاحه، فإن جئت للصالح وأفسدته فقد ~~أفسدت فسادين، لأن الله سبحانه وتعالى أصلح لك مقومات حياتك في الكون، ~~فلم تتركها على الصلاح الذي خلقت به، وكان تركها في حد ذاته بعدا عن ~~الفساد، بل جئت إليها، وهي صالحة بخلق الله لها فأفسدتها، فأنت لم تستقبل ~~النعمة الممنوحة لك من الله، بأن تتركها تؤدي مهمتها في الحياة، ولم تزد ~~في مهمتها صلاحا، ولكنك جئت إلى هذه المهمة فأفسدتها.. فلو أن هناك ~~بئرا يشرب منها الناس، فهذه نعمة لضرورة حياتهم، تستطيع أنت بأسباب الله ~~في كون الله أن تأتي وتصلحها، بأن تبطن جدرانها بالحجارة، حتى تمنع ~~انهيار الرمال داخلها، أو أن تأتي بحبل وإناء حتى تعين الناس على الوصول ~~إلى مياهها، ولكنك إذا جئت وردمتها تكون قد أفسدت الصالح في الحياة. ~~وهكذا المنافقون.. أنزل الله تعالى منهجا للحياة الطيبة للإنسان على ~~الأرض، وهؤلاء المنافقون بذلوا كل ما في جهدهم لإفساد هذا المنهج، بأن ~~تآمروا ضده وادعوا أنهم مؤمنون به ليطعنوا الإسلام في داخله. ولقد تنبه ~~أعداء الإسلام، إلى أن هذا الدين القوي الحق، لا يمكن أن يتأثر بطعنات ~~الكفر، بل يواجهها ويتغلب عليها. فما قامت معركة بين حق وباطل إلا انتصر ~~الحق، ولقد حاول أعداء الإسلام أن يواجهوه سنوات طويلة، ولكنهم عجزوا، ثم ~~تنبهوا إلى أن هذا الدين لا يمكن أن يهزم إلا من داخله، وأن استخدام ~~المنافقين في الإفساد، هو الطريقة الحقيقية لتفريق المسلمين، ms0082 فانطلقوا ~~إلى المسلمين - اسما - ليتخذوا منهم الحربة التي يوجهونها ضد الإسلام، ~~وظهرت مذاهب واختلافات، وما أسموه العلمانية واليسارية وغير ذلك، كل هذا ~~قام به المنافقون في الإسلام وغلفوه بغلاف إسلامي، ليفسدوا في الأرض ~~ويحاربوا منهج الله. وإذا لفت المؤمنون نظرهم إلى أنهم يفسدون في الأرض، ~~وطلبوا منهم أن يمتنعوا عن الإفساد، ادعوا أنهم لا يفسدون ولكنهم يصلحون، ~~وأي صلاح في عدم اتباع منهج الله والخروج عليه بأي حجة من الحجج؟ ### || [2.12] # وهكذا يعطينا الله سبحانه وتعالى حكمه عليهم بأنهم كما أنهم يخدعون ~~أنفسهم ولا يشعرون ويحسبون أنهم يخدعون الله سبحانه وتعالى والمؤمنين. ~~كذلك، فإنهم يفسدون في الأرض ويدعون أنهم مصلحون، ولكنهم في الحقيقة ~~مفسدون، لماذا؟.. لأن في قلوبهم كفرا وعداء لمنهج الله، فلو قاموا بأي ~~عمل يكون ظاهره الإصلاح، فحقيقته هي الإفساد، تماما كما ينطقون بألسنتهم ~~بما ليس في قلوبهم. والكون لا يصلح إلا بمنهج الله، فالله سبحانه وتعالى ~~هو الذي خلق، وهو الذي أوجد، وهو أدرى بصنعته وبما يفسدها وبما يصلحها، ~~لأنه هو الصانع، ولا يوجد من يعلم سر ما يصلح صنعته أكثر من صانعها. ~~ونحن في المنهج الدنيوي إذا أردنا إصلاح شيء اتجهنا لصانعه فهو الذي ~~يستطيع أن يدلنا على الإصلاح الحقيقي لهذا الشيء، فإذا لم يكن صانعه ~~موجودا في البلدة نفسها اتجهنا إلى من دربهم الصانع على الإصلاح، أو ~~إلى ما يسمونه " الكتالوج " الذي يبين لنا طريق الإصلاح، وبدون هذا لا ~~نصلح، بل نفسد، والعجيب أننا نتبع هذه الطريقة في حياتنا الدنيوية، ثم ~~نأتي إلى الإنسان والكون، فبدلا من أن نتجه إلى صانعه وخالقه لنأخذ عنه ~~منهج الإصلاح، وهو أدرى بصنعته، نتجه إلى خلق الله يضعون لنا المناهج ~~التي تفسد، وطاهرها الإصلاح لكنها تزيد الأمور سوءا. والغريب أننا نسمي ~~هذا فلاحا، ونسميه تقدما. ولكن لماذا لا نتجه إلى الصانع أو الخالق، ~~الذي أوجد وخلق؟ هو سبحانه وتعالى أدرى بخلقه وبما يصلحهم وما يفسدهم. ~~وما دام الحق سبحانه وتعالى، قد حكم على المنافقين، بأنهم هم المفسدون ~~فذلك حكم ms0083 يقيني، وكل من يحاول أن يغير من منهج الله، أو يعطل تطبيقه ~~بحجة الإصلاح، فهو مفسد وإن كان لا يشعر بذلك، لأنه لو أراد إصلاحا ~~لاتجه إلى ما يصلح الكون، وهو المنهج السماوي الذي أنزله خالق هذا الكون ~~وصانعه، وهذا المنهج موجود ومبلغ ولا يخفى على أحد. ### || [2.13] # والسفهاء في قصد المنافقين هم الفقراء، ولكن ما معنى السفه في اللغة: ~~السفه معناه الطيش والحمق والخفة في تناول الأمور، فهل تنطبق صفة السفه ~~على المؤمنين، الذين آمنوا بالله، أو أنها تنطبق على أولئك الذين لم ~~يؤمنوا بالله؟ إذا كنتم تعتقدون أن الذين آمنوا هم السفهاء فلماذا ~~تدعون الإيمان كذبا، لتكونوا سفهاء؟ لا شك أن هناك تناقضا موجودا في ~~كل تصرفات المنافقين. فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم للإيمان، ~~والمسلمون يدعونهم للإيمان، ولكنهم يصفون الذين آمنوا بأنهم سفهاء أي: ~~فقراء لا يملكون شيئا، لأن سادة قريش لم يؤمنوا.. وهم يدعون أن الذين ~~آمنوا، تصرفوا تصرفا أحمق، طائشا، ولكن الغفلة هي المرض الذي يملأ ~~قلوبهم، لا يجعلهم ينتبهون إلى حقيقة مهمة، وهي أنهم يتظاهرون بالإيمان، ~~ويدعون الإيمان ثم يصفون المؤمنين بالسفهاء، إذا كان هؤلاء سفهاء كما ~~تدعون. فهل تتظاهرون بالإيمان لتصبحوا سفهاء مثلهم؟! إن المنطق لا ~~يستقيم ويدل على سفاهة عقول المنافقين، أن هذه العقول لم تتنبه إلى ~~أنها حينما وصفت المسلمين بالسفهاء، قد أدانت نفسها، لأن المنافقين ~~يدعون أنهم مؤمنون، إذن فكل تصرفات المنافقين فيها تناقض. تناقض مع ~~العقل والمنطق، هذا التناقض يأتي من تناقض ملكات النفس بعضها مع بعض.. ~~فاللسان يكذب القلب. والعمل يكذب العقيدة. والتظاهر بالإيمان ~~يحملهم مشقة الإيمان ولا يعطيهم شيئا من ثوابه. ولو كان لهم عقول، ~~لتنبهوا إلى هذا كله، ولكنهم لا يشعرون وهم يمضون في هذا الطريق، طريق ~~النفاق، إنهم يجسدون السفاهة بعينها، بكل ما تحمله من حمق واستخفاف، وعدم ~~التنبه إلى الحقيقة، والرعونة التي يتصرفون بها، والله سبحانه وتعالى حين ~~وصفهم بالسفهاء، كان وصفا دقيقا، لحالتهم وطريقة حياتهم. ### || [2.14] # وهكذا يرينا الحق سبحانه، أن كل منافق ms0084 له أكثر من حياة يحرص عليها، ~~والحياة لكي تستقيم يجب أن تكون حياة واحدة منسجمة مع بعضها البعض، ولكن ~~انظر إلى هؤلاء.. مع المؤمنين يقولون آمنا، ويتخذون حياة الإيمان ظاهرا، ~~أي أنهم يمثلون حياة الإيمان، كما يقوم الممثل على المسرح بتمثيل دور ~~شخصية غير شخصيته تماما.. حياتهم كلها افتعال وتناقض، فإذا بعدوا عن ~~الذين آمنوا، يقول الحق تبارك وتعالى: { وإذا خلوا إلى ~~شياطينهم } [البقرة: 14]. وانظر إلى دقة الأداء القرآني، فالشيطان ~~هو الدس الخفي، الحق ظاهر وواضح أما منهج الشيطان وتآمره فيحدث في الخفاء ~~لأنه باطل. والنفس لا تخجل من حق أبدا، ولكنها تخشى وتخاف وتحاول أن ~~تخفي الباطل. ولنضرب لذلك مثلا بسيطا، رجل يجلس مع زوجته في منزله، وطرق ~~الباب طارق، ماذا يحدث؟ يقوم الرجل بكل اطمئنان، ويفتح الباب ليرى من ~~الطارق، فإن وجده صديقا أو قريبا أكرمه ورحب به وأصر على أن يدخل ~~ليضيفه. وتقوم الزوجة بإعداد الطعام أو الشراب الذي سيقدم للضيف، نأخذ ~~هذه الحالة نفسها إذا كان الإنسان مع زوجة غيره في شقته وطرق الباب طارق، ~~يحدث ارتباك عنيف، ويبحث الرجل عن مكان يخفي فيه المرأة التي معه، أو ~~يبحث عن باب خفي ليخرجها منه، أو يحاول أن يطفئ الأنوار ويمنع الأصوات ~~لعل الطارق يحس بأنه لا يوجد أحد في المكان فينصرف، وقبل أن يخرج تلك ~~المرأة المحرمة عليه، فإنه يفتح الباب بحرص، وينظر يمينا ويسارا ليتأكد ~~هل يراه أحد، وعندما لا يجد أحدا يسرع بدفع المرأة إلى الخارج، لأنها ~~إثم يريد أن يتخلص منه، وإذا نزل ليوصلها يمشي بعيدا عنها، ويظل يرقب ~~الطريق، ليتأكد من أن أحدا لم يره، وعندما يركبان السيارة ينطلقان بأقصى ~~سرعة. هذا هو الفرق بين منهج الإيمان، ومنهج الشيطان، الحادثة واحدة، ~~ولكن الذي اختلف هو الحلال والحرام. انظر كيف يتصرف الناس في الحلال.. في ~~النور.. في الأمان، وكيف يتصرفون في الحرام ومنهج الشيطان في الظلام وفي ~~الخفية ويحرصون على ألا يراهم أحد، ومن هنا تأتي دقة التعبير القرآني.. { ~~وإذا خلوا إلى شياطينهم ms0085 } [البقرة: 14]. إن منهج الشيطان ~~يحتاج إلى خلوة، إلى مكان لا يراك فيه أحد، ولا يسمعك فيه أحد، لأن العلن ~~في منهج الشيطان يكون فضيحة، ولذلك تجد غير المستقيم يحاول جاهدا أن ~~يستر حركته في عدم الاستقامة، ومحاولته أن يستتر هي شهادة منه بأن ما ~~يفعله جريمة وقبح، ولا يصح أن يعلمه أحد عنه، وما دام لا يصح أن يراه أحد ~~في مكان ما، فاعلم أنه يحس بأن ما يفعله في هذا المكان هو من عمل الشيطان ~~الذي لا يقره الله، ولا يرضى عنه. # ولابد أن نعلم أن القيم، هي القيم حتى عند المنحرف، وقوله تعالى: { ~~وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } [البقرة: 14] ~~معناها أنهم عندما يتظاهرون بالإيمان يأخذون جانب العلن، بل ربما ~~افتعلوه، وكان المفروض أن يكون المقابل عندما يخلون إلى شياطينهم أن ~~يقولوا: لم نؤمن. وهناك في اللغة جملة اسمية وجملة فعلية، الجملة ~~الفعلية، تدل على التجدد، والجملة الاسمية تدل على الثبات، فالمنافقون مع ~~المؤمنين يقولون: آمنا، فإيمانهم غير ثابت، متذبذب، وعندما يلقون ~~الكافرين، لو قالوا لم نؤمن، لأخذت صفة الثبات، ولكنهم في الفترة بين ~~لقائهم بالمؤمنين، ولقائهم بالكافرين، الكفر متجدد، لذلك قالوا: { إنا ~~معكم إنما نحن مستهزئون } [البقرة: 14]. ### || [2.15] # إن هؤلاء المنافقين قوم لا حول لهم ولا قوة، ولكن الله سبحانه وتعالى، ~~وهو القادر القوي حينما يستهزىء بهم يكون الاستهزاء أليما، وإذا كان ~~المنافق، قد أظهر بلسانه ما ليس في قلبه، فإن الله سبحانه وتعالى يعامله ~~بمثل فعله، فإذا كان له ظاهر وباطن، يعامله في ظاهر الدنيا معاملة ~~المسلمين، وفي الآخرة يوم تبلى السرائر يجعله في الدرك الأسفل من النار، ~~لا يساويه بالكافر لأن ذنب المنافق أشد. { الله يستهزىء بهم ~~} [البقرة: 15] والاستهزاء هو السخرية، فهم يأتون يوم القيامة محاولين أن ~~يتمسكوا بالظاهر، فيظهر الله سبحانه وتعالى لهم باطنهم. والحق سبحانه ~~وتعالى يقول: # ويل لكل همزة لمزة # [الهمزة: 1]. والهمزة هو الذي يسخر من الناس ولو بالإشارة. يرى إنسانا ~~مصابا بعاهة في قدمه، يمشي وهو يعرج فيحاول أن يقلده بطريقة ms0086 تثير ~~السخرية، إما بالإشارة وإما بالكلام، وهناك همز وهمزة.. الهمز الاستهزاء ~~والسخرية من الناس، علامة عدم الإيمان، لأننا كلنا خلقنا إله واحد، ~~فهذه الصفة التي سخرت فيها من إنسان أعرج مثلا، لا عمل له فيها، ولا حول ~~له ولا قوة.. والإنسان لم يصنع نفسه، والحقيقة أنك تسخر من صنع الله، ~~والذي يسخر من خلق الله إنسان غبي لأنه سخر من خلق الله في عيب، ولم ~~يقدر ما تفضل الله به عليه، كما أنه سخر من عيب ولم يفطن إلى أن الحق ~~سبحانه وتعالى قد أعطى ذلك الإنسان خصالا ومميزات ربما لم يعطها له، ~~والله سبحانه وتعالى يقول: # يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم.. # [الحجرات: 11]. إن مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان آخر، وذلك هو ~~عدل الله، فإذا كنت أحسن من إنسان في شيء فابحث عن النقص فيك. فإن ~~استهزأت بمؤمن في شيء، فالاستهزاء غير مفصول عن صنعة الله، إذن فمن ~~المنطق عندما قالوا: { إنما نحن مستهزئون } [البقرة: 15] ~~أن يرد الله عليهم { الله يستهزىء بهم ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون } [البقرة: 15] أي: يزيدهم في هذا الطغيان، ~~لأن المد هو أن تزيد الشيء، ولكن مرة تزيد في الشيء من ذاته، ومرة تزيد ~~عليه من غيره، قد تأتي بخيط وتفرده إلى آخره، وقد تصله بخيط آخر، فتكون ~~مددته من غيره، فالله يزيدهم في طغيانهم. وقوله تعالى " يعمهون " العمه ~~يختلف عن العمى، والخلاف في الحرف الأخير، العمى عمى البصر، والعمه عمى ~~البصيرة، ويعمهون أي يتخبطون، لأن العمه ينشأ عنه التخبط سواء التخبط ~~الحسي، من عمى البصر، أو التخبط في القيم ومنهج الحياة من عمى البصيرة. ~~والله تعالى يقول: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46] فكأنما العمى المادي، قد لا يكون، ولكن يكون هناك عمى ~~البصيرة، واقرأ قوله تعالى: # قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال ~~كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى # [طه: 125-126]. فكأن عمى البصيرة في الدنيا، يعمي ms0087 بصر الإنسان، عن رؤية ~~آيات الله في كونه، ويعميه عن الإيمان والمنهج. ### || [2.16] # يعطينا الحق سبحانه وتعالى صفة أخرى من صفات المنافقين، فيصفهم بأنهم ~~الذين اشتروا الضلالة بالهدى. وما دام هناك شراء، فهناك صفقة، والصفقة ~~تتطلب مشتريا وبائعا، وقد كانت السلعة في الماضي تشترى بسلعة أخرى، أما ~~الآن فإن كل شيء يشترى بالمال، ماذا اشتروا؟ إن هؤلاء المنافقين اشتروا ~~الضلالة، واشتروها بأي ثمن؟!.. اشتروها بالهدى! الباء في اللغة تدخل على ~~المتروك، عندما تشتري شيئا تترك ثمنه، إذن: كأن هؤلاء قد تركوا الهدى ~~واشتروا الضلالة، ولكن هل كان معهم هدى ساعة الصفقة؟! إن الحال يقتضي أن ~~يكون معهم هدى، كأن يهتدي إنسان ثم يجد أن الهدى لا يحقق له النفع ~~الدنيوي الذي يطلبه فيتركه ليشتري به الضلال ليحقق به ما يريد، والهدى ~~الذي كان معهم، قد يكون هدى الفطرة، فكأن هؤلاء كان يمكنهم أن يختاروا ~~الهدى فاختاروا الضلالة. والله سبحانه وتعالى يهدي كل الناس، هدى دلالة، ~~فمن اختار الهدى يزيده هدى واقرأ قوله تعالى: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى.. # [فصلت: 17]. وقول الحق { فما ربحت تجارتهم } التجارة بيع ~~وشراء، الشاري مستهلك، والبائع قد يكون منتجا، أو وسيطا بين المنتج ~~والمستهلك. ما حظ البائع من البيع والشراء؟ أن يكسب فإذا ما كسب قيل ربحت ~~تجارته. وإذا لم يكسب ولم يخسر، أو إذا خسر ولم يكسب، ففي الحالين لا ~~يحقق ربحا، ونقول: ما ربحت تجارته. فقوله تعالى { فما ربحت ~~تجارتهم وما كانوا مهتدين } [البقرة: 16] يدل على أنهم ~~خسروا كل شيء لأنهم لم يربحوا، فكأنهم لم يحققوا شيئا له فائدة، وخسروا ~~الهدى، أي: خسروا الربح ورأس المال. ما ربحت تجارتهم، ربما يكونون لم ~~يكسبوا ولم يخسروا، ولكن هم قدموا الهدى ثمنا للضلال فلم يربحوا وضاع ~~منهم الهدى، أي: رأس مالهم. ونفسية المنافق إذا أردت أن تحددها، فهو ~~إنسان بلا كرامة، بلا رجولة لا يستطيع المواجهة، بلا قوة، يحاول أن يمكر ~~في الخفاء، ولذلك تكون صورته حقيرة أمام نفسه، حتى لو استطاع أن يخفي ms0088 ~~عيوبه عن الناس، فيكفي أنه كاذب أمام نفسه لتكون صورته حقيرة أمام نفسه، ~~وفي ذلك يقول الشاعر: # إذا أنا لم آت الدنية خشية # من الناس كان الناس أكرم من نفسي # كفى المرء عارا أن يرى عيب نفسه # وإن كان في كن عن الجن والأنس # فالمهم رأيك في نفسك.. والتمزق الذي عند المنافق أنه يريد أن يخفي عيوبه ~~عن الناس. ### || [2.17] # يريد الحق سبحانه وتعالى أن يقرب صفات التمزق في المنافقين إلى فهمنا، ~~ولذلك فهو يضرب لنا الأمثال، والأمثال جمع مثل وهو الشبيه الذي يقرب لنا ~~المعنى ويعطينا الحكمة، والأمثال باب من الأبواب العريقة في الأدب ~~العربي. فالمثل أن تأتي بالشيء الذي حدث وقيل فيه قولة موجزة ومعبرة، رأى ~~الناس أن يأخذوا هذه المقولة لكل حالة مشابهة. ولنضرب مثلا لذلك، ملك - ~~من الملوك - أراد أن يخطب فتاة من فتيات العرب، فأرسل خاطبة اسمها " عصام ~~" لترى هذه العروس وتسأل عنها وتخبره، فلما عادت قال لها: ما وراءك يا ~~عصام؟ أي بماذا جئت من أخبار، قالت له: أبدي المخض عن الزبد. المخض هو أن ~~تأتي باللبن الحليب وتخضه في القربة حتى ينفصل الزبد عن اللبن، فصار ~~الاثنان السؤال والجواب يضربان مثلا. تأتي لمن يجيئك تنتظر منه ~~أخبارا فتقول له: ما وراءك يا عصام. ولا يكون اسمه " عصام ".. ولم ترسله ~~لاستطلاع أخبار، بينما تريد أن تسمع ما عنده من أخبار. وحينما تريد ~~مثلا.. أن تصور تنافر القلوب.. وكيف أنها إذا تنافرت لا تلتئم أبدا.. ~~ويريد الشاعر أن يقرب هذا المعنى فيقول: # إن القلوب إذا تنافر ودها # مثل الزجاجة كسرها لا يشعب # أي: لا يجبر وساعة تنكسر الزجاجة لا تستطيع إصلاحها، ولكي يسهل هذا ~~المعنى عليك وتفهمه في يسر وسهولة.. فإنك لا تستطيع أن تصور أو تشاهد ~~معركة بين قلبين.. لأن هذه مسألة غيبية، فتأتي بشيء مشاهد وتضرب به ~~المثل، وبذلك يكون المعنى قد قرب، لأنك شبهته بشيء محسوس، تستطيع أن ~~تفهمه وتشاهده. ولقد استخدم الله سبحانه وتعالى الأمثال في القرآن الكريم ~~في أكثر من ms0089 موضع.. ليقرب من أذهاننا معنى الغيبيات التي لا نعرفها ~~ولا نشاهدها.. ولذلك ضرب لنا الأمثال في قمة الإيمان.. وحدانية الله ~~سبحانه وتعالى، وضرب لنا المثل بنوره جل جلاله، الذي لا نشهده وهو غيب ~~عنا، وضرب لنا الأمثال بالنسبة للكفار والمنافقين.. لنعرف فساد عقيدتهم ~~ونتنبه لها، وضرب لنا الأمثال فيما يمكن أن يفعله الكفر بالنعمة.. ~~والطغيان في الحق، وغير ذلك من الأمثال.. قال الله تعالى: # ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~فأبى أكثر الناس إلا كفورا # [الإسراء: 89]. وقد ضرب الله جل جلاله لنا الأمثال في الدنيا وفي ~~الآخرة، وفي دقة الخلق، وقمة الإيمان، ومع ذلك فإن الناس منصرفون عن حكمة ~~هذه الأمثال.. كافرون بها، مع أن الحق تبارك وتعالى ضربها لنا لتقرب ~~لنا المعنى.. تشبيها بماديات نراها في حياتنا الدنيا.. وكان المفروض أن ~~تزيد هذه الأمثال الناس إيمانا لأنها تقرب لهم معاني غائبة عنهم، ولكنهم ~~بدلا من ذلك ازدادوا كفرا!! ولا بد قبل أن نتعرض للآية الكريمة: { ~~مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلمآ أضاءت ما ~~حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون } [البقرة: 17]. # . أن نتحدث عن بعض الأمثال التي ضربت في القرآن الكريم، لنرى كيف أن ~~الله سبحانه وتعالى حدثنا عن قضايا غيبية بمحسات دنيوية: ضرب الله - ~~تبارك وتعالى - لنا مثلا بالقمة الإيمانية.. وهي أنه: لا إله إلا الله، ~~وكيف أن هذه رحمة من الله سبحانه وتعالى يجب أن نسجد له شكرا عليها.. ~~لأن فيها وقاية لنا من شقاء، ومع ذلك فإن الله تبارك وتعالى يريد بعباده ~~الرحمة، ولكن بعض الناس يريد أن يشقي نفسه فيشرك بالله جل جلاله، وبدلا ~~من أن يأخذ طريق الإيمان الميسر.. يأخذ طريق الكفر والنفاق والشرك ~~بالله الذي يملك كل شيء في الدنيا والآخرة.. يقول الحق جل جلاله: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون # [الزمر: 29]. بهذه الصورة المحسة التي نراها، ولا يختلف فيها اثنان.. ~~يريد الله تبارك وتعالى ms0090 أن يقرب إلى أذهاننا صورة العابد لله وحده، وصورة ~~المشرك بالله، ويعطينا المثل في عبد مملوك لشركاء.. رجل مملوك لعشرة ~~مثلا.. وليس هؤلاء الشركاء العشرة متفقين.. بل هم متشاكسون أي: أنهم ~~مختلفون، ورجل آخر مملوك لسيد واحد.. أيهما يكون مستريحا يعيش في ~~رحمة؟.. طبعا المملوك لسيد واحد في نعمة ورحمة.. لأنه يتبع أمرا واحدا ~~ونهيا واحدا، ويطيع ربا واحدا، ويطلب رضا سيد واحد.. أما ذلك الذي ~~يملكه شركاء حتى لو كانوا متفقين، سيكون لكل واحد منهم أمر ونهي.. ولكل ~~واحد منهم طلب.. فما بالك إذا كانوا مختلفين؟ أحد الشركاء يقول له تعال.. ~~والآخر يقول له لا تأت، وأحد الشركاء يأمره بأمر، والآخر يأمره بأمر ~~مناقض، ويحتار أيهما يرضى وأيهما يغضب؟.. وهكذا تكون حياته شقاء ~~وتناقضا. إن الله سبحانه وتعالى يريد أن يقرب لنا الصورة في قضية هي ~~قمة اليقين، وهي الإيمان بالواحد الأحد.. يريدنا أن نلمس هذه الصورة، ~~بمثل نراه ونشهده، وأن نرى فيض الله برحمته على عباده، ويمضي الحق سبحانه ~~ليلفتنا إلى أن نفكر قليلا في مثل يضربه لنا في القرآن الكريم: # وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ أبكم لا ~~يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما ~~يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر ~~بالعدل وهو على صراط مستقيم # [النحل: 76]. فالحق تبارك وتعالى في هذه الآية الكريمة، يطلب منا أن ~~نفكر في مثل مادي محسوس. # . أيهما خير؟.. أذلك الصنم الذي يعبده الكفار وهو لا يأتي لهم بخير ~~أبدا.. لأنه لا يستطيع أن ينفع نفسه فكيف يأتي بالخير لغيره؟! بل هو عبء ~~على من يتخذونه إلها، فإنهم يجب أن يضعوه وأن يحملوه من مكان إلى آخر ~~إذا أرادوا تغيير المعبد أو الرحيل، وإذا سقط فتهشمت أجزاء منه، فإنه يجب ~~أن يصلحوها. إذن: فزيادة على أنه لا يأتي لهم بخير، فإنه عبء عليهم ~~يكلفهم مشقة، ويحتاج منهم إلى عناية ورعاية. أعبادة مثل هذا الصنم خير؟ ~~أم عبادة الله سبحانه الذي منه كل الخير وكل النعم.. والذي يأمر بالعدل.. ~~فلا ms0091 يفضل أحدا من عباده على أحد، والذي يعطي لعباده الصراط المستقيم ~~الذي لا اعوجاج فيه، والموصل إلى الجنة في الآخرة.. إن الله سبحانه ~~وتعالى يبين بهذا المثل غباء فكر المشركين الذين يعبدون الأصنام ~~ويتركون عبادة الله تبارك وتعالى. وهكذا يعطينا الحق سبحانه هذين المثلان ~~توضيحا لقضية الوحدانية والألوهية.. ثم يأتي الله سبحانه وتعالى بمثل ~~آخر.. يضرب لنا مثلا لنوره.. هذا النور الإلهي الذي يضيء الدنيا ~~والآخرة، فيضيء القلوب المؤمنة.. إنه يريد أن يضرب لنا مثلا لهذا النور ~~بشيء مادي محس.. فيقول جل جلاله: # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها ~~كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من ~~يشآء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل ~~شيء عليم # [النور: 35]. كأن الله سبحانه وتعالى.. يريدنا أن نعرف بتشبيه محس.. أن ~~مثل نوره كمشكاة، والمشكاة هي الطاقة.. وهي فجوة في الحائط بالبيت ~~الريفي، ونحن نضع المصباح في هذه الطاقة.. إذن: المصباح ليس في الحجرة ~~كلها، ولكن نوره مركز في هذه الطاقة فيكون قويا في هذا الحيز الضيق، ~~ولكن المصباح في زجاجة.. تحفظه من الهواء من كل جانب.. فيكون الضوء ~~أقوى.. صافيا لا دخان فيه.. كما أن الزجاج يعكس الأشعة فيزيد تركيزه، ~~والزجاجة غير عادية ولكنها: " كوكب دري ".. أي: هي مضيئة بذاتها وكأنها ~~كوكب، ووقودها من شجرة مباركة يملؤها النور لا شرقية ولا غربية.. أي ~~يملؤها النور من الوسط ويخرج صافيا، والزيت مضيء بذاته دون أن تمسه ~~النار.. فهي نور على نور.. أيكون جزء من هذه المشكاة ذات المساحة الصغيرة ~~مظلما، أم تكون كلها مليئة بالنور القوي؟. وهذا ليس نور الله تبارك ~~وتعالى عن التشبيه والوصف، ولكنه مثل فقط للتقريب إلى الأذهان، فكأن نور ~~الله يضيء كل ركن وكل بقعة، ولا يترك مكانا مظلما. # . فهو نور على نور. ولقد أراد أحد الشعراء أن يمدح الخليفة وكانت العادة ~~أن يشبه الخليفة ms0092 بالأشخاص البارزين ذوي الصفات الحسنة.. فقال: # إقدام عمرو في سماحة حاتم # في حلم أحنف في ذكاء إياس # وكل هؤلاء الذين ضرب بهم الشاعر المثل كانوا مشهورين بهذه الصفات، فعمرو ~~كان مشهورا بالإقدام والشجاعة، وحاتم كان مشهورا بالسماحة، وأحنف يضرب ~~به المثل في الحلم، وإياس شعلة في الذكاء.. وهنا قام أحد الحاضرين وقال: ~~الأمير أكبر من كل شيء ممن شبهته بهم.. فقال أبو تمام على الفور: # لا تنكروا ضربي له من دونه # مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة والنبراس # فأعجب أحمد بن المعتصم والحاضرون من ذكائه وأمر بأن تضاعف ~~جائزته. والله سبحانه وتعالى يضرب لنا المثل بما سيشهده المؤمنون في ~~الجنة.. فيقول جل جلاله: # مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من ~~مآء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار ~~من عسل مصفى # [محمد: 15]. هذه ليست الجنة.. ولكن هذا مثل يقرب الله سبحانه ~~وتعالى لنا به الصورة بأشياء موجودة في حياتنا.. لأنه لا يمكن لعقول ~~البشر أن تستوعب أكثر من هذا، والجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ~~ولا خطر على قلب بشر.. ومن هنا فإنه لا توجد أسماء في الحياة تعبر عما في ~~الجنة.. واقرأ قوله تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ~~جزآء بما كانوا يعملون # [السجدة: 17]. فإذا كانت النفس لا تعلم، فلا توجد ألفاظ تعبر عما يوجد ~~في الجنة، والمثل متى شاع استعماله بين الناس سمي مثلا.. فأنت إذا رأيت ~~شخصا مغترا بقوته، وتريد أن تفهمه أنك أقوى منه تقول له: " إن كنت ~~ريحا فقد لاقيت إعصارا " ، ولا توجد ريح ولا إعصار فيما يحدث بينكما، ~~وإنما المراد المعنى دون التقيد بمدلول الألفاظ. فالحق سبحانه وتعالى ~~يريد أن يعطينا صورة عما في داخل قلوب المنافقين، من اضطراب وذبذبة وتردد ~~في استقبال منهج الله، وفي الوقت نفسه ما يجري في القلوب غيب عنا، وأراد ~~الله أن يقرب هذا المعنى إلينا.. فقال: ms0093 { مثلهم كمثل ~~الذي استوقد نارا } [البقرة: 17].. أي حاول أن يوقد نارا، ~~والذي يحاول أن يوقد نارا.. لابد أن له هدفا، والهدف قد يكون الدفء وقد ~~يكون الطهي.. وقد يكون الضوء وقد يكون غير ذلك.. المهم أن يكون هناك هدف ~~لإيقاد النار.. يقول الحق سبحانه وتعالى: { فلمآ أضاءت ما ~~حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون } [البقرة: 17].. ذلك أنهم في الحيرة التي تملأ قلوبهم. # . كانوا قد سمعوا من اليهود أن زمن نبي جديد قد: أتى، فقرروا أن يؤمنوا ~~به، ولكن إيمانهم لم يكن عن رغبة في الإيمان، ولكنه كان عن محاولة للحصول ~~على أمان دنيوي.. لأن اليهود كانوا يتوعدونهم ويقولون أتى زمن نبي سنؤمن ~~به ونقتلكم به قتل عاد وإرم.. فأراد هؤلاء المنافقون أن يتقوا هذا القتل ~~الذي يتوعدهم به اليهود، فتصوروا أنهم إذا أعلنوا أنهم آمنوا بهذا النبي ~~نفاقا أن يحصلوا على الأمن. إن الحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة.. ~~إنهم أوقدوا هذه النار.. لتعطيهم نورا يريهم طريق الإيمان.. وعندما جاء ~~هذا النور بدلا من أن يأخذوا نور الإيمان انصرفوا عنه، وعندما حدث ذلك ~~ذهب الله بنورهم.. فلم يبق في قلوبهم شيء من نور الإيمان.. فهم الذين ~~طلبوا نور الإيمان أولا.. فلما استجاب الله لهم انصرفوا عنه.. فكأن ~~الفساد في ذاتهم.. وكأنهم هم الذين بدأوا بالفساد، وساعة فعلوا ذلك ذهب ~~الله بنور الإيمان من قلوبهم. ونلاحظ هنا دقة التعبير القرآني في قوله ~~تعالى: { ذهب الله بنورهم } [البقرة: 17] ولم يقل ذهب الله ~~بضوئهم مع أنهم أوقدوا النار ليحصلوا على الضوء.. ما هو الفرق بين الضوء ~~والنور؟.. إذا قرأنا قول الحق سبحانه وتعالى: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا.. # [يونس: 5]. نجد أن الضوء أقوى من النور، والضوء لا يأتي إلا من إشعاع ~~ذاتي.. فالشمس ذاتية الإضاءة.. ولكن القمر يستقبل الضوء ويعكس النور، ~~وقبل أن تشرق الشمس تجد في الكون نورا، ولكن الضوء يأتي بعد شروق ~~الشمس.. فلو أن الحق تبارك وتعالى قال: ذهب الله بضوئهم.. لكان المعنى ~~أنه سبحانه ms0094 ذهب بما يعكس النور، ولكنه أبقى لهم النور، ولكن قوله تعالى: ~~{ ذهب الله بنورهم.. } [البقرة: 17].. معناها أنه لم يبق ~~لهم ضوءا ولا نورا.. فكأن قلوبهم يملؤها الظلام، ولذلك قال الله بعدها ~~{ وتركهم في ظلمات لا يبصرون } [البقرة: 17].. لنعلم ~~أنه لا يوجد في قلوبهم أي نور ولا ضوء إيماني.. كل هذا حدث بظلمهم هم ~~وانصرافهم عن نور الله. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى.. لم يقل ~~وتركهم في ظلام، بل قال: { في ظلمات.. } [البقرة: 17].. أي أنها ~~ظلمات متراكمة.. ظلمات مركبة لا يستطيعون الخروج منها أبدا. من أين جاءت ~~هذه الظلمات؟.. جاءت لأنهم طلبوا الدنيا ولم يطلبوا الآخرة، وعندما جاءهم ~~نور الإيمان انصرفوا عنه فصرف الله قلوبهم. مثلا إذا أخذنا قصة زعيم ~~المنافقين " عبد الله بن أبي " نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دخل المدينة وأهلها يستعدون لتتويج " عبد الله بن أبي " ملكا عليها، ~~وعندما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف الناس عن " عبد الله بن ~~أبي " إلى استقبال الرسول عليه الصلاة والسلام. # . فوصول الرسول عليه الصلاة والسلام ضيع على عبد الله بن أبي ~~الملك، ولقد كان من الممكن أن يؤمن، وأن يلتمس النور من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم.. ولو آمن حينئذ ربما أعطي في الآخرة ملكا دائما.. ~~يفوق الملك الذي كان سيحصل عليه في الدنيا، ولكن لأن في قلبه الدنيا ~~وليس الدين، ولأنه يريد رفعة في الدنيا، ولا يريد جنة في الآخرة، فقد ملأ ~~الحقد قلبه فكان ظلمة، وملأ الحسد قلبه فكان ظلمة.. وملأت الحسرة قلبه ~~فكانت ظلمة.. وملأت الكراهية والبغضاء قلبه فكانت ظلمة.. إذن هي ظلمات ~~متعددة. وهكذا في قلب كل منافق ظلمات متعددة.. ظلمة الحقد على المؤمنين ~~وظلمة الكراهية لهم، وظلمة تمني هزيمة الإيمان، وظلمة تمني أن يصيبهم سوء ~~وشر، وظلمة التمزق والألم من الجهد الذي يبذله للتظاهر بالإيمان وفي ~~قلوبهم الكفر.. كل هذه ظلمات، ولكن لا تحاول أن تأخذها بمقاييس عقلك، ~~والمفروض أن المثل هنا لتقريب المعنى.. لأنك إذا قرأت قول الحق ms0095 سبحانه ~~وتعالى: # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا # [الإسراء: 45]. كيف يكون الحجاب مستورا؟.. مع أن الحجاب هو الساتر الذي ~~يستر شيئا عن شيء.. ولكن الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم.. أنه برغم ~~أن الحجاب يستر شيئا عن شيء، فإن الحجاب نفسه مستور لا نراه، وبعض ~~العلماء يقولون: إن مستورا اسم مفعول، وهو في معنى اسم الفاعل ساتر.. ~~نقول: لا.. واقرأ قوله تبارك وتعالى: # جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب ~~إنه كان وعده مأتيا # [مريم: 61]. مأتيا اسم مفعول واسم الفاعل " آت " ، ويقول البعض: ~~وضع اسم المفعول مكان اسم الفاعل.. نقول إنك لم تفهم.. هل وعد الله يلح ~~في طلب العبد.. أم أن العبد يلح في طلبه بعمله فكأنه ذاهب إليه.. ~~والموعود هو المستفيد وليس الوعد.. إذن من دقة القرآن الكريم.. أنه يريد ~~أن ينبهنا إلى أن الموعود هو الذي يسعى للقاء الوعد، وليس الوعد هو الذي ~~يطلب لقاء الموعود فيستخدم اسم الفاعل. فحين يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون } [البقرة: 17].. نفى النور ~~عنهم، والنور لا علاقة له بالسمع ولا بالشم ولا باللمس، ولكنه قانون ~~البصر. وانظر إلى دقة التعبير القرآني.. إذا امتنع النور امتنع البصر.. ~~أي: أن العين لا تبصر بذاتها، ولكنها تبصر بانعكاس النور على الأشياء ~~ثم انعكاسه على العين.. واقرأ قوله تعالى: # وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونآ آية ~~الليل وجعلنآ آية النهار مبصرة.. # [الإسراء: 12]. فكأن الذي يجعل العين تبصر هو الضوء أو النور.. فإذا ضاع ~~النور ضاع الإبصار، ولذلك فأنت لا تبصر الأشياء في الظلام، وهذه معجزة ~~قرآنية اكتشفها العلم بعد نزول القرآن. ### || [2.18] # فالحق سبحانه وتعالى.. بعد أن أخبرنا أنه بظلم هؤلاء المنافقين ~~لأنفسهم.. ذهب بنور الإيمان من قلوبهم فهم لا يبصرون آيات الله.. أراد أن ~~يلفتنا إلى أنه ليس البصر وحده هو الذي ذهب، ولكن كل حواسهم تعطلت.. ~~فالسمع تعطل فهم صم، والنطق تعطل فهم بكم، والبصر تعطل فهم ~~عمي، وهذه هي آلات الإدراك في الإنسان.. واقرأ ms0096 قوله تبارك وتعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. إذن: كونهم في ظلمات لا يبصرون.. فقد تعطلت وسائل الإدراك ~~الأخرى فآذانهم صمت فهي لا تسمع منهج الحق، وألسنتهم تعطلت عن نقل ما ~~في قلوبهم.. وأبصارهم لا ترى آيات الله في الكون.. إذن: فآلات إدراكهم ~~لهدى الله معطلة عندهم. وقوله تعالى: { فهم لا يرجعون } ~~[البقرة: 18].. أي: لن تعود إليهم هذه الوسائل ليدركوا نور الله في ~~كونه.. الإدراك غير موجود عندهم، ولذلك فلا تطمعوا أن يرجعوا إلى منهج ~~الإيمان أبدا.. لقد فسدت في قلوبهم العقيدة.. فلم يفرقوا بين ما هو ~~ضر عاجل وما هو نفع آجل.. نور الهداية كان سيجعلهم يبصرون الطريق إلى ~~الله.. حتى يسيروا على بينة ولا يتعثروا، ولكنهم حينما جاءهم النور رفضوه ~~وانصرفوا عنه.. فكأنهم انصرفوا عن كل ما يهديهم إلى طريق الله!!. فالله ~~سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة.. أعطانا وصفا آخر من صفات ~~المنافقين هو أن أدوات الإدراك التي خلقها الله جل جلاله معطلة عندهم.. ~~ولذلك فإن الإصرار على هدايتهم وبذل الجهد معهم لن يأتي بنتيجة.. لأن ~~الله تبارك وتعالى بنفاقهم وظلمهم عطل وسائل الهداية التي كان من الممكن ~~أن يعودوا بها إلى طريق الحق. ### || [2.19] # وقول الحق سبحانه وتعالى: { أو كصيب من السمآء } [البقرة: ~~19].. الصيب هو المطر.. والله تبارك وتعالى ينزل الماء فتقوم به الحياة.. ~~مصداقا لقوله جل جلاله: # وجعلنا من المآء كل شيء حي.. # [الأنبياء: 30]. ومن البديهي أننا نعرف أن إنزال المطر.. هو من قدرة ~~الله سبحانه وتعالى وحده.. ذلك أن عملية المطر فيها خلق بحساب، وفيها ~~عمليات تتم كل يوم بحساب أيضا، وفيها عوامل لا يقدر عليها إلا الله ~~سبحانه وتعالى.. فمسألة المطر أعدت الأرض لها حين الخلق.. فكانت ثلاثة ~~أرباع الأرض من الماء والربع من اليابسة.. لماذا؟ من حكم الله في هذا ~~الخلق أن تكون عملية البخر سهلة وممكنة.. ذلك أنه كلما اتسع سطح الماء ~~يكون البخر أسهل، وإذا ضاق السطح تكون عملية ms0097 البخر أصعب.. فإذا جئنا بكوب ~~مملوء بالماء ووضعناه في حجرة مغلقة يوما.. ثم عدنا إليه نجد أن حجم ~~الماء نقص بمقدار سنتيمتر أو أقل، فإذا أخذنا الماء الذي في هذا الكوب ~~وقذفناه في الحجرة.. فإنه يختفي في فترة قصيرة.. لماذا؟ لأن سطح الماء ~~أصبح واسعا فتمت عملية البخر بسرعة. والله سبحانه وتعالى حين خلق ~~الأرض.. وضع في الخلق حكمة المطر في أن تكون مساحة الماء واسعة لتتم ~~عملية البخر بسهولة، وجعل أشعة الشمس هي التي تقوم بعملية البخر من سطح ~~الماء.. وتم ذلك بحساب دقيق، حتى لا تغرق الأمطار الأرض أو يحدث فيها ~~جفاف.. ثم سخر الريح لتدفع السحاب إلى حيث يريد الله أن ينزل المطر، ~~وقمم الجبال الباردة ليصطدم بها السحاب فينزل المطر.. كل هذا بحساب دقيق ~~في الخلق وفي كل مراحل المطر.. وما دام الماء هو الذي به الحياة على ~~الأرض، فقد ضرب الله لنا به المثل كما ضرب لنا المثل بالنار وضوئها.. ~~فكلها أمثلة مادية لتقرب إلى عقولنا ما هو غيب عنا، فالماء يعطينا ~~الحياة. لكن هؤلاء المنافقين لم يلتفتوا إلى هذا الخير، الذي ينزل عليهم ~~من السماء من غير تعب أو جهد منهم. بل التفتوا إلى أشياء ثانوية، كان من ~~المفروض أن يرحبوا بها لأنها مقدمات خير لهم. فالمطر قبل أن ينزل من ~~السماء لا بد أن يكون هناك شيء من الظلمة في السحاب الذي يأتي بالمطر، ~~فيحجب أشعة الشمس إن كنا نهارا، ويخفي نور القمر والنجوم إن كنا ليلا. ~~هذه الظلمة مقدمات الخير والماء. إنهم لم يلتفتوا إلى الخير الذي ملأ ~~الله به سبحانه وتعالى الأرض. بل التفتوا إلى الظلمة فنفروا من الخير.. ~~كذلك صوت الرعد ونور البرق. # الرعد يستقبله الإنسان بالأذن وهي آلة السمع، والبرق تستقبله العين، ~~وصوت الرعد قوي، أقوى من طاقة الأذن. ولذلك عندما يسمعه الإنسان يفزع، ~~ويحاول أن يمنع استقبال الأذن له، بأن يضع أنامله في أذنيه. وهؤلاء ~~المنافقون لم يضعوا الأنامل، ولكن كما قال الله سبحانه وتعالى: { ~~يجعلون أصابعهم في ms0098 آذانهم.. } [البقرة: 19] ولم يقل ~~أناملهم. وذلك مبالغة في تصوير تأثير الرعد عليهم. فكأنهم من خوفهم ~~وذعرهم يحاول كل واحد منهم أن يدخل كل أصبعه في أذنه ليحمي نفسه من هذا ~~الصوت المخيف، فكأنهم يبالغون في خوفهم من الرعد. ونلاحظ هنا أن الحديث ~~ليس عن فرد واحد، ولكن عن كثيرين.. لأنه سبحانه وتعالى يقول { ~~أصابعهم.. } [البقرة: 19] نقول: إن الأمر لجماعة يعني أمرا لكل ~~فرد فيها، فإذا قال المدرس للتلاميذ: أخرجوا أقلامكم، فمعنى ذلك أن كل ~~تلميذ يخرج قلمه.. وإذا قال رئيس الجماعة اركبوا سياراتكم، فمعنى ذلك أن ~~كل واحد يركب سيارته.. لذلك فإن معنى { أو كصيب من السمآء ~~فيه ظلمت ورعد وبرق يجعلون أصبعهم في ~~آذانهم.. } [البقرة: 19] أن كل واحد منهم يضع أصبعه في أذنيه.. لماذا ~~يفعلون ذلك؟! إنهم يفعلونه خوفا من الموت لأن الرعد والبرق يصاحبهما ~~الصواعق أحيانا، ولذلك فإنهم من مبالغتهم في الخوف يحس كل واحد منهم بأن ~~صاعقة ستقتله.. فكأنهم يستقبلون نعمة الله سبحانه وتعالى بغير حقيقتها.. ~~وهم لا يرون النعمة الحقيقية في أن هذا المطر يأتي لهم بعوامل استمرار ~~الحياة. ولكنهم يأخذون الظاهر في البرق والرعد. وكذلك المنافقون لا ~~يستطيع الواحد منهم أن يصبر على شهوات نفسه ونزواتها.. إنه يريد ذلك ~~العاجل ولا ينظر إلى الخير الحقيقي الذي وعد الله به عباده المؤمنين في ~~الآخرة.. وهو ينظر إلى التكاليف كأنها شدة ومسألة تحمل النفس بعض المشاق. ~~ويغفل عن حقيقة جزاء التكاليف في الآخرة، وكيف أنها ستوفر لهم النعيم ~~الدائم.. تماما كما ينظر الإنسان إلى المطر على أنه ظلمة ورعد وبرق، ~~وينسى أنه بدون هذا المطر من المستحيل أن تستمر حياته. هم يأخذون هذه ~~الظواهر على أنها كل شيء. بينما هي في الحقيقة تأتي لوقت قصير وتختفي، ~~فهي قصيرة كالحياة الدنيا، وقتية. ولكن نظرتهم إليها وقتية ومادية لأنهم ~~لا يؤمنون إلا بالدنيا وغفلوا عن الآخرة.. غفلوا عن ذلك الماء التي يبقى ~~فترة طويلة، وتنبهوا إلى تلك الظواهر الوقتية التي تأتي مع المطر فخافوا ~~منها، وكان خوفهم منها يجعلهم ms0099 لا يحسون بما في المطر من خير. والمنافقون ~~يريدون أن يأخذوا خير الإسلام دون أن يقوموا بواجبات هذا الدين!! ثم ~~يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى قضية مهمة، وهي أن خوفهم من زوال متع ~~الدنيا ونفوذها لن يفعل لهم شيئا. لأن الله محيط بالكافرين.. والإحاطة ~~معناها السيطرة التامة على الشيء بحيث لا يكون أمامه وسيلة للإفلات، ~~وقدرة الله سبحانه وتعالى محيطة بالكافرين وغير الكافرين. إذن عدم ~~التفاتهم للنفع الحقيقي، وهو منهج الله، لا يعطيهم قدرة الإفلات من قدرة ~~الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة. ### || [2.20] # إن الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن البرق الذي هو وقتي وزمنه ~~قليل. هو الذي يسترعي انتباههم، ولو آمنوا لأضاء نور الإيمان والإسلام ~~طريقهم. ولكن قلوبهم مملوءة بظلمات الكفر فلا يرون طريق النور، والبرق ~~يخطف أبصارهم، أي: يأخذها دون إرادتهم. فالخطف يعني أن الذي يخطف لا ~~ينتظر الإذن، والذي يتم الخطف منه لا يملك القدرة على منع الخاطف، والخطف ~~غير الغصب. فالغصب أن تأخذ الشيء رغما عن صاحبه. ولكن.. ما الفرق بين ~~الأخذ والخطف والغصب؟. الأخذ أن تطلب الشيء من صاحبه فيعطيه لك، أو ~~تستأذنه. أي: تأخذ الشيء بإذن صاحبه. والخطف أن تأخذه دون إرادة صاحبه ~~ودون أن يستطيع منعك. والغصب أن تأخذ الشيء رغم إرادة صاحبه باستخدام ~~القوة أو غير ذلك بحيث يصبح عاجزا عن منعك من أخذ هذا الشيء. ولنضرب ~~لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - إذا دخل طفل على محل للحلوى وخطف قطعة ~~منها، يكون صاحب المحل لا قدرة له على الخاطف لأن الحدث فوق قدرات ~~المخطوف منه، فهو بعيد وغير متوقع للشيء، فلا يستطيع منع الخطف.. أما ~~الغصب فهو أن يكون صاحب المحل متنبها، ولكنه لا يملك القدرة على منع ما ~~يحدث، وإذا حاول أن يقاوم.. فإن الذي سيأخذ الشيء رغما عنه لابد أن يكون ~~أقوى منه. أي أن قوة المغتصب، تكون أقوى من المغتصب منه. وقوله ~~تعالى: { يكاد البرق يخطف أبصارهم.. } [البقرة: 20]. ~~لابد أن نتنبه إلى قوله تعالى " يكاد " أي: ms0100 يكاد أو يقترب البرق من أن ~~يخطف أبصارهم. وليس للإنسان القدرة أن يمنع هذا البرق من أن يأخذ انتباه ~~البصر. وقوله تعالى { ولو شآء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصارهم } [البقرة: 20]. أي: أنهم يمشون على قدر النور الدنيوي، ~~الذي يعطيه لهم البرق، فلا نور في قلوبهم. ولذلك إذا أظلم عليهم توقفوا، ~~لأنه لا نور لهم. وقوله تعالى { ولو شآء الله لذهب ~~بسمعهم وأبصارهم } [البقرة: 20]. يدعي بعض المستشرقين أن ~~ذلك يتعارض مع الآية الكريمة التي تقول # صم بكم عمي فهم لا يرجعون # [البقرة: 18] كيف يكونون صما بكما عميا.. أي أن منافذ الإدراك عندهم ~~لا تعمل، ونحن هنا نتحدث عن العمى الإيماني، ثم يقول تبارك وتعالى { ~~ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } [البقرة: ~~20] مع أنهم صم وبكم وعمي؟. نقول أن قول الحق سبحانه وتعالى: # صم بكم عمي # [البقرة: 18] أي: لا يرون آيات الله ويقين الإيمان، ولا يسمعون آيات ~~القرآن ويعقلونها.. إذن: فوسائل إدراكهم للمعنويات تتعطل. ولكن وسائل ~~إدراكهم بالنسبة للمحسات تبقى كما هي. فالمنافق الذي لا يؤمن بيوم ~~القيامة، لا يرى ذلك العذاب الذي ينتظره في الآخرة. # ولو شاء الله سبحانه وتعالى أن يذهب بسمعهم وأبصارهم - بالنسبة للأشياء ~~المحسة - لاستطاع لأنه قادر على كل شيء، ولكنه سبحانه وتعالى لم يشأ ذلك. ~~حتى لا يأتوا مجادلين في الآخرة، من أنهم لو كان لهم بصر لرأوا آيات ~~الله. ولو كان لهم سمع لتدبروا القرآن. فأبقى الله لهم أبصارهم وأسماعهم ~~لتكون حجة عليهم، بأن لهم بصرا ولكنهم انصرفوا عن آيات الله إلى الأشياء ~~التي تأتيهم بفائدة عاجلة في الدنيا مهما جاءت بغضب الله. وأن لهم سمعا ~~يسمعون به كل شيء من خطط المؤامرات على الإسلام. وضرب الإيمان وغير ذلك. ~~فإذا تليت عليهم آيات الله فأنهم لا يسمعونها. وفي ذلك يقول الله سبحانه ~~وتعالى: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا # [محمد: 16]. أي أنهم يسمعون ولا يعقلون ولا يدخل النور إلى قلوبهم، ~~فكأنهم صم عن آيات الله لا يسمعونها. ms0101 والحق سبحانه وتعالى يريد أن ~~يعطينا مثل المنافقين بأنهم لا يلتفتون إلى القيم الحقيقية في الحياة. ~~ولكنهم يأخذون ظاهرها فقط.. يريدون النفع العاجل، وظلمات قلوبهم لا ~~تجعلهم يرون نور الإيمان. وإنما يبهرهم بريق الدنيا مع أنه زائل ووقتي. ~~فيخطف أبصارهم. ولأنه لا نور في قلوبهم، فإذا ذهبت عنهم الدنيا، تحيط بهم ~~الظلمات من كل مكان لأنهم لا يؤمنون بالآخرة. مع أن الله سبحانه وتعالى ~~لو شاء لذهب بسمعهم وأبصارهم، لأنهم لا يستخدمونها الاستخدام الإيماني ~~المطلوب والمفروض أن وسائل الإدراك هذه تزيدنا إيمانا، ولكن هؤلاء لا ~~يرون إلا متاع الدنيا، ولا يسمعون إلا وسوسة الشيطان، فالمهمة الإيمانية ~~لوسائل الإدراك توقفت، وكأن هذه الوسائل غير موجودة. ### || [2.21] # بعد أن حدثنا الله سبحانه وتعالى عن صفات المنافقين في ثلاث عشرة آية ~~وأعطانا أوصافهم الظاهرة، وأعطانا أمثلة لما يحدث في قلوبهم كي يعرفهم ~~المؤمنون ظاهرا وباطنا، ويحذروهم ولا يأمنوا لهم. بين لنا كيف أن ~~المنافقين لم يكفروا بالله كإله فقط، ويستروا وجوده، ولكن كفروا به كرب ~~والرب عطاؤه مكفول لكل من خلق: مؤمنهم وكافرهم، فهو سبحانه وتعالى الذي ~~استدعاهم للوجود وخلقهم. ولذلك فإنه سبحانه يضمن لهم رزقهم وحياتهم. ~~والله سبحانه وتعالى لا يحرم خلقا من خلقه من عطاء ربوبيته في ~~الدنيا. فالشمس تشرق على المؤمن والكافر، والمطر ينزل على من قال لا ~~إله إلا الله ومن ستر وجوده تعالى، والهواء يتنفس به ذلك الذي يقيم ~~الصلاة والذي لم يركع ركعة في حياته، والطعام يأكله الذي يحب الله والذي ~~يكفر بنعم الله.. ذلك أن هذه عطاءات ربوبية يعطيها الله تعالى لكل خلقه ~~في الدنيا. أما عطاءات الألوهية، فهي للمؤمنين في الدنيا والآخرة. فالله ~~سبحانه وتعالى يلفت انتباه خلقه إلى أن عطاء الربوبية من الله سبحانه ~~وتعالى لهم يكفي ليؤمنوا بالله ويعبدوه. والحق سبحانه وتعالى حينما يخاطب ~~الناس في القرآن الكريم، ذلك الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه، فلابد أن يكون الخطاب للناس في كل زمان ومكان منذ نزول ~~القرآن الكريم ms0102 إلى يوم القيامة. وخطاب الله سبحانه وتعالى خاص بقضية ~~الإيمان في القمة، وهي الخضوع لإله واحد لا شريك له. وقوله تعالى { ~~الذي خلقكم والذين من قبلكم } [البقرة: 21] معناه أن ~~من مقتضيات العبادة. أن الله هو خالق الناس جميعا. وليس في قضية الخلق ~~كما قلنا شبهة لأنه لا أحد يستطيع أن يدعي أنه خلق نفسه، أو خلق هذا ~~الكون، بل إن الحق سبحانه وتعالى يطلب منا أن نحترم السببية المباشرة في ~~وجودنا فالأب والأم هنا سبب في وجود الإنسان. فنجد الله سبحانه وتعالى ~~يقول: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر ~~أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا ~~تنهرهما وقل لهما قولا كريما # [الإسراء: 23]. وهكذا نرى أن الحق قد احترم السببية في الموجد، مع أنه ~~سبحانه وتعالى الموجد الذي خلق كل شيء. ولكن الله يحترم عمل الإنسان. مع ~~أنه سبب فقط، فالمال هو مال الله، يعطيه لمن يشاء. لكننا نجد الحق ~~سبحانه وتعالى وهو يحث على الصدقة يقول: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا.. # [البقرة: 245]. فكأنه سبحانه احترم عمل الإنسان في الحصول على المال، ~~رغم أن المال مال الله. فقال وهو الخالق الأعظم: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا.. # [البقرة: 245] وهكذا تتجلى رحمة الحق بالخلق. # الله يقول: { لعلكم تتقون } [البقرة: 21] نتقي ماذا؟ نتقي ~~صفات الجلال في الله. فالله سبحانه وتعالى له صفات جلال وصفات جمال، صفات ~~الجلال هي " الجبار والقهار والمتكبر والقوي والقادر والمقتدر والضار " ~~وغيرها من صفات الجلال. فالله سبحانه وتعالى يريدنا أن نجعل بيننا وبين ~~صفات الجلال وقاية حتى لا نغضب الله، فيعاملنا بمتعلقات صفات جلاله، وأن ~~نتمسك بصفات جمال الله: الرحيم، الودود، الغفار، التواب، فإذا نجحنا في ~~ذلك كان لنا نجاة من النار التي هي أحد جنود الله، ومتعلقات جلاله. على ~~أننا لابد أن نتنبه إلى أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول " يا أيها ~~الناس " إنما يخاطب كل الناس، فإذا أراد الحق سبحانه وتعالى مخاطبة ~~المؤمنين قال: " يا أيها الذين ms0103 آمنوا " أي يا أيها الذين آمنتم بالله ~~إلها، ودخلتم معه في عقد إيماني. ### || [2.22] # فبعد أن بين لنا الحق سبحانه وتعالى أن عطاء ربوبيته الذي يعطيه ~~لخلقه جميعا: المؤمن والكافر، كان يكفي لكي يؤمن الناس - كل الناس -.. ~~أخذ يبين لنا آيات من عطاء الربوبية. ويلفتنا إليها لعل من لم يؤمن ~~عندما يقرأ هذه الآيات يدخل الإيمان في قلبه. فيلفتنا الله سبحانه وتعالى ~~إلى خلق الأرض في قوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض فراشا ~~} [البقرة: 22]. والأرض هي المكان الذي يعيش فيه الناس ولا يستطيع أحد أن ~~يدعي أنه خلق الأرض أو أوجدها. إذن: فهي آية ربوبية لا تحتاج لكي نتنبه ~~إليها إلى جهد عقلي لأنها بديهات محسومة لله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: ~~" فراشا " توحي بأنه أعد الأرض إعدادا مريحا للبشر. كما تفرش على ~~الأرض شيئا، تجلس عليه أو تنام عليه، فيكون فراشا يريحك. ونحن نتوارث ~~الأرض جيلا بعد جيل. وهي تصلح لحياتنا جميعا. ومنذ أن خلقت الأرض إلى ~~يوم القيامة، ستظل فراشا للإنسان. قد يقول بعض الناس: أنك إذا نمت على ~~الأرض فقد تكون غير مريحة تحتك، فيها حصى أو غير ذلك مما يضايقك. نقول: ~~إن الإنسان الأول كان ينام عليها مستريحا.. إذن فضرورة النوم ممكنة على ~~الأرض. وعندما تقدمت الحضارة وزادت الرفاهية ظلت الأرض فراشا رغم ما ~~وجد عليها من أشياء لينة. فكأن الله تعالى قد أعدها لنا إعدادا ~~يتناسب مع كل جيل. فكل جيل رفه في العيش بسبب تقدم الحضارة كشف الله ~~سبحانه من العلم ما يطوع له الأرض ويجعلها فراشا. ونلاحظ أن الله سبحانه ~~وتعالى في آية أخرى يقول: # جعل لكم الأرض مهدا.. # [الزخرف: 10]. والمهد: هو فراش الطفل، ولابد أن يكون مريحا لأن الطفل ~~إذا وجد في الفراش أي شيء يتعبه، فإنه لا يملك الإمكانات التي تجعله ~~يريحه، ولذلك تمهد الأم لطفلها مكان نومه، حتى ينام نوما مريحا. ولكن ~~الذي يمهد الأرض لكل خلقه هو الله سبحانه وتعالى. يجعلها فراشا لعباده. ~~وإذا قرأت قوله تعالى: # هو الذي جعل ms0104 لكم الأرض ذلولا فامشوا في ~~مناكبها وكلوا من رزقه.. # [الملك: 15]. فإن معنى ذلك أن الحق سبحانه جعل الأرض مطيعة للإنسان، ~~تعطيه كل ما يحتاج إليه. ويأتي الحق سبحانه وتعالى إلى السماء فيقول: " ~~والسماء بناء " والبناء يفيد المتانة والتماسك. أي أن السماء - وهي فوقك ~~- لا نرى شيئا يحملها حتى لا تسقط عليك. إنها سقف متماسك متين.. ويؤكد ~~الحق هذا المعنى بقوله تعالى: # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه # [الحج: 65]. وفي آية أخرى يقول: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا.. # [الأنبياء: 32]. والهدف من هذه الآيات كلها أن نطمئن ونحن نعيش على ~~الأرض أن السماء لن تتساقط علينا لأن الله يحفظها. # إذن: من آيات الحق سبحانه وتعالى في الأرض أنه جعلها فراشا أي: ممهدة ~~ومريحة لحياة الإنسان، وحفظ السماء بقدرته جل جلاله، فهي ثابتة في ~~مكانها، لا تهدد سكان الأرض وتفزعهم، بأنها قد تسقط عليهم، ثم جاء بآية ~~أخرى: { وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم.. } [البقرة: 22]. فكأن الحق سبحانه وتعالى ~~وضع في الأرض وسائل استبقاء الحياة. فلم يترك الإنسان على الأرض دون أن ~~يوفر له وسائل استمرار حياته. فالمطر ينزل من السماء، والسماء هي كل ما ~~علاك فأظلك. فينبت به الزرع والثمر، وهذا رزق لنا، والناس تختلف في مسألة ~~الرزق. والرزق هو ما ينتفع به، وليس هو ما تحصل عليه. فقد تربح مالا ~~وافرا ولكنك لا تنفقه ولا تستفيد منه فلا يكون هذا رزقك ولكنه رزق غيرك، ~~وأنت تظل حارسا عليه، لا تنفق منه قرشا واحدا، حتى توصله إلى صاحبه. ~~والرزق في نظر معظم الناس هو المال، قال عليه الصلاة والسلام: # " يقول ابن آدم: مالي مالي.. وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت ~~فأفنيت، ولبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ". # هذا هو رزق المال، وهو جزء من الرزق. ولكن هناك رزق الصحة. ورزق الولد. ~~ورزق في الطعام، ورزق في البركة، وكل نعمة من الله سبحانه وتعالى هي رزق ~~وليس المال وحده. فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا ms0105 بهذه الآية الكريمة ~~إلى أن نفكر قليلا، فيمن خلق هذا الكون. لنعرف أنه قبل أن يخلق الإنسان ~~خلق له عناصر بقائه. ولكن هذا الإعداد لم يتوقف عند الحياة المادية. بل ~~إن الله كما أعد لنا مقومات حياتنا المادية أعد لنا مقومات حياتنا ~~الروحية، أو القيم في الوجود. وإذا قرأت في سورة الرحمن قوله تعالى: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه ~~البيان # [الرحمن: 1-4]. لوجدت القرآن يعطينا قيم الحياة، التي بدونها تصبح ~~الدنيا كلها لا قيمة لها. لأن الدنيا امتحان أو اختبار لحياة قادمة في ~~الآخرة. فإذا لم تأخذها بمهمتها في أنها الطريق الذي يوصلك إلى الجنة. ~~أهدرت قيمتها تماما. ولم تعد الدنيا تعطيك شيئا إلا العذاب في الآخرة. ~~وقد ربط الحق سبحانه وتعالى الرزق في هذه الآية بالسماء فقال سبحانه: { ~~فأخرج به من الثمرات رزقا لكم.. } [البقرة: 22]. ~~ليلفتنا إلى أن الرزق، لا يأتي إلا من أعلى، وضرب الله سبحانه وتعالى ~~المثل بالماء لأنه رزق مباشر محسوس منا، والماء ينزل من السماء في أنقى ~~صوره مقطرا. كل ما يأتينا من السماء فيه علو. ينزل ليزيد حياة القيم ~~ارتقاء، عملية لو أراد البشر أن يقوموا بها ما استطاعوا لأنها كانت ~~ستتكلف ملايين الجنيهات، لتعطينا ماء لا يكفي أسرة واحدة. # ولكن الله سبحانه وتعالى أنزل من السماء ماء في أنقى صوره لينبت به ~~الثمرات، التي تضمن استمرار الحياة في هذا الكون. وبعد أن نفهم هذه النعم ~~كلها. والإعجاز الذي فيها ونستوعبها يقول الحق تبارك وتعالى: { فلا ~~تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } [البقرة: 22]. " ~~أندادا " جمع ند، والند هو النظير أو الشبيه. وأي عقل فيه ذرة من فكر ~~يبتعد عن مثل هذا، فلا يجعل لله تعالى شبيها ولا نظيرا ولا يشبه ~~بالله تعالى أحدا. فالله واحد في قدرته، واحد في قوته، واحد في خلقه. ~~واحد في ذاته، وواحد في صفاته. ولا توجد مقارنة بين صفات الحق سبحانه ~~وتعالى وصفات الخلق. والله خلق لكل منا عقلا يفكر به، لو عرضت هذه ~~المسألة على العقل لرفضها تماما، ms0106 لأنها لا تتفق مع عقل أو منطق، ولذلك ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: { وأنتم تعلمون } [البقرة: 22]. أي ~~تعرفون هذا جيدا بعقولكم لأن طبيعة العقل ترفض هذا تماما. فمنذا الذي ~~يستطيع أن يدعي أنه خلقكم والذين من قبلكم؟! ومنذا الذي يستطيع أن ~~يدعي ولو كذبا، أنه هو الذي جعل الأرض فراشا، وجعل السماء سقفا ~~محفوظا، أو أنزل المطر وأنبت الزرع؟ لا أحد. إذن: فأنتم تعلمون أن العقل ~~كله لله وحده، وما دام لا يوجد معارض ولا يمكن أن يوجد. فالقضية محسومة ~~للحق تبارك وتعالى. والحق سبحانه وتعالى يقول: # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا ~~لله.. # [البقرة: 165]. لماذا اتخذ هؤلاء الناس لله تعالى أندادا؟ لأنهم يريدون ~~دينا بلا منهج. يريدون أن يرضوا فطرة الإيمان التي خلقها الله فيهم. ~~وفي الوقت نفسه يتبعون شهواتهم. عندما فكروا في هذا وجدوا أن أحسن طريقة ~~هي أن يختاروا إلها بلا منهج، لا يطلب منهم شيئا، ولذلك كل دعوة منحرفة ~~تجد أنها تبيح ما حرم الله، وتحل الإنسان من كل التكاليف الإيمانية ~~كالصلاة والزكاة والجهاد وغيرها. أما الذين آمنوا، فإنهم يعرفون أن الله ~~سبحانه وتعالى إنما وضع منهجه لصالح الإنسان، فالله لا يستفيد من صلاتنا ~~ولا من زكاتنا. ولا من منهج الإيمان شيئا، ولكننا نحن الذين نستفيد من ~~رحمة الله. ومن نعم الله ومن جنته في الآخرة. ولأن الذين آمنوا يعرفون ~~هذا فإنهم يحبون الله حبا شديدا، والذين كفروا رغم كل ما يدعون فإنهم ~~ساعة العسرة يلجأون إلى الله سبحانه وتعالى باعتباره وحده الملجأ ~~والملاذ. واقرأ قوله تبارك وتعالى: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه.. # [يونس: 12]. لماذا لم يستدع الأنداد؟ لأن الإنسان لا يغش نفسه أبدا في ~~ساعة الخطر، ولأن هؤلاء يعرفون بعقولهم أنه لا يمكن أن يوجد لله أنداد. # ولكنه يتخذهم لأغراض دنيوية. فإذا جاء الخطر يلجأ إلى الله سبحانه ~~وتعالى لأنه يعلم ms0107 يقينا أنه وحده الذي يكشف الضر، فحلاق الصحة الذي ~~يعالج الناس دجلا، إذا مرض ابنه أسرع به إلى الطبيب، لأنه يغش الناس. ~~ولكنه لا يمكن أن يغش نفسه. ولقد كان الأصمعي واقفا عند الكعبة، فسمع ~~أعرابيا يدعو ويقول: " يا رب، أنت تعلم أني عاصيك وكان من حقك علي ~~ألا أدعوك، وأنا عاص. ولكني أعلم أنه لا إله إلا أنت فلمن أذهب؟ " ~~فقال الأصمعي: يا هذا إن الله يغفر لك لحسن مسألتك ". ### || [2.23] # بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى لنا أن هؤلاء الذين يتخذون من دون ~~الله أندادا لا يعتمدون على منطق ولا عقل. ولكنهم يعتمدون على شهوات ~~دنيوية عاجلة. أراد أن يأتي بالتحدي بالنسبة للقرآن الكريم - المعجزة ~~الخالدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم - حتى يثبت لهم أن الله سبحانه ~~وتعالى إذا كان قد جعل خلق الكون إعجازا محسا.. فإن القرآن منهج معجز ~~إعجازا قيما.. قال الله جل جلاله: { وإن كنتم في ريب.. } ~~[البقرة: 23] الخطاب هنا لكل كافر ومنافق وغير مؤمن، لأن الذين آمنوا ~~بالله ورسوله ليس في قلوبهم ريب، بل هم يؤمنون بأن القرآن موحى به من ~~الله، مبلغ إلى محمد صلى الله عليه وسلم بالوحي المنزل من السماء. ~~والريب: هو الشك. وقوله تعالى: { وإن كنتم في ريب } [البقرة: ~~23] أي: إن كنتم في شك. من أين يأتي هذا الشك والمعجزة تحيط بالقرآن ~~وبرسوله صلى الله عليه وسلم؟ ما هي مبررات الشك، ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب ولم يعرف بالبلاغة والشعر بين قومه حتى ~~يستطيع أن يأتي من عنده بهذا الكلام المعجز الذي لم يستطع فطاحل شعراء ~~العرب الذين تمرسوا في البلاغة واللغة أن يأتوا بآية من مثله. هذه واحدة. ~~والثانية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكذب أبدا ولم يعرف عنه ~~كذب قبل تكليفه بالرسالة بل كانوا يلقبونه صلى الله عليه وسلم بالصادق ~~الأمين. والذين كانوا يلقبون رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين ~~اتهموه بأن هذا القرآن ليس من عند ms0108 الله.. أيصدق رسول الله عليه الصلاة ~~والسلام مع الناس.. ويكذب على الله؟!.. هذا مستحيل. الكلام الذي جاء به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن لم يكن أحد ليستطيع أن يأتي به ~~من فطاحل علماء البلاغة العرب. والعلم الذي نزل في القرآن الكريم لم يكن ~~يعرفه بشر في ذلك الوقت. فكيف جاء النبي الأمي بهذا الكلام المعجزة، ~~وبهذا العلم الذي لا يعلمه البشر؟! لو جلس إلى معلم أو قرأ كتب الحضارات ~~القديمة لقالوا ربما استنبط منها، ولكنه لم يفعل ذلك. فمن أين دخل الريب ~~إلى قلوبهم؟ لا شك أنه دخل من باب الباطل.. والباطل لا حجة له. وبلا شك ~~لقد فضحوا أنفسهم بأنهم لا يرتابون في القرآن، ولكنهم كانوا يريدونه أن ~~ينزل على سيد من سادة قريش. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. وهؤلاء المرتابون لم يجدوا حجة يواجهون بها القرآن، ~~فقالوا: ساحر، وهل للمسحور إرادة مع الساحر؟ إذا كان ساحرا فلماذا لم ~~يسحركم أنتم؟ وقالوا: مجنون. # والمجنون يتصرف بلا منطق.. يضحك بلا سبب. ويبكي بلا سبب، ويضرب الناس ~~بلا سبب!. ولذلك رد الحق سبحانه عليهم بقوله تعالى: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4]. فهل يكون المجنون على خلق عظيم؟ إذن: فأسباب الريب كلها ~~أو الأسباب التي تثير الشك غير موجودة. وغير متوافرة. ولا يوجد سبب حقيقي ~~واحد يجعلهم يشكون في أن القرآن ليس من عند الله. ولكنهم هم القائلون كما ~~يروي لنا الحق تبارك وتعالى: # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. إذن، فكل أسباب الشك غير موجودة وأسباب اليقين هي ~~الموجودة، ومع ذلك ارتابوا وشكوا. وقوله سبحانه وتعالى: { مما ~~نزلنا على عبدنا.. } [البقرة: 23]. فالقرآن الكريم وجد في ~~اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الإنسان، وعندما جاء وقت مباشرته لمهمته في ~~الكون ms0109 نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا دفعة واحدة، ثم أنزله الله ~~سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بقدر ما احتاجت إليه ~~المناسبات والأحداث. إذن فقوله " نزلنا " أي نزل من اللوح المحفوظ إلى ~~السماء الدنيا دفعة واحدة. وقوله تعالى " أنزل " أي أنزله آيات على محمد ~~صلى الله عليه وسلم بحسب اقتضاء الأحداث والمناسبات. الحق سبحانه وتعالى ~~يقول: " على عبدنا " وهذه محتاجة إلى وقفة. فالله جل جلاله. له عبيد وله ~~عباد. كل خلق الله في كونه عبيد لله سبحانه وتعالى، لا يستطيعون الخروج ~~عن مشيئة الله أو إرادته. هؤلاء هم العبيد. ولكن العباد هم الذين اتحدت ~~مراداتهم مع ما يريده الله سبحانه وتعالى.. تخلوا عن اختيارهم الدنيوي، ~~ليصبحوا طائعين لله باختيارهم، أي أنهم تساووا مع المقهورين في أنهم ~~اختاروا منهج الله وتركوا أي اختيار يخالفه. هؤلاء هم العباد، وإذا قرأت ~~القرآن الكريم تجد أن الله سبحانه وتعالى يشير إلى العباد بأنهم الصالحون ~~من البشر فيقول الحق تبارك وتعالى: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ~~لعلهم يرشدون # [البقرة: 186]. هذا ليس لكل خلق الله، ولكنه للعباد الذين إذا قال الله ~~تعالى لهم افعلوا فعلوا وإذا قال الله لا تفعلوا لم يفعلوا. أي: أنهم لا ~~يخالفون - بقدرتهم على الاختيار - منهج الله سبحانه وتعالى. ولذلك في ~~الجهاد لا يقول الحق سبحانه وتعالى عن المجاهدين أنهم عبيد. بل يقول جل ~~جلاله: # فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ ~~أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا ~~مفعولا # [الإسراء: 5]. # وبعض المستشرقين الذين يحاولون الطعن في القرآن الكريم يقولون: إن كلمة ~~عباد قد جاءت في وصف غير المؤمن في قوله تعالى: # أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل # [الفرقان: 17]. نقول: إنكم لم تفهموا أن هذا يحدث ساعة الحساب في ~~الآخرة، وفي الآخرة كلنا عباد لأننا كلنا مقهورون فلا اختيار لأحد في ~~الآخرة، وإنما الاختيار البشري ينتهي ساعة الاحتضار، ثم يصبح الإنسان بعد ~~ذلك مقهورا. فنحن ms0110 جميعا في الآخرة عباد، ولكن الفرق بين العبيد والعباد ~~هو في الحياة الدنيا فقط. والعبودية هي أرقى مراتب القرب من الله تعالى ~~لأنك تأتي إلى الله طائعا، منفذا للمنهج باختيارك. ولقد عرض على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ملكا رسولا، أو عبدا رسولا. ~~فاختار أن يكون عبدا رسولا. وإذا أردنا أن نعرف معنى العبودية نقرأ في ~~سورة الإسراء: # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله # [الإسراء: 1]. لنرى أنه في أعلى درجات الإنعام من الله سبحانه وتعالى ~~على رسوله صلى الله عليه وسلم في المعجزة الكبرى التي لم تحدث لبشر قبله ~~صلى الله عليه وسلم سواء كان رسولا أو غير رسول، ولن تحدث لبشر بعده.. ~~ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد إلى السماوات السبع بالروح ~~وبالجسد ثم عاد إلى الأرض.. وتجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة ~~جبريل فتجاوز سدرة المنتهى وهي المكان الذي ينتهي إليه علم خلق الله من ~~البشر والملائكة المقربين. وبشرية الرسول أخذت جدلا كبيرا منذ بدأت ~~الرسالات السماوية، وحتى عصرنا هذا. واقرأ قوله تعالى: # فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا ~~بشرا مثلنا.. # [هود: 27]. وقوله تعالى: # فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا ~~لفي ضلال وسعر # [القمر: 24]. وقوله تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. وقوله تعالى: # ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون # [المؤمنون: 34]. إذن، فبشرية الرسول اتخذت حجة للذين لا يريدون أن ~~يؤمنوا، والرسول مبلغ عن الله. ولابد أن يكون من جنس القوم الذين ~~أرسل إليهم، ولابد أن يكون قد عاش بينهم فترة قبل الرسالة واشتهر ~~بالأمانة والصدق حتى لا يكذبوه. وفي الوقت نفسه هو قدوة. ولذلك لابد أن ~~يكون من جنس قومه، لأنه سيطبق المنهج علميا أمامهم، ولو كان من جنس آخر ~~لقالوا: لا نطيق ما كلفتنا به يا رب لأن هذا الرسول مخلوق من غير مادتنا، ~~ومقهور ms0111 على الطاعة. إذن: فبشرية الرسول حتمية. وكل من يحاول أن يعطي ~~الرسول صفة غير البشرية، إنما يحاول أن ينقص من كمالات رسالات الله، ~~والله سبحانه وتعالى ليس عاجزا، عن أن يحول البشر إلى ملائكة، ~~واقرأ قوله تعالى: # ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض ~~يخلفون # [الزخرف: 60]. إذن: فبشرية الرسول هي من تمام الرسالة. ثم يأتي التحدي ~~من الله سبحانه وتعالى { فأتوا بسورة من مثله } والمطلوب ~~أن يأتي العرب بسورة من مثل ما جاء به القرآن الكريم. الشهود الذين يطلب ~~الله دعوتهم هم شهود ضعفاء، شهود من البشر وليست شهادة من الله بالغيب. ~~والله سبحانه وتعالى وضع في هذه الآية معظم الشكوك لنفحصها، ولنصل فيما ~~بعد ذلك إلى جوهر الإعجاز القرآني. والحق سبحانه وتعالى تدرج في ~~التحدي مع الكافرين. فطلب منهم أن يأتوا بمثل القرآن، ثم طلب عشر سور من ~~مثله، ثم تدرج في التحدي فطلب سورة واحدة، والنزول في التحدي - من ~~القرآن كله إلى عشر سور إلى سورة واحدة - دليل ضد من تحداهم. فلا ~~يستطيعون أن يأتوا بمثل القرآن، فيقول: إذن فأتوا بعشر سور، فلا يستطيعون ~~ويصبح موقفهم مدعاة للسخرية، فيقول: فأتوا بسورة، وهذا منتهى الاستهانة ~~بالذين تحداهم الله سبحانه وتعالى، وإثبات لأنهم لا يقدرون على شيء. ~~وكلمة " بمثل " معناها أن الحق سبحانه وتعالى يطلب المثيل ولا يطلب نص ~~القرآن، وهذا إمعان وزيادة في إظهار عجز القوم الذين لا يؤمنون بالله ~~ويشككون في القرآن. وقوله تعالى: { وادعوا شهدآءكم }. معناه: أن ~~الله سبحانه وتعالى زيادة في التحدي يطالبهم بأن يأتوا هم بالشهداء ~~ويعرضوا عليهم الآية ليحكم هؤلاء الشهود إذا كان ما جاءوا به مثل القرآن ~~أم لا. أليس هذا إظهارا المنتهى القوة لله سبحانه وتعالى لأنه لم يشترط ~~شهداء من الملائكة ولا شهداء من الذين اشتهر عنهم الصدق، وأنهم يشهدون ~~بالحق، بل ترك الحق سبحانه لهم أن يأتوا بالشهداء، وهؤلاء الشهداء لن ~~يستطيعوا أن يشهدوا أن كلام هؤلاء المشككين يماثل سورة من القرآن. الله ~~سبحانه وتعالى طلب منهم أن يأتوا بأي ms0112 شهداء متحيزين لهم، وأطلقها سبحانه ~~وتعالى على كل أجناس الأرض فقال: { من دون الله إن كنتم ~~صادقين } [البقرة: 23] ولكن إياكم أن تقولوا يشهد الله بأن ما جئنا ~~به مثل القرآن لأنكم تكونون قد كذبتم على الله وادعيتم شيئا لم يقله ~~سبحانه وتعالى. ولكن ما معنى قوله تعالى: { إن كنتم صادقين } ~~[البقرة: 23] صادقين في ماذا؟ وما هو الصدق؟ الصدق يقابل الكذب، والصدق ~~والكذب كل منهما نسبي. كلنا يعلم أن هناك كلاما غير مفيد، فإذا قلت: ~~محمد، وسكت فمن يسمعك سيسألك: ماذا تقصد بقولك: محمد؟ وسؤاله دليل ~~على أنه لم يستفد شيئا، ولكنه لو سألك: من عندك؟ وأجبت: محمد. فكأنك ~~تخبره بأن عندك محمدا، وهذه كلمة واحدة لكنك فهمتها بالمعنى الذي أخذته ~~من كلام السائل. إذن: فلا تقل كلمة واحدة، ولكن قل كلاما مفيدا. إذن: ~~فالكلام المفيد هو الذي يسكت السامع عليه. وكل متكلم قبل أن ينطق بالكلام ~~يكون عنده نسبة ذهنية لما سيقول، يعبر عنها بنسبة كلامية، ولكن هناك ~~نسبة خارجية لما يقول تمثل الواقع. # أي: أنك لو قلت: محمد مجتهد، فلابد أن يكون هناك شخص اسمه محمد. ولابد ~~أن يكون مجتهدا فعلا لتتطابق النسبة الكلامية مع النسبة الواقعية. فإذا ~~لم يكن هناك شخص اسمه محمد. أو كان هناك شخص اسمه محمد ولكنه ليس ~~مجتهدا، فإن النسبة الكلامية تخالف النسبة الواقعية. والصدق أن تتطابق ~~النسبة الكلامية والنسبة الواقعية، والكذب ألا تتطابق النسبة الكلامية مع ~~النسبة الواقعية.. هذا المفهوم ضرورة لعرض معنى الآية الكريمة. إذن: ~~فقوله تعالى { صادقين } [البقرة: 23] أي: أن تتطابق النسب الكلامية ~~التي ستقولونها مع نسبة واقعية تستطيعون أن تدللوا عليها، فإن لم يحدث ~~ذلك فأنتم كاذبون. فالله سبحانه وتعالى يريد منكم الدليل على صدقكم. ### || [2.24] # بعد أن تحدث الله سبحانه وتعالى عن الأدلة التي يستند إليها المشككون في ~~القرآن الكريم، وهي أدلة لا تستند إلى عقل ولا إلى منطق تحداهم بأن يأتوا ~~بسورة مثل القرآن، وأن يستعينوا بمن يريدون من دون الله، لأن القرآن ~~كلام الله، والله سبحانه هو ms0113 القائل. وبما أنهم يحاولون التشكيك في أن ~~القرآن كلام الله، وأنه منزل من عند الله، فليستعينوا بمن يريدون ~~ليأتوا بآية من مثله، لأن التحدي هنا لا يمكن أن يتم إلا إذا استعانوا ~~بجميع القوى ما عدا الله سبحانه وتعالى. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بعد ~~ذلك بالنتيجة قبل أن يتم التحدي. لأن الله سبحانه وتعالى يعلم أنهم لن ~~يفعلوا ولن يستطيعوا. إن قوله سبحانه: { فإن لم تفعلوا ولن ~~تفعلوا.. } [البقرة: 24] معناه: أنه حكم عليهم بالفشل وقت نزول ~~القرآن وبعد نزول القرآن إلى يوم القيامة لأن الله لا يخفى عن علمه شيء، ~~فهو بكل شيء عليم. وكلمة " لم تفعلوا " عندما تأتي قد تثير الشك. فنحن ~~نعرف أن مجيء " إن " الشرطية يثير الشك.. لأن الأمر لكي يتحقق يتعلق ~~بشرط. وأنت إن قلت: إن ذاكرت تنجح، ففي المسألة شك.. أما إذا قلت كقول ~~الحق # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1] فمعنى ذلك أن نصر الله آت لا محالة. و " إن " حرف و " إذا " ~~ظرف، وكل حدث يحتاج إلى مكان وزمن. فإذا جئت بأداة الشرط فمعنى ذلك أنك ~~تقربها من عنصر تكوين الفعل والحدث. فإذا أردت أن تعبر عن شيء سيتحقق ~~تقول إذا، وإذا أردت أن تشكك فيه تقول " إن " والله سبحانه وتعالى قال " ~~فإن لم تفعلوا " ولأن الفعل ممكن الحدث أراد أن يرجح الجانب المانع ~~فقال: " ولن تفعلوا " هذا أمر اختياري. فإذا تكلمت عن أمر اختياري ثم ~~حكمت أنه لن يحدث، فكأن قدرتك هي التي منعته من الفعل، فلا يقال إنك ~~قهرته على ألا يفعل. لا، بل علمت أنه لن يفعل. فاستعداداته لا يمكن أن ~~تمكنه من الفعل. وهذه أمور ضمن اخبارات القرآن الكريم في القضايا الغيبية ~~التي أخبر عنها، فعندما يقول الله سبحانه وتعالى # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم.. # [النمل: 14] معناها: أنهم مصدقون، ولكن ألسنتهم لا تعترف بذلك. وقوله ~~تعالى { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا.. } [البقرة: 24] ~~معناها: أن الشك مفتعل في نفوسهم هم لا يريدون أن يؤمنوا ولذلك يأتون ~~بسبب مفتعل لعدم الإيمان. ms0114 لقد استقر فكرهم على أنهم لا يؤمنون، وما دام ~~هذا هو ما قررتموه. فإنكم ستظلون تبحثون عن أسباب ملفقة لعدم الإيمان. # وقوله تعالى: { فاتقوا النار التي وقودها الناس ~~والحجارة.. } [البقرة: 24]. الحق سبحانه وتعالى يريد هنا أن يلفتنا ~~إلى صورة أخرى عن عجز هؤلاء الكفار. فهم بحثوا عن أعذار، ليبرروا بها عدم ~~إيمانهم، وتظاهروا بأنهم يشكون في القرآن الكريم. فكأنه يقول لهم: لو ~~كانت لكم قدرة وذاتية فعلا فامنعوا أنفسكم من دخول النار يوم القيامة. ~~كما منعتم انفسكم من الإيمان في الدنيا. وهذا وعيد من الله. لقد أعطاهم ~~ذاتية الاختيار في الدنيا، ولم يختاروا قهرا بل اختاروا عدم الإيمان ~~بمشيئة الاختيار التي أعطاه الله لهم، ولكن هناك وقتا ليس فيه اختيار ~~وهو الآخرة، فحاولوا أن تتقوا في الآخرة عذاب النار يوم القيامة، ولكن لن ~~يكون لأحد اختيار، فالله سبحانه وتعالى يقول في ذلك اليوم: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. ويقول جل جلاله: # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله # [الانفطار: 19]. فإرادتكم التي منعتكم من الإيمان.. لن تقيكم يومئذ من ~~عذاب النار. واقرأ قوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98]. لماذا هم وما يعبدون؟ لأن العابد يرتجي نفع المعبود. ~~فكأنهما عندما يرى كل منهما الآخر في العذاب تكون الحسرة أشد، ولذلك فإن ~~الحجارة والأصنام التي يعبدونها ستكون معهم في النار يوم القيامة، وليس ~~هذا عقابا للأحجار والأصنام لأنها خلق مقهور لله مسبح له، ولكن هذه ~~الأصنام والأحجار تكون راضية وهي تحرق الذين كفروا بالله، وتقول: عبدونا ~~ونحن أعبد لله من المستغفرين بالأسحار. وقوله تعالى: { أعدت ~~للكافرين } [البقرة: 24] الله سبحانه وتعالى يخبرهم وهم في الدنيا، ~~أن النار أعدت للكافرين، وهذا تطمين غاية الاطمئنان للمؤمن. وإرهاب غاية ~~الإرهاب للكافر.. وقوله تعالى { أعدت.. } [البقرة: 24] معناها: أنها ~~موجودة فعلا، وإن لم نكن نراها، وأنها مخلوقة، وإن كانت محجوبة عنا. ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " عرضت علي الجنة ولو شئت أن آتيكم منها بقطاف ms0115 لفعلت ". # وهذا دليل على أنها موجودة فعلا. والمؤمن حينما يعلم أن الجنة موجودة ~~فعلا، وأن الإيمان سيقوده إليها، فإنه يحس بالسعادة ويشتاق للجنة، فإذا ~~سمع قول الحق سبحانه وتعالى: # أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس ~~هم فيها خالدون # [المؤمنون: 10-11]. ساعة تقرأ هذه الآية الكريمة تعرف أن الله سبحانه ~~وتعالى سيجعلك في الجنة تأخذ ما كان لغيرك. لأن الميراث يأتيك من غيرك. ~~وقد سبق علم الله سبحانه وتعالى خلق الناس جميعا. وقبل أن يخلق أعد ~~لكل فرد من خلقه مقعدا في النار ومقعدا في الجنة. الذين سيدخلون ~~النار خالدين فيها، مقاعدهم في الجنة ستكون خالية، فيأتي الله سبحانه ~~وتعالى يعطيها للمؤمنين ليرثوها فوق مقاعدهم ومنازلهم في الجنة. والحق ~~سبحانه عندما يقول: { أعدت.. } [البقرة: 24] فهي موجودة فعلا. ### || [2.25] # وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى لنا مصير الكافرين الذين يشككون في ~~القرآن ليتخذوا من ذلك عذرا لعدم الإيمان، قال: إذا كنتم قد اخترتم عدم ~~الإيمان، بما أعطيتكم من اختيار في الدنيا، فإنكم في الآخرة لن تستطيعوا ~~أن تتقوا النار، ولن تكون لكم إرادة. ثم يأتي الحق تبارك وتعالى بالصورة ~~المقابلة. والقرآن الكريم إذا ذكرت الجنة يأتي الله بعدها بالصورة ~~المقابلة وهي العذاب بالنار. وإذا ذكرت النار بعذابها ولهيبها ذكرت بعدها ~~الجنة. وهذه الصورة المتقابلة لها تأثير على دفع الإيمان في النفوس، فإذا ~~قرأ الإنسان وصفا للعذاب، ثم جاء بعد ذلك النعيم فإنه يعرف أنه قد فاز ~~مرتين، فالذي يزحزح عن النار ولا يدخلها يكون ذلك فوزا ونعمة، فإذا ~~دخل الجنة تكون نعمة أخرى، ولذلك فإن الله تعالى يقول: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185]. ولم يقل سبحانه: ومن أدخل الجنة فقد فاز لأن مجرد أن ~~تزحزح عن النار فوز عظيم.. وفي الآخرة. وبعد الحساب يضرب الصراط فوق ~~جهنم، ويعبر من فوقه المؤمنون والكافرون. فالمؤمنون يجتازون الصراط ~~المستقيم كل حسب عمله منهم من يمر بسرعة البرق، ومنهم من يمر أكثر ~~بطأ.. وهكذا، والكافرون يسقطون في النار. ولكن لماذا يمر ms0116 المؤمنون فوق ~~الصراط. والله سبحانه وتعالى قال: # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر ~~الظالمين فيها جثيا # [مريم: 71-72]. لأن مجرد رؤية المؤمنين لجهنم نعمة كبرى، فحين يرون ~~العذاب الرهيب الذي أنجاهم الإيمان منه يحس كل منهم بنعمة الله عليه. أنه ~~أنجاه من هذا العذاب، وأهل النار وأهل الجنة يرى بعضهم بعضا، فأهل الجنة ~~حينما يرون أهل النار يحسون بعظيم نعمة الله عليهم إذ أنجاهم منها، وأهل ~~النار حين يرون أهل الجنة يحسون بعظيم غضب الله عليهم أن حرمهم من نعيمه، ~~فكأن هذه الرؤية نعيم لأهل الجنة وزيادة في العذاب لأهل النار.. والله ~~سبحانه وتعالى يقول: { وبشر.. } [البقرة: 25] والبشارة هي الإخبار ~~بشيء سار قادم لم يأت وقته بعد. فأنت إذا بشرت إنسانا بشيء أعلنته بشيء ~~سار قادم. والبشارة هنا جاءت بعد الوعيد للكافرين. والإنذار هو إخبار ~~بأمر مخيف. لم يأت وقته بعد. ولكن البشارة تأتي أحيانا في القرآن الكريم ~~ويقصد بها الكفار. واقرأ قوله تعالى: # ويل لكل أفاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى ~~عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ~~فبشره بعذاب أليم # [الجاثية: 7-8]. البشارة هنا تهكمية من الله سبحانه وتعالى، فالحق تبارك ~~وتعالى يريد أن يزيد عذاب الكفار، فعندما يسمعون كلمة " فبشرهم " يعتقدون ~~أنهم سيسمعون خبرا سارا، فيأتي بعدها العذاب الأليم ليزيدهم غما على ~~غم. # يقول الحق سبحانه وتعالى: { وبشر الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات.. } [البقرة: 25]. البشرى هنا إعلام بخير قادم للمؤمنين، ~~والإيمان هو الرصيد القلبي للسلوك لأن من يؤمن بقضية يعمل من أجلها، ~~التلميذ يذاكر لأنه مؤمن أنه سينجح، وكل عمل سلوكي لابد أن يوجد من ينبوع ~~عقيدي. والإيمان أن تنسجم حركة الحياة مع ما في القلب وفق مراد الله ~~سبحانه وتعالى، ونظام الحياة لا يقوم إلا على إيمان.. فكأن العمل الصالح ~~ينبوعه الإيمان. ولذلك يقول القرآن الكريم: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات.. # [العصر: 1-3]. وفي آية أخرى: # ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل ms0117 صالحا ~~وقال إنني من المسلمين # [فصلت: 33]. ولكن هل يكفي الإعلان عن كوني من المسلمين؟ لا.. بل لابد أن ~~يقترن هذا الإعلان بالعمل بمرادات الله سبحانه وتعالى. الحق سبحانه ~~وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن قولنا: " لا إله إلا الله محمد رسول الله ~~" لابد أن يصاحبه عمل بمنهج الإسلام.. ذلك أن نطقنا بالشهادة لا يزيد في ~~ملك الله شيئا.. فالله تبارك وتعالى شهد بوحدانية ألوهيته لنفسه، وهذه ~~شهادة الذات للذات.. ثم شهد الملائكة شهادة مشهد لأنهم يرونه سبحانه ~~وتعالى، ثم شهد أولو العلم شهادة دليل بما فتح عليهم الله جل جلاله من ~~علم.. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم # [آل عمران: 18]. ولكن الحق سبحانه وتعالى يريد من المؤمنين أن يعملوا ~~بالمنهج.. لماذا؟ حتى لا تتعاند حركة الحياة بل تتساند.. وما دامت حركة ~~الحياة مستقيمة، فإنها تصبح حياة متساندة وقوية، وعندما انتشر الإسلام في ~~بقاع الأرض لم يكن الهدف أن يؤمن الناس فقط لمجرد الإيمان، ولكن لابد أن ~~تنسجم حركة الحياة مع منهج الإسلام.. فإذا ابتعدت حركة الحياة عن المنهج ~~حينئذ لا يخدم قضية الدين أن يؤمن الناس أو لا يؤمنوا.. ولذلك لابد أن ~~ينص على الإيمان والعمل الصالح.. { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } [البقرة: 25].. والصالحات هي جمع صالحة والصالحة هي ~~الأمر المستقيم مع المنهج، وضدها الفساد.. وحين يستقبل الإنسان الوجود، ~~فإن أقل الصالحات هو أن يترك الصالح على صلاحه أو يزيده صلاحا. الحق ~~تبارك وتعالى يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بجنات تجري من تحتها ~~الأنهار.. والجنات جمع جنة، وهي جمع لأنها كثيرة ومتنوعة، وهناك درجات في ~~كل جنة أكثر من الدنيا.. واقرأ قوله تبارك وتعالى: # انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة ~~أكبر درجات وأكبر تفضيلا # [الإسراء: 21]. الجنات نفسها متنوعة. # . فهناك جنات الفردوس، وجنات عدن، وجنات نعيم، وهناك دار الخلد، ودار ~~السلام، وجنة المأوى.. وهناك عليون الذي هو أعلى وأفضل الجنات، وأعلى ~~ما فيها ms0118 التمتع برؤية الحق تبارك وتعالى.. وهو نعيم يعلو كثيرا عن أي ~~نعيم في الطعام والشراب في الدنيا. والطعام والشراب بالنسبة لأهل الجنة ~~لا يكون عن جوع أو ظمأ، وإنما عن مجرد الرغبة والتمتع. والله جل جلاله في ~~هذه الآية يعد بأمر غيبي، ولذلك فإنه لكي يقرب المعنى إلى ذهن ~~البشر لابد من استخدام ألفاظ مشهودة وموجودة أي: عن واقع نشهده. واقرأ، ~~قوله تبارك وتعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ~~جزآء بما كانوا يعملون # [السجدة: 17]. إذن: ما هو موجود في الجنة لا تعلمه نفس في الدنيا.. ولا ~~يوجد لفظ في اللغة يعبر عنه، ولا ملكة من ملكات المعرفة كالسمع ~~والنظر قد رأته، ولذلك استخدم الحق تبارك وتعالى الألفاظ التي تتناسب مع ~~عقولنا وإدراكنا.. فقال تعالى: { جنات تجري من تحتها ~~الأنهار.. } [البقرة: 25]. على أن هناك آيات أخرى تقول: # تجري من تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100] ما الفرق بين الاثنين؟ قوله تعالى: # تجري من تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100] أي: أن نبع الماء من مكان بعيد وهو يمر من تحتها.. أما ~~قوله تعالى: { من تحتها الأنهار.. } [البقرة: 25] فكأن الأنهار ~~تنبع تحتها.. حتى لا يخاف إنسان من أن الماء الذي يأتي من بعيد يقطع عنه ~~أو يجف.. وهذه زيادة لاطمئنان المؤمنين أن نعيم الجنة باق وخالد. وما دام ~~هناك ماء، فهناك خضرة ومنظر جميل ولابد أن يكون هناك ثمر.. وفي قوله ~~تعالى: { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا ~~هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها.. } ~~[البقرة: 25]. حديث عن ثمر الجنة.. وثمر الجنة يختلف عن ثمر الدنيا.. إنك ~~في الدنيا لابد أن تذهب إلى الثمرة وتأتي بها أو يأتيك غيرك بها.. ولكن ~~في الجنة الثمر هو الذي يأتي إليك، بمجرد أن تشتهيه تجده في يدك.. وتعتقد ~~أن هناك تشابها بين ثمر الدنيا وثمر الجنة.. ولكن الثمر في الجنة ليس ~~كثمر الدنيا، لا في طعمه ولا في رائحته.. وإنما يرى أهل الجنة ثمرها، ~~ويتحدثون ويقولون ربما تكون هذه الثمرة هي ثمرة المانجو أو التين ms0119 الذي ~~أكلناه في الدنيا، ولكنها في الحقيقة تختلف تماما.. قد يكون الشكل ~~متشابها ولكن الطعم وكل شيء مختلف. في الدنيا كل طعام له فضلات يخرجها ~~الإنسان.. ولكن في الآخرة لا يوجد لطعام فضلات، بل إن الإنسان يأكل كما ~~يشاء دون أن يحتاج إلى إخراج فضلات، وذلك لاختلاف ثمار الدنيا عن الآخرة ~~في التكوين. إذن، ففي الجنة الأنهار مختلفة والثمار مختلفة، والجنة يكون ~~الرزق فيها من الله سبحانه وتعالى الذي يقول " للشيء كن فيكون ". # . ولا أحد يقوم بعمل. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { ولهم فيهآ ~~أزواج مطهرة وهم فيها خالدون } [البقرة: 25]. الزوجة ~~هي متعة الإنسان في الدنيا إن كانت صالحة، والمنغصة عليه إن كانت غير ~~صالحة، وهناك منغصات تستطيع أن تضعها المرأة في حياة زوجها تجعله شقيا ~~في حياته.. كأن تكون سليطة اللسان أو دائمة الشجار.. أو لا تعطي اهتماما ~~لزوجها أو تحاول إثارته بأن تجعله يشك فيها.. أما في الآخرة كل هذه ~~المنغصات تزول بأمر الله. فالزوجة في الآخرة مطهرة من كل ما يكرهه ~~الزوج فيها، وما لم يحبه في الدنيا يختفي. فالمؤمنون في الآخرة ~~مطهرون من كل نقائص الدنيا ومتاعبها وأولها الغل والحقد.. واقرأ ~~قوله جل جلاله: # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين # [الحجر: 47]. فمقاييس الدنيا ستختفي، وكل شيء تكرهه في الدنيا لن تجده ~~في الآخرة، فإذا كان أي شيء قد نغص حياتك في الدنيا فإنه سيختفي في ~~الآخرة، والحق تبارك وتعالى ضرب المثل بالزوجات، لأن الزوجة هي متعة ~~زوجها في الدنيا، وهي التي تستطيع أن تحيل حياته إلى نعيم أو جحيم. وقوله ~~تعالى: { وهم فيها خالدون } [البقرة: 25].. أي لا موت في ~~الآخرة، ولن يكون في الآخرة وجود للموت أبدا، وإنما فيها الخلود الدائم ~~إما في الجنة وإما في النار. ### || [2.26] # بعد أن تحدث الحق تبارك وتعالى عن الجنة، وأعطانا مثلا يقرب لنا ~~صور النعيم الهائلة التي سينعم بها الإنسان في الجنة.. أراد أن يوضح لنا ~~المنهج الإيماني الذي يجب أن يسلكه كل مؤمن.. ذلك ms0120 أن الله سبحانه وتعالى ~~لا يكلف كافرا بعبادته.. ولكن الإنسان الذي ارتضى دخول الإيمان بالله جل ~~جلاله قد دخل في عقد إيماني مع الله تبارك وتعالى.. وما دام قد دخل العقد ~~الإيماني فإنه يتلقى عن الله منهجه في " افعل، ولا تفعل ".. وهذا المنهج ~~عليه أن يطبقه دون أن يتساءل عن الحكمة في كل شيء.. ذلك أن الإيمان هو ~~إيمان بالغيب.. فإذا كان الشيء نفسه غائبا عنا فكيف نريد أن نعرف حكمته. ~~إن حكمة أي تكليف إيماني هي: أنه صادر من الله سبحانه وتعالى، وما دام ~~صادرا من الله فهو لم يصدر من مساو لك كي تناقشه، ولكنه صادر من إله ~~وجبت عليك له الطاعة لأنه إله وأنت له عابد.. فيكفي أن الله سبحانه ~~وتعالى قال افعل حتى نفعل، ويكفي أنه قال لا تفعل حتى لا نفعل. الحكمة ~~غائبة عنك، ولكن صدور الأمر من الله هو الحكمة، وهو الموجب للطاعة. فأنا ~~أصلي لأن الله فرض الصلاة، ولا أصلي كنوع من الرياضة، وأنا أتوضأ لأن ~~الله تبارك وتعالى أمرنا بالوضوء قبل الصلاة، ولكنني لا أتوضأ كنوع من ~~النظافة، وأنا أصوم لأن الله أمرني بالصوم، ولا أصوم حتى أشعر بجوع ~~الفقير.. لأنه لو كانت الصلاة رياضة لاستبدلناها بالرياضة في الملاعب.. ~~ولو أن الوضوء كان نظافة لقمنا بالاستحمام قبل كل صلاة، ولو أن الصوم كان ~~لنشعر بالجوع ما وجب على الفقير أن يصوم لأنه يعرف معنى الجوع. إذن فكل ~~تكاليف من الله نفعلها لأن الله شرعها ولا نفعلها لأي شيء آخر، وكل ما ~~يأتينا من الله من قرآن نستقبله على أنه كلام الله، ولا نستقبله بأي صيغة ~~أخرى.. ذلك هو الإيمان الذي يريد الله منا أن نتمسك به، وأن يكون هو سلوك ~~حياتنا. تلك مقدمة كان لابد منها إذا أردنا أن نعرف معنى الآية الكريمة: ~~{ إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة ~~فما فوقها.. } [البقرة: 26] وعندما ضرب الله مثلا بالبعوضة.. ~~استقبله الكفار بالمعنى الدنيوي دون أن يفطنوا للمعنى الحقيقي.. قالوا: ~~كيف يضرب ms0121 الله مثلا بالبعوضة، ذلك المخلوق الضعيف الذي يكفي أن تضربه بأي ~~شيء أو بكفك فيموت؟. لماذا لم يضرب الله تبارك وتعالى مثلا بالفيل الذي ~~هو ضخم الجثة شديدة القوة.. أو بالأسد الذي هو أقوى من الإنسان. # وضرب لنا مثلا بالبعوضة فقالوا: { ماذآ أراد الله بهذا ~~مثلا.. } [البقرة: 26].. ولم يفطنوا إلى أن هذه البعوضة دقيقة الحجم ~~خلقها معجزة.. لأن في هذا الحجم الدقيق وضع الله سبحانه وتعالى كل ~~الأجهزة اللازمة لها في حياتها.. فلها عينان ولها خرطوم دقيق جدا ولكنه ~~يستطيع أن يخرق جلد الإنسان، ويخرق الأوعية الدموية التي تحت الجلد ليمتص ~~دم الإنسان. والبعوضة لها أرجل، ولها أجنحة، ولها دورة تناسلية، ولها كل ~~ما يلزم لحياتها.. كل هذا في هذا الحجم الدقيق.. كلما دق الشيء احتاج ~~إلى دقة خلق أكبر. ونحن نشاهد في حياتنا البشرية أنه مثلا عندما اخترع ~~الإنسان الساعة.. كان حجمها ضخما جدا لدرجة أنها تحتاج إلى مكان كبير، ~~وكلما تقدمت الحضارة وارتقى الإنسان في صناعته وحضارته وتقدمه، أصبح ~~الحجم دقيقا وصغيرا، وهكذا أخذت صناعة الساعات تدق.. حتى أصبح من ~~الممكن صنع ساعة في حجم الخاتم أو أقل، وعندما بدأ اختراع المذياع ~~الراديو كان حجمه كبيرا، والآن أصبح في غاية الدقة لدرجة أنك تستطيع أن ~~تضعه في جيبك أو أقل من ذلك، وفي كل الصناعات عندما ترتقي.. يصغر حجمها ~~لأن ذلك محتاج إلى صناعة ماهرة وإلى تقدم علمي. وهكذا حين ضرب الله مثلا ~~بالبعوضة وما فوقها.. أي: بما هو أقل منها حجما، فإنه تبارك وتعالى أراد ~~أن يلفتنا إلى دقة الخلق، فكلما لطف الشيء وصغر حجمه احتاج إلى دقة ~~الخلق، ولكن الكفار لم يأخذوا المعنى على هذا النحو، وإنما أخذوه بالمعنى ~~الدنيوي البسيط الذي لا يمثل الحقيقة. فالله سبحانه وتعالى حينما ضرب هذا ~~المثل.. استقبله المؤمنون بأنه كلام الله، واستقبلوه بمنطق الإيمان ~~بالله، فصدقوا به سواء فهموه أم لم يفهموه.. لأن المؤمن يصدق كل ما يجيء ~~من عند الله سواء علم الحكمة أو لم يعلمها، واقرأ قوله تبارك ms0122 وتعالى: # ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون * هل ينظرون إلا تأويله ~~يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء ~~فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون # [الأعراف: 52-53]. إن كل مصدق بالقرآن لا يطلب تأويله أو الحكمة في ~~آياته، ولذلك قال الكافرون: { ماذآ أراد الله بهذا ~~مثلا.. } [البقرة: 26] ويأتي رد الحق تبارك وتعالى: { يضل به ~~كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا ~~الفاسقين } [البقرة: 26]. ومن هم الفاسقون؟.. هم الذين ينقضون عهد ~~الله.. أول شيء في الفسق أن ينقض الفاسق عهده، ويقال فسقت الرطبة أي: ~~بعدت القشرة عن التمرة.. فعندما تكون التمرة أو البلحة حمراء تكون القشرة ~~ملتصقة بالتمرة بحيث لا تستطيع أن تنزعها منها، فإذا أصبحت التمرة أو ~~البلحة رطبة تسود قشرتها وتبتعد عن الثمرة بحيث تستطيع أن تنزعها عنها ~~بسهولة. # . هذا هو الفاسق المبتعد عن منهج الله، ينسلخ عنه بسهولة ويسر، لأنه ~~غير ملتصق به، وعندما تبتعد عن منهج الله فإنك لا ترتبط بأوامره ~~ونواهيه.. فلا تؤدي الصلاة مثلا وتفعل ما نهى الله عنه لأنك فسقت عن ~~دينه. والذي أوجد الفسق هو أن الإنسان خلق مختارا، قادرا على أن ~~يفعل أو لا يفعل، وبهذا الاختيار أفسد الإنسان نظام الكون.. فكل شيء ليس ~~للإنسان اختيار فيه تراه يؤدي مهمته بدقة عالية كالشمس والقمر والنجوم ~~والأرض.. كلها تتبع نظاما دقيقا لا يختل لأنها مقهورة، ولو أن الإنسان ~~لم يخلق مختارا.. لكان من المستحيل أن يفسق، وأن يبتعد عن منهج الله ~~ويفسد في الأرض، ولكن هذا الاختيار هو أساس الفساد كله. ### || [2.27] # بعد أن بين الله لنا مفهوم الإيمان في أننا نتلقى عن الله وننفذ ~~الحكم ولو لم نعرف الحكمة. فكل ما يأتي من الله نأخذه بمنطق الإيمان، ~~وهو أن الله الذي قال، وليس بمنطق الكفر والتشكك. فكل شيء عن الله، حكمته ~~أنه صادر عن الحق سبحانه وتعالى. ms0123 وأخبرنا الحق تبارك وتعالى أن الفاسقين ~~هم المبتعدون عن منهج الله، وأراد الحق أن يبين لنا صفات الفاسقين، ~~فحددها في ثلاث صفات: أولا: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. ~~ثانيا: الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل. ثالثا: الذين يفسدون في ~~الأرض. ثم حدد لنا الحق تبارك وتعالى حكمهم فقال: { أولئك هم ~~الخاسرون } [البقرة: 27]. والخسران الذي وصلوا إليه هو من عملهم، ~~لأنهم تركوا المنهج وبدأوا يشرعون لأنفسهم بهوى النفس ولذلك يقول ~~الحق جل جلاله عنهم: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ~~ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين # [البقرة: 16]. إذن: هم الذين اختاروا، وهم الذين اشتروا الضلالة ودفعوا ~~ثمنها من هدى الله، فكأنهم عقدوا صفقة خاسرة لأن هدى الله هو الذي يقودنا ~~إلى الحياة الخالدة والنعيم الذي لا يزول. والحق سبحانه وتعالى يعطينا ~~الصورة في قوله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في ~~التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده ~~من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ~~وذلك هو الفوز العظيم # [التوبة: 111]. إذن: فالمؤمنون باعوا لله سبحانه وتعالى أموالهم ~~وأنفسهم، وكانوا صادقين في عهدهم، أما الكفار والمنافقون فقد باعوا هدى ~~الله، واشتروا به ضلال الدنيا. فالحق سبحانه وتعالى ذكر لنا أول صفات ~~الفاسقين أنهم لا عهد لهم. ليس بينهم وبين الناس فقط، ولكن لا عهد لهم مع ~~الله أيضا، وكلما عاهدوا الله عهدا نقضوه، والله يحب الوفاء بالعهد. ~~ولذلك يقول جل جلاله: # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ~~حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد ~~كان مسؤولا # [الإسراء: 34]. ويقول تعالى: # وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنآ ~~أكثرهم لفاسقين # [الأعراف: 102]. ما هو العهد الموثق الذي أخذه الله على عباده ~~فنقضوه؟ إنه الإيمان الأول. الإيمان الفطري الموجود في كل منا. فالله ~~سبحانه وتعالى أخذ من البشر جميعا عهدا، فوفى به بعضهم ونقضه بعضهم. ~~والله سبحانه وتعالى ذكر لنا في القرآن الكريم أن هناك عهدا موثقا ~~بينه ms0124 وبين ذرية آدم. فقال جل جلاله: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين # [الأعراف: 172]. وهكذا أخذ الله عهدا على ذرية آدم بأن يؤمنوا به، ~~وأشهدهم أنه ربهم. # وجاءت الغفلة إلى القلوب بمرور الوقت، فنقضوا العهد واتخذوا آلهة من دون ~~الله.. إذن: أول صفات الفاسقين أنهم نقضوا عهد الله، والذي ينقض عهدا مع ~~بشر، فسلوكه هذا لا يقبله الحق سبحانه وتعالى حتى مع الكفار وغير ~~المؤمنين. واقرأ قوله تبارك وتعالى: # إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله ~~يحب المتقين # [التوبة: 4]. وهكذا نرى أن الحق تبارك وتعالى حين أعلن براءته وبراءة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وبراءة المؤمنين من كل كافر مشرك في قضية ~~إيمانية كبرى، حرم الله فيها على الكفار والمنافقين أن يقتربوا من ~~بيته الحرام في مكة، احترم جل جلاله العهد، حتى مع المشركين، وطلب من ~~المؤمنين أن يوفوا به. فإذا كان هذا هو المسلك الإيماني مع كل كافر ومشرك ~~إن كنت قد عاهدته عهدا فأوف به إلى مدته. فكيف بالمشركين وقد ~~عاهدوا الخالق الأعظم، ثم ينقضون عهده الموثق، إنهم قد خانوا منهج الله ~~وعهده، وإذا لم يكن لهم عهد مع الله سبحانه وتعالى، فهل يكون لهم عهد مع ~~خلق الله؟! إذن: فالفاسقون أول صفاتهم أنه لا عهد لهم مع خالقهم، ولا عهد ~~لهم مع الناس، ولذلك لا نأمن لهم أبدا. ثم تأتي بعد ذلك الصفة الثانية ~~للفاسقين في قوله تعالى: { ويقطعون مآ أمر الله به أن ~~يوصل.. } [البقرة: 27] وما أمر الله به أن يوصل هو صلة الرحم. فقد ~~أمرنا الله تعالى بأن نصل أرحامنا، فنحن كلنا أولاد آدم. والرسول صلى ~~الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع # " كلكم لآدم وآدم من تراب ". # وهكذا نرى أن هناك روابط إنسانية يلفتنا الله سبحانه وتعالى إليها. وهذه ~~الروابط تبدأ بالأسرة ms0125 ثم تتسع لتشمل القرية أو الحي، ثم تتسع لتشمل ~~الدولة والمجتمع، ثم تتسع لتشمل المؤمنين جميعا، ثم تتسع لتشمل العالم ~~كله. هذه هي الإخوة الإنسانية التي يريد الحق تبارك وتعالى أن يلفتنا ~~إليها. ولكن اللفتة هنا لا تقتصر على الناحية الإنسانية، بل تسجل أن ما ~~فعلوا معصية، ومخالفة لأمر الله تعالى. فالله أمر بأن نصل الرحم، وجاء ~~هؤلاء وخالفوا وعصوا ما أمر الله به، وقطعوا هذه الصلة. إذن: فالمسألة ~~فيها مخالفة لمنهج، وعصيان لأمر من أوامر الله سبحانه وتعالى. فصلة الرحم ~~توجد نوعا من التكافل الاجتماعي بين البشر. فإذا حدث لشخص مصيبة.. أسرع ~~أقاربه يقفون معه في محنته، ويحاول كل منهم أن يخفف عنه. هذا التلاحم بين ~~الأسرة يجعلها قوية في مواجهة الأحداث، ولا يحس واحد منها بالضياع في هذا ~~الكون، لأنه متماسك مع أسرته، متماسك مع حيه أو قريته، وهكذا يختفي ~~الحقد من المجتمع، ويختفي التفكك الأسري. # ولعلنا إذا نظرنا إلي المجتمعات الغربية التي يعتريها تفكك الأسرة، نجد ~~أن كل واحد منهم قد ضل طريقه وانحرف لأنه أحس بالضياع، فانحرف إلى ~~المخدرات أو إلى الخمر أو إلى الزنا وغير ذلك من الرذائل التي نراها. جيل ~~ضائع. من الذي أضاعه؟ عدم صلة الرحم. وإذا تحدثنا عن الانحرافات التي ~~نراها بين الشباب اليوم فلا نلوم الشباب، ولكن نلوم الآباء والأمهات ~~الذين تركوا أولادهم وبناتهم وأهدروا صلة الرحم. فشب جيل يعاني من عقد ~~نفسية لا حدود لها، إن الابن الذي يفقد جو الأسرة، يفقد ميزان حياته. ~~والله سبحانه وتعالى يريد المؤمنين متضامنين متحابين خالين من كل العقد ~~التي تحطم الحياة. إذن فعدم صلة الرحم تضيع أجيالا بأكملها. ونأتي بعد ~~ذلك إلي الصفة الثالثة من صفات الفاسقين بقوله تعالى: { ويفسدون ~~في الأرض.. } [البقرة: 27]. نقول: كل ما في الكون مخلوق على نظام ~~دقيق: # والذي قدر فهدى # [الأعلى: 3] أي: كل شيء له هدى لابد أن يتبعه. ولكن الإنسان جاء في مجال ~~الاختيار وأفسد قضية الصلاح في الكون. ومن رحمة الله أنه جعل في كونه ~~خلقا ms0126 يعمل مقهورا، ليضبط حركة الكون الأعلى. فالشمس والنجوم والأرض وكل ~~الكون ما عدا الإنس والجن، يسير وفق نظام دقيق. لماذا؟ لأنه يسير بلا ~~اختيار له. والحق جل جلاله أخبرنا بأنه لكي يعتدل ميزان حياتنا، فلنحكم ~~أنفسنا بمنهج الله. كما أن الكون المقهور محكوم بمنهج الله. فليس معنى ~~الاختيار الإنساني أن نبتعد عن منهج الله. لأن الله له صفة القهر. فهو ~~يستطيع أن يخلقنا مقهورين، ولكنه أعطانا الاختيار حتى نأتيه عن حب. وليس ~~عن قهر. فأنت تحب الشهوات ولكنك تحب الله أكثر.. فتقيد نفسك بمنهج الله. ~~إذن: فالاختيار لم يعط لنا لنفسد في الأرض. ولكنه أعطي لنا، ~~لنأتي الله سبحانه وتعالى طائعين ولسنا مقهورين. ولذلك فكل منا مختار في ~~أن يؤمن أو لا يؤمن، وهذا الاختيار يثبت محبوبية الله سبحانه وتعالى في ~~قلوبنا، ولكن الإنسان بدلا من أن يأخذ الاختيار ليأتي الله عن حب، فينال ~~الجزاء الأعظم، أخذه ليفسد في الأرض. والفساد أن تنقل مجال " افعل، ولا ~~تفعل ". فتضع هذه مكان هذه، فينقلب الميزان أي: أنك - فيما قال الله فيه ~~" افعل ". لا تفعل، وفيما قال: " لا تفعل " ، تفعل. فتكون قد جعلت ميزان ~~حياتك معكوسا، لماذا؟ لأننا غير محكومين بقاعدة كلية تنظم حياة الناس. ~~فكل واحد سيضع قاعدة له، وكل واحد لن يفعل، ما عليه، فيحدث تصادم في ~~الحياة، وكل فساد يشكل قبحا في الوجود، فهب أنك تسير في الطريق، وترى ~~عمارة مبنية حديثا قد تسربت المياه من مواسيرها. عندما ترى ذلك تتأذى ~~لأن هناك قبحا في الوجود، في عدم أمانة إنسان في عمله. # إذن: فحين يفسد عامل واحد، بعدم الإخلاص في عمله، يفقد الكون نعمة يحبها ~~الله في أن ترى الشيء الجميل. فتقول: الله. فكل إنسان غير أمين في عمله ~~يفسد في الكون، وكل إنسان غير أمين في خلقه يفسد في الكون، ويعتدي على ~~حرمات الآخرين وأموالهم، وهذا يجعل الكون قبيحا، فلا يوجد إنسان يأمن ~~على عرضه وماله. لقد أراد المعتدي أن يحقق ما ينفع به نفسه عاجلا، ولكنه ~~أحدث فسادا ms0127 في الكون، كذلك عندما يغش التاجر الناس، وعندما يكتسب ~~الإنسان المال بالنهب والسرقة، فيفتح الله عليه أسوأ مصارف المال في ~~الوجود، فهو أخذ الحسرة بالفساد في الأرض. والفساد في الأرض أن تخرج ~~الشيء عن حد اعتداله، فتسرف في شهواتك وتسرف في أطماعك، وتسرف في ~~عقابك للناس، وتسرف باعتدائك على حقوق الغير. والفساد في الأرض، أن يوجد ~~منهج مطبق غير منهج الله. إن غياب منهج الله معناه أن يصبح كل منا عبد ~~أهوائه، وإذا صارت الأمور حسب أهواء الناس جاءت لهم حركة الحياة بالشقاء ~~والشر بدلا من السعادة والأمن. إن ما نراه اليوم من شكوى الناس علامة ~~على الفساد. لأن معناها: أن الناس تعاني ولا أحد يتحرك ليرفع أسباب هذه ~~الشكوى. ولن يستقيم أمر هذا الوجود، ويتخلص من الفساد إلا إذا حكمنا ~~منهج لا هوى له، والذي لا هوى له هو خالق البشر واضع ميزان الكون. ~~وأول مظاهر الفساد أن يوكل الأمر إلى غير أهله. لأنه إذا أعطي الأمر إلى ~~غير أهله فانتظر الساعة. كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ". # لماذا؟ لأن المجتمع - حينئذ - يكون مبنيا على النفاق واختلال الأمور، ~~لا على الإتقان والإخلاص. فالذي يجيد النفاق هو الذي يصل إلى الدرجات ~~العلا، والذي يتقن عمله لا يصل إلى شيء، وتكون النتيجة أن مجموعة من ~~المنافقين الجهلة هم الذين يسيرون الأمور بدون علم. والفساد في الأرض ~~هو أن يضيع الحق، وتضيع القيم، ويصبح المجتمع غابة، كل إنسان يريد أن ~~يحقق هواه بصرف النظر عن حقوق الآخرين، ويحس من يعمل ولا يصل إلى حقه ~~أنه لا فائدة من العمل، فيتحول المجتمع كله إلى مجموعة من غير المنتجين. ~~والفساد في الأرض هو أن نجعل عقولنا هي الحاكمة، فلا نتأمل في ميزان ~~الكون الذي خلقه الله، وإنما نمضي بعقولنا نخطط، فنقطع الأشجار ونرمي ~~مخلفات المصانع في الأنهار فنفسدها، ونأتي بالكيماويات السامة نرش بها ~~الزرع أو مجاري المياه والأنهار فنملؤه سما ثم نأكله ثم نجد التلوث ms0128 قد ~~ملأ الكون. وطبقة الأوزون قد أصابها ضرر واضح يعرض حياة البشر على ~~الأرض لأخطار كبيرة، وتفسد مياه الأنهار. ولا تصبح صالحة للشرب ولا للري. # ويضيع الخير من الدنيا بالتدريج، والفساد في الأرض هو أن ينتشر الظلم، ~~وتصبح الحياة سلسلة لا تنتهي من الشقاء. والفساد في الأرض هو أن تضيع ~~الأمانة. فتفسد المعاملات بين الناس، وتضيع الحقوق. هذه هي بعض أوجه ~~الفساد في الأرض. والله سبحانه وتعالى قد وضع قانونا كليا، هو منهجه ~~ليتعامل به الناس، ولكن الناس تركوه، ومشوا يتخبطون في ظلام الجهل. قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من استعمل رجلا من عصابة، وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه، ~~فقد خان الله ورسوله والمؤمنين " # وهكذا يكون مدى حرص الإسلام على استقامة أمور الناس. ثم يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { أولئك هم الخاسرون } [البقرة: 27]. خسروا ~~ماذا؟ خسروا دنياهم وآخرتهم وخسروا أنفسهم لأن الإنسان له حياتان.. حياة ~~قصيرة في الدنيا مليئة بالمتاعب، وحياة طويلة خالدة في الآخرة. والذي ~~يبيع الحياة الأبدية ونعيمها وخلودها بحياة الدنيا التي لا يضمن فيها ~~شيئا، يكون من الخاسرين.. فعمر الإنسان قد يكون يوما أو شهرا أو ~~عاما، والحياة الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما أعطت فهو قليل، فالذي ~~يبيع آخرته بهذه الدنيا، أيكون رابحا أم خاسرا؟ طبعا يكون خاسرا لأنه ~~اشترى مالا يساوي بنعيم الله كله.. وإذا كان الإنسان قد نسي الله سبحانه ~~وتعالى وهو لاقيه حتما، ثم يبعث يوم القيامة ليجده أمامه. فيوفيه حسابه، ~~أيكون قد كسب أم خسر؟!.. طبعا يكون خاسرا لأنه أوجب على نفسه عذاب ~~الله، وأوجب على نفسه عقاب الله. إن قوله تعالى: " الخاسرون " تدل على أن ~~الصفقة انتهت وضاع كل شيء لأن نتيجتها كانت الخسران، وليس الخسران ~~موقوتا، ولا هو خسران يمكن أن يعوض في الصفقة القادمة، بل هو خسران ~~أبدي، والندم عليها سيكون شديدا. واقرأ قوله تبارك وتعالى: # إنآ أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما ~~قدمت يداه ويقول الكافر يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40]. لماذا يتمنى الكافر ms0129 أن يكون ترابا؟ لهول العذاب الذي يراه ~~أمامه، وهول الخسران الذي تعرض له، وهذا دليل على شدة الندم، يوم لا ~~ينفع الندم، على أنه سبحانه وتعالى تحدث في هذه الآية عن الخاسرين، ولكنه ~~جل جلاله، تحدث في آية أخرى عن الأخسرين، فقال تعالى: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا * أولئك الذين كفروا بآيات ~~ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم ~~يوم القيامة وزنا # [الكهف: 103-105]. إذن: فهناك خاسر، وهناك من هو أخسر منه، والأخسر هو ~~الذي كفر بالله جل جلاله، وبيوم القيامة، واعتقد أن حياته في الدنيا فقط، ~~ولم يكن الله في باله وهو يعمل أي عمل، بل كانت الدنيا هي التي تشغله، ثم ~~فوجئ بالحق سبحانه وتعالى يوم القيامة، ولم يحتسب له أية حسنة، لأنه كان ~~يقصد بحسناته الحياة الدنيا، فلا يوجد له رصيد في الآخرة. # والعجيب أنك ترى بعض الناس يعدون للحياة الدنيا إعدادا قويا، ~~فيرسلون أولادهم إلى مدارس لغات، ويتحملون في ذلك ما لا يطيقون، ثم ~~يدفعونهم إلى الجامعات، أو إلى الدراسة في الخارج. هم في ذلك يعدونهم ~~لمستقبل مظنون، وليس يقينا لأن الإنسان يمكن أن يموت وهو شاب فيضيع كل ~~ما أنفقوه من أجله، ويمكن أن ينحرف في آخر مراحل دراسته، فلا يحصل على ~~شيء، ويمكن أن يتم هذا الإعداد كله، ثم بعد ذلك يرتكب جريمة يقضي فيها ~~بقية عمره في السجن فيضيع عمره. ولكن اليقين الذي لا شك فيه هو أننا ~~جميعا سنلاقي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، وسيحاسبنا على أعمالنا، ~~ومع أن هذا يقين، فإن كثيرا من الناس لا يلتفتون إليه، يسعون للمستقبل ~~المظنون، ولا يحس واحد منهم بيقين الآخرة، فتجد قليلا من الآباء هم ~~الذين يبذلون جهدا لحمل أبنائهم على الصلاة وعبادة الله والأمانة وكل ما ~~يقربهم إلى الله.. إنهم ينسون النعيم الحقيقي، ويجرون وراء الزائل، فتكون ~~النتيجة عليهم وبالا في الآخرة. ### || [2.28] # كلمة " كيف " في اللغة للسؤال عن الحال، والحق سبحانه وتعالى ms0130 أوردها في ~~هذه الآية الكريمة ليس بغرض الاستفهام، ولكن لطلب تفسير أمر عجيب ما كان ~~يجب أن يحدث. وبعد كل ما رواه الحق سبحانه وتعالى في آيات سابقة من أدلة ~~دامغة عن خلق السماوات والأرض وخلق الناس.. أدلة لا يستطيع أحد أن ينكرها ~~أو يخطئها.. فكيف بعد هذه الأدلة الواضحة تكفرون بالله؟.. كفركم لا حجة ~~لكم فيه ولا منطق.. والسؤال يكون مرة للتوبيخ.. كأن تقول لرجل: كيف تسب ~~أباك؟ أو للتعجب من شيء قد فعله وما كان يجب أن يفعله، وكلاهما متلاقيان، ~~سواء أكان القصد التوبيخ أو التعجب، فالقصد واحد. فهذا ما كان يجب أن ~~يحدث منك. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بأدلة أخرى لا يستطيع أحد أن ~~ينكرها أو يكذب بها، فيقول جل جلاله: { وكنتم أمواتا ~~فأحياكم ثم يميتكم.. } [البقرة: 28]. وهكذا ينتقل الكلام ~~إلى أصل الحياة والموت، فبعد أن بين الحق سبحانه وتعالى ماذا يفعل ~~الكافرون والفاسقون والمنافقون من إفساد في الأرض.. وقطع لما أمر الله ~~سبحانه وتعالى به أن يوصل.. صعد الجدل إلى حديث عن الحياة والموت. وقوله ~~تعالى " كنتم أمواتا فأحياكم " قضية لا تحتمل الجدل.. ربما استطاعوا ~~المجادلة في مسألة عدم اتباع المنهج، أو قطع ما أمر الله به أن يوصل. ~~ولكن قضية الحياة والموت لا يمكن لأحد أن يجادل فيها، فالله سبحانه ~~وتعالى خلقنا من عدم، ولم يدع أحد قط أنه خلق الناس أو خلق نفسه، وعندما ~~جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للناس إن الذي خلقكم هو الله.. لم ~~يستطع أحد أن يكذبه ولن يستطيع.. ذلك أننا كنا فعلا غير موجودين في ~~الدنيا، والله سبحانه وتعالى هو الذي أوجدنا وأعطانا الحياة. وقوله ~~تعالى: " ثم يميتكم ".. فإن أحدا لا يشك في أنه سيموت.. الموت مقدر ~~على الناس جميعا، والخلق من العدم واقع بالدليل، والموت واقع بالحس ~~والمشاهدة. إن قضية الموت هي سبيلنا لمواجهة أي ملحد، فإن قالوا إن العقل ~~كاف لإدارة الحياة، وأنه لا يوجد شيء اسمه غيب.. نقول: الذي يتحكم في ~~الخلق إيجادا، ms0131 هو الذي يتحكم فيه موتا.. والحياة الدنيا هي مرحلة بين ~~قوسين: القوس الأول هو أن الله يخلقنا ويوجدنا.. وتمضي رحلة الحياة إلى ~~القوس الثاني.. الذي تخمد فيه بشريتنا وتتوقف حياتنا، وهو الموت. أي: ~~أننا في رحلة الحياة من الله وإليه. إذن: فحركة الحياة الدنيا هي بداية ~~من الله بالخلق، ونهاية بالموت. # إنهم عندما تحدثوا عن أطفال الأنابيب، وهي عملية لعلاج العقم أكثر من أي ~~شيء آخر، ولكنهم صوروها تصويرا جاهليا، وكل ما يحدث أنهم يأخذون بويضة ~~من رحم الأم التي يكون المهبل عندها مسدودا، أو لا يسمح بالتلقيح ~~الطبيعي.. يأخذون هذه البويضة من رحم الأم، ويخصبونها بالحيوانات ~~المنوية للزوج، ثم يزرعونها في رحم الأم. إنهم أخذوا من خلق الله وهي ~~بويضة الأم والحيوان المنوي من الرجل، وكل ما يفعلونه هو عملية التلقيح، ~~ومع ذلك يسمونه أطفال الأنابيب.. كأن الأنبوبة يمكن أن تخلق طفلا!! ~~والحقيقة غير ذلك، فبويضة الأم، والحيوان المنوي للرجل هما من خلق الله، ~~وهم لم يخلقوا شيئا.. إننا نقول لهم: إذا كنتم تملكون الموت والحياة ~~فامنعوا إنسانا واحدا أن يموت بدلا من إنفاق ألوف الجنيهات في معالجة ~~عقم قد ينجح أو لا ينجح.. ابقوا واحدا على قيد الحياة.. ولن يستطيعوا. ~~إن الموت أمر حسي مشاهد، ولذلك فمن رحمة الله بالعقل البشري بالنسبة ~~للأحداث الغيبية أن الله سبحانه وتعالى قربها لنا بشيء مشاهد.. كيف؟ ~~عندما ينظر الإنسان إلى نفسه وهو حي.. لا يعرف كيف أحياه الله وكيف ~~خلقه.. الله سبحانه وتعالى ذكر لنا غيب الخلق في القرآن الكريم، فقال جل ~~جلاله إنه خلق الإنسان من تراب ومن طين، ومن حمأ مسنون، ثم نفخ فيه من ~~روحه.. واقرأ قول الحق سبحانه: # إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من ~~تراب.. # [الحج: 5]. وقوله تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين # [المؤمنون: 12]. وقوله تعالى: # إنا خلقناهم من طين لازب # [الصافات: 11]. وقوله تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون # [الحجر: 26]. وقوله تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا ms0132 له ~~ساجدين # [ص: 72]. فالحق تبارك وتعالى أخبرنا عن مرحلة في الخلق لم نشهدها، ولكن ~~الموت شيء مشهود لنا جميعا.. وما دام مشهودا لنا، يأتي الحق سبحانه ~~وتعالى به كدليل على مراحل الخلق التي لم نشهدها.. فالموت نقص للحياة، ~~والحياة أخبرنا الله تبارك وتعالى بأطوارها، ولكنها غيب لم نشهده. ولكن ~~الذي خلق قال: أنا خلقتك من تراب.. من طين. من حمأ مسنون. من صلصال ~~كالفخار.. فالماء وضع على تراب فأصبح طينا.. والطين تركناه فتغير لونه ~~وأصبح صلصالا.. الصلصال.. جف فأصبح حمأ مسنونا، ثم نحته في صورة إنسان ~~ونفخ الحق سبحانه وتعالى فيه الروح فأصبح بشرا.. ثم يأتي الموت وهو نقض ~~للحياة، ونقض كل شيء يأتي على عكس بنائه. بناء العمارة يبدأ من أسفل إلى ~~أعلى، وهدمها يبدأ من أعلى إلى أسفل.. ولذلك فإن آخر مرحلة من رحلة ما.. ~~هي أول خطوة في طريق العودة، فإذا كنت مسافرا إلى الإسكندرية. # . فأول مكان في طريق العودة هو آخر مكان وصلت إليه. أول شيء يخرج من ~~الجسد هو الروح وهو آخر ما دخل فيه.. ثم بعد ذلك يتصلب الجسد ويصبح ~~كالحمأ المسنون، ثم يتعفن فيصبح كالصلصال، ثم يتبخر الماء الذي فيه فيعود ~~ترابا.. وهكذا يكون الموت نقض صورة الحياة.. متفقا مع المراحل التي ~~بينها لنا الحق سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: { ثم إليه ~~ترجعون } [البقرة: 28].. أي: أن الله تبارك وتعالى يبعثكم ~~ليحاسبكم.. لقد حاول الكفار والملحدون وأصحاب الفلسفة المادية أن ينكروا ~~قضية البعث.. وهم في هذا لم يأتوا بجديد، بل جاءوا بالكلام نفسه الذي ~~قاله أصحاب الجاهلية الأولى.. واقرأ قوله تعالى عما يقوله أصحاب الجاهلية ~~الأولى: # وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ~~وما يهلكنآ إلا الدهر.. # [الجاثية: 24]. وأمنية الكافر والمسرف على نفسه ألا يكون هناك بعث أو ~~حساب، والذين يتعجبون من ذلك نقول لهم: أن الله سبحانه وتعالى الذي ~~أوجدكم من عدم يستطيع أن يعيدكم وقد كنتم موجودين.. يقول جل جلاله: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه وله المثل الأعلى ms0133 في السماوات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم # [الروم: 27]. فإيجاد ما كان موجودا أسهل من الإيجاد من عدم على غير ~~مثال موجود، والله سبحانه وتعالى يرد على الكفار فيقول سبحانه: # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم # [يس: 78-79]. وهكذا، فإن البعث أهون على الله من بداية الخلق، وكل شيء ~~مكتوب عند الله سبحانه وتعالى في كتاب مبين.. وما أخذته الأرض من جسد ~~الإنسان ترده يوم القيامة ليعود من جديد. وخلق السماوات والأرض أكبر من ~~خلق الإنسان.. واقرأ قوله تعالى: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. وقول الله سبحانه وتعالى: { ثم إليه ترجعون } ~~[البقرة: 28].. هو اطمئنان لمن آمن.. وما دمنا إليه نرجع ومنه بدأنا. ~~فالحياة بدايتها من الله ونهايتها إلى الله، فلنجعلها هي نفسها لله.. ~~ولابد أن نلتفت إلى أن الله تبارك وتعالى أخفى عنا الموت زمانا ومكانا ~~وسببا وعمرا.. لم يخفه ليحجبه، وإنما أخفاه حتى نتوقعه في كل لحظة.. ~~وهذا إعلام واسع بالموت حتى يسرع الناس إلى العمل الصالح، وإلى المثوبة. ~~لأنه لا يوجد عمر متيقن في الدنيا.. فلا الصغير آمن على عمره، ولا الشاب ~~آمن على عمره، ولا الكهل آمن على عمره.. ولذلك يجب أن يسارع كل منا في ~~الخيرات حتى لا يفاجئه الموت، فيموت وهو عاص.. ونلاحظ أن قصة الحياة جاء ~~الله بها في آية واحدة. # والرجوع إلى الله - وهو يقين بالنسبة للمؤمنين - يلزمهم بالمنهج، ~~فيعيشون من حلال. والتزامهم هذا هو الذي يقودهم إلى طريق الجنة. ويطمئنهم ~~على أولادهم بعد أن يرحل الآباء من الدنيا. فعمل الرجل الصالح ينعكس على ~~أولاده من بعده. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]. إذن: فصاحب الالتزام بالمنهج، يطمئن إلى لقاء ربه ويطمئن ~~إلى جزائه، والذي لا يؤمن بالآخرة أخذ من الله الحياة فأفناها فيما لا ~~ينفع. ثم بعد ms0134 ذلك لا يجد شيئا إلا الحساب والنار.. واقرأ قوله تبارك ~~وتعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. أي أن الكافر سيفاجأ في الآخرة بالله الذي لم يكن في باله ~~أنه سيحاسبه على ما فعل.. وقوله تعالى " إليه ترجعون " تقرأ قراءتين. ~~بضم على التاء. ومرة بفتحها. الأولى معناها. أننا نجبر على الرجوع، ~~فلا يكون الرجوع إلى الله تعالى بإرادتنا، وهذا ينطبق على الكفار الذين ~~يتمنون عدم الرجوع إلى الله، أما الثانية " ترجعون " فهذه فيها إرادة. ~~وهي تنطبق على المؤمنين لأنهم يتمنون الرجوع إلى الله. ### || [2.29] # يذكرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه هو الذي خلق ما في الأرض ~~جميعا، وقد جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: # فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ~~ترجعون # [البقرة: 28] لتلفتنا إلى أن ما في الأرض كله ملك لله جل جلاله، وأننا ~~لا نملك شيئا إلا ملكية مؤقتة. وأن ما لنا في الدنيا سيصير لغيرنا. ~~وهكذا. والحق سبحانه وتعالى حين خلق الحياة وقال # وكنتم أموتا فأحيكم.. # [البقرة: 28] كأن الحياة تحتاج إلى إمداد من الخالق للمخلوق حتى يمكن أن ~~تستمر، فلابد لكي تستمر الحياة أن يستمر الإمداد بالنعم، ولكن النعم تظل ~~طوال فترة الحياة، وعند الموت تنتهي علاقة الإنسان بنعم الدنيا، ولذلك ~~لابد أن يتنبه الإنسان إلى أن الأشياء مسخرة له في الدنيا لتخدمه. وأن ~~هذا التسخير ليس بقدرات أحد، ولكن بقدرة الله سبحانه وتعالى. والإنسان لا ~~يدري كيف تم الخلق، ولا ما هي مراحله إلا أن يخبرنا الله سبحانه وتعالى ~~بها. فهو جل جلاله يقول: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. وما داموا لم يشهدوا خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم، ~~فلا بد أن نأخذ ذلك عن الله ما ينبئنا به الله عن خلق السماوات والأرض ~~وعن خلقنا هو الحقيقة، وما يأتينا عن غير الله سبحانه وتعالى فهو ضلال ~~وزيف، ms0135 ونحن الآن نجد بحوثا كثيرة عن كيفية السماوات والأرض وخلق ~~الإنسان، وكلها لن تصل إلى حقيقة، بل ستظل نظريات بلا دليل. ولذلك قال ~~الله سبحانه وتعالى: # وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. أي: أن هناك من سيأتي ويضل، ويقول: هكذا تم خلق السماوات ~~والأرض، وهكذا خلق الإنسان، هؤلاء المضلون الذين جاءوا بأشياء هي من علم ~~الله وحده، جاءوا تثبيتا لمنهج الإيمان، فلو لم يأت هؤلاء المضلون، ولو ~~لم يقولوا: خلقت الأرض بطريقة كذا، والسماء بطريقة كذا، لقلنا: إن الله ~~تعالى قد أخبرنا في كتابه العزيز أن هناك من سيأتي ويضل في خلق ~~الكون وخلق الإنسان، ولكن كونهم أتوا فهذا دليل على صدق القرآن الذي ~~أنبأنا بمجيئهم قبل أن يأتوا بقرون. والاستفادة من الشيء لا تقتضي معرفة ~~أسراره.. فنحن مثلا نستخدم الكهرباء مع أننا لا نعرف ما هي؟ وكذلك نعيش ~~على الأرض ونستفيد بكل ظواهرها وكل ما سخره الله لنا. وعدم علمنا بسر ~~الخلق والإيجاد لا يحرمنا هذه الفائدة، فهو علم لا ينفع وجهل لا يضر. ~~والكون مسخر لخدمة الإنسان، والتسخير معناه التذليل، ولا تتمرد ظواهر ~~الكون على الإنسان. وإذا كانت هناك ظواهر في الكون تتمرد بقدر الله، ~~مثل الفيضانات والبراكين والكوارث الطبيعية، نقول: إن ذلك يحدث ليلفتنا ~~الحق سبحانه وتعالى إلى أن كل ما في الكون لا يخدمنا بذاتنا، ولا ~~بسيطرتنا عليه، وإنما يخدمنا بأمر الله له، وإلا لو كانت المخلوقات تخدمك ~~بذاتك. # فاقدر عليها حينما تتمرد على خدمتك، فكل ما في الكون خاضع لطلاقة قدرة ~~الله، حتى الأسباب والمسببات خاضعة أيضا لطلاقة القدرة الإلهية، ~~فالأسباب والمسببات في الكون لا تخرج عن إرادة الله. لذلك إذا تمرد الماء ~~بالطوفان، وتمردت الرياح بالعاصفة، وتمردت الأرض بالزلازل والبراكين. فما ~~ذلك إلا ليعرف الإنسان أنه ليس بقدرته أن يسيطر على الكون الذي يعيش فيه. ~~واقرأ قوله سبحانه وتعالى: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 71-72]. والإنسان عاجز عن أن يخضع ms0136 حيوانا إلا بتذليل الله له، ~~ومن العجيب أنك ترى الحيوانات تدرك ما لا يدركه الإنسان في الكون، فهي ~~تحس بالزلزال قبل أن يقع، وتخرج من مكان الزلزال هاربة. بينما الإنسان لا ~~يستطيع بعقله أن يفهم ما سيحدث. والحق سبحانه وتعالى في قوله: { خلق ~~لكم ما في الأرض جميعا.. } [البقرة: 29]. يستوعب كل أجناس ~~الأرض، ولذلك فإن الإنسان لا يستطيع أن يوجد شيئا إلا من موجود. أي أن ~~الإنسان لم يستحدث شيئا في الكون، فأنت إذا أخذت حبة القمح، من أين جئنا ~~بها؟ من محصول العام الماضي، ومحصول العالم الماضي من أين جاء؟ من محصول ~~العام الذي قبله. وهكذا يظل تسلسل الأشياء حتى تصل إلى حبة القمح الأولى. ~~من أين جاءت؟ جاءت بالخلق المباشر من الله. وكذلك كل ثمار الأرض إذا ~~أعدتها للثمرة الأولى فهي بالخلق المباشر من الله سبحانه وتعالى، فإذا ~~حاولت أن تصل إلى أصل وجود الإنسان، ستجد بالمنطق والعقل.. أن بداية ~~الخلق هي من ذكر وأنثى، خلقا بالخلق المباشر من الله، لأنك أنت من أبيك، ~~وأبوك من جدك، وجدك من أبيه، وهكذا تمضي حتى تصل إلى خلق الإنسان الأول. ~~فنجد أنه لا بد أن يكون خلقا مباشرا من الله سبحانه وتعالى، وما ينطبق ~~على الإنسان ينطبق على الحيوان وعلى النبات وعلى الجماد، فكل شيء إذا ~~رددته لأصله تجد أنه لابد أن يبدأ بخلق مباشر من الله سبحانه وتعالى. بعض ~~الناس يتساءل عن الرقي والحضارة وهذه الاختراعات الجديدة. أليس للإنسان ~~فيها خلق؟.. نقول فيها خلق من موجود. والله سبحانه وتعالى كشف من علمه ~~للبشر ما يستطيعون باستخدام المواد التي خلقها الله في الأرض أن يرتقوا ~~ويصنعوا أشياء جديدة. ولكننا لم نجد ولم نسمع عن إنسان خلق مادة من عدم. ~~الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق كل ما في هذا الكون من عدم. ثم بعد ذلك ~~تكاثرت المخلوقات بقوانين سخرها الله سبحانه وتعالى لها. # ولكن كل هذا التطور راجع إلى أن الله خلق المخلوقات وأعطاها خاصية ~~التناسل والتزاوج لتستمر الحياة جيلا ms0137 بعد جيل، وكل خلق الله الذي تراه ~~في الكون الآن قد وضع الله سبحانه وتعالى فيه من قوانين الأسباب ما يعطيه ~~استمرارية الحياة من جيل إلى جيل حتى ينتهي الكون. فإذا قال لك إنسان: ~~أنا أزرع بذكائي وعلمي. فقل له: أنت تأتي بالبذرة التي خلقها الله، ~~وتضعها في الأرض المخلوقة لله، وينزل الله سبحانه وتعالى الماء عليها ~~من السماء، وتنبت بقدرة الله الذي وضع فيها غذاءها وطريقة إنباتها. إذن: ~~فكل ما يحدث أنك تحرث الأرض، وترمي البذرة. يقول الحق سبحانه وتعالى: # أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة: 63-64]. صحيح أن الإنسان يقوم بحرث الأرض ورمي البذرة، وربما ~~تعهد الزرع بالعناية والري، ولكن ليس في كل ما يفعله مهمة خلق، بل إن ~~الله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء، ولو كنت تزرع بقدرتك فأت ببذرة من ~~غير خلق الله، وأرض لم يخلقها الله، وماء لم ينزله الله من السماء. ~~وطبعا لن تستطيع، ولكن ما هو مصدر الأشياء التي استحدثت؟ نقول: إن هناك ~~فرقا بين وجود الشيء بالقوة ووجوده بالفعل.. فالنخلة مثلا حين كانت ~~موجودة بالقوة، كانت نواة، ثم زرعت فأصبحت موجودة بالفعل. وأنت لا عمل لك ~~في الحالتين فلا أنت بقوتك خلقت النواة - التي هي البذرة - ولا أنت بفعلك ~~جعلت النواة تكبر لتصير نخلة بالفعل. على أن هناك أشياء مطمورة في الكون ~~خلقها الله سبحانه وتعالى مع بداية الخلق، ثم تركها مطمورة في الكون حتى ~~كشفها الله لمن يبحث عن أسراره في كونه. وكل كشف له ميلاد. إذا أخذنا ~~مثلا ما تحت الثرى، أو الكنوز الموجودة تحت سطح الأرض. لقد ظلت مطمورة ~~حتى هدى الله الإنسان إليها، وعلمه كيف يستخرجها. فالإنسان لم يخترع ~~مثلا أو يوجد البترول أو المعادن. ولكنها كلها كانت مطمورة في الكون حتى ~~جاء الوقت الذي يجب أن تؤدي فيه دورها في الحياة. فدلنا الحق عليها، ~~فليس معنى أن الشيء كان غائبا عنا أنه لم يكن موجودا، أو أنه وجد ~~لحظة اكتشافنا له. فالشيء الحادث ms0138 الآن، والشيء الذي سيحدث بعد سنوات.. ~~خلق الله سبحانه وتعالى كل عناصره، وأودعها في الأرض لحظة الخلق. ~~والإنسان بما يكشف الله له من علم يستطيع تركيب هذه العناصر، ولكنه لا ~~يستطيع خلقها أو إيجادها. والحق سبحانه وتعالى يقول: { ثم استوى ~~إلى السمآء.. } [البقرة: 29]. حينما يقول الله جل جلاله: " استوى ~~".. يجب أن نفهم كل شيء متعلق بذات الله على أنه سبحانه ليس كمثله شيء. ~~فالله استوى، والملوك تستوي على عروشها، وأنت تستوي على كرسيك. ولكن ~~لأننا محكومون بقضية # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. لابد أن نعرف أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس كمثله ~~شيء، والله حي، وأنت حي، هل حياتك كحياته؟ والله سبحانه وتعالى يعلم وأنت ~~لا تعلم. هل علمك كعلمه؟ والله سبحانه وتعالى يقدر. وأنت تقدر. هل قدرتك ~~كقدرته، طبعا لا. فعندما تأتي إلى " استوى " فلا تحاول أن تفهمها أبدا ~~بالمفهوم البشري.. فالله سبحانه وتعالى يعلم ما في الأرض وما في السماء. ~~وهو سبحانه يعلم المكان بكل ذراته، والموجودين في هذا المكان أو المكين ~~بكل ذراته. وأنت تعرف ظاهر الأمر.. والله سبحانه وتعالى يعلم غيب ~~السماوات والأرض حتى يوم القيامة، وبعد يوم القيامة. إذن: فهو جل جلاله ~~ليس كمثله شيء. ولا يمكن أن تحيط أنت بعقلك بفعل يتعلق بذات الله سبحانه ~~وتعالى. فعقلك قاصر عن أن يدرك ذلك. لذلك قل: سبحان الله. ليس كمثله شيء ~~في كل فعل يتصل بذات الله: " استوى إلى السماء " هذا الكلام هو كلام ~~الله. فالمتحدث هو الله عز وجل. بعض الناس يقولون: تلقينا القرآن ~~وحفظناه. نقول لهم: إن الذي حفظ القرآن هو الله سبحانه وتعالى. وما دام ~~قد حفظ كلامه فهو جل جلاله يعلم أن الوجود كله لن يتعارض مع القرآن ~~الكريم.. والله سبحانه وتعالى حفظ القرآن ليكون حجة له على الناس. وما ~~دام الله جل جلاله هو الخالق، وهو القائل، فلا توجد حقيقة في الكون كله ~~تتصادم مع القرآن الكريم.. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. وهذا من عظمة ms0139 الله أن حفظ كلامه ليكون حجة على الناس، والله ~~سبحانه وتعالى وجدت صفاته قبل أن توجد متعلقات هذه الصفات، فهو جل ~~جلاله خلق لأنه خالق. كأن صفة الخلق وجدت أولا وإلا كيف خلق أول ~~خلقه، إن لم يكن سبحانه وتعالى خالقا؟ والله سبحانه وتعالى رزاق قبل أن ~~يوجد من يرزقه. وإلا فبأي قدرة رزق الله أول خلقه؟ والله سبحانه وتعالى ~~خلق هذا الكون بكمال صفاته. وشهد أنه لا إله إلا هو قبل أن يشهد أي من ~~خلق الله أنه لا إله إلا الله. واقرأ قوله تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط.. # [آل عمران: 18]. فالله سبحانه وتعالى شهد أنه لا إله إلا هو قبل أن يوجد ~~أحد من خلقه يشهد بوحدانية ألوهيته، شهد أنه لا إله إلا هو قبل أن يخلق ~~الملائكة ليشهدوا شهادة مشهد بأنه لا إله إلا الله، وأولو العلم شهادة ~~علم. فكأن شهادة الذات للذات في قوله تعالى " شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~" هي التي يعتد بها، وهي أقوى الشهادات فالله ليس محتاجا من خلقه ~~إلى امتداد الشهادة. الله سبحانه وتعالى بعد أن خلق الأرض وخلق السماء ~~واستتب له الأمر. قال " وهو بكل شيء عليم " أي: لا تغيب ذرة من ملكه عن ~~علمه. فهو عليم بكل ذرات الأرض وكل ذرات الناس، وكل ذرات الكون، والكون ~~كله لا يفعل إلا بإذنه ومراده. واقرأ قوله تعالى: # يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن ~~في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها ~~الله إن الله لطيف خبير # [لقمان: 16]. ### || [2.30] # بعد أن أخبرنا الحق سبحانه وتعالى أنه خلق جميع ما في الكون، أراد أن ~~يخبرنا عمن خلقه لعمارة هذا الكون، فكأن القصة التي بدأ الله سبحانه ~~وتعالى بها قصص القرآن كانت هي قصة آدم أول الخلق، ولقد وردت هذه القصة ~~في القرآن الكريم كثيرا لتدلنا لماذا أخبرنا الحق سبحانه وتعالى بهذه ~~القصة؟ وجاءت لتدلنا أيضا على صدق البلاغ عن ms0140 الله. واقرأ قوله تعالى: # نحن نقص عليك نبأهم بالحق.. # [الكهف: 13]. كلمة الحق التي جاءت هنا لتدلنا على أن هناك قصصا، ولكن ~~بغير حق، والله سبحانه وتعالى أراد أن يخرج قصصه عن دائرة القصص التي ~~يتداولها الناس أو قصص التاريخ لإمكان مخالفتها الواقع وتأتي بغير حق، ~~وهناك قصص تروى في الدنيا ولا واقع لها، بل هي من قبيل الخيال. وكلمة: " ~~قصة " مأخوذة من قص الأثر، بمعنى: أن يتبع قصاص الأثر في الصحراء ~~الآثار التي يشاهدها على الرمال حتى يصل إلى مراده عندما يصل إلى نهاية ~~الأثر.. وما دمنا قد عرفنا أن الله يقص الحق، فلا بد - إذن - أن قصص ~~القرآن الكريم كلها أحداث وقعت فعلا. ولكل قصة في القرآن عبرة. أو شيء ~~مهم يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا إليه. فمرة تكون القصة لتثبيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت المؤمنين: واقرأ قوله تعالى: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك.. # [هود: 120]. فكل قصة تثبت فؤاد الرسول والمؤمنين في المواقف التي ~~تزلزلهم فيها الأحداث. وقصص القرآن ليست لقتل الوقت، ولكن الهدف الأسمى ~~للقصة هو تثبيت ونفع حركة الحياة الإيمانية، ولو نظرنا إلى قصص القرآن ~~الكريم نجد أنها تتحدث عن أشياء مضت وأصبحت تاريخا، والتاريخ يربط ~~الأحداث بأزمانها، وقد يكون التاريخ لشخص لا لحدث، ولكن الشخص حدث من ~~أحداث الدنيا. ولو قرأت تاريخ كل حدث لوجدت أنه يعبر عن وجهة نظر راويه، ~~فكل قصص التاريخ كتبت من وجهات نظر من رووها ولذلك، فالقصة الواحدة ~~تختلف باختلاف الراوي. ولكن قصص القرآن الكريم هو القصص الحق.. والعبرة ~~في قصص القرآن الكريم أنها تنقل لنا أحداثا في التاريخ تتكرر على مر ~~الزمن. ففرعون مثلا هو كل حاكم يريد أن يعبد في الأرض، وأهل الكهف ~~مثلا هي قصة كل فئة مؤمنة هربت من طغيان الكفر وانعزلت لتعبد الله، وقصة ~~يوسف عليه السلام هي قصة كل إخوة نزغ الشيطان بينهم فجعلهم يحقدون على ~~بعضهم، وقصة ذي القرنين هي قصة كل حاكم مصلح أعطاه الله ms0141 سبحانه الأسباب ~~في الدنيا ومكنه في الأرض، فعمل بمنهج الله وبما يرضي الله، وقصة صالح ~~هي قصة كل قوم طلبوا معجزة من الله، فحققها لهم فكفروا بها، وقصة شعيب ~~عليه السلام هي قصة كل قوم سرقوا في الميزان والمكيال. # وهكذا كل قصص القرآن، قصص تتكرر في كل زمان حتى في الوقت الذي نعيش فيه ~~تجد فيه أكثر من فرعون، وأكثر من أهل كهف يفرون بدينهم، وأكثر من ~~قارون يعبد المال والذهب، ويحسب أنه استغنى عن الله. ولذلك جاءت شخصيات ~~قصص القرآن مجهلة إلا قصة واحدة هي قصة عيسى بن مريم ومريم ابنة ~~عمران، لماذا؟ لأنها معجزة لن تتكرر،. ولذلك عرفها الله لنا فقال " ~~مريم ابنة عمران " وقال " عيسى بن مريم " حتى لا يلتبس الأمر، وتدعي أي ~~امرأة أنها حملت بدون رجل.. مثل مريم. نقول: لا، معجزة مريم لن تتكرر. ~~ولذلك حددها الله تعالى بالاسم. فقال: عيسى بن مريم، ومريم ابنة عمران.. ~~أما باقي قصص القرآن الكريم فقد جاءت مجهلة. فلم يقل لنا الله تعالى: ~~من هو فرعون موسى، ولا من هم أهل الكهف ولا من هو ذو القرنين ولا ~~من هو صاحب الجنتين.. إلى آخر ما جاء في القرآن الكريم. لأنه ليس ~~المقصود بهذه القصص شخصا بعينه. لا تتكرر القصة مع غيره، وبعض الناس ~~يشغلون أنفسهم بمن هو فرعون موسى؟ ومن هو ذو القرنين؟.. إلخ. نقول ~~لهم لن تصلوا إلى شيء لأن الله سبحانه وتعالى قد روى لنا القصة دون توضيح ~~للأشخاص لنعرف أنه ليس المقصود شخصا بعينه، ولكن المقصود هو الحكمة من ~~القصة. والقصص في القرآن لا ترد مكررة، وقد يأتي بعض منها في آيات، وبعض ~~منها في آيات أخرى، ولكن اللقطة مختلفة، تعطينا في كل آية معلومة جديدة ~~بحيث إنك إذا جمعت كل الآيات التي ذكرت في القرآن الكريم تجد أمامك قصة ~~كاملة متكاملة كل آية تضيف شيئا جديدا. وأكبر القصص في القرآن الكريم ~~قصة موسى عليه السلام. ويذكرنا القرآن الكريم بها دائما لأن أحداثها ~~تعالج قصة أسوأ ms0142 البشر في التاريخ، وفي كل مناسبة يذكرنا الله بلقطة من ~~حياة هؤلاء. واقرأ قوله تعالى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني ~~إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7]. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى: # إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له.. # [طه: 38-39]. والفهم السطحي يظن أن هذا تكرار ونقول لا. فقوله تعالى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم.. # [القصص: 7]. هذه اللقطة تدل على أن الله سبحانه وتعالى يعد أم موسى ~~إعدادا إيمانيا للحدث، ولكن عند وقوع الحدث تتغير القصة على نمط سريع # أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم ~~فليلقه اليم بالساحل.. # [طه: 39]. كلام يناسب لحظة وقوع الحدث.. فالآية الأولى.. بينت لنا أن أم ~~موسى أرضعته قبل أن تضعه في التابوت، وأنها ستلقيه في اليم عندما يحدث ~~خطر وتخاف عليه من القتل، وفيه تطمين لها. ألا تخاف ولا تحزن. لأن الله ~~منجيه، وفيها بشارتان: أن الله سيرده لأمه، وأن الله قد اختاره رسولا. ~~نأتي إلى الآية الثانية التي تكمل لنا هذه اللقطة، فتقول # أن اقذفيه في التابوت.. # [طه: 39]. هنا نعرف أن أم موسى ستلقيه في تابوت، وهو ما لم يذكر في ~~الآية السابقة، ثم بعد ذلك نعلم أن الله سبحانه وتعالى أصدر أمره إلى ~~الماء أن يلقى التابوت إلى الساحل، وهذا ما لم يرد في الآية السابقة، ~~ونعرف أيضا أن الذي سيأخذه وهو فرعون، ستكون بينهما عداوة متبادلة.. ~~وهكذا نرى أن آيتي القصة يكمل بعضهما بعضا، وليس هناك تكرار. والله ~~سبحانه وتعالى في الآية الثانية يريد أن يثبت أنه ستكون هناك عداوة ~~متبادلة بين موسى وفرعون.. كما أثبتت عداوة فرعون لله جل جلاله ولموسى، ~~فقال: # عدو لي وعدو له.. # [طه: 39]. ولكن العداوة لا تستقر إلا إذا كانت متبادلة. فتأتي آية ثالثة ~~لتكمل الصورة.. في قوله تعالى: # فالتقطه آل ms0143 فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا.. # [القصص: 8]. وهكذا بينت لنا الآية الكريمة كيف أن العداوة بين فرعون ~~وموسى ستسقر حتى يقضى على فرعون. لأنه إذا كان إنسان عدوا لك، وأنت ~~تقابل العداوة بالإحسان، تخمد العداوة بعد قليل. إذن: هذه الآيات ليست ~~تكرارا ولكنها آيات تكمل القصة، وتعطينا الصورة الكاملة المتكاملة. ولكن ~~لماذا لم تأت قصة موسى متكاملة كقصة يوسف؟ لأن الله سبحانه وتعالى يريد ~~أن يثبت بها نبينا عليه الصلاة والسلام والمؤمنين، فتأتي هنا لقطة ~~وهنا لقطة لتؤدي ما هو مطلوب من التثبيت بما لا يخل.. لأن الآيات ~~تعطينا القصة متكاملة. وهكذا قصة آدم، جاءت لنا في آيات متعددة، لتعطينا ~~في مجموعها قصة كاملة. وفي الوقت نفسه كل آية لها حكمة يحتاجها التوقيت ~~الذي نزلت فيه، فالله سبحانه وتعالى يروي لنا بداية الخلق، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ". # والحق سبحانه وتعالى يريد أن يعرفنا كيف بدأ الخلق، وقصة عداوة إبليس ~~لآدم وذريته.. فتكلم الله سبحانه وتعالى عن أول البشر. عرفنا اسمه، وهو ~~آدم عليه السلام. وتكلم عن المادة التي خلق منها. وتكلم عن المنهج الذي ~~وضعه لآدم، وحدثنا عن النقاش الذي دار مع الملائكة. كما أخبرنا بأن آدم ~~سيكون خليفة في الأرض، وأنه علمه الأسماء كلها ليقود حركة حياته، ~~وعلمنا منطق علم الأشياء، وعلم مسمياتها، وحدثنا عن الحوار الذي حدث ~~بين إبليس أمام ربه حينما أبى السجود، وبين لنا حجة إبليس في الامتناع عن ~~السجود، وخطة إبليس ومدخله إلى قلوب المؤمنين بالإغواء والوسوسة وغير ~~ذلك. # إذن: فهناك أشياء كثيرة تتعرض لها قصة آدم، ولو أن بشرا يريد أن يؤرخ ~~لآدم ما استطاع أن يأتي بكل هذه اللقطات، ولكن الحق سبحانه وتعالى جعل كل ~~لقطة تأتي للتثبيت. والآية الكريمة التي نحن بصددها لم تأت في " سورة ~~الأعراف " ولا في " الحجر " ولا في " الإسراء " ولا في " الكهف " ولا في ~~" طه ". وبهذا نعرف أنه ليس هناك تكرار.. فالله سبحانه وتعالى أخبر ~~ملائكته بأنه جاعل في ms0144 الأرض خليفة. هنا لابد لنا من وقفة. أخلق آدم كفرد ~~أم خلقه الله وكل ذريته مطمورة فيه إلى يوم القيامة، إذا قرأنا القرآن ~~الكريم نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول: # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم # [الأعراف: 11]. الخطاب هنا للجميع لآدم وذريته، فكأنه سبحانه وتعالى ~~يشير إلى أن الأصل الأول للخلق آدم، وهو مطمور فيه صفات المخلوقين من ~~ذريته إلى أن تقوم الساعة وراثة، أي: أنه ساعة خلق آدم.. كان فيه الذرات ~~التي سيأخذ منها الخلق كله. هذا عن هذا.. حتى قيام الساعة. ولقد قلت: إن ~~كل واحد منا فيه ذرة أو جزئ من آدم، فأولاد آدم أخذوا منه والجيل الذي ~~بعدهم أخذ من الميكروب الحي الذي أودعه آدم في أولاده، والذين بعدهم ~~أخذوا أيضا من الجزيء الحي الذي خلق في الأصل مع آدم، وكذلك الذين ~~بعدهم والذين بعدهم. والحياة لابد أن تكون حلقة متصلة، كل منا يأخذ من ~~الذي قبله ويعطي الذي بعده. ولو كان هناك حلقة مفقودة لتوقفت الحياة، كأن ~~يموت الرجل قبل أن يتزوج، فلا تكون له ذرية من بعده. وتتوقف حلقة الحياة. ~~فكون حلقة الحياة مستمرة دليل أنها حياة متصلة لم تتوقف. وما دامت الحياة ~~من عهد آدم إلى يومنا هذا متصلة، فلابد أن يكون في كل منا ذرة من آدم ~~الذي هو بداية الحياة وأصلها. وانتقلت بعده الحياة في حلقات متصلة إلى ~~يومنا هذا وستظل إلى يوم القيامة. فأنا الآن حي لأنني نشأت من ميكروب حي ~~من أبي، وأبي أخذ حياته من ميكروب حي من أبيه، وهكذا حتى تصل إلى آدم، ~~إذن: فأنت مخلوق من جزيء حي فيه الحياة لم تتوقف منذ آدم إلى يومنا هذا، ~~ولو توقفت لما كان لك وجود. إذن: فحياة الذين يعيشون الآن موصولة بآدم.. ~~لم يطرأ عليها موت والذين سيعيشون وقت قيام الساعة حياتهم أيضا موصولة ~~بآدم أول الخلق. والحق سبحانه وتعالى حين أمر الملائكة بالسجود لآدم ~~فإنهم سجدوا لآدم ولذريته إلى أن تقوم الساعة، وذرية آدم ms0145 كانت مطمورة في ~~ظهره، وشهدت الخلق الأول. # إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: # لقد خلقناكم ثم صورناكم.. # [الأعراف: 11]. فيه جزئية جديدة لقصة الخلق. وقوله تعالى: { وإذ ~~قال ربك للملئكة إني جاعل في الأرض خليفة ~~قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ~~ما لا تعلمون } [البقرة: 30]. أي أن الله سبحانه وتعالى يطلب من ~~سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أن يقول أنه عند خلق آدم خلقه ~~خليفة في الأرض، والكلام هنا لا يعني أن الله سبحانه وتعالى يستشير أحدا ~~في الخلق، بدليل أنه قال " إني جاعل " إذن: فهو أمر مفروغ منه، ولكنه ~~إعلام للملائكة.. والله سبحانه وتعالى، عندما يحدث الملائكة عن ذلك فلأن ~~لهم مع آدم مهمة، فهناك المدبرات أمرا، والحفظة الكرام، وغيرهم من ~~الملائكة الذين سيكلفهم الحق سبحانه وتعالى بمهام متعددة تتصل بحياة هذا ~~المخلوق الجديد. فكان الإعلام. لأن للملائكة عملا مع هذا الخليفة. قد ~~يقول بعض الناس: إن حياة الإنسان على الأرض تخضع لقوانين ونواميس. نقول: ~~ما يدريك أن وراء كل ناموس ملكا؟ ولكن هذا الخليفة سيخلف من؟ ~~قد يخلف بعضه بعضا. في هذه الحالة يكون هنا إعلام من الله بأن كل إنسان ~~سيموت ويخلفه غيره، فلو كانوا جميعا سيعيشون ما خلف بعضهم بعضا، وقد ~~يكون الإنسان خليفة لجنس آخر، ولكن الله سبحانه وتعالى نفى أن يخلف ~~الإنسان جنسا آخر. واقرأ قوله جل جلاله: # ... إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك ~~على الله بعزيز # [إبراهيم: 19-20]. والخلق الجديد هو من نوع الخلق نفسه الذي أهلكه الله. ~~والله سبحانه وتعالى يخبرنا بأن البشر سيخلفون بعضهم إلى يوم القيامة.. ~~فيقول جل جلاله: # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا # [مريم: 59]. ولكن هذا يطلق عليه خلف. ولا يطلق عليه خليفة. والشاعر ~~يقول: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في خلف كجلد الأجرب # ولكن الله جعل الملائكة يسجدون لآدم ساعة الخلق، وجعل الكون مسخرا له ~~فكأنه خليفة الله في أرضه، أمده ms0146 بعطاء الأسباب، فخضع الكون له بإرادة ~~الله، وليس بإرادة الإنسان، والله سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: # " يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك.. وإلا تفعل ~~ملأت يدك شغلا ولم أسد فقرك " # إذن: كلمة خليفة تأخذ عدة معان. ماذا قالت الملائكة: { قالوا ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك.. }. كيف عرف الملائكة ذلك؟ لابد ~~أن هناك حالة قبلها قاسوا عليها، أو أنهم ظنوا أن آدم سيطغى في الأرض، ~~ولكن كلمة " سفك " وكلمة " دم " كيف عرفتهما الملائكة وهي لم تحدث بعد؟ ~~لابد أنهم عرفوها من حياة سابقة. # والله سبحانه وتعالى يقول: # والجآن خلقناه من قبل من نار السموم # [الحجر: 27]. فكأن الجن قد خلق قبل الإنسان. وقوله تعالى: { إني ~~أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30]. معنى ذلك أن علمك أيها ~~المخلوق مناسب لمخلوقيتك، أما علم الله سبحانه وتعالى.. فهو أزلي لا ~~نهائي. ولكن هل قال الملائكة حين أخبرهم الله بخلق آدم ذلك علنا أم أسروه ~~في أنفسهم؟ سواء قالوه أم أسروه، فقد علمه الله لأنه يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون. وأنه يعلم السر وأخفى. فما هو السر. وما هو الأخفى ~~من السر؟ السر هو ما أسررته إلى غيرك. فما أسر به إلى غيري، فهو ~~السر. وما أخفيه في صدري ولا يطلع عليه أحد هو أخفى من السر. فلا يقال: ~~أسررت إلا إذا بحت به لغيري. أما ما أخفيه في صدري، فلا يعلمه أحد إلا ~~الله فهذا هو الأخفى من السر. وعندما يقول الحق سبحانه وتعالى: { إني ~~أعلم ما لا تعلمون } [البقرة: 30] أراد أن يعطي القضية ~~بعدها الحقيقي. وقد حكى القرآن الكريم قول الملائكة: { ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك.. } [البقرة: 30]. والتسبيح هو ~~التنزيه عما لا يليق بذات المنزه. والتقديس هو التطهير مأخوذ من ~~القدس وهو الدلو الذي كانوا يتطهرون به. ولذلك نحن نقول سبوح ~~قدوس. سبوح أي منزه عن كل ما لا يليق بجلاله. وقدوس. أي ~~مطهر.. التسبيح يحتاج إلى مسبح. وإلى ما نسبحه. والملائكة قالوا: ms0147 # سبحانك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ.. # [البقرة: 32]. وهذا تسبيح وتنزيه لله سبحانه وتعالى.. والتسبيح والتنزيه ~~لا يكونان إلا للكمال المطلق الذي لا تشوبه أية شائبة، والكمال المطلق هو ~~لله سبحانه وتعالى وحده. لذلك صرف الله ألسنة خلقه عن أن يقولوا كلمة ~~سبحانك لغير الله تعالى. فلا تسمع في حياتك أن إنسانا قال لبشر سبحانك. ~~وهكذا صرفت ألسنة الخلق عن أن تسبح لغير الله سبحانه وتعالى. وقول ~~الملائكة: { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.. } ~~[البقرة: 30] كأن نقول سبحان الله وبحمده. ومعناها تنزيه لله سبحانه ~~وتعالى في ذاته.. فلا تشبه بذات، وفي صفاته. فلا تشبه بصفات وفي ~~أفعاله، فلا تشبه بأفعال.. ولكن ما معنى كلمة وبحمده؟ معناها أننا ~~ننزهك ونحمدك. أي يا رب تنزيهي لك نعمة. ولذلك فإني أحمدك على أنك ~~أعطيتني القدرة لأنزهك، والتقديس هو تطهير الله سبحانه وتعالى من كل ~~الأغيار. ولأنك يا ربي قدوس طاهر. لا يليق أن يرفع إليك إلا طاهر. ولا ~~يليق أن يصدر عمن خلقته بيديك إلا طاهر. إنه عرفنا معنى { ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك.. } [البقرة: 30]. ثم أراد الله ~~بحكمته أن يرد على الملائكة فقال: { إني أعلم ما لا ~~تعلمون } [البقرة: 30] ولم يطلقها هكذا. ولكنه سبحانه أتى بالقضية ~~التي تؤكد صدق الواقع. ### || [2.31] # فالحق سبحانه وتعالى رد على الملائكة بهذه الآية الكريمة، لأنه علم ~~آدم الأسماء كلها. وكلمة " كلها " تفيد الإحاطة، ومعنى الإحاطة معرفة كل ~~شيء عن هذه الأسماء. هنا يتبادر سؤال: هل علم الله سبحانه وتعالى آدم ~~الأسماء منذ ساعة الخلق إلى قيام الساعة ما دام الحق سبحانه وتعالى يقول ~~كلها. فما هو حكم تلك الأسماء التي هي لمخترعات ستأتي بعد خلق آدم بقرون ~~طويلة؟ نقول إن الله سبحانه وتعالى حين علم آدم الأسماء وميزه على ~~الملائكة يكون قد أعطى ذلك الأدنى عنصرا ميزه عن المخلوق من عنصر أعلى. ~~فآدم مخلوق من طين، والملائكة مخلوقون من نور. وقدرات البشر لا تستطيع أن ~~تعطي الأدنى شيئا أكثر من الأعلى. ولكن الله سبحانه وتعالى وحده هو ms0148 الذي ~~يعطي ذلك ليذكرنا أن ما نأخذه ليس بقدراتنا ولكن بقدرته هو سبحانه. ~~ولذلك تجد سليمان وهو ملك ونبي أعطاه الله تعالى ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعده وميزه عن خلقه. يأتي الهدهد ليقول لسليمان: # أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين # [النمل: 22]. كيف يحيط الهدهد - وهو طائر ضعيف محدود - بما لم يحط به ~~سليمان وهو الملك النبي الذي حكم الإنس والجن؟ لأن الله سبحانه وتعالى.. ~~يكره الغرور من خلقه ولذلك يأتي بآية تميز الأدنى عن الأعلى ليعلموا ~~جميعا أن كل قدراتهم ليست بذاتهم.. وإنما هي من الله. فيأتي موسى وهو ~~الرسول والنبي، فيتعلم من الخضر وهو العبد الصالح ما لم يكن يعلمه. وقد ~~خلق الله سبحانه المسميات، وإن كنا لا نعرف وجودها وجعل الملائكة تتلقى ~~أسماء هذه المسميات من آدم. وأن البعض يتساءل عن وسيلة تعليم الخالق ~~الأكرم لآدم عليه السلام. وتعليم الخالق يختلف عن تعليم الخلق لأن الخالق ~~يعلم إلهاما. يقذف في قلب آدم أسماء المسميات كلها لكل ما في الكون ~~من أسماء المخلوقات. إذن: فالمشهد الأول لآدم مع الملائكة كان قد تم ~~إيجاد كل المسميات وألهمها الله لآدم بدليل أن الملائكة لم تتعرف على هذه ~~المسميات، بينما عرفها آدم. وهنا لابد لنا من وقفة. إن الكلام هو ناتج ~~السمع واللغة ناتج البيئة، والله سبحانه وتعالى علم آدم الأسماء. وهذا ~~العلم لا يمكن أن يأتي إلا إذا كان آدم قد سمع من الله سبحانه وتعالى، ثم ~~نطق. فأنت إذا أتيت بطفل عربي، وتركته في لندن مثلا.. فتراه يتكلم ~~الإنجليزية بطلاقة.. ولا يفهم كلمة واحدة من اللغة العربية. والعكس صحيح. ~~إذا أتيت بطفل إنجليزي، وتركته في بلد عربي يتكلم العربية.. ولا يعلم ~~شيئا عن الإنجليزية. إذن: فاللغة ليست وراثة ولا جنسا ولا بيئة، ولكنها ~~محاكاة يسمعها الإنسان فينطق بها. # وإذا لم يسمع الإنسان شيئا وكان أصم فإنه لا يستطيع النطق بحرف واحد. ~~فإذا كان آدم قد نطق بهذه الأسماء فلا بد أنه سمع من الله سبحانه ms0149 وتعالى. ~~والعجيب أن الطريقة التي علم الله سبحانه وتعالى آدم بها، هي الطريقة ~~نفسها التي تتبعها البشرية إلى يومنا هذا، فأنت لا تعلم الطفل بأن تقص ~~عليه الأفعال. ولكن لابد أن يبدأ تعليمه بالأسماء والمسميات. تقول له: ~~هذا كوب، وهذا جبل وهذا بحر، وهذه شمس، وهذا قمر. وبعد أن يتعلم المسميات ~~يستطيع أن يعرف الأفعال ويتقدم في التعليم بعد ذلك. وهكذا نتعرف على ~~النشأة الأولى للكلام، وطلاقة قدرة الله سبحانه وتعالى علمت آدم ~~الأسماء. وهنا نتوقف لنجيب عن سؤالين: الأول: إذا كان الله سبحانه وتعالى ~~قد علم آدم الأسماء كلها. فهل كان فيها أسماء ما سيستجد من مخترعات في ~~العالم؟ نقول: إنه حتى لو تعلم آدم الأسماء التي يحتاج إليها في أولويات ~~الوجود ويستخدمها في متطلبات حياته على الأرض. فإذا جد جديد، فإن أولاد ~~آدم يستخدمون هذه الأسماء من المقدمات والأسماء التي تعلموها. فما ~~يجد في الوجود من أسماء تدخل على اللغة، لم تأت من فراغ، وإنما ~~جاءت من اللغة التي تنطق بها وتكتب بها. كذلك كل شيء في هذا الكون لو ~~أعدته الآن إلى أصله فستجد أن أصله من الله. فلو أعدت البشرية إلى أصلها ~~لابد أن تصل إلى أن الإنسان الأول خلقه الله سبحانه وتعالى. ولو أعدت ~~العلم إلى أصله وكل علم يحتاج إلى معلم. نقول لك: من الذي علم ~~المعلم الأول؟ أليس من البديهي أن العلم بدأ بمعلم علمه الله سبحانه ~~وتعالى. وكان هذا هو المعلم الأول.. إذن: فالذي علم الأسماء لآدم هو الله ~~سبحانه وتعالى. وهو علمها لأولاده. وأولاده علموها لأولادهم وهكذا. يأتي ~~السؤال الثاني: إذا كان الله هو المعلم للكلام. فلماذا اختلفت اللغات ~~على الأرض وأصبح هناك ألوان من اللغات والألسنة؟ نقول: إن تنوع فترات ~~التاريخ وانتشار الإنسان على الأرض جعل كل مجموعة من البشر تقترب من ~~بعضها لتكون لها لغة واحدة. وكل لغة موجودة مأخوذة من لغة قديمة.. ~~فالفرنسية والإنجليزية والإيطالية مأخوذة من اللاتينية. والعبرية ~~والسريالية لهما علاقة باللغة العربية واللهجات التي يتكلم بها ms0150 العالم ~~العربي - صاحب اللغة الواحدة - تختلف.. حتى أن لهجة الجزائر أو المغرب ~~مثلا تجدها مختلفة عن اللهجة المصرية أو السودانية. ولكننا إذا تكلمنا ~~باللغة العربية فهم بعضنا بعضا، ولغة هؤلاء جميعا في الأصل هي لغة ~~القرآن. وهي العربية، ولكن في فترات الوهن التاريخي الذي مر على العرب ~~انعزلت البلاد العربية بعضها عن بعض ومضى كل مجتمع يأخذ اللغة كمظهر ~~اجتماعي، فيسقط التفاهم بين اللهجات المختلفة. # وهكذا علم الله سبحانه وتعالى آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على ~~الملائكة وقال لهم { أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن كنتم ~~صادقين } [البقرة: 31]؟ أي أن الله سبحانه وتعالى كرم آدم في ~~العلم، وأعطاه علما لم يعطه للملائكة. ثم جعل آدم هو الذي يعلمهم أسماء ~~مسميات لم يعرفوها. وهذا دليل على طلاقة قدرة الله سبحانه وتعالى الذي ~~يفعل ما يشاء في كونه، وكما قلنا: إن تمييز الأدنى عن الأعلى لا يتم إلا ~~بفعل الله وحده. ولكي نقرب هذا إلى العقول: هب أن إنسانا ضعيفا ~~يريد أن يحمل حملا ثقيلا.. إنه لا يقدر. وإذا كان هناك إنسان قوي يعينه ~~فإنه لا يستطيع أن يعطيه من قوته ليحمل هذا الحمل، ولكن يعينه بأن يحمل ~~عنه. أما الذي يستطيع أن يجعل هذا الضعيف قويا يمكنه أن يحمل هذا الحمل ~~الثقيل فهو الله سبحانه وتعالى. فالإنسان لا يستطيع أن يعطي إنسانا آخر ~~من قوته، ولكن الله وحده هو القادر على أن يجعل الضعيف قويا والقوي ~~ضعيفا. وقوله تعالى: { إن كنتم صادقين } [البقرة: 31] وهل يكذب ~~الملائكة؟ إن الملائكة خلق من نور يسبحون الله، ويفعلون ما يؤمرون.. ~~نقول إن قوله تعالى { إن كنتم صادقين } [البقرة: 31] فيما قستم ~~عليه الأحداث، أو فيما قلتموه ضربا بالغيب. ولو أن الملائكة قاسوا حكمهم ~~على حكم جنس آخر كان في الأرض كالجن مثلا الذين خلقوا قبل الإنسان.. ~~فيقول الحق سبحانه وتعالى: إنكم أخطأتم في قياسكم هذا، أو إن كنتم صادقين ~~فيما تنبأتم به من غيب فلا يعلم الغيب إلا الله تعالى. فالقياسان جانبهما ~~التوفيق. وليس هذا طعنا في الملائكة، ms0151 ولكنه تصحيح لهم، وتعريف لنا بأن ~~الملائكة لا يعلمون الغيب. ولذلك فهم حينما قاسوا أو حكموا على غيب.. ~~جانبهم التوفيق لأن الله وحده هو علام الغيوب والذي دفع الملائكة إلى أن ~~يقولوا أو يبطنوا هذا الكلام هو حبهم الشديد لله تعالى.. وكراهيتهم ~~للإفساد في كونه. ### || [2.32] # هذه الآية الكريمة. توضح لنا أن الله سبحانه وتعالى هو المعلم الأول ~~في الكون. وإذا كان لكل علم معلم، فإن المعلم الأول لابد أن يكون هو ~~الله سبحانه وتعالى. وإذا كنا نشاهد في عصرنا ألوانا من العلوم، فهذه ~~العلوم من تفاعل العقل الذي وهبه الله تعالى للإنسان من المواد التي ~~وضعها الله تعالى في الكون بالمنطق والعلم الذي علمه الله للإنسان. إن ~~كل الاختراعات والابتكارات أخذت وجودها من مقدمات كانت سابقة عليها، ~~فالماء مثلا كان موجودا منذ الأزل، والشمس كطاقة تبخر الماء لتصنع ~~منه سحابا. فإذا استخدم الإنسان الطاقة الحرارية في تبخير الماء واستخدم ~~البخار كطاقة، فهناك قفزة حضارية في العلوم اسمها " عصر البخار " ، وهو ~~الذي كانت تسير به القطارات والآلات في المصانع وغير ذلك. إن هذا التقدم ~~في العلم، إنما هو نابع من وجود العلم والطاقة، وزاد عليهما القدرة ~~العقلية للإنسان الممنوحة له من الخالق سبحانه وتعالى، وهذه القدرة ~~العقلية هي التي جعلته يفكر في استخدام الطاقة الناتجة من البخار، فإذا ~~توصل الإنسان لمراقبة شجرة ساقطة وهي تتدحرج إلى الأرض لأن جذعها ~~أسطواني، فإنه أخذ من نظام هذه الشجرة ما يصنع منه العجلة التي كانت ~~تطورا هاما في تاريخ العلم. إذن: فساق الشجرة الأسطوانية هو الذي أعطى ~~للإنسان فكرة العجلة، فإذا طور الإنسان استخدام البخار وصنع قطارا يسير ~~بالبخار، فهذا التطوير هو ابن للعلم السابق عن قدرة الطاقة الناتجة عن ~~تبخير الماء، وكيفية صناعة العجلة.. فكل علم نابع من علم سابق.. يترابط ~~مع إمكانات وهبها الله سبحانه وتعالى للإنسان ولذلك عندما جاء الإسلام ~~ليعرض العلم التجريبي أو المادي، جاء ليلفتنا إلى آيات الخالق في الكون، ~~وطلب منا أن نتأمل في هذه الآيات.. ونعمل ms0152 فيها العقل والإدراك. واقرأ ~~قول الحق سبحانه وتعالى: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. وهكذا يلفتنا الله جل جلاله إلى آياته التي في السماوات ~~والأرض لنعمل فيها العقل والإدراك، لنستنبط منها ما يعطينا الحضارة.. ~~إن القرآن يطالبنا بأن نواصل العلم الذي علمه الله لآدم. وإذا كان ~~تاريخ العلوم يحمل لنا أخبارا عن قوم لم يكونوا مؤمنين، ومع هذا سبقونا ~~في العلم والاستنباط، فكان الواجب علينا نحن المؤمنين أن نتأمل آيات الله ~~تعالى في الأرض. فنيوتن - الذي لاحظ قوة جاذبية الأرض - كان يراقب تفاحة ~~تسقط من أعلى الشجرة وتصطدم بالأرض، فتوصل إلى قانون الجاذبية. وإذا ~~أردنا أن نأخذ لمحة من علم الله الذي علمه لنا، فيكفي أن ننظر إلى ~~النواة. ففي هذه النواة الصغيرة نخلة كاملة، متى وضعت النواة في الأرض. # نمت النخلة، وأصبح لها وجود. ولكي نوضح هذا كله نقول إن كل علم مبني على ~~نظريات، النظرية الأولى تؤدي إلى الثانية، والثانية تؤدي إلى الثالثة، ~~وهكذا.. ولكن بداية كل هذه العلوم لم تبدأ بنظرية، ولكنها بدأت بما ~~يسمونه البديهيات، أي: الأشياء التي لا تحتاج إلى دليل، إنها الأشياء ~~التي خلقها الله في الكون، وعلى هذه البديهات بنيت النظريات الواحدة بعد ~~الأخرى حتى إذا أردت أن تعيدها إلى أصلها، فإنك تصل في نهاية الأمر إلى ~~أن العلم الأول من الله سبحانه وتعالى، فالمعلم الأول علمه الله. ~~والثمرة الأولى خلقها الله، وكل اكتشافات الإنسان منذ بداية الحياة وحتى ~~قيام الساعة موجودة بالقوة. مثل النواة التي فيها النخلة تنتظر التأمل ~~والعمل لتصبح اكتشافا بالفعل. والله سبحانه وتعالى وهو المعلم الأول.. ~~وضع في كونه من العلم الكثير. ويحضرني قول الشاعر أحمد شوقي حين قال: # سبحانك اللهم خير معلم # علمت بالقلم القرون الأولى # أرسلت بالتوراة موسى مرشدا # وابن البتول يعلم الإنجيلا # وفجرت ينبوع البيان محمدا # فسقى الحديث وناول التنزيلا # وكان شوقي يصوغ في أبياته أن كل علم هو منسوب إلى الله وحده.. وهكذا ~~يتضح لنا أن قول الملائكة: { سبحانك ms0153 لا علم لنآ إلا ما ~~علمتنآ إنك أنت العليم الحكيم } [البقرة: 32]. ~~يتضمن الاعتراف بأن العلم كله مرجعه إلى الله فالله سبحانه وتعالى هو ~~مصدر العلم والحكمة. وقوله سبحانه وتعالى: " العليم الحكيم " العليم أي ~~الذي يعلم كل شيء خافيا كان أو ظاهرا، والعلم كله منه. وأما الحكمة ~~فتطلق في الأصل على قطعة الحديد التي توضع في فم الفرس لتلجمه حتى يمكن ~~للراكب أن يتحكم فيه. ذلك أن الحصان حيوان مدلل شارد، يحتاج إلى ~~ترويض، وقطعة الحديد التي توضع في فمه تجعله أكثر طاعة لصاحبه. وكأن ~~إطلاق صفة الحكيم على الخالق سبحانه وتعالى هو أنه جل جلاله يحكم ~~المخلوقات حتى لا تسير بغير هدى، ودون دراية. والحكمة أن يوضع هدف لكل ~~حركة لتنسجم الحركات بعضها مع بعض، ويصير الكون محكوما بالحق الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والحكيم العليم هو الذي يضع لكل ~~كائن إطاره وحدوده. والحكمة هي أن يؤدي كل شيء ما هو مطلوب منه ببراعة. ~~والحكمة في الفقه هي أن تستنبط الحكم السليم. والحكمة في الشعر أن تزن ~~الكلمات على المفاعيل. والحكمة في الطب أن تعرف تشخيص المرض والدواء الذي ~~يعالجه. والحكمة في الهندسة أن تصمم المستشفى - مثلا - طبقا لاحتياجات ~~المريض والطبيب وأجهزة العلاج ومخازن الأدوية، وغير ذلك، أو في تصميم ~~المنزل للسكن المريح. وحكمة بناء منزل مثلا تختلف عن حكمة بناء قصر أو ~~مكان للعمل. والكون كله مخلوق من قبل حكيم عليم، وضع الخالق سبحانه ~~وتعالى فيه كل شيء في موضعه ليؤدي مهمته. # ووصف الله تعالى بأنه حكيم يتطلب أن يكون عليما لأن علمه هو الذي ~~يجعله يصنع كل شيء بحكمة، وقد أعطى الله سبحانه وتعالى لكل خلقه من العلم ~~على حاجته، فليس من طبيعة الملائكة أن يعرفوا ماذا سيفعل ذلك الإنسان ~~الذي سيستخلفه الله في الأرض. ولكنهم موجودون لمهمة أخرى.. وميز الله ~~الإنسان بالعقل ليستكشف من آيات الله في الكون على قدر حاجة حياته. والحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق ms0154 فسوى * ~~والذي قدر فهدى # [الأعلى: 1-3]. إذن فكل شيء خلق بقدر. وكل مخلوق ميسر لما هداه ~~الله له.. ### || [2.33] # فالحق سبحانه وتعالى أراد أن يرد على ملاحظة الملائكة بالنسبة لخلق آدم ~~وخلافته في الأرض، وأن الله سبحانه وتعالى في حكمته ما يخفي عليهم. ولذلك ~~فهم لم يدركوا هذه الحكمة، وقبل أن يخلق الله آدم ويجعله خليفة في الأرض ~~كان على علم بكل ما سيحدث من آدم وذريته حتى قيام الساعة. وبعد قيام ~~الساعة. أما الملائكة، فهم لم يكونوا على علم بذلك. لأن هذا ليس عملهم. ~~وكما قلنا: كل ميسر لما خلق له. ولذلك أراد الحق سبحانه وتعالى ~~أن يعطي للملائكة الصورة بأنكم قد حكمتم على آدم إما من تجربة لجنس آخر ~~عاش في الأرض، وإما من ضرب بالغيب، والمقياسان غير صحيحين. ولذلك ~~ميز الله سبحانه في هذه اللحظة آدم على الملائكة فعلمه أسماء ~~المسميات كلها، ثم طلب من الملائكة أن يخبروه بهذه الأسماء. ولكنهم ~~قالوا: إن العلم من الله وحده. وبما أن الله تعالى لم يعلمهم الأسماء ~~فإنهم لا يعرفونها. فطلب الله من آدم أن يخبرهم بأسماء هذه المسميات ~~فأخبرهم بها. ولكنه لم يخبرهم بها بذاته ولا من قانونه. ولا بعلم علمه ~~وحده. ولكنه أخبرهم بتعليم الله سبحانه وتعالى له. وفي ذلك يقول الله ~~تعالى: # نرفع درجات من نشآء وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف: 76]. إذن، فعلم آدم للأسماء كان بمشيئة الله سبحانه وتعالى. ~~وهذه المشيئة وحدها هي التي جعلت آدم في ذلك الوقت يعلم ما لا تعلمه ~~الملائكة.. وهنا رد الحق سبحانه وتعالى على قول الملائكة بأن آدم ~~سيفسد في الأرض، فذكرهم الله تعالى بقوله: { ألم أقل لكم ~~إني أعلم غيب السماوات والأرض.. } [البقرة: 33] أي أن ~~الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يعلم الغيب، والغيب هنا هو الغيب ~~المطلق، فهناك غيب نسبي. قد تسرق حافظة نقودي مثلا وأنا لا أعلم من الذي ~~سرقها فهو غيب عني. ولكنه معلوم للذي سرق، وللذي سهل له طريقة السرقة ~~بأن حرس له الطريق ms0155 حتى يسرق دون أن يفاجئه أحد. وقد يكون قد صدر قرار هام ~~بالنسبة لي كترقية أو فصل أو حكم. لم يصلني. فأنا لا أعلمه. ولكن الذي ~~وقع القرار أو الحكم يعلمه. هذا الغيب النسبي، لا يعتبر غيبا. ولكن ~~الغيب المطلق هو الذي ليس له مقدمات تنبئ عما سيحدث.. هذا الغيب الذي ~~يفاجئك، ويفاجئ كل من حولك بلا مقدمات.. هذا الغيب لا يعلمه إلا الله ~~وحده. وقوله تعالى: { وأعلم ما تبدون وما كنتم ~~تكتمون } [البقرة: 33].. تعطينا هنا وقفة. هل الملائكة قالوا لله ~~سبحانه وتعالى: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك.. # [البقرة: 30] هل قالها الملائكة فعلا وجهرا، أم أنهم قالوها في أنفسهم ~~ولم ينطقوا بها؟ قوله تعالى " وما كنتم تكتمون " تعطينا إشارة إلى أن ~~الملائكة ربما قالوا هذا سرا. ولم يبدوه، وعلى أية حال سواء قالوه جهرا ~~أو قالوه سرا. فقد علمه الله لأن الله جل جلاله بكل شيء محيط. ولا ~~نريد لهذه النقطة أن تثير جدلا.. لماذا؟ لأنه في الحالتين سواء في الجهر ~~أو في الكتمان، فإن الموقف يتساوى عند علم الله سبحانه وتعالى.. فلا داعي ~~للجدل لأنه لا خلاف. ### || [2.34] # أصدر الله تعالى أمره للملائكة ليسجدوا لآدم. وهذه القضية أخذت جدلا ~~طويلا. قال بعض الناس: كيف يسجد الملائكة لغير الله؟ والسجود لا يكون ~~إلا لله وحده. وقال آخرون: هل معنى سجود الملائكة لآدم أنهم عبدوه؟ ~~وقالت فئة أخرى: السجود لغير الله لا يجوز تحت أي ظرف من الظروف. نقول ~~لهؤلاء: إنكم لم تدركوا المعنى، فالله سبحانه وتعالى بعد أن ميز آدم ~~على الملائكة بعلم الأسماء، طلب منهم أن يسجدوا لآدم، وهنا لابد أن نعرف ~~أن السجود لآدم هو إطاعة لأمر الله، وليست عبادة لآدم. فالله سبحانه ~~وتعالى هو الذي أمر الملائكة بالسجود. ولم يأمرهم بذلك آدم. ولا يحق له ~~أن يأمرهم، فالأمر بالسجود هنا من الله سبحانه وتعالى، من أطاعه كان ~~عابدا. ومن لم يطعه كان عاصيا. ومن رد الأمر على الآمر كان ~~كافرا. ms0156 ولكي نفهم معنى العبادة نقول: إن العبادة هي طاعة أوامر الله، ~~واجتناب نواهيه. فما قال لي الله: افعل. فإني أفعل. وما قال: لا تفعل. ~~فإنني لا أفعل.. لأن العبادة هي طاعة مخلوق لخالقه في أوامره ونواهيه ~~ولذلك عندما نذهب إلى الحج فإننا نقبل الحجر الأسود في الكعبة، ونرجم ~~الحجر الذي يمثل إبليس في منى. نقبل حجرا ونرجم حجرا. هذا هو معنى ~~عبادة الله واتباع منهجه. كما أمرنا نفعل. لا شيء مقدس عندنا إلا أمر ~~الله ومنهجه. الملائكة هنا لم يسجدوا لآدم، ولكنهم سجدوا لأوامر الله ~~بالسجود لآدم. وفرق كبير بين السجود لشيء، وبين السجود لأمر الله. السجود ~~لأمر الله سبحانه وتعالى لا يعتبر خروجا على المنهج، لأن الأساس هو طاعة ~~الله. وهل سجد كل الملائكة لآدم؟ لا. وإنما سجد لآدم الملائكة الذين لهم ~~مهمة معه، وتلك المهمة قد بينها الله سبحانه وتعالى في قوله: # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ~~ما تفعلون # [الانفطار: 10-12]. وقوله سبحانه: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. وقوله سبحانه: # فالمدبرات أمرا # [النازعات: 5]. إذن: هناك من الملائكة من سيسجل على الإنسان أعماله، ~~وكل قول يقوله وكل فعل يفعله. بل ويكتبون هذه الأفعال. ومنهم من يحفظه ~~من الشياطين، ومنهم من ينفذ أقدار الله في الأرض. هؤلاء جميعا لهم ~~مهمة مع الإنسان، ولكن الأمر بالسجود لم يشمل أولئك الملائكة العالين من ~~حملة العرش وحراس السماء وغيرهم ممن ليست لهم مهمة مع الإنسان. ولذلك ~~عندما رفض إبليس السجود، قال له الله تعالى: # قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ~~أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75]. قوله تعالى: " كنت من العالين " أي: أنك كنت من الملائكة ~~العالين.. الذين لم يشملهم أمر السجود. إذن: فأمر السجود لآدم. # . كأمر الله لنا بالسجود إلى القبلة في الصلاة، فنحن لا نسجد للقبلة ~~ذاتها.. ولكننا نسجد لأمر الله بالسجود إلى القبلة.. سجد الملائكة الذين ~~شملهم أمر السجود لأمر الله سبحانه وتعالى.. ولكن إبليس رفض أن يسجد، ~~وعصى أمر الله. بعض ms0157 الناس يقولون: إن إبليس لم يكن من الذين أمرهم الله ~~تعالى بالسجود. لأن الأمر شمل الملائكة وحدهم.. وإبليس ليس ملكا. ولكنه ~~من الجن. كما يروي لنا القرآن الكريم في قوله تعالى: # إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه.. # [الكهف: 50]. ونقول: إن كون إبليس من الجن هو الذي جعله يعصي أمر الله ~~بالسجود، فلو أن إبليس كان من الملائكة - وهم مقهورون على الطاعة - كان ~~لابد أن يطيع أمر الله ويسجد، ولكن كونه من الجن الذين لهم اختيار في أن ~~يطيعوا وأن يعصوا فذلك الذي مكنه أن يعصي أمر السجود ولذلك فإن الذين ~~يأخذون من الآية الكريمة أن إبليس كان من الجن، بأنه لم يشمله أمر ~~السجود، نقول لهم: إن الحق سبحانه وتعالى قد أخبرنا عن جنس إبليس حتى ~~نفهم من أي باب إلى المعصية دخل.. ذلك أنه دخل من باب الاختيار الممنوح ~~للإنس والجن في الحياة الدنيا وحدها، ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن ~~يكون إبليس مقهورا على الطاعة ما كان يستطيع أن يعصي، ولكن معصيته جاءت ~~من أنه خلق مختارا.. والاختيار هو الباب الذي دخل منه إلى المعصية. ~~هذه حقيقة يجب أن نفهمها ولذلك يرد الحق سبحانه وتعالى على كل من سيخطر ~~بباله أن أمر السجود لم يشمل إبليس لكونه من الجن، لقوله سبحانه وتعالى: # قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك.. # [الأعراف: 12]. وكان كفر إبليس وخلوده في النار أنه رد الأمر على ~~الآمر، وقال: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61]. وقد كان وجود إبليس مع الأعلى منه، وهم الملائكة، مبررا ~~أكبر للسجود فما دام قد صدر الأمر إلى الأعلى بالسجود، فإنه ينطبق على ~~الأدنى. وقد كان إبليس كما جاء في الأثر يسمى طاووس الملائكة.. وكان ~~يزهو بخيلاء بينهم.. وهذه الخيلاء أو الكبر هو الذي جعله يقع في ~~المعصية، ولأن إبليس خلق مختارا، فقد كان مزهوا باختياره لطاعة ~~الله.. قبل أن يقوده غروره إلى الكفر والمعصية، ولذلك لم يكد يصدر الأمر ~~من الله بالسجود لآدم، حتى امتنع إبليس تكبرا ms0158 منه.. ولم يجاهد نفسه على ~~طاعة الله.. فمعصية إبليس هي معصية في القمة لأنه رد الأمر على الآمر، ~~وظن أنه خير من آدم.. ولم يلتزم بطاعة الله، ومضى غروره يقوده من معصية ~~إلى أخرى فطرده الله من رحمته وجعله رجيما. ولما عرف إبليس أنه طرد من ~~رحمة الله طلب من الله سبحانه وتعالى أن يبقيه إلى يوم الدين، وأقسم ~~إبليس بعزة الله أن يغري بني آدم. # . وحدد الأماكن التي يأتي منها الإغواء، فقال: # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف: 17]. نلاحظ هنا أن الجهات بالنسبة للإنسان ستة: اليمين ~~والشمال، والأمام والخلف وأعلى وأسفل، ولكن إبليس لم يذكر إلا أربعة فقط. ~~أما الجهتان الأخيرتان وهما الأعلى والأسفل، فلا يستطيع إبليس أن يقترب ~~منهما. أما الأسفل فهو مكان السجود والخضوع لله. وأما الأعلى فهو مكان ~~صعود الصلاة والدعاء. وهذان المكانان لا يستطيع إبليس أن يقترب منهما. ~~وهكذا نرى أن إبليس لم يمتنع عن السجود فقط. وإنما رد الأمر على الآمر، ~~وهذا أول الكفر، ثم بعد ذلك مضى في غيه، فتوعد آدم وذريته بأن ~~يضلهم عن سبيل الله. ### || [2.35] # بعد أن خلق الله سبحانه وتعالى آدم وأمر الملائكة أن تسجد له وحدث كفر ~~إبليس ومعصيته، أراد الله جل جلاله أن يمارس آدم مهمته على الأرض، ولكنه ~~قبل أن يمارس مهمته أدخله الله في تجربة عملية عن المنهج الذي سيتبعه ~~الإنسان في الأرض، وعلى الغواية التي سيتعرض لها من إبليس. فالله سبحانه ~~وتعالى رحمة منه لم يشأ أن يبدأ آدم مهمته في الوجود على أساس نظري، لأن ~~هناك فرقا بين الكلام النظري والتجربة. قد يقال لك شيء وتوافق عليه من ~~الناحية النظرية، ولكن عندما يأتي الفعل فإنك لا تفعل شيئا، إذن: ~~فالفترة التي عاش فيها آدم في الجنة كانت تطبيقا عمليا لمنهج العبودية، ~~حتى إذا ما خرج إلى مهمته لم يخرج بمبدأ نظري، بل خرج بمنهج عملي تعرض ~~فيه ل فعل و لا تفعل، والحلال ms0159 والحرام، وإغواء الشيطان والمعصية، ثم بعد ~~ذلك يتعلم كيف يتوب ويستغفر ويعود إلى الله، وليعرف بنو آدم أن الله لا ~~يغلق بابه في وجه العاصي، وإنما يفتح له باب التوبة، والله سبحانه وتعالى ~~أسكن آدم الجنة. وبعض الناس يقول: أنها جنة الخلد التي سيدخل فيها ~~المؤمنون في الآخرة. وبعضهم قال: لولا أن آدم عصى لكنا نعيش في الجنة. ~~نقول لهم: لا.. جنة الآخرة هي للآخرة ولا يعيش فيها إنسان فترة من الوقت ~~ثم بعد ذلك يطرد منها بل هي كما أخبرنا الله تعالى جنة الخلد.. كل من ~~دخلها عاش في نعيم أبدي. إذن: فما هي الجنة التي عاش فيها آدم وحواء؟ هذه ~~الجنة هي جنة التجربة أو المكان الذي تمت فيه تجربة تطبيق المنهج. ونحن ~~إذا قرأنا القرآن الكريم نجد أن الحق سبحانه وتعالى قد أطلق لفظ الجنة ~~على جنات الأرض. والجنة تأتي من لفظ " جن " وهو الستر، ذلك أن فيها ~~أشجارا كثيفة تستر من يعيش فيها، فلا يراه أحد، وفيها ثمرات تعطيه ~~استمرار الحياة. فلا يحتاج إلى أن يخرج منها. ونجد في القرآن الكريم قوله ~~تعالى: # إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون # [القلم: 17-18]. وهذه قصة الإخوة الذين كانوا يملكون جنة من جنان الأرض، ~~فمنعوا حق الفقير والمسكين واليتيم، فذهب الله بثمر الجنة كلها وأحرق ~~أشجارها. وهناك في سورة الكهف قصة صاحب الجنتين، في قوله تعالى: # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا ~~بينهما زرعا # [الكهف: 32]. وهي قصة ذلك الرجل الذي أعطاه الله جنتين.. فبدلا من أن ~~يشكر الله تعالى على نعمه.. كفر وأنكر البعث والحساب. وفي سورة سبأ اقرأ ~~قوله تعالى عن أهل سبأ الذين هداهم الله، وبين لهم الطريق المستقيم ~~ولكنهم فضلوا الكفر. # واقرأ قوله تبارك وتعالى: # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين ~~وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة ~~طيبة ورب غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم ~~سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ~~ذواتي ms0160 أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل * ~~ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزي إلا ~~الكفور # [سبأ: 15-17]. وهكذا نرى أن الحق سبحانه وتعالى في القرآن الكريم قد ~~أطلق لفظ الجنة على جنات الدنيا، ولم يقصره على جنة الآخرة. إذن: فآدم ~~حين قال له الله سبحانه وتعالى: # اسكن أنت وزوجك الجنة.. # [الأعراف: 19]. فهي ليست جنة الخلد وإنما هي جنة سيمارس فيها تجربة ~~تطبيق المنهج. ولذلك لا يقال: كيف دخل إبليس الجنة بعد أن عصى وكفر، لأن ~~هذه ليست جنة الخلد، ولابد أن تنتبه إلى ذلك جيدا حتى لا يقال: إن معصية ~~آدم هي التي أخرجت البشر من الجنة لأن الله تعالى قبل أن يخلق آدم حدد ~~مهمته فقال: # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة.. # [البقرة: 30]. فآدم مخلوق للخلافة في الأرض، ومن صلح من ذريته يدخل ~~جنة الخلد في الآخرة، ومن دخل جنة الخلد عاش في النعيم خالدا. والحق ~~سبحانه وتعالى يقول: { وكلا منها رغدا حيث شئتما } ~~[البقرة: 35] فالله سبحانه وتعالى أمد الجنة التي سكنها آدم وحواء بكل ~~ما يضمن استمرار حياتهما، تماما كما خلق كل النعم التي تضمن استمرار ~~حياة آدم وذريته في الأرض قبل أن تبدأ الحياة البشرية على الأرض. فالله ~~سبحانه وتعالى له عطاء ربوبية فهو الذي خلق، وهو الذي أوجد من عدم، ولذلك ~~فقد ضمن لخلقه ما يعطيهم استمرار الحياة على الأرض من ماء وهواء وطعام ~~ونعم لا تعد ولا تحصى، فكأن الله تعالى قد أمد الجنة التي سكن ~~فيها آدم وزوجته بكل عوامل استمرار حياتهما قبل أن يسكناها. كما أمد ~~الأرض بكل وسائل استمرار حياة الإنسان قبل أن ينزل آدم إليها. إذن: فقوله ~~تعالى: # يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة.. # [الأعراف: 19]. هذه فترة التدريب على تطبيق المنهج. والسكن هو المكان ~~الذي يرتاح فيه الإنسان ويرجع إليه دائما. فأنت قد تسافر فترات، وكل ~~الدول التي تمر بها خلال سفرك لا تعتبر سكنا إلى أن تعود إلى بيتك، فهذا ~~هو السكن، والرجل يكد ويتعب في الحياة، وأينما ms0161 ذهب فإنه يعود مرة ~~أخرى إلى المكان الذي يسكنه ليستريح فيه. وقوله تعالى: { ولا تقربا ~~هذه الشجرة } [البقرة: 35] هو استكمال للمنهج، فهناك أمر ونهي: ~~افعل ولا تفعل: { اسكن أنت وزوجك الجنة } [البقرة: 35] ~~أمر: { وكلا منها رغدا } [البقرة: 35] أمر، { ولا تقربا ~~هذه الشجرة } [البقرة: 35] نهي، وهذا أول منهج يعلم الإنسان ~~الطاعة لله سبحانه وتعالى والامتناع عما نهى عنه، وكل رسائل السماء ~~ومناهج الله في الأرض أمر ونهي. # . افعل كذا ولا تفعل كذا. وهكذا فإن الحق سبحانه وتعالى ضمن لآدم ~~الحياة، وليست الحياة فقط ولكن رغدا، أي: مباحا وبلا تعب وعن سعة وبدون ~~مشقة. كما أننا نلاحظ هنا أن المباح كثير والممنوع قليل، فكل ما في الجنة ~~من الطعام والشراب مباح لآدم، ولا قيد إلا على شيء واحد.. شجرة واحدة من ~~بين ألوف الأشجار التي كانت موجودة في الجنة.. شجرة واحدة فقط هي ~~الممنوعة. وإذا نظرت إلى منهج السماء إلى الأرض تجد أن الله سبحانه ~~وتعالى قد أباح فيه نعما لا تحصى ولا تعد وقيد فيه أقل القليل.. ~~فالذي نهانا الله عنه بالنسبة لنعم الأرض هو أقل القليل، كما كان في جنة ~~آدم شجرة واحدة، والمباح بعد ذلك كثير. وإذا أخذنا ألفاظ العبارات نجد أن ~~الله سبحانه وتعالى ساعة يقول: { وقلنا يآءادم } [البقرة: 35] أتى ~~بضمير " نا " ضمير الجمع، لأن الله واحد أحد، ولكنهم يسمونها: نون ~~الكبرياء ونون العظمة. إذن: فكل حدث يأتي فيه الحق تبارك وتعالى بنون ~~الكبرياء ونون التعظيم لأن كل فعل من الأفعال يحتاج إلى صفات متعددة حتى ~~يتم. فأنت إذا أردت أن تفعل شيئا فإنه يقتضي منك قوة، ويقتضي منك علما، ~~ويقتضي منك قدرة، ويقتضي منك حكمة. إذن: فهناك صفات كثيرة موجودة يقتضيها ~~الفعل. ولكن حين يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن شهادة التوحيد يقول: " إنني ~~أنا الله " ولا يقول: إنما نحن الله.. لأنه جل جلاله يريد توحيدا، ففي ~~موقع التوحيد يأتي بضمير الإفراد واحد أحد.. أما في صدر الأحداث، فيأتي ~~بضمير الكبرياء والعظمة. واقرأ قوله تعالى: # والسمآء بنيناها بأييد ms0162 وإنا لموسعون # [الذاريات: 47]. وعندما أراد الحق تبارك وتعالى أن يمتدح إبراهيم قال: " ~~إن إبراهيم كان أمة " ما معنى أمة؟ أي: جامعا لصفات الخير التي لا ~~تجتمع في فرد، ولكنها تجتمع في أمة فالأمة تجتمع فيها صفات الخير.. هذا ~~متميز بالصدق، وذاك بالشجاعة، وذاك بالحلم، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن ~~يقول: إن إبراهيم كان أمة، أي أنه كان جامعا لصفات الخير. وفي قوله { ~~وقلنا يآءادم } [البقرة: 35] آدم: اسم علم على المسمى الذي هو أول ~~خلق الله من البشر { اسكن } [البقرة: 35] تحتاج إلى عنصرين: الهدوء ~~والاطمئنان.. هذا هو معنى " اسكن " ، توفير الهدوء والاطمئنان، ومنه أخذ ~~اسم السكن. وكلمة المسكن، وأطلق على الزوجة.. وإذا فقد المكان الذي تسكن ~~فيه عنصرا من هذين العنصرين، وهما الهدوء والطمأنينة لا يقال عليه مسكن، ~~والزوجة سميت سكنا كما جاء في قوله تعالى: # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة.. # [الروم: 21]. لأن الهدوء والرحمة والبركة تتوافر في الزوجة الصالحة، ~~والحق سبحانه وتعالى يقول: # وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم.. # [التوبة: 103]. أي: راحة واطمئنانا ورحمة، فالإنسان يريد في بيته أن ~~تكون الحياة فيه مريحة له من عناء العمل وصخب الحياة. ويقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { اسكن أنت وزوجك } [البقرة: 35] وكان من الممكن أن ~~يقول اسكن وزوجك لأن الفاعل في فعل الأمر دائما مستتر. ولكنه سبحانه قال: ~~{ اسكن أنت وزوجك } [البقرة: 35].. وإياك أن تظن أن " أنت " ~~هو فاعل الفعل " اسكن " ، ولكنه ضمير جاء ليفصل بين " اسكن " وبين " زوجك ~~" حتى لا يعطف الاسم على الفعل. إننا لابد أن نلاحظ أن كلمة زوج تطلق على ~~الفرد ومعه مثله. ولذلك لم يأت بتاء التأنيث.. اسكن أنت وزوجتك. لأن ~~الأمر التكليفي من الله. سواء فيه الذكر والأنثى. واقرأ قوله تعالى: # ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن.. # [غافر: 40]. إذن: فهما متساويان في هذه الناحية، هذه الجنة ماذا وفر ~~الله سبحانه وتعالى لآدم وزوجه فيها؟ اقرأ قوله تبارك وتعالى: # إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك ms0163 لا ~~تظمأ فيها ولا تضحى # [طه: 118-119]. هذه عناصر الحياة التي وفرها الله لآدم وزوجه في جنة ~~التجربة الإيمانية العملية على التكليف. وهكذا نرى من الأوصاف التي ~~أعطاها الله سبحانه وتعالى لنا لهذه الجنة أنها ليست جنة الآخرة لأنها ~~أولا فيها تكليف، في قوله تعالى: { ولا تقربا هذه ~~الشجرة } [البقرة: 35] وجنة الآخرة لا تكليف فيها، والحق تبارك ~~وتعالى أباح لآدم وحواء أن يأكلا كما يشاءان من الجنة. والجنة فيها أصناف ~~كثيرة متعددة. ولذلك قال: { حيث شئتما } [البقرة: 35]. وأنت لا ~~تستطيع أن تقدم لإنسان صنفا أو صنفين وتقول له: كل ما شئت لأنه لا ~~يوجد أمامه إلا مجال ضيق للاختيار، كما أن قلة عدد الأصناف تجعل النفس ~~تمل، ولذلك لابد أن يكون هناك أصناف متعددة وكثيرة. ثم جاء النهي في قوله ~~تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35] أي: لا ~~تقتربا من مكانها، ولكن لماذا لم يقل الحق سبحانه وتعالى: ولا تأكلا من ~~هذه الشجرة؟ لأن الله جل جلاله رحمة بآدم وزوجه كان لا يريدهما أن يقعا ~~في غواية المعصية. فلو أنه قال: ولا تأكلا من هذه الشجرة لكان مباحا ~~لهما أن يقتربا منها، فتجذبهما بجمال منظرها ويقتربان من ثمارها فتفتنهما ~~برائحتها العذبة ولونها الجذاب، حينئذ يحدث الإغواء، وتمتد أيديهما تحت ~~هذا الإغراء إلى الشجرة ليأكلا منها. ولكن الله تعالى يعلم أن النفس ~~البشرية إذا حرم عليها شيء، ولم تحم حوله كان ذلك أدعى ألا تفعله، ~~فالله تعالى حين حرم الخمر لم يقل حرمت عليكم الخمر، وإلا كنا جلسنا ~~في مجالس الخمر ومع الذين يشربونها، أو نتاجر فيها وهذا كله إغراء بشرب ~~الخمر. # . ولكنه قال: # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون # [المائدة: 90]. هذا النص الكريم قد جعلنا نبتعد عن الأماكن التي فيها ~~الخمور. فلا نجلس مع من يشربونها، ولا نتاجر فيها حتى لا نقع في ~~المعصية، فإذا رأيت مكانا فيه خمر فابتعد عنه في الحال، حتى لا يغريك ~~منظر الخمر وشاربها بأن تفعل ms0164 مثله. والحق جل جلاله يقول في المحرمات: { ~~ولا تقربا } [البقرة: 35] واجتنبوا.. أي: لا تحوموا حولها. لأنها ~~إذا كانت غائبة عنك فلا تخطر على بالك فلا تقع فيها. ولذلك يقول الرسول ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، ~~لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ~~ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع ~~فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه " # ولقد كان بعض الناس يقبلون على شرب الخمر ويقولون: إنه لم يرد فيها ~~تحريم صريح.. فلم تأت مسبوقة بكلمة " حرمت ".. نقول: إن كلمة اجتنبوا ~~أشد من التحريم، فقوله تعالى: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول ~~الزور # [الحج: 30] معناه ألا تنظر حتى إلى الصنم واجتناب الخمر ألا تقع عينك ~~عليها. وقد اختلف الناس في نوع هذه الشجرة، وهل هي شجرة تفاح أو تين أو ~~عنب أو غير ذلك؟ ونحن نقول: ليس هذا هو المقصود، ولكن المقصود هو التحريم ~~لأن منهج الله سبحانه وتعالى يحلل أشياء، ويحرم أشياء. وقوله ~~تعالى: { فتكونا من الظالمين } [البقرة: 35] الظلم هو الجور ~~والتعدي على حقوق الغير. والظالم هو من أخذ فوق ما يستحقه بغير حق. ~~والظلم يقتضي ظالما ومظلوما، وموضوعا للظلم. فكل حق - سواء كان ماديا ~~أو معنويا - يعتدي عليه إنسان بدون حق فقد حمل ظلما - حتى الإنسان، ~~فإنه أحيانا يظلم نفسه. واقرأ قوله تعالى: # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله.. # [آل عمران: 135]. كيف يظلم الإنسان نفسه؟ قد يظلم الإنسان غيره، ولكنه ~~لا يظلم نفسه أبدا لأنه يريد أن يعطيها كل ما تشتهيه، وهذا هو عين الظلم ~~للنفس، لأنه أعطاها شهوة عاجلة في الدنيا، ربما استمرت ساعات، وحرمها من ~~نعيم أبدي في الآخرة، فكأنه ظلمها بأن أعطاها عذابا أليما في الآخرة ~~مقابل متعة زائلة لا تدوم.. وهناك من يبيع دينه بدنياه، ولكن أظلم ~~الناس لنفسه من يبيع دينه بدنيا غيره، يشهد زورا ليرضي رئيسا، أو ms0165 ~~يتقرب لمسئول، أو يرتكب جريمة.. إذن قوله تعالى: { فتكونا من ~~الظالمين } [البقرة: 35] أي من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله. ### || [2.36] # بعد أن أسكن الله سبحانه وتعالى آدم وزوجه في الجنة، وأخبرهما بما هو ~~حلال وما هو حرام، بدأ الشيطان مهمته، مهمة عداوته الرهيبة لآدم وذريته. ~~والحق سبحانه يقول: { فأزلهما الشيطان } [البقرة: 36] أي: أن ~~الشيطان باشر مهمته فأوقعهما في الزلة، وهي العثرة أو الكبوة. كيف حدث ~~ذلك والله تعالى قد نصح آدم وزوجه ألا يتبعا الشيطان، وأبلغه أنه عدو ~~لهما في قوله تعالى: # إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى # [طه: 117]. إذن: فالعداوة معلنة ومسبقة، ولنفرض أنها غير معلنة، ألم ~~يشهد آدم الموقف الذي عصى فيه إبليس أمر الله ولم يسجد لآدم؟ ألم يعرف ~~مدى تكبر إبليس عليه في قوله # أنا خير منه # [ص: 76] وقوله # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61] كل هذا ينبغي أن ينبه آدم إلى أن إبليس لن يأتي له بخير ~~أبدا. والحق سبحانه وتعالى لم يكتف بالدلالات الطبيعية التي نشأت عن ~~موقف إبليس في رفضه السجود، بل أخبر آدم أن الشيطان عدو له ولزوجه.. يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { فأزلهما الشيطان عنها ~~فأخرجهما مما كانا فيه } [البقرة: 36] مم أخرجهما؟ من ~~العيش الرغيد، واسع النعمة في الجنة، ومن الهدوء والاطمئنان في أن رزقهما ~~يأتيهما بلا تعب. ولذلك سيأتي الحق في آية أخرى ويقول: # فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى # [طه: 117]. وهنا لابد أن نتساءل: لماذا لم يقل فتشقيا؟ إن هذه لفتة من ~~الحق سبحانه وتعالى.. إلى مهمة المرأة، ومهمة الرجل في الحياة. فمهمة ~~المرأة أن تكون سكنا لزوجها عندما يعود إلى بيته، تذهب تعبه وشقاءه، ~~أما مهمة الرجل فهي العمل حتى يوفر الطعام والمسكن لزوجته وأولاده، ~~والعمل تعب وحركة. وهكذا لفتنا الحق تبارك وتعالى إلى أن مهمة الرجل أن ~~يكدح ويشقى، ثم يأتي إلى أهله فتكون السكينة والراحة والاطمئنان. إذا ~~كانت هذه هي الحقيقة، فلماذا يأتي العالم ليغير هذا النظام؟ نقول إن ~~العالم هو الذي يتعب نفسه. ويتعب ms0166 الدنيا. فعمل المرأة شقاء لها، ~~فمهمتها هي البيت، وليس عندها وقت لأي شيء آخر، فإذا عملت فذلك على حساب ~~أولادها وبيتها وزوجها.. ومن هنا ينشأ الشقاء في المجتمع، فيضيع الأولاد، ~~ويهرب الزوج إلى مكان فيه امرأة تعطيه السكن الذي يحتاج إليه، وينتهي ~~المجتمع إلى فوضى. وكان يجب على آدم أن يتنبه إلى أن إبليس يعتبره السبب ~~في طرده من رحمة الله فلا يقبل منه نصيحة ولا كلاما، ويحتاط.. كيف أزل ~~الشيطان آدم وزوجه؟ لقد بين الله سبحانه وتعالى لنا هذا، ولكن ليس في ~~سورة البقرة، وإنما في آية أخرى.. فقال تعالى: # فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري ~~عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن ~~هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين # [الأعراف: 20]. إذن: فإبليس قال كاذبا: إن من يأكل من هذه الشجرة ~~يصبح ملكا، ويصبح خالدا لا يموت.. ووسوسة الشيطان تتم بكلام كاذب ~~لتزيين المعصية، والشيطان لا يهمه أي معصية ارتكبت، وإنما يريدك عاصيا ~~على أي وجه. ولكن النفس عندما توسوس لك بالمعصية، تريد شيئا بذاته، وهذا ~~هو الفرق بين وسوسة الشيطان، ووسوسة النفس، فالشيطان يريدك عاصيا بأي ~~ذنب، فإن امتنعت في ناحية أتاك من ناحية أخرى، فقد قال لآدم: # هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى # [طه: 120]. ولكن هذه المحاولة لم تفلح، فقال لهما: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين # [الأعراف: 20] وفات على آدم أنه لو كان هذا صحيحا.. لأكل إبليس من ~~الشجرة، ولم يطلب من الحق سبحانه وتعالى أن يمهله إلى يوم الدين. ما الذي ~~أسقط آدم في المعصية؟ إنها الغفلة أو النسيان. والحق سبحانه وتعالى يقول: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه: 115]. وهل النسيان معصية. حتى يقول الحق سبحانه وتعالى: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]. نعم، النسيان كان معصية في الأمم السابقة، لذلك يقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ms0167 ". # ونسى وعصى تؤدي معنى واحدا.. وقوله تعالى: # قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض ~~مستقر ومتاع إلى حين # [الأعراف: 24]. هذا الهبوط هو بداية نزول الإنسان إلى الأرض ليباشر ~~مهمته في الدنيا. وما دام الحق سبحانه وتعالى قال: # ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين # [الأعراف: 24]. فهي إذن حياة موقوتة على قدر وقتها، وعلى قدر حجمها.. ~~والذين يقولون إنه لابد من وجود بشر نسميه مخلصا. ليفدي العالم بصلبه ~~أو بغير ذلك من الخطيئة التي ارتكبها آدم. نقول له: إنك لم تفهم عن الله ~~شيئا، لأن القصة هي هنا خطأ قد حدث وصوب. وفرق بين الخطأ والخطيئة. ~~فالخطأ يصوب. ولكن الخطيئة يعاقب عليها. وآدم أخطأ وصوب الله له. وتلقى ~~من ربه كلمات فتاب عليه. إذن لا توجد خطيئة بعد أن علمه الله التوبة وتاب ~~إلى الله. ثم ماذا فعل آدم، حتى نقول نخلص العالم من خطيئة آدم. إنه أكل ~~من الشجرة. وهل خطايا العالم كلها أكل؟! من الذي أوجد القتل وسفك ~~الدماء، والزنى والاغتصاب والنميمة والغيبة؟ لو أن كلامهم صحيح لكان ~~لابد ألا توجد خطيئة على الأرض ما دام قد وجد المخلص الذي فدى العالم ~~من الخطيئة، ولكن الخطيئة باقية. ومن الذي قال إن الخطيئة تورث، حتى ~~يرث العالم كله خطيئة آدم؟!.. والله سبحانه وتعالى يقول: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [فاطر: 18]. # وقول الحق سبحانه وتعالى: { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض ~~عدو } [البقرة: 36] العداوة هنا بين الشيطان والإنسان، والعداوة ~~أيضا بين شياطين الإنس والمؤمنين، هذه العداوة التي تؤدي بنا إلى نشاط ~~وتنبه. فالمستشرقون يعادون الإسلام، ولكن معاداتهم هذه تعطينا نشاطا لكي ~~نبحث ونطلع حتى نرد عليهم. وجنود الشيطان من الإنس يعادون المؤمنين، ~~وعداواتهم هذه تعطينا مناعة ألا نخطئ ولا نغفل. فأنت ما دام لك عدو.. ~~فحاول أن تتفوق عليه بكل السبل. ولعل الحضارة الإنسانية لا ترتقي بسرعة ~~قدر ارتقائها وقت الحروب. ففيها يحاول كل خصم أن يتغلب على خصمه، وتجند ~~كل القوى للتفوق علميا على الدول الأخرى. هذه الارتقاءات والاختراعات، ~~قد تكون ms0168 للتدمير والقتل. ولكن بعد أن تنتهي الحرب توجه إلى ارتقاءات ~~الإنسان في الأرض. فتفتيت الذرة وصلوا إليه في الحروب، والصواريخ التي ~~وصل الإنسان بها إلى القمر كانت نتيجة حرب، والارتقاءات العلمية المختلفة ~~التي تمت في أمريكا والاتحاد السوفيتي كان أساسها عداء كل معسكر للآخر. ~~وقوله تعالى { اهبطوا بعضكم لبعض عدو } [البقرة: 36].. ~~الهبوط قد يكون من مكان أعلى إلى مكان أسفل، وقد يكون الهبوط معنويا، ~~بأن تقول هذا الإنسان هبط في نظري منذ فعل كذا. هو لم يهبط من مكان أعلى ~~إلى مكان أسفل. ولكنه هبط في قيمته، والمسافات لا تعني قربا أو بعدا. ~~فقد يكون إنسان يجلس إلى جوارك وأنت بعيد عنه لا تحس به. وقد يكون هناك ~~إنسان بعيد عنك بمئات الأميال ولكنه قريب إلى قلبك أكثر من ذلك الجالس ~~إلى جوارك، وسواء كان الهبوط ماديا أو معنويا، فإنه حدث ليباشر آدم ~~مهمته على الأرض، والعداوة بين الإيمان والكفر مستمرة. وهكذا بعد معصية ~~آدم هبط هو وحواء من الجنة ليمارسا حياتهما على الأرض.. وقوله تعالى: { ~~اهبطوا } معناه: إن آدم وحواء وإبليس هبطوا إلى الأرض بعد أن تمت ~~التجربة الإيمانية. لقد بين الله تعالى لآدم عمليا أن إبليس عدو له. ~~لا يريد له الخير: وأنه كاذب في كل ما يعد به الإنسان، وقد حدد الله ~~الحياة الدنيا بأنها حياة موقوتة. قدراتها محدودة، ومتاعها محدود.. في ~~قوله تعالى: # ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين # [الأعراف: 24]. أي لا أحد سيبقى في الأرض إلا بمقدار ما قدر الله له من ~~عمر ثم يموت. وبهذا حذر الله آدم وذريته من أن يتخذوا من الحياة هدفا ~~لأن متاعها قليل، وأمدها قصير. ### || [2.37] # نزل آدم وحواء إلى الأرض ليمارسا مهمتهما في الكون، وقبل أن يبدآ هذه ~~المهمة. جعلهما الله سبحانه وتعالى يمران بتجربة عملية بالنسبة لتطبيق ~~المنهج وبالنسبة لإغواء الشيطان، وحذرهما بأن الشيطان عدو لهما.. كان لا ~~بد بعد أن وقعت المعصية أن يشرع الله تعالى التوبة رحمة بعباده. ذلك أن ~~تشريع التوبة ليس رحمة ms0169 بالعاصي وحده، ولكنه رحمة بالمجتمع كله. فالإنسان ~~إذا عصى وعرف أنه لا توبة له وأنه محكوم عليه بالخلود في النار، يتمادى ~~في إجرامه، لأنه ما دام لا أمل له في النجاة من عذاب الآخرة، فإنه يتمادى ~~في المعصية، لأنه لا أمل في الغفران أو التوبة. من الذي سيعاني في هذه ~~الحالة؟ إنه المجتمع الذي يعيش فيه ذلك العاصي. وسيكون المؤمنون أكثر ~~الناس معاناة لأنهم أهل خير وتسامح ولأن الله سبحانه وتعالى أمرهم ~~بالعفو، والصفح. واقرأ قوله تبارك وتعالى: # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل ~~الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم والله غفور رحيم # [النور: 22]. وقوله تعالى: # وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل ~~بينكم.. # [البقرة: 237]. وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تحث المؤمنين على ~~العفو، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أوصاني ربي بتسع أوصيكم بها: " أوصاني بالإخلاص في السر وفي العلانية، ~~والقصد في الغنى والفقر وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من ~~قطعني، وأن يكون صمتي فكرا ونطقي ذكرا، ونظري عبرا ". # فالتوبة لو لم تشرع لعانى المجتمع كله، وخاصة المؤمنين الذين أمروا أن ~~يقابلوا العدوان بالصفح والظلم بالعفو. ولذلك كان تشريع التوبة من الله ~~سبحانه وتعالى، رحمة بالناس كلهم. والله جل جلاله شرع التوبة أولا، ثم ~~بعد أن شرعها تاب العاصي، ثم بعد ذلك يقبل الله التوبة أو لا يقبلها ~~تبعا لمشيئته. واقرأ قوله تعالى: # ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب ~~الرحيم # [التوبة: 118]. آدم تلقى من ربه كلمات فتاب عليه، أتوجد خطيئة بعد توبة ~~آدم وقبول الله سبحانه وتعالى هذه التوبة؟ إن بعض الناس يقول إن آدم قد ~~عصى وتاب الله عليه. وإبليس قد عصى فجعله الله خالدا في النار. نقول: ~~إنكم لم تفهموا ماذا فعل آدم؟ أكل من الشجرة المحرمة. وعندما علم أنه ~~أخطأ وعصى، لم يصر على المعصية، ولم يرد الأمر على الآمر، ولكنه قال يا ~~رب أمرك ومنهجك حق، ولكنني ms0170 لم أقدر على نفسي فسامحني. اعترف آدم بذنبه، ~~واعترف بضعفه، واعترف بأن المنهج حق، وطلب التوبة من الله سبحانه وتعالى، ~~ولكن إبليس رد الأمر على الآمر. قال: # خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف: 12] وقال: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] وقال: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص: 83] وقال: # لأحتنكن ذريته إلا قليلا # [الإسراء: 62] فإبليس هنا رد الأمر على الآمر، لم يعترف بذنبه. ويقول يا ~~رب غلبني ضعفي، وأنت الحق وقولك الحق. ولكنه رد الأمر على الله تعالى ~~وعاند وقال سأفعل كذا وسأفعل كذا، وهذا كفر بالله. إياك أن ترد الأمر على ~~الله سبحانه وتعالى، فإذا كنت لا تصلي، لا تقل وما فائدة الصلاة. وإذا لم ~~تكن تزكي، فلا تقل تشريع الزكاة ظلم للقادرين. وإذا كنت لا تطبق شرع ~~الله، فلا تقل إن هذه الشريعة لم تعد تناسب العصر الحديث، فإنك بذلك تكون ~~قد كفرت والعياذ بالله، ولكن قل يا ربي إن فرض الصلاة حق، وفرض الزكاة ~~حق، وتطبيق الشريعة حق، ولكنني لا أقدر على نفسي، فارحم ضعفي يا رب ~~العالمين. إن فعلت ذلك، تكن عاصيا فقط. إن الفرق بين معصية آدم ومعصية ~~إبليس. أن آدم اعترف بمعصيته وذنبه، ولكن إبليس رد الأمر على الآمر. ~~فيكون آدم قد عصى، وإبليس قد كفر والعياذ بالله. ويقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { فتلقى ءادم من ربه كلمات فتاب عليه ~~} [البقرة: 37] هذه الكلمات التي تلقاها آدم أراد العلماء أن يحصروها. ما ~~هذه الكلمات؟ هل هي قول آدم كما جاء في قوله تعالى: # قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # [الأعراف: 23]. هذه الآية الكريمة دلتنا على أن ذنب آدم لم يكن من ذنوب ~~الاستكبار، ولكن من ذنوب الغفلة.. بينما كان ذنب إبليس من ذنوب الاستكبار ~~على أمر الله، ولكن آدم عندما عصى حدث منه انكسار. فقال: يا ربي أمرك ~~بألا أقرب الشجرة حق، ولكني لم أقدر على نفسي. فآدم أقر بحق الله في ~~التشريع. بينما إبليس اعترض على هذا الأمر ms0171 وقال: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61]. الكلمات التي تلقاها آدم من الله سبحانه وتعالى قد تكون: # ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # [الأعراف: 23] وقد تكون:.. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك ربي وبحمدك. إني ~~ظلمت نفسي ظلما كثيرا فاغفر لي يا خير الغافرين.. أو اقبل توبتي يا خير ~~التوابين.. أو قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله.. المهم أن ~~الله سبحانه وتعالى قد أوحى لآدم بكلمات يتقرب بها إليه سواء كانت هذه ~~الآية الكريمة أو كلمات أخرى. لو نظرنا إلى تعليم الله آدم لكلمات ليتوب ~~عليه، لوجدنا مبدأ مهما في حياة المجتمع، لأن الله سبحانه وتعالى كما ~~قلنا: لو لم يشرع التوبة ولو لم يبشرنا بأنه سيقبلها، لكان الذي يذنب ~~ذنبا واحدا لا يرجع عن المعصية أبدا، وكان العالم كله سيعاني. # والله سبحانه وتعالى خلقنا مختارين ولم يخلقنا مقهورين. القهر يثبت صفة ~~القدرة لله، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نأتي عن حب وليس عن ~~قهر، ولذلك خلقنا مختارين، وجعل لنا طاقة تستطيع أن تعصي وأن تطيع. وما ~~دام هناك اختيار، فالإنسان يختار هذه أو تلك. إن الله لم يخلق بشرا ~~يختارون الخير على طول الخط وبشرا يختارون الشر في كل وقت. فهناك من ~~الخيرين من يقع في الشر مرة، وهناك من الشريرين من يعمل الخير مرة. ~~فالعبد ليس مخلوقا أن يختار خيرا مطلقا، أو أن يختار شرا مطلقا.. ~~ولذلك فأحيانا ننسى أو نسهو، أو نعصي. وما دام العبد معرضا للخطيئة، ~~فالله سبحانه وتعالى شرع التوبة، حتى لا ييأس العبد من رحمة الله، ويتوب ~~ليرجع إلى الله. وقد جاء في الحكمة: " رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير ~~من طاعة أورثت عزا واستكبارا ". وهكذا عندما نزل آدم ليباشر مهمته في ~~الحياة، لم يكن يحمل أي خطيئة على كتفيه، فقد أخطأ وعلمه الله تعالى ~~كلمات التوبة. فتاب فتقبل الله توبته. وقوله سبحانه وتعالى: { إنه ~~هو التواب الرحيم } [البقرة: 37].. كلمة تواب تدل على أن الله ms0172 ~~تعالى لا يأخذ عباده بذنب واحد. لأنه سبحانه وتعالى حتى لو تاب عن ذنب ~~واحد لكل عبد من عباده كان توابا. والمبالغة في الصفة تأتي من ناحيتين: ~~أولا إن الأمر يتكرر عدة مرات من عدد قليل من الأشخاص، أو من شخص واحد، ~~أو أن الأمر يقع مرة واحدة ولكن من أشخاص كثيرين. فإذا قلت مثلا: فلان ~~أكول، قد يكون أكولا لأنه يأكل كمية كبيرة من الطعام، فيسمى أكولا.. ~~إنه لا يتجاوز طعامه في عدد مراته وجبات الطعام العادي للإنسان، ولكنه ~~يأكل كمية كبيرة، فنسميه أكولا، فيأكل مثلا عشرة أرغفة في الإفطار ~~ومثلها في الغداء ومثلها في العشاء. وقد يكون الإنسان أكولا إذا تكرر ~~الفعل نفسه.. كأن يأكل كميات الطعام العادية ولكنه يأكل في اليوم خمس ~~عشرة مرة مثلا، فالله سبحانه وتعالى تواب لأن خلقه كثيرون. فلو اخطأ كل ~~واحد منهم مرة، يكون عدد ذنوبهم التي سيتوب الله عليها كمية هائلة. فإذا ~~وجد من يذنب عدة مرات في اليوم، فإن الله تعالى، يكون توابا عنه ~~أيضا إذا تاب واتجه إليه. إذن مرة تأتي المبالغة في الحدث وإن كان الذي ~~يقوم به شخص واحد، ومرة تأتي المبالغة في الحدث لأن من يقوم به أفراد ~~متعددون. إذن: فآدم أذنب ذنبا واحدا يقتضي أن يكون الله تائبا، ولكن ~~ذرية آدم من بعده سيكونون خلقا كثيرا.. فتأتي المبالغة من ناحية العدد. ~~وقوله تعالى: { إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 37] ~~سيدنا عمر جاءته امرأة تصيح وتصرخ لأن ابنها ضبط سارقا. # وقالت لعمر ما سرق ابني إلا هذه المرة. فقال لها عمر: الله أرحم بعبده ~~من أن يأخذه من أول مرة. لابد أنه سرق من قبل. وأنا أتحدى أن يوجد مجرم ~~يضبط من أول مرة. كلمة " تواب " تدل على أنه يضبط بعد مرتين أو ثلاث، ~~فالله يستر عبده مرة ومرة، ولكن إذا ازداد وتمادى في المعصية، يوقفه الله ~~عند حده. وهذا هو معنى تواب. والحق سبحانه وتعالى تواب برحمته، لأن هناك ~~من يعفو ويظل يمن عليك بالعفو. حتى ms0173 أن المعفو عنه يقول: ليتك عاقبتني ~~ولم تمن علي بالعفو كل ساعة، ولكن الحق سبحانه وتعالى، تواب رحيم، يتوب ~~على العبد، ويرحمه فيمحو عنه ذنوبه. ### || [2.38] # يقول الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية: { قلنا اهبطوا منها ~~جميعا } [البقرة: 38] وفي سورة طه يقول جل جلاله: # قال اهبطا منها جميعا # [طه: 123] عندما خاطب الله سبحانه وتعالى بصورة الجمع. كان الخطاب لكل ~~ذرية آدم المطمورة في ظهره، أمر لهم جميعا بالهبوط، آدم وحواء ~~والذرية، لأن كل واحد منا إلى أن تقوم الساعة فيه جزىء من آدم. ولذلك لا ~~بد أن نلتفت إلى قول الحق تبارك وتعالى: # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم.. # [الأعراف: 11]. نلاحظ هنا أن الخطاب بصيغة الجمع، فلم يقل الحق سبحانه ~~وتعالى لقد خلقتك ثم صورتك ثم قلت للملائكة اسجدوا لآدم، فكأن الحق ~~سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه ساعة الخلق كان كل ذرية آدم ~~مطمورين في ظهره. خلقهم جميعا ثم صورهم جميعا، ثم طلب من الملائكة ~~السجود لآدم. فهل نحن كنا موجودين؟ نعم كنا موجودين في آدم. ولذلك فإن ~~الحق سبحانه وتعالى يقول: { اهبطوا } [البقرة: 38] لنعرف أن هذا ~~الخطاب موجه إلى آدم وذريته جميعا إلى يوم القيامة. ومرة يقول: # اهبطا منها جميعا # [طه: 123] لأن هنا بداية تحمل المسئولية بالنسبة لآدم في هذه اللحظة وهي ~~لحظة الهبوط في الأرض، سيبدأ منهج الله مهمته في الحياة. وما دام هناك ~~منهج وتطبيق فردي، تكون المسئولية فردية، ولا يأتي الجمع هنا. فالحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # اهبطا منها جميعا # [طه: 123] نلاحظ أن أمر الهبوط هنا بالمثنى. ثم يقول تبارك وتعالى " ~~جميعا ".. جمع.. نقول إنه ما دامت بداية التكليف، فهناك طرفان سيواجه ~~بعضهما البعض: الطرف الأول، هو آدم وزوجه، والطرف الثاني هو إبليس. فهم ~~ثلاثة ولكنهم في معركة الإيمان فريقان فقط، آدم وحواء وذريتهما فريق. ~~والشيطان فريق آخر، فكأن الله تعالى يريد أن يلفتنا إلى أن هذا الهبوط ~~يتعلق بالمنهج وتطبيقه في الأرض. وفي المنهج آدم وحواء حريصان على ~~الطاعة، وإبليس حريص ms0174 على أن يقودهما إلى المعصية. وفي قوله تعالى: { ~~فإما يأتينكم مني هدى } [البقرة: 38] نلاحظ أن الله ~~سبحانه وتعالى بعد أن مر آدم بالتجربة ووقع في المعصية، علمه الله تعالى ~~كلمات التوبة، ونصحه أنه إذا غفل يتوب، والله سبحانه وتعالى سيقبل توبته. ~~إذن: فالحق سبحانه وتعالى يريد من آدم وحواء أن يسكنا الأرض، ويبدآ ~~مهمتهما في الحياة. والله يدلهما على الخير مصداقا لقوله تعالى: { ~~فإما يأتينكم مني هدى } [البقرة: 38].. وهدى لها ~~معنيان: هي بمعنى الدلالة على الخير، أو الدلالة على الطريق الموصلة ~~للخير. وهناك هدى وهو الإعانة على الإيمان والزيادة فيه. واقرأ قوله ~~تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. الهدى هنا في الآية الكريمة بمعنى الدلالة على طريق الخير، ~~ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: { فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 38]. # ما هو الخوف وما هو الحزن؟ الخوف أن تتوقع شرا مقبلا لا قدرة لك على ~~دفعه فتخاف منه، والحزن أن يفوتك شيء تحبه وتتمناه. والحق سبحانه وتعالى ~~يقول في هذه الآية: من مشى في طريق الإيمان الذي دللته عليه، وأنزلته ~~في منهجي، فلا خوف عليهم. أي أنه لا خير سيفوتهم فيحزنوا عليه، لأن كل ~~الخير في منهج الله، فالذي يتبع المنهج لا يخاف حدوث شيء أبدا. وهذه ~~تعطينا قضية مهمة في المجتمع الذي لم يرتكب أية مخالفة.. هل يناله خوف؟ ~~أبدا، ولكن من يرتكب مخالفة تجده دائما خائفا خشية أن ينكشف أمره، ~~ويفاجأ بشر لا قدرة له على دفعه. إن الإنسان المستقيم لا يعيش الخوف، لأن ~~الخوف أمران: إما ذنب أنا سبب فيه، والسائر على الطريق المستقيم لم يفعل ~~شيئا يخاف انكشافه. وإما أمر لا دخل لي فيه، يجريه علي خالقي. وهذا ~~لابد أن يكون لحكمة، قد أدركها، وقد لا أدركها ولكني أتقبلها. فالذي يتبع ~~هدى الله لا يخاف ولا يحزن، لأنه لم يذنب، ولم يخرق قانونا، ولم يغش ~~بشرا، أو يخفي جريمة، فلا يخاف شيئا، ولو قابله حدث مفاجئ، فقلبه ~~مطمئن. والذين يتبعون الله ms0175 لا يخافون، ولا يخاف عليهم.. وقوله تعالى: { ~~ولا هم يحزنون } [البقرة: 38] لأن الذي يعيش طائعا لمنهج الله، ~~ليس هناك شيء يجعله يحزن، ذلك أن إرادته في هذه الحالة تخضع لإرادة ~~خالقه. فكل ما يحدث له من الله هو خير. حتى لو كان يبدو على السطح غير ~~ذلك. ملكاته منسجمة وهو في سلام مع الكون ومع نفسه، والكون لا يسمع منه ~~إلا التسبيح والطاعة والصلاة، وكلها رحمة. فهو في سلام مع نفسه. وفي سلام ~~مع ربه، وفي سلام مع المجتمع. إن المجتمع دائما يسعد بالإنسان المؤمن ~~الذي لا يفسد في الأرض، بل يفعل كل خير. فالمؤمن نفحة جمال تشع في الكون، ~~ونعمة حسن ورضا مع كل الناس. وما دام الإنسان كذلك، فلن يفقد ما يسره ~~أبدا. فإن أصابته أحداث أجراها الله عليه، لا يقابلها إلا بالشكر، وإن ~~كان لا يعرف حكمتها.. وإياك أن تعترض على الله في حكم. ولذلك يقول: أحمدك ~~ربي على كل قضائك وجميع قدرك، حمد الرضا بحكمك واليقين بحكمتك. والإنسان ~~ينفعل للأحداث، ولكن هناك فرقا بين الانفعال للأحداث وحدها وبين الانفعال ~~للأحداث مع حكمة مجريها. ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا ~~الدقة حينما قال: # " إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا ~~إبراهيم لمحزونون " # انظروا إلى الإيمان وهو يستقبل الأحداث.. العين تدمع، ولا يكون القلب ~~قاسيا مثل الحجر، لكن فيه حنان. والقلب يخشع لله. مقدرا حكمته وإرادته. ~~والله سبحانه وتعالى لا يريدنا أن نستقبل الأحداث بالحزن وحده، ولكن ~~بالحزن مع الإيمان. فالله لا يمنعك أن تحزن، ولكن عليك ألا تفصل الحدث عن ~~مجريه وحكمته فيه.. ولذلك حين تذهب إلى طبيب العظام، فيكسر لك عظامك لكي ~~يصلحها. هل يفعل لك خيرا أو شرا؟ طبعا يفعل لك خيرا. وإن كان ذلك ~~يؤلمك. ### || [2.39] # الحق سبحانه وتعالى بعد أن أعلمنا أن آدم حين يهبط إلى الأرض سيتلقى من ~~الله منهجا لحركة حياته. من اتبعه خرج من حياته الخوف والحزن، وأصبح ~~آمنا في ms0176 الدنيا والآخرة. أراد الله تعالى أن يعطينا الصورة المقابلة، ~~فالحكم في الآية السابقة كان عن الذين اهتدوا، والحكم في هذه الآية عن ~~الذين كفروا. يقول الحق تبارك وتعالى.. { والذين كفروا ~~وكذبوا بآياتنآ } [البقرة: 39] والكفر كما بينا هو محاولة ستر ~~وجود الله واجب الوجود، ومحاولة ستر هذا الوجود هو إعلان بأن الله تعالى ~~موجود، فأنت لا تحاول أن تستر شيئا إلا إذا كان له وجود أولا. إن الشيء ~~الذي لا وجود له لا يحتاج إلى ستر لأنه ليس موجودا في عقولنا. وعقولنا ~~لا تفهم ولا تسعى إلا ما هو موجود. توجد الصورة الذهنية أولا.. ثم بعد ~~ذلك يوجد الاسم أو الصورة الكلامية. ولذلك إذا حدثك إنسان عن شيء ليس له ~~وجود فأنت لا تفهمه، ولا تستطيع أن تعيه إلا إذا شبه لك بموجود. كأن يقال ~~لك: مثل هذا الجبل أو مثل هذه البحيرة، أو مثل قرص الشمس أو غير ذلك حتى ~~تستطيع أن تفهم. فأنت لا تفهم غير موجود إلا إذا شبه بموجود. وكل شيء ~~لابد أن يكون قد وجد أولا. ثم بعد ذلك تجتمع مجامع اللغة في العالم ~~لتبحث عن لفظ يعبر عنه بعد أن وجد في الصورة الذهنية، فلم يكن هناك اسم ~~للصاروخ مثلا قبل أن يوجد الصاروخ، ولا لسفينة الفضاء قبل أن تخترع، ولا ~~لأشعة الليزر قبل أن تكتشف. إذن فكل هذا وجد أولا، ووضع له الاسم بعد ~~ذلك. الذين كفروا يحاولون ستر وجود الله، وستر وجود الله سبحانه وتعالى ~~هو إثبات لوجوده، لأنك لا تستر شيئا غير موجود، وهكذا يكون الكفر مثبتا ~~للإيمان. وعقلك لا يستطيع أن يفهم الاسم إلا إذا وجد المعنى في عقلك، ~~وأنت لا تجد لغة من لغات العالم، ليس فيها اسم الله سبحانه وتعالى. بل إن ~~الله جل جلاله - وهو غيب عنا - إذا ذكر اسمه فهمه الصغير والكبير، ~~والجاهل والعالم، والذي طاف الدنيا، والذي لم يخرج من بيته. كل هؤلاء ~~يفهمون الله بفطرة الإيمان التي وضعها في قلوبنا جميعا. إذن الذين كفروا ~~يحاولون ms0177 ستر وجود الله سبحانه وتعالى.. وقوله تعالى: { وكذبوا ~~بآياتنآ } [البقرة: 39] والآية هي الشيء العجيب اللافت. فهناك في ~~الكون آيات كونية مثل الشمس والقمر والنجوم والأرض، والجبال والبحار وغير ~~ذلك. هذه تسمى آيات. شيء فوق قدرة البشر خلقها الله سبحانه وتعالى لتكون ~~آية في كونه وتخدم الإنسان. وهناك الآيات وهي المعجزات. # عندما يرسل الله رسولا أو نبيا إلى قومه فإنه سبحانه يخرق له قوانين ~~الكون ليثبت لقومه أنه نبي مرسل من عند الله سبحانه وتعالى، وهذه الآيات ~~مقصود بها من شهدها، لأنها تأتي لتثبيت المؤمنين بالرسل، وهم يمرون ~~بأزمة يحتاجون فيها إلى التثبيت، ودلالة على صدق رسالة النبي لقومه.. ~~وتطلق الآيات على آيات القرآن الكريم. كلام الله المعجز الذي وضع فيه ~~سبحانه وتعالى ما يثبت صدق الرسالة إلى يوم الدين. يحدثنا الله سبحانه في ~~آياته عن كيفية خلق الإنسان وعن منهج السماء للأرض وغير ذلك. والذين ~~كذبوا بآيات الله هم الكافرون، وهم المشركون، وهم الذين يرفضون الإسلام، ~~ويحاربون الدين. هؤلاء جميعا، حدد لنا الله تعالى مصيرهم. ولكن هل ~~التكذيب عدم قدرة على الفهم؟ نقول أحيانا يكون التكذيب متعمدا مثلما ~~حدث لآل فرعون عندما أصابهم الله بآفات وأمراض وبالعذاب الأصغر حتى ~~يؤمنوا، ولكنهم رغم يقينهم بأن هذه الآيات من الله سبحانه وتعالى، لم ~~يعترفوا بها.. ويقول الحق جل جلاله. # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # [النمل: 14]. والآيات في الكون كثيرة لو أننا التفتنا إليها لآمنا. ~~فهي ليست محتاجة إلى فكر، بل إن الله تعالى، رحمة بنا جعلها ظاهرة ~~ليدركها الناس، كل الناس. ولكن البعض رغم ذلك يكذب بآيات الله، وهؤلاء هم ~~الذين يريدون أن يتبعوا هوى النفس، والحق سبحانه وتعالى جمع الكافرين ~~والمكذبين بآيات الله في عقاب واحد.. وقال جل جلاله: { أولئك ~~أصحاب النار } [البقرة: 39] والصاحب هو الذي يألف صاحبه، ويحب أن ~~يجلس معه. ويقضي أجمل أوقاته. فكان قوله تعالى: { أصحاب النار } ~~[البقرة: 39]. دليل على عشق النار لهم. فهي تفرح بهم، عندما يدخلونها. ~~كما يفرح الصديق بصديقه. ولا تريد أن تفارقهم أبدا.. ms0178 ولذلك اقرأ قول ~~الحق سبحانه وتعالى: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30]. وهكذا نرى مدى العشق، بين النار والكافرين. إن النار تصاحبهم ~~في كل مكان، وهي ليست مصاحبة كريهة بالنسبة للنار، ولكنها مصاحبة تحبها ~~النار. فالنار حين تحرق كل كافر وآثم ومنافق تكون سعيدة، لأنها تعاقب ~~الذين كفروا بمنهج الله وكذبوا بآياته في الحياة الدنيا.. وكذلك الحال ~~بالنسبة للجنة، فإن الجنة أيضا تحب مصاحبة كل من آمن بالله وأخلص له ~~العبادة وطبق منهجه.. واقرأ قوله تعالى: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا ~~إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون # [هود: 23]. أي أن الجنة تصاحب المؤمنين، وتحبهم وتلازمهم، مثلما تصاحب ~~النار الكافرين والمكذبين.. وكما أن النار تكون سعيدة وهي تحرق الكافر. ~~فالجنة تكون سعيدة وهي تمتع المؤمن.. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { هم ~~فيها خالدون } [البقرة: 39] أي أن العذاب فيها دائم، لا يتغير ولا ~~يفتر، ولا يخفف، بل هو مستمر إلى الأبد. # . واقرأ قوله سبحانه وتعالى: # أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ~~فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون # [البقرة: 86]. وهكذا نعرف أن الله سبحانه وتعالى قد أنزل المنهج إلى ~~الأرض مع آدم، وأن آدم نزل إلى الأرض ومعه الهدى ليطبق أول منهج للسماء ~~على الأرض. فكأن الله سبحانه وتعالى لم يترك الإنسان لحظة واحدة على ~~الأرض دون أن يعطيه المنهج الذي يبين له طريق الهدى وطريق الضلال، ومع ~~المنهج شرعت التوبة، وشرع قبول التوبة حتى لا ييأس الإنسان، ولا يحس بأنه ~~إذا أخطأ أو نسي أصبح مصيره جهنم. بل يحس أن أبواب السماء مفتوحة له ~~دائما، وإن الله الذي خلقه رحيم به إذا أخطأ فتح له أبواب التوبة وغفر ~~له ذنوبه، حتى يحس كل إنسان برعاية الله سبحانه وتعالى له هو على الأرض ~~من أول بداية الحياة. فالمنهج موجود لمن يريد أن يؤمن، والتوبة قائمة ~~لكل من يخطئ. وحذر الله سبحانه وتعالى آدم وذريته أنه من يطع ويؤمن ~~يعش الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، ومن ms0179 يكفر ويكذب، فإن مصيره عذاب ~~أبدي. لقد عرف الله آدم بعدوه إبليس، وطلب منه أن يحذره. فماذا فعل بنو ~~آدم؟ هل استقبلوا منهج الله بالطاعة أم بالمعصية؟ وهل تمسكوا بتعاليم ~~الله، أم تركوها وراء ظهورهم؟ ### || [2.40] # بعد أن قص الله علينا قصة الخلق وكيف بدأت بآدم، وعداوة إبليس لآدم، ~~وسببها، ثم قص علينا التجربة الأولى للمنهج في إحدى الجنات، وكيف أن آدم ~~تعرض للتجربة فأغواه الشيطان وعصى. ثم نزل إلى الأرض مسلحا بمنهج الله، ~~ومحميا بالتوبة من أن يطغى. بدأت مهمة آدم على الأرض. إن الحق سبحانه ~~وتعالى أراد أن يعرض علينا موكب الرسالات وكيف استقبل بنو آدم منهج الله ~~بالكفر والعصيان. فاختار جل جلاله قصة بني إسرائيل لأنها أكثر القصص ~~معجزات، وأنبياء بني إسرائيل من أكثر الأنبياء الذين أرسلوا لأمة واحدة ~~وليس معنى هذا أنهم مفضلون. ولكن لأنهم كانوا أكثر الأمم عصيانا وآثاما ~~فكانوا أكثرهم أنبياء. كانوا كلما خرجوا من معجزة انحرفوا، فتأتيهم معجزة ~~أخرى، فينحرفون. وهكذا حكم الله عليهم لظلمهم أن يتفرقوا في الأرض ثم ~~يتجمعوا مرة أخرى في مكان واحد، ليذوقوا العذاب والنكال جزاء لهم على ~~معصيتهم وكفرهم. ولذلك أخذت قصة بني إسرائيل ذلك الحجم الضخم في كتاب ~~الله، وفي تثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فموسى عليه السلام الذي ~~أرسله الله إلى بني إسرائيل من أولي العزم من الرسل. ولذلك فإنك تجد فيه ~~تربية أولا، وتربية ثانيا.. ولابد أن نلتفت إلى قول الحق سبحانه ~~وتعالى: { يبني إسرائيل } [البقرة: 40] فالحق جل جلاله. حين ~~يريد أن ينادي البشر جميعا يقول: { يابني ءادم } واقرأ قوله ~~تعالى: # يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد.. # [الأعراف: 31]. وقوله سبحانه: # يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان.. # [الأعراف: 27]. لماذا يخاطبنا الله تعالى بقوله: يا بني آدم؟ لأنه يريد ~~أن يذكرنا بنعمه علينا منذ بداية الخلق. لأن هذه النعم تخص آدم وذريته. ~~فالله تعالى خلق آدم بيديه. وأمر الملائكة أن تسجد له. وأعد له كونا ~~مليئا بكل ما يضمن استمرار حياته. ليس بالضروريات فقط، ولكن ms0180 بالكماليات. ~~ثم دربه الحق على ما سيتعرض له من إغواء الشيطان، وأفهمه أن الشيطان عدو ~~له. ثم علمه كلمات التوبة، ليتوب عليه، وأمده بنعم لا تعد ولا تحصى. ~~فالله سبحانه وتعالى يريد أن يذكرنا بكل ذلك حتى نخجل من أن نرتكب معصية ~~بعد كل هذا التكريم للإنسان. فإذا تذكرنا نعم الله علينا.. فإننا نخجل أن ~~نقابل هذه النعم بالمعصية. وقد علمنا الله سبحانه وتعالى علما ميزنا ~~الله تعالى فيه عن ملائكته. لذا كان يجب أن نظل شاكرين عابدين طوال ~~حياتنا في هذه الدنيا. لكننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى بدأ هذه الآية ~~الكريمة بقوله: { يبني إسرائيل } [البقرة: 40] لماذا؟ ومن هو ~~إسرائيل؟ إسرائيل مأخوذة من كلمتين: اسر وإيل.. إسر يعني عبد مصطفى أو ~~مختار. وإيل معناها الله في العبرانية. # فيكون معنى الكلمة صفوة الله.. والاصطفاء هنا ليعقوب وليس لذريته. فإذا ~~نظرنا إلى إسرائيل الذي هو يعقوب كيف أخذ هذا الاسم. نجد أنه أخذ الاسم ~~لأنه ابتلى من الله بلاء كبيرا. استحق به أن يكون صفيا لله، وعندما ~~ينادي الله تعالى قوم موسى بقوله: يا بني إسرائيل. فإنه يريد أن يذكرهم ~~بمنزلة إسرائيل عند الله. ما واجهه من بلاء. وما تحمله في حياته. فاذكروا ~~ما وصاكم به حين حضرته الوفاة.. واقرأ قوله تبارك وتعالى: # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا ونحن له مسلمون # [البقرة: 133]. ثم يأتي بعد ذلك قول يعقوب.. واقرأ قوله تعالى: # يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون # [البقرة: 132]. تلك هي الوصية التي وصى بها يعقوب بنيه.. فيها علم وفيها ~~عظة. علم بأن الله إله واحد لا شريك له، وأن الدين هو الإسلام، وعظة ~~وتذكير بأن الله اختار لهم الدين فليحرصوا عليه حتى الموت. ولقد جاءت هذه ~~الوصية حين حضر يعقوب الموت، وساعة الموت يكون الإنسان صادقا مع نفسه، ~~وصادقا مع ذريته. فكأنه سبحانه وتعالى حينما يقول: { يبني ms0181 ~~إسرائيل } [البقرة: 40] يريد أن يذكرهم بإسرائيل وهو يعقوب وكيف ~~تحمل وظل صابرا، ووصيته لهم ساعة الموت. إن الله سبحانه وتعالى يذكر ~~الأبناء بفضله على الآباء علهم يتعظون أو يخجلون من المعصية تماما كما ~~يكون هناك عبد صالح أسرف أبناؤه على أنفسهم. فيقال لهم: ألا تخجلون؟ أنتم ~~أبناء فلان الرجل الصالح. لا يصح أن ترتكبوا ما يغضب الله ... { يبني ~~إسرائيل } [البقرة: 40]. إسرائيل هو يعقوب ابن إسحاق، وإسحاق ابن ~~إبراهيم، وإبراهيم أنجب إسحاق وإسماعيل.. ورسولنا صلى الله عليه وسلم من ~~ذرية إسماعيل. والله سبحانه وتعالى يقول: { يبني إسرائيل ~~اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } [البقرة: 40] ~~ولكن الله سبحانه وتعالى حين يخاطب المسلمين لا يقول اذكروا نعمة الله، ~~وإنما يقول: " اذكروا الله " لأن بني إسرائيل ماديون ودنيويون. فكأن الحق ~~سبحانه وتعالى يقول لهم: ما دمتم ماديين ودنيويين، فاذكروا نعمة الله ~~المادية عليكم. ولكننا نحن المسلمين أمة غير مادية. وهناك فرق بين أن ~~يكون الإنسان مع النعمة، وأن يكون مع المنعم. الماديون يحبون النعمة، ~~وغير الماديين يحبون المنعم، ويعيشون في معيته، ولذلك فخطاب المسلمين: ~~" اذكروا الله " لأننا نحن مع المنعم. بينما خطابه سبحانه لبني ~~إسرائيل: " اذكروا نعمة الله ". والحديث القدسي يقول: # " أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقى ~~أن يجعل معي إلها كان أهلا أن أغفر له " # فالله سبحانه وتعالى واجب العبادة، ولو لم يخلق الجنة والنار. # . ولذلك فإن المؤمنين هم أهل الابتلاء من الله. لماذا؟ لأن الابتلاء منه ~~نعمة. والله سبحانه وتعالى يباهي بعباده ملائكته، ويقول: إنهم يعبدونني ~~لذاتي. فتقول الملائكة: بل يعبدونك لنعمتك عليهم. فيقول سبحانه لهم: ~~سأقبضها عنهم ولا يزالون يحبونني.. ومن عبادي من أحب دعاءهم. فأنا ~~أبتليهم حتى يقولوا يا رب. لأن أصواتهم يحبها الله سبحانه وتعالى. ولذلك ~~إذا ابتلى عبدا في صحته مثلا، وسلب منه نعمة العافية. ترى الجاهل هو ~~الذي ينظر إلى هذا نظرة عدم الرضا. أما المتعمق فينظر إلى قول الله في ~~الحديث القدسي: إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: # " يا ابن آدم مرضت ms0182 فلم تعدني، قال: يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ ~~قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده. أما علمت أنك لو عدته ~~لوجدتني عنده " # فلو فقد المؤمن نعمة العافية.. فلا ييأس فإن الله تعالى يريده أن يعيش ~~مع المنعم.. وأنه طوال فترة مرضه في معية الله تعالى. ولذلك حين يقول ~~الحق تبارك وتعالى: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي ~~التي أنعمت عليكم } [البقرة: 40] معناها: إن لم تكونوا ~~مؤمنين لذاتي. فاستحيوا أن ترتكبوا المعصية بنعمتي التي أنعمت عليكم. ~~ولقد جاءت النعمة هنا لأن بني إسرائيل يعبدون الله من أجل نعمه. { ~~اذكروا نعمتي } [البقرة: 40] الذكر هو الحفظ من النسيان، لأن ~~روتين الحياة يجعلنا ننسى المسبب للنعم. فالشمس تطلع كل يوم. كم منا ~~يتذكر أنها لا تطلع إلا بإذن الله فيشكره. والمطر ينزل كل فترة من منا ~~يتذكر أن المطر ينزله الله. فيشكره. فالذكر يكون باللسان وبالقلب، والله ~~سبحانه وتعالى غيب مستور عنا، وعظمته أنه مستور. ولكن نعم الله سبحانه ~~تدلنا عليه.. فبالذكر يكون في بالنا دائما، وبنعمه يكون ذكره وشكره ~~دائما. والحق سبحانه وتعالى طلب من بني إسرائيل أن يذكروا النعمة التي ~~أنعمها عليهم فقط. وكان يجب عليهم أن يطيعوا الله فيذكروا المنعم، لأن ~~ذكر الله سبحانه وتعالى يجعلك في ركن ركين لا يصل إليك مكروه ولا شر. إن ~~ذكر الله المنعم يعطينا حركة الحياة في كل شيء. فذكر الله يوجد في القلوب ~~الخشوع. ويقلل من المعاصي وينتفع الناس كل الناس به، ويجعل حركة الحياة ~~مستقيمة. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى. { اذكروا نعمتي } ~~[البقرة: 40] معناها اذكروني حتى بالنعمة التي أنعمت عليكم. وقوله تعالى: ~~{ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم } [البقرة: 40] العهد هو ~~الميثاق. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه: 115]. إذن فالعهد أمر موثق بين العبد وربه. ما هو العهد الذي يريد ~~الله من بني إسرائيل أن يوفوا به ليفي الله بعهده لهم؟ نقول: إما أن يكون ~~عهد الفطرة. # وعهد الفطرة كما قلنا أن نؤمن ms0183 بالله ونشكره على نعمه. وكما قلنا إذا هبط ~~الإنسان في مكان ليس في أحد، ثم نام وقام فوجد مائدة حافلة بالنعم أمامه، ~~ألا يسأل نفسه: من صنع هذا؟ لو أنه فكر قليلا لعرف أنه لابد أن يكون ~~لها من صانع. خصوصا أن الخلق هنا فوق قدرات البشر. فإذا أرسل الله ~~سبحانه وتعالى رسولا يقول إن الله هو الذي خلق وأوجد، ولم يوجد مدع ولا ~~معارض نظرا لأن إيجاد هذه النعم فوق قدرة البشر، تكون القضية محسومة لله ~~سبحانه وتعالى. إذن فذكر الله وشكره واجب بالفطرة السليمة، لا يحتاج إلى ~~تعقيدات وفلسفات، والوفاء بعهد الله أن نعبده ونشكره هو فطرة الإيمان لما ~~أعطاه لنا من نعم على أن الحق سبحانه وتعالى نجده يقول: { وأوفوا ~~بعهدي أوف بعهدكم.. } [البقرة: 40]. وفي آية أخرى: # فاذكروني أذكركم.. # [البقرة: 152]. وفي آية ثالثة: # إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم # [محمد: 7]. ما هي هذه القضية التي يريد الحق سبحانه وتعالى أن ينبهنا ~~إليها في هذه الآيات الكريمة؟ الله سبحانه وتعالى يريد أن نعرف أنه قد ~~وضع في يدنا مفتاح الجنة. ففي يد كل واحد منا مفتاح الطريق الذي يقوده ~~إلى الجنة أو إلى النار، ولذلك إذا وفيت بالعهد أوفى الله، وإذا ذكرت ~~الله ذكرك، وإذا نصرت الله نصرك. والحديث القدسي يقول: # " وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا ~~تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " # هكذا يريد الحق سبحانه وتعالى أن ينبهنا أن المفتاح في يدنا نحن. فإذا ~~بدأنا بالطاعة، فإن عطاء الله بلا حدود، وإذا تقربنا إلى الله تقرب ~~إلينا، وإذا بعدنا عنه نادانا. هذا هو إيمان الفطرة. هل هذا هو العهد ~~المقصود من الله سبحانه في قوله: { أوفوا بعهدي أوف ~~بعهدكم } [البقرة: 40] أم هو العهد الذي أخذه الله على الأنبياء ~~ليبلغوا أقوامهم بأنهم إذا جاء رسول مصدق لما معهم فلابد أن يؤمنوا به ~~وينصروه؟ فالحق سبحانه وتعالى أخذ على الأنبياء جميعا العهد لرسول ~~الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.. أم ms0184 هو العهد الذي أخذه الله ~~بواسطة موسى عليه السلام على علماء بني إسرائيل الذين تلقوا التوراة ~~ولقنوها وكتبوها وحفظوها، عهد بألا يكتموا منها شيئا.. واقرأ قوله ~~تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ~~ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما ~~يشترون # [آل عمران: 187]. والهدف من هذا العهد ألا يكتموا ما ورد عن الإسلام في ~~التوراة، وألا يخفوا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي جاءت بها.. ~~والله سبحانه وتعالى قد أعطى صفات رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في ~~التوراة وفي الإنجيل. # . واقرأ قوله تعالى: # ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة ~~الله على الكافرين # [البقرة: 89]. ولقد جاء القرآن الكريم مصدقا لما نزل من التوراة، وعرف ~~بنو إسرائيل أنفسهم صدق ما نزل في القرآن. ولكنهم كفروا لأن رسول الله لم ~~يكن من قومهم.. وقد كان أهل الكتاب من توراة وإنجيل يعرفون أن رسالة رسول ~~الله هي الرسالة الخاتمة، وأنه لابد أن يؤمن به قوم كل نبي. هل هذا هو ~~العهد الذي يوجب على جميع الأمم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ونصرته إن أدركوه، وإن لم يدركوه فالمسئولية على أبنائهم وأحفادهم أن ~~ينصروه ويؤمنوا به متى أدركوه. إن كانت هي عهد إيمان الفطرة، أو كانت هي ~~عهد الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فكلاهما وارد. وقوله تعالى: { ~~أوف بعهدكم } [البقرة: 40] أي بما وعدتكم من جنة النعيم في ~~الآخرة. فالله سبحانه وتعالى بعد نزول الإسلام اختص برحمته الذين آمنوا ~~بمحمد عليه الصلاة والسلام، وكل من لم يؤمن بهذا الدين لا عهد له عند ~~الله. واقرأ قوله تبارك وتعالى عندما أخذت الرجفة موسى وقومه وطلب موسى ~~من الله سبحانه وتعالى الرحمة. قال تعالى: # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~إنا هدنآ إليك قال عذابي أصيب به من أشآء ~~ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ms0185 ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي ~~كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون # [الأعراف: 156-157]. فالحق سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل في هذه الآية ~~الكريمة بالعهد الذي أخذه عليهم، وينذرهم أن رحمته هي للمؤمنين برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم متى جاءت رسالته. وقوله تعالى: { وإياي ~~فارهبون } [البقرة: 40] أي أنه لا توجد قوة ولا قدرة في الكون إلا ~~قوة الله سبحانه وتعالى. ولذلك فاتقوا يوما ستلاقون فيه الله ويحاسبكم. ~~وهو سبحانه وتعالى قهار جبار، ولا نجاة من عذابه لمن لم يؤمن. ### || [2.41] # بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل بالعهود التي قطعوها على ~~أنفسهم سواء بعدم التبديل والتغيير في التوراة لإخفاء أشياء وإضافة ~~أشياء، وذكرهم بعهدهم بالنسبة للإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الذي ذكر الله سبحانه وتعالى أوصافه في التوراة حتى أن الحبر اليهودي ~~ابن سلام كان يقول لقومه في المدينة: لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني ~~ومعرفتي لمحمد أشد، أي أنه كان يذكر قومه أن أوصاف الرسول صلى الله ~~عليه وسلم الموجودة في التوراة لا تجعلهم يخطئونه. قال الحق تبارك ~~وتعالى: { وآمنوا بمآ أنزلت مصدقا لما معكم } ~~[البقرة: 41] لأن القرآن مصدق للتوراة. والقصد هنا التوراة الحقيقية قبل ~~أن يحرفوها. فالقرآن ليس موافقا لما معهم من المحرف أو المبدل من ~~التوراة، بل هو موافق للتوراة التي لا زيف فيها. ثم يقول الحق تبارك ~~وتعالى: { ولا تكونوا أول كافر به } [البقرة: 41].. ولقد ~~قلنا إن اليهود لم يكونوا أول كافر بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنما كانت ~~قريش قد كفرت به في مكة. المقصود في هذه الآية الكريمة أول كافر به من ~~أهل الكتاب. لماذا؟ لأن قريشا لا صلة لها بمنهج السماء، ولا هي تعرف ~~شيئا عن الكتب السابقة، ولكن أحبار اليهود ms0186 كانوا يعرفون صدق الرسالة، ~~وكانوا يستفتحون برسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل المدينة ويقولون: ~~" جاء زمن رسول سنؤمن به ونقتلكم قتل عاد وإرم ". ولما جاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بدلا من أن يسارعوا بالإيمان به كانوا أول كافر به. ~~والله سبحانه وتعالى لم يفاجئ أهل الكتاب بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وإنما نبههم إلى ذلك في التوراة والإنجيل. ولذلك كان يجب أن يكونوا أول ~~المؤمنين وليس أول الكافرين، لأن الذي جاء يعرفونه. وقوله تعالى: { ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } [البقرة: 41] الحق سبحانه ~~وتعالى حينما يتحدث عن الصفقة الإيمانية يستخدم كلمة الشراء وكلمة البيع ~~وكلمة التجارة. اقرأ قوله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة.. # [التوبة: 111]. وفي آية أخرى يقول: # هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * ~~تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم.. # [الصف: 10-11]. إن الحق سبحانه وتعالى استعمل كلمة الصفقة والشراء ~~والبيع بعد ذلك في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع.. # [الجمعة: 9]. ونعلم أن التجارة هي وساطة بين المنتج والمستهلك.. المنتج ~~يريد أن يبيع إنتاجه، والمستهلك محتاج إلى هذا الإنتاج، والربح عملية ~~تطول فترة، وتقصر فترة مع عملية تحرك السلعة والإقبال عليها إن كان ~~سريعا أو بطيئا. # وعملية الاتجار استخدمها الله سبحانه وتعالى ليبين لنا أنها أقصر طريق ~~إلى النفع. فالتجارة تقوم على يد الإنسان. يشتري السلعة ويبيعها، ولكنها ~~مع الله سيأخذ منك بعضا من حرية نفسك ليعطيك أخلد وأوسع منها. وكما ~~قلنا: لو قارنا بين الدنيا بعمرها المحدود - عمر كل واحد منا - كم سنة؟ ~~خمسين.. ستين.. سبعين!! نجد أن الدنيا مهما طالت ستنتهي والإنسان العاقل ~~هو الذي يضحي بالفترة الموقوته والمنتهية ليكون له حظ في الفترة الخالدة. ~~وبذلك تكون هذه الصفقة رابحة. إن النعيم في الدنيا على قدر قدرات البشر، ~~والنعيم في الآخرة على قدر قدرات الله سبحانه وتعالى. يأتي الإنسان ~~ليقول: لماذا أضيق ms0187 على نفسي في الدنيا؟ لماذا لا أتمتع؟ نقول له: لا.. إن ~~الذي ستناله من العذاب والعقاب في الآخرة لا يساوي ما أخذته من الدنيا.. ~~إذن الصفقة خاسرة. أنت اشتريت زائلا، ودفعته ثمنا لنعيم خالد. والله ~~سبحانه وتعالى يقول لليهود: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا ~~قليلا } [البقرة: 41] أي لا تدفعوا الآيات الإيمانية التي أعطيت لكم ~~لتأخذوا مقابلها ثمنا قليلا.. وعندما يأخذ الإنسان أقل مما يعطي.. فذلك ~~قلب للصفقة، والقلب تأتي منه الخسارة دائما. وكأن الآية تقول: تدفعون ~~آيات الله التي تكون منهجه المتكامل لتأخذوا عرضا من أعراض الدنيا قيمته ~~قليلة ووقته قصير. هذا قلب للصفقة. ولذلك جاء الأداء القرآني مقابلا ~~لهذا القلب. ففي الصفقات.. الأثمان دائما تدفع والسلعة تؤخذ. ولكن في ~~هذه الحالة التي تتحدث عنها الآية في قوله تعالى: { ولا تشتروا ~~بآياتي ثمنا قليلا } [البقرة: 41] قد جعلت الثمن الذي يجب أن ~~يكون مدفوعا جعلته مشترى.. وهذا هو الحمق والخطأ. الله يقول { ولا ~~تشتروا بآياتي ثمنا قليلا } [البقرة: 41] أي لا تقلبوا ~~الصفقة.. الشيء الذي كان يجب أن تضحوا به لا تجعلوه ثمنا. لأنك في هذه ~~الحالة تكون قد جعلت الثمن سلعة. ما دمت ستشتري الآيات بالثمن.. فقد جعلت ~~آيات الله ثمنا لتحصل على مكاسب دنيوية. وليتك جعلتها ثمنا غاليا، بل ~~جعلتها ثمنا رخيصا. لقد تنكرت لعهدك مع الله ليبقى لك مالك أو مركزك!! ~~أما إذا ضحى الإنسان بشيء من متع الدنيا.. ليأخذ متع الآخرة الباقية.. ~~فتكون هذه هي الصفقة الرابحة. ذلك لأن الإنسان في الدنيا ينعم على قدر ~~تصوره للنعيم، ولكنه في الآخرة ينعم على قدر تصور الله سبحانه وتعالى في ~~النعيم. بعض الذين لا يريدون أن يحملوا أنفسهم على منهج الله يستعجلون ~~مكاسب الصفقة استعجالا أحمق. إنهم يريدون المتعة حراما أو حلالا.. ~~نقول لكل واحد منهم: إن كنت مؤمنا بالآخرة أو غير مؤمن فالصفقة خاسرة، ~~لأنك في كلتا الحالتين ستعذب في النار. # . فكأنك اشتريت بإيمانك ودينك متعة زائلة، وجعلت الكفر ومعصية الله هما ~~الثمن فقلبت الآية، وجعلت الشيء الذي كان يجب ms0188 أن يشترى بمنهج الله وهو ~~نعيم الآخرة يباع.. ويباع بماذا؟ بنعيم زائل! وعندما يأخذ الإنسان أقل ~~مما يعطي.. يكون هذا قلبا للصفقة. فكأن الآية تقول: إنكم تدفعون آيات ~~الله وما تعطيكم من خيري الدنيا والآخرة لتأخذوا عرضا زائلا من ~~أعراض الدنيا وثمنه قليل. والثمن يكون دائما من الأعيان كالذهب والفضة ~~وغيرهما، وهي ليست سلعة. فهب أن معك كنز قارون ذهبا وأنت في مكان منعزل ~~وجائع، ألا تعطي هذا الكنز لمن سيعطيك رغيفا.. حتى لا تموت من الجوع؟ ~~ولذلك يجب ألا يكون المال غاية أو سلعة. فإن جعلته غاية يكون معك المال ~~الكثير، ولا تشتري به شيئا لأن المال غايتك، فيفسد المجتمع. إن المال ~~عبد مخلص، ولكنه سيد رديء. هو عبدك حين تنفقه، ولكن حين تخزنه وتتكالب ~~عليه يشقيك ويمرضك لأنك أصبحت له خادما. والآية الكريمة تعطينا فكرة عن ~~اليهود لأن محور حياتهم وحركتهم هو المال والذهب. فالله سبحانه وتعالى ~~حرم الربا لأن المال في الربا يصبح سلعة. فالمائة تؤخذ بمائة وخمسين ~~مثلا.. وهذا يفسد المجتمع، لأنه من المفروض أن يزيد المال بالعمل. فإذا ~~أصبحت زيادة المال بدون عمل، فسدت حركة الحياة، وزاد الفقير فقرا، وزاد ~~الغني غنى. وهذا ما نراه في العالم اليوم. فالدول الفقيرة تزداد فقرا ~~لأنها تقترض المال وتتراكم عليها فوائده حتى تكون الفائدة أكثر من ~~الدين نفسه. وكلما مر الوقت زادت الفوائد، فيتضاعف الدين. ويستحيل ~~التسديد. والدول الغنية تزداد غنى، لأنها تدفع القرض وتسترده بأضعاف ~~قيمته. وإذا قال الله سبحانه وتعالى: { ولا تشتروا بآياتي ~~ثمنا قليلا } [البقرة: 41] يجب ألا نفهم أنه يمكن شراء آيات الله ~~بثمن أعلى.. لا.. لأنه مهما ارتفع الثمن وعلا سيكون قليلا، وقليلا جدا ~~لأنه يقابل آيات الله، وآيات الله لا تقدر بثمن. فالصفقة خاسرة مهما كانت ~~قيمتها. وقول الحق تبارك وتعالى: { وإياي فاتقون } [البقرة: ~~41] وفي الآية السابقة قال: # وإياي فارهبون # [البقرة: 40] وهي وعيد. ولكن " إياي فاتقون " واقع. فقوله تعالى: # وإياي فارهبون # [البقرة: 40] هي وعيد وتحذير لما سيأتي في الآخرة. ولكن { وإياي ~~فاتقون } [البقرة: ms0189 41] يعني اتقوا صفات الجلال من الله تعالى. وصفات ~~الجلال هي التي تتعلق ببطش الله وعذابه.. ومن هذه الصفات الجبار والقهار ~~والمتكبر والقادر والمنتقم والمذل، وغيرها من صفات الجلال. الله سبحانه ~~وتعالى يقول: " اتقوا الله " ويقول: " اتقوا النار " كيف؟ نقول إن الله ~~سبحانه وتعالى يريدنا أن نجعل بيننا وبين النار - وهي أحد جنود العذاب ~~لله سبحانه وتعالى - وقاية. ويريدنا أن نجعل بيننا وبين عذاب النار ~~وقاية. ويريدنا أيضا... أن نجعل بيننا وبين صفات الجلال في الله وقاية ~~فقوله تعالى: { وإياي فاتقون } [البقرة: 41] أي اجعلوا بينكم ~~وبين صفات الجلال في الله وقاية. حتى لا يصيبكم عذاب عظيم. وكيف نجعل ~~بيننا وبين صفات الجلال في الله وقاية؟ أن تكون أعمالنا في الدنيا وفقا ~~لمنهج الله سبحانه وتعالى، إذن فالتقوى مطلوبة في الدنيا. ### || [2.42] # بعد أن حذر الحق سبحانه وتعالى اليهود من أن يبيعوا دينهم بثمن قليل وهو ~~المال أو النفوذ الدنيوي. قال تعالى: { ولا تلبسوا الحق ~~بالباطل } [البقرة: 42] مادة تلبس مأخوذة من اللباس الذي نرتديه. ~~واللبس هو التغطية أو التعمية بأن نخفي الحق ولا نظهره. فاللباس تغليف ~~للجسم يستره فلا يبين تفصيلاته. والحق هو القضية الثابتة المقدرة التي لا ~~تتغير. فلنفرض أننا شهدنا شيئا يقع، ثم روى كل منا ما حدث. إذا كنا ~~صادقين لن يكون حديثنا إلا مطابقا للحقيقة. ولكن إذا كان هناك من ~~يحاول تغيير الحقيقة فيكون لكل منا رواية. وهكذا فالحق ثابت لا يتغير. في ~~التوراة آيات لم يحرفها اليهود، وآيات محرفة. كل الآيات التي تتعلق برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ووصفه وأنه النبي الخاتم.. حرفها اليهود. ~~والآيات التي لا تتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرفوها.. ~~فكأنهم خلطوا الحق بالباطل.. ما الذي جعلهم يدخلون الباطل ويحاولون إخفاء ~~الحقائق؟ المصلحة الأولى: ليشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، والباطل هو ~~ما لا واقع له. ولذلك فإن أبواب الباطل متعددة. وباب الحق واحد. فالله ~~سبحانه وتعالى يريد أن يبلغنا أن اليهود قد وضعوا في التوراة باطلا لم ~~يأمر به الله. ms0190 وكتموا الحقيقة عن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن هل ~~فعلوا ذلك عن طريق الخطأ أو السهو أو النسيان؟ لا بل فعلوه وهم يعلمون. ~~نأتي مثلا إلى قول الحق تبارك وتعالى لليهود: # وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم ~~خطاياكم وسنزيد المحسنين # [البقرة: 58]. وحطة أي حط عنا يا رب ذنوبنا. يأتي اليهود ويغيرون قول ~~الله. فبدلا من أن يقولوا حطة، يقولوا حنطة. من يسمع هذا اللفظ قد لا ~~يتنبه ويعتقد أنهم قالوا ما أمرهم الله به. مع أن الواقع أنهم حرفوه. ~~ولذلك عندما كانوا يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: ~~راعنا ليا بألسنتهم. وكان المفروض أن يقولوا راعينا، ولكنهم قالوا راعنا ~~من الرعونة.. والله تعالى نبه المؤمنين برسوله صلى الله عليه وسلم ألا ~~يقولوا مثلهم. فقال جل جلاله: { وتكتموا الحق وأنتم ~~تعلمون } [البقرة: 42]. أي اتركوا هذه الكلمة نهائيا، هذا لبس الحق ~~بالباطل. إذن فاليهود ألبسوا الحق بالباطل. والإنسان لا يلبس الحق ~~بالباطل.. إلا إذا كان لا يستطيع مواجهة الحق، لأن عدم القدرة على مواجهة ~~الحق ضعف نفر منه إلى الباطل، لأن الحق يتعب صاحبه، والإنسان لا ~~يستطيع أن يحمل نفسه على الحق. وقوله تعالى: { وتكتموا الحق ~~وأنتم تعلمون } [البقرة: 42] أي أنهم يفعلون ذلك عن عمد وليس ~~عن جهل. فقد يكتم الإنسان حقا وهو لا يعلم أنه الحق. ولكن إذا كنت تعلمه ~~فتلك هي النكبة لأنك تخفيه عامدا متعمدا، أو وأنتم تعلمون. قد يكون ~~معناها أن اليهود - وهم أهل كتاب - يعلمون ما سيصيبهم في الآخرة من ~~العذاب الأليم بسبب إخفائهم الحق. فهم لا يجهلون ماذا سيحدث في الآخرة، ~~ولكنهم يقدمون على عملهم مع علمهم أنه خطأ فيكون العذاب حقا. ### || [2.43] # إقامة الصلاة معروفة. وهي تبدأ بالتكبير وتختم بالتسليم. بشرائطها من ~~عناصر القيام والركوع والسجود. ولكن الحق يقول { وآتوا الزكاة ~~واركعوا مع الراكعين } [البقرة: 43] إما أنه يريد منهم أن ~~ينضموا إلى موكب الإيمان الجامع لأن صلاتهم لم يكن فيها ركوع. إذن فهو ~~يريدهم أن يؤمنوا بمحمد صلى ms0191 الله عليه وسلم. ولا يظنوا أن إيمانهم بموسى ~~عليه السلام يعفيهم من أن يكونوا خاضعين لما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم. ويقولون ديننا كافينا. إنما جاء الإسلام لمن لا دين له وهم ~~الكفار والمشركون.. فيقول لهم: { واركعوا مع الراكعين } ~~[البقرة: 43]. إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتهم إلى أن صلاتهم لن ~~تقبل منهم إلا أن يكون فيها ركوع، وصلاة اليهود ليس فيها ركوع.. وإن كان ~~فيها سجود، وفي كلتا الحالتين فإن الحق سبحانه وتعالى يلفتهم إلى ضرورة ~~الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم. الحق سبحانه وتعالى حينما قال: # ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا # [البقرة: 41] يريد أن يلفتهم إلى أن العكس هو المطلوب وأنهم كان يجب أن ~~يشتروا الإيمان ويختاروا الصفقة الرابحة. ولن يحدث ذلك إلا إذا آمنوا ~~بالرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.. فهذا هو الطريق الوحيد لرضا ~~الله سبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى يريد أن يهدم تكبرهم على الدين ~~الجديد فأمرهم بالصلاة كما يصلي المسلمون، وبالزكاة كما يزكي المسلمون. ~~فلا يعتقدون أن إيمانهم بموسى والتوراة سيقبل منهم بعد أن جاء الرسول ~~الجديد الذي أمروا أن يؤمنوا به، بل إن إيمانهم بموسى والتوراة - لو ~~كانوا مؤمنين بهما حقا - يستوجب هذا الإيمان عليهم أن يؤمنوا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم لأن التوراة تأمرهم بذلك. فكأن عدم إيمانهم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم كفر بالتوراة ونقض لتعاليمها. والصلاة كما قلنا.. استحضار ~~العبد وقفته بين يدي ربه، وحينما يقف العبد بين يدي الله.. لابد أن يزول ~~كل ما في نفسه من كبرياء، ويدخل بدلا منه الخشوع والخضوع والذلة لله، ~~والمتكبر غافل عن رؤية ربه الذي يقف أمامه. إنما عدم إيمانهم بهذا النبي، ~~والوقوف بين يدي الله للصلاة كما يجب أن تؤدى، وكما فرضها الله تعالى ~~من فوق سبع سماوات. إنما هو رفض للخضوع لأوامر الله. وبعد ذلك تأتي ~~الزكاة. لأن العبد المؤمن لابد أن يوجه حركة حياته إلى عمل نافع يتسع له ~~ولمن لا يقدر على الحركة في الحياة. ms0192 والله سبحانه وتعالى حينما يطالبنا ~~بالسعي في الأرض لا يطالبنا أن يكون ذلك على قدر احتياجاتنا فقط، بل ~~يطالبنا أن يكون تحركنا أكثر من حاجة حياتنا حتى يتسع هذا التحرك ليشمل ~~حياة غير القادر على حركة الحياة. فيتسع المجتمع للجميع، ويزول منه الحقد ~~والحسد، وتصفى النفوس. ### || [2.44] # بعد أن لفت الله أنظار اليهود إلى أن عدم إيمانهم بالإسلام هو كفر ~~بالتوراة.. لأن تعاليم التوراة تآمرهم أن يؤمنوا بالرسول الجديد، وقد ~~أعطوا أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزمنه في التوراة، وأمروا أن ~~يؤمنوا به. قال تبارك وتعالى: { أتأمرون الناس بالبر ~~وتنسون أنفسكم } [البقرة: 44] لقد كان اليهود يبشرون بمجيء ~~رسول جديد، ويعلنون أنهم سيؤمنون به. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يكن من قومهم كفروا به لأنهم كانوا يريدون أن تكون السطوة لهم ~~بأن يأتي الرسول الجديد منهم. فلما جاء من العرب.. عرفوا أن سطوتهم ~~ستزول، وأن سيادتهم الاقتصادية ستنتهي، فكفروا بالرسول وبرسالته. ولابد ~~أن ننبه إلى أنه إذا كانت هذه الآيات قد نزلت في اليهود، فليس معناها ~~أنها تنطبق عليهم وحدهم، بل هي تنطبق على أهل الكتاب جميعا، وغير ~~المؤمنين. فالعبرة ليست بخصوص الموضوع، ولكن العبرة بعموم السبب. إن ~~الكلام منطبق هنا حتى على المسلمين الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ~~وهؤلاء هم خطباء الفتنة الذين رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تقرض ~~شفاهم بمقارض من نار. فسأل: من هؤلاء يا جبريل: فقال خطباء الفتنة. ~~إنهم الذين يزينون لكل ظالم ظلمه. ويجعلون دين الله في خدمة أهواء البشر. ~~وكان الأصل أن تخضع أهواء البشر لدين الله، وهؤلاء هم الذين يحاولون - ~~تحت شعار التجديد - أن يجعلوا للناس حجة في أن يتحللوا من منهج الله. فهم ~~يبررون ما يقع. ولا يتدبرون حساب الآخرة. إن علماء الدين الذين يحملون ~~منهج الله ليس من عملهم تبرير ما يقع من غيرهم، ومنهج الله لا يمكن أن ~~يخضع أبدا لأهواء البشر، وعلى الذين يفعلون ذلك أن يتوبوا ويرجعوا إلى ~~الله، ويحاولوا ms0193 استدراك ما وقع منهم لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي ~~في الباطل. وقوله الحق سبحانه وتعالى: { أتأمرون الناس ~~بالبر وتنسون أنفسكم } [البقرة: 44] يعطينا منهجا آخر ~~من مناهج الدعاة. لأن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحمل منهج ~~الله.. يريد أن يخرج من لا يؤمن من حركة الباطل التي ألفها. وإخراج غير ~~المؤمن من حركة الباطل أمر شاق على نفسه لأنه خروج عن الذي اعتاده، وبعد ~~عما ألفه، واعتراف أنه كان على باطل لذلك فهو يكون مفتوح العينين على ~~من بين له طريق الإيمان ليرى هل يطبق ذلك على نفسه أم لا؟ أيطبق ~~الناهي عن المنكر ما يقوله؟ فإذا طبقه عرف أنه صادق في الدعوة، وإذا لم ~~يطبقه كان ذلك عذرا ليعود إلى الباطل الذي كان يسيطر على حركة حياته. إن ~~الدين كلمة تقال، وسلوك يفعل. # فإذا انفصلت الكلمة عن السلوك ضاعت الدعوة. فالله سبحانه وتعالى يقول: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2-3]. لماذا..؟ لأن من يراك تفعل ما تنهاه عنه يعرف أنك مخادع ~~وغشاش. وما لم ترتضه أنت كسلوك لنفسك. لا يمكن أن تبشر به غيرك. لذلك ~~نقرأ في القرآن الكريم: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا # [الأحزاب: 21]. فمنهج الدين وحده لا يكفي إلا بالتطبيق. ولذلك كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر أصحابه بأمر إلا كان أسبقهم إليه، فكان ~~المسلمون يأخذون عنه القدوة قولا وعملا، وكان عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه حين يريد أن يقنن أمرا في الإسلام يأتي بأهله وأقاربه ويقول لهم: ~~لقد بدا لي أن آمر بكذا وكذا، والذي نفسي بيده من خالف منكم لأجعلنه ~~نكالا للمسلمين. وكان عمر بن الخطاب بهذا يقفل أبواب الفتنة، لأنه يعلم ~~من أين تأتي. وفي الدعوة الإسلامية.. لابد أن يكون العلماء قدوة لينصلح ~~أمر الناس. ففي كل علوم الدنيا القدوة ليست مطلوبة إلا ms0194 في الدين. فأنت ~~إذا ذكر لك عالم كيمياء بارع، وقيل لك إنه يتناول الخمر، أو يفعل كذا. ~~تقول مالي وسلوكه. أنا آخذ عنه علم الكيمياء لأنه بارع في ذلك، ولكن لا ~~شأن لي بسلوكه. وكذلك كل علماء الأرض ما عدا عالم الدين. فإذا كان هناك ~~عالم يبصرك بالطريق المستقيم، وتتلقى عنه علوم دينك ثم بعد ذلك تعرف أنه ~~يشرب الخمر أو يسرق. أتستمع له؟ أبدا. إنه يهبط من نظرك في الحال، ولا ~~تحب أن تسمعه، ولا تجلس في مجلسه. مهما كان علمه. ستقول له كفاك: دجلا. ~~وهكذا فإن عالم الدين لابد أن يكون قدوة. فلا ينهى عن منكر ويفعله، أو ~~يأمر بمعروف وهو لا ينفذه. فالناس كلهم مفتحة أعينهم لما يصنع، والإسلام ~~قبل أن ينتشر بالمنهج العلمي انتشر بالمنهج السلوكي، وأكبر عدد من ~~المسلمين اعتنق هذا الدين من أسوة سلوكية قادته إليه. فالذين نشروا ~~الإسلام في الصين كان أغلبهم من التجار الذين تخلقوا بأخلاق الإسلام، ~~فجذبوا حولهم الكثيرين فاعتنقوا الإسلام. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صالحا ~~وقال إنني من المسلمين # [فصلت: 33]. فالشرط الأول هو الدعوة إلى الله، والشرط الثاني العمل ~~الصالح. وقوله # إنني من المسلمين # [فصلت: 33] لم ينسب الفضل لنفسه أو لذاته. ولكنه نسب الفضل إلى الإسلام. ~~ولكن قولوا لي: أي فائدة أن نقول إننا مسلمون ونعمل بعمل غير المسلمين؟ ~~إذن فقوله تعالى: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون ~~أنفسكم } [البقرة: 44] يذكر الله بأن اليهود يقولون ما لا يفعلون. ~~ولو كانوا يؤمنون حقا بالتوراة لآمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبالإسلام. لأن ذلك أمر في التوراة، ولكنهم نسوا أنفسهم. فهم أول مخالف ~~للتوراة لأنهم لم يتبعوها.. وهم يتلون كتابهم الذي يأمرهم بالإيمان ~~الجديد. ومع أنهم متأكدون من صدق رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~إلا أنهم لا يؤمنون. ولو كان عندهم ذرة من العقل لآمنوا بما يطلبه منهم ~~كتابهم الذي يتلونه. ولكنهم لا يفكرون بعقولهم، وإنما يريدون علوا في ~~الأرض. والآية - كما ms0195 قلنا - لا تنطبق على اليهود وحدهم بل على كل من ~~يسلك هذا السلوك. ### || [2.45] # بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى أن الإيمان قدوة، وبعد أن لفتنا إلى أن ~~التوراة تطالب اليهود بأن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام. يطلب الله ~~سبحانه وتعالى الاستعانة بالصبر والصلاة، ومعنى الاستعانة بالصبر أن هناك ~~أحداثا شاقة ستقع. وأن المسألة لن تكون سهلة، بل تحتاج إلى جهد. فالصبر ~~معناه حمل النفس على أمر صعب، وهم ماداموا قد تعودوا على شراء آيات الله ~~بثمن قليل.. لأنهم قلبوا الصفقة، فجعلوا آيات الله ثمنا لمتع الدنيا. ~~واشتروا بها متعهم وملذاتهم. وبعد أن تعودوا على الربا وغيره من وسائل ~~الكسب الحرام لابد أن يستعينوا بالصبر إذا أرادوا العودة إلى طريق ~~الإيمان. وكما قلنا، فإن المسألة ليست بخصوصية الموضوع ولكن بعموم السبب. ~~فإنها موجهة للجميع. فكل مؤمن يدخل منهج الإيمان محتاج إلى الاستعانة ~~بالصبر ليحمل نفسه على مشقة المنهج وتكاليفه. وليمنع نفسه عن الشهوات ~~التي حرمها الله سبحانه وتعالى. والصبر في الآية الكريمة فسره بعض ~~العلماء بأنه الصيام، فكأن الله تعالى يأمرهم أن يجوعوا ويصبروا على ألم ~~الجوع. ومشقة الإيمان والصلاة كما قلنا خشوع وخضوع وذلة لله.. تنهي ~~استكبارهم بأن يؤمنوا بدين لم ينزل على أحد من أحبار اليهود. والحق ~~سبحانه وتعالى يقول: { وإنها لكبيرة إلا على ~~الخاشعين } [البقرة: 45]. ويطلب الحق في قوله: { واستعينوا ~~بالصبر والصلاة } [البقرة: 45] الاستعانة بشيئين هما الصبر ~~والصلاة. وكان سياق الآية يقتضي أن يقال: " وأنهما " لكن القرآن قال: { ~~وإنها لكبيرة } [البقرة: 45] فهل المقصود واحدة منهما. الصلاة ~~فقط. أم الصبر؟ نقول إنه عندما يأتي أمران منضمان إلى بعضهما لا تستقيم ~~الأمور إلا بهما معا.. يكونان علاجا واحدا.. واقرأ قوله تعالى: # يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين # [التوبة: 62]. فقال يرضوه ولم يقل يرضوهما. نفس التفسير السابق نفهمه: ~~ليس لله حق ولرسوله حق. ولكن الله ورسوله يلتقيان على حق واحد. وكذلك ~~قوله تعالى: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قآئما.. # [الجمعة: 11]. وكان ms0196 المفروض أن يقال إليهما. ولكن التجارة واللهو لهما ~~عمل واحد هو شغل المؤمنين عن العبادة والذكر: { واستعينوا ~~بالصبر والصلاة } [البقرة: 45] لأن العلاج في الصبر مع الصلاة. ~~والصبر كبير أن تتحمله النفس، وكذلك الصلاة لأنهما يأخذان من حركة حياة ~~الإنسان. والصبر هنا مطلوب ليصبروا على ما يمتنعون عنه من نعيم الدنيا ~~وزخرفها. والصلاة تحارب الاستكبار في النفس، فكأن الوصفة الإيمانية لا ~~تتجزأ. فلا يتم الصبر بلا صلاة، ولا تتقن الصلاة إلا بالصبر. وقوله ~~تعالى: { إلا على الخاشعين } [البقرة: 45].. ما معنى الخشوع؟ ~~الخشوع هو الخضوع لمن ترى أنه فوقك بلا منازع. # فالناس يتفاوتون في القيم والمواهب، وكل واحد يحاول أن يفاخر بعلوه ~~ومواهبه، ويقول: أنا خير من فلان، أو أنت خير من فلان. إذن فمن الممكن أن ~~يستكبر الإنسان بما عنده. ولكن الإنسان يخضع لمن كانت له حاجة عنده ~~لأنه لو تكبر عليه أتعبه في دنياه. ولذلك أعطى الله سبحانه وتعالى للناس ~~المواهب على الشيوع والخشوع على الشيوع. فكل إنسان منا محتاج للآخر. هذا ~~خشوع على الشيوع. وكل إنسان منا مميز بما لا يقدر عليه غيره. هذه مواهب ~~على الشيوع. هذا في البشر، أما بالنسبة لله سبحانه فإنه خشوع لمن خلق ~~ووهب وأوجد. والخشوع يجعل الإنسان يستحضر عظمة الحق سبحانه ويعرف ضآلة ~~قيمته أمام الحق سبحانه وتعالى ومدى عجزه أمام خالق هذا الكون. ويعلم أن ~~كل ما عنده يمكن أن يذهب به الله تعالى في لحظة.. ذلك أننا نعيش في عالم ~~الأغيار. ولذلك فلنخضع للذي لا يتغير. لأن كل ما يحصل عليه الإنسان هو من ~~الله وليس من ذاته، والذين يغترون بوجود الأسباب نقول لهم: اعبدوا ~~واخشعوا لواهب الأسباب وخالقها، لأن الأسباب لا تعمل بذاتها. والله ~~سبحانه وتعالى يجعل الأيام دولا.. أي متداولة بين الناس. إنسان يفاخر ~~بقوته، يأتي من هو أقوى منه فيهزمه. إنسان يفاخر بماله، يضيع هذا المال ~~في لحظة.. واقرأ قوله تعالى: # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ~~وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله ~~الذين آمنوا ms0197 ويتخذ منكم شهدآء والله لا يحب ~~الظالمين # [آل عمران: 140]. ولذلك لابد أن نفهم أن الإنسان الذي يستعلي بالأسباب ~~سيأتي وقت لا تعطيه الأسباب. فالإنسان إذا بلغ في عينه وأعين الناس مرتبة ~~الكمال اغتر بنفسه. نقول له: لا تغتر بكمالات نفسك. فإن كانت موجودة ~~الآن، فستتغير غدا. فالخشوع لا يكون إلا لله. والحق سبحانه وتعالى يقول: ~~{ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } [البقرة: 45] ~~من هم الخاشعون؟ الخاشع هو الطائع لله. الممتنع عن المحرمات. الصابر ~~على الأقدار الذي يعلم يقينا داخل نفسه أن الأمر لله وحده، وليس لأي قوة ~~أخرى.. فيخشع لمن خلقه وخلق هذا الكون كله. ### || [2.46] # بعد أن أوضح لنا الحق سبحانه وتعالى أن الصبر والصلاة كبيرة إلا على كل ~~من خشع قلبه لله. فهو يقبل عليها بحب وإيمان ورغبة. أراد أن يعرفنا ~~من هم الخاشعون. فقال جل جلاله: { الذين يظنون أنهم ~~ملقوا ربهم } [البقرة: 46]. ما هو الظن؟ سبق أن تحدثنا عن ~~النسب. وقلنا هناك نسبة أنا جازم بها والواقع يصدقها. عندما أقول مثلا: ~~محمد مجتهد. فإذا كان هناك شخص اسمه محمد ومجتهد. أكون قد جزمت بواقع. ~~فهذه نسبة مجزوم بها بشرط أن أستطيع أن أدلل على صدق ما أقول. فإذا كنت ~~جازما بالنسبة على صدق ما أقول.. فهذا تقليد. مثلما يقول ابنك البالغ من ~~العمر ست سنوات مثلا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ولكن عقله ~~الصغير لا يستطيع أن يدلل على ذلك، وإنما هو يقلد أباه أو مدرسيه. فإذا ~~كنت جازما بالشيء وهو ليس له وجود في الواقع، فهذا هو الجهل. والجاهل شر ~~من الأمي. لأن الجاهل مؤمن بقضية لا واقع لها. ويدافع عنها. أما الأمي.. ~~فهو لا يعلم، ومتى علم فإنه يؤمن. ولذلك لابد بالنسبة للجاهل أن تخرج ~~الباطل من قلبه أولا ليدخل الحق. وإذا كانت القضية غير مجزوم بها ~~ومتساوية في النفي والوجود، فإن ذلك يكون شكا. فإذا رجحت إحدى الكفتين ~~على الأخرى يكون ذلك ظنا. والحق سبحانه وتعالى يقول: { الذين ~~يظنون } [البقرة: 46] ولم يقل: الذين ms0198 تيقنوا أنهم ملاقوا ربهم.. ~~لماذا لم يستخدم الحق تعالى لفظ اليقين وأبدله بالظن؟ لأن مجرد الظن أنك ~~ملاق الله سبحانه وتعالى.. كاف أن يجعلك تلتزم بالمنهج. فما بالك إذا ~~كنت متيقنا. فمجرد الظن يكفي. وإذا أردنا أن نضرب لذلك مثلا - ولله ~~المثل الأعلى - نقول: هب أنك سائر في طريق. وجاء شخص يخبرك بأن هذا ~~الطريق فيه لصوص وقطاع طرق. فمجرد هذا الكلام يجعلك لا تمشي في هذا ~~الطريق إلا إذا كنت مسلحا ومعك شخص أو اثنان. فأنت تفعل ذلك للاحتياط. ~~إذن فمجرد الظن دفعنا للاحتياط.. إذن فقوله تعالى: { يظنون أنهم ~~ملقوا ربهم } [البقرة: 46] فمجرد أن القضية راجحة، هذا يكفي ~~لاتباع منهج الله. فتقي نفسك من عذاب عظيم. ويقول المعري في آخر حياته: # زعم المنجم والطبيب كلاهما # لا تحشر الأجساد قلت إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر # أو صح قولي فالخسار عليكما # فكل مكذب بالآخرة خاسر. والنفس البشرية لابد أن تحتاط للقاء الله. وأن ~~تعترف أن هناك حشرا وتعمل لذلك. والحق سبحانه وتعالى يقول: { الذين ~~يظنون أنهم ملقوا ربهم وأنهم إليه ~~راجعون } [البقرة: 46] والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى أمر يقيني. # فما دمت قد جئت إلى الدنيا مخلوقا من الله.. فأنت لا محالة سترجع إليه. ~~وهذا اليوم.. يجب أن نحتاط له حيطة كبرى، وأن نترقبه لأنه يوم عظيم.. ~~والحق سبحانه يقول: # يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ ~~أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد # [الحج: 1-2]. ويقول جل جلاله: # فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان ~~شيبا # [المزمل: 17]. إذا كان هذا حالنا يوم القيامة، فكيف لا يكفي مجرد الظن ~~لأن نتمسك بمنهج الله. ونحن نحتاط لأحداث دنيوية لا تساوي شيئا بالنسبة ~~لأهوال يوم القيامة. إن الظن هنا بأننا سنلاقي الله تعالى يكفي لأن نعمل ~~له ألف حساب. ### || [2.47] # يدعي بعض الناس أن هناك تكرارا للآيات السبع التي سبق فيها تذكير بني ~~إسرائيل. نقول: لا. ms0199 لم تتكرر هذه الآيات.. وهي قوله تعالى: # يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي ~~فارهبون * وآمنوا بمآ أنزلت مصدقا لما معكم ~~ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ~~ثمنا قليلا وإياي فاتقون * ولا تلبسوا الحق ~~بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون * ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع ~~الراكعين * أتأمرون الناس بالبر وتنسون ~~أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون * ~~واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا ~~على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملقوا ~~ربهم وأنهم إليه راجعون # [البقرة: 40-46]. هذه الآيات السبع كلها تذكر بني إسرائيل برسالة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والذي جاء وصف صفاته وزمنه في التوراة ~~ولتذكيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نعمة إليهم وإلى الناس ~~جميعا. وإذا كان الله قد فضل بني إسرائيل بأن أرسل إليهم رسلا. فليس ~~معنى ذلك أن ينكروا نعمة الله عليهم بالرسول الخاتم. وبما أن أوصاف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرت في التوراة وطلب منهم أن يؤمنوا به ~~وينصروه فإن عدم إيمانهم به هو كفر بالتوراة. كما أن الإنجيل بشر ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وطلب منهم أن يؤمنوا به. فعدم إيمانهم به كفر ~~بالإنجيل. وقوله تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم } [البقرة: 47] أي اذكروا أنني جعلت في كتابكم ما يثبت صدق ~~محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته. والمعنى اذكروا نعمتي بأني فضلتكم على ~~العالمين ممن عاصروكم وقت نزول رسالة موسى. وجعلت منكم الأنبياء. وما ~~دام الحق سبحانه وتعالى قد فضلهم على العالمين.. فكيف يمن عليهم؟ ~~نقول المن هنا لشدة النكاية بهم. فالله سبحانه وتعالى لشدة معصيتهم ~~وكفرهم جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. واقرأ قوله تعالى: # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ~~فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين # [البقرة: 65]. وقوله تعالى: # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ~~من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا ~~وأضل عن سوآء السبيل # [المائدة: 60]. فالله سبحانه ms0200 وتعالى يبين لنا كيف كفر بنو إسرائيل ~~بأنبيائهم وقتلوهم رغم أن الله تعالى أعطاهم خيرا كثيرا.. لكنهم نكثوا ~~العهد.. فاستحقوا العذاب. فهم لم يجعلوا نعمة الله عليهم سببا في ~~إخلاصهم والإيمان به سبحانه وتصديق منهجه، وتصديق الرسول الخاتم الذي ~~ذكر عندهم في التوراة. كان يجب أن يؤمنوا بالله وأن يذكروا نعمه الكثيرة ~~التي تفضل بها عليهم. والحق يريد أن يلفتنا إلى أنه ما دام قد أنعم ~~عليهم. # . فلا يظنون أنهم غير مطالبين بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام. إنما ~~كان لابد أن يفهموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليصحح لهم ~~كتابهم، ويوضح لهم الطريق الصحيح.. فكان يجب عليهم أن ينصروه. والنعمة لا ~~يمكن أن تستمر مع الكفر بها، وحتى لا نظن أن الله سبحانه وتعالى قد قسا ~~عليهم بأن جعلهم أمما متفرقة في الأرض كلها. ثم بعد ذلك يجمعون في وطن ~~واحد ليقتلوا.. واقرأ قوله تعالى: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض.. # [الإسراء: 104]. أي أرض تلك التي طلب الله سبحانه وتعالى من بني إسرائيل ~~أن يسكنوها؟ ما دام الحق سبحانه وتعالى قال: { اسكنوا الأرض } ~~[البقرة: 47] فهل الأرض كل الأرض. وهل تكون الأرض كلها وطنا لليهود؟ ~~طبعا لا. ولكن الحق سبحانه كتب عليهم أن يتفرقوا في الأرض. فلا تكون لهم ~~دولة إلا عندما يشاء الله أن يجمعهم في مكان واحد، ثم يسلط عليهم عباده ~~المؤمنين. والحق سبحانه وتعالى يقول: # وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن ~~في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا ~~جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي ~~بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا ~~مفعولا * ثم رددنا لكم الكرة عليهم ~~وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر ~~نفيرا # [الإسراء: 4-6]. هذه هي المرة الأولى التي انتصر فيها المسلمون على ~~اليهود. يقول الحق سبحانه وتعالى: # ثم رددنا لكم الكرة عليهم # [الإسراء: 6] وما دام الحق سبحانه وتعالى قال عليهم فهي على المسلمين. ~~لأنهم هم الذين انتصروا على اليهود. وقوله تعالى: # وأمددناكم بأموال وبنين # [الإسراء: 6] معناها أنهم ينتصرون على ms0201 المسلمين وهذا ما هو حادث الآن، ~~وما شاهدناه وما نشاهده في الفترة الأخيرة. أي أن المدد والقوة تأتيهم من ~~الخارج وليس من ذاتهم. ونحن نرى أن إسرائيل قائمة على جلب المهاجرين ~~اليهود من الدول الأخرى، وجلب الأموال والمساعدات من الدول الأخرى أيضا. ~~أي أن كل هذا يأتيهم بمدد من الخارج، وإسرائيل لا تستطيع أن تعيش إلا ~~بالمهاجرين إليها، وبالمعونات التي تأتيها. فالمدد لابد أن يأتي من ~~الخارج. إذا كانت هناك معركة وطلب قائد المدد، فمعناه أنه يريد رحالا ~~يأتونه من خارج أرض المعركة ليصبحوا مددا وقوة لهذا الجيش. وقوله تعالى: # وجعلناكم أكثر نفيرا # [الإسراء: 6] النفير هو الصوت العالي الذي يجذب الانتباه. ونحن نرى الآن ~~أن إسرائيل تسيطر على وسائل الإعلام والدعاية في العالم، وأن صوتها عال ~~ومسموع.. ويقول الحق سبحانه وتعالى: # فإذا جآء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة # [الإسراء: 7].. ومعنى هذا أن المسجد الأقصى سيضيع من المسلمين ويصبح تحت ~~حكم اليهود فيأتي المسلمون ويحاربونهم ويدخلون المسجد كما دخلوه أول مرة ~~في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. # ويقول الله تعالى: # فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا # [الإسراء: 7] واللفيف هو الجمع غير المتجانس الذي يتنافر مع نفسه ومع ~~من حوله. وبما أن الله سبحانه وتعالى قد قضى أن يحدث قتال بين اليهود ~~وبين المسلمين.. يستعيد فيه المسلمون المسجد الأقصى. فكان لابد أن يجمعهم ~~في مكان واحد. لأنهم لو بقوا كجاليات متفرقة في كل دول العالم ومعزولة عن ~~المجتمعات التي يعيشون فيها لاقتضى ذلك أن يحارب المسلمون العالم كله. ~~ولكن الله سبحانه وتعالى سيأتي بهم من كل دولة إلى المكان الذي فيه بيت ~~المقدس حتى يمكن أن يحاربهم المسلمون، وأن يدخلوا المسجد كما دخلوه أول ~~مرة. فالحق سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم. وبمعاصيهم ~~وكفرهم حتى لا يقول أحد إن الله سبحانه كان قاسيا عليهم لأنهم هم الذين ~~كفروا، وهم الذين عصوا وأفسدوا في الأرض. فاستحقوا هذا العقاب من الله ~~سبحانه وتعالى. ### || [2.48] # قوله ms0202 تعالى: { واتقوا يوما } يذكرهم بهذا اليوم. وهو يوم ~~القيامة الذي لا ينفع الإنسان فيه إلا عمله، ويطلب الحق سبحانه وتعالى ~~منهم أن يجعلوا بينهم وبين صفات الجلال لله تعالى في ذلك اليوم وقاية. إن ~~هناك آية أخرى تقول: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ~~ينصرون # [البقرة: 123]. وهذه الآية وردت مرتين. وصدر الآيتين متفق. ولكن الآية ~~الأولى تقول: { ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها ~~عدل ولا هم ينصرون } والآية الثانية: # ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ~~ينصرون # [البقرة: 123] هل هذا تكرار؟ نقول لا. والمسألة تحتاج إلى فهم. فالآيتان ~~متفقتان في مطلعهما: في قوله تعالى: { واتقوا يوما لا تجزي ~~نفس عن نفس شيئا }. ففي الآية الأولى قدم الشفاعة وقال: لا ~~يقبل. والثانية أخر الشفاعة وقال لا تنفع. الشفاعة في الآية الأولى ~~مقدمة، والعدل متأخر، وفي الآية الثانية العدل مقدم والشفاعة مؤخرة.. وفي ~~الآية الأولى لا يقبل منها شفاعة، وفي الآية الثانية.. لا تنفعها شفاعة. ~~والمقصود بقوله تعالى: { واتقوا يوما } هو يوم القيامة الذي قال ~~عنه سبحانه وتعالى: # يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله # [الانفطار: 19]. وقوله تعالى: { لا تجزي نفس عن نفس ~~شيئا } كم نفسا هنا؟ إنهما اثنتان. نفس عن نفس. هناك نفس أولى ونفس ~~ثانية. فما هي النفس الأولى؟ النفس الأولى هي الجازية. والنفس الثانية.. ~~هي المجزي عنها.. ومادام هناك نفسان فقوله تعالى: { ولا يقبل ~~منها شفاعة } هل من النفس الأولى أم الثانية؟ إذا نظرت إلى المعنى ~~فالمعنى: أنه سيأتي إنسان صالح في يوم القيامة ويقول يا رب أنا سأجزي عن ~~فلان أو أغني عن فلان أو أقضي حق فلان. النفس الأولى أي النفس الجازية ~~تحاول أن تتحمل عن النفس المجزي عنها. ولكي نقرب المعنى - ولله المثل ~~الأعلى - نفترض أن حاكما غضب على أحد من الناس وقرر أن ينتقم منه أبشع ~~انتقام. يأتي صديق لهذا الحاكم ويحاول أن يجزي عن المغضوب عليه. فبما ~~لهذا ms0203 الرجل من منزلة عند الحاكم يحاول أن يشفع للطرف الثالث. وفي هذه ~~الحالة إما أن يقبل شفاعته أو لا يقبلها. فإذا لم يقبل شفاعته فإنه سيقول ~~للحاكم أنا سأسدد ما عليه.. أي سيدفع عنه فدية، ولا يتم ذلك إلا إذا فسدت ~~الشفاعة. فإذا كانت المسألة وفي يوم القيامة ومع الله سبحانه وتعالى.. ~~يأتي إنسان صالح ليشفع عند الله تبارك وتعالى لإنسان أسرف على نفسه. ~~فلابد أن يكون هذا الإنسان المشفع من الصالحين حتى تقبل شفاعته عند الحق ~~جل جلاله. # واقرأ قوله سبحانه: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه.. # [البقرة: 255]. وقوله تعالى: # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون ~~إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون # [الأنبياء: 28]. والإنسان الصالح يحاول أن يشفع لمن أسرف على نفسه فلا ~~تقبل شفاعته ولا يؤخذ منه عدل ولا يسمح لها بأي مساومة أخرى. إذن لا ~~يتكلم عن العدل في الجزاء إلا إذا فشلت الشفاعة. هنا الضمير يعود إلى ~~النفس الجازية. أي التي تتقدم للشفاعة عند الله. فيقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { لا يقبل منها شفاعة } فلا يقبل منها أي مساومة ~~أخرى. ويقول سبحانه: { ولا يؤخذ منها عدل }. وهذا ترتيب ~~طبيعي للأحداث. وفي الآية الثانية يتحدث الله تبارك وتعالى عن النفس ~~المجزي عنها قبل أن تستشفع بغيرها وتطلب منه أن يشفع لها. لابد أن تكون ~~قد ضاقت حيلها وعزت عليها الأسباب. فيضطر أن يذهب لغيره. وفي هذا ~~اعتراف بعجزه. فيقول يا رب ماذا أفعل حتى أكفر عن ذنوبي فلا يقبل ~~منه. فيذهب إلى من تقبل منهم الشفاعة فلا تقبل شفاعتهم. وإذا أردنا أن ~~نضرب لذلك مثلا من القرآن الكريم فاقرأ قول الحق تبارك وتعالى: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون # [السجدة: 12]. هؤلاء هم الذين يطلبون العدل من الله. بأن يعيدهم إلى ~~الدنيا ليكفروا عن سيئاتهم. ويعملوا عملا صالحا ينجيهم من العذاب. ~~ذلك أن الحسنات يذهبن السيئات. فماذا كان رد الحق سبحانه وتعالى عليهم. ~~قال جل ms0204 جلاله: # فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ إنا ~~نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون # [السجدة: 14]. فهم عرضوا أن يكفروا عن سيئاتهم بأن طلبوا العودة ~~إلى الدنيا ليعملوا صالحا. فلم يقبل الله سبحانه وتعالى منهم هذا العرض. ~~اقرأ قوله تبارك وتعالى: # هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول ~~الذين نسوه من قبل قد جآءت رسل ربنا بالحق ~~فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل ~~غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون # [الأعراف: 53]. لقد طلب هؤلاء الشفاعة أولا ولم تقبل. فدخلوا في حد آخر ~~وهو العدل فلم يؤخذ مصداقا لقوله تعالى: { ولا يقبل منها ~~شفاعة ولا يؤخذ منها عدل }.. وهكذا نرى الاختلاف في ~~الآيتين. فليس هناك تكرار في القرآن الكريم. ولكن الآية التي نحن بصددها ~~تتعلق بالنفس الجازية، أو التي تريد أن تشفع لمن أسرف على نفسه: { ~~ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل } ~~[البقرة: 48]. والآية الثانية: # لا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة # [البقرة: 123]. أي أن الضمير هنا عائد على النفس المجزي عنها. فهي تقدم ~~العدل أولا: # فارجعنا نعمل صالحا # [السجدة: 12] فلا يقبل منها، فتبحث عن شفعاء فلا تجد ولا تنفعها شفاعة. # وهذه الآيات التي أوردناها من القرآن الكريم كلها تتعلق بيوم القيامة ~~على أن هناك مثلا آخر في قوله تعالى: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم.. # [الأنعام: 151]. والآية الثانية في قوله سبحانه: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم # [الإسراء: 31]. يقول بعض الناس إن { نرزقكم } في الآية الأولى و ~~{ نرزقهم } في الآية الثانية من جمال الأسلوب. نقول لا. قوله ~~تعالى: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق # [الأنعام: 151] أي من فقر موجود. وما دام الفقر موجودا فالإنسان لا ~~يريد أولادا ليزداد فقره. ولذلك قال له الحق سبحانه وتعالى: # نحن نرزقهم وإياكم # [الإسراء: 31]. أي أن مجيء الأولاد لن يزيدكم فقرا. لأن لكم رزقكم ولهم ~~رزقهم. وليس معنى أن لهم رزقهم أن ذلك سينقص من رزقكم. فللأب رزق وللولد ~~رزق. أما ms0205 في الآية الثانية: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق # [الإسراء: 31] فكأن الفقر غير موجود. ولكنه يخشى إن رزق بأولاد ~~يأتيه الفقر. يقول له الحق: # نحن نرزقهم وإياكم # [الإسراء: 31]. أي أن رزقهم سيأتيهم قبل رزقكم. فعندما تقرأ قول الله ~~سبحانه وتعالى: { واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس ~~شيئا } مكررة في الآيتين لا تظن أن هذا تكرار. لأن إحداهما ختامها: { ~~ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل }. ~~والثانية: { ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ~~}. فالضمير مختلف في الحالتين. مرة يرجع إلى النفس الجازية فقدم الشفاعة ~~وأخر العدل. ولكن في النفس المجزي عنها يتقدم العدل وبعد ذلك الشفاعة. ~~الحق سبحانه وتعالى يقول: # يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا ~~يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا.. # [لقمان: 33]. أي أن الإنسان لا يمكن أن يجزى عن إنسان مهما بلغت ~~قرابته.. لا يجزي الولد عن أمه أو أبيه. أو يجزي الوالد عن أولاده. واقرأ ~~قوله تبارك وتعالى: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37]. وقول الحق سبحانه وتعالى: { ولا يقبل منها ~~عدل }: { ولا يؤخذ منها عدل }. العدل هو المقابل. كأن ~~يقول المسرف على نفسه يا رب فعلت كذا وأسرفت على نفسي فأعدني إلى الدنيا ~~أعمل صالحا. وكلمة العدل مرة تأتي بكسر العين وهي مقابل الشيء من جنسه. ~~أي أن يعدل القماش قماش مثله ويعدل الذهب ذهب مثله. وعدل بفتح العين ~~مقابل الشيء ولكن من غير جنسه. والعدل معناه الحق والعدل لا يكون إلا بين ~~خصمين. ومعناه الإنصاف ومعناه الحق. والحق هو الشيء الثابت الذي لا ~~يتغير. وإنك لا تتحيز لجهة على حساب جهة أخرى. ولذلك كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عندما كان يجلس مع أصحابه يوزع نظره إلى كل الجالسين حتى ~~لا يقال إنه مهتم بواحد منهم عن الآخر. ولابد أن نعرف ما هي النفس. # كلمة النفس إذا وردت في القرآن الكريم. فافهم أن لها علاقة بالروح. ms0206 ~~حينما تتصل الروح بالمادة وتعطيها الحياة توجد النفس. المادة وحدها قبل ~~أن تتصل بها الروح تكون مقهورة ومنقادة مسبحة لله. فلا تقل الحياة ~~الروحية والحياة المادية، لأن الروح مسبحة والمادة مسبحة. ولكن ~~عندما تلتقي الروح بالمادة وتبدأ الحياة وتتحرك الشهوات يبدأ الخلل. ~~والموت يترتب عليه خروج الروح من الجسد. الروح تذهب إلى عالمها التسخيري، ~~والمادة تذهب إلى عالمها التسخيري. وذلك يجعلنا نفهم قول الحق سبحانه ~~وتعالى: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. لماذا تشهد؟ لأنها لم تعد مسخرة للإنسان تتبع أوامره في ~~الطاعة والمعصية. فحواسك مسخرة لك بأمر الله في الحياة الدنيا وهي مسبحة ~~وعابدة. فإذا أطاعتك في معصية فإنها تلعنك لأنك أجبرتها على المعصية ~~فتأتي يوم القيامة وتشهد عليك. والله سبحانه وتعالى يقول: # ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس: 7-8]. ولقد شاع عند الناس لفظ الحياة المادية والحياة الروحية. ~~لأن الحياة الروحية تختلف عن الروح التي في جسدك. وهي تنطبق على الملائكة ~~مصداقا لقوله تعالى: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. وقوله جل جلاله: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا.. # [الشورى: 52]. هذه هي الروح التي فيها النقاء والصفاء. وقوله تعالى: { ~~ولا هم ينصرون } [البقرة: 48]. أي أن الله سبحانه وتعالى إذا ~~اقضى عليهم العذاب لا يستطيع أحد نصرهم أو وقف عذابهم. لا يمكن أن يحدث ~~هذا لأن الأمر كله لله. ### || [2.49] # بعد أن حذر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل من يوم لا تنفع فيه الشفاعة. ~~أراد أن يذكرهم بفضله عليهم وبنعمه. قوله تعالى: { وإذ } هي ظرف لشيء ~~وسبق أن قلنا إن الظرف نوعان. لأن كل حدث من الأحداث يحتاج إلى زمان يقع ~~فيه وإلى مكان يقع فيه. وعندما أقول لك اجلس مكانك. هذا الظرف يراد به ~~المكان. وعندما يخاطب الله عز وجل عباده: أذكر إذ فعلت كذا. أي اذكر وقت ~~أن فعلت كذا ظرف زمان. وقول الحق تبارك وتعالى: { وإذ نجيناكم } ~~أي اذكروا الوقت الذي نجاكم فيه من فرعون. والآية التي نحن بصددها وردت ~~ثلاث مرات ms0207 في القرآن الكريم. قوله تعالى: { وإذ نجيناكم من ~~آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون ~~أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفي ذلكم بلاء من ~~ربكم عظيم } [البقرة: 49]. # وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم.. # [الأعراف: 141]. وقوله جل جلاله في سورة إبراهيم: # إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ~~ويذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم.. # [إبراهيم: 6]. الاختلاف بين الأولى والثانية هو قوله تعالى في الآية ~~الأولى: { يذبحون أبنآءكم }. وفي الثانية: { يقتلون ~~أبنآءكم }. " ونجينا " في الآية الأولى، " وأنجينا " في الآية ~~الثانية. ما الفرق بين نجينا وأنجينا؟ هذا هو الخلاف الذي يستحق أن تتوقف ~~عنده.. في سورة البقرة: { وإذ نجيناكم من آل فرعون }.. ~~الكلام هنا من الله.. أما في سورة إبراهيم فنجد # اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم # [إبراهيم: 6]. الكلام هنا كلام موسى عليه السلام. ما الفرق بين كلام ~~الله سبحانه وتعالى وكلام موسى؟. إن كلام موسى يحكي عن كلام الله. إن ~~الله سبحانه وتعالى حين يمتن على عباده يمتن عليهم بقمم النعمة، ولا ~~يمتن بالنعم الصغيرة. والله تبارك وتعالى حين امتن على بني إسرائيل قال: ~~{ وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } ~~[البقرة: 49]. ولم يتكلم عن العذاب الذي كان يلاقيه قوم موسى من آل ~~فرعون. إنهم كانوا يأخذونهم أجراء في الأرض ليحرثوا وفي الجبال لينحتوا ~~الحجر وفي المنازل ليخدموا. ومن ليس له عمل يفرضون عليه الجزية. ولذلك ~~كان اليهود يمكرون ويسيرون بملابس قديمة حتى يتهاون فرعون في أخذ الجزية ~~منهم. وهذا معنى قول الحق سبحانه وتعالى: # وضربت عليهم الذلة والمسكنة.. # [البقرة: 61]. أي أنهم يتمسكنون ويظهرون الذلة حتى لا يدفعوا الجزية. ~~ولكن الحق سبحانه وتعالى لم يمتن عليهم بأنه أنجاهم من كل هذا العذاب. بل ~~يمتن عليهم بقمة النعمة. وهي نجاة الأبناء من الذبح واستحياء النساء ~~لأنهم في هذه الحالة ستستذل نساؤهم ورجالهم. فالمرأة لا تجد رجلا يحميها ~~وتنحرف. # كلمة نجى وكلمة أنجى بينهما فرق كبير. كلمة نجى تكون وقت نزول ~~العذاب. وكلمة أنجى يمنع عنهم العذاب. ms0208 الأولى للتخليص من العذاب والثانية ~~يبعد عنهم عذاب فرعون نهائيا. ففضل الله عليهم كان على مرحلتين. مرحلة ~~أنه خلصهم من عذاب واقع عليهم. والمرحلة الثانية أنه أبعدهم عن آل فرعون ~~فمنع عنهم العذاب. قوله تعالى: { يسومونكم سوء العذاب } ~~[البقرة: 49] ما هو السوء؟ إنه المشتمل على ألوان شتى من العذاب كالجلد ~~والسخرة والعمل بالأشغال الشاقة. ما معنى يسوم؟ يقال سام فلان خصمه أي ~~أذله وأعنته وأرهقه. وسام مأخوذة من سام الماشية نتركها ترعى. لذلك سميت ~~بالسام أي المتروكة. وعندما يقال إن فرعون يسوم بني إسرائيل سوء العذاب. ~~معناها أن كل حياتهم ذل وعذاب.. فتجد أن الله سبحانه وتعالى عندما يتكلم ~~عن حكام مصر من الفراعنة يتكلم عن فراعنة قدماء كانوا في عهد عاد وعهد ~~ثمود. واقرأ قوله تعالى: # والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * واليل ~~إذا يسر * هل في ذلك قسم لذى حجر * ألم تر ~~كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم ~~يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا ~~الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * الذين ~~طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد # [الفجر: 1-12]. أي أن الله تبارك وتعالى جاء بحضارة الفراعنة وقدماء ~~المصريين بعد عاد وثمود. وهذا دليل على أن حضارة عاد وثمود قديمة. والله ~~سبحانه وتعالى وصف عادا بأنها التي لم يخلق مثلها في البلاد. أي أنها ~~حضارة أرقى من حضارة قدماء المصريين. قد يتساءل بعض الناس كيف يصف الله ~~سبحانه وتعالى عادا بأنها التي لم يخلق مثلها في البلاد مع أنه يوجد ~~الآن حضارات متقدمة كثيرة. نقول إن الله قد كشف لنا حضارة الفراعنة ~~وآثارهم. ولكنه أخفى عنا حضارة عاد. ولقد وجدنا في حضارة الفراعنة أشياء ~~لم نصل إليها حتى الآن. مثل براعتهم في تحنيط الموتى والمحافظة على ~~الجثث، وبناء الأهرامات وغير ذلك. وبما أن حضارة عاد كانت أرقى من حضارة ~~الفراعنة. فإنها تكون قد وصلت إلى أسرار ما زالت خافية على العالم حتى ~~الآن. ولكنا لا نعرف شيئا عنها، لأن الله لم يكشف لنا آثارها. ولقد تحدث ms0209 ~~الحق تبارك وتعالى عن الفراعنة باسم فرعون، وتكلم عنهم في أيام موسى باسم ~~آل فرعون. ولكن الزمن الذي كان بين عهدي يوسف وموسى لم يسم ملك مصر ~~فرعون، إنما سماه العزيز الذي هو رئيس الوزراء ورئيسه الملك. وقال الحق ~~تبارك وتعالى: # وقال الملك ائتوني به.. # [يوسف: 50]. إذن فالحاكم أيام يوسف كان يسمى ملكا ولم يسم فرعون. بينما ~~حكام مصر قبل يوسف وبعده كانوا يلقبون بفرعون. ذلك لأنه قبل عهد يوسف ~~عليه السلام حكم مصر الهكسوس أهل بني إسرائيل. # فقد أغاروا على مصر وانتصروا على الفراعنة، وحكموا مصر سنوات حتى تجمع ~~الفراعنة وطردوهم منها. والغريب أن هذه القصة لم تعرف إلا بعد اكتشاف حجر ~~رشيد، وفك رموز اللغة الهيروغليفية. وكان ملوك الهكسوس من الرعاة الذين ~~استعمروا مصر فترة، ولذلك نرى في قصة يوسف عليه السلام قول الله سبحانه ~~وتعالى: # وقال الملك ائتوني به # [يوسف: 50]. وهكذا نعلم أن القرآن الكريم قد روى بدقة قصة كل حاكم في ~~زمنه. وصف الفراعنة بأنهم الفراعنة، ثم جاء الهكسوس فلم يكن هناك فرعون ~~ولكن كان هناك ملك. وعندما جاء موسى كان الفراعنة قد عادوا لحكم مصر. ~~فإذا كان هذا الأمر لم نعرفه إلا في مطلع القرن الخامس. عندما اكتشف ~~الفرنسيون حجر رشيد، ولكن القرآن أرخ له التاريخ الصحيح منذ أربعة ~~عشر قرنا. وهذه معجزة تنضم لمعجزات كبيرة في القرآن الكريم عن شيء كان ~~مجهولا وقت نزول القرآن وأصبح معلوما الآن. لنجد أن القرآن جاء به في ~~وضعه الصحيح والسليم. بعد أن تحدثنا عن الفرق بين نجيناكم وأنجيناكم. ~~نتحدث عن الفرق بين { يذبحون أبنآءكم }. و { يقتلون ~~أبنآءكم }.. الذبح غير القتل.. الذبح لابد فيه من إراقة دماء، ~~والذبح عادة يتم بقطع الشرايين عند الرقبة، ولكن القتل قد يكون بالذبح أو ~~بغيره كالخنق والإغراق. كل هذا قتل ليس شرطا فيه أن تسفك الدماء. والحق ~~سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن فرعون حينما أراد أن ينتقم من ذرية ~~بني إسرائيل انتقم منهم انتقامين.. انتقاما لأنهم كانوا حلفاء للهكسوس ~~وساعدوهم ms0210 على احتلال مصر. ولذلك فإن ملك الهكسوس اتخذ يوسف وزيرا. فكأن ~~الهكسوس كانوا موالين لبني إسرائيل. وعندما انتصر الفراعنة انتقموا من ~~بني إسرائيل بكل وسائل الانتقام. قتلوهم وأحرقوا عليهم بيوتهم. أما مسألة ~~الذبح في قوله تعالى: { يذبحون أبنآءكم } فلقد رأى فرعون ~~نارا هبت من ناحية بيت المقدس فأحرقت كل المصريين ولم ينج منها غير بني ~~إسرائيل. فلما طلب فرعون تأويل الرؤيا. قال له الكهان يخرج من ذرية ~~إسرائيل ولد يكون على يده نهاية ملكك. فأمر القوابل الدايات بذبح كل ~~مولود ذكر من ذرية بني إسرائيل. ولكن قوم فرعون الذين تعودوا السلطة ~~قالوا لفرعون: إن بني إسرائيل يوشك أن ينقرضوا وهم يقومون بالخدمات لهم. ~~فجعل الذبح سنة والسنة الثانية يبقون على المواليد الذكور. وهارون ولد في ~~السنة التي لم يكن فيها ذبح فنجا. وموسى ولد في السنة التي فيها ذبح فحدث ~~ما حدث. إذن سبب الذبح هو خوف فرعون من ضياع ملكه. وفرض الذبح حتى يتأكد ~~قوم فرعون من موت المولود. ولو فعلوه بأي طريقة أخرى كأن ألقوه من فوق ~~جبل أو ضربوه بحجر غليظ أو طعنوه بسيف أو برمح قد ينجو من الموت. # ولكن الذبح يجعلهم يتأكدون من موته في الحال فلا ينجو أحد. والحق يقول: ~~{ يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ~~ويستحيون نسآءكم } [البقرة: 49]. كلمة الابن تطلق على الذكر، ~~ولكن الولد يطلق على الذكر والأنثى. ولذلك كان الذبح للذكور فقط. أما ~~النساء فكانوا يتركونهن أحياء. ولكن لماذا لم يقل الحق تبارك وتعالى ~~يذبحون أبناءكم ويستحيون بناتكم بدلا من قوله يستحيون نساءكم. الحق ~~سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن الفكرة من هذا هو إبقاء عنصر ~~الأنوثة يتمتع بهن آل فرعون. لذلك لم يقل بنات ولكنه قال نساء. أي أنهم ~~يريدونهن للمتعة وذلك للتنكيل ببني إسرائيل. ولا يقتل رجولة الرجل إلا ~~أنه يرى الفاحشة تصنع في نسائه. والحق سبحانه وتعالى يقول: { وفي ~~ذلكم بلاء من ربكم عظيم } [البقرة: 49]. ما هو البلاء؟ ~~بعض الناس يقول إن البلاء هو الشر. ولكن الله تبارك ms0211 وتعالى يقول: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون # [الأنبياء: 35]. إذن هناك بلاء بالخير وبلاء بالشر. والبلاء كلمة لا ~~تخيف. أما الذي يخيف هو نتيجة هذا البلاء لأن البلاء هو امتحان أو ~~اختبار. إن أديته ونجحت فيه كان خيرا لك. وأن لم تؤده كان وبالا عليك. ~~والحق سبحانه وتعالى يقول في خليله إبراهيم: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما.. # [البقرة: 124]. فإبراهيم نجح في الامتحان، والبلاء جاء لبني إسرائيل من ~~جهتين.. بلاء الشر بتعذيبهم وتقتيلهم وذبح أبنائهم، وبلاء الخير بإنجائهم ~~من آل فرعون. ولقد نجح بنو إسرائيل في البلاء الأول. وصبروا على العذاب ~~والقهر وكان بلاء عظيما، وفي البلاء الثاني فعلوا أشياء سنتعرض لها في ~~حينها. ### || [2.50] # مرة ثانية تأتي { وإذ }. ويأتي الإنجاء وسيلة. هذه الوسيلة ذكرتها ~~الآية الكريمة. فقد خرج موسى وقومه وكانوا ستمائة ألف كما تقول الروايات. ~~وعرف فرعون بخروجهم فخرج وراءهم على رأس جيش من ألف ألف مليون. عندما ~~رآهم قوم موسى كما يروي لنا القرآن الكريم: # قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما ~~جئتنا.. # [الأعراف: 129]. وقال لهم موسى كما جاء في الكتاب العزيز: # عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في ~~الأرض فينظر كيف تعملون # [الأعراف: 129]. وعندما جاء قوم فرعون بعددهم الضخم يقاومون قوم موسى ~~وتراءى الجمعان أي أنهم رأوهم رؤية العين قال قوم موسى # إنا لمدركون # [الشعراء: 61]. وهذا كلام منطقي. فأمامهم البحر ووراءهم فرعون وجنوده. ~~ولكن حين تخرج الأحداث من نطاق الأسباب إلى قدرة المسبب فهي لا تخضع ~~لأسباب الكون. ولذلك قال لهم موسى بملء فمه: # قال كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. وبذلك نقل المسألة من الأسباب إلى المسبب تبارك وتعالى. ~~فبمنطق الأحداث يكون فرعون وجنوده سيدركونهم. ولكن بمنطق الحق سبحانه ~~وتعالى فإنه سيهيئ لهم طريق النجاة. وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى ~~بأن يضرب بعصاه البحر فانفلق. وهكذا توقف قانون الماء وهو الاستطراق ~~والسيولة. وانفلق البحر وأصبح كل جزء منه كالجبل. ذرات الماء تماسكت مع ~~بعضها البعض لتكون جبلين ms0212 كبيرين بينهما يابس يمر منه بنو إسرائيل. هذا هو ~~معنى قوله تعالى: { وإذ فرقنا بكم البحر } [البقرة: 50] ~~والفرق هو الفصل بين شيئين.. وإذا كان البحر قد انشق.. فأين ذهب الطين ~~المبتل في قاع البحر؟.. قالوا إن الله أرسل ريحا مرت عليه فجففته. ولذلك ~~قال الحق جل جلاله: # طريقا في البحر يبسا # [طه: 77]. ويقال إنه حين كان موسى وقومه يعبرون البحر سألوا عن بقية ~~إخوانهم. فقال لهم موسى إنهم في طرق أخرى موازية لطريقنا. قالوا نريد أن ~~نطمئن عليهم. فرفع موسى يده إلى السماء وقال اللهم أعني على أخلاقهم ~~السيئة. فأوحى الله إلى موسى أن يضرب بعصاه الحواجز فانفتحت طاقة بين كل ~~ممر. فكانوا يرون بعضهم بعضا. وعندما رأى موسى عليه السلام فرعون وجيشه ~~يتجهون إلى البحر ليعبروه. أراد أن يضرب البحر ليعود إلى السيولة. فلا ~~يلحق بهم آل فرعون. ولكن الله أوحى إليه: # واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون # [الدخان: 24]. أي اترك البحر على ما هو عليه. حتى يتبعكم قوم فرعون. ~~ظانين أنهم قادرون على أن يسلكوا نفس الطريق ويمشوا فيه. وحينما يكون ~~أولهم قريبا من شاطئكم وآخرهم عند الشاطئ الآخر. أعيد الماء إلى ~~استطراقه. فأكون قد أنجيت وأهلكت بالسبب الواحد. فالحق سبحانه وتعالى ~~يريد أن يمن على بني إسرائيل بأنه أنجاهم من العذاب وأهلك عدوهم. # فكان العطاء عطاءين. عطاء إيجاب بأن أنجاهم. وعطاء سلب بأن أهلك عدوهم. ~~وقوله تعالى: { وأنتم تنظرون } [البقرة: 50] في هذه الآية لم ~~يتحدث الحق جل جلاله عن فرعون. وإنما تحدث عن إغراق آل فرعون. لماذا؟ لأن ~~آل فرعون هم الذين أعانوه على جبروته وبطشه وطغيانه. هم الأداة التي ~~استخدمها لتعذيب بني إسرائيل. والله سبحانه وتعالى أراد أن يرى بنو ~~إسرائيل آل فرعون وهم يغرقون فوقفوا يشاهدونهم. وأنت حين ترى مصرع عدوك. ~~تشعر بالمرارة التي في قلبك تزول. { وأنتم تنظرون } [البقرة: ~~50] تحتمل معنى آخر. أي ينظر بعضكم إلى بعض وأنتم غير مصدقين أنكم نجوتم ~~من هذا البلاء العظيم. وفي نفس الوقت تطمئنون وأنتم تشاهدونهم وهم يغرقون ms0213 ~~دون أن ينجو منهم أحد حتى لا يدخل في قلوبكم الشك. إنه ربما نجى بعضهم ~~وسيعودون بجيش ليتبعوكم. ### || [2.51] # قول الحق سبحانه وتعالى { وإذ واعدنا موسى أربعين ~~ليلة } [البقرة: 51] هذا الوعد كان لإعطاء موسى المنهج، فحينما كلم ~~الله سبحانه وتعالى موسى بجانب الطور.. كان هذا لإبلاغ موسى عليه السلام ~~أنه رسول من رب العالمين - وأنه أرسله ليخلص بني إسرائيل من طغيان فرعون ~~وعذابه.. وأنه سيمده بآيات ومعجزات.. حتى يقتنع فرعون وقومه أن موسى رسول ~~من الله تبارك وتعالى.. بعد تكليف موسى بالرسالة وذهابه إلى فرعون، وما ~~حدث مع السحره ثم نجاة موسى وقومه، بأن شق الله جل جلاله لهم البحر.. هذا ~~في وقت لم يكن المنهج قد نزل بعد.. ولذلك بمجرد أن نجى الله سبحانه ~~وتعالى موسى وقومه وأغرق فرعون.. كان لابد أن يتم إبلاغ موسى بالمنهج. ~~وكان الوعد يشمل أربعين ليلة.. هذه الليالي الأربعون حددت كثلاثين ~~أولا.. تم أتمها الحق سبحانه وتعالى بعشر أخرى.. واقرأ قوله سبحانه ~~وتعالى: # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ~~فتم ميقات ربه أربعين ليلة.. # [الأعراف: 142]. وعندما يتكلم الدين عن الزمن يتكلم دائما بالليلة.. ~~والسبب في ذلك أنك لا تستطيع أن تحدد الزمن بدقة بالنهار.. الشمس تشرق ~~وتغرب ثم تعود لتشرق.. فإذا نظرت إلى قرص الشمس.. لا يمكن أن تحدد في أي ~~وقت من الشهر نحن.. هل في أوله أو في وسطه أو في آخره.. ولكن إذا جاء ~~الليل بمجرد أن تنظر إلى القمر تستطيع أن تحدد الزمن. فإذا كان القمر ~~هلالا فنحن في أوائل الشهر.. وإذا كان بدرا فنحن في وسطه وهكذا. إن ~~هناك مقاييس دقيقة بالنسبة للقمر وقياس الزمن، ولكن المهم أنك إذا أخذت ~~الناس كل الناس الإنسان العادي يستطيع أن يحدد لك الزمن بالتقريب ~~بالليالي.. ويقول لك البدوي في الصحراء، هذا القمر ابن كذا ليلة. وفي ~~منطق الدين نحسب كل شيء بدخول الليل.. فهذه ليلة الأول من شهر رمضان نصلي ~~فيها التراويح.. وليلة العيد لا تصلى فيها التراويح.. وليلة النصف من ~~شعبان.. ms0214 وليلة الإسراء والمعراج.. وفي كل مقاييس الدين الليل لا يتبع ~~النهار إلا في شيء واحد هو يوم عرفة.. فلا نقول ليلة عرفة وإنما نقول يوم ~~عرفة.. إذن الليلة هي ابتداء الزمن في الدين.. والزمن عند الله مدته اثنا ~~عشر شهرا للعام الواحد.. السنة الميلادية تختلف عن السنة الهجرية.. ~~والسبب في ذلك أن الله سبحانه وتعالى وزع رحمته على كونه.. فلو أن ~~المواقيت الدينية سارت على مواقيت الشمس.. لجاء رمضان مثلا في شهر محدد ~~لا يتغير. # . يصومه الناس صيفا في مناطق محددة. وشتاء في مناطق محددة ولا يختلف ~~أبدا.. فيظل رمضان يأتي في الصيف والحر دائما بالنسبة لبعض الناس.. وفي ~~الشتاء والبرد دائما بالنسبة لبعض الناس. ولكن لأن السنة الهجرية تقوم ~~على حساب الهلال.. فمعنى ذلك أن كل نفحات الله في كونه تأتي في كل الفصول ~~والأزمان.. فتجد رمضان في الصيف والشتاء، وكذلك وقفة عرفات وكذلك كل ~~المناسبات الدينية الطيبة.. لأن السنة الهجرية تنقص أحد عشر يوما عن ~~السنة الميلادية، والفرق سنة كل ثلاث وثلاثين سنة. والحق سبحانه يقول: { ~~ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون } ~~[البقرة: 51]. يريد أن يمحص بني إسرائيل، ويبين لنا كفرهم بنعم الله. ~~فالله نجاهم من آل فرعون، ولم يكادوا يعبرون البحر حتى رأوا قوما يعبدون ~~الأصنام.. فقالوا كما يروى لنا القرآن الكريم: # يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة.. # [الأعراف: 138]. حدث هذا بمجرد خروجهم من البحر سالمين.. موسى عليه ~~السلام أخذ النقباء وذهب لميقات ربه.. وترك أخاه هارون مع بني إسرائيل.. ~~وبنو إسرائيل عندما كانوا في مصر، وكانوا يخدمون نساء آل فرعون.. أخذوا ~~منهن بعض الحلي والذهب خلسة.. ومع أن فرعون وقومه متمردون على الله تبارك ~~وتعالى.. فإن هذا لا يبرر سرقة حلي نسائهم.. فنحن لا نكافئ من عصى الله ~~فينا بأن نعصي الله فيه.. ونصبح متساوين معهم في المعصية، ولكن نكافئ من ~~عصى الله فينا بأن نطيع الله فيه. وأبو الدرداء رضي الله عنه حينما بلغه ~~أن شخصا سبه. بعث له كتابا قال فيه: يا ms0215 أخي لا تسرف في شتمنا.. واجعل ~~للصلح موضعا فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله ~~فيه.. بنو إسرائيل سرقوا بعض حلي نساء آل فرعون.. فجعلها الله فتنة ~~لإغوائهم.. وزين لهم الشيطان أن يصنعوا منها عجلا يعبدونه.. صنعه لهم ~~موسى السامري الذي رباه جبريل.. فأخذ الحلي وصهرها ليجعلها في صورة عجل ~~له خوار.. وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى. أتعرف لماذا فتنهم الله سبحانه ~~وتعالى بالعجل؟ لأن الذهب المصنوع منه العجل من أصل حرام.. والحرام لا ~~يأتي منه خير مطلقا.. ولابد أن نأخذ العبرة من هذه الواقعة.. وهي أن ~~الحرام ينقلب على صاحبه شرا ووبالا، إن كان طعامك حراما يدخل في تكوين ~~خلاياك ويصبح في جسدك الحرام.. فإذا دخل الحرام إلى الجسد يميل فعلك إلى ~~الحرام.. فالحرام يؤرق الجسد ويسوقه إلى المعاصي. يقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم # " إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين ~~بما أمر به المرسلين فقال تعالى: { يأيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا } وقال تعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون } ، ثم ذكر، ~~الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ~~ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ". # وقد حصل لبني إسرائيل الشيء نفسه وسرقوا ذهب آل فرعون فانقلب عليهم ~~ظلما، وقال الله تعالى عنهم: { ثم اتخذتم العجل من ~~بعده وأنتم ظالمون } [البقرة: 51]. وعد الله لموسى كما قال ~~أهل العلم كان ثلاثين ليلة.. إتمام الثلاثين ليلة يؤتيه ما وعد.. وكلمة ~~وعد هي الإخبار بشيء سار. والوعيد هي الإخبار بشيء سيئ.. فإذا سمعت وعدا ~~فاعرف أن ما سيجيء بعدها خير.. وإن سمعت وعيدا تعرف أن ما بعدها شر، ~~إلا آية واحدة وهي قوله سبحانه وتعالى: # النار وعدها الله الذين كفروا.. # [الحج: 72]. فهل الوعد هنا بخير أو المعنى اختلف؟.. نقول: إن كانت النار ~~موعودا فهي شر.. وإن كانت النار ms0216 هي الموعودة والكفار هم الموعود بهم فهي ~~خير للنار لأن النار تفرح بتعذيب الكافرين من عباد الله.. ونعرف هذا ~~الفرح من قوله تعالى: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30]. ولا يستزيد الإنسان إلا من شيء يحبه.. والنار - ككل شيء مسخر - ~~مسبحة لله تكره العصاة.. ولكنها غير مأمورة بحرقهم في الدنيا، ولكن ~~في الآخرة تكون سعيدة وهي تحرق العصاة والكافرين. ### || [2.52] # الله سبحانه وتعالى يمن على بني إسرائيل مرة أخرى مع أنهم ارتكبوا ~~ذنبا من ذنوب القمة ومع ذلك عفا الله عنهم لأنه يريد أن يستبقي عنصر ~~الخير للناس.. يريد أن يعلم خلقه أنه رب رحيم، يفتح أبواب التوبة للواحد ~~بعد الآخر.. لتمحو خلايا الشر في النفس البشرية. إن الإنسان حين يذنب ~~ذنبا ينفلت من قضية الإيمان، ولو لم تشرع التوبة والعفو من الله لزاد ~~الناس في معاصيهم وغرقوا فيها، لأنه إذا لم تكن هناك توبة وكان الذنب ~~الواحد يؤدي إلى النار، والعقاب سينال الإنسان فإنه يتمادى في المعصية. ~~وهذا ما لا يريده الله سبحانه وتعالى لعباده، وفي الحديث الشريف: # " لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله ~~في أرض فلاة ". # معنى الحديث.. رجل معه بعير يحمل ماله وطعامه وشرابه وكل ما يملكه. هذا ~~البعير تاه في صحراء جرداء، بحث عنه صاحبه فلم يجده. لقد فقده وفقد معه ~~كل مقومات حياته.. ثم ينظر فيراه أمامه.. كيف تكون فرحته؟.. طبعا بلا ~~حدود. هكذا تكون فرحة الله تعالى بتوبة عبده المؤمن بل أشد من ذلك. إن ~~الله تبارك وتعالى حين يفتح باب التوبة. يريد لحركة العالم أن تسير.. هب ~~أن نفسا غفلت مرة أو قادتها شهوتها مرة إلى معصية أو وسوس الشيطان لها ~~كما حدث مع آدم وحواء. لو لم تكن هناك توبة ومغفرة.. لانقلب كل هؤلاء إلى ~~شياطين، بل إن أعمال الخير تأتي من الذين أسرفوا على أنفسهم، فهؤلاء ~~يحسنون كثيرا ويفعلون الخير كثيرا.. مصداقا لقوله تعالى: # إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين # [هود: ms0217 114]. وقوله جل جلاله: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها.. # [التوبة: 103]. إذن فكون الله سبحانه وتعالى يتوب على بني إسرائيل مع ~~أنهم كفروا بالقمة في عبادة العجل.. فذلك لأن الله يريد استبقاء الخير في ~~كونه، ولقد عبد بنو إسرائيل العجل قبل أن ينزل عليهم المنهج وهو التوراة، ~~ولكن هل بعد أن أنزل عليهم المنهج والتوراة تابوا وأصلحوا أم استمروا في ~~معصيتهم وعنادهم؟ ### || [2.53] # الحق سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل هنا.. أنه بعد أن أراهم من ~~المعجزات الكثير، ونجاهم من آل فرعون وشق لهم البحر - كان لابد أن يؤمنوا ~~إيمانا حقيقيا لا يشوبه أي نوع من التردد.. ذلك لأنهم رأوا وشهدوا، ~~وكانت شهادتهم عين يقين. أي شهدوا بأعينهم ماذا حدث. ولكن هل استطاعت هذه ~~المشاهدة أن تمحو من قلوبهم النفاق والكفر؟.. لا.. لقد ظلوا معاندين طوال ~~تاريخهم. لم يأخذوا أي شيء بسهولة. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر ~~أمته من أن يكونوا كبني إسرائيل ويكونوا قوما شددوا فشدد الله عليهم، ~~وكان ذلك بالنسبة لقصة البقرة التي أمروا أن يذبحوها ليعرفوا من القاتل ~~في جريمة قتل كادت تثير حروبا بينهم، فأخذوا يسألون ما هي وما لونها إلى ~~آخر ما سنتحدث عنه.. عندما نأتي إلى الآيات الكريمة الخاصة بهذه الواقعة. ~~فلو ذبحوا أي بقرة لكفتهم.. لأنه يكفي أن يقول لهم الله سبحانه وتعالى ~~اذبحوا بقرة فيذبحوا أي بقرة، وعدم التحديد يكون أسهل عليهم، ولكنهم ~~سألوا وظلوا يسألون فشدد عليهم بتحديد بقرة معينة بذاتها.. ولذلك يقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ذروني ما تركتكم فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم ~~واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم ~~وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ". # والله سبحانه وتعالى في قوله: { وإذ آتينا موسى الكتاب ~~والفرقان } [البقرة: 53]. كأن آيتا موسى الكتاب والفرقان نعمة يجب ~~أن يذكرها قومه، وأن يستقبلوا منهج الله على أنه نعمة.. فلا يأخذ الإنسان ~~التكليف الإلهي من زاوية ما يقيد حركته ولا ما يعطيه له.. ذلك أن الله ~~حين ms0218 حرم عليك السرقة.. حرم على الناس جميعا أن يسرقوك.. فإذا أخذ منك ~~حريتك أن تسرق، فقد أخذ من الناس كل الناس حريتهم أن يسرقوا مالك، وهذه ~~حماية كبيرة لك. ما هو الكتاب.. وما هو الفرقان؟.. الكتاب هو التوراة.. ~~هو الذي يبين المنهج.. والفرقان هو الأشياء التي يفرق الله فيها بين الحق ~~والباطل، فكأن الفرقان تطلق مرة على التوراة لأنها تفرق بين الحق ~~والباطل، وتطلق أيضا على كل ما يفرق بين الحق والباطل، ولذلك سمي يوم ~~بدر يوم الفرقان لأنه فرق بين الحق والباطل.. فكأن منهج الله وكتابه يبين ~~لنا أين الحق وأين الباطل ويفرق بينهما. ### || [2.54] # يذكر الله تبارك وتعالى بني إسرائيل بقصة عبادة العجل، وهي قصة مخالفة ~~خطيرة لمنهج الله ومخالفة في القمة.. عبادة الله وحده، والذي حدث أن موسى ~~عليه السلام ذهب لميقات الله ومعه نقباء قومه ليتلقى المنهج والتوراة، ~~وأخبره الله سبحانه وتعالى أن قومه قد ضلوا وعبدوا غير الله.. وعاد موسى ~~وهو في قمة الغضب، وأمسك بأخيه هارون يجره من رأسه ولحيته، ويقول له لقد ~~أخلفتك عليهم لكيلا يضلوا، فقال هارون عليه السلام: # قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني ~~خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآئيل ولم ~~ترقب قولي # [طه: 94]. فتنة عبادة العجل حدثت بسبب السامري.. والسامري اسمه موسى ~~السامري ولدته أمه في الصحراء وماتت فكفله جبريل ورباه. وكان جبريل عليه ~~السلام يأتيه على حصان.. يحمل له ما يحتاج إليه من طعام وشراب، وكان موسى ~~السامري يرى حصان جبريل، كلما مشى على أرض يقع منه تراب فتخضر وتنبت ~~الأرض بعد هذا التراب، وأيقن أن في حافر الحصان سرا، فأخذ قبضة من أثر ~~الحصان ووضعها في العجل المصنوع من الذهب. فأخذ يحدث خوارا كأنه حي. ولا ~~تتعجب من أن صاحب الفتنة يجد معونة من الأسباب حتى يفتن بها الناس.. لأن ~~الله تبارك وتعالى يريد أن يمتحن خلقه، والذي يحمل دعوة الحق لابد أن ~~يهيئه الله سبحانه وتعالى تهيئة خاصة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ms0219 قبل ~~أن ينتقل إلى المدينة.. تعرض هو والمسلمون لابتلاءات كثيرة، ولقد جاء حدث ~~الإسراء والمعراج لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تخلت عنه أسباب ~~الدنيا في مكة وذهب إلى الطائف يدعو أهلها فسلطوا عليه غلمانهم وسفهاءهم ~~فقذفوه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، ورفع يديه إلى السماء ~~بالدعاء المأثور: # " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ". # وليس هذا على الرسول وحده بل والمؤمنين معه، حتى أن مصعب بن عمير فتى ~~قريش المدلل الذي كان عنده من الملابس والأموال والعبيد ما لا يعد ولا ~~يحصى رئي بعد إسلامه وهو يرتدي جلد حمار وذلك حتى يختبر الحق سبحانه ~~وتعالى في قلب مصعب بن عمير حبه للإيمان.. هل يحب الدنيا أكثر أو يحب ~~الله ورسوله أكثر، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول للصحابة ~~انظروا كيف فعل الإيمان بصاحبكم. والله تبارك وتعالى لابد أن يمحص ويختبر ~~أولئك الذين سيحملون دعوته إلى الدنيا كلها.. لابد أن يكونوا صابرين على ~~البلاء، أقوياء أمام خصوم الدعوة.. مستعدين لتحمل المتاعب والآلام.. لأن ~~هذا هو دليل الصدق في الإيمان. # ولذلك تجد كل دعوة ضلال تأتي بالفائدة لأصحابها.. دعوة الشيوعية يستفيد ~~منها أعضاء اللجنة المركزية.. أما الشعب فإنه يرتدي ملابس رخيصة، ويسكن ~~في بيوت ضيقة. أما السادة الذين ينفقون بلا حساب فهم أعضاء اللجنة ~~المركزية.. هذه دعوة الباطل، وعكس ذلك دعوة الحق.. صاحب الدعوة هو الذي ~~يدفع أولا ويضحي أولا. لا ينتفع بما يقول بل على العكس يضحي في سبيل ما ~~يقول.. إذن الباطل يأتي بالخير لصاحب الدعوة. فإذا رأيت دعوة تغدق على ~~أتباعها فأعلم أنها دعوة باطل.. لولا أنها أعطت بسخاء ما تبعها أحد. ~~والآية الكريمة التي نحن بصددها هي تقريع من موسى عليه السلام لقومه ~~الذين نجاهم الله من آل فرعون وأهلك عدوهم فاتخذوا العجل إلها.. ومتى ~~حدث ذلك؟ في الوقت الذي كان موسى فيه قد ذهب لميقات ربه ليأتي بالمنهج، ~~والذين اتخذوا العجل إلها.. هل ظلموا الله سبحانه وتعالى ms0220 أم ظلموا ~~أنفسهم؟.. ظلموا أنفسهم لأنهم أوردوها مورد التهلكة دون أن يستفيدوا ~~شيئا.. والظالم على أنواع: ظالم في شيء أعلى أي في القمة.. وظالم في ~~مطلوب القمة.. الظالم في القمة هو الذي يجعل الله شريكا ولذلك قال الله ~~تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. وعلاقة الشرك بالظلم أنك جئت بمن لم يخلق ومن لم يرزق ~~شريكا لمن خلق ورزق.. وذلك الذي جعلته إلها كيف يعبد؟.. العبادة طاعة ~~العابد للمعبود.. فماذا قال لكم هذا العجل الذي عبدتموه من دون الله أن ~~تفعلوا.. لذلك فأنتم ظالمون ظلم القمة، والظلم الآخر هو الظلم فيما شرعت ~~القمة.. بأن أخذتم حقوق الناس واستبحتموها.. في كلتا الحالتين لا يقع ~~الظلم على الله سبحانه وتعالى ولكن على نفسك. لماذا؟.. لأنك آمنت بالله ~~أو لم تؤمن. سيظل هو الله القوي القادر العزيز. لن ينقص إيمانك أو ~~عدم إيمانك من ملكه شيئا. ثم تأتي يوم القيامة فيعذبك. فكأن الظلم وقع ~~عليك، وإذا أخذت حقوق الناس فقد تتمتع بها أياما أو أسابيع أو سنوات ثم ~~تموت وتتركها وتأخذ العذاب. فكأنك ظلمت نفسك ولم تأخذ شيئا.. لذلك يقول ~~الحق جل جلاله: # وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [البقرة: 57]. وظلم الناس يعود على أنفسهم.. لأنه لا أحد من خلق الله ~~يستطيع أن يظلم الله سبحانه وتعالى.. وقوله سبحانه { فتوبوا إلى ~~بارئكم } [البقرة: 54].. الحق تبارك وتعالى قال في الآية السابقة # عفونا عنكم # [البقرة: 52] ثم يقول في هذه الآية { فتوبوا إلى بارئكم } ~~[البقرة: 54].. لأن التوبة هي أصل المغفرة. أنت تتوب عن فعلك للذنب ~~وتعتزم ألا تعود لمثله أبدا ويقبل الله توبتك ويعفو عنك. وقد كان من ~~الممكن أن يأخذهم الله بهذا الذنب ويهلكهم كما حدث بالنسبة للأمم ~~السابقة. # . أما وقد شرع الله لهم أن يتوبوا. فهذا فضل من الله وعفو.. ثم يقول ~~الحق تبارك وتعالى: { فاقتلوا أنفسكم } [البقرة: 54].. ~~فانظروا إلى دقة التكليف ودقة الحيثية في قوله تعالى: { فتوبوا ~~إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم } [البقرة: 54] الله ~~سبحانه وتعالى يقول لهم: أنا لم أغلب عليكم خالقا خلقكم ms0221 أو آخذكم منه.. ~~ولكن أنا الذي خلقتكم. ولكن الخالق شيء والبارئ شيء آخر.. خلق أي أوجد ~~الشيء من عدم.. والبارئ أي سواه على هيئة مستقيمة وعلى أحسن تقويم.. ~~ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. ومن هنا نعرف أن الخلق شيء والتسوية شيء آخر.. بارئكم ~~مأخوذة من برئ السهم، وبرئ السهم يحتاج إلى دقة وبراعة. وقوله تعالى: { ~~فاقتلوا أنفسكم } [البقرة: 54] لأن الذي خلقك وسواك كفرت به ~~وعبدت سواه. فكأنك في هذه الحالة لابد أن تعيد له الحياة التي وهبها لك.. ~~وعندما نزل حكم الله تبارك وتعالى.. جعل موسى بني إسرائيل يقفون صفوفا. ~~وقال لهم إن الذي لم يعبد العجل يقتل من عبده، ولكنهم حين وقفوا ~~للتنفيذ. كان الواحد منهم يجد ابن عمه وأخاه وذوي رحمه أمامه فيشق عليه ~~التنفيذ.. فرحمهم الله بأن بعث ضبابا يسترهم حتى لا يجدوا مشقة في تنفيذ ~~القتل.. وقيل إنهم قتلوا من أنفسهم سبعين ألفا. وعندما حدث ذلك استصرخ ~~موسى وهارون ربهم.. وقالا البكية البكية. أي أبكوا عسى أن يعفو الله ~~عنهم، ووقفوا يبكون أمام حائط المبكى فرحمهم الله. وقوله تعالى: { ~~فاقتلوا أنفسكم } [البقرة: 54] لأن هذه الأنفس بشهوتها ~~وعصيانها.. هي التي جعلتهم يتمردون على المنهج. إن التشريع هنا بالقتل هو ~~كفارة الذنب، لأن الذي عبد العجل واتخذ إلها آخر غير الله. كونه يقدم ~~نفسه ليقتل فهذا اعتراف منه بأن العجل الذي كان يعبده باطل.. وهو بذلك ~~يعيد نفسه التي تمردت على منهج الله إلى العبادة الصحيحة، وهذا أقسى ~~أنواع الكفارة.. وهو أن يقتل نفسه إثباتا لإيمانه.. بأنه لا إله إلا ~~الله وندما على ما فعل وإعلانا لذلك.. فكأن القتل هنا شهادة صادقة ~~للعودة إلى الإيمان. وقوله تعالى { ذلكم خير لكم عند ~~بارئكم } [البقرة: 54].. أي أن هذه التوبة هي أصدق أنواع التوبة، ~~وهي خير لأنها تنجيكم من عذاب الآخرة.. وقوله سبحانه: { فتاب ~~عليكم إنه هو التواب الرحيم } [البقرة: 54]. التوبة ~~الأولى أنه شرع لكم الكفارة، والتوبة الثانية عندما تقبل منكم توبتكم.. ~~وعفا ms0222 عنكم عفوا أبديا. ### || [2.55] # بعد أن تاب الله على قوم موسى بعد عبادتهم للعجل.. عادوا مرة أخرى إلى ~~عنادهم وماديتهم. فهم كانوا يريدون إلها ماديا.. إلها يرونه ولكن ~~الإله من عظمته أنه غيب لا تدركه الأبصار.. واقرأ قوله تعالى: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف الخبير # [الأنعام: 103]. فكون الله سبحانه وتعالى فوق إدراك البشر.. هذا من ~~عظمته جل جلاله، ولكن اليهود الذين لا يؤمنون إلا بالشيء المادي المحس.. ~~لا تتسع عقولهم ولا قلوبهم إلى أن الله سبحانه وتعالى فوق المادة وفوق ~~الأبصار.. وهذه النظرة المادية نظرة حمقاء.. والله تبارك وتعالى قد لفتنا ~~إلى قضية رؤيته جهرا في الدنيا.. بقوله تعالى: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]. أي أن الله جل جلاله وضع دليل القمة على وجود الله الذي ~~لا تدركه الأبصار. وضع هذا الدليل في نفس كل واحد منا. وهي الروح ~~الموجودة في الجسد، والإنسان مخلوق من مادة نفخت فيها الروح فدبت فيها ~~الحياة والحركة والحس.. إذن كل ما في جسدك من حياة.. ليس راجعا إلى ~~المادة التي تراها أمامك.. وإنما يرجع إلى الروح التي لا تستطيع أن ~~تدركها إلا بآثارها.. فإذا خرجت الروح ذهبت الحياة وأصبح الجسد رمة. إذا ~~كانت هذه الروح التي في جسدك، والتي تعطيك الحياة لا تستطيع أن تدركها مع ~~أنها موجودة داخلك.. فكيف تريد أن تدرك الله سبحانه وتعالى.. كان يجب ~~أولا أن تسأل الله أن يجعلك تدرك الروح التي في جسدك، ولكن الله سبحانه ~~وتعالى قال إنها من أمر الله.. واقرأ جل جلاله: # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ومآ ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85]. إذا كانت هذه الروح هي مخلوقة لله لا تدركها.. فكيف تطمع ~~أن ترى خالقها.. وانظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله سبحانه. { حتى ~~نرى الله جهرة } [البقرة: 55].. فكلمة نرى تطلق ويراد بها ~~العلم.. مثلا: # أرأيت من اتخذ إلهه هواه # [الفرقان: 43]. أي أعلمت.. ولكن جاءت كلمة جهرة لتنفي العلم فقط وتطالب ~~بالرؤية مجهورة واضحة يدركونها بحواسهم. ms0223 وهذا دليل على أنهم متمسكون ~~بالمادية التي هي قوام حياتهم.. نقول لهؤلاء إن سؤالكم يتسم بالغباء.. ~~فأنتم حين تطلبون أن تروا الله جهرة. والمفروض أن الله تبارك وتعالى له ~~مدلول عندكم.. ولذلك تطلبون رؤيته لتقارنوا المدلول على الموجود.. ذلك لو ~~كانت القضية أصلا أن تعرفوا أن الله موجود أو غير موجود، والذي شجعهم ~~على أن يقولوا ما قالوا.. طلب موسى عليه السلام من الله سبحانه وتعالى أن ~~يراه. # واقرأ قوله تعالى: # قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن ~~انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ~~فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا # [الأعراف: 143]. ولابد أن نعرف أن قضية رؤية الله في الدنيا محسومة، ~~وأنه لا سبيل إلى ذلك والإنسان في جسده البشري.. لأن هذا الجسد له قوانين ~~في إدراكاته، ولكن يوم القيامة نكون خلقا بقوانين تختلف.. ففي الدنيا ~~لابد أن تخرج مخلفات الطعام من أجسادنا، وفي الآخرة لا مخلفات. وفي ~~الدنيا يحكمنا الزمن، وفي الآخرة لا زمن. إذ يظل الإنسان شبابا دائما.. ~~إذن فهناك تغيير.. المقاييس هنا غير المقاييس يوم القيامة في الدنيا ~~بإعدادك وجسدك لا يمكن أن ترى الله. وفي الآخرة يسمح إعدادك وجسدك بأن ~~يتجلى عليك الله سبحانه وتعالى، وهذا قمة النعيم في الآخرة. أنت الآن ~~تعيش في أثار قدرة الله.. وفي الآخرة تعيش عيشة الناظر إلى الله تبارك ~~وتعالى.. وفي ذلك يقول الحق جل جلاله: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]. والإنسان في الدنيا قد اخترع آلات مكنته من أن يرى ما ~~لا يراه بعينه المجردة يرى الأشياء الدقيقة بواسطة الميكرسكوب، والأشياء ~~البعيدة بواسطة التلسكوب.. فإذا كان عمل الإنسان في الدنيا جعله يبصر ما ~~لم يكن يبصره.. فما بالك بقدرة الله في الآخرة.. وإذا كان الإنسان عندما ~~يضعف نظره، يطلب منه الطبيب استعمال نظارة.. فإذا ذهب إلى طبيب أمهر.. ~~أجرى له عملية جراحية في عينه يستغني بها عن النظارة ويرى بدونها.. فما ~~بالكم بإعداد الحق للخلق وبقدرة الله التي لا ms0224 حدود لها في أن يعيد خلق ~~العين بحيث تستطيع أن تتمتع بوجهه الكريم. ولقد حسم الله تبارك وتعالى ~~المسألة مع موسى عليه السلام بأن أراه العجز البشري.. لأن الجبل بقوته ~~وجبروته لم يستطع احتمال نور الله فجعله دكا.. وكأن الله يريد أن يفهم ~~موسى.. أن الله تبارك وتعالى حجب عنه رؤيته رحمة منه. لأنه إذا كان هذا ~~قد حدث للجبل فماذا كان يمكن أن يحدث بالنسبة لموسى. إذا كان موسى قد صعق ~~برؤية المتجلى عليه.. فكيف لو رأى المتجلي؟.. والإنسان حين يعجز عن ~~إدراك شيء في الدنيا لأنه مخلوق بهذه الإمكانات يكون العجز عن الإدراك ~~إدراكا لأن العجز عن الإدراك هو في عظمة الله سبحانه وتعالى.. وقوم موسى ~~حينما طلبوا منه أن يروا الله جهرة أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون.. عندما ~~اجترأوا هذا الاجتراء على الله أخذتهم الصاعقة.. والصاعقة إما نار تأتي ~~وإما عذاب ينزل.. المهم أنه بلاء يعمهم.. والصاعقة قد أصابت موسى. ### || [2.56] # فالحق سبحانه وتعالى يكمل لنا قصة الذين قالوا: # أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة # [النساء: 153]. موسى عليه السلام أصيب بالصاعقة أيضا.. عندما طلب أن ~~ينظر إلى الله. ولكن هناك فرق بين الحالتين.. الله تبارك وتعالى يقول: # وخر موسى صعقا فلمآ أفاق قال سبحانك تبت ~~إليك وأنا أول المؤمنين # [الأعراف: 143]. ولكن الأمر لم يكن كذلك مع قوم موسى. فمع موسى قال الله ~~سبحانه وتعالى: " فلما أفاق " أي أن الصاعقة أصابته بنوع من الإغماء، ~~ولكن مع قوم موسى. قال: { ثم بعثناكم من بعد موتكم } ~~[البقرة: 56].. فكأن قوم موسى ماتوا فعلا من الصاعقة.. فموسى أفاق من ~~تلقاء نفسه.. أما أولئك الذين أصابتهم الصاعقة من قومه، فقد ماتوا ثم ~~بعثوا لعلهم يشكرون. ### || [2.57] # فالله سبحانه وتعالى يريد أن يمتن على بني إسرائيل بنعمه ومعجزاته.. ~~ويرينا أنه برغم كل هذه النعم عاش بنو إسرائيل في عنادهم وتعنتهم، بعد أن ~~طلب بنو إسرائيل أن يروا الله جهرة فقتلتهم الصاعقة.. ثم بعثهم الله ~~تبارك وتعالى لعلهم يشكرون.. ذكر لنا الحق جل جلاله نعما أخرى من ms0225 نعمه ~~على بني إسرائيل.. وقال اذكروا إذ كنتم في الصحراء وليس فيها ظل تحتمون ~~به من حرارة الشمس القاسية، وليس فيها مكان تستظلون فيه، لأنه لا ماء ولا ~~نبات في الصحراء.. فظلل الله سبحانه وتعالى عليكم بالغمام.. أي جاء ~~الغمام رحمة من الله سبحانه وتعالى.. ثم بعد ذلك جاء المن والسلوى.. ~~والمن نقط حمراء تتجمع على أوراق الشجر بين الفجر وطلوع الشمس. وهي ~~موجودة حتى الآن في العراق.. وفي الصباح الباكر يأتي الناس بالملاءات ~~البيضاء ويفرشونها تحت الشجر.. ثم يهزون الشجر بعنف فتسقط القطرات ~~الموجودة على ورق الشجر فوق الملاءات.. فيجمعونها وتصبح من أشهى أنواع ~~الحلويات. فيها طعم القشدة وحلاوة عسل النحل.. وهي نوع من الحلوى اللذيذة ~~المغذية سهلة الهضم سريعة الامتصاص في الجسم. والله سبحانه وتعالى جعله ~~بالنسبة لهم وقود حياتهم.. وهم في الصحراء يعطيهم الطاقة. أما السلوى فهي ~~طير من السماء ويقال إنه السمان.. يأتيهم في جماعات كبيرة لا يعرفون ~~مصدرها.. ويبقى على الأرض حتى يمسكوا به ويذبحوه ويأكلوه. فالله تبارك ~~وتعالى قد رزقهم بهذا الرزق الطيب من غمام يقيهم حرارة الشمس، ومن ~~يعطيهم وقود الحركة، وسلوى كغذاء لهم، وكل هذا يأتيهم من السماء دونما ~~تعب منهم.. ولكنهم لعدم إيمانهم بالغيبيات يريدون الأمر المادي وهم ~~يخافون أن ينقطع المن والسلوى عنهم يوما ما فماذا يفعلون؟ لو كانوا ~~مؤمنين حقا لقالوا: إن الذي رزقنا بالمن والسلوى لن يضيعنا، ولكن الحق ~~جل جلاله ينزل لهم طعامهم يوميا من السماء وهم بدلا من أن يقابلوا هذه ~~النعمة بالشكر قابلوها بالجحود. وقوله تعالى: { وما ظلمونا ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [البقرة: 57] فالحق ~~سبحانه وتعالى يتحدث للمرة الثالثة عن ظلم قوم موسى.. ففي المرة الأولى ~~قال " وأنتم ظالمون ". وفي الآية الثانية قال: " ظلمتم أنفسكم ".. وفي ~~هذه الآية قال: { وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون } [البقرة: 57].. ولقد سبق أن قلت إنه لا أحد يستطيع أن يظلم ~~الله لأن الله سبحانه وتعالى باق بقدرته وقوته وعظمته.. لا يقلل منها لو ~~كفر أهل الأرض جميعا ولا يزيد ms0226 فيها لو آمن أهل الأرض كلهم. فقدرة الله ~~باقية وكلمته ماضية. # . ولكن نحن الذين نظلم أنفسنا.. بأن نوردها مورد التهلكة والعذاب الذي ~~لا نجاة منه دون أن نعطيها شيئا. إن الدنيا كما قلنا عالم أغيار. ~~والنعمة التي أنت فيها زائلة عنك. إما أن تتركها بالموت أو تتركك هي ~~وتزول عنك.. وتخرج من الدنيا تحمل أعمالك فقط.. كل شيء زال وبقيت ذنوبك ~~تحملها إلى الآخرة.. ولذلك فإن كل من عصى الله وتمرد على دينه قد ظلم ~~نفسه لأنه قادها إلى العذاب الأبدي طمعا في نفوذ أو مال زال بعد فترة ~~قصيرة ولم يدم.. فكأنه ظلمها بأن حرمها من نعيم أبدي وأعطاها شهوة قصيرة ~~عاجلة. ### || [2.58] # من هذه الآية الكريمة نعرف أن بني إسرائيل رفضوا رزق السماء من المن ~~والسلوى مع أنه كان رزقا عاليا.. عاليا في الجودة لأنه طعام حلو نقي ~~شهي ينزل لهم من السماء مباشرة، وعاليا في الكثرة من أنه كان يأتيهم بلا ~~عمل وبلا تعب وبكميات هائلة تكفيهم وتزيد.. وطلبوا من موسى طعام الأرض ~~الذي يزرعونه بأيديهم ويرونه أمامهم كل يوم فقد كانوا يخافون أن يستيقظوا ~~يوما فلا يجدون المن والسلوى. الحق سبحانه وتعالى يكمل لنا القصة في آية ~~قادمة: # وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد ~~فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من ~~بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها قال ~~أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ~~اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم.. # [البقرة: 61]. فالله سبحانه وتعالى ما زال يمتن على بني إسرائيل بنعمه ~~وكيف قابلوها بالجحود، فيذكرهم بإنجائهم من عذاب آل فرعون، ويذكرهم ~~بالبحر الذي انشق لهم فمشوا فيه ثم انقض الماء بعد ذلك على آل فرعون ~~فأغرقهم، ويذكرهم كيف أنهم عبدوا العجل بعد ذلك.. وكان من الممكن أن ~~يهلكهم الله بذنوبهم. كما أهلك الأمم السابقة ولكنه عفا عنهم.. ثم يذكرهم ~~بفضله عليهم بأن أعطاهم الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل.. ويذكرهم ~~بأنهم طلبوا أن يروا الله جهرة.. فصعقوا وماتوا ثم بعثهم الله. ويذكرهم ms0227 ~~كيف ظللهم بالغمام من حرارة الشمس المحرقة، ورزقهم بالمن والسلوى.. ثم ~~يذكرهم بأنهم طلبوا طعام الأرض فاستجاب لهم. في هذه الآية يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { فكلوا منها حيث شئتم رغدا } [البقرة: ~~58]. وفي آية أخرى يقول: # رغدا حيث شئتما # [البقرة: 35]. الفرق في المعنى أن قوله تعالى: { حيث شئتم ~~رغدا } [البقرة: 58] تدل على أن هناك أصنافا كثيرة من الطعام. " ~~ورغدا حيث شئتم " يكون هناك صنف واحد والناس جائعون فيقبلون على ~~الطعام.. عندما يقول الحق جل جلاله: كلوا رغدا يكون المخاطب هنا نوعين: ~~إنسان غير جائع ولذلك تعد له ألوانا متعددة من الطعام لتغريه على ~~الأكل.. فتقدم في هذه الحالة " حيث شئتم " فيقال: { فكلوا منها ~~حيث شئتم رغدا } [البقرة: 58].. فإذا كان الإنسان جوعان يرضى ~~بأي طعام.. فيقال رغدا حيث شئتم. إن المسألة في القرآن الكريم ليست ~~تقديما وتأخيرا في الألفاظ.. ولكن المعنى لا يستقيم بدون هذا التغيير.. ~~قوله تعالى { ادخلوا هذه القرية } [البقرة: 58].. والقرية ~~هي هنا بيت المقدس أو فلسطين أو الأردن.. الحق تبارك وتعالى يقول: { ~~وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم ~~خطاياكم وسنزيد المحسنين } [البقرة: 58]. # . والحق جل جلاله حين خاطبهم بين لنا أنهم لم يكونوا في حالة جوع شديد ~~بحيث يأكلون أي شيء فقال: { فكلوا منها حيث شئتم رغدا } ~~[البقرة: 58] أي ستجدون فيها ألوانا كثيرة من الطعام تغريكم على الأكل ~~ولو لم تكونوا جائعين. وقوله تعالى: { وادخلوا الباب سجدا } ~~[البقرة: 58].. أي ادخلوا الباب وأنتم في منتهى الخضوع.. { وقولوا ~~حطة } [البقرة: 58] أي حط عنا ذنوبنا يا رب.. غير أنهم حتى في الأمر ~~يغيرون مضمونه.. ويلبسون الحق بالباطل.. وهذه خاصية فيهم.. ولذلك دخلوا ~~الباب وهم غير ساجدين.. دخلوه زاحفين على ظهورهم.. مع أن ما أمرهم الله ~~به أقل مشقة مما فعلوه.. فكأن المخالفة لم تأت من أن أوامر الله شاقة، ~~ولكنها أتت من الرغبة في مخالفة أمر الخالق وبدلا من أن يقولوا حطة. أي ~~حط عنا يا رب ذنوبنا قالوا حنطة والحنطة هي القمح.. ليطوعوا اللفظ ~~لأغراضهم.. فكأن المسألة ليست عدم قدرة على ms0228 الطاعة ولكن رغبة في ~~المخالفة. ومع أن الحق تبارك وتعالى وعدهم بالمغفرة والرحمة والزيادة ~~للمحسنين، فإنهم خالفوا وعصوا.. وقوله تعالى: { وسنزيد ~~المحسنين } [البقرة: 58] يأتي في الآية الكريمة: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26]. أي لهم أجر مثل ما فعلوا أضعافا مضاعفة.. وما هي الزيادة؟ ~~أن يروا الله يوم القيامة. هذه هي الزيادة التي ليس لها نظير في الدنيا. ### || [2.59] # الله سبحانه وتعالى يشرح لنا في هذه الآية الكريمة كيف أن اليهود قوم ~~معصية برغم نعم الله عليهم.. فلو أن الله سبحانه وتعالى كلفهم تكليفا لم ~~يستطيعوه لأنه شاق عليهم فربما كان لهم عذرهم.. ولكن الله تبارك وتعالى ~~لا يكلف إلا بما هو في طاقة الإنسان أو أقل منها.. فيقول جل جلاله: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت ~~وعليها ما اكتسبت # [البقرة: 286]. والله تبارك وتعالى لم يكلف بني إسرائيل بأن يدخلوا هذه ~~القرية التي يقال: إنها القدس ويقال إنها قرية في فلسطين أو قرية في ~~الأردن.. إلا بناء على طلبهم هم. فهم الذين طلبوا من موسى أن يدعو الله ~~لهم أن يدخلوا واديا فيه زرع.. ليأكلوا مما تنتج الأرض ويطمئنوا على ~~طعامهم.. لأنهم يخافون أن يأتي يوم.. لا ينزل عليهم المن والسلوى من ~~السماء.. فلما استجاب الله لدعواهم وقال لهم ادخلوا الباب خاشعين. وقولوا ~~يا رب حط عنا ذنوبنا.. بدل بنو إسرائيل القول فبدلا من أن يقولوا حطة ~~قالوا حنطة.. وبدلوا طريقة الدخول فبدلا من أن يدخلوا ساجدين دخلوا على ~~ظهورهم زاحفين، وكان هذا رغبة في المخالفة.. فأصابهم الله بعذاب من ~~السماء بما كانوا يفسقون.. أي يبتعدون عن منهج الله ولا يطبقونه. رغبة في ~~المخالفة وإصرارا على العناد. ### || [2.60] # ومعناها: اذكر إذا استسقى موسى لقومه.. وهذه وردت كما بينا في عدة آيات ~~في قوله تعالى: # وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب.. # [الأعراف: 141]. وقول سبحانه: # وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة.. # [البقرة: 51]. وقوله جل جلاله: # وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة.. # [البقرة: 55]. وقلنا إن هذه ms0229 كلها نعم امتن الله بها على بني إسرائيل وهو ~~سبحانه وتعالى يذكرهم بها. إما مباشرة وإما على لسان موسى عليه السلام. ~~والحق يريد أن يذكر بني إسرائيل حينما تاهوا في الصحراء أنه أظلهم ~~بالغمام.. وسقاهم حين طلبوا السقيا.. ولقد وصلت ندرة الماء عند بني ~~إسرائيل لدرجة أنهم لم يجدوا ما يشربونه.. لأن الإنسان يبدأ الجفاف عنده ~~لعدم وجود ماء يسقي به زرعه.. ثم يقل الماء فلا يجد ما يسقي به أنعامه.. ~~ثم يقل الماء فلا يجد ما يشربه.. وهذا هو قمة الجفاف أو الجدب. وموسى ~~عليه السلام طلب السقيا من الله تبارك وتعالى.. ولا تطلب السقيا من الله ~~إلا إذا كانت الأسباب قد نفدت.. وانتهت آخر نقطة من الماء عندهم فالماء ~~مصدر الحياة ينزله الله من السماء.. وينزله نقيا طاهرا صالحا للشرب ~~والري والزرع وسقيا الأنعام. والحق سبحانه وتعالى جعل ثلاثة أرباع الأرض ~~ماء والربع يابسا.. حتى تكون مساحة سطح الماء المعرضة للتبخر بواسطة ~~أشعة الشمس كبيرة جدا فتسهل عملية البخر فإنك إذا جئت بكوب ماء وتركته ~~في حجرة مغلقة لمدة يومين أو ثلاثة. ثم عدت تجده ناقصا قيراطا أو ~~قيراطين. ولكن إذا أمسكت ما في الكوب من ماء وألقيته على أرض الحجرة.. ~~فإنه يجف قبل أن تغادرها لماذا؟.. لأن مساحة سطح الماء هنا كبيرة، ولذلك ~~يتم البخر بسرعة ولا يستغرق وقتا. هذه هي النظرية نفسها التي تتم في ~~الكون. الله تبارك وتعالى جعل سطح الماء ثلاثة أرباع الأرض ليتم البخر في ~~سرعة وسهولة.. فيتكون السحاب وينزل المطر نأخذ منه ما نحتاج إليه، ~~والباقي يكون ينابيع في الأرض، مصداقا لقوله تبارك وتعالى: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ~~ينابيع في الأرض.. # [الزمر: 21]. هذه الينابيع تذهب إلى أماكن لا يصلها المطر. ليشرب منها ~~الناس مما نسميه الآبار أو المياه الجوفية.. وتشرب منها أنعامهم.. ~~فإذا حدث جفاف يخرج الناس رجالا ونساء وصبيانا وشيوخا. يتضرعون إلى ~~الله ليمطرهم بالماء.. ونحن إذا توسلنا بأطفالنا الرضع وبالضعفاء يمطرنا ~~الله. وبعض الناس يقولون ms0230 إن المطر ينزل بقوانين علمية ثابتة.. يصعد ~~البخار من البحار ويصبح سحابا في طبقات الجو العليا ثم ينزل مطرا. # . تلك هي القوانين الثابتة لنزوله. وأن السحاب لا بد أن يكون ارتفاعه ~~عدد كذا من الأمتار.. ليصل إلى برودة الجو التي تجعله ينزل مطرا. ولابد ~~أن يكون السحاب ملقحا.. نقول أن هذا كله مرتبط بمتغيرات. فالريح تهب أو ~~لا تهب. وتحمل السحاب إلى منطقة عالية باردة ولا تحمله وغير ذلك. إذن فكل ~~ثابت محمول على متغير.. قد تعرف أنت القوانين الثابتة، ولكن القوانين ~~المتغيرة لا يمكن أن تتنبأ بما ستفعل ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: # وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء ~~غدقا # [الجن: 16]. إذن فعوامل سقوط المطر لا تخضع لقوانين ثابتة. ولكن المتغير ~~هو العامل الحاسم. ليسوق السحاب إلى المناطق الباردة وإلى الارتفاع ~~المطلوب، ولابد أن نتنبه إلى أن هناك قوانين ثابتة في الكون وقوانين ~~تتغير، وأن القانون المتغير هو الذي يحدث التغيير. وقوله تعالى: { وإذ ~~استسقى موسى لقومه } [البقرة: 60].. تدل على أن هناك ~~مستسقى بفتح القاف وأن هناك مستسقي بكسر القاف.. مستسقي بكسر القاف أي ~~ضارع إلى الله لينزل المطر.. أما المستسقى بفتح القاف فهو الله سبحانه ~~وتعالى الذي ينزل المطر. إن هذا الموقف خاص بالله تبارك وتعالى فلا توجد ~~مخازن للمياه وليس هناك ماء في الأرض.. من أنهار أو آبار أو عيون ولا ~~ملجأ إلا الله.. فلابد من التوسل لله تبارك وتعالى: " عن أنس رضي الله ~~عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد ~~المطلب رضي الله عنه فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله ~~عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون " بعض ~~الناس يقولون هذا دليل على أن الميت لا يستعان به.. بدليل أن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه لم يتوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته، ~~وإنما توسل بعم رسول الله.. نقول وبمن توسل عمر؟.. أتوسل بالعباس أم بعم ~~رسول الله ms0231 صلى الله عليه وسلم؟.. توسل بالرسول، وبذلك أخذنا الحجة أن ~~الوسيلة ليست مقصورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وإنما تتعدى إلى ~~أقاربه. وهنا يأتي سؤال لماذا نقل الأمر من رسول الله عليه الصلاة ~~والسلام إلى عم الرسول؟.. نقول لأن رسول الله قد انتقل ولا ينتفع الآن ~~بالماء.. ولكن عمه العباس هو الحي الذي ينتفع بالماء.. لذلك كان التوسل ~~بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يكن منطقيا أن يتوسلوا برسول الله ~~عليه الصلاة والسلام وهو ميت ولا يحتاج إلى الماء.. والذين أرادوا أن ~~يأخذوا التوسل بذوي الجاه.. نقول لهم أن الحديث ضدكم وليس معكم. # . لأنه أثبت أن التوسل جائز بمن ينتسب إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. لابد أن نتحدث كيف أن الحق سبحانه وتعالى بعد أن قابل بنو إسرائيل ~~النعمة بالجحود والنكران فكيف يسقيهم؟.. نقول إنها النبوة الرحيمة التي ~~كانت السبب في تنزل الرحمة تلو الرحمة على بني إسرائيل.. وكان طمع موسى ~~في رحمة الله بلا حدود.. ولذلك فإن الدعوات كانت تتوالى من موسى عليه ~~السلام لقومه.. وكانت الاستجابة من الله تأتي. كان من المفروض لاستكمال ~~المعنى أن يقال وإذا استسقى موسى ربه لقومه فقال يا رب اسقهم.. ولكن هذه ~~لم تأت حذفت وجاء بعدها الإجابة: { وإذ استسقى موسى ~~لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر } [البقرة: 60].. إذن ~~قوله يا رب اسق قومي واستجابة الله له محذوفة لأنها مفهومة.. ولذلك جاء ~~القرآن باللفتات الأساسية وترك اللفتات المفهومة لذكاء الناس.. تماما ~~كما جاء في سورة النمل: الهدهد ذهب ورأى ملكة بلقيس وعرشها. وعاد إلى ~~سليمان وأخبره. فطلب سليمان من الهدهد أن يلقي إلى ملكة سبأ وقومها ~~كتابا وقال: # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول ~~عنهم فانظر ماذا يرجعون * قالت يأيها الملأ ~~إني ألقي إلي كتاب كريم # [النمل: 28-29]. فسليمان أمر الهدهد أن يلقي كتابا إلى بلقيس وقومها، ~~والآية التي بعدها جاءت بقوله تعالى: قالت # قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم # [النمل: 29] كل التفاصيل حذفت من ms0232 أن الهدهد أخذ الكتاب وطار إلى ملكة ~~سبأ وألقى الكتاب أمام عرشها.. والتقطت بلقيس ملكة سبأ الكتاب وقرأته، ~~ودعت قومها وبدأت تروي إليهم قصة الكتاب.. كل هذا حذف لأنه مفهوم. قال ~~موسى: يا رب اسق قومي.. والله سبحانه وتعالى قال له: إن أردت الماء ~~لقومك.. كل هذا محذوف.. وتأتي الآية الكريمة: { فقلنا اضرب ~~بعصاك الحجر } [البقرة: 60]. { اضرب بعصاك الحجر } ~~[البقرة: 60] لنا معها وقفة.. الإنسان حين يستسقي الله.. يطلب منه أن ~~ينزل عليه مطرا من السماء، والحق تبارك وتعالى كان قادرا على أن ينزل ~~على بني إسرائيل مطرا من السماء. ولكن الله جل جلاله أراد المعجزة.. ~~فقال سأمدكم بماء ولكن من جنس ما منعكم الماء وهو الحجر الموجود تحت ~~أرجلكم.. لن أعطيكم ماء من السماء.. ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن ~~يري بني إسرائيل مدى الإعجاز.. فأعطاهم الماء من الحجر الذي تحت ~~أرجلهم. ولكن من الذي يتأثر بالضرب: الحجر أم العصا؟.. العصا هي التي ~~تتأثر وتتحطم والحجر لا يحدث فيه شيء.. ولكن الله سبحانه وتعالى أراد ~~بضربة واحدة من العصا أن ينفلق الحجر.. ولذلك يقول الشاعر: # أيا هازئا من صنوف القدر # بنفسك تعنف لا بالقدر # ويا ضاربا صخرة بالعصا # ضربت العصا أم ضربت الحجر # إن انفجار الماء من ضربة العصا دليل على أن العصا أشارت فقط إلى الصخرة ~~فتفجر منها الماء.. وحتى لو كانت العصا من حديد.. هل تكون قادرة على أن ~~تجعل الماء ينبع من الحجر؟ فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه ~~كان من الممكن أن ينزل الماء من السماء.. ولكن الله أرادها نعمة مركبة.. ~~ليعلموا أنه يستطيع أن يأتي الماء من الحجر الصلب.. وأن نبع الماء من ~~متعلقات " كن ". هنا لابد أن ننظر إلى تعنت بني إسرائيل قالوا لموسى هب ~~أننا في مكان لا حجر فيه. من أين ينبع الماء؟.. لابد أن نأخذ معنا الحجر ~~حتى إذا عطشنا نضرب الحجر بالعصا.. ونسوا أن هناك ما يتم بالأسباب وما ~~يتم بكلمة " كن " ، ولذلك تجد مثلا كبار الأطباء يحتارون ms0233 في علاج مريض.. ~~ثم يشفى على يد طبيب ناشىء حديث التخرج.. هل هذا الطبيب الناشىء يعرف ~~أكثر من أساتذته الذين علموه؟.. الجواب طبعا لا. إن التلميذ لا يتفوق ~~على أستاذه الذي علمه فليس العلاج بالأسباب وحدها ولكن بقدرة المسبب.. ~~ولذلك جاء موعد الشفاء على يد هذا الطبيب الناشىء، فكشف الله له الداء ~~وألهمه الدواء. يقول الحق سبحانه وتعالى: { فانفجرت منه اثنتا ~~عشرة عينا } [البقرة: 60] لماذا اثنتا عشرة عينا. لأن اليهود ~~كانوا يعيشون حياة انعزال. كل مجموعة منهم كانت تسمى " سبطا " لها شيخ ~~مثل شيخ القبيلة.. والحق تبارك وتعالى يقول: { قد علم كل أناس ~~مشربهم } [البقرة: 60] أي كل سبط أو مجموعة ذهبت لمشرب.. نبعت ~~العيون من الحجر وامتدت متشعبة إلى الأسباط جميعا كل في مكانه.. فإذا ما ~~أخذوا حاجتهم ضرب موسى الحجر فيجف. ولذلك نعرف أن الحجر كان يعطيهم الماء ~~على قدر الحاجة وكانت الجهة السفلى من الحجر الملامسة للأرض.. والجهة ~~العليا التي ضرب عليها بالعصا لم ينبع منهما شيء، أما باقي الجهات الأربع ~~فقد نبع منها كل منها ثلاثة ينابيع. وهناك شيء في اللغة يسمونه اللفظ ~~المشترك.. وهو الذي يستخدم في معان متعددة.. فإذا قلت سقى القوم دوابهم ~~من العين.. العين هنا عين الماء، وإذا قلت أرسل الأمير عيونه في المدينة ~~يعني أرسل جنوده.. وإذا قلت اشتريته بعين أي بذهب.. وإذا قلت نظر إلي ~~بعينه شذرا أي ببصره.. إذن كلمة عين تستخدم في أشياء متعددة، ومعناها ~~هنا عين الماء الجارية. قوله تعالى: { قد علم كل أناس ~~مشربهم } [البقرة: 60] أي أن كل سبط عرف مكانه الذي يلزمه.. حتى ~~لا يضيع من كل منهم الماء. # . ولكن الإنسان حينما يكون مضطرا يلتزم بما يطلبه الله منه ويكون ~~ملتزما بالأداء، فإذا فرج الله كربه وعادت إليه النعمة يعود إلى ~~طغيانه.. ولذلك يقول الحق جل جلاله فيها: { كلوا واشربوا من ~~رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين } [البقرة: ~~60] أي لا يكون شكركم على النعمة بالإفساد في الأرض.. واقرأ قوله تعالى: # لقد كان لسبإ في مسكنهم ms0234 آية جنتان عن يمين ~~وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة ~~طيبة ورب غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم ~~سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ~~ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل # [سبأ: 15-16]. هنا نرى أن أهل سبأ رزقهم الله فأعرضوا عن شكره.. كانوا ~~يتيهون بالسد الذي يحفظ لهم مياه الأمطار، ويمدهم بما يحتاجون إليه منها ~~طوال العام، وأخذوا يتفاخرون بعلمهم ونسوا الله الذي علمهم.. فكان هذا ~~السد هو النكبة أو الكارثة التي أهلكت زرعهم.. كذلك حدث لبني إسرائيل، ~~قيل لهم: { كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا ~~في الأرض مفسدين } [البقرة: 60]. فأفسدوا في الأرض ونسوا نعمة ~~الله فنزل بهم العذاب. ### || [2.61] # هذه الآية الكريمة أيضا من آيات التذكير بنعم الله سبحانه وتعالى على ~~موسى وعلى بني إسرائيل.. وكنا قد تعرضنا لمعنى طعام واحد عند ذكر المن ~~والسلوى.. وقلنا إن تكرار نزول المن والسلوى كل يوم جعل الطعام لونا ~~واحدا.. وكلمة واحد هي أول العدد.. فإذا إنضم إليه مثله يصير اثنين.. ~~وإذا إنضم إليه مثله يصبح ثلاثة.. إذن فأصل العدد هو الواحد.. والواحد ~~يدل على وحدة الفرد ولا يدل على وحدانية.. فإذا قلنا الله واحد فإن ذلك ~~يعني أنه ليس كمثله أحد.. ولكنه لا يعني أنه ليس مكونا من أجزاء.. فأنت ~~لست واحدا ولست أحدا لأنك مكون من أجزاء - كما أن هناك من يشبهونك.. ~~والشمس في مجموعتنا واحدة ولكنها ليست أحدا لأنها مكونة من أجزاء ~~وتتفاعل.. والله سبحانه وتعالى واحد ليس كمثله شيء.. وأحد ليس مكونا من ~~أجزاء.. ولذلك من أسمائه الحسنى الواحد الأحد.. ولا نقول أن الاسم مكرر ~~فهذه تعني الفردية، وهذه تنفي التجزئة. وقوله تعالى: { لن نصبر ~~على طعام واحد } [البقرة: 61].. نلاحظ هنا أن الطعام وصف بأنه ~~واحد رغم أنه مكون من صنفين هما المن والسلوى.. ولكنه واحد لرتابة ~~نزوله.. الطعام كان يأتيهم من السماء، ولكن تعنتهم مع الله جعلهم لا ~~يصبرون عليه فقالوا ما يدرينا لعله لا يأتي.. نريد طعاما نزرعه بأيدينا ~~ويكون طوال الوقت أمام عيوننا.. ms0235 وكأن هذه المعجزات كلها ليست كافية.. ~~لتعطيهم الثقة في استمرار رزق الله.. إنهم يريدون أن يروا.. ألم يقولوا ~~لموسى: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153].. ماذا طلبوا؟.. قالوا: { فادع لنا ربك يخرج ~~لنا مما تنبت الأرض } [البقرة: 61].. { فادع لنا ~~ربك } [البقرة: 61] أي اطلب من الله، ولأن الدعاء لون من الطلب فإنك ~~حين تتوجه إلى الله طالبا أن يعطيك.. فإنك تدعو بذلة الداعي أمام عزة ~~المدعو.. والطلب إن كان من أدنى إلى أعلى قيل دعاء.. ومن مساو إلى مساو ~~قيل طلب.. ومن أعلى إلى أدنى قيل أمر. لقد طلب بنو إسرائيل من موسى أن ~~يدعو الله سبحانه وتعالى أن يخرج لهم أطعمة مما تنبت الأرض، وعددوا ألوان ~~الأطعمة المطلوبة.. وقالوا: { من بقلها وقثآئها وفومها ~~وعدسها وبصلها } [البقرة: 61].. ولكنها كلها أصناف تدل على أن ~~من يأكلها هم من صنف العبيد.. والمعروف أن آل فرعون استعبدوا بني ~~إسرائيل، ويبدو أن بني إسرائيل أحبوا حياة العبودية واستطعموها. الحق ~~تبارك وتعالى كان يريد أن يرفع قدرهم فنزل عليهم المن والسلوى، ولكنهم ~~فضلوا طعام العبيد. # . والبقل ليس مقصودا به البقول فحسب، ولكنه كل نبات لا ساق له مثل: ~~الخس والفجل والكرات والجرجير.. والقثاء هو القتة صنف من الخيار.. والفوم ~~هو القمح أو الثوم. والعدس والبصل معروفان.. والله سبحانه وتعالى قبل أن ~~يجيبهم أراد أن يؤنبهم: فقال { أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير } [البقرة: 61]. عندما نسمع كلمة استبدال فاعلم أن ~~الباء تدخل على المتروك.. تقول اشتريت الثوب بدرهم.. يكون معنى ذلك أنك ~~أخذت الثوب وتركت الدرهم. قوله تعالى: { الذي هو أدنى بالذي ~~هو خير } [البقرة: 61].. أي أنهم تركوا الذي هو خير وهو المن ~~والسلوى.. وأخذوا الذي هو أدنى.. والدنو هنا لا يعني الدناءة.. لأن ما ~~تنتجه الأرض من نعم الله لا يمكن أن يوصف بالدناءة، ولكن الله تبارك ~~وتعالى يخلق بالأسباب ويخلق بالأمر المباشر.. ما يخلقه الله بالأمر ~~المباشر منه بكلمة " كن ".. يكون خيرا مما جاء بالأسباب.. لأن الخلق ~~المباشر لا صفة لك فيه.. عطاء خالص من الله.. ms0236 أما الخالق بالأسباب فقد ~~يكون لك دور فيه.. كأن تحرث الأرض أو تبذر البذور.. ما جاء خالصا من ~~الله بدون أسبابك يقترب من عطاء الآخرة التي يعطي الله فيها بلا أسباب ~~ولكن بكلمة " كن " ، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ~~ربك خير وأبقى # [طه: 131]. فالله تبارك وتعالى يصف رزق الدنيا بأنه فتنة.. ويصف رزق ~~الآخرة بأنه خير منه.. مع أن رزق الدنيا والآخرة، وكل رزق في هذا الوجود ~~حتى الرزق الحرام هو من الله جل جلاله.. فلا رازق إلا الله ولكن الذي ~~يجعل الرزق حراما هو استعجال الناس عليه فيأخذونه بطريق حرام.. ولو ~~صبروا لجاءهم حلالا. نقول إن الله سبحانه وتعالى هو الذي يرزق.. ولكنه ~~سمى رزقا فتنة وسمى رزقا خيرا.. منه.. ذلك أن الرزق من الله بدون ~~أسباب أعلى وأفضل منزلة من الرزق الذي يتم بالأسباب. إذن الحق سبحانه ~~وتعالى حين يقول: { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي ~~هو خير } [البقرة: 61].. يكون المعنى أتستبدلون الذي هو رزق مباشر ~~من الله تبارك وتعالى.. وهو المن والسلوى يأتيكم " بكن " قريب من رزق ~~الآخرة بما هو أقل منه درجة وهو رزق الأسباب في الدنيا.. ولم يجب بنو ~~إسرائيل على هذا التأنيب.. وقال لهم الحق سبحانه وتعالى: { اهبطوا ~~مصرا فإن لكم ما سألتم } [البقرة: 61].. ولا يقال لهم ~~ذلك إلا لأنهم أصروا على الطلب برغم أن الحق جل جلاله بين لهم أن ما ~~ينزله إليهم خير مما يطلبونه. # نلاحظ هنا أن مصر جاءت منونة.. ولكن كلمة مصر حين ترد في القرآن ~~الكريم لا ترد منونة.. ومن شرف مصر أنها ذكرت أكثر من مرة في القرآن ~~الكريم.. نلاحظ أن مصر حينما يقصد بها وادي النيل لا تأتي أبدا منونة ~~وإقرأ قوله تعالى: # تبوءا لقومكما بمصر بيوتا.. # [يونس: 87]. وقوله جل جلاله: # أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي.. # [الزخرف: 51]. وقوله سبحانه: # وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي ~~مثواه.. # [يوسف: 21]. وقوله ms0237 تبارك وتعالى: # ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين # [يوسف: 99]. كلمة مصر ذكرت في الآيات الأربع السابقة بغير تنوين.. ولكن ~~في الآية التي نحن بصددها: { اهبطوا مصرا } بالتنوين.. هل مصر هذه ~~هي مصر الواردة في الآيات المشار إليها؟.. نقول لا.. لأن الشيء الممنوع ~~من الصرف للعلمية والتأنيث.. إذا كان لبقعة أو مكان.. مرة تلحظ أنه بقعة ~~فيبقى مؤنثا، ومرة تلحظ أنه مكان فيكون مذكرا.. فإن كان بقعة فهو علم ~~ممنوع من الصرف، وإن كان مكانا تكون فيه علمية وليس فيه تأنيث.. ومرة ~~تكون هناك علمية وأهمية ولكن الله صرفها في القرآن الكريم.. كلمات: نوح ~~ولوط وشعيب ومحمد وهود. كل هذه الأسماء كان مفروضا أن تمنع من الصرف ~~ولكنها صرفت.. فقيل في القرآن الكريم نوحا ولوط وشعيبا ومحمدا ~~وهودا.. إذن فهل من الممكن أن تكون مصر التي جاءت في قوله تعالى: { ~~اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم } [البقرة: 61] هي ~~مصر التي عاشوا فيها وسط حكم فرعون.. قوله تعالى: { اهبطوا مصرا } ~~[البقرة: 61] من الممكن أن يكون المعنى أي مصر من الأمصار.. ومن الممكن ~~أن تكون مصر التي عاش فيها فرعون.. وكلمة مصر تطلق على كل مكان له مفت ~~وأمير وقاض.. وهي مأخوذة من الاقتطاع.. لأنه مكان يقطع امتداد الأرض ~~الخلاء.. ولكن الثابت في القرآن الكريم.. أن مصر التي لم تنون هي علم على ~~مصر التي نعيش فيها.. أما مصرا التي خضعت للتنوين فهي تعني كل واد فيه ~~زرع. وقوله تعالى: { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } ~~[البقرة: 61].. الذلة هي المشقة التي تؤدي إلى الانكسار، ويمكن أن ترفع ~~عنك بأن تكون في حمى غيرك فيعزك بأن يقول إنك في حماه.. والله سبحانه ~~وتعالى يقول عن بني إسرائيل: # ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل ~~من الله وحبل من الناس.. # [آل عمران: 112]. حبل من الله كما حدث عندما عاهدهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المدينة، وعاشوا في حمى العهد. # . إذن بحبل من الله أي على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المؤمنين ms0238 ~~به.. وبحبل من الناس أي في حماية دولة قوية كالولايات المتحدة ~~الأمريكية.. إذا عاهدتهم عزوا وإن تركتهم ذلوا. وقوله تعالى: { ~~وضربت عليهم الذلة } [البقرة: 61] ضربت أي طبعت طبعة قوية ~~بضربة قوية تجعل الكتابة بارزة على النقود، ولذلك يقال ضربت في مصر.. أي ~~أعدت بضربة قوية أذلتهم وبقيت بارزة لا يستطيعون محوها.. أما المسكنة فهي ~~انكسار في الهيئة. أهل الكتاب كانوا يدفعون الجزية والجزية كانت تؤخذ من ~~الأغنياء.. وكانوا يلبسون الملابس القذرة، ويقفون في موقف الذل والخزي ~~حتى لا يدفعوا الجزية. وقوله تعالى: { وبآءو بغضب من الله } ~~[البقرة: 61].. أي غضب الله عليهم بذنوبهم وعصيانهم، حتى أصبح الغضب - من ~~كثرة عصيانهم - كأنه سمة من سماتهم لماذا؟: { ذلك بأنهم ~~كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ~~بغير الحق } [البقرة: 61] أي أنهم كانوا يكفرون بالنعم ولا ~~يشكرون.. ويكفرون بالآيات ويشترون بها ثمنا قليلا، ولم يكتفوا بذلك بل ~~كانوا يقتلون أنبياء الله بغير حق. الأنبياء غير الرسل.. والأنبياء أسوة ~~سلوكية ولكنهم لا يأتون بمنهج جديد.. أما الرسل فهم أنبياء بأنهم أسوة ~~سلوكية ورسل لأنهم جاءوا بمنهج جديد، ولذلك كل رسول نبي وليس كل نبي ~~رسولا. والله سبحانه وتعالى يعصم أنبياءه ورسله من الخطيئة، ولكنه يعصم ~~رسله من القتل فلا يقدر عليهم أعداؤهم.. فمجيء الأنبياء ضرورة.. لأنهم ~~نماذج سلوكية تسهل على الناس التزامهم بالمنهج، وبنو إسرائيل بعث الله ~~لهم أنبياء ليقتدوا بهم فقتلوهم.. لماذا؟.. لأنهم فضحوا كذبهم وفسقهم ~~وعدم التزامهم بالمنهج، ولذلك تجد الكافر والعاصي وغير الملتزم يغار ~~ويكره الملتزم بمنهج الله.. ويحاول إزالته عن طريقه ولو بالقتل.. إذن ~~فغضب الله عليهم من عصيانهم واعتدائهم على الأنبياء وما ارتكبوه من آثام. ### || [2.62] # بعد أن تحدث الحق سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل وكيف كفروا بنعمه.. أراد ~~أن يعرض لنا حساب الأمم التي سبقت أمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~القيامة، ولقد وردت هذه الآية في سورة المائدة ولكن بخلاف يسير من ~~التقديم والتأخير، ففي سورة المائدة: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ~~والنصارى.. # [المائدة: 69]. أي أنه ms0239 في سورة المائدة تقدمت الصابئون على النصارى، ~~واختلف الإعراب فبينما في البقرة و " والصابئين ".. وفي المائدة و ~~" والصابئون ".. وردت آية أخرى في سورة الحج: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله ~~يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل ~~شيء شهيد # [الحج: 17]. الآيات الثلاث تبدو متشابهة.. إلا أن هناك خلافات كثيرة.. ~~ما هو سبب التكرار الموجود في الآيات، وتقديم الصابئين مرة وتأخيرها.. ~~ومع تقديمها رفعت وتغير الإعراب.. وفي الآيتين الأوليين البقرة والمائدة ~~تأتي: { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون } [البقرة: 62].. أما في الآية التي في سورة الحج ~~فقد زاد فيها: # والمجوس والذين أشركوا # [الحج: 17].. واختلف فيها الخبر.. فقال الله سبحانه وتعالى: # إن الله يفصل بينهم يوم القيامة # [الحج: 17]. عندما خلق الله آدم وأنزله ليعمر الأرض أنزل معه الهدى.. ~~واقرأ قوله تعالى: # فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى # [طه: 123]. مفروض أن آدم أبلغ المنهج لأولاده.. وهؤلاء أبلغوه لأولادهم ~~وهكذا.. وتشغل الناس الحياة وتطرأ عليهم الغفلة.. ويصيبهم طمع الدنيا ~~وجشعها ويتبعون شهواتهم.. فكان لابد من رحمة الله لخلقه أن يأتي الرسل ~~ليذكروا وينذروا ويبشروا.. الآية الكريمة تقول: { إن الذين ~~آمنوا } [البقرة: 62].. أي إيمان الفطرة الذي نزل مع آدم إلى الأرض، ~~وبعد ذلك جاءت أديان كفر الناس بها فأبيدوا من على الأرض.. كقوم نوح ولوط ~~وفرعون وغيرهم.. وجاءت أديان لها اتباع حتى الآن كاليهودية والنصرانية ~~والصابئية، والله سبحانه وتعالى يريد أن يجمع كل ما سبق في رسالة محمد ~~عليه الصلاة والسلام.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء لتصفية الوضع ~~الإيماني في الأرض. إذن الذين آمنوا أولا سواء مع آدم أو مع الرسل.. ~~الذين جاءوا بعده لمعالجة الداءات التي وقعت.. ثم الذين تسموا باليهود ~~والذين تسموا بالنصارى والذين تسموا بالصابئة.. فالله تبارك وتعالى يريد ~~أن يبلغهم لقد انتهى كل هذا.. فمن آمن بمحمد صلى الله ms0240 عليه وسلم فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون. # . فكأن رسالته عليه الصلاة والسلام جاءت لتصفية كل الأديان السابقة.. ~~وكل إنسان في الكون مطالب بأن يؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام.. فقد دعى ~~الناس كلهم إلى الإيمان برسالته.. ولو بقي إنسان من عهد آدم أو من عهد ~~إدريس أو من عهد نوح أو إبراهيم أو هود.. وأولئك الذين نسبوا إلى ~~اليهودية وإلى النصرانية وإلى الصابئية.. كل هؤلاء مطالبون بالإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم والتصديق بدين الإسلام.. فالإسلام يمسح العقائد ~~السابقة في الأرض، ويجعلها مركزة في دين واحد.. الذين آمنوا بهذا الدين { ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 62].. والذين ~~لم يؤمنوا لهم خوف وعليهم حزن، وهذا إعلان بوحدة دين جديد.. ينتظم فيه كل ~~من في الأرض إلى أن تقوم الساعة.. أما أولئك الذين ظلوا على ما هم عليه.. ~~ولم يؤمنوا بالدين الجديد.. لا يفصل الله بينهم إلا يوم القيامة، ولذلك ~~فإن الآية التي تضمنت الحساب والفصل يوم القيامة.. جاء فيها كل من لم ~~يؤمن بدين محمد عليه الصلاة والسلام.. بما فيهم المجوس والذين أشركوا. ~~والحق تبارك وتعالى أراد أن يرفع الظن.. عمن تبع دينا سبق الإسلام ~~وبقي عليه بعد الإسلام.. وهو يظن أن هذا الدين نافعه.. نقول له أن الحق ~~سبحانه وتعالى قد حسم هذه القضية في قوله تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه.. # [آل عمران: 85]. وقوله جل جلاله: # إن الدين عند الله الإسلام.. # [آل عمران: 19]. إذن التصفية النهائية لموكب الإيمان والرسالات في ~~الوجود حسمت.. فالذي آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام.. لا يخاف ولا يحزن ~~يوم القيامة.. والذي لم يؤمن يقول الله تبارك وتعالى له: # إن الله يفصل بينهم يوم القيامة # [الحج: 17].. إذن الذين آمنوا هم الذين ورثوا الإيمان من عهد آدم.. ~~والذين هادوا هم أتباع موسى عليه السلام.. وجاء الاسم من قولهم: " إنا ~~هدنا إليك " - أي عدنا إليك.. والنصارى جمع نصراني وهم منسوبون إلى ~~الناصرة البلدة التي ولد فيها عيسى عليه السلام.. أو من قول الحواريين ~~نحن ms0241 أنصار الله في قوله تعالى: # فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري ~~إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا ~~بالله واشهد بأنا مسلمون # [آل عمران: 52]. أما الصابئة فقد اختلف العلماء فيهم.. قال بعضهم هم ~~أتباع نوح ولكنهم غيروا بعده وعبدوا من دون الله الوسائط في الكون كالشمس ~~والقمر والكواكب.. أو الصابئة هم الذين انتقلوا من الدين الذي كان ~~يعاصرهم إلى الدين الجديد.. أو هم جماعة من العقلاء قالوا ما عليه قومنا ~~لا يقنع العقل. # . كيف نعبد هذه الأصنام ونحن نصنعها ونصلحها؟.. فامتنعوا عن عبادة أصنام ~~العرب.. فقالوا عنهم إنهم صبأوا عن دين آبائهم.. أي تركوه وآمنوا بالدين ~~الجديد.. وأيا كان المراد بالصابئين فهم كل من مال عن دينه إلى دين آخر. ~~إننا نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى.. جاء بالصابئين في سورة البقرة متأخرة ~~ومنصوبة.. وفي سورة المائدة متقدمة ومرفوعة.. نقول هذا الكلام يدخل في ~~قواعد النحو.. الآية تقول: { إن الذين آمنوا } [البقرة: 62].. ~~نحن نعرف أن إن تنصب الاسم وترفع الخبر.. فالذين مبني لأنه اسم ~~موصول في محل نصب اسم إن: " والذين هادوا " معطوف على الذين آمنوا يكون ~~منصوبا أيضا.. والنصارى معطوف أيضا على اسم إن.. والصابئين معطوف ~~أيضا ومنصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم. نأتي إلى قوله تعالى: { من ~~آمن بالله واليوم الآخر } [البقرة: 62] هذه مستقيمة في سورة ~~البقرة إعرابا وترتيبا.. والصابئين تأخرت عن النصارى لأنهم فرقة ~~قليلة.. لا تمثل جمهرة كثيرة كالنصارى.. ولكن في آية المائدة تقدمت ~~الصابئون وبالرفع في قوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا } [البقرة: 62].. الذين آمنوا اسم إن والذين هادوا معطوف.. و ~~" الصابئون " كان القياس إعرابيا أن يقال والصابئين.. وبعدها النصارى ~~معطوفة.. ولكن كلمة الصابئون توسطت بين اليهود وبين النصارى.. وكسر ~~إعرابها بشكل لا يقتضيه الظاهر.. وللعرب أذن مرهفة لغويا.. فمتى سمع ~~الصابئين التي جاءت معطوفة على اسم إن تأتي بالرفع يلتفت لفتة قسرية ~~ليعرف السبب. حين تولى أبو جعفر المنصور الخلافة.. وقف على المنبر ولحن ~~لحنة أي أخطأ في نطق كلمة.. وكان ms0242 هناك أعرابي يجلس فآذت أذنيه.. وأخطأ ~~المنصور للمرة الثانية فحرك الأعرابي أذنيه باستغراب.. وعندما أخطأ ~~للمرة الثالثة قام الإعرابي وقال.. أشهد أنك وليت هذا الأمر بقضاء وقدر.. ~~أي أنك لا تستحق هذا.. هذا هو اللحن إذا سمعه العربي هز أذنيه.. فإذا جاء ~~لفظ مرفوعا والمفروض أن يكون منصوبا.. فإن ذلك يجعله يتنبه أن الله له ~~حكمة وعلة.. فما هي العلة؟ الذين آمنوا أمرهم مفهوم والذين هادوا أمرهم ~~مفهوم والنصارى أمرهم مفهوم.. أما الصابئون فهؤلاء لم يكونوا تابعين ~~لدين.. ولكنهم سلكوا طريقا مخالفا.. فجاءت هذه الآية لتلفتنا أن هذه ~~التصفية تشمل الصابئين أيضا.. فقدمتها ورفعتها لتلفت إليها الآذان ~~بقوة.. فالله سبحانه وتعالى يعطف الإيمان على العمل لذلك يقول دائما: " ~~آمن وعمل صالحا ".. لأن الإيمان إن لم يقترن بعمل فلا فائدة منه.. والله ~~يريد الإيمان أن يسيطر على حركة الحياة بالعمل الصالح.. فيأمر كل مؤمن ~~بصالح العمل وهؤلاء لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون في الآخرة. ### || [2.63] # يمتن الله سبحانه وتعالى مرة أخرى على بني إسرائيل بالنعم التي أنعم ~~بها عليهم ويذكرهم بجحودهم بها.. ولكننا نلاحظ أن القرآن الكريم حينما ~~يتكلم عن اليهود.. يتكلم عنهم بالخطاب المباشر.. فهل الذين عاصروا نزول ~~القرآن وهم الذين أخذ الله تبارك وتعالى عليهم الميثاق.. هؤلاء مخاطبون ~~بمراد آبائهم وأجدادهم الذين عاصروا موسى عليه السلام. نقول إنه كان ~~المطلوب من كل جد أو أب أن يبلغ ذريته ما انتهت إليه قضية الإيمان.. فحين ~~يمتن الله عليهم أنه أهلك أهل فرعون وأنقذهم.. يمتن عليهم لأنه أنقذ ~~آباءهم من التذبيح.. ولولا أنه أنقذهم ما جاء هؤلاء اليهود المعاصرون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. فهم كانوا مطمورين في ظهور آبائهم.. ~~ولكي ينقذهم الله كان لابد أن تستمر حلقة الحياة متصلة.. فمتى انتهت حياة ~~الأب قبل أن يتزوج وينجب انتهت في اللحظة نفسها حياة ذريته.. الشيء نفسه ~~ينطبق على قول الحق سبحانه وتعالى: # وإذ استسقى موسى لقومه # [البقرة: 60].. امتنان على اليهود المعاصرين لنزول القرآن.. لأنه سبحانه ~~وتعالى لو ms0243 لم ينقذ آباءهم من الموت عطشا لماتوا بلا ذرية. إذن كل امتنان ~~على اليهود في عهد موسى هو امتنان على ذريته في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم.. والحق سبحانه وتعالى أخذ على اليهود الميثاق القديم، ولولا ~~هذا الميثاق ما آمنوا ولا آمنت ذريتهم. وقوله تعالى: { ورفعنا ~~فوقكم الطور } [البقرة: 63].. أي أن الله تبارك وتعالى يذكرهم ~~بأنهم بعد أن نجوا وأغرق الله فرعون وقومه ذهب موسى لميقات ربه ليتلقى ~~عنه التوراة.. فعبد بنو إسرائيل العجل. وعندما عاد موسى بالتوراة ~~وبالألواح، وجدوا في تعاليمها مشقة عليهم.. وقالوا نحن لا نطيق هذا ~~التكليف وفكروا ألا يلتزموا به وألا يقبلوه. التكليف هو من مكلف هو الله ~~سبحانه وتعالى.. وهم يقولون إن الله كلفهم ما لا يطيقون.. مع أن الله جل ~~جلاله لا يكلف نفسا إلا وسعها.. هذا هو المبدأ الإيماني الذي وضعه الحق ~~جل جلاله.. يظن بعض الناس أن معنى الآية الكريمة: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.. # [البقرة: 286]. يظنون أننا نضع أنفسنا حكما على تكليف الله.. فإن كنا ~~نعتقد أننا نقدر على هذا التكليف نقل هو من الله وإن كنا نعتقد أننا لا ~~نقدر عليه بحكمنا نحن.. نقول الله لم يكلفنا بهذا لأنه فوق طاقتنا.. ولكن ~~الحكم الصحيح هل كلفك الله بهذا الأمر أو لم يكلفك؟ إن كان الله قد كلفك ~~فهو عليم بأن ذلك في وسعك لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها. # . ونحن نسمع الآن صيحات تقول أن العصر لم يعد يحتمل، وأن ظروف الدنيا ~~وسرعة الحركة فيها وسرعة الأحداث هي تبرير أنه ليس في وسعنا أن نؤدي بعض ~~التكاليف.. ربما كان هذا التكليف في الوسع في الماضي عندما كانت الحياة ~~بسيطة وحركتها بطيئة ومشاكلها محدودة. نقول لمن يردد هذا الكلام: إن ~~الذي كلفك قديما هو الله سبحانه وتعالى.. إنه يعلم أن في وسعك أن تؤدي ~~التكليف وقت نزوله، وبعد آلاف السنين من نزوله وحتى قيام الساعة.. ~~والدليل على ذلك أن هناك من يقوم بالتكليف ويتطوع بأكثر منه ليدخل ms0244 في ~~باب الإحسان، فهناك من يصلي الفروض وهي التكليف.. وهناك من يزيد ~~عليها السنن.. وهناك من يقوم الليل.. فيظل يتقرب إلى الله تبارك وتعالى ~~بالتطوع من جنس ما فرض.. وهناك من يصوم رمضان ومن يتطوع ويصوم أوائل ~~الشهور العربية.. أو كل اثنين وخميس على مدار العام أو في شهري رجب ~~وشعبان.. وهناك من يحج مرة ومن يحج مرات.. وهناك من يلتزم بحدود ~~الزكاة ومن يتصدق بأكثر منها. إذن كل التكاليف التي كلفنا الله بها في ~~وسعنا وأقل من وسعنا.. ولا يقال إن العصر قد اختلف، فنحن الذين نعيش هذا ~~العصر.. بكل ما فيه من متغيرات نقوم بالتكاليف ونزيد عليها دون أي مشقة، ~~والله سبحانه وتعالى رفع فوق بني إسرائيل الطور رحمة بهم.. تماما كما ~~يمسك الطبيب المشرط ليزيل صديدا تكون داخل الجسد.. لأن الجسد لا يصح ~~بغير هذا. لذلك عندما أراد الله سبحانه وتعالى أن يصيب بفضله ورحمته بني ~~إسرائيل رغم أنوفهم.. رفع فوقهم جبل الطور الموجود في سيناء.. وقال لهم ~~تقبلوا التكليف أو أطبق عليكم الجبل.. تماما كما أهلك الله تبارك وتعالى ~~الذين كفروا ورفضوا الإيمان وقاوموا الرسل الذين من قبلهم.. قد يقول ~~البعض إن الله سبحانه وتعالى أرغم اليهود على تكليف وهو القائل: # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.. # [البقرة: 256]. وقوله تعالى: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29]. نقول إن الله جل جلاله لم يرغم أحدا على التكليف، ولكنه ~~رحمة منه خيرهم بين التكليف وبين عذاب يصيبهم فيهلكهم.. وهذا العذاب هو ~~أن يطبق عليهم جبل الطور.. إذن المسألة ليس فيها إجبار ولكن فيها ~~تخيير.. وقد خير الذين من قبلهم بين الإيمان والهلاك فلم يصدقوا حتى ~~أصابهم الهلاك.. ولكن حينما رأى بنو إسرائيل الجبل فوقهم خشعوا ساجدين ~~على الأرض.. وسجودهم دليل على أنهم قبلوا المنهج.. ولكنهم كانوا وهم ~~ساجدون ينظرون إلى الجبل فوقهم خشية أن يطبق عليهم. # . ولذلك تجد سجود اليهود حتى اليوم على جهة من الوجه.. بينما الجهة ~~الأخرى تنظر إلى أعلى وكان ذلك ms0245 خوفا من أن ينقض الجبل عليهم.. ولو سألت ~~يهوديا لماذا تسجد بهذه الطريقة يقول لك: أحمل التوراة ويهتز منتفضا.. ~~نقول إنهم اهتزوا ساعة أن رفع الله جبل الطور فوقهم.. فكانوا في كل صلاة ~~يأخذون الوضع نفسه، والذين شهدوهم من أولادهم وذريتهم.. اعتقدوا أنها شرط ~~من شروط السجود عندهم.. ولذلك أصبح سجودهم على جانب من الوجه.. ونظرهم ~~إلى شيء أعلاهم يخافون منه.. أي أن الصورة التي حدثت لهم ساعة رفع جبل ~~الطور لا زالوا باقين عليها حتى الآن. في هذه الآية الكريمة يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { ورفعنا فوقكم الطور } [البقرة: 63] وفي آية ~~أخرى يقول المولى جل جلاله في نفس ما حدث: # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا ~~أنه واقع بهم خذوا مآ ءاتينكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون # [الأعراف: 171]. " نتقنا " كأن الجبل وتد في الأرض ونريد أن نخلعه.. ~~فنحركه يمينا ويسارا حتى يمكن أن يخرج من الأرض.. هذه الحركة والزحزحة ~~والجذب هي النتق.. والجبل كالوتد تماما يحتاج إلى هز وزعزعة وجذب حتى ~~يخرج من مكانه.. وهذه الصورة عندما حدثت خشعوا وسجدوا وتقبلوا المنهج. ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } ~~[البقرة: 63].. الأخذ عادة مقابل للعطاء.. أنت تأخذ من معط.. والتكليف ~~أخذ من الله حتى تعطي به حركة صلاح في الكون.. إذن كل أخذ لابد أن يأتي ~~منه عطاء فأنت تأخذ من الجيل الذي سبقك وتعطي للجيل الذي يليك.. ولكنك لا ~~تعطيه كما هو، ولكن لابد أن تضيف عليه. وهذه الإضافة هي التي تصنع ~~الحضارات. وقوله تعالى: { بقوة } [البقرة: 63].. أي لا تأخذوا ~~التكليف بتخاذل.. والإنسان عادة يأخذ بقوة ما هو نافع له.. ولذلك فطبيعة ~~مناهج الله أن تؤخذ بقوة وبيقين.. لتعطي خيرا كثيرا بقوة وبيقين.. وإذا ~~أخذت منهج الله بقوة فقد ائتمنت عليه وأن صدرك قد انشرح وتريد أن تأخذ ~~أكثر.. لذلك تجد في القرآن الكريم يسألونك عن كذا.. دليل على أنهم عشقوا ~~التكليف وعلموا أنه نافع فهم يريدون زيادة النفع. وما دام الحق سبحانه ~~وتعالى قال: { خذوا مآ ms0246 ءاتينكم بقوة } [البقرة: 63].. فقد ~~عشقوا التكليف ولم يعد شاقا على أنفسهم. وقوله تعالى: { واذكروا ~~ما فيه لعلكم تتقون } [البقرة: 63].. اذكروا ما فيه أي ما ~~في المنهج وأنه يعالج كل قضايا الحياة واعرفوا حكم هذه القضايا.. { ~~لعلكم تتقون } [البقرة: 63] أي تطيعون الله وتتقون عقابه ~~وعذابه يوم القيامة. ### || [2.64] # بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى لنا كيف أمر اليهود بأن يتذكروا المنهج ~~ولا ينسوه.. وكان مجرد تذكرهم للمنهج يجعلهم يؤمنون بالإسلام وبرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأنه مكتوب عندهم في التوراة ومذكورة أوصافه.. ماذا ~~فعل اليهود؟ يقول الحق تبارك وتعالى: { ثم توليتم من بعد ~~ذلك } [البقرة: 64].. أي أعرضتم عن منهج الله ونسيتموه ولم تلتفتوا ~~إليه.. { فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم ~~من الخاسرين } [البقرة: 64] ما هو الفضل وما هي الرحمة؟ الفضل هو ~~الزيادة عما تستحق.. يقال لك هذا حقك وهذا فضل مني أي زيادة على حقك. عن ~~عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لا يدخل أحدا الجنة عمله قالوا: ~~ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة " # فإذا تساءلت كيف يتم هذا؟ وكيف أنه لا أحد يدخل الجنة بعمله؟ نقول نعم ~~لأن عمل الدنيا كله لا يساوي نعمة من نعم الله على خلقه فأنت تذكرت العمل ~~ولم تتذكر الفضل.. وكل من يدخل الجنة فبفضل الله سبحانه وتعالى.. حتى ~~الشهداء الذين أعطوا حياتهم وهي كل ما يملكون في هذه الدنيا.. يقول الحق ~~سبحانه وتعالى عنهم: # فرحين بمآ آتاهم الله من فضله ويستبشرون ~~بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون # [آل عمران: 170]. فإذا كان هؤلاء الشهداء وهم في أعلى مراتب الجنة قد ~~دخلوا الجنة بفضل الله.. فما بالك بمن هم أقل منهم أجرا.. والله سبحانه ~~وتعالى له فضل على عباده جميعا.. واقرأ قوله تعالى: # إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون # [البقرة: 243]. أما الرحمة فهي التي فتحت طريق التوبة ms0247 لغفران الذنوب. ~~والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه لولا هذا الفضل لبني ~~إسرائيل.. ولولا أنه فتح لهم باب الرحمة والمغفرة ليعودوا مرة أخرى إلى ~~ميثاقهم ومنهجهم.. لولا هذا لكانوا من الخاسرين الذين أصابهم خسران مبين ~~في الدنيا والآخرة.. ولكن الله تبارك وتعالى بفضل منه ورحمة قد قادهم إلى ~~الدين الذي حفظه الله سبحانه وتعالى بقدرته من أي تحريف.. فرفع عنهم عبء ~~حفظ الكتاب.. وما ينتج عن ذلك من حمل ثقيل في الدنيا.. ورحمهم برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين.. مصداقا لقوله تبارك ~~وتعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. وأعطاهم فضل هذا الدين الخاتم الذي حسم قضية الإيمان ~~في هذا الكون.. ومع هذه الرحمة وهذا الفضل.. بأن نزل إليهم في التوراة ~~أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وموعد بعثه.. فتح لهم بابا حتى لا ~~يصبحوا من الخاسرين.. ولكنهم تركوا هذا الباب كما تولوا عن دينهم. ### || [2.65] # بعد أن بين الله جل جلاله لنا كيف أنه فتح باب الفضل والرحمة لليهود ~~فتركوه.. أراد أن يبين لنا بعض الذي فعلوه في مخالفة أوامر الله والتحايل ~~عليها.. والله تبارك وتعالى له أوامر في الدين وأوامر تتعلق بشئون ~~الدنيا.. وهو لا يحب أن نأخذ أي أمر له يتعلق بالدين أو بالدنيا مأخذ عدم ~~الجد.. أو نفضل أمرا على أمر.. ولذلك تجد في سورة الجمعة مثلا قول الحق ~~تبارك وتعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل ~~الله.. # [الجمعة: 9-10]. هذان أمران أحدهما في الدين والثاني يتعلق بالدنيا.. ~~وكلاهما من منهج الله.. فالله لا يريدك أن تتاجر وتعمل وقت الصلاة.. ولا ~~أن تترك عملك بلا داع وتبقى في المسجد بعد الصلاة.. إذا نودي للصلاة فإلى ~~المسجد.. وإذا قضيت الصلاة فإلى السعي للرزق.. وهناك يومان في الأسبوع ~~ذكرا في القرآن بالاسم وهما يوم الجمعة والسبت.. بينما ms0248 أيام الأسبوع ~~سبعة، خمسة أيام منها لم تذكر في القرآن بالاسم.. وهي الأحد والاثنين ~~والثلاثاء والأربعاء والخميس.. الجمعة هي عيد المسلمين الذي شرع فيه ~~اجتماعهم في المساجد وأداء صلاة الجماعة.. ونلاحظ أن يوم الجمعة لم يأخذ ~~اشتقاقه من العدد.. فأيام الأسبوع نسبت إلى الأعداد فيما عدا الجمعة ~~والسبت. لذلك تجد الأحد منسوب إلى واحد والاثنين منسوب إلى اثنين.. ~~والثلاثاء منسوب إلى ثلاثة والأربعاء منسوب إلى أربعة والخميس منسوب إلى ~~خمسة.. كان المفروض أن ينسب يوم الجمعة إلى ستة ولكنه لم ينسب.. لماذا؟ ~~لأنه اليوم الذي اجتمع فيه للكون نظام وجوده.. فسماه الله تبارك وتعالى ~~الجمعة وجعله لنا عيدا.. والعيد هو اجتماع كل الكون في هذا اليوم، ~~اجتماع نعمة الله في إيجاد الكون وتمامها في ذلك اليوم.. فالمؤمنون بالله ~~يجتمعون اجتماع حفاوة بتمام خلق الكون لهم.. والسبت.. الباء والتاء تفيد ~~معنى القطع.. وسبت ويسبت سبتا إذا انقطع عمله.. ونلاحظ أن خلق السماوات ~~والأرض تم في ستة أيام مصداقا لقوله تعالى: # هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام.. # [الحديد: 4]. وكان تمام الخلق يوم الجمعة.. وفي اليوم السابع وهو يوم ~~السبت.. كان كل شيء قد استقر وفرغ من خلق الكون.. ولذلك له سبات أي أن ~~هذا اليوم يسمى سباتا.. لأن فيه سكون الحركة بعد تمام الخلق.. فلما أراد ~~اليهود يوما للراحة أعطاهم الله يوم السبت وأراد الحق تبارك وتعالى أن ~~يبتليهم في هذا اليوم والابتلاء هو امتحانهم فقد كانوا يعيشون على البحر ~~وعملهم كان صيد السمك. # . وكان الابتلاء في هذا اليوم حيث حرم الله عليهم فيه العمل وجعل ~~الحيتان التي يصطادونها تأتي إليهم وقد بدت أشرعتها وكانوا يبحثون عنها ~~طوال الأسبوع وربما لا يجدونها.. وفي يوم السبت جاءتهم ظاهرة على سطح ~~الماء تسعى إليهم لتفتنهم.. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ~~إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم ~~سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك ~~نبلوهم بما كانوا يفسقون # [الأعراف: 163]. وهكذا يمتلئ سطح البحر بالأسماك ms0249 والحيتان يوم السبت.. ~~فإذا جاء صباح الأحد اختفت بعيدا وهم يريدون أن يجعلوا السبت عيدا لهم ~~لا يفعلون فيه أي شيء.. ولكنهم في الوقت نفسه يريدون أن يحصلوا على هذه ~~الأسماك والحيتان.. صنعوا شيئا اسمه الحياض العميقة ليحتالوا بها على ~~أمر الله بعدم العمل في هذا اليوم.. وفي الوقت نفسه يحصلون على الأسماك.. ~~هذه الحياض يدخلها السمك بسهولة.. ولأنها عميقة لا يستطيع الخروج منها ~~ويتركونه يبيت الليل وفي الصباح يصطادونه.. وكان هذا تحايلا منهم على ~~مخالفة أمر الله.. والله سبحانه وتعالى لا يحب من يحتال في شيء من ~~أوامره. ويقول الله تعالى: { ولقد علمتم الذين اعتدوا ~~منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين } ~~[البقرة: 65].. وهذه قصة مشهورة عند اليهود ومتواترة.. يعلمها الأجداد ~~للآباء والآباء للأحفاد.. وهي ليست جديدة عليهم وإن كان المخاطبون هم ~~اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولذلك عندما سمع: " ~~ولقد علمتم " أي لقد عرفتم ومعنى ذلك أن القصة عندكم معروفة.. وكأنها من ~~قصص التراث التي يتناقلونها.. وقوله تعالى: { الذين اعتدوا ~~منكم في السبت } [البقرة: 65].. المفعول هنا واحد هنا حيلة ~~مذكورة أنهم اعتدوا على أمر الله بالراحة يوم السبت.. هم حقيقة لم ~~يصطادوا يوم السبت.. ولكنهم تحايلوا على الممنوع بنصب الفخاخ للحيتان ~~والأسماك.. وكانوا في ذلك أغبياء.. وقد كان الممنوع أن يأخذوا السمك في ~~حيازتهم بالصيد يوم السبت.. ولكنهم أخذوه في حيازتهم بالحيلة والفخاخ.. ~~وقوله تعالى: " اعتدوا " أي تجاوزوا حدود الله المرسومة لهم.. وعادة حين ~~يحرم الله شيئا يأتي بعد التحريم قوله تعالى: # تلك حدود الله فلا تقربوها.. # [البقرة: 187]. لأنه يريد أن يمنعك من الإغراء.. حتى لا تقع في المعصية ~~فيقول لك لا تقترب.. ولكن بني إسرائيل اعتدوا على حكم الله متظاهرين ~~بالطاعة وهم عاصون.. وحسبوا أنهم يستطيعون خداع الله بأنهم طائعون مع ~~أنهم عاصون. # . وصدر حكم الله عليهم: { فقلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين } [البقرة: 65]. وعادة أنك لا تأمر إنسانا أمرا إلا إذا كان ~~في قدرته أن يفعله.. الأمر هنا أن يكونوا قردة.. فهل يستطيعون ms0250 تنفيذه؟ ~~وأن يغيروا خلقتهم إلى قردة.. إنه أمر في مقدرة الله وحده فكيف يقول لهم ~~كونوا قردة؟ نقول إن الآمر نفسه هنا هو الذي يستطيع أن يجعلهم قردة.. ~~وهذا الأمر يسمى أمرا تسخيريا ولم يقل لهم كونوا قردة ليكونوا هم ~~بإرادتهم قردة.. ولكنه سبحانه بمجرد أن قال كونوا قردة كانوا.. وهذا ~~يدلنا على انصياع المأمور للأمر وهو غير مختار.. ولو كان لا يريد ذلك ولا ~~يلزم أن يكونوا قد سمعوا قول الله أو قال لهم.. لأنه لو كان المطلوب منهم ~~تنفيذ ما سمعوه ربما كان ذلك لازما.. ولكن بمجرد صدور الأمر وقبل أن ~~ينتبهوا أو يعلموا شيئا كانوا قردة. ولقد اختلف العلماء كيف تحول هؤلاء ~~اليهود إلى قردة؟ كيف مسخوا؟ قال بعضهم لقد تم المسخ وهم لا يدرون.. فلما ~~وجدوا أنفسهم قد تحولوا إلى خلق أقل من الإنسان.. لم يأكلوا ولم يشربوا ~~حتى ماتوا.. وقال بعض العلماء إن الإنسان إذا مسخ فإنه لا يتناسل، ولذلك ~~فبمجرد مسخهم لم يتناسلوا حتى انقرضوا.. ولماذا لم يتناسلوا؟ لأن الله ~~سبحانه وتعالى يقول: # ولا تزر وازرة وزر أخرى.. # [الأنعام: 164]. ولو أنهم تناسلوا.. لتحمل الأبناء وزر آبائهم.. وهذا ~~مرفوض عند الله.. إذن فمن رحمة الله أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ~~يتناسلون.. ويبقون فترة ثم ينقرضون بالأمراض والأوبئة وهذا ما حدث لهم. ~~قد يقول بعض الناس لو أنهم مسخوا قردة.. فمن أين جاء اليهود الموجودون ~~الآن؟ نقول لهم إنه لم يكن كل اليهود عاصين.. ولكن كان منهم أقلية هي ~~التي عصت ومسخت.. وبقيت الأكثرية ليصل نسلها إلينا اليوم.. وقد قال علماء ~~آخرون أن هناك آية في سورة المائدة تقول: # قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ~~من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا ~~وأضل عن سوآء السبيل # [المائدة: 60]. إذن هذه قضية قوم غضب الله عليهم ومسخهم قردة وخنازير ~~وعبدة الطاغوت.. ولقد أخبرنا الله جل جلاله أن اليهود مسخوا قردة.. ولكنه ~~لم يقل لنا أنهم مسخوا خنازير.. ms0251 فهل مسخوا قردة؟ ثم بعد ذلك ازداد غضب ~~الله عليهم ومسخوا خنازير؟ وهل نقلهم الله من إنسانية إلى بهيمية في ~~القيم والإرادة والخلقة؟ نقول علينا أولا أن ننظر إلى البهيمية التي ~~نقلهم الله إليها.. نجد أن القردة هي الحيوان الوحيد المفضوح العورة ~~دائما. # . وإن عورته لها لون مميز عن جسده.. وأنه لا يتأدب إلا بالعصا.. واليهود ~~كذلك لم يقبلوا المنهج إلا عندما رفع فوقهم جبل الطور.. وما هم فيه الآن ~~ليس مسخ خلقه ولكن مسخ خلق.. والخنازير لا يغارون على أنثاهم وهذه ~~لازمة موجودة في اليهود.. وعبدة الطاغوت.. الطاغوت هو كل إنسان تجاوز ~~الحد في البغي والظلم.. وعباد الطاغوت هم الطائعون لكل ظالم يعينونه على ~~ظلمه وهم كذلك. إذن فعملية المسخ هذه سواء تمت مرة واحدة أو على مرتين ~~مسألة شكلية.. ولكن الله سبحانه وتعالى أعطانا في الآية التي ذكرناها في ~~سورة المائدة سمات اليهود الأخلاقية.. فكأنهم مسخوا خلقة ومسخوا أخلاقا. ### || [2.66] # يريد الله تبارك وتعالى أن يلفتنا إلى أنه بعد أن جعل المسخة الخلقية ~~والأخلاقية لليهود: { فجعلناها نكالا لما بين يديها } ~~[البقرة: 66] أي ما معها: { وما خلفها } [البقرة: 66] أي ما بعدها: ~~" والنكال " هو العقوبة الشديدة.. والعقوبة لابد أن تنشأ عن تجريم ~~أولا.. هذا هو المبدأ الإسلامي والمبدأ القانوني.. فرجال القانون يقولون ~~لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم إلا بنص.. قبل أن تعاقب لابد أن تقول إن ~~هذا الفعل جريمة عقوبتها كذا وكذا.. وفي هذه الحالة عندما يرتكبها أي ~~إنسان يكون مستحقا للعقوبة.. وما دام هذا هو الموقف فلابد من تشريع. ~~والتشريع ليس معناه أن الله شرع العقوبة.. ولكن معناه محاولة منع الجريمة ~~بالتخويف حتى لا يفعلها أحد.. فإذا تمت الجريمة فلابد من توقيع العقوبة.. ~~لأن توقيعها عبرة للغير ومنع له من ارتكابها.. وهذا الزجر يسمى نكولا ~~ومنها النكول في اليمين أي الرجوع فيه. إذن قوله تعالى: { فجعلناها ~~نكالا } [البقرة: 66].. أي جعلناهم زجرا وعقابا قويا.. حتى لا يعود ~~أحد من بني إسرائيل إلى مثل هذه المخالفة: { نكالا لما بين ~~يديها ms0252 } [البقرة: 66].. أي عقوبة حين يرويها الذين عاصروها تكفي ~~لكيلا يقتربوا من هذه المعصية أبدا.. وتكون لهم موعظة لا ينسونها: { ~~وما خلفها } [البقرة: 66] يعني جعلناها تتوارثها الأجيال من بني ~~إسرائيل جيلا بعد جيل.. كما بينا الأب يحكي لابنه حتى لا يعود أحد في ~~المستقبل إلى مثل هذا العمل من شدة العقوبة: { وموعظة ~~للمتقين } [البقرة: 66].. أي موعظة لكل الناس الذين سيبلغهم الله ~~تبارك وتعالى بما حدث من بني إسرائيل وما عاقبهم به.. حتى يقوا أنفسهم شر ~~العذاب يوم القيامة الذي سيكون فيه ألوان أشد كثيرا من هذا العذاب.. على ~~أننا لابد أن نلفت الانتباه إلى أن مبدأ " إنه لا عقوبة إلا بتجريم ولا ~~تجريم إلا بنص " هو مبدأ إلهي.. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. أي يأتي الرسول أولا ليجرم هذه الأفعال.. فإن ارتكبها ~~أحد من خلق الله حقت عليه العقوبة.. ومن هنا فإن كل ما يقال عن قوانين ~~بأثر رجعي مخالف لشريعة الله تبارك وتعالى وعدله.. فلا يوجد في عدالة ~~السماء ما يقال عنه أثر رجعي. ### || [2.67] # تعرضنا إلى هذه الآية الكريمة في بداية سورة البقرة.. لأن السورة سميت ~~بهذا الاسم.. ونلاحظ هنا أن الله سبحانه وتعالى أتى بحرف: " وإذ ".. يعني ~~واذكروا: { وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم ~~أن تذبحوا بقرة } [البقرة: 67].. ولم يقل لماذا أمرهم بأن ~~يذبحوا البقرة.. ولابد أن نقرأ الآيات إلى آخر القصة لنعرف السبب في قوله ~~تعالى: # وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ~~ما كنتم تكتمون * فقلنا اضربوه ببعضها كذلك ~~يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم ~~تعقلون # [البقرة: 72-73]. والمفروض في كل الأمور أن الأمر تسبقه علته.. ولكن هذه ~~عظمة القرآن الكريم.. لأن السؤال عن العلة أولا معناه أن الأمر صادر من ~~مساو لك.. فإذا قال لك إنسان افعل كذا.. تسأله لماذا حتى أطيع الأمر ~~وأنفذه.. إذن الأمر من المساوي هو الذي تسأل عن علته.. ولكن الأمر من غير ~~المساوي.. كأمر الأب لابنه والطبيب لمريضه والقائد لجنوده.. مثل هذا ms0253 ~~الأمر لا يسأل عن علته قبل تنفيذه.. لأن الذي أصدره أحكم من الذي صدر ~~إليه الأمر.. ولو أن كل مكلف من الله أقبل على الأمر يسأل عن علته ~~أولا.. فيكون قد فعل الأمر بعلته. فكأنه قد فعله من أجل العلة.. ومن هنا ~~يزول الإيمان.. ويستوي أن يكون الإنسان مؤمنا أو غير مؤمن.. ويكون تنفيذ ~~الأمر بلا ثواب من الله.. إن الإيمان يجعل المؤمن يتلقى الأمر من الله ~~طائعا.. عرف علته أو لم يعرف.. ويقوم بتنفيذه لأنه صادر من الله.. ولذلك ~~فإن تنفيذ أي أمر إيماني يتم لأن الأمر صادر من الله.. وكل تكليف يأتي.. ~~علة حدوثه هي الإيمان بالله.. ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يبدأ كل ~~تكليف بقوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا ".. أي يا من آمنت بالله ربا ~~وإلها وخالقا.. خذ عن الله وافعل لأنك آمنت بمن أمرك. في هذه الآيات ~~التي نحن بصددها أراد الله تعالى أن يبين لنا ذلك.. فجاء بالأمر بذبح ~~البقرة أولا.. وبالعلة في الآيات التي روت لنا علة القصة.. وأنت حين ~~تعبد الله فكل ما تفعله هو طاعة لله سبحانه وتعالى.. سواء عرفت العلة أو ~~لم تعرفها، فأنت تؤدي الصلاة لأن الله تبارك وتعالى أمرك بأن تصلي.. فلو ~~أديت الصلاة على أنها رياضة أو أنها وسيلة للاستيقاظ المبكر.. أو أنها ~~حركات لازمة لليونة المفاصل فإن صلاتك تكون بلا ثواب ولا أجر. # . إن أردت الرياضة فاذهب إلى أحد النوادي وليدربك أحد المدربين لتكون ~~الرياضة على أصولها.. وأن أردت اللياقة البدنية فهناك ألف طريقة لذلك.. ~~وإن أردت عبادة الله كما أمرك الله فلتكن صلاتك التي فرضها الله عليك لأن ~~الله فرضها.. وكذلك كل العبادات الأخرى.. الصوم ليس شعورا بإحساس ~~الجائع.. ولا هو طريقة لعمل الرجيم ولكنه عبادة.. إن لم تصم تنفيذا لأمر ~~الله بالصوم فلا ثواب لك.. وإن جعلت للصيام أي سبب إلا العبادة فإنه صيام ~~لا يقبله الله.. والله أغنى الشركاء عن الشرك.. فمن أشرك معه أحدا ترك ~~الله عمله لمن أشركه.. وكذلك كل العبادات. ms0254 هذا هو المفهوم الإيماني الذي ~~أراد الله سبحانه وتعالى أن يلفتنا إليه في قصة بقرة بني إسرائيل.. ولذلك ~~لم يأت بالعلة أو السبب أولا.. بل أتى بالقصة ثم أخبرنا سبحانه في آخرها ~~عن السبب.. وسواء أخبرنا الله عن السبب أو لم يخبرنا فهذا لا يغير في ~~إيماننا بحقيقة ما حدث.. وإن القصة لها حكمة وإن خفيت علينا فهي موجودة. ~~قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة } ~~[البقرة: 67].. أعطى الله تبارك وتعالى الأمر أولا ليختبر قوة إيمان بني ~~إسرائيل.. ومدى قيامهم بتنفيذ التكليف دون تلكؤ أو تمهل.. ولكنهم بدلا ~~من أن يفعلوا ذلك أخذوا في المساومة والتباطؤ: { وإذ قال موسى ~~لقومه } [البقرة: 67].. كلمة قوم تطلق على الرجال فقط.. ولذلك يقول ~~القرآن الكريم: # يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم.. # [الحجرات: 11]. إذن قوم هم الرجال.. لأنهم يقومون على شئون أسرهم ~~ونسائهم.. ولذلك يقول الشاعر العربي: # وما أدري ولست أخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # فالقوامة للرجال.. والمرأة حياتها مبنية على الستر في بيتها.. والرجال ~~يقومون لها بما تحتاج إليه من شئون.. والمفروض أن المرأة سكن لزوجها ~~وبيتها وأولادها وهي في هذا لها مهمة أكبر من مهمة الرجال.. قوله تعالى: ~~{ إن الله يأمركم } [البقرة: 67].. الأمر طلب فعل.. وإذا كان ~~الآمر أعلى من المأمور نسميه أمرا.. وإذا كان مساويا له نسميه ~~التماسا.. وإذا كان إلى أعلى نسميه رجاء ودعاء.. على أننا لابد أن نلتفت ~~إلى قوله تعالى على لسان زكريا: # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ~~ذرية طيبة.. # [آل عمران: 38]. هل هذا أمر من زكريا؟ طبعا لا.. لأنه دعاء والدعاء ~~رجاء من الأدنى إلى الأعلى.. قوله تعالى: { الله يأمركم } ~~[البقرة: 67].. لو أن إنسانا يعقل أدنى عقل ثم يطلب منه أن يذبح بقرة.. ~~أهذه تحتاج إلى إيضاح؟ لو كانوا ذبحوا بقرة لكان كل شيء قد تم دون أي ~~جهد. # . فما دام الله قد طلب منهم أن يذبحوا بقرة.. فكل ما عليهم هو التنفيذ.. ms0255 ~~ولكن انظر إلى الغباء حتى في السؤال.. إنهم يريدون أن يفعلوا أي شيء ~~لإبطال التكليف.. لقد قالوا لموسى نبيهم إنك تهزأ بنا.. أي أنهم استنكروا ~~أن يكلفهم الله تبارك وتعالى بذبح بقرة على إطلاقها دون تحديد.. فاتهموا ~~موسى أنه يهزأ بهم.. كأنهم يرون أن المسألة صعبة على الله سبحانه ~~وتعالى.. لا يمكن أن تحل بمجرد ذبح بقرة.. وعندما سمع موسى كلامهم ذهل.. ~~فهل هناك نبي يهزأ بتكليف من تكليفات الله تبارك وتعالى.. أينقل نبي الله ~~لهم أمرا من أوامر الله جل جلاله على سبيل الهزل؟ هنا عرف موسى أن هؤلاء ~~اليهود هم جاهلون.. جاهلون بربهم وبرسولهم وجاهلون بآخرتهم.. وأنهم ~~يحاولون أن يأخذوا كل شيء بمقاييسهم وليس بمقاييس الله سبحانه وتعالى.. ~~فاتجه إلى السماء يستعيذ بالله من هؤلاء الجاهلين.. الذين يأتيهم اليسر ~~فيريدونه عسرا. ويأتيهم السهل فيريدونه صعبا.. ويطلبون من الله أن ~~يعنتهم وأن يشدد عليهم وأن يجعل كل شيء في حياتهم صعبا وشاقا. ### || [2.68] # وكان سؤالهم يبين نقص درجة الإيمان عندهم.. لم يقولوا ادع لنا ربنا.. بل ~~قالوا ادع لنا ربك، وكأنه رب موسى وحده.. ولقد تكررت هذه الطريقة في كلام ~~بني إسرائيل عدة مرات.. حتى إنهم قالوا كما يروي لنا القرآن الكريم: # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون # [المائدة: 24]. ولقد استمر الحوار بينهم وبين موسى فترة طويلة.. يوجهون ~~السؤال لموسى فيدعو الله فيأتيه الجواب من الله تبارك وتعالى.. فبدلا من ~~أن ينفذوا الأمر وتنتهي المسألة يوجهون سؤالا آخر.. فيدعو موسى ربه ~~فيأتيه الجواب، ويؤدي الجواب إلى سؤال في غير محله منهم.. ثم يقطع الحق ~~سبحانه وتعالى عليهم أسباب الجدل.. بأن يعطيهم أوصافا لبقرة لا تنطبق ~~إلا على بقرة واحدة فقط.. فكأنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.. ~~نأتي إلى أسئلة بني إسرائيل.. يقول الحق سبحانه وتعالى: { قالوا ادع ~~لنا ربك يبين لنا ما هي } [البقرة: 68].. سؤال لا معنى ~~له ولا محل.. لأن الله تبارك وتعالى قال لهم إنها بقرة.. ولم يقل مثلا ~~إنها حيوان على إطلاقه فلم يكن ms0256 هناك محل للسؤال.. فجاء الحق تبارك وتعالى ~~يقول لهم: { إنها بقرة لا فارض ولا بكر } [البقرة: ~~68].. الفارض في اللغة هو الواسع والمراد به بقرة غير مسنة.. ولكن ما ~~العلاقة بين سن البقرة وبين الواسع؟ البقرة تتعرض للحمل كثيرا وأساسا ~~هي للبن وللإنجاب.. وما دامت قد تعرضت للحمل كثيرا يكون مكان اللبن فيها ~~في اتساع.. أي أن بطنها يزداد اتساعا مع كل حمل جديد.. وعندما يكون بطن ~~البقرة واسعا يعرف أنها مسنة وولدت كثيرا وصارت فارضا. وكلمة " بكر " ~~لها معان متعددة أنه لم يطأها فحل.. ومنها أنها بكر ولدت مرة واحدة.. ~~ومنها أنها ولدت مرارا ولكن لم يظهر ذلك عليها لأنها صغيرة السن. وقوله ~~تعالى: { عوان بين ذلك } [البقرة: 68].. يعني وسط بين هذه ~~الأوصاف كلها.. الحق بعد ذلك يقرعهم فيقول: { فافعلوا ما ~~تؤمرون } [البقرة: 68].. يعني كفاكم مجادلة ونفذوا أمر الله واذبحوا ~~البقرة.. ولكنهم لم يسكنوا إنهم يريدون أن يحاوروا.. ولذلك غيروا صيغة ~~السؤال. ### || [2.69] # بحثوا عن سؤال آخر: ما لونها؟ كأن الله تبارك وتعالى حين حدثهم عن السن ~~فتحوا الأبواب ليسألوا ما لونها؟ مع أنه سبحانه وتعالى قال لهم: # فافعلوا ما تؤمرون # [البقرة: 68].. فلم يفعلوا بل سألوا ما لونها؟ { قال إنه يقول ~~إنها بقرة صفرآء } [البقرة: 69] والصفرة لون من الألوان.. ثم ~~قال جل جلاله: { فاقع لونها } [البقرة: 69].. يعني صفرة شديدة.. ~~ثم قال: { تسر الناظرين }.. يعني أن كل من ينظر إليها يسر ~~لنضارتها ونظافتها وحسن مظهرها وتناسق جسدها.. وصف البقرة بأنها صفراء ~~هذا لون معروف.. وفي الألوان لا يمكن أن تحدد لونا إلا برؤيته.. ولذلك ~~فإن المحسات في الألوان لابد أن تسبق معرفتها وبعد ذلك تأتي باللون ~~المطلوب.. لذلك لا يقال صفراء فقط لأنك لا تستطيع تحديده لأن اللون ~~الأصفر له درجات لا نهاية لها.. ومزج الألوان يعطيك عددا لا نهائيا من ~~درجاتها.. ولذلك فإن المشتغلين بدهان المنازل لا يستطيعون أن يقوموا ~~بدهان شقة بلون إلا إذا قام بعمل مزيج اللون كله مرة واحدة.. حتى يخرج ~~الدهان كله بدرجة واحدة من اللون.. ms0257 ولكن إذا طلبت منه أن يدهن الشقة ~~باللون نفسه.. بشرط أن يدهن حجرة واحدة كل يوم فإنه لا يستطيع.. فإذا ~~سمعت صفراء يأتي اللون الأصفر إلى ذهنك.. فإذا سمعت " فاقع " فكل لون من ~~الألوان له وصف يناسبه يعطينا دقة اللون المطلوب.. " فاقع " أي شديد ~~الصفرة. أظن أن المسألة قد أصبحت واضحة.. إنها بقرة لونها أصفر فاقع تسر ~~الناظرين.. وكان من المفروض أن يكتفي بنو إسرائيل بذلك ولكنهم عادوا إلى ~~السؤال مرة أخرى. ### || [2.70] # وبرغم أن ما قيل لبني إسرائيل.. واضح تمام الوضوح عن البقرة.. وعمرها ~~وشكلها ولونها ومنظرها.. فإن الله سبحانه وتعالى أراد أن يؤدبهم فجعلهم ~~ينظرون إلى البقر.. وهذا يقول هذه هي والآخر يقول لا بل هي في مكان كذا.. ~~والثالث يقول لا بل هي في موقع كذا.. وعادوا إلى موسى يسألونه أن يعود ~~إلى ربه ليبين لهم لأن البقر تشابه عليهم.. وهنا ذكروا الله الذي نسوه ~~ولم ينفذوا أمره منذ أن قال لهم اذبحوا بقرة ثم قال لهم: # فافعلوا ما تؤمرون # [البقرة: 68].. فطلبوا منه الهداية بعد أن تاهوا وضاعوا بسبب عنادهم ~~وجدلهم.. وجاء الجواب من الله سبحانه وتعالى. ### || [2.71] # { بقرة لا ذلول } [البقرة: 71].. البقرة الذلول هي البقرة ~~المروضة الممرنة تؤدي مهمتها بلا تعب.. تماما مثل الخيل المروضة التي لا ~~تتعب راكبها لأنها تم ترويضها.. وسيدنا إسماعيل هو أول من روض الخيل ~~وساسها.. وقال الله سبحانه وتعالى لهم أول وصف للبقرة أنها ليست مروضة.. ~~لا أحد قادها ولا قامت بعمل.. إنها انطلقت على طبيعتها وعلى سجيتها في ~~الحقول بدون قائد.. { تثير الأرض } [البقرة: 71] أي لم تستخدم في ~~حراثة الأرض أو فلاحتها.. { ولا تسقي الحرث } [البقرة: 71].. أي ~~لم تستخدم في إدارة السواقي لسقية الزرع.. { مسلمة لا شية ~~فيها } [البقرة: 71] أي خالية من العيوب لا أذنها مثقوبة. ولا فيها أي ~~علامة من العلامات التي يميز الناس أبقارهم بها.. ولا رجلها عرجاء، خالية ~~من البقع والألوان غير اللون الأصفر الفاقع.. وكلمة { لا شية فيها ~~} [البقرة: 71].. أي لا شيء فيها. والمتأمل في وصف ms0258 البقرة كما جاء في ~~الآيات يرى الصعوبة والتشديد في اختيار أوصافها.. كأن الحق تبارك وتعالى ~~يريد أن يجازيهم على أعمالهم.. ولم يجد بنو إسرائيل إلا بقرة واحدة تنطبق ~~عليها هذه المواصفات فقالوا { الآن جئت بالحق } [البقرة: 71] ~~كأن ما قاله موسى قبل ذلك كان خارجا عن نطاق الحق. وذبحوا البقرة ولكن ~~عن كره منهم.. لأنهم كانوا حريصين على ألا يذبحوها، حرصهم على عدم تنفيذ ~~المنهج. هم يريدون أن يماطلوا الله سبحانه وتعالى.. والله يقول لنا أن ~~سمة المؤمنين أن يسارعوا إلى تنفيذ تكاليفه.. واقرأ قوله تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين # [آل عمران: 133]. وهذه السرعة من المؤمنين في تنفيذ التكاليف.. دليل على ~~عشق التكليف.. لأنك تسارع لتفعل ما يطلبه منك من تحبه.. وقوله تعالى: { ~~وما كادوا يفعلون } [البقرة: 71].. يدلنا على أنهم حاولوا ~~الإبطاء في التنفيذ والتلكؤ. إننا لابد أن نلتفت إلى أن تباطؤ بني ~~إسرائيل في التنفيذ خدم قضية إيمانية أخرى.. فالبقرة التي طلبها الله ~~منهم بسبب عدم قيامهم بتنفيذ الأمر فور صدوره لهم بقرة نادرة لا تتكرر.. ~~والمواصفات التي أعطيت لهم في النهاية.. لم تكن تنطبق إلا على بقرة واحدة ~~ليتحكم صاحبها في ثمنها ويبيعها بأغلى الأسعار.. والقصة أنه كان هناك في ~~بني إسرائيل رجل صالح.. يتحرى الحلال في الرزق والصدق في القول والإيمان ~~الحقيقي بالله. وعندما حضرته الوفاة كان عنده عجلة وكان له زوجة وابنهما ~~الصغير.. ماذا يفعل وهو لا يملك سوى العجلة. # اتجه إلى الله وقال: اللهم إني أستودعك هذه العجلة لولدي، ثم أطلقها في ~~المراعي.. لم يوص عليها أحدا ولكن استودعها الله. استودعها يد الله ~~الأمينة على كل شيء.. ثم قال لامرأته إني لا أملك إلا هذه العجلة ولا آمن ~~عليها إلا الله.. ولقد أطلقتها في المراعي.. وعندما كبر الولد قالت له ~~أمه: إن أباك قد ترك لك وديعة عند الله وهي عجلة.. فقال يا أمي وأين ~~أجدها؟.. قالت كن كأبيك هو توكل واستودع، وأنت توكل واسترد.. فقال الولد: ~~اللهم رب ms0259 إبراهيم ورب موسى.. رد إلي ما استودعه أبي عندك.. فإذا بالعجلة ~~تأتي إليه وقد أصبحت بقرة فأخذها ليريها لأمه.. وبينما هو سائر رآه بنو ~~إسرائيل. فقالوا إن هذه البقرة هي التي طلبها الرب.. وذهبوا إلى صاحب ~~البقرة وطلبوا شراءها فقال بكم.. قالوا بثلاثة دنانير.. فذهب ليستشير أمه ~~فخافوا أن ترفض وعرضوا عليه ستة دنانير.. قالت أمه لا.. لا تباع.. فقال ~~الابن لن أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا، فدفعوا له ما أراد.. وهكذا نجد ~~صلاح الأب يجعل الله حفيظا على أولاده يرعاهم وييسر لهم أمورهم. ### || [2.72] # قصة القتيل هي أن رجلا ثريا من بني إسرائيل لم يكن له ولد يرثه.. وكان ~~له أقارب كل منهم يريد أن يستأثر بأموال هذا الرجل.. والمال والذهب هما ~~حياة بني إسرائيل.. فتآمر على هذا الرجل الثري ابن أخيه فقتله ليرثه ~~ويستولي على أمواله.. ولكنه أراد أن يبعد التهمة عن نفسه فحمل الجثة ~~وألقاها على باب قرية مجاورة ليتهم أهلها بقتل الثري.. وفي الصباح قام ~~أهل القرية ووجدوا جثة الثري أمام قريتهم.. ووجدوه غريبا عن القرية ~~فسألوا من هو؟ حتى وصلوا إلى ابن أخيه.. فتجمع أهل القتيل واتهموهم ~~بقتله.. وكان أشدهم تحمسا في الاتهام القاتل ابن أخيه.. وقوله تعالى { ~~فادارأتم فيها } [البقرة: 72] الدرأ هو الشيء حين يجئ إليك وكل ~~واحد ينفيه عن نفسه.. إدارأتم أي أن كلا منكم يريد أن يدفع الجريمة عن ~~نفسه فكل واحد يقول لست أنا.. وليس من الضروري أن يتهم أحدا آخر غيره.. ~~المهم أن يدفعها عن نفسه. ولقد حاول أهل القريتين.. قرية القتيل، والقرية ~~التي وجدت أمامها الجثة. أن يدفع كل منهما شبهة الجريمة عن نفسه وربما ~~يتهم بها الآخر.. ولم يكن هناك دليل دامغ يرجح اتهاما محددا. بل كانت ~~الأدلة ضائعة ولذلك استحال توجيه اتهام لشخص دون آخر أو لقرية دون أخرى. ~~وكان التشريع في ذلك الوقت ينص على أنه إذا وجد قتيل على باب قرية ولم ~~يستدل على قاتله.. فإن قرية القتيل وأهله يأخذون خمسين رجلا من أعيان ~~القرية ms0260 التي وجدت بجوارها الجثة.. فيلقوا اليمين بأنهم ما قتلوه.. ولا ~~علموا قاتله.. وإذا كان الأعيان والأكابر أقل من خمسين رجلا.. تكررت ~~الأيمان حتى تصير خمسين يمينا.. فيحلفون أنهم ما قتلوه ولا يعرفون ~~قاتله.. عندها يتحمل بيت المال دية القتيل.. ولكن الله كان يريد شيئا ~~آخر.. يريد أن يرد بهذه الجريمة على جحود بني إسرائيل باليوم الآخر.. ~~ويجعل الميت يقف أمامهم وينطق اسم قاتله.. ويجعلهم يرون البعث وهم ~~أحياء.. ولذلك قال سبحانه وتعالى: { والله مخرج ما كنتم ~~تكتمون } [البقرة: 72].. أي أن بني إسرائيل أو أولئك الذين ارتكبوا ~~الجريمة دبروها على أن تبقى في طي الكتمان فلا يعلم أحد عنها شيئا.. ~~ولذلك جاء الشاب وقتل عمه دون أن يراه أحد.. ثم حمل الجثة خفية في ظلام ~~الليل وخرج بها فلم يلتفت أحد إليه.. ثم ذهب إلى قرية مجاورة وألقى ~~بالجثة على باب القرية وأهلها نائمون وانصرف عائدا.. كانت كل هذه ~~الخطوات في رأيه ستجعل الجريمة غامضة لا تنكشف أبدا ولا يعرف سرها أحد. ~~ولكن الله تبارك وتعالى أراد غير ذلك.. أراد أن يكشف الجريمة بطريقة لا ~~تحتمل الجدل، وفي نفس الوقت يرد على جحود بني إسرائيل للبعث.. بأن يريهم ~~البعث وهم أحياء. ### || [2.73] # احتدم الخلاف بين بني إسرائيل وكادت تحدث فتنة كبيرة.. فقرروا أن يلجأوا ~~إلى موسى عليه السلام ليطلب من الله تبارك وتعالى أن يكشف لهم لغز هذه ~~الجريمة ويدلهم على القاتل.. وجاء الأمر من الله سبحانه وتعالى أن اذبحوا ~~بقرة ولو ذبحوا بقرة أية بقرة لانتهت المشكلة.. ولكنهم ظلوا يقولون ما ~~لونها وما شكلها إلى آخر ما رويناه.. حتى وصلوا إلى البقرة التي كان قد ~~استودعها الرجل الصالح عند الله حتى يكبر ابنه فاشتروها وذبحوها.. فأمرهم ~~الله أن يضربوه ببعضها. أي أن يضربوا القتيل بجزء من البقرة المذبوحة بعد ~~أن سال دمها وماتت.. وانظر إلى العظمة في القصة.. جزء من ميت يضرب به ~~ميت فيحيا.. إذن المسألة أعدها الحق بصورة لا تجعلهم يشكون أبدا.. فلو ~~أن الله أحياه بدون أن ms0261 يضرب بجزء من البقرة. لقالوا لم يكن قد مات، كانت ~~فيه حياه ثم أفاق بعد إغماءة. ولكن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة حتى تموت ~~ليعطيهم درسا إيمانيا بقدرة الله وهم الماديون الذين لا يؤمنون إلا ~~بالماديات.. وأن يأخذوا جزءا أو أجزاء منها وأن يضربوا به القتيل فيحيا ~~وينطق باسم قاتله ويميته الله بعد ذلك.. يقول الحق جل جلاله.. { كذلك ~~يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم ~~تعقلون } [البقرة: 73] ليرى بنو إسرائيل وهم على قيد الحياة كيف ~~يحيى الله الموتى وليعرفوا أن الإنسان لا يبقى حيا بأسباب الحياة.. ولكن ~~بإرادة مسبب الحياة في أن يقول " كن فيكون ". ### || [2.74] # لماذا ذكر الحق سبحانه وتعالى القلب ووصفه بأنه يقسو ولم يقل نفوسكم - ~~لأن القلب هو موضع الرقة والرحمة والعطف.. وإذا ما جعلنا القلب كثير ~~الذكر لله فإنه يمتلئ رحمة وعطفا.. والقلب هو العضو الذي يحسم مشاكل ~~الحياة.. فإذا كان القلب يعمر باليقين والإيمان.. فكل جارحة تكون فيها ~~خميرة الإيمان. وحتى نعرف قوة وقدرة وسعة القلب على الإيمان واحتوائه ~~أوضح الله تعالى هذا المعنى في كتابه العزيز حيث يقول: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى ~~الله يهدي به من يشآء ومن يضلل الله فما له ~~من هاد # [الزمر: 23]. وهكذا نرى أن الجلود تقشعر من هول الوعيد بالنار.. ومجرد ~~قراءة ما ذكره القرآن عنها.. وبعد ذلك تأتي الرحمة، وفي هذه الحالة لا ~~تلين الجلود فقط ولكن لابد أن تلين القلوب لأنها هي التي تعطي اللمحة ~~الإيمانية لكل جوارح الجسد.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد ~~كله ألا وهي القلب ". # إذن فالقلب هو منبع اليقين ومصب الإيمان، وكما أن الإيمان في القلب فإن ~~القسوة والكفر في القلب.. فالقلب حينما ينسى ذكر الله يقسو.. لماذا؟.. ~~لأنه يعتقد أنه ليس هناك إلا الحياة الدنيا وإلا المادة فيحاول أن ms0262 يحصل ~~منها على أقصى ما يستطيع وبأي طريقة فلا تأتي إلا بالظلم والطغيان وأخذ ~~حقوق الضعفاء، ثم لا يفرط فيها أبدا لأنها هي منتهى حياته فلا شيء ~~بعدها. إنه يجد إنسانا يموت أمامه من الجوع ولا يعطيه رغيفا.. وإذا خرج ~~الإيمان من القلب خرجت منه الرحمة وخرج منه كل إيمان الجوارح.. فلمحة ~~الإيمان التي في اليد تخرج فتمتد اليد إلى السرقة والحرام.. ولمحة ~~الإيمان التي في العين تخرج فتنظر العين إلى كل ما حرم الله.. ولمحة ~~الإيمان التي في القدم تخرج فلا تمشي القدم إلى المسجد أبدا ولكنها تمشي ~~إلى الخمارة وإلى السرقة.. لأنه كما قلنا القلب مخزن الإيمان في الجسم. ~~ويشبه الحق تبارك وتعالى قسوة قلوبهم فيقول: { فهي كالحجارة ~~أو أشد قسوة } [البقرة: 74].. الحجارة هي الشيء القاسي الذي ~~تدركه حواسنا ومألوف لنا ومألوف لبني إسرائيل أيضا.. لأن لهم مع الحجارة ~~شوطا كبيرا عندما تاهوا في الصحراء.. وعندما عطشوا وكان موسى يضرب لهم ~~الحجر بعصاه. الله تبارك وتعالى لفتهم إلى أن المفروض أن تكون قلوبهم ~~لينة ورقيقة حتى ولو كانت في قسوة الحجارة. # . ولكن قلوبهم تجاوزت هذه القسوة فلم تصبح في شدة الحجارة وقسوتها بل هي ~~أشد. ولكن كيف تكون القلوب أشد قسوة من الحجارة.. لا تنظر إلى ليونة مادة ~~القلوب ولكن انظر إلى أدائها لمهمتها. الجبل قسوته مطلوبة لأن هذه مهمته ~~أن يكون وتدا للأرض صلبا قويا، ولكن هذه القسوة ليست مطلوبة من القلب ~~وليست مهمته.. أما قلوب بني إسرائيل فهي أشد قسوة من الجبل.. والمطلوب في ~~القلوب اللين، وفي الحجارة القسوة.. فكل صفة مخلوقة لمخلوق ومطلوبة ~~لمهمة.. فالخطاف مثلا أعوج.. هذا العوج يجعله يؤدي مهمته على الوجه ~~الأكمل.. فعوج الخطاف استقامة لمهمته.. وحين تفسد القلوب وتخرج عن مهمتها ~~تكون أقسى من الحجارة.. وتكون على العكس تماما من مهمتها.. ثم يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { وإن من الحجارة لما يتفجر منه ~~الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه ~~المآء.. } [البقرة: 74]. هنا يذكرهم الله لما رأوه من الرحمة الموجودة ~~في الحجارة.. ms0263 عندما ضرب موسى الحجر بالعصا فانفجرت منه العيون. وذلك مثل ~~حسي شهدوه. يقول لهم الحق جل جلاله: إن الرحمة تصيب الحجارة فيتفجر منها ~~الأنهار ويخرج منها الماء ويقول سبحانه: { وإن منها لما ~~يهبط من خشية الله } [البقرة: 74].. إذن فالحجارة يصيبها ~~اللين والرحمة فيخرج منها الماء. ولكن قلوبكم إذا قست لا يصيبها لين ولا ~~رحمة فلا تلين أبدا ولا تخشع أبدا. والله سبحانه وتعالى نزل عليكم ~~التوراة وأعطاكم من فضله ورحمته وستره ومغفرته الكثير.. كان المفروض أن ~~تلين قلوبكم لذكر الله. ولكن ما الفرق بين تفجر الأنهار من الحجارة وبين ~~تشققها ليخرج منها الماء؟ عندما تتفجر الحجارة يخرج منها الماء. نحن نذهب ~~إلى مكان الماء لنأخذ حاجتنا.. ولكن عندما تتفجر منها الأنهار فالماء هو ~~الذي يأتي إلينا ونحن في أماكننا.. وفرق بين عطاء تذهب إليه وعطاء يأتي ~~إليك.. أما هبوط الحجر من خشية الله فذلك حدث عندما تجلى الله للجبل ~~فجعله دكا. واقرأ قوله تعالى: # فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا.. # [الأعراف: 143]. يذكرهم الحق سبحانه كيف أن الجبل حين تجلى الله له هبط ~~وانهار من خشية الله. وهكذا لا يعطيهم الأمثلة مما وقع لغيرهم، ولكن ~~يعطيهم الأمثلة مما وقع لهم. وقوله تعالى: { وما الله بغافل ~~عما تعملون } [البقرة: 74] أي تذكروا أن الله سبحانه وتعالى لا ~~يغيب عنه شيء وأن كل ما تعملونه يعرفه وأنكم ملاقونه يوم القيامة ~~ومحتاجون إلى رحمته ومغفرته، فلا تجعلوا قلوبكم تقسو حتى لا يطردكم الله ~~من رحمته كما خلت قلوبكم من ذكره. ### || [2.75] # يعطينا الحق تبارك وتعالى هنا الحكمة.. فيما رواه لنا عن بني إسرائيل ~~وعن قصصهم. لأنهم سيكون لهم دور مع المسلمين في المدينة، ثم في بيت ~~المقدس، ثم في المسجد الأقصى.. فهو يروي لنا كيف أتعبوا نبيهم وكيف عصوا ~~ربهم. وكيف قابلوا النعمة بالمعصية والرحمة بالجحود. وإذا كان هذا موقفهم ~~يا محمد مع الله ومع نبيهم.. فلا تطمع أن يؤمنوا لك ولا أن يدخلوا في ~~الإسلام، مع أنهم عندهم التوراة تدعوهم إلى ms0264 الإيمان بمحمد عليه الصلاة ~~والسلام.. هذه الآيات تحمل أعظم تعزية للرسول الكريم. وتطالبه ألا يحزن ~~على عدم إيمان اليهود به لأنه عليه البلاغ فقط ولكن حرص رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على أن يؤمن كل أهل الأرض يهودا ونصارى وكفارا، ليس ~~معناه أنه لم يفهم مهمته، ولكن معناه أنه أدرك حلاوة التكليف من ربه، ~~بحيث يريد أن يهدي كل خلق الله في الأرض.. فيطمئنه الله ويقول له لا ~~تعتقد أنهم سيؤمنون لك. وليس معنى عدم إيمانهم أنك لست صادقا.. فتكذيبهم ~~لك لا ينبغي أن يؤثر فيك.. فلا تطمع يا محمد أن يؤمنوا لك.. ما هو ~~الطمع؟.. الطمع هو رغبة النفس في شيء غير حقها وإن كان محبوبا لها.. ~~والأصل في الإنسان العاقل ألا يطمع إلا في حقه.. والإنسان أحيانا يريد ~~أن يرفه حياته ويعيش مترفا ولكن بحركة حياته كما هي. نقول له إذا أردت ~~أن تتوسع في ترفك فلابد أن تتوسع في حركة حياتك لأنك لو أترفت معتمدا ~~على حركة حياة غيرك.. فسيفسد ميزان حركة الحياة في الأرض، أي إن كنت تريد ~~أن تعيش حياة متزنة فعش على قدر حركة حياتك لأنك إن فعلت غير ذلك تسرق ~~وترتشي وتفسد. فإن كان عندك طمع فليكن فيما تقدر عليه. إذن فكلمة " ~~أفتطمعون " هنا تحدد أنه يجب ألا نطمع إلا فيما نقدر عليه. هؤلاء اليهود ~~هل نقدر على أن نجعلهم يؤمنون؟ يقول الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم.. هذا أمر زائد على ما كلفت به.. لأن عليك البلاغ، وحتى لو كان ~~محببا إلى نفسك.. فإن مقدماتهم مع الله لا تعطيك الأمل في أنك ستصل إلى ~~النتيجة التي ترجوها.. وهذه الآية فيها تسرية لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عما سيلاقيه مع اليهود. وتعطيه الشحنة الإيمانية التي تجعله يقابل ~~عدم إيمان هؤلاء بقوة وعزيمة.. لأنه كان يتوقعه فلا يحزن ولا تذهب نفسه ~~حسرات، لأن الله تبارك وتعالى قد وضع في نفسه التوقع لما سيحدث منهم.. ~~فإذا جاء تصرفهم وفق ما سيحدث. ms0265 # . يكون ذلك أمرا محتملا من النفس.. والحق سبحانه وتعالى يقول: { ~~وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله } [البقرة: ~~75] انظر إلى الأمانة والدقة.. فريق منهم ليس كلهم.. هذا هو ما استنبط ~~منه العالم نظرية صيانة الاحتمال.. وهي عدم التعميم بحيث تقول إنهم ~~جميعا كذا.. لا بد أن تضع احتمالا في أن شخصا ما سيؤمن أو سيشذ أو ~~سيخالف.. هنا فريق من أهل الكتاب عرفوا صفات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من التوراة والإنجيل.. وعندما بعث آمنوا به، وهؤلاء لم يحرفوا كلام ~~الله. لو أن القرآن جاء بالحكم عاما لتغيرت نظرة الكافرين للإسلام.. ~~ولقالوا لقد قال عنا هذا الدين أننا حرفنا كتاب الله ولكننا لم نحرفه ~~ونحن ننتظر رسوله.. فكأن هذا الحكم غير دقيق.. ولابد أن شيئا ما خطأ.. ~~لأن الله الذي نزل هذا القرآن لا يخفى عليه شيء ويعرف ما في قلوبنا ~~جميعا.. ولكن لأن الآية الكريمة تقول إن فريقا منهم كانوا يسمعون كلام ~~الله ثم يحرفونه.. الكلام بلا تعميم ومنطبق بدقة على كل حال.. والحق جل ~~جلاله يقول: { ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم ~~يعلمون } [البقرة: 75].. هذه معصية مركبة سمعوا كلام الله وعقلوه ~~وعرفوا العقوبة على المعصية ثم بعد ذلك حرفوه.. لقد قرأوه في التوراة ~~وقرأوا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنهم يعرفونه كأبنائهم.. ثم ~~حرفوا كلام الله وهم يعلمون.. ومعنى التحريف تغيير معنى الكلمة.. كانوا ~~يقولون السأم عليكم بدلا من السلام عليكم.. ولم يتوقف الأمر عند ~~التحريف بل تعداه إلى أن جاءوا بكلام من عندهم وقالوا إنه من التوراة. ### || [2.76] # هذه صور من صور نفاق اليهود. والناس مقسمون إلى ثلاث: مؤمنون وكافرون ~~منافقون.. المؤمن انسجم مع نفسه ومع الكون الذي يعيش فيه.. والكافر ولا ~~انسجم مع نفسه ولم ينسجم مع الكون، والكون يلعنه.. والمنافق لا انسجم مع ~~نفسه ولا انسجم مع الكون، والآية تعطينا صورة من صور النفاق وكيف لا ~~ينسجم المنافق مع نفسه ولا مع الكون.. فهو يقول ما لا يؤمن به.. وفي ms0266 داخل ~~نفسه يؤمن بما لا يقول.. والكون كله يلعنه، وفي الآخرة هو في الدرك ~~الأسفل من النار. وهذه الآية تتشابه مع آية تحدثنا عنها في أول هذه ~~السورة.. وهي قوله تعالى: # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا ~~إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن ~~مستهزئون # [البقرة: 14]. في الآية الأولى كان الدور لليهود، وكان هناك منافقون من ~~غير اليهود وشياطينهم من اليهود.. وهنا الدور من اليهود والمنافقين من ~~اليهود. الحق سبحانه وتعالى يقول: { وإذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا آمنا } [البقرة: 76] وهل الإيمان كلام؟.. الإيمان يقين في ~~القلب وليس كلاما باللسان.. والاستدلال على الإيمان بالسلوك فلا يوجد ~~إنسان يسلك سبيل المؤمنين نفاقا أو رياء.. يقول آمنت نفاقا ولكن سلوكه ~~لا يكون سلوك المؤمن.. ولذلك كان سلوكهم هو الذي يفضحهم. يقول تعالى: { ~~وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم ~~بما فتح الله عليكم } [البقرة: 76].. وفي سورة أخرى يقول ~~الحق: # وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا ~~عليكم الأنامل من الغيظ.. # [آل عمران: 119]. وفي سورة المائدة يقول سبحانه: # وإذا جآءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر ~~وهم قد خرجوا به.. # [المائدة: 61]. هنا أربع صور من صور المنافقين.. كلها فيها التظاهر ~~بإيمان كاذب.. في الآية الأولى # وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم # [البقرة: 14] وفي الآية الثانية: { وإذا خلا بعضهم إلى ~~بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم } ~~[البقرة: 76]. وفي الآية الثالثة: # عضوا عليكم الأنامل من الغيظ # [آل عمران: 119]. وفي الآية الرابعة: # وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به # [المائدة: 61]. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما بعث كان اليهود ~~يقولون للمؤمنين هذا هو نبيكم موجود عندنا في التوراة أوصافه كذا.. حينئذ ~~كان أحبار اليهود ينهونهم عن ذلك ويقولون لهم: { أتحدثونهم بما ~~فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم } ~~[البقرة: 76] فكأنهم علموا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنهم ~~أرادوا أن يخفوها.. إن الغريب أنهم يقولون: { بما فتح الله ~~عليكم } [البقرة: 76]. وإذا كان هذا فتحا من الله فلا فضل لهم ~~فيه.. ولو ms0267 أراد الله لهم الفتح لآمنت القلوب. # . قوله تعالى: { ليحآجوكم به عند ربكم } [البقرة: 76] ~~يدل على أن اليهود المنافقين والكفار وكل خلق الأرض يعلمون أنهم من خلق ~~الله، وأن الله هو الذي خلقهم.. وما داموا يعلمون ذلك فلماذا يكفرون ~~بخالقهم؟ { ليحآجوكم به } [البقرة: 76] أي لتكون حجتهم عليكم ~~قوية عند الله.. ولكنهم لم يقولوا عند الله بل قالوا { عند ربكم ~~} [البقرة: 76] والمحاجة معناها أن يلتقي فريقان لكل منهما وجهة نظر ~~مختلفة. وتقام بينهما مناظرة يدلي فيها كل فريق بحجته. واقرأ قوله تعالى: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه ~~الله الملك.. # [البقرة: 258]. هذه هي المناظرة التي حدثت بين إبراهيم عليه السلام ~~والنمرود الذي آتاه الله الملك.. ماذا قال إبراهيم؟ # إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت.. # [البقرة: 258]. هذه كانت حجة إبراهيم في الدعوة إلى الله، فرد عليه ~~النمرود بحجة مزيفة. قال أنا أحيي وأميت.. ثم جاء بواحد من جنوده وقال ~~لحراسه اقتلوه.. فلما اتجهوا إليه قال اتركوه.. ثم التفت إلى إبراهيم: # قال أنا أحيي وأميت.. # [البقرة: 258]. جدل عقيم لأن هذا الذي أمر النمرود بقتله. كان حيا ~~وحياته من الله والنمرود حين قال اقتلوه لم يمته ولكنه أمر بقتله.. وفرق ~~بين الموت والقتل.. القتل أن تهدم بنية الجسد فتخرج الروح منه لأنه لا ~~يصلح لإقامتها.. والموت أن تخرج الروح من الجسد والبنية سليمة لم تهدم.. ~~الذي يميت هو الله وحده، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم.. # [آل عمران: 144]. والنمرود لو قتل هذا الرجل ما كان يستطيع أن يعيده إلى ~~الحياة.. ولكن إبراهيم عليه السلام.. لم يكن يريد أن يدخل في مثل هذا ~~الجدل العقيم.. الذي فيه مقارعة الحجة بالحجة يمكن فيه الجدال ولو ~~زيفا.. ولذلك جاء بالحجة البالغة التي لا يستطيع النمرود أن يجادل فيها: # قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ~~والله لا يهدي القوم الظالمين ms0268 # [البقرة: 258]. هذا هو معنى الحاجة.. كل طرف يأتي بحجته، وما داموا ~~يحاجونكم عند ربكم وهم يعتقدون أن القضية لن تمر أمام الله بسلام لأنه رب ~~الجميع وسينصف المظلوم من الظالم.. إذا كانت هذه هي الحقيقة فهل أنتم ~~تعملون لمصلحة أنفسكم؟ الجواب لا.. لو كنتم تعلمون الصواب ما كنتم وقعتم ~~في هذا الخطأ فهذا ليس فتحا.. وقوله تعالى: { أفلا تعقلون } ~~[البقرة: 76] ختام منطقي للآية.. لأن من يتصرف تصرفهم ويقول كلامهم لا ~~يكون عنده عقل.. الذي يقول { ليحآجوكم به عند ربكم } ~~[البقرة: 76] يكون مؤمنا بأن له ربا، ثم لا يؤمن بهذا الإله ولا يخافه ~~لا يمكن أن يتصف بالعقل. ### || [2.77] # يبين الله لنا بأنه يعلم أمرهم وما يفعلون. لقد ظنوا أن الله غافل عندما ~~خلا بعضهم إلى بعض وقالوا: # أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به ~~عند ربكم # [البقرة: 76].. الله علم وسمع.. وعندما يلاقي المنافقون المؤمنين ~~ويقولون آمنا.. # وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ # [آل عمران: 119] هذا انفعال حركي ليس فيه كلام يقال ولكن فيه واقع يرى.. ~~ومع ذلك فهو ليس سرا. ما هو السر وما هو العلن؟.. الأمر المعلن هو الذي ~~يخرج منك إلى من عنده آلة السماع ليسمعك.. والأمر المعلن يخرج منك إلى من ~~عنده آلة الرؤية ليراك.. فإن كان حركة بلا صوت فهذا عدته العين.. وإن كان ~~بصوت فعدته الأذن.. هذه وسائل الإدراك الأصلية. وقوله تعالى { يعلم ~~ما يسرون وما يعلنون } [البقرة: 77] ألم يكن أولى أن يقول ~~سبحانه يعلم ما يعلنون وما يسرون.. وإذا كان يعلم ما نسر أفلا يعلم ما ~~نعلن؟.. لا شك أنه يعلم.. ولكنها دقة في البلاغة القرآنية ذلك أن المتكلم ~~هو الله سبحانه. ونحن نعلم أن الله غيب.. وغيب يعني مستور عن حواسنا.. ~~ومادام الله غيبا فهو يعلم الغيب المستور.. ربما كان العلن الظاهر له ~~قوانين أخرى.. فمثلا إذا كان هناك شخص في المنزل، ثم يقول " أنا اعلم ما ~~في المنزل وما هو خارج المنزل ".. لو قال أنا اعلم ما في المنزل لقلنا له ms0269 ~~أنت داخله فلا غرابة في ذلك.. ولكنك مستور عما في الخارج فكيف تعلمه؟ وما ~~دام الله غيبا فقوله ما يسرون أقرب لغيبه. وما يعلنون هي التي تحتاج ~~وقفة. لا تظنوا أن الله تبارك وتعالى لأنه غيب لا يعلم إلا ما هو مستور ~~وخفي فقط.. لا.. إنه يعلم المشهود والغائب.. إذن فالمناسب لأن الله غيب ~~عن أبصارنا وكوننا لا ندركه أن يقول ما يسرون أولا.. ما معنى ما ~~يسرون؟.. السر هو ما لم تهمس به إلى غيرك.. لأن همسك للغير بالشيء لم يعد ~~سرا.. ولكن السر هو ما تسره في نفسك ولا تهمس به لأحد من الناس.. وإذا ~~كان السر هو ما تسره في نفسك، فالعلن هو ما تجاهر به. ويكون علنا ما دام ~~قد علمه اثنان.. والعلن عند الناس واضح والسر عندهم خفي.. والله سبحانه ~~وتعالى حين يخبرنا أنه غيب.. فليس معنى ذلك أنه لا يعلم إلا غيبا. إنه ~~يعلم السر والعلن.. والله جل جلاله يقول في القرآن الكريم: # يعلم السر وأخفى # [طه: 7]. فإذا كان السر هو ما تخفيه في نفسك وله واقع داخلك.. " ما هو ~~أخفى " هو أن الله يعلم أنك ستفعله قبل أن تفعله. ويعلم أنه سيحدث منك ~~قبل أن يحدث منك. ### || [2.78] # الله سبحانه وتعالى لا زال يتحدث عن أهل الكتاب.. فبعد أن بين لنا الذين ~~يقولون: # أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به ~~عند ربكم # [البقرة: 76].. انتقل سبحانه وتعالى إلى طائفة أخرى وهم من أسماهم ~~بالأميين.. وأصح قول في الأمي هو أنه كما ولدته أمه.. أي لم يعلم شيئا ~~من ثقافة وعلم في الوجود منذ لحظة نزوله من بطن أمه. ولذلك فإن الأمي على ~~إطلاقه هو الذي لا يكتسب شيئا من ثقافة الوجود حوله، بصرف النظر عن أن ~~يقال كما ولدته أمه.. لأن الشائع في المجتمعات أن الذي يعلم هم الخاصة لا ~~العامة.. وعلى أية حال فالمعاني كلها ملتقية في تعريف الأمي. قوله تعالى: ~~{ ومنهم أميون } [البقرة: 78].. تلاحظ أن هناك معسكرات من ~~الأميين واجهت الدعوة الإسلامية.. ms0270 فالمعسكر الأول كان المشركون في مكة، ~~والمعسكر الثاني كان أهل الكتاب في المدينة. وأهل الكتاب تطلق على أتباع ~~موسى وأتباع المسيح.. ولكن في الجزيرة العربية كان هناك عدد لا يذكر من ~~النصارى.. وكان هناك مجتمع. والمقصود من قوله تعالى: { ومنهم ~~أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني } [البقرة: ~~78] هم اليهود الذين كان لهم مجتمع في المدينة.. وما دام الحق سبحانه ~~وتعالى قال: { ومنهم أميون } [البقرة: 78].. معنى هذا أنه ~~لابد أن يكون هناك منهم غير أميين.. وهؤلاء هم الذين سيأتي قول الله ~~تعالى عنهم في الآية التالية: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم.. # [البقرة: 79]. هنا قسم الله تبارك وتعالى اليهود إلى أقسام.. منهم قسم ~~أمي لا يعرفون الكتاب وما يقوله لهم أحبارهم هو الذي يعرفونه فقط.. ~~وهؤلاء ربما لو كانوا يعلمون ما في التوراة.. من صفات رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لآمنوا به.. والكتاب هنا يقصد به التوراة.. والله سبحانه ~~وتعالى لم ينف عنهم مطلق العلم.. ولكنه نفى خصوصية العلم، لأنه قال لا ~~يعلمون إلا أماني.. فكأن الأماني يعلمونها من الكتاب. ولكن ما الأماني؟.. ~~إنها تطلق مرة بدون تشديد الياء ومرة بتشديد الياء.. فإن كانت بالتخفيف ~~تكون جمع أمنية.. وإن كانت بالتشديد تكون جمع أمنية بالتشديد على الياء.. ~~الأمنية تجدها في القرآن الكريم في قوله تعالى: # ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوءا يجز به.. # [النساء: 123]. هذا بالنسبة للجمع. أما بالنسبة للمفرد.. في قوله تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته.. # [الحج: 52]. ما هي الأمنية؟.. الأمنية هي الشيء الذي يحب الإنسان أن ~~يحدث ولكن حدوثه مستحيل. # . إذن لن يحدث ولن يكون له وجود.. ولذلك قالوا إن من معاني التمني ~~اختلاق الأشياء.. الشاعر الذي قال: # ألا ليت الشباب يعود يوما # فأخبره بما فعل المشيب # هل الشباب يمكن أن يعود؟.. طبعا مستحيل.. هذا شيء لن يحدث.. والشاعر ~~الذي قال: # ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها # عقود مدح فما أرضى لكم كلم # هل النجوم ستنزل ms0271 من السماء وتأتي إلى هذا الشاعر.. ينظمها أبيات شعر إلى ~~حبيبته.. إذن من معاني التمني الكذب والاختلاق. ولقد فسر بعض المستشرقين ~~قول الله تبارك وتعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى # [الحج: 52] أي قرأ: # ألقى الشيطان في أمنيته # [الحج: 52] أي في قراءته.. وطبعا الشيطان لن يلقي في قراءة الرسول إلا ~~كذبا وافتراء وكفرا.. إقرأ قوله سبحانه: # أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا ~~قسمة ضيزى # [النجم: 19-22]. قال أعداء الإسلام ما دام قد ذكر في القرآن أسماء ~~الغرانيق.. وهي الأصنام التي كان يعبدها الكفار.. ومنها اللات والعزى ~~ومناة الثالثة الأخرى.. إذن فشفاعة هذه الأصنام ترتجى في الآخرة.. وهذا ~~كلام لا ينسجم مع منطق الدين كله يدعو لعبادة الله وحده.. وخرج ~~المستشرقون من ذلك بأن الدين فعلا يدعو لعبادة الله وحده.. إذن فيكون ~~الشيطان قد ألقى في أمنيته فيما يقوله رسول الله.. ثم أحكم الله سبحانه ~~آياته فقال تعالى: # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان # [النجم: 23]. وهم يريدون بذلك أن يشككوا.. في أنه من الممكن أن يلقي ~~الشيطان بعض أفكاره في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولكن الله ~~سبحانه ينسخ ما يلقي الشيطان ويحكم آياته. إن الله جل جلاله لم يترك وحيه ~~لعبث الشيطان.. ولذلك سنبحث الآية بعيدا عن كل ما قيل.. نقول لو أنك ~~تنبهت إلى قول الله تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى # [الحج: 52] لو قلنا تمنى بمعنى قرأ، ثم أن الله ينسخ ما يلقي الشيطان ثم ~~يحكم الله آياته.. إذن هو سبحانه لن يترك رسوله يخطئ.. وبذلك ضمنا أن كل ~~ما ينتهي إليه الرسول صواب.. وأن كل ما وصلنا عن الرسول محكم.. فنطمئن ~~إلى أنه ليس هناك شيء يمكن أن يلقيه الشيطان في تمني الرسول ويصلنا دون ~~أن ينسخ. فإذا قلنا: إن الله ينسخ ما يلقي الشيطان فما الذي جعلكم تعرفون ~~ما ألقاه ms0272 الشيطان ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل لكم إلا ~~المحكم.. ثم من هو الرسول؟ بشر أوحي إليه بمنهج من السماء وأمر ~~بتبليغه. # . ومن هو النبي؟.. بشر أوحي إليه بمنهج. ولم يؤمر بتبليغه.. ~~وما دام لم يؤمر بتبليغه يكون خاصا بهذا النبي.. ويكون النبي قدوة ~~سلوكية.. لأنه يطبق منهج الرسول الذي قبله فهو لم يأتي بجديد. الآية ~~الكريمة جاءت بكلمتي رسول أو نبي.. إذا كان معنى أمنية الشيطان مستقيما ~~بالنسبة للرسول فهو غير مستقيم بالنسبة للنبي.. لأن النبي لا يقرأ شيئا، ~~وما دام النبي ذكر في الآية الكريمة فلابد أن يكون للتمني معنى آخر غير ~~القراءة.. لأن النبي لم يأت بكلام يقرؤه على الناس.. فكأنه سيقرأ كلاما ~~محكما ليس فيه أمنية الشيطان أي قراءته. إن التمني لا يأتي بمعنى قراءة ~~الشيطان.. وأمنية الرسول والنبي أن ينجحا في مهمتهما.. فالرسول كمبلغ ~~لمنهج الله.. النبي كأسوة سلوكية.. المعنى هنا يختلف.. الرسول أمنيته أن ~~يبلغ منهج الله.. والشيطان يحاول أن ينزع المنهج من قلوب الناس.. هذا هو ~~المعنى.. والله سبحانه وتعالى حين يحكم آياته ينصر الإيمان ليسود منهج ~~الله في الأرض وتنتظم حركة الناس.. هذا هو المعنى. وكلمة تمني في هذه ~~الآية الكريمة بمعنى أن الرسول أو النبي يحب أن يسود منهجه الأرض.. ~~والشيطان يلقي العراقيل والله يحكم آياته وينصر الحق. ويجب أن نفهم الآية ~~على هذا المعنى.. بهذا ينتفي تماما ما يدعيه المستشرقون من أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حينما كان يقرأ ما يوحى إليه يستطيع الشيطان أن يتدخل ~~ويضع كلاما في الوحي.. مستحيل. وقوله تعالى: { ومنهم أميون ~~لا يعلمون الكتاب إلا أماني } [البقرة: 78].. معناها ~~أنه يأتي قوم لا يعرفون شيئا عن الكتاب إلا ظنا.. فيصدقهم هؤلاء ~~الأميون دون علم.. وكان الله سبحانه يريد أن يلفتنا إلى أن كثيرا من ~~المذاهب الدينية في الأرض ينشأ عن المبلغين لها.. فهناك أناس يأتمنون ~~آخرين ليقولوا لهم ما انتهت إليه الأحكام الدينية.. فيأتي الأمي أو غير ~~المثقف يسأل عالما عن ms0273 حكم من الأحكام الشرعية.. ثم يأخذ منه الحكم ~~ويطبقه دون أن يناقشه.. لأن علمه قد انتهى عند السؤال عن الفتوى.. والحق ~~سبحانه وتعالى كما يقول: # ولا تزر وازرة وزر أخرى.. # [الأنعام: 164]. أي لا يحمل أحد ذنب أحد يوم القيامة.. فيقول تعالى: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم.. # [النحل: 25]. بعض الناس يظن أن الآيتين بينهما تعارض.. نقول لا.. من ~~يرتكب إثما يحاسب عليه.. ومن يضل غيره بفتوى غير صحيحة يحل له بها ما ~~حرم الله.. فإنه يحمل معاصيه ومعاصي من أضل.. فيكون له وزر لأنه ضل، ووزر ~~لأنه أضل غيره. # . بل وأكثر من ذلك.. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من ~~أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ~~ينقص ذلك من آثامهم شيئا " # ولابد أن نتنبه إلى خطورة الفتوى في الدين بغير علم.. الفتوى في الدنيا ~~أقصى ما يمكن أن تؤدي إليه هو أن تجعلك تخسر صفقة.. لكن الفتوى في الدين ~~ستدوم عمرا طويلا.. الحق تبارك وتعالى يقول: { وإن هم إلا ~~يظنون } [البقرة: 78].. والظن كما قلنا هو نسبة راجحة ولكن غير ~~مؤكدة.. وإذا كان التمني كما ورد في اللغة هو القراءة.. فهؤلاء الأميون ~~لا يعلمون الكتاب إلا قراءة لسان بلا فهم.. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى ~~عن اليهود: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا # [الجمعة: 5]. وهكذا نرى أن هناك صنفا يحمل التوراة وهو لا يعرف عنها ~~شيئا.. والله جل جلاله قال إن مثله كالحمار.. ولكن أقل من الحمار، لأن ~~الحمار مهمته أن يحمل الأثقال.. ولكن الإنسان ليست مهمته أن يحمل ما ~~يجهل.. ولكن لابد أن يقرأ الكتاب ويعلم المطلوب منه. ### || [2.79] # هذه الآية الكريمة جاءت في القسم الثاني من اليهود وهو المقابل ~~للأميين.. وهم إما أميون لا يعلمون الكتاب.. وإما يعلمون ولكنهم يغيرون ~~فيه ويكتبونه بأيديهم ms0274 ويقولون هذا من عند الله. ولذلك توعدهم الله تبارك ~~وتعالى فقال: ويل لهم، وبدأ الآية بالوعيد بالجزاء مباشرة. نلاحظ أن كلمة ~~ويل في اللغة تستعمل معها كلمتا ويح وويس.. وكلها تعني الهلاك والعذاب.. ~~وتستعمل للتحسر على غفلة الإنسان من العذاب.. واقرأ قوله تعالى: # يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها.. # [الكهف: 49]. وقوله جل جلاله: # يويلنا قد كنا في غفلة من هذا.. # [الأنبياء: 97]. هذه الويلات تعني الحسرة وقت رؤية العذاب.. وقيل إن ~~الويل واد في جهنم يهوي الإنسان فيه أربعين خريفا والعياذ بالله.. ~~والحق تبارك وتعالى ينذر الذين يكتبون الكتاب بأيديهم أن عذابهم يوم ~~القيامة سيكون مضاعفا.. لأن كل من ارتكب إثما نتيجة لتزييفهم للكتاب ~~سيكونون شركاء وسيحملون عذابهم معهم يوم القيامة، وسيكون عذابهم مضاعفا ~~أضعافا كثيرة. يقول الحق سبحانه وتعالى: { فويل للذين ~~يكتبون الكتاب بأيديهم } [البقرة: 79].. ألم يكن يكفي أن ~~يقول الحق فويل للذين يكتبون الكتاب ويكون المعنى مفهوما.. يكتبون الكتاب ~~بماذا؟ بأيديهم.. نقول لا.. لأن الفعل قد يتم بالأمر وقد يتم بالفعل.. ~~رئيس الدولة مثلا يتصل بأحد وزرائه ويقول له ألم أكتب إليك كتابا بكذا ~~فلماذا لم تنفذه؟ هو لم يكتب هذا الكتاب بيده ولكنهم كتبوه بأمره، ورؤساء ~~الدول نادرا ما يكتبون كتبا بأيديهم. إن الله سبحانه وتعالى يريد هنا ~~أن يبين لنا مدى تعمد هؤلاء للإثم.. فهم لا يكتفون مثلا بأن يقولوا ~~اكتبوا.. ولكن لاهتمامهم بتزييف كلام الله سبحانه وتزويره يقومون بذلك ~~بأيديهم ليتأكدوا بأن الأمر قد تم كما يريدون تماما.. فليست المسألة ~~نزوة عابرة.. ولكنها مع سبق الإصرار والترصد.. وهم يريدون بذلك أن يشتروا ~~ثمنا قليلا، هو المال أو ما يسمى بالسلطة الزمنية.. يحكمون ويكون لهم ~~نفوذ وسلطان. ولقد كان أهل الكتاب في الماضي إذا اختلفوا في شيء.. ذهبوا ~~إلى الكهان والرهبان وغيرهم ليقضوا بينهم.. لماذا؟ لأن الناس حين يختلفون ~~يريدون أن يستتروا وراء ما يحفظ كبرياءهم إن كانوا مخطئين.. يعني لا ~~أنهزم أمامه ولا ينهزم أمامي.. وإنما يقولون ارتضينا حكم فلان.. فإذا ms0275 كنا ~~سنلجأ إلى تشريع السماء ليحكم بيننا.. لا يكون هناك غالب ومغلوب أو منهزم ~~ومنتصر.. ذلك حين أخضع أنا وأنت لحكم الله يكون كل منا راضيا بنتيجة هذا ~~الحكم. ولكن رجال الدين اليهودي والمسيحي أخذوا يصدرون فتاوى متناقضة. # . كل منهم حسب مصلحته وهواه.. ولذلك تضاربت الأحكام في القضايا ~~المتشابهة.. لأنه لم يعد الحكم بالعدل.. بل أصبح الحكم خاضعا لأهواء ~~ومصالح وقضايا البشر.. وحين يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند ~~الله.. إنما يريدون أن يخلعوا على المكتوب قداسة تجعل الإنسان يأخذه بلا ~~مناقشة.. وبذلك يكونون هم المشرعين باسم الله، ويكتبون ما يريدون ~~ويسجلونه كتابة، وحين أحس أهل الكتاب بتضارب حكم الدين بما أضافه الرهبان ~~والأحبار، بدأوا يطلبون تحرير الحكم من سلطة الكنيسة. ولكن لماذا يكتب ~~هؤلاء الناس الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله؟!.. الحق سبحانه ~~وتعالى يقول: { ليشتروا به ثمنا قليلا } [البقرة: 79].. ~~وقد قلنا إن الإنسان لا يشتري الثمن.. ولكن يدفع الثمن ويشتري السلعة.. ~~ولكنك هنا تدفع لتأخذ ثمنا.. تدفع من منهج الله وحكم الله فتغيره وتبدله ~~لتأخذ ثمنا موقوتا.. والله سبحانه وتعالى يعطيك في الآخرة الكثير ولكنك ~~تبيعه بالقليل.. وكل ثمن مهما بلغ تأخذه مقابل منهج الله يعتبر ثمنا ~~قليلا. والحق سبحانه وتعالى: يقول { فويل لهم مما كتبت ~~أيديهم } [البقرة: 79].. الآية الكريمة بدأت بقوله تعالى: { ~~فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم } [البقرة: ~~79].. ثم جاء قوله تعالى: { فويل لهم مما كتبت ~~أيديهم وويل لهم مما يكسبون } [البقرة: 79].. ~~فساعة الكتابة لها ويل وعذاب.. وساعة بيع الصفقة لها ويل وعذاب.. والذي ~~يكسبونه هو ويل وعذاب. لقد انتشرت هذه المسألة في كتابة صكوك الغفران ~~التي كانت تباع في الكنائس لمن يدفع أكثر. والحق سبحانه وتعالى يقول: { ~~وويل لهم مما يكسبون } [البقرة: 79].. وكلمة كسب تدل ~~على عمل من أعمال جوارحك يجلب لك خيرا أو نفعا وهناك كسب وهناك اكتسب.. ~~كسب تأتي بالشيء النافع، واكتسب تأتي بالشيء الضار.. ولكن في هذه الآية ~~الكريمة الحق سبحانه وتعالى قال: { وويل لهم مما يكسبون ~~} [البقرة: 79].. وفي آية ثانية ms0276 قال: # بلى من كسب سيئة # [البقرة: 81]. فلماذا تم هذا الاستخدام؟ نقول إن هذا ليس كسبا طبيعيا، ~~إنما هو افتعال في الكسب.. أي اكتساب.. ولابد أن نفهم أنه بالنسبة لجوارح ~~الإنسان.. فإن هناك القول والفعل والعمل.. بعض الناس يعتقد إن هناك القول ~~والعمل.. نقول لا.. هناك قول هو عمل اللسان.. وفعل هو عمل الجوارح الأخرى ~~غير اللسان.. وعمل وهو أن يوافق القول الفعل.. لذلك فإن الله سبحانه ~~وتعالى يقول: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2-3]. إذن هناك قول وفعل وعمل.. والإنسان إذا استخدم جوارحه ~~استخداما سليما بفعل ما هو صالح له. # . فإذا انتقل إلى ما هو غير صالح إلى ما يغضب الله فإن جوارحه لا تفعل ~~ولكنها تفتعل.. تتصادم ملكاتها بعضها مع بعض والإنسان وهو يفتح الخزانة ~~ليأخذ من ماله يكون مطمئنا لا يخاف شيئا.. والإنسان حين يفتح خزانة ~~غيره يكون مضطربا وتصرفاته كلها افتعال.. والإنسان مع زوجته منسجم في ~~هيئة طبيعية، بعكس ما يكون في وضع مخالف.. إنها حالة افتعال.. وكل من ~~يكسب شيئا حراما افتعله.. ولذلك يقال عنه اكتسب.. إلا إذا تمرس وأصبح ~~الحرام لا يهزه، أو ممن نقول عنهم معتادو الإجرام.. في هذه الحالة يفعل ~~الشيء بلا افتعال لأنه اعتاد عليه.. هؤلاء الذين وصلوا إلى الحد الذي ~~يكتبون فيه بأيديهم ويقولون من عند الله.. أصبح الإثم لا يهزهم، ولذلك ~~توعدهم الله بالعذاب مرتين في آية واحدة. ### || [2.80] # هنا يكشف الله سبحانه وتعالى فكر هؤلاء الناس.. لقد زين لهم الشيطان ~~الباطل فجعلهم يعتقدون أنهم كسبوا فعلا وأنهم أخذوا المال والجاه ~~الدنيوي وفازوا به.. لأنهم لن يعذبوا في الآخرة إلا عذابا خفيفا ~~قصيرا.. ولذلك يفضح الله تبارك وتعالى ما يقولونه مع بعضهم البعض.. ماذا ~~قالوا؟: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة } [البقرة: 80]. المس يعني اللمس الخفيف أو اقتراب شيء من ~~شيء.. ولكن لا يحس أحدهما بالآخر إلا إحساسا خفيفا لا يكاد يذكر.. فإذا ~~أتيت إلى إنسان ms0277 ووضعت أناملك على يده يقال مسست.. ولكنك لم تستطع ~~بهذا المس أن تحس بحرارة يده أو نعومة جلده.. ولكن اللمس يعطيك إحساسا ~~بما تلمس: { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة } [البقرة: 80] وهكذا أخذوا أقل الأقل في العذاب.. ثم أقل ~~الأقل في الزمن فقالوا أياما معدودة.. الشيء إذا قيل عن معدود فهو ~~قليل.. أما الشيء الذي لا يحصى فهو الكثير.. ولذلك حين يتحدث الله عن ~~نعمه يقول سبحانه: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ.. # [النحل: 18]. فمجرد الإقبال على العد معناه أن الشيء يمكن إحصاؤه.. فإن ~~لم يكن ممكنا لا يقبل أحد على عده، ولا نرى من حاول عد حبات الرمل أو ~~ذرات الماء في البحار.. نعم الله سبحانه وتعالى ظاهرة وخفية لا يمكن ~~أن تحصى، ولذلك لا يقبل أحد على إحصائها.. وإذا سمعت كلمة " أياما ~~معدودة " فأعلم أنها أيام قليلة.. ولذلك نرى في سورة يوسف قول الحق جل ~~جلاله: # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة.. # [يوسف: 20]. قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودة.. دليل على غبائهم ~~لأن مدة المس لا تكون إلا لحظة.. ولكنها أماني وضعها الشيطان في عقولهم ~~ليأتي الرد من الله في قوله سبحانه: { قل أتخذتم عند الله ~~عهدا فلن يخلف الله عهده } [البقرة: 80] أي إذا كان ذلك ~~وعدا من الله، فالله لا يخلف وعده. والله يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أن يقول لهم لستم أنتم الذين تحكمون وتقررون ماذا سيفعل الله سبحانه ~~وتعالى بكم.. بل هو جل جلاله الذي يحكم.. فإن كان قد أعطاكم عهدا فالله ~~لا يخلف وعده. وقوله تعالى: { أم تقولون على الله ما لا ~~تعلمون } [البقرة: 80].. هنا أدب النبوة والخلق العظيم لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم.. فبدلا من أن يقول لهم أتفترون على الله أو أتكذبون ~~على الله.. أو أتختلقون على الله ما لم يقله.. قال: { أم تقولون ~~على الله ما لا تعلمون } [البقرة: 80] إن الذي يختلق الكلام ~~يعلم أنه مختلق. # . إنه أول من يعلم كذب ما يقول، وقد يكون له حجة ويقنع ms0278 من أمامه فيصدقه، ~~ولكنه يظل يعلم إن ما قاله مختلق رغم أنهم صدقوه.. ولذلك فإن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من ~~بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من ~~النار فليأخذها أو ليتركها " # إذن مختلق الشيء يعرف إن هذا الشيء مختلق. وهؤلاء اليهود هم ~~أول من يعلمون أن قولهم.. { لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة } [البقرة: 80] قول مختلق.. ولكن لمن يقولون على الله ما هو ~~افتراء وكذب؟ يقولون للأميين الذين لا يعرفون الكتاب. ### || [2.81] # أراد الله سبحانه وتعالى أن يوضح كذبهم.. فجاء القرآن قائلا: " بلى " ~~وهي حرف جواب مثل نعم تماما.. ولكن " بلى " حرف جواب في النفي.. يعني ~~ينفي الذي قبله.. هم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ورسول الله ~~سألهم هل اتخذوا عند الله عهدا أو يقولون على الله ما لا يعلمون، فجاء ~~القرآن ليقول: { بلى من كسب سيئة وأحاطت به ~~خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~} [البقرة: 81].. بداية الجواب ببلى تنفي ما قالوا.. لأن بلى تأتي بعد ~~النفي.. ونعم تأتي بعد الإجابة.. فإذا قال إنسان ليس لك عندي شيء وقلت ~~نعم، فمعناها أنه صحيح أنك ليس لك عندي شيء.. أما إذا قلت بلى، فمعنى ذلك ~~أن لك عندي شيئا أو أشياء.. ولذلك بعد قولهم # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80].. لو جاء بعدها نعم، لكان قولهم صحيحا، ولكن بلى نفت.. ~~وجاء الكلام بعدها مؤكدا النفي: { من كسب سيئة وأحاطت ~~به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } [البقرة: 81] هم قالوا لن تمسنا النار.. قال لن تمسكم فقط ~~بل أنتم فيها خالدون.. وقوله تعالى: { أصحاب النار } [البقرة: ~~81].. الصحبة تقتضي نوعا من الملازمة فيها تجاذب المتصاحبين.. ومعنى ذلك ~~أنه سيكون هناك تجاذب بينهم وبين النار.. هنا نلاحظ أن الحق سبحانه ~~وتعالى قال: { بلى من كسب سيئة } [البقرة: 81].. وكان السياق ~~يقتضي أن يقال اكتسب.. ولكن لأنهم ms0279 ظنوا أنهم كسبوا.. كما بينا في الآية ~~السابقة.. وقوله تعالى: { وأحاطت به خطيئته } [البقرة: ~~81].. إحاطة بحيث لا يوجد منفذ للإفلات من الخطيئة لأنها محيطة به. وأنسب ~~تفسير لقوله تعالى: { كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } ~~[البقرة: 81].. أن المراد الشرك.. لأن الشرك هو الذي يحيط بالإنسان ولا ~~مغفرة فيه.. والله تعالى يقول: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء.. # [النساء: 48]. ولذلك فهؤلاء لم يكونوا عصاة فقط.. ولكنهم كانوا كافرين ~~مشركين والدليل قوله تعالى: { هم فيها خالدون } [البقرة: 81].. ~~وأصحاب الصغائر أو الكبائر الذين يتوبون منها لا يخلدون في النار.. ولكن ~~المشرك بالله والكافر به هم الخالدون في النار.. وكل من لم يؤمن بسيدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم كافر.. لأن الله سبحانه وتعالى قال: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين # [آل عمران: 85]. ولذلك قلت هناك فرق بين.. الإنسان الذي يرتكب معصية ~~لأنه لا يقدر على نفسه فيندم ويتوب.. وبين إنسان يفرح بالمعصية.. ولذلك ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب.. # [النساء: 17]. وهناك من يندم على المعصية وهذا له توبة.. وهناك من يفرح ~~بالمعصية وهذا يزداد معصية. ### || [2.82] # عندما يذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم.. العذاب والنار، يأتي ~~بالمقابل وهو النعيم والجنة.. وذلك أن المقابلة ترينا الفرق.. وتعطي ~~للمؤمن إحساسا بالسعادة.. لأنه زحزح عن عذاب الآخرة، وليس هذا فقط.. بل ~~دخل الجنة ليقيم خالدا في النعيم.. ولذلك يقول سبحانه: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185]. إذن الفوز في الآخرة ليس على درجة واحدة ولكن على ~~درجتين.. أولى درجات الفوز أن يزحزح الإنسان على النار ولو إلى الأعراف ~~وهذا فوز عظيم.. يكفي إنك تمر على الصراط المضروب فوق النار وترى ما فيها ~~من ألوان العذاب، ثم بعد ذلك تنجو من هذا الهول كله.. يكفي ذلك ليكون ~~فوزا عظيما.. لأن الكافر في هذه اللحظة يتمنى لو كان ترابا حتى ms0280 لا ~~يدخل النار.. فمرور المؤمن فوق الصراط ورؤيته للنار نعمة لأنه يحس بما ~~نجا منه.. فإذا تجاوز النار ودخل إلى الجنة لينعم فيها نعيما خالدا كان ~~هذا فوزا آخر.. ولذلك حرص الله تبارك وتعالى أن يعطينا المرحلتين. فلم ~~يقل: من زحزح عن النار فاز.. ولم يقل من أدخل الجنة فاز.. بل قال # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز # [آل عمران: 185].. وجاءت هذه الآية الكريمة بعد آيات العذاب لتعطينا ~~المقارنة. ### || [2.83] # أخذ الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل ثمانية أشياء: الميثاق.. وهو ~~العهد الموثق المربوط ربطا دقيقا وهو عهد الفطرة أو عهد الذر.. مصداقا ~~لقوله تعالى: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى.. # [الأعراف: 172]. وهناك عهد آخر أخذه سبحانه وتعالى على رسله جميعا.. أن ~~يبشروا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ويطلبوا من أتباعهم أن ~~يؤمنوا به عند بعثه.. أو ألا يكتموا ما في كتبهم وإلا يغيروه.. والميثاق ~~هو كل شيء فيه تكليف من الله.. ذلك أنك تدخل في عقد إيماني مع الله ~~سبحانه وتعالى بأن تفعل ما يأمر به وتترك ما نهى عنه.. هذا هو الميثاق.. ~~كلمة الميثاق وردت في القرآن الكريم بوصف غليظ.. في علاقة الرجل ~~بالمرأة.. قال سبحانه وتعالى: # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ~~أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا * وكيف ~~تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن ~~منكم ميثاقا غليظا # [النساء: 20-21]. نقول نعم لأن هذا الميثاق سيحل للمرأة أشياء لا تكون ~~إلا به.. أشياء لا تحل لأبيها أو لأخيها أو أي إنسان عدا زوجها.. والرجل ~~إذا دخل على ابنته وكانت ساقها مكشوفة تسارع بتغطيتها.. فإذا دخل عليها ~~زوجها فلا شيء عليها.. إذن هو ميثاق غليظ لأنه دخل مناطق العورة وأباح ~~العورة للزوج والزوجة.. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن.. # [البقرة: 187]. إن كلا منهما يغطي ويخفي ويستر عورة الآخر.. والأب لا ~~يفرح من انتقال ms0281 ولاية ابنته إلى غيره.. إلا انتقال هذه الولاية لزوجها.. ~~ويشعر بالقلق عندما تكبر الفتاة ولا تتزوج. الحق يقول: { وإذ ~~أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله ~~} [البقرة: 83] هذا الميثاق شمل ثلاثة شروط: { لا تعبدون إلا ~~الله } [البقرة: 83].. أي تعبدون الله وحده.. وتؤمنون بالتوراة وبموسى ~~نبيا.. لماذا؟ لأن عبادة الله وحده هي قمة الإيمان.. ولكن لا تحدد أنت ~~منهج عبادته سبحانه.. بل الذي يحدد منهج العبادة هو المعبود وليس ~~العابد.. لابد أن تتخذ المنهج المنزل من الله وهو التوراة وتؤمن به.. ثم ~~بعد ذلك تؤمن بموسى نبيا.. لأنه هو الذي نزلت عليه التوراة.. وهو الذي ~~سيبين لك طريق العبادة الصحيحة. وبدون هذه الشروط الثلاثة لا تستقيم ~~عبادة بني إسرائيل.. وقوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا } ~~[البقرة: 83] لأنهما السبب المباشر في وجودك.. ربياك وأنت صغير، ورعياك، ~~وقوله تعالى: " إحسانا " معناه زيادة على المفروض. # لأنك قد تؤدي الشيء بالقدر المفروض منك.. فالذي يؤدي الصلاة مثلا بقدر ~~الغرض يكون قد أدى.. أما الذي يصلي النوافل ويقوم الليل يكون قد دخل في ~~مجال الإحسان.. أي عطاؤه أكثر من المفروض.. والله تبارك وتعالى يقول: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم ~~يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم # [الذاريات: 15-19]. وهكذا نرى أن الإحسان زيادة على المفروض في الصلاة ~~والتسبيح والصدقة والله تبارك وتعالى يريد منك أن تعطي لوالديك أكثر من ~~المفروض أو من الواجب عليك.. وقوله تعالى: { وذي القربى } ~~[البقرة: 83].. يحدد الله لنا فيها المرتبة الثانية بالنسبة للإحسان.. ~~فالله جل جلاله أوصانا أن نحسن لوالدينا ونرعى أقاربنا.. ولو أن كل واحد ~~منا قام بهذه العملية ما وجد محتاج أو فقير أو مسكين في المجتمع.. ~~والله يريد مجتمعا لا فقر فيه ولا حقد.. وهذا لا يتأتى إلا بالتراحم ~~والإحسان للوالدين والأقارب.. فيكون لكل محتاج في المجتمع من يكفله.. ~~يقول الله سبحانه: " واليتامى ".. واليتيم هو من فقد أباه وهو طفل لم ~~يبلغ مبلغ الرجال.. ms0282 هذا في الإنسان.. أما في الحيوان فإن اليتيم من فقد ~~أمه.. لأن الأمومة في الحيوان هي الملازمة للطفل، ولأن الأب غير معروف في ~~الحيوان ولكن الأم معروفة.. اليتيم الذي فقد أباه فقد من يعوله ومن يسعى ~~من أجله ومن يدافع عنه.. والله سبحانه وتعالى جعل الأم هي التي تربي ~~وترعى.. والأب يكافح من أجل توفير احتياجات الأسرة.. ولكن الحال انقلب ~~الآن ولذلك يقول شوقي رحمه الله: # ليس اليتيم من انتهى أبواه من # هم الحياة وخلفاه ذليلا # إن اليتيم هو الذي تلقى له # أما تخلت أو أبا مشغولا # إن اليتيم يكون منكسرا لأنه فقد والده فأصبح لا نصير له.. فإذا رأينا ~~في المجتمع الإسلامي أن كل يتيم يرعاه - رعاية الأب - كل رجال المجتمع.. ~~فذلك يجعل الأب لا يخشى أن يترك إبنه بعد وفاته.. إذن فرعاية المجتمع ~~لليتيم تضمن أولا حماية حقه، لأنه إذا كان يتيما وله مال فإن الناس ~~كلهم يطمعون في ماله، لأنه لا يقدر أن يحميه.. هذه واحدة.. والثانية أن ~~هذا التكافل يذهب الحقد من المجتمع ويجعل كل إنسان مطمئنا على ~~أولاده.. وقوله سبحانه وتعالى: " والمساكين ".. في الماضي كنا نقول إن ~~المساكين هم الذين لا يملكون شيئا على الإطلاق ليقيموا به حياتهم.. إلى ~~أن نزلت الآية الكريمة في سورة الكهف: # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في ~~البحر.. # [الكهف: 79]. فعرفنا أن المسكين قد يملك.. ولكنه لا يملك ما يكفيه.. ~~وهذا نوع من التكافل الإجتماعي لابد أن يكون موجودا في المجتمع.. حتى ~~يتكافل المجتمع كله.. فأنت إن كنت فقيرا أو مسكينا ويأتيك من رجل غني ~~ما يعينك على حياتك.. فإنك ستتمنى له الخير لأن هذا الخير يصيبك.. ولكن ~~إذا كان هذا الغني لا يعطيك شيئا.. هو يزداد غنى وأنت تزداد فقرا.. ~~تكون النتيجة أن حقدك يزداد عليه.. ويقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~وقولوا للناس حسنا } [البقرة: 83].. كلمة حسنا بضم الحاء ترد ~~بمعنى حسن بفتح الحاء.. والحسن هو ما حسنه الشرع.. ذلك أن العلماء ~~اختلفوا: هل الحسن هو ما حسنه الشرع أو ما ms0283 حسنه العقل؟ نقول: ما حسنه ~~العقل مما لم يرد فيه نص من تحسين الشرع.. لأن العقل قد يختلف في الشيء ~~الواحد.. هذا يعتبره حسنا وهذا يعتبره قبيحا.. والله تبارك وتعالى ~~يقول: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.. # [النحل: 125]. هذا هو معنى قوله تعالى: { وقولوا للناس حسنا ~~} [البقرة: 83].. ثم جاء قوله جل جلاله: { وأقيموا الصلاة } ~~[البقرة: 83] وقد تكلمنا عن معنى إقامة الصلاة وما يجعلها مقبولة عند ~~الله. وهناك فرق بين أن تقول صلوا.. وبين أن تقول أقيموا الصلاة.. أقيموا ~~الصلاة معناها صل ولكن صلاة على مستواها الذي يطلب منك.. وإقامة الصلاة ~~كما قلنا هي الركن الذي لا يسقط أبدا عن الإنسان.. ويقول الحق: { ~~وآتوا الزكاة } [البقرة: 83].. بالنسبة للزكاة عندما يقول الله ~~سبحانه: { وذي القربى واليتامى والمساكين } [البقرة: ~~83].. نقول إن الأقارب واليتامى والمساكين لهم حق في الزكاة ما داموا ~~فقراء.. لنحس جميعا أننا نعيش في بيئة إيمانية متكاملة متكافلة.. يحاول ~~كل منا أن يعاون الآخر.. فالزكاة في الأساس تعطي للفقير ولو لم يكن ~~يتيما أو قريبا.. فإن لكل فقير حقوقا ورعاية.. فإذا كان هناك فقراء ~~أقارب أو يتامى يصبح لهم حقان.. حق القريب وحق الفقير.. وإن كان يتيما ~~فله حق اليتيم وحق الفقير.. بعد أن ذكر الحق سبحانه وتعالى عناصر الميثاق ~~الثمانية.. قال: { ثم توليتم } [البقرة: 83].. تولى يعني أعرض ~~أو لم يطع أو لم يستمع.. يقول الحق سبحانه: { ثم توليتم ~~إلا قليلا منكم وأنتم معرضون } [البقرة: 83].. هذا ~~هو واقع تاريخ بني إسرائيل.. لأن بعضهم تولى ولم يطع الميثاق وبعضهم ~~أطاع.. إن القرآن لم يشن حملة على اليهود، وإنما شن حملة على المخالفين ~~منهم. ولذلك احترم الواقع وقال: { إلا قليلا } [البقرة: 83]. # . وهذا يقال عنه بالنسبة للبشر قانون صيانة الاحتمال.. إن الحق جل جلاله ~~يتكلم بإنصاف الخالق للمخلوق.. لذلك لم يقل { ثم توليتم } ~~[البقرة: 83] بل قال إلا قليلا. " توليتم " يعني أعرضتم، ولكن الله ~~تبارك وتعالى يقول: { ثم توليتم إلا قليلا منكم ~~وأنتم معرضون } [البقرة: 83] نريد أن نأخذ الدقة الأدائية.. ms0284 ~~إذا أردنا أن نفسر تولي.. فمعناها أعرض أو رفض الأمر.. ولكن الدقة لو ~~نظرنا للقرآن لوجدنا أنه حين يلتقي المؤمن بالكافر في معركة.. فالله ~~سبحانه وتعالى يقول: # ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ~~أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله.. # [الأنفال: 16]. إذن فالتولي هو الإعراض.. والحق سبحانه وتعالى في هذه ~~الآية الكريمة بين لنا أن الإعراض يتم بنوايا مختلفة.. المقاتل يوم الزحف ~~يعرض أو يتولى ليس بنية الهرب من المعركة.. ولكن بنية أن يذهب ليقاتل في ~~مكان آخر أو يعاون إخوانه الذين تكاثر عليهم الأعداء.. هذا إعراض ولكن ~~ليس بنية الهرب من المعركة.. ولكن بنية القتال بشكل أنسب للنصر.. نفرض أن ~~إنسانا مدين لك رأيته وهو قادم في الطريق فتوليت عنه.. أنت لم تعرض عنه ~~كرها.. ولكن رحمة لأنك لا تريد المساس بكرامته.. إذن هناك تول أو ~~إعراض ليس بنية الإعراض. والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن ~~هؤلاء اليهود تولوا بنية الإعراض، ولم يتولوا بأي نية أخرى.. أي أنهم ~~أعرضوا وهم متعمدون أن يعرضوا.. وليس لهدف آخر. ### || [2.84] # قلنا ساعة تسمع " إذ " فاعلم أن معناها اذكر.. وقلنا إن الميثاق هو ~~العهد الموثق.. وقوله تعالى: { لا تسفكون دمآءكم } [البقرة: ~~84].. والله تبارك وتعالى ذكر قبل ذلك في الميثاق عبادة الله وحده.. ~~وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين.. وقولوا للناس حسنا ~~وأقيموا الصلاة إلى آخر ما جاء في الآية الكريمة.. وكلها أوامر أي وكلها ~~افعل.. استكمالا للميثاق.. يقول الله في هذه الآية الكريمة ما لا تفعل.. ~~فالعبادة كما قلنا هي إطاعة الأوامر والامتناع عن النواهي.. أو ما نهى ~~عنه الميثاق: { لا تسفكون دمآءكم } [البقرة: 84] ومعناها لا ~~يسفك كل واحد منكم دم أخيه.. لا يسفك بعضكم دم بعض. ولكن لماذا قال الله: ~~" دماءكم "؟ لأنه بعد ذلك يقول: { ولا تخرجون أنفسكم من ~~دياركم } [البقرة: 84].. الحكم الإيماني يخاطب الجماعة الإيمانية ~~على أنها وحدة واحدة.. لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ms0285 إذا ~~اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى " # فكأن المجتمع الإيماني وحدة واحدة.. والله سبحانه وتعالى يقول: # فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية ~~من عند الله مباركة طيبة.. # [النور: 61]. ولكن إذا كنت أنا الداخل فكيف أسلم على نفسي؟ كأن الله ~~يخاطب المؤمنين على أساس أنهم وحدة واحدة.. وعلى هذا الأساس يقول سبحانه: ~~{ لا تسفكون دمآءكم } [البقرة: 84].. أي لا تقتلوا أنفسكم.. ~~السفك معناه حب إراقة الدم.. " ودماءكم " هو السائل الموجود في الجسم ~~اللازم للحياة.. وقوله تعالى: { ولا تخرجون أنفسكم من ~~دياركم } [البقرة: 84] يعني لا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم.. ثم ربط ~~المؤمنين من بني إسرائيل بقوله تعالى: { ثم أقررتم وأنتم ~~تشهدون } [البقرة: 84].. أقررتم أي اعترفتم: { وأنتم ~~تشهدون } [البقرة: 84] الشهادة هي الإخبار بمشاهد.. والقاضي يسأل ~~الشهود لأنهم رأوا الحادث فيروون ما شاهدوا.. وأنت حين تروي ما شاهدت.. ~~فكأن الذين سمعوا أصبح ما وقع مشهودا وواقعا لديهم.. وشاهد الزور يغير ~~المواقع. الحق سبحانه وتعالى يخاطب اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم.. ويذكرهم بما كان من آبائهم الأولين.. وموقفهم من أخذ الميثاق ~~حين رفع فوقهم جبل الطور وهي مسألة معروفة.. والقرآن يريد أن يقول لهم ~~إنكم غيرتم وبدلتم فيما تعرفون.. فالذي جاء على هواكم طبقتموه.. والذي لم ~~يأت على هواكم لم تطبقوه. ### || [2.85] # يخاطب الحق جل جلاله اليهود ليفضحهم لأنهم طبقوا من التوراة ما كان على ~~هواهم.. ولم يطبقوا ما لم يعجبهم ويقول لهم: { أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب وتكفرون ببعض } [البقرة: 85]. إنه يذكرهم بأنهم ~~وافقوا على الميثاق وأقروه. ولقد نزلت هذه الآية عندما زنت امرأة يهودية ~~وأرادوا ألا يقيموا عليها الحد بالرجم.. فقالوا نذهب إلى محمد ظانين أنه ~~سيعفيهم من الحد الموجود في كتابهم.. أو أنه لا يعلم ما في كتابهم.. فلما ~~ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم هذا الحكم موجود عندكم ~~في التوراة.. قالوا عندنا في التوراة أن نلطخ وجه الزاني والزانية ~~بالقذارة ونطوف به على الناس.. قال لهم رسول الله لا.. عندكم آية الرجم ms0286 ~~موجودة في التوراة فانصرفوا.. فكأنهم حين يحسبون أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سيخفف حدا من حدود الله.. يذهبون إليه ليستفتوه. والحق سبحانه ~~وتعالى يقول: { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } ~~[البقرة: 85].. أي بعد أن أخذ عليكم الميثاق ألا تفعلوا.. تقتلون ~~أنفسكم.. يقتل بعضكم بعضا، أو أن من قتل سيقتل. فكأنه هو الذي قتل ~~نفسه.. والحق سبحانه قال: { ثم أنتم هؤلاء تقتلون ~~أنفسكم } [البقرة: 85].. لماذا جاء بكلمة هؤلاء هذه؟ لإنها إشارة ~~للتنبيه لكي نلتف إلى الحكم. وقوله تعالى: { وتخرجون فريقا ~~منكم من ديارهم } [البقرة: 85] وحذرهم بقوله: # ولا تخرجون أنفسكم من دياركم # [البقرة: 84].. وجاء هذا في الميثاق.. ما هو الحكم الذي يريد الحق تبارك ~~وتعالى أن يلفتنا إليه؟ نقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما هاجر ~~إلى المدينة انتقل من دار شرك إلى دار إيمان.. ومعنى دار إيمان أن هناك ~~مؤمنين سبقوا.. فهناك من آمن من أهل المدينة.. لقد هاجر المسلمون قبل ~~ذلك إلى الحبشة ولكنها كانت هجرة إلى دار أمن وليست دار إيمان.. ولكن حين ~~حدثت بيعة العقبة وجاء جماعة من المدينة وعاهدوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وآمنوا به.. أرسل معهم الرسول مصعب بن عمير ليعلمهم دينهم.. وجاءت ~~هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام على خميرة إيمانية موجودة.. لما جاء ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أفسد على اليهود خطة حياتهم.. ~~فاليهود كانوا ممثلين في بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة.. وكان هناك ~~في المدينة الأوس والخزرج.. وبينهما حروب دائمة قبل أن يأتي الإسلام.. ~~فاليهود قسموا أنفسهم إلى قوم مع الأوس وقوم مع الخزرج حتى يضمنوا ~~استمرار العداوة.. فكلما هدأ القتال أهاجوا أحد المعسكرين على الآخر ~~ليعود القتال من جديد. # . وهم كذلك حتى الآن وهذه طبيعتهم. إن الذي صنع الشيوعية يهودي، والذي ~~صنع الرأسمالية يهودي.. والذي يحرك العداوة بين المعسكرين يهودي.. وكان ~~بنو النضير وبنو قينقاع مع الخزرج وبنو قريظة مع الأوس.. فإذا اشتبك ~~الأوس والخزرج كان مع كل منهم حلفاؤه من اليهود. عندما تنتهي المعركة ms0287 ~~ماذا كان يحدث؟ إن المأسورين من بني النضير وبني قينقاع يقوم بنو قريظة ~~بالمساعدة في فك أسرهم.. مع أنهم هم المتسببون في هذا الأسر.. فإذا ~~إنتصرت الأوس وأخذوا أسرى من الخرج ومن حلفائهم اليهود.. يأتي اليهود ~~ويعملون على إطلاق سراح الأسرى اليهود.. لأن عندهم نصا أنه إذا وجد أسير ~~من بني إسرائيل فلابد من فك أسره. والحق سبحانه وتعالى يقول لهم إن ~~أعمالكم في أن يحارب بعضكم بعضا وأن تسفكوا دماءكم.. لا تتفق مع الميثاق ~~الذي أخذه الله عليكم بل هي مصالح دنيوية.. تقتلون أنفسكم والله نهاكم عن ~~هذا: { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } [البقرة: ~~85] والله نهاكم عن هذا: { تظاهرون عليهم بالإثم ~~والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو ~~محرم عليكم إخراجهم } [البقرة: 85].. وهذا ما كان يحدث ~~في المدينة في الحروب بين الأوس والخزرج كما بينا.. والأسارى جمع أسير ~~وهي على غير قياسها، لأن القياس فيها أسرى.. ولذلك نرى في آية أخرى أنه ~~يأتي قول الله سبحانه وتعالى: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # [الأنفال: 67]. ولكن القرآن أتى بها أسارى.. واللغة أحيانا تأتي على ~~غير ما يقتضيه قياسها لتلفتك إلى معنى من المعاني.. فكسلان تجمع كسالى.. ~~والكسلان هو هابط الحركة.. الأسير أيضا أنت قيدت حركته.. فكأن جمع أسير ~~على أسارى إشارة إلى تقييد الحركة.. القرآن الكريم جاء بأسارى وأسرى.. ~~ولكنه حين استخدم أسارى أراد أن يلفتنا إلى تقييد الحركة مثل كسالى.. ~~ومعنى وجود الأسرى أن حربا وقعت.. لحرب تقتضي الالتقاء والالتحام.. ~~ويكون كل واحد منهم يريد أن يقتل عدوه. كلمة الأسر هذه أخذت من أجل تهدئة ~~سعار اللقاء.. فكأن الله أراد أن يحمي القوم من شراسة نفوسهم وقت الحرب ~~فقال لهم استأسروهم.. لا تقتلوهم إلا إذا كنتم مضطرين للقتل.. ولكن خذوهم ~~أسرى وفي هذا مصلحة لكم لأنكم ستأخذون منهم الفدية.. وهذا تشريع من ضمن ~~تشريعات الرحمة.. لأنه لو لم يكن الأسر مباحا.. لكان لابد إذا التقى ~~مقاتلان أن يقتل أحدهما الآخر.. لذلك يقال خذه أسيرا إلا ms0288 إذا كان وجوده ~~خطرا على حياتك. وقول الحق تبارك وتعالى: { وإن يأتوكم أسارى ~~تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم } [البقرة: 85]. # . كانت على طائفة من اليهود مع حليفتها من الأوس أو الخزرج.. وكانت تخرج ~~المغلوب من ديارهم وتأخذ الديار.. وبعد أن تنتهي الحرب يفادوهم.. أي ~~يأخذون منهم الفدية ليعيدوا إليهم ديارهم وأولادهم. لماذا يقسم اليهود ~~أنفسهم هذه القسمة.. إنها ليست تقسيمة إيمانية ولكنها تقسيمة مصلحة ~~دنيوية.. لماذا؟ لأنه ليس من المعقول وأنتم أهل كتاب.. ثم تقسمون أنفسكم ~~قسما مع الأوس وقسما مع الخزرج.. ويكون بينكم إثم وعدوان. وقوله تعالى: ~~{ تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } [البقرة: 85].. ~~تظاهرون عليهم. أي تعاونون عليهم وأنتم أهل دين واحد: " بالإثم ".. ~~والإثم هو الشيء الخبيث الذي يستحي منه الناس: " والعدوان ".. أي التعدي ~~بشراسة.. وقوله تعالى: { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو ~~محرم عليكم إخراجهم } [البقرة: 85].. أي تخرجونهم من ~~ديارهم وتأخذوا الفدية لترجعوها إليهم. ثم يقول الله تبارك وتعالى: { ~~أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } [البقرة: ~~85].. أي تأخذون القضية على أساس المصلحة الدنيوية.. وتقسمون أنفسكم مع ~~الأوس أو الخزرج.. تفعلون ذلك وأنتم مؤمنون بإله ورسول وكتاب.. مستحيل أن ~~يكون دينكم أو نبيكم قد أمركم بهذا. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { فما ~~جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة ~~الدنيا } [البقرة: 85] أي إنكم فعلتم ذلك وخالفتم لتصلوا إلى مجد ~~دنيوي ولكنكم لم تصلوا إليه.. سيصيبكم الله بخزي في الدنيا.. أي أن ~~الجزاء لن يتأخر إلى الآخرة بل سيأتيكم خزي وهو الهوان والذل في الدنيا.. ~~وماذا في الآخرة؟ يقول الله تعالى: { ويوم القيامة يردون ~~إلى أشد العذاب } [البقرة: 85] الخزي في الدنيا أصابهم على يد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.. وأخرج بنو قينقاع من ديارهم في ~~المدينة.. كذلك ذبح بنو قريظة بعد أن خانوا العهد وخانوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمين.. وهكذا لا يؤخر الله سبحانه وتعالى جزاء ~~بعض الذنوب إلى الآخرة.. وجزاء الظلم في الدنيا لا يؤجل إلى الآخرة، لأن ~~المظلوم لابد أن يرى مصرع ظالميه حتى يعتدل ms0289 نظام الكون.. ويعرف الناس أن ~~الله موجود وأنه سبحانه لكل ظالم بالمرصاد.. اليهود أتاهم خزي الدنيا ~~سريعا: { ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب } ~~[البقرة: 85]. قد يتساءل الناس ألا يكفيهم الخزي في الدنيا عن عذاب ~~الآخرة؟ نقول لا.. لأن الخزي لم ينلهم في الدنيا حدا.. ولم يكن نتيجة ~~إقامة حدود الله عليهم.. فالخزي حين ينال الإنسان كحد من حدود الله يعفيه ~~من عذاب الآخرة.. فالذي سرق وقطعت يده والذي زنا ورجم.. هؤلاء نالهم عذاب ~~من حدود الله فلا يحاسبون في الآخرة. # . أما الظالمون فالأمر يختلف.. لذلك فإننا نجد أناسا من الذين ارتكبوا ~~إثما في الدنيا يلحون على إقامة الحد عليهم لينجوا من عذاب الآخرة.. مع ~~أنه لم يرهم أحد أو يعلم بهم أحد أو يشهد عليهم أحد.. حتى لا يأتي واحد ~~ليقول: لماذا لا يعفي الظالمون الذين أصابهم خزي في الدنيا من عذاب ~~الآخرة؟ نقول إنهم في خزي الدنيا لم يحاسبوا عن جرائمهم.. أصابهم ضر ~~وعذاب.. ولكن أشد العذاب ينتظرهم في الآخرة.. وما أهون عذاب الدنيا الذي ~~هو بقدرة البشر عن عذاب الآخرة الذي هو بقدرة الله سبحانه وتعالى، كما أن ~~هذه الدنيا تنتهي فيها حياة الإنسان بالموت، أما الآخرة فلا موت فيها بل ~~خلود في العذاب. ثم يقول الحق جل جلاله: { وما الله بغافل ~~عما تعملون } [البقرة: 85].. أي لا تحسب أن الله سبحانه وتعالى ~~يغفل عن شيء في كونه فهو لا تأخذه سنة ولا نوم.. وهو بكل شيء محيط. ### || [2.86] # ويذكر لنا الله سبحانه وتعالى سبب خيبة هؤلاء وضلالهم لأنهم اشتروا ~~الحياة الدنيا بالآخرة.. جعلوا الآخرة ثمنا لنزواتهم ونفوذهم في ~~الدنيا.. هم نظروا إلى الدنيا فقط.. ونظرة الإنسان إلى الدنيا ومقارنتها ~~بالآخرة تجعلك تطلب في كل ما تفعله ثواب الآخرة.. فالدنيا عمرك فيها ~~محدود.. ولا تقل عمر الدنيا مليون أو مليونان أو ثلاثة ملايين سنة.. عمر ~~الدنيا بالنسبة لك هو مدة بقائك فيها.. فإذا خرجت من الدنيا انتهت ~~بالنسبة لك.. والخروج من الدنيا بالموت.. والموت لا أسباب له ولذلك فإن ms0290 ~~الإسلام لا يجعل الدنيا هدفا لأن عمرنا فيها مظنون.. هناك من يموت في ~~بطن أمه.. ومن يعيش ساعة أو ساعات، ومن يعيش إلى أرذل العمر.. إذن فاتجه ~~إلى الآخرة، ففيها النعيم الدائم والحياة بلا موت والمتعة على قدرات ~~الله.. ولكن خيبة هؤلاء أنهم اشتروا الدنيا بالآخرة.. ولذلك يقول الحق ~~عنهم: { فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون } ~~[البقرة: 86].. لا يخفف عنهم العذاب أي يجب ألا يأمنوا أن العذاب في ~~الآخرة سيخفف عنهم.. أو ستقل درجته أو تنقص مدته.. أو سيأتي يوما ولا ~~يأتي يوما وقوله: { ولا هم ينصرون } [البقرة: 86].. النصرة تأتي ~~على معنيين.. تأتي بمعنى أنه لا يغلب.. وتأتي بمعنى أن هناك قوة تنتصر له ~~أي تنصره.. كونه يغلب.. الله سبحانه وتعالى غالب على أمره فلا أحد يملك ~~لنفسه نفعا ولا ضرا.. ولكن الله يملك النفع والضر لكل خلقه.. ويملك ~~تبارك وتعالى أن يقهر خلقه على ما يشاء.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شآء ~~الله.. # [الأعراف: 188]. أما مسألة أن ينصره أحد.. فمن الذي يستطيع أن ينصر ~~أحدا من الله.. واقرأ قوله سبحانه وتعالى عن نوح عليه السلام: # ويقوم من ينصرني من الله.. # [هود: 30]. يقول الحق سبحانه وتعالى: { فلا يخفف عنهم ~~العذاب } [البقرة: 86].. أمر لم يقع بعد بل سيقع مستقبلا.. يتحدث ~~الله سبحانه وتعالى عنه بلهجة المضارع.. نقول إن كل أحداث الكون وما سيقع ~~منها هو عند الله تم وانتهى وقضى فيه.. لذلك نجد في القرآن الكريم قوله ~~سبحانه: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1]. أتى: فعل ماض.. ولا تستعجلوه مستقبل.. كيف يقول الله ~~سبحانه وتعالى أتى ثم يقول لا تستعجلوه؟ إنه مستقبل بالنسبة لنا.. أما ~~بالنسبة لله تبارك وتعالى فما دام قد قال أتى.. فمعنى ذلك أنه حدث.. فلا ~~أحد يملك أن يمنع أمرا من أمور الله من الحدوث.. فالعذاب آت لهم آت.. ~~ولا يخفف عنهم لأن أحدا لا يملك تخفيفه. ### || [2.87] # بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى لنا ms0291 ما فعله اليهود مع نبيهم موسى ~~عليه السلام.. أراد أن يبين لنا ما فعله بنو إسرائيل بعد نبيهم موسى.. ~~وأراد أن يبين لنا موقفهم من رسول جاءهم منهم.. ولقد جاء لبني إسرائيل ~~رسل كثيرون لأن مخالفاتهم للمنهج كانت كثيرة.. ولكن الآية الكريمة ذكرت ~~عيسى عليه السلام.. لأن الديانتين الكبيرتين اللتين سبقتا الإسلام هما ~~اليهودية والنصرانية.. ولكن لابد أن نعرف أنه قبل مجيء عيسى.. وبين رسالة ~~موسى ورسالة عيسى عليهما السلام رسل كثيرون.. منهم داود وسليمان وزكريا ~~ويحيى وغيرهم.. فكأنه في كل فترة كان بنو إسرائيل يبتعدون عن الدين.. ~~ويرتكبون المخالفات وتنتشر بينهم المعصية.. فيرسل الله رسولا يعدل ~~ميزان حركة حياتهم.. ومع ذلك يعودون مرة أخرى إلى معصيتهم وفسقهم.. فيبعث ~~الله رسولا جديدا.. ليزيل الباطل وهوى النفس من المجتمع ويطبق شرع ~~الله.. ولكنهم بعده يعودون مرة أخرى إلى المعصية والكفر. وقال الله ~~سبحانه وتعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب } [البقرة: 87] ~~والقائل هو الله جل جلاله.. والكتاب هو التوراة: { وقفينا من ~~بعده بالرسل } [البقرة: 87].. والله تبارك وتعالى بين لنا ~~موقف بني إسرائيل من موسى.. وموقفهم من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين.. ولكنه لم يبين لنا موقفهم من الرسل ~~الذين جاءوا بعد موسى حتى عيسى ابن مريم. الحق سبحانه وتعالى يريد أن ~~يلفتنا.. إلى أنه لم يترك الأمر لبني إسرائيل بعد موسى.. أن يعملوا ~~بالكتاب الذي أرسل معه فقط.. ولكنه أتبع ذلك بالرسل.. حين تسمع " قفينا ~~".. أي اتبعنا بعضهم بعضا.. كل يخلف الذي سبقه " وقفينا " مشتقة من ~~قفا.. وقفا الشيء خلفه.. وتقول قفوت فلانا أي سرت خلفه قريبا منه. إن ~~الحق يريد أن نلتفت إلى أن رسالة موسى لم تقف عند موسى وكتابه.. ولكنه ~~سبحانه أرسل رسلا وأنبياء ليذكروا وينبهوا.. ولقد قلنا إن كثرة الأنبياء ~~لبني إسرائيل ليست شهادة لهم ولكنها شهادة عليهم.. إنهم يتفاخرون أنهم ~~أكثر الأمم أنبياء.. ويعتبرون ذلك ميزة لهم ولكنهم لم يفهموا.. فكثرة ~~الأنبياء والرسل دلالة على كثرة فساد الأمة، لأن الرسل إنما يجيئون ~~لتخليص البشرية ms0292 من فساد وأمراض وإنقاذها من الشقاء.. وكلما كثر الرسل ~~والأنبياء دل ذلك على أن القوم قد انحرفوا بمجرد ذهاب الرسول عنهم، ~~ولذلك كان لابد من رسول جديد.. تماما كما يكون المريض في حالة خطرة ~~فيكثر أطباؤه بلا فائدة. # . وليقطع الله سبحانه وتعالى عليهم الحجة يوم القيامة.. لم يترك لهم ~~فترة من غفلة.. بل كانت الرسل تأتيهم واحدا بعد الآخر على فترات قريبة. ~~وإذا نظرنا إلى يوشع وأشمويه وشمعون. وداود وسليمان وشعيب وأرميا. وحزقيل ~~وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى.. نرى موكبا طويلا جاء بعد موسى.. ~~حتى إنه لم تمر فترة ليس فيها نبي أو رسول.. وحتى نفرق بين النبي ~~والرسول.. نقول النبي مرسل والرسول مرسل.. كلاهما مرسل من الله.. ولكن ~~النبي لا يأتي بتشريع جديد.. وإنما هو مرسل على منهج الرسول الذي سبقه.. ~~واقرأ قوله سبحانه: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي.. # [الحج: 52]. إذن فالنبي مرسل أيضا.. ولكنه أسوة سلوكية لتطبيق منهج ~~الرسول الذي سبقه. وهل الله سبحانه وتعالى قص علينا قصص كل الرسل ~~والأنبياء الذين أرسلهم؟ اقرأ قوله تبارك وتعالى: # ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما # [النساء: 164]. إذن هناك رسل وأنبياء أرسلوا إلى بني إسرائيل لم ~~نعرفهم.. لأن الله لم يقصص علينا نبأهم.. ولكن الآية الكريمة التي نحن ~~بصددها لم تذكر إلا عيسى عليه السلام.. باعتباره من أكثر الرسل أتباعا.. ~~والله تبارك وتعالى حينما أرسل عيسى أيده بالآيات والبينات التي تثبت ~~صدق بلاغه عن الله.. ولذلك قال جل جلاله: { وآتينا عيسى ابن ~~مريم البينات وأيدناه بروح القدس } [البقرة: ~~87].. وعيسى ابن مريم عليه السلام جاء ليرد على المادية التي سيطرت على ~~بني إسرائيل.. وجعلتهم لا يعترفون إلا بالشيء المادي المحسوس فعقولهم ~~وقلوبهم أغلقت من ناحية الغيب.. حتى إنهم قالوا لموسى: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153].. وحين جاءهم المن والسلوى رزقا من الله.. خافوا أن ~~ينقطع عنهم لأنه رزق غيبي فطلبوا نبات الأرض.. لذلك كان لابد أن يأتي ~~رسول كل حياته ومنهجه أمور ms0293 غيبية.. مولده أمر غيبي، وموته أمر غيبي ورفعه ~~أمر غيبي ومعجزاته أمور غيبية حتى ينقلهم من طغيان المادية إلى صفاء ~~الروحانية. لقد كان أول أمره أن يأتي عن غير طريق التكاثر المادي.. أي ~~الذي يتم بين الناس عن طريق رجل وأنثى وحيوان منوي.. والله سبحانه ~~وتعالى أراد أن يخلع من أذهان بني إسرائيل أن الأسباب المادية تحكمه.. ~~وإنما هو الذي يحكم السبب. هو الذي يخلق الأسباب ومتى قال: " كن " كان.. ~~بصرف النظر عن المادية المألوفة في الكون.. وفي قضية الخلق أراد الله جل ~~جلاله للعقول أن تفهم أن مشيئته هي السبب وهي الفاعلة.. واقرأ قوله ~~سبحانه: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما ~~إنه عليم قدير # [الشورى: 49-50]. فكأن الله سبحانه وتعالى جعل الذكورة والأنوثة هما ~~السبب في الإنجاب.. ولكنه جعل طلاقة القدرة مهيمنة على الأسباب.. فيأتي ~~رجل وامرأة ويتزوجان ولكنهما لا ينجبان.. فكأن الأسباب نفسها عاجزة عن أن ~~تفعل شيئا إلا بإرادة المسبب. والله سبحانه وتعالى يقول: { وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس } ~~[البقرة: 87].. لماذا قال الحق تبارك وتعالى: { وأيدناه بروح ~~القدس } [البقرة: 87].. ألم يكن باقي الرسل والأنبياء مؤيدين بروح ~~القدس؟ نقول: لقد ذكر هنا تأييد عيسى بروح القدس لأن الروح ستشيع في كل ~~أمر له.. ميلادا ومعجزة وموتا.. والروح القدس هو جبريل عليه السلام لم ~~يكن يفارقه أبدا.. لقد جاء عيسى عليه السلام على غير مألوف الناس وطبيعة ~~البشر مما جعله معرضا دائما للهجوم.. ولذلك لابد أن يكون الوحي في ~~صحبته لا يفارقه.. ليجعل من مهابته على القوم ما يرد الناس عنه.. وعندما ~~يتحدث القرآن أنه رفع إلى السماء.. اختلف العلماء هل رفع إلى السماء ~~حيا؟ أو مات ثم رفع إلى السماء؟ نقول: لو أننا عرفنا أنه رفع حيا أو ~~مات.. ما الذي يتغير في منهجنا؟ لا شيء.. وعندما يقال إنه شيء عجيب أن ~~يرفع إنسان إلى السماء، ويظل هذه ms0294 الفترة ثم يموت.. نقول إن عيسى ابن ~~مريم لم يتبرأ من الوفاة.. إنه سيتوفى كما يتوفى سائر ~~البشر.. ولكن هل كان ميلاده طبيعيا؟ الإجابة لا.. إذن فلماذا تتعجب إذا ~~كانت وفاته غير طبيعية؟ لقد خلق من أم بدون أب.. فإذا حدث أنه رفع إلى ~~السماء حيا وسينزل إلى الأرض فما العجب في ذلك؟ ألم يصعد رسولنا صلى ~~الله عليه وسلم إلى السماء حيا؟ ثم نزل لنا بعد ذلك إلى الأرض حيا؟ لقد ~~حدث هذا لمحمد عليه الصلاة والسلام.. إذن فالمبدأ موجود.. فلماذا تستبعد ~~صعود عيسى ثم نزوله في آخر الزمان؟ والفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم ~~وعيسى هو أن محمدا لم يمكث طويلا في السماء، بينما عيسى بقى.. والخلاف ~~على الفترة لا ينقض المبدأ. عن ابن المسيب أنه سمع أبا هريرة رضي الله ~~عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا فيكسر ~~الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد " # وهذا الحديث موجود في صحيح البخاري.. فقد جعله الله مثلا لبني ~~إسرائيل.. واقرأ قوله سبحانه: # إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا ~~لبني إسرائيل # [الزخرف: 59]. قوله تعالى: { وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات } [البقرة: 87].. البينات هي المعجزات مثل إبراء الأكمه ~~والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله وغير ذلك من المعجزات.. وهي الأمور ~~البينة الواضحة على صدق رسالته. لكننا إذا تأملنا في هذه المعجزات.. نجد ~~أن بعضها نسبت لقدرة الله كإحياء الموتى جاء بعدها بإذن الله.. وبعضها ~~نسبها إلى معجزته كرسول.. ومعروف أنه كرسول يؤيده الله بمعجزات تخرق ~~قوانين الكون.. ولكن هناك فرق بين معجزة تعطي كشفا للرسول.. وبين معجزة ~~لابد أن تتم كل مرة من الله مباشرة.. واقرأ الآية الكريمة: # ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية ~~من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة ~~الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ~~وأبرىء الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن ~~الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون ms0295 في ~~بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين # [آل عمران: 49]. وهكذا نرى في الآية الكريمة أنه بينما كان إخبار عيسى ~~لما يأكل الناس وما يدخرون في بيوتهم كشفا من الله.. كان إحياء الموتى ~~في كل مرة بإذن الله.. وليس كشفا ولا معجزة ذاتية لعيسى عليه السلام.. ~~إن كل رسول كان مؤيدا بروح القدس وهو جبريل عليه السلام.. ولكن الله ~~أيد عيسى بروح القدس دائما معه.. وهذا معنى قوله تعالى: { ~~وأيدناه بروح القدس } [البقرة: 87].. وأيدناه مشتقة من ~~القوة ومعناها قويناه بروح القدس في كل أمر من الأمور.. وكلمة روح تأتي ~~على معنيين.. المعنى الأول ما يدخل الجسم فيعطيه الحركة والحياة.. وهناك ~~روح أخرى هي روح القيم تجعل الحركة نافعة ومفيدة.. ولذلك سمى الحق سبحانه ~~وتعالى القرآن بالروح.. واقرأ قوله تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا.. # [الشورى: 52]. والقرآن روح.. من لا يعمل به تكون حركة حياته بلا قيم.. ~~إذن كل ما يتصل بالمنهج فهو روح.. والقدس هذه الكلمة تأتي مرة بضم القاف ~~وتسكين الدال.. ومرة بضم القاف وضم الدال.. وكلا اللفظين صحيح وهي تفيد ~~الطهر والتنزه عن كل ما يعيب ويشين.. والقدس يعني المطهر عن كل شائبة. ~~قوله تبارك وتعالى: { أفكلما جآءكم رسول بما لا تهوى ~~أنفسكم استكبرتم } [البقرة: 87] قوله تعالى: " أفكلما ".. ~~هناك عطف وهناك استفهام، وهي تعني أكفرتم، وكلما جاءكم رسول بما لا تهوى ~~أنفسكم استكبرتم.. أي إن اليهود جعلوا أنفسهم مشرعين من دون الله.. وهم ~~يريدون أن يشرعوا لرسلهم.. فإذا جاء الرسول بما يخالف هواهم كذبوه أو ~~قتلوه. وقوله تعالى: { بما لا تهوى أنفسكم } [البقرة: 87].. ~~هناك هوى بالفتحة على الواو وهوي بالكسرة على الواو. # . هوى بالفتحة على الواو بمعنى سقط إلى أسفل.. وهوي بالكسرة على ~~الواو معناه أحب وأشتهى.. اللفظان ملتقيان.. الأول معناه الهبوط، والثاني ~~حب الشهوة والهوى يؤدي إلى الهبوط.. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى حينما ~~يشرع يقول تعالوا ومعناها ارتفعوا من موقعكم الهابط.. إذن فالمنهج ~~جاء ليعصمنا من السقوط.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم.. ms0296 يعطينا هذا ~~المعنى، وكيف أن الدين يعصمنا من أن نهوى ونسقط في جهنم يقول: # " إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش ~~يقعن فيه فأنا آخذ بحجزكم وأنتم موحمون فيه ". # ومعنى آخذ بحجزكم أي آخذ بكم.. وكأننا نقبل على النار ونحن نشتهيها ~~باتباعنا شهواتنا.. ورسول الله بمنهج الله يحاول أن ينقذنا منها.. ولكن ~~رب نفس عشقت مصرعها.. والحق تبارك وتعالى يقول: { استكبرتم ~~ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون } [البقرة: 87]. معنى ~~استكبرتم أي أعطيتم لأنفسكم كبرا لستم أهلا له.. ادعيتم أنكم كبار ~~ولستم كبارا.. ولكن هل المشرع مساو لك حتى تتكبر على منهجه؟ طبعا لا.. ~~قوله تعالى: { ففريقا كذبتم } [البقرة: 87].. والكذب كلام ~~يخالف الواقع.. أي أنكم اتهمتم الرسل بأنهم يقولون كلاما يخالف الواقع. ~~لأنه يخالف ما تشتهيه أنفسكم.. وقوله تعالى: { وفريقا تقتلون } ~~[البقرة: 87].. التكذيب مسألة منكرة.. ولكن القتل أمر بشع.. وحين ترى ~~إنسانا يتخلص من خصمه بالقتل فاعلم أنها شهادة بضعفه أمام خصمه.. وإن ~~طاقته وحياته لا تطيق وجود الخصم.. ولو أنه رجل مكتمل الرجولة لما تأثر ~~بوجود خصمه.. ولكن لأنه ضعيف أمامه قتله.. قوله تعالى: { وفريقا ~~تقتلون } [البقرة: 87].. مثل نبي الله يحيى ونبي الله زكريا.. وهناك ~~قصص وروايات تناولت قصة سالومي.. وهي قصة راقصة جميلة أرادت إغراء يحيى ~~عليه السلام فرفض أن يخضع لإغرائها.. فجعلت مهرها أن يأتوها برأسه.. ~~وفعلا قتلوه وجاءوها برأسه على صينية من الفضة. ### || [2.88] # الله سبحانه وتعالى يذكر لنا كيف برر بنو إسرائيل عدم إيمانهم وقتلهم ~~الأنبياء وكل ما حدث منهم.. فماذا قالوا؟ لقد قالوا { قلوبنا غلف ~~} [البقرة: 88] والغلف مأخوذ من الغلاف والتغليف.. وهناك غلف بسكون ~~اللام، وغلف بضم اللام.. مثل كتاب وكتب { قلوبنا غلف } [البقرة: ~~88] أي مغلفة وفيها من العلم ما يكفيها ويزيد، فكأنهم يقولون إننا لسنا ~~في حاجة إلى كلام الرسل.. أو { قلوبنا غلف } [البقرة: 88] أي ~~مغلفة ومطبوع عليها.. أي أن الله طبع على قلوبهم وختم عليها حتى لا ينفذ ~~إليها شعاع من الهدية.. ولا يخرج منها شعاع من الكفر. إذا كان الله ms0297 ~~سبحانه وتعالى قد فعل هذا.. ألم تسألوا أنفسكم لماذا؟ ما هو السبب؟ والحق ~~تبارك وتعالى يرد عليهم فيقول: { بل لعنهم الله بكفرهم ~~فقليلا ما يؤمنون } [البقرة: 88]: لفظ " بل " يؤكد لنا أن ~~كلامهم غير صحيح.. فهم ليس عندهم كفاية من العلم بحيث لا يحتاجون إلى ~~منهج الرسل.. ولكنهم ملعونون ومطرودون من رحمة الله.. فلا تنفذ إشعاعات ~~النور ولا الهداية إلى قلوبهم.. ولكن ذلك ليس لأن ختم عليها بلا سبب.. ~~ولكنه جزاء على أنهم جاءهم النور والهدى.. فصدوه بالكفر أولا.. ولذلك ~~فإنهم أصبحوا مطرودين من رحمة الله.. لأن من يصد الإيمان بالكفر يطرد من ~~رحمة الله، ولا ينفذ إلى قلبه شعاع من أشعة الإيمان. وهنا يجب أن نتنبه ~~إلى أن الله سبحانه وتعالى لم يبدأهم باللعنة. وبعض الناس الذين يريدون ~~أن يهربوا من مسئولية الكفر - علها تنجيهم من العذاب يوم القيامة - ~~يقولون إن الله سبحانه وتعالى قال: # فإن الله يضل من يشآء ويهدي من يشآء.. # [فاطر: 8]. تلك هي حجة الكافرين الذين يظنون أنها ستنجيهم من العذاب يوم ~~القيامة.. إنهم يريدون أن يقولوا إن الله يضل من يشاء.. وما دام الله قد ~~شاء أن يضلني فما ذنبي أنا؟ وهل أستطيع أن أمنع مشيئة الله.. نقول له: إن ~~الله إذا قيد أمرا من الأمور المطلقة فيجب أن نلجأ إلى التقييد.. والله ~~تبارك وتعالى يقول: # والله لا يهدي القوم الكافرين # [التوبة: 37]. ويقول سبحانه: # والله لا يهدي القوم الظالمين # [التوبة: 19]. ويقول جل جلاله: # والله لا يهدي القوم الفاسقين # [التوبة: 24]. والحق سبحانه وتعالى أخبرنا أنه منع إعانته للهداية عن ~~ثلاثة أنواع من الناس.. الكافرين والظالمين والفاسقين.. ولكن هل هو ~~سبحانه وتعالى منع معونة الهداية أولا؟ أم أنهم هم الذين ارتكبوا من ~~الضلال ما جعلهم لا يستحقون هداية الله؟! إنسان واجه الله بالكفر. # . كفر بالله.. رفض أن يستمع لآيات الله ورسله.. ورفض أن يتأمل في كون ~~الله.. ورفض أن يتأمل في خلقه هو نفسه ومن الذي خلقه.. ورفض أن يتأمل في ~~خلق السماوات والأرض.. كل هذا رفضه تماما.. ms0298 ومضى يصنع لنفسه طريق الضلال ~~ويشرع لنفسه الكفر.. لأنه فعل ذلك أولا.. ولأنه بدأ بالكفر برغم أن الله ~~سبحانه وتعالى وضع له في الكون وفي نفسه آيات تجعله يؤمن بالله، وبرغم ~~ذلك رفض. هو الذي بدأ والله سبحانه وتعالى ختم على قلبه. الإنسان الظالم ~~يظلم الناس ولا يخشى الله.. يذكرونه بقدره الله وقوة الله فلا يلتفت.. ~~يختم الله على قلبه.. كذلك الإنسان الفاسق الذي لا يترك منكرا إلا ~~فعله.. ولا إثما إلا ارتكبه.. ولا معصية إلا أسرع إليها.. لا يهديه ~~الله.. أكنت تريد أن يبدأ هؤلاء الناس بالكفر والظلم والفسوق ويصرون عليه ~~ثم يهديهم الله؟ يهديهم قهرا أو قسرا، والله سبحانه وتعالى خلقنا ~~مختارين؟ طبعا لا.. ذلك يضيع الاختيار البشري في أن يطيع الإنسان أو ~~يعصي. والحق تبارك وتعالى أثبت طلاقة قدرته فيما نحن مقهورون فيه.. في ~~أجسادنا التي تعمل أعضاؤها الداخلية بقهر من الله سبحانه وتعالى وليس ~~بإرادة منا كالقلب والتنفس والدورة الدموية.. والمعدة والأمعاء والكبد.. ~~كل هذا وغيره مقهور لله جل جلاله.. لا نستطيع أن نأمره ليفعل فيفعل.. وأن ~~نأمره ألا يفعل فلا يفعل.. وأثبت الله سبحانه وتعالى طلاقة قدرته فيما ~~يقع علينا من أحداث في الكون.. فهذا يمرض، وهذا تدهمه سيارة، وهذا يقع ~~عليه حجر.. وهذا يسقط، وهذا يعتدي عليه إنسان.. كل الأشياء التي تقع عليك ~~لا دخل لك فيها ولا تستطيع أن تمنعها.. بقي ذلك الذي يقع منك وأهمه تطبيق ~~منهج الله في افعل ولا تفعل.. هذا لك اختيار فيه. إن الله سبحانه وتعالى ~~أوجد لك هذا الاختيار حتى يكون الحساب في الآخرة عدلا.. فإذا اخترت ~~الكفر لا يجبرك الله على الإيمان.. وإذا اخترت الظلم لا يجبرك الله على ~~العدل.. وإذا اخترت الفسوق لا يجبرك الله على الطاعة.. إنه يحترم اختيارك ~~لأنه أعطاك هذا الاختيار ليحاسبك عليه يوم القيامة. لقد أثبت الله لنفسه ~~طلاقة القدرة بأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ولكنه سبحانه قال إنه لا ~~يهدي القوم الكافرين ولا القوم الظالمين ولا القوم الفاسقين.. ms0299 فمن يرد أن ~~يخرج من هداية الله فليكفر أو يظلم أو يفسق.. ويكون في هذه الحالة هو ~~الذي اختار فحق عليه عقاب الله.. لذلك فقد قال الكافرون من بني إسرائيل ~~إن الله ختم على قلوبهم فهم لا يهتدون، ولكنهم هم الذين اختاروا هذا ~~الطريق ومشوا فيه. # . فاختاروا عدم الهداية.. لقد أثارت هذه القضية جدلا كبيرا بين ~~العلماء ولكنها في الحقيقة لا تستحق هذا الجدل.. فالله سبحانه وتعالى ~~قال: { بل لعنهم الله بكفرهم } [البقرة: 88].. واللعن هو ~~الطرد والإبعاد من رحمة الله.. ويتم ذلك بقدرة الله سبحانه وتعالى.. لأن ~~الطرد يتناسب مع قوة الطارد. فمثلا.. ابنك الصغير يطرد حجرا أمامه تكون ~~قوة الطرد متناسبة مع سنه وقوته.. والأكبر أشد فأشد.. فإذا كان الطارد هو ~~الله سبحانه وتعالى فلا يكون هناك مقدار لقوة اللعن والطرد يعرفه العقل ~~البشري. قوله تعالى: { بل لعنهم الله بكفرهم } [البقرة: ~~88].. أي طردهم الله بسبب كفرهم.. والله تبارك وتعالى لا يتودد للناس لكي ~~يؤمنوا.. ولا يريد للرسل أن يتعبوا أنفسهم في حمل الناس على ~~الإيمان.. إنما وظيفة الرسل هي البلاغ حتى يكون الحساب حقا وعدلا.. ~~واقرأ قوله جل جلاله: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. أي أنهم لا يستطيعون ألا يؤمنوا إذا أردناهم مؤمنين ~~قهرا.. ولكننا نريدهم مؤمنين اختيارا.. وإيمان العبد هو الذي ينتفع ~~به.. فالله لا ينتفع بإيمان البشر.. وقولنا لا إله إلا الله لا يسند عرش ~~الله.. قلناها أو لم نقلها.. فلا إله إلا الله.. ولكننا نقولها لتشهد ~~علينا يوم القيامة.. نقولها لتنجينا من أهوال يوم القيامة ومن غضب الله.. ~~وقوله تعالى: " بكفرهم " يعطينا قضية مهمة هي: أنه تبارك وتعالى أغنى ~~الشركاء عن الشرك. فمن يشرك معه أحدا فهو لمن أشرك.. لذلك يقول الحق جل ~~جلاله في الحديث القدسي: # " أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري ~~تركته وشركه " # وشهادة الله سبحانه وتعالى لنفسه بالألوهية.. هي شهادة الذات للذات.. ~~وذلك ms0300 في قوله تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18]. فالله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق خلقا يشهدون أنه لا ~~إله إلا الله.. شهد لنفسه بالألوهية.. ولنقرأ الآية الكريمة: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط.. # [آل عمران: 18]. والله سبحانه وتعالى شهد لنفسه شهادة الذات للذات. ~~والملائكة شهدوا بالمشاهدة.. وأولو العلم بالدليل.. والحق تبارك وتعالى ~~يقول: { فقليلا ما يؤمنون } [البقرة: 88].. عندما تقول قليلا ~~ما يحدث كذا، فإنك تقصد به هنا صيانة الاحتمال، لأنه من الممكن أن يثوب ~~واحد منهم إلى رشده ويؤمن.. فيبقي الله الباب مفتوحا لهؤلاء. ولذلك ~~نجد الذين أسرفوا على أنفسهم في شبابهم قد يأتون في آخر عمرهم ويتوبون.. ~~في ظاهر الأمر أنهم أسرفوا على أنفسهم.. ولكنهم عندما تابوا واعترفوا ~~بخطاياهم وعادوا إلى طريق الحق تقبل الله إيمانهم.. لذلك يقول الله جل ~~جلاله: { فقليلا ما يؤمنون } [البقرة: 88] أي أن الأغلبية تظل ~~على كفرها.. والقلة هي التي تعود إلى الإيمان. ### || [2.89] # بعد أن بين لنا الله سبحانه وتعالى.. أن بني إسرائيل قالوا إن قلوبهم ~~غلف لا يدخلها شعاع من الهدى أو الإيمان.. أراد تبارك وتعالى أن يعطينا ~~صورة أخرى لكفرهم بأنه أنزل كتابا مصدقا لما معهم ومع ذلك كفروا به.. ~~ولو كان هذا الكتاب مختلفا عن الذي معهم لقلنا إن المسألة فيها خلاف.. ~~ولكنهم كانوا قبل أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وينزل عليه ~~القرآن كانوا يؤمنون بالرسول والكتاب الذي ذكر عندهم في التوراة.. وكانوا ~~يقولون لأهل المدينة.. أهل زمن رسول سنؤمن به ونتبعه ونقتلكم قبل عاد ~~وإرم. لقد كان اليهود يعيشون في المدينة.. وكان معهم الأوس والخزرج ~~وعندما تحدث بينهم خصومات كانوا يهددونهم بالرسول القادم.. فلما جاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كفروا به وبما أنزل عليه من القرآن. واليهود في ~~كفرهم كانوا أحد أسباب نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. لأن الأوس ~~والخرزج عندما بعث الرسول عليه الصلاة والسلام قالوا هذا النبي الذي ~~يهددنا به اليهود ms0301 وأسرعوا يبايعونه.. فكأن اليهود سخرهم الله لنصرة ~~الإسلام وهم لا يشعرون. والرسول عليه الصلاة والسلام كان يذهب إلى الناس ~~في الطائف.. وينتظر القبائل عند قدومها إلى مكة في موسم الحج ليعرض عليهم ~~الدعوة فيصدونه ويضطهدونه.. وعندما شاء الله أن ينتشر دعوة الإسلام جاء ~~الناس إلى مكة ومعهم الأوس والخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~يذهب هو إليهم، وأعلنوا مبايعته والإيمان برسالته ونشر دعوته.. دون أن ~~يطلب عليه الصلاة والسلام منهم ذلك.. ثم دعوه ليعيش بينهم في دار ~~الإيمان.. كل هذا تم عندما شاء الله أن ينصر الإسلام بالهجرة إلى المدينة ~~وينصره بمن اتبعوه. ويقول الحق تبارك وتعالى: { وكانوا من قبل ~~يستفتحون على الذين كفروا } [البقرة: 89].. أي أنهم قبل ~~أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستفتحون بأنه قد أطل زمن ~~رسول سنؤمن به ونتبعه.. فلما جاء الرسول كذبوه وكفروا برسالته. وقوله ~~تعالى: { على الذين كفروا } [البقرة: 89].. أي كفار المدينة من ~~الأوس والخزرج الذين لم يكونوا أسلموا بعد.. لأن الرسول لم يأت.. الحق ~~سبحانه وتعالى يعطينا تمام الصورة في قوله تعالى: { فلما جآءهم ~~ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين } ~~[البقرة: 89]. وهكذا نرى أن بني إسرائيل فيهم جحود مركب، جاءهم الرسول ~~الذي انتظروه وبشروا به.. ولكن أخذهم الكبر رغم أنهم موقنون بمجيء الرسول ~~الجديد وأوصافه موجودة عندهم في التوراة إلا أنهم رفضوا أن يؤمنوا ~~فاستحقوا بذلك لعنة الله.. واللعنة كما قلنا هي الطرد من رحمة الله. ### || [2.90] # عندما رفض اليهود الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وطردهم الله من ~~رحمته.. بين لنا أنهم: { بئسما اشتروا به أنفسهم } ~~[البقرة: 90].. وكلمة اشترى سبق الحديث عنها وقلنا إننا عادة ندفع الثمن ~~ونأخذ السلعة التي نريدها.. ولكن الكافرين قلبوا هذا رأسا على عقب ~~وجعلوا الثمن سلعة.. على أننا لابد أن نتحدث أولا عن الفرق بين شرى ~~واشترى.. شرى بمعنى باع.. واقرأ قوله عز وجل: # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه ~~من الزاهدين # [يوسف: 20]. ومعنى الآية الكريمة أنهم ms0302 باعوه بثمن قليل.. واشترى يعني ~~ابتاع.. ولكن اشترى قد تأتي بمعنى شرى.. لأنك في بعض الأحيان تكون ~~محتاجا إلى سلعة ومعك مال.. وتذهب وتشتري السلعة بمالك وهذا هو الوضع ~~السليم.. ولكن لنفرض أنك احتجت لسلعة ضرورية كالدواء مثلا.. وليس عندك ~~المال ولكن عندك سلعة أخرى كأن يكون عندك ساعة أو قلم فاخر.. فتذهب إلى ~~الصيدلية وتعطي الرجل سلعة مقابل سلعة.. أصبح الثمن في هذه الحالة ~~مشترى.. إذن فمرة يكون البيع مشتري ومرة يكون مبيعا.. والحق تبارك ~~وتعالى يقول: { بئسما اشتروا به أنفسهم } [البقرة: ~~90].. وكأنما يعيرهم بأنهم يدعون الذكاء والفطنة.. ويؤمنون بالمادية ~~وأساسها البيع والشراء.. لو كانوا حقيقة يتقنون هذا لعرفوا أنهم قد أتموا ~~صفقة خاسرة.. الصفقة الرابحة كانت أن يشتروا أنفسهم مقابل التصديق بما ~~أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم.. ولكنهم باعوا أنفسهم واشتروا ~~الكفر فخسروا الصفقة لأنهم أخذوا الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة.. ~~والله سبحانه وتعالى يجعل بعض العذاب في الدنيا ليستقيم ميزان الأمور حتى ~~عند من لم يؤمن بالآخرة.. فعندما يرى ذلك من لا يؤمن بالآخرة عذابا ~~دنيويا يقع على ظالم.. يخاف من الظلم ويبتعد عنه حتى لا يصيبه عذاب ~~الدنيا ويعرف أن في الدنيا مقاييس في الثواب والعقاب.. وحتى لا ينتشر في ~~الأرض فساد من لا يؤمن بالله ولا بالآخرة.. وضع الحق تبارك وتعالى قصاصا ~~في الدنيا.. واقرأ قوله جل جلاله: # ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب لعلكم ~~تتقون # [البقرة: 179]. والله سبحانه وتعالى في قصاصه يلفت المؤمن وغير المؤمن ~~إلى عقوبة الحياة الدنيا.. فيأتي للمرابي الذي يمتص دماء الناس ويصيبه ~~بكارثة لا يجد بعدها ما ينفقه.. ولذلك نحن نقول يا رب إن القوم غرهم حلمك ~~واستبطأوا آخرتك فخذهم ببعض ذنوبهم أخذ عزيز مقتدر حتى يعتدل الميزان. ~~والله تبارك وتعالى جعل مصارع الظالمين والباغين والمتجبرين في الدنيا.. ~~جعلها الله عبرة لمن لا يعتبر بمنهج الله. # فتجد إنسانا ابتعد عن دينه وأقبلت عليه الدنيا بنعيمها ومجدها وشهرتها ~~ثم تجده في آخر أيامه يعيش على صدقات المحسنين.. ms0303 وتجد امرأة غرها المال ~~فانطلقت تجمعه من كل مكان حلالا أو حراما وأعطتها الدنيا بسخاء.. وفي ~~آخر أيامها تزول عنها الدنيا فلا تجد ثمن الدواء.. وتموت فيجمع لها الناس ~~مصاريف جنازتها.. كل هذه الأحداث وغيرها عبرة للناس.. ولذلك فهي تحدث على ~~رؤوس الأشهاد.. يعرفها عدد كبير من الناس.. إما لأنها تنشر في الصحف وإما ~~أنها تذاع بين أهل الحي فيتناقلونها.. المهم أنها تكون مشهورة. وتجد ~~مثلا أن اليهود الذين كانوا زعماء المدينة تجار الحرب والسلاح.. ينتهي ~~بهم الحال أن يطردوا من ديارهم وتؤخذ أموالهم وتسبى نساؤهم.. أليس هذا ~~خزيا؟ قوله تعالى: { أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا } ~~[البقرة: 90].. البغي تجاوز الحد، والله جعل لكل شيء حدا من تجاوزه ~~بغى.. والحدود التي وضعها الله سبحانه هي أحكام.. ومرة تكون أوامر ومرة ~~تكون نواهي. ولذلك يقول الحق بالنسبة للأوامر: # تلك حدود الله فلا تعتدوها.. # [البقرة: 229]. ويقول تعالى بالنسبة للنواهي: # تلك حدود الله فلا تقربوها.. # [البقرة: 187]. ولكن ما سبب بغيهم؟.. بغيهم حسد على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن تأتي إليه الرسالة.. وعلى العرب أن يكون الرسول منهم.. ~~واليهود اعتقدوا لكثرة أنبيائهم أنهم الذين ورثوا رسالات الله إلى ~~الأرض.. وعندما جاءت التوراة والإنجيل يبشران برسول خاتم قالوا إنه منا.. ~~الرسالة والنبوة لن تخرج عنا فنحن شعب الله المختار.. ولذلك كانوا يعلنون ~~أنهم سيتبعون النبي القادم وينصرونه.. ولكنهم فوجئوا بأنه ليس منهم.. ~~حينئذ ملأهم الكبر والحسد وقالوا ما دام ليس منا فلن نتبعه بل سنحاربه.. ~~لقد خلعت منهم الرسالات لأنهم ليسوا أهلا لها.. وكان لابد أن يعاقبهم ~~الله على كفرهم ومعصيتهم ويجعل الرسالة في أمة غيرهم.. والله تبارك ~~وتعالى يقول: # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك ~~على الله بعزيز # [فاطر: 16-17]. لقد اختبرهم الله في رسالات متعددة ولكنهم كما قرأنا في ~~الآيات السابقة.. كذبوا فريقا من الأنبياء. ومن لم يكذبوه قتلوه.. لذلك ~~كان لابد أن ينزع الله منهم هذه الرسالات ويجعلها في أمة غيرهم.. لتكون ~~أمة العرب فيها ختام رسالات السماء ms0304 إلى الأرض.. ولذلك بغوا. وقوله تعالى: ~~{ بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشآء من ~~عباده } [البقرة: 90].. ومن هنا نعرف أن الرسالات واختيار الرسل.. ~~فضل من الله يختص به من يشاء.. والله سبحانه حين يطلق أيدينا ويملكنا ~~الأسباب.. فإننا لا نخرج عن مشيئته بل نخضع لها. # . ونعرف أنه لا ذاتية في هذا الكون.. وذلك حتى لا يغتر الإنسان بنفسه.. ~~فإن بطل العالم في لعبة معينة هو قمة الكمالات البشرية في هذه اللعبة.. ~~ولكن هذه الكمالات ليست ذاتية فيه لأن غيره يمكن أن يتغلب عليه.. ولأنه ~~قد يصيبه أي عائق يجعله لا يصلح للبطولة.. وعلى كل حال فإن بطولته لا ~~تدوم.. لأنها ليست ذاتية فيه ومن وهبها له وهو الله سيهبها لغيره متى ~~شاء.. ولذلك لابد أن يعلم الإنسان أن الكمال البشري متغير لا يدوم ~~لأحد.. وأن كل من يبلغ القمة ينحدر بعد ذلك لأننا في عالم أغيار.. ولابد ~~لكل من علا أن ينزل.. فالكمال لله وحده.. والله سبحانه يحرس كماله بذاته. ~~إذن اليهود حسدوا رسول الله.. حسدوا نزول القرآن على العرب.. والحق ~~سبحانه يقول: { فبآءو بغضب على غضب وللكافرين ~~عذاب مهين } [البقرة: 90].. والله جل جلاله يخبرنا أنه غضب عليهم ~~مرتين. الغضب الأول أنهم لم ينفذوا ما جاء في التوراة فغضب الله عليهم.. ~~والغضب الثاني حين جاءهم رسول مذكور عندهم في التوراة ومطلوب منهم أن ~~يؤمنوا به فكفروا به.. وكان المفروض أن يؤمنوا حتى يرضى الله عنهم.. ~~ولذلك غضب الله عليهم مرة أخرى عندما كفروا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم.. وقوله تعالى: { وللكافرين عذاب مهين } [البقرة: ~~90].. العذاب في القرآن الكريم وصف بأنه أليم.. ووصف بأنه عظيم ~~ووصف بأنه مهين.. أليم أي شديد الألم يصيب من يعذب بألم شديد.. ولكن ~~لنفرض أن الذي يعذب يتجلد.. ويحاول ألا يظهر الألم حتى لا يشمت فيه ~~الناس.. يأتيه الله بعذاب عظيم لا يقدر على احتماله.. ذلك أن عظمة العذاب ~~تجعله لا يستطيع أن يحتمل.. فإذا كان الإنسان من الذين تزعموا الكفر في ~~الدنيا.. ms0305 ووقفوا أمام دين الله يحاربونه وتزعموا قومهم.. يأتيهم الله ~~تبارك وتعالى بعذاب مهين.. ويكون هذا أكثر إيلاما للنفس من الألم.. ~~تماما كما تأتي لرجل هو أقوى من في المنطقة يخافه الناس جميعا ثم ~~تضربه بيدك وتسقطه على الأرض.. تكون في هذه الحالة قد أهنته أمام الناس.. ~~فلا يستطيع بعد ذلك أن يتجبر أو يتكبر على واحد منهم.. ويكون هذا أشد ~~إيلاما للنفس من ألم العذاب نفسه ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا * ثم لنحن أعلم بالذين هم ~~أولى بها صليا # [مريم: 69-70]. وقوله جل جلاله: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. ذلك هو العذاب المهين. ### || [2.91] # يبين لنا الحق سبحانه وتعالى موقف اليهود.. من عدم الإيمان برسالة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم.. مع أنهم أمروا بذلك في التوراة.. فيقول جل ~~جلاله: { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله } ~~[البقرة: 91] أي إذا دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا ~~بالإسلام وأن يؤمنوا بالقرآن رفضوا ذلك { قالوا نؤمن بمآ ~~أنزل علينا } [البقرة: 91] أي نؤمن بالتوراة ونكفر بما وراءه، أي ~~بما نزل بعده. ونحن نعرف أن الكفر هو الستر.. ولو أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم جاء يناقض ما عندهم ربما قالوا: جاء ليهدم ديننا ولذلك نكفر ~~به.. ولكنه جاء بالحق مصدقا لما معهم. إذن حين يكفرون بالقرآن يكفرون ~~أيضا بالتوراة.. لأن القرآن يصدق ما جاء في التوراة. وهنا يقيم الله ~~تبارك وتعالى عليهم الحجة البالغة.. إن كفركم هذا وسلوككم ضد كل نبي ~~جاءكم.. ولو أنكم تستقبلون الإيمان حقيقة بصدر رحب.. فقولوا لنا لم ~~قتلتم أنبياء الله؟.. ولذلك يقول الحق: { فلم تقتلون أنبيآء ~~الله من قبل } [البقرة: 91].. هل هناك في كتابكم التوراة أن ~~تقتلوا أولياء الله.. كأن الحق سبحانه وتعالى قد أخذ الحجة من قولهم: { ~~نؤمن بمآ أنزل علينا ويكفرون بما ورآءه } ~~[البقرة: 91].. إذا كان هذا صحيحا وأنكم تؤمنون بما أنزل عليكم فهاتوا ~~لنا مما أنزل إليكم وهي التوراة ما يبيح ms0306 لكم قتل الأنبياء إن كنتم مؤمنين ~~بالتوراة.. وطبعا لم يستطيعوا ردا لأنهم كفروا بما أنزل عليهم.. فهم ~~كاذبون في قولهم نؤمن بما أنزل علينا.. لأن ما ينزل عليهم لم يأمرهم بقتل ~~الأنبياء.. فكأنهم كفروا بما أنزل عليهم.. وكفروا بما أنزل على محمد عليه ~~الصلاة والسلام. والقرآن يأتينا بالحجة البالغة التي تخرس أفواه الكافرين ~~وتؤكد أنهم عاجزون غير قادرين على الحجة في المناقشة.. وهنا لابد أن ~~نتنبه إلى قوله تعالى: { فلم تقتلون أنبيآء الله من ~~قبل } [البقرة: 91].. قوله تعالى: " من قبل " طمأنة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى أن قتلهم الأنبياء انتهى، وفي الوقت نفسه قضاء على ~~آمال اليهود في أن يقتلوا محمدا عليه الصلاة والسلام.. والله يريد نزع ~~الخوف من قلوب المؤمنين على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ما جرى ~~للرسل السابقين من بني إسرائيل لن يجري على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم.. وبذلك قطع القرآن خط الرجعة على كل من يريد أذى لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم.. لأن ذلك كان عهدا وانتهى. # . وأنهم لو تآمروا على قتله عليه الصلاة والسلام فلن يفلحوا ولن يصلوا ~~إلى هدفهم. واليهود بعد نزول هذه الآية الكريمة لم يتراجعوا عن تآمرهم ~~ولن يكفوا عن بغيهم في قتل الرسل والأنبياء.. فحاولوا قتل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أكثر من مرة.. مرة وهو في حيهم ألقوا فوقه حجرا ولكن ~~جبريل عليه السلام أنذره فتحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكانه ~~قبل إلقاء الحجر.. ومرة دسوا له السم، ومحاولات أخرى فشلت كلها. إذن ~~فقوله تعالى: " من قبل " معناها.. إن كنتم تفكرون في التخلص من محمد صلى ~~الله عليه وسلم بقتله كما فعلتم في أنبيائكم نقل لكم: إنكم لن تستطيعوا ~~أن تقتلوه. ولقد كانت هذه الآية كافية لإلقاء اليأس في نفوسهم حتى يكفوا ~~عن أسلوبهم في قتل الأنبياء ولكنهم ظلوا في محاولاتهم، وفي الوقت نفسه ~~كانت الآية تثبيتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. بأن اليهود ~~مهما تآمروا فلن ms0307 يمكنهم الله من شيء.. وقوله تعالى: { إن كنتم ~~مؤمنين } [البقرة: 91].. أي بما أنزل إليكم. ### || [2.92] # بعد أن بين لنا الله سبحانه وتعالى رفضهم للإيمان بما أنزل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم.. بحجة أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم فقط.. أوضح ~~لنا أن هذه الحجة كاذبة وأنهم في طبيعتهم الكفر والإلحاد.. فقال سبحانه: ~~{ ولقد جآءكم موسى بالبينات } [البقرة: 92].. أي أن ~~موسى عليه السلام أيده الله ببينات ومعجزات كثيرة كانت تكفي لتملأ قلوبكم ~~بالإيمان وتجعلكم لا تعبدون إلا الله.. فلقد شق لكم البحر ومررتم فيه ~~وأنتم تنظرون وترون.. أي أن المعجزة لم تكن غيبا عنكم بل حدثت أمامكم ~~ورأيتموها.. ولكنكم بمجرد أن تجاوزتم البحر وذهب موسى للقاء الله.. بمجرد ~~أن حدث ذلك اتخذتم العجل إلها من دون الله وعبدتموه.. فكيف تدعون أنكم ~~آمنتم بما أنزل إليكم.. لو كنتم قد آمنتم به ما كنتم اتخذتم العجل إلها. ~~والحق تبارك وتعالى يريد أن ينقض حجتهم في أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم.. ~~ويرينا أنهم ما آمنوا حتى بما أنزل إليهم.. فجاء بحكاية قتل الأنبياء.. ~~ولو أنهم كانوا مؤمنين حقا بما أنزل إليهم فليأتوا بما يبيح لهم قتل ~~أنبيائهم ولكنهم كاذبون.. أما الحجة الثانية فهي إن كنتم تؤمنون بما أنزل ~~إليكم.. فقولوا لنا كيف وقد جاءكم موسى بالآيات الواضحة من العصا التي ~~تحولت إلى حية واليد البيضاء من غير سوء والبحر الذي شققناه لكم لتنجوا ~~من قوم فرعون.. والقتيل الذي أحياه لله أمامكم بعد أن ضربتموه ببعض ~~البقرة التي ذبحتموها.. آيات كثيرة ولكن بمجرد أن ترككم موسى وذهب للقاء ~~ربه عبدتم العجل. إذن فقولكم نؤمن بما أنزل إلينا غير صحيح.. فلا أنتم ~~مؤمنون بما أنزل إليكم ولا أنتم مؤمنون بما أنزل من بعدكم.. وكل هذه حجج ~~الهدف منها عدم الإيمان أصلا. وقوله تعالى: { ثم اتخذتم ~~العجل من بعده وأنتم ظالمون } [البقرة: 92].. واتخاذ ~~العجل في ذاته ليس معصية إذ اتخذته للحرث أو للذبح لتأكل لحمه.. ولكن ~~المعصية هي اتخاذ العجل معبودا.. وقوله تعالى: { اتخذتم العجل ~~} [البقرة: ms0308 92].. أي أن ذلك أمر مشهود لم تعبدوا العجل سرا بل عبدتموه ~~جهرا، ولذلك فهو أمر ليس محتاجا إلى شهود ولا إلى شهادة لأنه حدث علنا ~~وأمام الناس كلهم.. وذكر حكاية العجل هذه ليشعروا بذنبهم في حق الله.. ~~كأن يرتكب الإنسان خطأ ثم يمر عليه وقت.. وكلما أردنا أن نؤنبه ذكرناه ~~بما فعل.. وقوله تعالى: { وأنتم ظالمون } [البقرة: 92].. أي ~~ظالمون في إيمانكم.. ظالمون في حق الله بكفركم به. ### || [2.93] # بعد أن ذكرهم الله سبحانه وتعالى بكفرهم بعبادتهم للعجل.. وكان هذا ~~نوعا من التأنيب الشديد والتذكير بالكفر.. أراد أن يؤنبهم مرة أخرى وأن ~~يذكرهم أنهم آمنوا خوفا من وقوع جبل الطور عليهم.. ولم يكن الجبل ~~سيقع عليهم.. لأن الله لا يقهر أحدا على الإيمان.. ولكنهم بمجرد أن ~~رأوا جبل الطور فوقهم آمنوا.. مثلهم كالطفل الذي وصف له الطبيب دواء ~~مرا ليشفى. ولذلك فإن رفع الله سبحانه وتعالى لجبل الطور فوقهم ~~ليأخذوا الميثاق والمنهج.. لا يقال إنه فعل ذلك إرغاما لكي يؤمنوا.. إنه ~~إرغام المحب.. يريد الله من خلقه ألا يعيشوا بلا منهج سماوي فرفع فوقهم ~~جبل الطور إظهارا لقوته وقدرته تبارك وتعالى حتى إذا استشعروا هذه القوة ~~الهائلة وما يمكن أن تفعله لهم وبهم آمنوا.. فكأنهم حين أحسوا بقدرة الله ~~آمنوا.. تماما كالطفل الصغير يفتح فمه لتناول الدواء المر وهو كاره.. ~~ولكن هل أعطيته الدواء كرها فيه أو أعطيته له قمة في الحب والإشفاق ~~عليه؟ الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتهم إلى أنه لم يترك حيلة من الحيل ~~حتى يتلقى بنو إسرائيل منهج الله الصحيح.. نقول إنه لم يترك حيلة إلا ~~فعلها.. لكن غريزة الاستكبار والعناد منعتهم أن يستمروا على الإيمان.. ~~تماما كما يقال للأب إن الدواء مر لم يحقق الشفاء وطفلك مريض.. فيقول ~~وماذا افعل أكثر من ذلك أرغمته على شرب الدواء المر ولكنه لم يشف. وقول ~~الله تعالى: " ميثاقكم ". هل الميثاق منهم أو هو ميثاق الله؟. طبعا هو ~~ميثاق الله.. ولكن الله جل جلاله خاطبهم بقوله: " ميثاقكم " لأنهم أصبحوا ~~طرفا ms0309 في العقد.. وما داموا قد أصبحوا طرفا أصبح ميثاقهم.. ولابد أن ~~نؤمن أن رفع جبل الطور فوق اليهود لم يكن لإجبارهم لأخذ الميثاق منهم ~~حتى لا يقال أنهم أجبروا على ذلك.. هم اتبعوا موسى قبل أن يرفع فوقهم جبل ~~الطور.. فلابد أنهم أخذوا منهجه باختيارهم وطبقوه باختيارهم لأن الله ~~سبحانه وتعالى لم يبق الطور مرفوعا فوق رءوسهم أينما كانوا طوال حياتهم ~~حتى يقال إنهم أجبروا.. فلو أنهم أجبروا لحظة وجود جبل الطور فوقهم.. ~~فإنهم بعد أن انتهت هذه المعجزة لم يكن هناك ما يجبرهم على تطبيق ~~المنهج.. ولكن المسألة أن الله تبارك وتعالى.. حينما يرى من عباده مخالفة ~~فإنه قد يخيفهم.. وقد يأخذهم بالعذاب الأصغر علهم يعودون إلى إيمانهم.. ~~وهذا يأتي من حب الله لعباده لأنه يريدهم مؤمنين.. ولكن اليهود قوم ~~ماديون لا يؤمنون إلا بالمادة والله تبارك وتعالى أراد أن يريهم آية ~~مادية عل قلوبهم تخشع وتعود إلى ذكر الله. # . وليس في هذا إجبار لأنه كما قلنا إنه عندما انتهت المعجزة كان يمكنهم ~~أن يعودوا إلى المعصية.. ولكنها آية تدفع إلى الإيمان.. وقوله تعالى: { ~~خذوا مآ ءاتينكم بقوة } [البقرة: 93] لأن ما يؤخذ بقوة ~~يعطى بقوة.. والأخذ بقوة يدل على عشق الآخذ للمأخوذ.. وما دام المؤمن ~~يعشق المنهج فإنه سيؤدي مطلوباته بقوة.. فالإنسان دائما عندما يأخذ ~~شيئا لا يحبه فإنه يأخذه بفتور وتهاون. قوله تعالى: { واسمعوا ~~قالوا سمعنا وعصينا } [البقرة: 93].. القول هو عمل اللسان ~~والفعل للجوارح كلها ما عدا اللسان.. هناك قول وفعل وعمل.. القول أن تنطق ~~بلسانك والفعل أن تقوم جوارحك بالتنفيذ.. والعمل أن يطابق القول الفعل.. ~~هم: { قالوا سمعنا وعصينا } [البقرة: 93] هم سمعوا ما قاله ~~لهم الله سبحانه وتعالى وعصوه.. ولكن عصينا على أي شيء معطوفة؟.. إنها ~~ليست معطوفة على " سمعنا ".. ولكنها معطوفة على قالوا.. قالوا سمعنا في ~~القول وفي الفعل عصينا.. وليس معنى ذلك أنهم قالوا بلسانهم عصينا في ~~الفعل.. فالمشكلة جاءت من عطف عصينا على سمعنا.. فتحسب أنهم قالوا ~~الكلمتين.. لا.. هم قالوا سمعنا ولكنهم لم ms0310 ينفذوا فلم يفعلوا والله ~~سبحانه وتعالى يريدهم أن يسمعوا سماع طاعة لا سماع تجرد أي مجرد سماع.. ~~ولكنهم سمعوا ولم يفعلوا شيئا فكأن عدم فعلهم معصية. قوله تعالى: { ~~وأشربوا في قلوبهم العجل } [البقرة: 93]. الحق تبارك ~~وتعالى يريد أن يصور لنا ماديتهم.. فالحب أمر معنوي وليس أمرا ماديا ~~لأنه غير محسوس.. وكان التعبير يقتضي أن يقال وأشربوا حب العجل.. ولكن ~~الذي يتكلم هو الله.. يريد أن يعطينا الصورة الواضحة الكاملة في أنهم ~~أشربوا العجل ذاته أي دخل العجل إلى قلوبهم. لكن كيف يمكن أن يدخل العجل ~~في هذا الحيز الضيق وهو القلب.. الله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى ~~الشيوع في كل شيء بكلمة أشربوا.. لأنها وصف لشرب الماء والماء يتغلغل ~~في كل الجسم.. والصورة تعرب عن تغلغل المادية في قلوب بني إسرائيل حتى ~~كأن العجل دخل في قلوبهم وتغلغل كما يدخل الماء في الجسم مع أن القلب لا ~~تدخله الماديات. ويقول الحق جل جلاله: { وأشربوا في قلوبهم ~~العجل بكفرهم } [البقرة: 93].. كأن الكفر هو الذي أسقاهم ~~العجل.. هم كفروا أولا.. وبكفرهم دخل العجل إلى قلوبهم وختم عليها.. ~~وقوله تعالى: { قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن ~~كنتم مؤمنين } [البقرة: 93].. هم قالوا نؤمن بما أنزل علينا ~~ولا نؤمن بما جاء بعده. # . قل هل إيمانكم يأمركم بهذا؟.. وهذا أسلوب تهكم من القرآن الكريم ~~عليهم.. مثل قوله تعالى: # أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون # [النمل: 56]. هل الطهر والطهارة مبرر لإخراج آل لوط من القرية؟.. طبعا ~~لا.. ولكنه أسلوب تهكم واستنكار.. والحق أن إيمانهم بهذا لا يأمرهم بهذا ~~بل يأمرهم بالإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم.. واقرأ قوله تبارك ~~وتعالى: # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~إنا هدنآ إليك قال عذابي أصيب به من أشآء ~~ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبآئث ms0311 ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي ~~كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون # [الأعراف: 156-157]. هذا هو ما يأمرهم به إيمانهم.. أن يؤمنوا بالنبي ~~الأمي محمد عليه الصلاة والسلام.. والله تبارك وتعالى يعلم ما يأمرهم به ~~الإيمان لأنه منه جل جلاله.. ولذلك عندما يحاولون خداع الله.. يتهكم الله ~~سبحانه وتعالى عليهم ويقول لهم: { بئسما يأمركم به ~~إيمانكم إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 93]. وقوله تعالى: { ~~إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 93] دليل على أنهم ليسوا مؤمنين.. ~~ولكن ما زال في قلوبهم الشرك والكفر أو العجل الذي عبدوه. ### || [2.94] # والله سبحانه وتعالى يريد أن يفضح اليهود.. ويبين أن إيمانهم غير صحيح ~~وأنهم عدلوا وبدلوا واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا.. وهو سبحانه يريدنا ~~أن نعرف أن هؤلاء اليهود.. لم يفعلوا ذلك عن جهل ولا هم خدعوا بل هم ~~يعملون أنهم غيروا وبدلوا.. ويعرفون أنهم جاءوا بكلام ونسبوه إلى الله ~~سبحانه وتعالى زورا وبهتانا.. ولذلك يطلب من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يفضحهم أمام الناس ويبين كذبهم بالدليل القاطع.. يقول: { قل ~~إن كانت لكم الدار الآخرة } [البقرة: 94]: " قل " موجهة إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أي قل لهم يا محمد.. ولا يقال هذا الكلام ~~إلا إذا كانت اليهود قد قالوا إن لهم: { الدار الآخرة عند ~~الله خالصة } [البقرة: 94]. الشيء الخالص هو الصافي بلا معكر أو ~~شريك. أي الشيء الذي لك بمفردك لا يشاركك فيه أحد ولا ينازعك فيه أحد.. ~~فالله سبحانه وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: إن كانت الآخرة لهم ~~وحدهم عند الله لا يشاركهم فيها أحد.. فكان الواجب عليهم أن يتمنوا الموت ~~ليذهبوا إلى نعيم خالد.. فمادامت لهم الدار الآخرة وماداموا موقنين من ~~دخول الجنة وحدهم.. فما الذي يجعلهم يبقون في الدنيا.. ألا يتمنون ~~الموت كما تمنى المسلمون الشهادة ليدخلوا الجنة.. وليست هذه هي ~~الافتراءات الوحيدة من اليهود على الله سبحانه وتعالى.. واقرأ قوله جل ~~جلاله: # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ms0312 أو ~~نصارى.. # [البقرة: 111]. من الذي قال؟ اليهود قالوا عن أنفسهم لن يدخل الجنة إلا ~~من كان هودا، والنصارى قالوا عن أنفسهم لن يدخل الجنة إلا من كان ~~نصرانيا.. كل منهم قال عن نفسه إن الجنة خاصة به. ولقد شكل قولهم هذا ~~لنا لغزا في العقائد.. من الذي سيدخل الجنة وحده.. اليهود أم النصارى؟ ~~نقول: إن الله سبحانه وتعالى أجاب عن هذا السؤال بقوله جل جلاله: # وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شيء.. # [البقرة: 113]. وهذا أصدق قول قالته اليهود وقالته النصارى بعضهم لبعض. ~~فاليهود ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء.. وكلاهما صادق في مقولته ~~عن الآخر.. في الآية الكريمة التي نحن بصددها.. اليهود قالوا إن الدار ~~الآخرة خالصة لهم.. سنصدقهم ونقول لهم لماذا لا يتعجلون ويتمنون الموت.. ~~فالمفروض أنهم يشتاقون للآخرة ما دامت خالصة لهم.. ولذلك قال الله تبارك ~~وتعالى: { فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } [البقرة: ~~94].. ولكنها أمان كاذبة عند اليهود وعند النصارى. # . واقرأ قوله سبحانه: # وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم ~~بشر ممن خلق يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء ~~ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه ~~المصير # [المائدة: 18]. إذن هم يتوهمون أنهم مهما فعلوا من ذنوب فإن الله لن ~~يعذبهم يوم القيامة.. ولكن عدل الله يأبى ذلك.. كيف يعذب بشرا بذنوبهم ~~ثم لا يعذب اليهود بما اقترفوا من ذنوب.. بل يدخلهم الجنة في الآخرة.. ~~وكيف يجعل الله سبحانه وتعالى الجنة في الآخرة لليهود وحدهم.. وهو قد كتب ~~رحمته لأتباع محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين برسالة الإسلام.. وأبلغ ~~اليهود والنصارى بذلك في كتبهم.. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~إنا هدنآ إليك قال عذابي أصيب به من أشآء ~~ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل.. # [الأعراف: 156-157]. إذا كانت هذه هي الحقيقة ms0313 الموجودة في كتبهم.. والحق ~~تبارك وتعالى يقول: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين # [آل عمران: 85]. فكيف يدعي اليهود أن الدار الآخرة خالصة لهم يوم ~~القيامة؟ ولكن الحق جل جلاله يفضح كذبهم ويؤكد لنا أن ما يقولونه هم أول ~~من يعرف أنه كذب. ### || [2.95] # إنهم لن يتمنوا الموت أبدا بل يخافونه.. والله تبارك وتعالى حين أنزل ~~هذه الآية.. وضع قضية الإيمان كله في يد اليهود.. بحيث يستطيعون إن ~~أرادوا أن يشككوا في هذا الدين.. كيف؟ ألم يكن من الممكن عندما نزلت هذه ~~الآية أن يأتي عدد من اليهود ويقولوا ليتنا نموت.. نحن نتمنى الموت يا ~~محمد. فادع لنا ربك يميتنا.. ألم يكن من الممكن أن يقولوا هذا؟ ولو ~~نفاقا.. ولو رياء ليهدموا هذا الدين.. ولكن حتى هذه لم يقولوها ولم ~~تخطر على بالهم.. انظر إلى الإعجاز القرآني في قوله سبحانه: { ولن ~~يتمنوه } [البقرة: 95]. لقد حكم الله سبحانه حكما نهائيا في أمر ~~إختياري لعدو يعادي الإسلام.. وقال إن هذا العدو وهم اليهود لن يتمنوا ~~الموت.. وكان من الممكن أن يفطنوا لهذا التحدي.. ويقولوا بل نحن نتمنى ~~الموت ونطلبه من الله.. ولكن حتى هذه لم تخطر على بالهم لأن الله تبارك ~~وتعالى إذا حكم في أمر اختياري فهو يسلب من أعداء الدين تلك الخواطر التي ~~يمكن أن يستخدموها في هدم الدين.. فلا تخطر على بالهم أبدا مثلما تحداهم ~~الله سبحانه من قبل في قوله تعالى: # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها.. # [البقرة: 142]. ولقد نزلت هذه الآية الكريمة قبل أن يقولوا.. بدليل ~~استخدام حرف السين في قوله: " سيقول ".. ووصفهم الله جل جلاله ~~بالسفهاء.. ومع ذلك فقد قالوا.. ولو أن عقولهم تنبهت لسكتوا ولم يقولوا ~~شيئا.. وكان في ذلك تحد للقرآن الكريم.. كانوا سيقولون لقد قال الله ~~سبحانه وتعالى: # سيقول السفهآء من الناس # [البقرة: 142].. ولكن أحدا لم يقل شيئا فأين هم هؤلاء السفهاء ولماذا ~~لم يقولوا؟ وكان هذا يعتبر تحديا للقرآن الكريم في ms0314 أمر يملكون فيه حرية ~~الاختيار.. ولكن لأن الله هو القائل والله هو الفاعل.. لم يخطر ذلك على ~~بالهم أبدا، وقالوا بالفعل. في الآية الكريمة التي نحن بصددها.. تحداهم ~~القرآن أن يتمنوا الموت ولم يتمنوه.. وكان الكلام المنطقي ما دامت الدار ~~الآخرة خالصة لهم.. والله تحداهم أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين ~~لتمنوه.. ليذهبوا إلى نعيم أبدي.. ولكن الحق حكم مسبقا أن ذلك لن يحدث ~~منهم.. لماذا؟ لأنهم كاذبون ويعلمون أنهم كاذبون.. لذلك فهم يهربون من ~~الموت ولا يتمنونه. انظروا مثلا إلى العشرة المبشرين بالجنة.. عمار بن ~~ياسر في الحرب في حنين.. كان ينشد وهو يستشهد الآن ألقى الأحبة محمدا ~~وصحبه. # . كان سعيدا لأنه أصيب وكان يعرف وهو يستشهد أنه ذاهب إلى الجنة عند ~~محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته.. هكذا تكون الثقة في الجزاء والبشرى ~~بالجنة.. وعبد الله بن رواحة كان يحارب وهو ينشد ويقول: # يا حبذا الجنة واقترابها # طيبة وبارد وشرابها # والإمام علي رضي الله عنه يدخل معركة حنين ويرتدي غلالة ليس لها دروع.. ~~لا ترد سهما ولا طعنة رمح.. حتى إن ابنه الحسن يقول له: يا أبي ليست هذه ~~لباس حرب.. فيرد علي كرم الله وجهه: يا بني إن أباك لا يبالي أسقط على ~~الموت أم سقط الموت عليه.. وسيدنا حذيفة بن اليمان ينشد وهو يحتضر.. حبيب ~~جاء على ناقة لا ربح من ندم.. إذن الذين يثقون بآخرتهم يحبون الموت. وفي ~~غزوة بدر سأل أحد الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. يا رسول الله ~~أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء فيقتلوني.. فيجيب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم نعم.. وكان في يد الصحابي تمرات يمضغها.. فيستبطئ أن يبقى ~~بعيدا عن الجنة حتى يأكل التمرات فيلقيها من يده ويدخل المعركة ويستشهد. ~~هؤلاء هم الذين يثقون بما عند الله في الآخرة.. ولكن اليهود عندما تحداهم ~~القرآن الكريم بقوله لهم: # فتمنوا الموت إن كنتم صادقين # [البقرة: 94].. سكتوا ولم يجيبوا.. ولو تمنوا الموت لانقطع نفس الواحد ~~منهم وهو يبلع ms0315 ريقه فماتوا جميعا.. قد يقول قائل وهل التمني باللسان؟ ~~ربما تمنوا بالقلب.. نقول ما هو التمني؟ نقول إن التمني هو أن تقول لشيء ~~محبوب عندك ليته يحدث. فهو قول.. وهب أنه عمل قلبي فلو أنهم تمنوا ~~بقلوبهم لاطلع الله عليها وأماتهم في الحال.. ولكن ما دام الحق تبارك ~~وتعالى قال: { ولن يتمنوه أبدا } [البقرة: 95].. فهم لن ~~يتمنوه سواء كان باللسان أو بالقلب.. لأن الادعاء منهم بأن لهم الجنة ~~عند الله خالصة أشبه بقولهم الذي يرويه لنا القرآن في قوله سبحانه: # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل ~~أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده ~~أم تقولون على الله ما لا تعلمون # [البقرة: 80]. وقوله تعالى: { بما قدمت أيديهم } [البقرة: ~~95].. أي أن أعمالهم السيئة تجعلهم يخافون الموت.. أما صاحب الأعمال ~~الصالحة فهو يسعد بالموت.. ولذلك نسمع أن فلانا حين مات كان وجهه أشبه ~~بالبدر لأن عمله صالح.. فساعة الموت يعرف فيها الإنسان يقينا أنه ميت.. ~~فالإنسان إذا مرض يأمل في الشفاء ويستبعد الموت.. ولكن ساعة الغرغرة ~~يتأكد الإنسان أنه ميت ويستعرض حياته في شريط عاجل.. فإن كان عمله صالحا ~~تنبسط أساريره ويفرح لأنه سينعم في الآخرة نعيما خالدا. # . لأنه في هذه الساعة والروح تغادر الجسد يعرف الإنسان مصيره إما إلى ~~الجنة وإما إلى النار.. وتتسلمه إما ملائكة الرحمة وإما ملائكة العذاب.. ~~فالذي أطاع الله يستبشر بملائكة الرحمة.. والذي عصى وفعل ما يغضب الله ~~يستعرض شريط أعماله.. فيجده شريط سوء وهو مقبل على الله.. وليست هناك ~~فرصة للتوبة أو لتغيير أعماله.. عندما يرى مصيره إلى النار تنقبض أساريره ~~وتقبض روحه على هذه الهيئة.. فيقال فلان مات وهو أسود الوجه منقبض ~~الأسارير. إذن فالذي أساء في دنياه لا يتمنى الموت أبدا.. أما صاحب ~~العمل الصالح فإنه يستبشر بلقاء الله. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نهى عن تمني الموت فقال: # " لا يتمنين أحدكم الموت ولا يدعو به من قبل أن يأتيه ~~إلا أن يكون قد وثق بعمله " # نقول إن تمني الموت ms0316 المنهي عنه هو تمني اليأس وتمني الاحتجاج على ~~المصائب.. يعني يتمنى الموت لأنه لا يستطيع أن يتحمل قدر الله في مصيبة ~~حدثت له.. أو يتمناه احتجاجا على أقدار الله في حياته.. هذا هو تمني ~~الموت المنهي عنه.. أما صاحب العمل الصالح فمستحب له أن يتمنى لقاء ~~الله.. واقرأ قوله تعالى في آخر سورة يوسف: # رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل ~~الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في ~~الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني ~~بالصالحين # [يوسف: 101]. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي لا تتمنوا الموت ~~جزعا مما يصيبكم من قدر الله.. ولكن اصبروا على قدر الله.. وقوله تعالى: ~~{ والله عليم بالظالمين } [البقرة: 95].. لأن الله عليم ~~بظلمهم ومعصيتهم.. هذا الظلم والمعصية هو الذي يجعلهم يخافون الموت ولا ~~يتمنونه. ### || [2.96] # الحق سبحانه وتعالى بعد أن فضح كذبهم.. في أنهم لا يمكن أن يتمنوا الموت ~~لأنهم ظالمون.. وما داموا ظالمين فالموت أمر مخيف بالنسبة لهم.. وهم أحرص ~~الناس على الحياة.. حتى إن حرصهم يفوق حرص الذين أشركوا.. فالمشرك حريص ~~على الحياة لأنه يعتقد أن الدنيا هي الغاية.. واليهود أشد حرصا على ~~الحياة من المشركين لأنهم يخافون الموت لسوء أعمالهم السابقة.. لذلك كلما ~~طالت حياتهم ظنوا أنهم بعيدون عن عذاب الآخرة.. الحياة لا تجعلهم ~~يواجهون العذاب ولذلك فهم يفرحون بها. إن اليهود لا يبالون أن يعيشوا في ~~ذلة أو في مسكنة.. أو أي نوع من أنواع الحياة.. المهم أنهم يعيشون في أي ~~حياة.. ولكن لماذا هم حريصون على الحياة أكثر من المشركين؟ لأن المشرك لا ~~آخرة له فالدنيا هي كل همه وكل حياته.. لذلك يتمنى أن تطول حياته بأي ثمن ~~وبأي شكل.. لأنه يعتقد أن بعد ذلك لا شيء.. ولا يعرف أن بعد ذلك العذاب.. ~~واليهود أحرص من المشركين على حياتهم. وقوله تعالى: { يود أحدهم ~~لو يعمر ألف سنة } [البقرة: 96].. الود هو الحب.. أي أنهم ~~يحبون أن يعيشوا ألف سنة أو أكثر.. ولكن هب أنه عاش ألف سنة أو حتى أكثر ~~من ms0317 ذلك.. أيزحزحه هذا عن العذاب؟ لا.. طول العمر لا يغير النهاية. فما ~~دامت النهاية هي الموت. يتساوى من عاش سنوات قليلة ومن عاش ألوف السنين.. ~~قوله تعالى: " يعمر " بفتح العين وتشديد الميم يقال عنها إنها مبنية ~~للمجهول دائما.. ولا ينفع أن يقال يعمر بكسر الميم.. فالعمر ليس بيد أحد ~~ولكنه بيد الله.. فالله هو الذي يعطي العمر وهو الذي ينهيه.. وبما أن ~~العمر ليس ملكا لإنسان فهو مبني للمجهول.. والعمر هو السن الذي يقطعه ~~الإنسان بين ميلاده ووفاته.. ومادة الكلمة مأخوذة من العمار لأن الجسد ~~تعمره الحياة. وعندما تنتهي يصبح الجسد أشلاء وخرابا.. قوله تعالى: " ~~ألف سنة ".. لماذا ذكرت الألف؟ لأنها هي نهاية ما كان العرب يعرفونه من ~~الحساب. ولذلك فإن الرجل الذي أسر في الحرب أخت كسرى فقالت كم تأخذ ~~وتتركني؟ قال ألف درهم.. قالوا له بكم فديتها؟ قال بألف.. قالوا لو طلبت ~~أكثر من ألف لكانوا أعطوك.. قال والله لو عرفت شيئا فوق الألف لقلته.. ~~فالألف كانت نهاية العدد عند العرب.. ولذلك كانوا يقولون ألف ألف ولم ~~يقولوا مليونا.. وقوله تعالى: { وما هو بمزحزحه من ~~العذاب أن يعمر } [البقرة: 96].. معناها أنه لو عاش ألف سنة أو ~~أكثر فلن يهرب من العذاب. وقوله تعالى: { والله بصير بما ~~يعملون } [البقرة: 96].. أي يعرف ما يعملونه وسيعذبهم به سواء عاشوا ~~ألف سنة أو أكثر أو أقل. ### || [2.97] # الله تبارك وتعالى أراد أن يلفتنا إلى أن اليهود لم يقتلوا الأنبياء ~~ويحرفوا التوراة ويشتروا بآيات الله جاه الدنيا فقط.. ولكنهم عادوا ~~الملائكة أيضا.. بل إنهم أضمروا العداوة لأقرب الملائكة إلى الله الذي ~~نزل بوحي القرآن وهو جبريل عليه السلام.. وأنهم قالوا جبريل عدو لنا. ~~الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. ولقد جلس ابن جوريا أحد ~~أحبار اليهود مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له من الذي ينزل عليك ~~بالوحي؟ فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام جبريل.. فقال اليهودي لو كان ~~غيره لآمنا بك.. جبريل عدونا لأنه ينزل دائما بالخسف والعذاب.. ms0318 ولكن ~~ميكائيل ينزل بالرحمة والغيث والخصب.. وأيضا هو عدوهم لأنهم اعتقدوا أن ~~بيت المقدس سيخربه رجل اسمه بختنصر، فأرسل اليهود إليه من يقتله.. فلقى ~~اليهودي غلاما صغيرا وسأله الغلام ماذا تريد؟ قال إني أريد أن أقتل ~~بختنصر لأنه عندنا في التوراة هو الذي سيخرب بيت المقدس.. فقال الغلام إن ~~يكن مقدرا أن يخرب هذا الرجل بيت المقدس فلن تقدر عليه.. لأن المقدر ~~نافذ سواء رضينا أم لم نرضى.. وإن لم يكن مقدرا فلماذا تقتله؟ أي أن ~~الطفل قال له إذا كان الله قد قضى في الكتاب أن بختنصر سيخرب بيت ~~المقدس.. فلا أحد يستطيع أن يمنع قضاء الله.. ولن تقدر عليه لتقتله وتمنع ~~تخريب بيت المقدس على يديه.. وإن كان هذا غير صحيح فلماذا تقتل نفسا ~~بغير ذنب.. فعاد اليهودي دون أن يقتل بختنصر.. وعندما رجع إلى قومه قالوا ~~له إن جبريل هو الذي تمثل لك في صورة طفل وأقنعك ألا تقتل هذا الرجل. ~~ويروى أن سيدنا عمر بن الخطاب كان له أرض في أعلى المدينة.. وكان حين ~~يذهب إليها يمر على مدارس اليهود ويجلس إليهم.. وظن اليهود أن مجلس عمر ~~معهم إنما يعبر عن حبه لهم.. فقالوا له إننا نحبك ونحترمك ونطمع فيك.. ~~ففهم عمر مرادهم فقال والله ما جالستكم حبا فيكم.. ولكني أحببت أن أزداد ~~تصورا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلم عنه ما في كتابكم.. فقالوا له ~~ومن يخبر محمدا بأخبارنا وأسرارنا؟ فقال عمر إنه جبريل ينزل عليه من ~~السماء بأخباركم.. قالوا هو عدونا.. فقال عمر كيف منزلته من الله؟ قالوا ~~إنه يجلس عن يمين الله وميكائيل يجلس عن يسار الله.. فقال عمر ما دام ~~الأمر كما قلتم فليس أحدهما عدوا للآخر لأنهما عند الله في منزلة واحدة. # . فمن كان عدوا لأحدهما فهو عدو لله.. فلن تشفع لكم عداوتكم لجبريل ~~ومحبتكم لميكائيل لأن منزلتهما عند الله عالية. إن عداوتهم لجبريل عليه ~~السلام تؤكد ماديتهم.. فهم يقيسون الأمر على البشر.. إن الذي يجلس على ~~يمين السيد ومن ms0319 يجلس على يساره يتنافسان على المنزلة عنده.. ولكن هذا في ~~دنيا البشر.. ولكن عند الملائكة لا شيء من هذا.. الله عنده ما يجعله يعطي ~~لمن يريد المنزلة العالية دون أن ينقص من الآخر.. ثم إن الله سبحانه ~~وتعالى اسمه الحق.. وما ينزل به جبريل حق وما ينزل به ميكائيل حق.. والحق ~~لا يخاصم الحق.. وقال لهم عمر أنتم أشد كفرا من الحمير.. ثم ذهب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكد الرسول يراه حتى قال له وافقك ربك ~~يا عمر.. وتنزل قول الله تبارك وتعالى: { قل من كان عدوا ~~لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ~~مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين } ~~[البقرة: 97] فقال عمر يا رسول الله.. إني بعد ذلك في إيماني لأصلب من ~~الجبل. إذن فقولهم ميكائيل حبيبنا وجبريل عدونا من الماديات، والله تبارك ~~وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم.. إنهم يعادون جبريل لأنه نزل ~~على قلبك بإذن الله.. وما دام نزل من عند الله على قلبك.. فلا شأن لهم ~~بهذا.. وهو مصدق لما بين يديهم من التوراة.. وهو هدى وبشرى للمؤمنين.. ~~فأي عنصر من هذه العناصر تنكرونه على جبريل.. إن عداوتكم لجبريل عداوة ~~لله سبحانه وتعالى. ### || [2.98] # وهكذا أعطى الله سبحانه وتعالى الحكم.. فقال إن العداوة للرسل.. مثل ~~العداوة للملائكة.. مثل العداوة لجبريل وميكائيل.. مثل العداوة لله. ولقد ~~جاء الحق سبحانه وتعالى بالملائكة ككل.. ثم ذكر جبريل وميكائيل بالاسم. ~~إن المسألة ليست مجزأة ولكنها قضية واحدة.. فمن كان عدوا للملائكة ~~وجبريل وميكائيل ورسل الله.. فهو أولا وأخيرا عدو لله.. لأنه لا انقسام ~~بينهم فكلهم دائرون حول الحق.. والحق الواحد لا عدوان فيه.. وإنما ~~العدوان ينشأ من تصادم الأهواء والشهوات. وهذا يحدث في أمور الدنيا. ~~والآية الكريمة أثبتت وحدة الحق بين الله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكائيل.. ومن يعادي واحدا من هؤلاء يعاديهم جميعا وهو عدو لله ~~سبحانه.. واليهود أعداء الله لأنهم كفروا به.. وأعداء الرسل لأنهم كذبوهم ~~وقتلوا بعضهم. وهكذا فالحق سبحانه وتعالى يريد ms0320 أن يلفتنا إلى وحدة الحق ~~في الدين.. مصدره هو الله جل جلاله.. ورسوله من الملائكة هو جبريل.. ~~ورسله من البشر هم الرسل والأنبياء الذين بعثهم الله.. وميكائيل ينزل ~~بالخير والخصب لأن الإيمان أصل وجود الحياة.. فمن كان عدوا للملائكة ~~والرسل وجبريل وميكائيل فهو كافر.. لأن الآية لم تقل إن العداوة لهؤلاء ~~هي مجرد عداوة.. وإنما حكم الله عليهم بأنهم كافرون.. الله سبحانه ~~وتعالى لم يخبر محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا الحكم فقط، وإنما أمره ~~بأن يعلنه حتى يعرفه الناس جميعا ويعرفوا أن اليهود كافرون. ### || [2.99] # انتقل الله سبحانه وتعالى بعد ذلك إلى تأكيد صدق رسالة محمد عليه الصلاة ~~والسلام.. وأن الآيات فيها واضحة بحيث إن كل إنسان يعقل ويريد الإيمان ~~يؤمن بها.. ولكن الذين يريدون الفسق والفجور.. هم هؤلاء الذين لا ~~يؤمنون.. ما معنى الآيات البينات؟ إن الآية هي الأمر العجيب.. وهو عجيب ~~لأنه معجز.. والآيات معجزات للرسول تدل على صدق بلاغه عن الله.. وهي كذلك ~~الآيات في القرآن الكريم.. وبينات معناها أنها أمور واضحة لا يختلف عليها ~~ولا تحتاج إلى بيان: { وما يكفر بهآ إلا الفاسقون } ~~[البقرة: 99].. والفسق هو الخروج عن الطاعة وهي مأخوذة من الرطبة.. البلح ~~قبل أن يصبح رطبا لا تستطيع أن تنزع قشرته ولكن عندما يصبح رطبة تجد أن ~~القشرة تبتعد عن الثمرة فيقال فسقت الرطبة.. ولذلك من يخرج عن منهج الله ~~يقال له فاسق. والمعنى أن الآيات التي أيد بها الله سبحانه وتعالى ~~محمدا عليه الصلاة والسلام ظاهرة أمام الكفار ليست محتاجة إلى دليل.. ~~فرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لم يقرأ كلمة في حياته.. يأتي بهذا ~~القرآن المعجز لفظا ومعنى.. هذه معجزة ظاهرة لا تحتاج إلى دليل.. ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذي لا تغريه الدنيا كلها.. ليترك هذا الدين ~~مهما أعطوه.. دليل على أنه صاحب مبدأ ورسالة من السماء.. ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الذي يخبر بقرآن موحى من السماء عن نتيجة حرب ستقع بعد ~~تسع سنوات.. ويخبر الكفار ms0321 والمنافقين بما في قلوبهم ويفضحهم.. ويتنبأ ~~بأحداث قادمة وبقوانين الكون.. وغير ذلك مما احتواه القرآن المعجز من كل ~~أنواع الإعجاز علميا وفلكيا وكونيا.. كل هذه آيات بينات يتحدى القرآن ~~بها الكفار.. كلها آيات واضحة لا يمكن أن يكفر بها إلا الذي يريد أن يخرج ~~عن منهج الله، ويفعل ما تهواه نفسه.. إن الإعجاز في الكون وفي القرآن وفي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم.. كل هذا لا يحتاج إلا لمجرد فكر محايد.. ~~لنعرف أن هذا القرآن هو من عند الله مليء بالمعجزات لغة وعلما.. وإنه ~~سيظل معجزة لكل جيل له عطاء جديد. ### || [2.100] # بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى أن الدين الإسلامي، وكتابه القرآن فيه ~~من الآيات الواضحة ما يجعل الإيمان به لا يحتاج إلا إلى وقفة مع العقل، ~~مما يجعل موقف العداء الذي يقفه اليهود من الإسلام منافيا لكل العهود ~~التي أخذت عليهم، منافيا للإيمان الفطري، ومنافيا لأنهم عاهدوا الله ~~ألا يكتموا ما جاء في التوراة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنافيا ~~لعهدهم أن يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنافيا لما طلب منهم ~~موسى أن يؤمنوا بالإسلام عندما يأتي الرسول، مصداقا لقوله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران: 81]. وهكذا نعرف أن موسى عليه السلام الذي أخذ عليه ~~الميثاق قد أبلغه إلى بني إسرائيل، وأن بني إسرائيل كانوا يعرفون هذا ~~الميثاق جيدا عند بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت عندهم أوصاف ~~دقيقة للرسول عليه الصلاة والسلام.. ولكنهم نقضوه كما نقضوا كثيرا من ~~المواثيق.. منها عهدهم بعدم العمل في السبت، وكيف تحايلوا على أمر الله ~~بأن صنعوا مصايد للأسماك تدخل فيها ولا تستطيع الخروج وهذا تحايل على أمر ~~الله، ثم كان ميثاقهم في الإيمان بالله إلها واحدا أحدا، ثم عبدوا ~~العجل.. وكان قولهم لموسى عليه ms0322 السلام بعد أن أمرهم الله بدخول واد فيه ~~زرع.. لأنهم أرادوا أن يأكلوا من نبات الأرض بدلا من المن والسلوى التي ~~كانت تأتيهم من السماء.. قالوا لموسى: # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون # [المائدة: 24].. وغير ذلك الكثير من المواثيق بالنسبة للحرب والأسرى ~~والعبادة، حتى عندما رفع الله تبارك وتعالى جبل الطور فوقهم ودخل في ~~قلوبهم الرعب وظنوا أنه واقع عليهم، ولم يكن هذا إلا ظنا وليس حقيقة.. ~~لأن الله تبارك وتعالى يقول: # وظنوا أنه واقع بهم # [الأعراف: 171].. وبمجرد ابتعادهم عن جبل الطور نقضوا الميثاق. ثم نقضوا ~~عهدهم وميثاقهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة ~~وذلك في غزوة الخندق.. وعندما أرادوا أن يفتحوا طريقا للكفار ليضربوا ~~جيوش المؤمنين من الخلف. قوله تعالى { نبذه فريق منهم } ~~[البقرة: 100] قلنا إن هذا يسمى قانون صيانة الاحتمال.. لأن منهم من صان ~~المواثيق.. ومنهم من صدق ما عهد الله عليه.. ومنهم مثلا من كان يريد أن ~~يعتنق الدين الجديد ويؤمن بمحمد عليه الصلاة والسلام. إذن فليسوا كلهم ~~حتى لا يقال هذا على مطلق اليهود.. لأن فيهم أناسا لم ينقضوا العهد.. ~~ويريد الله تبارك وتعالى أن يفتح الباب أمام أولئك الذين يريدون الإيمان، ~~حتى لا يقولوا لقد حكم الله علينا حكما مطلقا ونحن نريد أن نؤمن ونحافظ ~~على العهد، ولكن هؤلاء الذين حافظوا على العهد كانوا قلة.. ولذلك قال ~~الحق سبحانه وتعالى: { بل أكثرهم لا يؤمنون } [البقرة: ~~100].. أي أن الفريق الناقض للعهد.. الناقض للإيمان هم الأكثرية من بني ~~إسرائيل. ### || [2.101] # بعد أن تحدث الله سبحانه وتعالى عن اليهود الذين نقضوا المواثيق الخاصة ~~بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ونقضوها وهم يعلمون.. قال الله ~~سبحانه: { ولمآ جآءهم رسول من عند الله مصدق ~~لما معهم } [البقرة: 101].. أي أن ما جاء في القرآن مصدقا لما ~~جاء في التوراة.. لأن القرآن من عند الله والتوراة من عند الله.. ولكن ~~التوراة حرفوها وكتموا بعضها وغيروا وبدلوا فيها فأخفوا ما يريدون ~~إخفاءه.. لذلك جاء القرآن الكريم ms0323 ليظهر ما أخفوه ويؤكد ما لم يخفوه ولم ~~يتلاعبوا فيه. وقوله تعالى: { نبذ فريق من الذين أوتوا ~~الكتاب كتاب الله ورآء ظهورهم } [البقرة: 101].. قلنا ~~إن هناك كتابا نبذوه أولا وهو التوراة.. ولما جاءهم الكتاب الخاتم وهو ~~القرآن الكريم نبذوه هو الآخر وراء ظهورهم.. ما معنى نبذه؟.. المعنى طرحه ~~بعيدا عنه.. إذن ما في كتابهم من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نبذوه بعيدا.. ومن التبشير بمجيء رسول الله عليه الصلاة والسلام نبذوه ~~هو الآخر.. لأنهم كانوا يستفتحون على الذين كفروا ويقولون أتى زمن نبي ~~سنؤمن به ونقتلكم قتل عاد وإرم. وقوله تعالى: { نبذ فريق } ~~[البقرة: 101].. يعني نبذ جماعة وبقيت جماعة أخرى لم تنبذ الكتاب.. بدليل ~~أن ابن سلام وهو أحد أحبار اليهود صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن ~~به.. وكعب الأحبار مخيريق أسلم.. فلو أن القرآن عمم ولم يقل فريق لقيل ~~إنه غير منصف لهؤلاء الذين آمنوا. وقوله تعالى: { ورآء ظهورهم } ~~[البقرة: 101].. النبذ قد يكون أمامك.. وكونه أمامك فأنت تراه دائما، ~~وربما يغريك بالإقبال عليه، ولكنهم نبذوه وراء ظهورهم أي جعلوه وراءهم ~~حتى ينسوه تماما ولا يلتفتوا إليه. وقوله تعالى: { كأنهم لا ~~يعلمون } [البقرة: 101].. أي يتظاهرون بأنهم لا يعلمون ببشارة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأوصافه.. وقوله تعالى: " كأنهم ".. دليل على ~~أنهم يعلمون ذلك علم يقين.. لأنهم لو كانوا لا يعلمون.. لقال الحق ~~سبحانه: { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب ~~الله ورآء ظهورهم } [البقرة: 101] وهم لا يعلمون.. إذن هم ~~يعلمون يقينا ولكنهم تظاهروا بعدم العلم.. ولابد أن نتنبه إلى أن نبذ ~~يمكن أن يأتي مقابلها فنقول نبذ كذا واتبع كذا.. وهم نبذوا كتاب الله ~~ولكن ماذا اتبعوا؟ ### || [2.102] # يخبرنا الحق تبارك وتعالى أن فريقا من اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ~~ما تتلو الشياطين.. لأن النبذ يقابله الاتباع.. واتبعوا يعني اقتدوا ~~وجعلوا طريقهم في الاهتداء هو ما تتلوه الشياطين على ملك سليمان.. وكان ~~السياق يقتضي أن يقال ما تلته الشياطين على ملك سليمان.. ولكن الله ~~سبحانه ms0324 وتعالى يريدنا أن نفهم أن هذا الاتباع مستمر حتى الآن كأنهم لم ~~يحددوا المسألة بزمن معين. إنه حتى هذه اللحظة هناك من اليهود من يتبع ما ~~تلته الشياطين على ملك سليمان، ونظرا لأن المعاصرين من اليهود قد رضوا ~~وأخذوا من فعل أسلافهم الذين اتبعوا الشياطين فكأنهم فعلوا. الحق سبحانه ~~يقول: { واتبعوا ما تتلوا الشياطين } [البقرة: 102] ولكن ~~الشياطين تلت وانتهت.. واستحضار اليهود لما كانت تتلوه الشياطين حتى الآن ~~دليل على أنهم يؤمنون به ويصدقونه.. الشياطين هم العصاة من الجن.. والجن ~~فيهم العاصون والطائعون والمؤمنون.. وإقرأ قوله تعالى: # وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرآئق ~~قددا # [الجن: 11]. وقوله سبحانه عن الجن: # وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون.. # [الجن: 14]. إذن الجن فيهم المؤمن والكافر.. والمؤمنون من الجن فيهم ~~الطائع والعاصي.. والشياطين هم مردة الجن المتمردون على منهج الله.. ~~وكل متمرد على منهج الله نسميه شيطانا.. سواء كان من الجن أو من الإنس.. ~~ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا.. # [الأنعام: 112]. إذن فالشياطين هم المتمردون على منهج الله.. قوله ~~تعالى: { واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك ~~سليمان } [البقرة: 102].. يعني ما كانت تتلو الشياطين أيام ملك ~~سليمان.. ولكن ما هي قصة ملك سليمان والشياطين؟.. الشياطين كانوا قبل ~~مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله قد مكنهم من قدرة الاستماع ~~إلى أوامر السماء وهي نازلة إلى الأرض.. وكانوا يستمعون للأوامر تلقى من ~~الملائكة وينقلونها إلى أئمة الكفر ويزيدون عليها بعض الأكاذيب ~~والخرافات.. فبعضها يكون على حق والأكثر على باطل.. ولذلك قال الله تبارك ~~وتعالى: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم.. # [الأنعام: 121]. وكان الشياطين قبل نزول القرآن يسترقون السمع، ولكن عند ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنع ذلك كله، حتى لا يضع الشياطين ~~خرافاتهم في منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم أو في القرآن.. ولذلك قال ~~الحق سبحانه وتعالى: # وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن ~~يستمع الآن يجد ms0325 له شهابا رصدا # [الجن: 9]. أي أن الشياطين كانت لها مقاعد في السماء تقعد فيها لتستمع ~~إلى ما ينزل من السماء إلى الأرض ليتم تنفيذه. # . ولكن عند نزول القرآن أرسل الله سبحانه وتعالى الشهب - وهي النجوم ~~المحترقة - فعندما تحاول الشياطين الاستماع إلى ما ينزل من السماء ينزل ~~عليهم شهاب يحرقهم.. ولذلك فإن عامة الناس حين يرون شهابا يحترق في ~~السماء بسرعة يقولون: سهم الله في عدو الدين.. كأن المسألة في أذهان ~~الناس وجعلتهم يقولون: سهم الله في عدو الدين.. الذي هو الشيطان. واقرأ ~~قوله تبارك وتعالى: # وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا ~~شديدا وشهبا # [الجن: 8]. # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد ~~بهم ربهم رشدا # [الجن: 10]. أي أن الأمر اختلط على الشياطين لأنهم لم يعودوا يستطيعون ~~استراق السمع.. ولذلك لم يعرفوا هل الذي ينزل من السماء خير أو شر؟.. ~~انظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: # وأنا لمسنا السمآء # [الجن: 8].. كأنهم صعدوا حتى بلغوا السماء لدرجة أنها أصبحت قريبة لهم ~~حتى كادوا يلمسونها.. فالله تبارك وتعالى في هذه الحالة - وهي اتباع ~~اليهود لما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر والتعاويذ والأشياء ~~التي تضر ولا تفيد - أراد أن يبرئ سليمان من هذا كله.. فقال جل جلاله: { ~~وما كفر سليمان } [البقرة: 102].. وكان المنطق يقتضي أن يخص ~~الله سبحانه وتعالى حكاية الشياطين قبل أن يبرئ سليمان من الكفر الذي ~~أرادوا أن ينشروه.. ولكن الله أراد أن ينفي تهمة الكفر عن سليمان ويثبتها ~~لكل من اتبع الشياطين فقال جل جلاله: { وما كفر سليمان ~~ولكن الشياطين كفروا } [البقرة: 102]. إذن الشياطين هم ~~الذين نشروا الكفر.. وكيف كفر الشياطين وبماذا أغروا أتباعهم بالكفر؟.. ~~يقول الله سبحانه وتعالى: { ولكن الشياطين كفروا ~~يعلمون الناس السحر ومآ أنزل على الملكين ~~ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون ~~منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم ~~بضآرين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ~~ما يضرهم ولا ينفعهم ms0326 ولقد علموا لمن اشتراه ~~ما له في الآخرة من خلاق } [البقرة: 102]. ما قصة كل هذا؟.. ~~اليهود نبذوا عهد الله واتبعوا ما تتلو الشياطين أيام سليمان، وأرادوا أن ~~ينسبوا كل شيء في عهد سليمان على أنه سحر وعمل شياطين، وهكذا أراد اليهود ~~أن يوهموا الناس أن منهج سليمان هو من السحر ومن الشياطين. والحق سبحانه ~~وتعالى أراد أن يبرئ سليمان من هذه الكذبة.. سليمان عليه السلام حين ~~جاءته النبوة طلب من الله سبحانه وتعالى أن يعطيه ملكا لا يعطيه لأحد من ~~بعده.. واقرأ قوله تعالى: # قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعدي إنك أنت الوهاب * فسخرنا له الريح ~~تجري بأمره رخآء حيث أصاب * والشياطين كل ~~بنآء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد # [ص: 35-38]. وهكذا أعطي سليمان الملك على الإنس والجن ومخلوقات الله ~~كالريح والطير وغير ذلك.. حين أخذ سليمان الملك كان الشياطين يملأون ~~الأرض كفرا بالسحر وكتبه. فأخذ سليمان كل كتب السحر وقيل أنه دفنها تحت ~~عرشه.. وحين مات سليمان وعثرت الشياطين على مخبأ كتب السحر أخرجتها ~~وأذاعتها بين الناس.. وقال أولياؤهم من أحبار اليهود إن هذه الكتب من ~~السحر هي التي كان سليمان يسيطر بها على الإنس والجن، وأنها كانت منهجه، ~~وأشاعوها بين الناس.. فأراد الله سبحانه وتعالى أن يبرئ سليمان من هذه ~~التهمة ومن أنه حكم بالسحر ونشر الكفر.. قال جل جلاله: { وما كفر ~~سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ~~السحر }. ما هو السحر؟.. الكلمة مشتقة من سحر وهو آخر ساعات الليل ~~وأول طلوع النهار.. حيث يختلط الظلام بالضوء ويصبح كل شيء غير واضح.. ~~هكذا السحر شيء يخيل إليك أنه واقع وهو ليس بواقع.. إنه قائم على شيئين.. ~~سحر العين لترى ما ليس واقعا على أنه حقيقة.. ولكنه لا يغير طبيعة ~~الأشياء.. ولذلك قال الله تبارك وتعالى في سحرة فرعون: # سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجآءوا بسحر ~~عظيم # [الأعراف: 116]. إذن فالساحر يسيطر على عين المسحور ليرى ما ليس واقعا ~~وما ليس حقيقة.. وتصبح عين المسحور ms0327 خاضعة لإرادة الساحر.. ولذلك فالسحر ~~تخيل وليس حقيقة.. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل ~~إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66]. إذن ما دام الله سبحانه وتعالى قال: { يخيل إليه }.. ~~فهي لا تسعى.. إذن فالسحر تخيل.. وما الدليل على أن السحر تخيل؟.. الدليل ~~هو المواجهة التي حدثت بين موسى وسحرة فرعون.. ذلك أن الساحر يسحر أعين ~~الناس ولكن عينيه لا يسحرهما أحد.. حينما جاء السحرة وموسى.. اقرأ قوله ~~سبحانه: # قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول ~~من ألقى * قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم ~~يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 65-66]. عندما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم خيل للموجودين إنها ~~حيات تسعى.. ولكن هل خيل للسحرة أنها حيات؟ طبعا لا.. لأن أحدا لم يسحر ~~أعين السحرة.. ولذلك ظل ما ألقوه في أعينهم حبالا وعصيا.. حين ألقى ~~موسى عصاه واقرأ قوله تبارك وتعالى: # وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا ~~كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى * فألقي ~~السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى # [طه: 69-70]. هنا تظهر حقيقة السحر.. لماذا سجد السحرة؟ لأن حبالهم ~~وعصيهم ظلت كما هي حبالا وعصيا. # . ذلك أن أحدا لم يسحر أعينهم.. ولكن عندما ألقى موسى عصاه تحولت إلى ~~حية حقيقية.. فعرفوا أن هذا ليس سحرا ولكنها معجزة من الله سبحانه ~~وتعالى.. لماذا؟ لأن السحر لا يغير طبيعة الأشياء، وهم تأكدوا أن عصا ~~موسى قد تحولت إلى حية.. ولكن حبالهم وعصيهم ظلت كما هي وإن كان قد خيل ~~إلى الناس أنها تحولت إلى حيات. إذن فالسحر تخيل والساحر يرى الشيء على ~~حقيقته لذلك فإنه لا يخاف.. بينما المسحورون الذين هم الناس يتخيلون أن ~~الشيء قد تغيرت طبيعته.. ولذلك سجد السحرة لأنهم عرفوا أن معجزة موسى ~~ليست سحرا.. ولكنها شيء فوق طاقة البشر. السحر إذن تخيل والشياطين لهم ~~قدرة التشكل بأي صورة من الصور، ونحن لا نستطيع أن ندرك الشيطان على ~~صورته الحقيقية، ولكنه إذا تشكل نستطيع ms0328 أن نراه في صورة مادية.. فإذا ~~تشكل في صورة إنسان رأيناه إنسانا، وإذا تشكل في صورة حيوان رأيناه ~~حيوانا، وفي هذه الحالة تحكمه الصورة.. فإذا تشكل كإنسان وأطلقت عليه ~~الرصاص مات، وإذا تشكل في صورة حيوان ودهمته بسيارتك مات، ذلك لأن الصورة ~~تحكمه بقانونها.. وهذا هو السر في إنه لا يبقى في تشكله إلا لمحة ثم ~~يختفي في ثوان.. لماذا؟ لأنه يخشى ممن يراه في هذه الصورة أن يقتله ~~خصوصا أن قانون التشكل يحكمه.. ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين تشكل له الشيطان في صورة إنسان قال: # " ولقد هممت أن أربطه في سارية المسجد ليتفرج عليه صبيان المدينة ولكني ~~تذكرت قول أخي سليمان: " رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ". ~~فتركته " # الحديث لم يخرج. ومن رحمة الله بنا أنه إذا تشكل الشيطان فإن ~~الصورة تحكمه.. وإلا لكانوا فزعونا وجعلوا حياتنا جحيما.. فالله سبحانه ~~وتعالى جعل الكون يقوم على التوازن حتى لا يطغى أحد على أحد.. بمعنى أننا ~~لو كنا في قرية وكلنا لا نملك سلاحا وجد التوازن.. فإذا ملك أحدنا ~~سلاحا وادعى أنه يفعل ذلك ليدافع عن أهل القرية، ثم بعد ذلك استغل ~~السلاح ليسيطر على أهل القرية ويفرض عليهم إتاوات وغير ذلك، يكون التوازن ~~قد اختل وهذا ما لا يقبله الله. السحر يؤدي لاختلال التوازن في الكون.. ~~لأن الساحر يستعين بقوة أعلى في عنصرها من الإنسان وهو الشيطان وهو مخلوق ~~من نار خفيف الحركة قادر على التشكل وغير ذلك.. الإنسان عندما يطلب ~~ويتعلم كيف يسخر الجن.. يدعي أنه يفعل ذلك لينشر الخير في الكون، ولكنها ~~ليست حقيقة.. لأن هذا يغريه على الطغيان. # . والذي يخل بأمن العالم هو عدم التكافؤ بين الناس.. إنسان يستطيع أن ~~يطغى فإذا لم يقف أمامه المجتمع كله اختل التوازن في المجتمع.. والله ~~سبحانه وتعالى يريد تكافؤ الفرص ليحفظ أمن وسلامة الكون.. ولذلك يقول لنا ~~لا تطغوا وتستعينوا بالشياطين في الطغيان حتى لا تفسدوا أمن الكون. ولكن ~~الله جل جلاله شاءت ms0329 حكمته أن يضع في الكون ما يجعل كل مخلوق لا يغتر ~~بذاتيته.. ولا يحسب أنه هو الذي حقق لنفسه العلو في الأرض.. ولقد كانت ~~معصية إبليس في أنه رفض أن يسجد لآدم. إنه قال: # قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين # [الأعراف: 12]. إذن فقد أخذ عنصر الخلق ليدخل الكبر إلى نفسه فيعصي، ~~ولذلك أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلم البشر من القوانين، ما يجعل هذا ~~الأعلى في العنصر - وهو الشيطان - يخضع للأدنى وهو الإنسان، حتى يعرف كل ~~خلق الله أنه إن ميزهم الله في عنصر من العناصر، فإن هذا ليس بإرادتهم ~~ولا ميزة لهم.. ولكنه بمشيئة الله سبحانه وتعالى.. فأرسل الملكين ببابل ~~هاروت وماروت ليعلما الناس السحر. الذي يخضع الأعلى عنصرا للأدنى. واقرأ ~~قوله سبحانه: { وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا يعلمون الناس السحر ومآ أنزل على ~~الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من ~~أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر } ~~[البقرة: 102].. فالله تبارك وتعالى أرسل الملكين هاروت وماروت ليعلما ~~الناس السحر.. ولقد رويت عن هذين الملكين قصص كثيرة.. ولكن ما دام الله ~~سبحانه وتعالى قد أرسل ملكين ليعلما الناس السحر.. فمعنى ذلك أن السحر ~~علم يستعين فيه الإنسان بالشياطين.. وقيل إن الملائكة قالوا عن خلق آدم ~~كما يروي لنا القرآن الكريم: # قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك.. # [البقرة: 30]. حينئذ طلب الحق جل جلاله من الملائكة.. أن يختاروا ملكين ~~ليهبطا إلى الأرض لينظروا ماذا يفعلان؟ فاختاروا هاروت وماروت.. وعندما ~~نزلا إلى الأرض فتنتهما امرأة فارتكبا الكبائر.. هذه القصة برغم وجودها ~~في بعض كتب التفسير ليست صحيحة.. لأن الملائكة بحكم خلقهم لا يعصون ~~الله.. ولأنه من تمام الإيمان أن يؤدي المخلوق كل ما كلف به من الله ~~جل جلاله.. وهذان الملكان كلفا بأن يعلما الناس السحر.. وأن يحذرا بأن ~~السحر فتنة تؤدي إلى الكفر وقد فعلا ذلك.. والفتنة هي الامتحان.. ولذلك ~~يقول الحق تبارك وتعالى: { وما يعلمان من أحد حتى ms0330 ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون ~~منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم ~~بضآرين به من أحد إلا بإذن الله } [البقرة: 102]. # . إذن فهذان الملكان حذرا الناس من أن ما يعلمانه من السحر فتنة تؤدي ~~إلى الكفر.. وإنها لا تنفع إلا في الشر وفي التفريق بين الزوج وزوجه.. ~~وإن ضررها لا يقع إلا بإذن الله.. فليس هناك أي قوى في هذا الكون خارجة ~~عن مشيئة الله سبحانه وتعالى.. ثم يأتي قول الحق تبارك وتعالى: { ~~ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا ~~لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما ~~شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون } [البقرة: 102].. ~~إن الله سبحانه وتعالى يخبرنا أن تعلم السحر يضر ولا ينفع.. فهو لا يجلب ~~نفعا أبدا حتى لمن يشتغل به.. فتجد من يشتغل بالسحر يعتمد في رزقه على ~~غيره من البشر فهم أفضل منه.. وهو يظل طوال اليوم يبحث عن إنسان يغريه ~~بأنه يستطيع أن يفعل له أشياء ليأخذ منه مالا، وتجد شكله غير طبيعي ~~وحياته غير مستقرة وأولاده منحرفين. وكل من يعمل بالسحر يموت فقيرا لا ~~يملك شيئا وتصيبه الأمراض المستعصية، ويصبح عبرة في آخر حياته. إذن ~~فالسحر لا يأتي إلا بالضرر ثم بالفقر ثم بلعنة الله في آخر حياة الساحر.. ~~والذي يشتغل بالسحر يموت كافرا ولا يكون له في الآخرة إلا النار.. ولذلك ~~قد اشتروا أنفسهم بأسوأ الأشياء لو كانوا يعلمون ذلك.. لأنهم لم يأخذوا ~~شيئا إلا الضر.. ولم يفعلوا شيئا إلا التفريق بين الناس.. وهم لا ~~يستطيعون أن يضروا أحدا إلا بإذن الله. والله سبحانه وتعالى إذا كانت ~~حكمته قد اقتضت أن يكون السحر من فتن الدنيا وابتلاءاتها.. فإنه سبحانه ~~قد حكم على كل من يعمل بالسحر بأنه كافر.. ولذلك لا يجب أن يتعلم الإنسان ~~السحر أو يقرأ عنه.. لأنه وقت تعلمه قد يقول سأفعل الخير ثم يستخدمه في ~~الشر.. كما أن الشياطين التي يستعين بها الساحر غالبا ما تنقلب عليه ~~لتذيقه وبال أمره وتكون شرا عليه ms0331 وعلى أولاده.. واقرأ قوله سبحانه ~~وتعالى: # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا # [الجن: 6]. أي أن الذي يستعين بالجن ينقلب عليه ويذيقه ألوانا من ~~العذاب.. ### || [2.103] # يفتح الله جل جلاله أمام عباده أبواب التوبة والرحمة.. لقد بين لهم ~~أن السحر كفر، وأن من يقوم به يبعث كافرا يوم القيامة ويخلد في النار.. ~~وقال لهم سبحانه وتعالى لو أنهم امتنعوا عن تعلم السحر ليمتازوا به على ~~من سواهم امتيازا في الضرر والإيذاء.. لكان ذلك خيرا لهم عند الله ~~تبارك وتعالى.. لأن الملكين اللذين نزلا لتعليم السحر قال الله سبحانه ~~عنهما: # وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر # [البقرة: 102]. إذن فممارسة السحر كفر. فلو أنهم آمنوا بهذه القضية ~~وبأنهم يدخلون في الكفر، واتقوا الله لكان ذلك ثوابا لهم عند الله ~~وخيرا في الدنيا والآخرة.. ولكن ما هي المثوبة؟ هي الثواب على العمل ~~الصالح.. يقابلها العقوبة وهي العقاب على العمل السيئ.. وهي مشتقة من ثاب ~~أي رجع.. ولذلك يسمى المبلغ عن الإمام في الصلاة المثوب.. لأن الإمام ~~يقول الله أكبر فيرددها المبلغ عن الإمام بصوت عال حتى يسمعها المصلون ~~الذين لا يصلهم صوت الإمام.. وهذا اسمه التثويب.. أي إعادة ما يقوله ~~الإمام لتزداد فرصة الذين لم يسمعوا ما قاله الإمام.. وكما قلنا فهي ~~مأخوذة من ثاب أي رجع.. لأن الإنسان عندما يعمل صالحا يرجع عليه عمله ~~الصالح بالخير.. فلا تعتقد أن العمل الصالح يخرج منك ولا يعود.. ولكنه ~~لابد أن يعود عليك بالخير. وإذا نظرنا إلى دقة التعبير القرآني: { ~~لمثوبة من عند الله خير } [البقرة: 103]. نجد أن كلمة ~~مثوبة مأخوذة من نفس معنى كلمة ثوب وجمعه ثياب.. وكان الناس قديما ~~يأخذون أصواف الأغنام ليصنعوا منها ملابسهم.. فيأتي الرجل بما عنده من ~~غنم ويجز صوفها ثم يعطيه لآخر ليغزله وينسجه ثوبا ويعيده إلى صاحبه.. ~~فكأن ما أرسله من الصوف رد إليه كثوب.. ولذلك سميت مثوبة لأن الخير يعود ~~إليك لتنتفع به نفعا عاليا.. وكذلك الثواب عن ms0332 العمل الصالح يرتد إليك ~~بالنفع العالي. إذن فكلمة ثوب جاء منها الثواب، والله سبحانه وتعالى ~~علمنا أن الثوب لستر العورة.. والعمل الصالح يستر الأمراض المعنوية ~~والنفسية في الإنسان.. وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ~~ولباس التقوى ذلك خير.. # [الأعراف: 26]. فكأن هناك لباسين أحدهما لستر العورة.. والثاني لستر ~~الإنسان من العذاب.. ولباس التقوى خير من لباس ستر العورة.. قوله تعالى: ~~{ لمثوبة من عند الله خير } [البقرة: 103].. انظر إلى ~~المثوبة التي تأتي من عند الله.. إذا كان الثواب يأتيك من عند من صنعه ~~جميلا مزركشا وله ألوان مبهجة. # . إذا كان هذا ما يصنعه لك بشر فما بالك بالثواب الذي يأتيك من عند ~~الله. إنه قمة الجمال. فالله هو القادر على أن يرد الثواب بقدراته سبحانه ~~فيكون الرد عاليا وعاليا جدا، بحيث يضاعف الثواب مرات ومرات. على أننا ~~لابد أن نتنبه إلى قول الله تعالى: { ولو أنهم آمنوا ~~واتقوا } [البقرة: 103] قلنا معنى اتقوا أنهم جعلوا بينهم وبين صفات ~~الجلال في الله وقاية.. ولذلك قلنا إن بعض الناس يتساءل.. كيف يقول الله ~~تبارك وتعالى: " اتقوا الله ".. ويقول جل جلاله: " اتقوا النار ".. نقول ~~إن معنى اتقوا الله أي اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال في الله وقاية: " ~~واتقوا النار ".. أي اجعلوا بينكم وبين عذاب النار وقاية.. لأن النار من ~~متعلقات صفات الجلال.. لذلك فإن قوله: " اتقوا الله ".. تساوي: " اتقوا ~~النار ".. والحق تبارك وتعالى حينما قال: " اتقوا " أطلقها عامة.. والحذف ~~هنا المراد به التعميم.. والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن ~~السحرة لو آمنوا بأن تعلم السحر فتنة تؤدي إلى الكفر.. واتقوا الله ~~وخافوا عذابه في الآخرة لكان ذلك خيرا لهم.. لذلك قال جل جلاله: { ~~لمثوبة من عند الله خير } [البقرة: 103].. وساعة تسمع ~~كلمة خير تأتي إلى الذهن كلمة شر.. لأن الخير يقابله الشر.. ولكن في بعض ~~الأحيان كلمة خير لا يقابلها شر. ولكن يقابلها خير أقل. وكلمة خير هي ~~الوحيدة في اللغة العربية التي يساوي الاسم فيها أفعل ms0333 التفضيل.. فأنت ~~تقول هذا فاضل وهذا مفضول عليه.. كلمة خير اسم تفضيل فيقال ذلك خير من ~~كذا.. أي واحد منهما يعطي أكثر من الآخر.. وكلمة خير إذا لم يأت مقابلها ~~أي خير من كذا يكون مقابلها شر.. فإذا قلت فلان خير من فلان.. فكلاهما ~~اشترك في الخير ولكن بدرجة مختلفة.. والخير هو ما يأتي لك بالنفع.. ولكن ~~مقياس النفع يختلف باختلاف الناس.. واحد ينظر إلى النفع العاجل وآخر ينظر ~~إلى النفع الآجل.. وفي ظاهر الأمر كل منهما أراد خيرا. وإذا أردنا أن ~~نقرب ذلك إلى الأذهان فلنقل إن هناك أخوين أحدهما يستيقظ مبكرا ليذهب ~~إلى مدرسته والثاني ينام حتى الضحى، ويخرج من البيت ليجلس على المقهى.. ~~الأول يحب الخير لنفسه والثاني يحب الخير لنفسه والخلاف في تقييم الخير.. ~~الكسول يحب الخير العاجل فيعطي نفسه حظها من النوم والترفيه وعدم العمل.. ~~والمجتهد يحب الخير الآجل لنفسه لذلك يتعب ويشقى سنوات الدراسة حتى يرتاح ~~بعد ذلك ويحقق مستقبلا مرموقا. # الفلاح الذي يزرع ويذهب إلى حقله في الصباح الباكر ويروي ويبذر الحب ~~ويشقى، يأتيه في آخر العام محصول وافر وخير كثير.. والفلاح الذي يجلس على ~~المقهى طول النهار أعطى نفسه خير الراحة، ولكن ساعة الحصاد يحصد الندم. ~~إذن كل الناس يحبون الخير ولكن نظرتهم ومقاييسهم تختلف.. فمنهم من يريد ~~متعة اليوم، ومنهم من يعمل لأجل متعة الغد.. والله تبارك وتعالى حين ~~يأمرنا بالخير.. قد يكون الخير متعبا للجسد والنفس.. ولكن النهاية متاع ~~أبدي في جنة الخلد. إذن فالخير الحقيقي هو ما جاء به الشرع.. لماذا؟ لأن ~~الخير هو ما ليس بعده بعد.. فأنت تولد ثم تكبر ثم تتخرج في الجامعة.. ثم ~~تصبح في أعلى المناصب ثم تموت ثم تبعث ثم تدخل الجنة.. وبعدها لا شيء إلا ~~الخلود في النعيم. قوله تعالى: { لو كانوا يعلمون } [البقرة: ~~103].. الله ينفي عنهم العلم بينما في الآية السابقة أثبت لهم العلم في ~~قوله تعالى: { ولقد علموا لمن اشتراه ما له في ~~الآخرة من خلاق } [البقرة: 103].. نقول إن العلم ms0334 الذي لا يخضع ~~حركة الإنسان له فكأنه لم يعلم شيئا.. لأن هذا العلم سيكون حجة على ~~صاحبه يوم القيامة وليته لم يعلمه.. واقرأ قول الشاعر: # رزقوا وما رزقوا سماح يد # فكأنهم رزقوا وما رزقوا # خلقوا وما خلقوا لكرمة # فكأنهم خلقوا وما خلقوا # فكأن العلم لم يثبت لك لأنك لم تنتفع به.. والله سبحانه وتعالى يقول: # ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [الروم: 6]. # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا.. # [الروم: 7] وهكذا نفى الله عن الناس العلم الحقيقي.. وأثبت لهم العلم ~~الدنيوي الظاهر.. وقوله جل جلاله: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم ~~الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم ~~الظالمين # [الجمعة: 5]. أي أنهم حملوا التوراة علما ولكنهم لم يحملوها منهجا ~~وعملا.. وهؤلاء السحرة علموا أن من يمارس السحر يكفر.. ومع ذلك لم ~~يعملوا بما علموا. ### || [2.104] # هذا نداء للمؤمنين.. لأن الآية الكريمة تبدأ: { ياأيها الذين ~~آمنوا } [البقرة: 104].. وعندما ينادي الحق المؤمنين بقوله: { ~~ياأيها الذين آمنوا } [البقرة: 104].. نعرف أن الإيمان هنا ~~هو سبب التكليف.. فالله لا يكلف كافرا أو غير مؤمن.. ولا يأمر بتكليف ~~إلا لمن آمنوا.. فما دام العبد قد آمن فقد أصبحت مسئولية حركته في الحياة ~~عند ربه.. ولذلك يوحي إليه بمنهج الحياة.. أما الكافر فلا يكلفه الله ~~بشيء. إذن قوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا } [البقرة: ~~104].. أمر لمن آمن بالله ورضي به إلها ومشرعا.. قوله: { ياأيها ~~الذين آمنوا } [البقرة: 104].. نداء للمؤمنين وقوله: { لا ~~تقولوا راعنا } [البقرة: 104].. نهي.. وكأن راعنا كانت مقولة ~~عندهم يريد الله أن ينهاهم عنها.. والإيمان يلزمهم أن يستمعوا إلى نهي ~~الله. ما معنى راعنا؟ نحن نقول في لغتنا الدارجة راعينا.. يعني احفظنا ~~وراقبنا وخذ بيدنا وكلها مأخوذة من مادة الرعاية والراعي.. ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " # وأصل المادة مأخوذة من راعي الغنم.. لأن راعي الغنم لابد أن يتجه بها ~~إلى الأماكن التي فيها العشب والماء.. أي إلى أماكن الرعي.. وأن يكون ~~حارسا عليها ms0335 حتى لا تشرد واحدة أو تضل فتفتك بها ذئاب الصحاري.. وأن ~~يوفر لها الراحة حتى لا تتعب وتنفق في الطريق.. ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " كنت أرعى الغنم على قراريط لأهل مكة " # ولكن لماذا استبدل الحق سبحانه وتعالى كلمة راعنا بكلمة انظرنا؟ إن عند ~~اليهود في العبرانية والسريانية كلمة راعنا ومعناها الرعونة.. ولذلك ~~كانوا إذا سمعوا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة راعنا.. ~~اتخذوها وسيلة للسباب بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. والمسلمون ~~لا يدرون شيئا.. لذلك أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتركوا هذه ~~الكلمة.. حتى لا يجد اليهود وسيلة لستر سبابهم، وأمرهم بأن يقولوا: ~~انظرنا. ثم قال الحق سبحانه وتعالى: " واسمعوا ".. والله هنا يشير إلى ~~الفرق بين اليهود والمؤمنين.. فاليهود قالوا سمعنا وعصينا، ولكن الله ~~يقول للمؤمنين اسمعوا سماع طاعة وسماع تنفيذ. سعد بن معاذ سمع واحدا من ~~اليهود يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم - راعنا - وسعد كان من أحبار ~~اليهود ويعرف لغتهم - فلما سمع ما قاله فهم مراده. فذهب إلى اليهودي ~~وقال له لو سمعتها منك مرة أخرى لضربت عنقك.. وقال اليهودي أو لستم ~~تقولونها لنبيكم؟ أهي حرام علينا وحلال لكم؟ فنزلت الآية الكريمة تقول: { ~~لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا } [البقرة: 104].. ولو ~~تأملنا كلمة راعنا وكلمة انظرنا لوجدنا المعنى واحدا.. ولكن انظرنا تؤدي ~~المعنى وليس لها نظير في لغة اليهود التي تعني الإساءة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم.. وقوله تعالى: { وللكافرين عذاب أليم } ~~[البقرة: 104].. أي من يقولون راعنا إساءة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لهم عذاب أليم. ### || [2.105] # ثم كشف الحق سبحانه وتعالى للمؤمنين العداوة التي يكنها لهم أهل ~~الكتاب من اليهود والمشركين.. الذين كفروا لأنهم رفضوا الإيمان بمحمد ~~عليه الصلاة والسلام.. فيلفتهم إلى أن اليهود والمشركين يكرهون الخير ~~للمؤمنين.. فتشككوا في كل أمر يأتي منهم، واعلموا أنهم لا يريدون لكم ~~خيرا.. قوله تعالى: " ما يود ".. أي ما يحب، والود معناه ميل القلب إلى ~~من يحبه.. والود يختلف ms0336 عن المعروف.. أنت تصنع معروفا فيمن تحب ومن لا ~~تحب.. ولكنك لا تود إلا من تحب.. لذلك قال الله تبارك وتعالى: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.. # [المجادلة: 22]. ثم بعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليقول عن الوالدين: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15]. يقول بعض المستشرقين إن هناك تناقضا بين الآيتين.. كيف أن ~~الله سبحانه وتعالى يقول: لا توادوا من يحارب الله ورسوله.. ثم يأتي ~~ويقول إذا حاول أبواك أن يجعلاك تشرك بالله فصاحبهما في الدنيا معروفا.. ~~وطبعا الوالدان اللذان يحاولان دفع ابنهما إلى الكفر إنما يحاربان الله ~~ورسوله.. كيف يتم هذا التناقض؟. نقول إنكم لم تفهموا المعنى.. إن الإنسان ~~يصنع المعروف فيمن يحب ومن لا يحب كما قلنا.. فقد تجد إنسانا في ضيق ~~وتعطيه مبلغا من المال كمعروف.. دون أن يكون بينك وبينه أي صلة.. أما ~~الود فلا يكون إلا مع من تحب. إذن: " ما يود " معناها حب القلب.. أي أن ~~قلوب اليهود والنصارى والمشركين لا تحب لكم الخير.. إنهم يكرهون أن ينزل ~~عليكم خير من ربكم.. بل هم في الحقيقة لا يريدون أن ينزل عليكم من ربكم ~~أي شيء مما يسمى خيرا.. والخير هو وحي الله ومنهجه ونبوة رسول صلى الله ~~عليه وسلم. وقوله تعالى: { من خير } [البقرة: 105].. أي من أي شيء ~~مما يسمى خير.. فأنت حين تذهب إلى إنسان وتطلب منه مالا يقول لك ما عندي ~~مال.. أي لا أملك مالا، ولكنه قد يملك جنيها أو جنيهين.. ولا يعتبر هذا ~~مالا يمكن أن يوفي بما تريده.. وتذهب إلى رجل آخر لنفس الغرض تقول أريد ~~مالا.. يقول لك ما عندي من مال.. أي ليس عندي ولا قرش واحد، ما عندي أي ~~مبلغ مما يقال له مال حتى ولو كان عدة قروش. # والله سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم أن أهل الكتاب ms0337 والكفار والمشركين.. ~~مشتركون في كراهيتهم للمؤمنين.. حتى إنهم لا يريدون أن ينزل عليكم أي شيء ~~من ربكم مما يطلق عليه خير. وقوله تعالى: { من ربكم } [البقرة: ~~105].. تدل على المصدر الذي يأتي منه الخير من الله.. فكأنهم لا يحبون أن ~~ينزل على المؤمنين خير من الله.. وهو المنهج والرسالة. ثم يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { والله يختص برحمته من يشآء } ~~[البقرة: 105].. أي أن الخير لا يخضع لرغبة الكافرين وأمانيهم.. والله ~~ينزل الخير لمن يشاء.. والله قد قسم بين الناس أمور حياتهم الدنيوية.. ~~فكيف يطلب الكافرون أن يخضع الله منهجه لإرادتهم؟ واقرأ قوله تبارك ~~وتعالى: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمت ربك نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون # [الزخرف: 31-32]. اعترض الكفار على نزول القرآن على محمد صلى الله عليه ~~وسلم وقالوا لو نزل على رجل من القريتين عظيم.. فيرد عليهم سبحانه ~~وتعالى.. أنتم لا تقسمون رحمة الله ولكن الله يقسم بينكم حياتكم في ~~الدنيا. الحق تبارك وتعالى في الآية التي نحن بصددها يقول: { والله ~~يختص برحمته من يشآء } [البقرة: 105].. ساعة تقرأ كلمة ~~يختص تفهم أن شيئا خصص لشيء دون غيره.. يعني أنني خصصت فلانا بهذا ~~الشيء: { والله يختص برحمته من يشآء } [البقرة: ~~105].. أي يعطي الرحمة لمن يشاء لكي يؤدي مهمته أو ينزل رحمته على من ~~يشاء، فليس لهؤلاء الكفار أن يتحكموا في مشيئة الله، وحسدهم وكراهيتهم ~~للمؤمنين لا يعطيهم حق التحكم في رحمة الله.. ولذلك أراد الله أن يرد ~~عليهم بأن هذا الدين سينتشر ويزداد المؤمنون به.. وسيفتح الله به أقطارا ~~ودولا.. وسيدخل الناس فيه أفواجا وسيظهره على الدين كله. ولو تأملنا ~~أسباب انتصار أي عدو على من يعاديه لوجدنا أنها إما أسباب ظاهرة واضحة ~~وإما مكر وخداع.. بحيث يظهر العدو لعدوه أنه يحبه ويكيد له في الخفاء حتى ~~يتمكن منه فيقتله.. ولقد هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0338 إلى المدينة ~~سرا.. لماذا؟ لأن الله أراد أن يقول لقريش لن تقدروا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولو بالمكر والخداع والتبييت.. هم بيتوا الفتية ~~ليقتلوه.. وجاءوا من كل قبيلة بفتى ليضيع دمه بين القبائل.. وخرج صلى ~~الله عليه وسلم ووضع التراب على رءوس الفتية.. الله أرادهم أن يعرفوا ~~أنهم لن يقدروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكر والتبييت ~~والخداع ولا بالعداء الظاهر. # قوله تعالى: { والله ذو الفضل العظيم } [البقرة: 105].. ~~الفضل هو الأمر الزائد عن حاجتك الضرورية.. ولذلك يقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان معه فضل ~~زاد فليعد به على من لا زاد له " # وفضل مال يعني مال زائد على حاجته. هذا عن الفضل بالنسبة للبشر. أما ~~بالنسبة لله سبحانه وتعالى فإن كل ما في كون الله الآن وفي الآخرة هو فضل ~~لله لأنه زائد على حاجته فالله غير محتاج لخلقه ولا لكل نعمه التي سبقت ~~والتي ستأتي. ولذلك قال: { والله ذو الفضل العظيم } ~~[البقرة: 105].. أي ذو الفضل الهائل الزائد على حاجته لأنه ربما يكون ~~عندي فضل، ولكنني أبقيه لأنني سأحتاج إليه مستقبلا. والفضل الحقيقي هو ~~الذي من عند الله. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى هو ذو الفضل العظيم لأنه ~~غير محتاج إلى كل خلقه أو كونه لأن الله سبحانه كان قبل أن يوجد شيء، ~~وسيكون بعد ألا يوجد شيء. وهذا ما يسمى بالفضل العظيم. ### || [2.106] # ولكن ما هو السبب؟ السبب أن أهل الكتاب والمشركين لا يريدون خيرا ~~للمؤمنين في دينهم لأنهم أحسوا أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم في ~~زمنه خير مما جاء به موسى وبقى إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم.. وخير ~~مما جاء به عيسى في زمن محمد صلى الله عليه وسلم وليس معنى ذلك أننا ~~نحاول أن ننقص ما جاء به الرسل السابقون.. لكننا نؤكد أن الرسل السابقين ~~جاءوا في أزمانهم بخير ما وجد ms0339 في هذه الأزمان.. فكل رسالة من الرسالات ~~التي سبقت رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. جاءت لقوم محددين ولزمن ~~محدد.. ثم جاء نبي جديد لينسخ ما في الرسالة السابقة لقوم محددين وزمن ~~محدد.. واقرأ قول عيسى عليه السلام حينما بعث إلى بني إسرائيل كما يروي ~~لنا القرآن الكريم: # ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم ~~بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم ~~فاتقوا الله وأطيعون # [آل عمران: 50]. فكأن عيسى عليه السلام جاء لينسخ بعض أحكام التوراة.. ~~ويحل لبني إسرائيل بعض ما حرمه الله عليهم.. ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو الرسول الخاتم أعطى الخير كله لأنه دينه للعالمين وباق إلى يوم ~~القيامة. وهكذا نرى أن المؤمنين بالرسل كلما جاء رسول جديد كانوا ينتقلون ~~من خير إلى خير.. وفيما تتفق فيه الرسالات كانوا ينتقلون إلى مثل هذا ~~الخير.. وذلك فيما يتعلق بالعقائد، وإلى زيادة في الخير فيما يتعلق بمنهج ~~الحياة.. هناك في رسالات السماء كلها أمور مشتركة لا فرق فيها بين رسول ~~ورسول وهي قضية الإيمان بإله واحد أحد له الكمال المطلق.. سبحانه في ~~ذاته، وسبحانه في صفاته، وسبحانه في أفعاله.. كل ذلك قدر الرسالات فيه ~~مشترك.. ولكن الحياة في تطورها توجد فيها قضايا لم تكن موجودة ولا مواجهة ~~في العصر الذي سبق.. فإذا قلنا إن رسالة بقيمتها العقائدية تبقى.. فإنها ~~لا تستطيع أن تواجه قضايا الحياة التي ستأتي بها العصور التي بعدها فيما ~~عدا الإسلام.. لأنه جاء دينا خاتما لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم ~~القيامة.. على أننا نجد من يقول وماذا عن قول الله سبحانه وتعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر ~~على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي ~~إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب # [الشورى: 13]. نقول إن هذا يأتي في شيء واحد.. يتعلق بالأمر الثابت في ~~رسالات السماء وهو قضية قمة العقيدة والإيمان بالله الواحد. ms0340 # . أما فيما يتعلق بقضايا الحياة فإننا نجد أحكاما في هذه الحركة حسب ما ~~طرأ عليها من توسعات.. ولذلك عندما جاء محمد صلى الله عليه وسلم أعطى ~~أشياء يعالج بها قضايا لم تكن موجودة في عهد الرسل السابقين. يقول الله ~~تبارك وتعالى: { ما ننسخ من آية أو ننسها } [البقرة: 106].. ~~كلمة ننسخ معناها نزيل آية كانت موجودة ونأتي بآية أخرى بدلا منها.. كما ~~يقال نسخت الشمس الظل.. أي أن الظل كان موجودا وجاءت الشمس فمحته وحلت ~~هي مكانه.. ويقال نسخت الكتاب أي نقلته إلى صور متعددة، ونسخ الشيب ~~الشباب أي أصبح الشاب شيخا. وقوله تعالى " ننسها " لها معان متعددة.. قد ~~يعني ذلك أن الله يجعل الإنسان يسهو ويغفل عنها.. فتضيع من ذاكرته أو ~~يتركها إلى غيرها.. والعلماء اختلفوا في هذه المسألة.. وكان هذا الاختلاف ~~لأن أحدهم يلحظ ملحظا وغيره يلحظ ملحظا آخر وكلاهما يريد الحق.. نأتي ~~للنسخ في القرآن الكريم.. قوم قالوا لا نسخ في القرآن أبدا.. لماذا؟ لأن ~~النسخ بداء على الله.. ما معنى البداء؟ هو أن تأتي بحكم ثم يأتي التطبيق ~~فيثبت قصور الحكم عن مواجهة القضية فيعدل الحكم.. وهذا محال بالنسبة لله ~~سبحانه وتعالى.. نقول لهم طبعا هذا المعنى مرفوض ومحال أن يطلق على الله ~~تبارك وتعالى.. ولكننا نقول إن النسخ ليس بداء، وإنما هو إزالة الحكم ~~والمجيء بحكم آخر.. ونقول لهم ساعة حكم الله الحكم أولا فهو سبحانه يعلم ~~أن هذا الحكم له وقت محدود ينتهي فيه ثم يحل مكانه حكم جديد.. ولكن الظرف ~~والمعاجلة يقتضيان أن يحدث ذلك بالتدريج.. وليس معنى ذلك أن الله سبحانه ~~قد حكم بشيء ثم جاء واقع آخر أثبت أن الحكم قاصر فعدل الله عن الحكم.. إن ~~هذا غير صحيح. لماذا؟.. لأنه ساعة حكم الله أولا كان يعلم أن الحكم له ~~زمن أو يطبق لفترة.. ثم بعد ذلك ينسخ أو يبدل بحكم آخر. إذن فالمشرع الذي ~~وضع هذا الحكم وضعه على أساس أنه سينتهي وسيحل محله حكم جديد.. وليس هذا ~~كواقع البشر.. فأحكام ms0341 البشر وقوانينهم تعدل لأن واقع التطبيق يثبت قصور ~~الحكم عن مواجهة قضايا الواقع.. لأنه ساعة وضع الناس الحكم علموا أشياء ~~وخفيت عنهم أشياء.. فجاء الواقع ليظهر ما خفي وأصبح الحكم لابد أن ينسخ ~~أو يعدل.. ولكن الأمر مع الله سبحانه وتعالى ليس كذلك.. أمر الله جعل ~~الحكم موقوتا ساعة جاء الحكم الأول. مثلا حين وجه الله المسلمين إلى ~~بيت المقدس. # . أكانت القضية عند الله أن القبلة ستبقى إلى بيت المقدس طالما وجد ~~الإسلام وإلى يوم القيامة؟ ثم بدا له سبحانه وتعالى أن يوجه المسلمين إلى ~~الكعبة؟ لا.. لم تكن هذه هي الصورة.. ولكن كان في شرع الله أن يتوجه ~~المسلمون أولا إلى بيت المقدس فترة ثم بعد ذلك يتوجهون إلى الكعبة إلى ~~يوم القيامة. إذن فالواقع لم يضطر المشرع إلى أن يعدل القبلة من بيت ~~المقدس إلى الكعبة.. وإنما كان في علمه وفي شرعه أنه سيغير القبلة ~~بعد فترة إلى الكعبة.. ولعل لذلك هدفا إيمانيا في أن العلة في الأمور ~~هي أنها من الله فالاتجاه إلى بيت المقدس أو الاتجاه إلى الكعبة لا يكلف ~~المؤمنين جهدا إيمانيا إضافيا.. ولا يضع عليهم تكاليف جديدة. فنفس ~~الجهد الذي أبذله للاتجاه إلى الشرق أبذله للاتجاه إلى الغرب. ولكن ~~الاختبار الإيماني أن تكون علة الأمر أنه صادر من الله.. فإذا قال الله ~~اتجه إلى بيت المقدس اتجهنا.. فإذا قال اتجه إلى الكعبة اتجهنا.. ولا ~~قدسية لشيء في ذاته.. ولكن القدسية لأمر الله فيه. والله تبارك وتعالى ~~حين أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم لم يسجدوا لذات آدم ولكنهم سجدوا لأمر ~~الله بالسجود لآدم. والله سبحانه وتعالى اختار الكعبة المشرفة بيتا ~~ومسجدا له في الأرض.. واتخذت الكعبة مقامها العالي عند المسلمين ليس ~~لأنها بقعة في مكان ما جاءها إبراهيم والأنبياء وحج إليها الناس، ولكن ~~مقامها جاء من أنها هي بيت الله باختيار الله لها.. وكل مساجد الأرض هي ~~بيوت الله باختيار خلق الله.. ولكن المسجد الوحيد الذي هو بيت الله ~~باختيار الله هو الكعبة.. ولذلك كان ms0342 لا بد لكل المساجد التي هي باختيار ~~خلق الله.. أن تتجه إلى المسجد الذي هو باختيار الله.. ولكن العلة ~~الإيمانية الكبرى هي أن نؤمن أن صدور الأمر من الله هو الحيثية لاتباع ~~هذا الأمر دون أن نبحث عن أسبابه الدنيوية. فإذا قال الله سبحانه وتعالى ~~الصلاة خمس مرات في اليوم.. فدون أن نبحث عن السبب أو نقول لماذا خمسة؟ ~~فلننقص منها.. دون أن نفعل ذلك نصلي خمس مرات في اليوم والسبب أن الله ~~قال، وهكذا الزكاة، وهكذا الصوم وهكذا الحج.. كلها تتم طاعة لله.. وهكذا ~~تغيير القبلة تم اختبارا للطاعة الإيمانية لله.. فالله موجود في كل ~~مكان.. فلا يأتي أحد ليقول لماذا الكعبة؟ وهل الله ليس موجودا إلا في ~~الكعبة؟ نقول لا إنه موجود في كل مكان.. ولكنه أمرنا أن نتجه إلى ~~الكعبة.. ونحن لا نتجه إليها لأننا نعتقد أن الله تبارك وتعالى موجود في ~~هذا المكان فقط. # . ولكن طاعة لأمر الله الذي أمرنا أن تكون قبلتنا إلى الكعبة. ولعل ~~تغيير القبلة يعطينا فلسفة نسخ الآيات.. لماذا؟ لأنه لم توجد أية ظروف أو ~~تجد وقائع، أو تظهر أشياء كانت خفية تجعل الاتجاه إلى بيت المقدس ~~صعبا أو محوطا بالمشاكل أو غير ذلك، ولكن تغيير القبلة جاء هنا لأن ~~الله سبحانه وتعالى شاء أن يتوجه المسلمون إلى بيت المقدس فترة ثم ~~يتوجهوا إلى الكعبة إلى يوم القيامة. إذن فكل آية نسخت كان في علم الله ~~سبحانه وتعالى أنها ستطبق لفترة معينة ثم بعد ذلك ستعدل.. وكان كل ~~من الحكم الذي سينسخ، والوقت الذي سيستغرقه، والحكم الذي سيأتي بعده ~~معلوما عند الله تبارك وتعالى ومقررا منذ الأزل وقبل بداية الكون.. ~~وأيضا فإن الله أراد أن يلفتنا بالتوجه إلى بيت المقدس أولا.. لأن ~~الإسلام دين يشمل كل الأديان، وأن بيت المقدس سيصبح من مقدسات الإسلام.. ~~وأنه لا يمكن لأحد أن يدعي أن المسلمين لن يكون لهم شأن في بيت ~~المقدس، لذلك أسرى الله سبحانه وتعالى برسوله لله من مكة إلى بيت ~~المقدس.. ليثبت ms0343 أن لبيت المقدس قداسة في الإسلام وأنه من المقدسات عند ~~الله.. ومن هنا كان التوجه إلى بيت المقدس كقبلة أولى، ثم نسخ الله ~~القبلة إلى الكعبة.. فالحق جل جلاله يقول: { ما ننسخ من آية أو ~~ننسها نأت بخير منها.. } [البقرة: 106].. أي أن النسخ يكون ~~إما أن يأتي الله سبحانه وتعالى بخير من هذه الآية أو يأتي بمثلها.. وهل ~~الآية المنسوخة كان هناك خير منها ولم ينزله الله؟ نقول لا.. المعنى أن ~~الآية المنسوخة كانت خيرا في زمانها.. والحكم الثاني كان زيادة في الخير ~~بعد فترة من الزمن.. كلاهما خير في زمنه وفي أحكامه.. والله تبارك وتعالى ~~أنزل الآية الكريمة: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون # [آل عمران: 102]. ولكن من يستطيع أن يتقي الله حق تقاته.. ذلك صعب على ~~المسلمين.. ولذلك عندما نزلت الآية قالوا ليس منا من يستطيع أن يتقي الله ~~حق تقاته.. فنزلت الآية الكريمة: # فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ~~وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون # [التغابن: 16]. الذي يتقي الله حق تقاته خير، أم الذي يتقي الله ما ~~استطاع؟ طبعا حق تقاته خير من قدر الاستطاعة.. ولكن الله سبحانه وتعالى ~~يقول: { نأت بخير منها } [البقرة: 106].. نقول إنك لم تفهم عن ~~الله.. # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102] في الآية الأولى أو # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] في الآية الثانية.. أي الحالتين أحسن؟ نقول إن العبرة ~~بالنتيجة. # . عندما تريد أن تقيم شيئا لابد أن تبحث عن نتيجته أولا. ولنقرب ~~المعنى للأذهان سنضرب مثلا ولله المثل الأعلى.. نفرض أن هناك تاجرا ~~يبيع السلع بربح خمسين في المائة.. ثم جاء تاجر آخر يبيع نفس السلع بربح ~~خمسة عشر في المائة.. ماذا يحدث؟ سيقبل الناس طبعا على ذلك الذي يبيع ~~السلع بربح خمسة عشر في المائة ويشترون منه كل ما يريدون، والتاجر الذي ~~يبيع السلع بربح خمسين في المائة يحقق ربحا أكبر.. ولكن الذي يبيع بربح ~~خمسة عشر في المائة يحقق ربحا ms0344 أقل ولكن بزيادة الكمية المبيعة.. يكون ~~الربح في النهاية أكبر. والذي يطبق الآية الكريمة: # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102] يحقق خيرا أكبر في عمله.. ولكنه لا يستطيع أن يتقي ~~الله حق تقاته إلا في أعمال محدودة جدا. إذن الخير هنا أكبر ولكن العمل ~~الذي تنطبق عليه الآية محدود. أما قوله تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16] فإنه قد حدد التقوى بقدر الاستطاعة.. ولذلك تكون الأعمال ~~المقبولة كثيرة وإن كان الأجر عليها أقل. عندما نأتي إلى النتيجة ~~العامة.. أعمال أجرها أعلى ولكنها قليلة ومحدودة جدا.. وأعمال أجرها أقل ~~ولكنها كثيرة.. أيهما فيه الخير؟ طبعا الأعمال الكثيرة ذات الأجر الأقل ~~في مجموعها تفوق الأعمال القليلة ذات الأجر المرتفع. إذن فقد نسخت هذه ~~الآية بما هو خير منها.. رغم أن الظاهر لا يبدو كذلك، لأن اتقاء الله حق ~~تقاته خير من اتقاء الله قدر الاستطاعة.. ولكن في المحصلة العامة الخير ~~في الآية التي نصت على الاستطاعة.. نأتي بعد ذلك إلى قوله تعالى: { أو ~~مثلها } [البقرة: 106].. هنا توقف بعض العلماء: قد يكون مفهوما أن ~~ينسخ الله آية بخير منها، ولكن ما هي الحكمة في أن ينسخها بمثلها؟ إذا ~~كانت الآية التي نسخت مثل الآية التي جاءت.. فلماذا تم النسخ؟ نقول إننا ~~إذا ضربنا مثلا لذلك فهو مثل تغيير القبلة.. إن الله تبارك وتعالى حين ~~أمر المسلمين بالتوجه إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس نسخ آية بمثلها.. ~~لأن التوجه إلى الكعبة لا يكلف المؤمن أية مشقة أو زيادة في التكليف.. ~~فالإنسان يتوجه ناحية اليمين أو إلى اليسار أو إلى الأمام أو إلى الخلف ~~وهو نفس الجهد.. والله سبحانه وتعالى كما قلنا موجود.. وهنا تبرز الطاعة ~~الإيمانية التي تحدثنا عنها وأن هناك أفعالا نقوم بها لأن الله قال.. ~~وهذه تأتي في العبادات لأن العبادة هي طاعة عابد لأمر معبود.. والله ~~تبارك وتعالى يريد أن نثبت العبودية له عن حب واختيار.. فإن قال افعلوا ~~كذا فعلنا. # . وإن قال لا تفعلوا لا نفعل.. والعلة في هذا أننا ms0345 نريد اختيارا أن ~~نجعل مراداتنا في الكون خاضعة لمرادات الله سبحانه وتعالى.. إذن مثلها لم ~~تأت بلا حكمة بل جاءت لحكمة عالية. والحق سبحانه وتعالى يقول: { أو ~~ننسها } [البقرة: 106] ما معنى ننسها؟ قال بعض العلماء إن النسخ ~~والنسيان شيء واحد.. ولكن ساعة قال الله الحكم الأول كان في إرادته ~~ومشيئته وعلمه أن يأتي حكم آخر بعد مدة.. ساعة جاء الحكم الأول ترك الحكم ~~الثاني في مشيئته قدرا من الزمن حتى يأتي موعد نزوله. إذن فساعة يأتي ~~الحكم الأول.. يكون الحكم مرجأ ولكنه في علم الله. ينتظر انقضاء وقت ~~الحكم الأول: { ما ننسخ من آية } [البقرة: 106]هي الآية المنسوخة ~~أو التي سيتم عدم العمل بها: { أو ننسها } [البقرة: 106].. أي لا ~~يبلغها الله للرسول والمؤمنين عن طريق الوحي مع أنها موجودة في علمه ~~سبحانه.. ويجب أن نتنبه إلى أن النسخ لا يحدث في شيئين: الأول: أمور ~~العقائد فلا تنسخ آية أخرى في أمر العقيدة.. فالعقائد ثابتة لا تتغير منذ ~~عهد آدم حتى يوم القيامة.. فالله سبحانه واحد أحد لا تغيير ولا تبديل، ~~والغيب قائم، والآخرة قادمة والملائكة يقومون بمهامهم.. وكل ما يتعلق ~~بأمور العقيدة لا ينسخ أبدا.. والثاني: الإخبار من الله عندما يعطينا ~~الله تبارك وتعالى آية فيها خبر لا ينسخها بآية جديدة.. لأن الإخبار هو ~~الإبلاغ بشيء واقع.. والحق سبحانه وتعالى إخباره لنا بما حدث لا ينسخ ~~لأنه بلاغ صدق من الله.. فلا تروى لنا حادثة الفيل ثم تنسخ بعد ذلك وتروى ~~بتفاصيل أخرى لأنها أبلغت كما وقعت.. إذن لا نسخ في العقائد والإخبار عن ~~الله.. ولكن النسخ يكون في التكليف.. مثل قول الحق تبارك وتعالى: # يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن ~~يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن ~~يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ~~بأنهم قوم لا يفقهون # [الأنفال: 65]. كأن المقياس ساعة نزول هذه الآية أن الواحد من المؤمنين ~~يقابل عشرة من الكفار ويغلبهم.. ولكن كانت هذه عملية شاقة على المؤمنين.. ~~ولذلك نسخها الله ليعطينا على قدر ms0346 طاقتنا.. فنزلت الآية الكريمة: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن ~~يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله ~~مع الصابرين # [الأنفال: 66]. والحق سبحانه وتعالى علم أن المؤمنين فيهم ضعف.. لذلك لن ~~يستطيع الواحد منهم أن يقاتل عشرة ويغلبهم.. فنقلها إلى خير يسير يقدر ~~عليه المؤمنون بحيث يغلب المؤمن الواحد اثنين من الكفار.. وهذا حكم لا ~~يدخل في العقيدة ولا في الإخبار. # . وفي أول نزول القرآن كانت المرأة إذا زنت وشهد عليها أربعة يمسكونها ~~في البيت لا تخرج منه حتى تموت.. واقرأ قوله تعالى: # واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم فاستشهدوا ~~عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في ~~البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله ~~لهن سبيلا # [النساء: 15]. وبعد أن شاع الإسلام وامتلأت النفوس بالإيمان.. نزل تشريع ~~جديد هو الرجم أو الجلد.. ساعة نزل الحكم الأول بحبسهن كان الحكم الثاني ~~في علم الله.. وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: { أو يجعل الله ~~لهن سبيلا }.. وقوله سبحانه: # فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره.. # [البقرة: 109]. وقوله تعالى حتى يأتي الله بأمره.. كأن هناك حكما أو ~~أمرا في علم الله سيأتي ليعدل الحكم الموجود.. إذن الله حين أبلغنا ~~بالحكم الأول أعطانا فكرة.. أن هذا الحكم ليس نهائيا وأن حكما جديدا ~~سينزل.. بعد أن تتدرب النفوس على مراد الله من الحكم الأول.. ومن عظمة ~~الله أن مشيئته اقتضت في الميراث أن يعطي الوالدين اللذين بلغا أرذل ~~العمر فقال جل جلاله: # كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك ~~خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف ~~حقا على المتقين # [البقرة: 180]. وهكذا جعلها في أول الأمر وصية ولم تكن ميراثا.. لماذا؟ ~~لأن الإنسان إن مات فهو الحلقة الموصولة بأبيه.. أما أبناؤه فحلقة أخرى.. ~~ولما استقرت الأحكام في النفوس وأقبلت على تنفيذ ما أمر به الله.. جعل ~~سبحانه المسألة فرضا.. فيستوفى الحكم. ويقول جل جلاله: # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ~~ثلثا ما ms0347 ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ~~ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن ~~كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس ~~من بعد وصية يوصي بهآ أو دين آبآؤكم وأبناؤكم ~~لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من ~~الله إن الله كان عليما حكيما # [النساء: 11]. وهكذا بعد أن كان نصيب الوالدين في تركة الإبن وصية.. إن ~~شاء أوصى بها وإن شاء لم يوص أصبحت فرضا.. وقوله تعالى: { ألم ~~تعلم أن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 106].. ~~أي كل شيء يدخل في إرادة الله وقدرته سبحانه.. إذا قلنا إذا جاء الله ~~بحكم لعصر فهذا هو قمة الخير.. لأنه إذا عدل الحكم بعد أن أدى مهمته في ~~عصره، فإن الحكم الجديد الذي يأتي هو قمة الخير أيضا.. لأن الله على كل ~~شيء قدير، يواجه كل عصر بقمة الخير للموجودين فيه.. ولذلك فمن عظمة الله ~~أنه لم يأت بالحكم خبرا من عنده ولكنه أشرك فيه المخاطب.. فلم يقل ~~سبحانه " إن الله على كل شيء قدير ".. ولكنه قال: { ألم تعلم ~~أن الله على كل شيء قدير } [البقرة: 106].. لأنه واثق ~~أن كل من يسمع سيقول نعم.. وهذا ما يعرف بالاستفهام الإنكاري أو ~~التقريري. ### || [2.107] # وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى لنا أن هناك آيات نسخت في القرآن.. ~~أراد أن يوضح لنا أنه سبحانه له طلاقة القدرة في كونه يفعل ما يشاء.. ~~ولذلك بدأ الآية الكريمة: { ألم تعلم } [البقرة: 107].. وهذا ~~التعبير يسمى الاستفهام الاستنكاري أو التقريري.. لأن السامع لا يجد إلا ~~جوابا واحدا بأنه يقر ما قاله الله تبارك وتعالى.. ويقول نعم يا رب أنت ~~الحق وقولك الحق. قوله تعالى: { ألم تعلم أن الله له ~~ملك السماوات والأرض } [البقرة: 107].. الملك يقتضي مالكا ~~ويقتضي مملوكا.. ويقتضي قدرة على استمرار هذا الملك وعدم زواله.. فكأن ~~الحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أنه يقدر ويملك المقدرة.. والإنسان ~~ليست له قدرة التملك ولا المقدرة على استبقاء ما يملكه.. ms0348 والإنسان لا ~~يملك الفعل في الكون.. إن أراد مثلا أن يبني عمارة قد لا يجد الأرض.. ~~فإن وجد الأرض قد لا يجد العامل الذي يبني.. فإن وجده قد لا يجد مواد ~~البناء.. فإن وجد هذا كله قد تأتي الحكومة أو الدولة وتمنع البناء على ~~هذه الأرض.. أو أن تكون الأرض ملكا لإنسان آخر فتقام القضايا ولا يتم ~~البناء. والحق سبحانه وتعالى يقول: { ألم تعلم أن الله له ~~ملك السماوات والأرض } [البقرة: 107].. أي أن كل شيء في ~~الوجود هو ملك لله وهو يتصرف بقدرته فيما يملك.. ولذلك عندما هاجر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.. كان اليهود يملكون المال ولهم ~~معرفة ببعض العلم الدنيوي لذلك سادوا المدينة.. وبدأوا يمكرون برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمسلمين.. والله تبارك وتعالى طمأن رسوله بأن طلاقة ~~القدرة في الكون هي لله وحده.. وأنه إذا كان لهم ملك فإنه لا يدوم لأن ~~الله ينزع الملك ممن يشاء ويعطيه لمن يشاء.. ولذلك حينما يأتي يوم ~~القيامة ويهلك الله الأرض ومن عليها.. يقول سبحانه: # لمن الملك اليوم.. # [غافر: 16]. ويرد جل جلاله بشهادة الذات للذات فيقول: # لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وما دام الله هو المالك وحده.. فإنه يستطيع أن ينزع من ~~اليهود وغيرهم ومن الدنيا كلها ما يملكونه.. ويحدثنا العلماء أن العسس ~~وهم الجنود الذين يسيرون ليلا لتفقد أحوال الناس وجدوا شخصا يسير ~~ليلا.. فلما تقدموا منه جرى فجروا وراءه إلى أن وصل إلى مكان خرب ليستتر ~~فيه.. تقدم العسس وأمسكوا به وإذا بهم يجدون جثة قتيل في المكان.. فقالوا ~~له أنت القاتل لأنك جريت حين رأيتنا ولأنك موجود الآن في المكان الذي فيه ~~جثة القتيل. # . فأخذوه ليحاكموه فقال لهم أمهلوني لأصلي ركعتين لله.. فأمهلوه فصلى ثم ~~رفع يديه إلى السماء وقال اللهم إنك تعلم أنه لا شاهد على براءتي إلا ~~أنت.. وأنت أمرتنا ألا نكتم الشهادة فأسألك ذلك في نفسك.. فبينما هم كذلك ~~إذا أقبل رجل فقال.. أنا قاتل هذا القتيل وأنا أقر بجريمتي.. فتعجب ms0349 الناس ~~وقالوا لماذا تقر بجريمتك ولم يرك أحد ولم يتهمك أحد.. فقال لهم والله ما ~~أقررت إنما جاء هاتف فأجرى لساني بما قلت.. فلما أقر القاتل بما فعل وقام ~~ولي المقتول وهو أبوه فقال.. اللهم إني أشهدك إني قد أعفيت قاتل ابني من ~~دينه وقصاصه. انظر إلى طلاقة قدرة الحق سبحانه وتعالى.. القاتل أراد أن ~~يختفي ولكن انظر إلى دقة السؤال من السائل أو المتهم البريء.. وقد صلى ~~ركعتين لله.. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا أنه إذا حزبنا أمر ~~قمنا إلى الصلاة فليس أمامنا إلا هذا الباب.. وبعد أن صلى سأل الله أنت ~~أمرتنا ألا نكتم الشهادة ولا يشهد ببراءتي أحد إلا أنت فأسألك ذلك في ~~نفسك وبعد ذلك كان ما كان. وهذه القصة تدلنا على أننا في قبضة الله.. ~~أردنا أو لم نرد.. بأسباب أو بغير أسباب.. لماذا؟.. لأن الله له ملك ~~السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير.. وقوله تعالى: { وما لكم من ~~دون الله من ولي ولا نصير } [البقرة: 107].. الولي هو من ~~يواليك ويحبك.. والنصير هو الذي عنده القدرة على أن ينصرك وقد يكون ~~النصير غير الولي.. الحق تبارك وتعالى يقول أنا لكم ولي ونصير أي محب ~~وأنصركم على من يعاديكم. ### || [2.108] # ثم ينقل الحق جل جلاله المسلمين بعد أن بين لهم أنه وليهم ونصيرهم.. ~~ينقلهم إلى سلوك أهل الكتاب من اليهود مع رسلهم حتى يتفادوا مثل هذا ~~السلوك فيقول جل جلاله: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم ~~كما سئل موسى من قبل } [البقرة: 108].. الحق يقول للمؤمنين ~~أم تريدون أن تسألوا رسول الله كما سأل اليهود موسى.. ولم يشأ الحق أن ~~يشبه المسلمين باليهود فقال: { كما سئل موسى من قبل } ~~[البقرة: 108].. وكان من الممكن أن يقول أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما ~~سأل اليهود موسى.. ولكن الله لم يرد أن يشبه اليهود بالمؤمنين برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم.. وهذا تكريم من الله للمؤمنين بأن ينزههم أن يتشبهوا ~~باليهود.. وقد سأل اليهود موسى عليه السلام ms0350 وقالوا كما يروي لنا القرآن ~~الكريم: # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ~~ثم اتخذوا العجل من بعد ما جآءتهم البينات ~~فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا # [النساء: 153]. وقد سأل أهل الكتاب والكفار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما يروي لنا القرآن الكريم: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا # [الإسراء: 90]. # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا أو ~~تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك ~~بيت من زخرف أو ترقى في السمآء ولن نؤمن ~~لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل ~~سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 92-93]. الله تبارك وتعالى يهيب بالمؤمنين أن يسألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم.. كما سأله أهل الكتاب والكفار ويقول لهم إن ~~اليهود قد سألوا موسى أكبر من ذلك.. فبعد أن رأوا المعجزات وشق الله ~~البحر لهم.. وعبروا البحر وهم يشاهدون المعجزة فلم تكن خافية عنهم.. بل ~~كانت ظاهرة لهم واضحة.. دالة دلالة دامغة على وجود الله سبحانه وتعالى ~~وعلى عظيم قدراته.. ورغم هذا فإن اليهود قالوا لموسى لن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة.. أي لم تكفهم هذه المعجزات.. وكأنما كانوا بماديتهم يريدون أن ~~يروا في حياتهم الدنيوية من لا تدركه الأبصار.. وبمجرد أن عبروا البحر ~~أرادوا أن يجعل لهم موسى صنما يعبدونه وعبدوا العجل رغم كل الآيات التي ~~شاهدوها. وقوله تعالى: { ومن يتبدل الكفر بالإيمان ~~فقد ضل سوآء السبيل } [البقرة: 108].. قلنا إن الباء في ~~قوله تعالى: " بالإيمان " تدخل دائما على المتروك.. كأن تقول اشتريت هذا ~~بكذا درهم.. يعني تركت الدراهم وأخذت البضاعة. # . ومعناها أن الكفر مأخوذ والإيمان متروك.. فقد أخذ اليهود الكفر وتركوا ~~الإيمان حين قالوا لموسى: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153].. وقوله سبحانه: { فقد ضل سوآء السبيل } ~~[البقرة: 108]. ما هو الضلال؟.. هو أن تسلك سبيلا لا يؤدي بك إلى ~~غايتك.. و " سواء السبيل ".. السواء هو الوسط.. و " سواء ms0351 السبيل ".. هو ~~وسط الطريق.. والله تبارك وتعالى يقول: # فاطلع فرآه في سوآء الجحيم # [الصافات: 55]. أي في وسط الجحيم.. أي أنه يكون بعيدا عن الحافتين ~~بعدا متساويا.. وسواء الطريق هو وسطه.. والسبيل أو الطريق كان قبل ~~استخدام التكنولوجيا الحديثة تكون أطرافه وعرة من جنس الأرض قبل أن ~~تمهد.. أي لا تصلح للسير.. ولذلك فإن السير في وسط الطريق يبعدك عن ~~المتاعب والصعوبات ويريد الله من المؤمنين به أن يسيروا في الطريق الممهد ~~أو في وسط الطريق لأنه أكثر أمانا لهم.. فهم فيه لن يضلوا يمينا ولا ~~يسارا بل يسيروا على منهج الله والإيمان.. وطريق الإيمان دائما ممهد لا ~~يقودهم إلى الكفر. ### || [2.109] # هذه الآية الكريمة تتناول أحداثا وقعت بعد غزوة أحد.. وفي غزوة أحد طلب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم.. من الرماة ألا يغادروا مواقعهم عند سفح ~~الجبل سواء انتصر المسلمون أو انهزموا.. فلما بدأت بوادر النصر طمع ~~الرماة في الغنائم.. فخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهزمهم ~~الله.. ولكن الكفار لم يحققوا نصرا لأن النصر هو أن تحتل أرضا وتبقى. ~~هؤلاء الكفار بعد المعركة انطلقوا عائدين إلى مكة.. حتى أن المسلمين ~~عندما خرجوا للقائهم في اليوم التالي لم يجدوا أحدا.. يهود المدينة ~~استغلوا هذا الحدث.. وعندما التقوا بحذيفة بن اليمان وطارق وغيرهما.. ~~قالوا لهم إن كنتم مؤمنين حقا لماذا انهزمتم فارجعوا إلى ديننا واتركوا ~~دين محمد.. فقال لهم حذيفة ماذا يقول دينكم في نقض العهد؟.. يقصد ما ~~تقوله التوراة في نقض اليهود ولعهودهم مع الله ومع موسى.. ثم قال أنا لن ~~أنقض عهدي مع محمد ما حييت.. أما عمار فقال.. لقد آمنت بالله ربا ~~وآمنت بمحمد رسولا وآمنت بالكتاب إماما وآمنت بالكعبة قبلة وآمنت ~~بالمؤمنين إخوة وسأظل على هذا ما حييت. وبلغ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما قاله حذيفة وطارق بن ياسر فسر بذلك ولكن اليهود كانوا ~~يستغلون ما حدث في أحد ليهزموا العقيدة الإيمانية في قلوب المسلمين كما ~~استغلوا تحويل القبلة من بيت المقدس ms0352 إلى الكعبة ليهزوا الإيمان في القلوب ~~وقالوا إذا كانت القبلة تجاه بيت المقدس باطلة فلماذا اتجهتم إليها، وإذا ~~كانت صحيحة فلماذا تركتموها، فنزل قول الله تعالى: { ود كثير من ~~أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم } ~~[البقرة: 109]. انظر إلى دقة التعبير القرآني في قوله تعالى: { من ~~أهل الكتاب } [البقرة: 109].. فكأن بعضهم فقط هم الذين كانوا ~~يحاولون رد المؤمنين عن دينهم.. ولكن كانت هناك قلة تفكر في الإيمان ~~بمحمد عليه الصلاة والسلام.. ولو أن الله جل جلاله حكم على كل أهل الكتاب ~~لسد الطريق أمام هذه القلة أن يؤمنوا.. أي أن أهل الكتاب من اليهود يحبون ~~أن يردوكم عن دينكم وهؤلاء هم الكثرة.. لأن الله تعالى قال: { ود ~~كثير من أهل الكتاب } [البقرة: 109]. وقوله تعالى: { من ~~بعد إيمانكم كفارا } [البقرة: 109].. كفارا بماذا؟.. بما ~~آمنتم به أو بما يطلبه منكم دينكم.. وهم لا يفعلون ذلك عن مبدأ أو عقيدة ~~أو لصالحكم ولكن: { حسدا من عند أنفسهم } [البقرة: 109].. ~~فدينهم يأمرهم بعكس ذلك.. يأمرهم أن يؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # . ولذلك فهم لا ينفذون ما تأمرهم به التوراة حينما يرفضون الإيمان ~~بالإسلام.. والذي يدعوهم إلى أن يحاولوا ردكم عن دينكم هو الحسد.. والحسد ~~هو تمني زوال النعمة عمن تكره.. وقوله تعالى: { حسدا من عند ~~أنفسهم } [البقرة: 109].. أي هذه المسألة من ذواتهم لأنهم يحسدون ~~المسلمين على نعمة الإيمان.. ويتمنون زوال هذه النعمة.. التي جعلت من ~~المسلمين إخوانا متحابين متكاتفين مترابطين.. بينما هم شيع وأحزاب.. ~~وهناك حسد يكون من منطق الدين وهذا مباح.. ولذلك يقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق ~~ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس ". # فكأن الحسد حرام في غير هاتين الحالتين.. فكأن هؤلاء اليهود يحسدون ~~المسلمين على دينهم.. وهذا الحسد من عند أنفسهم لا تقره التوراة ولا ~~كتبهم.. وقوله سبحانه: { من بعد ما تبين لهم الحق } ~~[البقرة: 109].. أي بعد ما تأكدوا من التوراة من ms0353 شخصية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأنه النبي الخاتم. وقوله تعالى: { فاعفوا ~~واصفحوا حتى يأتي الله بأمره } [البقرة: 109].. ما ~~هو العفو وما هو الصفح؟.. يقال عفت الريح الأثر أي مسحته وأزالته.. ~~فالإنسان حين يمشي على الرمال تترك قدمه أثرا فتأتي الريح وتعفو الأثر ~~أي تزيله.. ولذلك فإن العفو أن تمحو من نفسك أثر أي إساءة وكأنه لم يحدث ~~شيء.. والصفح يعني طي صفحات هذا الموضوع لا تجعله في بالك ولا تجعله ~~يشغلك.. وقوله تعالى: { حتى يأتي الله بأمره } [البقرة: ~~109].. أن هذا الوضع بالنسبة لليهود وما يفعلونه في المؤمنين لن يستمر ~~لأن الله سبحانه قد أعد لهم أمرا ولكن هذا الأمر لم يأت وقته ولا ~~أوانه.. وعندما يأتي سيتغير كل شيء.. لذلك يقول الله للمؤمنين لن تظلوا ~~هكذا.. بل يوم تأخذونهم فيه بجرائمهم ولن يكون هذا اليوم بعيدا.. عندما ~~يقول الله سبحانه: { حتى يأتي الله بأمره } [البقرة: ~~109].. فلابد أن أمر الله آت.. لأن هذه قضية تتعلق بجوهر الإيمان كله.. ~~فلا يقال أبدا حتى يأتي الله بأمره ثم لا يجيء هذا الأمر.. بل أمر الله ~~بلا شك نافذ وسينصركم عليهم.. وقوله تعالى: { إن الله على كل ~~شيء قدير } [البقرة: 109].. أن الله له طلاقة القدرة في ملكه.. ~~ولذلك إذا قال إنه سيأتي بأمر فسيتحقق هذا الأمر حتما وسيتم.. ولا توجد ~~قدرة في هذا الكون إلا قدرة الله سبحانه.. ولا قوة إلا قوته جل جلاله.. ~~ولا فعل إلا ما أراد. ### || [2.110] # بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أن أقصى أماني أهل الكتاب أن يردونا ~~كفارا، وأن هذا حسد منهم. أراد الله تبارك وتعالى أن يبين لنا ما الذي ~~يكرهه أهل الكتاب.. وقال إن الذي يتعبهم ميزان العدل والحق الذي نتبعه.. ~~منهج الله سبحانه وتعالى.. ولذلك يأمر الله المؤمنين أن يثبتوا ويتمسكوا ~~بالإيمان، وأن يقبلوا على التكليف فهذا أحسن رد عليهم.. والتكاليف التي ~~جاء بها الإسلام منها تكليفات لا تتطلب إلا وقتا من الزمن وقليلا من ~~الفعل كشهادة أن لا إله إلا الله وأن ms0354 محمدا رسول الله وإيتاء الزكاة ~~وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. إن شهادة لا إله إلا الله ~~تقال مرة في العمر.. والزكاة والصوم مرة كل عام.. والحج للمستطيع مرة في ~~العمر.. ولكن هناك من العبادات ما يتكرر كل يوم ليعطي المؤمن شحنة اليقين ~~والإيمان ويأخذه من دنياه بالله أكبر خمس مرات في اليوم.. وهذه هي ~~العبادة التي لا تسقط أبدا.. والإنسان سليم والإنسان مريض.. فالمؤمن ~~يستطيع أن يصلي واقفا وأن يصلي جالسا وأن يصلي راقدا.. وأن يجري مراسم ~~الصلاة على قلبه.. لذلك كانت هذه أول عبادة تذكر في قوله تعالى: { ~~وأقيموا الصلاة } [البقرة: 110] أي والتفتوا إلى نداءات ربكم ~~للصلاة.. وعندما يرتفع صوت المؤذن بقوله الله أكبر فهذه دعوة للإقبال على ~~الله.. إقبال في ساعة معلومة لتقفوا أمامه سبحانه وتعالى وتكونوا في ~~حضرته يعطيكم الله المدد.. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا حزبه أمر صلى " # ومعنى حزبه أمر.. أي ضاقت به أسبابه فلم يجد مخرجا ولا طريقا إلا أن ~~يلجأ إلى الله.. إذا حدث هذا يتوضأ الإنسان ويصلي ركعتين غير الفريضة.. ~~ثم يدعو ما يشاء فيفرج الله كربه.. إذن: { وأقيموا الصلاة } ~~[البقرة: 110] هي الرد المناسب على كل محاولاتهم ليسلبوكم دينكم.. ذلك أن ~~هذا التكليف المقرر لإعلان الولاء الإيماني لله كل يوم خمس مرات.. نترك ~~كل ما في الدنيا ونتجه إلى الله بالصلاة.. إنها عماد الدين وأساسه. وقوله ~~تعالى: { وآتوا الزكاة } [البقرة: 110].. إيتاء الزكاة لا يحدث ~~إلا إذا كان لدينا ما هو زائد عن حاجتنا.. فكأن الله سبحانه وتعالى ~~يريدنا أن نضرب في الأرض لنكسب حاجتنا وحاجة من نعول ونزيد.. وبذلك يخرج ~~المسلمون من سيطرة اليهود الاقتصادية التي يستذلون بها المسلمين. فالمؤمن ~~حين يأتي الزكاة معناه أن حركته اتسعت لتشمل حاجته وحاجة غيره.. ولذلك ~~حتى الفقير يجد في الزائد في أموال المسلمين ما يكفي حاجته. # . فلا يذهب إلى اليهودي ليقترض بالربا.. ولذلك فالله سبحانه وتعالى يريد ~~أن يتكامل المسلمون.. بحيث تكفي أموالهم غنيهم وفقيرهم والقادر على العمل ms0355 ~~منهم وغير القادر. والله تبارك وتعالى يزيد أموال المسلمين بأكثر مما ~~يخرج منها من زكاة.. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد ~~لله إلا رفعه الله " # وقد سميت " الزكاة " لأنها في ظاهرها نقص وفي حقيقتها زيادة.. والربا ~~ظاهره زيادة وحقيقته نقص.. وفي ذلك يقول الله جل جلاله: # يمحق الله الربا ويربي الصدقات.. # [البقرة: 276]. ثم يقول الحق سبحانه: { وما تقدموا لأنفسكم ~~من خير تجدوه عند الله } [البقرة: 110].. إذن لابد أن ~~يطمئن المؤمن لأن حركة حياته هي ثواب وأجر عند الله تبارك وتعالى.. فإذا ~~صلى فله أجر وإذا زكى فله أجر، وإذا تصدق فله أجر، وإذا صام فله أجر، ~~وإذا حج فله أجر، كل ما يفعله من منهج الله له أجر، وليس أجرا بقدر ~~العمل، بل أضعاف العمل.. وإقرأ قوله تعالى: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم # [البقرة: 261]. وهكذا نعرف أن كل حركة في منهج الله ليس فقط لها أجر عند ~~الله سبحانه وتعالى.. ولكنه أجر مضاعف أضعافا مضاعفة.. وهو أجر ليس ~~بقدرات البشر ولكنه بقدرة الله سبحانه.. ولذلك فهو ليس مضاعفا فقط في ~~عدد المرات ولكنه مضاعف في القدرة أيضا.. فكأن كل إنسان غير مؤمن لا أجر ~~له في الآخرة.. وإذا أعطي في الدنيا يعطى عطاء المثل.. ولكن المؤمن ~~وحده له عطاء الآخرة أضعافا مضاعفة.. وهو عطاء ليس زائلا كعطاء الدنيا ~~ولكنه باق وخالد. والخير الذي تفعله لن تدخره عندك أو عند من قد ينكره.. ~~ويقول لا شيء لك عندي ولكن الله سيدخره لك.. فانظر إلى الاطمئنان والعمل ~~في يد الله الأمينة، وفي مشيئته التي لا يغفل عنها شيء، وفي قدرته التي ~~تضاعف أضعافا مضاعفة.. وتجده في الوقت الذي تكون في أحوج اللحظات إليه ~~وهو وقت الحساب. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { إن الله بما ~~تعملون بصير ms0356 } [البقرة: 110].. أي لا تعتقد أن هناك شيئا يخفى ~~على الله، أو أن أحدا يستطيع أن يخدع الله فالله سبحانه وتعالى بصير بكل ~~شيء.. ليس بالظاهر منك فقط.. ولكن بما تخفيه في نفسك ولا تطلع عليه أحدا ~~من خلق الله، إنه يعلم كل شيء واقرأ قوله سبحانه وتعالى: # ربنآ إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى ~~على الله من شيء في الأرض ولا في السمآء # [إبراهيم: 38]. وهكذا نطمئن إلى أن الله بصير بكل شيء، وانظر إلى قوله ~~جل جلاله: " تعملون " لتفهم أهمية العمل. ### || [2.111] # بعد أن بين الحق تبارك وتعالى كيف أن كل عمل في منهج الله له أجر، ~~وأجر باق وثابت ومضاعف عند الله ومحفوظ بقدرة الله سبحانه.. أراد أن يرد ~~على ادعاءات اليهود والنصارى الذين يحاولون أن يثيروا اليأس في قلوب ~~المؤمنين بالكذب والإحباط علهم ينصرفون عن الإسلام.. لذلك فقد أبلغنا ~~الله سبحانه بما افتروه. واقرأ قوله تعالى: { وقالوا لن يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى } [البقرة: 111].. ~~وفي هذه الآية الكريمة يظهر التناقض بين أقوال اليهود والنصارى.. ولقد ~~أوردنا كيف أن اليهود قد قالوا { لن يدخل الجنة إلا من ~~كان هودا } [البقرة: 111].. وقالت النصارى: " لن يدخل الجنة إلا من ~~كان نصرانيا ".. والله سبحانه وتعالى يفضح التناقض في آية ستأتي في قوله ~~تبارك وتعالى: # وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شيء.. # [البقرة: 113]. ومعنى ذلك أنهم تناقضوا في أقوالهم، فقالت النصارى: إنهم ~~سيدخلون الجنة وحدهم، وقالت اليهود القول نفسه. ثم قالوا: لن يدخل الجنة ~~إلا من كان يهوديا أو نصرانيا.. ثم قالت اليهود ليست النصارى على شيء ~~وقالت النصارى ليست اليهود على شيء. ويقول الناس إذا كنت كذوبا فكن ~~ذكورا ذلك أن الذي يكذب تتناقض أقواله لأنه ينسى ما دام قد قال غير ~~الحقيقة، ولذلك تجد أن المحقق أو القاضي يظل يسأل المتهم أسئلة مختلفة.. ~~حتى تتناقض أقواله فيعرف أنه يكذب.. فأنت إذا رويت الواقعة كما حدثت فإنك ~~ترويها مائة مرة دون أي ms0357 خلاف في التفاصيل. ولكنك إذا كذبت تتناقض مع ~~نفسك.. والله سبحانه وتعالى يقول: { تلك أمانيهم } [البقرة: ~~111].. ما هي الأماني؟.. هي أن تعلق نفسك بأمنية وليس لهذه الأمنية سند ~~من الواقع يوصلك إلى تحقيق هذه الأمنية.. ولكن إذا كان التمني قائما على ~~عمل يوصلك إلى تحقيق الأمنية فهذا شيء آخر. بعض الناس يقول التمني وإن لم ~~يتحقق فإنه يروح عن النفس.. فقد ترتاح النفس عندما تتعلق بأمل كاذب ~~وتعيش أياما في نوع من السعادة وإن كانت سعادة وهمية.. نقول إن الصدمة ~~التي ستلحق بالإنسان بعد ذلك ستدمره.. ولذلك لا يكون في الكذب أبدا ~~راحة.. فأحلام اليقظة لا تتحقق لأنها لا تقوم على أرضية من الواقع وهي لا ~~تعطي الإنسان إلا نوعا من بعد عن الحقيقة.. ولذلك يقول الشاعر: # منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى # وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # يعني الأماني لو كانت حقيقة أو تستند إلى الحقيقة فإنها أحسن الأماني ~~لأنها تعيش معك. # . فإن لم تكن حقيقة يقول الشاعر: # فقد عشنا بها زمنا رغدا # أماني من ليلى حسان كأنما # سقتنا بها ليلى على ظمأ بردا # وقوله تعالى: { تلك أمانيهم } [البقرة: 111] تبين لنا أن ~~الأماني هي مطامع الحمقى لأنها لا تتحقق.. والحق سبحانه يقول: { قل ~~هاتوا برهانكم } [البقرة: 111].. وما هو البرهان؟.. البرهان هو ~~الدليل.. ولا تطلب البرهان إلا من إنسان وقعت معه في جدال واختلفت وجهات ~~النظر بينك وبينه.. ولا تطلب البرهان إلا إذا كنت متأكدا أن محدثك ~~كاذب.. وأنه لن يجد الدليل على ما يدعيه. هب أن شخصا ادعى أن عليك مالا ~~له.. وطلب منك أن تعيده إليه وأنت لم تأخذ منه مالا.. في هذه الحالة ~~تطلب منه تقديم الدليل.. فالكمبيالة التي كتبتها له أو الشيك أو إيصال ~~الأمانة.. وأضعف الإيمان أن تطلب منه شهودا على أنك أخذت منه المال.. ~~ولكن قبل أن تطالبه بالدليل.. يجب أن تكون واثقا من نفسك وأنه فعلا ~~يكذب وأنك لم تأخذ منه شيئا. إذن فقول الحق سبحانه: { هاتوا ~~برهانكم } [البقرة: 111].. كلام من ms0358 الله يؤكد أنهم كاذبون.. وأنهم ~~لو أرادوا أن يأتوا بالدليل.. فلن يجدوا في كتب الله ولا في كلام رسله ما ~~يؤكد ما يدعونه، وإن أضافوه يكن هذا افتراء على الله ويكن هناك الدليل ~~الدامغ على أن هذا ليس من كلام الله ولكنه من افتراءاتهم. إذن فليس هناك ~~برهان على ما يقولونه.. ولو كان هناك برهان ولو كان في هذا الكلام ولو ~~جزءا من الحقيقة.. ما كان الله سبحانه وتعالى يطالبهم بالدليل. إذن لا ~~تقول هاتوا برهانكم إلا إذا كنت واثقا أنه لا برهان على ما يقولون لأنك ~~رددت الأمر إليه فيما يدعيه.. وهو يحب أن يثبته ويفعل كل شيء في سبيل ~~الحصول على برهان.. ولا يمكن أن يقول الله: { هاتوا برهانكم } ~~[البقرة: 111].. إلا وهو سبحانه يعلم أنهم يكذبون.. ولذلك قال: { إن ~~كنتم صادقين } [البقرة: 111].. أي إن كنتم واثقين من أن ما ~~تقولونه صحيح لأن الله يعرف يقينا أنكم تكذبون. ### || [2.112] # بعد أن بين لنا الله تبارك وتعالى كذب اليهود وطالبهم بالدليل على ~~ما قالوه من أنه لن يدخل الجنة إلا اليهود والنصارى جاء بحقيقة القضية ~~ليخبرنا جل جلاله من الذي سيدخل الجنة.. فقال: " بلى ".. وعندما تقرأ: " ~~بلى " اعلم أنها حرف جواب ولابد أن يسبقها كلام ونفي.. فساعة يقول لك ~~إنسان ليس لي عليك دين.. إذا قلت له نعم فقد صدقت أنه ليس عليه دين.. ~~ولكن إذا قلت بلى فذلك يعني أن عليه دينا وأنه كاذب فيما قاله.. إذن بلى ~~تأتي جوابا لتثبت نفي ما تقدم. هم قالوا # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة: 111].. عندما يقول الله لهم " بلى " فمعنى ذلك أن هذا الكلام ~~غير صحيح.. وأنه سيدخلها غير هؤلاء.. وليس معنى أنه سيدخلها غير اليهود ~~والنصارى.. أن كل يهودي وكل نصراني سيدخل الجنة.. لأن الله سبحانه وتعالى ~~قد حكم حينما جاء الإسلام بأن الذي لا يسلم لا يدخل الجنة.. واقرأ قوله ~~جل جلاله: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين ms0359 # [آل عمران: 85]. لماذا لم يقل الله سبحانه وتعالى.. أنه لن يدخلها ~~اليهود ولا النصارى.. لأن القرآن أزلي.. ما معنى أزلي؟.. أي أنه يعالج ~~القضايا منذ بداية الخلق وحتى يوم القيامة.. فالقرآن كلام الله تبارك ~~وتعالى.. فلو أنه قال لن يدخل الجنة إلا من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~لكان في هذا تجاوز.. لأن هناك من آمن بموسى وقت رسالته وعاصره واتبعه ~~وحسن دينه ومات قبل أن يدرك محمدا عليه الصلاة والسلام.. فهل هذا لا ~~يدخل الجنة ويجازى بحسن عمله.. وهناك من النصارى من آمن بعيسى وقت ~~حياته.. وعاصره ونفذ تعاليمه ومنهجه ثم مات قبل أن يبعث محمد عليه ~~الصلاة والسلام.. أهذا لن يدخل الجنة؟.. لا.. يدخل وتكون منزلته حسب عمله ~~ويجازى بأحسن الجزاء.. ولكن بعد أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وجاء ~~الإسلام ونزل القرآن، فكل من لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم لن ~~يدخل الجنة.. بل ولن يراها.. ولذلك جاء كلام الله دقيقا لم يظلم أحدا ~~من خلقه. إذن فقوله تعالى: { بلى من أسلم وجهه لله ~~وهو محسن } [البقرة: 112].. أي لا يدخل الجنة إلا من أسلم وجهه ~~لله وهو محسن.. فقد يسلم واحد وجهه لله ويكون منافقا يظهر غير ما يبطن.. ~~نقول إن المنافقين لم يكونوا محسنين ولكنهم كانوا مسيئين. # . لأن لهم شخصيتين شخصية مؤمنة أمام الناس وشخصية كافرة في الحقيقة أو ~~في قلوبهم. قوله تعالى: { من أسلم وجهه لله } [البقرة: 112] ~~تدلنا على أن كل شيء أسلم لله لأن الوجه هو أشرف شيء في الإنسان.. فيه ~~التمييز وفيه السمة وفيه التشخص وهو أعلى ما في الجسم.. وحينما عرفوا ~~الإنسان قالوا حيوان ناطق أي حيوان مفكر.. وقال بعضهم حيوان مستوي القامة ~~يعني قامته مرفوعة.. والقامة المرفوعة على بقية الجسم هي الوجه.. ~~والإنسان مرفوع على بقية أجناس الأرض.. إذن هو مرفوع على بقية الأجناس ~~ووجهه مرفوع عليه.. فإذا أسلم وجهه لله يكون قد أسلم أشرف شيء فيه لله.. ~~ولذلك قيل.. أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد.. ms0360 لماذا؟.. لأنه جاء ~~بالوجه الذي رفعه الله به وكرمه.. وجعله مساويا لقدميه ليستوي أكمل شيء ~~فيه بأدنى شيء.. فلم يبقى عنده شيء يختال به على الله. الحق سبحانه ~~وتعالى يقول: { فله أجره عند ربه } [البقرة: 112].. كلمة " ~~أجره عند ربه ".. دلت على أن الله لم يجعلنا مقهورين.. ولكنه كلفنا ~~وجعلنا مختارين أن نفعل أو لا نفعل.. فإن فعلنا فلنا أجر.. ولأن التكليف ~~من الله سبحانه وتعالى فالمنطقي أن يكون الأجر عند الله.. وألا يوجد خوف ~~أو حزن.. لأن الخوف يكون من شيء سيقع.. والحزن يأتي على شيء قد وقع.. ولا ~~هذه ولا تلك تحدث عندما يكون أجرنا عند الله. إن الإنسان حين يكون له حق ~~عند مساويه.. فربما يخاف أن ينكر المساوي هذا الحق أو يطمع فيه، أو يحتاج ~~إليه فيدعي عدم أحقيته فيه، ولكن الله سبحانه وتعالى غني عن ~~العالمين.. ولذلك فهو لا يطمع فيما في أيدينا من خير لأنه من عنده.. ولا ~~يطمع فيما معنا من مال لأن عنده خزائن السموات والأرض. الله سبحانه لا ~~ينكر حقا من حقوقنا لأنه يعطينا من فضله ويزيدنا.. ولذلك فإن ما عند ~~الله لا خوف عليه بل هو يضاعف ويزداد.. وما عند الله لا حزن عليه.. لأن ~~الإنسان يحزن إذا فاته خير.. ولكن ما عند الله باق لا يفوتك ولا تفوته.. ~~فلا يوجد شيء عند الله سبحانه وتعالى تحزن عليه لأنه فات.. ولذلك كان قول ~~الحق سبحانه وتعالى: { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ~~[البقرة: 112].. أدق ما يمكن أن يقال عن حالة المؤمنين في الآخرة.. إنهم ~~يكونون فرحين بما عند الله لا خوف عندهم ولا حزن. ### || [2.113] # نقول إن أصدق ما قاله اليهود والنصارى.. هو أن كل طائفة منهم اتهمت ~~الأخرى بأنها ليست على شيء.. فقال اليهود ليست النصارى على شيء وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شيء.. والعجيب إن الطائفتين أهل كتاب.. اليهود ~~أهل كتاب والنصارى أهل كتاب.. ومع ذلك كل منهما يتهم الآخر بأنه لا إيمان ~~له وبذلك تساوى مع المشركين الذين ms0361 يقولون إن أهل الكتاب ليسوا على شيء.. ~~أي أن المشركين يقولون اليهود ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء.. ~~واليهود يقولون المشركون ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء.. ثم يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { كذلك قال الذين لا يعلمون مثل ~~قولهم } [البقرة: 113].. وبذلك أصبح لدينا ثلاث طوائف يواجهون ~~الدعوة الإسلامية.. طائفة لا تؤمن بمنهج سماوي ولا برسالة إلهية وهؤلاء ~~هم المشركون.. وطائفتان لهم إيمان ورسل وكتب هم اليهود والنصارى.. ولذلك ~~قال الحق سبحانه وتعالى: { كذلك قال الذين لا يعلمون ~~مثل قولهم } [البقرة: 113].. أي الذين لا يعلمون دينا ولا ~~يعلمون إلها ولا يعلمون أي شيء عن منهج السماء.. اتحدوا في القول مع ~~اليهود والنصارى وأصبح قولهم واحدا. وكان المفروض أن يتميز أهل الكتاب ~~الذين لهم صلة بالسماء وكتب نزلت من الله ورسل جاءتهم للهداية.. كان من ~~المفروض أن يتميزوا على المشركين.. ولكن تساوى الذين يعلمون والذين لا ~~يعلمون.. وهذا معنى قوله تعالى: { كذلك قال الذين لا ~~يعلمون مثل قولهم } [البقرة: 113].. وما دامت الطوائف ~~الثلاث قالوا على بعضهم نفس القول.. يكون حجم الخلاف بينهم كبيرا وليس ~~صغيرا.. لأن كل واحد منهم يتهم الآخر أنه لا دين له. هذا الخلاف الكبير ~~من الذي يحكم فيه؟ لا يحكم فيه إلا الله.. فهو الذي يعلم كل شيء.. وهو ~~سبحانه القادر على أن يفصل بينهم بالحق.. ومتى يكون موعد هذا الفصل أو ~~الحكم؟ أهو في الدنيا؟ لا.. فالدنيا دار اختبار وليست دار حساب ولا ~~محاسبة ولا فصل في قضايا الإيمان.. ولذلك فإن الحكم بينهم يتم يوم ~~القيامة وعلى مشهد من خلق الله جميعا. والحق سبحانه وتعالى يقول: { ~~فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون } [البقرة: 113].. ومعنى الحكم هنا ليس هو بيان ~~المخطئ من المصيب فالطوائف الثلاث مخطئة.. والطوائف الثلاث في إنكارها ~~للإسلام قد خرجت عن إطار الإيمان.. ويأتي الحكم يوم القيامة ليبين ذلك ~~ويواجه المخالفين بالعذاب. ### || [2.114] # فالحق جل جلاله بعد أن بين لنا موقف اليهود والنصارى والمشركين من ~~بعضهم البعض ومن الإسلام، وكيف ms0362 أن هذه الطوائف الثلاث تواجه الإسلام ~~بعداء ويواجه بعضها البعض باتهامات.. فكل طائفة منها تتهم الأخرى أنها ~~على باطل.. أراد أن يحذرهم تبارك وتعالى من الحرب ضد الإسلام ومحاربة هذا ~~الدين فقال: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن ~~يذكر فيها اسمه } [البقرة: 114].. مساجد الله هي الأماكن التي ~~يتم فيها السجود لله.. والسجود علامة الخضوع وعلامة العبودية كما ~~بينا.. لأنك تضع أشرف شيء فيك وهو وجهك على الأرض خضوعا لله وخشوعا ~~له. قبل الإسلام كان لا يمكن أن يصلي أتباع أي دين إلا في مكان خاص ~~بدينهم.. مكان مخصص لا تجوز الصلاة إلا فيه.. ثم جاء الله بالإسلام فجعل ~~الأرض كلها مسجدا وجعلها طهورا.. ومعنى أن تكون الأرض كلها مسجدا هو ~~توسيع على عباد الله في مكان التقائهم بربهم وفي أماكن عبادتهم له حتى ~~يمكن أن تلتقي بالله في أي مكان وفي أي زمان.. لأنه لا يحدد لك مكانا ~~معينا لا تصح الصلاة إلا فيه.. وأنت إذا أردت أن تصلي ركعتين لله بخلاف ~~الفرض.. مثل صلاة الشكر أو صلاة الاستخارة أو صلاة الخوف.. أو أي صلاة من ~~السنن التي علمها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فإنك تستطيع أن ~~تؤديها في أي وقت.. فكأنك تلتقي بالله سبحانه أين ومتى تحب. وما دام الله ~~تبارك وتعالى أنعم على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى أمته بأن جعل لهم ~~الأرض مسجدا طهورا فإنما يريد أن يوسع دائرة التقاء العباد بربهم.. ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي. نصرت بالرعب ~~مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي ~~أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ~~وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى ~~الناس عامة " # ولكن لماذا خص الله أمة محمد بهذه النعمة؟ لأن الإسلام جاء على موعد مع ~~ارتقاءات العقل وطموحات الدنيا.. كلما ارتقى العقل في علوم الدنيا كشف ~~قوانين وتغلب على عقبات.. وجاء بمبتكرات ms0363 ومخترعات تفتن عقول الناس.. ~~وتجذبهم بعيدا عن الدين فيعبدون الأسباب بدلا من خالق الأسباب. يريد ~~الحق تبارك وتعالى أن يجعل عبادتهم له ميسرة دائما حتى يعصمهم من ~~هذه الفتنة.. وهو جل جلاله يريدنا حين نرى التليفزيون مثلا ينقل الأحداث ~~من أقصى الأرض إلى أقصاها ومن القمر إلى الأرض في نفس لحظة حدوثها. # . أن نسجد لله على نعمه التي كشف لنا عنها في أي مكان نكون فيه.. فخصائص ~~الغلاف الجوي موجودة في الكون منذ خلق الله السماوات والأرض.. لم يضعها ~~أحد من خلق الله في كون الله هذه الأيام.. ولكنها خلقت مع خلق ~~الكون.. وشاء الله ألا ندرك وجودها ونستخدمها إلا هذه الأيام.. فلابد ~~أن نسجد لله شكرا على نعمه التي كشفت لنا أسرارا في الكون لم نكن ~~نعرفها.. وهذه الأسرار تبين لنا دقة الخلق وتقربنا إلى قضايا الغيب. فإذا ~~قيل لنا إن يوم القيامة سيقف خلق الله جميعا وهم يشاهدون الحساب.. وإن ~~كل واحد منهم سيرى الحساب لحظة حدوثه.. لا تتعجب ونقول هذا مستحيل.. لأن ~~أحداث العالم الهامة نراها الآن كلها لحظة حدوثها ونحن في منتهى الراحة.. ~~ونحن جالسون في منازلنا أمام التليفزيون.. أي أننا نراها جميعا في وقت ~~واحد دون جهد.. فإذا كانت هذه هي قدرات البشر للبشر.. فكيف بقدرات خالق ~~البشر للبشر؟. عندما نرى أسرار قوانين الله في كونه.. لابد أن نسجد لعظمة ~~الخالق سبحانه وتعالى، الذي وضع كل هذا العلم والإعجاز في الكون.. وهذا ~~السجود يقتضي أن تكون الأرض كلها مساجد حتى يمكنك وأنت في مكانك أن تسجد ~~لله شكرا.. ولا تضطر للذهاب إلى مكان آخر قد يكون بعيدا أو الطريق إليه ~~شاقا فينسيك هذا شكر الله والسجود له.. فالله سبحانه وتعالى شاء أن يوسع ~~على المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم دائرة الالتقاء بربهم لأن ~~هناك أشياء ستأتي الرسالة المحمدية في موعد كشفها لخلق الله.. وكلما ~~انكشف سر من أسرار الوجود اغتر الإنسان بنفسه.. وما دام الغرور قد دخل ~~إلى النفس البشرية.. فلابد أن يجعل ms0364 الله في الكون ما يعدل هذا الغرور. ~~لقد كانت الأمور عكس ذلك قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم.. كانت الأمور ~~فطرية فإذا امتنعت الأمطار ونضبت العيون والآبار.. لم يكن أمامهم إلا أن ~~يتوجهوا إلى السماء بصلاة الاستسقاء.. وكذلك في كل أمر يصعب عليهم ~~مواجهته.. ولكن الآن بعد أن كشف الله لخلقه عن بعض أسراره في كونه.. ~~أصبحت هناك أكثر من وسيلة يواجه بها الإنسان عددا من أزمات الكون.. هذه ~~الوسائل قد جعلت البشر يعتقدون أنهم قادرون على حل مشكلاتهم.. بعيدا عن ~~الله سبحانه وتعالى وبجهودهم الخاصة.. فبدأ الاعتماد على الخلق بدلا من ~~الاعتماد على الحق.. ولذلك نزل قول الحق سبحانه وتعالى: # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها ~~كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من ~~يشآء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل ~~شيء عليم * في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه.. # [النور: 35-36]. ما هي هذه البيوت التي يرى فيها الناس نور الله تبارك ~~وتعالى؟ هي المساجد.. فعمار المساجد وزوارها الدائمون على الصلاة ~~فيها هم الذين يرون نور الله.. فإذا أتى قوم يجترئون عليها ويمنعون أن ~~يذكر اسم الله فيها.. فمعنى ذلك أن المؤمنين القائمين على هذه المساجد ~~ضعفاء الإيمان ضعفاء الدين تجرأ عليهم أعداؤهم.. لأنهم لو كانوا أقوياء ~~ما كان يجرؤ عدوهم على أن يمنع ذكر اسم الله في مساجد الله.. أو أن يسعى ~~إلى خرابها فتهدم ولا تقام فيها صلاة الجمعة.. ولكن ساعة يوجد من ~~يخرب بيتا من بيوت الله.. يهب الناس لمنعه والضرب على يده يكون الإيمان ~~قويا.. فإن تركوه فقد هان المؤمنون على عدوهم.. لماذا؟ لأن الكافر الذي ~~يريد أن يطفئ مكان إشعاع نور الله لخلقه.. يعيش في حركة الشر في الوجود ~~التي تقوى وتشتد كلما استطاع غير المؤمنين أن يمنعوا ذكر اسم الله في ~~بيته وأن يخربوه. ms0365 وقول الحق سبحانه وتعالى: { أولئك ما كان ~~لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين } [البقرة: 114].. أي أن ~~هؤلاء الكفار ما كان يصح لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين أن يفتك ~~بهم المؤمنون من أصحاب المسجد والمصلين فيه.. فإذا كانوا قد دخلوا غير ~~خائفين.. فمعنى ذلك أن وازع الإيمان في نفوس المؤمنين قد ضعف. قوله ~~تعالى: { ومن أظلم } [البقرة: 114].. معناها أنه لا يوجد أحد أظلم ~~من ذلك الذي يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه.. أي أن هذا هو الظلم ~~العظيم.. ظلم القمة.. وقوله تعالى: { وسعى في خرابهآ } [البقرة: ~~114].. أي في إزالتها أو بقائها غير صالحة لأداء العبادة.. والسعي في ~~خراب المسجد هو هدمه. ويختم الحق سبحانه الآية الكريمة بقولة: { لهم ~~في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم } ~~[البقرة: 114].. أي لن يتركهم الله في الدنيا ولا في الآخرة.. بل يصيبهم ~~في الدنيا خزي.. والخزي هو الشيء القبيح الذي تكره أن يراك عليه الناس.. ~~قوله تعالى: { لهم في الدنيا خزي } [البقرة: 114].. هذا مظهر ~~غيرة الله على بيوته.. وانظر إلى ما أذاقهم الله في الدنيا بالنسبة ليهود ~~المدينة الذين كانوا يسعون في خراب مساجد الله.. لقد أخذت أموالهم وطردوا ~~من ديارهم.. هذا حدث.. وهذا معنى قوله تعالى الخزي في الدنيا.. أما في ~~الآخرة فإن أعداء الله سيحاسبون حسابا عسيرا لتطاولهم على مساجد الله ~~سبحانه، ولكن في الوقت نفسه فإن المؤمنين الذين سكتوا على هذا وتخاذلوا ~~عن نصرة دين الله والدفاع عن بيوت الله.. سيكون لهم أيضا عذاب أليم. ~~إنني أحذر كل مؤمن أن يتخاذل أو يضعف أمام أولئك الذين يحاولون أن يمنعوا ~~ذكر الله في مساجده.. لأنه في هذه الحالة يكون مرتكبا لنفس ذنبهم وربما ~~أكثر.. ولا يتركه الله يوم القيامة بل يسوقه إلى النار. ### || [2.115] # بعد أن بين الله سبحانه وتعالى جزاء الذين يخربون مساجد الله ~~ويهدمونها.. ويمنعون أن يذكر فيها اسمه والعذاب الذي ينتظرهم في ~~الآخرة أراد أن يذكرنا بأن تنفيذ هذا على مستوى تام وكامل عملية مستحيلة ~~لأن الأرض كلها ms0366 مساجد.. وتخريبها معناه أن تخرب الأرض كلها.. لأن الله ~~تبارك وتعالى موجود في كل مكان فأينما كنتم فستجدون الله مقبلا عليكم ~~بالتجليات. وقوله تعالى: { فثم وجه الله } [البقرة: 115].. أي ~~هناك وجه الله.. وقوله تعالى: { إن الله واسع عليم } ~~[البقرة: 115].. أي لا تضيقوا بمكان التقاءاتكم بربكم لأن الله واسع ~~موجود في كل مكان في هذا الكون وفي كل مكان خارج هذا الكون.. ولكن إذا ~~قال الله سبحانه وتعالى: { ولله المشرق والمغرب } ~~[البقرة: 115] لا يعني تحديد جهة الشرق أو جهة الغرب فقط.. ولكنه يتعداها ~~إلى كل الجهات شرقها وغربها.. شمالها وجنوبها والشمال الشرقي والجنوب ~~الغربي وكل جهة تفكر فيها. ولكن لماذا ذكرت الآية الشرق والغرب فقط؟ لأن ~~بعد ذلك كل الجهات تحدد بشروق الشمس وغروبها.. فهناك شمال شرقي وجنوب ~~شرقي وشمال غربي وجنوب غربي.. كما إن الشرق والغرب معروف بالفطرة عند ~~الناس.. فلا أحد يجهل من أين تشرق الشمس ولا إلى أين تغرب.. فأنت كل يوم ~~ترى شروقا وترى غروبا. الله سبحانه وتعالى حين يقول: { ولله ~~المشرق والمغرب } [البقرة: 115] فليس معناها حصر الملكية ~~لهاتين الجهتين ولكنه ما يعرف بالاختصاص بالتقديم.. كما تقول بالقلم كتبت ~~وبالسيارة أتيت.. أي أن الكتابة هي خصوص القلم والإتيان خصوص السيارة.. ~~وهذا ما يعرف بالاختصاص.. فهذا مختص بكذا وليس لغيره شيء فيه.. ولذلك فإن ~~معنى: { ولله المشرق والمغرب } [البقرة: 115].. أن ~~الملكية لله سبحانه وتعالى لا يشاركه فيها أحد.. وتغيير القبلة من بيت ~~المقدس إلى الكعبة ليس معناه أن الله تبارك وتعالى في بيت المقدس ~~والاتجاه بعد ذلك إلى الكعبة ليس معناه إن الله جل جلاله في الكعبة. إن ~~توحيد القبلة ليس معناه أكثر من أن يكون للمسلمين اتجاه واحد في الصلاة.. ~~وذلك دليل على وحدة الهدف.. فيجب أن تفرق بين اتجاه في الصلاة واتجاه في ~~غير الصلاة.. اتجاه في الصلاة نكون جميعا متجهين إلى مكان محدد إختاره ~~الله لنا لنتجه إليه في الصلاة.. والناس تصلي في جميع أنحاء العالم متجهة ~~إلى الكعبة.. الكعبة مكانها واحد لا يتغير.. ولكن ms0367 اتجاهنا إليها من بقاع ~~الأرض هو الذي يتغير.. فواحد يتجه شمالا وواحد يتجه جنوبا وواحد يتجه ~~شرقا وواحد يتجه غربا. # . كل منا يتجه اتجاها مختلفا حسب البقعة التي يوجد عليها من الأرض.. ~~ولكننا جميعا نتجه إلى الكعبة رغم اختلاف وجهاتنا إلا أننا نلتقي في ~~اتجاهنا إلى مكان واحد. الله جل جلاله يريدنا أن نعرف أننا إذا قلنا: " ~~ولله المشرق " فلا نظن أن المشرق اتجاه واحد بل إن المشرق يختلف ~~باختلاف المكان.. فكل مكان في الأرض له مشرق وله مغرب.. فإذا أشرقت الشمس ~~في مكان فإنها في نفس الوقت تغرب في مكان آخر.. تشرق عندي وتغرب عند ~~غيري.. وبعد دقيقة تشرق عند قوم وتغرب عند آخرين.. فإذا نظرت إلى الشرق ~~وإلى الغرب بالنسبة لشروق الشمس الظاهري وغروبها.. تجد أن المشرق والمغرب ~~لا ينتهيان من على سطح الأرض.. في كل دقيقة شروق وغروب. وقوله تعالى: { ~~إن الله واسع عليم } [البقرة: 115].. أي يتسع لكل ملكه لا ~~يشغله شيء عن شيء.. ولذلك عندما سئل الإمام علي كرم الله وجهه.. كيف ~~يحاسب الله الناس جميعا في وقت واحد؟ قال كما يرزقهم جميعا في وقت ~~واحد.. إذن فالله لا يشغله شيء عن شيء.. ولا يحتاج في عمله إلى شيء.. ~~إنما عمله " كن فيكون ". ### || [2.116] # بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أن له كل شيء في الكون لا يشغله شيء ~~عن شيء.. أراد أن يرد على الذين حاولوا أن يجعلوا لله معينا في ملكه.. ~~الذين قالوا اتخذ الله ولدا.. الله تبارك وتعالى رد عليهم أنه لماذا ~~يتخذ ولدا وله ما في السماوات والأرض كل له قانتون.. وجاء الرد مركزا ~~في ثلاث نقاط.. قوله تعالى: " سبحانه " أي تنزه وتعالى أن يكون له ولد.. ~~وقوله تعالى: { له ما في السماوات والأرض } [البقرة: ~~116].. فإذا كان هذا ملكه وإذا كان الكون كله من خلقه وخاضعا له فما ~~حاجته للولد؟ وقوله سبحانه: { كل له قانتون } [البقرة: 116].. ~~أي كل من في السماوات والأرض عابدون لله جل جلاله مقرون بألوهيته. قضية ~~إن لله سبحانه ms0368 وتعالى ولدا جاءت في القرآن الكريم تسع عشرة مرة ومعها ~~الرد عليها.. ولأنها قضية في قمة العقيدة فقد تكررت وتكرر الرد عليها مرة ~~بعد أخرى.. وإذا نظرت للذين قالوا ذلك تجد أن هناك أقوالا متعددة.. هناك ~~قول قاله المشركون.. واقرأ القرآن الكريم: # ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله ~~وإنهم لكاذبون * أصطفى البنات على البنين # [الصافات: 151-153]. وقول اليهود كما يروي لنا القرآن: # وقالت اليهود عزير ابن الله.. # [التوبة: 30]. وقول النصارى: # وقالت النصارى المسيح ابن الله.. # [التوبة: 30]. ثم في قصة خلق عيسى عليه السلام من مريم بدون رجل.. الله ~~سبحانه وتعالى يقول: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا ~~إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ~~ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * إن ~~كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا # [مريم: 88-93]. والله سبحانه وتعالى يريدنا أن نعرف أن هذا ادعاء خطير ~~مستقبح مستنكر وممقوت.. لقد عالجت سورة مريم المسألة علاجا واسعا.. ~~علاجا اشترك فيه انفعال كل أجناس الكون غير الإنسان.. انفعال السماوات ~~والأرض والجبال وغيرها من خلق الله التي تلعن كل من قال ذلك.. بل وتكاد ~~شعورا منها بفداحة الجريمة أن تنفطر السماء أي تسقط قطعا صغيرة.. ~~وتنشق الأرض أي تتمزق.. وتخر الجبال أي تسقط كتراب.. كل هذا من هول ما ~~قيل ومن كذب ما قيل.. لأن هذا الادعاء افتراء على الله. ولقد جاءت كل هذه ~~الآيات في سورة مريم التي أعطتنا معجزة خلق عيسى.. كما وردت القضية في ~~عدة سور أخرى. والسؤال هنا ما هي الشبهة التي جعلتهم يقولون ولد الله؟ ما ~~الذي جعلهم يلجأون إلى هذا الافتراء؟ القرآن يقول عن عيسى بن مريم. # . كلمة الله ألقاها إلى مريم.. نقول لهم كلنا كلمة " كن ". لماذا فتنتم ~~في عيسى ابن مريم هذه الفتنة؟ والله سبحانه وتعالى يشرح المسألة فيقول: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59]. قوله كمثل آدم لمجرد ms0369 مجاراة الخصم.. ولكن المعجزة في ~~آدم أقوى منها في عيسى عليه السلام.. أنتم فتنتم في عيسى لأن عنصر الأبوة ~~ممتنع.. وآدم امتنع فيه عنصر الأبوة والأمومة.. إذن فالمعجزة أقوى.. وكان ~~الأولى أن تفتنوا بآدم بدل أن تفتنوا بعيسى.. ومن العجيب أنكم لم تذكروا ~~الفتنة في آدم وذكرتم الفتنة فيما فيه عنصر غائب من عنصرين غائبين في ~~آدم.. وكان من الواجب أن تنسبوا هذه القضية إلى آدم ولكنكم لم تفعلوا. ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم.. قال له الله إن القضية ليست قضية إنكار ~~ولكنها قضية كاذبة.. واقرأ قوله تبارك وتعالى: # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # [الزخرف: 81]. أي لن يضير الله سبحانه وتعالى أن يكون له ولد.. ولكنه جل ~~جلاله لم يتخذ ولدا.. فلا يمكن أن يعبد الناس شيئا لم يكن لله.. وإنما ~~ابتدعوه واختلقوه.. الله جل جلاله يقول: { وقالوا اتخذ الله ~~ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض } ~~[البقرة: 116].. قوله تعالى: { بل له ما في السماوات ~~والأرض } [البقرة: 116] تعطي الله سبحانه وتعالى الملكية لكل ما في ~~الكون.. والملكية تنافي الولدية.. لماذا؟ لأن الملكية معناها أن كل ما في ~~الكون من خلق الله.. كل شيء هو خالقه بدون معارض.. وما دام هو خالقه ~~وموجده.. فلا يمكن أن يكون هذا الشيء جزءا منه.. لأن الذي يخلق شيئا ~~يكون فاعلا.. والفاعل له مفعول.. والمفعول لا يكون منه أبدا.. هل رأيت ~~واحدا صنع صنعة منه؟ الذي يصنع سيارة مثلا.. هل صنعها من لحمه أو من ~~لحم البشر؟ وكذلك الطائرة والكرسي والساعة والتليفزيون.. هل هذه ~~المصنوعات من جنس الذي صنعها؟ طبعا لا. إذن ما دام ملكية.. فلا يقال ~~إنها من نفس جنس صانعها.. ولا يقال إن الفاعل أوجد من جنسه.. لأن الفاعل ~~لا يوجد من جنسه أبدا.. كل فاعل يوجد شيئا أقل منه.. فقول الله: " ~~سبحانه ".. أي تنزيه له تبارك وتعالى.. لماذا؟ لأن الولد يتخذ لاستبقاء ~~حياة والده التي لا يضمنها له واقع الكون.. فهو يحمل اسمه بعد أن يموت ~~ويرث ms0370 أملاكه. # . إذن هو من أجل بقاء نوعه.. والذي يريد بقاء النوع لا يكفيه أن يكون له ~~ولد واحد. لو فرضنا جدلا أن له ولدا واحدا فالمفروض أن هذا الولد ~~يكون له.. ولكننا لم نر أولادا لمن زعموا أنه ابن الله.. وعندما وقبلما ~~يوجد الولد ماذا كان الله سبحانه وتعالى يفعل وهو بدون ولد؟ وماذا استجد ~~على الله وعلى كونه بعد أن اتخذ ولدا كما يزعمون.. لم يتغير شيء في ~~الوجود.. إذن إن وجود ولد بالنسبة للإله لم يعطه مظهرا من مظاهر القوة.. ~~لأن الكون قبل أن يوجد الولد المزعوم وبعده لم يتغير فيه شيء. إذن فما ~~سبب اتخاذ الولد؟ معونة؟ الله لا تضعف قوته.. ضمان للحياة؟ الله حياته ~~أزلية.. هو الذي خلق الحياة وهو الذي يهبها وهو حي لا يموت.. فما هي ~~حاجته لأي ضمان للحياة؟ الحق سبحانه وتعالى تنفعل له الأشياء.. أي إنه ~~قادر على إبراز الشيء بمقتضى حكمه.. وهو جل جلاله له كمال الصفات أزلا.. ~~وبكمال صفاته خلق هذا الكون وأوجده.. لذلك فهو ليس في حاجة إلى أحد من ~~خلقه.. لأنه ساعة خلق كانت له كل صفات القدرة على الخلق.. بل قبل أن يخلق ~~كانت له كل صفات الخالق وبهذه الصفات خلق.. والله سبحانه وتعالى كان ~~خالقا قبل أن يخلق أحدا من خلقه.. وكان رزاقا قبل أن يوجد من يرزقه.. ~~وكان قهارا قبل أن يوجد من يقهره.. وكان توابا قبل أن يوجد من يتوب ~~عليه.. وبهذه الصفات أوجد وخلق ورزق وقهر وتاب على خلقه. إذن كل هذا ~~الكون لم يضف صفة من صفات الكمال إلى الله.. بل إن الله بكمال صفاته هو ~~الذي أوجد. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في حديث قدسي: # " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ~~قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما ~~نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر.. ~~" # ثم إذا كان لله سبحانه وتعالى زوجة وولد.. فمن الذي وجد أولا؟.. إذا ~~كان الله ms0371 سبحانه وتعالى قد وجد أولا.. ثم بعد ذلك أوجد الزوجة والولد ~~فهو خالق وهما مخلوقان.. وإن كان كل منهم قد أوجد نفسه فهم ثلاثة آلهة ~~وليسوا إلها واحدا.. إذن فالولد إما أن يكون مخلوقا أو يكون إلها.. ~~والكمال الأول لله لم يزده الولد شيئا.. ومن هنا يصبح وجوده لا قيمة ~~له.. وحين يعرض الحق تبارك وتعالى هذه القضية يعرضها عرضا واسعا في ~~كثير من سور القرآن الكريم وأولها سورة مريم في قوله تعالى: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا # [مريم: 88]. إنه سبحانه منزه عن التماثل مع خلقه.. لا بالذات ولا ~~بالصفات ولا بالأفعال.. كل شيء تراه في الوجود.. الله منزه عنه.. وكل شيء ~~يخطر على بالك فالله غير ذلك.. قوله تعالى: { له ما في ~~السماوات والأرض } [البقرة: 116].. فتلك قضية تناقض اتخاذ الولد ~~لأن كل ما في السماوات والأرض خاضع لله.. قوله تعالى { كل له ~~قانتون } [البقرة: 116].. أي خاضعون، وهذا يؤكد لنا أن كون الله في ~~قبضة الله خاضع مستجيب اختيارا أو قهرا لأمر الله. ### || [2.117] # بعد أن بين الله تبارك وتعالى.. أن قولهم اتخذ الله ولدا هو افتراء ~~على الله.. أراد الحق أن يلفتنا إلى بعض من قدراته.. فقال جل جلاله: { ~~بديع السماوات والأرض } [البقرة: 117].. أي خلق السماوات ~~والأرض وكل ما فيها من خلق على غير مثال سابق.. أي لم يكن هناك سماء أو ~~أرض أو ملائكة أو جن أو إنسان.. ثم جاء الله سبحانه وتعالى وأوجد متشابها ~~لهم في شكل أو حجم أو قدرة.. أي أنه سبحانه لم يلجأ إلى ما نسميه نحن ~~بالقالب. إن الذي يصنع كوب الماء يصنع أولا قالبا يصب فيه خام الزجاج ~~المنصهر.. فتخرج في النهاية أكواب متشابهة.. وكل صناعة لغير الله تتم على ~~أساس صنع القالب أولا ثم بعد ذلك يبدأ الإنتاج.. ولذلك فإن التكلفة ~~الحقيقية هي في إعداد القالب الجيد الذي يعطينا صورة لما نريد.. والذي ~~يخبز رغيفا مثلا قد لا يستخدم قالبا ولكنه يقلد شيئا سبق.. فشكل ~~الرغيف وخامته سبق أن تم وهو يقوم ms0372 بتقليدهما في كل مرة.. ولكنه لا يستطيع ~~أن يعطي التماثل في الميزان أو الشكل أو الاستدارة.. بل هناك اختلاف في ~~التقليد ولا يوجد كمال في الصناعة. وحين خلق الله جل جلاله الخلق من آدم ~~إلى أن تقوم الساعة.. جعل الخلق متشابهين في كل شيء.. في تكوين الجسم وفي ~~شكله في الرأس والقدمين واليدين والعينين.. وغير ذلك من أعضاء الجسم.. ~~تماثلا دقيقا في الشكل وفي الوظائف.. بحيث يؤدي كل عضو مهمته في ~~الحياة.. ولكن هذا التماثل لم يتم على قالب وإنما تم بكلمة كن.. ورغم ~~التشابه في الخلق فكل منا مختلف عن الآخر اختلافا يجعلك قادرا على ~~تمييزه بالعلم والعين.. فبالعلم كل منا له بصمة أصبع وبصمة صوت يمكن أن ~~يميزها خبراء التسجيل.. وبصمة رائحة قد لا نميزها نحن ولكن تميزها الكلاب ~~المدربة.. فتشم الشيء ثم تسرع فتدلنا على صاحبه ولو كان بين ألف من ~~البشر.. وبصمة شفرة تجعل الجسد يعرف بعضه بعضا.. فإن جئت بخلية من جسد ~~آخر لفظها. وإن جئت بخلية من الجسد نفسه اتحد معها وعالج جراحها. وإذا ~~كان هذا بعض ما وصل إليه العلم.. فإن هناك الكثير مما قد نصل إليه ليؤكد ~~لنا أنه رغم تشابه بلايين الأشخاص.. فإن لكل واحد ما يميزه وحده ولا ~~يتكرر مع خلق الله كلهم.. وهذا هو الإعجاز في الخلق ودليل على طلاقة قدرة ~~الله في كونه. والله سبحانه وتعالى يعطينا المعنى العام في القرآن الكريم ~~بأن هذا من آياته وأنه لم يحدث مصادفة ولم يأت بطريق غير مخطط بل هو معد ~~بقدرة الله سبحانه. # . فيقول جل جلاله: # ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات ~~للعالمين # [الروم: 22]. هذا الاختلاف يمثل لنا طلاقة قدرة الله سبحانه في الخلق ~~على غير مثال.. فكل مخلوق يختلف عمن قبله وعمن بعده وعمن حوله.. مع أنهم ~~في الشكل العام متماثلون.. ولو أنك جمعت الناس كلهم منذ عهد آدم إلى يوم ~~القيامة تجدهم في صورة واحدة.. وكل واحد منهم مختلف عن الآخر.. فلا ms0373 يوجد ~~بشران من خلق الله كل منهما طبق الأصل من الآخر.. هذه دقة الصنع وهذا ما ~~نفهمه من قوله تعالى: " بديع ".. والدقة تعطي الحكمة.. والإبراز في صور ~~متعددة يعطي القدرة.. ولذلك بعد أن نموت وتتبعثر عناصرنا في التراب ~~يجمعنا الله يوم القيامة.. والإعجاز في هذا الجمع هو أن كل إنسان سيبعث ~~من عناصره نفسها وصورته نفسها وهيئته نفسها التي كان عليها في الدنيا. ~~ولذلك قال الحق سبحانه: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4]. إذن الله سبحانه وتعالى بطلاقة قدرته في الإيجاد قد خلقنا.. ~~وبطلاقة قدرته في إعادة الخلق يحيينا بعد الموت.. بشكلنا ولحمنا وصفاتنا ~~وكل ذرة فينا.. هل هناك دقة بعد ذلك؟. لو أننا أتينا بأدق الصناع وأمهرهم ~~وقلنا له: اصنع لنا شيئا تجيده. فلما صنعه قلنا له: اصنع مثله. إنه لا ~~يمكن أن يصنع نموذجا مثله بالمواصفات نفسها لأنه يفتقد المقاييس الدقيقة ~~التي تمده بالمواصفات نفسها التي صنعها.. إنه يستطيع أن يعطينا نموذجا ~~متشابها ولكن ليس مثل ما صنع تماما. لكن الله سبحانه وتعالى يتوفى خلقه ~~وساعة القيامة أو ساعة بعثهم يعيدهم بمكوناتهم نفسها التي كانوا عليها ~~دون زيادة أو نقص. وذلك لأنه الله جل جلاله لا يخلق وفق قوالب معينة، ~~وإنما يقول للشيء: كن فيكون. تقول الآية الكريمة { بديع السماوات ~~والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون } [البقرة: 117]. " وكن " وردت كثيرا في القرآن الكريم.. وفي ~~اللغة شيء يسمى المشترك.. اللفظ يكون واحدا ومعانيه تختلف حسب السياق.. ~~فمثلا كلمة قضى لها معان متعددة ولها معنى يجمع كل معانيها.. مرة يأتي ~~بها الحق بمعنى فرغ أو انتهى.. في قوله تعالى: # فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ~~آبآءكم أو أشد ذكرا.. # [البقرة: 200]. ومعناها إذا انتهيتم من مناسك الحج.. ومرة يقول سبحانه: # فاقض مآ أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة ~~الدنيآ # [طه: 72]. والمعنى افعل ما تريد.. وفي آية أخرى يقول الله تعالى: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة ms0374 من أمرهم.. # [الأحزاب: 36]. والمعنى هنا أنه إذا قال الله شيئا لا يترك للمؤمنين حق ~~الاختيار.. ومرة يصور الله جل جلاله الكفار في الآخرة وهم في النار ~~يريدون أن يستريحوا من العذاب بالموت. واقرأ قوله سبحانه: # ونادوا يمالك ليقض علينا ربك قال إنكم ~~ماكثون # [الزخرف: 77]. ليقض علينا هنا معناها يميتنا.. ومعنى آخر في قوله ~~تعالى: # وقال الشيطان لما قضي الأمر.. # [إبراهيم: 22]. أي لما انتهى الأمر ووقع الجزاء.. وفي موقع آخر قوله ~~سبحانه: # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله.. # [القصص: 29]. قضى الأجل هنا بمعنى أتم الأجل وفي قوله تعالى: # وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون # [يونس: 54]. أي حكم وفصل بينهم.. وقوله جل جلاله: # وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن ~~في الأرض مرتين.. # [الإسراء: 4]. بمعنى أعلمنا بني إسرائيل في كتابهم.. إذن " قضى " لها ~~معان متعددة يحددها السياق.. ولكن هناك معنى تلتقي فيه كل المعاني.. وهو ~~قضى أي حكم وهذا هو المعنى الأم. إذن معنى قوله تعالى: { إذا قضى ~~أمرا } [البقرة: 117].. أي إذا حكم بحكم فإنه يكون.. على أننا يجب أن ~~نلاحظ قول الحق: { وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~} [البقرة: 117].. معنى يقول له أن الأمر موجود عنده.. موجود في علمه.. ~~ولكنه لم يصل إلى علمنا.. أي أنه ليس أمرا جديدا.. لأنه ما دام الله ~~سبحانه وتعالى قال: " يقول له ".. كأنه جل جلاله يخاطب موجودا.. ولكن هذا ~~الموجود ليس في علمنا ولا نعلم عنه شيئا.. وإنما هو موجود في علم الله ~~سبحانه وتعالى.. ولذلك قيل إن لله أمورا يبديها ولا يبتديها.. إنها ~~موجودة عنده لأن الأقلام رفعت، والصحف جفت.. ولكنه يبديها لنا نحن ~~الذين لا نعلمها فنعلمها. ### || [2.118] # الحق سبحانه وتعالى حين قال: { الذين لا يعلمون } [البقرة: ~~118].. أي لا يعلمون عن كتاب الله شيئا لأنهم كفار.. وهؤلاء سألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يكلمهم الله.. ومعنى أن يكلمهم الله أن ~~يسمعوا كلاما من الله سبحانه.. كما سمع موسى كلام الله. وماذا كانوا ~~يريدون من كلام الله تبارك وتعالى.. أكانوا يريدون ms0375 أن يقول لهم الله إنه ~~أرسل محمدا رسولا ليبلغهم بمنهج السماء.. وكأن كل المعجزات التي ~~أيد الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم - وعلى رأسها القرآن الكريم - ~~لم تكن كافية لإقناعهم.. مع أن القرآن كلام معجز وقد أتى به رسول أمي.. ~~سألوه عن أشياء حدثت فأوحى الله بها إليه بالتفصيل.. جاء القرآن ليتحدى ~~في أحداث المستقبل وفي أسرار النفس البشرية.. وكان ذلك يكفيهم لو أنهم ~~استخدموا عقولهم ولكنهم أرادوا العناد كلما جاءتهم آية كذبوا بها وطلبوا ~~آية أخرى.. والله سبحانه وتعالى قد أبلغنا أنه لا يمكن لطبيعة البشر أن ~~تتلقى عن الله مباشرة.. واقرأ قوله سبحانه: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشآء.. # [الشورى: 51]. إذن فالبشر حتى المصطفى من الله والمؤهل للتلقي عن الله.. ~~لا يكلمه الله إلا وحيا أو إلهام خاطر أو من وراء حجاب كما كلم موسى.. ~~أو يرسل رسولا مبلغا للناس لمنهج الله.. أما الاتصال المباشر فهو أمر ~~تمنعه بشرية الخلق. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { أو تأتينآ آية ~~} [البقرة: 118].. والآيات التي يطلبها الكفار ويأتي بها الله سبحانه ~~وتعالى ويحققها لهم.. لا يؤمنون بها بل يزدادون كفرا وعنادا.. والله جل ~~جلاله يقول: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا ~~بها.. # [الإسراء: 59]. إذن فالآيات التي يطلبها الكفار ليؤمنوا لا تجعلهم ~~يؤمنون.. ولكن يزدادون كفرا حتى ولو علموا يقينا أن هذه الآيات من عند ~~الله سبحانه وتعالى كما حدث لآل فرعون.. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # فلما جآءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر ~~مبين * وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما ~~وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين # [النمل: 13-14]. وهكذا فإن طلبهم أن يكلمهم الله أو تأتيهم آية كان من ~~باب العناد والكفر.. والحق سبحانه يقول: { كذلك قال الذين من ~~قبلهم مثل قولهم } [البقرة: 118].. فبنو إسرائيل قالوا ~~لموسى أرنا الله جهرة.. الذين لا يعلمون قالوا لولا يكلمنا الله.. ولكن ~~الذين قالوا ms0376 أرنا الله جهرة كانوا يعلمون لأنهم كانوا يؤمنون بالتوراة. # . فتساوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون.. لذلك قال الله تبارك وتعالى: ~~{ تشابهت قلوبهم } [البقرة: 118].. أي قلوب أولئك الذين كانوا ~~خاضعين للمنهج والذين لا يخضعون لمنهج قد تشابهت بمنطق واحد. ولو أن ~~الذين لا يعلمون قالوا ولم يقل الذين يعلمون لهان الأمر.. وقلنا جهلهم هو ~~الذي أوحى إليهم بما قالوا.. ولكن ما عذر الذين علموا وعندهم كتاب أن ~~يقولوا أرنا الله جهرة.. إذن فهناك شيء مشترك بينهم تشابهت قلوبهم في ~~الهوى.. إن مصدر كل حركة سلوكية أو حركة جارحة إنما هو القلب الذي تصدر ~~عنه دوافع الحركة.. وما دام القلب غير خالص لله فيستوي الذي يعلم والذي ~~لا يعلم. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { قد بينا الآيات ~~لقوم يوقنون } [البقرة: 118].. ما هو اليقين؟ هو استقرار القضية ~~في القلب استقرارا لا يحتمل شكا ولا زلزلة.. ولا يمكن أن تخرج القضية ~~مرة أخرى إلى العقل.. لتناقش من جديد لأنه أصبح يقينا.. واليقين يأتي من ~~إخبار من تثق به وتصبح أخباره يقينا.. فإذا قال الله قال اليقين.. وإذا ~~قال الرسول صلى الله عليه وسلم فكلامه حق.. ولذلك من مصداقية الإيمان أن ~~سيدنا أبا بكر رضي الله عنه.. عندما قيل له إن صاحبك يقول إنه صعد به ~~إلى السماء السابعة وذهب إلى بيت المقدس في ليلة واحدة.. قال إن كان قد ~~قال فقد صدق. إن اليقين عنده نشأ من إخبار من يثق فيه وهذا نسميه علم ~~يقين.. وقد يرتقي الأمر ليصير عين يقين.. عندما ترى الشيء بعينك بعد أن ~~حدثت عن رؤية غيرك له.. ثم تدخل في حقيقة الشيء فيصبح حق يقين.. إذن ~~اليقين علم إذا جاء عن إخبار من تثق به.. وعين يقين إذا كان الأمر قد ~~شوهد مشاهدة العين.. وحق يقين هو أن تدخل في حقيقة الشيء.. والله سبحانه ~~وتعالى يشرح هذا في قوله تعالى: # ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا ~~سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو ~~تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم ms0377 # [التكاثر: 1-6]. هذه هي المرحلة الأولى أن يأتينا علم اليقين من الله ~~سبحانه وتعالى.. ثم تأتي المرحلة الثانية في قوله تبارك وتعالى: # ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر: 7]. أي أنتم ستشاهدون جهنم بأعينكم يوم القيامة.. هذا علم ~~يقين وعين يقين.. يأتي بعد ذلك حق اليقين في قوله تعالى: # وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من ~~حميم * وتصلية جحيم * إن هذا لهو حق اليقين # [الواقعة: 92-95]. والمؤمن عافاه الله من أن يعاين النار كحق يقين.. إنه ~~سيراها وهو يمر على الصراط.. ولكن الكافر هو الذي سيصلاها حقيقة يقين.. ~~ولقد قال أهل الكتاب لأنبيائهم ما يوافق قول غير المؤمنين.. فاليهود ~~قالوا لموسى: # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة # [البقرة: 55].. والمسيحيون قالوا لعيسى: # هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة من ~~السمآء # [المائدة: 112] قال: # اتقوا الله إن كنتم مؤمنين # [المائدة: 112].. وهكذا شجع المؤمنون بالكتاب غير المؤمنين بأن يطلبوا ~~رؤية الله ويطلبوا المعجزات المادية. ### || [2.119] # هنا لابد أن نلتفت إلى أن الله سبحانه وتعالى حينما يخبرنا عن قضية من ~~فعله. يأتي دائما بنون العظمة التي نسميها نون المتكلم.. ونلاحظ أن نون ~~العظمة يستخدمها رؤساء الدول والملوك ويقولون نحن فلان أمرنا بما هو آت.. ~~فكأن العظمة في الإنسان سخرت المواهب المختلفة لتنفيذ القرار الذي يصدره ~~رئيس الدولة.. فيشترك في تنفيذه الشرطة والقضاء والدولة والقوات المسلحة ~~إذا كان قرار حرب.. تشترك مواهب متعددة من جماعات مختلفة تتكاتف لتنفيذ ~~القرار.. والله تبارك وتعالى عنده الكمال المطلق.. كل ما هو لازم للتنفيذ ~~من صفات الله سبحانه وتعالى.. فإذا تحدث الله جل جلاله عن فعل يحتاج إلى ~~كمال المواهب من الله تبارك وتعالى يقول " إنا ": # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. ولكن حين يتكلم الله عن ألوهيته وحده وعن عبادته وحده ~~يستخدم ضمير المفرد.. مثل قوله سبحانه: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري # [طه: 14]. ولا يقول فاعبدنا.. إذن ففي كل فعل يأتي الله سبحانه بنون ~~العظمة.. وفي كل أمر يتعلق بالعبادة ms0378 والتوحيد يأتي بالمفرد.. وذلك حتى ~~نفهم أن الفعل من الله ليس وليد قدرته وحدها.. ولا علمه وحده ولا حكمته ~~وحدها ولا رحمته وحدها.. وإنما كل فعل من أفعال الله تكاملت فيه صفات ~~الكمال المطلق لله. إن نون العظمة تأتي لتلفتنا إلى هذه الحقيقة لتبرز ~~للعقل تكامل الصفات في الله.. لأنك قد تقدر ولا تعلم.. وقد تعلم ولا ~~تقدر، وقد تعلم وتغيب عنك الحكمة.. إذن فتكامل الصفات مطلوب. قوله تعالى: ~~{ إنا أرسلناك بالحق } [البقرة: 119] يعني بعثناك بالحق ~~رسولا.. والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا يتناقض.. فإذا رأيت ~~حدثا أمامك ثم طلب منك أن تحكي ما رأيت رويت ما حدث.. فإذا طلب منك بعد ~~فترة أن ترويه مرة أخرى فإنك ترويه بنفس التفاصيل.. أما إذا كنت تكذب ~~فستتناقض في أقوالك.. ولذلك قيل إن كنت كذوبا فكن ذكورا. إن الحق لا ~~يتناقض ولا يتغير.. وما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسل ~~بالحق.. فإن عليه لأن يبلغه للناس وسيبقى الحق حقا إلى يوم القيامة. ~~وقوله تعالى: { بشيرا ونذيرا } [البقرة: 119].. البشارة هي إخبار ~~بشيء يسرك زمنه قادم.. والإنذار هو الإخبار بشيء يسوؤك زمنه قادم ربما ~~استطعت أن تتلافاه.. بشير بماذا؟ ونذير بماذا؟ يبشر من آمن بنعيم الجنة ~~وينذر الكافر بعذاب النار.. والبشرى والإنذار يقتضيان منهجا يبلغ. # . من آمن به كان بشارة له. ومن لا يؤمن كان إنذارا له. ثم يقول الحق جل ~~جلاله: { ولا تسأل عن أصحاب الجحيم } [البقرة: 119].. أي ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مسئولا عن الذين سيلقون بأنفسهم في ~~النار والعذاب. إنه ليس مسئولا عن هداهم وإنما عليه البلاغ.. واقرأ قوله ~~تبارك وتعالى: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. ويقول جل جلاله: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. فالله سبحانه وتعالى لو أرادنا أن نؤمن قسرا وقهرا.. ~~ما استطاع واحد من الخلق أن يكفر.. ولكنه تبارك ms0379 وتعالى يريد أن نأتيه ~~بقلوب تحبه وليس بقلوب مقهورة على الإيمان.. إن الله سبحانه وتعالى خلق ~~الناس مختارين أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا.. وليس لرسول أن يرغم الناس على ~~الإيمان بالقهر.. لأن الله لو أراد لقهر كل خلقه. أما أصحاب الجحيم فهم ~~أهل النار. والجحيم مأخوذة من الجموح.. وجمحت النار يعني اضطربت، وعندما ~~ترى النار متأججة يقال جمحت النار.. أي أصبح لهيبها مضاعفا بحيث يلتهم كل ~~ما يصل إليها فلا تخمد أبدا. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يطمئن رسوله ~~لله.. أنه لا يجب أن ينشغل قلبه بالذين كفروا لأنه قد أنذرهم.. وهذا ما ~~عليه، وهذه مهمته التي كلفه الله بها. ### || [2.120] # كان اليهود يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخل لؤم وكيد ~~فيقولون هادنا، أي قل لنا ما في كتابنا حتى ننظر إذا كنا نتبعك أم لا.. ~~يريد الله تبارك وتعالى أن يقطع على اليهود سبيل الكيد والمكر برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم.. بأنه لا اليهود ولا النصارى سيتبعون ملتك.. وإنما ~~هم يريدون أن تتبع أنت ملتهم.. أنت تريد أن يكونوا معك وهم يطمعون أن ~~تكون معهم.. فقال الله سبحانه: { ولن ترضى عنك اليهود ولا ~~النصارى حتى تتبع ملتهم } [البقرة: 120].. نلاحظ هنا ~~تكرار النفي وذلك حتى نفهم أن رضا اليهود غير رضا النصارى.. ولو قال الحق ~~تبارك وتعالى، ولن ترضى عنك اليهود والنصارى بدون لا.. لكان معنى ذلك ~~أنهم مجتمعون على رضا واحد أو متفقون.. ولكنهم مختلفون بدليل أن الله ~~تعالى قال: # وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شيء.. # [البقرة: 113]. إذن فلا يصح أن يقال فلن ترضى عنك اليهود والنصارى.. ~~والله سبحانه وتعالى يريد أن يقول لن ترضى عنك اليهود ولن ترضى عنك ~~النصارى.. وإنك لو صادفت رضا اليهود فلن ترضى عنك النصارى.. وإن صادفت ~~رضا النصارى فلن ترضى عنك اليهود.. ثم يقول الحق سبحانه: { حتى ~~تتبع ملتهم } [البقرة: 120].. والملة هي الدين وسميت بالملة ~~لأنك تميل إليها حتى ولو كانت باطلا.. والله ms0380 سبحانه وتعالى يقول: # ولا أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما ~~عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم دينكم ~~ولي دين # [الكافرون: 3-6]. فجعل لهم دينا وهم كافرون ومشركون.. ولكن ما الذي ~~يعصمنا من أن نتبع ملة اليهود أو ملة النصارى.. الحق جل جلاله يقول: # قل إن الهدى هدى الله # [آل عمران: 73]. فاليهود حرفوا في ملتهم والنصارى حرفوا فيها.. ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم معه هدى الله.. والهدى هو ما يوصلك إلى الغاية ~~من أقصر طريق.. أو هو الطريق المستقيم باعتباره أقصر الطرق إلى الغاية.. ~~وهدى الله طريق واحد، أما هدى البشر فكل واحد له هدى ينبع من هواه. ومن ~~هنا فإنها طرق متشعبة ومتعددة توصلك إلى الضلال.. ولكن الهدى الذي يوصل ~~للحق هو هدى واحد.. هدى الله عز وجل. وقوله تعالى: { ولئن اتبعت ~~أهوآءهم } [البقرة: 120] إشارة من الله سبحانه وتعالى إلى أن ملة ~~اليهود وملة النصارى أهواء بشرية.. والأهواء جمع هوى.. والهوى هو ما ~~تريده النفس باطلا بعيدا عن الحق.. لذلك يقول الله جل جلاله: { ~~ولئن اتبعت أهوآءهم بعد الذي جآءك من ~~العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير } [البقرة: ~~120]. # . والله تبارك وتعالى يقول لرسوله لو اتبعت الطريق المعوج المليء ~~بالشهوات بغير حق.. سواء كان طريق اليهود أو طريق النصارى بعدما جاءك من ~~الله من الهدى فليس لك من الله من ولي يتولى أمرك ويحفظك ولا نصير ينصرك. ~~وهذا الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن نقف معه وقفة لنتأمل ~~كيف يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم الذي اصطفاه.. فالله حين يوجه ~~هذا الخطاب لمحمد عليه الصلاة والسلام.. فالمراد به أمة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أتباع رسول الله الذين سيأتون من بعده.. وهم الذين يمكن ~~أن تميل قلوبهم إلى اليهود والنصارى.. أما الرسول فقد عصمه الله من أن ~~يتبعهم. والله سبحانه وتعالى يريدنا أن نعلم يقينا أن ما لم يقبله من ~~رسوله عليه الصلاة والسلام.. لا يمكن أن يقبله من ms0381 أحد من أمته مهما علا ~~شأنه.. وذلك حتى لا يأتي بعد رسول الله من يدعي العلم.. ويقول نتبع ~~ملة اليهود أو النصارى لنجذبهم إلينا.. نقول له لا ما لم يقبله الله من ~~حبيبه ورسوله لا يقبله من أحد. إن ضرب المثل هنا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مقصود به أن اتباع ملة اليهود أو النصارى مرفوض تماما ~~تحت أي ظرف من الظروف، لقد ضرب الله سبحانه المثل برسوله حتى يقطع على ~~المغرضين أي طريق للعبث بهذا الدين بحجة التقارب مع اليهود والنصارى. ### || [2.121] # بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أن اليهود والنصارى قد حرفوا ~~كتبهم، أراد أن يبين أن هناك من اليهود والنصارى من لم يحرفوا في كتبهم.. ~~وأن هؤلاء يؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام وبرسالته.. لأنهم يعرفونه من ~~التوراة والإنجيل. ولو أن الله سبحانه لم يذكر هذه الآية لقال الذين ~~يقرأون التوراة والإنجيل على حقيقتيهما.. ويفكرون في الإيمان برسالة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم.. لقالوا كيف تكون هذه الحملة على كل اليهود وكل ~~النصارى ونحن نعتزم الإيمان بالإسلام.. وهذا ما يقال عنه قانون ~~الاحتمال.. أي أن هناك عددا مهما قل من اليهود أو النصارى يفكرون في ~~اعتناق الإسلام باعتباره دين الحق.. وقد كان هناك جماعة من اليهود عددهم ~~أربعون قادمون من سيناء مع جعفر بن أبي طالب ليشهدوا أمام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنهم قرأوا التوراة غير المحرفة وآمنوا برسالته.. وأراد ~~الله أن يكرمهم ويكرم كل من سيؤمن من أهل الكتاب.. فقال جل جلاله: { ~~الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته.. } ~~[البقرة: 121]. أي يتلونه كما أنزل بغير تحريف ولا تبديل.. فيعرفون ~~الحقائق صافية غير مخلوطة بهوى البشر.. ولا بالتحريف الذي هو نقل شيء من ~~حق إلى باطل. يقول الله تبارك وتعالى: { أولئك يؤمنون به ~~ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون } [البقرة: 121].. ~~ونلاحظ أن القرآن الكريم يأتي دائما بالمقارنة.. ليكرم المؤمنين ~~ويلقي الحسرة في نفوس المكذبين.. لأن المقارنة دائما تظهر الفارق بين ~~الشيئين. إن الله سبحانه يريد ms0382 أن يعلم الذين آتاهم الله الكتاب فلم ~~يحرفوه وآمنوا به.. ليصلوا إلى النعمة التي ستقودهم إلى النعيم الأبدي.. ~~وهي نعمة الإسلام والإيمان.. مقابل الذين يحرفون التوراة والإنجيل ~~فمصيرهم الخسران المبين والخلود في النار. ### || [2.122] # لو رجعنا إلى ما قلناه عندما تعرضنا للآية [40] من سورة البقرة.. وقوله ~~تعالى: # يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي ~~فارهبون # . فالحق سبحانه وتعالى لم ينه الجولة مع بني إسرائيل قبل أن يذكرهم بما ~~بدأهم به.. إنه سبحانه لا ينهي الكلام معهم في هذه الجولة.. إلا بعد أن ~~يذكرهم تذكيرا نهائيا بنعمه عليهم وتفضيله لهم على كثير من خلقه.. ومن ~~أكبر مظاهر هذا التفضيل.. الآية الموجودة في التوراة تبشر بمحمد عليه ~~الصلاة والسلام وذلك تفضيل كبير. التذكير بالنعمة هنا وبالفضل هو تقريع ~~لبني إسرائيل أنهم لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه مذكور ~~عندهم في التوراة.. وكان يجب أن يأخذوا هذا الذكر بقوة ويسارعوا للإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه تفضيل كبير من الله سبحانه وتعالى لهم.. ~~والله جل جلاله قال حين أخذت اليهود الرجفة.. وطلب موسى عليه السلام من ~~ربه الرحمة.. قال كما يروي لنا القرآن الكريم: # واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~إنا هدنآ إليك قال عذابي أصيب به من أشآء ~~ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ~~الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي ~~كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه ~~واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون # [الأعراف: 156-157]. ### || [2.123] # هذه الآية الكريمة تشابهت مع الآية 48 من سورة البقرة.. التي يقول فيها ~~الله تبارك وتعالى: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ~~ينصرون # نقول إن هذا التشابه ظاهري.. ولكن كل آية ms0383 تؤدي معنى مستقلا.. ففي الآية ~~48 قال الحق سبحانه: " لا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ".. وفي ~~الآية التي نحن بصددها قال: " لا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ".. ~~لماذا؟ لأن قوله تعالى " لا تجزي نفس عن نفس شيئا ".. لو أردنا النفس ~~الأولى فالسياق يناسبها في الآية الأولى.. ولو أردنا النفس الثانية ~~فالسياق يناسبها في الآية الثانية التي نحن بصددها.. فكأن معنا نفسين ~~إحداهما جازية والثانية مجزي عنها.. الجازية هي التي تشفع.. فأول شيء ~~يقبل منها هو الشفاعة.. فإن لم تقبل شفاعتها تقول أنا أتحمل العدل.. ~~أي أخذ الفدية أو ما يقابل الذنب.. ولكن النفس المجزي عنها أول ما تقدم ~~هو العدل أو الفداء.. فإذا لم يقبل منها تبحث عن شفيع.. ولقد تحدثنا عن ~~ذلك بالتفصيل عند تعرضنا للآية 48 من سورة البقرة. ### || [2.124] # يأتي الحق سبحانه وتعالى إلى قصة إبراهيم عليه السلام.. ليصفي الجدل ~~والتشكيك الذي أحدثه اليهود عند تغيير القبلة.. واتجاه المسلمين إلى ~~الكعبة المشرفة بدلا من بيت المقدس.. كذلك الجدل الذي أثاره اليهود بأنهم ~~شعب الله المختار وأنه لا يأتي نبي إلا منهم. يريد الله تبارك وتعالى ~~أن يبين صلة العرب بإبراهيم وصلتهم بالبيت.. فيقول الحق جل جلاله: { ~~وإذ ابتلى إبراهيم ربه } [البقرة: 124].. ومعناها اذكر ~~إذا ابتلى الله إبراهيم.. وإذ هنا ظرف وهناك فرق بينها وبين إذا الشرطية ~~في قوله تعالى: # إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا # [النصر: 1-2]. إذا هنا ظرف ولكنه يدل على الشرط.. أما إذ فهي ظرف فقط.. ~~وقوله تعالى: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ~~فأتمهن } [البقرة: 124].. معناها اذكر وقت أن ابتلى إبراهيم ~~بكلمات. ما معنى الابتلاء؟ الناس يظنون أنه شر ولكنه في الحقيقة ليس ~~كذلك.. لأن الابتلاء هو امتحان إن نجحنا فيه فهو خير وإن رسبنا فيه فهو ~~شر.. فالابتلاء ليس شرا ولكنه مقياس لاختبار الخير والشر. الذي ابتلى هو ~~الله سبحانه.. هو الرب.. والرب معناه المربي الذي يأخذ من يربيه بأساليب ~~تؤهله إلى الكمال المطلوب ms0384 منه.. ومن أساس التربية أن يمتحن المربي من ~~يربيه ليعلم هل نجح في التربية أم لا؟ والابتلاء هنا بكلمات والكلمات جمع ~~كلمة.. والكلمة قد تطلق على الجملة مثل قوله تعالى: # وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا * ما لهم ~~به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من ~~أفواههم إن يقولون إلا كذبا # [الكهف: 4-5]. إذن فالكلمة قد تطلق على الجملة وقد تطلق على المفرد.. ~~كأن تقول مثلا محمد وتسكت.. وفي هذه الحالة لا تكون جملة مفيدة.. ~~والكلمة المرادة في هذه الآية هي التكليف من الله. قوله سبحانه افعل ولا ~~تفعل.. فكأن التكليف من الله مجرد كلمة وأنت تؤدي مطلوبها أو لا تؤديه.. ~~وقد اختلف العلماء حول الكلمات التي تلقاها إبراهيم من ربه.. نقول لهم إن ~~هذه الكلمات لابد أن تناسب مقام إبراهيم أبي الأنبياء.. إنها ابتلاء ~~يجعله أهلا لحمل الرسالة.. أي لابد أن يكون الابتلاء كبيرا.. ولقد قال ~~العلماء إن الابتلاءات كانت عشرة وقالوا أربعين منها عشرة في سورة التوبة ~~وهي قوله تعالى: # التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون ~~الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~والحافظون لحدود الله.. # [التوبة: 112]. وهذه رواية عبد الله بن عباس.. وعشرة ثانية في سورة ~~المؤمنون. وفي قوله سبحانه: # قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * ~~والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم ~~لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ~~ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون * والذين ~~هم لأماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم على ~~صلواتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون # [المؤمنون: 1-10]. وبعد ذلك قال: " أولئك هم الوارثون ". وفي سورة ~~الأحزاب يذكر منهم قوله جل جلاله: # إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين ~~والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين ~~والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين ~~والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين ~~والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله ~~لهم مغفرة وأجرا عظيما # [الأحزاب: 35]. وفي سورة المعارج يقول: # إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دآئمون * ~~والذين في أموالهم حق معلوم * للسآئل ~~والمحروم * والذين يصدقون ms0385 بيوم الدين * ~~والذين هم من عذاب ربهم مشفقون * إن عذاب ~~ربهم غير مأمون * والذين هم لفروجهم حافظون ~~* إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى ورآء ذلك ~~فأولئك هم العادون * والذين هم لأماناتهم ~~وعهدهم راعون * والذين هم بشهاداتهم قائمون * ~~والذين هم على صلاتهم يحافظون # [المعارج: 22-34]. نخرج من هذا الجدل، بأن نقول إن الله ابتلى إبراهيم ~~بكلمات تكليفية افعل كذا ولا تفعل كذا.. وابتلاه بأن ألقي في النار ~~وهو حي فلم يجزع ولم يتراجع ولم يتجه إلا لله وكانت قمة الابتلاء أن يذبح ~~ابنه. وكون إبراهيم أدى جميع التكليفات بعشق وحب وزاد عليه من جنسها.. ~~وكونه يلقى في النار ولا يبالي يأتيه جبريل فيقول ألك حاجة فيرد إبراهيم ~~أما إليك فلا.. وأما إلى الله فعلمه بحالي يغنيه عن سؤالي.. وكونه وهو ~~شيخ كبير يبتلى بذبح ابنه الوحيد فيطيع بنفس مطمئنة ورضا بقدر الله.. ~~يقول الحق: # أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي ~~وفى # [النجم: 36-37]. أي وفى كل ما طلب منه وأداه بعشق للمنهج ولابتلاءات ~~الله.. لقد نجح إبراهيم عليه السلام في كل ما ابتلي به أو اختبر به.. ~~والله كان أعز عليه من أهله ومن نفسه ومن ولده.. ماذا كافأه الله به؟ ~~قال: { قال إني جاعلك للناس إماما.. } [البقرة: 124]. أي ~~أن الحق تبارك وتعالى ائتمنه أن يكون إماما للبشر.. والله سبحانه كان ~~يعلم وفاء إبراهيم ولكنه اختبره لنعرف نحن البشر كيف يصطفي الله تعالى ~~عباده المقربين وكيف يكونون أئمة يتولون قيادة الأمور.. استقبل إبراهيم ~~هذه البشرى من الله وقال كما يروي لنا القرآن الكريم: { قال ومن ~~ذريتي.. } [البقرة: 124]. ما هي الذرية؟ هي النسل الذي يأتي والولد ~~الذي يجئ. # . لأنه يحب استطراق الخير على أولاده وأحفاده وهذه طبيعة البشر، فهم ~~يعطون ثمرة حركتهم وعملهم في الحياة لأولادهم وأحفادهم وهم مسرورون.. ~~ولذلك أراد إبراهيم أن ينقل الإمامية إلى أولاده وأحفاده.. حتى لا يحرموا ~~من القيم الإيمانية تحرس حياتهم وتؤدي بهم إلى نعيم لا يزول.. ولكن ms0386 الله ~~سبحانه وتعالى يرد على إبراهيم بقضية إيمانية أيضا هي تقريع لليهود.. ~~الذي تركوا القيم وعبدوا المادة فيقول جل جلاله: { لا ينال عهدي ~~الظالمين } [البقرة: 124]. فكأن إبراهيم بأعماله قد وصل إلى ~~الإمامية.. ولكن هذا لا ينتقل إلا للصالحين من عباده العابدين المسبحين. ~~وقوله الحق سبحانه: { لا ينال عهدي الظالمين } [البقرة: 124] ~~مقصود به اليهود الذين باعوا قيمهم الإيمانية بالمادة، وهو استقراء للغيب ~~أنه سيأتي من ذرية إبراهيم من سيفسق ويظلم. ومن العجائب أن موسى وهارون ~~عليهما السلام كانا رسولين.. الرسول الأصيل موسى، وهارون جاء ليشد أزره ~~لأنه فصيح اللسان.. وشاءت إرادة الله سبحانه أن تستمر الرسالة في ذرية ~~هارون وليس في ذرية موسى.. والرسالة ليست ميراثا.. وقوله تعالى { لا ~~ينال عهدي الظالمين } [البقرة: 124].. فكأن عهد الله هو الذي ~~يجذب صاحبه أي هو الفاعل.. نأتي بعد ذلك إلى مسألة الجنس والدم واللون.. ~~بنوة الأنبياء غير بنوة الناس كلهم فالأنبياء اصطفاؤهم اصطفاء قيم ~~وأبناؤهم هم الذين يأخذون منهم هذه القيم وليسوا الذين يأخذون الجنس ~~والدم واللون.. ولو رجعنا إلى قصة نوح عليه السلام حين غرق ابنه.. رفع ~~يديه إلى السماء وقال: # رب إن ابني من أهلي.. # [هود: 45]. فرد عليه الحق سبحانه وتعالى فقال: # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.. # [هود: 46]. إن أهل النبوة هم الذين يأخذون القيم عن الأنبياء.. ولولا أن ~~الحق سبحانه قال لنا " إنه عمل غير صالح ".. لاعتقدنا أنه ربما جاء من ~~رجل آخر أو غير ذلك.. ولكن الله يريدنا أن نعرف أن عدم نسبة ابن نوح إلى ~~أبيه بسبب " إنه عمل غير صالح ". ### || [2.125] # وضحت لنا الآية التي سبقت أن اليهود قد انتفت صلتهم بإبراهيم عليه ~~السلام.. بعد أن تركوا القيم والدين واتجهوا إلى ماديات الحياة.. أنتم ~~تدعون أنكم أفضل شعوب الأرض لأنكم من ذرية إسحاق بن إبراهيم والعرب لهم ~~هذه الأفضلية والشرف لأنهم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم.. إذن فأنتم غير ~~مفضلين عليهم.. فإذا انتقلنا إلى قصة بيت المقدس وتحول القبلة إلى ~~الكعبة.. نقول إن ذلك مكتوب ms0387 منذ بداية الخلق أن تكون الكعبة قبلة كل من ~~يعبد الله. الحق سبحانه وتعالى يقول: { وإذ جعلنا البيت ~~مثابة للناس وأمنا } [البقرة: 125].. تأمل كلمة البيت وكلمة ~~مثابة.. بيت مأخوذ من البيتوته وهو المأوى الذي تأوى إليه وتسكن فيه ~~وتستريح وتكون فيه زوجتك وأولادك.. ولذلك سميت الكعبة بيتا لأنها هي ~~المكان الذي يستريح إليه كل خلق الله.. ومثابة يعني مرجعا تذهب إليه ~~وتعود.. ولذلك فإن الذي يذهب إلى بيت الله الحرام مرة يحب أن يرجع مرات ~~ومرات.. إذن فهو مثابة له لأنه ذاق حلاوة وجوده في بيت ربه.. وأتحدى أن ~~يوجد شخص في بيت الله الحرام يشغل ذهنه غير ذكر الله وكلامه وقرآنه ~~وصلاته.. تنظر إلى الكعبة فيذهب كل ما في صدرك من ضيق وهم وحزن ولا تتذكر ~~أولادك ولا شئون دنياك ولو ظلت جاذبية بيت الله في قلوب الناس مستمرة ~~لتركوا كل شئون دنياهم ليبقوا بجوار البيت.. ولذلك كان عمر بن الخطاب ~~حريصا على أن يعود الناس إلى أوطانهم وأولادهم بعد انتهاء مناسك الحج ~~مباشرة.. ومن رحمة الحق سبحانه أن الدنيا تختفي من عقل الحاج وقلبه.. لأن ~~الحجيج في بيت ربهم.. وكلما كربهم شيء أو همهم شيء توجهوا إلى ربهم وهم ~~في بيته فيذهب عنهم الهم والكرب.. ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يقول: # فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم.. # [إبراهيم: 37]. أفئدة وليست أجساما وتهوى أي يلقون أنفسهم إلى البيت.. ~~والحج هو الركن الوحيد الذي يحتال الناس ليؤدوه.. حتى غير المستطيع يشق ~~على نفسه ليؤدي الفريضة.. والذي يؤديه مرة ويسقط عنه التكليف يريد أن ~~يؤديه مرة أخرى ومرات. إن من الخير أن تترك الناس يثوبون إلى بيت الله.. ~~ليمحو الله سبحانه ما في صدورهم من ضيق وهموم مشكلات الحياة. وقوله ~~تعالى: { مثابة للناس وأمنا } [البقرة: 125].. أمنا يعني ~~يؤمن الناس فيه.. العرب حتى بعد أن تحللوا من دين إسماعيل وعبدوا ~~الأصنام كانوا يؤمنون حجاج بيت الله الحرام.. يلقي أحدهم قاتل أبيه في ~~بيت الله فلا يتعرض له إلا عندما يخرج. # والله سبحانه ms0388 وتعالى يضع من التشريعات ما يريح الناس من تقاتلهم ويحفظ ~~لهم كبرياءهم فيأتي إلى مكان ويجعله آمنا.. ويأتي إلى شهر ويجعله آمنا ~~لا قتال فيه لعلهم حين يذوقون السلام والصفاء يمتنعون عن القتال. والكلام ~~عن هذه الآية يسوقنا إلى توضيح الفرق بين أن يخبرنا الله أن البيت آمن ~~وأن يطلب منا جعله آمنا.. إنه سبحانه لا يخبرنا بأن البيت آمن ولكن يطلب ~~منا أن نؤمن من فيه.. الذي يطيع ربه يؤمن من في البيت والذي لا يطيعه ~~لا يؤمنه.. عندما يحدث هياج من جماعة في الحرم اتخذته ستارا لتحقيق ~~أهدافها.. هل يتعارض هذا مع قوله تعالى: { مثابة للناس ~~وأمنا } [البقرة: 125].. نقول لا.. إن الله لم يعط لنا هذا كخبر ولكن ~~كتشريع.. إن أطعنا الله نفذنا هذا التشريع وإن لم نطعه لا ننفذه. وقوله ~~تعالى: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.. } [البقرة: ~~125].. وهنا نقف قليلا فهناك مقام بفتح الميم ومقام بضم الميم.. قوله ~~تعالى: # يأهل يثرب لا مقام لكم.. # [الأحزاب: 13]. مقام بفتح الميم اسم لمكان من قام.. ومقام بضم الميم ~~اسم لمكان من أقام.. فإذا نظرت إلى الإقامة فقل مقام بضم الميم.. وإذا ~~نظرت إلى مكان القيام فقل مقام بفتح الميم.. إذن فقوله تعالى: { ~~واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى.. } [البقرة: 125] ~~بفتح الميم اسم المكان الذي قام إبراهيم فيه ليرفع القواعد من البيت ~~ويوجد فيه الحجر الذي وقف إبراهيم عليه وهو يرفع القواعد. ولكن لماذا ~~أمرنا الله بأن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى؟ لأنهم كانوا يتحرجون عن ~~الصلاة فيه.. فالذي يصلي خلف المقام يكون الحجر بينه وبين الكعبة.. وكان ~~المسلمون يتحرجون أن يكون بينهم وبين الكعبة شيء فيخلون من الصلاة ذلك ~~المكان الذي فيه مقام إبراهيم.. ولذلك قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا نتخذ من مقام إبراهيم مصلى؟ ~~وسؤال عمر ينبع من الحرص على عدم الصلاة وبينه وبين الكعبة عائق وهم لا ~~يريدون ذلك.. ولما رأى عمر مكانا في البيت ليس فيه صلاة يصنع ms0389 فجوة بين ~~المصلين أراد أن تعم الصلاة كل البيت.. فنزلت الآية الكريمة: { ~~واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } [البقرة: 125]. وإذا ~~كان الله سبحانه وتعالى قد أمرنا أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى.. فكأنه ~~جل جلاله أقر وجود مكان إبراهيم في مكانه فاصلا بين المصلين خلفه وبين ~~الكعبة.. وذلك لأن مقام إبراهيم له قصة تتصل بالعبادة وإتمامها على الوجه ~~الأكمل، والمقام سيعطينا حيثية الإتمام لأن الله سبحانه وتعالى يقول: # فيه آيات بينات مقام إبراهيم.. # [آل عمران: 97]. إذن هناك آيات واضحة يريدنا الله سبحانه أن نراها ~~ونتفهمها.. فمقام إبراهيم هو مكان قيامه عندما أمره الله برفع القواعد من ~~البيت.. والترتيب الزمني للأحداث هو أن البيت وجد أولا.. ثم بعد ذلك ~~رفعت القواعد ووضع الحجر الأسود في موقعه وقد وضعه إبراهيم عليه السلام. ~~إن الله سبحانه وتعالى لا يريد أن يعطينا التاريخ بقدر ما يريد أن يعطينا ~~العبرة فقصة بناء البيت وقع فيها خلاف بين العلماء.. متى بني البيت؟ بعض ~~العلماء جعلوا بداية البناء أيام إبراهيم وبعضهم يرى أنه من عهد آدم ~~وفريق ثالث يقول إنه من قبل آدم.. وإذا حكمنا المنطق والعقل وقرأنا قول ~~الحق تبارك وتعالى: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع ~~العليم # [البقرة: 127]. نسأل ما هو الرفع أولا؟ هو الصعود والإعلاء، فكل بناء ~~له طول وله عرض وله ارتفاع.. وما دامت مهمة إبراهيم هي رفع القواعد فكأن ~~هناك طولا وعرضا للبيت وإن إبراهيم سيحدد البعد الثالث وهو الارتفاع.. ~~إن البيت كان موجودا قبل إبراهيم.. ثم جاء الطوفان الذي غمر الأرض في ~~عهد نوح فأخفى معالمه.. فأراد الله سبحانه وتعالى أن يظهره ويبين مكانه ~~للناس. والكعبة ليست هي البيت ولكنها هي المكين الذي يدلنا على مكان ~~البيت.. إذن فالذين فهموا من قوله تعالى: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت.. # [البقرة: 127].. بمعنى أن إبراهيم هو الذي بنى البيت.. نقول لهم إن ~~البيت كان موجودا قبل إبراهيم وأن مهمة إبراهيم اقتصرت على رفع القواعد ~~لإظهار مكان البيت ms0390 للناس.. ودليلنا على ذلك أنه الآن وقد ارتفع البناء ~~حول الكعبة.. من يصلي على السطح لا يسجد للكعبة ولكنه يسجد لجو الكعبة.. ~~ومن يصلي في الدور الأسفل يصلي أيضا للكعبة لأن المكان غير المكين. ولعل ~~أكبر دليل على ذلك من القرآن الكريم.. إن إبراهيم حين أخذ هاجر وابنها ~~إسماعيل وتركهما في بيت الله الحرام، ولم يكن قد بنى الكعبة في ذلك ~~الوقت.. ذكر البيت واقرأ قول الحق تبارك وتعالى في دعاء إبراهيم وهو يترك ~~هاجر وطفلها الرضيع: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة.. # [إبراهيم: 37]. يعني أن البيت كان موجودا وإسماعيل طفل رضيع.. ولكن ~~القواعد من البيت قد أقيمت بعد أن أصبح إسماعيل شابا يافعا يستطيع أن ~~يعاون أباه في بناء الكعبة.. إذن فمكان بيت الله الحرام كان موجودا قبل ~~أن يبني إبراهيم عليه السلام الكعبة.. ولكن مكان البيت لم يكن ظاهرا ~~للناس، ولذلك بين الله سبحانه وتعالى لإبراهيم مكان البيت حتى يضع له ~~العلامة التي تدل الناس عليه. # . واقرأ قوله تبارك وتعالى: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك ~~بي شيئا.. # [الحج: 26]. إن كثيرا من المفسرين يخفى عليهم حقيقة ما جاء في القرآن.. ~~والمفروض أننا حين نتعرض لقضية بناء البيت لابد أن نستعرض جميع الآيات ~~التي وردت في القرآن الكريم حول هذه القصة.. ومنها قوله تبارك وتعالى: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين # [آل عمران: 96]. والكلام هنا عن البيت. والقول إنه وضع للناس. والناس هم ~~آدم وذريته حتى تقوم الساعة.. وعلى ذلك لابد أن نفهم أن البيت ما دام وضع ~~للناس فالناس لم يضعوه.. ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي وضعه وحدده، ~~وعدل الله يأبى إلا أن يوجد البيت قبل أن يخلق آدم. ولذلك فإن الملائكة ~~هم الذين وضعوه بأمر الله وحيث أراد الله لبيته أن يوضع.. والله مع نزول ~~آدم إلى الأرض شرع التوبة وأعد هذا البيت ليتوب الناس فيه إلى ربهم ~~وليقيموا الصلاة ويتعبدوا ms0391 فيه. وعندما أراد إبراهيم أن يقيم القواعد من ~~البيت كان يكفي أن يقيمها على قدر طول قامته، ولكنه أتى بالحجر ليزيد ~~القواعد بمقدار ارتفاع الحجر.. ويريد الله سبحانه وتعالى بمقام إبراهيم ~~واتخاذه مصلى أن يلفتنا إلى أن الإنسان المؤمن لابد أن يعشق التكليف.. ~~فلا يؤديه شكلا ولكن يؤديه بحب ويتحايل ليزيد تطوعا من جنس ما فرض الله ~~عليه. إن الحجر الموجود في مقام إبراهيم إنما هو دليل على عشقه عليه ~~السلام لتكاليف ربه ومحاولته أن يزيد عليها. وإن الحجر الذي كان يقف عليه ~~إبراهيم به حفر على شكل قدميه.. وهما بين قائل أن الحجر لان تحت قدمي ~~إبراهيم من خشية الله.. وبين قائل إن إبراهيم هو الذي قام بحفر مكان في ~~الحجر على هيئة قدميه.. حتى إذا وقف عليه ورفع يده إلى أعلى ما يمكن ~~ليعلي القواعد من البيت كان توازنه محفوظا. وقوله تعالى: { طهرا ~~بيتي.. } [البقرة: 125] دليل على أن البيت زالت معالمه تماما وأصبح ~~مثل سائر الأرض، فذبحت فيه الذبائح وألقيت المخلفات، فأمر الله سبحانه ~~وتعالى أن يطهر هو وإسماعيل البيت من كل هذا الدنس ويجعله مكانا لثلاث ~~طوائف: " الطائفين " وهذه مأخوذة من الطواف وهو الدوران حول الشيء.. ~~ولذلك يسمون شرطة الحراسة بالليل طوافة لأنهم يطوفون في الشوارع في أثناء ~~الليل.. والله جل جلاله يقول: # فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون * ~~فأصبحت كالصريم # [القلم: 19-20]. وهذه هي قصة الحديقة التي منع أولاد الرجل الصالح بعد ~~وفاته حق الفقراء والمساكين فيها فأرسل الله سبحانه من طاف بها.. أي مشى ~~في كل جزء منها فأحرق أشجارها.. فالطائف هو الذي يطوف.. " والعاكفين " هم ~~المقيمون والركع السجود " هم المصلون، فتطهير البيت للطواف به ~~والإقامة والصلاة فيه.. وهو مطهر أيضا لأنه سيكون قبلة للمسلمين لكل ~~راكع أو ساجد في الأرض حتى قيام الساعة. ### || [2.126] # يقول الحق سبحانه وتعالى: # وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا # [البقرة: 125].. وما دام الله قد جعله أمنا فما هي جدوى دعوة إبراهيم ~~أن تكون مكة بلدا آمنا.. نقول إذا ms0392 رأيت طلبا لموجود فاعلم أن القصد منه ~~هو دوام بقاء ذلك الموجود.. فكأن إبراهيم يطلب من الله سبحانه وتعالى أن ~~يديم نعمة الأمن في البيت.. ذلك لأنك عندما تقرأ قول الحق تبارك وتعالى: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ~~والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي ~~أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملآئكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا # [النساء: 136]. هو خاطبهم بلفظ الإيمان ثم طلب منهم أن يؤمنوا.. كيف؟ ~~نقول إن الله سبحانه يأمرهم أن يستمروا ويداوموا على الإيمان.. ولذلك فإن ~~كل مطلوب لموجود هو طلب لاستمرار هذا الموجود. وقول إبراهيم: { رب ~~اجعل هذا بلدا آمنا.. } [البقرة: 126].. أي يا رب إذا كنت قد ~~جعلت هذا البيت آمنا من قبل فأمنه حتى قيام الساعة.. ليكون كل من ~~يدخل إليه آمنا لأنه موجود في واد غير ذي زرع.. وكانت الناس في الماضي ~~تخاف أن تذهب إليه لعدم وجود الأمان في الطريق.. أو آمنا أي: أن يديم ~~الله على كل من يدخله نعمة الإيمان. وقوله تعالى: { اجعل هذا ~~بلدا آمنا } [البقرة: 126] تكررت في آية أخرى تقول: # رب اجعل هذا البلد ءامنا.. # [إبراهيم: 35].. فمرة جاء بها نكرة ومرة جاء بها معرفة.. نقول إن ~~إبراهيم حين قال: # رب اجعل هذا البلد ءامنا.. # [إبراهيم: 35].. طلب من الله شيئين.. أن يجعل هذا المكان بلدا وأن ~~يجعله آمنا. ما معنى أن يجعله بلدا؟ هناك أسماء تؤخذ من المحسات.. ~~فكلمة غصب تعني سلخ الجلد عن الشاة وكأن من يأخذ شيئا من إنسان غصبا ~~كأنه يسلخه منه بينما هو متمسك به. كلمة بلد حين تسمعها تنصرف إلى ~~المدينة.. والبلد هو البقة تنشأ في الجلد فتميزه عن باقي الجلد كأن تكون ~~هناك بقعة بيضاء في الوجه أو الذراعين فتكون البقعة التي ظهرت مميزة ~~ببياض اللون.. والمكان إذا لم يكن فيه مساكن ومبان فيكون مستويا بالأرض ~~لا تستطيع أن تميزه بسهولة.. فإذا أقمت فيه مباني جعلت فيه علامة تميزه ~~عن باقي الأرض المحيطة به. وقوله تعالى: { وارزق أهله ms0393 من ~~الثمرات } [البقرة: 126].. هذه من مستلزمات الأمن لأنه ما دام هناك ~~رزق وثمرات تكون مقومات الحياة موجودة، فيبقى الناس في هذا البلد.. ولكن ~~إبراهيم قال: { وارزق أهله من الثمرات من آمن ~~منهم } [البقرة: 126] فكأنه طلب الرزق للمؤمنين وحدهم. # . لماذا؟ لأنه حينما قال له الله: # إني جاعلك للناس إماما.. # [البقرة: 124]. قال إبراهيم: # ومن ذريتي.. # [البقرة: 124]. قال الله سبحانه: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]. فخشي إبراهيم وهو يطلب لمن سيقيمون في مكة أن تكون ~~استجابة الله سبحانه كالاستجابة السابقة.. كأن يقال له لا ينال رزق الله ~~الظالمون. فاستدرك إبراهيم وقال: { وارزق أهله من الثمرات ~~من آمن منهم } [البقرة: 126].. ولكن الله سبحانه أراد أن يلفت ~~إبراهيم إلى أن عطاء الألوهية ليس كعطاء الربوبية.. فإمامة الناس عطاء ~~ألوهية لا يناله إلا المؤمن، أما الرزق فهو عطاء ربوبية يناله المؤمن ~~والكافر لأن الله هو الذي استدعانا جميعا إلى الحياة وكفل لنا جميعا ~~رزقنا.. وكأن الحق سبحانه حين قال: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124].. كان يتحدث عن قيم المنهج التي لا تعطى إلا للمؤمن، ~~ولكن الرزق يعطى للمؤمن والكافر.. لذلك قال الله سبحانه: { ومن ~~كفر } [البقرة: 126].. وفي هذا تصحيح مفاهيم بالنسبة لإبراهيم ليعرف ~~أن كل من استدعاه الله تعالى للحياة له رزقه مؤمنا كان أو كافرا. ~~والخير في الدنيا على الشيوع.. فما دام الله قد استدعاك فإنه ضمن لك ~~رزقك. إن الله لم يقل للشمس أشرقي على أرض المؤمن فقط، ولم يقل للهواء لا ~~يتنفسك ظالم، وإنما أعطى نعمة استبقاء الحياة واستمرارها لكل من خلق آمن ~~أو كفر.. ولكن من كفر قال عنه الله سبحانه وتعالى: { ومن كفر ~~فأمتعه قليلا } [البقرة: 126].. التمتع هو شيء يحبه الإنسان ~~ويتمنى دوامه وتكراره. وقوله تعالى: { فأمتعه } [البقرة: 126] ~~دليل على دوام متعته، أي له المتعة في الدنيا. ولكل نعمة متعة، فالطعام ~~له متعة، والشراب له متعة، والجنس له متعة.. إذن التمتع في الدنيا بأشياء ~~متعددة.. ولكن الله تبارك وتعالى وصفه بأنه قليل.. لأن المتعة في الدنيا ~~مهما بلغت وتعددت ألوانها فهي ms0394 قليلة. واقرأ قوله تعالى: { ثم ~~أضطره إلى عذاب النار.. } [البقرة: 126].. ومعنى أضطره ~~أنه لا اختيار له في الآخرة، فكأن الإنسان له اختيار في الحياة الدنيا، ~~يأخذ هذا ويترك هذا ولكن في الآخرة ليس له اختيار.. فلا يستطيع وهو من ~~أهل النار - مثلا - أن يختار الجنة، بل إن أعضاءه المسخرة لخدمته في ~~الحياة الدنيا والتي يأمرها بالمعصية فتفعل، فهو في الآخر لا ولاية له ~~عليها.. وهذا معنى قوله سبحانه: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. أي أن الجوارح - التي كانت تطيع الكافر في المعاصي في ~~الدنيا - لا تطيعه يوم القيامة فاللسان الذي كان ينطق كلمة الكفر - ~~والعياذ بالله - يأتي يوم القيامة يشهد على صاحبه.. والقدم التي كانت ~~تمشي إلى أماكن الخمر واللهو والفسوق تشهد على صاحبها، واليد التي كانت ~~تقتل وتسرق تشهد على صاحبها. وقوله: " أضطره " معناها أن الإنسان يفقد ~~اختياره في الآخرة، ثم ينتهي إلى النار وإلى العذاب الشديد مصداقا لقوله ~~تعالى: { ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ~~} [البقرة: 126].. أي أن الله سبحانه وتعالى يحذر الكافرين بأن لهم النار ~~والعذاب في الآخرة ليس على اختيار منهم ولكن وهم مقهورون. ### || [2.127] # يقول الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم اذكر عندما كان ~~إبراهيم يرفع القواعد من البيت.. وجاءت { يرفع } [البقرة: 127] هنا ~~فعلا مضارعا لتصوير الحدث الآن وفي المستقبل. ولكن هل يرفع إبراهيم ~~القواعد من البيت الآن؟ أم أنه رفع وانتهى؟ طبعا هو رفع وانتهى، ولكن ~~الله سبحانه وتعالى يريد أن يستحضر حالة إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان ~~القواعد من البيت.. والله يريد من المؤمنين أن يتصوروا عملية الرفع، فلم ~~يكن إبراهيم يملك سلما حتى يرفعه ويقف فوقه، ولم يكن يملك " سقالة ".. ~~ولكن غياب هذه النعم لم يمنع إبراهيم من أن يتحايل ويأتي بالحجر. إن الله ~~يريد منا ألا ننسى هذه العملية، وإبراهيم وابنه إسماعيل يذهبان للبحث عن ~~حجر، ولابد أن يكون الحجر خفيف الوزن ليستطيعا أن يحملاه إلى مكان ~~البناء.. ثم يقف إبراهيم على الحجر وإسماعيل ms0395 يناوله الأحجار الأخرى التي ~~سيتم بها رفع القواعد من البيت. ورغم المشقة التي يتحملها الاثنان.. هما ~~سعيدان.. وكل ما يطلبانه من الله هو أن يتقبل منهما.. والقبول والمقابلة ~~والاستقبال كلها من مادة مواجهة.. أي أنهما يسألان الله في موقف المعرض ~~عن عمله، إنهما لا يريدان إلا الثواب: { تقبل منآ } [البقرة: ~~127] أي أعطنا الثواب عما نعمله لأجلك وتنفيذا لأمرك. وقوله تعالى: { ~~إنك أنت السميع العليم } [البقرة: 127].. أي أنت يا رب ~~السميع الذي تسمع دعاءنا وتسمع ما نقول.. " والعليم ".. العليم بنيتنا ~~ومدى إخلاصنا لك.. وإننا نفعل هذا العمل ابتغاء لوجهك ولا نقصد غيرك.. ~~ذلك أن الأعمال بالنيات، وقد يعمل رجلان عملا واحدا. أحدهما يثاب لأنه ~~يعمله إرضاء لله وتقربا منه والآخر لا يثاب لأنه يفعله من أجل الدنيا. ~~والله سبحانه وتعالى عليم بالنية. فإن كان العمل خالصا لله تقبله، وإذا ~~لم يكن خالصا لوجهه لا يتقبله.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو ~~امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " # إذن فالعمل إن لم يكن خالصا لله فلا ثواب عليه. ### || [2.128] # هناك فرق بين أن تكلف بشيء فتفعله بحب، وأن تفعل شكلية التكليف ~~وتخرج من عملك خروج الذي ألقى عن كاهله عبء التكليف.. في هذه الآية ~~الكريمة دعاء إبراهيم وابنه إسماعيل، وكانا يقولان يا رب أنت أمرتنا أن ~~نرفع القواعد من البيت وقد فعلنا ما أمرتنا.. وليس معنى ذلك أننا اكتفينا ~~بتكليفك لنا لأننا نريد أن نذوق حلاوة التكليف منك مرات ومرات.. { ~~ربنا واجعلنا مسلمين لك } [البقرة: 128] نسلم كل أمورنا ~~إليك. إن الإنسان لا يمكن أن ينتهي من تكليف ليطلب تكليفا غيره إلا إذا ~~كان قد عشق حلاوة التكليف ووجد فيه استمتاعا.. ولا يجد الإنسان ~~استمتاعا في التكليف إلا إذا استحضر الجزاء عليه.. كلما عمل شيئا ~~استحضر النعيم الذي ينتظره على هذا العمل فطلب المزيد. إبراهيم وإسماعيل ms0396 ~~عليهما السلام بمجرد أن فرغا من رفع القواعد من البيت قالا: { ربنا ~~واجعلنا مسلمين لك } [البقرة: 128] ولم يكتفيا بذلك بل ~~أرادا امتداد حلاوة التكليف إلى ذريتهما من بعدهما.. فيقولان: { ومن ~~ذريتنآ أمة مسلمة لك } [البقرة: 128].. ليتصل أمد ~~منهج الله في الأرض ويستمر التكليف من ذرية إلى ذرية إلى يوم القيامة.. ~~ثم يقولان: { وأرنا مناسكنا } [البقرة: 128].. أي بين لنا ~~يا رب ما تريده منا.. بين لنا كيف نعبدك وكيف نتقرب إليك.. والمناسك ~~هي الأمور التي يريد الله سبحانه وتعالى أن نعبده بها. وقوله: { ~~وأرنا مناسكنا } [البقرة: 128] ترينا أن إبراهيم يرغب في فتح ~~أبواب التكليف على نفسه، لأنه لا يرى في كل تكليف إلا تطهيرا للنفس ~~وخيرا للذرية ونعيما في الآخرة.. ولذلك يقول كما يروي لنا الحق: { ~~وتب علينآ إنك أنت التواب الرحيم } [البقرة: ~~128].. وتب علينا ليس ضروريا أن نفهمها على أنها توبة من المعصية.. وأن ~~إبراهيم وإسماعيل وقعا في المعصية فيريدان التوبة إلى الله.. وإنما ~~لأنهما علما أن من سيأتي بعدهما سيقع في الذنب فطلبا التوبة لذريتهما.. ~~ومن أين علما؟ عندما قال الله سبحانه وتعالى لإبراهيم: # ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب ~~النار وبئس المصير # [البقرة: 126].. لقد طلبا من الله تبارك وتعالى التوبة والرحمة ~~لذريتهما.. والله يحب التوبة من عباده وهو سبحانه أفرح بتوبة عبده المؤمن ~~من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في فلاة.. لأن المعصية عندما تأخذ ~~الإنسان من منهج الله لتعطيه نفعا عاجلا فإن حلاوة الإيمان - إن كان ~~مؤمنا - ستجذبه مرة أخرى إلى الإيمان بعيدا عن المعاصي.. ولذلك قيل إن ~~انتفعت بالتوبة وندمت على ما فعلت، فإن الله لا يغفر لك ذنوبك فقط، ولكن ~~يبدل سيئاتك حسنات.. وقلنا إن تشريع التوبة كان وقاية للمجتمع كله من أذى ~~وشر كبير.. لأنه لو كان الذنب الواحد يجعلك خالدا في النار، ولا توبة ~~بعده لتجبر العصاة وازدادوا شرا.. ولأصيب المجتمع كله بشرورهم ~~وليئس الناس من آخرتهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " كل بني آدم خطاء وخير ms0397 الخطائين التوابون " # لذلك فمن رحمة الله سبحانه أنه شرع لنا التوبة ليرحمنا من شراسة الأذى ~~والمعصية. ### || [2.129] # دعا إبراهيم عليه السلام الله سبحانه وتعالى ليتم نعمته على ذريته ويزيد ~~رحمته على عباده.. بأن يرسل لهم رسولا يبلغهم منهج السماء، حتى لا تحدث ~~فترة ظلام في الأرض تنتشر فيها المعصية والفساد والكفر، ويعبد الناس فيها ~~الأصنام كما حدث قبل إبراهيم. كلمة { رسولا منهم } [البقرة: 129] ~~ترد على اليهود الذين أحزنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب، ~~وأن الرسالة كان يجب أن تكون فيهم.. ونحن نقول لهم إن جدنا وجدكم إبراهيم ~~وأنتم من ذرية يعقوب بن إسحاق. ومحمد صلى الله عليه وسلم من ذرية إسماعيل ~~بن إبراهيم وأخ لإسحاق.. ولا حجة لما تدعونه من أن الله فضلكم ~~واختاركم على سائر الشعوب.. إنما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يسلب منكم ~~النبوة لأنكم ظلمتم في الأرض، وعهد الله لا ينال الظالمين. أراد الحق ~~تبارك وتعالى أن يقول لهم إن هذا النبي من نسل إبراهيم وإنه ينتمي إلى ~~إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام. وقوله تعالى: { يتلوا عليهم ~~آياتك } [البقرة: 129].. أي آيات القرآن الكريم. وقوله تعالى: { ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة } [البقرة: 129].. يجب أن نعرف ~~أن هناك فرقا بين التلاوة وبين التعليم.. فالتلاوة هي أن تقرأ القرآن، ~~أما التعليم فهو أن تعرف معناها وما جاءت به لتطبقه وتعرف من أين جاءت.. ~~وإذا كان الكتاب هو القرآن الكريم، فإن الحكمة هي أحاديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم التي قال الحق سبحانه وتعالى فيها في خطابه لزوجات النبي: # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة.. # [الأحزاب: 34]. وقوله تعالى: { ويزكيهم } [البقرة: 129] أي ~~ويطهرهم ويقودهم إلى طريق الخير وتمام الإيمان. وقوله جل جلاله: { ~~إنك أنت العزيز الحكيم } [البقرة: 129].. أي العزيز الذي لا ~~يغلب لجبروته ولا يسأله أحد.. " والحكيم " الذي لا يصدر منه الشيء إلا ~~بحكمة بالغة. ### || [2.130] # ما هي ملة إبراهيم؟ إنها عبادة الله وحده لا شريك له وعشق التكاليف ~~فإبراهيم وفى كل ما كلفه به الله ms0398 وزاد عليه.. وقابل الابتلاء بالطاعة ~~والصبر.. فعندما ابتلاه الله بذبح ابنه الوحيد لم يتردد، وكان يؤدي ~~التكاليف بعشق، ويحاول أن يستبقي المنهج السليم في ذريته. قوله تعالى: { ~~ومن يرغب } [البقرة: 130] يعني يعرض ويرفض. ويقال رغب في كذا أي ~~أحبه وأراده. ورغب عن كذا أي صد عنه وأعرض.. والذين يصدون عن ملة ~~إبراهيم ويرفضونها هؤلاء هم السفهاء الجهلة، لذلك قال عنهم الله سبحانه ~~وتعالى: { إلا من سفه نفسه } [البقرة: 130].. دليل على ضعف ~~الرأي وعدم التفرقة بين النافع والضار.. فعندما يكون هناك من ورثوا مالا ~~وهم غير ناضجي العقل لا يتفق عقلهم مع سنهم نسميهم السفهاء.. والسفيه هو ~~من لم ينضج رأيه ولذلك تنقل قوامته على ماله إلى ولي أو وصي لأنه ~~بسفهه غير قادر على أن ينفق المال فيما ينفع.. والقرآن الكريم ~~يعالج هذه المسألة علاجا دقيقا فيقول: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل الله ~~لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم ~~قولا معروفا # [النساء: 5]. نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى سمى أموال السفهاء بأموالي ~~الولي ولم يعتبرها مال السفيه لأنه ليس أهلا للقيام عليها.. وجعل هذه ~~الأموال تحت إشراف شخص آخر أكثر نضجا وحكمة. وقوله تعالى: " أموالكم " ~~ليكون الولي أو الوصي حريصا عليها كماله أو أكثر ولكن هو قيم ~~فقط.. فإذا بلغ الإنسان سن الرشد أو شفي السفيه من سفاهته يرد إليه ~~ماله ليتصرف فيه. ونحن نرى عددا من الأبناء يرفعون قضايا على آبائهم ~~وأمهاتهم يتهمونهم فيها بالسفه لأنهم لا يحسنون التصرف في أموالهم.. ثم ~~يأخذون هذه الأموال ويبعثرونها هم.. والذي يجب أن يعلمه كل من يقوم ~~بهذه العملية أنه لا حق له في إنفاق المال وتبذيره لحسابه الخاص، ولكن ~~هناك حكمين: إما أن يكون الشخص فقيرا فله أن يأكل بالمعروف.. وإما أن ~~يكون غنيا فيجعل عمله في الولاية لله لا يتقاضى عنه شيئا.. أما أن يأخذ ~~المال ويبعثره على نفسه وشهواته وعلى زوجته وأولاده فهذا مرفوض ويحاسب ~~عليه.. والله سبحانه وتعالى يقول: # ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا ~~فليأكل ms0399 بالمعروف.. # [النساء: 6]. إذن: الذي يعرض عن ملة إبراهيم هو سفيه، لا يملك عقلا ~~يميز بين الضار والنافع. ويقول الله سبحانه وتعالى: { ولقد ~~اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين } [البقرة: 130].. اصطفاه في الدنيا بالمنهج، وبأن جعله ~~إماما وبالابتلاء.. وكثير من الناس يظن أن ارتفاع مقامات بعضهم في أمور ~~الدنيا هو اصطفاء من الله لهم بأن أعطاهم زخرف الحياة الدنيا، ويكون هذا ~~مبررا لأن يعتقدوا أن لهم منزلة عالية في الآخرة.. نقول لا، فمنازل ~~الدنيا لا علاقة لها بالآخرة. ولذلك قال الله تبارك وتعالى: { ولقد ~~اصطفيناه في الدنيا } [البقرة: 130].. وأضاف: { وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين } [البقرة: 130].. لنعلم أن إبراهيم عليه ~~السلام له منزلة عالية في الدنيا ونعيم في الآخرة أي الاثنين معا. ### || [2.131] # والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه قال لإبراهيم أسلم فقال ~~أسلمت.. إذن: فمطلوب الحق سبحانه وتعالى من عبده أن يسلم إليه.. ولم يقل ~~الحق أسلم إلي، لأنها مفهومة.. ولم يقل أسلم لربك لأن الإسلام لا يكون ~~إلا لله. لأنه هو سبحانه المأمون علينا.. على أن إبراهيم عليه السلام قال ~~في رده: { أسلمت لرب العالمين } [البقرة: 131]. ومعنى ذلك ~~أنه لن يكون وحده في الكون. لأنه إذا أسلم لله الذي سخر له ما في ~~السماوات والأرض.. يكون قد انسجم مع الكون المخلوق من الله للإنسان.. ~~ومن أكثر نضجا في العقل ممن يسلم وجهه لله سبحانه.. لأنه يكون بذلك ~~قد أسلمه إلى عزيز حكيم قوي لا يقهر، قادر لا تنتهي قدرته.. غالب لا ~~يغلب، رزاق لا يأتي الرزق إلا منه. فكأنه أسلم وجهه للخير كله. والدين ~~- عند الله سبحانه وتعالى منذ عهد آدم إلى يوم القيامة - هو إسلام الوجه ~~لله، ولماذا الوجه؟ لأن الوجه أشرف شيء في الإنسان يعتز به ويعتبره سمة ~~من سمات كرامته وعزته.. ولذلك فنحن حين نريد منتهى الخضوع لله في الصلاة ~~نضع جباهنا ووجوهنا على الأرض.. وهذا منتهى الخشوع والخضوع أن تضع أشرف ~~ما فيك وهو وجهك على الأرض إعلانا لخضوعك لله سبحانه وتعالى. ms0400 والله جل ~~جلاله يريد من الإنسان أن يسلم قيادته لله.. بأن يجعل اختياراته في ~~الدنيا لما يريده الله تبارك وتعالى.. فإذا تحدث لا يكذب، لأن الله يحب ~~الصدق، وإذا كلف بشيء يفعله لأن التكليف في صالحنا ولا يستفيد الله ~~منه شيئا.. وإذا قال الله تعالى تصدق بمالك أسرع يتصدق بماله ~~ليرد له أضعافا مضاعفة في الآخرة وبقدرة الله. وهكذا نرى أن الخير ~~كله للإنسان هو أن يجعل مراداته في الحياة الدنيا طبقا لما أراده الله.. ~~وفي هذه الحالة يكون قد انسجم مع الكون كله وتجد أن الكون يخدمه ويعطيه ~~وهو سعيد. أما من يسلم وجهه لغير الله فقد اعتمد على قوي يمكن أن ~~يضعف، وعلى غني يمكن أن يفتقر.. وعلى موجود يمكن أن يموت ويصبح لا ~~وجود له.. ولذلك فهو في هذه الحالة يتصف بالسفاهة لأنه اعتمد على الضار ~~وترك النافع. ### || [2.132] # عندما تقرأ كلمة " وصى " فاعلم أن الوصية تأتي لحمل الإنسان على شيء ~~نافع في آخر وقت لك في الدنيا لأن آخر ساعات الإنسان في الدنيا إن كان قد ~~عاش فيها يغش الناس جميعا فساعة يحتضر لا يغش نفسه أبدا ولا يغش أحدا ~~من الناس لماذا؟ لأنه يحس أنه مقبل على الله سبحانه فيقول كلمة الحق. ~~النصح أو الوصية هي عظة تحب أن يستمسك بها من تنصحه، وتقولها له مخلصا ~~في آخر لحظة من لحظات حياته.. ولذلك سيأتي الله سبحانه وتعالى ليبين لنا ~~ذلك في قوله: # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي # [البقرة: 133]. وهكذا يريد الله سبحانه أن يبين لنا أن الوصية دائما ~~تكون لمن تحب.. وأن حب الإنسان لأولاده أكيد سواء أكان هذا الإنسان ~~مؤمنا أم كافرا.. ونحن لا نتمنى أن يكون في الدنيا من هو أحسن منا إلا ~~أبناؤنا ونعمل على ذلك ليكون لهم الخير كله. وصى إبراهيم بنيه، ويعقوب ~~وصى بنيه.. وكانت الوصية { يابني إن الله اصطفى لكم ~~الدين } [البقرة: 132] إذن: فالوصية لم تكن أمرا من عند إبراهيم ms0401 ولا ~~أمرا من عند يعقوب. ولكن كانت أمرا اختاره الله للناس فلم يجد إبراهيم ~~ولا يعقوب أن يوصيا أولادهما إلا بما اختاره الله.. فكأن إبراهيم ائتمن ~~الله على نفسه فنفذ التكاليف وائتمنه على أولاده فأراد منهم أن يتمسكوا ~~بما اختاره لهم الله. قوله تعالى: { ووصى بهآ إبراهيم ~~بنيه ويعقوب.. } [البقرة: 132].. إبراهيم هو الأب الكبير وابنه ~~إسحاق وابن إسحاق يعقوب.. ويعقوب هو الأب المباشر لليهود.. ويعقوب وصاهم ~~كما يروي لنا القرآن الكريم: { يابني إن الله اصطفى ~~لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ~~[البقرة: 132]. أنت لا تنهى إنسانا عن أمر إلا إذا كان في إمكانه أن ~~يتجنبه، ولا تأمره به إلا إذا كان في إمكانه أن ينفذه.. فهل يملك أولاد ~~يعقوب أن يموتوا وهم مسلمون؟ والموت لا يملكه أحد.. إنه يأتي في أي وقت ~~فجأة.. ولكن ما دام يعقوب قد وصى بنيه: { لا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون } [البقرة: 132] فالمعنى لا تفارقوا الإسلام لحظة ~~حتى لا يفاجئكم الموت إلا وأنتم مسلمون. والله سبحانه وتعالى أخفى موعد ~~الموت ومكانه وسببه.. ليكون هذا إعلاما به ويتوقعه الناس في أي سن وفي ~~أي مكان وفي أي زمان.. ولذلك قد نلتمس العافية في أشياء يكون الموت ~~فيها.. والشاعر يقول: # إن نام عنك فكل طب نافع # أو لم ينم فالطب من أسبابه # أي إن لم يكن قد جاء الأجل، فالطب ينفعك ويكون من أسباب الشفاء.. أما ~~إذا جاء الأجل فيكون الطب سببا في الموت، كأن تذهب لإجراء عملية جراحية ~~فتكون سبب موتك.. فالإنسان لابد أن يتمسك بالإسلام وبالمنهج ولا يغفل عنه ~~أبدا.. حتى لا يأتيه الموت في غفلته فيموت غير مسلم.. والعياذ بالله. ### || [2.133] # هذا خطاب من يعقوب ينطبق ويمس اليهود المعاصرين لنزول القرآن الكريم.. ~~يعقوب قال لأبنائه ماذا تعبدون من بعدي: { قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا ونحن له مسلمون } [البقرة: 133].. هذا إقرار من ~~الأسباط أبناء يعقوب بأنهم مسلمون وأن آباءهم مسلمون.. وتأمل دقة الأداء ~~القرآني في قوله تعالى: { نعبد إلهك وإله ms0402 آبائك.. } ~~[البقرة: 133].. فكأنه لم يحدث بعد موت إبراهيم وحين كان يعقوب يموت لم ~~يحدث أن تغير المعبود وهو الله سبحانه وتعالى الواحد.. ولذلك قالوا كما ~~يروي لنا القرآن الكريم: { إلها واحدا } [البقرة: 133].. وسنأخذ ~~من هذه الآية لقطة تفيدنا في أشياء كثيرة لأن القرآن سيتعرض في قصة ~~إبراهيم أنه تحدث مع أبيه في شئون العقيدة.. فقال كما يروي لنا القرآن ~~الكريم: # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما ~~آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين # [الأنعام: 74]. ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلالة ~~إسماعيل ابن إبراهيم.. والرسول عليه الصلاة والسلام قال: # " أنا سيد ولد آدم " # فإذا كان آزر أبو إبراهيم كافرا وعابدا للأصنام.. فكيف تصح سلسلة ~~النسب الشريف؟ نقول إنه لو أن القرآن قال " وإذ قال إبراهيم لأبيه " وسكت ~~لكان المعنى أن المخاطب هو أبو إبراهيم.. ولكن قول الله: " لأبيه آزر ".. ~~جاءت لحكمة. لأنه ساعة يذكر اسم الأب يكون ليس الأب ولكن العم.. فأنت إذا ~~دخلت منزلا وقابلك أحد الأطفال تقول له هل أبوك موجود ولا تقول أبوك ~~فلان لأنه معروف بحيث لن يخطئ الطفل فيه.. ولكن إذا كنت تقصد العم فإنك ~~تسأل الطفل هل أبوك فلان موجود؟ فأنت في هذه الحالة تقصد العم ولا تقصد ~~الأب.. لأن العم في منزلة الأب خصوصا إذا كان الأب متوفيا. إذن قول ~~الحق سبحانه وتعالى: " لأبيه آزر " بذكر الاسم فمعناه لعمه آزر.. فإذا ~~قال إنسان هل هناك دليل على ذلك؟ نقول نعم هناك دليل من القرآن في هذه ~~الآية الكريمة: { أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب ~~الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا ~~نعبد إلهك وإله آبائك.. } [البقرة: 133].. والآباء ~~جمع أب، ثم حدد الله تبارك وتعالى الآباء، إبراهيم وهو الجد يطلق عليه ~~أب.. وإسماعيل وهو العم يطلق عليه أب وإسحاق وهو أبو يعقوب وجاء إسماعيل ~~قبل إسحاق. إذن ففي هذه الآية جمع أب من ثلاثة هم إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق.. ويعقوب الذي حضره الموت وهو ابن إسحاق، ولكن أولاد ms0403 يعقوب لما ~~خاطبوا أباهم قالوا آباءك ثم جاءوا بأسمائهم بالتحديد. # . وهم إبراهيم الجد وإسماعيل العم وإسحاق أبو يعقوب، وأطلقوا عليهم ~~جميعا لقب الأب.. فكأن إسماعيل أطلق عليه الأب وهو العم وإبراهيم أطلق ~~عليه الأب وهو الجد وإسحاق أطلق عليه الأب وهو الأب.. فإذا قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا أشرف الناس حسبا ولا فخر " # يقول بعض الناس كيف ذلك ووالد إبراهيم كان غير مسلم.. ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " أنا سيد ولد آدم " # فإذا قال أحدهم كيف هذا وأبو إبراهيم عليه السلام كان مشركا عابدا ~~للأصنام.. نقول له لم يكن آزر أبا لإبراهيم وإنما كان عمه، ولذلك قال ~~القرآن الكريم " لأبيه آزر " وجاء بالاسم يريد به الأبوة غير الحقيقية.. ~~فأبوة إبراهيم وأبوة إسحاق معلومة لأولاد يعقوب.. ولكن إسماعيل كان ~~مقيما في مكة بعيدا عنهم، فلماذا جاء اسمه بين إبراهيم وإسحاق؟ نقول ~~جاء بالترتيب الزمني لأن إسماعيل أكبر من إسحاق بأربعة عشر عاما.. وكونه ~~وصف الثلاثة بأنهم آباء.. إشارة لنا من الله سبحانه وتعالى أن لفظ الأب ~~يطلق على العم.. والله تبارك وتعالى يريدنا أن نتنبه لمعنى كلمة آزر.. ~~ويريد أن يلفتنا أيضا إلى أن تعدد البلاغ عن الله لا يعني تعدد الآلهة.. ~~لذلك قال سبحانه: { إلها واحدا } [البقرة: 133].. ### || [2.134] # وقوله تعالى: " خلت " أي انفردت. وخلا فلان بفلان أي انفرد به.. وخلا ~~المكان من نزيله أي أصبح المكان منفردا، والنزيل منفردا ولا علاقة ~~لأحدهما بالآخر.. الله تبارك وتعالى يقول: # وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ~~إنما نحن مستهزئون # [البقرة: 14]. أي انفردوا هم وشياطينهم ولم يعد في المكان غيرهم ولقد ~~قلنا إن كل حدث لابد أن يكون له محدث، ولا حدث يوجد بذاته، وكل حدث ~~يحتاج إلى زمان ويحتاج إلى مكان.. فإذا قال الحق تبارك وتعالى: { تلك ~~أمة قد خلت } فمعناه إنه انقضى زمانها وانفرد عن زمانكم. ~~والمقصود بقوله تعالى: { تلك أمة قد خلت } [البقرة: 134] أي ~~انتهى زمانها.. وتلك اسم إشارة لمؤنث مخاطب وأمة هي المشار إليه، ms0404 والخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ولعامة المسلمين.. والله سبحانه وتعالى حين ~~يقول: { تلك أمة } [البقرة: 134] فكأنها مميزة بوحدة عقيدتها ~~ووحدة إيمانها حتى أصبحت شيئا واحدا.. ولذلك لابد أن يخاطبها بالوحدة.. ~~واقرأ قوله تعالى: # إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم ~~فاعبدون # [الأنبياء: 92]. وتلك هنا إشارة لأمة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب.. ~~هم جماعة كثيرة لهم عقيدة واحدة. وقوله تعالى: { لها ما كسبت ~~ولكم ما كسبتم } [البقرة: 134].. أي تلك جماعة على دين واحد ~~تحاسب عما فعلته كما ستحاسبون أنتم على ما فعلتم.. ولكن الله سبحانه ~~وتعالى يقول: # إن إبراهيم كان أمة.. # [النحل: 120]. وإبراهيم فرد وليس جماعة؟ نقول: نعم إن إبراهيم فرد، ولكن ~~اجتمعت فيه من خصال الخير ومواهب الكمال ما لا يجتمع إلا في أمة. وقوله ~~تعالى: { قد خلت } [البقرة: 134] يراد بها إفهام اليهود ألا ينسبوا ~~أنفسهم إلى إبراهيم نسبا كاذبا لأن نسب الأنبياء ليس نسبا دمويا أو ~~جنسيا أو انتماء.. وإنما نسب منهج واتباع.. فكأن الحق يقول لليهود لن ~~ينفعكم أن تكونوا من سلالة إبراهيم ولا إسحاق ولا يعقوب.. لأن نسب النبوة ~~هو نسب إيماني فيه اتباع للمنهج والعقيدة.. ولا يشفع هذا النسب يوم ~~القيامة لأن لكل واحد عمله. قوله تعالى: { لها ما كسبت ولكم ~~ما كسبتم } [البقرة: 134].. الكسب يؤخذ على الخير والاكتساب يؤخذ ~~في الشر لأن الشر فيه افتعال. إننا لابد أن نلتفت ونتنبه إلى آيات القرآن ~~الكريم، حتى نستطيع أن نرد على أولئك الذين يحاولون الطعن في القرآن.. ~~فلا يوجد معنى لآية تهدمها آية أخرى ولكن يوجد عدم فهم. يأتي بعض ~~المستشرقين ليقول هناك آية في القرآن تؤكد أن الله سبحانه وتعالى يعطي ~~بالأنساب وذلك في قوله جل جلاله: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم ~~من شيء.. # [الطور: 21]. الأبناء مؤمنون، وقوله تعالى: " ألحقنا بهم ذريتهم " كلمة ~~ألحقنا تأتي عندما تلحق ناقصا بكامل.. فإذا كان الاثنان مؤمنين فكأنك ~~تزيد درجة الأبناء إكراما لآبائهم المؤمنين.. نقول إن الإيمان شيء ~~والعمل بمقتضى الإيمان شيء آخر.. ms0405 الأب والذرية مؤمنون ولكن الآباء تفانوا ~~في العمل والأبناء ربما قصروا قليلا.. ولكن هنا رفع درجة بالنسبة ~~للمؤمنين، أي لابد أن يكون الأب والذرية مؤمنين.. ولكن غير المؤمنين ~~مبعدون ليس لهم علاقة بآبائهم انقطعت الصلة بينهم بسبب الإيمان والكفر.. ~~فالآباء لهم أعمال حسنة كثيرة.. والأبناء لهم أعمال حسنة أقل.. ينزل الله ~~الأبناء في الجنة مع آبائهم لأن الإيمان واحد. وقوله تعالى: " وما ~~ألتناهم " أي أنقصناهم من عملهم من شيء.. إذن فالآباء والذرية مأخوذون ~~بإيمانهم، والله بفضله يلحق الأبناء بالآباء. قوله تعالى: { لها ما ~~كسبت ولكم ما كسبتم } [البقرة: 134].. هذه عملية الإيمان ~~في العقيدة.. قد يقول البعض إن الله تبارك وتعالى يقول: # كل امرىء بما كسب رهين # [الطور: 21]. ويقول سبحانه: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]. فكيف يأخذ الأبناء جزاء بدون سعي؟ نقول افهموا النصوص ~~جيدا. قوله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } ~~[النجم: 39] تحدد العدل ولكنها لا تحدد الفضل الذي يعطيه الله سبحانه لمن ~~شاء من عباده، وهذا يعطي بلا حساب.. ثم من الذي قال إن هذا ليس من ~~سعيهم؟ إن إلحاق الأبناء المؤمنين بالمنزلة العالية لآبائهم تكريم لعمل ~~الآباء وليس زيادة لعمل الأبناء. ولقد روى لنا العلماء أن ولدا كان ~~مؤمنا طائعا عابدا وأبوه كان مسرفا على نفسه.. فلما مات الأب حزن ~~عليه ابنه، ولكنه رأى أن أباه جالس فوق رأسه ومعه واحدة من الحور العين ~~تؤنسه.. فتعجب الابن كيف ينال أبوه هذه المكافأة وقد كان مسرفا على نفسه ~~فسأله: كيف وصلت لهذه المنزلة؟ فقال الأب أي منزلة.. قال الابن أن تكون ~~معك واحدة من الحور العين.. فقال الأب وهل فهمت أنها نعيم لي.. قال الابن ~~نعم.. فقال الأب: لا، أنا عقوبة لها.. الله سبحانه وتعالى يقول: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. إذن أنت في الآخرة ستفرح بفضل الله ورحمته أكثر من فرحك ~~بعملك الصالح.. مصداقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يدخل الجنة أحدا ms0406 عمله، قالوا ~~ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمته " # ربما يأتي أحد ويقول الصلاة على الميت ما هو القصد الشرعي منها. # . إن كانت تفيده فستكون الفائدة زيادة على عمله.. وإن لم تكن تعطيه أكثر ~~من عمله فما فائدتها؟. نقول ما دام الشرع كلفنا بها فلها فائدة. وهل تظن ~~أن الصلاة على الميت ليست من عمله؟ هي داخلة في عمله لأنه مؤمن وإيمانه ~~هو الذي دفعك للصلاة عليه.. والذي تدعو له بالخير وبالرحمة وبالمغفرة ~~ويتقبلها الله.. أيقال إنه أخذ غير عمله؟ لا إنك لم تدع له إلا بعد أن ~~أصابك الخير منه.. ولكنك لا تدعو مثلا لإنسان أخذ بيدك إلى خمارة أو إلى ~~فاحشة أو إلى منكر.. بل تدعو لمن أعطاك خيرا فإن استجاب الله لك فهو من ~~عمله. الله سبحانه وتعالى يقول إن ما كان يعمله من سبقكم من الأمم لا ~~تسألون عنه.. وإن كنتم تدعون إن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا ~~نقول لكم أنتم لن تسألوا عما كان يعمل إبراهيم ولكن عليكم أنفسكم.. ~~السؤال يكون عن عملكم. ### || [2.135] # عندما تأتي - قالوا - فمعناها أن الذين قالوا جماعة.. الذين قالوا هم ~~اليهود والنصارى. ولكن كلا منهم قال قولا مختلفا عن الآخر.. قالت ~~اليهود كونوا هودا. وقالت النصارى كونوا نصارى.. ونحن عندنا عناصر ~~ثلاثة: اليهود والنصارى والمشركون. ويقابل كل هؤلاء المؤمنون.. { ~~وقالوا كونوا } [البقرة: 135] من المقصود بالخطاب؟ المؤمنين.. أو ~~قد يكون المعنى وقالت اليهود للمؤمنين والمشركين والنصارى كونوا هودا.. ~~وقالت النصارى لليهود والمشركين والمؤمنين كونوا نصارى.. لأن كل واحد ~~منهما لا يرى الخير إلا في نفسه.. ولكن الإسلام جاء وأخذ من اليهودية ~~موسى وتوراته الصحيحة، وأخذ من المسيحية عيسى وإنجيله الصحيح.. وكل ما ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. ومعنى ذلك أن الإسلام أخذ وحدة الصفقة ~~الإيمانية المعقودة بين الله سبحانه وبين كل مؤمن.. ولذلك تجد في القرآن ~~الكريم قوله تعالى: # لا نفرق بين أحد من رسله.. # [البقرة: 285]. ونلاحظ أن المشركين لم يدخلوا في ms0407 القول لأنهم ليسوا أهل ~~كتاب. قوله تعالى: { بل ملة إبراهيم حنيفا } [البقرة: ~~135].. أي رد عليهم، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنني سأكون ~~تابعا لدين إبراهيم وهو الحنيفية.. وهم لا يمكن أن يخالفوا في إبراهيم ~~فاليهود اعتبروه نبيا من أنبيائهم.. والنصارى اعتبروه نبيا من أنبيائهم ~~ولم ينفوا عنه النبوة ولكن كلا منهم أراد أن ينسبه لنفسه. ما معنى ~~حنيفا؟ إن الاشتقاقات اللفظية لابد أن يكون لها علاقة بالمعنى اللغوي.. ~~الحنف ميل في القدمين أن تميل قدم إلى أخرى.. هو تقوس في القدمين فتميل ~~القدم اليمنى إلى اليسار أو اليسرى إلى اليمين هذا هو الحنف.. ولكن كيف ~~يؤتي بلفظ يدل على العوج ويجعله رمزا للصراط المستقيم؟. لقد قلنا إن ~~الرسل لا يأتون إلا عندما تعم الغفلة منهج الله.. لأنه ما دام وجد من ~~أتباع الرسول من يدعو إلى منهجه ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يكون ~~هناك خير. النفس البشرية لها ألوان.. فهناك النفس اللوامة تصنع شرا مرة ~~فيأتي من داخل النفس ما يستنكر هذا الشر فتعود إلى الخير.. ولكن هناك ~~النفس الأمارة بالسوء وهي التي لا تعيش إلا في الشر تأمر به وتغري ~~الآخرين بفعله.. إذا فسد المجتمع وأصبحت النفوس أمارة بالسوء ينطبق عليها ~~قول الحق سبحانه: # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.. # [المائدة: 79]. تتدخل السماء برسول يعالج اعوجاج المجتمع.. ولكن الله ~~تبارك وتعالى وضع عنصر الخيرية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام ~~الساعة. قال تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ~~ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون # [آل عمران: 110]. إذن فقد ائتمن الله تبارك وتعالى أمة محمد على ~~المنهج.. وما دام فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فلن يأتي رسول ~~بعد محمد صلى الله عليه وسلم. نعود إلى قوله تعالى حنيفا.. قلنا إن ~~الحنف هو الاعوجاج.. ونقول إن الاعوجاج عن المعوج اعتدال.. والرسل لا ~~يأتون إلا بعد اعوجاج كامل في المجتمع.. ليصرفوا الناس عن ms0408 الاعوجاج ~~القائم فيميلون إلى الاعتدال.. لأن مخالفة الاعوجاج اعتدال.. وقوله ~~تعالى: " حنيفا " تذكرنا بنعمة الله على الوجود كله لأنه يصحح غفلة ~~البشر عن منهج الله ويأخذ الناس من الاعوجاج الموجود إلى الاعتدال.. ~~والهداية عند اليهود والنصارى مفهومها تحقيق شهوات نفوسهم لأن بشرا يهدي ~~بشرا.. والله سبحانه وتعالى قال: # ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ~~ملتهم.. # [البقرة: 120]. ولقد تعايش رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة مع ~~اليهود ولكنهم حاربوه ولم يرضوا عنه.. وإبراهيم عليه السلام كان مؤمنا ~~حقا ولم يكن مشركا.. ### || [2.136] # هذه الآية الكريمة تعطينا تفسيرا لقوله تعالى: # ملة إبراهيم # [البقرة: 135].. إيمان بالله وحده لا شريك له.. إيمان بما أنزل إلينا ~~وهو القرآن وما أنزل لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي ~~موسى أي التوراة وما أوتي عيسى أي الإنجيل وما أوتي النبيون بالإجمال.. ~~فالبلاغ الصحيح عن الله منذ عهد آدم حتى الآن هو وحدة العقيدة بأنه لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له.. ووحدة الكون بأن الله هو الخالق وهو ~~المدبر وكل شيء يخرج عن الألوهية لله الواحد الأحد.. وأن كل شيء يخرج عن ~~ذلك يكون من تحريف الديانات السابقة هو افتراء على الله سبحانه لا نقبله. ~~قوله تعالى: { قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا } ~~[البقرة: 136] وهو القرآن الكريم. ولا يمكن أن يعطف عليه ما يصطدم معه.. ~~ولذلك فإن ما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط هذه ملة ~~إبراهيم.. وهذا يؤكد لنا أن ملة إبراهيم من وحي الله إليه.. والرسالات ~~كلها كما قلنا تدعو لعبادة الله الواحد الأحد الذي لا شريك له. وقوله ~~تعالى: { ونحن له مسلمون } [البقرة: 136].. أي أن إبراهيم كان ~~مسلما وكل الأنبياء كانوا مسلمين وكل ما يخالف ذلك من صنع البشر.. ومعنى ~~الإسلام أن هناك مسلما ومسلما إليه هو الله عز وجل. ونحن نسلم له في ~~العبودية - سبحانه - وفي اتباع منهجه.. والإنسان لا يسلم وجهه إلا لمن هو ~~أقدر منه وأعلم منه وأقوى منه ولمن لا هوى له.. فإن تشككت ms0409 في أحد العناصر ~~فإسلامك ليس حقيقة وإنما تخيل.. وأنت لا تسلم زمامك لله سبحانه وتعالى ~~إلا وأنت متأكد أن قدراته سبحانه فوق قدرات المخلوقين جميعا، وأنه ~~سبحانه غني عن العالمين، ولذلك فإنه غير محتاج إلى ما في يدك بل هو يعطيك ~~جل جلاله من الخير والنعم ولا يوجد إلا الوجود الأعلى لتسلم وجهك له. ### || [2.137] # نقول إن السؤال الذي يطرح نفسه بالنسبة لهذه الآية.. هل لما آمنا به ~~مثل حتى يؤمنوا به؟ إنك لكي تؤمن لابد أن تقول لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله.. فهل إذا قالها أحد بعدك يكون قال ما قلته أم مثل ما قلته؟ يكون ~~قال مثل ما قلت. أي إنني حين أعلن إيماني وآخذ الشهادة التي قلتها أنت ~~أكون قد قلت مثلها لأن ما نطقت به لا يفارقك أنت.. ولكني إذا صنعت شيئا ~~وقلت لغيري اصنع مثله، هو سيصنع شيئا جديدا ولن يصنع ما صنعته أنا. نفس ~~الشيء حين تقول لي: تصدق بمثل ما تصدق به فلان.. لن تكون الصدقة هي نفس ~~المال بل تكون مثله. نقول لمن يردد هذا الكلام: إنك لم تفهم المعنى ~~إيمانهم أن يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإيمان غيرهم أن ~~يقولوا مثل هذه العبارة أي أن يعلنوا إيمانهم مثلنا بالله ورسوله.. ~~فالمثل هنا يرتبط بالشهادة وكل من آمن بالإسلام نطق بالشهادتين مثل من ~~سبقوه في الإيمان. فالمثلية هنا في العبارة وإيمانهم هو أن يقولوا مثل ما ~~قلنا. يقول الحق تبارك وتعالى: { فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم ~~به فقد اهتدوا } [البقرة: 137] أي اهتدوا إلى الحق.. { وإن ~~تولوا فإنما هم في شقاق } [البقرة: 137] وتولوا يعني ~~أعرضوا. وشقاق يعني خلافا معكم وخلافا مع بعضهم البعض فلكل منهم وجهة ~~نظر يدعيها، وهداية اخترعها.. حتى إذا التقوا في الكفر فلن يلتقوا في ~~أسباب الكفر كل واحد اتخذ سببا ولذلك اختلفوا.. والشقاق من المشقة ~~والنزاع والمشاجرة، والشق هو الفرقة بين شيئين. وقوله تعالى: { ~~فسيكفيكهم الله } [البقرة: 137] أي لا تلتفت إلى معاركهم ولا ~~إلى ms0410 حوارهم فالله يكفيك بكل الوسائل عمن سواه واقرأ قوله سبحانه: # أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من ~~دونه ومن يضلل الله فما له من هاد # [الزمر: 36]. الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم إذا ~~حاول اليهود والنصارى والمنافقون أن يكيدوا لك ويؤذوك والمؤمنين، فالله ~~سبحانه وتعالى يكفيك لأنه عليم سميع بصير لا يخفى عليه شيء.. ولقد حاول ~~اليهود قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة وحاولوا إيذاءه ~~بالسحر فأبطل الله كيدهم وأظهر ما خفي منه وأطلع رسوله عليه.. فمهما ~~استخدموا من وسائل ظاهرة أو خفية فسيكفيك الله شرها ولذلك قال تعالى: { ~~فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } [البقرة: ~~137].. أي سميع بما يقال، عليم بما يدبرونه. بل يعلم ما في صدورهم قبل أن ~~ينطقوا به.. فلا تعتقد أن شيئا يفوت على الله سبحانه أو يفلت منه. إن كل ~~حركة قبل أن تحدث يعلمها سبحانه، وكل كيد قبل أن يتم هو محبطه. فإذا كان ~~الله سبحانه وتعالى معك فماذا تخشى؟ وممن تخاف؟ ومن ذا الذي يستطيع أن ~~يصل إليك؟. وأنت معك خالق هذا الكون ومدبره الذي لا يخفى عليه شيء في ~~السماوات ولا في الأرض.. عليم بكل ما سيحدث حتى يوم القيامة وبعد يوم ~~القيامة.. وما دام معك القوي الذي لا يضعف أبدا والحي الذي لا يموت ~~أبدا والعليم بكل شيء فلا تخشى أحدا لأنك في أمان الله سبحانه. ### || [2.138] # ما هي الصبغة؟ الصبغة هي إدخال لون على شيء بحيث يغيره بلون آخر.. تصبغ ~~الشيء أحمر أو أزرق أو أي لون تختاره. والصبغ ينفذ في المصبوغ خاصة إذا ~~كان المصبوغ له شعيرات مسام كالقطن أو الصوف.. ولذلك فإن الألياف ~~الصناعية لا يمكن أن تصبغ لماذا؟ لأن شعرة القطن أو الصوف أشبه بالأنبوبة ~~في تركيبها. وإذا جئنا بقنديل من الزيت ووضعنا فيه فتيلا من القطن بحيث ~~يكون رأس الفتيل في الزيت ثم تشعله من أعلاه نجد أن الزيت يسري في ~~الأنابيب ويشعل الفتيل.. فإذا جربنا هذا في الألياف الصناعية ms0411 فلا يمكن أن ~~يسري فيها الزيت وإنما النار تأكل الألياف لأنه ليس فيها أنابيب شعرية ~~كالقطن والصوف.. ولذلك تجد الألياف الصناعية سهلة في الغسيل لأن العرق لا ~~يدخل في مسامها بينما الملابس القطنية تحتاج لجهد كبير لأن مسامها مشبعة ~~بالعرق والتراب. إذن الصبغة لابد أن تتدخل مادتها في مسام القماش.. أما ~~الطلاء فهو مختلف. إنه طبقة خارجية تستطيع أن تزيلها.. ولذلك فإن الذين ~~يفتون في طلاء الأظافر بالنسبة للسيدات ويقولون إنه مثل الحناء نقول لهم ~~لا.. الحناء صبغة تتخلل المادة الحية وتبقى حتى يذهب الجلد بها أي لا ~~تستطيع أن تزيلها عندما تريد.. ولكن الطلاء يمكن أن تزيله في أي وقت ولو ~~بعد إتمامه بلحظات.. إذن فطلاء الأظافر ليس صبغة. قوله سبحانه: { ~~صبغة الله } [البقرة: 138] فكأن الإيمان بالله وملة إبراهيم وما ~~أنزل الله على رسله هي الصبغة الإلهية التي تتغلغل في الجسد البشري.. ~~ولماذا كلمة صبغة؟ حتى نعرف أن الإيمان يتخلل جسدك كله.. إنه ليس صبغة من ~~خارج جسمك ولكنها صبغة جعلها الله في خلايا القلب موجودة فيه ساعة ~~الخلق.. ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه فأبواه يهودانه أو ~~ينصرانه أو يمجسانه " # فكأن الإيمان صبغة موجودة بالفطرة.. إنها صبغة الله.. فإن كان أبواه ~~مسلمين ظل على الفطرة. وإن كان أبواه من اليهود أو النصارى يهودانه أو ~~ينصرانه أي يأخذانه ويضعانه في ماء ويقولون صبغناه بماء المعمودية.. هذا ~~هو معنى صبغة الله. ويريد الحق سبحانه أن يبين لنا ذلك بأن يجعل من آيات ~~قدرته اختلاف ألواننا.. هذا الاختلاف في اللون من صبغة الله.. اختلاف ~~ألوان البشر ليس طلاء وإنما في ذات التكوين.. فيكون هذا أبيض وهذا أسمر ~~وهذا أصفر وهذا أحمر، هذه هي صبغة الله.. وما يفعلونه من تعميد للطفل لا ~~يعطي صبغة. # لأن الإيمان والدين لا يأتي من خارج الإنسان وإنما يأتي من داخله.. ~~ولذلك فإن الإيمان يهز كل أعضاء الجسد البشري. واقرأ قول الحق سبحانه ~~وتعالى: # الله ms0412 نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى ~~الله يهدي به من يشآء ومن يضلل الله فما له ~~من هاد # [الزمر: 23]. هذا هو التأثير الذي يضعه الله في القلوب.. أمر داخلي وليس ~~خارجيا.. أما إيمان غير المسلمين فهو طلاء خارجي وليس صبغة لأنهم تركوا ~~صبغة الله.. ونقول لهم: لا. هذا الطلاء من عندكم أنتم، أما ديننا فهو ~~صبغة الله.. وقوله تعالى: { ومن أحسن من الله صبغة.. } ~~[البقرة: 138].. استفهام لا يمكن أن يكذبوه ولكن الجواب يأتي على وفق ما ~~يريده السائل سبحانه من أنه لا يوجد من هو أحسن من الله صبغة. وقوله ~~تعالى: { ونحن له عابدون } [البقرة: 138] أي مطيعون لأوامره ~~والعابد هو من يطيع أوامر الله ويجتنب ما نهى عنه. والأوامر دائما تأتي ~~بأمر فيه مشقة يطلب منك أن تفعله والنهي يأتي عن أمر محبب إلى نفسك هناك ~~مشقة أن تتركه.. ذلك أن الإنسان يريد النفع العاجل، النفع السطحي، والله ~~سبحانه وتعالى يوجهنا إلى النفع الحقيقي.. النفع العاجل يعطيك لذة عاجلة ~~ويمنحك نعيما دائما في الآخرة وتمتعا بقدرات الله سبحانه وتعالى.. ~~وأنت حين تسمع المؤذن ولا تقوم للصلاة لأنها ثقيلة على نفسك قد أعطيت ~~نفسك لذة عاجلة كأن تشغل نفسك بالحديث مع شخص أو بلعب الطاولة أو بغير ~~ذلك.. وتترك ذلك النفع الحقيقي الذي يقودك إلى الجنة.. ولذلك قال الله ~~سبحانه: # إنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين ~~يظنون أنهم ملقوا ربهم.. # [البقرة: 45-46]. إذن العبادة أمر ونهي.. أمر يشق على نفسك فتستثقله، ~~ونهي عن شيء محبب إلى نفسك يعطيك لذة عاجلة ولذلك تريد أن تفعله.. إذن ~~فقوله تعالى: { ونحن له عابدون } [البقرة: 138].. أي مطيعون ~~لأوامره لأننا آمنا بالآمر إلها وربا يعبد.. فإذا آمنت حبب الله إليك ~~فعل الأشياء التي كنت تستثقلها وسهل عليك الامتناع عن الأشياء التي تحبها ~~لأنها تعطيك لذة عاجلة.. هذه هي صبغة الله التي تعطينا العبادة.. واقرأ ~~قوله تبارك وتعالى: # واعلموا أن فيكم رسول ms0413 الله لو يطيعكم في ~~كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب ~~إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون # [الحجرات: 7]. وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى بصبغة الإيمان يحبب إلينا ~~الخير ويجعلنا نبغض الشر.. لا عن رياء ونفاق خارج النفس كالطلاء ولكن ~~كالصبغة التي تتخلل الشيء وتصبح هي وهو شيئا واحدا لا يفترقان.. ### || [2.139] # تحديد الأمر بقل إيقاظ لمهمة التكليف عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم.. والله سبحانه وتعالى حين يقول لرسوله عليه الصلاة والسلام - قل - ~~كان يكفي أن يقول ما يريده سبحانه.. فأنت إذا قلت لابنك اذهب إلى أخيك ~~وقل له أبوك يأمرك بكذا فيذهب الولد ويقول هذا الكلام دون أن يقول كلمة ~~قل.. ولكن خطاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بكلمة قل تلفتنا إلى أن ~~هذا الأمر ليس من عنده ولكنه من عند الله سبحانه، ومهمة الرسول هي ~~البلاغ. إن تكرار كلمة " قل " في الآيات هي نسبة الكلام المقول إلى عظمة ~~قائله الأول وهو الله تبارك وتعالى.. فالكلام ليس من عند رسول الله ولكن ~~قائله هو الله جل جلاله. قوله تعالى: { قل أتحآجوننا في ~~الله وهو ربنا وربكم } [البقرة: 139].. المحاجة معناها ~~حوار بالحجة، كل من المتحاورين يأتي بالحجة التي تؤيد رأيه أو وجهة ~~نظره.. وإذا قرأت قوله تعالى: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه.. # [البقرة: 258]. أي قال كل منهما حجته.. ولابد أن يكونا خصمين كل منهما ~~يعاند رأيه الرأي الآخر وكل يحاول أن يأتي بالحجة التي تثبت صدق كلامه ~~فيرد عليه خصمه بالحجة التي تهدم هذا الكلام وهكذا. قوله تعالى: { ~~أتحآجوننا في الله وهو ربنا وربكم } [البقرة: ~~139].. وما دام الله رب الجميع كان من المنطق أن نلتقي لأنه ربي وربكم ~~حظنا منه سواء.. ولكن ما دامت قد قامت الحجة بيننا فأحدنا على باطل.. ~~واقرأ قوله سبحانه: # والذين يحآجون في الله من بعد ما استجيب له ~~حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم ~~عذاب شديد # [الشورى: 16]. والمحاجة لا يمكن أن تقوم ms0414 بين حق وحق وإنما تقوم بين حق ~~وباطل وبين باطل وباطل.. لأن هناك حقا واحدا ولكن هناك مائة طريق إلى ~~الباطل.. فما دامت المحاجة قد قامت بيننا وبينكم ونحن على حق فلابد أنكم ~~على باطل.. وليحسم الحق سبحانه وتعالى هذه المسألة ويمنع الجدل والجدال ~~قال سبحانه: { ولنآ أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن ~~له مخلصون } [البقرة: 139].. أي لا نريد جدلا لأن الجدل لن يفيد ~~شيئا.. نحن لنا أعمالنا وأنتم لكم أعمالكم وكل عمل سيجازى صاحبه عليه ~~بمدى إخلاصه لله.. ونحن أخلصنا العبادة لله وحدة وأنتم اتجهتم بعبادتكم ~~إلى ما تحبه أهواؤكم. إن الله سبحانه وتعالى الذي هو ربنا وربكم لا يفضل ~~أحدا على أحد إلا بالعمل الصالح المخلص لوجه الله.. ولذلك فنحن نضع ~~الإخلاص أولا وقد يكون العمل واحدا أمام الناس. # . هذا يأخذ به ثوابا وذلك يأخذ به وزرا وعذابا فالمهم هو أن يكون ~~العمل خالصا لله. قد يقول إنسان إن الإخلاص في العمل والعمل مكانه ~~القلب.. وما دام الإنسان لا يؤذي أحدا ولا يفعل منكرا فليس من الضروري ~~أن يصلي ما دامت النية خالصة.. نقول إن المسألة ليست نيات فقط ولكنها ~~أعمال ونيات.. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إنما الأعمال بالنيات " # فلابد من عمل بعد النية.. لأن النية تنتفع بها وحدك والعمل يعود على ~~الناس.. فإذا كان في نيتك أن تتصدق وتصدقت انتفع الفقراء بمالك.. ولكن ~~إذا لم يكن في نيتك فعل الخير وفعلته لتحصل على سمعة أو لترضي بشرا ~~انتفع الفقراء بمالك ولن تنتفع أنت بثواب هذا المال.. والله سبحانه ~~وتعالى يريد أن يقترن عملك بنية الإخلاص لله.. والعمل حركة في الحياة. ~~والنية هي التي تعطي الثواب لصاحبه أو تمنع عنه الثواب ولذلك يقول الله ~~جل جلاله: # إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم ويكفر عنكم ~~من سيئاتكم والله بما تعملون خبير # [البقرة: 271]. فالله سبحانه وتعالى يريدنا أن نتصدق.. والفقير سينتفع ~~بالصدقة سواء كانت نيتك أن يقال عنك رجل الخير المتصدق.. أو أن ms0415 يقال عنك ~~رجل البر والتقوى أو أن تخفي صدقتك.. فالعمل يفعل فينتفع به الناس سواء ~~أردت أم لم ترد. أنت إذا قررت أن تبني عمارة، النية هنا هي التملك. ولكن ~~انتفع ألوف الناس بهذا العمل ابتداء من الذي باع لك قطعة الأرض والذي أعد ~~لك الرسم الهندسي وعمال الحفر والذي وضع الأساس ومن قام بالبناء وغيرهم ~~وغيرهم.. هؤلاء انتفعوا من عملك برزق لهم.. سواء أكان في بالك الله أم لم ~~يكن في بالك الله فقد انتفعوا. إذن فكل عمل فيه نفع للناس أردت أو لم ~~ترد.. ولكن الله لا يجزي على الأعمال بإطلاقها وإنما يجزي على النيات ~~بإخلاصها.. فإن كان عملك خالصا لله جزاك الله عليه.. وإن كان عملك لهدف ~~آخر فلا جزاء لك عند الله لأنه سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك. إن الذين ~~يتعجبون من أن إنسانا كافرا قدم كشفا هاما للبشرية، ولكنه لم يكن ~~مؤمنا بالله.. يتعجبون أيعذب في النار؟ نقول نعم لأنه عمل وليس في قلبه ~~الله.. ولذلك يجازى في الحياة الدنيا، فتقام له التماثيل ويطلق اسمه على ~~الميادين ويخلد اسمه في الدنيا التي عمل من أجلها.. ولكن ما دام ليس في ~~نيته الله فلا جزاء له عند الله. ### || [2.140] # اليهود والنصارى ادعوا أن الأنبياء السابقين لموسى وعيسى كانوا يهودا ~~أو نصارى. فاليهود ادعوا أنهم كانوا يهودا.. والنصارى ادعوا أنهم كانوا ~~نصارى، الله سبحانه وتعالى يرد عليهم بقوله: { قل أأنتم أعلم ~~أم الله } [البقرة: 140]. والسؤال هنا لا يوجد له إلا رد واحد لأنهم ~~لن يستطيعوا أن يقولوا نحن أعلم من الله.. وقلنا إنه إذا طرح سؤال في ~~القرآن الكريم فلابد أن يكون جوابه مؤيدا بما يريده الحق سبحانه وتعالى ~~ولا يوجد له إلا جواب واحد.. ولذلك فإن قوله تعالى: { أأنتم ~~أعلم أم الله } [البقرة: 140] والله لاشك أعلم وهذا واقع. إذن ~~فكأن الله بالسؤال قد أخبر عن القضية.. ولكن يلاحظ في هذه الآية الكريمة ~~ذكر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط.. وفي ذكر إسماعيل دائما ~~مع إسحاق ويعقوب يدل ms0416 على وحدة البلاغ الإيماني عن الله لأن إسماعيل كان ~~في أمة العرب وإسحاق ويعقوب كانا في بني إسرائيل. والحق سبحانه وتعالى ~~يتحدث عن وحدة المصدر الإيماني لخلقه لأنه لا علاقة أن يكون إسماعيل ~~للعرب وإسحاق لغير العرب بوحدة المنهج الإلهي. ولذلك تقرأ قول الحق ~~تعالى: # قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له ~~مسلمون # [البقرة: 133]. والله الذي بعث إسماعيل هو الله الذي بعث إسحاق إله واحد ~~أحد.. وما دام الإله واحدا فالمنهج الإيماني لابد أن يكون واحدا.. فإذا ~~حدث خلاف فالخلاف من البشر الذين يحرفون المنهج ليحققوا شهوات ومكاسب ~~لهم.. وكل نفس لها ما كسبت فلن ينفعكم نسبكم إليهم ولن يضيف إليكم شيئا ~~في الآخرة.. إن كانوا مؤمنين فلن ينفعكم أن تكفروا وأن تقولوا نحن ننتسب ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق.. وإن كانوا غير ذلك فلا يضركم شيئا. ### || [2.141] # بعض الناس يقول إن هذه الآية مكررة فقد تقدمتها آية تقول: # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا ونحن له مسلمون * تلك أمة قد خلت لها ~~ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون # [البقرة: 133-134]. بعض السطحيين يقولون إن في هاتين الآيتين تكرارا.. ~~نقول إنك لم تفهم المعنى.. الآية الأولى تقول لليهود إن نسبكم إلى ~~إبراهيم وإسحاق لن يشفع لكم عند الله بما حرفتموه وغيرتموه في التوراة.. ~~وبما تفعلونه من غير ما شرع الله. فاعلموا أن عملكم هو الذي ستحاسبون ~~عليه وليس نسبكم. أما في الآية التي نحن بصددها فقد قالوا إن إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق كانوا هودا أو نصارى.. الله تبارك وتعالى لا يجادلهم ~~وإنما يقول لهم لنفرض - وهذا فرض غير صحيح - إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~كانوا هودا أو نصارى فهذا لن يكون عذرا لكم.. لأن لهم ما كسبوا ولكم ما ~~كسبتم، فلا تأخذوا ذلك حجة على الله يوم القيامة.. ولا تقولوا إننا كنا ~~نحسب أن إبراهيم وإسماعيل ms0417 وإسحاق كانوا هودا أو نصارى، أي كانوا على غير ~~دين الإسلام لأن هذه حجة غير مقبولة.. وهل أنتم أعلم أم الله سبحانه الذي ~~يشهد بأنهم كانوا مسلمين. إياك أن تقول إن هناك تكرارا.. فإن السياق في ~~الآية الأولى يقول لا شفاعة لكم يوم القيامة في نسبكم إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق.. والسياق في الآية الثانية يقول لا حجة لكم يوم القيامة ~~في قولكم إنهم كانوا هودا أو نصارى.. فلن ينفعكم نسبكم إليهم ولن يقبل ~~الله حجتكم.. وهكذا فإن المعنى مختلف تماما يمس موقفين مختلفين يوم ~~القيامة. ### || [2.142] # هذه الآية نزلت لتصفي مسألة توجه محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى ~~الكعبة بدلا من بيت المقدس.. وهذا أول نسخ في القرآن الكريم.. يريد الله ~~سبحانه وتعالى أن يعطيه العناية اللائقة لأنه سيكون مثار تشكيك وجدل عنيف ~~من كل من يعادي الإسلام فكفار قريش سيأخذون منه ذريعة للتشكيك وكذلك ~~المنافقون واليهود. الله تبارك وتعالى يريد أن يحدد المسألة قبل أن تتم ~~هذه التشكيكات.. فيقول جل جلاله: { سيقول السفهآء من الناس ~~ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } [البقرة: ~~142].. حرف السين هنا يؤكد أنهم لم يقولوا بعد.. ولذلك قال سبحانه: { ~~سيقول السفهآء } [البقرة: 142] فقبل أن يتم تحويل القبلة قال ~~الحق تعالى: إن هذه العملية ستحدث هزة عنيفة يستغلها المشككون. وبرغم أن ~~الله سبحانه وتعالى قال: { سيقول السفهآء } [البقرة: 142].. أي ~~أنهم لم يقولوها إلا بعد أن نزلت هذه الآية.. مما يدل على أنهم سفهاء ~~حقا لأن الله جل جلاله أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم في قرآن يتلى ~~ويصلى به ولا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة.. قال: { سيقول ~~السفهآء من الناس } [البقرة: 142].. فلو أنهم امتنعوا عن القول ~~ولم يعلقوا على تحويل القبلة لكان ذلك تشكيكا في القرآن الكريم.. لأنهم ~~في هذه الحالة كانوا يستطيعون أن يقولوا: إن قرآنا أنزله الله على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة.. قال: { ~~سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم } ~~[البقرة: 142].. ولم ms0418 يقل أحد شيئا.. ولكن لأنهم سفهاء فعلا.. والسفه ~~جهل وحمق وطيش قالوها.. فكانوا وهم الكافرون بالقرآن الذين يريدون هدم ~~هذا الدين من المثبتين للإيمان الذين تشهد أعمالهم بصدق القرآن. لأن الله ~~سبحانه قال: { سيقول السفهآء } [البقرة: 142] وهم قالوا فعلا.. ~~ولقد قال كفار مكة عن الكعبة إنها بيتنا وبيت آبائنا وليست بيت الله.. ~~فصرف الله رسوله في أول الإسلام ووجهه إلى بيت المقدس.. وعندئذ قال ~~اليهود: يسفه ديننا ويتبع قبلتنا.. والله سبحانه وتعالى أراد أن يحتوي ~~الإسلام كل دين قبله فتكون القداسة للكل.. ولذلك أسرى برسول صلى الله ~~عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس.. حتى يدخل بيت المقدس في مقدسات ~~الإسلام لأنه أصبح محتوى في الإسلام. ولم يشأ الله أن يجعل القبلة إلى ~~الكعبة أول الأمر لأنهم كانوا يقدسونها على أنها بيت العرب وكانوا يضعون ~~فيها أصنامهم.. ووضع الأصنام في الكعبة شهادة بأن لها قداسة في ذاتها.. ~~فالقداسة لم تأت بأصنامهم بل هم أرادوا أن يحموا هذه الأصنام فوضعوها في ~~الكعبة. # . لماذا لم يضعوها في مكان آخر؟ لأن الكعبة مقدسة بدون أصنام. والله ~~سبحانه وتعالى حين قال: { سيقول السفهآء من الناس ما ~~ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } [البقرة: ~~142].. ولاه يعني حرفه ورده.. والقبلة التي كانوا عليها هي بيت ~~المقدس.. وهنا يأتي الحق برد جامع هو أن أوامر الله الإيمانية لا ترتبط ~~بالعلة.. إنما علة التنفيذ فيما يأمرنا الله سبحانه به جل جلاله أن الله ~~هو الآمر.. ولو أن الحق تبارك وتعالى بين لنا السبب أو العلة في تغيير ~~القبلة لما كان الأمر امتحانا للإيمان في القلوب.. لأن الإيمان والعبادة ~~هي طاعة معبود فيما يأمر وما ينهي.. يقول لك الله عظم هذا الحجر وهو ~~الحجر الأسود الموجود في الكعبة فتعظمه بالاستلام والتقبيل.. ويقول لك: ~~ارجم هذا الحجر الذي يرمز إلى إبليس فترجمه بالحصى، ولا يقول الله سبحانه ~~لماذا؟ لأنه لو قال لماذا ضاع الإيمان هنا وأصبح الأمر مسألة إقناع ~~واقتناع. فأنا حين أقول لك لا تأكل هذا لأنه مر، وكل ms0419 هذا لأنه حلو يكون ~~السبب واضحا.. ولكن الله تبارك وتعالى يقول لك كل هذا ولا تأكل هذا.. ~~فإن أكلت مما حرمه تكون آثما. وإن امتنعت تكون طائعا وتثاب. إذن العلة ~~الإيمانية هي أن الأمر صادر من الله سبحانه.. ولو أنك امتنعت عن شرب ~~الخمر لأنها ضارة بالصحة أو تفسد الكبد فلا ثواب لك، ولو امتنعت عن أكل ~~لحم الخنزير لأن فيه كمية كبيرة من الكوليسترول وله مضار كثيرة فلا ثواب ~~لك.. ولكنك لو امتنعت عن شرب الخمر وأكل لحم الخنزير لأن الله حرمهما.. ~~فهذه هي العبادة وهذا هو الثواب. الله سبحانه وتعالى أراد أن يرد على ~~هؤلاء السفهاء فقال: { قل لله المشرق والمغرب يهدي من ~~يشآء إلى صراط مستقيم } [البقرة: 142].. أي أنك إذا اتجهت ~~إلى بيت المقدس أو اتجهت إلى الكعبة أو اتجهت إلى أي مكان في هذا الكون ~~فالله موجود فيه.. فبيت المقدي ليس له خصوصية بذاته، والكعبة ليس لها ~~خصوصية بذاتها.. ولكن أمر الله تبارك وتعالى هو الذي يعطيهما هذه ~~الخصوصية.. فإذا اتجهنا إلى بيت المقدس فنحن نتجه إليه طاعة لأمر الله.. ~~فإذا قال الله سبحانه اتجهوا إلى الكعبة اتجهنا إليها طاعة لأمر الله. ~~قوله تعالى: { يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } ~~[البقرة: 142].. الصراط هو الطريق المستقيم لا التواء فيه بحيث يكون أقرب ~~المسافات إلى الهدف. والله سبحانه وجهنا لبيت المقدس فهو صراط مستقيم ~~نتبعه.. وجهنا إلى الكعبة فهو صراط مستقيم نتبعه.. فالأمر لله. ### || [2.143] # ساعة ترى كذلك فهناك تشبيه.. الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نتنبه إلى ~~نعمته في أنه جعلنا أمة وسطا.. فكل ما يشرعه الله يدخل في باب النعم على ~~المؤمنين.. وإذا كان الاتجاه إلى الكعبة هو اختبار لليقين الإيماني في ~~نفوس المسلمين.. فإنه سبحانه جعلنا أمة وسطا نعمة منه، وما دمنا وسطا ~~فلابد أن هناك أطرافا حتى يتحدد الوسط.. هذا طرف ثم الوسط ثم طرف آخر.. ~~ووسط الشيء منتصفه أو ما بين الطرفين. ولكن ما معنى أمة وسطا؟ وسط في ~~الإيمان والعقيدة. فهناك من أنكروا ms0420 وجود الإله الحق.. وهناك من أسرفوا ~~فعددوا الآلهة.. هذا الطرف مخطئ وهذا الطرف مخطئ.. أما نحن المسلمين ~~فقلنا لا إله إلا الله وحده لا شريك له واحد أحد.. وهذه بديهية من ~~بديهيات هذا الكون.. لأن الله تبارك وتعالى خلق الكون وخلق كل ما فيه ~~وقال سبحانه إنه خلق.. ولم يأت ولن يأتي من يدعي الخلق.. إذن فالدعوى ~~خالصة لله تبارك وتعالى.. ولو كان في هذا الكون آلهة متعددة لادعى كل ~~واحد منهم الخلق.. ولذلك فإن الله جل جلاله يقول: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض.. # [المؤمنون: 91]. أي لتنازع الخلق ولاضطرب الكون.. فالإسلام دين وسط بين ~~الإلحاد وتعدد الآلهة.. على أن هناك أناسا يسرفون في المادية ويهملون ~~القيم الروحية.. وأناسا يهملون المادة ويؤمنون بالقيم الروحية وحدها. ~~واقع الحياة أن الماديين يفتنون الروحانيين لأن عندهم المال والقوة.. ~~الإسلام جاء وسطا فيه المادة والروح.. وإياك أن تقول أن الروح أحسن من ~~المادة أو المادة أحسن من الروح.. فالمادة وحدها والروح وحدها مسخرة ~~وعابدة ومسبحة لله تعالى.. لكن حين تختلط المادة بالروح فإنه توجد النفس، ~~والنفس هي التي لها اختيار تطيع أو تعصي.. تعبد أو تكفر والعياذ بالله. ~~الله سبحانه يريد من المؤمنين أن يعيشوا مادية الحياة بقيم السماء.. وهذه ~~وسطية الإسلام، لم يأخذ الروح وحدها ولا المادة وحدها.. وإنما أوجد مادية ~~الحياة محروسة بقيم السماء.. فحين يخبرنا الله سبحانه أنه سيجعلنا أمة ~~وسطا تجمع خير الطرفين نعرف أن الدين جاء ليعصم البشر من أهواء البشر. ~~الله تبارك وتعالى يريدنا أن نبحث في ماديات الكون بما يخلق التقدم ~~والرفاهية والقوة للبشرية.. فما هو مادي معملي لا يختلف البشر فيه.. لكن ~~ما يدخل فيه أهواء البشر ستضع السماء لكم قانونه.. فإذا عشتم بالأهواء ~~ستشقون. # . وإذا عشتم بنظريات السماء ستسعدون. قد يتساءل البعض هل الشيوعية التي ~~جاءت منذ أكثر من نصف قرن ارتقت بشعوبها أم لا؟ نقول انظروا إليها الآن ~~لقد بنت ms0421 ما ادعته من ارتقاءات على الكذب والزيف.. ثم تراجعت ثم انهارت ~~تماما.. وكما انهارت الشيوعية ستنهار الرأسمالية لأنهما طرفان ~~متناقضان.. إنما نحن أمة وسطا.. ولذلك أعطانا الله سبحانه خيري الدنيا ~~والآخرة. الحق سبحانه يقول: { لتكونوا شهدآء على الناس } ~~[البقرة: 143].. أي أن الحجة ستكون لكم في المستقبل.. وسيضطر العالم إلى ~~الرجوع إلى ما يقننه دينكم.. والله تبارك وتعالى قال: { أمة وسطا ~~} [البقرة: 143] ولم يقل الوسط بكسر الواو أي المنتصف حتى لا يقال إن ~~هؤلاء الرأسماليين والشيوعيين سيتراجعون إلى الحق تماما. ولكن بعضهم ~~سيميل قليلا إلى هذه الناحية أو تلك بحيث يتم اللقاء.. ولذلك عندما ~~يقولون نأخذ أموال الأغنياء ونوزعها على الفقراء.. نقول لهم وعندما يأتي ~~فقير في المستقبل.. من أين تعطيه بعد أن قضيت على الأغنياء؟. وقد سمعت من ~~شخص له تجربة في السياسة والحكم.. قال إن الذي كان يعمل معي وأضاع ماله ~~كله على الخمر والقمار والنساء كان أحسن مني.. لأنني احتفظت بأموالي ~~ونميتها فقالوا إنك إقطاعي وصادروها.. بينما ذلك الذي أسرف لم يفعلوا به ~~شيئا.. قلت إن الله سبحانه وتعالى يريد منك أن تنمي مالك.. لأنك إن لم ~~تنمه ودفعت عنه زكاة 2.5% فالمال يفنى خلال أربعين سنة.. ولكن إذا نميت ~~مالك وجاءوا إلى ناتج عملك وأخذوه بدعوى أنك إقطاعي فإنهم يقضون على ~~العمل في المجتمع.. لأنه إذا كنت ستأخذ ناتج عمله بدون حق فلماذا يعمل؟ ~~إن الإسلام جاء ليزيد مجال حركة الحياة ويضمن مال المتحرك.. ليأخذ من ~~ماله زكاة ويعين غير القادر حتى لا يحقد على المجتمع.. هذا وسط. وقوله ~~تعالى: { لتكونوا شهدآء على الناس } [البقرة: 143].. فكأن ~~الله سبحانه وتعالى أخبرنا أنه ستحدث في الكون معركة لن يفصل فيها إلا ~~شهادة هذه الأمة.. فاليمين أو الرأسمالية على خطأ، والشيوعية على خطأ.. ~~أما منهج الله الذي وضع الموازين القسط للكون ولحياة الإنسان فهو ~~الصواب.. ثم يخبرنا الحق تبارك وتعالى أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~سيكون شهيدا علينا.. هل كان عملنا وتحركنا مطابقا لما أنزله على رسوله ~~صلى الله ms0422 عليه وسلم وبلغه الرسول عليه الصلاة والسلام لنا؟ أم أننا ~~اتبعنا أهواءنا وانحرفنا عن المنهج. الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون ~~شهيدا علينا في هذه النقطة.. تلك الآية وإن كانت قد بشرت الأمة الوسط ~~بأن العالم سيعود إلى حكمها، فذلك لا يمكن أن يحدث إلا إذا سادت شهادة ~~الحق والعدل فيها: وقوله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي ~~كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ~~ينقلب على عقبيه } [البقرة: 143]. # . هذه عودة إلى تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.. الله تبارك ~~وتعالى لا يفضل اتجاها على اتجاه.. ولذلك فإن الذين يتجهون إلى الكعبة ~~ستختلف اتجاهاتهم حسب موقع بلادهم من الكعبة.. هذا يتجه إلى الشرق وهذا ~~يتجه إلى الشمال الشرقي.. وهذا يتجه إلى الجنوب الغربي. إنه ليس هناك عند ~~الله اتجاه مفضل على اتجاه.. ولكن تغيير القبلة جعله الله سبحانه ~~اختبارا إيمانيا ليس علم معرفة ولكن علم مشهد.. لأن الله سبحانه وتعالى ~~يعلم.. ولكنه جل جلاله يريد أن يكون الإنسان شهيدا على نفسه يوم ~~القيامة.. ولكنه اختبار إيماني ليعلم الله مدى إيمانكم ومن سيطيع الرسول ~~فيما جاءه من الله ومن سينقلب على عقبيه.. فكأن أمر تحويل القبلة سيحدث ~~هزة إيمانية عنيفة في المسلمين أنفسهم.. فيعلم الله من يستمر في إيمانه ~~واتباعه لرسول الله.. ومن سيرفض ويتحول عن دين الإسلام. وقوله تعالى: { ~~وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } ~~[البقرة: 143].. والله يريد هنا العلم الذي سيكون شهيدا على الناس يوم ~~القيامة.. وعملية الابتلاء أو الاختبار في تغيير القبلة عملية شاقة.. إلا ~~على المؤمنين الذين يرحبون بكل تكليف.. لأنهم يعرفون أن الإيمان هو ~~الطاعة ولا ينظرون إلى علة الأشياء. ولكن الكفار والمنافقين واليهود لم ~~يتركوا عملية تحويل القبلة تمر هكذا فقالوا: إن كانت القبلة هي الكعبة ~~فقد ضاعت صلاتكم أيام اتجهتم إلى بيت المقدس.. وإن كانت القبلة هي بيت ~~المقدس فستضيع صلاتكم وأنتم متجهون إلى الكعبة. نقول لهم لا تعزلوا الحكم ~~عن زمنه.. قبلة بيت المقدس كانت في زمنها والكعبة تأتي في ms0423 زمنها.. لا هذه ~~اعتدت على هذه ولا هذه اعتدت على هذه.. ولقد مات أناس من المؤمنين وهم ~~يصلون إلى بيت المقدس، فقام المشككون وقالوا صلاتهم غير مقبولة.. ورد ~~الله سبحانه بقوله: { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ~~[البقرة: 143].. لأن الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس كانوا مطيعين ~~لله مؤمنين به فلا يضيع الله إيمانهم. وقوله تعالى: { إن الله ~~بالناس لرءوف رحيم } [البقرة: 143].. أي تذكروا أنكم تؤمنون ~~برب رءوف لا يريد بكم مشقة.. رحيم يمنع البلاء عنكم. ### || [2.144] # نحن نعلم أن " قد " للتحقيق.. و " نرى ".. فعل مضارع مما يدل على أن ~~الحدث في زمن التكلم.. الحق سبحانه وتعالى يعطينا صورة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم.. أنه يحب ويشتاق أن يتجه إلى الكعبة بدلا من بيت ~~المقدس.. وكان عليه الصلاة والسلام قد اعتاد أن يأتيه الوحي من علو.. ~~فكأنه صلى الله عليه وسلم كان يتجه ببصره إلى السماء مكان إيتاء الوحي.. ~~ولا يتأتى ذلك إلا إذا كان قلبه متعلقا بأن يأتيه الوحي بتغيير القبلة.. ~~فكأن هذا أمر شغله. إن الله سبحانه يحيط رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه ~~قد رأى تقلب وجه رسوله الكريم في السماء وأجابه ليتجه إلى القبلة التي ~~يرضاها.. فهل معنى ذلك أن القبلة التي كان عليها الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وهي بيت المقدس لم يكن راضيا عنها؟ نقول لا.. وإنما الرضا دائما ~~يتعلق بالعاطفة، وهناك فرق بين حب العاطفة وحب العقل.. ولذلك لا يقول أحد ~~إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن راضيا عن قبلة بيت المقدس.. ~~وإنما كان يتجه إلى بيت المقدس وفي قلبه عاطفة تتجه إلى الكعبة.. هذا يدل ~~على الطاعة والالتزام. الله يقول لرسوله عليه الصلاة والسلام: { ~~فلنولينك قبلة ترضاها } [البقرة: 144] أي تحبها ~~بعاطفتك.. ورسول الله عليه الصلاة والسلام كان يتطلع إلى هذا التغيير، ~~فكأن عواطفه صلى الله عليه وسلم اتجهت لتضع مقدمات التحويل. قال الله ~~تعالى: { فول وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: ~~144].. والمراد بالوجه هو الذات كلها وكلمة شطر معناها ms0424 الجهة، والشطر ~~معناه النصف.. وكلا المعنيين صحيح لأنه حين يوجد الإنسان في مكان يصبح ~~مركزا لدائرة ينتهي بشيء اسمه الأفق وهو مدى البصر.. وما يخيل إليك عنده ~~أن السماء انطبقت على الأرض. إن كل إنسان منا له دائرة على حسب نظره فإذا ~~ارتفع الإنسان تتسع الدائرة.. وإذا كان بصره ضعيفا يكون أفقه أقل، ويكون ~~هو في وسط دائرة نصفها أمامه ونصفها خلفه. إذن الذي يقول الشطر هو النصف ~~صحيح والذي يقول إن الشطر هو الجهة صحيح. وقوله تعالى: { فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 144].. أي اجعل وجهك ~~جهة المسجد الحرام. أو اجعل المسجد الحرام في نصف الدائرة التي أمامك.. ~~وفي الزمن الماضي كانت العبادات تتم في أماكن خاصة.. إلى أن جاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجعل الله له الأرض كلها مسجدا. إن المسجد هو ~~مكان السجود، ونظرا لأن السجود هو منتهى الخضوع لله فسمي المكان الذي ~~نصلي فيه مسجدا. # . ولكن هناك فرقا بين مكان تسجد فيه ومكان تجعله مقصورا على الصلاة ~~لله ولا تزاول فيه شيئا آخر. المسجد مخصص للصلاة والعبادة.. أما المكان ~~الذي تسجد فيه وتزاول حركة حياتك فلا يسمى مسجدا إلا ساعة تسجد فيه.. ~~والكعبة بيت الله. باختيار الله. وجميع مساجد الأرض بيوت الله باختيار ~~خلق الله.. ولذلك كان بيت الله باختيار الله قبلة لبيوت الله باختيار خلق ~~الله. وقوله تعالى: { وحيث ما كنتم } [البقرة: 144] يعني أينما ~~كنتم.. { فولوا وجوهكم شطره } [البقرة: 144].. لأن الآية ~~نزلت وهم في مسجد بني سلمة بالمدينة، فتحول المسلمون إلى المسجد الحرام.. ~~وحتى لا يعتقد أحد أن التحويل في هذا المسجد فقط وفي الوقت الذي نزلت فيه ~~الآية فقط قال تعالى: { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره } [البقرة: 144].. وقوله جل جلاله: { وإن الذين ~~أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ~~وما الله بغافل عما يعملون } [البقرة: 144].. أي أن ~~الذين أوتوا الكتاب ويحاولون التشكيك في اتباع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم.. يعلمون أن رسول الله هو الرسول الخاتم ويعرفون أوصافه التي ذكرت ms0425 ~~في التوراة والإنجيل.. ويعلمون أنه صاحب القبلتين.. ولو لم يتجه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس إلى الكعبة.. لقالوا إن التوراة ~~والإنجيل تقولان إن الرسول الخاتم محمدا صلى الله عليه وسلم يصلي إلى ~~قبلتين فلماذا لم تتحقق؟ ولكان هذا أدعى إلى التشكيك. إذن فالذين أوتوا ~~الكتاب يعلمون أنه الحق من ربهم.. لأنه في التوراة أن الرسول الذي سيجيء ~~وسيتجه إلى بيت المقدس ثم يتجه إلى البيت الحرام.. فكأن هذا التحويل ~~بالنسبة لأهل الكتاب تثبيت لإيمانهم بالرسول عليه الصلاة والسلام وليس ~~سببا في زعزعة اليقين. وقوله تعالى: { وما الله بغافل عما ~~يعملون } [البقرة: 144].. يريد الحق تبارك وتعالى أن يطمئن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن تشكيكهم لا يقدم ولا يؤخر.. فموقفهم ليس لطلب ~~الحجة ولكن للمكابرة.. فهم لا يريدون حجة ولا دليلا إيمانيا.. ولكنهم ~~يريدون المكابرة. ### || [2.145] # اتباع القبلة مظهر إيماني في الدين، فما دمت آمنت بدينك فاتبع قبلتك.. ~~لا أؤمن بدينك لا أتبع قبلتك. وقوله تعالى: { ولئن أتيت } ~~[البقرة: 145] ساعة تسمع " ولئن " واو ولام وإن.. هذا قسم. فكأن الحق ~~تبارك وتعالى أقسم أنه لو أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب ~~بكل آية ما آمنوا بدينه ولا اتبعوا قبلته.. لماذا؟ لأنهم لا يبحثون عن ~~دليل، ولا يريدون الاقتناع بصحة الدين الجديد.. ولو كانوا يريدون دليلا ~~أو اقتناعا لوجدوه في كتبهم التي أنبأتهم عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأنه النبي الخاتم وأعطتهم أوصافه.. فكأن الدليل عندهم ولكنهم ~~يأخذون الأمر سفها وعنادا ومكابرة. وقوله تعالى: { ومآ أنت ~~بتابع قبلتهم } [البقرة: 145].. فكأنه حين جاءت الآية بتغيير ~~القبلة أعلمنا الله أن المسلمين لن يعودوا مرة أخرى إلى الاتجاه نحو بين ~~المقدس ولن يحولهم الله إلى جهة ثالثة.. ولكن يعلمنا الله سبحانه وتعالى ~~أن اليهود والنصارى سيكونون في جانب ونحن سنكون في جانب آخر.. وأنه ليس ~~هناك التقاء بيننا وبينهم. قال سبحانه: { وما بعضهم بتابع ~~قبلة بعض } [البقرة: 145].. فالخلاف في القبلة مستمر إلى يوم ~~القيامة. وقول الحق: { ولئن ms0426 اتبعت أهواءهم من بعد ما ~~جآءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين } [البقرة: ~~145].. حين يخاطب الله سبحانه وتعالى رسوله وحبيبه محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بهذه الآية.. وهو يعلم أن محمدا الرسول المعصوم لا يمكن أن يتبع ~~أهواءهم.. نقول إن المقصود بهذه الآية هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ~~إن الله يخاطب أمته في شخصه قائلا: { ولئن اتبعت أهواءهم ~~من بعد ما جآءك من العلم إنك إذا لمن ~~الظالمين } [البقرة: 145].. ما هي أهواء أهل الكتاب؟ هي أن يهادنهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يقول إن ما حرفوه في كتبهم أنزله الله.. ~~وهكذا يجعل هوى نفوسهم أمرا متبعا.. فكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن ~~يلفت أمة محمد عليه الصلاة والسلام.. إلى أن كل من يتبع أهواء أهل الكتاب ~~وما حرفوه سيكون من الظالمين مهما كانت درجته من الإيمان.. وإذا كان الله ~~تبارك وتعالى لن يقبل هذا من رسوله وحبيبه فكيف يقبله من أي فرد من أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم؟ إن الخطاب هنا يمس قمة من قمم الإيمان التي ~~تفسد العقيدة كلها.. والله سبحانه وتعالى يريدنا أن نعرف أنه لا يتسامح ~~فيها ولا يقبلها، حتى لو حدثت من رسوله ولو أنها لن تحدث.. ولكن لنعرف ~~أنها مرفوضة تماما من الله على أي مستوى من مستويات الإيمان حتى في ~~مستوى القمة فتبتعد أمة محمد عن مثل هذا الفعل تماما. ### || [2.146] # الله تبارك وتعالى يقول إن الذين جاءهم الكتاب قبل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعرفونه.. يعرفون ماذا؟ هل يعرفون أمر تحويل القبلة؟ أم يعرفون ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثه ورسالته التي يحاولون أن يشككوا ~~فيها؟ الله سبحانه وتعالى يشرح لنا ذلك في قوله تعالى: # ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة ~~الله على الكافرين # [البقرة: 89]. فكأن اليهود والنصارى يعرفون رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم.. ومكتوب في التوراة ms0427 والإنجيل أنه الحق ومطلوب منهم أن يؤمنوا به.. ~~إن كعب الأحبار كان جالسا وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان موجودا ~~فسأله عمر أكنتم تعرفونه يا كعب؟ أي أكنتم تعرفون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم ورسالته وأوصافه؟ فقال كعب وهو من أحبار اليهود.. أعرف كمعرفتي ~~لابني، ومعرفتي لمحمد أشد.. فلما سألوه لماذا؟ قال لأن ابني أخاف أن تكون ~~امرأتي خانتني فيه، أما محمد صلى الله عليه وسلم فأوصافه مذكورة بالدقة ~~في التوراة بحيث لا نخطئه. إذا فأهل الكتاب يعرفون رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويعرفون زمنه ورسالته.. والذين أسلموا منهم وآمنوا فعلوا ذلك ~~عن اقتناع، أما الذين لم يؤمنوا وكفروا بما جاء به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عرفوا ولكنهم كتموا ما يعرفونه.. ولذلك يقول الله سبحانه ~~وتعالى عنهم: { وإن فريقا منهم ليكتمون الحق ~~وهم يعلمون } [البقرة: 146].. وساعة تقول كتم الشيء.. فكأن الشيء ~~بطبيعته كان يجب أن يبرز وينتشر.. والحق بطبيعته لابد أن يبرز وينتشر ~~ولكن إنكار الحق وكتمه يحتاج إلى مجهود. إن الذين يحققون في القضايا ~~الدقيقة يحاولون أن يمنعوا القوة أن تكتم الحق.. فيجعلون من يحققون معه ~~لا ينام حتى تنهار قواه فينطق بالحقيقة.. لأن النطق بالحق لا يحتاج إلى ~~مجهود، أما كتم الحق فهو الذي يحتاج إلى مجهود وقوة، وعدم النطق بالحق ~~عملية شاقة.. ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: { ليكتمون الحق ~~وهم يعلمون } [البقرة: 146].. أي أنهم ليسوا جاهلين ولكنهم على ~~علم بالحقيقة.. والحق من الله فهل يستطيع هؤلاء كتمانه؟ طبعا لا، لابد ~~أن يظهر.. فإذا انتشر الكذب والباطل فهو كالألم الذي يحدث في الجسد.. ~~الناس تكره الألم ولكن الألم من جنود الشفاء لأنه يجعلك تحس أن هناك ~~شيئا أصابه مرض فتتجه إليه بأسباب العافية. إن أخطر الأمراض هي التي لا ~~يصاحبها ألم ولا تحس بها إلا بعد أن يكون قد فات وقت العلاج. ### || [2.147] # الحق من الله سبحانه وتعالى.. وما دام من الله فلا تكونن من الذين يشكون ~~في أن الحق سينتصر.. ولكن الحق لابد ms0428 من قوة تحميه.. وكما يقول الشاعر: # السيف إن يزهى بجوهره # وليس يعمل إلا في يدي باطل # فما فائدة أن يكون معك سيف بتار.. دون أن توجد اليد القوية التي ستضرب ~~به.. ونحن غالبا نكون مضيعين للحق لأننا لا نوفر له القوة التي ينتصر ~~بها. وقوله تعالى: { فلا تكونن من الممترين } [البقرة: ~~147].. الممتري هو الذي يشك في حدوث الشيء.. والشك معناه أنه ليست هناك ~~نسبة تتغلب على نسبة.. أي أن الاحتمالين متساويان.. ولكن الحق من الله ~~ولا توجد نسبة تقابله. ولذلك لا يجب أن نشك ولا ندخل في جدل عقيم حول ~~انتصار الحق. ### || [2.148] # شاء الله سبحانه أن يجعل الإنسان مختارا.. ومن هنا فإن له الاختيار في ~~أن يؤمن أو لا يؤمن.. أن ينصر الحق أو ينصر الباطل.. أن يفعل الخير أو ~~يفعل الشر.. كل هذه اختبارات شاء الله أن يعطيها للإنسان في الدنيا بحيث ~~يستطيع أن يفعل أو لا يفعل.. ولكن هذا لن يبقى إلى الأبد. إن هذا ~~الاختيار موجود في الحياة الدنيا. ولكن بشرية الإنسان تنتهي ساعة ~~الاحتضار، فعند مواجهة الموت ونهاية العمر يصبح الإنسان مقهورا وليس ~~مختارا.. فهو لا يملك شيئا لنفسه، ولا يستطيع أن يقول لن أموت الآن.. ~~انتهت بشريته وسيطرته على نفسه حتى أعضاؤه تشهد عليه.. ففي الحياة الدنيا ~~كل واحد يختار الوجهة التي يتجه إليها، هذا يختار الكفر وهذا يختار ~~الإيمان.. هذا يختار الطاعة وهذا يختار المعصية، فما دام للإنسان اختيار ~~فكل واحد له وجهة مختلفة عن الآخر.. والذي يهديه الله يتجه إلى الخيرات ~~وكأنه يتسابق إليها.. لماذا؟ لأنه لا يعرف متى يموت ولذلك كلما تسابق إلى ~~خير كان ذلك حسنة أضافها لرصيده. إن المطلوب من المؤمنين في الحياة ~~الدنيا أن يتسابقوا إلى الخيرات قبل أن يأتيهم الأجل ولا يحسب واحد منهم ~~أنه سيفلت من الله.. لأنه كما يقول عز وجل: { أين ما تكونوا ~~يأت بكم الله جميعا } [البقرة: 148].. أي أنه ليس هناك مكان ~~تستطيعون أن تختفوا فيه عن علم الله تبارك وتعالى، بل هو ms0429 يعرف أماكنكم ~~جميعا واحدا واحدا وسيأتي بكم جميعا مصداقا لقوله تعالى: # ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة ~~وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا # [الكهف: 47]. وقوله سبحانه: # ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين # [الذاريات: 50]. أي أن الحق جل جلاله يريدنا أن نعرف يقينا أننا لا ~~نستطيع أن نفر من علمه. ولا من قدره ولا من عذابه.. وأن الطريق الوحيد ~~المفتوح أمامنا هو أن نفر إلى الله.. وأنه لا منجاة من الله إلا إليه.. ~~ولذلك لا يظن كافر أو عاص أنه سيفلت من الله.. ولا يظن أنه لن يكون ~~موجودا يوم القيامة، أو أنه لن يحاسب أو أنه يستطيع أن يختفي. إن غرور ~~الدنيا قد يركب بعض الناس فيظنون أنهم في منعة من الله، وأنهم لن ~~يلاقوه.. نقول لهم إنكم ستفاجأون في الآخرة حين تعرفون أن الحساب حق ~~والجنة حق والنار حق. ستفاجأون بما سيحدث لكم.. ومن لم يؤمن ولم يسارع ~~إلى الخير سيلقى الخزي والعذاب الأليم.. إن الله ينصحنا أن نؤمن وأن ~~نسارع في الخيرات لننجوا من عذابه، ويقول لنا لن يفلت واحد منكم ولا ذرة ~~من ذرات جسده من الوقوف بين يدي الله للحساب.. ولذلك ختم الله هذه الآية ~~الكريمة بقوله: { إن الله على كل شيء قدير } [البقرة: ~~148].. أي أن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء ولا يخرج عن طاعته شيء.. ~~إنه سبحانه على كل شيء قدير. ### || [2.149] # لا بد أن نتأمل كم مرة أكد القرآن الكريم قضية تحويل القبلة.. أكدها ~~ثلاث مرات متقاربة.. لأن تحويل القبلة أحدث هزة عنيفة في نفوس المؤمنين.. ~~والحق سبحانه وتعالى يريد أن يذهب هذا الأثر ويؤكد تحويل القبلة تأكيدا ~~إيمانيا. لقد جاء بثلاث آيات التي هي أقل الجمع.. واحدة للمتجه إلى ~~الكعبة وهو داخل المسجد.. والثانية للمتجه وهو خارج المسجد.. والثالثة ~~للمتجه من الجهات جميعا. قوله تعالى: { ومن حيث خرجت فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام } [البقرة: 149].. هو رد على ~~المنافقين واليهود والنصارى الذين حاولوا التشكيك في الإسلام.. بأن ~~واجهوا المسلمين بقضية تغيير القبلة.. ms0430 على أساس أنها قضية ما كان يجب أن ~~تتم لأنه ليس فيها زيادة في التكليف ولا مشقة زائدة تزيد ثواب المؤمن.. ~~فالجهد الذي يبذله المؤمن في الاتجاه إلى المسجد الأقصى هو نفس الجهد ~~الذي يبذله في الاتجاه إلى البيت الحرام.. فأنت إذا اتجهت في صلاتك ~~يمينا أو شمالا أو شرقا أو غربا فإن ذلك لا يضيف إليك مشقة. فما هو ~~سبب التغيير؟. نقول لهم إن هذه ليست حجة للتشكيك في تحويل القبلة لأن ~~الاتجاه إلى المسجد الحرام هو طاعة لأمر الله.. وما دام الله سبحانه ~~وتعالى قد قال فعلينا أن نطيع طاعة إيمانية.. يقول المولى جل جلاله: { ~~وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما ~~تعملون } [البقرة: 149].. أي أن ما فعلتموه من تحويل القبلة هو حق ~~جاءكم من الله تبارك وتعالى.. والله عز وجل ليس غافلا عن عملكم بحيث ~~تكونون قد اتجهتم إلى البيت الحرام. بل الله يعلم ما تبدون وما تكتمون.. ~~فاطمئنوا إنكم على الحق وولوا وجوهكم تجاه المسجد الحرام.. واعملوا أن ~~الله سبحانه محيط بكم في كل ما تعملون. ### || [2.150] # الحق تبارك وتعالى يؤكد لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يتوجه هو ~~والمسلمون إلى المسجد الحرام.. سواء كانوا في المدينة أو في خارج المدينة ~~أو في أي مكان على الأرض.. وتلك هي قبلتهم في كل صلاة بصرف النظر عن ~~المكان الذي يصلون فيه. وقوله تعالى: { لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة } [البقرة: 150].. الناس هنا المقصود بهم المنافقون ~~واليهود والنصارى.. حجة في ماذا؟ لأن المسلمين كانوا يتجهون إلى بيت ~~المقدس فاتجهوا إلى المسجد الحرام.. وليس لبيت المقدس قدسية في ذاته ولا ~~للمسجد الحرام قدسية في ذاته كما قلنا.. ولكن نحن نطيع الأمر من الآمر ~~الأعلى وهو الله.. إن الله تبارك وتعالى أطلق على المنافقين واليهود ~~والنصارى كلمة ظلموا ووصفهم بأنهم الذين ظلموا.. فمن هو الظالم؟ الظالم ~~هو من ينكر الحق أو يغير وجهته. أو ينقل الحق إلى باطل والباطل إلى حق.. ~~والظلم هو تجاوز الحد وكأنه سبحانه وصفهم بأنهم قد ms0431 تجاوزوا الحق وأنكروه، ~~يقول سبحانه: { فلا تخشوهم } [البقرة: 150] أي لا تخشوا الذين ~~ظلموا: { واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم ~~تهتدون } [البقرة: 150].. أي أن الخشية لله وحده والمؤمن لا يخشى ~~بشرا.. لأنه يعلم أن القوة لله جميعا.. ولذلك فإنه يقدم على كل عمل ~~بقلب لا يهاب أحدا إلا الحق. وقوله سبحانه: { ولأتم نعمتي ~~عليكم ولعلكم تهتدون } [البقرة: 150].. تمام النعمة هو ~~الإيمان. وتمام النعمة هو تنفيذ مطلوبات الإيمان.. فإذا هدانا الله ~~للإيمان فهذا من تمام نعمه علينا. ولكي يكون الإيمان صحيحا ومقبولا ~~فلابد أن أؤدي مطالبه والمداومة على تنفيذ تكليفات الله لنا، فلا نجعل ~~التكليف ينقطع. لأن التكليف نعمة بغيرها لا تصلح حياتنا ولا تتوالى نعم ~~التكليف من الله سبحانه وتعالى إلا إذا أقبلنا على منهج الله بعشق.. وأنت ~~حينما تأتي إلى المنهج قد يكون شاقا، ولكن إذا تذكرت ثواب كل طاعة فإنك ~~ستخشع وتعشق التكليف.. لأنك تعرف العمل الصالح بثوابه، والعمل في المعصية ~~بعقابه.. ولذلك قال الله تبارك وتعالى: # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملقوا ~~ربهم وأنهم إليه راجعون # [البقرة: 45-46]. إذن الخاشعون هم الذين يقرنون الطاعة بالثواب والمعصية ~~بالعقاب والعذاب، لأن الذي ينصرف عن الطاعة لمشقتها عزل الطاعة عن الثواب ~~فأصبحت ثقيلة، والذي يذهب إلى المعصية عزل المعصية عن العقاب فأصبحت ~~سهلة.. فمن تمام النعمة أن يديم الله علينا فعل مطلوبات الإيمان.. ولذلك ~~في حجة الوداع نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية الكريمة: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا.. # [المائدة: 3]. وكان ذلك إخبارا بتمام رسالة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأن الأحكام التكليفية قد انتهت.. ولكن الذين يستثقلون التكليف ~~تجدهم يقولون لك لقد عم الفساد والله لا يكلف نفسا إلا وسعها.. كأنه ~~يحكم بأن هذا في وسعه وهذا ليس في وسعه وعلى ضوئه يأخذ التكليف.. نقول له ~~أكلف الله أم لم يكلف، إن كان قد كلف فيكون التكليف في وسعك.. ~~لأنه سبحانه حين يجد مشقة يأمر ms0432 بالتخفيف مثل إباحة قصر الصلاة للمسافر ~~وإباحة الإفطار في رمضان للمريض والمسافر فهو سبحانه قد حدد ما في وسعك. ~~قوله تعالى: { ولعلكم تهتدون } [البقرة: 150].. الهداية هي ~~الطريق المستقيم الموصل إلى الغاية وهو أقصر الطرق، وغاية هذه الحياة هي ~~أن نصل إلى نعيم الآخرة.. الله أعطاك في الدنيا الأسباب لتحكم حركة حياتك ~~ولكن هذه ليست غاية الحياة.. بل الغاية أن نذهب إلى حياة بلا أسباب وهذه ~~هي عظمة قدرة الله سبحانه وتعالى.. والله جل جلاله يأتي ليعلمنا في ~~الآخرة أنه خلقنا لنعيش في الدنيا بالأسباب وفي الآخرة لنعيش في كنفه بلا ~~أسباب. إذن: قوله تعالى: { ولعلكم تهتدون } [البقرة: 150].. ~~أي لعلكم تنتبهون وتعرفون الغاية المطلوبة منكم.. ولا يظن أحدكم أن ~~الحياة الدنيا هي الغاية أو هي النهاية أو هي الهدف.. فيعمل من أجل ~~الدنيا فيأخذ منها ما يستطيع حلالا أو حراما باعتبارها المتعة الوحيدة ~~المخلوقة له.. نقول لا، إنه في هذه الحالة يكون قد ضل ولم يهتد لأنه لو ~~اهتدى لعرف أن الحياة الحقيقية للإنسان هي في الآخرة. ولعرف أن نعيم ~~الآخرة الذي لا تفوته ولا يفوتك.. يجب أن يكون هدفنا في الحياة الدنيا ~~فنعمل ما نستطيع لنصل إلى النعيم بلا أسباب في الجنة. ### || [2.151] # الله جل جلاله بعد أن حدثنا عن الهداية إلى منهجه وإلى طريقه. حدثنا عن ~~نعمته علينا بإرسال رسول يتلو علينا آيات الله. ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو الذي ستأتي على يديه قمة النعم وهو القرآن والدين الخاتم. قوله ~~تعالى: { رسولا منكم } [البقرة: 151] أي ليس من جنس آخر. ولكنه ~~صلى الله عليه وسلم رسول منكم تعرفونه قبل أن يكلف بالرسالة وقبل أن يأتي ~~بالحجة.. لماذا؟ لأنه معروف بالخلق العظيم وبالقول الكريم والأمانة وبكل ~~ما يزيد الإنسان رفعة وعلوا واحتراما.. إن أول من آمن برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هم أولئك الذين يعرفونه أكثر من غيرهم.. كأبي بكر الصديق ~~وزجته صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة وابن عمه علي بن أبي طالب.. هؤلاء ~~آمنوا دون أن ms0433 يطلبوا دليلا لأنهم أخذوا الإيمان من معرفتهم برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلف بالرسالة.. فهم لم يعرفوا عنه كذبا قط ~~فقالوا إن الذي لا يكذب على الناس لا يمكن أن يكذب على الله فآمنوا.. ~~فالله سبحانه وتعالى من رحمته أنه أرسل إليهم رسولا منهم أميا ليعلمه ~~ربه.. ولذلك قال الحق تبارك وتعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. الحق سبحانه يقول: { يتلوا عليكم آياتنا ~~ويزكيكم } [البقرة: 151].. الآيات هي القرآن الكريم والتزكية هي ~~التطهير ولابد أن يكون هناك دنس ليطهرهم منه.. فيطهرهم من عبادة الأصنام ~~ومن وأد البنات والخمر والميسر والربا.. ومعنى التزكية أيضا سلب الضار ~~فكأنه جاءهم بالنفع وسلب منهم الضر. وقوله تعالى: { ويعلمكم ~~الكتاب والحكمة.. } [البقرة: 151].. الكتاب على إطلاقه ينصرف ~~إلى القرآن الكريم. والحكمة هي وضع الشيء في موضعه.. والكتاب يعطيك ~~التكليف، إما أن يأمرك بشيء وإما أن ينهاك عن شيء. إذن فهي دائرة بين ~~الفعل والترك.. والحكمة أن تفعل الفعل الذي يحقق لك خيرا ويمنع عنك ~~الشر. وهي مأخوذة من الحكمة أو الحديدة التي توضع في فم الجواد لتحكم ~~حركته في السير والوقوف، وتصبح كل حركة تؤدي الغرض منها والحكمة أيضا هي ~~أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقا لقوله تعالى: # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة.. # [الأحزاب: 34]. وقوله سبحانه: { ويعلمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون } [البقرة: 151] لأنكم أمة أمية. فإن بهرتكم الدنيا بحضارتها ~~فستبهرونهم بالإشعاعات الإيمانية التي تجعلكم متفوقين عليهم.. فكل ما ~~يأتيكم من السماء هو فوق كل حضارات الأرض.. لذلك يقول عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: ما عمر لولا الإسلام. ### || [2.152] # قوله تعالى: { فاذكروني } [البقرة: 152] أي كل هذه النعم والفضل ~~عليكم يجب ألا تنسوها.. أن تعيشوا دائما في ذكر من أنعم عليكم.. فالله ~~سبحانه وتعالى يريد من عباده الذكر، وهم كلما ذكروه سبحانه وشكروه شكرهم ~~وزادهم.. والله سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: # " أنا عند حسن ظن عبدي بي وأنا ms0434 معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ~~ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب ~~إلي بشبر تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ~~وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " # هذه هي رغبة الكريم في أن يعطي بشرط أن نكون أهلا للعطاء لأنه يريد أن ~~يعطيك أكثر وأكثر.. فقوله تعالى: " اذكروني " أي اذكروا الله في كل شيء. ~~في نعمه. في عطائه. في ستره. في رحمته. في توبته. يقول بعض الصالحين: ~~سمعت فيمن سمع عن حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك إذا ما أقبلت ~~على شرب الماء فقسمه ثلاثا.. أول جرعة قل باسم الله واشربها، ثم قل ~~الحمد لله وابدأ شرب الجرعة الثانية وقل باسم الله وبعد الانتهاء منها قل ~~الحمد لله.. ثم قل باسم الله واشرب الجرعة الثالثة واختمها بقولك الحمد ~~لله. فما دام هذه الماء في جوفك فلن تحدثك ذرة من جسدك بمعصية الله. ~~جربها يوما في نفسك وقل باسم الله واشرب، وقل الحمد لله وكررها ثلاث ~~مرات فإنك تكون قد استقبلت النعمة بذكر المنعم وأبعدت عن نفسك حولك ~~وقوتك، وأنهيت النعمة بحمد الله. ولكن لماذا الماء؟ لأن الماء في الجوف ~~أشبع من أي شيء آخر. قوله تعالى: { واشكروا لي ولا تكفرون } ~~[البقرة: 152] الشكر على النعمة يجعل الله سبحانه وتعالى يزيدك منها. ~~واقرأ قوله تبارك وتعالى: # لئن شكرتم لأزيدنكم.. # [إبراهيم: 7]. وشكر الله يذهب الغرور عن نفسك فلا تفتنك الأسباب وتقول ~~أوتيته على علم مني. { ولا تكفرون } [البقرة: 152] أي لا تستروا ~~نعم الله بل اجعلوها دائما على ألسنتكم.. فإن كل نعمة من نعم الله لو ~~استقبلت بقولك " ما شاء الله لا قوة إلا بالله " لا ترى في النعمة ~~مكروها أبدا لأنك حصنت النعمة بسياج المنعم.. أعطيت لله حقه في ~~نعمته فإن لم تفعل وتركتها كأنها منك وأنت موجدها ونسيت المنعم وهو ~~الله سبحانه وتعالى فإن النعمة تتركك. ### || [2.153] # الله سبحانه وتعالى يطالبنا أن نستعين بالصبر والصلاة.. على ماذا؟ على ~~كل ms0435 ما يطلبه منا الله.. على تكليفاته ومنهجه نستعين على ذلك بالصبر ~~والصلاة.. ولكن لماذا الصبر؟ لأن الصبر هو منع النفس من الجزع من أي شيء ~~يحدث وهو يأخذ ألوانا شتى حسب تسامي الناس في العبادة. فمثلا سئل ~~الإمام علي رضي الله عنه عن حق الجار؟ قال: تعلمون أنك لا تؤذيه؟ قالوا ~~نعم.. قال وأن تصبر على أذاه.. فكأنه ليس مطلوبا منك فقط ألا تؤذي جارك ~~بل تصبر على أذاه.. والصبر هو الذي يعينك على أن تفعل ما أمرك الله به ~~ولا تفعل ما نهاك الله عنه. إن الله منعك من أشياء هي من شهوات النفس ~~وأمرك بأشياء فيها مشقة وهذه محتاجة إلى الصبر.. وأنت إن أخذت منهج الله ~~تعبدا ستأخذه فيما بعد عادة، يقول أحد الصالحين في دعائه: اللهم إني ~~أسألك ألا تكلني إلى نفسي، فإني أخشى يا رب ألا تثيبني على الطاعة لأنني ~~أصبحت أشتهيها فسبحانك أمرتنا أن نحارب شهواتنا.. انظر إلى الطاعة من ~~كثرة حب الله أصبحت مرغوبة محببة إلى النفس.. رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يقول لبلال ساعة الآذان: # " أرحنا بها يا بلال " # ولم يقل كما يقول بعض الناس - والعياذ بالله - أرحنا منها ذلك أن هناك ~~من يقول لك: إن الصلاة تكون على كتفي مثل الجبل وأرتاح، نقول له أنت ~~ترتاح بها ولا ترتاح منها.. لأنك وقفت بين يدي الله المكلف، وما دام ~~الإنسان واقفا أمام ربه فكل أمر شاق يصبح سهلا. يقول أحد العابدين: أنا ~~لا أواجه الله بعبوديتي، ولكن أواجهه بربوبيته فأرتاح لأنه ربي ورب ~~العالمين.. الذي له أب يعينه لا يحمل هما، فما بالك بالذي له رب يعينه ~~وينصره. قول الحق سبحانه: { إن الله مع الصابرين } [البقرة: ~~153] أي أنه يطلب منك أن تواجه الحياة في معية الله فأنت لو واجهت ~~المشكلات في معية من تثق في قوته تواجه الأمور بشجاعة، فما بالك إذا كنت ~~في معية الله وكل شيء في الوجود خاضع لله، أيجرؤ شيء أن يقف أمامك وأنت ~~مع الله؟ إن ms0436 الأحداث لا تملأ الخلق بالفزع والهلع إلا ساعة الانفلات من ~~حضانة ربهم.. وإنما من يعيش في حضانة ربه لا يجرؤ عليه الشيطان فالشيطان ~~خناس.. ما معنى خناس؟ إذا سهوت عن الله اجترأ عليك، وإذا ذكرت الله خنس ~~وضعف فهو لا قوة له.. وهو لا يدخل مع الله سبحانه وتعالى في معركة، وإنما ~~يدخل مع خلق الله الذين ينسون الله ويبتعدون عنه. # . يقول القرآن الكريم: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص: 82-83]. وما دام الله سبحانه وتعالى مع الصابرين فلابد أن نعشق ~~الصبر.. وكيف لا نعشق ما يجعل الله معنا؟ يقول الحق جل جلاله في الحديث ~~القدسي: # " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ ~~قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته ~~لوجدتني عنده " # يقول بعض الصالحين: اللهم إني استحي أن أسألك الشفاء والعافية حتى لا ~~يكون ذلك زهدا في معيتي لك.. إذن لابد أن نعشق الصبر لأنه يجعلنا دائما ~~في معية الله. الله سبحانه وتعالى يقول: { إن الله مع ~~الصابرين } [البقرة: 153].. ونحن نريد أن يكون الله سبحانه معنا ~~دائما.. إن هذه الآية لا تجعل الإنسان ييأس مهما لقى في حركة حياته من ~~المشقة. ### || [2.154] # الحق جل جلاله يعلم أن أحداث الإيمان وخصوم الإيمان سيواجهون المسلمين ~~بمشقة عنيفة.. لا تهددهم في أموالهم فقط ولكن تهددهم في نفوسهم، فأراد ~~الله عز وجل أن يعطي المؤمنين مناعة ضد هذه الأحداث.. وأوصاهم بالصبر ~~والصلاة يواجهون بها كل حدث يهزهم بعنف.. قال لهم إن المسألة قد تصل إلى ~~القتل.. إلى الاستشهاد في سبيل الله. وأراد أن يطمئنهم بأن الشهادة هي ~~أعلى مرتبة إيمانية يستطيع الإنسان المؤمن أن يصل إليها في الدنيا فقال ~~سبحانه: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله ~~أموات } [البقرة: 154]. إن القتل هو أشد ما يمكن أن يقع على ~~الإنسان.. فأنت تصاب في مالك أو في ولدك أو في رزقك أو في صحتك، أما أن ~~تصاب في ms0437 نفسك فتقتل فهذه هي المصيبة الكبرى.. والله سبحانه سمى ~~الموت مصيبة واقرأ قوله تعالى: # إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة ~~الموت.. # [المائدة: 106]. الله تبارك وتعالى أراد أن يفهم المؤمنون أن الذي ~~يقتل في سبيل الله لا يموت.. وإنما يعطيه الله لونا جديدا من الحياة ~~فيه من النعم ما لا يعد ولا يحصى. يقول جل جلاله: { ولا تقولوا ~~لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن ~~لا تشعرون } [البقرة: 154]. ما هو مظهر الحياة التي يعيشونها؟ ~~الحياة عندنا مظهرها الحركة، والذي قتل في سبيل الله ما هي حركته؟ ~~حركته بالنسبة لغير المؤمنين خصوم الإسلام والإيمان بأنه لن يسلب منه ~~الحياة.. لأنه سيذهب إلى حياة أسعد، والموت ينقله إلى خير مما هو يعيش ~~فيه.. فإذا كان الكفار قد قتلوه فهم لم يسلبوه شيئا وإنما نقلوه إلى ~~نعمة أكبر مما كان يعيش فيها.. أما بالنسبة للمؤمنين فإنه سيحمي لهم منهج ~~الله ليصل إليهم إلى أن تقوم الساعة. إن كل المعارك التي يستشهد فيها ~~المؤمنون إنما هي سلسلة متصلة لحماية حركة الإيمان في الوجود.. وعظمة ~~الحياة ليست في أن أتحرك أنا ولكن أن اجعل من بعدي يتحرك.. والمؤمن حين ~~يستشهد يبقى أثره في الوجود لكل حركة من متحرك بعده.. فكل حركة لحماية ~~الإيمان تستشهد به وبما فعله وتأخذ من سلوكه الإيماني دافعا لتقاتل ~~وتستشهد. فكأن الحركة متصلة والعملية متصلة.. أما الكافر فإن الحياة ~~تنتهي عنده بالموت، ولكن تنتظره حياة أخرى حينما يبعث الله الناس جميعا ~~ثم يأتي بالموت فيموت.. وحين يموت الموت تصبح الحياة بلا موت إما في ~~الجنة وإما في النار. الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نعلم أن من يقتل ~~في سبيل الله هو حي عند ربه ينتقل من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة ~~مباشرة. # . ولا يكتب عليه الموت في حياة البرزخ حتى يوم القيامة مثل من يموت ~~ميتة طبيعية ولا يموت شهيدا.. ولأن هذه الحياة حياة الشهداء أخفى الله ~~سبحانه عنا تفاصيلها لأنها من حياة الآخرة.. وهي غيب عنا قال تبارك ms0438 ~~وتعالى: { ولكن لا تشعرون } [البقرة: 154].. وما دمنا لا نشعر ~~بها فلابد أن تكون حياة أعلى من حياتنا الدنيوية. الذي استشهد في عرف ~~الناس سلب نفسه الحياة ولكنه في عرف الله أخذ حياة جديدة.. ونحن حين نفتح ~~قبر أحد الشهداء نجد جسده كما هو فنقول إنه ميت أمامنا.. لابد أن تتنبه ~~أنك لحظة فتحت عليه انتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة والله سبحانه ~~قال: # أحياء عند ربهم # [آل عمران: 169] ولم يقل أحياء في عالم الشهادة.. فهو حي مادام في عالم ~~الغيب، ولكن أن تفتح وتكشف تجده جسدا في قبره لأنه انتقل من عالم الغيب ~~إلى عالم الشهادة.. أما كيف؟ قلنا إن الغيب ليس فيه كيف.. لذلك لن تعرف ~~وليس مطلوبا منك أن تعرف. إننا حين نجري عملية جراحية لمريض يعطيه ~~الطبيب البنج لكي يفقده الوعي والحس، ولكن لا يعطيه له ليموت ثم يبدأ ~~يجري العملية فلا يشعر المريض بشيء من الألم. فالمادة لا تحس لأنها هي ~~التي أجريت عليها العملية والجسد لا زال فيه الحياة من نبض وتنفس ولكنه ~~لا يحس.. ولكن النفس الواعية التي غابت هي التي تحس بالألم. أنت عندما ~~يكون هناك ألم في جسدك وتنام ينقطع الإحساس بالألم، فكأن الألم ليس مسألة ~~عضوية ولكنه مرتبط بالوعي.. فعند النوم تنتقل إلى عالم آخر قوانينه ~~مختلفة.. والعلماء فحصوا مخ الإنسان وهو نائم فوجدوا أنه لا يستطيع أن ~~يعمل أكثر من سبع ثوان يرى فيها رؤيا يظل يحكيها ساعات.. فإذا قال الحق ~~تبارك وتعالى: " إنهم أحياء عند ربهم ".. فلابد أن نأخذ هذه الحياة على ~~أنها بقدرات الله ومن عنده.. والله عز وجل أراد أن يقرب لنا مسألة البعث ~~والقيامة مثل مسألة النوم. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى.. # [الزمر: 42]. فكأن الحق جل جلاله يعطي الشهداء حياة دائمة خالدة لأنهم ~~ماتوا في سبيله.. وما دام تعالى قال: " لا تشعرون " فلا تحاول أن ms0439 تدركها ~~بشعورك وحسك لأنك لن تدركها على أن الشهيد لابد أن يقتل في سبيل الله ~~وليس لأي غرض دنيوي.. وإنما لتكون كلمة الله هي العليا. ### || [2.155] # نعرف أن مجرد الابتلاء ليس شرا، ولكن الشر هو أن تسقط في الابتلاء، فكل ~~ابتلاء هو اختبار وامتحان، ولم يقل أحد: إن الامتحانات شر، إنها تصير ~~شرا من وجهة نظر الذي لم يتحمل مشاق العمل للوصول إلى النجاح، أما الذي ~~بذل الجهد وفاز بالمركز الأول، فالامتحانات خير بالنسبة له، إذن فقوله ~~الحق: { ولنبلونكم } [البقرة: 155] أي سنضع لكم امتحانا يصفي ~~البطولة للعقيدة الجديدة. والحق سبحانه قد ذكر لنا قبل هذه الآية قمة ~~الابتلاءات وهي أن ينال الإنسان الاستشهاد في سبيل الله، وذكر ثواب ~~الشهيد، وهو البقاء على هيئة من الحياة عند ربه، وكان ذلك مقدمة ~~للابتلاءات الأقل، فقمة الابتلاء - في حدود إدراكنا - هي فقد الحياة، ~~وأراد الحق أن يعطي المؤمنين مناعة فيما دون الحياة، مناعة من الخوف ~~والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات. وكل ما دون حياة الفرد هو أمر ~~ترفي بالنسبة لفقد الحياة نفسها، فمن لم يفقد حياته، فستأتي له ابتلاءات ~~فيما دون حياته وهي ابتلاءات الخوف والجوع ونقص الأموال، ونقص في عدد ~~الإخوة المؤمنين، وكذلك نقص في الثمرات، وكل هذه أشياء يحبها الإنسان، ~~ويأتي التكليف ليطلب من المؤمن أن يترك بعضا مما يحب، وتلك الابتلاءات ~~تدخل في نطاق بقاء التكليف. وأول تلك الابتلاءات هو الخوف، والخوف هو ~~انزعاج النفس وعدم اطمئنانها من توقع شيء ضار، فالنفس لها ملكات متعددة، ~~وعندما يصيبها الخوف، فهي تعاني من عدم الانسجام، والخوف خور لا ضرورة ~~له، لأنك إذا كنت تريد أن تؤمن نفسك من أمر يخيفك، فأنت تحتاج إلى أن ~~تجتهد بأسبابك لتعوق هذا الذي يخيفك، أما إن استسلمت للانزعاج، فلن ~~تستطيع مواجهة الأمر المخيف بكل ملكاتك، لأنك ستواجهه ببعض من الملكات ~~الخائرة المضطربة، بينما أنت تحتاج إلى استقرار الملكات النفسية ساعة ~~الخوف حتى تستطيع أن تمد نفسك بما يؤمنك من هذا الخوف. أما إن زاد ~~انزعاجك عن ms0440 الحد، فأنت بذلك تكون قد أعنت مصدر الخوف على نفسك لأنك لن ~~تواجه الأمر بجميع قواك، ولا بجميع تفكيرك. إذن فالذي يخاف من الخوف نقول ~~له: أنت معين لمصدر الخوف على نفسك، وخوفك وانزعاجك لن يمنع الخوف، ~~ولذلك لابد لك من أن تنشغل بما يمنع الأمر المخوف، ودع الأمر المخوف إلى ~~أن يقع، فلا تعش في فزعه قبل أن يأتيك، فآفة الناس أنهم يعيشون في ~~المصائب قبل وقوعها، وهم بذلك يطيلون على أنفسهم أمد المصائب. إن المصيبة ~~قد تأتي - مثلا - بعد شهر، فلماذا تطيل من عمر المصيبة بالتوجس منها ~~والرهبة من مواجهتها؟ إنك لو تركتها إلى أن تقع تكون قد قصرت مسافتها. ~~ولك أن تعرف أن الحق سبحانه وتعالى ساعة تأتي المصيبة فهو برحمته ينزل ~~معها اللطف، فكأنك إن عشت في المصيبة قبل أن تقع، فأنت تعيش في المصيبة ~~وحدها معزولة عن اللطف المصاحب لها، لكن لو ظللت صابرا محتسبا قادرا ~~على مواجهة أي أمر صعب، فأنت لن تعيش في المصيبة بدون اللطف. # لقد كانت الدعوة إلى الله بالإسلام ما زالت وليدة، لذلك كان لابد من ~~إعداد القدوة المؤمنة إعدادا قويا، وكان الخوف متوقعا، لأن خصوم ~~الدعوة يكيدون لها ويبيتون، وهذا هو الابتلاء. وما المراد من المؤمن ~~حين يواجه ابتلاء الخوف؟ إن عليه أن يجعل من الخوف ذريعة لاستكمال ~~الأسباب التي تمنع وقوع الأمر المخوف، فإن صنع ذلك يكون قد نجح في هذا ~~الابتلاء. ونأتي إلى الابتلاء الثاني في هذه الآية الكريمة، وهو الجوع. ~~إن الجوع شهوة غالبة إلى الطعام، وهو ضروري لاستبقاء الحياة، ومن رحمة ~~الحق سبحانه وتعالى بالإنسان أن ضمن له في ذاته غذاء يدخره من وقت رخائه ~~لينفعه وقت شدته، فالإنسان يحتفظ بالغذاء الزائد على صورة شحم ولحم، وحين ~~يجوع ولا يجد طعاما، فهو يأخذ من هذا الشحم، فإذا انتهى الشحم، فهو يأخذ ~~من اللحم، وإذا انتهى اللحم، يأخذ الجسم غذاءه من العظم، من أجل أن ~~يستبقي الإنسان الحياة. والإنسان مكون من أجهزة متعددة، وسيد هذه الأجهزة ms0441 ~~المخ، وما دامت الحياة موجودة في خلايا المخ فإن كل شيء فيك جاهز للعمل، ~~لكن إذا ماتت هذه الخلايا، انتهى كل شيء، وذلك هو السبب في أن يقال: إن ~~فلانا مات ثم أعطوه دواء معينا فعادت إليه الحياة. إنهم يتناسون ~~الحقيقة العلمية المؤكدة، وهي أن الحياة لا تغادر الإنسان إلا إذا توقف ~~المخ عن العمل، ولذلك فهناك إنسان قد يتوقف قلبه فيعالجه الأطباء بصدمة ~~كهربية تعيد تشغيل القلب، أو يشقون الصدر لتدليك القلب. لكن إذا ماتت ~~خلايا المخ فهذا هو الموت. فأجهزة الجسم كلها في خدمة ذلك السيد وهو ~~المخ. ومن العجيب أنك تجد سيد الإنسان - وهو المخ - في قمته، والحيوانات ~~كذلك مخها في قمتها، أما النبات فسيده في جذوره، فالورق يذبل أولا، ثم ~~تجف الأغصان الرفيعة، ثم الجذع، ويجف الجذر في النهاية عندما لا يأتيه ~~بعض الماء، وعندما يأتي بعض الماء إلى الجذور في الوقت المناسب فهي تعود ~~إلى الاخضرار، وتنمو وتعود إليها الحياة، وكذلك المخ في الإنسان، فساعة ~~ينهي الإنسان مخزونه من شحمه ومن لحمه ويتغذى على العظام، فإنقاذه يأتي ~~من إيصال الغذاء إلى المخ. ولذلك قالت المرأة العربية التي لم تكن تعرف ~~التشريح: " نحن مرت علينا سنون، سنة أذابت الشحم، وسنة محقت اللحم، ~~وسنة محت العظم ". ويجب أن نفهم أن الجوع يحسن لنا كل رزق في الحياة ~~فإنك إن كنت جوعان صار كل طعام شهيا، والذي يرغم الناس على إعداد ألوان ~~مختلفة من الأطعمة إنما هو عدم الجوع فالإنسان يريد أن يشهي لنفسه ~~ليأكل، لكنه لو كان جوعان لكفاه أي طعام، ولذلك قالوا: " طعام الجائع هنئ ~~وفراش المتعب وطئ ". # فساعة يكون الإنسان متعبا فهو ينام على أرض خشنة ويستغرق في النوم، وإن ~~لم يكن الإنسان متعبا، فهو يظل يتقلب في الفراش حتى ولو كان من الديباج. ~~إذن فابتلاء الجوع هو أن تصبر على الضروري من الطعام الذي يقيم لك ~~الحياة، وأنت تأكله كوقود لحركة الحياة، ولا تأكله التذاذا، وحين يقتات ~~الإنسان ليضمن لنفسه وقود الحياة فأي طعام ms0442 يكفيه. ولذلك شرع الله الصوم ~~لنصبر على أذى الجوع، لأن المؤمنين قد تضطرهم معركة ما لأن يعيشوا فيها ~~ساعات طويلة دون طعام، فإن لم يكونوا مدربين على تحمل قسط من الجوع ~~فيسخورون ويتعبون. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يعد المؤمن إعدادا ~~كافيا كاملا، فالمؤمن يواجه الخوف فيستعد، ويواجه الجوع فيأخذ من قوت ~~الحياة بقدر الضرورة. ولذلك تجد أن المجتمعات تواجه متاعب الاقتصاد ~~بالتقشف، ولكن بعض المجتمعات لا تستطيع ذلك، فتجد الناس في تلك المجتمعات ~~لا تتقشف، ولهذا نقول لمن يعيش حياة الترف: أنت لا تعد نفسك الإعداد ~~اللازم لمواجهة تقلبات الزمن. وأقول كما قال إبراهيم بن أدهم: # وإذا غلا شيء علي تركته # فيكون أرخص ما يكون إذا غلا # إن أي شيء إذا غلا سعره، لا يشتريه، ويتركه، فيكون أرخص شيء، لأنه لن ~~يدفع فيه مالا ليشتريه. وأما الابتلاء الثالث وهو نقص الأموال فمصدره أن ~~المؤمنين سينشغلون عن حياتهم بأمر الدعوة، وإذا ما شغلوا عن حركة الحياة ~~لمواجهة العدو فسيضطرون إلى التضحية بحركة الحياة التي تنتج المال ولذلك ~~تنقص الأموال، لأن حركتهم في الحياة توجهت إلى مقاومة خصوم الله. وكذلك ~~سيواجهون العدو مقاتلين وقد يستشهد منهم عدد. وأخيرا يواجهون نقص ~~الثمرات، والثمرات هي الغاية من كل عمل. والحق سبحانه وتعالى حين يعدنا ~~هذا الإعداد، فإذا نجحنا فيه تكون لنا البشرى، لأننا صبرنا على كل هذه ~~المنغصات: صبر على الخوف، وصبر على الجوع، وصبر على نقص الأموال، وصبر ~~على نقص الأنفس، وصبر على نقص الثمرات. إذن فالمهم أن ينجح المؤمن في كل ~~هذه الابتلاءات حتى يواجه الحياة صلبا ويواجه الحياة قويا ويعلم أن ~~الحياة معبر، ولا يشغله المعبر عن الغاية، ولذلك يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { الذين إذآ أصابتهم مصيبة قالوا... }. ### || [2.156] # والمصيبة هي الأمر الذي ينال الإنسان منه المشقة والألم، وهي مأخوذة من ~~إصابة الهدف. والمؤمن يستقبل المصيبة واثقا أنها على قدر إيلامها يكون ~~الثواب عليها، ولذلك عندما فرح الكفار بما يصيب المسلمين في بعض المعارك، ~~أنزل الله ذلك القول الحق ms0443 للمؤمنين: # قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا.. # [التوبة:51]. أي قولوا أيها المؤمنون لهؤلاء الحمقى من الكافرين: إنه لن ~~يحدث لنا إلا ما كتبه الله. وعندما نتأمل قوله الحق: # إلا ما كتب الله لنا.. # [التوبة: 51] أي أن المسألة ستكون لحسابنا، وسنأخذ عليها حسن الثواب من ~~الله، ولم يقل الحق: كتب الله علينا، لأنها لو كانت كذلك لكان معناها ~~أنها جزاء وعقاب من الله. وأي أمر يصيب الإنسان، إما أن يكون له دخل فيه، ~~وعند ذلك لا يصح أن يجزع لأنه هو الذي جاء بالأمر المؤلم لنفسه، وإما أن ~~تكون مصيبة لا دخل له بها، وحدثت له من غيره مثلا، وعند ذلك عليه أن ~~يبحث عن سببها: أعدلا أم ظلما؟ إن كانت عدلا فهي قد جبرت الذنب، وإن ~~كانت ظلما فسوف يقتص الله له ممن ظلمه، وعلى هذا فالمؤمن في كلتا ~~الحالتين رابح. إذن فالمؤمن يستقبل كل مصيبة متوقعا أن يأتي له منها ~~خير. وعلى كل مؤمن أن يقيم نفسه تقييما حقيقيا، " هل لي على الله ~~حق؟ أنا مملوك لله وليس لي حق عنده، فما يجريه علي فهو يجريه في ملكه ~~هو ". ومن لا يعجبه ذلك فليتأب على أي مصيبة ويقول لها: " لا ~~تصيبيني " ، ولن تستطيع درء أي مصيبة - وما دمنا لا نستطيع أن نمنع وقوع ~~المصائب والأحداث، فلنقبلها - كمؤمنين - لأن الحق سبحانه وتعالى يريد ~~بنسبتنا إليه أن يعزنا ويكرمنا. إنه يدعونا أن نقول: { إنا لله ~~وإنآ إليه راجعون } [البقرة: 156]. إننا بهذا القول ننسب ~~ملكيتنا إلى الله ونقبل ما حدث لنا. ولابد لنا هنا أن نأتي بمثال - ولله ~~المثل الأعلى - هل رأيت إنسانا يفسد ملكه؟ أبدا. إن صاحب الملك يعمل كل ~~ما يؤدي إلى الصلاح في ملكه، وإن رأى الناس في ظاهر الأمر أنه فساد، فما ~~بالنا بالله سبحانه وتعالى ونحن ملك له، وهو سبحانه لا يعرض ملكه ~~أبدا للضرر، وإنما يقيمه على الحكمة والصلاح. { إنا لله وإنآ ~~إليه راجعون } [البقرة: 156] أي نحن مملوكون لله، ونحن راجعون ~~إليه، وحتى إن ms0444 كان في مصائب الدنيا ظلم لنا وقع علينا من إنسان، فسوف ~~نأخذ ثواب ما ظلمنا فيه عند الرجوع إلى الله، إذن فنحن لله ابتداء ~~بالملكية، ونحن لله نهاية في المرجع وهو سبحانه ملك القوسين الابتداء ~~والانتهاء، ولذلك علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أي مصيبة ~~تصيب الإنسان أن يسترجع أي أن يقول: { إنا لله وإنآ إليه ~~راجعون } [البقرة: 156]. # وزادنا أيضا أن نقول: # " اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها " # إنك إذا ما قلتها عند أي مصيبة تصيبك فلا بد أن تجد فيما يأتي بعدها ~~خيرا منها، وحتى إن نسي الإنسان أن يقول ذلك عند وقوع المصيبة، ثم ~~تذكرها وقالها فله جزاؤها، كأنه قالها ساعة المصيبة. وهناك قصة عن أم ~~سلمة رضي الله عنها حين مات أبو سلمة زوجها - وكان ملء السمع والبصر - ~~وجزعت عليه أم سلمة، فقيل لها قولي: ما علمنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قالت: وما علمكم؟ قالوا: " إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم ~~أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها " فقالت ما قيل لها، فإذا بها بعد ~~انقضاء عدتها يذهب إليها النبي خاطبا، فقيل لها: أوجد خير من أبي سلمة ~~أم لم يوجد؟ قالت: ما كنت لأتسامى - أي أتوقع - مثل هذا الموقف ". فإذن، ~~كل مصيبة يتعرض لها الإنسان يجب أن يقول عندها: " إنا لله وإنا إليه ~~راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها ". وماذا يكون حال ~~الذين يقولون هذا الدعاء؟. ها هو ذا الحق سبحانه وتعالى يقول: { ~~أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة... }. ### || [2.157] # فلننظر إلى غاية الغايات التي يدربنا الله عليها لنحمل الدعوة، ولنحمي ~~منهج الحق، ولنهدم دولة المبطلين، هذه غاية لكنها ليست الغاية النهائية، ~~فالغاية النهائية أننا نفعل ذلك لنأخذ رحمات الله وبركاته في الآخرة. ~~إذن، فالغاية النهائية في كل إيمان وفي كل عمل هي ابتغاء مرضاة الله ~~ورحمته. وكما قال المرحوم الشيخ سيد قطب رحمة الله عليه: إياك أن يشغلك ~~عن صلوات الله وتحياته وبركاته شيء ولو انتصار ms0445 العقيدة نفسه. كأن انتصار ~~العقيدة وسيلة لتنال بها الصلوات والرحمة من ربك، فكل شيء ما عدا ذلك ~~وسيلة تسلم إلى غاية، وغاية المؤمن أن يكون من الذين يشملهم قول الله: { ~~أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ~~وأولئك هم المهتدون } [البقرة: 157]. ونحن نعرف أن الصلاة ~~في اللغة هي الدعاء، للناس صلاة، وللملائكة صلاة، ولله صلاة، فهو القائل: # هو الذي يصلي عليكم وملائكته.. # [الأحزاب: 43]. وكلنا نعيش برحمات الله، حتى الكافر يعيش على الأرض ~~برحمة الله، ويأخذ أسباب حياته برحمة الله، والنعم والخيرات التي يعيش ~~عليها تأتيه بسبب رحمة الله، والمؤمن يأخذ نعم الدنيا برحمة الله ويزيد ~~الله له بالبركة والاطمئنان، والاطمئنان نعمة كبرى، فمن يعيش في هذه ~~الحياة وهو مطمئن إلى غاية أفضل من هذه الحياة، فهذا لون عظيم من ~~الاطمئنان. فالصلاة من الله عطاء الرحمة والبركة. والصلاة من الملائكة ~~استغفار. والصلاة من المؤمنين دعاء. والدعاء حين تدعوه لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم بالخير وبالرحمة وبالبركة هو دعاء لك، لماذا؟ لأن كل منزلة ~~ينالها رسول الله عائدة لأمته وللعالم أجمع. فمن الذي يشفع عند الله في ~~يوم الحشر ليعجل الله بالفصل بين الخلائق؟. إنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. إذن، فكل خير يناله رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خير لأمته، ~~فإذا دعوت له فكأنك تدعو لنفسك. إنك عندما تصلي عليه مرة يصلي الله عليك ~~عشرا. أليس في ذلك خير لك؟ { أولئك عليهم صلوات من ~~ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون } [البقرة: ~~157]. والمهتدون هم الذين التزموا الطريق الموصل للغاية، والغاية هي ~~صلوات من ربهم ورحمة، وأنت الآن متمتع بنعم الله بأسباب الله، وعند الله ~~في الآخرة سوف تتمتع بإذن الله بنعم الله وبلقاء الله. بعد ذلك يقول ~~الحق: { إن الصفا والمروة من شعآئر الله... }. ### || [2.158] # والصفا والمروة جبلان صغيران، يعرفهما الذين زاروا الأماكن المقدسة، ~~والذين لم يذهبوا أسأل الله أن يروهما عين اليقين، وحين يرونهما يكون هذا ~~علم اليقين. وهذان الجبلان كانت سيدتنا هاجر أم إسماعيل قد ترددت بينهما ~~لتطلب الماء ms0446 لولدها، بعد أن تركهما إبراهيم عليه السلام عند بيت الله ~~الحرام. وبالله عليك، فبماذا تفكر امرأة عندما يتركها زوجها مع رضيعها في ~~مكان لا طعام فيه ولا ماء؟ هنا قالت هاجر قولتها المشهورة: - إلى من ~~تكلنا؟ آلله أمرك بذلك؟ فقال سيدنا إبراهيم: نعم، فقالت: إذن لن يضيعنا، ~~لقد استغنت بالخالق عن المخلوق، ولم تنطق مثل هذا القول إلا بوحي من ~~المسبب، وهذه أول قضية إيمانية مع ملاحظة الأرضية الإيمانية التي وجدت ~~عليها، حينما دعا إبراهيم عليه السلام ربه قائلا: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة.. # [إبراهيم: 37]. وإذا قرأت " غير ذي زرع " فاعلم أنه غير ذي ماء، فحيث ~~يوجد الماء يوجد الزرع، فالماء هو الأصل الأصيل في استبقاء الحياة، ~~وعندما يغيب الماء عن أم ووليدها، فماذا يكون حالهما؟ لقد عطش ولدها ~~وأرادت أن تبحث عن نبع ماء أو طير ينزل في مكان لتعلم أن فيه ماء، أو ترى ~~قافلة تسير ومعها ماء لذلك خرجت إلى أعلى مكان وتركت الوادي، وصعدت إلى ~~أعلى جبل الصفا فلم تجد شيئا، فنظرت إلى الجهة الأخرى إلى المروة، وصعدت ~~عليها فلم تجد شيئا، وظلت تتردد بين الصفا والمروة سبعة أشواط. ولنا أن ~~نتصور حالتها، امرأة في مثل سنها، وفي مثل وحدتها، وفي مثل عدم وجود ماء ~~عندها، ولابد أنها عطشت كما عطش وليدها، وعندما بلغ منها الجهد، انتهت ~~محاولاتها، وعادت إلى حيث يوجد الوليد. ولو أن سعيها بين الصفا والمروة ~~أجدى، فرأت ماء لقلنا: إن السعي وحده قد جاء لها بالماء، لكنها هي التي ~~قالت من قبل: " إذن لن يضيعنا " ، وهي بهذا القول قد ارتبطت بالمسبب لا ~~بالسبب، فلو أنه أعطاها بالسبب المباشر وهو بحثها عن الماء لما كان عندها ~~حجة على صدقها في قولها: " إذن لن يضيعنا ". ويريد الحق أن ينتهي سعيها ~~سبع مرات بلا نتيجة، وتعود إلى وليدها فتجد الماء عند قدم الوليد. وهكذا ~~صدقت هاجر في يقينها، عندما وثقت أن الله لن يضيعها، وأراد ms0447 الله أن يقول ~~لها: نعلم لن أضيعك، وليس بسعيك ولكن بقدم طفلك الرضيع يضرب بها الأرض، ~~فينبع منها الماء. وضرب الوليد للأرض بقدمه سبب غير فاعل في العادة، لكن ~~الله أراده سببا حتى يستبقى السببية ولو لم تؤد إلى الغرض. # وحين وجدت هاجر الماء عند قدم رضيعها أيقنت حقا أن الله لم يضيعها. وظل ~~السعي شعيرة من شعائر الحج إلى بيت الله الحرام، استدامة لإيمان المرء ~~بالمسبب وعدم إهماله للسبب، وحتى يقبل الإنسان على كل عمل وهو يؤمن ~~بالمسبب. ولذلك يجب أن نفرق بين التوكل والتواكل. إن التوكل عمل قلب وليس ~~عمل جوارح، والتواكل تعطيل عمل جوارح. ليس في الإسلام تواكل، إنما ~~الجوارح تعمل والقلوب تتوكل. هكذا كان توكل هاجر، لقد عملت وتوكلت على ~~الله فرزقها الله بما تريد بأهون الأسباب، وهي ضربة قدم الوليد للأرض، ~~وبقيت تلك المسألة شعيرة من شعائر الحج وهي سبعة أشواط بين الصفا ~~والمروة. وعندما غفل الناس عن عبادة الله، ودخلت عبادة الأصنام في ~~الجزيرة العربية، أوجدوا على جبل الصفا صنما أسموه " إسافا " وعلى ~~المروة صنما أسموه " نائلة " ، وكانوا يترددون بين إساف ونائلة، لا بين ~~الصفا والمروة، لقد نقلوا العبادة من خالصية التوحيد إلى شائبية الوثنية. ~~فلما جاء الإسلام أراد الله ألا يوجه المسلمين في صلاتهم إلى البيت ~~المحرم إلا بعد أن يطهر البيت ويجعله خالصا لله، فلما ذهب بعض المؤمنين ~~إلى الكعبة تحرجوا أن يسعوا بين الصفا والمروة لأن " إسافا " و " نائلة ~~" فوق الجبلين، فكأنهم أرادوا أن يقطعوا كل صلتهم بعادات الجاهلية، ~~واستكبر إيمانهم أن يترددوا بين " إساف " و " نائلة " ، فأنزل الله قوله ~~الحق: { إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن ~~حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف ~~بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } ~~[البقرة: 158]. أي لا تتحرجوا في هذا الأمر، لأنكم ستسعون بين الصفا ~~والمروة لا بين إساف ونائلة كما كان يفعل المشركون الوثنيون، إذن فالعمل ~~هنا كان بالنية. لقد كانت نية السعي الأولى عند هاجر هي الإيمان بالله ms0448 ~~والأخذ بالأسباب، لكن الوثنية قلبت قمة الإيمان إلى حضيض الكفر، وكان ~~لابد أن يستعيد المسلمون نية الإيمان الأولى عند زيارة البيت المحرم ~~بالسعي بين الصفا والمروة، فنحن في الإسلام نرضخ لأمر الآمر، قال لنا: " ~~قبلوا الحجر الأسود " ، وفي الوقت نفسه أمرنا أن نرجم الحجر الذي يرمز ~~إلى إبليس، هكذا تكون العبرة بالنية وليس بشكل العمل، وتكون العبرة في ~~إطاعة أمر الله. وكأن الحق بهذه الآية يقول للمؤمنين: إن المشركين عبدوا ~~" إسافا " و " نائلة " ، لكن أنتم اطرحوا المسألة من بالكم، واذهبوا إلى ~~الصفا والمروة، فالصفا والمروة من شعائر الله، وليستا من شعائر الوثنية، ~~ولكن ضلال المشركين هو الذي خلع عليهما الوثنية في إساف وفي نائلة. لقد ~~أراد الوثنيون بوضع " إساف " على الصفا " ونائلة " على المروة أن يأخذوا ~~صفة التقديس للأوثان، فلولا أن الصفا والمروة من المقدسات سابقا لما ~~وضعوا عليهما أحجارهم ولما جاءوا بأصنامهم ليضعوها على الكعبة، هذا دليل ~~على أن قداسة هذه الأماكن أسبق من أصنامهم، لقد حموا وثنيتهم بوضع " إساف ~~" و " نائلة " على الصفا والمروة. # وبعد أن بين الحق للمؤمنين أن الصفا والمروة من شعائر الله، ينبه على ~~أن المكين - ساكن المكان - لا ينجس المكان، بدليل أن الإيمان عندما ~~كتبت له الغلبة، كسر الأصنام وأزالها من الكعبة وأصبح البيت طاهرا، ~~وعندما كان المؤمنون يتحرجون عن أن يفعلوا فعلا من أفعال الجاهلية ~~طمأنهم الحق سبحانه وتعالى، وقال لهم: { إن الصفا والمروة ~~من شعآئر الله } [البقرة: 158]. وكلمة " صفا " معناها الحجر ~~الأملس، وأصبح كذلك من كثرة الملامسين له على مر الزمان، وقيل: إن الصفا ~~منسوبة إلى اصطفاء آدم، وقيل: إن المروة منسوبة إلى المرأة التي هي حواء، ~~لكنه كلام يقال لا نتوقف عنده كثيرا، لأنه علم لا ينفع وجهل لا يضر، ~~فالمهم بالنسبة لنا أنه مكان ترددت بينه هاجر وهي تطلب الماء لابنها، إن ~~الحق جعل السعي بينهما من شعائر الله، والشعائر هي معالم العبادة، وتطلق ~~دائما على المعالم المكانية، ويقال: هذا مطاف، وهذا مسعى، وهذا مرمى ~~الجمرات، وهذا المشعر الحرام. إن ms0449 كلمة " المشعر " تعني المكان الذي له ~~عبادة مخصوصة، وبما أن الصفا والمروة مكانان، فقد جاء وصفهما بأنهما { ~~من شعآئر الله } [البقرة: 158]. { فمن حج البيت أو ~~اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } [البقرة: ~~158] كأن الحج والعمرة لهما شيء يجعلهما في مقام الفرضية ولهما شيء آخر ~~يجعلهما في مقام التطوع، فإن أدى المسلم الحج والعمرة مرة يكون قد أدى ~~الفرض، وهذا لا يمنع من أن تكرار الحج والعمرة هو تطوع مقبول بإذن الله، ~~له شكر من الله. وساعة نقول: " لا جناح عليك أن تفعل كذا " فمعنى ذلك أنك ~~إن فعلت فلا إثم عليك، لكن ليس خطأ في أن تفعل، وليس فرضا في أن تفعل، ~~وهذا ما جعل بعض الناس يقولون: إن السعي بين الصفا والمروة ليس ركنا من ~~أركان الحج، ونقول لهؤلاء: هذه آية جاءت لسبب، وهو أنهم كانوا يتحرجون من ~~الطواف في مكان يطوف فيه المشركون فقال لهم: { فلا جناح عليه ~~أن يطوف بهما } [البقرة: 158]. إن نفي الجناح لا يعني أنك إن ~~لم تفعل يصح، لا، إنه سبحانه يرد على حالة كانوا يتحرجون منها، وقوله ~~تعالى: { يطوف بهما } [البقرة: 158] يستدعي منا وقفة، إن الحاج ~~أو المعتمر يسعى بين الصفا والمروة، فلماذا وصف الحق هذا السعي ب { ~~يطوف بهما } [البقرة: 158]؟. لكي نعرف ذلك لابد أن نوضح معنى " ~~طاف " و " جال " و " دار ". # إن " طاف " تعني " دار حول الشيء " ، فما هي الدورة التي بين الصفا ~~والمروة حتى يسميها الحق طوافا؟. إن الدائر حول الدائرة يبدأ من أي نقطة ~~منها كبداية، لتكون تلك النقطة نهاية، فكل طواف حول دائرة تجد فيه أن كل ~~بداية فيها تعتبر نهاية، وكل نهاية تعتبر بداية، وأي حركة من وإلى شيء ~~واحد يصنع دائرة. وصحيح أن من يسعى بين الصفا والمروة لا يدور، ولكنه ~~سيذهب من الصفا إلى المروة ثم ينقلب عائدا إلى الصفا، ثم منها إلى ~~المروة، وهكذا يصير الأمر طوافا. ومثال آخر من حياتنا اليومية، إن ~~الشرطي الذي يطوف لحراسة الشوارع والمنازل بالليل، قد يلف المدينة ms0450 كلها، ~~ويمكن أن يلف شارعا واحدا هو مكان حراسته، هذا الدوران في الشارع من ~~أوله إلى آخره عدة مرات يسمى طوافا بينهما، وهكذا نفهم معنى { ~~يطوف بهما } [البقرة: 158]، أي يمشي بينهما عدة مرات من بداية ~~إلى نهاية. وهكذا نجد أن السعي بين الصفا والمروة هو جزء من شعائر الحج ~~والعمرة. ونجد أن الفرضية في الحج والعمرة أساسية، والتطوع بتكرار الحج ~~والعمرة هو خير. { ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر ~~عليم } [البقرة: 158] وهذا القول يقتضي أن نفهم أن الشاكر أصابته نعمة ~~من المشكور، فما الذي أصاب الحق هنا من تكرار الحج؟. إن المؤمن عندما ~~يؤدي ما افترضه الله عليه فهو يؤدي الفرض، لكن عندما يزيد بالتطوع حبا ~~في النسك ذاته فهذه زيادة يشكره الله عليها، إذن، فالشكر من الله عز وجل ~~يفيد أن نعمة ستجيء، والحق سبحانه وتعالى حين يفترض على عبدا كذا من ~~الفروض يلتزم العبد بذلك، فإذا زاد العبد من جنس ما افترضه الله عليه، ~~فقد دل ذلك على حبه وعشقه للتكليف من الله، وإذا ما أحب وعشق التكليف من ~~الله بدون أن يطلبه الله منه ويلزمه به بل حببه إليه، فهو يستحق أن يشكره ~~الله عليه، وشكر الله للعبد هو عطاء بلا نهاية. ويقول الحق من بعد ذلك: { ~~إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات ~~والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب... }. ### || [2.159] # والحق سبحانه حين يعرض هذه القضية، يبين لنا موقف الجزاء من الذين ~~يكتمون ما أنزل الله، لقد كتم بعض من أهل الكتاب البينات التي أنزلها ~~الله في الكتاب الذي معهم، بينات تثبت صدق محمد صلى الله عليه وسلم في ~~نبوته، وهذا الكتمان سيورث شرورا، وكلما نال العالم شرا من كتمانهم ~~فسيلعنهم، واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله. والحق سبحانه وتعالى ~~ينبه المؤمنين بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن هذا الجزاء من ~~الطرد ومن اللعن ليس مقصورا على هؤلاء، وإنما ينسحب ويشمل كل من يكتم ~~ما أنزل الله من البينات، إذن فذلك ms0451 فيه واقع مما حدث من أهل الكتاب، وفيه ~~- أيضا - تحذير للذين يؤمنون بالإسلام أن يكتموا بينات الله وإلا صاروا ~~إلى ما صار إليه هؤلاء، وهو اللعن. وكلمة " اللعن " وردت في القرآن إحدى ~~وأربعين مرة، وساعة تأتي للعذاب تكون للطرد والإبعاد بغضب، وهو الخلود في ~~النار، وساعة يكون الطرد إبعاد تأديب، فلا يوجد بغضب لأن المؤدب لا يغضب ~~على من يؤدبه، وإنما يغضب لمن يؤدبه. وعندما يحدث الطرد من بعد غضب، ~~فذلك دليل على أنه ليس من بعد ذلك رجعة، فالإنسان إذا ترك لشيء صامت ~~ليعذب به كالنار، يقول لنفسه: " ربما جاء من يرق لحالي ويعطف علي ~~فيخرجني من النار " ، إنه يقول ذلك لنفسه: لأن الذي يعذب به صامت لا ~~عاطفة له، لكن ما المخرج إذا كانت اللعنة من الله والملائكة والناس؟ كما ~~يقول الحق في آية أخرى: # أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين # [آل عمران: 87]. ويتضح لنا هنا أن لعنة الله تكون في الدنيا وفي الآخرة، ~~ويلعنهم اللاعنون من الناس، وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا فيها نجد أن ~~اللعنة أشمل، لأن " اللاعنون " تضم الناس وغير الناس من الكائنات الأخرى، ~~كأن كل من في الوجود يشترك في لعنهم، وعلى سبيل المثال، إذا حبس الله ~~الماء عن قوم لعصيانهم، فالنبات يلعنهم لأنه حرم من الماء، وتلعنهم ~~الحيوانات لأنها حرمت من الماء، وتلعنهم الأمكنة لأنهم خالفوا ما عليه ~~الأمكنة من التسبيح لله. أما لعنة الآخرة حيث لا ري لنبات أو حيوان ~~فسيكون اللعن لهم صادرا من الله والملائكة والناس أجمعين. والناس هم بنو ~~آدم إلى أن تقوم الساعة، وهؤلاء منهم كافر ومنهم مؤمن، كيف - إذن - يوجد ~~اللعن ممن كفر مع أنه هو أيضا ملعون؟ نقول: نحن في الدنيا نجد من ~~يخدع غيره في دين الله، وهناك من ينخدع، فإذا ما انجلت الأمور في ~~الآخرة، وانفضح الخادعون، وأسقط في يد المخدوعين، فهنا يتبرأ الذين ~~اتبعوا من الذين اتبعوا، يتبرأ الخادع من المخدوع، ويتبرأ ~~المخدوع من الخادع، وكلما دخلت أمة من ms0452 المخدوعين إلى النار لعنت الأمة ~~التي خدعتها، وكلما دخلت أمة خادعة إلى النار، فإنها تلعن الذين استسلموا ~~للخديعة، يتبادلون اللعن. # يقول الحق: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا.. # [البقرة: 166]. ويقول أيضا: # كلما دخلت أمة لعنت أختها.. # [الأعراف: 38]. إذن، فاللعنة موجودة بين الكافرين بعضهم لبعض، كما هي ~~موجودة في الدنيا أيضا، فالذين يكفرون بمنهج الله وينحرفون ويظلمون، ~~هؤلاء يتلقون اللعنة من أهل منهج الله، ويتلقون اللعنة من المظلومين ~~منهم، ثم يأتي لهم موقف آخر، يأتي لهم من يظلمهم، فيلعنونه ويلعنهم، ~~وهكذا يلعنهم الناس أجمعون. واللعن بطرد وغضب وزجر يختلف عن اللعن ~~التأديبي الذي يأخذ صيغة الإبعاد، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مع المتخلفين في غزوة تبوك، وغزوة تبوك كانوا يسمونها غزوة العسرة، لأنها ~~جاءت في مشقة من كل جهاتها، لبعد المكان بين تبوك والمدينة، ومشقة أخرى ~~من نقص الدواب التي تحمل المقاتلين، فقد كان كل عشرة من المقاتلين ~~يتناوبون على دابة واحدة، ومشقة وعسرة في الزاد، حتى أنهم كانوا يأكلون ~~التمر بدوده، وكانوا يأكلون الشحم والدهن والإهالة الزنخة، وعسرة في ~~الماء حتى أنهم كانوا يذبحون البعير ليشربوا من فرثه وكرشه الماء، وعسرة ~~في الجو القائظ الشديد الحرارة، كانت كل الظروف صعبة وقاسية وتحتم ألا ~~يخرج للغزوة إلا الصادق في يقينه. لقد كانت تلك الغزوة اختبارا وابتلاء ~~للإيمانية في نفوس الناس، ولذلك فإن بعضهم استسلم لحديث النفس في أن يظل ~~بالمدينة، وقال واحد منهم: " أظل ظليل وراحة ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في القيظ؟! والله لا يكون هذا أبدا " ، ثم قام وتبع جيش المؤمنين، ~~وآخر عنده بستان فيه ظلال وثمار فنظر إلى بستانه وقال: " أأنت الذي ~~منعتني أن أكون في ركاب رسول الله؟! والله لا تكون ملكي بعد الآن، وأنت ~~لله في سبيل الله " ، وثالث جلس في بيته وأمامه زوجته الجميلة وحوله ~~أشجار وزروع، فقال: " أأجلس في ظل ورطب وماء وامرأة حسناء ورسول الله في ~~حمارة القيظ، والله لا يكون هذا أبدا " ، وامتطى حصانه إلى الصحراء ~~لينضم ms0453 لجيش المسلمين. وعندما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا ~~اعتذر له من لم يشاركوه رحلة النصر بأنهم كانوا لا يملكون وسائل الحرب ~~من دواب ودروع وسيوف ونبال، فقبل رسول الله علانيتهم وترك سرائرهم لله، ~~إلا ثلاثة صدقوا وقالوا: " يا رسول الله ما كنا أغنى منا ساعة امتنعنا عن ~~الذهاب معك فعندنا عدة الحرب والدواب ". لقد أمر رسول الله الناس ألا ~~يكلموهم ولا يتعاملوا معهم، واستكان اثنان منهم وظلا في بيتهما، وهما ~~هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، أما كعب بن مالك فكان يخرج ويلقى الناس ~~فلا يكلمه أحد، ويذهب للصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسارق ~~النظر إلى النبي ويسلم عليه، لكن رسول الله لا يرد، ويغض طرفه ويعرض عنه، ~~حتى أن كعبا يقول: " فانظر هل حرك رسول الله شفتيه برد السلام أم لا؟ ". # لماذا كل ذلك؟. لقد أرادها النبي صلى الله عليه وسلم وسيلة إيضاح لكيفية ~~إبعاد التأديب. وضاقت الدنيا على الثلاثة، وذهب كعب إلى ابن عمه أبي ~~قتادة وتسلق عليه الحائط، لأنه يعلم أنه لو طرق الباب فلن يفتح له. ورغم ~~تسلق الحائط إلا أن ابن العم أعرض عنه، فقال راجيا: " أنشدك الله، أنشدك ~~الله، أنشدك الله " كل ذلك وابن عمه لا يرد عليه، ثم قال له: " تعلم أني ~~أحب رسول الله ". فلم يرد عليه ابن العم وظل يتوسل سائلا عن موعد العفو، ~~فقال أبو قتادة: " الله ورسوله أعلم ". فلما مضت أربعون ليلة على هذا ~~الإبعاد، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يصعد التأديب فيطلب من ~~الرجال الثلاثة - من خلال رسول أرسله إليهم - ألا يقربوا نساءهم. لقد دخل ~~العزل إلى دائرة جديدة هي دائرة المجتمع الخاص حيث الرجل وامرأته، فقال ~~كعب لرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أطلق زوجتي "؟. قال الرسول: " ~~بل لا تقربها ". وقال قوم لكعب: اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو فلتذهب امرأتك لتستأذنه في أن تظل معك لتخدمك فقد استأذنت امرأة هلال ~~بن أمية رسول الله ms0454 فأذن لها أن تخدم زوجها. فقال كعب: والله لا أفعل، لأن ~~امرأة هلال حينما ذهبت إلى رسول الله قال لها: " لا يقربنك " فقالت: " يا ~~رسول الله والله إن هلالا ما به حركة لشيء " فأذن لها أن تظل لتخدمه. ~~لكني رجل شاب وأخاف أن أستأذن رسول الله فلا يعطيني هذا الحق. هكذا كان ~~إبعاد التأديب، وليس بالطرد الكامل من حظيرة الإيمان، بدليل أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جعل من يتلقون التأديب أهلا لأوامر يلقيها عليهم، ~~ثم جاءت البشرى بالإفراج بعد عشرة أيام عندما أنزل الحق قوله: # وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت ~~عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ~~وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب ~~عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم # [التوبة:118]. وهكذا لم يقفل الحق الباب بل جعله مفتوحا أمام الإنسان، ~~حتى لمن كفر، وحتى لمن كتم، فلا يظن أن سابق كفره أو كتمانه أو تراخيه عن ~~نصرة الحق سيغلق أمامه الباب، أو يحول بينه وبين ربه، لذلك يقول الحق: { ~~إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك... ~~}. ### || [2.160] # أي أعلنوا التوبة وهي أمر ذاتي، وأصلحوا بمقدار ما أفسدوا، وبينوا للناس ~~بمقدار ما كتموا، إذن شرط التوبة أن يعود كل حق لصاحبه، فالذي كتم شيئا ~~عليه أن يبينه، فالكتمان لا يؤثر فقط في العلاقة بين العبد والرب، ولكنه ~~يضر العباد، والحق سبحانه حين يفتح باب التوبة للعبد يقول: # تاب عليهم ليتوبوا.. # [التوبة: 118]. ومادة " تاب " تعني الرجوع إلى الله، فعندما يتوب العبد ~~فهو يعود إلى ربه طالبا المغفرة عن العصيان والذنب، وعندما يتوب الله ~~على عبد، فذلك يعني أن الله قبل توبته، فبعد أن كان مقدرا له أن يعذب ~~فإن الله يعفو عنه فلا يعذبه، إذن فالتوبة كلها رجوع إلى الله، وحين ~~تقدم التوبة من الله على التوبة من العباد في قوله: " تاب عليهم ليتوبوا ~~" ، فمعنى ذلك أن الحق شرع التوبة وقننها ليفتح باب الرجوع إليه، فهناك ~~ثلاث مراحل للتوبة: المرحلة الأولى: هي أن الله ms0455 شرع التوبة. المرحلة ~~الثانية: هي أن يتوب العبد. المرحلة الثالثة: أن يقبل الله التوبة. ~~وكلها تعني الرجوع عن المعصية والذنب. إذن فأي إنسان يذنب ذنبا لابد أن ~~يصلح هذا الذنب من جنس ما فعل، فإن فعل ذنبا سرا فيكفيه أن يتوب سرا، ~~أما إن كسر حدود الله علنا، فنقول له: لا يستقيم أبدا أن تعصي الله علنا ~~أمام الناس وتكون أسوة سيئة لأناس تجعلهم يتجرأون ويكسرون حدود الله ثم ~~تتوب بينك وبين الله سرا، لابد أن تكون توبتك علنا، ولذلك فالمثل ~~العامي يقول: " تضربني في شارع وتصالحني في حارة ". إن الذي يكسر حدا من ~~حدود الله أمام الناس نقول له: لابد أن تعلن توبتك أمام الناس جميعا، ~~ولذلك نحن ندرأ الحدود بالشبهات، لكن الذي يتباهى بأنه ارتكب الذنب لا ~~نتركه، مثلا الذي شهد عليه أربعة بأنه ارتكب ذنبا من الكبائر كالزنى، ~~لقد ظل يفعل الذنب باستهتار إلى أن شهد عليه أربعة، هل يعقل أن نقول له: ~~ندرأها بالشبهات؟. لا. هو كسر الحد علنا فوجبت معاقبته بإقامة الحد. وأما ~~الذين تابوا وأصلحوا ما أفسدوه وبينوا للناس ما كتموه فجزاؤهم توبة من ~~الله. ومن لطف الله بالإنسان أن شرع التوبة حتى يشعر الناس بالذنب، ~~وجعلها من فعل التائب ومن فعل قابل التوبة، وهو الله سبحانه فقال: " ~~تابوا " و " أتوب " ، كل ذلك حتى لا يستشعر الإنسان عندما يرتكب ذنبا ~~ويتوب أنها مسألة مستعصية، إن الحق يقول: { فأولئك أتوب ~~عليهم وأنا التواب الرحيم } [البقرة: 160] إنه سبحانه ~~يتوب على من تاب عن الذنب ويتوب عن المذنبين جميعا، فهو تعالى " تواب " ~~وهي كلمة تعني المبالغة في الصفة. ويقول الحق بعد ذلك: { إن الذين ~~كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة ~~الله... }. ### || [2.161] # إنهم الذين أصروا على عدم التوبة فكان جزاؤهم لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين. ويضيف سبحانه: { خالدين فيها لا يخفف ~~عنهم العذاب... }. ### || [2.162] # وساعة يأتي الحق في عذاب الكافرين ويتكلم عن النار عذابا وعن الزمان ~~خلودا ثم يصعد الخلود بالأبدية، فنحن نعرف بذلك أن هناك ms0456 عذابا في ~~النار، وخلودا فيها، وأبدية. ولأن رحمة الله سبقت غضبه في التقنين ~~العذابي، لم يذكر الخلود في النار أبدا إلا في سورة الجن، قال: # ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيهآ أبدا # [الجن: 23]. وما دام فيه مقيد، فإن كل مطلق من التأبيد يحمل عليه، وكون ~~الحق لم يأت بكلمة " أبدا " عند ذكر العذاب، فهذا دليل على أن رحمته ~~سبقت غضبه حتى في تقنين العذاب، وهناك إشكال يرد في سطحية الفهم فحين ~~يقول الحق: # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم ~~شقي وسعيد * فأما الذين شقوا ففي النار لهم ~~فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما ~~يريد * وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين ~~فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك ~~عطآء غير مجذوذ # [هود: 105-108]. فإن الحق يتحدث عن يوم الحشر، وعن البشر شقيهم وسعيدهم، ~~فالذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق، ولنا أن نتخيل صورة التنفس ~~داخل النار وسط جوها المكفهر باللهب. إن الإنسان يتنفس ليستروح بالهواء ~~فكيف يأخذه من النار؟. إن في ذلك عذابا عظيما. وأهل النار خالدون فيها ~~ما دامت السماوات والأرض. ويتساءل السطحيون " إن الله يضع الذين شقوا في ~~النار ما دامت السماوات والأرض، ويقول القول نفسه عن الذين سعدوا بالجنة ~~" ونقول لهم: السماوات والأرض الآن تختلف عن السماوات والأرض في الآخرة، ~~إن السماوات والأرض في الدنيا هي أسباب ومعاش، أما في الآخرة فنحن لا ~~نأكل بالأسباب، إنما بالمسبب، نحن نحيا في الآخرة بكلمة " كن " ، ولا ~~نعيش بأسباب الحرث والزرع والمطر. إن الحق يبدل السماوات والأرض في اليوم ~~الآخر، واقرأ إن شئت قول الحق: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات.. # [إبراهيم: 48]. ومن هذا القول نفهم أن المقصود هو السماوات والأرض ~~المبدلة. ونلحظ أن الحق جاء في أمر خلود الأشقياء بالمشيئة فقال: " إلا ~~ما شاء ربك " ، فكأن خلود الأشقياء في النار تنقضه وتضع نهاية له مشيئة ~~الله لأن الأشقياء ليسوا ms0457 هم الكفار فحسب، بل منهم بعض المؤمنين العصاة، ~~وهؤلاء المؤمنون العصاة الأشقياء سيدخلون النار على قدر حظهم من المعاصي، ~~وساعة تقوم الساعة ويأتي الجزاء يدخلون النار ويأخذون جزاءهم، لكن بعد ~~أخذ الجزاء يخرجون، إذن، فسينتهي الخلود من آخر الزمن، فيكون المعنى: " ~~إلا ما شاء ربك " أن يستمروا في النار إلى وقت محدد. # أما بالنسبة للجنة. فالاستثناء يكون من البدء، لماذا؟ لأن المؤمن الذي ~~عصى الله لن يدخل الجنة من البداية، وإنما سيقضي فترة في النار ثم يدخل ~~الجنة، إذن فالخلود في الجنة بالنسبة له قد نقص من أوليته. أما الشقي ~~فالخلود في النار نقص من آخريته، إذن " إلا ما شاء ربك " تعني أن المؤمن ~~العاصي لن يدخل الجنة من بدء الآخرة: إذن " إلا " هنا جاء لاستثناء الزمن ~~من أوله بالنسبة للسعداء، أو استثناء الزمن من آخره بالنسبة للعصاة ~~الأشقياء، ولذلك لا تجد تناقضا، ذلك التناقض الذي تصنعه سطحية الفهم. ~~أما قوله الحق: { لا يخفف عنهم العذاب } [البقرة: 162] فهو ~~أن الإنسان عندما يعذب بشيء فإن تكرار العذاب عليه ربما يجعله يألف ~~العذاب، لكن الواقع يقول: إن العذاب يشتد عليه، فالتخفيف لا علاقة له ~~بالزمن، وقوله الحق: { ولا هم ينظرون } [البقرة: 162] نعرف منه ~~أن الإنظار هو الإمهال، والمعنى أنهم لا يؤخرون عن عذابهم أو لا ينظرون ~~بمعنى لا ينظر إليهم. وهناك آية تفيد هذا المعنى في قوله تعالى: # ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة ولا يزكيهم.. # [آل عمران: 77]. لأن النظر يعطي شيئا من الحنان، ولماذا قال: لا ~~ينظرون؟. لأنك قد تتجه ناحيته فتنظره دون قصد، بتلقائية، ولكن النظرة ~~لا تتجه عطفا عليه، وهو سبحانه لا ينظر إليهم أساسا، لأن النظرة قد ~~توحي بلون من الشفقة، بذلك تكون لا ينظرون، أي لا ينظر إليهم أبدا، ~~فكأنهم أهملوا إهمالا تاما. ويقول الحق من بعد ذلك: { وإلهكم ~~إله واحد لا إله إلا هو... }. ### || [2.163] # وتلك هي قضية الحق الأساسية، و { وإلهكم } [البقرة: 163] يعني ~~أن المعبود إله واحد، فالواقع أن الإله الحق موجود قبل ms0458 أن يوجد الكفر. و ~~{ لا إله إلا هو } [البقرة: 163] هذه قضية ثانية، لأن غفلة ~~الناس هي التي جعلت بعضا من نفوس الناس تلتفت إلى آلهة أخرى. وقوله الحق ~~أنه سبحانه: { إله واحد } [البقرة: 163] أي ليس له ثان، والفارق ~~بين " واحد " و " أحد " هو أن " واحد " تعني ليس له ثان، و " أحد " يعني ~~ليس مركبا ولا مكونا من أجزاء، ولذلك فالله لا يمكن أن نصفه بأنه " ~~كل " أو " كلي " لأن " كل " يقابلها " جزء " و " كلي " يقابلها " ~~جزئي " ، و " كل " هو أن يجتمع من أجزاء. والله متفرد بالوحدانية، ~~وسبحانه المنزه عن كل شيء وله المثل الأعلى، وأضرب هذا المثل للتقريب لا ~~للتشبيه، إن الكرسي " كل " مكون من خشب ومسامير وغراء وطلاء، فهل يمكن أن ~~نطلق على الخشب أنه " كرسي " أو على المسامير أو على الغراء أو على ~~الطلاء؟. لا، إذن كل جزء لا يطلق على " الكل " ، بل الكل ينشأ من اجتماع ~~الأجزاء. و " الكلي " يطلق على أشياء كثيرة لكن كل شيء منها يحقق الكلي، ~~فكلمة " إنسان " نقول عنها " كلي " جزئياتها محمد وزيد وبكر وعمر وخالد، ~~فنقول: زيد إنسان، وهو قول صحيح، ونقول عمر إنسان وذلك قول صحيح. والله ~~سبحانه وتعالى لا هو " كلي " لأنه واحد، ولا هو " كل " لأنه أحد. إن ~~القضية الأساسية في الدين هي { وإلهكم إله واحد لا ~~إله إلا هو } [البقرة: 163] والقرآن لا ينفي ويقول: { لا ~~إله إلا هو } [البقرة: 163] إلا حين توجد غفلة تعطي الألوهية ~~لغير الله، أو تعطي الألوهية لله ولشركاء معه، إن القرآن ينفي ذلك ويقول: ~~{ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } وليس هناك شيء ~~غير الله إلا نعمة منه سبحانه أو منعم عليه. إن ما دون الله إما نعمة ~~وإما منعم عليه بالنعمة، وهذه كلها نفح الرحمن، ونفح الرحيم. وما دام ~~كل شيء ما عدا الله إما نعمة وإما منعم عليه فلا توصف النعمة بأنها إله، ~~ولا يقال في المنعم عليه: إنه إله، لأن المنعم عليه معناه أن غيره أفاض ~~عليه نعمه، لأن النعمة موهوبة، ms0459 والمنعم عليه موهوب إليه، فإذا كانت هبة ~~أو موهوبة إليه فلا يصح أن تكون إلها، لكن الذين يفتنون إنما يفتنون ~~في الأسباب، والحق سبحانه وتعالى هو المسبب لكل الأسباب. وبعد ذلك يلفتنا ~~الحق سبحانه إلى خدمة هذه القضية فيدعونا أن ننظر في الكون ونتأمل في ~~النعمة الموجودة لنا، وبعد ذلك فأنت يا من أنعم الله عليه بهذه النعمة ~~إن وجدت أحدا يدعيها لنفسه فأعطها واتركها له وانسب النعم إلى موجدها ~~وهو الله، وإياك أن تشرك في نعمة الله أحدا غيره، لأن الله يقول: في ~~الحديث القدسي: # " أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه ~~". # ويلفتنا الحق إلى الكون فيقول: { إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف اليل والنهار... }. ### || [2.164] # إن الله سبحانه برحمته خلق الإنسان منعما عليه، وخلق كل ما في الكون ~~نعمة له، ويلفتنا إلى الدليل على هذه القضية بالكون نفسه. ويحدد مظاهر في ~~الكون لم يدع أحد أنه خلقها وأوجدها، فإذا ما جاء الناس الذين لا يؤمنون ~~بالإله الواحد يزحزحون الألوهية إلى سواه نقول لهم: هذا الكون العجيب ~~الذي يتمثل في الأرض ويتمثل في السماء، ويتمثل في اختلاف الليل والنهار، ~~ويتمثل في الفلك التي تجري في البحر، ويتمثل في ما أنزل الله من السماء ~~من ماء، ويتمثل في السحاب المسخر بين السماء والأرض كل هذه الآيات - أي ~~الأمور العجيبة -.. تلفت إلى أن موجدها أعظم منها. إنه سبحانه يريد أن ~~ينبه العقل إلى أن يستقبل نعمة الوجود في ذاته وفي الكون المسخر له ~~ليستنبط من هذه الآيات العجيبة صدق الله في قوله: # .. وإلهكم إله واحد # [البقرة: 163]، لأنه ليس من المعقول أن يخلق غير الله كل ذلك الخلق ثم ~~يسكت عنه!، فضلا عن أن أحدا لم يدع أنه خلقها، وما دام لم يدع أحد ~~ذلك، وأنت أيها الإنسان لم تخلقها، ورغم الكفر والعناد لم يدع أحد هذه ~~القضية قط، إذن سيظل الملك لله وحده إلى أن يقول أحد: أنا لي الملك، ولم ~~يوجد إلى الآن من ms0460 يجرؤ على هذه الكلمة، وهذا دليل على أن الله واحد أحد. ~~إن الحق سبحانه يقول: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. لماذا؟. لأن الناس من الأرض قد خلقوا، وبما في الأرض ~~عاشوا، فالأصل هو أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس فالناس ~~أبناء الأرض، واقتياتهم منها وبقاء حياتهم عليها. ومن المعقول أن الحق ~~سبحانه قد خلق ما يخلق منه الإنسان قبل أن يخلق الإنسان، وحتى يعيش ذلك ~~الإنسان أمده الله بجنس ما خلق منه. واذكروا جيدا أننا قلنا إن الله ~~حين يعرض قضية الخلق للإنسان فهو سبحانه يعرضها عرضا فيه مناعة ضد أي ~~قضية أخرى تناقضها. ولذلك يقول لنا: إن خلق السماوات والأرض وخلقكم هو ~~أمر غيبي، وما دام أمرا غيبيا فلا رائي له ولا مشاهد له إلا الذي خلقه، ~~فخذوا علم الخلق منه، ولذلك قال سبحانه وتعالى: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. فيجب أن نحذر هؤلاء المضللين الذين يحاولون إضلالنا بقضايا ~~ليست حقيقية، فالحق قد علم أزلا بأنه سيوجد قوم يقولون: إن السماء والأرض ~~خلقتا بطريقة كذا، والإنسان خلق بأسلوب كذا، وعندما نسمع هؤلاء نقول: ~~هؤلاء هم المضللون، وقد نبهنا الله أزلا إليهم. إذن، فوجود المضللين هو ~~عين الدليل على صدق الله، هؤلاء الذين قالوا: الأرض كانت جزءا من الشمس ~~وانفصلت عنها، والإنسان أصله قرد، لأنه لو لم يوجد مضللون لقلنا: " أين ~~يا رب ما قلت عنهم إنهم مضللون؟ ". # وحينما يعرض الله سبحانه وتعالى أنه خلقنا من الأرض وجعل اقتياتنا منها، ~~فإن العلم يأتي - حتى من الكافرين بالله - ليؤيد هذه القضية. فحينما ~~حللوا الإنسان وجدوه مكونا من ستة عشر عنصرا، وحللوا الطين الذي يأتي ~~منه الزرع والخصوبة فوجدوه ستة عشر عنصرا أيضا تتطابق مع عناصر ~~الإنسان، أولها الأكسجين وآخرها المنجنيز. وعلى ذلك فالحق عندما يقول: ~~أنا خلقت الإنسان من طين. نقول له: صدقت يا رب فقد جعلت اقتياتنا مما ~~يخرج من الطين. ms0461 إذن فمسألة خلق السماوات والأرض يجب أن يبدأ منها التعجب، ~~وأنت أيها الإنسان يجب أن تفطن إلى ما خلق لك لتستدل على خالقك، ولتؤمن ~~ولتشهد أنه إله واحد، وإن حاول أحد إضلالك وقال لك: هناك إله آخر، فقل: ~~لا إله إلا هو سبحانه. وحين يتكلم الحق عن الإنسان فهو سبحانه يتكلم عن ~~مكين في الكون، وهذا المكين في الكون يحتاج إلى شيئين: إلى زمان، وإلى ~~مكان. والمكان للإنسان هو الأرض التي يسير عليها والسماء التي تظلله، ~~والزمان هو ما ينشأ من الليل وما ينشأ من النهار، ولذلك يريد الحق سبحانه ~~أن يعطينا العبرة في اختلاف الليل والنهار. ومعنى اختلاف الليل والنهار ~~أن كلا منهما يأتي خلف الآخر، النهار يأتي خلف الليل، والليل يأتي خلف ~~النهار: # وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر أو أراد شكورا # [الفرقان: 62]. فاختلاف الليل والنهار يعني ألا يكون النهار سرمدا أي ~~دائما لا ينقطع، ولا يكون الليل كذلك سرمدا، ولذلك فإن هناك آيات أخرى ~~يمتن فيها الحق علينا بهذه النعمة فيقول: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم اليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون # [القصص: 71-72]. إذن، فأنت أيها المتحرك في الكون ينطبق عليك ما ينطبق ~~على كل متحرك، لابد لك من سكون بقدر حركتك، ولذلك انقسم الزمان إلى ليل ~~تسكن فيه، وإلى نهار تتحرك فيه، ولذلك يقول الحق: # وهو الذي جعل لكم اليل لباسا والنوم سباتا.. # [الفرقان: 47]. ويعلم سبحانه أزلا أنه لا يمكن أن يكون الليل - أي وقت ~~الراحة - سباتا لكل الناس، بل لابد من أناس يقومون بأمور تقتضي اليقظة ~~بالليل، ولهؤلاء يقول سبحانه: # ومن آياته منامكم باليل والنهار.. # [الروم: 23]. إنه يعطي فرصة لهؤلاء الذين تظل عيونهم ساهرة طوال الليل ~~ليستريحوا بالنهار. إذن، فمن عظمة الحق أنه جعل الزمان خلفة، فلو كان ~~الليل سرمدا والنهار ms0462 سرمدا لفسدت الحياة، ولذلك نجد أن الحق أقسم ~~بقوله: # والضحى * واليل إذا سجى # [الضحى: 1-2]. فالضحى محل الحركة والكدح، والليل محل السكون، ولابد أن ~~يوجد الاثنان معا. والحق سبحانه يقول: { إن في خلق السماوات ~~والأرض واختلاف اليل والنهار والفلك التي ~~تجري في البحر } [البقرة: 164] وكلمة " فلك " يستوي فيها المفرد ~~والجمع، كقوله عن سفينة نوح: # واصنع الفلك بأعيننا # [هود: 37]. يعني يصنع سفينة واحدة أما الفلك التي تجري فهي كل الفلك، ~~وكيف يكون جريان الفلك في الماء آية؟. إن الإنسان يدرك أن الماء لو لم ~~يكن على هذه السيولة، لما استطاعت المراكب أو الفلك الإبحار فوقه، بل ~~لابد أن يكون الماء سائلا حتى تستطيع أن تجري فوقها الفلك، وقبل اختراع ~~آلات البخار كانت هذه الفلك تجري في البحر بقوة الرياح، لماذا؟. لأن ~~المائية تنقسم قسمين: * مائية أنهار. * ومائية بحار. ومياه الأنهار تجري ~~دائما من أعلى إلى أسفل ناحية المصب، ولذلك فمن المعقول أن نسلم جريان ~~السفينة فيها إلى مجرى الماء، ولكن إذا كنا نريد أن نسيرها عكس جريان ~~الماء فلا بد من الريح ليساعدنا على ذلك، ونحن نأخذ كلمة الريح على أنها ~~الهواء. ولكن الريح هي القوة لأن الله سبحانه يقول: # ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.. # [الأنفال: 46]. يعني قوتكم، أي أن النزاع إنما ينتج عنه تبديد القوة، ~~وكانت الريح قوة ظاهرة، وعندما توصل الإنسان إلى اختراع آلة البخار وتم ~~تشغيل السفن به، استغنى الإنسان عن تشغيل السفن بالريح. وهكذا نعرف أن ~~كلمة " الريح " تؤخذ أيضا على أنها مطلق القوة، وتؤخذ ثالثا على معنى ~~الرائحة. والقرآن يوضح لنا ذلك، فعند استخدام معنى الريح كمطلق القوة نجد ~~القرآن يقول: # إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره.. # [الشورى: 33]. أي أن الله حين يشاء يعطل القوة المحركة لأي شيء فهو ~~سبحانه يفعل. أما عن معنى الريح كرائحة فنحن نجده في قوله الحق: # ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح ~~يوسف.. # [يوسف: 94]. إن يعقوب والد يوسف عليهما السلام كان يملك حاسة شم قوية، ~~فعندما خرجت ms0463 القافلة من مصر، قال والده: إني أشم رائحة يوسف. وفي الريف ~~نحن نسمع من يقول: " سأنتقم من فلان ولا اجعل له ريحة في الأرض " ، ~~ويقصد أنه لن يجعل له أثرا في الأرض، ولماذا استخدم هنا كلمة الرائحة؟. ~~لقد ثبت حديثا فقط أن الرائحة هي أبقى الآثار بالنسبة إلى الكائن الحي، ~~بدليل أن الذين عندهم حاسة الشم قوية من الكائنات كالكلاب البوليسية ~~يستدلون برائحة الجاني على مكان وجوده، كأن الجاني يترك أثرا لرائحته في ~~مكان الجريمة، وكل ما هو مطلوب أن يوجد من له حاسة شم قوية ليستدل ~~عليه. # والحق سبحانه وتعالى أعطانا العقل، ولكن أبقى لبعض منا ولغير العاقل ما ~~لا تستطيع أغلبيتنا أن تصل إليه، وأصبح الكلب الذي هو حيوان بهيم أعجم ~~يستدل على أشياء لا نستطيع نحن أن نستدل عليها، لأنه لا يزال في عالم ~~الحس فقط، بينما الإنسان أخذ جانبا من عالم الحس. وجانبا من العقل. ~~وقوله الحق: { ومآ أنزل الله من السمآء من مآء ~~فأحيا به الأرض بعد موتها } [البقرة: 164] فهل يعني هذا ~~القول أن الماء في السماء؟.. لا، إن الماء أصله في الأرض، لكن ماء الأرض ~~الثابت لا ينفع لرينا ولا لري زرعنا إنه ملح أجاج مر، والذي يوجد على ~~الأرض منه هو مخزون فقط، ولذلك وضع الله له المواد الكيماوية التي تجعله ~~لا يفسد ولا تتغير صفاته وطبيعته، ثم تتسع رقعة الماء على قدر اليابس ~~ثلاث مرات، لماذا؟. لأن الله يريد أن تتسع صفحة الماء اتساعا يجعل للبخر ~~مصادر كبيرة واسعة، هذا البخر هو عملية التقطير الإلهي. إن إنزال الماء ~~من السماء هو الذي نراه على هيئة المطر، لكن تسبق نزوله مراحل متعددة هي ~~بخر وتكثيف وتلقيح الرياح للسحاب وغيرها. وتلك المراحل المتعددة اهتدينا ~~إليها مؤخرا، بدليل أننا حاولنا تقليد هذه الدورة، بأن نبخر الماء ~~المالح ونكثفه لنستخرج ماء مقطرا، لكن ذلك له تكاليفه المالية العالية، ~~فكوب واحد من الماء المقطر يستغرق وقتا ويستلزم جهدا وتكاليف بينما ~~المعمل الإلهي يدر لنا ماء غدقا لا ms0464 حصر لكمياته، إن هذا المعمل يعمل ~~ونحن لا ندري. إن الدورة المائية تبدأ بصعود البخار من الماء، وبعد ذلك ~~يصادف منطقة باردة فينزل ماء عذبا. ومن دقة الخالق الحكيم سبحانه أن جعل ~~منسوب الماء العذب دائما أعلى من منسوب الماء المالح، فلو كان منسوب ~~المالح أعلى من العذب فسيطغى عليه ويفسده، ولا نجد ماء نشربه، لكن الخالق ~~الحكيم جعل منسوب المياه العذبة في الأنهار أعلى من ماء البحار والمحيطات ~~حتى ينساب الماء من النهر إلى البحر وذلك لا يسبب ضررا. فالحق سبحانه ~~وتعالى يعلمنا أنه أنزل من السماء ماء، كيف ينزل هذا الماء؟. هذا ما ~~عرفناه مؤخرا، وبالماء العذب يحيي الله الأرض بعد موتها، وما هو الموت؟ ~~إن الموت هو ذهاب الحركة، كذلك الأرض عندما تجف فلا تبقى لها حركة، ونحن ~~لا نستطيع بحواسنا أن ندرك حركة الأرض أثناء نمو النبات، لكن الله عز وجل ~~يؤكد ذلك في قوله # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت.. # [الحج: 5]. فالأرض عندما ينزل عليها المطر تنتفخ قشرتها، وتطفو تلك ~~القشرة على سطح الأرض، ثم ماذا يحدث؟. # وأنبتت من كل زوج بهيج # [الحج: 5]. وهذا هو معنى قوله تعالى: { فأحيا به الأرض بعد ~~موتها } [البقرة: 164]. # ثم تمضي الآية { وبث فيها من كل دآبة } [البقرة: 164] أي ~~نشر فيها كل ما يدب على الأرض، و { وتصريف الرياح } [البقرة: ~~164] ومعنى التصريف هو التحويل والتغيير، أي توجيه الرياح إلى نواح ~~مختلفة سواء إلى الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب، وهذا الاختلاف لم ~~يجعل للهواء مسارا رتيبا، وعندما نتأمل عملية الاستطراق في الهواء نجد ~~أنها تعطي اعتدالا مزاجيا للهواء، فمرة يأتي من ناحية حارة ليهب على ~~المناطق الباردة، ومرة يأتي من المناطق الباردة فيهب على المناطق الحارة، ~~وهذا التصريف نعمة من نعم الله، فلو كانت الرياح ثابتة لصارت مرهقة ~~للبشر. ونحن نسمع عن أسماء الرياح مثل الصبا والدابور، وريح الشمال، وريح ~~الجنوب، والنكباء، والزعزع، والصرصر، وساعة تسمع كلمة " رياح " بصيغة ~~الجمع، فلنعلم أنها للخير، وإن جاءت " ريح ms0465 " بصيغة المفرد فلنعلم أنها ~~عقيم ضارة. مثل قوله الحق: # بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6]، لكن هذه القاعدة كسرتها آية واحدة في قوله تعالى: # وجرين بهم بريح طيبة.. # [يونس: 22]. لماذا؟. لأن الريح لو اختلفت على السفينة لكانت كارثة فكان ~~لابد أن تأتي الرياح إلى السفينة من اتجاه واحد، ولذلك لم يترك الله كلمة ~~" ريح " مطلقة، وإنما وصفها بأنها ريح طيبة. وفي قول آخر يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: # وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف # [يونس: 22]. إنه سبحانه يلفتنا إلى قدرته، حتى لا يعتقد أحد أن الله خلق ~~الخلق وخلق لهم قانونا ثم تخلى عن حكمهم، لا، إنه سبحانه هو ما يزال ~~قيوم السماوات والأرض وله مطلق القدرة. { والسحاب المسخر ~~بين السمآء والأرض } [البقرة: 164]. والتسخير معناه حمل الشيء ~~على حركة مطلوبة منه لا اختيار له فيها، والله يسخر السحاب لأنه يريده أن ~~يمطر هنا، فيأتي مسخر الرياح فيسوقه إلى حيث يريد الله، وأنت قد تنتفع ~~بمطر ينزل من سحابة في غير مكانك، ونحن ننتفع - في مصر - بماء النيل برغم ~~أن المطر ينزل في جنوب السودان، وفي هضاب الحبشة، ولو اقتصرنا على الماء ~~الذي ينزل من سماء مصر لكنا قد هلكنا عطشا، وهذا يؤكد معنى قوله تعالى: # إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به المآء.. # [الأعراف: 57]. إن السحاب يسير مسخرا إلى غاية مطلوبة منه ولا إرادة له ~~فيها. ويختم الحق الآية بقوله: { لآيات لقوم يعقلون } ~~[البقرة: 164] أي أنها عجائب لقوم يعقلون. وحين يقول الحق: { لقوم ~~يعقلون } [البقرة: 164] فكأنه ينبه الملكة المفكرة العاقلة في ~~الإنسان. وحين يخاطبك مخاطب وينبه فيك الملكة العاقلة فأعلم أن ما يخبر ~~به ينتهي عقلك إليه بمجرد أن تفكر، وإلا لو لم يكن الأمر كذلك ما كانت ~~هناك ضرورة أن يذكر لك كلمة العقل. والقرآن الكريم دائما يقول: " يتفكرون ~~" ، و " يعقلون " و " يتدبرون " و " يتذكرون " وكل ذلك معناه أنهم لو ~~فكروا، ولو عقلوا، ولو تدبروا، ولو تذكروا لانتهوا إلى الحقيقة التي ~~يريدها الله. والحق سبحانه وتعالى ينبه المسلم دائما لأن يستقبل ms0466 الأمور ~~بعقله وبفكره وبتدبره وبتذكره، لأنه سبحانه يعلم أن الإنسان إذا فكر أو ~~عقل أو تذكر أو تدبر فسوف ينتهي إلى ذات القضية. ومن بعد ذلك يقول الحق: ~~{ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله... }. ### || [2.165] # الند هو الشبيه والنظير، والكافر هو من يجعل لله شبيها ونظيرا، ~~والمشركون لا يخلون الله عن الألوهية، إنما يشركون معه غيره أندادا، وهم ~~يحبون هؤلاء الأنداد كحبهم لله، أو يحبونهم كحبكم أنتم لله، فكما يحب ~~المؤمن ربه، يحب الكافر إلهه الذي اتخذه معبودا. { والذين آمنوا ~~أشد حبا لله } [البقرة: 165] لماذا؟. لأن هذا هو الحب الذي لا ~~يختلف عليه أحد، ولكن حب هؤلاء المشركين للآلهة المتعددة المزيفة يختلف ~~فعندما يمس المشرك الضر يتضرع إلى الله وليس إلى الآلهة المزيفة، مصداقا ~~لقوله تعالى: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما.. # [يونس: 12]. إن المشرك يكتشف بفطرته كذبه على نفسه في مسألة اتخاذه ~~أندادا لله، ولذلك إذا عزت عليه الأسباب، ووقع في مأزق فهو لا يخدع نفسه ~~ويقول: يا صنم أنجدني: وإنما يقول: " يا رب أنقذني ". أما المؤمن فهو لا ~~يغير حبه لله أبدا، المؤمن يحب ربه في السراء والضراء، وعلى ذلك يكون ~~الذين آمنوا أشد حبا لله، لأنهم لا ينسونه، لا في الرخاء ولا في الشدة، ~~لكن الكافرين لا يعرفون الله الحق إلا في الشدائد، فإذا مرت المسألة ~~فإنهم يسلكون كما يصف القرآن سلوك كل كافر منهم: # مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه.. # [يونس: 12]. # وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع ~~بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار # [الزمر: 8]. إنهم ينسون الله، ويعودون إلى تقديس الأنداد المزيفة، وهم ~~بذلك يظلمون أنفسهم. { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون ~~العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد ~~العذاب } [البقرة: 165]، ويفاجأ هؤلاء المشركون بأمر عجيب لم يكن في ~~حسبانهم، هم آمنوا بأنداد ويأتون يوم القيامة ليروا تلك الأنداد وهي وقود ~~للنار تعذبهم، ولو لم تأت معهم حجارة الأصنام التي كانوا يعبدونها ~~لقالوا: ms0467 " إن الحجارة ستنجدنا من هذا العذاب ". وها هو ذا الحق سبحانه ~~يبين لهم: أن الحجارة ليست معكم في العذاب فقط، بل هي وقود النار التي ~~تعذبون بها، ومصداقا لقوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم.. # [الأنبياء: 98]. وكذلك قوله الحق عن النار: # وقودها الناس والحجارة.. # [البقرة: 24]. وبذلك ينقطع عن الكافرين المشركين كل أمل في أن تنقذهم ~~آلهتهم المزيفة. { إذ يرون العذاب } [البقرة: 165] أي يرون ~~العذاب حق اليقين، وقد سبق أن أخبروا به، لكنهم لم يؤمنوا باليوم الآخر ~~لكن لو صدقوا بيوم القيامة وآمنوا لكفاهم أن يروا العذاب عين اليقين، ~~ويختم الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: { أن القوة لله ~~جميعا وأن الله شديد العذاب } [البقرة: 165] أي أنهم ~~ساعة يرون العذاب حق اليقين سيدركون عندها أن القوة لله وأنه شديد ~~العقاب. ثم يبين الحق سبحانه وتعالى ماذا سيكون حالهم عندما يرون العذاب، ~~فيقول: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا ورأوا العذاب... }. ### || [2.166] # إن كل من زين الكفر والعصيان لغيره سيتبرأ من كل من زين لهم ~~معصية الله والشرك به، حتى الشيطان العمدة في إغوائهم سيتبرأ منهم، ~~وسيقول ساعتها: # إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22]. فلن يستطيع الشيطان أن ينقذ أحدا من المشركين، ولن يصرخ ~~فيأتي له المشركون لإنقاذه، وإن صرخ المشركون فلن يأتي لهم الشيطان ~~لينقذهم، وسيتبرأ كل منهم من الآخر، وسيتبرأ الكافرون من كل من زين لهم ~~الشرك بالله، أو سيقول الكافرون لمن زينوا لهم الشرك بالله: " نحن أبرياء ~~منكم ولا علاقة لنا بكم ". وجاءت الآية بالذين اتبعوا أولا لأنهم ~~المفتون فيهم، ثم جاءت بالذين اتبعوا من بعد ذلك، إنهم يرون العذاب ~~وتتقطع بهم الأسباب، وأصبحت كل نفس بما كسبت رهينة، والشيطان نفسه يعترف ~~بأنه لم يكن صاحب سلطان إلا بأن دعاهم، فمن استجاب له، جيء به إلى هذا ~~المصير، والسلطان إما أن يكون سلطان ms0468 حجة، وإما سلطان قهر، ولم يكن ~~للشيطان سلطان قهر على الكافرين، ولم يكن له إلا عمل واحد بلا سلطان، وهو ~~أن دعاهم إلى الشرك بالله فاستجابوا له. فماذا يحدث عندما تتقطع بهم ~~الأسباب؟ إن الحق سبحانه يقول: { وقال الذين اتبعوا لو ~~أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا ~~منا... }. ### || [2.167] # إن تبرؤ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا لن ينفعهم، وتمنيهم أن ~~تكون لهم كرة - أي عودة - ليتبرأوا منهم لن يجدي، ويريهم الله أعمالهم ~~- التي سبقت - حسرات عليهم. ولا تكون الحسرة إلا إذا أصيب الإنسان بمصيبة ~~لا منأى من النجاة منها، { وما هم بخارجين من النار } ~~[البقرة: 167] أي لن ينفعهم ندمهم على ما سبق من أعمالهم السيئة، ولن ~~يجدي هذا الندم في إخراجهم من النار. ويقول الحق من بعد ذلك: { ~~يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ~~ولا تتبعوا خطوات الشيطان... }. ### || [2.168] # إن من رحمة الله عز وجل على عباده أنه لم يقصر الخطاب على الذين آمنوا ~~وإنما وسع الدائرة لتشمل المؤمنين وغيرهم فقال: { يأيها الناس } ~~[البقرة: 168] فكأنه خلق ما في الأرض جميعا للناس جميعا، وهذا ما قلنا ~~عنه: إنه عطاء الربوبية لكل البشر، من آمن منهم ومن لم يؤمن، فهو ~~سبحانه خلق كل الخلق، مؤمنهم وكافرهم، وما دام قد خلقهم واستدعاهم إلى ~~الوجود فهو يوجه الخطاب لهم جميعا مؤمنهم وكافرهم وكأن الخطاب يقول ~~للكافرين: حتى ولو لم تؤمنوا بالله، فخذوا من المؤمنين الأشياء الحلال ~~واستعملوها لأنها تفيدكم في دنياكم وإن لم تؤمنوا بالله، لأن من مصلحتكم ~~أن تأكلوا الحلال الطيب، فالله لم يحرم إلا كل ضار، ولم يحلل إلا كل طيب. ~~هنا موقف يقفه كثير من الذين أسرفوا على أنفسهم، ويحبون أن تكون قضية ~~الدين وقضية التحريم وقضية التحليل، قضايا كاذبة لأنه لا ينجيهم أمام ~~أنفسهم إلا أن يجدوا أشياء يكذبون بها الدين، لأنهم لم يستطيعوا أن ~~يحملوا أنفسهم على مطلوبات الله، فلما لم يستطيعوا ذلك لم يجدوا منفذا ~~لهم إلا أن يقولوا: إن قضايا الدين كاذبة بما فيها ms0469 التحليل والتحريم. ~~إنهم يقولون: ما دام الله قد حرم شيئا فلماذا خلقه في الكون؟. كأنهم ~~يعتقدون أن كل مخلوق في الأرض قد خلق ليؤكل، وما علموا أن لكل مخلوق في ~~الأرض مهمة، فهم الآن يمسكون الحيات والثعابين ليستخلصوا منها السموم حتى ~~يقتلوا بها الميكروبات التي تقتل الإنسان، وكانوا قبل اكتشاف فائدة السم ~~في الثعبان يتساءلون " وما فائدة خلق مثل هذه الثعابين؟ ". فلما أحوجهم ~~الله وألجأهم إلى أن يستفيدوا بما في الثعابين من سم ليجعلوه علاجا ~~أدركوا حكمة الله من خلق هذه الأنواع، لقد خلقها لا لنأكلها، وإنما ~~لنعالج بها. فأنت إذا رأيت شيئا محرما لا تقل لماذا خلقه الله، لأنك لا ~~تعرف ما هي مهمته، فليست مهمة كل مخلوق أن يأكله الإنسان، إنما لكل مخلوق ~~مهمة قد لا تشعر بأدائها في الكون. وهذه مسألة نستعملها نحن في ذوات ~~نفوسنا، على سبيل المثال عندما يأتي الصيف ونخشى على ملابسنا الصوفية من ~~الحشرات فنأتي لها بما يقتل الحشرات، وهو " النفتالين " ، ونحذر أبناءنا ~~من عدم الاقتراب منه وأكله. إن " النفتالين " لا يؤكل، ولكنه مفيد في قتل ~~الحشرات الضارة. كذلك " الفينيك " نشتريه ونضعه في زجاجة في المنزل لنطهر ~~به أي مكان ملوث، ونحذر الأطفال منه لأنه ضار لهم، ولكنه نافع في تطهير ~~المنزل من الحشرات، وكذلك المخلوقات التي لا نعرف حكمة خلقها، لقد خلقها ~~الله لمهمة خاصة بها، فلا تنقل شيئا من مهمته إلى مهمة أخرى. # وإذا كان الإنسان لم يدرك حتى الآن فائدة بعض المخلوقات، فما أكثر ما ~~يجهل، وهو يكتشف كل يوم سرا من أسرار مخلوقات الله. وعلى سبيل المثال، ~~كانوا ينظرون إلى نوع من السمك لا يتجاوز حجمه عقلة الأصبع ولا يكبر ~~أبدا، واحتاروا في فائدته، وعندما ذهبنا للسعودية ورأينا الأماكن التي ~~نأخذ منها الماء الذي قد يفسد، ووجدنا هذا النوع من السمك بكثرة، ~~فسألناهم عن حقيقة هذا السمك، فقالوا: إنه لا يكبر ويظل على هذا الحجم، ~~ومهمته تنقية المياه في الأماكن التي لا يقوم الإنسان بتنقيتها. وجربنا ~~حقيقة ما قالوا ms0470 فألقينا بعضا من مخلفات الطعام فوجدنا هذه الأسماك تخرج ~~من حيث لا ندري وتلقف هذه البقايا ولا تتركها حتى تنهيها. هكذا يخلق الحي ~~القيوم مخلوقات لتحفظ مخلوقات أخرى، هو سبحانه يقول للإنسان: لا تأكل هذا ~~وكل ذاك لحكمة قد لا نعرفها. مثال آخر، الطائر المعروف بأبي قردان صديق ~~الفلاح، كانت وظيفته في الحياة أن يأكل الحشرات والديدان عند ري الأرض، ~~ومنذ أن اختفى هذا الطائر بتأثير المبيدات استفحل خطر الديدان على الزرع ~~وبخاصة دودة القطن. إنها معادلة إلهية مركبة تركيبا دقيقا. وكذلك ~~الذباب، يتساءل بعض الناس " ما حكمة وجوده في الحياة؟ " وهم لا يعرفون أن ~~الذباب يؤدي للإنسان دورا مهما هو أكل القاذورات وما بها من أمراض، ولو ~~تحصن الناس بالنظافة لما جاءهم الذباب. إذن، فكل شيء في الوجود مرتب ~~ترتيبا دقيقا، إنه ترتيب خالق عليم حكيم، وما دام الحكيم هو الذي خلق ~~فلا يعترض أحد ويقول لماذا خلق كذا وكذا؟، لأن لكل مخلوق دورا يؤديه في ~~الكون. ولذلك ينبه الخالق الناس - مؤمنهم وكافرهم - بأن يأكلوا الحلال ~~الطيب من الأرض، وهو يقول للكافر إنك إن تعقلت الأمور لوجدت أن كل ما ~~أمرتك به هو لصالحك، وحتى لو لم تؤمن فأنا أدلك على ما ينفع، فلا تأكل ~~إلا الحلال الطيب، وانظر إلى المؤمنين بماذا سمح لهم من طعام وكل ~~مثلهم. وقد أثبت الواقع والتاريخ أن الكافرين يلجأون إلى منهج الله في ~~بعض الأقضية ليحلوا مشاكل حياتهم، لا بدين الله كدين، ولكن بأوامر الله ~~كنظام، فلو كان عند الكافرين بالله حكمة حتى فيما يتعلق بشئون دنياهم ~~لأخذوا ما أمر الله به المؤمنين واتبعوه. والمثال على ذلك عندما يحرم ~~الحق سبحانه وتعالى لحم الميتة، أي التي ماتت ولم تذبح، إن لحمها ضار ~~بالصحة، لأن أوعية الدم في الحيوان وفي كل كائن حي هي وعاءان! إما أوردة ~~وإما شرايين، والدم قبل أن يذهب إلى الكلى أو الرئة يكون دما فاسدا، ~~ونحن عندما نذبح الحيوان يسيل منه الدم الفاسد وغير الفاسد ويخرج، ويصير ~~اللحم خالصا، ms0471 لكن الحيوان الذي لم يذبح لم يذك، يعني لم يطهر من فساد ~~الدم، وهو ضار للإنسان. # والحق سبحانه وتعالى عندما يقول: { يأيها الناس } [البقرة: 168] ~~فكأنه يدعو غير المؤمنين: لو عقلتم، لوجب أن تحتاطوا إلى حياتكم بألا ~~تأكلوا إلا حلالا أحله الله للمؤمنين. { ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان } [البقرة: 168]. أي لا تسيروا وراء الشيطان، فالخطوة هي ~~المسافة بين القدمين عند المشي، أي بين النقلة والنقلة، ولا تجعلوا ~~الشيطان قائدكم لأن الشيطان عداوته لكم مسبقة، ويجب أن تحتاطوا بسوء الظن ~~فيه فهو الذي عصى ربه ولا يصح أن يطاع في أي أمر، { إنه لكم ~~عدو مبين } [البقرة: 168] وعداوة الشيطان للإنسان قديمة من أيام ~~آدم. ويقول الحق عن أوامر الشيطان: { إنما يأمركم بالسوء ~~والفحشآء وأن تقولوا على... }. ### || [2.169] # والسوء هو كل ذنب لا حد فيه، مثل الغيبة أو النميمة، والفحشاء هي كل ذنب ~~فيه حد وفيه عقوبة. والشيطان يأمركم أن تقولوا على الله ما تجهلون. ويقول ~~الحق من بعد ذلك: { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله ~~قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو ~~كان... }. ### || [2.170] # وهذه الآية تعالج قضية خطيرة في المجتمع الإسلامي، قضية تقليد الناس ~~لعادات آبائهم. والتقليد هو نشأة طبيعية في الإنسان، لأن الإنسان حين ~~يخرج للوجود ممدا بطاقة الحياة فهذه الطاقة تريد أن تتحرك وحركتها تأتي ~~دائما وفق ما ترى من حركة السابق لها، فالطفل الصغير لا يعرف أن يده ~~تتناول أشياء إلا إذا رأى في البيئة المحيطة به إنسانا يفعل ذلك، وحين ~~يريد الطفل أن يتحرك، فهو يقلد حركة الذين حوله، ولذلك تجد الأطفال ~~دائما يقلدون آباءهم في معظم حركاتهم، وحين يوجد الأطفال مع أجيال ~~متعاقبة تمثل أعمارا مختلفة، فإن الطفل الصغير يقلد في حركته البدائية ~~خليطا من حركات هذه الأجيال، فهو يقلد جده، ويقلد جدته، ويقلد أباه ~~وأمه، وإخوته فتنشأ حركات مختلطة تمثل الأجيال كلها. ولذلك فاندماج الطفل ~~في أسرة مكونة من آباء وأجداد، تمثل في الإنسان طبيعة الحياة المتصلة ~~بمنهج الحركة في الأرض وبمنهج السماء لأن ms0472 الطفل حين يعيش مع أبيه فقط، قد ~~يجده مشغولا في حركة الحياة التي ربما شدته عن قيم الحياة أو عن منهج ~~السماء لكنه حين يرى أبا لأبيه هو جده قد فرغ من حركة الحياة، واتجه إلى ~~منهج القيم لأنه قريب عهد فيما يظن بلقاء الله، فإن كان لا يصلي في شبابه ~~فهو يصلي الآن، وإن كان لا يفعل الطاعات سابقا أصبح يفعلها الآن، وهكذا ~~يرى الطفل حركة الحياة الجامحة في الدنيا والتلهف عليها من أبيه، ويجد ~~الإقبال على القيم والعبادات من جده، ولذلك تجده ربما عاون جده على ~~الطاعة فساعة يسمع الطفل المؤذن يقول: " الله أكبر " ، فهو يعرف أن جده ~~يريد أن يصلي فيذهب هو ويأتي بالسجادة ويفرشها لجده ويقف مقلدا جده، وإن ~~كانت بنتا، فنحن نجدها تقلد أمها أو جدتها وتضع الغطاء على رأسها لتصلي، ~~إذن، فاندماج الأجيال يعطي الخير من الحركتين، حركة مادية الحياة وحركة ~~قيم منهج السماء، ولذلك يمتن الحق علينا قائلا: # وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة.. # [النحل: 72]. إذن، فتقليد الأجيال اللاحقة للأجيال السابقة أمر تقتضيه ~~طبيعة الوجود. وحين يدعو الله الناس أن يتبعوا ما ينزله على الرسل فهو ~~ينهاهم أن يتبعوا تقليد الآباء في كل حركاتهم، لأنه قد تكون حركة الآباء ~~قد اختلت بالغفلة عن المنهج أو بنسيان المنهج، لذلك يدعونا ويأمرنا ~~سبحانه: أن ننخلع عن هذه الأشياء ونتبع ما أنزل الله، ولا نهبط إلى مستوى ~~الأرض، لأن عادات ومنهج الأرض قد تتغير، ولكن منهج السماء دائما لا ~~يتغير، فاتبعوا ما أنزل الله. والناس حين يحتجون يقولون: بل نتبع ما ~~وجدنا عليه آباءنا. وتلك قضية تبريرية في الوجود، ولو كان ذلك حقا ~~وصدقا، ومطابقا للواقع، لما كرر الله الرسالات بعد أن علم آدم كل ~~المنهج الذي يريد لأننا لو كنا نتبع ما ألفينا عليه آباءنا. # لكان أبناء آدم سيتبعون ما كان يفعله آدم، وأبناء أبناء آدم يتبعون ~~آباءهم، وهكذا يظل منهج السماء موجودا متوارثا لا تغيير فيه. إذن فما ~~الذي اقتضى أن يتغير منهج السماء؟ ms0473 إن هذا دليل على أن الناس قد غيروا ~~المنهج، ولذلك فقولهم: { نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ } ~~[البقرة: 170] هي قضية مكذوبة، لأنهم لو اتبعوا ما وجدوا عليه آباءهم لظل ~~منهج الله في الأرض مضيئا غير متأثر بغفلة الناس ولا متأثرا بانحرافات ~~أهل الأرض عن منهج السماء. وهو تبرير يكشف أن ما وجدوا عليه آباءهم يوافق ~~أهواءهم. وقوله الحق: { اتبعوا } [البقرة: 170] أي اجعلوا ما أنزل ~~عليكم من السماء متبوعا وكونوا تابعين لهذا المنهج لا تابعين لسواه لأن ~~ما سوى منهج السماء هو منهج من صناعة أهل الأرض، وهو منهج غير مأمون، ~~وقولهم: { مآ ألفينا عليه آبآءنآ } [البقرة: 170] أي ما ~~وجدنا عليه آباءنا، وما تفتحت عليه عيوننا فوجدناه حركة تحتذى وتقتدى. ~~والحق يبين لهم أن هذا كلام خاطئ، وكلام تبريري وأنتم غير صادقين فيه، ~~وعدم الصدق يتضح في أنكم لو كنتم متبعين لمنهج السماء لما تغير المنهج، ~~هذا أولا، أما ثانيا، فأنتم في كثير من الأشياء تختلفون عن آبائكم، ~~فحين تكون للأبناء شخصية وذاتية فإننا نجد الأبناء حريصين على الاختلاف، ~~ونجد أجيالا متفسخة، فالأب يريد شيئا والابن يريد شيئا آخر، لذلك لا ~~يصح أن يقولوا: { بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ } ~~[البقرة: 170] لأنه لو صح ذلك لما اختلف منهج الله على الأرض لكن المنهج ~~اختلف لدخول أهواء البشر، ومع ذلك نرى بعضا من الخلاف في سلوك الأبناء ~~عن الآباء، ونقبل ذلك ونقول: هذا بحكم تغيير واختلاف الأجيال، أي أن ~~الأبناء أصبحت لهم ذاتية. ولذلك فالقول باتباع الأبناء للآباء كذب لا ~~يمثل الواقع. والحق سبحانه وتعالى يرد على هذه القضية لأنها قضية تبريرية ~~لا دليل لها من صدق، ولا برهان لها من واقع. ويقول سبحانه: { أولو ~~كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون } [البقرة: ~~170] أي أيتبعون ما وجدوا عليه آباءهم حتى ولو كان آباؤهم لا يعقلون ولا ~~يهتدون؟. إذن، الرد جاء من ناحيتين، من ناحية التعقل، ومن ناحية ~~الاهتداء، وكل من التعقل والاهتداء منفي عن الآباء في هذه الآية، فأنتم ~~تتبعونهم اتباعا بلا تفكير، ms0474 اتباعا أعمى. والإنسان لا يطيع طاعة عمياء ~~إلا لمن يتيقن صدق بصيرته النافذة المطلقة، وهذه لا يمكن أن تتأتى من بشر ~~إلى بشر، فالطاعة المطلقة لا تصح أن تكون لشيء إلا لمنهج السماء، وحين ~~تكون طاعة عمياء لمن تثق ببصره الشافي الكافي الحكيم فهي طاعة مبصرة ~~وبصيرة في آن واحد لأنك تحمي نفسك من خطأ بصرك، وخطأ بصيرتك، وتلتزم في ~~التبعية بمن تعتقد أن بصره وبصيرته لا يخطئان أبدا، عندها لا تكون طاعة ~~عمياء. # إذن: فالحق سبحانه وتعالى ينبههم إلى أنه لا يصح أن تقولوا: إنكم تتبعون ~~ما وجدتم عليه آباءكم لأنه يجوز أن يكون آباؤكم لا يعقلون، ويجوز أن ~~يكونوا غير مهتدين. لو كان آباؤكم لهم عقل أو لهم اهتداء، عند ذلك يكون ~~اتباعكم لهم أمرا سليما، لا لأنكم اتبعتم آباءكم، ولكن لأنكم اتبعتم ~~المعقول والهدى. وهكذا نجد أن قضية التقليد هي أمر مزعوم، لأنك لا تقلد ~~مساويك أبدا، ولكنك تتبع من تعتقد أنه أحكم منك، وما دام مساويا لك ~~فلا يصح أن تقلده في كل حركة. بل يجب أن تعرض الحركة على ذهنك، ولذلك ~~فتكليف الله لعباده لم ينشأ إلا بعد اكتمال العقل بالبلوغ. فهو سبحانه لا ~~يأخذ العقل على غرة قبل أن ينضج بل لا يكلف الله عبدا إلا إذا نضج عقله ~~ولا يكلفه إن لم يوجد له عقلا، ولا يكلفه إن لم تكن قوته وراء عقله فإن ~~كان الإنسان سليم القوة والعقل فإن تكليفه يكون تاما، فسبحانه لا يكلف ~~إلا صاحب العقل الناضج الذي لديه قدرة تمكنه من تنفيذ ما اهتدى إليه ~~عقله، أي غير مكره. فالذي يكلف الإنسان بمقتضى هذه الأشياء هو عالم أن ~~العقل إن وجد ناضجا بلا إكراه فلا بد أن يهتدي إلى قضية الحق. إن الحق ~~سبحانه لم يكلف الإنسان إلا بعد أن تكتمل كل ملكات نفسه، لأن آخر ملكة ~~تتكون في الإنسان هي ملكة الغريزة، أي أن يكون صالحا للإنجاب، ~~وصالحا لأن تمتد به الحياة. وقلنا من قبل: إن الثمرة التي ms0475 نأكلها لا ~~تصبح ثمرة شهية ناضجة إلا بعد أن تؤدي مهمتها الأولى فمهمتها ليست في أن ~~يأكلها الإنسان فقط. إنما أن توجد منها بذرة صالحة لامتداد الحياة، ~~وعندما توجد البذرة يكون أكل الثمرة صالحا، كذلك الإنسان لا يكون صالحا ~~لامتداد الحياة إلا بعد البلوغ أو في سن البلوغ، وسبحانه وتعالى جعل لهذه ~~الغريزة سعارا لأن الحياة التي ستأتي من خلالها لها تبعات أولاد ومشقات، ~~فلو لم يربطها الله بهذه اللذة لانصرف عنها كثير من الناس، لكنه سبحانه ~~يربطها باللذة حتى يوجد امتداد الحياة بدافع عنيف وقوي من الإنسان. فالحق ~~سبحانه لا يفاجئ الإنسان بتكليف إلا بعد أن يعده إعدادا كاملا، لأنه ~~لو كلفه قبل أن ينضج غريزيا، وقبل أن تصبح له قدرة على استبقاء النوع، ~~لقال الإنسان: إن الله كلفني قبل أن يوجد في ذلك، عندئذ لا يكون ~~التعاقد الإيماني صحيحا. ولذلك يؤخر الحق تكليفه لعباده حتى يكتمل لهم ~~نضج العقل ونضج الغريزة معا، وحتى يدخل الإنسان في التكليف بكل مقوماته، ~~وبكل غرائزه، وانفعالاته حتى إذا تعاقد إيمانيا فإن عليه أن يلتزم ~~بتعاقده. # إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يربي في الإنسان ذاتيته من فور أن ~~يصبح صالحا لاستبقاء النوع في غيره، وما دامت قد أصبحت له ذاتية مكتملة، ~~فالحق يريد أن ينهي عنه التبعية لغيره، عند ذلك لا يقولن أحد: " أفعل ~~مثل فعل أبي ". لكن هناك من قالوا: { نتبع مآ ألفينا عليه ~~آبآءنآ } [البقرة: 170]، لماذا يتبعون آباءهم في المنهج الباطل، ولا ~~يتبعونهم في باقي أمور الدنيا، وفي الملابس، وفي الأكل، وفي كل مناحي ~~الحياة؟. إذن فلا شيء قد جعلهم يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم إلا لأنهم ~~وجدوا فيه ما يوافق هواهم، بدليل أنهم انسلخوا عن تبعيتهم لآبائهم في ~~أشياء رأوها في سلوك الآباء وخالفوهم فيها، وما داموا قد خالفوهم في ~~أشياء كثيرة فلماذا يتبعونهم في الدين الزائف؟. إن الله يريد أن يخلص ~~الإنسان من إسار هذا الاتباع، ويلفت العباد. تعقلوا يا من أصبحت لكم ~~ذاتية، وليعلم كل منكم أنه ms0476 بنضج العقل يجب أن يصل إلى الهداية إلى الخالق ~~الواحد الأحد، فإن كنت قد التحمت بأبيك في أول الأمر لأنه يعولك ويمدك، ~~فهذا الأب هو مجرد سبب أراده الله لك، ولكن الله هو خالقك، وهو الذي أنزل ~~المنهج الذي يجب أن تلتحم به لتصير حياتك إلى نماء وخير. وهو سبحانه ~~يقول: # واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود ~~هو جاز عن والده شيئا.. # [لقمان: 33]. إن الحق سبحانه وتعالى يفصل لنا هذا الأمر بدقة، فإذا كان ~~الآباء لا يعقلون فماذا عن موقف الأبناء؟. إن على الأبناء أن يصلحوا ~~أنفسهم بمنهج الحق. وقد وردت في سورة المائدة آية أخرى بالمعنى نفسه ولكن ~~بخلاف في اللفظ، فهنا في سورة البقرة يقول الحق: { وإذا قيل لهم ~~اتبعوا مآ أنزل الله } [البقرة: 170]. وفي آية سورة المائدة ~~يقول الحق: # وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ ~~أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # [المائدة: 104]. وبين الآيتين اتفاق واختلاف، فقوله الحق هنا: " اتبعوا ~~ما أنزل الله " وهي تعني أن نمعن النظر وأن نطبق منهج الله. وآية سورة ~~المائدة " تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول " هذا هو الخلاف الأول. ~~والخلاف الثاني في الآيتين هو في جوابهم على كلام الحق، ففي هذه السورة - ~~سورة البقرة - قالوا: " بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا " وهذا القول فيه ~~مؤاخذة لهم. لكنهم في سورة المائدة قالوا: " حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ~~" ، وهذه تعني أنهم اكتفوا بما عندهم ونفوا اتباع منهج السماء، وهذا ~~الموقف أقوى وأشد نفيا، لذلك نجد أن الحق لم يخاطبهم في هذه الآية ب " ~~اتبعوا " بل قال لهم: " تعالوا " أي ارتفعوا من حضيض ما عندكم إلى ~~الإيمان بمنهج السماء. # وما دمتم قد قلتم: حسبنا بملء الفم فهذا يعني أنكم اكتفيتم بما أنتم ~~عليه. وكلمة " حسبنا " فيها بحث لطيف لأن من يقول هذه الكلمة قد حسب ~~كلامه واكتفى، وكلمة الحساب تدل على الدقة، والحساب يفيد العدد والأرقام. ~~فقولهم: " حسبنا ms0477 " تعني أنهم حسبوا الأمر واكتفوا به ونجد كل ورود ~~لهذه الكلمة في القرآن يفيد أنها مرة تأتي لحساب الرقم المادي، ومرة تأتي ~~لحساب الإدراك الظني. فالحق يقول: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2]. ومعناها: هل ظن الناس أن يتركوا دون اختبار لإيمانهم؟. ~~هذا حساب ليس بالرقم، وإنما حساب بالفكر، والحساب بالفكر يمكن أن يخطئ، ~~ولذلك نسميه الظن. والحق سبحانه يقول: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون # [المؤمنون: 115]. إذن، فكلمة " حساب " تأتي مرة بمعنى الشيء المحسوب ~~والمعدود، ومرة تأتي في المعنويات، ونعرفها بالفعل، فإذا قلت: حسب ~~يحسب فالمعنى عد. وإذا قلت: حسب يحسب فهي للظن. وفيه ماض وفيه ~~مضارع، إن كنت تريد العد الرقمي الذي لا يختلف فيه أحد تقول: " حسب ~~بفتح السين في الماضي وبكسرها في المضارع يحسب ". وإن أردت بها حسبان ~~الظن الذي يحدث فيه خلل تقول: " حسب " بالكسر، والمضارع " يحسب " ~~بالفتح. وعندما يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن حساب الآخرة، فمعنى ذلك أنه ~~شيء محسوب، لكن إذا بولغ في المحسوب يكون حسبانا، وكما نقول: " غفر ~~غفرا " و " شكر شكرا " ، يمكن أن نقول: " غفر غفرانا " و " شكر ~~شكرانا ". كذلك " حسب حسبانا " ، والحسبان هو الحساب الدقيق جدا الذي ~~لا يخطئ أبدا. ولذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى بكلمة " حسبان " في الأمور ~~الدقيقة التي خلقت بقدر ونظام دقيق إن اختل فيها شيء يحدث خلل في الكون، ~~فيقول: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه ~~البيان * الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 1-5]. أي أن الكون يسير بنظام دقيق جدا لا يختل أبدا، لأنه ~~لو حدث أدنى خلل في أداء الشمس والقمر لوظيفتيهما فنظام الكون يفسد. لذلك ~~لم يقل الحق: " الشمس والقمر بحساب " ، وإنما قال: " بحسبان " وبعد ذلك ~~فيه فرق بين " الحسبان " و " المحسوب بالحسبان " والحق سبحانه وتعالى ~~حينما يقول: # فالق الإصباح وجعل اليل سكنا والشمس والقمر ~~حسبانا.. # [الأنعام: 96]. لم يقل: بحسبان، لأنها هي في ذاتها حساب وليست محسوبة، ~~أي أن حسابها آلي. وتأتي الكلمة بصورة أخرى في سورة الكهف ms0478 في قوله تعالى: # ويرسل عليها حسبانا من السمآء.. # [الكهف: 40]. المعنى هنا شيء للعقاب على قدر الظلم تماما، هذه هي مادة ~~الحساب.. وقولهم: " حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا " في ظاهرها أبلغ من ~~قولهم: " نتبع ما ألفينا عليه آبآءنا " لكن كل من اللفظين مناسب للسياق ~~الذي جاء فيه ف " اتبعوا " يناسبها " نتبع ما ألفينا " وقوله تعالى: " ~~وإذا قيل لهم تعالوا " يناسبها قولهم: " حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا " ، ~~يعني كافينا ما عندنا ولا نريد شيئا غيره. ومن هنا نفهم لماذا جاء الحق ~~في آية البقرة بقوله: " اتبعوا " ، وفي آية المائدة: " تعالوا " ، وجاء ~~جوابهم في سورة البقرة: " بل نتبع " ، وفي سورة المائدة: " حسبنا ". ~~وهناك خلاف ثالث في الآيتين: ففي آية البقرة قال: " أولو كان آباؤهم لا ~~يعقلون شيئا ". وفي آية المائدة قال " أولو كان آباؤهم لا يعلمون ". ~~الخلاف في " لا يعقلون " و " لا يعلمون ". وما الفرق بين " يعقلون " و " ~~يعلمون "؟. إن " يعقلون " تعني ما ينشأ عن فكرهم وتدبرهم للأمور، لكن ~~هناك أناس لا يعرفون كيف يعقلون، ولذلك يأخذون القضايا مسلما بها كعلم ~~من غيرهم الذي عقل. إذن فالذي يعلم أقل منزلة من الذي يعقل، لأن الذي عقل ~~هو إنسان قد استنبط، وأما الذي علم فقد أخذ علم غيره. وعلى سبيل المثال، ~~فالأمي الذي أخذ حكما من الأحكام هو قد علمه من غيره، لكنه لم يتعقله، ~~إذن، فنفي العلم عن شخص أبلغ من نفي التعقل لأن معنى " لا يعلم " أي أنه ~~ليس لديه شيء من علم غيره أو علمه. وعندما يقول الحق سبحانه: { لا ~~يعقلون شيئا } [البقرة: 170] فمعنى ذلك أنه من المحتمل أن ~~يعلموا، لكن عندما يقول: " لا يعلمون " فمعناه أنهم لا يعقلون ولا ~~يعلمون، وهذا يناسب ردهم. فعندما قالوا: " بل نتبع " فكان وصفهم ب " لا ~~يعقلون ". وعندما قالوا: " حسبنا " وصفهم بأنهم " لا يعلمون " كالحيوانات ~~تماما. نخلص مما سبق أن هناك ثلاث ملحوظات على الآيتين: في الآية الأولى ~~قال: " اتبعوا " ، وكان الرد منهم " نتبع ما ألفينا " والرد على الرد " ~~أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ms0479 ". وفي الآية الثانية قال: " تعالوا " ، ~~وكان الرد منهم " حسبنا " ، فكان الرد عليهم " أولو كان آباؤهم لا يعلمون ~~شيئا ". # وهكذا نرى أن كلا من الآيتين منسجمة، ولا يقولن أحد: إن آية جاءت ~~بأسلوب، والأخرى بأسلوب آخر، فكل آية جاءت على أسلوبها يتطلبها فهي ~~الأبلغ، فكل آية في القرآن منسجمة كلماتها مع جملها ومع سياقها. وقوله ~~تعالى: { وإذا قيل لهم } [البقرة: 170] مبنية للمجهول ليتضمن كل ~~قول جاء على لسان أي رسول من الله من بدء الرسالات، فهي ليست قضية اليوم ~~فقط إنما هي قضية قيلت من قبل ذلك. إن المعنى هو: إذا قيل لهم من أي ~~رسول، اتبعوا ما أنزل الله قالوا: { بل نتبع مآ ألفينا ~~عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ~~ولا يهتدون } [البقرة: 170]. ويختم الحق الآية في سورة البقرة ~~بقوله: " ولا يهتدون ". وكذلك كان ختام آية المائدة: " ولا يهتدون " ~~لنعلم أن هدى السماء لا يختلف بين عقل وعلم، فالأولى جاءت بعد قوله ~~تعالى: { أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا ~~يهتدون } [البقرة: 170] والثانية جاءت في ختام قوله تعالى: # أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # [المائدة: 104] وذلك للدلالة على أن هدى السماء لا يختلف بين من ~~يعقلون ومن يعلمون. ### || [2.171] # والذي ينعق هو الذي يصوت ويصيح للبهائم، وهو الراعي، إذن، فكلمة ~~ينعق أعطتنا صورة راع يرعى بهائم. وكان هذا الصياح من الراعي ليلفت ~~الماشية المرعية لتسير خلفه، وهو لا يقول لها ما يريده أن تفعله، وإنما ~~ينبهها بالصوت إلى ما يريد، ويسير أمامها لتسير خلفه إلى المرعى أو إلى ~~نبع الماء، فالنداء لفتة ودعاء فقط، لكن ما يراد من الدعاء يصير أمرا ~~حركيا تراه الماشية. فكأن الماشية المرعية لا تفهم من الراعي إلا النداء ~~والدعاء، إنما دعاء ونداء لماذا؟ فهي لا تعرف الهدف منه، إلا بأن يسلك ~~الراعي أمامها بما يرشدها. وهكذا نفهم أن هناك " راعيا " ، و " ماشية " ~~، و " صوتا من الراعي " وهو مجرد دعاء ونداء. مقابل هؤلاء الثلاثة في ~~قضيتنا هو الرسول حين يدعو فيكون هو ms0480 " الراعي " ويدعو من؟، يدعو " الرعية ~~" الذين هم الناس. وبماذا يدعو الرعية؟. أيناديها فقط لتأتيه، أم يناديها ~~لتأتيه ويأمرها بأشياء؟. إنه يأمرها باتباع منهج السماء. وهذا هو الفارق ~~بين الراعي في الماشية والراعي في الآدميين. فعندما يأتي الرسول ويقول: # " يا قوم إني لكم رسول، وإني لكم نذير " # ، فهذا هو الدعاء، ومضمون ذلك الدعاء هو " اعبدوا الله ". " انظروا في ~~السماوات والأرض " ، " افعلوا كذا من أوامر وانتهوا عن تلك النواهي " ، ~~هذا ما يريده الرسول. إذن فالرسول يشترك مع الراعي في الدعاء والنداء، ~~وهم اشتركوا مع المرعي في أنهم لم يفهموا إلا الدعاء والنداء فقط، ~~وفي الاستجابة هم { صم بكم عمي } [البقرة: 171]، فالمدعو به لم ~~يسمعوه، وكأنهم اشتركوا مع الحيوان في أنهم لا يستمعون إلا للدعاء ~~والنداء، إنما المدعو به ومضمون النداء هم لا يعقلونه ولا يفهمونه. ~~وبكم لا ينطقون بمطلوب الدعوة وهو " شهادة أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله " ، وليس عندهم عقل يدير حركة العيون لينظروا في ملكوت ~~السماوات والأرض ليظهر لهم وجه الحق في هذه المسألة. إذن، فمثل الذين ~~كفروا بالرسول كمثل الماشية مع الراعي، فهم لا يسمعون إلا مجرد الدعاء، ~~كما أن الماشية تسمع الراعي ولا تعقل، مع الفارق لأن الدواب ليس مطلوبا ~~منها أن ترد على من يناديها. ولا تسمع غير ذلك من المدعو به لذا كان ~~الكافرون شر الدواب. وقول الحق: " صم " أي مصابون بالصمم وهو آفة تمنع ~~الأذن من أداء مهمتها. و " بكم " أي مصابون بآفة تصيب اللسان فتمنعه ~~من أداء مهمته، إلا أن السبب في الصمم سبب إيجابي، لأن هناك شيئا قد سد ~~منفذ السمع فلا تسمع، وبسبب الصمم فهم بكم، والبكم هو عجز اللسان عن ~~الكلام، لأن الإنسان إن لم يسمع فهو لن يتكلم. # ولذلك فإن الإنسان إذا وجد في بيئة عربية فهو يتكلم اللغة العربية، ~~وإذا نشأ الإنسان في بيئة إنجليزية فهو يتكلم لغة إنجليزية. وهب أنك قد ~~نشأت في بيئة تتكلم العربية ثم لم تسمع كلمة من كلماتها هل تتكلم بها؟، ms0481 ~~إذن: فاللسان ينطق بما تسمعه الأذن، فإذا لم تسمع الأذن لا يتكلم اللسان. ~~والصمم يسبق البكم، ولذلك فالبكم هو آفة سلبية، وتجد أن اللسان يتحرك ~~ويصوت أصواتا لا مدلول لها ولا مفهوم. فهل نفهم من قوله تعالى عنهم: ~~" صم " أنهم مصابون بالصمم؟.. لا، إن الحق يقول: لقد جعلت الأذن لتسمع ~~السماع المفيد فكأنها معطلة لا تسمع شيئا. وكذلك اللسان أوجدته ليتكلم ~~الكلام المفيد، بحيث من لا يتكلم به كأنه أبكم، والعقل أوجدته ليفكر به ~~فإذا لم يفكر تفكيرا سليما منطقيا، فكأن صاحبه لا عقل له. فالأصم ~~حقيقة خير من الذي يملك حاسة السمع ولا يفهم بها، لأن الأصم له عذره، ~~والأبكم كذلك، والمجنون أيضا له عذره، فليت هؤلاء الكفار كانوا كذلك، ~~لقد صموا آذانهم عن سماع الدعوة، وهم بكم عن النطق بما ينجيهم بشهادة أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهم عمي عن النظر في آيات الكون، ~~فلو أن عندهم بصرا لنظروا في الكون كما قال الله تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # [آل عمران: 190]. فلو أنهم نظروا في خلق السماوات والأرض لاهتدوا ~~بفطرتهم إلى أن لهذا الوجود المتقن المحكم صانعا قد صنعه، لكنهم لا ~~يعقلون، لأن عملية العقل تنشأ بعد أن تسمع، وبعد اكتمال الحواس، ولذلك ~~فالإنسان في تكوينه الأول حركي حسي، يرى ويسمع ويتذوق ثم تتكون عنده من ~~بعد ذلك القضايا العقلية. ويقول الحق بعد ذلك: { يأيها الذين ~~آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم... }. ### || [2.172] # وهذا خطاب من الله للذين آمنوا بأن يأكلوا من الطيبات، وقد سبق في الآية ~~168 خطاب مماثل في الموضوع نفسه ولكن للناس جميعا وهو قوله تعالى: # يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا # [البقرة: 168]. وقلنا: إن الحق سبحانه وتعالى ساعة يخاطب الناس جميعا، ~~فهو يلفتهم إلى قضية الإيمان، ولكن حين يخاطب المؤمنين فهو يعطيهم أحكام ~~الإيمان، فالله لا يكلف بحكم إلا من آمن به، أما من لم يؤمن به، فلا ~~يكلفه بأي حكم، ms0482 لأن الإيمان التزام. وما دمت قد التزمت بأنه إله حكيم فخذ ~~منه أحكام دينك. وعدل الله اقتضى ألا يكلف إلا من يؤمن، وهذا على خلاف ~~مألوف البشر، لأن تكليفات القادة من البشر للبشر تكون لمن يرضى بقيادتهم ~~ومن لم يرض، وإذا كان للقائد من البشر قوة، فإنه يستخدمها لإرغام من ~~يوجدون تحت ولايته على تنفيذ ما يقول. وخطاب الله للمؤمنين هنا جاء ~~بقوله: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } [البقرة: 172]، ذلك ~~أن المؤمن يتقين تماما بأن الله هو الخالق وهو الذي يرزق. ويذيل الآية ~~الكريمة بقوله: { واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون ~~} [البقرة: 172]، فشكر العبد المؤمن للرب الخالق واجب، ما دام العبد ~~المؤمن يختص الله بالعبادة. ويقول الحق بعد ذلك: { إنما حرم ~~عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل ~~به لغير الله... }. ### || [2.173] # ونجد أن استخدام " الموت " يأتي في كلمات منوعة، ففيه: " ميت " و ~~" ميتة " ، و " ميتة " ومثال ذلك ما يقوله الحق: # فسقناه إلى بلد ميت.. # [فاطر: 9]. و " الميت " بتشديد الياء هو من ينتهي أمره إلى الموت وإن ~~كان حيا، فكل واحد منا يقال له أنت ميت، أي مصيره إلى الموت، ولذلك ~~يخاطب الله رسوله: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. إذن فكلمة " ميت " معناها أنك ستموت، رغم أنك الآن حي. ~~لكن عندما نقول: " ميت " ، بتسكين الياء، فمعناها مات بالفعل، وفي ~~الشعر العربي جاء: # وما الميت إلا من إلى القبر يحمل # والحق سبحانه وتعالى يقول: { إنما حرم عليكم الميتة ~~والدم } [البقرة: 173]، ولو قال: " الميتة " بتشديد الياء، لقلنا: ~~إن كل شيء سيموت يصير محرما، لكن كلام الله هنا الميتة - بالياء الساكنة ~~- وهي الميتة بالفعل، وهي التي خرجت روحها حتفا لأنه فيه خروج الروح ~~إزهاقا بمعنى أن تذبحه فيموت لكن هناك مخلوقات تموت حتف أنفها، وساعة ~~تموت الحيوانات حتف أنفها تحتبس فيها خلاصة الأغذية التي تناولتها وهي ~~الموجودة بالدم وهذا الدم فيه أشياء ضارة كثيرة، ففي الدم مواد ضارة ~~فاسدة استخلصتها أجهزة الجسم وهو حي، وكانت في طريقها إلى الخروج منه، ~~فإذا ما ذبحناه ms0483 سال كل الدم الفاسد والسليم، ولأن درء المفسدة مقدمة على ~~جلب المصلحة، فإننا نضحي بالدم السليم مع الدم الفاسد. وهذا الدم يختزنه ~~الجسم عندما يموت، وتظل بداخله الأشياء الضارة فيصبح اللحم مملوءا ~~بالمواد الضارة التي تصيب الإنسان بالأمراض. ونظرة بسيطة إلى دجاجتين، ~~إحداهما مذبوحة أريق دمها، والأخرى منخنقة أي لم يرق دمها، فإننا نجد ~~اختلافا ظاهرا في اللون، حتى لو قمنا بطهي هذه وتلك فسنجد اختلافا في ~~الطعم، سنجد طعم الدجاجة المذبوحة مقبولا، وسنجد طعم الدجاجة الميتة غير ~~مقبول، وكان الذين لا يؤمنون بإله أو بمنهج يقومون بذبح الحيوانات قبل ~~أكلها، لماذا؟ لقد هدتهم تجاربهم إلى أن هذه عملية فيها مصلحة، وإن لم ~~يعرفوا طريقة الذبح الإسلامية. وحين يحرم الله { الميتة } فليس هناك ~~أحد منا مطالب أن يجيب عن الله لماذا حرم الميتة؟، لأنه يكفينا أن الله ~~قال: إنها حرام، وما دام الذي رزقك قال لك: لا تأكل هذه فقد أخرجها من ~~رزقيه النفعية المباشرة، ولو لم يكن فيها ضرر نعلمه، هو سبحانه قد قال: ~~لا تأكلها، فلا تأكلها، لأنه هو الذي رزق، وهو الذي خلقك، وهو الذي يأمرك ~~بألا تأكلها، فليس من حقك بعد ذلك أن تسأل لماذا حرمها علي؟. وهب أننا لم ~~نهتد إلى حكمة التحريم، ولم نعرف الأذى الذي يصيب الإنسان من أكل الميتة؟ ~~هل كان الناس يقفون عند الأمر حتى تبدو علته، أم كانوا ينفذون أوامر الله ~~بلا تفكير؟ لقد استمع المؤمنون لأوامر الحق ونفذوها دون تردد. # إذن، فما دام الله يخاطبنا، فبمقتضى حيثية الإيمان يجب أن نتقبل عنه ~~الحكم، وعلة قبول الحكم هي صدوره من الذي حكم. أما أن نعرف علة الحكم، ~~فهذه عملية إيناس للعقل، وتطمين على أن الله لم يكلفنا بأمر إلا وفيه نفع ~~لنا، والمؤمن لا يصح أن يجعل إيمانه رهنا بمعرفة العلة. إن الحق يقول: { ~~إنما حرم عليكم الميتة } [البقرة: 173] والآية صريحة ~~في أن كل ميتة حرام، وما دامت ميتة فقد كان فيها حياة وروح ثم خرجت، ~~لكننا نأكل السمك وهو ms0484 ميت، وذلك تخصيص من السنة لعموم القرآن، فقد قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " أحل لكم ميتتان: السمك والجراد، ودمان الكبد والطحال ". # لماذا هذا الاستثناء في التحليل؟ لأن للعرف في تحديد ألفاظ الشارع ~~مدخلا، فإذا حلفت ألا تأكل لحما وأكلت سمكا فهل تحنث؟. لا تحنث، ~~ويمينك صادقة رغم أن الله وصف السمك بأنه لحم طري، إلا أن العرف ساعة ~~يطلق اللحم لم يدخل فيه السمك. إذن، فالعرف له اعتبار، لذلك فالزمخشري ~~صاحب الكشاف يقول في هذه المسألة: " لو حلفت ألا تأكل اللحم وأكلت السمك ~~فإجماع العلماء على أنك لم تحنث في يمينك ". وضرب مثلا آخر فقال: لو ~~حلفت بأن تركب دابة، والكافر قد أسماه الله دابة فقال: # إن شر الدواب عند الله الذين كفروا # [الأنفال: 55] فهل يجوز ركوب الكافر؟. لا يجوز فكان مقتضى الآية أنه يصح ~~لك أن تركبه وعلق على ذلك قائلا: صحيح أن الدابة هي كل ما يدب على ~~الأرض، إلا أن العرف خصها بذوات الأربع. لهذا كان للعرف مدخل في مسائل ~~التحليل والتحريم. فإذا قال قائل: إن الله حرم الميتة، والسمك والجراد ~~ميتة فلماذا نأكلها؟. نرد عليه: إن العرف جرى على أن السمك والجراد ليسا ~~لحما، بدليل قولهم: " إذا كثر الجراد أرخص اللحم " ، وذلك يعني أن ~~الجراد ليس من اللحم. أما بالنسبة للسمك، فالسمك لم يكن كالميتة التي ~~حرمها الله لأن الميتة المحرمة هي كل ما يذبح ويسيل دمه، والسمك لا نفس ~~سائلة له أي لا دم له. والجراد أيضا لا دم فيه، إذن، فتحليل أكله وهو ~~ميت إنما جاء بسبب عدم وجود نفس سائلة يترتب عليها انتقال ما يضر من ~~داخله إلى الإنسان، وكذلك الكبد والطحال أيضا ليسا بدم فالدم له سيولة، ~~والكبد والطحال لحم متجمد متماسك، خلاصة دم تكون منه عضو الكبد وعضو ~~الطحال. إذن، السنة لها دور بيان في التحليل والتحريم، وقوله الحق: { ~~إنما حرم عليكم الميتة والدم } [البقرة: 173] يعني ~~أنه سبحانه قد حرمها لأجل بقاء الدم في الميتة وعدم سيلانه، ومن باب أولى ~~كان ms0485 تحريم الدم أمرا واجبا. # وحرم الحق " لحم الخنزير " وقلنا إن علة الإقبال على الحكم هو أمر الله ~~به، فإذا أثبت الزمن صدق القضية الإيمانية في التحليل فذلك موضوع يؤكد ~~عملية الإيمان، لكن لو انتظرنا وأجلنا تنفيذ حكم الله حتى نتأكد من علة ~~التحريم لكنا نؤمن بالعلماء والاكتشافات العلمية قبل أن نؤمن بالله. ~~لأننا إن انتظرنا حتى يقول العلماء كلمتهم فقد اعتبرنا العلماء آمن علينا ~~من الله. وهل يوجد مخلوق آمن على مخلوق من الخالق؟. إن ذلك مستحيل. إذن ~~فالمؤمن من يأخذ كل حكم صادر من الله، وهو متيقن أن الله لا يأمره إلا ~~بشيء نافع له، وفي الحقيقة فالشيء الضار غير ضار في ذاته، فقد ينفع في ~~أشياء أخرى. ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فأنت ساعة تعاقب ابنك ~~بأمر من الأمور، فتحرمه من المصروف أو تحرمه من أكلة شهية، فإن ذلك ~~العقاب ليس ضارا في ذاته، إنما إغراقك إياه بما يحب ويطلب، مع سيره في ~~طريق لا ترتضيه، هو دعوة للابن أن يستمر في فعل ما لا ترتضيه. إن عدم ~~تربية الابن بالثواب والعقاب هو أمر ضار. ولذلك نقول للذين يريدون أن ~~يوجدوا علة لكل محرم: أنتم لم تفطنوا إلى تحريم التأديب، فهناك تحريم ~~الأمر لأنه ضار، وهناك تحريم لأمر آخر لأنك تريد أن تحرمه تأديبا له، ~~وأنت لا يصح منك أن تجعل عملية التأديب في القيم دون عملية الإصلاح في ~~المادة البدنية. والحق سبحانه وتعالى أرحم بخلقه من الأب بابنه، وهو قد ~~حرم بعضا من طيبات الحياة على بني إسرائيل للتأديب، فقال عز وجل: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم.. # [النساء: 160]. فالحق حرم عليهم الطيبات كتأديب لهم على ظلمهم لأنفسهم. ~~إذن، ساعة ترى تحريما فلا تنظر إلى تحريم الشيء الضار، لكن انظر أيضا ~~إلى أن هناك تحريما من أجل التأديب، لأن إباحة بعض من الطيبات لهؤلاء مع ~~كونهم مخالفين للمنهج هو إغراء لهم بأن يكونوا مخالفين دائما، ظالمين ~~لأنفسهم. فالحق قد منع ما يضر الإنسان ms0486 في بدنه، ومنع أيضا بعضا من ~~الطيبات على بعض المخالفين كتأديب لهم. وبالنسبة لتحريم الخنزير، فقد ~~شاءت إرادة الله عز وجل أن يكشف لخلقه سر التحريم، فأثبت العلماء أن هناك ~~أمراضا في الخنزير لم تكن معروفة قبل ذلك، وتبين لهم خطورتها مثل الدودة ~~الشريطية، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد كشف لهم سرا واحدا هو ~~الدودة الشريطية، فربما هنا أسرار أخرى أخطر من الدودة الشريطية. ويحرم ~~الحق أيضا { ومآ أهل به لغير الله } [البقرة: 173] ~~والإهلال هو رفع الصوت، ولذلك يقال: هلل أي رفع صوته بلا إله إلا الله، ~~ويسمى الهلال هلالا لأننا ساعة نراه نهلل ونقول: " الله أكبر، ربي وربك ~~الله " وساعة يولد الولد، ويخرج من بطن أمه يتنبه إلى حياته وإلى ذاتية ~~وجوده بعد أن كان ملتحما بذاتية أمه فهو يصرخ، إنه يبدأ حياته بالصراخ، ~~ولذلك فالذين ينتظرون مولد الطفل عندما يستمعون لصرخته يطمئنون. # ولذلك يقول الشاعر: # لما تؤذن الدنيا به من صروفها # يكون بكاء الطفل ساعة يولد # كأن الوليد يقبل على شيء فيه نكد، ولا يلتفت إلى ما في اتساع الدنيا ~~ورغد العيش فيها. وإلا فما يبكيه وإنها لأوسع ما كان فيه وأرغد؟. فكأن ~~صرخة الوليد هي صرخة الانتقال من رحم الأم إلى مواجهة الحياة. كانت حياة ~~الطفل في بطن أمه رتيبة وغذاؤه من الحبل السري، لكنه ساعة ينفصل عن أمه ~~تنقطع صلته بجهاز تحضير الغذاء في رحم الأم، وفقد المدد الغذائي في لحظة ~~خروجه من بطن أمه ولم يأته مدد الرضاعة بعد فالرضاعة من مدد الدنيا، ولا ~~يأخذها الطفل إلا إذا أخذ أقل نسبة من الهواء ليدير الرئة، ولذلك يحرص ~~الأطباء في أن ينزل الوليد من جهة رأسه دائما، لأنه لو نزل من ناحية ~~رجليه ورأسه ما زال بالداخل، فإن أنفاسه تكون محبوسة في بطن أمه، ويكاد ~~يموت، ولذلك يكشفون الآن على الأم ليعرفوا وضع الجنين، ويقوم الطبيب ~~بإجراء الجراحة القيصرية حرصا على حياة الوليد، وأول شيء يقوم به الطبيب ~~بعد ميلاد الطفل هو أن يسلك منافذ ms0487 الهواء إلى أنفه، وبعد ذلك يعالج بقية ~~الأعضاء. إنها صرخة الغريزة، تماما مثل ما تسهو أمه عنه وجاء موعد ~~رضعته فهو يصرخ وهكذا نعرف أن الإهلال هو رفع الصوت، وقوله الحق: { ومآ ~~أهل به لغير الله } [البقرة: 173] يعني هو رفع الصوت لحظة ~~الذبح، والذبح نوعان: ذبح لنفعك لتأكل ويأكل غيرك، وذبح قربى لله. وما ~~أهل به لله، هو ذبح قربى لله، أما { ومآ أهل به لغير الله ~~} [البقرة: 173] فهو الذبح لمنفعة الإنسان فقط، وتقربا إلى أصنامهم ~~وأوثانهم وما يعبدونه من دون الله. وما دام الله هو الذي أعطى الحيوانات ~~وسخرها لنا من أجل أن نأكلها فعلينا أن نذكر المنعم، وأن تكون القربى لله ~~وحده هي القصد الأول. ولذلك فالمؤمنون يتقربون ويأكلون، أما الكفار ~~فيأكلون ولا يتقربون لله وإنما يذبحون ويتقربون إلى آلهتهم. والحق سبحانه ~~وتعالى حينما شرع، فتشريعه يضع الاحتمالات، وليس كالمشرعين من البشر ~~الذين تضطرهم أحداث الحياة بعد التشريع إلى أن يغيروا ما شرعوا لأنه حدثت ~~أقضية بعد تطبيق التشريع لم تكن في بالهم ساعة شرعوا، وذلك لقصور علمهم ~~عما يحدث في الكون من القضايا التي تضطرهم وتلجئهم إلى أن يعدلوا ~~القانون. # فتعديل أي قانون بشري معناه حدوث أقضية لا يوجد لها تكييف في القانون ~~عند التطبيق فيلجأ المشرعون إلى تعديل القانون، ليضعوا فيه ما يتسع لهذه ~~الأقضية. ولكن الحق سبحانه وتعالى ساعة قنن.. فهو يقنن تقنينا يحمل في ~~طياته كل ما يمكن أن يستجد من أقضية دون حاجة إلى تعديل، ولأن الإسلام ~~جاء منهاجا خاتما ولا منهج للسماء بعده، لذلك كان متضمنا كافة ~~الاحتمالات. لقد كان من المعقول تعديل التقنينات عندما كانت الرسل ~~تتوالى، لكن عندما ختم الله رسالات السماء بمحمد صلى الله عليه وسلم، كان ~~لابد أن تكون التشريعات التي أنزلها الله على رسوله تحمل في ذاتها ضمانات ~~تكفل ذلك. إذن، فالضرورات التي اقتضت المشرع الوضعي أن يعدل قانونا غفل ~~عن جزئياته ساعة وضعه الأول، مثل هذه الأمور لا توجد في تشريعات السماء، ~~لأن الله يعلم الأقضية ms0488 التي تجئ. وهب أن الضرورة التي تستلزم التعديل لم ~~تكن موجودة، وبعد ذلك جدت ضرورات، أكان الحق يميت خلقه لأنه قال: لا ~~تأكلوا الميتة؟ عندئذ كنا سنقول: ما هذه الحكاية؟ صحيح الميتة ستضر، ~~وإنما المخمصة والمجاعة ستميت، فلماذا لا نتحمل أكل ما يضر بدلا من أن ~~نمتنع عن الأكل فنموت من الجوع؟ إذن فهي عدالة الحق التي قالت: { فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } [البقرة: ~~173] فالاضطرار له شرط هو: " غير باغ ولا عاد ". وغير باغ يعني غير ~~متجاوز الحد، فيأخذ على قدر حاجته الضرورية، مثلا، لا يقول: إن الله أحل ~~الميتة لمثل ما أنا عليه من الاضطرار ويملأ بطنه منها، لا، إن عليه أن ~~يأخذ على قدر استبقاء الحياة. ولا يظن أن ذلك يصبح حلالا، بل يقول: إن ~~هذا حرام أبيح للاضطرار. وأيضا لابد أن نلحظ قيمة الحقوق المتعلقة ~~بالآخرين، هب أن إنسانا يملك فنجان ماء لا يكفيه إلا ليروي حلقه، وبعد ~~ذلك جاء شخص آخر مضطر وقوي وضربه ليأخذ منه هذا الفنجان. نقول لهذا ~~المعتدي: لا تعتد لأن للملكية سبقا، فإن اتسعت لكما كمية الماء معا ~~فأهلا وسهلا، وإن لم تتسع، فصاحب الملكية أولى بالماء، ولا يقولن هذا ~~الآخر: " أنا مضطر لأن آخذها منه ". إن اضطراره سيدفع عنه المضرة ويوقعها ~~في غيره. إذن، فالمقاييس عند الضرورة تظل كما هي، فلابد من احترام الحق ~~والسبق، ولا يصح أن نتجاوز بالضرورة قدرها، هذا معنى قوله: { فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } [البقرة: ~~173]، وقوله الحق: { فلا إثم عليه } [البقرة: 173] يدل على أن ~~المسألة فيها إثم أباحها الله عز وجل للضرورة وذلك حتى لا نحلها تحليلا ~~دائما، فإذا ما زالت الضرورة عدنا إلى أصل الحكم. # ويختم الحق الآية بقوله: { إن الله غفور رحيم } [البقرة: ~~173] ونتساءل: ما علاقة " غفور رحيم " بهذه الآية إن المغفرة والرحمة ~~تقتضيان ذنوبا، وما سبق كله هو قول الحق وتشريعه، وتحريم الميتة إلا عند ~~الضرورة هو كلام الحق، والمضطر حين يأخذ منها على قدر ms0489 الضرورة فإنما هو ~~إباحة من الحق، فلا ذنب - إذن - يقتضي تذييل الآية بقوله: { إن ~~الله غفور رحيم } [البقرة: 173]؟. ونقول: إذا كان الله يغفر مع ~~الذنب، أفلا يغفر مع الضرورة التي شرع لها الحكم، إن المنطق يقول: إن ~~الله يغفر الذنب الذي يحدث بلا مناسبة تستدعيه، أفلا يغفر للمضطر الذي ~~أجبرته الظروف على أكل الميتة؟. إن الله غفور في الأصل أفلا يغفر لمن ~~أعطاه رخصة؟ إذن فهو غفور رحيم، ولن يكتب على المضطر ذنبا من جراء ~~اضطراره. إن رحمة الله التي تغفر للعاصي الذي اجترأ على الحق بلا مناسبة، ~~هو سبحانه الذي كتب المغفرة لمن اضطر وكسر قاعدة التحريم عند الاضطرار. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله ~~من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما ~~يأكلون في... }. ### || [2.174] # إن الحق سبحانه وتعالى ينزل بوساطة رسله على خلقه ليحكم المنهج حركة ~~الحياة للناس وعلى الناس، إنه يحكم للناس أي لمصالحهم، ويحكم على الناس ~~إن فوتوا المصالح، لأن الذي يفوت مصلحة لسواه عنده، لابد أن يلحظ أن ~~غيره سيفوت عليه مصلحة عنده. إذن، فمن الإنصاف في التشريع أن تجعل له ~~وعليه، فكل " تكليف عليه " يقابله " تكليف له " ، لأنه إن كان له حق، ~~فحقه واجب على سواه، وما دام حقه واجبا على ما سواه، فلزم أن يكون حق ~~غيره واجبا عليه وإلا فمن أين يأخذ صاحب الحق حقه؟ والحق سبحانه وتعالى ~~حين ينزل المنهج يبلغه الرسل ويحمله أولو العلم ليبلغوه للناس، فالذين ~~يكتمون ما أنزل الله إنما يصادمون منهج السماء. ومصادمة منهج السماء من ~~خلق الله لا تتأتى إلا من إنسان يريد أن ينتفع بباطل الحياة ليأكل حق ~~الناس. فحين يكتمون ما أنزل الله، فقد أصبحوا عوائق لمنهج الله الذي جاء ~~ليسيطر على حركة الحياة. وما نفعهم في ذلك؟. لابد أن يوجد نفع لهم، هذا ~~النفع لهم هو الثمن القليل، مثل " الرشا " ، أو الأشياء التي كانوا ~~يأخذونها من أتباعهم ليجعلوا أحكام الله على مقتضى شهوات الناس. فالله ~~يبين لهم: أن ms0490 الشيء لا يثمن إلا بتثمين من يعلم حقيقته، وأنتم ~~تثمنون منهج الله، ولا يصح أن يثمن منهج الله إلا الله، ولذلك يجب ~~أن يكون الثمن الذي وضعه الله لتطبيق المنهج ثمنا مربحا مقنعا لكم، ~~فإن أخذتم ثمنا على كتمان منهج الله وأرضيتم الناس بتقنين يوافق أهواءهم ~~وشهواتهم، فقد خسرتم في الصفقة لأن ذلك الثمن مهما علا بالتقدير البشري، ~~فهو ثمن قليل وعمره قصير. والأثمان عادة تبدأ من أول شيء يتعلق بحياة ~~الإنسان هو قوام حياته من مأكل ومشرب، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: { ~~أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار } [البقرة: ~~174] وإذا كانوا يأكلون في بطونهم نارا فكيف يكون استيعاب النار لكل تلك ~~البطون؟ لأن المؤمن كما قال الرسول يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في ~~سبعة أمعاء، أي أن الكافر لا يأكل إلا تلذذا بالطعام فهو يريد أن يتلذذ ~~به دائما حتى يضيق بطنه بما يدخل فيه. لكن المؤمن يأخذ من الطعام بقدر ~~قوام الحياة، فسيد الخلق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يقول في ~~الحديث الشريف: # " حسب ابن آدم لقيمات يقمن أوده ". # إذن: فالأكل عند المؤمن هو لمقومات الحياة وكوقود للحركة، ولكن الكافر ~~يأخذ الأكل كأنه متعة ذاتية. والحق يقول: { أولئك ما يأكلون ~~في بطونهم إلا النار } [البقرة: 174] يعني كما أرادوا امتلاء ~~بطونهم شهوة ولذة، فكذلك يجعل الله العذاب لهم من جنس ما فعلوه بالثمن ~~القليل الذي أخذوه، فهم أخذوا ليملأوا بطونهم من خبيث ما أخذوا وسيملأ ~~الله بطونهم نارا، جزاء وفاقا لما فعلوا، وهذا لون من العقاب المادي ~~يتبعه لون آخر من العقاب هو { ولا يكلمهم الله } [البقرة: ~~174] أي أن الحق ينصرف عنهم يوم لا أنس للخلق إلا بوجه الحق. # ونحن حين نقرأ كلمة " لا يكلم فلان فلانا " نستشعر منها الغضب لأن ~~الكلام في البشر هو وسيلة الأنس، فإذا ما امتنع إنسان عن كلام إنسان، ~~فكأنه يبغضه ويكرهه. إذن " لا يكلمهم الله " معناها أنه يبغضهم، وحسبك ~~بصدود الله عن خلقه عقابا وعذابا. لقد والاهم بالنعمة ms0491 وبعد ذلك يصد ~~عنهم. ويقول قائل: كيف نقرأ هنا أن الحق لا يكلمهم، وهو سبحانه القائل: # قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ~~ضآلين * ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ~~ظالمون * قال اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 106-108]. نقول: صحيح أنه سبحانه يقول لهم: " لا تكلمون " ~~ولكن الكلام حين ينفي من الله فالمقصود به هو كلام الحنان وكلام الرحمة ~~وكلام الإيناس واللطف، أما كلام العقوبة فهو اللعنة. إذن " لا يكلمهم ~~الله " أي لا يكلمهم الحق وصلا للأنس. ولذلك حين يؤنس الله بعض خلقه يطيل ~~معهم الكلام. ومثال ذلك عندما جاء موسى لميقات ربه، ماذا قال الله له؟ ~~قال عز وجل: # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 17]. فهل معنى هذا السؤال أن الله يستفهم من موسى عما بيده؟. إنه ~~سؤال الإيناس في الكلام حتى يخلع موسى من دوامة المهابة. وضربنا مثلا ~~لذلك - ولله المثل الأعلى - حينما يذهب شخص إلى بيت صديقه ليزوره، فيأتي ~~ولده الصغير ومعه لعبة، فيقول الضيف للطفل: ما الذي معك؟ إن الضيف يرى ~~اللعبة في يد الطفل، لكن كلامه مع الطفل هو للإيناس. وعندما جاء كلام ~~الله بالإيناس لموسى قال له: # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 17]. كان يكفي موسى أن يقول: عصا، وتنتهي إجابته عن السؤال، ولو ~~قال موسى: عصا، لكان ذلك منه عدم استيعاب لتقدير إيناس الله له بالكلام، ~~لكن سيدنا موسى عليه السلام انتهز سؤال الله له ليطيل الأنس بالله فيقول: # قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على ~~غنمي ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18]. تأمل التطويل في إجابة موسى. إن كلمة " هي " زائدة، و " ~~أتوكأ عليها " زائدة أي غير محتاج إليها في إفادة المعنى، و " أهش بها ~~على غنمي " تطويل أكثر، و " لي فيها مآرب أخرى " رغبة منه في إطالة ~~الحديث أكثر. إذن: فكلام الله والنظر إليه سبحانه أفضل النعم التي ينعم ~~الله بها على المؤمنين يوم القيامة. # فإذا كان الله سيمنع عن الكافرين وسائل التكريم المادي فلا يكلمهم، فهذه ~~مسألة صعبة. { ولا يكلمهم الله يوم ms0492 القيامة ولا ~~يزكيهم ولهم عذاب أليم } [البقرة: 174] وبعد أن يحرمهم ~~من الكلام والاستئناس بحضرته ولا يطهرهم من الخبائث التي ارتكبوها ولا ~~يجعلهم أهلا لقربه، بعد ذلك يعذبهم عذابا شديدا كأن فيه عذابا ~~سابقا ثم يأتي العذاب الأشد، لأنهم لابد أن يلاقوا عذابا مضاعفا، ~~لأنهم كتموا منهج الله عن خلق الله، فتسببوا في إضلال الخلق، فعليهم وزر ~~ضلالهم وأوزار فوق أوزارهم لأنهم أضلوا سواهم. ومسألة كلام الله للناس ~~أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: # " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم ~~عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر ". # ما سر حرمان هؤلاء من كلام الله وتزكيته والنظر إليهم؟ إن الشيخ الزاني ~~يرتكب إثما، لا ضرورة له لأنه لا يعاني من سعار المراهقة. والملك الذي ~~يكذب، إنما يكذب على قوم هم رعيته، والكذب خوف من الحق، فممن يخاف ~~الملك إذا كان الناس تحت حكمه؟. وعائل الأسرة عندما يصيبه الكبر وهو ~~فقير، سيسبب له هذا الكبر الكثير من المتاعب ويضيق عليه سبل الرخاء ~~وسبل العيش ويجعله في شقاء من العيلة، فإن أراد أحد مساعدته فسيكون الكبر ~~والاستعلاء على الناس حائلا بينه وبين مساعدته، وهذا هو معنى " لا ~~يكلمهم ولا يزكيهم " ، فما معنى " لا ينظر إليهم "؟ إن النظر شراك العطف، ~~ولذلك يقطع الحق عنهم باب الرحمة والعطف من الأصل، وهو النظر إليهم، ~~ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: { ولهم عذاب أليم } أي ~~مؤلم، وعندما تسمع صيغة " فعيل " فنحن نأخذها بمعنى فاعل أو مفعول، لذلك ~~نفهم " أليم " على أنه مؤلم. ثم يقول الحق: { أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب... }. ### || [2.175] # يذكر الله لنا حيثية الحكم عليهم ولماذا لا يكلمهم ولماذا لا يزكيهم، ~~ولماذا يكون لهم في الآخرة عذاب أليم؟ إنهم قد بدلوا الضلالة بالهدى ~~والعذاب بالمغفرة. وعندما ترى فظاعة العقاب فلا تستهوله، ولكن انظر إلى ~~فظاعة الجرم. إن الناس حين يفصلون الجريمة عن العقاب فهم يعطفون على ~~المجرم لأنهم لا يرون المجرم إلا حالة عقابه ومحاكمته ms0493 ونسوا جريمته، ~~ولذلك فساعة ترى عقوبة ما وتستفظعها فعليك استحضار الجرم الذي أوجب تلك ~~العقوبة. ولذلك نجد الناس غالبا ما يعطفون على كل المجرمين الذين ~~يحاكمون وتصدر عليهم عقوبات صارمة، لأن الجريمة مر عليها وقت طويل، ولم ~~نرها، وآثارها وتبعاتها انتهت. ولم يبق إلا المجرم فيعطفون عليه، ولذلك ~~فمن الخطأ أن تطول الإجراءات في المحاكمات، بل لابد من محاكمة المجرم من ~~فور وقوع الجريمة وهي ساخنة حتى لا يعطف عليه الجمهور، لأن تعطيف قلب ~~الجمهور عليه يجعل العقوبة قاسية. { أولئك الذين اشتروا ~~الضلالة بالهدى } [البقرة: 175] ونعرف أن " الباء " تدخل على ~~المتروك، فالضلالة هنا أخذت وترك الهدى، واستبدلوا العذاب بالمغفرة، ~~وما داموا قد أخذوا الضلالة بدلا من الهدى، والعذاب بدلا من المغفرة، ~~فالعدالة أن يأخذوا العذاب الأليم. وبعد ذلك يقول الحق: { فمآ ~~أصبرهم على النار } [البقرة: 175] هذا تبشيع للعقاب حتى ~~ينفر منه الناس. ويريد منا الله أن نتعجب، كيف يجوز للضال أن يترك ~~الهدى ويأخذ الضلال، وبعد ذلك تكون النتيجة أن يأخذ العذاب ويترك ~~المغفرة. فما الذي يعطيه الأمل في أن يصبر على النار؟، هل عنده صبر إلى ~~هذا الحد يجعله يقبل على الذنب الذي يدفعه إلى النار؟. وما الذي جعله ~~يصبر على هذا العذاب؟ أعنده قوة تصبره على النار؟ وما هذه القوة؟. ~~وكأن الحق يقول: أنت غير مدرك لما ينتظرك من الجزاء وإلا ما الذي يصبرك ~~على هذه النار؟ إنك تتمادى في طغيانك وضلالك، وتنسى أن النار ستكون من ~~نصيبك فإذا كنت متيقنا أن النار من نصيبك فكيف أخذت أمانا من صبرك على ~~النار. فالنار أمر لا يصبر عليه إنسان أبدا. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق... }. ### || [2.176] # وذلك إشارة إلى ما تقدم، وما تقدم هو الضلالة التي أخذوها وتركوا الهدى، ~~والعذاب الذي أخذوه بدلا من المغفرة، ونار يعذبون فيها، وقد صبروا ~~عليها، إنها ثلاثة أشياء ملتقية العذاب، والضلالة، والنار. فالضلال هو ~~السبب الأصيل في العذاب، فإذا قال الله: عاقبتهم بكذا لأنهم ضلوا، فذلك ~~صحيح، وإذا ms0494 قال: فعلت فيهم ذلك لأنهم استحقوا العذاب، فهو صادق، والعذاب ~~كحكم عام يكون بالنار. إذن: عندما يقول الحق: بالنار أو بالعذاب أو ~~بالضلال فمرجعها جميعا واحد، يقال عنه: " ذلك ". { ذلك بأن ~~الله نزل الكتاب بالحق } [البقرة: 176] والذي يغير ~~الكتاب ويكتمه إنما يكره الحق. { وإن الذين اختلفوا في ~~الكتاب لفي شقاق بعيد } [البقرة: 176]. إنها هوة واسعة ~~يسقطون فيها، فالشقاق في القيم المنهجية السماوية هو هوة كبيرة، فلو كان ~~الخلاف في أمور مادية لأمكن للبشر أن يتحملوها فيما بينهم، ولكانت مسألة ~~سهلة. ولكن الخلاف في أمر قيمي لا يقدر البشر على أن يصلحوه فيما بينهم، ~~من هنا فإن شقة الخلاف واسعة، ولا يقوى على حلها إلا الله، ولذلك قال ~~سبحانه: # إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون.. # [الزمر: 3]. ### || [2.177] # وعندما جاء الأمر من الحق سبحانه وتعالى بتحويل القبلة إلى الكعبة ~~واتجاه المسلمين في صلواتهم إليها بعد أن كانوا يصلون ووجهتهم إلى بيت ~~المقدس، عند ذلك حدثت بلبلة، وصار لكل أتباع ملة قبلة خاصة: فالمسلون ~~يتجهون إلى الكعبة، واليهود يتجهون إلى بيت المقدس، والنصارى يتجهون إلى ~~الشرق. وهذه الآية تؤكد أن الخلاف ليس في مسألة اتجاه الصلاة، وقبل تحويل ~~القبلة كان كل من يصلي يتجه إلى متجه، وتغيير المتجه ليس فيه مشقة. ~~والحق سبحانه وتعالى يقول لهم: لا تجعلوا أمر الاتجاه إلى الكعبة هو كل ~~البر لأن هذا الأمر لا مشقة فيه فلا مشقة في توجه المسلمين إلى الكعبة ~~بعد أن كانوا متوجهين إلى بيت المقدس، إنما المسألة هي امتثال لأمر ~~الآمر، فالبر إذن ليس في الأمور السهلة التي لا مشقة فيها، وإنما في ~~الخير الواسع الكثير، ويشمل الإيمان ويشمل التقوى، ويشمل الصدق، ويشمل ~~الطاعة، ويشمل الإحسان، وكل وجوه الخير تدخل في كلمة " البر ". فالبر ~~معناه كبير واسع، وما دام معناه متسعا هكذا فكل ناحية منه تحتاج إلى ~~مشقة. وانظروا إلى مطلوب البر، ومتعلقات البر التي تتطلب منكم المشقة، ~~ولا تختلفوا في المسألة السهلة اليسيرة التي لا يوجد فيها أدنى تعب ms0495 مثل ~~مسألة تغيير اتجاه القبلة، فإن كنتم تعتقدون أن ذلك هو البر نقول لكم: ~~لا، البر له مسئوليات تختلف، إن متعلق البر هو أن يختبر صدق الإيمان، ~~ويظهر الإيثار لمطلوب الله على الراحة، ويتطلب من المؤمن أن يقبل على ~~الطاعة وإن شقت عليه، ويتطلب أن يمتنع المسلم عن المعاصي وأن يعرف أن ~~للمعاصي لذة عاجلة، لكن عقابها كبير، كل ذلك هو من مطلوبات البر ~~والإيمان، فلا تجعلوا مسألة التوجه إلى الكعبة أو إلى بيت المقدس، أو إلى ~~المشرق هو المشكلة لأن وجوهكم ستتولى إلى جهة ما وإن لم تؤمروا. والبر ~~كما نعلم هو الخير الواسع الذي يشمل كل وجوه الجمال في الكون. يقول الحق: ~~{ ولكن البر من آمن } [البقرة: 177]. ولماذا جعل الله ~~الحديث عن البر حديثا عن ذات مجسدة برغم أن البر معنى؟. إن الحق يجسد ~~المعنى وهو البر في ذات العبد الذي آمن لأنه سبحانه حينما يريد أن يؤكد ~~معنى من المعاني يجعل الذات مجسدة فيه. وعلى سبيل المثال - ولله المثل ~~الأعلى - عندما نقول: " فلان عادل " ، أي نحن نصفه بما يحقق للسامع أنه ~~رجل يعرف العدل، ولكن عندما نقول: " فلان عدل " فكأنه هو العدل ذاته، ~~وكذلك عندما نقول: " فلان صادق " فمعنى ذلك أنه صاحب ذات اتصفت بالصدق، ~~ومن الممكن للذات أن تنفصل عن الصدق يوما، ولكن حين نقول: " فلان صدق " ~~فمعنى ذلك أن الصدق قد امتزج به فلا ينحل عنه أبدا، أو أن الحق يريد أن ~~يقول لنا: لكن صاحب البر هو من آمن بالله، أو يقول: " ولكن البر هو بر من ~~آمن بالله " ، أو أن الإخبار بالذات " من آمن " عن الصفة " البر " دليل ~~على امتزاج الذات في الصفة امتزاجا لا تتخلى عنه أبدا فكأن البر قد ~~تجسد فيهم. # وكل هذه الأقوال يتسع لها النص القرآني الكريم. والحق يقول: { ~~ولكن البر من آمن بالله } [البقرة: 177] هذه بداية ~~الإيمان، ويأتي بعد ذلك بنهاية الإيمان وهو ضرورة الإيمان ب { اليوم ~~الآخر } [البقرة: 177]، إن بداية القوس هي الإيمان بالله وطرفه الأخير ~~الإيمان ms0496 باليوم الآخر. وهنا نتساءل: وكيف يأتي الإيمان باليوم الآخر؟ ~~نقول: يأتي الإيمان باليوم الآخر بأن تؤمن بالله ثم تؤمن بما يخبرك به ~~الله، فلا تقل: أنا جعلتهما في صف واحد، بل الإيمان بالله أولا، وبعد ~~ذلك الإيمان بما أخبرني به الله، وقد أخبر سبحانه: أن هناك يوما آخر، ~~فصدقت ما أخبر به. وتأتي مسألة الإيمان بالملائكة فيقول الحق: " ~~والملائكة " فكيف نؤمن بخلق من خلق الله لا نراه؟. إننا ما دمنا قد آمنا ~~بالقمة، وهي الإيمان بالله، والله أخبرنا بأن هناك ملائكة، وحتى لو كان ~~وجود الملائكة غيبيا فنحن نؤمن بها لأن الذي أخبر بها هو الله، وكذلك ~~نؤمن بالجن برغم أننا لا نراه، وكل ما يتعلق بالغيبيات هو إخبار ممن آمنت ~~به، لذلك تؤمن بها. والمسائل الإيمانية كلها غيبية، ولا تقول في الأمر ~~الحسي: " إنني آمنت به " ، إنما تقول: " آمنت " في الأمر الغيبي لأنه أمر ~~غيبي لا تأنس به الحواس والإدراكات، وتريد أن تجعله عقيدة، والعقيدة هي ~~أمر يعقد فلا ينحل أبدا، ولأنه أمر غيبي فربما ينفلت منا لأنه لو كان ~~أمرا مشهديا لما غفل عنه الإنسان أبدا لأن مشهديته ستجعلك تتذكره، ~~إنما هو أمر غيبي، ويسمى عقيدة، أي أمرا معقودا لا يحل أبدا. والقمة ~~العقدية هي أن تؤمن بالله، ثم تؤمن بما يخبرك به الله من غيبيات لا دليل ~~لك عليها إلا أن الله قال بها، فإن رأيت في متعلقات الإيمان أمورا محسة ~~فاعلم أن الجهة في الإيمان منفكة لأنه سيأتي ذكر الملائكة واليوم الآخر ~~وكلاهما غيب، وبعد ذلك سيذكر الكتاب والنبيين، وهما محسوسان. صحيح أن ~~الكتاب أمر محس والنبيين كذلك، لكننا لم نحس أن الله أنزل الكتاب، وأن ~~الله بعث النبيين. ونحن لم نكن على قيد الحياة وقت نزول الكتاب ولا وقت ~~بعث النبي، وجاء إيماننا لأننا صدقنا أن الله أنزل وحيا على محمد صلى ~~الله عليه وسلم، هذا الوحي نزل بالكتاب، وأن الله اختار محمدا صلى الله ~~عليه وسلم ليكون مبلغا لهذا الوحي، وكل هذه أمور غيبية ms0497 لم نرها. # والغيبيات هي أرضية الحركة الإيمانية أو أساس الإيمان. وبعد ذلك تنتقل ~~الآية من الحديث عن الأمر العقدي، لتبين لنا أن البر مكون من أمور عقدية ~~هي أساس لأمور حركية، والأمور الحركية هي المقصودة من كل تدين. فالحق ~~سبحانه لا يعنيه أن يؤمن به أحد، ولا يعنيه أن تؤمن بملائكته، وكتبه ~~ورسله، لكن الأمر الذي يريده الله هو أن تنتظم حركة الحياة في الأرض ~~بمنهج الله، ولذلك ينتقل الحديث إلى الأمر المادي فيقول: { وآتى ~~المال على حبه } [البقرة: 177] كأن الإنسان قد ملك المال وبعد ~~ذلك " آتاه ". وعندما تقول: " آتيت " فهي تعني أعطيت، وهي تختلف عن " ~~أتيت " التي تعني " جئت ". وما هو المال؟ إن المال هو كل ما يتمول إلا ~~أننا نصرفه إلى شيء يمكن أن يأتي بكل متمول وأسميناه بالنقد. وأصبحت له ~~الغلبة لأننا نشتري بالنقد كل شيء، لكن المعنى الأصلي للمال هو كل ما ~~يتمول، وكيف يجيء المال لك أو لي أو لأي إنسان؟. أخرج أحد منا من بطن ~~أمه وهو يملك شيئا؟. لا. إن ما يملكه الإنسان يأتي إما من متحرك في ~~الحياة قبلك إن كان والدك أو جدك وإما من حركتك أنت. إذن لا يقال: " آتى ~~المال " إلا إذا ثبتت له حركة ذاتية يصير بها متمولا، أو ورث عن متمول، ~~والمتمول هو الذي يتحرك في الحياة حركة قد تكون لنفسه، وإن اتسعت حركته ~~فستكون لأبنائه، وإن اتسعت أكثر فستكون لأحفاده. والحق يقول: { وآتى ~~المال على حبه } [البقرة: 177] وكلمة الحب مصدر، والمصدر ~~أحيانا يضاف إلى فاعله، وأحيانا يضاف إلى المفعول الواقع عليه، مثلا ~~كلمة " ضرب " نحن نقول: ضرب زيد عمر، وهكذا نجد ضاربا هو " زيد " ~~ومضروبا هو " عمر ". وإذا قيل: " أعجبني ضرب زيد ". إن قلت: " لعمر ~~" عرفنا الضارب والمضروب، وإن سكت عند قولك: " أعجبني ضرب زيد " فهي ~~تحتمل معنيين، الضرب الصادر من زيد، أو الضرب الواقع على زيد. فساعة تأتي ~~بالمصدر ويضاف إلى شيء فيصح أن يضاف إلى فاعله وأن يضاف إلى مفعوله. { ~~وآتى المال على حبه ms0498 } [البقرة: 177] يمكن أن نفهمها على أكثر ~~من معنى: يمكننا أن نفهمها على أنه يعطي المال وهو يحب المال، ويحتمل أن ~~نفهمها على أنه يؤتي المال لأنه يحب أن يعطي مما يحبه من المال عملا ~~بقول الله تعالى { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون }. # . وهي تحتمل المعنيين. ويمكن أن تصعد المعنى فيصير " وآتى المال على ~~حب الإيتاء أي الإعطاء " أي يحب الإعطاء وترتاح نفسه للإعطاء، ومن ~~الممكن تصعيدها تصعيدا آخر يشمل كل ما سبق فيصبح المعنى: وآتى المال على ~~حب الله الذي شرع له ذلك، وكل هذه المعاني محتملة. والحق يقول: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا # [الإنسان: 8]. ويقول سبحانه أيضا: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون.. # [آل عمران: 92]. وتعطينا كل هذه الآيات وضوح الفرق بين الملكية، وبين حب ~~المملوك، فمن الممكن أن تكون لديك أشياء كثيرة أنت مالكها، ولكن ليس كل ~~ما تملكه تحبه، فعندما تؤتي المال فمن المحتمل أن تكون قد نزعته من ~~ملكيتك وأنت لا تحبه. وبذلك أخرجته من ملكيتك فقط، وإما أن تكون محبا ~~للشيء الذي تعطيه لغيرك، وبذلك تكون قد أخرجته من ملكيتك، ومن حبك له. ~~وإما أن يكون المال الذي في يدك مجرد أداة لك ولغيرك وليس له مكانة في ~~قلبك، ولذلك يقول الشاعر: # لا أبالي توفير مالي لدهري # منفقا فيه في رخاء وبأس # إن يكن في يدي وليس بقلبي # فهو ملكي وليس يملك نفسي # إن قوله الحق: { وآتى المال على حبه } [البقرة: 177] تعطينا ~~إما منزلة إخراجه من الملك وإما منزلة إخراجه من القلب الذي يحبه. ولذلك ~~يعيب الحق على جماعة من الناس يريدون العمل على طاعة الله، لكنهم لا ~~ينفقون لله إلا مما يكرهون. ويقول الله في حقهم # ويجعلون لله ما يكرهون # [النحل: 62]. ولكن لمن يكون ذلك المال الذي ينطبق عليه القول: { وآتى ~~المال على حبه } [البقرة: 177]؟. إنه، ل { ذوي القربى ~~} [البقرة: 177] ألا ترون إنسانا له حركة في الحياة قد اتسعت لنفسه، ثم، ~~نرى قرباه الذين لا يقدرون على الحركة محتاجين، ms0499 كيف تكون حالة نفسيته ~~إذن؟. لابد أن تكون نفسية متعبة لأن المفروض في الإنسان المؤمن أن يجعل ~~كل الناس قرباه، ونذكر في هذا المقام قصة معاوية عندما كان أميرا ~~للمسلمين، ودخل عليه الحاجب وهو يقول: يا أمير المؤمنين رجل بالباب يدعي ~~أنه " أخوك " ، فقال معاوية: أبلغ بك الأمر ألا تعرف إخوتي؟ أدخله. فلما ~~دخل الرجل قال له معاوية: أي إخوتي أنت؟ قال: أخوك من آدم. فماذا قال ~~معاوية؟ قال: رحم مقطوعة، والله لأكونن أول من وصلها. وأكرمه. فإذا ~~كان الإنسان لا يستطيع أن يصل قرباه من الناس كافة، ألا يستطيع أن يصل ~~خاصة أقاربه؟. كيف يستطيب المؤمن - إذن - نعيم الحياة وهو يجد أقاربه ~~محتاجين، حتى لو نظرنا بعيدا عن الدين والإنسانية، ألا تستحق المسألة أن ~~يجود الإنسان بما عنده على أهله؟. وفي دائرة الإيمان حين يجعل الله حركة ~~الحياة في التكافل دوائر، فهو سبحانه يريد أن يوزع خير المجتمع على ~~المجتمع لأنه سبحانه حينما أراد استبقاء النوع شرع لنا طهر الالتقاء بين ~~الرجل والمرأة بعقد علني وشهود، لماذا؟. # لأن الثمرة من الزواج هي الأبناء التي ستأتي بقطاع جديد من البشر في ~~الكون، وهذا القطاع لابد أن يكون محسوبا على الرجل أمام الناس، وإن لم ~~يرع الرجل في أبنائه حق الله يلمه الناس على ذلك لأنهم أبناؤه. ولذلك ~~عندما نرى شخصا يخفي زواجه، كأن يتزوج زواجا عرفيا مثلا نقول له: أنت ~~تريد أن تأتي بثمرة منك ثم تنكرها، فيأتي أبناء غير محسوبين عليك. ولذلك ~~فلنكن على ثقة من أن كل مشرد في الأرض نراه هو نتيجة لخطيئة إما معلنة، ~~وإما لا يقدر على إعلانها رجل لم يتحمل مسئولية علاقته بالمرأة، ولا يهمل ~~رجل ولدا منسوبا له إلا إذا تشكك في نسبه إليه، وهذا ما يجعله ينكر ~~نسبه. إذن فعملية الطهر التي أرادها الله سبحانه وتعالى في الالتقاءات ~~بين الرجل والمرأة، إنما أرادها سبحانه لأنه يشرع لبناء أجيال جديدة، ~~ينشأ منها مجتمع المستقبل، وقبل أن يوجد هؤلاء الأبناء لابد أن يكون لهم ms0500 ~~رصيد وأساس يتحملهم، فجعل الله لنا الأولاد والأحفاد، ويوصي الله الأبناء ~~على الوالدين قبل ذلك، ثم تتسع الدائرة للقرابة القريبة. وهات واحدا ~~واصنع له هذه الدائرة، وهات آخر واصنع له الدائرة نفسها، وثالثا واصنع ~~له دائرته، واصنع إحصاء للقادرين وحدد دوائرهم العائلية، ستجد كل إنسان ~~في الكون يدخل في دائرة من هذه الدوائر، فإن رأيت عوجا فاعلم أن مركز ~~الدائرة قد تخلى عن محيط الدائرة. والله سبحانه وتعالى يقول: { وآتى ~~المال على حبه ذوي القربى } [البقرة: 177]، تأمل - إذن ~~- الحث على البر تجد أن أول ما جاء فيه هو إيتاء ذوي القربى لأن لهم ~~مكانة خاصة وعندما يؤتي كل منا قرباه ويحملهم على فائض ماله وفائض حركته ~~فلن يوجد محتاج، وإذا وجد المحتاج فسيكون نزرا يسيرا، وتتسع له ~~الزكاة الواجبة. أو كما قال بعض العلماء: المقصود بذوي القربى هم قربى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون ذلك لأن في القرآن آية تقول: # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى # [الشورى: 23]. ولماذا قربى رسول الله؟ لأنهم ليس لهم حق في الزكاة حتى ~~يبرأ المبلغ عن الله من أي نفع يعود عليه، أو يعود على آله، لذلك منع ~~الله عنهم أي حق في الزكاة. وكأن الله يريد أن يقول لنا: لا يصح أن ~~تجعلوا الناس الذين رفعهم الله وكرمهم عن أخذ الزكاة التي يأخذها أي فقير ~~منكم ممنوعين من أخذ كل شيء، فلابد أن تتخذوهم أقارب لكم بحيث لا ~~تجعلونهم محتاجين. وعلى فرض أن الآية تريد قربانا نقول: # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم # [الأحزاب: 6]، فقرباه وآله أولى من قربانا وأهلنا. وبعد ذلك جاء الله ~~بقوله: { واليتامى } ، ونعرف أن اليتيم هو من فقد أباه ولم يبلغ ~~مبلغ الرجال. واليتيم في الإنسان غير اليتيم في الحيوان فاليتيم في ~~الحيوان هو من فقد أمه، ولكن اليتيم في الإنسان هو من فقد أباه. ~~واليتيم لا يكون له وصي إلا إذا كان عنده شيء من مال، عندئذ يكون هناك ~~وصي لإدارة أمور اليتيم. ولذلك جاء ms0501 الحق بالأمر بإعطاء المال على حبه ~~لليتامى، ولم يقل: " لذوي اليتامى ". فربما كان هناك يتيم ضاع لا يتقدم ~~أحد للوصاية عليه، وليس عنده ما يستحق الوصاية لذلك فعلينا أن نؤتي ~~اليتيم من مال الله حتى ندخل في صفات البر، أو نعطي للوصي على اليتيم ~~لينفق عليه إن كان له وصي. وكذلك نؤتي المال للمساكين، والمسكين مأخوذة ~~من السكون، وهو الإنسان الذي لا قدرة له على الحركة، كأن استخذاءه وذله ~~في الحياة منعاه من الحركة. واختلف الفقهاء حول من هو الفقير، ومن هو ~~المسكين، قال بعضهم: إن الفقير هو من لا يملك شيئا، والمسكين يملك ما ~~لا يكفيه، أي يملك شيئا دون ما يحتاجه، وقال البعض الآخر: إن الفقير هو ~~الذي يملك ما هو دون حاجته، والمسكين من لا يملك. وعلى كل حال فقد شاءت ~~حكمة الله عز وجل أن يجعل للفقير نصيبا من البر. وللمسكين أيضا نصيبا ~~كالآخر، والخلاف بين العلماء لا يؤدي إلى منع أحدهما من المال، لأن كلا ~~منهما - المسكين والفقير - يستحق من مال الله. وعلى ذلك فالخلاف لا طائل ~~من ورائه. وكذلك نؤتي المال لابن السبيل، والسبيل هو الطريق، وابن السبيل ~~هو ابن الطريق، وعادة ما ينسب الإنسان إلى مكانه أو إلى بلده، فإذا قيل ~~ابن السبيل، فذلك يعني أنه ليس له مكان يأوي إليه إلا الطريق، فهو رجل ~~منقطع، وقد يكون ابن سبيل ذا مال في مكانه، إلا أن الطريق قطعه عن ماله ~~وباعد بينه وبين ما يملك أو يكون ذا مال وسرق منه ماله، فهو منقطع. ~~ولماذا جعل الله نصيبا من البر لابن السبيل؟. لقد جعل الله نصيبا من ~~المال لابن السبيل حتى يفهم المؤمن أن تكافله الإيماني متعد إلى بيئة ~~وجوده، فحين يوجد في مكان وينتقل إلى مكان آخر يكون في بيئة إيمانية ~~متكافلة. ونؤتي المال أيضا للسائلين أي الذين يضعون أنفسهم موضع السؤال، ~~أعط من يسألك ولو كان على فرس لأنك لا تعرف لماذا يسأل، إن بعضا من ~~الناس يبررون الشح فيقولون: إن ms0502 كثيرا من السائلين هم قوم محترفون ~~للسؤال، ونقول لهم: ما دام قد سأل انتهت المسألة، وعمدتنا في ذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أعطوا السائل وإن جاء على ظهر فرس ". # وما دام قد عرض نفسه للسؤال فأعطه ولا تتردد. قد تظن أنه يحمل حقيبة ~~ممتلئة بالخبز، أو يخفي المال بعيدا. وأقول: قد يكون عنده خبز لكنه لا ~~يكفي أولاده، وقد يخفي المال الذي لا يكفيه، ولن تخسر شيئا من إعطائه، ~~فلأن تخطئ في العطاء، خير من أن تصيب في المنع. ونؤتي المال أيضا لمن هم ~~" في الرقاب " وكلمة " رقبة " تطلق في الأصل اللغوي على أصل العنق، وليس ~~على العنق نفسه. وتطلق كلمة الرقبة على الذات كلها، أي الإنسان في حد ~~ذاته، لماذا؟ لأن حياة الإنسان يمكن أن تملكها من الرقبة، فتستطيع أن ~~تمسك إنسانا من رقبته وتتحكم فيه وتضغط عليه ضغطا تمنع تنفسه إلى أن ~~يموت، لذلك تطلق الرقبة ويراد بها الشخص ذاته، وفي ذلك يقول القرآن: # ومآ أدراك ما العقبة * فك رقبة # [البلد: 12-13]. أي فك الأسير، إذن " في الرقاب " تعني فك أسر العبد، ~~ويمكن لصاحب البر أن يشتري العبيد ويعتقهم، أو يسهم في فك رقابهم فذلك ~~لون من ألوان تصفية الرق، وفي تصفية الرق هناك شيء اسمه التدبير، وشيء ~~اسمه المكاتبة. هب أن عبدا يخدمك وبعد ذلك ترى أنه أخلص في خدمتك، ~~فثمنا لإخلاصه في خدمتك مدة طويلة قررت أن تدبره بعد موتك، أي تعطيه ~~حريته فيصبح حرا بعد موتك، فكأنك علقت عبوديته على مدى حياتك، وبعد ~~انتهاء حياتك يصبح مدبرا أي حرا، ولا يدخل في تركتك، ولا يورث. وقد ~~تكاتبه على مال فتقول له: يا عبد أنا أكاتبك على مائة جنيه، وأطلق حركتك ~~لتتصرف أنت وتضرب في الحياة وتكسب وتأتي لي بالمائة جنيه، ثم أطلق سراحك، ~~وفي هذه الحالة فإن على أهل البر أن يعاونوا هذا المكاتب ليؤدي مال ~~الكتابة حتى يفك رقبته من الأسر. ومن البر أيضا إقامة الصلاة، كأن ~~المعنى: " ولكن البر من آمن بالله ms0503 واليوم الآخر وأقام الصلاة " ، ونعرف ~~أن معنى إقامة الصلاة هي أداء الصلاة في أوقاتها على الوجه المطلوب ~~شرعا. ومن البر أن نؤتي الزكاة، فكأن كل ما سبق { وآتى المال ~~على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب } [البقرة: 177] لا ~~علاقة لها بالزكاة، إن كل ذلك هو بر آخر غير المطلوب للزكاة، لأن الزكاة ~~لو كانت تدخل فيما سبق لما كان الله كررها في الآية. هذه أوجه البر ~~التي ذكرتها الآية من إيتاء ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~والسائلين وفي الرقاب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكل ذلك لمن أراد أن ~~يدخل في مقام الإحسان، فمقام الإحسان كما نعرف هو أن تلزم نفسك بشيء لم ~~يفرضه الله عليك، إنما تحس أنت بفرح الله بك ورضاه عنك فيقبله الله منك. # ولذلك عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل في المال حق غير ~~الزكاة؟ ذكر هذه الآية: { ليس البر أن تولوا وجوهكم ~~قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب ~~والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين ~~وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون ~~بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأسآء ~~والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا ~~وأولئك هم المتقون } [البقرة: 177]. إذن، فتلك أوجه البر ~~المطلوبة، والزكاة أيضا مطلوبة. ففي مصرف الزكاة لا يوجد ذوو القربى ولا ~~اليتامى. صحيح أن في مصارف الزكاة إعطاء المسكين وابن السبيل، لكن في ~~البر هناك أشياء غير موجودة في الزكاة، فكأنك إن أردت أن تفتح لنفسك باب ~~البر مع الله، فوسع دائرة الإنفاق، وستجد أن البر قد أخذ حيزا كبيرا من ~~الإنفاق لأن المنفق مستخلف عن الله. فالله هو الذي استدعى الإنسان ~~إلى الوجود، وما دام هو المستدعي إلى الوجود فهو سبحانه مكلف بإطعامه، ~~وأنت إذا أنفقت على المحتاج الذي استدعاه الله للوجود، فإنك تتودد إلى ~~الله بمساعدة المحتاجين من خلقه دون أن يلزمك به الله، ولذلك يقول الله ~~عز وجل: # من ذا الذي ms0504 يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة.. # [البقرة: 245]. إذا كان هو سبحانه الذي أعطى المال، فكيف يقول: أقرضني؟. ~~نعم، لأنه سبحانه لا يرجع فيما وهبه لك من نعمة المال، إن المال الذي لك ~~هو هبة من الله، ولكن إن احتاجه أخ مسلم، فهو لا يقول لك " أعطه من عندك ~~أو أقرضه من عندك " ، إنما يقول لك: " أقرضني أنا، لأني أنا الذي أوجدته ~~في الكون ورزقه مطلوب مني " ، فكأنك حين تعطيه تقرض الله، وهذا معنى ~~قوله: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245]. إنه سبحانه وتعالى متفضل بالنعمة ثم يسألك أن تقرضه هو. ~~ولنضرب على ذلك مثلا من أمر الدنيا - وسبحانه وتعالى منزه عن كل مثل وله ~~المثل الأعلى - هب أنك محتاج وفي ضائقة مالية، وعندك أولاد ولهم مبالغ ~~مدخرة مما كنت تعطيهم من مال فتقول لهم أقرضوني ما معكم من مال وسأرده ~~لكم عندما تمر الضائقة. كأنك لم ترجع في هبتك وما أعطيته لهم من مال، ~~إنما اقترضته منهم، كذلك يفعل الله سبحانه وتعالى. وكذلك لنا عبرة وعظة ~~من السيدة فاطمة رضي الله عنها عندما دخل عليها سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فرآها ممسكة بدرهم، والدرهم يعلوه الصدأ وأخذت تجلوه، فسألها ~~أبوها: ما تصنعين يا فاطمة؟ قالت: أجلو درهما. قال: لماذا؟ قالت: لأني ~~نويت أن أتصدق به، قال: وما دمت تتصدقين به فلماذا تجلينه؟ قالت: لأني ~~أعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد المحتاج. # ومن البر أيضا أن يفي الإنسان بالعهد، فالحق يقول: { والموفون ~~بعهدهم إذا عاهدوا } [البقرة: 177]. وما معنى العهد؟. إن ~~هناك عهدا، وهناك عقد. والعهد يوجد من طرفين تعاهدا على كذا، لكن قد ~~يستطيع أحدهما العطاء ولا يستطيع الآخر الرد. والعقد يوجد بين طرفين ~~أيضا، أحدهما يعطي ويأخذ، والآخر يعطي ويأخذ. ومن البر أن تكون من { ~~والصابرين في البأسآء والضراء } [البقرة: 177]. ولنا أن ~~نلحظ أن الحق جاء ب { والموفون بعهدهم } [البقرة: 177] ~~مرفوعة لأنها معطوفة على خبر لكن البر، فلماذا جاء ms0505 " بالصابرين " ~~منصوبة؟ فماذا يعني كسر الإعراب؟ إن الأذن العربية اعتادت على النطق ~~السليم الفصيح فإذا كان الكلام من بليغ نقول: لم يكسر الإعراب هنا إلا ~~لينبهني إلى أن شيئا يجب أن يفهم، لأن الذي يتكلم بليغ وما دام بليغا ~~وقال قبلها: " والموفون " ثم قال: " والصابرين " فلابد أن يكون هناك سبب، ~~ما هو السبب؟. إن كل ما سبق مطية الوصول إليه هو الصبر، إيتاء المال على ~~حبه ذوي القربى و.. و.... لذلك أراد الله أن ينبه إلى مزية الصبر فكسر ~~عنده الإعراب، وكسر الإعراب يقتضي أن نأتي له بفعل يناسبه فجاء قوله ~~تعالى: " والصابرين " وكأن معناها: وأخص الصابرين، وأمدح الصابرين. إذن ~~كسر الإعراب هنا غرضه تنبيه الآذان إلى أن شيئا جديدا استحق أن يخالف ~~عنده الإعراب. لأن الصبر هو مطية كل هذه الأفعال، فالذي يقدر في الصبر ~~على نفسه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. وإيتاء المال على حبه هو الذي ~~فاز وظفر، إذن كل ذلك امتحان للصبر. ومن هنا خص الله " الصابرين " بإعراب ~~مخالف حتى نفهم أنه منصوب على المدح، أو على الاختصاص. ولماذا خص الله ~~الصابرين بالمدح؟. لأن التكليفات كلها تعطي مشقات على النفس، ولا يستطيع ~~تحمل هذه المشقات إلا من يقدر على الصبر. وما دام قد قدر على الصبر فكل ~~ذلك يهون. ومن هنا خص الله الصبر بهذه الميزة. والمهم أن الآية جاءت ~~بالصابرين بعد " والموفون " حتى تكون النقلة ملحوظة ومتيقنة، بأن الإعراب ~~فيما سبق " والصابرين " تقديري معطوف أي هو معطوف على خبر " ولكن البر من ~~آمن بالله ".. فجاءت " والموفون " مرفوعة لنفهم أنها معطوفة على خبر " ~~ولكن " ، ثم جاء ما بعدها " والصابرين " منصوبة، حتى نلحظ الفرق بين ~~المعنيين، ولو جاءت مرفوعة مثل ما قبلها فربما مرت علينا ولم نلحظها. " ~~والصابرين في البأسآء والضراء " البأساء هو البؤس والفقر، وهذا في ~~الأحوال، نقول: فلان حاله بائس. " والضراء " هي الألم والوجع والمرض، وهي ~~تصيب البدن والجسد. # " وحين البأس " أي حين الحرب عندما يلتقي المقاتل بالعدو ويصبر ويصمد ~~ليقاتل. إذن صفة الصبر تناولت ثلاثة ms0506 أمور: في البأساء، أي في الفقر، وفي ~~المرض، وفي الحرب مع العدو، صابر في كل هذه الأمور. ولذلك جاء في الحديث ~~الشريف: # " ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة ~~يشاكها ". # ويقول الحق عن الذين دخلوا إلى رحاب البر: { أولئك الذين ~~صدقوا } [البقرة: 177] ف { من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال ~~على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا ~~عاهدوا والصابرين في البأسآء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوا } [البقرة: 177]. ماذا تعني ~~صدقوا؟ الصدق هو مطابقة النسبة الكلامية للواقع الفعلي. وأولئك صدقوا في ~~إعلان إيمانهم، وواقع حركتهم في الحياة، وصدق قولهم: " لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله ". إذن فصدق إيمانك متوقف على أن تكون حركة حياتك مناسبة ~~لمقتضيات إيمانك. فإن آمنت وأسلمت وجاءت حركة حياتك مناقضة لإعلان ~~إسلامك، نقول: أنت غير صادق، ولكن إذا وجدت صفات الإيمان في إنسان نقول ~~له: لقد صدقت في إيمانك، لأن حركة حياتك انسجمت مع واقعك الإيماني. وما ~~أكثر الناس الذين يقولون ولا يفعلون، وهم منسوبون إلى الإسلام بالكلام. ~~وما نتيجة صدق المؤمنين؟ يجيبنا الحق بوصفهم: { وأولئك هم ~~المتقون } [البقرة: 177]. وساعة تسمع كلمة " متقون " أو " اتقوا ". ~~فذلك يعني أنهم جعلوا وقاية بينهم وبين شيء، ولا يطلب منك أن تجعل وقاية ~~بينك وبين شيء إلا إن كنت لا تتحمل هذا الشيء. ومثل ذلك قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ~~نارا.. # [التحريم: 6]. أي اجعلوا بينكم وبين النار حاجزا. وقلنا: إن من العجب ~~أن كلمة " اتقوا " تأتي إلى الشيء الذي هو " اتقوا النار " وتأتي إلى " ~~اتقوا الله " ، كيف يكون التقوى في متناقضين؟ نعم: لأن معنى اتقوا النار، ~~أي اجعلوا بينكم وبينها وقاية، وهل النار فاعلة بذاتها أم بتسليط الله ~~لها على العاصي؟ إنها فاعلة بتسليط الله لها على العاصي. إذن اتقوا الله ~~معناها اتقوا متعلق صفات الجلال من الله، لأن لله صفات جمال وصفات جلال، ~~فاجعلوا بينكم وبين ms0507 صفات الجلال من الله وقاية، لأنكم لا تتحملون غضب ~~الله، ولا قهر الله، ولا بطش الله، فاجعلوا بينكم وبين صفات جلاله وقاية، ~~ومن آثار صفات جلاله النار. فالمسألة متساوية ولا تناقض فيها. وبعد ذلك ~~يقول الحق: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~القصاص في القتلى... }. ### || [2.178] # وساعة ينادي الله { يأيها الذين آمنوا } [البقرة: 178] فهذا ~~النداء هو حيثية الحكم الذي سيأتي، ومعنى هذا القول: أنا لم أكلفكم ~~اقتحاما على إرادتكم أو على اختياركم، وإنما كلفتكم لأنكم دخلتم إلي من ~~باب الإيمان بي، وما دمتم قد آمنتم بي فاسمعوا مني التكليف. فالله لم ~~يكلف من لم يؤمن به، وما دام الله لا يكلف إلا من آمن به فإيمانك به ~~جعلك شريكا في العقد، فإن كتب عليك شيئا فأنت شريك في الكتابة، لأنك لو ~~لم تؤمن لما كتب، فكأن الصفقة انعقدت، وما دامت الصفقة قد انعقدت فأنت ~~شريك في التكليف، ولذلك يقول الله: " كتب " بضم الكاف. ولم يقل " كتب " ~~بفتح الكاف. وتلحظ الفرق جليا في الأشياء التي للإنسان دخل فيها، فهو ~~سبحانه يقول: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي.. # [المجادلة: 21]. إنه سبحانه هنا الذي كتب، لأنه لا شريك له. عندما تقرأ ~~{ كتب عليكم } فافهم أن فيها إلزاما ومشقة، وهي على عكس " كتب ~~لكم " مثل قوله تعالى: # قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا.. # [التوبة: 51]. إن " كتب لنا " تشعرنا أن الشيء لمصلحتنا. وفي ظاهر ~~الأمر يبدو أن القصاص مكتوب عليك، وساعة يكتب عليك القصاص وأنت قاتل ~~فيكون ولي المقتول مكتوبا له القصاص، إذن كل " عليك " مقابلها " لك " ، ~~وأنت عرضة أن تكون قاتلا أو مقتولا. فإن كنت مقتولا فالله كتب لك. وإن ~~كنت قاتلا فقد كتب الله عليك. لأن الذي " لي " لابد أن يكون " على " ~~غيري، والذي " علي " لابد أن يكون " لغيري ". فالتشريع لا يشرع لفرد ~~واحد وإنما يشرع للناس أجمعين. عندما يقول: { كتب عليكم ~~القصاص } [البقرة: 178]، ثم يقول في الآية التي بعدها: # ولكم في القصاص حياة # [البقرة: 179]، فهو سبحانه قد جاء ب " لكم " ، و " عليكم ms0508 ". " عليكم " ~~للقاتل، و " لكم " لولي المقتول. فالتشريع عادل لأنه لم يأت لأحد على ~~حساب أحد، والعقود دائما تراعي مصلحة الطرفين. { يأيها الذين ~~آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر ~~بالحر } [البقرة: 178]. من هو الحر؟ الحر ضد العبد وهو غير مملوك ~~الرقبة، والحر من كل شيء هو أكرم ما فيه، ويقال: حر المال يعني أكرم ما ~~في المال. و " الحر " في الإنسان هو من لا يحكم رقبته أحد. و " الحر " من ~~البقول هو ما يؤكل غير ناضج، أي غير مطبوخ على النار، كالفستق واللوز. ~~والحق سبحانه يقول: { الحر بالحر } [البقرة: 178]، وظاهر النص ~~أن الحر لا يقتل بالعبد، لأنه سبحانه يقول: { الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } [البقرة: 178]، لكن ~~ماذا يحدث لو أن عبدا قتل حرا، أو قتلت امرأة رجلا هل نقتلهما أم لا؟ ~~إن الحق يضع لمسألة الثأر الضوابط، وهو سبحانه لم يشرع أن الحر لا ~~يقتل إلا بالحر، وإنما مقصد الآية أن الحر يقتل إن قتل حرا، والعبد ~~يقتل إن قتل عبدا، والأنثى مقابل الأنثى، هذا هو إتمام المعادلة، فجزاء ~~القاتل من جنس ما قتل، لا أن يتعداه القتل إلى من هو أفضل منه. # إن الحق سبحانه وتعالى يواجه بذلك التشريع في القصاص قضية كانت قائمة ~~بين القبائل، حيث كان هناك قتل للانتقام والثأر. ففي الزمن الجاهلي كانت ~~إذا نشأت معركة بين قبيلتين، فمن الطبيعي أن يوجد قتلى وضحايا لهذا ~~الاقتتال، فإذا قتل عبد من قبيلة أصرت القبيلة التي تملك هذا العبد أن ~~تصعد الثأر فتأخذ به حرا، وكذلك إذا قتلت في تلك الحرب أنثى، فإن ~~قبيلتها تصعد الثأر فتأخذ بها ذكرا. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يحسم ~~قضية الثأر حسما تدريجيا، لذلك جاء بهذا الأمر { الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } [البقرة: 178]. إذن، ~~فالحق هنا يواجه قضية تصعيدية في الأخذ بالثأر، ويضع منهجا يحسم هذه ~~المغالاة في الثأر. وفي صعيد مصر، مازلنا نعاني من الغفلة في تطبيق شريعة ~~الله، فحين يقتل رجل من قوم فهم لا يثأرون من القاتل، ms0509 وإنما يذهبون إلى ~~أكبر رأس في عائلة القاتل ليقتلوه. فالذين يأخذون الثأر يريدون النكاية ~~الأشد، وقد يجعلون فداء المقتول عشرة من العائلة الأخرى، وقد يمثلون ~~بجثثهم ليتشفوا، وكل ذلك غير ملائم للقصاص. وفي أيام الجاهلية كانوا ~~يغالون في الثأر، والحق سبحانه وتعالى يبلغ البشرية جمعاء بأن هذه ~~المغالاة في الثأر تجعل نيران العداوة لا تخمد أبدا. لذلك، فالحق يرد ~~أمر الثأر إلى حده الأدنى، فإذا قتلت قبيلة عبدا فلا يصح أن تصعد ~~القبيلة الأخرى الأمر فتأخذ بالعبد حرا. إذن، فالحق يشرع أمرا يخص تلك ~~الحروب الجماعية القديمة، وما كان يحدث فيها من قتل جماعي، وما ينتج عنها ~~بعد ذلك من مغالاة في الثأر، وهذا هو التشريع التدريجي، وقضى سبحانه أن ~~يرد أمر الثأر إلى الحد الأدنى منه، فإذا قتلت قبيلة عبدا فلا يصح أن ~~تصعد القبيلة الأخرى الثأر بأن تقتل حرا. والحق يشرع بعد ذلك أن ~~القاتل في الأحوال العادية يتم القصاص منه بالقتل له أو بالدية. فقد جاءت ~~آية أخرى يقول فيها الحق: # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين ~~بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن ~~بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة ~~له ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون # [المائدة: 45]. # وهكذا يصبح القصاص في قتل النفس يتم بنفس أخرى، فلا تفرقة بين العبد أو ~~الحر أو الأنثى، بل مطلق نفس بمطلق نفس. وهاهو ذا الحق سبحانه وتعالى ~~يواجه بتقنين تشريع القصاص قضية يريد أن يميت فيها لدد الثأر وحنق الحقد. ~~فساعة تسمع كلمة قصاص وقتل، فمعنى ذلك أن النفس مشحونة بالبغضاء ~~والكراهية، ويريد أن يصفي الضغن والحقد الثأري من نفوس المؤمنين. إن الحق ~~جل وعلا يعطي لولي الدم الحق في أن يقتل أو أن يعفو، وحين يعطي الله لولي ~~الدم الحق في أن يقتل، فإن أمر حياة القاتل يصبح بيد ولي الدم، فإن عفا ~~ولي الدم لا يكون العفو بتقنين، وإنما بسماحة نفس، وهكذا يمتص الحق الغضب ~~والغيظ. وبعد ذلك يرقق الله قلب ولي ms0510 الدم فيقول: { فمن عفي له ~~من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأدآء إليه ~~بإحسان } [البقرة: 178]. وإذا تأملنا قوله: { فمن عفي له ~~من أخيه } [البقرة: 178] فلنلاحظ النقلة من غليان الدم إلى العفو. ~~ثم المبالغة في التحنن، كأنه يقول: لا تنس الأخوة الإيمانية { فمن ~~عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف } [البقرة: ~~178]. وساعة يقول الحق كلمة " أخ " فانظر هل هذا الأخ اشترك في الأب؟ مثل ~~قوله تعالى: # وجآء إخوة يوسف # [يوسف: 58]. ثم يرتقي بالنسب الإيماني إلى مرتبة الأخوة الإيمانية، ~~فيقول: # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات: 10] يعني إياكم أن تجعلوا التقاء النسب المادي دون التقائكم ~~في القيم العقائدية. والأصل في الأخ أن يشترك في الأب مثل: # وجآء إخوة يوسف # [يوسف: 58]، فإن كانوا إخوة من غير الأب يسمهم إخوانا، فإن ارتقوا في ~~الإيمان يسمهم إخوة. وعندما وصفهم بأنهم إخوان قال: # واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا # [آل عمران: 103]. لقد كانت بينهم حروب وبغضاء وشقاق، لم يصفهم بأنهم ~~إخوة لأنهم لا زالوا في الشحناء، فوصفهم بأنهم إخوان، وبعد أن يختمر ~~الإيمان في نفوسهم يصبحون إخوة. ولننظر في غزوة بدر، هاهو ذا مصعب بن ~~عمير، كان فتى قريش المدلل والمنعم الذي كانت تفوح منه رائحة العطر ~~وملابسه من حرير كان ذلك قبل إسلامه، وتغير كل ذلك عندما دخل في الإسلام، ~~فقد أخرجه الإيمان من هذا النعيم إلى بؤس المؤمنين الأولين لدرجة أنه ~~كان يلبس جلد حيوان ويراه رسول الله في هذا الضنك فيقول: # " انظروا كيف فعل الإيمان بصاحبكم ". # وعندما جاءت معركة بدر التقى مع أخيه " أبي عزيز " الذي ظل على دين ~~قريش، والتقى الاثنان في المعركة، مصعب في معسكر المؤمنين، وأبو عزيز في ~~جيش المشركين. وأثناء المعركة رأى أخاه أبا عزيز أسيرا مع أبي اليسر وهو ~~من الأنصار فالتفت مصعب إلى أبي اليسر، وقال: يا أبا اليسر اشدد على ~~أسيرك فإن أمه غنية وستفديه بمال كثير. # فالتفت إليه أبو عزيز وقال: يا أخي أهذه وصاتك بأخيك؟ قال مصعب: لا لست ~~أخي ms0511 وإنما أخي هذا. وأشار إلى أبي اليسر. لقد انتهى نسب الدم وأصبح نسب ~~الإيمان هو الأصل، وأصبح مصعب أخا لأبي اليسر في الإيمان، وانقطعت صلته ~~بشقيقه في النسب لأنه ظل مشركا. وقوله تعالى: { فمن عفي له من ~~أخيه شيء } [البقرة: 178] كأنه يحث ولي الدم على أن يعفو ولا ينسى ~~أخوة الإيمان. صحيح أنه ولي للمقتول لأنه من لحمته ونسبه، ولكن الله أراد ~~أن يجعل أخوة الإيمان فوق أخوة الدم. { فمن عفي له من أخيه ~~شيء فاتباع بالمعروف } [البقرة: 178]. وقد أورد الحق ~~الأخوة هنا لترقيق المشاعر، لينبه أهل القاتل والقتيل معا أن القتل لا ~~يعني أن الأخوة الإيمانية انتهت، لا. إن على المؤمنين أن يضعوا في ~~اعتبارهم أن أخوة الإيمان قد تفتر رابطتها. وحين يتذكر أولياء الدم أخوة ~~الإيمان، فإن العفو يصبح قريبا من نفوسهم. ولنا أن نلاحظ أن الحق يرفعنا ~~إلى مراتب التسامي، فيذكرنا أن عفو واحد من أولياء الدم يقتضي أن تسود ~~قضية العفو، فلا يقتل القاتل. وبعد ذلك لننظر إلى دقة الحق في تصفية غضب ~~القلوب حين يضع الدية مكان القصاص بالقتل. إن الدية التي سيأخذها أولياء ~~الدم من القاتل قد تكون مؤجلة الأداء، فقد يقدر القاتل أو أهله على ~~الأداء العاجل، لذلك فعلى الذي يتحمل الدية أن يؤديها، وعلى أهل القتيل ~~أن يتقبلوا ذلك بالمعروف، وأن تؤدي الدية من أهل القاتل أو من القاتل ~~نفسه بإحسان. وقوله الحق: { عفي له من أخيه شيء } [البقرة: ~~178]، " شيء " ، تدل على أن أولياء المقتول إن عفا واحد منهم فهو عفو ~~بشيء واحد، وليس له أن يقتص بعد ذلك، وتنتهي المسألة ويحقن الدم، ولم يرد ~~الله أن يضع نصا بتحريم القصاص، ولكن أراد أن يعطي ولي الدم الحق في أن ~~يقتل، وحين يصبح له الحق في أن يقتل فقد أصبحت المسألة في يده، فإن ~~عفا، تصبح حياة القاتل ثمرة من ثمرات إحسانه، وإن عاش القاتل، لا يترك ~~هذا في نفس صاحب الدم بغضاء، بل إن القاتل سيتحبب إليه لأنه أحسن إليه ~~ووهبه ms0512 حياته. لكن لو ظل النص على قصاص أهل القتيل من القاتل فقط ولم ~~يتعده إلى العفو لظلت العقدة في القلب. والثارات الموجودة في المجتمعات ~~المعاصرة سببها أننا لم نمكن ولي الدم من القاتل، بدليل أنه إذا ما قدر ~~قاتل على نفسه وذهب إلى أهل القتيل ودخل عليهم بيتهم، وبالغ في طلب العفو ~~منهم، وأخذ كفنه معه وقال لهم: جئتكم لتقتصوا مني، وهذا كفني معي فاصنعوا ~~بي ما شئتم، لم يحدث قط أن أهل قتيل غدروا بقاتل، بل المألوف والمعتاد أن ~~يعفوا عنه، لماذا؟ لأنهم تمكنوا منه وأصبحت حياته بين أيديهم، وفي العادة ~~تنقلب العداوة إلى مودة. # فيظل القاتل مدينا بحياته للذين عفوا عنه. والذين يعرفون ذلك من أبناء ~~القاتل يرون أن حياة أبيهم هبة وهبها لهم أولياء القتيل وأقرباؤه، يرون ~~أن عفو أهل القتيل هو الذي نجا حياة قريبهم، وهكذا تتسع الدائرة، ~~وتنقلب المسألة من عداوة إلى ود. # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34]. ولو لم يشرع الله القصاص لأصبحت المسألة فوضى. لكنه يشرعه، ~~ثم يتلطف ليجعل أمر إنهاء القصاص فضلا من ولي الدم ويحببه لنا ويقول: { ~~فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان } [البقرة: 178]. وهل من المعقول أن تكون ~~الدية إحسانا؟ لتتذكر أن القائل هنا هو الله، وكلامه قرآن، والدقة في ~~القرآن بلا حدود. إن الحق ينبه إلى أن أولياء الدم إذا ما قبلوا الدية ~~فمعنى ذلك أن أهل القتيل قد أسقطوا القصاص عن القاتل وأنهم وهبوه حق ~~الحياة، لذلك فإن هذا الأمر يجب أن يرد بتحية أو مكرمة أحسن منه. كأن ~~الحق لا يريد من أولياء الدم أن يرهقوا القاتل أو أهله في الاقتضاء، كما ~~يريد أن يؤدي القاتل أو أهله الدية بأسلوب يرتفع إلى مرتبة العفو الذي ~~ناله القاتل. وفي ذلك الأمر تخفيف عما جاء بالتوراة ففي التوراة لم تكن ~~هناك دية يفتدي القاتل بها نفسه، بل كان القصاص في التوراة بأسلوب واحد ~~هو قتل إنسان ms0513 مقابل إنسان آخر. وفي الإنجيل لا دية ولا قتل: لأن هناك ~~مبدأ أراد أن يتسامى به أتباع عيسى عليه السلام على اليهود الذين انغمسوا ~~في المادية. لقد جاء عيسى عليه السلام رسولا إلى بني إسرائيل لعله يستل ~~من قلوبهم المادية، فجاء بمبدأ: " من صفعك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر ~~". ولكن الإسلام قد جاء دينا عاما جامعا شاملا، فيثير في النفس ~~التسامي، ويضع الحقوق في نصابها، فأبقى القصاص، وترك للفضل مجالا. لذلك ~~يقول الحق عن الدية: { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ~~فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } [البقرة: 178]. ~~وما وجه الاعتداء بعد تقرير الدية والعفو؟ كان بعض من أهل القبائل إذا ~~قتل منهم واحد يشيعون أنهم عفوا وصفحوا وقبلوا الدية حتى إذا خرج القاتل ~~من مخبئه مطمئنا، عندئذ يقتلونه. والحق يقرر أن هذا الأمر هو اعتداء، ~~ومن يعتدي بعد أن يسقط حق القتل ويأخذ الدية فله عذاب أليم. وحكم الله ~~هنا في العذاب الأليم، نفهمه على أن المعتدي بقتل من أعلن العفو عنه لا ~~يقبل منه دية ويستحق القتل عقابا، ولا يرفع الله عنه عذاب الدنيا أو ~~الآخرة. إن الحق يرفع العقاب والعذاب عن القاتل إذا قبل القصاص ونفذ فيه، ~~أو إذا عفي عنه إلى الدية وأداها. ولكن الحق لا يقبل سوى استخدام الفرص ~~التي أعطاها الحق للخلق ليرتفعوا في علاقاتهم. إن الحق لا يقبل أن يتستر ~~أهل قتيل وراء العفو، ليقتلوا القاتل بعد أن أعلنوا العفو عنه فذلك عبث ~~بما أراده الحق منهجا بين العباد. ولذلك يقول الحق: { ولكم في ~~القصاص حياة... }. ### || [2.179] # وهنا نلاحظ أن النسق القرآني يأتي مرة فيقول: # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم # [البقرة: 178]. ويأتي هنا ليقول النسق القرآني: { ولكم في ~~القصاص } [البقرة: 179]. التشريع الدقيق المحكم يأتي بواجبات وبحقوق ~~فلا واجب بغير حق، ولا حق بغير واجب، وحتى نعرف سمو التشريع مطلوب من كل ~~مؤمن أن ينظر إلى ما يجب عليه من تكاليف، ويقرنه بما له من حقوق، ولسوف ~~يكتشف المؤمن أنه في ضوء منهج ms0514 الله قد نال مطلق العدالة. إن المشرع هو ~~الله، وهو رب الناس جميعا، ولذلك فلا يوجد واحد من المؤمنين أولى بالله ~~من المؤمنين الآخرين. إن التكليف الإيماني يمنع الظلم، ويعيد الحق، ويحمي ~~ويصون للإنسان المال والعرض. ومن عادة الإنسان أن يجادل في حقوقه ويريدها ~~كاملة، ويحاول أن يقلل من واجباته، ولكن الإنسان المؤمن هو الذي يعطي ~~الواجب تماما فينال حقوقه تامة، ولذلك يقول الحق: { ولكم في ~~القصاص حياة يأولي الألباب لعلكم تتقون } ~~[البقرة: 179]. إن القصاص مكتوب على القاتل والمقتول وولي الدم. فإذا علم ~~القاتل أن الله قد قرر القصاص فإن هذا يفرض عليه أن يسلم نفسه، وعلى أهله ~~ألا يخفوه بعيدا عن أعين الناس لأن القاتل عليه أن يتحمل مسئولية ما ~~فعل، وحين يجد القاتل نفسه محوطا بمجتمع مؤمن يرفض القتل فإنه يرتدع ولا ~~يقتل، إذن ففي القصاص حياة لأن الذي يرغب في أن يقتل يمكنه أن يرتدع ~~عندما يعرف أن هناك من سيقتص منه، وأن هناك من لا يقبل المداراة ~~عليه. ونأتي بعد ذلك للذين يتشدقون ويقولون: إن القصاص وحشية وإهدار ~~لآدمية الإنسان، ونسألهم: لماذا أخذتكم الغيرة لأن إنسانا يقتص منه بحق ~~وقد قتل غيره بالباطل؟ ما الذي يحزنك عليه. إن العقوبة حين شرعها الله لم ~~يشرعها لتقع، وإنما شرعها لتمنع. ونحن حين نقتص من القاتل نحمي سائر ~~أفراد المجتمع من أن يوجد بينهم قاتل لا يحترم حياة الآخرين، وفي الوقت ~~نفسه نحمي هذا الفوضوي من نفسه لأنه سيفكر ألف مرة قبل أن يرتكب جريمة. ~~إذن فالقصاص من القاتل عبرة لغيره، وحماية لسائر أفراد المجتمع ولذلك ~~يقول الحق سبحانه: { ولكم في القصاص حياة } [البقرة: 179]. ~~إن الحق يريد أن يحذرنا أن تأخذنا الأريحية الكاذبة، والإنسانية الرعناء، ~~والعطف الأحمق، فنقول: نمنع القصاص. كيف نغضب لمعاقبة قاتل بحق، ولا ~~نتحرك لمقتل بريء؟ إن الحق حين يشرع القصاص كأنه يقول: إياك أن تقتل ~~أحدا لأنك ستقتل إن قتلته، وفي ذلك عصمة لنفوس الناس من القتل. إن في ~~تشريع القصاص استبقاء لحياتكم لأنكم حين ms0515 تعرفون أنكم عندما تقتلون بريئا ~~وستقتلون بفعلكم فسوف تمنعون عن القتل، فكأنكم حقنتم دماءكم. وذلك هو ~~التشريع العالي العادل. # وفي القصاص حياة لأن كل واحد عليه القصاص، وكل واحد له القصاص، إنه ~~التشريع الذي يخاطب أصحاب العقول وأولي الألباب الذين يعرفون الجوهر ~~المراد من الأشياء والأحكام، أما غير أولي الألباب فهم الذين يجادلون في ~~الأمور دون أن يعرفوا الجوهر منها، فلولا القصاص لما ارتدع أحد، ولولا ~~القصاص لغرقت البشرية في الوحشية. إن الحكمة من تقنين العقوبة ألا تقع ~~الجريمة وبذلك يمكن أن تتوارى الجريمة مع العقوبة ويتوازن الحق مع ~~الواجب. إن المتدبر لأمر الكون يجد أن التوازن في هذه الدنيا على سبيل ~~المثال في السنوات الماضية يأتي من وجود قوتين عظميين كلتاهما تخشى ~~الأخرى وكلتاهما تختلف مع الأخرى، وفي هذا الاختلاف حياة لغيرهما من ~~الشعوب، لأنهما لو اتفقتا على الباطل لتهدمت أركان دولتيهما، وكان في ذلك ~~دمار العالم، واستعباد لبقية الشعوب. وإذا كان كل نظام من نظم العالم ~~يحمل للآخر الحقد والكراهية والبغضاء ويريد أن يسيطر بنظامه لكنه يخشى ~~قوة النظام الآخر، لهذا نجد في ذلك الخوف المتبادل حماية لحياة الآخرين، ~~وفرصة للمؤمنين أن يأخذوا بأسباب الرقي العلمي ليقدموا للدنيا أسلوبا ~~لائقا بحياة الإنسان على الأرض في ضوء منهج الله. وعندما حدث اندثار ~~لقوة من القوتين هي الاتحاد السوفيتي، فإن الولايات المتحدة تبحث الآن عن ~~نقيض لها لأنها تعلم أن الحياة دون نقيض في مستوى قوتها، قد يجرىء الصغار ~~عليها. إن الخوف من العقوبة هو الذي يصنع التوازن بين معسكرات العالم، ~~والخوف من العقوبة هو الذي يصنع التوازن في الأفراد أيضا. إن عدل الرحمن ~~هو الذي فرض علينا أن نتعامل مع الجريمة بالعقاب عليها وأن يشاهد هذا ~~العقاب آخرون ليرتدعوا. فها هو ذا الحق في جريمة الزنى على سبيل المثال ~~يؤكد ضرورة أن يشاهد العقاب طائفة من الناس ليرتدعوا. إن التشديد مطلوب ~~في التحري الدقيق في أمر حدوث الزنى لأن عدم دقة التحري يصيب الناس ~~بالقلق ويسبب ارتباكا وشكا في ms0516 الأنساب، والتشديد جاء أيضا في العقوبة ~~في قول الحق: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين ~~الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2]. إن الذي يجترئ على حقوق الناس يجترئ أيضا على حقوق الله، ~~ولذلك فمقتضى إيثار الإيمان هو إرضاء الله لا إرضاء الناس. وفي إنزال ~~العقاب بالمعتدي خضوع لمنهج الله، وفي رؤية هذا العقاب من قبل الآخرين هو ~~نشر لفكرة أن المعتدي ينال عقابا، ولذلك شرع الحق العقاب والعلانية فيه ~~ليستقر التوازن في النفس البشرية. وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ~~ليعالج قضية اجتماعية أخرى. إن الحق بعد أن عالج قضية إزهاق الحياة ينتقل ~~بنا إلى قضية أخرى من أقضية الحياة، إنها قضية الموت الطبيعي. كأن الحق ~~بعد أن أوضح لنا علاج قضية الموت بالجريمة يريد أن يوضح لنا بعضا من ~~متعلقات الموت حتفا من غير سبب مزهق للروح. إن الحق يعالج في الآية ~~القادمة بعضا من الأمور المتعلقة بالموت ليحقق التوازن الاقتصادي في ~~المجتمع كما حقق بالآية السابقة التوازن العقابي والجنائي في المجتمع. ~~يقول الحق: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ~~ترك خيرا الوصية... }. ### || [2.180] # والحق كما أوضحت من قبل لا يقتحم على العباد أمورهم ولكنه يعرض عليهم ~~أمر الإيمان به، فإن آمنوا فهذا الإيمان يقتضي الموافقة على منهجه، ولذلك ~~فالمؤمن يشترك بعقيدته في الإيمان بما كتب الله عليه. إن المؤمن هو من ~~ارتضى الله إلها ومشرعا، فحين يكتب الله على المؤمن أمرا، فالمؤمن قد ~~اشترك في كتابة هذا الأمر بمجرد إعلانه للإيمان. أما الكافر بالحق فلم ~~يقتحم الله عليه اختياره للكفر، ولذلك لم يكتب عليه الحق إلا أمرا ~~واحدا هو العذاب في الآخرة. فالله لا يكلف إلا من آمن به وأحبه وآمن ~~بكل صفات الجلال والكمال فيه. ولذلك فالتكليف الإيماني شرف خص به الله ~~المحبين المؤمنين به، ولو فطن الكفار إلى أن الله أهملهم لأنهم لم يؤمنوا ~~به لسارعوا إلى الإيمان، ولرأوا اعتزاز ms0517 كل مؤمن بتكليف الله له. إن ~~المؤمن يرى التكليف خضوعا لمشيئة الله. والخضوع لمشيئة الله يعني الحب. ~~وما دام الحب قد قام بين العبد والرب فإن الحق يريد أن يديم هذا الحب، ~~لذلك كانت التكاليف هي مواصلة للحب بين العبد والرب. إن العبد يحب الرب ~~بالإيمان، والرب يحب العبد بالتكليف، والتكليف مرتبة أعلى من إيمان ~~العبد، فإيمان العبد بالله لا ينفع الله، ولكن تكاليف الله للعبد ينتفع ~~بها العبد. إن المؤمن عليه أن يفطن إلى عزة التكليف من الله، فليس ~~التكليف ذلا ينزله الحق بعباده المؤمنين، إنما هو عزة يريدها الله ~~لعباده المؤمنين، هكذا قول الحق: " كتب عليكم " إنها أمر مشترك بين العبد ~~والرب. إن الكتابة هنا أمر مشترك بين الحق الذي أنزل التكليف وبين العبد ~~الذي آمن بالتكليف. والحق يورد هنا أمرا يخص الوصية فيقول سبحانه: { ~~كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا ~~الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا ~~على المتقين } [البقرة: 180]. وهنا نجد شرطين: الشرط الأول: يبدأ ~~ب " إذا " وهي للأمر المتحقق وهو حدوث الفعل. والموت أمر حتمي بالنسبة ~~لكل عبد، لذلك جاء الحق بهذا الأمر بشرط هو " إذا " ، فهي أداة لشرط وظرف ~~لحدث. والموت هو أمر محقق إلا أن أحدا لا يعرف ميعاده. والشرط الثاني ~~يبدأ ب " إن " وهي أداة شرط نقولها في الأمر الذي يحتمل الشك فقد يترك ~~الإنسان بعد الموت ثروة وقد لا يترك شيئا، ولذلك فإن الحق يأمر العبد ~~بالوصية خيرا له لماذا؟ لأن الحق يريد أن يشرع للاستطراق الجماعي، فبعد ~~أن يوصي الحق عباده بأن يضربوا في الحياة ضربا يوسع رزقهم ليتسع لهم، ~~ويفيض عن حاجتهم، فهذا الفائض هو الخير، والخير في هذا المجال يختلف من ~~إنسان لآخر ومن زمن لآخر. # فعندما كان يترك العبد عشرة جنيهات في الزمن القديم كان لهذا المبلغ ~~قيمة، أما عندما يترك عبد آخر ألف جنيه في هذه الأيام فقد تكون محسوبة ~~عند البعض بأنها قليل من الخير، إذن فالخير يقدر في كل أمر بزمانه، ~~ولذلك لم ms0518 يربطه الله برقم. إننا في مصر - مثلا - كنا نصرف الجنيه الورقي ~~بجنيه من الذهب ويفيض منه قرشان ونصف قرش أما الآن فالجنيه الذهبي يساوي ~~أكثر من مائتين وخمسين جنيها لأن رصيد الجنيه المصري في الزمن القديم ~~كان عاليا. أما الآن فالنقد المتداول قد فاق الرصيد الذهبي، لذلك صار ~~الجنيه الذهبي أغلى بكثير جدا من الجنيه الورقي. ولأن الإله الحق يريد ~~بالناس الخير لم يحدد قدر الخير أو قيمته، وعندما يحضر الموت الإنسان ~~الذي عنده فائض من الخير لابد أن يوصي من هذا الخير. ولنا أن نلحظ أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن انتظار لحظة الموت ليقول الإنسان ~~وصيته، أو ليبلغ أسرته بالديون التي عليه، لأن الإنسان لحظة الموت قد لا ~~يفكر في مثل هذه الأمور. ولذلك فعلينا أن نفهم أن الحق ينبهنا إلى أن ~~يكتب الإنسان ما له وما عليه في أثناء حياته. فيقول ويكتب وصيته التي ~~تنفذ من بعد حياته. يقول المؤمن: إذا حضرني الموت فلوالدي كذا وللأقربين ~~كذا. أي أن المؤمن مأمور بأن يكتب وصيته وهو صحيح، ولا ينتظر وقت حدوث ~~الموت ليقول هذه الوصية. والحق يوصي بالخير لمن؟ { للوالدين ~~والأقربين بالمعروف حقا على المتقين } [البقرة: ~~180]. والحق يعلم عن عباده أنهم يلتفتون إلى أبنائهم وقد يهملون ~~الوالدين، لأن الناس تنظر إلى الآباء والأمهات كمودعين للحياة، على الرغم ~~من أن الوالدين هما سبب إيجاد الأبناء في الحياة، لذلك يوصي الحق عباده ~~المؤمنين بأن يخصصوا نصيبا من الخير للآباء والأمهات وأيضا للأقارب. ~~وهو سبحانه يريد أن يحمي ضعيفين هما: الوالدان والأقرباء. وقد جاء هذا ~~الحكم قبل تشريع الميراث، فالناس قبل تشريع الميراث كانوا يعطون كل ما ~~يملكون لأولادهم، فأراد الله أن يخرجهم من إعطاء أولادهم كل شيء وحرمان ~~الوالدين والأقربين. وقد حدد الله من بعد ذلك نصيب الوالدين في الميراث، ~~أما الأقربون فقد ترك الحق لعباده تقرير أمرهم في الوصية. وقد يكون ~~الوالدان من الكفار، لذلك لا يرثان من الابن، ولكن الحق يقول: # ووصينا الإنسان بوالديه ms0519 حملته أمه وهنا ~~على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ~~ولوالديك إلي المصير * وإن جاهداك على أن ~~تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من ~~أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما ~~كنتم تعملون # [لقمان: 14-15]. إن الحق يذكر عباده بفضله عليهم، وأيضا بفضل الوالدين، ~~ولكن إن كان الوالدان مشركين بالله فلا طاعة لهما في هذا الشرك، ولكن ~~هناك الأمر بمصاحبتهما في الحياة بالمعروف واتباع طريق المؤمنين الحاملين ~~للمنهج الحق. # لذلك فالإنسان المؤمن يستطيع أن يوصي بشيء من الخير في وصيته للأبوين ~~حتى ولو كانا من الكافرين، ونحن نعرف أن حدود الوصية هي ثلث ما يملكه ~~الإنسان والباقي للميراث الشرعي. أما إذا كان من المؤمنين فنحن نتبع ~~الحديث النبوي الكريم: # " لا وصية لوارث ". # وفي الوصية يدخل إذن الأقرباء الضعفاء غير الوارثين، هذا هو المقصود من ~~الاستطراق الاجتماعي. والحق حين ينبه عباده إلى الوصية في أثناء الحياة ~~بالأقربين الضعفاء، يريد أن يدرك العباد أن عليهم مسئولية تجاه هؤلاء. ~~ومن الخير أن يعمل الإنسان في الحياة ويضرب في الأرض ويسعى للرزق الحلال ~~ويترك ورثته أغنياء بدلا من أن يكونوا عالة على أحد. # " عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: " جاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعودني، وأنا بمكة، قال: يرحم الله ابن عفراء، قلت: يا رسول الله أوصي ~~بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: لا. قلت الثلث؟ قال: فالثلث، ~~والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون ~~الناس " # وإذا رزق الله الإنسان بالعمل خيرا كثيرا فإياك أيها الإنسان أن تقصر ~~هذا الخير على من يرثك. لماذا؟ لأنك إن قصرت شيئا على من يرثك فقد ~~تصادف في حياتك من لا يرث وله شبهة القربى منك، وهو في حاجة إلى من ~~يساعده على أمر معاشه فإذا لم تساعده يحقد عليك وعلى كل نعمة وهبها الله ~~لك، ولكن حين يعلم هذا القريب أن النعمة التي وهبها الله لك ms0520 قد يناله ~~منها شيء ولو بالوصية وليس بالتقنين الإرثي هذا القريب يملأه الفرح ~~بالنعمة التي وهبها الله لك. ولذلك قال الحق: { كتب عليكم إذا ~~حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ~~للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على ~~المتقين } [البقرة: 180]. إن الحق يريد أن يلفت العباد إلى ~~الأقرباء غير الوارثين بعد أن أدخل الآباء والأمهات في الميراث. إن ~~الإنسان حين يكون قريبا لميت ترك خيرا، وخص الميت هذا القريب ببعض من ~~الخير في الوصية، هذا القريب تمتلئ بالخير نفسه فيتعلم ألا يحبس الخير عن ~~الضعفاء، وهكذا يستطرق الحب وتقوم وشائج المودة. والحق يفترض - وهو ~~الأعلم بنفوس عباده - أن الموصي قد لا يكون على حق والوارث قد يكون على ~~حق، لذلك احتاط التشريع لهذه الحالة لأن الموصى له حين يأخذ حظه من ~~الوصية سينقص من نصيب الوارث، ولذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أن يعصم ~~الأطراف كلها، إنه يحمي الذي وصى، والموصى له، والوارث ومن هنا يقول ~~الحق: { فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على ~~الذين يبدلونه... }. ### || [2.181] # ونحن نعرف أنه في زمن نزول القرآن كانت الوصية شفاهة، ولم تكن الكتابة ~~منتشرة، ولذلك أتى الحق بالجانب المشترك في الموصي والموصى له والوارث ~~وهو جانب القول فقد كان القول هو الأداة الواضحة في ذلك الزمن القديم، ~~ولم تكن هناك وسائل معاصرة كالشهر العقاري لتوثيق الوصية، لذلك كان تبديل ~~وصية الميت إثما على الذي يبدل فيها. إن الموصي قد برئت ذمته، أما ذمة ~~الموصى له والوارث فهي التي تستحق أن تنتبه إلى أن الله يعلم خفايا ~~الصدور وهو السميع العليم. ويريد الحق أن يصلح العلاقة بين الوارث ~~والموصي له، لذلك يقول الحق: { فمن خاف من موص جنفا أو ~~إثما فأصلح بينهم فلا... }. ### || [2.182] # إن الحق يريد العدل للجميع فإذا كانت الوصية زائغة عن العدل وعن الصراط ~~المستقيم وكان فيها حرمان للفقير وزيادة في ثراء الغني أو ترك للأقربين، ~~فهذا ضياع للاستطراق الذي أراده الله، فإذا جاء من يسعى في سبيل الخير ~~ليرد الوصية للصواب فلا ms0521 إثم عليه في التغيير الذي يحدثه في الوصية ~~ليبدلها على الوجه الصحيح لها الذي يرتضيه الله لأن الله غفور رحيم. وقد ~~يخاف الإنسان من صاحب الوصية أن يكون جنفا، والجنف يفسر بأنه الحيف ~~والجور، وقد يخلق الله الإنسان بجنف أي على هيئة يكون جانب منه أوطى من ~~الجانب الآخر، ونحن نعرف من علماء التشريح أن كل نصف في الإنسان مختلف عن ~~النصف الآخر وقد يكون ذلك واضحا في بعض الخلق، وقد لا يكون واضحا إلا ~~للمدقق الفاحص. والإنسان قد لا يكون له خيار في أن يكون أجنف، ولكن الإثم ~~يأتي باختيار الإنسان - أي أن يعلم الإنسان الذنب ومع ذلك يرتكبه - إذن ~~فمن خاف من موص جنفا أي حيفا وظلما من غير تعمد فهذا أمر لا خيار ~~للموصي فيه، فإصلاح ذلك الحيف والظلم فيه خير للموصي. أما إذا كان صاحب ~~الوصية قد تعمد أن يكون آثما فإصلاح ذلك الإثم أمر واجب. وهذه هي دقة ~~التشريع القرآني الذي يشحذ كل ملكات الإنسان لتتلقى العدل الكامل. والحق ~~عالج قضية التشريع للبشر في أمر القصاص باستثماره كل ملكات الخير في ~~الإنسان حين قال: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف # [البقرة: 178]. إنه ليس تشريعا جافا كتشريع البشر. إنه تشريع من ~~الخالق الرحيم العليم بخبايا البشر. ويستثير الحق في البشر كل نوازع ~~الخير، ويعالج كذلك قضية تبديل الوصية التي وصى بها الميت بنفسه، فمن ~~خالف الوصية التي أقيمت على عدالة فله عقاب. أما الذي يتدخل لإصلاح أمر ~~الوصية بما يحقق النجاة للميت من الجنف أي الحيف غير المقصود ولكنه يسبب ~~ألما، أو يصلح من أمر وصية فيها إثم فهذا أمر يريده الله ولا إثم فيه ~~ويحقق الله به المغفرة والرحمة. وهكذا يعلمنا الحق أن الذي يسمع أو يقرأ ~~وصية فلا بد أن يقيسها على منطق الحق والعدل وتشريع الله، فإن كان فيه ~~مخالفة فلا بد أن يراجع صاحبها. ولنا أن نلحظ أن الحق قد عبر عن إحساس ~~الإنسان بالخوف من وقوع الظلم بغير قصد ms0522 أو بقصد حين قال: { فمن خاف ~~من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم ~~عليه إن الله غفور رحيم } [البقرة: 182]. إن كلمة " خاف ~~" عندما تأتي في هذا الموضع تدل على الوحدة الإيمانية في نفوس المسلمين. ~~إن المؤمن الذي يتصدى لإصلاح من هذا النوع قد يكون غير وارث، ولا هو من ~~الموصى لهم، ولا هو الموصي، إنما هو مجرد شاهد، وهذه الشهادة تجعله ~~يسعى إلى التكافل الإيماني فكل قضية تمس المؤمن إنما تمس كل المؤمنين، ~~فإن حدث جنف فهذا يثير الخوف في المؤمن لأن نتيجته قد تصيب غيره من ~~المؤمنين ولو بغير قصد، وهكذا نرى الوحدة الإيمانية. # إن الإيمان يمزج المؤمنين بعضهم ببعض حتى يصيروا كالجسد الواحد إن اشتكى ~~منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. ولهذا فعندما يتدخل المؤمن ~~الذي لا مصلحة مباشرة له في أمر الإرث أو الوصية ليصلح من هذا الأمر فإن ~~الحق يثيبه بخير الجزاء. والحق سبحانه قال: { فمن خاف من موص ~~جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن ~~الله غفور رحيم } [البقرة: 182]، وهذا القول يلفتنا إلى أن ~~الإنسان إذا ما عزم على اتخاذ أمر في مسألة الوصية فعليه أن يستشير من ~~حوله، وأن يستقبل كل مشورة من أهل العلم والحكمة، وذلك حتى لا تنشأ ~~الضغائن بعد أن يبرم أمر الوصية إبراما نهائيا. أي بعد وفاته، والحق قد ~~وضع الاحتياطات اللازمة لإصلاح أمر الوصية إن جاء بها ما يورث المشاكل ~~لأن الحق يريد أن يتكاتف المؤمنون في وحدة إيمانية، لذلك فلابد من معالجة ~~الانحراف بالوقاية منه وقبل أن يقع. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة ~~فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من ~~الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم ~~نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على ~~أيديهم نجوا ونجوا جميعا ". # والحديث الشريف يضرب ms0523 المثل على ضرورة التآزر والتواصي بين المؤمنين ~~حماية لهم. فهؤلاء قوم اقتسموا سفينة بالقرعة، والاستهام هو قرعة لا هوى ~~لها، وسكن بعضهم أسفل السفينة حسب ما جاء من نتيجة الاستهام، وسكن بعضهم ~~أعلى السفينة. لكن الذين سكنوا أسفل السفينة أرادوا بعضا من الماء، ~~واقترح بعضهم أن يخرقوا السفينة للحصول على الماء، وبرروا ذلك بأن مثل ~~هذا الأمر لن يؤذي من يسكنون في النصف الأعلى من السفينة، ولو أنهم فعلوا ~~ذلك، ولم يمنعهم الذين يسكنون في النصف الأعلى من السفينة لغرقوا جميعا، ~~لكن لو تدخل الذين يسكنون في النصف الأعلى من السفينة لمنعوا الغرق، ~~وكذلك حدود الله، فعلى المؤمنين أن يتكاتفوا بالتواصي في تطبيقها، فلا ~~يقولن أحد: " إن ما يحدث من الآخرين لا شأن لي به " لأن أمر المسلمين يهم ~~كل مسلم، ولذلك جاءت آية قال فيها سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: " هناك ~~آية تقرأونها على غير وجهها " أي تفهمونها على غير معناها. # والآية هي قول الحق: # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خآصة واعلموا أن الله شديد العقاب # [الأنفال: 25]. ويقول شيخنا " حسنين مخلوف " مفتي الديار المصرية الأسبق ~~في شرح هذه الآية: أي احذروا ابتلاء الله في محن قد تنزل بكم، تعم ~~المسيء وغيرهم، كالبلاء والقحط والغلاء، وتسلط الجبابرة وغير ذلك، ~~والمراد تحذير من الذنوب التي هي أسباب الابتلاء، كإقرار المنكرات والبدع ~~والرضا بها، والمداهنة في الأمر بالمعروف، وافتراق الكلمة في الحق، ~~وتعطيل الحدود، وفشو المعاصي، ونحو ذلك. وفيما رواه البخاري: عندما قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " ويل للعرب من شر قد اقترب.. " فقيل له: أنهلك وفينا الصالحون؟ ~~قال: " نعم إذا كثر الخبث ". # إذن فلا يعتقد مسلم أنه غير مسئول عن الفساد الذي يستشري في المجتمع، بل ~~عليه أن يحذر وأن ينبه. ولذلك نجد أن حكمة الحق قد فرضت الدية على ~~العاقلة، أي على أهل القاتل، لأنهم قد يرون هذا القاتل وهو يمارس الفساد ~~ابتداء، فلم يردعه أحد منهم، لكنهم لو ضربوا على يده من البداية لما ms0524 ~~جاءهم الغرم بدفع الدية، لذلك فعندما تسمع قول الله عز وجل: { فمن ~~خاف من موص جنفا } [البقرة: 182] إياك أن تقول: لا شأن لي بهذا ~~الأمر لا، إن الأمر يخصك وعليك أن تحاول الإصلاح بين الموصى له، وبين ~~الورثة. وقوله الحق: { فلا إثم عليه } [البقرة: 182] يعني عدم ~~إدخاله في دائرة الذين يبدلون القول والتي تناولناها بالخواطر قبل هذه ~~الآية، بل لك ثواب على تدخلك فأنت لم تبدل حقا بباطل، بل تزحزح باطلا ~~لتؤسس حقا، وبذلك ترطب قلب الوارث على ما نقص منه، وتقيم ميزان العدل ~~بالنصيحة، وتسخي نفسه ليقبل الوصية بعد تعديلها بما يرضي شريعة الله. ~~إن الله يريد إقامة ميزان العدل وأن يتأكد الاستطراق الصفائي بين ~~المؤمنين فلا تورث الوصية شرورا. ويقول الحق بعد ذلك: { يأيها ~~الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين... }. ### || [2.183] # والحق سبحانه يبدأ هذه الآية الكريمة بترقيق الحكم الصادر بالتكليف ~~القادم وهو الصيام فكأنه يقول: " يا من آمنتم بي وأحببتموني لقد كتبت ~~عليكم الصيام ". وعندما يأتي الحكم ممن آمنت به فأنت تثق أنه يخصك بتكليف ~~تأتي منه فائدة لك. واضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - هب أنك تخاطب ~~ابنك في أمر فيه مشقة، لكن نتائجه مفيدة، فأنت لا تقول له: " يا ابني ~~افعل كذا " لكنك تقول له: " يا بني افعل كذا " وكأنك تقول له: " يا ~~صغيري لا تأخذ العمل الذي أكلفك به بما فيه من مشقة بمقاييس عقلك غير ~~الناضج، ولكن خذ هذا التكليف بمقاييس عقل وتجربة والدك ". والمؤمنون ~~يأخذون خطاب الحق لهم { يأيها الذين آمنوا } بمقياس المحبة ~~لكل ما يأتي منه سبحانه من تكليف حتى وإن كان فيه مشقة، والمؤمنون ~~بقبولهم للإيمان إنما يكونون مع الحق في التعاقد الإيماني، وهو سبحانه لم ~~يكتب الصيام على من لا يؤمن به لأنه لا يدخل في دائرة التعاقد الإيماني ~~وسيلقى سعيرا. والصيام هو لون من الإمساك لأن معنى " صام " هو " أمسك " ~~والحق يقول: # فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت ~~للرحمن صوما فلن أكلم اليوم ms0525 إنسيا # [مريم: 26]. وهذا إمساك عن الكلام. إذن فالصوم معناه الإمساك، لكن الصوم ~~التشريعي يعني الصوم عن شهوتي البطن والفرج من الفجر وحتى الغروب. ومبدأ ~~الصوم لا يختلف من زمن إلى آخر، فقد كان الصيام الركن التعبدي موجودا في ~~الديانات السابقة على الإسلام، لكنه كان إما إمساكا مطلقا عن الطعام. ~~وإما إمساكا عن ألوان معينة من الطعام كصيام النصارى، فالصيام إذن هو ~~منهج لتربية الإنسان في الأديان، وإن اختلفت الأيام عددا، وإن اختلفت ~~كيفية الصوم ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: { لعلكم تتقون } ~~[البقرة: 183]. ونعرف أن معنى التقوى هو أن نجعل بيننا وبين صفات الجلال ~~وقاية، وأن نتقي بطش الله، ونتقي النار وهي من آثار صفات الجلال. وقوله ~~الحق: { لعلكم تتقون } [البقرة: 183] أي أن نهذب ونشذب سلوكنا ~~فنبتعد عن المعاصي، والمعاصي في النفس إنما تنشأ من شره ماديتها إلى أمر ~~ما. والصيام كما نعلم يضعف شرة المادية وحدتها وتسلطها في الجسد، ~~ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم للشباب المراهق وغيره: # " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن ~~للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". # وكأن الصوم يشذب شرة المادية في الجسم الشاب. وإن تقليل الطعام يعني ~~تقليل وقود المادة، فيقل السعار الذي يدفع الإنسان لارتكاب المعاصي. # والصيام في رمضان يعطي الإنسان الاستقامة لمدة شهر، ويلحظ الإنسان حلاوة ~~الاستقامة فيستمر بها بعد رمضان. والحق لا يطلب منك الاستقامة في رمضان ~~فقط، إنما هو سبحانه قد اصطفى رمضان كزمن تتدرب فيه على الاستقامة لتشيع ~~من بعد ذلك في كل حياتك لأن اصطفاء الله لزمان أو اصطفاء الله لمكان أو ~~لإنسان ليس لتدليل الزمان، ولا لتدليل المكان، ولا لتدليل الإنسان، وإنما ~~يريد الله من اصطفائه لرسول أن يشيع أثر اصطفاء الرسول في كل الناس. ~~ولذلك نجد تاريخ الرسل مليئا بالمشقة والتعب، وهذا دليل على أن مشقة ~~الرسالة يتحملها الرسول وتعبها يقع عليه هو. فالله لم يصطفه ليدلله، ~~وإنما اصطفاه ليجعله أسوة. وكذلك يصطفي الله من الزمان أياما لا ms0526 ليدللها ~~على بقية الأزمنة، ولكن لأنه سبحانه وتعالى يريد أن يشيع اصطفاء هذا ~~الزمان في كل الأزمنة، كاصطفائه لأيام رمضان، والحق سبحانه وتعالى يصطفي ~~الأمكنة ليشيع اصطفاؤها في كل الأمكنة. وعندما نسمع من يقول: " زرت مكة ~~والمدينة وذقت حلاوة الشفافية والإشراق والتنوير، ونسيت كل شيء ". إن من ~~يقول ذلك يظن أنه يمدح المكان، وينسى أن المكان يفرح عندما يشيع اصطفاؤه ~~في بقية الأمكنة فأنت إذا ذهبت إلى مكة لتزور البيت الحرام، وإذا ذهبت ~~إلى المدينة لتزور رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلماذا لا تتذكر في كل ~~الأمكنة أن الله موجود في كل الوجود، وأن قيامك بأركان الإسلام وسلوك ~~الإسلام هو تقرب من الله ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم. صحيح أن ~~تعبدك وأنت في جوار بيت الله، يتميز بالدقة وحسن النية. كأنك وأنت في ~~جوار بيت الله وفي حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تستحي أن تفعل ~~معصية. وساعة تسمع " الله أكبر " تنهض للصلاة وتخشع، ولا تؤذي أحدا، إذن ~~لماذا لا يشيع هذا السلوك منك في كل وقت وفي كل مكان؟ إنك تستطيع أن ~~تستحضر النية التعبدية في أي مكان، وستجد الصفاء النفسي العالي. إذن فحين ~~يصطفي الله زمانا أو مكانا أو يصطفي إنسانا إنما يشاء الحق سبحانه ~~وتعالى أن يشيع اصطفاء الإنسان في كل الناس، واصطفاء المكان في كل ~~الأمكنة واصطفاء الزمان في كل الأزمنة، ولذلك أتعجب عندما أجد الناس ~~تستقبل رمضان بالتسبيح وبآيات القرآن وبعد أن ينتهي رمضان ينسون ذلك. ~~وأقول هل جاء رمضان ليحرس لنا الدين أم أن رمضان يجيء ليدربنا على أن ~~نعيش بخلق الصفاء في كل الأزمنة؟ وقوله الحق: { كتب عليكم ~~الصيام كما كتب على الذين من قبلكم } [البقرة: 183] ~~يدلنا على أن المسلمين ليسوا بدعا في مسألة الصوم، بل سبقهم أناس من قبل ~~إلى الصيام وإن اختلفت شكلية الصوم. وساعة يقول الحق: { كتب ~~عليكم الصيام } [البقرة: 183] فهذا تقرير للمبدأ، مبدأ الصوم، ~~ويفصل الحق سبحانه المبدأ من بعد ذلك فيقول: { أياما ~~معدودات فمن ms0527 كان منكم مريضا أو على سفر... }. ### || [2.184-185] # { أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على ~~سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه ~~فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له ~~وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون } [البقرة: ~~184]. وكلمة " أياما " تدل على الزمن وتأتي مجملة، وقوله الحق عن تلك ~~الأيام: إنها " معدودات " يعني أنها أيام قليلة ومعروفة. ومن بعد ذلك ~~يوضح الحق لنا مدة الصيام فيقول: { شهر رمضان الذي أنزل ~~فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم ولعلكم تشكرون } [البقرة: 185]. إذن، فمدة الصيام ~~هي شهر رمضان، ولأنه سبحانه العليم بالضرورات التي تطرأ على هذا التكليف ~~فهو يشرع لهذه الضرورات، وتشريع الله لرخص الضرورة إعلام لنا بأنه لا يصح ~~مطلقا لأي إنسان أن يخرج عن إطار الضرورة التي شرعها الله، فبعض من ~~الذين يتفلسفون من السطحيين يحبون أن يزينوا لأنفسهم الضرورات التي تبيح ~~لهم الخروج عن شرع الله، ويقول الواحد منهم: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.. # [البقرة: 286]. ونقول: إنك تفهم وتحدد الوسع على قدر عقلك ثم تقيس ~~التكليف عليه، برغم أن الذي خلقك هو الذي يكلف ويعلم أنك تسع ~~التكليف، وهو سبحانه لا يكلف إلا بما في وسعك بدليل أن المشرع سبحانه ~~يعطي الرخصة عندما يكون التكليف ليس في الوسع. ولنر رحمة الحق وهو يقول: ~~{ ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر } [البقرة: 185]، وكلمة " مريضا " كلمة عامة، وأنت فيها حجة على ~~نفسك وبأمر طبيب مسلم حاذق يقول لك: " إن صمت فأنت تتعب " والمرض مشقته ~~مزمنة في بعض الأحيان، ولذلك تلزم الفدية بإطعام مسكين. وكذلك يرخص الله ~~لك عندما تكون " على سفر ". وكلمة " سفر " هذه مأخوذة من المادة التي ~~تفيد الظهور والانكشاف، ومثل ذلك قولنا: " أسفر الصبح ". وكلمة " سفر " ~~تفيد الانتقال من مكان تقيم فيه ms0528 إلى مكان جديد، وكأنك كلما مشيت خطوة ~~تنكشف لك أشياء جديدة، والمكان الذي تنتقل إليه هو جديد بالنسبة لك، حتى ~~ولو كنت قد اعتدت أن تسافر إليه لأنه يصير في كل مرة جديدا لما ينشأ عنه ~~من ظروف عدم استقرار في الزمن، صحيح أن شيئا من المباني والشوارع لم ~~يتغير، ولكن الذي يتغير هو الظروف التي تقابلها، وصحيح أن ظروف السفر في ~~زماننا قد اختلفت عن السفر من قديم الزمان. # إن المشقة في الانتقال قديما كانت عالية، ولكن لنقارن سفر الأمس مع سفر ~~اليوم من ناحية الإقامة. وستجد أن سفر الآن بإقامة الآن فيه مشقة، ومن ~~العجب أن الذين يناقشون هذه الرخصة يناقشونها ليمنعوا الرخصة، ونقول لهم: ~~اعلموا أن تشريع الله للرخص ينقلها إلى حكم شرعي مطلوب وفي ذلك يروي لنا ~~جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل ~~عليه فقال: " ما هذا " فقالوا: صائم فقال: " ليس من البر الصوم في السفر ~~". # وعندما تقرأ النص القرآني تجده يقول: { ومن كان مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام أخر } [البقرة: 185] أي أن ~~مجرد وجود في السفر يقتضي الفطر والقضاء في أيام أخر، ومعنى ذلك أن الله ~~لا يقبل منك الصيام، صحيح أنه سبحانه لم يقل لك: " افطر " ولكن مجرد أن ~~تكون مريضا مرضا مؤقتا أو مسافرا فعليك الصوم في عدة أيام أخر وأنت ~~لن تشرع لنفسك. ولنا في رسول الله أسوة حسنة فقد نهى عن صوم يوم عيد ~~الفطر، لأن عيد الفطر سمي كذلك، لأنه يحقق بهجة المشاركة بنهاية الصوم ~~واجتياز الاختبار، فلا يصح فيه الصوم، والصوم في أول أيام العيد إثم، لكن ~~الصوم في ثاني أيام العيد جائز، لحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم الأضحى ". # وقد يقول قائل: ولكن الصيام في رمضان يختلف عن الصوم في أيام أخر لأن ~~رمضان هو ms0529 الشهر الذي أنزل فيه القرآن. وأقول: إن الصوم هو الذي يتشرف ~~بمجيئه في شهر القرآن، ثم إن الذي أنزل القرآن وفرض الصوم في رمضان هو ~~سبحانه الذي وهب الترخيص بالفطر للمريض أو المسافر ونقله إلى أيام أخر ~~في غير رمضان، وسبحانه لا يعجز عن أن يهب الأيام الأخر نفسها التجليات ~~الصفائية التي يهبها للعبد الصائم في رمضان. إن الحق سبحانه حين شرع ~~الصوم في رمضان إنما أراد أن يشيع الزمن الضيق - زمن رمضان - في الزمن ~~المتسع وهو مدار العام. ونحن نصوم رمضان في الصيف ونصومه في الشتاء وفي ~~الخريف والربيع، إذن فرمضان يمر على كل العام. ويقول الحق: { وعلى ~~الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } [البقرة: 185] ~~والطوق هو القدرة، فيطيقونه أي يدخل في قدرتهم وفي قولهم، والفدية هي ~~إطعام مسكين. ويتساءل الإنسان: كيف يطيق الإنسان الصوم ثم يؤذن له بالفطر ~~مقابل فدية هي إطعام مسكين؟ وأقول: إن هذه الآية دلت على أن فريضة الصوم ~~قد جاءت بتدرج، كما تدرج الحق في قضية الميراث، فجعل الأمر بالوصية، وبعد ~~ذلك نقلها إلى الثابت بالتوريث كذلك أراد الله أن يخرج أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم من دائرة أنهم لا يصومون إلى أن يصوموا صياما يخيرهم ~~فيه لأنهم كانوا لا يصومون ثم جاء الأمر بعد ذلك بصيام لا خيار فيه، فكأن ~~الصوم قد فرض أولا باختيار، وبعد أن اعتاد المسلمون وألفوا الصوم جاء ~~القول الحق: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } [البقرة: ~~185] وفي هذه الآية لم يذكر الحق الفدية أو غيرها. # إذن كانت فرضية الصوم أولا اختيارية بقوله الحق: { وعلى الذين ~~يطيقونه فدية طعام مسكين } [البقرة: 184]، ثم جاء القرار ~~الارتقائي، فصار الصوم فريضة محددة المدة وهي شهر رمضان { شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ~~وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه } [البقرة: 185] وبذلك انتهت مسألة الفدية ~~بالنسبة لمن يطيق الصوم، أما الذي لا يطيق أصلا بأن يكون مريضا أو ~~شيخا، فإن قال الأطباء المسلمون: إن هذا مرض " لا يرجى شفاؤه " نقول ms0530 ~~له: أنت لن تصوم أياما أخر وعليك أن تفدي. لقد جاء تشريع الصوم تدريجيا ~~ككثير من التشريعات التي تتعلق بنقل المكلفين من إلف العادات، كالخمر ~~مثلا والميسر والميراث، وهذه أمور أراد الله أن يتدرج فيها. ويقول قائل: ~~ما دام فرض الصيام كان اختياريا فلماذا قال الحق بعد الحديث عن الفدية { ~~فمن تطوع خيرا فهو خير له } [البقرة: 184]؟ وأقول: ~~عندما كان الصوم اختياريا كان لابد أيضا من فتح باب الخير والاجتهاد ~~فيه، فمن صام وأطعم مسكينا فهذا أمر مقبول منه، ومن صام وأطعم ~~مسكينين، فذاك أمر أكثر قبولا. ومن يدخل مع الله من غير حساب يؤتيه ~~الله من غير حساب، ومن يدخل على الله بحساب، يعطيه الحق بحساب، وقول ~~الحق: { وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184] هو خطوة في ~~الطريق لتأكيد فرضية الصيام، وقد تأكد ذلك الفرض بقوله الحق: { فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه } ولم يأت في هذه الآية بقوله: { ~~وأن تصوموا خير لكم } [البقرة: 184] لأن المسألة قد انتقلت ~~من الاختيار إلى الفرض. إذن فالصيام هو منهج لتربية الإنسان، وكان ~~موجودا قبل أن يبعث الحق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما ~~جاء الرسول صلى الله عليه وسلم دخل الصوم على المسلمين اختياريا في ~~البداية، ثم فريضة من بعد ذلك. وقد شرع الله الصوم في الإسلام بداية ~~بأيام معدودة ثم شرح لنا الأيام المعدودة بشهر رمضان. والذي يطمئن إليه ~~خاطري أن الله بدأ مشروعية الصوم بالأيام المعدودة، ثلاثة أيام من كل شهر ~~وهو اليوم العاشر والعشرون، والثلاثون من أيام الشهر، وكانت تلك هي ~~الأيام المعدودة التي شرع الله فيها أن تصوم وكان الإنسان مخيرا في تلك ~~الأيام المعدودة: إن كان مطيقا للصوم أن يصوم أو أن يفتدي، أما حين شرع ~~الله الصوم في رمضان فقد أصبح الصوم فريضة تعبدية وركنا من أركان ~~الإسلام، وبعد ذلك جاءنا الاستثناء للمريض والمسافر. # إذن لنا أن نلحظ أن الصوم في الإسلام كان على مرحلتين: المرحلة الأولى: ~~أن الله سبحانه وتعالى شرع صيام أيام معدودة، وقد ms0531 شرحنا أحكامها، ~~والمرحلة الثانية هي تشريع الصوم في زمن محدود.. شهر رمضان، والعلماء ~~الذين ذهبوا إلى جواز رفض إفطار المريض وإفطار المسافر لأنهم لم يرغبوا ~~أن يردوا حكمة الله في التشريع، أقول لهم: إن الحق سبحانه وتعالى حين ~~يرخص لابد أن تكون له حكمة أعلى من مستوى تفكيرنا، وأن الذي يؤكد هذا أن ~~الحق سبحانه وتعالى قال: { ومن كان مريضا أو على سفر } ~~[البقرة: 185]. الحكم هنا هو الصوم عدة أيام أخر، ولم يقل فمن أفطر فعليه ~~عدة من أيام آخر، أي أن صوم المريض والمسافر قد انتقل إلى وقت الإقامة ~~بعد السفر، والشفاء من المرض، فالذين قالوا من العلماء: هي رخصة، إن شاء ~~الإنسان فعلها وإن شاء تركها، لابد أن يقدر في النص القرآني { ومن ~~كان مريضا أو على سفر } [البقرة: 185]، فأفطر، { فعدة ~~من أيام أخر } [البقرة: 185]. ونقول: ما لا يحتاج إلى تأويل في ~~النص أولى في الفهم مما يحتاج إلى تأويل، وليكن أدبنا في التعبير ليس أدب ~~ذوق، بل أدب طاعة لأن الطاعة فوق الأدب. إذن فالذين يقولون هذا لا يلحظون ~~أن الله يريد أن يخفف عنا، ثم ما الذي يمنعنا أن نفهم أن الحق سبحانه ~~وتعالى أراد للمريض وللمسافر رخصة واضحة، فجعل صيام أي منهما في عدة من ~~الأيام الأخر. فإن صام في رمضان وهو مريض أو على سفر فليس له صيام، أي أن ~~صيامه لا يعتد به ولا يقبل منه، وهذا ما أرتاح إليه، ولكن علينا أن ندخل ~~في اعتبارنا أن المراد من المرض والسفر هنا، هو ما يخرج مجموع ملكات ~~الإنسان عن سويتها. وما معنى كلمة " شهر " التي جاءت في قوله: { فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه } [البقرة: 185]؟. إن كلمة " شهر ~~" مأخوذة من الإعلام والإظهار، وما زلنا نستخدمها في الصفقات فنقول ~~مثلا: لقد سجلنا البيع في " الشهر العقاري " أي نحن نعلم الشهر ~~العقاري بوجود صفقة، حتى لا يأتي بعد ذلك وجود صفقة على صفقة، فكلمة " ~~شهر " معناها الإعلام والإظهار، وسميت الفترة الزمنية " شهرا " لماذا؟ ~~لأن لها علامة ms0532 تظهرها، ونحن نعرف أننا لا نستطيع أن نعرف الشهر عن طريق ~~الشمس فالشمس هي سمة لمعرفة تحديد اليوم، فاليوم من مشرق الشمس إلى مشرق ~~آخر وله ليل ونهار. ولكن الشمس ليست فيها علامة مميزة سطحية ظاهرة واضحة ~~تحدد لنا بدء الشهر، إنما القمر هو الذي يحدد تلك السمة والعلامة بالهلال ~~الذي يأتي في أول الشهر، ويظهر هكذا كالعرجون القديم، إذن فالهلال جاء ~~لتمييز الشهر، والشمس لتمييز النهار، ونحن نحتاج لهما في تحديد الزمن. # إن الحق سبحانه وتعالى يربط الأعمال العبادية بآيات كونية ظاهرة التي هي ~~الهلال، وبعد ذلك نأخذ من الشمس اليوم فقط لأن الهلال لا يعطيك اليوم، ~~فكأن ظهور الهلال على شكل خاص بعدما يأتي المحاق وينتهي، فميلاد الهلال ~~بداية إعلام وإعلان وإظهار أن الشهر قد بدأ، ولذلك تبدأ العبادات منذ ~~الليلة الأولى في رمضان لأن العلامة - الهلال - مرتبطة بالليل، فنحن ~~نستطلع الهلال في المغرب، فإن رأيناه نقول شهر رمضان بدأ. ولم تختلف هذه ~~المسألة لأن النهار لا يسبق الليل، إلا في عبادة واحدة وهي الوقوف بعرفة، ~~فالليل الذي يجئ بعدها هو الملحق بيوم عرفة. وكلمة " رمضان " مأخوذة من ~~مادة الراء - والميم - والضاد، وكلها تدل على الحرارة وتدل على القيظ " ~~رمض الإنسان " أي حر جوفه من شدة العطش، و " الرمضاء " أي الرمل الحار، ~~وعندما يقال: " رمضت الماشية " أي أن الحر أصاب خفها فلم تعد تقوى أن ~~تضع رجلها على الأرض، إذن فرمضان مأخوذ من الحر ومن القيظ، وكأن الناس ~~حينما أرادوا أن يضعوا أسماء للشهور جاءت التسمية لرمضان في وقت كان ~~حارا، فسموه رمضان كما أنهم ساعة سموا مثلا " ربيعا الأول وربيعا ~~الآخر " كان الزمن متفقا مع وجود الربيع، وعندما سموا جمادى الأولى ~~وجمادى الآخرة " كان الماء يجمد في هذه الأيام. فكأنهم لاحظوا الأوصاف ~~في الشهور ساعة التسمية، ثم دار الزمن العربي الخاص المحدد بالشهور ~~القمرية في الزمن العام للشمس. فجاء رمضان في صيف، وجاء في خريف، لكن ~~ساعة التسمية كان الوقت حارا. وهب أن إنسانا جاءه ولد جميل ms0533 الشكل، ~~فسماه " جميلا ". وبعد ذلك مرض والعياذ بالله بمرض الجدري فشوه وجهه، ~~فيكون الإسم قد لوحظ ساعة التسمية، وإن طرأ عليه فيما بعد ذلك ما يناقض ~~هذه التسمية، وكأن الحق سبحانه وتعالى حينما هيأ للعقول البشرية الواضعة ~~للألفاظ أن يضعوا لهذا الشهر ذلك الاسم، دل على المشقة التي تعتري الصائم ~~في شهر رمضان، وبعد ذلك يعطي له سبحانه منزلة تؤكد لماذا سمي، إنه الشهر ~~الذي أنزل فيه القرآن، والقرآن إنما جاء منهج هداية للقيم، والصوم ~~امتناع عن الاقتيات، فمنزلة الشهر الكريم أنه يربي البدن ويربي النفس، ~~فناسب أن يوجد التشريع في تربية البدن وتربية القيم مع الزمن الذي جاء ~~فيه القرآن بالقيم، { شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن } [البقرة: 185]. وإذا سمعت { أنزل فيه القرآن } ~~[البقرة: 185] فافهم أن هناك كلمات " أنزل " و " نزل " و " نزل " ، ~~فإذا سمعت كلمة " أنزل " تجدها منسوبة إلى الله دائما: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. أما في كلمة " نزل " فهو سبحانه يقول: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. وقال الحق: # تنزل الملائكة.. # [القدر: 4]. إذن فكلمة " أنزل " مقصورة على الله، إنما كلمة " نزل " ~~تأتي من الملائكة، و " نزل " تأتي من الروح الأمين الذي هو " جبريل " ~~، فكأن كلمة " أنزل " بهمزة التعدية، عدت القرآن من وجوده مسطورا في ~~اللوح المحفوظ إلى أن يبرز إلى الوجود الإنساني ليباشر مهمته. وكلمة " ~~نزل " و " نزل " نفهمهما أن الحق أنزل القرآن من اللوح المحفوظ ~~إلى السماء الدنيا مناسبا للأحداث ومناسبا للظروف، فكان الإنزال في ~~رمضان جاء مرة واحدة، والناس الذين يهاجموننا يقولون كيف تقولون: إن ~~رمضان أنزل فيه القرآن مع أنكم تشيعون القرآن في كل زمن، فينزل هنا وينزل ~~هناك وقد نزل في مدة الرسالة المحمدية؟ نقول لهم: نحن لم نقل إنه " نزل " ~~ولكننا قلنا " أنزل " ، فأنزل: تعدي من العلم الأعلى إلى أن يباشر مهمته ~~في الوجود. وحين يباشر مهمته في الوجود ينزل منه " النجم " - يعني ~~القسط القرآني - موافقا للحدث الأرضي ليجيء الحكم وقت حاجتك، فيستقر في ~~الأرض، إنما لو جاءنا القرآن مكتملا مرة ms0534 واحدة فقد يجوز أن يكون عندنا ~~الحكم ولا نعرفه، لكن حينما لا يجيء الحكم إلا ساعة نحتاجه، فهو يستقر في ~~نفوسنا. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت مثلا تريد أن تجهز ~~صيدلية للطوارئ في المنزل، وأنت تضع فيها كل ما يخص الطوارئ التي ~~تتخيلها، ومن الجائز أن يكون عندك الدواء لكنك لست في حاجة له، أما ساعة ~~تحتاج الدواء وتذهب لتصرف تذكرة الطبيب من الصيدلية، عندئذ لا يحدث لبس ~~ولا اختلاط، فكذلك حين يريد الله حكما من الأحكام ليعالج قضية من قضايا ~~الوجود فهو لا ينتظر حتى ينزل فيه حكم من الملأ الأعلى من اللوح المحفوظ، ~~إنما الحكم موجود في السماء الدنيا، فيقول للملائكة: تنزلوا به، وجبريل ~~ينزل في أي وقت شاء له الحق أن ينزل من أوقات البعثة المحمدية، أو الوقت ~~الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن يوجد فيه الحكم الذي يغطي قضية من ~~القضايا. إذن فحينما يوجد من يريد أن يشككنا نقول له: لا. نحن نملك لغة ~~عربية دقيقة، وعندنا فرق بين " أنزل " و " نزل " و " نزل " ولذلك ~~فكلمة " نزل " تأتي للكتاب، وتأتي للنازل بالكتاب يقول تعالى: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. ويقول سبحانه: # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل.. # [الإسراء: 105]. وكان بعض من المشركين قد تساءلوا لماذا لم ينزل القرآن ~~جملة واحدة؟. وانظر إلى الدقة في الهيئة التي أراد الله بها نزول القرآن ~~فقد قال الحق: # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ~~ترتيلا # [الفرقان: 32]. وعندما نتأمل قول الحق: " كذلك " فهي تعني أنه سبحانه ~~أنزل القرآن على الهيئة التي نزل بها لزوما لتثبيت فؤاد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنين، ولو نزل مرة واحدة لكان تكليفا واحدا، ~~وأحداث الدعوة شتى وكل لحظة تحتاج إلى تثبيت. فحين يأتي الحدث ينزل نجم ~~قرآني فيعطي به الحق تثبيتا للنبي صلى الله عليه وسلم، وأضرب مثلا ~~بسيطا - ولله المثل الأعلى والمنزه عن كل تشبيه - أن ابنا لك يريد حلة ~~جديدة أتحضرها له مرة واحدة، ms0535 فتصادفه فرحة واحدة، أم تحضر له في يوم ربطة ~~العنق واليوم الذي يليه تحضر له القميص الجديد، ثم تحضر له " البدلة "؟، ~~إذن فكل شيء يأتي له وقع وفرحة. والحق ينزل القرآن منجما لماذا؟ " لنثبت ~~به فؤادك " ومعنى " لنثبت به فؤادك " أي أنك ستتعرض لمنغصات شتى، وهذه ~~المنغصات الشتى كل منها يحتاج إلى تربيت عليك وتهدئة لك، فيأتي القسط ~~القرآني ليفعل ذلك وينير أمامك الطريق. # كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا # [الفرقان: 32] أي لم نأت به مرة واحدة بل جعلناه مرتبا على حسب ما ~~يقتضيه من أحداث. حتى يتم العمل بكل قسط، ويهضمه المؤمن ثم نأتي بقسط ~~آخر. ولنلحظ دقة الحق في قوله عن القرآن: # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا # [الفرقان: 33]. إن الكفار لهم اعتراضات، ويحتاجون إلى أمثلة، فلو أنه ~~نزل جملة واحدة لأهدرت هذه القضية، وكذلك حين يسأل المؤمنون يقول ~~القرآن: يسألونك عن كذا وعن كذا، ولو شاء الله أن ينزل القرآن دفعة ~~واحدة، فكيف كان يغطي هذه المسألة؟ فما داموا سوف يسألون فلينتظر حتى ~~يسألوا ثم تأتي الإجابة بعد ذلك. إذن فهذا هو معنى " أنزل " أي أنه أنزل ~~من اللوح المحفوظ، ليباشر مهمته في الوجود، وبعد ذلك نزل به جبريل، أو ~~تتنزل به الملائكة على حسب الأحداث التي جاء القرآن ليغطيها. ويقول الحق: ~~{ أنزل فيه القرآن هدى للناس }. ونعرف أن كلمة { هدى ~~} معناها: الشيء الموصل للغاية بأقصر طريق، فحين تضع إشارات في الطريق ~~الملتبسة، فمعنى ذلك أننا نريد للسالك أن يصل إلى الطريق بأيسر جهد، و " ~~هدى " تدل على علامات لنهتدي بها يضعها الخالق سبحانه، لأنه لو تركها ~~للخلق ليضعوها لاختلفت الأهواء، وعلى فرض أننا سنسلم بأنهم لا هوى لهم ~~ويلتمسون الحق، وعقولهم ناضجة، سنسلم بكل ذلك، ونتركهم كي يضعوا المعالم، ~~ونتساءل: وماذا عن الذي يضع تلك العلامات، وبماذا يهتدي؟. # إذن فلابد أن يوجد له هدى من قبل أن يكون له عقل يفكر به، كما أن الذي ~~يضع هذا الهدى لابد ألا ينتفع به، وعلى ذلك ms0536 فالله سبحانه أغنى الأغنياء ~~عن الخلق ولن ينتفع بأي شيء من العباد، أما البشر فلو وضعوا " هدى " ~~فالواضع سينتفع به، ورأينا ذلك رأي العين فالذي يريد أن يأخذ مال ~~الأغنياء ويغتني يخترع المذهب الشيوعي، والذي يريد أن يمتص عرق الغير يضع ~~مذهب الرأسمالية، مذاهب نابعة من الهوى، ولا يمكن أن يبرأ أحد من فلاسفة ~~المذاهب نفسه من الهوى: الرأسمالي يقنن فيميل لهوى نفسه، والشيوعي يميل ~~لنفسه، ونحن نريد من يشرع لنا دون أن ينتفع بما شرع، ولا يوجد من ~~تتطابق معه هذه المواصفات إلا الحق سبحانه وتعالى فهو الذي يشرع فقط، وهو ~~الذي يشرع لفائدة الخلق فقط. والذي يدلك على ذلك أنك تجد تشريعات البشر ~~تأتي لتنقض تشريعات أخرى، لأن البشر على فرض أنهم عالمون فقد يغيب عنهم ~~أشياء كثيرة، برغم أن الذي يضع التشريع يحاول أن يضع أمامه كل التصورات ~~المستقبلية، ولذلك نجد التعديلات تجرى دائما على التشريعات البشرية لأن ~~المشرع غاب عنه وقت التشريع حكم لم يكن في باله، وأحداث الحياة جاءت ~~فلفتته إليه، فيقول: التشريع فيه نقص ولم يعد ملائما، نعدله. إذن فنحن ~~نريد في من يضع الهدى والمنهج الذي يسير عليه الناس بجانب عدم الانتفاع ~~بالمنهج لابد أيضا أن يكون عالما بكل الجزئيات التي قد يأتي بها ~~المستقبل، وهذا لا يتأتى إلا في إله عليم حكيم، ولذلك قال تعالى: # ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.. # [الأنعام: 153]. ستتبعون السبل، هذا له هوى، وهذا له هوى، فتوجد ~~القوانين الوضعية التي تبددنا كلنا في الأرض، لأننا نتبع أهواءنا التي ~~تتغير ولا نتبع منهج من ليس له نفع في هذه المسألة، ولذلك أقول: افطنوا ~~جيدا إلى أن الهدى الحق الذي لا أعترض عليه هو هدى الله، { هدى ~~للناس وبينات من الهدى والفرقان } [البقرة: ~~185]. والقرآن في جملته " هدى " والفرقان هو أن يضع فارقا في أمور يلتبس ~~فيها الحق بالباطل، فيأتي التنزيل الحكيم ليفرق بين الحق والباطل. ويقول ~~الحق: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان ~~مريضا أو على سفر فعدة ms0537 من أيام أخر } [البقرة: ~~185]، وحين تجد تعقيبا على قضية فافهم أن من شهد منكم الشهر فليصمه ~~ولابد أن تقدر من شهد الشهر فليصمه إن كان غير مريض، وإن كان غير مسافر، ~~لابد من هذا ما دام الحق قد جاء بالحكم. و " شهد " هذه تنقسم قسمين: " ~~فمن شهد " أي من حضر الشهر وأدركه وهو غير مريض وغير مسافر أي مقيم، { ~~ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ~~} [البقرة: 185]. # ونريد أن نفهم النص بعقلية من يستقبل الكلام من إله حكيم، إن قول الله: ~~{ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ~~[البقرة: 185]. تعقيب على ماذا؟ تعقيب على أنه أعفى المريض وأعفى المسافر ~~من الصيام، فكأن الله يريد بكم اليسر، فكأنك لو خالفت ذلك لأردت الله ~~معسرا لا ميسرا والله لا يمكن أن يكون كذلك، بل أنت الذي تكون معسرا ~~على نفسك، فإن كان الصوم له قداسة عندك، ولا تريد أن تكون أسوة فلا تفطر ~~أمام الناس، والتزم بقول الله: { فعدة من أيام أخر } ~~[البقرة: 185] لأنك لو جنحت إلى ذلك لجعلت الحكم في نطاق التعسير، فنقول ~~لك: لا، إن الله يريد بك اليسر، فهل أنت مع العبادة أم أنت مع المعبود؟ ~~أنت مع المعبود بطبيعة الإيمان. ومثال آخر نجده في حياتنا: هناك من يأتي ~~ليؤذن ثم بعد الأذان يجهر بقوله: " الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول ~~الله " يقول: إن هذا حب لرسول الله، لكن هل أنت تحب الرسول إلا بما شرع؟ ~~إنه قد قال: # " إذا سمعت النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن ثم صلوا علي " # فقد سمح الرسول صلى الله عليه وسلم لمن يؤذن ولمن يسمع أن يصلي عليه في ~~السر، لا أن يأتي بصوت الأذان الأصيل وبلهجة الأذان الأصيلة ونصلي على ~~النبي، لأن الناس قد يختلط عليها، وقد يفهم بعضهم أن ذلك من أصول الأذان. ~~إنني أقول لمن يفعل ذلك: يا أخي، ألا توجد صلاة مقبولة على النبي إلا ~~المجهور بها؟ ms0538 لا، إن لك أن تصلي على النبي، لكن في سرك. وكذلك إن جاء من ~~يفطر في رمضان لأنه مريض أو على سفر، نقول له: استتر، حتى لا تكون أسوة ~~سيئة لأن الناس لا تعرف أنك مريض أو على سفر، استتر كي لا يقول الناس: إن ~~مسلما أفطر. ويقول الحق: { ولتكملوا العدة } [البقرة: 185] ~~فمعناها كي لا تفوتكم أيام من الصيام. انظروا إلى دقة الأداء القرآني في ~~قوله: { ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم ~~تشكرون } [البقرة: 185]. إن العبادة التي نفهم أن فيها مشقة هي ~~الصيام وبعد ذلك تكبرون الله لأن الحق سبحانه عالم أن عبده حين ينصاع ~~لحكم أراده الله وفيه مشقه عليه مثل الصوم ويتحمله، وعندما يشعر بأنه قد ~~انتهى منه إنه سبحانه عالم بأن العبد سيجد في نفسه إشراقا يستحق أن يشكر ~~الله الذي كلفه بالصوم ووفقه إلى أدائه لأن معنى { ولتكبروا ~~الله } [البقرة: 185] يعني أن تقول: " الله أكبر " وأن تشكره على ~~العبادة التي كنت تعتقد أنها تضنيك، لكنك وجدت فيها تجليات وإشراقات، ~~فتقول: الله أكبر من كل ذلك، الله أكبر لأنه حين يمنعني يعطيني، وسبحانه ~~يعطي حتى في المنع فأنت تأخذ مقومات حياة ويعطيك في رمضان ما هو أكثر من ~~مقومات الحياة وهو الإشراقات التي تتجلى لك، وتذوق حلاوة التكليف وإن كان ~~قد فوت عليك الاستمتاع بنعمة فإنه أعطاك نعمة أكثر منها. # وبعد ذلك فالنسق القرآني ليس نسقا من صنع البشر، فنحن نجد أن نسق البشر ~~يقسم الكتاب أبوابا وفصولا ومواد كلها مع بعضها، ويفصل كل باب بفصوله ~~ومواده، وبعد ذلك ينتقل لباب آخر، لكن الله لا يريد الدين أبوابا، وإنما ~~يريد الدين وحدة متكاتفة في بناء ذلك الإنسان، فيأتي بعد قوله: " ~~ولتكبروا الله " ب " ولعلكم تشكرون " ومعنى ذلك أنكم سترون ~~ما يجعلكم تنطقون ب " الله أكبر " لأن الله أسدى إليكم جميلا، وساعة ~~يوجد الصفاء بين " العابد " وهو الإنسان و " المعبود " وهو الرب، ويثق ~~العابد بأن المعبود لم يكلفه إلا بما يعود عليه بالخير، هنا يحسن العبد ~~ظنه بربه، ms0539 فيلجأ إليه في كل شيء، ويسأله عن كل شيء، ولذلك جاء هنا قول ~~الحق: { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب ~~دعوة الداع إذا دعان... }. ### || [2.186] # وما دمت قد ذقت حلاوة ما أعطاك الحق من إشراقات صفائية في الصيام فأنت ~~ستتجه إلى شكره سبحانه، وهذا يناسب أن يرد عليك الحق فيقول: { وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب } [البقرة: 186] ونلحظ أن " ~~إذا " جاءت، ولم تأتي " إن " فالحق يؤكد لك أنك بعدما ترى هذه الحلاوة ~~ستشكر الله لأنه سبحانه يقول في الحديث القدسي: # " ثلاثة لا ترد دعوتهم، الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة ~~المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: ~~وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين ". # فما دام سبحانه سيجيب الدعوة، وأنت قد تكون من العامة لا إمامة لك، ~~وكذلك لست مظلوما، إذن تبقى دعوة الصائم. وعندما تقرأ في كتاب الله كلمة ~~" سأل " ستجد أن مادة السؤال بالنسبة للقرآن وردت وفي جوابها " قل ". # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير.. # [البقرة: 219]. وقوله: # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو.. # [البقرة: 219]. وقوله: # يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير.. # [البقرة: 215]. وكل " يسألونك " يأتي في جوابها " قل " إلا آية واحدة ~~جاءت فيها " فقل " بالفاء، وهي قول الحق: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي.. # [طه: 105]. انظر إلى الدقة الأدائية: الأولى " قل " ، وهذه " فقل " ، ~~فكأن # يسألونك عن الخمر والميسر # [البقرة: 219] يؤكد أن السؤال قد وقع بالفعل، ولكن قوله: # ويسألونك عن الجبال # [طه: 105]، فالسؤال هذا ستتعرض له، فكأن الله أجاب عن أسئلة وقعت بالفعل ~~فقال: " قل " ، والسؤال الذي سيأتي من بعد ذلك جاء وجاءت إجابته ب " فقل ~~" أي أعطاه جوابا مسبقا، إذن ففيه فرق بين جواب عن سؤال حدث، وبين جواب ~~عن سؤال سوف يحدث، ليدلك على أن أحدا لن يفاجئ الله بسؤال، # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105]. لكن نحن الآن أمام آية جاء فيها سؤال وكانت الإجابة مباشرة: ~~{ وإذا سألك عبادي عني } [البقرة: 186]. فلم يقل: فقل: ~~إني قريب لأن قوله: ms0540 " قل " هو عملية تطيل القرب، ويريد الله أن يجعل ~~القرب في الجواب عن السؤال بدون وساطة { وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب } [البقرة: 186]. لقد جعل الله الجواب منه ~~لعباده مباشرة، وإن كان الذي سيبلغ الجواب هو رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~وهذه لها قصة: لقد سألوا رسول الله: أقريب ربك فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ ~~لأن عادة البعيد أن ينادي، أما القريب فيناجي، ولكي يبين لهم القرب، ~~حذف كلمة " قل " ، فجاء قول الحق: { وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب } [البقرة: 186] وما فائدة ذلك القرب؟ إن الحق يقول: { ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان } [البقرة: 186] ولكن ما الشروط ~~اللازمة لذلك؟ لقد قال الحق: { وإذا سألك عبادي } [البقرة: ~~186] ونعرف أن فيه فرقا بين " عبيد " و " عباد " ، صحيح أن مفرد كل ~~منهما " عبد " ، لكن هناك " عبيد " و " عباد " ، وكل من في الأرض عبيد ~~الله، ولكن ليس كل من في الأرض عبادا لله، لماذا؟ لأن العبيد هم الذين ~~يقهرون في الوجود كغيرهم بأشياء، وهناك من يختارون التمرد على الحق، لقد ~~أخذوا اختيارهم تمردا، لكن العباد هم الذين اختاروا الانقياد لله في كل ~~الأمور. # إنهم منقادون مع الجميع في أن واحدا لا يتحكم متى يولد، ولا متى يموت، ~~ولا كيف يوجد، لكن العباد يمتازون بأن الأمر الذي جعل الله لهم فيه ~~اختيارا قالوا: صحيح يا رب أنت جعلت لنا الاختيار، وقد اخترنا منهجك، ~~ولم نترك هوانا ليحكم فينا، أنت قلت سبحانك: " افعل كذا " و " لا تفعل ~~كذا " ونحن قبلنا التكليف منك يا رب. ولا يقول لك ربك: " افعل " إلا إذا ~~كنت صالحا للفعل ولعدم الفعل. ولا يقول لك: " لا تفعل " إلا إذا كنت ~~صالحا لهذه ولهذه. إذن فكلمة " افعل " و " لا تفعل " تدخل في الأمور ~~الاختيارية، والحق قد قال: " افعل " و " لا تفعل " ثم ترك أشياء لا يقول ~~لك فيها " افعل " و " لا تفعل " ، فتكون حرا في أن تفعلها أو لا تفعلها، ~~اسمها " منطقة الاختيار المباح " ، فهناك اختيار قيد بالتكليف بافعل ~~ولا تفعل، واختيار بقي لك أن ms0541 تفعله أو لا تفعله ولا يترتب عليه ضرر فالذي ~~أخذ الاختيار وقال: يا رب أنت وهبتني الاختيار، ولكنني تركت لك يا واهب ~~الاختيار أن توجه هذا الاختيار كما تحب، أنا سأتنازل عن اختياري، وما ~~تقول لي: " افعل " سأفعله، والذي تقول لي: " لا تفعله " لن أفعله. إذن ~~فالعباد هم الذين أخذوا منطقة الاختيار، وسلموها لمن خلق فيهم الاختيار، ~~وقالوا لله: وإن كنت مختارا إلا أنني أمنتك على نفسي. إن العباد هم ~~الذين ردوا أمر الاختيار إلى من وهب الاختيار ويصفهم الحق بقوله: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين ~~يبيتون لربهم سجدا وقياما # [الفرقان: 63-64]. هؤلاء هم عباد الرحمن، ولذلك يقول الحق للشيطان في ~~شأنهم: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان.. # [الحجر: 42]. إذن فللشيطان سلطان على مطلق عبيد لأنه يدخل عليهم من باب ~~الاختيار، ولم تأت كلمة " عبادي " لغير هؤلاء إلا حين تقوم الساعة، ~~ويحاسب الحق الذين أضلوا العباد فيقول: # أأنتم أضللتم عبادي.. # [الفرقان: 17]. ساعة تقوم الساعة لا يوجد الاختيار ويصير الكل عبادا ~~حتى الكفرة لم يعد لهم اختيار. وحين يقول الحق: { وإذا سألك ~~عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا ~~دعان } [البقرة: 186] فالعباد الذين التزموا لله بالمنهج الإيماني لن ~~يسألوا الله إلا بشيء لا يتنافى مع الإيمان وتكاليفه. والحق يقول: { ~~فليستجيبوا لي } [البقرة: 186] لأن الدعاء يطلب جوابا، وما دمت ~~تطلب إجابة الدعاء فتأدب مع ربك فهو سبحانه قد دعاك إلى منهجه فاستجب له ~~إن كنت تحب أن يستجيب الله لك { فليستجيبوا لي } [البقرة: 186]، ~~وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه وتعالى في كلمة " الداع " ولا يتركها مطلقة، ~~فيقول: " إذا دعان " فكأن كلمة " دعا " تأتي ويدعو بها الإنسان، وربما ~~اتجه بالدعوة إلى غير القادر على الإجابة، ومثال ذلك قول الحق: # إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم.. # [الأعراف: 194]. وقوله الحق: # إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم.. # [فاطر: 14]. فكأن الداعي قد يأخذ صفة يدعو بها غير مؤهل للإجابة، والحق ~~هنا قال: { أجيب دعوة الداع إذا دعان } [البقرة: ms0542 186] أما ~~إذا ذهب فدعا غير قادر على الوفاء فالله ليس مسئولا عن إجابة دعوته. إن ~~الحق سبحانه وتعالى يريد أن يعلمنا أن الإنسان يدعو بالخير لنفسه، وأنت ~~لا تستطيع أن تحدد هذا الخير لأنك قد تنظر إلى شيء على أنه الخير وهو شر، ~~وما دمت تدعو فأنت تظن أن ذلك هو الخير، إذن فملحظية الأصل في الدعاء هي ~~أنك تحب الخير، ولكنك قد تخطىء الطريق إلى فهم الخير أو الوسيلة إلى ~~الخير، أنت تحب الخير لا جدال، لذلك تكون إجابة ربك إلى دعائك هي أن يمنع ~~إجابة دعوتك إن كانت لا تصادف الخير بالنسبة لك، ولذلك يجب ألا تفهم أنك ~~حين لا تجاب دعوتك كما رجوت وطلبت أن الله لم يستجب لك فتقول: لماذا لم ~~يستجب الله لي؟. لا لقد استجاب لك، ولكنه نحى عنك حمق الدعوة أو ما ~~تجهل بأنه شر لك. فالذي تدعوه هو حكيم فيقول: " أنا سأعطيك الخير، والخير ~~الذي أعلمه أنا فوق الخير الذي تعلمه أنت، ولذلك فمن الخير لك ألا تجاب ~~إلى هذه الدعوة ". وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى -: قد يطلب منك ~~ابنك الصغير أن تشتري له مسدسا، وهو يظن أن مسألة المسدس خير، لكنك تؤخر ~~طلبه وتقول له: فيما بعد سأشتري لك المسدس إن شاء الله، وتماطل ولا تأتيه ~~بالمسدس، فهل عدم مجيئك بالمسدس له على وفق ما رأى هو منع للخير عنه؟ إن ~~منعك للمسدس عنه فائدة وصيانة وخير للابن. # إذن، فالخير يكون دائما على مقدار الحكمة في تناول الأمور، وأنت تمنع ~~المسدس عن ابنك، لأنك قدرت أنه طفل ويلهو مع رفاقه وقد يتعرض لأشياء ~~تخرجه عن طوره وقد يتسبب في أن يؤذيه أحد، وقد يؤذي هو أحدا بمثل هذا ~~المسدس. وكذلك يكون حظك من الدعاء لا يستجاب لأن ذلك قد يرهقك أنت.. ~~والحق سبحانه وتعالى يقول: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # [الإسراء: 11]. ولذلك يقول سبحانه: # سأوريكم آياتي فلا تستعجلون # [الأنبياء: 37]. والعلماء يقولون: إن الدعاء إن قصدت به الذلة ms0543 والعبودية ~~يكون جميلا، أما الإجابة فهي إرادة الله، وأنت إن قدرت حظك من الدعاء في ~~الإجابة عليه فأنت لا تقدر الأمر. إن حظك من الدعاء هو العبادة والذلة ~~لله لأنك لا تدعو إلا إذا اعتقدت أن أسبابك كبشر لا تقدر على هذه، ولذلك ~~سألت من يقدر عليها، وسألت من يملك، ولذلك يقول الله في الحديث القدسي: # " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ". # ولنتعلم ما علمه رسول الله لعائشة أم المؤمنين. لقد سألت رسول الله ~~إذا صادفت ليلة القدر فقالت: إن أدركتني هذه الليلة بماذا أدعو؟ انظروا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد علم أم المؤمنين عائشة أن تدعو ~~بمقاييس الخير الواسع فقال لها: # " قولي: اللهم إنك تحب العفو فاعف عني ". # ولا يوجد جمال أحسن من العفو، ولا يوجد خير أحسن من العفو، فلا أقول ~~أعطني، أعطني لأن هذا قد ينطبق عليه قول الحق: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # [الإسراء: 11]. فمن يقول: لقد دعوت ربي فلم يستجب لي، نقول له: لا تكن ~~قليل الفطنة فمن الخير لك أنك لا تجاب إلى ما طلبت فالله يعطيك الخير في ~~الوقت الذي يريده. وبعد ذلك يترك الحق لبعض قضايا الوجود في المجتمع أن ~~تجيبك إلى شيء ثم يتبين لك منه الشر، لتعلم أن قبض إجابته عنك كان هو عين ~~الخير، ولذلك فإن الدعاء له شروط، فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعونا إلى ~~الطيب من الرزق. فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة قوله: # " ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده إلى السماء: يا رب يا رب ~~ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له " # إن الرسول يكشف أمامنا كيف يفسد جهاز الإنسان الذي يدعو، لذلك فعدم ~~إجابة الدعوة إما لأن جهاز الدعوة جهاز فاسد، وإما لأنك دعوت بشيء تظن أن ~~فيه الخير لك لكن الله يعلم أنه ليس كذلك، ولهذا يأخذ بيدك إلى مجال ~~حكمته، ويمنع عنك الأمر الذي يحمل لك ms0544 الشر. وشيء آخر، قد يحجب عنك ~~الإجابة، لأنه إن أعطاك ما تحب فقد أعطاك في خير الدنيا الفانية، وهو ~~يحبك فيبقي لك الإجابة إلى خير الباقية، وهذه ارتقاءات لا ينالها إلا ~~الخاصة، وهناك ارتقاءات أخرى تتمثل في أنه ما دام الدعاء فيه ذلة وخضوع ~~فقد يطبق الله عليك ما جاء في الحديث القدسي: # " ينزل الله تعالى في السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له أو ~~يسألني فأعطيه؟ ثم يقول: من يقرض غير عديم ولا ظلوم ". # ولأن الإنسان مرتبط بمسائل يحبها، فما دامت لم تأت فهو يقول دائما يا ~~رب. وهذا الدعاء يحب الله أن يسمعه من مثل هذا العبد فيقول: # " إن من عبادي من أحب دعاءهم فأنا أبتليهم ليقولوا: يا رب " # إن الإنسان المؤمن لا يجعل حظه من الدعاء أن يجاب، إنما حظه من الدعاء ~~ما قاله الحق: # قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعآؤكم.. # [الفرقان: 77]. إن معنى الربوبية والمربوبية أن تقول دائما: " يا رب ". ~~واضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - الأب قد يعطي ابنه مصروف اليد كل ~~شهر، والابن يأخذ مصروف اليد الشهري ويغيب طوال الشهر ولا يحرص على رؤية ~~والده. لكن الأب حين يعطي مصروف اليد كل يوم، فالابن ينتظر والده، وعندما ~~يتأخر الوالد قليلا فإن الابن يقف لينتظر والده على الباب لقد ربط الأب ~~ابنه بالحاجة ليأنس برؤياه. والحق سبحانه يضع شرطا للاستجابة للدعاء، ~~وهو أن يستجيب العبد لله سبحانه وتعالى فيما دعاه إليه. عندئذ سيكون ~~العباد أهلا للدعاء، ولذلك قال الحق في الحديث القدسي: # " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ". # ومثال ذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، قال له ~~جبريل: ألك حاجة؟. لم ينف أن له حاجة، فلا يوجد استكبار على البلوى، ~~ولكنه قال لجبريل: أما إليك فلا، صحيح أن له حاجة إنما ليست لجبريل، لأنه ~~يعلم جيدا أن نجاته من النار المطبوعة على أن تحرق وقد ألقي فيها، ~~هي عملية ليست لخلق أن يتحكم فيها ولكنها قدرة لا ms0545 يملكها إلا من خلق ~~النار. فقال لجبريل: أما إليك فلا، وعلمه بحالي يغني عن سؤالي. لذلك جاء ~~الأمر من الحق: # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. ولنتعلم من الإمام علي كرم الله وجهه حين دخل عليه ~~إنسان يعوده وهو مريض فوجده يتأوه، فقال له: أتتأوه وأنت أبو الحسن. قال: ~~أنا لا أشجع على الله. إذن فقوله: { وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي } [البقرة: 186] تعني ضرورة ~~الاستجابة للمنهج، { وليؤمنوا بي } [البقرة: 186] أي أن يؤمنوا ~~به سبحانه إلها حكيما. # وليس كل من يسأل يستجاب له بسؤاله نفسه لأن الألوهية تقتضي الحكمة التي ~~تعطي كل صاحب دعوة خيرا يناسب الداعي لا بمقاييسه هو ولكن بمقاييس من ~~يجيب الدعوة. ويذيل الحق الآية بقول: { لعلهم يرشدون } ~~[البقرة: 186] فما معنى " يرشدون "؟ إنه يعني الوصول إلى طريق الخير وإلي ~~طريق الصواب. وهذه الآية جاءت بعد آية # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس # [البقرة: 185] كي تبين لنا أن الصفائية في الصيام تجعل الصائم أهلا ~~للدعاء، وقد لا يكون حظك من هذا الدعاء الإجابة، وإنما يكون حظك فيه ~~العبادة، ولكي يبين لنا الحق بعض التكليفات الإلهية للبشر فهو يأتي بهذه ~~الآية التي يبين بها ما يحل لنا في رمضان. يقول الحق: { أحل لكم ~~ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم ~~وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم... }. ### || [2.187] # بعد أن أورد لنا الحق آداب الدعاء ومزجها وأدخلها في الصوم، يشرح لنا ~~سبحانه آداب التعامل بين الزوجين في أثناء الصيام، ويأتي هذا التداخل ~~والامتزاج بين الموضوعات المختلفة في القرآن لنفهم منه أن الدين وحدة ~~متكاتفة تخاطب كل الملكات الإنسانية، ولا يريد سبحانه أن تظهر أو تطغى ~~ملكة على ملكة أبدا. يقول الحق: { أحل لكم ليلة الصيام ~~الرفث إلى نسآئكم } [البقرة: 187] وساعة تسمع " أحل لكم " ~~فكأن ما يأتي بالتحليل كان محرما من قبل. والذي أحله الله في هذا القول ~~كان المحرم ms0546 عينه في الصيام، لأن الصيام إمساك بالنهار عن شهوة البطن ~~وشهوة الفرج، فكأنه قبل أن تنزل هذه الآية كان الرفث إلى النساء في ليل ~~الصيام حراما، فقد كان الصيام في بدايته إمساكا عن الطعام من قبل الفجر ~~إلى لحظة الغروب، ولا اقتراب بين الزوجين في الليل أو النهار. فكان الرفث ~~في ليلة الصيام محرما. وكان يحرم عليهم الطعام والشراب بعد صلاة العشاء ~~وبعد النوم حتى يفطروا. وجاء رجل وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ذهبت فلم أجد أهلي قد أعدوا لي طعاما، فنمت، فاستيقظت يا رسول الله ~~فعلمت أني لا أقدر أن آكل ولذلك فأنا أعاني من التعب، فأحل الله مسألتين: ~~المسألة الأولى هي: الرفث إلى النساء في الليل، والمسألة الثانية قوله ~~الحق: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } [البقرة: 187] أي ~~كلوا واشربوا إلى الفجر حتى ولو حصل منكم نوم، وهذه رخصة جديدة لكل ~~المسلمين مثلها مثل الرخصة الأولى التي جاءت للمسافر أو المريض، كانت ~~الرخصة الأولى بخصوص مشقة الصوم على المسافر أو المريض، أما الرخصة ~~الجديدة فهي عامة لكل مسلم وهي تعميق لمفهوم الحكم. وقد ترك الحق هذا ~~الترخيص مؤجلا بعض الشيء لكي يدرك كل مسلم مدى التخفيف، لأنه قد سبق له ~~أن تعرض إلى زلة المخالفة، ورفعها الله عنه، وانظر للآية القرآنية وهي ~~تقول: { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم ~~الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم } [البقرة: 187]. ~~كلمة " تختانون أنفسكم " هذه تعلمنا أن الإنسان لم يقو على الصوم كل ~~الوقت عن شهوة الفرج، فعندما تركك تختان نفسك، ثم أنزل لك الترخيص، هنا ~~تشعر بفضل الله عليك. إذن فبعض الرخص التي يرخص الله لعباده في التكاليف: ~~رخصة تأتي مع التشريع، ورخصة تخفيفية تأتي بعد أن يجيء التشريع، لينبه ~~الحق أنه لو لم يفعل ذلك لتعرضتم للخيانة والحرج { علم الله ~~أنكم كنتم تختانون أنفسكم } [البقرة: 187] وانظر ~~الشجاعة في أن عمر رضي الله عنه، يذهب إلى النبي ويقول له: أنا يا رسول ~~الله ذهبت ms0547 كما يذهب الشاب، والذي جاع أيضا يقول للرسول عليه الصلاة ~~والسلام: إنه جاع، وجاء التشريع ليناسب كل المواقف، فنمسك نهارا عن ~~شهوتي البطن والفرج، وليلا أحل الله لنا شهوتي البطن والفرج، وهذا ~~التخفيف إنما جاء بعد وقوع الاختيان ليدلنا على رحمة الله في أنه قدر ظرف ~~الإنسان، { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسآئكم } [البقرة: 187]، و " الرفث " هو الاستمتاع بالمرأة، سواء ~~كان مقدمات أو جماعا. # . { هن لباس لكم وأنتم لباس لهن } [البقرة: ~~187]. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا عملية التحام الرجل والمرأة ~~بكلمة الله، و " اللباس " هو الذي يوضع على الجسم للستر، فكأن المرأة ~~لباس للرجل والرجل لباس للمرأة واللباس أول مدلولاته ستر العورة. فكأن ~~الرجل لباس للمرأة أي ستر عورتها، والمرأة تستر عورته، فكأنها عملية ~~تبادلية، فهذا يحدث في الواقع فهما يلتفان في ثوب واحد، ولذلك يقول: " ~~باشروهن " أي هات البشرة على البشرة. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن ~~يعلمنا أن المرأة لباس ساتر للرجل، والرجل لباس ساتر للمرأة، ويريد الحق ~~سبحانه وتعالى أن يظل هذا اللباس سترا بحيث لا يفضح شيئا من الزوجين ~~عند الآخرين. ولذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام يحذرنا أن يحدث بين الرجل ~~وأهله شيء بالليل وبعد ذلك تقول به المرأة نهارا، أو يقول به الرجل، ~~فهذا الشيء محكوم بقضية الستر المتبادل. { هن لباس لكم ~~وأنتم لباس لهن } [البقرة: 187]. وما دام هن لباس لكم وأنتم ~~لباس لهن، فيكون من رحمة التشريع بالإنسان وقد ضم الرجل والمرأة لباس ~~واحد وبعد ذلك نطلب منهما أن يمتنعا عن التواصل. إذن فقوله: " تختانون ~~أنفسكم " كان مسألة حتمية طبيعية، ولذلك قال الحق بعدها: " فتاب عليكم " ~~ومعنى " تاب عليكم " هو إخبار من الله بأنه تاب، وحين يخبر الله بأنه ~~تاب، أي شرع لهم التوبة، والتوبة كما نعرف تأتي على ثلاث مراحل: يشرع ~~الله التوبة أولا، ثم تتوب أنت ثانيا، ثم يقبل الله التوبة ثالثا، " ~~وعفا عنكم " لأنه ما دام قد جعل هذه العملية لحكمة إبراز سمو التشريع في ~~التخفيف، فيكون القصد أن ms0548 تقع هنا وأن يكون العفو منه - سبحانه -. ويقول ~~الحق: { فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم } ~~[البقرة: 187] فلم يشأ أن يترك المباشرة على عنانها فقال: أنت في ~~المباشرة لابد أن تتذكر ما كتبه الله، وما كتبه الله هو الإعفاف بهذا ~~اللقاء والإنجاب، فالمرأة تقصد إعفاف الرجل حتى لا تمتد عينه إلى امرأة ~~أخرى، وهو يقصد أيضا بهذه العملية أن يعفها حتى لا تنظر إلى غيره، والله ~~يريد الإعفاف في تلك المسألة لينشأ الطفل في هذا اللقاء على أرض صلبة من ~~الطهر والنقاء. # وحتى لا يتشكك الرجل في بضع منه هم أبناؤه، والحق سبحانه يريد طهارة ~~الإنسان، فكل نسل يجب أن يكون محسوبا على من استمتع، وبعد الاستمتاع، ~~عليه أن يتحمل كل أمر بحقه. { فالآن باشروهن وابتغوا ما ~~كتب الله لكم } [البقرة: 187] أي ما كتب الله من أن الزواج ~~للإعفاف والإنجاب. وفي ذلك طهارة لكل أفراد المجتمع. ولذلك قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " وفي بضع أحدكم صدقة. قالوا يا رسول الله: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له ~~أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها ~~في الحلال كان له أجر ". # ويتابع الحق: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود } [البقرة: 187] أي إلى ~~أن يتضح لكم الفجر الصادق. وكان هناك على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أذانان للفجر، كان بلال يؤذن بليل، أي ومازال الليل موجودا، وكان ~~ابن أم مكتوم يؤذن في اللحظة الأولى من الفجر، ولذلك قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " فإن سمعتم أذان ابن أم مكتوم فأمسكوا ". # لكن أحد الصحابة وهو عدي بن حاتم قال: أنا جعلت بجواري خيطا أبيض ~~وخيطا أسود، وأظل آكل حتى أتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود. فقال له: ~~إنك لعريض القفا أي قليل الفطنة فالمراد هنا بياض النهار وسواد الليل. ~~ويتابع الحق: { ثم أتموا الصيام إلى اليل ولا ~~تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } [البقرة: ~~187]. لقد كانوا يفهمون أن المباشرة في الليل حسب ما ms0549 شرع الله لا تفسد ~~الصوم. ولكن كان لابد من وضع آداب للسلوك داخل المسجد أو لآداب سنة ~~الاعتكاف التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من ~~رمضان لهذا أوضح الحق أن حلال المباشرة بين الرجل وزوجته هو لغير المعتكف ~~وفي غير ليل رمضان. أما المعتكف في المسجد فذلك الأمر لا يحل له، ومعنى ~~الاعتكاف هو أن تحصر حركتك في زمن ما على وجودك في مكان ما، ولذلك ~~يقولون: " فلان معتكف هذه الأيام " أي حبس حركته في زمن ما في مكان ما، ~~وليس معنى ذلك أن الاعتكاف مقصور على العشر الأواخر من رمضان فقط، ولكن ~~للمسلم أن يعتكف في بيت الله في أي وقت. واختلف العلماء في الاعتكاف، ~~بعضهم اشترط أن يكون المرء صائما حين يعتكف، واشترطوا أيضا أن يكون ~~الاعتكاف لمدة معينة، وأن يكون بالمسجد، وقالوا: إن أردت الاعتكاف، فاحصر ~~حركتك في مكان هو بيت الله. وكثير من العلماء يقولون: إنك إذا دخلت ~~المسجد تأخذ ثواب الاعتكاف ما دمت قد نويت سنة الاعتكاف بشرط ألا تتكلم ~~في أي أمر من أمور الدنيا لأنك جئت من حركتك المطلقة في الأرض إلى بيت ~~الله في تلك اللحظة، فاجعل لحظاتك لله. # ولذلك # " حينما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ينشد ضالته في المسجد ~~- أي شيئا قد ضاع منه - فقال له: " لا ردها الله عليك فإن المساجد لم ~~تبن لهذا ". # لماذا؟ لأن المسجد مكان للعبادة، ولذلك أقول لمن يحدثني في المسجد بأي ~~شيء يتعلق بحركة الحياة: " أبشر بأنها لن تنفع " لأنك دخلت المسجد ~~للعبادة فقط، إن لحظة دخولك المسجد هي لحظة جئت فيها لتقترب من ربك ~~وتناجيه، وتعيش في حضن عنايته، فلماذا تأتي بالدنيا معك؟ وليكن لنا في ~~أحد الصحابة قدوة حسنة كان يقول: كنا نخلع أمر الدنيا مع نعالنا. وزاد ~~صحابي آخر فقال له: وزد يا أخي أننا نترك أقدارنا مع نعالنا. انظر إلى ~~الدقة، إن الصحابي المتبع لا يخلع الدنيا مع نعله فقط على باب المسجد، ms0550 ~~ولكن يخلع أيضا قدره في الدنيا. فيمكن أن تأخذك الدنيا ساعات اليوم ~~الكثيرة، والمسجد لن يأخذ منك إلا الوقت القليل، فضع قدرك مع نعلك خارج ~~المسجد، وادخل بلا قدر إلا قدر إيمانك بالله. واجلس في المكان الذي تجده ~~خاليا. فلا تتخط الرقاب لتصل إلى مكان معين في المسجد. فأنت تدخل ~~بعبودية لله وقد يأتي مجلسك بجانب من يخدمك، والصغير يقعد بجانب الكبير، ~~ولا تلحظ لك قدرا إلا قدرك عند الله. إن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يجلس حيث ينتهي به المجلس. أي عندما يجد مكانا له، وهذا خلاف زماننا حيث ~~يحجز إنسان مكانا لإنسان آخر بالسجادة، وقد يدخل إنسان ليتخطى الرقاب، ~~ويجلس في الصف الأول وهو لا يعلم أن الله قد صف الصفوف قبل أن يأتي هو ~~إلى المسجد. وما دمنا سنترك أقدارنا فلا تقل أين سأجلس وبجوار من؟ بل ~~اجلس حيث ينتهي بك المجلس ولا تتخط الرقاب. وانو الاعتكاف ولا تتكلم في ~~أي أمر من أمور الدنيا حتى لا تدخل في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بألا يبارك الله لك في الضالة التي تنشدها وتطلبها. وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يعتكف في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فهل معنى ذلك ~~أن الاعتكاف لا يصح إلا في المساجد؟ لا إن الاعتكاف يصح في أي مكان، ولكن ~~الاعتكاف بالمسجد هو الاعتكاف الكامل لأنك تأخذ فيه بالزمان والمكان ~~معا. { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ~~تلك حدود الله فلا تقربوها } [البقرة: 187] ومعنى " الحد ~~" هو الفاصل المانع من اختلاط شيء بشيء، وحدود الله هي محارمه. والرسول ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # ".. ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن ~~يواقعه، ألا إن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه ". # إذن فالمحارم هي التي يضع الله لها حدا فلا نتعداه. ولنا أن نلحظ أنه ~~ساعة ينهى الله عن شيء فهو يقول: " فلا تقربوها " وساعة يأمر بأمر يقول ~~سبحانه: فلا ms0551 تعتدوها ". وفي ذلك رحمة من الله بك أيها المكلف. فلا تجعل ~~امرأتك تأتيك وأنت في معتكفك، فقد تكون جميلة، صحيح أنك لا تنوى أن تفعل ~~أي شيء، لكن عليك ألا تقرب أسباب النواهي، ومثال ذلك تحريم الخمر لقد أمر ~~الحق باجتنابها أي ألا تقرب حتى مكان الخمر لأن الاقتراب قد يزين لك أمر ~~احتسائها، إذن فلكي تمنع نفسك من تلك المحرمات فعليك ألا تقرب النواهي. ~~وفي الأوامر عليك ألا تتعداها. ويذيل الحق الآية بقوله: { كذلك ~~يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } [البقرة: ~~187]. والآيات هي العجائب، وكل آية هي شيء عجيب لافت، لذلك نقول: هذه آية ~~في الحسن، وتلك آية في الجمال، وقد تطلق الآية أيضا على السمة لأن ~~السمة أو العلامة هي التي تلفتنا إلى الشيء، فيكون ما جاء بالآية داخلا ~~في معنى قوله الحق: { تلك حدود الله فلا تقربوها ~~كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون } ~~[البقرة: 187]. ولقد أوضحت هذه الآية والآيات السابقة عليها، تشريعات ~~الصيام والاستثناء من التشريع. رفعا للحظر ودفعا للمشقة بعد أن تقع، ~~وكل ذلك ليستوفي التشريع كل مطلوبات الله من المشرع له. وحين يأخذ كل ~~إنسان ذلك البيان الوافي من ربه ويسيطر به على حركة حياته في ضوء منهج ~~الله يكون قد اتقى. والتقوى - كما نعلم - ليست للنار فقط، ولكنها اتقاء ~~لكل مشاكل الحياة فالذي يجعل الحياة مليئة بالمشاكل هو أننا نأخذ ~~بالقوانين التي نسنها لأنفسنا ونعمل بها، ولكن إذا أخذنا تقنين الله لنا ~~فمعنى ذلك أننا نتقي المشاكل. ولذلك يقول الحق: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا.. # [طه: 124]. أي أن حياته تمتلئ بالهموم والمشاكل، لأنه يخالف منهج الله. ~~وإذا لم تنشأ المشاكل مع المخالفات لقال الناس: خالفنا منهج الله وفلحنا، ~~لذلك كان لابد أن توجد المشاكل لتنبهنا أن منهج الله يجب أن يسيطر. وحين ~~يتمسك الناس بمنهج الله، لن تأتي لهم المشاكل بإذن الله. وانظر إلى دقة ~~الأداء القرآني في ترتيب الأحكام بعضها على بعض، فالإنسان المخلوق لله في ~~الأرض المسخرة له ms0552 بكل ما فيها، له حياة يجب أن يحافظ عليها. وتبقى الحياة ~~ببقاء الرزق في الاقتيات من مأكل ومشرب، وكذلك يبقى النوع الإنساني ~~بالتزاوج.. وتكلم الله في رزق الاقتيات، فجعله للناس جميعا عندما قال: # يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا.. # [البقرة: 168]. وتكلم سبحانه مخاطبا المؤمنين في شأن هذا الرزق، فقال: # يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم.. # [البقرة: 172]. وبعد ذلك شاء الله أن يديم على المؤمنين به قضية التكليف ~~فحرم عليهم الطعام والشراب والنكاح في أيام رمضان، وهي حلال في غير ~~رمضان، وأحلها الله في ليل رمضان. وإذا كان قد أرشد أن كل حركة في الحياة ~~هدفها بقاء الحياة، وإذا كان بناء الحياة يتوقف على الطعام وهو أمر ضروري ~~لكل إنسان، وإذا كانت الحياة تمتد وتتوالى باستبقاء النوع، فيبلغ الرجل ~~وينضج ويصير أهلا للإخصاب، وتبلغ المرأة وتنضج وتصير أهلا للحمل، فإذا ~~كانت كل المسائل السابقة لازمة للجميع، فلابد من تشريع ينظم كل ذلك. إن ~~التشريع يسمح لك أن تأكل مما تملك، أو تأكل مما لا مالك له، كنبات الأرض ~~غير المملوكة لأحد، إلا أنك قبل أن تأكل لابد أن تنظر في الطعام لتعرف هل ~~هو مما أحل الله أم لا؟ والتشريع لا يسمح لك أن تأكل من نبات الأرض ~~المملوك لغيرك، ويحرم عليك أن تصطاد حيوانات مملوكة لغيرك، فالتشريع ~~يحترم الجهد الذي تحرك به مالك الأرض ليزرع النبات أو ليربى الحيوان، ~~فلا تقل: إن ذلك النبات في الأرض وأنا آكل منه، أو أن ذلك حيوان موجود ~~أمامي وأنا اصطدته. إن الحق يضع التشريع لينظم الحركة في المال المملوك ~~للغير بعد أن نظم الحركة في المال غير المملوك والطعام غير المملوك، فإذا ~~سبقك إلى المال غير المملوك أو الطعام غير المملوك إنسان، أو تحرك إنسان ~~بحركة في الوجود فاستنبط مالا صارت هناك قضية أخرى لا تتعلق بذات ~~المأكول، ولكن بملكية المأكول، فقد بين الله سبحانه: أن كل عمليات ~~اقتياتك في الحياة عملية لا يمكن أن تستقل بها أنت، فلابد ms0553 من اختلاط حركة ~~الآخرين معك، فأنت لا تأكل إلا مما يكون في أيديهم، وهم لا يأكلون إلا ~~مما يكون في يدك. فالفلاح مثلا يبذر البذر، ولكنه يحتاج إلى الصانع ~~الذي يصنع له الفأس، ويصنع له المحراث، ويصنع له الساقية، والذي يصنع ذلك ~~يحتاج إلى من يعلمه، ويحضر له المواد الخام، إذن فلو سلسلت الأشياء التي ~~توصلك إلى الطعام لوجدت حركات الكون كلها تخدم هذه المسألة. وهكذا نجد أن ~~الآكل من المال المتداول أمر شائع بين البشر، ويريد الله أن يضبطه بنظام ~~فقال سبحانه: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل... }. ### || [2.188] # وما دامت أموالي فلماذا لا آكلها؟ إن الأمر هنا للجميع، والأموال مضافة ~~للجميع، فالمال ساعة يكون ملكا لي، فهو في الوقت نفسه يكون مالا ينتفع ~~به الغير. إذن، فهو أمر شائع عند الجميع، لكن ما الذي يحكم حركة تداوله؟ ~~إن الذي يحكم حركة تداوله هو الحق الثابت الذي لا يتغير، ولا يحكمه ~~الباطل. وما معنى الباطل، والحق؟ إن الباطل هو الزائل، وهو الذي لا يدوم، ~~وهو الذاهب. والحق هو الثابت الذي لا يتغير فلا تأكل بالباطل، أي لا تأكل ~~مما يملكه غيرك إلا بحق أثبته الله بحكم: فلا تسرق، ولا تغتصب، ولا تخطف، ~~ولا ترتش، ولا تكن خائنا في الأمانة التي أنت موكل بها، فكل ذلك إن حدث ~~تكن قد أكلت المال بالباطل. وحين تأكل بالباطل فلن تستطيع أنت شخصيا أن ~~تعفي غيرك مما أبحته لنفسك، وسيأكل غيرك بالباطل أيضا. ومادمت تأكل ~~بالباطل وغيرك يأكل بالباطل، هنا يصير الناس جميعا نهبا للناس جميعا. ~~لكن حين يحكم الإنسان بقضية الحق، فأنت لا تأخذ إلا بالحق، ويجب على ~~الغير ألا يعطيك إلا بالحق، وبذلك تخضع حركة الحياة كلها لقانون ينظم ~~الحق الثابت الذي لا يتغير، لماذا؟ لأن الباطل قد يكون له علو، لكن ليس ~~له استقرار، فالحق سبحانه وتعالى يقول: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك ms0554 يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. وساعة ترى مطرا ينزل في مسيل وواد، فأنت تجد هذا المطر ~~قد كنس كل القش والقاذورات وجرفها فطفت فوق الماء ولها رغوة، وكذلك، فأنت ~~عندما تدخل الحديد في النار تجده يسيل ويخرج منه الخبث، ويطفو الخبث فوق ~~السطح، وهكذا نجد أن طفو الشيء وعلوه على السطح لا يعني أنه حق، إنه ~~سبحانه يعطينا من الأمور المحسة ما نستطيع أن نميز من خلاله الأمور ~~المعنوية، وهكذا ترى أن الباطل قد يطفو ويعلو إلا أنه لا يدوم، بل ينتهي، ~~والمثل العامي يقول: " يفور ويغور ". إن الله يريد أن تكون حركة حياتنا ~~نظيفة شريفة، حركة كريمة فلا يدخل في بطنك إلا ما عرقت من أجله، ويأخذ كل ~~إنسان حقه. وقبل أن يفكر الإنسان في أن يأكل عليه أن يتحرك ليأكل، لا أن ~~ينتظر ثمرة حركة الآخرين، لماذا؟ لأن هذا الكسل يشيع الفوضى في الحياة. ~~وحين نرى إنسانا لا يعمل ويعيش في راحة ويأكل من عمل غيره فإن هذا ~~الإنسان يصبح مثلا يحتذي به الآخرون فيقنع الناس جميعا بالسكون عن ~~الحركة ويعيشون عالة على الآخرون. # ويترتب على ذلك توقف حركة الحياة، وهذا باطل زائل، وبه تنتهي ثمار حركة ~~المتحرك، وهنا يجوع الكل. إن الحق يريد للإنسان أن يتحرك ليشبع حاجته من ~~طعام وشراب ومأوى، وبذلك تستمر دورة الحياة. إنه سبحانه يريد أن يضمن لنا ~~شرف الحركة في الحياة بمعنى أن تكون لك حركة في كل شيء تنتفع به لأن ~~حركتك لن يقتصر نفعها عليك، ولكنها سلسلة متدافعة من الحركات المختلفة، ~~وحين تشيع أنت شرف الحركة فالكل سيتحرك نحو هذا الشرف، لكن الباطل يتحقق ~~بعكس ذلك، فأنت حين تأكل من حركة الآخرين تشيع الفوضى في الكون. وعلى هذا ~~فالحركة الحلال لا يكفي فيها أن تتحرك فقط، ولكن يجب أن تنظر إلى شرف ~~الحركة بألا تكون في الباطل، لأن الذي يسرق إنما يتحرك في سرقته، ولكن ms0555 ~~حركته في غير شرف وهي حركة حرام. إذن كل مسروق في الوجود نتيجة حركة ~~باطلة، وكذلك الغصب، والتدليس، والغش، وعدم الأمانة في العمل، والخيانة ~~في الوديعة، وإنكار الأمانة، كل ذلك باطل، وكل حركة في غير ما شرع الله ~~باطل، حتى المعونة على حركة في غير ما شرع الله، كل ذلك باطل. ويقول لنا ~~الحق سبحانه: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل } [البقرة: 188] أي إياكم أن تأكلوها بالباطل ثم تدلوا بها ~~إلى الحاكم ليبرروا لكم أن هذا الباطل هو حق لكم. فهناك أناس كثيرون يرون ~~في فعل الحاكم مبررا لأن يفعلوا مثله، وهذا أمر خاطئ لأن كل إنسان مسئول ~~عن حركته. لا تقل إن الحاكم قد شرع أعمالا وتلقي عليه تبعة أفعالك ~~ومثال ذلك تلك الأشياء التي نقول عليها إنها فنون جميلة من رقص وغناء ~~وخلاعة، هل إباحة الحكومات لها وعدم منعها لها هل ذلك يجعلها حلالا؟ لا ~~لأن هناك فرقا بين الديانة المدنية والديانة الربانية. ولذلك تجد أن ~~الفساد إنما ينشأ في الحياة من مثل هذا السلوك. إن الذين يشتغلون بعمل لا ~~يقره الله فهم يأكلون أموالهم بالباطل، ويدخلون في بطون أولادهم ~~الأبرياء مالا باطلا، وعلى الذين يأكلون من مثل هذه الأشياء أن ينتبهوا ~~جيدا إلى أن الذي يعولهم، إنما أدخل عليهم أشياء من هذا الحرام والباطل، ~~وعليهم أن يذكروا ربهم وأن يقولوا: لا لن نأكل من هذا المصدر لأنه مصدر ~~حرام وباطل، ونحن قد خلقنا الله وهو سبحانه متكفل برزقنا. وأنا اسمع ~~كثيرا ممن يقولون: إن هذه الأعمال الباطلة أصبحت مسائل حياة، ترتبت ~~الحياة عليها ولم نعد نستطيع الاستغناء عنها. وأقول لهم: لا، إن عليكم أن ~~ترتبوا حياتكم من جديد على عمل حلال، وإذا أصر واحد على أن يعمل عملا ~~غير حلال ليعول من هو تحته، فعلى المعال أن يقف منه موقفا يرده، ويصر ~~على ألا يأكل من باطل. # وتصوروا ماذا يحدث عندما يرفض ابن أن يأكل من عمل أمه التي ترقص مثلا ~~أو تغني، أو عمل والده إذا علم ms0556 أنه يعمل بالباطل؟ المسألة ستكون قاسية ~~على الأب أو الأم نفسيهما. إن الذين يقولون: إن هذا رزقنا ولا رزق لنا ~~سواه، أقول لهم: إن الله سبحانه وتعالى يرزق من يشاء بغير حساب، ولا يظن ~~إنسان أن عمله هو الذي سيرزقه، إنما يرزقه الله بسبب هذا العمل: فإن ~~انتقل من عمل باطل إلى عمل آخر حلال فلن يضن الله عليه بعمل حق ورزق حلال ~~ليقتات منه. وقد عالج الحق سبحانه وتعالى هذه القضية حينما أراد أن ~~يحرم بيت الله في مكة على المشركين، لقد كان هناك أناس يعيشون على ~~ما يأتي به المشركون في موسم الحج، وكان أهل مكة يبيعون في هذا الموسم ~~الاقتصادي كل شيء للمشركين الذين يأتون للبيت، وحين يحرم الله على ~~المشرك أن يذهب إلى البيت الحرام، فماذا يكون موقف هؤلاء؟ إن أول ما يخطر ~~على البال هو الظن القائل: " من أين يعيشون "؟ ولنتأمل القضية التي يريد ~~الله أن ترسخ في نفس كل مؤمن. قال الحق: # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا.. # [التوبة: 28]. ثم يأتي للقضية التي تشغل بال الناس فيقول: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ~~إن شآء.. # [التوبة: 28]. وهكذا نرى أن هذه القضية لم تخف على الله فلا يقولن أحد ~~إن العمل الباطل الحرام هو مصدر رزقي، ولن أستطيع العيش لو تركته سواء ~~كان تلحينا أو عزفا أو تأليفا للأغاني الخليعة، أو الرقص، أو نحت ~~تماثيل. نقول له: لا، لا تجعل هذا مصدرا لرزقك والله يقول لك: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله # [التوبة: 28]. وأنت عندما تتقي الله، فهو سبحانه يجعل لك مخرجا. # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3]، وعليك أن تترك كل عمل فيه معصية لله وانظر إلى يد الله ~~الممدودة لك بخيره. إذن، فقول الله: { ولا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل } [البقرة: 188] تنبيه للناس ألا يدخلوا في ~~بطونهم وبطون من يعولون إلا مالا من حق، ومالا بحركة شريفة نظيفة، ~~وليكن ms0557 سند المؤمن دائما قول الحق: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3]. ولنا أن نعرف أن من أكل بباطل جاع بحق، أي أن الله ~~يبتليه بمرض يجعله لا يأكل من الحلال الطيب، فتجد إنسانا يمتلك أموالا ~~ويستطيع أن يأكل من كل ما في الكون من مطعم ومشرب، ولكن الأطباء يحرمون ~~عليه الأكل من أطعمة متعددة لأن أكلها وبال وخطر على صحته، وتكون النعمة ~~أمامه وملك يديه، ولكنه لا يستطيع أن يأكل منها بحق. # وفي الوقت نفسه يتمتع بالنعمة أولاده وخدمه وحاشيته وكل من يعولهم، ~~مثل هذا الإنسان نقول له: لابد أنك أخذت شيئا بالباطل فحرمك الله من ~~الحق. ومن هنا نقول: " من أكل بباطل جاع بحق ". وكذلك نقول: " من ~~استغل وسيلة في باطل أراه الله قبحها بحق " ، فالذي ظلم الناس بقوته ~~وبعضلاته المفتولة لابد أن يأتي عليه يوم يصبح ضعيفا. والمرأة التي تهز ~~وسطها برشاقة لابد أن يأتي عليها يوم يتيبس وسطها فلا تصبح قادرة على ~~الحركة، والتي تخايل الناس بجمال عيونها في اليمين والشمال لابد أن ~~يأتيها يوم وتعمى فلا ترى أحدا، وينفر الناس من دمامتها. إن كل من أكل ~~بباطل سيجوع بحق، وكل من استغل وسيلة بباطل أراه الله قبحها بحق، واكتب ~~قائمة أمامك لمن تعرفهم، واستعرض حياة كل من استغل شيئا مما خلقه ~~الله في إشاعة انحراف ما أو جعله وسيلة لباطل لابد أن يريه الله باطلا ~~فيه. وأنا أريد الناس أن يعملوا قائمة لكل المنحرفين عن منهج الله، ~~ويتأملوا مسيرة حياتهم، وكل منا يعرف جيرانه وزملاءه من أين يأكلون؟ ومن ~~أين يكتسبون؟ ليتأمل حياتهم ويعرف أعمال الحلال والحرام ويجعل حياتهم ~~عبرة له ولأولاده، كيف كانوا؟ وإلي أي شيء أصبحوا؟ ثم ينظر خواتيم هؤلاء ~~كيف وصلت. ومن حبنا لهؤلاء الناس نقول لهم: تداركوا أمر أنفسكم فلن ~~تخدعوا الله في أنكم تجمعون المال الحرام، وبعد ذلك تخرجون منه الصدقات، ~~إن الله لن يقبل منكم عملكم هذا لأن الله طيب لا يقبل إلا ms0558 الطيب. ونحن ~~نسمع عن كثير من المنحرفين في الحياة يذهبون للحج، ويقيمون مساجد ~~ويتصدقون، وكل ذلك بأموال مصدرها حرام، ولهؤلاء نقول: إن الله غني عن ~~عبادتكم، وعن صدقاتكم الحرام، وننصحهم بأن الله لا ينتظر منكم بناء بيوت ~~له من حرام أو التصدق على عباده من مال مكتسب بغير حلال، لكنه سبحانه ~~يريد منكم استقامة على المنهج. وحين نتأمل الآية نجد فيها عجبا، يقول ~~الله عز وجل: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام } [البقرة: 188] لقد ~~ذكر الحق الحكام في الآية لأن الحاكم هو الذي يقنن ويعطي مشروعية للمال ~~ولو كان باطلا، وقوله سبحانه: { تدلوا } مأخوذة من " أدلى " ، ونحن ~~ندلي الدلو لرفع الماء من البئر و " دلاه ": أي أخرج الدلو، أما " أدلى ~~": فمعناها " أنزل الدلو ". ولذلك في قصة الشيطان الذي يغوي الإنسان قال ~~الحق: # فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما ~~سوءاتهما.. # [الأعراف: 22]. { وتدلوا بها إلى الحكام } [البقرة: 188] ~~أي ترشوا الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالباطل، ومن العجيب أن ~~هذا النص بعينه هو نص الرشوة. # والرشوة مأخوذة من الرشاء، والرشاء هو الحبل الذي يعلق فيه الدلو، ~~فأدلى ودلا في الرشوة. ولماذا يدلون بها إلى الحكام؟ إنهم يفعلون ذلك ~~حتى يعطيهم الحكام التشريع التقنيني لأكل أموال الناس بالباطل، وذلك ~~عندما نكون محكومين بقوانين البشر، لكن حينما نكون محكومين بقوانين الله ~~فالحاكم لا يبيح مثل هذا الفعل. ولذلك وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هذا المبدأ فقال: # " إنما أنا بشر وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحب ~~أنه صادق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ~~فليأخذها أو ليتركها ". # إن الذين يقول ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المعصوم، إنه ~~يحذر من أن يحاول أحد أن يبالغ في قوة الحجة ليأخذ بها حقا ليس له. إذن ~~فحين يقنن الفساد فذلك نتيجة أن الحاكم يقر ذلك، ويأخذ الإنسان حكم ~~الحاكم كأمر نهائي، مثال ذلك: بعض من الحكام ms0559 لم يحرموا الربا، ويتعامل به ~~الناس بدعوى أن الحكومات تحلله، فلا حرج عليهم. ومثل هذا الفهم غير صحيح ~~لأن الحكومات لا يصح أن تحلل ما حرمه الله، وإن حللت ذلك فعلى المؤمن أن ~~يحتاط وأن يعرف أنه والحكام محكومون بقانون إلهي، وإن لم تقنن الحكومات ~~الحلال من أجل سلطتها الزمنية فعلى المؤمن ألا يخرج من تعاليم دينه. وإذا ~~نظرنا إلى أي فساد في الكون، في أي مظهر من مظاهر الفساد فسنجد أن سببه ~~هو أكل المال بالباطل، ولذلك لم يترك الحق سبحانه وتعالى تلك المسائل ~~غائبة، وإنما جعلها من الأشياء المشاهدة. وأنت إن أردت أن تعرف خلق أي ~~عصر، واستقامته الدينية وأمانته في تصريف الحركة فانظر إلى المعمار في أي ~~عصر من العصور، انظر إلى المباني ومن خلالها تستطيع أن تقيم أخلاق ~~العصر. إنك إن نظرت إلى عملية البناء الآن تجد فيها استغلال المال، وعدم ~~أمانة المنفذ، وخيانة العامل، وكل هذه الجوانب تراها في المعمار. لننظر ~~مثلا إلى مجمع التحرير ولنسترجع تاريخ بنائه، ولنقرنه بمبنى هيئة البريد ~~أو دار القضاء العالي وما بني في عهدهما. ولننظر إلى المباني والإنشاءات ~~التي نسمع عنها وتنهار فوق سكانها ولنقارنها بمبنى هيئة البريد أو دار ~~القضاء العالي، سنجد أن المباني القديمة قامت على الذمة والأمانة، أما ~~المباني التي تنهار على سكانها في زماننا أو تعاني من تلف وصلات الصرف ~~الصحي فيها، تلك المباني قامت على غش الممول الشره الطامع، والمهندس ~~المدلس الذي صمم أو أشرف على البناء أو الذي تسلم المبنى وأقر صلاحيته، ~~ومرورا بالعامل الخائن، وتكون النتيجة ضحايا أبرياء لا ذنب لهم، ينهار ~~عليهم المبنى ويخرجون جثثا من تحت الأنقاض، إن كل ذلك سببه أكل المال ~~بالباطل. # ولقد نظر الشاعر أحمد شوقي في هذه المسألة، وجعل الأخلاق والدين من ~~المبادئ فقال: # وليس بعامر بنيان قوم # إذا أخلاقهم كانت خرابا # وأنا أقترح على الدولة أن تعد سجلا محفوظا لكل عمارة يتم بناؤها، ~~ويحفظ في هذا السجل اسم ممولها، والمهندس الذي أشرف على بنائها، وكذلك ms0560 ~~أسماء عمال البناء، وعمال التشطيب، والأعمال الصحية والكهربائية وكافة ~~العمال الذين شاركوا في بنائها. ويحفظ كل ذلك في ملف خاص بالعمارة، ~~وعندما يحدث أي شيء يأتون بهؤلاء، كل في تخصصه ويحاسبونهم على ما قصروا ~~فيه من عمل، وإلا فإن أرواح الناس ستذهب سدى فكل إنسان منا له فرصة في ~~هذه الحياة وعليه ألا يطغى على نصيب غيره. وهب أننا نأخذ سلعة " بطابور " ~~حتى لا يتقدم أحد على دور الآخر، وقد جاء الأول في " الطابور " من الساعة ~~السابعة صباحا وأخذ دوره، وجاء آخر متأخرا بعد أن نام واستراح ثم قضى ~~جميع مصالحه وذهب للجمعية ووجد الصف طويلا، فنظر حوله إلى شخص يتخطى هذا ~~" الطابور " وأعطاه مبلغا من المال سهل له قضاء حاجته، مثل هذا الإنسان ~~تعدى على حقوق كل الواقفين في " الطابور ". وقد يقول: أنا أخذت مثلما ~~يأخذون، نقول له: لا لقد أخذت زمن غيرك، ولا يصح أن تأتي آخر الناس وتأخذ ~~حق الشخص الذي وقف في " الطابور " من السابعة صباحا. إن حقك مرتبط ~~بزمنك، فلا تعتد على وقت الآخرين الذي هم أضعف منك قدرة أو مالا. إن ~~الحق يقول: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ~~وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من ~~أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون } [البقرة: 188]. ~~والفريق هو الجماعة المعزولة من جماعة أكثر عددا، فإذا ما انفصلت جماعة ~~صغيرة عن أناس بهذه الجماعة تسمى فريقا. والإثم الأصيل فيه - ولو لم ~~يكن هناك دين - أن تفعل ما تعاب عليه وتذم، وكذلك تعاب عليه وتذم من ~~ناحية الدين، وفوق ذلك تعاقب في الآخرة. وما هو مقياس الحق والباطل؟ إن ~~المقياس الذي ينجيك من الباطل هو أن تقبل لنفسك ما تقبله للطرف الآخر في ~~أية صفقة أو معاملة لأنك لا ترضى لنفسك إلا ما تعلم أن فيه نفعا لك. ثم ~~ينتقل الحق سبحانه وتعالى إلى قضية يعالج فيها أمرا واجه الدعوة ~~الإسلامية، والدعوة الإسلامية إنما جاءت لتخلع المؤمنين بالله من واقع في ~~الحياة كان كله أو أغلبه باطلا، ولكنهم اعتادوه وألفوه أو ms0561 استفاد أناس ~~من ذلك الباطل، ذلك أن الباطل لا يستمر إلا إذا كان هناك من يستفيدون ~~منه. وجاء الإسلام ليخلص الناس من هذه الأشياء الباطلة. فالحق لم يشأ أن ~~يعلمنا أن كل أحوال الناس غارقة في الشرور، بل كانت هناك أمور أقرها ~~الإسلام كما هي، فالإسلام لم يغير لمجرد التغيير، ولكنه واجه الأمور ~~الضارة بالحياة التي لا يستفيد منها إلا أهل الباطل. # مثال ذلك كان العرف السائد في الدية أنها مائة من الإبل يدفعها أهل ~~القاتل، وقد أبقاها الإسلام كما هي. وحينما استقبل المسلمون الإيمان ~~بالله، فهم قد استقبلوا أحكامه وأرادوا أن يبنوا حياتهم على نظام إسلامي ~~جديد طاهر، حتى الشيء الذي كانوا يعملونه في الجاهلية كانوا يسألون عن ~~حكمه لأنهم لا يريدون أن يصنعوه على عادة ما كان يصنع، بل على نية ~~القربى إلى الله بالامتثال، إذن فهم عشقوا التكليف، وعلموا أن الله لم ~~يكلفهم إلا بالنافع، وعندما نقرأ " يسألونك " في القرآن فاعلم أنها من ~~هذا النوع، مثل ذلك قوله تعالى: # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو.. # [البقرة: 219]. وقوله تعالى: # ويسألونك عن المحيض قل هو أذى.. # [البقرة: 222]. وقوله تعالى: # ويسألونك عن اليتامى.. # [البقرة: 220]. وقوله تعالى: # يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين.. # [البقرة: 215]. وقوله تعالى: # ويسألونك عن ذي القرنين.. # [الكهف: 83]. وقوله تعالى: # يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول.. # [الأنفال: 1]. إذن فكل سؤال معناه أنهم أرادوا أن يبنوا حياتهم على نظام ~~إسلامي، حتى الشيء الذي لم يغيره الإسلام أرادوا أن يعرفوه ويصنعوه على ~~أنه حكم الإسلام لا على حكم العادة. والسؤال الذي نحن بصدده يعالج قضية ~~كونية. وعندما يسأل المسلمون عن قضية كونية فذلك دليل على أنهم التفتوا ~~إلى كون الله التفاتا دينيا آخر، لقد وجدوا الشمس تشرق كل يوم ولا ~~تتغير، أما القمر الذي يطلع في الليل فهو الذي يتغير، إنه يبدأ في أول ~~الشهر صغيرا ثم يكبر حتى يصبح بدرا، وبعد ذلك يبدأ في التناقص حتى يعود ~~إلى ما كان عليه، لقد لفت نظرهم ما ms0562 يحدث للقمر ولا يحدث من الشمس، فسألوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن بعضا من اليهود أرادوا إحراج المسلمين ~~فقالوا لهم: " اسألوا رسولكم عن الهلال كيف يبدأ صغيرا ثم يكبر حتى يصير ~~بدرا ثم يعود لدورته مرة أخرى حتى يغرب ليلتين لا نراه فيهما " ، وهذا ~~السؤال سجله القرآن في قوله تعالى: { يسألونك عن الأهلة ~~قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها... }. ### || [2.189] # الأهلة جمع هلال، وسمي هلالا لأن الإنسان ساعة يراه يهل، أي يرفع صوته ~~بالتهليل، ويجيب الحق سبحانه وتعالى الجواب الذي يحمل كل التفاصيل عن ~~القمر، وهو الكوكب الذي خضع لنشاطات العقل حتى يكتشفه، والعرب القدامى لم ~~يكونوا يعلمون شيئا عن ذلك القمر، ولكنهم كانوا يؤرخون به، وعلمهم به لم ~~يزد على حدود انتفاعهم به. ولم يصلوا إلى الترف العقلي الذي يتأملون به ~~آيات الله في الكون، فكل آيات الكون ينتفع بها ثم ينشط العقل بعد ذلك، ~~فنعرف السبب، وقد لا ينشط العقل فتظل الفائدة هي الفائدة. وأراد الحق ~~سبحانه أن يلفتنا لمبدأ هام، وهو أن يعلمنا كيف نستفيد من الآيات الكونية ~~مثل القمر، لا يكفي ظهوره واختفاؤه، وتغير حجمه، لأن هذه لن يتسع لها ~~العقل، بل نستفيد منه كميقات، ونستخدمه لقياس الزمن. فإذا كنا ونحن نعيش ~~في القرن العشرين، لم يعرف العلماء سببا لظواهر القمر، فكيف كان حال ~~الذين سألوا عنها منذ أربعة عشر قرنا؟ قال العلماء المعاصرون في ~~تفسيراتهم مثلا: إن الشمس مثل حجم الأرض مليونا وربع مليون مرة، والقمر ~~أصغر من الأرض، وعندما تأتي الأرض بين الشمس والقمر برغم حجم الشمس ~~الهائل فإن الأرض تحجب جزءا من القمر، هذا الجزء المحجوب بقدر تدوير ~~القوس المحجوب من الأرض ويصبح هذا الجزء من القمر مظلما. إن القمر وجوده ~~ثابت لكن الأرض عندما توجد بينه وبين الشمس فهي التي تحجب عنه ضوء الشمس، ~~ويكبر حجم نوره كلما تزحزحت الأرض بعيدا عنه. وعندما تنزاح الأرض بعيدا ~~عنه كلية يظهر في السماء بدرا كاملا، ثم ms0563 تعود الأرض بعد ذلك لتحجب عنه ~~جزءا من الشمس، ويزداد ذلك يوما بعد يوم، فينقص ضوء الشمس المنعكس عليه ~~تبعا لذلك، فيقل تدريجيا حتى تأتي الأرض بينه وبين الشمس فلا يظهر منه ~~شيء. ونقول نحن: إننا عندما لا نرى القمر لا في الليل ولا في النهار برغم ~~أنه موجود في مكانه، نقول: إنه مستور في ظل الأرض، لذلك لا نراه. وهذه ~~الظاهرة لا تحدث للشمس لأن جرم الشمس كبير جدا. وعندما يحدث فإن الأثر ~~يكون قليلا، ويسمى بالكسوف. وعندما التفت العرب للكون قالوا: ما بال ~~الهلال يصبح هكذا ثم يكبر حتى يصير بدرا، فقال الحق عز وجل: { قل هي ~~مواقيت للناس والحج } [البقرة: 189] إنهم هم يسألون عن ~~الأهلة ودورتها، فقطع الله عليهم خيط تفكيرهم وأعطاهم الخلاصة والنتيجة، ~~فقال: { قل هي مواقيت للناس والحج } [البقرة: 189]. إن ~~هذا الأمر هو الذي يستطيع العقل في ذلك الزمان أن يعرفه، أما ما وراء ذلك ~~فانتظروا حتى يكشف الزمن عنه، وجهلكم به لا يقلل من نفعكم. # لقد كانت كل إجابة لأي سؤال في ذلك الزمان تحتوي على ما يتسع العقل ~~لإدراكه ساعة التشريع، أما بقية الإجابة فالحق يتركها للزمن. ولا يعطينا ~~إلا ما يفيد التشريع، مثال ذلك: كانوا قديما يقولون: الأرض كرة وأثبت ~~لنا العلم أنها كذلك، ورأيناها بالأقمار الصناعية وانتهت القضية. وعندما ~~سأل العرب عن الأهلة أخبرنا الحق بأنها مواقيت، والمواقيت جمع ميقات، ~~والميقات من الوقت، والوقت هو الزمن، ونعرف أن كل حدث من الأحداث يحتاج ~~إلى زمن وإلى مكان. إذن فالزمان والمكان مرتبطان بالحدث، فلا يوجد زمان ~~ولا مكان إلا إذا وجد حدث. والذي يقول: كيف كان الزمن قبل أن يخلق الله ~~الخلق؟. نقول له: الزمن وجد للحادث وهو المخلوقات والله قديم، وما دام ~~الله قديما وليس حادثا فلا زمان ولا مكان، لا تقل متى ولا أين لأن متى ~~وأين مخلوقة. وكيف نعرف الوقت؟ نحن نعرف الوقت بأنه مقدار من الزمن، ~~لمقدار من الحركة ولمقدار من الفعل. وأين المكان في هذا التعريف؟ إن ms0564 ~~الزمان يتحكم أحيانا في المكان، فيكون الزمان هو الأصل، والمكان طارئ ~~عليه، ومرة أخرى يكون المكان هو الأصل، والزمان هو الطارئ عليه، ومرة ~~ثالثة يتلازم الاثنان الزمان والمكان. ونحن في مصر إذا أردنا الحج فإننا ~~نبدأ الإحرام عند رابغ، ونسمي رابغ ميقات أهل مصر أي هي المكان الذي لا ~~يتجاوزه من مر عليه إلا وهو محرم. إذن فالميقات قد أطلق على مكان هو ~~رابغ، ومن فور وصول الإنسان المصري إلى رابغ بغية الحج يحرم، سواء كان ~~الوقت صباحا أو ظهرا أو عصرا أو مغربا. ولكن عندما نبدأ في الصوم فإن ~~الزمن يصبح هو الأصل في صومك في أي مكان تذهب إليه، إن الزمان هو الذي ~~يحدد مواعيد الصوم: في طنطا أو لندن أو في طوكيو، وهكذا نعرف كيف يكون ~~الزمن ميقاتا. إذن فمرة يكون الزمن هو المتحكم في الميقات والمكان طارئ ~~عليه، ومرة يكون المكان هو الذي يتحكم في الميقات، والزمن طارئ عليه، ~~ومرة يتحكم الزمان والمكان معا في الفعل مثل يوم عرفة. وهكذا نعرف معنى ~~" مواقيت للناس " ، فنحن بالهلال نعرف بدء شهر رمضان، ونعرف به عيد ~~الفطر، وكذلك موسم الحج وعدة المرأة، والأشهر الحرم، إن كل هذه الأمور ~~إنما نعرفها بالمواقيت. وشاء الحق أن يجعل الهلال هو أسلوب تعريفنا تلك ~~الأمور وجعل الشمس لتدلنا على اليوم فقط، وإن كان لها عمل آخر في البروج ~~التي يتعلق بها حالة الطقس والجو، والزراعة، ولذلك قال: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا.. # [يونس: 5]. وانظر إلى الدقة في الأداء وكيف يشرح الحق للإنسان ماهية ~~النور، وماهية الضوء. إن الشمس مضيئة بذاتها، أما القمر فهو منير لأن ~~ضوءه من غيره فهو مثل قطعة الحجر اللامعة التي تنعكس عليها أشعة الشمس ~~فتعطينا نورا. # إن القمر منير بضوء غيره، ولذلك يقول الحق في آية أخرى: # وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا # [الفرقان: 61]. والسراج في هذه الآية هو الشمس التي فيها حرارة، وجعلها ~~الحق ذات بروج، أما القمر فله منازل وهو منير بضوء غيره وفي ذلك يقول ms0565 ~~الحق: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب.. # [يونس: 5]. إذن فعدد السنين وحسابها يأتي من القمر، وفي زماننا إذا ~~أرادوا أن يضبطوا المعايير الزمنية فهم يقيمونها بحساب القمر فقد وجدوا ~~أن الحساب بالقمر أضبط من الحساب بالشمس فالحساب بالشمس يختل يوما كل ~~عدد من السنين. ولنفهم الفرق بين منازل القمر وبروج الشمس. إن البروج هي ~~أسماء من اللغة السريانية، وهو: برج الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، ~~والعذراء، والأسد، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، ~~وعددها اثنا عشر برجا هذه هي أبراج الشمس، ويتعلق بها مواعيد الزرع ~~والطقس والجو، ويجب أن نفهم أن لله في البروج أسرارا، بدليل أن الحق ~~سبحانه وتعالى جعلها قسما حين يقول: # والسمآء ذات البروج # [البروج: 1]. ولذلك تجد أن التوقيت في الشمس لا يختلف فالشهور التي تأتي ~~في البرد، والتي تأتي في الحر هي هي، وكذلك التي تأتي في الخريف، ~~والربيع، وبين السنة الشمسية والسنة القمرية أحد عشر يوما، والسنة ~~القمرية هي التي تستخدم في التحديد التاريخي للشهور العربية ونعرف بداية ~~كل شهر بالهلال: # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا.. # [التوبة: 36]. ولذلك كانت تكاليف العبادة محسوبة بالقمر حتى تسيح ~~المنازل القمرية في البروج الشمسية، فيأتي التكليف في كل جو وطقس من ~~أجواء السنة، فلا تصوم رمضان في صيف دائم، ولا في شتاء دائم، ولكن ~~يقلب الله مواعيد العبادات على سائر أيام السنة، والذين يعيشون في ~~المناطق الباردة مثلا لو كان الحج ثابتا في موسم الصيف لما استطاعوا أن ~~يؤدوا الفريضة، ولكن يدور موسم الحج في سائر الشهور فعندما يأتي الحج في ~~الشتاء ييسر لهم مهمة أداء الفريضة في مناخ قريب من مناخ بلادهم. وهكذا ~~نجد أن حكمة الله اقتضت أن تدور مواقيت العبادات على سائر أيام السنة حتى ~~يستطيع كل الناس حسب ظروفهم المناخية أن يؤدوا العبادات بلا مشقة. إذن ~~فالمنازل شائعة في البروج، وهذا سبب قول بعض العلماء: إن ليلة القدر تمر ~~دائرة في كل ليالي السنة، وذلك حسب ms0566 سياحة المنازل في البروج. إذن فهناك ~~بروج للشمس، ومنازل للقمر، ومواقع للنجوم، ومواقع النجوم التي يقسم بها ~~الله سبحانه في قوله: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة: 75-76]. ولعل وقتا يأتي يكشف الله فيها للبشرية أثر مواقع ~~النجوم على حياة الخلق وذلك عندما تتهيأ النفوس لذلك وتقدر العقول على ~~استيعابه. # إذن كل شيء في الكون له نظام: للشمس بروج، وللقمر منازل، وللنجوم مواقع. ~~وكل أسرار الكون ونواميسه ونظامه في هذه المخلوقات، وقد أعطانا الله من ~~أسرار الأهلة أنها مواقيت للناس والحج. وعندما تكلم سبحانه عن الحج أراد ~~أن يعطينا حكما متعلقا به فقد كانت هناك قبائل من العرب تعرف بالحمس، ~~هؤلاء الحمس كانوا متشددين في دينهم ومتحمسين له، ومنهم كانت قريش، ~~وكنانة، وخثعم، وجشم، وبنو صعصاع بن عامر. وكان إذا حج الفرد من هؤلاء لا ~~يدخل بيته من الباب لأنه أشعث أغبر من أداء مناسك الحج. ويحاول أن يدخل ~~بيته على غير عادته، لذلك كان يدخل من ظهر البيت، وكان ذلك تشددا منهم، ~~لم يرد الله أن يشرعه. حتى لا يطلع على شيء يكرهه في زوجه أو أهله. ~~وأراد سبحانه عندما ذكر مناسك الحج في القرآن أن ينقي المناسك من هذه ~~العادة المألوفة عند العرب فقال: { وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا ~~البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون } [البقرة: 189] أي لا تجعلوا المسائل شكلية، فنحن نريد أصل ~~البر وهو الشيء الحسن النافع. والملاحظ أن كلمة " البر " في هذه الآية ~~جاءت مرفوعة، لأن موقعها من الإعراب هو " اسم ليس " وهي تختلف عن كلمة " ~~البر " التي جاءت من قبل في قوله تعالى: # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب # [البقرة: 177] التي جاءت منصوبة لأن موقعها من الإعراب هو " خبر مقدم ~~لليس ". حاول المستشرقون أن يأخذوا هذا الاختلاف في الرفع والنصب على ~~القرآن الكريم. ونقول لهم: أنتم قليلو الفطنة والمعرفة باللغة العربية، ~~فماذا نفعل لكم؟. يصح أن نجعل الخبر مبتدأ فنقول: ms0567 " زيد مجتهد " ، هذا ~~إذا كنا نعلم زيدا ونجهل صفته، فجعلنا زيدا مبتدأ، ومجتهدا خبرا. لكن ~~إذا كنا نعرف إنسانا مجتهدا ولا نعرف من هو فإننا نقول: " المجتهد زيد ~~". إذن فمرة يكون الاسم معروفا لك فتلحق به الصفة، ومرة تجهل الاسم ~~وتعرف الوصف فتلحق الاسم بالوصف. وهذا سر اختلاف الرفع والنصب في كلمة " ~~البر " في كل من الآيتين. ونقول للمستشرقين: إن لكل كلمة في القرآن ~~ترتيبا ومعنى، فلا تتناولوا القرآن بالجهل، ثم تثيروا الإشكالات التي لا ~~تقلل من قيمة الكتاب ولكنها تكشف جهلكم. ثم ما هو " البر "؟ قلنا: إن ~~البر هو الشيء الحسن النافع. ولو ترك الله لنا تحديد " البر " لاختلفت ~~قدرة كل منا على فهم الحسن والنافع باختلاف عقولنا فأنت ترى هذا " حسنا ~~" وذاك يرى شيئا آخر، وثالث يرى عكس ما تراه، لذلك يخلع الله يدنا من ~~بيان معنى البر، ويحدد لنا سبحانه مواصفات الحسن النافع، فما من واحد ~~ينحرف ويميل إلى شيء إلا وهو يعتقد أنه هو الحسن النافع، ولذلك يقول ~~الحق: { ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من ~~أبوابها } [البقرة: 189]. # إن هذا يدلنا على أن كل غاية لها طريق يوصل إليها، فاذهب إلى الغاية من ~~الطريق الذي يوصل إليها. ويتبع الحق قوله عن البر: { واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون } [البقرة: 189]. لا تزال كلمة التقوى هي ~~الشائعة في هذه السورة، وكل حكم يعقبه السبب من تشريعه وهو التقوى. ونعرف ~~أن معنى التقوى هو أن تتقي معضلات الحياة، ومشكلاتها بأن تلتزم منهج ~~الله. وساعة ترى منهج الله وتطبقه فأنت اتقيت المشكلات، أما من يعرض عن ~~تقوى الله فإن الحق يقول عن مصيره: # فإن له معيشة ضنكا # [طه: 124]. ولا يظن أحد أن التقوى هي اتقاء النار، لا، إنها أعم من ذلك، ~~إنها اتقاء المشكلات والمخاطر التي تنشأ من مخالفة منهج الله، وليعلم ~~الإنسان أن كل مخالفة ارتكبها لابد أن يمر عليها يوم ترتكب فيه هذه ~~المخالفة كما ارتكبها في غيره، فمن لا يحب أن تجرى فيه المخالفات فعليه ~~ألا يرتكب المخالفات في ms0568 غيره. وبعد ذلك ينتقل الحق إلى قضية أخرى، وهذه ~~القضية الأخرى هي التي تميز الأمة الإسلامية بخصوص فريدة لأنه سبحانه قد ~~أوجد وفطر هذه الأمة على منهاج قويم لم تظفر به أمة من قبل، وهذه ~~الخصوصية هي أن الله قد أمن أمة محمد على أن تؤدب الخارجين على منهج الله ~~فقديما كانت السماء هي التي تؤدب هؤلاء الخارجين عن المنهج. كان الرسول ~~يشرح ويبلغ المنهج، فإن خالفه الناس تتدخل السماء وتعاقبهم، إما بصاعقة، ~~وإما بعذاب، وإما بفيضان، وإما بأي وسيلة. ولم يكن الرسل مكلفين بحمل ~~وقسر الناس على المنهج. وحين سأل بنو إسرائيل ربهم أن يقاتلوا، لم يكن ~~قتالهم من أجل الدين مصداقا للآية الكريمة: # قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد ~~أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا.. # [البقرة: 246]. علة القتال - إذن - أنهم أخرجوا من بيوتهم وأجبروا على ~~ترك أولادهم، فهم عندما سألوا القتال لم يسألوه للدفاع عن العقيدة، وإنما ~~لأنهم أخرجوا من ديارهم وأولادهم. أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهي ~~التي أمنها الله على أن يكون في يدها الميزان، وليس هذا الميزان ميزان ~~تسلط، وإنما هو ميزان يحمي كرامة الإنسان بأن يصون له حرية اختياره ~~بالعقل الذي خلقه الله، فلا إكراه في الإيمان بالله. وقد شرع الله القتال ~~لأمة محمد لا ليفرض به دينا، ولكن ليحمي اختيارك في أن تختار الدين الذي ~~ترتضيه. وهو يمنع سدود الطغيان التي تحول دونك ودون أن تكون حرا مختارا ~~في أن تقبل التكليف. # ولذلك فالذين يحاولون أن يلصقوا بالإسلام تهمة أنه انتشر بالسيف نقول ~~لهم: إن حججهم ساقطة واهية، وكذلك قولهم: إن الإسلام عندما يفرض الجزية ~~فكأنه جاء لجباية الأموال، نقول لهؤلاء: جزية على من؟ جزية على غير ~~المؤمن، وما دام قد فرضت عليه جزية فمعنى ذلك أنه أباح له أن يكون غير ~~مؤمن، لو كان الإسلام يكره الناس على اعتناقه لما كان هناك من نأخذ ~~عليه جزية. إذن فالإسلام لم يكرهه، وإنما حماه من القوة التي تسيطر عليه ~~حتى لا ms0569 يكرهه أحد على ترك دينه، وهو حر بعد ذلك في أن يسلم أو لا يسلم. ~~وكأن الذين ينتقدون الإسلام يدافعون عنه فسهامهم قد ارتدت إليهم. وهنا ~~تساؤل قد يثور: إذا كان الأمر كذلك فلماذا كانت حروب المسلمين؟ نقول: إن ~~حروب الإسلام كانت لمواجهة الذين يفرضون العقائد الباطلة على غيرهم، وجاء ~~الإسلام ليقول لهؤلاء: ارفعوا أيديكم عن الناس واجعلوهم أحرارا في أن ~~يختاروا الدين المناسب. ولماذا تركهم الإسلام أحرارا؟ لأنه واثق أن ~~الإنسان ما دام على حريته في أن يختار فلا يمكن أن يجد إلا الحق واضحا ~~في الإسلام. ولذلك فكثير من الناس الذين يقرأون قوله تعالى: # لا إكراه في الدين.. # [البقرة: 256]. لا يفطنون إلى أن العلة واضحة في قوله سبحانه من ~~الآية نفسها # قد تبين الرشد من الغي # [البقرة: 256]. إذن فالمسألة واضحة لماذا نكره الناس وقد وضح أمامهم ~~الحق والباطل؟ نحن فقط نمنع الذين يفرضون عقائدهم الباطلة على الناس فأنت ~~تستطيع أن تكره القالب، لكن لا تستطيع أن تكره القلب. ونحن نريد أن ~~ينبع الإيمان من القلب، ولهذا يقول الحق لسيدنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. إن الله لا يريد أعناقا، لو كان يريد أعناقا لما ~~استطاع أحد أن يخرج عن قدره سبحانه من يريد الله أن يبتليه بمرض أو ~~موت فلن ينجو من قدره. إن الحق يريد إيمان قلوب لا رضوخ قوالب. فالذي ~~يجبر الآخرين على الإيمان بالكرباج لن يتبعه أحد، وهو نفسه غير مؤمن بما ~~يفرضه على الناس. ولو كان مؤمنا به لما فرضه على الناس بالقسر إنهم ~~سيقبلونه عن طواعية واختيار عندما يتبين لهم أنه الحق المناسب لصلاح ~~حياتهم. ونحن نلتفت حولنا فنجد أن النظم والحكومات التي تفرض مبادئها ~~بالسوط والقهر تتساقط تباعا، فعندما تتخلى هذه الحكومات عن السوط والبطش ~~فإن الشعوب تتخلى عن تلك الأفكار. والقرآن هنا يعالج هذه المسألة عندما ~~يتحدث عن القتال وتشريع القتال، ms0570 الأمر الذي اختص به الحق أمة الإسلام. ~~وهو سبحانه لم يأذن بالقتال خلال فترة الدعوة المكية التي استمرت ثلاثة ~~عشر عاما، ثم أذن به بعد الهجرة إلى المدينة. # وقد كان من الضروري أن يتأخر أمر القتال لأن الحق أراد أولا أن يلتفت ~~المسلمون إلى اتباع المنهج حتى يكونوا لغيرهم قدوة، ويروا فيهم أسوة ~~حسنة، لذلك قال الحق: # فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره.. # [البقرة: 109]. وقال سبحانه أيضا: # ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم.. # [الأحزاب: 48]. لماذا كل هذا التدرج؟ لأن الحق سبحانه وتعالى علم أن ~~الدعوة للإسلام ستدخل البيوت العربية، فسيضم البيت الواحد كافرا بالله ~~ومؤمنا بالله، ولو أنه سبحانه وتعالى شرع القتال من البداية لصار في كل ~~بيت معركة. ثم إن الحق سبحانه وتعالى يعلم أن تلك القبائل العربية بها ~~كثير من خفة وطيش وسفه وكانوا يقتتلون لأتفه الأسباب فمن أجل ناقة ضربها ~~كليب بسهم في ضرعها فماتت اشتعلت الحرب أربعين سنة. وفي ذلك يقول الشاعر ~~عند الحفيظة والغضب: # قوم إذا الشر أبدى - ناجذيه لهم - # طاروا إليه زرافات ووحدانا # والثاني يقول: # لا يسألون أخاهم حين يندبهم # في النائبات على ما قال برهانا # أي أنهم لا يسألون أخاهم: " لماذا نحارب؟ " ، وإنما يحاربون بلا سبب ~~ولأي سبب، فالحمية الرعناء تدفعهم للقتال بلا سبب. وفي مقابل ذلك كانت ~~عندهم نخوة للحق، فعندما يرون شخصا قد ظلمه غيره تأخذهم النخوة، ويأخذون ~~على يد الظالم، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يهيج فيهم النخوة حين يرون ~~الضعاف من المسلمين مستضعفين، وقد عزلهم بعض من القوم في شعب أبي طالب ~~وجوعوهم وقاطعوهم حتى اجتمع الخمسة العظام في مكة وقالوا: " كيف نقبل أن ~~نأكل ونشرب ونأتي نساءنا وبنو هاشم وبنو المطلب محصورون في الشعب لا ~~يأكلون ولا يشربون ولا يتبايعون ". لقد كانوا كفارا، وبرغم ذلك وقفوا ~~موقفا عظيما وقالوا: هاتوا الصحيفة التي تعاهدنا فيها على أن نقاطع بني ~~هاشم وبني المطلب ونقطعها واتفقوا على ذلك. وكانوا خمسة من سادات مكة هم: ~~هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، ms0571 وأبو البحتري بن هاشم، وزمعة ابن ~~الأسود، والمطعم بن عدي. وكانوا قادة النخوة التي أنهت مقاطعة المسلمين. ~~هكذا نرى أن العرب كانوا يتسمون بالحمية الرعناء وتقابلها النخوة في ~~الحق. ويعلم الحق سبحانه وتعالى أن نقل أمة العرب مما اعتادته ليس أمرا ~~سهلا، لذلك أخذهم برفق الهوادة. والذين يقولون: لماذا لم يحارب ~~المسلمون أعداءهم من أول وهلة ولماذا لم يقتلوا صناديد الكفر في مكة؟ ~~نقول لهم: إن كثيرا من الذين كنتم ترون قتالهم في بداية الدعوة ~~الإسلامية هم الذين نشروا راية الإسلام من بعد ذلك، ومثال ذلك خالد بن ~~الوليد، الذي كان قائدا مغوارا في صفوف المشركين، وقاتل المسلمين في ~~أول حياته، ثم هداه الله للإسلام وأصبح سيف الله المسلول، ماذا لو قتل ~~هذا القائد الفذ على أيدي المسلمين؟ كان مثل هذا الفعل سيتسبب في حرمان ~~المسلمين من موهبته، تلك الموهبة التي أسهمت في معظم الفتوحات الإسلامية ~~في الشام والعراق. # إذن شاءت حكمة الله أن يستبقي أمثال خالد وهم خصوم للإسلام في بدء ~~الدعوة لأن الله قد أعد لهم دورا يخدمون به الإسلام. والذين نالوا من ~~الإسلام أولا هم الذين ستبقى عندهم الحرارة حتى يعملوا عملا يغفر الله ~~لهم به ما قد سبق. انظر إلى عكرمة بن أبي جهل كان شوكة في ظهر المسلمين ~~في بداية الدعوة، ثم أسلم وأبلى بلاء حسنا، ولما أصيب في موقعة اليرموك ~~وأوشكت روحه أن تصعد إلى خالقها نظر إلى قائده خالد بن الوليد وقال: أهذه ~~ميتة ترضى عني رسول الله؟. كأنه كان يعلم أن رسول الله كان قد غضب عليه ~~قبل أن يسلم. وعمرو بن العاص داهية المسلمين الذي لولاه ما فتحت مصر. ~~فقد كسب بدهائه أهل مصر فامتنعوا عن قتاله، وناظرهم بعد ذلك حتى استل ~~حقدهم على المسلمين، وأبان لهم أن رسول الله قال موصيا بهم # " استوصوا بالقبطيين خيرا لأن لهم رحما وذمة " # وفوق هذا فقد أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض العرب يستنفرهم ~~إلى الإسلام. إذن فمن رحمة الله أنه لم ms0572 يشأ تشريع القتال من البداية، ~~وإلا لكنا فقدنا كثيرا من قادة الإسلام العظام الذين حملوا لواء الدعوة ~~الإسلامية فيما بعد، وكل إنسان استبقاه الإسلام وهو خصم وعدو للإسلام، ~~قدر الله له بعد الإسلام دورا يخدم به الدين الخاتم. من هنا نفهم الحكمة ~~من تأخير القتال في الإسلام، لأن الله أراد أن يمحص ويختبر، وألا يدخل ~~هذا الدين إلا من يتحمل متاعب هذا الدين، ومشاقه لأنه سيكون مأمونا ~~على مجد أمة، وعلى منهج سماء، وتلك أمور لا يصلح لها أي واحد من الناس. ~~وقد كان من الممكن أن ينصر الله دينه من أول وهلة دون تدخل من المسلمين، ~~وكان معنى ذلك أن الناس سيتساوون في الإيمان أولهم وآخرهم، ولكن شاءت ~~إرادته سبحانه وتعالى أن يجعل لهذا الدين رجالا يفدونه بأرواحهم ~~وأموالهم لينالوا الشهادة ويرتفعوا إلى مصاف النبيين لذلك جاء الأمر ~~بالقتال متأخرا وبالتدريج. لقد جاء الأمر بالقتال في أول مرحلة بقول ~~الله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم ولا تعتدوا... }. ### || [2.190] # وسبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتاق هو وصحابته ~~إلى البيت الحرام، وأرادوا أن يعتمروا، فجاءوا في ذي القعدة من السنة ~~السادسة من الهجرة. وأرادوا أن يؤدوا العمرة. فلما ذهبوا وكانوا في مكان ~~اسمه الحديبية، ووقفت أمامهم قريش وقالت: لا يمكن أن يدخل محمد وأصحابه ~~مكة. وقامت مفاوضات بين الطرفين، ورضي رسول الله بعدها أن يرجع هذا العام ~~على أن يأتي في العام القادم، وتخلى لهم مكة ثلاثة أيام في شهر ذي ~~القعدة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بشر أصحابه بأنهم سيدخلون ~~المسجد الحرام محلقين ومقصرين، وشاع ذلك الخبر، وفرح به المسلمون وسعدوا، ~~ثم فوجئوا بمفاوضات رسول الله ورجوعه على بعد نحو عشرين كيلو مترا من ~~مكة وحزن الصحابة. حتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه غضب وقال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: ألست رسول الله؟ ألست على الحق؟ فرد عليه سيدنا أبو بكر ~~قائلا: الزم غرزك يا عمر إنه لرسول ms0573 الله. وقد أظهرت هذه الواقعة موقفا ~~لأم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، وهو موقف يعبر عن الحنان والرحمة ~~والمشورة اللينة الهينة. فحينما دخل عليها رسول الله وقال لها: هلك ~~المسلمون يا أم سلمة، أمرتهم فلم يمتثلوا. فانظر إلى مهمة الزوجة عندما ~~يعود إليها زوجها مهموما، هنا تتجلى وظيفتها في السكن، قالت أم سلمة: ~~اعذرهم يا رسول الله إنهم مكروبون. كانت نفوسهم مشتاقة لأن يدخلوا بيت ~~الله الحرام محلقين ومقصرين، ثم حرموا منها وهم على بعد أميال منها، اعمد ~~إلى ما أمرك الله فافعله ولا تكلم أحدا، فإن رأوك فعلت، علموا أن ذلك ~~عزيمة. وأخذ رسول الله بنصيحة أم سلمة، وصنع ما أمره به الله، وتبعه كل ~~المسلمين، وانتهت المسألة. وقبل أن يرجعوا للمدينة لم يشأ الله أن يطيل ~~على الذين انتقدوا الموقف حتى لا يظل الشرخ في نفوس المؤمنين، وتلك عملية ~~نفسية شاقة، لذلك لم يطل الله عليهم السبب، وجاء بالعلة قائلا لهم: ما ~~يحزنكم في أن ترجعوا إلى المدينة أنتم لكم إخوان مؤمنون في مكة وقد أخفوا ~~إيمانهم وهم مندسون بين الكفار، فلو أنكم دخلتم، وقاتلوكم، ستقاتلون ~~الجميع مؤمنين وكافرين، فتقتلون إخوانا لكم، فلو كان هؤلاء الإخوان ~~المؤمنون متميزين في جانب من مكة لأذنت لكم بقتال المشركين كما تريدون. ~~واقرأ قول الله تعالى: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال ~~مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ~~ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما # [الفتح: 25]. بعد نزول الآية عرف المسلمون أن الامتناع كان لعلة ولحكمة، ~~فلما جاءوا في العام التالي قال الله لهم: # الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص.. # [البقرة:194]. وكان الحق يطمئنهم، فالذين صدوكم في ذي القعدة من ذلك ~~العام ستقابلونهم وستدخلون في ذي القعدة من العام القادم. وخاف المسلمون ~~إن جاءوا في العام المقبل أن تنقض قريش العهد وتقاتلهم، ونزل قول الحق: { ~~وقاتلوا في سبيل الله الذين ms0574 يقاتلونكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } [البقرة: 190]. ~~وعندما نتأمل قوله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله } [البقرة: ~~190] فإننا نجد أن الحق سبحانه يؤكد على كلمة { في سبيل الله } ~~[البقرة: 190] لأنه يريد أن يضع حدا لجبروت البشر، ولابد أن تكون نية ~~القتال في سبيل الله لا أن يكون القتال بنية الاستعلاء والجبروت والطغيان ~~فلا قتال من أجل الجاه، أو المال أو لضمان سوق اقتصادي، وإنما القتال ~~لإعلاء كلمة الله، ونصرة دين الله، هذا هو غرض القتال في الإسلام. { ~~وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } [البقرة: 190] ~~والحق ينهى عن الاعتداء، أي لا يقاتل مسلم من لم يقاتله ولا يعتدي. وهب ~~أن قريشا هي التي قاتلت، ولكن أناسا كالنساء والصبيان والعجزة لم ~~يقاتلوا المسلمين مع أنهم في جانب من قاتل، لذلك لا يجوز قتالهم، نعم ~~على قدر الفعل يكون رد الفعل. لماذا؟ لأن في قتال النساء والعجزة اعتداء، ~~وهو سبحانه لا يحب المعتدين. لكن قتال المؤمنين إنما يكون لرد العدوان، ~~لا بداية عدوان. ويقول الحق من بعد ذلك: { واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ~~والفتنة أشد من القتل... }. ### || [2.191] # ونحن نسمع كلمة " ثقافة " ، وكلمة " ثقاف " ، والثقافة هي يسر التعلم، ~~أو أن تلم بطرف من الأشياء المتعددة، وبذلك يصبح فلان مثقفا أي لديه ~~كم من المعلومات، ويعرف بعض الشيء عن كل شيء، ثم يتخصص في فرع من فروع ~~المعرفة فيعرف كل شيء عن شيء واحد. كل هذه المعاني مأخوذة من الأمور ~~المحسة، والتثقيف عند العرب هو تقويم الغصن، فقد كان العرب يأخذون أغصان ~~الشجر ليجعلوها رماحا وعصيا، والغصن قد يكون معوجا أو به نتوء، فكان ~~العربي يثقفه، أي يزيل زوائده واعوجاجه، ثم يأتي بالثقاف وهو قطعة من ~~الحديد المعقوف ليقوم بها المعوج من الأغصان كما يفعل عامل التسليح ~~بحديد البناء. كأن المثقف هو الذي يعدل من شيء معوج في الكون فهو ~~يعرف هذه وتلك، وأصبح ذا تقويم سليم. وهكذا نجد أن معاني اللغة وألفاظها ~~مشتقة ms0575 من المحسات التي أمامنا. وقوله: " ثقفتموهم " أي " وجدتموهم " ، ~~فثقف الشيء أي وجده. والحق يقول: # فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم.. # [الأنفال: 57]. أي " شردهم حيث تجدهم. ويقول الحق: { واقتلوهم ~~حيث ثقفتموهم } [البقرة: 191] أي لا تقولوا إنهم أخرجوكم من ~~هنا، وإنما أخرجوهم من حيث أخرجوكم، أي من أي مكان أنتم فيه، وعند ذلك لن ~~تكونوا معتدين. وقوله تعالى: { وأخرجوهم من حيث ~~أخرجوكم } [البقرة: 191] يذكرنا بمنطق مشابه في آية أخرى منها قوله ~~تعالى: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. # [النحل: 126]. وقوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها.. # [الشورى: 40]. وعندما نبحث في ثنايا هذه النصوص " وجزاء سيئة سيئة مثلها ~~" قد يرد هذا الخاطر: أخذت حقي ممن أساء إلي، وانتقمت منه بعمل يماثل ~~العمل الذي فعله معي، هل يقال: إنني فعلت سيئة؟ وحتى نفهم المسألة نقول: ~~الحق سبحانه وتعالى يأتي في بعض الأحايين بلفظ " المشاكلة " وهي ذكر ~~الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحته، ومثل ذلك قوله: # ومكروا ومكر الله # [آل عمران: 54]، إن الله لا يمكر، وإنما اللفظ جاء للمشاكلة، أو أن ~~اللفظ الكريم قد جاء في استيفاء حقك بكلمة " سيئة مثلها " لينبهك إلى أن ~~استيفاء حقك بمثل ما صنع بك يعتبر سيئة إذا ما وازناه بالصفح والعفو عن ~~المسيء، يشير إلى ذلك سبحانه في نهاية هذه الآية بقوله: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب ~~الظالمين # [الشورى: 40] وبمثل ذلك كان ختام الآية السابقة # ولئن صبرتم لهو خير للصابرين # [النحل: 126]. ويقول الحق: { والفتنة أشد من القتل } ~~[البقرة: 191]، والفتنة مأخوذة من الأمر الحسي، فصائغ الذهب يأخذ قطعة ~~الذهب فيضعها في النار فتنصهر، فإذا ما كان يشوبها معدن غريب عن الذهب ~~فهو يخرج ويبقى الذهب خالصا، فكأن الفتنة ابتلاء واختبار، وقد فعل ~~المشركون ما هو أسوأ من القتل، فقد حاولوا من قبل أن يفتنوا المؤمنين في ~~دينهم بالتعذيب، فخرج المؤمنون فرارا بدينهم. # والحق يأمر المسلمين في قتالهم مع أهل الشرك أن يراعوا حرمة البيت ~~الحرام، فلا ينتهكوها بالقتال إلا إذا قاتلهم أهل الشرك. وهكذا نجد أن ms0576 ~~أول أمر بالقتال إنما جاء لصد العدوان، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يسقط ~~من أيدي خصوم الإسلام ورقة قد يلعبون بها مع المسلمين، فهم يعلمون أن ~~المؤمنين بالإسلام سيحترمون الأشهر الحرم ويحترمون المكان الحرام ~~ويحترمون الإحرام فلا يقاتلون وربما أغرى ذلك خصوم الإسلام ألا يقاتلوا ~~المسلمين إلا في الأشهر الحرم، ويظنون أن المسلمين قد يتهيبون أن ~~يقاتلوهم، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يشرع لهم ما يناسب مثل هذا الأمر ~~فأذن لهم في القتال، فإن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر ~~الحرام، وإن قاتلوكم في المكان الحرام فقاتلوهم في المكان الحرام، وإن ~~قاتلوكم وأنتم حرم فقاتلوهم لأن الحرمات قصاص. إذن أسقط الحق الورقة من ~~أيدي الكافرين. إن الحق سبحانه وتعالى يعلل ذلك بأنه وإن كان القتال في ~~الشهر الحرام وفي المكان الحرام وفي حال الإحرام صعبا وشديدا فالفتنة ~~في دين الله أشد من القتل، لأن الفتنة إنما جاءت لتفسد على الناس ~~دينهم، صحيح أنها لا تعوق الناس عن أن يتدينوا، ولكنها تفتن الذين ~~يتدينون، وقد حاولوا إجبار المسلمين الأوائل بالتعذيب حتى يرتدوا عن ~~الدين، وكان ذلك أشد من القتل لأنها فتنة في الدين. إن الله هو الذي شرع ~~الشهر الحرام فكيف يفتن المؤمنون عن دين الله ويحملون على الشرك به ثم ~~تقولون بعد ذلك إننا في الشهر الحرام؟ إن الشهر الحرام لم يكن حراما إلا ~~لأن الله هو الذي حرمه، فالفتنة في الله شرك وهو أشد من أن نقاتل في ~~الشهر الحرام، ولذلك فلا داعي أن يتحرج أحد من القتال في الشهر الحرام ~~عندما يفتن في دينه. وحينئذ نعلم أن القتال إنما جاء دفاعا. وبعد ذلك هل ~~يظل القتال دفاعا كما يريد خصوم الإسلام أن يجعلوه دفاعا عمن آمن ~~فقط؟ أو كما يريد الذين يحاولون أن يدفعوا عن الإسلام أنه دين قتال ~~ويقولون: لا، الإسلام إنما جاء بقتال الدفاع فقط. نقول لهؤلاء: قتال ~~الدفاع عمن؟ هل دفاع عمن آمن فقط؟ أم عن مطلق إنسان نريد أن ندفع ~~عنه ما يؤثر ms0577 في اختيار دينه؟ هو دفاع أيضا، وسنسميه دفاعا، ولكنه دفاع ~~عمن آمن، ندفع عنه من يعتدي عليه، وأيضا عمن لم يؤمن ندفع عنه ~~من يؤثر عليه في اختيار دينه لنحمي له اختياره، لا لنحمله على الدين، ~~ولكن لنجعله حرا في الاختيار فالقوى التي تفرض على الناس دينا نزيحها ~~من الطريق، ونعلن دعوة الإسلام، فمن وقف أمام هذه الدعوة نحاربه لأنه ~~يفسد على الناس اختيار دينهم، وفي هذا أيضا دفاع. # { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه } [البقرة: 191] لأنكم أحرى وأجدر أن تحترموا تحريم ~~الله للمسجد الحرام، لكن إذا هم اجترأوا على القتال في المسجد الحرام فقد ~~أباح سبحانه لكم أيها المسلمون أن تقاتلوهم عند المسجد الحرام ما داموا ~~قد قاتلوكم فيه. { فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزآء ~~الكافرين * فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم } ~~[البقرة: 191-192]. وما أسمى هذا الدين. إننا لا نؤاخذهم بعد أن انتهوا ~~إلى الإيمان بما قدمت أيديهم من الاجتراء على أهل الإيمان ما داموا قد ~~آمنوا، ولذلك نرى عمر بن الخطاب وقد مر على قاتل أخيه زيد بن الخطاب: ~~وأشار رجل وقال: هذا قاتل زيد. فقال عمر: وماذا أصنع به وقد أسلم؟ لقد ~~عصم الإسلام دمه. لقد انتهت المسألة بإسلامه، فالإيمان بالله أعز على ~~المؤمن من دمه ومن نفسه، وحين يؤمن فقد انتهت الخصومة. وهذا وحشي قاتل ~~حمزة، يقابله رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل ما يصنعه رسول الله هو أن ~~يزوي وجهه عنه، لكنه لا يقتله ولا يثأر منه. وهند زوجة أبي سفيان التي ~~أكلت كبد حمزة، أسلمت وانتهت فعلتها بإسلامها. إذن فالإسلام ليس دين حقد ~~ولا ثأر ولا تصفية حسابات، فإذا كان الدم يغلي في مواجهة الكفر، فإن ~~إيمان الكافر بالإسلام يعطيه السلامة، هذا هو الدين. ### || [2.192] # أي ما داموا قد كفوا عما يصنعون من الفتنة بالدعوة والشرك بالله ~~وزجروا بالدين الآمر فانزجروا عن الكفر، بعدها لا شيء لنا عندهم لأن ~~الله غفور رحيم، فلا يصح أن يشيع في نفوسنا الحقد على ما ms0578 فعلوه بنا ~~قديما، بل نحتسب ذلك عند الله، وما داموا قد آمنوا فذلك يكفينا. والحق ~~سبحانه وتعالى بعد أن أعطانا مراحل القتال ودوافعه قال: { وقاتلوهم ~~حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله... }. ### || [2.193] # وعرفنا أن الفتنة ابتلاء واختبار والحق يقول: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2]. إن الحق يختبر الإيمان بالفتنة، ويرى الذين يعلنون ~~الإيمان هل يصبرون على ما فيه من ابتلاءات أم لا؟ فلو كان دخول الإسلام ~~لا يترتب عليه دخول في حرب أو قتال ولا يترتب عليه استشهاد بعض المؤمنين ~~لكان الأمر مغريا لكثير من الناس بالدخول في الإسلام، لكن الله جعل لهم ~~الفتنة في أن يهزموا ويقتل منهم عدد من الشهداء، وذلك حتى لا يدخل ~~الدين إلا الصفوة التي تحمل كرامة الدعوة، وتتولى حماية الأرض من الفساد، ~~فلا بد أن يكون المؤمنين هم خلاصة الناس. لذلك قال سبحانه: { ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } [البقرة: 193]. معنى أن ~~يكون الدين لله، أي تخرجوهم من ديانة أنفسهم أو من الديانات التي فرضها ~~الطغيان عليهم، وعندما نأخذهم من ديانات الطغيان، ومن الديانات التي ~~زينها الناس إلى ديانات الخالق فهذه مسألة حسنة بالنسبة لهم، وتلك مهمة ~~سامية. كأنك بهذه المهمة السامية تريد أن ترشد العقل الإنساني وتصرفه ~~وتمنعه من أن يدين لمساو له إلى أن يدين لمن خلقه. وعلى صاحب مثل هذا ~~العقل أن يشكر من يوجهه إلى هذا الصواب. ولذلك يجلى الحق سبحانه ~~وتعالى هذه الحقيقة فيقول على لسان الرسول: # قل مآ أسألكم عليه من أجر إلا من شآء أن ~~يتخذ إلى ربه سبيلا # [الفرقان: 57]. فكأننا لو نظرنا إلى عمل الرسول بالنسبة إلينا بمنظار ~~الاقتصاد لوجب أن يكون له أجر، لأنه يقدم المنفعة لنا، وبرغم ما قدمه من ~~منفعة فهو لا يأخذ أجرا لأنه زاهد في الأجر فإنه يعلم أن الأجر من ~~المساوي له قليل مهما عظم وهو يريد الأجر ممن خلقه، وهذا طمع في الأعلى ~~لأنه لا يعطي الأجر على الإيمان إلا الله سبحانه وتعالى، ms0579 وهو الذي يعطي ~~بلا حدود. ويختتم الحق هذه الآية الكريمة بقوله: { فإن انتهوا ~~فلا عدوان إلا على الظالمين } [البقرة: 193]. أي أنهم ~~إذا انتهوا إلى عدم قتالكم، فأنتم لن تعتدوا عليهم، بل ستردون عدوان ~~الظالم منهم. والظالم حين يعتدي يظن أنه لن يقدر عليه أحد، والحق يطلب ~~منا أن نقول له: بل نقدر عليك، ونعتدي عليك بمثل ما اعتديت علينا. ~~ويعطينا الحق حيثية ذلك فيقول: { الشهر الحرام بالشهر ~~الحرام والحرمات قصاص... }. ### || [2.194] # والمقصود هو أنه إذا ما قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر ~~الحرام، فإذا ما اعتدوا على حرمة زمان فالقصاص يكون في زمان مثله، وإن ~~اعتدوا في حرمة مكان يكن القصاص بحرمة مكان مثله، وإذا كان الاعتداء ~~بحرمة إحرام، يكون الرد بحرمة إحرام مثله لأن القصاص هو أن تأخذ للمظلوم ~~مثل ما فعل الظالم. إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يخفف وقع الأمر على ~~المؤمنين الذين ردوا عام الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة ~~وأعادهم المشركون إلى المدينة، فاقتص الله منهم بأن أعادهم في ذي القعدة ~~في العام القادم في السنة السابعة من الهجرة، فإن كانوا قد منعوا في ~~الشهر الحرام فقد أراد الله أن يعودوا لزيارة البيت في الشهر الحرام في ~~الزمان نفسه. وقوله الحق: { والحرمات قصاص } [البقرة: 194] ~~يقتضي منا أن نسأل: كيف يكون ذلك؟ وما هو الشيء الحرام؟ إن الشيء الحرام ~~هو ما يحظر هتكه، والشيء الحلال هو المطلق والمأذون فيه. فهل يعني ذلك ~~أن الذي يقوم بعمل حرام نقتص منه بعمل مماثل؟ هل إذا زنى رجل بامرأة نقول ~~له نقتص منك بالزنى فيك؟ لا، إن القصاص في الحرمات لا يكون إلا في ~~المأذون به وكذلك إذا سرق مني إنسان مالا وليس لدي بينة، لكني مقتنع ~~بأنه هو الذي سرق هل أقتص منه بأن أسرق منه؟ لا، إن القصاص إنما يكون في ~~الأمر المعروف الواضح، أما الأمر المختفي فلا يمكن أن نقتص منه بمثل ما ~~فعل. لكن هب أن أحد الأقارب ممن تجب نفقتهم عليك ms0580 وامتنعت أنت عن ~~النفقة على هذا الإنسان، وهذا أمر محرم عليك، وما دام الأمر علنيا فله ~~أن يأخذ من مالك فيأكل وتكون المسألة قصاصا. وهب أن زوجتك تشتكي من بخلك ~~وتقصيرك، كما # " اشتكت هند زوجة أبي سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من بخل زوجها ~~فقال لها: خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك وولدك ". # ومثال آخر، هب أن ضيفا بمنزلك ورفضت أن تكرمه، وانتهز فرصة بعدك عن ~~المكان الذي يجلس فيه ثم تناول شيئا وأكله. لا يكون تعديا عليك ما لم ~~يكن داخلا في محرم آخر، وبعد ذلك يترك الحق لولي الأمر تنظيم هذه الأمور ~~حتى لا تصير المسائل إلى الفوضى. وقوله الحق: { فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } ~~[البقرة: 194] يدعونا إلى اليقظة حتى لا يخدعنا أحد ويدعي الإيمان وهو ~~يريد الانتقام. ويجب أن نتمثل قول الشاعر: # إن عادت العقرب عدنا لها # وكانت النعل لها حاضرة # ويختم الحق الآية الكريمة بقوله: { واتقوا الله واعلموا ~~أن الله مع المتقين } [البقرة: 194] أي لا تظنوا أن الله ~~ملككم فيهم شيئا، بل أنتم وهم مملوكون جميعا لله. ويقول الحق من بعد ~~ذلك: { وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم ~~إلى التهلكة وأحسنوا... }. ### || [2.195] # وهذه الآية جاءت بعد آيات القتال، ومعناها: أعدوا أنفسكم للقتال في سبيل ~~الله. وقوله الحق: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ~~} [البقرة: 195] تقتضي منا أن نعرف أن كلمة " تهلكة " على وزن تفعله ~~ولا نظير لها في اللغة العربية إلا هذا اللفظ، لا يوجد على وزن تفعلة ~~في اللغة العربية سوى كلمة " تهلكة " ، والتهلكة هي الهلاك، والهلاك هو ~~خروج الشيء عن حال إصلاحه بحيث لا يدرى أين يذهب، ومثال ذلك هلاك ~~الإنسان يكون بخروج روحه. والحق يقول: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة.. # [الأنفال: 42]. فالهلاك ضد الحياة، وعلى الإنسان أن يعرف أن الحياة ليست ~~هي الحس والحركة التي نراها، إنما حياة كل شيء بحساب معين فحياة الحيوان ~~لها قانونها، وحياة النبات لها قانونها، وحياة الجماد ms0581 لها قانونها، بدليل ~~أن الحق سبحانه وتعالى جعل " يهلك " أمام " يحيى " وهو سبحانه القائل: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88]. فلسنا نحن فقط الذين يهلكون، ولا الحيوانات، ولا النباتات ~~وإنما كل شيء بما فيه الجماد، كأن الجماد يهلك مثلنا، وما دام يهلك فله ~~حياة ولكن ليست مثل حياتنا، وإنما حياة بقانونه هو، فكل شيء مخلوق لمهمة ~~يؤديها، فهذه هي حياته. وقوله الحق: { ولا تلقوا بأيديكم ~~إلى التهلكة } [البقرة: 195] يكشف لنا بعضا من روائع الأداء ~~البياني في القرآن ففي الجملة الواحدة تعطيك الشيء ومقابل الشيء، وهذا ~~أمر لا نجده في أساليب البشر فالحق في هذه الآية يقول لنا: { ~~وأنفقوا في سبيل الله } [البقرة: 195] أي أنفقوا في الجهاد، ~~كما يقول بعدها: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ~~[البقرة: 195] لماذا؟ لأن الإنفاق هو إخراج المال إلى الغير الذي يؤدي لك ~~مهمة تفيد في الإعداد لسبيل الله، كصناعة الأسلحة أو الإمدادات ~~التموينية، أو تجهيز مبان وحصون، هذه أوجه إنفاق المال. والحق يقول: { ~~ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } [البقرة: 195]. ~~وكلمة " ألقى " تفيد أن هناك شيئا عاليا وشيئا أسفل منه، فكأن الله ~~يقول: لا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وهل سيلقى الواحد منا نفسه إلى ~~التهلكة، أو أن يلقي نفسه في التهلكة بين عدوه؟ لا، إن اليد المغلولة عن ~~الإنفاق في سبيل الله هي التي تلقي بصاحبها إلى التهلكة لأنه إن امتنع ~~عن ذلك اجترأ العدو عليه، وما دام العدو قد اجترأ على المؤمنين فسوف ~~يفتنهم في دينهم، وإذا فتنهم في دينهم فقد هلكوا، إذن فالاستعداد للحرب ~~أنفى للحرب، وعندما يراك العدو قويا فهو يهابك ويتراجع عن قتالك. والحق ~~سبحانه - كما يريد منا في تشريع القتال أن نقاتل - يأمرنا أن نزن أمر ~~القتال وزنا دقيقا بحسم، فلا تأخذنا الأريحية الكاذبة ولا الحمية ~~الرعناء، فيكون المعنى: ولا تقبلوا على القتال إلا إن كان غالب الظن أنكم ~~ستنتصرون، فحزم الإقدام قد يطلب منك أن تقيس الأمور بدقة، فالشجاعة قد ~~تقتضي منك أن تحجم وتمتنع عن القتال في بعض الأحيان، لتنتصر ms0582 من بعد ذلك ~~ساعة يكمل الإعداد له. # والمعنى الأول يجعلك تنفق في سبيل الله ولا تلقي بيدك إلى التهلكة بترك ~~القتال. والمعنى الثاني أي لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة بأن تقبلوا على ~~القتال بلا داع أو بلا إعداد كاف. إن الحق يريد من المؤمنين أن يزنوا ~~المسائل وزنا يجعلهم لا يتركون الجهاد فيهلكوا لأن خصمهم سيجترئ عليهم، ~~ولا يحببهم في أن يلقوا بأيديهم إلى القتال لمجرد الرغبة في القتال دون ~~الاستعداد له. وهذا هو الحزم الإيماني، إنها جملة واحدة أعطتنا عدة معان. ~~ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: { وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين } [البقرة: 195] الحق يقول: { وأحسنوا } [البقرة: ~~195]. والإحسان كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أن تعبد الله - أي تطيع أوامره - كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك ". # مشكلة الناس هذه الأيام أنهم يتشبهون ب " فإنه يراك " ، فعملوا الدوائر ~~التليفزيونية المغلقة في المحلات الكبرى حتى تتم مراقبة سير العمل في ~~أرجاء المحل، هذه فعل البشر. لكن انظر إلى تسامي الإيمان، إنه يأمرك أنت ~~أن ترى الله، فلا تؤد العمل أداء شكليا يرفع عنك العتب، بل عليك أن تؤدي ~~العمل بقصد الإحسان في العمل. والإحسان في كل شيء هو إتقانه إتقانا بحيث ~~يصنع الإنسان لغيره ما يحب أن يصنعه غيره له، ولو تعامل الناس على هذا ~~الأساس لامتازت كل الصناعات، لكن إذا ساد الغش فأنت تغش غيرك، وغيرك ~~يغشك، وبعد ذلك كلنا نجأر بالشكوى، وعلينا إذن أن نحسن في كل شيء: مثلا ~~نحسن في الإنفاق، ولن نحسن في الإنفاق إلا إذا أحسنا في الكدح الذي يأتي ~~بثمرة ما ننفق لأن الكدح ثمرته مال، ولا إنفاق إلا بمال، فتخرج من عائد ~~كدحك لتصرفه في المناسب من الأمور. ودائرة الإحسان لا تقتصر على القتال ~~فقط، فالأمر هنا عام، ولا تعتقد أنه أمر في زاوية من زوايا الدين جاءت ~~لتخدم جزئية من جزئيات الحياة، إنما كل زاوية من زوايا الدين جاءت لتخدم ~~كل جزئيات الحياة، فالإحسان إذا كان بالمال فهذا يقتضي أن ms0583 يحسن الإنسان ~~الحركة في الأرض، ويعمل عملا يكفيه ويكفي من يعول، ثم يفيض لديه ما ~~يحسن به. إذا لم يتوافر المال، فعليك أن تحسن بجاهك وتشفع لغيرك، والجاه ~~قد قومه الإسلام أي جعل له قيمة، فعلى صاحب الجاه أن يشفع بجاهه ليساعد ~~أصحاب الحقوق في الحصول على حقوقهم، وعلى الوجيه أيضا أن يأخذ الضعيف في ~~جواره ويحميه من عسف وظلم القوي، وعليه بجاهه أن يقيم العدل في البيئة ~~التي يعيش فيها. # والوجاهة تعني أن يكون للإنسان احترام أو وزن أو تقدير، وهذه الأشياء ~~لها مسبقات في إحسان الشخص، لا يأخذها بلا سبب، إنما سبقها عمل جعل له ~~وجاهة عند الناس. فالناس في العادة لا يحترمون إلا من يكون له لون من ~~الفضل عليهم، فكأنه احترام مدفوع الثمن، وليس احتراما مجانيا. وقد ~~يكون الإحسان بالعلم. أو بفضل القوة، بإعانة الضعيف. أو بإكساب الخبرة ~~للآخرين. أو بتفريج كربة عن مسلم. إذن وجوه الإحسان في الأشياء كثيرة، ~~وكلها تخدم قضية الإيمان. وعندما يرى الكافر المؤمنين وكل واحد منهم يحسن ~~عمله فإن ذلك يغريه بالإيمان. وإذا سألنا: ما الذي زهد دنيانا المعاصرة ~~في ديننا؟ فسوف نجد أن العالم ينظر إلى دين الله من خلال حركة المسلمين، ~~وهي حركة غير إسلامية في غالبيتها. صحيح أن بعضا من عقلاء الغرب ~~وفلاسفته لا يأخذون الدين من حركة المسلمين، وهذا منتهى العدالة منهم ~~لأنه ربما كان بعض المسلمين غير ملتزم بدينه، فلا يأخذ أحد الإسلام منه ~~لمجرد أنه مسلم. وأتباع الديانات الأخرى يعرفون أن هناك أفعالا جرمها ~~دينهم. وما دام هناك أفعال جرمها الدين وسن لها عقوبة فذلك دليل على أنها ~~قد تقع، فأنت عندما ترى شخصا ينتسب إلى الإسلام ويسرق، هل تقول: إن ~~المسلمين لصوص لا، إن عليك أن تنظر إلى تشريعات الإسلام هل جرمت السارق ~~أو لم تجرمه؟ فلا يقولن أحد: انظر إلى حال المسلمين، ولكن لننظر إلى ~~قوانين الإسلام، لأن الله قدر على البشر أن يقوموا بالأفعال حسنها ~~وسيئها، ولذلك أثاب على العمل الصالح وعاقب ms0584 على العمل السيىء. والعقلاء ~~والمفكرون يأخذون الدين من مبادئ الدين نفسه، ولا يأخذونه من سلوك الناس، ~~فقد يجوز أن تقع عين المراقب على مخالف في مسألة يحرمها الدين، فلا تأخذ ~~الفعل الخاطئ على أنه الإسلام وإنما خذه على أنه خارج على الإسلام. وساعة ~~يرانا العالم محسنين في كل شيء فنحن نعطيهم الأسوة التي كان عليها ~~أجدادنا، وجعلت الإسلام يمتد ذلك المد الخرافي الأسطوري حتى وصل في نصف ~~قرن إلى آخر الدنيا في الشرق، وإلى آخرها في الغرب، وبعد ذلك ينحسر ~~سياسيا عن الأرض، ولكن يظل كدين، وبقى من الإسلام هذا النظام الذي يجذب ~~له الناس. إن الإسلام له مناعة في خميرته الذاتية إنه يحمل مقومات بقائه ~~وصلاحيته، وهو الذي يجذب غير المسلمين له فيؤمنون به، وليس المسلمون هم ~~الذين يجذبون الناس للإسلام. ولذلك أقول: لو أن التمثيل السياسي للأمم ~~الإسلامية في البلاد غير الإسلامية المتحضرة قد أخذ بمبادئ الإسلام لكان ~~أسوة حسنة. # وانظر إلى عاصمة واحدة من عواصم الدول الغربية تجد فيها أكثر من ثلاث ~~وستين سفارة إسلامية، وكل سفارة يعمل فيها جهاز يزيد على العشرين، هب أن ~~هؤلاء كانوا أسوة إسلامية في السلوك والمعاملات في عاصمة غير إسلامية، ~~حينئذ يجد أهل ذلك البلد جالية إسلامية ملتزمة ولم تفتنها زخارف المدنية: ~~لا يشربون الخمر، ولا يراقصون، ولا يترددون على الأماكن السيئة السمعة، ~~ولا تتبرج نساؤهم، بالله ألا يلفت النظر سلوك هؤلاء. لكن ما يحدث - ~~للأسف - هو أن أهل الغرب - على باطلهم - غلبوا بني الإسلام - على حقهم - ~~وأخذوهم إلى تحللهم، وهذا الاتباع الأعمى يجعل الغربيين يقولون: لو كان ~~في الإسلام مناعة لحفظ أبناءه من الوقوع فيما وقعنا فيه. إذن الإحسان من ~~المسلمين أكبر دعاية ودعوة إلى دين الإسلام. إن الحق يقول: { إن ~~الله يحب المحسنين } [البقرة: 195] والحب كما نعرفه هو ميل ~~قلب المحب إلى المحبوب، وذلك الأمر يكون بالنسبة للبشر، لكن بالنسبة للحق ~~هو تودد الخالق بالرحمة والكرامة على المخلوق، والحق سبحانه وتعالى يحب ~~من عباده أن يكونوا على خلقه، فكما ms0585 أن الله أحسن كل شيء خلقه # الذي أحسن كل شيء خلقه # [السجدة: 7] يريد من عباده وقد تفضل عليهم بالعقل المفكر فيخطط، ~~وبالطاقات فتبرز التفكير إلى عمل يريد الحق منا أن يكون رائدنا في كل عمل ~~أن نحسنه حتى نكون متخلقين بأخلاق الله، فتشيع كلمة " الله " هذا اللفظ ~~الكريم الذي يستقبل به الإنسان كل جميل في أي صنعة فيقول: " الله ". إذن ~~تشيع كلمة " الله " نغمة في الوجود تعليقا على كل شيء حسن، حتى الذي لا ~~يؤمن بذلك الإله يقول أيضا: " الله " ، كأن الفطرة التي فطر الله الناس ~~عليها تنطق بأن كل حسن يجب أن ينسب إلى الله سواء كان الله هو الذي فعل ~~مباشرة كالأسباب والكونيات والنواميس، أو خلق الذي فعل الحسن، فكل الأمور ~~تؤول إلى الله. ولو علم الذين لا يحسنون أعمالهم بماذا يحرمون الوجود ~~لتحسروا على أنفسهم، وليتهم يحرمون الوجود من كلمة " الله " ، ولكنهم ~~يجعلون مكان " الله " كلمة خبيثة فيشيعون القبح في الوجود، وحين يشيع ~~القبح في الوجود يكون الإنسان في عمومه هو الخاسر. فقول الله: { إن ~~الله يحب المحسنين } [البقرة: 195] تشجيع لكل من يلي عملا ~~أن يحسنه ليكون على أخلاق الله. وبعد ذلك يقول الحق: { وأتموا ~~الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر ~~من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله... }. ### || [2.196] # والنسق القرآني نسق عجيب، فأنتم تذكرون أنه تكلم عن الصيام، ورمضان يأتي ~~قبل أشهر الحج، فكان طبيعيا أن يتكلم عن الحج بعد أن تكلم عن رمضان وعن ~~الأهلة وعن جعل الأهلة مواقيت للناس والحج كما أن هناك شيئا آخر يستدعي ~~أن يتكلم في الحج وهو الكلام عن القتال في الأشهر الحرم، وعن البيت ~~الحرام فقد قال سبحانه: # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه.. # [البقرة: 191]. إذن فالكلام عن الحج يأتي في سياقه الطبيعي. وحين يقول ~~الله: { وأتموا الحج والعمرة لله } [البقرة: 196] ~~نفهم منه أن الأمر بإتمام الشيء لا يكون إلا إذا جاء الأمر بفرض هذا ~~الفعل، فكأنك بدأت في العمل بعد التشريع به، ويريد ms0586 منك سبحانه ألا تحج ~~فقط، ولكن يريد منك أن تتمه وتجعله تاما مستوفيا لكل مطلوبات المشرع ~~له. وساعة يقول الحق: { وأتموا الحج والعمرة } [البقرة: ~~196] لقائل أن يقول: إن الحج شيء والعمرة شيء آخر، بدليل عطفها عليه، ~~والعطف يقتضي المغايرة كما يقتضي المشاركة، فإن وجدت مشاركة ولم توجد ~~مغايرة فلا يصح العطف، بل لابد أن يوجد مشاركة ومغايرة. والمشاركة بين ~~الحج والعمرة أن كليهما نسك وعبادة، وأما المغايرة فهي أن للحج زمنا ~~مخصوصا ويشترط فيه الوقوف بعرفة، وأما العمرة فلا زمن لها ولا وقفة فيها ~~بعرفة. ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول في مشروعية الحج: # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا.. # [آل عمران:97]. ولم يأت في تلك الآية بذكر العمرة، ومنها نعرف أن الحج ~~شيء والعمرة شيء آخر، والمفروض علينا هو الحج. ولذلك أقول دائما لابد ~~لنا أن نأخذ القرآن جملة واحدة، ونأتي بكل الآيات التي تتعلق بالموضوع ~~لنفهم المقصود تماما، فحين يقول الحق في قرآنه أيضا: { وأتموا ~~الحج والعمرة لله } [البقرة: 196] نعرف من ذلك أن العمرة ~~غير الحج، وحين تقرأ قول الله في سورة براءة: # وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج ~~الأكبر.. # [التوبة: 3]. نعرف أن هناك حجا أكبر، وحجا ثانيا كبيرا. ولذلك فآية # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97] جاءت بالبيت المحرم، وهو القدر المشترك في الحج ~~والعمرة. ونعرف أن الحج الأكبر هو الحج الذي يقف فيه المسلم بعرفة لأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قال: # " الحج عرفة " # وهو الحج الأكبر لأن الحشد على عرفة يكون كبيرا، وهو يأتي في زمن مخصوص ~~ويشترط فيه الوقوف بعرفة. إذن قوله تعالى: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97] الحج هو القصد إلى معظم وهو " حج البيت " ، أما العمرة ~~فهي الحج الكبير وزمانها شائع في كل السنة، والقاصدون للبيت يتوزعون على ~~العام كله. # وذلك قد ثبت بالتشريع بقوله سبحانه: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97]. وما دام جاء بالأمر المشترك في قوله: حج البيت فهو يريد ~~الحج ms0587 الأكبر والحج الكبير. والحق سبحانه وتعالى يخاطب عباده ويعلم أن بعض ~~الناس سيقبلون على العبادات إقبالا شكليا، وقد يقبلون على العبادة ~~لأغراض أخرى غير العبادة، فكان لابد أن يبين القصد من الحج والعمرة، وأن ~~المطلوب هو إتمامها، ولابد أن يكون القصد لله لا لشيء آخر، لا ليقال " ~~الحج فلان " ، أو ليشتري سلعا رخيصة ويبيعها بأغلى من ثمنها بعد عودته. ~~ونحن نعلم أن الحج هو العبادة الوحيدة التي يستمر اقترانها بفاعلها، ~~فمثلا لا يقال: " المصلى فلان " ولا " المزكي فلان " ، فإن كان الحاج ~~حريصا على هذا اللقب، وهو دافعه من وراء عبادته فلا بد ألا يخرج بعبادته ~~عن غرضها المشروعة من أجله، إن الحق يقول: { وأتموا الحج ~~والعمرة لله } [البقرة: 196]. وكلمة " لله " تخدمنا في قضايا ~~متعددة، فما هي هذه القضايا؟ إن المسلم عندما يريد أن يحج لله فلا يصح أن ~~يحج إلا بمال شرع الله وسائله. كثير من الناس حين يسمعون الحديث الشريف: # " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ". # يعتقدون أن الإنسان له أن يرتكب ما يشاء من معاص ومظالم، ثم يظن أن حجة ~~واحدة تسقط عنه كل ذنوبه، نقول لهؤلاء: أولا: لابد أن تكون الحجة لله. ~~وثانيا: أن تكون من مال حلال، وما دامت لله ومن مال حلال فلا بد أن نعرف ~~ما هي الذنوب التي تسقط عنه بعد الحج، فليست كل الذنوب تسقط، وإنما ~~الذنوب المتعلقة بالله سبحانه وتعالى لأن الذنب المتعلق بالله أنت لم ~~تظلم الله به، لكن ظلمت نفسك، ولكن الذنب المتعلق بالبشر فيه إساءة لهم ~~أو انتقاص من حقوقهم، وبالتالي فإن ظلم العباد لا يسقط إلا برد حقوق ~~العباد. ونعرف أن العمرة هي قصد البيت الحرام في مطلق زمان من العام، ~~والحج قصد البيت في خصوص زمان من العام، ويقول بعض العلماء: إن هذا تكليف ~~وذاك تكليف، فهل يجوز أداؤهما معا، أم كل تكليف يؤدى بمعزل عن الآخر؟ ~~وبعضهم تناول ملحظيات الفضل والحسن، فالذي يقول: إن الإفراد بالحج أحسن، ~~فذلك لأنه خص كل ms0588 نسك بسفرة، والذي يقول: يؤديهما معا ويحرم بالحج ~~والعمرة معا بإحرام واحد، فيذهب أولا ويأتي بنسك العمرة، ثم يظل على ~~إحرامه إلى أن يخرج إلى الحج، وفي هذه الحالة يكون قد قرن الأمرين معا ~~أي أداهما بإحرام واحد وهذا ما يفضله بعض من العلماء لأن الله علم أن ~~العبد قد أدى نسكين بإحرام واحد، وهناك إنسان متمتع أي يؤدي العمرة، ثم ~~يتحلل منها، وبعد ذلك يأتي قبل الحج ليحرم بالحج، وهذا اسمه التمتع، وهو ~~متمتع لأنه تحلل من الإحرام، ومن العلماء من يقول: إن التمتع أحسن لأنه ~~فصل بين أمرين بما أخرجه عن العادة، أحرم ثم تحلل ثم أحرم. # إذن كل عالم له ملحظ، فكأن الله لا يريد أن يضيق على خلقه في أداء نسك ~~على أي لون من الألوان. وقد احتاط المشرع سبحانه وتعالى عند التكليف، ~~واحترم كل الظروف سواء كانت الظروف التي قد تقع من غير غريم وهو ~~القدريات، أو تقع من غريم، وهي التي لها أسباب أخرى فقال: { فإن ~~أحصرتم فما استيسر من الهدي } [البقرة: 196]. وأحصرتم ~~تعني منعتم. وهناك " حصر " وهي للقدريات، وهناك " أحصر " وتكون بفعل ~~فاعل مثل تدخل العدو كما حوصر رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام ~~الحديبية، وقيل له لا تدخل مكة هذا العام، لذلك فالحق سبحانه وتعالى يخفف ~~عنا وكأنه يقول لنا: أنا لا أهدر تهيؤ العباد، ولا نيتهم ولا استعدادهم ~~ولا إحرامهم فإن أحصروا { فما استيسر من الهدي } [البقرة: ~~196] والهدي هو ما يتم ذبحه تقربا إلى الله، وكفارة عما حدث. ثم يقول ~~بعد ذلك: { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي ~~محله } [البقرة: 196] أي إلى أن يبلغ المكان المخصص لذلك، هذا إن ~~كنت سائق الهدى، أما إن لم تكن سائق الهدى فليس ضروريا أن تذبحه، ويكفي ~~أن تكلف أحدا يذبحه لك، وقوله الحق: { فمن تمتع بالعمرة ~~إلى الحج فما استيسر من الهدي } [البقرة: 196] تعني ~~أنه يصح أن يذبح الإنسان الهدي قبل عرفة، ويصح أن نؤخره ليوم النحر، ويصح ~~أن يذبحه بعد ذلك ms0589 كله. { فما استيسر من الهدي } [البقرة: ~~196] تعني أيضا إن كان الحصول على الهدي سهلا، سواء لسهولة دفع ثمنه، ~~أو لسهولة شرائه، فقد توجد الأثمان ولا يوجد المثمن. " والهدي " هو ما ~~يهدى للحرم، أو ما يهدي الإنسان إلى طريق الرشاد، والمعنى مأخوذ من ~~الهدى، وهو الغاية الموصلة للمطلوب. وقوله تعالى: { ولا تحلقوا ~~رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم ~~مريضا أو به أذى من رأسه ففدية } [البقرة: 196] ~~فالمريض الذي لا يستطيع أن يذبح الهدي وعنده أذى من رأسه # " كالصحابي الذي كان في رأسه قمل، وكان يسبب له ألما، فقال له رسول ~~الله: " احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو أنسك بشاة ". # إنها تشريعات متعاقبة وكل تشريع له مناسبة، فكما شرع لمن أحصر ما استيسر ~~من الهدى، كذلك شرع لمن حلق رأسه لمرض أن كان به أذى من رأسه، شرع له ~~ثلاثة أشياء: صيام أو صدقة أو نسك. والمتأمل لهذه الأشياء الثلاثة يجد ~~أنها مرتبة ترتيبا تصاعديا فالصيام هو أمر لا يتعدى النفع المباشر فيه ~~إلى الغير، والصدقة عبادة يتعدى النفع فيها للغير، ولكن بقدر محدود لأنها ~~إطعام ستة أفراد مثلا، والنسك هو ذبيحة، ولحمها ينتفع به جمع كبير من ~~الناس. # فانظر إلى الترقي في النفع، إما صوم ثلاثة أيام، وإما إطعام ستة مساكين، ~~وإما ذبح ذبيحة أي شاة. إن هذا تصعيد من الأضعف للأقوى كل بحسب طاقته ~~ومقدرته. والحق سبحانه وتعالى ساعة يشرع كفارات معينة فذلك من أجل مراعاة ~~العمليات المطلوبة في الحج، والمناسبة لظروف وحالة المسلم، فأباح له في ~~حالة التمتع مثلا أن يقسم الصوم إلى مرحلتين: ثلاثة أيام في الحج، وسبعة ~~إذا رجعتم. إنه الترقي في التشريعات، واختيار للأيسر الذي يجعل المؤمن ~~يخرج من المأزق الذي هو فيه. { فمن كان منكم مريضا أو به ~~أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ~~فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما ~~استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة ~~أيام في الحج وسبعة إذا ms0590 رجعتم } [البقرة: 196]. ~~وكلمة " فمن لم يجد " معناها أنه لا يملك، وهذا الذي لا يملك نقول له: لا ~~تفعل كما يفعل كثير من الناس قبل أن يطوفوا، إن بعضهم يذهب للسوق ويشتري ~~الهدايا، وبعد ذلك ساعة وجوب الهدي عليه يقول: ليس معي ولذلك سأصوم. هنا ~~نقول له: ألم يكن ثمن تلك الهدايا يصلح لشراء الهدي؟ إنه لأمر غريب أن ~~تجد الحاج يشتري هدايا لا حصر لها ساعات وأجهزة كهربائية ويملأ حقائبه، ~~ثم يقول لا أجد ما أشتري به الهدي. أليس ذلك غشا وخداعا؟ إن من يفعل ~~ذلك يغش نفسه. إذن قوله تعالى: { فمن لم يجد } [البقرة: 196] ~~يعني لا يجد حقا، لا من تنفد أمواله في الهدايا، ثم يصبح صفر اليدين، ~~ولذلك فالذين يحسنون أداء النسك لا يشترون هداياهم إلا بعد تمام أداء ~~المطلوب في النسك، وإن بقي معهم مال اشتروا على قدر ما معهم. والذين ~~ينفقون أموالهم في شراء الهدايا ثم يأتون عند { فما استيسر من ~~الهدي } [البقرة: 196] ويقولون ليس معنا ثمن الهدى وسنصوم، الغريب ~~أنهم لا يتذكرون الصوم إلا عند عودتهم، ألم يكن الأفضل للواحد منهم أن ~~يصوم من البداية، من لحظة أن يعرف أنه لا يملك ثمن الهدى ويدخل في ~~الإحرام للعمرة؟ إن المفروض أن يبدأ في صوم الثلاثة أيام حتى يكون عذره ~~مسبقا وليس لاحقا وبعض العلماء أباح صوم أيام التشريق، وأيام التشريق ~~الثلاثة هي التي تلي يوم العيد لأنهم كانوا " يشرقون اللحم " أي يبسطونه ~~في الشمس ليجف ويقدد. وبعد ذلك عندما ينتهي من أداء المناسك إما أن يصوم ~~السبعة الأيام في الطريق وهو عائد، أو عندما يصل لمنزله، إن له أن يختار ~~ما يناسبه { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة } ~~[البقرة: 196] ومعروف أن " ثلاثة " و " وسبعة " تساوي " عشرة " ، وذلك ~~حتى لا يظن الناس أن المقصود إما صوم ثلاثة أيام وإما سبعة أيام، ولذلك ~~قال: { عشرة كاملة } [البقرة: 196] حتى لا يلتبس الفهم. # وربما أراد الحق سبحانه وتعالى أن ينبهنا إلى ms0591 أن الصائم سيصوم عشرة أيام ~~فهي كاملة بالنسبة لأداء النسك. وليس الذابح بأفضل من الصائم، فما دام لم ~~يجد ثمن الهدي وصام العشرة الأيام، فله الأجر والثواب كمن وجد وذبح. ~~فإياك أن تظن أن الصيام قد ينقص الأجر أو هو أقل من الذبح. ويقول الحق: ~~{ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } ~~[البقرة: 196]، وهذا التشريع مقصود به من لم يكن أهله مقيمين بمكة. ~~ونعرف أن حدود المسجد الحرام هي اثنا عشر ميلا، والمقيم داخل هذه ~~المسافة لا يلزمه ذبح ولا صوم، لماذا؟ بعض العلماء قال: لأن المقيمين حول ~~المسجد الحرام طوافهم دائم فيغنيهم عن العمرة، فإن حج لا يدخل في هذا ~~التشريع. ويختم الحق هذه الآية بقوله: { واتقوا الله ~~واعلموا أن الله شديد العقاب } [البقرة: 196]. كيف ~~يقول الحق: إنه شديد العقاب في التيسيرات التي شرعها؟ أي: إياكم أن تغشوا ~~في هذه التيسيرات، فليس من المعقول أو من المقبول أن ندلس شيئا فيها، ~~لذلك حذرنا سبحانه من الغش في هذه المناسك بقوله: { واعلموا أن ~~الله شديد العقاب } [البقرة: 196]. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا ~~رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج... }. ### || [2.197] # ولنا أن نلحظ أن الحق قال في الصوم: # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185] ولم يذكر شهور الحج: شوالا وذا القعدة وعشرة من ذي الحجة ~~كما ذكر رمضان، لأن التشريع في رمضان خاص به فلا بد أن يعين زمنه، لكن ~~الحج كان معروفا عند العرب قبل الإسلام، ويعلمون شهوره وكل شيء عنه ~~فالأمر غير محتاج لذكر أسماء الشهور الخاصة به، والشهور المعلومة هي: ~~شوال وذو القعدة وعشرة أيام من ذي الحجة وتنتهي بوقفة عرفات وبأيام منى، ~~وشهر الحج لا يستغرق منه سوى عشرة أيام، ومع ذلك ضمه لشوال وذي القعدة، ~~لأن بعض الشهر يدخل في الشهر. وكلمة " معلومات " تعطينا الحكمة من عدم ~~ذكر أسماء شهور الحج، لأنها كانت معلومة عندهم. { فمن فرض فيهن ~~الحج } [البقرة: 197] والفرض ليس من الإنسان إنما الفرض ms0592 من الله الذي ~~فرض الحج ركنا، وأنت إن ألزمت به نفسك نية وفعلا، وشرعت ونويت الحج في ~~الزمن المخصوص للحج تكون قد فرضت على نفسك الحج لهذا الموسم الذي تختاره ~~وهو ملزم لك. وقوله سبحانه: { فرض } [البقرة: 197] يدل على أنك تلتزم ~~بالحج وإن كان مندوبا أي غير مفروض. { فمن فرض فيهن الحج ~~فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } [البقرة: 197] ~~والرفث للسان، وللعين. وللجوارح الأخرى رفث، كلها تلتقي في عملية الجماع ~~ومقدماته، ورفث اللسان في الحج أن يذكر مسألة الجماع، ورفث العين أن ينظر ~~إلى المرأة بشهوة. فالرفث هو كل ما يتأتى مقدمة للجماع، أو هو الجماع أو ~~ما يتصل به بالكلمة أو بالنظرة، أو بالفعل. والرفث وإن أبيح في غير الحج ~~فهو محرم في الحج، أما الفسوق فهو محرم في الحج وفي غير الحج، فكأن الله ~~ينبه إلى أنه وإن جاز أن يحدث من المسلم فسوق في غير الحج، فليس من الأدب ~~أن يكون المسلم في بيت الله ويحدث ذلك الفسوق منه، إن الفسوق محرم في كل ~~وقت، والحق ينبه هنا المسرف على نفسه، وعليه أن يتذكر إن كان قد فسق ~~بعيدا عن بيت الله فليستح أن يعصي الله في بيت الله فالذاهب إلى بيت ~~الله يبغي تكفير الذنوب عن نفسه، فهل يعقل أن يرتكب فيه ذنوبا؟ لابد أن ~~تستحي أيها المسلم وأنت في بيت الله، واعلم أن هذا المكان هو المكان ~~الوحيد الذي يحاسب فيه على مجرد الإرادة. يقول الله عز وجل: # ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب ~~أليم # [الحج: 25]. إذن الرفث حلال في مواضع، لكنه يحرم في البيت الحرام، ~~ولكن الفسوق ممتنع في كل وقت، وامتناعه أشد في البيت الحرام. والجدال وإن ~~كان مباحا في غير الحج فلا يصح أن يوجد في الحج. # ولنا أن نعرف أن مرتبة الجدال دون مرتبة الفسوق، ودون مرتبة العصيان، ~~والرسول قال: # " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " # لم يقل: " ولم يجادل " إن بشرية الرسول ms0593 تراعي ظروف المسلمين، فمن ~~المحتمل أن يصدر جدال من الحاج نتيجة فعل استثاره، فكأن عدم ذكر الجدال ~~في الحديث فسحة للمؤمن ولكن لا يصح أن نتمادى فيها. والجدال ممكن في غير ~~الحج بدليل: # وجادلهم بالتي هي أحسن.. # [النحل: 125]. إنما الحج لا جدال فيه. والجدل هو أن يلف كل واحد من ~~الطرفين على الآخر ليطوقه بالحجة. ثم انظر إلى تقدير الحق لظروف البشر ~~وعواطف البشر والاعتراف بها والتقنين لأمر واقع معترف به، فالحج يخرج ~~الإنسان من وطنه ومن مكان أهله، ومن ماله، ومما ألف واعتاد من حياة. ~~وحين يخرج الإنسان هذا الخروج فقد تضيق أخلاق الناس لأنهم جميعا يعيشون ~~عيشة غير طبيعية فهناك من ينام في غرفة مشتركة مع ناس لا يعرفهم، وهناك ~~أسرة تنام في شقة مشتركة ليس فيها إلا دورة مياه واحدة، ومن الجائز أن ~~يرغب أحد الأفراد في قضاء حاجته في وقت قضاء حاجة شخص آخر، وحين تكون هذه ~~المسألة موجودة لا رأي لإنسان، ولذلك يقال: " لا رأي لحاقن " أي لا رأي ~~لمحصور.. أي لمن يريد قضاء حاجته من بول، وكذلك الشأن في الحاقب وهو الذي ~~يحتبس غائطه لأنها مسألة تخل توازن الإنسان. إذن فالحياة في الحج غير ~~طبيعية، وظروف الناس غير طبيعية، لذلك يحذرنا الحق من الدخول في جدل لأنه ~~ربما كان الضيق من تغيير نظام الحياة سببا في إساءة معاملة الآخرين، ~~والحق يريد أن يمنع هذا الضيق من أن يؤثر في علاقتنا بالآخرين. وقد أثبتت ~~التجربة أن من يذهبون للحج في جماعة إما أن يعودوا متحابين جدا، وإما ~~أعداء ألداء. ولذلك يطلب إلينا الحق أن يصبر كل إنسان على ما يراه من ~~عادات غيره في أثناء الحج، وليحتسب خروجه عن عاداته وعن رتابة أموره وعن ~~أنسه بأهله يحتسب ذلك عند الله، وليشتغل بأنس الله، وليتحمل في جانبه كل ~~شيء، ويكفي أنه في بيت الله وفي ضيافته. والحق سبحانه وتعالى يقول: { ~~وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا ~~فإن خير الزاد التقوى } [البقرة: 197]. فبعد أن نهانا ~~الحق ms0594 بقوله: { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج } ~~[البقرة: 197] وتلك أمور سلبية وهي أفعال على الإنسان أن يمتنع عنها، ~~وهنا يتبع الحق الأفعال السلبية بالأمر بالأفعال الإيجابية، أفعال الخير ~~التي يعلمها الله. إن الله يريد أن نجمع في العبادة بين أمرين، سلب ~~وإيجاب، سلب ما قال عن الرفث والفسوق والجدال، ويريد أن نوجب ونوجد ~~فعلا. # { وما تفعلوا من خير يعلمه الله } [البقرة: 197]. ~~وما هو ذلك الخير؟ إنها الأمور المقابلة للمسائل المنهي عنها، فإذا كان ~~الإنسان لا يرفث في الحج فمطلوب منه أن يعف في كلامه وفي نظرته وفي ~~أسلوبه وفي علاقته بامرأته الحلال له، فيمتنع عنها ما دام محرما ويطلب ~~منه أن يفعل ما يقابل الفسوق، من بر وخير. وفي الجدال نجد أن مقابله هو ~~الكلام بالرفق والأدب واللين وبحلاوة الأسلوب وبالعطف على الناس، هذا هو ~~المقصود بقوله: { وما تفعلوا من خير يعلمه الله }. ~~وكلمة من في قوله " من خير " للابتداء، كأن الله سبحانه وتعالى يريد منك ~~أن تصنع خيرا وهو سبحانه يرى أقل شيء من الخير ولذلك قال: { يعلمه ~~الله } [البقرة: 197]. فكأنه خير لا يراه أحد فالخير الظاهر يراه كل ~~الناس والتعبير { يعلمه الله } [البقرة: 197] أي الخير مهما صغر، ~~ومهما قل فإن الله يعلمه، وكثير من الخيرات تكون هواجس بالنية، ويجازي ~~الله على الخير بالجزاء الذي يناسبه. وقول الحق: { وتزودوا } ~~[البقرة: 197] والزاد: هو ما يأخذه المسافر ليتقوى به على سفره، وكان هذا ~~أمرا مألوفا عند العرب قديما لأن المكان الذي يذهبون إليه ليس فيه ~~طعام. وكل هذه الظروف تغيرت الآن، وكذلك تغيرت عادات الناس التي كانت ~~تذهب إلى هناك. كانت الناس قديما تذهب إلى الحج ومعها أكفانها، ومعها ~~ملح طعامها، ومعها الخيط والإبرة، فلم يكن في مكة والمدينة ما يكفي ~~الناس، وأصبح الناس يذهبون الآن إلى هناك ليأتوا بكماليات الحياة، وأصبحت ~~لا تجد غرابة في أن فلانا جاء من الحج ومعه كذا وكذا. كأن الحق سبحانه ~~وتعالى جعل من كل ذلك إيذانا بأنه أخبر قديما يوم كان الوادي ms0595 غير ذي ~~زرع فقال: # يجبى إليه ثمرات كل شيء.. # [القصص: 57]. وانظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله: { يجبى } ~~ومعناها يؤخذ بالقوة وليس باختيار من يذهب به، فكأن من يذهب بالثمرات بكل ~~ألوانها إلى هناك مرغم أن يذهب بها، وهو رزق من عند الله، وليس من يد ~~الناس. وهذا تصديق لقوله تعالى: # وارزقهم من الثمرات.. # [إبراهيم: 37]. وقوله الحق: { وتزودوا } [البقرة: 197] مأخوذة - ~~كما عرفنا - من الزيادة، والزاد هو طعام المسافر، ومن يدخر شيئا لسفر ~~فهو فائض وزائد عن استهلاك إقامته، ويأخذه حتى يكفيه مئونة السؤال أو ~~الاستشراف إلى السؤال لأن الحج ذلة عبودية، وذلة العبودية يريدها الله له ~~وحده. فمن لا يكون عنده مؤونة سفره فربما يذل لشخص آخر، ويطلب منه أن ~~يعطيه طعاما، والله لا يريد من الحاج أن يذل لأحد، ولذلك يطلب منه أن ~~يتزود بقدر حاجته حتى يكفي نفسه، وتظل ذلته سليمة لربه، فلا يسأل غير ~~ربه، ولا يستشرف للسؤال من الخلق، ومن يسأل أو يستشرف فقد أخذ شيئا من ~~ذلته المفروض أن تكون خالصة في هذه المرحلة لله وهو يوجهها للناس، والله ~~يريدها له خالصة. # وإن لم يعط الناس السائل والمستشرف للسؤال فربما سرق أو نهب قدر حاجته، ~~وتتحول رحلته من قصد البر إلى الشر. وكان بعض أهل اليمن يخرجون إلى الحج ~~بلا زاد ويقولون: " نحن متوكلون، أنذهب إلى بيت الله ولا يطعمنا؟ ". ثم ~~تضطرهم الظروف لأن يسرقوا، وهذا سبب وجود النهب والسرقة في الحج. إن ~~إلحاح الجوع قد يدفع الإنسان لأن ينهب ويسرق ليسد حاجته. ومن هنا أراد ~~الحق سبحانه وتعالى أن يقطع على النفس البشرية هذا الشر فقال: { ~~وتزودوا فإن } [البقرة: 197] إنه أمر من الله بالتزود في هذه ~~الرحلة التي ينقطع فيها الإنسان عن ماله وعن أهله وعن أحبابه وعن معارفه، ~~ويقول سبحانه: { فإن خير الزاد التقوى } [البقرة: 197] ~~ونعرف أن الزاد هو ما تقي به نفسك من الجوع والعطش، وإذا كان التزود ~~فيه خير لاستبقاء حياتك الفانية، فما بالك بالحياة الأبدية التي لا فناء ~~فيها، ألا ms0596 تحتاج إلى زاد أكبر؟ فكأن الزاد في الرحلة الفانية يعلمك أن ~~تتزود للرحلة الباقية. إذن فقوله: { فإن خير الزاد التقوى ~~} [البقرة: 197] يشمل زاد الدنيا والآخرة، والله سبحانه وتعالى يذكرنا ~~بالأمور المحسة وينقلنا منها إلى الأمور المعنوية، ولكن إذا نظرت بعمق ~~وصدق وحق وجدت الأمور المعنوية أقوى من الأمور الحسية. ولذلك نلاحظ في ~~قوله سبحانه وتعالى: # يابني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم.. # [الأعراف: 26]. هذا أمر حسي. ويفيدنا ويزيدنا سبحانه " ريشا " إنه - ~~سبحانه - لا يواري السوءة فقط، وإنما زاد الأمر إلى الكماليات التي يتزين ~~بها، وهذه الكماليات هي الريش، أي ما يتزين به الإنسان، ثم قال الحق: # ولباس التقوى ذلك خير.. # [الأعراف: 26]. أي أنعمت عليكم باللباس والريش، ولكن هناك ما هو خير ~~منهما وهو " لباس التقوى ". فإن كنت تعتقد في اللباس الحسي أنه ستر ~~عورتك ووقاك حرا وبردا وتزينت بالريش منه فافهم أن هذا أمر حسي، ولكن ~~الأمر الأفضل وهو لباس التقوى، لماذا؟ لأن مفضوح الآخرة شر من مفضوح ~~الدنيا. إذن فقوله: { وتزودوا فإن خير الزاد ~~التقوى واتقون يأولي الألباب } [البقرة: 197]. يعني أن ~~الحق يريد منك أن تتزود للرحلة زادا يمنعك عن السؤال والاستشراف أو ~~النهب أو الغصب، واحذر أن يدخل فيه شيء مما حرم الله، ولكن تزودك في ~~دائرة: { واتقون يأولي الألباب } [البقرة: 197] أي يا أصحاب ~~العقول، ولا ينبه الله الناس إلى ما فيهم من عقل إلا وهو يريد منهم أن ~~يحكموا عقولهم في القضية، لأنه جل شأنه يريد منك أن تحكم عقلك، ~~فإن حكمت عقلك في القضية فسيكون حكم العقل في صف أمر الله. # ولما كان الله - سبحانه - بسعة لطفه ورحمته - يريد في هذه الشعيرة ~~المقدسة والرحلة المباركة أن يتعاون الناس، أذن لجماعة من الحجاج أن ~~تقوم على خدمة الآخرين تيسيرا لهم. ومن العجيب أن الذين يقومون بخدمة ~~الحجاج يرخص الله لهم في الحج أن ينفروا قبل غيرهم؟ لأن تلك مصلحة ~~ضرورية. فهب أن الناس جميعا امتنعوا عن خدمة بعضهم بعضا فمن الذي ~~يقوم بمصالح الناس؟ إذن لابد ms0597 أن يذهب أناس وحظهم العمل لخدمة الحجاج، ~~والله - سبحانه وتعالى - بين ذلك ووضحه بقوله: { ليس عليكم ~~جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذآ أفضتم ~~من عرفات فاذكروا الله... }. ### || [2.198-199] # { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ~~فإذآ أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام واذكروه كما هدكم وإن كنتم ~~من قبله لمن الضآلين } [البقرة: 198]. { ليس ~~عليكم جناح } [البقرة: 198] أي لا إثم عليكم ولا حرج { أن ~~تبتغوا فضلا من ربكم } [البقرة: 198] أي أن تتكسبوا في ~~الحج وهو نسك عبادي، والمكسب الذي يأتي فيه هو فضل من الله. وقديما ~~كانوا يقولون: فيه " حاج " ، وفيه " داج " ، واحدة بالحاء وواحدة ~~بالدال، " فالداج " هو الذي يذهب إلى الأراضي المقدسة للتجارة فقط، ~~ونقول له: لا مانع أن تذهب لتحج وتتاجر لأنك ستيسر أمرا لأننا إن منعناه ~~فمن الذي يقوم بأمر الحجيج؟ ولماذا قال الحق: { تبتغوا فضلا ~~من ربكم } [البقرة: 198] ولم يقل رزقا؟. لقد أوضح الحق في الآية ~~التي قبلها: ألا تذهبوا إلا ومعكم زادكم. إذن أنت لا تريد زادا بعملك ~~هذا، أي لا تذهب إلى الحج لتأكل من التجارة، إنما تذهب ومعك زادك وما ~~تأتي به هو زائد عن حاجتك ويكون فضلا من الله سبحانه وتعالى، وهو جل ~~شأنه يريد منك ألا يكون في عملك المباح حرج فنفى الجناح عنه فأنت قد ~~جئت ومعك الأكل والشرب ويكفيك أن تأخذ الربح المعقول، فلا يكون فيه شائبة ~~ظلم كالاستغلال لحاجة الحجيج، لذلك أسماه " فضلا " يعني أمرا زائدا عن ~~الحاجة. وكل ابتغاء الرزق وابتغاء الفضل لا يصح أن يغيب عن ذهن مبتغي ~~الرزق والفضل، فكله من عند الله. إياك أن تقول: قوة أسباب، وإياك أن ~~تقول: ذكاء أو احتياط، فلا شيء من ذلك كله لأن الرزق كله من الله هو فضل ~~من الله. ولا ضرر عليك أن تبتغي الفضل من الرب لأنه هو الخالق وهو ~~المربي. ونحن مربوبون له، فلا غضاضة أن تطلب الفضل من الله. ثم يقول الحق ~~بعد ذلك: { فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله ms0598 ~~عند المشعر الحرام } [البقرة: 198]. وأنت حين تملأ كأسا عن ~~آخرها فهي تفيض بالزائد على جوانبها، إذن فالفائض معناه شيء افترق عن ~~الموجود للزيادة. قوله: { فإذآ أفضتم من عرفات } [البقرة: ~~198] تدل على أن الله قد حكم بأن عرفات ستمتلئ امتلاء، وكل من يخرج منها ~~كأنه فائض عن العدد المحدد لها. وهذا حكم من الله في الحج. وأنت إذا ما ~~شهدت المشهد - كتبه الله للمسلمين جميعا. إن شاء الله - سترى هذه ~~المسألة، فكأن إناء قد امتلأ، وذلك يفيض منه. ولا تدري من أين يأتي ~~الحجيج ولا إلى أين يذهبون. ومن ينظر من يطوفون بالبيت يظن أنهم كتل ~~بشرية، وكذلك إذا فاض الحجيج في مساء يوم عرفة يخيل إليك عندما تنظر ~~إليهم أنه لا فارق بينهم ولذلك يقال: سالت عليه شعاب الحي كأنها سيل. # وقال الشاعر: # فسالت عليه شعاب الحي حين دعا # أصحابه بوجوه كالدنانير # وقال آخر: # ولما قضينا من منى كل حاجة # ومسح بالأركان من هو ماسح # أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا # وسالت بأعناق المطي الأباطح # أي كأنه سيل متدفق، هكذا تماما تكون الإفاضة من عرفات. وعندما تتأمل ~~الناس المتوجهين إلى " مزدلفة " تتعجب أين كان كل هذا الجمع؟ ترى الوديان ~~يسير فيها الناس والمركبات كأنهم السيل ولا تستطيع أن تفرق شخصا من ~~مجموعة، وفي موقف الحجيج إفاضتان: إفاضة من عرفات، ثم إفاضة ثانية بينتها ~~الآية التي بعدها يقول - سبحانه -: { ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور ~~رحيم } [البقرة: 199]. وعرفات ننطقها بمنطوقين: مرة نقول " عرفات " ~~كما وردت في هذه الآية، ومرة ننطقها " عرفة " كما في قول الرسول صلى الله ~~عليه وسلم: # " الحج عرفة " # وعرفات جمع، وعرفة مفرد. هذه الكلمة أصبحت علما على المكان الفسيح الذي ~~يجتمع فيه الحجيج في التاسع من ذي الحجة، ولا تظن أنها جبل، فإذا سمعت: " ~~جبل عرفات " كما يقول الناس فافهم أن المقصود هو الجبل المنسوب إلى ~~عرفات. وليس عرفات في ذاتها، ولذلك تجد أناسا كثيرين يظنون أنهم إن لم ~~يصعدوا الجبل المسمى بجبل الرحمة الذي ms0599 عند الصخرات التي وقف عليها رسول ~~الله في حجة الوداع فكأن الإنسان منهم لم يحج. نقول لهم: لا، الوقوف يكون ~~في الوادي، والجبل المجاور للوادي أسميناه جبل عرفات، فالجبل هو المنسوب ~~لعرفات وليس الوادي هو المنسوب للجبل. وأصل كلمة عرفة وردت فيها أقوال ~~كثيرة. وهناك فرق بين الاسم يكون وصفا ثم يصير اسما. وبين أن يكون ~~علما من أول الأمر. وقلنا: إنه إذا سميت العلم من أول الأمر فلا ~~ضرورة أن يكون فيه معنى اللفظ فقد تسمى واحدا شقيا ب " سعيد " ، ~~وتسمى زنجية ب " قمر " ، وهذا لا يسمى " وصفا " وإنما يسمى علما ~~إلا أن الناس حين يسمون يتفاءلون بالأصل، فيقال: أسمي ابني " سعيدا ~~" تفاؤلا بأن يكون " سعيدا " ، وعندما تكون بنتا فقد تعطيها اسما ~~مخالفا لحالها، فقد تكون دميمة وتسميها " جميلة " تفاؤلا بالاسم. هنا ~~يكون أخذ العلم للتفاؤل. والعرب عندما كانوا يسمون الأسماء كانوا ~~يتفاءلون بها. مثلا كانوا يسمون " صخرا " ليتفاءلوا به أمام الأعداء. ~~ويسمون " كلبا " حتى لا يجرؤ عليه أحد. وقيل لعربي: إنكم تحسنون أسماء ~~عبيدكم فتقولون " سعيدا " و " سعدا " و " فضلا " وتسيئون أسماء ~~أبنائكم تسمونهم: " مرة " ، " كلبا " ، " صخرا " قال العربي: نعم ~~لأننا نسمي أبناءنا لأعدائنا ليكونوا في نحورهم، ونسمي عبيدنا لنا. # وكلمة " عرفة " هي الآن علم على مكان، لكن سبب تسميتها فيه خلاف: قيل: ~~لأن آدم هبط في مكان وحواء هبطت في مكان، وظل كلاهما يبحث عن الآخر حتى ~~تلاقيا في هذا المكان، فسمي " عرفة ". والحديث عن آدم وحواء يقتضينا أن ~~نبحث عن سبب تفرقهما الذي جعل كلا منهما يبحث عن الآخر، إذا كان الله عز ~~وجل خلقهما ليكونا زوجين فلماذا فرقهما؟. لك أن تتصور حال آدم وهو مخلوق ~~في عالم غريب واسع بمفرده، وينظر حوله فلا يجد بشرا مثله، بالله ألا ~~يشتاق لإنسان يؤنس وحدته؟. وماذا يكون حاله عندما يرى إنسانا؟. لا شك ~~أنه سيقابله باشتياق شديد. من أجل هذا فرق الله بينهما وجعل كلا منهما ~~يبحث عن إنسان يؤنس وحشته، ولو ظل كل منهما بجوار الآخر فربما ms0600 كان الأمر ~~عاديا. وهكذا أراد الله لكل من آدم وحواء أن يشتاق كل منهما للآخر، ~~فأبعدهما عن بعضهما ثم تلاقيا بعد طول بعاد، فكان الشوق للقاء. وبعد ~~اللقاء تأتي المودة والرحمة والألفة والسكن، وهو مطلوب الحياة لزوجين. ~~وهناك قول آخر بخصوص تسمية عرفات: إن سيدنا آدم قالت له الملائكة وهو في ~~ذلك المكان: اعرف ذنبك وتب إلى ربك فقال: # ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # [الأعراف: 23]. فيكون بذلك قد عرف زلته وعرف كيف يتوب. أو حينما أراد ~~الله أن يعلم إبراهيم عليه السلام، وهو الذي دعا ربه أن يجعل أفئدة ~~الناس وقلوبهم تميل وتهوى هذا المكان. إن إبراهيم رأى في المنام أن يذبح ~~ابنه. وتلك مسألة شاقة من ثلاثة وجوه: المشقة الأولى أنها رؤيا وليست ~~وحيا. والمشقة الثانية أنه ابنه الوحيد، والمشقة الثالثة أنه هو الذي ~~سيذبحه. إنها ثلاث مشقات صعاب، وليس من المعقول أن تمر هذه المسألة على ~~أبي الأنبياء بيسر وسهولة، بل لابد أنه تحدث فيها كثيرا بينه وبين ~~نفسه، وهل هي رؤيا أم ماذا؟. ومن هنا سمي اليوم الذي قبل يوم عرفة بيوم ~~التروية. وعندما تأكد سيدنا إبراهيم بأن رؤيا الأنبياء حق عرف أنه لابد ~~أن ينفذ ما رأى. والمكان الذي عرف فيه حقيقة الرؤيا سمي عرفة. أو أنه ~~حين جاءت له الرؤيا بذبح ابنه فالشيطان لم يدع مثل هذه الفرصة تمر، وكان ~~لابد أن يدخل ليوسوس لإبراهيم. أليس هو القائل: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]. فعندما تمثل الشيطان لإبراهيم رجمه بالحصى سبعا في ~~المرة الأولى، ثم عاوده مرة أخرى فرجمه سبعا، وجاءه في الثالثة فرجمه ~~سبعا، بعدها لم يأت له ثانية، فجرى إبراهيم مخافة أن يلاحقه، ولذلك سمي ~~المكان بالمزدلفة، والمزدلف هو المسرع، ويسمى " ذا المجاز " أي أنه اجتاز ~~المزدلفة، ويكون قد عرف المسألة عند عرفة. # أو أن جبريل كان يعرفه المناسك في هذا المكان، فيقول له: عرفت؟ فيرد ~~إبراهيم: " عرفت ". أو أن الإنسان يعرف فيها ربه في آخر ما شرع ms0601 له من ~~أركان فكل منا عرف الأركان: هذا عرف، وذاك عرف، وثالث، ورابع، وهكذا ~~فيكون كلنا: عرفات، ويصبح المكان عبودية لله. اشترك فيها جميع الحجاج. { ~~فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام } [البقرة: 198]. والمشعر الحرام في مزدلفة: " ~~فاذكروا الله " معناها أن الله يسر لكم هذه الرحلة الشاقة، وجاء بكم ~~آمين وقاصدين بيت الله الحرام، ثم تعودون مغفورا لكم، وهي مسألة تستحق ~~أن تذكروا الله بالشكر والعرفان. { واذكروه كما هداكم } ~~[البقرة: 198] لأن هدايته لكم وتعليمكم أقصر طريقة يوصل إلى الخير هو ~~تحية من الله لخلقه، والتحية يجب أن يرد عليها، فكما هداكم اذكروه. { ~~وإن كنتم من قبله لمن الضآلين } [البقرة: 198] لأنهم ~~طالما حجوا كثيرا، في الجاهلية، فأنتم كنتم تحجون بضلال، والآن تحجون ~~بهدى. { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } [البقرة: 199]. ~~قوله: " ثم " تدل على أنه لابد من الوقوف بعرفة أو المبيت في مزدلفة ~~لأن " ثم " تدل على البعدية ببطء والتعقيب بتمهل. إذن قوله: { ثم ~~أفيضوا } [البقرة: 199] حجة لمن قال: إنه لابد من المبيت في مزدلفة. ~~وهذه الآية نزلت لأن قريشا كانت ترى نفسها أهل الحرم فلا يطالبون أبدا ~~بما يطالب به سائر الناس، ولذلك لا يذهبون مع الناس إلى عرفات، والله ~~يريد بالحج المساواة بين الناس، ولذلك قال النبي في حجة الوداع: # " كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب، لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم أو ~~ليكونن أهون على الله من الجعلان " # فلابد أن ينسخ الله مسلك قريش فقال: { ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس } [البقرة: 199] يعني لا تميز لكم ولا تفرقة بين ~~المسلمين. وبعض المفسرين يقول: إن معنى { من حيث أفاض الناس } ~~[البقرة: 199] المقصود به من حيث أفاض إبراهيم، بمعنى أن سيدنا إبراهيم ~~عليه السلام قد رسم مناسك الحج كلها بعد أن علمها الله له، فالناس وإن ~~كانوا جمعا إلا أن المراد بكلمة " الناس " هو " إبراهيم ". ولا نستغرب ~~أن يكون معنى: " الناس " هو " إبراهيم " لأن الله وصفه بأنه " أمة ". ~~وكلمة الناس تطلق على الإنسان الذي يجمع خصائص متعددة ولذلك قال ms0602 الله عز ~~وجل عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله.. # [النساء: 54]. لقد وصف الحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس. ~~والرجل الذي ذهب للمؤمنين يخبرهم باستعداد المشركين لقتالهم نزل فيه قوله ~~تعالى: # الذين قال لهم الناس # [آل عمران: 173] إنه إنسان واحد ومع ذلك وصفه الله بالناس، كأنه بتنبيهه ~~للمسلمين يكون جمع كل صفات الخير في الناس. { واستغفروا الله ~~إن الله غفور رحيم } [البقرة: 199] إن الحق سبحانه وتعالى ~~يعلم أن بني آدم لا يمكن لهم أن يراعوا حقوقه كما يجب أن تراعى، فلا بد ~~أن تفلت منهم أشياء، وهو سبحانه وتعالى يعلم ذلك لأنه خالقهم، فأمرهم - ~~جلت حكمته - أن يستغفروه ليكفروا عن سيئاتهم. ### || [2.200] # ونعرف أن " قضى " تأتي بمعان متعددة، والعمدة في هذه المعاني فصل الأمر ~~بالحكمة، قد يفصل الأمر بحكمة لأنه فرغ منه أداء " فإذا قضيتم " أي إذا ~~فرغتم من مناسككم، هذه واحدة. وقد يكون لأنك فصلت الأمر بخبر يقين مثل ~~قوله الحق: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه.. # [الإسراء: 23]. وقد يكون " قضى " بمعنى حكم حكما لازما كما تقول: قضى ~~القاضي. إذن فكلها تدور حول معنى: فصل بحكمة. { فإذا قضيتم ~~مناسككم فاذكروا الله } [البقرة: 200]. أي إذا فرغتم من ~~مناسككم، والمناسك هي الأماكن لعبادة ما، فعرفات مكان للموقف، و " مزدلفة ~~" مكان للمشعر الحرام يبيت فيه الحجاج. و " منى " منسك للمبيت أيضا، إذن ~~كل مكان فيه عبادة يسمى " منسكا ". وقوله سبحانه: { فاذكروا ~~الله } [البقرة: 200] أي فلا يزال ذكر الله دائما واردا في الآيات، ~~كأنك حين توفق إلى أداء شيء إياك أن تغتر، بل اذكر ربك الذي شرع لك ثم ~~وفقك وأعانك. وكأن الحق يريد أن يضع نهاية لما تعودت عليه العرب في ذلك ~~الزمان، فقديما كانوا يحجون، فإذا ما اجتمعت القبائل في منى، كانت كل ~~قبيلة تقف بشاعرها أو بخطيبها ليعدد مآثره ومآثر آبائه، وما كان لهم من ~~مفاخر في الجاهلية، ويحملون الديات، ويحملون الحمالات، ويطعمون الطعام، ~~ويفعلون غير ذلك من ms0603 العادات، فأراد الله سبحانه وتعالى أن ينهي فيهم هذه ~~العادة التي هي التفاخر بالآباء وبأعمالهم فقال: { فاذكروا الله ~~كذكركم آبآءكم } والذكر معناه توجيه الفكر إلى شيء غير موجود ~~ساعة تأتي به، ولا يمكن أن يذكر الإنسان من أحداث الماضي إلا الحدث الذي ~~له الأثر النافع فيه، وعلى مقدار الأثر النافع يكون الذكر. وكانوا قديما ~~يطعمون الطعام، والذي يطعم الطعام يؤدي مهمة في مثل هذه البلاد البدائية ~~- أي البدوية - وكان من المبالغة في الجفنات أن بعضهم كالمطعم بن عدي ~~مثلا كانت له جفنة يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يستظل بها ~~ساعة الهجير. والجفنة هي الوعاء الذي يوضع فيه الطعام، فتأمل الجفنة كيف ~~تكون؟! ويحملون الحمالات، بمعنى أن إذا قامت قبيلة على قبيلة وقتلت منها ~~خلفا كثيرا يتطوع منهم ذو الحسب وذو المروءة وذو الشهامة وذو النجدة ~~فيحمل كل هذه الآثار في ماله. والديات هي التي يتطوع بدفعها أهل الشهامة ~~منهم إذا ما قتل قاتل قتيلا، ولا يقدر على أن يعطي ديته، وكانت كل تلك ~~الأعمال هي المفاخر. أراد الحق سبحانه وتعالى أن يردهم في كل شيء إلى ~~ذاته، فقال لهم: أنتم تذكرون آباءكم لأنهم كانوا يفعلون كذا وكذا، ~~وآباؤكم يفتخرون بآبائهم، انقلوها وسلسلوها إلى خالق كل الآباء وكل ~~البشر، فكل ما يجري من خير على يد الآباء مرده إلى الله، فإن ذكرتم ~~آباءكم لما قدموه من خير، فاذكروا من أمدهم بذلك الخير. # وهو يريد منهم أن يذكروا الله كذكرهم آباءهم أو أشد ذكرا لأن كل كائن ~~إنما يستحق من الذكر على مقدار ما قدم من الخير، ولن تجد كل الخير إلا ~~لله، إذن لابد أن نذكر الله. وأيضا فإن الإسلام أراد أن ينهي التفاخر ~~بالآباء ليجعل الفخر ذاتيا في نفس المؤمن، أي فخرا من عمل جليل نابع ~~وحاصل من الشخص نفسه ولذلك يقولون في أمثال هؤلاء الذين يفخرون بأسلافهم ~~إنهم: " عظاميون " أي منسوبون إلى مجد صنعه من صاروا عظما تضمها القبور، ~~والله يريدنا أن نكون ذاتيين في ms0604 مفاخرنا، أي أن نفخر بما نفعل نحن، لا ~~بما فعل آباؤنا، فالآباء أفضوا إلى ما قدموه، ويريد الله أن يأخذ الإنسان ~~ذاتية إيمانية تكليفية. ومن يريد أن يفتخر فليفتخر بنفسه ولذلك يقول ~~الشاعر: # ولا تكونوا عظاميين مفخرة # ماضيهم عامر في حاضر خرب # لا ينفع الحسب الموروث من قدم # إلا ذوي همة غاروا على الحسب # والعود من مثمر إن لم يلد ثمرا # عدوه مهما سما أصلا من الحطب # فالنبات الذي ليس له ثمرة، يعتبره الناس مجرد حطب، ويريد الحق أن ينبه ~~في المؤمن ذاتية تفعل، وليس ذاتية تفتخر بأنه كان وكان، بل على كل إنسان ~~أن يقدم ما يفتخر به: # ليس الفتى من يقول كان أبي # إن الفتى من يقول هأنذا # وعندما كان العرب يتفاخر بعضهم على بعض يقول أحدهم للآخر: يا أخي أنت ~~تفتخر علي بماذا؟ فيرد عليه الثاني: أفتخر عليك بآبائي وأجدادي. فيرد ~~الأول: اذكر جيدا أن مجد آبائك انتهى بك، ومجد آبائي بدأ بي، ولماذا لا ~~أجعل لآبائي الفخر بأنهم أنجبوني؟ وفي ذلك يقول أحدهم: # قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم # كلا لعمري ولكن منه شيبان # وكم أب قد علا بابن ذرا شرف # كما علت برسول الله عدنان # وما دام القوم يفتخرون بحي منهم، فهم يلتحمون بمن يعطيهم المدد ليكونوا ~~شيئا باقيا ومؤثرا في الوجود، وليس بذلك الشيء المحدود المتمثل في أنه ~~يطعم الطعام، ويحمل الحمالات ويؤدي الديات، وإنما يكون بحمل رسالة ~~الإنسانية العالمية. { فاذكروا الله كذكركم آبآءكم ~~أو أشد ذكرا } [البقرة: 200]. لأن ذكركم الله سيصلكم بالمدد ~~منه، ويعطيكم المعونة لتكونوا أهلا لقيادة حركة الحياة في الأرض، ~~فتوطدوا فيها الأمن والسلام والرحمة والعدل، وهذا هو ما يجب أن يكون ~~مجالا للفخر. وبعد ذلك يلفتنا الحق فيما يأتي إلى أن الإنسان إذا ما قضى ~~المناسك كان أهلا لأن يضرع إلى الله، ويسأل الله بما يحب أن يسأله، ~~والسؤال لله يختلف باختلاف همة السائلين، وكانوا لا يسألون الله إلا ~~قائلين: يا رب أعطني إبلا، يا رب أعطني غنما، يا ms0605 رب أعطني بقرا، ويا ~~رب أعطني حائطا - أي بستانا - يا رب كما أعطيت أبي أعطني. # ولم يكن في بالهم إلا الأمور المادية، وأراد الله أن يجعلهم يرتفعون ~~بالمسألة لله، وأن يصعدوها إلى شيء أخلد وأبقى وأنفع، ومن هنا تأتي ~~المزية الإيمانية، فإذا كنتم ستسألون الله متاعا من متاع الدنيا فما ~~الفارق بينكم وبين أهل الجاهلية؟ ذلك ما نفهمه من قول الله عز وجل في ~~ختام هذه الآية: { فمن الناس من يقول ربنآ آتنا في ~~الدنيا وما له في الآخرة من خلاق } [البقرة: 200]. ~~فالعبد حين يؤدي مناسكه لله يجد نفسه أهلا لأن يسأل الله، وما دمت قد ~~وجدت نفسك أهلا لأن تسأل الله فاسأل الله. بخير باق لأن الإنسان إنما ~~يصعد حاجته إلى المسئول على مقدار مكانة المسئول ومنزلته فقد تذهب ~~لشخص تطلب منه عشرة قروش، وقد تذهب لآخر أغنى من الأول فتقول له: أعطني ~~جنيها، ولثالث: تطلب منه عشر جنيهات، إنك تطلب على قدر همة كل منهم في ~~الإجابة على سؤالك. إذن ما دام العباد بعد أداء المناسك في موقف سؤال لله ~~فليصعدوا مسألتهم لله وليطلبوا منه النافع أبدا، ولا ينحطوا ~~بالسؤال إلى الأمور الدنيوية الفانية البحتة. { فمن الناس من ~~يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من ~~خلاق } [البقرة: 200] إن العبد قد لا يريد من دعائه لله إلا الدنيا، ~~ولا حظ ولا نصيب له في الآخرة، ومثل هذا الإنسان يكون ساقط الهمة لأنه ~~طلب شيئا في الدنيا الفانية، ويريد الله أن نصعد همتنا الإيمانية. ~~ولذلك يتبعها بقوله الحق: { ومنهم من يقول ربنآ آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة... }. ### || [2.201] # ولماذا لم ننس الدنيا هنا؟ لأنها هي المزرعة للآخرة. وقوله سبحانه: { ~~آتنا في الدنيا حسنة } [البقرة: 201] اختلف فيها العلماء ~~بعضهم ضيقها وقال: إن حسنة الدنيا هي المرأة الصالحة. وقال عن حسنة ~~الآخرة إنها الجنة. ومنهم من قال: إن حسنة الدنيا هي العلم لأن عليه ~~يبنى العمل، وفي حسنة الآخرة قال: إنها المغفرة لأنها أم المطالب. ومن ~~استعراض أقوال ms0606 العلماء نجدهم يتفقون على أن حسنة الآخرة هي ما يؤدي إلى ~~الجنة مغفرة ورحمة، لكنهم اختلفوا في حسنة الدنيا. أقول: لماذا لا نجعل ~~حسنة الدنيا أعم وأشمل فنقول: يا رب أعطنا كل ما يحسن الدنيا عندك ~~لعبدك. ويذيل الحق هذه الآية بقول: { وقنا عذاب النار } ~~[البقرة: 201] وسبحانه وتعالى حين يمتن على عباده يمتن عليهم بأن ~~زحزحهم عن النار وأدخلهم الجنة، كأن مجرد الزحزحة عن النار نعيم، فإذا ما ~~أدخل الجنة بعد الزحزحة عن النار فكأنه أنعم على الإنسان بنعمتين لأنه ~~سبحانه قال: # وإن منكم إلا واردها.. # [مريم: 71]. ومعناها أن كل إنسان سيرى النار إما وهو في طريقه للجنة، ~~فيقول: الحمد لله، الإيمان أنجاني من هذه النار وعذابها. فهو عندما يرى ~~النار وبشاعة منظرها يحمد الله على نعمة الإسلام. التي أنجته من النار. ~~فإذا ما دخل الجنة ورأى نعيمها يحمد الله مرة ثانية. وكذلك يرى النار من ~~هو من أهل الأعراف أي لا في النار ولا في الجنة، يقول الحق: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185]. ويقول الحق من بعد ذلك: { أولئك لهم نصيب ~~مما كسبوا... }. ### || [2.202] # والنصيب هو الحظ، وأما " مما كسبوا " فنعرف من قبل أن فيه " كسب " وفيه ~~" اكتساب ". والاكتساب فيه افتعال، إنما الكسب هو أمر عادي، ولذلك تجد أن ~~الاكتساب لا يكون إلا في الشر كأن الذي يفعل الشر يتكلف فيه، لكن من يفعل ~~الخير فذلك أمر طبيعي من الإنسان. والمقصود ب " مما كسبوا " هنا هو ~~الكسب من استيفاء أعمالهم التي فعلوها في الحج إحراما، وتلبية. وطوافا، ~~وسعيا، وذهابا إلى " منى " ، وذهابا إلى " عرفات " ووقوفا بها، ~~وإفاضة إلى " مزدلفة " ، ورميا للجمار. في " منى " ، وطواف إفاضة، وكل ~~هذا كسب للإنسان الذي نال شرف الحج. وعندما نقرأ: { والله سريع ~~الحساب } [البقرة: 202] فلنفهم أن السرعة هي أن يقل الزمن عن الحدث، ~~فبدلا من أن يأخذ الحدث منك ساعة، قد تنهيه في نصف ساعة، وكل حدث له ~~زمن،والحدث حين يكون له زمن وتريد أن تقلل زمن الحدث فلابد ms0607 أن تسرع فيه ~~حتى تنجزه في أقل وقت. وتقليل الزمن يقتضي سرعة الحركة في الفعل، وذلك في ~~الأفعال العلاجية التي تحتاج معالجة، وعملا من الإنسان، لكن سبحانه ~~يفعل ب " كن " ولا يحتاج عمله إلى علاج، وبالتالي لا يحتاج إلى زمن، ~~إذن فهو سريع الحساب لأنه لا يحتاج إلى زمن، ولأنه لا يشغله شأن عن شأن، ~~وهذا هو الفرق بين قدرة الواحد سبحانه وقدرة الحادث لأن الحادث عندما ~~يؤدي عملا، فهذا العمل يشغله عن غيره من الأعمال، فلا يستطيع أن يؤدي ~~عملين في وقت واحد، لكن الواحد الأحد لا يشغله فعل عن فعل، وبالتالي يفعل ~~ما يريد وقتما يريد ولكل من يريد. ولذلك سئل الإمام علي بن أبي طالب: ~~كيف يحاسب الله الخلائق جميعا في لحظة واحدة؟. فقال: " كما يرزقهم في ~~ساعة واحدة ". فهو سبحانه الذي يرزقهم، وكما يرزقهم يحاسبهم. ويقول الحق ~~من بعد ذلك: { واذكروا الله في أيام معدودات... }. ### || [2.203] # ونلاحظ أن ذكر الله أمر شائع في جميع المناسك، و " في أيام معدودات " أي ~~في أيام التشريق. وفي اليوم التاسع نكون في عرفة وليلة العاشر نبيت فيها ~~ب " مزدلفة " ، ثم بعد ذلك نفيض من حيث أفاض الناس، نذهب لرمي جمرة ~~العقبة، وبعضنا يذهب ليطوف طواف الإفاضة وينهي مناسكه، أو قد يذهب ليذبح ~~ويتحلل التحلل الأصغر، إن لم يكن معه امرأة، وإن طاف فهو يتحلل التحلل ~~الأكبر. أما الأيام المعدودات أي أيام التشريق فهي الأيام الثلاثة بعد ~~يوم النحر. وقد سميت بذلك نسبة إلى الشروق، والشروق خاص بالشمس، كانوا ~~قديما إذا ما ذبحوا ذبائحهم أخذوا اللحم وشرقوه، أي عرضوه لمطلع الشمس ~~كلون من الحفظ، ومن هنا سميت هذه الأيام بأيام التشريق. وعندما نسمع ~~قوله: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن ~~تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى } [البقرة: 203] نفهم ~~منها أنها فوق يومين. وبعد ذلك يقول الحق: { فمن تعجل في ~~يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ~~لمن اتقى } [البقرة: 203]. قول الحق سبحانه وتعالى: { في ~~أيام معدودات } [البقرة: ms0608 203] ثم قوله: { فمن تعجل في ~~يومين } [البقرة: 203] يدل على أن كلمة " أيام " تطلق على الجمع وهو ~~الأكثر من يومين، أي ثلاثة أيام، لكن الحق سبحانه وتعالى جعل للقيام ~~بيومين حكم القيام بالثلاثة، فإن تعجلت في يومين فلا إثم عليك ومن قضى ~~ثلاثة أيام فلا إثم عليه كيف يكون ذلك؟. لأن المسألة ليست زمنا، ولكنها ~~استحضار نية تعبدية، فقد تجلس ثلاثة أيام وأنت غير مستحضر النية التعبدية ~~لذلك قال سبحانه: { لمن اتقى } [البقرة: 203]، فإياك أن تقارن ~~الأفعال بزمنها، وإنما هي بإخلاص النية والتقوى فيها. ويذيل الحق الآية ~~بالقول الكريم: { واتقوا الله واعلموآ أنكم إليه ~~تحشرون } [البقرة: 203]. وقد جاء سبحانه وتعالى بكلمة " تحشرون " ~~لتناسب زحمة الحج لأنه كما حشركم هذا الحشر وأنتم لكم اختيار، هو سبحانه ~~القادر أن يحشركم وليس لكم اختيار. فإذا كنتم قد ذهبت باختيارك إلى هذا ~~الحشر البشري الكبير في الحج فاعرف أن الذي كلفك بأن تذهب باختيارك ~~لتشارك في هذا الاجتماع الحاشد هو القادر على أن يأتي بك وقد سلب منك ~~الاختيار. ويقول الحق من بعد ذلك: { ومن الناس من يعجبك ~~قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله... }. ### || [2.204-205] # يريد الحق سبحانه وتعالى أن يضع أمامنا قضية وجودية، وهذه القضية ~~الوجودية هي أن كل عمل له ظاهر وله باطن. ومن الجائز أن تتقن الظاهر ~~وتدلس على الناس في الباطن، فإذا كان الناس لهم مع بعضهم ظاهر وباطن. فمن ~~مصلحة الإنسان أن ينتمي هو والناس جميعا إلى عالم يعرف فيه كل إنسان أن ~~هناك إلها حكيما يعرف كل شيء عنا جميعا. فإذا كان عندك شيء لا أعلمه، ~~وأنا عندي شيء أنت لا تعلمه كيف تسير مصالحنا؟ ولذلك فمن ضروريات حياتنا ~~أن نؤمن معا بإله يطلع على سرائرنا جميعا، وهذا ما يجعلنا نلزم الأدب. ~~ولذلك قيل: " إن عميت على قضاء الأرض فلن تعمى على قضاء السماء ". ~~إذن فقضاء السماء وعلم الله بالغيب مسألة يجب أن نحمده عليها، لأنه هو ~~الذي سيحمي كل واحد منا من غيره. وعندما ستر الله غيبنا فذلك ms0609 نعمة يجب أن ~~نشكره عليها لأن النفوس متقلبة. فلو علمت ما في نفسي عليك في لحظة قد لا ~~يسرك.. وقد لا تنساه أبدا ويظل رأيك في سيئا، لكن الظنون والآراء تمر ~~عندي وعندك وتنتهي. ولو اطلع كل منا على غيب الآخر لكانت الحياة مرهقة، ~~والقول المأثور يذكر ذلك: " لو تكاشفتم ما تدافنتم ". إذن فمن رحمة الله ~~ومن أكبر نعمه على خلقه أن ستر غيب خلقه عن خلقه. والحق يحذرنا ممن قال ~~فيهم: { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة ~~الدنيا } [البقرة: 204] أي الذين يظهرون من خير خلاف ما يبطنون من ~~شر، ولذلك صور الشاعر هذه المسألة فقال: # على الذم بتنا مجمعين وحالنا # من الخوف حال المجمعين على الحمد # أي لو تكاشفنا لقلنا كلنا ذما، إنما كلنا مداحون حين يلقى بعضنا بعضا ~~كل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. و " يعجبك قوله " فهل الممنوع أن يعجبك ~~القول؟ لا، يعجبني القول ولكن في غير الحياة الدنيا، فالقول الذي يعجب هو ~~ما يتعلق بأمر الحياة الآخرة الباقية ليضمن لنا الخير عند من يملك كل ~~الخير. وكفى بالذي يسمع من مادح له مدحا، والمادح نفسه يضمر في قلبه ~~كرها له، وكفى بذلك شهادة تغفيل للممدوح، بأنه يقول بينه وبين نفسه: " ~~إن الممدوح غبي لأني أمدحه وهو مصدق مدحي له ". إن الله سبحانه وتعالى ~~ينبهنا إلى ضرورة أن يكون المسلم يقظا وفطنا، ومن يقول لنا كلاما ~~يعجبنا في الحياة الدنيا نتهمه بأن كلامه ليس حسنا لأن خير الكلام هو ما ~~يكون في الأمر الباقي. ولذلك عندما أرسل خليفة المسلمين للإمام جعفر ~~الصادق يقول له: - لماذا لا تغشانا - أي لا تزورنا - كما يغشانا الناس؟ ~~فكتب الإمام جعفر الصادق للخليفة يقول: أما بعد فليس عندي من الدنيا ما ~~أخاف عليه، وليس عندك من الآخرة ما أرجوك له. # وكأنه يريد أن يقول له اتركنا وحالنا أنت محتاج لمن يجلس معك ويمدحك، ~~وأنت لا تعلم أن أول أناس لهم رأي سيىء فيك هم من يمدحونك. { ومن ~~الناس من يعجبك ms0610 قوله في الحياة الدنيا } [البقرة: ~~204] وهذه الآية نزلت في الأخنس ابن شريق الثقفي واسمه أبي ولقب بالأخنس ~~لأنه خنس ورجع يوم بدر فلم يقاتل المسلمين مع قريش واعتذر لهم بأن العير ~~قد نجت من المسلمين وعادت إليهم، وكان ساعة يقابل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يظهر إسلامه ويلين القول للرسول ويدعي أنه يحبه، ولكنه بعد أن ~~خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بزرع وحمر لقوم من ~~المسلمين فأحرق الزرع وقتل الحمر. والآية وإن نزلت في الأخنس فهي تشمل ~~كل منافق. { ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد ~~الخصام } [البقرة: 204] لا تقولوا: " الله يشهد " ، وإنما هاتوا ~~شهداءكم ليشهدوا على صدق قولكم لأن معنى " الله يشهد " هو إخبار منك بأن ~~الله يشهد لك. وأنت كاذب في هذه، وتريد أن تضفي المصداقية على كذبك ~~بإقحام الله في المسألة. وساعة تسمع واحدا يقول لك: أشهد الله على ~~أني كذا، فقل له: هذا إخبار منك بأن الله يشهد، وأنت قد تكذب في هذا ~~الخبر، أنا أفضل أن يشهد اثنان من البشر ولا نقحم الله في هذه الشهادة. { ~~ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام } ~~[البقرة: 204] وألد الخصام هو الفاسق في معصيته، ويقال: فلان عنده لدد أي ~~له فسق في خصومته، ويجادل بالباطل. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن أبغض الرجال إلى الله هو الألد الخصم ". # يعني المجادل بالباطل الذي عنده قسوة في المعصية، فهو عاص وفي الوقت ~~نفسه قاس في معصيته. ولماذا هو ألد الخصام؟ لأن الذي يجابهك بالأمر ~~يجعلك تحتاط له، أما الذي يقابلك بنفاق فهو الذي يريد أن يخدعك، وهذا عنف ~~في الخصومة فالخصم الواضح أفضل لأنه يواجهك بما في باطنه، لكن إذا جابهت ~~الذي يبطن خصومته ويظهر محبته يكون قاسيا عليك في خصومته لأنه يريد أن ~~يخدعك ويبيت لك. { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد ~~فيها } [البقرة: 205] و " تولى ": انصرف أي يقول لك ما يعجبك، فإذا ~~تولى عنك نقل المسألة إلى الحقيقة ms0611 بإظهار ما كان يخفيه، ويحتمل المعنى ~~أنه إذا تولى شيئا آخر، من الولاية، ففيه " تولى " من التولي وهو ~~الانصراف والإعراض، وفيه " تولى " من الولاية. # { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل } [البقرة: 205] كانت الأرض بدون تدخل البشر ~~مخلوقة على هيئة الصلاح، والفساد أمر طارئ من البشر. ونعرف أن الفساد لم ~~يطرأ على أي أمر إلا وللإنسان فيه دخل. لماذا اشتكينا أزمة قوت ولم نشتك ~~أزمة هواء؟ لأن الهواء لا تدخل للإنسان فيه، وبمقدار تدخل الإنسان يكون ~~الفساد. لقد تدخلنا قليلا في المياه فجاء في ذلك فساد، فلم نحسن نقلها ~~في مواسير جيدة فوصلت لنا ملوثة، أو زاد عليها الكلور أو نقص. وبقدر ما ~~يكون التدخل يكون الإفساد، أما في الزمن القديم فقد كان الإنسان يذهب إلى ~~مصدر الماء المباشر في الآبار ويأخذ الماء الطبيعي الذي خلقه الله بلا ~~تدخل من الإنسان ولم يكن تلوث أو غيره. إذن على مقدار وجود الإنسان في ~~حركة الحياة غير المرشدة بالإيمان بالله ينشأ الفساد، ولذلك كان لابد ~~له من منهج سماوي للإنسان. والكائنات غير الإنسان ليس لها منهج وهي ~~مخلوقة بالغريزة وتؤدي مهمتها فقط فالدابة لم تمتنع يوما عن ركوبك ~~عليها، ولم تمتنع أن تحمل عليها أثقالك، أو تستعين بها في الحرث، أو ~~الري، حتى عندما تذبحها لا تمتنع عليك، لماذا؟ لأنها مخلوقة بالغريزة ~~التي تؤدي بها الحركة النافعة بدون اختيار منها. وإذا امتنعت في وقت ~~فإنما يكون ذلك لأمر طارئ كمرض مثلا. لكن الذي له اختيار لابد أن يكون ~~له منهج يقول له: افعل هذا ولا تفعل تلك. فإن استقام مع المنهج في " افعل ~~" و " لا تفعل " سارت حياته بشكل متوازن، لكن إذا لم يستقم تفسد الحياة. ~~وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: { وإذا تولى سعى في الأرض ~~ليفسد فيها } [البقرة: 205]، كأن الإفساد هو الذي يحتاج إلى عمل، ~~اترك الطبيعة والمخلوقات كما هي تجدها تعمل في انضباط وكمال على ما يرام. ~~إذن فالفساد طارئ من الإنسان الذي يحيا بلا منهج ms0612 لأنه " إذا تولى سعى في ~~الأرض ليفسد فيها " فكأن الأصل في الأرض وما فيها جاء على هيئة الصلاح، ~~فإن لم تزد الصالح صلاحا فلا تحاول أن تفسده. قال تعالى: # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما ~~نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن ~~لا يشعرون # [البقرة: 11-12]. ومن هنا نفهم أنهم ظنوا أن الأرض تحتاج إلى حركتهم ~~لإصلاحها، برغم أن الأرض بدون حركتهم صالحة لأنهم لا يتحركون بمنهج الله. ~~إذن هذه الآية نفهم منها أن الإنسان إذا " تولى " بمعنى رجع أو تولى ~~ولاية سعى في الأرض ليفسد فيها فكأن الفساد في الأرض أمر طارئ وينتج من ~~سعي الإنسان على غير منهج من الله. وما دام للإنسان اختيار فيجب أن يكون ~~له منهج أعلى منه يصون ذلك الاختيار، فإن لم يكن له منهج وسار على هواه ~~فهو مفسد لا محالة. # وانظر إلى غباء الذي يفسد في الأرض، هل يظن أنه هو وحده الذي سيستفيد في ~~الأرض، فأباح لنفسه أن يفسد في الأرض لغيره؟ إنه ينسى الحقيقة، فكما ~~يفسد لغيره، فغيره يفسد له، فمن الخاسر؟ كلنا سنخسر إذن. { وإذا ~~تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث ~~والنسل.. } [البقرة: 205]. والحرث له معنيان: فمرة يطلق على الزرع، ~~ومرة يطلق على النساء، المعنى الأول ورد في قوله تعالى: # وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت ~~فيه غنم القوم.. # [الأنبياء: 78]. فالحرث في الآية معناه: الزرع، والزرع ناتج عن إثارة ~~الأرض وإهاجتها. وعملك يا أيها الإنسان أن تهيج الأرض وتثيرها، وتأتي ~~بالبذر الذي خلقه الله في الأرض التي خلقها الله، وتسقيها بالماء الذي ~~خلقه الله، وتكبر في الهواء الذي خلقه الله، ولذلك يلفتنا وينبهنا الحق - ~~سبحانه - فيقول: # أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة: 63-64]. والمعنى الثاني: يطلق الحرث على المرأة في قوله ~~تعالى: # نسآؤكم حرث لكم.. # [البقرة: 223]. وإذا كان حرث الزرع هدفه إيجاد النبات فكذلك المرأة حتى ~~تلد الأولاد. ويقول سبحانه وتعالى: # فأتوا حرثكم أنى شئتم.. # [البقرة: 223]. وأراد المتحللون الإباحيون ms0613 أن يطلقوا إتيان المرأة في ~~جميع جسدها، ونقول لهم: لاحظوا قوله: " حرثكم " والحرث محل الإنبات، ~~فالإتيان يكون في محل الإنبات فقط، لا تفهمها تعميما وإنما هي تخصيص. ~~ويتابع الحق وصف الذي يقول القول الحسن، ولكن يسعى في الأرض بالفساد ~~فيقول: { ويهلك الحرث والنسل } [البقرة: 205]. والنسل هو ~~الأنجال والذرية. ويذيل الحق الآية: { والله لا يحب الفساد } ~~[البقرة: 205] أي أن الحق يريد منكم إن لم تدخلوا بطاقة الله التي خلقها ~~لكم فكرا وعطاء، فعلى الأقل اتركوا المسألة كما خلقها الله لأن الله لا ~~يحب أن تفسدوا فيما خلقه صالحا في ذاته. وما سبق في هذه الآية هو مجرد ~~صورة من صور استقبال الدعوة الإسلامية في أول عهدها، من الذين كانوا ~~ينافقون واقعها القوي، فيأتون بأقوال تعجب، وبأفعال تعجب من ينافق. ~~ونعرف أن النفاق كان دليلا على قوة المسلمين، ولذلك لم ينشأ النفاق في ~~مكة، وإنما نشأ في المدينة. فقد قال الحق: # ومن أهل المدينة مردوا على النفاق.. # [التوبة: 101]. وربما يتساءل إنسان: وكيف تظهر هذه الظاهرة في البيئة ~~الإيمانية القوية في المدينة؟ ونقول: لأن الإسلام في مكة كان ضعيفا، ~~والضعيف لا ينافقه أحد، والإسلام في المدينة أصبح قويا، والقوي هو الذي ~~ينافقه الناس. إذن، فوجود النفاق في المدينة كان ظاهرة صحية تدل على أن ~~الإيمان أصبح قويا بحيث يدعيه من ليس عنده إسلام. # وهؤلاء كانوا يقولون قولا حسنا جميلا، وقد يفعلون أمام من ينافقونه ~~فعلا يعجب من يراهم أو يسمعهم، ولكنهم لا يثبتون على الحق، فإذا ما ~~تولوا، أي اختفوا عن أنظار من ينافقونه رجعوا إلى أصلهم الكفري، أو إذا ~~ائتمنوا على شيء فهم يسعون في الأرض فسادا. والآية هنا تتعرض لشيء يدل ~~على فطنة المؤمنين، إن الآية فضحت من نافق وكان الأخنس عمدة في النفاق، ~~وفضيحة المنافق بهذه الصورة، تدل على أن وراء محمد صلى الله عليه وسلم ~~ووراء المؤمنين بمحمد، ربا يخبرهم بمن يدلس عليهم، وأيضا ينبههم ~~لضرورة أن تكون لهم فطنة بدليل قول الحق: { وإذا قيل له اتق ~~الله أخذته ms0614 العزة... }. ### || [2.206] # ولا يقال له اتق الله إلا إذا كان قد عرف أنه منافق، وما داموا قد قالوا ~~له ذلك فهذا دليل على أن فطنتهم لم يجز عليها هذا النفاق. ونفهم من هذه ~~الآية أن المؤمن كيس فطن، ولابد أن ينظر إلى الأشياء بمعيار اليقظة ~~العقلية، ولا يدع نفسه لمجرد الصفاء الرباني ليعطيه القضية، بل يريد الله ~~أن يكون لكل مؤمن ذاتية وكياسة. { وإذا قيل له اتق الله } ~~[البقرة: 206] فكأن المظهر الذي يقول أو يفعل به، ينافي التقوى لأنه قول ~~معجب لا ينسجم مع باطن غير معجب، صحيح أنه يصلي في الصف الأول، ويتحمس ~~لقضايا الدين، ويقول القول الجميل الذي يعجب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويعجب المؤمنين، لكنه سلوك وقول صادر عن نية فاسدة. ومعنى " اتق الله " ~~أي ليكن ظاهرك موافقا لباطنك، فلا يكفي أن تقول قولا يعجب، ولا يكفي ~~أن تفعل فعلا يروق الغير لأن الله يحب أن يكون القول منسجما مع الفعل، ~~وأن يكون فعل الجوارح منسجما مع نيات القلب. إذن، فالمؤمن لابد وأن تكون ~~عنده فطنة، وذكاء، وألمعية، ويرى تصرفات المقابل، فلا يأخذ بظاهر ~~الأمر. ولا بمعسول القول ولا بالفعل، إن لم يصادف فيه انسجام فعل مع ~~انسجام نية. ولا يكتفي بأن يعرف ذلك وإنما لابد أن يقول للمنافق حقيقة ما ~~يراه حتى يقصر على المنافق أمد النفاق، لأنه عندما يقول له: " اتق الله " ~~يفهم المنافق أن نفاقه قد انكشف، ولعله بعد ذلك يرتدع عن النفاق، وفي ذلك ~~رحمة من المؤمن بالمنافق. وكل من يرى ويلمح بذكائه نفاقا من أحد هنا ~~يقول له: " اتق الله " فالمراد أن يفضح نفاقه ويقول له: " اتق الله ". ~~فإذا قال له واحد: " اتق الله " وقال له آخر: " اتق الله " ، وثالث، ~~ورابع، فسيعرف تماما أن نفاقه قد انكشف، ولم يعد كلامه يعجب الناس. { ~~وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم } ~~[البقرة: 206]، وتقييد العزة بالإثم هنا يفيد أن العزة قد تكون بغير إثم، ~~وما دام الله قد قال: { أخذته العزة بالإثم } [البقرة: ms0615 ~~206]، فهناك إذن عزة بغير إثم. نعم، لأن العزة مطلوبة للمؤمن والله عز ~~وجل حكم بالعزة لنفسه وللرسول وللمؤمنين: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.. # [المنافقون: 8]. وهذه عزة بالحق وليست بالإثم. وما الفرق بين العزة ~~بالحق وبين العزة بالإثم؟ ولنستعرض القرآن الكريم لنعرف الفرق. ألم يقل ~~سحرة فرعون: فيما حكاه الله عنهم: # بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون # [الشعراء: 44]. هذه عزة بالإثم والكذب. وكذلك قوله تعالى: # بل الذين كفروا في عزة وشقاق # [ص: 2]. وهي عزة كاذبة أيضا أما قوله عز وجل: # سبحان ربك رب العزة عما يصفون # [الصافات: 180]. فتلك هي العزة الحقيقة، إذن فالعزة هي القوة التي ~~تغلب، ولا يغلبها أحد. أما العزة بالإثم فهي أنفة الكبرياء ~~المقرونة بالذنب والمعصية. والحق سبحانه وتعالى يقول لكل من يريد هذا ~~اللون من العزة بالإثم: إن كانت عندك عزة فلن يقوى عليك أحد، ولكن يا ~~سحرة فرعون يا من قلتم بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون، أنتم الذين خررتم ~~سجدا لموسى وقلتم: # قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون # [الشعراء: 47-48]. ولم تنفعكم عزة فرعون لأنها عزة بالإثم، لقد جاءت ~~العزة بالحق فغلبت العزة بالإثم. لذلك يبين لنا الحق سبحانه وتعالى أن ~~العزة حتى لا تكون بالإثم، يجب أن تكون على الكافر بالله، وتكون ذلة على ~~المؤمن بالله. # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.. # [المائدة: 54]. وكذلك قوله الحق: # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم.. # [الفتح: 29]. وهذا دليل العزة بالحق، وعلامتها أنها ساعة تغلب تكون في ~~منتهى الانكسار، ولنا القدوة في سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ~~الذي خرج من مكة لأنه لم يستطع أن يحمي الضعفاء من المؤمنين، وبعد ذلك ~~يعود إلى مكة فاتحا بنصر الله، ويدخل مكة ورأسه ينحني من التواضع لله ~~حتى يكاد أن يمس قربوس سرج دابته، تلك هي القوة، وهي على عكس العزة ~~بالإثم التي إن علت تطغى، إنما العزة بالحق إن غلبت تتواضع. { وإذا ~~قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم } [البقرة: ~~206] أي أن الأنفة والكبرياء مقرونة بالإثم، والإثم هو المخالف للمأمور ms0616 ~~به من الحق سبحانه وتعالى، { فحسبه جهنم ولبئس المهاد ~~} [البقرة: 206]. أي عزة هذه التي تقود في النهاية إلى النار؟ إنها ليست ~~عزة، ولكنها ذلة، فلا خير في عمل بعده النار، ولا شر في عمل بعده الجنة. ~~فإن أردت أن تكون عزيزا فتأمل عاقبتك وإلى أين ستذهب؟ " فحسبه " أي ~~يكفيه هذا فضيحة لعزته بالإثم، وأما كلمة " مهاد " فمعناها شيء ممهد ~~وموطأ، أي مريح في الجلوس والسير والإقامة. ولذلك يسمونه فراش الطفل ~~المهد. وهل المهاد بهذه الصورة يناسب العذاب؟ نعم يناسبه تماما لأن الذي ~~يجلس في المهاد لا إرادة له في أن يخرج منه، كالطفل فلا قوة له في أن ~~يغادر فراشه. إذن فهو قد فقد إرادته وسيطرته على أبعاضه. فإن كان المهاد ~~بهذه الصورة في النار فهو بئس المهاد هذا لون من الناس وفي المقابل ~~يعطينا - سبحانه - لونا آخر من الناس فيقول سبحانه: { ومن الناس ~~من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله... }. ### || [2.207] # والله سبحانه وتعالى ساعة يستعمل كلمة " يشري " يجب أن نلاحظ أنها من ~~الأفعال التي تستخدم في الشيء ومقابله، ف " شرى " يعني أيضا " باع ". ~~إذن، كلمة " شرى " لها معنيان، واقرأ إن شئت في سورة يوسف قوله تعالى: # وشروه بثمن بخس # [يوسف: 20]. أي باعوه بثمن رخيص. وتأتي أيضا بمعنى اشترى، فالشاعر ~~العربي القديم عنترة ابن شداد يقول: # فخاض غمارها وشرى وباعا # . # إذن " شرى " لغة، تستعمل في معنيين: إما أن تكون بمعنى " باع " ، وإما ~~أن تكون بمعنى " اشترى " ، والسياق والقرينة هما اللذان يحددان المعنى ~~المقصود منها فقول عنترة: " شرى وباع " نفهم أن المقصود من " شرى " هنا ~~هو " اشترى " ، لأنها مقابل " باع " ، وقوله تعالى: # وشروه بثمن بخس # [يوسف: 20]. يوضحه سياق الآية بأنهم باعوه. وهذا من عظمة اللغة العربية، ~~إنها لغة تريد أناسا يستقبلون اللفظ بعقل، ويجعلون السياق يتحكم في ~~فهمهم للمعاني. { ومن الناس من يشري نفسه } [البقرة: 207] ~~ونفهم " يشري " هنا بمعنى يبيع نفسه، والذي يبيع نفسه هو الذي يفقدها ~~بمقابل. والإنسان عندما يفقد نفسه فهو يضحي بها، وعندها تكون التضحية ~~ابتغاء مرضاة الله ms0617 فهي الشهادة في سبيله عز وجل، كأنه باع نفسه وأخذ ~~مقابلها مرضاة الله: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم.. # [التوبة: 111]. إن الحق يعطيهم الجنة مقابل أنفسهم وأموالهم. إذن فقوله: ~~{ ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله } ~~[البقرة: 207] يعني باع نفسه وأخذ الجنة مقابلا لها، هذا إذا كان معنى " ~~يشري " هو باع. وماذا يكون المعنى إذا كانت بمعنى اشترى؟ هنا نفهم أنه ~~اشترى نفسه بمعنى أنه ضحى بكل شيء في سبيل أن تسلم نفسه الإيمانية. ومن ~~العجب أن هذه الآية قيل في سبب نزولها ما يؤكد أنها تحتمل المعنيين، معنى ~~" باع " ومعنى " اشترى " فها هو ذا أبو يحيى الذي هو صهيب بن سنان الرومي ~~كان في مكة، وقد كبر سنه، وأسلم وأراد أن يهاجر، فقال له الكفار: لقد جئت ~~مكة فقيرا وآويناك إلى جوارنا وأنت الآن ذو مال كثير، وتريد أن تهاجر ~~بمالك. فقال لهم: أإذا خليت بينكم وبين مالي أأنتم تاركوني؟ فقالوا: نعم. ~~قال: تضمنون لي راحلة ونفقة إلى أن أذهب إلى المدينة؟ قالوا: لك هذا. إنه ~~قد شرى نفسه بهذا السلوك واستبقاها إيمانيا بثروته، فلما ذهب إلى ~~المدينة لقيه أبو بكر وعمر فقالا له: ربح البيع يا أبا يحيى. قال: وأربح ~~الله كل تجارتكم. وقال له سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أخبرنا أن جبريل أخبره بقصتك، ويروى أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم قال له: ربح البيع أبا يحيى. # إذن معنى الآية وفق هذه القصة: أنه اشترى نفسه بماله، وسياق الآية يتفق ~~مع المعنى نفسه. وهذه من فوائد الأداء القرآني حيث اللفظ الواحد يخدم ~~معنيين متقابلين. ولكن إذا كان المعنى أنه باعها فلذلك قصة أخرى، ففي ~~غزوة بدر، وهي أول غزوة في الإسلام، وكان صناديد قريش قد جمعوا أنفسهم ~~لمحاربة المسلمين في هذه الغزوة، وتمكن المسلمون من قتل بعض هؤلاء ~~الصناديد، وأسروا منهم كثيرين أيضا، وكان ممن قتلوا في هذه الغزوة ~~واحد من صناديد قريش هو أبو عقبة الحارث ابن عامر ms0618 والذي قتله هو صحابي ~~اسمه خبيب بن عدي الأنصاري الأوسي، وهو من قبيلة الأوس بالمدينة، وبعد ~~ذلك مكر بعض الكفار فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا ~~رسول الله، إننا قد أسلمنا، ونريد أن ترسل إلينا قوما ليعلمونا الإسلام. ~~فأرسل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه ليعلموهم القرآن، ~~فغدر الكافرون بهؤلاء العشرة فقتلوهم إلا خبيب بن عدي، استطاع أن يفر ~~بحياته ومعه صحابي آخر اسمه زيد بن الدثنة، لكن خبيبا وقع في الأسر ~~وعرف الذين أسروه أنه هو الذي قتل أبا عقبة الحارث في غزوة بدر، فباعوه ~~لابن أبي عقبة ليقتله مقابل أبيه، فلم يشأ أن يقتله وإنما صلبه حيا، ~~فلما تركه مصلوبا على الخشبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ~~المدينة: من ينزل خبيبا عن خشبته وله الجنة؟ قال الزبير: أنا يا رسول ~~الله. وقال المقداد: وأنا معه يا رسول الله. فذهبا إلى مكة فوجدا خبيبا ~~على الخشبة وقد مات وحوله أربعون من قريش يحرسونه، فانتهزا منهم غفلتهم ~~وذهبا إلى الخشبة وانتزعا خبيبا وأخذاه، فلما أفاق القوم لم يجدوا ~~خبيبا فقاموا يتتبعون الأثر ليلحقوا بمن خطفوه، فرآهم الزبير، فألقى ~~خبيبا على الأرض، ثم نظر إليه فإذا بالأرض تبتلعه فسمى بليع الأرض. وبعد ~~ذلك التفت إليهم ونزع عمامته التي كان يتخفى وراءها وقال: أنا الزبير بن ~~العوام، أمي صفية بنت عبد المطلب، وصاحبي المقداد، فإن شئتم فاضلتكم - ~~يعني يفاخر كل منا بنفسه - وإن شئتم نازلتكم - يعني قاتلتكم - وإن شئتم ~~فانصرفوا، فقالوا: ننصرف، وانصرفوا، فلما ذهب الزبير والمقداد إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بشرهم بالجنة التي صار إليها خبيب. إذن فقد باع ~~خبيب نفسه بالجنة. وعلى ذلك فإن ذهبت بسبب نزول الآية إلى أبي يحيى صهيب ~~بن سنان الرومي تكون " شرى " بمعنى اشترى، وإن ذهبت بسبب النزول إلى خبيب ~~فتكون بمعنى: باع. # وهكذا نجد أن اللفظ الواحد في القرآن الكريم يحتمل أكثر من واقع. وخبيب ~~بن عدي هذا قالت ms0619 فيه ماوية ابنة الرجل الذي اشتراه ليعطيه لعقبة ليقتله ~~مقابل أبيه، قالت: والله لقد رأيت خبيبا يأكل قطفا من العنب كرأس ~~الإنسان! ووالله ما في مكة حائط - بستان - ولا عنب وإنما هو رزق ساقه ~~الله له. ولما جاءوا ليقتلوه قال: أنظروني أصلي ركعتين. فصلى ركعتين ~~ونظر إلى القوم وقال: والله لولا أني أخاف أن تقولوا إنه زاد في الصلاة ~~لكي نبطئ بقتله لزدت. وقال قبل أن يقتلوه: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم ~~بددا، ولا تبق منهم أحدا. ثم هتف وقال: # ولست أبالي حين أقتل مسلما # على أي جنب كان في الله مصرعي # وكان ذلك آخر ما قاله. ويقول الحق: { والله رؤوف بالعباد } ~~[البقرة: 207] وما العلاقة بين ما سبق وبين رءوف بالعباد؟ ما دام الله ~~رءوفا بالعباد فلم يشأ الله أن يجعل ذلك أمرا كليا في كل مسلم، وإنما ~~جعلها فلتات لتثبت صدق القضية الإيمانية، لأنه لا يريد أن يضحي كل ~~المسلمين بأنفسهم، وإنما يريد أن يستبقي منا أناسا يحملون الدعوة. وبعد ~~أن عرض الحق سبحانه وتعالى أصناف الناس الذين يستقبلون الدعوة كفرا ~~ونفاقا، ومن يقابلهم ممن يستقبلونها إيمانا خالصا، نادى جميع ~~المؤمنين فقال: { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في ~~السلم كآفة ولا تتبعوا خطوات... }. ### || [2.208] # تبدأ الآية بنداء الذين آمنوا بالله وكأنه يقول لهم: يا من آمنتم بي ~~استمعوا لحديثي. فلم يكلف الله من لم يؤمن به وإنما خاطب الذين أحبوه ~~وآمنوا به، وما داموا قد أحبوا الله فلابد أن يتجه كل مؤمن إلى من يحبه ~~لأن الله لن يعطيه إلا ما يسعده. إذن فالتكليف من الله إسعاد لمن أحب، { ~~يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة } ~~[البقرة: 208]، وكلمة " في " تفيد الظرفية، ومعنى الظرفية أن شيئا ~~يحتوي شيئا، مثال ذلك الكوب الذي يحتوي الماء فنقول: " الماء في الكوب " ~~، وكذلك المسجد يحتوي المصلين فنقول: " المصلون في المسجد ". والظرفية ~~تدل على إحاطة الظرف بالمظروف، وما دام الظرف قد أحاط بالمظروف، إذن فلا ~~جهة يفلت منها المظروف من الظرف. ولذلك يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة ms0620 ~~التمكن من مسألة الظرفية عندما يقول: # ولأصلبنكم في جذوع النخل.. # [طه: 71]. إن الصلب دائما يكون على شيء، وتشاء الآية الكريمة أن تشرح ~~لنا كيف يمكن أن يكون الصلب متمكنا من المصلوب. فأنت إذا أردت أن تصلب ~~شيئا على شيء فأنت تربطه على المصلوب عليه، فإذا ما بالغت في ربطه كأنك ~~أدخلت المصلوب داخل المصلوب عليه. ومثال ذلك، هات عود كبريت وضعه على ~~إصبعك ثم اربطه بخيط ربطا جيدا، ستلاحظ أن العود قد غاص في جلدك. والحق ~~يقول: { ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208] والسلم ~~والسلم والسلم هو الإسلام، فالمادة كلها واحدة لأن السلم ضد ~~الحرب، والإسلام جاء لينهي الحرب بينك وبين الكون الذي تعيش فيه لصالحك ~~ولصالح الكون ولتكون في سلام مع الله وفي سلام مع الكون، وفي سلام مع ~~الناس. وفي سلام مع نفسك. قوله: { ادخلوا في السلم } [البقرة: ~~208] معناه حتى يكتنفكم السلم. إن الله هو الإله الخالق للكون ولابد أن ~~تعيشوا في سلام معه لأنكم لا تؤمنون إلا به إلها واحدا. فيجب علينا أن ~~نعيش مع الأرض والسماء والكون في سلام لأن الكون الخاضع المقهور المسخر ~~الذي لا يملك أن يخرج عما رسم له يعمل لخدمتك ولا يعاندك. والإنسان حين ~~يكون طائعا يسر به كل شيء في الوجود لأن الوجود طائع ومسبح، ~~فساعة يجد الإنسان مسبحا مثله يسر به لأنه في سلام مع الكون. وأنت ~~في سلام مع نفسك لأن لك إرادة، وهذه الإرادة قهر الله لها كل جوارحك، ~~والذي تريده من أي عضو يفعله لك، لكن هل يرضى أي عضو عما تأمره به؟ تلك ~~مسألة أخرى، مثلا، لسانك ينفعل بإرادتك، فتقول به: " لا إله إلا الله " ~~وقال به غيرنا من المشركين غير ذلك، وأشركوا مع الله بشرا وغير بشر ~~يعبدونهم وقال الملحدون بألسنتهم والعياذ بالله: " لا إله في الكون " ولم ~~يعص اللسان أحدا من هؤلاء لأنه مقهور لإرادتهم. # وتنتهي إرادة الإنسان على لسانه وعلى جميع جوارحه يوم القيامة فيشهد ~~عليه كما تشهد عليه سائر أعضائه: الأرجل، والأيدي، والعيون، ms0621 والآذان، وكل ~~عضو يقر بما كان يفعل به، لأنه لا سيطرة للإنسان على تلك الأبعاض في هذا ~~اليوم. إنما السيطرة كلها للخالق الأعلى. # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. والحق حين ينادي المؤمنين بأن يدخلوا في السلم كافة فالمعنى ~~يحتمل أيضا أن الحق سبحانه وتعالى يخاطب المسلمين ألا يأخذوا بعضا من ~~الدين، ويتركوا البعض الآخر، فيقول لهم: خذوا الإسلام كله وطبقوه كاملا ~~لأن الإسلام يمثل بناء له أسس معلومة، وقواعد واضحة، فلا يحاول أحد أن ~~يأخذ شيئا من حكم بعيدا عن حكم آخر، وإلا لحدث الخلل. وعلى سبيل المثال ~~قد تجد خلافا بين الزوج والزوجة، وقد يؤدي الخلاف إلى معارك وطلاق، وبعد ~~ذلك نجد من يتهم الإسلام بأنه أعطى الرجل سيفا مسلطا على المرأة. ونقول ~~لهم: ولماذا تتهمون الإسلام؟ هل دخلت على الزواج بمنطق الإسلام؟. إن ~~كنت قد دخلت على الزواج بمنطق الإسلام فستجد القواعد المنظمة والتي تحفظ ~~للمرأة كرامتها، ولكن هناك من يدخل على الزواج بغير منطق الإسلام، فلما ~~وقع في الأزمة راح ينادي الإسلام. هل اختار الرجل من تشاركه حياته ~~بمقياس الدين؟ وهل وضع نصب عينيه شروط اختيار الزوجة الصالحة التي جاءت ~~في الحديث الشريف: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات ~~الدين تربت يداك ". # هل فضل الرجل ذات الدين على سواها؟ أم فضل مقياسا آخر؟. وعندما جاء ~~رجل ليخطب ابنة من أبيها هل وضع الأب مقاييس الإسلام في الاعتبار عند ~~موافقته على هذا الزواج؟ هل فضلتم من ترضون دينه وخلقه؟ أم تركتم تلك ~~القواعد. أنت تركت قواعد الإسلام، فلماذا تلوم الإسلام عند سوء النتائج ~~والعواقب؟. إنك إن أردت أن تحاسب فلا بد أن تأخذ كل أمورك بمقاييس ~~الإسلام، ثم تصرف بما يناسب الإسلام. فإن كنت كذلك فالإسلام يحميك من كل ~~شيء. فالإسلام يساند القوى في الكون ويساند القوى في النفس بحيث تعيش ~~في سلام ولا تتعاند لأن كل ذلك يقابله الحرب. ms0622 والحرب إنما تنشأ من تعاند ~~القوى، فتتعاند قوى نفسك في حرب مع نفسك، وتتعاند قوى البشر في حرب البشر ~~مع البشر، وتتعاند قواك مع قوى الكون الأخرى، فأنت تعاند الطبيعة وتعاند ~~مع الحق سبحانه وتعالى. إذن فالتعاند ينشأ منه الحرب، والحرب لا تنشأ إلا ~~إذا اختلفت الأهواء. # وأهواء البشر لا يمكن أن تلتقي إلا عندما تكون محروسة بقيم من لا هوى ~~له، ولذلك يقول الله عز وجل: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ومن فيهن.. # [المؤمنون: 71]. لماذا؟. دعك من الكون الأصم حولك، أو دعك من الكون الذي ~~لا اختيار له في أن يفعل أو ينفعل لك فهو فاعل أو منفعل لك بدون اختيار ~~منه، ولكن انظر إلى البشر من جنسك، فما الذي يجعل هوى إنسان يسيطر على ~~أهواء غيره؟. ما الذي زاده ذلك الإنسان حتى تكون أنت تابعا له؟ أو يكون ~~تابعا لك؟. وفي قانون التبعية لا يمكن إلا أن يكون التابع مؤمنا بأن ~~المتبوع أعلى منه، ولا يمكن لبشر أن توجد عنده هذه الفوقية أبدا. لذلك ~~لابد للبشر جميعا أن يكونوا تبعا لقوة آمنوا بأنها فوقهم جميعا. فحين ~~نؤمن ندخل في السلم، ولا يوجد تعاند بين أي قوى وقوة أخرى لأني لست ~~خاضعا لك، وأنت لست خاضعا لي، وأنا وأنت مسلمون لقوة أعلى مني ومنك، ~~ويشترط في القوة التي نتبعها طائعين ألا يكون لها مصلحة فيما تشرع. إن ~~المشرعين من البشر يراعون مصالحهم حين يشرعون، فمشرع الشيوعية يضع تشريعه ~~ضد الرأسمالية، ومشرع الرأسمالية يضع تشريعه ضد الشيوعية، لكن عندما يكون ~~المشرع غير منتفع بما يشرع، فهذا هو تشريع الحق سبحانه وتعالى. وحين ندخل ~~في الإسلام ندخل جميعا لا يشذ منا أحد، ذلك معنى { ادخلوا في ~~السلم كآفة } [البقرة: 208]، هذا معنى وارد، وهناك معنى آخر وارد ~~أيضا وهو ادخلوا في السلم أي الإسلام بجميع تكاليفه بحيث لا تتركوا ~~تكليفا يشذ منكم. وحين يأتي المعنى الأول فلأننا لو لم ندخل في السلم ~~جميعا لشقي الذين يسلمون بالذين لا يسلمون لأن ms0623 الذي يسلم سيهذب سلوكه ~~بالنسبة للآخرين، ويكون نفع المسلم لسواه، ويشقى المسلم بعد إسلام من لم ~~يسلم، فمن مصلحتنا جميعا أن نكون جميعا مسلمين. والذين لا يدركون هذه ~~الحقيقة يفسرون قول الله تعالى: # لا يضركم من ضل إذا اهتديتم.. # [المائدة: 105]. على غير ظاهرها، فمن ضمن هدايتكم أن تبصروا من لم ~~يؤمن بأن يؤمن لأن مصلحتكم أن تسلموا جميعا، فإذا أسلمت أنت فسيعود ~~إسلامك على الغير لأن سلوكك سيصبح مستقيما مهذبا، والذي لم يسلم سيصبح ~~سلوكه غير مستقيم وغير مهذب، وستشقى أنت به. إذن فمن مصلحتك أن تقضي ~~وقتا طويلا وتتحمل عناء كبيرا في أن تدعو غيرك ليدخل في الإسلام. ~~وإياك أن تقول: إن ذلك يضيع عليك فرص الحياة. لا إنه يضمن لك فرص الحياة، ~~ولن يضيع وقتك لأنك ستحمي نفسك من شرور غير المسلم. وأذكر جيدا أننا حين ~~تكلمنا في فاتحة الكتاب قلنا: إن الله يعلمنا أن نقول: " إياك نعبد " ~~فكلنا يارب نعبدك وسنسعد جميعنا بذلك، واهدنا كلنا يارب لأنك إن هديتني ~~وحدي فسيستمتع غيري بهدايتك لي، وأنا سوف أشقى بضلاله. # فمن مصلحتنا جميعا أن نكون مهديين جميعا. هذا على معنى { ادخلوا ~~في السلم كآفة } [البقرة: 208] أي جميعا. أما معنى قوله تعالى: # لا يضركم من ضل إذا اهتديتم # [المائدة: 105] أي لا تتحملون أوزار ضلالهم إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم ~~عن المنكر. أما المعنى الثاني فادخلوا في السلم بحيث لا يشذ منكم أحد. ~~ويأخذ شيئا وبعضا من الإسلام ويترك بعضا منه، فأنت تريد أن تبني ~~حياتك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم شرح أن للإسلام أسسا هي الأركان ~~الخمسة، وإياك أن تأخذ ثلاثة أركان وتترك ركنين لأن هندسة الإسلام مبنية ~~على خمسة أركان. وقد قال لي أحد المهندسين: إننا نستطيع أن ننشئ بنيانا ~~على ثلاثة أركان أو على أربعة أو خمسة. فقلت له: ولكن حين تجعل البنيان ~~على أربعة أركان، وتوزع الأحمال والأثقال على أربعة أسس، هل يمكنك حين ~~تنشئ أن تجعلها ثلاثة أركان فقط؟. قال: لا. قلت: إذن فالبناء إنما ينشأ ms0624 ~~من البداية على الأسس التي تريدها، ولذلك فأنت توزع القوى على ثلاثة أو ~~أربعة أو خمسة من البداية. والله سبحانه وتعالى شاء أن يجعل أسس الإسلام ~~خمسة، وبعد ذلك يبنى الإسلام، وحين يبنى الإسلام فإياك أن تأخذ لبنة ~~من الإسلام دون لبنة، بل يؤخذ الإسلام كله، فالضرر الواقع في العالم ~~الإسلامي إنما هو ناتج من التلفيقات التي تحدث في العالم المسلم. تلك ~~التلفيقات التي تحاول أن تأخذ بعضا من الإسلام وتترك بعضا، وهذا هو ~~السبب في التعب والضرر لأن الإسلام لابد أن يؤخذ كله مرة واحدة. إذن { ~~ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: 208] يعني إياكم أن تتركوا ~~حكما من الأحكام. إن الذي يتعب المنتسبين إلى الدين الآن أننا نريد أن ~~نلفق حياة إسلامية في بلاد تأخذ قوانينها من بلاد غير إسلامية. إذن حتى ~~ننجح في حياتنا، فلابد أن نأخذ الإسلام كله. وللأسف فإن كثيرا من حكام ~~البلاد المسلمة لا يأخذون من الإسلام إلا آخر قول الله تعالى: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم # [النساء: 59] إنهم يأخذون # وأولي الأمر منكم # [النساء: 59] ويتركون # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول # [النساء: 59]. وأقوال: لماذا تأخذون الأخيرة وتتركون ما قبلها؟ إن الله ~~لم يجعل لولي الأمر طاعة مستقلة بل قال: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم # [النساء: 59] ليدل على أن طاعة ولي الأمر من باطن طاعة الله وطاعة ~~الرسول. فنحن لا نريد تلفيقا في الإسلام، خذوه كاملا، تستريحوا أنتم ~~ونستريح نحن معكم. إن الحق سبحانه وتعالى يريد بدعوتنا إلى دخول الإسلام ~~أن يعصم الناس من فتنة اختلاف أهوائهم فخفف ورفع عن خلقه ما يمكن أن ~~يختلفوا فيه، وتركهم أحرارا في أن يزاولوا مهمة استنباط أسرار الله في ~~وجوده بالعلم التجريبي كما يحبون، فإن أرادوا رقيا فليعملوا عقولهم ~~المخلوقة لله في الكون المخلوق لله، بالطاقة المخلوقة لله ليسعدوا أنفسهم ~~ويدفعوها إلى الرقي، وإن انتهى أحد منهم إلى قضية كونية، واكتشف سرا من ~~الأسرار في الكون فهو لن يقدم للناس جديدا في المنهج، وسيأخذ الناس هذا ~~الجديد ولا ms0625 يعارضونه. # إذن فمن الممكن أن يستنبط العلماء بعضا من أسرار قضايا الكون المادية ~~بوساطة العلم التجريبي، وهي أمور سيتفق عليها الناس، ولكن البشر يمكن أن ~~يختلفوا في الأمور النابعة من أهوائهم لأن لكل واحد هوى، وكل واحد يريد ~~أن يتبع هواه ولا يتبع هوى الآخرين، والحق سبحانه يريد أن يعصمنا من ~~الأهواء لذلك قال لنا: { ادخلوا في السلم كآفة } [البقرة: ~~208] أي ادخلوا في كل صور الإسلام، حتى لا يأتي تناقض الأهواء في ~~المجتمع. وكن أيها المؤمن في سلم مع نفسك فلا يتناقض لسانك مع ما في ~~قلبك، فلا تكن مؤمن اللسان كافر القلب. كن منسجما مع نفسك حتى لا تعاني ~~من صراع الملكات. وأيضا كن داخلا في السلام مع الكون الذي تعيش فيه، مع ~~السماء، مع الأرض، مع الحيوان، مع النبات. كن في سلم مع كل تلك المخلوقات ~~لأنها مخلوقة مسخرة طائعة لله، فلا تشذ أنت لتغضبها وتحفظها عليك. كن ~~منسجما مع الزمن أيضا، لأن الزمن الذي يحدث فيه منك ما يخالف منهج الله ~~سيلعنك هو والمكان، وإذا أردت أن تشيع سلامك في الكون فعليك كما علمك ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أن تسالم كل الكون، وكان الرسول صلى الله عليه ~~وسلم يشيع السلام في الزمان والمكان، وعلى سبيل المثال كان صلى الله عليه ~~وسلم أكثر الناس صياما في شعبان، ولما سأله الصحابة عن هذا أخبرهم أن ~~شعبان شهر يهمله الناس لأنه بين رجب، - وهو من الأشهر الحرم الأربعة - ~~وبين رمضان، فأحب أن يحيى ذلك الشهر الذي يغفل عنه الناس، فكأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أراد أن يسعد الزمان بأن يشيع فيه لونا من العبادة ~~فلا يجعله أقل من الأزمنة الأخرى. كذلك الأمكنة تريد أن تسعد بك، فكل ~~الأماكن تسعد بذكر الله فيها. والحق - سبحانه - بعد أن أمرنا جميعا ~~بالدخول في السلم بافعل ولا تفعل، حذرنا من اتباع الشيطان لأنه هو الذي ~~يعمل على إبعادنا عن منهج الله فقال جل شأنه: { ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان إنه لكم عدو ms0626 مبين } [البقرة: ~~208]. ولماذا لا نتبع خطوات الشيطان؟ لأن عداوته للإنسان عداوة مسبقة، ~~وقف من آدم هذا الموقف، وبعد ذلك أقسم بعزة الله أن يغويكم جميعا، وإذا ~~كان الحق سبحانه وتعالى قد حكى لنا القصة فكأنه أعطانا المناعة، أي أن ~~الشيطان لم يفاجئنا. # وإنما وضع الحق أمامنا قصة الشيطان مع آدم واضحة جلية ليعطينا المناعة، ~~بدليل أننا حين نريد أن نصون أجسامنا نجعل لأنفسنا مناعة قبل أن يأتي ~~المرض، نطعم أنفسنا ضد شلل الأطفال، وضد الكوليرا، وضد كذا، وكذا، فكأن ~~الله سبحانه وتعالى يذكر قصة الشيطان مع أبينا آدم ليقول لنا: لاحظوا أن ~~عداوته مسبقة. وما دام له معكم عداوة مسبقة فلن يأخذكم على غرة لأن الله ~~نبهكم لتلك المسألة مع الخلق الأول. والشيطان عندما يذكر في القرآن يراد ~~به مرة عاصي الجن، لأن طائع الجن مثل طائع البشر تماما، ومرة يريد به ~~شياطين الإنس. إذن من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين. وحتى تستطيع أن ~~تفرق بين ما يزينه الشيطان وبين ما تزينه لك نفسك، فإن رأيت نفسك مصرا ~~على معصية من لون واحد فاعلم أن السبب هو نفسك، لأن النفس تريدك عاصيا ~~من لون يشبع نقصا فيها فهي تصر عليه: إنسان يحب المال فتتسلط عليه نفسه ~~من جهة المال، وإنسان آخر يحب الجنس فتتسلط عليه نفسه من جهة النساء، ~~وثالث يحب الفخر والمديح فتتسلط عليه نفسه من جهة من ينافقه. لكن ~~الشيطان لا يصر على معصية بعينها، فإن رآك قد امتنعت عن معصية فهو يزين ~~لك معصية أخرى لأنه يريدك عاصيا على أية جهة. والحق يحذرنا { ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } ~~[البقرة: 208]. وليس هناك عداوة أوضح من عداوة الشيطان بعد أن وقف من آدم ~~وقال ما أورده الحق على لسانه: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص: 82-83]. ويقول الحق من بعد ذلك: { فإن زللتم من بعد ما ~~جآءتكم البينات فاعلموا... }. ### || [2.209] # والذلة هي المعصية، وهي مأخوذة من " زال " ، وزال الشيء أي خرج عن ~~استقامته، ms0627 فكأن كل شيء له استقامة، والخروج عنه يعتبر زللا، والزلل: هو ~~الذنوب والمعاصي التي تخالف بها المنهج المستقيم. { من بعد ما ~~جآءتكم البينات } [البقرة: 209] إنه سبحانه يوضح لنا أنه لا ~~عذر لكم مطلقا في أن تزلوا لأنني بينت لكم كل شيء، ولم أترككم إلى ~~عقولكم، ومن المنطقي أن تستعملوا عقولكم استعمالا صحيحا لتديروا حركة ~~الكون الذي استخلفتكم فيه، ومع ذلك، إن أصابتكم الغفلة فأنا أرسل الرسل. ~~ولذلك قال سبحانه: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. لقد رحم الله الخلق بإرسال الرسل ليبينوا للإنسان الطريق ~~الصحيح من الطريق المعوج. والحق سبحانه وتعالى يترك بعض الأشياء للبشر ~~ليأتوا بفكر من عندهم ثم يرتضي الإسلام ما جاءوا به ليعلمنا أن العقل إذا ~~ما كان طبيعيا ومنطقيا فهو قادر على أن يهتدي إلى الحكم بذاته. وفي ~~تاريخ الإسلام نجد أن سيدنا عمر قد رأى أشياء واقترح بعضا من ~~الاقتراحات، ووافق عليها الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم ينزل القرآن على ~~وفق ما قال عمر، وقد يتساءل أحد قائلا: ألم يكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أولى؟ نقول: لو كانت تلك الآراء قد جاءت من النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما كان فيها غرابة لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم ويوحي إليه، ~~لكن الله يريد أن يقول لنا: أن العقل الفطري عندما يصفو فهو يستطيع أن ~~يهتدي للحكم الصحيح، وإن لم يكن هناك حكم قد نزل من السماء. ولذلك تستفز ~~أحكام سيدنا عمر عددا كبيرا من المستشرقين ويقولون: أليس عندكم سوى ~~عمر؟ لماذا لا تقولون محمدا؟ نقول لهم: لقد تربى عمر في مدرسة النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فما يقول هو، إنما قد أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقد أقر عمر بذلك وقال: " ما عمر لولا الإسلام " ، ونحن نستشهد بعمر لأنه ~~بشر وليس رسولا، ويسري عليه ما يسري على البشر، فلا يوحى إليه ولم يكن ~~معصوما. إذن كأن الحق أراد أن يقرب لنا القدرة على الاستنباط والفهم ~~فنكون جميعا عمر لأن ms0628 عمر بالفطرة كان يهتدي إلى الصواب، ويقول لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " نفعل كذا " ، فينزل الوحي موافقا لرأيه، ~~فكأن الله لم يكلفنا شططا، إنما جاء تكليفه ليحمي العقول من أهواء النفس ~~التي تطمس العقول، فآفة الرأي الهوى، ولولا وجود الأهواء لكانت الآراء ~~كلها متفقة. وقديما أعطوا لنا مثلا بالمرأة التي جمعت الصيف والشتاء في ~~ليلة واحدة، فقد زوجت ابنها وابنتها، وعاش الأربعة معها في حجرة واحدة، ~~ابنها معه زوجته، وابنتها معها زوجها، والمرأة معهم، تنام نوما قليلا ~~وتذهب لابنتها توصيها: " دفئي زوجك وأرضيه " فالجو بارد، وتذهب لابنها ~~وتقول: " ابعد عن زوجتك فالدنيا حر ". # إن المكان واحد، والليل واحد، لكن المرأة جعلته صيفا وشتاء في وقت واحد ~~والسبب هو هوى النفس. والله - سبحانه - يبين لنا ذلك في قوله: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ومن فيهن.. # [المؤمنون: 71]. إذن فالحق سبحانه وتعالى يعصمنا حين يشرع لنا، فالبشر ~~يضيقون ذرعا بتقنينات أنفسهم لأنفسهم، فيحاولون أن يخففوا من خطأ ~~التقنين البشري، فيقننوا أشياء يعدلون بها ما عندهم، ولو نظرت إلى ما ~~عدلوه من قوانين لوجدته تعديلا يلتقي مع الإسلام أو يقترب من الإسلام. ~~لقد سألوني في أمريكا: لماذا لم يظهر الإسلام فوق كل العقائد برغم أنكم ~~تقولون: إن الله يقول في كتابه: # ليظهره على الدين كله # [التوبة: 33]. ومع ذلك لم يظهر دينكم على كل الأديان، ولم يزل كثير من ~~الناس غير مسلمين سواء كانوا يهودا أو نصارى أو بلا دين؟ قلت: لو فطنتم ~~إلى قول الله: # ولو كره الكافرون # [التوبة: 32] و # ولو كره المشركون # [التوبة: 33] لدلكم ذلك على أن ظهور الإسلام قد تم مع وجود الكفار، ~~وظهوره مع وجود مشركين، وإلا لو ظهر ولا شيء معه فممن يكره؟ إن العقيدة ~~التي يكرهها أهل الكفر هي التي تعزز وجود الإسلام. إذن # ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # [التوبة: 33] يدل على أن ظهور الإسلام يعني وجود كافر ووجود مشرك كلاهما ~~سيكون موجودا وسيكرهان انتشار الدين. وعندما نرى أحداث الحياة تضطر ~~البلاد الغربية عندما ms0629 يجدون خطأ تقنينهم فيحاولون أن يعدلوا في التقنيات ~~فلا يجدون تعديلا إلا أن يذهبوا إلى أحكام الإسلام، لكنهم لم يذهبوا ~~إليه كدين إنما ذهبوا إليه كنظام، إن رجوعهم إلى الإسلام لدليل وتأكيد ~~على صحة وسلامة أحكام الإسلام، لأنهم لو أخذوا تلك الأحكام كأحكام دين ~~لقال غيرهم: قوم تعصبوا لدين آمنوا به فنفذوا أحكامه. ولكنهم برغم كرههم ~~للدين، اضطروا لأن يأخذوا بتعاليمه، فكأنه لا حل عندهم إلا الأخذ بما ذهب ~~إليه الإسلام. إذن قول الله: # ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # [التوبة: 33] قوة لنظام الإسلام، لا لنؤمن به وإنما تضطر أن تلجأ إليه، ~~وكانوا في إيطاليا - على سبيل المثال - يعيبون على الإسلام الطلاق ~~ويعتبرونه انتقاصا لحقوق المرأة، ولكن ظروف الحياة والمشكلات الأسرية ~~اضطرتهم لإباحة الطلاق، فهل قننوه لأن الإسلام قال به؟ لا، ولكن لأنهم ~~وجدوا أن حل مشكلاتهم لا يأتي إلا منه. وفي أمريكا عندما شنوا حملة شعواء ~~على تناول الخمور، هل حاربوها لأن الإسلام حرمها؟ لا، ولكن لأن واقع ~~الحياة الصحية طلب منهم ذلك. إذن " ولو كره الكافرون " ، " ولو كره ~~المشركون ": معناهما أنهم سيلجأون إلى نظام الإسلام ليحل قضاياهم. فإن لم ~~يأخذوه كدين فسوف يأخذونه نظاما. { فإن زللتم من بعد ما ~~جآءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم ~~} [البقرة: 209] أي إياكم أن تظنوا أنكم بزللكم أخذتم حظوظ أنفسكم من ~~الله، فإن مرجعكم إلى الله وهو عزيز وعزته سبحانه هي أنه يغلب ولا ~~يغلب، فهو يدبر أمورنا برحمة وحكمة. ويقول الحق بعد ذلك: { هل ~~ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من... }. ### || [2.210] # أي ماذا ينتظرون؟ هل ينتظرون أن تداهمهم الأمور ويجدوا أنفسهم في كون ~~وإن أخذ زخرفة فهو يتحول إلى هشيم تذروه الرياح، ويصير الإنسان أمام لحظة ~~الحساب. وقوله: { هل ينظرون } [البقرة: 210] مأخوذة من النظر. ~~والنظر هو طلب الإدراك لشيء مطلق. وطلب الإدراك لأي شيء بأي شيء يسمى ~~نظرا. ومثال ذلك أننا نقول لأي إنسان يتكلم في أي مسألة معنوية: أليس ~~عندك نظر؟ أي هل تملك قوة الإدراك أم ms0630 لا؟ إذن فالنظر هو طلب الإدراك ~~للشيء، فإن طلبت أن ترى فهو النظر بالعين، وإن طلبت أن تعرف وتعلم فهو ~~النظر بالفكر وبالقلب. وأحيانا يطلق النظر على الانتظار، وهو طلب إدراك ~~ما يتوقع. و { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } ~~[البقرة: 210]، يعني هل ينتظرون إلا أن تأتيهم الساعة وتفاجئهم في الزمن ~~الخاص؟ لأنها لن تفاجئ أحدا في الزمن العام، فسوف يكون لها آيات صغرى ~~وآيات كبرى، ومعنى أن لها آيات صغرى وكبرى، أن ذلك دليل على أن الله ~~يمهلنا لنتدارك أنفسنا، فلا يزال فاتحا لباب التوبة ما لم تطلع الشمس من ~~مغربها. وساعة نسمع قوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن ~~يأتيهم الله } [البقرة: 210] نقول: ما الذي يؤجل دخولهم في ~~الإسلام كافة؟ ما الذي ينتظرونه؟ تماما كأن تقول لشخص أمامك: ماذا ~~تنتظر؟ كذلك الحق يحثنا على الدخول في السلم كافة وإلا فماذا تنتظرون؟ و ~~{ إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ~~والملائكة } [البقرة: 210] ساعة تقول: " يأتيهم الله " أو " جاء ~~ربك " أو يأتي سبحانه بمثل في القرآن مما نعرفه في المخلوقين من الإتيان ~~والمجيء وكالوجه واليد، فلتأخذه في إطار " ليس كمثله شيء " فالله موجود ~~وأنت موجود، فهل وجودك كوجوده؟ لا. إن الله حي وأنت حي، أحياتك كحياته؟ ~~لا. والله سميع وأنت سميع، أسمعك كسمعه؟ لا. والله بصير وأنت بصير، أبصرك ~~كبصره؟ لا. وما دمت تعتقد أن له صفات مثلها فيك، فلتأخذها بالنسبة لله في ~~إطار " ليس كمثله شيء ". والذين يفسرون المقصود بوجه الله أنه ذاته، ~~وبيده يعني قدرته، و " يد الله فوق أيديهم " ، يعني قدرته فوق قدرتهم. ~~نقول لهم: لماذا هذه التفسيرات؟ إننا لو أخذناه كما قال الحق عن نفسه ~~ولكن في إطار " ليس كمثله شيء " نكون قد سلمنا من الخطأ.. لا شبهناه ~~بخلقه، ولا عطلنا نصا عن معناه. ولذلك يقول المحققون: إنك تؤمن بالله ~~كما أعطاك صورة الإيمان به لكن في إطار لا يختلف عنه عما في أنه " ليس ~~كمثله شيء " ، وإن أمكن أن تتصور أي شيء فربك على خلاف ms0631 ما تتصور، لأن ما ~~خطر ببالك فإن الله سبحانه على خلاف ذلك، فبال الإنسان لا يخطر عليه إلا ~~الصور المعلومة له، وما دامت صورا معلومة فهي في خلق الله وهو سبحانه لا ~~يشبه خلقه. # إن ساعة يتجلى الحق، سيفاجئ الذين تصوروا الله على أية صورة، أنه سبحانه ~~على غير ما تصوروا وسيأتيهم الله بحقيقة لم تكن في رءوسهم أبدا لأنه لو ~~كانت صورة الحق في بال البشر لكان معنى ذلك أنهم أصبحوا قادرين على ~~تصوره، وهو القادر لا ينقلب مقدورا عليه أبدا، ومن عظمته أن العقل لا ~~يستطيع أن يتصوره ماديا. ولذلك ضرب الله لنا مثلا يقرب لنا المسألة، ~~فقال: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]. إن الروح الموجودة في مملكة جسمنا والتي إذا خرجت من ~~إنسان صار جيفة، وعاد بعد ذلك إلى عناصر تتحلل وأبخرة تتصاعد، وهذه الروح ~~التي في داخل كل منا لم يستطع أحد تصورها، أو تحديد مكانها أو شكلها، هذه ~~الروح المخلوقة لله لم نستطع أن نتصورها، فكيف نستطيع أن نتصور الخالق ~~الأعظم؟ { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله } [البقرة: ~~210] يعني بما لم يكن في حسبانهم. هل ينتظرون حتى يروا ذلك الكون المنسق ~~البديع قد اندثر، والكون كله تبعثر، والشمس كورت والنجوم انكدرت، وكل شيء ~~في الوجود تغير، وبعد ذلك يفاجأون بأنهم أمام ربهم. فماذا ينتظرون؟. إذن ~~يجب أن ينتهزوا الفرصة قبل أن يأتي ذلك الأمر، وقبل أن تفلت الفرصة من ~~أيديهم وينهي أمد رجوعهم إلى الله. لماذا يسوفون في أن يدخلوا في السلم ~~كافة؟ ما الذي ينتظرونه؟ أينتظرون أن يتغير الله؟ أو أن يتغير منهج الله؟ ~~إن ذلك لن يحدث. ونؤكد مرة أخرى أننا عندما نسمع شيئا يتعلق بالحق فيما ~~يكون مثله في البشر فلنأخذه في إطار " ليس كمثله شيء ". فكما أنك آمنت ~~بأن لله ذاتا لا كالذوات، فيجب أن تعلم أن لله صفات ليست كالصفات، وأن ~~لله أفعالا ليست كالأفعال، فلا تجعل ذات الله مخالفة لذوات الناس ثم ~~تأتي في الصفات التي قال الله فيها ms0632 عن نفسه وتجعلها مثل صفات الناس، فإذا ~~كان الله يجيء فلا تتصور مجيئه أنه سيترك مكانا إلى مكان، فهو سبحانه ~~يكون في مكان بما لا يخلو عنه مكان، تلك هي العظمة. فإذا قيل: { إلا ~~أن يأتيهم الله } [البقرة: 210] فلا تظن أن إتيانه كإتيانك لأن ~~ذاته ليست كذاتك، ولأن الناس في اختلاف درجاتهم تختلف أفعالهم، فإذا كان ~~الناس يختلفون في الأفعال باختلاف منازلهم، وفي الصفات باختلاف منازلهم، ~~فالحق منزه عن كل شيء وكل تصور، ولنأخذ كل شيء يتعلق به في إطار " ليس ~~كمثله شيء " ففعل ربك يختلف عن فعلك. وإياك أن تخضع فعله لقانون فعلك ~~لأن فعلك يحتاج إلى علاج وإلى زمن يختلف باختلاف طاقتك وباختلاف قدرتك، ~~والله لا يفعل الأشياء بعلاج بحيث تأخذ منه زمنا ولكنه يقول: " كن فيكون ~~". # كأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا صورة عن الإنجاز الذي لا دخل ~~لاختيار البشر في أن يخالفوا فيه فيقول: ساعة يجيء الأمر انخلعت كل قدرة ~~لمخلوق عن ذلك الأمر وأصبح الأمر لله وحده. و { في ظلل من ~~الغمام } [البقرة: 210]. فيه شيء يظلك وفيه شيء تستظل به، والشيء ~~الذي يظلك لا يكون لك ولاية عليه في أن يظلك إلا أن ترى أين ظله وتذهب ~~إليه، وشيء آخر تستطيع أنت التصرف فيه كالمظلة تفتحها في أي مكان تريد. ~~وكلمة " ظلل " معناها أنها تستر عنك مصدر الضوء ولذلك حينما أراد الحق ~~سبحانه وتعالى أن يصور لنا ذلك قال: # وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله.. # [لقمان: 32]. أي جاءهم الفزع الأكبر كالظلة محيطا بهم، فكأن الله يريد ~~أن يخبرنا أن الكون سيندثر وسيأتيك الأمر المفزع، الأمر المفجع، والمؤمن ~~كان يتوقعه، وسيدخل عليه بردا وسلاما لأنه ما آمن من أجله، لكن الكافر ~~سيصاب بالفزع الأكبر لأنه فوجىء بشيء لم يكن في حسابه. وقارن بين مجيء ~~الأمر لمن يؤمله، وبين مجيء الأمر لمن لا يؤمله. إن الحق سبحانه وتعالى ~~قال: ساعة تجيء هذه الظلل والملائكة فقد قضى الأمر. وعندما تسمع " قضي ~~الأمر " فاعلم أن المراد أن الفرصة ms0633 أفلتت من أيدي الناس، فمن لم يرجع إلى ~~ربه قبل الآن فليست له فرصة أن يرجع. ومثال ذلك ما قاله الحق في قصة نوح: # وقضي الأمر واستوت على الجودي.. # [هود: 44]. أي انتهى كل شيء، ولم يعد للناس قدرة على أن يرجعوا عما ~~كانوا فيه فالله يقول: ماذا تنتظرون؟ هل تنتظرون حتى يأتيكم هذا اليوم؟ ~~لابد أن تنتهزوا الفرصة لترجعوا إلى ربكم قبل أن تفلت منكم فرصة العودة. ~~" وإلى الله ترجع الأمور " ، ومرة تأتي " وإلى الله ترجع الأمور ". ~~وفيه فرق بين " ترجع الأمور " بفتح التاء وبين " ترجع الأمور " بضم ~~التاء. فكأن الأمور مندفعة بذاتها، ومرة تساق إلى الله. إن الراغب سيرجع ~~إلى ربه بنفسه لأنه ذاهب إلى الخير الذي ينتظره، أما غير الراغب والذي ~~كان لا يرجو لقاء ربه فسيرجع بالرغم عنه، تأتي قوة أخرى ترجعه، فمن ~~لم يجيء رغبا يأتي رهبا. ويقول الحق بعد ذلك: { سل بني ~~إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل ~~نعمة الله... }. ### || [2.211] # فكأن الله لم يحمل على بني إسرائيل ويريد منهم أن يقروا على أنفسهم بما ~~أكرمهم به الله من خير سابق فساعة تقول: " اسأل فلانا عما فعلته معه " ، ~~كأنك لا تأمر بالسؤال إلا عن ثقة، وأنه لن يجد جوابا إلا ما يؤيد قولك. ~~والحق يبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأل بني إسرائيل عن الخير ~~السابق الذي غمرهم به وهو سبحانه عليم أنهم لن يستطيعوا مع لددهم أن ~~يتكلموا إلا بما يوافق القضية التي يقولها الحق وتصبح حجة عليهم. والحق ~~سبحانه وتعالى يقول: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم } ~~[البقرة: 211] ساعة تسمع " كم " في مقام كهذا فافهم أنها كناية عن ~~الإخبار عن الأمر الكثير بخلاف " كم " التي تريد بها الاستفهام. وأنت ~~تقول: " كم فعلت كذا مع فلان " و " كم صنعت معه معروفا " و " كم تهاونت ~~معه " و " كم أكرمته ". لذلك فعندما تسمع " كم " هذه فاعرف أن معناها ~~الكمية الكثيرة التي يكنى بها على أن عددها لا يحصى. { سل بني ~~إسرائيل كم آتيناهم من ms0634 آية بينة } [البقرة: 211] إن ~~الحق يريد أن يضرب لنا مثلا كمثل إنسان يأكل خيرك وينكر معروفك، ويشكوك ~~إلى إنسان، فترد أنت لمن ينقل لك الشكوى: سله ماذا قدمت له من جميل، أنا ~~لن أتكلم بل سأجعله هو يتكلم. وأنت لا تقول ذلك إلا وأنت على ثقة من أنه ~~لا يستطيع أن يغير شيئا. ألم يفلق لهم البحر؟. ألم يجعل عصا موسى حية؟ ~~ألم يظللهم الله بالغمام؟ ألم يعطهم الله المن والسلوى؟ كل ذلك أعطاه ~~الله لهم فلم يشكروا نعمة الله، فحل عليهم غضبه أخذهم بالسنين والجوع ~~وأخذهم بالقمل والضفادع والدم، كل ذلك فعله الله معهم.. وحين يقول الحق ~~لرسوله: { سل بني إسرائيل } [البقرة: 211] فالقول منسحب على ~~أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا جاءك واحد منهم فاسأله: كم آية ~~أعطاها الله لكم فأنكرتموها، وتلكأتم. وتعنتم. { كم آتيناهم ~~من آية بينة } [البقرة: 211] إن " كم " تدل على الكمية ~~الكبيرة، و " من آية ": معناها الأمر العجيب. و " بينة " تعني الأمر ~~الواضح الذي لا يمكن أن يغفل عنه أحد. { سل بني إسرائيل كم ~~آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من ~~بعد ما جآءته فإن الله شديد العقاب } [البقرة: ~~211]. وكيف يبدل الإنسان نعمة الله؟. إن نعمة الله حين تصيب خلقا ~~فالواجب عليهم أن يستقبلوها بالشكران، ومعنى الشكران هو نسبتها إلى ~~واهبها والاستحياء أن يعصوا من أنعم عليهم بها. # فإذا استقبل الناس النعمة بغير ذلك فقد بدلت. ولذلك يقول الحق في آية ~~أخرى: # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا # [إبراهيم: 28] وما داموا قد بدلوها كفرا، فيكون الكفر هو الذي جاء مكان ~~الإيمان. إذن كان المطلوب أن يقابلوا النعمة بالإيمان، بالازدياد في ~~التقرب إلى الله، لكنهم بدلوا النعمة بالكفر. { ومن يبدل نعمة ~~الله من بعد ما جآءته فإن الله شديد العقاب } ~~[البقرة: 211] قد نفهم أن معنى " شديد العقاب " هو أمر يتعلق بالآخرة، ~~ولعل أناسا يستبطئون الآخرة، أو أناسا غير مؤمنين بالآخرة، فلو كان ~~الأمر بالعقاب يقتصر على عقاب الآخرة لشقي الناس بمن ms0635 لا يؤمنون بالآخرة.. ~~أو يستبطئونها لأن هؤلاء يعيثون في الأرض فسادا لأنهم لا يخافون الآخرة ~~ولا يؤمنون بها، أو أنها لا تخطر ببالهم. فالذي يؤمن بأن هناك آخرة تأتي ~~وسيكون فيها حساب، هو الذي سيكون سلوكه على مقتضى ذلك الإيمان. أما الذي ~~لا يؤمن أن هناك يوما آخر فالدنيا تشقى به. فإذا لم يعجل الله بلون من ~~العقوبة للذين لا يؤمنون بالآخرة أو الذين يستبطئون الآخرة لشقي الناس ~~بهؤلاء الذين لا يؤمنون أو يستبطئون. وكل جماعة لا تقبل على منهج الله، ~~ويبدلون نعمة الله كفرا لابد أن يكون لله فيهم عقاب عاجل، وذلك ليعلم ~~الناس أن من لم يرتدع إيمانا وخوفا من اليوم الآخر فعليه أن يرتدع ~~مخافة أن يأتيه العقاب في الدنيا. فالظالم إذا علم أن ظالما مثله لقي ~~عقابه وحسابه في الدنيا فسيخاف أن يظلم وإن لم يكن مؤمنا بالآخرة، لأنه ~~سيتأكد أن الحساب واقع لا محالة. ولذلك لا يؤجل الله العقاب كله إلى ~~الآخرة ولكن ينزل بعضا منه في الدنيا. ويقول الحق في الذين يبدلون نعمة ~~الله كفرا: # وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها ~~وبئس القرار # [إبراهيم: 28-29]. هذه عقوبة الآخرة، ولن يتركهم الله في الدنيا دون أن ~~ينالهم العقاب. وحتى الذين يظلمون ويتعسفون مع أنهم مسلمون لا يتركهم ~~الله بلا عقاب في الدنيا حتى يأتيهم يوم القيامة بل لابد أن يجيء لهم من ~~واقع دنياهم ما يخيف الناس من هذه الخواتيم حتى تستقيم حركة الحياة بين ~~الناس جميعا، وإلا فسيكون الشقاء واقعا على الناس من هؤلاء ومن الذين ~~لا يؤمنون بعقاب الآخرة. وكان بعض الصالحين يقول: " اللهم إن القوم قد ~~استبطأوا آخرتك وغرهم حلمك فخذهم أخذ عزيز مقتدر " لأنه سبحانه لو ترك ~~عقابهم للآخرة لفسدوا وكانوا فتنة لغيرهم من المؤمنين. ولذلك شاء الله أن ~~يجعل في منهج الإيمان تجريما وعقوبة تقع في الدنيا، لماذا؟ حتى لا ~~يستشري فساد من يشك في أمر الآخرة. وشدة عقاب الله لا يجعلها في الآخرة ~~فقط، بل جعلها في الدنيا أيضا ms0636 ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى # [طه: 124]. ثم يقول سبحانه وتعالى: { زين للذين كفروا ~~الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا ~~والذين اتقوا فوقهم... }. ### || [2.212] # يريد الحق سبحانه وتعالى أن يبين واقع الإنسان في الكون، هذا الواقع ~~الذي يدل على أنه سيد ذلك الكون، ومعنى ذلك أن كل الأجناس تخدمه. وقد ~~عرفنا أن الجماد يخدم النبات، والجماد والنبات يخدمان الحيوان، والجماد ~~والنبات والحيوان تخدم الإنسان، فالإنسان سيد هذه الأجناس. وكان مقتضى ~~العقل أن يبحث هذا السيد عن جنس أعلى منه، فكما كانت الأجناس التي دونه ~~في خدمته، فلابد أن يكون هذا الجنس الأعلى يناسب سيادته، ولن يجد شيئا ~~في الوجود أبدا أعلى من الجنس الذي ينتسب إليه، لذلك كان المفروض أن ~~يقول الإنسان: أنا أريد جنسا ينبهني عن نفسي فأنا في أشد الاحتياج إليه. ~~فإذا جاء الرسل وقالوا: إن الذي أعلى منك أيها الإنسان هو الله وليس ~~كمثله شيء وتعالى عن كل الأجناس. كان يجب على الإنسان أن يقول: مرحبا ~~لأن معرفة الله تحل له اللغز. والرسل إنما جاءوا ليحلوا للإنسان لغزا ~~يبحث عنه، وكان على الإنسان أن يفرح بمجيء الرسل، وخصوصا أن الله عز وجل ~~لا يريد خدمة منه، إن الإنسان هو الذي يحتاج لعبادة الله ليسخر له ~~الكائنات، ويعبده ليعزه. إذن فالمؤمن بين أمرين: بين خادم له مسخر وهو من ~~دونه من الجهاد والنبات والحيوان، ومعط متفضل عليه مختار وهو أعلى ~~منه. إنه هو الله. فمن يأخذ واحدة ويترك واحدة فقد أخذ الأدنى وترك ~~الأعلى، فيقول له الحق: خذ الأعلى. فإذا كنت سعيدا بعطاء المخلوقات ~~الأدنى منك، وتحب أن تستزيد منها فكيف لا تستزيد ممن هو أعلى منك؟. إنه ~~الله. والحق عندما يقول: { زين للذين كفروا الحياة ~~الدنيا } [البقرة: 212] فهو يريد أن يلفتنا إلى أن مقاييس الكافرين ~~مقاييس هابطة نازلة لأن الذي زين لهم هو الأمر الأدنى. ومن خيبة التقدير ~~أن يأخذ الإنسان الأمر الأدنى ويفضله على الأعلى. ms0637 وكلمة " زين " ~~عندما تأتي في القرآن تكون مبنية لما لم يسم فاعله مثل قوله تعالى: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة.. # [آل عمران: 14]. هناك " زين للناس " وفي آية البقرة التي نحن بصددها { ~~زين للذين كفروا } [البقرة: 212] لماذا قال الحق هناك: " ~~زين للناس " ولماذا قال هنا: " زين للذين كفروا "؟ لقد قال الحق ذلك لأن ~~الذين كفروا ليس عندهم إلا الحياة الدنيا، فالأعلى لا يؤمنون به، ولكن في ~~مسألة الناس عامة عندما يقول الله عز وجل: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع ~~الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب # [آل عمران: 14] فهو سبحانه يقول للناس: خذوا الحياة على قدرها وزينت ~~يعني حسنت. # فمن الذي حسنها؟ لقد حسنها الله عز وجل. فكيف تنسى الذي حسنها لك، ~~وجعلها تحت تصرفك. كان يجب أن تأخذها وسيلة للإيمان بمن رزقك إياها، ~~وكلما ترى شيئا جميلا في الوجود تقول: " سبحان الله " ، وتزداد إيمانا ~~بالله، أما أن تأخذ المسألة وتعزلها عمن خلقها فذلك هو المقياس النازل. ~~أو أن الله سبحانه وتعالى هو الذي زينها بأن جعل في الناس غرائز تميل إلى ~~ما تعطيه هذه الحياة الدنيا، ونقول: هل أعطى سبحانه الغرائز ولم يعط ~~منهجا لتعلية هذه الغرائز؟ لا، لقد أعطى الغرائز وأعطى المنهج لتعلية ~~الغرائز، فلا تأخذ هذه وتترك تلك. ولذلك يقول الحق: # والباقيات الصالحات خير.. # [الكهف: 46]. والحق عندما يقول: { زين للذين كفروا ~~الحياة الدنيا } [البقرة: 212] هو يفضح من يعتقدون أنه لا حياة ~~بعد هذه الحياة، ونقول لهم: هذا مقياس نازل، وميزان غير دقيق، ودليل على ~~الحمق لأنكم ذهبتم إلى الأدنى وتركتم الأعلى. ومن العجيب أنكم فعلتم ذلك ~~ثم يكون بينكم وبين من اختار الأعلى هذه المفارقات. أنتم في الأدنى ~~وتسخرون من الذين التفتوا إلى الأعلى، إن الحق يقول: { ويسخرون ~~من الذين آمنوا } [البقرة: 212]. لماذا يسخرون منهم. لأن الذين ~~آمنوا ملتزمون، وما دام الإنسان ملتزما فسيعوق نفسه عن حركات الوجود ~~التي ms0638 تأتيه من غير حل، لكن هؤلاء قد انطلقوا بكل قواهم وملكاتهم إلى ما ~~يزين لهم من الحياة. لذلك تجد إنسانا يعيش في مستوى دخله الحلال، ولا ~~يملك إلا حلة واحدة " بدلة " ، وإنسانا آخر يسرق غيره، فتجد الثاني ~~الذي يعيش على أموال غيره حسن المظهر والهندام وعندما يلتقي الإثنان تجد ~~الذي ينهب يسخر من الذي يعيش على الحلال، لماذا؟ لأنه يعتبر نفسه في ~~مقياس أعلى منه، يرى نفسه حسن الهندام و " الشياكة " فيحسم الحق هذه ~~المسألة ويقول: { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ~~} [البقرة: 212]. لماذا يوم القيامة، أليسوا فوقهم الآن؟ إن الحق سبحانه ~~وتعالى يتحدث عن المنظور المرئي للناس لأنهم لا ينظرون إلى الراحة ~~النفسية وهي انسجام ملكات الإنسان حينما يذهب لينام، ولم يجرب على نفسه ~~سقطة دينية ولا سقطة خلقية، ولا يؤذي أحدا، ولا يرتشي، ولا ينم ولا ~~يغتاب، كيف يكون حاله عندما يستعرض أفعال يومه قبل نومه؟ لابد أن يكون في ~~سعادة لا تقدر بمال الدنيا. ولذلك لم يدخل الله هذا الإحساس في المقارنة، ~~وإنما أدخل المسألة التي لا يقدر عليها أحد. { والذين اتقوا ~~فوقهم يوم القيامة } [البقرة: 212]. ولذلك يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين # [المطففين: 29-33]. ثم يقول الحق بعد ذلك: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على ~~الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون # [المطففين: 34-36]. أي هل عرفنا أن نجازيهم؟ نقول: نعم يا رب. خصوصا أن ~~ضحك الآخرة ليس بعده بكاء. { والذين اتقوا فوقهم يوم ~~القيامة } [البقرة: 212] ونلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى خالف الأسلوب ~~في هذه الآية، لقد كان المفروض أن يقول: والذين آمنوا فوقهم. لكنه قال: { ~~والذين اتقوا فوقهم } [البقرة: 212] لأنه قد يؤخذ الإيمان ~~على أنه اسم، فقد شاع عنك أنك مؤمن، فأنت بهذا الوصف لا يكفي لتنال به ~~المرتبة السامية إلا إذا كانت أفعالك تؤدي بك إلى التقوى. ms0639 فلا تقل: " أنا ~~مؤمن " ويقول غيرك: " أنا مؤمن " ، ويصبح المؤمنون مليارا من البشر في ~~العالم، نقول لهؤلاء: أنتم لن تأخذوا الإيمان بالاسم وإنما تأخذون ~~الإيمان بالالتزام بمنهج السماء. ولذلك لم يقل الله: " والذين آمنوا ~~فوقهم يوم القيامة " وإنما قال: { والذين اتقوا فوقهم ~~يوم القيامة } [البقرة: 212] ليعزل الاسم عن الوصف. ويذيل الحق ~~الآية بالقول الكريم: { والله يرزق من يشآء بغير حساب ~~} [البقرة: 212]. ما هو الرزق؟ الرزق عند القوم: هو كل ما ينتفع به فكل ~~شيء تنتفع به هو رزق. وطبقا لهذا التعريف فاللصوص يعتبرون الحرام رزقا، ~~ولكنه رزق حرام. والناس يقصرون كلمة الرزق على شيء واحد يشغل بالهم ~~دائما وهو " المال " نقول لهم: لا، إن الرزق هو كل ما ينتفع به، فكل ~~شيء يكون مجاله الانتفاع يدخل في الرزق: علمك رزق، وخلقك رزق، وجاهك ~~رزق، وكل شيء تنتفع به هو رزق. ساعة تقول: إن كل ذلك رزق تأخذ قول الله: # فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت ~~أيمانهم فهم فيه سوآء.. # [النحل: 71]. كأن الله يريد من خلقه استطراق أرزاقهم على غيرهم، وكل ~~إنسان متميز وتزيد عنده حاجة عليه أن يردها على الناس، لكن الناس لا تفهم ~~الرزق إلا على أنه مال، ولا يفهمون أنه يطلق على كل شيء ينتفعون به. إذا ~~كان الأمر كذلك فما معنى { يرزق من يشآء بغير حساب } ~~[البقرة: 212] كلمة " بغير حساب " لابد أن نفهمها على أن الحساب يقتضي ~~محاسب، ومحاسب، ومحاسب عليه. وعلى هذا يكون " بغير حساب " ممن ~~ولمن وفي ماذا؟ إنه رزق بغير حساب من الله فقد يرزقك الله على قدر سعيك، ~~وربما أكثر، وهو يرزق بغير حساب، لأنه لا توجد سلطة أعلى منه تقول له: ~~لماذا أعطيت فلانا أكثر مما يستحق. وهو يرزق بغير حساب لأن خزائنه لا ~~تنفد. ويرزق بغير حساب لأنه لا يحكمه قانون، وإنما يعطي بطلاقة القدرة. # إنه جل وعلا يعطي للكافر حتى تتعجب أنت وتقول: يعطي الكافر ولا يعطي ~~المؤمن لماذا؟ إذا استطاع أحد أن يحاسبه فليسأل لماذا يفعل ذلك؟ ms0640 إنه يعطي ~~مقابلا للحسنة سبعمائة ضعف بغير حساب. إن الحساب إنما يأتي عندما تأخذ ~~معدودا، فإذا أخذت مثلا مائة من ألف فأنت طرحت معدودا من معدود فلا بد ~~أن ينقص، وعندما تراه ينقص فأنت تخاف من العطاء. لكن الله بخلاف ذلك، إنه ~~يعطي معدودا من غير معدود. إذن ساعة تقرأ " بغير حساب " فقل إن الحساب ~~إن كان واقعا من الله على الغير، فهو لا يعطي على قدر العمل بل يزيد، ~~ولن يحاسب نفسه ولن يحاسبه أحد. # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96]. إذن { يرزق من يشآء بغير حساب } [البقرة: ~~212] تجعل كل إنسان يلزم أدبه إن رأى غيره قد رزق أكثر منه لأنه لا يعلم ~~حكمة الله فيها. وهناك أناس كثيرون عندما يعطيهم الله نعمة يقولون: " ~~ربنا أكرمنا " ، وعندما يسلبهم النعمة يقولون: " ربنا أهاننا " ، وفي ذلك ~~يقول سبحانه وتعالى: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن # [الفجر: 15-16]. كلا. مخطئ أنت يا من اعتبرت النعمة إكراما من الله، ~~وأنت مخطئ أيضا يا من اعتبرت سلب النعمة إهانة من الله إن النعمة لا ~~تكون إكراما من الله إلا إذا وفقك الله في حسن التصرف في هذه النعمة، ~~ولا تكون النعمة إهانة إلا إذا لم يوفقك الله في أداء حق النعمة، وحق ~~النعمة في كل حال يكون بشكر المنعم، وعدم الانشغال بها عمن رزقك إياها. ~~ونحب أن نفهم أيضا أن قول الله سبحانه وتعالى: { والله يرزق ~~من يشآء بغير حساب } [البقرة: 212] ينسحب على معنى آخر، وهو ~~أنه - سبحانه - لا يحب أن تقدر أنت رزقك بحساب حركة عملك فقط فحساب ~~حركة عملك قد يخطئ. مثال ذلك الفلاح الذي يزرع ويقدر رزقه فيما ينتج ~~من الأرض، وربما جاءت آفة تذهب بكل شيء كما نلاحظ ونشاهد، ويصبح رزق ~~الفلاح في ذلك الوقت من مكان آخر لم يدخل في حسابه أبدا. ولهذا فإن على ~~الإنسان أن يعمل في الأسباب، ولكنه لا ms0641 يأخذ حسابا من الأسباب، ويظن أن ~~ذلك هو رزق لأن الرزق قد يأتي من طريق لم يدخل في حسابك ولا في حساباتك، ~~وقال الحق في ذلك: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3]. وبعد ذلك يقول لنا الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى ما ~~يوضح لنا ويبين قضية العقيدة وموكب الرسالات في الأرض، بداية وتسلسلا ~~وتتابعا في رسل متعاقبين، فقال الحق سبحانه: { كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين... ~~}. ### || [2.213] # ولقائل أن يقول: إذا كان الناس أمة واحدة، وقد رتب الله بعث وإرسال ~~النبيين على كونهم أمة واحدة فمن أين إذن جاء الخلاف إلى حياة الناس؟ ~~ونقول: لا بد أن تحمل هذه الآية المجملة على آية أخرى مفصلة في قوله ~~تعالى: # وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ~~ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما ~~فيه يختلفون # [يونس: 19]. لا بد لنا إذن أن نأخذ هذه الآية في ظل آية سورة يونس ~~فالخالق سبحانه وتعالى ساعة يخاطب العقل البشري يريد أن يخاطبه خطابا ~~يوقظ فيه عقله وفكره حتى يستقبل كلام الله بجماع تفكيره، وأن يكون القرآن ~~كله حاضرا في ذهنك، ويخدم بعضه بعضا. { كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين } [البقرة: 213]. فقبل بعث ~~الله النبيين كان الناس أمة واحدة يتبعون آدم، وقد بلغ الحق آدم المنهج ~~بعد أن اجتباه وهداه، وعلم آدم أبناءه منهج الله، فظل الناس من أبنائه ~~على إيمان بعقيدة واحدة، ولم ينشأ عندهم ما يوجب اختلاف أهوائهم، فالعالم ~~كان واسعا، وكانت القلة السكانية فيه هي آدم وأولاده فقط، وكان خير ~~العالم يتسع للموجودين جميعا. إذن لا تطاحن على شيء، ومن يريد شيئا ~~يأخذه، وكانت الملكية مشاعة للجميع لأنه لم تكن هناك ملكية لأحد فمن يريد ~~أن يبني بيتا فله أن يبنيه ولو على عشرين فدانا، ومن يريد أن يأكل ~~فاكهة أو يأخذ ثمرا من أي بستان فله أن يأخذ ما يريد. والمثال على ذلك ~~في حياتنا اليومية، هناك رب ms0642 الأسرة الذي يأتي بعشرين كيلو برتقالا ~~ويتركها أمام أولاده، وكل طفل يريد برتقالة أو أكثر فهو يأخذ ما يريد بلا ~~حرج، لكن لو اشترى رب البيت كيلو برتقالا واحدا فكل طفل يأخذ برتقالة ~~واحدة فقط. إذن: كان الناس أمة واحدة، أي لم توجد الأطماع، ولم يوجد حب ~~الاستئثار بالمنافع مما يجعلهم يختلفون. إذن فأساس الاختلاف هو الطمع في ~~متاع الدنيا، ومن هنا ينشأ الهوى. وكان من المفروض في آدم عليه السلام ~~بعد أن بلغه الله المنهج أن يبلغه لأولاده، وأن يتقبل أبناؤه المنهج، ~~ولكن بعض أولاده تمرد على المنهج، ونشأ حب الاستئثار من ضيق المستأثر ~~والمنتفع به، ومن هنا نشأت الخلافات. ولنا في قصة هابيل وقابيل ما ~~يوضح ذلك: # واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا ~~قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ~~قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من ~~المتقين # [المائدة: 27]. ونعرف أن آدم وحواء هما أصل الوجود، حواء تلد توأمين في ~~كل مرة، وأراد آدم أن يزاوجهم فكيف تكون المزاوجة وهم جميعا أبناؤه ~~وأبناء عصر واحد؟ وكل منهم يعرف أن الذي أمامه هو أخوه. # لقد واجه الشرع تلك المشكلة في ذلك الوقت، واعتبر أن البعد هو بعد ~~البطن، أي أن الذي يولد مع أخيه في بطن واحد فهو أخوه، أما الذي ولد ~~بعده أو قبله فكأنه ليس أخاه، لذلك كان آدم وحواء يبادلان زواج الأبناء ~~حسب ابتعاد البطون، وكان الغرض من هذا التباعد أن تكون المرأة وكأنها ~~أجنبية عن أخيها. روي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما: " أن آدم ~~كان يزوج ذكر كل بطن بأنثى الآخر، وأن هابيل أراد أن يتزوج أخت قابيل ~~وكان أكبر من هابيل وأخت قابيل أحسن فأراد قابيل أن يستأثر بها على أخيه. ~~وأمره آدم عليه السلام أن يزوجه إياها فأبى، فأمرهما أن يقربا قربانا ~~فقرب هابيل جذعة سمينة وكان صاحب غنم، وقرب قابيل حزمة من زرع من رديء ~~زرعه فنزلت نار فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فغضب وقال: ms0643 ~~لأقتلنك حتى لا تنكح أختي، فقال: # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة: 27]. إذن: كان ميلاد أول خلاف بين البشر حينما تنافس اثنان ~~للاستئثار بمنفعة ما، وكان هذا مثالا واضحا لما يمكن أن يحدث عندما ~~تضيق المنافع عن الأطماع. { كان الناس أمة واحدة } [البقرة: ~~213] لكنهم اختلفوا لحظة الاستئثار بالمنافع، وأصبح لكل إنسان هوى. ولو ~~شاء الله أن يجعل منهجه لآدم منهجا دائما إلى أن تقوم الساعة لفعل. ~~لكنه سبحانه برحمته يعلم أنه خلقنا، ويعلم أننا نعقل مرة ونسهو مرة، ~~ونلتزم مرة، ونهمل مرة أخرى، فشاء الله أن يواصل لخلقه مواكب الرسل. ~~ولذلك يأتي قول الحق: { فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين } [البقرة: 213]. ومهمة " التبشير والإنذار " هي أن يتذكر ~~الناس أن هناك جنة ونارا، ولذلك يبشر كل رسول من آمن من قومه بالجنة، ~~وينذر من كفر من هؤلاء القوم بالنار. ويذكرنا الحق سبحانه بأنه أشهدنا ~~على أنفسنا على وحدانيته فقال: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون # [الأعراف: 172-173]. يخبر سبحانه أنه استخرج ذرية آدم من أصلابهم شاهدين ~~على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو كما أنه فطرهم على ~~ذلك. ثم بعد أن أخرجهم إلى الوجود من آدم جاء للخلق الأول وهو آدم وأعطاه ~~المنهج وكانت الأهواء غير موجودة، فظل المنهج مطبقا بين بني آدم. وبعد ~~ذلك تعددت الأهواء، وتعدد الأهواء إنما ينشأ عن الاستئثار بالمنافع، وذلك ~~بسبب الخوف من استئثار الغير، فنشأ حب الذات، ولما كانت المنافع لا تتسع ~~لأطماع الناس فقد استشرى حب الاستئثار والتملك. # ونجد هذه المسألة واضحة حينما تتوافر السلع وتغمر الأسواق. وتستطيع أن ~~تشتري أي سلعة في أي وقت تحب، وتجدها متوافرة، عند ذلك لا توجد أزمة، لكن ~~الأزمة تنشأ عندما تقل الكميات المعروضة من السلع عن حاجة الناس، فيتكالب ms0644 ~~الناس على الاستئثار بها. وهكذا نعرف أن المنافع عندما توجد، وتكون دون ~~الأطماع هنا تتوالد المشكلات. ومن رحمة الحق سبحانه وتعالى بالخلق، ومن ~~تمام علمه سبحانه بضعف البشر أمام أهوائهم وأمام استئثارهم بالمنافع، ~~أرسل الرسل إلى البشر ليبشروا ولينذروا. { وأنزل معهم الكتاب ~~بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما ~~اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جآءتهم ~~البينات } [البقرة: 213] فكأن الحق لم يشأ أن يترك البشر ليختلفوا، ~~وإنما الغفلة من الناس هي التي أوجدت هذا الاختلاف. { من بعد ما ~~جآءتهم البينات بغيا بينهم } [البقرة: 213] ومن هذا ~~القول الحكيم نعرف أن الاختلاف لا ينشأ إلا من إرادة البغي، والبغي هو أن ~~يريد الإنسان أن يأخذ غير حقه. وما دام كل منا يريد أن يأخذ غير حقه فلا ~~بد أن ينشأ البغض. { فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه } [البقرة: 213] أي أن الله ~~يهدي الذين آمنوا من كل قوم بالرسول الذي جاء مبشرا ومنذرا وحاملا ~~منهج الحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه. وبذلك يظل المنهج سائدا ~~إلى أن تمضي فترة طويلة تغفل فيها النفوس، وتبدأ من خلالها المطامع ويحدث ~~النسيان لمنهج الله، وتنشأ الأهواء، فيرسل الله الرسل ليعيدوا الناس إلى ~~المنهج القويم، واستمر هذا الأمر حتى جاءت رسالة الإسلام خاتمة وبعث الله ~~سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم للدنيا كافة، وبذلك ضمن لنا الحق سبحانه ~~وتعالى ألا ينشأ خلاف في الأصل لأننا لو كنا سنختلف في أصل العقيدة لجرى ~~علينا ما جرى على الأمم السابقة. هم اختلفوا فأرسل الله لهم رسلا مبشرين ~~ومنذرين، لكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أراد الحق لها منهجا واضحا ~~يحميها من الاختلاف في أصل العقيدة. وإن اختلف الناس من أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فعليهم أن يسترشدوا بالمنهج الحق المتمثل في القرآن ~~والسنة. ونعرف أن من مميزاته صلى الله عليه وسلم أنه خاتم الأنبياء بحق، ~~ولن تجد في الموكب الرسالي رسولا أوكل له الله أن ينشئ حكما جديدا لم ms0645 ~~ينزل في كتاب الله إلا سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم. لقد أعطى الله ~~سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم التفويض في أن يشرع عن الله في ظل ~~عصمة الله له فقد قال سبحانه: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. إنه أمر واضح للمؤمنين بأن يأتمروا بأمر الرسول الكريم صلى ~~الله عليه وسلم، لأن ما يأمرهم به فيه الصلاح والخير، وأن ينتهوا عما ~~ينهاهم عنه لأنه صلى الله عليه وسلم إنما ينهى عن الأمور التي ليس فيها ~~خير لأمة المسلمين. # ويأمر الحق جل وعلا جماعة المسلمين بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لأنها من طاعة الله، فيقول جل وعلا: # من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ ~~أرسلناك عليهم حفيظا # [النساء: 80]. هكذا نرى أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من طاعة ~~الله، ومن يعرض عن طاعة الله فله العقاب في الآخرة. ويؤكد الحق سبحانه ~~على طاعته وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: # قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله ~~لا يحب الكافرين # [آل عمران: 32]. هكذا نعرف أن طاعة الرحمن تستوجب طاعة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. إذن فقد فوض الله رسوله أن يشرع للبشر. وهو - عليه الصلاة ~~والسلام - ما ينطق عن الهوى. وميزة أخرى لأمة المسلمين هي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ترك لنا حق الاجتهاد في المسائل التي لم يأتي فيها نص ~~من القرآن ولا من السنة، أو ورد فيها نص ولكنه يحتمل أكثر من معنى، ~~ومعنى ذلك أن الحق سبحانه قد أمن أمة محمد عليه الصلاة والسلام بأن تصل ~~بالاجتهاد لما يحسم أي خلاف، وأن أي اختلاف لن يصل إلى الجوهر. فلو علم ~~الله أزلا أننا سوف نختلف اختلافا في صحيح العقيدة لكان قد أرسل لنا ~~رسلا. ونحن نجد كل الاختلافات بين طوائف المسلمين لا تخرج عن إطار فهم ~~نصوص القرآن أو أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل مسلم يريد أن ~~يستقي دليله من الكتاب والسنة. ms0646 ومعنى ذلك أننا لن نترك الأصل، ولكن كل ~~منا يريد أن يأخذ الحكم الصحيح بل إننا نجد أن بعضا من المسلمين الذين ~~لم يجدوا دليلهم من القرآن والسنة قد حاولوا أن يضعوا حديثا ينسبونه إلى ~~رسول الله ليبنوا عليه الحكم الذي يريدونه. وهؤلاء مأواهم النار لأنهم ~~نطقوا بلسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقله الرسول الكريم لقد ~~كذبوا عليه، ومن كذب عليه متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. إذن فكلنا ~~نلتقي حول القرآن والسنة والنبوية، أين المشكلة إذن؟ المشكلة هي أن يكون ~~الناس أذكياء وعلى علم حتى يعرفوا هل المأخوذ من القرآن مقبول أم غير ~~مقبول؟ وهل الأحاديث المستند إليها بمقاييس الجرح والتعديل موجودة أم ~~لا؟ إذن فحصافة الاجتهاد والرأي عند أمة محمد صلى الله عليه وسلم جعلتهم ~~مأمونين على كل شيء في المنهج. وأن الخلاف فيما بينهم لم يصل إلى ما وصلت ~~إليه الأمم السابقة، ولكن عليهم أن ينتهوا ويرتقوا حتى يميزوا الأمور ~~التي تكون من غير معطيات القرآن، ثم يريد قوم أن يحملوها على القرآن. # إن عليهم ألا يفسروا القرآن حسب أهوائهم بل حسب ما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم - حتى يكون هواهم تبعا لما جاء به - وعلينا أن نتنبه إلى ~~أن الله قد أمن أمة محمد صلى الله عليه وسلم على القرآن وعلى رسالة ~~الإسلام، والقرآن ورسالة الإسلام لن يصيبها التغيير أو التحريف، وكل ما ~~هو مطلوب أن يكون المؤمنون أهل دقة وفطنة، فإذا أراد إنسان أن يستغل أية ~~سلطة زمنية أو أن يجيء بحديث موضوع ليروج لباطله فعلى المسلمين أن يكشفوا ~~سوء مقصد هذا الإنسان. فنحن نفهم أن الله شاء بالإسلام حياة القيم، كما ~~شاء بالماء حياة المادة، والماء حتى يظل ماء فلا بد أن يظل بلا طعم ولا ~~لون ولا رائحة، فإذا أردت أن تجعل له طعما خرج عن خاصيته ربما أصبح ~~مشروبا أو عصيرا أو غير ذلك، وقد يحب بعض الناس نوعا من العصير، لكن ~~كل الناس يحبون الماء لأن ms0647 به تصان الحياة، فإذا رأيت دينا قد تلون ~~بجماعة أو بهيئة أو بشكل فاعلم أن ذلك خارج عن نطاق الإسلام. وكل جماعة ~~تريد أن تصبغ دين الله بلون إنما يخرجونه عن طبيعته الأصلية، ولذلك نجد ~~أمتنا في مصر قد صانت علوم الإسلام بالأزهر الشريف وكل عالم من علماء ~~الإسلام في أي بقعة من بقاع الأرض مدين للأزهر الشريف. ونجد أننا نحب آل ~~بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لا نجد عندنا متشيعا واحدا، ~~وفي الوقت نفسه لا نجد واحدا يكره أبا بكر وعمر، وهذا هو الإسلام الذي ~~لا يتلون لأنه إسلام الفطرة. # صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة.. # [البقرة: 138]. فالذين يحاولون في أي زمان من الأزمنة أن يصبغوا الدين ~~بشكل أو بطقوس أو بلون أو برسوم أو هيئة خاصة نقول لهم: أنتم تريدون أن ~~تخرجوا الإسلام عن عموميته الفطرية التي أرادها الله له، ولابد أن تقفوا ~~عند حد الفطرة الإسلامية، ولا تلونوا الإسلام هذا التلوين. وبذلك نحقق ~~قول الله: { فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا ~~فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشآء إلى ~~صراط مستقيم } [البقرة: 213] ونعرف أن الهداية معناها الأمر ~~الموصل للغاية، وحين ترد الهداية من الله سبحانه وتعالى فعلينا أن نفهم ~~أن الهداية من الله ترد على معنيين: المعنى الأول هو الدلالة على الطريق ~~الموصل، والمعنى الثاني هو المعونة. وضربت من قبل المثل بشرطي المرور ~~الذي يدلك على الطريق الموصل إلى الغاية التي تريدها، فإن احترمت كلامه ~~ونفذته فهو يعطي لك شيئا من المعونة، بأن يسير معك أو يوصلك إلى المكان ~~الذي تريد. فما بالنا بالحق سبحانه وتعالى وله المثل الأعلى؟ إنه يهدي ~~الجميع بمعنى يدلهم، فالذين آمنوا به وأحبوه يهديهم هداية أخرى، وهي أن ~~يعينهم على ما أقاموا نفوسهم فيه. # وبعضنا يدخله العجب عندما يسمع قول الحق: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا ~~يكسبون * ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون # [فصلت: 17-18]. بعضنا يتعجب متسائلا: كيف يقول ms0648 سبحانه: إنه هداهم، ثم ~~استحبوا العمى على الهدى؟ ونقول: إن " هداهم " جاءت هنا بمعنى " دلهم " ~~لكنهم استحبوا العمى على الهدى، أما الذين استجابوا لهداية الدلالة ~~وآمنوا فقد أعانهم الله وأنجاهم لأنهم عرفوا تقواه سبحانه. ونحن نسمع بعض ~~الناس يقولون: ما دام الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم فما ذنب الذي لم ~~يهتد؟ نقول: إن الحق يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم أي يبين الطريق إلى ~~الهداية، فمن يأخذ بهداية الدلالة يزده الله بهداية المعونة وييسر له ذلك ~~الأمر. ونحن نعلم أن الله نفى الهداية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في آية، وأثبتها له في آية أخرى برغم أنه فعل واحد لفاعل واحد. قال الحق ~~نافيا الهداية عن الرسول صلى الله عليه وسلم: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56]. والحق يذكر للرسول صلى الله عليه وسلم الهداية في موضع آخر ~~فيقول له: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52]. ومن هنا نفهم أن الهداية نوعان: هداية الدلالة، فهو " ~~يهدي " أي يدل الناس على طريق الخير. وهناك هداية أخرى معنوية، وهي من ~~الله ولا دخل للرسول صلى الله عليه وسلم فيها، وهي هداية المعونة. إذن ~~قوله تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] معناها: أنك تدل على الصراط المستقيم، ولكن الله هو الذي ~~يعين على هذه الهداية. { والله يهدي من يشآء إلى صراط ~~مستقيم } [البقرة: 213] فعلينا أن نستحضر الآيات التي شاء الله أن ~~يهدي فيها مؤمنا وألا يهدي آخر. ويقول الحق - سبحانه -: # والله لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264]. معنى ذلك أن الله لا يهدي إلا الذين آمنوا به. وهدايته ~~للمؤمنين تكون بمعونتهم على الاستمرار في الهداية فالكل قد جاءته هداية ~~الدلالة ولكن الحق يختص المؤمنين بهداية المعونة. والحق يقول في ذلك: # أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان ~~خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار ~~فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم ~~الظالمين # [التوبة: 109]. إن الحق يوضح لنا المقارنة بين الذي يؤسس بنيان حياته ~~على ms0649 تقوى من الله ابتغاء الخير والجنة، وهو الذي جاءته هداية الدلالة ~~فاتبعها، فجاءته هداية المعونة من الله. وبين ذلك الذي يؤسس بنيان حياته ~~على حرف واد متصدع آيل للسقوط فسقط به البنيان في نار جهنم إنه الذي ~~جاءته هداية الدلالة فتجاهلها، فلم تصله هداية المعونة، ذلك هو الظالم ~~المنافق الذي يريد السوء بالمؤمنين. # والحق تبارك وتعالى يقول: # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر ~~لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك ~~بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين # [التوبة: 80]. إن الحق يبلغ رسوله أنه مهما استغفر للمنافقين الذين ~~يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر فلن يغفر الله لهم، لماذا؟ لأن هداية ~~الدلالة قد جاءت لهم فادعوا أنهم مؤمنون بها، ولم تصلهم هداية المعونة ~~لأنهم يكفرون بالله ورسوله، والله لا يهدي مثل هؤلاء القوم الفاسقين ~~الخارجين بقولهم عن منهج الله. وبعد ذلك يقول الحق: { أم حسبتم ~~أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين ~~خلوا من قبلكم... }. ### || [2.214] # أي أظننتم أنكم تدخلون الجنة بدون ابتلاءات تحدث لكم؟ إن الحق سبحانه ~~ينفي هذا الظن ويقول: ليس الأمر كذلك، بل لابد من تحمل تبعات الإيمان، ~~فلو كان الإيمان بالقول لكان الأمر سهلا، ولكن الذي يصعب الإيمان هو ~~العمل، أي حمل النفس على منهج الإيمان. لقد استكبر بعض من الذي عاصروا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم أن يقولوا: " لا إله إلا الله " لأنهم فهموا ~~مطلوبها لأن الأمر لو اقتصر على مجرد كلمة تقال بلا رصيد من عمل يؤيدها، ~~لكان أسهل عليهم أن يقولوها، لكنهم كانوا لا يقولون إلا الكلمة بحقها، ~~ولذلك أيقنوا تماما أنهم لو قالوا: " لا إله إلا الله " لانتهت كل ~~معتقداتهم السابقة، لكنهم لم يقولوها لأنهم أبوا وامتنعوا عن القيام ~~بحقها وأداء مطلوبها. إن الحق يقول: { أم حسبتم أن تدخلوا ~~الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأسآء والضرآء } [البقرة: 214] فما العلاقة ~~بين هذه الآية وما سبق من الآيات؟ لقد كان الحديث عن بني إسرائيل الذين ~~حسبوا أنهم يدخلون ms0650 الجنة بدون أن يبتلوا، وصارت لهم أهواء يحرفون بها ~~المنهج. أما أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعليهم أن يستعدوا ~~للابتلاء، وأن يعرفوا كيف يتحملون الصعاب. ونحن نعرف في النحو أن هناك ~~أدوات نفي وجزم ومن أدوات النفي " لم " و " لما " فعندما نقول: " لم يحضر ~~زيد " فهذا حديث في الماضي، ومن الجائز أن يحضر الآن. ولكن إذا قلت: " ~~لما يحضر زيد " فالنفي مستمر حتى الآن، أي أنه لم يأتي حتى ساعة الكلام ~~لكن حضوره ومجيئه متوقع. ولذلك يقول الحق: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم.. # [الحجرات: 14]. وعندما سمع الأعراب ذلك قالوا: نحمد الله، فما زال هناك ~~أمل أن نؤمن. لقد أراد الله أن يكون الأعراب صادقين مع أنفسهم، وقد نزلت ~~هذه الآية كما يقول بعض المفسرين في قوم من بني أسد، جاءوا إلى المدينة ~~في سنة جدب، وأعلنوا الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: " لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله " ، وكانوا يطلبون الصدقة، ويحاولون أن ~~يمنوا على الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم لم يقاتلوه كما فعل غيرهم، ~~فجاءت هذه الآية لتوضح أن الإيمان درجة أرقى من إظهار الإسلام. لكن ذلك ~~لا يعني أنهم منافقون، ولذلك يوضح القرآن الكريم أن إظهار الإسلام لا ~~يعني الإيمان لأن الإيمان عملية قلبية. لقد أعلنوا الخضوع لله، وأرادوا ~~أن يقوموا بأعمال المسلمين نفسها لكن ليس هذا هو كل الإيمان. # وهم قالوا: " آمنا " فقال الحق لهم: لا لم تؤمنوا وكونوا صادقين مع ~~أنفسكم فالإيمان عملية قلبية، ولا يقال إنك آمنت لأنها مسألة في قلبك، ~~ولكن قل أسلمت، أي خضعت وفعلت مثلما يفعل المؤمنون، فهل فعلت ذلك عن ~~إيمان أو غير إيمان، إن ذلك هو موضوع آخر. هنا تقول الآية: { أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم } [البقرة: 214] أي لا يمكن أن تدخلوا ~~الجنة إلا إذا جاءكم من الابتلاء مثل من سبقكم من الأمم ولا بد أن ~~تفتنوا وأن ms0651 تمحصوا ببأساء وضراء، ومن يثبت بعد ذلك فهو يستحق أن يدخل ~~الجنة، فلا تظنوا أنكم أمة متميزة عن غيركم في أمر الاختبار، فأنتم لن ~~تدخلوا الجنة بلا ابتلاء، بل على العكس سيكون لكم الابتلاء على قدر ~~النعماء. أنتم ستأخذون مكانة عالية في الأمم ولذلك لا بد أن يكون ~~ابتلاؤكم على قدر مكانتكم، فإن كنتم ذوي مكانة عالية وستحملون الرسالة ~~الخاتمة وتنساحون في الدنيا فلا بد أن يكون ابتلاؤكم على قدر عظمة ~~مسئوليتكم ومهمتكم. { ولما يأتكم مثل الذين خلوا من ~~قبلكم مستهم البأسآء والضرآء وزلزلوا } ~~[البقرة: 214] إن قول الله: " ولما " يفيد بأن ما حدث للذين من قبلهم من ~~ابتلاء عليهم سيقع على المؤمنين مثله. وعندما نتأمل قوله الحق: " وزلزلوا ~~" فأنت تكتشف خاصية فريدة في اللغة العربية، هذه الخاصية هي تعبير الصوت ~~عن واقعية الحركة، فكلمة " زلزلوا " أصلها زلزلة، وهذه الكلمة لها مقطعان ~~هما " زل، زل ". و " زل ": أي سقط عن مكانه، أو وقع من مكانه، والثانية ~~لها المعنى نفسه أيضا، أي وقع من مكانه، فالكلمة تعطينا معنى الوقوع ~~المتكرر: وقوع أول، ووقوع ثان، والوقوع الثاني ليس امتدادا للوقوع ~~الأول ولكنه في اتجاه معاكس، فلو كانت في اتجاه واحد لجاءت رتيبة، إن ~~الزلة الثانية تأتي عكس الزلة الأولى في الاتجاه، فكأنها سقوط جهة اليمين ~~مرة، وجهة الشمال مرة أخرى. ومثل ذلك " الخلخلة " أي حركة في اتجاهين ~~معاكسين " خل " الأولى جهة اليمين، و " خل " الثانية جهة اليسار، ~~وبهذا تستمر الخلخلة. وهكذا " الزلزلة " تحمل داخلها تغير الاتجاه الذي ~~يسمى في الحركة بالقصور الذاتي. والمثال على ذلك هو ما يحدث للإنسان ~~عندما يكون راكبا سيارة، وبعد ذلك يأتي قائد السيارة فيعوقها بالكابح " ~~الفرامل " بقوة، عندئذ يندفع الراكب للأمام مرة، ثم للخلف مرة أخرى، ~~وربما تكسر زجاج السيارة الأمامي حسب قوة الاندفاع ما الذي تسبب في هذا ~~الاندفاع؟ إن السبب هو أن جسم الراكب كان مهيأ لأن يسير للأمام والسائق ~~أوقف السيارة والراكب لا يزال مهيأ للسير للأمام، فهو يرتج، وقد يصطدم ~~بأجزاء السيارة الداخلية عند ms0652 وقوفها فجأة. # وعملية " الزلزلة " مثل ذلك تماما، ففيها يصاب الشيء بالارتجاج للأمام ~~والخلف، أو لليمين واليسار، وفي أي جهتين متعاكستين. و " وزلزلوا " يعني ~~أصابتهم الفاجعة الكبرى، الملهية، المتكررة، وهي لا تتكرر على نمط واحد، ~~إنما يتعدد تكرارها، فمرة يأخذها الإيمان، ثم تأخذها المصائب والأحداث، ~~وتتكرر المسألة حتى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه: { ~~متى نصر الله } [البقرة: 214]؟ ويأتي بعده القول: { ألا إن ~~نصر الله قريب } [البقرة: 214] فهل يتساءلون أولا، ثم يثوبون ~~إلى رشدهم ويردون على أنفسهم { ألا إن نصر الله قريب } ~~[البقرة: 214] أم أن ذلك إيضاح بأن المسألة تتأرجح بين { متى نصر ~~الله } [البقرة: 214] وبين { ألا إن نصر الله قريب } ~~[البقرة: 214]؟. لقد بلغ الموقف في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الاختيار والابتلاء إلى القمة، ومع ذلك واصل الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والذين معه الاستمساك بالإيمان. لقد مستهم البأساء والضراء وزلزلوا، أي ~~أصابتهم رجفة عنيفة هزتهم، حتى وصل الأمر من أثر هذه الهزة أن { يقول ~~الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا ~~إن نصر الله قريب } [البقرة: 214]. إن مجيء الأسلوب بهذا ~~الشكل { متى نصر الله } [البقرة: 214] يعني استبطاء مجيء النصر ~~أولا، ثم التبشير من بعد ذلك في قوله الحق: { ألا إن نصر ~~الله قريب } [البقرة: 214]. ولم يكن ذلك للشك والارتياب فيه. وهذا ~~الاستبطاء، ثم التبشير كان من ضمن الزلزلة الكبيرة، فقد اختلطت الأفكار: ~~أناس يقولون: { متى نصر الله } [البقرة: 214] فإذا بصوت آخر من ~~المعركة يرد عليهم قائلا: { ألا إن نصر الله قريب } ~~[البقرة: 214]. وسياق الآية يقتضي أن الذين قالوا: { متى نصر ~~الله } [البقرة: 214] هم الصحابة، وأن الذي قال: { ألا إن نصر ~~الله قريب } [البقرة: 214] هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ~~ينتقل الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك إلى قضية أخرى، هذه القضية شاعت في هذه ~~الصورة وهي ظاهرة سؤال المؤمنين عن الأشياء، وهي ظاهرة إيمانية صحية، ~~وكان في استطاعة المؤمنين ألا يسألوا عن أشياء لم يأتي فيها تكليف إيماني ~~خوفا من أن ms0653 يكون في الإجابة عنها تقييد للحركة، ولذلك قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء ~~فدعوه ". # ورغم ذلك كانوا يسألون عن أدق تفاصيل الحياة، وكانت هذه الظاهرة تؤكد ~~أنهم عشقوا التكليف من الله فهم يريدون أن يبنوا كل تصرفاتهم بناء ~~إسلاميا، ويريدون أن يسألوا عن حكم الإسلام في كل عمل ليعملوا على ~~أساسه. يقول الحق سبحانه وتعالى: { يسألونك ماذا ينفقون... ~~}. ### || [2.215] # والسؤال ورد من عمرو بن الجموح وكان شيخا كبيرا فقال: يا رسول الله، ~~إن مالي كثير فبماذا أتصدق، وعلى من أنفق؟ ولم يكن يسأل لنفسه فقط، بل ~~كان يترجم عن مشاعر غيره أيضا، ولذلك جاءت الإجابة عامة لا تخص السائل ~~وحده ولكنها تشمل كل المؤمنين. والسؤال عن " ماذا ينفقون " فكأن الشيء ~~المنفق هو الذي يسألون عنه، والإنفاق - كما نعرف - يتطلب فاعلا هو ~~المنفق والشيء المنفق - هو المال - ومنفقا عليه. وهم قد سألوا عن ~~ماذا ينفقون، فكأن أمر الإنفاق أمر مسلم به، لكنهم يريدون أن يعرفوا ~~ماذا ينفقون؟ فيأتي السؤال على هذه الوجه ويجيء الجواب حاملا الإجابة عن ~~ذلك الوجه وعن أمر زائد. يقول الحق: { يسألونك ماذا ينفقون ~~} [البقرة: 215] هذا هو السؤال، والجواب { قل مآ أنفقتم من ~~خير فللوالدين } [البقرة: 215]. إن الظاهر السطحي يظن أن ~~السؤال هو فقط عن ماذا ينفقون؟ وأن الجواب جاء عن المنفق عليه. نقول: لا، ~~لماذا نسيت قوله الحق: إن الإنفاق يجب أن يكون من " خير " فالمال المنفق ~~منه لا بد أن يتصف بأنه جاء من مصدر خير. وبعد ذلك زاد وبين أنه: ما ~~دمتم تعتقدون أن الإنفاق واجب، فعليكم أن تعلموا ما هو الشيء الذي ~~تنفقونه، ومن الذي يستحق أن ينفق عليه. { قل مآ أنفقتم ~~من خير } [البقرة: 215]. والخير هو الشيء الحسن النافع. والمنفق ~~عليه هو دوائر الذي ينفق لأن الله يريد أن يحمل المؤمن دوائره ~~الخاصة، حتى تلتحم الدوائر مع بعضها ms0654 فيكون قد حمل المجتمع على كل ~~المجتمع، لأنه سبحانه حين يحملني أسرتي ووالدي والأقربين، فهذه صيانة ~~للأهل، وكل واحد منا له والدان وأقربون، ودائرتي أنا تشمل والدي ~~وأقاربي، ثم تشيع في أمر آخر في اليتامى والمساكين. وهات كل واحد واحسب ~~دوائره من الوالدين والأقربين وما يكون حوله من اليتامى والمساكين، فستجد ~~الدوائر المتماسكة قد شملت كل المحتاجين، ويكون المجتمع قد حمل بعضه ~~بعضا، ولا يوجد بعد ذلك إلا العاجز عن العمل. وعرفنا أن السائل هو " ~~عمرو بن الجموح " ، وكانت له قصة عجيبة كان أعرج، والأعرج معذور من الله ~~في الجهاد، فليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج. # " وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرج في غزوة، فجاءه عمرو بن ~~الجموح وقال: يا رسول الله لا تحرمني من الجهاد، فإن أبنائي يحرمونني من ~~الخروج لعرجتي. قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد عذرك فيمن ~~عذر. قال: ولكني يا رسول الله أحب أن أطأ بعرجتي الجنة ". # هذا هو من سأل عن ماذا ينفقون، فجاءت الإجابة من الحق: { قل مآ ~~أنفقتم من خير } [البقرة: 215] أي ما أخرجتم من مال لأن ~~الإنفاق يعني الإخراج، والخير هنا هو المال، والإنفاق يقتضي إخراج المال ~~عن ملكية الإنسان ببيع أو هبة أو صلة، وأصل كلمة " الإنفاق " مأخوذ من " ~~نفقت السوق " أي راجت لأن السوق تقوم على البضاعة، وحين تأتي إلى السوق ~~ولا تجد سلعا فذلك يعني أن السوق رائجة، ولكن عندما تجد البضائع مكدسة ~~بالسوق فذلك يعني أن السوق لازالت قائمة. إذن فمعنى " نفقت السوق " أي ~~ذهبت كل البضائع كما تذهب الحياة من الدابة، فعندما نقول: نفقت الدابة، ~~أي ماتت. وأوجه الإنفاق بينها - سبحانه - في قوله: { فللوالدين ~~والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل } ~~[البقرة: 215]. فهل كل يتيم محتاج؟ ربما يكون اليتيم قد ورث المال لكن ~~علينا أن نفهم أن المسألة ليست هي سد حاجة محتاج فقط، ولكنها الوقوف ~~بجانب ضعيف في أي زاوية من زوايا الضعف لأن الطفل عندما ms0655 يكون يتيما ~~ولديه مال، ثم يراك تعطف عليه فهو يشعر أن أباه لم يمت لأن أبوته باقية ~~في إخوانه المؤمنين، وبعد ذلك لا يشب على الحسد لأولاد آباؤهم موجودون، ~~لكن حين يرى اليتيم كل أب مشغولا بأبنائه عن أيتام مات أبوهم، هنا يظهر ~~فيه الحقد، وتتربى فيه غريزة الاعتراض على القدر، فيقول " لماذا أكون أنا ~~الذي مات والدي؟ " ، ولكن حين يرى الناس جميعا آباءه، ويصلونه بالبسمة ~~والود والترحاب والمعونة فلسوف يشعر أن من له أب واحد يتركه الناس ~~اعتمادا على وجود أبيه، لكن حينما يموت أبوه فإن الناس تلتفت إليه ~~بالمودة والمحبة، ويترتب على ذلك أن تشيع المحبة في المجتمع الإسلامي ~~والألفة والرضا بقدر الله، ولا يعترض أحد على وفاة أبيه، فإن كان القدر ~~قد أخذ أباه فقد ترك له آباء متعددين. ولو علم الذين يرفضون المودة ~~والعطف على اليتيم لأن والده ترك له ما يكفيه، لو علموا ما يترتب على هذا ~~التعاطف من نفع معنوي لتنافسوا على التعاطف معه فليست المسألة مسألة حاجة ~~مادية، وإنما هي حاجة معنوية. وأنا أقول دائما: يجب أن نربي في الناشئة ~~أن الله لا يأخذ أحدا من خلقه وفي الأرض حاجة إليه وارقبوا هذا الأمر ~~فيمن حولكم تجدوا واحدا وقد توفي وترك أولادا صغارا فيحزن أهله ~~ومعارفه لأنه ترك أولاده صغارا، وينسون الأمر من بعد ذلك، وتمر فترة من ~~الزمن ويفاجأ الناس بأن أولاد ذلك الرجل قد صاروا سادة الحي، وكأن والدهم ~~كان محبسا على رزقهم، فحينما انتهى الأب فتح الله على الأبناء صنابير ~~الرزق، وذلك حتى لا يفتن إنسان في سبب. # وبعد الإنفاق على اليتامى نجد الإنفاق على المساكين وابن السبيل، وقد ~~عرفنا أن المسكين هو المحتاج وابن السبيل، هو المنقطع عن أهله وماله. ~~ويختم الحق هذه الآية بقوله: { وما تفعلوا من خير فإن ~~الله به عليم } [البقرة: 215]. إن الله يريد أن يرد الطبع البشري ~~إلى قضية هي: إياك أن تطلب جزاء الخير الذي تفعله مع هؤلاء من أحد من ~~الخلق، ولكن اطلبه ms0656 من الله، وإياك أن تحاول أن يعلم الناس عنك أنك ~~منفق على الأقارب واليتامى وابن السبيل لأن الذين تريدهم أن يعلموا لا ~~يقدرون لك على جزاء، وعلمهم لن يزيدك شيئا، وحسبك أن يعلم الله الذي ~~أعطاك، والذي أعطيت مما استخلفك فيه ابتغاء مرضاته. فحين ينفق الناس ~~لمرضاة الناس، يلقون من بعد ذلك النكران والجحود فيكون من أعطى قد خسر ما ~~أنفق، واستبقى الشر ممن أنفق عليهم. ولو أن الإنسان المسلم قصد بالإنفاق ~~وعمل الخير مرضاة الخالق الأعلى عز وجل لاستبقى ما أنفق من حسنات وثواب ~~ليوم القيامة، ولسخر الله له قلوب من تصدق عليهم بالمحبة والوفاء ~~بالمعروف، وهذه عدالة من الله تتجلى في أنه يفعل مع المرائين ذلك لأنهم ~~يعطون وفي بالهم أنهم أعطوا له، ولو أعطوا الله لما أنكر الآخذ جميل ~~العطاء. أنت أعطيته لمرضاته هو، فكأن الله يقول لك: سأتركك له ليجازيك ~~ولهذا كان المتصدق في السر من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل ~~إلا ظله فمنهم: # ".. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " # وهذا هو الأفضل في صدقة التطوع، وأما الزكاة الواجبة فإعلانها أفضل، ~~وكذلك الحال بالنسبة للصلاة فالفريضة تكون إعلانها أفضل، والنافلة يكون ~~سرها أفضل. لكن لو عملت وفي بالك الله فستجد أثر العطاء وفي وفاء من أخذ. ~~فإياكم أن تحاولوا ولو من طرف خفي أن يعلم الناس أنكم تفعلون الخير. ~~وبعد ذلك يرجع الحق إلى قضية سبق أن عالجها في قوله تعالى: # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه # [البقرة: 191] يرجع الحق إلى القتال فيتكلم عن المبدأ العام في القتال ~~فيقول: { كتب عليكم القتال وهو كره لكم... }. ### || [2.216] # إن كراهية القتال هي قضية فطرية يقولها الذي خلق الإنسان فهو سبحانه لا ~~يعالج الأمر علاجا سوفسطائيا، بمعنى أن يقول: وماذا في القتال؟ لا، إن ~~الخالق يقول: أعلم أن القتال مكروه. وحتى إذا ما أصابك فيه ما تكره فأنت ~~قد علمت أن الذي شرعه يقدر ذلك. ولو لم يقل ms0657 الحق إن القتال كره: لفهم ~~الناس أن الله يصور لهم الأمر العسير يسيرا. إن الله عز وجل يقول للذين ~~آمنوا: اعلموا أنكم مقبلون على مشقات، وعلى متاعب، وعلى أن تتركوا ~~أموالكم، وعلى أن تتركوا لذتكم وتمتعكم. ولذلك نجد كبار الساسة الذين ~~برعوا في السياسة ونجحوا في قيادة مجتمعاتهم كانوا لا يحبون لشعوبهم أن ~~تخوض المعارك إلا مضطرين، فإذا ما اضطروا فهم يوضحون لجندهم أنهم يدرأون ~~بالقتال ما هو أكثر شرا من القتال، ومعنى ذلك أنهم يعبئون النفس ~~الإنسانية حتى تواجه الموقف بجماع قواها، وبجميع ملكاتها، وكل إرادتها. ~~والحق سبحانه وتعالى يقول: { كتب عليكم القتال وهو كره ~~لكم } [البقرة: 216] إنه سبحانه يقول لنا: أعلم أن القتال كره لكم ~~ولكن أردت أن أشيع فيكم قضية، هذه القضية هي ألا تحكموا في القضايا ~~الكبيرة في حدود علمكم لأن علمكم دائما ناقص، بل خذوا القضايا من خلال ~~علمي أنا لأنني قد أشرع مكروها، ولكن يأتي منه الخير. وقد ترون حبا ~~في شيء ويأتي منه الشر. ولذلك ينبهنا الحق إلى أن كثيرا من الأمور ~~المحبوبة عندنا يأتي منها الشر، فيقول الواحد منا: " كنت أتوقع الخير من ~~هذا الأمر، لكن الشر هو ما جاءني منه ". وهناك أمور أخرى نظن أن الشر ~~يأتي منها، لكنها تأتي بالخير. ولذلك يترك الحق فلتات في المجتمع حتى ~~يتأكد الناس أن الله سبحانه وتعالى لا يجري أمور الخير على مقتضيات ~~ومقاييس علم العباد، إنما يجري الحكم على مقتضى ومقاييس علم رب العباد. ~~ولننظر إلى ما رواه الحق مثلا للناس على ذلك: # وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع ~~البحرين أو أمضي حقبا * فلما بلغا مجمع ~~بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر ~~سربا * فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غدآءنا لقد ~~لقينا من سفرنا هذا نصبا * قال أرأيت إذ ~~أوينآ إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ومآ ~~أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله ~~في البحر عجبا * قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا ~~على آثارهما قصصا # [الكهف: 60-64]. إن موسى عليه ms0658 السلام يسير مع فتاه إلى مجمع البحرين، ~~ويقال: إنه ملتقى بحرين في جهة المشرق، وكان معهما طعام هو حوت مملوح ~~يأكلان منه، لكن السفر والمشقة أنساهما الحوت وانطلق الحوت بآية من آيات ~~الله إلى البحر، وعندما وصل موسى إلى مجمع البحرين طلب من فتاه أن يأتي ~~بالطعام بعد طول التعب، لكن الفتى يقول لموسى: إنه نسي الحوت، ولم ينسه ~~إياه إلا الشيطان. # وإن الحوت اتخذ طريقه إلى البحر، فقال موسى: إن هذا ما كنا نطلبه علامة ~~على وصولنا إلى غايتنا وهي مجمع البحرين، أي أمر الحوت وفقده هو الذي ~~نطلب، فإن الرجل الذي جئنا من أجله هناك في هذا المكان، وارتد موسى ~~والغلام على آثارهما مرة أخرى. فما الذي يحدث؟ يلتقي موسى عليه السلام ~~بالعبد الصالح الخضر، وهو ولي من أولياء الله، علمه الله العلم الرباني ~~الذي يهبه الله لعباده المتقين كثمرة للإخلاص والتقوى. ويطلب موسى عليه ~~السلام من العبد الرباني سيدنا الخضر عليه السلام أن يتعلم منه بعض ~~الرشد. لكن العبد الرباني الذي وهبه الله من العلم ما يفوق استيعاب ~~القدرة البشرية يقول لموسى عليه السلام: # قال إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر ~~على ما لم تحط به خبرا # [الكهف: 67-68]. لقد كان موسى على علم سابق بأن ضياع الحوت هو مسألة في ~~ظاهرها شر لكن في باطنها خير لأن ذلك هو السبيل والعلامة التي يعرف بها ~~موسى كيف يلتقي بالعبد الصالح. ويستمر السياق نفسه في قصة موسى والعبد ~~الصالح، قصة ظاهرها الشر وباطنها الخير، سواء في قصة السفينة التي خرقها ~~أو الغلام الذي قتله، أو الجدار الذي أقامه. لقد كان علم العبد الصالح ~~علما ربانيا، لذلك أراد موسى أن يتعلم بعضا من هذا العلم لكن العبد ~~الصالح ينبه موسى عليه السلام أن ما قد يراه هو فوق طاقة الصبر لأن الذي ~~قد يراه موسى من أفعال إنما قد يرى فيها شرا ظاهرا، لكن في باطنها كل ~~الخير. وقبل موسى عليه السلام أن يقف موقف المتعلم بأدب مع ms0659 العالم الذي ~~وهبه الله العلم الرباني. ويشترط العبد الرباني على موسى ألا يسأل إلا ~~بعد أن يحدثه العبد الرباني عن الأسباب. ويلتقي موسى والعبد الرباني ~~بسفينة فيصعدان عليها، ويخرق العبد الرباني السفينة، فيقول موسى: # أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا # [الكهف: 71]. فيرد العبد الصالح: # ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا # [الكهف: 72]. ويتذكر موسى أنه وعد العبد الصالح بالصبر، لكن ما الذي ~~يفعله موسى وقد وجد العبد الصالح يخرق سفينة تحملهم في البحر؟ إنه أمر ~~شاق على النفس. ولذلك يقول موسى: # لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا # [الكهف: 73]. إن موسى يعود إلى وعده للعبد الصالح، ويطلب منه فقط ألا ~~يكلفه بأمور تفوق قدرته. وينطلق العبد الصالح ومعه موسى عليه السلام، ~~فيجد العبد الصالح غلاما فيقتله، فيقول موسى: # أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا ~~نكرا # [الكهف: 74]. ويذكر العبد الصالح موسى أنه لن يستطيع الصبر معه، ويعتذر ~~موسى عما لا يعلم. ويمر العبد الصالح ومعه موسى بقرية فطلبا من أهل ~~القرية الضيافة، لكن أهل القرية يرفضون الضيافة، ويجد العبد الصالح ~~جدارا مائلا يكاد يسقط فيبدأ في بنائه، فيقول موسى: # لو شئت لتخذت عليه أجرا # [الكهف: 77]. ويكون الفراق بين العبد الصالح وموسى. ويخبر العبد الصالح ~~موسى بما لم يعلمه ولم يصبر عليه. إن خرق السفينة كان لإنقاذ أصحابها من ~~اغتصابها منهم لأن هناك ملكا كان يأخذ كل سفينة صالحة غصبا، فأراد أن ~~يعيبها ليتركها الملك لهؤلاء المساكين. وقتل الغلام كان رحمة بأبويه ~~المؤمنين، كان هذا الابن سيجلب لهما الطغيان والكفر، وأراد الله أن ~~يبدلهما خيرا منه. وأن الجدار الذي أقامه كان فوق كنز، وكان ~~ليتيمين من هذه القرية وكان والد الغلامين صالحا، لذلك كان لابد من ~~إعادة بناء الجدار حتى يبلغ الغلامان أشدهما ويستخرجا الكنز ويقول العبد ~~الصالح عن كل هذه الأعمال: واقرأ قول الله سبحانه وتعالى: # وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع ~~عليه صبرا # [الكهف: 82]. إن العبد الصالح لا ينسب هذا العمل الرباني ms0660 لنفسه، ولكن ~~ينسبه إلى الخالق الذي علمه. إذن فالحق يطلق بعضا من قضايا الكون حتى لا ~~يظن الإنسان أن الخير دائما فيما يحب، وأن الشر فيما يكره، ولذلك يقول ~~سبحانه: { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ~~وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } [البقرة: 216] ~~فإن كان القتال كرها لكم، فلعل فيه خيرا لكم. وبمناسبة ذكر الكره نوضح ~~أن هناك " كره " و " كره ". إن " الكره " بفتح الكاف: هو الشيء ~~المكروه الذي تحمل وتكره على فعله، أما " الكره " بضم الكاف فهو ~~الشيء الشاق. وقد يكون الشيء مكروها وهو غير شاق، وقد يكون شاقا ولكن ~~غير مكروه. والحق يقول: { كتب عليكم القتال وهو كره ~~لكم } [البقرة: 216]. ولنلاحظ أن الحق دائما حينما يشرع فهو يقول: " ~~كتب " ولا يقول: " كتبت " ذلك حتى نفهم أن الله لن يشرع إلا لمن ~~آمن به فهو سبحانه لم يكتب على الكافرين أي تكاليف، وهل يكون من المنطقي ~~أن يكلف الله من آمن به ويترك الكافر بلا تكليف؟ نعم، إنه أمر منطقي ~~لأن التكليف خير، وقد ينظر بعض الناس إلى التكليف من زاوية أنه مقيد، ~~نقول لهم: لو كان التكليف الإيماني يقيد لكلف الله به الكافر، ولكن الله ~~لا يكلف إلا من يحبه، إنه سبحانه لا يأمر إلا بالخير، ثم إن الله لا ~~يكلف إلا من آمن به لأن العبد المؤمن مع ربه في عقد الإيمان. إذن فالله ~~حين يقول: " كتب " فمعنى ذلك أنه سبحانه يقصد أنه لم يقتحم على أحد حركة ~~اختياره الموهوبة له، والله سبحانه وتعالى قد ترك للناس حرية الاختيار في ~~أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا. # ومن آمن عن اختيار وطواعية فقد دخل مع الله في عقد إيمان، وبمقتضى هذا ~~العقد كتب الله عليه التكاليف. ومن هذه التكاليف القتال، فقال سبحانه: { ~~كتب عليكم القتال } [البقرة: 216]. وقوله: " عليكم " يعني أن ~~القتال ساعة يكتب لا يبدو من ظاهر أمره إلا المشقة، فجاءت " عليكم " ~~لتناسب الأمر. وبعد انتهاء القتال إذا انتصرنا فنحن نأخذ الغنائم، وإذا ~~انهزمنا واستشهدنا فلنا الجنة. ms0661 ويعبر الحق عن ظاهر الأمر في القتال فيقول ~~عنه: { وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } ~~[البقرة: 216]. إنها قضية عامة كما قلنا. لذلك فعلينا أن نرد الأمر إلى ~~من يعلمه، { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } [البقرة: ~~216] فكل أمر علينا أن نرده إلى حكمة الله الذي أجراه لأنه هو الذي ~~يعلم. وهناك قصة من التراث الإنساني تحكي قضية رجل من الصين، وكان الرجل ~~يملك مكانا متسعا وفيه خيل كثيرة، وكان من ضمن الخيل حصان يحبه. وحدث أن ~~هام ذلك الحصان في المراعي ولم يعد، فحزن عليه، فجاء الناس ليعزوه في ~~فقد الحصان، فابتسم وقال لهم: ومن أدراكم أن ذلك شر لتعزوني فيه؟ وبعد ~~مدة فوجئ الرجل بالجواد ومعه قطيع من الجياد يجره خلفه، فلما رأى الناس ~~ذلك جاءوا ليهنئوه، فقال لهم: وما أدراكم أن ذلك خير، فسكت الناس عن ~~التهنئة. وبعد ذلك جاء ابنه ليركب الجواد فانطلق به، وسقط الولد من فوق ~~الحصان فانكسرت ساقه، فجاء الناس مرة أخرى ليواسوا الرجل فقال لهم: ومن ~~أدراكم أن ذلك شر؟ وبعد ذلك قامت حرب فجمعت الحكومة كل شباب البلدة ~~ليقاتلوا العدو، وتركوا هذا الابن لأن ساقه مكسورة، فجاءوا يهنئونه، فقال ~~لهم: ومن أدراكم أن ذلك خير؟ فعلينا ألا نأخذ كل قضية بظاهرها، إن كانت ~~خيرا أو شرا، لكن علينا أن نأخذ كل قضية من قضايا الحياة في ضوء قول ~~الحق: # لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ ~~آتاكم.. # [الحديد: 23]. والحق هو القائل: { والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون } [البقرة: 216]. ولله المثل الأعلى، سبق لنا أن ضربنا المثل ~~من قبل بالرجل الحنون الذي يحب ولده الوحيد ويرجو بقاءه في الدنيا، لذلك ~~عندما يمرض الابن فالأب يعطيه الدواء المر، وساعة يعطيه الجرعة فالابن ~~يكره الدواء ولكنه خير له. وبعد ذلك يتحدث الحق سبحانه وتعالى عن سؤال ~~آخر يقول فيه: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال ~~فيه... }. ### || [2.217] # والسؤال هنا ليس عن الشهر الحرام لأنه كان معروفا ms0662 عندهم من أيام ~~الجاهلية ولكن السؤال عن القتال في الشهر الحرام، فما جدوى السؤال إذن؟ ~~إنه سؤال استفزازي، والمسألة لها قصة. ونعرف أن للسنة اثني عشر شهرا، ~~وقد جعل الله فيها أربعة أشهر حرم: شهر واحد فرد وهو رجب، وثلاثة سرد، ~~وهي ذو القعدة وذو الحجة، والمحرم. ومعنى أشهر حرم أي أن القتال محرم ~~فيها. لقد علم الله كبرياء الخلق على الخلق، لذلك جعل الله لخلقه ساترا ~~يحمي كبرياءهم، ومن هذه السنن التي سنها الله هي حرمة القتال في الأشهر ~~الحرم، والأماكن الحرم، فيجوز أن الحرب تضر المحارب، لكن كبرياءه أمام ~~عدوه يمنعه من وقف القتال، فيستمر في الحرب مهما كان الثمن، فيأتي الحق ~~سبحانه وتعالى ويقول للمتحاربين: ارفعوا أيديكم في هذه الشهور لأني حرمت ~~فيها القتال. وربما كان المحاربون أنفسهم يتمنون من أعماقهم أن يتدخل أحد ~~ليوقف الحرب، ولكن كبرياءهم يمنعهم من التراجع، وعندما يتدخل حكم السماء ~~سيجد كل من الطرفين حجة ليتراجع مع حفاظه على ماء الوجه. وكذلك جعل الله ~~أماكن محرمة، يحرم فيها القتال حتى يقول الناس إن الله هو الذي حرمها، ~~وتكون لهم ستارا يحمي كبرياءهم. إذن، فالحق سبحانه وتعالى الذي خلق ~~الإنسان أراد أن يصون الإنسان حتى يحقن الدماء، فإذا ظل الناس ثلاثة أشهر ~~بلا حرب، ثم شهرا آخر، فنعموا في هذه الفترة بالسلام والراحة والهدوء، ~~فربما يألفون السلام، ولا يفكرون في الحرب مرة أخرى، لكن لو استمرت الحرب ~~بلا توقف لظل سعار الحرب في نفوسهم، وهذه هي ميزة الأشهر الحرم. ~~والأشهر الحرم حرم في الزمان والمكان لأن الزمان والمكان هما ظرف ~~الأحداث، فكل حدث يحتاج زمانا ومكانا. وعندما يحرم الزمان ويحرم ~~المكان فكل من طرفي القتال يأخذ فرصة للهدوء. إن الحق سبحانه وتعالى يعرض ~~هنا قضية أراد بها خصوم الإسلام من كفار قريش واليهود أن يثيروها فقد كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل بعض السرايا للاستطلاع، والسرية هي ~~عدد محدود من المقاتلين، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسل سرية ~~على ms0663 رأسها عبد الله بن جحش الأسدي ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأرسل معه ثمانية أفراد، وجعله أميرا عليهم، وأعطاه كتابا وأمره ألا ~~يفتحه إلا بعد مسيرة يومين، وذلك حتى لا يعلم أحد أين تذهب السرية، وفي ~~ذلك احتياط في إخفاء الخبر. فلما سارت السرية ليلتين فتح عبد الله الكتاب ~~وقرأه فإذا به: اذهب إلى " بطن نخلة " وهو مكان بين مكة والطائف واستطلع ~~عير قريش، ولا تكره أحدا ممن معك على أن يسير مرغما، بمعنى أن يكون ~~لكل فرد في السرية حرية الحركة، فمن يفضل عدم السير فله هذا الحق. # وبينما هم في الطريق ضل بعير لسعد بن أبي وقاص وعقبة بن غزوان، وذهبا ~~يبحثان عن البعير، وبقي ستة مقاتلين مع عبد الله، وذهب الستة إلى " بطن ~~نخلة " فوجدوا " عمرو بن الحضرمي " ومعه ثلاثة على عير لقريش، فدخلوا ~~معهم في معركة، وكان هذا اليوم في ظنهم هو آخر جمادى الآخرة، لكن تبين ~~لهم فيما بعد أنه أول رجب أي أنه أحد أيام شهر حرام. وقتل المسلمون ابن ~~الحضرمي، قتله واقد بن عبد الله من أصحاب عبد الله ابن جحش، وأسروا اثنين ~~ممن معه، وفر واحد، فلما حدث هذا، وتبين لهم أنهم فعلوا ذلك في أول ~~رجب، عند ذلك اعتبروا أن قتالهم وغنائمهم مخالفة لحرمة شهر رجب. وثارت ~~المسألة أخذا وردا بين المسلمين قبل أن تتحدث فيها قريش حيث قالوا: إن ~~محمدا يدعي أنه يحترم المقدسات ويحترم الأشهر الحرم، ومع ذلك قاتل في ~~الأشهر الحرم، وسفك دمنا، وأخذ أموالنا، وأسر الرجال. فامتنع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن الغنائم والأسرى حتى يفصل الله في القضية فنزل حكم ~~السماء في القضية بهذا القول الحكيم: { يسألونك عن الشهر ~~الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن ~~سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج ~~أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من ~~القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن ~~دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه ~~فيمت وهو كافر ms0664 فأولئك حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } [البقرة: 217]. نحن مسلمون أن القتال في الشهر الحرام أمر ~~كبير، ولكن انظروا يا كفار قريش إلى ما صنعتم مع عبادنا وقارنوا بين ~~كبر هذا وكبر ذاك. أنتم تقولون: إن القتال في الشهر الحرام مسألة ~~كبيرة، ولكن صدكم عن سبيل الله وكفركم به، ومنعكم المسلمين من المسجد ~~الحرام، وإخراج أهل مكة منها أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام، ~~فلا تفعلوا ما هو أكبر من القتال في الشهر الحرام، ثم تأخذكم الغيرة على ~~الحرمات. فكأن الحق أراد أن يضع قضية واضحة هي: لا تأخذوا من جزئيات ~~التدين أشياء وتتحصنوا فيها خلف كلمة حق وأنتم تريدون الباطل فالواقع ~~يعرض الأشياء، ونحن نقول: نعم إن القتال في الشهر الحرام كبير. ولكن يا ~~كفار قريش اعلموا أن فتنة المؤمنين في دينهم وصدهم عن طريق الله، وكفركم ~~به - سبحانه - وإهداركم حرمة البيت الحرام بما تصنعون فيه من عبادة غير ~~الله، وإخراجكم أهله منه، إن هذه الأمور الآثمة هي عند الله أكبر جرما ~~وأشد إثما من القتال في الأشهر الحرم لاسترداد المسلمين بعض حقهم لديكم. # ولهذا يرد الحق سهام المشركين في نحورهم { ولا يزالون ~~يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ~~} [البقرة: 217] أي إياكم أن تعتقدوا أنهم سيحترمون الشهر الحرام ولا ~~المكان الحرام، بل { ولا يزالون يقاتلونكم } أي وسيصرون، ~~ويداومون على قتالكم { حتى يردوكم عن دينكم إن ~~استطاعوا } [البقرة: 217]. وتأمل قوله: { إن استطاعوا } ~~[البقرة: 217] إن معناها تحد لهم بأنهم لن يستطيعوا أبدا ف " إن " ~~تأتي في الأمر المشكوك فيه. ويتبع الحق { ومن يرتدد منكم عن ~~دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم ~~في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون } [البقرة: 217] سيظلون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم ~~إن استطاعوا. ثم يختم الحق الآية بقضية يقول فيها: { ومن يرتدد ~~منكم عن دينه } [البقرة: 217] هذه الآية يقابلها آية أخرى يقول ~~الحق فيها: # ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في ~~الآخرة من الخاسرين # [المائدة: ms0665 5]. وإذا قارنا بين الآيتين نجد أن الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها قد ورد فيها قوله: { فيمت وهو كافر } [البقرة: ~~217] وفي سورة المائدة لم يرد هذا وإنما ورد قوله: # ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله # [المائدة: 5] وقد اختلف العلماء في المسألة اختلافات جميلة. ولكنهم ~~اتفقوا أولا على أن أي إنسان يرتد عن الإسلام ثم يموت مرتدا فقد ~~حبطت أعماله. ولكن اختلافهم تركز فيما لو رجع وآمن مرة ثانية، أي لم يمت ~~وهو كافر، بل رجع فآمن بعد ردته، فهل حبط عمله أم لم يحبط؟. وللإمام ~~الشافعي رأي يقول: إن الذي يرتد عن الدين تحبط أعماله إن مات على الكفر، ~~أما إن عاد وأسلم مرة أخرى فإن أعماله التي كانت قبل الارتداد تكون ~~محسوبة له. والإمام أبو حنيفة له رأي مختلف فهو يقول: لا، إن آية سورة ~~المائدة ليس فيها { فيمت وهو كافر } [البقرة: 217] وعليه فإننا ~~نحملها على آية سورة البقرة التي ذكر فيها ذلك من باب حمل المطلق على ~~المقيد، وعلى ذلك فالذي يكفر بعد إيمانه عمله محبط سواء رجع إلى الإيمان ~~بعد ذلك أو لم يرجع، فلا يحتسب له عمل. أين موضوع الخلاف إذن؟. هي أن ~~إنسانا آمن وأدى فريضة الحج ثم لا قدر الله كفر وارتد، ثم رجع فآمن أتظل ~~له الحجة التي قام بها قبل الكفر أن تحبط ويطلب منه حج جديد؟ هذه هي نقطة ~~الخلاف. فالشافعي يرى أنه لا يحبط عمله ما دام قد رجع إلى الإيمان لأن ~~الله قال: { فيمت وهو كافر } [البقرة: 217] فمعنى ذلك أنه إن ~~لم يمت على الكفر فإن عمله لا يحبط. ولكن لا يأخذ ثوابا على ذلك الحج ~~الذي سبق له أن أداه، لقد التفت الإمام الشافعي رضي الله عنه إلى شيء قد ~~يغفل عنه كثر من الناس، وهو أن الحج ركن من أركان الإسلام، فالذي لا يحج ~~وهو قادر على الحج فالله يعاقبه على تقصيره، والذي حج لا يعاقب ويأخذ ~~ثواب فعله. # فكأن الأعمال التي طلبها الحق سبحانه وتعالى إن ms0666 لم تفعلها وكانت في ~~استطاعتك عوقبت، وإن فعلتها يمر عملك بمرحلتين، المرحلة الأولى هي ألا ~~تعاقب، والمرحلة الثانية هي أن تثاب على الفعل. فالشافعي قال: إن الشخص ~~إذا فعل فعلا يثاب عليه الإنسان، ثم يكفر، ثم عاد إلى الإسلام فهو لا ~~يعاقب، ولكنه لا يثاب. أما الإمام أبو حنيفة فقد قال: إنه لا عبرة ~~بعمله الذي سبق الردة مصداقا لقوله تعالى: { حبطت أعمالهم } ~~[البقرة: 217] أي بطلت وزالت، وكأنها لم تكن. إن القرآن استخدم هنا ~~كلمة " حبط " ، وهي تستخدم تعبيرا عن الأمر المحسوس، فقال: " حبطت ~~الماشية " أي أصابها مرض اسمه الحباط، لأنها تأكل لونا من الطعام تنتفخ ~~به، وعندما تنتفخ فقد تموت. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: # " إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم ". # إنه صلى الله عليه وسلم يحذرنا من أن الخير قد يندس فيه شر، مثلما يحدث ~~في الربيع الذي ينبت فيه من النبات الذي يعجب الماشية فتأكله فيأتيها مرض ~~" الحباط " ، فتنتفخ ثم تموت، أو " يلم " أي توشك أن تموت، وكذلك ~~الأعمال التي فعلها الكفار تصبح ظاهرة مثل انتفاخ البطن، وكل هذه ~~العمليات الباطلة ستحبط كما تحبط الماشية التي أكلت هذا اللون من الخضر، ~~ثم انتفخت فيظن المشاهد لها أنها سمنة وبعد ذلك يفاجأ بأنه مرض. لقد ~~أعطانا الله من هذا القول المعنى المحسوس لتشابه الصورتين فالماشية عندما ~~تحبط تبدو وكأنها نمت وسمنت، لكنه نمو غير طبيعي إنه ليس شحما أو لحما، ~~لكنه ورم، كذلك عمل الذين كفروا عمل حابط، وإن بدا أنهم قد قاموا بأعمال ~~ضخمة في ظاهرها أنها طيبة وحسنة. ويقول بعض الناس: وهل يعقل أن الكفار ~~الذين صنعوا إنجازات قد استفادت منها البشرية، هل المعقول أن تصير ~~أعمالهم إلى هذا المصير؟. لقد اكتشفوا علاجا لأمراض مستعصية وخففوا آلام ~~الناس، وصنعوا الآلات المريحة والنافعة. ونقول لأصحاب مثل هذا الرأي: ~~مهلا، فهناك قضية يجب أن نتفق عليها وهي أن الذي يعمل عملا فهو يطلب ~~الأجر ممن عمل له، فهل كان هؤلاء يعملون وفي بالهم الله أم ms0667 في بالهم ~~الإنسان والمجد والشهرة؟ لقد أعطتهم الإنسانية والمجد والشهرة، وما داموا ~~قد نالوا هذا الأجر في الدنيا فليس لهم أن ينتظروا أجرا في الآخرة. لذلك ~~يقول الحق: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. إن الكافر يظن أن أعماله صالحة نافعة لكنها في الآخرة ~~كالسراب الذي يراه الإنسان في الصحراء فيظنه ماء، ويجد نفسه في الآخرة ~~أمام لحظة الحساب فيوفيه الله حسابه بالعقاب، وليس لهم من جزاء إلا ~~النار، وينطبق عليهم ما ينطبق على كل الكافرين بالله، وهو { ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }. هذا وإن ~~الحق سبحانه وتعالى يوضح حقيقة الأمر للمؤمنين به وبرسوله صلى الله عليه ~~وسلم حتى يعطيهم مناعة إيمانية ضد آمال الكافرين في الإضرار بالمؤمنين، ~~فيعلمنا أنهم لن يدخروا وسعا حتى يردوكم عن دينكم لأن منهج الله دائما ~~لا يخيف إلا المبطلين فالإنسان السوي الذي يريد أن يعايش العالم في سلام ~~ويأخذ من الخير على قدر حركته في الوجود لا ترهقه سيادة مبادئ الإسلام، ~~إنما ترهق مبادئ الإسلام هؤلاء الذين يريدون أن يسرقوا عرق وكد غيرهم ~~وهم يبذلون كل الجهد ويستخدمون كافة الأساليب التي تصرف المسلمين عن ~~دينهم، ولكن هل يمكنهم الله من ذلك؟ لا فلا يزال هناك أمل في الخير إن ~~تمسكت أمة الإسلام بالمنهج الحق. إنه سبحانه يعطي المناعة للمؤمنين، ~~والمناعة - كما نعرف - هي أن تنقل للسليم ميكروب المرض بعد إضعافه، وبذلك ~~تأخذ أجهزة جسمه فرصة لأن تنتصر على هذا الميكروب لذلك قال الحق: { ومن ~~يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك ~~حبطت أعمالهم } [البقرة: 217]. إن الخلاف الجوهري بين المؤمن ~~والكافر، هو أن المؤمن إنما يعمل العمل الصالح وفي نيته أن المكافئ هو ~~الله، وهو يتجه بنية خالصة في كل عمل. ويأخذ بأسباب الله في العلم لينتفع ~~به غيره من الناس فتكون الفائدة عميمة وعظيمة، وعلى المؤمن أن يكون ~~سباقا إلى الاكتشاف والاختراع ونهضة العالم المسلم، ms0668 وأن يكون المؤمن ~~العالم منارة تشع بضوء الإيمان أمام الناس، لا أن يترك غيره من الكافرين ~~يصلون إلى المكتشفات العلمية وهو متواكل كسلان. إن على المؤمن أن يأخذ ~~بأسباب الله في الحياة لأن الإسلام هو دين ودنيا، وهو دين العلم والتقدم، ~~ويضمن لمن يعمل بمنهجه سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. وإذا كان المؤمن ~~يستمتع بإنتاج يصنعه الكافر فليعلم أن الكافر إنما أخذ أجره مسخرا ممن ~~عمل له، أما المؤمن فحين يتفوق في الصناعة والزراعة والعلم والاكتشاف فهو ~~يأخذ الأجر في الدنيا وفي الآخرة لأن الذي يعطي هنا هو الله. أما عمل ~~الكافر فهو عمل من مسخر كالمطايا وكالجماد والنبات والحيوان المسخرة ~~لخدمة الإنسان. وإذا كان الله قد ميز المؤمن على الكافر بالأجر في الدنيا ~~وحسن الثواب في الآخرة، ألا يليق بالمؤمن أن يسبق الكافر في تنمية ~~المجتمع الإسلامي، وأن يكون بعمله منارة هداية لمن حوله؟! ويقول الحق من ~~بعد ذلك: { إن الذين آمنوا والذين هاجروا ~~وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت ~~الله... }. ### || [2.218] # إن الآية قد عددت ثلاثة أصناف: الصنف الأول هم الذين آمنوا، والصنف ~~الثاني هم الذين هاجروا، والصنف الثالث هم الذين جاهدوا. إن الذين آمنوا ~~إيمانا خالصا لوجه الله، وهاجروا لنصرة الدين، وجاهدوا من أجل أن تعلو ~~كلمة الإسلام هؤلاء قد فعلوا كل ذلك وهم يرجون رحمة الله. ولقائل أن ~~يقول: أليست الرحمة مسألة متيقنة عندهم؟ ونقول: ليس للعبد عند الله أمر ~~متيقن لأنك قد لا تفطن إلى بعض ذنوبك التي لم تحسن التوبة منها، ولا ~~التوبة عنها. وعليك أن تضع ذلك في بالك دائما، وأن تتيقن من استحضار نية ~~الإخلاص لله في كل عمل تقوم به فقد تحدثك نفسك بشيء قد يفسد عليك عملك، ~~وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد الخلق وسيد الموصولين بربهم ~~يقول: # " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وعمل لا يرفع ودعاء لا يسمع ". # إن الرسول الكريم وهو سيد المحتسبين في كل أعماله يعلمنا أن النفس قد ~~تخالط صاحبها ms0669 بشيء يفسد الطاعة. وعلى المسلم أن يظل في محل الرجاء. ~~والمؤمن الذي يثق في ربه لا يقول: إن على الله واجبا أن يعمل لي كذا لأن ~~أصل عبادتك لله سبق أن دفع ثمنها، وما تناله من بعد ذلك هو فضل من الله ~~عليك، مدفوع ثمنها لك إيجادا من عدم وإمدادا من عدم، ومدفوع ثمنها ~~بأن متعك الله بكل هذه الأشياء، فلو قارنت بين ما طلبه الله منك - على ~~فرض أنك لا تستفيد منه - فقد أفدت مما قدم لك أولا، وكل خير يأتيك من ~~بعد ذلك هو من فضل الله عليك، والفضل يرجى ولا يتيقن. وعظمة الحق ~~سبحانه وتعالى في أنك تدعوه خوفا وطمعا. ويقول هذا المثل - ولله المثل ~~الأعلى - إن من عظمتك أمام والدك أنك تجد لك أبا تخاف منه، وترغب أن ~~يحقق لك بعضا من أحلامك، ولو اختلت واحدة من الاثنتين لاختلت الأبوة ~~والبنوة. كذلك عظمة الرب يرغب ويرهب: إن رغبت فيه ولم ترهبه فأنت ناقص ~~الإيمان، وإن رهبت ولم ترغب فإيمانك ناقص أيضا، لذلك لابد من تلازم ~~الاثنين: الرهبة والرغبة. ولو تبصر الإنسان ما فرضه الله عليه من تكاليف ~~إيمانية لوجد أنه يفيد من هذه التكاليف أضعافا مضاعفة. فكل ما يجازي به ~~الله عباده إنما هو الفضل، وهو الزيادة. وكل رزق للإنسان إنما هو محض ~~الفضل. ومحض الفضل يرجى ولا يتيقن. وها هو ذا الحق يقول: # ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب ~~المعتدين * ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ~~وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين # [الأعراف: 55-56]. إن الدنيا كلها مسخرة تحت قهر الرحمن ومشيئته ~~وتسخيره، وله تمام التصرف في كل الكائنات وهو الخالق البديع، لذلك فليدع ~~الإنسان الله بخشوع وخضوع في السر والعلانية، والحق لا يحب من يعتدي ~~بالقول أو الرياء أو الإيذاء. إن الإيمان يجب أن يكون خالصا لله، فلا ~~يفسد الإنسان الأرض بالشرك أو المعصية لأن الحق قد وضع المنهج الحق لصلاح ~~الدنيا وهو القرآن، ورسالة رسول الله صلى الله عليه ms0670 وسلم، ورحمة الله ~~قريبة من المطيعين للحق جل وعلا. إن عظمة الرب في أنه يرغب ويرهب إن ~~رغبت فيه ولم ترهبه فعملك غير مقبول، وإن رهبته ولم ترغبه فعملك غير ~~مقبول. إن الرغب والرهب مطلوبان معا، لذلك فالمؤمن المجاهد في سبيل الله ~~يرجو رحمة الله. والحق يقول: { أولئك يرجون رحمت الله } ~~[البقرة: 218] ما هي الرحمة؟ الرحمة ألا تبتلى بالألم من أول الأمر، ~~والحق سبحانه وتعالى يقول: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين # [الإسراء: 82]. الشفاء هو أن تكون مصابا بداء ويبرئك الله منه، لكن ~~الرحمة، هي ألا يأتي الداء أصلا { والله غفور رحيم } ~~[البقرة: 218]. والله سبحانه وتعالى يعلم عن عباده أن أحدا منهم قد لا ~~يبرأ من أن يكون له ذنب. فلو حاسبنا بالمعايير المضبوطة تماما فلسوف ~~يتعب الإنسان منا، ولذلك أحب أن أقول - دائما - مع إخواني هذا الدعاء: " ~~اللهم بالفضل لا بالعدل وبالإحسان لا بالميزان وبالخير لا بالحساب ". أي ~~عاملنا بالفضل لا بالعدل، وبإحسانك لا بالميزان، لأن الميزان يتعبنا. ~~ولقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دخول الجنة لا يكون بالأعمال ~~وحدها، ولكن بفضل الله ورحمته ومغفرته. إن الرسول الكريم يقول: # " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله. فقالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا ~~أنا حتى يتغمدني الله برحمته ". # إذن فالمؤمن يرجو الله ولا يشترط على الله، إن المؤمن يتجه بعمله خالصا ~~لله يرجو التقبل والمغفرة والرحمة، وكل ذلك من فضل الله. ويأتي الحق ~~لسؤال آخر: { يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ ~~إثم كبير... }. ### || [2.219] # والخمر - كما نعرف - مأخوذة من الستر، ويقال: " دخل فلان في خمرة " أي ~~في أيكة من الأشجار ملتفة فاختبأ فيها. و " الخمار " هو القناع الذي ~~ترتديه المسلمة لستر رأسها، وهو مأخوذ أيضا من نفس المادة. و " خامره ~~الأمر " أي خالطه. وكل هذه المعاني مأخوذة من عملية الستر. و " الميسر " ~~مأخوذة من اليسر لأنه يظهر للناس بمكاسب يسيرة بلا تعب. والخمر والميسر ~~من الأمور التي كانت معروفة في الجاهلية. والإسلام حين جاء ليواجه ms0671 ~~نظما جاهلية واجه العقيدة بلا هوادة، ولم يجابهها ويواجهها على مراحل ~~بل أزالها من أول الأمر، ورفع راية " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ، ~~ثم جاء الإسلام في الأمور التي تعتبر من العادات فبدأ يهونها لأن الناس ~~كانت تألفها، لذلك أخذها بشيء من الرفق والهوادة. وكان هذا من حكمة ~~الشرع، فلم يجعل الأحكام في أول الأمر عملية قسرية فقد يترتب عليها الخلل ~~في المجتمع وفي الوجود كله، وإنما أخذ الأمور بالهوادة. وإذا كانت الخمرة ~~مأخوذة من الستر، فماذا تستر؟ إنها تستر العقل بدليل أن من يتعاطاها يغيب ~~عن وعيه. ولا يريد الله سبحانه وتعالى للإنسان الذي كرمه الله بالعقل أن ~~يأتي للشيء الذي كرمه به ويسير به أمور الخلافة في الأرض ويستره ~~ويغيبه، لأن من يفعل ذلك فكأنه رد على الله النعمة التي أكرمه بها، ~~وهذا هو الحمق. ثم إن كل الذي يتعاطون الخمر يبررون فعلهم بأنهم يريدون ~~أن ينسوا هموم الدنيا، ونسأل هؤلاء: وهل نسيان الهموم يمنع مصادرها؟ لا، ~~ولذلك فالإسلام يطلب منك أن تعيش همومك لتواجهها بجماع عقلك، فإذا كانت ~~هناك هموم ومشكلات فالإسلام لا يريد منك أن تنساها، لا، بل لابد أن توظف ~~عقلك في مواجهتها، وما دام المطلوب منك أن تواجه المشكلات بعقلك فلا تأتي ~~لمركز إدارة الأمور الحياتية وهو العقل، والذي يعينك على مواجهة المشكلات ~~وتقهره بتغييبه عن العمل. وهل النسيان يمنع المصائب؟ إن الذي يمنع ~~المصائب هو أن تحاول بجماع فكرك أن تجد السبيل للخروج منها، فإذا كان ~~الأمر ليس في استطاعتك فمن الحمق أن تفكر فيه لأن الله يريد منك أن تريح ~~عقلك في مثل هذه الأمور، وإن كان الأمر له حل وفي استطاعتك حله، فأنت ~~تحتاج للعقل بكامل قوته. والحق سبحانه وتعالى يرشدنا في هذه القضية بحكمة ~~الحكيم، ويعطينا عطاء لنحكم نحن في الأمر قبل أن يطلب منا. إنه - سبحانه ~~- يمتن علينا ويقول: # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا # [النحل: 67]. فعندما ذكر الله " سكرا " مر عليها بلا تعليق. ms0672 # وعندما قال: " رزقا " وصفه بأنه " حسنا " فكان يجب أن نتنبه إلى أن ~~الله يمهد لموقف الإسلام من الخمر فهو لم يصف " السكر " بأي وصف، وجعل ~~للرزق وصفا هو الحسن فالناس عندما يستخرجون من هذه الثمرات سكرا، فهم ~~قد أخرجوها عن الرزق الحسن، لأن هناك فرقا بين أن تأخذ من العنب غذاء ~~وبين أن تخمره فتفسده وتجعله ساترا للعقل. وبعد ذلك فهناك فرق بين تشريع ~~ونصح. فعندما تنصح شخصا فأنت تقول له: سأدلك على طريق الخير وأنت حر في ~~أن تسير فيه أو لا تسير. وعندما تشرع وتضع الحكم، فأنت تأمر هذا الشخص أو ~~ذاك بأن يفعل الأمر ولا شيء سواه. والحق سبحانه وتعالى عندما قال: { ~~يسألونك عن الخمر والميسر } [البقرة: 219]، ذكر لنا ~~المفاسد وترك لنا الحكم عليها، قال سبحانه مبلغا رسوله: { قل ~~فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس } [البقرة: 219] ولو لم ~~يقل { ومنافع للناس } [البقرة: 219] لاستغرب الناس وقالوا: نحن ~~نأخذ من الخمر منافع، ونكسب منها، وننسى بها همومنا، كانت هذه هي المنافع ~~بالنسبة لهم، لكن الحق يوضح أن إثمهما أكبر من نفعهما، أي أن العائد من ~~وراء تعاطيهما أقل من الضرر الحادث منهما، وهذا تقييم عادل، فلم تكن ~~المسألة قد دخلت في نطاق التحريم، لأنها مازالت في منطقة النصح والإرشاد. ~~وقوله تعالى: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } [البقرة: 219] ~~يجعل فيهما نوعا من الذنب، لقد كان التدرج في الحكم أمرا مطلوبا لأنه ~~سبحانه يعالج أمرا بإلف العادة، فيمهد سبحانه ليخرجه عن العادة. ~~والعادة شيء يقود إلى الاعتياد بحيث إذا مر وقت ولم يأت ما تعودت عليه ~~نفسيتك ودمك يحدث لك اضطراب. وما دامت المسألة تقود إلى الاعتياد، ~~فالأفضل أن تسد الباب من أوله وتمنع الاعتياد. لقد كانت بداية الحكم في ~~أمر الخمر أن أحدا من المسلمين شرب الخمر قبل أن تحرم نهائيا، وجاء ~~ليصلي، فقال: " قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون " وبعدها نزل تأديب ~~الحق بقوله: # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون.. # [النساء: 43]. وفي ذلك ms0673 تدريب لمن اعتاد على الخمر ألا يقربها فالإنسان ~~الذي يصلي صدر عليه الحكم ألا يقرب الصلاة وهو سكران، فمتى يمتنع إذن؟ ~~إنه يصحو من نومه فلا يقرب الخمر حتى يصلي الصبح، ويقترب الظهر فيستعد ~~للصلاة، ثم العصر بعد ذلك، ويليه المغرب فالعشاء، أي لن يصبح عنده وقت ~~ليشرب في الأوقات التي ينتظر فيها الصلاة، إذن فلا تصبح عنده فرصة إلا في ~~آخر الليل، فإذا ما جاء الليل يشرب له كأسا ثم يغط في نومه. ويكون الوقت ~~الذي امتنع فيه عن الخمر أطول من الوقت الذي يتعاطى فيه الخمر. # ولما بدأ تعودهم على الخمر يتزعزع، حدثت بعض الخلافات والمشكلات التي ~~دفعتهم لأن يطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوضح لهم حكما ~~فاصلا في الخمر فنزل قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان ~~أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ~~فهل أنتم منتهون # [المائدة: 90-91]. فقالوا: انتهينا يا رب. إذن فالحق سبحانه وتعالى أراد ~~بتحريم الخمر أن يحفظ على الإنسان عقله لأن العقل هو مناط التكليف ~~للإنسان، وهو مناط الاختيار بين البديل، فأراد الحق أن يصون للإنسان تلك ~~النعمة. إن هدف الدين في المقام الأول سلامة الضرورات الخمس التي لا ~~يستغني عنها الإنسان: سلامة النفس، وسلامة العرض، وسلامة المال، وسلامة ~~العقل، وسلامة الدين. وكل التشريعات تدور حول سلامة هذه الضرورات الخمس، ~~ولو نظرت إلى هذه الضرورات تجد أن الحفاظ عليها يبدأ من سلامة العقل، ~~فسلامة العقل تجعله يفكر في دينه. وسلامة العقل تجعله يفكر في حركة ~~الحياة. وسلامة العقل تجعله يحتاط لصيانة العرض. إذن فالعقل هو أساس ~~العملية التكليفية التي تدور حولها هذه المسألة، والحق سبحانه وتعالى ~~يريد ألا يخمر الإنسان عقله بأي شيء مسكر. حتى لا يحدث عدوان على هذه ~~الضرورات الخمس. وقد جمع الله في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ~~بين الخمر والميسر، وهو جل ms0674 وعلا يريد أن يحمي غفلة الناس. فلعب الميسر ~~يتمثل في صورته البسيطة في اثنين يجلسان أمام بعضهما البعض، وكل واحد ~~منهما حريص على أن يأخذ ما في جيب الآخر، فأي أخوة تبقى بين هؤلاء؟ إن ~~كلا منهما حريص على أن يعيد الآخر إلى منزله خاوي الجيوب فأي أخوة تكون ~~بين الاثنين؟ ومن العجيب أنك ترى الذين يلعبون الميسر في صورة الأصحاب، ~~ويحرص كل منهما على لقاء الآخر، فأي خيبة في هذه الصداقة؟! ومن العجيب أن ~~يقر كل من الطرفين صاحبه على فعله، يأخذ ماله ويبقى على صداقته، والعجب ~~الأكبر هو التدليس والسرقة بين الذين يتعودون على لعب الميسر. ولو لاحظت ~~حياة هؤلاء الذين يلعبون الميسر تجدهم ينفقون ويبذرون بلا احتياط ولا ~~ينتفعون أبدا بما يصل أيديهم من مال مهما كان كثيرا، لماذا؟ لأن المال ~~حين يكتسب بيسر، يصرف منه بلا احتياط، هذا هو حال من يكسب، أما بالنسبة ~~للخاسر فنجده يعيش في الحسرة والألم على ما فقد، وتجده في فقر دائم، ~~وربما اضطر إلى التضحية بعرضه وشرفه، إن لم يبع ملابسه، وأعز ما يملك، ~~ويحدث كل ذلك بأمان زائفة، وآمال كاذبة يزينها الشيطان للطرفين، الذي ~~كسب والذي خسر، فالذي كسب يتمنى زيادة ما معه من مال أكثر وأكثر، والذي ~~خسر يأمل أن يسترد ما خسره ويكسب. # وعندما يتعود الإنسان أن يكسب بدون حركة فكل شيء يهون عليه، ويعتاد أن ~~يعيش على الكسب السهل الرخيص، وحين لا يجد من يستغفله ليلعب معه ربما سرق ~~أو اختلس. وهذا هو حال الذين يلعبون الميسر إنهم أصحاب الرذائل في ~~المجتمع، فهم الذين يرتشون ويسرقون ويعربدون، ولا أخلاق عندهم وليس لهم ~~صاحب ولا صديق، وبيوتهم منهارة، وأسرهم مفككة، وعليهم اللعنة حتى في ~~هيئتهم وهندامهم. ولذلك قال الحق: { يسألونك عن الخمر ~~والميسر قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس ~~وإثمهمآ أكبر من نفعهما } [البقرة: 219] وما دام الإثم ~~أكبر من النفع، فقد رجح جانب الإثم. هذا في العملية الذاتية، أما في ~~العملية الزمنية فقد قال سبحانه: # لا تقربوا ms0675 الصلاة وأنتم سكارى # [النساء: 43]. وبعد ذلك أنهى - سبحانه - المسألة بقوله الحق: # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون # [المائدة: 90]. ثم تمضي الآية إلى سؤال آخر هو { ويسألونك ماذا ~~ينفقون قل العفو } [البقرة: 219] إنه السؤال نفسه من عمرو بن ~~الجموح وكان الجواب عليه من قبل هو # قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل # [البقرة: 215] وهنا جواب بشكل وصورة أخرى { قل العفو } [البقرة: ~~219] والعفو معناه الزيادة وفي ذلك يقول الحق - سبحانه وتعالى -: # ومآ أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا ~~أهلها بالبأسآء والضرآء لعلهم يضرعون * ~~ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا ~~وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء ~~فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون # [الأعراف: 94-95]. إن الله - جلت قدرته - يحذر وينذر لعل الناس تتذكر ~~وتعتبر، إنه - سبحانه - لم يرسل نبيا إلى قوم فقابلوه بالتكذيب ~~والنكران إلا أخذهم وابتلاهم بالفقر والبؤس والمرض والضر لعلهم يتوبون ~~إلى ربهم ويتذللون له - سبحانه - ليرفع عنهم ما ابتلاهم به، ثم لما لم ~~يرجعوا ويقلعوا عما هم فيه من الكفر والعناد اختبرهم وامتحنهم بالنعم ~~بالخصب والثراء والعافية والرخاء حتى كثروا وزادت أموالهم وخيراتهم، ~~وقالوا - وهم في ظل تلك النعم -: إن ما يصيبنا من سراء وضراء وخير وشر ~~إنما هو سنة الكون، وعادة الدهر، فأسلافنا وآباؤنا كان يعتريهم مثل ما ~~يصيبنا، ولما أصروا على كفرهم باغتهم الله بالعذاب، وأنزل بهم العقاب ~~المفاجئ. قلبهم الله بين الشدة والرخاء، وعالجهم بالضر واليسر، حتى لا ~~تكون لهم حجة على الله، ولما ظهرت خسة طبعهم وأقاموا على باطلهم أخذهم ~~الله أخذ عزيز مقتدر. ولنتأمل قوله تعالى في ذلك: # ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم ~~بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون * فلولا ~~إذ جآءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ~~وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون * فلما ~~نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل ~~شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة ~~فإذا هم مبلسون # [الأنعام: 42-44]. أي لم نعجل بعقابهم بل تركناهم ms0676 فتمادوا في المعصية ~~حتى إذا فرحوا بما أوتوا من النعمة والثراء وكثرة العدد، " أخذناهم بغتة ~~فإذا هم مبلسون " أي يائسون من رحمة الله أو نادمون متحسرون، ولا ينفعهم ~~الندم حينئذ. فقد فاتت الفرصة وضيعوها على أنفسهم. إن الحق ينزل هذا ~~الأمر كعقاب وبه تكون النقلة صعبة، إنهم يتمادون فيعاقبهم الحق عقابا ~~صاعقا، كالذي يرفع كائنا في الفضاء ثم يتركه ليهوي على الأرض، والعفو ~~هنا يمكن أن يكون بمعنى أنهم ازدادوا في الطغيان. وهناك معنى آخر للعفو، ~~فقد يأتي بمعنى الترك: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف # [البقرة: 178]. أي فمن ترك له أخوه شيئا فليأخذه. إذن فالعفو تارة يكون ~~بمعنى الزيادة، وتارة أخرى يكون بمعنى الترك، والحق هنا يقول: { ~~ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو } [البقرة: 219] أي أن ~~الإنفاق إنما يكون من الزائد عن الحاجة، فيكون معنى العفو هنا هو الزائد ~~أو المتروك، وهكذا نرى أن العفو واحد في كلا الأمرين، فلا تظن أن المعاني ~~تتضارب لأن بها يتحقق المعنى المقصود في النهاية. فالعفو هو الزيادة، ~~والعفو أيضا يؤخذ بمعنى الصفح. إذن فالإنفاق من الزائد عن الحاجة يحقق ~~الصفح ويحقق الرفاهية في المجتمع. فالذي يزرع أرضا وينتج ما يكفيه هو ~~وعياله ويزيد، فهل يترك ما يزيد عن حاجته ليفسد أم ينفق منه على قريبه أو ~~جاره المحتاج؟ أيهما أقرب إلى العقل والمنطق؟ وكان ذلك قبل أن يشرع الحق ~~الزكاة بنظامها المعروف. وما سر تبديلها من عفو إلى زكاة؟ لأن الحق أراد ~~أن يقدر حركة المتحرك، فجعل حركته تخفف عنه ولا تثقل عليه. لأن حركة ~~المتحرك تنفع المتحرك، أراد المتحرك أو لم يرد ولذلك نجد " زكاة الركاز " ~~وهي الزكاة المفروضة على ما يوجد في باطن الأرض من ثروات كالمعادن ~~النفيسة والبترول وغيرها، لقد جعل الحق نصاب تلك الزكاة عشرين في المائة، ~~أي الخمس بينما الذي يحرث الأرض ويبذر فيها الحب ويتركها حتى ينزل المطر ~~فتنمو فنصاب الزكاة هو العشر على ما أنتجته زراعته. وأما الذي يزرع على ~~ماء الري فعليه نصف ms0677 العشر. والذي يتاجر كل يوم ويتعب فيذهب للمنتج يشتري ~~منه، ثم يوفر السلعة على البائع فيشتريها، هذا نقول له: عليك اثنان ونصف ~~في المائة 2.5 فقط. إذن فالزكاة متناسبة مع الحركة والجهد، كأن الحق يحمي ~~الحركة الإنسانية من حمق التقنين البشري. إن المتحرك القوي يدفعه الله ~~ليزيد من حركته لينتفع المجتمع، وأوكل الله للحاكم الذي يتبع منهج ~~الإسلام أن يأخذ من الأثرياء ما يقيم به كرامة الفقراء. # إن بخل الأغنياء بفضل الله عليهم، ولم ينفقوا على الفقراء من رزق ~~الله فالمنهج الحق يحمي المال من فساد الطمع، ومن فساد الكسل، ويريد ~~الحياة مستقيمة وآمنة للناس. فالذي ينفق من ماله على أهله يحيا وهو آمن. ~~وكذلك من ينفق على أهله وتوابعه فتزداد دائرة الأمان، وهكذا لقد حمى الله ~~بالزكاة طموح البشر من حمق التقنين من البشر، فالمقنن من البشر يأتي ~~للمتحرك أكثر ويزيد عليه الأعباء، نقول له: إن هذا المتحرك إن لم يقصد أن ~~ينفع المجتمع فالمجتمع سينتفع بجهده بالرغم عنه فالإنسان الذي يملك مالا ~~يلقي الله خاطرا في باله، فيقول: " ماذا لو بنيت عمارة من عشرة أدوار، ~~وفي كل دور أربع شقق " ويحسب كم تعطيه تلك العمارة من عائد كل شهر. إن ~~هذا الرجل لم يكن في باله إلا أن يربح، فنتركه يفكر في الربح، وعندما ~~نراقب الفائدة التي ستعود على المجتمع منه فسنجد الفائدة تعود على ~~المجتمع من هذا العمل، ولنا أن نحسب كم فردا سوف يعمل في بناء تلك ~~العمارة الجديدة؟ ابتداء من البنائين ومرورا بالنجارين والحدادين ~~والمبيضين والسباكين وغيرهم. إن كل طبقات المجتمع الفقيرة تكون قد أفادت ~~واستفادت من مال هذا الرجل قبل أن يدخل جيبه مليم واحد لقد ألقى الله في ~~نفسه خاطرا، فأخرج كل ما في جيبه، وألقاه في جيوب الآخرين قبل أن توجد ~~له عمارة. وهكذا يحمي الله حركة المتحرك لأن حركته ستفيد سواه قصد إلى ~~ذلك أو لم يقصد. أما إذا قلنا له: سنأخذ ما يزيد عن حاجتك قسرا فلا بد ~~أن يقول ms0678 لنفسه: " سأجعل حركتي على قدر حاجتي ولا أزيد إلا قليلا ". ~~والحق عز وجل لا يريد أن يشيع هذا المنطق بين الناس، ولكن يريد لهم أن ~~يتحركوا في الحياة بالجدية والحلال، وكلما تكثر حركتهم تقل الزكاة ~~المفروضة عليهم، لأن الحركة لا يستفيد منها صاحبها فقط ولكن يستفيد منها ~~المجتمع، فبعضه يسكن، وآخر يزرع، وثالث يعمل، وخير للإنسان أن يأكل من ~~عمل يديه من أن يأكل من صدقات الناس وزكاتهم. عن المقدام بن معديكرب أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود ~~عليه السلام كان يأكل من عمل يده ". # ويقول الحق من بعد ذلك: { في الدنيا والآخرة ويسألونك ~~عن اليتامى قل إصلاح لهم خير... }. ### || [2.220] # إن الحق يبدأ هذه الآية بقوله: { في الدنيا والآخرة } [البقرة: ~~220] وكأنه يقول لنا: إياك أن تعتقدوا أن كل تكليف من الله جزاؤه في ~~الآخرة فقط، أبدا. إن الجزاء سيصيبكم في الدنيا أيضا. وتأمل سيرة ~~المستقيمين الملتزمين بمنهج دينهم ومنهج الأخلاق في حياتهم تجدهم قد ~~أخذوا جزاءهم في الدنيا رضا وسعادة وأمنا حتى أنك تجد الناس تتساءل: ~~كيف ربى فلان أولاده، وكيف علمهم برغم أن مرتبه بسيط؟ هم لا يعلمون أن يد ~~الله معه بالبركة في كل حركات حياته. فلا تظن أن الجزاء مقصور على الآخرة ~~فقط، بل يعجل الله الجزاء في الدنيا، أما الآخرة فهي زيادة ونحن نأخذ ~~متاع الآخرة بفضل الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # وأحب أن يتأمل كل منا أحوال الناس المستقيمين في منهج الحياة، ويرى كيف ~~يعيشون وكيف ينفقون على أولادهم، ويتأمل البشر والرضا الذي يتمتعون به، ~~وكيف تخلو حياتهم من المشاكل والعقد النفسية. وكأنه سبحانه وتعالى يلفتنا ~~إلى أن كل ما جاء في المنهج القويم، إنما جاء لينظم لنا حركة الحياة ~~ويخرجنا من أهواء النفوس. ms0679 ونقول بعد استكمال الحق الكلام عن الحج وهو ~~الركن الخامس من أركان الإسلام، يبين لنا صنفين من المجتمع: أما الصنف ~~الأول فهو الصنف المنافق الذي لا ينسجم منطقه مع واقع قلبه ونفسه: # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ~~ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * ~~وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل والله لا يحب الفساد # [البقرة: 204-205]. وليت هذا الصنف حين يتنبه إلى ذلك يرتدع ويرجع، لا، ~~إنه إذا قيل له من ناصح محب مشفق: " اتق الله " أخذته العزة بالإثم!!. ~~والصنف الآخر في المجتمع هو من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، ويتمثل ذلك ~~في أنه إما أن يبيع نفسه في القتال فيكون شهيدا، وإما أن يستبقيها ~~استبقاء يكون فيه الخير لمنهج الله. فقال سبحانه: # ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله ~~والله رؤوف بالعباد # [البقرة: 207]. ثم تكلم الحق عن الدخول في السلم كافة، والدخول في السلم ~~أي الإسلام يطلب منا أن ندخل جميعا في كل أنواع السلم في الحياة، سلم ~~مع نفسك فلا تتعارض ملكاتك، فلا تقول قولا يناقض قلبك، وسلم مع ~~المجتمع الذي تعيش فيه، وسلم مع الكون الذي يخدمك جمادا ونباتا ~~وحيوانا، وسلم مع أمتك التي تعيش فيها، فقال سبحانه: # يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين # [البقرة: 208]. كل ذلك يدلنا على أن الحق حين خلق الخلق، وضع لهم المنهج ~~الذي يضمن لهم السلامة والأمن في كل أطوار هذه الحياة، فإن رأيت خللا أو ~~اضطرابا في الكون، أو رأيت خوفا أو قلقا فاعلم أن منهجا من مناهج ~~الإسلام قد عطل. والحق سبحانه وتعالى حينما يأمرنا أن ندخل في السلم ~~كافة فهو سبحانه يحذرنا أننا إن زللنا من المنهج فإن الله عزيز حكيم فلا ~~يغلبه أحد، ولا يقدر عليه أحد، فهو القادر القوي الذي يجري كل شيء ~~بحكمة، فلا تظنوا أنكم بذلك تسيئون إلى الله بالزلل عن منهجه، وإنما ~~تسيئون إلى أنفسكم ms0680 وإلى أبناء جنسكم لأن الله لا يغلب. وينبهنا الحق ~~سبحانه تنبيها آخر، إنه يلفتنا إلى أننا لا نملك أمر الساعة، فالساعة ~~تأتي بغته ومفاجئة، صاخة طامة، مرجفة مزلزلة. فاحذروا أن تصيبكم هذه ~~الرجفة وأنتم في غفلة عنها. وكل ذلك لندخل أيضا في السلام في اليوم ~~الآخر، وكأن الحق سبحانه يلفتنا إلى أن كلمات القرآن ليست مجرد كلمات ~~نظرية، ولكنها كلمات الحكيم الخبير التي حكمت تاريخ الأمم التي سبقت دعوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. فكم من آيات أرسلها الحق إلى بني إسرائيل ~~فتلكأوا وكان منهم ما كان، وشقوا هم، وشقي بهم المجتمع، إذن فالكلام ليس ~~كلاما نظريا. ويريد الله لنا أن ننظر بعمق إلى أمور الحياة، وألا ننظر ~~إلى سطحيات الأمور، فيجب ألا تخدعنا زينة الحياة الدنيا عن الحياة الآخرة ~~لأن الحياة الدنيا أمدها قصير، وعلينا أن نقيس عمر الدنيا بأعمارنا ~~منها، وأعمارنا فيها قصيرة لأن منا من يموت كبيرا ومنا من يموت صغيرا. ~~ويبين لنا الحق سبحانه أنه لم يترك خلقه هملا، وإنما أرسل لهم رسلا ~~يبينون لهم منهج الله، فكان الناس أمة واحدة مجتمعة على الحق إلى أن ~~تحركت الأهواء في نفوسهم، ومع ذلك رحمهم الله فلم يسلمهم إلى الأهواء، بل ~~استمر موكب الرسالات في البشر، وكلما غلبتهم الأهواء وطم الفساد، أرسل ~~الحق برحمته رسولا لينبه إلى أن جاء الرسول الخاتم الذي ميزه الله بخلود ~~منهجه، وجعل القيم في أمته. وصارت الأمة المحمدية هي حاملة أمانة حراسة ~~المنهج الذي يصون حركة الحياة في الأرض لأن الحق سبحانه لم يأمن أمة ~~سواها، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء. ثم نبهنا ~~الله من بعد ذلك إلى أن نهاية الإنسان إلى نعيم الله في الجنة لن يأتي ~~سهلا ميسورا، بل هو طريق محفوف بالمكارة، فيجب أن تنبهوا أنفسكم ~~وتروضوها وتدربوها على تحمل هذه المكاره، وتوطنوها على تحملها لتلك ~~المشاق. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ". # ويمتن الحق من بعد ms0681 ذلك على خلقه أنه أهدى للإنسان الخليفة في الأرض ~~عقلا يفكر به، وطاقة تنفذ تخطيط العقل، وكونا ماديا أمامه يتفاعل معه ~~في الحركة: فالعقل يخطط، والطاقة تنفذ في المادة المخلوقة المسخرة لله. ~~إذن فكل أدوات الحركة موجودة لله، وليس لك أيها الإنسان أن تخلق شيئا ~~فيها إلا أن توجه طاقات مخلوقة للعمل في مادة مخلوقة، فأنت لا توجد ~~شيئا. وبعد ذلك يطلب الحق منك أيها المسلم أن تحافظ على حركة الحياة، ~~بأن تقدر للعاجز عن هذه الحركة نصيبا من حركتك لذلك فعليك أن تتحرك في ~~الحياة حركة تسعك، وتسع من تعول، وتسع العاجز عن الحركة. وبذلك تؤمن ~~السماء كل عاجز عن الحركة بحرية المتحركين من إخوانه المؤمنين، وهو ~~سبحانه يطمئنك بأنك إذا فعلت ذلك وأمنت العاجز، فهو - جل وعلا - ~~يؤمنك حين يطرأ عليك العجز. لقد جعل الله سبحانه حالة الحياة دولا بين ~~الناس، فلا يوجد قوم قادرون دائما ولا قوم عاجزون دائما، بل يجعل الحق ~~من القادرين بالأمس عاجزين اليوم ومن العاجزين بالأمس قادرين اليوم حتى ~~تتوزع الحركة في الوجود. وحتى يعلم كل منا أن الله يطلب منك حين تقدر ~~ليعطيك حين تعجز. لذلك طلب منا أن ننفق، والنفقة على الغير لا تتأتى إلا ~~بعد استيفاء الإنسان ضروريات حياته، فكأن الحق يقول لك: إن عليك أن تتحرك ~~في الحياة حركة تسعك وتسع أن تنفق على من تعول، وإلا لو تحركت حركة على ~~قدرك فقد لا تجد ما تنفقه. وبعد ذلك يكلفنا سبحانه بأن كل مؤمن عليه أن ~~يأخذ مسئولية الإنفاق على الدوائر القريبة منه ليتحمل كل موجود في الحياة ~~مسئولية قطاع من المجتمع مربوط به رباطا نسبيا كالوالدين والأقربين. ~~وأن نجعل الضعفاء من الأيتام مشاعا على المجتمع مطلوبين من الجميع. ~~سواء كانت تربطهم بنا قرابة أو لا تربطنا بهم قرابة، فهم جميعا أقاربنا ~~لأن الله كلفنا بأن نرعاهم. ولكن هل يمكن أن يستقر منهج الله دون أن ~~يعاديه أحد؟ طبعا لا لذلك ينبهنا الحق إلى أننا سنجد أقواما لا يسعدهم ms0682 ~~أن يطبق منهج الله في الوجود لأنهم لا يعيشون إلا على مظالم الناس، هؤلاء ~~قوم سيسوؤهم أن يطبق منهج الله، فلتنتبهوا لهؤلاء ولذلك فرض الحق سبحانه ~~القتال حتى نمنع الفتنة بالكفر من الأرض لأن الكفر يعدد الآلهة في الكون ~~وسيتبع كل إنسان الهوى، ويصبح إلهه هواه وستتعدد الآلهة بتعدد الأهواء، ~~ولذلك كتب الله على المؤمنين القتال وقال: # وهو كره لكم # [البقرة: 216]، كل ذلك ليضمن لنا الغاية التي يريدها، وهي الدخول في ~~السلم والسلام والإسلام كافة. وبعد ذلك يطلب منا أن نجاهد بأموالنا ~~وأنفسنا وأن نهجر أوطاننا وأهلنا إن احتاجت إلى ذلك الحركة الإيمانية ~~فقال: # إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في ~~سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله ~~غفور رحيم # [البقرة: 218]. ويلفتنا الحق بعد ذلك إلى قمة الجهاز التخطيطي في ~~الإنسان ليحميه ويجعله جهازا سليما قادرا على التخطيط بصفاء وحكمة ~~وقوة، وهو العقل، ويلفتنا بضرورة أن نمنع عن العقل كل ما يخمره أي يستره ~~عن الحركة نمنع عنه الخمر لماذا؟ ليظل العقل كما يريده الله أداة ~~الاختيار بين البدائل. وما دام العقل هو الذي يخطط للطاقة الموجودة في ~~الإنسان لتعمل في المادة الموجودة في الكون، فيجب أن يظل هذا العقل ~~المخطط سليما، فلا يحاول الإنسان أن يستره، ولا يقل أحد: " إني أستره من ~~فرط زيادة المشكلات " ، لا: لأن المشكلات لا تريد عقلا واحدا منك فقط، ~~ولكنها تريد عقلين، فلا تأتي للعقل الواحد لتطمسه بالخمر، فمواجهة ~~المشكلات تقتضي أن نخطط تخطيطا قويا. وبعد ذلك يحذرنا الحق أن نأخذ من ~~حركة الآخرين بغير عرق وبغير جهد، فيحذرنا من الميسر وهو الرزق السهل، ~~والتحذير من الميسر إنما جاء ليضمن لكل إنسان أن يتحرك في الحياة حركة ~~سليمة لا خداع فيها. وكأن كل ما تقدم هو من إشراقات قوله تعالى الحق: { ~~في الدنيا والآخرة } [البقرة: 220] ومن بعد ذلك يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح ~~لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله ~~يعلم المفسد من المصلح ولو شآء الله ~~لأعنتكم إن الله عزيز ms0683 حكيم } [البقرة: 220]. ونعرف أن ~~اليتامى قد لا يدخلون في دائرة المحتاجين لكن الله ينبهنا إلى أن المسألة ~~في اليتيم ليست مسألة احتياج إلى الاقتيات، ولكنه في حاجة إلى أن يعوضه ~~بالتكافل الإيماني عما فقده من الأب، وذلك يمنع الحقد على الأطفال الذين ~~لم يمت آباؤهم. وحين يجد اليتيم أن كل المؤمنين آباء له فيشعر بالتكافل ~~الذي يعوضه حنان الأب ولا يعاني من نظرة الأسى التي ينظر بها إلى أقرانه ~~المتميزين عليه بوجود آبائهم، وبذلك نخلع منه الحقد. وكان المسلمون ~~القدامى يخلطون أموالهم بأموال اليتامى ليسهلوا على أنفسهم، وعلى أمر ~~حركة اليتيم مئونة العمل، فلو أن يتيما دخل تحت وصاية إنسان، وأراد هذا ~~الإنسان أن يجعل لليتيم القاصر حياة مستقلة وإدارة مستقلة ومسكنا ~~مستقلا في الحياة لشق ذلك على نفس الرجل، ولذلك أذن الله أن يخلط الوصي ~~ماله بمال اليتيم، وأن يجعل حركة هذا المال من ماله، بما لا يوجد عند ~~الوصي مشقة ولما نزل قوله تعالى: # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # [الأنعام: 152]. وتحرج الناس، وتساءلوا كيف يعاملون اليتيم خصوصا أن ~~الحق سبحانه وتعالى قال: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء: 10]. وكف الناس أيديهم عن أمر اليتامى، وأراد الحق سبحانه ~~وتعالى أن يسهل الأمر، فأنزل القول الحق: { قل إصلاح لهم ~~خير وإن تخالطوهم فإخوانكم } [البقرة: 220] والمخالطة ~~تكون على أساس أن اليتامى إخوانكم واحذروا جيدا أن يكون في هذا الخلط ~~شيء لا يكون فيه إصلاح لليتيم. # وإياكم أن تفهموا أن الشكلية الاجتماعية تكفي الوصي في أن يكون مشرفا ~~على مال اليتيم دون حساب لأن الله يعلم المفسد من المصلح. فلا يحاول أحد ~~أن يقول أمام الناس: إنه قد فتح بيته لليتيم وإنه يرعى اليتيم بينما ~~الأمر على غير ذلك لأن الله يعلم المفسد من المصلح. ويقول الحق: { ولو ~~شآء الله لأعنتكم } [البقرة: 220] والإعنات هو أن توقع غيرك ~~وتدخله في أمر فيه مشقة، فلو لم يبح الله لكم مخالطتهم لأصابتكم مشقة ~~فيسر الله للمؤمنين ms0684 من الأوصياء أن يخالطوا اليتامى، ومعنى المخالطة: هو ~~أن يوحد الوصي حركة اليتيم مع حركته، وأن يوحد معاش اليتيم مع معاشه، ~~بدلا من أن يكون لليتيم على سبيل المثال أدوات طعام مستقلة، وقد كان هذا ~~هو الحاصل. وكان يفسد ما يتبقى من الطعام فلم تكن هناك وسائل صيانة وحفظ ~~الأطعمة مثل الثلاجات، وكان ذلك ضررا باليتيم، وضررا أيضا بمن يشرف ~~عليه. لكن حين قال: { وإن تخالطوهم } [البقرة: 220]، فكان ذلك ~~توفيرا للمشقة على الأوصياء. فالمخالطة هي المعاشرة التي لا يتعثر فيه ~~التمييز. وقد درسنا في طفولتنا درسا بعنوان " الخلط والمزج " فالخلط هو ~~أن تخلط على سبيل المثال حبوب الفول مع حبوب العدس، أو حبوب الأرز مع ~~حبات البندق. وعندما تأتي لتمييز صنف من آخر، فأنت تستطيع ذلك، وتستطيع ~~أن تفصل الصنفين بعضا عن بعض بالغربال ولذلك فالمخالطة تكون بين الحبوب ~~ونحوها. أما المزج فهو في السوائل. والحق سبحانه يرشدنا أن نخالط اليتامى ~~لا أن نمزج مالهم بمالنا لأن اليتيم سيصل يوما إلى سن الرشد، وسيكون على ~~الوصي أن يفصل ماله عن مال اليتيم. ويتابع الحق: { والله يعلم ~~المفسد من المصلح } [البقرة: 220] لأن الوصي قد يدعي أمام ~~الناس أنه يرعى حق اليتيم، وأنه يقوم بمصالحه ويحترم ماله، لكن الأمر قد ~~يختلف في النية وهو سبحانه لم يكل الأمر إلى ظواهر فهم المجتمع لسلوك ~~الوصي مع اليتيم وعن المخالطة، بل نسب ذلك كله إلى رقابته سبحانه، وذلك ~~حتى يحتاط الإنسان ويعرف أن رقابة الله فوق كل رقابة، ولو شاء الحق لأعنت ~~الأوصياء وجعلهم يعملون لليتيم وحده، ويفصلون بين حياة اليتيم ومعاشهم. ~~وفي ذلك مشقة شديدة على النفس. وحتى نفهم معنى العنت بدقة فلنقرأ قول ~~الحق سبحانه: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. لقد جاءكم أيها المؤمنون رسول منكم، عربي ومن قريش ~~يبلغكم رسالة الله سبحانه وتعالى: يحرص عليكم كيلا تقعوا في مشقة أو ~~تعيشوا في ضنك الكفر، حريص على أن تكونوا من المهتدين. # فالرسول ms0685 صلى الله عليه وسلم لم يأتي من جنس الملائكة، ولكن جاء من جنس ~~البشر، فلا يقولن أحد: إنه لا يصلح أسوة لي. إنه نشأ في مكة التي تعيش ~~بها قريش، وتاريخه معروف لقومه: بدليل أنهم خلعوا عليه أول الأوصاف ~~المطلوبة والواجبة للرسالة وهي الأمانة، فالحق جاء به من البشر وليس ~~بغريب عليهم، وبمجرد أن أخبر بالوحي وجد أناسا آمنوا به قبل أن يقرأ ~~قرآنا، وقبل أن يأتيهم بتحد. # " فعندما جاءه الملك جبريل عليه السلام في غار حراء، فقال: اقرأ. ~~قال: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، [أي ضمني وعصرني، ~~والحكمة فيه شغله عن الالتفات ليكون قلبه حاضرا] ثم أرسلني فقال: اقرأ، ~~قلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ~~وقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني الثالثة فغطني ثم أرسلني فقال: { ~~اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الإنسان من علق ~~* اقرأ وربك الأكرم * الذى علم بالقلم * علم ~~الإنسان ما لم يعلم } فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال لها: " زملوني. ~~زملوني ". فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: " ~~لقد خشيت على نفسي " لكن خديجة رضي الله عنها بحسن استنباطها تقول: " كلا ~~والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري ~~الضيف وتعين على نوائب الحق ". # إن خديجة رضوان الله عليها تستنبط أن من فيه هذه الخصال إنما هو مهيأ ~~للرسالة. # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم # [التوبة: 128]. أي محب لكم يشق عليه ويتعبه ما يشق عليكم ويتعبكم ولذلك ~~كان الرسول صلى الله عليه وسلم مشغولا بأمته. ويروي عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " أمتي. أمتي. أمتي ". والحق سبحانه وتعالى يعلم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مشغول بأمته. # " عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول ~~الله عز وجل في إبراهيم { رب ms0686 إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس فمن تبعني فإنه مني.. } الآية. وقال عيسى عليه ~~السلام: { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر ~~لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } فرفع يديه وقال: اللهم ~~أمتي أمتي وبكى. فقال الله عز وجل: " يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم ~~فسله ما يبكيك. فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله فأخبره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد ~~فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك " ". # إننا عندما نتأمل دقة الجواب النبوي نعرف أن الرسول الكريم مشغول بأمته، ~~ولكنه ينظر إلى نفسه على أنه أخ لكل مؤمن. والأخ قد يتغير على أخيه لذلك ~~لم يشأ الرسول الكريم أن يخرج أمر المسلمين من يد الله ورحمته وهو ~~الخالق الكريم إلى أمره هو صلى الله عليه وسلم. إن الرسول يعرف أن الله ~~أرحم بخلقه من أي إنسان، حتى الرسول نفسه. نقول ذلك في معرض حديثنا عن ~~العنت الذي يمكن أن يصاحب الإنسان إن لم يرع حق الله في مال اليتيم لأن ~~الله عزيز حكيم، وهو الحق الذي يغلب ولا يغلبه أحد. ونرى في قول الحق: ~~{ إن الله عزيز حكيم } [البقرة: 220] أن صفة العزة متآزرة ~~بصفة الحكمة. وبعد ذلك يدخل معنا الحق سبحانه وتعالى في مسألة جديدة لو ~~نظرنا إليها لوجدناها أساس أي حركة في الحياة وفي المجتمع، إنها مسألة ~~الزواج. ويريد سبحانه أن يضمن الاستقرار والسعادة للكائن الذين كرمه ~~وجعله خليفة في الأرض، وجعل كل الأجناس مسخرة لخدمته. إن الحق يريد أن ~~يصدر ذلك الكائن عن ينبوع منهجي واحد لأن الأهواء المتضاربة هي التي تفسد ~~حركة الحياة، فأراد أن يصدر المجموع الإنساني كله عن ينبوع عقدي واحد، ~~وأراد أن يحمي ذلك الينبوع من أن يتعثر بتعدد النزعات والأهواء، لذلك ~~ينبهنا الحق إلى هذا الموقف. إنه سبحانه يريد سلامة الوعاء الذي سيوجد ~~ذلك الإنسان، من بعد الزواج، فبالزواج ينجب الإنسان وتستمر الحياة ~~بالتكاثر. ولذلك لابد من الدقة في اختيار الينبوع الذي يأتي ms0687 منه النسل. ~~فهو سبحانه يقول: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم... ~~}. ### || [2.221] # إن الحق يقول: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ~~[البقرة: 221]، وهذه أول لبنة في بناء الأسرة وبناء المجتمع، لأنها لو لم ~~تكن مؤمنة، فماذا سوف يحدث؟ إنها ستشرف على تربية الطفل الوليد إشرافا ~~يتناسب مع إشراكها، وأنت مهمتك كأب ومرب لن تتأتى إلا بعد مدة طويلة تكون ~~فيها المسائل قد غرست في الوليد، فإياك أن يكون الرجل مؤمنا والمرأة ~~مشركة لأن هذا يخل بنظام الأسرة فعمل الأم مع الوليد يؤثر في أوليات ~~تكوينه إنه يؤثر في قيمه، وتكوين أخلاقه. وهذا أمر يبدأ من لحظة أن يرى ~~ويعي، والطفل يقضي سنواته الأولى في حضن أمه، وبعد ذلك يكبر فيكون في حضن ~~أبيه، فإذا كانت الأم مشركة والأب مؤمنا فإن الإيمان لن يلحقه إلا بعد ~~أن يكون الشرك قد أخذ منه وتمكن وتسلط عليه. ونعرف أن الطفولة في الإنسان ~~هي أطول أعمار الطفولة في الكائنات كلها، فهناك طفولة تمكث ساعتين اثنتين ~~مثل طفولة الذباب، وهناك طفولة أخرى تستغرق شهرا، وأطول طفولة إنما تكون ~~في الإنسان لأن هذه الطفولة مناسبة للمهمة التي سيقوم بها الإنسان، كل ~~الطفولات التي قبلها طفولات لها مهمة سهلة جدا، إنما الإنسان هو الذي ~~ستأتي منه القيم، لهذا كانت طفولته طويلة إنها تستمر حتى فترة بلوغ ~~الحلم. والحق هو القائل: # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ~~كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله ~~لكم آياته والله عليم حكيم # [النور: 59]. فكأن الطفل يظل طفلا إلى أن يبلغ الحلم، فكم سنة إذن ستمر ~~على الطفل؟. وكم سنة سوف يتغذى هذا الطفل من ينابيع الشرك إن كانت أمه ~~مشركة؟ إنها فترة طويلة لا يمكن له من بعد ذلك أن يكون مؤمنا غير مضطرب ~~الملكات. وإن صلح مثل هذا الإنسان أن يكون مؤمنا فسيقوم إيمانه على ~~القهر والقسر والولاية للأب، وسيكون مثل هذا الإيمان عملية شكلية وليست ~~مرتكزة ولا معتمدة على أساس صادق. ونحن نعرف ms0688 أن الثمرات التي ننعم نحن ~~بأكلها لا يكون نضجها إلا حين تنضج البذرة التي تتكون منها شجرة جديدة، ~~وقبل ذلك تكون مجرد فاكهة فجة وليس لها طعم. وقد أراد الحق أن ينبهنا ~~إلى هذا الأمر ليحرص الإنسان على أن يستبقي الثمرة إلى أن تنضج ويصير لها ~~بذور. إن المرأة لا تكون ثمرة طيبة إلا إذا أنجبت مثلها ولدا صالحا ~~نافعا، يريد الحق للنشء أن يكون غير مضطرب الإيمان لذلك يقول: { ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن } [البقرة: 221] أي إياكم ~~أن تنخدعوا بالمعايير الهابطة النازلة، وعلى كل منكم أن يأخذ حكم الله: ~~{ ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ~~} [البقرة: 221] لأن إعجاب الإنسان بالمرأة بصرف النظر عن الإيمان سيكون ~~إعجابا قصير العمر. # إن عمر الاستمتاع بالجمال الحسي للمرأة إن جمعنا لحظاته فلن يزيد مجموعه ~~عن شهر من مجموع سنوات الزواج. فكل أسبوع يتم لقاء قد يستغرق دقائق ~~وبعدها يذبل الجمال، وتبقى القيم هي المتحكمة، ونحن نجد المرأة حين ~~تتزوج، ثم يبطئ الحمل فإنها تعاني من القلق وكذلك أهلها. إن الرجل إن كان ~~قد تزوجها للوسامة والقسامة والقوام والعينين، فهذا كله سيبرد ويهدأ بعد ~~فترة، ثم توجد مقاييس أخرى لاستبقاء الحياة، وعندما يلتفت إليها الإنسان ~~ولا يجدها فهو يغرق في الندم لأنها لم تكن في باله وقت أن اختار. لذلك ~~تريد المرأة أن تمكن لنفسها بأن يكون عندها ولد لتربط الرجل بها، وحتى ~~يقول المجتمع: " عليك أن تتحملها من أجل الأولاد "! فالرجل بعد الزواج ~~يريد قيما أخرى غير القيم الحسية التي كانت ناشئة أولا، لذلك يحذرنا ~~الله قائلا: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ~~[البقرة: 221]. وجاء قوله { حتى يؤمن } [البقرة: 221] لأن ~~الإسلام يجب ما قبله ما دامت قد آمنت فقد انتهت المسألة. وانظروا إلى ~~دقة قوله سبحانه: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ~~ولأمة مؤمنة خير من مشركة } [البقرة: 221] أي إن ~~الأمة المسلمة خير من حرة مشركة، { ولو أعجبتكم } [البقرة: ~~221] لقد جاء قول الحق هنا بمقاييس الإعجاب الحسي. ليلفتنا إلى أننا لا ~~يصح أن نهمل ms0689 مقاييس خالدة ونأخذ مقاييس بائدة وزائلة. ثم يقول الحق: { ~~ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا } [البقرة: 221] ~~وهذا هو النظير في الخطاب وهو ليس متقابلا فهو لم يخاطب المؤمنات ألا ~~ينكحن المشركين، إنما قال: { ولا تنكحوا المشركين حتى ~~يؤمنوا } [البقرة: 221] وتلك دقة في الأداء هنا لأن الرجل له ~~الولاية في أن ينكح، فيأمره بقوله: لا تنكح، لكن المرأة ليس لها ولاية ~~أن تنكح نفسها. فنحن نعرف القاعدة الشرعية التي تقول: " لا نكاح إلا ~~بولي " ، وهو لم يوجه حديثه للنساء لأن المرأة تتحكم فيها عاطفتها لكن ~~وليها ينظر للأمر من مجموعة زوايا أخرى تحكم الموقف. صحيح أننا نستأذن ~~الفتاة البكر كي نضمن أن عاطفتها ليست مصدودة عن هذا الزواج، لكن الأب أو ~~ولي الأمر الرجل يقيس المسائل بمقاييس أخرى، فلو تركنا للفتاة مقياسها ~~لتهدم الزواج بمجرد هدوء العاطفة، وساعة تأتي المقاييس العقلية الأخرى ~~فلن تجد ذلك الزواج مناسبا لها فتفشل الحياة الزوجية.. لذلك يطالبنا ~~الإسلام أن نستشير المرأة، كي لا نأتيها بواحد تكرهه، ولكن الذي يزوجها ~~إلى ذلك الرجل هو وليها لأن له المقاييس العقلية والاجتماعية والخلقية ~~التي قد لا تنظر إليها الفتاة فقد يبهرها في الشاب قوامه وحسن شكله ~~وجاذبية حديثه، لكن عندما تدخل المسألة في حركة الحياة ودوامتها قد تجده ~~إنسانا غير جدير بها. # ولكي تكون المسألة مزيجا من عاطفة بنت، وعقل أب، وخبرة أم، كان لابد من ~~استشارة الفتاة، وأن يستنير الأب برأي الأم، ثم يقول الأب رأيه أخيرا، ~~وكل زواج يأتي بهذا الأسلوب فهو زواج يحالفه التوفيق، لأن المعايير كلها ~~مشتركة، لا يوجد معيار قد اختل فالأب بنى حكما على أساس موافقة الابنة، ~~أما إذا رفضت الفتاة وكانت معايير الأب صحيحة، لكن الابنة ليس لها تقبل ~~لهذا الرجل لذلك فلا يصح أن يتم هذا الزواج. وكثير من الزيجات قد فشلت ~~لأننا لم نجد من يطبق منهج الله في الدخول إلى الزواج. وحين لا يطبقون ~~منهج الله في الدخول إلى الزواج ثم يقابلون بالفشل، فهم يصرخون منادين ~~قواعد الإسلام لتنقذهم. ms0690 ونقول لهم: وهل دخلتم الزواج على دين الله؟ إنكم ~~ما دمتم قد دخلتم الزواج بآرائكم المعزولة عن منهج الله فلتحلوا المسألة ~~بآرائكم. فالدين ليس مسئولا إلا عمن يدخل بمقاييسه، لكن أن تدخل على ~~الزواج بغير مقاييس الله ثم تريد من الله أو من القائمين على أمر الله أن ~~يحلوا لك المشاكل فذلك ظلم منك لنفسك وللقائمين على أمر الله. وإن لم ~~تحدث مثل هذه المشكلات لكنا قد اتهمنا منهج الله. ولقلنا: قد تركنا منهج ~~الله وسعدنا في حياتنا. ولذلك كان لابد أن تقع المشكلات. إذن فقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ~~[البقرة: 221] هذه قضية لها سبب، لكن العبرة فيها بعموم موضوعها لا بخصوص ~~سببها، لقد كان السبب فيها هو ما روي أنه كان هناك صحابي اسمه مرثد بن ~~أبي مرثد الغنوي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة ليخرج منها ~~ناسا من المسلمين. وكان يهوى امرأة في الجاهلية اسمها " عناق " وكانت ~~تحبه، وساعة رأته أرادت أن تخلو به فقال لها: ويحك إن الإسلام قد حال ~~بيننا، فقالت له: تزوجني، فقال لها: أتزوجك لكن بعد أن أستأمر وأستأذن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فلما استأمره نزل قوله تعالى: { ولا ~~تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة ~~خير من مشركة ولو أعجبتكم } [البقرة: 221]. وقيل إن ~~قوله تعالى: { ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو ~~أعجبتكم } [البقرة: 221] نزلت في خنساء وليدة سوداء كانت لحذيفة ~~بن اليمان، فقال لها حذيفة: يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى مع سوادك ~~ودمامتك وأنزل الله ذكرك في كتابه، فأعتقها حذيفة وتزوجها. ويتابع الحق ~~فيقول: { ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ~~ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم } ~~[البقرة: 221]. إن المقاييس واحدة في اختيار شريك الحياة، إنها الرغبة في ~~بناء الحياة الأسرية على أساس من الخير، وغاية كل شيء هي التي تحدد ~~قيمته، وليست الوسيلة هي التي تحدد قيمة الشيء، فقد تسير في سبيل وطريق ~~خطر وغايته فيها خير، وقد تسير في سبيل مفروش بالورود والرياحين ms0691 وغايته ~~شر، ولذلك يقول الحق: { أولئك يدعون إلى النار والله ~~يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين ~~آياته للناس لعلهم يتذكرون } [البقرة: 221]. # والذين يدعون إلى النار هم أهل الشرك. أما الله فهو يدعو إلى الجنة، ~~والمغفرة تأتي بإذن الله أي بتيسير الله وتوفيقه. ونعرف جميعا الحكمة ~~التي قالها الإمام " علي " كرم الله وجهه: لا خير في خير بعده النار، ولا ~~شر في شر بعده الجنة. وقوله الحق { لعلهم يتذكرون } ~~[البقرة: 221] ترد كثيرا، هذا التذكر ماذا يفعل؟ إن التذكر يشعرك بأن ~~القضية كانت معلومة والغفلة هي التي طرأت، لكن الغفلة إذا تنبهت إليها، ~~فهي تذكرك ما كنت قد نسيته من قبل، لكن إن طالت الغفلة، ونسي الأصل فهذه ~~هي الطامة، التي تنطمس بها المسألة. إذن فالتذكر يشمل مراحل: المرحلة ~~الأولى: أن تعرف إن لم تكن تعرف، أو تعلم إن كنت تجهل، والمرحلة الثانية: ~~هي أن تتذكر إن كنت ناسيا، أو توائم بين ما تعلم وبين ما تعمل فالتذكر ~~يوحي لك بأن توائم ما بين معرفتك وسلوكك حتى لا تقع في الجهل، والجهل ~~معناه أن تعلم ما يناقض الحقيقة. لقد أراد الله أن يصون الإنسان الذي ~~اختار الإيمان عندما حرم عليه الزواج بواحدة من أهل الشرك. إن الحق ~~سبحانه وتعالى يريد أن يضمن لمن جعله خليفة في الأرض عقيدة واحدة يصدر ~~عنها السلوك الإنساني لأن العقائد إن توزعت حسب الأهواء فسيتوزع السلوك ~~حسب الأهواء. وحين يتوزع السلوك تتعاند حركة الحياة ولا تتساند. فيريد ~~الحق سبحانه وتعالى أن يضمن وحدة العقيدة بدون مؤثر يؤثر فيها فشرط في ~~بناء اللبنة الأولى للأسرة ألا ينكح مؤمن مشركة لأن المشركة في مثل هذه ~~الحالة ستتولى حضانة الطفل لمدة طويلة هي - كما قلنا - أطول أعمار ~~الطفولة في الكائن الحي. ولو كان الأب مؤمنا والأم مشركة فالأب سيكون ~~مشغولا بحركة الحياة فتتأصل عن طريق الأم معظم القيم التي تتناقض مع ~~الإيمان. وأراد الحق سبحانه وتعالى أيضا ألا تتزوج المؤمنة مشركا لأنها ~~بحكم زواجها من مشرك ستنتقل إليه وإلى بيئته ms0692 المشركة وإلى أسرته. وسينشأ ~~طفلها الوليد في بيئة شركية فتتأصل فيه الأشياء القيمية التي تناقض ~~الإيمان. ويريد الحق سبحانه وتعالى بهذه الصيانة، أي بعدم زواج المؤمن من ~~مشركة، وبعدم زواج المؤمنة من مشرك، أن يحمي الحاضن الأول للطفولة. وحين ~~يحمي الحاضن الأول للطفولة يكون الينبوع الأول الذي يصدر عنه تربية عقيدة ~~الطفل ينبوعا واحدا، فلا يتذبذب بين عقائد متعددة. لذلك جاء قول الحق: ~~{ ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة ~~مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا ~~تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن ~~خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى ~~النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة ~~بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون } ~~[البقرة: 221]. # كل ذلك حتى يصون الحق البيئة التي ينشأ فيها الوليد الجديد. وعلينا أن ~~نفهم أن الحق سبحانه وتعالى رخص للمؤمنين في أن ينكحوا أهل الكتاب بقوله ~~الحق: # اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات ~~من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم إذآ آتيتموهن أجورهن ~~محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن ~~يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من ~~الخاسرين # [المائدة: 5]. وقد وقف العلماء من مسألة ترخيص الحق للمؤمنين في أن ~~يتزوجوا من أهل الكتاب موقفين: الموقف الأول: هو موقف مانع لأن بعض ~~العلماء رأى أن أهل الكتاب قد ينحرفون في معتقداتهم إلى ما يجعلهم في ~~الشرك، وقالوا: وهل هناك شرك أكثر من أن تدعى الربوبية لبشر؟ والموقف ~~الثاني: أجاز بعض العلماء أن يتزوج الإنسان من كتابية ويجب عليه أن ~~يسألها أهي تدين بألوهية أحد من البشر أم تدين بالله الواحد القهار؟ فإن ~~كانت المسألة مجرد الخلاف في الرسول فالأمر يهون، أما إن كانت تؤمن ~~بألوهية أحد من البشر بجانب الله فقد دخلت في الشرك وعلى المؤمن أن ~~يحتاط. وإذا كان للرجل الولاية وله أن يتزوج بكتابية فهو غالبا ما ~~ينقلها إلى بيئته هو وستكون البيئة المؤثرة واحدة، ووجود الولاية للأب مع ~~الوجود في البيئة الإيمانية سيؤثر ms0693 ويخفف من تأثير الأم الكتابية على ~~أولادها، وإن كان على الإنسان أن يتيقظ إلى أن هناك مسالك تتلطف وتتسلل ~~ناحية الشرك، فمن الخير أن يبتعد المسلم عن ذلك، وأن يتزوج ويعصم ويعف ~~فتاة مسلمة. وحين يحمي الحق سبحانه وتعالى الحضانة الأولى للطفل فهو يريد ~~أن يربي في الطفل عدم التوزع، وعدم التمزق، وعدم التنافر بين ملكاته. ~~وحين نضمن للطفل التواجد والنشأة في بيئة متآلفة فهو ينشأ طفلا سويا. ~~والإسلام يريد أن يحافظ على سوية هذا الطفل. ويقول بعض الناس: ولماذا ~~لا توجد محاضن جماعية؟ وكأنهم بذلك يريدون أن يحلوا الإشكال. نقول لهم: ~~إن الإشكال لم يحل عند الذين فعلوا ذلك من قبلنا، ولذلك فعندما نقرأ ~~مؤلفاتهم مثل كتاب " أطفال بلا أسر " فسنجد أن الطفولة عندهم معذبة. ~~ولماذا نذهب بعيدا؟ إننا عندما نتتبع كيفية النشأة الجماعية للأطفال في ~~إسرائيل فالبحوث العلمية تؤكد على أن الأطفال يعيشون في بؤس رهيب لدرجة ~~أن التبول اللاإرادي ينتشر بينهم حتى سن الشباب. وكيف يغيب عن بالنا أن ~~الطفل يظل حتى تصل سنه إلى عامين أو أكثر وهو يطلب ألا يشاركه في أمه ~~أحد، حتى وإن كان أخا له فهو يغار منه فما بالك بأطفال متعددين تقوم ~~امرأة ليست أمهم برعايتهم؟ ولا يغني عن حنان الأم حنان مائة مربية فليس ~~للمربيات جميعا قلب الأم التي ولدت الطفل، فالحنان الذي تعطيه الأم ليس ~~حنانا شكليا ولا وظيفيا، ولكنه طبيعة حياة خلقها الله لتعطي العطاء ~~الصحيح، لذلك لابد من إعطاء الطفل فترة يشعر فيها بأن أمه التي ولدته له ~~وحده، ولا يشاركه فيها أحد حتى لو كان أخا له، وتمر عليه فترة بعد أن ~~يخرج من مهد الطفولة الأولى إلى الشارع ليجد حركة الحياة، ويجد القائمين ~~على حركة الحياة هم الرجال وآباء أمثاله من الأطفال فيجب بعد ذلك أن ~~ينسب إلى أب له كيان معروف في المجتمع الخارجي. # فمن مقومات تكوين الطفل أن يشعر أن له أما لا يشاركه فيها أحد، وأن ~~له أبا لا يشاركه فيه أحد. ms0694 وإن شاركه فيهما أحد فهم إخوته ويضمهم ~~ويشملهم جميعا حنان الأم ورعاية الأب. لقد اعترف أهل العلم بتربية ~~الأطفال أن احتياج الطفل لأمه هو احتياج هام وأساسي للتربية لمدة عامين ~~وبضعة من الشهور، والحق تبارك وتعالى حين أنزل على رسوله قبل أربعة عشر ~~قرنا من الآن القول الحكيم الصادق بين هذه الحقيقة واضحة في أجلى ~~صورها: # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه ~~كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ~~حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ~~وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي ~~في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين # [الأحقاف: 15]. إن الأم هي الحاضنة الطبيعية للطفل كما أرادها الحق. ~~إذن، فالحق يريد أن يحمي اللبنة الأولى في تكوين المجتمع وهي الأسرة في ~~البناء العقدي من أن تتأثر بالشرك، ويريد أن يحفظ للأسرة كيانا ~~سليما. ويعالج الحق بعد ذلك قضية التواصل مع المرأة أثناء فترة الحيض ~~فيأتي التشريع ليقنن هذه المسألة لأن الإسلام جاء وفي الجو الاجتماعي ~~تياران: تيار يرى أن الحائض هي امرأة تعاني من قذارة، لذلك لا يمكن للزوج ~~أن يأكل معها أو يسكن معها أو يعاشرها أو يعيش معها في بيت واحد وكذلك ~~أبناؤه. وتيار آخر يرى المرأة في فترة الحيض امرأة عادية لا فرق بينها ~~وبين كونها غير حائض أي تباشر حياتها الزوجية مع زوجها دون تحوط أو تحفظ. ~~كان الحال - إذن - متأرجحا بين الإفراط والتفريط، فجاء الإسلام ليضع ~~حدا لهذه المسألة فيقول الحق سبحانه وتعالى: { ويسألونك عن ~~المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النسآء في المحيض... ~~}. ### || [2.222] # حين تقرأ { هو أذى } [البقرة: 222] فقد أخذت الحكم ممن يؤمن على ~~الأحكام، ولا تناقش المسألة، مهما قال الطب من تفسيرات وتعليلات وأسباب ~~نقول له: لا، الذي خلق قال: { هو أذى } [البقرة: 222]. والمحيض يطلق ~~على الدم، ويراد به - أيضا - مكان الحيض، ويراد به زمان الحيض. وقوله ~~تعالى عن المحيض إنه أذى يهيئ الذهن لأن يتلقى حكما في هذا الأذى، ms0695 وبذلك ~~يستعد الذهن للحظر الذي سيأتي به الحكم. وقد جاء الحكم بالحظر والمنع بعد ~~أن سبقت حيثيته. إن الحق سبحانه وتعالى وهو الخالق أراد أن تكون عملية ~~الحيض في المرأة عملية كيماوية ضرورية لحياتها وحياة الإنجاب. وأمر ~~الرجال أن يعتزلوا النساء وهن حوائض لأن المحيض أذى لهم. لكن هل دم الحيض ~~أذى للرجال أو للنساء؟ إنه أذى للرجال والنساء معا لأن الآية أطلقت ~~الأذى، ولم تحدد من المقصود به. والذي يدل على ذلك أن الحيض يعطي قذارة ~~للرجل في مكان حساس هو موضع الإنزال عنده، فإذا وصلت إليه الميكروبات ~~تصيبه بأمراض خطيرة. والذي يحدث أن الحق قد خلق رحم المرأة وفي مبيضيها ~~عدد محدد معروف له وحده سبحانه وتعالى من البويضات، وعندما يفرز أحد ~~المبيضين البويضة فقد لا يتم تلقيح البويضة، فإن بطانة الرحم المكون من ~~أنسجة دموية تقل فيها نسبة الهرمونات التي تثبت بطانة الرحم، وعندما تقل ~~نسبة الهرمونات يحدث الحيض. والحيض هو دم يحتوي على أنسجة غير حية، وتصبح ~~منطقة المهبل والرحم في حالة تهيج، لأن منطقة المهبل والرحم حساسة جدا ~~لنمو الميكروبات المسببة للإلتهابات سواء للمرأة، أو للرجل إن جامع زوجته ~~في فترة الحيض. والحيض يصيب المرأة بأذى في قوتها وجسدها بدليل أن الله ~~رخص لها ألا تصوم وألا تصلي إذن فالمسألة منهكة ومتعبة لها، فلا يجوز ~~أن يرهقها الرجل بأكثر مما هي عليه. إذن فقوله تعالى: { هو أذى } ~~[البقرة: 222] تعميم بأن الأذى يصيب الرجل والمرأة. وبعد ذلك بين الحق ~~أن كلمة " أذى " حيثية تتطلب حكما يرد، إما بالإباحة وإما بالحظر، وما ~~دام هو أذى فلابد أن يكون حظرا. يقول عز وجل: { فاعتزلوا ~~النسآء في المحيض ولا تقربوهن } [البقرة: 222] والذي ~~يقول: إن المحيض هو مكان الحيض يبني قوله بأن المحرم هو المباشرة ~~الجنسية، لكن ما فوق السرة وما فوق الملابس فهو مباح، فقوله الحق: { ~~ولا تقربوهن } أي لا تأتوهن في المكان الذي يأتي منه الأذى وهو ~~دم الحيض. { حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من ~~حيث أمركم الله ms0696 } [البقرة: 222]. و " يطهرن " من الطهور مصدر ~~طهر يطهر، وعندما نتأمل قوله: { فإذا تطهرن } [البقرة: 222] ~~نجد أنه لم يقل: " فإذا طهرن " ، فما الفرق بين " طهر " و " تطهر "؟ إن ~~" يطهرن " معناها امتنع عنهن الحيض، و " تطهرن " يعني اغتسلن من الحيض ~~ولذلك نشأ خلاف بين العلماء، هل بمجرد انتهاء مدة الحيض وانقطاع الدم ~~يمكن أن يباشر الرجل زوجته، أم لابد من الانتظار حتى تتطهر المرأة ~~بالاغتسال؟. # وخروجا من الخلاف نقول: إن قوله الحق: " تطهرن " يعني اغتسلن فلا مباشرة ~~قبل الاغتسال. ومن عجائب ألفاظ القرآن أن الكلمات تؤثر في استنباط الحكم، ~~ومثال ذلك قوله تعالى: # إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه ~~إلا المطهرون # [الواقعة: 77-79]. ما المقصود إذن؟ هل المقصود أن القرآن لا يمسكه إلا ~~الملائكة الذين طهرهم الله من الخبث، أو أن للبشر أيضا حق الإمساك ~~بالمصحف لأنهم يتطهرون؟ بعض العلماء قال: إن المسألة لابد أن ندخلها في ~~عموم الطهارة، فيكون معنى " إلا المطهرون " أي الذين طهرهم من شرع لهم ~~التطهير ولذلك فالمسلم حين يغتسل أو يتوضأ يكون قد حدث له أمران: التطهر ~~والطهر. فالتطهر بالفعل هو الوضوء أو الاغتسال، والطهر بتشريع من الله، ~~فكما أن الله طهر الملائكة أصلا فقد طهرنا معشر الإنس تشريعا، وبذلك ~~نفهم الآية على إطلاقها ونرفع الخلاف. وقول الحق في الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها: " حتى يطهرن " أي حتى يأذن الله لهن بالطهر، ثم يغتسلن ~~استجابة لتشريع الله لهن بالتطهر. { فأتوهن من حيث أمركم ~~الله } [البقرة: 222] يعني في الأماكن الحلال. { إن الله ~~يحب التوابين ويحب المتطهرين } [البقرة: 222] ~~وأراد الحق تبارك وتعالى أن يدخل عليك أنسا، فكما أنه طلب منك أن تتطهر ~~ماديا فهو سبحانه قبل أيضا منك أن تتطهر معنويا بالتوبة، لذلك جاء ~~بالأمر حسيا ومعنويا. وبعد ذلك جاء الحق سبحانه وتعالى بحكم جديد، هذا ~~الحكم ينهي إشكالا أثاره اليهود. وقد كان اليهود يثيرون أن الرجل إذا ~~أتى امرأته من خلف ولو في قبلها - بضم القاف - جاء الولد أحول. و " ~~القبل " هو مكان الإتيان، وليس ms0697 معناه الإتيان في الدبر والعياذ بالله ~~كما كان يفعل قوم لوط. ولما كان هذا الإشكال الذي أثاره اليهود لا أساس ~~له من الصحة فقد أراد الحق أن يرد على هذه المسألة فقال: { نسآؤكم ~~حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا ~~لأنفسكم واتقوا الله... }. ### || [2.223] # إن الحق سبحانه وتعالى يفسح المجال للتمتع للرجل والمرأة على أي وجه من ~~الأوجه شريطة أن يتم الإتيان في محل الإنبات. وقد جاء الحق بكلمة { ~~حرث } [البقرة: 223] هنا ليوضح أن الحرث يكون في مكان الإنبات. { ~~فأتوا حرثكم } [البقرة: 223] وما هو الحرث؟ الحرث مكان استنبات ~~النبات، وقد قال تعالى: # ويهلك الحرث والنسل # [البقرة: 205]. فأتوا المرأة في مكان الزرع، زرع الولد، أما المكان الذي ~~لا ينبت منه الولد فلا تقربوه. وبعض الناس فهموا خطأ أن قوله: { ~~فأتوا حرثكم أنى شئتم } [البقرة: 223] معناه إتيان ~~المرأة في أي مكان، وذلك خطأ لأن قوله: { نسآؤكم حرث لكم } ~~[البقرة: 223] يعني محل استنبات الزرع، والزرع بالنسبة للمرأة والرجل هو ~~الولد، فأتها في المكان الذي ينجب الولد على أي جهة شئت. ويتابع الحق: { ~~وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223] أي إياك أن تأخذ المسألة على ~~أنها استمتاع جنسي فحسب، إنما يريد الحق سبحانه وتعالى بهذه اللذة ~~الجنسية أن يحمي متاعب ما ينشأ من هذه اللذة لأن الذرية التي ستأتي من ~~أثر اللقاء الجنسي سيكون لها متاعب وتكاليف، فلو لم يربطها الله سبحانه ~~وتعالى بهذه اللذة لزهد الناس في الجماع. ومن هنا يربط الحق سبحانه ~~وتعالى بين كدح الآباء وشقائهم في تربية أولادهم بلذة الشهوة الجنسية حتى ~~يضمن بقاء النوع الإنساني. ومع هذا يحذرنا الحق أن نعتبر هذه اللذة ~~الجنسية هي الأصل في إتيان النساء فقال: { وقدموا لأنفسكم } ~~[البقرة: 223]، يعني انظروا جيدا إلى هذه المسألة على ألا تكون هي ~~الغاية، بل هي وسيلة، فلا تقلبوا الوسيلة إلى الغاية، { وقدموا ~~لأنفسكم } [البقرة: 223] أي ادخروا لأنفسكم شيئا ينفعكم في الأيام ~~المقبلة. إذن، فالأصل في العملية الجنسية الإنجاب. { وقدموا ~~لأنفسكم } [البقرة: 223] أي لا تأخذوا المتاع اللحظي العاجل على ~~أنه هو الغاية ms0698 بل خذوه لما هو آت. وكيف نقدم لأنفسنا أو ماذا نفعل؟ حتى ~~لا نشقى بمن يأتي، وعليك أن تتبين هذه العملية فقدم لنفسك شيئا يريحك، ~~وافعل ما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ساعة تأتي هذه النعمة ~~وتقترب من زوجتك لابد أن تسمي الله وتقول: " اللهم جنبني الشيطان وجنب ~~الشيطان ما رزقتني " ، وعندما يأتي المسلم أهله وينشأ وليده فلن يكون ~~للشيطان عليه دخل. وقال بعض العلماء: لا يمكن أن يؤثر فيه سحر، لماذا كل ~~ذلك؟. لأنك ساعة استنبته أي زرعته، ذكرت المنبت وهو الله عز وجل. وما ~~دمت ذكرت المنبت الخالق فقد جعلت لابنك حصانة أبدية. وعلى عكس ذلك ينشأ ~~الطفل الذي ينسى والده الله عندما يباشر أهله فيقع أولاده فريسة ~~للشياطين. { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223] أي قدموا لها ما ~~يريحكم وما يطيل أمد حياتكم وأعمالكم في الحياة لأنك عندما تقبل على ~~المسألة بنية إنجاب الولد، وتذكر الله وتستعيذ من الشيطان فينعم عليك ~~الخالق بالولد الصالح، هذا الولد يدعو لك، ويعلم أولاده أن يدعوا لك، ~~وأولاده يدعون لك، وتظل المسألة مسلسلة فلا ينقطع عملك إلى أن تقوم ~~الساعة، وهنا تكون قدمت لنفسك أفضل ما يكون التقديم. # وهب أنك رزقت المولود ثم مات ففجعت به واسترجعت واحتسبته عند ربك، إنك ~~تكون قد قدمته، ليغلق عليك بابا من أبواب النيران. إذن فكل أمر لابد أن ~~تذكر فيه { وقدموا لأنفسكم } [البقرة: 223]. ويقول الحق: { ~~واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر ~~المؤمنين } [البقرة: 223] معنى { اتقوا الله } [البقرة: ~~223] أي إياكم أن تغضبوا ربكم في أي عمل من هذه الأعمال، وكن أيها المسلم ~~في هذه التقوى على يقين من أنك ملاقي الله، ولا تشك في هذا اللقاء أبدا. ~~وما دمت ستتقي الله وتكون على يقين أنك تلاقيه لم يبقى لك إلا أن ~~تبشر بالجنة. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { ولا تجعلوا ~~الله عرضة لأيمانكم... }. ### || [2.224] # وفي الآية ثلاثة أشياء: أولا: أن تبروا، أي أن تفعلوا البر. والبر قد ~~يكرهه الإنسان لأنه شاق على النفس. ثانيا: أن تتقوا، ms0699 أي أن تتجنبوا ~~المعاصي، والتقوى تكون أيضا شاقة في بعض الأحيان. ثالثا: أن تصلحوا بين ~~الناس، أي أن تصلحوا ذات البين، وقد يكون في الإصلاح بين الناس مئونة ~~وذلك بعد أن تمتنعوا أن تجعلوا الله عرضة للقسم. وحين يقول الحق: { ولا ~~تجعلوا الله عرضة لأيمانكم } [البقرة: 224] فالعرضة هي ~~الحجاب، وهي ما يعترض بين شيئين، " وعرضة " هي - أيضا - الأمر الصالح ~~لكل شيء، فيقال: " فلان عرضة لكل المهمات ". أي صالح. والعرضة - كما ~~عرفنا - هي ما اعترض بين شيئين، كأن يضع الإنسان يده على عينيه فلا يرى ~~الضوء، هنا تكون اليد " عرضة " بين عيني الإنسان والشمس. إن الإنسان ~~يحجب بذلك عن نفسه الضوء. كأن الحق يقول: " أنا لا أريد أن تجعلوا اليمين ~~عرضة بين الإنسان وفعل الخير والبر والتقوى ". فعندما يطلب منك واحد أن ~~تبر من أساء إليك فقد تقول: " أنا أقسمت ألا أبر هذا الإنسان " إنك بذلك ~~جعلت اليمين بالله مانعا بينك وبين البر. ويريد الحق بذلك القول أن ~~ينبهنا إلى أن القسم به لا يجوز في منع البر أو صلة الرحم أو إصلاح بين ~~الناس.. ومن حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليفعل الخير وليكفر عن ~~يمينه لماذا؟ لأن المؤمن عندما يحلف على ألا يفعل خيرا فهو يضع الله ~~مانعا بينه وبين الخير، وبذلك يكون قد ناقض المؤمن نفسه بأن جعل المانع ~~هو الحلف بالله. إن الله هو صاحب الأمر بالبر والتقوى والإصلاح بين ~~الناس. لذلك فالحق يقول: { ولا تجعلوا الله عرضة ~~لأيمانكم } [البقرة: 224]. أي أن الحق يريد أن يحمي عمليات البر ~~والتقوى والإصلاح بين الناس. إنك إن حلفت أيها المؤمن ألا تفعل هذه ~~العمليات، فالحق يريد لك أن تحنث في هذا القسم وأن تفعل البر والتقوى ~~والإصلاح بين الناس حتى لا تتناقض مع تشريع الله. ونحن عندما نجد المجتمع ~~وقد صنع فيه كل فرد البر، واتقى فيه كل إنسان المعاصي، ورأى فيه كل إنسان ~~نزاعا بين جماعتين فأصلح هذا النزاع، أليس هذا دخولا في السلم كافة. ~~إذن فالحق يريد ms0700 أن يستبقي للناس ينابيع الخير وألا يسدوها أمام أنفسهم. ~~إن الحق هو الآمر بألا يجعل المؤمن اليمين مانعا بين الإنسان والبر، أو ~~وبين الإنسان والتقوى، أو بين الإنسان والإصلاح بين الناس. ويتساهل ~~الإسلام في مسألة التراجع والحنث في البر فيقول السلف الصالح: " لا حنث ~~خير من البر ". # إذن فالمجتمع الذي فيه صنع البر، وتقوى المعاصي، والصلح بين المتخاصمين ~~يدخل في إطار: # ادخلوا في السلم كآفة # [البقرة: 208]. والإنسان قد يتعلل بأي سبب حتى يبتعد عن البر أو التقوى ~~أو الإصلاح بين الناس، بل يعمل شيئا يريحه ويخلع عليه أنه ممتثل لأمر ~~الله، ولنضرب لذلك مثلا. سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعد أن جاء ~~مسطح بن أثاثة واشترك مع من خاضوا في الإفك الذي اتهموا فيه أم المؤمنين ~~السيدة عائشة رضي الله عنها. وخلاصة الأمر أن عائشة رضي الله عنها زوجة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. كانت قد خرجت مع الرسول الكريم في غزوة " ~~بني المصطلق " وكان الأمر بالحجاب قد نزل، لذلك خرجت عائشة رضي الله عنها ~~في هودج. وقام الرسول بغزوته وحان وقت العودة. وفقدت عائشة عقدا لها. ~~وكانت رضي الله عنها خفيفة الوزن لأن الطعام في تلك الأيام كان قليلا. ~~راحت عائشة رضي الله عنها تبحث عن عقدها المفقود، وعندما حملوا هودج ~~عائشة رضي الله عنها لم يفطنوا أن عائشة ليست به. ووجدت عائشة عقدها ~~المفقود، وكان جيش رسول الله قد ابتعد عنها. وظنت أنهم سيفتقدونها ~~فيرجعون إليها. وكان خلف الجيش صفوان بن المعطل السلمي وعرفته عائشة ~~وأناخ راحلته وعادت عائشة إلى المدينة. ودار حديث الإفك بوساطة عبد الله ~~بن أبي بن سلول رأس النفاق. وكان الغم والحزن يصيبان السيدة عائشة ~~طوال مدة كبيرة وأوضح الحق كذب هذا الحديث. وذاع ما ذاع عن أم المؤمنين ~~عائشة وهي زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن تكون بنت أبي بكر. ~~وأبو بكر صديق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أن غير عائشة حدث لها ~~ما حدث ms0701 لعائشة لكان موقف أبي بكر هو موقفه عندما جاء قريبه مسطح بن أثاثة ~~واشترك في حديث الإفك مع من اشتركوا ثم يبرئ الله عائشة وينزل القول الذي ~~يثبت براءة أم المؤمنين في حديث الإفك، وحين يبرئها الله يأتي أبو بكر ~~وكان ينفق على مسطح فيقطع عنه النفقة ويقول: " والله لا أنفق عليه أبدا ~~" لماذا؟ لأنه اشترك في حديث الإفك. والمسألة في ظاهرها ورع. لذلك سيمتنع ~~عن النفقة على مسطح بن أثاثة لأن مسطحا خاض في الإفك. لكن انظر إلى ~~مقاييس الكمال والجمال والفضائل عند الله فقد أوضح الحق أن هذا طريق، ~~وذاك طريق آخر، فيقول سبحانه وتعالى: # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل ~~الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم والله غفور رحيم # [النور: 22]. فإذا كنت تحب أن يغفر الله لك، أفلا تغفر لمن فعل معك ~~سيئة؟. # وما دمت تريد أن يغفر الله لك فاغفر للناس خطأهم. قالها الحق عز وجل ~~لأبي بكر لأنه وقف موقفا من رجل خاض في الإفك مع من خاض ومع ذلك يبلغه ~~أن ذلك لا يصح. قوله تعالى: { ولا تجعلوا الله عرضة ~~لأيمانكم أن تبروا } [البقرة: 224] لا تقل: إني حلفت بالله ~~على ألا افعل ذلك الخير، لا افعله فالله يرضى لك أن تحنث وتكفر عن يمينك. ~~{ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم } ~~[البقرة: 224]. إن الله عز وجل يبلغنا: أنا لا أريد أن تجعلوا الحلف بي ~~عرضة، يعني حاجزا أو مانعا عن فعل الخير. مثلا لو طلب منك أن تبر ~~شخصا أساء إليك فلا تقل: حلفت ألا أبر به لأنه لا يستحق، عندها تكون قد ~~جعلت اليمين بالله مانعا للبر. وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقول ~~لك: لا، أنا متجاوز عن اليمين بي إن حلفت ألا تبر أو لا تتقي أو لا تصل ~~رحما أو لا تصلح بين اثنين، أنا تسامحت في اليمين. والحديث يقول: # " من حلف ms0702 على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن ~~يمينه " # وهكذا يحمي الله سبحانه وتعالى فعل البر ويحمي التقوى ويحمي عمليات ~~الإصلاح بين الناس، ولو كنت قد حلفت بالله ألا تفعلها، لماذا؟ لأنك عندما ~~تحلف بالله ألا تفعل، وتجعل الله سبحانه وتعالى هو المانع، فقد ناقضت ~~التشريع نفسه لأن الله هو الآمر بالبر والإصلاح والتقوى، فلا تجعل يمين ~~البشر مانعا من تنفيذ منهج رب البشر. { ولا تجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا ~~بين الناس } [البقرة: 224] إن حلفت على ترك واجب وجب أن ترجع في ~~اليمين. احنث فيه وكفر عنه، والحكم نفسه يسري على الذي يمنع ممتلكاته ~~كالدابة أو الماكينة أو السيارة من انتفاع الناس بها بحجة أنه حلف ألا ~~يعيرها لأحد، وذلك أمر يحدث كثيرا في الأرياف. ويختم الحق سبحانه وتعالى ~~الآية بالقول الكريم: { والله سميع عليم } [البقرة: 224]. إنه ~~سبحانه سميع باليمين الذي حلفته، وعليم بنيتك إن كانت خيرا أو شرا فلا ~~تتخذ اليمين حجة لأن تمنع البر والتقوى والإصلاح. والحق سبحانه وتعالى ~~عندما يتكلم عن اليمين يعطينا أصلا من أصول اعتبار اليمين هل هو يمين ~~حقا أو لغو، ومن رحمة الله أنه سبحانه وتعالى لم يأخذ إلا اليمين الذي ~~عقد القلب عليه، أي الذي يقصد صاحبه ألا يحنث فيه، أما لغو اليمين فقد ~~تجاوز الله عنه. مثلا، الأيمان الدارجة على ألسنة الناس كقولهم: " والله ~~لو لم تفعل كذا لفعلت معك كذا " ، " والله سأزورك " ، " والله ما كان ~~قصدي " أو الحلف بناء على الظن كأن تحلف بقولك: " والله حدث هذا " وأنت ~~غير متأكد من تمام حدوثه، لكن ليس في مقصدك الكذب. أما اليمين الغموس فهي ~~الحلف والقسم الذي تعرف كذبه وتحلف بعكس ما تعرف، كأن تكون قد شاهدت ~~واحدا يسرق أو يقتل وتحلف بالله أنه لم يسرق أو لم يقتل. من أجل ذلك كله ~~يحسم الله سبحانه وتعالى هذه القضية بقوله: { لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم... }. ### || [2.225] # وكان من المناسب ms0703 أن تأتي هذه الآية كل ما سبق لأنه سبحانه أوضح لنا ~~اليمين التي لا تقع وكأنه قال لنا: ارجعوا فيها واحنثوا وسأقبل رجوعكم في ~~مقابل أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، فإذا كان قد قبل تراجعنا عن هذا اليمين ~~فلأن له مقابلا في فعل الخير. وقوله الحق: { بما كسبت قلوبكم ~~} [البقرة: 225] هو المعنى نفسه لقوله تعالى: # ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان # [المائدة: 89]. أي الشيء المعقود في النفس والذي رسخ داخل نفسك، لكن ~~الشيء الذي يمر على اللسان فلا يؤاخذنا الله به. { لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم } [البقرة: 225] والأيمان جمع ~~يمين، واليمين: هو الحلف أو القسم، وسمى يمينا لأنهم كانوا قديما إذا ~~تحالفوا ضرب كل امرئ منهم يمينه على يمين صاحبه، وذلك لأن اليمين هو ~~الجارحة الفاعلة. وبالمناسبة، فالجارحة الفاعلة إياك أن تظن أنها تفعل ~~بالرياضة والتدريب، وإنما هي تفعل بالخلق أي كما خلقها الله، فهي مجبرة ~~على الفعل حسب خلقتها. ولذلك عندما تجد إنسانا ويده اليمنى لا تعمل ~~ويزاول أعماله باليسرى فلا تحاول أن تجعله يستخدم اليمنى بدلا من اليسرى ~~لأن محاولتك عبث لن يجدي لأن السبب في أنه يستخدم اليسرى بدلا من اليمنى ~~سبب خلقي، فالجهاز الخاص بالتحكم في الحركة في المخ هو الذي يقر هذا ~~الأمر: إن كان مخلوقا في النصف الأيمن من المخ كانت اليد اليمنى هي ~~الفاعلة، وإن كان مخلوقا في النصف الأيسر من المخ فاليد اليسرى هي التي ~~تعمل. لذلك تجد الذي يكتب بيده اليسرى يتقن الكتابة بها أفضل من الذي ~~يكتب باليمنى في بعض الأحيان، ومن هنا نقول: إنه من الخطأ أن تحاول تغيير ~~سلوك الذي يعمل بيده اليسرى بدلا من اليمنى لأن ذلك عبث لن يصل لنتيجة. ~~وأحيانا تجد الجهاز المتحكم في حركة اليدين موجودا في منتصف ووسط المخ ~~فيرسل حركات متوازنة لليد اليمنى واليد اليسرى معا، ولذلك تجد شخصا ~~يكتب بيديه اليمنى واليسرى معا بالسرعة نفسها وبالإتقان نفسه، ويؤدي ~~بهما الأعمال بتلقائية عادية، ولله في خلقه شئون، فهو يعطينا الدليل على ~~أنه لا ms0704 تحكمه قواعد، فهو قادر على أن يجعل اليد اليمنى تعمل، وقادر على ~~أن يجعل اليد اليسرى تعمل، أو يجعلهما يعملان معا بالقوة نفسها، أو يجعل ~~كلتا اليدين غير قابلتين للعمل. إنها ليست عملية آلية خارجة عن إرادة ~~لله، بل كل شيء خاضع لإرادته سبحانه. { لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم } [البقرة: 225] المقصود به الحلف، ~~والحلف من معانيه التقوية، وهي مأخوذة من الحلف، وهو أن يتحالف الناس ~~على عمل ما. ونحن عندما نتحالف على عمل فنحن نقسم العمل بيننا، وعندما ~~نفعل ذلك يسهل علينا جميعا أن نفعله. { لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم والله غفور حليم } [البقرة: 225] والكسب عملية ~~إرادية. لأنك ساعة تقسم بالله دون أن تقصد فهو لا يؤاخذكم، وهذا دليل على ~~أن الله واسع حليم. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { للذين ~~يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر فإن... }. ### || [2.226] # يؤلون: أي يحلفون ألا يقربوا أزواجهن في العملية المخصوصة، ويريد الرجل ~~أحيانا أن يؤدب زوجته فيهجرها في الفراش بلا يمين، وبدون أن يحلف. وبعض ~~الناس لا يستطيعون أن يمتنعوا عن نسائهم من تلقاء أنفسهم، فيحلفون ألا ~~يقربوهن حتى يكون اليمين مانعا ومشجعا له على ذلك. وكان هذا الأمر ~~مألوفا عند العرب قبل الإسلام. كان الرجل يمتنع عن مباشرة زوجته في ~~الفراش أي فترة من الزمن يريدها، وبعضهم كان يحلف ألا يقرب زوجته زمنا ~~محددا، وقبل أن ينتهي هذا الزمن يحلف يمينا آخر ليزيد المدة فترة أخرى، ~~وهكذا حتى أصبحت المسألة عملية إذلال للمرأة، وإعضالا لها، وامتناعا عن ~~أداء حقها في المعاشرة الزوجية. وكان ذلك إهدارا لحق الزوجة في ~~الاستمتاع بزوجها. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن ينهي هذه المسألة، وهو ~~سبحانه لا ينهيها لحساب طرف على طرف، وإنما بعدل الخالق الحكيم الرحيم ~~بعباده. وكان من الممكن أن يجرمها ويحرمها نهائيا ويمنع الناس منها. ~~لكنه سبحانه عليم بخفايا وطبيعة النفوس البشرية، فقد ترى امرأة أن تستغل ~~إقبال الرجل عليها، إما لجمال فيها أو لتوقد شهوة الرجل، ms0705 فتحاول أن ~~تستذله لذلك أعطى الله للرجل الحق في أن يمتنع عن زوجته أربعة أشهر، أما ~~أكثر من ذلك فالمرأة لا تطيق أن يمتنع زوجها عنها. { للذين ~~يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر فإن فآءو ~~فإن الله غفور رحيم } [البقرة: 226] والإسلام يريد أن يبني ~~الحياة الزوجية على أساس واقعي لا على أفكار مجنحة ومجحفة لا تثبت أمام ~~الواقع، فهو يعترف بالميول فيعليها ولكن لا يهدمها، ويعترف بالغرائز فلا ~~يكتمها ولكن يضبطها. وهناك فرق بين الضبط والكبت فإن الكبت يترك الفرصة ~~للداء ليستشري خفيا حتى يتفجر في نوازع النفس الإنسانية تفجيرا على غير ~~ميعاد وبدون احتياط، لكن الانضباط يعترف بالغريزة ويعترف بالميول، ويحاول ~~فقط أن يهديها ولا يهدمها. ويخضع البشر في كل أعمالهم لهذه النظرية حتى ~~في صناعتهم، فالذين يصنعون المراجل البخارية مثلا يجعلون في تلك المراجل ~~التي يمكن أن يضغط فيها الغاز ضغطا فيفجرها يجعلون لها متنفسا حتى يمكن ~~أن يخفف الضغط الزائد إن وجد، وقد يصممون داخلها نظاما آليا لا يتدخل ~~فيه العقل بل تحكم الآلة نفسها. والحق سبحانه وتعالى وضع نظاما واضحا ~~في خلقه الذين خلقهم، وشرع لهم تكوين الأسرة على أساس سليم. وبنى الإسلام ~~هذا النظام أولا على سلامة العقيدة ونصاعتها ووحدتها حتى لا تتوزع ~~المؤثرات في مكونات الأسرة، ولذلك منع المسلم من أن يتزوج من مشركة، وحرم ~~على المسلمة أن تتزوج مشركا. وبعد ذلك علمنا معنى الالتقاء الغريزي بين ~~الزوجين. ولقد أراد الحق سبحانه وتعالى ألا يطلق العنان للغريزة في كل ~~زمان التواجد الزوجي، فجعل المحيض فترة يحرم فيها الجماع وقال: # فاعتزلوا النسآء في المحيض # [البقرة: 222]. وهكذا يضبط الحق العلاقة الجنسية بين الزوجين ضبطا ~~سليما نظيفا. الحق سبحانه وتعالى يعلم أن النفس البشرية ذات أغيار لأن ~~الإنسان حادث له بداية ونهاية، وكل ما يكون حادثا لابد أن يطرأ عليه ~~تغيير. فإذا ما التقى الرجل بالمرأة. كان لابد من أن يتحدد هذا اللقاء ~~على ضوء من منهج الله لأن اللقاء إن تم على منهج البشر وعواطفهم كان ms0706 ~~المصير إلى الفشل لأن مناهج البشر متغيرة وموقوتة، ولذلك يجب أن يكون ~~لقاء الرجل بالمرأة على ضوء معايير الله. فالله يعلم أن للنفس نوازع ~~ومتغيرات، ومن الجائز جدا أن يحدث خلاف بين الزوجين، فيجعل الله سبحانه ~~وتعالى متنفسا يتنفس فيه الزوج للتأديب الذي ينشد التهذيب والإبقاء، ~~فشرع للرجل إن رأى في زوجته إذلالا له بجمالها وبحسنها، وقد يكون رجل له ~~مزاج خاص ورغبة جامحة في هذه العملية لذلك شرع الله له فترة من الفترات ~~أن يحلف ألا يقرب امرأته، ولم يجعل الله تلك الفترة مطلقة، إنما قيدها ~~بالحلف حتى يكون الأمر مضبوطا. فالحق يريد العلاج لا القسوة. فلو لم يكن ~~الرجل مضبوطا بيمين فقد يغير رأيه بأن يأتي زوجته، ولذلك قال الحق: { ~~للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر } ~~[البقرة: 226] أي إن لك أيها الزوج أن تحلف ألا تقرب زوجتك أربعة أشهر، ~~لكن إن زادت المدة على أربعة أشهر فهي لن تكون تأديبا بل إضرارا. ~~والخالق عز وجل يريد أن يؤدب لا أن يضر. فإذا ما تجاوزت المدة يكون الزوج ~~متعديا ولا حق له. إن الحق سبحانه وتعالى هو خالق الميول والعواطف ~~والغرائز ويقنن لها التقنين السليم. إنه عز وجل يترك لنا ما يدلنا على ~~ذلك، ففي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يمر عمر في جوف الليل فيسمع ~~امرأة تقول الأبيات المشهورة: # تطاول هذه الليل واسود جانبه # وأرقني ألا خليل ألاعبه # فوالله لولا الله تخشى عواقبه # لزلزل من هذا السرير جوانبه # معنى ذلك أن المرأة تعاني من الوحشة إلى الرجل، وتوشك المعاناة أن ~~تدفعها إلى سلوك غير قويم، لكن تقوى الله هي التي تمنعها من الانحراف. ~~ومن الجائز أن نتساءل كيف سمع عمر هذه المرأة وهو يسير في الشارع، وأقول: ~~إن المرأة التي تأتي عندها هذه الأحاسيس تترنم في سكون الليل، وعندما ~~يسكن الليل لا تكون فيه ضجة فيسهل سماع ما يقال داخل البيوت، ألم يسمع ~~عمر كلام المرأة التي تجادل ابنتها في غش اللبن؟ ولما سمع الفاروق ms0707 كلام ~~هذه المرأة التي تعاني من وحشة إلى الرجل، ذهب بفطرته السليمة ~~وألمعيته المشرقة إلى ابنته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، وقال ~~لها: كم تصبر المرأة على بعد الرجل، فقالت: من ستة شهور إلى أربعة أشهر. # فسن عمر سنة أصبحت دستورا فيما بعد، وهي ألا يبعد جندي من جنود ~~المسلمين عن أهله أربعة أشهر. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر } ~~[البقرة: 226] سبق حادثة عمر، ثم ترك الحق لواقع الحياة أن يبين لنا صدق ~~ما قننه لنا، ويأتي عمر ليستنبط الحكم من واقع الحياة. " فإن فاءوا " أي ~~فإن رجع الرجل، وأراد أن يقترب من زوجته قبل مضي الأربعة أشهر فللرجل أن ~~يكفر عن يمينه وتنتهي المسألة. ولكن إذا مرت الشهور الأربعة وتجاوزت ~~المقاطعة مدتها يؤمر الزوج بالرجوع عن اليمين أو بالطلاق، فإن امتنع ~~الزوج طلقها الحاكم، وقال بعض الفقهاء: إن مضي مدة الأربعة أشهر دون أن ~~يرجع ويفيء يجعلها مطلقة طلقة واحدة بائنة. ولذلك يقول الحق: { وإن ~~عزموا الطلاق... }. ### || [2.227] # واختلف العلماء هل تطلق الزوجة طلقة بائنة أم طلقة رجعية؟ ومعنى " طلاق ~~رجعي " مأخوذ من اللفظ نفسه، أي أن الزوج له الحق أن يراجع امرأته دون ~~إذن منها أو رضا. أما الطلاق البائن فإنه لا عودة إلا إذا عقد عليها ~~عقدا جديدا بمهر جديد. والطلاق في الإيلاء بينونة صغرى وهي التي تحتاج ~~إلى عقد ومهر جديدين، هذا إذا لم يسبق طلاقان. والبينونة الكبرى وهي التي ~~توصف بأنها ذات الثلاث، فالزوجة فيها تطلق ثلاث مرات، فلا يصح أن يعيدها ~~الزوج إلا إذا تزوجت زوجا غيره، وعاشت معه حياة زوجية كاملة، ثم طلقها ~~لأي سبب من الأسباب، وبعد ذلك يحق لزوجها القديم أن يراجعها ويعيدها إليه ~~بعقد ومهر جديدين، لكن بعد أن يكتوي بغيرة زواجها من رجل آخر. والحق ~~سبحانه وتعالى يعرض هذه المسألة فيقول: # للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر ~~فإن فآءو فإن الله غفور رحيم * وإن عزموا ~~الطلاق فإن الله سميع عليم # [البقرة: ms0708 226-227]. فالإسلام دين واقعي يعطي الزوج المسلم أشياء تنفس عن ~~غضبه، وأشياء تمكنه من أن يؤدب زوجته، ولكن الإسلام لا يحب أن يتمادى ~~الرجل في التأديب. وإذا تمادى وتجاوز الأربعة الأشهر نقول له: لابد أن ~~يوجد حد فاصل. وبعد ذلك ينتقل الحق سبحانه وتعالى في التكليف إلى أن ~~يتكلم عن الطلاق وقد تكلم من قبل عن الزواج والإيلاء حتى وصل الطلاق. ~~وعندما نتأمل موقف الإسلام من الطلاق نجده يتكلم كلاما واقعيا يناسب ~~الميول الإنسانية لأننا ما دمنا أغيارا فمن الممكن أن يطرأ على حياة ~~الزوجين أحداث أو مشاعر لم تكن في الحسبان ساعة الزواج. ويجوز أن يكون ~~الإنسان في ساعة الزواج مدفوعا بحرارة ملكة واحدة، وبعد ذلك عندما يجئ ~~واقع الحياة تتملكه ملكات متعددة، وقد تسيطر عليه المسألة الجنسية، ~~وتدفعه للزواج، وفي سبيل إرضاء شهوته الجنسية قد يهمل بقية ملكات نفسه، ~~فإذا ما دخل واقع الزواج وهدأت شرة وحرارة غرائز الإنسان تتنبه نفس ~~الإنسان إلى مقاييس أخرى يريد أن يراها في زوجته فلا يجدها ويتساءل ما ~~الذي أخفاها عنه؟ أخفاها سعار وعرامة النظرة الجنسية، فقد نظر للمرأة قبل ~~الزواج من زاوية واحدة، ولم ينظر لباقي الجوانب. مثلا قد يجد الزوج أن ~~أخلاق الزوجة تتنافر مع أخلاقه، وقد يجد تفكيرها وثقافتها تتنافر مع ~~تفكيره وثقافته، وربما وجد عدم التوافق العاطفي بينه وبينها ولم يحدث ~~تآلف نفسي بينهما، والعواطف - كما نعلم - ليس لها قوانين. فمن الجائز أن ~~يكون الرجل غير قادر على الاكتفاء بوليمة جنسية واحدة، فهو لذلك لا يبني ~~حياته على طهر، وإنما يريد من امرأته أن تكون طاهرة عفيفة في حياتها معه، ~~بينما يعطي لنفسه الحرية في أن يعدد ولائمه الجنسية مع أكثر من امرأة، ~~وربما يحدث العكس، وذلك أن يجد الرجل أن امرأة واحدة تكفيه، لكن المرأة ~~تريد أكثر من رجل. # وقد يكون الرجل طاهر الأسلوب في الحياة، وتكون زوجته راغبة في أن يأتيها ~~بالمال من أي طريق، فيختلفان. وقد تكون المرأة طاهرة الأسلوب في الحياة ~~فلا ترضى أن ms0709 يتكسب زوجها من مال حرام. من هنا يأتي الشقاق، إن الشقاق ~~يأتي عندما يريد أحد الزوجين أن تكون حياتهما نظيفة طاهرة، مستقيمة، ولا ~~يرى الآخر ذلك. مثل هذه الصورة موجودة في الواقع حولنا، فكم من بيوت تشقى ~~عندما تختفي الوحدة الأسرية، وتختلف نظرة أحد الزوجين للأمور عن الآخر. ~~وهذا هو سبب الشقاق الذي يحدث بين الزوجين عندما لا يكتفي أحد الزوجين ~~بصاحبه. ولو اتفق رجل وامرأته على العفاف، والطهر، والخيرية لاستقامت ~~أمور حياتهما. ولذلك يأتي الإسلام بتشريعاته السامية لتناسب كل ظروف ~~الحياة فيقول الحق سبحانه: { والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن... }. ### || [2.228] # الآية كلها تتضمن أحكاما تكليفية، والحكم التكليفي الأول هو: { ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ~~[البقرة: 228] ولنا أن نلحظ أن الحكم لم يرد بصيغة الأمر ولكن جاء في ~~صيغة الخبر، فقال: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء } [البقرة: 228]، وحين يريد الحق سبحانه وتعالى حكما ~~لازما لا يأتي له بصيغة الأمر الإنشائي، ولكن يأتي له بصيغة الخبر، هذا ~~آكد وأوثق للأمر.. كيف؟ معنى ذلك أن الحق سبحانه وتعالى حين يأمر فالأمر ~~يصادف من المؤمنين به امتثالا، ويطبق الامتثال في كل الجزئيات حتى لا ~~تشذ عنه حالة من الحالات فصار واقعا يحكى وليس تكليفا يطلب، وما دام ~~قد أصبح الأمر واقعا يحكى فكأن المسألة أصبحت تاريخا يروى هو: { ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ~~[البقرة: 228] ويجوز أن نأخذ الآية على معنى آخر هو أن الله قد قال: { ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن } [البقرة: 228] فيكون ~~كلاما خبريا. وقلنا إن الكلام الخبري يحتمل الصدق والكذب، إن الله قد ~~قال ذلك فمن أراد أن يصدق كلام الله فلينفذ الحكم، ومن أراد أن يبارز ~~الله بالتكذيب ولا يصدقه فلا ينفذ الحكم، ويرى في نفسه آية عدم التصديق ~~وهي الخسران المبين، أليس ذلك أكثر إلزاما من غيره؟ مثل ذلك قوله تعالى: # الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ~~والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ~~أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق ~~كريم # [النور: 26]. إن هذا وإن ms0710 كان كلاما خبريا لكنه تشريع إنشائي يحتمل أن ~~تطيع وأن تعصي ولكن الله يطلب منا أن تكون القضية هكذا " الخبيثات ~~للخبيثين " يعني أن ربكم يريد أن تكون " الخبيثات للخبيثين " وأن تكون " ~~الطيبات للطيبين " وليس معنى ذلك أن الواقع لابد أن يكون كما جاء في ~~الآية، إنما الواقع يكون كذلك لو نفذنا كلام الله وسيختلف إذا عصينا الله ~~وتمردنا على شرعه. والمعنى نفسه في قوله تعالى: # ومن دخله كان آمنا.. # [آل عمران: 97]. أي اجعلوا من يدخل البيت الحرام آمنا. ويحتمل أن يعصي ~~أحد الله فلا يجعل البيت الحرام آمنا. إذن فقوله الحق: { ~~والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ~~[البقرة: 228] هو حكم تكليفي يستحق النفاذ لمن يؤمن بالله، وقوله: " ~~يتربصن " أي ينتظرن، واللفظ هنا يناسب المقام تماما، فالمتربصة هي ~~المطلقة، ومعنى مطلقة أنها مزهود فيها، وتتربص انتهاء عدتها حتى ترد ~~اعتبارها بصلاحيتها للزواج من زوج آخر. ولم ينته القول الكريم بقوله: " ~~يتربصن " وإنما قال: { يتربصن بأنفسهن } [البقرة: 228] مع ~~أن المتربصة هي نفسها المطلقة ذلك لأن النفس الواعية المكلفة والنفس ~~الأمارة بالسوء تكونان في صراع على الوقت وهو { ثلاثة قروء } ~~[البقرة: 228]، " وقروء " جمع " قرء " وهو إما الحيضة وإما الطهر الذي ~~بين الحيضتين. # وقوله الحق سبحانه وتعالى: { ثلاثة قروء } [البقرة: 228] ما ~~المقصود به؟ هل هو الحيضة أم الطهر؟ إن المقصود به الطهر، لأنه قال: " ~~ثلاثة " بالتاء، ونحن نعرف أن التاء تأتي مع المذكر، ولا تأتي مع المؤنث، ~~و " الحيضة " مؤنثة و " الطهر " مذكر، إذن، { ثلاثة قروء } ~~[البقرة: 228] هي ثلاثة أطهار متواليات. والعلة هي استبراء الرحم وإعطاء ~~مهلة للزوجين في أن يراجعا نفسيهما، فربما بعد الطهر الأول أو الثاني ~~يشتاق أحدهما للآخر، فتعود المسائل لما كانت عليه، لكن إذا مرت ثلاثة ~~أطهار فلا أمل ولا رجاء في الرجوع. ثم يقول الحق بعد ذلك: { ولا ~~يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ~~} [البقرة: 228] وما معنى الخلق؟ الخلق هو إيجاد شيء كان معدوما، وهذا ~~الشيء الذي كان معدوما إما أن يكون حملا وإما أن يكون حيضا، ms0711 وللحامل ~~عدة جاءت في قوله الحق. # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4]. أما المرأة الحائل وهي التي بدون حمل، فعدتها أن تحيض ~~وتطهر ثلاث مرات وهناك حالة ثالثة هي: # واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ~~يحضن # [الطلاق: 4]. أي أن المرأة التي انقطعت عنها الدورة الشهرية فعدتها " ~~ثلاثة أشهر " الحكم نفسه للصغيرة التي لم تحض بعد، أي عدتها ثلاثة أشهر. ~~إذن فنظام العدة له حالات: * إن كانت غير حامل فعدتها ثلاثة قروء أي ~~ثلاثة أطهار إن كانت ممن يحضن. * إن كانت حاملا فعدتها أن تضع حملها. * ~~وإن لم تكن حاملا وقد بلغت سن اليأس ولم تعد تحيض، أو كانت صغيرة لم تصل ~~لسن الحيض، هذه وتلك عدتها ثلاثة أشهر. وقوله تعالى: { ولا يحل ~~لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } ~~[البقرة: 228] يدل على أن المرأة لها شهادتها لنفسها في الأمر الذي يخصها ~~ولا يطلع عليه سواها. وهي التي تقرر المسألة بنفسها، فتقول: أنا حامل ~~أولا، وعليها ألا تكتم ذلك، فقد يجوز أن تكون حاملا وبعد ذلك تكتم ما ~~في بطنها حتى لا تنتظر طول مدة الحمل وتتزوج رجلا آخر فينسب الولد لغير ~~أبيه، فغالبا ما يستمر الحمل تسعة أشهر ولكن فيه استثناء، فهناك حمل ~~مدته سبعة شهور، وأحيانا ستة شهور. وقد تتزوج المرأة المطلقة بعد ثلاثة ~~شهور وتدعي أنها حامل من الزوج الجديد وأن حملها لم يستمر سوى سبعة أشهر ~~أو ستة أشهر. وبعضنا يعرف قصة الحامل في ستة شهور، فقد جاءوا بامرأة ~~لسيدنا عثمان رضي الله عنه لأنها ولدت لستة أشهر، فأراد أن يقيم عليها حد ~~الزنى، فتدخل الإمام علي ابن أبي طالب وقال: كيف تقيم عليها الحد لأنها ~~ولدت لستة أشهر، ألم تقرأ قول الحق سبحانه وتعالى؟ قال عثمان: وماذا قال ~~الحق في ذلك؟ فقرأ الإمام علي قول الله: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين # [البقرة: 233]. أي أنها ترضع الوليد لمدة أربعة وعشرين شهرا، وفي آية ~~أخرى قال الحق: # حملته أمه ms0712 كرها ووضعته كرها وحمله ~~وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15]. فإذا أخذنا من الآية الأولى أربعة وعشرين شهرا وهي مدة ~~الرضاع وطرحناها من الثلاثين شهرا التي تجمع بين الحمل والرضاع في الآية ~~الثانية فهمنا أن الحمل قد يكون ستة أشهر. هنا قال سيدنا عثمان متعجبا: ~~والله ما فطنت لهذا. إذن فحمل الستة الشهور أمر ممكن، ومن هنا نفهم ~~الحكمة في قوله تعالى: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما ~~خلق الله في أرحامهن } [البقرة: 228]، حتى لا تدعي المرأة ~~أنها ليست حاملا وتتزوج رجلا آخر وتنسب إليه ولدا ليس من صلبه ويترتب ~~على ذلك أكثر من إشكال، منها ألا يرث الولد من الأب الأول، وأن محارمه لم ~~تعد محرمة عليه، فأخته من أبيه لم تعد أخته، كذلك عماته وخالاته وتنقلب ~~الموازين، هذا من جانب الأب الأصلي. أما من جانب الزوج الثاني فالطفل ~~يكتسب حقوقا غير مشروعة له، سيرث منه، وتصبح محارم الرجل الثاني محارمه ~~فيدخل عليهن بلا حق ويرى عوراتهن، وتحدث تداخلات غير مشروعة. إذن فقوله ~~الحق: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن } [البقرة: 228] هو قول يريد به الحق أن تقوم الحياة على ~~طهر وعلى شرف وعلى عفاف، ولا يعتدي أحد على حقوق الآخر. هذا بالنسبة ~~للحمل. فكيف يكون الحال بالنسبة للحيض؟ أيضا لا يحل لها أن تكتم حيضا ~~لتطيل زمن العدة مع زوجها. ويقول الحق: { إن كن يؤمن بالله ~~واليوم الآخر } [البقرة: 228]. فما علاقة الإيمان هنا بالحكم ~~الشرعي؟ إنها علاقة وثيقة لأن الحمل أو الحيض مسائل خفيفة لا يحكمها ~~قانون ظاهر، إنما الذي يحكمها هو عملية الإيمان، ولذلك قيل: " الغيب لا ~~يحرسه إلا غيب " وما دام الشيء غائبا فلن يحرسه إلا الغيب الأعلى وهو ~~الله تعالى. ويتابع الحق: { وبعولتهن أحق بردهن في ~~ذلك } [البقرة: 228] البعل هو الزوج، وهو الرب والسيد والمالك، وفي ~~أثناء فترة التربص يكون الزوج أحق برد زوجته إلى عصمته، وقوله تعالى: { ~~وبعولتهن أحق بردهن } [البقرة: 228] هل يعني ذلك أن ~~هناك أناسا يمكن أن يشاركوا الزوج في ms0713 الرد؟ لأن الحق جاء بكلمة " أحق " ~~وفي ظاهرها تعطي الحق لغير الأزواج أن يراجعوا؟ لا، إنما المقصود هو أنه ~~لا حق لأحد هنا إلا للزوج، فالرد خلال العدة من حق الزوج، فليس للزوجة أن ~~تقول: لا، وليس لولي الزوجة أن يقول: لا. # فالزوج إذا أراد مراجعة زوجته وأبت وامتنعت هي وجب إيثار وتقديم رغبته ~~على رغبتها، وكان هو أحق منها، ولا ينظر إلى قولها، فإنه ليس لها في هذا ~~الأمر حق فقد رضيت به أولا. أما إذا انتهت العدة فالصورة تختلف، لابد من ~~الولي، ولابد من عقد ومهر جديدين واشتراط موافقة الزوجة. { ~~وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا ~~إصلاحا } [البقرة: 228] هذا إن أرادوا إصلاحا. والإرادة عمل غيبي، ~~فكأنها تهديد للزوجين، إن التشريع يجيز لهما العودة، لكن إذا كان الزوج ~~يريد أن يردها ليوقع بها الضرر لسبب في نفسه فالدين يقول له: لا، ليس لك ~~ذلك. وإن كان القضاء يجيز له ردها، إلا أن الله يحرم عليه ذلك الظلم. إن ~~من حق الزوج أن يرد زوجته ردا شرعيا للعفة من الإحصان ولغرض الزوجية لا ~~لشيء آخر، أما غير ذلك كالإضرار بها والانتقام منها فلا يجيز له الدين ~~ذلك. أما قضائيا، فالقضاء يعطيه الحق في ردها ولا يستطيع أحد أن يقف ~~أمامه مهما كانت الأسباب الكامنة في نفسه، لكن عليه أن يتحمل وزر ذلك ~~العمل. ويتابع الحق: { ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف } [البقرة: 228] أي أن للزوجة مثل ما للزوج، لكن ما الذي ~~لهن وما الذي عليهن؟ المثلية هنا في الجنس، فكل منهما له حق على الآخر ~~حسب طبيعته، الزوج يقدم للزوجة بعضا من خدمات، والزوجة تقدم له خدمات ~~مقابلة لأن الحياة الزوجية مبنية على توزيع المسئوليات، إن الرجل عليه ~~مسئوليات تقتضيها طبيعته كرجل، والمرأة عليها مسئوليات تحتمها طبيعتها ~~كأنثى. والرجل مطالب بالكدح والسعي من أجل الإنفاق. والمرأة مطالبة بأن ~~توفر للرجل البيت المناسب ليسكن إليها عندما يعود من مهمته في الحياة. ~~ولذلك يقول الله عز وجل: # ومن آياته أن خلق لكم ms0714 من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ~~إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون # [الروم: 21]. والسكن إلى شيء هو نقيض التحرك، ومعنى " لتسكنوا إليها " ~~أي إنكم تتحركون من أجل الرزق طوال النهار ثم تعودون للراحة عند زوجاتكم، ~~فالرجل عليه الحركة، والمرأة عليها أن تهيئ له حسن الإقامة، وجمال العشرة ~~وحنان وعطف المعاملة. فالمسئوليات موزعة توزيعا عادلا، فهناك حق لك هو ~~واجب على غيرك، وهناك حق لغيرك وهو واجب عليك. ويقول الحق: { ~~وللرجال عليهن درجة } [البقرة: 228] وهي درجة الولاية ~~والقوامة. ودرجة الولاية تعطينا مفهوما أعم وأشمل، فكل اجتماع لابد له ~~من قيم، والقوامة مسئولية وليست تسلطا، والذي يأخذ القوامة فرصة ~~للتسلط والتحكم فهو يخرج بها عن غرضها فالأصل في القوامة أنها مسئولية ~~لتنظيم الحركة في الحياة. ولا غضاضة على الرجل أن يأتمر بأمر المرأة فيما ~~يتعلق برسالتها كامرأة وفي مجالات خدمتها، أي في الشئون النسائية، فكما ~~أن للرجل مجاله، فللمرأة مجالها أيضا. # . والدرجة التي من أجلها رفع الرجل هي أنه قوام أعلى في الحركة ~~الدنيوية، وهذه القوامة تقتضي أن ينفق الرجل على المرأة تطبيقا لقوله ~~الحق: # وبمآ أنفقوا من أموالهم # [النساء: 34]. إذن فالإنفاق واجب الرجل ومسئوليته، وليعلم أن الله عزيز ~~لا يحب أن يستذل رجل امرأة هي مخلوق لله، والله حكيم قادر على أن يقتص ~~للمرأة لو فهم الرجل أن درجته فوق المرأة هي للاستبداد، أو فهمت المرأة ~~أن وجودها مع الرجل هي منة منها عليه، فلا استذلال في الزواج لأن الزواج ~~أساسه المودة والمعروف. ويقول الحق بعد ذلك: { الطلاق مرتان ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان... }. ### || [2.229] # هنا يتحدث الحق سبحانه وتعالى عن الطلاق بعد أن تحدث عن المطلقة في ~~عدتها وكيفية ردها ومراجعتها، وإنه سبحانه يتحدث عن الطلاق في حد ذاته ~~والطلاق مأخوذ من الانطلاق والتحرر، فكأنه حل عقدة كانت موجودة وهي عقدة ~~النكاح، وعقدة النكاح هي العقدة التي جعلها الله عقدا مغلظا وهي ~~الميثاق الغليظ، فقال تعالى: # وأخذن منكم ميثاقا غليظا # [النساء: 21]. إنه ميثاق غليظ لأنه أباح للزوجين ms0715 عورات الآخر، في حين ~~أنه لم يقل عن الإيمان إنه ميثاق غليظ، قال عنه: " ميثاق " فقط، فكأن ~~ميثاق الزواج أغلظ من ميثاق الإيمان. والحق سبحانه يريد أن يربي في الناس ~~حل المشكلات بأيسر الطرق. لذلك شرع لنا أن نحل عقدة النكاح، ونهاية ~~العقدة ليست كبدايتها، ليست جذرية، فبداية النكاح كانت أمرا جذريا، ~~أخذناه بإيجاب وقبول وشهود وأنت حين تدخل في الأمر تدخله وأنت دارس ~~لتبعاته وظروفه، لكن الأمر في عملية الطلاق يختلف فالرجل لا يملك أغيار ~~نفسه، فربما يكون السبب فيها هينا أو لشيء كان يمكن أن يمر بغير الطلاق ~~فيشاء الحق سبحانه وتعالى أن يجعل للناس أناة وروية في حل العقدة فقال: { ~~الطلاق مرتان } [البقرة: 229] يعني مرة ومرة، ولقائل أن يقول: ~~كيف يكون مرتين، ونحن نقول ثلاثة؟ وقد سأل رجل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فقال يا رسول الله قال الله تعالى: { الطلاق مرتان } ~~[البقرة: 229] فلم صار ثلاثا؟ فقال صلى الله عليه وسلم مبتسما: { ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } [البقرة: 229]. ~~فكأن معنى { الطلاق مرتان } [البقرة: 229]، أي أن لك في مجال ~~اختيارك طلقتين للمرأة، إنما الثالثة ليست لك، لماذا؟ لأنها من بعد ذلك ~~ستكون هناك بينونة كبرى ولن تصبح مسألة عودتها إليك من حقك، وإنما هذه ~~المرأة قد أصبحت من حق رجل آخر.. # حتى تنكح زوجا غيره # [البقرة: 230]. أما قول الرجل لزوجته أنت " طالق ثلاثا " يعتبر ثلاث ~~طلقات أم لا؟ نقول: إن الزمن شرط أساسي في وقوع الطلاق، يطلق الرجل زوجته ~~مرة، ثم تمضي فترة من الزمن، ويطلقها مرة أخرى فتصبح طلقة ثانية، وتمضي ~~أيضا فترة من الزمن وبعد ذلك نصل لقوله: { فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان } [البقرة: 229] ولذلك فالآية نصها واضح وصريح في ~~أن الطلاق بالثلاث في لفظ واحد لا يوقع ثلاث طلقات، وإنما هي طلقة واحدة، ~~صحيح أن سيدنا عمر رضي الله عنه جعلها ثلاث طلقات لأن الناس استسهلوا ~~المسألة، فرأى أن يشدد عليهم ليكفوا، لكنهم لم يكفوا، وبذلك نعود لأصل ~~التشريع كما جاء في القرآن وهو ms0716 { الطلاق مرتان } [البقرة: 229]. ~~وحكمة توزيع الطلاق على المرات الثلاث لا في العبارة الواحدة، أن الحق ~~سبحانه يعطي فرصة للتراجع. # وإعطاء الفرصة لا يأتي في نفس واحد وفي جلسة واحدة. إن الرجل الذي يقول ~~لزوجته: أنت طالق ثلاثا لم يأخذ الفرصة ليراجع نفسه ولو اعتبرنا قولته ~~هذه ثلاث طلقات لتهدمت الحياة الزوجية بكلمة. ولكن عظمة التشريع في أن ~~الحق سبحانه وزع الطلاق على مرات حتى يراجع الإنسان نفسه، فربما أخطأ في ~~المرة الأولى، فيمسك في المرة الثانية ويندم. وساعة تجد التشريع يوزع ~~أمرا يجوز أن يحدث ويجوز ألا يحدث، فلا بد من وجود فاصل زمني بين كل ~~مرة. وبعض المتشدقين يريدون أن يبرروا للناس تهجمهم على منهج الله ~~فيقولون: إن الله حكم بأن تعدد الزوجات لا يمكن أن يتم فقال: # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو ~~حرصتم.. # [النساء: 129]. ويقولون: إن الله اشترط في التعدد العدل، ثم حكم بأننا ~~لن نستطيع أن نعدل بين الزوجات مهما حرصنا، فكأنه رجع في التشريع، هذا ~~منطقهم. ونقول لهم: أكملوا قراءة الآية تفهموا المعنى، إن الحق يقول: # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو ~~حرصتم # [النساء: 129] ثم فرع على النفي فقال: # فلا تميلوا كل الميل # [النساء: 129]. وما دام النفي قد فرع عليه فقد انتفى، فالأمر كما ~~يقولون: نفي النفي إثبات. أن الاستطاعة ثابتة وباقية وكان قوله تعالى: # فلا تميلوا كل الميل # [النساء: 129] إشارة إليها. وكذلك الأمر هنا { الطلاق مرتان ~~فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } [البقرة: 229]. ~~فما دام قد قال: { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } ~~[البقرة: 229] وقال: { الطلاق مرتان } [البقرة: 229] أي أن لكل ~~فعل زمنا، فذلك يتناسب مع حلقات التأديب والتهذيب، وإلا فالطلاق الثلاث ~~بكلمة واحدة في زمن واحد، يكون عملية قسرية واحدة، وليس فيها تأديب أو ~~إصلاح أو تهذيب، وفي هذه المسألة يقول الحق: { ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا } [البقرة: 229] لأن المفروض ~~في الزوج أن يدفع المهر نظير استمتاعه بالبضع، فإذا ما حدث الطلاق لا يحل ~~للمطلق أن يأخذ من مهره شيئا، ms0717 لكن الحق استثنى في المسألة فقال: { ~~إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ~~ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به } [البقرة: 229]. فكأن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يجعل ~~للمرأة مخرجا إن أريد بها الضرر وهي لا تقبل هذا الضرر. فيأتي الحق ~~ويشرح: ما دام قد خافا ألا يقيما حدود الله، فقد أذن لها أن افتدي نفسك ~~أيتها المرأة بشيء من مال، ويكره أن يزيد على المهر إلا إذا كان ذلك ~~ناشئا عن نشوز منها ومخالفة للزوج فلا كراهة إذن في الزيادة على المهر. ~~وقد جاء الواقع مطابقا لما شرع الله عندما وقعت حادثة " جميلة " أخت " ~~عبد الله ابن أبي " حينما كانت زوجة لعبد الله بن قيس، فقد ذهبت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقالت: " أنا لا أتهمه في دينه ولا خلقه ولكن لا ~~أحب الكفر في الإسلام " وهي تقصد أنها عاشت معه وهي تبغضه، لذلك لن تؤدي ~~حقه وذلك هو كفر العشير أي إنكار حق الزوج وترك طاعته. # وهي قد قالت: إنها لا تتهمه لا في دينه ولا في خلقه لتعبر بذلك عن معان ~~عاطفية أخرى، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلم منها ذلك، ~~فقالت: لقد رفعت الخباء فوجدته في عدة رجال فرأيته أشدهم سوادا وأقصرهم ~~قامة وأقبحهم وجها، فقال لها صلى الله عليه وسلم: # " " أتردين حديقته "؟ فقالت: وإن شاء زدته، فقال صلى الله عليه وسلم: لا ~~حاجة لنا بالزيادة، لكن ردي عليه حديقته ". # ويسمى هذا الأمر بالخلع، أي أن تخلع المرأة نفسها من زوجها الذي تخاف ~~ألا تؤدي له حقا من حقوق الزوجية، إنها تخلع نفسها منه بمال حتى لا ~~يصيبه ضرر، فقد يريد أن يتزوج بأخرى وهو محتاج إلى ما قدم من مهر لمن ~~تريد أن تخلع نفسها منه. ويتابع الحق سبحانه: { ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا ممآ آتيتموهن شيئا } [البقرة: 229] وهذا الشيء ~~هو الذي قال عنه الله في مكان آخر: # وآتيتم إحداهن قنطارا # [النساء: 20]. ويتابع الحق الآية ms0718 بقوله: { إلا أن يخافآ ألا ~~يقيما حدود الله } [البقرة: 229] والمقصود هنا هما الزوجان، ومن ~~بعد ذلك تأتي مسئولية أولياء أمر الزوجين والمجتمع الذي يهمه أمرهما في ~~قوله: { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا ~~تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون } [البقرة: 229]. وحدود الله هي ما شرعه الله لعباده حدا ~~مانعا بين الحل والحرمة. وحدود الله إما أن ترد بعد المناهي، وإما أن ~~ترد بعد الأوامر، فإن وردت بعد الأوامر فإنه يقول: { تلك حدود ~~الله فلا تعتدوها } [البقرة: 229] أي آخر غايتكم هنا، ولا ~~تتعدوا الحد، ولكن إن جاءت بعد النواهي يقول: # تلك حدود الله فلا تقربوها # [البقرة: 187]، لأن الحق يريد أن يمنع النفس من تأثير المحرمات على ~~النفس، فتلح عليها أن تفعل، فإن كنت بعيدا عنها فالأفضل أن تظل بعيدا. ~~وانظر جيدا فيما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات فمن اتقى ~~الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ~~كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن ~~حمى الله في أرضه محارمه ". # وما دامت الحدود تشمل مناهي الله وتشمل أوامر الله فكل شيء مأمور به وكل ~~شيء منهي عنه يجب أن يظل في مجاله من الفعل في " افعل " ومن النهي في " ~~لا تفعل ". # وإذا انتقل نظام افعل إلى دائرة لا تفعل وانتقل ما يدخل في دائرة " لا ~~تفعل " إلى دائرة " افعل " ، هنا يختل نظام الكون، وما دام نظام الكون ~~أصابه الخلل فقد حدث الظلم فالظلم هو أن تنقل حق إنسان وتعطيه لإنسان ~~آخر، وتشريع الطلاق حد من حدود الله، فإن حاولت أن تأتي بأمر لا يناسب ما ~~أمر الله به في تنظيم اجتماعي فقد نقلت المأمور به إلى حيز المنهي عنه، ~~وبذلك تحدث ظلما. والحق سبحانه وتعالى حينما يعالج قضايا المجتمع ~~يعالجها علاجا يمنع وقوع المجتمع في الأمراض والآفات، ms0719 والبشر إن أحسنا ~~الظن بهم في أنهم يشرعون للخير وللمصلحة، فهم يشرعون على قدر علمهم ~~بالأشياء، لكننا لا نأمن أن يجهلوا شيئا يحدث ولا يعرفوه، فهم شرعوا ~~لما عرفوا، وإذا شرعوا وفوجئوا بأشياء لم يعرفوها ماذا يكون الموقف؟ إن ~~كانوا مخلصين بحق داسوا على كبرياء غرورهم التشريعي وقالوا: نعدل ما ~~شرعنا، وإن ظلوا في غلوائهم فمن الذي يشقى؟ إن المجتمع هو الذي يشقى ~~بعنادهم. والحق سبحانه وتعالى لا يتهم الناس جميعا في أن منهم من لا ~~يريد الخير، ولكن هناك فرق بين أن تريد خيرا وألا تقدر على الخير. أنت ~~شرعت على قدر قدرتك وعلمك. ونعرف جميعا أن شقاء التجارب في القوانين ~~الاجتماعية النظرية تقع على المجتمع. ونعرف جيدا أن هناك فرقا بين ~~العلم التجريبي المعملي والكلام النظري الأهوائي فالعلم التجريبي يشقى به ~~صاحب التجربة، إن العالم يكد ويتعب في معمله وهو الذي يشقى ويضحي بوقته ~~وبماله وبصحته ويعيش في ذهول عن كل شيء إلا تجربته التي هو بصددها، فإذا ~~ما انتهى إلى قضية اكتشافية فالذي يسعد باكتشافه هو المجتمع. لكن الأمر ~~يختلف في الأشياء النظرية لأن الذي يشقى بأخطاء المقننين من البشر هو ~~المجتمع، إلى أن يجيء مقنن يعطف على المجتمع ويعدل خطأ من سبقه. أما ~~الحق سبحانه وتعالى فقد جاءنا بتشريع يحمي البشر من الشقاء، فالله - ~~سبحانه - يتركنا في العالم المادي التجريبي أحرارا. ادخلوا المعمل ~~وستنتهون إلى أشياء قد تتفقون عليها، لكن إياكم واختلافات الأهواء لذلك ~~تولى الله عز وجل تشريع ما تختلف فيه الأهواء، حتى يضمن أن المجتمع لا ~~يشقى بالخطأ من المشرعين، لفترة من الزمن إلى أن يجيء مشرع آخر ويعدل ~~للناس ما أخطأ فيه غيره. لذلك نجد في عالمنا المعاصر الكثير من القضايا ~~النابعة من الهوى، ويتمسك الناس فيها بأهوائهم، ثم تضغط عليهم الأحداث ~~ضغطا لا يستطيعون بعدها أن يضعوا رءوسهم في الرمال، بل لابد أن ~~يواجهوها، فإذا ما واجهوها فإنهم لا يجدون حلا لها إلا بما شرعه ~~الإسلام، ونجد أنهم التقوا مع تشريعات الإسلام. ms0720 # إن بعضا من الكارهين للإسلام يقولون: أنتم تقولون عن دينكم: إنه جاء ~~ليظهر على كل الأديان، مرة يقول القرآن: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا # [الفتح: 28]. ومرة يقول القرآن: # يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله ~~متم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل ~~رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله ولو كره المشركون # [الصف: 8-9]. ويستمر هؤلاء الكارهون للإسلام في قولهم ويضيفون: إن ~~إسلامكم لم يظهر على الدين كله حتى الآن بدليل أن هناك الملايين لم ~~يدخلوا الإسلام؟ ونقول لهم: أو يظهر على الدين كله بأن يؤمن الناس ~~بالإسلام جميعا، لا، لو فطنوا على قول الله: " ولو كره الكافرون " ~~لعلموا أن إظهار الإسلام على الدين لابد أن يلازمه وجود كافرين كارهين، ~~وما دام الإسلام موجودا مع كافرين كارهين، فهو لن يظهر كدين، ولكنه يظهر ~~عليهم - أي يغلبهم - كنظام يضطرون إليه ليحلوا مشكلات مجتمعاتهم الكافرة، ~~فسيأخذون من أنظمة وقوانين الإسلام وهم كارهون، ولذلك نجدهم يستقون ~~قوانينهم وإصلاحاتهم الاجتماعية من تعاليم الإسلام. ولو كانوا سيأخذونه ~~كدين لما قال الحق: " ولو كره الكافرون " أو " ولو كره المشركون " لأنهم ~~عندما يعتنقونه كدين فلن يبقى كاره أو مشرك. لكن حين يقول سبحانه: " ولو ~~كره الكافرون " و " ولو كره المشركون " فذلك يعني: أن اطمئنوا يا من ~~آمنتم بمحمد صلى الله عليه وسلم وأخذتم الإسلام دينا، إن تجارب الحياة ~~ستأتي لتثبت لدى الجاحدين صدق دينكم، وصدق الله في تقنينه لكم، وسيضطر ~~الكافرون والمشركون إلى كثير من قضايا إسلامكم ليأخذوها كنظام يحلون بها ~~مشاكلهم رغم عنادهم وإصرارهم على أن يكونوا ضد الإسلام. وضربنا على ذلك ~~مثلا بما حدث في إيطاليا التي بها الفاتيكان قبلة الكاثوليك الروحية فقد ~~اضطروا لأن يشرعوا قوانين تبيح الطلاق، وحدث مثل ذلك في أسبانيا وغيرها ~~من الدول. انظر كيف تراجعوا في مبادئ كانوا يعيبونها على الإسلام! لقد ~~اضطرتهم ظروف الحياة لأن يقننوا إباحة الطلاق تقنينا بشريا لا بتقنين ~~إلهي. ومثل هذه الأحداث تبين لنا مدى ms0721 ثقتنا في ديننا، وأن مشكلات البشرية ~~في بلاد الكفر والشرك لن يحلها إلا الإسلام، فإن لم يأخذوه كدين فسيضطرون ~~إلى أخذه كنظام. ومن شرف الإسلام ألا يأخذوه كدين لأنهم لو آمنوا به ~~لكانت أفعالهم وقوانينهم تطبيقا للإسلام من قوم مسلمين، ولكن أن يظلوا ~~كارهين للإسلام ثم يأخذوا من مبادئ الدين الذي يكرهونه ما يصلح مجتمعاتهم ~~الفاسدة فذلك الفخر الأكبر للإسلام. إن هذا هو مفهوم قول الحق: " ولو كره ~~الكافرون " و " ولو كره المشركون " وإذا ما جاء لك أحد في هذه المسألة ~~فقل له: من شرف الإسلام أن يظل في الدنيا مشرك، وأن يظل في الدنيا هؤلاء ~~الكفار ثم يرغموا ليحلوا مسائل مجتمعاتهم بقضايا الإسلام، والإسلام يفخر ~~بأنه سبقهم منذ أربعة عشر قرنا إلى ما يلهثون وراءه الآن بعد مضي كل هذا ~~الزمن. ويقول الحق بعد ذلك: { فإن طلقها فلا تحل له من ~~بعد حتى تنكح زوجا غيره... }. ### || [2.230] # وسبق أن قال الحق: # الطلاق مرتان # [البقرة: 229] وبعدها قال: # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان # [البقرة: 229]. وهنا يتحدث الحق عن التسريح بقوله: { فإن طلقها ~~فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } ~~[البقرة: 230]. وذلك حتى يبين لنا أنه إن وصلت الأمور بين الزوجين إلى ~~مرحلة اللا عودة فلابد من درس قاس فلا يمكن أن يرجع كل منهما للآخر ~~بسهولة. لقد أمهلهما الله بتشريع البينونة الصغرى التي يعقبها مهر وعقد ~~جديدان فلم يرتدعا، فكان لابد من البينونة الكبرى، وهي أن تتزوج المرأة ~~بزوج آخر وتجرب حياة زوجية أخرى. وبذلك يكون الدرس قاسيا. وقد يأخذ بعض ~~الرجال المسألة بصورة شكلية، فيتزوج المرأة المطلقة ثلاثا زواجا كامل ~~الشروط من عقد وشهود ومهر، لكن لا يترتب على الزواج معاشرة جنسية بينهما، ~~وذلك هو " المحلل " الذي نسمع عنه وهو ما لم يقره الإسلام. فمن تزوج على ~~أنه محلل ومن وافقت على ذلك المحلل فليعلما أن ذلك حرام على الاثنين، ~~فليس في الإسلام محلل، ومن يدخل بنية المحلل لا تجوز له الزوجة، وليس له ~~حقوق عليها، وفي الوقت ms0722 نفسه لو طلقها ذلك الرجل لا يجوز لها الرجوع ~~لزوجها السابق، لأن المحلل لم يكن زوجا وإنما تمثيل زوج، والتمثيل لا ~~يثبت في الواقع شيئا. ولذلك قال الحق: { فلا تحل له من بعد ~~حتى تنكح زوجا غيره } [البقرة: 230]. والمقصود هنا النكاح ~~الطبيعي الذي ساقت إليه الظروف دون افتعال ولا قصد للتحليل. وعندما ~~يطلقها ذلك الرجل لظروف خارجة عن الإرادة وهي استحالة العشرة، وليس ~~لأسباب متفق عليها، عندئذ يمكن للزوج السابق أن يتزوج المرأة التي كانت ~~في عصمته وطلقها من قبل ثلاث مرات. { فإن طلقها فلا جناح ~~عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود الله ~~وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون } [البقرة: ~~230] أي أن يغلب على الظن أن المسائل التي كانت مثار خلاف فيما مضى قد ~~انتهت ووصل الاثنان إلى درجة من التعقل والاحترام المتبادل، وأخذا درسا ~~من التجربة تجعل كلا منهما يرضى بصاحبه. وبعد ذلك يقول الحق: { وإذا ~~طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف... }. ### || [2.231] # ولنلاحظ قوله: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن ~~} [البقرة: 231] ونسأل: هل إذا بلغت الأجل وانتهت العدة، هل يوجد بعدها ~~إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان؟، هل يوجد إلا التسريح؟. إن هناك آية بعد ~~ذلك تقول: # وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا ~~بينهم بالمعروف # [البقرة: 232]. إذن نحن أمام آيتين كل منهما تبدأ بقوله: { وإذا ~~طلقتم النسآء فبلغن أجلهن } [البقرة: 231]. لكن ~~تكملة الآية الأولى هو: { فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف } [البقرة: 231] وتكملة الآية الثانية هو: # فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن # [البقرة: 232]. ما سر هذا الاختلاف إذن؟ نقول: إن البلوغ يأتي بمعنيين، ~~المعنى الأول: أن يأتي البلوغ بمعنى المقاربة مثل قوله تعالى: # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم # [المائدة: 6]. أي عندما تقارب القيام إلى الصلاة فافعل ذلك. والمعنى ~~الثاني: يطلق البلوغ على الوصول الحقيقي والفعلي. إن الإنسان عندما يكون ~~مسافرا بالطائرة ويهبط في بلد الوصول فهو يلاحظ أن الطيار يعلن أنه قد ~~وصل إلى البلد الفلاني. إذن مرة يطلق البلوغ على القرب ومرة ms0723 أخرى يطلق ~~على البلوغ الحقيقي. وفي الآية الأولى { وإذا طلقتم النسآء ~~فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف } [البقرة: 231] هنا طلق الرجل زوجته لكن عدتها لم تنته بل ~~قاربت على الانتهاء فربما يمكنه أن يسرحها أو يمسكها بإحسان، وأصبح للزوج ~~قدر من زمن العدة يبيح له أن يمسك أو يسرح، لكنه زمن قليل. إن الحق يريد ~~أن يتمسك الزوج بالإبقاء إلى آخر لحظة ويستبقي أسباب الالتقاء وعدم ~~الانفصال حتى آخر لحظة، وهذه علة التعبير بقوله: " فبلغن أجلهن " أي ~~قاربن بلوغ الأجل. إن الحق يريدنا أن نتمسك باستبقاء الحياة الزوجية إلى ~~آخر فرصة تتسع للإمساك، فهي لحظة قد ينطق فيها الرجل بكلمة يترتب عليها ~~إما طلاق، وإما عودة الحياة الزوجية. أما الآية الثانية وهي قوله تعالى: # وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا ~~تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن # [البقرة: 232] فالله سبحانه وتعالى يريد أن يحصر مناقشة الأسباب في ~~الانفصال أو الاستمرار بين الزوج والزوجة فقط فلا تتعدى إلى غير الزوج ~~والزوجة لأن بين الاثنين من الأسباب ما قد تجعل الواحد منهما يلين جانبه ~~للآخر. لكن إذا ما دخل طرف ثالث ليست عنده هذه فسوف تكبر في نفسه الخصومة ~~ولا توجد عنده الحاجة فلا يبقى على عشرة الزوجين. فإذا ما دخل الأب أو ~~الأخ أو الأم في النزاع فسوف تشتعل الخصومة، وكل منهم لا يشعر بإحساس كل ~~من الزوجين للآخر، ولا بليونة الزوج لزوجته، ولا بمهادنة الزوجة لزوجها، ~~فهذه مسائل عاطفية ونفسية لا توجد إلا بين الزوج والزوجة، أما الأطراف ~~الخارجية فلا يربطها بالزوج ولا بالزوجة إلا صلة القرابة. # ومن هنا فإن حرص تلك الأطراف الخارجية على بقاء عشرة الزوجين لا يكون ~~مثل حرص كل من الزوجين على التمسك بالآخر. ولذلك يجب أن نفهم أن كل مشكلة ~~تحدث بين زوج وزوجته ولا يتدخل فيها أحد تنتهي بسرعة بدون أم أو أب أو ~~أخ، ذلك لأنه تدخل طرف خارجي لا يكون مالكا للدوافع العاطفية والنفسية ~~التي بين الزوجين، أما الزوجان فقد تكفي نظرة واحدة من ms0724 أحدهما للآخر لأن ~~تعيد الأمور إلى مجاريها. فقد يعجب الرجل بجمال المرأة ويشتاق إليها، ~~فينسى كل شيء. وقد ترى المرأة في الرجل أمرا لا تحب أن تفقده منه فتنسى ~~ما حدث بينهما، وهكذا. لكن أين ذلك من أمها وأمه، أو أبيها وأبيه؟ ليس ~~بين هؤلاء وبين الزوجين أسرار وعواطف ومعاشرة وغير ذلك. ولهذا فأنا أنصح ~~دائما بأن يظل الخلاف محصورا بين الزوج والزوجة لأن الله قد جعل بينهما ~~سيالا عاطفيا. والسيال العاطفي قد يسيل إلى نزوع ورغبة في شيء ما، ~~وربما تكون هذه الرغبة هي التي تصلح وتجعل كلا من الطرفين يتنازل عن ~~الخصومة والطلاق. ولذلك شاءت إرادة الله عز وجل ألا يطلق الرجل زوجته وهي ~~حائض، لماذا؟ لأن المرأة في فترة الحيض لا يكون لزوجها رغبة فيها، وربما ~~ينفر منها، لكن يريد الحق عز وجل ألا يطلق الرجل زوجته إلا في طهر لم ~~يسبق له أن عاشرها فيه معاشرة الزوج زوجته وبعد أن تغتسل من الحيض، وذلك ~~حتى لا يطلقها إلا وهو في أشد الأوقات رغبة لها. إذن فالحق سبحانه وتعالى ~~يريد أن تكون الخلافات بين الزوج والزوجة في إطار الحياة الزوجية، حتى ~~يحفظهما سياج المحبة والمودة والرحمة. لكن تدخل الأطراف الأخرى يحطم هذا ~~السياج، أيا كان الطرف أما أو أبا أو أخا. ويقول الحق: { ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } [البقرة: 231] أي لا تبقي أيها ~~الرجل على الحياة الزوجية من أجل الإضرار بالمرأة وإذلالها، ومعنى الضرار ~~أنك تصنع شيئا في ظاهره أنك تريد الخير وفي الباطن تريد الشر. ولذلك ~~أطلق اللفظ على " مسجد الضرار " فظاهر بنائه أنه مسجد بني للصلاة فيه، ~~وفي الباطن كان الهدف منه هو الكفر والتفريق بين المؤمنين. وكذلك الضرار ~~في الزواج يقول الرجل أنا لا أريد طلاقها وسأعيدها لبيتها، يقول ذلك ~~ويبيت في نفسه أن يعيدها ليذلها وينتقم منها، وذلك لا يقره الإسلام بل ~~وينهى عنه. إن الحق عز وجل يحذر من مثل هذا السلوك فيقول: { ولا ~~تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ~~ظلم نفسه ms0725 } [البقرة: 231] فإياك أن تظن أنك حين تعتدي على زوجتك ~~بعد أن تراجعها أنك ظلمتها هي، لا، إنما أنت تظلم نفسك لأنك حين تعتدي ~~على إنسان فقد جعلت ربه في جانبه، فإن دعا عليك قبل الله دعوته، وبذلك ~~تحرم نفسك من رضا الله عنك، فهل هناك ظلم أكثر من الظلم الذي يأتيك بسخط ~~الله عليك. # ويتابع الحق سبحانه وتعالى: { ومن يفعل ذلك فقد ظلم ~~نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا } [البقرة: 231] أي ~~خذوا نظام الله على أنه نظام جاء ليحكم حركة الحياة حكما بلا مراوغة ~~وبلا تحليق في خيال كاذب، إنما هو أمر واقعي، فلا يصح أن يهزأ أحد بما ~~أنزله الله من أنظمة تصون حياة وكرامة الإنسان رجلا كان أو امرأة. { ~~واذكروا نعمت الله عليكم ومآ أنزل عليكم ~~من الكتاب والحكمة يعظكم به } [البقرة: 231] ونعمة ~~الله عليهم التي يذكرهم الله بها في معرض الحديث عن الطلاق هي أنه - ~~سبحانه - يلفتهم إلى ما كانوا عليه قبل أن يشرع لهم أين كان حظ المرأة في ~~الجاهلية في أمور الزواج والطلاق، وما أصبحت عليه بعد نزول القرآن؟ لقد ~~صارت حقوقها مصونة بالقرآن. إن الحق عز وجل يمتن على المؤمنين ليلفت ~~نظرهم إلى حالتهم قبل الإسلام فقد كان الرجل يطلق امرأته ويعيدها، ثم ~~يطلقها ويعيدها ولو ألف مرة دون ضابط أو رابط. وكان يحرم عليها المعاشرة ~~الزوجية شهورا ويتركها تتعذب بلوعة البعد عنه، ولا تستطيع أن تتكلم. ~~وكانت المرأة إذا مات زوجها تنفى من المجتمع فلا تظهر أبدا ولا تخرج من ~~بيتها وكأنها جرثومة، وقبل ذلك كله كانت مصدر عار لأبيها، فكان يقتلها ~~قبل أن تصل إلى سن البلوغ بدعوى الحرص على عرضه وشرفه. باختصار كان ~~الزواج أقرب إلى المهازل منه إلى الجد، فجاء الإسلام، فحسم الأمور حتى لا ~~تكون فوضى بلا ضوابط وبلا قوانين. فاذكروا أيها المؤمنون نعمة الله عليكم ~~بالإسلام، وانظروا إلى ما أنعم به عليكم من نظام أسري يلهث العالم شرقه ~~وغربه ليصل إلى مثله. كنتم أمة بلا حضارة وبلا ثقافة، ms0726 تعبدون الأصنام ~~وتقيمون الحرب وتشعلونها بينكم على أتفه الأسباب وأدونها، وتجهلون ~~القراءة والكتابة، ثم نزل الله عليكم هذا التشريع الراقي الناضج الذي لم ~~تصل إليه أية حضارة حتى الآن. ألا تذكرون هذه النعمة التي أنتم فيها ~~بفضل من الله؟ لذلك قال سبحانه: { واذكروا نعمت الله ~~عليكم ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ~~يعظكم به } [البقرة: 231] والكتاب هو القرآن، والحكمة هي سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ويختتم الحق تلك الآية الكريمة بقوله: { ~~واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم ~~} [البقرة: 231]. فإياكم أن تتهموا دينكم بأنه قد فاته شيء من التشريع ~~لكم، فكل تشريع جاهز في الإسلام، لأن الله عليم بما تكون عليه أحوال ~~الناس، فلا يستدرك كون الله في الواقع على ما شرع الله في كتابه، لأنه ~~سبحانه خالق الكون ومنزل التشريع. وبعد ذلك يقول الحق: { وإذا ~~طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ~~ينكحن أزواجهن... }. ### || [2.232] # { فبلغن أجلهن } [البقرة: 232] هنا أي فانتهت العدة، ولم ~~يستنفد الزوج مرات الطلاق، ولم يعد للزوج حق في أن يراجعها إلا بعد عقد ~~ومهر جديدين. هب أن الزوج أراد أن يعيد زوجته إلى عصمته مرة أخرى، وهنا ~~قد يتدخل أهل اللدد والخصومة من الأقارب، ويقفون في وجه إتمام الزواج، ~~والزوجان ربما كان كل منهما يميل إلى الآخر، وبينهما سيال عاطفي ونفسي لا ~~يعلمه أحد، لكن الذين دخلوا في الخصومة من الأهل يقفون في وجه عودة ~~الأمور إلى مجاريها، خوفا من تكرار ما حدث أو لأسباب أخرى، ونقول ~~لهؤلاء: ما دام الزوجان قد تراضيا على العودة فلا يصح أن يقف أحد في طريق ~~عودة الأمور إلى ما كانت عليه. وقوله الحق: { فلا تعضلوهن } ~~[البقرة: 232] نعرف منه أن العضل هو المنع، والكلام للأهل والأقارب وكل ~~من يهمه مصلحة الطرفين من أهل المشورة الحسنة. و { أن ينكحن ~~أزواجهن } [البقرة: 232] أي الذين طلقوهن أولا. والمعنى: لا ~~تمنعوا الأزواج أن يعيدوا إلى عصمتهم زوجاتهم اللائي طلقوهن من قبل. ~~وليعلم الأهل الذين يصرون على منع بناتهم من العودة ms0727 لأزواجهن أنهم ~~بالتمادي في الخصومة يمنعون فائدة التدرج في الطلاق التي أرادتها حكمة ~~الله. إن حكمة التشريع في جعل الطلاق مرة، ومرتين هي أن من لم يصلح في ~~المرة الأولى قد يصلح في المرة الثانية، وإذا كان الله العليم بنفوس ~~البشر قد شرع لهم أن يطلقوا مرة ومرتين، وأعطى فسحة من الوقت لمن أخطأ في ~~المرة الأولى ألا يخطئ في الثانية، لذلك فلا يصح أن يقف أحد حجر عثرة ~~أمام إعادة الحياة الزوجية من جديد. وقوله الحق: { أن ينكحن ~~أزواجهن } [البقرة: 232] ونلحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى ينسب ~~النكاح للنسوة، فقال: { ينكحن } [البقرة: 232] وهذا يقتضي رضاء ~~المرأة عن العودة للزوج فلا يمكن أن يطلقها أولا ثم لا يكون لها رأي في ~~العودة إليه. { إذا تراضوا بينهم بالمعروف } [البقرة: ~~232] وما داموا تراضوا ورأوا أن عودة كل منهم للآخر أفضل، فليبتعد أهل ~~السوء الذين يقفون في وجه رضا الطرفين، وليتركوا الحلال يعود إلى مجاريه. ~~{ ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم ~~الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر } [البقرة: 232] إن هذا ~~تشريع ربكم وهو موعظة لكم يا من تؤمنون بالله ربا حكيما مشرعا وعالما ~~بنوازع الخير في نفوس البشر. وكلمة " وأطهر " تلفتنا إلى حرمة الوقوف في ~~وجه المرأة التي تريد أن ترجع لزوجها الذي طلقها ثم انتهت العدة، وأراد ~~هو أن يتزوجها من جديد، إن الحق يبلغنا: ولا تقفوا في وجه رغبتهما في ~~العودة لأي سبب كان، لماذا يا رب؟ وتأتي الإجابة في قوله الحق: { ~~والله يعلم وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 232] تأمل ~~جمال السياق القرآني وكيف خدم قوله تعالى: { والله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 232] المعنى الذي تريده الآيات. ~~إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون أن في عودة الأمور لمجاريها بين الزوجين ~~أزكى وأطهر. ويقول الحق بعد ذلك: { والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة... }. ### || [2.233] # انظر إلى عظمة الإسلام ها هو ذا الحق سبحانه يتكلم عن إرضاع الوالدات ~~لأولادهن بعد عملية الطلاق، فالطلاق يورث الشقاق بين الرجل والمرأة، ms0728 ~~والحق سبحانه وتعالى ينظر للمسألة نظرة الرحيم العليم بعباده، فيريد أن ~~يحمي الثمرة التي نتجت من الزواج قبل أن يحدث الشقاق بين الأبوين، ~~فيبلغنا: لا تجعلوا شقاقكم وخلافكم وطلاقكم مصدر تعاسة للطفل البريء ~~الرضيع. وهذا كلام عن المطلقات اللاتي تركن بيوت أزواجهن، لأن الله يقول ~~بعد ذلك: { وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف } [البقرة: 233] وما دامت الآية تحدثت عن " رزقهن وكسوتهن ~~" فذلك يعني أن المرأة ووليدها بعيدة عن الرجل، لأنها لو كانت معه لكان ~~رزق الوليد وكسوته أمرا مفروغا منه. والحق سبحانه يفرض هنا حقا ~~للرضيع، وأمه لم تكن تستحقه لولا الرضاع. وبعض الناس فهموا خطأ أن الرزق ~~والكسوة للزوجات عموما ونقول لهم: لا. إن الرزق والكسوة هنا للمطلقات ~~اللاتي يرضعن فقط. ويريد الحق سبحانه أن يجعل هذا الحق أمرا مفروغا ~~منه، فشرع حق الطفل في أن يتكفله والده بالرزق والكسوة حتى يكون الأمر ~~معلوما لديه حال الطلاق. وقوله تعالى: { والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين } [البقرة: 233] نلحظ فيه أنه لم ~~يأت بصيغة الأمر فلم يقل: يا والدات أرضعن، لأن الأمر عرضة لأن يطاع وأن ~~يعصي، لكن الله أظهر المسألة في أسلوب خبري على أنها أمر واقع طبيعي ولا ~~يخالف. ويقول الحق: { وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن } [البقرة: 233] ولنتأمل عظمة الأداء القرآني في قوله: { ~~وعلى المولود له } [البقرة: 233] إنه لم يقل: " وعلى الوالد " ، ~~وجاء ب " المولود له " ليكلفه بالتبعات في الرزق والكسوة، لأن مسئولية ~~الإنفاق على المولود هي مسئولية الوالد وليست مسئولية الأم، وهي قد حملت ~~وولدت وأرضعت والولد ينسب للأب في النهاية يقول الشاعر: # فإنما أمهات الناس أوعية # مستودعات وللآباء أبناء # وما دام المولود منسوبا للرجل الأب، فعلى الأب رزقه وكسوته هو وعليه ~~أيضا رزق وكسوة أمه التي ترضعه بالمعروف المتعارف عليه بما لا يسبب ~~إجحافا وظلما للأب في كثرة الإنفاق، ويقول الحق: { لا تكلف ~~نفس إلا وسعها } [البقرة: 233] هنا الحديث عن الأم والأب. فلا ~~يصح أن ترهق المطلقة والد الرضيع بما هو فوق طاقته، وعليها أن تكتفي ~~بالمعقول من ms0729 النفقة. ويتابع الحق: { لا تضآر والدة بولدها ~~ولا مولود له بولده } [البقرة: 233] ولا زال الحق يذكر ~~الأب بأن المولود له هو، وعليه ألا يضر والدة الطفل بمنع الإنفاق على ~~ابنه، وألا يتركها تتكفف الناس من أجل رزقه وكسوته، وفي الوقت نفسه ~~يذكر الأم: لا تجعلي رضيعك مصدر إضرار لأبيه بكثرة الإلحاح في طلب ~~الرزق والكسوة. # إنه عز وجل يضع لنا الإطار الدقيق الذي يكفل للطفل حقوقه، فهناك فرق بين ~~رضيع ينعم بدفء الحياة بين أبوين متعاشرين، ووجوده بين أبوين غير ~~متعاشرين. والحق سبحانه وتعالى يعطينا لفتة أخرى هي أن والد المولود قد ~~يموت فإذا ما مات الوالد فمن الذي ينفق على الوليد الذي في رعاية أمه ~~المطلقة؟ هنا يأتينا قول الحق بالجواب السريع: { وعلى الوارث ~~مثل ذلك } [البقرة: 233]. إن الحق يقرر مسئولية الإنفاق على من يرث ~~والد الرضيع، صحيح أن الرضيع سيرث في والده، لكن رعاية الوليد اليتيم هي ~~مسئولية من يرث الوصاية وتكون له الولاية على أموال الأب إن مات. وهكذا ~~يضمن الله عز وجل حق الرضيع عند المولود له وهو أبوه إذا كان حيا، وعند ~~من يرث الأب إذا توفي. وبذلك يكون الله عز وجل قد شرع لصيانة أسلوب ~~حياة الطفل في حال وجود أبويه، وشرع له في حال طلاق أبويه وأبوه حي، ~~وشرع له في حال طلاق أبويه ووفاة أبيه. ويتابع الحق: { فإن أرادا ~~فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما ~~} [البقرة: 233]. انظر إلى الرحمة في الإسلام فطلاق الرجل لزوجته لا يعني ~~أن ما كان بينهما قد انتهى، ويضيع الأولاد ويشقون بسبب الطلاق، فقوله ~~تعالى: { عن تراض منهما وتشاور } [البقرة: 233] دليل على ~~أن هناك قضية مشتركة ما زالت بين الطرفين وهي ما يتصل برعاية الأولاد، ~~وهذه القضية المشتركة لابد أن يلاحظ فيها حق الأولاد في عاطفة الأمومة، ~~وحقهم في عاطفة الأبوة، حتى ينشأ الولد وهو غير محروم من حنان الأم أو ~~الأب، وإن اختلفا حتى الطلاق. إن عليهما أن يلتقيا بالتشاور والتراضي في ~~مسألة تربية الأولاد ms0730 حتى يشعروا بحنان الأبوين، ويكبر الأولاد دون آلام ~~نفسية، ويفهمون أن أمهم تقدر ظروفهم وكذلك والدهم وبرغم وجود الشقاق ~~والخلاف بينهما فقد اتفقا على مصلحة الأولاد بتراض وتشاور. إن ما يحدث ~~في كثير من حالات الطلاق من تجاهل للأولاد بعد الطلاق هي مسألة خطيرة ~~لأنها تترك رواسب وآثارا سلبية عميقة في نفوس الأولاد، ويترتب عليها ~~شقاؤهم وربما تشريدهم في الحياة. وما ذنب أولاد كان الكبار هم السبب ~~المباشر في مجيئهم للحياة؟ أليس من الأفضل أن يوفر الآباء لهم الظروف ~~النفسية والحياتية التي تكفل لهم النشأة الكريمة؟ إن منهج الله أمامنا ~~فلماذا لا نطبقه لنسعد به وتسعد به الأجيال القادمة؟ والحق سبحانه وتعالى ~~قال في أول الآية: { والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين } [البقرة: 233] لكن ماذا يكون الحال إن نشأت ~~ظروف تقلل من فترة الرضاعة عن العامين، أو نشأت ظروف خاصة جعلت فترة ~~الرضاعة أطول من العامين؟ هنا يقول الحق: { فإن أرادا فصالا عن ~~تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما } [البقرة: ~~233]. # إنه جل وعلا يبين لنا أن الفصال أي الفطام يجب أن يكون عن تراض وتشاور ~~بين الوالدين ولا جناح عليهما في ذلك. ويقول الحق: { وإن أردتم ~~أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا ~~سلمتم مآ آتيتم بالمعروف } [البقرة: 233]، و { أن ~~تسترضعوا أولادكم } [البقرة: 233] أي أن تأتوا للطفل ~~بمرضعة، فإن أردتم ذلك فلا لوم عليكم في ذلك. إن المطلق حين يوكل إلى ~~الأم أن ترضع وليدها فالطفل يأخذ من حنان الأم الموجود لديها بالفطرة، ~~لكن هب أن الأم ليست لديها القدرة على الإرضاع أو أن ظروفها لا تسعفها ~~على أن ترضع لضعف في صحتها أو قوتها، عند ذلك فالوالد مطالب أن يأتي ~~لابنه بمرضعة، وهذه المرضعة التي ترضع الوليد تحتاج إلى أن يعطيها الأب ~~ما يسخيها ويجعلها تقبل على إرضاع الولد بأمانة، والإشراف عليه بصدق. ~~ويختم الحق هذه الآية الكريمة بقوله: { واتقوا الله ~~واعلموا أن الله بما تعملون بصير } [البقرة: 233]، ~~إن الحق يحذر أن يأخذ أحد أحكامه ويدعي بظاهر الأمر تطبيقها، لكنه ms0731 غير ~~حريص على روح هذه الأحكام، مثال ذلك الأب الذي يريد أن يدلس على المجتمع، ~~فعندما يرى الأب مرضعة ابنه أمام الناس فهو يدعي أنه ينفق عليها، ويعطيها ~~أجرها كاملا، ويقابلها بالحفاوة والتكريم بينما الواقع يخالف ذلك. إن ~~الله يحذر من يفعل ذلك: أنت لا تعامل المجتمع وإنما تعامل الله و { ~~الله بما تعملون بصير }. ويقول الحق بعد ذلك: { والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن ~~بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا... }. ### || [2.234] # والعدة - كما عرفنا - هي الفترة الزمنية التي شرعها الله بعد زواج انتهى ~~بطلاق أو بوفاة الزوج. والعدة إما أن تكون بعد طلاق، وإما بعد وفاة زوج، ~~فإن كانت العدة بعد طلاق فمدتها ثلاثة قروء، والقرء - كما عرفنا - هو ~~الحيضة أو الطهر، فإن كانت المطلقة صغيرة لم تحض بعد أو كانت كبيرة تعدت ~~سن الحيض فالعدة تنقلب من القروء إلى الأشهر وتصبح " ثلاثة أشهر ". ~~وعرفنا أن من حق الزوج أن يراجع زوجته بينه وبين نفسه دون تدخل الزوجة أو ~~ولي أمرها، له ذلك في أثناء فترة العدة في الطلاق الرجعي، فإن انتهت ~~عدتها فقد سقط حقه في مراجعة الزوجة بنفسه، وله أن يراجعها، ولكن بمهر ~~وعقد جديدين ما دام قد بقى له حق أي لم يستنفد مرات الطلاق. وقد قلنا: إن ~~تعدت الطلقات اثنتين وأصبحت هناك طلقة ثالثة فلابد من زوج آخر يتزوجها ~~بالطريقة الطبيعية لا بقصد أن يحللها للزوج الأول. وأما عدة المتوفي عنها ~~زوجها فقد عرفنا أن القرآن ينص على أنها تتربص بنفسها أربعة أشهر وعشرا، ~~هذا إن لم تكن حاملا، فإن كانت حاملا فعدتها أبعد الأجلين، فإن كان ~~الأجل الأبعد هو أربعة أشهر وعشرا فتلك عدتها، وإن كان الأجل الأبعد هو ~~الحمل فعدتها أن ينتهي الحمل. لكن أليس من الجائز أن يموت زوجها وهي في ~~الشهر التاسع من الحمل فتلد قبل أن يدفن؟ وهل يعني ذلك أن عدتها انتهت؟ ~~لا، إنها تنتهي بأبعد الأجلين وهو في هذه الحالة مرور أربعة أشهر وعشرا، ~~وإن قال بعض الفقهاء: إن عدة ms0732 الحامل بوضع الحمل. لكن إذا لم يكن زوجها ~~متوفى عنها فعدتها أن تضع حملها، وإن شاءت أن تتزوج بعد ذلك فلها ذلك ~~ولو بعد لحظة. وبعض الناس يفسرون الحكمة من جعل عدة المتوفى عنها زوجة ~~أربعة أشهر وعشرا، فيقولون: لأنها إن كانت حاملا بذكر فسيظهر حملها ~~عندما يتحرك بعد ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملا بأنثى فستتحرك بعد أربعة ~~أشهر ونعطيها مهلة عشر ليال. ونقول لهم: جزاكم الله خيرا على تفسيركم، ~~لكن العدة ليست لاستبراء الرحم لأنها لو كانت لاستبراء الرحم لانتهت عدة ~~المرأة بمجرد ولادتها. ولو كان الأمر للتأكد من وجود حمل أو عدمه، لكانت ~~عدتها ثلاث حيضات إن كانت من ذوات الحيض، وإن كانت من غير ذوات الحيض ~~لصغر أو لكبر سن لكانت عدتها ثلاثة أشهر. لكن الله اختصها بأربعة أشهر ~~وعشر وفاء لحق زوجها عليها وإكراما لحياتهما الزوجية. إذن فالله عز وجل ~~جعل المتوفى عنها زوجها تتربص أقصى مدة يمكن أن تصبر عليها المرأة. # فالمرأة ساعة تكون متوفى عنها زوجها لا تخرج من بيتها ولا تتزين ولا ~~تلقى أحدا وفاء للزوج، فإذا انتهت عدتها أي مضت عليها الأربعة الأشهر ~~والعشرة، { فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ~~} [البقرة: 234] وهو يعني أن تتزين في بيتها وتخرج دون إبداء زينة وأن ~~يتقدم لها من يريد خطبتها. وقوله تعالى: { أربعة أشهر وعشرا ~~} [البقرة: 234] والمقصود بهذه المدة أربعة أشهر وعشر ليال. وهنا لفتة ~~تشريعية إيمانية تدل على استطراق كل حكم شرعي في جميع المكلفين وإن لم ~~يكن الحكم ماسا لهم فالمتوفى عنها زوجها تربصت أربعة أشهر وعشرا ~~وبلغتها في مدة العدة، وكان من حكم الله عليها ألا تتزين وألا تكتحل وألا ~~تخرج من بيتها وفاء لحق زوجها فإذا بلغت الأجل وانتهى قال: { فلا ~~جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن } [البقرة: 234]، ~~ولم يقل: فلا جناح عليهن. لقد وجه الخطاب هنا للرجال لأن كل مؤمن له ~~ولاية على كل مؤمنة، فإذا رأى في سلوكها أو أسلوب عنايتها بنفسها ما ~~ينافي العدة فله أن يتدخل. ms0733 مثلا إذا رآها تتزين قال لها أو أرسل إليها ~~من يقول لها: لماذا تتزينين؟ إن قول الله: { فلا جناح عليكم } ~~[البقرة: 234] يجعل للرجال قوامة على المتوفى عنها زوجها، فلا يقولون: لا ~~دخل لنا لأن الحكم الإيماني حكم مستطرق في كل مؤمن وعلى كل مؤمن. فالحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3]. إن قوله الحق: " تواصوا " لا يعني أن قوما خصوا بأنهم ~~يوصون غيرهم وقوما آخرين يوصيهم غيرهم، بل كل واحد منا موص في وقت ~~وموصى من غيره في وقت آخر، هذا هو معنى " وتواصوا ". فإذا رأيت في غيرك ~~ضعفا في أي ناحية من نواحي أحكام الله، فلك أن توصيه. وكذلك إن رأى ~~غيرك فيك ضعفا في أي ناحية من النواحي فله أن يوصيك، وعندما نتواصى ~~جميعا لا يبقى لمؤمن بيننا خطأ ظاهر. إذن فالآية لا تخص بالوصاية ~~جماعة دون أخرى إنما الكل يتواصون، لأن الأغيار البشرية تتناوب الناس ~~أجمعين. فأنت في فترة ضعفي رقيب علي، فتوصيني، وأنا في فترة ضعفك رقيب ~~عليك، فأوصيك. ولذلك جاء قول الحق: { فلا جناح عليكم } ~~[البقرة: 234] إنه سبحانه لم يوجه الخطاب للنساء، ولكن خاطب به المؤمنين ~~ولم يخص بالخطاب أولياء أمور النساء فحسب وإنما ترك الحكم للجميع حتى لا ~~يقول أحد: لا علاقة لي بالمرأة التي توفى عنها زوجها ولتفعل ما تشاء. إن ~~لها أن تتزين بالمتعارف عليه إسلاميا في الزينة، ولها أن تتجمل في حدود ~~ما أذن الله لها فيه. ويختتم الحق هذه الآية بقوله: { والله بما ~~تعملون خبير } [البقرة: 234] أي والله أعلم بما في نفسها وبما في ~~نيتها. # وهب أنها فعلت أي فعل على غير مرأى من أحد فلا تعتقد أن المجتمع وإن لم ~~يشهد منها ذلك أن المسألة انتهت، لا، إن الله عليم بما تفعل وإن لم يطلع ~~عليها أحد من الناس. إن الحق سبحانه وتعالى قد حمى بكل التشريعات السابقة ~~حق الزوج حتى تنتهي العدة، وحق المتوفى عنها زوجها في أثناء العدة، وحمى ~~أيضا بكل التشريعات كرامة المرأة. وجعل ms0734 المرأة حرما لا يقترب منه أحد ~~يخدش حجابها، إن عليها عدة محسوبة في هذا الوقت لرجل آخر، فلا يحق لأحد ~~أن يقترب منها. لماذا؟ لأن المرأة خاصة إذا كانت مطلقة قد تتملكها رغبة ~~في أن تثأر لنفسها ولكرامتها، وربما تعجلت التزوج، وربما كانت مسائل ~~الافتراق أو الخلاف ناشئة عن اندساس رغبة راغب فيها، وبمجرد أن يتم ~~طلاقها وتعيش فترة العدة فقد يحوم حولها الراغبون فيها، أو تستشرف هي من ~~ناحيتها من تراه صالحا كزوج لها. ولذلك يفرض الحق سياجا من الزمن ويجعل ~~العدة كمنطقة حرام ليحمي المرأة حماية موضوعية لا شكلية. التشريع - لأنه ~~من إله رحيم - لا يهدر عواطف النفس البشرية: لا من ناحية الذي يرغب في أن ~~يتزوج، ولا من ناحية المرأة التي تستشرف أن تتزوج، فيعالج هذه المسألة ~~بدقة وبحزم وبحسم معا - جل شأنه -: { ولا جناح عليكم فيما ~~عرضتم به من خطبة النسآء... }. ### || [2.235] # و { عرضتم } [البقرة: 235] مأخوذة من التعريض. والتعريض: هو أن ~~تدل على شيء لا بما يؤديه نصا، ولكن تعرض به تلميحا. إن الحق سبحانه ~~وتعالى يريد أن يجعل للعواطف تنفيسا من هذه الناحية، والتنفيس ليس مجرد ~~تعبير عن العاطفة، ولكن رعاية للمصلحة، فمن الجائز أنه لو حرم التعريض ~~لكان في ذلك ضياع فرصة الزواج للمرأة، أو قد يفوت - هذا المنع - الفرصة ~~على من يطلبها من الرجال لذلك يضع الحق القواعد التي تفرض على الرجل ~~والمرأة معا أدب الاحتياط، وكأنه يقول لنا: أنا أمنعكم أن تخطبوا في ~~العدة أو تقولوا كلاما صريحا وواضحا فيها، لكن لا مانع من التلميح من ~~بعيد. مثلا يثني الرجل على المرأة ويعدد محاسنها بكلام لا يعد خروجا ~~على آداب الإسلام مثل هذا الكلام هو تلميح وتعريض، وفائدته أنه يعبر عما ~~في نفس قائله تجاه المطلقة فتعرف رأيه فيها، ولو لم يقل ذلك فربما سبقه ~~أحد إليها وقطع عليه السبيل لإنفاذ ما في نفسه، ومنعه من أن يتقدم ~~لخطبتها بعد انتهاء العدة، وقد يدفعه ذلك لأن يفكر تفكيرا آخر: للتعبير ~~بأسلوب وشكل ms0735 خاطئ. إذن فالتعريض له فائدة في أنه يعرف المطلقة رأي فلان ~~فيها حتى إن جاءها غيره لا توافق عليه مباشرة. وهكذا نرى قبسا من رحمة ~~الله سبحانه وتعالى بنا، بأن جعل العدة كمنطقة حرام تحمي المرأة، وجعل ~~التعريض فرصة للتعبير عن العاطفة التي تؤسس مصلحة من بعد ذلك. إن الحق ~~يقول: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة ~~النسآء } [البقرة: 235] والخطبة مأخوذة من مادة " الخاء " و " الطاء ~~" و " الباء " وتدل على أمور تشترك في عدة معالم: منها خطبة بضم الخاء، ~~ومنها خطب وهو الأمر العظيم، ومنها المعنى الذي نحن بصدده وهو الخطبة ~~بكسر الخاء. وكل هذه المعالم تدل على أن هناك الأمر العظيم الذي يعالج، ~~فالخطب أمر عظيم يهز الكيان، وكذلك الخطبة لا يلقيها الخطيب إلا في أمر ~~ذي بال، فيعظ المجتمع بأمر ضروري. والخطبة كذلك أمر عظيم لأنه أمر فاصل ~~بين حياتين: حياة الانطلاق، وحياة التقيد بأسرة وبنظام. وكلها معان ~~مشتركة في أمر ذي بال، وأمر خطير. وهو سبحانه وتعالى يقول: { ولا ~~جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء ~~أو أكننتم في أنفسكم } [البقرة: 235] أي لا جناح عليكم أن ~~وضعتم في أنفسكم أمرا يخفى على المرأة، وللمسلم أن يكنن ويخفي في نفسه ~~ما يشاء، ولكن ما الذي يدري ويعلم المطلقة أنها في بالك يا من أسررت ~~أمرها في نفسك؟ إنك لابد أن تلمح وأن تعرض بأسلوب يليق باحترام المرأة. # ويقول الحق: { علم الله أنكم ستذكرونهن } [البقرة: ~~235]، إن الذي خلقك يعلم أنها ما دامت في بالك، ومات زوجها عنها أو طلقها ~~فقد أصبحت أملا بالنسبة لك، فلو أنه ضيق عليك لعوق عواطفك، ولضاعت منك ~~الفرصة لأن تتخذها زوجة من بعد ذلك، ولهذا أباح الحق التعريض حتى لا ~~يقع أحدكم في المحظور وهو { لا تواعدوهن سرا } [البقرة: 235] ~~بأن تأخذوا عليهن العهد ألا يتزوجن غيركم، أو يقول لها: تزوجيني. بل عليه ~~أن يعرض ولا يفصح ولا يصرح. إن المواعدة في السر أمر منهي عنه، لكن ~~المسموح به هو التعريض بأدب، ms0736 { إلا أن تقولوا قولا ~~معروفا } [البقرة: 235] كأن يقول: " يا سعادة من ستكون له زوجة مثلك ~~". ومثل ذلك من الثناء الذي يطرب المرأة. ونعلم جميعا أن المرأة في مثل ~~حال المطلقة أو المتوفى عنها زوجها تملك شفافية وألمعية تلتقط بها معنى ~~الكلام ومراده. ويتابع الحق: { ولا تعزموا عقدة النكاح ~~حتى يبلغ الكتاب أجله } [البقرة: 235] وهكذا نرى أن مجرد ~~العزم الأكيد أمر نهى عنه. والعزم مقدم على الفعل فإذا نهى عنه كان النهي ~~عن الفعل أقوى وأشد وأنهى، فلك أن تنوى الزواج منها وتتوكل على الله، لكن ~~لا تجعله أمرا مفروغا منه، إلا بعد أن تتم عدتها، فإن بلغ الكتاب أجله ~~وانتهت عدتها فاعزموا عقدة النكاح. فكأن عقدة النكاح تمر بثلاث مراحل: ~~المرحلة الأولى: وهي التعريض أي التلميح. والمرحلة الثانية: هي العزم ~~الذي لا يصح ولا يستقيم أن يتم إلا بعد انتهاء فترة العدة. والمرحلة ~~الثالثة: هي العقد. والمقصود بهذه المراحل أن يأخذ كل طرف فرصته للتفكير ~~العميق في هذا الأمر الجاد، فإن كان التفكير قد هدى إلى العزم فإن ~~للإنسان أن يعقد بعد انتهاء العدة، وإن كان التفكير قد اهتدى إلى ~~الابتعاد وصرف النظر عن مثل هذا الأمر فللإنسان ما يريد. ويريد الحق من ~~هذه المراحل أن يعطي الفرصة في التراجع إن اكتشف أحد الطرفين في الآخر ~~أمرا لا يعجبه. وكل هذه الخطوات تدل على أن العقد لا يكون إلا بعزم، فلا ~~يوجد عقد دون عزم، إن الحق يريد من المسلم ألا يقدم على عقدة النكاح إلا ~~بعد عزم. والعزم معناه التصميم على أنك تريد الزواج بحق الزواج وبكل ~~مسئولياته، وبكل مهر الزواج، ومشروعيته، وإعفافه فالزواج بدون أرضية ~~العزم مصيره الفشل. ومعنى العزم: أن تفكر في المسألة بعمق وروية في نفسك ~~حتى تستقر على رأي أكيد، ثم لك أن تقبل على الزواج على أنه أمر له ديمومة ~~وبقاء لا مجرد شهوة طارئة ليس لها أرضية من عزيمة النفس عليها. ولذلك فإن ~~الزواج القائم على غير روية، والمعلق على أسباب مؤقتة كقضاء ms0737 الشهوة لا ~~يستمر ولا ينجح. # ومثل ذلك زواج المتعة فالعلة في تحريم زواج المتعة أن المقدم عليه لا ~~يريد به الاستمرار في الحياة الزوجية، وما دام لا يقصد منه الديمومة ~~فمعناه أنه هدف للمتعة الطارئة. والذين يبيحون زواج المتعة مصابون في ~~تفكيرهم لأنهم يتناسون عنصر الإقبال بديمومة على الزواج، فما الداعي لأن ~~تقيد زواجك بمدة؟ إن النكاح الأصيل لا يقيد بمثل هذه المدة. وتأمل حمق ~~هؤلاء لتعلم أن المسألة ليست مسألة زواج، إنما المسألة هي تبرير زنى، ~~وإلا لماذا يشترط في زواج المتعة أن يتزوجها لمدة شهر أو أكثر؟ إن ~~الإنسان حين يشترط تقييد الزواج بمدة فذلك دليل على غباء تفكيره وسوء ~~نيته لأن الزواج الأصيل هو الذي يدخل فيه بديمومة، وقد ينهيه بعد ساعة إن ~~وجد أن الأمر يستحق ذلك، ولن يعترض أحد على مثل هذا السلوك، فلماذا تقيد ~~نفسك بمدة؟ إن المتزوج للمتعة يستخدم الذكاء في غير محله، قد يكون ذكيا ~~في ناحية ولكنه قليل الفطنة في ناحية أخرى. إن على الإنسان أن يدخل على ~~الزواج بعزيمة بعد تفكير عميق وروية ثم ينفذ العزم إلى عقد. حذار أن تضع ~~في نفسك مثل هذا الزواج المربوط على مطامع وأهداف في نفسك كعدم الديمومة ~~أو لهدف المتعة فقط، فكل ما يفكر فيه بعض الناس من أطماع شهوانية ودنيوية ~~هي أطماع زائلة. اصرف كل هذه الأفكار عنك لأنك إن أردت شيئا غير ~~الديمومة في الزواج، وإرادة الإعفاف فالله سبحانه وتعالى يعلمه وسيرد ~~تفكيرك نقمة عليك فاحذره. إن الله سبحانه لا يحذر الإنسان من شيء إلا إذا ~~كان مما يغضبه سبحانه. لذلك يذيل الحق هذه الآية الكريمة بقوله: { ~~واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم ~~فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم } [البقرة: ~~235]. وهو سبحانه يعلم ضعف النفس البشرية وأنها قد تضعف في بعض الأحيان، ~~فإن كان قد حدث منها شيء فالله يعطيها الفرصة في أن يتوب صاحبها لأنه ~~سبحانه هو الغفور الحليم. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { لا جناح ~~عليكم إن طلقتم ms0738 النسآء ما لم تمسوهن أو ~~تفرضوا لهن فريضة... }. ### || [2.236] # نحن نلاحظ أن الكلام فيما تقدم كان عن الطلاق للمدخول بها، أو عن المرأة ~~التي دخل بها زوجها ومات عنها. ولكن قد تحدث بعض من المسائل تستوجب ~~الطلاق لامرأة غير مدخول بها. وتأتي هذه الآية لتتحدث عن المرأة غير ~~المدخول بها، وهي إما أن يكون الزوج لم يفرض لها صداقا، وإما أن يكون قد ~~فرض لها صداقا. والطلاق قبل الدخول له حكمان: فرضت في العقد فريضة، أو ~~لم تفرض فيه فريضة، فكأن عدم فرض المهر ليس شرطا في النكاح، بل إذا ~~تزوجته ولم يفرض في هذا الزواج مهر فقد ثبت لها مهر المثل والعقد صحيح. ~~ودليل ذلك أن الله سبحانه وتعالى يقول: { لا جناح عليكم إن ~~طلقتم النسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة } [البقرة: 236] ومعنى ذلك أنها كانت زوجة ولم يحدث دخول للزوج ~~بها. ولنا أن نسأل ما هو المس؟ ونقول: فيه مس، وفيه لمس، وفيه ملامسة. ~~فالإنسان قد يمس شيئا، ولكن الماس لا يتأثر بالممسوس، أي لم يدرك طبيعته ~~أو حاله هل هو خشن أو ناعم؟ دافئ أم بارد، وإلى غير ذلك. أما اللمس فلا ~~بد من الإحساس بالشيء الملموس، أما الملامسة فهي حدوث التداخل بين ~~الشيئين. إذن فعندنا ثلاث مراحل: الأولى هي: مس. والثانية: لمس. ~~والثالثة: ملامسة. كلمة " المس " هنا دلت على الدخول والوطء، وهي أخف من ~~اللمس، وأيسر من أن يقول: لامستم أو باشرتم، ونحن نأخذ هذا المعنى لأن ~~هناك سياقا قرآنيا في مكان آخر قد جاء ليكون نصا في معنى، ولذلك ~~نستطيع من سياقه أن نفهم المعنى المقصود بكلمة " المس " هنا، فقد قالت ~~السيدة مريم: # قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم ~~أك بغيا # [مريم: 20]. إن القرآن الكريم يوضح على لسان سيدتنا مريم أن أحدا من ~~البشر لم يتصل بها ذلك الاتصال الذي ينشأ عنه غلام، والتعبير في منتهى ~~الدقة، ولأن الأمر فيه تعرض لعورة وأسرار لذلك جاء القرآن بأخف لفظ في ~~وصف ms0739 تلك المسألة وهو المس، وكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يثبت لها ~~إعفافا حتى في اللفظ، فنفى مجرد مس البشر لها، وليس الملامسة أو ~~المباشرة برغم أن المقصود باللفظ هو المباشرة لأن الآية بصدد إثبات عفة ~~مريم. ولنتأمل أدب القرآن في تناول المسألة في الآية التي نحن بصددها ~~فكأن الحق سبحانه وتعالى يعبر عن اللفظ بنهاية مدلوله وبأخف التعبير. ~~والحق يقول: { أو تفرضوا لهن فريضة } [البقرة: 236] وتعرف ~~أن " أو " عندما ترد في الكلام بين شيئين فهي تعني " إما هذا وإما ذاك ~~" ، فهل تفرض لهن فريضة مقابل المس؟. # إن الأصل المقابل في " ما لم تمسوهن " هو أن تمسوهن. ومقابل " تفرضوا ~~لهن فريضة " هو: أن لا تفرضوا لهن فريضة. كأن الحق عز وجل يقول: لا جناح ~~عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن سواء فرضتم لهن فريضة أو لم تفرضوا ~~لهن فريضة. وهكذا يحرص الأسلوب القرآني على تنبيه الذهن في ملاحظة ~~المعاني. ولنا أن نلاحظ أن الحق قد جاء بكلمة " إن " في احتمال وقوع ~~الطلاق، و " إن " - كما نعرف - تستخدم للشك، فكأن الله عز وجل لا يريد ~~أن يكون الطلاق مجترءا عليه ومحققا، فلم يأت ب " إذا " ، بل جعلها في ~~مقام الشك حتى تعزز الآية قول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " أبغض الحلال إلى الله الطلاق ". # ثم يقول الحق عز وجل بعد ذلك: { ومتعوهن على الموسع ~~قدره وعلى المقتر قدره } [البقرة: 236] أي إنك إذا طلقت ~~المرأة قبل الدخول، ولم تفرض لها فريضة فأعطها متعة. وقال العلماء في ~~قيمة المتعة: إنها ما يوازي نصف مهر مثيلاتها من النساء لأنه كان من ~~المفروض أن تأخذ نصف المهر، وما دام لم يحدد لها مهر فلها مثل نصف ~~مهر مثيلاتها من النساء. ويقول الحق: { على الموسع قدره ~~وعلى المقتر قدره } [البقرة: 236] أي ينبغي أن تكون المتعة ~~في حدود تناسب حالة الزوج فالموسع الغني: عليه أن يعطي ما يليق بعطاء ~~الله له، والمقتر الفقير: عليه أن يعطي في حدود طاقته. وقول القرآن: { ~~الموسع } مشتق من " أوسع " واسم ms0740 الفاعل " موسع " واسم المفعول " ~~موسع عليه " ، فأي اسم من هؤلاء يطلق على الزوج؟ إن نظرت إلى أن الزرق ~~من الحق فهو " موسع عليه " ، وإن نظرت إلى أن الحق يطلب منك أن توسع حركة ~~حياتك ليأتيك رزقك، وعلى قدر توسيعها يكون اتساع الله لك، فهو " موسع ". ~~إذن فالموسع: هو الذي أوسع على نفسه بتوسيع حركة أسبابه في الحياة. ~~والإقتار هو الإقلال، وعلى قدر السعة وعلى قدر الإقتار تكون المتعة. ~~والحق سبحانه وتعالى حينما يطلب حكما تكليفيا لا يقصد إنفاذ الحكم على ~~المطلوب منه فحسب، ولكنه يوزع المسئولية في الحق الإيماني العام فقوله: { ~~ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ~~} [البقرة: 236] يعني إذا وجد من لا يفعل حكم الله فلا بد أن تتكاتفوا ~~على إنفاذ أمر الله في أن يمتع كل واحد طلق زوجته قبل أن يدخل بها. ~~والجمع في الأمر وهو قوله: " ومتعوهن " دليل على تكاتف الأمة في إنفاذ ~~حكم الله. وبعد ذلك قال: { وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم... }. ### || [2.237] # أي ما دام لم يدخل بها ولم يتمتع بها فلا تأخذ المهر كله، إنما يكون لها ~~النصف من المهر. ولنعلم أن هناك فرقا بين أن يوجد الحكم بقانون العدل، ~~وبين أن ينظر في الحكم ناحية الفضل، وأحكي هذه الواقعة لنتعلم منها: ذهب ~~اثنان إلى رجل ليحكم بينهما فقالا: احكم بيننا بالعدل. قال: أتحبون أن ~~أحكم بينكما بالعدل؟ أم بما هو خير من العدل؟ فقالا: وهل يوجد خير من ~~العدل؟ قال: نعم. الفضل. إن العدل يعطي كل ذي حق حقه، ولكن الفضل يجعل ~~صاحب الحق يتنازل عن حقه أو عن بعض حقه. إذن فالتشريع حين يضع موازين ~~العدل لا يريد أن يحرم النبع الإيماني من أريحية الفضل فهو يعطيك العدل، ~~ولكنه سبحانه يقول بعد ذلك: { ولا تنسوا الفضل بينكم } ~~[البقرة: 237] فالعدل وحده قد يكون شاقا وتبقى البغضاء في النفوس، ولكن ~~عملية الفضل تنهي المشاحة والمخاصمة والبغضاء. والمشاحة إنما تأتي عندما ~~أظن أني صاحب الحق، ms0741 وأنت تظن أنك صاحب الحق، ومن الجائز أن تأتي ظروف ~~تزين لي فهمي، وتأتي لك ظروف تزين لك فهمك، فحين نتمسك بقضية العدل لن ~~نصل إلى مبلغ التراضي في النفوس البشرية. ولكن إذا جئنا للفضل تراضينا ~~وانتهينا. والحق سبحانه وتعالى يقول: { وإن طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن } [البقرة: 237] أي من قبل أن تدخلوا بهن { ~~وقد فرضتم لهن فريضة } [البقرة: 237] يعني سميتم المهر { ~~فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون } [البقرة: 237] والمقصود ~~ب " يعفون " هو الزوجة المطلقة. إن بعض الجهلة يقولون والعياذ بالله: إن ~~القرآن فيه لحن. وظنوا أن الصحيح في اللغة أن يأتي القول: إلا أن يعفوا ~~بدلا من " إلا أن يعفون ". وهذا اللون من الجهل لا يفرق بين " واو الفعل ~~" و " واو الجمع " إنها هنا " واو الفعل " فقول الحق: " إلا أن يعفون " ~~مأخوذة من الفعل " عفا " و " يعفو ". وهكذا نفهم أن للزوجة أن تعفو عن ~~نصف مهرها وتتنازل عنه لزوجها. ويتابع الحق: { أو يعفوا الذي ~~بيده عقدة النكاح } [البقرة: 237] والمقصود به الزوج وليس ~~الولي، لأن سياق الآية يفهم منه أن المقصود به هو الزوج، مع أن بعض ~~المفسرين قالوا: إنه ولي الزوجة. ولنا أن نعرف أن الولي ليس له أن يعفو ~~في مسألة مهر المرأة لأن المهر من حق الزوجة، فهو أصل مال، وأصل رزق في ~~حياة الناس لأنه نظير التمتع بالبضع. ولذلك تجد بعض الناس لا يصنعون ~~شيئا بصداق المرأة، ويدخرونه لها بحيث إذا مرض واحد اشترت له من هذا ~~الصداق ولو قرص اسبرين مثلا لأنه علاج من رزق حلال، فقد يجعل الله فيه ~~الشفاء. # فالمرأة تحتفظ بصداقها الحلال لمثل هذه المناسبات لتصنع به شيئا يجعل ~~الله فيه خيرا، لأنه من رزق حلال لا غش فيه ولا تدليس. وأرد المفسرين ~~الذين نادوا بأن ولي الزوجة هو الذي يعفو وأقول: لماذا يأتي الله بحكم ~~تتنازل فيه المرأة عن حقها وأن تعفو عن النصف، والرجل لا يكون أريحيا ~~ليعفو عن النصف؟ لماذا تجعل السماء الغرم كله على المرأة؟ هل من المنطقي ms0742 ~~أن تعفو النساء أو يعفو الذي بيده عقد النكاح يعني أولياء الزوجة، فنجعل ~~العفو يأتي من الزوجة ومن أوليائها أي من جهة واحدة؟ إن علينا أن نحسن ~~الفهم لسياق الفضل الذي قال الله فيه: { ولا تنسوا الفضل ~~بينكم } [البقرة: 237]، إن التقابل في العفو يكون بين الاثنين، بين ~~الرجل والمرأة، ونفهم منه المقصود بقوله تعالى: { أو يعفوا ~~الذي بيده عقدة النكاح } [البقرة: 237] أنه هو الزوج، ~~فكما أن للمرأة أن تعفو عن النصف المستحق لها فللزوج أن يعفو أيضا عن ~~النصف المستحق له. ويقول الحق: { وأن تعفوا أقرب للتقوى ~~} [البقرة: 237] لأن من الجائز جدا أن يظن أحد الطرفين أنه مظلوم، وإن ~~أخذ النصف الذي يستحقه. لكن إذا لم يأخذ شيئا فذلك أقرب للتقوى وأسلم ~~للنفوس. ولنا أن نتذكر دائما في مثل هذه المواقف قول الحق: { ولا ~~تنسوا الفضل بينكم } [البقرة: 237] فحتى في مقام الخلاف ~~الذي يؤدي إلى أن يفترق رجل عن امرأة لم يدخل بها يقول الله: { ولا ~~تنسوا الفضل بينكم } [البقرة: 237] أي لا تجعلوها خصومة ~~وثأرا وأحقادا، واعلموا أن الحق سبحانه يجعل من بعض الأشياء أسبابا ~~مقدورة لمقدور لم نعلمه. وهذه المسألة تجعل الإنسان لا يعتقد أن أسبابه ~~هي الفاعلة وحدها. ومثال ذلك: قد نجد رجلا قد أعجب بواحدة رآها فتزوجها، ~~أو واحدة أخرى رآها شاب ولم تعجبه، ثم جاء لها واحد آخر فأعجب بها، معنى ~~ذلك أن الله عز وجل كتب لها القبول ساعة رأت الشاب أهلا لها ورآها هي ~~أهلا له. ولذلك كان الفلاحون قديما يقولون: لا تحزن عندما يأتي واحد ~~ليخطب ابنتك ولا تعجبه لأنه مكتوب على جبهة كل فتاة: أيها الرجال عفوا - ~~بكسر العين وتشديد الفاء - عن نساء الرجال فهي ليست له، ولذلك فليس هذا ~~الرجل من نصيبها. وعلينا ألا نهمل أسباب القدر في هذه الأمور لأن هذا ~~أدعى أن نحفظ النفس البشرية من الأحقاد والضغائن. ويختم الحق الآية ~~بقوله: { إن الله بما تعملون بصير } [البقرة: 237] إنه ~~سبحانه يعلم ما في الصدور وما وراء كل سلوك. وبعد ms0743 ذلك تأتي آية لتثبت ~~قضية إيمانية، هذه القضية الإيمانية هي أن تكاليف الإسلام كلها تكاليف ~~مجتمعة، فلا تستطيع أن تفصل تكليفا عن تكليف، فلا تقل: " هذا فرض تعبدي ~~" و " هذا مبدأ مصلحي " و " هذا أمر جنائي " ، لا. إن كل قضية مأمور بها ~~من الحق هي قضية إيمانية تكون مع غيرها منهجا متكاملا. فبعد أن ~~تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الطلاق يقول: { حافظوا على ~~الصلوات والصلاة الوسطى... }. ### || [2.238-239] # ثم يعود إلى الأسرة وإلى المتوفى عنها زوجها فيقول: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن ~~خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن ~~من معروف والله عزيز حكيم # [البقرة: 240]. إذن فالحق سبحانه وتعالى فصل بآية: { حافظوا ~~على الصلوات.. } [البقرة: 238] بين قضية واحدة هي قضية الفراق بين ~~الزوجين وقسمها قسمين، وأدخل بينهما الحديث عن الصلاة، وذلك لينبهنا إلى ~~وحدة التكاليف الإيمانية، ونظرا لأن الحق يتكلم هنا عن أشياء كل مظاهرها ~~إما شقاق اختياري بالطلاق، وإما افتراق قدري بالوفاة، فأراد الله سبحانه ~~وتعالى أن يدخل الإنسان في العملية التعبدية التي تصله بالله الذي شرع ~~الطلاق والصلاة وقدر الوفاة. ولماذا اختار الله الصلاة دون سائر العبادات ~~لتقطع سياق الكلام عن تشريع الطلاق والفراق؟ لأن الصلاة هي التي تهب ~~المؤمنين الاطمئنان، إن كانت أمور الزواج والطلاق حزبتهم وأهمتهم في شقاق ~~الاختيار في الطلاقات التي وقعت أو عناء الافتراق بالوفاة. ولن يربط على ~~قلوبهم إلا أن يقوموا لربهم ليؤدوا الصلاة، وقد كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أول من يفعل ذلك، كان إذا ما حزبه أمر قام إلى الصلاة. إن ~~المؤمن يذهب إلى الخالق الذي أجرى له أسباب الزواج والطلاق والفراق ~~ليسأله أن يخفف عنه الهم والحزن. وما دام المؤمن قد اختار الذهاب إلى من ~~يجري الأقدار فله أن يعرف أن الله الذي أجرى تلك الأقدار عليه لم يتركها ~~بلا أحكام، بل وضع لكل أمر حكما مناسبا، وما على المؤمن إلا أن يأخذ ~~الأمور القدرية برضا ثم يذهب إلى ms0744 الله قانتا وخاشعا ومصليا. لأن ~~المسألة مسألة الطلاق أو الوفاة فيها فزع وفراق اختيار أو فراق الموت ~~القدري. ويأتي قوله تعالى: { حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى } [البقرة: 238] فنفهم أن المقصود في الآية هي الصلوات ~~الخمس، فما المقصود بالصلاة الوسطى؟ ساعة يأتي خاص وعام مثل قوله تعالى: # رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ~~وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا ~~تبارا # [نوح: 28]. فكم مرة دخل الأب والأم هنا؟ لقد دخلوا في قوله تعالى: " ~~اغفر لي ولوالدي " ، وفي قوله: " ولمن دخل بيتي " ، وفي قوله: " ~~وللمؤمنين والمؤمنات " ، أي دخلوا ثلاث مرات. إذن فإيجاد عام بعد خاص، ~~يعني أن يدخل الخاص في العام فيتكرر الأمر بالنسبة للخاص تكرارا يناسب ~~خصوصيته. وقوله تعالى: { حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى } [البقرة: 238] تفهم ذلك المعنى فإذا سألنا: ما معنى ~~حافظوا؟ الجواب - إذن - يقتضي أن نفهم أن عندنا " حفظا " يقابل " ~~النسيان " ، و " حفظا " يقابله " التضييع " ، والاثنان يلتقيان، فالذي ~~حفظ شيئا ونسيه فإنه قد ضيعه. # والذي حفظ مالا ثم بدده، لقد ضيعه أيضا، إذن كلها معان تلتقي في فقد ~~الشيء، فالحفظ معناه أن تضمن بقاء شيء كان عندك فإذا ما حفظت آية في ~~القرآن فلابد أن تحفظها في نفسك، ولو أنعم الله عليك بمال فلا بد أن ~~تحافظ عليه. وقوله: { حافظوا على الصلوات } [البقرة: 238] ~~معناه لا تضيعوها. ويحتمل أيضا معنى آخر هو أنكم قد ذقتم حلاوة الصلاة ~~في القرب من معية ربكم، وذلك أجدر وأولى أن تتمسكوا بها أكثر، وذلك القول ~~يسري على الصلوات الخمس التي نعرفها. قوله تعالى: { والصلاة ~~الوسطى } [البقرة: 238] ذكر للخاص بعد العام، فكأن الله أمر ~~بالمحافظة على ذلك الخاص مرتين، مرة في دائرة العموم ومرة أخرى أفردها ~~الله بالخصوص. وما العلة هنا في تفرد الصلاة الوسطى بالخصوص؟ إن " وسطى " ~~هي تأنيث " أوسط " ، والأوسط والوسطى هي الأمر بين شيئين على الاعتدال، ~~أي أن الطرفين متساويان، ولا يكون الطرفان متساويين في العدد - وهي ~~الصلوات الخمس - إلا إذا كانت الصلوات وترا أي مفردة لأنها لو كان زوجية ~~لما ms0745 عرفنا الوسطى فيها، وما دام المقصود هو وسط الخمس، فهي الصلاة ~~الثالثة التي يسبقها صلاتان ويعقبها صلاتان، هذا إن لاحظت العدد، باعتبار ~~ترتيب الأول والثاني والثالث والرابع والخامس. وإذا كان الاعتبار بفريضة ~~الصلاة فإن أول صلاة فرضها الله عز وجل هي صلاة الظهر، هذا أول فرض، ~~وبعده العصر، فالمغرب، فالعشاء، فالفجر. فإن أخذت الوسطى بالتشريع فهي ~~صلاة المغرب وهذا رأي يقول به كثير من العلماء. وإن أخذت الوسطى بحسب عدد ~~ركعات الصلاة فستجد أن هناك صلاة قوامها ركعتان هي صلاة الفجر وصلاة من ~~أربع ركعات وهي صلاة الظهر والعصر والعشاء، وصلاة من ثلاث ركعات هي صلاة ~~المغرب. والوسط فيها هي الصلاة الثلاثية، وهي وسط بين الزوجية والرباعية ~~فتكون هي صلاة المغرب أيضا. وإن أخذتها بالنسبة للنهار فالصبح أول ~~النهار والظهر بعده ثم العصر والمغرب والعشاء، فالوسطى هي العصر. وإن ~~أخذتها على أنها الوسط بين الجهرية والسرية فيحتمل أن تكون هي صلاة الصبح ~~أو صلاة المغرب لأن الصلوات السرية هي الظهر والعصر، والجهرية هي المغرب ~~والعشاء والفجر. وبين العشاء والظهر تأتي صلاة الصبح، أو صلاة المغرب ~~باعتبار أنها تأتي بين الظهر والعصر من ناحية، والعشاء والصبح من ناحية ~~أخرى. وإن أخذتها لأن الملائكة تجتمع فيها فهي في طرفي النهار والليل ~~فذلك يعني صلاة العصر أو صلاة الصبح. إذن، فالوسط يأتي من الاعتبار الذي ~~تحسب به إن كان عددا أو تشريعا، أو عدد ركعات، أو سرية أو جهرية أو ~~بحسب نزول ملائكة النهار والليل، وكل اعتبار من هؤلاء له حكم. # ولماذا أخفى الله ذكرها عنا؟ نقول: أخفاها لينتبه كل منا ويعرف أن هناك ~~فرقا بين الشيء لذاته، والشيء الذي يبهم في سواه ليكون كل شيء هو الشيء ~~فيؤدي ذلك إلى المحافظة على جميع الصلوات. فما دامت الصلاة الوسطى تصلح ~~لأن تكون الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء فذلك أدعى للمحافظة على ~~الصلوات جميعا. فإبهام الشيء إنما جاء لإشاعة بيانه. ولذلك أبهم الله ~~ليلة القدر للعلة نفسها وللسبب نفسه، فبدل أن تكون ليلة قدر ms0746 واحدة أصبحت ~~ليال أقدار. كذلك قوله تعالى: { حافظوا على الصلوات ~~والصلاة الوسطى } [البقرة: 238] أي على الصلوات الخمس بصفة عامة ~~وكل صلاة تنفرد بصفة خاصة. ويريد الحق سبحانه أن نقوم لكل صلاة ونحن ~~قانتون، والأمر الواضح هو { وقوموا لله قانتين } [البقرة: ~~238] وأصل القنوت في اللغة هو المداومة على الشيء، وقد حض وحث القرآن ~~الكريم على ديمومة طاعة الله ولزوم الخشوع والخضوع، ونرى ذلك في قول الحق ~~الكريم: # أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما يحذر ~~الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا ~~الألباب # [الزمر: 9]. إن الحق سبحانه يبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم ليبلغنا نحن ~~المسلمين المؤمنين برسالته أن نقارن بين الذي يخشع لله في أثناء الليل ~~فيقضيه قائما وساجدا يرجو رحمة ربه، وبين الذي يدعو ربه في الضراء ~~وينساه في السراء، هل يستوي الذين يعلمون حقوق الله فيطيعوه ويوحدوه ~~والذين لا يعلمون فيتركوا النظر والتبصر في أدلة قدرات الله؟ إن السبيل ~~إلى ذكر الله هو تجديد الصلة به والوقوف بين يديه مقيمين للصلاة. ونحن ~~نتلقى الأمر بإقامة الصلاة حتى في أثناء القتال، لذلك شرع لنا صلاة ~~الخوف، فالقتال هو المسألة التي تخرج الإنسان عن طريق أمنه، فيقول ~~سبحانه: { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } [البقرة: 239]، ~~إننا حتى في أثناء القتال والخوف لا ننسى ذكر الله لأننا أحوج ما نكون ~~إلى الله أثناء مواجهتنا للعدو، ولذلك لا يصح أن نجعل السبب الذي يوجب أن ~~نكون مع الله مبررا لأن ننسى الله. وكذلك المريض، ما دام مريضا فهو مع ~~معية الله، فلا يصح أن ينقطع عن الصلاة لأنه لا عذر لتاركها، حتى المريض ~~إن لم يستطع أن يصلي واقفا صلى قاعدا، فإن لم يستطع قاعدا فليصل ~~مضطجعا، ويستمر معه الأمر حتى لو اضطر للصلاة برموش عينيه. كذلك إن خفتم ~~من عدوكم صلوا رجالا، يعني سائرين على أرجلكم أو ركبانا و " رجالا " ~~جمع " راجل " أي يمشي على قدميه، ومثال ذلك قوله الحق: # وأذن في الناس بالحج ms0747 يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق # [الحج: 27]. لقد كان الناس يؤدون فريضة الحج سيرا على الأقدام أو ~~ركبانا على إبل يضمرها السفر من كل مكان بعيد. إذن فالراجل هو من يمشي ~~على قدميه. والأرجل مخلوقة لتحمل بني الإنسان: الواقف منهم، وتقوم بتحريك ~~المتحرك منهم، فإن كان الإنسان واقفا حملته رجلاه، وإن كان ماشيا فإن ~~رجليه تتحركان. والمقصود هنا أن الصلاة واجبة على المؤمنين سائرين على ~~أقدامهم أو ركبانا. هذه المسألة قد فصلها الحق سبحانه وتعالى في صلاة ~~الخوف بأن قسم المسلمين قسمين: قسما يصلي مع النبي عليه الصلاة والسلام ~~في الركعة الأولى، ثم يتمون الصلاة وحدهم ويأتي القسم الآخر ليأتم ~~بالرسول في الركعة التي بعدها حتى تنتهي الصلاة بالنسبة للرسول صلى الله ~~عليه وسلم، وينتظرهم حتى يفرغوا من صلاتهم ويسلم بهم، فيكون الفريق الأول ~~أخذ فضل البدء مع الرسول، والفريق الآخر أخذ فضل الانتهاء من الصلاة مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان ذلك في غزوة ذات الرقاع فكل من ~~الفرقتين كانت تقف في وجه العدو للحراسة في أثناء صلاة الفرقة الأخرى. ~~ولي رأي في هذه المسألة هو أن صلاة الخوف بالصور التي ذكرها الفقهاء إنما ~~كانت للمعارك التي يكون فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يصح ~~أن يكون هناك جيش يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم ويحرم الباقي من أن ~~يصلي خلفه، لذلك جعل الله بركة الصلاة مع رسول الله لقسمين. لكن حينما ~~انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى فمن الممكن أن ~~يكون للواقفين أمام العدو إمام وللآخرين إمام، إذن كان تقسيم الصلاة وراء ~~الإمام في صلاة الخوف إنما كان لأن الإمام هو الإمام الأعلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فلم يشأ الله أن يحجب قوما عن الصلاة مع رسول الله ~~عن قوم آخرين، فقسم الصلاة الواحدة بينهم. لكن في وقتنا الحالي الذي ~~انتظمت فيه المسائل، وصار كل الناس على سواء، ولم يعد رسول الله صلى ms0748 الله ~~عليه وسلم فينا، لذلك يصح أن تصلي كل جماعة بإمام خاص بهم. وقوله الحق: ~~{ فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } [البقرة: 239] نفهم منه ~~أن الصلاة لا تسقط حتى عند لقاء العدو، فإذا حان وقت الصلاة فعلى المؤمن ~~أن يصليها إذا استطاع فإن لم يستطع فليكبر تكبيرتين ويتابع الحق فيقول: { ~~فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ~~} [البقرة: 239] أي اذكروا الله على أنه علمكم الأشياء التي لم تكونوا ~~تعلمونها، فلو لم يعلمكم فماذا كنتم تصنعون؟ وبعد ذلك يعود الحق لسياق ~~الحديث عن المتوفى عنها زوجها فيقول: { والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا ~~إلى الحول غير إخراج... }. ### || [2.240] # في آية سابقة قال الحق: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا ~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في ~~أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير # [البقرة: 234]. إذن نحن أمام حكمين للذين يتوفون ويذرون أزواجا، حكم أن ~~تتربص بنفسها أربعة أشهر وعشرا، وحكم آخر بأن للزوج حين تحضره الوفاة ~~أو أسبابها أو مقدماتها أن ينصح ويوصي بأن تظل الزوجة في بيته حولا ~~كاملا لا تهاج، وتكون الأربعة الأشهر والعشر فريضة وبقية الحول والعام ~~وصية، إن شاءت أخذتها وإن شاءت عدلت عنها. { والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا وصية } [البقرة: 240] هذه وصية من ~~الزوج عندما تحضره الوفاة. إذن فالمتوفى عنها زوجها بين حكمين: حكم لازم ~~وهو فرض عليها بأن تظل أربعة أشهر وعشرا، وحكم بأن يوصي الزوج بأن تظل ~~حولا كاملا لا تهاج إلا أن تخرج من نفسها. و { غير إخراج } ~~[البقرة: 240] أي لا يخرجها أحد. { فإن خرجن فلا جناح ~~عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ~~والله عزيز حكيم } [البقرة: 240]. إن لها الخيار أن تظل عاما ~~حسب وصية زوجها، ولها الخيار في أن تخرج بعد الأربعة الأشهر والعشر. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { وللمطلقات متاع بالمعروف... }. ### || [2.241] # إن لكل المطلقات في أي صورة من الصور متاعا، ولكنه سبحانه قد بين ~~المتاع في كل واحدة بدليل أنه أوضح لنا: ms0749 إن لم تفرضوا لهن فريضة فقال: # ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر ~~قدره # [البقرة: 236]. وإن كنتم فرضتم لها مهرا فنصف ما فرضتم، فكأن الله قد ~~جعل لكل حالة حكما يناسبها، ولكل مطلقة متعة بالقدر الذي قاله سبحانه. ~~وعندما نتأمل قول الحق من بعد ذلك: { كذلك يبين الله لكم ~~آياته... }. ### || [2.242] # فنحن نعرف مما سبق أن الآيات هي الأمور العجيبة، والحق سبحانه وتعالى ~~حين ينبه العقل إلى استقبال حكم بالتعقل يكون العقل المحض لو وجه فكره ~~إلى دراسة أسباب هذا الموضوع فلن ينتهي إلا إلى هذا الحكم. ولذلك تجد أن ~~الحق سبحانه وتعالى يترك لبعض المشادات في التعامل والثارات في الخصومة ~~أن تخرج عن حكم ما شرع الله في أي شيء من الأشياء التي تقدمت، ثم يصيب ~~المجتمع شر من المخالفة، وكأنه بذلك يؤكد حكمته في تشريع ما شرع. وإلا لو ~~لم تحدث من المخالفات شرور لقال الناس: إنه لا داعي للتشريع. ولتركوا ~~التشريع دون أن يصيبهم شر. إذن فحين لا نلتزم بالتشريع فالمنطق والكمال ~~الكوني أن تحدث الشرور لأنه لو لم تحدث الشرور لاتهم الناس منهج الله ~~وقالوا: إننا لم نلتزم يا رب بمنهجك، ومع ذلك لا شرور عندنا. فكأن الشرور ~~التي نجدها في المجتمع تلفتنا إلى صدق الله وكمال حكمته في تحديد منهجه. ~~وهكذا يكون المخالفون لمنهج الله مؤيدين لمنهج الله. وبعد ذلك ينتقل ~~الحديث إلى علاج قضية إيمانية وهو أن الله حين يقدر قدرا لا يمكن لمخلوق ~~أن يفلت من هذا القدر، يقول سبحانه: { ألم تر إلى الذين ~~خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت... }. ### || [2.243] # بعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى على ما يتعلق بالأسرة المسلمة في حالة ~~علاج الفراق في الزواج إما بالطلاق وإما بالوفاة، أراد الحق سبحانه ~~وتعالى للأمة الإسلامية أن تعرف أن أحدا لن يفر من قدر الله إلا إلى قدر ~~الله، فالأمة الإسلامية هي الأمة التي أمنها على حمل رسالة ومنهج السماء ~~إلى الأرض إلى أن تقوم الساعة، فلم يعد محمد صلى الله ms0750 عليه وسلم يأتى ولا ~~نبي يبعث. ولابد لمثل هذه الأمة أن تربى تربية تناسب مهمتها التي حملها ~~الله إياها. ولابد أن يضع الحق سبحانه وتعالى بين يدي هذه الأمة كل ما ~~لاقته وصادفته مواكب الرسل في الأمم السابقة ليأخذوا العبرة من المواقف ~~ويتمثلوا المنهج لا من نظريات تتلى ولكن من واقع قد درس ووقع في ~~المجتمع. أراد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى أساس المسألة وهو أنه ~~سبحانه واهب الحياة ولا أحد غيره، وواهب الحياة هو الذي يأخذها. ولم يضع ~~لهبة الحياة سببا عند الناس. وإنما هو سبحانه الذي يحيى ويميت. وفي ~~الحياة والموت استبقاء للنوع الإنساني، ولكن استبقاء حياة الأفراد إنما ~~ينشأ بالقوت الذي ينشأ من التمول. ويعالج الحق هذه المسألة بواقع سبق أن ~~عاشه موسى عليه السلام مع قومه وهم بنو إسرائيل، ونعرف أن قصة موسى مع ~~قومه قد أخذت أوسع قصص القرآن لأنها الأمة التي أتعبت الرسل، وأتعبت ~~الأنبياء، وكان لابد أن يعرض الحق هذا الأمر برمته على أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم من واقع ما حدث، فقال سبحانه: { ألم تر إلى الذين ~~خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت } [البقرة: ~~243]. ونعرف من هذا القول أن علة الخروج إنما كانت مخافة أن يموتوا. أما ~~عن سبب هذا الموت فلم تتعرض له الآيات، وإن تعرض المفسرون له وقالوا ~~كلاما طويلا، فمنهم من قال: إنهم خرجوا هربا من وباء يحل بالبلد خشية ~~أن يموتوا، وبعضهم قال: إنهم خرجوا فرارا من عدو قد سلط عليهم ~~ليستأصلهم، المهم أنهم أرادوا أن يفروا خوفا من الموت. إذن فالقرآن ~~يعالج تلك المسألة من الزاوية التي تهم، ولكن ما هو السبب ولماذا الخروج؟ ~~فذلك أمر لا يهم لأن القرآن لا يعطي تاريخا، فلم يقل متى كانت الوقائع ~~ولا زمنها، ولا على يد من كان هذا، ولا يحدد أشخاص القضية، كل ذلك لا ~~يهتم به القرآن. والذين يتعبون أنفسهم في البحث عن تفاصيل تلك الأمور في ~~القصص القرآني إنما يحاولون أن يربطوا الأشياء بزمن ms0751 مخصوص، ومكان مخصوص، ~~وأشخاص مخصوصة. ونقول لهم: إن القرآن لو أراد ذلك لفعل، ولو كان ذلك له ~~أصل في العبرة والعظة لبينه الحق لنا، وأنتم تريدون إضعاف مدلول القصة ~~بتلك التفاصيل لأن مدلول القصة إن تحدد زمنها، فربما قيل: إن الزمان الذي ~~حدثت فيه كان يحتمل أن تحدث تلك المسألة والزمن الآن لم يعد يحتملها، ~~وربما قيل: إن هذا المكان الذي وقعت فيه يحتمل حدوثها، إنما الأمكنة ~~الأخرى لا تحتمل. # وكذلك لو حددها بشخصيات معينة لقيل: إن القصص لا يمكن أن تحدث إلا على ~~يد هذه الشخصيات لأنها فلتات في الكون لا تتكرر. إن الله حين يبهم في قصة ~~ما عناصر الزمان والمكان والأشخاص وعمومية الأمكنة إنه - سبحانه - يعطي ~~لها حياة في كل زمان وفي كل مكان وحياة مع كل شخص، ولا يستطيع أحد أن ~~يقول: إنها مشخصة. وأضرب دائما هذا المثل بالذين يحاولون أن يعرفوا زمن ~~أهل الكهف ومكان أهل الكهف وأسماء أهل الكهف وكلب أهل الكهف. نقول ~~لهؤلاء: أنتم لا تثرون القصة، لأنكم عندما تحددون لها زمانا ومكانا ~~وأشخاصا فسيقال: إنها لا تنفع إلا للزمان الذي وقعت فيه. ولذلك إذا أراد ~~الحق أن يبهم فقد أبهم ليعمم، وإن أراد أن يحدد فهو يشخص ومثال ذلك ~~قوله تعالى: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين # [التحريم: 10]. لم يحدد الحق هنا اسم أي امرأة من هاتين المرأتين، بل ~~ذكر فقط الأمر المهم وهو أن كلا منهما كانت زوجة لرسول كريم، ومع ذلك لم ~~يستطع نوح عليه السلام أن يستلب العقيدة الكافرة من زوجته، ولم يستطع لوط ~~عليه السلام أن يستلب العقيدة الكافرة من زوجته، بل كانت كل من المرأتين ~~تتآمر ضد زوجها - وهو الرسول - مع قومها، لذلك كان مصير كل منهما النار، ~~والعبرة من القصة أن اختيار العقيدة هو أمر متروك للإنسان، فحرية العقيدة ~~أساس واضح من أسس المنهج. وأيضا ms0752 قال سبحانه في امرأة فرعون: # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون ~~إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني ~~من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين # [التحريم: 11]. لم يذكر اسمها لأنه لا يهمنا في المسألة، المهم أنها ~~امرأة من ادعى الألوهية، ومع ذلك لم يستطع أن يقنع امرأته بأنه إله. لكن ~~حينما أراد أن يشخص قال في مريم عليها السلام: # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها ~~وكتبه وكانت من القانتين # [التحريم: 12]. لقد ذكرها الحق وذكر اسم والدها، ذلك لأن الحدث الذي حدث ~~لها لن يتكرر في امرأة أخرى. فالذين يحاولون أن يقووا القصة بذكر ~~تفاصيلها نقول لهم: أنتم تفقرون القصة فالمهم هو أن الحق سبحانه وتعالى ~~يريد أن يقول: إنهم خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. # ونريد أن نقف موقفا لغويا عند قول الحق: { ألم تر } [البقرة: ~~243]. أنت تقول لإنسان: { ألم تر } [البقرة: 243] يعني ألم ير ~~بعينيه، وبالله هل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهل المؤمنون معه ~~والمؤمنون بعده إلى أن تقوم الساعة رأوا هذه المسألة؟ لا. لقد وصلتهم ~~بوسيلة السماع وليس بالرؤية. ونحن نعلم أن الرؤية تكون بالعين، والسماع ~~يكون بالأذن، والتذوق يكون باللسان، والشم يكون بالأنف، واللمس يكون ~~باليد، إن هذه هي الوسائل التي تعطي للعقل إدراكا وإحساسا لكي يعطي ~~معنويات، وفي ذلك اقرأ قوله تعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. إذن فوسيلة العلم تأتي من الحواس، وسيدة الحواس هي العين ~~لأنه من الممكن أن تسمع شيئا من واحد بتجربته هو، لكن عندما ترى أنت ~~بنفسك فتكون التجربة خاصة بك، ولذلك يقال: " ليس من رأى كمن سمع " ، ~~فإذا أراد الحق أن يقول: ألم تعلم يا من أخاطبك بالقرآن خبر هؤلاء القوم؟ ~~فهو سبحانه يأتي بها على هذه الصورة: { ألم تر إلى الذين ~~خرجوا من ديارهم } [البقرة: 243] ويعني ألم تعلم والعلم هنا ~~بأي وسيلة؟ بالسمع. ولماذا ms0753 لم يختصر سبحانه المسافة ويقول: " ألم تسمع " ~~بدلا من " ألم تر "؟. إنه في قوله: " ألم تر " يخبرك بشيء سابق عن وجودك ~~أو بشيء متأخر عن وجودك، فعليك أن تستقبله استقبالك لما رأيته لأن الله ~~الذي خلق الحواس هو - سبحانه - أصدق من الحواس، ولذلك جاء قوله تعالى في ~~سورة الفيل: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. إننا نعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في عام الفيل ~~ولم ير هذه الحادثة فكيف يقول الله له ألم تر؟ إن المعنى من ذلك هو " ألم ~~تعلم "؟ " ألم تسمع مني " ولم يقل " ألم تسمع "؟ لكي يؤكد له أنه سيقول ~~له حدثا هو لم يره ولكن الحق سيخبره به، وإخبار الحق له كأنه يراه. فكأن ~~الله يقول: إن هذه المسألة مفروغ منها وساعة أخبرك بها فكأنك رأيتها. ~~ونحن نسمع في حياتنا قول الناس: إن فلانا ألمعي. ومعنى ذلك أنه يحدثك ~~حديثا كأنه رأى أو سمع. # الألمعي الذي يظن بك الظن # كأن قد رأى وقد سمعا # ويحدثنا الحق عن هؤلاء القوم فيقول: { ألم تر إلى الذين ~~خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال ~~لهم الله موتوا ثم أحياهم } [البقرة: 243]. إنه سبحانه ~~يخبرنا بأن الأمر الذي يفرون منه لاحق بهم، لأنه لا يحتاط من قدر الله ~~أحد، لذلك أماتهم الله ثم أحياهم ليتعظوا. # ولو أخر الله الإحياء إلى يوم البعث فلن تؤثر العبرة لأنه بعد يوم ~~القيامة لا اعتبار ولا تكليف، وكل ذلك لا قيمة له. وقوله تعالى: { حذر ~~الموت } [البقرة: 243] بيان لعلة الخروج، فأراد الحق سبحانه وتعالى ~~أن يبين لهم أن هذه قضية لا ينفع فيها الحذر، أنتم خرجتم خوفا من الموت ~~سأميتكم، والذي كنتم تطلبونه بعد الموت سأحدث لكم غيره، لذلك أحياهم ~~إحياء آخر حتى يتحسروا، ويأخذوا أجلهم المكتوب { ثم أحياهم } ~~[البقرة: 243] حتى يبين لكم أن أمر الموت بيده سبحانه سواء كان خوفهم من ~~الموت نابعا من أعدائهم أو من وباء وطاعون، فالأمر في جوهره لا يختلف، ~~ولو أن الآية ذكرت ms0754 أنهم خرجوا خوفا من وباء ما كنا فهمنا منها احتمال ~~خروجهم خوفا من أعدائهم. إذن إبهام السبب المباشر في القضية أعطاها ~~ثراء. وقوله تعالى: { وهم ألوف } [البقرة: 243] يبين لنا مدى ~~الخيبة والغباء الذي كانوا فيه، لأنهم كيف يخرجون خائفين من الأعداء وهم ~~ألوف مؤلفة. ولم يظهر واحد من هؤلاء الألوف ليقول لهم: إن الموت والحياة ~~بيد الله. { ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ~~وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا } ~~[البقرة: 243]. وساعة تأمر مأمورا منك بأمر فلا بد أن يكون عندك طلاقة ~~قدرة أن تفعل، وهل إذا قلت لأحد: مت، سيموت؟ إذا أمات نفسه فقد قتلها، ~~وفرق كبير بين الموت والقتل. إنما الموت يأتي بلا سبب من الميت، ولكن ~~القتل ربما يكون بسبب الانتحار أو بأي وسيلة أخرى، المهم أنه قتل للنفس ~~وليس موتا. ويوضح لنا الحق الفرق بين القتل والموت حين يقول: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ~~ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي ~~الله الشاكرين # [آل عمران: 144]. ولقد جاءت هذه الآية في مجال استخلاص العبر من هزيمة ~~أحد حين شاع بين المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، ففكر ~~بعض منهم في الارتداد، وجاء قول الحق موضحا أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو نبي سبقه رسل جاءوا بالمنهج، والأمة المسلمة التي أمنها الله على ~~تمام المنهج لا يصح أن يهتز الإيمان فيها بموت الرسول الكريم لأن من ~~ينقلب ويرتد لن يضر الله شيئا، إنما الجزاء سيكون للشاكرين العارفين فضل ~~منهج الله. ولنا أن نعرف أن الحق سبحانه جاء بالموت كمقابل للقتل، وأوضح ~~في الآية التالية أمر الموت حين قال: # وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا ~~مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن ~~يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين # [آل عمران: 145]. إذن فأمر الموت مرهون بمشيئة الله وطلاقة قدرته ~~وتحديده لكل أجل بوقت معلوم ms0755 لا يتقدم ولا يتأخر، وسيلقى كل إنسان نتيجة ~~عمله، فمن عمل للدنيا فقط نال جزاءه فيها، ومن عمل للآخرة فسيجزيه الله ~~في دنياه وآخرته. # لذلك يصدر الأمر من الحق بقوله: { فقال لهم الله موتوا ~~ثم أحياهم } [البقرة: 243] فلم يكن بإرادتهم أن يصنعوا موتهم، أو ~~أمر عودتهم إلى الحياة، لكنه أمر تسخيري. إنهم يموتون بطلاقة قدرته ~~المتمثلة في " كن فيكون ". ويعودون إلى الحياة بتمام طلاقة القدرة ~~المتمثلة في " كن فيكون ". فليس لهم رأي في مسألة الموت أو العودة ~~للحياة، إنه أمر تسخيري، كما قال الحق من قبل للأرض والسماء: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين # [فصلت: 11]. لقد شاءت قدرته أن يخلق السماء على هيئة دخان فوجدت، وخلقه ~~للسماوات والأرض على وفق إرادته وهو هين عليه بمنزلة ما يقال للشيء احضر ~~راضيا أو كارها، فيسمع الأمر ويطيعه. وهذه أمور تسخيرية من الخالق ~~الأكرم، وليس للمخلوق من سماوات وأرض وما بينهما إلا الامتثال للأمر ~~التسخيري من الخالق عز وجل. فعندما يقول الحق سبحانه: { موتوا ثم ~~أحياهم } [البقرة: 243] فهذا أمر تسخيري بالموت، وأمر تسخيري ~~بعودتهم إلى الحياة. وأليس الموت هو ما خافوه وفروا منه واحتاطوا بالهرب ~~منه؟ نعم، لكن لا أحد بقادر على أن يحتاط على قدر الله لأن الحق أراد لهم ~~أن يعرفوا أن أحدا لا يفر من قدر الله إلا لقدر الله. ولذلك فسيدنا عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه عندما أراد للناس ألا تذهب إلى أرض فيها الطاعون. ~~قالوا له: - أتفر من قدر الله؟ قال عمر: نعم: نفر من قدر الله ~~إلى قدر الله. إن ذلك يجعل الإنسان في تسليم مطلق بكل جوارحه لله. صحيح ~~على الإنسان أن يحتاط، ولكن القدر الذي يريده الله سوف ينفذ. والمؤمن ~~يأخذ بالأسباب، ويسلم أمره إلى الله. وقد يقول قائل: لماذا لم يترك الله ~~هؤلاء القوم من بني إسرائيل ليموتوا وإلى أن يأتي البعث يوم القيامة ~~ليحاسبهم. وأقول: لقد أراد الحق سبحانه بالأمر التسخيري بالإحياء ms0756 ثانية ~~أن توجد العبرة والعظة، ولتظل ماثلة أمام أعين الخلق ومحفوظة في أكرم ~~كتاب حفظه الله منهجا للناس وهو القرآن الكريم. إن الحق أراد بالأمر عظة ~~واعتبارا وتجربة يموتون بأمر تسخيري، ويعودون إلى الحياة بأمر تسخيري ~~آخر، ثم يعيشون الحياة المقدرة لهم ويموتون بعدها حتف أنوفهم، ولتظل عبرة ~~ماثلة أمام كل مؤمن حق، فلا يخاف الموت في سبيل الله. لقد أراد الله بهذه ~~التجربة أن نستخدم قضية الجهاد في سبيل الله، فلا يظن ظان أن القتال هو ~~الذي يسبب الموت، إنما أمر الموت والحياة بيد واهب الحياة. وها هو ذا قول ~~خالد بن الوليد على فراش الموت باقيا ليعرفه كل مؤمن بالله: - لقد شهدت ~~مائة زحف أو زهاءها وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح، ~~وهأنذا أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء. # إذن: فأمر الحياة والموت ليس مرهونا بقتال أو غيره، إنما هو محدد ~~بمشيئة الله. ولننظر إلى تذييل الآية حين يقول الحق: { إن الله ~~لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا ~~يشكرون } [البقرة: 243]. وما الفضل؟ إنه أن تتلقى عطاء يزيد على ~~حاجتك. والحق سبحانه وتعالى لا يعطي الناس فقط على قدر حاجتهم إنما ~~يعطيهم ما هو أكثر من حاجتهم. إذن فلو مات هؤلاء القوم الذين خرجوا من ~~ديارهم خوفا من وباء أو عدو لكان هذا الموت فضلا من عند الله لأنهم لو ~~ماتوا بالوباء لماتوا شهداء، وهذا فضل من الله. ولو ماتوا في لقاء عدو ~~وحاربوا في سبيل الله لنالوا الشهادة أيضا، وذلك فضل من الله. لماذا ~~يكون مثل هذا الموت فضلا من الله؟ لأننا جميعا سوف نموت، فإن مات ~~الإنسان استشهادا في سبيله فهذا عطاء زائد. لكن أكثر الناس لا يشكرون ~~لأنهم لا يعلمون مدى النعمة فيما يجريه الحق سبحانه وتعالى عليهم من أمور ~~لأن الناس لو علمت مدى النعمة فيما يجريه الحق عليهم من أحداث بما فيها ~~الإحياء والإماتة، لشكروا الله على كل ما يجريه عليهم، فالحق سبحانه ms0757 ~~وتعالى لا يجري على البشر، وهم من صنعته إلا ما يصلح هذه الصنعة، وإلا ما ~~هو خير لهذه الصنعة. لقد استبقى الحق سبحانه هذه العبرة بما أجراه على ~~بعض من بني إسرائيل لنرى أن القتال في سبيل الله هو من نعم الله على ~~العباد، فلا مهرب من قضاء الله. وها هو ذا الشاعر العربي يقول: # ألا أيها الزاجري أحضر الوغى # وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي # فدعني أبادرها بما ملكت يدي # إن الشاعر يسأل من يوجه له الدعوة لا إلى القتال، ولكن إلى الاستمتاع ~~بملذات الحياة قائلا: ما دمت لا تملك لي خلودا في هذه الحياة ولا أنت ~~بقادر على رد الموت عني فدعني أقاتل في سبيل الله بما تملكه يداي. وبعد ~~الحديث عن محاولة هرب بعض من بني إسرائيل من قدر الله فأجرى عليهم الموت ~~تسخيرا وأعادهم إلى الحياة تسخيرا، وهذا درس واضح للمؤمنين الذين سيأتي ~~إليهم الأمر بالقتال في سبيل الله. فلا تبالوا أيها المؤمنون إن كان ~~القتال يجلب لكم الموت لأن الموت يأتي في أي وقت. بعد ذلك يقول الحق: { ~~وقاتلوا في سبيل الله... }. ### || [2.244] # إنه الأمر الواضح بالقتال في سبيل الله دون مخافة للموت. لماذا؟ لأن ~~واهب الحياة وكاتب الأجل سميع عليم، سميع بأقوال من يقاتل وعليم بنواياه. ~~وكان الجهاد قديما عبئا ثقيلا على المجاهد لأنه كان يتحمل نفقة نفسه ~~ويتحمل المركبة - حصانا أو جملا - ويتحمل سلاحه، كان كل مجاهد يعد ~~عدته للحرب، فكان ولابد إذا سمح لنفسه أن تموت فمن باب أولى أن يسمح ~~بماله، وأن يجهز عدته للحرب، وعلى ذلك كان القتال بالنفس والمال أمرا ~~ضروريا. وقوله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله } [البقرة: ~~244] أي قاتلوا بأنفسكم ثم عرج إلى الأموال فقال: { من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا ~~كثيرة... }. ### || [2.245] # ساعة تسمع { يقرض الله } [البقرة: 245] فذلك أمر عظيم لأنك عندما ~~تقرض إنسانا فكأنك تقرض الله، ولكن المسألة لا تكون واضحة، لماذا؟ لأن ~~ذلك الإنسان سيستفيد ms0758 استفادة مباشرة، لكن عندما تنفق في سبيل الله فليس ~~هناك إنسان بعينه تعطيه، وإنما أنت تعطي المعنى العام في قضية التدين، ~~وتعاملك فيها يكون مع الله. كأنك تقرض الله حين تنفق من مالك لتعد نفسك ~~للحرب. والحق سبحانه وتعالى يريد أن ينبهنا بكلمة القرض على أنه يطلب منا ~~عملية ليست سهلة على النفس البشرية، وهو سبحانه يعلم بما طبع عليه ~~النفوس. والقرض في اللغة معناه قضم الشيء بالناب، وهو سبحانه وتعالى يعلم ~~أن عملية الإقراض هي مسألة صعبة، وحتى يبين للناس أنه يعلم صعوبتها جاء ~~بقوله: " يقرض " ، إنه المقدر لصعوبتها، ويقدر الجزاء على قدر الصعوبة. { ~~من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } [البقرة: 245]. وما ~~هو القرض الحسن؟ وهل إذا أقرضت عبدا من عباد الله لا يكون القرض حسنا؟ ~~أولا إذا أقرضت عبدا من عباد الله فكأنك أقرضت الله، صحيح أنت تعطي ~~الإنسان ما ييسر له الفرج في موقف متأزم، وصحيح أيضا أنك في عملية ~~الجهاد لا تعطي إنسانا بعينه وإنما تعطي الله مباشرة، وهو سبحانه ~~يبلغنا: أن من يقرض عبادي فكأنه أقرضني. كيف؟ لأن الله هو الذي استدعى كل ~~عبد له للوجود، فإذا احتاج العبد فإن حاجته مطلوبة لرزقه في الدنيا، فإذا ~~أعطى العبد لأخيه المحتاج فكأنه يقرض الله المتكفل برزق ذلك المحتاج. ~~وقوله تعالى: { يقرض الله } [البقرة: 245] تدلنا على أن القرض لا ~~يضيع لأن القرض شيء تخرجه من مالك على أمل أن تستعيده، وهو سبحانه وتعالى ~~يطمئنك على أنه هو الذي سيقترض منك، وأنه سيرد ما اقترضه، لكن ليس في ~~صورة ما قدمت وإنما في صورة مستثمرة أضعافا مضاعفة، إن الأصل محفوظ ~~ومستثمر، ولذلك يقول: { من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة } [البقرة: 245]، إنها ~~أضعاف كثيرة بمقاييس الله عز وجل لا بمقاييسنا كبشر. والتعبير بالقرض ~~الحسن هنا يدلنا على أن مصدر المال الذي تقرض منه لابد أن يكون من حلال، ~~ولذلك قيل للمرأة التي تتصدق من مال الزنا: " ليتها لم تزن ولم تتصدق ". ~~وقيل: إن ms0759 القرض ثوابه أعظم من الصدقة، مع أن الصدقة يجود فيها الإنسان ~~بالشيء كله، في حين أن القرض هو دين يسترجعه صاحبه، لأن الألم في إخراج ~~الصدقة يكون لمرة واحدة، فأنت تخرجها وتفقد الأمل فيها، لكن القرض تتعلق ~~نفسك به، فكلما صبرت مرة أتتك حسنة، كما أن المتصدق عليه قد يكون غير ~~محتاج، ولكن المقترض لا يكون إلا محتاجا. # والقرض من المال الذي لديك يجعل المال يتناقص، لذلك فالله يعطيك أضعافا ~~مضاعفة نتيجة هذا القرض، وذلك مناسب تماما لقوله تعالى: { يقبض ~~ويبسط } [البقرة: 245] التي جاء بها في قوله تعالى: { والله ~~يقبض ويبسط وإليه ترجعون } [البقرة: 245] أي ساعة ~~تذهب إليه ويأخذ كل منا حقه بالحساب أي أن المال الذي تقرض منه ينقص في ~~ظاهر الأمر ولكن الله - سبحانه - يزيده ويبسطه أضعافا مضاعفة وفي الآخرة ~~يكون الجزاء جزيلا. ثم ينتقل الله عز وجل إلى قضية أخرى يستهلها بقوله ~~سبحانه: { ألم تر } [البقرة: 245] تأكيدا للخبر الذي سيأتي بعدها ~~على أنه أمر واقع وقوع الشيء المرئي، يقول سبحانه: { ألم تر إلى ~~الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى... }. ### || [2.246] # إن الحق سبحانه يبلغنا بوسيلة السماع عنه، وعلينا أن نتلقى ذلك الأمر ~~كأننا نراه بالعين، فماذا نرى؟ { ألم تر إلى الملإ } [البقرة: ~~246]، ما معنى الملأ؟ هي من ملأ يعني ازدحم الإناء، ولم يعد فيه مكان ~~يتحمل زائدا. وأن الظرف قد شغل بالمظروف شغلا لم يعد يتسع لسواه. ~~وكلمة " ملأ " تطلق على أشراف القوم. وأشراف القوم كأنهم هم الذين ~~يملأون حياة الوجود حولهم ولا يستطيع غيرهم أن يزاحمهم. و { الملإ } ~~من أشراف الوجوه والقوم يجلسون للتشاور. { ألم تر إلى الملإ ~~من بني إسرائيل من بعد موسى } [البقرة: 246] أي ألم يأتك ~~خبر وجوه القوم وأشرافهم من بعد موسى عليه السلام مثلا في عصر " يوشع " ~~أو " حزقيل أو شمويل " أو أي واحد منهم، ولا يعنينا ذلك لأن القرآن لا ~~يذكر في أي عهد كانوا، المهم أنهم كانوا بعد موسى عليه السلام. { إذ ~~قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل ms0760 في ~~سبيل الله } [البقرة: 246]. لقد اجتمع أشراف بني إسرائيل للتشاور ~~ثم ذهبوا إلى النبي الذي كان معاصرا لهم وقالوا له: ابعث لنا ملكا. ~~ونفهم من ذلك أنه لم يكن لهم ملك. وماذا نستفيد من ذكر وجود نبي لهم وعدم ~~وجود ملك لهم؟ نفهم من ذلك أن النبوة كانت تشرف على نفاذ الأعمال ولا ~~تباشر الأعمال، وأما الملك فهو الذي يباشر الأعمال. ولو كانت النبوة ~~تباشر أعمالا لما طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكا. وسبب ذلك أن الذي ~~يباشر عرضة للكراهية من كثير من الناس وعرضة أن يفشل في تصريف بعض ~~الأمور، فبدلا من أن يوجهوا الفشل للقمة العليا، ينقلون ذلك لمن هو أقل ~~وهو الملك. ولذلك طلبوا من النبي أن يأتي بملك يعيد تصريف الأمور فتكون ~~النبوة مرجعا للحق، ولا تكون موطنا للوم في أي شيء. الحق سبحانه وتعالى ~~يبلغنا أنه قال لنبي بني إسرائيل: أنتم الذين طلبتم القتال وأنتم الملأ - ~~أي أشراف القوم - وأتيتم بالعلة الموجبة للقتال وهي أنكم أخرجتم من ~~دياركم وأبنائكم أي بلغ بكم الهوان أنه لم تعد لكم ديار، وبلغ بكم الهوان ~~أنه لم يعد لكم أبناء بعد أن أسرهم عدوكم. إذن علة طلب القتال موجودة، ~~ومع ذلك قال لهم النبي: { هل عسيتم إن كتب عليكم ~~القتال ألا تقاتلوا } [البقرة: 246] لقد أوضح لهم نبيهم ~~الشرط وقال: إنني أخاف أن آتي لكم بملك كي تقاتلوا في سبيل الله، وبعد ~~ذلك يفرض الله عليكم القتال، وعندما نأتي للأمر الواقع لا نجد لكم عزما ~~على القتال وتتخاذلون. لكنهم قالوا: { وما لنآ ألا نقاتل في ~~سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا } ~~[البقرة: 246]. # . انظر إلى الدقة في قولهم: { في سبيل الله } [البقرة: 246] ~~وتعليق ذلك السبيل على أنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم! لقد أرادوا أن ~~يقلبوا المسألة وأن يقولوا: إن القتال في سبيل الله بعد أن عضتهم التجربة ~~فيما يحبون من الديار والأبناء، إذن فالله هو الملجأ في كل أمر، وقبل ~~سبحانه منهم قولهم، واعتبر قتالهم في سبيله. وكان إخراجهم ms0761 من ديارهم ~~أمرا معقولا، لكن كيف يخرجون من أبنائهم؟ ربما كانوا قد تركوا أبناءهم ~~للعدو، وربما أخذهم العدو أسرى. لكنهم هم الذين أخرجوا من ديارهم، وينطبق ~~عليهم في علاقتهم بالأبناء قول الشاعر: # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا # ألا تفارقهم فالراحلون همو # وانظر إلى التمحيص، إنهم ملأ من بني إسرائيل وذهبوا إلى نبي وقالوا له: ~~ابعث لنا ملكا حتى يجعلوها حربا مشروعة ليقاتلوا في سبيل الله، وقال ~~لهم النبي ما قال وردوا عليه هم: { وما لنآ ألا نقاتل في ~~سبيل الله } [البقرة: 246] يعني وكيف لا نقاتل في سبيل الله؟ وجاء ~~لهم الأمر بالقتال في قوله تعالى: { فلما كتب عليهم ~~القتال تولوا } [البقرة: 246] إن قوله: " كتب " لأنهم هم الذين ~~طلبوا تشريع القتال فجعلهم الله داخلين في العقد فجاء التعبير ب " ~~كتب " ولم يأت ب " كتب " ، ومع ذلك تولوا أي أعرضوا عن القتال. لقد ~~كان لنبيهم حق في أن يتشكك في قدرتهم على القتال، ويقول لهم: { هل ~~عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا } ~~[البقرة: 246]. ولكن هل أعرضوا جميعا عن القتال؟ لا فقد كان فيهم من ~~ينطبق عليه قول الشاعر: # إن الذي جعل الحقيقة علقما # لم يخل من أهل الحقيقة جيلا # لقد كان منهم من لم يعرض عن التكليف بالقتال لكنهم قلة، وهذا تمهيد ~~مطلوب، حتى إذا انحسرت الجمهرة، وانفض الجميع من حولك إياك أن تقول: " ~~إني قليل " لأن المقاييس ليست بكثرة الجمع، ولكن بنصرة الحق سبحانه ~~وتعالى. وقد يكون عدوك كثيرا لكن ليس له رصيد من ألوهية عالية، وقد تكون ~~في قلة من العدد، لكن لك رصيد من ألوهية عالية، وهذا ما يريد الحق أن ~~يلفتنا إليه بقوله: { فلما كتب عليهم القتال تولوا ~~إلا قليلا } [البقرة: 246]. كلمة " إلا قليلا " جاءت لتخدم قضية، ~~لذلك جاء في آخر القصة قوله تعالى: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله.. # [البقرة: 249]. أي أن الغلبة تأتي بإذن الله، إذن فالشيء المرئي واحد، ~~لكن وجهة نظر الرائين فيه تختلف على قدر رصيدهم الإيماني. أنت ترى ms0762 زهرة ~~جميلة، والرؤية قدر مشترك عند الجميع، ورآها غيرك، أعجبتك أنت وحافظت ~~عليها وتركتها زينة لك ولغيرك، بينما رآها إنسان آخر فقطفها ولم يبال ~~ملك من هي، وهكذا تعرف أن العمل النزوعي يختلف من شخص لآخر، فالعدو ~~قد يكون كثيرا أمامنا ونحن قلة، وكلنا رأى العدو كثيرا ورأى نفسه ~~قليلا، لكن المواجيد تختلف. # أنا سأحسب نفسي ومعي ربي، وغيري رآهم كثيرين وقال: لا نقدر عليهم لأنه ~~أخرج ربه من الحساب. { فلما كتب عليهم القتال ~~تولوا إلا قليلا منهم والله عليم ~~بالظالمين } [البقرة: 246] إذن فالتولي ظلم للنفس لأن الظلم في ~~أبسط معانيه أن تنقل الحق لغير صاحبه، وأنت أخرجت من ديارك وظللت على هذا ~~الحال، إذن فقد ظلمت نفسك، وظلمت أولادك الذين خرجوا منك، ولم تستردهم، ~~وفوق ذلك كله ظلمت قضيتك الدينية. إذن فالجماعة الذين تولوا كانوا ظالمين ~~لأنفسهم ولأهليهم ولمجتمعهم وللقضية العقدية. وقوله الحق: { والله ~~عليم بالظالمين } [البقرة: 246] هو إشارة على أن الله مطلع على ~~هؤلاء الذين تخاذلوا سرا، وأرادوا أن يقتلوا الروح المعنوية للناس وهم ~~الذين يطلق عليهم في هذا العصر " الطابور الخامس " الذين يفتتون الروح ~~المعنوية دون أن يراهم أحد ولكن الله يعرفهم. لقد طلب هؤلاء القوم من بني ~~إسرائيل من نبيهم أن يبعث لهم ملكا، وكان يكفي النبي المرسل إليهم أن ~~يختار لهم الملك ليقاتلوا تحت رايته، لكنهم يزيدون في التلكؤ واللجاجة ~~ويريدون أن ينقلوا الأمر نقلة ليست من قضايا الدين. ويقول الحق بعد ذلك: ~~{ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ~~ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا... }. ### || [2.247] # هم الذين طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكا. وكان يكفي - إذن - أن يختار ~~نبيهم شخصا ويوليه الملك عليهم. لكن نبيهم أراد أن يغرس الاحترام منهم ~~في المبعوث كملك لهم. لقد قال لهم: { إن الله قد بعث لكم ~~طالوت ملكا } [البقرة: 247]. والنبي القائل ذلك ينتمي إليهم، وهو ~~منهم، وعندما طلبوا منه أن يبعث لهم ملكا كانوا يعلمون أنه مأمون على ~~ذلك. ويتجلى أدب النبوة في ms0763 التلقي، فقال: { إن الله قد بعث ~~لكم طالوت ملكا } [البقرة: 247]. إنه يريد أن يطمئنهم على أن ~~مسألة اختيار طالوت كملك ليست منه لأنه بشر مثلهم، وهو يريد أن ينحي ~~قضيته البشرية عن هذا الموضوع، فقال: { إن الله قد بعث لكم ~~طالوت ملكا } [البقرة: 247]. فماذا كان ردهم؟ { قالوا أنى ~~يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ~~ولم يؤت سعة من المال } [البقرة: 247]. وهذه بداية التلكؤ ~~واللجاجة ونقل الأمر إلى مسألة ليست من قضايا الدين. إنهم يريدون الوجاهة ~~والغنى. وكان يجب عليهم أن يأخذوا المسألة على أن الملك جاء لصالحهم، ~~لأنهم هم الذين طلبوه ليقودهم في الحرب. إذن فأمر اختيار الملك كان لهم ~~ولصالحهم، فلماذا يتصورون أن الاختيار كان ضدهم وليس لمصلحتهم؟ شيء آخر ~~نفهمه من قولهم: { أنى يكون له الملك علينا } [البقرة: ~~247]، إن طالوت هذا لم يكن من الشخصيات المشار إليها فمن العادة حين ~~يحزب الأمر في جماعة من الجماعات أن تفكر فيمن يقود، فعادة ما يكون ~~هناك عدد من الشخصيات اللامعة التي يدور التفكير حولها، وتظن الجماعة أنه ~~من الممكن أن يقع على واحد منهم الاختيار، وكان اختيار السماء لطالوت على ~~عكس ما توقعت تلك الجماعة. لقد جاء طالوت من غمار القوم بدليل أنهم ~~قالوا: { أنى يكون له الملك } [البقرة: 247] أي لم يؤت ~~الملك من قبل. ولقد كانوا ينتمون إلى نسلين: نسل أخذ النبوة وهو نسل ~~بنيامين، ونسل أخذ الملوكية وهو نسل لاوى بن يعقوب. فلما قال لهم: { ~~إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } [البقرة: 247]، ~~بدأوا يبحثون عن صحيفة النسب الخاصة به فلم يجدوه منتميا لا لهذا ولا ~~لذاك، ولذلك قالوا: { أنى يكون له الملك علينا } ~~[البقرة: 247]. وهذا يدلنا على أن الناس حين يريدون وضعا من الأوضاع لا ~~يريدون الرجل المناسب للموقف، ولكن يريدون الرجل المناسب لنفوسهم، بدليل ~~قولهم: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق ~~بالملك منه } [البقرة: 247]. وهل الملك يأتي غطرسة أو كبرياء؟ ~~وما دام طالوت رجلا من غمار الناس فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يضع ms0764 قضية ~~كل مؤمن وهي أنك حين تريد الاختيار فإياك أن يغشك حسب أو نسب أو جاه، ~~ولكن اختر الأصلح من أهل الخبرة لا من أهل الثقة. # لقد تناسوا أن القضية التي طلبوها من نبيهم تحتاج إلى صفتين: رجل جسيم ~~ورجل عليم، والله اختار لهم طالوت رجلا جسيما وعليما معا. وعندما ~~نتأمل سياق الآيات فإننا نجد أن الله قال لهم في البداية: { بعث ~~لكم } [البقرة: 247] حتى لا يحرج أحدا منهم في أن طالوت أفضل منه، ~~ولكن عندما حدث لجاج قال لهم: { إن الله اصطفاه عليكم } ~~[البقرة: 247] وهو بهذا القول يؤكد إنه لا يوجد فيكم من أهل البسطة ~~والجسامة من يتمتع بصفة العلم. وكذلك لا يوجد من أهل العلم فيكم من يتمتع ~~بالبسطة والجسامة { إن الله اصطفاه عليكم وزاده ~~بسطة في العلم والجسم } [البقرة: 247]. وكان يجب أن ~~يستقبلوا اصطفاء الله طالوت للملك بالقبول والرضى فما بالك وقد زاده بسطة ~~في العلم والجسم؟ والبسطة في العلم والجسم هي المؤهلات التي تناسب المهمة ~~التي أرادوا من أجلها ملكا لهم. ولذلك يقول الحق: { والله يؤتي ~~ملكه من يشآء } [البقرة: 247] وكأن الحق يقول لهم: لا تظنوا أنكم ~~أنتم الذين ترشحون لنا الملك المناسب، يكفيكم أنكم طلبتم أن أرسل لكم ~~ملكا فاتركوني بمقاييسي اختر الملك المناسب. ويختم الحق الآية بقوله: { ~~والله واسع عليم } [البقرة: 247] أي عنده لكل مقام مقال، ولكل ~~موقع رجل، وهو سبحانه عليم بمن يصلح لهذه المهمة. ومن يصلح لتلك، لا عن ~~ضيق أو قلة رجال، ولكن عن سعة وعلم. لقد استقبلوا هذا الاختيار الإلهي ~~باللجاج، واللجاج نوع من العناد ولا ينهيه إلا الأمر المشهدي المرئي الذي ~~يلزم بالحجة، لذلك كان لابد من مجيء معجزة. لذلك يأتي قوله الحق: { ~~وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم ~~التابوت فيه سكينة من ربكم... }. ### || [2.248] # لقد أرسل الحق مع الملك طالوت آية تبرهن على أنه ملك من اختيار الله ~~فقال لهم نبيهم: { إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت } ~~[البقرة: 248] أي إن العلامة الدالة على ملكه هي { أن ms0765 يأتيكم ~~التابوت } [البقرة: 248] وهذا القول نستدل منه على أن التابوت كان ~~غائبا ومفقودا، وأنه أمر معروف لديهم وهناك تلهف منهم على مجيئه. وما ~~هو التابوت؟ إن التابوت قد ورد في القرآن في موضعين: أحدهما في الآية ~~التي نحن بصددها الآن، والموضوع الآخر في قوله تعالى: # إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت ~~عليك محبة مني ولتصنع على عيني # [طه: 38-39]. إذن فالتابوت نعرفه من أيام قصة موسى وهو رضيع، عندما خافت ~~عليه أمه فأوحى لها الله: # أن اقذفيه في التابوت # [طه: 39] فهل هو التابوت نفسه الذي تتحدث عنه الآيات التي نحن بصددها؟ ~~غالب الظن أنه هو لأنه ما دام جاء به على إطلاقه فهو التابوت المعروف، ~~وكأن المسألة التي نجا بها موسى لها تاريخ مع موسى وفرعون ومع نبيهم ومع ~~طالوت وهذه عملية نأخذ منها أن الآثار التي ترتبط بالأحداث الجسيمة في ~~تاريخ العقيدة يجب أن نعنى بها، ولا نقول إنها كفريات ووثنيات لأن لها ~~ارتباطا بأمر عقدي، وبمسائل تاريخية، وارتباطا بالمقدسات. انظر إلى ~~التابوت الذي فيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون وتحمله الملائكة. إن ~~هذا دليل على أنه شيء كبير ومهم. إذن، فالآثار التي لها مساس وارتباط ~~بأحداث العقيدة وأحداث النبوة، هذه الآثار مهمة للإيمان، وكأن القرآن ~~يقول: اتركوها كما هي، وخذوا منها عظة وعبرة لأنها تذكركم بأشياء مقدسة. ~~لقد كان التابوت مفقودا، وذلك دليل على أن عدوا غلب على البلاد التي ~~سكنوها، والعدو عندما يغير على بلاد يحاول أولا طمس المقدسات التي تربط ~~البلاد بالعقيدة. فإذا كان التابوت مقدسا عندهم بهذا الشكل، كان لابد أن ~~يأخذه الأعداء. هؤلاء الأعداء هم الذين أخرجوهم من ديارهم وهم ألوف حذر ~~الموت. وإذا كانوا قد أخرجوهم من ديارهم فمن باب أولى أنهم أجبروهم على ~~ترك التابوت. والله سبحانه وتعالى يطمئنهم بأن آية الملك لطالوت هي مجيء ~~التابوت الذي تتلهفون عليه، وترتبط به مقدساتكم. { أن يأتيكم ms0766 ~~التابوت فيه سكينة من ربكم } [البقرة: 248] فكأن ~~الاستقرار النفسي سيأتيكم مع هذا التابوت لأن الإنسان حين يجد التابوت ~~الذي نجا به نبي، وفي الأشياء التي سنعرفها فيما بعد، إن الإنسان يستروح ~~صلته بالسماء، وهي صلة مادية تجعل النفس تستريح. وعلى سبيل المثال تأمل ~~مشاعرك عندما يقال لك: " هذا هو المصحف الذي كان يقرأ فيه سيدنا عثمان ". # إنه مصحف مثل أي مصحف آخر، ولكن ميزته أنه كان يقرأ فيه سيدنا عثمان إنك ~~تستريح نفسيا عندما تراه. وأيضا حين تذهب إلى دار الخلافة في تركيا، ~~ويقال لك: " هذا هو السيف الذي كان يحارب به الإمام علي ". فتنظر إلى ~~السيف، وتجد أن وزنه وثقله يساوي عشرة سيوف، وتتعجب كيف كان يحمله سيدنا ~~علي كرم الله وجهه وكيف كان يحارب به. وكذلك عندما يقال لك: " هذه شعرة ~~من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المكحلة التي كان يكتحل بها " ، ~~لا شك أن مثل هذه المشاهد ستترك إشراقا وطمأنينة في نفسك. وعندما يراها ~~إنسان به بعض الشكوك والمخاوف فإن العقيدة تستقر في نفسه. ومن هذا كله ~~أقول: إن ولاة الأمر يجب ألا يعتبروا مقدسات الأشياء ضربا من الشركيات ~~والوثنيات، بل يجب أن يولوها عناية ورعاية ويبرزوها للناس لتكون مصدر ~~سكينة وأمن نفس للناس، وعليهم أن ينصحوا الناس بألا يفتنوا بها، ولكن ~~عليهم أن يتركوها لتذكرنا بأمر يتصل بعقيدتنا وبنبينا. وانظر إلى حديث ~~القرآن عن التابوت. إن الحق سبحانه لم يقل: إن التابوت سيأتي كاملا، ولم ~~يقل كذلك إنه التابوت الذي وضع فيه موسى، وإنما قال: { فيه سكينة ~~من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ~~} [البقرة: 248] كأن آل موسى وهارون قد حافظوا على آثار أنبيائهم، وأيضا ~~قوله تعالى: { تحمله الملائكة } [البقرة: 248] يؤكد لنا أنه ~~لا شك أن الأثر الذي تحمله الملائكة لابد أن يكون شيئا عظيما يوجب ~~العناية الفائقة { إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت } ~~[البقرة: 248]. ونلحظ في قوله: { أن يأتيكم التابوت } ~~[البقرة: 248] أنه سبحانه قد نسب الإتيان إلى التابوت، فهل كان ms0767 من ضمن ~~العلامة أن يأتيهم التابوت وهم جالسون ينتظرون، ولأن التابوت تحمله ~~الملائكة فلن يراهم القوم لأنهم كائنات غير مرئية، فلن يراهم أحد وإنما ~~سيرى القوم التابوت آتيا إليهم، ولذلك أسند الحق أمر المجيء للتابوت. ~~وهذا المشهد يخلع القلوب ويجعل أصحاب أشد القلوب قساوة يخرون سجدا ~~ويقولون " طالوت أنت الملك، ولن نختلف عليك ". ونريد الآن أن نعرف ~~الأشياء التي يمكن لآل موسى أن يحافظوا عليها من آثار موسى عليه السلام، ~~والآثار التي يحافظ عليها آل هارون من هارون عليه السلام. قال بعض الناس ~~إنها عصا موسى، وهي الأثر الذي تبقى من آل موسى، وذلك أمر معقول لأنها ~~أداة من أدوات معجزة موسى عليه السلام. ألم تكن هي المعجزة التي انقلبت ~~حية تسعى وابتلعت بسرعة ما صنعه السحرة؟ إن مثل هذه الأداة المعجزة لا ~~يمكن أن يهملها موسى، أو يهملها المؤمنون به بعد ما حدث منها. # وليس من المعقول أن يفرط آل موسى في عصا تكلم الله فيها وقال: # وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها.. # [طه: 17-18]. إن هناك قصة طويلة استغرقها الحديث عن هذه العصا، فكيف ~~يفرط فيها موسى وقومه بسهولة؟ لا شك أنهم حافظوا عليها، وقدسوها، وجعلوها ~~من أمجادهم. ويرينا الحق سبحانه وتعالى أن هؤلاء القوم أهل لجاج وأهل جدل ~~وأهل تلكؤ، فهم لا يؤمنون بالأمور إلا إذا كانت حسية كالتابوت الذي ~~يأتيهم وحدهم، صحيحا تحمله الملائكة، لكنهم لا يرون الملائكة وإنما رأوا ~~التابوت يسير إليهم، { أن يأتيكم التابوت فيه سكينة ~~من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ~~تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين } [البقرة: 248] وليس هناك آيات أعجب من مجيء التابوت حتى ~~يثبت صدق النبي في أن الله قد بعث طالوت ملكا، فإن لم يؤمنوا بهذه ~~المسألة فعليهم أن يراجعوا إيمانهم. والسياق القرآني يدل على أن الله ~~بهتهم بالحجة، وبهتهم بالآية، وبهتهم بالقرآن، بدليل أنه حذف ما كان يجب ~~أن يقال وهو: فقبلوا طالوت ملكا. ونظم طالوت الحرب فقام ms0768 وقسم الجنود ~~ورتبهم، وكل هذه التفاصيل لم تذكرها الآيات. والحق يقول بعد ذلك: { ~~فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله ~~مبتليكم بنهر... }. ### || [2.249] # الفصل هو أن تعزل شيئا عن شيء آخر، ومثل ذلك قوله تعالى: # ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح ~~يوسف.. # [يوسف: 94]. " فصلت العير " أي غادرت مصر وخرجت منه. ونحن نستخدم كلمة " ~~فصل " في تبويب الكتب، ونقصد به قدرا من المعلومات المترابطة التي تكون ~~وحدة واحدة، وعندما تنضم الفصول مع بعضها في الكتب تصير أبوابا، وعندما ~~تنظم الأبواب الموضوعة في مجال علم واحد مع بعضها نقول عنها: هذا " كتاب ~~". ونحن نستخدم كلمة " فصل " في وصف مجموعة من التلاميذ المتقاربين في ~~العمر والمستوى الدراسي ونقسمهم إلى فصل أول وثان وثالث، على حسب سعة ~~الفصول وعدد التلاميذ. وهكذا نفهم معنى قول الحق: { فلما فصل ~~طالوت بالجنود } [البقرة: 249] أي فصلهم عن بقية غير المقاتلين، ~~وقسمهم إلى جماعات مرتبة، وكل جماعة لها مهمة. وكلمة " جنود " هي جمع " ~~جند " وهي مفردة لكنها تدل على جماعة، وأصل الكلمة من " جند " وهي ~~الأرض الغليظة الصلبة القوية، ونظرا لأن الجنود مفروض فيهم الغلظة ~~والقوة فقد أطلق عليهم لفظ: جند. وبرغم أن كلمة " جند " مفرد إلا أنها ~~تدل على القوم مثل " رهط " و " طائفة " ويسمونها اسم جمع. { فلما ~~فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم ~~بنهر } [البقرة: 249] أي عندما خرج إلى مكان إقامة الجيش بدأ في ~~مباشرة أولى مهماته كملك، لقد أراد أن يختبرهم، فهم قوم وقفوا ضد تعيينه ~~ملكا، لذلك أراد أن يدخل الحكم على أرض صلبة. فقال لهم عن الحق: { إن ~~الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ~~ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف ~~غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم } ~~[البقرة: 249]. لقد أوضح لهم: أنتم مقبلون على مهمة لله في سبيل الله، ~~وهو سبحانه الذي سيجري عليكم الاختبار، ولست أنا لأن الاختبار يكون على ~~قدر المهمة أنا مشرف فقط على تنفيذ الأمر، والله مبتليكم بنهر من يشرب ~~منه فليس منا ms0769 إلا من اغترف غرفة بيده. وساعة تسمع كلمة " مبتليكم " فلا ~~تفسرها على أنها مصيبة، ولكن فسرها على أنها اختبار، قد ينجح من يدخل وقد ~~يفشل. والاختبار هنا بنهر. وما دام كان الاختبار بنهر فلا بد أن لهذه ~~الكلمة موقعا وأثرا نفسيا عندهم، لابد أنهم كانوا عطاشا، وإلا لو لم ~~يكونوا عطاشا لما كان النهر ابتلاء. { إن الله مبتليكم ~~بنهر فمن شرب منه فليس مني } [البقرة: 249]. إنهم ~~عطاش، وساعة يرى الماء فسيقبلون عليه بنهم شربا وريا، ومع ذلك يختبر ~~الحق صلابتهم فيطالبهم بأن يمتنعوا عن الشرب منه، لقد جاء الاختبار في ~~منعهم مما تصبو إليه نفوسهم. # { فمن شرب منه فليس مني } [البقرة: 249] لماذا؟ لأنهم ~~ساعة يرون ما يحبونه ويشتهونه فسيندفعون إليه وينسون أمر الله. ومن ينس ~~أمر الله ويفضل نفسه، فهو غير مأمون أن يكون في جند الله. لكن الذي يرى ~~الماء ويمتنع عنه وهو في حاجة إليه، فهو صابر قادر على نفسه، وسيكون من ~~جند الله، لأنه آثر مطلوب الله على مطلوب بطنه، وهو أهل لأن يبتلى. ومع ~~ذلك لم يقس الله في الابتلاء، فأباح ما يفك العطش ولم يحرمهم منه ~~نهائيا. { إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه ~~فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من ~~اغترف غرفة بيده } [البقرة: 249] لقد سمح لهم بغرفة يد تسد ~~الرمق وتستبقي الحياة، أباح لهم ما تقتضيه الضرورة. لكن ما صلة هذا ~~الابتلاء بالعملية التي سيقبلون عليها؟ إن العملية الحربية التي ~~سيدخلونها سيقابلون فيه الويل وسيعرضون لنفاد الزاد، وهم أيضا عرضة لأن ~~يحاصرهم عدوهم، وعلى الإنسان المقاتل في مثل هذه الأمور أن يقوى على ~~شهوته ويأخذ من زاده ومائه على قدر ضرورة استبقاء الحياة، لذلك تكفي غرفة ~~واحدة لاستبقاء الحياة. كأن التدريب هنا ضرورة للمهمة. فهل فعلوا ذلك؟ ~~يأتينا الخبر من الحق { فشربوا منه إلا قليلا منهم } ~~[البقرة: 249]. وهكذا تتم التصفية، ففي البداية سبق لهم أن تولوا وأعرضوا ~~عن القتال إلا قليلا، وهنا امتنع عن الشرب قليل من القليل، وهذه غرابيل ~~الاصطفاء ms0770 أو مصافي الاختبار، فقد يقوى واحد على نصف المشقة، ويقوى آخر ~~على ثلث المشقة، ويقوى ثالث على ربعها. لقد بقي منهم القليل، لكنه القليل ~~الذي يصلح للمهمة إنه الذي ظل على الإيمان. وانظر كيف تكون مصافي ~~الابتلاء في الجهاد في سبيل الله؟ حتى لا يحمل راية الجهاد إلا المأمون ~~عليها الذي يعرف حقها. { فلما جاوزه هو والذين آمنوا ~~معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } ~~[البقرة: 249] أي عندما عبروا النهر واجتازوا كل الاختبارات السابقة قال ~~بعضهم: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } [البقرة: ~~249] لقد خاف بعض منهم من الاختبار الأخير، ولكن الذين آمنوا بالله لم ~~يخافوا، ويقول الحق: { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا ~~الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله والله مع الصابرين } [البقرة: 249]. لقد اختلفت ~~المواجيد وإن اتحدت المرائي. فالذين جاوزوا النهر انقسموا قسمين، قسم رأى ~~جالوت وجنوده، والقسم الآخر رأوه أيضا، ولم ينقسموا عند الرؤية لكنهم ~~انقسموا عند المواجيد التابعة للرؤية، فقسم خاف وقسم لم يخف، والذين ~~خافوا قالوا: { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } ~~[البقرة: 249] لقد وجد الخوف من جالوت وجنوده في نفوسهم فقالوا: { لا ~~طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } [البقرة: 249]، لقد ~~مروا بثلاث مراحل المرحلة الأولى: هي إدراك لجالوت وجنوده، والثانية: هي ~~وجدان متوجس من قوة جالوت وجنوده، والأخيرة: هي نزوع إلى الخوف من جالوت ~~وجنوده، لكن القسم الذي لم يخف رأوا المشهد أيضا وجاء فيهم قول الله: { ~~قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من ~~فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } [البقرة: ~~249]. # كأنهم أدخلوا ربهم في حسابهم فاستهانوا بعدوهم، لكن الفئة السابقة عزلت ~~نفسها عن ربها فرأوا أنفسهم قلة فخافوا. لقد كان مجرد ظن الفئة المؤمنة ~~أنهم ملاقو الله قد جعل لهم هذه العقيدة، وإذا كان هذا حال مجرد الظن فما ~~بالك باليقين؟ { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله والله مع الصابرين } [البقرة: 249]. ونعرف ~~أن هناك معارك يفوز فيها الأقدر على الصبر، ودليلنا على ذلك قول الحق: ms0771 # إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ~~ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين # [آل عمران: 124]. هذا هو الوعد لكن إذا صبرتم كم يكون المدد؟ يقول الحق: # بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم ~~هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين # [آل عمران: 125]. فكأن البدء بثلاثة آلاف لمساندة أهل الإيمان ويزيد ~~العدد في المدد إلى خمسة آلاف إن صبروا واتقوا. إذن فالمدد يأتي على قدر ~~الصبر لأن حنان القدرة الإلهية عليك يزداد ساعة يجدك تتحمل المشقة ~~فيحن عليك ويعطيك جزءا أكبر. فالله يريد من عبده أن يستنفد أسباب ~~قوته الخاصة، وحين تستنفد الأسباب برجولة وثبات، تأتيك معونة الله، ويقول ~~الله لملائكته: هذا يستحق أن يعان فأعينوه. ولذلك جاء قوله الحق على ~~ألسنة المؤمنين: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ~~بإذن الله والله مع الصابرين } [البقرة: 249]. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ~~ربنآ أفرغ علينا صبرا... }. ### || [2.250] # هذه هي الشحنة الإيمانية لمن يريد أن يواجه عدوه فهو ينادي قائلا: " ~~ربنا " إنه لم يقل: يا الله، بل يقول: " ربنا " لأن الرب هو الذي يتولى ~~التربية والعطاء، بينما مطلوب " الله " هو العبودية والتكاليف لذلك ينادي ~~المؤمن ربه في الموقف الصعب " يا ربنا " أي يا من خلقتنا وتتولانا وتمدنا ~~بالأسباب، قال المؤمنون مع طالوت: { ربنآ أفرغ علينا صبرا ~~} [البقرة: 250]. وعندما نتأمل كلمة { أفرغ علينا صبرا } ~~[البقرة: 250] تفيدنا أنهم طلبوا أن يملأ الله قلوبهم بالصبر ويكون أثر ~~الصبر تثبيت الأقدام { وثبت أقدامنا } [البقرة: 250] حتى ~~يواجهوا العدو بإيمان، وعند نهاية الصبر وتثبيت الأقدام يأتي نصر الله ~~للمؤمنين على القوم الكافرين، وتأتي النتيجة للعزم الإيماني والقتال في ~~قوله الحق: { فهزموهم بإذن الله... }. ### || [2.251] # إن الحق يبلغنا أنه قد نصر المؤمنين به. ويجيء الحق بكلمة " هزموهم " ~~وهي تدل على فرار من كان يجب أن يكون مهاجما. والمحارب يجب أن يكون ~~مهاجما كارا دائما، فحين يلجأ إلى أن يفر، هنا نتوقف لنتبين أمره، هل ~~هذا الفرار تحرفا لقتال وانعطافا وميلا إلى موقف آخر هو أصلح ms0772 للقتال ~~فيه؟ لو كان الأمر كذلك فلا تكون الهزيمة، لكن إذا كان الفرار لغير كر ~~ومخادعة للعدو بل كان للخوف هنا تكون الهزيمة. وقول الله: { ~~فهزموهم بإذن الله } [البقرة: 251] يدل على أن جنود جالوت ~~لم يقتلوا كلهم، ولكن الذين قتلوا هم أئمة الكفر فيهم، بدليل قوله بعد ~~ذلك: { وقتل داود جالوت } [البقرة: 251]. وجالوت هو زعيم جيش ~~الكفار الذي هرب، فطارده داود وقتله. ولأول مرة يظهر لنا اسم " داود " في ~~هذه القصة الطويلة، وهو اسم لم يكن عندنا فكرة عنه من قبل، وستأتي الفكرة ~~عنه بعد هذه القصة في قوله تعالى: # ولقد آتينا داوود منا فضلا يجبال أوبي معه ~~والطير وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات ~~وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون ~~بصير # [سبأ: 10-11]. إذن فبداية داود جاءت من هذه المعركة بعد قتل جالوت، وكان ~~" داود " أخا لعشرة وهو أصغرهم، وقال النبي للقوم: إن من يدخل المعركة ~~ضد جالوت لابد أن يأتي درع موسى على مقاسه، وهنا استعرض والد " داود " ~~الدرع على جميع أبنائه، فلم يأتي على مقاس أي واحد منهم إلا على أصغرهم، ~~وهو " داود ". جاء الدرع على مقاسه، ودخل " داود " المعركة فقتل جالوت ~~قائد المشركين، وشاءت حكمة الله أن يكون أصغر المؤمنين هو الذي يقتل كبير ~~جيش المشركين. كانت هذه المعركة بداية تاريخ داود، وقد جاءت له هذه ~~المعركة بالفتح العظيم، ثم أنعم الله عليه بالملك والحكمة وجعل الجبال ~~والطير تردد وترجع معه تسبيح الله وتنزيهه، كل ذلك نتيجة قتل جالوت. وأحب ~~داود الدرع وصار أمله أن يعلمه الله صناعة الدروع، ولذلك لم يتخذ صنعة في ~~حياته إلا عمل الدروع. وجعل الله له الحديد لينا ليصنع منه ما يشاء كما ~~جاء في قوله تعالى: # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم.. # [الأنبياء: 80]. وهذا دليل على أن الإنسان يحب الشيء الذي له صلة برفعة ~~شأنه. ولقد كان قتل جالوت هو البداية لداود. { وقتل داود جالوت ~~وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشآء ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ms0773 ببعض لفسدت ~~الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين } [البقرة: ~~251] إن الحق يأتي هنا بقضية كونية في الوجود، وهي أن الحرب ضرورة ~~اجتماعية، وأن الحق يدفع الناس بالناس. # وأنه لولا وجود قوة أمام قوة لفسد العالم فلو سيطرت قوة واحدة في الكون ~~لفسد. فالذي يعمر الكون هو أن توجد فيه قوى متكافئة قوة تقابلها قوة ~~أخرى. ولذلك نجد العالم دائما محروسا بالقوتين العظميين، ولو كانت قوة ~~واحدة لعم الضلال. ولو تأملنا التاريخ منذ القدم لوجدنا هذه الثنائية في ~~القوى تحفظ الاستقرار في العالم. في بداية الإسلام كانت الدولتان ~~العظميان هما الفرس في الشرق، والروم في الغرب. والآن سقطت قوة روسيا من ~~كفة ميزان العالم، وتتسابق ألمانيا واليابان ليوازنا قوة أمريكا. إن قول ~~الله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لفسدت الأرض } [البقرة: 251] جاء تعقيبا على قصة الصراع بين بني ~~إسرائيل وبين أعدائهم الذين أخرجوهم من ديارهم وعندما نتأمل هذه القصة من ~~بدايتها نجد أنهم طلبوا أولا من الله الإذن بالقتال. وبعث الله لهم ~~ملكا ليقاتلوا تحت رايته وكانت علامة هذا الملك في الصدق أن يأتي الله ~~بالتابوت. ثم جاءت قضية اجتماعية ينتهي إليها الناس عادة بحكيم الرأي ولو ~~بدون الوحي، وهي أن الإنسان إذا ما أقبل على أمر يجب أن يعد له إعدادا ~~بالأسباب البشرية، حتى إذا ما استوفى إعداده كل الأسباب لجأ إلى معونة ~~الله، لأن الأسباب - كما قلنا - هي من يد الله، فلا ترد أنت يد الله ~~بأسبابها، لتطلب معونة الله بذاته، بل خذ الأسباب أولا لأنها من يد ربك. ~~ويعلمنا الحق أيضا أن من الأسباب تمحيص الذين يدافعون عن الحق تمحيصا ~~يبين لنا قوة ثباتهم في الاختبار الإيماني لأن الإنسان قد يقول قولا ~~بلسانه ولكنه حين يتعرض للفعل تحدثه نفسه بألا يوفي، وقد نجح قلة من ~~القوم في الابتلاءات المتعددة. وفعلا دارت المعركة وهزم هؤلاء المؤمنون ~~أعداءهم، وانتصر داود بقتل جالوت. إذن فتلك قضية دفع الله فيها أناسا ~~بأناس، ويطلقها الحق سبحانه قضية عامة { ولولا دفع ms0774 الله ~~الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } [البقرة: 251]، أي ~~لولا أن الله دفع بالقلة المؤمنة الكثرة من عدوهم لفسدت الأرض، فالدفع هو ~~الرد عن المراد، فإذا كان المراد للناس أن يوجد شر، فإن الله يدفعه. إذن ~~فالله يدفع ولكن بأيدي خلقه، كما قال سبحانه: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين # [التوبة: 14]. إنه دفع الله المؤمنين ليقاتلوا الكافرين، ويعذب الحق ~~الكافرين بأيدي المؤمنين. وعندما نتأمل القول الحكيم: { ولولا دفع ~~الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض } [البقرة: ~~251] فإننا نجد مقدمة سابقة تمهد لهذا القول، لقد أخرجوا من ديارهم ~~وأبنائهم، فكان هذا هو مبرر القتال. وتجد آية أخرى أيضا تقول: # الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن ~~يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ~~ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن ~~الله من ينصره إن الله لقوي عزيز # [الحج: 40]. والسياق مختلف في الآيتين، السياق الذي يأتي في سورة البقرة ~~عن أناس يحاربون بالفعل، والسياق الذي يأتي في سورة الحج عن أناس مؤمنين ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم المستضعفون من مكة لينضموا إلى ~~إخوتهم المؤمنين في دار الإيمان ليعيدوا الكرة، ويدخلوا مكة فاتحين. صحيح ~~أننا نجد وحدة جامعة بين الآيتين. وهو الخروج من الديار. إذن فمرة يكون ~~الدفاع بأن تفر لتكر.. أي أن تخرج من ديار الكفر مهاجرا لتجمع ~~أمر نفسك أنت ومن معك وتعود إلى بلدك مقاتلا فاتحا، ومرة يكون الدفاع ~~بأن تقاتل بالفعل، فالآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها هنا تفيد أنهم ~~قاتلوا بالفعل، والآية الثانية تفيد أنهم خرجوا من مكة ليرجعوا إليها ~~فاتحين، فالخروج نفسه نوع من الدفع، لماذا؟ لأن المسلمين الأوائل لو ~~مكثوا في مكة فربما أفناهم خصومهم فلا يبقى للإسلام خميرة، فذهبوا إلى ~~المدينة وكونوا الدولة الإسلامية ثم عادوا منتصرين فاتحين: # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1]. إن السياق في الآيتين واحد ولكن النتيجة تختلف، هنا يقول ~~الحق: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ~~لفسدت ms0775 الأرض } [البقرة: 251] لماذا تفسد الأرض؟ لأن معنى دفع ~~الله الناس بعضهم ببعض أن هناك أناسا ألفوا الفساد، ويقابلهم أناس خرجوا ~~على من ألف الفساد ليردوهم إلى الصلاح. ويعطينا الحق سبحانه وتعالى في ~~الآية الثانية السبب فيقول: # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت ~~صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم ~~الله كثيرا.. # [الحج: 40]. والصوامع هي ما يقابل الآن الدير للنصارى وكانوا يتعبدون ~~لله فيها، لأن فيه متعبدا عمل بالتكليف العام ومتعبدا آخر قد ألزم ~~نفسه بشيء فوق ما كلفه الله به. فالذين يعبدون الله بهذه الطريقة يجلسون ~~في أماكن بعيدة عن الناس يسمونها الصوامع، وهي تشبه الدير الآن. والمعنى ~~العام في التعبد للنصارى هو التعبد في الكنائس وهو المقصود بالبيع، ~~والمعنى الخاص هو التعبد في الصوامع. إذن " لهدمت صوامع " هذه لخاصة ~~المتدينين، وكنائس أو بيع لعامة المتدينين. وقول الحق: " وصلوات " ، من ~~صالوت، وهي مكان العبادة لليهود، و " مساجد " وهي مساجد المسلمين. إن ~~قوله تعالى: { لفسدت الأرض } [البقرة: 251] في هذه الآية، وقوله ~~تعالى هناك # لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد # [الحج: 40] أي أنه ستفسد الأرض إذا لم تقم الصوامع والبيع والصلوات ~~والمساجد لأنها هي التي تربط المخلوق بالخالق. وما دامت تلك الأماكن هي ~~التي تربط المخلوق بالخالق فإن هدمت.. يكون الناس على غير ذكر لربهم ~~وتفتنهم أسباب الدنيا. فالأديرة والكنائس والصوامع - حين كانت - والمساجد ~~الآن هي حارسة القيم في الوجود، لأنها تذكرك دائما بالعبودية وتمنع عنك ~~الغرور، وهي من السجود الذي هو منتهى الخضوع للرب، نخضع بها لله خمس مرات ~~في اليوم والليلة فإن كان عند العبد شيء من الغرور لابد أن يذوب، ويعرف ~~العبد أن الكون كله فضل من الله على العباد فلا يدخلك أيها المسلم شيء من ~~الغرور. # فإذا لم يدخلك شيء من الغرور استعملت أسباب الله في مطلوبات الله. أما ~~أن تأخذ أنت أسباب الله في غير مطلوبات الله فهذه قحة منك. فإذا كان الله ~~قد أقدر يدك على الحركة فلماذا تعصى الله بها وتضرب بها الناس؟ والله ~~أقدر ms0776 لسانك على الكلام، فلماذا تؤذي غيرك بالكلمة؟ إن الله قد أعطاك ~~النعمة فلا تستعملها في المعصية. قال الله تعالى في هذه الآية: { ~~لفسدت الأرض } [البقرة: 251] وشرح ذلك في قوله تعالى: # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت ~~صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم ~~الله كثيرا.. # [الحج: 40] فهذه الأماكن هي التي تبقى أصول القيم في التدين. " وأصول ~~القيم في التدين " غير " كل القيم في التدين " ، ولذلك نحن قلنا: إن الحق ~~سبحانه وتعالى جعل للإسلام خمسة أركان، وهي التي بني عليها الإسلام. ~~ولابد أن نقيم بنيان الإسلام على هذه الأركان الخمسة، فلا تقل: إن ~~الإسلام هو هذه الأركان الخمسة، لا لأن الإسلام مبني عليها فقط فهي ~~الأعمدة أو الأسس التي بني عليها الإسلام. فأنت حين تضع أساسا لمنزل ~~وتقيم الأعمدة فهذا المنزل لا يصلح بذلك للسكن، بل لابد أن تقيم بقية ~~البنيان، إذن فالإسلام مبني على هذه الأسس. والحق سبحانه وتعالى يوضح ذلك ~~فيأمر بالمحافظة على أماكن هذه القيم لأن المساجد - ونحن نتكلم بالعرف ~~الإسلامي - هي ملتقى فيوضات الحق النورانية على خلقه، فالذي يريد فيض ~~الحق بنوره يذهب إلى المسجد. إذن لكيلا تفسد الأرض لابد أن توجد أماكن ~~العبادة هذه، فمرة جاء الحق بالنتيجة ومرة جاء بالسبب. ولماذا يدفع الله ~~الناس بعضهم ببعض؟ لأن هناك أناسا يريدون الشر وأناسا يريدون الخير، ~~فمن يريد الشر يدفع من يريد الخير، وإذا وقعت المعركة بهذا الوصف فإن يد ~~الله لا تتخلى عن الجانب المؤمن الباحث عن الخير، فهو سبحانه القائل: # ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز # [الحج: 40]. أي إن المعركة لا تطول. ولذلك قلنا سابقا: إن المعارك التي ~~نراها في الكون لا نجد فيها معركة بين حقين لأنه لا يوجد في الوجود حقان، ~~فالحق واحد، فلا يقولن أحد: إنه على حق وخصمه على حق. لا، إن هناك حقا ~~واحدا فقط. والمعركة - إن وجدت - توجد بين حق وباطل، أو بين باطل وباطل. ~~والمعركة بين الحق والباطل لا تطول لأن الباطل زهوق. # والذي يطول ms0777 من المعارك هي المعارك بين الباطل والباطل فليس أحدهما أولى ~~بأن ينصره الله. فهذا على فساد وذاك على فساد، وسبحانه يدك هذا الفساد ~~بذاك الفساد. وحين يندك هذا الفساد بذاك الفساد، فجناحا الفساد في الكون ~~ينتهيان. ويأتي من بعد ذلك أناس ليس عندهم فساد ويعمرون الكون. والمعارك ~~التي تدور في أي مكان تجد أن هذا الطرف له هوى والآخر له هوى مختلف. ولا ~~يقف الله في أي جانب منهما لأنه ليس هناك جانب أحق بالله من الآخر لذلك ~~يتركهم يصطرع بعضهم مع بعض، وما دام الحق قد تركهم لبعضهم البعض فلا بد ~~أن تطول المعركة. ولو كان الله في بال جانب منهم لوقف سبحانه في جانبه. ~~وكذلك نرى في معارك العصر الحديث أن المعركة تطول وتطول لأننا لا نجد ~~القسم الثالث الذي جاء في قوله سبحانه: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله ~~يحب المقسطين # [الحجرات: 9]. إن الحق سبحانه وتعالى يأمر عند اقتتال طائفتين من ~~المؤمنين أن يصلح بينهما قوم مؤمنون، فإن تعدت إحداهما على الأخرى، ورفضت ~~الصلح فالحق يأمر المؤمنين بأن يقاتلوا الفئة التي تتعدى إلى أن ترجع إلى ~~حكم الله، فإن رجعت إلى حكم الله فالإصلاح بين الفئتين يكون بالإنصاف لأن ~~الله يحب العادلين المنصفين. ونحن نجد الباطل يتقاتل مع الباطل لذلك لا ~~نجد من يصلح بين الباطلين، بل نجد أهواء تتعارك، وكل جانب ينفخ في ~~الطائفة التي تناسب هواه. وهذه هي الخيبة في الكون المعاصر إن المعارك ~~تطول لأنه ليس في بال المتقاتلين شيء جامع، ولو كان في بالهم شيء جامع، ~~لما حدثت الحرب. وما داموا قد غفلوا عن هذا الشيء الجامع، فمن المفروض أن ~~تتدخل الفئة القادرة على الإصلاح، ولكن حتى هؤلاء لم يدخلوا للإصلاح، ~~وهذا معناه أن الخيبة في العالم كله. وسيظل العالم في خيبة إلى أن يرعووا ~~ويرتدعوا. إنهم يطيلون على أنفسهم أمد ms0778 التجربة وسيظلون في هذه الخيبة حتى ~~يفطنوا إلى أنه لا سبيل إلى أن تنتهي هذه المشاكل إلا أن يرجعوا جميعا ~~عن أهوائهم إلى مراد خالقهم. { ولولا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض لفسدت الأرض } [البقرة: 251]، نعم تفسد ~~الأرض فيما جعل الله للإنسان يدا فيه، أما الشيء الذي لم يجعل الله ~~للإنسان يدا فيه فستظل النواميس كما هي لا يؤثر فيها أحد، فلا أحد يؤثر ~~في الشمس أو القمر أو الهواء أو المطر، إنما الفساد جاء فيما للإنسان فيه ~~يد. انظر إلى الكون، إنك تجد المسائل التي لا دخل للإنسان فيها مستقيمة ~~على أحسن ما يكون، وإنما يأتي الفساد من النواحي التي تدخل فيها الإنسان ~~بغير منهج الله. # ولو أن الإنسان دخل فيها بمنهج الله لاستقامت الأمور كما استقامت ~~النواميس العليا تماما. في سورة الرحمن قوله تعالى: # والسمآء رفعها ووضع الميزان # [الرحمن: 7]. وما دام الحق قد رفع السماء ووضع الميزان، فالسماء لا تقع ~~على الأرض والنظام محكم تماما، الشمس تطلع من الشرق وتغرب في الغرب، ~~والقمر والنجوم تسير في منتهى الدقة والإبداع، لأنه لا دخل لأحد من البشر ~~فيه. فإن أردتم أن تصلح حياتكم، وأن تستقيم أموركم كما استقامت هندسة ~~السماء والأرض فخذوا الميزان من السماء في أعمالكم، واتبعوا القول الحق: # والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في ~~الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان # [الرحمن: 7-9]. وما دمتم قد رأيتم أن الأمور الموجودة التي تسير بنظام ~~لا تتحكمون فيه تعمل باستقامة وترون أن الفساد قد جاء من ناحية الأمور ~~التي دخلتم فيها، فلماذا لا نتبع منهج الله في الأمور التي لنا دخل فيها؟ ~~إنك إن عملت في الحياة بمنهج الله الذي خلق الحياة فإن أمورك تستقيم لك ~~كما استقامت الأمور العليا في الكون. واحفظ جيدا قوله تعالى: # والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في ~~الميزان # [الرحمن: 7-8]. ليحفظ كل منا هذا القول لنعرف أن الأمور العليا موزونة ~~لأن يد الإنسان لا تدخل فيها. إن السماء لا تقع على الأرض لأنها محكومة ms0779 ~~بنظام محكم تماما. والأرض لا تدور بعيدا عن فلكها لأن خالقها قد قدر ~~لها النظام المحكم تماما. ولهذا يقول الحق سبحانه عن نظام الكواكب في ~~الكون: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. إنه نظام دقيق محكم لأنه لا دخل للإنسان فيه. اصنعوا ميزانا ~~في كل الأمور التي لكم فيها اختيار حتى لا تطغوا في الميزان. وما دام ~~الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان ومنحه الاختيار، وبعض الناس اختار ~~مذهبا، والبعض الآخر اختار مذهبا مضادا، وكل من المذهبين خارج عن ~~منهج الله، فالحق سبحانه وتعالى يترك الفئتين للتقاتل والتناحر. ولأنه ~~سبحانه ذو رحمة على العالمين، يبقى عناصر الخير في الوجود، لعل أحدا يرى ~~ويتنبه ويتلفت ويذهب ليأخذها. فعندما تطغى جماعة يأتي لهم الحق بجماعة ~~يردونهم، حتى تبقى عناصر الخير في الوجود لعل إنسانا يأتي ليأخذ عنصرا ~~منها يحرك به حياته، وصاحب الخير إنما يأتي من فضل الله على العالمين. ثم ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: { تلك آيات الله نتلوها عليك ~~بالحق... }. ### || [2.252] # ونعرف أن " تلك " إشارة يخاطب الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ويشير ~~إلى الآيات التي سبقت والتي تدل على عظمة الحق وقيومته، فقد قال الحق من ~~قبل: # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف ~~حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ~~إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون # [البقرة: 243]. وساعة طلبوا أن يقاتلوا، وأن يبعث لهم ملكا، وبعثه لهم، ~~وبعث لهم التابوت فيه سكينة، أليست هذه آيات أخرى؟ ومن بعد ذلك أراد الحق ~~أن يأتي مقتل جالوت العملاق الضخم على يد داود الصبي الصغير. أليست هذه ~~آية؟ وآية أخرى هي أن جماعة قليلة - بإقرارهم - حيث قالوا: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله # [البقرة: 249] هذه الجماعة القليلة تدخل المعركة وتهزم الكثرة، أليست ~~هذه آية؟ وهل الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعرف الآيات التي سبقت ~~رسالته؟ لا، ولكنها من إخبار ms0780 الله له مع إقرار الجميع، وخاصة الذين كفروا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم بأنه لا قرأ ولا كتب ولا جلس إلى معلم، ولا أحد ~~قال له شيئا حتى الرحلة التي ذهب فيها للتجارة كان يصحبه فيها أناس ~~غيره، ولو كانوا قد رأوه جالسا إلى أحد يعلمه شيئا، لأذاعوا أن محمدا ~~قد جلس مع فلان، وتعلم منه كذا وكذا. ولكن هذا لم يقله أحد لأنه لم يحدث ~~أصلا، ولذلك كان إخباره صلى الله عليه وسلم بما يعلمونه هم عندهم هو ~~بعضا من أسرار معجزته، إنه قد عرف الأخبار السابقة رغم أنه لم يقرأ ولم ~~يكتب ولم يتلق علما من أحد. وقد تماحك بعض المشركين وقال: إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان يجلس إلى فتى عند المروة يعلمه هذه الأخبار، فنزل ~~القول الحق يدحض هذا الافتراء: # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ~~لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. لقد أثبت الحق أنها حجة باطلة، وزعم كاذب من ناحيتهم. لأن ~~الذي ادعوا أنه علم الرسول كان أعجميا. ويقول الحق سبحانه لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم: { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ~~} [البقرة: 252]. إن كلمة " آيات الله " تعني الأشياء العجيبة، و " ~~نتلوها " أي نجعل كلمة بعد كلمة، وهي من " ولي " أي جاء بعده بلا فاصل. " ~~نتلوها عليك بالحق " والحق هو الشيء الذي وقع موقعه حيث لا يتغير عنه، ~~فلا يتضارب أبدا. فهب أن حادثة وقعت أمامك، ثم سئلت عنها ألف مرة في ~~طيلة حياتك ستجد أن جوابك لن يختلف عليها أبدا لأنك تحكي واقعا رأيته، ~~لكن لو كانت الحكاية كذبا فستجد أن روايتك لها في المرة الثانية تتغير ~~لأنك لا تذكر ماذا قلت في المرة الأولى لأنك لا تحكي عن واقع يأخذك ~~وتلتزم به، وكذلك الحق لا يتغير، ولا يتضارب، ولا يتعارض. # { تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق } [البقرة: ~~252] وما دام الحق سبحانه هو الذي يقولها، فسيقولها لك حقيقة، وعندئذ ~~يعرف الآخرون أنك عرفت ما عندهم مما ms0781 يخفونه في كتبهم يقوله بعضهم لبعض، ~~هنا يعرفون أنك من المرسلين، ولذلك نحن نجد في " ماكانات القرآن " التي ~~يقول فيها تعالى: " ما كنت " ، " ما كنت " ، و " ما كنت " ومثل قوله ~~الحق: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر وما كنت من الشاهدين # [القصص: 44]. أي ما كنت يا محمد حاضرا مع موسى في المكان الغربي من ~~الجبل حين عهد الله إليه بأمر الرسالة، ولم تكن معاصرا لموسى ولا ~~مشاهدا تبليغه للرسالة فكيف يكذبك قومك وأنت تتلو عليهم أنباء السابقين؟ ~~ومثال ذلك قوله الحق: # ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت ~~لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~وما كنت لديهم إذ يختصمون # [آل عمران: 44]. إن الذي رواه القرآن لك يا محمد من الأخبار الجليلة عمن ~~اصطفاهم الله هي من الغيب الذي أوحى الله به إليك. وما كنت حاضرا معهم ~~وهم يقترعون بالسهام ليعلم بالقرعة من يقوم بشئون مريم، وما كنت معهم وهم ~~يختصمون في نيل هذا الشرف النبيل. ومثال ذلك قوله الحق سبحانه: # وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة ~~من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من ~~قبلك لعلهم يتذكرون # [القصص: 46]. أي ما كنت أيها الرسول حاضرا في جانب الطور حين نادينا ~~موسى لما أتى الميقات وكلمه ربه وناجاه، ولكن الله أعلمك بهذا عن طريق ~~الوحي رحمة بك وبأمتك، ولتبلغه لقوم لم يأتهم رسول من قبلك لعلهم يتذكرون ~~ويؤمنون. ومثال ذلك قوله الحق: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشآء من عبادنا وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم # [الشورى: 52]. إن القرآن هو وحي منزل من عند الله، يعرف المؤمنين ~~النور إلى الهداية وتكاليف الحق، ويهدي من اختار الهدى، وإنك يا محمد ~~لتدعو بهذا القرآن إلى صراط مستقيم. إن كل " ما كنت " في القرآن الكريم ~~هي دليل على أن ما أخبرك به جبريل رسولا من عند الله إليك، وحاملا ~~للوحي من الله هو الحق ms0782 فتعلمه أنت يا محمد بطريقة خاصة وعلى نهج مخصوص، ~~رغم أنك لم تقرأ كتابا ولم تجلس إلى معلم. وما تخبرهم به من آيات هي ~~موافقة لما معهم، وكان من الواجب أن يقولوا إن الذي علمك هذا هو الله ~~سبحانه وتعالى، وكان يجب أن يقروا ويشهدوا بأنك من المرسلين. وبعد ذلك ~~يقول الحق سبحانه: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على ~~بعض... }. ### || [2.253] # إن الحق سبحانه وتعالى يشير إلى الرسل بقوله: { تلك الرسل } ~~[البقرة: 253] و " الرسل " هي جمع لمفرد هو " رسول ". والرسول هو المكلف ~~بالرسالة. والرسالة هي الجملة من الكلام التي تحمل معنى إلى هدف. وما دام ~~الرسل جماعة فلماذا لم يقل الحق " هؤلاء الرسل " وقال " تلك الرسل "؟ ذلك ~~ليدلك القرآن الكريم على أن الرسل مهما اختلفوا فهم مرسلون من قبل إله ~~واحد وبمنهج واحد. وكما عرفنا من قبل أن الإشارة ب " تلك " هي إشارة ~~لأمر بعيد. فعندما نشير إلى شيء قريب فإننا نقول: " ذا " ، وعندما ~~نستخدم صيغة الإشارة مع الخطاب نقول: " ذاك ". وعندما نشير إلى مؤنث ~~فنقول: " ت " وعندما نشير إلى خطاب مؤنث: " تيك ". و " اللام " كما ~~عرفنا هنا للبعد أو للمنزلة العالية. إذن فقوله الحق: { تلك الرسل ~~} [البقرة: 253] هو إشارة إلى الرسل الذين يعلمهم سيدنا محمد عليه ~~الصلاة والسلام، أو الرسل الذين تقدموا في السياق القرآني. والسياق ~~القرآني الذي تقدم تحدث عن موسى عليه السلام، وعن عيسى عليه السلام، ~~وتكلم السياق عن أولي العزم من الرسل. إن أردت الترتيب القرآني هنا، فهو ~~يشير إلى الذي تقدم في هذه السورة، وإن أردت ترتيب النزول تكون الإشارة ~~إلى من علمه الرسول من الرسل السابقين، والمناسبة هنا أن الحق قد ختم ~~الآية السابقة بقوله هناك: " وإنك لمن المرسلين " ، ولما كانت " وإنك لمن ~~المرسلين " تفيد بعضيته صلى الله عليه وسلم لكلية عامة، كأنه يقول: إياكم ~~أن تظنوا أنهم ما داموا قد اتفقوا في أنهم مرسلون أو أنهم رسل الله، أنهم ~~أيضا متساوون في المنزلة، لا، بل كل واحد منهم له منزلته العامة في ~~الفضلية والخاصة ms0783 في التفضيل. إنهم جميعا رسل من عند الله، ولكن الحق ~~يعطي كل واحد منهم منزلة خاصة في التفضيل. فلماذا كان قول الله: # وإنك لمن المرسلين # [البقرة: 252] يؤكد لنا أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين ~~الرسل فلا تأخذ هذا الأمر على أساس أن كل الرسل متساوون في المكانة، ~~وتقول إنهم متماثلون في الفضل. لا. إن الله قد فضل بعضهم على بعض. وما هو ~~التفضيل؟ إن التفضيل هو أن تأتي للغير وتعطيه ميزة، وعندما تعطي له مزية ~~عمن سواه قد يقول لك إنسان ما " هذه محاباة " ، لذلك نقول لمن يقول ذلك: ~~الزم الدقة، ولتعرف أن التفضيل هو إيثار الغير بمزية بدافع الحكمة، أما ~~المحاباة فهي إيثار الغير بمزية بدافع الهوى والشهوة، فمثلا إذا أردنا ~~أن نختار أحدا من الناس لمنصب كبير، فنحن نختار عددا من الشخصيات التي ~~يمكن أن تنطبق عليهم المواصفات ونقول: " هذا يصلح، وهذا يصلح، وهذا يصلح ~~" و " هذا فيه ميزات عن ذاك " وهكذا، فإن نظرنا إليهم وقيمناهم بدافع ~~الحكمة والكفاءة فهذا هو التفضيل، ولكن إن اخترنا واحدا لأنه قريب أو ~~صهر أو غير ذلك فهذا هو الهوى والمحاباة. # إن التفضيل هو أن تؤثر وتعطي مزية ولكن لحكمة، وأما المحاباة فهي أن ~~تؤثر وتعطي مزية، ولكن لهوى في نفسك. فمثلا هب أنك اشتريت قاربا ~~بخاريا وركبته أنت وابنك الصغير، ومعك سائق القارب البخاري، وأراد ابنك ~~الصغير أن يسوق القارب البخاري، وجلس مكان السائق وأخذ يسوق. ولكن جاءت ~~أمواج عالية واضطرب البحر فنهضت أنت مسرعا وأخذت الولد وأمرت السائق أن ~~يتولى القيادة، وهنا قد يصرخ الولد، فهل هذه محاباة منك للسائق؟ لا، فلو ~~كانت محاباة لكانت لابنك، لكنك أنت قد آثرت السائق لحكمة تعرفها وهي أنه ~~أعلم بالقيادة من الولد الصغير. إذن إذا نظرت إلى حيثية الإيثار وحيثية ~~التمييز لحكمة فهذا هو التفضيل، ولكن في المحاباة يكون الهوى هو الحاكم. ~~وكل أعمال الحق سبحانه وتعالى تصدر عن حكمة لأنه سبحانه ليس له هوى ولا ~~شهوة، فكلنا جميعا ms0784 بالنسبة إليه سواء. إذن هو سبحانه حين يعطي مزية أو ~~يعطي خيرا أو يعطي فضلية، يكون القصد فيها إلى حكمة ما. وحينما قال ~~الحق: # وإنك لمن المرسلين # [البقرة: 252] جاء بعدها بالقول الكريم: { تلك الرسل فضلنا ~~بعضهم على بعض } [البقرة: 253] وأعطانا نماذج التفضيل فقال: { ~~منهم من كلم الله } [البقرة: 253]. وساعة تسمع { منهم ~~من كلم الله } [البقرة: 253] يأتي في الذهن مباشرة موسى عليه ~~السلام، وإلا فالله جل وعلا قد كلم الملائكة. وبعد ذلك يقول الحق: { ~~ورفع بعضهم درجات } [البقرة: 253]. ثم قال: { وآتينا ~~عيسى ابن مريم البينات } [البقرة: 253] إنه سبحانه قد حدد ~~أولا موسى عليه السلام بالوصف الغالب فقال: { كلم الله } ~~[البقرة: 253] وكذلك حدد سيدنا عيسى عليه السلام بأنه قد وهبه الآيات ~~البينات. وبين موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام قال الحق { ورفع ~~بعضهم درجات } [البقرة: 253] والخطاب في الآيات لمحمد عليه ~~الصلاة والسلام. إذن ففيه كلام عن الغير لمخاطب هو محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وساعة يأتي التشخيص بالاسم أو بالوصف الغالب، فقد حدد المراد ~~بالقضية، ولكن ساعة أن يأتي بالوصف ويترك لفطنة السامع أن يرد الوصف إلى ~~صاحبه فكأنه من المفهوم أنه لا ينطبق قوله: " ورفعنا بعضهم درجات " بحق ~~إلا على محمد صلى الله عليه وسلم وحده. وجاء بها سبحانه في الوسط بين ~~موسى عليه السلام وعيسى عليه السلام، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ~~يأت في الوسط، وإنما جاء آخر الأنبياء، ولكنك تجد أن منهجه صلى الله عليه ~~وسلم هو الوسط. # فاليهودية قد أسرفت في المادية بلا روحانية، والنصرانية قد أسرفت في ~~الروحانية بلا مادية، والعالم يحتاج إلى وسطية بين المادية والروحية، ~~فجاء محمد صلى الله عليه وسلم، فكأن محمدا صلى الله عليه وسلم قطب ~~الميزان في قضية الوجود. وإذا أردنا أن نعرف مناطات التفضيل، فإننا نجد ~~رسولا يرسله الله إلى قريته مثل سيدنا لوط مثلا، وهناك رسول محدود ~~الرسالة أو عمر رسالته محدود، ولكن هناك رسول واحد قيل له: أنت مرسل ~~للإنس والجن، ولكل من يوجد من الإنس ms0785 والجن إلى أن تقوم الساعة إنه هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم. فإذا كان التفضيل هو مجال العمل فهو لسيدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا نظرنا إلى المعجزات التي أنزلها الله ~~لرسله ليثبتوا للناس صدق بلاغهم عن ربهم، نجد أن كل المعجزات قد جاءت ~~معجزاته كونية، أي معجزات مادية حسية الذي يراها يؤمن بها، فالذي رأى عصا ~~موسى وهي تضرب البحر فانفلق، هذه معجزة مادية آمن بها قوم موسى، والذي ~~رأى عيسى عليه السلام يبرئ الأكمه والأبرص فقد شهد المعجزة المادية وآمن ~~بها، ولكن هل لهذه المعجزات الآن وجود غير الخبر عنها؟ لا ليس لها وجود. ~~لكن محمد صلى الله عليه وسلم حينما يشاء الله أن يأتيه بالمعجزة لا يأتي ~~له بمعجزة من جنس المحسات التي تحدث مرة وتنتهي، إنه سبحانه قد بعث ~~محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة، فرسالته غير محدودة، ~~ولابد أن تكون معجزته صلى الله عليه وسلم غير محسة وإنما تكون معقولة لأن ~~العقل هو القدر المشترك عند الجميع، لذلك كانت معجزته القرآن. ويستطيع كل ~~واحد الآن أن يقول: محمد رسول الله وتلك معجزته. إن معجزة رسولنا صلى ~~الله عليه وسلم هي واقع محسوس. وفي مناط التطبيق للمنهج نجد أن الرسل ما ~~جاءوا ليشرعوا، إنما كانوا ينقلون الأحكام عن الله، وليس لهم أن يشرعوا، ~~أما الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فهو الرسول الوحيد الذي قال الله له: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. فهو صلى الله عليه وسلم قد اختصه الله بالتشريع أيضا، ~~أليست هذه مزية؟ إن المراد من المنهج السماوي هو وضع القوانين التي تحكم ~~حركة الحياة في الخلافة في الأرض، وتلك القوانين نوعان: نوع جاء من الله، ~~وفي هذا نجد أن كل الرسل فيه سواء، ولكن هناك نوع ثان من القوانين فوض ~~الله فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضع من التشريع ليلائم ما يرى، ~~وهذا تفضيل للرسول صلى الله عليه وسلم. # إذن حين يقول ms0786 الله تعالى: { ورفع بعضهم درجات } [البقرة: ~~253] فهذا لا ينطبق إلا على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا أكثر من ~~التصريح بالاسم. وأضرب هنا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت أعطيت لولدك ~~قلما عاديا، ولولدك الثاني قلما مرتفع القيمة، ولولدك الثالث ساعة، ~~أما الولد الرابع فاشتريت له هدية غالية جدا، ثم تأتي للأولاد وتقول ~~لهم: أنا اشتريت لفلان قلما جافا، ولفلان قلم حبر، واشتريت لفلان ساعة، ~~وبعضهم اشتريت له هدية ثمينة. ف " بعضهم " هذا قد عرف بأنه الابن ~~الرابع الذي لم تذكر اسمه، فيكون قد تعين وتحدد. { تلك الرسل ~~فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله } ~~[البقرة: 253] وحين تقول كلم الله إياك أن تغفل عن قضية كلية تحكم كل وصف ~~لله يوجد في البشر، فأنا أتكلم والله يتكلم، لكن أكلامه سبحانه مثل ~~كلامي؟ إن كنت تعتقد أن وجودي مثل وجوده فاجعل كلامي ككلامه، وإن كان ~~وجودي ليس كوجوده فكيف يكون كلامي ككلامه؟ ربما يقول أحد: إن الكلام صوت ~~وأحبال صوتية وغير ذلك، نقول له: لا، أنت لا تأخذ ما يخص الله سبحانه إلا ~~في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] ونحن نأخذ كل وصف يرد عن الله بواسطة الله، ولا نضع وصفا ~~من عندنا، وبعد ذلك لا نقارنه بوصف للبشر. فلله حياة ولك حياة. لكن أحياة ~~أي منا كحياته سبحانه؟ لا، إن حياته ذاتية، وحياة كل منا موهوبة مسلوبة، ~~فليست مثل حياته. وعندما يقول الحق: # الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من ~~دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون # [السجدة: 4]. فهل جلوس الحق كجلوس الخلق؟ أو هل يكون كرسي الخالق ككرسي ~~المخلوق؟ طبعا لا. ونحن المؤمنين نأخذ كل صفة عن الله في نطاق التنزيه: ~~سبحان الله وليس كمثله شيء، فليس استواء الله مثل استواء البشر، وليس ~~جلوس الحق مثل جلوس الإنسان. ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى من قبل ~~ومن بعد - هب أن صاحبا لك دعاك لتأكل عنده، ثم دعاك أحد ms0787 كبراء القوم ~~لتأكل عنده، لابد أنك تجد الطعام متفاوتا في جودته وأصنافه بين كل مائدة ~~من موائد من دعوك، فإذا كان البشر أنفسهم تتفاوت بينهم الأمور الوصفية ~~تبعا لمقاماتهم وقدراتهم وإمكاناتهم، فإذا ما ترقيت بالصفة إلى خالق كل ~~الأشياء أيقنت أنه سبحانه منزه عن كل من سواه، وليس كمثله شيء. إذن " ~~كلم الله " تعني أنه أعلم رسوله بأي وسيلة من وسائل الإعلام. { منهم ~~من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ~~ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس } ~~[البقرة: 253] والحق سبحانه وتعالى يؤكد دائما في الكلام عن سيدنا عيسى ~~- أن عيسى ابن مريم مؤيد بروح القدس - لأن المسائل التي تعرض لها سيدنا ~~عيسى تتطلب أن تكون روح القدس دائما معه، ولذلك يقول الحق سبحانه عنه: # والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم ~~أبعث حيا # [مريم: 33]. ففي الميلاد سيدنا عيسى تعرض لمشكلة لأنه ولد على غير طريقة ~~ميلاد الناس، واتهمت فيها أمه، وجاء القرآن فنزهها، وبرأها، ووضع الأمر ~~في نصابه الحق، وأيضا في موته عندما أرادوا أن يقتلوه. وحين ننظر إلى ~~الرسل نجد أن مقتضى أن يرسل الله رسلا إلى العالم هو أنه سبحانه قد خلق ~~الخلق غير مكرهين على فعل، ولا مسخرين كما تسخر بقية الأجناس في الكون، ~~ودونه مباشرة الحيوان الذي ينقص عنه العقل، وبعد الحيوان يأتي جنس النبات ~~الذي ينقص عنه الحس والحركة، وبعد ذلك الجماد الذي ينقص عن النبات، تلك ~~هي أجناس الوجود. والإنسان هو سيد هذه الأجناس. والسيادة جاءت له من ~~ناحية أن الأجناس كلها مسخرة لخدمته لا بالاختيار، ولكن بالقهر والقسر. ~~فالشمس لم تجيء مرة لتقول: لم يعد الخلق يعجبونني لذلك لن أشرق لهم ~~اليوم، ولا الهواء امتنع عن أن يهب، ولا المطر امتنع عن أن ينزل، ولا ~~الأرض امتنعت عن أن تعطي النبات عناصر غذائه، إن الإنسان يركب الدابة ~~ويسيرها كما يحب وكما يريد، لا شيء يتأبى أبدا على الإنسان. وأنت أيها ~~الإنسان الجنس الوحيد الذي وهبك الله الاختيار لتمارس مهمتك في الوجود، ~~فإن شئت ms0788 فعلت كذا، وإن شئت لم تفعل كذا. ولكن الله لم يدعك هكذا على ~~إطلاقك، بل إن فيه أمورا تصير برغم أنفك وأنت مسخر فيها، لا تستطيع ~~مثلا أن تتحكم في يوم ميلادك، ولا في يوم وفاتك، ولا فيما ينزل عليك ~~من الأحداث الخارجة عنك، ولا فيما يدور من الحركة في بدنك، كل ذلك أنت ~~مسخر فيه فلا تنفلت من قبضة ربك. ولكنك مختار في أشياء. ونعرف أنه سبحانه ~~وتعالى قهر أجناسا على أن تكون كما يريد، وكما يحب، وتلك صفة القدرة لأن ~~صفة القهر تفيد السيطرة. فإذا ما ترك جنسا يختار أن يؤمن، ويختار ألا ~~يؤمن، وإن آمن يختار أن يطيع ويختار أن يعصي، فهذه تثبت المحبوبية لله ~~سبحانه وتعالى لمن اختار وآثر طاعة الله على المعصية. ونحن نعرف أن القهر ~~يخضع القوالب لكنه لا يخضع القلب. فأنت تستطيع أن تهدد إنسانا بمسدس ~~وتقول له: " اسجد لي " فيسجد لك، لكنك لا تستطيع أن تقول له - وهو تحت ~~التهديد - " أحبني ". فالحق سبحانه وتعالى يترك لنا الإيمان بالاختيار، ~~ويترك لنا الطاعة والمعصية اختيارا، ليعلم من يأتيه حبا ومن يأتيه ~~قهرا. والعالم كله يأتي لله قهرا. وأنت أيها الإنسان في ذاتك أشياء أنت ~~مقهور فيها. # ومن هنا ثبتت لله تعالى القدرة. وبقى أن تثبت له الحب. والعبد الصالح هو ~~الذي يطيعه عن حب. ونحن قد سبق لنا أن ضربنا مثلا - ولله المثل الأعلى - ~~وقلنا إن إنسانا عنده خادمان واحد اسمه سعد والآخر اسمه سعيد، سعد قيده ~~صاحبه بحبل ويجره قائلا: " يا سعد " فهل لسعد ألا يجيء؟ لا. لكن ~~صاحب العبدين ترك لسعيد الحرية، وعندما يناديه فهو يأتيه. إذن، أيهما ~~يحبه، الذي جاء بالحبل أم الذي جاء بالمحبة؟ إذن، فمن كرامة الإنسان أن ~~يثبت لله صفة المحبة إن آمن بالله لأنه سبحانه وتعالى لو شاء أن يهدي ~~الناس جميعا ما استطاع أي واحد منهم أن يكفر به، ولو شاء أن يكون مطاعا ~~دائما ما استطاع واحد أن يعصيه أبدا. ولذلك قلنا: إن إبليس كان ms0789 عالما ~~حينما قال أمام الله تعالى: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82]. أقسم الشيطان لله بعزته سبحانه عن خلقه، وكأنه قال: أنت يا رب ~~لو كنت تحتاج عبادك فأنا لا أستطيع أن آخذهم، ولكن لأنك عزيز عليهم، إن ~~أرادوا أن يؤمنوا آمنوا، وإن أرادوا ألا يؤمنوا لم يؤمنوا فهذا هو المدخل ~~الذي سأدخل منه. ولذلك استثنى الشيطان بعضا من العباد لأنه لن يستطيع أن ~~يجد لوسوسته لديهم مدخلا: # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83]. أي إن الذي يريد الله أن يستخلصه لنفسه فلن يستطيع الشيطان أن ~~يقترب منه. إذن فإبليس ليس داخلا في معركة مع الله تعالى، ولكنه في ~~معركة معنا نحن. ولقد أوضح الحق ذلك حين جاء على لسان إبليس في القرآن: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص: 82-83]. إذن لو أراد الله أن نكون طائعين جميعا، أيستطيع واحد أن ~~يعصي؟ لا يستطيع. ولو أرادنا مؤمنين جميعا، أيستطيع واحد أن يكفر؟ لا ~~يستطيع. إنما شاء الله تعالى لبعض الأمور والأفعال أن يتركها لاختيارك ~~لأنه يريد أن يعرف من الذي يأتيه طوعا وليظل العبد بين الخوف والرجاء ~~ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم ~~الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد ". # ولهذا فإن مطلوب الارتفاع الإيماني، والارتفاع اليقيني أن تحب الله لذات ~~الله. وهو سبحانه يجري عليك من الأحداث ما يشاء، وتظل تحبه فيباهي الله ~~بك الملائكة فتقول الملائكة: يا رب يحبك لنعمتك عليه فيقول لهم: وأسلب ~~نعمتي ولا يزال يحبني، ويسلب الحق النعمة لكن العبد لا يزال يحب الله، ~~فهو يحب الله ولا يحب نعمته لأنه سبحانه ذات تحب لذاتها بصرف النظر عن ~~أنه يعطينا النعم. إذن الحق سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل يحملون منهج ~~الله لمن يريد أن يعلن حبه لله، وأن يكون خليفة في الأرض بحق، وأن ~~يصلح في الكون ولا يفسده. # ونعرف أن الإصلاح له مرتبتان: أن ms0790 تترك الصالح بطبيعته فلا تفسده، أو أن ~~تزيد الصالح صلاحا. فلا تأتي على عين الماء التي تتدفق للناس وتردمها، ~~ولكنك تتركها على صلاحها إن لم تستطع أن تزيدها إصلاحا. وقد تستطيع أن ~~تزيد عين الماء صلاحا فبدلا من أن يذهب الناس متعبين إلى العين ويحملون ~~منها الماء، قد تصنع لهم مضخة عالية لها خزان ترفع إليه الماء وتمد " ~~المواسير " وتوصل المياه إلى منازلهم. فأنت بذلك تزيد الأمر الصالح ~~صلاحا، وهذه خلافة وعمارة في الوجود. فإن لم تستطع أن تزيد الصالح ~~صلاحا فجنبنا شر إفسادك، ودع الحال كما هي عليه، واقعد كما أنت عالة في ~~الكون. ولو أن الإنسان كان منصفا في الكون لسأل نفسه: من الذي اهتدى ~~إلى صناعة الرغيف الذي نأكله الآن؟ وسيعرف أنه قد أخذ تجارب الناس من أول ~~آدم حتى وصل إلى صناعة هذا الرغيف، فهناك إنسان زرع القمح، وهناك إنسان ~~آخر هداه الله أن يطحن هذا القمح، وهو سبحانه هدى الإنسان أن يصنع منخلا ~~ليفصل الدقيق عن النخالة، ثم هداه أن يعجن الدقيق حتى يجد له طعما أفضل. ~~ولاشك أنه ترك مرة قطعة من العجين ثم شغل عنها بأي شاغل أو بأي سبب ثم ~~رجع لها مرة أخرى فوجدها متخمرة، فلما خبزها خرج له العيش أفضل طعما، ~~إنه سبحانه قدر فهدى، وإلا كيف تأتي هذه التجربة الطويلة؟ ومثال آخر: إن ~~الإنسان حين ينظف ثوبه، لو أنه استعرض أعمال من سبقوه في هذا الموضوع منذ ~~آدم، لعلم أن كل واحد سبقه في الوجود أعطاه مرحلة من النفعية إلى أن وصل ~~للغسالة الكهربائية التي تغسل له بدون تعب، كل هذه الأشياء جاءت له ~~بهدايات من الله. وقد قلت مرة: لماذا طبخت الناس " الكوسة " ولم تطبخ " ~~الخيار "؟ إن هذا دليل على أن هناك تجارب كثيرة مرت على الإنسان حتى يميز ~~طعم الكوسة المطبوخة عن الخيار، وكذلك طبخ الناس الملوخية ولم يطبخوا ~~النعناع، مع أن النعناع أحسن منها، حدث ذلك لأن هناك تجارب وصلتنا بأن ~~النعناع لا يستساغ طعمه مطبوخا. ms0791 وأنت لو نظرت إلى أي شيء تستفيد به ~~اليوم، وقدرت الأعمال التي تداولته من يوم أن وجد، ستجد أن الحق قد قدر ~~لكل إنسان عملا ومجالا، وظل يخدمك أنت. وما دمت قد خدمت بهؤلاء الناس ~~كلهم من أول آدم وحتى اليوم، فلا بد أن تنظر لترى ماذا ستقدم لمن يأتي من ~~بعدك، فلا تكن كسولا في الحياة تأخذ خير غيرك كله في الوجود، وبعد ذلك ~~لا تعطي أي شيء، بل لابد أن يكون لك عطاء، فكما أخذت من بيئتك لابد أن ~~تعطي هذه البيئة، ولو لم يوجد هذا لما ارتقت الحياة لأن معنى ارتقاء ~~الحياة أن إنسانا أخذ خبرة من سبقوه، وحاول أن يزيد عليها، أي أن يأخذ ~~أكبر ثمرة بأقل مجهود. # فلو قدر الناس جهد الإنسان الذي ابتكر " العجلة " مثلا التي تسير عليها ~~السيارة لكان عليهم أن يستغفروا الله له بمقدار ما أراحهم، فبعد أن كان ~~الإنسان يحمل على أكتافه قصارى ما يحمل، وفر عليه من اخترع هذا أن ~~يحمل ويتعب، وجعله يحمل أكبر كمية وينقلها بأقل مجهود. إذن لابد أن تنظر ~~إلى النعم التي تستفيد بها الآن وترى كم مرحلة مرت بها، وهل صنعها الناس ~~هكذا أم تعبوا وكدوا واجتهدوا منذ بدأ الوجود على الأرض، وعرف الإنسان ~~جيلا بعد جيل كيفية تطوير تلك الأشياء، وقد يحدث خطأ في مرحلة معينة ~~فيبدأ الإصلاح أو التحسن وهكذا. فأنت عندما تجد أن العالم قدم لك كل هذه ~~المنتجات، لابد أن تسأل نفسك: ما الذي ستقدمه أنت لهذا العالم، وبذلك تظل ~~الحلقة الإنسانية مرتقية ومتصلة. والحق سبحانه وتعالى يرسل الرسل ويضع ~~المنهج: " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " ، حتى تستقيم حياة الناس على ~~الأرض، لكن الناس غلبت عليهم الغفلة عن أمر المنهج ولذلك تظهر في الوجود ~~فسادات بقدر الغفلة، وعندما يزداد الفساد يبعث الحق سبحانه رسولا جديدا ~~يذكرهم بالمنهج مرة أخرى، وعندما يأتي الرسول يؤمن به بعض من الناس ~~ويحاربون معه، وينتصر الرسول وتستقر مبادئ الله في الأرض، ثم تمر فترة ~~وتأتي ms0792 الغفلة فيحدث الخلاف، فهناك أناس يتمسكون بمنهج الله، وأناس يفرطون ~~في هذا المنهج، ويحدث الخلاف وتقوم المعارك. ولو كان الحق سبحانه وتعالى ~~يريد الكون بلا معارك بين حق وباطل لجعل الحق مسيطرا سيطرة تسخير. لكن ~~الله تعالى أعطانا تمكينا، وأعطانا اختيارا لذلك نجد من ينشأ مؤمنا، ~~ومن ينشأ كافرا، نجد الطائع، ونجد العاصي، هذا فريق، وهذا فريق. وإياك ~~أن تفهم أن وجود الكافرين في الأرض، أو وجود العصاة في الكون دليل على ~~أنهم غير داخلين في حوزة الله، لا. بل إن الله تعالى هو الذي أعطاهم هذا ~~الاختيار، ولو شاء الله أن يجعل الناس أمة واحدة لما استطاع إنسان أن ~~يخرج على مراد الله. وفي الآية التي نحن بصددها جاء الحق بأولي العزم من ~~الرسل: سيدنا موسى عليه السلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيدنا ~~عيسى عليه السلام وبعد ذلك يقول سبحانه: { ولو شآء الله ما ~~اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم ~~البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر ولو شآء الله ما اقتتلوا ~~ولكن الله يفعل ما يريد } [البقرة: 253]. # إذن ما الذي جعل الناس تقتتل فيما بينها؟ إنه الاختلاف بين الناس، لقد ~~اختلفوا فاقتتلوا. لكن ألا يمكن أن يكونوا قد اختلفوا ولم يقتتلوا؟ إن ~~ذلك لو حدث لكان إجماعا على الفساد. والحق سبحانه لا يريد أن يحدث ~~الإجماع على الفساد، فإن لم يسيطر الخير على أمور البشر فلا أقل من أن ~~يظل عنصر الخير موجودا، ويأتي واحد ليجد عنصر الخير وينميه. إن الحق ~~سبحانه لا يمحو في أزمنة الباطل معالم الخير والأفعال الحسنة، بل يستبقي ~~- سبحانه - معالم الخير والأفعال الحسنة ليذهب إليها أي إنسان يريد ~~الخير، وقد يكون الخير ضعيفا، ولكن الله لا يمحوه لأنه يعطي به دفعة ~~جديدة لمؤمنين جدد يرفعون راية الحق، وإن بدأوا ضعفاء. ولذلك نجد الرسول ~~الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: # " لولا عباد لله ركع وصبية رضع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا ". # إن الرسول صلى الله عليه وسلم ms0793 ينبهنا ألا ننظر إلى الضعفاء على أنهم ~~عالة وأننا أقوياء لمجرد أنهم يعيشون في أكنافنا. بل قد يكونون سياج لطف ~~ورحمة كما في الحديث السابق. إن الله سبحانه وتعالى رفع عنا العذاب من ~~أجل وجود الضعفاء بيننا، لأن في الضعاف يوجد شيء من الخير، ولتظل في ~~الوجود خلية من الخير حتى إذا ما أراد الوجود أن يفيق إلى الرشد فإنه ~~سيجد من الخير ما يرشده. إذن لولا الاقتتال لعم الفساد، وانتهت المسألة. ~~لكن الناس اختلفت فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، { ولو شآء الله ~~ما اقتتلوا } [البقرة: 253] أي لظلوا على منهج واحد من الكفر أو من ~~الفساد، لكن الله يفعل ما يريد. وفي الاقتتال - كما نعرف - هناك تضحيات ~~بالنفس، وتضحيات من أجل أن تظل القيم السماوية على الأرض. وتقتضي التضحية ~~إما أن يجود الإنسان بنفسه وإما أن يجود بماله، ولذلك فمن المناسب هنا أن ~~نتكلم عن النفقة وهي الجود بالمال، وخاصة أنه في الزمن القديم كان ~~المقاتل هو الذي يجهز عدة قتاله: فرسه، رمحه، سيفه، سهامه، لذلك فهو ~~يحتاج إلى إنفاق، ويتكلم الحق عن هذه المسألة لأن الأمر بصدد استبقاء ~~خلية الإيمان المصورة في المنهج السماوي الذي جاء به الرسل ليظل هذا ~~المنهج في الأرض حتى يفيء إليه الناس إن صدمهم الشر أو صدمهم الباطل ~~فيقول: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما ~~رزقناكم... }. ### || [2.254] # ونحن نعرف أن كل نداء من الحق يبدأ بقوله تعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا } [البقرة: 254] إنما يدل على أن ما يأتي من بعد هذا القول هو ~~تكليف لمن آمن بالله، وليس تكليفا للناس على إطلاقهم لأن الله لا يكلف ~~من كفر به، إنما يكلف الله من آمن به، ومن اجتاز ذلك وأصبح في اليقين ~~الإيماني فهو أهل لمخاطبة الله له، فكأنه يجد في القول الرباني نداء يقول ~~له: يا من آمن بي إلها حكيما قادرا مشرعا لك، أنا أريد منك أن تفعل ~~هذا الأمر. إذن الإيمان بالله هو حيثية كل حكم، فأنت تفعل ذلك لماذا؟ لا ~~تقل: لأن ms0794 حكمته كذا وكذا. لا. ولكن قل: لأن الله الذي آمنت به أمرني بهذه ~~الأفعال، سواء فهمت الحكمة منها أو لم تفهمها، بل ربما كان إقبالك على ~~أمر أمرك الله به وأنت لا تفهم له حكمة أشد في الإيمان من تنفيذك لأمر ~~تعرف حكمته. ولو أن إنسانا قال له الطبيب: إن الخمر التي تشربها تفسد ~~كبدك وتعمل فيك كذا وكذا، وبعد ذلك امتنع عن الخمر، صحيح أن امتناعه عن ~~الخمر صادف طاعة لله، لكن هل هو امتنع لأن الله قال؟ لا، لم يمتنع لأن ~~الله قال، ولكنه امتنع لأن الطبيب قال، فإيمانه بالطبيب أكثر من إيمانه ~~برب الطبيب. أما المؤمن فيقول: أنا لا أشرب الخمر لأن الله قد حرمها، ~~ولماذا انتظر حتى يقول لي الطبيب: إن كبدك سيضيع بسبب الخمر، فالرحمة هي ~~ألا يجيء الداء. إن الحق يقول: { يأيها الذين آمنوا ~~أنفقوا مما رزقناكم } [البقرة: 254] أي أنا لا أطلب منكم أن ~~تنفقوا علي، ولكن أنفقوا من رزقي عليكم لأن الرزق يأتي من حركة الإنسان، ~~وحركة الإنسان تحتاج طاقة تتحرك في شيء أو مادة، وهذه الحركة تأتي على ~~ترتيب فكر، وهذا الفكر رتبه من خلقه، والجوارح التي تنفعل، واليد التي ~~تتحرك، والرجل التي تمشي خلقها الله، والمادة التي تفعل بها مخلوقة ~~لله. وسنأخذ الزارع نموذجا، نجد أن الأرض التي فيها العناصر مخلوقة لله، ~~إذن فالإنسان يعمل بالعقل الذي خلقه الله، ويخطط بالجوارح التي خلقها ~~الله لتأتي له بالطاقة التي يعمل بها في المادة التي خلقها الله لتعطي ~~للإنسان خيرها.. فأي شيء للإنسان إذن؟ ومع ذلك إن حصل للإنسان خير من هذا ~~كله فهو سبحانه لا يقول: " إنه لي " بل أمنحه لك أيها الإنسان، ولكن ~~أعطني حقي فيه، وحقي لن آخذه لي ولكن هو لأخيك المسكين، والحق يقول: # مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون # [الذاريات: 57]. وإياك أن تقول: وما دخلي أنا بالمسكين؟ عليك أن تعلم ~~أن المسكنة عرض، والعرض من الممكن أن يلحق بك أنت. # فلا تقدر أنك معط دائما، ms0795 ولكن قدر أنك ربما حدث لك ما يجعلك تأخذ ~~لا أن تعطي. الحق يقول لك: أعط المسكين وأنت غني لأنه سبحانه سيقول ~~للناس: أن يعطوك وأنت فقير، فقدر حكم الله ساعة يطلب منك، ليحميك ساعة ~~أن يطلب لك، وبذلك تتوازن المسألة. ومع أنه سبحانه هو الذي يرزق، فهو ~~يريد منكم أيها العباد أن تتعاونوا وأن يحب بعضكم بعضا، حتى تمحى ~~الضغائن من قلوبكم لأن الإنسان الضعيف - ضعفا طبيعيا وليس ضعيف التسول ~~أو الكسل أو الاحتراف، بل ضعف عدم القدرة على العمل - هو مسئولية ~~المؤمنين، فسبحانه وتعالى يجعل القوي مسئولا أن يساعدك وأنت ضعيف. وأنت ~~حين ترى - وأنت ضعيف لا تقدر - الأقوياء الذين قدروا لم ينسوك، وذكروك ~~بما عندهم، عندئذ تعلم أنك في بيئة متساندة تحب لك الخير، فإن رأيت نعمة ~~تنالك إن عجزت فأنت لا تحسدها أبدا، ولا تحقد على معطيها، بل تتمنى من ~~حلاوة وقعها في نفسك - لأنها جاءتك عن حاجة - تتمنى لو أن الله قدرك ~~لتردها، فيكون المجتمع مجتمعا متكافلا متضامنا. فحين يقول الله تعالى: ~~{ أنفقوا مما رزقناكم } [البقرة: 254] فأنتم لا تتبرعون ~~لذات الله بل تنفقون مما رزقكم، ومن فضل الله عليكم أنه احترم أثر عملكم ~~ونسبه لكم حتى وإن احتاج أخوك، فهو سبحانه يقول: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ~~ترجعون # [البقرة: 245]. إن الحق سبحانه قد اعتبر النفقة في سبيل الله هي قرض من ~~العبد للرب الخالق الوهاب لكل رزق. وحتى نفهم معنى النفقة أقول: قد قلنا ~~من قبل: إن الكلمة مأخوذة من مادة " النون والفاء والقاف " ، ويقال: نفقت ~~السوق أي انتهت بسرعة وتم تبادل البضائع فيها بالأثمان المقررة لها، ونحن ~~نعرف أن التجارة تعني مقايضة بين سلع وأثمان. والسلعة هي ما يستفاد بها ~~مباشرة. والثمن ما لا يستفاد به مباشرة. فعندما تكون جائعا أيغنيك أن ~~يكون عندك جبل من ذهب؟ إن هذا الجبل من الذهب أنت لا تستفيد منه مباشرة، ~~أما فائدتك من رغيف الخبز فهي استفادة ms0796 مباشرة، وكذلك كوب الماء الممتلئ، ~~تستفيد منه مباشرة، والملابس التي ترتديها أنت تستفيد منها مباشرة. إذن ~~فالذي يستفاد منه مباشرة اسمه سلعة، والذي لا يستفاد منه مباشرة نسميه ~~ثمنا. ولذلك يقول لنا الحق إنذارا وتحذيرا من الاعتزاز بالمال: { ~~يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة والكافرون هم الظالمون } [البقرة: 254]. إن الحق ~~سبحانه ينبهنا أن ننفق من رزقه لنا من قبل أن يأتي اليوم الآخر الذي لا ~~بيع فيه أي لا مجال فيه لاستبدال أثمان بسلع أو العكس، وأيضا لا يكون في ~~هذا اليوم " خلة " ، ومعنى " خلة هي الود الخالص، وهي العلاقة التي تقوم ~~بين اثنين فيصير كل منهما موصلا بالآخر بالمحبة لأن كلا منكما منفصل ~~عن الآخر، وإن ربطت بينكم العاطفة وفي الآخرة سيكون كل إنسان مشغولا ~~بأمر نفسه. # إن اليوم الآخر ليس فيه بيع ولا شراء ولا فيه خلة ولا شفاعة، وهذه هي ~~المنافذ التي يمكن للإنسان أن يستند عليها. فأنت لا تملك ثمنا تشتري به، ~~ولا يملك غيرك سلعة في الآخرة، إذن فهذا الباب قد سد. وكذلك لا يوجد خلة ~~أو شفاعة، والشفاعة هذه مأذون فيها. إن كانت ممن أذن له الله أن يشفع فهي ~~في يد الله، ومعنى " شفيع " مأخوذة من الشفع والوتر. الوتر واحد والشفع ~~اثنان، فكأن الشفيع يضم صوته لصوتي لنقضي هذه الحاجة عند فلان. فيتشفع ~~الإنسان بإنسان له جاه عند المشفوع عنده حتى ينفذ له ما يطلب. ولكن هذه ~~الوسائل في الآخرة غير موجودة. فلا بيع ولا خلة ولا شفاعة فأنتم إذا ~~أنفقتم اتقيتم ذلك اليوم، فانتهزوا الفرصة من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة. وهذه هي أبواب النجاة المظنونة عند البشر التي تغلق ~~في هذا اليوم العظيم. وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول: أنا لم أفوت فرصة ~~على خلقي خلقي هم الذين ظلموا أنفسهم ووقفوا أنفسهم هذا الموقف، فأنا لم ~~أظلمهم. لذلك يذيل الحق الآية بقوله: { والكافرون هم ms0797 ~~الظالمون } [البقرة: 254]. وبعد أن تكلم الله سبحانه وتعالى عن ~~الرسل، وعن الاختلاف، وعن القتال لتثبيت منهج الحق، وعن الإنفاق، يوضح ~~لنا التصور الإيماني الصحيح الذي في ضوئه جاءت كل هذه المسائل. فقد جاء ~~موكب الرسالات كلها من أجل هذا المنهج فقال سبحانه: { الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم... }. ### || [2.255] # ونقف بالتأمل الآن عند قوله الحق: { الله لا إله إلا هو } ~~[البقرة: 255]. إن كلمة " الله " هي علم على واجب الوجود. وعندما ~~نقول: " الله " فإن الذهن ينصرف إلى الذات الواجبة الوجود. ما معنى " ~~واجبة الوجود "؟ إن الوجود قسمان: قسم واجب، وقسم ممكن. والقسم الواجب هو ~~الضروري الذي يجب أن يكون موجودا، والحق سبحانه وتعالى حين أعلمنا باسمه ~~" الله " أعطانا فكرة على أن كلمة " الله " هذه يتحدى بها - سبحانه - أن ~~يسمى بها سواه. ولو كنا جميعا مؤمنين لكان احترامنا لهذا التحدي نابعا ~~من الإيمان. ولكن هناك كافرون بالله ومتمردون وملحدون يقولون: " الله ~~خرافة " ، ومع ذلك هل يجرؤ واحد من هؤلاء أن يسمي نفسه " الله "؟ لم يفعل ~~أحد هذا لأن الله تحدى بذلك، فلم يجرؤ واحد أن يدخل في هذه التجربة. وعدم ~~جرأة الكفار والملاحدة في أن يدخلوا في هذه التجربة دليل على أن كفرهم ~~غير وطيد في نفوسهم، فلو كان كفرهم صحيحا لقالوا: سنسمي ونرى ما يحدث، ~~ولكن هذا لم يحدث. إذن " الله " علم واجب الوجود المتصف بكل صفات الكمال. ~~وبعد ذلك جاء بالقضية الأساسية وهي قوله تعالى: { لا إله إلا ~~هو } [البقرة: 255] وهنا نجد النفي ونجد الإثبات، النفي في " لا إله " ~~، والإثبات في " إلا هو ". والنفي تخلية والإثبات تحلية. خلى سبحانه نفسه ~~من وجود الشريك له ثم أثبت لنا وحدانيته. و " لا إله إلا هو " أي لا ~~معبود بحق إلا الله. ونعرف أن بعضا من البشر في فترات الغفلة قد عبدوا ~~أصناما وعبدوا الكواكب. ولكن هل كانت آلهة بحق أم بباطل؟ لقد كانت آلهة ~~بباطل. ودليل صدق هذه القضية التي هي " لا إله إلا الله " ، أي لا معبود ~~إلا الله أن ms0798 أحدا من تلك الآلهة لم يعترض على صدق هذه القضية. إذن فهذا ~~الكلام هو حق وصدق. وإن ادعى أحد غير ذلك، نقول له: إن الله قد أخبرنا ~~أنه لا معبود بحق غيره لأنه هو الذي خلق وهو الذي رزق، وقال: أنا الذي ~~خلقت. إن كان هذا الكلام صحيحا فهو صادق فيه، فلا نعبد إلا هو. وإن كان ~~هذا الكلام غير صحيح، وأن أحدا غيره هو الذي خلق هذا الكون فأين هذا ~~الأحد الذي خلق، ثم ترك من لم يخلق ليأخذ الكون منه ويقول: " أنا الذي ~~خلق الكون "؟ إنه أمر من اثنين، الأمر الأول: هو أنه ليس هناك إله غيره. # فالقضية - إذن - منتهية. والأمر الآخر: هو أنه لو كان هناك آلهة أخرى، ~~وبعد ذلك جاء واحد وقال: " أنا الإله وليس هناك إله إلا أنا ". فأين هذه ~~الآلهة الأخرى؟ ألم تعلم بهذه الحكاية؟ إن كانوا لم يعلموا بها، فهم لا ~~يصلحون أن يكونوا آلهة، وإن كانوا قد علموا فلماذا لم يقولوا: لا. نحن ~~الآلهة، وهذا الكلام كذب؟ وكما بعث الله رسلا بمعجزات كان عليهم أن ~~يبعثوا رسولا بمعجزات. فصاحب الدعوة إذا ادعاها ولم يوجد معارض له، ~~تثبت الدعوى إلى أن يوجد منازع. إذن كلمة " لا إله إلا الله " معها ~~دليل الصدق لأنه إما أن يكون هذا الكلام حقا وصدقا فتنتهي المسألة، وإن ~~لم يكن حقا فأين الإله الذي خلق والذي يجب أن يعبد بعد أن سمع من جاء ~~ليأخذ منه هذه القضية؟ وبعد ذلك لا نسمع له حسا ولا حركة، ولا يتكلم، ~~ولا نعلم عنه شيئا، فما هو شأنه؟ إما أنه لم يعلم فلا يصلح أن يكون ~~إلها لأنه لو كان قد علم ولم يرد فليست له قوة. ولذلك ربنا سبحانه يأتي ~~بهذه القضية من ناحية أخرى فيقول: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا * سبحانه وتعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا # [الإسراء: 42-43]. فلو كان عند تلك الآلهة المزعومة مظاهر قوة لذهبوا ~~إلى الله سبحانه وتعالى ms0799 وأنكروا ألوهيته، ولو كان هناك إله غير الله ~~لحدثت معركة بين الآلهة، ولكن هذا لم يحدث. فالكلمة " لا إله إلا الله " ~~صدق في ذاتها حتى عند من ينكرها، والدليل فيها هو عدم وجود المنازع لهذه ~~الدعوى لأنه إن لم يوجد منازع فقد ثبت أنه سبحانه لا إله إلا الله. وإن ~~وجد المنازع نقول: أين هو؟ وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - هب ~~أننا في اجتماع، وبعد ذلك وجدنا حافظة نقود، فعرضناها على الموجودين، فلم ~~نجد لها صاحبا، ثم جاء واحد كان معنا وخرج، وقال: يا قوم بينما كنت أجلس ~~معكم ضاعت حافظة نقودي. ولما لم يدعها واحد منا لنفسه فهي إذن حافظته هو. ~~إذن " لا إله إلا الله " هي قضية تمتلئ بالصدق والحق، والله هو المعبود ~~الذي يتوجه إليه بالعبادة، والعبادة هي الطاعة. فمعنى عابد أي طائع، ~~وكل طاعة تقتضي أمرا وتقتضي نهيا، وما دامت العبادة تقتضي أمرا وتقتضي ~~نهيا، فلا بد أن يكون المأمور والمنهي صالحا أن يفعل وصالحا ألا ~~يفعل. فعندما نقول له: افعل كذا كمنهج إيمان، فهو صالح لئلا يفعل. وعندما ~~نقول له: لا تفعل فهو صالح لأن يفعل، وإلا لو لم يكن صالحا ألا يفعل ~~أيقول له " افعل "؟ لا، لا يقول له ذلك. # ولو كان صالحا ألا يفعل أيقول له " لا تفعل "؟ إن ذلك غير ممكن. إذن ~~لابد أن يكون صالحا لهذه وتلك وإلا لكان الأمر والنهي عبثا ولا طائل من ~~ورائهما. لذلك عندما أرادوا أن يقصروا الإسلام في العبادات الطقسية التي ~~هي شهادة لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والصلاة، والصوم، ~~والزكاة، والحج، قالوا: هل هذا هو كل الإسلام، وقالوا: إنه دين يعتمد على ~~المظاهر فقط، قلنا لهم: لا، إن الإسلام هو كل حركة في الحياة تناسب خلافة ~~الإنسان في الأرض لأن الله يقول في كتابه الكريم: # هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. # [هود: 61]. " واستعمركم فيها " أي طلب منكم أن تعمروها، فكل حركة في ~~الحياة تؤدي إلى عمار الأرض فهي من العبادة، فلا ms0800 تأخذ العبادة على أنها ~~صوم وصلاة فقط لأن الصوم والصلاة وغيرهما هي الأركان التي ستقوم عليها ~~حركة الحياة التي سيبنى عليها الإسلام، فلو جعلت الإسلام هو هذه ~~الأركان فقط لجعلت الإسلام أساسا بدون مبنى، فهذه هي الأركان التي يبنى ~~عليها الإسلام، فإذن الإسلام هو كل ما يناسب خلافة الإنسان في الأرض ~~يبين ذلك ويؤكده قول الله تعالى: # هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها # [هود: 61]. ويخرج إلينا أناس يقولون: نحن ليس لنا إلا أن نعبد ولا نعمل. ~~ونقول لأي منهم: كم تأخذ الصلاة منك في اليوم؟ ساعة مثلا. والزكاة كم ~~تأخذ منك في العالم يوما واحدا في العام؟ والصوم كم يأخذ منك من وقت؟ ~~نهار أيام شهر واحد. وفريضة الحج أتأخذ منك أكثر من رحلة واحدة في عمرك؟ ~~فبالله عليك ماذا تفعل في الباقي من عمرك من بعد ذلك وهو كثير؟ إنك لا ~~تأخذ أكثر من ساعة في اليوم للصلاة، ولا تأخذ أكثر من يوم في السنة ~~لإخراج الزكاة، وتقضي شهرا في السنة تصوم نهاره. وتحج مرة واحدة في ~~عمرك، فماذا تفعل في بقية الزمان، ستأكل وتلبس، ستطلب رغيف الخبز للطعام ~~فمن الذي سيصنعه لك؟ إن هذا الرغيف يمر بمراحل حتى يصير لقمة تأكلها. ~~ويحتاج إلى أكثر من علم وأكثر من حركة وأكثر من طاقة. إن المحل الذي ~~يبيعه فقط ولا يخبزه يحتاج إلى واجهة من زجاج أو غيره، ولابد أن يعمل فيه ~~من يذهب بعربته إلى المخبز ليحمل الخبز، وينقله إلى المحل ويبيعه، وإذا ~~نظرت إلى الفرن فسوف تجد مراحل عدة من تسليم وتسلم للدقيق، ثم إلى ~~العجين، وإلى النار التي توقد بالمازوت، ويقوم بذلك عمال يحتاجون لمن ~~يخطط لهم، وقبل ذلك كان الدقيق مجرد حبوب، وتم طحنها لتصير دقيقا، وهناك ~~مهندسون يديرون الماكينات التي تطحن، ويعملون على صيانتها، وبعد ذلك ~~الأرض التي نبت فيها القمح وكيف تم حرثها، وتهيئتها للزراعة، وريها، ~~وتسميدها، وزرعها، وحصدها، وكيف درس القشر والسنابل، وكيف تتم تذريته ~~من بعد ذلك، لفصل الحبوب عن التبن، وتعبئة ms0801 الحبوب، إلى غير ذلك؟ انظر كم ~~من الجهد أخذ رغيف الخبز الذي تأكله، وكم من الطاقات وكم رجال للعمل، ~~فكيف تستسيغ لنفسك أن يصنعوه لك، وأنت فقط جالس لتصلي وتصوم؟ لا، إياك أن ~~تأخذ عمل غيرك دون جهد منك. # مثال آخر، أنت تلبس جلبابا، كم أخذ هذا الجلباب من غزل ونسج وخيط؟ إذن ~~فلا تقعد، وتنتفع بحركة المتحرك في الحياة، وتقول: أنا مخلوق للعبادة ~~فقط، فليست هذه هي العبادة، ولكن العبادة هي أن تطيع الله في كل ما أمر، ~~وأن تنتهي عن كل ما نهى في إطار قوله تعالى: # هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. # [هود: 61] إن كل عمل يعتبر عبادة، وإلا ستكون " تنبلا " في الوجود. ~~والإيمان الحق يقتضي منك أن تنتفع بعملك ولا تعتمد على عمل غيرك. إن الحق ~~سبحانه وتعالى قد استخلفنا في الأرض من أجل أن نعمرها. ومن حسن العبادة ~~أن نتقن كل عمل وبذلك لا نقيم أركان الإسلام فقط، ولكن نقيم الأركان ~~والبنيان معا. ونكون قد أدينا مسئولية الإيمان، وطابق كل فعل من أفعالنا ~~قولنا: " لا إله إلا الله ". ولقد عرفنا أن كلمة " الله " هي علم على ~~واجب الوجود، وهي الاسم الذي اختاره الله لنفسه وأعلمنا به، ولله أسماء ~~كثيرة كما روى في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأل الله ~~بكم اسم هو له أنزله في كتابه أو علمه أحدا من خلقه - أي خصه به - أو ~~استأثر به في علم الغيب عنده، فلا تظنن أن أسماء الله هي كلها هذه ~~الأسماء التي نعرفها، ولكن هذه الأسماء هي التي أذن الله سبحانه وتعالى ~~بأن نعلمها. ومن الجائز، أو من لفظ الحديث نعلم أن الله قد يعلم بعضا ~~من خلقه أسماء له، ويستأثر لنفسه بأسماء سنعرفها يوم القيامة حين نلقاه، ~~وحين نتكلم عن الأسماء الأخرى نجد أنها ملحوظ فيها الصفة، ولكنها صارت ~~أسماء لأنها الصفة الغالبة، فإذا قيل: " قادر " نجد أننا نستخدم هذه ~~الكلمة لوصف واحد من البشر، ولكن " القادر " إذا أطلق انصرف إلى ms0802 القادر ~~الأعلى وهو الله. وكذلك " السميع " ، و " البصير ". و " العليم ". إننا ~~نجد أن بعضا من أسماء الله سبحانه وتعالى له مقابل، ومن أسماء الله ~~الحسنى ما لا تجد له مقابلا. فإذا قيل " المحيي " تجد " المميت " و " ~~المعز " تجد " المذل " ، لأنها صفة يظهر أثرها في الغير، فهو مميت لغيره، ~~ومعز لغيره، ومذل لغيره، لكن الصفة إن لم يوجد لها مقابل نسميها صفة ~~ذات، فهو " حي " ولا نأتي بالمقابل إنما " محيي " نأتي بالمقابل وهو " ~~المميت " ، فهذه اسمها صفة فعل. # فصفات الفعل يتصف بها وبمقابلها لأنها في الغير. لكن صفة الذات لا يتصف ~~إلا بها. وحينما قال الحق: " الله " فهو سبحانه يريد أن يعطينا بعض ~~تجليات الله في أسمائه، فقال: " الله لا إله إلا هو " ليحقق لنا صفة ~~التوحيد، ويجب أن نعلم أن " إلا " هنا ليست أداة استثناء، لأنها لو كانت ~~أداة استثناء فكأنك تنفي أن توجد آلهة ويكون الله من ضمن هذه الآلهة التي ~~نفيتها وذلك غير صحيح وإنما المراد أنه لا آلهة أبدا غير الله فهو واحد ~~لا شريك له، وأنه لا معبود بحق إلا هو فكلمة " إلا " ليست للاستثناء ~~وإنما هي بمعنى غير، أي لا إله غير الله. وقد عرفنا أن هذه القضية معها ~~دليلها، وإلا فلو كان هناك إله آخر لقال لنا: إنه موجود. لكن لا إله إلا ~~هو سبحانه أبلغنا " الله لا إله إلا هو ". وأعجبني ما قاله الدكتور عبد ~~الوهاب عزام - رحمة الله عليه - وكان متأثرا بالشاعر الباكستاني " إقبال ~~" ، كان للشاعر إقبال شيء اسمه " المثاني " ، أي أن يقول بيتين من الشعر ~~في معنى، وبيتين من الشعر في معنى، وكان يغلب على شعر إقبال الفلسفة ~~الإسلامية والفكر الإسلامي، وقد تأثر الدكتور عبد الوهاب عزام بشعر إقبال ~~فجعل له مثاني أيضا يناظر فيها " إقبال " ، فيقول: # إنما التوحيد إيجاب وسلب # وفيهما للنفس عزم ومضاء # وقوله: " إنما التوحيد إيجاب وسلب " هو قول متأثر بالقضية الكهربية. ~~فيقول: إنما التوحيد إيجاب وسلب فيهما للنفس عزم ومضاء. فأنت عندما تقول ~~" لا إله " ، ف " لا ms0803 " للنفي، وعندما تكمل قولك: " إلا الله " ف " إلا ~~" للإثبات، ويكمل الدكتور عزام قوله: لا وإلا قوة قاهرة. فهما في القلب ~~قطبا الكهرباء كأن الكهرباء تأتي بأنك تسلب وتوجب. فالإيجاب في " إلا " ~~والسلب في " لا ". وما دام فيه إيجاب وسلب، إذن ففيه شرارة كهرباء. { ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [البقرة: 255]، ~~و " الحي " هو أول صفة يجب أن تكون لذلك الإله، لأن القدرة بعد الحياة، ~~والعلم بعد الحياة. فكل صفة لابد أن تأتي بعدها في الذكر وإلا فليست صفة ~~من صفات الله أسبق من صفة ولا متقدمة عليها فكلها قديمة لا أول لها، فلو ~~كان عدما فكيف تأتي الصفات على العدم؟. # وكلمة " حي " عندما نسمعها نقول: ما هو الحي؟. إن الفلاسفة قد احتاروا ~~في تفسيرها. فمنهم من قال: الحي هو الذي يكون على صفة تجعله مدركا ~~إن وجد ما يدرك. كأن الفيلسوف الذي قال ذلك: يعني بالحياة حياتنا ~~نحن، وما دوننا كأنه ليس في إدراك. ونقول لصاحب هذا الرأي: لا، إن أردت ~~الحياة بالمعنى الواسع الدقيق فلابد أن تقول: الحياة هي أن يكون الشيء ~~على الصفة التي تبقى صلاحيته لمهمته، هذا هو ما يجب أن يكون عليه ~~التعريف، ف " الحي ": هو الذي يكون على صفة تبقي له صلاحيته لمهمته، ~~مثال ذلك النبات، ما دمت تجده ينمو، إذن ففيه حياة تبقى له صلاحية ~~مهمته. فلو قطع لانتهت الصلاحية. ومثل الإنسان عندما يموت تنتهي ~~صلاحيته لمهمته، والعناصر الجامدة عندما تأتي مع بعضها تتفاعل، هذا ~~التفاعل فرع وجود الحياة، لكنها حياة مناسبة لها وليست مثل حياتنا. أنت ~~مثلا ترى " الزلط " الناعم الأملس، تجده على مقدار واحد؟ لا، إن أشكاله ~~مختلفة، وهذا دليل على أن هناك مراحل للحجر الواحد منها، ولو استمرت تلك ~~الأحجار في بيئتها الطبيعية فلا شك أن هذه الكبيرة تتفتت يوما وتصير ~~صغيرة ثم تكبر مرة أخرى، لكن الإنسان حين يستخدم هذه الحجارة ليضعها على ~~سبيل المثال بين القضبان التي تسير عليها القطارات فهذه الأحجار تكون قد ~~خرجت من بيئتها. ومن ms0804 حكمة الله أنه لا يوجد شيء تنتهي جدواه أبدا، بل هو ~~سبحانه يهيئ لكل شيء مهمة أخرى. إذن فكل كائن يكون على صفة تبقي له ~~صلاحيته لمهمة، وتكون له حياة مناسبة لتلك المهمة. نحن لا نأتي بهذا ~~الكلام من عندنا، ولكننا نأتي بهذا الكلام لأننا نقرأ القرآن بإمعان ~~وتدبر، ونقول: ماذا يقابل الحياة في القرآن؟ إنه الهلاك بدليل أن الله ~~قال: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة.. # [الأنفال: 42]. إذن فالحياة مقابلة للهلاك. و " الحي " غير هالك. ~~والهالك لا يكون حيا، ويقول تعالى في الآخرة: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88]. ومعنى ذلك أن كل الأجناس من أعلاها إلى أدناها، سواء ~~الإنسان، أو الملائكة، أو الحيوان أو النبات، كلها ستكون هالكة، وما دام ~~كل شيء سيهلك يوم القيامة فكأنه لم يكن هالكا قبل ذلك، وله حياة مناسبة ~~له. أليست الحجارة شيئا، وستدخل في الهلاك يوم القيامة؟. إذن فهي قبل ~~ذلك غير هالكة. لكننا نحن البشر لا نفطن إلى ذلك ونفهم الحياة فقط على ~~أنها الحس والحركة الظاهرة. مع أن العلماء قد أثبتوا أنه حتى الذرة فيها ~~دوران، ولها حياة. وأنت عندما تنظر بالمجهر على ورقة من النبات، وترى ما ~~بها من خضر وخلايا، وتشاهد العمليات التي تحدث بها، وتقول: هذه حياة أرقى ~~من حياتنا، وأدق منها. # إذن فكل شيء له حياة، وإياك أن تظن أنك أنت الذي تهلكها، فعندما تأتي ~~بحجر وتدقه أو تضعه في الفرن لتصنع الجير إياك أن تقول: إنك أذهبت من ~~الأحجار الحياة المناسبة لها، أنت فقط قد حولت مهمتها من حجر صلب، وصارت ~~لها مهمة أخرى، فالمسائل تتسلسل إلى أن يصير لكل شيء في الوجود حياة ~~تناسب المهمة التي يصلح لها. وانظر إلى مهمة الحق، ما شكلها؟ إنها الحياة ~~العليا، وهو الحي الأعلى وحي لا تسلب منه الحياة، لأن أحدا لم يعطه ~~الحياة، بل حياته سبحانه ذاتية، فهذا هو الحي على إطلاقه. إذن فالحي على ~~إطلاقه هو الله والحق سبحانه وتعالى قال: { الله ms0805 لا إله إلا ~~هو الحي } [البقرة: 255] وأثر صفة هذه موجود في كل الصفات الأخرى ~~فقال: " القيوم ". والقيوم هو صفة مبالغة في قائم. ومثلها قولنا: " الله ~~غفور " لكن ألا يوجد غافر؟ يوجد غافر، لكن " غفور " هي صفة مبالغة. وقد ~~يقول قائل: هل صفات الله فيها صفة قوية وأخرى ضعيفة؟. نقول: لا، فصفات ~~الله لا يصح أن توصف بالضعف أو بالقوة، صفات الله نظام واحد. وحتى نفهم ~~ذلك لنضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نحن نقول: كلنا نأكل كي ~~نستبقي حياتنا، فكل واحد منا " آكل " ، لكن عندما نقول: فلان أكول، فمعنى ~~ذلك أنه أخذ صفة الأكل التي كلنا شركة فيها وزاد فيها فنقول عليه: " ~~أكال " أو " أكول ". من أي ناحية تأتي هذه الزيادة؟ قد تأتي الزيادة من ~~أنك تأكل في العادة رغيفا وهو يأكل رغيفين أو ثلاثة، إذن فالحدث له في ~~الأكل أثر كبير، فنقول عليه: أكول. وقد يأكل معك رغيفا في الوجبة ~~الواحدة، لكنه يأكل خمس وجبات بدلا من ثلاث وجبات فيكون أيضا أكولا، ~~إذن ف " أكول " إما مبالغة في الحدث نفسه وإما بتكرار الحدث. ونحن ننظر ~~إلى صفات الله ونقول: إنها لا تحتمل القوة والضعف في ذات الحدث، إنما في ~~تكرارها بالنسبة للمخلوقين جميعا، فالله غافر لهذا، وغافر لذاك، وغافر ~~لكل عاص يتوب، إذن فالحدث يتكرر، فيكون " غفورا " و " غفارا ". وهذا ~~ما يحل لنا الإشكال في كثير من الأمور، فعندما يقول سبحانه: # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46]. فنحن هنا نجد قضية لغوية تقول: إنك إذا جئت بصيغة المبالغة، ~~وأثبتها، تكون الصيغة الأخرى الأقل منها ثابتة بالضرورة، مثال ذلك عندما ~~نقول: فلان " علام " أو " عالم " ، فما دمت أثبت له الصفة القوية تكون ~~الصفة الضعيفة موجودة، لكن إذا نفيت الصفة المبالغ فيها قد تكون الصفة ~~الأخرى موجودة، فهو ليس " علامة " لكنه قد يكون " علاما " أو عالما " ، ~~فإذا قلت: فلان " علامة " فقد أثبت له الأدنى أيضا، فيكون " علاما " ~~أو " عالما ". # لكن إذا نفيت عنه " علامة " انتفى عنه الباقي؟ لا، إذن فنفي الأكثر لا ms0806 ~~ينفي الأقل. لكن إذا أثبت الأكثر ثبت الأقل، وإذا نفيت الأكثر فلن ينتفي ~~الأقل، فإذا قلت: الله ليس بظلام للعبيد، نفيت الأكثر. صحيح أنه غير ~~مبالغ في الظلم، فهل يمكن أن يكون ظالما؟ على حسب ما قلنا: إذا نفينا ~~الأكثر لا ينتفي الأقل نقول: لا، لأننا هنا يجب أن نأخذ القضية الأولى في ~~أن المبالغة في الحدث والمبالغة في الفعل تأتي مرة في ذات الحدث، ومرة في ~~تكرار الحدث فيكون - معاذ الله - ظلاما، ولذلك لم يقل: بظلام للعبد، ~~بل قال: بظلام للعبيد. إذن فهذا العبد يحتاج ظالما، والعبد الآخر يحتاج ~~ظالما، وذاك يحتاج ظالما! فعندما يظلم كل هؤلاء يكون ظلاما، ولذلك ~~نفاها سبحانه وقال: # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46]. والحق هنا يقول: " قيوم " وهذه صفة مبالغة من قائم، فالأصل ~~فيها: القائم على أمر بيته، والقائم على أمر رعيته، والقائم على أمر ~~المدرسة، والقائم على أمر هذه الإدارة، ومعنى قائم على أمرها: أنه متولي ~~شئونها، فكأن القيام هو مظهر الإشراف. فنحن لا نقول: " قاعد على إدارتها ~~". وعندما نقول " قيوم " فمعناها أنه أوسع في القيام. كيف جاء هذا ~~الاتساع؟. لأن القائم قد يكون قائما بغيره، لكن حين يكون قائما بذاته، ~~وغيره يستمد قيامه منه، فهو قائم على كل نفس وهو سبحانه القائل: # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت وجعلوا ~~لله شركآء قل سموهم أم تنبئونه بما لا ~~يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين ~~للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن ~~يضلل الله فما له من هاد # [الرعد: 33]. إن المشركين قد بلغو السفه في جحودهم فجعلوا لله شركاء في ~~العبادة، فهل يستطيع أحد أن يبلغ تلك المرتبة العالية، مرتبة خلق العالم ~~والقيام على كل أمر فيه، صغر أو كبر؟. إنه الحافظ المراقب لكل نفس، ~~العالم بكل ما خفي وظهر، وهذه الأوثان لا تضر ولا تنفع، فكيف تتوهمون يا ~~من أشركتم بالله له ندا، إن الحق منزه عن ذلك بقيامه على كل نفس وكل ~~الخلق. لكن أهل الضلال أغواهم ms0807 ضلالهم فلم يعد لهم هاد بعد الله. إن الحق ~~سبحانه قائم بذاته، وقائم على غيره. والغير إن كان قائما إنما يستمد منه ~~القيام. فلابد أن يكون " قيوما " ، ومن قيومته أنه { لا تأخذه ~~سنة ولا نوم } [البقرة: 255]، وقيل في كتب العلم: إن قوم بني ~~إسرائيل سألوا موسى عليه السلام: أينام ربنا؟. # فأوحى الله إليه: أن آت بزجاجتين وضعهما في يد إنسان، ودعه إلى أن ينام، ~~ثم انظر الجواب. فلما وضع في يده الزجاجتين ونام. انكسرت الزجاجتان فقال: ~~هو كذلك، هو قائم على أمر السماء والأرض، ولو كانت تأخذه سنة أو نوم ~~لتحطمت الدنيا. وهو سبحانه { لا تأخذه سنة ولا نوم } ~~[البقرة: 255]. و " السنة " هي أول ما يأتي من النعاس أي النوم الخفيف، ~~فالواحد منا يكون جالسا ثم يغفو، لكن النوم هو " السبات العميق " ، ~~فلما قال: " لا تأخذه سنة " قالوا: إنه يتغلب على النوم الخفيف لكن هل ~~يقدر على مقاومة النوم العميق؟. فقال الحق عن نفسه: " لا تأخذه سنة ولا ~~نوم ". وعرفنا أن السنة هي: النعاس الذي يأتي في أول النوم، ومظهرها يبدو ~~أولا في العين وفي الجفن، فعندما يذهب إنسان في النوم فإن أثر ذلك يظهر ~~في عينيه، ولذلك يقولون: إن العين هي الجارحة التي يمكن أن تعرف بها ~~أحوال الإنسان، وقد اكتشفوا في عصرنا الحديث أن الشرايين لا يمكن أن ~~يعرفوا حالتها بالضبط إلا من العين. فالفتور الذي يأتي في العين أولا هو ~~السنة أو مقدمات النوم ونسميه: النعاس. { لا تأخذه سنة ولا ~~نوم } [البقرة: 255] أتريدون تطمينا من إله لمألوه، ومن معبود لعابد، ~~ومن خالق لمخلوق أكثر من أنه يقول للعابد المخلوق: " نم أنت ملء جفونك، ~~واسترح لأن ربك لا ينام ". ماذا تريد أكثر من هذا؟ هو سبحانه يعلم أنه ~~خلقك، وأنك تحتاج إلى النوم، وأثناء نومك فهناك أجهزة في جسمك تعمل. أإذا ~~نمت وقف قلبك؟ أإذا نمت انقطع نفسك؟ أإذا نمت وقفت معدتك من حركتها ~~الدودية التي تهضم؟ أإذا نمت توقفت أمعاؤك عن امتصاص المادة الغذائية؟ ~~لا، بل كل ms0808 شيء في دولابك يقوم بعمله. فمن الذي يشرف على هذه العمليات لو ~~كان ربك نائما؟ إذن فأنت تنام وهو لا ينام. وبالله هل هذه عبودية تذلنا ~~أو تعزنا؟ إنها عبودية تعزنا فالذي نعبده يقول: ناموا أنتم لأنني لا ~~تأخذني سنة ولا نوم. وإياك أن تفهم أنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وأن شيئا ~~في كونه يخرج على مراده، لا لأن كل ما في السماوات والأرض له، فلا شيء ~~ولا أحد يخرج عن قدرته. ولذلك يقول الحق: { له ما في السماوات ~~وما في الأرض } [البقرة: 255]. ويتابع سبحانه بقوله: { من ذا ~~الذي يشفع عنده إلا بإذنه } [البقرة: 255] إنه ~~سبحانه وتعالى يوضح: أنا أعطيتك الراحة في الدنيا، وحتى الكافر جعلته ~~يتنعم بنعمي، ولم أجعل الأسباب تضن عليه، وأعطيته ما دام قد اجتهد في تلك ~~الأسباب مما يدل على أنني ليس عندي محاباة، قلت للأسباب: يا أسباب من ~~يحسنك يأخذك ولو كان كافرا بي. # لكنه سيأتي يوم القيامة وليس للكافر إلا العذاب، لأنه ما دام قد عمل في ~~الدنيا وأحسن عملا فقد أخذ جزاءه، فإياكم أن تظنوا كما قالوا: " هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله " ، وجاء فيهم قول الحق: # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون # [يونس: 18]. إن هؤلاء الذين افتروا على الله بالشرك به، واتخذوا أصناما ~~باطلة لا تضرهم ولا تنفعهم. يقولون عن هذه الأصنام: إنها تشفع لهم عند ~~الله في الآخرة، ويأمر الحق سبحانه رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن ~~يبلغ المشركين: قل لهم يا محمد: هل تخبرون الله بشريك لا يعلم الله له ~~وجودا في السموات ولا في الأرض، وهو الخالق لكل ما في السموات والأرض ~~ومنزه سبحانه عن أن يكون له شريك في الملك. لقد أرادوا أن يخلوا بقضية ~~التوحيد ويجعلوا لله شركاء ويقولون: إن هؤلاء الشركاء هم الذين سيشفعون ~~لنا عند الله. فيقول الحق سبحانه: إن الشفاعة لا ms0809 يمكن أن تكون عندي إلا ~~لمن أذنت له أن يشفع. إن الشفاعة ليست حقا لأحد. ولكنها عطاء من الله، ~~لذلك يقول: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } ~~[البقرة: 255]. ويقول الحق: { يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم } [البقرة: 255]. ساعة يتعرض العلماء إلى: { ما بين ~~أيديهم وما خلفهم } [البقرة: 255] يشرحون لنا أن ما بين ~~اليدين أي ما أمامك، وما خلفك أي ما وراءك، وما بين يدي الإنسان يكون: ~~مواجها لآلة الإدراك الرائدة وهي العين، فهو أمر يشهد. والذي في الخلف ~~يكون غيبا لا يراه، كأن ما بين اليد يراد به المشهود والذي في الخلف ~~يراد به الغيب، فهو { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~} [البقرة: 255] أي يعلم مشهدهم وغيبهم، ويطلق " ما بين اليد " إطلاقا ~~آخر. إننا قد نسأل عما بين يديك. هل هو مواجه لك أو غير مواجه؟ فلو كان ~~أمامك بشر، فهل هم قادمون إليك أو راحلون عنك؟ إنهم إن كانوا راحلين عنك ~~فقد سبقوك وقد جئت أنت من بعدهم، ومن وراءك سيأتي من بعدك. أي أن الحق ~~سبحانه يخبرنا أنه يعلم الماضي والمستقبل. فمرة يعلم الحق ما بين أيديهم، ~~أي العالم المشهود ويسمونه " عالم الملك " ، وما خلفهم أي الغيب، ويسمونه ~~" عالم الملكوت ". إنه يعلم المشهود لهم والخفي عنهم. وكما يقول الحق: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام: 59]. إن عند الله علم جميع الغيب ويحيط علمه بكل شيء، ولا ~~تخفى عليه خافية. إنها إحاطة من كل ناحية. { يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شآء } [البقرة: 255]. إنه الحق يعلم مطلق العلم. وكون ~~الحق يعلم فإن ذلك لا ينفي أن يكون غيره يعلم أيضا، لكن علم البشر هو ~~بعض علم موهوب من الخالق لعباده. فعندما يقول واحد: أنا أقول الشعر. فهل ~~منع ذلك القول أحدا آخر من أن يقول ms0810 الشعر؟ لا. إنه لم يقل: ما يقول ~~الشعر إلا أنا. ويقول سبحانه: { ولا يحيطون بشيء من ~~علمه إلا بما شآء } [البقرة: 255]، و " العلم " هو الصفة التي ~~تعلم الأشياء على وفق ما هي عليه، هذا هو العلم. وصفة الله وعلمه أعظم من ~~أن يحاط بها، لأنها لو أحيطت لحددت، وكمالات الله لا تحدد، مثلما ترى ~~شيئا يعجبك فتقول: هذه قدرة الله، هل هي قدرة الله أو مقدور الله؟ إنها ~~مقدور الله أي أثر القدرة، فعندما يقول: { ولا يحيطون بشيء ~~من علمه } [البقرة: 255] أي من معلومه. " ويحيطون " هي دقة في ~~الأداء، لأنك قد تدرك معلوما من جهة وتجهله من جهات، فأوضح سبحانه: أنك ~~لا تقدر أن تحيط بعلم الله أو قدرته لأن معنى الإحاطة أنك تعرف كل شيء، ~~مثل المحيط على الدائرة، لكن ذلك لا يمنع أن نعلم جزئية ما، ونحن نعلم ~~بما آتانا الله من قوانين الاستنباط، فهناك مقدمات نستنبط منها نتائج، ~~مثل الطالب الذي يحل مسألة جبر، أو تمرين هندسة، أيعلم هذا الطالب غيبا؟ ~~لا، ولكنه يأخذ مقدمات موضوعة له ويصل إلى نتائج معروفة سلفا لأستاذه. ~~وأنت لا تحيط بعلم إلا بما شاء لك الله أن تحيط، { ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شآء } [البقرة: 255]. وقول الله: ~~{ إلا بما شآء } [البقرة: 255] هو إذن منه سبحانه بأنه سيتفضل على ~~خلقه بأن يشاء لهم أن يعلموا شيئا من معلومه، وكان هذا المعلوم خفيا ~~عنهم ومستورا في أسرار الكون، ثم يأذن الله للسر أن ينكشف، وكل شيء ~~اكتشفه العقل البشري، كان مطمورا في علم الغيب وكان سرا من أسرار الله، ~~وبعد ذلك أذن الله للسر أن ينكشف فعرفناه، بمشيئته سبحانه. فكل سر في ~~الكون له ميلاد كالإنسان تماما، أي أن له ميعادا يظهر فيه، وهذا ~~الميعاد يسمى مولد السر. لقد كان هذا السر موجودا وكان العالم يستفيد ~~منه وإن لم يعلمه. لقد كنا نحن نستفيد - على سبيل المثال - من قانون ~~الجاذبية ولم نكن نعلم قانون الجاذبية، وكذلك النسبية كنا نستفيد منها ~~ولم ms0811 نكن نعلمها، وهذا ما يبينه لنا الحق في موضع آخر من القرآن الكريم، ~~قال تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه ~~على كل شيء شهيد # [فصلت: 53]. ما دام قال سبحانه: " سنريهم " ، فهذا يعني أنه سبحانه ~~سيولد لنا أسرارا جديدة، وهذا الميلاد ليس إيجادا وإنما هو إظهار، ~~ولذلك يقول الناس عن الأسرار العلمية: إنها اكتشافات جديدة، لقد تأدبوا ~~في القول مع أن كثيرا منهم غير متدينين، قالوا: اكتشفنا كذا، كأن ما ~~اكتشفوه كان موجودا وهم لا يقصدون هذا الأدب. إنما هي جاءت كذلك، أما ~~المؤمنون فيقولون: لقد أذن الله لذلك السر أن يولد. وقوله: { ولا ~~يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء } [البقرة: 255] ~~فيه تحد واضح. فحتى إذا اجتمع البشر مع بعضهم فلن يحيطوا بشيء إلا بإذنه. ~~وهذا تحد للكل حين يشاء سبحانه أن يوجد إظهار سر في الوجود، فهذا السر ~~يولد، وقد يكون إظهار السر موافقا لبحث الناس مثل العالم الذي يجلس في ~~معمله ليجرب في العناصر والتفاعلات، ويهتدي لهذه وهذه، إنه يتعب كثيرا ~~كي يعرف بعضا من الأسرار، ونحن لا ندري بتعبه وجهده إلا يوم أن يكتشف ~~سره. لقد أخذ المقدمات التي وضعها الله في الكون حتى إذا تتبعناها نصل ~~إلى سره، مثلما نريد أن نصل إلى الولد فنتزوج حتى يأتي، وقد يأذن الله ~~مرارا كثيرة أن يولد السر بدون أن يشتغل الخلق بمقدماته، لكن ميعاد ~~ميلاد السر قد جاء ولم ينشغل العلماء بمقدماته فيخرجه الله لأي مخترع ~~كنتيجة لخطأ في تجربة ما. وعندما نبحث في تاريخ معظم الاكتشافات نجدها ~~كذلك، لقد جاءت مصادفة، فهناك عالم يبحث في مجال ما، فتخرج له حقيقة أخرى ~~كانت مخفية عنا جميعا. لقد جاء ميعاد ميلادها على غير بحث من الخلق، ~~فجاء الله بها في طريق آخر لغيرها، وفي بعض الأحيان يوفق الله عالما ~~يبحث المقدمات ويكشف له السر الذي يبحث عنه. إذن، ف { ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شآء } [البقرة: 255] تعني ms0812 أن ~~الإنسان قد يصادف السر بالبحث، ومرة يأتي سر آخر في مجال البحث عن غيره، ~~فالله لا يضن بكشف السر حتى لو لم يشتغلوا به ونسميها نحن - مصادفة - إن ~~كل شيء يجري في الكون إنما يجري بمقدار، وهذا هو الذي يفرق لنا بين معرفة ~~غيب كان موجودا وله مقدمات في كون الله نستطيع أن نصل إليه بها، وشيء ~~مستور عند الله ليست له مقدمات إن شاء سبحانه أعطاه من عنده تفضلا من ~~باب فضل الجود لا بذل المجهود وهو سبحانه يفيضه في " المصادفة " هنا ~~ويفيضه فيما لا مقدمات له على بعض أصفيائه من خلقه، ليعلم الناس جميعا ~~أن لله فيوضات على بعض عبيده الذين والاهم الله بمحبته وإشراقاته ~~وتجليه. # لكن هل هذا يعني أن باستطاعتنا أن نعرف كل الغيب؟ لا، فالغيب قسمان: غيب ~~جعل الله له في كونه مقدمات، إن استعملناها نصل إليه، ككثير من ~~الاكتشافات، وإذا شاء الله أن يولد سر ما ولم نبحث عنه فهو يعطيه لنا " ~~مصادفة " من باب فيض الجود لا بذل المجهود. ونوع آخر من الغيب ليست له ~~مقدمات، وهذا ما استأثر الله بعلمه إلا أنه قد يفيض به على بعض خلقه كما ~~يقول سبحانه: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ~~ومن خلفه رصدا # [الجن: 26-27]. إن الله هو عالم الغيب فلا يطلع أحدا من خلقه على غيبه ~~إلا من ارتضاه واصطفاه من البشر، لذلك فلا أحد يستطيع أن يتعلم هذا اللون ~~من الغيب. ولذلك فلا يوجد من يفتح دكانا لعلم الغيب يذهب إليه الإنسان ~~ليسأله عن الغيب. إن الحق يقول: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام: 59]. وهو سبحانه لا يعطي المفتاح لأحد من خلقه. وقد يريد الله ~~أن يعطي لواحد كرامة، فأعطاه كلمة على لسانه قد يكون ms0813 هو غير مدرك لها! ~~فيقول: من يسمع هذا القول وينتفع به. فلان قال لي: كذا وكذا.. يا سلام! ~~وهذا فيض من الله على عبده حتى يبين الله لنا أنه يوالي هؤلاء العباد ~~الصالحين. وقوله الحق: { ولا يحيطون بشيء } [البقرة: 255] نجد ~~أن كلمة " شيء " تعني أقل القليل. وقوله سبحانه: { من علمه إلا ~~بما شآء وسع كرسيه السماوات والأرض } [البقرة: ~~255] يعلمنا أن الحق فيما يتكلم به عن نفسه ولخلقه فيه نظائر، كالوجود، ~~هو سبحانه موجود وأنت موجود، وكالغني هو غني وأنت غني، كالعلم هو عالم ~~وأنت تكون عالما، فهل نقول: إن الصفة لله كالصفة عندنا؟ لا، كذلك كل ما ~~يرد بالنسبة للغيب فيما يتعلق بالله إضافة أو وصفا لا تأخذها بالمناسب ~~عندك بل خذها في إطار " ليس كمثله شيء ". فإذا قيل لله يد، قل: هو له يد ~~كما أن له وجودا وبما أن وجوده ليس كوجودي فيده ليست كيدي بل أفهمها في ~~إطار " ليس كمثله شيء " ، فإذا قال: { وسع كرسيه } [البقرة: ~~255] نقول: هو قال هذا، وما دام قال هذا فسنأخذ هذه الكلمة في إطار " ليس ~~كمثله شيء ". فلا تقل له كرسي وسيقعد عليه مثلنا، لا. # لقد وجدنا من قال: أين يوجد الله؟!! متى وجد؟!! وقلنا ونقول: " متى " و ~~" أين " لا تأتي بالنسبة لله، إنها تأتي بالنسبة لكم أنتم، لماذا؟ لأن " ~~متى " زمان و " أين " مكان. والزمان والمكان ظرفان للحدث، فالشيء الحادث ~~هو الذي له زمان ومكان، مثال ذلك أن أقول: " أنا شربت " وما دام قد حدث ~~الشرب فيكون له زمان ومكان، لكن هب أنني لم أشرب، أيكون هناك زمان أو ~~مكان؟! لا، فما دام الله ليس حدثا فليس متعلقا به زمان أو مكان، لأن ~~الزمان والمكان نشأ عندما خلق الله وأحدث هذا الكون، فلا تقل: " متى " ~~لأن " متى " خلقت به، ولا تقل " أين " لأن أين خلقت به ولأن " متى ~~" و " أين " ظرفان هذه للزمان، وهذه للمكان، والزمان والمكان فرعا الحدث. ~~وعندما يوجد حدث فقل زمان ومكان. إذن فما دام الله ليس حدثا، ms0814 فإياك أن ~~تقول فيه متى، وإياك أن تقول فيه أين، لأن " متى " و " أين " وليدة ~~الحدث. وقوله الحق: { وسع كرسيه } [البقرة: 255] نأخذه كما ~~قلنا في إطار " ليس كمثله شيء " ، الكرسي: في اللغة من الكرس. ~~والكرس هو:التجميع، ومنه الكراسة وهي عدة أوراق مجمعة، وكلمة " كرسي " ~~استعملت في اللغة بمعنى الأساس الذي يبنى عليه الشيء، فمادة " الكرسي " ~~الكاف والراء والسين تدل على التجميع وتدل على الأساس الذي تثبت عليه ~~الأشياء فنقول: اصنع لهذا الجدار كرسيا، أي ضع لهذا الجدار أساسا يقوم ~~عليه. وتطلق أيضا على القوم والعلماء الذين يقوم بهم الأمر فيما يشكل من ~~الأحداث، والشاعر العربي قال: " كراسي في الأحداث حين تنوب " أي يعتمد ~~عليهم في الأمور الجسيمة. وحين ينسب شيء من ذلك للحق سبحانه وتعالى. فإن ~~السلف لهم فيها كلام والخلف لهم فيها كلام، والسلف يقولون: كما قال الله ~~نأخذها ولكن نضع كيفيتها وتصورها في إطار " ليس كمثله شيء " ، وبعضهم ~~قال: نؤولها بما يثبت لها صفة من الصفات، كما يثبتون قدرة الحق بقوله ~~الحكيم: # يد الله فوق أيديهم.. # [الفتح: 10]. أي أن قدرة الله فوق قدرتهم، وكما قال سبحانه عن قدرته في ~~الخلق: # والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون # [الذاريات: 47]. إن كمال قدرة الله أحكمت خلق السماء، والحق سبحانه مقدس ~~ومنزه عن أن يتصور المخلوق كلمة " يد " بالنسبة لله. ونحن نقول: ~~الله قال ذلك، ونأخذها من الله لأنه أعلم بذاته وبنفسه، ونحيلها إلى ~~ألا يكون له شبيه أو نظير، كما أثبتنا لله كثيرا من الصفات، في خلق ~~الله مثلها ومع ذلك نقول: علمه لا كعلمنا، وبصره لا كبصرنا، فلماذا يكون ~~كرسيه مثل كرسينا؟. # فتكون في إطار " ليس كمثله شيء ". والعلماء قالوا عن الكرسي: إنه ما ~~يعتمد عليه، فهل المقصود علمه؟. نعم. وهل المقصود سلطانه وقدرته؟. نعم، ~~لأن كلمة " كرسي " توحي بالجلوس فوقه، والإنسان لا يجلس عن قيام إلا إذا ~~استتب له الأمر، ولذلك يسمونه " كرسي الملك " لأن الأمر الذي يحتاج إلى ~~قيام وحركة لا يجعلك تجلس على الكرسي، فعندما تقعد على الكرسي، ms0815 فمعنى ذلك ~~أن الأمر قد استتب، إذن فهو بالنسبة لله السلطان، والقهر، والغلبة، ~~والقدرة. أو نقول: ما دام قال: { وسع كرسيه السماوات ~~والأرض } [البقرة: 255] فوسع الشيء أي: دخل في وسعه واحتماله. " ~~والسماوات والأرض " نحن نفهمها أنها كائنات كبيرة بالنسبة لها، إنه ~~سبحانه يقول: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. وعندما يقول: إن الكرسي وسع السماوات والأرض، إذن، فهو أعظم ~~من السماوات والأرض أي دخل في وسعه السماوات والأرض. ولذلك يقول أبو ذر ~~الغفاري رضي الله عنه: # " سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال: يا أبا ذر ما السماوات ~~السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة. وإن فضل ~~العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة ". # والبشرية بكل ما وصلت له من إنجازات علمية قد وصلت إلى القمر فقط وهو ~~مجرد ضاحية من ضواحي الأرض، ومفصول عنا بمسافة تقاس بالثواني الضوئية، ~~ولقد تعودنا في حياتنا أن نستخدم وحدات الميل والكيلومتر لقياس الأطوال ~~والأبعاد الكبيرة، لكننا اكتشفنا أن هذه الوحدات ليست ذات نفع في قياس ~~أبعاد النجوم لأننا نعرف مثلا أن الشمس تبعد عن الأرض ثلاثة وتسعين ~~مليونا من الأميال، ولكن عندما نريد أن نرصد المسافة بيننا وبين أحد ~~النجوم فلسوف نضطر إلى استخدام أعداد كثيرة من الأصفار أمام رقم ما، وهذا ~~يجعل التعبير غير عملي، ولهذا السبب وضع علماء الفلك وحدة ملائمة لقياس ~~أبعاد النجوم وهي ما نسميه السنة الضوئية. ونحن نعرف أن سرعة الضوء حوالي ~~ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية. ولذلك فقياس أي مسافة بيننا وبين أي ~~نجم في السماء أمر يحتاج إلى حسابات دقيقة وكثيرة ودراسة علوم متعددة. ~~فالشمس بيننا وبينها ثلاثة وتسعون مليونا من الأميال ويصلنا ضوؤها في ~~خلال ثماني دقائق وثلث الدقيقة. والشعرى اليمانية وهي ألمع نجوم السماء ~~يصل إلينا ضؤوها في تسع سنوات ضوئية. إذن فالسنة الضوئية هي وحدة لقياس ~~المسافات الفلكية. ونحن نذهل عندما نعرف أن بعض النجوم يصل ضؤوها إلينا ~~في خمسين ms0816 سنة ضوئية!! كل ذلك ونحن لم نصل بعد إلى السماء الدنيا، فما ~~بالنا ببقية السماوات؟ إذن فحدود ملك الله فوق تصورنا. # ولنا أن نعرف أي تكريم من الحق للمؤمنين حين يصور لنا ضخامة الجنة يقول ~~سبحانه: # سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~كعرض السمآء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ~~ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو ~~الفضل العظيم # [الحديد: 21]. هذه هي الجنة التي أعدها الله للمؤمنين بالله ورسله الذين ~~يسارعون إلى طلب غفران الله. فإذا كان عرض الجنة هو السماوات والأرض، فما ~~طولها إذن؟ وكم يكون بعدها؟ والعرض كما نعرف هو أقل البعدين. إذن يجب أن ~~نفهم أن هناك عوالم أخرى غير السماء والأرض، لكن عيوننا لا تبصر فقط إلا ~~ما أراده الحق لنا من السماء والأرض، ولذلك فعندما نسمع قول الحق: { ~~وسع كرسيه السماوات والأرض } [البقرة: 255] فلنا أن ~~نتخيل أي عظمة هي عظمة كرسي ذي الجلال والإكرام. إن الحق يقول: { وسع ~~كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما } ~~[البقرة: 255]، ومعنى آده الشيء، أي أثقله. وحتى نفهم ذلك هب أن إنسانا ~~يستطيع أن يحمل عشرة كيلوجرامات، فإن زدنا هذا الحمل إلى عشرين من ~~الكيلوجرامات فإن الحمل يثقل عليه، ويجعل عموده الفقري معوجا حتى يستطيع ~~أن يقاوم الثقل. فإن زدنا الحمل أكثر فقد يقع الرجل على الأرض من فرط ~~زيادة الوزن الثقيل. إذن فمعنى { ولا يؤوده حفظهما } [البقرة: ~~255] أي أنه لا يثقل على الله حفظ السماوات والأرض. إن السماء والأرض ~~وهما فوق اتساع رؤية البشر فقد وسعهما الكرسي الرباني. وقال بعض ~~المفسرين: إذا كان الكرسي لا يثقل عليه حفظ السماوات والأرض فما بالنا ~~بصاحب الكرسي!!؟ هاهو ذا الحق سبحانه وتعالى يطمئننا فيقول: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان ~~حليما غفورا # [فاطر: 41]. إنه الحق وحده سبحانه وتعالى الذي يحفظ السماوات والأرض في ~~توازن عجيب ومذهل، ولئن قدر لهما أن تزولا. فلن يحفظهما أحد بعد ~~الله، أي لا يستطيع أحد ms0817 إمساكهما فهما قائمتان بقدرة الواحد القهار، وإذا ~~أراد الله أن تزولا فلا يستطيع أحد أن يمسكهما ويمنعهما من الزوال. وإذا ~~كانت هذه الأشياء الضخمة من صنع الله وهو فوقها، فإنه عندما يصف نفسه ~~بأنه " علي " و " عظيم " فذلك أمر طبيعي. إن الحق سبحانه وتعالى يعطينا ~~تذييلا منطقيا يقتضيه ما تقدمت به الآية الجليلة: آية الكرسي، إنه الحق ~~يقول: { وهو العلي العظيم } [البقرة: 255] وكلمة " علي " ~~صيغة مبالغة في العلو. و " العلي " هو الذي لا يوجد ما هو أعلى منه فكل ~~شيء دونه. هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها نعرفها بآية الكرسي لأن ~~كلمة " الكرسي " هي الظاهرة فيها. وكلمة " الكرسي " فيها: تعني السلطان ~~والقهر والقدرة والملكية وكلها مأخوذة من صفات الحق جل وعلا. # إنه لا إله إلا هو. إنه الحي. إنه القيوم. إنه الذي لا تأخذه سنة ولا ~~نوم. والشفاعة عنده مأذون فيها بإرادته هو وحده وليس بإرادة سواه. وهو ~~العليم بكل شيء، الذي يسع كرسيه السماوات والأرض وهو العلي فلا أعلى ~~منه، وهو العظيم بمطلق العظمة. وتتجمع كل هذه الصفات لتضع أمامنا أصول ~~التصور في العقيدة الإيمانية، وقد وردت فيها أحاديث كثيرة، ومنها نستخلص ~~أنها آية لها قدرها ومقدارها عند الله.فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " # " وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل ~~يحثو الطعام فأخذته وقلت والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: إني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه، ~~فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة: " ما فعل أسيرك ~~البارحة "؟ قال: قلت يا رسول الله: شكا حاجة شديدة وعيالا، فرحمته، ~~فخليت سبيله، قال: " أما إنه كذبك وسيعود " فعرفت أنه سيعود لقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنه سيعود، فرصدته فجاء يحثو من الطعام فأخذته ~~فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: دعني فإني ~~محتاج، وعلي عيال لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول ~~الله - صلى الله عليه ms0818 وسلم -: يا أبا هريرة: " ما فعل أسيرك "؟ فقلت يا ~~رسول الله: شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله قال: " أما إنه قد ~~كذبك وسيعود " فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت لأرفعنك ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهذا آخر ثلاث مرات أنك تزعم لا ~~تعود، قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها قلت: ما هي؟ قال: إذا أويت ~~إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " حتى ~~تختم الآية فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، ~~فخليت سبيله، فأصبحت فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما فعل ~~أسيرك البارحة "؟ قلت يا رسول الله: زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله ~~بها فخليت سبيله قال: " ما هي " قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ ~~آية الكرسي من أولها حتى تختم " الله لا إله إلا هو الحي القيوم " ، وقال ~~لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أي ~~الصحابة أحرص شيء على تعلم الخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما ~~أنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ قال: ~~لا، قال صلى الله عليه وسلم: " ذاك الشيطان " ". # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا ~~خرج منه - آية الكرسي ". # وعن أبي أمامه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " من قرأ دبر كل صلاة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ~~". # وعن علي - كرم الله وجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: # " من قرأها - يعني آية الكرسي - حين يأخذ مضجعه آمنه الله تعالى على ~~داره، ودار جاره، وأهل دويرات حوله ". # كل هذه المعاني قد وردت في أفضال هذه الآية الكريمة، وقد جلس العلماء ~~يبحثون عن سر هذه المسألة فقال واحد منهم: انظروا إلى ms0819 أسماء الله ~~الموجودة فيها. وبالفعل قام أحد العلماء بحصر أسماء الله الحسنى فيها، ~~فوجد أن فيها ستة عشر اسما من أسماء الله، وبعضهم قال: إن بها سبعة عشر ~~اسما من أسماء الله الحسنى، وبعضهم قال أن فيها واحدا وعشرين اسما من ~~أسماء الله، كل ذلك من أجل أن يستنبطوا منها أشياء، ويعلموا فضل وفضائل ~~هذه الآية الكريمة. والذين قالوا إن بها ستة عشر اسما من أسماء الله ~~قالوا: إن بها اسم علم واجب الوجود " الله ". واسم " هو " في لا إله إلا ~~هو: هو الاسم الثاني. و " الحي " هو الاسم الثالث. و " القيوم " هو ~~الاسم الرابع. وعندما ندقق في قول الحق " لا تأخذه سنة ولا نوم " نجد أن ~~الضمير في " لا تأخذه " عائد إلى ذاته - جل شأنه -. و " له ما في ~~السماوات وما في الأرض " فيها ضمير عائد إلى ذاته سبحانه. وكذلك الضمائر ~~في قوله: " عنده " و " بإذنه " و " يعلم " و " من علمه " و " بما شاء " و ~~" كرسيه " كلها تعود إلى ذاته جل شأنه. و " لا يؤوده حفظهما " فيها ضمير ~~عائد إلى ذاته كذلك. و " هو " في قوله سبحانه " وهو العلي العظيم " اسم ~~من أسمائه تعالى. و " العلي " اسم من أسمائه جل وعلا. و " العظيم " كذلك ~~اسم من أسمائه سبحانه وتعالى. لكن عالما آخر قال: إنها سبعة عشر اسما ~~من أسماء الله لأنك لم تحسب الضمير في المصدر المشتق منه الفعل الموجود ~~بقوله: " حفظهما " إن الضمير في " هما " يعود إلى السماوات والأرض. # و " الحفظ " مصدر. فمن الذي يحفظ السماوات والأرض؟ إنه الله سبحانه ~~وتعالى، وهكذا أصبحوا سبعة عشر اسما من أسماء الله الحسنى في آية ~~الكرسي. وعالم ثالث قال: لا، أنتم تجاهلتم أسماء أخرى لأن في الآية ~~الكريمة أسماء واضحة للحق جل وعلا، وهناك أسماء مشتقة، مثال ذلك: الله لا ~~إله إلا هو. الحي هو. القيوم هو. العلي هو. العظيم هو. ولكن العلماء ~~قالوا ردا على ذلك: صحيح أنها أسماء مشتقة ولكنها صارت أعلاما. المهم ~~أن في الآية الكريمة ستة عشر ms0820 اسما، وإن حسبنا الضمير المستتر في " ~~حفظهما " نجد أنها سبعة عشر اسما، وإذا حسبنا الضمير الموجود في ~~المشتقات مثل " الحي هو " و " القيوم هو " و " العلي هو " و " العظيم ~~هو ". صارت أسماء الله الحسنى الموجودة في هذه الآية الكريمة واحدا ~~وعشرين اسما. إذن هي آية قد جمعت قدرا كبيرا من أسماء الله، ومن ذلك ~~جاءت عظمتها. وهذه الآية الكريمة قد بينت ووضحت قواعد التصور الإيماني، ~~وأنشأت عقيدة متكاملة يعتز المؤمن أن تكون هذه العقيدة عقيدته. والآية في ~~ذاتها تتضمن حيثيات الإيمان، إنه ما دام هو الله لا إله إلا هو، وما دام ~~هو الحي القيوم على أمر السماء والأرض، وكل شيء بيده، وهو العلي ~~العظيم، فكل هذه مبررات لأن نؤمن به سبحانه وتعالى، وأن نعتز بأن نعتقد ~~هذه المعتقدات، وتكون هي الدليل على أن المؤمن فخور بهذا الدين الذي كان ~~أمر الألوهية المطلقة واضحا وبينا فيه. ولذلك فمن الطبيعي ألا يقهر ~~الحق أحدا على الإيمان به إكراها، لأن الذي يقهر أحدا على عقيدة ما، ~~هو أول من يعتقد أنه لولا الإكراه على هذه العقيدة لما اعتقدها أحد. ~~ونحن في حياتنا اليومية نجد أن أصحاب المبادئ الباطلة هم الذين يمسكون ~~السياط من أجل إكراه الناس على السير على مبادئهم. وكل من أصحاب هذه ~~المبادئ الباطلة يعلم تمام العلم أنه لو ترك السوط والقهر ما سار إنسان ~~على مثل هذه المبادئ الباطلة. ولو كان أحد من أصحاب هذه المبادئ الباطلة ~~معتقدا أن مبدأه سليم لقال: أطرح هذا المبدأ على الناس، وأترك لهم ~~الخيار لأنه في هذه الحالة سيكون واثقا من مبدئه. أما الذي يقهر الناس ~~إكراها بالسوط أو السلطان ليعتقدوا مبدأ ما، فهو أول من يشك في هذا ~~المبدأ، وهو أول من يعتقد أنه مبدأ باطل. مثل هؤلاء نراهم عندما تضعف ~~أيديهم عن استعمال السوط أو السلطان فإن أمر مبدئهم ينهزم ويسقط بنيانه. ~~والحق سبحانه وتعالى بعد ذلك يقول: { لا إكراه في الدين قد ~~تبين الرشد من الغي... }. ### || [2.256] # إن الحق سبحانه ms0821 وتعالى يوضح لنا نحن العباد المؤمنين ولسائر البشرية ~~أنه: { لا إكراه في الدين } [البقرة: 256]. والإكراه هو أن تحمل ~~الغير على فعل لا يرى هو خيرا في أن يفعله. أي لا يرى الشخص المكره فيه ~~خيرا حتى يفعله. ولكن هناك أشياء قد نفعلها مع من حولنا لصالحهم، كأن ~~نرغم الأبناء على المذاكرة، وهذا أمر لصالح الأبناء، وكأن نجبر الأطفال ~~المرضى على تناول الدواء. ومثل هذه الأمور ليست إكراها، إنما هي أمور ~~نقوم بها لصالح من حولنا لأن أحدا لا يسره أن يظل مريضا. إن الإكراه هو ~~أن تحمل الغير على فعل من الأفعال لا يرى فيه هو الخير بمنطق العقل ~~السليم. ولذلك يقول الحق سبحانه: { لا إكراه في الدين } ~~[البقرة: 256]. ومعنى هذه الآية أن الله لم يكره خلقه - وهو خالقهم - ~~على دين، وكان من الممكن أن الله يقهر الإنسان المختار، كما قهر السماوات ~~والأرض والحيوان والنبات والجماد، ولا أحد يستطيع أن يعصي أمره. فيقول ~~سبحانه: # لو يشآء الله لهدى الناس جميعا.. # [الرعد: 31]. لكن الحق يريد أن يعلم من يأتيه محبا مختارا وليس ~~مقهورا، أن المجيء قهرا يثبت له القدرة، ولا يثبت له المحبوبية، لكن من ~~يذهب له طواعية وهو قادر ألا يذهب فهذا دليل على الحب، فيقول تعالى: { ~~لا إكراه في الدين } [البقرة: 256] أي أنا لم أضع مبدأ الإكراه، ~~وأنا لو شئت لآمن من في الأرض كلهم جميعا. فهل الرسل الذين أرسلهم ~~سبحانه يتطوعون بإكراه الناس؟. لا، إن الرسول جاء لينقل عن الله لا ~~ليكره الناس، وهو سبحانه قد جعل خلقه مختارين، وإلا لو أكرههم لما أرسل ~~الرسل، ولذلك يقول المولى عز وجل: # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين # [يونس: 99]. إن الرسول له مهمة البلاغ عن الله لأن الله لم يرد خلقه ~~مكرهين على التدين، إذن فالمبلغ عنه لا يكره خلقه على التدين، إلا أن ~~هنا لبسا. فهناك فرق بين القهر على الدين، والقهر على مطلوب الدين، هذا ~~هو ما يحدث فيه ms0822 الخلاف. تقول لمسلم: لماذا لا تصلي؟ يقول لك: { لا ~~إكراه في الدين } [البقرة: 256]، ويدعي أنه مثقف، ويأتيك بهذه ~~الآية ليلجمك بها، فتقول له: لا. { لا إكراه في الدين } ~~[البقرة: 256] عقيدة وإيمانا، إنما إن آمنت وأعلنت أنك آمنت بالله وصرت ~~معنا مسلما فلا بد أن تعرف أنك إن كسرت حكما من أحكام الإسلام نطلب منك ~~أن تؤديه، أنت حر أن تؤمن أو لا تؤمن، لكن حين التزمت بالإيمان، فعليك ~~مسئولية تنفيذ مطلوب الإيمان، وإلا حسب تصرفك أنه من تصرفات الإسلام، ~~فإذا كنت تشرب خمرا فإنك حر لأنك كافر مثلا، لكن أتؤمن ثم تشرب خمرا!؟ ~~لا. # أنت بذلك تكسر حدا من حدود الله، وعليك العقاب. ولأنك ما دمت قد علمت ~~كعاقل رشيد مطلوب الإسلام، فعليك أن تنفذ مطلوب الإسلام، ولذلك لم يكلف ~~الله الإنسان قبل أن ينضج عقله بالبلوغ حتى لا يقال: إن الله قد أخذ ~~أحدا بالإيمان وألزمه به قبل أن يكتمل عقله. بل ترك التكليف حتى ينضج ~~الإنسان ويكتمل، حتى إذا دخل إلى دائرة التكليف عرف مطلوباته، وهو حر أن ~~يدخل إلى الإيمان أو لا يدخل، لكن إن دخل سيحاسب. إذن فلا يقل أحد عندما ~~يسمع حكما من أحكام الدين: { لا إكراه في الدين } [البقرة: ~~256] لأن هذه الآية نزلت بشأن العقيدة الأساسية، فإن اتبعت هذه العقيدة ~~صار لزاما عليك أن توفي بمطلوباتها. وقد أراد خصوم الإسلام أن يصعدوا ~~هذه العملية فقالوا كذبا وافتراء: إن الإسلام انتشر بحد السيف. ونقول ~~لهم: لقد شاء الله أن ينشأ الإسلام ضعيفا ويضطهد السابقون إليه بكل ~~أنواع الاضطهاد، ويعذبون، ويخرجون من ديارهم ومن أموالهم ومن أهلهم، ~~ولا يستطيعون عمل شيء. إذن ففترة الضعف التي مرت بالإسلام أولا فترة ~~مقصودة. ونقول لهم أيضا: من الذي قهر وأجبر أول حامل للسيف أن يحمل ~~السيف؟! والمسلمون ضعاف ومغلوبون على أمرهم، لا يقدرون على أن يحموا ~~أنفسهم، إنكم تقعون في المتناقضات عندما تقولون: إن الإسلام نشر ~~بالسيف. ويتحدثون عن الجزية رفضا لها، فنقول: وما هي الجزية التي يأخذها ~~الإسلام ms0823 من غير المسلمين كضريبة للدفاع عنهم؟ لقد كان المسلمون يأخذون ~~الجزية من البلاد التي دخلها الفتح الإسلامي، أي أن هناك أناسا بقوا على ~~دينهم. وما دام هناك أناس باقون على دينهم فهذا دليل على أن الإسلام لم ~~يكره أحدا. وقول الله: { لا إكراه في الدين } [البقرة: 256] ~~علته أن الرشد واضح والغي واضح، وما دام الأمر واضحا فلا يأتي الإكراه. ~~لأن الإكراه يأتي في وقت اللبس، وليس هناك لبس، لذلك يقول الحق: { قد ~~تبين الرشد من الغي } [البقرة: 256]. وما دام الرشد ~~بائنا من الغي فلا إكراه. لكن الله يعطيك الأدلة، وأنت أيها الإنسان ~~بعقلك يمكنك أن تختار، كي تعرف أنك لو دخلت الدين لالتزمت، وحوسبت على ~~دخولك في الدين، فلا تدخل إلا وأنت مؤمن واثق بأن ذلك هو الحق لأنه ~~سيترتب عليه أن تقبل أحكام الدين عليك. { لا إكراه في الدين قد ~~تبين الرشد من الغي } [البقرة: 256] والرشد: هو طريق ~~النجاة، و " الغي ": هو طريق الهلاك. ويقول الحق إيضاحا للرشد والغي في ~~آية أخرى من آيات القرآن الكريم: # سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض ~~بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ~~وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن ~~يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم ~~كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين # [الأعراف: 146]. إن الحق يعلمنا أن المتكبرين في الأرض بغير حق لن ~~يستطيعوا الفوز برؤية آيات الله ودلائل قدرته، وحتى إن رأوا السبيل ~~الصحيح فلن يسيروا فيه، وإن شاهدوا طريق الضلال سلكوا فيه لأنهم يكذبون ~~بآيات الرحمن ويغفلون عنها. والغي - أيضا - هو ضلال الطريق، فعندما يسير ~~إنسان في الصحراء ويضل الطريق يقال عنه: " فلان قد غوى " أي فقد الاتجاه ~~الصحيح في السير، وقد يتعرض لمخاطر جمة كلقاء الوحوش وغير ذلك. ويوضح لنا ~~الحق طريق الرشد بمنطوق آخر في قوله الحق: # وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد ~~بهم ربهم رشدا # [الجن: 10]. إن الجن قد ظنوا كما ظن بعض من معشر الإنس أن الله لن يبعث ms0824 ~~أحدا بعد الموت أو لن يرسل رسولا من البشر لهداية الكون. وقد طلب الجن ~~بلوغ السماء فوجدوها قد ملئت حرسا من الملائكة وشهبا محرقة. وإن الجن ~~لا يعلمون السر في حراسة السماء وهل في ذلك شر بالبشر أو أراد الله ~~بهم خيرا وهدى. إذن فالرشد - بضم الراء وتسكين الشين - والرشد بفتح ~~الراء وفتح الشين - كلاهما يوضح الطريق الموصل للنجاة. ويقابل الرشد ~~الغي. ويتابع الحق: { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن ~~بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } [البقرة: 256] ~~أولا: نلحظ أن الحق هنا قد قدم الكفران بالطاغوت، ثم جاء بالإيمان بالله ~~لأن الأمر يتطلب التخلية أولا والتحلية ثانيا، لابد أن يتخلى الإنسان ~~من الطاغوت فلا يدخل على أنه يؤمن بالله وفي قلبه الطاغوت، فنحن قبل أن ~~نكوي الثوب نغسله وننظفه، التخلية قبل التحلية. وما هو " الطاغوت "؟ إنه ~~من مادة " طغى " ، وكلمة " طاغوت " مبالغة في الطغيان. لم يقل: طاغ، بل ~~طاغوت، مثل جبروت، والطاغوت إما أن يطلق على الشيطان، وإما أن يطلق على ~~من يعطون أنفسهم حق التشريع فيكفرون وينسبون من يشاءون إلى الإيمان ~~حسب أهوائهم، ويعطون أشياء بسلطة زمنية من عندهم، ويطلق أيضا على ~~السحرة والدجالين، ويطلق على كل من طغى وتجاوز الحد في أي شيء، فكلمة " ~~طاغوت " مبالغة، وقد تكون هذه المبالغة متعددة الألوان، فمرة يكون الطاغي ~~شيطانا، ومرة يكون الطاغي كاهنا، ومرة يكون ساحرا أو دجالا، ومرة ~~يكون حاكما. ومادة " الطاغوت " تدل على أن الموصوف بها هو من تزيده ~~الطاعة له طغيانا، فعندما يجربك في حاجة صغيرة، فتطيعه فيها فيزداد بتلك ~~الطاعة طغيانا عليك. والحق سبحانه يقول: # فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين # [الزخرف: 54]. ويزيد في الأمر حتى يصير طاغية، ولا يوجد أحد استهل عمله ~~بالطغيان العالي، إنما يبدأ الأمر خطوة خطوة، كأي نظام ديكتاتوري قهري، ~~إنه يبدأ ب جس نبض فإن صبر الناس، ازداد هذا النظام في القسوة حتى يصير ~~طاغوتا، إذن فالطاغوت هو الذي تستزيده الطاعة طغيانا، وتطلق على ~~الشيطان لأنه هو الأساس، وعلى الذين يتكلمون باسم الدين للسلطة ms0825 الزمنية ~~سواء كانوا كهانا أو غيرهم، وتطلق على الذين يسحرون ويدجلون، لأنهم ~~طغوا بما علموه إنهم يستعملون أشياء يتعبون بها الناس، وقد جاءت الكلمة ~~هنا بصيغة المبالغة لاشتمالها على كل هذه المعاني، وإذا استعرضنا الكلمة ~~في القرآن نجد أن " الطاغوت " ترد مذكرة في بعض الأحيان، وقد وردت مؤنثة ~~في آية واحدة في القرآن: # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا ~~إلى الله لهم البشرى فبشر عباد # [الزمر: 17]. لقد أوضحت هذه الآية أنهم تركوا كل أنواع الطغيان وأصنافه، ~~أي إن الذين اجتنبوا الألوان المتعددة من الطغيان هم الذين يتجهون ~~بالعبادة الخالصة لله، ولهم البشرى. { فمن يكفر بالطاغوت ~~ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى } ~~[البقرة: 256] وكلمة " استمسك " غير كلمة " مسك ". لأن " استمسك " تدل ~~على أن فيه مجاهدة في المسك، والذي يتدين يحتاج إلى مجاهدة في التدين لأن ~~الشيطان لن يتركه، فلا يكفي أن تمسك، بل عليك أن تستمسك، كلما وسوس ~~الشيطان لك بأمر فعليك أن تستمسك بالتدين، هذا يدل على أن هناك مجاهدة ~~وأخذا وردا. { فقد استمسك بالعروة } [البقرة: 256] ~~والعروة هي العلاقة، مثلما نقول: " عروة الدلو " ، التي تمسكها منه، ~~وهذه عادة ما تكون مصنوعة من الحبل الملفوف المتين، و " الوثقى " هي ~~تأنيث الأوثق أي أمر موثوق به، وقوله: { فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى } [البقرة: 256]، قد يكون تشبيها بعروة الدلو ~~لأن الإنسان يستخدم الدلو ليأتي بالماء، وبالماء حياة البدن، وبالدين ~~حياة القيم. { فقد استمسك بالعروة الوثقى } [البقرة: ~~256] كأنه ساعة جاء بكلمة " عروة " يأتي بالدلو في بال الإنسان، والدلو ~~تأتي بالماء، والماء به حياة البدن، إذن فهذه تعطينا إيحاءات التصور ~~واضحة، { فقد استمسك بالعروة الوثقى } [البقرة: 256]، ~~وما دامت " عروة وثقى " التي هي الدين والإيمان بالله، وما دامت هي الدين ~~وحبل الله فهذه وثقى، وما دامت " وثقى " فلا انفصام لها، وعلينا أن نعرف ~~أن فيه انفصاما. وفيه انفصام الأول بالفاء والثاني بالقاف. الانفصام: ~~يمنع الاتصال الداخلي مثلما تنكسر اليد لكنها تظل معلقة، والانقصام: أن ~~يذهب كل جزء بعيدا عن الآخر أي فيه بينونة، والحق يقول: { لا انفصام ms0826 ~~لها والله سميع عليم } [البقرة: 256] توحي بأن عملية الطاغوت ~~ستكون دائما وسوسة، وهذه الوسوسة هي: الصوت الذي يغرى بالكلام المعسول، ~~ولذلك أخذت كلمة " وسوسة الشيطان " من وسوسة الحلي، ووسوسة الذهب هي ~~رنين الذهب، أي وسوسة مغرية مثل وسوسة الشيطان، والله عليم بكل أمر. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم ~~من الظلمات إلى النور... }. ### || [2.257] # إن الله ولي الذين آمنوا ما دام # فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى # [البقرة: 256] وكأن الحق يشرح ذلك بهذه الآية، فما دام العبد سيتصل ~~بالعروة الوثقى ويستمسك بها، وهذه ليست لها انفصام فقد صارت ولايته لله، ~~وكلمة " ولي " إذا سمعتها هي من " ولي " أي: جاء الشيء بعد الشيء من ~~غير فاصل هذا يليه هذا، وما دام يليه من غير فاصل فهو الأقرب له، وما دام ~~هو الأقرب له إذن فهو أول من يفزع لينقذ، فقد يسير معي إنسان فإذا التوت ~~قدمي أناديه لأنه الأقرب مني، وهو الذي سينجدني. فلا يوجد فاصل، وما دام ~~لا يوجد فاصل فهو أول من تناديه، وأول من يفزع إليك بدون أن تصرخ له لأن ~~من معك لا تقل له: خذ بيدي، إنه من نفسه يأخذ بيدك بلا شعور، إذن فكلمة { ~~الله ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257] إذا نظرت إليها ~~وجدتها تنسجم أيضا مع " سميع وعليم " ، فلا يريدك أن تناديه لأن هناك من ~~تصرخ عليه لينجدك، وهو لن تصرخ عليه لأنه سميع وعليم، { الله ولي ~~الذين آمنوا } [البقرة: 257]. وكلمة " ولي " أيضا منها مولى ~~ومنها وال، { ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257] أي هو الذي ~~يتولى شئونهم وأمورهم، كما تقول: الوالي الذي تولى أمر الرعية، وكلمة ~~" مولى " مرة تطلق على السيد، ومرة تطلق على خادمه، ولذلك يقول ~~الشاعر: # مولاك يا مولاي طالب حاجة # أي عبدك يا سيدي طالب حاجة، فهي تستعمل في معان مترابطة لأننا قلنا: " ~~ولي " تعني القريب، فإذا كان العبد في حاجة إلى شيء فمن أول من ~~ينصره؟ سيده، وإذا نادى السيد، فمن أول مجيب له؟ إنه خادمه، ms0827 إذن فيطلق ~~على السيد ويطلق على العبد، ويطلق على الوالي، { الله ولي ~~الذين آمنوا } [البقرة: 257]. وقوله الحق: " الذين آمنوا " يعني ~~جماعة فيها أفراد كثيرة، كأنه يريد من الذين آمنوا أن يجعلوا إيمانهم ~~شيئا واحدا، وليسوا متعددين، أو أن ولاية الله لكل فرد على حدة تكون ~~ولاية لجميع المؤمنين، وما داموا مؤمنين فلا تضارب في الولايات لأنهم ~~كلهم صادرون وفاعلون عن إيمان واحد، ومنهج واحد، وعن قول واحد، وعن فعل ~~واحد، وعن حركة واحدة. وكيف يكون { الله ولي الذين آمنوا } ~~[البقرة: 257]؟ إنه وليهم أي ناصرهم. ومحبهم ومجيبهم ومعينهم، هو وليهم ~~بما أوضح لهم من الأدلة على الإيمان، هل هناك حب أكثر من هذا؟ هل تركنا ~~لنبحث عن الأدلة أو أنه لفتنا إلى الأدلة؟ وتلك هي ولاية من ولايات الله. ~~فقبل أن نؤمن أوجد لنا الأدلة، وعندما آمنا والانا بالمعونة، وإن ~~حاربنا خصومنا يكن معنا، وبعد ذلك تستمر الولاية إلى أن يعطينا الجزاء ~~الأوفى في الآخرة، إذن فهو ولي في كل المراحل، بالأدلة قبل الإيمان ~~ولي. # ومع الإيمان استصحابا يكون ناصرنا على خصومنا وخصومه. وفي الآخرة هو ~~ولينا بالمحبة والعطاء ويعطينا عطاء غير محدود، إذن فولايته لا تنتهي. ~~{ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور } [البقرة: 257] إنه سبحانه يخرجهم من ظلمات الجهل إلى ~~نور الإيمان لأن الظلمات عادة تنطمس فيها المرائي، فلا يمكن أن ترى شيئا ~~إلا إذا كان هناك ضوء يبعث لك من المرئي أي أشعة تصل إليك، فإن كانت هناك ~~ظلمة فمعنى ذلك أنه لا يأتي من الأشياء أشعة فلا تراها، وعندما يأتي ~~النور فأنت تستبين الأشياء، هذه في الأمور المحسة وكذلك في مسائل ~~القيم، { يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين ~~كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور ~~إلى الظلمات } [البقرة: 257]. هل هم دخلوا النور يا ربنا؟ لنا أن ~~نفهم أن المقصود هنا هم المرتدون الذين وسوس لهم الشيطان فأدخلهم في ~~ظلمات الكفر بعد أن كانوا مؤمنين، أو { يخرجونهم من النور ~~إلى الظلمات } [البقرة: 257]، أي يحولون بينهم وبين النور ms0828 ~~فيمنعونهم من الإيمان كما يقول واحد: أما دريت أن أبي أخرجني من ميراثه؟ ~~إن معنى ذلك أنه كان له الحق في التوريث، وأخرجه والده من الميراث. وهذا ~~ينطبق على الذين تركوا الإيمان، وفضلوا الظلمات. والقرآن يوضح أمر الخروج ~~من الظلمة إلى النور ومن الكفر إلى الإيمان في مواقع أخرى، كقول سيدنا ~~يوسف للشابين اللذين كانا معه في السجن: # ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إني ~~أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل ~~فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا ~~بتأويله إنا نراك من المحسنين * قال لا ~~يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله ~~قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني ~~تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة ~~هم كافرون # [يوسف: 36-37]. فهل كان سيدنا يوسف في ملة القوم الكافرين ثم تركها؟ لا، ~~إنه لم يدخل أساسا إلى ملة القوم الذين لا يؤمنون بالله. إن هذه الملة ~~كانت أمامه، لكنه تركها ورفض الدخول فيها وتمسك بملة إبراهيم عليه ~~السلام. وفي التعبير ما فيه من تأكيد حرية الاختيار. وهناك آية أخرى يقول ~~فيها الحق: # والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا ~~إن الله عليم قدير # [النحل: 70]. إن معنى الآية أن الله قد خلقنا جميعا، وقدر لكل منا ~~أجلا، فمنا من يموت صغيرا، ومنا من يبلغ أرذل العمر، فيعود إلى الضعف ~~وتقل خلايا نشاطه فلا يعلم ما كان يعلمه. وليس معنى الآية أن الإنسان ~~يوجد في أرذل العمر ثم يرد إلى الطفولة. # وعندما يقول الحق: { والذين كفروا أوليآؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } ~~[البقرة: 257] فالحق أورد هنا كلمة أولياء عن الطاغوت، لأن الطاغوت كما ~~قلنا: ألوان متعددة، الشيطان طاغوت، والدجال طاغوت، والساحر طاغوت. وجاء ~~الحق بالخبر مفردا وهو الطاغوت لمبتدأ جمع وهو أولياء، ووصف هؤلاء ~~الأولياء للطاغوت بأنهم يخرجون الذين كفروا من النور إلى الظلمات. لقد ~~أفرد الله الطاغوت وأورد بالجمع الأفراد الذين ينقلهم الطاغوت إلى ~~الظلمات. ولماذا لم يقل الله ms0829 هنا: " طواغيت " بدلا من طاغوت؟ إن الطاغوت ~~كلمة تتم معاملتها هنا كما نقول: " فلان عدل " أو " الرجلان عدل " أو " ~~الرجال عدل ". وعلى هذا القياس جاءت كلمة طاغوت، فالشيطان والدجال ~~والكاهن والساحر والحاكم بغير أمر الله كلهم طاغوت، لقد التزمت الآية ~~بالإفراد والتذكير. فالطاغوت تطلق على الواحد أو الاثنين أو الجماعة، أي ~~أن المخرجين من النور إلى الظلمات هم أولياء الطاغوت، أو من اتخذوا ~~الطواغيت أولياء، وهم إلى النار خالدون. والدخول للنار يكون للطواغيت ~~ويكون لأتباع الطواغيت، كما يقول الحق في كتابه: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98]. إن أتباع الطواغيت، والطواغيت في نار جهنم. وقانا الله ~~وإياكم عذابها. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا صورة واقعية في الكون ~~من قوله: { الله ولي الذين آمنوا } [البقرة: 257]، فهو ~~الولي، وهو الناصر فيقول سبحانه: { ألم تر إلى الذي حآج ~~إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك... }. ### || [2.258] # وساعة تسمع { ألم تر } [البقرة: 258] فأنت تعلم أنها مكونة من همزة ~~هي " أ " وحرف نفي وهو " لم " ، ومنفي هو " تر " والهمزة: تأتي هنا ~~للإنكار، والإنكار نفي بتقريع، ولكنها لم تدخل على فعل مثبت حتى يقال: ~~إنها أنكرت الفعل بعدها، مثلما تقول للولد: أتضرب أباك! هنا الهمزة جاءت ~~لا لتستفهم وإنما أتت تنكر هذه الفعلة، لأن الفعل بعدها مثبت وهو " تضرب ~~" ، وجاءت الهمزة قبله فتسمى " همزة إنكار " للتقريع. إذن فالإنكار: نفي ~~بتقريع إذا دخلت على فعل منفي. وما دام الإنكار نفيا والفعل بعدها منفي ~~فكأنك نفيت النفي، إذن فقد أثبته، كأنه سبحانه عندما يقول للرسول صلى ~~الله عليه وسلم: { ألم تر } [البقرة: 258] فالمقصود " أنت رأيت ". ~~ولماذا لم يقل له: أرأيت؟ لقد جاء بها بأسلوب النفي كي تكون أوقع، فقد ~~يكون مجيء الإثبات تلقينا للمسئول، فعندما يقول لك صديق: أنت لم تسأل ~~عني وأنت تهملني. فأنت قد ترد عليه قائلا: ألم أساعدك وأنت ضعيف؟ ألم ~~آخذ بيدك وأنت مريض؟ لقد سبق أن قدمت خدماتك لهذا الصديق، ولكنك تريد أن ~~تنكر النفي الذي ms0830 يقوله هو، وهكذا نعلم أن نفي النفي إثبات، ولذلك فنحن ~~نأخذ من قوله تعالى من هذه العبارة { ألم تر } [البقرة: 258] على ~~معنى: أنت رأيت، والرؤية تكون بالعين. فهل رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - وهو المخاطب الأول بالقرآن الكريم من ربه - هل رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هذه الحادثة أيام إبراهيم؟ طبعا لا، فكأن { ألم تر ~~} [البقرة: 258] هنا تأتي بمعنى: ألم تعلم. ولماذا جاء ب { ألم تر ~~} [البقرة: 258] هنا؟ لقد جاء بها لنعلم أن الله حين يقول: " ألم تعلم " ~~فكأنك ترى ما يخبرك به، وعليك أن تأخذه على أنه مصدق كأنك رأيته بعينك. ~~فالعين هي حاسة من حواسك، والحاسة قد تخدع، ولكن ربك لا يخدع، إذن ف { ~~ألم تر } [البقرة: 258] تعني: " ألم تعلم علم اليقين " ، وكأنك قد ~~رأيت ما يخبرك به الله، ولذلك يقول تعالى للرسول: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. والرسول ولد عام الفيل، فلم ير هذه الحادثة، وكأن الله ~~يخبره بها ويقول له: ألم تعلم، وكأنه يقول له: اعلم علما يقينا كأنك ~~تراه لأن ربك أوثق من عينيك، وعندما يقال: { ألم تر } [البقرة: 258] ~~فالمراد بها " ألم تر كذا " ، لكن الحق قال: { ألم تر إلى الذي ~~حآج إبراهيم في ربه } [البقرة: 258] واستعمال حرف " إلى " ~~هنا يشير إلى أمر عجيب قد حدث، ومثال ذلك ما نقوله أحيانا: ألم تر إلى ~~زيد يفعل كذا. # فكأن ما فعله زيد أمر عجيب، وكأنه ينبه هنا إلى الالتفات إلى نهاية ~~الأمر، لأن " إلى " تفيد الوصول إلى غاية، فكأنها مسألة بلغت الغاية في ~~العجب، فلا تأخذها كأنك رأيتها فقط، ولكن انظر إلى نهايتها فيما حدث. ~~والحق يقول هنا: { ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ~~ربه } [البقرة: 258] و " إلى " جاءت هنا لتدل على أنه أمر بلغ من ~~العجب غاية بعيدة، وهو بالفعل قد بلغ من العجب غاية بعيدة، والحق سبحانه ~~وتعالى لم يقل لنا من هو ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم في ربه، لأنه لا ~~يعنينا التشخيص سواء كان ms0831 النمروذ أو غيره. فإذا ذهب بعض المفسرين إلى ~~القول: إنه ملك واسمه النمروذ. فإننا نقول لهم شكرا لاجتهادكم، ولكن لو ~~شاء الله تحديد اسم الرجل لحدده لنا، والذي يهمنا هو أنه واحد خرج على ~~رسول الله إبراهيم عليه السلام وجادله في هذه المسألة، والتشخيص هنا ليس ~~ضروريا، والحق سبحانه وتعالى حينما يريد شيوع الأمر وإمكان حدوثه في أي ~~زمان أو مكان فإن الله لا يشخص الأمر، فأي إنسان في أي مكان قد يحاجج أي ~~مؤمن. وليس كذلك الأمر بالنسبة لأي تشخيص أو تحديد، ومثال ذلك هؤلاء ~~الذين يريدون أن يعرفوا قصة أهل الكهف، ويتساءلون: أين ومتى، وكم عددهم، ~~ومن هم؟ ونقول: لو جاءت واحدة من هؤلاء لفسدت القصة لأنه لو حددنا زمانها ~~سيأتي واحد يقول لك: مثل ذلك الزمان الذي حدثت فيه القصة كان يسمح بها. ~~ولو حددنا المكان سيقول آخر: إن المكان كان يسمح بهذه المسألة. ولو حددنا ~~الأشخاص بأسمائهم فلان وفلان، فسيقول ثالث: إن مثل هذه الشخصيات يمكن أن ~~يصدر منها مثل هذا السلوك وأنى لنا بقوة إيمان هؤلاء؟ والحق لم يحدد ~~الزمان والمكان والأشخاص وجاء بها مبهمة ليدل على أن أي فتية في أي زمان ~~وفي أي مكان يقولون ما يقولون، ولو شخصها في واحد لفسد المراد. لننظر إلى ~~دقة الحق حين ضرب مثلا للذين كفروا بامرأة نوح وامرأة لوط حين قال جل ~~وعلا: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين # [التحريم: 10]. ولم يحدد لنا اسم امرأة من هاتين المرأتين، بل ذكر الأمر ~~المهم فقط وهو أن كلا منهما زوجة لرسول كريم، ولكن كلا منهما أصرت على ~~الكفر فدخلتا النار. ولكن الحق سبحانه وتعالى حين أراد التخصيص بحادث لن ~~يتكرر في أي زمان أو مكان جاء بذكر السيدة مريم بالتشخيص والتحديد الواضح ~~حين قال: # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها ms0832 ~~وكتبه وكانت من القانتين # [التحريم: 12]. تحديد الحق لمريم بالاسم والحادث لماذا؟ لأن الواقعة غير ~~قابلة للتكرار من أية امرأة أخرى. التشخيص هنا واجب لأنه لن تلد امرأة ~~من غير زوج إلا هذه، إنما إذا كانت المسألة ستتكرر في أي زمان أو مكان ~~فهو سبحانه يأتي بوصفها العام، ومثال ذلك قول الحق: { ألم تر إلى ~~الذي حآج إبرهم } [البقرة: 258] فلم يقل لنا: من هو؟ و " ~~حاج " أصلها " حاجج " ، مثل " قاتل " و " شارك ". وعندما يكون هناك ~~حرفان مثلان، فنحن نسكن الأول وندغم الثاني فيه وذلك للتخفيف، فتصير حاج، ~~و " حاج " من مادة " فاعل " التي تأتي للمشاركة، وحتى نفهم معنى " ~~المشاركة ". إليكم هذا المثال: نحن نقول: قاتل زيد عمرا، أو نقول: قاتل ~~عمرو زيدا، ومعنى ذلك أن كلا منهما قد تقاتل، وكلاهما فاعل ومفعول ~~في الوقت نفسه، لكننا غلبنا جانب الفاعل في واحد، وجانب المفعول في ~~الثاني. برغم أن كلا منهما فاعل ومفعول معا. ومثال آخر، حين نقول: شارك ~~زيد عمرا، وشارك عمرو زيدا، إذن فالمفاعلة جاءت من الاثنين، هذا فاعل ~~وهذا مفعول، لكننا عادة نغلب الفاعلية فيمن بدأ، والمفعولية في الثاني، ~~وإن كان الثاني فاعلا أيضا. ولذلك يقول الشاعر عندما يريد أن يشرح حال ~~إنسان يمشي في مكان فيه حيات كثيرة ومتحرزا من أن حية تلدغه فقال: # قد سالم الحيات منه القدم # الأفعوان والشجاع القشعما # إن الشاعر هنا يصف لنا إنسانا سار في مكان مليء بالحيات، وعادة ما يخاف ~~الإنسان أن تلدغه حية، لكن هذا الإنسان الموصوف في هذا البيت نجد أن ~~الحيات قد سالمت قدمه، أي لم تلدغه لأنه لم يهجها، والثعابين عادة لا ~~تلدغ إلا من يبدأها بالإهاجة، نجد هنا أن الفاعل هو الحيات لأنها سالمت ~~قدمه. ويصح أيضا أن نقول: إن القدم هي التي سالمت الحيات. ونحن نعرف من ~~قواعد اللغة ما درسناه قديما ما يسمى بالبدل، والبدل يأخذ حكم المبدل ~~منه، فإن كان المبدل منه مرفوعا جاء البدل مرفوعا، وإن كان المبدل منه ~~منصوبا جاء البدل منصوبا، وإن ms0833 كان المبدل منه مجرورا كان البدل كذلك. ~~هنا جاءت " الحيات " في هذا البيت من الشعر مرفوعة ولكن الأفعوان جاءت ~~في البيت منصوبة مع أنها بدل من مرفوع هو " الحيات " لأنه لاحظ ما فيها ~~أيضا من المفعولية فأتى بها منصوبة. كما أن بالإمكان أن تقرأ " الحيات ~~" بالنصب و " القدم " بالرفع لأن كلا منهما فاعل ومفعول من حيث المسالمة. ~~وكذلك في قول الحق سبحانه: { ألم تر إلى الذي حآج ~~إبرهم } [البقرة: 258] نحن نلاحظ أن كلمة " إبراهيم " تأتي في ~~الآية الكريمة منصوبة بالفتحة، أي يغلب عليها المفعولية. # فمن إذن الذي حاج إبراهيم؟ إنه شخص ما، وهو الفاعل لأنه الذي بدأ ~~بالمحاجة، وهكذا تدلنا الآية الكريمة، وتصف الآية ذلك الرجل { أن ~~آتاه الله الملك } [البقرة: 258] أي أن الرجل قد وهبه الله ~~الملك وقد حاج هذا الرجل إبراهيم في ربه، فكأن هذا الرجل هو الذي بدأ ~~الحجاج قائلا لإبراهيم: من ربك؟ فقال إبراهيم عليه السلام: { ربي ~~الذي يحيي ويميت } [البقرة: 258] وهذه هي براعة القرآن في أن ~~يترك الشيء ثقة بأن السامع يرد كل شيء إلى أصله، فقوله الحق: { إذ ~~قال إبرهم ربي الذي يحيي ويميت } [البقرة: 258] ~~فكأن الذي حاج إبراهيم سأله: من ربك؟ فقال إبراهيم: { ربي الذي ~~يحيي ويميت } [البقرة: 258]. ولنا أن نلحظ أن هذه الآية قد جاءت ~~بعد قوله الحق في الآية السابقة: # الله ولي الذين آمنوا # [البقرة: 257]، والولاية هي النصر والمحبة والمعونة، فيريد سبحانه أن ~~يبين لنا كيف أعان الله إبراهيم على من حاجه، إلا أن الذي حاج إبراهيم ~~دخل في متاهات السفسطة بعد أن سمع قول إبراهيم: { ربي الذي ~~يحيي ويميت } [البقرة: 258]، وقد جاء الحق ب " يحيي ويميت " ~~لأن تلك القضية هي التي لم يدع أحد أنه فعلها، ولم يدع أحد أنه شريك ~~فيها، حتى الكافرون إذا سألتهم: من الذي خلق؟ يقولون الله. إذن فهذه قضية ~~ثابتة. إلا أن الخصم الذي حاج إبراهيم أراد أن ينقل المحاجة نقلة ~~سفسطائية. والسفسطة كما نعلم هي الكلام الذي يطيل الجدل بلا نهاية. وقال ~~الرجل الذي ms0834 يحاج إبراهيم عليه السلام: إذا كان ربك الذي يحيي ويميت فأنا ~~أحيي وأميت. فسأله إبراهيم عليه السلام كيف تحيي أنت وتميت؟ قال الرجل: ~~أنا أقدر أن أقتل ما عندي من مساجين وأقدر ألا أقتلهم، فالذي لم أقتله ~~كأنني أحييته، والذي قتلته فقد أمته. ولم يقل سيدنا إبراهيم لنتفق أولا ~~ما الحياة؟ وما الموت؟ ذلك أن إبراهيم خليل الرحمن لم يشأ أن يطيل هذه ~~المجادلة، فجاء له بأمر يلجمه من البداية وينتهي الجدل، فقال له: { ~~فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت الذي كفر } [البقرة: 258]. وهكذا أنهى سيدنا ~~إبراهيم هذا الجدل. كان من الممكن أن يدخل معه سيدنا إبراهيم في جدل، ~~ويقول له: ما هي الحياة؟ ونحن نعرف أن الحياة هي إعطاء المادة ما يجعلها ~~متحركة حساسة مريدة مختارة، أما الموت فهو إخراج الروح من الجسد، فالذي ~~يقتل إنسانا إنما يخرج روحه من جسده، والقتل يختلف عن الموت لأن الموت ~~خروج الروح من الجسد بدون جرح، أو نقض بنية، أو عمل يفعله الإنسان في ~~بدنه كالانتحار. # وقد يكون الإنسان جالسا مكانه وينتهي عمره فيموت، ولا أحد قادر قبل ذلك ~~أن يقول له: مت فيموت، هذا هو الموت، لكن إزهاق الروح بجرح جسيم أو نقض ~~بنية فهذا هو القتل وليس الموت، ولذلك يجعل الله القتل مقابلا للموت، في ~~قوله تعالى: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ~~ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي ~~الله الشاكرين * وما كان لنفس أن تموت إلا ~~بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا ~~نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ~~وسنجزي الشاكرين # [آل عمران: 144-145]. وقد أوضح لنا الله سبحانه وتعالى الفرق بين الموت ~~والقتل، وجعل كلا منهما مقابلا للآخر، فعندما أشيع أن رسول الله قد قتل، ~~هم بعض المسلمين بالارتداد إلى الكفر، فأنكر الله عليهم ذلك قائلا: ~~إن محمدا رسول من عند الله قد مات من قبله المرسلون ms0835 أفإن مات أو قتل ~~رجعتم عن الإيمان للكفر، ومن يفعل ذلك فإنما يضر نفسه، والثواب عند ~~الله للثابتين على منهج الله الشاكرين لنعمه، أوضح لنا الحق أن موت أي ~~إنسان لا يمكن أن يحدث إلا بإذن الله، وقد كتب الله ذلك في كتاب مشتمل ~~على الآجال. ويريد الله أن ينبهنا ويلفتنا إلى حقيقة هامة وهي أن الرسل ~~في جدلهم مع أممهم أو مع المناقشين لهم لا يكون الهدف أن النبي يظفر ~~بالغلبة وإنما يكون الهدف بالنسبة للرسول أو النبي أن يصل إلى الحقيقة، ~~ولذلك لم يتوقف إبراهيم عليه السلام مع الرجل الذي يحاجه في الله عند ~~نقطة الإحياء والإماتة لأنه رأى في مناقشة الرجل لونا من السفسطة. ~~وعلينا ونحن نتدبر آيات القرآن بالخواطر الإيمانية أن نفهم الفرق بين ~~الإماتة والقتل. الصحيح أن الإماتة والقتل يشتركان في أمر واحد وهو خروج ~~الروح من الجسد. والإماتة تختلف عن القتل بأنه لا يقدر عليها إلا واهب ~~الحياة الذي وضع مقومات خاصة في البنية الإنسانية حتى تسكنها الروح، وهو ~~القادر على أن يسلب الروح بأمر غير محس. أما القتل فهو أن تجرح إنسانا ~~فيموت، أو تنقض بنيته، تكسر له رأسه مثلا، أما " الإماتة " فهي أن ~~تنقبض حياته بمجرد الأمر دون أن تقربه، هل أحد من البشر يقدر على هذه؟ ~~لا. إذن فالذي حاج إبراهيم لم يحي الذي قال: إنه سيتركه بدون عقوبة، إنه ~~لم يقتله، لكنه أبقى الحياة التي كانت فيه، هذا إذا أردنا أن ندخل في ~~جدل. والله قد جعل القتل مقابلا للموت، صحيح أنهما ينتهيان بأن لا روح، ~~لكن هناك فرق بين أن تؤخذ الروح بدون هذه الوسائل. وأن تترك الروح ~~البدن لأن بنيته قد تهدمت. # وإياك أن تظن أن الروح لا تخضع لقوانين معينة، إن الروح لا تحل إلا في ~~مادة خاصة، فإذا انتهت المقومات الخاصة في المادية فالروح لا تسكنها، فلا ~~تقل: إنه عندما ضربه على رأسه أماته! لا، هو لم يخرج الروح لأن الروح ~~بمجرد ما انتهت البنية تختفي. ms0836 والمثال الذي يوضح ذلك: لنفترض أن أمامنا ~~نورا، إذا كسرت الزجاجة يذهب النور. هل الزجاجة هي النور؟ لا، لكن ~~الكهرباء لا تظهر إلا في هذه الزجاجة، كذلك الروح لا توجد إلا في بنية ~~لها مواصفات خاصة، إذن فالقاتل لا يخرج الروح ولكنه يهدم البنية بأمر ~~محس فالأمر الغيبي وهو الروح لا يسكن في بنية مهدومة. { ألم تر ~~إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله ~~الملك } [البقرة: 258]، انظر إلى الطغيان، أتجعل إيتاء الملك وهو ~~نعمة وسيلة إلى التمرد على من أنعم عليك بهذا؟ أتجعل شكر النعمة بأنك ~~تخالف المنعم؟ من الذي أبطره؟ أأبطره أن آتاه الله الملك؟ وكيف يعين الله ~~واحدا ليس مؤمنا به؟ والملك - بمعنى الأمر والنهي - إنما يكون ~~للمبلغ عن الله، إنما الملك الآخر ملك السلطان بأن يحكم إنسانا ~~على جماعة، فمن الجائز أن يكون مؤمنا، وأن يكون كافرا. وقوله { أن ~~آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي ~~يحيي ويميت } [البقرة: 258] هو جواب على من قال: " من ربك " ~~فجاءته إجابة إبراهيم عليه السلام { ربي الذي يحيي ويميت ~~قال أنا أحيي وأميت } [البقرة: 258] وعرفنا ما في هذا الأمر ~~من سفسطة، فلم يقل له إبراهيم: أأنت تحيي وتميت، بل ينقله إلى أمر آخر، ~~كأنه قد قال له: اترك الأمر الغيبي وهو الروح، وتعالى للأمر المشهود { ~~قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } ~~[البقرة: 258]. ولأن الله ولي الذين آمنوا فهو سبحانه لم يلهم المحاج أن ~~يرد كان يستطيع أن يقول له: اجعل من يأتي بها من المشرق يأت بها من ~~المغرب، لكنه لم يقلها! مما يدل على أنه غبي! أو يكون ذكيا فيقول: إن ~~الرب الذي معه بهذا الشكل قد يفعلها، فخاف. إذن ف # الله ولي الذين آمنوا # [البقرة: 257] حقا. وهو سبحانه # يخرجهم من الظلمات إلى النور # [البقرة: 257]. وما معنى كلمة " بهت "؟ إن البهت يأخذ ثلاث صور: ~~الصورة الأولى: الدهشة نقله فيما يمكن أن تحدث فيه مماحكة إلى ما لا ~~تحدث ms0837 فيه مماحكة وجدال، أراد أن يجد أمرا يرد به فلم يقدر، مثلما قال: ~~أنا أحيي وأميت، لقد دهش، وأول ما فاجأه هو الدهش، ثم كان التحير، أراد ~~أن يجد أي مخرج من هذه الورطة فلم يجد، إذن فقد هزم. فهذه هي نهاية ~~البهت. # ف " بهت " تعني أنه دهش أولا، فتحير في أن يرد ثانيا، فكان نتيجة ~~ذلك أنه هزم ثالثا، وهذا أمر ليس بعجيب لأنه ما دام كافرا فليس له ~~ولي، أو وليه من لا يقدر # أوليآؤهم الطاغوت # [البقرة: 257]، أما إبراهيم خليل الرحمن فوليه الله. ويختم الحق الآية ~~بقوله: { والله لا يهدي القوم الظالمين } [البقرة: 258] ~~لا يهديهم إلى برهان، ولا إلى دليل، ولا إلى حاجة، لأن وليهم الشيطان، { ~~والله لا يهدي القوم الظالمين } [البقرة: 258] والآية ~~التي تأتي من بعد ذلك كلها ستتدخل في الحياة والموت، ومن المهم أن الآية ~~تدخل في الحياة والموت كي لا نفهم أن إبراهيم إنما ترك المحاجة مع ذلك ~~الذي حاجه في أمر الموت والحياة هربا من الكلام فيها، لذلك يريد الله ~~أن يستوفي تلك القضية استيفاء في قصص متعددة، ويبسط الحق القضية التي عدل ~~عنها إبراهيم وهي الموت والحياة فيقول سبحانه: { أو كالذي مر ~~على قرية وهي خاوية على عروشها... }. ### || [2.259] # وعندما ننظر إلى بداية الآية نجدها تبدأ ب " أو " ، وما بعد " أو " ~~يكون معطوفا على ما قبلها، فكأن الحق يريد أن يقول لنا: أو ألم تر إلى ~~مثل الذي مر على قرية. وعندما تسمع كلمة " قرية " فإنها تفيد تجمع جماعة ~~من الناس يسكنون في مكان محدود، ونفهم أن الذي مر على هذه القرية ليس من ~~سكانها، إنما هو قد مر عليها سياحة في رحلة. ونلحظ كذلك أن الحق سبحانه ~~لم يشأ أن يأتي لنا باسم القرية أو باسم الذي مر عليها. قال البعض: إنه ~~هو أرمياء بن حلقيا أو هو الخضر، أو هو عزير، وقد قلنا من قبل: إنه إذا ~~أبهم الحق فمعناه: لا تشخص الأمر، فيمكن لأي أحد أن يحدث معه هذا. { أو ms0838 ~~كالذي مر على قرية } [البقرة: 259]. وقالوا: إنها بيت ~~المقدس، { وهي خاوية على عروشها } [البقرة: 259] وحتى نفهم ~~معنى خاوية على عروشها، لنا أن نعرف أنني عندما أقول: " أنا خويان " أي " ~~أنا بطني خاوية ": " جوعان " ف " خاوية " المقصود بها أنها قرية خالية ~~من السكان، وقد تكون أبنيتها منصوبة، لكن ليس فيها سكان، والحق بقوله عن ~~تلك القرية: إنها خاوية على عروشها، و " العرش " يطلق على البيت من ~~الخيام، ويطلق كما نعرف على السقف، فإذا قال: { خاوية على ~~عروشها } [البقرة: 259] أي أن العرش قد سقط أولا، ثم سقطت الجدران ~~عليه، مثلما نقول في لغتنا العامية: " جاب عاليها على واطيها ". وعندما ~~يمر إنسان على قرية مثل هذه القرية فلا بد أن مشهدها يكون شيئا لافتا ~~للنظر، قال: { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } ~~[البقرة: 259] فكأنه يسأل عن القرية، وعن إماتة وإحياء الناس الذين ~~يسكنون القرية. والحق حين يذكر القرية في القرآن فهو يقصد في بعض الأحيان ~~الحديث عن أهلها مثل قوله تعالى: # وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي ~~أقبلنا فيها وإنا لصادقون # [يوسف: 82]. إن أبناء يعقوب عليه السلام حين عادوا من مصر وتركوا أخاهم ~~الأصغر مع يوسف عليه السلام قالوا لأبيهم: أرسل من يأتيك بشهادة أهل مصر ~~واسأل بنفسك زملاءنا الذين كانوا معنا في القافلة، وسيقولون لك: إننا قد ~~تركنا أخانا بمصر. لكن سؤال الذي مر على القرية الخاوية على عروشها هو ~~سؤال عن أهلها. { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } ~~[البقرة: 259] وساعة تسمع " أنى " فهي تأتي مرة بمعنى " كيف " ، ومرة ~~تأتي بمعنى: " من أين " ، والمناسب لها هنا هو أن يكون السؤال كالتالي: " ~~كيف يحيي الله هذه بعد موتها "؟ وقوله هذا يدل على أنه مؤمن، فهو لا يشك ~~في أن قضية الإحياء من الله، وإنما يريد أن يعرف الكيفية، فكأنه مؤمن بأن ~~الله هو الذي يحيي ويميت، وهذه ستأتي في قصة سيدنا إبراهيم: # أرني كيف تحيي الموتى.. # [البقرة: 260]. هو لا يشك في أن الله يحيي الموتى، إنما يريد أن يرى ~~كيف تتم هذه ms0839 الحكاية لأن الذي يريد أن يعرف كيفية الشيء، لابد أن متعجب ~~من وجود هذا الشيء، فيتساءل: كيف تم عمل هذا الشيء؟ مثلما نرى الأهرام، ~~ونحن لا نشك أن الأهرام مبنية بهذا الشكل، لكننا نتساءل فقط: كيف بنوها؟ ~~كيف نقلوا الحجارة بضخامتها لأعلى ولم يكن هناك سقالات أو روافع آلية؟ ~~إذن فنحن نتعجب فقط، والتعجب فرع الإيمان بالحدث. والسؤال عن الكيفية ~~معناه التيقن من الحدث، فقول الحق: { أنى يحيي هذه الله ~~} [البقرة: 259].. يعني: كيف يحيي الله هذه القرية بعد موتها، فكأن ~~القائل لا يشك في أن الله يحيي، ولكنه يريد الكيفية، والكيفية ليست مناط ~~إيمان، فالله لم ينهنا عن التعرف على الكيفية فهو يعلم أننا نؤمن بأنه ~~قادر على إيجاد هذا الحدث. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فمصمم ~~الملابس عندما يقوم بتفصيل أزياء جميلة، أنت تراها، فأنت تتيقن من أنه ~~صانعها، ولكنك تتعجب فقط من دقة الصنعة، وتقول له: بالله كيف عملت هذه؟ ~~كأنك قد عشقت الصنعة! فتشوقت إلى معرفة كيف صارت، فما بالنا بصنعة الحق ~~تبارك وتعالى؟ إنك تندهش وتتعجب لتعيش في ظل السر السائح من الخالق في ~~المخلوق، وتريد أن تنعم بهذه النعم. ومثال آخر - ولله المثل الأعلى من ~~قبل ومن بعد - أنت ترى مثلا لوحة رسمها رسام، فتقول له: بالله كيف مزجت ~~هذه الألوان؟ أنت لا تشك في أنه قد مزج الألوان. بل تريد أن تسعد نفسك ~~بأن تعرف كيف رسمها، إذن فقوله وقول إبراهيم بالسؤال في الإحياء والإماتة ~~فيما يأتي ليس معناه أنه غير مؤمن بل هو عاشق ومشتاق لأن يعرف الكيفية ~~ليعيش في جو الإبداع الجمالي الذي أنشأ هذه الصنعة. ونعلم أن إحياء الناس ~~سيترتب عليه إحياء القرية، فالإنسان هو باعث الحركة التي تعمر الوجود، ~~والناس لهم حياة ولهم موت، والقرية بأنقاضها وجدرانها وعروشها لها حياة ~~ولها موت. وعندما سأل العبد هذا السؤال، أراد الله أن تكون الإجابة تجربة ~~معاشة في ذات السائل لذلك يأتي القرآن بالقول { فأماته الله ~~مائة عام } [البقرة: 259]. إن صاحب السؤال ms0840 قد أراد أن يعرف ~~الكيفية، وطلبه هو إيمان دليل، ليصبح فيما بعد إيمانا بواقع مشاهد { ~~فأماته الله مائة عام } [البقرة: 259] لقد جعل الله الأمر ~~والتجربة في السائل ذاته وهذا إخبار الله. # لقد أماته مائة عام، والعام هو الحول، وقد سموا " الحول " عاما لأن ~~الشمس تعوم في الفلك كله في هذه المدة، والعوم سبح، والحق يقول: # وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. ولذلك نسميه عاما. { فأماته الله مائة عام ~~ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض ~~يوم } [البقرة: 259]، فكأن الله قال له كلاما كما كلم موسى، أو سمع ~~صوتا أو ملكا أو أن أحدا من الموجودين رأى التجربة. فالمهم أن هناك ~~سؤالا وجوابا. ويخبرنا الحق سبحانه بحوار دار في هذا الشأن، السؤال هو: ~~كم لبثت؟ فأجاب الرجل: لبثت يوما أو بعض يوم. وإجابة الرجل تعني أنه قد ~~تشكك، فقد وجد اليوم قد قارب على الانتهاء أو انتهى، أو أنه عندما رأى ~~الشمس مشرقة أجاب هذه الإجابة: { لبثت يوما أو بعض يوم } ~~[البقرة: 259] أو يكون قد قال ذلك لأنه لا يستطيع أن يتحكم في تقدير ~~الزمن. فهل هو صادق في قوله أو كاذب؟ إنه صادق، لأنه لم ير شيئا قد تغير ~~فيه ليحكم بمقدار التغير، فلو كان قد حلق لحيته مثلا، وقام بعد ذلك ليجد ~~لحيته قد طالت، أو قد نام بشعر أسود، وقام بعد ذلك بشعر أشيب، فلو حدثت ~~أية تغيرات فيه لكان قد لمسها، لكنه لم يجد تغيرا. فماذا كان جواب الحق؟ ~~قال الحق: { بل لبثت مائة عام } [البقرة: 259]. إننا هنا ~~أمام طرفين ويكاد الأمر أن يصبح لغزا، طرف يقول: { لبثت يوما ~~أو بعض يوم } [البقرة: 259] ورب يقول: { بل لبثت مائة ~~عام } [البقرة: 259]. ونريد أن نحل هذا اللغز. إن الحق سبحانه صادق ~~ومنزه، والعبد المؤمن صادق في حدود ما رأى من أحواله. ونريد دليلا على ~~هذا، ودليلا على ذاك. نريد دليلا على صدق العبد في قوله: { لبثت ~~يوما أو بعض يوم } [البقرة: 259]. ونريد من الحق سبحانه ~~وتعالى دليل ms0841 اطمئنان لا دليل برهان على أن الرجل قد مات مائة عام وعاد ~~إلى الحياة. ونقول: إن في القصة ما يؤيد { لبثت يوما أو بعض ~~يوم } [البقرة: 259]، وما يؤيد { بل لبثت مائة عام } ~~[البقرة: 259]، فقد كان مع الرجل حماره، وكان معه طعامه وشرابه من عصير ~~وعنب وتين. فقال الحق سبحانه وتعالى: { لبثت مائة عام } ~~[البقرة: 259]، وأراد أن يدلل على الصدق في القضيتين معا قال: { ~~فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } [البقرة: ~~259]، ونظر الرجل إلى طعامه وشرابه فوجد الطعام والشراب لم يتغيرا، وهذا ~~دليل على أنه لم يمكث إلا يوما أو بعض يوم، وبذلك ثبت صدق الرجل، بقيت ~~قضية " مائة عام ". فقال الحق: { وانظر إلى حمارك ~~ولنجعلك آية للناس } [البقرة: 259] وهذا القول يدل على أن ~~هنا شيئا عجيبا، وأراد الله أن يبين له بنظرة إلى الحمار دليلا على ~~صدق مرور مائة عام، ووجد الرجل حماره وقد تحول عظاما مبعثرة، ولا يمكن ~~أن يحدث ذلك في زمن قصير، فإن موت الحمار أمر قد يحدث في يوم، لكن أن ~~يرم جسمه، ثم ينتهي لحمه إلى رماد، ثم تبقى العظام مبعثرة، فتلك قضية ~~تريد زمانا طويلا لا يتسع له إلا مائة عام، فكأن النظر إلى الحمار هو ~~دليل على صدق مرور مائة عام، والنظر إلى الطعام دليل على صدق " يوما أو ~~بعض يوم ". # فالقضية إذن قضية عجيبة، وكيف طوي الزمن في مسألة الطعام، وكيف بسط ~~الزمن في مسألة الحمار. إنه سبحانه يظهر لنا أنه هو القابض الباسط، فهو ~~الذي يقبض الزمن في حق شيء، ويبسط الزمن في حق شيء آخر، والشيئان ~~متعاصران معا. وتلك العملية لا يمكن أن تكون إلا لقدرة طليقة لا تملكها ~~النواميس الكونية، وإنما هي التي تملك النواميس. وقد قال الحق سبحانه: { ~~ولنجعلك آية للناس } [البقرة: 259]، فمن هم الناس الذين ~~سيجعل الله من قضية الذي مر على قرية آية لهم؟ كان لابد أن يوجد أناس ~~في القصة، لكن القرية خاوية على عروشها، وليس فيها إنسان أو بنيان، أهم ~~الذين كانوا في القرية ms0842 أم سواهم؟ قال بعض المفسرين هذا، وقال البعض الآخر ~~الرأي المضاد. وأصدق شيء يمكن أن يتصل بصدق الله في قوله: { ~~ولنجعلك آية للناس } [البقرة: 259] هو قبض الله للزمن في حق ~~شيء، وبسطه في حق شيء آخر، وعزير كما قال جمهرة العلماء هو الذي مر على ~~قرية، وعزير هذا كان من الأربعة الذين يحفظون التوراة، فلم يحفظ التوراة ~~إلا أربعة: موسى، وعيسى، وعزير، ويوشع، وقد أراه الله العظام وكيف ينشزها ~~ويرفعها فتلتحم ثم يكسوها لحما، أي أراه عملية الإحياء مشهديا، وفي هذا ~~إجابة للسؤال: { أنى يحيي هذه الله بعد موتها } ~~[البقرة: 259]؟ والحق يقول: { وانظر إلى العظام كيف ~~ننشزها } [البقرة: 259] و " ننشزها " أي نرفعها، ورأى " عزير " كل ~~عظمة في حماره، وهي ترفع من الأرض، وشاهد كل عظمة تركب مكانها، وبعد ~~تكوين الهيكل العظمي للحمار بدأت رحلة كسوة العظام لحما، وبعد ذلك تأتي ~~الحياة. لقد وجد عزير إجابة في نفسه، ووجد إجابة في الحمار، ومن بعد ذلك ~~تذكر قريته التي خرج منها، وأراد العودة إليها، فلما عاد إليها وجد أمرها ~~قد تغير بما يتناسب مع مرور مائة عام، وكان في تلك القرية مولاة لهم، أي ~~أمة في أسرته، وكانت هذه الأمة قد عميت وأصبحت مقعدة، فلما دخل وقال: أنا ~~العزير. قالت الأمة: ذهب العزير من مائة عام ولا ندري أين ذهب ولم يعد؟ ~~قال: أنا العزير. # قالت: إن للعزير علامة، هذه العلامة أنه مجاب الدعوة، ولم تنس نفسها. ~~قالت: فإن كنت العزير فادع الله أن يرد علي بصري وأن يخرجني من قعودي ~~هذا. فدعا عزير الله فبرئت، فلما برئت نظرت إليه فوجدته هو العزير فذهبت ~~إلى قومها وأعلنت أن العزير قد عاد. وبعد ذلك ذهب العزير إلى ابنه، فوجده ~~رجلا قد تجاوز مائة سنة، وكان العزير لا يزال شابا في سن خمسين سنة. ~~ولذلك ترى الشاعر يقول ملغزا: وما ابن رأى أباه وهو في ضعف عمره؟ ~~والمقصود بهذا اللغز هو العزير الذي أماته الله وهو في الخمسين ثم أحياه ~~الله في عمره نفسه ms0843 بعد مائة عام، والتقى العزير بابنه. قال الابن: كنت ~~أسمع أن لأبي علامة بين كتفيه " شامة ". فلما كشف العزير كتفه لابنه وجد ~~الشامة. وتثبت أهل القرية من صدق عزير: بشيء آخر هو أن " بختنصر " ~~حينما جاء إلى بيت المقدس وخربها حرق التوراة، إلا أن رجلا قال: إن أباه ~~قد دفن في مكان ما نسخة من التوراة، فجاءوا بالنسخة، قال العزير: وأنا ~~أحفظها. وتلا العزير التوراة كما وجدت في النسخة، فصدق القوم أنه ~~العزير، وتعجب الناس وهم يشاهدون ابنا تخطى المائة وأبا في سن الخمسين. ~~ولذلك يذيل الحق الآية بالقول: { قال أعلم أن الله على ~~كل شيء قدير } [البقرة: 259]. ألم يكن قبل ذلك يعلم أن الله على ~~كل شيء قدير؟ نعم كان يعلم علم الاستدلال، وهو الآن يعلم علم المشهد، علم ~~الضرورة، فليس مع العين أين. إذن ف { أعلم أن الله على ~~كل شيء قدير } [البقرة: 259] هي تأكيد وتعريف بقدرة الله على أن ~~يبسط الزمن ويقبضه، وقدرة الله على الإحياء والإماتة، فصار يعلم حق ~~اليقين بعد أن كان يعلم علم اليقين. وهذه المسألة تفسر ما يقوله العلم ~~الحديث عن تعليق الحياة. ومعنى تعليق الحياة هو يشبه ما تفعله بعض ~~الثعابين عندما تقوم بالبيات الشتوي، أي تنكمش في الشتاء في ذاتها ولا ~~تبدي حركة، وتظل هكذا إلى أن يذهب الشتاء، ومدة البيات الشتوي لا تحتسب ~~من عمر الثعابين، ولذلك يقال: إن ذلك هو عملية تعليق الحياة. وهذه ~~العملية التي قد نفسر بها مسألة أهل الكهف. فأهل الكهف أيضا مرت عليهم ~~العملية نفسها: # وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم قال قائل ~~منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم # [الكهف: 19]. إنهم لم يروا شيئا قد تغير فيهم. وبعد ذلك قال الحق ~~سبحانه: # ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا ~~تسعا # [الكهف: 25]. إن الله حدد الزمن الذي لبثوه، بينما هم قالوا: إن الزمن ~~هو يوم أو بعض يوم. ومعنى ذلك أنهم عندما ناموا هذا اللون من النوم ~~واستيقظوا وجدوا أنفسهم على حالتهم التي كانت قبل ms0844 هذا اللون من النوم. # إذن فقد علق الله حياتهم. ونلاحظ أن كل هذه العملية قد جاءت هنا في قصة ~~العزير بعد آية الكرسي التي تصور العقيدة الإيمانية: # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ~~ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شآء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا ~~يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم # [البقرة: 255]. وتصور قضية الحياة وقضية الموت ونعلم أن إبراهيم حين ~~حاجه الرجل وقال له: # أنا أحيي وأميت # [البقرة: 258] نقل إبراهيم الحجة إلى الليل والنهار، وطلب منه أن يعكس ~~آية الليل والنهار، فقال للرجل: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب فبهت الذي كفر # [البقرة: 258]. وحتى لا يظن أحد أن إبراهيم عليه السلام إنما ترك الكلام ~~عن الإحياء والإماتة فرارا من الجدل. ونقل الأمر إلى الشمس، لكن أراد ~~الله أن يأتي بقصة هذا الإنسان الذي مر على قرية وهي خاوية، فيحدث له كل ~~ما تقدم ليثبت الحق لنا أن قضية الحياة وقضية الموت بيده وحده. وليخرج ~~الحق سبحانه أمر الحياة والموت عن مجال السفسطة الجدلية. وعرفنا أن قبل ~~معنى السفسطة الجدلية حينما تعرضنا لقول الذي حاج إبراهيم في ربه باثنين ~~من المسجونين وقال: أنا أستطيع أن أقتل واحدا، وأن أترك الثاني بلا قتل. ~~هذه هي السفسطة: إنه لم يحيي، بل أبقى حياة. وعرفنا أن الإحياء ضد ~~الإماتة لأن الإماتة هي أن تخرج الروح من الجسد بدون جرح، أو نقض بنية، ~~أو عمل يفعله الإنسان في البدن. أما إذا فعل إنسان أي شيء من هذه الأفعال ~~ضد إنسان آخر فلا يقال إنه أماته بل يقال لقد قتله. والموت كما عرفنا غير ~~القتل. وتأتي بعد ذلك قصة لإبراهيم أيضا بعد أن نقل الجدل مع الرجل إلى ~~الشمس، فبهت الرجل الذي كفر، أما إبراهيم عليه السلام فهو يؤمن بقدرة ~~الله، لكنه يريد أن يعرف ms0845 الكيفية. إن إبراهيم عليه السلام لم يكن شاكا ~~لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: { رب أرني كيف تحيي ~~الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي } ". # ونحن المسلمين لم نشك في هذا الأمر. إذن، فإبراهيم عليه السلام لم يشك ~~من باب أولى بدليل منطوق الآية حين قال الحق سبحانه: { وإذ قال ~~إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم ~~تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي... }. ### || [2.260] # إن إبراهيم عليه السلام يسأل: كيف تحيي الموتى؟ أي أنه يطلب الحال التي ~~تقع عليها عملية الإحياء. فإبراهيم عليه السلام لا يتكلم في الإحياء، ~~وإنما كان شكه - عليه السلام - في أن الله سبحانه قد لا يستجيب لطلبه في ~~أن يريه ويطلعه على كيفية إحياء الموتى؟ ولنضرب هذا المثل - ولله المثل ~~الأعلى من قبل ومن بعد - والمثل لتقريب المسألة من العقول لأن الله منزه ~~عن أي تشبيه. إن الواحد منا يقول للمهندس: كيف بنيت هذا البيت؟ إن صاحب ~~السؤال يشير إلى حدث وإلى محدث وهو البيت الذي تم بناؤه. فهل معرفة ~~الكيفية تدخل في عقيدة الإيمان؟ لا. ولنعلم أولا ما معنى: عقيدة؟. إن ~~العقيدة هي: أمر معقود، وإذا كان هذا فكيف يقول: { ليطمئن ~~قلبي } [البقرة: 260]؟ فهل هذا دليل على أن إبراهيم قبل السؤال، وقبل ~~أن يجاب إليه، لم يكن قلبه مطمئنا؟ لا، لقد كان إبراهيم مؤمنا، ولكنه ~~يريد أن يزداد اطمئنانا، لأنه أدار بفكره الكيفية التي تكون عليها عملية ~~الإحياء، لكنه لا يعرف على أية صورة تكون. إذن فالاطمئنان جاء لمراد في ~~كيفية مخصوصة تخرجه من متاهات كيفيات متصورة ومتخيلة، وما دمت تريد ~~الكيفية، وهذه الكيفية لا يمكن أن نشرحها لك بكلام. بل لابد أن تكون ~~تجربة عملية واقعية، { فخذ أربعة من الطير فصرهن ~~إليك } [البقرة: 260]. و " صرهن " أي أملهن واضممهن إليك لتتأكد من ~~ذوات الطير، ومن شكل كل طير، حتى لا تتوهم أنه قد جاء لك طير آخر. وقال ~~المفسرون: إن الأربعة من الطير ms0846 هي: الغراب، الطاووس، الديك، الحمامة، ~~وهكذا كان كل طائر له شكلية مختلفة. { ثم اجعل على كل جبل ~~منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا } [البقرة: ~~260]، فهل أجرى سيدنا إبراهيم هذه العملية أو اكتفى بأن شرح الله له ~~الكيفية؟ إن القرآن لم يتعرض لهذه الحكاية، فإما أن يكون الله قد قال له ~~الكيفية، فإن أراد أن يتأكد منها فليفعل، وإما أنه قد تيقن دون أن يجري ~~تلك العملية. إن القرآن لم يقل لنا هل أجرى سيدنا إبراهيم هذه العملية أم ~~لا؟ والحق يقول مخاطبا إبراهيم بخطوات التجربة: { ثم ادعهن ~~يأتينك سعيا } [البقرة: 260] وكان المفروض أن يقول: يأتينك ~~طيرانا. فكيف تسعى الطيور؟ إن الطير يطير في السماء وفي الجو. لكن الحق ~~أراد بذلك ألا يدع أي مجال لاختلاط الأمر فقال: " سعيا " أي أن الطير ~~سيأتي أمامه سائرا، لقد نقل الحق الأمر من الطيران إلى السعي كي يتأكد ~~منها سيدنا إبراهيم، إذن فلكي تتأكد يا إبراهيم ويزداد اطمئنانك جئنا بها ~~من طيور مختلفة وأنت الذي قطعتها، وأنت الذي جعلت على كل جبل جزءا، ثم ~~أنت الذي دعوت الطير فجاءتك سعيا. # وهنا ملحظية في طلاقة القدرة، وفي الفرق بين القدرة الواجبة لواجب ~~الوجود، وهو الحق سبحانه وتعالى، والقدرة الممنوحة من واجب الوجود وهو ~~الله - سبحانه - لمنكر واجب الوجود وهو الإنسان، هذا له قدرة، وذاك له ~~قدرة إن قدرة الله هي قدرة واجبة، وقدرة الإنسان هي قدرة ممكنة، وقدرة ~~الله لا ينزعها منه أحد، وقدرة الإنسان ينزعها الله منه فالإنسان من ~~البشر، والبشر تتفاوت قدراتهم فحين تكون لأحدهم قدرة فهناك آخر لا قدرة ~~له، أي عاجز. ويستطيع القادر من البشر أن يعدي أثر قدرته إلى العاجز فقد ~~يحمل القادر كرسيا ليجلس عليه من لا يقدر على حمله. لكن قدرة الحق ~~تختلف. كأن الحق سبحانه وتعالى يقول: أنا أعدي من قدرتي إلى من لا يقدر ~~فيقدر، أنا أقول للضعيف: كن قادرا، فيكون. وهذا ما نفهمه من قوله سبحانه ~~لإبراهيم: { ثم ادعهن يأتينك سعيا } [البقرة: 260]. إن ~~إبراهيم كواحد ms0847 من البشر عاجز عن كيفية الإحياء، ولكن الحق يعطيه القدرة ~~على أن ينادي الطير، فيأتي الطير سعيا. إن الحق يعطي القدرة لإبراهيم أن ~~يدعو الطير فيأتي الطير سعيا. وهذا هو الفرق بين القدرة الواجبة، وبين ~~القدرة الممكنة. إن قدرة الممكن لا يعديها أحد لخال منها، ولكن قدرة ~~واجب الوجود تعديها إلى من لا يقدر فيقدر، ولذلك يأتي القول الحكيم ~~بخصائص عيسى ابن مريم عليه السلام: # ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية ~~من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة ~~الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ~~وأبرىء الأكمه والأبرص وأحي الموتى بإذن ~~الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في ~~بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين # [آل عمران: 49]. إن خصائص عيسى ابن مريم لا تكون إلا بإذن من الله، ~~فقدرة عيسى عليه السلام أن يصنع من الطين ما هو على هيئة الطير، وإذا نفخ ~~فيه بإذن الله لأصبح طيرا، وكذلك إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، ~~إن ذلك كله بإذن ممن؟ بإذن من الله. وكذلك كان الأمر في تجربة سيدنا ~~إبراهيم، لذلك قال له الحق: { واعلم أن الله عزيز حكيم } ~~[البقرة: 260]. إن الله عزيز أي لا يغلبه أحد. وهو حكيم أي يضع كل شيء في ~~موقعه. وكذلك يبسط الحق قصة الحياة وقصة الموت في تجربة مادية ليطمئن قلب ~~سيدنا إبراهيم، وقد جاءت قصة الحياة والموت لأن الشك عند الذين عاصروا ~~الدعوة المحمدية كان في مسألة البعث من الموت، وكل كلامهم يؤدي إلى ذلك، ~~فهم تعجبوا من حدوث هذا الأمر: # قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون # [المؤمنون: 82]. وفي قول آخر: # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم # [يس: 78-79]. لقد أمر الحق سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم ليجيب على ~~ذلك: قل يا محمد: يحييها الذي أنشأها أول مرة فقد خلقها من عدم ولذلك ~~يقول الحق سبحانه: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم ms0848 يعيده وهو أهون ~~عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ~~وهو العزيز الحكيم # [الروم: 27]. إن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يبدأ الخلق على غير ~~مثال، ثم يعيده بعد الموت، وإعادته أهون عليه من ابتدائه بالنظر إلى ~~مقاييس اعتقاد من يظن أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه فالله له مطلق ~~القدرة في خلقه، وهو الغالب في ملكه، وهو الحكيم في فعله وتقديره. إن ~~الذي يعيد إنما يعيد من موجود، أما الذي بدأ فمن معدوم. فالأهون هو ~~الإعادة، أما الابتداء فهو ابتداء من معدوم، وكلاهما من قدرة الحق سبحانه ~~وتعالى. إن هذه القضية إنما تثبت اليوم الآخر، لأن الإيمان باليوم الآخر ~~هو الميزان العقدي فإن استقر في القلب فالإنسان بكل جوارحه يتجه إلى ~~الأفعال التي تسير على ضوء منهج الله لينال الإنسان الجزاء الأوفى. إن ~~الإنسان حينما يفهم أن هناك حسابا وهناك جزاء، وهناك بعثا، فهو يعرف ~~أنه لم ينطلق في هذا العالم، ولم يفلت من الإله الواحد القهار، إن ~~للإنسان عودة، فالذي يغتر بما آتاه الله نقول له: لا إنك لن تفلت من يد ~~الله، بل لك عودة بالموت وعودة بالبعث. وإذا ما استقرت في أذهان المسلمين ~~تلك العودة، فكل إنسان يقيم حسابه على هذه العودة. وبعد أن استقر الأمر ~~في شأن الحياة والموت أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجيء بشيء هو ثمرة ~~الحياة في الكائن الحي وأول مظهر من مظاهر الحياة هو الحس والحركة. ~~والحركة في الوجود أرادها الله للإنسان لأنه وهو الحق قد أراد الإنسان ~~للخلافة في الأرض. والخلافة في الأرض تقتضي أن يعمر الإنسان الأرض، كما ~~قال الله سبحانه وتعالى: # اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو ~~أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. # [هود: 61]. إن خلافة الإنسان في الأرض تقتضي أن يتحرك ويعمر الأرض. وحين ~~يريد الله منا أن نتحرك ونعمر الأرض فلا بد من أعمال تنظم هذه الحركة، ~~ولا بد من فنون متعددة تقوم على العمارة. ويوزع الله الطاقات الفاعلة ~~لهذه الفنون المتعددة ويجعلها مواهب مفكرة ms0849 ومخططة في البشر. إن الحق ~~سبحانه لم يجعل من إنسان واحد مجمع مواهب، بل نثر الله المواهب على ~~الخلق، وكل واحد أخذ موهبة ما. لماذا؟ لأن الله قد أراد أن يتكامل العالم ~~ولا يتكرر فالتكامل يوحي بالاندماج فإذا كنت أنت تعرف شيئا خاضعا ~~لموهبتك، وأنا لا أعرفه فأنا مضطر أن ألتحم بك، وأنا أيضا قد أعرف شيئا ~~وأنت لا تعرفه، لذلك تضطر أنت أن تلتحم بي. # وهذا اللون من الالتحام ليس التحام تفضل، إنما هو التحام تعايش ضروري. ~~لكن لو أن كل واحد صار مجمع مواهب، لاستغنى عن غيره من البشر وأقام وحده ~~بمفرده، وينتهي احتياجه للمجتمع الإنساني. فكأن الله حين وزع أسباب الفضل ~~على الخلق يريد منهم أن يتكاملوا ويلتحم بعضهم ببعض لا التحام فضل، ولكن ~~التحام تعايش ضروري لأن واحدا يريد ما ينتجه الآخر بموهبته، والآخر يريد ~~من إنسان غيره ما هو موهوب فيه. ولذلك فالناس بخير ما تباينوا لأن كلا ~~منهم يحتاج إلى الآخر. ولذلك لا نجد أي تقدم في مجتمع إلا إذا كانت ~~المواهب في هذا المجتمع مختلفة ومتآزرة. أما حين يوجد قوم لهم مواهب ~~متحدة فلابد أن يقاتل بعضهم بعضا، لكن عندما يكون كل واحد في حاجة ~~لموهبة الآخر، فهم يتعايشون لأن الحياة لا تسير إلا بالكل، ولذلك إذا ~~استوت جماعة في المواهب فلا بد أن يتفانوا لأنهم يتنافسون فيها ويريد كل ~~واحد منهم أن يستأثر بها لنفسه، لكن لا أحد في المواهب المتكاملة يقول: ~~لماذا يكون فلان أفضل مني، لأنه يعرف أنه من الضروري أن يوجد المهندس ~~والطبيب والصانع، ولذلك تجد الوجود منظما بذاته التنظيم الطبيعي الذي ~~يوجد قاعدة ويوجد قمة، فالقمة الصغيرة تحملها القاعدة الكبيرة. ولو ~~عكست الهرم لصارت مشكلة لأن الأمر في هذه الحالة سيجد به جوانب ~~كثيرة ليس لها أساس ولا ترتكز على شيء، ولذلك فمن الحكمة إذا رأيت في ~~المجتمع واحدا قد ذهب إلى القمة فأعنه على أن يستمر متفوقا، ولا تصطرع ~~معه فتسقطوا جميعا، فلابد من التفاضل كي ينشأ ms0850 التكامل. والحق سبحانه ~~وتعالى يعرض لنا هذه القضية عرضا اجتماعيا وعرضا اقتصاديا ليبين لنا ~~أن أصل الوجود يجب أن ينشأ على أمر اجتماعي وأمر اقتصادي، لماذا؟ لأن ~~الإنسان مشغول أولا باستبقاء حياته، ثم باستبقاء نوعه. واستبقاء حياة ~~الإنسان بالقوت، واستبقاء نوعه بالزواج. واستبقاء الحياة بالقوت يحتاج ~~إلى حركة في الحياة، والحق يحترم ثمرتها، وعندما يريد الحق أن يرقق قلب ~~المتحرك على أخيه العاجز فهو يقول: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا.. # [البقرة: 245]. كما ضربنا المثل من قبل - ولله المثل الأعلى - وقلنا: إن ~~الإنسان يعطي أولاده مصروفا، وكل واحد منهم يضعه في حصالته، فهب أن ~~واحدا من الأولاد اضطر إلى شيء عاجل كإجراء جراحة، هنا يذهب الرجل إلى ~~أولاده ويقول لهم: أقرضوني ما في حصالاتكم لأن أخاكم يحتاج إلى عملية، ~~وسأرده لكم بعد ذلك مضاعفا. إن الأب لم يرجع في هبته ليقول إن ما في ~~الحصالات هو مالي وسآخذه. لا، هو مالكم، لكنه سيكون دينا عندي. # كذلك يصنع الله مع الخلق فيوضح: بعضكم عاجز وبعضكم قادر، وسأتكفل أنا ~~بالعاجز، وأقترض من القادر. وكان ضروريا أن يكون بعضنا عاجزا، حتى لا ~~يظن أحد أن القوة ذاتية في النفس البشرية. لا، إن القوة موهوبة ويستطيع ~~من وهبها أن يسلبها. وحتى يعرف صاحب القوة أن القوة ليست ذاتية فيه، يجد ~~بجانبه إنسانا آخر عاجزا. لكن هذا العاجز الذي سيلفت القوي إلى أن ~~القوة ليست ذاتية، ما ذنبه؟ إن الله قد جعله وسيلة إيضاح في الكون وكأن ~~الحق يقول: سنضمن لك أيها العاجز المستوى اللائق من الحياة من أثر قدرة ~~القادر، وما دام من أثر قدرة القادر، فهل سيتحرك القادر في الكون على قدر ~~" حاجته " أو على قدر " طاقته "؟ لابد أن يتحرك على قدر طاقته لأنه لو ~~تحرك على قدر حاجته فلن يجد ما يعطيه للعاجز. ويتكلم الحق سبحانه وتعالى ~~عن تلك القضية المهمة في البناء الاجتماعي والبناء الاقتصادي بعد إثبات ~~قضية البعث والإحياء والإماتة لكي تكون ماثلة أمامنا وينتقل بنا الحق ~~سبحانه وتعالى ms0851 كي يعطينا الكيان الإسلامي الاقتصادي والاجتماعي فيقول جل ~~شأنه: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل... }. ### || [2.261] # إن الله ينسب المال للبشر المتحركين لأنهم أخذوا هذه الأموال بحركتهم. ~~وفي موضع آخر من القرآن يقول الحق: # وآتوهم من مال الله الذي آتاكم.. # [النور: 33]. إن المال كله مال الله، وقد أخذه الإنسان بالحركة، فاحترم ~~الله هذه الحركة، واحترم الله في الإنسان قانون النفعية، فجعل المال ~~المتبقي من حركتك ملكا لك أيها الإنسان، لكن إن أراد الله هذا المال ~~فسيأخذه، ومن فضل الله على الإنسان أنه سبحانه حين يطلب من الإنسان بعضا ~~من المال المتبقي من حركته فهو يطلبه كقرض، ويرده مضاعفا بعد ذلك. إذن ~~فالإنفاق في سبيل الله يرده الله مضاعفا، وما دام الله يضاعفه فهو يزيد، ~~لذلك لا تحزن ولا تخف على مالك لأنك أعطيته لمقتدر قادر واسع عليم. إنه ~~الحق الذي يقدر على إعطاء كل واحد حسب ما يريد هو سبحانه إنه يعطي على ~~قدر نية العبد وقدر إنفاقه. وهذه الآية تعالج قضية الشح في النفس ~~الإنسانية فقد يكون عند الإنسان شيء زائد، وتشح به نفسه ويبخل، فيخاف أن ~~ينفق منه فينقص هذا الشيء. وهنا تقول لك قضية الإيمان: أنفق لأنه سبحانه ~~سيزيدك، والحق سيعطيك مثلما يعطيك من الأرض التي تزرعها. أنت تضع الحبة ~~الواحدة. فهل تعطيك حبة واحدة؟ لا. إن حبة القمح تعطي كمية من العيدان ~~وكل عود فيه سنبلة وهي مشتملة على حبوب كثيرة، فإذا كانت الأرض وهي ~~مخلوقة لله تضاعف لك ما تعطيه أفلا يضاعف العطاء لك الذي خلقها؟ وإذا كان ~~بعض من خلق الله يضاعف لك، فما بالك بالله جل وعلا؟ إن الأرض الصماء ~~بعناصرها تعطيك، أئذا ما أخذت كيلة القمح من مخزنك لتبذرها في الأرض ~~أيقال: إنك أنقصت مخزنك بمقدار كيلة القمح؟ لا لأنك ستزرع بها، وأنت ~~تنتظر كم ستأتي من حبوب، وهذه أرض صماء مخلوقة لله، فإذا كان المخلوق لله ~~قد استطاع أن يعطيك بالحبة سبعمائة، ألا يعطيك الذي ms0852 خلق هذه الأرض أضعاف ~~ذلك؟ إنه كثير العطاء. والحق قد نسب للمنفقين الأموال التي رزقهم الله ~~بها فقال: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله } [البقرة: 261] وكلمة " في سبيل الله " كلمة عامة، يصح أن يكون ~~معناها الجهاد، أو مصارف الصدقات لأن كل هذا في سبيل الله لأن الضعيف حين ~~يجد نفسه في مجتمع متكافل، ويجد صاحب القوة قد عدى من أثر قوته وحركته ~~إليه، أيحقد على ذي القوة؟ لا لأن خيره يأتيه، نضرب المثل في الريف نقول: ~~البهيمة التي تدر لبنا ساعة تسير في الحارة. فالكل كان يدعو الله لها ~~ويقول: " يحميكي " لماذا؟ لأن صاحبها يعطي كل من حوله من لبنها ومن ~~جبنتها ومن سمنها، لذلك يدعو لها الجميع، ولا يربطها صاحبها، ولا يعلفها، ~~ولا ينشغل عليها، والخير القادم منها يذهب إلى كل الأهل، وحين نجد ~~مجتمعا بهذا الشكل ويجد العاجز من القوي معينا، هنا يقول العاجز: إنني ~~في عالم متكامل. # وإذا ما وجد في إنسان قوة وفي آخر ضعف فالضعيف لا يحقد وإنما يقول: إن ~~خير غيري يصلني. وكذلك يطمئن الواهب أنه إن عجز في يوم ما سيجد من يكفله ~~- والقدرة أغيار - ما دام الإنسان من الأغيار. فقد يكون قويا اليوم ~~ضعيفا غدا. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: { مثل الذين ~~ينفقون أموالهم } [البقرة: 261] هو قانون يريد به الله أن ~~يحارب الشح في نفس المخلوقين، إنه يقول لكل منا: انظر النظرة الواعية ~~فالأرض لا تنقص من مخزنك حين تعطيها كيلة من القمح! صحيح أنك أنقصت كيلة ~~من مخزنك لتزرعها، ولكنك تتوقع أن تأخذ من الأرض أضعافها. وإياك أن تظن ~~أن ما تعطيه الأرض يكون لك فيه ثقة، وما يعطيه الله لا ثقة لك فيه. { ~~مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم } [البقرة: 261] إن الآية تعالج الشح، وتؤكد أن الصدقة لا تنقص ~~ما عند الإنسان بل ستزيده. وبعد ذلك يقول تعالى: { الذين ينفقون ~~أموالهم ms0853 في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ ~~أنفقوا منا ولا أذى... }. ### || [2.262] # إنها لقطة أخرى يوضح فيها الحق: إياك حين تنفق مالك في سبيل الله وأنت ~~طامع في عطاء الله أن تمن على من تعطيه أو تؤذيه. والمن هو أن يعتد على ~~من أحسن إليه بإحسانه ويريه أنه أوجب عليه حقا له وأنه أصبح صاحب فضل ~~عليه، وكما يقولون في الريف تعاير بها، والشاعر يقول: # وإن امرأ أسدى إلي صنيعة # وذكرنيها مرة للئيم # ولذلك فمن الأدب الإيماني في الإنسان أن ينسى أنه أهدى وينسى أنه أنفق، ~~ولا يطلع أحدا من ذويه على إحسانه على الفقير أو تصدقه عليه وخاصة ~~الصغار الذين لا يفهمون منطق الله في الأشياء، فعندما يعرف ابني أنني ~~أعطي لجاري كذا، ربما دل ابني ومن على ابن جاري، ربما أخذه غروره ~~فعيره هو، ولا يمكن أن يقدر هذا الأمر إلا مكلف يعرف الحكم بحيثيته ~~من الله. إن الحق يوضح لنا: إياك أن تتبع النفقة منا أو أذى لأنك إن ~~أتبعتها بالمن ماذا يكون الموقف؟ يكرهها المعطى الذي تصدقت بها عليه ~~ويتولد عنده حقد، ويتولد عنده بغض، ولذلك حينما قالوا: " اتق شر من أحسنت ~~إليه " شرحوا ذلك بأن اتقاء شر ذلك الإنسان بألا تذكره بالإحسان، وإياك ~~أن تذكره بالإحسان لأن ذلك يولد عنده حقدا. ولذلك تجد كثيرا من الناس ~~يقولون: كم صنعت بفلان وفلان الجميل، هذا كذا وهذا كذا، ثم خرجوا علي ~~فأنكروه. وأقول لكل من يقول ذلك: ما دمت تتذكر ما أسديته إليهم فمن ~~العدالة من الله أن ينكروه، ولو أنك عاملت الله لما أنكروه، فما دمت لم ~~تعامل الله، فإنك تقابل بنكران ما أنفقت. فكأن الحق سبحانه وتعالى يريد ~~أن يسخى بالآية الأولى قلب المنفق ليبسط يده بالنفقة، لذلك قال: { ثم ~~لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }. ~~فالحق سبحانه وتعالى طمأننا في الآية الأولى على أن الصدقة والنفقة لا ~~تنقص المال بل تزيده، وضرب لنا ms0854 الحق سبحانه المثل بالأرض التي تؤتينا بدل ~~الحبة الواحدة سبعمائة حبة، ثم يوضح الحق لنا أن آفة الإنفاق أن يكون ~~مصحوبا ب " المن " أو " الأذى " لأن ذلك يفسد قضية الاستطراق الصفائي ~~في الضعفاء والعاجزين، ولذلك يقول الحق سبحانه: { الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ ~~أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم.. } ~~[البقرة: 262]. انظر إلى الدقة الأدائية في قوله الكريم: { ثم لا ~~يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى } [البقرة: 262]. قد ~~يستقيم الكلام لو جاء كالآتي: " الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ولا ~~يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى " ، لكن الحق سبحانه قد جاء ب " ثم " هنا ~~لأن لها موقعا. # إن المنفق بالمال قد لا يمن ساعة العطاء، ولكن قد يتأخر المنفق بالمن، ~~فكأن الحق سبحانه وتعالى ينبه كل مؤمن: يجب أن يظل الإنفاق غير مصحوب ~~بالمن وأن يبتعد المنفق عن المن دائما، فلا يمتنع عن المن فقط وقت ~~العطاء، ولكن لابد أن يستمر عدم المن حتى بعد العطاء وإن طال الزمن. إن " ~~ثم " تأتي في هذا المعنى لوجود مسافة زمنية تراخى فيها الإنسان عن فعل ~~المن. فالحق يمنع المن منعا متصلا متراخيا، لا ساعة العطاء فحسب، ولكن ~~بعد العطاء أيضا. وشوقي أمير الشعراء - رحمه الله - عندما كتب الشعر في ~~حمل الأثقال وضع أبياتا من الشعر في مجال حمل الأثقال النفسية، فقال: # أحملت دينا في حياتك مرة؟ # أحملت يوما في الضلوع غليلا؟ # أحملت منا في النهار مكررا؟ # والليل من مسد إليك جميلا؟ # وبعد أن عدد شوقي أوجه الأحمال الثقيلة في الحياة قال: # تلك الحياة وهذه أثقالها # وزن الحديد بها فعاد ضئيلا # كأن المن إذن عبء نفسي كبير. ويطمئن الحق سبحانه من ينفقون أموالهم دون ~~من ولا أذى في سبيل الله بأن لهم أجرا عند ربهم. وكلمة " الأجر " - ~~والإيضاح من عند الرب - هي طمأنة إلى أن الأمر قد أحيل إلى موثوق بأدائه، ~~وإلى قادر على هذا الأداء. أما الذي يمن أو يؤذي فقد أخذ أجره بالمن أو ~~الأذى، ms0855 وليس له أجر عند الله لأن الذي يمن أو يؤذي لم يتصور رب ~~الضعيف، وإنما تصور الضعيف. والمنفق في سبيل الله حين يتصور رب الضعيف، ~~وأن رب الضعيف هو الذي استدعاه إلى الوجود، وهو الذي أجرى عليه الضعف، ~~فهو يؤمن أن الله هو الكفيل برزق الضعيف، وحين ينفق القوي على الضعيف ~~فإنما يؤدي عن الله، ولذلك نجد في أقوال المقربين: " إننا نضع الصدقة في ~~يد الله قبل أن نضعها في يد الضعيف " ولننظر إلى ما فعلته سيدتنا فاطمة ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد راحت تجلو الدرهم وتطيبه، فلما ~~قيل لها: ماذا تصنعين؟ قالت: أجلو درهما وأطيبه لأني نويت أن أتصدق به. ~~فقيل لها: أتتصدقين به مجلوا ومعطرا؟ قالت الزهراء بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: لأني أعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير. ~~إن الأجر يكون عند من يغليه ويعليه ويرتفع بقيمته وهو الخالق الوهاب. ~~ولنتأمل قول الحق: { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ~~[البقرة: 262] لماذا لم يقل الله: ولا خوف منهم؟. لأن الحق يريد أن يوضح ~~لنا بقوله: { ولا خوف عليهم } [البقرة: 262] أن هناك عنصرا ~~ثالثا سيتدخل. # إنه تدخل من شخص قد يظهر للإنسان المنفق أنه محب له، فيقول: ادخر ~~للأيام القادمة، ادخر لأولادك. لمثل هذا العنصر يقول الحق: { ولا ~~خوف عليهم } [البقرة: 262] أي إياك يا صاحب مثل هذا الرأي أن ~~تتدخل باسم الحب، ولتوفر كلامك لأن المنفق في سبيل الله إنما يجد العطاء ~~والحماية من الله. فلا خوف على المنفق في سبيل الله، وليس ذلك فقط، إنما ~~يقول الحق عن المنفقين في سبيل الله دون من ولا أذى: { ولا هم ~~يحزنون } [البقرة: 262] ومعناها أنه سوف يأتي في تصرفات الحق معهم ~~ما يفرحهم بأنهم تصدقوا إما بسرعة الخلف عليهم، أو برضى النفس، أو برزق ~~السلب، فآفة الناس أنهم ينظرون إلى رزق الإيجاب دائما، أي أن يقيس البشر ~~الرزق بما يدخل له من مال، ولا يقيسون الأمر برزق السلب، ورزق السلب ms0856 هو ~~محط البركة. هب أن إنسانا راتبه خمسون جنيها، وبعد ذلك يسلب الله منه ~~مصارف تطلب منه مائة جنيه، كأن يدخل فيجد ولده متعبا وحرارته مرتفعة، ~~فيرزق الله قلب الرجل الاطمئنان، ويطلب من الأم أن تعد كوبا من الشاي ~~للابن ويعطيه قرصا من الأسبرين، وتذهب الوعكة وتنتهي المسألة. ورجل آخر ~~يدخل ويجد ولده متعبا وحرارته مرتفعة، وتستمر الحرارة لأكثر من يوم، ~~فيقذف الله في قلبه الرعب، وتأتي الخيالات والأوهام عن المرض في ذهن ~~الرجل، فيذهب بابنه إلى الطبيب فينفق خمسين أو مائة من الجنيهات. الرجل ~~الأول، أبرأ الله ابنه بقرش. والثاني، أبرأ الله ابنه بجنيهات كثيرة. إن ~~رزق الرجل الأول هو رزق السلب، فكما يرزق الله بالإيجاب، فالله يرزق ~~بالسلب أي يسلب المصرف ويدفع البلاء. وهناك رجل دخله مائة جنيه، ويأتي له ~~الله بمصارف تأخذ مائتين، وهناك رجل دخله خمسون جنيها فيسلب الله عنه ~~مصارف تزيد على مائة جنيه، فأيهما الأفضل؟ إنه الرجل الذي سلب الله عنه ~~مصارف تزيد على طاقته. إذن فعلى الناس أن تنظر إلى رزق السلب كما تنظر ~~إلى رزق الإيجاب، وقوله الحق عن المنفقين في سبيله دون من أو أذى: { ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [البقرة: 262] هذا ~~القول دليل على أن الله سيأتي بنتيجة النفقة بدون من أو أذى بما يفرح ~~له قلب المؤمن، إما بالبركة في الرزق وإما بسلب المصارف عنه، فيقول ~~القلب المؤمن: إنها بركة الصدقة التي أعطيتها. إنه قد تصدق بشيء فرفع ~~وصرف عنه الله شيئا ضارا، فيفرح بذلك القلب المؤمن. وبعد ذلك ينبهنا ~~الحق سبحانه وتعالى إلى قضية مهمة هي: إن لم تجد أيها المؤمن بمالك ~~فأحسن بمقالك، فإن لم تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بحسن الرد، والرسول ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة ". # والحق سبحانه وتعالى يحدد القضية في هذه الآية: { قول معروف ~~ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى والله غني ~~حليم... }. ### || [2.263] # ما معنى { قول معروف } [البقرة: 263]؟ إننا في العادة نجد ms0857 أن ~~المعروف مقابل للمنكر، كأن الأمر الخير أمر متعارف عليه بالسجية، وكأن ~~المتعارف عليه دائما من جنس الجمال ومن جنس الخير، أما الأمر الذي تنكره ~~النفس فمن جنس الشر وجنس القبح. ولذلك يقول الحق: { قول معروف } ~~[البقرة: 263] فكأن من شأن الجمال ومن شأن الحسن أن يكون معروفا، ومن ~~شأن النقيض أن يكون منكرا، إذن فالقول المعروف هو أن ترد السائل الرد ~~الجميل بحيث لا تمتلئ نفسه بالحفيظة عليك، وبحيث لا توبخه لأنه سألك، ~~وإذا كان السائل قد تجهم عليك تجهم المحتاج فاغفر له ذلك، لماذا؟ لأن ~~هناك إنسانا تلهب ظهره سياط الحاجة، ويراك أهلا لغنى أو ليسار أو جدة ~~وسعة من المال، وقد يزيد بالقول واللسان قليلا عليك، وربما تجاوز أدب ~~الحديث معك، فعليك أن تتحمله. وإذا كنت أنت أيها العبد تصنع المعاصي التي ~~تغضب الله، ويحلم الحق عليك ويغفرها لك ولا يعذبك بها، فإذا ما صنع إنسان ~~معك شيئا فكن أيضا صاحب قول معروف ومغفرة وحلم إن الحق سبحانه يقول ~~لنا: # ألا تحبون أن يغفر الله لكم # [النور: 22]؟ إننا جميعا نحب أن يغفر الله لنا، ولذلك يجب أن نغفر ~~لغيرنا وخصوصا للمحتاج. والحق حين يقول: { والله غني حليم } ~~[البقرة: 263] ففي ذلك تنبيه للقادر الذي حرم الفقير، وكأنه يقول له: ~~إنما حرمت نفسك أيها القادر من أجر الله. إنك أيها القادر حين تحرم ~~فقيرا، فأنت المحروم لأن الله غني عنك، وهو سبحانه يقول: # ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ~~فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن ~~نفسه والله الغني وأنتم الفقرآء وإن ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم # [محمد: 38]. إن الله غني بقدرته المطلقة، غني وقادر أن يستبدل بالقوم ~~البخلاء قوما يسخون بما أفاء الله عليهم من رزق في سبيل الله. فالذي ~~يمسك عن العطاء إنما منع عن نفسه باب رحمة. ولذلك يقول الحق: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى... }. ### || [2.264] # فالذي يتصدق ويتبع صدقته بالمن والأذى، إنما يبطل صدقته، وخسارته تكون ~~خسارتين: ms0858 الخسارة الأولى أنه أنقص ماله بالفعل لأن الله لن يعوض عليه ~~لأنه أتبع الصدقة بما يبطلها من المن والأذى، والخسارة الأخرى هي ~~الحرمان من الثواب فالذي ينفق ليقول الناس عنه إنه ينفق، عليه أن يعرف أن ~~الحق يوضح لنا: إنه يعطي الأجر على قاعدة أن الذي يدفع الأجر هو من عملت ~~له العمل. إن الإنسان على محدودية قدرته يعطي الأجر لمن عمل له عملا، ~~والذي يعمل من أجل أن يقول الناس إنه عمل، فليأخذ أجره من القدرة ~~المحدودة للبشر، ولذلك قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذي ~~يفعل الحسنة أو الصدقة ليقال عنه أنه فعل، فإنه يأتي يوم القيامة ولا يجد ~~أجرا له. وقد جاء في الحديث الشريف: # " ورجل آتاه الله من أنواع المال فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما ~~عملت فيها؟ قال: ما تركت من شيء تجب أن أنفق فيه إلا أنفقت فيه لك، قال: ~~كذبت إنما أردت أن يقال: فلان جواد فقد قيل، فأمر به فسحب على وجهه حتى ~~ألقي في النار ". # إياك إذن أن تقول: أنا أنفقت ولم يوسع الله رزقي لأن الله قد يبتليك ~~ويمتحنك، فلا تفعل الصدقة من أجل توسيع الرزق، فعطاء الله للمؤمن ليس في ~~الدنيا فقط، ولكن الله قد يريد ألا يعطيك في الفانية وأبقى لك العطاء في ~~الباقية وهي الآخرة. وهو خير وأبقى. والحق يقول: { ولا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه ~~تراب } [البقرة: 264] والصفوان هو الحجر الأملس، ويسمى المروة والذي ~~نسميه بالعامية " الزلطة ". ويقال للأصلع " صفوان " ، أي رأسه أملس ~~كالمروة. والشيء الأملس هو الذي لا مسام له يمكن أن تدركها العين ~~المدركة، إنما يدرك الإنسان هذه المسام بوضع الحجر تحت المجهر. وعندما ~~يكون الشيء ناعما قد يأتي عليه تراب، ثم يأتي المطر فينزل على التراب ~~وينزلق التراب من على الشيء الأملس، ولو كان بالحجر بعض من الخشونة، لبقى ~~شيء من التراب بين النتوءات، فالذي ينفق ماله رئاء الناس، كالصفوان ~~يتراكم عليه التراب، وينزل المطر على ms0859 التراب فيزيله كله فيصير الأمر: { ~~لا يقدرون على شيء مما كسبوا } [البقرة: 264] أي ~~فقدوا القدرة على امتلاك أي شيء لأن الله جعل ما لهم من عمل هباء ~~منثورا. وهؤلاء كالحجر الصفوان الذي عليه تراب فنزل عليه وابل.. أي مطر ~~شديد فتركه صلدا.. تلك هي صفات من قصدوا بالإنفاق رئاء الناس، فيبطل ~~الله جزاءهم لأن الله لا يوفقهم إلى الخير والثواب. ويأتي الله بالمقابل، ~~وهم الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله فيقول: { ومثل الذين ~~ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات الله وتثبيتا ~~من أنفسهم... }. ### || [2.265] # إن ابتغاء مرضاة الله في الإنفاق تعني خروج الرياء من دائرة الإنفاق، ~~فيكون خالصا لوجهه - سبحانه - وأما التثبيت من أنفسهم، فهو لأنفسهم ~~أيضا. فكأن النفس الإيمانية تتصادم مع النفس الشهوانية، فعندما تطلب ~~النفس الإيمانية أي شيء فإن النفس الشهوانية تحاول أن تمنعها. وتتغلب ~~النفس الإيمانية على النفس الشهوانية وتنتصر لله. والمراد ب " تثبيتا ~~من أنفسهم " هو أن يتثبت المؤمن على أن يحب نفسه حبا أعمق لا حبا أحمق. ~~إذن فعملية الإنفاق يجب أن تكون أولا إنفاقا في سبيل الله، وتكون ~~بتثبيت النفس بأن وهب المؤمن أولا دمه، وثبت نفسه ثانيا بأن وهب ماله، ~~وهكذا يتأكد التثبيت فيكون كما تصوره الآية الكريمة: { كمثل جنة ~~بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم ~~يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير } ~~[البقرة: 265]. والجنة كما عرفنا تطلق في اللغة على المكان الذي يوجد به ~~زرع كثيف أخضر لدرجة أنه يستر من يدخله. ومنها " جن " أي " ستر " ، ومن ~~يدخل هذه الجنة يكون مستورا. إن الحق يريد أن يضرب لنا المثل الذي يوضح ~~الصنف الثاني من المنفقين في سبيل الله ابتغاء مرضاته وتثبيتا من أنفسهم ~~الإيمانية ضد النفس الشهوانية، فيكون الواحد منهم كمن دخل جنة كثيفة ~~الزرع، وهذه الجنة توجد بربوة عالية، وعندما تكون الجنة بربوة عالية ~~فمعنى ذلك أنها محاطة بأمكنة وطيئة ومنخفضة عنها، فماذا يفعل المطر بهذه ~~الجنة التي توجد على ربوة؟ وقد أخبرنا الحق بما يحدث لمثل هذه الجنة قبل ~~أن ms0860 يتقدم العلم الحديث ويكتشف آثار المياه الجوفية على الزراعة. فهذه ~~الجنة التي بربوة لا تعاني مما تعاني منه الأرض المستوية، ففي الأرض ~~المستوية قد توجد المياه الجوفية التي تذهب إلى جذور النبات الشعرية ~~وتفسدها بالعطن، فلا تستطيع هذه الجذور أن تمتص الغذاء اللازم للنبات، ~~فيشحب النبات بالإصفرار أولا ثم يموت بعد ذلك، إن الجنة التي بربوة ~~تستقبل المياه التي تنزل عليها من المطر، وتكون لها مصارف من جميع الجهات ~~الوطيئة التي حولها، وترتوي هذه الجنة بأحدث ما توصل إليه العلم من وسائل ~~الري، إنها تأخذ المياه من أعلى أي من المطر، فتنزل المياه على الأوراق ~~لتؤدي وظيفة أولى وهي غسل الأوراق. إن أوراق النبات - كما نعلم - مثل ~~الرئة بالنسبة للإنسان مهمتها التنفس، فإذا ما نزل عليها ماء المطر فهو ~~يغسل هذه الأوراق مما يجعلها تؤدي دورها فيما نسميه نحن في العصر الحديث ~~بالتمثيل الكلوروفيلي. وبعد ذلك تنزل المياه إلى الجذور لتذيب العناصر ~~اللازمة في التربة لغذاء النبات، فتأخذ الجذور حاجتها من الغذاء المذاب ~~في الماء، وينزل الماء الزائد عن ذلك في المصارف المنخفضة. # وهذه أحدث وسائل الزراعة الحديثة، واكتشفوا أن المحصول يتضاعف بها. إن ~~الحق يخبرنا أن من ينفق ماله ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل ~~هذه الجنة التي تروى بأسلوب رباني، فإن نزل عليها وابل من المطر، أخذت ~~منه حاجتها وانصرف باقي المطر عنها، { فإن لم يصبها وابل ~~فطل } [البقرة: 265] والطل وهو المطر والرذاذ الخفيف يكفيها لتؤتي ~~ضعفين من نتاجها.. وإذا كان الضعف هو ما يساوي الشيء مرتين، فالضعفان ~~يساويان الشيء أربع مرات. والله يضرب لنا مثلا ليزيد به الإيضاح لحالة ~~من ينفق ماله رئاء الناس فيسأل عباده المؤمنين وهو أعلم بهم فيقول جل ~~شأنه: { أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل ~~وأعناب تجري من تحتها الأنهار... }. ### || [2.266] # إن الحق سبحانه يشركنا في الصورة كأنه يريد أن يأخذ منا الشهادة ~~الواضحة. فهل يود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها ~~الأنهار له فيها ms0861 من كل الثمرات. ونعلم أن النخيل والأعناب هما من أهم ~~ثمار ونتاج المجتمع الذي نزل به القرآن الكريم. ونعرف أن هناك حدائق فيها ~~نخيل وأعناب، ويضيف إليها صاحبها أشجارا من الخوخ وأشجارا من الفواكة ~~الأخرى. ولذلك يقول الحق في أصحاب الجنة: # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا ~~بينهما زرعا * كلتا الجنتين آتت أكلها ولم ~~تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا * وكان ~~له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر ~~منك مالا وأعز نفرا * ودخل جنته وهو ظالم ~~لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا * ومآ ~~أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي ~~لأجدن خيرا منها منقلبا # [الكهف: 32-36]. كأن الجنتين هنا فيهما أشياء كثيرة، فيهما أعناب، ~~وزادهما الله عطاء النخيل، ثم الزرع، وهذا يسمى في اللغة عطف العام على ~~الخاص، أو عطف الخاص على العام، ليذكر الشيء مرتين، مرة بخصوصه، ومرة في ~~عموم غيره. وعندما يتحدث الحق سبحانه عن جنة الآخرة فإنه يقول مرة: # أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ذلك الفوز العظيم # [التوبة: 89]. لقد هيأ الله للمؤمنين به، المقاتلين في سبيل نصرة دينه ~~وإعلاء كلمته جنات تتخللها الأنهار، وذلك هو الفوز والنجاح الكبير. ومرة ~~أخرى يتحدث الحق عن جنة الآخرة بقوله: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها ~~الأنهار خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم # [التوبة: 100]. إن الحديث عن الأنهار التي تجري تحت الجنة يأتي مرة ~~مسبوقا ب " من ". ومرة أخرى غير مسبوق ب " من ". فعندما يأتي الحديث ~~عن تلك الأنهار التي تحت الجنة مسبوقا ب " من " فإن ذلك يوحي أن نبعها ~~ذاتي فيها والمائية مملوكة لها. وعندما يأتي الحديث عن تلك الأنهار التي ~~تجري تحت الجنة غير مسبوق ب " من " ، فمعنى ذلك أن نبع هذه الأنهار غير ~~ذاتي فيها، ولكنه يجري تحتها بإرادة الله فلا يجرؤ أحد أن يمنع الماء عن ~~هذه الجنة التي أعدها الله ms0862 للمؤمنين. وعندما يشركنا الحق في التساؤل: { ~~أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل ~~وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل ~~الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفآء ~~فأصابهآ إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين ~~الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون } [البقرة: 266]. # إن الجنة التي بهذه الصفة وفيها الخير الكثير، لكن صاحبها يصيبه الكبر، ~~ولم تعد في صحته فتوة الشباب، إنه محاط بالخير وهو أحوج ما يكون إلى ذلك ~~الخير لأنه أصبح في الكبر وليس له طاقة يعمل بها، وهكذا تكون نفسه معلقة ~~بعطاء هذه الجنة، لا لنفسه فقط ولكن لذريته من الضعفاء. وهذه قمة التصوير ~~للاحتياج للخير، لا للنفس فقط ولكن للأبناء الضعفاء أيضا. إننا أمام رجل ~~محاط بثلاثة ظروف. الظرف الأول: هو الجنة التي فيها من كل خير. والظرف ~~الثاني: هو الكبر والضعف والعجز عن العمل. والظرف الثالث: هو الذرية من ~~الضعفاء. فيطيح بهذه الجنة إعصار فيه نار فاحترقت، فأي حسرة يكون فيها ~~الرجل؟ إنها حسرة شديدة. كذلك تكون حسرة من يفعل الخير رئاء الناس. ~~والإعصار كما نعرف هو الريح الشديد المصحوبة برعد وبرق ومطر وقد يكون فيه ~~نار، هذا إذا كانت الشحنات الكهربائية ناتجة من تصادم السحب أو حاملة ~~لقذائف نارية من بركان ثائر. هكذا يكون حال من ينفق ماله رئاء الناس. ~~ابتداء مطمع وانتهاء موئس أي ميئوس منه. إذن فكل إنسان مؤمن عليه أن ~~يتذكر ساعة أن ينفق هذا الابتداء المثير للطمع، وذلك الانتهاء المليء ~~باليأس. إنها الفجيعة الشديدة. ويصورها الشاعر بقوله: # فأصبحت من ليلى الغداة كقابض # على الماء خانته فروج الأصابع # ويقول آخر: # كما أبرقت قوما عطاشا غمامه # فلما رأوها أقشعت وتجلت # إن الذي يرائي يخسر كل حاجاته، ولا يقدر على شيء مما كسب. ويقول الحق من ~~بعد ذلك: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ~~ما كسبتم... }. ### || [2.267] # إن هذه الآية تعطي صورا تحدث في المجتمع البشري. وكانت هذه الصور تحدث ~~في مجتمع المدينة بعد أن أسس فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم دولة ms0863 ~~الإسلام. فبعض من الناس كانوا يحضرون العذق من النخل ويعلقه في المسجد ~~من أجل أن يأكل منه من يريد، والعذق هو فرع قوي من النخل يضم الكثير من ~~الفروع الصغيرة المعلقة عليها ثمار البلح. وكان بعضهم يأتي بعذق غير ناضج ~~أو بالحشف وهو أردأ التمر، فأراد الله أن يجنبهم هذا الموقف، حتى لا ~~يجعلوا لله ما يكرهون، فأنزل هذا القول الحكيم: { يأيها الذين ~~آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } [البقرة: 267]. ~~إن الإنفاق يجب أن يكون من الكسب الطيب الحلال، فلا تأتي بمال من مصدر ~~غير حلال لتنفق منه على أوجه الخير. فالله طيب لا يقبل إلا طيبا. ولا ~~يكون الإنفاق من رذال ورديء المال. ويحدد الحق سبحانه وتعالى وسيلة ~~الإنفاق من عطائه فيقول: { وممآ أخرجنا لكم من الأرض } ~~[البقرة: 267] وهو سبحانه يذكرنا دائما حين يقول: { أنفقوا من ~~طيبات ما كسبتم } [البقرة: 267] ألا تظن الكسب هو الأصل في ~~الرزق. لا، إن الكسب هو حركة موهوبة لك من الله. إنك أيها العبد إنما ~~تتحرك بطاقة موهوبة لك من الله، وبفكر ممنوح لك من الله، وفي أرض سخرها ~~لك الله، إنها الأدوات المتعددة التي خصك بها الله وليس فيها ما تملكه ~~أنت من ذاتيتك. ولكن الحق يحترم حركة الإنسان وسعيه إلى الرزق فيقول: { ~~أنفقوا من طيبات ما كسبتم } [البقرة: 267]. ويحذرنا ~~الحق من أن نختار الخبيث وغير الصالح من نتاج عملنا لننفق منه بقوله ~~سبحانه: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } [البقرة: ~~267] أي لا يصح ولا يليق أن نأخذ لأنفسنا طيبات الكسب ونعطي الله رديء ~~الكسب وخبيثه لأن الواحد منا لا يرضى لنفسه أن يأخذ لطعامه أو لعياله هذا ~~الخبيث غير الصالح لننفق منه أو لنأكله. { ولستم بآخذيه إلا ~~أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد } ~~[البقرة: 267] أي أنك أيها العبد المؤمن لن ترضى لنفسك أن تأكل من الخبيث ~~إلا إذا أغمضت عينيك، أو تم تنزيل سعره لك كأن يعرض عليك البائع شيئا ~~متوسط الجودة أو شيئا رديئا بسعر يقل عن سعر الجيد. لقد ms0864 أراد الحق ~~سبحانه وتعالى أن يوضح لنا بهذه الصور أوجه الإنفاق: * إن النفقة لا تنقص ~~المال وإنما تزيده سبعمائة مرة. * إن النفقة لا يصح أن يبطلها الإنسان ~~بالمن والأذى. * إن القول المعروف خير من الصدقة المتبوعة بالمن أو ~~الأذى. * إن الإنفاق لا يكون رئاء الناس إنما يكون ابتغاء لمرضاة الله. ~~هذه الآيات الكريمة تعالج آفات الإنفاق سواء آفة الشح أو آفة المن أو ~~الأذى، أو الإنفاق من أجل التظاهر أمام الناس، أو الإنفاق من رديء المال. ~~وبعد ذلك يقول سبحانه: { الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشآء... }. ### || [2.268] # إن الشيطان قد يوسوس لكم بأن الإنفاق إفقار لكم، ويحاول أن يصرفكم عن ~~الإنفاق في وجوه الخير، ويغريكم بالمعاصي والفحشاء، فالغني حين يقبض ~~يده عن المحتاج فإنه يدخل في قلب المحتاج الحقد. وأي مجتمع يدخل في ~~قلبه الحقد نجد كل المنكرات تنتشر فيه. ويعالج الحق هذه المسائل بقوله: # إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا ~~وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم * ~~إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم # [محمد: 36-37]. إن الحق سبحانه وتعالى لا يسألك أن ترد عطاءه لك من ~~المال، إنما يطلب الحق تطهير المال بالإنفاق منه في سبيل الله ليزيد ~~ولينمو، وليخرج الضغن من المجتمع لأن الضغن حين يدخل مجتمعا فعلى هذا ~~المجتمع السلام. ولا يفيق المجتمع من هذا الضغن إلا بأن تأتيه ضربة قوية ~~تزلزله، فينتبه إلى ضرورة إخراج الضغن منه لذلك يحذرنا الله أن نسمع ~~للشيطان: { الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم ~~بالفحشآء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ~~والله واسع عليم } [البقرة: 268]. فالذي يسمع لقول الشيطان ~~ووعده، ولا يستمع إلى وعد الله يصبح كمن رجح عدو الله على الله - أعاذنا ~~الله وإياكم من مثل هذا الموقف - إن الشيطان قد وسوس لكم بالفقر إذا ~~أنفقتم، وخبرة الإنسان مع الشيطان تؤكد للإنسان أن الشيطان كاذب مضلل، ~~وخبرة الإنسان مع الإيمان بالله تؤكد للإنسان أن الله واسع المغفرة، كثير ~~العطاء لعباده. والحكمة تقتضي أن نعرف إلى أي الطرق نهتدي ونسير. وبعد ~~ذلك يقول الحق: { يؤتي ms0865 الحكمة من يشآء ومن يؤت ~~الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا... }. ### || [2.269] # والحكمة هي وضع الشيء في موضعه النافع. فكأن الحق يقول: كل ما أمرتكم به ~~هو عين الحكمة لأني أريد أن أؤمن حياتكم الدنيا فيمن تتركون من ~~الذرية الضعفاء، وأؤمن لكم سعادة الآخرة. فإن صنع العبد المؤمن ما ~~يأمر به الله فهذا وضع الأشياء في موضعها وهو أخذ بالحكمة. وقد أراد الحق ~~أن يعلم الإنسان من خلال عاطفته على أولاده، لأن الإنسان قد تمر عليه ~~فترة يهون فيها عنده أمر نفسه، ولا ينشغل إلا بأمر أولاده، فقد يجوع من ~~أجل أن يشبع الأولاد، وقد يعرى من أجل أن يكسوهم. ولنا المثل الواضح في ~~سيدنا إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، لقد ابتلاه ربه في بداية حياته ~~بالإحراق في النار، ولأن إبراهيم قوى الإيمان فقد جعل الله النار بردا ~~وسلاما. وابتلاه الله في آخر حياته برؤيا ذبح ابنه، ولأن إبراهيم عظيم ~~الإيمان فقد امتثل لأمر الرحمن الذي افتدى إسماعيل بكبش عظيم. والإنسان ~~في العمر المتأخر يكون تعلقه بأبنائه أكبر من تعلقه بنفسه. وهكذا كان ~~الترقي في ابتلاء الله لسيدنا إبراهيم عليه السلام، ولذلك أراد الله أن ~~يضرب للبشر على هذا الوتر وقال: # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]. إن الحق سبحانه يريد من عباده أن يؤمنوا على أولادهم ~~بالعمل الصالح والقول السديد. ومثال آخر حين أراد الحق أن يحمي مال ~~اليتامى، وأعلمنا بدخول موسى عليه السلام مع العبد الصالح الذي أوتي ~~العلم من الله، يقول - سبحانه -: # فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ ~~أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا ~~يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت ~~عليه أجرا # [الكهف: 77]. كان موسى عليه السلام لا يعلم علم العبد الصالح من أن ~~الجدار كان تحته كنز ليتيمين، كان أبوهما رجلا صالحا، وأهل هذه القرية ~~لئام، فقد رفضوا أن يطعموا العبد الصالح وموسى عليه السلام، لذلك كان من ~~الضروري إقامة الجدار حتى لا ms0866 ينكشف الكنز في قرية من اللئام ويستولوا ~~عليه ولا يأخذ الغلامان كنز أبيهما الذي كان رجلا صالحا. إذن فالحق ~~سبحانه يعلمنا أن نؤمن على أبنائنا بالعمل الصالح، وهذه هي الحكمة ~~عينها التي لا يصل إليها إلا أصحاب العقول القادرة على الوصول إلى عمق ~~التفكير السديد. وسيدنا الحسن البصري يعطينا المثل في العمل الصالح عندما ~~يقول لمن يدخل عليه طالبا حاجة: مرحبا بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة ~~بغير أجرة. إن سيدنا الحسن البصري قد أوتي من الحكمة ما يجعله لا ينظر ~~إلى الخير بمقدار زمنه، ولكن بمقدار ما يعود عليه بعد الزمن. وقد ضربت من ~~قبل المثل بالتلميذ الذي يجد ويتعب في دروسه ليحصل على النجاح، بينما ~~أخوه يحب لنفسه الراحة والكسل. ثم نجد التلميذ الذي يتعب هو الذي يرتقي ~~في المجتمع، بينما الذي ارتضى لنفسه الكسل يصير صعلوكا في المجتمع. وبعد ~~ذلك يقول سبحانه: { ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم ~~من نذر فإن الله يعلمه... }. ### || [2.270] # وقد عرفنا النفقة من قبل، فما هي مسألة النذر؟. إن النذر هو أن تلزم ~~نفسك بشيء من جنس ما شرع الله فوق ما أوجب الله. فإذا نذرت أن تصلي لله ~~كل ليلة عددا من الركعات فهذا نذر من جنس ما شرع الله لأن الله قد شرع ~~الصلاة وفرضها خمسة فروض، فإن نذرت فوق ما فرضه الله فهذا هو النذر. ~~ويقال في الذي ينذر شيئا من جنس ما شرع الله فوق ما فرضه الله: إن هذا ~~دليل على أن العبادة قد حلت له، فأحبها وعشقها، ودليل على أنه قارب أن ~~يعرف قدر ربه وأن ربه يستحق منه فوق ما افترضه عليه، فكأن الله في ~~افتراضه كان رحيما بنا، لأنه لو فرض ما يستحقه منا لما استطاع واحد أن ~~يفي بحق الله. إذن فعندما تنذر أيها العبد المؤمن نذرا، فإنك تلزم نفسك ~~بشيء من جنس ما شرع الله لك فوق ما فرض الله عليك. وأنت مخير أن تقبل على ~~نذر ما، أو لا تقبل. لكن ms0867 إن نطقت بنذر فقد لزم. لماذا؟ لأنك ألزمت نفسك ~~به. ولذلك فمن التعقل ألا يورط الإنسان نفسه ويسرف في النذر، لأنه في ~~ساعة الأداء قد لا يقدر عليه. وأهل القرب من الله يقولون لمن يخل بالنذر ~~بعد أن نذر: هل جربت ربك فلم تجده أهلا لاستمرار الود. وليس فينا من ~~يجرؤ على ذلك لأن الله أهل لعميق الود. ولهذا فمن الأفضل أن يتريث ~~الإنسان قبل أن ينذر شيئا. ونقف الآن عند تذييل الآية: { وما ~~للظالمين من أنصار } [البقرة: 270]. إن الظالمين هم من ظلموا ~~أنفسهم لأن الحق عرفنا أن ظلم الإنسان إنما يكون لنفسه، وقال لنا: # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون # [يونس: 44]. ومن أشد الظلم للنفس الإنفاق رياء، أو الإنفاق في المعاصي، ~~أو عدم الوفاء بالنذر، فليس لمن يفعل ذلك أعوان يدفعون عنه عذاب الله في ~~الآخرة. ويقول الحق من بعد ذلك: { إن تبدوا الصدقات فنعما ~~هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء... }. ### || [2.271] # فإن أظهرتم الصدقة فنعم ما تفعلون لتكونوا قدوة لغيركم، ولتردوا الضغن ~~عن المجتمع. وإن أخفيتم الصدقة وأعطيتموها الفقراء فإن الله يكفر عنكم ~~بذلك من سيئاتكم، والله خبير بالنية وراء إعلان الصدقة ووراء إخفاء ~~الصدقة. والتذييل في هذه الآية الكريمة يخدم قضية إبداء الصدقة وقضية ~~إخفاء الصدقة، فالحق خبير بنية من أبدى الصدقة، فإن كان غنيا فعليه أن ~~يبدي الصدقة حتى يحمي عرضه من وقوع الناس فيه لأن الناس حين يعلمون ~~بالغني فلا بد أن يعلموا بإنفاق الغني، وإلا فقد يحسب الناس على الغني ~~عطاء الله له، ولا يحسبون له النفقة في سبيل الله. لماذا؟ لأن الله يريد ~~أن يحمي أعراض الناس من الناس. أما إن كان الإنسان غير ظاهر الغنى فمن ~~المستحسن أن يخفي الصدقة. وإن أظهرت الصدقة كما قلت ليتأسى الناس بك، ~~وليس في ذهنك الرياء فهذا أيضا مطلوب. والحق يقول: { والله بما ~~تعملون خبير } [البقرة: 271] أي أن الله يجازي على قدر نية العبد ~~في الإبداء أو في الإخفاء. إنه باستقراء الآيات التي ms0868 تعرضت للإنفاق نجده ~~سبحانه يسد أمام النفس البشرية كل منافذة الشح، ويقطع عنها كل سبيل ~~تحدثه به إذا ما أرادت أن تبخل بما أعطاها الله، والخالق الذي وهب ~~للمخلوق ما وهبه يطلب منه الإنفاق، وإذا نظرنا إلى الأمر في عرف المنطق ~~وجدناه أمرا طبيعيا لأن الله لا يسأل خلقه النفقة مما خلقوا ولكنه ~~يسألهم النفقة مما خلقه لهم. إن الإنسان في هذا الكون حين يطلب إيمانيا ~~منه أن ينفق فلازم ذلك أن يكون عنده ما ينفقه، ولا يمكن أن يكون عنده ما ~~ينفقه إلا إذا كان مالكا لشيء زاد على حاجته وحاجة من يعوله، وذلك لا ~~يتأتى إلا بحصيلة العمل. إذن فأمر الله للمؤمن بالنفقة يقتضي أن يأمره ~~أولا بأن يعمل على قدر طاقته لا على قدر حاجته، فلو عمل كل إنسان من ~~القادرين على قدر حاجته، فكيف توجد مقومات الحياة لمن لا يقدر على ~~العمل؟. إذن فالحق يريد منا أن نعمل على قدر طاقتنا في العمل لنعول ~~أنفسنا ولنعول من في ولايتنا، فإذا ما زاد شيء على ذلك وهبناه لمن لا ~~يقدر على العمل. ولقائل أن يقول: إذا كان الله قد أراد أن يحنن قلوب ~~المنفقين على العاجزين فلماذا لم يجعل العاجزين قادرين على أن يعملوا هم ~~أيضا؟ نقول لصاحب هذا القول: إن الحق حين يخلق.. يخلق كونا متكاملا ~~منسجما دانت له الأسباب، فربما أطغاه أن الأسباب تخضع له، فقد يظن أنه ~~أصبح خالقا لكل شيء، فحين تستجيب له الأرض إن حرث وزرع، وحين يستجيب ~~الماء له إن أدلى دلوه، وحين تستجيب له كل الأسباب، ربما ظن نفسه أصيلا ~~في الكون. # فيشاء الله أن يجعل القوة التي تفعل في الأسباب لتنتج، يشاء - سبحانه - ~~أن يجعلها عرضا من أعراض هذا الكون، ولا يجعلها لازمة من لوازم الإنسان، ~~فمرة تجده قادرا، ومرة تجده عاجزا. فلو أنه كان بذاتيته قادرا لما ~~وجد عاجز. إذن فوجود العاجزين عن الحركة في الحياة لفت للناس على ~~أنهم ليسوا أصلاء في هذا الكون، وأن الذي وهبهم ms0869 القدرة يستطيع أن يسلبهم ~~إياها ليعيدها إلى سواهم، فيصبح العاجز بالأمس قادرا اليوم، ويصبح ~~القادر بالأمس عاجزا اليوم وبذلك يظل الإنسان منتبها إلى القوة الواهبة ~~التي استخلفته في الأرض. ولذلك كان الفارق بين المؤمن والكافر في حركة ~~الحياة أنهما يجتمعان في شيء، ثم ينفرد المؤمن في شيء، يجتمعان في أن كل ~~واحد من المؤمنين ومن الكافرين يعمل في أسباب الحياة لينتج ما يقوته ~~ويقوت من يعول، ذلك قدر مشترك بين المؤمن والكافر. والكافر يقتصر على هذا ~~السبب في العمل فيعمل لنفسه ولمن يعول. ولكن المؤمن يشترك معه في ذلك ~~ويزيد أنه يعمل لشيء آخر هو: أن يفيض عنه شيء يمكن أن يتوجه به إلى غير ~~القادر على العمل. محتسبا ذلك عند الله. ولذلك قلنا سابقا: إن الحق ~~سبحانه حينما تكلم عن الزكاة تكلم عنها مرة مطلوبة أداء، وتكلم عنها مرة ~~أخرى مطلوبة غاية فقال: # والذين هم للزكاة فاعلون # [المؤمنون: 4]. ولم يقل للزكاة مؤدون، فالمؤمنون لا يعملون لقصد الزكاة ~~إلا إن عملوا عملا على قدر طاقاتهم ليقوتهم وليقوت من يعولهم، ثم يفيض ~~منهم شيء يؤدون عنه الزكاة. والحق سبحانه وتعالى في أمر الزكاة: # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا ~~لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما ~~تعملون بصير # [البقرة: 110]. إذن فحصيلة الأمر أن الزكاة مقصودة لهم حين يقبلون على ~~أي عمل. ولقد صارت الزكاة بذلك الأمر الإلهي مطلوبة غاية، فهي أحد أركان ~~الإسلام وبذلك يتميز المؤمن على الكافر. والحق سبحانه وتعالى حين تعرض ~~لمنابع الشح في النفس البشرية أوضح: أن أول شيء تتعرض له النفس البشرية ~~أن الإنسان يخاف من النفقة لأنها تنقص ما عنده، وقد حذر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الشح في قوله: # " اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك ~~من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " # هي كذلك ولكن الحق سبحانه أوضح لكل مؤمن: أنها تنقص ما عندك، ولكنها ~~تزيدك مما عند الله فهي إن أنقصت ms0870 ثمرة فعلك فقد أكملتك بفعل الله لك. ~~وحين تكملك بفعل الله لك، يجب أن تقارن بين قوة مخلوقة عاجزة وقوة خالقة ~~قادرة. ويلفتنا سبحانه: أن ننظر جيدا إلى بعض خلقه وهي الأرض، الأرض ~~التي نضع فيها البذرة الواحدة - أي الحبة الواحدة - فإنها تعطي سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فلو نظر الإنسان أول الأمر إلى أن ما يضعه ~~في الأرض حين يحرث ويزرع يقلل من مخازنه لما زرع ولما غرس، ولكنه عندما ~~نظر لما تعطيه الأرض من سبعمائة ضعف أقبل على البذر، وأقبل على الحرث غير ~~هياب لأنها ستعوضه أضعاف أضعاف ما أعطى. # وإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعطي هذا العطاء، فكيف يكون عطاء خالق ~~الأرض؟ # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مائة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم # [البقرة: 261]. إذن فقد سد الحق بهذا المثل على النفس البشرية منفذ ~~الشح. وشيء آخر تتعرض له الآيات، وهو أن الإنسان قد يحرج في مجتمعه ~~من سائل يسأله فهو في حرصه على ماله لا يحب أن ينفق، ولحرصه على مكانته ~~في الناس لا يحب أن يمنع، فهو يعطي ولكن بتأفف، وربما تعدى تأففه إلى نهر ~~الذي سأله وزجره، فقال الحق سبحانه وتعالى ليسد ذلك الموقف: # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى ~~والله غني حليم # [البقرة: 263]. وقول الله: " قول معروف ومغفرة " يدل على أن المسئول قد ~~أحفظه سؤال السائل وأغضبه الإحراج، ويطلب الحق من مثل هذا الإنسان أن ~~يغفر لمن يسأله هذه الزلة إن كان قد اعتبر سؤاله له ذنبا: # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ أذى ~~والله غني حليم # [البقرة: 263]. وبعد ذلك يتعرض الحق سبحانه وتعالى إلى " المن " الذي ~~يفسد العطاء لأنه يجعل الآخذ في ذلة وانكسار، ويريد المعطي أن يكون في ~~عزة العطاء وفي استعلاء المنفق، فهو يقول: إنك إن فعلت ذلك ستتعدى الصدقة ~~منك إلى الغير فيفيد، ولكنك أنت الخاسر لأنك لن تفيد بذلك ms0871 شيئا، وإن كان ~~قد استفاد السائل. إذن فحرصا على نفسك لا تتبع الصدقة بالمن ولا بالأذى. ~~ثم يأتي الحق ليعالج منفذا من منافذ الشح في النفس البشرية هو: أن ~~الإنسان قد يحب أن يعطي، ولكنه حين تمتد يده إلى العطاء يعز عليه إنفاق ~~الجيد من ماله الحسن، فيستبقيه لنفسه ثم يعزل الأشياء التي تزهد فيها ~~نفسه ليقدمها صدقة فينهانا - سبحانه - عن ذلك فيقول: # ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم ~~بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه.. # [البقرة: 267]. أي إن مثل هذا لو أعطي لك لما قبلته إلا أن تغمض ~~وتتسامح في أخذه وكأنك لا تبصر عيبه لتأخذه، فما لم تقبله لنفسك فلا يصح ~~أن تقبله لسواك. ثم بعد أن تكلم القرآن عن منافذ الشح في النفس ~~الإنسانية بين لنا أن الذي ينتج هذه المنافذ ويغذيها إنما هو الشيطان: # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع ~~عليم # [البقرة: 268]. فإن سويتم بين عدة الشيطان ووعد الله لكم بالرضوان ~~كان الخسران والضياع. فراجعوا إيمانكم، وعليكم أن تجعلوا عدة الشيطان ~~مدحورة أمام وعد الله لكم بالفضل والمغفرة. ثم يتكلم بعد ذلك عن زمن ~~الصدقة وعن حال إنفاقها - ظاهرة أو باطنة - وتكون النية عندك هي المرجحة ~~لعمل على عمل، فإذا كنت إنسانا غنيا فارحم عرضك من أن يتناوله الناس ~~وتصدق صدقة علنية فيما هو واجب عليك لتحمي عرضك من مقولهم، وأن أردت أن ~~تتصدق تطوعا فلا مانع أن تسر بها حتى لا تعلم شمالك ما أنفقت يمينك.. ~~فعن ابن عباس رضي الله عنهما: صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ~~ضعفا، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا. وكأن ~~الله فتح أمام النفس البشرية كل منافذ العطاء وسد منافذ الشح. انظروا بعد ~~ذلك إلى الحق سبحانه حينما يحمي ضعاف المؤمنين ليجعلهم في حماية أقوياء ~~المؤمنين. اعلم أيها العبد المؤمن أنك حين تتلقى حكم الله لا تتلقاه على ~~أنه مطلوب منك دائما، ولكن عليك أن تتلقى الحكم على أنه قد يصير ms0872 ~~بتصرفات الأغيار مطلوبا لك، فإن كنت غنيا فلا تعتقد أن الله يطالبك ~~دائما، ولكن قدر أنك إن أصبحت بعرض الأغيار في الحياة فقيرا سيكون ~~الحكم مطلوبا لك. فقدر - حال كونه مطلوبا منك الآن لأنك غني - أنه ~~سيطلب لك إن حصلت لك أغيار، فصرت بها فقيرا. إذن فالتشريع لك وعليك، ~~فلا تعتبره عليك دائما لأنك إن اعتبرته عليك دائما عزلت نفسك عن أغيار ~~الحياة، وأغيار الحياة قائمة لا يمكن أن يبرأ منها أحد أبدا لذلك أمر - ~~سبحانه - المؤمن أن يكفل أخاه المؤمن. انظروا إلى طموحات الإيمان في ~~النفس الإنسانية، حتى الذين لا يشتركون معك في الإيمان. إن طلب منك أن ~~تعطي الصدقة المفروضة الواجبة لأخيك المؤمن فقد طلب منك أيضا أن تتطوع ~~بالعطاء لمن ليس مؤمنا. وتلك ميزة في الإسلام لا توجد أبدا في غيره من ~~الأديان، إنه يحمي حتى غير المؤمن. ولذلك يقول الحق: { ليس عليك ~~هداهم ولكن الله يهدي من يشآء... }. ### || [2.272] # ما أصل هذه المسألة؟ أصل هذه المسألة أن بعض السابقين إلى الإسلام كانت ~~لهم قرابات لم تسلم. وكان هؤلاء الأقرباء من الفقراء وكان المسلمون يحبون ~~أن يعطوا هؤلاء الأقارب الفقراء شيئا من مالهم، ولكنهم تحرجوا أن يفعلوا ~~ذلك فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر. وهاهي ذي أسماء ~~بنت أبي بكر الصديق وأمها " قتيلة " كانت ما زالت كافرة. وتسأل ~~أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعطي من مالها شيئا لأمها حتى ~~تعيش وتقتات. وينزل الحق سبحانه قوله: { ليس عليك هداهم ~~ولكن الله يهدي من يشآء } [البقرة: 272]، # " وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قدمت على أمي وهي مشركة ~~في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة. أفأصل أمي؟ قال: " نعم صلي ~~أمك " # ولقد أراد بعض من المؤمنين أن يضيقوا على أقاربهم ممن لم يؤمنوا حتى ~~يؤمنوا، لكن الرحمن الرحيم ينزل القول الكريم: { ليس عليك ~~هداهم ولكن الله ms0873 يهدي من يشآء } [البقرة: 272]. إنه ~~الدين المتسامي. دين يريد أن نعول المخلوق في الأرض من عطاء الربوبية وإن ~~كان لا يلتقي معنا في عطاء الألوهية لأن عطاء الألوهية تكليف، وعطاء ~~الربوبية رزق وتربية. والرزق والتربية مطلوبات لكل من كان على الأرض ~~لأننا نعلم أن أحدا في الوجود لم يستدع نفسه في الوجود، وإنما استدعاه ~~خالقه، وما دام الخالق الأكرم هو الذي استدعى العبد مؤمنا أو كافرا، ~~فهو المتكفل برزقه. والرزق شيء، ومنطقة الإيمان بالله شيء آخر، فيقول ~~الحق: { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من ~~يشآء } [البقرة: 272]. أو أن الآية حينما نزلت في الحث على النفقة ~~ربما أن بعض الناس تكاسل، وربما كان بعض المؤمنين يعمدون إلى الرديء من ~~أموالهم فينفقونه. وإذا كان الإسلام قد جاء ليواجه النفس البشرية بكل ~~أغيارها وبكل خواطرها، فليس بعجيب أن يعالجهم من ذلك ويردهم إلى الصواب ~~إن خطرت لهم خاطرة تسيء إلى السلوك الإيماني. وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحب حين ينزل أي أمر أن يلتفت المسلمون إليه لفتة الإقبال ~~بحرارة عليه، فإذا رأى تهاونا في شيء من ذلك حزن، فيوضح له الله: عليك ~~أن تبلغهم أمر الله في النفقة، وما عليك بعد ذلك أن يطيعوا. { ليس ~~عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء } [البقرة: ~~272]. ولقائل أن يقول: ما دام الله هو الذي يهدي فيجب أن نترك الناس على ~~ما هم عليه من إيمان أو كفر، وما علينا إلا البلاغ، ونقول لأصحاب هذا ~~الرأي: تنبهوا إلى معطيات القرآن فيما يتعلق بقضية واحدة، هذه القضية ~~التي نحن بصددها هي الهداية، ولنستقرئ الآيات جميعا، فسنجد أن الذين ~~يرون أن الهداية من الله، وأنه ما كان يصح له أن يعذب عاصيا، لهم وجهة ~~نظر، والذين يقولون: إن له سبحانه أن يعذبهم لأنه ترك لهم الخيار لهم ~~وجهة نظر، فما وجهة النظر المختلفة حتى يصير الأمر على قدر سواء من ~~الفهم؟ إن الحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم في قرآنه الكلام الموحى، فهو ~~يطلب منا أن نتدبره، ms0874 ومعنى أن نتدبره ألا ننظر إلى واجهة النص ولكن يجب ~~أن ننظر إلى خلفية النص. # " أفلا يتدبرون " يعني لا تنظر إلى الوجه، ولكن انظر ما يواجه الوجه وهو ~~الخلف. # أفلا يتدبرون القرآن.. # [النساء: 82]. فالحق سبحانه وتعالى قد قال: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى.. # [فصلت: 17]. كيف يكون الله قد هداهم، ثم بعد ذلك يستحبون العمى على ~~الهدى؟ إذن معنى " هدام " أي دلهم على الخير. وحين دلهم على الخير ~~فقد ترك فيهم قوة الترجيح بين البدائل، فلهم أن يختاروا هذا، ولهم أن ~~يختاروا هذا، فلما هداهم الله ودلهم استحبوا العمى على الهدى. والله ~~يقول لرسوله في نصين آخرين في القرآن الكريم: # إنك لا تهدي من أحببت.. # [القصص: 56]. فنفى عنه أنه يهدي. وأثبت له الحق الهداية في آية أخرى ~~يقول فيها: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52]. فكيف يثبت الله فعلا واحدا لفاعل واحد ثم ينفي الفعل ~~ذاته عن الفاعل ذاته؟ نقول لهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه أن ~~يدل الناس على منهج الله ولكن ليس عليه أن يحملهم على منهج الله لأن ذلك ~~ليس من عمله هو، فإذا قال الله: " إنك لا تهدي " أي لا تحمل بالقسر ~~والقهر من أحببت، وإنما أنت " تهدي " أي تدل فقط، وعليك البلاغ وعلينا ~~الحساب. إذن فقول الحق: { ليس عليك هداهم ولكن ~~الله يهدي من يشآء } [البقرة: 272] ليس فيه حجة على القسرية ~~الإيمانية التي يريد بعض المتحللين أن يدخلوا منها إلى منفذ التحلل ~~النفسي عن منهج الله ونقول لهؤلاء: فيه فرق بين هداية الدلالة وهداية ~~المعونة، فالله يهدي المؤمن ويهدي الكافر أي يدلهم، ولكن من آمن به يهديه ~~هداية المعونة، ويهديه هداية التوفيق، ويهديه هداية تخفيف أعمال الطاعة ~~عليه. { ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من ~~يشآء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم } [البقرة: 272] ~~تلك قضية تعالج الشح منطقيا، وكل معط من الخلق عطاؤه عائد إليه هو، ~~ولا يوجد معط عطاؤه لا يعود عليه إلا الله، هو وحده الذي لا يعود عطاؤه ~~لخلقه عليه، ms0875 لأنه - سبحانه - أزلا وقديما وقبل أن يخلق الخلق له كل صفات ~~الكمال، فعطاء الإنسان يعود إلى الإنسان وعطاء ربنا يعود إلينا. # ولذلك قال بعض السلف الذين لهم لمحة إيمانية: ما فعلت لأحد خيرا قط؟ ~~فقيل له: أتقول ذلك وقد فعلت لفلان كذا ولفلان كذا ولفلان كذا؟ فقال: ~~إنما فعلته لنفسي. فكأنه نظر حينما فعل للغير أنه فعل لنفسه. ولقد قلنا ~~سابقا: إن العارف بالله " الحسن البصري " كان إذا دخل عليه من يسأله هش ~~في وجهه وبش وقال له: مرحبا بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة. ~~إذن فقد نظر إلى أنه يعطيه وإن كان يأخذ منه. فالحق سبحانه وتعالى يعالج ~~في هذه القضية { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم } ~~[البقرة: 272] أي إياكم أن تظنوا أنني أطلب منكم أن تعطوا غيركم، لقد ~~طلبت منكم أن تنفقوا لأزيدكم أنا في النفقة والعطاء، ثم يقول: { وما ~~تنفقوا من خير يوف إليكم } [البقرة: 272] ومعنى ~~التوفية: الأداء الكامل. ولا تظنوا أنكم تنفقون على من ينكر معروفكم لأن ~~ما أنفقتم من خير فالله به عليم. إذن فاجعل نفقتك عند من يجحد، ولا تجعل ~~نفقتك عند من يحمد، لأنك بذلك قد أخذت جزاءك ممن يحمدك وليس لدى الله ~~جزاء لك. كنت أقول دائما للذين يشكون من الناس نكران الجميل ونسيان ~~المعروف: أنتم المستحقون لذلك لأنكم جعلتموهم في بالكم ساعة أنفقتم ~~عليهم، ولو جعلتم الله في بالكم لما حدث ذلك منهم أبدا. { وما ~~تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ~~ابتغآء وجه الله } [البقرة: 272] أهذه الآية تزكية لعمل ~~المؤمنين،، أم خبر أريد به الأمر؟ إنها الاثنان معا، فهي تعني أنفقوا ~~ابتغاء وجه الله. { وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون } [البقرة: 272] أنتم لا تظلمون من الخلق، ~~ولا تظلمون من الخالق، أما من الخلق فقد استبرأتم دينكم وعرضكم حين أديتم ~~بعض حقوق الله في أموالكم، فلن يعتدي أحد عليكم ليقول ما يقول، وأما عند ~~الله فهو سبحانه يوفي الخير أضعاف أضعاف ما أنفقتم فيه. وبعد ذلك يتكلم ms0876 ~~الحق سبحانه وتعالى عن مصرف من مصارف النفقة كان في صدر الإسلام: { ~~للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله لا ~~يستطيعون... }. ### || [2.273] # ساعة أن نسمع " جارا ومجرورا " قد استهلت به آية كريمة فنعلم أن هناك ~~متعلقا. ما هو الذي للفقراء؟ هو هنا النفقة، أي أن النفقة للفقراء الذين ~~أحصروا في سبيل الله. وإذا سألنا: ما معنى " أحصروا " فإننا نجد أن هناك ~~" حصر " وهناك " أحصر " وكلاهما فيه المنع، إلا أن المنع مرة يأتي بما ~~لا تقدر أنت على دفعه، ومرة يأتي بما تقدر على دفعه. فالذي مرض مثلا ~~وحصر على الضرب في الأرض، أكانت له قدرة أن يفعل ذلك؟ لا، ولكن الذي ~~أراد أن يضرب في الأرض فمنعه إنسان مثله فإنه يكون ممنوعا، إذن فيئول ~~الأمر في الأمرين إلى المنع، فقد يكون المنع من النفس ذاتها أو منع من ~~وجود فعل الغير، فهم أحصروا في سبيل الله. حصروا لأن الكافرين يضيقون ~~عليهم منافذ الحياة، أو حصروا أنفسهم على الجهاد، ولم يحبوا أن ~~يشتغلوا بغيره لأن الإسلام كان لا يزال في حاجة إلى قوم يجاهدون. وهؤلاء ~~هم أهل الصفة { للفقرآء الذين أحصروا في سبيل ~~الله لا يستطيعون ضربا في الأرض } [البقرة: 273] وعدم ~~استطاعتهم ناشئ من أمر خارج عن إرادتهم أو من أمر كان في نيتهم وهو أن ~~يرابطوا في سبيل الله، هذا من الجائز وذاك من الجائز. وكان الأنصار يأتون ~~بالتمر ويتركونه في سبائطه، ويعلقونه في حبال مشدودة إلى صواري المسجد، ~~وكلما جاع واحد من أهل الصفة أخذ عصاه وضرب سباطة التمر، فينزل بعض ~~التمر فيأكل، وكان البعض يأتي إلى الرديء من التمر والشيص ويضعه، وهذا هو ~~ما قال الله فيه: # ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم ~~بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه.. # [البقرة: 267]. وإذا نظرنا إلى قول الحق: { لا يستطيعون ضربا ~~في الأرض } [البقرة: 273] و " الضرب " هو فعل من جارحة بشدة على ~~متأثر بهذا الضرب، وما هو الضرب في الأرض؟ إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن ~~يبين لنا أن الكفاح في الحياة يجب ms0877 أن يكون في منتهى القوة، وإنك حين تذهب ~~في الأرض فعليك أن تضربها حرثا، وتضربها بذرا، لا تأخذ الأمر بهوادة ~~ولين ولذلك يقول الحق: # هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في ~~مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور # [الملك: 15]. إن الأرض مسخرة من الحق سبحانه للإنسان، يسعى فيها، ويضرب ~~فيها ويأكل من رزق الله الناتج منها. وحين يقول الله سبحانه في وصف الذين ~~أحصروا في سبيل الله فلا يستطيعون الضرب في الأرض { يحسبهم ~~الجاهل أغنيآء من التعفف } [البقرة: 273] أي يظنهم ~~الجاهل بأحوالهم أنهم أغنياء، وسبب هذا الظن هو تركهم للمسألة، وإذا كان ~~التعفف هو ترك المسألة فالله يقول بعدها: { تعرفهم بسيماهم لا ~~يسألون الناس إلحافا } [البقرة: 273] والسمة هي العلامة ~~المميزة التي تدل على حال صاحبها، فكأنك ستجد فيهم خشوعا وانكسارا ~~ورثاثة هيئة وإن لم يسألوا أو يطلبوا، ولكنك تعرفهم من حالتهم التي تستحق ~~الإنفاق عليهم، وإذا كان التعفف هو ترك المسألة فالله يقول بعدها: { لا ~~يسألون الناس إلحافا } [البقرة: 273] فكأنه أباح مجرد السؤال ~~ولكنه نهى عن الإلحاح والإلحاف فيه، ولو أنهم سألوا مجرد سؤال بلا إلحاف ~~ولا إلحاح أما كان هذا دليلا على أنهم ليسوا أغنياء؟ نعم، لكنه قال: { ~~يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف } [البقرة: 273] ~~إذن فليس هناك سؤال، لا سؤال على إطلاقه، ومن باب أولى لا إلحاف في ~~السؤال بدليل أن الحق يقول: { تعرفهم بسيماهم } [البقرة: 273]، ~~ولو أنهم سألوا لكنا قد عرفناهم بسؤالهم، إذن فالآية تدلنا على أن المنفي ~~هو مطلق السؤال، وأما كلمة " الإلحاف " فجاءت لمعنى من المعاني التي يقصد ~~إليها أسلوب الإعجازي، ما هو؟ إن " السيما " - كما قلنا - هي العلامة ~~المميزة التي تدل على حال صاحبها، فكأنك ستجد خشوعا وانكسارا ورثاثة ~~هيئة وإن لم يسألوا أي أنت تعرفهم من حالتهم البائسة، فإذا ما سأل السائل ~~بعد ذلك اعتبر سؤاله إلحاحا لأن حاله تدل على الحاجة، وما دامت حالته ~~تدل على الحاجة فكان يجب أن يجد من يكفيه السؤال، فإذا ما سأل مجرد سؤال ~~فكأنه ألحف في المسألة ms0878 وألح عليها. # وأيضا يريد الحق من المؤمن أن تكون له فراسة نافذة في أخيه بحيث يتبين ~~أحواله بالنظرة إليه ولا يدعه يسأل، لأنك لو عرفت ب " السيما " فأنت ~~ذكي، أنت فطن، أنما لو لم تعرف ب " السيما " وتنتظر إلى أن يقول لك ~~ويسألك، إذن فعندك تقصير في فطنة النظر، فهو سبحانه وتعالى يريد من ~~المؤمن أن يكون فطن النظر بحيث يستطيع أن يتفرس في وجه إخوانه المؤمنين ~~ليرى من عليه هم الحاجة ومن عنده خواطر العوز، فإذا ما عرف ذلك يكون ~~عنده فطنة إيمانية. ولنا العبرة في تلك الواقعة، فقد دق أحدهم الباب على ~~أحد العارفين فخرج ثم دخل وخرج ومعه شيء، فأعطاه الطارق ثم عاد باكيا ~~فقالت له امرأته: ما يبكيك؟. قال: إن فلانا طرق بابي. قالت: وقد أعطيته ~~فما الذي أبكاك؟. قال: لأني تركته إلى أن يسألني. إن العارف بالله بكى ~~لأنه أحس بمسئولية ما كان يجب عليه أن يعرفه بفراسته، وأن يتعرف على ~~أخبار إخوانه. ولذلك شرع الله اجتماعات الجمعة حتى يتفقد الإنسان كل أخ ~~من إخوانه، ما الذي أقعده: أحاجة أم مرض؟ أحدث أم مصيبة؟ وحتى لا يحوجه ~~إلى أن يذل ويسأل، وحين يفعل ذلك يكون له فطنة الإيمان. { وما ~~تنفقوا من خير فإن الله به عليم } [البقرة: 273] ~~يجب أن تعلم أنه قبل أن تعطي قد علم الله أنك ستعطي، فالأمر محسوب عنده ~~بميزان، ويجيء تصرف خلقه على وفق قدره، وما قدره قديما يلزم حاليا، وهو ~~سبحانه قد قدر لأنه علم أن عبده سيفعل وقد فعل. وكل فعل من الأفعال له ~~زمن يحدث فيه، وله هيئة يحدث عليها. والزمن ليل أو نهار. ثم يقول الحق ~~سبحانه وتعالى مبينا حالات الإنفاق والأزمان التي يحدث فيها وذلك في ~~قوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم باليل ~~والنهار سرا وعلانية... }. ### || [2.274] # إن المسألة في الإنفاق تقتضي أمرين: إما أن تنفق سرا، وإما أن تنفق ~~علانية. والزمن هو الليل والنهار، فحصر الله الزمان والحال في أمرين: ~~الليل والنهار فإياك أن تحجز عطية ms0879 تريد أن تعطيها وتقول: " بالنهار ~~أفعل أو في الليل أفعل لأنه أفضل " وتتعلل بما يعطيك الفسحة في تأخير ~~العطاء، إن الحق يريد أن تتعدى النفقة منك إلى الفقير ليلا أو نهارا، ~~ومسألة الليلية والنهارية في الزمن، ومسألة السرية والعلنية في الكيفية ~~لا مدخل لها في إخلاص النية في العطاء. { الذين ينفقون ~~أموالهم باليل والنهار سرا وعلانية فلهم ~~أجرهم عند ربهم } [البقرة: 274] أقالت الآية: الذين ينفقون ~~أموالهم بالليل أو النهار؟ لا، لقد طلب من كل منا أن يكون إنفاقه ليلا ~~ونهارا وقال: " سرا وعلانية " فأنفق أنت ليلا، وأنفق أنت نهارا، ~~وأنفق أنت سرا، وأنفق أنت علانية، فلا تحدد الإنفاق لا بليل ولا بنهار، ~~لا بزمن ولا بكيفية ولا بحال. إن الحق سبحانه استوعب زمن الإنفاق ليلا ~~ونهارا، واستوعب أيضا الكيفية التي يكون عليها الإنفاق سرا وعلانية ~~ليشيع الإنفاق في كل زمن بكل هيئة، وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى عن ~~هؤلاء: { فلهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 274] وهذا ~~القول يدل على عموم من يتأتى منه الإنفاق ليلا أو نهارا، سرا أو ~~علانية. وإن كان بعض القوم قد قال: إنها قيلت في مناسبة خاصة، وهي أن ~~الإمام عليا كرم الله وجهه ورضي عنه كانت عنده أربعة دراهم، فتصدق ~~بواحد نهارا، وتصدق بواحد ليلا، وتصدق بواحد سرا، وتصدق بواحد علانية، ~~فنزلت الآية في هذا الموقف، إلا أن قول الله: " فلهم " يدل على عموم ~~الموضوع لا على خصوص السبب، فكأن الجزاء الذي رتبه سبحانه وتعالى على ذلك ~~شائع على كل من يتأتى منه هذا العمل. وقول الله: { فلهم أجرهم ~~عند ربهم } [البقرة: 274] هنا نجد أن كلمة " أجر " تعطينا لمحة في ~~موقف المؤمن من أداءات الإنفاق كلها لأن الأجر لا يكون إلا عن عمل فيه ~~ثمن لشيء، وفي أجر لعمل. فالذي تستأجره لا يقدم لك شيئا إلا مجهودا، ~~هذا المجهود قد ينشأ عنه مثمن، أي شيء له ثمن، فقول الله { ~~فلهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: 274] يدل على أن المؤمن ~~يجب أن ينظر إلى كل شيء جاء عن ms0880 عمل فالله يطلب منه أن ينفق منه. إن الله ~~لا يعطيه ثمن ما أنفق، وإنما يعطيه الله أجر العمل، لماذا؟ لأن المؤمن ~~الذي يضرب في الأرض يخطط بفكره، والفكر مخلوق لله، وينفذ التخطيط الذي ~~خططه بفكره بوساطة طاقاته وأجهزته وطاقاته وأجهزته مخلوقة لله، ويتفاعل ~~مع المادة التي يعمل فيها، وكلها مخلوقة لله، فأي شيء يملكه الإنسان في ~~هذا كله؟ لا الفكر الذي يخطط، ولا الطاقة التي تفعل، ولا المادة التي ~~تنفعل فكلها لله. # إذن فأنت فقط لك أجر عملك لأنك تعمل فكرا مخلوقا لله، بطاقة مخلوقة ~~لله، في مادة مخلوقة لله، فإن نتج منها شيء أراد الله أن يأخذه منك لأخيك ~~العاجز الفقير فإنه يعطيك أجر عملك لا ثمن عملك. لكن المساوي لك في الخلق ~~وهو الإنسان إن أخذ منك حصيلة عملك فهو يعطيك ثمن ما أخذ منك، فهي من ~~المخلوق المساوي " ثمن " ، وهي من الخالق الأعلى أجر لأنك لا تملك شيئا ~~في كل ذلك. وبعد ذلك يقول الحق: { ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون } [البقرة: 274] والخوف هو الحذر من شيء يأتي، فمن الخائف؟ ~~من المخوف؟ ومن المخوف عليه؟ " ولا خوف عليهم " ممن؟ يجوز أن يكون " ~~ولا خوف عليهم " من أنفسهم فقد يخاف الطالب على نفسه من أن يرسب، فالنفس ~~واحدة خائفة ومخوف عليها، إنها خائفة الآن ومخوف عليها بعد الآن. ~~فالتلميذ عندما يخاف أن يرسب، لا يقال: إن الخائف هو عين المخوف لأن هذا ~~في حالة، وهذا في حالة. أو " لا خوف عليهم " من غيرهم، فمن الجائز أن ~~يكون حول كثير من الأغنياء أناس حمقى حين يرون أيدي هؤلاء مبسوطة بالخير ~~للناس فيغمزونهم ليمسكوا مخافة أن يفتقروا كأن يقولوا لهم: " استعدوا ~~للزمن فوراءكم عيالكم ". لكن أهل الخير لا يستمعون لهؤلاء الحمقى. إذن ف ~~" لا خوف عليهم " لا من أنفسهم، ولا من الحمقى حولهم. ويتابع الحق: " ولا ~~هم يحزنون " أي لا خوف عليهم الآن، ولا حزن عندهم حين يواجهون بحقائق ~~الخير التي ادخرها الله سبحانه وتعالى لهم بل إنهم سيفرحون. ms0881 بعد ذلك ~~يتعرض الحق سبحانه وتعالى إلى قضية من أخطر قضايا العصر، وهذه القضية كان ~~ولابد أن يتعرض لها القرآن لأنه يتكلم عن النفقة وعن الإنفاق، ولا شك أن ~~ذلك يقتضي منفقا ومنفقا عليه لأنه عاجز، فهب أن الناس شحوا، ولم ~~ينفقوا، فماذا يكون موقف العاجز الذي لا يجد؟ إن موقفه لا يتعدى أمرين: ~~إما أن يذهب فيقترض، وإن لم يقبل أحد أن يقرضه فهو يأخذ بالربا والزيادة ~~وإلا فكيف يعيش؟ إذن فالآيات التي نحن بصددها تعرضت للهيكل الاقتصادي في ~~أمة إسلامية جوادة، أو أمة إسلامية بخيلة شحيحة، لماذا؟ لأن الذي خلق ~~الخلق قد صنع حسابا دقيقا لذلك الخلق، بحيث لو أحصيت ما يجب على ~~الواجدين من زكاة، وأحصيت ما يحتاج إليه من لا يقدر لأن به عجزا طبيعيا ~~عن العمل، لوجدت العاجزين يحتاجون لمثل ما يفيض عن القادرين بلا زيادة أو ~~نقصان، وإلا كان هناك خطأ والعياذ بالله في حساب الخالق، ولا يمكن أن ~~يتأتى ذلك أبدا. # وحين ننظر إلى المجتمعات في تكوينها نجد أن إنسانا غنيا في مكان قد ~~نبا به مكانه، واختار أن يقيم في مكان آخر، فيعجب الناس لماذا ترك ذلك ~~المكان وهو في يسر ورخاء وغنى؟ ربما لو كان فقيرا لقلنا طلبا للسعة، ~~فلماذا خرج من هذا المكان وهو واجد، وهو على هذا الحال من اليسر؟ إنهم لم ~~يفطنوا إلى أن الله الذي خلق الخلق يدير كونه بتسخير وتوجيه الخواطر ~~التي تخطر في أذهان الناس، فتجد مكانه قد نبا به، وامتلأت نفسه بالقلق، ~~واختار أن يذهب إلى مكان آخر. ولو أن عندنا أجهزة إحصائية دقيقة وحسبنا ~~المحتاجين في البيئة التي انتقل منها لوجدنا قدرا من المال زائدا على ~~حاجة الذين يعيشون في هذه البيئة فوجهه الله إلى مكان آخر يحتاج إلى مثل ~~هذا الكم منه. وهكذا تجد التبادل منظما. فإن رأيت إنسانا محتاجا أو ~~إنسانا يريد أن يرابي فاعلم أن هناك تقصيرا في حق الله المعلوم، ولا ~~أقول في الحق غير المعلوم. أي أن الغني ms0882 بخل بما يجب عليه إنفاقه للمحتاج. ~~والقرآن حين يواجه هذه المسألة فهو يواجهها مواجهة تبشع العمل الربوي ~~تبشيعا يجعل النفس الإنسانية المستقيمة التكوين تنفر منه فيقول سبحانه ~~وتعالى: { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما ~~يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس... }. ### || [2.275] # وانظروا إلى كلمة " يأكلون " ، هل كل حاجات الحياة أكل؟ لا، فحاجات ~~الحياة كثيرة، الأكل بعضها، ولكن الأكل أهم شيء فيها لأنه وسيلة استبقاء ~~النفس. و " الربا " هو الأمر الزائد، وما دام هو الأمر الزائد يعني هو لا ~~يحتاج أن يأكل، فهذا تقريع له. إن الحق يريد أن يبشع هذا الأمر فيقول: ~~لهم سمة. هذه السمة قال العلماء أهي في الآخرة يتميزون بها في المحشر، ~~كما يقول الحق: # يعرف المجرمون بسيماهم.. # [الرحمن: 41]. فهؤلاء غير المصلين لهم علامة مميزة، وهؤلاء غير المزكين ~~لهم علامة أخرى مميزة بحيث إذا رأيتهم عرفتهم بسيماهم، وأنهم من أي صنف ~~من أصناف العصاة، فكأنهم حين يقومون يوم القيامة يقومون مصروعين كالذي ~~يتخبطه ويضربه الشيطان من المس فيصرعه، أو أن ذلك أمر حاصل لهم في ~~الدنيا، ولنبحث هذا الأمر: { الذين يأكلون الربا لا ~~يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس } [البقرة: 275]. نريد أن نعرف كلمة " التخبط " وكلمة " ~~الشيطان " وكلمة " المس ". " التخبط " هو الضرب على غير استواء وهدى، أنت ~~تقول: فلان يتخبط، أي أن حركته غير رتيبة، غير منطقية، حركة ليس لها ~~ضابط، ذلك هو التخبط. و " الشيطان " جنس من خلق الله لأن الله قال لنا: ~~إنه خلق الإنس والجن، والجن منهم شياطين، وجن مطلق، والشيطان هو عاصي ~~الجن. ونحن لم نر الشيطان، ولكننا علمنا به بواسطة إعلام الحق الذي آمنا ~~به فقال: أنا لي خلق مستتر، ولذلك سميته الجن، من الاستتار ومنه المجنون ~~أي المستور عقله، والعاصي من هذا الخلق اسمه " شيطان ". إذن فإيماننا به ~~لا عن حس، ولكن عن إيمان بغيب أخبرنا به من آمنا به. وحين نجد شيئا اسمه ~~الإيمان يجب أن نعرف أنه متعلق بشيء غير محس لأن المحس لا يقال ms0883 لك: آمن ~~به لأنه مشهود لك، فأنا لا أقول: أنا أؤمن بأن المصباح منير الآن، أنا لا ~~أؤمن بأننا مجتمعون في المسجد الآن، لا أقول ذلك لأن هذا واقع مشهود ~~ومحس. إذن فالأمر الإيماني يتعلق بالغيب، مثل الإيمان بوجود الملائكة. ~~فإذا ما كنا قد آمنا بالغيب نجد الحق سبحانه وتعالى يعطي لنا صورة ~~للشيطان، ولكنه حين يعطينا صورة للشيطان أو لرأس الشيطان المميزة له، كما ~~أن رءوسنا نحن هي التي تميزنا يتكلم سبحانه عن شجرة الزقوم فيقول جل ~~شأنه: # إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم * طلعها ~~كأنه رءوس الشياطين # [الصافات: 64-65]. وشجرة الزقوم في الآخرة في النار، إذن فنحن لا نراها، ~~ورءوس الشياطين لا نراها، فكيف يشبه الله ما لم نره بما لم نره، يشبه ~~شيئا مجهولا بشيء مجهول؟ نقول: نعم، وذلك أمر مقصود للإعجاز القرآني ~~لأن للشيطان صورة متخيلة بشعة، بدليل أنك لو طلبت من رسامي العالم في فن ~~الكاريكاتير، وقلت لهم: ارسموا لنا صورة الشيطان، ولم تعطهم ملامح صورة ~~محددة، فكل منهم يرسم وفق تخيله كيانا غاية في القبح: فهذا يصوره بالقبح ~~من ناحية، وذاك يصوره بالقبح من ناحية أخرى بحيث لو جمعت الرسوم لما اتحد ~~رسم مع رسم. # إذن فكل واحد يستبشع صورة يرسمها. وساعة نعطي الجائزة لمن رسم صورة ~~الشيطان أنعطي الجائزة لأجملهم صورة أم لأقبحهم صورة؟ إننا نعطي الجائزة ~~لصاحب أشد الصور قبحا. إذن فصورة الشيطان المتمثلة صورة بشعة قبيحة، ولو ~~جاء على صورة واحدة من القبح لاختلف الناس حول هذه الصورة فلعل هذا يكون ~~قبحا عندك ولا يكون قبحا عند آخر، ولكن حين يطلق الله أخيلة الناس في ~~تصور القبح، يكون القبح مائلا وواضحا في عمل كل إنسان فتكون الصورة ~~أكمل وأوفى فالأكمل والأوفى أن يكون القبح شائعا فيها جميعا. ويقول ~~الحق: { الذي يتخبطه الشيطان من المس } [البقرة: ~~275] الشيطان قلنا: إنه العاصي من الجن، وقلنا: إن ربنا سبحانه وتعالى ~~حكى لنا كثيرا أن الشياطين لهم التصاق واتصال بكثير من الإنس: # وأنه كان رجال من ms0884 الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا # [الجن: 6]. و { لا يقومون إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس } [البقرة: 275] كأن الشيطان ~~قد مس التكوين الإنساني مسا أفسد استقامة ملكاته، فالتكوين الإنساني له ~~استقامة ملكات مع بعضها البعض فكل حركة لها استقامة، فإذا ما مسه ~~الشيطان فسد تآزر الملكات، فملكاته النفسية تكون غير مستقيمة وغير منسجمة ~~مع بعضها البعض، فتكون حركته غير رتيبة وغير منطقية. وما المناسبة بين ~~هذه الصورة وبين عملية الربا؟. إن أردنا في الآخرة ميزة، فساعة ترى ~~واحدا مصروعا فاعرف أنه من أصحاب الربا، هذا في الآخرة، وفي الدنيا تجد ~~أيضا أن له حركة غير منطقية، هستيرية، كيف؟ انظر إلى العالم الآن، لقد ~~خلق الله العالم على هيئة من التكامل. فهذا إنسان يتمتع بإمكانات ومواهب، ~~وذاك يتمتع بمواهب وإمكانات أخرى، حتى يحتاج صاحب هذه الإمكانات إلى صاحب ~~تلك الإمكانات فيكتمل الكون، ولو أن كل إنسان كان وحدة متكررة لاستغنى ~~الكل عن الكل. ولو أن الأفراد متساوون في المواهب لما احتاج الناس لبعضهم ~~البعض. لكن المواهب تختلف لأنك إن أجدت فنا من فنون الحياة فقد أجاد ~~سواك فنونا أخرى أنت محتاج إليها، فإن احتاجوا إليك فيما أجدت، فقد ~~احتجت إليهم فيما أجادوا، وهكذا يتكامل العالم. وكذلك خلق الله الكون: ~~مناطق حارة، ومناطق باردة، ومناطق بها معادن، ومناطق بها زراعة حتى يضطر ~~العالم إلى أن يتكامل، ويضطر العالم إلى أن يتعايش مع بعضه ولذلك يقول ~~الحق في سورة " الرحمن ": # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10]. " وضعها " لمن؟. " والأرض " ، أي أرض، وأي أنام؟. الأرض ~~كل الأرض، والأنام كل الأنام، فإن تحددت بحواجز فسدت. إن منع الإنسان من ~~حرية الانتقال من مكان إلى مكان يفسد حركة الإنسان في الكون، فقد يرغب ~~إنسان في أن ينتقل إلى أرض بكر ليعمرها، فيرفض أهل تلك الأرض، فلو أن ~~الأرض كل الأرض كانت للأنام بحيث إن ضاق العمل في مكان ذهبت إلى مكان ~~آخر، بدون قيود عليك، تلك القيود التي نشأت من السلطات الزمنية التي ~~تحتجز الأماكن ms0885 لأنفسها، فهذا ما يفسد الكون. فهناك بيئات تشتكي قلة ~~القوت، وبيئات تشتكي قلة الأيدي العاملة لأرض خراب وهي تصلح أن تزرع، فلو ~~أن الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام لما حدث عجز. ونلاحظ ما يقال: ~~ازدحام السكان أو الانفجار السكاني، بينما توجد أماكن تتطلب خلقا! ويوجد ~~خلق تتطلب أماكن، فلماذا هذا الاختلال؟ هذا الاختلال ناشئ من أن السلوك ~~البشري غير منطقي في هذا الكون. والكون الذي نعيش فيه، فيه ارتقاءات ~~عقلية شتى، وطموحات ابتكارية صعدت إلى الكواكب، وتغزو الفضاء، ووجدت ~~في كل بيت آلات الترفيه، أما كان المنطق يقتضي أن يعيش العالم سعيدا ~~مستريحا؟ كان المنطق يقتضي أن يعيش العالم مستريحا هادئا لأنه في كل ~~يوم يبتكر أشياء تعطي له أكبر الثمرة بأقل مجهود في أقل زمن، فماذا نريد ~~بعد هذا؟ ولكن هل العالم الذي نعيش فيه منطقي مع هذا الواقع؟ لا، بل نحن ~~نجد أغنى بلاد العالم وأحسنها وفرة اقتصادية هي التي يعاني الناس فيها ~~القلق، وهي التي تمتلئ بالاضطراب، وهي التي ينتشر فيها الشذوذ، وهي التي ~~تشكو من ارتفاع نسبة الجنون بين سكانها. إذن فالعالم ليس منطقيا. وهذا ~~التخبط يؤكد ما يقوله الحق: { إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس } [البقرة: 275] إنها حركة ~~هستيرية في الكون تدل على أنه كون غير مستريح، كون غير منسجم مع ~~طموحاته وابتكاراته. أما كان على هذا الكون بعقلائه أن يبحثوا عن السبب ~~في هذا، وأن يعرفوا لماذا نشقى كل هذا الشقاء وعندنا هذه الطموحات ~~الابتكارية؟ كان يجب أن يبحثوا، فالمصيبة عامة، لا تعم الدول المتخلفة أو ~~النامية فقط، بل هي أيضا في الدول المتقدمة، كان يجب أن يعقد المفكرون ~~المؤتمرات ليبحثوا هذه المسألة، فإذا ما كانت المسألة عامة تضم كل البلاد ~~متقدمها ومتأخرها وجب أن نبحث عن سبب مشترك، ولا نبحث عن سبب قد يوجد عند ~~قوم ولا يوجد عند قوم آخرين لأننا لو بحثنا لقلنا: يوجد في هذه البيئة. ~~وكذلك هو موجود في كل البيئات، فلا بد أن يوجد القدر ms0886 المشترك. # فالأرزاق التي توجد في الكون تنقسم إلى قسمين: رزق أنتفع به مباشرة، ~~ورزق هو سبب لما أنتفع به مباشرة. أنا آكل رغيف الخبز، هذا اسمه رزق ~~مباشر، وأشرب كوب الماء، وهو رزق مباشر، وأكتسي بالثوب وذلك أيضا رزق ~~مباشر، وأسكن في البيت وهذا رابعا رزق مباشر، وأنير المصباح رزق مباشر. ~~ولكن المال يأتي بالرزق المباشر، ولا يغني عن الرزق المباشر. فإذا كان ~~عندي جبل من ذهب وأنا جوعان، ماذا أفعل به؟. إذن فرغيف العيش أحسن منه، ~~هذا رزق مباشر، فالنقود أو الذهب أشتري بها هذا وهذا، لكن لا يغنيني عن ~~هذا وهذا. وقد جاء وقت أصبح الناس يرون فيه أن المال هو كل شيء حتى صار ~~هدفا وتعلق الناس به.. وفي الحق أن المال ليس غاية، ولا ينفع أن يكون ~~غاية بل هو وسيلة. فإن فقد وسيلته وأصبح غاية فلا بد أن يفسد الكون ~~فعلة فساد الكون كله في القدر المشترك الذي هو المال، حيث أصبح المال ~~غاية، ولم يعد وسيلة. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يطهر حياة الاقتصاد ~~للناس طهارة تضمن حل ما يطعمون، وما يشربون، وما يكتسون، حتى تصدر ~~أعمالهم عن خليات إيمانية طاهرة مصفاة ذلك أن الشيء الذي يصدر عن خلية ~~إيمانية طاهرة مصفاة لا يمكن أن ينشأ عنه إلا الخير. ومن العجيب أن نجد ~~القوم الذين صدروا لنا النظام الربوي يحاولون الآن جاهدين أن يتخلصوا ~~منه، لا لأنهم ينظرون إلى هذا التخلص على أنه طهارة دينية، ولكن لأنهم ~~يرون أن كل شرور الحياة ناشئة عن هذا الربا. وليست هذه الصيحة حديثة عهد ~~بنا، فقديما أي من عام ألف وتسعمائة وخمسين قام رجل الاقتصاد العالمي " ~~شاخت " في ألمانيا وقد رأى اختلال النظام فيها وفي العالم، فوضع تقريره ~~بأن الفساد كله ناشئ من النظام الربوي، وأن هذا النظام يضمن للغني أن ~~يزيد غنى، وما دام هذا النظام قد ضمن للغني أن يزيد غنى، فمن أين يزداد ~~غنى؟ لاشك أنه يزداد غنى من الفقير. إذن فستئول المسألة إلى ms0887 أن المال ~~سيصبح في يد أقلية في الكون تتحكم في مصائره كلها ولا سيما المصائر ~~الخلقية. لماذا؟. لأن الذين يحبون أن يستثمروا المال لا ينظرون إلا إلى ~~النفعية المالية، فهم يديرون المشروعات التي تحقق لهم تلك النفعية. وهناك ~~رجل اقتصاد آخر هو " كينز " الذي يتزعم فكرة " الاقتصاد الحر " في العالم ~~يقول قولته المشهورة: إن المال لا يؤدي وظيفته في الحياة إلا إذا انخفضت ~~الفائدة إلى درجة الصفر. ومعنى ذلك أنه لا ربا. وإذا ما نظرنا إلى عملية ~~عقد الربا في ذاتها وجدناها عقدا باطلا لأن كل عقد من العقود إنما يوجد ~~لحماية الطرفين المتعاقدين، وعقد الربا لا يحمي إلا الطرف الدائن فقط، ~~وهناك أمر خلقي آخر وهو أن الإنسان لا يعطي ربا إلا إذا كان عنده فائض ~~زائد على حاجته. # ولا يأخذ إنسان من المرابي إلا إذا كان محتاجا. فانظروا إلى النكسة ~~الخلقية في الكون. إن المعدم الفقير الذي لا يجد ما يسد جوعه وحاجته يضطر ~~إلى الاستدانة، وهذا الفقير المعدم هو الذي يتكفل بأن يعطي الأصل والزائد ~~إلى الغني غير المحتاج. إنها نكسة خلقية توجد في المجتمع ضغنا، وتوجد ~~في المجتمع حقدا، وتقضي على بقية المعروف وقيمته بين الناس، وتنعدم ~~المودة في المجتمع. فإذا ما رأى إنسان فقير إنسانا غنيا عنده المال، ~~ويشترط الغني على الفقير المعدم أن يعطيه ما يأخذه وأن يزيد عليه، فعلى ~~أية حال ستكون مشاعر وأحاسيس الفقير؟ كان يكفي الغني أن يعطي الفقير، وأن ~~يسترد الغني بعد ذلك ما أخذه الفقير، ولكن الغني المرابي يطلب من الفقير ~~أن يسدد ما أخذه ويزيد عليه. وكانوا يتعللون ويقولون: إن النص القرآني ~~إنما يتكلم عن الربا في الأضعاف المضاعفة، فإذا ما منعنا القيد في ~~الأضعاف المضاعفة لا يكون حراما!! أي أنهم يريدون تبرير إعطاء الفقير ~~مالا، وأن يرده أضعافا فقط لا أضعافا مضاعفة حتى لا يصير ذلك ~~الاسترداد بالزيادة حراما. ولهؤلاء نقول: إن الذين يقولون ذلك يحاولون ~~أن يتلصصوا على النص القرآني، وكأن الله قد ترك النص ليتلصصوا ms0888 عليه ~~ويسرقوا منه ما شاءوا دون أن يضع في النص ما يحول دون هذا التلصص، ولو ~~فطنوا إلى أن الله يقول في آخر الأمر: # وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا ~~تظلمون # [البقرة: 279]. هذا القول الحاسم يوضح أن الله لم يستثن ضعفا ولا ~~أضعافا. إذن فقوله الحق: # يآ أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا ~~مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون # [آل عمران: 130]. إن هذا القول الحكيم لم يجئ إلا ليبين الواقع الذي ~~كانوا يعيشونه، ولم يستثن الله ضعفا أو أضعافا لأن الحق جعل التوبة ~~تبدأ من أن يأخذ الإنسان رأس ماله فقط، فلا يسمح الله لأحد أن يأخذ نصف ~~الضعف أو الضعف أو الضعفين، ولا يسمح بالأضعاف ولا بالمضاعفات. وكانوا ~~يتعللون أن اتفاق الطرفين على أي أمر يعتبر تراضيا ويعتبر عقدا. قد ~~يكون ذلك صحيحا إن لم يكن هناك مشرع أعلى من كل الخلق يسيطر على هذا ~~التراضي. فهل كلما تراضى الطرفان على شيء يصير حلالا؟ لو كان الأمر كذلك ~~لكان الزنا حلالا: لأنهما طرفان قد تراضيا. وكل ذلك لا يتأتى - أي رضاء ~~الطرفين - إلا في الأمور التي ليس فيها تشريع صدر عن المشرع الأعلى، وهو ~~الله الحي القيوم. إن الله قد فرض أمرا يقضي على التراضي بيني وبينك ~~لأنه هو المسيطر، وهو الذي حكم في الأمر، فلا تراضي بيننا فيما يخالف ما ~~شرع الله أو حكم فيه. # وإذا نظرنا نظرة أخرى فإننا نجد أن التراضي الذي يدعونه مردود عليه. إنه ~~" تراض " باطل بالفحص الدقيق والبحث المنطقي. لماذا؟ لأننا نقول إن ~~التراضي إنما ينشأ بين اثنين لا يتعدى أمر ما تراضيا عليه إلى غيرهما، ~~أما إذا كان الأمر قد تعدى من تراضيا عليه إلى غيرهما فالتراضي باطل. ~~فهب أن واحدا لا يملك شيئا، وواحدا آخر يملك ألفا، والذي يملك ألفا ~~هي ملكه، وأدار بها عملا من الأعمال، وحين يدير صاحب الألف عملا ~~فالمطلوب له أجر عمله ليعيش من هذا الأجر. أما الذي لا يملك شيئا إذا ما ~~أراد أن ms0889 يعمل مثلما عمل صاحب الألف، فذهب إلى إنسان وأخذ منه ألفا ليعمل ~~عملا كعمل صاحب الألف، فيشترط من يعطيه هذه الألف من الأموال أن يزيده ~~مائة حين السداد، فيكون المطلوب من الذي اقترض هذه الألف أجر عمله كصاحب ~~الألف الأول ومطلوب منه أيضا أن يزيد على أجره تلك المائة المطلوبة لمن ~~أقرضه بالربا. فمن أين يأتي من اقترض ألفا بهذه المائة الزائدة؟ إن ~~سلعته لو كانت تساوي سلعة الآخر فإنه يخسر. وإن كانت سلعته أقل من سلعة ~~الآخر فإنها تكسد وتبور. إذن فلا بد له من الاحتيال النكد، وهذا الاحتيال ~~هو أن يخلع على سلعته وصفا شكليا يساوي به سلعة الآخر، ويعمد إلى إنقاص ~~الجواهر الفعالة في صنعة سلعته، فيحسب منها ما يوازي المائة المطلوب ~~سدادها للمرابي. فن الذي سيدفع ذلك؟ إنه المستهلك. إذن فالمستهلك قد أضير ~~بهذا التراضي فهو الذي سيغرم لأنه هو الذي يدفع أخيرا قيمة قرض الرجل ~~المتاجر بالسلعة وقيمة النسبة الربوية التي حددها المرابي. إذن فالعقد ~~بين المقترض والمرابي حتى في عرفهم - عقد باطل رغم أن الاثنين - ~~المقترض والمرابي - قد اعتبرا هذا العقد تراضيا. إذن فالحق سبحانه ~~وتعالى أراد أن يشيع في الناس الرحمة والمودة. وأن يشيع في الناس ~~التعاطف. إنه الحق - سبحانه - صاحب كل النعمة أراد أن يشيع في الناس أن ~~يعرف كل صاحب نعمة في الدنيا أنه يجب عليه أن تكون نعمته متعدية إلى ~~غيره، فإن رآها المحروم علم أنه مستفيد منها، فإذا كان مستفيدا منها ~~فإنه لن ينظر إليها بحقد، ولا أن ينظر إليها بحسد، ولا يتمنى أن تزول لأن ~~أمرها عائد إليه. ولكن إذا كان السائد هو أن يريد صاحب النعمة في الدنيا ~~أن يأخذ بالاستحواذ على كل عائد نعمته، ولا يراعي حق الله في مهمة ~~النعمة، ولا تتعدى هذه النعمة إلى غيره، فالمحروم عندما يرى ذلك يتمنى أن ~~تزول النعمة عن صاحبها وينظر إليها بحسد. # ويشيع الحقد ومعه الضغينة، ويجد الفساد فرصة كاملة للشيوع في المجتمع ~~كله. إن الحق سبحانه وتعالى ms0890 يريد أن يسيطر على الاقتصاد عناصر ثلاثة: ~~العنصر الأول: الرفد والعطاء الخالص، فيجد الفقير المعدم غنيا يعطيه، لا ~~بقانون الحق المعلوم المفروض في الزكاة، ولكن بقانون الحق غير المعلوم في ~~الصدقة، هذا هو الرفد. العنصر الثاني: يكون بحق الفرض وهو الزكاة. العنصر ~~الثالث: هو بحق القرض وهو المداينة. إذن فأمور ثلاثة هي التي تسيطر على ~~الاقتصاد الإسلامي: إما تطوع بصدقة، وإما أداء لمفروض من زكاة، وإما ~~مداينة بالقرض الحسن، وذلك هو ما يمكن أن ينشأ عليه النظام الاقتصادي في ~~الإسلام. ولننظر إلى قول الحق سبحانه وتعالى حين عرض هذه المسألة وبشع ~~هيئة الذين يأكلون الربا بأنهم لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه ~~ويصرعه الشيطان من المس. لماذا؟ لأن الحق قال فيهم: { ذلك بأنهم ~~قالوا إنما البيع مثل الربا } [البقرة: 275] فهل ~~الكلام في البيع، أو الكلام في الربا؟ إن الكلام في الربا. وكان المنطق ~~يقتضي أن يقول: " الربا كالبيع " ، فما الذي جعلهم يعكسون الأمر؟ إن النص ~~القرآني هنا يوحي إلى التخبط حتى في القضية التي يريدون أن يحتجوا بها. ~~كأنهم قالوا: ما دمت تريد أن تحرم الربا، فالبيع مثل الربا، وعليك تحريم ~~البيع أيضا. وكان القياس أن يقولوا: " إنما الربا مثل البيع " ، لكن ~~الحق سبحانه أراد أن يوضح لنا تخبطهم فجاء على لسانهم: إنما البيع مثل ~~الربا فإن كنتم قد حرمتم الربا فحرموا البيع، وإن كنتم قد حللتم البيع ~~فحللوا الربا. إنهم يريدون قياسا إما بالطرد، وإما بالعكس. فقال الله ~~القول الفصل الحاسم: { وأحل الله البيع وحرم الربا ~~فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى.. } [البقرة: 275] ~~وعن أبي مسعود رضي الله عنه قال: # " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله ". # إنها موعظة من الله جاءت، الموعظة إن كانت من غير مستفيد منها، فالمنطق ~~أن تقبل - بضم التاء - أما الموعظة التي يشك فيها، فهي الموعظة التي ~~تعود على الواعظ بشيء ما. فإذا كانت الموعظة قد جاءت ممن لا يستفيد بهذه ~~الموعظة، فهذه حيثية قبولها { فمن جآءه موعظة من ربه ms0891 ~~فانتهى } [البقرة: 275]، ولنر كلمة " ربه " حينما تأتي هنا فلنفهم ~~منها أن المقصود بها الحق سبحانه الذي تولى تربيتكم، ومتولي التربية ~~خلقا بإيجاد ما يستبقي الحياة، وإيجاد ما يستبقي النوع، ومحافظة على كل ~~شيء بتسخير كل شيء لك أيها الإنسان، فيجب أن تكون أيها الإنسان مهذبا ~~أمام ربك فلا توقع نفسك في اتهام الرب الخالق في شبهة الاستفادة من تلك ~~الموعظة - معاذ الله -. # لماذا؟ لأن الخالق رب، وما دام الخالق ربا فهو المتولي تربيتكم، فإياك ~~أيها الإنسان أن تتأبى على عظة المربي. { فمن جآءه موعظة ~~من ربه فانتهى فله ما سلف } [البقرة: 275] ومعنى ذلك ~~أن الأمر لن يكون بأثر رجعي فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول ~~التحريم تلك هي الرحمة، لماذا؟ لأنه من الجائز أن يكون المرابي قد رتب ~~حياته ترتيبا على ما كان يناله من ربا قبل التحريم، فإذا كان الأمر كذلك ~~فإن الحق سبحانه وتعالى يعفو عما قد سلف. وعلى المرابي أن يبدأ حياته في ~~الوعاء الاقتصادي الجديد. تلك هي عظمة التشريع الرباني { فانتهى ~~فله ما سلف وأمره إلى الله } [البقرة: 275] أي أن له ما ~~سبق وما مضى قبل تحريم الربا. وتفيد كلمة " وأمره إلى الله " أن الله ~~سبحانه وتعالى حينما يعفو عما سلف فله طلاقة الحرية في أن يقنن ما شاء، ~~فيجب أن تتعلق دائما باستدامة الفضل من الله. " وأمره إلى الله " إن مثل ~~هذا الإنسان ربما قال: سأنهار اقتصاديا ومركزي سيتزعزع، وسأصبح كذا ~~وكذا. لا. اجعل سندك في الله، ففي الله عوض عن كل فائت، هو سبحانه لا ~~يريد أن يزلزل مراكز الناس، ولكن يريد أن يقول لهم: إنني إن سلبتكم نعمتي ~~فاجعلوا أنفسكم في حضانة المنعم بالنعمة. وما دمت قد جعلت نفسك في حضانة ~~المنعم بالنعمة، إذن فالنعمة لا شيء لأن المنعم عوض عن هذه النعمة، ~~والربا من السبع الموبقات التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم باجتنابها ~~حيث قال: # " اجتنبوا السبع الموبقات قالوا يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله ~~والسحر، ms0892 وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال ~~اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " # { وأمره إلى الله ومن عاد } [البقرة: 275] أي عاد بعد ~~الموعظة ماذا يكون أمره؟ { فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون } [البقرة: 275]. وكان يكفي أن يقول عنهم: إنهم { ~~أصحاب النار } [البقرة: 275] فلعل واحد يكون مؤمنا وبعد ذلك عاد ~~إلى معصية، فيأخذ حظه من النار. إنما قوله: { هم فيها خالدون } ~~[البقرة: 275] يدل على أنه خرج عن دائرة الإيمان. وافهم السابق جيدا ~~لتفهم التذييل اللاحق لأن هنا أمرين: هنا ربا حرمه الله، وأناس يريدون أن ~~يحللوا الربا عندما قالوا: { إنما البيع مثل الربا } ~~[البقرة: 275]، فإن عدت إلى الربا حاكما بحرمته فأنت مؤمن عاص تدخل ~~النار. إنما إن عدت إلى ما سلف من المناقشة في التحريم، وقلت: البيع مثل ~~الربا، وناقشت في حرمة الربا وأردت أن تحلله كالبيع فقد خرجت عن دين ~~الإسلام. وحين تخرج عن دين الإسلام فلك الخلود في النار. ومن هنا يجب أن ~~نلفت الذين يقولون بالربا، ونقول لهم: قولوا: إن الربا حرام، ولكننا لا ~~نقدر على أنفسنا حتى نبطله ونتركه، وعليكم أن تجاهدوا أنفسكم على الخروج ~~منه حتى لا تتعرضوا لحرب الله ورسوله. # إنهم باعتقادهم أن الربا حرام يكونون عاصين فقط، أما أن يحاولوا تبرير ~~الربا ويحللوه فسيدخلون في دائرة أخرى شر من ذلك، وهي دائرة الكفر ~~والعياذ بالله. وقد عرفنا أن آدم عليه السلام عصى ربه، وأكل من الشجرة، ~~وإبليس عصى ربه، فلما تلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، أما إبليس فقد ~~طرده الله، ولماذا طرد الله إبليس وأحل عليه اللعنة؟ لأن آدم أقر بالذنب ~~وقال: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23]. لقد اعترف آدم: حكمك يا رب حكم حق، ولكني ظلمت نفسي. ~~ولكن إبليس عارض في الأمر وقال: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61]، فكأنه رد الأمر على الآمر. وبعد ذلك حين بين الله الحكم ~~في الربا، وبين أن من انتهى له ما سلف، فماذا عن الذي يعود؟ { ومن ~~عاد } [البقرة: 275] وهي ms0893 المقابل { فأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون } [البقرة: 275]، يريد سبحانه أن يقول: إياكم أن ~~يخدعكم الربا بلفظه، فالألفاظ تخدع البشر لأنكم سميتموه " ربا " بالسطحية ~~الناظرة: لأن الربا هو الزيادة، والزكاة تنقص، فالمائة في الربا تكون ~~مائة وعشرة مثلا حسب سعر الفائدة، وفي الزكاة تصبح المائة 97.5، في ~~الأموال وعروض التجارة، وتختلف عن ذلك في الزروع وغيرها، وفي ظاهر الأمر ~~أن الربا زاد، والزكاة أنقصت، ولكن هذا النقصان وتلك الزيادة هي في ~~اصطلاحاتكم في أعرافكم. والحق سبحانه وتعالى يمحق الزائد، وينمي ~~الناقص فهو سبحانه يقول: { يمحق الله الربا ويربي ~~الصدقات... }. ### || [2.276] # وكلمة " يمحق " من " محق " أي ضاع حالا بعد حال، أي لم يضع فجأة، ولكن ~~تسلل في الضياع بدون شعور، ومنه " المحاق " أي الذهاب للهلال. " ويمحق ~~الله الربا " أي يجعله زاهيا أمام صاحبه ثم يتسلل إليه الخراب من حيث لا ~~يشعر. ولعلنا إن دققنا النظر في البيئات المحيطة بنا وجدنا مصداق ذلك. ~~فكم من أناس رابوا، ورأيناهم، وعرفناهم، وبعد ذلك عرفنا كيف انتهت ~~حياتهم. { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } [البقرة: ~~276] ويقول في آية أخرى: # ومآ آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس ~~فلا يربوا عند الله.. # [الروم: 39]. فإياكم أن تعتقدوا أنكم تخدعون الله بذلك.. ما هو المقابل؟ # ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك ~~هم المضعفون # [الروم: 39]. و " المضعفون " هم الذين يجعلون الشيء أضعافا مضاعفة. ~~وعندما يقول الحق: { يمحق الله الربا } [البقرة: 276] فلا ~~تستهن بنسبة الفعل لله إن نسبة الفعل لفاعله يجب أن تأخذ كيفيته من ذات ~~الفاعل، فإذا قيل لك: فلان الضعيف يصفعك، أو فلان الملاكم يصفعك، فلابد ~~أن تقيس هذه الصفعة بفاعلها، فإذا كان الله هو الذي قال: { يمحق ~~الله } [البقرة: 276]. أيوجد محق فوق هذا؟ لا، لا يمكن. وأيضا حين ~~يقول الله: { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } ~~[البقرة: 276] في القرآن الذي يتلى وهو معجز ومحفوظ ومتحدي بحفظه، فهذه ~~قضية مصونة { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } ~~[البقرة: 276] لأن الذي قالها هو الله في كتاب الله المحفوظ، الذي يتلى ~~متعبدا ms0894 به، أي أن القضية على ألسنة الجماهير كلها، وفي قلوب ~~المؤمنين كلها، أيقول الله قضية يحفظها ذلك الحفظ ليأتي واقع الزمن ~~ليكذبها؟ لا، لا يمكن. فالإنسان لا يحفظ إلا المستند الذي يؤيده!! أنا لا ~~أحفظ إلا " الكمبيالة " التي تخصني! فما دام هو حافظه وهو القائل: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. فمعنى ذلك أنه سبحانه سيطلق فيه قضايا، وهذه القضايا هو ~~الذي تعهد بحفظها، ولا يتعهد بحفظها إلا لتكون حجة على صدقه في قولها. ~~فالشيء الذي لا يكون فيه حجة لا نحافظ عليه. وهو سبحانه القائل: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. إن هذه قضية قرآنية تعهد الله بحفظها، فلابد أن يأتي ~~واقع الحياة ليؤيدها، فإذا كان واقع الحياة لا يؤيدها، ماذا يكون الموقف؟ ~~أنكذب القرآن - وحاشانا أن نكذب القرآن - الذي قاله الحق الذي لا إله ~~سواه ليدير كونا من ورائه. { يمحق الله الربا ويربي ~~الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم } [البقرة: ~~276]. ولماذا قال الحق: " كفار " ولم يقل: " كافر " ، ولماذا قال: " أثيم ~~" وليس مجرد " آثم "؟ لأنه يريد أن يرد الحكم على الله وما دام يريد أن ~~يرد الحكم على الله، فقد كفر كفرين اثنين: كفر لأنه لم يعترف بهذه، وكفر ~~لأنه رد الحكم على الله، وهو " أثيم " ، ليس مجرد " آثم " ، وفي ذلك ~~صيغة المبالغة لنستدل على أن القضية التي نحن بصددها قضية عمرانية ~~اجتماعية كونية، إن لم تكن كما أرادها الله فسيتزلزل أركان المجتمع كله. # وبعد أن شرح لنا الحق مرارة المبالغة في " كفار " وفي " أثيم " يأتي لنا ~~بالمقابل حتى ندرك حلاوة هذا المقابل، ومثال ذلك ما يقول الشاعر: # فالوجه مثل الصبح مبيض # والشعر مثل الليل مسود # ضدان لما استجمعا حسنا # والضد يظهر حسنه الضد # فكأن الله بعد أن تكلم عن الكفار والأثيم يرجعنا لحلاوة الإيمان ~~فيقول: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ~~ربهم... }. ### || [2.277] # وقلنا: إن كلمة " أجر " تقتضي أنه لا يوجد مخلوق يملك سلعة، إنما كلنا ~~مستأجرون، لماذا؟ لأننا نشغل ms0895 المخ المخلوق لله، بالطاقة المخلوقة لله، في ~~المادة المخلوقة لله، فماذا تملك أنت أيها الإنسان إلا عملك، وما دمت لا ~~تملك إلا عملك فلك أجر { لهم أجرهم عند ربهم } [البقرة: ~~277]. وكلمة " عند ربهم " لها ملحظ فعندما يكون لك الأجر عند المساوي لك ~~قد يأكلك، أما أجرك عند رب تولى هو تربيتك، فلن يضيع أبدا. ويتابع ~~الحق: { ولا خوف عليهم } [البقرة: 277] لا من أنفسهم على ~~أنفسهم، ولا من أحبابهم عليهم، { ولا هم يحزنون } [البقرة: 277] ~~لأن أي شيء فاتهم من الخير سيجدونه محضرا أمامهم. وبعد ذلك يقول الحق: ~~{ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله... }. ### || [2.278] # وحين يقول الحق: { يأيها الذين آمنوا } [البقرة: 278] فنحن ~~نعرف أن النداء بالإيمان حيثية كل تكليف بعده، وساعة ينادي الحق ويقول: { ~~يأيها الذين آمنوا } [البقرة: 278] أي يا من آمنتم بي إلها ~~قادرا حكيما، عزيزا عنكم غالبا على أمري، لا تضرني معصيتكم، ولا ~~تنفعني طاعتكم، فإذا كنتم قد آمنتم بي وأنا إله قادر حكيم فاسمعوا مني ما ~~أحبه لكم من الأحكام. إذن فكل { يأيها الذين آمنوا } ~~[البقرة: 278] في القرآن هي حيثية كل حكم يأتي بعدها، وأنت تفعل ما يأمرك ~~به الله، وإن سألك أحد: وقال لك: لماذا فعلت هذا الأمر؟ فقل له فعلته ~~لأني مؤمن، والذي أمرني به هو الذي آمنت بحكمته وقدرته. وأنت لا تدخل في ~~متاهة علل الأحكام، لأنك آمنت بأن الله إله حكيم قادر، أنزل لك تلك ~~التكاليف، وإياك أن تدخل في متاهة علة الأحكام، لماذا؟ لأن هناك أشياء ~~قد تغيب علتها عنك، أكنت تؤجلها إلى أن تعرف العلة؟. أكنا نؤجل تحريم ~~لحم الخنزير إلى أن يثبت حاليا بالتحليل أنه ضار؟ لا، إذا كان قد ثبت ~~حاليا بالتحليل أنه ضار فنحن نزداد ثقة في كل حكم كلفنا الله به، ولم ~~نهتد إلى علته، والحق يقول: { يأيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله } [البقرة: 278] ومن عجائب كلمة " اتقوا " أنها تأتي في أشياء ~~يبدو أنها متناقضة، إنما هي ملتقية { يأيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله } [البقرة: 278] ولم يقل هنا: اتقوا النار كما ms0896 قال في ~~آية أخرى: " اتقوا النار ". إذن فكيف يقول: " اتقوا الله " ويقول: " ~~اتقوا النار "؟ لأن معنى " اتقوا ": أي اجعلوا وقاية بينكم وبين ربكم. ~~كيف نجعل وقاية بيننا وبين ربنا مع أن المطلوب منا إيمانيا أن نلتحم ~~بمنهج الله لنكون دائما في معية الله؟ نقول: الله سبحانه وتعالى له صفات ~~جلال كالقهار، والمنتقم، والجبار، وذي الطول وشديد العقاب فهو يطلب من ~~عبده المؤمن أن يجعل بينه وبين صفات جلاله وقاية، فالنار جند من جنود ~~صفات الجلال، وحين يقول سبحانه: " اتقوا الله " يعني: اجعلوا وقاية بينكم ~~وبين صفات الجلال التي من جنودها النار. إذن ف " اتقوا الله " مثل " ~~اتقوا النار " أي اجعلوا وقاية بينكم وبين النار. ويتابع الحق: { ~~وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } ~~[البقرة: 278]، و " ذروا " أي اتركوا، ودعوا، وتناسوا، واطلبوا الخير من ~~الله فيما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين حقا بالله. كأن الله أراد أن ~~يجعلها تصفية فاصلة، يولد من بعدها المؤمن طاهرا نقيا. إنه أمر من ~~الحق: دعوا الربا الذي لم تقبضوه لأن الذي قبضتموه أمره " فله ما سلف " ~~والذي لم تقبضوه اتركوه: { اتقوا الله وذروا ما بقي من ~~الربا إن كنتم مؤمنين } [البقرة: 278] فإن قلتم إن التعاقد ~~قد صدر قبل التحريم، والتعاقد قد أوجب لك الحق في ذلك، تذكر أنك لم تقبض ~~هذا الحق ليصير في يدك، ولا تقل إن حياتي الاقتصادية مترتبة عليه، فترتيب ~~الحياة الاقتصادية لم ينشأ بالاتفاق على هذا الربا، ولكنه ينشأ بقبضه ~~وأنت لم تقبضه. ويتابع الحق: { فإن لم تفعلوا فأذنوا ~~بحرب من الله ورسوله... }. ### || [2.279] # في هذه الآية قضية كونية يتغافل عنها كثير من الناس. لقد جاء نظام ليحمي ~~طائفة من ظلم طائفة، ولم يأت هذا النظام إلا بعد أن وجدت طائفة المرابين ~~الذين ظلموا طائفة الفقراء المستضعفين. وحسب هؤلاء المستضعفين الذين ~~استغلوا من المرابين أن ينصفهم القرآن وأن ينهي قضية الربا إنهاء يعطي ~~الذين رابوا ما سلف لأنهم بنوا حياتهم على ذلك. و " فأذنوا بحرب " كلمة ~~الألف والذال والنون ms0897 من " الأذن " وكل المادة مشتقة من " الأذن " و " ~~الأذن " هي الأصل الأول في الإعلام لأن الإنسان ليس مفروضا أنه قارئ ~~أولا، إنه لا يكون قارئا إلا إذا سمع، إذن فلا يمكن أن ينشأ إعلام إلا ~~بالسماع. والحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن أدوات العلم للإنسان قال: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. ولذلك عندما جاء علم وظائف الأعضاء ليبحث ذلك وجدوها طبق ~~الأصل كما قال الله عنها. فالوليد الصغير حين يولد إن جاء أصبع إنسان عند ~~عينيه فلا يهتز له رمش لأن عينه لم تؤد مهمتها بعد، ولكن إن تصرخ بجانب ~~أذنه فإنه ينفعل. وعرفنا أن أول أداة تؤدي مهمتها بالنسبة للإنسان الوليد ~~هي أذنه، وهي أيضا الأداة التي تؤدي مهمتها بالنسبة للإنسان مستيقظا ~~كان أو نائما. إن العين تغمض في النوم فلا ترى، لكن الأذن مستعدة طوال ~~الوقت لأن تسمع لأنها آلة الاستدعاء. إذن فمادة " الأذان " و " الأذن ~~" كلها جاءت من مهمة السمع، وقال الله سبحانه وتعالى: # وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 5]. ما معنى أذنت؟. أنت حين تسمع من مساو لك، فقد تنفذ وقد ~~لا تنفذ، لكن حين تسمعه من إله قادر فلا مناص لك إلا أن تنفذ، فكأن الله ~~يقول: إن الأرض تنشق حين تسمع أمري بالانشقاق. فبمجرد أن تسمع الأرض أمر ~~الحق فإنها تفعل، وحق لها أن تفعل ذلك إنها أذنت لأمر الله، أي خضعت لأن ~~القائل لها هو الله. إذن كل المادة هنا جاءت من " الأذن ". ولذلك فالله ~~يقول لمن لا يفعل ما أمر به الله في الربا { فإن لم تفعلوا ~~فأذنوا بحرب من الله ورسوله } [البقرة: 279]. أما ~~حرب الله فلا نقول فيها إلا قول الله: # وما يعلم جنود ربك إلا هو.. # [المدثر: 31]. ولا يستطيع أحد أن يحتاط لها. وأما حرب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فهذه هي الأمر الظاهر. كأن الله سبحانه وتعالى يجرد على ~~المرابين تجريدة هائلة من جنوده التي لا يعلمها إلا هو، ms0898 وحرب رسول الله ~~جنودها هم المؤمنون برسوله، وعليهم أن يكونوا حربا على كل ظاهرة من ~~ظواهر الفساد في الكون ليطهروا حياتهم من دنس الربا. # وهكذا وضع الله نهاية لأسلوب التعامل، حتى يتطهر المال من ذلك الربا، ~~فإذا قال الحق: { فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا ~~تظلمون } [البقرة: 279] فمعنى هذا أنه سبحانه يبين لنا بهذا القول ~~أنه لا حق للمرابين في ضعف ولا ضعفين، ولا في أضعاف مضاعفة. وحينئذ " لا ~~تظلمون " من رابيتم، بأن تأخذوا منهم زائدا عن رأس المال. ولكن ما موقع ~~" ولا تظلمون " ، ومن الذي يظلمهم؟ قد يظلمهم الضعيف الذي ظلم لهم ~~سابقا، ويأخذ منهم بعض رأس المال بدعوى أنهم طالما استغلوه فأخذوا منه ~~قدرا زائدا على رأس المال. إن المشرع يريد أن يمنع الظالم السابق فينهي ~~ظلمه، وأن يسعف المظلوم اللاحق فيعطيه حقه، وهو سبحانه لا يريد أن يوجه ~~ظلما ليستغل به من ظلم فيظلم الذي ظلمه أولا، بل سبحانه يشاء بهذا ~~الحكم أن ينهي هذا النوع من الظلم على إطلاقه، وأن يجعل الجميع على قدر ~~سواء في الانتفاع بمزايا الحكم. وكثير من النظريات التي تأتي لتقلب ~~نظاما في مجتمع ما تعمد إلى الطائفة التي ظلمت، فلا تكتفي بأن تكفها ~~عن الظلم، ولكن تمكن للمظلوم أن يظلم من ظلمه، وذلك هو الإجحاف في ~~المجتمع، وهذا ما يجب أن يتنبه إليه الناس جيدا لأن الله الذي أنصفك ~~أيها المظلوم من ظالمك، فمنع ظلمه لك، هنا يجب أن تحترم حكمه حينما قال: ~~" فله ما سلف " وبهذا القول انتهت القضية. ويستأنف سبحانه الأمر بعدالة ~~جديدة تجمعك وتجمعه على قدم المساواة بدون ظلم منك أيها المظلوم سابقا ~~بحجة أنه طالما ظلمك. والمجتمعات حين تسير على هذا النظام " لا تظلمون ~~ولا تظلمون " إنما تسير على نمط معتدل لا على ظلم موجه. فنحن نعيب على ~~قوم أنهم ظلموا، ثم نأتي بقوم لنجعلهم يظلمون، لا.. إن الجميع على قدم ~~المساواة من الآن. وفساد أي نظام في المجتمع يأتي من توجيه الظلم من فئة ~~جديدة إلى ms0899 فئة قديمة، فبذلك يظل الظلم قائما، طائفة ظلمت، وتأتي ~~طائفة كانت مظلومة لتظلم الطائفة الظالمة سابقا، نقول لهم: ذلك ظلم ~~موجه، ونحن نريد أن تنتظم العدالة وتشمل كل أفراد المجتمع بأن يأخذ كل ~~إنسان حقه، فالذي ظلم سابقا منعناه من ظلمه، والمغلوب سابقا ~~أنصفناه، وبذلك يصير الكل على قدم المساواة ليسير المجتمع مسيرة عادلة ~~تحكمه قضية إيمانية. إننا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع ~~الله فيه. وبعد ذلك يجيء القرآن ليفتح بابا جديدا من الأمل أمام ~~المظلومين. وليضع حدا للذين كانوا ظالمين أولا، وحكم لهم برأس المال ~~ومنعهم من الزائد على رأس المال، فحنن قلوبهم على هؤلاء. أي ليست ~~ضربة لازب أن تأخذوا رأس المال الآن، ولكن عليكم أن تنظروا وتمهلوا ~~المدين إن كان معسرا، وإن تساميتم في النضج الإيماني اليقيني وارتضيتم ~~الله بديلا لكم عن كل عوض يفوتكم، فعليكم أن تتجاوزوا وتتنازلوا حتى عن ~~رءوس أموالكم التي حكم الله لكم بها لترتفعوا بها وتهبوها لمن لا يقدر. ~~فيأتي قول الحق: { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ~~ميسرة... }. ### || [2.280] # و { وإن كان ذو عسرة } [البقرة: 280] حكم بأن للدائن رأس ~~المال، ولكن هب أن المدين ذو عسرة، هنا قضية يثيرها بعض المستشرقين ~~الذين يدعون أنهم درسوا العربية، لقد درسوها صناعة، ولكنها عزت عليهم ~~ملكة لأن اللغة ليست صناعة فقط، اللغة طبع، واللغة ملكة، اللغة وجدان، ~~يقولون: إن القرآن يفوته بعض التقعيدات التي تقعدها لغته. فمثلا جاءوا ~~بهذه الآية: { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة ~~وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } [البقرة: ~~280]. قال بعض المستشرقين: نريد أن نبحث مع علماء القرآن عن خبر " كان " ~~في قوله: { وإن كان ذو عسرة } [البقرة: 280]، صحيح لا نجد خبر " ~~كان " ، ولكن الملكة العربية ليست عنده لأنه إذا كان قد درس العربية كان ~~يجب أن يعرف أن " كان " تحتاج إلى اسم وإلى خبر، اسم مرفوع وخبر منصوب ~~وهذه هي التي يقال عنها كان الناقصة، كان يجب أن يفهم أيضا معها أنها ms0900 قد ~~تأتي تامة أي ليس لها خبر، وتكتفي بالمرفوع، وهذه تحتاج إلى شرح بسيط. إن ~~كل فعل من الأفعال يدل على حدث وزمن، وكلمة " كان " إن سمعتها دلت على ~~وجود وحدث مطلق لم تبين فيه الحالة التي عليها اسمها، كان مجتهدا؟ كان ~~كسولا؟ مثلا فهي تدل على وجود شيء مطلق أي ليس له حالة، ومعنى ذلك أن " ~~كان " دلت على الزمن الوجودي المطلق أي على المعنى المجرد الناقص، والشيء ~~المطلق لا يظهر المراد منه إلا إذا قيد، فإن أردت أن تدل على وجود مقيد ~~ليتضح المعنى، ويظهر، فلا بد أن تأتيها بخبر، كأن تقول: كان زيد مجتهدا، ~~هنا وجد شيء خاص وهو اجتهاد زيد. إذن ف كان هنا ناقصة تريد الخبر يكملها ~~وليعطيها الوجود الخاص، فإذا لم يكن الأمر كذلك وأردنا الوجود فقط تكون ~~كان تامة أي تكتفي بمرفوعها فقط مثل أن تقول: عاد الغائب فكان الفرح أي ~~وجد، أو أشرقت الشمس فكان النور، والشاعر يقول: # وكانت وليس الصبح فيها بأبيض # وأضحت وليس الليل فيها بأسود # فقوله { وإن كان ذو عسرة } [البقرة: 280] أي فإن وجد ذو ~~عسرة.. أي إن وجد إنسان ليس عنده قدرة على السداد، " فنظرة " من ~~الدائن " إلى ميسرة " أي: إلى أن يتيسر، ويكون رأس المال في هذه الحالة " ~~قرضا حسنا " ، وكلما صبر عليه لحظة أعطاه الله عليها ثوابا. ولنا أن ~~نعرف أن ثواب القرض الحسن أكثر من ثواب الصدقة لأن الصدقة حين تعطيها فقد ~~قطعت أمل نفسك منها، ولا تشغل بها، وتأخذ ثوابا على ذلك دفعة واحدة، لكن ~~القرض حين تعطيه فقلبك يكون متعلقا به، فكلما يكون التعلق به شديدا، ~~ويهب عليك حب المال وتصبر فأنت تأخذ ثوابا. # لذلك يجب أن تلحظ أن القرض حين يكون قرضا حسنا والمقترض معذور بحق لأن ~~فيه فرقا بين معذور بحق، ومعذور بباطل، المعذور بحق هو الذي يحاول ~~جاهدا أن يسدد دينه، ولكن الظروف تقف أمامه وتحول دون ذلك، أما المعذور ~~بباطل فيجد عنده ما يسد دينه ولكنه يماطل في السداد ms0901 ويبقى المال ينتفع به ~~وهو بهذا ظالم. ولذلك جرب نفسك، ستجد أن كل دين يشتغل به قلبك فاعلم أن ~~صاحبه قادر على السداد ولم يسدد، وكل دين كان بردا وسلاما على قلبك ~~فاعلم أن صاحبه معذور بحق ولا يقدر أن يسدد، وربما استحييت أنت أن تمر ~~عليه مخافة أن تحرجه بمجرد رؤيتك. وهؤلاء لا يطول بهم الدين طويلا ~~لأن الرسول حكم في هذه القضية حكما، فقال صلى الله عليه وسلم: # " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد ~~إتلافها أتلفه الله ". # فما دام ساعة أخذها في نيته أن يؤديه فإن الله ييسر له سبيل الأداء، ومن ~~أخذها يريد إتلافها، فالله لا ييسر له أن يسدد لأنه لا يقدر على ترك ~~المال يسدد به دينه، وهذه حادثة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم تفسر ~~لنا هذا الحديث، فقد مات رجل عليه دين، فلما علم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه مدين قال لأصحابه: صلوا على أخيكم. إذن فهو لم يصل، ولكنه طلب ~~من أصحابه أن يصلوا، لماذا لم يصل؟ لأنه قال قضية سابقة: # " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه " # ، ما دام قد مات ولم يؤد إذن فقد كان في نيته أن يماطل، لكن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لم يمنع أصحابه من الصلاة عليه. والرسول صلى الله عليه ~~وسلم يأتي للمعسر ويعامله معاملة الأريحية الإيمانية فيقول: # " من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ~~ظله ". # ومعنى " أنظر " أي أمهله وأخر أخذ الدين منه فلا يلاحقه، فلا يحبسه في ~~دينه، فلا يطارده، وإن تسامى في اليقين الإيماني، يقول له: " اذهب، ~~الله يعوض علي وعليك " وتنتهي المسألة، ولذلك يقول الحق: { وأن ~~تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون } [البقرة: 280] ~~والثمرة هي حسن الجزاء من الله. فإما أن تنظر وتؤخر، وإما أن تتصدق ببعض ~~الدين أو بكل الدين، وأنت حر في أن تفعل ما تشاء. فانظروا دقة الحق عند ~~تصفية ms0902 هذه القضية الاقتصادية التي كانت الشغل الشاغل للبيئة الجاهلية. ~~ولقد عرفنا مما تقدم أن الإسلام قد بنى العملية الاقتصادية على الرفد ~~والعطاء، وتكلم الحق سبحانه وتعالى عنها في آيات النفقة التي سبقت من أول ~~قوله تعالى: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة # [البقرة: 261]. وتكلم طويلا عن النفقة. والنفقة تشمل ما يكون مفروضا ~~عليك من زكاة، وما تتطوع به أنت. والمتطوع بشيء فوق ما فرض الله يعتبره ~~سبحانه حقا للفقير، ولكنه حق غير معلوم، ولذلك حينما تعرضنا إلى قوله ~~سبحانه: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا ~~قليلا من اليل ما يهجعون # [الذاريات: 15-17]. أيتطلب الإسلام منا ألا نهجع إلا قليلا من الليل؟ ~~لا، إن للمسلم أن يصلي العشاء وينام، ثم يقوم لصلاة الفجر، هذا ما يطلبه ~~الإسلام. لكن الحق سبحانه هنا يتكلم عن المحسنين الذين دخلوا في مقام ~~الإحسان مع الله. # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا ~~قليلا من اليل ما يهجعون * وبالأسحار هم ~~يستغفرون # [الذاريات: 15-18]. هل التشريع يلزم المؤمن أن يقوم بالسحر ليستغفر؟ لا، ~~إن المسلم عليه أن يؤدي الفروض، ولكن إن كان المسلم يرغب في دخول مقام ~~الإحسان فعليه أن يعرف الطريق: # وبالأسحار هم يستغفرون # [الذاريات: 18]. والكلام هنا في مقام الإحسان. ويضيف الحق عن أصحاب هذا ~~المقام: # وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 19]. إن الله سبحانه قد حدد في أموال من يدخل في مقام ~~الإحسان حقا للسائل والمحروم، ولم يحدد الله قيمة هذا الحق أو لونه. هل ~~هو معلوم أو غير معلوم. لكن حين تكلم الله عن المؤمنين قال سبحانه: # والذين في أموالهم حق معلوم * للسآئل ~~والمحروم # [المعارج: 24-25]. وهكذا نجد في أموال صاحب مقام الإحسان حقا للسائل ~~والمحروم، لكن في أموال صاحب الإيمان حق معلوم وهو الزكاة. ومقام الإحسان ~~يعلو مقام الإيمان لأن الحق في مال المؤمن معلوم، أما في مقام الإحسان، ~~فإن في مالهم حقا ms0903 للإحسان إلى الفقير وإن لم يكن معلوما، أي لم يحدد. ~~وقد رأينا بعض الفقهاء قد اعتبر الزكاة - ما دامت حقا للفقير عند الغني ~~- فإن منع الغني ما قدره نصاب سرقة تقطع يد الغني، لأنه أخذ حق الفقير. ~~ونصاب السرقة ربع دينار ذهبا، فيبني الإسلام قضاياه الاجتماعية إما على ~~النفقة غير المفروضة وإما على النفقة المفروضة. فإذا ما شحت نفوس الناس، ~~ولم تستطع أن تتبرع بالقدر الزائد على المفروض، وتمكن حب مالها في نفسها ~~تمكنا قويا بحيث لا تتنازل عنه يقول الله سبحانه لكل منهم: أنت لم ~~تتنازل عن مالك، وأنا حرمت الربا، فكيف نلتقي لنضع للمجتمع أساسا ~~سليما؟ سنحتفظ لك بمالك ونمنع عنك فائدة الربا، وهكذا نلتقي في منتصف ~~الطريق، لا أخذنا مالك، ولا أخذت من غيرك الزائد على هذا المال. # وشرح الحق سبحانه آية الدين، وأخذت هذه الآية أطول حيز في حجم آيات ~~القرآن، لماذا؟. لأن على الدين هذا تبنى قضايا المجتمع الاقتصادية عند ~~من لا يجد موردا ماليا يسير به حركة حياته. وحين وضع الحق آية الدين ~~لم يضعها وضعا تقنينيا جافا جامدا، وإنما وضعها وضعا وجدانيا. أي ~~مزج التقنين بالوجدان، مزج الحق جمود القانون بروح الإسلام، فلم يجعلها ~~عملية جافة. والمشرعون من البشر عندما يقننون فهم يضعون القانون جافا، ~~فمثال ذلك: من قتل يقتل، وغير ذلك. لكن الحق يقول غير ذلك حتى في أعنف ~~قضايا الخلاف، وهي خلافات الدم، فقال سبحانه: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ~~ورحمة.. # [البقرة: 178]. والحق سبحانه وتعالى قبل أن يأتي بآية الدين، يقول: { ~~واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله... }. ### || [2.281] # ولقد أوضحنا من قبل أن تقوى الله تقتضي أن تقوم بالأفعال التي تقينا ~~صفات الجلال في الله، وأوضحنا أن الله قال: " اتقوا النار " أي أن نفعل ~~ما يجعل بيننا وبين النار وقاية، فالنار من متعلقات صفات الجلال. وها هو ~~ذا الحق سبحانه هنا يقول: " اتقوا يوما " ، فهل نتقي اليوم، أو نتقي ما ~~ينشأ ms0904 في اليوم؟ إن اليوم ظرف زمان، والأزمان لا تخاف بذاتها، ولكن يخاف ~~الإنسان مما يقع في الزمن. لكن إذا كان كل شيء في الزمن مخيفا، إذن ~~فالخوف ينصب على اليوم كله، لأنه يوم هول كل شيء فيه مفزع ومخوف، وقانا ~~الله وإياكم ما فيه من هول، وانظر إلى الدقة القرآنية المتناهية في قوله: ~~{ ترجعون فيه إلى الله } [البقرة: 281]. إن الرجوع في هذا ~~اليوم لا يكون بطواعية العباد ولكن بإرادة الله. وسبحانه حين يتكلم عن ~~المؤمنين الذين يعملون الصالح من الأعمال فإنه يقول عن رجوعهم إلى الله ~~يوم القيامة: # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملقوا ~~ربهم وأنهم إليه راجعون # [البقرة: 45-46]. ومعنى ذلك أن العبد المؤمن يشتاق إلى العودة إلى الله ~~لأنه يرغب في أن ينال الفوز. أما غير المؤمنين فيقول عنهم الحق: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13]. إن رجوع غير المؤمنين يكون رجوعا قسريا لا مرغوبا فيه. ~~والحق يقول عن هذا اليوم: { ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون } [البقرة: 281]. وبعد ذلك يقنن الحق سبحانه ~~للدين فيقول سبحانه: { يأيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه... }. ### || [2.282] # إنها أطول آية في آيات القرآن ويستهلها الله بقوله: { يأيها ~~الذين آمنوا } [البقرة: 282] وهذا الاستهلال كما نعرف يوحي بأن ~~ما يأتي بعد هذا الاستهلال من حكم، يكون الإيمان هو حيثية ذلك الحكم، فما ~~دمت قد آمنت بالله فأنت تطبق ما كلفك به لأن الله لم يكلف كافرا، ~~فالإنسان - كما قلنا سابقا - حر في أن يقبل على الإيمان بالله أو لا ~~يقبل. فإن أقبل الإنسان بالإيمان فليستقبل كل حكم من الله بالتزام. ~~ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إن الإنسان حين يكون مريضا، هو ~~حر في أن يذهب إلى الطبيب أو لا يذهب، ولكن حين يذهب الإنسان إلى الطبيب ~~ويكتب له الدواء فالإنسان لا يسأل الطبيب وهو مخلوق مثله: لماذا كتبت هذه ~~العقاقير؟. إن الطبيب يمكن أن يرد: إنك كنت حرا في ms0905 أن تأتي إلي أو لا ~~تأتي، لكن ما دمت قد جئت إلى فاسمع الكلام ونفذه. والطبيب لا يشرح ~~التفاعلات والمعادلات، لا، إن الطبيب يشخص المرض، ويكتب الدواء. فما ~~بالنا إذا أقبلنا على الخالق الأعلى بالإيمان؟ إننا ننفذ أوامره سبحانه، ~~والله لا يأمر المؤمن إلا عن حكمة، وقد تتجلى للمؤمن بعد ذلك آثار الحكمة ~~ويزداد المؤمن ثقة في إيمانه بالله. يقول الحق: { يأيها الذين ~~آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه } [البقرة: 282] وعندما نتأمل قول الحق: " تداينتم " نجد ~~فيها " دين " ، وهناك " دين " ، ومن معنى الدين الجزاء، ومن معنى ~~الدين منهج السماء، وأما الدين فهو الاقتراض إلى موعد يسدد فيه. ~~هكذا نجد ثلاثة معان واضحة: الدين: وهو يوم الجزاء، والدين وهو المنهج ~~السماوي، والدين: هو المال المقترض. والله يريد من قوله: { ~~تداينتم بدين } [البقرة: 282] أن يزيل اللبس في معنيين، ويبقى ~~معنى واحدا وهو الاقتراض فقال: " بدين " فالتفاعل هنا في مسألة ~~الدين لا في الجزاء ولا في المنهج، والحق يحدد الدين بأجل مسمى. ~~وقد أراد الله بكلمة " مسمى " مزيدا من التحديد، فهناك فرق بين أجل ~~لزمن، وبين أجل لحدث يحدث، فإذا قلت: الأجل عندي مقدم الحجيج. فهذا حدث ~~في زمن، ومقدم الحجيج لا يضمنه أحد، فقد تتأخر الطائرة، أو يصاب بعض من ~~الحجيج بمرض فيتم حجز الباقين في الحجر الصحي. أما إذا قلت: الأجل عندي ~~شهران أو ثلاثة أشهر فهذا يعني أن الأجل هو الزمن نفسه، لذلك لا يصح أن ~~يؤجل أحد دينه إلى شيء يحدث في الزمن لأنه من الجائز ألا يحدث ذلك الشيء ~~في هذا الزمن. إن التداين بدين إلى أجل مسمى يقتضي تحديد الزمن، والحق ~~يوضح لنا: { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ~~فاكتبوه } [البقرة: 282] وكلمة " فاكتبوه " هي رفع لحرج الأحباء من ~~الأحباء. # إنه تشريع سماوي، فلا تأخذ أحد الأريحية، فيقول لصاحبه: " نحن أصحاب " ، ~~إنه تشريع سماوي يقول لك: اكتب الدين، ولا تقل: " نحن أصدقاء " فقد يموت ~~واحد منكما فإن لم تكتب الدين حرجا فماذا يفعل الأبناء، أو الأرامل، ms0906 أو ~~الورثة؟. إذن فإلزام الحق بكتابة الدين هو تنفيذ لأمر من الله يحقق رفع ~~الحرج بين الأحباء. ويظن كثير من الناس أن الله يريد بالكتابة حماية ~~الدائن. لا، إن المقصود بذلك والمهم هو حماية المدين، لأن المدين إن علم ~~أن الدين عليه موثق حرص أن يعمل ليؤدي دينه، أما إذا كان الدين غير ~~موثق فيمن الجائز أن يكسل عن العمل وعن سداد الدين. وبذلك يحصل هو ~~وأسرته على حاجته مرة واحدة، ثم يضن المجتمع الغني على المجتمع الفقير ~~فلا يقرضه ويأخذون عجز ذلك الإنسان عن السداد ذريعة لذلك، ويقع هذا ~~الإنسان الذي لم يؤد دينه في دائرة تحمل الوزر المضاعف، لأنه ضيق باب ~~القرض الحسن. إن الله يريد أن يسير دولاب الحياة الاقتصادية عند من لا ~~يملك، لأن من يملك يستطيع أن يسير حياته، أما من لا يملك فهو المحتاج. ~~ولذلك فهناك مثل في الريف المصري يقول: من يأخذ ويعطي يصير المال ماله. ~~إنه يقترض ويسدد، لذلك يثق فيه كل الناس، ويرونه أمينا ويرونه مجدا، ~~ويرونه مخلصا، ويعرفون عنه أنه إذا أخذ وفى، فكل المال يصبح ماله. إذن ~~فالله - سبحانه - بكتابة الدين يريد حماية حركة الحياة عند غير الواجد ~~لأن الواجد في غير حاجة إلى القرض. لذلك جاء الأمر من الحق سبحانه: { ~~إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } ~~[البقرة: 282]. ومن الذي يكتب الدين؟. انظر الدقة: لا أنت أيها الدائن ~~الذي تكتب، ولا أنت أيها المدين، ولكن لابد أن يأتي كاتب غير الاثنين، ~~فلا مصلحة لهذا الثالث من عملية الدين { وليكتب بينكم كاتب ~~بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ~~} [البقرة: 282]. وفي ذلك إيضاح بأن الإنسان الذي يعرف الكتابة إن طلب ~~منه أن يكتب دينا ألا يمتنع عن ذلك، لماذا؟ لأن الآية - آية الدين - ~~قد نزلت وكانت الكتابة عند العرب قليلة، كان هناك عدد قليل فقط هم الذين ~~يعرفون الكتابة، فكان هناك طلب شديد على من يعرف الكتابة. ولكن إن لم ~~يطلب أحد من الذين يعرفون الكتابة أن ms0907 يكتب الدين فماذا يفعل؟. إن ~~الحق يأمره بأن يتطوع، وفي ذلك يأتي الأمر الواضح " فليكتب " لأن الإنسان ~~إذا ما كان هناك أمر يقتضي منه أن يعمل، والظرف لا يحتمل تجربة، فالشرع ~~يلزمه أن يندب نفسه للعمل. # هب أنكم في زورق وبعد ذلك جاءت عاصفة، وأغرقت الذي يمسك بدفة الزورق، أو ~~هو غير قادر على إدارة الدفة، هنا يجب أن يتقدم من يعرف ليدير الدفة، إنه ~~يندب نفسه للعمل، فلا مجال للتجربة. والحق سبحانه وتعالى حين عرض قضية ~~الجدب في قصة سيدنا يوسف قال: # تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في ~~سنبله إلا قليلا مما تأكلون * ثم يأتي من ~~بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا ~~قليلا مما تحصنون # [يوسف: 47-48]. وقال سيدنا يوسف: # قال اجعلني على خزآئن الأرض إني حفيظ عليم # [يوسف: 55]. إن المسألة جدب فلا تحتمل التجربة، وهو كفء لهذه المهمة، ~~يملك موهبة الحفظ والعلم، فيندب نفسه للعمل. كذلك هنا { ولا يأب ~~كاتب أن يكتب كما علمه الله } [البقرة: 282] إذا طلب ~~منه وإن لم يطلب منه وتعين " فليكتب ". وهذه علة الأمرين الاثنين، وما ~~دامت الكتابة للتوثيق في الدين فمن الضعيف؟ إنه المدين، والكتابة حجة ~~عليه للدائن، لذلك يحدد الله الذي يملل: الذي عليه الدين، أي يملي ~~الصيغة التي تكون حجة عليه { وليملل الذي عليه الحق } ~~[البقرة: 282] ولماذا لا يملي الدائن؟ لأن المدين عادة في مركز الضعف، ~~فلعل الدائن عندما تأتي لحظة كتابة ميعاد السداد فقد يقلل هذا الميعاد، ~~وقد يخجل المدين أن يتكلم ويصمت لأنه في مركز الضعف. ويختار الله الذي في ~~مركز الضعف ليملي صيغة الدين، يملي على راحته، ويضمن ألا يؤخذ بسيف ~~الحاجة في أن موضع من المواضع. لكن ماذا نفعل عندما يكون الذي عليه ~~الدين سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو؟ إن الحق يضع القواعد { ~~فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا ~~يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل } ~~[البقرة: 282] والسفيه هو البالغ مبلغ الرجال إلا أنه ms0908 لا يمتلك أهلية ~~التصرف. والضيف هو الذي لا يملك القدرة التي تبلغه أن يكون ناضجا النضج ~~العقلي للتعامل، كأن يكون طفلا صغيرا، أو شيخا بلغ من الكبر حتى صار ~~لا يعلم من بعد علمه شيئا، أو لا يستطيع أن يمل. أي أخرس فيقوم بالإملاء ~~الولي أو القيم أو الوصي. ويأتي التوثيق الزائد: بقوله - تعالى -: { ~~واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء ~~أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى } ~~[البقرة: 282]. ولننظر إلى الدقة في التوثيق عندما يقول الحق: " ~~واستشهدوا " نستشهد ونكتب، لأنه سبحانه يريد بهذا التوثيق أن يؤمن ~~الحياة الاقتصادية عند غير الواجد لأن الحاجة عندما تكون مؤمنة عند ~~غير الواجد فالدولاب يمشي وتسير حركة الحياة الاقتصادية لأن الواجد هو ~~القليل، وغير الواجد هو الكثير، فكل فكر جاد ومفيد يحتاج إلى مائة إنسان ~~ينفذون التخطيط. # إن الجيب الواجد الذي يصرف يحتاج إلى مائة لينفذوا، ولهذا تكون الجمهرة ~~من الذين لا يجدون، وذلك حتى يسير نظام الحياة لأن الله لا يريد أن يكون ~~نظام الحياة تفضلا من الخلق على الخلق، إنما يريد الله نظام الحياة ~~نظاما ضروريا فالعامل الذي لا يعول أسرة قد لا يخرج إلى العمل، لذلك ~~فالحق يربط خروج العامل بحاجته. إنه يحتاج إلى الطعام ورعاية نفسه وأسرته ~~فيخرج اضطرارا إلى العمل، وبتكرار الأمر يعشق عمله، وحين يعشق العمل فهو ~~يحب العمل في ذاته. وبذلك ينتقل من الحاجة إلى العمل، إلى حب العمل في ~~ذاته، وإذا ما أحب العمل في ذاته، فعجلة الحياة تسير. والحق سبحانه حين ~~يحدد الشهود بهذا القول: { واستشهدوا شهيدين من ~~رجالكم } [البقرة: 282]. ولماذا قال الحق: " شهيدين " ولم يقل " ~~شاهدان "؟ لأن مطلق شاهد قد يكون زورا، لذلك جاء الحق بصيغة المبالغة. ~~كأنه شاهد عرفه الناس بعدالة الشهادة حتى صار شهيدا. إنه إنسان تكررت ~~منه الشهادة العادلة واستأمنه الناس على ذلك، وهذا دليل على أنه شهيد. ~~وإن لم يكن هناك شهيدان من الرجال فالحق يحدد لنا { فرجل ~~وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء ms0909 } [البقرة: 282]. إن ~~الحق سبحانه وتعالى قد طلب منا على قدر طاقتنا أي من نرضى نحن عنهم، وعلل ~~الحق مجيء المرأتين في مقابل رجل بما يلي: { أن تضل إحداهما ~~فتذكر إحداهما الأخرى } [البقرة: 282] لأن الشهادة هي ~~احتكاك بمجتمع لتشهد فيه وتعرف ما يحدث. والمرأة بعيدة عن كل ذلك غالبا. ~~أن الأصل في المرأة ألا علاقة لها بمثل هذه الأعمال، وليس لها شأن بهذه ~~العمليات، فإذا ما اضطرت الأمور إلى شهادة المرأة فلتكن الشهادة لرجل ~~وامرأتين لأن الأصل في فكر المرأة أنه غير مشغول بالمجتمع الاقتصادي الذي ~~يحيط بها، فقد تضل أو تنسى إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، وتتدارس ~~كلتاهما هذا الموقف، لأنه ليس من واجب المرأة الاحتكاك بجمهرة الناس ~~وبخاصة ما يتصل بالأعمال. وبعد ذلك يقول الحق: { ولا يأب ~~الشهدآء إذا ما دعوا } [البقرة: 282] فكما قال الحق عن الكاتب ~~ألا يمتنع عن توثيق الدين، كذلك الشهادة على هذا الدين. وكيف تكون ~~الشهادة، هل هي في الأداء أو التحمل؟ إن هنا مرحلتين: مرحلة تحمل، ومرحلة ~~أداء. وعندما نطلب من واحد قائلين: تعال اشهد على هذا الدين. فليس له أن ~~يمتنع، وهذا هو التحمل. وبعدما وثقنا الدين، وسنطلب هذا الشاهد أمام ~~القاضي، والوقوف أمام القاضي هو الأداء. وهكذا لا يأبى الشهداء إذا ما ~~دعوا تحملا أو أداء. لكن الحق سبحانه وتعالى يعلم أن كل نفس بشرية لها ~~مجال حركتها في الوجود، ويجب ألا تطغى حركة حدث على حدث، فالشاهد حين ~~يستدعى - بضم الياء - ليتحمل أولا أو ليؤدي ثانيا ينبغي ألا تتعطل ~~مصالحه إن مصالحه ستتعطل لأنه عادل، ولأنه شهيد، لذلك يضع الله لذلك ~~الأمر حدا فيقول: { ولا يضآر كاتب ولا شهيد } [البقرة: ~~282]. # إذن فالشهادة هنا تتطلب أن نحترم ظروف الشاهد. فإن كان عند الشاهد عمل ~~أو امتحان أو صفقة أو غير ذلك، فلنا أن نقول للشاهد: إما أن تتعين في ~~التحمل حيث لا يوجد من يوثق به ويطمأن إليه أما في الأداء فأنت مضطر. إن ~~الشاهد يمكنه أن يذهب إلى أمره الضروري الذي يجب ms0910 أن يفعله، فلا يطغى حدث ~~على حدث، لذلك علينا أن نبحث عن شاهد له قدرة السيطرة على عمله بدرجة ما. ~~وإن لم نجد غيره، فماذا يكون الموقف؟ لقد قال الحق: { ولا يضآر ~~كاتب ولا شهيد } [البقرة: 282] إذن فعلينا أن نبحث له عن " جعل ~~" يعوض عليه ما فاته، فلا نلزمه أن يعطل عمله وإلا كانت عدالته وبالا ~~عليه، لأن كل إنسان يطلب للشهادة تتعطل أعماله ومصالحه. والله لا يحمي ~~الدائن والمدين ليضر الكاتب أو الشهيد. وقوله الحق لكلمة: " يضار " فمن ~~الممكن أن تأتي الكلمة على وجهين في اللغة، فمرة تأتي " يضار " بمعنى أن ~~الضرر يأتي من الكاتب أو الشهيد، ومرة أخرى تأتي كلمة " يضار " بمعنى أن ~~الضرر يقع على الكاتب أو الشهيد. فاللفظ واحد، ولكن حالة اللفظ بين ~~الإدغام الذي هو عليه حسب قواعد اللغة وبين فكه هي التي تبين لنا ~~اتجاه المعنى. فإن قلنا: { ولا يضآر كاتب ولا شهيد } ~~[البقرة: 282] - بكسر الراء -، فالمعنى في هذه الحالة هو أن يقع الضرر من ~~الكاتب فيكتب غير الحق، أو أن يقع الضرر من الشهيد فيشهد بغير العدل. وإن ~~قلنا: { ولا يضآر كاتب ولا شهيد } [البقرة: 282] - بفتح ~~الراء - فالمنهي عنه هو أن يقع الضرر على الكاتب أو الشهيد من الذين تؤدي ~~الكتابة غرضا لهم، وتؤدي الشهادة واجبا بالنسبة لهم ليضمن الدائن ~~دينه، وليستوثق أن أداءه محتم. والكاتب والشهيد شخصان لهما في الحياة ~~حركة، ولكل منهما عمل يقوم به ليؤدي مطلوبات الحياة، فإذا علم - بضم ~~العين وكسر اللام وفتح الميم - أنه كاتب أو شهد بأنه عادل، عند ذلك يتم ~~استدعاؤه في كل وقت من أصحاب المصلحة في المداينة، وربما تعطلت مصالح ~~الكاتب أو الشهيد. ويريد الله أن يضمن لذلك الكاتب أو الشهيد ما يبقى على ~~مصلحته. ولذلك أخذت القوانين الوضعية من القرآن الكريم هذا المبدأ، فهي ~~إن استدعت شاهدا من مكان ليشهد في قضية فإنها تقوم له بالنفقة ذهابا ~~وبالنفقة إيابا، وإن اقتضى الأمر أن يبيت فله حق المبيت وذلك حتى لا ~~يضار، وهو يؤدي ms0911 الشهادة، وحتى لا يتعطل الشاهد عن عمله أو أن يصرف من ~~جيبه. # ويريد الحق سبحانه وتعالى أيضا أن يضمن مصالح الجميع لا مصلحة جماعة ~~على حساب جماعة. ويقول الحق في هذه " المضارة ": { وإن تفعلوا ~~فإنه فسوق بكم.. } [البقرة: 282] أي وإن تفعلوا الضرر من هذا ~~أو من ذاك فإنه فسوق بكم، إنه سبحانه يحذر أن يقع الضرر من الكاتب أو ~~الشهيد، أو أن يقع الضرر على الكاتب أو الشهيد. ففعل الضرر فسوق، أي خروج ~~عن الطاعة. والأصل في " الفسق " هو خروج الرطبة من قشرتها، فالبلح حين ~~يرطب تكون القشرة قد خلعت عن الأصل من البلحة، فتخرج الثمرة من القشرة ~~فيقال: " فسقت الرطبة ". ومنها أخذ معنى الفسوق وهو الخروج عن طاعة الله ~~في كل ما أمر. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { واتقوا الله } ~~[البقرة: 282] وعلمنا من قبل معنى كلمة " التقوى " حين يقول الله: { ~~واتقوا الله } [البقرة: 282] أو يقول سبحانه: # واتقوا النار # [آل عمران: 131] # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281]، وكل هذه المعاني مبنية على الوقاية من صفات جلال الله، ~~وجبروته، وقهره، وإذا قلنا: " اتقوا النار " فالنار من جنود صفات القهر ~~لله، ف " اتقوا الله " هي بعينها " اتقوا النار " هي بعينها " اتقوا ~~يوما ترجعون فيه إلى الله ". ويقول الحق سبحانه: { واتقوا الله ~~ويعلمكم الله } [البقرة: 282]. وهنا مبدأ إيماني يجب أن نأخذه ~~في كل تكليف من الله فإن التكاليف إن جاءت من بشر لبشر، فأنت لا تنفذ ~~التكليف من البشر إلا إن أقنعك بحكمته وعلته لأن التكليف يأتي من مساو ~~لك، ولا توجد عقلية أكبر من عقلية، وقد تقول لمن يكلفك: ولماذا أكون ~~تبعا لك وأنت لا تكون تبعا لي؟ إنك إذا أردت أن تكلفني بأمر من الأمور ~~وأنت مساو لي في الإنسانية والبشرية وعدم العصمة فلا بد أن تقنعني بحكمة ~~التكليف. أما إن كان التكليف من أعلى وهو الحق سبحانه وهو الله الذي آمنا ~~بقدرته وعلمه وحكمته وتنزهه عن الغرض العائد عليه فالمؤمن في هذه الحالة ~~يأخذ الأمر قبل أن يبحث ms0912 في الحكمة لأن الحكمة في هذا الأمر أنه صادر من ~~الله، وحين ينفذ المؤمن التكليف الصادر من الله فسيعلم سر هذه الحكمة ~~فيما بعد فأسرار الحكم عند الله تأتي للمؤمن بعد أن يقبل على تنفيذ ~~التكاليف الإيمانية. إن الحق سبحانه - على سبيل المثال - لا يقنع العبد ~~بأسرار الصوم، ولكن إن صام العبد المؤمن كما قال الله، وعند ممارسة ~~المؤمن لعبادة الصوم سيجد أثر حكمة الصوم في نفسه بما لا يمكن إقناعه به ~~أولا. # إن المؤمن حين يفعل التكليف الإيماني فإن الله يعلمه حكمة التكليف. ولنا ~~في قوله سبحانه الدليل الواضح: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر ~~لكم والله ذو الفضل العظيم # [الأنفال: 29]. إن الله سبحانه يعد عباده المؤمنين أنهم عندما يتقونه ~~فإنه يجعل لهم دلائل تبين لهم الحق من الباطل ويستر عنهم السيئات ويغفر ~~لهم. لماذا؟ لأن الله الذي يعلمنا هو الحق سبحانه العليم بكل شيء. وعلم ~~الله ذاتي، أما علم الإنسان فقد يكون أثرا من ضغط الأحداث عليه فيفكر ~~الإنسان في تقنين شيء يخرجه مما يكون فيه من شر، ولكن علم العليم الأعلى ~~سابق على ذلك لأنه علم ذاتي. وفيما سبق علمنا أن الله سبحانه وتعالى قد ~~أعطى الدين هذه العناية ليضمن للحياة حركتها الطاهرة، حركتها السليمة ~~لأن المعدم لا وسيلة له في حركة الحياة إلا أمور ثلاثة، الأمر الأول: ~~الرفد أي عطاء تطوعي يستعين به على حركة الحياة. والأمر الثاني: ~~الفرض الذي فرضه الله في الزكاة. والأمر الثالث: القرض الذي شرعه. فعندما ~~لا يجد المؤمن المعدم الرفد أو الفرض فماذا يكون بعد ذلك؟ إنه القرض. ~~إذن فالقرض هو المفزع الثالث للحركة الاقتصادية عند المعدمين. وعرفنا أن ~~القرض عند الله يفوق ويعلو الصدقة في الثواب لأن الصدقة حين تتصدق بها ~~تكون قد خرجت من نفسك من أول الأمر فلا مشغولية لذهنك بعد ذلك، ولكن ~~القرض نفسك تكون متعلقة به لأنك لا تزال مالكا له، وكلما صبرت عليه أخذت ~~ثوابا من الله ms0913 على كل صبرة تصبرها على المدين. وعرفنا كذلك أن الحق ~~سبحانه قد استوثق لعملية الدين استيثاقا يجب أن نفهمه من وجهيه، الوجه ~~الأول: أنه يحفظ بذلك ثمرة حركة المتحرك في الحياة وهي أن يتمول، أي أن ~~يكون عنده مال فإن لم نحم له ثمرة حركته في الحياة استهان بالحركة، ~~وإذا استهان بالحركة تعطلت مصالح كثيرة لأن حركة المتحرك في الحياة تنفع ~~بشرا كثيرين قصد المتحرك ذلك أو لم يقصد، وضربنا المثل بمن يريد بناء ~~عمارة، وعنده مال، فيسلط الله عليه خاطرا من خواطره مصداقا لقوله الحق: # وما يعلم جنود ربك إلا هو.. # [المدثر: 31]. فيقول: ولماذا أكنز المال؟ ولماذا لا أبني عمارة أستفيد ~~من إيجارها؟. وبذلك لا يتناقص المال بل يزيد. وليس في بال ذلك الرجل أن ~~ينفع أحدا. إن باله مشغول بأن ينفع نفسه، لكن حركته وإن لم يقصد نفع ~~الغير ستنفع الغير.. فالذي يحفر الأرض سيأخذ أجرا لذلك، والذي يضرب ~~الطوب سيأخذ أجرا لذلك، وكل من يشترك في عمل لإقامة هذا البنيان من بناء ~~أو إدخال كهرباء أو توصيل مياه أو تحسين وتجميل كل واحد من هؤلاء سيأخذ ~~أجره، وبذلك يستفيد الجميع وإن لم يقصد المتحرك في الحياة. # إذن فالحق يريد أن يحمي حركة المتحرك في الحياة لأنه لو لم يحم الله ~~ثمرة حركته في الحياة لاكتفى المتحرك في حركته بما يقوته ويقوت من يقول، ~~ويبقى الضعيف في الحياة فمن ذا يعوله؟. إذن لابد أن نضمن للمتحرك ماله ~~حتى يتشجع على الحركة إن الله الذي وهب الناس أرزاقهم، عندما يطلب من ~~القوي المتحرك أن يعطي أخاه الضعيف المحتاج قرضا، لا يقول الله: " أقرض ~~المحتاج " ، ولكنه جل وعلا يقول: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا.. # [البقرة: 245]. إن الله سبحانه وتعالى قد احترم حركة الإنسان المتحرك في ~~الحياة وجعل المال مال المتحرك، فلا يقول الله للمتحرك: أعط المحتاج من ~~المال الذي وهبتك إياه. لا، إنه مال المتحرك، ويقول الله للمتحرك: أقرضني ~~لأن أخاك في حاجة إليه، كما نقول للتقريب لا ms0914 للتشبيه - ولله المثل الأعلى ~~- أنت تأخذ من حصالة ابنك لمصلحة أخيه، وتعد ابنك الذي أخذت من حصالته ~~أنك سوف تعطيه الكثير. والمال الذي أخذته من حصالة ابنك قرضا أنت الذي ~~أعطيته له أولا. إذن فالله يريد أن يحمي حركة الحياة، وإن لم نحم حركة ~~الحياة، لا يكون كل إنسانا آمنا على ثمرة حركته، فستفسد الحياة كلها ~~ويستشري الضغن والحقد والذي يقول الله سبحانه وتعالى: # ولا يسألكم أموالكم * إن يسألكموها فيحفكم ~~تبخلوا ويخرج أضغانكم # [محمد: 36-37]. وساعة يتفشى الضغن في المجتمع فلا فائدة في هذا المجتمع ~~أبدا. إذن فالحق حين يوثق الدين يريد أن يحمي حركة المتحرك لأن الناس ~~تختلف فيما بينها في الحركات الطموحية. ولا توجد الحركات الطموحية في كل ~~الناس، بل توجد في بعضهم، فلنستغل حركة الطموح عند بعض الناس لأنهم ~~سيفيدون المجتمع: قصدوا ذلك أو لم يقصدوا. وبعد ذلك يريد الحق سبحانه ~~وتعالى أن يحمي أيضا الإنسان من نفسه لأنه إذا علم أن الدين الذي عليه ~~موثق، ولا وسيلة لإنكاره حاول جاهدا أن يتحرك في الحياة ليؤديه. وحين ~~يتحرك الإنسان ليؤدي عن نفسه الدين فإن ذلك يزيد الحركة في الحياة، ~~ويزداد النفع. وهكذا نرى أن الله أراد بالتوثيق للدين حماية المدين من ~~نفسه لأن المدين قد تطرأ عليه ظروف فيماطل، وإذا ما ماطل فلن تكون ~~الخسارة فيه وحده، ولكنه سيصبح أسوة عند جميع الناس وسيقول كل من عنده ~~مال: لا أعطي أحدا شيئا لأن فلانا الغني مثلي قد أعطى فلانا الفقير ~~وماطله وأكله، وعند ذلك تتوقف حركة الحياة ولكن إذا كان الدين موثقا ~~ومكتوبا فإن المدين يكون حريصا على أدائه. والله يريد أن يضمن لحركة ~~الحياة دواما واستمرارا شريفا نظيفا. ولذلك نجد في آية الدين أن ~~كلمة " الكتابة " ومادتها " الكاف والتاء والباء " تتكرر أكثر من مرة بل ~~مرات كثيرة. # { يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى ~~أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب ~~بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ~~فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق ~~الله ms0915 ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي ~~عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن ~~يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب ~~الشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه ~~صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله ~~وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن ~~تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس ~~عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا ~~تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا ~~فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله ~~والله بكل شيء عليم } [البقرة: 282]. وهذا التكرار في هذه ~~الآية لعملية الكتابة يؤصل العلاقة بين الناس فالكتابة هي عمدة التوثيق، ~~وهي التي لا تغش، لأنك إن سجلت شيئا على ورقة فلن تأتي الورقة لتنكر ما ~~كتبته أنت فيها، ولكن الأمر في الشهادة قد يختلف، فمن الجائز أن يخضع ~~الشاهد لتأثير ما فينكر الحقيقة، ولذلك فإن الحق يعطينا قضية إيمانية ~~جديدة حين يقول: " أن يكتب كما علمه الله " أي أن يكتب الكاتب على وفق ما ~~علمه الله، فكأنه لابد أن يكون فقيها عالما بأمور الكتابة، أو " كما ~~علمه الله " أي أن الله أحسن إليه وعلمه الكتابة دون غيره، فكما أحسن ~~الله إليه بتعلم الكتابة فليحسن وليعد أثر الكتابة إلى الغير. وليست ~~المسألة مسألة كتابة فقط، إنما ذلك يشمل ويضم كل شيء أو موهبة خص الله ~~بها فردا من الناس من مواهب الله على خلقه فالمؤمن هو من يعمل على أن ~~يعدي أثر النعمة والموهبة إلى الغير. وعليك أن تعدي أثر مواهب الغير إليك ~~فتنفع بها سواك، وبذلك يشيع الخير ويعم النفع لأنك إن أخذت موهبة فستأخذ ~~موهبة واحدة تكفيك في زاوية واحدة من زوايا حياتك، وعندما تعديها للجميع ~~وتنقلها إليهم فيعدي الجميع مواهبهم المجتمعية لمصلحتك، فأيهما أكسب؟ حين ~~تعدي وتنقل موهبتك إلى الناس، تكون أنت الأكثر كسبا لأن الجميع يعدون ~~وينقلون مواهبهم إليك. وإذا أتقنت صنعتك ms0916 للناس فالصنعة التي في يدك ~~واحدة، وعندما تتقنها فإن الله يسلط جنود الخواطر على كل من يصنع لك ~~شيئا أن يتقنه، كما أتقنت أنت لسواك. وبعد ذلك يعلمنا الحق سبحانه شدة ~~الحرص على التوثيق فيقول: { وإن كنتم على سفر ولم ~~تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة... }. ### || [2.283] # والسفر كما نعلم هو خروج عن رتابة الحياة في الموطن، ورتابة الحياة في ~~الموطن تجعل الإنسان يعلم تمام العلم مقومات حياته، لكن السفر يخرج ~~الإنسان عن رتابة الحياة فلا يتمكن من كثير من الأشياء التي يتمكن بها في ~~الإقامة. فهب أنك مسافر، واضطررت إلى أن تستدين، ولا يوجد كاتب ولا يوجد ~~شهيد، فماذا يكون الموقف؟ ها هو ذا الحق يوضح لك: { فرهان ~~مقبوضة } [البقرة: 283]. إذن فلم يترك الله مسألة الدين حتى في ~~السفر فلم يشرع فقط للإقامة، ولكن الحق قد شرع أيضا للسفر { ~~فرهان مقبوضة } [البقرة: 283] وهكذا الكتابة، والشهادة في ~~الإقامة والرهان المقبوضة في السفر هدفها حماية الإنسان أمام ظروف ضغط ~~المجتمع. ولكن هل يمنع الحق سبحانه وتعالى طموحية الإيثار؟ هل يمنع الحق ~~سبحانه وتعالى رجولية التعامل؟ هل يمنع الحق سبحانه وتعالى المروءات من ~~أن تتغلغل في الناس؟ لا. إنه الحق سبحانه يقول: { فإن أمن ~~بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته.. } ~~[البقرة: 283] إنه الطموح الإيماني، لم يسد الله مسألة المروءة ~~والإيثار في التعامل. إن كتابة الدين والإشهاد والرهن ليس إلزاما لأن ~~الله قال: { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي ~~اؤتمن أمانته } [البقرة: 283]. وأيضا قد نفهم أن الذي اؤتمن هو ~~المدين، وهنا نقول: لا، إن الأمر مختلف، فهنا رهان، وذلك معناه وجود ~~مسألتين، المسألة الأولى هي " الدين " ، والمسألة الثانية هي " الرهان ~~المقبوضة " وهي مقابل الدين. فواحد مأمون على الرهن في يده. والآخر ~~مأمون على الدين. ولهذا يكون القول الحكيم مقصودا به من بيده الرهن، ~~ومن بيده الدين ومعنى ذلك أن يؤدي من معه الرهن أمانته، وأن يؤدي ~~الآخر دينه. وحين نرتقي إلى هذا المستوى في التعامل فإن وازع الإنسان ~~ليس في التوثيق الخارج عن ذات النفس، ms0917 ولكنه التوثيق الإيماني بالنفس، ~~ولكن أنضمن أن يوجد التوثيق الإيماني عند كل الناس؟. أنضمن الظروف؟. نحن ~~لا نضمن الظروف، فقد توجد الأمانة الإيمانية وقت التحمل والأخذ، ولا نضمن ~~أن توجد الأمانة الإيمانية وقت الأداء فقد يأتي واحد ويقول لك: إن عندي ~~مائة جنيه وخذها أمانة عندك. ومعنى " أمانة " أنه لا يوجد صك، ولا شهود، ~~وتكون الذمة هي الحكم، فإن شئت أقررت بهذه الجنيهات المائة، وإن شئت ~~أنكرتها. إن الرجل الذي يفعل معك ذلك إنما يطلب منك توثيق المائة جنيه في ~~الذمة الإيمانية، ومن الجائز أن تقول له لحظة أن يفعل معك ذلك: نعم ~~سأحتفظ لك بالمائة جنيه بمنتهى الأمانة. وتكون نيتك أن تؤديها له ساعة أن ~~يطلبها، ولكنك لا تضمن ظروف الحياة بالنسبة لك، وأنت كإنسان من الأغيار. # ومن الجائز أن تضغط عليك الحياة ضغطا يجعلك تماطل معه في أداء الأمانة، ~~أو يجعلك تنكرها، فتقول لمن ائتمنك: ابعد عني أنا لا أملك نفسي في وقت ~~الأداء، وإن ملكت نفسي وقت التحمل. والأمانة هي القضية العامة في الكون، ~~وإن كانت خاصة الآن بالنسبة للآية الكريمة التي نحن بصددها والحق - ~~سبحانه - يعرضها بعمومها على الكون كله فيقول - جل شأنه -: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. إن الكون كله أشفق على نفسه من تحمل الأمانة وهذا يعني ~~أن الأمانة سوف تكون عرضة للتصرف والاختيار، ولا كائن في الكون قد ضمن ~~لنفسه القدرة على الوفاء وقت الأداء. لقد أعلنت الكائنات قولها فأبين ~~تحمل الأمانة وكأنها قالت: إنا يا ربنا نريد أن نكون مسخرين مقهورين ~~لا اختيار لنا ولذلك نجد الكون كله يؤدي مهمته كما أرادها الله، ما عدا ~~الإنسان، أي أنه الذي قبل بما له من عقل وتفكير أن يتحمل أمانة الاختيار، ~~وبلسان حاله أو بلسان مقاله قال: إنني قادر على تحمل الأمانة لأني أستطيع ~~الاختيار بين البدائل. وهنا نذكر الإنسان: إنك قد تكون قويا لحظة ~~التحمل، ولكن ماذا عن حالك ms0918 وقت الأداء؟ لذلك قال الله عن الإنسان: # وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72] لقد ظلم الإنسان نفسه حيث حمل الأمانة ولم يف بها فلذلك ~~فهو ظلوم. وهو جهول لأنه قدر وقت التحمل، ولم يقدر وقت الأداء، أو ~~ضمنها ثم خاس وخالف ما عاهد نفسه على أدائها. إذن فالإنسان وإن كان ~~واثقا أنه سيؤدي الأمانة إلا أنه عرضة للأغيار، لذلك قال الحق سبحانه: # ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى ~~أجله ذلكم أقسط عند الله # [البقرة: 282] فالكتابة فرصة ليحمي الإنسان نفسه من الضعف وقت الأداء، ~~فالله سبحانه وتعالى يريد أن يوثق الأمر توثيقا لا يجعلك أيها العبد ~~خاضعا لذمتك الإيمانية فقط، ولكنك تكون خاضعا للتوثيق الخارج عن ~~إيمانيتك أيضا، وذلك يكون بكتاب الدين صغيرا أو كبيرا إلى أجله. ~~ويقول الحق سبحانه: { ولا تكتموا الشهادة } [البقرة: 283] ~~وهذه الكلمة " ولا تكتموا " إنما هي أداء معبر، لأن كلمة " شهادة " تعني ~~الشيء الذي شهدته، فما دمت قد شهدت شيئا فهو واقع، والواقع لا يتغير ~~أبدا، ولذلك فالإنسان الذي يحكي لك حكاية صدق لا يختلف قوله في هذه ~~الحكاية حتى وإن رواها ألف مرة لأنه يستوحي واقعا. لكن الكذاب يستوحي ~~غير واقع، فيقول كلمة، وينسى أنه كذب من قبل فيكذب كذبة أخرى لأنه لا ~~يستوحي واقعا. فكلمة الشهادة هي عن أمر مشهود واقع، وما دام الأمر ~~مشهودا وواقعا، فإنه يلح على نفس من يراه أن يخرج، فإياك أن تكبته ~~بالكتم لأن كلمة " الكتم " يعني أن شيئا يحاول أن يخرج وأنت تحاول ~~كتمانه، لذلك يقول الحق: { ولا تكتموا الشهادة } [البقرة: ~~283] فكأن الطبيعة الإيمانية الفطرية تلح على صاحبها لتنطقه بما كان ~~مشهودا له لأنه واقع. # لذلك يأتي الأمر من الحق { ولا تكتموا الشهادة ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه } [البقرة: 283]. وقد يسأل الإنسان: ~~هل الكتم هنا صفة للقلب أو للإنسان الذي لم يقل الشهادة؟. إن الشاعر ~~يقول: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما # جعل اللسان على الفؤاد دليلا # وساعة يؤكد الله شيئا فهو يأتي بالجارحة التي لها علاقة ms0919 بهذا الصدد، ~~فتقول: أنا رأيته بعيني وسمعته بأذني، وأعطيته بيدي ومشيت له برجلي. إنك ~~تذكر الجارحة التي لها دخل في هذه المسألة. وعندما يقول الحق: { ~~فإنه آثم قلبه } [البقرة: 283] إن كل الجوارح تخضع للقلب: { ~~والله بما تعملون عليم } [البقرة: 283] أي أن كتمك للحقيقة ~~لن يغير من واقع علم الله شيئا، وحينما تنتهي مسألة المداينة والتوثيق ~~فيها وظروفها سواء كانت في الموطن العادي أو في أثناء السفر فإن الله ~~يضمن للإنسان المتحرك في الحياة حركة شريفة وطاهرة. فإن لم تكن هذه ~~فالمصالح تتوقف، ويصيبها العطل، فالذي لا يقدر على الحركة فماذا يصنع في ~~الحياة؟. إن قلبه يمتلئ بالحقد على الواجد، وحين يمتلئ قلبه بالحقد على ~~الواجد فإنه يكره النعمة عنده، وحين يكره المعدم النعمة عند أخيه الواجد، ~~فالنعمة نفسها تكره أن تذهب إلى من كره النعمة عند أخيه. إنها مسائل قد ~~رتبها الحق سبحانه بعضها متعلق بالبعض الآخر. إن النعمة تحب المنعم ~~عليه - بضم الميم وفتح العين - أكثر من حب المنعم عليه للنعمة وتذهب إلى ~~من أنعم الله عليه بها بعشق، فمن كره النعمة عند منعم عليه فالنعمة ~~تستعصي عليه حتى كأنها تقول له: لن تنال مني خيرا. وليجربها كل إنسان. ~~أحبب النعمة عند سواك فستجد نعمة الكل في خدمتك، إنك إن أحببت النعمة ~~عند غيرك فإنها تأتي إليك لتخدمك. وأيضا فعلى المؤمن أن يعرف أن بعض ~~النعم ليست وليدة كد وجهد، قد تكون النعمة مجرد فضل من الله، يفضل به بعض ~~خلقه، فحين تكرهها أنت عند المنعم عليه تكون قد اعترضت على قدر الله في ~~النعمة. وحين تعترض على قدر الله في النعمة فإن الحق - سبحانه - لا يجعلك ~~تنتفع منها بشيء. فإن رأيت قريبا حبس نعمته عن أقاربه فاعلم أنهم يكرهون ~~النعمة عنده. ولو أحبوها لسعت النعمة إليهم. إن المنهج الإلهي يريد أن ~~يجعل الناس كتلة متكافلة متكاملة بحيث إذا رأيت أنا النعمة عندك ونلت ~~منها، أحببتها عندك، وحين أحب النعمة عندك فإن العطاء يجيء من هذه النعمة ~~إلي، ولا ms0920 تجد فارقا بين واجد ومعدم. # إنك لا تجد فارقا بين واجد ومعدم إلا في مجتمع لا يؤدي حكم الله في ~~شيء. لقد قلنا ذلك في مجال اضطرار الإنسان إلى الربا لأنه لم يجد من ~~يقرضه قرضا حسنا، ولم يجد من يؤدي فرض الله له من الزكاة لتسع حاجته ~~فاضطر أن يأخذ بالربا، وبذلك يدخل المجتمع الربوي في حرب مع الله، وهل ~~لأحد جلد، على أن يدخل في حرب مع الله؟ لا. والمجتمع الربوي يدخل في ~~حرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد حرم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم - الربا وقال في حجة الوداع: # " إن كل ربا موضوع ولكن لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى ~~الله أنه لا ربا وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله ". # وتلك سمة سمو التشريع السماوي، إن التشريع البشري يحمي به صاحبه أقاربه ~~من التقنين، لكن التشريع السماوي يفرض تطبيقاته أولا على الأقارب. وكان ~~الأسوة في ذلك سيدنا عمر بن الخطاب، فساعة يريد عمر أن يضع التشريع فإنه ~~يجمع أهله وأقاربه ويقول: - سأقوم بعمل كذا وكذا فوالذي نفسي بيده من ~~خالفني في شيء من هذا لأجعلنه نكالا للمسلمين. ويعلنها عمر أمام ~~الناس، ولماذا أعلن عمر ذلك؟ لأن كثيرا من الناس يجعلون أولياء الأمور، ~~وقد لا يكون أولياء الأمور على دراية بذلك فقد نجد واحدا يدخل على قوم ~~على أساس أنه فلان بن فلان، وبالرعب يقضي هذا الإنسان مصالحه عند الناس ~~برغم أنف الناس. وقد يكون ولي الأمر لا يعرف عن مثل هذا التصرف شيئا. ~~لكن حين يعلن ولي الأمر على الناس ولأقاربه أنه لا تفرقة أبدا فيما يقنن ~~وأن القانون سائر على نفسه وعلى أهله فمن استغل اسما لولي الأمر أو ~~اصطنع شيئا فالتبعة على من فعل له وعليه، وبذلك تستقيم الأمور. لكن أن ~~تظهر الحقائق في استغلال أقارب الحكام بعد انتهاء فترات حكم الحكام، فهنا ~~نقول: ولماذا لم نعرف كل شيء من البداية؟. وأين كانت الحقائق في وقتها؟. ~~إن ms0921 الحاكم المسلم عليه أن يعلن للمحكومين أن القوانين إنما تطبق عليه ~~أولا وعلى من يعول. هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة ~~الوداع # " وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد ~~المطلب فإنه موضوع كله ". # وفي معركة بدر، أخرج الرسول صلى الله عليه وسلم أهل بيته ليحاربوا لأنه ~~لو لم يخرج أحدا من أهل بيته لقال واحد من الكفار: إنه يحمي أهل بيته، ~~ولو أن أجر الاستشهاد هو الجنة فلماذا يقدم الأباعد ولا يقدم أحبابه ~~للقتال؟ لكن هاهو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم أقاربه وأحبابه، ~~فهو العارف من ربه بأمر الشهادة وكيف أنها تقصر على الإنسان متاعب الحياة ~~وتدخل الجنة. # هكذا كانت المحاباة في صدر الإسلام، إنها محاباة في الباقي، ولم تكن ~~كمحاباة الحمقى في الفاني. وحين يعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك ~~ويضرب على أيدي المرابين فهذه هي الحرب التي يجب أن تقوم، حرب من الله ~~المالك القادر على المحاربة، أما الضعاف الذين لا يستطيعون القتال فهم لا ~~يحاربون لأنهم أمام خالقهم وقاهرهم فلا يقدرون على حربه ولذلك يجب أن ~~تتنبه الدولة إلى مثل هذه الأمور وتقنن تقنينا إسلاميا وبعد ذلك إذا لم ~~تتسع الزكاة المفروضة إلى ما يقوم بأود المحتاجين فلتفرض الدولة ما تشاء ~~لتفي بحاجة المحتاجين. والحق سبحانه وتعالى بعد أن أوضح الأمر عقيدة في ~~قوله: # الله لا إله إلا هو الحي القيوم # [البقرة: 255]، وتقنينا للعقيدة في قوله: # لا إكراه في الدين # [البقرة: 256]، وحماية للعقيدة بأمره سبحانه المؤمنين أن يقاتلوا لتكون ~~كلمة الله هي العليا، وبعد ذلك تكلم الحق عن حماية حركة الاقتصاد في ~~الإنفاق أولا في سبيل الله، والإنفاق على المحتاجين. يقول سبحانه بعد ~~ذلك: { لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ~~ما في أنفسكم أو تخفوه... }. ### || [2.284] # استهلت الآية بتقديم " لله " على ما في السماوات والأرض، والحق سبحانه ~~يقول: { لله ما في السماوات وما في الأرض } [البقرة: 284] ~~ذلك هو الظرف الكائنة فيه المخلوقات، ms0922 السماوات والأرض لم يدع أحد أنها ~~له، لكن قد يوجد في السماوات أو في الأرض أشياء يدعي ملكيتها المخلوقون، ~~فإذا ما نظرنا إلى خيرات الأرض فإننا نجدها مملوكة في بعض الأحيان لأناس ~~بما ملكهم الله، والبشر الذين صعدوا إلى السماء وأداروا في جوها ما ~~أداروا من أقمار صناعية ومراكب فضائية فمن الممكن أن يعلنوا ملكيتهم لهذه ~~الأقمار وتلك المراكب. ويلفتنا الحق سبحانه هنا بقوله: { لله ما في ~~السماوات وما في الأرض } [البقرة: 284] وهو يوضح لنا: إنه إن ~~كان في ظاهر الأمر أن الله قد أعطى ملكية السببية لخلقه فهو لم يعط هذه ~~الملكية إلا عرضا يؤخذ منهم، فإما أن يزولوا عنه فيموتوا، وإما أن ~~يزول عنهم فيؤخذ منهم عن بيع أو هبة أو غصب أو نهب. وكلمة " لله " تفيد ~~الاختصاص، وتفيد القصر، فكل ما في الوجود أمره إلى الله، ولا يدعي أحد ~~بسببية ما آتاه الله أنه يملك شيئا لماذا؟ لأن المالك من البشر لا يملك ~~نفسه أن يدوم. نحن لم نر واحدا لم تنله الأغيار، وما دامت الأغيار تنال ~~كل إنسان فعلينا أن نعلم أن الله يريد من خلقه أن يتعاطفوا، وأن ~~يتكاملوا، ويريد الله من خلقه أن يتعاونوا، والحق لا يفعل ذلك لأن الأمر ~~خرج من يده - والعياذ بالله - لا، إن الله يبلغنا: أنا لي ما في السماوات ~~وما في الأرض، وأستطيع أن أجعل المسألة دولا بين الناس. ولذلك نقول ~~للذين يصلون إلى المرتبة العالية في الغنى، أو الجاه، أو أي مجال، ~~لهؤلاء نقول: احذر حين تتم لك النعمة، لماذا؟ لأن النعمة إن تمت لك علوا ~~وغنى وعافية وأولادا، أنت من الأغيار، وما دامت قد تمت وصارت إلى ~~النهاية وأنت لا شك من الأغيار، فإن النعمة تتغير إلى الأقل. فإذا ما صعد ~~إنسان إلى القمة وهو متغير فلا بد له أن ينزل عن هذه القمة، ولذا يقول ~~الشاعر: # إذا تم شيء بدا نقصه # ترقب زوالا إذا قيل تم # والتاريخ يحمل لنا قصة المرأة العربية التي دخلت على الخليفة ms0923 وقالت له: ~~أتم الله عليك نعمته. وسمعها الجالسون حول الخليفة ففرحوا، وأعلنوا ~~سرورهم، لكن الخليفة قال لهم: والله ما فهمتم ما تقول، إنها تقول: أتم ~~الله عليك نعمته، فإنها إن تمت تزول لأن الأغيار تلاحق الخلق. وهكذا فهم ~~الخليفة مقصد المرأة. والشاعر يقول: # نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة # فكيف آسى على شيء لها ذهبا # إن النفس المالكة هي نفسها ذاهبة فكيف يحزن على شيء له ضاع منه؟ والحق ~~سبحانه يطلب منا أن نكون دائما على ذكر من قضية واضحة هي: أن الكون كله ~~لله، والبشر جميعا بذواتهم ونفوسهم وما ظهر منها وما بطن لا يخفى على ~~الله، والحق سبحانه لا يحاسبنا على مقتضى ما علم فحسب، بل يحاسبنا على ما ~~تم تسجيله علينا. إن كل إنسان يقرأ كتابه بنفسه.. فسبحانه يقول: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ ~~كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 13-14]. والحساب معناه أن للإنسان رصيدا، وعليه أيضا رصيد. ~~والحق سبحانه وتعالى يفسر لنا له وعليه بالميزان كما نعرف في موازين ~~الأشياء عندنا وهو سبحانه يقول: # والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه ~~فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا ~~بآياتنا يظلمون # [الأعراف: 8-9]. إن حساب الحق دقيق عادل، فالذين ثقلت كفة أعمالهم ~~الحسنة هم الذين يفوزون بالفردوس، والذين باعوا أنفسهم للشيطان وهوى ~~النفس تثقل كفة أعمالهم السيئة، فصاروا من أصحاب النار. إذن نحن أمام ~~نوعين من البشر، هؤلاء الذين ثقلت كفة الخير في ميزان الحساب، وهؤلاء ~~الذين ثقلت كفة السيئات والشرور في ميزان الحساب. فماذا عن الذين تساوت ~~الكفتان في أعمالهم. استوت حسناتهم مع سيئاتهم؟ إنهم أصحاب الأعراف، ~~الذين ينالون المغفرة من الله لأن مغفرة الله وهو الرحمن الرحيم قد سبقت ~~غضبه جل وعلا. ولو لم يجيء أمر أصحاب الأعراف في القرآن لقال واحد: لقد ~~قال الله لنا خبر الذين ثقلت موازينهم، وأخبار الذين خفت موازين الخير ~~عندهم، ولم يقل لنا خبر الذين ms0924 تساوت شرورهم مع حسناتهم. لكن الحليم ~~الخبير قد أوضح لنا خبر كل أمر وأوضح لنا أن المغفرة تسبق الغضب عنده، ~~لذلك فالحساب لا يكتفي الحق فيه بالعلم فقط، ولكن بالتسجيل الواضح ~~الدقيق، لذلك يطمئننا الحق سبحانه فيقول: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا ~~رحيما # [الفرقان: 70]. إن الحق يطمئننا على أن ما نصنعه من خير نجده في كفة ~~الميزان، ويطمئننا أيضا على أنه - سبحانه - سيجازينا على ما أصابنا من ~~شر الأشرار وأننا سنأخذ من حسناتهم لتضاف إلى ميزاننا، إذن فالطمأنينة ~~جاءت من طرفين: طمأننا الحق على ما فعلناه من خير، فلا ينسى أنه يدخل في ~~حسابنا، وطمأننا أيضا على ما أصابنا من شر الأشرار وسيأخذ الحق من ~~حسناتهم ليضيفها لنا. ونحن نجد في الكون كثيرا من الناس قد يحبهم الله ~~لخصلة من خصال الخير فيهم، وقد تكون هذه الخصلة الخيرة خفية فلا يراها ~~أحد، لكن الله الذي لا تخفى عليه خافية يرى هذه الخصلة في الإنسان، ويحبه ~~الله من أجلها، ويرى الحق أن حسنات هذا الرجل قليلة، فيجعل بعض الخلق ~~يصيبون هذا الرجل بشرورهم وسيئاتهم حتى يأخذ من حسنات هؤلاء ليزيد في ~~حسنات هذا الرجل. # ومعنى { تبدوا ما في أنفسكم } [البقرة: 284] أي تصيروا ~~الوجدانيات إلى نزوعيات عملية، ولكن هل معنى { أو تخفوه } [البقرة: ~~284] هو ألا تصيروا الوجدانيات النفسية إلى نزوعيات عملية؟ لا، فليس لكل ~~شيء نزوع عملي، ومثال ذلك الحب إن الإنسان قد يحب، ولا يجد القدرة على ~~النزوع ليعلن بهذا النزوع أنه محترق في حبه، وكذلك الذي يحقد قد لا يجد ~~القدرة على النزوع ليعلن بهذا النزوع عن حقده، إذن فهناك أعمال تستقر في ~~القلوب، فهل يؤاخذ الله بما استقر في النفوس؟ إن هذه المسألة تحتاج إلى ~~دقة بالغة لأننا وجدنا بعضا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~وقفوا فيها موقفا أبكى بعضهم، هذا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حينما ~~سمع هذه الآية قال: لئن آخذنا ms0925 الله على ما أخفينا في نفوسنا لنهلكن. وبكى ~~حتى سمع نشيجه بالبكاء. وبلغ ذلك الأمر ابن عباس فقال: يرحم الله أبا ~~عبد الرحمن لقد وجد إخوانه المسلمون مثلما وجد من هذه الآية. فأنزل الله ~~بعدها # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] إلى آخر السورة. ولنعلم أن نوازع النفس كثيرة فهناك شيء ~~اسمه " هاجس " وهناك شيء آخر اسمه " خاطر " وهناك ما يسمى " حديث نفس " ، ~~وهناك " هم " وهناك " عزم " ، إنها خمس حالات، والأربع الأولى من هذه ~~الحالات ليس فيها شيء، إنما الأخيرة التي يكون فيها القصد واضحا يجب أن ~~نتنبه لها ولنتناول كل حالة بالتفصيل. إن الهاجس هو الخطرة التي تخطر ~~دفعة واحدة، أما الخاطر فهو يخطر.. أي يسير في النفس قليلا، وأما حديث ~~النفس فإن النفس تظل تتردد فيه، وأما الهم فهو استجماع الوسائل، وسؤال ~~النفس عن كل الوسائل التي ينفذ بها الإنسان رغباته، أما العزم القصد فهو ~~الوصول إلى النهاية والبدء في تنفيذ الأمر. والقصد هو الذي يعني به قوله ~~تعالى: { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله } [البقرة: 284] وقد وجدنا كثيرا من العلماء ~~قد وقفوا عند هذا القول وتساءل بعض من العلماء: هل الآية التي جاءت بعد ~~ذلك والتي يقول فيها: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] هل هي نسخ للآية السابقة عليها؟ ولكن نحن نعرف أن الآية ~~هي خبر، والأخبار لا تنسخ إنما الأحكام هي التي يتم نسخها، وعلى ذلك يكون ~~القصد والعزم على تنفيذ الأمر هو المعنى بقوله الحق: { وإن تبدوا ~~ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } ~~[البقرة: 284] فهذا هو الذي يحاسبنا الله عليه. # وعندما يقول الحق سبحانه: { فيغفر لمن يشآء } [البقرة: 284] ~~فمن هم؟ لقد بين الله من يشاء المغفرة لهم، إنهم الذين تابوا، وهم الذين ~~أنابوا إلى الله، هم الذين قال فيهم الحق: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا ~~رحيما # [الفرقان: 70]. وتبديل المغفرة حسنة مسألة يجب أن يقف عندها الإنسان ms0926 ~~المكلف من الله وقفة ليرى فضل الله، لأن الذي صنع سيئة ثم آلمته، فكما ~~آلمته السيئة التي ارتكبها وحزن منها، فإن الله يكتب له حسنة. ولكن الذي ~~لم يصنع سيئة لا تفزعه هذه، وبعض العارفين يقول: رب معصية أورثت ذلا ~~وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا. إنك لتجد الخير الشائع ~~في الوجود كله ربما كان من أصحاب الإسراف على أنفسهم في شيء ما قد ~~اقترفوه وتابوا عنه ولكنه لا يزال يؤرقهم. يكون الواحد منهم قويا في كل ~~شيء، إلا أنه ضعيف أمام مسألة واحدة، وضعفه أمام هذه المسألة الواحدة ~~جعله يعصي الله بها وهو يحاول جاهدا في النواحي التي ليس ضعيفا فيها أن ~~يزيد كثيرا في حسناته، حتى يمحو ويذهب الله هذه بهذه. فالخير الشائع في ~~الوجود ربما كان من أصحاب السيئات الذين أسرفوا على أنفسهم في ناحية من ~~النواحي، فيشاء الله سبحانه وتعالى أن يجعلهم متجهين إلى نواح من الخير ~~قائلين: ربما هذه تحمل تلك. لكن الذي يظل رتيبا هكذا لا تلذعه معصية ~~ربما تظل المسائل فاترة في نفسه. ولذلك يجب أن ننظر إلى الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا في زاوية واحدة، ولكن في زوايا متعددة، ونتأدب أمامهم وندعو ~~الله أن يعفيهم مما نعرفه عنهم، وأن يبارك لهم فيما قدموه ليزيل الله ~~عنهم أوزار ما فعلوا. وبعض العلماء يرى في قوله الحق: { فيغفر لمن ~~يشآء ويعذب من يشآء } [البقرة: 284] أن الله قد جعل المغفرة ~~أمرا متعلقا بالعابد لله، فإن شئت أن يغفر الله لك فأكثر من الحسنات ~~حتى يبدل الله سيئاتك إلى حسنات. وإن شئت أن تعذب - وهذا أمر لا يشاؤه ~~أحد - فلا تصنع الحسنات. وهذه المسألة تجعلنا نعرف أن الحق سبحانه وتعالى ~~حين يطلب منا الإيمان به فإنه يملكنا الزمام. وبمجرد إيماننا به فنحن ~~نتلقى منه زمام الاختيار، والدليل واضح في الحديث القدسي: عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله - عز وجل ~~-: # " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا ms0927 معه حين يذكرني. إن ذكرني في نفسه ذكرته في ~~نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم وان تقرب مني شبرا ~~تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلى ذراعا، تقربت منه باعا، وإن أتاني ~~يمشي أتيته هرولة ". # إذن فبمجرد إيمانك ملكك الله الزمام، فإن أردت أن يتقرب الله إليك ~~ذراعا، فتقرب أنت إليه شبرا، فالزمام في يدك. وإن شئت أن يتقرب الله ~~منك باعا، فتقرب أنت ذراعا. وإن شئت أنت أن يأتي ربك إليك مهرولا - ~~جريا - فأت إليه مشيا. فبمجرد أن يراك الله وأنت تقبل وتتجه إليه، كأنه ~~يقول لك: لا.. استرح أنت، أنا الذي آتي إليك. ولذلك قلنا من قبل في مسألة ~~الصلاة حين تؤمن - أيها العبد - بالله وبعد ذلك ينادي المؤذن للصلاة، ~~فتذهب أنت إلى الصلاة، صحيح أنت تذهب إلى الصلاة المفروضة، لكن هل منعك ~~الله أن تقف بين يديه في أية لحظة؟. لقد طلب الله منك أن تحضر بين يديه ~~خمس مرات في اليوم، وبعد ذلك ترك الباب مفتوحا لك - أيها المؤمن - فالله ~~لا يمل حتى يمل العبد. والإنسان في حياته العادية - ولله المثل الأعلى - ~~إذا أراد أن يقابل عظيما من العظماء فإن الإنسان يطلب الميعاد، فإما أن ~~يقبل العظيم من البشر لقاء من يطلب الميعاد أو يرفض. وإذا قبل العظيم من ~~البشر لقاء من يطلب الميعاد، فإن العظيم من البشر يحدد الزمن، ويحدد ~~المكان، وربما طلب العظيم من البشر أن يعرف سبب وموضوع المقابلة. لكن ~~الله يترك الباب مفتوحا أمام العبد المؤمن، يلقى الله عنده في أي شيء، ~~وفي أي وقت، وفي أي مكان، وفي أي زمان. # حسب نفسي عزا بأني عبد # يحتفي بي بلا مواعيد رب # هو في قدسه الأعز ولكن # أنا ألقى متى وأين أحب # الزمام إذن في يد من؟. إن الزمام في يد العبد المؤمن. لذلك فالذين قالوا ~~في فهم { فيغفر لمن يشآء } [البقرة: 284] إن البشر في أيديهم ~~أمر المغفرة لهم، فإن شاء البشر أن يغفر الله لهم فإنهم يفعلون أسباب ms0928 ~~المغفرة، ويتوبون إلى الله، ويكثرون من الحسنات، ومن يريد أن يتعذب فليظل ~~سادرا في غيه في فعل السيئات. ثم بعد ذلك يقول الله عز وجل: { آمن ~~الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون... }. ### || [2.285] # عندما نتأمل هذه الآية الكريمة نجد أن الإيمان الأول بالله كان من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم: { آمن الرسول بمآ أنزل إليه ~~من ربه } [البقرة: 285]. وبعد ذلك يأتي إيمان الذين بلغهم الرسول ~~بالدعوة { والمؤمنون } [البقرة: 285]. وبعد ذلك يمتزج إيمان ~~الرسول بإيمان المؤمنين { كل آمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ~~وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك ~~المصير } [البقرة: 285]. أي أن كلا من الرسول والمؤمنين آمنوا بالله. ~~إن الإيمان الأول هو إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان أيضا من ~~المؤمنين بالرسالة التي جاء بها الرسول بناء على توزيع الفاعل في " آمن ~~" بين الرسول والمؤمنين. وبعد ذلك يجمعهما الله - الرسول والمؤمنين - في ~~إيمان واحد، وهذا أمر طبيعي، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم آمن بالله ~~أولا، وبعد ذلك بلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم وآمنا بالله وبه ثم ~~امتزج الإيمان فصار إيماننا هو إيمان الرسول وإيمان الرسول هو إيماننا، ~~وهذا ما يوضحه القول الحق: { كل آمن بالله } [البقرة: 285]. إذن ~~فالرسول في مرحلته الأولى سبق بالإيمان بالله، والرسول مطلوب منه حتى حين ~~يؤمن بالله أن يؤمن بأنه رسول الله، ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم: ~~أشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكان الرسول إذا ما أعجبه ~~أمر في سيرته ذاتها يقول: أشهد أني رسول الله.. إنه يقولها بفرحة. ومثال ~~ذلك ما روي # " عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: " كان بالمدينة يهودي وكان ~~يسلفني في تمري إلى الجذاذ، وكان لجابر الأرض التي بطريق رومة فجلست فخلا ~~عاما فجاءني اليهودي عند الجذاذ ولم أجذ منها شيئا فجعلت أستنظره إلى ~~قابل " أي أطلب منه أن يمهلني إلى عام ثان " فيأبى فأخبر بذلك النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال لأصحابه: امشوا ms0929 نستنظر لجابر من اليهودي فجاءوني في ~~نخلي، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم يكلم اليهودي فيقول اليهودي أبا ~~القاسم، لا أنظره فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قام فطاف في النخل ~~ثم جاءه فكلمه فأبى، فجئت بقليل رطب فوضعته بين يدي النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأكل ثم قال: أين عريشك يا جابر فأخبرته، فقال: افرش لي فيه ففرشته، ~~فدخل فرقد ثم استيقظ فجئته بقبضة أخرى فأكل منها، ثم قام فكلم اليهودي ~~فأبى عليه، فقام في الرطاب في النخل الثانية ثم قال يا جابر، جذ واقض ~~فوقف في الجذاذ فجذذت منها ما قضيته، وفضل منه فخرجت حتى جئت النبي ~~صلى الله عليه وسلم فبشرته فقال: أشهد أني رسول الله ". # والحق سبحانه وتعالى يشهد أن لا إله إلا هو: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم # [آل عمران: 18]. إذن فالله يشهد أن لا إله إلا هو، ورسول الله يشهد أن ~~لا إله إلا الله، ويشهد أيضا أنه رسول الله، يبلغ ذلك للمؤمنين فيكتمل ~~التكوين الإيماني، ولذلك يقول الحق عن ذلك: { كل آمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله } [البقرة: 285]. والحق يأتي ب " ~~كل " بالتنوين أي كل من الرسول والمؤمنين. ويورد لنا سبحانه عناصر ~~الإيمان: { كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا ~~وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } [البقرة: ~~285]. ونحن نعرف أن الإيمان بالله وكل ما يتعلق بالإيمان لابد أن يكون ~~غيبا فلا يوجد إيمان بمحس أبدا. فالأشياء المحسة لا يدخلها إيمان لأنها ~~مشهودة. وعناصر الإيمان في هذه الآية هي: إيمان بالله وهو غيب. وإيمان ~~بالملائكة وهي غيب من خلق الله، ولو لم يبلغنا الله أن له خلقا هم ~~الملائكة لما عرفنا، إن الحق أخبرنا أنه خلق الملائكة وهم لا يعصون الله ~~ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهم غيب، ولولا ذلك لما عرفنا أمر الملائكة، ~~وإيمان بالكتب والرسل. وقد يقول قائل: هل الرسل غيب؟ وهل الكتب ms0930 السماوية ~~غيب؟ إن الرسل بشر، والكتب مشهودة. ولمثل هذا القائل نقول: لا، لا يوجد ~~واحد منا قد رأى الكتاب ينزل على الرسول، وهذا يعني أن عملية الوحي ~~للرسول بالكتاب هي غيب يعلمه الله ويؤمن به المؤمنون. وكيف نؤمن بكل ~~الرسل ولا نفرق بين أحد منهم؟. ونقول: إن الرسل المبلغين عن الله إنما ~~يبلغون منهجا عن الله فيه العقائد التي تختلف باختلاف العصور، وفيه ~~الأحكام التي تختلف باختلاف العصور ومواقع القضايا فيها. إذن فالأصل ~~العقدي في كل الرسالات أمر واحد، ولكن المطلوب في حركة الحياة يختلف لأن ~~أقضية الحياة تختلف، وحين تختلف أقضية الحياة فإن الحق سبحانه ينزل ~~التشريع المناسب، لكن الأصل واحد والبلاغ من خالق لا إله إلا هو، ولذلك ~~يأتي القول الحكيم: { لا نفرق بين أحد من رسله } ~~[البقرة: 285] فنحن لا نفرق بين الرسل في أنهم يبلغون عن الله ما تتفق ~~فيه مناهج التبليغ من ناحية الاعتقاد، وما تختلف من ناحية الأحكام التي ~~تناسب أقضية كل عصر. وبعد ذلك يقول الحق { وقالوا سمعنا ~~وأطعنا } [البقرة: 285] إذن السماع هو بلوغ الدعوة والطاعة هي ~~انفعال بالمطلوب، وأن يمتثل المؤمن أمرا ويمتثل المؤمن نهيا في كل أمر ~~يتعلق بحركة الكون. فالذين يريدون أن يعزلوا الدين عن حركة الحياة ~~يقولون: إن الدين يهتم بالعبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج. # وبعد ذلك يحاولون عزل حركة الحياة عن الدين. لهؤلاء نقول: أنتم تتكلمون ~~عما بلغكم من دين لم يجئ لينظم حركة الحياة، وإنما جاء ليعطي الجرعة ~~المفقودة عند اليهود وهي الجرعة الروحية، لكن الدين الإسلامي جاء خاتما ~~للأديان منظما لحركة الحياة، فكل أمر في الحياة وكل حركة فيها داخلة في ~~حدود الطاعة. ونحن حين نقرأ القرآن الكريم، نجد القول الحكيم: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون # [الجمعة: 9]. إذن الحق سبحانه يأمر المؤمنين ويخرجهم من حركة من حركات ~~الحياة إلى حركة أخرى، فهو لم يأخذهم من فراغ، إنما ناداهم لإعلان الولاء ~~الجماعي، ms0931 وهو إعلان من كل مؤمن بالعبودية لله أمام بقية المخلوقات. وبعد ~~أن يقضي المؤمنون الصلاة ماذا يقول لهم الحق سبحانه؟ يقول لهم: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون # [الجمعة: 10]. إذن، فالانتشار في الأرض هو حركة في الحياة، تماما كما ~~كان النداء إلى السعي لذكر الله. وهكذا تكون كل حركة في الحياة داخلة في ~~إطار الطاعة، إذن " سمعنا وأطعنا " أي سمعنا كل المنهج، ولكن نحن حين ~~نسمع المنهج، وحين نطيع فهل لنا قدرة على أن نطيع كل المنهج أو أن لنا ~~هفوات؟ ولأن أحدا لن يتم كل الطاعة ولنا هفوات جاء قوله الحق: { ~~غفرانك ربنا وإليك المصير } [البقرة: 285] فالغاية ~~والنهاية كلها عائدة إليك، وأنت الإله الحق، لذلك فنحن العباد نطلب منك ~~المغفرة حتى نلقاك، ونحن آمنون على أن رحمتك سبقت غضبك. ويقول الحق: { ~~لا يكلف الله نفسا إلا وسعها... }. ### || [2.286] # { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } [البقرة: 286] إنه ~~سبحانه لم يكلفكم إلا ما هو في الوسع. لماذا؟ لأن الأحداث بالنسبة لعزم ~~النفس البشرية ثلاثة أقسام: القسم الأول: هو ما لا قدرة لنا عليه، وهذا ~~بعيد عن التكليف. القسم الثاني: لنا قدرة عليه لكن بمشقة أي يجهد طاقتنا ~~قليلا. القسم الثالث: التكليف بالوسع. إذن { لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها } [البقرة: 286] أي أن الحق لا يكلف النفس إلا ~~بتكليف تكون فيه طاقتها أوسع من التكليف، كلف الحق كل مسلم بالصلاة خمسة ~~فروض كل يوم، وتملأ أوقاتها بالصلاة وكان من الممكن أن تكون عشرة، بدليل ~~أن هناك أناسا يتطوعون وهو سبحانه كلف كل مسلم بالصوم شهرا، ألا يوجد ~~من يصوم ثلاثة أشهر؟ ومثل هذا في الزكاة فهناك من كان يخرج عن ماله كله ~~لله، ولا يقتصر على ما يجب عليه من زكاة. إذن فهذا في الوسع، ومن الممكن ~~أن تزيد، إذن فالأشياء ثلاثة: شيء لا يدخل في القدرة فلا تكليف به، شيء ~~يدخل في القدرة بشيء من التعب، وشيء في الوسع، والحق حين كلف، ms0932 كلف ما في ~~الوسع. وما دام كلف ما في الوسع فإن تطوعت أنت بأمر زائد فهذا موضوع آخر # فمن تطوع خيرا فهو خير له # [البقرة: 184] ما دمت تتطوع من جنس ما فرض. إذن فالتكليف في الوسع وإلا ~~لو لم يكن في الوسع لما تطوعت بالزيادة. فسبحانه يقول: { لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها } [البقرة: 286] ويأتي بعد ذلك ليعلمنا ~~فيقول: { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا ~~طاقة لنا به } [البقرة: 286]، وهو القائل: { لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها } [البقرة: 286] إذن - سبحانه - يكلفنا ~~بما نقدر عليه ونطيقه. فقد روي أن الله حينما سمع رسوله وسمع المؤمنين ~~يقولون: { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته ~~على الذين من قبلنا } [البقرة: 286] قال سبحانه: قد فعلت. ~~وعندما قالوا: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ~~} [البقرة: 286] قال سبحانه: قد فعلت. ولم يكلفنا سبحانه إلا بما في ~~الوسع، وهو القدر المشترك عند كل المؤمنين. وهناك أناس تكون همتهم أوسع ~~من همة غيرهم، ومن تتسع همته فإنه يدخل بالعبادات التي يزيد منها في باب ~~التطوع، ومن لا تتسع همته فهو يؤدي الفروض المطلوبة منه فقط وعندما يطرأ ~~على الإنسان ما يجعل الحكم في غير الوسع فإن الله يخفف التكليف فالمسافر ~~تقول له الشريعة: أنت تخرج عن حياتك الرتيبة، وتذهب إلى أماكن ليس لك بها ~~مستقر، لذلك يخفف الحق عليك التكليف فلك أن تفطر في نهار رمضان، ولك أن ~~تقصر الصلاة. # والحق سبحانه يعلم أن الوسع قد يضيق. لذلك فإنه - جل شأنه - يخفف حكم ~~التكليف ويمنح الرخص عند ضيق الوسع، ومثال ذلك قوله الحق: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن ~~يكن منكم مأئة صابرة يغلبوا مائتين.. # [الأنفال: 66]. كانت النسبة في القتال قبل هذه الآية هي واحدا لعشرة، ~~وخففها الحق وجعلها واحدا إلى اثنين لأن هناك ضعفا، وهكذا نرى أنه ~~سبحانه سيخفف التكليف إذا ما زاد عن الوسع. وكثير من الناس يخطئون ~~التفسير فيقولون عن ms0933 بعض التكاليف: إنها فوق وسعهم ولهؤلاء نقول: لا. لا ~~تحدد أنت الوسع، ثم تقيس التكليف عليه، بل انظر هل كلفك أو لم يكلفك؟ ~~فإذا كان قد كلفك الحق فاحكم بأنه كلفك بما في الوسع، وكل تكاليف الرحمن ~~تدخل في الوسع { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ~~ما كسبت وعليها ما اكتسبت } [البقرة: 286]. و " لها " ~~تفيد الملكية والاختصاص وهي ما تفيد وتكسب النفس ثوابا، و " عليها ~~" تفيد الوزر، ونلاحظ أن كل " لها " جاءت مع " كسبت " ، وكل " عليها " ~~جاءت مع " اكتسبت " إلا في آية واحدة يقول فيها الحق: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # [البقرة: 81]. وهنا وقفة في الأسلوب لأن " كسب " تعني أن هناك فرقا في ~~المعالجة الفعلية الحدثية بينها وبين كلمة " اكتسبت " ، لأن " اكتسب " ~~فيها " افتعل " أي تكلف، وقام بفعل أخذ منه علاجا، أما " كسب " فهو أمر ~~طبيعي إذن ف " كسب " غير " اكتسب " وكل أفعال الخير تأتي كسبا لا ~~اكتسابا. مثال ذلك عندما ينظر الرجل إلى زوجته، ويرى جمالها، فهل هو ~~يفتعل شيئا، أو أن ذلك أمر طبيعي؟ إنه أمر طبيعي، ولكن عندما ينظر الرجل ~~إلى غير محارمه فإنه يرقب هل يرى أحد النظرة؟ وهل رآه أحد من الناس؟ وهل ~~سينال سخرية واستهزاء على ذلك الفعل أو لا؟ لماذا؟ لأنه ارتكب عملا ~~مفتعلا. مثال آخر، إنسان يأكل من ماله، أو من مال أبيه، إنه يأكل كأمر ~~طبيعي، أما من يدخل بستانا ويريد أن يسرق منه فهو يتكلف ذلك الفعل، ~~ويريد أن يستر نفسه، فصاحب الشر يفتعل، أما صاحب الخير فإن أفعاله سهلة ~~لا افتعال فيها.. فالشر هو الذي يحتاج إلى افتعال. والمصيبة الكبرى ألا ~~يحتاج الشر إلى افتعال لأن صاحبه يصير إلى بلادة الحس الإيماني، وتكون ~~الشرور بالنسبة إليه سهلة لأنه تعود عليها كثيرا، ويقول الحق: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته # [البقرة: 81] إن الخطيئة تحيط به من كل ناحية، ولم يعد هناك منفذ، وهو ~~لا يفتعل حتى صارت له ملكة في ms0934 الشر فاللص مثلا في بداية عمله يخاف ~~ويترقب، لكن عندما تصبح اللصوصية مهنته فإنه يحمل أدوات السرقة ويصير حسه ~~متبلدا. # ففي المرحلة الأولى من الشر يكون أهل الشر في حياء من فعل الشر، وذلك ~~دليل على أن ضمائرهم وقلوبهم ما زال فيها بعض من خير، لكن عندما يعتبرون ~~الشر حرفة وملكة فهنا المصيبة، وتحيط بكل منهم خطيئته وتطوقه ولا تجعل له ~~منفذا إلى الله ليتوب. فالذي يلعب الميسر، أو طوقته خطيئة الفحش قد يقول ~~فرحا: " كانت سهرة الأمس رائعة " ، أما الذي يرتكب الخطأ لأول مرة فإنه ~~يقول: " كانت ليلة سوداء يا ليتها ما حدثت " ، ويظل يؤنب نفسه ويلومها ~~لأنه تعب وأرهق نفسه لأنه ارتكب الخطأ. إذن فقول الحق: { لها ما ~~كسبت وعليها ما اكتسبت } [البقرة: 286] يوضح لنا أن فعل ~~الشر هو الذي يحتاج إلى مجهود، فإن انتقلت المسألة من اكتسبت إلى كسبت ~~فهذه هي الطامة الكبرى، ويكون قد أحاطت به خطيئته. ويكون على كل نفس ما ~~اكتسبت. والعاقل هو من يكثر ما لنفسه، لا ما عليها لأن الذي يقول ذلك هو ~~الحق العالم المالك الذي إليه المصير، فليس من هذا الأمر فكاك. وبعد ذلك ~~يقول الحق على لسان عباده المؤمنين: { ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينآ أو أخطأنا } [البقرة: 286]، ولقائل أن يقول: إن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم طمأننا، فقال: # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ". # فكيف يأتي القرآن بشيء مرفوع عن الأمة الإسلامية ليدعو به الناس ربهم ~~ليرفعه عنهم؟. على مثل هذا القائل نرد: هل قال لك أحد: إن رفع الخطأ ~~والنسيان والاستكراه كان من أول الأمر؟. لعل الرفع حدث بعد أن دعا الرسول ~~والسابقون من المؤمنين، فما دام قد رفع - بضم الراء وكسر الفاء وفتح ~~العين - فمعنى ذلك أنه كان موجودا، إذن فلا يقولن أحد: كيف تدعو بشيء ~~غير موجود. أو أن ذلك يدل على منتهى الصفاء الإيماني، أي الله يجب ألا ~~يعصى إلا خطأ أو نسيانا، وأن الله لا يصح ولا يستقيم أن يعصى قصدا ~~لأن ms0935 الذي يعرف قدر الله حقا، لا يليق منه أن يعصي الله إلا نسيانا أو ~~خطأ لأن الخالق هو المنعم بكل النعم، وبعد ذلك كلفنا، وكان يجب ألا نقصد ~~المعصية. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى قد سمى ما حدث من آدم معصية مع أنه ~~يقول: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه: 115]. وسمى الله النسيان في قصة آدم معصية: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121] فكان النسيان أولا معصية، ولكن الله أكرم أمة محمد، فرفع ~~عنها النسيان. # وفي مسألة آدم هناك ملحظ يجب على المؤمن أن يتنبه إليه فآدم خلق بيد ~~الله، ونحن مخلوقون بقانون التكاثر، وآدم تلقى التكليف من الله مباشرة ~~وليس بواسطة رسول، وكلف بأمر واحد وهو ألا يأكل من الشجرة. فإذا كان ~~آدم مخلوقا من الله مباشرة ومكلفا من الله مباشرة، ولم يكلف إلا بأمر ~~واحد وهو ألا يقرب هذه الشجرة، ولم تكن هناك تكاليف كثيرة فماذا نسى؟ ~~وماذا تذكر؟ إنها معصية إذن. لقد كان النسيان بالنسبة لآدم معصية لأنه ~~مخلوق بيد الله. # قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي.. # [ص: 75]. لذلك فلم يكن من المناسب أن ينسى هذا التكليف الواحد، وما كان ~~يصح له أن ينسى، ولعل سيدنا آدم نسي لحكمة يعلمها الله ربما ~~تكون ليعمر الأرض التي جعله الله خليفة فيها أما بالنسبة لأمة محمد ~~فحينما نقول: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو ~~أخطأنا } [البقرة: 286] فكأننا يا رب نقدرك، حق قدرك، ولا نجترئ على ~~عصيانك عمدا، وإن عصينا فإنما يكون العصيان نسيانا أو خطأ، وهذه معرفة ~~لقدر الحق سبحانه وتعالى. ولكن ما النسيان؟ وما الخطأ؟ أولا فيه " ~~أخطأ " وفيه " خطئ " و " الخطء " لا يكون إلا إثما لأنه تعمد ما ~~لا ينبغي، فأنت تعلم قاعدة وتخطئ، والذي أخطأ قد لا يعرف القاعدة، فأنت ~~تصوب له خطأه لأنه حاد عن الصواب. ومثال ذلك: عندما تتعلم في المدرسة أن ~~الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، وفي وسط السنة يصححون لك القاعدة حتى ~~تستقر في ذهنك، إنما ms0936 في أيام الامتحان أيصحح لك المدرس أم يؤاخذك؟ إنه ~~يؤاخذك لأنك درست طوال السنة هذه القاعدة، إذن ففيه خطئ وفيه أخطأ، ~~فأخطأ مرة تأتي عن غير قصد لأنه لا توجد قاعدة أنا خالفتها، أو لم أعرف ~~القاعدة وإنما نطقت خطأ لأنهم لم يقولوا لي، أو قالوا لي مرة ولم أتذكر، ~~أي لم تستقر المسألة كملكة في نفسي لأن التلميذ يخطئ في الفاعل والمفعول ~~مدة طويلة، وبعد ذلك ينضج وتصير اللغة ملكة في نفسه إن كان مواظبا على ~~صيانتها. كان التلميذ في البداية يقول: قطع محمد الغصن، ولا يقولها ~~مشكلة ولكن يسكن الآخر في نهاية نطقه لاسم محمد، وساعة يتذكر ~~القاعدة ينطقها " محمد " بالرفع وينطق " الغصن " بالنصب لماذا؟ لأنه ترد ~~ثلاث قواعد على ذهنه، هذه فاعل والفاعل حكمة الرفع، فهي مرفوعة، فهو يمر ~~بقضية عقلية، لكن بعدما يمر عليها يقرأها صحيحة وقد لا يتذكر القاعدة، ~~فقد صارت المسألة ملكة لغوية عنده، هذه الملكة اللغوية مثلما نقول: " ~~صارت آلية ". ومثال ذلك الصبي الذي يتعلم الخياطة، انظر كم من الوقت يمر ~~ليتعلم كيف يمسك بخيط ليدخله في سم الإبرة، وقد يضربه معلمه أكثر من مرة ~~ليتعلمها وفتلة الخيط تنثني منه لأنها طويلة فيقصرها ثم لا تدخل في العين ~~فيبرمها لتدخل، إنه يأخذ وقتا كثيرا ثم يعمل الغرزة فتخرج غير منتظمة ~~وبعد ذلك يظل مدة، ثم يفعل كل هذه الأعمال بتلقائية وهو يتكلم مع غيره ~~لأن هذه الأعمال صارت ملكة ذاتية أي عملا آليا. # والتدريب على العمل الذهني - حسب قواعد محددة مثل تعلم اللغة - نسميه ~~ملكة. أما التدريب على عمل الجوارح - مثل إدخال الخيط في سم الإبرة - ~~نسميه آلية. وعلى سبيل المثال في العمل الذهني عندما تسأل سؤالا في ~~الفقه لطالب في الأزهر فإنه يحتار قليلا إلى أن يتعرف على الباب الذي ~~فيه إجابة للسؤال، أما إذا سألت السؤال نفسه لعالم مدرب فبمجرد أن توجه ~~له السؤال فإنه يقول لك الحكم والباب الذي فيه هذا الحكم، لقد صار الفقة ~~بالنسبة للعالم ملكة. ويقول الحق ms0937 من بعد ذلك: { ربنا ولا تحمل ~~علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } ~~[البقرة: 286] والإصر هو الشيء الثقيل الذي يثقل على الإنسان، ومثال ذلك ~~الإصر الذي نزل على اليهود " إن أردتم التوبة فاقتلوا أنفسكم أو تصدقوا ~~أو زكوا بربع أموالكم " لكن الله لم يعاملنا كما عامل الأمم السابقة ~~علينا، وعندما نقول: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به } [البقرة: 286] فنحن نصدق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: " قال الله نعم " ومعنى قال الله نعم أنه سبحانه وتعالى أجاب الدعاء ~~برفع المشقة عن الأمة. أي أن الله لن يحملنا ما لا طاقة لنا به. وعندما ~~نقول: { واعف عنا } [البقرة: 286] فنحن نتوجه إلى الله ضارعين: أنت ~~يا حق تعلم أننا مهما أوتينا من اليقظة الإيمانية والحرص الورعي فلن ~~نستطيع أن نؤدي حقك كاملا، ولذلك لا ندخل عليك إلا من باب أن تعفو عنا. ~~ومعنى العفو محو الأثر، كالسائر في الصحراء تترك قدماه علامة، وتأتي ~~الريح لتزيل هذا الأثر. كأن هناك ذنبا والذنب له أثر، وأنت تطلب من الله ~~أن يمحوا الذنب. وعندما تقول: { واغفر لنا } [البقرة: 286] فأنت ~~تعرف أن من مظاهر التكوين البشري النية التي تريد أن تحول العزم إلى حيز ~~السلوك والانفعال النزوعي فالمسألة تحتاج منك إلى تدريب، ومثال ذلك، ~~عندما يذنب واحد في حقك فلك أن ترد عليه الذنب بالذنب، ولك أن تكظم ~~الغيظ، لكن يظل الغيظ موجودا وأنت تحبسه، ولك أن تعفو. لكن ماذا عن مثل ~~هذا الأمر بالنسبة للخالق الذي له كمال القدرة؟ إن الله قد لا يعذب العبد ~~المذنب ولكنه قد يظل غاضبا عليه، ومن منا قادر على أن يتحمل غضب الرب؟ ~~لذلك نطلب المغفرة، ونقول: { واغفر لنا وارحمنآ } [البقرة: ~~286] فنحن ندعوه سبحانه ألا يدخلنا في الذنب الذي يؤدي إلى غضبه - ~~والعياذ بالله - علينا. # فالعفو هو أن نرتكب ذنبا ونطلب من الله المغفرة، ولكن الرحمة هي الدعاء ~~بألا يدخلنا في الذنب أصلا. وعندما يقول الحق: { أنت مولانا ~~فانصرنا على القوم الكافرين } [البقرة: 286] فهذا ms0938 اعتراف ~~بعبوديتنا له، وأنه الحق خالقنا ومتولي أمورنا وناصرنا، وما دام الحق هو ~~ناصرنا، فهو ناصرنا على القوم الكافرين فكان ختام سورة البقرة منسجما مع ~~أول سورة البقرة في قوله: # الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * ~~الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون # [البقرة: 1-3]. في أول السورة ضرب الله المثل بالكافرين والمنافقين.. ~~وفي ختامها يقول الحق دعاء على لسان المؤمنين: { فانصرنا على ~~القوم الكافرين } [البقرة: 286] هذا القول يدل على استدامة ~~المعركة بين الإيمان والكفر، وأن المؤمن يأخذ أحكام الله دائما لينازل ~~بها الكفر أيان وجد ذلك الكفر، ويثق المؤمن تمام الثقة أن الله متوليه ~~لأن الله مولى الذين آمنوا، أما الكافرون فلا مولى لهم. فإذا كان الله هو ~~مولى المؤمن، وإذا كان الكافر لا مولى له، فمعنى ذلك أنه يجب أن تظل ~~المعركة بين المؤمن والكافر قائمة، بحيث إذا رأى المؤمن اجتراء على ~~الإسلام في أي صورة من صوره فليثق بأن الله ناصره، وليثق بأن الله معه، ~~وليثق المؤمن أن الله لا يطلب منه إلا أن ينفعل بحكمه وتأييده بالنصر ~~لأنه هو الذي يغلب فهو القائل جل وعلا: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم # [التوبة: 14]. يجب أن تظل دائما مؤمنا متيقظا لعملية الكفر في أي لون ~~من ألوانها فهذا الكفر بعملياته يريد أن يشوه حركة الحياة وأن يتعب ~~الكون، وأن يجعل القوانين الوضعية البشرية هي المسيطرة، كما يجب عليك ~~أيها المؤمن أن تكون من المتقين الذين استهل بهم الله سورة البقرة، وبعد ~~ذلك تسأل الله أن ينصرك دائما على القوم الكافرين. هذا هو مسك الختام من ~~سورة البقرة { فانصرنا على القوم الكافرين } [البقرة: ~~286]. وختام السورة بهذا النص يوحي بأن الذي آمن يجب أن يعدي إيمانه بربه ~~إلى الخلق جميعا، حتى تتساند حركة الحياة، ولا توجد فيها حركة مؤمن على ~~هدى لتصطدم بحركة كافر على ضلال لأن في ذلك إرهاقا للنفس البشرية، ~~وتعطيلا للقوى والمواهب التي أمد الله بها ذلك الإنسان الذي سخر من أجله ~~كل الوجود، فلا يمكن ms0939 أن يعيش الإنسان الذي سوده الله وكرمه على سائر ~~الخلق إلا في أمان واطمئنان وسلام وحركة تتعاون وتتساعد لتنهض بالمجتمع ~~الذي تعيش فيه نهضة عمرانية تؤكد للإنسان حقا أنه هو خليفة الله في ~~الأرض. ولا يكتفي الإيمان منا بأن يؤمن الفرد إيمانا يعزله عن بقية ~~الوجود، لأنه يكون في ذلك قد خسر حركة الحياة في الدنيا، والله يريد له ~~أن يأخذ الدنيا تخدمه كما شاء الله لها أن تكون خادمة، فحين يعدي المؤمن ~~إيمانه إلى غيره ينتفع بخير الغير، وإن اكتفى بإيمان نفسه فقط وترك الغير ~~في ضلاله، انتفع الغير بخير إيمانه وأصابته مضرة الكافر وأذاه. # إذن فمن الخير له أن يؤمن الناس جميعا، ويجب أن يعدي ذلك الإيمان إلى ~~الغير. ولكن الغير قد يكون منتفعا بالضلال لأنه يؤيد به طغيانه، عندئذ ~~تنشأ المعركة، تلك المعركة التي غاية كل من دخل فيها أن ينتصر، فيعلمنا ~~الله أن نطلب النصر على الكافرين منه لأن النصر على الكافرين لا يعتبر ~~نصرا حقيقيا إلا إن أصل صفات الخير في الوجود كله، وحين تتأصل صفات ~~الخير في الوجود كله يكون المؤمن قد انتصر بحق. وحين يطلب منا الله أن ~~نسأله أن ينصرنا لابد أن نكون على مطلوب الله منا في المعركة، بأن نكون ~~جنودا إيمانيين بحق. وقد عرفنا أن المؤمنين حين يدخلون في معركة مع ~~غيرهم يستطيعون أن يحددوا مركزهم الإيماني من غاية المعركة. فإن انتهت ~~المعركة بنصرهم وغلبتهم علموا أنهم من جنود الله، وإن هزموا وغلبوا ~~فليراجعوا أنفسهم لأن الله أطلقها قضية إيمانية في كتابه الذي حفظه فقال: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. فإن لم نغلب فلننظر في نفوسنا: ما الذي أخللنا به من ~~واجب الجندية لله. وحين يعلمنا الحق أن نقول: { فانصرنا على ~~القوم الكافرين } [البقرة: 286]، أي بعد أن أخذنا أسباب وجودنا ~~من مادة الأرض المخلوقة لنا بالفكر المخلوق لله، نعمل فيها بالطاقة ~~المخلوقة لله، وحينئذ نكون أهلا للنصر من الله لأن الحق سبحانه وتعالى ~~قد مد يده بأسباب النصر: # وأعدوا لهم ms0940 ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين ~~من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم.. # [الأنفال: 60]. حينئذ لا تخافون أبدا لأن لله جنودا لم تروها، ولا ~~يتدخل الله بالجنود غير المرئية لنا إلا إذا استنفدنا نحن أسباب الله ~~الممدودة لنا. وحين يختم الحق سبحانه وتعالى سورة البقرة وهي الزهراء ~~الأولى لتأتي بعدها الزهراء الثانية وهي سورة آل عمران نجد أن هذا هو ~~الترتيب القرآني الآن وهو ليس على ترتيب النزول الذي حدث، فللقرآن ~~ترتيبان: ترتيب نزولي حين نزلت الآيات لتعالج حدثا وقع للأمة المسلمة في ~~صراعها مع الكافرين بربهم، وفي تربيته لنفوسهم، فكانت كل آية تأتي لتعالج ~~حادثة. والأحداث في الوجود إنما تأتي على أيدي البشر، فليس من المعقول أن ~~تنزل آيات من القرآن. تعالج أحداثا أخرى لا صلة بينها وبين ما يجري من ~~أحداث في المجتمع الإسلامي أو ما ينشأ في الكون من قضايا. # إذن فلابد أن توجد الأحداث أولا، ويأتي بعدها النص القرآني ليعالج هذه ~~الأحداث، ولكن بعد أن اكتمل الدين كما قال الله: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا.. # [المائدة: 3]. جاء الترتيب الذي يرتب القضايا ترتيبا كليا، لأنه ~~عالجها من قبل علاجا جزئيا. فحين نقول: إن هذه السورة نزلت بعد كذا، أو ~~فيها آية كذا، نزلت بعد كذا، ونجد أن ذلك يختلف عن النسق النزولي نعلم أن ~~لله سبحانه وتعالى في كتابه ترتيبين: الترتيب الأول: حسب النزول. ~~والترتيب الثاني: الذي وجد عليه القرآن الآن وتمت به كلمة الله في خدمة ~~الهداية الإيمانية وهذا الأخير من عند الله أيضا. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1] # وجاءت أيضا في سور أخرى، في سورة العنكبوت، وفي سورة الروم، ولقمان، ~~والسجدة، وزاد عليها راء في بعض السور، وزاد عليها صادا في بعض السور " ~~المص " و " المر " كل ذلك جاء تأكيدا للمعاني أو تأكيدا للسر الذي وضعه ~~الله في هذه الحروف، وإن لم نكن ندرك ذلك السر. والإنسان ينتفع بأسرار ~~الأشياء التي وضعها من ms0941 أوجد الأشياء وإن لم يعلم هذه الأشياء فهو منتفع ~~بها، وضربنا المثل وقلنا: إن الريفي الذي ليس عنده ثقافة في الكهرباء، ~~أيستفيد بالكهرباء أم لا؟ إنه يستفيد بها ويحرك زر المصباح لينيره أو ~~ليطفئه، أهو يعلم سر ذلك؟ لا، لكنه إنما انتفع به، فكذلك المؤمن حين ~~يقول: " ألف - لام - ميم " ، يأخذ سرها من قائلها، فهمها أم لم يفهمها، ~~إذن فالمسألة لا تحتاج إلى أن نفلسفها، صحيح أن العقل البشري يحوم حول ~~شيء ليستأنس به، ولكن عطاء الله وحكمة العطاء فوق ما يستأنس به وفوق ~~ما نستوحش به. وقول الحق سبحانه في ختام سورة البقرة: # فانصرنا على القوم الكافرين # [البقرة: 286] يناسب أيضا سورة آل عمران، لماذا؟ لأن الإسلام سيأتي ~~ليواجه معسكر كفر ومعسكر أهل الكتاب، فحتى لا تتشقق دعوة الله التي صدرت ~~عن الله بمواكب الرسل جميعا الذين سبقوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأن ~~هذا جاء ليناقض شيئا منه، إنه قد جاء ليعزز دعوة الله، ولتكون هذه الأمم ~~التي تبعت هذه الديانات في صف الإسلام. ولذلك حينما أنكر العرب رسالة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله لهم: " ومن عنده علم الكتاب " ~~أي أن من عنده علم الكتاب يشهد أنك رسول الله. # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب # [الرعد: 43]. فكان المفروض في أهل الكتاب أنهم حينما جاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يكونوا هم أول المؤمنين برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، لأنه جاء ليؤكد موكب الإيمان ويأتي لهم بسورة يسميها آل عمران حتى ~~يعلم الجميع أنك يا محمد لم تأتي لتهدم ديانة عيسى، ولكن لتبقى ديانة ~~عيسى ولتؤيد ديانة عيسى، فإن كنتم يا من آمنتم بعيسى مؤمنين بعيسى ~~فاهرعوا حالا إلى الإيمان بمحمد فقد سماها الله آل عمران، وجعل لهم سورة ~~في القرآن. إن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تأت للعصبية، أو لتمحو ~~ما قبلها كما تأتي عصبيات البشر حين يأتي قوم على أنقاض قوم، ms0942 ويهدمون كل ~~ما يتصل بهؤلاء القوم حتى التاريخ يمحونه، والأشياء يمسخونها لأنهم ~~يريدون أن ينشئوا تاريخا جديدا. لا، إن هذا القرآن يريد أن يصوب ~~التاريخ، فيأتي بسورة اسمها " آل عمران " وذلك تكريم عال لهذه الديانة ~~ولتابعيها. وبعد ذلك يأتي الحق فيستهلها: بقوله جل شأنه: { الله لا ~~إله إلا هو... }. ### || [3.2] # تلك هي قضية القمة، ولذلك يتكرر في القرآن التأكيد على هذه القضية، { ~~الله لا إله إلا هو } [آل عمران: 2]. و " الله " كما ~~يقولون مبتدأ، و " لا إله إلا هو " خبر، والمبتدأ لابد أن يكون متضحا في ~~الذهن، فكأن كلمة " الله " متضحة في الذهن، ولكنه يريد أن يعطي لفظ " ~~الله " الوصف الذي يليق به وهو " لا إله إلا هو ". ولذلك يقول الحق: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر ~~الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون # [العنكبوت: 61]. إذن فالله متضح في أذهانهم، ولكن السلطات الزمنية أرادت ~~أن تطمس هذا الإيضاح، فجاء القرآن ليزيل ويمحو هذا الطمس مؤكدا { ~~الله لا إله إلا هو } [آل عمران: 2] فهذه قضية أطلقها الحق ~~شهادة منه لنفسه: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران: 18]. وكفى بالله شهيدا لأنها شهادة الذات للذات، وشهدت ~~الملائكة شهادة المشهد فلم يروا أحدا آخر إلا هو، وكذلك، شهد أولو العلم ~~الذين يأخذون من الأدلة في الكون ما يثبت صدق الملائكة ويؤكد صدق الله، ~~فإذا ما نظرنا نظرة أخرى نقول: إن الحق أطلقها على نفسه وقال: { لا ~~إله إلا هو } [آل عمران: 2] وجعلها كلمة التوحيد وجعل الأمر في ~~غاية اليسر والسهولة والبساطة فلم يشأ الله أن يجعل دليل الإيمان بالقوة ~~العليا دليلا معقدا، أو دليلا فلسفيا، أو لا يستطيع أحد أن يصل إليه ~~إلا أهل الثقافة العالية، لا، إن الدين مطلب للجميع من راعي الشاة إلى ~~الفيلسوف إنه مطلوب للذي يكنس في الشارع كما هو مطلوب من الأستاذ ~~الجامعي. فيجب أن تكون قضية الإيمان في مستوى هذه العقول جميعا فلا ~~فلسفة في هذه المسألة، لذلك شاء الحق أن يجعل هذه المسألة في ms0943 منتهى ~~البساطة فأوضح الله: أنا شهدت ألا إله إلا أنا، فإما أن يكون الأمر صدقا ~~وبذلك تنتهي المشكلة، وليس من حق أحد الاعتراض، وإن لم تكن صدقا فقولوا ~~لنا: أين الإله الآخر الذي سمع التحدي، وأخذ الله منه ذلك الكون، وقال: ~~أنا وحدي في الكون، وأنا الذي خلقت، ثم لم نسمع ردا عليه ولا عن معارض ~~له، ألم يدر ذلك الإله الآخر؟ إذن فذلك الآخر لا ينفع أن يكون إلها، فإن ~~علم ذلك الآخر ولم يدافع عن نفسه وملكيته للكون فإنه لا يصلح أن يكون ~~إلها. وتصبح القضية لله إلى أن يظهر مدع ليناقضها، ف { لا إله ~~إلا هو } [آل عمران: 2] كلمة حق، وبالعقل والمنطق هو إله ولم نجد ~~معارضا. وقلنا سابقا: إن الدعوى حين تدعى ولا يوجد معارض حين نسمعها ~~تكون لصاحبها إلى أن يوجد المعارض. # وضربنا مثلا: نحن مجتمعون في حجرة، عشرة أشخاص، وبعد ذلك انصرفوا فوجد ~~صاحب البيت حافظة نقود، فجاء واحد متلهفا وقال: لقد ضاعت مني حافظة ~~نقود. فقال له صاحب البيت: وجدنا حافظة ولكن كان هنا عشرة، فلما جيء ~~بالعشرة، وسئلوا لم يدعها أحد، إذن فهي له. إن الله قد قال: { لا ~~إله إلا هو } [آل عمران: 2]، فإن كان هناك إله آخر فليظهر لنا، ~~ولكن لا تظهر لنا إلا قوة الله { لا إله إلا هو } [آل عمران: ~~2] وما دام لا إله إلا هو، وهذا الكون يحتاج إلى قيومية لتدبيره، فلا بد ~~أن يكون حيا حياة تناسبه، لأنه سيهب حيوات كثيرة لكل الأجناس، للإنسان ~~وللحيوان وللنبات وللجماد، إذن فالذي يوجدها لابد أن يكون حيا ولابد أن ~~تكون حياته مناسبة له. و " قيوم " هذه يسمونها صيغة مبالغة لأن الحدث ~~إذا وقع فإنه يقع مرة على صورة عادية، ومرة يقع على صورة قوية. مثلما ~~تقول: فلان أكول، و " أكول " غير " آكل " ، فكلنا نأكل، وكلنا يطلق ~~علينا " آكل " ، لكن ليس كلنا يطلق علينا " أكول " لأن هذه اسمها صيغة ~~مبالغة في الحدث. وإذا كان الله هو الذي يدبر ويقوم على ms0944 أمر كل عوالم ~~الكون هل يكون قائما أو قيوما؟ لابد أن يكون قيوما. و " قيوم " ~~معناها أيضا: قائم بذاته. فما شكل هذا القيام؟ إنه قيام أزلي كامل. إذن ~~فكلمة " قيوم " صيغة مبالغة من القيام على الأمر، قائم بنفسه، قائم ~~بذاته، ويقيم غيره، والغير متعدد متكرر، فعندما يكون هذا الغير متعددا ~~ومتكررا فهو يحتاج إلى صفة قوية في خالقه، فيكون الخالق قيوما. إن ~~قوله الحق: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ~~[آل عمران: 2] هو سند المؤمن في كل حركات حياته، # " عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: { الله لا ~~إله إلا هو الحي القيوم } فضرب في صدري وقال: " ليهنك ~~العلم أبا المنذر " # وقولوا لنا بالله: حين يوجد ولد وأب، هل يحمل الولد هما لأي مسألة من ~~مسائل الحياة؟ لا لأن الأب متكفل بها، والمثل العامي يقول: الذي له أب لا ~~يحمل هما، إذن فالذي له رب عليه أن يستحي لأنه سبحانه يقول: أنا حي، ~~وأنا قيوم، و " قيوم " يعني قائم بأمرك. ويؤكد سبحانه هذه القيومية في ~~سورة البقرة، فقال في آية الكرسي: # لا تأخذه سنة ولا نوم # [البقرة: 255]، كأنه يقول لنا: ناموا أنتم لأنني لا أنام، وإلا فإن نمت ~~أنت عن حراسة حركة حياتك فمن يحرسها لك؟ إنه سبحانه يتفضل علينا بقيوميته ~~ف { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [آل ~~عمران: 2]، وما دام هو " الحي " و " القيوم " فأمر منطقي أنه قائم بأمر ~~الخلق جميعا وقد وضع لكل الخلق ما تقوم به حياتهم من مادة وصيانة مادة، ~~ومن قيم وصيانة قيم. # وما دام هو القيوم والقائم بالأمر والمتولي الشئون للخلق فلابد أن يؤدي ~~لهم مطلوبات مادتهم وما يبقيها، ومطلوبات قيمهم وما يبقيها. أما مطلوبات ~~المادة فيقول فيها: # وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 10]. إنه سبحانه يطمئننا على القوت، وأما مطلوبات ms0945 القيم فقال ~~سبحانه: { نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما ~~بين يديه... }. ### || [3.3] # إذن فلم يعطنا سبحانه مقومات المادة فقط، ولكن أعطانا مقومات القيم ~~أيضا لأن المادة بدون قيم تكون شرسة هوجاء رعناء، فيريد الله أن يجعل ~~المادة في مستوى إيماني. إذن لابد أن تنزل القيم. لذلك قال سبحانه: { ~~نزل عليك الكتاب بالحق } [آل عمران: 3] و " نزل " تفيد ~~شيئا قد وجب عليك لأن النزول معناه: شيء من أعلى ينزل، وهو يقول لك: لا ~~تتأبى على القيم التي جاءت لك من أعلى منك لأنها ليست من مساو لك، إنها ~~من خالق الكون والبشر، والذي يمكنك أن تتأبى عليه ما يأتي ممن هو أدنى ~~منك. لكن حين يجيء لك التقنين ممن هو أعلى منك فلا تتأب عليه لأن خضوعك ~~له ليس ذلة بل عزة، فقال: { نزل عليك الكتاب } [آل عمران: ~~3]. وفي سياق القرآن نجده سبحانه يقول: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. ومرة أخرى يقول في القرآن الكريم: # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ومآ أرسلناك ~~إلا مبشرا ونذيرا # [الإسراء: 105]. ولكن هل نزل القرآن وحده؟ لقد كان جبريل عليه السلام ~~ينزل بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعني ذلك خروج ~~القرآن عن كونه " نزل " ، فجبريل عليه السلام كان ينزل بالقرآن على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. والحق سبحانه وتعالى يقول: # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ومآ أرسلناك ~~إلا مبشرا ونذيرا # [الإسراء: 105]. وبذلك تتساوى " أنزل " مع " نزل ". وحين نأتي للحدث أي ~~الفعل في أي وقت من الأوقات فإننا نتساءل: أهو موقوت بزمن أم غير موقوت ~~بزمن؟ إن القرآن الكريم قد نزل على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في ~~ثلاثة وعشرين عاما وينزل القرآن حسب الحوادث، فكل نجم من نجوم القرآن ~~ينزل حسب متطلبات الأحداث. ولكن الحق سبحانه وتعالى يقول: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. والحق هنا يحدد زمنا. ولنا أن نعرف أن القرآن الذي نزل في ~~ثلاثة وعشرين عاما هو الذي أنزله الله في ليلة القدر. إذن فللقرآن ~~نزولان اثنان: الأول: ms0946 إنزال من " أنزل ". الآخر: تنزيل من " نزل ". ~~إذن فالمقصود من قوله - سبحانه -: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليباشر ~~مهمته في الكون، وهذا ما أنزله الله في ليلة القدر. والكتاب الكريم الذي ~~أنزله الله في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ينزل منجما على حسب ~~الأحداث التي تتطلب تشريعا أو إيضاحا لأمر. لكن الكتب الأخرى لم يكن ~~لها ذلك اللون من النزول والتنزيل، لقد نزلت مرة واحدة لا حسب الأحداث ~~والمناسبات، لقد جاءت مرة واحدة، كما نزل القرآن أولا من اللوح المحفوظ ~~إلى السماء الدنيا. # ولننظر إلى الأداء القرآني حين يقول: { نزل عليك الكتاب ~~بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة ~~والإنجيل } [آل عمران: 3]. وهنا يجب أن نلتفت إلى أن الحق قال عن ~~القرآن: " نزل " وقال عن التوراة والإنجيل: " أنزل ". لقد جاءت همزة ~~التعدية وجمع - سبحانه - بين التوراة والإنجيل في الإنزال، وهذا يوضح لنا ~~أن التوراة والإنجيل إنما أنزلهما الله مرة واحدة، أما القرآن الكريم فقد ~~نزله الله في ثلاث وعشرين سنة منجما ومناسبا للحوادث التي طرأت على ~~واقع المسلمين، ومتضمنا البلاغ الشامل من يوم الخلق إلى يوم البعث. ~~ونزل الله القرآن منجما مناسبا للأحداث، ليثبت فؤاد رسول الله لأنه ~~صلى الله عليه وسلم كان يتعرض لأحداث شتى، وكلما يأتي حدث يريد تثبيتا ~~ينزل نجم من القرآن. # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ~~ترتيلا # [الفرقان: 32]. وكان النجم من القرآن ينزل ويحفظه المؤمنون، ويعملون ~~بهديه، ثم ينزل نجم آخر، والله سبحانه يقول: # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا # [الفرقان: 33]. فمن رحمته سبحانه وتعالى بالمسلمين أن فتح لهم المجال ~~لأن يسألوا، وأن يستوضحوا الأمور التي تغمض عليهم. وجعل الحق سبحانه ~~لأعمال المؤمنين الاختيارية خلال الثلاثة والعشرين عاما فرصة ليقيموا ~~حياتهم في ضوء منهج القرآن، وصوب لهم القرآن ما كان من خطأ وذلك يدل على ~~أن القرآن قد فرض الجدل والمناقشة، وفرض مجيء الشيء في ms0947 وقت طلبه لأن ~~الشيء إذا ما جيء به وقت طلبه فإن النفس تقبل عليه وترضى به. ومثال ذلك ~~في حياتنا اليومية أن الواحد منا قد يملك في منزله صندوقا للأدوية ~~ممتلئا بألوان شتى من الدواء، ولكن عندما يصاب صاحب هذا الصندوق بقليل ~~من الصداع فهو يبحث عن قرص أسبرين، قد لا يعرف مكانه في صندوق الدواء ~~فيبعث في شرائه، وذلك أسهل وأوثق. والحق سبحانه قد جمع للقرآن بين " نزل ~~" و " أنزل " فقال: { من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان... }. ### || [3.4] # ويأتي القول الفصل في: { وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4]. هنا ~~الجمع بين " نزل " و " أنزل ". وساعة يقول الحق عن القرآن: # مصدقا لما بين يديه # [آل عمران: 3] فمعنى ذلك أن القرآن يوضح المتجه إنه مصدق لما قبله ولما ~~سبقه، إنه مصدق للقضايا العقدية الإيمانية التي لا يختلف فيها دين عن دين ~~لأن الديانات إن اختلفت فإنما تختلف في بعض الأحكام، فهناك حكم يناسب ~~زمنا وحكم آخر لا يناسب ذلك الزمن. أما العقائد فهي لا تتغير ولا تتبدل، ~~وكذلك الأخبار وتاريخ الرسل، فليس في تلك الأمور تغيير. ومعنى " مصدق " ~~أي أن يطابق الخبر الواقع، وهذا ما نسميه " الصدق ". وإن لم يطابق الخبر ~~الواقع فإننا نسميه " كذبا ". إذن، فالواقع هو الذي يحكم. ولذلك قلنا من ~~قبل: إن الصادق هو الذي لا تختلف روايته للأحداث لأنه يستوحي واقعا، ~~وكلما روى الحادثة فإنه يرويها نفسها بكلماتها وتفاصيلها، أما الكاذب فلا ~~يوجد له واقع يحكي عنه، لذلك ينشئ في كل حديث واقعا جديدا، ولذلك يقول ~~الناس: " إن كنت كذوبا فكن ذكورا ". أي إن كنت تكذب - والعياذ بالله - ~~فتذكر ما قلت حتى لا تناقضه بعد ذلك. فالصادق هو من يستقرئ الواقع، وما ~~دام يروي عن صدق فهو يروي عن أمر ثابت لا تلويه الأهواء، فلا يحكي مرة ~~بهوى، ومرة بهوى آخر. وما دام الخبر صادقا فإنه يصبح حقا لأن الحق هو ~~الشيء الثابت الذي لا يتغير وسبحانه يقول هنا: { نزل عليك ~~الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل ~~التوراة ms0948 والإنجيل * من قبل هدى للناس } [آل عمران: ~~3-4]. وقد تكلمنا من قبل عن التوراة، وقلنا: إن بعضا من العلماء حين ~~يتعرض للفظ من الألفاظ فهو يحاول أن يجعله من اللغة العربية، ويحاول أن ~~يعثر له على وزن من الأوزان العربية، وأن يأتي له بصفة من الصفات ~~العربية، فقال بعضهم من التوراة: إنها من " الورى " - بسكون الراء - ~~وكان الناس قديما يشعلون النار بضرب عود في عود آخر، ويقولون: " الزند ~~قد ورى " ، أي قد خرجت ناره. وقال بعض العلماء أيضا: إن الإنجيل من " ~~النجل " ، وهو الزيادة. وأقول لهؤلاء العلماء: لقد نظرتم إلى هذه ~~الألفاظ على أنها ألفاظ عربية، لكن التوراة لفظ عبري، والإنجيل لفظ ~~سرياني أو لفظ يوناني، وصارت تلك الكلمات علما على تلك الكتب وجاءت إلى ~~لغتنا. ولا تظنوا أن القرآن ما دام قد نزل عربيا فكل ألفاظه عربية، لا. ~~صحيح أن القرآن عربي، وصحيح أيضا أنه قد جاء وهذه الألفاظ دائرة على ~~لسان العرب، وإذا تم النطق بها يفهم معناها. # والمثال على ذلك أننا في العصر الحديث أدخلنا في اللغة كلمة " بنك " ~~وتكلمنا بها، فأصبحت عربية لأنها تدور على اللسان العربي، فمعنى أن ~~القرآن عربي أن الله حينما خاطب العرب خاطبهم بألفاظ يفهمونها، وهي دائرة ~~في ألسنتهم، وإن لم تكن في أصلها عربية. وحينما تكلم الحق عن التوراة ~~والإنجيل وقال: إن القرآن جاء مصدقا لهما قال - جل شأنه -: { من قبل ~~هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا ~~بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو ~~انتقام } [آل عمران: 4]. فأي ناس هؤلاء الذين قال عنهم: { هدى ~~للناس } [آل عمران: 4]؟ لا شك أنهم الناس الذين عاصروا الدعوة لتلك ~~الكتب. وإذا كان القرآن قد جاء مصدقا لما في التوراة والإنجيل ألا تكون ~~هذه الكتب هداية لنا أيضا؟ نعم هي هداية لنا، ولكن الهداية إنما تكون ~~بتصديق القرآن لهما، حتى لا يكون كل ما جاء فيهما ومنسوبا إليهما حجة ~~علينا. فالذي يصدقه القرآن هو الحجة علينا، فيكون { هدى للناس } ~~[آل عمران: 4] معناها: الذين عاصروا ms0949 هذه الديانات وهذه الكتب ، ونحن ~~مؤمنون بما فيها بتصديق القرآن لها. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~وأنزل الفرقان } [آل عمران: 4] يدل على أن الكتاب - أي القرآن - ~~سيعاصر مهمة صعبة فكلمة " الفرقان " لا تأتي إلا في وجود معركة، ونريد أن ~~نفرق بين أمرين: هدى وضلال، حق وباطل، شقاء وسعادة، استقامة وانحراف، إذن ~~فكلمة " الفرقان " تدل على أن القرآن إنما جاء ليباشر مهمة صعبة وهو أنه ~~يفرق بين الخير والشر، وما دام يفرق بين الخير والشر إذن ففيه خير وله ~~معسكر، وفيه شر وله معسكر، إذن ففيه فريقان. ويأتي للفريق الذي يدافع عن ~~الحق نضالا وجهادا بما يفرق له ويميز به بين الحق والباطل ويختم الحق ~~هذه الآية بقوله: { إن الذين كفروا بآيات الله لهم ~~عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } [آل عمران: 4]. ~~ولماذا جاء هذا التذييل على هذه الصورة في هذه الآية؟ أي ما دام القرآن ~~فرقانا فلابد أن يفرق بين حق وباطل، والحق له جنوده، وهم المؤمنون، ~~والباطل له جنوده وهم الكافرون، والشر قد جاء من الكافرين فلابد أن يتكلم ~~عن الذين كفروا { إن الذين كفروا بآيات الله لهم ~~عذاب شديد } [آل عمران: 4]. والعذاب إيلام، ويختلف قوة وضعفا ~~باعتبار المؤلم المباشر للعذاب. فصفعة طفل غير صفعة شاب غير صفعة رجل ~~قوي، كل واحد يوجه الصفعة بما يناسب قوته، فإذا كان العذاب صادرا من ~~قوة القوي وهو الله، إذن فلابد أنه عذاب لا يطاق. { لهم عذاب ~~شديد والله عزيز ذو انتقام } [آل عمران: 4] أي لا يغلب ~~على أمره، ولا توجد قوة أخرى ضده، وانتقامه لن يستطيع أحد أن يرده. # وقوله الحق سبحانه وتعالى: إنه " قيوم " أي يقوم بشئون خلقه إيجادا ~~وإمدادا، بناء مادة وإيجاد قيم، لابد أن يتفرع من ذلك أنه يعلم كل الخلق ~~ويعلم الخبايا، ولذلك يضع التقنين المناسب لكل ما يجري لهم، والتقنينات ~~التي تأتي من البشر تختلف عن التقنينات الموجودة من الله، لماذا؟ لأن ~~الله حين يقنن بكتاب ينزله على رسوله ليبلغ حكم الله فيه فهو سبحانه يقنن ms0950 ~~لما يعلم، وما يعلمه سبحانه قد يعلمه خلقه وقد لا يعلمونه، وقد تأتي ~~الأحداث بما لم يكن في بال المشرع البشري المقنن حين يقنن، ولذلك يضطرون ~~عادة إلى تغيير القانون لأنه قد جدت أحداث لم يلتفت إليها المشرع ~~البشري. ولماذا لم يلتفت إليها المشرع البشري؟ لأن علمه مقصور على ~~المرئيات التي توجد في عصره وغير معاصر للأشياء التي تحدث بعد عصره، ~~وأيضا يقنن لملكات خفية عنه. إن الحق سبحانه وتعالى لكونه قيوما ~~وينزل ما يفرق بين الحق والباطل، فهو - سبحانه - يعلم علما واسعا، ~~بحيث لا يستدرك عليه، ولذلك فالذين يحاولون أن يقولوا: إن هذا الحكم غير ~~ملائم للعصر، نقول لهم: أتستدركون على الله؟! كأنكم تقولون: إن الله قد ~~فاته مثل هذه الحكاية ونريد أن نصححها له!. لا، لا تستدركوا على الله، ~~وخذوا حكم الله هكذا لأن هذا هو الحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه لأنه حكم من عالم لا يتجدد علمه، ولا يطرأ شيء على علمه، ~~وفوق كل ذلك فهو سبحانه لا ينتفع بما يقنن، وهو سبحانه يقول: { إن ~~الله لا يخفى عليه شيء في... }. ### || [3.5] # انظروا إلى خدمة الآية لكل الأغراض التي سبقتها، ما دام قيوما ~~وقائما بأمور الخلق، فلابد أن يعلم كل شيء عن الخلق، فلا يخفى عليه شيء ~~في الأرض ولا في السماء، وما دام سيفرق بين الحق والباطل وينزل بالكفار ~~عذابا شديدا فلا يخفى عليه شيء. إن الآية تخدم كل الأغراض، وهو سبحانه ~~يعلم كل الأغراض، فحين يقنن بقيوميته، فهو يقنن بلا استدراك عليه، وحين ~~يخرج أحد عن منهجه لا يخفى عليه. إذن فالآية حصاد على التشريع وعلى ~~الجزاء { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا ~~في السمآء } [آل عمران: 5]. وبعد ذلك يتكلم الحق عن مظهر القيومية ~~الأول بالنسبة للإنسان فيقول: { هو الذي يصوركم في ~~الأرحام كيف يشآء... }. ### || [3.6] # والتصوير في الرحم هو إيجاد المادة التي سيوجد منها الإنسان على هيئة ~~خاصة هذه الهيئة تختلف نوعيتها: ذكورة وأنوثة. والذكورة ms0951 والأنوثة تختلفان ~~أشكالا بيضاء وسمراء وقمحية وخمرية وقصيرة وطويلة، هذه الأشكال والتي ~~يوجد عليها الخلق والتي منها: # واختلاف ألسنتكم وألوانكم.. # [الروم: 22]. هذا الاختلاف في الألوان والألسنة والأشياء المتعددة يدل ~~على أنها ليست من إنتاج مصنع يصنع قالبا ثم يشكل عليه، لا فكل إنسان ~~يولد يصنع بيد قديرة بقدرة ذاتية. إن الصانع الآن إذا أردت أن يصنع لك ~~كوبا يصنع قالبا ويكرره، لكن في الخلق البشري كل واحد بقالبه الخاص، ~~وكل واحد بشكله المخصوص، وكل واحد بصوته الذي ثبت أن له بصمة كبصمة اليد، ~~وكل واحد بلون، إذن فهي من الآيات، وهذا دليل على طلاقة القدرة، وفوق كل ~~هذا هو الخلق الذي لا يحتاج إلى عملية علاج، معنى عملية علاج أي يجعل ~~قالبا واحدا ليصب فيه مادته. لا، هو - جل شأنه - يقول: # بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون # [البقرة: 117]. إن الأب والأم قد يتحدان في اللون ولكن الابن قد ينشأ ~~بلون مختلف، ويخلق الله معظم الناس خلقا سويا، ويخلق قلة من الناس ~~خلقا غير سوي فقد يولد طفل أعمى أو مصاب بعاهة ما أو بأصبع زائدة أو ~~إصبعين.. وهذا الشذوذ أراده الله في الخلق ليلفتنا الحق إلى حسن وجمال ~~خلقه. لأن من يرى - وهو السوي - إنسانا آخر معوقا عن الحركة فإنه ~~يحمد الله على كمال خلقه. وحين يرى إنسان له في كل يد خمس أصابع إنسانا ~~آخر له إصبع زائدة يعوق حركة يده، يعرف حكمة وجود الأصابع الخمس، ~~فالجمال لا يثبت إلا بوجود القبح، وبضدها تتمايز الأشياء، الإنسان الذي ~~له سبع أصابع في يد واحدة، يضع الطب أمام مهمة يجند نفسه لها حتى يستطيع ~~الطبيب أن يستأصل الزائد عن حاجة الإنسان الطبيعي. ولو خلق الله الإنسان ~~بثلاث أصابع لما استطاع ذلك الإنسان أن يتحكم عند استعماله الأشياء ~~الدقيقة. إن الإنسان العادي في حركته اليومية لا يدرك جمال استواء خلقه ~~إلا إذا رأى فردا من أفراد الشذوذ. والحق يلفت الناس الساهين عن نعم ~~الله عليهم لرتابتها فيهم ms0952 بفقدها في غيرهم. فساعة أن يرى مبصر مكفوفا ~~يسير بعكاز، يفطن إلى نعمة البصر التي وهبها له الله فيشعر بنعمة الله ~~عليه. إن الشذوذ في الخلق هو نماذج إيضاحية تلفت الناس إلى نعم الله التي ~~أنعم الله عليهم بها. هذه المثل في الكون تلفت الناس إلى نعم الله ~~فيهم، ولذلك تجدها أمامك، وأيضا كي لا تستدرك على خالقك، ولا تقل ما ذنب ~~هذا الإنسان أن يكون مخلوقا هكذا؟ فهو سبحانه سيعوضه في ناحية أخرى فقد ~~يعطيه عبقرية تفوق إمكانات المبصر. # ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - عن الذي ساح في الدنيا " تيمور ~~لنك الأعرج " وهو القائد الذي أذهل الدنيا شجاعة، إن الله قد أعطاه موهبة ~~التخطيط والقتال تعويضا له عن العرج. ونحن نجد العبقريات تتفجر في ~~الشواذ غالبا، لماذا؟ لأن الله يجعل للعاجز عجزا معينا همة تحاول أن ~~تعوض ما افتقده في شيء آخر، فيأتي النبوغ. إذن ف { هو الذي ~~يصوركم في الأرحام كيف يشآء } [آل عمران: 6] وكل تصوير ~~له حكمة. وما دام كل تصوير له حكمة فكل خلق الله جميل. عليك ألا تأخذ ~~الخلق مفصولا عن حكمة خالقه، بل خذ كل خلق مع حكمته. إن الذي يجعلك ~~تقول: هذا قبيح، إنك تفصل المخلوق عن حكمته، ومثال ذلك: التلميذ الذي ~~يرسب قد يحزن والده، ولكن لماذا يأخذ الرسوب بعيدا عن حكمته؟ لقد رسب ~~حتى يتعلم معنى الجدية في الاستذكار، فلو نجح مع لعبه ماذا سيحدث؟ كل ~~أقرانه الذين عرفوا أنه لعب ونجح سيلعبون ويقولون: هذا لعب ونجح.. إذن ~~فلا بد أن تأخذ كل عمل ومعه حكمة وجوده. كذلك لا تأخذ العقوبة منفصلة عن ~~الجريمة، فكل عقوبة علينا أن نأخذها ملتصقة بجريمتها، فساعة ترى واحدا ~~مثلا سيحكمون عليه بالإعدام تأخذك الرحمة به وتحزن، هنا نقول لك: أنت ~~فصلت إعدامه عن القتل الذي ارتكبه سابقا، إنما لو استحضرت جريمته لوجدته ~~يقتل عدالة وقصاصا فقد قتل غيره ظلما، فلا تبعد هذه عن هذه. { ~~هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء لا إله ~~إلا ms0953 هو } [آل عمران: 6] ومعنى " لا إله إلا هو " أي سيصور وهو ~~عالم أن ما يصوره سيكون على هذه الصورة لأنه لا يوجد إله آخر يقول له: ~~هذه لا تعجبني وسأصور صورة أخرى، لا لأن الذي يفعل ذلك عزيز، أي لا يغلب ~~على أمر، وكل ما يريده يحدث وكل أمر عنده لحكمة، لأنه عندما يقول: { ~~يصوركم في الأرحام } [آل عمران: 6] قد يقول أحد من الناس: ~~إن هناك صورا شاذة وصورا غير طبيعية. وهو سبحانه يقول لك: أنا حكيم، ~~وأفعلها لحكمة فلا تفصل الحدث عن حكمته، خذ الحدث بحكمته، وإذا أردت ~~الحدث بحكمته تجده الجمال عينه، وهو سبحانه المصور في الرحم كيف يشاء، ~~هذا من ناحية مادته. وهو سبحانه يوضح: فلن يترك المادة هكذا بل سيجعل ~~لهذه المادة قيما كي تنسجم حركة الوجود مع بعضها يقول سبحانه: { هو ~~الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات... }. ### || [3.7] # إذن فبعدما صورنا في الأرحام كيف يشاء على مقتضى حكمته لن يترك الصور ~~بدون منهج للقيم، بل صنع منهج القيم بأن أنزل القرآن وفيه منهج القيم، ~~ولابد أن نأخذ الشيء بجوار الحكمة منه، وإذا أخذنا الشيء بجوار الحكمة ~~منه يوجد كل أمر مستقيما كله جميل وكله خير. فيقول سبحانه: { هو ~~الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات } [آل ~~عمران: 7]. ماذا يعني الحق بقول: { آيات محكمات } [آل عمران: 7]؟ ~~إن الشيء المحكم هو الذي لا يتسرب إليه خلل ولا فساد في الفهم لأنه محكم، ~~وهذه الآيات المحكمة هي النصوص التي لا يختلف فيها الناس، فعندما يقول: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما.. # [المائدة: 38]. هذه آية تتضمن حكما واضحا. وهو سبحانه يقول: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما.. # [النور: 2]. هذه أيضا أمور واضحة، هذا هو المحكم من الآيات، ~~فالمحكم هو ما لا تختلف فيه الأفهام لأن النص فيه واضح وصريح لا يحتمل ~~سواه، و " المتشابه " هو الذي نتعب في فهم المراد منه، وما دمنا سنتعب ~~في فهم المراد منه فلماذا أنزله؟ ويوضح لنا سبحانه - كما قلت ms0954 لك - خذ ~~الشيء مع حكمته كي تعرف لماذا نزل؟ فالمحكم جاء للأحكام المطلوبة من ~~الخلق، أي افعل كذا، ولا تفعل كذا، وما دامت أفعالا مطلوبة من الخلق ~~فالذي فعلها يثاب عليها، والذي لم يفعلها يعاقب، إذن فسيترتب عليها ~~ثواب وعقاب، فيأتي بها صورة واضحة، وإلا لقال واحد: " أنا لم أفهم " ، إن ~~الأحكام تقول لك: " افعل كذا ولا تفعل كذا " فهي حين تقول: " افعل " أنت ~~صالح ألا تفعل، فلو كنت مخلوقا على أنك تفعل فقط لا يقول لك: افعل، لكن ~~لأنك صالح أن تفعل وألا تفعل فهو يقول لك: " افعل ". وساعة يقول لك: " لا ~~تفعل " ، فأنت صالح أن تفعل، فلا يقال: " افعل ولا تفعل " إلا لأنه خلق ~~فيك صلاحية أن تفعل أو لا تفعل، ونلحظ أنه حين يقول لي: افعل كذا ولا ~~تفعل كذا يريد أن أقف أمام شهوة نفسي في الفعل والترك، ولذلك يقول الحق ~~في الصلاة: # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # [البقرة: 45]. فعندما يقول لي: " افعل ولا تفعل " معناها: أن فيه أشياء ~~تكون ثقيلة أن أفعلها، وأن شيئا ثقيلا علي أن أتركه، فمثلا البصر ~~خلقه الله صالحا لأن يرى كل ما في حيزه. على حسب قانون الضوء، والحق ~~يقول له: # قل انظروا ماذا في السماوات والأرض.. # [يونس: 101]. ولكن عند المرأة التي لا يحل لك النظر إليها يقول الحق: ~~اغضض. # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما ~~يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ~~ويحفظن فروجهن # [النور: 30-31]. ومعنى " يغضوا " و " يغضضن " أنه سبحانه حدد حركة ~~العين، ومثال آخر اليد تتحرك فيأمرك - سبحانه - ألا تحركها إلا في مأمور ~~به، فلا تضرب بها أحدا، ولا تشعل بها نارا تحرق وتفسد بل أشعل بها ~~النار لتطبخ مثلا. إذن، فهو سبحانه يأتي في " افعل ولا تفعل " ويحدد ~~شهوات النفس في الفعل أو الترك، فإن كانت شهوة النفس بأنها تنام، يقول ~~الأمر التعبدي: قم وصل، وإن كانت شهوة النفس بأنها تغضب يقول الأمر ~~الإيماني: لا تغضب. إذن فالحكم ms0955 إنما جاء بافعل ولا تفعل لتحديد حركة ~~الإنسان، فقد يريد أن يفعل فعلا ضارا فيقول له: لا تفعل، وقد يريد ألا ~~يفعل فعل خير يقول له: افعل. إذن فكل حركات الإنسان محكومة ب " افعل ~~ولا تفعل " ، وعقلك وسيلة من وسائل الإدراك، مثل العين والأذن واللسان. ~~إن مهمة العقل أن يدرك، فتكليفه يدعوه إلى أن يفهم أمرا ولا يفهم أمرا ~~آخر، وجعل الله الآيات المحكمات ليريح العقل من مهمة البحث عن حكمة الأمر ~~المحكم لأنها قد تعلو الإدراك البشري. ويريد الحق أن يلزم العبد آداب ~~الطاعة حتى في الشيء الذي لا تدرك حكمة تشريعه، وأيضا لتحرك عقلك لترد ~~كل المتشابه إلى المحكم من الآيات. وإذا قرأنا قول الحق: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف الخبير # [الأنعام: 103]. نرى أن ذلك كلام عام. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]. ويتكلم عن الكفار فيقول: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15]. إذن فالعقل ينشغل بقوله: " لا تدركه الأبصار " ، وهذا ~~يحدث في الدنيا، أما في الآخرة فسيكون الإنسان قد تم إعداده إعدادا آخر ~~ليرى الله، نحن الآن في هذه الدنيا بالطريقة التي أعدنا بها الله لنحيا ~~في هذا العالم لا نستطيع أن نرى الله، ومسألة إعداد شيء ليمارس مهمة ليس ~~مؤهلا ولا مهيأ لها الآن، أمر موجود في دنيانا، فنحن نعرف أن إنسانا ~~أعمى يتم إجراء جراحة له أو يتم صناعة نظارة طبية له فيرى. ومن لا يسمع ~~أو ثقيل السمع نصنع له سماعة فيسمع بها. فإذا كان البشر قد استطاعوا أن ~~يعدوا بمقدوراتهم في الكون المادي أشياء لتؤهلهم إلى استعادة حاسة ~~ما، فما بالنا بالخالق الأكرم الإله المربي، ألا يستطيع أن يعيد خلقنا ~~في الآخرة بطريقة تتيح لنا أن نرى ذاته ووجهه؟! إنه القادر على كل شيء. ~~إذن فالأمر هنا متشابه، إن الله يدرك - بضم الياء وفتح الراء - أو لا ~~يدرك، فما الذي تغير من الأحكام بالنسبة لك؟ لا شيء. # إذن فهذه الآيات المتشابهات لم ms0956 تأت من أجل الأحكام، إنما هي قد جاءت من ~~أجل الإيمان فقط، ولذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم ينهي كل خلاف للعلماء ~~حول هذه المسألة بقوله وهو الرسول الخاتم: # " إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما ~~تشابه منه فآمنوا به ". # إن المتشابه من الآيات قد جاء للإيمان به، والمحكم من الآيات إنما ~~جاء للعمل به، والمؤمن عليه دائما أن يرد المتشابه إلى المحكم. ~~مثال ذلك عندما نسمع قول الله عز وجل: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد ~~الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على ~~نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه ~~أجرا عظيما # [الفتح: 10]. إن الإنسان قد يتساءل: " هل لله يد "؟ على الإنسان أن يرد ~~ذلك إلى نطاق # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. وعندما يسمع المؤمن قول الحق: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5]. فهل لله جسم يستقر به على عرش؟ هنا نقول: هذا هو المتشابه ~~الذي يجب على المؤمن الإيمان به، ذلك أن وجودك أيها الإنسان ليس كوجود ~~الله، ويدك ليست كيد الله وأن استواءك أيضا ليس كاستواء الله. وما دام ~~وجوده سبحانه ليس كوجودك وحياته ليست كحياتك فلماذا تريد أن تكون يده ~~كيدك؟ هو كما قال عن نفسه: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. ولماذا أدخلنا الله إلى تلك المجالات؟ لأن الله يريد أن ~~يلفت خلقه إلى أشياء قد لا تستقيم في العقول فمن يتسع ظنه إلى أن يؤول ~~ويردها إلى المحكم بأن الله ليس كمثله شيء. فله ذلك، ومن يتسع ظنه ~~ويقول: أنا آمنت بأن لله يدا ولكن في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] فله ذلك أيضا وهذا أسلم. والحق يقول: { منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب } [آل عمران: 7] ومعنى " أم " أي ~~الأصل الذي يجب أن ينتهي إليه تأويل المتشابه إن أولت فيه، أو ترجعه ~~إلى المحكم فتقول: إن لله يدا، ولكن ليست كأيدي البشر. إنما تدخل في ~~نطاق: # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. ولماذا قال الحق: { هن أم الكتاب } [آل عمران: ~~7]؟ ولم ms0957 يقل: هن أمهات الكتاب؟ لك أن تعرف أيها المؤمن أنه ليس كل واحدة ~~منهن أما، ولكن مجموعها هو الأم، ولتوضيح ذلك فلنسمع قول الحق: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهمآ إلى ~~ربوة ذات قرار ومعين # [المؤمنون: 50]. لم يقل الحق: إنهما آيتان لأن عيسى عليه السلام لم يوجد ~~كآية إلا بميلاده من أمه دون أب أي بضميمة أمه، وأم عيسى لم تكن آية إلا ~~بميلاد عيسى أي بضميمة عيسى. إذن فهما معا يكونان الآية، وكذلك { هن ~~أم الكتاب وأخر متشابهات } [آل عمران: 7] فالمقصود بها ~~ليس كل محكم أما للكتاب، إنما المحكمات كلها هي الأم، والأصل الذي ~~يرد إليه المؤمن أي متشابه. # ومهمة المحكم أن نعمل به، ومهمة المتشابه أن نؤمن به بدليل أنك إن ~~تصورته على أي وجه لا يؤثر في عملك. فقوله الحق: # لا تدركه الأبصار # [الأنعام: 103] لا يترتب عليه أي حكم، وهنا يكفي الإيمان فقط. لكن ماذا ~~من أمر الذين قال عنهم الله: { فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله } [آل عمران: 7]؟. ولنا أن نعرف أن " الزيغ " ~~هو الميل، فزاغ يعني مال، وهي مأخوذة من تزايغ الأسنان، أي اختلاف ~~منابتها، فسنة تظهر داخلة، وأخرى خارجة، وعندما لا تستقيم الأسنان في ~~طريقة نموها يصنعون لها الآن عمليات تجميل وتقويم ليجعلوها صفا واحدا. ~~إن الذين في قلوبهم زيغ أي ميل، يتبعون ما تشابه من الآيات ابتغاء ~~الفتنة. كأن الزيغ أمر طارئ على القلوب، وليس الأصل أن يكون في القلوب ~~زيغ، فالفطرة السليمة لا زيغ فيها، لكن الأهواء هي التي تجعل القلوب ~~تزيغ، ويكون الإنسان عارفا لحكم الله الصحيح في أمر ما، لكن هوى الإنسان ~~يغلب فيميل الإنسان عن حكم الله. والميل صنعة القلب، فالإنسان قد يخضع ~~منطقه وفكره ليخدم ميل قلبه، ولذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". # لماذا؟ لأن آفة الرأي الهوى، وحتى المنحرفون يعرفون القصد السليم، لكن ~~الواحد منهم ينحرف لما يهوى، ms0958 ودليل معرفة المنحرف للقصد السليم أنه بعد ~~أن يأخذ شرته في الانحراف يتوب ويعلن توبته، وهذا أمر معروف في كثير من ~~الأحيان لأن الميل تكلف تبريري، أما القصد السليم فأمر فطري لا ~~يرهق، ومثال ذلك: عندما ينظر الإنسان إلى حلاله، فإنه لا يجد انفعال ~~ملكة يناقض انفعال ملكة أخرى، ولكن عندما ينظر إلى واحدة ليست زوجته، ~~فإن ملكاته تتعارك، ويتساءل: هل ستقبل منه النظرة أم لا؟ إن ملكاته ~~تتضارب، أما النظر إلى الحلال فالملكات لا تتعب فيه. لذلك فالإيمان هو ~~اطمئنان ملكات، فكل ملكات الإنسان تتآزر في تكامل، فلا تسرق ملكة من وراء ~~أخرى. مثال آخر: عندما يذهب واحد لإحضار شيء من منزله، فإنه لا يحس ~~بتضارب ملكاته، أما إذا ذهب إنسان آخر لسرقة هذا الشيء فإن ملكاته ~~تتضارب، وكذلك جوارحه لأنها خالفت منطق الحق والاستقامة والواقع. { ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه ~~منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } [آل عمران: 7] ~~إذن فاتباعهم للمتشابه منه ليؤولوه تأويلا يخالف الواقع ليخدموا الزيغ ~~الذي في قلوبهم. فالميل موجود عند قلوبهم أولا، ثم بدأ الفكر يخضع ~~للميل، والعبارة تخضع للفكر، وهكذا نرى أن الأصل في الميل قد جاء منهم. # . ولننظر إلى أداء القرآن الكريم حين يقول: # فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم.. # [الصف: 5]. كأنه يقول: ما دمتم تريدون الميل فسأميلكم أكثر وأساعدكم ~~فيه. والحق سبحانه لا يبدأ إنسانا بأمر يناقض تكليفه، لكن الإنسان قد ~~يميله هواه إلى الزيغ، فيتخلى الله عنه: ويدفعه إلى هاوية الزيغ. وآية ~~أخرى يقول فيها الحق: # وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل ~~يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ~~بأنهم قوم لا يفقهون # [التوبة: 127]. إنهم الذين بدأوا انصرفوا عن الله فصرف الله قلوبهم ~~بعيدا عن الإيمان. وكذلك الذين يتبعون المتشابه يبتغون به الفتنة أي ~~يطلبون الفتنة، ويريدون بذلك فتنة عقول الذين لا يفهمون، وما داموا ~~يريدون فتنة عقول من لا يفهمون فهم ضد المنهج، وما داموا ضد المنهج فهم ~~ليسوا مؤمنين إذن، وما داموا غير ms0959 مؤمنين فلن يهديهم الله إلى الخير، لأن ~~الإيمان يطلب من الإنسان أن يتجه فقط إلى الإيمان بالرب الإله الحكيم، ثم ~~تأتي المعونة بعد ذلك من الله. لكن عندما لا يكون مؤمنا فكيف يطلب ~~المعونة من الله، إنه سبحانه يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك. إنهم ~~يبتغون الفتنة بالمتشابه، ويبتغون تأويله، ومعنى التأويل هو الرجوع، ~~لأننا نقول: " آل الشيء إلى كذا " أي رجع الشيء إلى كذا، فكأن شيئا يرجع ~~إلى شيء، فمن لهم عقل لا زيغ فيه يحاولون جاهدين أن يؤولوا المتشابه ~~ويردوه إلى المحكم، أو يؤمنوا به كما هو. يقول الحق بعد ذلك: { وما ~~يعلم تأويله إلا الله } [آل عمران: 7] إن الله لو أراد ~~للمتشابه أن يكون محكما، لجاء به من المحكم، إذن فإرادة الله أن ~~تكون هناك آيات المتشابه ومهمتها أن تحرك العقول، وذلك حتى لا تأتي ~~الأمور بمنتهى الرتابة التي يجمد بها عقل الإنسان عن التفكير والإبداع، ~~والله يريد للعقل أن يتحرك وأن يفكر ويستنبط. وعندما يتحرك العقل في ~~الاستنباط تتكون عند الإنسان الرياضة على الابتكار، والرياضة على البحث، ~~وليجرب كل واحد منا أن يستنبط المتشابه إلى المحكم ولسوف يمتلك بالرياضة ~~ناصية الابتكار والبحث، والحاجة هي التي تفتق الحيلة. إن الحق يريد أن ~~يعطي الإنسان دربة حتى لا يأخذ المسائل برتابة بليدة ويتناولها تناول ~~الخامل ويأخذها من الطريق الأسهل، بل عليه أن يستقبلها باستقبال واع ~~وبفكر وتدبر. # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # [محمد: 24]. كل ذلك حتى يأخذ العقل القدر الكافي من النشاط ليستقبل ~~العقل العقائد بما يريده الله، ويستقبل الأحكام بما يريده الله، فيريد ~~منك في العقائد أن تؤمن، وفي الأحكام أن تفعل { وما يعلم ~~تأويله إلا الله } [آل عمران: 7]. والذين في قلوبهم زيغ ~~يحاولون التأويل وتحكمهم أهواؤهم، فلا يصلون إلى الحقيقة. # والتأويل الحقيقي لا يعلمه إلا الله. قد رأينا من يريد أن يعيب على واحد ~~بعض تصرفاته فقال له: يا أخي أتدعي أنك أحطت بكل علم الله؟ فقال له: ~~لا. قال له: أنا من الذي ms0960 لا تعلم. وكأنه يرجوه أن ينصرف عنه. والعلماء ~~لهم وقفات عند قوله الحق: { وما يعلم تأويله إلا الله } ~~[آل عمران: 7]: بعضهم يقف عندها ويعتبر ما جاء من بعد ذلك وهو قوله الحق: ~~{ والراسخون في العلم } [آل عمران: 7] كلاما مستأنفا، إنهم ~~يقولون: إن الله وحده الذي يعلم تأويل المتشابه، والمعنى: { ~~والراسخون في العلم } [آل عمران: 7] أي الثابتون في العلم، ~~الذين لا تغويهم الأهواء، إنهم: { يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا } [آل عمران: 7] وهو ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~إن الراسخين في العلم يقولون: إن المحكم من الآيات سيعلمون به، والمتشابه ~~يؤمنون به، وكل من المتشابه والمحكم من عند الله. أما من عطف وقرأ ~~القول الحكيم ووقف عند قوله: { والراسخون في العلم } [آل ~~عمران: 7] نقول له: إن الراسخين في العلم علموا تأويل المتشابه، وكان ~~نتيجة علمهم قولهم: " آمنا به ". إن الأمرين متساويان، سواء وقفت عند حد ~~علم الله للتأويل أو لم تقف. فالمعنى ينتهي إلى شيء واحد. وحيثية الحكم ~~الإيماني للراسخين في العلم هي قوله الحق على لسانهم: { آمنا به ~~كل من عند ربنا } [آل عمران: 7] فالمحكم من عند ربنا، ~~والمتشابه من عند ربنا، وله حكمة في ذلك لأنه ساعة أن يأمر الأعلى الأدنى ~~بأمر ويبين له علته فيفهم الأدنى ويعمل، وبعد ذلك يلقى الأعلى أمرا آخر ~~ولا يبين علته، فواحد ينفذ الأمر وإن لم يعرف العلة، وواحد آخر يقول: لا، ~~عليك أن توضح لي العلة. فهل الذي آمن آمن بالأمر أم بالعلة؟ إن الحق يريد ~~أن نؤمن به وهو الآمر، ولو أن كل شيء صار مفهوما لما صارت هناك قيمة ~~للإيمان. إنما عظمة الإيمان في تنفيذ بعض الأحكام وحكمتها غائبة عنك ~~لأنك إن قمت بكل شيء وأنت تفهم حكمته فأنت مؤمن بالحكمة، ولست مؤمنا بمن ~~أصدر الأمر. وعندما نأتي إلى لحم الخنزير الذي حرمه الله من أربعة عشر ~~قرنا، ويظهر في العصر الحديث أن في أكل لحم الخنزير مضار، ويمتنع الناس ~~عن أكله لأن فيه مضار، فهل امتناع ms0961 هؤلاء أمر يثابون عليه؟ طبعا لا، لكن ~~الثواب يكون لمن امتنع عن أكل لحم الخنزير لأن الله قد حرمه ولأن الأمر ~~قد صدر من الله، حتى دون أن يعرفنا الحكمة، إن المؤمن بالله يقول: إن ~~الله قد خلقني ولا يمكن - وهو الخالق - أن يخدعني وأنا العبد الخاضع ~~لمشيئته. إن العبد الممتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر امتثالا لأمر ~~الله، هو الذي ينال الثواب، أما الذي يمتنع خوفا من اهتراء الكبد أو ~~الإصابة بالمرض فلا ثواب له. # وهناك فرق بين الذهاب إلى الحكم بالعلة. وبين الذهاب إلى الحكم بالطاعة ~~للأمر بالحكم. إذن فالمتشابه من الآيات نزل للإيمان به، والراسخون في ~~العلم يقابلهم من تلويهم الأهواء، والأهواء تلوي إلى مرادات النفس وإلى ~~ابتغاءات غير الحق. وما دامت ابتغاءات غير الحق، فغير الحق هو الباطل، ~~فكل واحد من أهل الباطل يحاول أن يأتي بشيء يتفق مع هواه. ولذلك جاء ~~التشريع من الله ليعصم الناس من الأهواء لأن هوى إنسان ما قد يناقض هوى ~~إنسان آخر، والباقون من الناس قد يكون لهم هوى يناقض بقية الأهواء. والحق ~~سبحانه يقول: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ~~ذكرهم معرضون # [المؤمنون: 71]. إذن فلا بد أن نتبع في حركتنا ما لا هوى له إلا الحق، ~~والدين إنما جاء ليعصمنا من الأهواء فالأهواء هي التي تميلنا، والذي يدل ~~على أن الأهواء هي التي تميل إلى غير الحق أن صاحب الهوى يهوى حكما في ~~شيء، ثم تأتي ظروف أخرى تجعله يهوى حكما مقابلا، إنه يلوي المسألة على ~~حسب هواه، وإلا فما الذي ألجأ دنيا الناس إلى أن يخرجوا من قانون السماء ~~الأول الذي حكم الأرض منذ آدم عليه السلام؟ لقد خرجوا من قانون السماء ~~حينما قام قوم بأمر الدين فأخذوا لهم من هذا سلطة زمنية، وأصبحوا يخضعون ~~المسائل إلى أهوائهم. ونحن إذا نظرنا إلى تاريخ القانون في العالم لوجدنا ~~أن أصل الحكم في القضايا إنما هو لرجال الدين والكهنة والقائمين على ms0962 أمر ~~المعابد. كان الحكم كله لهم، لأن هؤلاء كانوا هم المتكلمين بمنهج الله. ~~ولماذا لم يستمر هذا الأمر، وجاءت القوانين الرومانية والإنجليزية ~~والفرنسية وغيرها؟ لأنهم جربوا على القائمين بأمر الدين أنهم خرجوا عن ~~نطاق التوجيه السماوي إلى خدمة أهوائهم، فلاحظ الناس أن هؤلاء الكهنة ~~يحكمون في قضية بحكم ما يختلف عن حكم آخر في قضية متشابهة. إنهم القضاة ~~أنفسهم والقضايا متشابهة متماثلة، لكن حكم الهوى يختلف من قضية إلى أخرى، ~~بل وقد يتناقض مع الحكم الأول، فقال الناس عن هؤلاء الكهنة: لقد خرجوا عن ~~منطق الدين واتبعوا أهواءهم، ليثبتوا لهم سلطة زمنية، فنحن لم نعد نأمنهم ~~على ذلك. وخرج التقنين والحكم من يد الكهنة ورجال الدين إلى غيرهم من ~~رجال التقنين. لقد كان أمر القضاء بين الكهنة ورجال الدين لأن الناس ~~افترضت فيهم أنهم يأخذون الأحكام من منهج الله، فلما تبين للناس أن ~~الكهنة ورجال الدين لا يأخذون الحكم من منهج الله، ولكن من الهوى البشرى، ~~عند ذلك أخذ الناس زمام التقنين لأنفسهم بما يضمن لهم عدالة ما حتى ولو ~~كانت قاصرة. # وبمناسبة كلمة الهوى نجد أن هناك ثلاثة ألفاظ: أولا: الهواء هو ما بين ~~السماء والأرض، ويراد به الريح ويحرك الأشياء ويميلها وجمعه: الأهوية ~~وهذا أمر حسي. ثانيا: الهوى: وهو ميل النفس، وجمعه: الأهواء، وهو مأخوذ ~~من هوى يهوى بمعنى مال. ثالثا: الهوى: بفتح الهاء وضمها وتشديد ~~الياء وهو السقوط مأخوذ من هوى يهوي: بمعنى سقط. وهذا يدل على أن ~~الذي يتبع هواه لابد أن يسقط، والاشتقاقات اللغوية تعطي هذه المعنى. إنها ~~متلاقية. إذن الراسخون في العلم يقفون ثابتين عند منهج الله. وأما الذين ~~يتبعون أهواءهم فهم يميلون على حسب ميل الريح. فإن الريح مالت، مالوا حيث ~~تميل. ويقول الراسخون في العلم في نهاية علمهم: آمنا { والراسخون ~~في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } [آل ~~عمران: 7]. وهنا تلتقي المسألة، فنحن نعرف أن المحكم نزل للعمل به، ~~والمشابه نزل للإيمان به لحكمة يريدها الله سبحانه وتعالى، وهي أن ms0963 نأخذ ~~الأمر من الآمر لا لحكمة الأمر. وعندما نأخذ الأوامر من الحق فلا نسأل عن ~~علتها لأننا نأخذها من خالق محب حكيم عادل. والإنسان إن لم ينفذ الأمر ~~القادم من الله إلا إذا علم علته وحكمته فإننا نقول لهذا الإنسان: أنت لا ~~تؤمن بالله ولكنك تؤمن بالعلة والحكمة، والمؤمن الحق هو من يؤمن بالأمر ~~وإن لم يفهم. والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند الله، ~~المحكم من عند ربنا والمتشابه من عند ربنا. ويضيف سبحانه: { وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب } [آل عمران: 7] و " أولوا ~~الألباب " أي أصحاب العقول المحفوظة من الهوى، لأن آفة الرأي الهوى، ~~والهوى يتمايل به. { وما يذكر إلا أولوا الألباب } ~~[آل عمران: 7] و " اللب " هو: العقل، يخبرنا الله أن العقل يحكم لب ~~الأشياء لا ظواهر الأشياء وعوارضها، فهناك أحكام تأتي للأمر الظاهر، ~~وأحكام للب. الحق يأمر بقطع يد السارق. وبعد ذلك يأتي من يمثل دور حامي ~~الإنسانية والرحمة ويقول: " هذه وحشية وقسوة "! هذا ظاهر الفهم، إنما ~~لب الفهم أني أردت أن تقطع يد السارق حتى أمنعه أن يسرق لأن كل واحد ~~يخاف على ذاته، فيمنعه ذلك أن يسرق. وقد قلنا من قبل إن حادثة سيارة قد ~~ينتج عنها مشوهون قدر من قطعت أيديهم بسبب السرقة في تاريخ الإسلام ~~كله، فلا تفتعل وتدعي أنك رحيم ولا تنظر إلى العقاب حين ينزل بالمذنب، ~~ولكن انظر إلى الجريمة حين تقع منه، فإن الله يريد أن يحمي حركة الحياة ~~للناس بحيث إذا عملت وكددت واجتهدت وعرقت يضمن الله لك حصيلة هذا العمل، ~~فلا يأتي متسلط يتسلط عليك ليأخذ دمه من عرقك أنت. # إذن فهو يحمي حركة الحياة وتحرك كل واحد وهو آمن، هذا " لب " الفهم، ~~ولذلك يقول تعالى: # ولكم في القصاص حياة.. # [البقرة: 179]، إياكم أن تقولوا: إن هذا القصاص اعتداء على حياة فرد. ~~لا، لأن " لكم في القصاص حياة " إن من علم إنه إن قتل فسيقتل، سيمتنع ~~عن القتل، إذن فقد حمينا نفسه وحمينا الناس منه، وهكذا يكون في ms0964 القصاص ~~حياة، وذلك هو لب الفهم في الأشياء فالله سبحانه وتعالى يلفتنا وينبهنا ~~ألا نأخذ الأمور بظواهرها، بل نأخذها بلبها، وندع القشور التي يحتكم ~~إليها أناس يريدون أن ينفلتوا من حكم الله. و { والراسخون في ~~العلم } [آل عمران: 7] حينما فصلوا في أمر المتشابه دعوا الله ~~بالقول الذي أنزله - سبحانه -: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد ~~إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة... }. ### || [3.8] # فكأن قول الراسخين في العلم: إن كل محكم وكل متشابه هو من عند الله، ~~والمحكم نعمل به، والمتشابه نؤمن به، فهذه هي الهداية ثم يكون الدعاء ~~بالثبات على هذه الهداية، والمعنى: يا رب ثبتنا على عبادتك ولا تجعل ~~قلوبنا تميل أو تزيغ. وهذا يدلنا على أن القلوب تتحول وتتغير لذلك يأتي ~~القول الفصل بالدعاء على الثبات الإيماني: { ربنا لا تزغ ~~قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة ~~إنك أنت الوهاب } [آل عمران: 8]. إنهم يطلبون رحمة هبة لا ~~رحمة حق، فليس هناك مخلوق له حق على الله إلا ما وهبه الله له. والراسخون ~~في العلم يطلبون من الله الرحمة من الوقوع في الهوى بعد أن هداهم الله ~~إلى هذا الحكم السليم بأن المتشابه والمحكم كل من عند الله ويعلموننا كيف ~~يكون الطريق إلى الهداية وطلب رحمة الهبة. والراسخ في العلم ما دام قد ~~علم شيئا فهو يريد أن يشيعه في الناس، لذلك يقول لنا: إياكم أن تظنوا أن ~~المسألة مسألة فهم لنص وتنتهي، إن المسألة يترتب عليها أمر آخر، هذا ~~الأمر الآخر لا يوجد في الدنيا فقط، فهناك آخرة، فالدنيا مقدور عليها ~~لأنها محدودة الأمد ومنتهية، ولكن هناك الآخرة التي تأتي بعد الدنيا حيث ~~الخلود، فيقول الحق على لسان الراسخين في العلم: { ربنآ إنك ~~جامع الناس ليوم لا ريب فيه... }. ### || [3.9] # وقولهم: " ربنا " نفهم منه أنه الحق المتولي التربية، ومعنى التربية هو ~~إيصال من تتم تربيته إلى الكمال المطلوب له، فهناك رب يربي، وهناك عبد ~~تتم تربيته، والرب يعطي الإنسان ما يؤهله إلى الكمال المطلوب له. ~~والمؤمنون ms0965 يرجون الله قائلين: يا رب من تمام تربيتك لنا أن تحمينا من ~~عذاب الآخرة، فإذا ما عشنا الدنيا وانتهت فنحن نعلم أنك جامع الناس ليوم ~~لا ريب فيه، وما دمت ربا، وما دمت إلها فإنك لا تخلف الميعاد فالذي يخلف ~~الميعاد لا يكون إلها لأن الإله ساعة الوعد يعلم بتمام قدرته وكمال علمه ~~أنه قادر على الإنفاذ، إنما الذي ليس لديه قدرة على الإنفاذ لا يستطيع أن ~~يعد إلا مشمولا بشيء يستند إليه، كقولنا نحن العباد: " إن شاء الله " ~~لماذا؟ لأن الواحد منا لا يملك أن يفي بما وعد. حينما تعرضنا إلى قول ~~الحق سبحانه وتعالى: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن ~~يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا # [الكهف: 23-24]. قلنا إياك أن تقول: إني سأفعل شيئا إلا أن تشتمله ~~وتربطه بمشيئة الله لأنك أنت إن وعدت، فأنت لا تضمن عمرك ولا إنفاذ وعدك، ~~إنك لن تفعل شيئا إلا بإرادة الله، لذلك فلا تعد إلا بالمشيئة، لأنك تعد ~~بما لا تضمن، فأنت في حقيقة الأمر لا تملك شيئا، فإن أردت فعل أي شيء أو ~~الذهاب إلى أي مكان فالفعل يحتاج إلى فاعل ومفعول وزمان ومكان وسبب، ثم ~~يحتاج إلى قدرة لتنفيذ الفعل. والإنسان لا يملك من هذه الأشياء إلا ما ~~يشاء الله له أن يملكه. إن الإنسان لا يملك أن يظل فاعلا. والإنسان لا ~~يملك إن وجد الفاعل أن يوجد المفعول. والإنسان لا يملك الزمن، ولا يملك ~~المكان، بل لا يملك الإنسان أن يظل السبب قائما ليفعل ما كان يريد أن ~~يفعله فكل هذه العناصر، الفاعل والمفعول، والزمان، والمكان، والسبب، لا ~~يملكها إلا الله. لذلك فليحم الإنسان نفسه من أن يكون كاذبا ومجازفا ~~وليكن في ظل قوله تعالى: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن ~~يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا # [الكهف: 23-24]. إن كلمة " إلا أن ms0966 يشاء الله " تعصم الإنسان من أن يكون ~~كاذبا. وعندما لا يحدث الذي يعد به الإنسان، فمعنى ذلك أن الله لم يشأ ~~لأن الإنسان لا يملك عنصرا واحدا من عناصر هذا الفعل. وعندما يقول ~~الحق: { ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه ~~إن الله لا يخلف الميعاد } [آل عمران: 9] لأن الذي يخلف ~~الميعاد إنما تمنعه قوة قاهرة تأتيه ولو من تغير نفسه تمنعه أن يفعل، أما ~~الله فلا تأتي قوة قاهرة لتغير ما يريد أن يفعل، ولا يمكن أن يتغير لأن ~~التغير ليس من صفات القديم الأزلي. # وحين يؤكد الحق أنه سيتم جمعنا بمشيئته في يوم لا ريب فيه، وأن الله لا ~~يخلف الميعاد، فمن المؤكد أننا سنلتقي. وسنلتقي لماذا؟ لقد قال الراسخون ~~في العلم: عملنا بالمحكم، وآمنا بالمتشابه، ودعوا الله أن يثبت قلوبهم ~~على الهداية رحمة من عنده، وأن يبعد قلوبهم عن الزيغ لأنهم خائفون من ~~اليوم الذي سيجمع الله الناس فيه، إننا سنلتقي للحساب على أفعالنا ~~وإيماننا. وبعد ذلك يقول الحق جل شأنه: { إن الذين كفروا لن ~~تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله ~~شيئا... }. ### || [3.10] # ساعة تسمع وأنت المؤمن، ويسمع معك الكافر، ويسمع معك المنافق: # ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن ~~الله لا يخلف الميعاد # [آل عمران: 9] ربما فكر الكافر أو المنافق أن هناك شيئا قد ينقذه مما ~~سيحدث في ذلك اليوم، كعزوة الأولاد، أو كثرة مال يشتري نفسه به، أو خلة، ~~أو شفاعة، هنا يقول الحق لهم: لا، إن أولادكم وأموالكم لا تغني عنكم ~~شيئا. وفي اللغة يقال: هذا الشيء لا يغني فلانا، أي أنه يظل محتاجا ~~إلى غيره لأن الغنى هو ألا تحتاج إلى الغير، فالأموال والأولاد لا ~~تغني أحدا في يوم القيامة، والمسألة لا عزوة فيها، لا أنساب بينهم ~~يومئذ والجنة ليست للبيع، فلا أحد يستطيع شراء مكان في الجنة بمال يملكه. ~~وكان الكافرون على أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون ذلك القول ~~الشاذ يقولون: ما دام الله قد ms0967 أعطانا أموالا وأولادا في الدنيا فلا بد ~~أن يعطينا في الآخرة ما هو أفضل من ذلك. ولذلك يقول الله لهم: { إن ~~الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا } [آل عمران: 10] إذن فالأمر كله ~~مردود إلى الله. صحيح في هذه الدنيا أن الله قد يخلق الأسباب، والكافر ~~تحكمه الأسباب، وكذلك المؤمن، فإذا ما أخذ الكافر بالأسباب فإنه يأخذ ~~النتيجة، ولكن في الآخرة فالأمر يختلف فلن يملك أحد أسبابا، ولذلك يقول ~~الحق عن اليوم الآخر: # يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء ~~لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. إن البشر في الدنيا يملكون الأسباب، ويعيشون مختلفين في ~~النعيم على اختلاف أسبابهم، واختلاف كدحهم في الحياة، واختلاف وجود ما ~~يحقق للإنسان المتع، لكن الأمر في الآخرة ليس فيه كدح ولا أسباب لأن ~~الإنسان المؤمن يعيش بالمسبب في الآخرة وهو الله - جلت قدرته - فبمجرد ~~أن يخطر الشيء على بال المؤمن في الجنة فإن الشيء يأتي له. أما الكفار ~~فلا يغني عنهم مالهم ولا أولادهم، لأنهم انشغلوا في الدنيا بالمال ~~والأولاد وكفروا بالله. # سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنآ ~~أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون ~~بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.. # [الفتح: 11]. إذن فما انشغل به الكفار في الدنيا لن ينفعهم، ويضيف الحق ~~عن الكفار في تذييل الآية التي نحن بصددها: { وأولئك هم وقود ~~النار } [آل عمران: 10] إنهم المعذبون، وسوف يتعذبون في النار. ولنر ~~النكاية الشديدة بهم، إن الذين يعذبون هم الذي يعذبون لأنهم ~~بأنفسهم سيكونون وقود النار. إن المعذب - بفتح العين وفتح الذال مع ~~التشديد - يكون هو المعذب - بفتح العين وكسر الذال مع التشديد. فهذه ~~ثورة الأبعاض. # فذرات الكافر مؤمنة، وذرات العاصي طائعة، والذي جعل هذه الذرات تتجه ~~إلى فعل ما يغضب الله هو إرادة صاحبها عليها. وضربنا قديما المثل - ~~ولله المثل الأعلى - وقلنا: هب أن كتيبة لها قائد، فالمفروض في الكتيبة ~~أن تسمع أمر القائد، وتقوم بتنفيذ ما أمر به فإذا ما جاءوا للآمر والقائد ~~الأعلى بعد ذلك ms0968 فإنهم يرفعون أمرهم إليه ويقولون له: بحكم الأمر نفذنا ~~العمل الذي صدر لنا من قائدنا المباشر وكنا غير موافقين على رأيه. وفي ~~الحياة الإيمانية نجد القول الحكيم من الخالق: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. فكان اللسان ينطق بكلمة الكفر وهو لاعن لصاحبه. واليد ~~تتقدم إلى المعصية وهي كارهة لصاحبها ولاعنة له، إن إرادة الله العليا ~~هي التي جعلت للكافر إرادة على يده ولسانه في الدنيا، وينزع الله إرادة ~~الكافر عن جوارحه يوم القيامة فتشهد عليه أنه أجبرها على فعل المعاصي، ~~وتعذب الأبعاض بعضها، وعندما يقول الحق: { وأولئك هم وقود ~~النار } [آل عمران: 10] وهنا مسألة يجب أن نلتفت إليها ونأخذها من ~~واقع التاريخ، هذه المسألة هي أن الذين كفروا برسالات الله في الأرض ~~تلقوا بعض العذاب في الدنيا لأن الله لا يدخر كل العقاب للآخرة وإلا ~~لشقي الناس بالكافرين وبالعاصين، ولذلك فإن الله يعجل بشيء من ~~العقاب للكافرين والعاصين في هذه الدنيا. ويقول الحق مثالا على ذلك: { ~~كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا ~~بآياتنا... }. ### || [3.11] # وساعة تسمع " كدأب كذا " فالدأب هو العمل بكدح وبلا انقطاع فنقول: فلان ~~دأبه أن يفعل كذا أي هو معتاد دائما أن يفعل كذا. أو نقول: ليس لفلان ~~دأب إلا أن يغتاب الناس. فهل معنى ذلك أن كل أفعاله محصورة في اغتياب ~~الناس، أو أنه يقوم بأفعال أخرى؟ إنه يقوم بأفعال أخرى لكن الغالب عليه ~~هو الاغتياب، وهذا هو الدأب. فالدأب هو السعي بكدح وتوال حتى يصبح الفعل ~~بالتوالي عادة. إذن فقوله الحق: { كدأب آل فرعون } [آل عمران: ~~11] أي كعادة آل فرعون. وآل فرعون هم قوم جاءوا قبل الرسالة الإسلامية، ~~وقبلهم كان قوم ثمود وعاد وغيرهم. ويلفتنا الحق سبحانه إلى أن ننظر إلى ~~هؤلاء ونرى ما الذي حدث لهم، إنه سبحانه لم يؤخر عقابهم إلى الآخرة لأنه ~~ربما ظن الناس أن الله قد ادخر عذاب الكافرين إلى الآخرة لأنه قال: # إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله ms0969 شيئا وأولئك هم وقود النار # [آل عمران: 10]. لا، بل العذاب أيضا في الدنيا مصداقا لقوله الحق: # لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة ~~أشق وما لهم من الله من واق # [الرعد: 34]. إن العذاب لو تم تأجيله إلى الآخرة لشقي الناس بالأشقياء، ~~لذلك يأتي الله بأمثلة من الحياة ويقول: { كدأب آل فرعون } [آل ~~عمران: 11] أي كعادة آل فرعون، ولا تصير مسألة عادة إلا بالكدح في العمل، ~~وكان دأب آل فرعون هو التكذيب والطغيان وادعاء فرعون الألوهية. ويقول ~~سبحانه: { والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا ~~فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب } [آل ~~عمران: 11] فصار الدأب منهم، ومما وقع بهم، فإذا كانوا قد اعتادوا الكفر ~~والتكذيب فقد أوقع الله عليهم العذاب. لقد كان دأب آل فرعون هو التكذيب، ~~والخالق - سبحانه - يجازيهم على ذلك بتعذيبهم، ولتقرأ إن شئت قول الحق ~~سبحانه وتعالى: # والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * واليل ~~إذا يسر * هل في ذلك قسم لذى حجر * ألم تر ~~كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم ~~يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا ~~الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * الذين ~~طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب ~~عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 1-14]. فدأبهم التكذيب وجزاء الله لهم على ذلك هو العذاب ~~والعقاب. إذن فقوله الحق: { فأخذهم الله بذنوبهم ~~والله شديد العقاب } [آل عمران: 11] أي أوقع بهم العذاب في ~~الدنيا، وكانت النهاية ما كانت في آل فرعون وثمود ومن قبلهم من القوم ~~الكافرين. وعندما تسمع قول الله: { والله شديد العقاب } [آل ~~عمران: 11] فالذهن ينصرف إلى أن هناك ذنبا يستحق العقاب. # وكل الأمور من المعنويات مأخوذة دائما من المحسات لأن الأصل في ~~إيجاد أي معلومات معنوية هو المشاهد الحسية، وتنقل الأشياء الحسية ~~إلى المعنويات بعد ذلك. لماذا؟ لأن الشيء الحسي مشهود من الجميع، أما ~~الشيء المعنوي فلا يفهمه إلا المتعقلون، والإنسان له أطوار كثيرة. ففي ~~طور الطفولة لا يفهم ولا يعقل الإنسان إلا الأمر المحسوس أمامه. وقلت ~~قديما في معنى كلمة " الغصب ": إنه ms0970 أخذ وسلب شيء من إنسان صاحب حق بقوة، ~~وهذا أمر معنوي له صورة مشهدية لأن الذي يسلخ الجلد عن الشاة نسميه ~~غاصبا. ولنر كيف يكون أخذ الحق من صاحبه، إنه كالسلخ تماما، فالكلمة ~~تأتي للإيضاح. وكلمة " ذنب " وكلمة " عقوبة " مترابطتان فكلمة " ذنب " ~~مأخوذة من مادة ذنب لأن المادة كلها تدل على " التالي " والذنب يتلو ~~المقدمة في الحيوان. والعقاب هو ما يأتي عقب الشيء. إذن فهناك ذنب وهناك ~~عقاب. لكن ماذا قبل الذنب، وماذا يتلو العقاب؟ لا يوجد ذنب إلا إذا ~~وجد نص يجرم، فلا ذنب إلا بنص. فليس كل فعل هو ذنب، بل لابد من ~~وجود نص قبل وقوع الذنب. يجرم فعله ولذلك أخذ التقنين الوضعي هذا الأمر، ~~فقال: لا يمكن أن يعاقب إنسان إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص، فلا يمكن ~~أن يأتي إنسان فجأة ويقول: هذا العمل جريمة يعاقب عليها. بل لابد من ~~التنبيه والنص من قبل ذلك على تجريم هذا العمل. إنه لا عقوبة إلا بتجريم، ~~ولا تجريم إلا بنص. فالنص يوضح تجريم فعل نوع ما من العمل، وإن قام إنسان ~~بهذا العمل فإنه يجرم، ويكون ذلك هو الذنب، فكأن الذنب جاء تاليا لنص ~~التجريم. والعقاب يأتي عقب الجريمة، وهكذا نجد أن كلا من الذنب والجريمة ~~يأخذان واقع اللفظ ومدلوله ومعناه فالذنب هو التالي للشيء. ولذلك ~~يسمون الدلو الذي يملأونه بالماء " ذنوبا " لأنه هو الذي يتلو ~~الحبل. وأيضا الجزاء في الآخرة: # فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم ~~فلا يستعجلون # [الذاريات: 59]. أي ذنوبا تتبع، وتتلو جريمتهم. إذن فالنص القرآني في ~~أي ذنب وفي أي عقاب يؤكد لنا القضية القانونية الإصطلاحية الموجودة في كل ~~الدنيا: إنه لا عقوبة دون تجريم. فكان العقاب بعد الجريمة أي بعد الذنب، ~~والذنب بعد النص، فلا نأتي لواحد بدون نص سابق ونقول له: أنت ارتكبت ~~ذنبا. وهذه تحل إشكالات كثيرة، مثال ذلك: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما ~~عظيما # [النساء: ms0971 48]. إن الله يغفر ما دون الشرك بالله، فالشرك بالله قمة ~~الخيانة العظمى وهذا لا غفران فيه وبعد ذلك يغفر لمن يشاء. # ويقول الحق في آية أخرى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم # [الزمر: 53]. فهناك بعض من الناس يقولون: إن الله قال: إنه لا يغفر أن ~~يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، حتى إنهم قالوا: إن ابن عباس ساعة ~~جاءت هذه الآية التي قال فيها الحق: " إن الله يغفر الذنوب جميعا " قال: ~~" إلا الشرك " وذلك حتى لا تصطدم هذه الآية من الآية الاخرى. والواقع أنه ~~حين يدقق أولو الألباب فلن نجد اصطداما، لأن الذين أسرفوا على أنفسهم. ~~هم من عباد الله الذين آمنوا ولم يشركوا بربهم أحدا، ولكنهم زلوا ~~وغووا ووقعوا في المعاصي فهؤلاء يقال عنهم: إنهم مذنبون لأنهم مؤمنون ~~بالله معترفون بالذي أنزله، أما المشرك فلم يعترف بالله ولا بما شرع وقنن ~~من أحكام، فما هو عليه لا يسمى ذنبا وإنما هو كفر وشرك. فلا تعارض ولا ~~تصادم في آيات الرحمن. وعندما يقول الحق: { كدأب آل فرعون ~~والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ~~بذنوبهم والله شديد العقاب } [آل عمران: 11]. فهذا ~~القول الحكيم متوازن ومتسق، فالذنب يأتي بعد النص، والعقاب من بعد ~~ذلك. ويقول الحق آمرا رسوله ببلاغ الكافرين: { قل للذين ~~كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم... }. ### || [3.12] # إنه أمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو المبلغ عن الله، أن يحمل ~~للكافرين خبرا فيه إنذار. من هم هؤلاء الكفار؟ هل هم كفار قريش؟ الأمر ~~جائز. هل هم اليهود؟ الأمر جائز. فالبلاغ يشمل كل كافر. والنص القرآني ~~حينما يأتي فهو يأتي على غير عادة الناس في الخطاب، ولأضرب هذا المثل - ~~ولله المثل الأعلى وسبحانه منزه عن التشبيه أو المثل - أنت تقول لابنك: ~~اذهب إلى عمك، وقل له: إن أبي سيحضر لزيارتك غدا. فماذا يكون كلام الابن ~~للعم؟ إن الابن يذهب للعم ويقول له: إن ms0972 أبي سيزورك غدا. لكن الآمر وهو ~~الأب يقول: قل لعمك إن أبي سيزورك غدا. فإذا كان الابن دقيق الأمانة فهو ~~يقول: - قال أبي: - قل لعمك إن أبي سيزورك غدا. وعندما يقول الحق سبحانه ~~{ قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى ~~جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 12]. فهذا معناه قمة الأمانة ~~من الرسول المبلغ عن الله، فنقل للكافرين النص الذي أمره الله بتبليغه ~~للكافرين. وإلا كان يكفي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذهب للكافرين ~~ويقول لهم: ستغلبون وتحشرون. لكن من يدريهم أن هذا الكلام ليس من عند ~~محمد وهو بشر؟ لذلك يبلغهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أبلغه أن ~~يبلغهم بقوله: { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون ~~إلى جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 12]. إن الرسول لم ~~يبلغهم بمقول القول: لا، إنما أبلغهم نص البلاغ الذي أبلغه به الله. ~~وساعة يأمر الحق في قرآنه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ أمرا ~~للكافرين فإن الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطب، والكفار مخاطبون، ~~فعندما يواجههم فإنه يقول لهم: ستغلبون.. وفي آية أخرى يقول الحق: # قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد ~~سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين # [الأنفال: 38]. إن القياس أن يقول: إن تنتهوا يغفر لكم ما قد سلف، لكن ~~الحق قال: " إن ينتهوا " ، فكأن الله حينما قال كان الكفار غير حاضرين ~~للخطاب ورسول الله هو الحاضر للخطاب، والله يتكلم عن غائبين. ولكن الله - ~~سبحانه - في هذه الآية التي نحن بصددها يحمل الرسول تمام البلاغ فمرة ~~يكون النقل من الآمر الأول كما صدر منه سبحانه كقوله: " إن ينتهوا " ومرة ~~يأمره الآمر الأول أن يبلغ الكلمة التي يكون بها مخاطبا أي لا تقل: ~~سيغلبون وقل: " ستغلبون " لأنك أنت الذي ستخاطبهم. وهذه الدقة الأدائية ~~لا يمكن إلا أن تكون من قادر حكيم. إنه بلاغ إلى كفار قريش أو إلى مطلق ~~الذين كفروا. والغلب سيكون في الدنيا، والحشر يكون في الآخرة. # فإذا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل النص القرآني ms0973 " ستغلبون ~~" فمتى قالها رسول الله؟ لقد قالها والمسلمون قلة لا يستطيعون حماية ~~أنفسهم، ولا يقدرون على شيء. وكل مؤمن يحيا في كنف آخر، أو يهاجر إلى ~~مكان بعيد. فهل يمكن أن يأتي هذا البلاغ إلا ممن يملك مطلق الأسباب؟ لقد ~~قالها الرسول مبلغا عن الله، والمسلمون في حالة من الضعف واضحة، وما دام ~~قد قالها، فهي حجة عليه، لأن من أبلغه إياها وهو الله قادر على أن ~~يفعلها. { قل للذين كفروا ستغلبون } [آل عمران: 12] ~~ليس العقاب في الدنيا فقط، ولكن في الآخرة أيضا { وتحشرون إلى ~~جهنم وبئس المهاد } [آل عمران: 12] هذه المسألة بشارة لرسول ~~الله ولأصحابه، وإنذار للكافرين به، ويتم تحقيقها في موقعة بدر. فسيدنا ~~عمر بن الخطاب لما نزل قول الله: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. تساءل عمر بن الخطاب: أي جمع هذا؟ إنه يعلم أن المسلمين ~~ضعاف لا يقدرون على ذلك، وأسباب انتصار المسلمين غير موجودة، ولكن رسول ~~الله لم يكن يكلم المؤمنين بالأسباب، إنما برب الأسباب، فإذا ما تحدى ~~وأنذرهم، مع أنه وصحبه ضعاف أمامهم، فقد جاء الواقع ليثبت صدق الحق في ~~قوله: " ستغلبون " ويتم انتصار المسلمين بالفعل، ويغلبون الكافرين. ألا ~~يجعل صدق بلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يحدث في الدنيا دليل صدق ~~على ما يحدث في الآخرة؟ إن تحقيق " ستغلبون " يؤكد " وتحشرون إلى جهنم ~~". وفي هذه الآية شيئان: الأول بلاغ عن هزيمة الكفار في الدنيا وهو أمر ~~يشهده الناس جميعا، والأمر الآخر هو في الآخرة وقد يكذبه بعض الناس. ~~وإذا كان الحق قد أنبأ رسوله بأنك يا محمد ستغلب الكافرين وأنت لا تملك ~~أسباب الغلبة عليهم. ومع ذلك يأتي واقع الأحداث فيؤكد أن الكافرين قد ~~تمت هزيمتهم. وما دام قد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن ~~الأولى ولم يكن يملك الأسباب فلابد أن يكون صادقا في البلاغ في الثانية ~~وهي البلاغ عن الحشر في نار جهنم. وبعض المفسرين قد قال: إن هذه المقولة ~~لليهود لأن اليهود حينما انتصر المسلمون في بدر ms0974 زلزلوا زلزالا ~~شديدا، فلم يكن اليهود على ثقة في أن الإسلام والمسلمين سينتصرون في ~~بدر، فلما انتصر الإسلام في بدر قال بعض اليهود: إن محمدا هو الرسول ~~الذي وعدنا به الله والأولى أن نؤمن به فقال قوم منهم: انتظروا إلى ~~معركة أخرى. أي لا تأخذوها من أول معركة، فانتظروا، وجاءت معركة أحد، ~~وكانت الحرب سجالا. ولنا أن نقول: وما المانع أن تكون الآية لليهود ~~وللمشركين ولمطلق الذين كفروا؟ فاللفظ عام وإن كان قد ورد أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال لهم: يا معشر ~~اليهود احذروا مثل ما نزل بقريش وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، ~~فقد عرفتم أني نبي مرسل. # فماذا قالوا له؟ قالوا له: لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا - أي ~~قوما من غمار الناس لم يجربوا الأمور - لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم ~~فرصة، لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس، فأنزل الله قوله: { قل ~~للذين كفروا ستغلبون... } [آل عمران: 12] إلخ الآية. ~~والمهاد هو ما يمهد عادة للطفل حتى ينام عليه نوما مستقرا أي له ~~قرار، وكلمة " بئس المهاد " تدل على أنهم لا قدرة لهم على تغيير ما هم ~~فيه، كما لا قدرة للطفل على أن يقاوم من يضعه للنوم في أي مكان. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { قد كان لكم آية في فئتين التقتا ~~فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة... }. ### || [3.13] # وحين يقول الحق: { قد كان لكم آية } [آل عمران: 13]. فمن ~~المخاطب بهذه الآية؟ لا شك أن المخاطب بهذه الآية كل من كانت حياته ~~بعد هذه الواقعة، سواء كان مؤمنا أو كافرا، فالمؤمن تؤكد له أن نصر ~~الله يأتي ولو من غير أسباب، والكافر تأتي له الآية بالعبرة في أن الله ~~يخذله ولو بالأسباب، إن الله جعل من تلك الموقعة آية. والآية هي الشيء ~~العجيب أي إن واقعه ونتائجه لا تأتي وفق المقدمات البشرية. نعم هذا ~~خطاب عام لكل من ينتسب إلى أي فئة من الفئتين المتقاتلين، ms0975 سواء كانت ~~فئة الإيمان أو فئة الكفر. ففئة الإيمان لكي تفهم أنه ليست الأسباب ~~المادية هي كل شيء في المعركة بين الحق والباطل، لأن لله جنودا لا ~~يرونها. وكذلك يخطئ هذا الخطاب فئة الكافرين فلا يقولون: إن لنا ~~أسبابنا من عدد وعدة قوية، فقد وقعت المعركة بين الحق والباطل من قبل ~~وقد انتصر الحق. وكلمة " فئة " إذا سمعتها تصورت جماعة من الناس، ولكن ~~لها خصوصية فقد توجد جماعة ولكن لكل واحد حركة في الحياة. ولكن حين نسمع ~~كلمة " فئة " فهي تدل على جماعة، وهي بصدد عمل واحد. ففي غير الحرب كل ~~واحد له حركة قد تختلف عن حركة الآخر. ولكن كلمة " فئة " تدل على جماعة ~~من الناس لها حركة واحدة في عمل واحد لغاية واحدة. ولا شك أن الحرب تصور ~~هذه العملية أدق تصوير، بل إن الحرب هي التي توحد كل فئة في سبيل ~~الحركة الواحدة والعمل الواحد للغاية الواحدة لأن كل واحد من أي فئة لا ~~يستطيع أن يحمي نفسه وحده، فكل واحد يفئ ويرجع إلى الجماعة، ولا يستطيع ~~أن ينفصل عن جماعته. ولكن الفرد في حركة الحياة العادية يستطيع أن ينفصل ~~عن جماعته. إذن فكلمة " فئة " تدل على جماعة من الناس في عملية واحدة، ~~وتأتي الكلمة دائما في الحرب لتصور كل معسكر يواجه آخر. وحين يقول الحق: ~~{ قد كان لكم آية في فئتين التقتا } [آل عمران: 13] ~~أي أن هناك صراعا بين فئتين، ويوضح الحق ماهية كل فئة فيقول: { فئة ~~تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة } [آل عمران: 13]. ~~وحين ندقق النظر في النص القرآني، نجد أن الحق لم يورد لنا وصف الفئة ~~التي تقاتل في سبيل الله ولم يذكر أنها فئة مؤمنة، وأوضح أن الفئة الأخرى ~~كافرة، وهذا يعني أن الفئة التي تقاتل في سبيل الله لابد أن تكون فئة ~~مؤمنة، ولم يورد الحق أن الفئة الكافرة تقاتل في سبيل الشيطان اكتفاء بأن ~~كفرها لابد أن يقودها إلى أن تقاتل في سبيل الشيطان. # لقد حذف الحق من وصف الفئة ms0976 الأولى ما يدل عليه في وصف الفئة الثانية. ~~وعرفنا وصف الفئة التي تقاتل في سبيل الله من مقابلها في الآية وهي الفئة ~~الأخرى. فمقابل الكافرة مؤمنة، وعرفنا - أيضا - أن الفئة الكافرة إنما ~~تقاتل في سبيل الشيطان لمجرد معرفتنا أن الفئة الأولى المؤمنة تقاتل في ~~سبيل الله. ويسمون ذلك في اللغة " احتباك ". وهو أن تحذف من الأول نظير ~~ما أثبت في الثاني، وتحذف من الثاني نظير ما أثبت في الأول، وذلك حتى لا ~~تكرر القول، وحتى توضح الالتحام بين القتال في سبيل الله والإيمان، ~~والقتال في سبيل الشيطان والكفر. إذن فالآية على هذا المعنى توضح لنا ~~الآتي: لقد كان لكم آية، أي أمر عجيب جدا لا يسير ولا يتفق مع منطق ~~الأسباب الواقعية في فئتين، فعندما التقت الفئة المؤمنة في قتال مع الفئة ~~الكافرة، استطاعت الجماعة المؤمنة المحددة بالغاية التي تقاتل من أجلها - ~~وهي القتال في سبيل الله - أن تنتصر على الفئة الكافرة التي تقاتل في ~~سبيل الشيطان. وبعد ذلك يقول الحق: { يرونهم مثليهم رأي ~~العين } [آل عمران: 13] فنحن أمام فئتين، فمن الذي يرى؟ ومن الذي ~~يرى؟ ومن الرائي ومن المرئي؟ إن كان الرائي هم المؤمنين فالمرئي هم ~~الكافرون. وإن كان الرائي هم الكافرين فالمرئي هم المؤمنون ولنر الأمر ~~على المعنيين: فإن كان الكافرون هم الذين يرون المؤمنين، فإنهم يرونهم ~~مثليهم أي ضعف عددهم، وكان عدد الكافرين يقرب من ألف. إذن فالكافرون يرون ~~المؤمنين ضعف أنفسهم، أي ألفين. وقد يكون المعنى مؤديا إلى أن المؤمنين ~~يرون الكافرين ضعف عددهم الفعلي. وقد يؤدى المعنى الى أن الكافرين يرون ~~المؤمنين ضعف عددهم وكان عدد المؤمنين يقرب من ثلاثمائة وأربعة عشر، وضعف ~~هذا العدد هو ستمائة وثمانية وعشرون مقاتلا. فأن أخذنا معنى " مثليهم " ~~على عدد المؤمنين، فالكافرون يرونهم حوالي ستمائة وثمانية وعشرين ~~مقاتلا، وإن أخذنا معنى " مثليهم " على عدد الكافرين فالكافرون يرون ~~المؤمنين حوالي ألفين. وما الهدف من ذلك؟ إن الحق سبحانه يتكلم عن ~~المواجهة بين الكفر والإيمان حيث ينصر الله الإيمان على الكفر. ms0977 وبعض من ~~الذين يتصيدون للقرآن يقولون: كيف يقول القرآن: { يرونهم ~~مثليهم رأي العين } [آل عمران: 13] وهو يقول في موقع آخر: # إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم ~~كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن ~~الله سلم إنه عليم بذات الصدور * وإذ ~~يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا وإلى الله ترجع الأمور # [الأنفال: 43-44]. وهذه الآية تثبت كثرة، سواء كثرة المؤمنين أو كثرة ~~الكافرين، والآية التي نحن بصدد تناولها بالخواطر الإيمانية تثبت قلة، ~~والمشككون في القرآن يقولون: كيف يتناول القرآن موقعة واحدة على أمرين ~~مختلفين؟ ونقول لهؤلاء المشككين: أنتم قليلو الفطنة لأن هناك فرقا بين ~~الشجاعة في الإقبال على المعركة وبين الروح العملية والمعنوية التي تسيطر ~~على المقاتل أثناء المعركة، والحق سبحانه قد تكلم عن الحالين: قلل الحق ~~هؤلاء في أعين هؤلاء، وقلل هؤلاء في أعين هؤلاء، لأن المؤمنين حين يرون ~~الكافرين قليلا فإنهم يتزودون بالجرأة وطاقة الإيمان ليحققوا النصر. # والكافرون عندما يرون المؤمنين قلة فإنهم يستهينون بهم ويتراخون عند ~~مواجهتهم. ولكن عندما تلتحم المعركة فما الذي يحدث؟ لقد دخلوا جميعا ~~المعركة على أمل القلة في الأعداد المواجهة، فما الذي يحدث في أعصابهم؟ ~~إن المؤمن يدخل المعركة بالاستعداد المكثف لمواجهة الكفار. وأعصاب الكافر ~~تخور لأن العدد أصبح على غير ما توقع، إذن فقول الحق: # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا وإلى الله ترجع الأمور # [الأنفال: 44]. يصور الحالة قبل المعركة لأن الله لا يريد أن يتهيب طرف ~~من طرف فلا تنشأ المعركة. لكن ما إن تبدأ المعركة حتى يقلب الحق الأمور ~~على عكسها، إنه ينقل الشيء من الضد إلى الضد. ونقل الشيء من الضد إيذان ~~بأن قادرا أعلى يقود المشاعر والأحاسيس، والقدرة العالية تستطيع أن تصنع ~~في المشاعر ما تريد. لقد قلل الحق الأعداد أولا حتى لا يتهيبوا المعركة، ~~وفي وقت المعركة جعلهم الله كثيرا في أعين بعضهم البعض، فترى كل فئة ~~الطرف الآخر كثيرا، ms0978 فتتفجر طاقات الشجاعة المؤمنة من نفوس المؤمنين ~~فيقبلون على القتال بحماسة، وتخور نفوس الكافرين عندما يواجهون أعدادا ~~أكثر مما يتوقعون. والحق سبحانه وتعالى يقول: { قد كان لكم آية ~~في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله ~~وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين ~~والله يؤيد بنصره من يشآء إن في ذلك لعبرة ~~لأولي الأبصار } [آل عمران: 13]. إن هذه الآية هي خبر تبشيري لكل ~~مؤمن بالنصر، وهي في الوقت نفسه خبر إنذاري لكل كافر بأن الهزيمة سوف ~~تلحق به إن واجه الجماعة المؤمنة. فإياكم أن تقيموا الأمور بمقاييس ~~الأسباب، فالأسباب المطلوبة منكم هي المقدور عليها للبشر وعليكم أن ~~تتركوا تتمة كل ذلك للقدر، فلا تخور الفئة المؤمنة أمام عدد كثير، ولا ~~تغتروا معشر الكفار بأعدادكم الكثيرة فالسابقة أمامكم تؤكد أن عددا ~~قليلا من المؤمنين قد غلب عددا كثيرا من الكافرين. ومن معاني الآية - ~~أيضا - أن الكافرين يرون المؤمنين مثلي عدد الكافرين، أي ضعف عددهم. ومن ~~معانيها - ثالثا - أن الكافرين يرون المؤمنين ضعف عدد المؤمنين الفعلي. ~~ومن معاني الآية - رابعا - أن يرى المسلمون الكافرين مثليهم، أي مثل ~~المؤمنين مرتين، أي ستمائة نفر وقليلا، وحينئذ يكون عدد الكافرين في ~~عيون المؤمنين أقل من العدد الفعلي لهؤلاء الكافرين. # إذن فما حكاية " مثليهم " هذه؟ لقد وعد الله المؤمنين بنصره حين قال: # يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن ~~يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن ~~يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ~~بأنهم قوم لا يفقهون # [الأنفال: 65]. والنسبة هنا أن المؤمن الواحد يخرج إلى عشرة من الكافرين ~~فيهزمهم، ذلك وعد الله، وحين أراد الله التخفيف قال الحق: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن ~~يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله ~~مع الصابرين # [الأنفال: 66]. لقد خفف الله النسبة، فواحد من المؤمنين يغلب اثنين من ~~الكافرين. فالمؤمنون موعودون من الله بالغلبة حتى وهم ضعاف. والحق يقول ~~في الآية المبشرة للمؤمنين، المنذرة للكافرين، والتي نحن بصددها الآن: ms0979 { ~~والله يؤيد بنصره من يشآء إن في ذلك لعبرة ~~لأولي الأبصار } [آل عمران: 13]. ونحن نسمع كلمة " عبرة " كثيرا، ~~والمادة المأخوذة منها تدل على الدخول من مكان إلى مكان، فيقال عن ذلك " ~~عبور " ، ونحن في حياتنا العادية نخصص في الشوارع أماكن لعبور المشاة، ~~أي المسافة التي يمكن للمشاة أن ينفذوا منها من ضفة الشارع إلى الضفة ~~الأخرى من الشارع نفسه. وعبور البحر هو النفاذ من شاطئ إلى شاطئ آخر. ~~إذن فمادة " العبور " تدل على النفاذ من مكان إلى مكان، و " العبرة " أي ~~الدمعة لأنها تسقط من محلها من العين على الخد. و " العبارة " أي الجملة ~~التي نتكلم بها، فهي تنتقل من الفم إلى الأذن، وهي عبور أيضا. و " ~~العبير " أي الرائحة الجميلة التي تنتقل من الوردة البعيدة عن الإنسان ~~قليلا لتنفذ إلى أنفه. إذن فمادة " العبور " تدل على " النفاذ ". وحين ~~يقول الحق: { إن في ذلك لعبرة } [آل عمران: 13]. أي تنقلكم ~~من أمر قد يخيفكم أيها المؤمنون لأنكم قليل، وهم كثير، إنها تنقلكم إلى ~~نصر الله أيها المؤمنون، وتنقلكم أيها الكافرون إلى الهزيمة برغم كثرة ~~عدتكم وعددكم. فالعبرة هي حدث ينقلك من شيء إلى شيء مغاير، كالظالم ~~الذي نرى فيه يوما، ونقول إن ذلك عبرة لنا، أي إنها نقلتنا من رؤيته في ~~الطغيان إلى رؤيته في المهانة. وهكذا تكون العبرة هي العظمة اللافتة ~~والناقلة من حكم إلى حكم قد يستغربه الذهن، فتذييل هذه الآية الكريمة ~~بهذا المعنى هو إيضاح وبيان كامل، فالحق يقول في بداية هذه الآية: { قد ~~كان لكم آية في فئتين التقتا } [آل عمران: 13] وتنتهي ~~الآية بقوله: { إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } [آل ~~عمران: 13]. # إذن فالعبرة شيء ينقلنا من أمر إلى أمر قد تستغربه الأسباب وذلك إن كنت ~~متروكا لسياسة نفسك، لكن المؤمن ليس متروكا لسياسة نفسه لأن الله لو أراد ~~أن يعذب الكفار بدون مواجهة المؤمنين وحربهم لعذبهم بدون ذلك، ولكن الله ~~يريد أن يكون عذاب الكافرين بأيدي المؤمنين: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور ms0980 قوم مؤمنين # [التوبة: 14]. ولو كان الله يريد أن يعذب الكافرين بغير أيدي المؤمنين ~~لأحدث ظاهرة في الكون تعذبهم، كزلزال يحدث ويدمرهم، ولكن الله يريد أن ~~يعذب الكافرين بأيدي المؤمنين. { والله يؤيد بنصره من ~~يشآء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } [آل عمران: ~~13]، و " الأيد " هو القوة، إذن فهو يريد منك فقط النواة العملية، ثم بعد ~~ذلك يكملها الله بالنصر، " وأيده " أي قواه، ويؤيد الله بنصره من يشاء، ~~وتكون العبرة لأولي الأبصار. وقد يقول قائل: أتكون العبرة لأولي الأبصار ~~أم لأولي البصائر؟ وهنا نقول: إن العبرة هنا لأولي الأبصار لأن الأمر ~~الذي تتحدث عنه الآية هو أمر مشهدي، أمر محسوس، فمن له عينان عليه أن ~~يبصر بهما، فإذا كان التفكير والتدبير ليس أمرا موهوبا لكل مخلوق من ~~البشر، فإن البصر موجود للغالبية من الناس، وكل منهم يستطيع أن يفتح ~~عينيه ليرى هذا الأمر المشهدي. وإذا ما نظرنا إلى المعركة بذاتها وجدنا ~~الدليل الكامل على صدق العبارة فالمؤمنون قلة وعددهم معروف محدود، ~~وعتادهم قليل، ولم يخرجوا بقصد حرب، إنما خرجوا لقصد الاستيلاء على العير ~~المحملة بالأرزاق من طعام وكسوة تعويضا عما اغتصبه المشركون من أموالهم ~~في مكة، ولو أنهم استولوا على العير فقط لما كان النصر عظيما بالدرجة ~~التي كان عليها لأن العير عادة لا تسير بعتاد ضخم إنما تحفظ بالحراسة ~~فقط. ولكن الله يريد لهم النصر على ذات الشوكة، أي الطائفة القوية ~~المسلحة، لقد وعدهم الله بالنصر على إحدى الطائفتين: # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ~~وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد ~~الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر ~~الكافرين # [الأنفال: 7]. لقد كان وعد الله أن ينصر المؤمنين على إحدى الطائفتين، ~~والأمل البشرى كان يود الانتصار على طائفة غير ذات الشوكة أي الطائفة غير ~~المسلحة وهي العير، ولكن مثل هذا النصر لا يكون له دوي النصر على ~~الطائفة المسلحة، فقد كان من السهل أن يقال: إن محمدا ومن معه تعرضوا ~~لجماعة من التجار لا أسلحة معهم ولا جيش، ms0981 ولكن الله يريد أن يجعل من هذه ~~المعركة فرقانا وأن يحق الحق. إنكم أيها المؤمنون لم تخرجوا إلا لقصد ~~العير أي لم يكن استعدادكم كافيا للقتال، أما الكفار فقد جاءوا بالنفير، ~~أي بكل قوتهم فقد ألقت مكة في هذه المعركة بأفلاذ أكبادها. # وعندما يأتي النصر من الله للمؤمنين في مثل هذه الموقعة فهو نصر حقيقي، ~~ويكون آية غاية في العجب من آيات الله. وتصير عبرة للغير. لذلك نجد ~~العجائب في هذه المعركة - معركة بدر -. الغرائب أنك تجد الأخوين يكون لكل ~~منهما موقف ومجابهة. وتجد الأب والابن لكل منهما موقف ومجابهة برغم عمق ~~الصلة بينهما، فمثلا ابن أبي بكر رضي الله عنه، وكان هذا الابن لم يسلم ~~بعد، وكان في جانب الكفار، وأبوه الصديق مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وبعد أن أسلم ابن أبي بكر يحكي الابن لأبيه بشيء من الامتنان ~~والبر: لقد تراءيت لي يوم بدر فزويت وجهي عنك. فيرد أبو بكر الرد ~~الإيماني الصديقي: والله لو تراءيت لي أنت لقتلتك. وكلا الموقفين ~~منطقي، لماذا؟ لأن ابن أبي بكر حين يلتقي بأبي بكر، ويرى وجه أبيه، فإنه ~~يقارن بين أبي بكر وبين ماذا؟ إنه يقارن بين أبيه وبين باطل، ويعرف تمام ~~العلم أنه باطل، فيرجح عند ابن أبي بكر أبوه، ولذلك يحافظ على أبيه فلا ~~يلمسه. ولكن أبا بكر الصديق حينما يقارن فهو يقارن بين الإيمان بالله ~~وابنه، ومن المؤكد أن الإيمان يزيد عند الصديق أبي بكر، فلو رآه يوم بدر ~~لقتله. ولله حكمة فيمن قتل على أيدي المؤمنين من مجرمي الحرب من قريش، ~~ولله حكمة فيمن أبقى من الكفار بغير قتل لأن هؤلاء مدخرون لقضية إيمانية ~~كبرى سوف يبلون فيها البلاء الحسن. فلو مات خالد بن الوليد في وقعة من ~~المواقع التي كان فيها في جانب الكفر لحزنا نحن المسلمين لأن الله قد ~~ادخره لمعارك إيمانية يكون فيها سيف الله المسلول، ولو مات عكرمة لفقدت ~~أمة الإسلام مقاتلا عبقريا. لقد حزن المسلمون في موقعة بدر لأنهم لم ms0982 ~~يقتلوا هؤلاء الفرسان لأنهم لم يعلموا حكمة الله في ادخار هؤلاء ~~المقاتلين لينضموا فيما بعد إلى صفوف الإيمان. والله لم يمكن مقاتلي ~~المسلمين يوم بدر من المحاربين الذين كانوا على دين قومهم آنئذ إلا لأن ~~الله قد ادخرهم لمواقع إيمانية قادمة يقفون فيها، ويحاربون في صفوف ~~المؤمنين، وهذا نصر جديد. ونرى أبا عزيز وهو شقيق الصحابي مصعب بن عمير ~~الذي أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبشر بدين الله، ويعلم أهل ~~المدينة، وكان مصعب فتى فريش المدلل صاحب ترف، وأمه صاحبة ثراء، وبعد ~~ذلك رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلبس جلد شاة بعد أن كان يلبس ~~الحرير، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " انظروا إلى الإيمان ماذا فعل بصاحبكم ". # والتقى مصعب في المعركة مع أخيه أبي عزيز، وأبو عزيز على الكفر، ومصعب ~~رضي الله عنه مسلم يقف مع النبي صلى الله عليه وسلم، وحين يرى مصعب رضي ~~الله عنه أخاه أبا عزيز وهو أسير لصحابي اسمه أبو اليسر، فيقول مصعب: يا ~~أبا اليسر اشدد على أسيرك فإن أمه غنية وذات متاع، وستفديه بمال كثير. # فيقول له أخوه أبو عزيز: أهذه وصاتك بأخيك؟ فيقول مصعب مشيرا إلى أبي ~~اليسر: هذا أخي دونك. كانت هذه هي الروح الإيمانية التي تجعل الفئة ~~القليلة تنتصر على أهل الكفر، طاقة إيمانية ضخمة تتغلب على عاطفة الأخوة، ~~وعاطفة الأبوة، وعاطفة البنوة. وقد جعل الله من موقعة بدر آية حتى لا ~~يخور مؤمن وإن قل عدد المؤمنين، أو قلت عدتهم، وحتى لا يغتر كافر، وإن ~~كثر عدد قومه وعتادهم. وقد جعلها الله آية للصدق الإيماني، ولذلك يقال: ~~احرص على الموت توهب لك الحياة. وقد كانت القضية الإيمانية هي التي تملأ ~~نفس المؤمن، إنها قضية عميقة متغلغلة في النفوس. ولماذا يتربص الكفار ~~بالمؤمنين؟ إنهم إن تربصوا بهم، فسيدخل المؤمنون الجنة إن قتلوا أو ~~ينتصرون على الكفار، وفي ذلك يقول الحق على لسان المؤمنين: # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن ~~نتربص بكم ms0983 أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون # [التوبة: 52]. فالظفر هنا بأحد أمرين: إما النصر على الكافرين، وإما ~~الاستشهاد في سبيل الله، ونيل منزلة الشهداء في الجنة وكلاهما جميل. ~~والمؤمنون يتربصون بالكافرين، إما أن يصيب الله الكافرين بعذاب من عنده، ~~وإما أن يصيبهم بأيدي المؤمنين. إنها معادلة إيمانية واضحة جلية. وبعد ~~ذلك يقول الحق سبحانه: { زين للناس حب الشهوات... }. ### || [3.14] # الموضوع الذي تأتي فيه هذه الآية الكريمة هو: موقع ذكر المعركة ~~الإسلامية التي جعلها الله آية مستمرة دائمة لتوضح لنا أن المعارك ~~الإيمانية تتطلب الانقطاع إلى الله، وتتطلب خروج الإنسان المؤمن عما ألف ~~من عادة تمنحه كل المتع. والمعارك الإيمانية تجعل المؤمن الصادق يضحي ~~بكثير من ماله في تسليح نفسه، وتسليح غيره أيضا. فمن يقعد عن الحرب ~~إنسان تغبه شهوات الدنيا، فيأتي الله بهذه الآية بعد ذكر الآية التي ترسم ~~طريق الانتصار المتجدد لأهل الإيمان وذلك حتى لا تأخذنا شهوات الحياة من ~~متعة القتال في سبيل الله ولإعلاء كلمته فيقول: { زين للناس ~~حب الشهوات } [آل عمران: 14] وكلمة " زين " تعطينا فاصلا بين ~~المتعة التي يحلها الله، والمتعة التي لا يرضاها الله لأن الزينة عادة هي ~~شيء فوق الجوهر. فالمرأة تكون جميلة في ذاتها وبعد ذلك تتزين، فتكون ~~زينتها شيئا فوق جوهر جمالها. فكأن الله يريد أن نأخذ الحياة ولا ~~نرفضها، ولكن لا نأخذها بزينتها وبهرجتها، بل نأخذها بحقيقتها ~~الاستبقائية فيقول: { زين للناس حب الشهوات من ~~النساء } [آل عمران: 14]. وما الشهوة؟ الشهوة هي ميل النفس بقوة إلى ~~أي عمل ما. وحين ننظر إلى الآية فإننا نجدها توضح لنا أن الميل إذا كان ~~مما يؤكد حقيقة استبقاء الحياة فهو مطلوب ومقبول، ولكن إن أخذ الإنسان ~~الأمر على أكثر من ذلك فهذا هو الممقوت. وسبق أن ضربنا المثل من قبل ~~بأعنف غرائز الإنسان وهي غريزة الجنس، وأن الحيوان يفضل الإنسان فيها، ~~فالحيوان أخذ العملية الجنسية لاستبقاء النوع بدليل أن الأنثى من الحيوان ~~إذا تم لقاحها من فحل لا تمكن فحلا ms0984 آخر يقرب منها. والفحل أيضا إذا ~~ما جاء إلى أنثى وهي حامل فهو لا يقبل عليها، إذن فالحيوانات قد أخذت ~~غريزة الجنس كاستبقاء للحياة، ولم تأخذها كالإنسان لذة متجددة. ومع ذلك ~~فنحن البشر نظلم الحيوانات، ونقول في وصف شهوة الإنسان: إن عند فلان شهوة ~~بهيمية. ويا ليتها كانت شهوة بهيمية بالفعل لأن البهيمة قد أخذتها على ~~القدر الضروري، لكن نحن فلسفناها، إذن فخروجك بالشيء عما يمكن أن يكون ~~مباحا ومشروعا يسمى: دناءة شهوة النفس. والحق سبحانة وتعالى يريد أن ~~يضمن للكون بقاءه، والبقاء له نوعان: أن يبقي الإنسان حياته بالمطعم ~~والمشرب، وتبقى حياة النوع الإنساني بالتزاوج. ولكن إن نظرت إلى المسألة ~~وجدت الخالق حكيما عليما. إنه يعلم أن طفولة أي حيوان بسيطة بالنسبة ~~لأبيه وأمه، مثال ذلك: الحمامة تطعم فرخها إلى أن يستطيع الطيران، ثم لا ~~تعرف أين ذهب فرخها، لكن حصيلة الالتقاء بين الرجل والمرأة، والتي أراد ~~الله لها أن تنتج الأولاد تحتاج إلى شقاء إلى أن يبلغ الولد، وذلك ليكون ~~هناك تكافؤ وتناسب بين ما يحرص عليه الإنسان من شهوة، وما يتحمل من مشاق ~~ومتاعب في سبيل الاستمتاع بها واستبقائها. # فقول الحق سبحانه: { زين للناس حب الشهوات من ~~النساء } [آل عمران: 14] فمن المزين؟ إن كان في الأمر الزائد على ~~ضروريات الأمر، فهذا من شغل الشيطان، وإن كان في الأمر الرتيب الذي يضمن ~~استبقاء النوع فهذا من الله. ونجد الحق يضيف " البنين " إلى مجال الشهوات ~~ويقصد بها الذكران، ولم يقل البنات، لماذا؟ لأن البنين هم الذين يطلبون ~~دائما للعزوة كما يقولون ولا يأتي منهم العار، وكان العرب يئدون البنات ~~ويخافون العار، والمحبوب لدى الرجل في الإنجاب حتى الآن هو إنجاب البنين، ~~حتى الذين يقولون بحقوق المرأة وينادون بها، سواء كان رجلا أو امرأة إن ~~لم يرزقه الله بولد ذكر فإنه أو إنها تريد ولدا ذكرا. ويضيف الحق إلى ~~مجال الشهوات: { والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة } [آل عمران: 14]، والقناطير هي جمع قنطار، والقنطار هو ~~وحدة وزن، وهذا الوزن حددته كثافة ms0985 الذهب، إلا أن القنطار قبل أن يكون ~~وزنا كان حجما، لكنهم رأوا الحجم هذا يزن قدرا كميا، فانتقلوا من ~~الحجم إلى الوزن. وكان علامة الثراء الواسع في الزمن القديم أن يأتوا ~~بجلد الثور بعد سلخه ويملأوه ذهبا، وملء جلد الثور بالذهب يسمونه ~~قنطارا، وكانت هذه عملية بدائية. وبعد ذلك أخذوا ملء الجلد ذهبا ووزنوه ~~فصار وزنا. إذن فالأصل فيه أنه كان حجما، فصار ووزنا. وساعة تسمع " ~~قناطير مقنطرة من الذهب والفضة " فهو يريد أن يحقق فيها القنطارية، وذلك ~~يعني أن القنطار المقنطر هو القنطار الكامل الوزن وليس مجرد قنطارا ~~تقريبا، كما نقول أيضا: " دنانير مدنرة ". وعادة نجد في اللغة العربية ~~لفظا يأتي من جنس اللفظ يضم إليه كي يعطيه قوة، فيقال " ظل ظليل " أي ظل ~~كثيف، ويقال " ليل أليل " أي أن الليل في ظلمة شديدة، وهي مبالغة في ~~كثافة الظلام. والظلام على سبيل المثال يحجب الشمس، وحاجب الشمس عنك قد ~~يكون حجابا واحدا، وقد يكون الشيء الذي يظلك فوقه شيء آخر يظلله أيضا ~~فيكون الظل ظليلا، ولذلك يكون الظل تحت الأشجار جميلا، لأن ورقة تستر ~~الشمس، وورقة أخرى تستر الورقة الأولى، وهكذا، فتصنع تكييفا طبيعيا ~~للهواء. ولذلك فهم يصنعون الآن خياما مكيفة الهواء مصنوعة من قماش فوقه ~~قماش آخر، وبينهما مسافة، فيكون هناك قماش يظلل ظلا آخر، فإذا ما ~~وضعوا قطعة ثالثة من القماش تظل الظلين الأولين، فإن الظل يكون ظليلا، ~~ولذلك قلنا: إن ظل الأشجار هو ظل ظليل، فيه حنان، فكل ورقة تظل الإنسان ~~تكون نفسها مظللة بورقة أخرى، وتكون أوراق الشجر التي تظلل بعضها ~~بعضا مختلفة الأوضاع، وتعطي الأوراق للنسيم فرصة المرور، أما الخيام فهي ~~تحجب النسيم. # والشاعر حين أراد أن يصف الروضة قال: # تصد الشمس أنى واجهتها # فتحجبها وتأذن للنسيم # إذن فحين وصف الحق القناطير بأنها مقنطرة فذلك يعني القناطير الدقيقة ~~الميزان، وهي قناطير مقنطرة من ماذا؟ { من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة } [آل عمران: 14]. وكانت الخيل هي أداة العز ~~وأمارة وعلامة على العظمة، ورسول الله صلى الله ms0986 عليه وسلم يقول: # " الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة ". # قول الحق: { والخيل المسومة } [آل عمران: 14] نرى فيه أن ~~اللفظ الواحد يشع في مجالات متعددة من المعاني، فمسومة من سامها ~~يسومها، ومعنى ذلك أن لهذه الخيل مراعي تأكل منها كما تريد، وليست ~~خيلا مربوطة تأكل ما يقدم لها فقط، ومسومة أيضا تعني أن لهذا الخيل ~~علامات، فهذا حصان أغر، وذلك أدهم وذاك أشقر. ومسومة أيضا، أن تكون ~~مروضة، ومدربة، وتم تعليمها، فالأصل في الخيل أنها لم تكن مستأنسة بل ~~متوحشة، ولذلك لا بد من ترويضها حتى ينتفع بها الإنسان. فكم معنى إذن ~~أعطته لما كلمة " مسومة "؟ سائمة، أي تأكل على قدر ما تشتهي لا على ~~قدر ما نعطيها من طعام. ومعلمة أي فيها علامات كالغرة والتحجيل، وهذا ~~جواد أدهم، وذلك جواد أشقر، أو أنها معلمة أي مروضة. فماذا تتطلب الحرب؟. ~~إن الحرب تتطلب الانقطاع عن الأهل، فيجب ألا تكون شهوة النفس حاجزا، ~~سواء كانت شهوة للنساء، أو كانت شهوة العزوة للبنين ورعايتهم، أو كانت ~~شهوة المال فالمؤمن ينفقه في سبيل الله، والخيل أيضا يستخدمها الإنسان ~~في القتال لإعلاء كلمة الله. ونلحظ أن هذه الآية - التي تعدد أنواع ~~الزينة - جاءت بعد الآية التي تتحدث عن الجهاد في سبيل الله والتي يقول ~~الحق تبارك وتعالى فيها: # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل ~~في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم ~~رأي العين والله يؤيد بنصره من يشآء إن في ~~ذلك لعبرة لأولي الأبصار # [آل عمران: 13]. وذلك ليرشدنا إلى أن الإنسان المؤمن لا يصح أن يضحي ~~بشهوته الحقيقية وهي إدراك الشهادة في سبيل الله أو النصر على العدو بسبب ~~الشهوات الزائلة التي تتمثل في النساء، وفي البنين، وفي القناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة، وفي الخيل المسومة والأنعام وقد قال الله عن ~~الأنعام في سورة الأنعام: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ms0987 ومن البقر ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء ~~إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين # [الأنعام: 143-144]. حساب ذلك هو اثنان من الضأن، واثنان من الماعز، ~~واثنان من الإبل، واثنان من البقر أي ثمانية أزواج. ولا يمكن حسابها على ~~أنها ستة عشر كما قال البعض قديما، لا إن الزواج لا يعني اثنين من ~~الشيء، ولكن الزوج واحد، ولكن يشترط أن يكون مع غيره من جنسه. ومثال آخر ~~هو كلمة " التوأم " ، إن التوأم هو واحد معه غيره، وهما توأمان، وهم ~~توائم إذا كان العدد أكثر من اثنين. والحق يقول في مجال زينة الشهوات: { ~~زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث } [آل عمران: 14] ~~وحين تسمع كلمة " الحرث " فافهم أن المراد بها هنا الزرع، ولكن الله ~~سبحانه وتعالى يريد منك أن تعلم أن الله حين ينبت لك أشياء بدون ~~معالجتك فإنه يريد منك أيضا أن تستنبت أشياء بمعالجتك، وهذا لا يتأتى ~~إلا بعملية الحرث. والحرث هو إهاجة الأرض فالتربة تكون جامدة، فلا بد أن ~~يهيجها الإنسان بالحرث، أي أن تفك يبوستها وتلاصق ذراتها لأن تلاصق ~~ذرات التربة لا يصلح أن يكون بيئة للنبات لأن النبات يحتاج إلى الماء ~~ويحتاج إلى الهواء، ويحتاج من الإنسان أن يمهد للشعيرات البسيطة أن ~~تخرج، وتجد تربة سهلة تتحرك فيها إلى أن تقوى. إذن فالحرث يثير الأرض، ~~ويجعلها لينة متفتتة حتى تستطيع البذرة أن تنمو لأن الله قد أودع في ~~فلقتي كل بذرة مقومات الحياة الى أن يوجب لها جذر يأخذ مقومات الحياة من ~~الأرض، وكلما قوي الجذر في النبات فإن الفلقتين تضمحلان، وتصيران مجرد ~~ورقتين. فأين يذهب حجم الفلقتين؟ لقد قامت الفلقتان بتغذية النبتة إلى أن ~~أستطاعت النبتة أن تتغذى بنفسها من الأرض، ولا يمكن حدوث ذلك إلا إذا ~~كانت الأرض محروثة. ولذلك يقولون: إن الأرض ms0988 الطينية السوداء تكون صعبة، ~~وغير خصبة، ويقال: إن الأرض الرملية أيضا غير خصبة، لماذا؟. لأننا نريد ~~صفتين اثنتين في الأرض: الصفة الأولى أن تكون الأرض صالحة أن يتخللها ~~الماء ليشرب الزرع، والصفة الأخرى ألا تسرب الماء بعيدا، فإذا كانت ~~الأرض طينية فإن جذور الزرع تختنق وتتعطن، وإذا كانت رملية فإن الماء ~~يتسرب بعيدا، لذلك نحتاج في الزراعة الى أرض بين سوداء ورملية، أي أرض ~~صفراء. والله حين يتكلم عن الزرع فإنه يقول: " الحرث " وذلك حتى يلفتنا ~~إلى أن من يريد أن يأخذ زرعا لا بد أن يجد ويحرث الأرض. وهو سبحانه ~~القائل: # أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة: 63-64]. وعبر الحق عن الزواج بالحرث لأنه السبب الذي يوجد ~~الزرع. وكل ما تقدم من الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من ~~الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، كل ذلك تكون قيمته عند ~~الإنسان ما يوضحه الحق بقوله: { ذلك متاع الحياة الدنيا ~~والله عنده حسن المآب } [آل عمران: 14]. # إن كل ذلك هو متاع الحياة الدنيا، والفيصل هو أن الإنسان يخشى أن تفوته ~~النعمة فلا تكون عنده، أو أن يفوتها فيموت. وكل ما يفوتك أو تفوته، فلا ~~تعتز به. وعندما نتأمل الآية في مجموعها نجد أن فيها مفاتيح كل شخصية ~~تريد أن تنحرف عن منهج الله، إنه سبحانه يقول: { زين للناس حب ~~الشهوات من النساء والبنين والقناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة ~~والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا ~~والله عنده حسن المآب } [آل عمران: 14]. هكذا نرى المفاتيح ~~التي قد تجذب الإنسان لينحرف عن مراد الله في منهجه، إنه - سبحانه - يطلب ~~من عبده المؤمن أن يبني حركة حياته على مراد الله، فما الذي يجعل المؤمن ~~يترك مراد الله من حكم لينصرف إلى حكم يناقضه؟. لا شك أنه الهوى، والهوى ~~هو الذي يميل ويزيغ القلوب، ولكل هوى مفتاح، ولكل شخصية من المكلفين ~~بمنهج الله مفتاح لهواه، فواحد مفتاحه النساء، وواحد مفتاحه البنون، يحب ~~أن يرعاهم رعاية تفوق دخله من عمل أو ms0989 صناعة مثلا فقد يسرق أو يرتشي ~~ليسعد هؤلاء. وأناس مفاتيحهم الشخصية في المال، أو في زينة الخيل، والعدة ~~والعتاد فلكل شخصية مفتاح هوى. والذين يدخلون على الناس ليزينوا لهم ~~غير منهج الله يأتون لهم بالمفتاح الذي يفتح شخصياتهم، فربما كان هناك ~~إنسان لا تغريه نظرة المرأة أو ملايين الذهب، إنما يتملكه حبه لأولاده ~~وهو الهوى الغلاب. إذن فكل واحد له مفتاح لشخصيته، والذين يريدون إغراء ~~الناس وغوايتهم يعرفون مفاتيح من يريدون إغراءه وإغواءه. وحين يقول الحق ~~أن هذه الأشياء هي المزينة للناس. وقد يقول قائل: إذا كان الله ~~يريد أن يصرفنا عن هذه الأشياء فلماذا خلقها لنا؟ وعلى هذا القول نرد: إن ~~الحق ما دام قد قال: " زين " وبناها - كما يقول النحاة - للمجهول إي ~~لما لم يسم فاعله، فمن الذي زين؟ لقد كان الله قادرا أن يقول لنا ~~من الذي زين تلك الأشياء تحديدا، لكن الحق يريد أن يعلمنا أنه من ~~الممكن أن يكون الشيطان هو الذي يزين لنا هذه الأشياء، ومن الممكن أن ~~يكون منطق المنهج هو الذي يزين، ألم يقل الحق سبحانه دعاء على لسان عباده ~~الصالحين: # ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة ~~أعين واجعلنا للمتقين إماما # [الفرقان: 74]. إذن فما الفيصل في تلك المسألة؟ الفيصل في هذه المسألة ~~أن الحق سبحانه وتعالى جعل لكل نعمة من نعم الحياة عملا يعمله الإنسان ~~فيها، فالمرأة إنما اتخذت سكنا أي ارتياحا عندها، ارتياحا يعطيك كل ~~الحنان والعطف، وهو سبحانه القائل: # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ~~إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون # [الروم: 21]. إن الحق يريد لنا أن يسكن الرجل إلى حلاله، وتصرف المرأة ~~الحلال عيني زوجها عن أعراض الناس. لكن ماذا في الرجل الذي يحب ~~الأبناء؟ ألم يقل سيدنا زكريا: # قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس ~~شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا * وإني خفت ~~الموالي من ورآئي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من ~~لدنك وليا * يرثني ويرث من آل ms0990 يعقوب واجعله ~~رب رضيا # [مريم: 4-6]. لقد طلب زكريا عليه السلام وليا يرثه، والأنبياء لا يورث ~~منهم أموال، إنما يورثون العلم والحكمة، إذن فقد طلب زكريا عليه ~~السلام أن تورث ابنه الحكمة منه ويرث من آل يعقوب وأن يجعله الله ~~رضيا. فلو كان الأنبياء يورثون المال، لكان البعض قد فهم أن طلب ~~زكريا للابن كي يرثه في المال، لكن الحق أراد لأنبيائه ألا يورثوا ~~المال، بل يورثون العلم بمنهج الله. وقد طلب زكريا الابن لتثبيت منهج ~~الله في الأرض. وكذلك الذي يريد الأموال لينفقها في سبيل الله، وكذلك ~~الذي يريد الخيل ليروضها على الجهاد، وكذلك الذي يريد الحرث ليملأ بطون ~~خلق الله بما يطعمون منه، كل هؤلاء ينالهم المدح والجزاء الكثير من ~~الله. لذلك يجب أن نعلم أن الحكم يأتي من الله محتملا أن تتجه به إلى ~~الخير المراد لله، ومحتملا أن تتجه به إلى الشر المراد لنفسك. وأنت - ~~أيها العبد - حين تنظر إلى أي شهوة من هذه الشهوات فلسوف تجد أنه من ~~الممكن أن توجهها وجهة خير. يقول الحق: # هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ~~واجعلنا للمتقين إماما # [الفرقان: 74]. لقد أراد الله للأتقياء والأنبياء أن يكون لهم من الذرية ~~أبناء ليرثوا المنهج السلوكي ويكونوا مثلا طيبة للناس يقتدون بهم. إذن ~~فالمؤمن يحب أن تكون ذريته قدوة سلوكية. والذي يحب الخيل يمكن أن يوجه ~~هذا الحب إلى الخير، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الشريف: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " من خير معاش الناس لهم رجل يمسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على ~~متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه يبتغي القتل والموت ~~مظانة ". # وقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نروض الخيل، إذن فمن الممكن ~~أن تكون هذه الأشياء مسارا للخير. وإياكم أن تفهموا أن الله يزهدنا فيها ~~أو ينفرنا منها، ولكنه يزهدنا أن نستعمل ما خلقه لنا في غير مراده. ms0991 # ولننظر إلى تعليق الله على الأشياء المزينة: { ذلك متاع ~~الحياة الدنيا } [آل عمران: 14] أي أن الذي ينظر الى هذه الأشياء ~~المزينة نظرة تقليدية سطحية سيجدها مجرد متاع، وما عمر هذا المتاع؟ إنه ~~موقوت بالدنيا الفانية. ولننظر إلى الإنسان عندما يصعد في عمله قيمة ~~الخير، وتصعيد قيمة الخير يأتي من تنمية نوعه، أي الزيادة في نوع الخير، ~~ومن استدامته، ومن أن الإنسان لا يترك هذا الخير. إذن فتصعيد الخير يأتي ~~على عدة صور تبدأ من تنمية الخير نفسه. واستدامة الخير فلا ينقطع، وضمان ~~أن يحيا الإنسان للخير ويعيش له، وألا يذهب الخير عنه، وأمر رابع هو ~~ألا تربط هذا الخير بأغيار، أي أن تربطه بواحد قوي يأتي لك به، فقد ~~يضعف، أو يمرض، أو يغيب، أو يغدر بك. إذن فلا بد من أربعة عناصر: الأول: ~~تصعيد الخير، أي نوع الخير الذي تفعله يكون أرقى من خير آخر، فنعمل ~~دائما على زيادته وتنميته. والثاني: استدامة الخير. والثالث: أن تدوم ~~أنت للخير، وتحرص على أن تعيش له، والأمر الرابع: ألا تربط هذا الخير ~~بالأغيار. بل عليك أن تعتمد على الله ثم على نفسك. وكل الخير يأتي دون ~~هذا فهو غير حقيقي. فإذا نظرت إلى شهوات النساء والمال والبنين والخيل ~~والأنعام والحرث فإنها ستعطيك متاع الدنيا. ولنسلم جدلا أن شيئا لن ~~يسلبك هذه الأشياء وأنت حي، وأنها ستظل معك طيلة دنياك. فما قيمة الدنيا ~~وهي مقاسة بآلاف السنين، والإنسان لا يعيش فيها إلا قدرا محددا من ~~الأعوام يقرره الحق سبحانه وتعالى. إذن فالدنيا تقاس بعمر الإنسان فيها ~~لا بعمر ذات الدنيا لغيره، لأن عمر الدنيا لغيرك لا يخصك. هب أن هذه ~~الشهوات من نساء ومال وبنين وخيل وذهب وفضة وحرث وأنعام وعدة وعتاد قد ~~دامت لك، فما الذي يحدث؟ إن الدنيا محدودة. ولا أحد يستطيع أن يستديم ~~الدنيا، لذلك فلن يستطيع أحد أن يستديم الخير لأن عمره في الدنيا محدود. ~~وحياة الإنسان في الدنيا لم يضع الله لها حدا يبلغه الإنسان. إن الله لم ms0992 ~~يحدد عمرا يموت فيه الإنسان، ولكن لكل إنسان عمر خاص محدود بحياته، ~~فعندما يولد أي طفل لا تنزل معه بطاقة تحدد عدد السنوات التي سوف يحياها ~~في الدنيا. وهو سبحانه قد جعل عدد سنوات الحياة مبهما لكل إنسان، ولذلك ~~يقال إن الإبهام هو أعلى درجات البيان، الحق أخفى توقيت الموت وسببه عن ~~الإنسان. متى يأتي؟ في أي مكان؟ كل ذلك أخفاه فأصبح على المؤمن أن يكون ~~مترقبا للموت في كل لحظة. إن الإبهام للموت هو البيان الوافي، وما دامت ~~الدنيا مهما طالت فهي محدودة وغير مضمونة للإنسان أن يحياها، ونعيمه فيها ~~على قدر إمكاناته وقدرته، وإن لم تذهب الدنيا من الإنسان فالإنسان نفسه ~~يذهب منها. # فإذا ما قارنت كل ذلك باسم الحياة التي نحياها الآن، إن اسمها " الدنيا ~~" أي " السفلى " ومقابل " الدنيا " هو " العليا " وهي الحياة في الآخرة. ~~ولماذا هي " عليا "؟ لأنها ستصعد الخير. فبعد انقضاء هذه الحياة المحدودة ~~يذهب المؤمن إلى الجنة وبها حياة غير محدودة، وهذا أول تصعيد. ويضمن ~~المؤمن أن أكلها دائم لا ينقطع. ويضمن المؤمن أنه خالد في الجنة فلا يموت ~~فيها. ويضمن المؤمن قيمة هذه الجنة لأن الخير إنما يأتي على مقدار معرفة ~~الفاعل للخير. ومعرفة الإنسان للخير جزئية محدودة، ومعرفة الله للخير ~~كمال مطلق. فالمؤمن في الآخرة يتنعم في الخير على مقدار ما علم الله من ~~الخير. إذن فحياتنا هي الدنيا، أي السفلى، وهناك الآخرة العليا. فإذا طلب ~~المنهج منا ألا ننخدع بالدنيا، وألا ننقاد إلى المتاع فهل هذا لون من ~~تشجيع الحب للنفس أو تشجيع للكراهية للنفس؟ إنه منهج سماوي يقود إلى حب ~~النفس لأنه يريد أن يصعد الخير لكل مؤمن، لقد بين المنهج أن في ~~الدنيا ألوانا من المتع هي كذا وكذا وكذا، والدنيا محدودة ولا تدوم ~~لإنسان، ولا يدوم إنسان لها، وإمكانات الإنسان في النعيم الدنيوي محدودة ~~على قدر الإنسان، أما إمكانات النعيم في الآخرة فهي على قدر قدرة الخالق ~~المربي، فمن المنطقي جدا أن يقول الله لنا: { ذلك متاع الحياة ms0993 ~~الدنيا والله عنده حسن المآب } [آل عمران: 14]. وحسن ~~المآب تعني حسن المرجع. والحق حينما طلب منك أيها المؤمن أن تغض بصرك عما ~~لا يحل لك، فقد يظن الإنسان السطحي أن في ذلك حجرا على حرية العين، ~~ولكن هذا الغض للبصر أمر به - سبحانه - إنما ليملأ العين في الآخرة بما ~~أحل الله، إذن فهذا حب من الله للمخلوق وهذا تصعيد في الخير. ولنفترض أن ~~معك مبلغا قليلا من المال وقابلت فقيرا مسكينا فآثرت أنت هذا الفقير ~~على نفسك، فأنت تفعل ذلك لتنال في الآخرة ثوابا مضاعفا. إذن فقضية ~~الدين هي أنانية عالية سامية، لا أنانية حمقاء. ويوضح الله بعد ذلك حسن ~~المآب بقوله سبحانه: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم... ~~}. ### || [3.15] # وحين تسمع كلمة " أؤخبركم " فما نسمعه بعد ذلك كلام عادي، أما عندما ~~نسمع " أؤنبئكم " فما نسمعه بعدها هو خبر هائل لا يقال إلا في الأحداث ~~العظام، فلا يقول أحد لآخر: سأنبئك بأنك ستأكل كذا وكذا في الغداء، ولكن ~~يقال " أنا أنبئك بأنك نلت جائزة كبرى " ، هذا في المستوى البشري فما ~~بالنا بالله الخالق الأعلى، ولذلك يقول الله الحق: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم # [النبأ: 1-2]. إنه الأمر الذي يقلب كيان هذه الدنيا كلها، فحين يقول ~~الحق: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } [آل عمران: 15] ~~فمعنى ذلك أن الله يخبرنا بخير من هذه الأشياء، ومن ذلك نعرف أن الله قد ~~جعل هذه الأشياء مقياسا، لماذا؟ لأنه مقياس محس، وأوضح لنا كيفية ~~التصعيد فقال: { للذين اتقوا عند ربهم } [آل عمران: 15] ~~والمؤمن هو من ينظر بثقة إلى كلمة " عند ربهم " أي الرب المتولي التربية ~~والذي يتعهد المربى حتى يبلغه درجة الكمال المطلوب منه. والعندية هنا ~~هي عند الرب الأعلى. فماذا أعد المربي الأعلى للمتقين؟ لقد أعد لهم { ~~جنات تجري من تحتها الأنهار } [آل عمران: 15] ولنر ~~الخيرية في هذه الجنات، وهي تقابل في الدنيا الحرث والزرع، وقد قلنا: إن ~~الحق حين تكلم عن الزرع تكلم واصفا له ب " الحرث " لنعرف أن الزرع ~~يتطلب منا حركة وعملا. ms0994 أما في الآخرة فالجنات جاهزة لا تتطلب من المؤمن ~~حركة أو تعبا، ولا يقف الأمر عند ذلك، بل إن هذه الجنات تجري من تحتها ~~الأنهار وفيها للإنسان المؤمن ما وعده الله به: { خالدين فيها ~~وأزواج مطهرة } [آل عمران: 15] إنه الخلود الذي لا يفنى، ولا ~~يترك الإنسان ولا يترك هو الإنسان. والأزواج المطهرة هي وعد من الله ~~للمؤمنين، ومن يحب النساء في الدنيا يعرف أن المرأة في الدنيا يطرأ عليها ~~أشياء قد تنفر، إما خلقا تكوينيا، وإما خلقا، فهناك وقت لا يحب ~~الرجل أن يقرب فيه المرأة، وقد يكون فيها خصلة من الخصال السيئة فيكره ~~الإنسان جمالها. لذلك فالرجل قد ينخدع بالمظهر الخارجي للمرأة في الدنيا، ~~وقد يقع الإنسان في هوى واحدة فيجد فيها خصلة تجعله يكرهها، أما في ~~الآخرة فالأمر مختلف، إنها " أزواج مطهرة " أي مطهرة من كل عيب يعيب نساء ~~الدنيا، فيأخذ المؤمن جمالها، ولا يوجد فيها شرور الدنيا، فقد طهرها الله ~~منها. " أزواج مطهرة " من الذي طهرها؟ إنه هو الله - سبحانه - طهرها ~~خلقا وخلقا. فالرجل في الدنيا قد يهوى امرأة، وتستمر نضارتها خمسة ~~عشر عاما تستميله وتجذبه، ثم تبدأ التجاعيد والترهل والتنافر. # أما في الآخرة فالمرأة مطهرة من كل شيء، وتظل على نضارتها وجمالها إلى ~~الأبد، أليس هذا تصعيدا للخير؟ ونلاحظ أن الحق سبحانه ذكر هنا أمرين: ~~الأمر الأول: هو جنات تجري من تحتها الأنهار، ونقارن بينها وبين الحرث في ~~الدنيا. والأمر الآخر: هو الأزواج المطهرة، ونقارن بينها وبين النساء في ~~الدنيا أيضا، ولم يورد الحق أي شيء عن بقية الأشياء، فأين القناطير ~~المقنطرة من الذهب؟ وأين الخيل؟ وأين الأنعام وأين البنون؟ إننا نلاحظ أن ~~الحق سبحانه وتعالى جعل الأمرين المزينين، واحدا يستهل به الآية، والأمر ~~الآخر يأتي في آخر الآية، ولنقرأ الآية التي فيها التزيين: { زين ~~للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث } [آل عمران: 15]. ~~إن البداية هي النساء، ذلك هو القوس الأول، والنهاية هي الحرث وذلك هو ~~القوس ms0995 الثاني، وبين القوسين بقية الأشياء المزينة، وقد أعطانا الله عوض ~~القوسين وأوضح لنا إنهما هما الخير المصعد، ولم يورد بقية الأشياء ~~المزينة، وهذا يعني أن نفهم ذلك في ضوء أن الرزق ما به انتفع، أي أن ~~كل ما ينتفع به الإنسان رزق، الخلق الطيب رزق سماع العلم رزق، أدب ~~الإنسان رزق، حلم الإنسان رزق، صدق الإنسان رزق، لكن الرزق يأتي مرة ~~مباشرا بحيث تنتفع به مباشرة، ومرة أخرى يأتي الرزق لكنه لا ينفع ~~مباشرة، بل قد يكون سببا ووسيلة لما ينفع مباشرة. مثال ذلك الخبز، إنه ~~رزق مباشر، والنقود هي رزق، لكنها رزق غير مباشر لأن الإنسان قد يكون ~~جائعا وعنده جبل من ذهب، فلو قال واحد لهذا الإنسان: خذ رغيفا مقابل ~~جبل الذهب. سيعطي الإنسان الجائع جبل الذهب مقابل الرغيف لأن الإنسان لا ~~يأكل الذهب، وكذلك كوب الماء بالنسبة للعطشان. إذن فهناك رزق لا يطلب ~~لذاته، ولكن يطلبه الإنسان لأنه وسيلة لغيره - فالوسيلة لغيره أنت لن ~~تحتاج إليها في الآخرة لأنك ستعيش ببدل الأسباب بقول الحق: " كن " ~~فالإنسان لن يحتاج في الجنة إلى مال. أو قناطير مقنطرة من الذهب والفضة ~~لأن كل ما تشتهيه النفس ستجده، ولن تحتاج في الآخرة إلى خيل مسومة لأنك ~~لن تجاهد عليها أو تتلذذ وتستأنس بركوبها. وكل ما لا تحتاج إليه في ~~الآخرة من أشياء أعطاها لك الله في الدنيا لتسعى بها في الأسباب، ولم ~~يورده الله في قوله: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ~~للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان ~~من الله والله بصير بالعباد } [آل عمران: 15] لم ~~يوردها في النص الكريم، لأن عطاء الله في الآخرة بالرزق المباشر، أما ~~الأشياء التي يسعى بها الإنسان إلى الرزق المباشر في الدنيا فلم يوردها ~~لعدم الحاجة إليها في الآخرة، فنحن نحب المال، لماذا؟ لأنه يحقق لنا شراء ~~الأشياء، والخيل المسومة نحبها لأنها تحقق لنا القدرة على القتال والجهاد ~~في سبيل الله. # والأنعام لتحقق لنا المتعة. أما الجنة في ms0996 الآخرة فالمؤمن يجد فيها كل ما ~~تشتهيه الأنفس، وكل ما يخطر ببال من يرزقه الله الجنة سوف يجده فالوسائط ~~لا لزوم لها. لذلك تكلم الحق عن الأشياء المباشرة، فأورد لنا ذكر الجنات ~~التي تجري من تحتها الأنهار، وذكر لنا الأزواج المطهرة. وعندما نتأمل قول ~~الحق: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم } [آل عمران: 15] ~~قد يقول قائل: ألم يكن من المنطق أن يخبرنا الحق مباشرة بما يريد أن ~~يخبرنا به، بدلا من أن يسألنا: أيخبرنا بهذا الخير، أم لا؟ ونقول: أنت ~~لم تلتفت إلى التشويق بالأسلوب الجميل، وحنان الله على خلقه. إنه سبحانه ~~وتعالى يقول لنا: ألا تريدون أن أقول لكم على أشياء تفضل تلك الأشياء ~~التي تسيركم في الدنيا. فكأن الحق سبحانه وتعالى قد نبه من لم ينتبه. ولم ~~ينتظر الحق أن نقول له: قل لنا يارب. لا، إنه يقول لنا دون طلب منا، ~~ويقال عن هذا الأسلوب في اللغة إنه " استفهام للتقرير " ، فالإنسان حين ~~يسمع: { أؤنبئكم بخير من ذلكم } [آل عمران: 15] فالذهن ~~ينشغل، فإن لم يسمع النبأ، فلسوف يظل الذهن مشغولا بالنبأ، ويأتي الجواب ~~على اشتياق فيتمكن من نفس المؤمن. ويأتي النبأ { للذين اتقوا } ~~[آل عمران: 15]، فعندما نمعن النظر في الشهوات التي تقدمت من نساء وبنين ~~وقناطير مقنطرة من ذهب وفضة وخيل مسومة وأنعام وحرث، ألا يكون من المناسب ~~فيها أن يتقي الإنسان ربه في مجالها؟ إن التقوى لله في هذه الأشياء ~~واجبة، ولذلك قلنا من قبل قضية نرد بها على الذين يريدون أن يجعلوا ~~الحياة زهدا وانحسارا عن الحركة، وأن يوقفوا الحياة على العبادة في ~~أمور الصلاة والصوم، وأن نترك كل شيء. لهؤلاء نقول: لا إن حركتك في ~~الحياة تعينك على التقوى لأننا عرفنا أن معنى التقوى هو أن يجعل الإنسان ~~بينه وبين النار حجابا، وأن تجعل بينك وبين غضب ربك وقاية. فإذا ما أخذت ~~نعم الله لتصرفها في ضوء منهج الله فهذا هو حسن استخدام النعم. وقد أوضحت ~~من قبل أن التقوى حين تأتي مرة في قول الحق: ms0997 " اتقوا الله " وتأتي مرة ~~أخرى " اتقوا النار " فهما ملتقيان فاتقاء النار حتى لا يصاب الإنسان ~~بأذى، وعندما يتقي الإنسان الله فهو يتقي غضب الله لأن غضب الله يورد ~~العذاب، والعذاب من جنود النار. إذن فالذين يتقون الله لا يظنون أنهم ~~زهدوا في هذه الحياة لذات الزهد فيها، ولكن للطمع فيما هو أعلى منها، إنه ~~الطمع في النعيم الأخروي الدائم. # ويوضح الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: أنكم لن تتمتعوا في الآخرة لضرورة ~~الحاجة للمتعة، بحيث إذا ما جاءت النعمة عليكم تفرحون بها، إن الأمر لا ~~يقتصر على ذلك وإنما يتعداه إلى أنكم - أيها المؤمنون - تحبون فقط أن ~~تروا المنعم، فما دام المؤمن الذي يدخل الجنة يجد كل ما يشتهي بل إنه لا ~~يشتهي شيئا حتى يأتيه، ويستمتع على قدر عطاء الله وقدراته. وإذا لم يشته ~~الإنسان ثمارا في الجنة أو نساء، ويصبح مشغولا برؤية ربه فإن مكانه جنة ~~من الجنان اسمها " عليون " و " عليون " هذه ليس فيها شيء مما تسمعه عن ~~الجنة، ليس فيها الا أن تلقى الله. إن الرزق والنعم ليسا من أجل قوام ~~الحياة في الجنة، بل إن الإنسان سيكون له الخلود فيها فالذي يحتاج إليه ~~الإنسان هو رضوان من الله. إن رضوانا من الله أكبر من كل شيء. ولقد ~~نبأنا الله بما في الجنات، ونبأنا بالخير من كل ذلك. لقد نبأنا الله بأن ~~رضوانه الأكبر هو أن يضمن المؤمن أن يظفر برؤية ربه. وهذا ما يقول ~~الله. # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]. إذن فهناك في الجنة مراتب ارتقائية. ويخبرنا الحق من ~~بعد ذلك: { والله بصير بالعباد } [آل عمران: 15] أي أن الله ~~سيعطي كل إنسان على قدر موقفه من منهج ربه، فمن أطاع الله رغبة في النعيم ~~بالجنة يأخذ جنة الله، ومن أطاع الله لأن ذات الله أهل لأن تطاع فإن الله ~~يعطيه متعة ولذة النظر إليه - سبحانه - تقول رابعة العدوية في هذا ~~المعنى: # كلهم يعبدون من خوف النار # ويرون النجاة حظا جزيلا # إنني لست مثلهم ms0998 ولهذا # لست أبغي بمن أحب بديلا # وقالت أيضا: اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك خوفا من نارك فأدخلني فيها، ~~وإن كنت تعلم أني أعبدك طمعا في جنتك فاحرمني منها، إنما أعبدك لأنك ~~تستحق أن تعبد. إذن ف { الله بصير بالعباد } [آل عمران: 15] ~~أي أنه سيعطي كل عبد على قدر حركته ونيته في الحركة فالذي أحب ما عند ~~الله من النعمة فليأخذ النعمة ويفيضها الله عليه. أما الذي أحب الله وإن ~~سلب منه النعمة، فإن الله يعطيه العطاء الأوفى، وذلك هو مجال مباهاة الله ~~لملائكته.. ومن أقوى دلائل الإيمان وكماله.. إيثار محبة الله ورسوله على ~~كل شيء في الوجود. عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ثلاث من كن فيه وجد بهم حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في ~~الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار " # إن هناك العبد الذي يحب الله لذاته لأن ذاته سبحانه تستحق أن تعبد، فذات ~~الله تستحق العبادة لأنه الوهاب، الذي نظم لنا هذا الكون الجميل. إذن ~~فقول الحق: { والله بصير بالعباد } [آل عمران: 15] يعني أن ~~الله يعلم مقدار ما يستحق كل عابد لربه، وعلى مقدار حركته ونيته في ربه ~~يكون الجزاء، فمن عبد الله للنعمة أعطاه الله النعمة المرجوة في الجنة ~~ليأخذها، وأطاع الله لأنه أهل لأن يطاع وإن أخذت - بضم الألف وكسر الخاء ~~- النعمة منه فإن الله يعطيه مكانا في عليين. ولذلك قيل: إن أشد الناس ~~بلاء هم الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل. لماذا؟ لأن ذلك دليل ~~صدق المحبة. والإنسان عادة يحب من يحسن إليه، ولا يحب من تأتي منه ~~الإساءة إلا إن كانت له منزلة عالية كبيرة. إنه مطمئن إلى حكمته، إنه ~~ابتلاه - وهو يعلم صبره - ليعطيه ثوابا جزيلا وأجرا كبيرا، والحق ~~يقول: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ ~~إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا ms0999 لقآء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا # [الكهف: 110]. لقد قال: " فمن كان يرجوا لقاء ربه " ولم يقل جنة ربه ~~وهكذا يجب ألا تشغلنا النعمة - الجنة - عن المنعم وهو الله سبحانه ~~وتعالى، وإذا كان الحق قد طلب منا ألا نشرك بعبادة ربنا أحدا فلنعلم أن ~~الجنة أحد. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { الذين يقولون ~~ربنآ إننآ آمنا... }. ### || [3.16] # إن قولهم: { ربنآ إننآ آمنا } [آل عمران: 16] هو أول مرتبة ~~للدخول على باب الله، فكأن الإيمان بالله يتطلب رعاية من الذي تلقى ~~التكليف لحركة نفسه، لأن الإيمان له حق يقتضي ذلك، كأن المؤمن يقول: أنا ~~ببشرتي لا أستطيع أن أوفي بحق الإيمان بك، فيارب اغفر لي ما حدث لي فيه ~~من غفلة، أو زلة، أو من كبر، أو من نزوة نفسي. وهذا الدعاء دليل على ~~أنه عرف مطلوب الإيمان كما أوضحه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~بيانه لمعنى الإحسان حين قال: # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". # كأن تستحضر الله في كل عمل لأنه يراك. وهل يتأتى لواحد من البشر أن ~~يجترئ على محارم من يراه بعينه؟ حينئذ يستحضر المؤمن ما جاء إلينا من ~~مأثور القول، كأنه سبحانه وتعالى يوجه إلينا الحديث: يا عبادي إن كنتم ~~تعتقدون أني لا أراكم، فالخلل في إيمانكم. وإن كنتم تعتقدون أني أراكم ~~فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ وكأن الحق سبحانه يقول للعبد: هل أنا ~~أقل من عبيدي؟ أتقدر أن تسيء إلى أحد وهو يراك؟ إذن فكيف تجرؤ على ~~الإساءة لخالقك؟ إن قول المؤمنين: { إننآ آمنا فاغفر لنا } ~~[آل عمران: 16] دليل على أنهم علموا أن الإيمان مطلوباته صعبة. { ~~الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا } [آل عمران: 16]. فلنر على ماذا رتبوا غفران الذنب؟ لقد ~~رتبوا طلب غفران الذنب على الإيمان. لماذا؟ لإنه ما دام الحق سبحانه ~~وتعالى قد شرع التوبة، وشرع المغفرة للذنب، فهذا معناه أنه سبحانه قد علم ~~أزلا أن عباده قد تخونهم نفوسهم، ms1000 فينحرفون عن منهج الله. ويختم الحق ~~سبحانه الآية بقوله على ألسنة المؤمنين: { وقنا عذاب النار } ~~[آل عمران: 16] لأنه ساعة أن أعلم أن الحق سبحانه وتعالى ضمن لي بواسع ~~مغفرته أن يستر علي الذنب، فإن العبد قد يخجل من ارتكاب الذنب، أو يسرع ~~بالاستغفار. ولماذا لا يكون قوله { فاغفر لنا ذنوبنا } [آل ~~عمران: 16] بمعنى استرها يارب عنا فلا تأتي لنا أبدا؟ وإن جاءت فهي محل ~~الاستغفار والتوبة. فإذا أذنبت ذنبا، واستغفرت ربي، وعلمت أن ربي قد أذن ~~بالمغفرة لأنه قال: # فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا # [نوح: 10]. فإن الوجل يمتنع، والخوف يذهب عني، وأقبل على الله بمحبة على ~~تكاليفه وأحمل نفسي على تطبيق منهج الله كله. ولذلك حينما شرع الله الحق ~~سبحانه وتعالى للخلق التوبة كان ذلك رحمة أخرى. وهذه الرحمة الأخرى تتجلى ~~في المقابل والنقيض. هب أن الله لم يشرع التوبة وأذنب واحد ذنبا، وبمجرد ~~أن أذنب ذنبا خرج من رحمة الله، فماذا يصيب المجتمع منه؟ إن كل الشرور ~~تصيب المجتمع من هذا الإنسان لأنه فقد الأمل في نفسه، أما حينما يفتح ~~الله له باب التوبة فإن ارتكب العبد ذنبا ساهيا عن دينه، فإنه يرجع إلى ~~ربه. # وتلك واقعية الدين الإسلامي، فليس الدين مجرد كلام يقال، ولكنه دين يقدر ~~الواقع البشري، فإنه - سبحانه - يعلم أن العباد سيرتكبون الذنوب، فيرسم ~~لهم أيضا طريق الاستغفار. فإذا ما ارتكب العباد ذنوبا، فإن الحق يطلب ~~منهم أن يتوبوا عنها. وأن يستغفروا الله. فإذا ما لذعتهم التوبة حينما ~~يتذكر الذنب فإن هذه اللذعة كلما لذعتهم أعطاهم الله حسنة. كأن غفران ~~الذنب شيء، والوقاية من النار شيء آخر. كيف؟ لأنه ساعة أن يعلم العبد أن ~~الحق سبحانة وتعالى ضمن للعبد مغفرته، وهو الخالق المربي، فإن العبد يذهب ~~إلى الله مستغفرا طامعا في المغفرة والرحمة. إنها دعوة المؤمنين إن ~~كانوا قد نسوا أن يستغفروا لأنفسهم. لماذا؟ لأن الاستغفار من الذنب تكليف ~~من الله. وكما قلنا: إن الإنسان قد ينسى بعضا من التكاليف، لذلك فمن ~~الممكن أن يسهو ms1001 عن الاستغفار، ولذا يقول الحق على ألسنة عباده المؤمنين: ~~{ وقنا عذاب النار } [آل عمران: 16]. ومعنى التقوى أن تجعل بينك ~~وبين النار وقاية، أو تجعل بينك وبين غضب ربك وقاية، فإذا ما أخذت النعم ~~من الله لتصرفها في منهج الله تكون حسنة لك، وقلنا: إن " اتقوا الله " و ~~" اتقوا النار " ملتقيتان، لأن معنى " اتقوا النار " كي لا تصيبكم بأذى، ~~و " اتقوا الله " تعني أن نضع بيننا وبين غضب الله وقاية، لأن غضب الله ~~سيأتي. وبعد ذلك يقول الحق: { الصابرين والصادقين ~~والقانتين والمنفقين... }. ### || [3.17] # وهذه كلها صفات للذين اتقوا الله، وأعد الله لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار، والأزواج المطهرة، ورضوان من الله أكبر، وهم صابرون وصادقون ~~وقانتون ومنفقون في سبيل الله، ومستغفرون بالأسحار. وصابرون على ماذا؟ ~~إنهم صابرون على تنفيذ تكاليف الله، لأننا أول ما نسمع عن التكليف فلنعلم ~~أن فيه كلفة ومشقة والتكاليف الشرعية فيها مشقة لأنها قيدت حركة العبد. ~~لقد خلقك الحق خلقا صالحا لأن تفعل كذا أو لا تفعل. فساعة يقول لك: ~~افعل.. فإنه قد سد عليك باب " لا تفعل " وساعة يقول لك الحق: لا تفعل ~~فإنه يكون قد سد عليك باب " افعل " ، وهكذا يكون تقييد حركتك وتقييد ~~المخلوق على هيئة الاختيار فيه مشقة، فإذا جاء أمر الله ب " افعل " فقد ~~يكون الفعل في ذاته شاقا، فإن صبرت على مشقة الفعل الذي جاء بوساطة " ~~افعل " فأنت صابر، لأنك صبرت على الطاعة.. وقد تصبر على المعصية، عندما ~~يلح عليك شيء فيه غضب الله فترفض أن ترتكب الذنب، فتكون قد صبرت عن ~~ارتكاب الذنب. إذن ففي " افعل " صبر على مشقتها، وفي " لا تفعل " صبر ~~عنها، فالصابرون لهم اتجاهان اثنان، لأن التكليف إما أن يكون بافعل، وإما ~~أن يكون بلا تفعل. فساعة يأتي التكليف بافعل فقد تأتي المشقة.. وعندما ~~تنفذ التكليف بافعل فأنت قد صبرت على المشقة.. وعندما يأتي التكليف ب " ~~لا تفعل " كأمر الحق بعدم شرب الخمر، أو " لا تسرق " فأنت قد صبرت عنها.. ~~إذن ف " افعل " ولا " تفعل " قد ms1002 استوعبت نوعي التكليف، وبقيت بعد ~~ذلك أحداث لا تدخل في نطاق افعل ولا تفعل، وهي ما ينزل عليك نزولا ~~قدريا بدون اختيار منك بل هي القهرية والقسرية. فساعة أن يطلب منك أن ~~تفعل، أي إنه قد خلقك صالحا ألا تفعل كما قلنا من قبل. إلا إن كنت ~~مجبرا على الفعل فقط. وكذلك إذا قال لك الحق: " لا تفعل ". والشيء ~~القدري الذي لا صلاحية فيه للاختيار ماذا يفعل فيه المؤمن؟ إنه يصبر على ~~الآلآم والمتاعب لأنه آمن بالله ربا، والرب هو الذي يتولى تربية المربى ~~لبلوغه حد الكمال المنشود له، فإذا جاء لك الحق بأمر لا خيار لك فيه، ~~كالمرض أو الكوارث الطارئة، كوقوع حجر من أعلى أو إصابة برصاصة طائشة، ~~فكل ذلك هي أمور لا دخل ل " افعل " ولا " تفعل " فيها. وهناك يكون الصبر ~~على مثل هذه الأمور هو إيمان بحكمة من أجراها عليك. # لأن الذي أجراها رب، وهو الذي خلقني فأنا صنعته. وما رأينا أحدا يفسد ~~صنعته أبدا. فإذا ما جاء أمر على الإنسان بدون اختيار منه، فالذي أجراه ~~له فيه حكمة فإن صبر الإنسان على هذه الآلام فإنه يدخل في باب الصابرين. ~~إذن، فالصابرون أنواع هم: صابر على الطاعة ومشاقها، صابر على المعاصي ~~ومغرياتها، صابر على الأحداث القدرية التي تنزل عليه بدون اختيار منه. ~~وإذا رأيت إنسانا قد صبر على أمر الطاعة وصبر عن شهوة المعصية وصبر على ~~الأقدار النازلة به، فاعرف حبه لربه ورضاه عنه. ونأتي بعد ذلك لوصف آخر ~~يقول الله فيه: " الصابرين " و " الصادقين ". والصدق كما نعلم يقابله ~~الكذب، والصدق كما نعرف حقيقته: يأتي حين توافق النسبة الكلامية التي ~~يتكلم بها الإنسان، النسبة الأخرى الخارجية الواقعة في الكون. فإن قلت: " ~~حصل كذا وكذا " فتلك نسبة كلامية صدرت من متكلم، فإن وافقها الواقع بأنه ~~حصل كذا وكذا فعلا يكون المتكلم صادقا. وإن لم يكن الواقع موافقا ~~لحدوث ما أخبر به يكون المتكلم كاذبا. لماذا؟ لأن كلام المتكلم العاقل ~~لا بد له من نسب ثلاث: الأولى وهي ms1003 النسبة الذهنية: فقبل أن أتكلم أعرض ~~الأمر على ذهني، وذهني هو الذي يعطي الإشارة للساني ليتكلم، هذه هي ~~النسبة الأولى واسمها " نسبة الذهن ". وقد يعن لي أن تأتي النسبة الذهنية ~~ثم أعدل عنها فلا أتكلم، فتكون النسبة الذهنية قد وجدت، والنسبة ~~الكلامية لم توجد. وقد أصر على أن أبرز إشارة ذهني على لساني فأقول ~~النسبة الكلامية. ونأتي بعد النسبة الكلامية لنرى: هل الواقع أن ما حدث ~~وتحدثت به وقع أم لم يقع؟ فإن كان قد وقع، يكون الكلام مني صدقا. وإن لم ~~يكن قد وقع، وكانت النسبة الخارجية على عكس ما أخبرت به. فإننا نقول: " ~~هذا كلام كذب " إذن: فالصدق: هو أن تطابق النسبة الكلامية الواقع. ~~والكذب: هو ألا تطابق النسبة الكلامية الواقع وكثيرا ما يخطىء الناس في ~~فهم الواقع فيجدون تناقضا في بعض الأساليب. مثال ذلك، حينما تعرض بعض ~~المستشرقين لقول الحق سبحانه وتعالى: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله # [المنافقون: 1]. تلك نسبة كلامية صدرت منهم، فهل هي مطابقة للواقع أم هي ~~مخالفة له؟ إنها مطابقة للواقع. ويؤكد الحق ذلك بقوله: # والله يعلم إنك لرسوله # [المنافقون: 1]. وبعد ذلك يقول الحق سبحانة: # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1]. ففيم كذب المنافقون؟ هل كذبوا في قولهم: " إنك لرسول ~~الله "؟ لا. إن الحق لم يكذبهم في قولهم: " إنك لرسول الله " لأن الله قد ~~أيد هذه الحقيقة بقوله: " والله يعلم إنك لرسوله ". # ولكن كذبهم الله فيما سها عنه المستشرق الناقد عندما قالوا: " نشهد إنك ~~لرسول الله ". لقد كذبهم الله في شهادتهم، لا في المشهود به، وهو أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من الله، إن الله يعلم أن محمدا رسوله ~~المبعوث منه رحمة للعالمين، لكن الكذب كان في شهادتهم هم. إن كلام ~~المنافقين مردود من الله. لماذا؟ لأن الشهادة تعني أن يواطئ اللسان القلب ~~ويوافقه. وقولهم: شهادة لا توافق قلوبهم وتعني كذبهم. إذن، فالتكذيب هو ~~لشهادتهم، فلو قالوا: " إنك لرسول الله " دون " نشهد " لكان قولهم: قضية ~~" سليمة ". ولذلك كان تكذيب ms1004 الله لشهادتهم، ومن هنا ندرك السر في قول ~~الله: " والله يعلم إنك لرسوله ". إن الحق يؤكد الأمر المشهود به وهو بعث ~~محمد رسولا من عند الحق، وبعد ذلك يأتي لنا الحق بشهادته إن المنافقين ~~كاذبون في قولهم: " نشهد ". فالصدق أن تطابق النسبة الكلامية الواقع. ~~والصدق - كما قلنا من قبل - حق، والحق لا يتعدد، وضربت من قبل المثل بأن ~~الإنسان الذي نطلب منه أن يروي واقعة شهدها بعينيه، وأن يحكيها بصدق لن ~~يتغير كلامه أبدا، مهما تكرر القول أو عدد مرات الشهادة. لكن إن كانت ~~الواقعة كذبا، فالراوي تختلط عليه أكاذيبه، فيروي الواقعة بألوان متعددة ~~لا اتساق فيها، وقد ينسى الراوي الكاذب ماذا قال في المرة الأولى، وهكذا ~~ينكشف سر الكذب. لكن الراوي عن واقع مشهود وبصدق، هو الذي يحكي، وهو الذي ~~لا تختلف رواياته في كل مرة عن سابقتها بل تتطابق. فعندما نقول: " إن ~~زيدا مجتهد " ، فهذا يعني أن اجتهاد زيد قد حدث أولا، ثم يأتي في ذهن من ~~رأى اجتهاد زيد أن يخبر بأمر اجتهاده، ثم يخبر بالكلام عن اجتهاد زيد. إن ~~الأمر الخارج وهو اجتهاد زيد قد حدث أولا، وبعد ذلك تأتي النسبة ~~الذهنية، وبعد ذلك تأتي النسبة الكلامية. ولكن الإنشاء وهو ضد الخبر، هو ~~أن نطلب من واحد أن ينشئ أمرا لا واقع له، كأن نقول لواحد: اجتهد. إننا ~~قبل أن نقول لإنسان ما: " اجتهد " فمعنى ذلك أن الاجتهاد كان أمرا في ~~ذهن القائل، وعندما ينطقها تصبح " نسبة كلامية ". وبعد ذلك يحدث الواقع، ~~بعد النسبة الذهنية، والنسبة كلامية، وهذا هو الإنشاء. إن الإنشاء الطلبي ~~يعني أن تحدث النسبة الخارجية بعد النسبة الكلامية. والصادقون هم الذين ~~أراد الله أن يمدحهم، لماذا؟ وأين هو مجال صدقهم؟ إنهم الذين تتطابق ~~حركتهم مع منهج الله، لأنهم حين قالوا: " لا إله إلا الله " ، وآمنوا به، ~~فهم قد التزموا بكل مطلوبات الإيمان قدر الطاقة. # ومعنى " لا إله إلا الله " أي لا معبود إلا الله. ومعنى لا معبود إلا ~~الله أي أنه لا طاعة ms1005 إلا لله. والطاعة - كما نعرف - هي امتثال أمر، ~~وامتثال نهي. إذن فمجال " لا إله إلا الله " يشمل أنه لا معبود بحق إلا ~~الله، ولا مطاع في تكليفه إلا الله، ولا امتثال لأمر أو لنهي إلا ~~للأمر القادم من الله فإن امتثال إنسان الأمر من الله بعد قوله: " لا إله ~~إلا الله " كان هذا الإنسان صادقا في قوله: " لا إله إلا الله ". وهذا ~~هو صدق القمة، أن تكون كل تصرفات قائل: " لا إله إلا الله " متطابقة مع ~~هذا القول. والمؤمن الحق هو من يبني كل تصرفاته موافقة لمنهج الله. هذا ~~هو الإنسان الصادق. أما الذي يقول بلسانه: " لا إله إلا الله، لا معبود ~~بحق إلا الله " ثم يخالف ربه بعصيانه له، لنا أن نقول له: أنت كاذب في ~~قولك " لا إله إلا الله " لماذا؟ لأنه لم يطابق النسبة التي قالها. إن ~~هذا الإنسان إذا آمن بأي تكليف ثم فعل ما يناقضه قلنا له: أنت منافق، ~~لماذا؟ لأننا عندما تكلمنا في أول سورة البقرة عن المنافقين قلنا: إن ~~المؤمن حين يؤمن بالله يكون صادقا مع نفسه لأن قال: " لا إله إلا الله " ~~وهو مؤمن بها، والكافر حين ينكر الألوهية يكون صادقا مع نفسه أيضا. أما ~~المنافق فهو لا يصدق مع نفسه، ولا يصدق مع الناس، إنه مذبذب بين هؤلاء ~~وهؤلاء. إن المنافق بلا صدق مع النفس، ولذلك يصفهم الحق: # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء # [النساء: 143]. إن الكافر له صدق مع النفس فهو لا يقول: " لا إله إلا ~~الله " لأنه لا يعتقدها. أما المنافق فقد قال: " لا إله إلا الله " وهي ~~غير مطابقة لسلوكه، لذلك يكون غير صادق مع نفسه، وغير صادق مع ربه. إذن، ~~فقول الحق: " الصادقين " مقصود به هؤلاء الناس الذين يأتون في كل حركاتهم ~~صادرين عن منهج الله، فلا يؤمنون بقضية، ويفعلون أخرى. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 3]. أي أنه حين يكون القول شيئا مختلفا عن ms1006 الفعل، لا تتطابق ~~النسبة. فالصادقون هم الذين يصدقون في سلوكهم مع كلمة التوحيد في كل ما ~~تتطلبه هذه الكلمة من هذه السلسلة: " لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا ~~الله " أي لا مطاع في أمر أو نهي إلا الله، فإن جئت وطاوعت أحدا في غير ~~ما شرع الله يحق للمؤمنين أن يقولوا لك: أنت كاذب في قولك: " لا إله إلا ~~الله ". # " فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ~~يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا ~~يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". # هذا هو سمو الإيمان عند المؤمن، إن المؤمن لا يمكن أن يكذب أو يخالف ~~مقتضيات عقيدته لأن المؤمن في كل تصرفاته خاضع لإيمانه بأنه لا إله إلا ~~الله. ثم يقول الحق: " والقانتين " والقانت: هو العابد بخشوع وباطمئنان ~~وباستدامة. والقانت صادق مع نفسه، لماذا؟ لأن الحق سبحانه وتعالى حين ~~يكلف عباده تكليفا، فقد يكلهم بشيء يعز على أفهامهم أن تدرك حكمته. ~~وأقبل القانتون من العباد على هذا التكليف لأن الذي أمرهم به إله قادر، ~~فهم يثقون في حكمته فأدوا الأمر الصادر إليهم لأنهم خاضعون لحكمة الله. ~~إنهم منفذون للأمر القادم من الآمر لا لعلة الأمر. وبعد أن يصنعوا ذلك ~~يريهم الله نورانية هذا الحكم بأن يعطيهم فرقانا في أنفسهم: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر ~~لكم والله ذو الفضل العظيم # [الأنفال: 29]. فيقول المؤمن منهم لنفسه بعد أن يرى هذا الفرقان: إن ~~الله قد أراد لي بهذا الأمر أن أدرك حلاوة طاعة هذا الأمر، لذلك قال أحد ~~العارفين بالله: إن كنت تريد أن تعلم عن الله حكما كلفك الله به دون أن ~~تعلم علته فاتق الله فيه، وحين تتقي الله في هذا الأمر، فإنك تجد الحكمة ~~مستنيرة في ذهنك، ولذلك يقول الله: # واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء ~~عليم # [البقرة: 282]. فكأنك قبل التقوى لم يعلمك الله، ms1007 أما بعد التقوى فإن ~~الله يعلمك، فتقبل على تنفيذ التكليف لتلمس إشارة في نورانية نفسك، وهكذا ~~هو الفارق بين الأمر من المساوى، والأمر من الأعلى. وعندما ترتقي كلمة " ~~الأعلى " ، فإنها لا تنطبق إلا على الأعلى المطلق وهو الله، إنه الأعلى ~~في الحكمة، والأعلى في المنزلة، والأعلى في المكانة، والأعلى في ~~الربوبية. إذن، فالإنسان لا يطلب علة حكم إلا من مساو له، فإن قال لك أحد ~~من البشر: افعل الشيء الفلاني. فإنك تسأله: لماذا؟ فإن أقنعك، فأنت تقوم ~~بالفعل. وتكون قد قمت بتنفيذ هذا الفعل لأن المساوى لك قد أقنعك بالحكمة ~~لا بالطاعة له. ولكن عندما يصدر الأمر من الأعلى وهو الحق سبحانه وتعالى، ~~فإنك أيها العبد المؤمن تنفذ الأمر فورا عشقا في طاعته. والمثال الذي ~~أضربه للتقريب لا للتشبيه، فالله الأعلى، وهو منزه عن كل شبيه، إن الأب ~~يقول للابن في حياتنا اليومية: إن نجحت في المدرسة فسأحضر لك هدية هي ~~الدراجة. # فهل معنى ذلك أن علة الذهاب إلى المدرسة هي الحصول على الدراجة كهدية؟ ~~لا، ليست هذه هي العلة، إن العلة عند الأب هي أن يتعلم الابن ويتفوق في ~~حياته، ويكبر، وعند ذلك يدرك العلة، ويقول لنفسه: لقد كان أبي على حق. ~~إذا كان هذا يحدث في الحياة بيننا نحن البشر، فكيف لنا بطاعة الأمر ~~الصادر من الله؟ إن الحق سبحانه وتعالى حين يكلف تكليفا، فإن العبد قد ~~يجد مشقة في فهم العلة. والعبد المؤمن يعرف أن الرضوخ لتكليف الحق إنما ~~هو خضوع للأمر الأعلى. إن العبد المؤمن يعرف أنه آمن بمن هو أعلى منه ~~وأعلى من كل كائن، ولا يساويه أحد، إن العبد المؤمن يعرف أنه آمن أولا ~~بأن الله هو الإله الواحد - سبحانه - له مطلق الحكمة، وله القوة وله كل ~~شيء في الكون، وسبق أن ضربت المثل - ولله المثل الأعلى. إن الإنسان قد ~~يمرض، وصحة الإنسان أثمن شيء عنده، فيفكر في الذهاب إلى طبيب، ويقول له: ~~إنني أتعب من معدتي، أو من قلبي أو من أمعائي. إنه ms1008 يحدد ما يشكو منه. ~~وعقل الإنسان هو الذي هداه إلى الطبيب الذي يشخص العلة، وبعد ذلك يأخذ ~~المريض من الطبيب ورقة مكتوبا فيها الأدوية اللازمة. إن الإنسان يتناول ~~كل دواء من هذه الأدوية دون أن يسأل الطبيب عن حكمة كل دواء لأنه لو سأل ~~عن ذلك فهذا معناه الدخول في متاهة كيميائية، فإن سأل أي إنسان ذلك ~~المريض: لماذا تأخذ هذا الدواء؟ فيجيب المريض: لأن الذي كتب لي هذا ~~الدواء هو الطبيب المتخصص بعلاج المعدة، أو القلب، أو الأمعاء أو أي عضو ~~يشكو منه الإنسان. والطبيب قد يخطىء، إنما حكم الله لا يخطئ أبدا، فهو ~~جل شأنه منزه عن الخطأ تماما. إن الحكمة تكون عند الحق سبحانه وتعالى، ~~وعندما ينفذ المؤمن مطلوب الله فإنه يدرك آثار الحكمة الربانية في نفسه. ~~وكلمة " قانتين " كما عرفنا هي وصف لمن يعيشون القنوت، والقنوت هو عباده ~~مع خضوع، وخشوع واستدامة. لماذا الخضوع، والخشوع؟ لأن الله جل وعلا لم ~~يشرع العبادة لينفذها الإنسان، وينقذ نفسه من عذاب النار، لا إننا نرى ~~كثيرا من الناس - إذا ما لاحظنا واقع الحياة - إذا وجدوا رئيسا قوى ~~الشكيمة وقوانينه صارمة في أن الموظفين تحت يده يجب أن يحضروا صباحا في ~~الميعاد المحدد، وأن ينصرفوا في الميعاد المحدد، ولا يسمح لهم بالانشغال ~~بغير العمل، فلا يشربون الشاي، ولا يقرأون الصحف ولا يقابلون الأصدقاء، ~~وغير ذلك من الأعمال. ويأتي واحد من الموظفين فيقول عن هذا الرئيس " إنه ~~شديد المراس، ولذلك فليس له عندي إلا أن أحضر في الثامنة إلا خمس دقائق، ~~ولن أنصرف إلا في الثانية وخمس دقائق، ولن أقرأ الصحف ولن أفعل أي شيء ~~مما يمنعه ". # إن هذا الموظف يفعل ذلك بجبروت واستعلاء على رئيسه حتى لا يسمح له بنقد ~~أو تجريح، فهذا الموظف ممتثل ولكن باستعلاء. إنها طاعة بلا حب، ولكنها ~~باستعلاء. وقد يحاول عبد أن يقول: ماذا يطلب الله مني؟ يطلب مني الصلاة ~~والزكاة وإقامة العبادات؟ سوف أفعل ذلك. لمثل هذا العبد نقول: لا، إن ~~الله يطلب العبادة ms1009 بحب منك وخشوع واطمئنان، لأن التكليف من الحق صدقة ~~أخرى أجراها الله على العبد. إن الحق سبحانه وتعالى قد كلف العبد ~~بالتكاليف الإيمانية، حتى يكون الإنسان سويا وله قيمة في الحياة. إن ~~معنى " قانت " هو العبد الذي يؤدي عبادة ربه بخشوع، وباطمئنان، ~~وباستدامة. لماذا؟ لأن الذي يقبل على الطاعة ثم ينصرف عنها كأنه قد جرب ~~وده لله فلم يجد الله أهلا للود. أما العبد الطائع فهو لا ينصرف عن ~~العبادة، لأنه ذاق حلاوة استدامة العبادة لله، وما دام قد أدرك حلاوة ~~العبادة فهو يقبل عليها بخشوع، واطمئنان، واستدامة، ويدخل في دائرة ~~القانتين. وبعد " القانتين " يقول الله سبحانه: " والمنفقين " وكلمة أنفق ~~و " نفق " ، مأخوذة من كلمة " نفق الحمار " أي مات، و " نفقت السوق " أي ~~انتهت بضائعها واشتراها الناس ولم يبق منها شيء. و " نفقة " مأخوذة من ~~هذا المعنى لتشعرنا بأن الإنسان حين ينفق فهو يميت ما أنفقه من نفسه، ~~فلا يتذكر أنه أنفق على فلان كذا، وعلى علان كذا، أي يعلم يقينا أن ما ~~أنفقه هو رزق من أنفقه عليهم وليس له إلا أجر إيصاله إليهم فلا من، ولا ~~إذلال. إن الله يريد من كل إنسان يخرج شيئا من ماله أن ينهى من ذهنه هذا ~~الشيء الذي خرج من المال فلا يذكره ولا يمن به على أحد. " والنفقة " ، ~~تقتضي وجود منفق، ومنفقا عليه، ومنفقا به، المنفق كما نعرف هو ~~المؤمن الذي عنده فضل مال، والمنفق عليه هو الفقير، والمنفق به هو ~~الخيرات. ومن أين تأتي هذه الخيرات؟ إنها تأتي نتيجة الحركة في الحياة، ~~وحركة المتحرك في الحياة تقتضي قدرة، فإذا كان الإنسان عاجزا، ولا يجد ~~القدرة على الحركة، فمن أين يعيش، إن الله لا بد يضمن له في حركة القادر ~~ما يعوله. لقد جعل الله القدرة عرضا من أعراض الحياة، فالقادر اليوم قد ~~يصير عاجزا غدا. وما دامت القدرة عرضا من أعراض الحياة، فالقادر الآن ~~عندما يسمع الأمر من الله بأن ينفق على غير القادر، فلابد أن يقدر في ~~نفسه أن ms1010 قدرته هي عرض من أعراض الحياة، والقادر الآن من الأغيار، لذلك ~~فهو عرضة لأن يصير غدا من العاجزين، ويقول القادر لنفسه: " عندما أصبح ~~عاجزا سوف أجد من يعطيني ". # أليس ذلك هو التأمين الحق؟ إنه تأمين المؤمن. إن المؤمن يعطي عند قدرته، ~~وذلك حتى يجنبه الله مشقة السؤال إن جاءت الأغيار، لأن الأغيار إن جاءت ~~سوف يجد من يعطيه. إننا يجب أن نلحظ في الحكم، لا ساعة أن تطالب أنت ~~بأداء مطلوب الحكم، ولكن ساعة أن يؤدي الغير إليك مطلوب الحكم. فالذي ~~يطلب منه أن ينفق، عليه أن يقدر أنه قد يصبح عاجرا، ولنا أن نسأله: لو ~~كنت عاجزا ألم تكن تحب أن يعطيك الناس دون من أو أذى؟ إن هذا هو ~~التأمين الحق، لأن التأمين في يد الله، وما دامت الأغيار عرضة لأن يصير ~~القادر عاجزا ويصير العاجز قادرا، فساعة ينفق المنفق يجب عليه أن يميت ~~أنه أنفق فلا يتذكر وجه من أنفق عليه، ولا يخبر أحدا بما أنفق. عد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الرجل الذي أنفق حتى لا تعلم شماله ما صنعت ~~يمينه من السبعة الذين يظلهم الله في ظله فقال: # " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في ~~عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان ~~تحابا في الله فاجتمعا على ذلك وافترقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت ~~عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين، ~~ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". # وبعد ذلك على المؤمن المنفق أن يقدر ساعة عطائه أنه ادخر ليأخذ، إما ~~أن يأخذ إن طرأت له الأغيار في الدنيا، وإما أن يأخذ من يد الله في ~~الآخرة أضعافا مضاعفة. إذن، فالمنفق هو الذي يؤمن لغير القادر حركته ~~في الحياة ضمانا لنفسه حين لا يقدر أو استثمارا مضاعفا عند الله، ~~وهؤلاء المنفقون الذين يسعون العاجزين بفضل ما لديهم، يظهرون حكمة ~~الله ms1011 في الوجود، لأن الله ما دام قد خلقنا، وفينا القادر، وفينا العاجز، ~~فقد أراد الله لنا أن نعرف أن القدرة ليست لازمة في الخلق. فإن قدرت الآن ~~فقد تسلب - بضم التاء - منك هذه القدرة، وما دامت القدرة يتم سلبها، ~~فلابد أن يتمسك المؤمن بالقيوم الذي يقيم القدرة لك أيها المؤمن دائما، ~~وذلك حتى يعرف الواحد منا أنه لم ينفلت من ربه، خلقنا قادرين وانتهت ~~المسألة. لا. إن القدرة أغيار تذهب وتجيء. وما دامت الأغيار تذهب وتجيء ~~فلا بد أن يضع المؤمن نصب عينيه عطاء القادر الأعلى. وقلنا سابقا: إن ~~الله جعل المنفقين وصفا من أوصاف الذين اتقوا، والذين أعد الله لهم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار، وذلك حتى يحمي الله الضعيف الذي خلقه الله لحكمة ~~في الوجود. # إن الإنفاق ليس أخذا من العبد، وإنما هو مناولة، هذه المناولة تتضح في ~~أنه ما كان لك ما يزيد عن حاجتك، إلا بحركتك في الحياة. وهذه الحركة في ~~الحياة تتطلب عقلا يخطط للحركة وجوارح تنفذ المخطط الفكري، ومادة يتم ~~الفعل فيها سواء كانت أرضا تتم زراعتها أو آلة يتم الصنع بها، ولا شيء ~~للإنسان من هذا في الكون. إن المخ الذي يدبر هو عطاء من الله، والطاقة ~~التي تنفذ هي عطاء من الله. ونحن نرى في الحياة إنسانا قد نزع الله عنه ~~المخ الذي يفكر ويدبر، ونجد إنسانا آخر قد نزع الله منه الطاقة التي ~~تنفذ، فقد يمنع الله عن عبد المادة التي يتفاعل معها. إذن، فلا شيء من ~~هذه الأشياء ذاتي للإنسان إنها كلها عطاء من الله. فليعمل المؤمن مضاربا ~~عند الله، وليعط المؤمن للعاجز حق الله. إن الله لا يأخذ هذا الحق لنفسه ~~إنما يريده الله لأخيك العاجز، وسوف يطلب الله هذا الحق لك إذا عنت لك ~~حاجة بسبب الأغيار. هكذا تكون " المنفقين " صفة من صفات الذين اتقوا ~~ربهم. والحق سبحانه وتعالى قد جعل في الصبر، صلابة اليقين الإيماني في ~~النفس البشرية. وفي الصدق انسجاما مع واقع لا إله إلا الله، ms1012 وفي النفقة ~~حماية العاجز الذي لا يقدر. وبعد ذلك يعود إلى نفس المؤمن عودة أخرى ~~فيقول: { والمستغفرين بالأسحار } [آل عمران: 17] إننا يجب ~~أن نأخذ هذا الوصف بعد مجيء الأوصاف الأخرى في النفس البشرية. البداية هي ~~إقرارهم بالإيمان، ودعاؤهم الحق - سبحانه - أن يغفر لهم وقد طلبوا ~~الوقاية من عذاب النار، وصبروا، وصدقوا، وقنتوا في العبادة، وأنفقوا في ~~سبيل الله، إن كل هذه الأوصاف تبرئ ذمتهم من أنهم مقصرون أيضا في حقوق ~~إلههم لذلك فهم يأتون حال السكون بالليل، ويستغفرون الله. إما أن يستغفر ~~العبد لأنه قد فرطت منه هفوة في ذنب، وإما أن يستغفر لأنه لم يزد فيما ~~يفعله من أمور الطاعة. وكلمة " بالأسحار " توضح لنا لحظات من اليوم يكون ~~الإنسان فيها محل الكسل والراحة، إن الذي سوف يصحو في السحر لا بد أن ~~يكون قد اكتفى من الراحة، ولم يكن قد أخذ منه كد الحياة كل النهار، ثم إن ~~بعضهم يأخذه لهو الحياة ليلا. وهذا هو وجه الخيبة لما يحدث في زماننا. إن ~~كد الحياة - إن أخذ - يأخذ نهارا، وبعد ذلك يأخذنا لهو الحياة ليلا، مما ~~نشاهده من لهو الحديث، ولهو السهرات، وبعد ذلك يأتي الإنسان لينام ~~متأخرا، فكيف نطلب من هذا الإنسان أن يصحو في السحر؟ إن الذي يصحو في ~~السحر هو من أخذ حظه في الراحة، فبعد أن جاء من كد العمل نام نوما ~~هادئا، ويصحو من بعد ذلك في السحر ليذكر ربه، في الوقت الذي نام فيه ~~غيره من الناس، لماذا؟ لأن الحق سبحانه وتعالى في لحظة سكون الليل يوزع ~~رحمته، وعندما يصحو إنسان في السحر ويدعو الله، ويستغفره فإنه يأخذ من ~~رحمة الله النازلة. # وعندما يأخذ هذا العبد من رحمة الله النازلة في ذلك الوقت، فمعنى هذا ~~أنه سيأخذ الكثير من رحمة الله. وإياك أن تقول: لو صحونا جميعا في ~~الأسحار لنفدت الرحمة والعطاء " لا " لأن الله قد قال: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96]. إن قدرته جل وعلا تتسع لعطائنا جميعا دون أن ms1013 ينقص شيء من ~~عنده. إن كل هذه الأشياء من التقوى، والإقرار بالإيمان، وطلب المغفرة ~~للذنوب، وطلب الوقاية من عذاب النار، والصبر، والصدق، والقنوت، والإنفاق ~~في سبيل الله، والاستغفار بالأسحار، كل ذلك نتيجة للتقوى الأولى. إنها ~~الثمرة من " لا إله إلا الله ". وما دامت هذه هي الثمرة من " لا إله إلا ~~الله " فليعلم كل إنسان، أن الله لم يدعك لتستنبطها أنت من مفقود، بل ~~اعلم أن الله قد شهد أنه لا إله إلا الله، وكفى بالله شهيدا. لذلك يقول ~~الحق: { شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة... }. ### || [3.18] # ولنأخذ الجملة الأولى من الآية الكريمة بمعناها: لقد شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو، أي أن الحق قد أخبر بما رآه، وشاهده، أو ما يقوم مقام ذلك. ~~إن " شهد " بمعنى علم. إنه الحق الذي نصب الأدلة في الوجود على قيوميته، ~~وعلى أنه إله واحد، أليس في ذلك إقامة للحجة على أنه إله واحد؟ ومن الذي ~~خلق الأدلة وجاء بها؟ إنه الله. إذن، فقد شهد الله أنه لا إله إلا هو. ~~وقلنا: إن شهادة الله أنه لا إله إلا هو هي شهادة الذات للذات، وشهادة ~~الذات للذات تعني أنها كلمة ممكن منها. فعندما يقول الحق: # بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون # [البقرة: 117]. بالله لو لم يكن قد شهد لنفسه بأنه لا إله إلا هو، وليس ~~هناك من يعارض مبتغاه، أكان يجازف فيقولها؟ إنه الحق الأعلى الذي شهد أن ~~لا إله إلا هو، فساعة أن يقول: " كن " فإنه قد علم، أنه لا يوجد إله آخر ~~يقول: " لا تكن ". إن الحق لا بد أن يطمئننا أنه لا إله إلا هو، لذلك ~~فلزم أن يشهد لنفسه أنه مؤمن بأنه لا إله إلا هو ويلقي الأمر، ويلقي ~~الحكم التسخيري، ويعلم أنه لا إله يعارضه. وأليس من مطلوبات الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أن يشهد أنه رسول الله؟ لقد صلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال في صلاته: " أشهد أن محمدا ms1014 رسول الله ". ولو لم يشهد بهذه ~~لنفسه فكيف يجازف بالأشياء التي يقولها؟ ولذلك فسيدنا أبو بكر عندما بلغه ~~أمر بعث محمد رسولا، قال ما معناه: أقالها محمد؟ إنه صادق، وما دام قد ~~قالها فهي حق. إن أبا بكر الصديق واثق من الرصيد الذي سبق بعث محمد ~~بالرسالة. ونحن نرى في التاريخ امرأة كان السبب في إسلامها لمحة من سيرته ~~صلى الله عليه وسلم. قرأت هذه المرأة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~كان له حراس من المؤمنين يقومون بحراسته من الكافرين. وبعد ذلك جاء يوم ~~وصرف الرسول صلى الله عليه وسلم هؤلاء الحراس، وقال لهم ما معناه: إن ~~الله عصمني من الناس فاذهبوا أنتم. وقد قرأنا هذه الواقعة كثيرا جدا، ~~ولكن الفتح جاء من الحق لامرأة، فشغلتها هذه المسألة، وتساءلت: ألم يكن ~~هؤلاء الحراس يحرسونه خوفا على حياته؟ فلماذا قال لهم: " لا تحرسوني " ~~لأن الله هو الذي يحرسني؟ فلو أن رسول الله قد غش الدنيا كلها أكان من ~~الممكن أن يغش نفسه في حياته؟ وأجابت المرأة على نفسها: لا يمكن، لا بد ~~أن رسول الله قد وثق تمام الثقة في أن الله قد أبلغه أمر حمايته بدليل ~~أنه قام بصرف الحراس، وإلا فكيف يأمن أن يأتي أحد ليقتله؟ قالت المرأة: ~~والله لو خدع الناس جميعا ما خدع نفسه في حياته، أشهد ألا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله. # حدث إسلام هذه المرأة من نفحة يسيرة من سيرة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. إذن، { شهد الله أنه لا إله إلا هو } [آل ~~عمران: 18] هي شهادة الذات للذات، وكفى بالله شهيدا. وشهدت الملائكة ~~أيضا، والملائكة هم الغيب الخفي عنا، وتتلقى الأوامر من الحق. إن ~~الملائكة لم يروا أحدا آخر يعطي لهم الأوامر، إنه الإله الواحد القادر. ~~وهذه هي شهادة المشهد. ويضاف إلى الملائكة " أولوا العلم " ، لقد أخذ " ~~أولوا العلم " الأدلة وجلسوا يستنبطون من كون الله أدلة على أنه لا إله ~~إلا الله. إن هذه أعظم شهادة لأعظم مشهود به ms1015 من أعظم شهود، الله في ~~القمة، ومحمد صلى الله عليه وسلم، والملائكة وأولوا العلم. ولقد أخذ ~~أولوا العلم منزلة كبيرة لأن الله قد قرنهم بالملائكة. إن الحق سبحانه ~~وتعالى يبلغنا أنه قد نثر في كونه الآيات العجيبة العديدة والذي يجلس، ~~ويتفكر ويتدبر ويتفطن وينظر، فإنه يستخرج الأدلة على أنه لا إله إلا هو، ~~وكما قلنا من قبل: إن أبسط الطرق للتدليل على هذه الحقيقة. إن كانت " لا ~~إله إلا الله " صدقا فقد كفينا، وإن كانت غير صدق فأين الإله الذي أخذ ~~منه الله هذا الكون، ولم يخبرنا ذلك الإله أنه صاحب الكون؟ فإما أن هذا ~~الإله الآخر لم يدر، أو أنه قد علم، ولا يستطيع فعل شيء، إذن فلا يصح ~~أن يكون إلها يزاحم الحق الذي أبلغنا أنه لا إله إلا هو. وتظل " لا إله ~~إلا الله " لصاحبها - جل شأنه - " شهد الله أنه لا إله إلا هو " وفي كل ~~حركة من حركات الحياة نجد أن الانفراد بصدور الحركة قد يعطي علوا، وقد ~~يعطي استكبارا.. لذلك نقول: ها هو ذا الخالق الأعلى الذي " لا إله إلا ~~هو " يخبرنا أنه قائم بالقسط. ورغم أنه لا أحد في استطاعته أن يتدارك على ~~الله، إلا أنه يطمئننا أنه قائم بالقسط. ولنلحظ هنا ملحظا جميلا في ~~الأداء { شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط } [آل ~~عمران: 18] لماذا لم يقل الله إن " الملائكة " و " أولوا العلم " ، الذين ~~شهدوا أنه لا إله إلا هو " قائمين " بالقسط؟ لقد شهد الله أنه لا إله إلا ~~هو قائما بالقسط، والملائكة شهدوا هذه القضية والعلماء شهدوا أيضا بهذه ~~القضية. # . لماذا؟ لأن الله لو قال: " قائمين بالقسط " لكان الله مشهودا عليه من ~~هؤلاء، والشهادة هي له وحده أنه قائم بالقسط والعدل. لأنه سبحانه خلق ~~الملائكة بالقسط، فلو كانوا معه في ذلك لما استقام الأمر، وأولوا العلم ~~أيضا مخلوقون بالقسط لأن الله قد وزع حركة الحياة على الناس، فناس ~~يعملون بعقولهم، وآخرون يعملون بقلوبهم، وقوم غيرهم يعملون بجوارحهم، ms1016 ~~فهذا هو لون من عدل الله، وإلا، فهل يدعي أحد أن إنسانا تتجمع فيه كل ~~المواهب التي تتطلبها الحياة. لا، وهذه من عدالة الرحمن. إن من عدالة ~~الحق أنه وزع المواهب بين البشر، فبدلا من أن يعتمد الإنسان على نفسه في ~~صناعة الملبس والمأكل، والمشرب، جعل الله المهارات موزعة بين البشر.. ~~فأتقنت مجموعة من البشر حرفة الزراعة لإنتاج الطعام الذي يكفيهم، ويسد ~~حاجة غيرهم، وكذلك تبادلوا مع غيرهم المنافع، فالإنسان - بمفرده - لا ~~يستطيع أن يزرع القطن ويجمعه ويغزله وينسجه ليلبس، والإنسان لا يستطيع أن ~~يزرع القمح ويحصده ثم يطحنه ثم يخبزه. إن الله لم يخلق الناس ليقوم كل ~~فرد بإشباع حاجات نفسه المتنوعة، إنما وزع الله المواهب، لتتداخل هذه ~~المواهب، ويتكامل المجتمع البشري، فواحد يزرع الأرض، وثان يغزل القطن، ~~وثالث ينسج القماش، ورابع يصنع الأدوات. وهذا عدل عظيم لأن الطاقة ~~البشرية لا تقوى على أن تقوم بكل متطلبات الحياة، لذلك جعل الحق هذا ~~التنوع في المواهب ليربط الناس بالناس قهرا عن الناس، فلم يجعل لأحد ~~تفضلا على أحد، فما دام واحد يعرف في مجال، وآخر لا يعرف في هذا المجال، ~~فالذي لا يعرف محتاج للآخر، وهكذا يتبادل الناس المنافع رغما عنهم. ولذلك ~~نجد الكون متكاملا. ولينظر كل منا إلى حياته وليعدد كم زاوية من زوايا ~~العلم، وكم زاوية من زوايا القدرات، وكم زاوية من زوايا المواهب تلزم حتى ~~تخدم حركة الحياة؟ إن هذه الزوايا موزعة على الناس جميعا ليخدموا جميعا ~~حركة الحياة. وهذا قمة العدل. وحتى يوضح لنا الحق قيمة العدل وكيفية ~~العدالة في إقامة المحبة والاحترام بين البشر، فلينظر الواحد منا إلى ~~الإنسان الآخر البعيد عنه، ويتساءل بينه وبين نفسه: أهذا الرجل البعيد ~~عني يعمل من أجلي؟ وتكون الإجابة: نعم. إذن، فعلى الإنسان عندما يرى ~~إنسانا متفوقا في صنعة ما، فليقل: إن تفوقه في صنعته عائد إلي وتفوقه ~~في موهبته عائد إلي، وهكذا منع الله بالعدل الحقد والحسد وجعل الناس ~~متكاتفين قهرا عنهم، لا تفضلا منهم، إذن، فكل إنسان ms1017 يسعى بحركة الحياة ~~إنما يقيم نفسه في زاوية من زوايا الحياة، ومن العجيب أن الزاوية التي ~~يحسنها الإنسان تكون حاجته فيها أقل الحاجات، لذلك نجد المثل الريفي ~~الذي يقول: " باب النجار مخلع " ، وذلك حتى يعلم الإنسان أن موهبة ما ~~تكون عند غيره سوف تنفعه هو، بدليل أن الموهبة التي عندك لم تنتفع أنت ~~بها إلا قليلا. # وبذلك يشيع في الناس اقتناع بأن موهبة كل فرد فيهم، إنما تعود عليهم ~~جميعا، وبذلك تحل المحبة والاحترام بدلا من الحسد والحقد. وعندما سأل ~~أحد الظرفاء: ولماذا يكون باب النجار هو " المخلع "؟ قال أحد الظرفاء ~~ردا عليه: لأنه الباب الوحيد الذي لن يأخذ النجار أجرا لإصلاحه، ونلتفت ~~إلى العجائب في الحكمة الشائعة، فنجد أطباء أخصائيين في ألوان من المرض، ~~وصاروا أعلاما في مجالات تخصصاتهم، ويشاء الحق سبحانه وتعالى ألا يصابوا ~~إلا بما برعوا فيه، كأن الذي برعوا فيه لم يفدهم هم بشيء، إنما أفاد ~~الآخرين. ولننظر إلى الآية في مجملها: { شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما ~~بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم } [آل ~~عمران: 18]. لقد استهلها الله بقوله: { شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما ~~بالقسط } [آل عمران: 18] ثم قال بعد ذلك: { لا إله إلا ~~هو العزيز الحكيم } [آل عمران: 18]. فكأن الآية تقول لنا: إذا ~~ثبتت شهادة الذات للذات، وشهادة المشهد من الملائكة، وشهادة الاستدلال من ~~العلماء، فإن القاعدة تكون قد استقرت استقرارا نهائيا لا شك فيه، فخذوها ~~مسلمة: " لا إله إلا هو ". وما دام " لا إله إلا هو " فليكن اعتمادك عليه ~~وحده، واعلم أنك إن اعتمدت عليه وحده إلها، فأنت قد اعتمدت على عزيز لا ~~يغلب على أمره. قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو ~~اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو ~~اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت ~~الأقلام، ms1018 وجفت الصحف ". # فلا يستطيع أحد أن يدخل مع الله في جدال. إنما يدخل خلق الله مع خلق ~~الله في خلاف أو نضال، لكن لا أحد يجرؤ على أن يدخل في نضال مع الله لأنه ~~عزيز لا يغلب. فإن آمنت به وحده، فلك الفوز. وكلمة " وحده " قد تبدو ~~في ظاهرها تقليلا للسند الذي تستند إليه في القياس البشري، فيقال: " أنا ~~لاجئ إلى فلان وحده " وعندما تكون لاجئا إلى عشرين ألا تكون أكثر قوة؟ ~~لكن هنا لا يكون قياس بين اللجوء إلى الله وحده، بقياس اللجوء إلى مخلوق. ~~إنك هنا تلجأ إلى خالق أعلى بيده مقاليد كل شيء وهو على كل شيء قدير، ~~فكلمة " وحده " هنا تغنيك وتكفيك عن الكل. # اعمل لوجه واحد. يكفك كل الأوجه، واعلم أنه لا يوجد من يغلبه على أمره. ~~وعظمة الحق أنه واحد أحد فرد متفرد صمد، وهو عزيز لا يغلب على أمره وهو ~~صاحب كل الحكمة في وضع الأشياء في مواضعها بحيث إذا ما عرفت حكمة ما ~~يجريه الله سبحانه وتعالى على خلقه فأنت تتعجب من عظمة قدرة الله، لأن ~~الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، وما دمت قد وضعت الشيء في موضعه فإنه لا ~~يكون هناك قلق، وما دام الشيء موضوعا في مكانه فهو مستقر، وما دام ~~الشيء مستقرا فإنه لا يتلون وتزداد الثقة فيه، وهذه مأخوذة من " ~~الحكمة " التي توضع في فم الفرس، والتي نسميها " اللجام " وهي كما ~~نعرف تتكون من قطعة من الجلد تدخل على اللسان وفيها قطعة من الحديد، فإن ~~مال إلى غير الاتجاه الذي تريد، يكون من السهل جذبه إلى الاتجاه الصحيح. ~~إن وجود الحكمة يعني وجود شيء يحكمه فلا ينحرف يمينا ولا يسارا، وما دام ~~الله قد شهد أنه لا إله إلا هو، وشهدت الملائكة وشهد أولوا العلم، وانتهت ~~القضية بعد هذه الشهادات إلى أنه لا إله إلا هو، وأنه العزيز الحكيم، فكل ~~منهج منه يجب أن يسلم إليه، وأن ينقاد له. وما دام الله قد شهد لنفسه ~~بأنه إله ms1019 واحد، أي لا يوجد له شريك ينازعه فيما يريد من خلقه، وليس لله ~~شريك في الخلق، وليس لله شريك في الرزق، وليس له شريك في التشريع. إذن.. ~~فالجهة التي نستمد منها مقومات منهجنا هي جهة واحدة، وكان من الممكن أن ~~تظلم وتجور هذه الجهة الواحدة الخالقة على ما خلقت لأنه ليس لأحد من خلق ~~الله حق على الله، لكن الله سبحانه وتعالى عادل، إنه سبحانه يطمئننا، ~~فهذه الوحدانية بقدرتها وجبروتها وعلمها وحكمتها عادلة لا تظلم، لأنه ~~قال: مع أني إله واحد، لا يرد لي حكم ولا أمر فأنا قائم بالقسط. والقيام ~~بالقسط يجب أن نتوقف عنده لنفهمه جيدا، إن الحق يقول عن نفسه: " قائما ~~بالقسط " وكلمة قائم تعني أن الله قد خلقهم الخلق الأول، وهذا الخلق ~~إنما قام على العدل والقسط. وتكليف الحق للخلق قام على العدل والقسط. ~~والعدل والقسط يقتضي ميزانا لا ترجح فيه كفة على كفة، وهذا الميزان ~~ممسوك بيد القدرة القاهرة التي لا توجد قوة أعلى منها تميل في الحكم، ~~والحق سبحانه قائم بالقسط في الخلق، فقبل أن يخلقنا أعد لنا ما تتطلبه ~~حياتنا بالقسط أيضا، فلم يجعل أمر الحياة قائما على الأسباب التي ~~يكلفنا بها لنعيش، بل حكم بالقسط، لقد جعل الحق بعضا من الأمور لا دخل ~~لنا نحن العباد فيها، ولم يقض الحق بذلك على حركتنا ولا على حريتنا في ~~الحركة، لذلك خلق لنا أسبابا إن شئنا أن نفعل بها وصلنا إلى المسببات، ~~وإن شئنا ألا نفعل فنترك الأسباب والمسببات. # إذن.. فالحق سبحانه لم يحكمنا في قضية الخلق الأولى بشيء واحد، بأن ~~يجبرنا على كل شيء، بل جبرنا بأنه - سبحانه - لم يدخل أسبابنا ولا حركتنا ~~في كثير من الحركات التي تترتب عليها الحياة، فلم يجعل الشمس بأيدينا، ~~ولا القمر، ولا الريح، ولا المطر. كل هذه الأسباب جعلها بيده هو، لماذا؟ ~~لأن هذه الأسباب ستفعل للمخلوق قبل أن تكون له قدرة. هذه الأسباب تفعل ~~للإنسان قبل أن توجد له حياة لتمهد للحياة التي يهبك الله إياها، ms1020 فلو ترك ~~الله كل هذه الأشياء لأسباب الإنسان لتأخرت هذه الأشياء إلى أن يوجد ~~للإنسان إرادة، وتوجد له قدرة وعلم. لقد جعل الله أسباب الحياة بيده، ~~كالتنفس مثلا، إن التنفس لا يخضع لإرادة القدرة على الحركة في الحياة، ~~ولكنه قال لك: أيها الإنسان - وهو سبحانه الإله القادر - تحرك التنفس إلى ~~أن توجد له إرادة. ولا توجد الإرادة إلا إن وجد عند الإنسان علم بأنه ~~يريد إدخال الأكسجين إلى الرئتين حتى يغذي الدم والمخ وينقي الدم والجسم ~~من الأشياء التي تضره، هذا يقتضي العلم، فإذا كان هذا الأمر يقتضي العلم. ~~فماذا يصنع الطفل الذي ليس له علم؟ كيف يتنفس؟ لذلك فمن رحمة الله ~~وعدالته أن جعل أمر التنفس - على سبيل المثال - بيده هو سبحانه، ولكن ~~الحق سبحانه لم يقض على مخلوقه بأن يجعله في الكون بلا حرية أو اختيار، ~~لا، لقد ترك الحق سبحانه بعضا من الأشياء لحرية الإنسان واختياره. إذن، ~~فالحق لم يلزم العبد تسخيرا، ولم يمنع تخييرا. وذلك هو العدل المطلق. ~~لقد احترم الحق كينونة الإنسان، وحياة الإنسان، ومشيئة الإنسان، واختيار ~~الإنسان، فقال: أنا سأعطيك أسباب الحياة الضرورية ولا أجعل لك دخلا فيها ~~لأنك إن تدخلت فيها أفسدتها، وتأخر وصول خدمتها لك إلى أن تعرف وتعلم، ~~وأنا - الحق - أريدها لك، وأنت أيها الإنسان عاجز قبل أن توجد لك، وأنت ~~قادر بوجودها الذي أمنحه لك لذلك جعلتها بيدي أنا الخالق المأمون على ~~خلقي. ولكن لن أقضي على حريتك، فإن أردت ارتقاء في الحياة فتحرك في ~~الحياة، إن شئت أيها الإنسان أن تفعل فافعل. وإن شئت أيها الإنسان ألا ~~تفعل فلا تفعل. وهذا مطلق العدل. ثم جاء الحق سبحانه وتعالى وجعل قوله: { ~~قآئما بالقسط } [آل عمران: 18] مشتملا على التكليف أيضا، أي ~~إن عدالته في التكليف مطلقة. فأناس يقولون: " لا إله " وأناس آخرون عددوا ~~الآلهة، فقام الحق بالقسط بين الأمرين. هو إله موجود يا من تقول: " لا ~~إله ". # وهو إله غير متعدد يا من تشرك معه غيره. وهذا قيام بالقسط وجاء الحق ms1021 ~~سبحانه في الأحكام. ونحن نجد أحكاما شرعية طلبها الحق سبحانه من العبد ~~طلبا باتا، ولم يتركها لاختيار الإنسان ونجد أشياء تركها الحق سبحانه ~~ليجتهد فيها الإنسان، فلم يجعل الحق سبحانه العبد حرا طليقا يعربد في ~~الكون كما يشاء، ولم يجعل الحق سبحانه عبده مقهورا أو مقسورا بحيث لا ~~توجد له إرادة أو اختيار. لقد جعل الله للإنسان مجالا في القسر ومجالا ~~في الاختيار، أوجد في الإنسان القدرة على الحركة في الحياة، ولكنه قال ~~لك: أيها الإنسان - وهو الإله القادر - تحرك في الحياة وأنا أحمي نتيجة ~~ما تتحرك فيه، ولكن لي في مالك الذي جعلتك فيه خليفة حق عليك أن تعطي ~~بعضا منه لأخيك المحتاج. لقد أعطى الحق للنفس البشرية أن تكد، وأعطى لها ~~أن تكدح، وحفظ لها ما تملك، ولكنه هو الحق لم يطلق للنفس البشرية ~~عنانها، بل قال: لي حق في ذلك. وهكذا نجده سبحانه قد عدل في هذا الأمر. ~~إذن فقول الحق إنه قائم بالقسط.. نجده واضحا في كل شيء ففي الخلق والرزق ~~والتكليف نجد أنه قائم بالقسط، وما دام هو إلها واحدا وقائما بالقسط، ~~فما الذي يمنعك أيها الإنسان أن تخضع لمراده منك؟ يقول الحق سبحانه: { ~~إن الدين عند الله الإسلام... }. ### || [3.19] # بعد أن قال لنا: إنه إله واحد، وقائم بالقسط هو نتيجة منطقية لكونه - ~~سبحانه - إلها واحدا فكأن قوله { إن الدين عند الله ~~الإسلام } [آل عمران: 19] هو نتيجة لقوله: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط # [آل عمران: 18]. لماذا؟ لأنه لا تسليم لأحد إلا الله، وما دام الله ~~إلها واحدا، فلا إله غيره يشاركه، يقول الحق: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ~~إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم ~~على بعض سبحان الله عما يصفون # [المؤمنون: 91]. وما دام قد ثبت أنه هو الإله الواحد، فما الذي يمنعك ~~أيها الإنسان أن تخضع لمراد منك؟ إذن فقول الحق بعد ذلك: { إن ~~الدين عند الله الإسلام } [آل عمران: 19] هو ms1022 أمر منطقي جدا ~~يجب أن ينتهي إليه العاقل، ومع ذلك رحمنا الله سبحانه وتعالى فأرسل لنا ~~رسلا لينبهونا إلى القضية السببية، والمسببية، والمقدمة والنتيجة { ~~إن الدين عند الله الإسلام } [آل عمران: 19] وإذا سألنا: ~~ما هو الدين؟ تكون الإجابة: إن الدين كلمة لها إطلاقات متعددة فهي من " ~~دان " تقول: دنت لفلان: رجعت له وأسلمت نفسي له، وائتمرت بأمره. ويطلق ~~الدين أيضا على الجزاء، فالحق يقول عن يوم الجزاء: " يوم الدين " وهو ~~يوم الجزاء على الطاعة وعلى المعصية، وعلى أن الإنسان المؤمن قد دان لأمر ~~الله، فكلها تلتقي في قول الحق: { إن الدين عند الله ~~الإسلام } [آل عمران: 19] يشعرنا بأنه قد توجد أديان يخضع لها ~~الناس، ولكنها ليست أديانا عند الله ألم يقل الحق: # لكم دينكم ولي دين # [الكافرون: 6]. إن معنى ذلك أن هناك دينا لغير الله فيه خضوع واستسلام، ~~وفيه تنفيذ لأوامر، ولكن ليس دينا لله، ولا دينا عند الله. إن الدين ~~المعترف به عند الله هو الإسلام. والدين يطلق مرة على الملة ومرة أخرى ~~على الشريعة، فإن أراد المؤمن الأحكام المطلوبة فلك أن تسميها شريعة، وإن ~~أراد المؤمن الطاعة، والخضوع، وما يترتب عليهما من الجزاء فليسمها المؤمن ~~الدين، وإن أراد الإنسان كل ما ينتظم ذلك فليسمها الملة. إذن فقوله ~~سبحانه: { إن الدين عند الله الإسلام } [آل عمران: 19] ~~تعني أنه دين عند الله إلا الإسلام، وكلمة " إسلام " مأخوذة من مادة " ~~سين " و " لام " و " ميم ". و " السين " و " اللام " و " الميم " لها ~~معنى يدور في كل اشتقاقاتها، وينتهي عند السلامة من الفساد. وينتهي ~~المعنى أيضا إلى الصلح بين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وربه، وبين ~~الإنسان والكون، وبين الإنسان وإخوانه، إنه صلاح وعدم فساد، كل مادة ~~السين واللام والميم تدل على ذلك، وما دامت المادة المكونة منها كلمة " ~~إسلام " تدل على ذلك فلماذا لا نتبعها؟. # لقد قلنا سابقا: إن الإنسان لا يخضع لمثيله إلا إذا اقتنع بما يقول، إن ~~الإنسان يقول لمساويه الذي يأمره: لماذا تريدني أن أنفذ أوامرك؟ إنك لا ~~بد ms1023 أن تقنعني بالحكمة من ذلك الأمر، لكن عندما يؤمن الإنسان بإله واحد ~~قائم بالقسط، ويصدر من هذا الإله أمر،فعلى الإنسان الطاعة. إذن.. ~~فالإسلام معناه الخضوع، والاستسلام بعزة وفهم، وعزة وتعقل لأن هناك ~~عبودية تعقل عندما يقف الإنسان عند المعنى السطحي، وهناك عزة تعقل ~~عندما يقف الإنسان عند المعنى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من ~~خلفه، إن هذا هو عزة العقل فلا يستهويه أي شيء سوى الخضوع للأمر الثابت ~~الذي لا يتناقض أبدا. فما دام الله إلها واحدا قائما بالقسط فإني ~~كعبد من عبيده حين أؤمن به وآخذ عنه، فهذه عزة في الفهم وعزة في التعقل، ~~وعزة في العبودية أيضا، لأنني أعبد الله الذي هو فوق كل المخلوقات ~~والكائنات، ولا أعبد مساويا لي، وإن الذي يعبد مساويا له لا يملك إلا ~~إنفة وحمية الذليل، وما دام الإسلام هو الخضوع والاستسلام لله فهو خضوع ~~لغير مساو، و " أسلم " أي دخل في السلم، أي دخل في الصلح، وعدم التناقض، ~~وفي الأمان والراحة، أي خلص نفسه من كل شيء إلا وجه الله ولذلك يقول ~~الحق: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون # [الزمر: 29]. كأن الله يريد أن يوضح لنا الفرق بين الخاضع لأمر سيد ~~واحد، وبين الخاضع لسادة كثيرين. وضرب الله لنا المثل بالأمر المشهور ~~عندنا، فقال ما معناه: هب أن عبدا له من السادة عشرة، وكل سيد له منه ~~طلب، فماذا يصنع ذلك العبد؟ وعبد آخر له سيد واحد، هذا العبد يكون ~~مستريحا لأن له سيدا واحدا، بينما الآخر المملوك لعشرة تتضارب حياته ~~بتضارب أوامر سادته العشرة. إذن فالعبد المملوك لشركاء تعيس لأن الشركاء ~~غير متفقين، إنهم شركاء متشاكسون، فإذا رآه سيده يفعل أمرا لسيد آخر، ~~أمره بالعكس، وبذلك يتبدد جهد هذا العبد ويكثر تعبه، ولكن الرجل السلم ~~لرجل، هو مستريح، وكذلك التوحيد، لقد جاء الحق سبحانه بمثل من واقعنا ~~ليقرب لنا حلاوة التوحيد. إن العبد المؤمن بإله ms1024 واحد يحمد الله لأنه خاضع ~~لإله واحد. إذن فما دام الإسلام هو الخضوع والاستسلام ومعناه الدخول في ~~السلم بكسر السين - أو الدخول في السلم - بفتح السين - يقول الحق: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله ~~إنه هو السميع العليم # [الأنفال: 61]. هذا الخضوع ليس لمساو، بل لأعلى. والأعلى الذي نخضع له ~~هو الذي خلق، وهو الأعلى الذي أمدنا بقيوميته بكل شيء. إذن فإذا أسلم ~~الإنسان، فإن هذا الإسلام له ثمن هو المثوبة من الله. إن من مصلحة ~~الإنسان أن يسلم. { إن الدين عند الله الإسلام } [آل ~~عمران: 19] وما دام الدين المعترف به عند الله هو الإسلام فهو الدين الذي ~~يترتب عليه الثواب والإسلام هو دين الرسل جميعا، وكلهم قد آمن به ~~فإبراهيم خليل الرحمن قد قال: # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة ~~مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينآ إنك ~~أنت التواب الرحيم # [البقرة: 128]. ويعقوب عليه السلام يخبر الحق عنه في قوله لبنيه ~~وإجابتهم له: # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا ونحن له مسلمون # [البقرة: 133]. ويقول - جل شأنه -: # قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا ~~قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ~~* قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول ~~المسلمين # [الأنعام: 161-163]. إذن فالإسلام دين شائع، والمسلمون كلمة شائعة في ~~الأديان، وبذلك لا يقف الإسلام عند رسالة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ~~فقط، إنما الإسلام خضوع من مخلوق لإله في منهج جاء به رسل مؤيدون ~~بالمعجزات، إلا أن الإسلام بالنسبة لهذه الرسالات كان وصفا، لكن أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم تميزت بديمومة الوصف لدينها كما كان لأمم الرسل ~~السابقة، وصار الإسلام - أيضا - علما لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~لأن رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تضمنت منتهى ما يوجد من إسلام في ~~الأرض، فلم يعد هناك مزيد عليها، ms1025 وانفردت أمة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأن صار الإسلام علما عليها. إذن فالإسلام في الأمم السابقة كان ~~وصفا، وأما بالنسبة لرسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد صار علما ~~لأنه لم يأت بعدها دين، فإسلامها إسلام عالمي، ولذلك فنحن بهذا الدين ~~نقول: " نحن مسلمون " أما أصحاب الديانات الأخرى فهم أيضا مسلمون لكن ~~بالوصف فقط. نحن الذين نتبع الدين الخاتم سمانا الله في كتابه المسلمين ~~فهذا من إعجازات التسمية التي وافق فيها خليل الله إبراهيم عليه السلام ~~مراد ربه: # وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ~~إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ~~ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على ~~الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا ~~بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير # [الحج: 78]. # لقد صار الإسلام اسما لأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يطلق هذا ~~الوصف اسما إلا على من بالغ في التسليم. كيف؟ نحن نعلم أن لفظ " الله " ~~علم لواجب الوجود، ونعلم أن " حي " صفة من صفات الله سبحانه وتعالى. ولكن ~~صارت كلمة " حي " اسما من أسماء الله لأن الله حي حياة كاملة أزلية. إذن ~~لا تكون إلا إذا أخذ الوصف فيها الديمومة والإطلاق. وعلى هذا القياس يكون ~~الرسل السابقون على محمد صلى الله عليه وسلم، والأمم السابقة على أمة ~~الإسلام، كانوا مسلمين، وكانوا أمما مسلمة بالوصف، ولكن أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم تميزت بالإسلام وصفا وعلما، فصار الأمر بالنسبة إليها ~~اسما، ونظرا لأنه لن يأتي شيء بعدها، لذلك صار إسلام أمة رسول الله " ~~علما ". ولقد بشر سيدنا إبراهيم عليه السلام بهذا الأمر: # ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين # [الحج: 78]. إن الحق قد أورد على لسان سيدنا إبراهيم بالوضوح الكامل " ~~هو سماكم المسلمين " ولم يقل الحق: " هو وصفكم بالمسلمين ". لا، إنما ~~قال: " هو سماكم المسلمين " ، لأن الأمم السابقة موصوفة بالإسلام، وأما ~~أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي مسماة بالإسلام. وتجد من ms1026 إعجازات ~~التسمية، أننا نجد لأتباع الأديان الأخرى أسماء أخرى غير الإسلام، ~~فاليهود يسمون أنفسهم باليهود نسبة ل " يوها ". ويقولون عن أنفسهم: " ~~موسويون " نسبة إلى موسى عليه السلام. والمسيحيون يسمون أنفسهم بذلك نسبة ~~إلى المسيح عيسى بن مريم. ولم نقل نحن أمة رسول الله عن أنفسنا: " إننا ~~محمديون " لقد قلنا عن أنفسنا: " نحن مسلمون ". ولم يأت على لسان أحد قط ~~إلا هذه التسمية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وصار اسم الإسلام لنا ~~شرفا. إذن، فيقول الله الحق: { إن الدين عند الله ~~الإسلام } [آل عمران: 19] يعني، أنه، إن جاز أن يكون لرسول أو لأتباع ~~رسول وصف الإسلام فقد يجيء رسول بشيء جديد لم يكن عند الأمم السابقة ~~فنزيده نحن بالتسليم، وبزيادتنا - نحن المسلمين - بهذا التسليم ختم ~~التسليم بنا نحن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا صار الإسلام لا ~~يطلق إلا علينا. إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا أن الذين أوتوا الكتاب ~~قد اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم. ولماذا اختلفوا؟ جاءت الإجابة من الحق ~~الأعلى: بغيا بينهم وكلمة الاختلاف هذه توحي أن هناك شيئا متفقا عليه، ~~وما دام الإسلام هو خضوعا لمنهج الله. لأنه إله واحد وقائم بالقسط، فمن ~~أين يوجد الاختلاف؟ وما الذي زاد حتى يوجد اختلاف؟ أبرز إله آخر ~~يناقض الله في ملكه؟ لا لم يحدث. # وما دام الإله واحدا، وما دام المنهج القادم من عنده منهجا واحدا، ~~فمن أين جاء هذا الاختلاف؟ إن الحق يوضح لنا أن الاختلاف قد جاء للذين ~~أوتوا الكتاب من بعد ما جاءهم العلم وتلك هي النكاية، وذلك هو الشر، فلو ~~كانوا قد اختلفوا من قبل أن يأتي إليهم العلم لقلنا: " إنهم معذورون في ~~الاختلاف ". ولكن أن يحدث الاختلاف من بعد أن جاء العلم من الإله الواحد ~~القائم بالقسط فلنا أن نقول لهم: ما الذي جد لتختلفوا؟ إن الذي جد ~~هو من عالم الأغيار، وما دام الجديد قد جاء إليهم من عالم الأغيار، فمعنى ~~ذلك أن هوى النفس قد دخل، ونريد أن ms1027 نعرف أولا معنى الاختلاف، الاختلاف ~~في حقيقته هو ذهاب نفس إلى غير ما ذهبت إليه نفس أخرى. ولماذا حدث ~~الاختلاف هنا رغم أن الإله واحد، وهو قائم بالقسط؟ لا بد لنا أن نستنتج ~~أن شيئا جديدا قد نبت، ما هو هذا الشيء؟ إنه الهوى المختلف، وحينما ~~يقال: " اختلفوا " فنحن نعلم أن جماعة قد ذهبت إلى شيء وجماعة أخرى ذهبت ~~إلى شيء آخر. وقد نستنتج أن طرفا قد ذهب إلى حق، وأن الطرف الآخر قد ذهب ~~إلى باطل، أو أنهم جميعا قد ذهبوا إلى باطل. والذهاب إلى الباطل قد ~~يختلف لأن كل باطل له لون مختلف. هل أراد الحق سبحانه وتعالى أن يقول: ~~أنا أنزلت الأديان، ومن رحمتي بخلقي تركت بعضا من الناس يحتفظون بالحق ~~في ذاته وإن طرأ عليهم أناس يختلفون معهم. وتجد المثال لذلك في اليهود، ~~عندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد اختلفوا، وأسلم منهم أناس ~~وآمنوا برسالة النبي الخاتم، بينما الآخرون لم يسلموا، ومن أسلم هم الذين ~~كانوا على الحق، ومن رحمة الله تعالى أنه جعل الذين علموا برسالة رسول ~~الله أن يعلنوا البشارة في كتبهم ولم يكتموا ذلك العلم بل أعلنوا ~~الإيمان، بينما أصر البعض الآخر على كتمان ما جاءهم من العلم وأصروا على ~~الإنكار. إن الذين أسلموا هم الذين ينطبق عليهم قول الشاعر: # إن الذي جعل الحقيقة علقما # لم يخل من أهل الحقيقة جيلا # وإذا كان الله قد عصم الأجيال المتتالية من أمة الإسلام بأن حفظ لنا ~~القرآن. ففي الأديان الأخرى كان هناك أناس من أهل الحقيقة، وأنصفهم الله: # ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون ~~آيات الله آنآء الليل وهم يسجدون * يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات ~~وأولئك من الصالحين # [آل عمران: 113-114]. لقد أنصفهم الله حق الإنصاف، والذين آمنوا برسول ~~الله من أتباع تلك الديانات قد اهتدوا إلى الحق، واختلفوا مع غيرهم وقول ~~الحق: { أوتوا الكتاب } [آل عمران: 19] هذا القول يقتضي أن نقف ~~عند ms1028 " أوتوا " ونقف عند " الكتاب " وقفة أخرى، إن قول الحق " أوتوا " أي ~~أن شيئا قد جاء إليهم من جهة أخرى. # إذن فالكتاب ليس من أفكار البشر لأن المنهج لو كان من أفكار البشر لكان ~~من الممكن أن يختلفوا فيه أو حوله، وبناء " أوتوا " للمجهول يجعلنا نسأل: ~~من الذي آتاهم الكتاب؟ إنه الله سبحانه وتعالى، والحق سبحانه وتعالى لا ~~يأتي بمختلف فيه. وما دام الكتاب من عند الله فلا يمكن أن يوجد فيه خلاف. ~~يقول الحق: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82]. وكأن الله ينبهنا بذلك القول إلى أن كل شيء ينبت من البشر ~~للبشر، فلا بد أن تحدث فيه خلافات. إنما الشيء عندما يأتي من الواحد ~~الأحد لا يمكن أن يحدث فيه خلاف أبدا. لا يمكن أن يحدث خلاف فيما اتحد ~~فيه المصدر والمنبع إلا إن وجدت - بضم الواو وكسر الجيم - أشياء زائدة عن ~~ذلك، وهذه الأشياء الزائدة هي أهواء الذين يقولون: إنهم منسوبون إلى ~~الله. إذن فالحق سبحانه وتعالى يوضح لنا أن الكتاب لم يأت إليهم من بشر ~~مثلهم، إنما من إله واحد قادر، وفي هذا تنبيه لأتباع الديانات السابقة. ~~أي إنكم أيها الأتباع لا تتبعون إلا منهج الله، وحين تتبعون منهج الله ~~الذي جاء به الرسل فأنتم لا تتبعون أحدا من الخلق، لأن أي رسول أرسل ~~إليكم إنما جاء ليبلغكم بمنهج قادم من ربكم، ولم يقل لكم أحد من الرسل إن ~~المنهج قادم من عنده والرسول يحمل نفسه على الطاعة والخضوع للمنهج المنزل ~~عليه قبلكم، وهذه عزة لكم، ولينتبه جميع الخلق أن المنهج الحق دائما قد ~~أخذه الرسل من الله. وحين يقول الحق: " الكتاب " فلنا أن نعرف أن كلمة " ~~الكتاب " قد وردت في القرآن الكريم في أكثر من موضع، إن الحق سبحانه ~~وتعالى يسمي القرآن مرة " قرآنا " لأنه يقرأ، ويسميه الحق أيضا " الكتاب ~~" وذلك دليل على أنه يكتب، وحين نقول: إن القرآن من " القراءة " فهذا ~~يعني أن نبرز ما في الصدور بالقراءة ولكن ما ms1029 في الصدور قد تلويه الأهواء ~~لذلك يحرس الحق قرآنه بما في السطور ولذلك فالقرآن مقروء ومكتوب. وعندما ~~يقول الحق " من أهل الكتاب " ، فإن ذلك تنبيه لنا أن الكتاب هو منهج ~~مكتوب، أي لم يتم وضعه في الصدور ونسيته النفوس، لا، إنه منهج مكتوب، ~~هكذا حدد الحق أمر المنهج السابق على القرآن، إنه مكتوب، فإن لعبت أهواء ~~النفوس كما لعبت، فإن ذلك يعني تحريف الكلم عن مواضعه. ولنا أن ننتقل ~~الآن إلى معرفة " العلم ": ما هو العلم؟ إن العلم هو أن تدرك قضية وهذه ~~القضية واقعة في الوجود تستطيع أن تقيم الدليل عليها، وغير ذلك من ~~القضايا لا يصل إلى مرتبة العلم لأنه لا يستطيع أحد أن يدلل عليه. # مثال ذلك: نحن نقول: " الأرض كروية " إن كروية الأرض هي نسبة حدثت، ~~ونقولها ونحن جازمون بها. والسابقون لنا في عصور سابقة قال بعضهم: " إن ~~الأرض مسطحة " ، وحاول أن يجد من الأسباب ما يقيم الدليل على ذلك ولكن ~~الذين أقاموا الدليل على أن الأرض كروية كانوا صادقين بالفعل. وفي العصر ~~الحديث صارت كروية الأرض أمرا مرئيا من سفن الفضاء، وغيرها من الوسائل، ~~ونحن نعرف أنه " ليس مع العين أين " إن الكروية بالنسبة للأرض، هي نسبة، ~~نقولها ونجزم بها، والواقع أنها كذلك، ونستطيع أن نقيم على ذلك الدليل. ~~هذا هو العلم المستوفى، إن فساد الناس أنهم يأتون إلى قضية لن تصل إلى ~~هذه المرتبة ويسمونها " علما " كقولهم: إن الإنسان أصله قرد، لا، إن ~~أحدا لا يستطيع الجزم بذلك، وتلك قضية ليست من العلم، إن كلمة " علم " ~~تطلق على القضية المجزوم بها وهي واقعة في الوجود، ونستطيع أن ندلل ~~عليها، وإذا كانت القضية مجزوما بها وواقعة في الوجود، ولكنك لا تستطيع ~~أن تدلل عليها، فماذا تسمي هذه القضية؟ هذا ما يطلق عليه " تقليد " ~~تماما كما يقلد الولد أباه قبل أن ينضج عقله فيقول: " لا إله إلا الله، ~~الله واحد ". ومثلما يأخذ التلميذ عن أستاذه القضية العلمية، ولا يعرف ~~كيفية إقامة الدليل عليها، فهذا نطلق عليه ms1030 " تقليدا " ، وإلى أن ينضج ~~عقل التلميذ ويحسن استيعابه نقول له: ابحث بحثا آخر لتقديم الدليل. إذن ~~فالتقليد هو قضية مجزوم بها، وواقعة، ولا يوجد عليها دليل. وهكذا نعرف أن ~~" العلم " يمتاز عن التقليد بوجود القدرة على التدليل، لكن إذا ما كانت ~~هناك قضية ومجزوم بها ولكنها ليست واقعة، فماذا نسمي ذلك؟ إن هذا هو ~~الجهل. إن الجهل لا يعني عدم علم الإنسان، ولكن الجهل يعني أن يعلم ~~الإنسان قضية مخالفة للواقع ومناقضة له. أما الذي لا يعلم فهو أمي يحتاج ~~إلى معرفة الحكم الصحيح، فالجاهل أمره يختلف، إنه يحتاج منا أن نخرج من ~~ذهنه الحكم الباطل ونضع في يقينه الحكم الصحيح، وهكذا تكون عملية إقناع ~~الجاهل بالحكم الصحيح هي عملية مركبة من أمرين، إخراج الباطل من ذهنه، ~~ووضع الحكم الصحيح في يقينه. ولذلك فنحن نجد أن تعب الناس يتأتى من ~~الجهلاء، لا من الأميين لأن الجاهل هو الذي يجزم بقضية مخالفة للواقع ~~ومناقضة له، أما الأمي فهو لا يعرف، ويحتاج إلى أن يعرف. # وماذا يكون الأمر حين تكون القضية غير مجزوم بها، وتكون نسبة عدم الجزم، ~~مساوية للجزم؟ هنا نقول: إن هذا الأمر هو الشك، وإن رجح أمر الجزم على ~~عدم الجزم فهذا هو الظن، وإن رجح عدم الجزم يكون ذلك هو الوهم. إذن ~~فوسائل إدراك القضايا هي كالآتي: أولا: علم. ثانيا: تقليد. ثالثا: ~~جهل. رابعا: شك. خامسا: ظن. سادسا: وهم. والعلم هو أعلى المستويات في ~~إدراك القضايا. ولذلك نجد أن الحق يحدد لنا على ماذا اختلف الذين أوتوا ~~الكتاب، لقد اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم. ولم يقل الحق: إنهم اختلفوا ~~بعد ما جاءهم التقليد أو الظن، أو الجهل أو الشك، إنما قال الحق: إنهم قد ~~اختلفوا من بعد ما جاءهم الاستيفاء الكامل، وهو العلم. وما دام هناك أمر ~~قد جاء من القائم بالقسط والإله الواحد، فالمسألة القادمة منه وهي الحق ~~قد وصلت إلى مرتبة العلم. إذن، ففيم الاختلاف؟ لا بد أن أمرا ما قد جد ~~والذي يجد إنما ms1031 هو قادم من الأغيار، وهي الأهواء، ولذلك يحدد لنا الحق ~~هذا الأمر بقوله " بغيا بينهم ". ما البغي؟ البغي هو طلب الاستعلاء بغير ~~حق. إذن فطلب الاستعلاء ليس ممقوتا في ذاته لأن طلب الاستعلاء هو قضية ~~الطموح في الكون. وأن يطلب إنسان الرفعة فيجد ويجتهد، ويبذل العرق ليصل ~~إلى مكانة علمية أو غيرها، فهذا حق طبيعي، ونحن نعرف أن العالم قد ارتقى ~~بالطموحات الإنسانية، إن العالم لو اكتفى وثبت عند الذي وصل إليه في جيل ~~ما، فإن العالم يحكم على نفسه بالجمود، ولكن الناس طورت في العالم الذي ~~تحياه بجهد بذله البعض منهم في قضايا نافعة، ثم حاولوا أن يرتقوا بها ~~ونالوا حقهم من التقدير، وارتفعوا بالعلم بجهد حقيقي بذلوه، وبدراسة لما ~~بذله السابقون عليهم. إذن فطلب الاستعلاء في حد ذاته غير ممقوت، بل محمود ~~ما دام قائما على الجهد. لكن أن يطلب الإنسان الاستعلاء بغير حق، فهذا هو ~~البغي. لقد أثبت الله لنا في هذه الآية، أن كل خلاف بين رجال دين، أو بين ~~دين ودين، إنما مرجعه إلى نشوء البغي، ونشوء البغي هو طلب رجال دين ~~الاستعلاء بغير الحق. ومظاهر طلب الاستعلاء بغير حق هو إعطاء الفتاوى ~~التي توافق أمزجة القوم، وتخالف ما أنزله الحق. إن الواحد من هؤلاء يدعي ~~لنفسه التحضر، ويعطي من الفتاوى ما يناقض الذي أنزله الله، ويدعي أنه ~~يأخذ الدين بروح العصر، ويدعي لنفسه عدم الجمود، ويذهب إلى حد اتهام ~~المتمسكين بدينهم بأنهم متخلفون، والهدف الذي يختبئ في صدر مثل هذا ~~الإنسان هو الاستعلاء في قومه بغير الحق، ويجب أن نفهم أن كل خلاف بين ~~أهل دين واحد، أو بين دين ودين، منبعه قول الحق: " بغيا بينهم ". # وهذا يعني اتباع البعض للهوى النابع من بينهم ولم ينزله الله. لماذا؟ ~~لأن الله سبحانه وتعالى إما أن ينزل حكما محكما لا رأي فيه لأحد، ولا ~~يستطيع أحد أن ينقضه، وإما أن ينزل الله حكما قابلا للفهم والاجتهاد. ~~ولم يجعل الله الأحكام كلها من لون واحد، إنما جعل ms1032 الأحكام على لونين، ~~وذلك حتى يحترم الإنسان ما وهبه الخالق له من عقل، ويجعل له مهمة، فيأتي ~~بقضية ويبحثها ويرجح سببا على سبب. وفي ذلك استخدام من الإنسان لعقله، ~~إنها رحمة من الله حتى لا يجمد العقل الإنساني. إذن فإذا رأيت أي خلاف ~~بين رجال الدين أو بين دين ودين فاعلم أن القول الفصل في هذا الأمر هو ما ~~عبر عنه في القرآن: " بغيا بينهم " فمن البغي يهب الهوى الذي تنشأ منه ~~الأعاصير، إن من يحب الاستعلاء بغير الحق هو الذي يحاول البغي فيدعي ~~لنفسه أنه أرقى في الفكر، أو يستعلي عند من يملكون له أمرا، أو يستعلي ~~عندما يوافق حاكما في رأي من الآراء، ويبرر للحاكم حكما من الأحكام. إن ~~كلمة " بغيا بينهم " يدخل في نطاقها كل موجات الخروج عن منهج الله، ~~والتي نراها في الكون، والرسول صلى الله عليه وسلم قد أعطانا المناعة ضد ~~الأمراض النفسية الناشئة عن البغي، مثلما يعطي المعاصرون المصل ضد أمراض ~~البدن التي تفتك بالإنسان، وحتى لا تفاجئنا أمراض البغي، نجد الرسول ~~يعطينا المناعة. فيقول لنا صلى الله عليه وسلم: # " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس ". # ويحذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك كما في الحديث التالي: فيقول ~~صلى الله عليه وسلم: # " البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه ~~النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون ". # إن الرسول صلى الله عليه وسلم يحذرنا ليوضح لنا أن أهل البغي لهم لجاج ~~في أن يقولوا ويصدروا الفتاوى، وما معنى الإفتاء الذي يحذرنا منه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ هل هو مجرد رأي؟ أم هو رأي يأتي من إنسان معروف ~~عنه أنه مشتغل بعلم الله وبالأحكام؟ إن الرسول صلى الله عليه وسلم ينبهنا ~~إلى ذلك مناعة لنا. فقد يصبح أصحاب الحق قلة، وليس لهم نصيب في إيصال ~~رأيهم للناس، أو أن الذين يملكون الكلمة الإعلامية ليسوا مع أصحاب الحق ~~بل في ms1033 جانب رجل يساير الباطل أو الركب. وهنا نرى أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قد أعطانا المناعة حتى لا ييأس المتمسكون بالحق، فأمر الدين لن يمر ~~رخاء، أو بسلام دائم، بل سنجد قوما يفسرون أحكام الدين بغيا بينهم، ~~ويلوون الأشياء لذلك أوضح لنا أن المؤمن حكم في نفسه، ويحذرنا من ~~الذين يفتون بالبغي، إن الإفتاء يحتاجه الناس من الذي يعلم، ولذلك جاءت ~~كلمة " يستفتونك " أكثر من مرة في القرآن الكريم، لأن الذين يطلبون ~~الفتوى هم الذين يحتاجون إلى توضيح لأمر ما لأنهم مشغولون بقضية الإيمان، ~~ولذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يحذرنا من الذين يحاولون إلقاء الفتاوى، ~~ويحذر كل مؤمن من أن يستمع لكل فتوى. # ويقول الحق: { ومن يكفر بآيات الله } [آل عمران: 19]. إذن ~~فمن هو الذي يكفر بآيات الله؟ وفي أي مجال؟ إن الكفر بآيات الله هنا محدد ~~في الاختلاف، وفي البغي بينهم، أي طلب الاستعلاء بغير حق، وسمى الحق كل ~~ذلك " كفرا " والمراد منه هنا التنبيه لنا ألا نستر أحكام الله بالاختلاف ~~أو البغي، وجاء التحذير في تذييل الآية بقوله: { فإن الله سريع ~~الحساب } [آل عمران: 19]. فإياك أن تستطيل أمر الجزاء وتقول: سأستمتع ~~بنتيجة البغي والاختلاف لخدمة من يهمهم أمر الاختلاف، ويهمهم أمر البغي، ~~لأنك تريد أن تتعجل أشياء تظن أنها نافعة لك، لكن ها هو ذا الحق سبحانه ~~يحذرك أن تستبطئ حسابه، لماذا؟ لأنه من الجائز أن يأتي لك الحساب من الله ~~في الدنيا، وهب أن الله لم يبتل مثل هذا الإنسان ببلاء كبير في الدنيا ~~فإن هذا الإنسان سيكون له الحساب العسير في الآخرة. وقد يقول قائل: إن ~~الحساب في الدنيا قد يؤجله الله إلى الآخرة، والعلامات الصغرى للقيامة ~~نحن في مراحلها، وما زالت العلامات الكبرى ليوم القيامة لم تظهر. لمثل ~~هذا القائل نقول: هناك فرق بين الحدث في ذاته، وبين الحدث فيمن يجرى ~~عليه الحدث. هناك فرق بين أن تقوم القيامة على الناس جميعا، وبين أن ~~تختصر حياة الإنسان بحادثة ليست في حسبانه، فقد يفتي ms1034 الإنسان فتوى ~~اليوم؟ وتأتي له حادثة فورية تنقله فجأة إلى سريع الحساب، فإن استبطأ ~~إنسان الحساب، فعليه أن يعرف أن الآخرة قد تجيء له أسرع من مسائل الدنيا ~~لأن الإنسان لا يملك القدرة على إطالة عمره، ومفتاح العمر عند الخالق ~~الأكرم، وهو الذي يملك القدرة على أن ينقل إليه من يريد في أي وقت. وهكذا ~~تكون الآخرة بالنسبة للمستبطئ للحساب أسرع من حساب الدنيا، وكلمة " حساب ~~" كلمة تطمئن المؤمن إلى أن الله قائم بالقسط لا يتخلى حتى عمن كفر به أو ~~عصاه، إن كل إنسان يأخذ ماله ويدفع ما عليه، ويقول الحق من بعد ذلك: { ~~فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله... }. ### || [3.20] # { فإن حآجوك } [آل عمران: 20] هذا القول يدل على أن الحق سبحانه ~~وتعالى يلقي منهجه على الرسول الخاتم، ويعطيه الواقع الذي يحيا فيه، لقد ~~جابه الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة معسكرات. المعسكر الأول: هم مشركو ~~قريش، وكان كفرهم في القمة. والمعسكر الثاني: هو معسكر اليهود والنصارى ~~ويجمعهم معا لأنهم أهل كتاب. والمعسكر الثالث: هو معسكر المنافقين. ~~والمحاجة قد أتت من المعسكر الثاني، لأن كفار قريش لم يدعوا أن عندهم ~~دينا قد نزل من السماء، أما أهل الكتاب فهم يدعون أن عندهم دينا منزلا ~~من السماء، وعندما يناطح الشرك دينا فهذا أمر معقول، أما أن يناطح أهل ~~دين نزل من السماء رسولا جاء بدين خاتم من السماء فهذا أمر يستحق أن ~~نتوقف عنده. ومعنى { فإن حآجوك } [آل عمران: 20] أي أنهم يحاججون ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وتم إدغام الحرفين المتشابهين وهما حرفا " ~~الجيم " حتى لا تصبح ثقيلة على اللسان. ومعنى المحاجة: أن يدلي كل واحد ~~من الخصمين بحجته. وهذا يعني النقاش، وما دام هناك نقاش بين حق وبين ~~باطل، فإن الله لا يترك الرسول صلى الله عليه وسلم، بل يقول له: { فإن ~~حآجوك } [آل عمران: 20] أي إن ناقشوك في أمر الإسلام الذي جئت به ~~كدين خاتم مناقض لوثنية أو شرك قريش ومناقض لما قام أهل الكتاب بتغييره ~~من مراد ms1035 الله فقل يا محمد: { أسلمت وجهي لله } [آل عمران: ~~20] وقد قلنا من قبل: إننا عندما نسمع قول الحق " فقل " كان من الجائز أن ~~يكتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقول القول وضربنا مثلا على ذلك، ~~حين يقول الأب لابنه: اذهب إلى عمك وقل له: كذا وكذا. وساعة أن يذهب ~~الابن إلى العم فيقول له: الأمر كذا، وكذا. إن الابن لا يقول لعمه: قل ~~لعمك كذا وكذا.. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حافظ على النص الذي ~~جاءه من ربه لأن النص واضح. { فإن حآجوك فقل أسلمت ~~وجهي لله } [آل عمران: 20] فهل هذا رد بالحجة؟ نعم هذا هو الرد، ~~لأن أهل الكتاب وكفار قريش يأتي فيهم القول: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم # [الزخرف: 9]. ويأتي فيهم القول الحكيم: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون # [الزخرف: 87]. والكون كما نعرف " مكان " و " مكين " فالمكان: هو السماء ~~والأرض. والمكين وهو الإنسان. والمكان مخلوق لله، والمكين مخلوق لله. ~~وكان المنطق أن نسلم وجهنا لمن خلق. إذن فقول الحق: { فقل أسلمت ~~وجهي لله } [آل عمران: 20] أي انتبهوا أيها الناس، إنني لم أخرج ~~عن دائرة الإيمان بالإله الواحد، الذي تؤمنون به. # إنه هو الذي خلق وهو الذي أوجد الكون. وبعد ذلك إذا كان في الإسلام ~~خضوع، فإن الحق يأتي بأشرف شيء في الإنسان ليجعله مظهر الخضوع. لأن الوجه ~~هو السمة العالية المميزة، وهو الذي يظهر عليه انفعالات الأحداث في الكون ~~من سرور أو حزن، ويظهر عليه أنك قد تكون قد سجدت وأنت كاره للسجود، أو ~~سجدت وأنت مقرب لله سبحانه وتعالى فيمتلئ الوجه بالبشر والبشاشة. وقول ~~الحق: { أسلمت وجهي لله } [آل عمران: 20]. تعني أن الوجه ~~المسلم لله وهو أشرف شيء في الإنسان قد خضع للحق، وكأن القول الكريم لم ~~ينسب الخضوع للبدن ولكن لأشرف شيء في الإنسان وهو الوجه، والوجه يطلق مرة ~~ويراد به الذات كلها، فعندما يقول إنسان: " أسلمت وجهي " فهو يعني " ~~أسلمت ذاتي " بكل ما أوتيت الذات ms1036 من جوارح ومن أعضاء، ولنقرأ قول الحق ~~سبحانه: # كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ~~ترجعون # [القصص: 88]. أي كل شيء هالك إلا ذاته سبحانه وتعالى، وهذا هو المقصود ~~ب " إلا وجهه " وإلا إن أخذنا الوجه على أنه الوجه فقط فقد يقول قائل: ~~أليس لله يد مثلا؟ ونقول إن له يدا في نطاق ليس كمثله شيء، ولذلك فلا ~~يد الله تهلك ولا أي شيء فيه يهلك، ووجهه يعني ذاته في نطاق ليس كمثله ~~شيء. وأطلق الوجه على الذات، لأن الوجه هو المشخص للذات، فلا يستطيع أحد ~~أن يميز أعضاء بدن عن أعضاء بدن، إنما التمييز يأتي بسمة الوجه، لأنها ~~السمة المميزة، وقول الحق في تلقينه لرسول الله: { فقل أسلمت ~~وجهي لله ومن اتبعن } [آل عمران: 20]. تدل على أن الرسول ~~قد أسلم وجهه لله لأن الله خاطبه بوساطة الوحي، والوحي يباشره صلى الله ~~عليه وسلم، ولكن حين يقول: { ومن اتبعن } [آل عمران: 20] فقد قام ~~الدليل لمن اتبعني، وإن لم يكن مخاطبا من الله مباشرة. إذن فلا مجال لأن ~~يقول قائل للرسول صلى الله عليه وسلم: أنت أسلمت وجهك لله لأنه خاطبك ~~وحدك، وكأن صاحب هذا القول يريد خطابا لكل مؤمن، قال سبحانه: { ومن ~~اتبعن } [آل عمران: 20] فمن اتبع الرسول فقد آمن بأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم هو رسول صدق مبلغ عن الله منهج حق، فلا مجال لطلب البلاغ ~~لكل فرد لأن البلاغ قد وصل إليهم بالإيمان بما أنزله الله على رسوله ~~الكريم ويأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم { وقل للذين ~~أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم } [آل عمران: 20]. ~~وساعة تقرأ أو تسمع أسلوبا فيه " همزة الاستفهام " فلك أن تعرف أن ~~الاستفهام يطلب منه أن تعرف الحقيقة، كقول إنسان لآخر: أعندك محمد؟ أو ~~أزارك فلان؟ إن هذا استفهام المراد به فهم الحقيقة، ومرة يريد الاستفهام ~~مجرد الأمر بشيء، كأن يأتيك ضيف وتجلس معه ويدخل عليك والدك فيقول لك: ~~أصنعت قهوة لضيفك؟ إن ذلك توجيه لك إن كنت لم تقم بواجب الضيافة ms1037 فعليك أن ~~تسرع في القيام بهذا الواجب. # وعلى ذلك نفهم قول الحق: " أأسلمتم " ولذلك نقرأ قول الحق سبحانه بعد ~~الكلام عن الخمر: # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91]. إن قول الحق: " فهل أنتم منتهون " يتضمن استفهاما، ~~والاستفهام هنا يعني الأمر بالانتهاء. وفي مجال الآية التي نتعرض لها ~~بالخواطر نجد قول الحق: " أأسلمتم " تعني الدعوة للإسلام، أي " أسلموا " ~~وجاء بعد ذلك قول الحق الكريم: { فإن أسلموا فقد اهتدوا } ~~[آل عمران: 20] ومعنى " اهتدوا " أنهم عرفوا الطريق الموصل للغاية التي ~~خلق الله من أجلها الإنسان. وهنا يجب أن نعلم أن كلمة " الإسلام " هنا ~~جاءت لتدل على الخضوع والخضوع لا يلمح إلا من خاضع، وعملية الخضوع تعرف ~~بالحركة والسلوك، ولا تعرف فقط بالاعتقاد، ولذلك فالإمام علي كرم الله ~~وجهه الذي أوتي شيئا من نفح النبوة في الأداء الإيماني بالأسلوب البياني ~~الجميل قال الإمام علي لإخوانه: سأنسب الإسلام نسبا لم ينسبه قبلى أحد: ~~الإسلام هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار والإقرار هو ~~الأداء، والأداء هو العمل، والمؤمن يعرف إيمانه بالعمل. ونحن في حياتنا ~~العادية نسأل: ما نسب فلان؟ أي أننا نسأل " هو ابن من "؟ ومعنى كلمة " ~~نسابة " عند العرب هو الرجل الذي يعرف سلسلة النسب، ومن ابن من، ففلان ~~ابن فلان ابن فلان، ابن فلان. والإمام علي كرم الله وجهه، حين ينسب ~~الإسلام ينسبه بالفعل إلى نسب لم ينسبه قبله أحد. وحين ينتهي الإمام علي ~~كرم الله وجهه إلى أن نسب الإسلام إلى العمل قال: المؤمن يعرف إيمانه ~~بالعمل، فالدليل الصحيح على إيمان المؤمن هو عمله ويضيف الإمام علي كرم ~~الله وجهه: والكافر يعرف كفره بالإنكار، وإن المؤمن قد أخذ دينه من ربه، ~~ولم يأخذه برأيه. والسيئة في الإسلام خير من الحسنة في غيره لأن السيئة ~~في الإسلام تغفر، والحسنة في غيره لا تقبل لأن الكفر يصاحبها بالله هل ~~هناك نسب للإسلام أروع من هذا؟ وهكذا نجد القول ms1038 الكريم: { فإن ~~أسلموا فقد اهتدوا } [آل عمران: 20]. والمقابل للإسلام يأتي ~~بعد ذلك: { وإن تولوا فإنما عليك البلاغ } [آل ~~عمران: 20] إن المقابل هو " تولوا " أي لم يسلموا، إنه الحق ينبه رسوله ~~ألا يحزن وألا يأسف إن تولوا كما جاء في قوله الكريم: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. لماذا؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عليه البلاغ فقط، وما ~~دام قد جاء في صدر الآية: { أسلمت وجهي لله ومن ~~اتبعن } [آل عمران: 20] فإن البلاغ أيضا يشمل النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومن اتبعه، ولذلك تأتي آية أخرى لتشرح هذه القضية الإيمانية، ولتبقى ~~الرسالة في أمته صلى الله عليه وسلم، ولتخبرنا أيضا لماذا لم يعد هناك ~~داع لوجود أنبياء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك أن المؤمنين ~~برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمناء على أن يعدلوا فساد السلوك في ~~الكون، فلم يعد العالم في حاجة إلى أنبياء جدد، ولهذا السبب قال الرسول: ~~صلى الله عليه وسلم: # " العلماء ورثة الأنبياء ". # إذن " فعليك البلاغ " نأخذ منها الفهم الواضح أن البلاغ لا تنتهي مهمته ~~عند الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما يشمل كل عالم بالبلاغ الذي وصل إلى ~~رسول الله وآمن به، فقد كان لهم في رسول الله أسوة حسنة، ويوضح الحق ذلك ~~في آية أخرى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ~~ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون # [آل عمران: 110]. ويقول الحق في آية أخرى: # وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ~~إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ~~ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على ~~الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا ~~بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير # [الحج: 78]. ومعنى ذلك أنكم تشهدون على الناس أنكم أبلغتموهم رسالة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فمن لم يقم بإبلاغ الناس برسالة رسول الله فهو ms1039 ~~لم يأخذ ميراث النبوة، وميراث النبوة كما يكون شرف تبليغ، فهو أيضا ~~تجلد وتحمل، إن ميراث النبوة يكون مرة هو نيل شرف التبليغ لرسالة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ومرة أخرى يكون ميراث النبوة هو جلادة التحمل، ~~في سبيل أداء الرسالة، وجلادة التحمل هي التي يجب أن يتصف بها أتباع محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فكما ورثناه نحن المسلمين في شرف النبوة فإننا نرثه ~~في جلادة التحمل، وهذا هو معنى القول الحق: # ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على ~~الناس # [الحج: 78]. فما معنى الأسوة إذن؟ إن الأسوة في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تقتضي أنه ما دام قد تحمل بجلادة بلاغ الناس في رسالته، فعلينا ~~أيضا أن نقتدي به. لقد ناضل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أتباع ~~رسول الله أن يناضلوا في سبيل نشر الدعوة، فإن رأيت أهل الدين في استرخاء ~~وترهل وعدم قدرة على النضال في سبيل البلاغ عن الله فلتعلم أن هؤلاء ~~القوم لن يأخذوا ميراث النبوة. # ولذلك إذا رأيت عالما من علماء الإسلام ليس له أعداء فأعلم أنه قد نقص ~~ميراثه من ميراث الأنبياء. لماذا؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~له أعداء وكان يواجههم، فساعة أن ترى رجل دين له أعداء فاعرف أنه قد أخذ ~~حظه من ميراث الأنبياء ولننظر الآن إلى قول الحق سبحانه تذييلا للآية ~~يوضح لنا ما الإسلام: { والله بصير بالعباد } [آل عمران: 20] ~~لم يقل الله: إنه عليم بالعباد، لأن " عليم " تكون للأمور العقدية، لقد ~~قال الحق في وصف ذاته هنا: " إنه بصير بالعباد " ، والبصر لا يأتي إلا ~~ليدرك حركة وسلوكا. فماذا يرى الله من العباد؟ إنه - سبحانه - يرى ~~العباد المتحركين في الكون، وهل حركة العبد منهم تطابق الإسلام أم لا؟ ~~ومتابعة الحركة تحتاج إلى البصر، ولا تحتاج إلى العلم، وكأن الحق سبحانه ~~وتعالى يقول: إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم، فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم ~~تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ إذن فقول الحق: ms1040 { ~~والله بصير بالعباد } [آل عمران: 20] نفهم منها أن الإسلام ~~سلوك لا اعتقاد فقط، لأن الذي يرى هو الفعل لا المعتقدات الداخلية. وما ~~دام الله بصيرا بكل سكنات الإنسان وحركاته، فإن الإنسان يستحي أن يراه ~~ربه على غير ما يحب، وأضرب هذا المثل للتقريب لا للتشبيه فالحق سبحانه له ~~المثل الأعلى وليس كمثله شيء، نحن في حياتنا العادية نجد أن الشاب الذي ~~يدخن يستحي أن يظهر أمام كبار عائلته كمدخن، فيمتنع عن التدخين أثناء ~~تواجده مع الكبار، فما بالنا بالعبد وهو يعتقد أن الله يراه؟ وبعد ذلك ~~يقول الحق: { إن الذين يكفرون بآيات الله... }. ### || [3.21] # وقلنا إن الحق حين يقول: { إن الذين يكفرون بآيات ~~الله } [آل عمران: 21] هم الذين يكفرون بآيات الله على إطلاقها، وهناك ~~فرق بين الكفر بآيات الله وبين الكفر بالله. لماذا؟ لأن الإيمان بالله ~~يتطلب البينات التي تدل على الله، والبينات الدالة على وجود الله موجودة ~~في الكون. إذن فالبينات واضحة، إن الذي يكفر بالله يكون قبل ذلك كافرا ~~بالأدلة التي تدل على وجود الخالق. إن الحق لم يقل هنا: إن الذين يكفرون ~~بالله، وذلك حتى يوضح لنا أن الحق غيب، ولكن الآيات البينات ظاهرة في ~~الكون، لذلك قال: { إن الذين يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون النبيين } [آل عمران: 21]. ولنا أن نلاحظ هنا، أن ~~كلمة القتل تأتي دائما للنبيين، أي أنها لا تأتي للذين أخذوا صفة تزيد ~~على مهمة النبي، وهو الرسول، فليس من المعقول أن يرسل الله رسولا ليبلغ ~~منهجا لله، فيقدر الله خلقه على أن يقتلوا الرسول. لكن الأنبياء يرسلهم ~~الله ليكونوا أسوة سلوكية للمؤمنين، ولا يأتي الواحد منهم بتشريعات ~~جديدة، أما الرسول فإن الله يبعثه حاملا لمنهج من الله. وليس من المعقول ~~أن يصطفي الله عبدا من عباده ويستخلصه ليبلغ منهجه، ويمكن الله بعد ~~ذلك بعضا من خلقه أن يقتلوا هذا الرسول. إن الخلق لا يقدرون على رسول ~~أرسله الله، لكنهم قد يقدرون على الأنبياء، وكل واحد من الأنبياء هو أسوة ~~سلوكية، ولذلك نجد ان كل ms1041 نبي يتعبد على دين الرسول السابق عليه، فلماذا ~~يقتل الخلق الأسوة السلوكية ما دام النبي من هؤلاء قد جاء ليكون مجرد ~~أسوة، ولم يأت بدين جديد؟ فلو كان النبي من هؤلاء قد جاء بدين جديد، ~~لقلنا: إن التعصب للدين السابق عليه هو الذي جعلهم يقتلونه، لكن النبي ~~أسوة في السلوك، فلماذا القتل؟ إن النبي من هؤلاء يؤدي من العبادة ما ~~يجعل القوم ينتبهون إلى أن السلوك الذي يفعله النبي لا يأتي وفق ~~أهوائهم. إن القوم الذين يقتلون النبيين هم القوم الذين لا يوافقون على ~~أن يسلكوا السلوك الإسلامي الذي يعني إخضاع الجوارح، والحركة لمنطق الدين ~~ولمنطق الإسلام، لماذا؟ لأن النبي وهو ملتزم بشرع الرسول السابق عليه، ~~حينما يلتزم بدين الله بين جماعة من الملتزمين يكون سلوكه قد طعن غير ~~الملتزمين. إن وجود النبي الذي يتمسك بشرع الله، ويخضع جوارحه، وسلوكه ~~لمنهج الله بين جماعة تدعي أنها تدين بدين الله، ولكنها لا تتمسك بمنهج ~~الله تحملهم إلى أن يقولوا: لماذا يفعل النبي هذا السلوك القويم، ولماذا ~~يخضع جوارحه لمنطق الإيمان، ونحن غير ملتزمين مثله؟ وهذا السؤال يثير ~~الغيظ والحقد على النبي بين هذه الجماعة غير الملتزمة بدين الله، وإن ~~أعلنت في ظاهر الأمر التزامها بالدين. # إنهم يحقدون على النبي لأنه يرتفع بسلوك المسلم، وهم لا يستطيعون أن ~~يرتفعوا ليكونوا مثله. إن النبي بسلوكه الخاضع لمنهج الله يكون أسوة ~~واضحة جلية يظهر بها الفرق بين مجرد إعلان الإيمان بمنهج الله، وبين ~~الالتزام السلوكي بمنهج الله، وتكون أسوة النبي محقرة لفعلهم. ولذلك ~~حين نجد إنسانا ملتزما بدين الله ومنهجه، فإننا نجد غير الملتزم ينال ~~الملتزم بالسخرية والاستهزاء، لماذا؟ لأن غير الملتزم يمتلئ بالغيظ ~~والحقد على الملتزم القادر على إخضاع نفسه لمنهج الله، ويسأل غير الملتزم ~~نفسه: لماذا يكون هذا الإنسان قادرا على نفسه مخضعا لها لمنهج الله ~~وأنا غير قادر على ذلك؟ إن غير الملتزم يحاول إزاحة الملتزم وإبعاده من ~~أمامه. لماذا؟ لأن غير الملتزم يتضاءل في نظر نفسه ونظر الآخرين إذا ما ms1042 ~~قارن نفسه بالملتزم بمنهج الله، وعندما يقارن الآخرون بين سلوك الملتزم ~~بمنهج الله وسلوك غير الملتزم بمنهج الله فهم لا يحترمون غير الملتزم، ~~فيشعر بالصغار النفسي أمام الملتزم وأمام الناس. فيحاول غير الملتزم أن ~~يزيح الملتزم وينحيه عن طريقه، إن غير الملتزمين بمنهج الله يسخرون ~~ويتغامزون على الملتزمين بمنهج الله، كما يقول الحق سبحانه وتعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين # [المطففين: 29-33]. ألا توضح لنا تلك الآيات البينات ما يقوله غير ~~الملتزمين في بعض مجتمعاتنا للملتزمين بمنهج الله؟ ألا نسمع قول غير ~~الملتزمين للملتزم بمنهج الله: " خذنا على جناحك "؟ إن هؤلاء غير ~~الملتزمين ينطبق عليهم قول الحق: # وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى ~~أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن ~~هؤلاء لضالون # [المطففين: 30-32]. إن غير الملتزمين قد يفرح الواحد منهم، لأنه استطاع ~~السخرية من مؤمن ملتزم بالله. وقد يتهم غير الملتزمين إنسانا ملتزما ~~بأن الالتزام ضلال. والحق سبحانه وتعالى يرد على هذا الاتهام بالقول ~~الكريم: # ومآ أرسلوا عليهم حافظين # [المطففين: 33]. الحق يرد على الساخرين من الملتزمين بمنهج الله، فيضحك ~~الذين آمنوا يوم القيامة من الكفار، ويتساءل الحق بجلال قدرته وتمام ~~جبروته: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على ~~الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون # [المطففين: 34-36]. هكذا ينال غير الملتزمين عقابهم، فماذا عن الذين ~~يقتلون النبيين بغير حق؟ إن لنا أن نسأل: لماذا وصف الله قتل النبيين ~~بأنه " بغير حق " ، وهل هناك قتل لنبي بحق؟ لا يمكن أن يكون هناك قتل ~~لنبي بحق، وإذا كان الله قد قال: { ويقتلون النبيين ~~بغير حق } [آل عمران: 21] هذا القول الكريم قد أتى ليوضح واقعا، ~~إنه سبحانه يقول بعد ذلك في سلسلة أعمال هؤلاء الذين يقتلون النبيين بغير ~~حق: { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } ~~[آل عمران: 21] إنهم لم يكتفوا بقتل النبيين، بل يقتلون أيضا من يدافع ms1043 ~~من المؤمنين عن هذا النبي كيف؟ لأنه ساعة يقتل نبي، فالذين التزموا ~~بمنهج النبي، وكانوا معه لابد لهم أن يغضبوا ويحزنوا. # إن أتباع النبي ينفعلون بحدث قتل النبي، فإن استطاعوا منع ذلك القتل ~~لفعلوا وإن لم يستطع أتباع النبي منع قتل النبي فلا أقل من أن يأمروا ~~بالمعروف وينهوا عن المنكر، لكن القتلة يتجاوز طغيانهم فلا يقتلون ~~النبيين فقط فإذا قال لهم منكر لتصرفهم: ولماذا تقتلون النبيين؟ فإنهم ~~يقتلونه أيضا، وبالنسبة لرسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، نحن نعرف أن ~~أعداءه قد صنعوا معه أشياء أرادوا بها اغتياله، وذلك يدل على غباء الذين ~~فكروا في ذلك الاغتيال. لماذا؟ لأنهم لم ينظروا إلى وضعه صلى الله عليه ~~وسلم، فلم يكن نبيا فقط، ولكنه رسول أيضا. وما دام رسولا فهو أسوة ~~وحامل لمنهج في آن واحد، فلو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيا فقط لكان ~~في استطاعتهم أن يقتلوه كما قتلوا النبيين من قبل، لكنه رسول من عند ~~الله، ولقد رأوه يحمل منهجا جديدا، وهذا المنهج يسفه أحلامهم، ويوضح ~~أكاذيبهم، من تبديلهم للكتب المنزلة عليهم. إذن، كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رسولا يحمل رسالة ومنهجا، وحينما أرادوا أن يقتلوه كنبي، ~~غفلوا عن كونه رسولا. وذلك قال الحق مطمئنا لنا ومحدثا رسوله صلى الله ~~عليه وسلم: # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك ~~من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين # [المائدة: 67]. الرسول الكريم إذن حامل رسالة ومعصوم بالله من أعدائه، ~~والحق سبحانه وتعالى قد حكى عن الذين يقتلون الأنبياء، وأراد أن يطمئن ~~المؤمنين، ويطمئن الرسول على نفسه، وأن يعرف خصوم رسول الله أنه لا سبيل ~~إلى قتله، فيقول الحق: # قل فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل إن كنتم ~~مؤمنين # [البقرة: 91]. ولماذا يأتي الله ب " من قبل " هذه؟ إنه يوضح لنا ~~وللرسول ولأعداء محمد صلى الله عليه وسلم أن مسألة قتل الأنبياء كان من ~~الممكن حدوثها قبل رسول الله، لكن هذه ms1044 المسألة صارت منتهية، ولا يجرؤ أحد ~~أن يمارسها مع محمد رسول الله، وبذلك طمأن الحق المؤمنين، وطمأن رسول ~~الله بأن أحدا لن يناله بأذى، ولذلك قال الحق: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]. وأيأس الحق الذين يريدون قتل رسول الله فقد قال لهم: # قل فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل # [البقرة: 91]. ولو أن المسألة مسألة نبوة ورسالة رسول الله غير داخلة في ~~مواجيدهم، وكان إنكارهم لرسالته عنادا، لكانوا قد قالوا: " إن مسألة قتل ~~الأنبياء لا تتوقف عند " من قبل " لأننا سنجعلها " من بعد " أيضا، ~~لكانوا قد كتلوا قواهم وقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الله ~~سبحانه أيأسهم وقنطهم من ذلك، وذلك من مناط قدرة الله. # وإذا كان الحق سبحانه وتعالى يحكي عن أمر في قتل الأنبياء، وقتل الذين ~~يأمرون بالقسط، أكان ذلك معاصرا لقول الرسول هذا؟ أو كان هذا الكلام ~~لمن؟ إنه مواجه لبعض من أهل الكتاب، إنه موجه لمن آمنوا باتباع الذين ~~قتلوا النبيين من قبل، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط، لقد آمنوا كإيمان ~~السابقين لهم من قتلة الأنبياء، وقتلهم للذين يأمرون بالقسط. وهذا تقريع ~~لهؤلاء الذين اتبعوا في الإيمان قوما قتلوا الأنبياء من قبل، وقتلوا ~~الذين يأمرون بالقسط، إنه تقريع وتساؤل. كيف تؤمنون كإيمان الذين قتلوا ~~الأنبياء؟ وكيف تتبعون من فعل مثل ذلك؟ وقد قص رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، أن بني إسرائيل قد قتلوا ثلاثة وأربعين نبيا دفعة واحدة، فقام ~~مائة وسبعون من أتباع الأنبياء لينكروا عليهم ذلك، فقتلوهم، وهذا هو معنى ~~هذه الآية الكريمة: { ويقتلون النبيين بغير حق ~~ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ~~فبشرهم بعذاب أليم } [آل عمران: 21]. لماذا يبشرهم الحق ~~بعذاب أليم؟ أليس معنى التبشير هو إخبار بما يسر في أمد يمكن أن يؤتى فيه ~~الفعل الذي يسر؟ إن التبشير دائما يكون للفعل الذي يسر، كتبشير الحق ~~للمؤمنين بالجنة، ومعنى التبشير بالجنة أن الله يخبر المؤمن بأمر يسر له ~~المؤمن، ويعطي الحق الفرصة للمؤمن لينفذ منهج الله ليأخذ الجائزة ~~والبشارة. لماذا يكون الحديث ms1045 بالبشارة موجها لأبناء الذين فعلوا ذلك؟ ~~لأننا نعرف أن الذين قتلوا النبيين وقتلوا الذين أمروا بالقسط من الناس ~~لم يكونوا معاصرين لنزول هذا الآية، إن المعاصرين من أهل الكتاب لنزول ~~هذه الآية هم أبناء الذين قتلوا الأنبياء وقتلوا الذين أمروا بالقسط، ~~ويبشرهم الحق بالعذاب الأليم لأنهم ربما رأوا أن ما فعله السابقون لهم ~~كان صوابا. فإن كانوا قد رأوا أن ما فعله السابقون لهم كان صوابا فلهم ~~أيضا البشارة بالعذاب. وتتسع دائرة العذاب لهم أيضا ولكن لماذا يكون ~~العذاب بشارة لهم، رغم أن البشارة غالبا ما تكون إخبارا بالخير، وعملية ~~العذاب الأليم ليست خيرا؟ إن علينا أن نعرف أنه ساعة نسمع كلمة " أبشر " ~~فإن النفس تتفتح لاستقبال خبر يسر وعندما تستعد النفس بالسرور وانبساط ~~الأسارير إلى أن تسمع شيئا حسنا يأتي قول: أبشر بعذاب أليم، ماذا يحدث؟ ~~الذي يحدث هو انقباض مفاجئ أليم ابتداء مطمع " فبشرهم " وانتهاء ميئس ~~بعذاب أليم وهنا يكون الإحساس بالمصيبة أشد لأن الحق لو أنذرهم وأوعدهم ~~من أول الأمر بدون أن يقول: " فبشرهم " لكان وقوع الخبر المؤلم هينا. # لكن الحق يريد للخبر أن يقع وقوعا صاعقا، ومثال لذلك قول الحق: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه ~~بئس الشراب وسآءت مرتفقا # [الكهف: 29]. إنهم يستغيثون في الآخرة، ويغاثون بالفعل، ولكن بماذا ~~يغيثهم الله؟ إنه يغيثهم بماء كالمهل يشوي الوجوه. إننا ساعة أن نسمع " ~~يغاثوا " قد نظن أن هناك فرجا قادما، ولكن الذي يأتي هو ماء كالمهل ~~يشوي الوجوه. وهكذا تكون البشارة بالنسبة لمن قتلوا الأنبياء أو لأتباع ~~القتلة الذين آمنوا بمثل ما آمن به هؤلاء القتلة. { فبشرهم ~~بعذاب أليم } [آل عمران: 21] وكلمة " عذاب " تعني إيلام حي يحس ~~بالألم. والعذاب هو للحي الذي يظل متألما، أما القتل فهو ينهى النفس ~~الواعية وهذا ليس بعذاب، بل العذاب أن يبقى الشخص حيا حتى يتألم ويشعر ~~بالعذاب، وقول الحق: { بعذاب أليم } [آل عمران: 21] يلفتنا إلى ~~قوله تعالى: # إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا ~~كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا ms1046 العذاب إن الله كان عزيزا حكيما # [النساء: 56]. أي أن الحق يديم عليهم الحياة ليديم عليهم التعذيب. وبعد ~~ذلك يقول الحق: { أولئك الذين حبطت أعمالهم... }. ### || [3.22] # إنهم الذين كفروا بآيات الله، وقتلوا النبيين بغير حق، وقتلوا الذين ~~أمروا بالقسط بين الناس، هؤلاء لهم العذاب، ولهم أيضا حبط العمل في ~~الدنيا والآخرة، وكذلك من نهج نهجهم، ومعنى " حبطت " أي لا ثمرة مرجوة من ~~العمل، إن كل عمل يعمله العاقل لا بد أن يكون لهدف يقصده، فأي عمل لا ~~يكون له مقصد يكون كضربة المجنون ليس لها هدف. إن العاقل قبل أن يفعل أي ~~عمل ينبغي أن يعرف الغاية منه، وما الذي يحققه من النفع؟ وهل هذا النفع ~~الذي سوف يحققه هو خير النفع وأدومه، أو هو أقل من ذلك؟ وعلى ضوء هذه ~~المقاييس يحدد العاقل عمله، وحينما يقول الحق: { أولئك الذين ~~حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } [آل عمران: 22] فهو ~~سبحانه يريد أن يخبرنا أن إنسانا قد يفعل عملا هو في ظاهره خير، فإياك ~~أن تغتر أيها المؤمن بأنه عمل خيرا. لماذا؟ لأن عمل الخير لا يحسب ~~للإنسان إلا بنية إيمانه بمن يجازى، فالإنسان إن عمل عملا قد تصلح به ~~دنياه فهو عمل حسن، فلماذا يكون عمل هؤلاء حابطا في الدنيا، وفي الآخرة؟ ~~إنه حابط بموازين الإيمان ويكون العمل حابطا لأنه لم يصدر من مؤمن، لأن ~~ذلك الإنسان قد عمل العمل ثقة بنتيجة العمل، لا ثقة بالأمر الأعلى. إن ~~الإنسان المؤمن حين يقوم بالعمل يقوم بالعمل ثقة في الأمر الأعلى. وبعض ~~من الناس في عصرنا يأخذون على الإسلام أنه لا يجازي الجزاء الحسن للكفرة ~~الذين قاموا بأعمال مفيدة للبشرية. يقوم الواحد منهم: هل يعقل أحد أن " ~~باستير " الذي اكتشف الميكروبات، والعالم الآخر الذي اكتشف الأشعة، وكل ~~هؤلاء العلماء يذهبون إلى النار؟ ولهؤلاء نقول: نعم، إن الحق بعدالته ~~أراد ذلك، ولنتقاض نحن وأنتم إلى أعراف الناس. إن الذي يطلب أجرا على ~~عمل يطلبه ممن؟ إنه يطلب الأجر ممن عمل له. فهل كان الله في ms1047 بال هؤلاء ~~العلماء وهم يفعلون هذه الأعمال؟ إن بالهم كان مشغولا بالإنسانية، وقد ~~أعطتهم الإنسانية التخليد، وغير ذلك من مكاسب الدنيا، وينطبق عليهم قول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم: # " إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فأتى به فعرفه ~~نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال قاتلت فيك حتى استشهدت قال: كذبت، ~~ولكنك قاتلت لأن يقال: جرىء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقي ~~في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأتى به فعرفه نعمه ~~فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن ~~قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن، ليقال: هو قارئ ~~فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله ~~عليه، وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به، فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما ~~عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، ~~قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على ~~وجهه، ثم ألقي في النار ". # إذن فإذا كان الجزاء من الله، فلنا أن نسأل: هل كان الله في بال هؤلاء ~~العلماء حينما أنتجوا مخترعاتهم؟ لم يكن في بالهم الله. والذي يطلب ~~أجرا، فهو يطلبه ممن عمل له. ولم يضع الله ثمرة عملهم، بل درت عليهم ~~أعمالهم الذكر والجاه والرفعة. لم يضع الله أجر من أحسن عملا. # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. وقد قلت لكم قديما: تذكروا المفاجأة التي تحدث لمن عمل ~~عملا هو في ظاهره خير، ولكن لم يكن ربه في باله، هذا ينطبق عليه قول ~~الحق: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. إنه يفاجأ بوجود الله، ولم يكن هذا الإله في باله ms1048 ساعة أن ~~قام بهذا العمل الذي هو في ظاهره خير، كأن الله يقول لصاحب مثل هذا ~~العمل: أنا لم أكن في بالك ساعة أن قمت بهذا العمل، فخذ جزاءك ممن كان في ~~بالك. { أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة وما لهم من ناصرين } [آل عمران: 22] إن أعمالهم ~~حبطت في الدنيا، لأنهم قد يعملون عملا يراد به الكيد للإسلام، لذلك لا ~~يمكنهم الله من ذلك، بل يخذلهم جميعا. وانتصر دين الله رغم قلة العدد ~~وقلة العدة. وليس لهؤلاء ناصرون. أي ليس لهم من يأتي ويراهم مهزومين ~~أمام خصم لهم وينجدهم، إنهم لن يجدوا ناصرا إذا هزمهم الله، فليس مع ~~الله أحد غيره. وبعد ذلك يقول الحق: { ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب... }. ### || [3.23] # ونعرف أننا ساعة نسمع قول الحق: { ألم تر } [آل عمران: 23] فهنا ~~همزة استفهام، وهنا أداة نفي هي " لم " ، وهنا " تر " ومعناها أن يستخدم ~~الإنسان آلة الإبصار وهي العين. فإذا ما قال الله لرسوله: { ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى ~~كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق ~~منهم وهم معرضون } [آل عمران: 23]. إن هذه دعوة لأمر واضح. ~~لكن في بعض الأحيان تأتي { ألم تر } [آل عمران: 23] في حادث كان ~~زمانه قبل بعثته صلى الله عليه وسلم فلم يره رسول الله كقول الحق: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير أصحاب الفيل، إذن فساعة ~~تسمع { ألم تر } [آل عمران: 23]، إن كان حدثها من المعاصر، فمن ~~الممكن أن تكون رؤية، والرؤية تؤدي إلى علم يقين، لأنها رؤية لمشهود وإن ~~جاءت { ألم تر } [آل عمران: 23] في أمر قد حدث من قبل، أو أمر لما ~~يحدث بعد فهي تعني " ألم تعلم " لأن الرؤية سيدة الأدلة، فكأن الله ~~سبحانه وتعالى ساعة يقول لرسوله في حدث لم يشهده الرسول: ألم تر؟ فهذا ~~معناه: ألم تعلم؟ وقد يقول قائل: ولماذا لم يأت ب " تعلم " وجاء ب تر؟ ~~لأن سيادة الأدلة ms1049 هو الدليل المرئي، فكأن الله يريد أن يخبرنا ب { ~~ألم تر } [آل عمران: 23] أن نأخذ المعلومة من الله على أنها مرئية، ~~وليكن ربك أوثق عندك من عينك، إنك قد لا ترى بالفعل هذا الأمر الذي يخبرك ~~به الله، ولكن لأن القائل هو الله، ولا توجد قدرة تخرج ما يقوله الله ~~على غير ما يقوله الله. لذلك فقد قلنا ساعة يعبر الله عن الأمر المستقبل ~~الذي سيأتي بعد، فإنه قد يعبر عنه بالماضي، فالحق قد قال: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى ~~عما يشركون # [النحل: 1]. فهل ينسجم قوله: " أتى أمر الله " مع " فلا تستعجلوه "؟ إن ~~الأمر الذي يخبرنا به الله قد أتى، فكيف يمكن عدم استعجاله؟ إن " أتى " ~~معناها أن الأمر قد حصل قبل أن يتكلم. يجب علينا إذن أن نعرف أن الذي ~~قال: " أتى " قادر على الإتيان به، فكأنه أمر واقع، إنها مسألة لا تحتاج ~~إلى جدال لأنه لا توجد قوة تستطيع أن تنازع الله لتبرز أمرا أراده في ~~غير مراده. فكأن قوله الحق: { ألم تر } [آل عمران: 23] إن كانت تحكي ~~عن حدث فات زمنه فالذي يأتي منها هو العلم، لأنه إخبار الله، وإن كانت ~~تحكي عن حدث معاصر فالذي يأتي منه أيضا هو العلم لأنه صادر عن رؤية ~~ومشاهدة. # وعندما يقول الحق: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب } [آل عمران: 23]. " وأوتوا " تلفتنا إلى قوم قد نزل ~~إليهم منهج من أعلى. وذلك يأتي في القرآن ذكر المنهج ب " نزل " و " أنزل ~~" ، وذلك حتى نشعر بعلو المكانة التي نزل منها المنهج. وما هو النصيب؟ ~~إننا نسمي النصيب " الحظ " ، أو خارج القسمة، كأن يكون عندنا عشرون ~~دينارا، ونقسمها على أربعة فيكون لكل واحد خمسة، هذه الخمسة الدنانير هي ~~التي تسمى " نصيبا " أو " حظا " ، والنصيب: " حظ " أو " قسمة " يضاف ~~لمن أخذه. إذن، فلماذا يقول الحق: { الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب } [آل عمران: 23] إنها لفتة جميلة، فالكتاب كله لم يبق لهم، ~~إنما الذي وصل وانتهى إليهم جزء بسيط من الكتاب، فكأن ms1050 هذه الكلمة تنبه ~~الرسول والسامعين له أن يعذروا هؤلاء القوم حيث لم يصلهم من الكتاب إلا ~~جزء يسير منه، إن نصيبا من الكتاب فقط هو الذي وصلهم. ويشرح الحق ذلك في ~~آيات أخرى: # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم ~~قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا ~~مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خآئنة ~~منهم إلا قليلا منهم # [المائدة: 13]. إن الجزء المنسي من الكتاب لم يأخذه المعاصرون لرسول ~~الله. وقلنا أيضا: إن الحق قد أوضح أن بعضهم كتم بعضا من الكتاب. # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم ~~يعلمون # [البقرة: 146]. وما دام هناك من كتم بعضا من الكتاب فمعنى ذلك كتمانه ~~عن المعاصرين له، وهناك أناس منهم مخدوعون، فشيء من الكتاب قد نسي، ~~وبالتالي مسح من الذاكرة، وهناك شيء من الكتاب قد كتم، فصار معلوما عند ~~البعض، وغير معلوم عند البعض الآخر، وحتى الذي لم يكتموه، جاء فيه القول ~~الحكيم: # وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب ~~لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون ~~هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون ~~على الله الكذب وهم يعلمون # [آل عمران: 78]. إذن فالكتاب الذي أنزل إليهم من الله قد تعرض لأكثر من ~~عدوان منهم، ولم يبق إلا حظ من الكتاب، وهذا الحظ من الكتاب هو الذي ~~يجادل القرآن به هؤلاء الناس، إن القرآن لا يجادلهم فيما تبدل عندهم بفعل ~~أحبارهم ورهبانهم السابقين، ولكنه يجادلهم بالنصيب الذي أوتوه. يقول ~~الحق: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم ~~يتولى فريق منهم وهم معرضون } [آل عمران: 23]. ~~وعن أي كتاب لله تتحدث هذه الآية؟ هل تتحدث عن القرآن؟ لو كان الحديث عن ~~القرآن فلا بد أنه حكم في أمر بينهم وبين رسول الله، لكن الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب قد اختلفوا فيما بينهم، ولماذا يختلفون فيما بينهم؟ ~~السبب هو أيضا لون من البغي فيما بينهم. # وإذا كان الكتاب هو القرآن، ms1051 أليس القرآن مصدقا لما معهم؟ إذن فعندما ~~يدعون ليتم التصديق على ما جاء في كتبهم، فالدعوة هنا لأن يسود حكم ~~القرآن. وما معنى { يدعون إلى كتاب الله } [آل عمران: 23]، ~~إن الداعي هو الرسول صلى الله عليه وسلم، وهم المدعون، وما دام الحق قد ~~قال: { أوتوا نصيبا من الكتاب } [آل عمران: 23] فهل كان ~~خلافهم في النصيب الذي بين أيديهم أم النصيب المحذوف؟ إنه خلاف بينهم في ~~النصيب الذي بين أيديهم، ليكون ذلك حجة على أنهم غير مأمونين حتى على ما ~~وصل إليهم وما هو مكتوب عندهم. وعندما تكلم العلماء عن هذه المسألة ~~أوردوا لذلك الأمر حادثة. لقد اختلفوا في أمر سيدنا إبراهيم وقالوا: إن ~~سيدنا إبراهيم يهودي وقال بعضهم: إنه نصراني. وجاء القرآن حاسما: # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين # [آل عمران: 67]. لماذا.. لأن كلمة يهودي ونصراني قد جاءت بعد إبراهيم، ~~وكان لا بد لهم أن يخرجوا من قلة الفطنة وأن يرتبوا الأحداث حسب زمانها، ~~إذن ففي إي أمر اختلفوا؟ هل اختلفوا في أمر النبي محمد صلى الله عليه ~~وسلم؟ هل اختلفوا في حكم موجود عندهم في التوراة؟ لقد كانت الدعوة موجهة ~~إليهم في ماذا؟ إنهم { يدعون إلى كتاب الله ليحكم ~~بينهم } [آل عمران: 23] وذلك يدل على أن كلمة: # بغيا بينهم # [آل عمران: 19]. هي حالة شائعة بينهم، لماذا؟ لأن العلماء حينما ذكروا ~~الحادثة التي دعوا للحكم فيها بكتاب الله، قال العلماء: إن اثنين من يهود ~~خيبر - امرأة - خيبرية ورجل من خيبر، قد زنيا، وكان الاثنان من أشراف ~~القوم، ويريد الذين يحكمون في هذا الأمر بكتاب التوراة ألا يبرزوا حكم ~~الله الذي جاء بالتوراة، وهو الرجم، فاحتالوا حيلة، وهي أن يذهبوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولماذا يذهبون في هذه الجزئية إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ إننا نأخذ مجرد الذهاب إلى رسول الله ارتضاء ~~لحكمه. لكن لماذا لم يرتضوا من البداية بكل ما جاء به رسول الله؟ لقد ~~أرادوا أن ms1052 يذهبوا لعلهم يجدون نفعا في مسألة يبغونها، أما في غير ذلك ~~فهم لا يذهبون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن مجرد ذهابهم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطينا فكرة عنهم، لقد كانوا يريدون حكما ~~مخففا غير الرجم. إن الزاني وهو من خيبر والخيبرية الزانية أرادا أن ~~يستنقذا أنفسهما من حكم التوراة بالرجم، إنهما من أشراف خيبر، ولأن ~~اليهود قد صنعوا لأنفسهم في ذلك الوقت سلطة زمنية، فذهب الزاني والزانية ~~ومعهما الأحبار الذين يريدون أن يلووا حكم الله السابق نزوله في التوراة ~~وهو الرجم. # وعندما دخلوا على رسول الله كان هناك واحد اسمه " النعمان بن أوفى " ، ~~وواحد اسمه " بحرى بن عمرو " فقالوا: يا رسول اقض بين هؤلاء، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما معناه: أو ليس عندكم حكم؟ وأضاف رسول الله ~~ما معناه: أنا احتكم إلى التوراة وهي كتابكم، فماذا قالوا:؟قالوا: ~~أنصفتنا. وكان رسول الله قد بين لهم أولا حكم الإسلام في الزنا بأنه ~~الرجم، وجيء بالجزء الباقي عندهم من التوراة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الذي يتضمن الحكم الملزم دليلا على أن الله أطلعه على أشياء لم تكن ~~في بال أحد. فدعا بقسم من التوراة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~معناه: أيكم أعلم بالتوراة؟ فقالوا: شخص اسمه عبد الله بن صورية فأحضروه، ~~وأعطاه التوراة، وقال: اقرأ مجلس عبد الله بن صورية يقرأ، فلما مر على ~~آية الرجم وضع كفه عليها ليخفيها، وقرأ غيرها وكان عبد الله بن سلام ~~حاضرا، فقال: يا رسول الله أما رأيته قد ستر بكفه آية وقرأ غيرها؟ وزحزح ~~ابن سلام كف الرجل، وقرأ هو فإذا هي آية الرجم. هذه المسألة تعطينا أن ~~الحكم في القرآن الكريم هو الحكم في التوراة في أمر الزنا، وتعطينا أيضا ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض الله عليه من إلهاماته فجاء بالجزء ~~من التوراة الذي يحمل هذا النص. وجاء بعد ذلك جندي من جنود الله هو عبد ~~الله بن ms1053 سلام وكان يهوديا قد أسلم ليظهر به رغبة القوم في التزييف ~~والتزوير. وإسلام عبد الله بن سلام له قصة عجيبة، فبعد أن اختمر الإيمان ~~في قلبه، جاء إلى رسول الله قائلا: لقد شرح الله صدري إلى الإسلام ونطق ~~بكلمة " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ولكني أحب قبل أن أعلن إسلامي ~~أن تحضر رؤساء اليهود لتسألهم رأيهم في شخصى، لأن اليهود " قوم بهت " ~~فيهم افتراء وفيهم الكذب وفيهم التضليل، فلما سأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رؤساء اليهود عن رأيهم في عبد الله بن سلام قالوا: سيدنا وابن ~~سيدنا وحبرنا.. إلخ. وأفاضوا في صفات المدح والإطراء والتقدير. فقال عبد ~~الله بن سلام أمامهم: الآن أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ~~فانقلب رؤساء اليهود، وقالوا في عبد الله بن سلام: عكس ما قالوه أولا، ~~قالوا: إنه خبيثنا وابن خبيثنا. # . إلخ. لقد غيروا المديح إلى ذم. فقال عبد الله بن سلام: يا رسول الله ~~أما قلت لك: إنهم قوم بهت؟ والله لقد أردت أن أعلمك برأيهم في قبل أن ~~أسلم. ذلك هو عبد الله بن سلام الذي زحزح كف عبد الله بن صورية عن النص ~~الذي فيه آية الرجم في التوراة، وفي ذلك جاء القول الحق: { ألم تر ~~إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى ~~كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق ~~منهم وهم معرضون } [آل عمران: 23] إنهم الذين أعرض فريق ~~منهم عن قبول الحق. ما سبب هذا الإعراض؟ أهو قضية عامة؟ أو أن سبب هذا ~~الإعراض هو السلطة الزمنية التي أراد اليهود أن يتخذوها لأنفسهم؟ ومعنى ~~السلطة الزمنية أن يجيء أشخاص فيأخذوا من قداسة الدين ما يفيض عليهم هم ~~قداسة، ويستمتعوا بهذه القداسة ثم يستخدموها في غير قضية الدين، هذا هو ~~معنى السلطة الزمنية. وقلنا سابقا: إن كل تحوير في منهج الله سببه ~~البغي، والمفروض أن أهل الكتاب من أصحاب التوراة كانوا يستفتحون على ~~العرب ويقولون: سيأتي نبي من العرب نتبعه ونقتلكم به قتل عاد ms1054 وإرم، فلما ~~جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عرفوه سابقا في كتبهم كفروا به، ~~ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في مثل هذه القضية موضحا موقفهم من قضية ~~الإيمان العليا: # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب # [الرعد: 43]. فكأن من عنده علم بالكتاب كان مفروضا فيه أن يشهد لصالح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فلا يقول الله: " ومن عنده علم ~~الكتاب " لن يقول الحق ذلك إلا إذا كان عند علماء أهل الكتاب ما يتفق مع ~~ما جاء به الله في صدق رسوله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عنه، وكان ~~السبب في محاولة بعض اليهود لإنكار رسالة رسول الله هو السلطة الزمنية، ~~وأرادوا أن ييسروا لأتباعهم أمور الدين. إن كل دعي - أي مزيف - في مبدأ ~~من المبادئ يحاول أن يأخذ لنفسه سلطة زمنية، فيأتي إلى تكاليف الدين التي ~~قد يكون فيها مشقة على النفس، ويحاول أن يخفف من هذه التكاليف، أو يأتي ~~بدين فيه تخفيف مخل بالعبادات، فإذا نظرنا إلى مسيلمة الكذاب، نجده قد ~~خفف الصلاة حتى يرغب في دينه من تشق عليه الصلاة، وينضم إلى دين مسيلمة، ~~وحذف مسيلمة جزءا من الزكاة، وهذا يعطي فرصة التحلل من تكاليف الدين، ~~ولذلك فالذي أفسد الأديان السابقة على الإسلام أن بعضا من رجال الدين ~~فيها كلما رأوا قوما على دين فيه تيسيرات أخذوا من هذه التيسيرات ~~ووضعوها في الدين لأن تكاليف الدين شاقة ولا يحمل إنسان نفسه عليها إلا ~~من آمن بها إيمان صدق وإيمان حق، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في عمدة ~~العبادات وهي الصلاة: # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين # [البقرة: 45]. ويقول في موقع آخر في القرآن الكريم عن الصلاة: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك ~~رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى # [طه: 132]. إن الحق عليم حكيم بمن خلق وهو الإنسان، ويعلم أن الضعف قد ~~يصيب روح الإنسان فلا يصطبر على الصلاة، أو يراها تكليفا صعبا، لكن ms1055 ~~الذي يقيم الصلاة ويحافظ عليها فهو الخاشع لربه. ولذلك فإننا نجد أن كل ~~منحرف يأتي ويحاول أن يخفف من تكاليف الدين، ويحاول أن يحلل أشياء محرمة ~~في الدين، ولم نر منحرفا يزيد في الأشياء المحرمة. إن المنحرفين يريدون ~~إنقاص الأمور الحرام. وإذا سألنا هؤلاء المنحرفين: لماذا تفعلون ذلك؟ ~~فإننا نجد أنهم يفعلون ذلك لجذب الناس إلى أمور محرمة يحللها هؤلاء ~~المنحرفون. ولذلك أراد أراد بعض من اليهود أن يسهلوا على أتباعهم الدين، ~~وقال بعض من أحبارهم: لا تخافوا من أمر يوم القيامة. وجاء القول الحق ~~يحكي عنهم وكأنهم حاولوا أن يفهموا الأمر بأن الله يحلل لهم أمورا لا، ~~إن الله لم يحلل إلا الحلال، ولم يحرم إلا الحرام. وإذا كان الحق قد قال: # قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله ~~مولاكم وهو العليم الحكيم # [التحريم: 2]. فهذا القول الحكيم جاء في مناسبة محددة وينطبق فقط في ~~مجال ما حلل الله فلا تحرمه، أما ما حرم الله فلا تقربه، لقد أرادوا أن ~~يبيحوا للأتباع ارتكاب الآثام، لأن النار لن تصيبهم إلا أياما معدودة، ~~وإذا دققنا التأمل في القول الحق الذي جاء على لسانهم، فإننا نجد الآتي: ~~إننا نعرف أن لكل حدث زمانا، ولكل حدث قوة يحدث عليها، فمن ناحية ~~الزمان. قال هؤلاء المزورون لأحكام الله عن يوم القيامة إنها أيام ~~معدودة، فلا خلود في النار، وحتى لو كان العذاب شديدا فإنه أيام معدودة، ~~فالإنسان يستطيع أن يتحمل، ومن ناحية قوة الحدث، أرادوا أن يخففوا منه، ~~فقالوا: إنه عذاب ليس بشديد إنما هو مجرد مس. إنهم يحاولون إغراء الناس ~~لإفسادهم وقال هؤلاء الأحبار: نحن أبناء الله وأحباؤه أرأيتم أحدا يعذب ~~أبناءه وأحباءه؟ لقد أعطى الله يعقوب النبوة، ولا يمكن أن يعاقب ذريته ~~أبدا، إلا بمقدار تحلة القسم. # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا ~~وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب # [ص: 44]. إن أيوب عليه السلام قد حلف أن يضرب امرأته إذا برئ من مرضه ~~مائة سوط، وأراد الله أن يحله في هذا ms1056 القسم فأمره أن يأخذ حزمة من حشيش ~~أو عشب فيها مائة عود ويضربها بها ضربة خفيفة ليبر في قسمه، وكان ذلك ~~رحمة من الله به وبزوجته التي قامت على رعايته وقت المرض، وكان أيوب ~~عبدا شاكرا لله، كأن الضربة الواحدة هي مائة ضربة، وهذا تحليل للقسم، ~~وقال بعض من بني إسرائيل: إن ذرية يعقوب لن تعذب من الله إلا بمقدار ~~تحلة القسم، وكل ذلك ليزينوا للناس بقاءهم على هذا الدين الذي سوف تكون ~~الآخرة فيه بعذابها مجرد مس من النار، وأيام معدودة، بادعاء أن بني يعقوب ~~هم أبناء الله وأحباؤه، وأن الله قد أعطى وعدا ليعقوب بأنه لن يعذب ~~أبناءه إلا بمقدار تحلة القسم، وهذا بطبيعة الحال هو تزييف لدين الله ~~ومنهجه لقد تولوا عن منهج الله، وأعرضوا عنه بعصيان، يوضح لنا هذا المعنى ~~القول الكريم: { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار ~~إلا أياما معدودات. # .. }. ### || [3.24] # لقد تولوا وهم معرضون عن حكم الله لقد ظنوا أن النار لن تمسهم إلا ~~أياما معدودات. ولنا أن نعرف معنى " غرهم " ولنا أن نسأل ما الغرور؟ إن ~~الغرور هو الأطماع فيما لا يصح ولا يحصل، فعندما تقول لواحد والعياذ ~~بالله: " أنت مغرور " فأنت تقصد أنه يسلك سبيلا لا يوصله إلى الهدف ~~المنشود. إذن فالغرور هو الإطماع فيما لا يصح ولا يحصل، ولذلك يسمى الله ~~الشيطان " الغرور ". # يأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور * ~~إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر: 5-6]. إنه الشيطان الذي يزين للناس بعض الأمور ويحث الخلق ~~ليطمعوا في حدوثها، وعندما تحدث فإن هذه الأمور لا صواب فيها، فهي مما ~~زينه الشيطان ولذلك فحصيلتها لا تتناسب مع الطمع فيها. والحق سبحانه يقول ~~عن الدنيا: # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ~~كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ~~ومغفرة من الله ورضوان ms1057 وما الحياة الدنيآ ~~إلا متاع الغرور # [الحديد: 20]. ويقال عن الرجل الذي ليس له تجربة: إنه " غر " فيأتي ~~بأشياء بدون تجربة فلا ينتفع منها، ولا تصح. إذن، فكل مادة " الغرور " ~~مأخوذة من إطماع فيما لا يصح ولا يحصل. لذلك سمى الله الشيطان " الغرور " ~~لأنه يطمعنا نحن البشر بأشياء لا تصح ولا تحدث، ولهذا سوف يأتي الشيطان ~~يوم القيامة ليتبرأ من الذين اتبعوه ويتهمهم بالبلاهة: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ~~ومآ أنتم بمصرخي إني كفرت بمآ أشركتمون من ~~قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم # [إبراهيم: 22]. ما معنى " وما كان لي عليكم من سلطان "؟ السلطان أي ~~القوة التي تقنع الإنسان بعمل فعل ما، وهو إما أن يكون سلطان الحجة ~~فيقنعك بفعل ما، فتفعله، وإما أن يكون سلطان القوة، فيرغمك أن تفعل، ~~السلطان - إذن - نوعان: سلطان حجة، وسلطان قوة، والفرق بين سلطان الحجة و ~~سلطان القوة القاهرة على الفعل، هو أن سلطان الحجة يقنعك أن تفعل وأنت ~~مقتنع، أما سلطان القوة القاهرة فهو لا يقنع الإنسان، ولكنه يرغم ~~الإنسان على فعل ما، ولذلك فالشيطان يعلن لأتباعه يوم القيامة: لم يكن لي ~~سلطان عليكم، لا حجة عندي لأقنعكم بعمل المعاصي، ولا عندي قوة ترغمكم على ~~الفعل، لكنكم أنتم كنتم على حرف إتيان المعاصي ودعوتكم فاستجبتم لي. # ويضيف الشيطان مخاطبا أتباعه: # مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي # [إبراهيم: 22]. أي أن الشيطان يؤكد أنه لن يفزع لأحد من الذين اتبعوه ~~لينجده، إن كلمة " يصرخ " تعني أن هناك من يفزع لأحد تلبية لنداء أو ~~استغاثة. الشيطان إذن لن ينجد أحدا من عذاب الله، ولن ينجد أحد الشيطان ~~من عذاب الله، وهكذا ذهب بعض من أهل الكتاب إلى الغرور في الدين، فافتروا ~~أقوالا على الله، لم تصدر عنه، وصدقوا افتراءاتهم، ويا ليت غرورهم لم ~~يكن في الدين، لأن الغرور في غير الدين تكون المصيبة ms1058 فيه سهلة، لكن ~~الغرور في الدين هو المصيبة الكبرى، لماذا؟ لأن الغرور في أي أمر يخضع ~~لقانون واضح، وهو أن ميعاد كل حدث موقوت بماهيته، لكن الغرور في أمر ~~الدين مختلف، لماذا؟ لأن حدث الدين غير موقوت بماهية الزمان، إنه مستمر، ~~لأنه منهج قيم صدر من الحق إلى الخلق، إن الغرور في أي جزئية من جزئيات ~~الدنيا، فإن فشلت فالفشل يقف عند هذه الجزئية وحدها، ولا يتعدى الفشل إلى ~~بقية الزمن، لكن الغرور في الدين يجعل العمر كله يضيع، لأن الإنسان لم ~~يتبع المنهج الحق بل يمتد الضياع والعذاب إلى العمر الثاني وهو الحياة في ~~الآخرة يقول الحق: # وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون # [آل عمران: 24]. والإفتراء هو تعمد الكذب، إن الحق سبحانه يوضح لهم ~~المعنى فيقول: إن حصل ذلك منكم وأعرضتم عن حكم الله الذي دعيتم إليه في ~~كتاب الله، وعللتم ذلك بأن النار لن تمسكم إلا أياما معدودة، وادعيتم ~~كذبا أن الأيام المعدودات هي أيام عبادتكم للعجل، وادعيتم أنكم أبناء ~~الله وأحباؤه، إن ذلك كله غرور وافتراءات، ويا ليتهم كانوا يعلمون صدق ~~هذه الافتراءات، لكنهم هم الذين قالوها ويعرفون أنها كذب، فإذا جاز ذلك ~~لهم في هذه الدنيا فكيف يكون موقفهم وحالهم عندما يجمعهم الله في يوم لا ~~ريب فيه؟ وفي هذا يقول الحق: { فكيف إذا جمعناهم ليوم ~~لا ريب فيه... }. ### || [3.25] # إن كذبهم سينكشف في هذا اليوم، فالفاضحة قد جاءت، والفاضحة هي القيامة، ~~إنها تفضح كل كذاب وكل غشاش وكل داعية بغير حق. إن الحق يتساءل: كيف ~~يصنعون ذلك كله في الحياة التي جعلنا لهم فيها اختيارا، فيفعلون ما ~~يريدون، ولا يفعلون ما لا يريدون، يحدث منهم كل ذلك وهم يعلمون أن الحق ~~قد جعل الثواب لمن اتبع تكاليف الله، وجعل العقاب لمن يخرج عن مراد الله، ~~كيف يتصرفون عندما يسلب الحق منهم الاختيار ويجئ يوم القيامة. لقد كانوا ~~في الدنيا يملكون عطاء الله من قدرة الاختيار بين البديلات، وركز الله ~~لهم في بنائهم أن كل جوارحهم ms1059 خاضعة لإرادتهم كبشر من خلق الله، فمنهم من ~~يستطيع ان يستخدم جوارحه فيما يرضى الله، وفيهم من يستخدم جوارحه المسخرة ~~له - بفضل الله - فيما لا يرضى الله، إن الجوارح كما نعلم جميعا خاضعة ~~لإرادة الإنسان، وإرادة الإنسان هي التي تختار بين البديلات، لكن ماذا ~~يفعل هؤلاء يوم القيامة؟ إن الجوارح التي كانت تطيع الخارجين عن منهج ~~الله في الفعل لا تطيعهم في هذا اليوم العظيم لأن الطاعة اختيار أن تفعل ~~وتطيع، والجوارح يوم القيامة لا تكون مقهورة لإرادة الإنسان، إن الجوارح ~~يوم القيامة تنحل عنها صفة القهر والتسخير لمراد الإنسان، وتصير الجوارح ~~على طبيعتها: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون * يومئذ يوفيهم ~~الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين # [النور: 24-25]. إن اللسان كان أداة إعلان الكفر، وهو يوم القيامة يشهد ~~على الكافر، واليد كانت أداة معصية الله، وهي يوم القيامة تشهد على ~~صاحبها، والجلود تشهد أيضا، لقد كانت الجوارح خاضعة لإرادة أصحابها، ~~وتفعل ما يريدونها أن تفعل، ولكنها كانت تفعل الفعل العاصي لله وهي كارهة ~~لهذا الفعل لذلك يقول الحق: { فكيف إذا جمعناهم ليوم ~~لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون } [آل عمران: 25]. كيف يكون حالهم يوم يجمعهم الله للجزاء في ~~يوم لا ريب فيه ولا شك في مجيئه.. وهذا اليوم قادم لا محالة لقيام الأدلة ~~على وجوده، رغم خصومتهم لله فإن الله العادل الحق لا يظلمهم بل سيأخذهم ~~بمقاييس العدل. ### || [3.26] # وساعة تسمع كلمة " ملك " ، فلنا أن نعرف أن هناك كلمة هي " ملك " بضم ~~الميم، وكلمة أخرى هي " ملك " بكسر الميم. إن كلمة " ملك " تعني أن ~~للإنسان ملكية بعض من الأشياء، كملكية إنسان لملابسه وكتبه وأشيائه، لكن ~~الذي يملك مالك هذا الملك فهذا تسميه " ملك " ، فإذا كانت هذه الملكية ~~في الأمر الظاهر لنا، فإننا نسميه " عالم الملك " ، وهو العالم المشاهد، ~~وإذا كانت هذه الملكية في الأمر الخفي فإننا نسميه " عالم الملكوت ". ~~إذن، فنحن هنا أمام " ملك " ، و " ملك " و ms1060 " ملكوت ". ولذلك فعندما ~~تجلى الحق سبحانه وتعالى على سيدنا إبراهيم خليل الرحمن وكشف له ما خفي ~~عن العيون وما ظهر، قال سبحانه: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين # [الأنعام: 75]. أي أن الله سبحانه وتعالى أراد لسيدنا إبراهيم أن يشاهد ~~الملكوت في السماوات والأرض، أي كل الأشياء الظاهرة والخافية المخفية عن ~~عيون العباد. وهكذا نرى مراحل الحيازة كالآتي: ملك، أي أن يملك الإنسان ~~شيئا ما، وهذا نسميه مالكا للأشياء فهو مالك لأشيائه، ومالك لمتاعه، ~~أما الذي يملك الانسان الذي يملك الأشياء فإننا نسميه " ملك " ، أي أنه ~~يملك من يملك الأشياء، والظاهرة في الأولى نسميها " ملك " فكل إنسان له ~~ملكية بعض الأشياء، وبعد ذلك تنحاز الى الأقل أي أن تنسب ملكية أصحاب ~~الأملاك إلى ملك واحد. فالملكية بالنسبة للإنسان تتلخص في أن يملك ~~الإنسان شيئا فيصير مالكا، وإنسان آخر يوليه الله على جماعة من البشر ~~فيصير ملكا، هذا في المجال البشري. أما في المجال الإلهي، فإننا نصعد ~~لنرى من يملك كل مالك وملك، إنه الله سبحانه وتعالى. ولا يظن أحد أن هناك ~~إنسانا قد يملك شيئا أو جاها في هذه الدنيا بغير مراد الله فيه فكل ~~إنسان يملك بما يريده الله له من رسالة فإذا انحرف العباد فلا بد أن يولى ~~الله عليهم ملكا ظالما، لماذا؟ لأن الأخيار قد لا يحسنون تربية الناس. # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون # [الأنعام: 129]. وكأن الحق سبحانه يقول: يأيها الخير - بتشديد الياء - ~~ضع قدما على قدم ولا تلوث يدك بأن تنتقم من الظالم، فسوف أضع ولاية ظالم ~~أكبر على هذا الظالم الصغير، إنني أربأ بك أن تفعل ذلك، وسأنتقم لك، وأنت ~~أيها الخير منزه عندي عن ارتكاب المظالم ولذلك نجد قول الحق: # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون # [الأنعام: 129]. ونحن جميعا نعرف القول الشائع: " الله يسلط الظالمين ~~على الظالمين ". # ولو أن الذين ظلموا مكن منهم من ظلموهم ما صنعوا فيهم ما يصنعه ~~الظالمون في بعضهم بعضا. إن الحق يسلط ms1061 الظالمين على الظالمين، وينجي أهل ~~الخير من موقف الانتقام ممن ظلموهم. إذن فنحن في هذه الحياة نجد " مالك " ~~و " ملك " وهناك فوق كل ذلك " مالك الملك " ، ولم يقل الله: إنه " ملك ~~الملك " لأننا إذا دققنا جيدا في أمر الملكية فإننا لن نجد مالكا إلا ~~الله. { قل اللهم مالك الملك } [آل عمران: 26] إنه المتصرف ~~في ملكه، وإياكم أن تظنوا أن أحدا قد حكم في خلق الله بدون مراد الله، ~~ولكن الناس حين تخرج عن طاعة الله، فإن الله يسلط عليهم الحاكم الظالم، ~~ولذلك فالحق سبحانه يقول في حديثه القدسي: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يطوي الله - عز وجل - السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ~~ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرض بشماله، ~~ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ". # إياك أيها المؤمن أن تظن أن أحدا قد أخذ الملك غصبا من الله. إنما ~~الملك يريده الله لمن يؤدب به العباد. وإن ظلم الملك في التأديب فإن الله ~~يبعث له من يظلمه، ومن رأى ظلم هذا الملك أو ذاك الحاكم، فمن الجائز أن ~~يريه الله هذا الملك أو ذلك الحاكم مظلوما. إنه القول الحكيم يؤكد لنا ~~أنه سبحانه وتعالى مالك الملك وحده. إن الحق سبحانه يأمر رسوله الكريم: { ~~قل اللهم مالك الملك } [آل عمران: 26] إن كلمة " اللهم " ~~وحدها فيها عجب من العجائب اللغوية، إن القرآن قد نزل باللسان العربي ~~وأمة العرب فصيحة اللسان والبيان والبلاغة، وشاء الحق أن يكون للفظ ~~الجلالة " الله " خصوصية فريدة في اللغة العربية. إن اللغة العربية تضع ~~قاعدة واضحة وهي ألا ينادي ما فيه، أداة التعريف، مثل " الرجل " ب " يا ~~" فلا يقال: " يا الرجل " بل يقال: " يأيها الرجل " لكن اللغة التي يسرها ~~الله لعباده تخص لفظ الجلالة بالتقديس، فيكون من حق العباد أن يقولوا: " ~~يا الله ". وهذا اللفظ بجلاله له تميز حتى في نطقه. ولنا أن نلحظ أن ~~العرب من كفار قريش وهم أهل فصاحة لم يفطنوا إلى ذلك، فكأن ms1062 الله يرغم حتى ~~الكافرين بأن يجعل للفظ الجلالة تميزا حتى في أفواه الكافرين فيقولون مع ~~المؤمنين: " يا الله ". أما بقية الأسماء التي تسبقها أداة التعريف فلا ~~يمكن أن تقول: " يا الرجل " أو " يا العباس " لكن لا بد أن تقول " يأيها ~~الرجل " ، أو " يأيها العباس " ، ولا تقول حتى في نداء النبي: " يا النبي ~~" ، إنما تقول: " ياأيها النبي ". # لكن عند التوجه بالنداء إلى الله فإننا نقول: " يا الله " ، إنها خصوصية ~~يلفتنا لها الحق سبحانه بأنه وحده المخصوص بها، وأيضا ما رأينا في لغة ~~العرب علما دخلت عليه " التاء " كحرف القسم إلا الله، فإننا نقول " تا ~~لله " ، ولم نجد أبدا من يقول " تزيد " أو " تعمرو ". إننا لا نجد التاء ~~كحرف قسم إلا في لفظ الجلاله، ولا نجد أيضا علما من الأعلام في اللغة ~~العربية تحذف منه " يا " في النداء وتستبدل بالميم إلا في لفظ الجلالة ~~فنقول: " اللهم " كل ذلك ليدل على أن اللفظ في ذاته له خصوصية المسمى. " ~~قل اللهم " وكأن حذف حرف النداء هنا يعلمنا أن الله هو وحده المستدعى ~~بدون حرف نداء. " اللهم " وفي بعض الألسنة يجمعون الياء والميم، مثل قول ~~الشاعر: # إني إذا ما حادث ألما # أقول اللهم يا اللهما # إنها خصوصية لصاحب الخصوصية الأعلى. { قل اللهم مالك ~~الملك } [آل عمران: 26] وقد يسأل إنسان لماذا لم يقل الحق: " ملك ~~الملك "؟ هنا لا بد أن نعرف أنه سيأتي يوم لا تكون فيه أي ملكية لأي أحد ~~إلا الله، وهو المالك الوحيد، فهو سبحانه يقول: # رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره ~~على من يشآء من عباده لينذر يوم التلاق * يوم ~~هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن ~~الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 15-16]. إن قول الحق هنا: " مالك الملك " توضح لنا أن ملكية الله ~~وهي الدائمة والقادرة واضحة، وجلية، ومؤكدة، ولو قال الله في وصف ذاته: " ~~ملك الملك " لكان معنى ذلك أن هناك بشرا يملكون بجانب الله، لا، إنه ~~الحق وحده مالك الملك. وما دام الله هو ms1063 مالك الملك، فإنه يهبه لمن يشاء، ~~وينزعه ممن يشاء. وهنا نلاحظ أن قول الحق: إنه مالك الملك يعطي الملك لمن ~~يشاء وينزع الملك ممن يشاء تأتي بعد عملية المحاجة، وبعد أن تهرب بعض ~~من أهل الكتاب من تطبيق حكم الله بعد أن دعوا إليه، فتولى فريق منهم ~~وأعرض عن حكم الله، وعللوا ذلك بادعاء أنهم أبناء الله وأحباؤه وأن النار ~~لن تمسهم إلا أياما معدودات. كل هذه خيارات من لطف الله وضعها أمام ~~هؤلاء العباد، خيارات بين اتباع حكم الله أو اتباع حكم الهوى، لكنهم لم ~~يختاروا إلا الاختيار السيىء، حكم الهوى. # ولذلك يأتي الله بخبر اليوم الذي سوف يجيء، ولن يكون لأحد أي قدرة، أو ~~اختيار. إن حق الاختيار موجود لنا في هذه الدنيا، وعلينا أن نحسن ~~الاختيار في ضوء منهج الله. ولنتأمل هذا المثل الذي حدثتنا عنه السيرة ~~النبوية الطاهرة، حينما جاءت غزوة الأحزاب التي اجتمع فيها كل خصوم ~~الدعوة، واشتغل اليهود بالدس والوقيعة، وأراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يحفر بمشورة سلمان الفارسي خندقا حول المدينة المنورة. ومعنى " ~~الخندق " ، أي مساحة من الأرض يتم حفرها بما يعوق التقدم. وكان المقاتلون ~~يعرفون أن الفرس يستطيع أن يقفز مسافة ما من الأمتار. لقد حاول المؤمنون ~~أثناء حفر الخندق أن يكون اتساع أكبر من قدرة الخيل، ولننظر إلى دقة ~~الإدارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن سلمان الفارسي قد اقترح أن ~~يتم حفر الخندق، وفيما يبدو أنه قد أخذ الفكرة من بيئته وقبل الرسول صلى ~~الله عليه وسلم الفكرة وأقرها، وفعلها المسلمون. إذن فليس كل ما يفعله ~~الكفار كان مرفوضا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قبل تطبيق كل الأعمال النافعة، سواء أكان قد فعلها الكفار ~~من قبل أم لا، ورأى الرسول صلى الله عليه وسلم أن عملية الحفر مرهقة بسبب ~~جمود الأرض وصخريتها في بعض المواقع، لذلك وضع حصة قدرها أربعون ذراعا ~~لكل عشرة من الصحابة، وبذلك وزع ms1064 الرسول الكريم العمل والمسئولية، ولم ~~يترك الأمر لكل جماعة خشية أن يتوكلوا على غيرهم. وتوزيع المسئولية يعني ~~أن كل جماعة تعرف القدر الواضح من العمل الذي تشارك به مع بقية الجماعات ~~وقد يسأل سائل: ولماذا لم يوزع الرسول صلى الله عليه وسلم التكليف لكل ~~واحد بمفرده؟ ونقول: إنها حكمة الإدارة والحزم هي التي جعلت الرسول صلى ~~الله عليه وسلم يتعرف على حقيقة واضحة، وهي أن الذين يحفرون من الصحابة ~~ليسوا متساوين في القدرة والمجهود، لذلك أراد لكل ضعيف أن يكون مسنودا ~~بتسعة من الصحابة. إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجعل الأمر مشاعا، ~~بل كان هناك تحديد للمسئولية، لكنه لم يجعل المسئولية مشخصة تشخيصا ~~أوليا ومحددا بكل فرد، وذلك حتى يساعد الأقوياء الضعيف من بينهم. لقد ~~ستر الرسول صلى الله عليه وسلم الضعيف بقوة إخوانه، وساعة أن يوجد ضعيف ~~بين عشرة من الإخوان يحملون عنه ويحفرون، فإن موقفه من أصحابه يكون ~~المحبة والألفة، ويكون القوي قد أفاض على الضعيف. وكان عمرو بن عوف ضمن ~~عشرة منهم سلمان الفارسي رضي الله عنه، فلما جاءوا ليحفروا صادفتهم منطقة ~~يقال عنها: " الكئود " ، ومعنى " الكئود " هي المنطقة التي تكون صلبة ~~أثناء الحفر، فالحافر إذا ما حفر الأرض قد يجد الأرض سهلة ويواصل الحفر، ~~أما إذا صادفته قطعة صلبة في الأرض فإنه لا يقدر عليها بمعوله لأنها ~~صخرية صماء، فيقال له: " أكدى الحافر ". # وعندما صادف عمرو بن عوف وسلمان الفارسي والمغيرة وغيرهم هذه الصخرة ~~الكئود، قالوا لسلمان: " اذهب فارفع أمرنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~". ومن هذا نتعلم درسا وهو أن المكلف من قبل من يكلفه بأمر ~~إذا وجد شيئا يعوقه عن أداء المهمة فلا بد أن يعود إلى من كلفه بها. وذهب ~~سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحضر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع سلمان إلى الموقع وأخذ المعول وجاء على الصخرة الكئود وضربها، ~~فحدث شرر أضاء من فرط قوة الاصطدام بين الحديد والصخرة، فهتف رسول الله ~~صلى ms1065 الله عليه وسلم: الله أكبر فتحت قصور بصرى بالشام، ثم ضرب ضربة ~~أخرى، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر فتحت قصور ~~الحمراء بالروم. وضرب ضربة ثالثة وقال: الله أكبر، فتحت قصور صنعاء ~~باليمن، فكأنه حين ضرب الضربة أوضح الله له معالم الأماكن التي سوف ~~يدخلها الإسلام فاتحا ومنتصرا، فلما بلغ ذلك القول أعداء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال الأعداء للصحابة: يمنيكم محمد بفتح قصور صنعاء في ~~اليمن، والحمراء في الروم، وفتح قصور بصرى، وأنتم لا تستطيعون أن تبرزوا ~~لنا للقتال فأنزل الله قوله: { قل اللهم مالك الملك ~~تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء... } ~~[آل عمران: 26]. إن المسألة ليست عزما من هؤلاء المؤمنين، إنما هي نية ~~على قدر الوسع، فإن فعلت أي فعل على النية بقدر الوسع فانتظر المدد من ~~الممد الأعلى سبحانه وتعالى. إن الله سبحانه هو الذي يعطي الملك، وهو ~~الإله الحق الذي ينزع ملك الكفر في كسرى والروم وصنعاء، يعطي سبحانه ~~الملك لمحمد رسول الله وأصحابه، وينزعه من قريش، وينزع الملك من يهود ~~المدينة حيث كانوا يريدون الملك. إن قول الحق: { وتنزع الملك ~~ممن تشآء } [آل عمران: 26] تجعلنا نتساءل: ما النزع؟ إنه القلع ~~بشدة، لأن الملك عادة ما يكون متمسكا بكرسي الملك، متشبثا به، لماذا؟ ~~لأن بعضا ممن يجلسون على كراسي السلطان ينظرون إليه كمغنم بلا تبعات فلا ~~عرق ولا سهر ولا مشقة أو حرص على حقوق الناس، إنهم يتناسون سؤال النفس " ~~وماذا فعلت بالناس "؟ إن الواحد من هؤلاء لا يلتفت إلى ضرورة رعاية حق ~~الله في الخلق فيسهر على مصالح الناس ويتعب ويكد ويشقى ويحرص على حقوق ~~الناس. إننا ساعة نرى حاكما متكالبا على الحكم، فلنعلم أن الحكم عنده ~~مغنم، لا مغرم. ولنر ماذا قال سيدنا عمر بن الخطاب عندما قالوا له: إن ~~فقدناك - ولا نفقدك - نولى عبد الله بن عمر، وهو رجل قرقره الورع. # . فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: بحسب آل الخطاب أن يسأل منهم عن ~~أمة ms1066 محمد رجل واحد، لماذا؟ لأن الحكم في الإسلام مشقة وتعب. لقد جاء ~~الحق بالقول الحكيم: { وتنزع الملك ممن تشآء } [آل عمران: ~~26] وذلك لينبهنا إلى هؤلاء المتشبثين بكراسي الحكم وينزعهم الله منها، ~~إن المؤمن عندما ينظر إلى الدول في عنفوانها وحضاراتها وقوتها ونجد أن ~~الملك فيها يسلب من الملك فيها على أهون سبب. لماذا؟ إنها إرادة الخالق ~~الأعلى، فعندما يريد فلا راد لقضائه. إن الحق إما أن يأخذ الحكم من مثل ~~هذا النوع من الحكام، وإما أن يأخذه هو من الحكم، ونحن نرى كل ملك وهو ~~يوطن نفسه توطينا في الحكم، بحيث يصعب على من يريد أن يخلعه منه أن ~~يخلعه بسهولة، لكن الله يقتلع هذا الملك حين يريد سبحانه. وبعد ذلك يقول ~~الحق: { وتعز من تشآء وتذل من تشآء } [آل عمران: 26] ~~لأن ظواهر الكون لا تقتصر على من يملك فقط، ولكن كل ملك حوله أناس هم " ~~ملوك ظل ". ومعنى " ملوك ظل " أي هؤلاء الذين يتمتعون بنفوذ الملوك وإن ~~لم يكونوا ظاهرين أمام الناس، ومن هؤلاء يأتي معظم الشر. إنهم يستظلون ~~ويستترون بسلطان الملك، ويفعلون ما يشاءون، أو يفعل الآخرون لهم ما ~~يأمرون به، وحين ينزع الملك فلا شك أن المغلوب بالظالمين يعزه الله، ~~وأما الظالمون لأنفسهم فيذلهم الله لذلك كان لا بد أن يجيء بعد { تؤتي ~~الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء } [آل عمران: ~~26] هذا القول الحق: { وتعز من تشآء وتذل من تشآء } ~~[آل عمران: 26]. لماذا؟ لأن كل ملك يعيش حوله من يتمتع بجاهه ونفوذه، ~~فإذا ما انتهى سلطان هذا الملك، ظهر هؤلاء المستمعون على السطح. وهذا ~~نشاهده كل يوم وكل عصر. { وتعز من تشآء وتذل من تشآء ~~بيدك الخير } [آل عمران: 26]. ونلاحظ هنا: أن إيتاء الملك في ~~أعراف الناس خير. ونزع الملك في أعراف الناس شر. ولهؤلاء نقول: إن نزع ~~الملك شر على من خلع منه، ولكنه خير لمن أوتي الملك. وقد يكون خيرا ~~لمن نزع منه الملك أيضا. لأن الله حين ينزع منه الملك، أو ينزعه من ms1067 ~~الملك يخفف عليه مؤونة ظلمه فلو كان ذلك الملك المخلوع عاقلا، لتقبل ذلك ~~وقال: إن الله يريد أن يخلصني لنفسه لعلي أتوب.. إذن فلو نظرت إلى ~~الجزئيات في الأشخاص، ونظرت إلى الكليات في العموم لوجدت أن ما يجري في ~~كون الله من إيتاء الملك وما يتبعه من إعزاز، ثم نزع الملك وما يتبعه من ~~إذلال، كل ذلك ظاهرة خير في الوجود، ولذلك قال الحق هنا: { بيدك ~~الخير } [آل عمران: 26] ولو دقق كل منا النظر إلى مجريات الأمور، لوجد ~~أن: الله هو الذي يؤتي، والله هو الذي ينزع، والله هو الذي يعز، والله هو ~~الذي يذل، ولا بد أن يكون في كل ذلك صور للخير في الوجود، فيقول: { ~~بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } [آل عمران: ~~26]. # إن إيتاء الملك عملية تحتاج إلى تحضير بشرى وبأسباب بشرية، وأحيانا ~~يكون الوصول إلى الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية، أو السياسية، وكذلك ~~نزع الملك يحتاج إلى نفس الجهد. إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا المعنى ~~فيقول: ليس ذلك بأمر صعب على قدرتي اللانهائية، لأنني لا أتناول الأفعال ~~بعلاج، أو بعمل، إنما أنا أقول: " كن " فتنفعل الأشياء لإرادتي، ويأتي ~~الحق بعد ذلك ليدلل بنواميس الكون وآيات الله في الوجود على صدق قضية { ~~إنك على كل شيء قدير } [آل عمران: 26] فيقول وقوله الحق: ~~{ تولج الليل في النهار وتولج النهار في ~~الليل... }. ### || [3.27] # إن الحق يقول لنا: عندكم ظاهرة تختلف عليكم، وهي الليل والنهار، وظاهرة ~~أخرى، هي الحياة والموت. إن ظاهرة الليل والنهار كلنا نعرفها لأنها آية ~~من الآيات العجيبة، والحق يقول عنها: { تولج الليل في ~~النهار وتولج النهار في الليل } [آل عمران: 27] إن ~~الحق لم يصنع النهار بكمية محددة من الوقت متشابهة في كل مرة، لا، إنه ~~سبحانه شاء لليل أن ينقص أحيانا عن النهار خمس ساعات، وأحيانا يزيد ~~النهار على الليل خمس ساعات. ولنا أن نتساءل.. هل تنقص الخمس الساعات من ~~الليل أو النهار مرة واحدة وفجأة؟ هل يفاجئنا النهار بعد أن يكون اثنتي ~~عشرة ms1068 ساعة ليصبح سبع عشرة ساعة؟ هل يكون الليل مفاجئا لنا في الطول أو ~~القصر؟ لا، إن المسألة تأتي تباعا، بالدورة، بحيث لا تحس ذلك، إن هناك ~~نوعا من الحركة اسمها الحركة الترسية. إننا عندما ننظر إلى الساعة التي ~~تدور نجد أن دورتها تعتمد على التروس، فهل يمشي عقرب الساعة في كل الزمن؟ ~~لا، إن كل ترس له زمن يتوقف فيه، وعندما يتوقف فإننا ندفع به ليعيد ~~دورته، ويعمل، وإذا دققنا النظر في عقرب الدقائق فإننا نستطيع أن نلحظ ~~ذلك. إذن هناك فترة توقف وسكون بين انتقال عقرب الدقائق من دقيقة إلى ~~أخرى، وهذا اللون من الحركة نسميه " حركة ترسية " ، وهناك حركة أخرى ~~ثانية، نسميها " حركة انسيابية " ، بحيث يكون كل جزء من الزمن له حركة، ~~كما يحدث الأمر في ظاهرة النمو بالنسبة للإنسان والنبات والحيوان. إن ~~الطفل الوليد لا يكبر من الصباح إلى المساء بشكل جزئي، أو محسوس، إنه ~~يكبر بالفعل دون أن نلحظ ذلك، وقد يزيد بمقدار ملليمتر في الطول، وهذا ~~الملليمتر شائع في كل ذرات الثواني من النهار، إن الطفل لا يظل على وزنه ~~وطوله أربعا وعشرين ساعة من النهار، ثم يكبر فجأة عند انتهاء اليوم، لا، ~~إن نمو الطفل كل يوم يتم بطريقة تشيع فيها قدرة النمو في كل ذرات الثواني ~~من النهار، وهذه العملية تحتاج إلى الدقة المتناهية في توزيع جزئيات ~~الحدث على جزئيات الزمان، وهذه هي العظمة للقدرة الخالقة التي يظل ~~الإنسان عاجزا عنها إلى الأبد. وقد قلت لكم مرة: إن الواحد منكم إن نظر ~~إلى ابنه الوليد، وظل ناظرا له طوال العمر فلن يلحظ الإنسان منكم كبر ~~ابنه على الإطلاق، لكن عندما يغيب الإنسان عن ابنه شهرا أو شهورا، ثم ~~يعود، هنا يرى في ابنه مجموع نمو الشهور التي غاب عنه وقد أصبح واضحا. ~~ولو زرع الإنسان نباتا ما، وجلس ينظر إلى هذا النبات، فهو لن يرى أبدا ~~نمو هذا النبات لماذا؟ لأن الجزئيات تكبر دون قدرة على أن يلمس الإنسان ~~طريقة نموها. # ولنا أن ms1069 نعرف أن كل ما يكبر إنما يصغر أيضا، ولا توجد عند الإنسان قدرة ~~للملاحظة المباشرة لذلك، وفي الحياة أمثلة أخرى، نأخذ منها هذا المثل، ~~فعندما قام العلماء بتصوير الأرض من الأقمار الصناعية، كانت الصور الأولى ~~لمدينة نيويورك هي صورة لنقطة بسيطة، وعندما قام العلماء بتكبير هذه ~~الصور ظهرت الجزئيات، كالشوارع وغيرها، أين كانت الشوارع في هذه النقطة ~~الصغيرة؟ لقد صغرت الشوارع أثناء التصوير بصورة تستحيل معها على آلات ~~الإدراك عند الإنسان أن تراها، وذلك فلا بد من التكبير لهذه الصور حتى ~~يمكن للإنسان أن يراها، ونحن نرى الشيء البعيد صغيرا، ولكما قربناه كبر ~~في نظرنا. إذن فقول الله: { تولج الليل في النهار وتولج ~~النهار في الليل } [آل عمران: 27] هو لفت للانتباه البشري إلى ~~أن الليل والنهار لا يفصل بينهما حد قاطع بنسبة متساوية لكل منهما، لا، ~~إنه الحق بقدرته يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل. إن معنى " ~~تولج " هو " تدخل " ، ومثال ذلك أن يؤذن المؤذن لصلاة المغرب في يوم ما ~~عند الساعة الخامسة، ويؤذن المؤذن لصلاة المغرب في أيام أخرى في الساعة ~~السابعة. إن ذلك لا يحدث فجأة، ولا يقفز المغرب من الخامسة إلى السابعة، ~~إنما يحدث ذلك بانسيابية، ورتابة. ومن ذلك نتلقى الدرس والمثل. إنك أيها ~~العبد إن رأيت ملكا قائما على حضارة مؤصلة، فاعلم أن هناك عوامل دقيقة ~~لا تراها بالعين تنخر في هذا الملك إلى أن يأتي يوم ينتهي فيه هذا الملك. ~~وهكذا تنهار الحضارات بعد أن تبلغ أوج الارتقاءات، ويصل الناس فيها إلى ~~استعدادات ضخمة وإمكانات هائلة، وذلك لأن عوامل الانهيار تنخر داخل هذه ~~الحضارات. إن الحق يلفتنا إلى جلال قدرته وعظمة دقة صنعه، بمثل الليل ~~والنهار: { تولج الليل في النهار وتولج النهار في ~~الليل } [آل عمران: 27]. ثم يأتي لنا الحق الأعلى بمثل آخر، فيقول: ~~{ وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من ~~الحي } [آل عمران: 27]، إنها القدرة المطلقة بدون أسباب. والوقفة هنا ~~تجعلنا نرى كيف اهتدينا بما أفاض الله على بعض خلقه من اكتشاف ms1070 لبعض ~~أسراره في كونه، لقد وصل العلم لمعرفة أن لكل شيء حياة خاصة، فنرى أن ~~ورقة النبات تحدث فيها تفاعلات ولها حياة خاصة، ونرى أن الذرة فيها ~~تفاعلات ولها حياة خاصة، والتفاعل معناه الحركة، والحياة كما تعرف مظهرها ~~الحركة، وغاية ما هناك أنه يوجد فرق في رؤية الحياة عند العامة، ورؤية ~~الحياة عند الخاصة. إن الإنسان العامى لا يعرف أن النطفة فيها حياة، وأن ~~الحبة فيها حياة، ولا يعرف ذلك إلا الخاصة من أهل العلم. # إن العامة من الناس لا يعرفون أن الحبة توجد لها حياة مرئية، ويكمن فيها ~~نمو غير ظاهر، ولا يعرف العامة أن هناك فرقا بين شيء حي، وشيء قابل لأن ~~يحيا. ومثال ذلك نواة البلح التي نأخذها ونزرعها لتخرج منها النخلة، إنها ~~كنواة تظل مجرد نواة إلى أن يأخذها الإنسان، ويضعها في بيئتها لتخرج منها ~~النخلة. إذن فالنواة قابلة للحياة، وعندما ننظر إلى ذرات التراب فإننا لا ~~نستطيع أن نضعها في بيئة لنصنع منها شيئا، ورغم ذلك فإن لذرة التراب ~~حركة. ويقول العلماء: إن الحركة الموجودة في ذرات رأس عيدان علبة كبريت ~~واحدة تكفي لإدارة قطار كهربائي بإمكانه أن يلف حول الكرة الأرضية عددا ~~من السنوات. إن هذه أمور يعرفها الخاصة، ولا يعرفها العامة. فإن نظرنا ~~إلى العامة عندما يسمعون القول الحق: { وتخرج الحي من ~~الميت وتخرج الميت من الحي } [آل عمران: 27] كانوا ~~يقولون: إن المثل على ذلك نواة البلح، وكانوا يعرفون أن النخلة تنمو من ~~النواة. ولكن الخاصة بحثوا واكتشفوا أن في داخل النواة حياة وعرفوا كيفية ~~النمو. وعرف العلماء أن لكل شيء في الوجود حياة مناسبة لمهمته.. فليست ~~الحياة هي الحركة الظاهرة والنمو الواضح أمام العين فقط، لا، بل إن هناك ~~حياة في كل شيء. إن العامة يمكنهم أن يجدوا المثال الواضح على أن الحق ~~يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، أما الخاصة فيعرفون قدرة الله ~~عن طريق معرفتهم أن كل شيء فيه حياة، فالتراب الذي نضع فيه البذر لو ~~أخذنا بعضا ms1071 منه في مكان معزول، فلن يخرج منه شيء، هذا التراب هو ما يصفه ~~العلماء بوصف " الميت في الدرجة الأولى " وأما النواة التي يمكن أن ~~تأخذها وتضعها في هذا التراب، فيصفها العلماء بأنها " الميت من الدرجة ~~الثانية ". وعندما ننقل الميت في الدرجة الأولى ليكون وسطا بيئيا للميت ~~في الدرجة الثانية تظهر لنا نتائج تدلل على حياة كل من التراب والنواة ~~معا، وقد مس القرآن ذلك مسا دقيقا، لأن القرآن حين يخاطب بأشياء قد ~~تقف فيها العقول فإنه يتناولها التناول الذي تتقبلها به كل العقول، فعقل ~~الصفوة يتقبلها وعقل العامة يتقبلها أيضا، لأن القرآن عندما يلمس أي أمر ~~إنما يلمسه بلفظ جامع راق يتقبله الجميع، ثم يكتشف العقل البشري تفاصيل ~~جديدة في هذا الأمر. إن القرآن على سبيل المثال لم يقل لنا: إن الذرة ~~فيها حركة وحياة وفيها شحنات من لون معين من الطاقة، ولكن القرآن تناول ~~الذرة وغيرها من الأشياء بالبيان الإلهي القادر، وخصوصا أن هذه الأشياء ~~لم يترتب عليها خلاف في الحكم أو المنهج. فلو عرف الإنسان وقت نزول ~~القرآن أن الذرة بها حياة فماذا الذي يزيد من الأحكام؟ ولو أن أحدا أثبت ~~أن الذرة ليس بها حياة، فما الذي ينقص من أحكام المنهج الإيماني؟ لم يكن ~~الأمر من ناحية الأحكام ليزيد أو لينقص، وعندما نأخذ القرآن مأخذ الواعين ~~به، ونفهم معطيات الألفاظ، فإننا نجد أن كلمة " الحياة " لها ضد هو " ~~الموت " ، وقد ترك الحق سبحانه كلمة " الموت " في بعض المواقع من الكتاب ~~الكريم وأورد لنا كلمة أخرى هي " الهلاك " قال الحق سبحانه: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة وإن الله لسميع عليم # [الأنفال: 42]. إن " الهلاك " هنا هو مقابل الحياة، لماذا لم يورد الحق ~~كلمة " الموت " هنا؟ لانه الخالق الأعلم بعباده، يعلم أن العباد قد ~~يختلفون في مسألة " الموت " فبعض منهم يقول تعريفا للميت: إنه الذي لا ~~توجد به حركة أو حس أو نمو، ولكن هذا الميت له حياة مناسبة له، كحياة ~~الذرة أو حياة حبة ms1072 الرمل، أو حياة أي شيء ميت، وهكذا عرفنا من الآية ~~السابقة أن الحياة يقابلها الهلاك. ويقول الحق سبحانه عن الآخرة ليوضح ~~لنا ما الذي سوف يحدث يوم القيامة: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]. لقد استثنى الحق الوجه أو الذات الإلهية، وكل ما عداها ~~هالك. وما دام كل شيء هالك فمعنى ذلك أن كل شيء كان حيا وإن لم ندرك له ~~حياة. اذن فالحياة الحقيقية توجد في كل شيء بما يناسبه، مرة تدركها أنت، ~~ومرة لا تدركها. إذن فقوله الكريم: { وتخرج الحي من ~~الميت وتخرج الميت من الحي } [آل عمران: 27] يجوز ~~أن تأخذه مرة بالعرف العام، أو تأخذه بالعرف الخاص، أي عرف العلماء، وما ~~دام ذلك أمرا ظاهرا في الوجود كولوج الليل في النهار وولوج النهار في ~~الليل، أي أن الحق يدخل النهار في الليل، ويدخل الليل في النهار. وفي ~~اللغة يسمون بطانة الرجل - أي خاصة أصدقائه - " الوليجة " لماذا؟ لأنها ~~تتداخل فيه، لأنك إن أردت أن تعرف سر واحد من البشر فاجلس مع صديق له أو ~~عدد من أصدقائه الذين يتداخلون معه. لذلك جاء أمر إيلاج الليل في النهار ~~وإيلاج النهار في الليل بالوضوح الكامل، وجاءت مسألة الحياة والموت ~~بألفاظ يمكن أن يفهمها كل من العامة والخاصة. وإذا كانت تلك الظواهر هي ~~بعض من قدرات الله فمن إذن يستكثر على الله قدرته في أنه يؤتي الملك من ~~يشاء، ويعز من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويذل من يشاء؟ لقد جاء الدليل ~~من الآيات الكونية، ونراه كل يوم رأي العين. { قل اللهم مالك ~~الملك.. تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن ~~تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك الخير ~~إنك على كل شيء قدير } [آل عمران: 27]. # إنك أنت يا الله، الذي أجريت في كونك كل هذه المسائل وهي كلها أمور من ~~الخير، وإن بدا للبعض أن الخير فيها غير ظاهر. إن الإنسان عندما يرى في ~~ابنه شيئا يحتاج إلى علاج فإنه يسرع به إلى الطبيب ويرجوه أن يقوم بكل ما ms1073 ~~يلزم لشفاء الابن، حتى ولو كان الأمر يتطلب التدخل الجراحي. إن الأب هنا ~~يفعل الخير للابن، والابن قد يتألم من العلاج، فإذا كان هذا أمر المخلوق ~~في علاقته بالمخلوق، فما بالنا بالخالق الأكرم الذي يجري في ملكه ما ~~يشاء، إيتاء ملك أو نزعه، وإعزازا أو إذلالا، فكل ذلك لا بد أن يكون من ~~الخير، وآيات الله تشهد بأن الله على كل شيء قدير لذلك يأتي بعد الآية ~~السابقة قوله: { تولج الليل في النهار وتولج النهار ~~في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي وترزق من تشآء بغير حساب } [آل ~~عمران: 27]. فإذا كان هناك إنسان لم يفطن أبدا لمسألة إيلاج الليل في ~~النهار أو إخراج الحي من الميت، فإنه لا بد أن يلتفت إلى رزقه، فكل واحد ~~منا يتصل برزقه قهرا عنه، ولذلك جاء الحق سبحانه بهذا الأمر الواضح: { ~~وترزق من تشآء بغير حساب } [آل عمران: 27] وساعة تسمع ~~كلمة " حساب " فإنك تعرف أن الحساب هو كما قلنا سابقا: يبين لك مالك وما ~~عليك. وعندما نتأمل قول الحق: { وترزق من تشآء بغير حساب ~~} [آل عمران: 27]. فإننا نعلم أن " الحساب " يقتضي " محاسبا " - بكسر ~~السين ويقتضي " محاسبا " - بفتح السين ويقتضي " محاسبا عليه " ، إن ~~الحساب يقتضي تلك العناصر السابقة. فعندما يقول الحق: { وترزق من ~~تشآء بغير حساب } [آل عمران: 27] فلنا أن نقول: ممن؟ ولمن؟ من ~~أين يأتي الرزق؟ وإلى أين؟ إنه يأتي من الله، ويذهب إلى ما يقدره الله ~~لأن الله هو الرزاق، وهو الحق وحده، وهو الذي لا يستطيع ولا يجرؤ أحد ~~على حسابه، فهو سبحانه الذي يحاسبنا جميعا، لا شريك له، وهو الفعال لما ~~يريد. إن الحساب يجريه الله على الناس، وهو سبحانه لا يعطي الناس فقط على ~~قدر حركتهم في الوجود، بل يرزقهم أحيانا بما هو فوق حركتهم. وقد يرزقك ~~الله من شيء لم يكن محسوبا عندك لأن معنى الحساب هو ذلك الأمر التقديري ~~الذي يخطط له الإنسان، كالفلاح الذي يحسب عندما يزرع الفدان ويتوقع منه ~~نتاجا يساوي كذا إردبا ms1074 أو قنطارا، أو الصانع الذي يقدر لنفسه دخلا ~~محددا من صنعته. هذا هو الحساب، لكن الإنسان قد يلتفت فيجد أن عطاء الله ~~له من غير حساب. وقد يحسب الإنسان مرة ولا يأتي له الرزق. # مثال ذلك: قالوا: إن دولة أعلنت أنها زرعت قمحا يكفي الدنيا كلها، ولكن ~~عندما نضج المحصول هبت عاصفة أهلكت الزرع، وأكلت هذه الدولة قمحها من ~~الخارج. فمن قالوا عن أنفسهم: إنهم سيطعمون الناس أطعمهم الناس. أليس ذلك ~~مصداقا لقول الحق: " من غير حساب "؟ إنه الحق سبحانه لا يحسب حركتك إيها ~~الإنسان ليعطيك قدرها، ولكنه قد يعطيك أحيانا فوق حركتك. ونحن نرى ~~إخوتنا الذين أفاض الله عليهم بثروة البترول، لقد تفجر البترول من تحت ~~أرجلهم دون جهد منهم إنه الله يريد أن يلفت الناس إلى قدرته جل وعلا، وأن ~~الأرزاق في يده هو. وننظر إلى الناس الذين يشيرون إلى منطقة البترول ~~فيتهمون أهلها بالكسل، ونجد ان الحق سبحانه وتعالى قد سخر لهم غير ~~الكسالى ليخدموهم، وعندما أفاء على المنطقة العربية بالبترول احتاجت لهم ~~الدول التي تقول عن نفسها: إنها متقدمة، إنه رزق بغير حساب. إن هذه ~~اللفتات إنما تؤكد للمؤمن طلاقة القدرة، إن الحق قد خلق الأسباب، ولم ~~يترك الأسباب تتحكم وحدها، وقد يترك الحق الأسباب للإنسان ليعمل بها، وقد ~~لا يعطيه منها، ويعطي الحق الإنسان من جهة أخرى لم يحسب لها حسابا. ~~والإنسان الذي يتأمل تقدير أموره أو أمور من يعرف، يجد أن تلك القضية ~~منتشرة في كل الخلق، إنه سبحانه يرزق بغير حساب، ولا يقول: " لقد فعلت ~~على قدر يساوي كذا " ، والحق سبحانه يعطي بغير حساب من الإنسان لأن ~~الموازنة التي قد يقوم بها الإنسان قد يأتي لها من الأسباب ما يخرقها. ~~إذن { وترزق من تشآء بغير حساب } [آل عمران: 27] تعني ~~قدرة الحق المطلقة على الرزق بغير حساب ولا توجد سلطة أعلى منه تقول له: ~~لماذا فعلت؟ أو ماذا أعطيت؟ أو من غير حساب منه سبحانه لخلقه، فيأتي ~~الرزق على ما هو فوق أسباب الخلق، ms1075 أو من غير حساب للناس المرزوقين فيأتي ~~رزقهم من حيث لم يقدروا، فإذا كانت كل هذه الأمور لله، وهو مالك الملك ~~ويعطي من يشاء، ويعز من يشاء، ويولج الليل في النهار، ويرزق من يشاء بغير ~~حساب، أليس من الحمق أن يذهب إنسان ليوالي من لا سلطان له ويترك هذا ~~السلطان، إن من يوالي غير الله هو الذي استبد به الغباء. ولنفطن لتلك ~~القضية الإيمانية: أي فما دامت كل الأمور عندي فإياكم أن توالوا خصومى، ~~لأنني أنا الذي بيده كل شيء، هاهوذا القول الحق: # يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد ~~بدت البغضآء من أفواههم وما تخفي صدورهم ~~أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون # [آل عمران: 118]. إنه الحق يأمرنا ألا نوالي إلا الله، فإن كنت تجري ~~حسابا لكل شيء وبتقدير مؤمن فلا توال إلا صاحب هذه الأشياء، وإياك أن ~~تعمد إلى عدو لهذه القوة القاهرة القادرة المستبدة في كل أمور الكون ~~ونواميسه، إياك أن تعمد الى أعداء الله لتتخذ منهم أولياء لأنك لو فعلت ~~تكون غير صائب التفكير. ### || [3.28] # أنت لا تتخذ الكافر وليا إلا إن بانت لك مظاهر القوة فيه، ومظاهر الضعف ~~فيك، إنك عندما تتأمل معنى كلمة " ولي ". تجد أن معناها " معين " وحين ~~تقول: " الله هو الولي " فإننا نستخدم الكلمة هنا على إطلاقها، إن كلمة ~~الولي تضاف إلى الله على إطلاقها، وتضاف بالنسبة والمحدودية لخلق الله، ~~فالحق يقول: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور.. # [البقرة: 257]. إن الله ولي على إطلاقه، والحق يقول: # ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # [يونس: 62]. إن المفرد لأولياء الله هو " ولي الله " ، فالمؤمن ولي ~~الله، والحق يقول: # هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير ~~عقبا # [الكهف: 44]. هكذا نلاحظ أن الولاية قد تضاف مرة إلى الله، ومرة إلى خلق ~~الله. إن الله ولي المؤمن، وهذا أمر مفهوم، وقد نتساءل: كيف يكون المؤمن ~~ولي الله؟ إنا نستطيع أن نفهم ms1076 هذا المعنى كما يلي: إن الله هو المعين ~~للعباد المؤمنين فيكون الله ولي الذين آمنوا، أي معينهم ومقويهم. وأولياء ~~الله، هم الذين ينصرون الله، فينصرهم الله، وهو - سبحانه - الحق الذي ~~قال: # يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ~~ويثبت أقدامكم # [محمد: 7]. ألم يكن الله قادرا أن ينتقم من الكفار مرة واحدة وينتهي من ~~أمرهم؟ ولكن الحق سبحانه قال: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين # [التوبة: 14]. إن الحق لو قاتلهم فإن قتاله لهم سيكون أمرا خفيا، وقد ~~يقولون: إن هذه مسائل كونية في الوجود، لذلك يأتي بالقتال للمؤمنين الذين ~~استضعفهم الكافرون. إذن مرة تطلق " الولي " ويراد بها " المعين ". ومرة ~~أخرى تطلق كلمة " الولي " ويراد بها " المعان ". لأنك إن كنت أنت ولي ~~الله، والله وليك فإنه الحق سبحانه " معين " لك وأنت " معان ". إن الحق ~~سبحانه يريد لمنهجه أن يسود بإيمان خلقه به، وإلا لكان الحق سبحانه ~~وتعالى قد استخدم طلاقة قدرته على إرغام الناس على أن يكونوا طائعين، فلا ~~أحد بقادر على أن يخرج عن قدرة الله، والإنسان عليه أن يفكر تفكيرا ~~واضحا، ويعرف أن حياته بين قوسين: بين قوس ميلاده وقوس وفاته، ولا يتحكم ~~الإنسان في واحد من القوسين، فلماذا يحاول التحكم في المسافة بين ~~القوسين؟ إذن القواميس الكونية بيد الله وتسير كالساعة، إنه سبحانه يقول: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. إن شيئا لم يخرج عن مراد الخالق الأعظم. إنما الحق سبحانه ~~وتعالى أخذ هذه المسائل في حركة السماوات والأرض بقوة قهره وقدرة جبروته، ~~فلا شيء يخرج من يده، أما بالنسبة للعباد فهو سبحانه يريد ان يأخذ قوما ~~بحب قلوبهم. # إن الإيمان طريق متروك لاختيار الإنسان، صحيح أن الحق قادر على أن يأتي ~~بالناس مؤمنين، ولكنه يريد أن يرى من يجيء إليه وهو مختار ألا يجيء. إن ~~تسخير الأشياء يظهر لنا صفة القدرة الكاملة لله، واختيارات الإنسان هي ~~التي تظهر صفة المحبوبية لله، والله يريد لنا أن نرى ms1077 قدرته، ويريد منا أن ~~نتجه إليه بالمحبوبية لذلك يقول الحق: { لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين أوليآء من دون المؤمنين } [آل عمران: 28] ~~لماذا؟ لأن الكافرين وإن تظاهروا أنهم أولياء لك أيها المؤمن، فهم ~~يحاولون أن يجعلوك تستنيم لهم، وتطمئن إليهم وربما تسللوا بلطف ودقة، ~~فدخلوا عليك مدخل المودة، وهم ليسوا صادقين في ذلك، لأنهم ما داموا ~~كافرين، فليس هناك التقاء في الأصل بين الإيمان والكفر لذلك يقول الحق: { ~~ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } [آل عمران: ~~28]. إن من يتخذ هؤلاء أولياء له، فليس له نصيب من نصرة الله، لماذا؟ ~~لأنه اعتقد إن هؤلاء الكافرين قادرون على فعل شيء له. لذلك يحذرنا الله ~~ويزيد المعنى وضوحا أي: إياكم أن تغتروا بقوة الكافرين وتتخذوا منهم ~~أولياء. ولا تقل أيها المؤمن: " ماذا أفعل؟ " لأن الله لا يريد منك إلا ~~أن تبذل ما تستطيع من جهد، ولذلك قال سبحانه: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين ~~من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما ~~تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون # [الأنفال: 60]. إن الحق لم يقل: " أعدوا لهم ما تغلبونهم به " ، ولكنه ~~قال: " أعدوا لهم ما استطعتم ". إن على المؤمن أن يعمل ما في استطاعته، ~~وأن يدع الباقي لله، ولذلك فهناك قضية قد يقف فيها العقل، ولكن الله ~~يطمئننا أي: لا تخافوا ولا تظنوا أن أعدادهم الكبيرة قادرة على أن ~~تهزمكم، ولا تسأل: " ماذا أفعل يا الله "؟ لقد علمنا الحق ألا نقول ذلك، ~~وعلمنا ما يحمينا من هذا الموقف لذلك قال: # سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا ~~فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان # [الأنفال: 12]. إذن فساعة يلقي الله في قلوب الذين كفروا الرعب فماذا ~~يصنعون مهما كان عددهم أو عدتهم؟ أليس في ذلك نهاية للمسألة؟ إن الرعب هو ~~جندي ضمن جنود الله، ولذلك فعلى المؤمن ألا يوالي الكافرين من دون ~~المؤمنين، لماذا؟ حتى لا ينطبق عليه القول الحق: { ومن يفعل ذلك ~~فليس ms1078 من الله في شيء } [آل عمران: 28] ويضع الحق بعد ذلك ~~الاستثناء: { إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم ~~الله نفسه وإلى الله المصير } [آل عمران: 28]. # إن الحق سبحانه وتعالى يعطي المنهج للإنسان وهو من خلقه سبحانه، ويعرف ~~كل غرائزه، وانفعالاته، وفكره، وفي أنه قد تأتي له ظروف أقوى من طاقته، ~~لذلك يعامل الحق الإنسان على أنه مخلوق محدود القدرات وفي موضع آخر جاء ~~الحق باستثناء آخر فقال: # ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ~~أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله ~~ومأواه جهنم وبئس المصير # [الأنفال: 16]. إن الحق يقول في هذا الموضع من سورة آل عمران: { لا ~~يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون ~~المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، ~~إلا أن تتقوا منهم تقاة } [آل عمران: 28]. " وتقاة " ~~مأخوذة من " الوقاية ". إنهم قد يكونون أقوياء للغاية، وقد لا يملك ~~المؤمن بغلبه الظن في أن ينتصر عليهم وهم الكافرون، فلا مانع من أن يتقي ~~المؤمن شرهم. إن التقية رخصة من الله، روي: أن مسيلمة الكذاب جاء برجلين ~~من المسلمين وقال لواحد منهما: " أتشهد أن محمدا رسول الله "؟ قال ~~المؤمن " نعم ": قال مسيلمة: " وتشهد أني رسول الله؟ " قال المؤمن: " نعم ~~". وأحضر مسيلمة المسلم الآخر وقال له: " أتشهد أن محمدا رسول الله؟ " ~~قال المؤمن: " نعم ". قال مسيلمة: " أتشهد أني رسول الله؟ " قال المؤمن ~~الثاني: " إني أصم " كيف رد عليه المؤمن بدعوى الصمم؟ لقد علم مسيلمة أنه ~~يدعي الصمم، ولذلك أخذه وقتله، فرفع الأمر إلى سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فماذا قال؟ قال صلى الله عليه وسلم: # " أما المقتول.. فقد صدع بالحق فهنيئا له، وأما الآخر فقد أخذ برخصة ~~الله " # فالتقية رخصة، والإفصاح بالحق فضيلة.. وعمار بن ياسر أخذ بالرخصة وبلال ~~بن رباح تمسك بالقرعة. ولننظر إلى حكمة التشريع في هذا الأمر. إن كل مبدأ ~~من مبادئ الخير جاء ليواجه ظاهرة من ظواهر الشر في الوجود، وهذا المبدأ ~~يحتاج إلى منهج يأتي من حكيم أعلى منه، ويريد صلابة يقين، ms1079 وقوة عزيمة، ~~كما يريد تحمل منهج، فالتحمل إنما يكون من أجل أن يبقى المنهج للناس، ~~والعزيمة من أجل أن يواجه المؤمن الخصوم، فلو لم يشرع الله التقية بقوله: # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.. # [النحل: 106]. لكنا حقيقة سنحقق الفدائية التي تفدي مناهج الحق بالتضحية ~~بالحياة رخيصة في سبيل الله، ولكن هب ان كل مؤمن وقف هذا الموقف فمن يحمل ~~علم الله إلى الآخرين؟ لذلك يشرع الحق سبحانه وتعالى التقية من أجل أن ~~يبقى من يحمل المنهج، إنه يقرر لنا الفداء للعقيدة، ويشرع لنا التقية من ~~أجل بقاء العقيدة. # لقد جاء الحق بالأمرين: أمر الوقوف في وجه الباطل بالاستشهاد في سبيل ~~الحق، وأمر التقية حماية لبعض الخلق حتى لا يضيع المنهج الحق لو جاء ~~جبار، واستأصل المؤمنين جميعا، لذلك يشرع الحق ما يبقى للفداء قوما، ~~ويبقى للبقاء قوما ليحملوا منهج الله، هل عرفنا الآن لماذا جاءت التقية؟ ~~لأن الحق سبحانه وتعالى يريد منهجا يعمر الأرض، ويورث للأجيال ~~المتتالية، لو أن الحق لم يشرع التقية بقوله: # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر ~~صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم # [النحل: 106]. لثبتت الفدائية في العقيدة، ولو ثبتت الفدائية وحدها لكان ~~أمر المنهج عرضة لأن يزول، ولا يرثه قوم آخرون، لذلك شرع الله التقية ~~ليظل أناس حول شمعة الإيمان، يحتفظون بضوئها لعل واحدا يأخذ بقبسها، ~~فيضيء بها نورا وهاجا. ولذلك، فلا ولاية من مؤمن لقوم كافرين إلا أن ~~يتقى منهم تقاة، لماذا؟ لأن الله يحذرنا نفسه بقوله: { ويحذركم ~~الله نفسه وإلى الله المصير } [آل عمران: 28]. فإياك ~~أن تقبل على السلوك الذي يضعه أمامك الكفار بانشراح صدر وتقول: أنا أقوم ~~بالتقية، بل لا بد أن تكون المسألة واضحة في نفسك، وأن تعرف لماذا فعلت ~~التقية، هل فعلتها لتبقى منهج الخير في الوجود، أو لغير ذلك؟ هل فعلتها ~~حتى لا تجعل جنود الخير كلهم إلى فناء أو غير ذلك؟ إنك إن فعلت التقية ~~بوعي واستبقيت ms1080 نفسك لمهمة استبقاء المنهج الإيماني، فأنت أهل الإيمان، ~~وعليك أن تعرف جيدا أن الحق قد قال: { ويحذركم الله نفسه ~~وإلى الله المصير } [آل عمران: 28]. إنه الحق يقول للمؤمنين: ~~إياكم أن تخلعوا على التقية أمرا هو مرغوب لنفوسكم، لماذا؟ لأن الحق قد ~~حددها: # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر ~~صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم # [النحل: 106]. فلا غاية إلا الله، فإياكم أن تغشوا أنفسكم لأنه لا غاية ~~عند غيره فالغاية كلها عنده وبعد ذلك يقول الحق: { قل إن تخفوا ~~ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله... }. ### || [3.29-30] # { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه ~~الله ويعلم ما في السموت وما في الأرض والله ~~على كل شيء قدير } [آل عمران: 29]. لأن الإنسان قد يقوم ~~بالتقية كظاهرة شكلية، أما المؤمن فلا يفعل ذلك أبدا. لماذا؟ لأن ~~التحذير واضح في هذه الآية. هنا قد يقول قائل: إن إخفاء ما في الصدر هو ~~الذي يعلمه الله أما إبداء ما في الصدر فإنه قد علمه أحد غير الله، ~~فلماذا جاء هذا القول؟ لقد جاء هذا القول الحكيم، لأنه قد يطرأ على بالك ~~أن الله غيب فهو يعلم الغيب فقط ولا يعلم المشهد. لكن الله لا يحجبه مكان ~~عن مكان أو زمان عن زمان. فإياك أن تعتقد ان الله غيب فلا يعرف إلا ~~الغيب. إن الحق يعلم الغيب ويعلم ما برز إلى الوجود. وبعد ذلك يقول الحق: ~~{ يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ~~وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه ~~أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف ~~بالعباد } [آل عمران: 30]. إن العمل في ذاته ظاهرة تحدث وتنتهي، ~~فكيف يأتي الإنسان يوم القيامة، ويجد عمله؟ إنه لا شك سوف يجد جزاء عمله، ~~إننا حتى الآن نقول ذلك، لكن حين يفتح الله على بعض العقول فتكتشف ~~أسرارا من أسرار الكون فقد يكون تفسير هذه الآية فوق ما نقول، إنهم الآن ms1081 ~~يستطيعون تصوير شريط لعمل ما وبعد مدة يقول الإنسان للآخر: انظر ماذا ~~فعلت وماذا قلت إن العمل المسجل بالشريط يكون حاضرا ومصورا، فإذا كنا ~~نحن البشر نستطيع أن نفعل ذلك بوسائلنا فماذا عن وسائل الحق سبحانه ~~وتعالى؟ لا بد أنها تفوقنا قدرة، إنه الحق يعلم كل شيء، في الصدر، أو في ~~السماوات أو في الأرض: إن الحكم الإلهي يشمل الكون كله مصداقا لقول ~~الحق: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام: 59]. ويختم الحق هذه الآية بقوله: { والله على كل ~~شيء قدير } [آل عمران: 29] إنه القادر الذي يعلم عنا الغفلة، ~~فينبهنا دائما إلى كمال قدرته، كما قال في آية قبلها: # إنك على كل شيء قدير # [آل عمران: 26] ونحن مخلوقون لله، وهو القادر الأعلى، القادر على كل شيء ~~ويأتي لكل منا بكتاب حسابه يوم الحساب: # فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم ~~اقرؤا كتابيه # [الحاقة: 19]. إذن فمن تقف في عقله هذه المسألة، فليقل: { ما عملت ~~من خير محضرا } [آل عمران: 30] يعني أنه يجد جزاء عمله. أما ما ~~عملته النفس من السوء فهي تود أن يكون بينه وبينها أمد بعيد، أي غاية ~~بعيدة، ويقول الإنسان لنفسه: " يا ليتها ما جاءت ". والحق سبحانه يقول: { ~~ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد } [آل ~~عمران: 30] إن الحق سبحانه يكرر التحذير لنستحضر قوته المطلقة، ولكنه ~~أيضا رءوف بنا رحيم ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: { قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله... }. ### || [3.31] # ولنا أن نعرف أن كل " قل " إنما جاءت في القرآن كدليل على أن ما سيأتي ~~من بعدها هو بلاغ من الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه، بلاغ للأمر ~~وللمأمور به، إن البعض ممن في قلوبهم زيغ يقولون: كان من الممكن أن يقول ~~الرسول: { إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله } [آل عمران: 31] لهؤلاء نقول: لو فعل الرسول صلى ms1082 الله عليه وسلم ~~ذلك لكان قد أدى " المأمور به " ولم يؤد الأمر بتمامه. لماذا؟ لأن الأمر ~~في " قل ".. والمأمور به { إن كنتم تحبون الله } [آل عمران: ~~31] وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم في كل بلاغ عن الله بدأ ب " قل " ~~إنما يبلغ " الأمر " ويبلغ " المأمور به " مما يدل على أنه مبلغ عن الله ~~في كل ما بلغه من الله. إن الذين يقولون: يجب أن تحذف " قل " من القرآن، ~~وبدلا من أن نقول: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] فلننطقها: " الله أحد ". لهؤلاء نقول: إنكم تريدون أن يكون ~~الرسول قد أدى " المأمور به " ولم يؤد " الأمر ". إن الحق يقول: { قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } ~~[آل عمران: 31] هذه الآية تدل على ماذا؟ إنهم لا بد قد ادعوا أنهم يحبون ~~الله، ولكنهم لم يتبعوا الله فيما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فكأنهم جعلوا الحب لله شيئا، واتباع التكليف شيئا آخر، والله سبحانه ~~وتعالى له على خلقه إيجاد، وإمداد، وتلك نعمة، ولله على خلقه فضل التكليف ~~لأن التكليف إن عاد على المكلف " بفتح اللام وتشديدها " ولم يعد منه ~~شيء على المكلف " بكسر اللام وتشديدها " فهذه نعمة من المكلف. إن ~~الحق سبحانه لا يحتاج إلى أحد ولا من أحد. إن الحق سبحانه عندما كلفنا ~~إنما يريد لنا أن نتبع قانون صيانة حياة الإنسان. وقد ضربنا المثل - ولله ~~المثل الأعلى، بالآلة المصنوعة بأيدي البشر، إن المهندس الذي صممها يضع ~~لها قانون صيانة ما، ويضع قائمة تعليمات عن كيفية استعمالها وهي تتلخص في ~~" افعل كذا " و " لا تفعل كذا " ، ويختار لهذه الآلة مكانا محددا، ~~وأسلوبا منظما للاستخدام. إذن فوضع قائمة بالقوانين الخاصة بصيانه ~~واستعمال آلة ما وطبعها في كراسة صغيرة، هي لفائدة المنتفع بالصنعة. هذا ~~في مجال الصنعة البشرية، فما بالنا بصنعة الله عز وجل؟ إن لله إيجادا ~~للإنسان، ولله إمدادا للإنسان، ولله تكليفا للإنسان، والحق قد جعل ~~التكليف في خدمة الإيجاد والإمداد. # إن الحق لو لم يعطنا نظام حركة الحياة في ms1083 " افعل " و " لا تفعل " لفسد ~~علينا الإيجاد والإمداد، إن من تمام نعمة الحق على الخلق أن أوجد ~~التكليف، وإن كان العبد قد عرف قدر الله فأحبه للإيجاد والإمداد فليعرف ~~العبد فضل ربه عليه أيضا من ناحية قبول التكليف، وأن يحب العبد ربه لأنه ~~كلفة بالتكاليف الإيمانية. إنك قد تحب الله، ولكن عليك أن تلاحظ الفرق ~~بين أن تحب أنت الله، وأن يحبك الله. إن التكليف قد يبدو شاقا عليك ~~فتهمل التكليف لذلك نقول لك: لا يكفي أن تحب الله لنعمة إيجاده وإمداده ~~لأنك بذلك تكون أهملت نعمة تكليفه التي تعود عليك بالخير، إن نعمة ~~التكليف تعود عليك بكل الخير عندما تؤديها أيها الإنسان، فلا تهملها، ومن ~~الجائز أن تجد عبادا يحبون الله لأنه أوجدهم وأمدهم بكل أسباب الحياة، ~~ولكن حب الله لعبده يتوقف على أن يعرف العبد نعمته - سبحانه - في ~~التكليف، إن الله يحب العبد الذي يعرف قيمة النعمة في التكليف. ونحن في ~~مجالنا البشري نرى إنسانا يحب إنسانا آخر، لكن هذا الآخر لا يبادله ~~العاطفة، والمتنبي قال: # أنت الحبيب ولكني أعوذ به # من أن أكون حبيبا غير محبوب # إن المتنبي يستعيذ أن يحب واحدا لا يبادله الحب. فكأن الذين يدعون أنهم ~~يحبون الله، لأنهم عبيد إحسانه إيجادا وإمدادا، ثم بعد ذلك يستنكفون، ~~أو لا يقدرون على حمل نفوسهم على أداء التكليف لهؤلاء نقول: أنتم قد ~~منعتم شطر الحب لله، لأن الله لن يكلفكم لصالحه ولكنه كلفكم لصالحكم لأن ~~التكليف لا يقل عن الإيجاد والإمداد. لماذا؟ لأن التكليف فيه صلاح ~~الإيجاد والإمداد، والحب - كما نعرف - هو ودادة القلب وعندما تقيس ودادة ~~القلب بالنسبة لله، فإننا نرى آثارها، وعملها، من عفو ورحمة ورضا. وعندما ~~تقيس ودادة القلب من العبد إلى الله فإنها تكون في الطاعة. إن الحب الذي ~~هو ودادة القلب يقدر عليه كل إنسان، ولكن الحق يطلب من ودادة القلب ودادة ~~القالب، وعلى الإنسان أن يبحث عن تكاليف الله ليقوم بها، طاعة منه وحبا ~~لله، ليتلقى محبة الله له بآثارها، ms1084 من عفو، ورحمة، ورضا. والحب المطلوب ~~شرعا يختلف عن الحب بمفهومه الضيق، أقول ذلك لنعلم جميعا، أنه الحق ~~سبحانه قائم بالقسط، فلا يكلف شططا ولا يكلف فوق الوسع أو فوق الطاقة. ~~إن الحب المراد لله في التكليف هو الحب العقلي، ولا بد أن نفرق بين الحب ~~العقلي والحب العاطفي، العاطفي لا يقنن له. لا أقول لك: " عليك أن تحب ~~فلانا حبا عاطفيا " لأن ذلك الحب العاطفي لا قانون له. إن الإنسان يحب ~~ابنه حتى ولو كان قليل الذكاء أو صاحب عاهة، يحبه بعاطفته، ويكره قليل ~~الذكاء بعقله. # والإنسان حينما يرى ابن جاره أو حتى ابن عدوه، وهو متفوق، فإنه يحب ابن ~~الجار أو ابن العدو بعقله، لكنه لا يحب ابن الجار أو العدو بعاطفته، ~~ودليل ذلك أن الإنسان عندما توجد لديه أشياء جميلة فإنه يعطيها لابنه لا ~~لابن الجيران، هناك - إذن - فرق بن حب العقل، وحب العاطفة. والتكليف ~~دائما يقع في إطار المقدور عليه وهو حب العقل، ومع حب العقل قد يسأل ~~الإنسان نفسه: ماذا تكون حياتي وكيف.. لو لم أعتنق هذا الدين؟ وماذا تكون ~~الدنيا وكيف، لولا رحمة الله بنا عندما أكرمنا بهذا الدين؟ وأرسل لنا هذا ~~الرسول الكريم؟ إن هذا حديث العقل وحب العقل. وقد يتسامى الحب فيصير ~~بالعاطفة أيضا، لكن المكلف به هو حب العقل، وليس الحب العاطفي، ولذلك ~~يجب أن نفطن إلى ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه - حينما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ". # وقف سيدنا عمر عند هذه النقطة فقال: أمعقول أن يكون الحب لك أكثر من ~~النفس؟ إنني أحبك أكثر من مالي، أو من ولدي، إنما من نفسي؟ ففي النفس ~~منها شيء. وهكذا نرى صدق الأداء الإيماني من عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~وكررها النبي صلى الله عليه وسلم ثانيا، وثالثا، فعرف سيدنا عمر أنه قد ~~أصبحت تكليفا وعرف أنها لا بد أن تكون من الحب ms1085 المقدور عليه، وهو حب ~~العقل، وليس حب العاطفة. وهنا قال عمر: " الآن يا رسول الله؟ " فقال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر، أي كمل إيمانك الآن، أي أن ~~سيدنا عمر قد فهم المراد بهذا الحب وهو الحب العقلي. ونريد هنا أن نضرب ~~مثلا حتى لا تقف هذه المسألة عقبة في القلوب أو العقول - نقول - ولله ~~المثل الأعلى: إن الإنسان ينظر إلى الدواء المر طعما ويسأل نفسه هل أحبه ~~أو لا؟ إن الإنسان يحب هذا الدواء بعقله، لا بعاطفته. إذن فحب العقل هو ~~ودادة من تعلم أنه صالح لك ونافع لديك وإن كانت نفسك تعافه، وعندما تتضح ~~لك حدود نفع بالشيء فأنت تحبه بعاطفتك إذا فالمطلوب للتكليف الإيماني " ~~الحب العقلي " ، وبعد ذلك يتسامى ليكون " حبا عاطفيا " وهكذا يكون قول ~~الحق: { إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله } وهذا الحب ليس دعوى. إن الإنسان منا عندما يدعى أنه يحب ~~إنسانا آخر، فكل ما يتصل به يكون محبوبا، ألم يقل الشاعر: " وكل ما ~~يفعل المحبوب محبوب "؟ فإن كنتم تحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فاتبعوه بتنفيذ التكاليف الإيمانية، ولنلتفت إلى الفرق بين " اتبعني " و ~~" استمع لي ". # إن الاتباع لا يكون إلا في السلوك، فإن كانت تحب رسول الله فعليك أن ترى ~~ماذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تفعل مثله، أما إذا كنت ~~تدعي هذا الحب، ولا تفعل مثلما فعل رسول الله صلى فهذا عدم صدق في الحب، ~~إن دليل صدقكم في الحب المدعى منكم أن تتبعوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فإن اتبعنا رسول الله نكون قد أخذنا التكليف من الله على أنه نعمة، ~~ونقبلها من الله مع ما فيها من مشقة علينا، فيحبنا الله لأننا آثرنا ~~تكليفه على المشقة في التكليف. إن فهم هذه الآية يقتضي أن نعرف أن الحق ~~ينبهنا فكأنه يقول لنا: أنتم أحببتم الله للإيجاد والإمداد، وبعد ذلك ~~وقفتم في التكليف لأنه ثقيل عليكم، وهنا نقول: " انظروا إلى التكليف أهو ~~لصالح ms1086 من كلف أم هو لصالح من تلقى التكليف؟ ". إنه لصالح المكلف أي ~~الذي تلقى التكاليف. وهكذا يجب أن نضم التكليف للنعم، فتصبح النعم هي " ~~نعم الإيجاد " ، و " الإمداد " ، و " التكليف " ، فإن أحببت الله للإيجاد ~~والإمداد، فهذا يقتضي أن تحبه أيضا للتكليف، ودليل صدق الحب هو قيام ~~العبد بالتكليف، وما دمت أنت قد عبرت عن صدق عواطفك بحبك لله، فلا بد أن ~~يحبك الله، وكل منا يعرف أن حبه لله لا يقدم ولا يؤخر، لكن حب الله لك ~~يقدم ويؤخر. إن قول الحق سبحانه وتعالى فيما يعلمه لرسول الله ليقول ~~لهم: { فاتبعوني يحببكم الله } [آل عمران: 31] أي أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم المرسل من عند الله جاء بكل ما أنزله الله ولم ~~يكتم شيئا مما أمر بتبليغه، فلا يستقيم أن يضع أحد تفريقا بين رسول ~~الله وبين الله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله كل ما أنزل ~~عليه. وبعد ذلك يقول الحق: { ويغفر لكم ذنوبكم } [آل عمران: ~~31] إن مسألة " ويغفر لكم " هذه تتضمن ما تسميه القوانين البشرية بالأثر ~~الرجعي، فمن لم يكن في باله هذا الأمر وهو حب الله، واتباع الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، فعليه أن يعرف أن عليه مسئولية أن يبدأ في هذه المسألة ~~فورا ويتبع الرسول لله وينفذ التكليف الإيماني، وسيغفر له الله ما قد ~~سبق، وأي ذنوب يغفرها الله هنا؟ إنها الذنوب التي فر منها بعض العباد عن ~~اتباع الرسول، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالحكم فيها. وهكذا نعرف ~~ونتيقن أن عدالة الله أنه سبحانه لن يعاقب أحدا على ذنب سابق ما دام قد ~~قبل العبد أن ينفذ التكليف الإيماني، إن الذين أبلغهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان يجب عليهم أن يفطنوا بعقولهم إلى ما أعلنه الرسول لهم، إن ~~هذا الأمر لا يكون حجة إلا بعد أن صار بلاغا، وقد جاء البلاغ، ولذلك ~~يغفر الله الذنوب السابقة على البلاغ، وبعد ذلك يقول الحق: { والله ~~غفور رحيم } [آل عمران: 31] إننا نعلم ms1087 أن المغفرة من الله والرحمة ~~منه أيضا، وبعد ذلك يقول الحق: { قل أطيعوا الله ~~والرسول... }. ### || [3.32] # وقد قلت من قبل في مسألة الأمر بالطاعة، إنها جاءت في القرآن الكريم على ~~ثلاثة ألوان: فمرة يقول الحق: { أطيعوا الله والرسول } [آل ~~عمران: 32]. كما جاء بهذه الآية التي نحن بصدد تناولها بخواطرنا ~~الإيمانية. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه لم يكرر أمر الطاعة، بل جعل الأمر ~~واحدا، هو " أطيعوا " ، فإذا سألنا من المطاع؟ تكون الإجابة. الله ~~والرسول معا. إذن فقول الرسول صلى الله عليه وسلم بلاغا عن الله " ~~اتبعوني يحببكم الله " يعني أن طاعة المؤمنين للرسول من طاعة الله. إن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمرنا بطاعته، ولكنه يأمرنا بطاعة الله، ~~ولذلك لم يكرر الحق أمر الطاعة، إن الحق هنا يوحد أمر الطاعة فيجعلها ~~لله وللرسول معا، إنه يعطف على المطاع الأول وهو الله بمطاع ثان هو ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق في كتابه العزيز: # قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا ~~فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن ~~تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين # [النور: 54]. إن الحق يورد أمر الطاعة ثلاث مرات، فمرة يكون أمر الطاعة ~~لله، ومرة ثانية يكون أمر الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم، ومرة ثالثة ~~يقول الحق: # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا # [النساء: 59]. فما مسألة هذه الأوامر بالطاعة؟ إنها طاعة بألوان التكليف ~~وأنواعها، إن الأحكام المطلوب من المؤمنين أن يطيعوا فيها، مرة يكون ~~الأمر من الله قد جاء بها وأن يكون الرسول قد أكدها بقوله وسلوكه، إن ~~المؤمن حين يطيع في هذا الأمر الواحد، فهو يطيع الله والرسول معا، ومرة ~~يأتي حكم من الله إجمالا، ويأتي الرسول ليفصله. # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول ~~لعلكم ترحمون # [النور: 56]. إن الواحد منا لم يكن يعرف كم صلاة في اليوم، ولا عدد ms1088 ~~الركعات في كل صلاة، ولا نعرف كيفيتها لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ~~فصل لنا الأمر في كل صلاة، إذن، فالمؤمن يطيع الله في الإجمال، ويطيع ~~الرسول في التفصيل. إن علينا أن نلتفت إلى أن هنا طاعتين: الأولى: طاعة ~~الله، والثانية: طاعة الرسول، أما في الأمر المتحد، فتكون الطاعة لله ~~والرسول لأنه أمر واحد. وأما الأمر الذي جاء من الله فيه تكليف إجمالي ~~فقد ترك الله للرسول صلى الله عليه وسلم بيانه، فالمؤمن يطيع الله في ~~الأمر الإجمالي كأمر الصلاة، وإقامتها، ويطيع الرسول في تفصيل أمر الصلاة ~~وكيفيتها، وأحيانا يجيء الحكم بالتفويض الأعلى من الله للرسول، فيقول ~~الله لرسوله ما معناه إنك أنت الذي تقرر في هذه الأمور، كما قال الحق: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. لقد ترك الحق سبحانه للرسول أن يصدر التشريعات اللازمة " ~~لاستقامة حياة المؤمنين " لقد أعطاه الحق سبحانه التفويض العام، وما دام ~~سبحانه قد أعطى الرسول صلى الله عليه وسلم التفويض العام فإن طاعة المؤمن ~~تكون للرسول فيما يقوله الرسول وإن لم يقل الله به. إننا على سبيل المثال ~~لا نجد في القرآن دليلا على أن صلاة الفجر ركعتان، لكن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم هو الذي فصل لنا الصلاة فعرفنا أن الفجر ركعتان، والظهر أربع ~~ركعات، والعصر مثل الظهر، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء أربع ركعات. إن ~~الدليل هو تفصيل الرسول، وقول الحق: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. إنه دليل من القرآن الكريم. هكذا نعرف أن الأمر بالطاعة جاء ~~بالقرآن على ألوان ثلاثة: اللون الأول: إن اتحد المطاع " الله والرسول " ~~إن عطف الرسول هنا يكون على لفظ الجلالة الأعلى. اللون الثاني: هو طاعة ~~الله في الأمر الإجمالي وطاعة الرسول في تفصيل هذا الأمر، فإن الحق يقول: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول # [النساء: 59] اللون الثالث: وهو الذي لم يكن لله فيه حكم، ولكنه ~~بالتفويض العام للرسول، بحكم قوله الحق: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7] هذه ms1089 طاعة للرسول، ثم يأتي في أمر طاعة أولي الأمر فيقول ~~الحق: # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء ~~فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا # [النساء: 59]. إن الحق لم يورد طاعة أولي الأمر مندمجة في طاعة الله ~~والرسول، لتكون طاعة واحدة. لا. إن الحق أورد طاعة أولي الأمر في الآية ~~التي يفرق فيها بين طاعة الله وطاعة الرسول، ثم من بطن طاعة الرسول تكون ~~طاعة أولي الأمر. لماذا؟ لأنه لا توجد طاعة ذاتية لأولي الأمر لأن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم له الطاعة الذاتية. أما طاعة أولي الأمر فهي مستمدة ~~من طاعة أولي الأمر لله ورسوله، ولا طاعة لأولي الأمر فيما لم يكن فيه ~~طاعة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم. إن الحق يقول: { قل أطيعوا ~~الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب ~~الكافرين } [آل عمران: 32]. إن الله يبلغ الرسول أن يبلغ هؤلاء ~~الذين قالوا: إنهم يحبون الله، بالشروط التي يمكن أن يبادل بها الحق ~~عباده الحب، وذلك حتى تتحقق الفائدة للبشر، لأن محبة الله تفوق ما يقدمه ~~البشر من حب. إن اتباع الرسول وتنفيذ التكليف بالطاعة لله والرسول. ذلك ~~هو أسلوب تعبير العباد عن حبهم لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، أما إن ~~تولوا، أي لم يستمعوا إليك يا محمد، ولم يتبعوك، فإن موقفهم - والعياذ ~~بالله - ينتقل إلى الكفر لأن الحق يقول عن الذين يتولون عن الله والرسول: ~~{ فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين } [آل ~~عمران: 32]. # وليس هناك تفظيع أكثر من هذا. إن كلمة " تولوا " توحي بأن الذين استمعوا ~~إلى أوامر الحق قد نفروا وأعرضوا، فهم لم يأخذوا حكم الله، ثم منعهم ~~الكسل من تنفيذه. لا. إنهم أعرضوا عن حكم الله - والعياذ بالله - ولذلك ~~فقد قلت وما زلت أقول: فليحذر الذين يخالفون عن أوامر الله ألا يفرقوا ~~بين أمر متقبل على أنه الحكم الحق وبين حمل النفس على اتباع الحكم ~~وتنفيذه. إياك ms1090 أيها المسلم أن تنكر حكما لا تستطيع أن تحمل نفسك عليه أو ~~لا تقدر عليه. إنك إن أنكرت تنقل نفسك من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر ~~والعياذ بالله. ولكن عليك أن تؤمن بالحكم، وقل: " إنه حكم الله وهو صواب ~~ولكني لا أستطيع أن أقدر على نفسي " إن ذلك يجعل عدم تنفيذ الحكم معصية ~~فقط. ويأتي الحق - سبحانه - بعد أن بين لنا أصول العقائد في قوله: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم # [آل عمران: 18]. وبعد أن بشر الحق المؤمنين بأنه سبحانه وتعالى يعطيهم ~~الملك الإيماني وأنه الإله القادر، وطلاقة قدرته تولج الليل في النهار ~~وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي، وبعد ~~أن رسم سبحانه طريق محبته، فإن كنتم قد أحببتم الله للإيجاد والإمداد، ~~وتريدون أن يحبكم فعليكم بطاعة الله والرسول صلى الله عليه وسلم في تنفيذ ~~التكاليف. وبعد أن وضع الله سبحانه وتعالى المبادئ الإيمانية عقدية ~~وتشريعية، بعد هذا وذاك يعطي لنا نماذج تطبيقية من سلوك الخلق، ذلك أن ~~هناك فرقا بين أن توضع نظريات ويأتي الأمر للتطبيق فلا تجد من يطبق، إن ~~الحق لم يكلف شططا ولا عبثا، إن الله يقول لنا: أنا كلفت بالتكاليف ~~الإيمانية ومن الخلق أمثالكم من استطاع أن يسير عليها وأن ينفذها، لذلك ~~يعرض الحق لنا النماذج التي توضح ذلك. لقد كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مبعوثا إلى أمة أمية، وكان الإسلام جديدا عليهم، ولذلك يعرض الحق ~~نماذج قديمة، وهذه النماذج تؤكد لنا أننا في دين الإسلام لا نجد تعصبا، ~~لأن الدين الذي جاء من الله على آدم عليه السلام هو الدين الذي جاء به ~~إبراهيم عليه السلام من عند الله وهو الدين الذي نزل إلى آل عمران وموسى ~~عليه السلام وعيسى عليه السلام. إن الحق يعطي صفات التكريم لأهل أديان ~~منسوبين إلى ما أنزل الله عليهم من منهج. وجاء الإسلام لينسخ بعضا مما ~~جاء في ms1091 تلك الرسالات السابقة ويضعها في منهج واحد باق إلى يوم القيامة، ~~هو منهج الإسلام، إنه مطلق العظمة. ها هو ذا الحق يقول: { إن الله ~~اصطفى ءادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران... }. ### || [3.33] # إنها عدالة القرآن الكريم، إنه الحق العادل الذي ينزل على الرسول بلاغا ~~يذكر الأبناء بطهارة أصول الآباء، ومن الخسارة أن يصير الأبناء إلى ما هم ~~عليه. { إن الله اصطفى ءادم } [آل عمران: 33] وكلمة " اصطفى ~~" تدل على اختيار مرض. ولنا أن نسأل: هل اصطفى الحق هؤلاء الرسل، آدم ~~ونوحا، وآل إبراهيم، وآل عمران فكانوا طائعين، أم علم الحق أزلا أنهم ~~يكونون طائعين فاصطفاهم؟ إن الحق علمه أزلي، وعلمه ليس مرتبا على كل ~~شيء. وساعة أن تأتي أنت بقانونك البشري وتتفرس في إنسان ما، وتوليه ~~أمرا، وينجح فيه، هنا تهنئ نفسك بأن فراستك كانت في محلها، بعلم الله ~~واقتداره؟ إن الذين اصطفاهم الله هم الذين علم الله أزلا أنهم سيكونون ~~طائعين، وقد يقول قائل: إنهم طائعون لله بالاصطفاء، لمثل هذا القائل نرد: ~~إنهم طائعون بالنفس العامة ويكونون في مزيد من الطاعة بعد أن يأخذوا ~~التكليف بالنفس الخاصة، إنهم طائعون من قبل أن يأخذوا أمور التكليف، ولو ~~تركهم الحق للأمور العقلية لاهتدوا إلى طاعته، وعندما جاءهم الأمر ~~التكليفي ويصطفيهم الله يكونون رسلا وحملة منهج سماوي. عندما يسمع ~~الإنسان قول الحق: { إن الله اصطفى ءادم } [آل عمران: 33] ~~فقد يتساءل عن معناها، ذلك أن من اصطفاء الله لآدم تأتي إلى الذهن بمعنى ~~" خصه " بنفسه أو أخذه صفوة من غيره، فكيف كان اصطفاء آدم، ولم يكن هناك ~~أحد من قبله، أو معه لأنه الخلق الأول؟ إننا يمكن أن نعرف بالعقل العادي ~~أن اصطفاء الله لنوح عليه السلام كان اصطفاء من بشر موجودين، وكذلك ~~اصطفاء إبراهيم خليل الرحمن وبقية الأنبياء. إذن، فكيف كان اصطفاء آدم؟ ~~إن معنى " اصطفى آدم " - كما قلنا - تعني أن الله قد اختاره أو أن " ~~المصطفى عليه " يأتي منه ومن ذريته. نعم وقد جاء المصطفى عليه من ذريته، ~~وهذا المعنى يصلح، والمعنى ms1092 السابق عليه يصلح أيضا. إن الحق يقول: { ~~إن الله اصطفى ءادم ونوحا } [آل عمران: 33] ونحن نعلم أن ~~سيدنا نوحا عليه السلام واجه جماعة من الكافرين به، فأغرقهم الله في ~~الطوفان، ونجا نوح ومن معه بأمر الله. # حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور قلنا احمل ~~فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق ~~عليه القول ومن آمن ومآ آمن معه إلا قليل # [هود: 40]. إن الذين بقوا من بعد نوح عليه السلام كانوا مؤمنين، ثم ~~تعرضوا للأغيار. وجاءت هذه الأغيار في أعقابهم، فنشأ كفر وإيمان، لماذا؟ ~~لأن آدم عليه السلام حين خلقه الله وضع له التجربة التكليفية في الجنة، ~~كان من الواجب أن ينقل ما علمه له الله لأبنائه. # لقد نقل آدم لهم مسائل صيانة مادتهم وعلمهم كيف يأكلون، وكيف يشربون، ~~وغير ذلك. وكان يجب أن تكون معهم القيم. إن آدم عليه السلام قد أدى ذلك، ~~وعلم أبناءه كيفية صيانة مادتهم وعلمهم القيم أيضا، ولكن بمرور الزمان، ~~ظل بعض من أبناء آدم يتخففون من التكاليف حتى اندثرت وذهبت. ومن رحمة ~~الله بخلقه يجدد سبحانه وتعالى الرسالة ببعث رسول جديد. والرسالة الجديدة ~~تعطي ما كان موجودا أولا، فيما يتعلق بالعقائد والأخبار، والأشياء التي ~~لا تتغير، وتأتي الرسالة الجديدة بالأحكام المناسبة لزمن الرسالة. فإذا ~~ما أمكن للبشر أن يعدلوا من سياسة البشر، يظل الأمر كما هو، فإن ارتكب ~~واحد منكرا وضرب قومه على يده، استقام أمر الرسالة وبقيت هذه الأمة على ~~الخير. لماذا؟ لأن مصافي اليقين في النفس الإنسانية موجودة، ونحن نراها ~~ونلمسها. إن هناك واحدا تجد مصافي اليقين في ذاته، وقد لا يقدر على ~~نفسه، فيرتكب المعصية، وتلومه نفسه، فيرجع عن المعصية. ومرة أخرى نجد ~~إنسانا آخر لا يجد في نفسه مصافي اليقين، ولكنها موجودة في غيره، فنجد ~~من يأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، فإذا امتنعت المصافي الذاتية ~~للإيمان، وكذلك امتنعت المصافي الإيمانية في المجتمع، فلا أمل هنالك لذلك ~~يجب أن يأتي رسول جديد، وينبه الناس بمعجزة ما. لقد شاءت إرادة الحق ms1093 ~~سبحانه ألا يأتي رسول آخر بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك ~~شهادة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن الله أمنها على منهج الله، فإذا ~~منعت من أي نفس مصافيها الذاتية فستبقى مصافيها الاجتماعية، ولا بد أن ~~يكون في أمة محمد ذلك لأن امتناع ذلك كان يستدعي وجود نبي جديد. إن الله ~~أمن أمة محمد على منهجه، ولذلك لم يأت نبي بعد سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. لقد أمن الحق أمة محمد فلم يمنع فيها أبدا المصافي الذاتية ~~أو الاجتماعية، ولذلك يأتي القول الحق: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.. # [آل عمران: 110]. إن هذا توجيه لنا من الحق لنعرف أن المصافي الاجتماعية ~~ستظل موجودة في أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، إذن فبعد حدوث الغفلة ~~من بعد نوح عليه السلام جاء الله باصطفاءات أخرى رحمة منه بالعالمين، ~~ويقول الحق: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل ~~إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33]. ~~ونحن نقول على إبراهيم عليه السلام: " أبو الأنبياء " وأورد الحق نبأ بعض ~~من أبناء آل إبراهيم، وهم آل عمران وأعطاهم ميزة. وكلمة " عمران " هذه ~~حين ترد في الإسلام فلنا أن نعرف أن هناك اثنين لهما الاسم نفسه، هناك " ~~عمران " والد موسى وهارون عليهما السلام. # وهناك " عمران " آخر. إن عمران والد موسى وهارون كان اسم أبيه " يصهر " ~~وجده اسمه " فاهاث " ومن بعده " لاوى " ومن بعده " يعقوب " ، ومن بعده " ~~إسحاق " ، وبعده " إبراهيم " ، أما عمران الآخر، فهو والد مريم عليها ~~السلام. وقد حدث إشكال عند عدد من الدارسين هو " أي العمرانين يقصده الله ~~هنا؟ " والذي زاد من حيرة هؤلاء العلماء هو وجود أخت لموسى وهارون عليهما ~~السلام اسمها مريم، وكانت ابنة عمران والد موسى وهارون فكلتاهما اسمها ~~مريم بنت عمران. وكانوا في ذلك الزمن يتفاءلون باسم " مريم " لأن معناه " ~~العابدة " ، ولما اختلفوا لم يفطنوا إلى أن القرآن قد أبان وأوضح المعنى، ~~وكان يجب أن يفهموا أن المقصود هنا ليس ms1094 عمران والد موسى وهارون عليهما ~~السلام، بل عمران والد مريم، ومنها عيسى عليه السلام، وعمران والد مريم ~~هو ابن ماثان، وهو من نسل سليمان، وسليمان من داود، وداود من أوشى، وأوشى ~~من يهوذا، ويهوذا من يعقوب، ويعقوب من إسحاق. وكنا قديما أيام طلب العلم ~~نضع لها ضبطا بالحرف، فنقول " عمعم سدئيا " ومعناها.. عيسى ابن مريم، ~~ومريم بنت عمران، وعمران ابن ماثان، وماثان من سليمان، من داود من أوشى ~~وأوشى من يهوذا ويهوذا من يعقوب ويعقوب من إسحاق. لقد التبس الأمر على ~~الكثير فقالوا: أي العمرانين الذي يقول الله في حقه هذا القول الكريم؟ ~~ولهؤلاء نقول: إن مجيء اسم مريم عليها السلام من بعد ذلك يعني أنه عمران ~~والد مريم، وأيضا يجب أن نفطن إلى أن الحق قد قال عن مريم: # فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا ~~حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا ~~المحراب وجد عندها رزقا قال يمريم أنى لك ~~هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من ~~يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. وزكريا عليه السلام هو ابن آذن، وآذن كان معاصرا ~~لماثان. إن المراد هنا هو عمران والد مريم. هكذا حددنا أي العمرانين يقصد ~~الحق بقوله: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل ~~إبراهيم وآل عمران على العالمين } [آل عمران: 33]. ~~وعندما تقول: اصطفيت كذا على كذا، فمعنى ذلك أنه كان من الممكن أن تصطفى ~~واحدا من مجموعة على الآخرين، ولذلك نفهم المقصود ب " على العالمين " ~~أي على عالمي زمانهم، إنهم قوم موجودون وقد اصطفى منهم واحدا، أما الذي ~~سيولد من بعد ذلك فلا اصطفاء عليه، فلا اصطفاء على محمد صلى الله عليه ~~وسلم. ويقول الحق بعد ذلك: { ذرية بعضها من بعض... }. ### || [3.34] # وحين يقول: { ذرية بعضها من بعض } [آل عمران: 34] فلنا أن ~~نسأل: هل المقصود بذلك الأنساب أم الدين والقيم؟ ولنا أن نلتفت أن الحق ~~قد علمنا في مسألة إبراهيم عليه السلام أن الأنساب بالدم واللحم عند ~~الأنبياء لا اعتبار لها، وإنما الأنساب المعترف بها بالنسبة للأنبياء ms1095 هي ~~أنساب القيم والدين. وكنا قد عرضنا من قبل لما قاله الحق: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي.. # [البقرة: 124]. فردها الله عليه قائلا: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]. لماذا؟ لأن الإمام هو المقتدى في الهدايات. إذن فالمسألة ~~ليست وراثة بالدم. وهكذا علم سيدنا إبراهيم ذلك بأن النسب للأنبياء ليس ~~بوراثة الدم، إذن فنحن نفهم قول الحق: { ذرية بعضها من بعض ~~} [آل عمران: 34] على أنها ذرية في توارثها للقيم. ونحن نسمع في القرآن: # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون ~~بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم ~~نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون # [التوبة: 67]. إن هذا النفاق ليس أمرا يتعلق بالنسب وإنما يتعلق ~~بالقيم، إنها كلها أمور قيمية، وحين يقال: { والله سميع عليم } ~~[آل عمران: 34] أي أن الله يعرف الأقوال وكذلك الأفعال والخبايا. وبعد ~~ذلك يقول الحق: { إذ قالت امرأت عمران رب إني ~~نذرت لك ما في بطني محررا... }. ### || [3.35] # وعندما تقرأ " إذ " فلتعلم أنها ظرف ويقدر لها في اللغة " اذكر " ، ~~ويقال " إذ جئتك " أي " اذكر أني جئتك ". وعندما يقول الحق: { إذ ~~قالت امرأت عمران } [آل عمران: 35] فبعض الناس من أهل الفتح ~~والفهم يرون أن الحق سبحانه سميع عليم وقت أن قالت امرأة عمران: { رب ~~إني نذرت لك ما في بطني } [آل عمران: 35]، وهم يحاولون أن ~~يربطوا هذه الآية بما جاء قبلها، بأن الله سميع وعليم. ونقف عند قول ~~امرأة عمران: { رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } ~~[آل عمران: 35]. إننا عندما نسمع كلمة " محررا " فمعناها أنه غير مملوك ~~لأحد فإذا قلنا: " حررت العبد " يعني ينصرف دون قيد عليه. أو " حررت ~~الكتاب " أصلحت ما فيه. إن تحرير أي أمر، هو إصلاح ما فيه من فساد أو ~~إطلاقه من أي ارتباط أو قيد. أما قولها: { رب إني نذرت لك ~~ما في بطني محررا } [آل عمران: 35] هو مناجاة لله، فما الدافع ~~إلى هذه المناجاة لله؟ إن امرأة عمران موجودة في بيئة ترى الناس تعتز ~~بأولادها، ms1096 وأولاد الناس - كما نعلم - يحكمون حركة الناس، والناس تحكم ~~حركة أولادهم، ويكد الناس من أجل أن يكون الأبناء عزوة، وقرة عين، ويتقدم ~~المجتمع بذلك التواصل المادي، ولم تعجب امرأة عمران بذلك، لقد أرادت ما ~~في بطنها محررا من كل ذلك، إنها تريده محررا منها، وهي محررة منه. وهذا ~~يعني أنها ترغب في أن يكون ما في بطنها غير مرتبط بشيء أو بحب أو برعاية. ~~لماذا؟ لأن الإنسان مهما وصل إلى مرتبة اليقين، فإن المسائل التي تتصل ~~بالناس وبه، تمر عليه، وتشغله، لذلك أرادت امرأة عمران أن يكون ما في ~~بطنها محررا من كل ذلك، وقد يقال: إن امرأة عمران إنما تتحكم بهذا النذر ~~في ذات إنسانية كذاتها، ونرد على ذلك بما يلي: لقد كانوا قديما عندما ~~ينذرون ابنا للبيت المقدس فهذا النذر يستمر ما دامت لهم الولاية عليه، ~~ويظل كما أرادوا إلى أن يبلغ سن الرشد، وعند بلوغ سن الرشد فإن للابن أن ~~يختار بين أن يظل كما أراد والداه أو أن يحيا حياته كما يريد. إن بلوغ سن ~~الرشد هو اعتراف بذاتية الإنسان في اتخاذ القرار المناسب لحياته. كانت ~~امرأة عمران لا تريد مما في بطنها أن يكون قرة عين، أو أن يكون معها، ~~إنها تريده محررا لخدمة البيت المقدس، وكان يستلزم ذلك في التصور البشري ~~أن يكون المولود ذكرا لأن الذي كان يقوم بخدمة البيت هم الذكران. # ونحن نعرف أن كلمة " الولد " يطلق أيضا على البنت، ولكن الاستعمال ~~الشائع، هو أن يطلق الناس كلمة " ولد " على الذكر. لكن معنى الولد لغويا ~~هو المولود سواء أكان ذكرا أم أنثى. وعندما نسمع كلمة " نذر " فلنفهم ~~أنها أمر أريد به الطاعة فوق تكليف المكلف من جنس ما كلفه به الله. إن ~~الله قد فرض علينا خمس صلوات، فإذا نذر إنسان أن يصلي عددا من الركعات ~~فوق ذلك، فإن الإنسان يكون قد ألزم نفسه بأمر أكثر مما ألزمه به الله، ~~وهو من جنس ما كلف الله وهو الصلاة. والله قد فرض صيام ms1097 شهر رمضان، فإذا ~~ما نذر إنسان أن يصوم يومي الاثنين والخميس أو صيام شهرين فالإنسان حر، ~~ولكنه يختار نذرا من جنس ما فرض الله من تكاليف، وهو الصيام. والله فرض ~~زكاة قدرها باثنين ونصف بالمائة، ولكن الإنسان قد ينذر فوق ذلك، كمقدار ~~عشرة بالمائة أو حتى خمسين بالمائة. إن الإنسان حر، ولكنه يختار نذرا من ~~جنس ما فرض الله من تكاليف، إن النذر هو زيادة عما كلف المكلف من جنس ما ~~كلف سبحانه. وكلمة " نذرت " من ضمن معانيها هو أن امرأة عمران سيدة تقية ~~وورعة ولم تكن مجبرة على النذر، ولكنها فعلت ذلك، وهو أمر زائد من أجل ~~خدمة بيت الله. والنذر كما نعلم يعبر عن عشق العبد لتكاليف الله، فيلزم ~~نفسه بالكثير من بعضها. ودعت امرأة عمران الله من بعد ذلك بقبول ذلك ~~النذر فقالت: " فتقبل مني ". " والتقبل " هو أخذ الشيء برضا، لأنك قد ~~تأخذ بكره، أو تأخذ على مضض، أما أن " تتقبل " فذلك يعني الأخذ بقبول ~~وبرضا. واستجابة لهذا الدعاء جاء قول الحق: # فتقبلها ربها بقبول حسن.. # [آل عمران: 37]. ونلاحظ أن امرأة عمران قالت في أول ما قالت: { رب ~~إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني ~~إنك أنت السميع العليم } [آل عمران: 35]، ولم تقل: " يا ~~الله " وهذا لنعلم أن الرب هو المتولي التربية، فساعة ينادي " ربي " ~~فالمفهوم فيها التربية. وساعة ينادي ب " الله " فالمفهوم فيها التكليف. ~~إن " الله " نداء للمعبود الذي يطاع فيما يكلف به، أما " رب " فهو ~~المتولي التربية. قالت امرأة عمران: { رب إني نذرت لك ما ~~في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع ~~العليم } [آل عمران: 35]. هذا هو الدعاء، وهكذا كانت الاستجابة: # فتقبلها ربها بقبول حسن # [آل عمران: 37] وبعد ذلك تكلم الحق عن الأشياء التي تكون من جهة ~~التربية. # وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا # [آل عمران: 37]. كل ذلك متعلق بالتربية وبالربوبية، فساعة نادت امرأة ~~عمران عرفت كيف تنادي ونذرت ما في بطنها. # وبعد ذلك جاء الجواب من جنس ما دعت بقمة القبول وهو ms1098 الأخذ برضا. # فتقبلها ربها بقبول حسن # [آل عمران: 37]. فالحسن هنا هو زيادة في الرضا، لأن كلمة " قبول " ~~تعطينا معنى الأخذ بالرضا، وكلمة " حسن " توضح أن هناك زيادة في الرضا، ~~وذلك مما يدل على أن الله قد أخذ ما قدمته امرأة عمران برضا، وبشيء حسن، ~~وهذا دليل على أن الناس ستلمح في تربيتها شيئا فوق الرضا، إنه ليس ~~قبولا عاديا، إنه قبول حسن. # وأنبتها نباتا حسنا # [آل عمران: 37]. مما يدل على أن امرأة عمران كانت تقصد حين نذرت ما في ~~بطنها، ألا تربي ما في بطنها إلى العمر الذي يستطيع فيه المولود أن يخدم ~~في بيت الله. ولكنها نذرت ما في بطنها من اللحظة الأولى للميلاد. إنها لن ~~تتنعم بالمولود، ولذلك قال الحق: # وكفلها زكريا # [آل عمران: 37]، وزكريا هو زوج خالة السيدة مريم. وبعد دعاء امرأة ~~عمران، يجيء القول الحكيم: { فلما وضعتها قالت رب إني ~~وضعتهآ أنثى... }. ### || [3.36] # لقد جاء هذا القول منها، لأنها كانت قد قالت إنها نذرت ما في بطنها ~~محررا لخدمة البيت، وقولها: " محررا " تعني أنها أرادت ذكرا لخدمة ~~البيت، لكن المولود جاء أنثى. فكأنها قد قالت: ان لم أمكن من الوفاء ~~بالنذر، فلأن قدرك سبق، لقد جاءت المولودة أنثى. لكن الحق يقول بعد ذلك: ~~{ والله أعلم بما وضعت } [آل عمران: 36]. وهذا يعني أنها ~~لا تريد إخبار الله، ولكنها تريد أن تظهر التحسر، لأن الغاية من نذرها لم ~~تتحقق وبعد ذلك يقول الحق: { وليس الذكر كالأنثى } [آل ~~عمران: 36]. فهل هذا من كلامها، أم من كلام الله؟ قد قالت: { إني ~~وضعتهآ أنثى } [آل عمران: 36] وقال الله: { وليس الذكر ~~كالأنثى } [آل عمران: 36]. إن الحق يقول لها: لا تظني أن الذكر الذي ~~كنت تتمنينه سيصل إلى مرتبة هذه الأنثى، إن هذه الأنثى لها شأن عظيم. أو ~~أن القول من تمام كلامها: { إني وضعتهآ أنثى } [آل عمران: ~~36] ويكون قول الحق: { والله أعلم بما وضعت } [آل عمران: ~~36] هو جملة اعتراضية ويكون تمام كلامها { وليس الذكر ~~كالأنثى } [آل عمران: 36]. أي أنها قالت: يا رب ms1099 إن الذكر ليس ~~كالأنثى، إنها لا تصلح لخدمة البيت. وليأخذ المؤمن المعنى الذي يحبه، ~~وسنجد أن المعنى الأول فيه إشراق أكثر، إنه تصور أن الحق قد قال: أنت ~~تريدين ذكرا بمفهومك في الوفاء بالنذر، وليكون في خدمة البيت، ولقد وهبت ~~لك المولود أنثى، ولكني سأعطي فيها آية أكبر من خدمة البيت، وأنا أريد ~~بالآية التي سأعطيها لهذه الأنثى مساندة عقائد، لا مجرد خدمة رقعة تقام ~~فيها شعائر. إنني سأجعل من هذه الآية مواصلة لمسيرة العقائد في الدنيا ~~إلى أن تقوم الساعة. ولأنني أنا الخالق، سأوجد في هذه الأنثى آية لا توجد ~~في غيرها، وهي آية تثبت طلاقة قدرة الحق، ولقد قلت من قبل: إن طلاقة ~~القدرة تختلف عن القدرة العادية، إن القدرة تخلق بأسباب، ولكن من أين ~~الأسباب؟ إن الحق هو خالق الأسباب أيضا. إذن فما دام الخالق للأسباب ~~أراد خلقا بالأسباب فهذه إرادته. ولذلك أعطانا الحق القدرة على رؤية ~~طلاقة قدرته لأنها عقائد إيمانية، يجب أن تظل في بؤرة الشعور الإيماني، ~~وعلى بال المؤمن دائما. لقد خلق الله بعضا من الخلق بالأسباب كما خلقنا ~~نحن، وجمهرة الخلق عن طريق التناسل بين أب وأم، أما خلق الحق لآدم عليه ~~السلام فقد خلقه بلا أسباب. ونحن نعلم أن الشيء الدائر بين اثنين له قسمة ~~عقلية ومنطقية، فما دام هناك أب وأم، ذكر وأنثى، فسيجيء منهما تكاثر.. إن ~~الحق يقول: # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون # [الذاريات: 49]. وعندما يجتمع الزوجان، فهذه هي الصورة الكاملة، وهذه ~~الأولى في القسمة المنطقية والتصور العقلي، وإما أن ينعدم الزوجان فهذه ~~هي الثانية في القسمة المنطقية والتصور العقلي. أو أن ينعدم الزوج الأول ~~ويبقى الطرف الثاني، وهذه هي الثالثة في القسمة المنطقية والتصور العقلي، ~~أو أن ينعدم الزوج الثاني ويبقى الطرف الأول، وهذه هي الرابعة في القسمة ~~المنطقية والتصور العقلي. تلك إذن أربعة تصورات للقسمة العقلية. وجميعنا ~~جاء من اجتماع العنصرين، الرجل والمرأة. أما آدم فقد خلقه الله بطلاقة ~~قدرته ليكون السبب. وكذلك تم خلق حواء ms1100 من آدم. وأخرج الحق من لقاء آدم ~~وحواء نسلا. وهناك أنثى وهي مريم ويأتي منها المسيح عيسى ابن مريم بلا ~~ذكر. وهذه هي الآية في العالمين، وتثبت قمة عقدية. فلا يقولن أحد: ذكرا، ~~أو أنثى، لأن نية امرأة عمران في الطاعة أن يكون المولود ذكرا، وشاء قدر ~~ربكم أن يكون أسمى من تقدير امرأة عمران في الطاعة، لذلك قال: { وليس ~~الذكر كالأنثى } [آل عمران: 36]. أي أن الذكر لن يصل إلى مرتبة ~~هذه الأنثى. وقالت امرأة عمران: { وإني سميتها مريم ~~وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ~~} [آل عمران: 36]. إن امرأة عمران قالت ما يدل على شعورها، فحينما فات ~~المولودة بأنوثتها أن تكون في خدمة بيت الله فقد تمنت امرأة عمران أن ~~تكون المولودة طائعة، عابدة، فسمتها " مريم " لأن مريم في لغتهم - كما ~~قلنا - معناها " العابدة ". وأول ما يعترض العبودية هو الشيطان. إنه هو ~~الذي يجعل الإنسان يتمرد على العبودية. إن الإنسان يريد أن يصير عابدا، ~~فيجيء الشيطان ليزين له المعصية. وأرادت إمرأة عمران أن تحمي ابنتها من ~~نزغ الشيطان لأنها عرفت بتجربتها أن المعاصي كلها تأتي من نزغ الشيطان، ~~وقد سمتها " مريم " حتى تصبح " عابدة لله " ، ولأن إمرأة عمران كانت ~~تمتلك عقلية إيمانية حاضرة وتحمل المنهج التعبدي كله لذلك قالت: { ~~وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ~~} [آل عمران: 36]. إن المستعاذ به هو الله، والمستعاذ منه هو الشيطان، ~~وحينما يدخل الشيطان مع خلق الله في تزيين المعاصي، فهو يدخل مع المخلوق ~~في عراك، ولكن الشيطان لا يستطيع أن يدخل مع ربه في عراك، ولذلك يقال عن ~~الشيطان إنه إذا سمع ذكر الله فإنه يخنس أي يتراجع، ووصفه القرآن الكريم ~~بأنها " الخناس " ، إن الشيطان إنما ينفرد بالإنسان حين يكون الإنسان ~~بعيدا عن الله، ولذلك فالحق يعلم الإنسان: # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ~~إنه سميع عليم # [الأعراف: 200]. إن الشيطان يرتعد فرقا ورعشة من الاستعاذة بالله. ~~وعندما يتكرر ارتعاد الشيطان بهذه الكلمة فإنه يعرف أن هذا الإنسان ~~العابد لن يحيد عن ms1101 طاعة الله إلى المعاصي. # وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يجيء الرجل امرأته، ومجيء ~~الأهل هو مظنة لمولود قد يجيء، فيقول العبد: " اللهم جنبني الشيطان وجنب ~~الشيطان ما رزقتني " من دعاء رسول الله. إن من يقول هذا القول قبل أن ~~يحدث التخلق " فلن يكون للشيطان ولاية أو قدرة على المولود الذي يأتي ~~بإذن الله ". ولذلك قالت إمرأة عمران: { وإني أعيذها بك ~~وذريتها من الشيطان الرجيم } [آل عمران: 36]. والذرية ~~قد يفهمها الناس على أنها النسل المتكاثر، ولكن كلمة " ذرية " تطلق على ~~الواحد وعلى الاثنين، وعلى الثلاثة أو أكثر. والذرية هنا بالنسبة لمريم ~~عليها السلام هي عيسى عليه السلام، وتنتهي المسألة. وبعد دعاء إمرأة ~~عمران { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان ~~الرجيم } [آل عمران: 36] يجيء القول الحق: { فتقبلها ربها ~~بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها ~~زكريا... }. ### || [3.37] # وقد عرفنا القبول الحسن والإنبات الحسن، أما قوله الحق: { وكفلها ~~زكريا } [آل عمران: 37] فهذا يعني أن المسألة جاءت من أعلى، إنه ~~الرب الذي تقبل بقبول حسن، وهو الذي أنبتها نباتا حسنا. إذن، فرعاية ~~زكريا لها إنما جاءت بأمر من الله. والدليل على ما حدث عند كفالة مريم. ~~لقد اجتمع كبار القوم رغبة في كفالتها وأجروا بينهم قرعة من أجل ذلك. ~~وساعة تجد قرعة، أو إسهاما. فالناس تكون قد خرجت من مراداتها المختلفة ~~إلى مراد الله. فعندما نختلف على شيء فإننا نجري قرعة، ويخصص سهم لكل ~~مشترك فيها، ونرى بعد ذلك من الذي يخرج سهمه، ويلجأ الناس لهذا الأمر ~~ليمنعوا هوى البشر عن التدخل في الاختيار، ويصبح الأمر خارجا عن مراد ~~البشر إلى مراد الله سبحانه وتعالى، وهذا ما حدث عند كفالة زكريا لمريم. ~~ولذلك فالحق يقول لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت ~~لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~وما كنت لديهم إذ يختصمون # [آل عمران: 44]. إذن فالكفالة لمريم أخذت لها ضجة، وهذا دليل على أنهم ~~اتفقوا على إجراء قرعة بالنسبة لكفالتها، ولا ms1102 يمكن أن يكونوا قد ذهبوا ~~إلى هذه القرعة إلا إذا كان قد حدث تنازع بينهم، عن أيهم يكفل مريم، ومن ~~فضل الله أن زكريا عليه السلام كان متزوجا من " إشاع " " أخت " " حنة " ~~وهي أم مريم، فهو زوج خالتها. وكلمة " أقلامهم " قال فيها المفسرون: إنها ~~القداح التي كانوا يصنعونها قديما، أو الأقلام التي كتبوا بها التوراة، ~~فرموها في البحر، فمن طفا قلمه لم يأخذ رعاية مريم، ومن غرق قلمه في ~~البحر فهو الذي فاز بكفالة مريم. إذن فهم قد خرجوا عن مراداتهم إلى مراد ~~الله. والخروج عن المرادات، والخروج عن الأهواء بجسم ليس له اختيار - ~~كقداح القرعة - لا يوجد في النفس غضاضة. لكن لو كان هناك من سيأخذ رعاية ~~مريم بالقوة والغصب فلا بد أن يجد نفوس الآخرين وقد امتلأت بالمرارة أو ~~الغضب. ولذلك فقد كان سائدا في ذلك العصر عملية إجراء السهام إذا ما ~~خافوا أن يقع الظلم على أحد أو أن يساء الظن بأحد، وهناك قصة سيدنا يونس ~~عندما قاربت السفينة على الغرق، وكان لا بد لإنقاذها أن ينزل واحد إلى ~~البحر، وجاء القول الحكيم: # وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك ~~المشحون * فساهم فكان من المدحضين * فالتقمه ~~الحوت وهو مليم * فلولا أنه كان من المسبحين ~~* للبث في بطنه إلى يوم يبعثون # [الصافات: 139-144]. # كان لا بد أن ينزل واحد من تلك السفينة، لذلك تم إجراء قرعة بالسهام حتى ~~لا تقوم معركة بين الموجودين على ظهر السفينة، وحتى لا تكون الغلبة ~~للأقوياء، ولكن القرعة حمت الناس من ظلم بعضهم بعضا. قالوا: لنجر قرعة ~~السهام، فمن يخرج سهمه فهو الذي يلقى به، وكان على يونس عليه السلام أن ~~ينزل إلى اليم فيلتقمه الحوت. ولأنه من المسبحين فإن الله ينقذه. لقد قبل ~~يونس عليه السلام اختيار الله ولم ينس تسبيح الله فكان في ذلك الإنقاذ ~~له. وهكذا نقرأ قول الله لنفهم أن كفالة زكريا كانت باختيار الله. { ~~فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا ~~وكفلها زكريا } [آل عمران: 37]. وكلمة " كفلها ms1103 " أي تولى كل ~~مهمة تربيتها، هذه هي الكفالة، ونحن نعرف أن الكفيل في عرفنا هو الضامن، ~~والضامن هو من يسد القرض عندما يعجز الإنسان عن السداد، وقوله الحق: { ~~وكفلها زكريا } [آل عمران: 37] يعطينا المعنى الواضح بأن ~~زكريا عليه السلام هو الذي قام برعاية شئون مريم. ويتابع الحق الكريم ~~قوله: { كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد ~~عندها رزقا } [آل عمران: 37] إنه لم يدخل مرة واحدة، بل دخل عليها ~~المحراب مرات متعددة. وكان زكريا عليه السلام كلما دخل على مريم يجد ~~عندها الرزق، ولذلك كان لا بد أن يتساءل عن مصدر هذا الرزق، ولا بد أن ~~يكون تساؤله معبرا عن الدهشة، لذلك يجيء القول الحق على لسان زكريا: { ~~أنى لك هذا } [آل عمران: 37]. وساعة أن تسمع " أنى لك هذا؟ " ~~فهذا يدل على أنه قام بعمل محابس على المكان الذي توجد به مريم، وإلا لظن ~~أن هناك أحدا قد دخل على مريم، وكما يقولون: فإن زكريا كان يقفل على ~~مريم الأبواب. وإلا لو كانت الأبواب غير مغلقة لظن أن هناك من دخل وأحضر ~~لها تلك الألوان المتعددة من الرزق. والرزق هو ما ينتفع به - بالبناء ~~للمجهول - وعندما يقول زكريا عليه السلام: { أنى لك هذا } [آل ~~عمران: 37]. فلنا أن نتذكر ما قلناه سابقا من أن أي إنسان وكله الله على ~~جماعة ويرى عندهم ما هو أزيد من الطاقة أو حدود الدخل، فلا بد أن يسأل ~~كلا منهم: من أين لك هذا؟ ذلك أن فساد البيوت والمجتمعات إنما يأتي من ~~عدم الإهتمام بالسؤال وضرورة الحصول على إجابة على السؤال المحدد: من أين ~~لك هذا؟ إن الذي يدخل بيته ويجد ابنته ترتدي فستانا مرتفع الثمن ويفوق ~~طاقة الأسرة، أو يجد ابنه قد اشترى شيئا ليس في طاقة الأسرة أن تشتريه، ~~هنا يجب أن يتوقف الأب أو الولي ليسأل: من أين لك هذا؟ إن في ذلك حماية ~~لأخلاق الأسرة من الانهيار أو التحلل. # فلو فطن كل واحد أن يسأل أهله ومن يدخلون في كفالته - " من أين لك ms1104 هذا؟ ~~" لعرف كل تفاصيل حركتهم، لكن لو ترك الحبل على الغارب لفسد الأمر. وقول ~~زكريا: " أنى لك هذا؟ " هو سؤال محدد عن مصدر هذا الرزق، ولننظر إلى ~~إجابتها: { قالت هو من عند الله } [آل عمران: 37] ثم لا تدع ~~البديهة الإيمانية عند سيدنا زكريا دون أن تذكره أنها لا تنسى حقيقة ~~واضحة في بؤرة شعور كل مؤمن: { إن الله يرزق من يشآء ~~بغير حساب } [آل عمران: 37] وأثارت هذه المسألة في نفس زكريا ~~نوازع شتى إنها مسألة غير عادية، لقد أخبرته مريم أن الرزق الذي عندها هو ~~من عند الله الذي يرزق من يشاء بغير حساب، إنه الإله هو القادر على أن ~~يقول: " كن " فيكون. وهنا ذكر زكريا نفسه، وكأن نفسه قد حدثته: " إذا ~~كانت للقدرة طلاقة في أن تفعل بلا أسباب، وتعطي من غير حساب، فأنا أريد ~~ولدا يخلفني، رغم أنني على كبر ورغم بلوغي من السن عتيا، وامرأتي عاقر. ~~إن مسألة الرزق الذي وجده زكريا كلما دخل على مريم هي التي نبهت زكريا ~~إلى ما يتمنى ويرغب. ونحن نعلم أن المعلومات التي تمر على خاطر النفس ~~البشرية كثيرة، ولكن لا يستقر في بؤر الشعور إلا الذي يصر عليه الإنسان، ~~وهناك فرق بين معلومات توجد في بؤرة الشعور. ومعلومات في حاشية الشعور ~~يتم استدعاؤها عند اللزوم، فلما وجد زكريا الرزق المنوع عند مريم وقالت ~~له عن مصدره: { هو من عند الله إن الله يرزق من ~~يشآء بغير حساب } [آل عمران: 37]. هنا تساءل زكريا: كيف فاتني ~~هذا الأمر؟ ولذلك يقول الحق عن زكريا: { هنالك دعا زكريا ~~ربه... }. ### || [3.38] # إنها ساعة أن قالت له: إن الرزق من عند الله، وأنه الحق الذي يرزق من ~~يشاء بغير حساب، هنا أيقظت فيه القضية الإيمانية فجاءت أمنيته إلى بؤرة ~~الشعور، فقال زكريا لنفسه: فلنطلب من ربنا أن يرزقنا ما نرجوه لأنفسنا، ~~وما دام قد قال هذا القول فلا بد أنه قد صدق مريم في قضيتها، بأن هذا ~~الرزق الذي يأتيها هو من عند الله، ودليل آخر ms1105 في التصديق هو أنه لا بد ~~وقد رأى أن الألوان المتعددة من الرزق التي توجد عند مريم ليست في بيئته، ~~أو ليست في أوانها وكل ذلك في المحراب. ونحن نعرف أن المحراب كلمة يراد ~~بها بيت العبادة. يقول الحق: # يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وجفان ~~كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داوود شكرا ~~وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13]. أو " المحراب " وهو مكان الإمام في المسجد، أو هو حجرة يصعد ~~إليها بسلم، كالمبلغات التي تقام في بعض المساجد. وما دامت مريم قد أخبرت ~~زكريا وهي في المحراب بأن الرزق من عند الله، وأيقظت بذلك تلك القضية ~~الإيمانية في بؤرة شعوره، فماذا يكون تصرفه؟ هنا دعا زكريا أثناء وجوده ~~في المحراب. { رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ~~إنك سميع الدعآء } [آل عمران: 38] إنه هنا يطلب الولد. ولكن ~~لا بد لنا أن نلاحظ ما يلي: - هل كان طلبه للولد لما يطلبه الناس ~~العاديون من أن يكون زينة للحياة أو " عزوة " أو ذكرا؟ لا، إنه يطلب ~~الذرية الطيبة، وذكر زكريا الذرية الطيبة تفيد معرفته أن هنالك ذرية غير ~~طيبة. وفي قول زكريا الذي أورده الحق: # يرثني ويرث من آل يعقوب.. # [مريم: 6]. أي أن يكون دعاء لإرث النبوة وإرث المناهج وإرث القيم، هكذا ~~طلب زكريا الولد. لقد طلبه لمهام كبيرة، وقول زكريا: " رب هب لي " تعني ~~أنه استعطاء شيء بلا مقابل، إنه يعترف. أنا ليس لي المؤهلات التي تجعل لي ~~ولدا لأني كبير السن وامرأتي عاقر، إذن فعطاؤك يارب لي هو هبة وليس ~~حقا، وحتى الذي يملك الاستعداد لا يكون هذا الأمر حقا له، فلا بد أن ~~يعرف أن عطاء الله له يظل هبة، فإياك أن تظن أن اكتمال الأسباب والشباب ~~هي التي تعطي الذرية، إن الحق سبحانه ينبهنا ألا نقع في خديعة وغش ~~أنفسنا بالأسباب. # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما ~~إنه عليم قدير # [الشورى: ms1106 49-50]. إن في ذلك لفتا واضحا وتحذيرا محددا ألا نفتتن ~~بالأسباب، إذن فلكل عطاء من الله هو هبة، والأسباب لا تعطي أحدا ما ~~يريد. # إن زكريا يقول: { رب هب لي من لدنك } [آل عمران: 38] وساعة ~~أن تقول من: " لدنك " فهو يعني " هب لي من وراء أسبابك ". لماذا؟ لأن ~~الكل من الله. ولكن هناك فرقا بين عطاء الله بسبب، كأن يذهب إنسان ~~ليتعلم العلم ويمكث عشرين عاما ليتعلم، وهناك إنسان يفيض الله عليه ~~بموهبة ما، ولذلك يقول أهل الإشراقات: إنه علم لدنى، أي من غير تعب، ~~وساعة أن نسمع " من لدن " أي انعزلت الأسباب، كان دعاء زكريا هو { رب ~~هب لي من لدنك } [آل عمران: 38] وكلمة " هب " توضح ما جاء في ~~سورة مريم من قول زكريا: # قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا ~~وقد بلغت من الكبر عتيا # [مريم: 8]. إن " هب " هي التي توضح لنا هذه المعاني، هذا كان دعاء ~~زكريا: { رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك ~~سميع الدعآء } [آل عمران: 38] فهل المراد أن يسمع الله الدعاء؟ أم ~~أن يجيب الله الدعاء؟ إنه يضع كل أمله في الله، وكأنه يقول: إنك يارب من ~~فور أن تسمعني ستجيبني إلى طلبي بطلاقة قدرتك. لماذا؟ لأنك يا رب تعلم ~~صدق نيتي في أنني أريد الغلام لا لشيء من أمور كقرة العين، والذكر، ~~والعز، وغيرها، إنما أريد الولد ليكون وارثا لي في حمل منهجك في الأرض، ~~وبعد ذلك يقول الحق: { فنادته الملائكة وهو قائم ~~يصلي في المحراب... }. ### || [3.39] # هل كل الملائكة اجتمعوا أو نادوا زكريا؟ لا، لأن جبريل عليه السلام الذي ~~ناداه. ولماذا جاء القول الحق هنا بأن الملائكة هي التي نادته؟ لقد جاء ~~هذا القول الحق لنفطن إلى شيء هو، أن الصوت في الحدث - كالإنسان - له جهة ~~يأتي منها، أما الصوت القادم من الملأ الأعلى فلا يعرف الإنسان من أين ~~يأتيه، إن الإنسان يسمعه وكأنه يأتي من كل الجهات، وكأن هناك ملكا في كل ~~مكان. والعصر الحديث الذي نعيشه قد ms1107 ارتقى في الصوتيات ووصل لدرجة أن ~~الإنسان أصبح قادرا على جعل المؤثر الصوتي يحيط بالإنسان من جهات ~~متعددة، إذن فقوله الحق: { فنادته الملائكة } [آل عمران: 39] ~~فهذا يعني أن الصوت قد جاء لزكريا من جميع الجهات. { فنادته ~~الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله ~~يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا ~~وحصورا ونبيا من الصالحين } [آل عمران: 39]. لقد نادته ~~الملائكة في أورع لقاءاته مع ربه أو هو حينما دعا أخذ ما علمه الله ~~للأنبياء إذا حزبهم أمر قاموا إلى الصلاة. أليس طلبه من الله؟ إذن فليقف ~~بين يدي الله. وليجربها كل واحد منا عندما يصعب عليك أي شيء، وتتأزم ~~الأمور، وتمتنع الأسباب، فليقم ويتوضأ وضوءا جديدا ويبدأه بالنية حتى ~~ولو كان متوضئا. وليقف بين يدي الله، وليقل - إنه أمر يارب عز علي في ~~أسبابك، وليصل بخشوع، وأنا أجزم بأن الإنسان ما إن يسلم من هذه الصلاة ~~إلا ويكون الفرج قد جاء. ألم نتلق عن رسول الله هذا السلوك البديع؟ إنه ~~كلما حزبه أمر قام إلى الصلاة؟ ومعنى حزبه أمر، أي أن أسبابه ضاقت، لذلك ~~يذهب إلى الصلاة لخالق الأسباب، إنها ذهاب إلى المسبب. وبدلا من أن تلف ~~وتدور حول نفسك، اذهب إلى الله من أقصر الطرق وهو الصلاة، لماذا تتعب ~~نفسك أيها العبد ولك رب حكيم؟ وقديما قلنا: إن من له أب لا يحمل هما، ~~والذي له رب أليس أولى بالإطمئنان؟ إن زكريا قد دعا الله في الأمر الذي ~~حزبه، وبمجرد أن دعا في الأمر الذي حزبه، قام إلى الصلاة، فنادته ~~الملائكة، وهو قائم يصلي، إن الملائكة لم تنتظر إلى أن ينتهي من صلاته، { ~~فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ~~أن الله يبشرك } [آل عمران: 39]. والبشارة هي إخبار بخير ~~زمنه لم يأت، فإذا كانت البشارة بخير زمنه لم يأت فلنر من الذي يخبر ~~بالبشارة؟ أمن يقدر على إيجاده أم من لا يقدر؟ فإذا كان الله هو الذي ~~يبشر، فهو الذي يقدر، لذلك فالمبشر به قادم لا محالة، { أن الله ms1108 ~~يبشرك بيحيى } [آل عمران: 39] لقد قال له الله: سأعطيك. # وزيادة على العطاء سماه الله ب " يحيي " وفوق كل ذلك: { مصدقا ~~بكلمة من الله } [آل عمران: 39]. ولننظر إلى دقة الحق حين ~~يقول: { بيحيى مصدقا } [آل عمران: 39]. هذا دليل على أنه ~~سيعيش بمنهج الله وما يعرفه من الطاعات سيسير في هذا الطريق وهو مصدق، ~~وهو سيأتي بكلمة من الله، أو هو يأتي ليصدق بكلمة من الله، لأن سيدنا ~~يحيى هو أول من آمن برسالة عيسى عليه السلام. وهو موصوف بالقول الحق: { ~~وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين } [آل عمران: 39]. ~~أي ممنوعا عن كل ما حرم عليه، أو ممنوعا عن قمة الغرائز وهي الشهوة، ~~وهو نبي، أي قدوة في اتباع الرسول الذي يجيء في عصره، لقد دعا زكريا، ~~وقام ليصلي، وتلقى البشارة بيحيى، وهنا ارتجت الأمور على بشرية زكريا، ~~ويصوره الحق بقوله: { قال رب أنى يكون لي غلام... }. ### || [3.40-41] # { قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر ~~وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء } [آل ~~عمران: 40]. إن زكريا - وهو الطالب - يصيبه التعجب من الاستجابة فيتساءل. ~~كيف يكون ذلك؟ والحق يورد ذلك ليعلمنا أن النفس البشرية دائما تكون في ~~دائرات التلوين، وليست في دائرات التمكين، وذلك ليعطي الله لخلقه الذين ~~لا يهتدون إلى الصراط المستقيم الأسوة في أنه إذا ما حدث له ابتلاء فعليه ~~الرجوع إلى الله، فيقول زكريا: { أنى يكون لي غلام وقد ~~بلغني الكبر وامرأتي عاقر } [آل عمران: 40]. إن بلوغ ~~الكبر ليس دليلا على أنه عاجز عن الإنجاب لأنه يكون كبير العمر، وقادرا ~~على إخصاب امرأة، ذلك أن الإخصاب بالنسبة لبعض الرجال ليس أمرا عسيرا ~~مهما بلغ من العمر إن لم يكن عاقرا، ولكن المرأة هي العنصر المهم، فإن ~~كانت عاقرا، فذلك قمة العجز في الأسباب. ولو أن زكريا قال فقط: " ~~وامرأتي عاقر " لكان أمرا غير مستحب بالنسبة لزوجته، ولكان معنى ذلك أنه ~~نسب لنفسه الصلاحية وهي غير القادرة. إنه أدب النبوة وهو أدب عال لذلك ~~أوردها من أولها: { وقد بلغني ms1109 الكبر وامرأتي عاقر } ~~[آل عمران: 40] ولنر دقة القول في: " بلغني الكبر " ، إنه لم يقل: " بلغت ~~الكبر " بل يقول: إن الكبر هو الذي جاءني ولم أجيء أنا إلى الكبر لأن ~~بلوغ الشيء يعني أن هناك إحساسا ورغبة في أن تذهب إليه، وذكر زكريا " ~~وامرأتي عاقر " هو تضخيم لطلاقة القدرة عند من يستمع للقصة، لقد أورد كل ~~الخوالج البشرية، وبعد ذلك يأتي القول الفصل: { قال كذلك الله ~~يفعل ما يشآء } [آل عمران: 40] إنها طلاقة القدرة التي فوق ~~الأسباب لأنها خالقة الأسباب. ويقول زكريا: { قال رب اجعل لي ~~آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ~~إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي ~~والإبكار } [آل عمران: 41]. إن زكريا يطلب علامة على أن القول قد ~~انتقل إلى فعل. # قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا ~~وقد بلغت من الكبر عتيا * قال كذلك قال ربك ~~هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 8-9]. لقد كان هذا القول تأكيدا لا شك فيه، فبمجرد أن قال الرب ~~فقد انتهى الأمر. فماذا يريد زكريا من بعد ذلك؟ إنه يطلب آية، أي علامة ~~على أن يحيى قد تم إيجاده في رحم أمه، وما دامت المرأة قد كبرت فهي قد ~~انقطع عنها الحيض، ولا بد أنه عرف الآية لأنه يعرف مسبقا أنها عاقر. لكن ~~زكريا لم يرغب أن يفوت على نفسه لحظة من لحظات هبات الله عليه، وما دام ~~الحمل قد حدث فهنا كانت استغاثة زكريا، لا تتركني يا رب إلى أن أفهم ~~بالعلامات الظاهرة المحسة، لأنني أريد أن أعيش من أول نعمتك علي في إطار ~~الشكر لك على النعمة، فبمجرد أن يحدث الإخصاب لا بد أن أحيا في نطاق ~~الشكر لأن النعمة قد تأتي وأنا غير شاكر. # إنه يطلب آية ليعيش في نطاق الشكر، إنه لم يطلب آية لأنه يشك - معاذ ~~الله - في قدرة الله، ولكن لأنه لا يريد أن يفوت على نفسه لحظة النعمة من ~~أول وجودها إلا ومعها الشكر عليها، والذي ms1110 يعطينا هذا المعنى هو القول ~~الحق: { قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام ~~إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي ~~والإبكار } [آل عمران: 41]. لا بد أن معناها أنه يرغب في الكلام فلا ~~يستطيع. إن هناك فارقا بين أن يقدر على الكلام ولا يتكلم، وبين ألا يقدر ~~على الكلام. وما دامت الآية هبة من الله. فالحق هو الذي قال له: سأمنعك ~~من أن تتكلم، فساعة أن تجد نفسك غير قادر على الكلام فاعرف أنها العلامة، ~~وستعرف أن تتكلم مع الناس رمزا، أي بالإشارة، وحتى تعرف أن الآية قادمة ~~من الله، وأن الله علم عن عبده أنه لا يريد أن تمر عليه لحظة مع نعمة ~~الله بدون شكر الله عليها، فإننا نعلم أن الله سينطقه.. { واذكر ~~ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار } [آل عمران: ~~41]. لقد أراد زكريا أن يعيش من أول لحظة مع نعمة المنعم شكرا، وجعل كل ~~وقته ذكرا، فلم ينشغل بالناس أو بكلام الناس، وذكر الرب كثيرا هو ما ~~علمه - سبحانه - عن زكريا عندما طلب الآية ليصحبها دائما بشكر الله ~~عليها، إن قوله: { واذكر ربك كثيرا } [آل عمران: 41] تفيد أن ~~زكريا قادر على الذكر وغير قادر على كلام الناس، لذلك لا يريد الله أن ~~يشغله بكلام الناس، وكأن الله يريد أن يقول له: ما دمت قد أردت أن تعيش ~~مع النعمة شكرا فسأجعلك غير قادر على الكلام مع الناس لكنك قادر على ~~الذكر. والذكر مطلقا هو ذكر الله بآلائه وعظمته وقدرته وصفات الكمال له، ~~والتسبيح هو التنزيه لله، لأن ما فعله الله لا يمكن أن يحدث من سواه، ~~فسبحان الله، معناها تنزيه لله، لأنه القادر على أن يفعل ما لا تفعله ~~الأسباب ولا يقدر أحد أن يصنعه. إنه يريد أن يشكر الحق الذي يرزق من يشاء ~~بغير حساب. تلك اللفتة.. التي جاءت من قبل من مريم لزكريا. وزكريا كما ~~نعلم هو الكفيل لها، فكونها تنطق بهذه العبارة دلالة على أن الله مهد لها ~~بالرزق، يجيئها من غير زكريا، بأنها ستأتي بشيء ms1111 من غير أسباب. # وكأن التجربة قد أراد الله أن تكون من ذاتها لذاتها لأنها ستتعرض لشيء ~~يتعلق بعرض المرأة، فلا بد أن تعلم مسبقا أن الله يرزق من يشاء بغير ~~حساب، وبدون أسباب. فإن جاءت بولد بدون سبب من أبوة لتعلم أن الله يرزق ~~من يشاء بغير حساب. فلما سمع زكريا منها ذلك قال: ما دام الله يرزق من ~~غير حساب ويأتي بالأشياء بلا أسباب فأنا قد بلغت من الكبر عتيا، وامرأتي ~~عاقر، فلماذا لا أطلب من ربي أن يهبني غلاما؟ إذن فمقولة مريم: # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37] قد لفتت زكريا، ونبهت إيمانا موجودا في أعماقه وحاشية ~~شعوره، ولا نقول أوجدت إيمانا جديدا لزكريا بأن الله يرزق من يشاء بغير ~~حساب، ولكنها أخرجت القضية الإيمانية من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور، ~~فقال زكريا: ما دام الأمر كذلك فأنا أسأل الله أن يهبني غلاما.. وقول ~~زكريا: # هب لي من لدنك ذرية طيبة # [آل عمران: 38] دل على أنه وزوجته لا يملكان اكتساب الأبوة والأمومة ~~ولذلك طلب الهبة من الله. والهبة شيء بدون مقابل. فلما سأل الله ذلك ~~استجاب الله له، وقال له سبحانه: سأهبك غلاما بدون أسباب من خصوبتك في ~~التلقيح أو خصوبة الزوجة في الحمل، وما دامت المسألة ستكون بلا أسباب ~~وأنا - الخالق - سأتولى الإيجاب ب " كن " ولمعنى سام شريف سأمنحكم شيئا ~~آخر تقومون به أنتم معشر الآباء والأمهات - عادة - إنه تسمية المولود، ~~فأفاض الحق عليهم نعمة أخرى وهي تسمية المولود بعد أن وهبه لهما.. هنا ~~وقفة عند الهبة بالاسم. # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ~~أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من ~~الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين # [آل عمران: 39]. حين يولد للناس ولد فهم يسمونه، فالتسمية أمر شائع في ~~عادات الناس. ولكن من يهمهم أمر الوليد حينما يقبلون على تسميته فهم ~~يحاولون أن يتفاءلوا فيسموه اسما يرجون أن يتحقق في المسمى، فيسمونه " ~~سعيدا " أملا في أن يكون سعيدا، أو يسمونه " فضلا " أو يسمونه ms1112 " ~~كريما ". إنهم يأتون بالاسم الذي يحبون أن يجدوا وليدهم على صفته وذلك ~~هو الأمل منهم ولكن أتأتي المقادير على وفق الآمال؟ قد يسمونه سعيدا، ~~ولا يكون سعيدا. ويسمونه فضلا، ولا يكون فضلا. ويسمونه عزا، ولا يكون ~~عزا. ولكن ماذا يحدث حين يسمي الله سبحانه وتعالى؟ لا بد أن يختلف ~~الموقف تماما، فإذا قال اسمه " يحيى " دل على أنه سيعيش. وقديما قال ~~الشاعر حينما تفاءل بتسمية ابنه يحيى: # فسميته يحيا ليحيا # فلم يكن لرد قضاء الله فيه سبيل # كان الشاعر قد سمى ابنه يحيى أملا أن يحيا، ولكن الله لم يرد ذلك، فمات ~~الابن. # لماذا؟ لأن المسمي من البشر ليس هو الذي يحيي، إن المسمي إنسان ~~قدرته عاجزة، ولكن " المحيى " له طلاقة القدرة، فحين يسمى من له طلاقة ~~القدرة على إرادة أن يحيا فلا بد من أن يحيا حياة متميزة؟ وحتى لا تفهم ~~أن الحياة التي أشار الله إليها بقوله: " اسمه يحيى " بأنها الحياة ~~المعروفة للبشر عادة - لأن الرجل حينما يسمى ابنه " يحيى " يأمل أن يحيا ~~الابن متوسط الأعمار، كما يحيا الناس ستين عاما، أو سبعين، أو أي عدد من ~~السنوات مكتوبة له في الأزل. لكن الله حينما يسمي " يحيى " فانه لا يأخذ ~~" يحيى " على قدر ما يأخذه الناس، بل لا بد أن يعطيه أطول من حدود أعمار ~~الناس، ويهيىء له الحق من خصومه ومن أعدائه من يقتله ليكون شهيدا، وهو ~~بالشهادة يصير حيا، فكأنه يحيا دائما، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون. ~~وهكذا أراد الله ليحيى عليه السلام أن يحيا كحياة الناس، ويحيا أطول من ~~حياة الناس إلى أن تقوم الساعة، وأيضا نأخذ ملحظا في أن زكريا حينما ~~بشر بأن الله سيهبه غلاما ويسميه يحيى، نجده قد استقبلها بالعجب. كيف ~~يستقبل زكريا مسألة الرزق بالولد متعجبا مع أنه رآها في الرزق الذي كان ~~يجده عند مريم؟ # يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. ولنا أن نقول: أكنت تحب أن يمر مثل هذا الأمر الخارق ~~للعادة والخارق للناموس على سيدنا زكريا كأنه ms1113 أمر عادي لا يندهش له ولا ~~يتعجب؟ لا، لا بد أن يندهش ويتعجب لذلك قال: { رب أنى يكون لي ~~غلام } [آل عمران: 40]. فكأن الدهشة لفتته إلى أنه ستأتي آية عجيبة، ~~ولو لم تكن تلك الدهشة لكانت المسألة رتيبة وكأنها أمر عادي. إذن، فهو ~~يلفتنا إلى الأمر العجيب الذي خصه الله به. وأيضا جاءت المسألة على خلاف ~~ناموس التكاثر والإنجاب والنسل: { وقد بلغني الكبر ~~وامرأتي عاقر } [آل عمران: 40]. إن المسألة كلها تفضل وهبة من ~~الله. فلما جاءته البشارة، لم يقل الله له: إنني سأهبك الغلام واسمه يحيى ~~من امرأتك هذه، أو وأنت على حالتك هذه. فيتشكك ويتردد ويقول: أترى يأتي ~~الغلام الذي اسمه " يحيى " مني وأنا على هذه الحالة، امرأتي عاقر وأنا قد ~~بلغت هذا الكبر، أو ربما ردنا الله شباب حتى نستطيع الإنجاب، أو تأتي ~~امرأة أخرى فأتزوجها وأنجب. إذن فالعجب في الهيئة التي سيصير عليها ~~الإنجاب فقوله: { أنى يكون لي غلام وقد بلغني ~~الكبر وامرأتي عاقر } [آل عمران: 40] هذا التساؤل من زكريا ~~يهدف به إلى معرفة الهيئة أو الحالة التي سيأتي بها الإنجاب، لأن الإنجاب ~~يأتي على حالات متعددة. # فلما أكد الله ذلك قال: " كذلك " ماذا تعني كذلك؟ إنها تعني أن الإنجاب ~~سيأتي منك ومن زوجك وأنتما على حالكما، أنت قد بلغت من الكبر عتيا، ~~وامرأتك عاقر. لأن العجيبة تتحقق بذلك، أكان من المعقول أن يردهما الله ~~شبابا حتى يساعداه أن يهبهما الولد؟ لا. لذلك قال الحق: { كذلك ~~الله يفعل ما يشآء } [آل عمران: 40]. أي كما أنتما، وعلى ~~حالتكما. لقد جعل الحق الآية ألا يكلم زكريا الناس ثلاثة أيام إلا ~~بالإشارة، وقد يكون عدم الكلام في نظر الناس مرضا.. لا، إنه ليس كذلك، ~~لأن الحق يقول له: { واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي ~~والإبكار } [آل عمران: 41] إن الحق يجعل زكريا قادرا على التسبيح، ~~وغير قادر على الكلام. وهذه قدرة أخرى من طلاقة قدرة الله، إنه اللسان ~~الواحد، غير قادر على الكلام، ولو حاول أن يتكلم لما استطاع، ولكن هذا ~~اللسان ms1114 نفسه - أيضا - يصبح قادرا فقط على التسبيح، وذكر الله بالعشي ~~والإبكار، ذكر الله باللسان وسيسمعه الناس، وذلك بيان لطلاقة القدرة. ~~وبعد ذلك ينتقل بنا الحق إلى مسألة أخرى تتعلق بمريم، لأن مريم هي الأصل ~~في الكلام، فالرزق الذي كان يأتيها من الله بغير حساب هو الذي نبه سيدنا ~~زكريا إلى طلب الولد، وجاء الحق لنا بقصة زكريا والولد، ثم عاد إلى قصة ~~مريم: { وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله ~~اصطفاك... }. ### || [3.42] # { وإذ قالت الملائكة } [آل عمران: 42] المراد بها جبريل ~~عليه السلام، والسبب في أن الحق يورد ذلك ب " قالت الملائكة " لأن كلام ~~المتكلم - أي الإنسان - له - كما قلنا - زاوية انطلاق يأتي من جهتها ~~الصوت. وتستطيع أن تتأكد من ذلك عندما يجيء لك صوت، فأنت تجد ميل أذنك ~~لجهة مصدر الصوت، فإن جاء الصوت من ناحية أذنك اليمنى فأنت تلتفت وتميل ~~إلى يمينك، وإذا جاءك الصوت من شمالك تلتفت إلى الشمال. لكن المتكلم هنا ~~هو جبريل عليه السلام، ويأتي صوته من كل جهة حتى يصير الأمر عجيبا، لهذا ~~جاء الكلام منسوبا إلى الملائكة. فماذا قال جبريل؟ قال جبريل مبلغا عن ~~رب العزة: { يمريم إن الله اصطفاك وطهرك ~~واصطفاك على نسآء العالمين } [آل عمران: 42] وما ~~الاصطفاء؟ إن الاصطفاء اختيار واجتباء، وهو مأخوذ من الصفو أو الصافي، أي ~~الشيء الخالص من الكدر. وعادة تؤخذ المعاني من المحسات، وعندما تقول ~~الماء الصافي أي الماء غير المكدر، أو كما يقول الحق: # وأنهار من عسل مصفى.. # [محمد: 15]. وعندما يقول الحق: { إن الله اصطفاك وطهرك ~~واصطفاك على نسآء العالمين } [آل عمران: 42] نحن هنا ~~أمام اصطفاءين، الاصطفاء الأول ورد دون أن تسبقه كلمة " على " والاصطفاء ~~الثاني تسبقه كلمة " على " والمقصود بالاصطفاء الأول هو إبلاغ مريم أن ~~الله ميزها بالإيمان، والصلاح والخلق الطيب، ولكن هذا الاصطفاء الأول جاء ~~مجردا عن " على " أي أن هذا الاصطفاء الأول لا يمنع أن يوجد معها في ~~مجال هذا الاصطفاء آخرون، بدليل قول الحق: # إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل إبراهيم وآل ~~عمران على ms1115 العالمين # [آل عمران: 33]. ثم أورد الحق سبحانه أنه طهرها، وجاء من بعد ذلك ~~بالاصطفاء الثاني المسبوق ب " على " فقال { واصطفاك على نسآء ~~العالمين } [آل عمران: 42] إذن فهذا خروج للرجال عن دائرة هذا ~~الاصطفاء، ولن يكون مجال الاصطفاء موضوعا يتعلق بالرجولة فهي مصطفاة على ~~نساء العالمين، فكأنه لا توجد أنثى في العالمين تشاركها هذا الاصطفاء. ~~لماذا؟ لأنها الوحيدة التي ستلد دون ذكر، وهذه مسألة لن يشاركها فيها ~~أحد. وقوله الحق: { واصطفاك على نسآء العالمين } [آل ~~عمران: 42] هذا القول يجب أن ينبه في نفسها سؤالا هو: ما الذي تمتاز هي ~~به عن نساء العالمين؟ إن الذهن ينشغل بهذا الأمر، وينشغل على أمر من ~~وظيفة الأنثى، ولنضم هذه إلى قول الحق على لسانها: # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37] ونجد أن هذه كلها إيناسات للحدث الذي سيأتي من بعد ذلك، ~~وهو حدث يتعلق بعرضها وعفافها، فلا بد أن يمهد الله له تمهيدا مناسبا ~~حتى تتأكد من أن هذه المسألة ليس فيها شيء يخدش العرض أو يخدش الكرامة. # { واصطفاك على نسآء العالمين } [آل عمران: 42] ولنا أن ~~نسأل: ما نتيجة الاصطفاء؟ لقد عرفنا أن الاصطفاء هو الاجتباء والاختيار، ~~ويقتضي " مصطفى " بفتح الفاء. ويقتضي " مصطفى " بكسر الفاء. والمصطفى هو ~~الله، لكن ما علة الاصطفاء؟ إن الذي يصطفيه الله إنما يصطفيه لمهمة، ~~وتكون مهمة صعبة. إذن هو يصطفيه حتى يشيع اصطفاؤه في الناس. كأن الله قد ~~خصه بالاصطفاء من أجل الناس ومصلحتهم، سواء أكان هذا الاصطفاء لمكان أم ~~لإنسان أم لزمان ليشيع صفاؤه في كل ما اصطفى عليه. لقد اصطفى الله الكعبة ~~من أجل ماذا؟ حتى يتجه كل إنسان إلى الكعبة. إذن فقد اصطفاها من أجل ~~البشر وليشيع اصطفاؤها في كل مكان آخر، ولذلك قال الحق عن الكعبة: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين # [آل عمران: 96]. وإذا اصطفى الحق سبحانه زمانا، كاصطفائه لرمضان، ~~فلماذا اصطفاه؟ ليشيع صفاؤه، وصفاء ما أنزل فيه في كل زمان. إذن فاصطفاء ~~الحق للشخص أو للمكان ms1116 أو للزمان هو لمصلحة بقية الناس أو الأمكنة أو ~~الأزمنة، لماذا؟ لأن أحدا من الخلق ليس ابنا لله، وليس هناك مكان أولى ~~بمكان عند الله. ولكن الله يصطفي زمانا على زمان، ومكانا على مكان، ~~وإنسانا على إنسان ليشيع اصطفاء المصطفى في كل ما اصطفي عليه. إذن ~~فهل يجب على الناس أن يفرحوا بالمصطفى، أو لا يفرحوا به؟ إن عليهم أن ~~يفرحوا به لأنه جاء لمصلحتهم، والحق سبحانه يقول: { يمريم اقنتي ~~لربك... }. ### || [3.43] # فكأن ما تقدم من حيثيات الاصطفاء الأول، والاصطفاء الثاني، يستحق منها ~~القنوت، أي العبادة الخالصة الخاضعة الخاشعة. وقد يقول قائل: ولماذا ~~يصطفى الله واحدا، ليشيع اصطفاؤه في الناس؟ لأن الاصطفاء من الحق لا بد ~~أن يبرئه من كل ما يمكن أن يقع فيه نظيره من الاختيارات غير المرضية، ~~والحق - سبحانه - يريده نموذجا لا يقع منه إلا الخير، والمثال الكامل ~~على ذلك اصطفاء الحق سبحانه لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم من أول الأمر ~~وجعله لا يفعل إلا السلوك الطيب من أول الأمر، وذلك حتى يعطينا الرسول ~~القدوة الإيمانية في ثلاث وعشرين سنة هي مدة الرسالة المحمدية. والحق ~~يقول لمريم على لسان الملائكة: { يمريم اقنتي لربك } [آل ~~عمران: 43] إنه أمر بالعبادة الخاشعة المستديمة لربها، وكلمة " لربك " ~~تعني التربية، فكأن الاصطفاءات هي من نعم الله عليك يا مريم، وتستحق منك ~~القنوت { واسجدي واركعي مع الراكعين } [آل عمران: 43] و " ~~اسجدي " أي بالغي في الخشوع، والخضوع، بوضع الجبهة التي هي أشرف شيء ~~في الإنسان على الأرض، لأن السجود هو أعلى مرتبة من الخضوع. لكن أيعفيها ~~هذا اللون من الخضوع مما يكون من الركوع لله مع الناس؟ لا، إنه الأمر ~~الحق يصدر لمريم { واركعي مع الراكعين } [آل عمران: 43] ولا ~~يعفيك من الركوع أنك فعلت الأمر الأعلى منه في الخضوع وهو السجود، بل ~~عليك أن تركعي مع الراكعين، فلا يحق لك يا مريم أن تقولي: " لقد أمرني ~~الله بأمر أعلى ولم أنفذ الأمر الأدنى ". إن الحق يأمرها أن تكون أيضا ~~في ركب الراكعين مثلما ms1117 نقرأ قوله الحق عن الكفار: # ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين # [المدثر: 42-43]. إنهم كفار، فكيف يصلون؟ إنه اعتراف منهم بأنهم كفار، ~~ولم يكونوا مسلوكين في سلك من يصلي، واعتراف بانهم لم يكونوا مسلمين أو ~~مؤمنين بالله. وهنا يسأل سائل كريم: لماذا قال سبحانه وتعالى في خطابه ~~لمريم: { يمريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع ~~الراكعين } [آل عمران: 43] ولم يقل الحق: " مع الراكعات "؟ هذا هو ~~السؤال. وإجابة على هذا السؤال نحب أن نمهد تمهيدا بسيطا إلى فلسفة ~~الأسماء في وضعها على مسمياتها. إن الأسماء ألفاظ من اللغة تعين مسماها. ~~والمسميات مختلفة، فمنها الجماد، ومنها النبات ومنها الحيوان، ومنها ~~الأسماء التي تدل على عالم الغيب كالجن، والملائكة، وكل ما غيب الله. هذه ~~الأسماء تدل على معانيها. وهدى الله سبحانه البشر إليها بما علم آدم من ~~الأسماء، فكيف كان باستطاعة آدم التعبير عن معطيات الأسماء بمسمياتها؟ ~~إذن لا بد أن يوجد لكل شيء اسم حتى نستطيع حين نتفاهم على الشيء أو ~~الكائن بأن نذكر لفظا واحدا موجزا يشير إليه. # ولو لم يكن يذكر هذا فكيف كان باستطاعة إنسان أن يتكلم مع إنسان آخر عن ~~الجبل مثلا؟. أكان على المتكلم أن يأخذ السامع إلى الجبل ويشير إليه؟ أم ~~يكفي أن يقول له لفظ " جبل " حتى يستحضر السامع في ذهنه صورة لهذا ~~المسمى؟ إذن.. ففلسفة تعليم الحق للأسماء لنا أزاحت عنا عبئا كبيرا من ~~صعوبة التفاهم. ولولا ذلك لما استطعنا أن نتفاهم على شيء إلا إذا واجهنا ~~الشيء وأشرنا إليه. فكلمة " جبل " وكلمة " صخر " وغيرها من الكلمات هي ~~أسماء لمسميات.. وعندما أتكلم على سبيل المثال عن أمريكا فإنني لن آخذ ~~السامع إليها وأشير إليه قائلا " إن هذه هي أمريكا " ، لكن كلمة واحدة ~~هي " أمريكا " تعطي السامع معنى للمسمى، فتلحق الأحكام على مسمياتها. وما ~~دامت المسألة هكذا فلا بد من وجود أسماء لمسميات، هذه الأسماء علمها الله ~~للإنسان حتى يتفاهم بها والإنسان أصله من آدم. وكلمة " آدم " حينما تتكلم ~~بها تجدها في النحو ms1118 مذكرة، والمذكر يقابله المؤنث. وقد خلق الحق الأعلى: ~~الذكورة والأنوثة لأن من تزاوجهما سيخرج النسل. إذن فكان لا بد من ~~التمييز بين النوعين للجنس الواحد. فالذكر والأنثى، هما بنو آدم، ومنها ~~ينشأ التكاثر، لكن العجيب أن الله حين سمى آدم ونطقناه اسما مذكرا وسمى ~~" حواء " ونطقناه اسما مؤنثا، وجعل سبحانه الاسم الأصيل الذي وجد ~~منه الخلق هو " نفس ". لقد قال الحق: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونسآء واتقوا الله الذي تسآءلون ~~به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا # [النساء: 1]. لقد سمى الحق آدم بكلمة نفس، وهي مؤنثة، إذن فليس معنى ~~التأنيث أنه أقل من معنى التذكير، ولكن " التذكير " هو فقط علامة لتضع ~~الأشياء في مسمياتها الحقيقية وكذلك التأنيث. إن الحق سبحانه يطلق على كل ~~إنسان منا " نفس " وهي كلمة مؤنثة، وحينما تكلم الحق سبحانه كلاما آخر ~~عن الخلق قال: # يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير # [الحجرات: 13]. وكلمة " ناس " تعني مجموع الإنسان. وهكذا نعرف أن كلمة: ~~" إنسان " تطلق مرة على المذكر، ومرة أخرى على المؤنث. إذن فالحق قد ~~أورد مرة لفظا مذكرا، ومرة أخرى أطلق لفظا مؤنثا، وذلك حتى لا نقول: ~~إن المذكر أفضل وأحسن من المؤنث، ولكن ذلك وسيلة للتفاهم فقط، ولذلك يؤكد ~~لنا الحق سبحانه أنه قد وضع الأسماء لمسمياتها لنتعارف بها. # وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا.. # [الحجرات: 13]. ومعنى " لنتعارف " أي أن يكون لكل منا اسم يعرف به عند ~~الآخرين. وفي حياتنا العادية - ولله المثل الأعلى - نجد رجلا عنده أولاد ~~كثيرون، لذلك يطلق على كل ابن اسما ليعرفه المجتمع به، والعجيب في هذه ~~الآية الكريمة: # وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا # [الحجرات: 13]. أننا نجد كلمة " شعوبا " مذكرة وكلمة " قبائل " مؤنثة. ~~إذن فلا تمايز بالأحسن، ولكن الكلمات هنا مسميات للتعارف. والحق الأعلى ~~يقول: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: ms1119 1-3]. إذن فما وضع النساء اللائي آمن؟ إنهن يدخلن ضمن " الذين ~~آمنوا ". ولماذا أدخل الله المؤنث في الذكر؟ لأن المذكر هو الأصل، ~~والمؤنث جاء منه فرعا. إذن فالمؤنث هو الذي يدخل مع المذكر في الأمور ~~المشتركة في الجنس. # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون # [البقرة: 21]. وهذا يعني أن " المؤنث " عليه أن يدخل في تكليف العبودية ~~لله. والمعنى العام يحدد أن المطلوب منه العبادة هو الإنسان كجنس. ~~وبنوعية الذكر والأنثى. وفي الأمر الخاص بالمرأة، يحدد الله المرأة ~~بذاتيتها. فالحق سبحانه وتعالى يقول: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ~~ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا # [الأحزاب: 36]. لماذا؟ إن المسألة هنا تشمل النوعين من الجنس الواحد: ~~الرجل والمرأة، زوج وزوجة، فمثلا نجد زوجا يريد تطليق زوجته، فيأتي ~~الحق بتفصيل يوضح ذلك. وإذا كان هناك أمر خاص بالمرأة فالحق سبحانه ~~وتعالى يحدد الأمر فها هوذا قوله الحكيم: # ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء إن ~~اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في ~~قلبه مرض وقلن قولا معروفا * وقرن في ~~بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ~~وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ~~ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا # [الأحزاب: 32-33]. إن كل ما جاء في الآية السابقة يحدد المهام بالنسبة ~~لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، فالخطاب الموجه يحدد الأمر بدقة " لستن ~~" و " اتقيتن " ، " لا تخضعن " ، و " قرن " ، و " لا تبرجن ". الحديث في ~~هذه الآية الكريمة يتعلق بالمرأة لذلك يأتي لها بضميرها مؤنثا. ولكن إذا ~~جاء أمر يتعلق بالإنسان بوجه عام فإن الحق يأتي بالأمر شاملا للرجل ~~والمرأة ويكون مذكرا، ولذلك فعندما قالت النساء لماذا يكون الرجل أحسن ~~من المرأة، جاء قول الحق: # إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين ~~والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين ~~والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين ~~والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين ~~والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله ~~لهم مغفرة وأجرا عظيما # [الأحزاب: ms1120 35]. هكذا حسم الحق الأمر. قال سبحانه تأكيدا لذلك: # ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو ~~مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون ~~نقيرا # [النساء: 124]. إن الذكر والأنثى هنا يدخلان في وصف واحد هو " وهو مؤمن ~~" إذن فعندما يأتي الأمر في المعنى العام الذي يطلب من الرجل والمرأة ~~فهو يضمر المرأة في الرجل لأنها مبنية على الستر والحجاب، مطمورة فيه. ~~داخلة معه.. فإذا قال الحق سبحانه لمريم: { واركعي مع ~~الراكعين } [آل عمران: 43] فالركوع ليس خاصا بالمرأة حتى يقول " مع ~~الراكعات " ولكنه أمر عام يشمل الرجل والمرأة، لذلك جاء الأمر لمريم بأن ~~تركع مع الراكعين، وبعد ذلك يقول الحق: { ذلك من أنبآء ~~الغيب نوحيه إليك... }. ### || [3.44] # وقد قلنا من قبل: إن كلمة " نبأ " ، لا تأتي إلا في الخبر العظيم. ~~والغيب هو ما غاب عن الحس. وهناك " غياب عن الحس " من الممكن أن يدركه ~~مثلك. وهناك غياب عن الحس لا يدركه مثلك. وقلنا من قبل: إن حجب الغيب ~~ثلاثة: مرة يكون الحجاب في الزمن ماضيا، ومرة مستقبلا، ومرة ثالثة يكون ~~الحجاب في المكان. لماذا؟ لأن ظروف الأحداث زمان ومكان. فإذا أنبأني منبئ ~~بخبر مضى زمنه فهذا اختراق لحجاب الزمن الماضي، فالحدث يكون قد وقع من ~~سنوات وصار ماضيا وإذا أخبرني به الآن فهذا يعني أنه اخترق حجاب الزمن ~~الماضي، وإذا قال لي عن أمر سيحدث بعد سنتين من الآن فهذا اختراق حجاب ~~الزمن المستقبل، وهب أنه أخبرك بنبأ معاصر لزمنك الآن نقول: هنا يوجد ~~حجاب المكان، فعندما أكون معكم الآن لا أعرف ما الحادث في مدينة أخرى غير ~~التي نحن بها، ورغم أن الزمن واحد. لذلك فعلينا أن نعرف، أنه مرة يكون ~~الحجاب حجاب زمان.. أي قد يكون الزمن ماضيا، أو يكون الزمن مستقبلا، ~~وقد يكون حجاب مكان. فإذا كان الله ينبئ رسوله بهذا النبأ فوسائل علم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث لأن وسيلة العلم بالنبأ أحد ثلاثة ~~أمور: مشاهدة أو سماع أو قراءة. والوسيلة الأولى وهي مشاهدة النبأ يشترط ms1121 ~~أن يوجد في زمن هذا النبأ، والنبأ الذي أخبر الله به رسوله حدث من قبل ~~بعث الرسول بما لا يقل عن ستة قرون. إذن فالمشاهدة كوسيلة علم بهذا النبأ ~~لا تصلح، لأن النبأ قد حدث في الماضي. قد يقول قائل: لعل الرسول صلى الله ~~عليه وسلم قد قرأها، أو سمعها وبإقرار خصوم محمد صلى الله عليه وسلم أنه ~~ليس بقارئ، فامتنعت هذه الوسيلة أيضا، وبإقرار خصومة صلى الله عليه وسلم ~~أنه لم يجلس إلى معلم فلم يستمع من معلم. إذن فلم يكن من سبيل لمعرفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا النبأ إلا بالوحي، لذلك قال الحق ~~سبحانه: { ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت ~~لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~وما كنت لديهم إذ يختصمون } [آل عمران: 44]. وقلنا ~~قديما إن الوحي، هو إعلام بخفاء لأن الإعلام العادي هو أن يقول إنسان ~~لإنسان خبرا ما، أو يقرأ الإنسان الخبر، أما الإعلام بخفاء فاسمه " وحي ~~". والوحي يقتضي " موحي " وهو الله، " وموحى إليه " وهو الرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، و " موحى به " وهو القرآن الكريم. وإذا نظرنا إلى ~~الإعلام بخفاء لوجدنا له وسائل كثيرة. # إن الله يوحي. لكن الموحي إليه يختلف. الله سبحانه وتعالى يوحي للأرض: # إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض ~~أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث ~~أخبارها * بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 1-5]. إنه إعلام بخفاء، لأن أحدا منا لم يسمع الله وهو يوحي ~~للأرض، والحق سبحانه يوحي للنحل، ويوحي للملائكة، ويوحي للأنبياء، وهناك ~~وحي من غير الله، كوحي الشياطين. # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # [الانعام: 121]. وهناك وحي من البشر للبشر: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ~~ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون # [الأنعام: 112]. لكن الوحي إذا أطلق، ينصرف إلى الوحي من الله إلى من ~~اختاره لرسالة، وما عدا ذلك من أنواع الوحي يسمونه " وحيا لغويا " إنما ~~الوحي الاصطلاحي ms1122 وحي من الله لرسول، إذن فوحي الله للأرض ليس وحيا ~~اصطلاحيا، ووحي الله للنحل ليس وحيا اصطلاحيا، ووحي الله لأم موسى ليس ~~وحيا اصطلاحيا، ووحي الله للحواريين ليس وحيا اصطلاحيا، إن الحق ~~سبحانه يقول: # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون # [المائدة: 111]. إن هذا لون من الوحي غير اصطلاحي، بل هو وحي لغوي، أي ~~أعلمهم بخفاء. لكن الوحي الحقيقي أن يعلم الله من اختاره لرسالة، وهذا ~~هو الوحي الذي جاء للرسول صلى الله عليه وسلم. يقول الحق: { ذلك من ~~أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ ~~يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت ~~لديهم إذ يختصمون } [آل عمران: 44]. هكذا يخبرنا الحق ان ~~الرسول تلقى هذا النبأ بالوحي، فلم يقرأه، ولم يشاهده، ونحن نعرف أن خصوم ~~رسول الله شهدوا انه لم يقرأ ولم يستمع من معلم. وهكذا يخبرنا الحق أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن موجودا مع قوم مريم حين ألقوا ~~أقلامهم. والقلم يطلق على القلم الذي نكتب به، أو يطلق القلم على القداح ~~التي كانوا يقترعون بها إذا اختلفوا على شيء. وكانوا عندما يختلفون ~~يحضرون قداحا، ليعرفوا من يظفر بالشيء المختلف عليه ونسميها نحن القرعة، ~~والقرعة يقومون بإجرائها لإخراج الهوى من قسمة شائعة بين أفراد، وذلك حتى ~~لا يميل الهوى إلى هذا أو إلى ذاك مفضلا له على الآخرين، ولذلك فنحن ~~أيضا نجري القرعة فنضع لكل واحد ورقة. إذن فلا هوى لأحد في إجراء قسمة ~~عن طريق القرعة، وبذلك نكون قد تركنا المسألة إلى قدر الله لأن الورقة لا ~~هوى لها، ولما اختلف قوم مريم على كفالتها، واختصموا حول من الذي له ~~الحق في أن يكفلها. هنا أرادوا أن يعزلوا الهوى عن هذه المسألة، وأرادوا ~~أن تكون قدرية، ويكون القول فيها عن طريق قدح لا هوى له. # وهذا القدح سيجري على وفق المقادير. أما " أقلامهم " فقد تكون هي القداح ~~التي يقتسمون بها القرعة، أو الأقلام التي كتبوا بها التوراة تبركا. ~~وتساءل ms1123 البعض، ما المقصود بقول الحق: " إذ يلقون أقلامهم " وأين تم إلقاء ~~هذه الأقلام؟ قيل: إنها ألقيت في البحر وإذا ألقيت الأقلام في البحر فمن ~~الذي يتميز في ذلك؟ قيل: إنه إذا ما أطل قلم بسنه إلى أعلى فصاحبه ~~الفائز، أو إذا غرقت كل الأقلام وطفا قلم واحد يكون صاحبه هو الفائز. ولا ~~بد أنهم اتفقوا على علامة أو سمة ما تميز القلم الذي كان لصاحبه فضل ~~كفالة مريم. { وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم ~~أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ~~} [آل عمران: 44]. وكلمة " إذ يختصمون " تدل على حرارة المنافسة بين ~~القوم شوقا إلى كفالة مريم، لدرجة أن أمر كفالتها دخل في خصومة، وحتى ~~تنتهي الخصومة لجأوا إلى الاقتراع بالأقلام. وننتقل الآن إلى مرحلة أخرى. ### || [3.45] # لقد كانت المرحلة الأولى بالنسبة لإعداد مريم هي قوله الحق على لسانها: # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. وبذلك تعرفت على طلاقة قدرة الله، والمرحلة الثانية هي ~~سماعها لحكاية زكريا ويحيى وتأكيد الحق لها أنه اصطفاها على نساء ~~العالمين، وفي ذلك أمر يتعلق بالنساء، وكان ذلك إيناسا من الحق لها، ~~وتدخل مريم إلى مرحلة جديدة. { إذ قالت الملائكة يمريم ~~إن الله يبشرك بكلمة منه.. } [آل عمران: 45]. ~~والبشارة لا تكون إلا بخبر عظيم مفرح، وقد يتساءل البعض؟ ماذا يقصد الحق ~~بقوله: " كلمة منه "؟ والإجابة هي: أن الحق سبحانه وتعالى يزاول سلطانه ~~في ملكه بالكلمة، لا بالعلاج، فالحق سبحانه علمنا ذلك بقوله: # الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا فإنما يقول ~~له كن فيكون # [آل عمران: 47]. وهذا القول هو مجرد إيضاح لنا وتقريب لأنه لا يوجد ~~عندنا أقصر في الأمر من كلمة " كن " إن قدرته قادرة بطلاقتها أن تسبق ~~نطقنا بالكاف وهي الحرف الأول من " كن " ، ولكن الحق يوضح لنا بأقصر أمر ~~على طريقة البشر، إن الحق سبحانه وتعالى إذا أراد أمرا فإنه يقول له كن ~~فيكون، وذلك إيضاح أن مجرد الإرادة الإلهية لأمر ما تجعله ينشأ على ~~الفور، و " كن " هي ms1124 مجرد إظهار الأمر للخلق، هكذا نفهم معنى بشارة الحق ~~لمريم ب " كلمة منه " ويقول الحق: { اسمه المسيح عيسى ابن ~~مريم } [آل عمران: 45]. إنها ثلاثة أسماء، " المسيح " ، " عيسى " ، " ~~ابن مريم ". ما معنى المسيح؟ قد يكون الممسوح من الذنوب، أو أن تكون من ~~آياته أن يمسح على المريض فيبرأ، أو المسيح المبارك.. أما عيسى. فهذا هو ~~الاسم، والمسيح هو اللقب، وابن مريم هي الكنية.. ونحن نعرف أن العلم ~~في اللغة العربية يأتي على ثلاثة أنواع: اسم أو لقب أو كنية. وابن مالك ~~يقول: " واسما أتى وكنية ولقبا " إن العلم على الشخص له ثلاث حالات. ~~إما اسم وهو ما يطلق على المسمى أولا. والاسم الثاني الذي أطلقناه عليه. ~~إن كان يشعر برفعة صاحبه أو بضعته نسميه لقبا. أما ما كان فيه أب أو ~~أم فيقال له: " كنية " وجاءت الثلاثة في عيسى { اسمه المسيح ~~عيسى ابن مريم } [آل عمران: 45]. " المسيح " هو اللقب، " عيسى " ~~هو الاسم و " ابن مريم " وهو الكنية. ومجيء عيسى باللقب والاسم والكنية ~~ستكون لها حكمة تظهر لنا من بعد ذلك. ويقول عنه الحق: { وجيها في ~~الدنيا والآخرة } [آل عمران: 45]. # ونحن في حياتنا نستعمل كلمة فلان وجيه من وجهاء القوم، والوجيه هو الذي ~~لا يرده مسئول للكرامة في وجهه، ونحن نسمع في حياتنا اليومية. فلان لا ~~يصح أن نسبب له الخجل برفض أي طلب له. وكما يقول العامة: هو الوجه ده حد ~~يكسفه إذن فالوجيه هو الذي يأخذ سمة وتميزا بحيث يستحي الناس أن يردوه ~~إذا كان طالبا، وهناك إنسان آخر قد يسألك أو يسأل الناس، فلا يبالي به ~~أحد، إنه يريق ماء وجهه وتنتهي المسألة. إذن فقوله الحق في وصف عيسى بن ~~مريم: { وجيها في الدنيا والآخرة } [آل عمران: 45] أي أن ~~أحدا لا يرده إن سأله. لكرم وجهه، فالإنسان يخجل أن يرد صاحب مثل هذه ~~الكرامة، لذلك نجد أن السائل قد يقول: أعطني لوجه الله. أي أنه يقول لك: ~~لا تنظر إلى وجهي، ولكن انظر إلى وجه الله لأن الله هو ms1125 الذي جاء بي إلى ~~الدنيا وخلقني، وما دام قد جاء بي الخالق إلى الدنيا فهو المتكفل برزقي، ~~فأنت حينما تعين على رزق من استدعاه الله إلى الوجود تكون قد أعطيت لوجه ~~الله، إنه الخالق الذي يرزق كل مخلوق له حتى الكافر. إذن فعطاء الإنسان ~~للسائل ليس عطاء لوجه السائل، ولكنه عطاء لوجه الله. والحق يقول عن عيسى ~~بن مريم: { وجيها في الدنيا والآخرة } [آل عمران: 45] وعرفنا ~~كيف يكون الإنسان وجيها في الدنيا، فلماذا نص الحق على وجاهة عيسى في ~~الآخرة؟ وخصوصا أن كل وجوه المؤمنين ستكون ناضرة، لقد نص الحق على وجاهة ~~عيسى في الآخرة لأنه سوف يسأل سؤالا يتعلق بالقمة الإيمانية: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب # [المائدة: 116]. إياك أن تظن أن هذا السؤال هو تقريع من الله لعيسى بن ~~مريم. لا. إن الحق يريد أن يقرع من قالوا هذا الكلام. ولذلك يقول عنه ~~الحق: # والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم ~~أبعث حيا # [مريم: 33]. لأن ميلاده كان له ضجة، وبعض بني إسرائيل اتهموا والعياذ ~~بالله أمه مريم البتول، و " يوم الممات " ، كلنا نعرف حكاية الصلب وكان ~~لها ضجة. إنه لم يصلب ولكن صلب من خانه ووشي به فألقى الله شبه عيسى عليه ~~فقتلوه. ويوم البعث حيا يوم يسأله الله: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي ~~بحق # [المائدة: 116]. إنه عيسى ابن مريم الذي أنعم الله عليه بالسلام في هذه ~~المواقف الثلاثة. # ويتابع الحق فيصف عيسى ابن مريم بقوله: { وجيها في الدنيا ~~والآخرة ومن المقربين } [آل عمران: 45] إن كلمة " من ~~المقربين " تدل على تعالى الحق في عظمته، فحين يفتن بعض البشر في واحد ~~منهم قد يغضب بعضهم من الشخص ms1126 الذي فتن الآخرون فيه مع أنه ليس له ذنب في ~~ذلك. والحق سبحانه يعلمنا أن للمغالي جزاءه ولكن المغالى فيه تنجيه رحمة ~~الغفار. إن الحق يعلمنا أن فتنة بعض الناس بعيسى ابن مريم عليه السلام ~~لا تؤثر في مكانة عيسى عليه السلام عند الحق، إنه مقرب من الله، ولا تؤثر ~~فتنة الآخرين في مكانته عند الله، ويقول الحق: { ويكلم الناس ~~في المهد... }. ### || [3.46] # الكلام: معناه اللفظ الذي ينقل فكر الناطق إلى السامع، وقول الحق: { ~~ويكلم الناس في المهد } [آل عمران: 46]، معناه أن المواجه ~~لعيسى عليه السلام في المهد هم الناس و " المهد " هو ما أعد كفراش ~~للوليد. ولقد أورد الحق " المهد وكهلا " رمزية لشيء، وهي أن عيسى ابن ~~مريم من الأغيار، يطرأ عليه مرة أن يكون في المهد، ويطرأ عليه مرة أخرى ~~أن يكون كهلا، وما دام في عالم الأغيار فلا يصح أن يفتتن به أحد ليقول ~~إنه " إله " أو " ابن إله ". ونفهم أيضا من { ويكلم الناس في ~~المهد } [آل عمران: 46] سر وجود آية المعجزة التي وهبها له الله وهو ~~طفل في المهد. لأن المسألة تعلقت بعرض أمه وكرامتها وعفتها، فكان من ~~الواجب أن تأتي آية لتمحو عجبا من الناس حين يرونها تلد بدون أب لهذا ~~الوليد أو زواج لها. وهذه المسألة لم نجد لها وجودا. مع أنها مسألة كان ~~يجب أن تقال لأنهم يمجدون نبيهم، وكان من الواجب ألا يغفلوا عن هذه ~~العجيبة، إن كلام طفل في المهد لما كان أمرا عجيبا كان لا بد أنه سيكون ~~محل حفظ وتداول بين الناس، ولن يكتفي الناس برواية واقعة كلامه في المهد ~~فقط، بل سيحفظون ما قاله، ويرددون قوله. والكلمة التي قالها عيسى عليه ~~السلام في المهد لا تسعف من يصف عيسى عليه السلام بوصف يناقض بشريته لأن ~~الكلمة التي نطق بها أول ما نطق: إني عبد الله، فأخفوا هم هذه المسألة ~~كلها لأن هذه الكلمة تنقض القضية التي يريدون أن يضعوا فيها عيسى عليه ~~السلام، إن الحق يقول: { ويكلم الناس ms1127 في المهد وكهلا } ~~[آل عمران: 46]. ونعرف أن الكلام في المهد أي وهو طفل و " كهلا " أي بعد ~~الثلاثين من العمر أي في العقد الرابع. والبعض قد قال: إن الكهولة.. بعد ~~الأربعين من العمر. وهو قد حدثت له في رواياتهم حكاية الصلب قبل أن يكون ~~كهلا، فإذا كان قد تكلم في المهد فيبقى أن يتكلم وهو كهل، وقالوا إن ~~حادثة الصلب أو عدم الصلب، أو الاختفاء عن حس البشر قد حدثت قبل أن يكون ~~كهلا، إذن فلا بد أن يأتي وقت يتكلم فيه عيسى بن مريم عندما يصير كهلا، ~~وأيضا قوله الحق: { ويكلم الناس في المهد وكهلا } [آل ~~عمران: 46] أي أنه تكلم في المهد طفلا ويتكلم كهلا، أي ناضج التكوين، ~~وبذلك نعرف أن عيسى بن مريم فيه أغيار وفيه أحوال، فإذا كنتم تقولون إنه ~~إله فهل الألوهية في المهد هي الألوهية في الكهولة؟ إن كانت الألوهية في ~~المهد فقط فهي ناقصة لأنه لم يستمر في المهد، وحدثت له أغيار، وما دام قد ~~حدثت له أغيار فهو محدث، وما دام محدثا فلا يكون إلها، وبعد ذلك يقول ~~الحق عن عيسى ابن مريم: { ومن الصالحين } [آل عمران: 46] ما ~~حكايتها؟ إن العجيبة التي قال عنها الله: إنه يكلم الناس في المهد لم تكن ~~باختياره، وكلامه وهو كهل سيكون بالوحي، أي ليس له اختيار فيه أيضا، { ~~ومن الصالحين } [آل عمران: 46] مقصود بها عمله، أي الحركة ~~السلوكية. # لماذا؟ لأنه لا يكفي أن يكون مبلغا، ولا يكفي أن يكون حامل آية، بل لا ~~بد أن يؤدي السلوك الإيماني. ويقول الحق على لسان مريم البتول: { ~~قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر... ~~}. ### || [3.47] # ونريد أن نقف وقفة ذهنية تدبرية عند قولها: { قالت رب أنى ~~يكون لي ولد ولم يمسسني بشر } [آل عمران: 47] فلو أنها ~~سكتت عند قولها: { أنى يكون لي ولد } [آل عمران: 47] لكان ~~أمرا معقولا في تساؤلها، ولكن إضافتها { ولم يمسسني بشر } ~~[آل عمران: 47] تثير سؤالا، من أين أتت بهذا القول { ولم يمسسني ~~بشر } [آل ms1128 عمران: 47]؟ هل قال لها أحد: إنك ستلدين ولدا من غير أب؟ ~~إن الملائكة لم تخبرها بذلك، لذلك انصرف ذهنها إلى مسألة المس. إنها فطرة ~~وفطنة المهيأة والمعدة للتلقي عن الله، عندما قال لها: " المسيح عيسى ابن ~~مريم ". قالت لنفسها: إن نسبته بأمر الله هي لي، فلا أب له، لقد قال ~~الحق: إنه " ابن مريم " ولذلك جاء قولها: { ولم يمسسني بشر } ~~[آل عمران: 47] ذلك أنه لا يمكن أن ينسب الطفل للأم مع وجود الأب. هكذا ~~نرى فطنة التلقي عن الله في مريم البتول. لقد مر بها خوف عندما عرفت أن ~~عيسى منسوب إليها وقالت لنفسها، إن الحمل بعيسى لن يكون بوساطة أب، وكيف ~~يكون الحمل دون أن يمسسني بشر. وقال الخالق الأكرم: " كذلك " أي لن يمسك ~~بشر، ولم يقل لها: لقد نسبناه لك لأنك منذورة لخدمة البيت، ولكن الحق ~~قال: " كذلك " تأكيدا لما فهمته عن إنجاب عيسى دون أن يمسسها بشر. ~~وتتجلى طلاقة القدرة في قوله سبحانه: { الله يخلق ما يشآء } ~~[آل عمران: 47]. إنها طلاقة القدرة، وطلاقة القدرة في الإنسال أو الإنجاب ~~أو في عدم التكثير بالنسبة للإنسان وطلاقة القدرة لا تتوقف على إيجاد ~~ذكورة وأنوثة، ولو كانت طلاقة القدرة متوقفة على إيجاد ذكورة وأنوثة فكيف ~~خلق آدم أول الخلق؟ إن طلاقة القدرة في الخلق لا تتوقف على إيجاد ذكورة ~~وأنوثة، إنه الحق الأعلى القادر على أن يخلق دون ذكورة أو أنوثة، كخلقه ~~لآدم عليه السلام، ويخلق الحق سبحانه بواحد منهما، كخلقه سبحانه لحواء ~~وخلق عيسى عليه السلام، ويخلق الخالق الأعلى بالذكورة والأنوثة، وهذه ~~تتضح في خلق جمهرة الناس، ولا تظنوا أن باجتماع الذكورة والأنوثة يمكن أن ~~يحقق الخلق، فقد توجد الذكورة والأنوثة ولا يوجد إنجاب، ها هو ذا القول ~~الحق: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما ~~إنه عليم قدير # [الشورى: 49-50]. هذه هي إرادة الحق، إذن فلا تقل: إن اكتمال عنصري ~~الذكورة والأنوثة ms1129 هو الذي يحدث الخلق، لأن الخلق يحدث بإرادة الحق { ~~كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون } [آل عمران: 47]. فأنتم أيها المحدثون ~~تفعلون بالأسباب. لكن الذي خلقكم وخلق الأسباب لكم هو الذي بيده أن يوجد ~~بلا أسباب، لأنه أنشأ العالم أول ما أنشأ بدون أسباب. ويقول الحق سبحانه ~~عن عيسى عليه السلام: { ويعلمه الكتاب والحكمة... }. ### || [3.48] # وساعة نسمع { ويعلمه الكتاب } [آل عمران: 48] فنحن نفهم أن ~~المقصود بها الكتاب المنزل، ولكن ما دام الحق قد أتبع ذلك بقوله: { ~~والتوراة والإنجيل } [آل عمران: 48] فلا بد لنا أن نسأل. إذن ~~ما المقصود بالكتاب؟ هل كان المقصود بذلك الكتاب الكتب المتقدمة، ~~كالزبور، والصحف الأولى، كصحف إبراهيم عليه السلام؟ إن ذلك قد يكون ~~صحيحا، ومعنى { ويعلمه الكتاب } [آل عمران: 48] أن الحق قد ~~علمه ما نزل قبله من زبور داود، ومن صحف إبراهيم، وبعد ذلك توراة موسى ~~الذي جاء عيسى مكملا لها. وبعض العلماء قد قال: أثر عن عيسى عليه ~~السلام أن تسعة أعشار جمال الخط كان في يده. وبذلك يمكن أن نفهم { ~~ويعلمه الكتاب } [آل عمران: 48] أي القدرة على الكتابة. وما ~~المقصود بقوله: إن عيسى عليه السلام تلقى عن الله بالإضافة إلى { ~~ويعلمه الكتاب } [آل عمران: 48] أنه تعلم أيضا { الحكمة ~~والتوراة والإنجيل } [آل عمران: 48] وكلمة الحكمة عادة تأتي ~~بعد كتاب منزل، مثال ذلك قوله الحق: # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا # [الأحزاب: 34]. كتاب الله المقصود هنا هو القرآن الكريم، والحكمة هي ~~كلام الرسول عليه الصلاة والسلام. فالرسول له كلام يتلقاه ويبلغه، ويعطيه ~~الحق أيضا أن يقول الحكمة، أما التوراة التي علمها الله لعيسى عليه ~~السلام فقد علمها له الله، لأننا كما نعلم أن مهمة عيسى عليه السلام جاءت ~~لتكمل التوراة، ويكمل ما أنقصه اليهود من التوراة، فالتوراة أصل من أصول ~~التشريع لعصره والمجتمع المبعوث إليه فهو بالنص القرآني: { ورسولا ~~إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ~~ربكم... }. ### || [3.49] # إن كلمة رسول ms1130 تحتاج إلى علامة، فليس لأي أحد أن يقول: " أنا رسول من عند ~~الله " بل لا بد أن يقدم بين يدي دعواه معجزة تثبت أنه رسول من الله. ~~والآية كما نعرف هي الأمر العجيب الذي خرج عن القوانين والنواميس لتثبت ~~صدق الرسول في البلاغ، وما دامت المعجزة خارجة عن نواميس البشر، فالمخالف ~~نقول له: أنت حين تكذب أن حامل المعجزة رسول، فكيف تعلل أنه جاء بمعجزة ~~خرجت عن الناموس؟ إذن، فالمعجزة تلزم المنكر الذي يتحدى وتفحمه، لأنه لا ~~يستطيع أن يأتي بمثلها، ولذلك قلنا: إن من لزوم التحدي ألا يتحدى الله ~~حين يعطي رسولا معجزة إلا بشيء نبغ فيه القوم المبعوث إليهم ذلك الرسول ~~لأن الحق لو جاء لهم بشيء لم يدرسوه ولم يعرفوه، فالرد منهم يكون للرسول ~~بقولهم: إن هذا أمر لم نروض أنفسنا ولم ندربها عليه، ولو روضنا أنفسنا ~~عليه لا ستطعنا أن نفعل مثله، وأنت قد جئت لنا بشيء لم نعود أنفسنا عليه، ~~لذلك يرسل الحق الرسول - أي رسول - بمعجزة من جنس ما ينبغ فيه القوم ~~المرسل إليهم.. مثال ذلك، موسى عليه السلام، أرسله الله إلى قوم كانوا ~~نابغين في السحر، فكانت معجزته تقرب من السحر. وإياك أن تقول إن معجزة ~~موسى كانت سحرا لأن موسى عليه السلام لم ينزل بسحر ولكن بمعجزة. كانوا ~~هم يخيلون للناس أشياء ليست واقعا لذلك تجد القرآن يعطيك الفارق بين ما ~~يكون عليه ما يأتي به الله على يد رسول من الرسل من معجزة وسحر القوم، ~~فيقول القرآن: # وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى * قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي ~~حية تسعى # [طه: 17-20]. كأن الحق يقول لموسى عليه السلام: إن حدود علمك بما في يدك ~~أنها عصا تتوكأ عليها وتهش بها على غنمك، أما علمي أنا فهو علم آخر. لذلك ~~يأمره أن يلقى العصا، فلما ألقاها وجدها حية تسعى، فأوجس في نفسه خيفة.. ~~إن " أوجس في نفسه خيفة " هي التي ms1131 فرقت بين سحر القوم ومعجزة موسى عليه ~~السلام. لماذا؟ لأن الساحر يلقى العصا فيراها الناس حية وهو يراها عصا ~~لأن الساحر لو رآها حية لخاف مثل الناس، لقد خاف موسى عليه السلام لأنها ~~تغيرت وصارت حية فعلا، ولذلك قال له الله: # قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى # [طه: 21]. فلو كانت من جنس السحر لما أوجس في نفسه خيفة لأنه سوف يراها ~~عصا وإن رآها غيره حية، وهذا هو الفارق. # وقوم عيسى أيضا كانوا مشهورين بالحكمة والطب، إذن فستجيء الآيات من جنس ~~الحكمة والطب، ثم تتسامى المعجزة، لأن الذي يطبب جسما ويداويه لا يستطيع ~~أن يعيد الميت إلى الحياة، لأن الإنسان إذا ما مات فقد خرج الميت عن ~~دائرة علاج الطبيب. ولذلك رقى الله آية عيسى، إنه يشفي المرضى، ويحيى ~~الموتى أيضا، وهذا ترق في الإعجاز. قال عيسى: { أني قد ~~جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من ~~الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا ~~بإذن الله } [آل عمران: 49]. إن كلمة " أخلق " تحتاج إلى وقفة ~~وكذلك " الطين " و " الهيئة " و " الطير ". " أخلق " مأخوذة من الخلق، ~~والخلق هو إيجاد شيء على تقدير، فأنت تتخيله وتقدره في ذهنك أولا ثم ~~تأتي به على هذه الحالة. فإن كان قد أتى على غير تقديرك فليس خلقا، إنما ~~هو شيء جزافى جاء على غير علم وتقدير، وإن من يأخذ قطعة من الطين ويصنع ~~منها أي شيء فهذا ليس خلقا. إن الخلق هو المطلوب على تقدير. مثال ذلك ~~الكوب أو الكأس البلور الذي نشرب فيه حينما صنعه الصانع. هل كانت هناك ~~شجرة تخرج أكوابا، أم أن الصانع أخذ الرمال وصهرها ووضع عليها مواد ~~كيماوية تخليها من الشوائب، ثم قام بتشكيلها على هيئة الكوب؟ إذن فالكوب ~~لم تكن موجودة، ووجدت على تقدير أن تكون شكل الكوب، فهي خلق أوجد على ~~تقدير. فماذا عن خلق الله؟ إنه يخلق على تقدير، وفرق بين صنعة البشر حين ~~يخلق، وبين صنعة الله حين يخلق. إن صنعة البشر حين تخلق، إنما تخلق ms1132 من ~~موجود، وحين يخلق الله فهو يخلق من معدوم، وهذا هو أول فرق، إنه سبحانه ~~يخلق من عدم، أما الإنسان فيضع الأشياء بنظام يحدث فيها تفاعلات أرادها ~~الله فتوجد، فلا يوجد من يستطيع - على سبيل المثال - من يصنع كوبا من ~~غير المادة التي خلقها الله. إن هذا أول فرق بين خلق الله، وخلق الإنسان، ~~فخلق الله يكون من عدم، وخلق الإنسان من موجود، وإن كان الإثنان على ~~تقدير. وأيضا يعطي الله لخلقه سرا لا يستطيع البشر إعطاءه لصنعته، ~~فالله يعطيه سر الحياة والحياة فيها نمو، وفيها تكاثر، لكن البشر يصنعون ~~الكوب مثلا، فتظل كوبا، ولا يوجد تكاثر بين كوب ذكر وكوب أنثى. إن ~~الإنسان يوجد صنعته فتظل على حالتها، ولا يستطيع أن يصنعها صغيرة ثم ~~تكبر، لكن صنعة الله هي صنعة القادر الذي يهب الحياة، فتكبر مخلوقاته ~~وتتطور وتمر بمراحل، وتعطي مثلها. إذن، فالخلق إيجاد على تقدير، هذا ~~الإيجاد يوجد معدوما، والمعدوم موجودة مادته، هذا في خلق الإنسان، أما ~~في خلق الله، فالله يخلق من معدوم لا توجد له مادة. # والله يخلق من الشيء ذكرا وأنثى ويعطيهما القدرة على التناسل، فها هو ~~ذا قول الحق سبحانه: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا ~~النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا ~~المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه ~~خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 12-14]. ولم يمنع الحق خلقه أن يخلقوا أشياء، ولكن خلق ~~الله أحسن، لماذا؟ لأنه يخلق من عدم، والبشر يخلقون من موجود. وهو الحق ~~يخلق ويوجد في مخلوقاته حياة وتكاثر، والبشر يخلقون بلا نمو ولا حياة، ~~إنه الحق أحسن الخالقين، إذن قول عيسى عليه السلام: { أخلق لكم ~~من الطين كهيئة " الطير فأنفخ فيه فيكون ~~طيرا بإذن الله } [آل عمران: 49]. يعني أن كل إنسان يستطيع أن ~~يصنع تمثالا كهيئة الطير. لكن الله أوجد معجزة عيسى وجعله يخلق من الطين ~~كهيئة الطير، وينفخ فيه، وقد تسأل، في ماذا ينفخ؟ أينفخ في الطير، ms1133 أم في ~~الطين، أم في الهيئة؟ إن قلنا: أن النفخ في الطين بعد ما صار طيرا. يكون ~~النفخ في الطين، كالنفخ في الطير، وجاءت في آية أخرى أنها نفخ في الهيئة. # إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك ~~وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم ~~الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب ~~والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من ~~الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذني.. # [المائدة: 110]. إن " النفخ فيه " ، تكون للطين أو الطير. و " النفخ ~~فيها " تكون للهيئة، وهناك آية بالنسبة للسيدة مريم البتول: # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ~~فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها ~~وكتبه وكانت من القانتين # [التحريم: 12]. إن النفخ هنا في الفرج، وآية أخرى بالنسبة للسيدة مريم ~~البتول: # والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا ~~وجعلناها وابنهآ آية للعالمين # [الأنبياء: 91]. مرة يقول: " نفخنا فيه " أي في الفرج، ومرة يقول: " ~~نفخنا فيها " أي فيها هي، والقولان متساويان، وهنا في هذه الآية، نجد أن ~~الإعجاز ليس في أن عيسى صنع من الطين كهيئة الطير، لأن أي إنسان يستطيع ~~أن يفعل ذلك، فكأنه حينما قال: { أني أخلق لكم من الطين ~~كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن ~~الله } [آل عمران: 49]. كأنه صار طيرا من النفخة، أما عن أمر صناعة ~~طير من الطين فأي إنسان يمكن أن يفعلها، لكن عيسى عليه السلام يفعل ذلك ~~بإذن الله، ولا بد أن يجيء الأمر مختلفا، و " بإذن الله " هنا تضم صناعة ~~الطير، والنفخ فيه. إن عيسى لم يكن ليجترئ ويصنع ذلك كله إلا بإذن الله، ~~وجاءت كلمة " بإذن الله " من عيسى وعلى لسانه كاعتراف منه بأن ذلك ليس من ~~صناعته، وكأنه يقول لقومه: إن كنتم فتنتم بهذه. # فكان يجب أن تفتنوا بإبراهيم من باب أولى، حينما قطع الطير وجعل على ~~كل جبل جزءا منهن ثم دعاهن. # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى ~~قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ~~قال فخذ أربعة من الطير فصرهن ms1134 إليك ثم ~~اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن ~~يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم # [البقرة: 260]. إذن كان من الأولى الفتنة بما أعطاه الله إبراهيم عليه ~~السلام من معجزة، فإن كانت الفتنة من ناحية الإحياء لكان ما صنعه إبراهيم ~~عليه السلام أولى بها، وإن كانت الفتنة من ناحية أنه جاء إلى الدنيا بدون ~~أب لكانت الفتنة أكثر في خلق آدم، لأن الله خلقه بلا أب أو أم. إذن ~~فالفتنة لا أصل لها ولا منطق يبررها.. ويتابع الحق سبحانه على لسان عيسى ~~ابن مريم عليه السلام { وأبرىء الأكمه والأبرص وأحي ~~الموتى بإذن الله } [آل عمران: 49]. لماذا تعرض عيسى ابن ~~مريم لهذين المرضين؟ لأنها كانت الأمراض المستعصية في ذلك العصر، والأكمه ~~هو الذي ولد أعمى أي لم يحدث له العمى من بعد ميلاده. والبرص، هو ابيضاض ~~بقعة في الجلد وإن كان صاحبها آدم أو أسود. وبعد ذلك تنتشر بقع متناثرة ~~في كافة الجسم بلون أبيض، مما يدل على أن لون الجلد له كيماويات في الجسم ~~تغذي هذا اللون، فإن منعت الكيماويات في الجسم صار أبرص. وتبين صدق هذا ~~في أن العلم المعاصر قد عرف أن الملونات للجلد هي غدد خاصة توجد في ~~الجسم، واسمها الغدد الملونة، فإن امتنعت الغدد الملونة من إعطاء ~~الألوان، جاء البرص والعياذ بالله. وهو مرض صعب، لم يكن باستطاعتهم أن ~~يداووه، فعندما جاء عيسى ابن مريم أعطاه الله الآية من جنس ما نبغوا فيه ~~وهو الطب. وجاء لهم بآية هي إبراء ما كانوا عاجزين عنه. وبعض القوم الذين ~~يحاولون أن يقربوا بين المعجزة وعقول الناس. يقولون: إن هذه المعجزات ~~إنما هي سبق زمني، بمعنى أنه من الممكن أن يتوصل الإنسان إلى أن يكتشف ~~علاجا لهذه الأمراض، لكن لهؤلاء نقول: لا، إن المعجزة تظل معجزة إلى أن ~~تقوم الساعة. كيف؟ لنأخذ مثالا من طب العيون، عندما قالوا إن هناك ~~علاجا للعمى. " سنقوم بتركيب قرنية " أو أن نأخذ مثالا من طب الجلد لو ~~قالوا: " سنداوي البرص " واكتشفوا ألوانا ms1135 مختلفة من العلاج تحاول أن تجعل ~~الجلد على لون واحد، لكنه لا يستعيد لونه الأصلي. ولذلك قال البعض: " إن ~~معجزة عيسى كانت مجرد سبق زمني ". لهؤلاء نقول: لا، لنأخذ كل أمر ~~بأداوته. # إن عيسى بن مريم عليه السلام كان يبرئ بالكلمة والدعوة ومهما تقدم العلم ~~فلن يستطيع العلم أن يبرئ المرض بالكلمة والدعوة، إنما سيأخذون أشياء ~~ويقومون بتحليل تلك الأشياء، وخلط الكيماويات وإجراء الجراحات، لذلك تظل ~~المعجزة التي جاء بها عيسى ابن مريم عليه السلام معجزة لأنه كان يبرئ ~~بالكلمة والدعوة. ويضيف الحق على لسان عيسى ابن مريم: { وأحي ~~الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون } [آل ~~عمران: 49]. ومسألة إحياء الموتى لم يأخذها عيسى هكذا على إطلاقها فيحيي ~~كل ميت، إنما قام بها وفي وحدات تثبت صدق الآية ولا تعمم مدلول المعجزة ~~كسام بن نوح مثلا، و " عازر " إنها أشياء لمجرد إثبات المعجزة، ولكنها ~~ليست مطلقة، ذلك أنه نبي ورسول من الله فلا يمكن أن يصادم قدر الله في ~~الآجال. ولذلك قالوا إنه عندما أحيا سام بن نوح، أحياه حتى نطق بكلمة، ثم ~~عاد سام إلى الموت من بعد ذلك ويضيف الحق على لسان عيسى ابن مريم عليه ~~السلام: { وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في ~~بيوتكم.. } [آل عمران: 49]. لماذا؟ لأن كل إنسان يعلم جزئية من ~~أحداثه الحياتية الخاصة، يكون هذا العلم خاصا به، وكل إنسان - مثلا - ~~يأكل طعامه بألوان مختلفة يعرفها هو، ولا يعرفها الآخرون. إن الأمر الأول ~~كخلق الطير، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى، هي أمور عامة للكل. ~~أما الإنباء بألوان الطعام التي يأكلها كل إنسان فهي خاصية أحداث، لأن كل ~~واحد يأكل أكلا معينا فيقول له عيسى ابن مريم ماذا أكل. وليس من ~~المعقول أن يكون عيسى ابن مريم قد دخل كل بيت أو جاءت له أخبار عن كل ~~بيت. وكذلك أمر الادخار. وذلك حتى تنتفي شبهة أنه كان يشم رائحة الإنسان ~~فيعرف لون الطعام الذي يأكله، لذلك كان الإخبار بما يدخر كل واحد في ~~بيته، فهذه مسألة توضح ms1136 بالجلاء التام أنها آية من إخبار من يعلم مغيبات ~~الأمور. { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } ~~[آل عمران: 49]. إن هذه آية عجيبة تثبت أن هناك قوة أعلى قاهرة هي قوة ~~الله الحق هي التي تعطيه هذه الأشياء، فإن كنتم مؤمنين بوجود قوة أعلى ~~فعليكم تصديق الرسالة التي جاء بها عيسى ابن مريم، لأن معنى رسول أنه ~~مخلوق اصطفاه الله وأرسله سبحانه إلى الأدنى منه، فالذي يؤمن بالآية هو ~~الذي يؤمن بوجود إله أعلى قادر ومن يريد أن يتثب - مع إيمانه بالله - من ~~الآية التي بعثها الله مع عيسى ابن مريم، فالآية واضحة. أما غير المؤمن ~~بالله فلن تفيده الآية في الإيمان. ويقول الحق متابعا على لسان عيسى ابن ~~مريم: { ومصدقا لما بين يدي من التوراة... }. ### || [3.50] # وقد قلنا: إن " مصدقا " تعني أن ما جاء به عيسى بن مريم مطابق لما جاء ~~في التوراة. وقلنا: إن " ما بين يدي " الإنسان هو الذي سبقه، أي الذي جاء ~~من قبله وصار أمامه. وما دام عيسى ابن مريم جاء مصدقا لما بين يديه من ~~التوراة في زمانه، وكانت التوراة موجودة، فلماذا جاءت رسالته إذن؟ لكن ~~القول الحق يتضمن هذا المعنى: إن عيسى سيأتي بأحكام جديدة، ويتضح ذلك في ~~قوله الحق سبحانه على لسان عبده عيسى ابن مريم: { ولأحل لكم ~~بعض الذي حرم عليكم } [آل عمران: 50] إذن فليس المهم هو ~~التصديق فقط، ذلك أن عيسى جاء ليحل بعضا من الذي حرمته التوراة. وقد ~~يقول قائل: إذا كانت الكتب السماوية تأتي مصدقة بعضها بعضا فما فائدة ~~توالي نزول الكتب السماوية؟ والإجابة هي: أن فائدة الكتب السماوية ~~اللاحقة أنها تذكر من سها عن الكتب السابقة، هذا في المرتبة الأولى، ~~وثانيا: تأتي الكتب السماوية بأشياء، وأحكام تناسب التوقيتات الزمنية ~~التي تنزل فيها هذه الكتب. هذه هي فوائد الكتب السماوية التي توالت ~~نزولا من الحق على رسله، إنها تذكر من عقل وتعدل في بعض الأحكام. ومن ~~الطبيعي أننا جميعا نفهم أن العقائد لا تبديل فيها، وكذلك الأخبار ms1137 ~~والقصص، لكن التبديل يشمل بعضا من الأحكام. ولهذا جاء القول الحق على ~~لسان عبده عيسى ابن مريم: { ولأحل لكم بعض الذي حرم ~~عليكم } [آل عمران: 50] ونحن نعرف أن القوم الذي أرسل الله عيسى ابن ~~مريم لهم هم بنو إسرائيل، والتحريم والتحليل يكون بحكمة من الله. إن لله ~~حكمة فيما يحلل وحكمة فيما يحرم، إنما إياك أن تفهم أن كل شيء يحرمه الله ~~يكون ضارا قد يحرم الله أشياء لتأديب الخلق، فيأمر بالتحريم، ولا يصح أن ~~تسأل عن الضرر فيها، وقد يعيش المؤمن دنياه ولم يثبت له ضرر بعض ما حرم ~~الله. فإن تساءل أحد: لماذا حرم الله ذلك؟ نقول له: من الذي قال لك إن ~~الله حين يحرم فهو يحرم الشيء الضار فقط؟ إنه الحق سبحانه يحرم الضار ~~ويحرم بعضا مما هو غير ضار، ولذلك قال الحق: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا # [النساء: 160]. وتفصيل ذلك في آية أخرى: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ~~ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون # [الأنعام: 146]. إذن التحريم ليس ضروريا أن يكون لما فيه الضرر، ولهذا ~~جاء قول الحق على لسان عبده ورسوله إلى بني إسرائيل عيسى بن مريم: { ~~ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم } [آل عمران: 50] ~~لقد جاء عيسى ابن مريم ليحل لهم بأمر من الله ما كان قد حرمه الله عليهم ~~من قبل. # وبعد ذلك يقول الحق على لسان عبده ورسوله عيسى ابن مريم: { وجئتكم ~~بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون } [آل عمران: ~~50] ومجموعة هذه الأوامر التي تقدمت هي آية أي شيء عجيب، بلغت القوم ~~الذين أرسل الله عيسى إليهم، إنه كرسول وكبشر لا يستطيع أن يجيء بالآية ~~المعجزة بمفرده بل لا بد أن يكون مبعوثا من الله. فيجب أن يلتفتوا إلى ~~أن الله الذي أرسله، وله طلاقة القدرة في خرق النواميس هو سبحانه الذي ~~أجرى على يدي ms1138 عيسى هذه الأمور، ويأمرهم عيسى ابن مريم بتقوى الله نتيجة ~~لذلك، ويدعو القوم لطاعته في تطبيق منهج الله. وبعد ذلك يقول الحق على ~~لسان عيسى ابن مريم: { إن الله ربي وربكم فاعبدوه... ~~}. ### || [3.51] # إذن اجتمع الرسول والمرسل إليهم في أنهم جميعا مربوبون إلى إله واحد، ~~هو الذي يتولى تربيتهم والتربية تقتضي إيجادا من عدم، وتقتضي إمدادا ~~من عدم، وتقتضي رعاية قيومية، وعيسى ابن مريم يقر بعبوديته لله وكأنه ~~يقول: وأنا لم أصنع ذلك لأكون سيدا عليكم، ولكن أنا وأنتم مشتركون في ~~العبودية لله. { إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا ~~صراط مستقيم } [آل عمران: 51]. ومعنى " هذا صراط مستقيم " أي أنه ~~صراط غير ملتو لأن الطريق إذا التوى انحرف عن الهدف، وحتى تعرف أن ~~الكل يسير على طريق مستقيم واحد، فلتعلم أنك إذا نظرت على سبيل المثال ~~إلى الدائرة، فستجد أن لها محيطا، ولها مركزا، ومركز الدائرة هو الذي ~~نضع فيه " سن الفرجار " حتى نرسم الدائرة، وبعد ذلك تصل من المركز إلى ~~المحيط بأنصاف أقطار، وكلما بعدنا عن المركز زاد الفرق، وكلما تقرب من ~~المركز تتلاشى الفروق. فإذا ما كان الخلق جميعا يلتقون عند المركز ~~الواحد فهذا يعني الاتفاق، لكن الاختلاف يحدث بين البشر كلما بعدوا عن ~~المركز ولذلك لا تجد للناس أهواء ولا نجد الناس شيعا إلا إذا ابتعدوا عن ~~المركز الجامع لهم. والمركز الجامع لهم هو العبودية للإله الواحد، وما ~~دامت عبوديته لإله واحد ففي هذا جمع للناس بلا هوى أو تفرق. إنه حتى في ~~الأمر الحسي وهو الدائرة المرسومة، نجد أن الأقطار المأخوذة من المحيط ~~وتمر بمركز الدائرة، سنجد أنه في مسافة ما قبل المركز تتداخل الأقطار إلى ~~أن تصير عند نقطة المركز شيئا واحدا لا انفصال بينها أبدا. وهكذا ~~الناس إذا التقوا جميعا عند مركز عبوديتهم للإله الواحد، فإذا ما ~~اختلفوا، بعدوا عن العبودية للإله الواحد بمقدار ذلك الاختلاف. ولذلك دعا ~~المسيح عيسى ابن مريم الناس لعبادة الله { إن الله ربي ~~وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم } [آل عمران: ms1139 51] ~~ذلك هو منطق عيسى. كان منطقه الأول حينما كان في المهد # قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا # [مريم: 30]. إن قضية عبوديته لله قد حسمت من البداية، وهي قضية القمة، ~~إنه عبد الله والقضية الثانية هي قضية الرسالة ونقل مراد الله وتكليفه ~~إلى خلق الله حتى يبنوا حركة حياتهم على مقتضى ما أنزل الله عليهم، ومن ~~الطبيعي أن أي رسول عندما يأتي بمنهج من عند الله، فالهدف أن يحمل الناس ~~جميعا على سلوك هذا المنهج، ويحدد حركة حياتهم ب " افعل كذا " و " لا ~~تفعل كذا " وعندما يسمع الواحد من الناس الأمر ب " افعل " فقد يجد في ~~التكليف مشقة، لماذا؟ لأنها تلزمه بعمل قد يثقل عليه، و " لا تفعل كذا " ~~فيها مشقة لأنها تبعده عن عمل كان يحبه. # والمرء في الأحداث بين اثنين: عمل يشق عليه فيحب أن يجتنبه، وعمل ~~يستهويه فيحب أن يقترب منه، والمنهج جاء من السماء ليقول للإنسان " افعل ~~" ولا " تفعل " إذن فهناك مشقة في أن يحمل الإنسان نفسه على أن يقوم بعمل ~~ما من أعمال التكليف، ومشقة أخرى في أن يبتعد عن عمل نهى عنه التكليف. ~~ومعظم الناس لا تلتفت إلى الغاية الأصيلة ولا يفهمونها حق الفهم، فيأتي ~~أنصار الشر ولا يعجبهم حمل نفوسهم على مرادات خالقهم. إن أفكار الشر تلح ~~على صاحبها فيتمرد على التكليف الإيماني، وأفكار الشر تحاول الاقتراب ~~بصاحبها من فعل الأمور التي حرمها التكليف. ولذلك ينقسم الناس لأنهم لم ~~يحددوا هدفهم في الوجود. إن كل حركة في الوجود يمكننا أن نعرف أنها حركة ~~إيمانية في صالح انسجام الإنسان مع الكون، أو هي حركة غير إيمانية تفسد ~~انسجام الإنسان مع فطرته ومع الكون، فإذا كانت الحركة تصل بالإنسان إلى ~~هدفه الإيماني. فستكون حركة طيبة وحسنة بالنسبة للمؤمن، وإذا كانت تبعده ~~عن هدفه تكون حركة سيئة وباطلة، وهكذا نرى أن الهدف هو الذي يحدد الحركة. ~~إن التلميذ الذي يذهب إلى المدرسة له هدف بأن يتخرج في مهنة ما، وما دام ~~ذلك هو هدفه فنحن ms1140 نقيس حركة سلوكه، هل هي حركة تقربه إلى الهدف أن تبعد ~~به عنه؟ فإن كان مجتهدا. فاجتهاده حركة تقرب له الهدف، وإن كان كسولا، ~~خاملا فإنه يبتعد بنفسه عن الهدف. إذن يجب أن نحدد الهدف حتى نعرف هل ~~يكون هذا العمل صالحا. أو غير صالح. وآفة الناس أنهم عندما يحددون ~~أهدافهم يقعون في اعتبار ما ليس بالهدف هدفا وغاية. وما دام هناك من ~~يعتبر غير الهدف هدفا فلابد من حدوث اضطراب وضلال، فالذي يعتبر أن ~~الحياة هي الهدف، فهو يريد أن يحقق لنفسه أكبر قدر من اللذة فيها. أما ~~الذي يعرف أن الهدف ليس هو الحياة، إنما الحياة مرحلة، نسأله.. ما الهدف ~~إذن، فيقول: إنه لقاء الله والآخرة. هذا المؤمن سيكون عمله من أجل هذا ~~الهدف. لكن الضال الذي يرى الدنيا وحدها هدفه ولا يؤمن بالجنة أو النار، ~~هو غارق في ضلاله ويقبل على ما تشتهيه نفسه، ويبتعد عما يتعبه وإن كانت ~~فيه سعادته. ولكن المؤمن يعرف أن الهدف ليس هو الدنيا، وأن الهدف في مجال ~~آخر، لذلك يسعى في تطبيق التكاليف الإيمانية ليصل إلى الهدف، وهو الجنة. ~~إذن ما يفسد سلوك الناس هو جهلهم بالهدف، وحين يوجد الهدف، فالإنسان ~~يحاول أن يعرف العمل الذي يقربه من الهدف فيفعله، فهذا هو الخير. أما ~~الذي يبعده عن الهدف ويفعل عكس الموصل إليه فهذا هو الشر. # وإذا كان الأمر كذلك والمسألة هي في تحديد الهدف يجب أن تعلم أن الناس ~~يستقبلون الكثير من الأحداث بما يناقض معرفة الهدف، وما دام الهدف هو أن ~~تذهب إلى الآخرة لتلقى الله فلماذا يغرق في الحزن إنسان لأن له حبيبا قد ~~انتقل إلى رحمة الله؟ هذا الإنسان يمكننا أن نسأله، لماذا تحزن وقد قصر ~~الله عليه خطواته إلى الهدف؟ لا بد أنك حزين على نفسك لأنك مستوحش له، ~~ولأنك كنت تأنس به، أما حزنك من أجله هو، فلا حزن، لأنه اقترب من الهدف ~~ووصل إليه. وفي حياتنا اليومية عندما يكون هدف جماعة أن تصل إلى ~~الإسكندرية ms1141 من القاهرة، نجد إنسانا ما يذهب إلى الإسكندرية ماشيا، لأنه ~~لا يجد نقودا أو وسيلة توصله، وتجد آخر يذهب إليها راكبا حمارا، ~~وثالثا يذهب إليها راكبا حصانا، ورابعا يصل إليها راكبا " أتوبيسا ~~" ، وخامسا يصل إليها بركوب الطائرة، وسادسا يصل إليها بصاروخ، وكل ما ~~حدث هو أن كل واحد في هذه الجماعة قد اقترب من الهدف بالوسيلة التي ~~توافرت له، وهكذا نجد إنسانا يذهب إلى الله ماشيا في سبعين عاما، وآخر ~~يستدعيه الله فورا، فلماذا تحزن عليه؟ إن لنا أن نحزن على الإنسان الذي ~~لم يكن موفقا في خدمة الهدف، أما الموفق في خدمة الهدف فلنا أن نفرح له، ~~ونقول: إن الله قد قصر عليه المسافة، وأغلبنا إن كان عنده ولد حبيب إلى ~~قلبه وصغير ويفقده فهو يغرق في الحزن قائلا " إنه لم ير الدنيا " لهذا ~~الإنسان نقول: يا رجل إن الله جعل ابنك يقفز الخطايا ويتجاوزها وأخذه إلى ~~الغاية، فما الذي يحزنك؟ إن علينا أن نحسن استقبال ما يقضي به الله في ~~خلقه، ونعرف أنه حكيم وأنه رحيم وأن كل شيء منه يجب ألا نفهمه خارجا عن ~~الحكمة. وبعد تلك الآيات الكريمة التي تحدث فيها الحق عن مريم وعيسى عليه ~~السلام.. قال الحق سبحانه: { فلمآ أحس عيسى منهم ~~الكفر قال من أنصاري إلى الله... }. ### || [3.52] # لقد ذكر عيسى ابن مريم القضية الجامعة المانعة أولا حين قال: # إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط ~~مستقيم # [آل عمران: 51]. وأوضح عيسى ابن مريم بما لا يقبل الجدل: " أنا معكم ~~سواء في مربوبيتنا إلى إله واحد، وأنا لم أجيء أعلمكم لأني تميزت عنكم ~~بشيء. فيما يتعلق بالعبادة نحن سواء، فالله رب لي ورب لكم، والصراط ~~المستقيم هو عبادة الله الحق. ونحن ساعة نسمع " الصراط المستقيم " فإننا ~~نتخيل على الفور الطرق الموصلة إلى الغاية، ونعرف جميعا أنه لا يوجد ~~طريق في الحياة مصنوع لذات الطريق، إنما الطريق يصنع ليوصل إلى غاية. ~~وساعة تسمع " صراط " فإننا نفهم على الفور الغاية التي نريد أن نصل ~~إليها. والحق ms1142 سبحانه يقول: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون # [الأنعام: 153]. وما دام هناك طريق لغاية ما فلا بد أن نحدد الغاية ~~أولا، وتحديد الغاية إنما يهدف إلى إيضاح السبيل أمام الإنسان ليسلك ~~الطريق الموصل إلى تلك الغاية. وهكذا يقول الحق على لسان عيسى ابن مريم: # إن الله ربي وربكم فاعبدوه # [آل عمران: 51]. والعبادة هي إطاعة العابد لأمر المعبود، وهكذا يجب أن ~~نفطن إلى أن العبادة لا تقتصر على إقامة الأركان التعبدية في الدين من ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا، إن هذه هي أركان ~~الإسلام ولا يستقيم أن ينفصل الإنسان المسلم عن ربه بين أوقات الأركان ~~التعبدية، إن الأركان التعبدية لازمة، لأنها تشحن الطاقة الإيمانية للنفس ~~حتى تقبل على العمل الخاص بعمارة الدنيا، ويجب أن نفطن إلى أن العبادة في ~~الدنيا هي كل حركة تؤدي إلى إسعاد الناس وعمارة الكون. ويجب أن نعرف أن ~~الأركان التعبدية هي تقسيم اصطلاحي وضعه العلماء في الفقه كباب العبادات ~~وباب المعاملات، لكن علينا أن نعرف أن كل شيء يأمر به الله اسمه " عبادة ~~". إذن فالعبادة منها ما يصل العبد بالمعبود ليأخذ الشحنة الإيمانية من ~~خالقه، خالق الكون، ومنها ما يتصل بعمارة الكون. ولذلك قلنا: إنك حينما ~~تتقبل من الله أمرا بعبادة ما، فأنت تتلقاه وأنت موصول بأسباب الله ~~بحثا عن الرزق وغير ذلك من أمور الحياة، والمثل الواضح لذلك هو قول ~~الحق: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون # [الجمعة: 9]. إن هذا الأمر بالصلاة الجامعة يوم الجمعة يخرج بالإنسان من ~~أمر البيع، وهذا الأمر بالصلاة لم يأخذ الإنسان من فراغ، إنما أخذ ~~الإنسان من عمل، هو البيع. # . ولو نظرنا إلى دقة الأداء في البيع لوجدناها قمة الأخذ المباشر للرزق. ~~إن كلام الله يصل في ms1143 دقته إلى ما لا يصل إليه كلام بشر، فلم يقل الله ~~مثلا " اتركوا الصنعة " " اتركوا الحرث " ولكن الحق جاء بالبيع هنا لأنه ~~قمة النفعية العاجلة. إن الذي يحرث ويزرع ينتظر وقتا قد يطول حتى تنضج ~~الثمار، لكن الذي يبيع شيئا، فإنه ينال المنفعة فورا، لقد جاء الأمر ~~بترك هذه الثمرة العاجلة لأداء صلاة الجمعة، ويتضمن هذا الأمر ترك كل ~~الأمور التي قد تأتي ثمراتها من بعد ذلك لأداء الصلاة. إن البيع هو ~~التعبير الدقيق لأن المتكلم هو الله، والحق لم يتكلم هنا مثلا عن ~~الشراء، لأن الشاري قد يشتري وهو كاره، لكن البائع يملأه السرور وهو يبيع ~~فقد يذهب رجل لشراء أشياء لبيته فيسمع الأذان فيسرع إلى الصلاة ويقول ~~لأهله من بعد ذلك: لقد ذهبت إلى الشراء، لكن المؤذن قد أذن لصلاة الجمعة، ~~ذلك أن الإنسان يجب ألا يدفع نقودا، لكن البائع يستفيد بقمة الفائدة. ~~لذلك يخرجنا الحق من قمة " كل الأعمال ونهاية كل الأعمال وهي مبادلة ~~السلع بأثمانها ". لكن ماذا بعد انقضاء الصلاة؟ # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون # [الجمعة: 10]. لقد أخرجنا من الصلاة إلى الحياة نبتغي من فضل الله، ~~ولذلك يكون الانتشار في الأرض والبحث عن الرزق عبادة. ولننظر إلى الدقة ~~في قوله الحق: " فانتشروا في الأرض " إن الانتشار يعني أن ينساح البشر ~~لينتظموا في كل حركات الحياة، وبذلك تعمر كل حركة فيها. إن كل حركة في ~~الحياة هي عبادة، وهكذا نستوعب قوله الحق على لسان عيسى ابن مريم: " إن ~~الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم " ومن بعد ذلك يقول الحق: " فلما ~~أحس عيسى منهم الكفر " لقد حسم عيسى بن مريم أمر العقيدة حينما قال: " إن ~~الله ربي وربكم " إن في ذلك تحذيرا من أن يقول أتباع عيسى أي شيء آخر عن ~~عيسى غير أنه عبد الله خاضع لله، مأمور بالطاعة والعبادة لله. ووضع ~~أمامهم المنهج، فقال: " هذا صراط مستقيم ". وقول الحق: { فلمآ ~~أحس عيسى منهم الكفر } [آل ms1144 عمران: 52] يدل على أن كل صاحب ~~فكرة، وكل صاحب مهمة، وكل صاحب هدف لا بد أن يكون يقظ الأحاسيس، لأن صاحب ~~الفكرة وخاصة الدينية يخرج الناس من الظلمات إلى النور. وقد يقول قائل: ~~لماذا يعيش الناس في الظلام ولا يتجهون إلى النور من أول الأمر؟ وتكون ~~الإجابة: إن هناك أناسا يستفيدون من وجود جموع الناس في الظلمات، لذلك ~~يكون بينهم أناس ظالمون وأناس مظلومون، والظالم الذي يأخذ - اغتصابا - ~~خير الآخرين ويعربد في الكون يخاف من رجل الدعوة الذي ينهاه عن الظلم ~~ويدعوه إلى الهداية إلى منطق العقل، ومثل هذا الظالم عندما يسمع كلمة ~~المنطق والدعوة إلى الإيمان لا يحب أن تنطق هذه الكلمة، إنه يكره الكلمة ~~والقائل لها. # إن الداعية مأمور من الله بأن يكون يقظا لأنه إن اهتدى بكلماته أناس ~~وسعدوا بها، فإنه يغضب أناسا آخرين، ذلك أن المجتمع الفاسد يوجد به ~~المستفيدون من الفساد، فالداعية عليه أن يعرف يقظة الحس، ويقظة الحس ~~معناها الالتفاف إلى الأحاسيس الخفية الموجودة عند كل إنسان، ونحن نسمى ~~الأشياء الظاهرة منها الحواس الخمس، اللمس، والرؤية، والسمع، والتذوق، ~~والشم. إن رجل الدعوة مأمور بأن تعمل كل حواسه حتى يعرف من الذي يجبن ~~ويرتجف لحظة أن تأتي دعوة الخير، ومن الذي يطمئن ويحسن الراحة لدعوة ~~الخير. إن رجل الدعوة مأمور بدقة اليقظة والإحساس ليميز بين الذي تتغير ~~سحنته لحظة دعوة الخير، ومن الذي يستبشر ويفرح. وعندما أعلن عيسى ابن ~~مريم منهج الحق، وجد أنصار الظلم وأنصار البغي، وأنصار الظلمات غير ~~معجبين بالمنهج الواضح للإيمان بالله، لذلك أحس منهم الكفر لقد كان ~~مليئا باليقظة والانتباه. إنه يعلم أنه قد جاء برسالة من الله ليخرج ~~أناسا من مفسدة إلى مصلحة. وعندما أحس منهم الكفر، أراد أن ينتدب جماعة ~~ليعينوه على أمر الدعوة. { قال من أنصاري إلى الله } [آل ~~عمران: 52]؟ إن الدعوة تحتاج إلى معركة، والمعركة تحتاج إلى تضحية. ~~والتضحية تكون بالنفس والنفيس، لذلك لا بد أن يستثير ويحرك من يجد في ~~نفسه العون على هذه المسألة. وهو ms1145 لم يناد أفرادا محددين، إنما طرح ~~الدعوة ليأتي الأنصار الذين يستشرفون في أنفسهم القدرة على حمل لواء ~~الدعوة، ولتكون التضحية بإقبال نفس لا استجابة لداع. { فلمآ أحس ~~عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله } [آل ~~عمران: 52] وكلمة " أنصار " هي جمع " نصير ". والنصير هو المعين لك بقوة ~~على بغيتك. وعندما سأل عيسى: { من أنصاري إلى الله } [آل ~~عمران: 52]؟ كانت إلى في السؤال تفيد الغاية، وهي الله، أي من ينصرني ~~نصرا تصير غايته إلى الله وحده لا إلى أهواء البشر؟ إنه لا يسأل عن أناس ~~يدخلون في لواء الدعوة من أجل الغنيمة أو يدخلون من أجل الجاه أو غير ذلك ~~إنه يسأل عن أهل العزم ليكون كل منهم متجها بطاقته إلى نصرة الله وحده. ~~ومثال ذلك ما دار بين رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وبين رجال من ~~المدينة في أثناء مبايعتهم له في العقبة فقد قال لهم رسول الله: # " " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون فيه نساءكم وأبناءكم " فأخذ ~~الداء بن معرور بيده ثم قال: " نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع ~~منه أزرنا " فبايعوا رسول الله على ذلك فقام أبو الهيثم بن التيهان فقال: ~~يا رسول الله إن بيننا وبين اليهود حبالا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن ~~فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا "؟ فتبسم رسول الله ~~ثم قال: " بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم ~~وأسالم من سالمتم " أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم ". # أقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ستمتلكون الأرض وستسودون ~~الدنيا، أو ستنتصرون على أعدائكم؟ لا. بل قال صلى الله عليه وسلم أنا ~~منكم وأنتم مني. لماذا؟ لأنه لو قال لهم ستنتصرون على أعدائكم، فقد ~~يدخلون المعركة، ويموت واحد منهم ولا يرى النصر، لكن الأمر الذي سيراه كل ~~المؤمنين أن رسول الله منهم وأنهم من رسول الله وما داموا كذلك فسيدخلون ~~معه الجنة وهي الغاية الأصيلة. وعندما سأل عيسى ابن مريم { من ~~أنصاري إلى ms1146 الله } [آل عمران: 52] فكأنه كان يسأل: من يعينني ~~معونة غايتها الله؟ ولماذا نأخذ هذا المعنى؟ تكون الإجابة: أنا آخذ ~~المعنى على قدر ذهني لأن مرادات الله في كلماته لا تتناهى كمالا، وقد ~~يأتي غيري ويأخذ منها معنى آخر. ومعنى " النصير ": هو " من ينصر بجهد ~~وقوة ". وننظر النصر في الإيمان كيف يأتي؟ إن الحق سبحانه وتعالى حينما ~~تكلم عن النصر في الإيمان قال: # يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ~~ويثبت أقدامكم # [محمد: 7]. إذن فالنصر منا لله بأن نطبق دينه، وهذا مراد الله، ولذلك ~~يأتي النصر مرة من المؤمن لربه، ومرة من الرب لمربوبه، وقد يكون مراد ~~عيسى - عليه السلام - من الذي ينصرني كي ينضم إلى الله في النصر؟ ونحن ~~هنا أمام معسكرين معسكر الإيمان، ومعسكر الكفر. لقد سأل عيسى { من ~~أنصاري إلى الله } [آل عمران: 52] أي أنه يسأل عن الذين ~~بإمكانهم أن ينضموا إلى غاية هي الله ونتفهم نحن هذا المعنى على ضوء ما ~~قاله الحق: # يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ~~ويثبت أقدامكم # [محمد: 7]. ونعرف أيضا أن هناك نصرا من المؤمن لله، وهناك نصر من الله ~~للمؤمن. وهكذا يكون سؤال عيسى ابن مريم { من أنصاري إلى الله ~~} [آل عمران: 52]؟ قد أفاد المعنيين معا. وكانت الإجابة: { قال ~~الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد ~~بأنا مسلمون } [آل عمران: 52]. والحواريون مأخوذة من الحور، وهو ~~شدة البياض وهم جماعة أشرقت في وجوههم سيماء الإيمان فكأنها مشرقة ~~بالنور. # ونور الوجه لا يقصد به البشرة البيضاء، ولكن نور الوجه في المؤمن يكون ~~بإشراقة الإيمان في النفس، ولذلك يصف الحق المؤمنين برسالة رسول الله ~~محمد صلى الله عليه وسلم: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود.. # [الفتح: 29]. فحتى لو كان المؤمن أسود اللون فإن له سمة على وجهه. كيف ~~ولماذا؟ لأن الإنسان مكون من أجهزة، ومكون من ذرات، وكل جهاز في الإنسان ~~له مطلوب محدد وساعة أن ms1147 تتجه كل الأجهزة إلى ما أراده الله، فإن الذي ~~يحدث للإنسان هو انسجام كل أجهزته، وما دامت الأجهزة منسجمة فإن النفس ~~تكون مرتاحة، ولكن عندما تتضارب مطلوبات الأجهزة، تكون السحنة مكفهرة. ~~عندما قال عيسى: { من أنصاري إلى الله } [آل عمران: 52] سمع ~~الاستجابة من الحواريين، والحواريون قوم لهم إشراقات انسجام النفس مع ~~الإيمان، أو هم قوم بيض المعاني أي أن معانيهم بيضاء ومشرقة. والنبي صلى ~~الله عليه وسلم سمى بعضا من صحابته حواري رسول الله وهم الذين جعلهم ~~رسول الله معه طوال الوقت. وحين قال الحواريون: { نحن أنصار ~~الله } [آل عمران: 52] كان ذلك يعني أن كل إنسان منهم يريد نصرة الله. ~~فينضم إلى الله ناصرا للمنهج وهذا يتطلب أن يعرف كل منهم المنهج. ونحن ~~نعرف مقومات النصرة لله. إنه الإيمان: وما الإيمان؟ إنه اطمئنان القلب ~~إلى قضية ما، هذا هو الإيمان في عمومه. فلو لم أكن مؤمنا بأن الطريق ~~الذي أسير فيه موصل إلى غاية مطلوبة لي لما سرت فيه. مثال ذلك المسافر ~~من القاهرة إلى دمياط لو لم يعتقد صحة الطريق لما سلك هذا الطريق، وإن لم ~~اعتقد أنني إن لم أذاكر دروسي سوف أرسب لما ذاكرت. إذن فكل أمر في الدنيا ~~يتم بناؤه على الإيمان، لكن إذا أطلق الإيمان بالمعنى الخاص، فهو ~~اطمئنان القلب إلى قمة القضايا، وهي الإيمان بالله، لذلك فأسلحة النصر ~~إلى الله هي: إسلام كل جوارح الإنسان إلى الله. ولذلك قال الحواريون: { ~~نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا ~~مسلمون } [آل عمران: 52]. لماذا يشهد الرسول لهم؟ لأن المفروض في ~~الرسول أن يبلغ القوم عن الله، فيشهد عليهم كما قال الله سبحانه وتعالى: # وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا ~~شهدآء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ~~ونعم النصير # [الحج: 78]. ولنا أن نلحظ أن الحق أورد على لسانهم - الحواريين - ~~الإيمان أولا، لأنه أمر غيبي عقدي في القلب، وجاء من بعد ذلك على لسان ~~الحواريين طلب الشهادة بالإسلام لأن الإسلام خضوع لمطلوبات ms1148 الإيمان ~~وأحكامه. إن قولهم: { واشهد بأنا مسلمون } [آل عمران: 52] ~~هو أيضا طلب منهم يسألونه لعيسى ابن مريم أن يبلغهم كل مطلوبات الإسلام ~~قل لنا افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا إنهم قالوا: " آمنا " وما داموا قد ~~أعلنوا الإيمان بالله، فهم آمنوا بمن بلغهم عن الله، والمطلوب من عيسى ~~ابن مريم أن يشهد بأنهم مسلمون، ولا تتم الشهادة إلا بعد أن يبلغهم كل ~~الأحكام وقد بلغهم ذلك وعملوا به وقالوا من بعد ذلك: { ربنآ آمنا ~~بمآ أنزلت واتبعنا الرسول... }. ### || [3.53] # فهل يكون إعلانهم للإيمان، يعني إيمانهم بتشريعات رسالة سابقة، لا، إن ~~الإيمان هنا مقصود به ما جاء به عيسى من عند الله لأن كل رسول جاء بشيء ~~من الله، فوراء مجيء رسول جديد أمر يريد الله إبلاغه للناس، ونحن نعلم أن ~~العقائد لا تغيير فيها وكذلك الأخبار وكذلك القصص، ولكن الأحكام هي التي ~~تتغير. فكأن إعلان الحواريين هو إعلان بالإيمان بما جاء سابقا على عيسى ~~ابن مريم من عقائد وبما جاء به عيسى ابن مريم من أحكام وتشريعات. وقولهم: ~~{ ربنآ آمنا بمآ أنزلت } [آل عمران: 53] كلمة " بما أنزلت " ~~تدل على منهج منزل من أعلى إلى أدنى، ونحن حين نأخذ التشريع فنحن نأخذه ~~من أعلى. ولذلك قلنا سابقا: إن الله حينما ينادي من آمن به ليتبع مناهج ~~الإيمان يقول: " تعالوا " أي ارتفعوا إلى مستوى التلقي من الإله وخذوا ~~منه المنهج ولا تظلوا في حضيض الأرض، أي لا تتبعوا أهواء بعضكم وآراء ~~بعضكم أو تشريع بعضكم، وما دام المؤمن يريد العلو في الإيمان، فليذهب ~~بسلوكه في الأرض إلى منهج السماء. وقولهم: { ربنآ آمنا بمآ ~~أنزلت واتبعنا الرسول } [آل عمران: 53]. إن المتبع عادة ~~يقتنع بمن اتبعه أولا، حتى يكون الاتباع صادرا من قيم النفس لا من ~~الإرغام قهرا أو قسرا، فنحن قد نجد إنسانا يرغم إنسانا آخر على السير ~~معه، وهنا لا يقال عن المرغم: إنه " اتبع " إنما الذي يتبع، أي الذي ~~يسير في نفس طريق صاحبه يكون ذلك بمحض إرادته ومحض اختياره. فلو سار ms1149 شخص ~~في طريق شخص آخر بالقهر أو القسر لكان ذلك الاتباع بالقالب، لا بالقلب. ~~ولذلك فمن الممكن لمتجبر أن يمسك سوطا ويقهر مستضعفا على السير معه، ~~وفي ذلك إخضاع لقالب المستضعف، لكنه لم يخضع قلبه، فالإكراه يخضع القالب ~~لكنه لا يخضع القلب. # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. إن الحق يخبر رسوله أن أحدا من العباد. لا يستعصي على ~~خالقه، وأنه سبحانه القادر على الإحياء والإماتة، ولو أراد الله أن ينزل ~~آية تخضع أعناق كل العباد لفعل، لكن الحق لا يريد أعناق الناس، ولكنه ~~يطلب القلوب التي تأتي طواعية وبالاختيار، وأن يأتي العبد إلى الإيمان ~~وهو قادر ألا يجيء. هذه هي العظمة الإيمانية. وقال الحواريون بعد إعلانهم ~~الإيمان بما جاء به عيسى: { فاكتبنا مع الشاهدين } [آل ~~عمران: 53] إنه الطلب الإيماني العالي الواعي، الفاهم. إنهم يحملون أمانة ~~التبليغ عن الرسول، ويشهدون كما يشهد الرسل لأممهم، ويطلبون أن يكتبهم ~~الله مع الذين يشهدون أن الرسل يبلغون رسالات الله وأنهم يحملونها من ~~بعدهم ولذلك قلنا عن أمة محمد عليه الصلاة والسلام: إنها الأمة التي ~~حملها الله مهمة وصل بلاغ الرسالة المحمدية إلى أن تقوم الساعة. # لماذا؟ ها هو ذا القول الحق: # وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم ~~إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ~~ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على ~~الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا ~~بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير # [الحج: 78]. ولذلك فلن يأتي أنبياء أو رسل من بعد أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم، لقد ائتمن الله أمة محمد بعد محمد صلى الله عليه وسلم، لذلك ~~فلا نبوة من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد ذلك يخبرنا الحق: { ~~ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين... }. ### || [3.54] # إن الأشياء التي يدركها العقل هي مسميات ولها أسماء وتكون أولا بالحس ~~لأن الحس هو أول مصاحب ms1150 للإنسان لإدراك الأشياء، وبعد ذلك تأتي المعاني ~~عندما نكبر ونعرف الحقائق. إن البداية دائما تكون هي الأمور المحسة، ~~ولذلك يقول الله عن المنهج الإيماني: إنه طريق مستقيم، أي أن نعرف الغاية ~~والطريق الموصل إليها، وكلمة " الطريق المستقيم " من الأمور المحسة والتي ~~يتعرف الناس عليها بالتطبيق لقواعد المنهج. إن كلمة " مكر " ، مأخوذة من ~~الشجر، فساعة أن ترى الشجرة التي لا تلتف أغصانها على بعضها فإن الإنسان ~~يستطيع أن يحكم أن ورقة ما، هي من فرع ما، ولكن هناك نوع من الأشجار ~~تكون فروعه ملفوفة على بعضها بحيث لا يستطيع الإنسان أن يعرف أي ورقة من ~~أي فرع هي، ومن هذا المعنى أخذنا كلمة " المكر " فالرجل الذي يلف ويدور، ~~هو الذي يمكر، فالذي يلف على إنسان من أجل أن يستخلص منه حقيقة ما، والذي ~~يحتال من أجل إبراز حقيقة، فإن كان ذلك بغير قصد الضرر نسميه حيلة، وإن ~~كان بقصد الضرر فهذا هو المكر السيء. ولذلك فالحق يقول: # ومكر السيىء ولا يحيق المكر السيىء إلا ~~بأهله فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد ~~لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا # [فاطر: 43]. ومعنى ذلك أن هناك مكرا غير سيء، أي أن المكر الذي لا يقصد ~~منه إيقاع الضرر بأحد، فإننا نسميه مكر خير، أما المكر الذي يقصد منه ~~إيقاع الضرر فهو " المكر السيء ". ولنا أن نسأل: ما الذي يدفع إنسانا ما ~~إلى المكر؟ إن الذي يمكر يداري نواياه، فقد يظهر لك الحب بينما هو مبغض، ~~ويريد أن يزين لك عملا ليمكر بك، فيحاول مثلا أن يصحبك إلى مكان بعيد ~~غير مأهول بالناس ويريد أن يوقع بك أبلغ الضرر، وقد يكون القتل. إذن، فمن ~~أسس المكر التبييت، والتبييت يحتاج إلى حنكة وخبرة، لأن الذي يحاول ~~التبييت قد يجد قبالته من يلتقط خبايا التبييت بالحدس والتخمين، وما دام ~~المكر يحتاج إلى التبييت، فإن ذلك علامة على الضعف في البشر لأن القوي لا ~~يمكر ولا يكيد ولكن يواجه. إن القوي لحظة أن يمسك بخصم ضعيف، ms1151 فمن الممكن ~~أن يطلقه، لأن القوي مطمئن إلى أن قوته تستطيع أن تؤذي هذا الضعيف. لكن ~~الضعيف حين يملك قويا، فإنه يعتبر الأمر فرصة لم تتكرر، ولذلك فالشاعر ~~يقول: # وضعيفة فإذا أصابت فرصة قتلت # كذلك قدرة الضعفاء # إن الضعيف هو الذي يمكر ويبيت. والذي يمكر قد يضع في اعتباره أن خصمه ~~أقوى منه حيلة وأرجح عقلا، وقد ينكل به كثيرا، لذلك يخفي الماكر أمر ~~مكره أو تبييته. # فإذا ما أراد خصوم المنهج الإيماني أن يمكروا، فعلى من يمكرون؟ إن ~~الرسول لا يكون في المعركة بمفرده ولكن معه الله. # يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا ~~أنفسهم وما يشعرون # [البقرة: 9]. فالله يعلم ما يبيت أي إنسان، ولذلك فعندما يريد الله أن ~~يبرز شيئا ويوجده فلن يستطيع أحد أن يواجه إرادة الله وأمره، إذن فمكر ~~الله لا قبل لأحد لمواجهته. { ومكروا ومكر الله والله ~~خير الماكرين } [آل عمران: 54]. وساعة تجد صفة تستبعد أن يوصف ~~بها الله فاعلم أنما جاءت للمشاكلة فقط وليست من أسماء الله الحسنى، إن ~~المؤمنين بإمكانهم أن يقولوا للكافرين: إنكم إن أردتم أن تبيتوا لنا، فإن ~~الله قادر على أن يقلب المكر عليكم، أما أسماء الله وصفاته فهي توقيفية، ~~نزل بها جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن إذا وجد فعل لله لا ~~يصح أن نشتق نحن منه وصفا ونجعله اسما لله، { ومكروا ومكر ~~الله والله خير الماكرين } [آل عمران: 54]، فليس من أسماء ~~الله مخادع، أو ماكر، إياك أن تقول ذلك، لأن أسماء الله وصفاته توقيفية، ~~وجاء القول هنا بمكر الله كمقابل لفعل من البشر، ليدلهم على أنهم لا ~~يستطيعون أن يخدعوا الله، ولا يستطيعون أن يمكروا بالله، لأن الله إذا ~~أراد أن يمكر بهم، فهم لا يستطيعون مواجهة ذلك. إن الحق يقول: { ~~ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } [آل ~~عمران: 54]. إذن فهناك " مكر خير ".. وذلك دليل على أن هناك من يصنع ~~المكر ليؤدي إلى الخير. ولماذا تأتي هذه الآية هنا؟ لأن هناك معركة ~~سيدخلها عيسى ابن ms1152 مريم عليه السلام، وعيسى عليه السلام لم يجيء ليقاتل ~~بالسيف ليحمي العقيدة، إنما جاء واعظا ليدل الناس على العقيدة، إن ~~النصرة لا تكون بالسيف فقط، ولكن بالحجة. ونحن نعرف أن السماء كانت لا ~~تطلب من أي رسول أن يحارب في سبيل العقيدة لأن السماء هي التي كانت تتولى ~~التأديب. # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [العنكبوت: 40]. ولم يجيء قتال إلا حينما طلب بنو إسرائيل: # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى ~~إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في ~~سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ~~ألا تقاتلوا قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل ~~الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم ~~والله عليم بالظالمين # [البقرة: 246]. ولكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي التي أذن الله لها ~~أن تحمل السيف لتؤدب به الذين يحولون دون بلوغ العقيدة الصحيحة للناس. # إن السيف لم يأت ليفرض العقيدة، إنما ليحمي الاختيار في النفس ~~الإيمانية، فبدلا من أن يترك الناس مقهورين على اعتناق عقيدة خاطئة ~~فالمسلمون يرفعون السيف في وجه الظالم القاهر لعباد الله. وعباد الله لهم ~~أن يختاروا عقيدتهم. ولذلك فعندما يقول اعداء الإسلام: " أن الإسلام ~~انتشر بالسيف ". نرد عليهم: إن الله قد بدأ الإسلام بضعف حتى يسقط هذا ~~الاتهام، لقد كان المسلمون الأوائل ضعفاء لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، ~~فيتجه بعضهم إلى الحبشة، ويهاجرون بحثا عن الحماية، فلو كان الإسلام قد ~~انتشر بالسيف فلنا أن نسأل: من الذي حمل أول سيف ليكره أول مؤمن؟ إن ~~المؤمنين رضوا الإسلام دينا وهم في غاية الضعف ومنتهاه. إن الإسلام قد ~~بدأ واستمر وما زال يحيا بقوة الإيمان. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جاء في أمة أمية، ومن قبيلة لها شوكتها، وشاء الحق ألا ينصر الله دينه ~~بإسلام ms1153 أقوياء قريش أولا، بل آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم الضعفاء ~~وخاض رسول الله صلى الله عليه وسلم رحلة الدعوة الإيمانية مدة ثلاثة عشر ~~عاما، دعوة للإيمان بالله، ثم هاجر رسول الله إلى المدينة، إلى أن صار ~~كل المسلمين وحدة إيمانية قوية، وارتفع السيف لا ليفرض العقيدة، ولكن ~~ليحمي حرية اختيار الناس للعقيدة الصحيحة. ولو أن الإسلام انتشر بالسيف. ~~فكيف نفسر وجود أبناء لديانات أخرى في البلاد المسلمة؟ لقد أتاح الإسلام ~~فرصة اختيار العقيدة لكل إنسان. إذن فكل مسلم يمثل وحدة إيمانية مستقلة، ~~وواجب كل مسلم أن يعرف أن الإسلام قد انتشر بالأسوة الحسنة، وأنه كمؤمن ~~بالله وبدين الله، قد اصطفاه الله ليطبق السلوك الإيماني، فقد مكن الله ~~للإسلام في الأرض بالسلوك والقدوة. إن كل مسلم عليه واجب ألا يترك في ~~سلوكه ثغرة ينفذ منها خصوم الإسلام إلى الإسلام، ذلك أن اختلال توازن ~~سلوك المسلم بالنسبة لمنهج الله هو ثغرة ينفذ منها خصوم الإسلام ولذلك ~~فالمفكرون في الأديان الأخرى حينما يذهبون إلى الإسلام، ويقتنعون به، ~~إنما يقتنعون بالإسلام لأنه منهج حق. إنهم يمحصونه بالعقل، ويهتدون إليه ~~بالفطرة الإيمانية. أما الذين يريدون الطعن في الإسلام، فهم ينظرون إلى ~~سلوك بعض من المسلمين، فيجدون فيه من الثغرات ما يتهمون به الإسلام. إن ~~المفكرين المنصفين يفرقون دائما بين العقيدة، ومتبع العقيدة، ولذلك ~~فأغلب المفكرين الذين يتبعون هذا الاتجاه، يلجأون إلى الإسلام ويؤمنون ~~به. ولكن الذين يذهبون إلى الإسلام من جهة أتباعه، فإن صادفوا تابعا ~~للإسلام ملتزما دعاهم ذلك إلى أن يؤمنوا بالإسلام، ولذلك كانت الجمهرة ~~الكثيرة الوفيرة في البلاد الإسلامية المعاصرة في بلاد لم يدخلها فتح ~~إسلامي، وإنما دخلتها الأسوة الإسلامية في أفراد تابعين ملتزمين، فراق ~~الناس ما عليه هؤلاء المسلمون من حياة ورعة، ومن تصرفات مستقيمة جميلة، ~~ومن أسلوب تعامل سمح أمين، نزيه، نظيف، كل ذلك لفت جمهرة الناس إلى ~~الإسلام، وجعلهم يتساءلون: ما الذي جعلكم على هذا السلوك الطيب؟ قالوا: ~~لأننا مسلمون. # وتساءل الناس في تلك المجتمعات: وما معنى الإسلام؟ وبدأ ms1154 المسلمون يشرحون ~~لهم الإسلام. إذن، فالذي لفت إلى الإسلام هو السلوك المنهجي الملتزم، ~~ولذلك فالحق سبحانه وتعالى حين يعرض منهج الدعوة الناجحة يقول: # ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صالحا ~~وقال إنني من المسلمين # [فصلت: 33]. والدعوة إلى الله تكون باللسان والعمل الصالح، ليدل المؤمن ~~على أن ما يدعو إليه غيره قد وجده مفيدا فالتزمه هو، فالعمل الصالح هو ~~شهادة للدعوة باللسان، ولا يكتفي المؤمن بذلك، إنما يعلن ويقول: " إنني ~~من المسلمين " يقول ذلك لمن؟ يقوله لمن يرونه على السلوك السمح الرضى ~~الطيب. إنها لفتة من ذاته إلى دينه. إن هذا يفسر لنا كيف انتشر الإسلام ~~بوساطة جماعة من التجار الذين كانوا يذهبون إلى كثير من البلاد، وتعاملوا ~~مع الناس بأدب الإسلام، وبوقار الإسلام، وبورع الإسلام، فصار سلوكهم ~~الملتزم لافتا، وعندما يسألهم القوم عن السر في سلوكهم الملتزم، يقول ~~الإنسان منهم: أنا لم أجيء بذلك من عندي ولكن من اتباعي لدين الله ~~الإسلام. ومثال ذلك في السلوك الأسوة: المسلمون الأوائل من صحابة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. لقد كان صحابته رضوان الله عليهم يخافون عليه ~~من خصومه، فكانوا يتناوبون حراسته، ومعنى تناوب الحراس أنهم أرادوا أن ~~يكونوا المصد للأخطار يتداولون ذلك فيما بينهم. وأراد الحق سبحانه أن ~~يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة خفية، ونام علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه مكان الرسول صلى الله عليه وسلم. لقد ~~أراد علي - كرم الله وجهه - أن يكون هو المصد، فإذا جاء خطر فإنه هو الذي ~~يصده. لا شك أنه كان يفعل ذلك لأنه واثق أن بقاء الرسول صلى الله عليه ~~وسلم خير للإسلام حتى ولو افتداه بروحه. هذا هو التسامي العالي من صحابة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان الواحد منهم يحب الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لأن الأسوة بالرسول واتباع دين الله إنما يعود ذلك عليه بالخير ~~العميم. وعندما يموت واحد منهم في سبيل المحافظة على من أرسله الله ~~رسولا ليبلغ ms1155 دعوته فقد نال الشهادة في سبيل الله. هذا هو أبو بكر الصديق ~~رضوان الله عليه مع رسول الله في الغار. ألم يجد الصديق شقوقا فيمزع من ~~ثيابه ليسد الشقوق؟ ألم يضع قدمه في شق لأنه يخشى أن تجيء حشرة من ~~الحشرات قد تؤذي حضرة النبي صلى الله عليه وسلم؟ لقد أراد أن يحافظ على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم حتى ولو افتداه، وهذه شهادة بأن صحابة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم آمنوا بأن بقاء الرسول خير لهم وللإيمان ~~ولنفوسهم من بقائهم هم أنفسهم. # وهكذا أراد الله نصرة رسوله على الكفار، عندما مكروا وبيتوا أن يقتلوه ~~قبل الهجرة، وهكذا أراد الله نصر رسوله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة ~~عندما واجه أعداء الإسلام في القتال، لقد مكروا، ولكن الله خير الماكرين. ~~وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول بهذا النصر من الله: لن تستطيعوا أن ~~تقاوموا محمدا لا بالمواجهة ولا بالتبييت. وها هو ذا تابع من أتباعه صلى ~~الله عليه وسلم هو سيدنا عمر رضي الله عنه يهاجر علنا، ويقول: من أراد أن ~~تثكله أمه، أو ترمل زوجته، أو ييتم ولده، فليلقني وراء هذا الوادي. ~~بينما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم خفية. لماذا؟ لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أسوة للضعيف. إن القوي يستطيع حماية نفسه ويخرج إلى ~~الهجرة مجاهرا. أما الضعيف فلا بد أن يهاجر خفية لذلك فالأسوة للضعيف ~~كانت في رسول الله صلى الله عليه وسلم. لقد مكر أعداء الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، ولكن الله مكر بهم. # وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان ~~مكرهم لتزول منه الجبال # [إبراهيم: 46]. إن مكرهم رغم عنفه وشدته والذي قد يؤدي إلى زوال الجبال، ~~هذا المكر يبور عند مواجهته لمكر الله الذي يحمي رسله وعباده الصالحين. ~~لقد جاء مكر بني إسرائيل وأنزل فيه الله قوله الحكيم: { ومكروا ~~ومكر الله والله خير الماكرين } [آل عمران: 54]. ~~لأنهم أرادوا أن يتخلصوا من سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام. فقال الحق ~~سبحانه: { إذ ms1156 قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك ~~إلي ومطهرك من الذين كفروا... }. ### || [3.55] # لقد جاء الحق سبحانه بعد عرضه لمسألة المكر بهذا القول الحكيم، وذلك ~~دليل على أن عيسى عليه السلام أحس من بني إسرائيل الكفر، والتبييت، ~~ومؤامرة للقتل فطمأن الله عيسى إلى نهاية المعركة. { إني متوفيك ~~ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم ~~القيامة } [آل عمران: 55]. إنها أربعة مواقف، أرادها الله لعيسى ابن ~~مريم عليه السلام. ونريد أن نقف الآن عند كلمة قول الحق: " متوفيك ". نحن ~~غالبا ما نأخذ معنى بعض الألفاظ من الغالب الشائع، ثم تموت المعاني ~~الأخرى في اللفظ ويروج المعنى الشائع فنفهم المقصد من اللفظ. إن كلمة " ~~التوفي " نفهمها على أنها الموت، ولكن علينا هنا أن نرجع إلى أصل استعمال ~~اللفظة، فإنه قد يغلب معنى على لفظ، وهذا اللفظ موضوع لمعان متعددة، ~~فيأخذه واحد ليجعله خاصا بواحد من هذه. إن كلمة " التوفي " قد يأخذها ~~واحدا لمعنى " الوفاة " وهو الموت. ولكن، ألم يكن ربك الذي قال: " إني ~~متوفيك "؟ وهو القائل في القرآن الكريم: # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ~~ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم ~~تعملون # [الأنعام: 60]. إذن " يتوفاكم " هنا بأي معنى؟ إنها بمعنى ينيمكم. ~~فالنوم معنى من معاني التوفي. ألم يقل الحق في كتابه أيضا الذي قال فيه: ~~" إني متوفيك ". # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون # [الزمر: 42]. لقد سمى الحق النوم موتا أيضا. هذا من ناحية منطق ~~القرآن، إن منطق القرآن الكريم بين لنا أن كلمة " التوفي " ليس معناها هو ~~الموت فقط ولكن لها معان أخرى، إلا أنه غلب اللفظ عند المستعملين للغة ~~على معنى فاستقل اللفظ عندهم بهذا المعنى، فإذا ما أطلق اللفظ عند هؤلاء ~~لا ينصرف إلا لهذا المعنى، ولهؤلاء نقول: لا، لا بد أن ندقق جيدا في ~~اللفظ ms1157 ولماذا جاء؟ وقد يقول قائل: ولماذا يختار الله اللفظ هكذا؟ ~~والإجابة هي: لأن الأشياء التي قد يقف فيها العقل لا تؤثر في الأحكام ~~المطلوبة ويأتي فيها الله بأسلوب يحتمل هذا، ويحتمل ذلك، حتى لا يقف أحد ~~في أمر لا يستأهل وقفة. فالذي يعتقد أن عيسى عليه السلام قد رفعه الله ~~إلى السماء ما الذي زاد عليه من أحكام دينه؟ والذي لا يعتقد أن عيسى عليه ~~السلام قد رفع، ما الذي نقص عليه من أحكام دينه، إن هذه القضية لا تؤثر ~~في الأحكام المطلوبة للدين، لكن العقل قد يقف فيها؟ فيقول قائل: كيف يصعد ~~إلى السماء؟ ويقول آخر: لقد توفاه الله. # وليعتقدها أي إنسان كما يريد لأنها لا تؤثر في الأحكام المطلوبة للدين. ~~إذن، فالأشياء التي لا تؤثر في الحكم المطلوب من الخلق يأتي بها الله ~~بكلام يحتمل الفهم على أكثر من وجه حتى لا يترك العقل في حيرة أمام مسألة ~~لا تضر ولا تنفع. وعرفنا الآن أن " توفي " تأتي من الوفاة بمعنى النوم من ~~قوله سبحانه: # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ~~ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم ~~تعملون # [الأنعام: 60]. ومن قوله سبحانه وتعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون # [الزمر: 42]. إن الحق سبحانه قد سمى النوم موتا لأن النوم غيب عن حس ~~الحياة. واللغة العربية توضح ذلك، فأنت تقول - على سبيل المثال - لمن ~~أقرضته مبلغا من المال، ويطلب منك أن تتنازل عن بعضه لا، لا بد أن ~~أستوفي مالي، وعندما يعطيك كل مالك، تقول له: استوفيت مالي تماما، ~~فتوفيته، أي أنك أخذته بتمامه. إذن، فمعنى " متوفيك " قد يكون هو أخذك ~~الشيء تاما. أقول ذلك حتى نعرف الفرق بين الموت والقتل، كلاهما يلتقي في ~~أنه سلب للحياة، وكلمة " سلب الحياة " قد تكون مرة بنقض البنية، كضرب ~~واحد لآخر على جمجمته فيقتله، ms1158 هذا لون من سلب الحياة، ولكن بنقض البنية. ~~أما الموت فلا يكون بنقض البنية، إنما يأخذ الله الروح، وتبقى البنية كما ~~هي، ولذلك فرق الله في قرآنه الحكيم بين " موت " و " قتل " وإن اتحدا ~~معا في إزهاق الحياة. # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ~~ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي ~~الله الشاكرين # [آل عمران: 144]. إن الموت والقتل يؤدي كل منهما إلى انتهاء الحياة، لكن ~~القتل ينهي الحياة بنقض البنية، ولذلك يقدر بعض البشر على البشر فيقتلون ~~بعضهم بعضا. لكن لا أحد يستطيع أن يقول: " أنا أريد أن يموت فلان " ، ~~فالموت هو ما يجريه الله على عباده من سلب للحياة بنزع الروح. إن البشر ~~يقدرون على البينة بالقتل، والبينة ليست هي التي تنزع الروح، ولكن الروح ~~تحل في المادة فتحيا، وعندما ينزعها الله من المادة تموت وترم أي تصير ~~رمة. إذن، فالقتل إنما هو إخلال بالمواصفات الخاصة التي أرادها الله ~~لوجود الروح في المادة، كسلامة المخ أو القلب. # فإذا اختل شيء من هذه المواصفات الخاصة الأساسية فالروح تقول: " أنا لا ~~أسكن هنا ". إن الروح إذا ما انتزعت، فلأنها لا تريد أن تنتزع.. لأي سبب ~~ولكن البنية لا تصلح لسكنها. ونضرب المثل ولله المثل الأعلى: إن الكهرباء ~~التي في المنزل يتم تركيبها، وتعرف وجود الكهرباء بالمصباح الذي يصدر منه ~~الضوء. إن المصباح لم يأت بالنور، لأن النور لا يظهر إلا في بنية بهذه ~~المواصفات بدليل أن المصباح عندما ينكسر تظل الكهرباء موجودة، ولكن الضوء ~~يذهب. وكذلك الروح بالنسبة للجسد. إن الروح لا توجد إلا في جسد له ~~مواصفات خاصة. وأهم هذه المواصفات الخاصة أن تكون خلايا البنية مناسبة، ~~فإن توقف القلب، فمن الممكن تدليكه قبل مرور سبع ثوان على التوقف، لكن إن ~~فسدت خلايا المخ، فكل شيء ينتهي لأن المواصفات اختلت. إذن، فالروح لا تحل ~~إلا في بنية لها مواصفات خاصة، والقتل وسيلة أساسية لهدم البنية وإذهاب ~~الحياة، لكن ms1159 الموت هو إزهاق الحياة بغير هدم البنية، ولا يقدر على ذلك ~~إلا الله سبحانه وتعالى. ولكن خلق الله يقدرون على البينة، لأنها مادة ~~ولذلك يستطيعون تخريبها. إذن، " فمتوفيك " تعني مرة تمام الشيء، " ~~كاستيفاء المال " وتعني مرة " النوم ". وحين يقول الحق: " إني متوفيك " ~~ماذا يعني ذلك؟ إنه سبحانه يريد أن يقول: أريدك تاما، أي أن خلقي لا ~~يقدرون على هدم بنيتك، إني طالبك إلي تاما، لأنك في الأرض عرضة لأغيار ~~البشر من البشر، لكني سآتي بك في مكان تكون خالصا لي وحدي، لقد أخذتك من ~~البشر تاما، ومعنى " تاما " ، أي أن الروح في جسدك بكل مواصفاته، ~~فالذين يقدرون عليه من هدم المادة لن يتمكنوا منه. إذن، فقول الحق: " ~~ورافعك إلي " هذا القول الحكيم يأتي مستقيما مع قول الحق: " متوفيك ". ~~وقد يقول قائل: إني رافعك إلي ثم أتوفاك بعد ذلك. ونقول أيضا: من الذي ~~قال: إن " الواو " تقتضي الترتيب في الحدث؟ ألم يقل الحق سبحانه: # فكيف كان عذابي ونذر # [القمر: 16]. هل جاء العذاب قبل النذر أو بعدها؟ إن العذاب إنما يكون من ~~بعد النذر. إن " الواو " تفيد الجمع للحدثين فقط. ألم يقل الله في كتابه ~~أيضا: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا ~~منهم ميثاقا غليظا # [الأحزاب: 7]. إن " الواو " لا تقتضي ترتيب الأحداث، فعلى فرض أنك قد ~~أخذت " متوفيك " أي " مميتك " ، فمن الذي قال: إن " الواو " تقتضي ~~الترتيب في الحدث؟ بمعنى أن الحق يتوفى عيسى ثم يرفعه. فإذا قال قائل: ~~ولماذا جاءت " متوفيك " أولا؟ نرد على ذلك: لأن البعض قد يظن أن الرفع ~~تبرئة من الموت. # ولكن عيسى سيموت قطعا، فالموت ضربة لازب. ومسألة يمر بها كل البشر. هذا ~~الكلام من ناحية النص القرآني. فإذا ما ذهبنا إلى الحديث وجدنا أن الله ~~فوض رسوله صلى الله عليه وسلم ليشرح ويبين، ألم يقل الحق: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم ولعلهم يتفكرون # [النحل: 44]. فالحديث كما رواه البخاري ومسلم: كيف أنتم إذا نزل ابن ~~مريم ms1160 فيكم وإمامكم منكم؟. إي أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا أن ابن ~~مريم سينزل مرة أخرى. ولنقف الآن وقفة عقلية لنواجه العقلانيين الذين ~~يحاولون إشاعة التعب في الدنيا فنقول: يا عقلانيون أقبلتم في بداية عيسى ~~أن يوجد من غير أب على غير طريقة الخلق في الإيجاد والميلاد؟ سيقولون ~~نعم. هنا نقول: إذا كنتم قد قبلتم بداية مولده بشيء عجيب خارق للنواميس ~~فكيف تقفون في نهاية حياته إن كانت خارقة للنواميس؟. إن الذي جعلكم ~~تقبلون العجيبة الأولى يمهد لكم أن تقبلوا العجيبة الثانية. إن الحق ~~سبحانه يقول: { إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك ~~من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق ~~الذين كفروا إلى يوم القيامة.. } [آل عمران: 55]. إنه ~~سبحانه يبلغ عيسى إنني سآخذك تاما غير مقدور عليك من البشر ومطهرك من ~~خبث هؤلاء الكافرين ونجاستهم، وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى ~~يوم القيامة. وكلمة " اتبع " تدل على أن هناك " متبعا " يتلو ~~متبعا. أي أن المتبع هو الذي يأتي بعد، فمن الذي جاء من بعد عيسى ~~بمنهج من السماء؟ إنه محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن على أي منهج يكون ~~الذين اتبعوك؟ أعلى المنهج الذي جاؤا به أم المنهج الذي بلغته أنت يا ~~عيسى؟ إن الذي يتبعك على غير المنهج الذي قلته لن يكون تبعا لك، ولكن ~~الذي يأتي ليصحح الوضع على المنهج الصحيح فهو الذي اتبعك. وقد جاء محمد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحح الوضع ويبلغ المنهج كما أراده الله. ~~{ وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى ~~يوم القيامة } [آل عمران: 55] فإن أخذنا المعنى بهذا فإن أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم هي التي اتبعت منهج الله الذي جاء به الرسل ~~جميعا، ونزل به عيسى أيضا، وأن أمة محمد قد صححت كثيرا من القضايا ~~التي انحرف بها القوم. نقول ليس المراد هنا من " فوق " الغلبة والنصر، ~~ولكننا نريد من " فوق " الحجة والبرهان. وذلك إنما يحدث في حالة وجود قوم ~~منصفين عقلاء يزنون الأمور بحججها وأدلتها وهم لن ms1161 يجدوا إلا قضية الإسلام ~~وعقيدة الإسلام. إذن، فالفوقية هي فوقية ظهور دليل وقوة برهان. # ولذلك قال الحق سبحانه: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # [التوبة: 33]. وفي موقع آخر من القرآن الكريم، يؤكد الحق ظهور الإسلام ~~على كافة الأديان وهو الشاهد على ذلك: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا # [الفتح: 28]. ومعنى ذلك أن الله قد أراد للإسلام أن يظهر على كل ~~الأديان. وقد يقول قائل: إن في العالم أديانا كثيرة، ولم يظهر عليها ~~الإسلام، والموجودون من المسلمين في العالم الآن مليار وأضعاف ذلك من ~~البشر على ديانات أخرى. نقول لمثل هذا القائل: إن الله أراد للإسلام أن ~~يظهره إظهار حجة، لا من قبلكم أنتم فقط ولكن من قبلهم هم كذلك، ~~والناس دائما حين يجتمعون ليشرعوا القوانين وليحددوا مصالح بعضهم بعضا، ~~يلجأون أخيرا إلى الإسلام. فلننظر إلى من يشرع من جنس تشريع الأرض ~~ولنسأل أرأيت تشريعا أرضيا ظل على حاله؟ لا، إن التشريع الأرضي يتم ~~تعديله دائما. لماذا لأن الذي وضع التشريع الأول لم يكن له من العلم ما ~~يدله على مقتضيات الأمور التي تجد، فلما جدت أمور في الحياة لم تكن ~~في ذهن من شرع أولا، احتاج الناس إلى تعديل التشريع. ولنمسك بأي قانون ~~بشري معدل في أي قضية من قضايا الكون، ولننظر إلى أي اتجاه يسير؟ إنه ~~دائما يتجه إلى الإسلام، وإن لم يلتق مع الإسلام فإنه يقرب من الإسلام. ~~وعندما قامت في أوروبا ضجة على الطلاق في الإسلام، ما الذي حدث؟ جاء ~~التشريع بالطلاق في إيطاليا تحت سمع وبصر الفاتيكان. هل شرعوا الطلاق لأن ~~الإسلام أباح الطلاق؟ لا. إنما شرعوه لأن أمور الحياة أخضعتهم إلى ضرورة ~~تشريع الطلاق، فكأنهم أقاموا الدليل بخضوعهم لأمور الحياة على أن ما جاء ~~به الإسلام قبل التجربة كان حقا. بدليل أن أوربا لجأت إلى تشريع الطلاق ~~لا كمسلمين ولكن لأن مصالح حياتهم لا تتأتى إلا به. وهل هناك ms1162 ظهور وغلبة ~~أكثر من الدليل الذي يأتي من الخصم؟ تلك هي الغلبة. لقد وصلوا إلى تشريع ~~الطلاق، رغم كراهيتهم للإسلام كدليل على صدق ما جاء به الإسلام. وفي ~~الربا، الذي يريد البعض هنا أن يحلله، تجد أوربا تحاول التخلص منه، لأنهم ~~توصلوا بالتجربة إلى أن المال لا يؤدي وظيفته في الحياة إلا إذا انخفضت ~~الفائدة إلى الصفر أي أنهم عرفوا أن إلغاء الربا ضروري حتى يؤدي المال ~~وظيفته الحقيقية في الحياة، والذي ألجأهم إلى الوصول إلى هذه الحقيقة هو ~~أن فساد الحياة سببه الربا، فأرادوا أن يمنعوا الربا. لقد وصلوا إلى ما ~~بدأ به الإسلام من أربعة عشر قرنا. أتريد غلبة، وتريد فوقا، وتريد ~~ظهورا، أكثر من هذا بالنسبة لدين الله؟ إذن، ففهم الخصوم ما يصلح أمر ~~الحياة اضطرهم إلى الأخذ بمبادئ الإسلام ونتابع بالتأمل قول الحق: { ~~وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى ~~يوم القيامة } [آل عمران: 55]، أي أن الحق جاعل الذين ساروا على ~~المنهج الأصيل القادم من الله فوق الذين كفروا. # فالذين يقولون فيك يا عيسى ابن مريم ما لا يقال من ألوهية، هل اتبعوك؟ ~~لا.. لم يتبعوك. إن الذي يتبع عيسى هو الذي يأتي على المنهج القادم من ~~الله. إن عيسى ابن مريم رسول إلى بني إسرائيل. وديانات السماء لا تأتي ~~لعصبيات الجنس أو القومية أو الأوطان أو غير ذلك، ولكن المنهج هو الذي ~~يربط الناس بعضهم ببعض ولذلك جاء لنا الحق بقصة سيدنا نوح لنتعرف على هذه ~~المعاني. لقد وعد الله سيدنا نوحا أن ينجي له أهله. وعندما دعا نوح عليه ~~السلام ابنه ليركب معه: ولكن ابن نوح رفض، فقال نوح عليه السلام لله: # ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي ~~وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين # [هود: 45]. فهل الأهلية بالنسبة للأنبياء هي التي قالها نوح هل أهلية ~~الدم؟ لا، لأن الحق قال: # قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير ~~صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك ~~أن تكون ms1163 من الجاهلين # [هود: 46]. لماذا؟ لأن أهل النبوة هم المؤمنون بها فالذين اتبعوا المنهج ~~الذي جاء به المسيح من عند الله ليس من يطلق على نفسه النسب للمسيح، ومن ~~يطلق على نفسه أنه يهودي إن هذه أسماء فقط. إن المتبع الحق هو من يتبع ~~المنهج المنزل من عند الله. إن الأنبياء ميراثهم المنهج والعلم. ألم يقل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على سليمان وهو فارسي لا يجتمع مع رسول ~~الله في أرومة عربية: # " سلمان منا آل البيت ". # وهكذا انتسب سلمان إلى آل البيت بحكم إيمانه، وبنص حديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. إذن: " وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم ~~القيامة " ، أي أن الحق سبحانه قد جعل الفوقية للذين يتبعون المنهج الحق ~~القادم من عند الله. والذي يصوب منهج عيسى هو محمد رسول الله هل تكون ~~الفوقية هي فوقية مساحة جغرافية؟ لأن رقعة من الأرض التي تتبع الديانات ~~الأخرى غير الإسلام أكبر مساحة من رقعة أرض المؤمنين بالإسلام؟ لا.. ~~فالفوقية تكون فوقية دليل. وقد يقول قائل: إن الدليل لا يلزم. نرد ~~قائلين: كيف لا يلزم الدليل؟ ونحن نرى الذين لا يؤمنون به يدللون عليه. ~~كيف يدللون عليه؟ إنهم يسيرون فيما يقننون من قوانين البشر إلى ما سبق ~~إليه تقنين السماء. وما دام هنا في هذه الآية كلمة " فوق " وكلمة " كفروا ~~" وهناك أتباع إذن، فهناك قضية وخصومة، وهناك حق، وهناك باطل، وهناك هدى، ~~وهناك ضلال. # فلابد من الفصل في هذه القضية. ويأتي الفصل ساعة ألا يوجد للإنسان تصرف ~~إرادي لا على ذات نفسه ولا على سواه. إن الظالمين يستطيعون التصرف في ~~الأرض، لكن عندما يكون المرجع إلى الله فالله يقول: أنا ملكتكم وأنتم ~~عصاة لي في كثير من الأسباب، لكن هناك وقت تزول فيه ملكيتكم للأسباب. ~~إذن.. فالظالم قد يتحكم على الأرض وكذلك الباطل لأن الله أوجد لنا جميعا ~~إرادات ومرادات اختيارية. لكن في يوم القيامة فلا إرادات إلا إرادة الله: # يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم ms1164 شيء ~~لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. إذن فالحكم قادم بدون منازع.. والذي يدل على ذلك قوله الحق: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال ~~الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم ~~كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم ~~حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار # [البقرة: 166-167]. إن الذي اتبع واحدا على ضلال يأتي يوم القيامة ليجد ~~أن صاحب الضلال يتبرأ منه، فيقول المتبعون سائلين الله: يارب ارجعنا إلى ~~الدنيا لننتقم ممن خدعونا، هذا من ناحية علاقة البشر بالبشر. أما من ~~ناحية الجسد الواحد نفسه، فسوف نجد شهادة الجلود والألسنة والأيدي، بعد ~~أن تسقط عنها إرادة الإنسان ويسقط تسخير الحق لهذه الجوارح والحواس لخدمة ~~الإنسان، تقول الجوارح والحواس: لقد كانت لصاحبي إرادة ترغمني على أن ~~أفعل ما لا أحب، لكن ها هو ذا يوم القيامة، فلا قهر ولا إرغام ولا تسخير ~~لأن الملك كله لله.. لذلك تشهد الألسنة والجلود ولهذا يقول الحق: { ثم ~~إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه ~~تختلفون } [آل عمران: 55]. إن الحق يحكم فيما كانوا فيه يختلفون ~~لتكون ثمرة الحكم هي ماذا؟ هل هناك تكليف بعد ذلك؟ لا.. لكن ثمرة الحكم ~~هي الجزاء.. ففي الآخرة لا عمل هنالك، والحكم فيها للجزاء، وكما قلنا: ما ~~دام هناك متبعون وكافرون، وجماعة فوق جماعة، وإلى الله مرجعهم، فلا بد ~~لنا أن نرى ما هو الحكم الذي سوف يكون؟ ها هو ذا القول الحكيم: { ~~فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في ~~الدنيا والآخرة... }. ### || [3.56] # لماذا لم يأت الله بالحكم على المؤمنين أولا؟ لأن المؤمنين يؤمنون بذلك ~~تماما، إنهم بإيمانهم يعرفون ذلك ويعونه. ولننتبه هنا إلى أن الحكم لا ~~يشمل العذاب في الآخرة فقط ولكنه يشتمل على العذاب في الدنيا أيضا، ~~فعذاب الدنيا سيكون قبل الحكم، وكأن الحق يقول لنا: لا تعتقدوا أن تعذيبي ~~إياهم في الدنيا يعفيهم من تعذيبي إياهم في الآخرة لأن التعذيب في الدنيا ~~فقط قد يصيب من آمن بي. ms1165 أما من كفر بي، فإني أعذبه في الدنيا وأعذبه في ~~الآخرة إنني لا أؤجل العذاب للكافرين إلى الآخرة فقط ولكن سأضم عذاب ~~الدنيا إلى عذاب الآخرة. إن الحصيلة بعد كل شيء هي أن يعذب الكافر في ~~الدنيا وفي الآخرة. ويقول الحق عن هذا العذاب: إنه عذاب شديد لأن الحدث ~~حين يقع لا بد أن تلحظ فيه القوة التي تناسب من أحدث. ولنضرب هذا المثل ~~ولله المثل الأعلى: إن الطفل قد يكسر شيئا في حدود قوته كطفل، والشاب قد ~~يكسر شيئا مناسبا لقوة. إذن فالحدث يجب أن نأخذه قياسا بالنسبة لفاعله ~~فإذا كان الفاعل هو الله، فهل لأحد طاقة على عذاب الله؟ لا أحد يتصور ~~ذلك، وليس لأحد من هؤلاء من ناصر، لأن الذي يهزمه الله ويعذبه لا ناصر ~~له، وبعد ذلك يأتي الحق بالمقابل: { وأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم... }. ### || [3.57] # أي فما دام الذين كفروا سينالون العذاب الشديد من الله، فالذين آمنوا ~~سينالون النعيم المقيم بإذن الله. ### || [3.58] # يقول الحق تبارك وتعالى: { ذلك } إشارة لما سبق من الأحداث، في شأن ~~امرأة عمران، ومريم، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وكان لكل واحد من هؤلاء قضية ~~عجيبة يخرق فيها ناموس الكون، وكلها آيات، أي عجائب. وقد نقلت إلينا هذه ~~العجائب من واقع ما رآه الذين عاصروا تلك الأحداث، وجاء الخبر اليقين ~~بتلك العجائب في قرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو ~~الكتاب الحق الموصوف من الله بأنه " الذكر الحكيم " فاطمئنوا - أيها ~~المؤمنون - إلى أن ما وصلكم عن طريق القرآن، إنما حكى واقعا لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فما جاء به من أخبار عن تلك الآيات هو ~~ما يطابق الواقع الذي عاصره الناس وحكوه. وبعد ذلك يعرض الحق لنا سبحانه ~~قضية سيدنا عيسى عليه السلام، وهي قضية يجب أن نتنبه إليها تنبها جديدا ~~فنعرض وجهة نظر الذين يضعونه في غير الموضع الذي أراده الله، كما نعرض ~~وجهة نظر الذين يضعونه في الموضع الذي يريده الله، ms1166 فالمسألة ليست ~~انتصارا منا في الدنيا على فريق يقول: كذا، وليست انتصارا لفريق آخر في ~~الدنيا ليقول: كذا، لأنها مسألة لها عاقبة تأتي في الآخرة ويحاسبنا عليها ~~الحق تعالى، لذلك كان من المهم جدا أن نصفيها تصفية يتضح فيها الحق، حتى ~~لا يظلم أحد نفسه. لقد جاء عيسى عليه السلام على دين اليهودية، أي طرأ ~~على دين اليهودية ونحن نعلم أن دين اليهودية قد تم تحريفه من اليهود ~~تحريفا جعله ينحاز إلى الأمور المادية الصرفة، دون أدنى اعتبار للأمور ~~الروحية والإيمان بالغيب، فهم ماديون، وتتمثل ماديتهم في أنهم قالوا ~~لموسى عليه السلام ما حكاه القرآن الكريم: # وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون # [البقرة: 55]. إنهم لم يلتفتوا إلى أن بعضا من كمال وجلال الله غيب ~~لأنه لو كان مشهودا محسا، لحدد - بضم الحاء وكسر الدال - وحيز، وما ~~دام قد حدد وحيز في تصورهم فذلك يعني أنه سبحانه قد يوجد في مكان ~~ولا يوجد في مكان آخر، والحق سبحانه منزه عن مثل ذلك لأنه موجود في كل ~~الوجود، ولا نراه بالعين، لكن نرى آثار أعماله وجميل صنعه في كل الكون. ~~إذن فكون الله غيبا هو من تمام الجلال والكمال فيه. لكن اليهود قد صوروا ~~الأشياء كلها على أنها حسية، حتى أمور اقتيات حياتهم وهي الطعام، لقد ~~أرادها الله لهم غيبا حتى يريحهم في التيه، فأرسل عليهم المن والسلوى، ~~كرزق من الغيب الذي يأتي إليهم، لم يستنبتوه. ولم يستوردوه، ولم يعرفوا ~~كنهه، ولم يجتهدوا في استخراجه، إنه رزق من الغيب، ومع ذلك تمردوا على ~~هذا الرزق القادم لهم من الغيب وقالوا كما أخبر الله عنهم: # وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد ~~فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من ~~بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها قال ~~أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ~~اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت ~~عليهم الذلة والمسكنة وبآءو بغضب من الله ~~ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ms1167 ويقتلون ~~النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا ~~يعتدون # [البقرة: 61]. إنهم يريدون أن يكون طعامهم كما ألفوا، وأن يروا هذا ~~الطعام كأمر مادي من أمور الحياة لذلك تشككوا في رزق الغيب، وهو المن ~~والسلوى، وقالوا: " من يدرينا أن المن قد لا يأتي، وأن السلوى قد لا تنزل ~~علينا " فلم تكن لهم ثقة في رزق وهب لهم من الغيب لأنهم تناولوا كل ~~أمورهم بمادية صرفة. وما دامت كل أمورهم مادية فهم في حاجة إلى هزة عنيفة ~~تهز أوصال ماديتهم هذه لتخرجهم إلى معنى يؤمنون فيه بالغيب. ونحن نعلم ~~أن الفكر المادي لا يرى الحياة إلا أسبابا ومسببات، فأراد الحق سبحانه ~~وتعالى أن يخلع منهم ذلك الفكر المادي، لذلك جاء بعيسى عليه السلام على ~~غير طريق الناموس الذي يأتي عليه البشر، فجعله من امرأة دون أب، حتى ~~يزلزل قواعد المادية عند اليهود. لكن الفتنة جاءت في قومه، فقالوا ببنوته ~~للإله، وسبحانه منزه عن أن يكون له ولد. ولنا أن نسأل ما الشبهة التي ~~جعلتهم يقولون بهذه البنوة؟ نقول: إن الأمومة موجودة والذكورة ممتنعة، ~~والشبهة إنما جاءت من أن الله نفخ فيه الروح، فالله هو الأب. نقول لهم: ~~لو أن الأمر كذلك لوجب أن تفتنوا في آدم أولى من أن تفتنوا في عيسى لأن ~~عيسى عليه السلام كان في خلقه أمومة، أما آدم فلا أمومة ولا أبوة، فتكون ~~الفتنة في آدم عليه السلام أكبر، وإن قلتم: " إن الحق قال: إنه نفخ فيه ~~من روحه " ، فلكم أن تعرفوا قول الله في آدم عليه السلام: # وإذ قال ربك للملآئكة إني خالق بشرا من ~~صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين # [الحجر: 28-29]. إذن فالنفخ هنا في آدم موجود، فلماذا سكتم عن هذه ~~الحكاية منذ آدم وحتى مجيء عيسى عليه السلام، وهكذا يتم دحض تلك الحجة ~~ونهايتها، وبعد ذلك نأتي إلى قضية أخرى، وهي توفيه أو وفاته، إلى ~~القضيتين معا - توفيه ووفاته - حتى نبين الرأيين معا: وهنا نتساءل: ~~لماذا فتنتم ms1168 في ذلك؟ يقولون: لقد أحيا عيسى الموتى، ونقول لهم: ألم ~~تأخذوا تاريخ إبراهيم عليه السلام حينما قال الله له: # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى ~~قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ~~قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم ~~اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن ~~يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم # [البقرة: 260]. إذن فمجال الفتنة في إبراهيم عليه السلام كبير، وكذلك، ~~ألم يجيء موسى عليه السلام بآية هي العصا؟ إنه لم يجيء ميتا كانت فيه ~~حياة، إنما أجرى الله على يديه خلق الحياة فيما لم تثبت له حياة، فأصبحت ~~العصا - وهي جماد - حية تسعى لماذا إذن لم تفتنوا في عصا موسى عليه ~~السلام؟ وهكذا نعرف أنه لا يصح أن يفتن أحد في المعجزة التي جاءت بعيسى ~~عليه السلام، أو في إحيائه الموتى بإذن الله، وأتباع عيسى عليه السلام ~~يتفقون معنا أن الله سبحانه وتعالى غيب، ولكنهم يختلفون معنا فيقولون: إن ~~الله أراد أن يؤنس البشر بصورة يتجلى لهم فيها بشرا فجاء بعيسى عليه ~~السلام ليتحقق لهم ذلك الأنس. ونقول لهم: سنبحث هذه المسألة بدون حساسية، ~~وبدون عصبية، بل بالعقل، ونسأل " هل خلق الله عيسى ليعطي صورة للإله؟ إن ~~عيسى كان طفلا، ثم كبر من بعد ذلك، فأي صورة من صوره المرحلية كانت تمثل ~~الله؟ إن كانت صورة طفل فهل هي صورة الله؟ وإن كانت صورة كهل فهل هي صورة ~~الله؟ إن لله صورة واحدة لا نراها ولا نعرف كنهها فهو سبحانه " ليس كمثله ~~شيء " ، فأية صورة من الصور التي تقولون: إنها صورة الله؟ وإن كان الله ~~على كل هذه الصور فمعنى ذلك أن لله أغيارا وهو سبحانه منزه عن ذلك، ولو ~~كان على صورة واحدة لقلنا: إنه الثبات والأمر كذلك فهو - سبحانه - الحق ~~الذي لا يتغير إنهم يقولون: إن الله أراد أن يجعل صورته في بشر ليؤنس ~~الناس بالإله، فتمثل في عيسى. ولنا أن نسأل: كم استغرق وجود عيسى على ~~الأرض؟ والإجابة: ثلاثين ms1169 عاما أو يزيد قليلا. وهكذا تكون فترة معرفة ~~الناس بالصورة الإلهية محدودة بهذه السنوات الثلاثين طبقا لتصوركم. ~~ولابد ان نسأل " ما عمر الخلق البشري كله؟ " إن عمر البشرية هو ملايين ~~السنين. فهل ترك الله خلقه السابقين الأولين بدون أن يبدي لهم صورته، ثم ~~ترك خلقه الآخرين الذين قدموا إلى الحياة بعد وفاة عيسى - أي تمام مهمته ~~- ورفعه، بدون أن يعطيهم صورة له؟ إن هذا تصور لإله ظالم، وسبحانه وتعالى ~~منزه عن الشرك والظلم. فلا يعقل أن يضن بصورته فلا يبقيها إلا ثلاثين ~~عاما؟ إن هذا قول لا يقبله عقل يثق في عدالة الله المطلقة. ثم إنهم ~~يقولون: إن عيسى عليه السلام قد صلب، وهم معذورون والحق سبحانه وتعالى قد ~~عذرهم في ذلك فأورد التأريخ الحق العادل، حين يقول: # وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه ~~لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما ~~لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه ~~يقينا # [النساء: 157]. لقد جعل الله لهم عذرا في أن يقولوا: إنه قتل أو صلب ~~لأنه شبه لهم وكان من المعقول أن يلتمسوا من الإسلام حلا لهذه المشكلة، ~~لأن الإسلام جاء ليقول: " لا، لقد شبه لكم، فما قتلوه وما صلبوه لأن هذا ~~الفعل - القتل أو الصلب - ينقض فكرتهم عن أنه إله أو ابن إله. لأن ~~المصلوب لو كان إلها أو ابن إله، لكانت لديه القدرة التي تغلب الصالب، ~~فكيف يعقل الإنسان أن ينقلب الإله - أو ابن الإله - مقدورا عليه من ~~مخلوق؟ والإسلام عندما يقول: إن عيسى ابن مريم لم يصلب فقد كرمه الله. ~~وهكذا ترى أن الإسلام قد جاء ليصفي العقائد كلها من عيوب التحريف التي ~~قام بها المتبعون لتلك الأديان. وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليعرض ~~علينا قضية جدلية حدثت في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يخرج ~~الناس - مسلمين ونصارى ويهودا - من هذه البلبلة، وأن يتم ذلك في مودة، ~~لأنهم كلهم مؤمنون بالعبودية لمعبود واحد. ms1170 فقد جاء وفد من نصارى نجران ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، والتقوا برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكان لهؤلاء القوم جدل مع اليهود، ولهم جدل مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، كما كان لليهود والنصارى معا جدل مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. والجدل بين اليهود والنصارى مصدره أن لليهود والنصارى ~~قولا متضاربا في بعضهم بعضا يرويه لنا الحق: # وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون ~~الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ~~فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون # [البقرة: 113]. فاليهود يقولون: " كان إبراهيم يهوديا " والنصارى ~~يقولون لا، كان " إبراهيم نصرانيا " وأما الجدل بين النصارى وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فسببه أنهم قد أرادوا ان يتكلموا في مسألة عيسى ~~وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يصفي القضية تصفية نهائية حتى لا تظل معلقة ~~تلوكها الألسنة وتجعلها مثارا للفتن. فلما اجتمع نصارى نجران تحت لواء ~~رؤسائهم، ومن هؤلاء الرؤساء من اسمه السيد، ومنهم من يسمى العاقب صاحب ~~المشورة، ومعهم قسيس، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: ماذا تقولون في عيسى؟ ~~قالوا: إنه ابن الله. وقال لهم الرسول: إن عيسى عليه السلام قال: " إني ~~عبد الله " وهو عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول، فغضبوا ~~وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ إن كنت ~~قد رأيت مثل ذلك فأخبرنا به. وهنا نزلت الآية الكريمة: { إن مثل ~~عيسى عند الله كمثل ءادم... }. ### || [3.59] # لقد جاء القول الفصل بالحجة الأقوى، فإذا كان عيسى عليه السلام قد جاء ~~بدون أب، فإن آدم عليه السلام قد جاء بدون أب، وبدون أم وقال لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: تعلمون أني رسول الله وأنني نبي هذه الأمة، ~~فقالوا: أنظرنا غدا نتكلم في هذه المسائل، ودعاهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى الإيمان فقالوا: لا. وعندما يعرض الحق سبحانه صراع قضية ms1171 حق ~~مع قضية باطل فهو يقول: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24]. أي إن طرفا واحدا على هدى، والطرف الآخر على ضلال مبين، ~~لماذا؟ لأن القضيتين متناقضتان، ولا يمكن أن يجتمعا، ودعاهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى أن يجتمع بهم في مكان ظاهر، ويدعو الطرفان ~~الأبناء والنساء، ويبتهل الجميع إلى الله الحق أن تستنزل لعنة الله ~~على الكاذبين، وفي هذا جاء القول الكريم: { الحق من ربك فلا ~~تكن... }. ### || [3.60-61] # لقد جاء الحق البين والقول الفصل من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~فلا مجال للشك أو المراء، ومن يرد أن يحتكم إلى أحد فليقبل الاحتكام إلى ~~الإله العادل الذي لن يحكم بالباطل أبدا، فهو سبحانه الحق، ويجيء هذا ~~القول: { تعالوا ندع أبناءنا وأبنآءكم ونسآءنا ~~ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل ~~لعنت الله على الكاذبين } [آل عمران: 61]. إن الطرفين ~~مدعوان ليوجها الدعوة لأبنائهم ونسائهم، فالرسول صلى الله عليه وسلم مدعو ~~لدعوة أبنائه ونسائه، ومن له الولاية عليهم، وبحضوره هو صلى الله عليه ~~وسلم، وهم مدعون لدعوة أبنائهم ونسائهم وأنفسهم للابتهال. وقد يسأل سائل: ~~ولماذا تكون الدعوة للأبناء والنساء؟ والإجابة هي: أن الأبناء والنساء هم ~~القرابة القريبة التي تهم كل إنسان، وإن لم يكن رسولا، إنهم بضعة من ~~نفسه وأهله. فكان الرسول صلى الله عليه وسلم مأمور بأن يقول لهم: " هاتوا ~~أحبابكم من الأبناء والنساء لأنهم أعزة الأهل وألصقهم بالقلوب وادخلوا ~~معنا في مباهلة " " والمباهلة ": هي التضرع في الدعاء لاستنزال اللعنة ~~على الكاذب، فالبهلة - بضم الباء - هي اللعنة، وعندما يقول الطرفان: " ~~يارب لتنزل لعنتك على الكذاب منا " فهذا دعاء يحمل مطلق العدالة، فالإله ~~الذي يستطيع أن ينزل اللعنة هو الإله الحق. وهو سينزل اللعنة على من ~~يشركون به، ولو كانت اللعنة تنزل من الآلهة المتعددة فسوف تنزل اللعنة ~~على أتباع الإله الواحد. ولهذا كانت الدعوة إلى المباهلة والبهلة - كما ~~قلنا - وهي ضراعة إلى القوة القاهرة التي تتصرف في الأمر لتنهى الخلاف، ~~ثم صار المراد بالمباهلة هنا ms1172 مطلق الدعاء، فنحن نقول: " نبتهل إلى الله " ~~، أي ندعو الله. إذن فالرسول صلى الله عليه وسلم جاءهم بالأمر المنزل من ~~عند الله الحق بدعوة الأبناء والنساء والأنفس، لكنهم قالوا للرسول صلى ~~الله عليه وسلم: " أنظرنا إلى غد ونأتي إليك ". ثم أرسلوا في الصباح ~~واحدا منهم ليرى ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهل هو مستعد ~~لهذا الأمر حقيقة، أو هو مجرد قول منه أراد به التهديد فقط؟ ووجد رسولهم ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء ومعه الحسين والحسن وفاطمة وعلي ~~بن أبي طالب، لذلك قالوا: " لا لن نستطيع المباهلة " ، والله ما باهل قوم ~~نبيا إلا أخذوا، وحاولوا ترضية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ~~" لنظل على ديننا ويظل محمد وأتباعه على دينه " لقد ظنوا ان الدعوة إلى ~~المباهلة هي مجرد تهديد لن ينفذه الرسول، لكن صاحب اليقين الصادق جاء ~~ومعه أهله استعدادا للمباهلة، ولن يقبل على مثل هذا الموقف إلا من عنده ~~عميق الإيمان واليقين، أما الذي لا يملك يقينا فلن يقبل على المباهلة بل ~~لا بد أن يرجع عنها. # وقد رجعوا عن المباهلة، وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: لنتفق معا ~~ألا تغزونا أو تخيفنا على أن نرسل لك الجزية في رجب وفي صفر وهي من الخيل ~~وغير ذلك! لقد فروا من المباهلة لمعرفتهم أنهم في شك من أمرهم، أما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فكان على يقين بما أنزل الله عليه وكان العرب ~~إذا خرجوا إلى الحرب يأخذون نساءهم معهم، لذلك حتى يخجل الرجل من الفرار، ~~وحتى لا يترك أولاده ونساءه لكيلا يذلوا من بعد موته، فإن قتل قتلوا ~~معه هم أيضا. إذن إن أردنا نحن الآن أن ننهي الجدل في مسألة عيسى عليه ~~السلام فلنسمع قول الحق سبحانه وتعالى: { إن مثل عيسى عند ~~الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون * الحق من ربك فلا تكن من الممترين } ~~[آل عمران: 59-60] إنه الحق القادم من الربوبية فلا ms1173 تكن أيها السامع من ~~الشاكين في هذه المسألة. ومن أراد أن يأتي بحجة مضادة للحجة القادمة من ~~الله فلنا أن نحسمها بأن نقول: { تعالوا ندع أبناءنا ~~وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ~~ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين } [آل ~~عمران: 61]. ولن يجرؤ واحد منهم على ذلك. لماذا؟ لأن السابقين عليهم قد ~~فروا من المباهلة ولأن الله - سبحانه - يريد ان يزيد المؤمنين إيمانا ~~واطمئنانا إلى أن ما ينزله على رسوله هو الحق قال - جل شأنه -: { إن ~~هذا لهو القصص الحق... }. ### || [3.62] # وقوله الحق: { إن هذا لهو القصص الحق } [آل عمران: ~~62] يلفتنا إلى أن ما يرويه الحق لنا هو الحق المطلق، وليس مجرد حكاية أو ~~قصة، أو مزج خيال بواقع، كما يحدث في العصر الحديث، عندما أخذت كلمة ~~القصة في العرف الأدبي الحديث - القادم من حضارة الغرب - إن القصة بشكلها ~~الحديث المعروف إنما يلعب فيها الخيال دورا كبيرا، لكن لو عرفنا ان ~~كلمة " قصة " مشتقة من قص الأثر لبحث أهل الأدب فيما يكتبون من روايات ~~وخيالات عن كلمة أخرى غير " قصة " ، فالقصص هو تتبع ما حدث بالفعل لا ~~تبديل فيه ولا أخيلة. وها هو ذا الحق سبحانه وتعالى يقول: { إن ~~هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله } ~~[آل عمران: 62] فإذا جاء القصص من الإله الواحد فلنطمئن إلى أنه لا يوجد ~~إله آخر سيأتي بقصص أخرى، ولأن الله الواحد هو { العزيز الحكيم } ~~[أل عمران: 62] أي الغالب على أمره، ومع أنه غالب على أمره فهو حكيم في ~~تصرفه. لكن هل اتعظ القوم الذين جادلوا؟ لا، إن الحق يقول: { فإن ~~تولوا فإن الله عليم بالمفسدين... }. ### || [3.63] # إن قوله { فإن تولوا } [آل عمران: 63] يدل على أن الله قد علم ~~أزلا أنهم لن يقبلوا المباهلة، وهكذا حكموا على أنفسهم بأنهم المفسدون، ~~فصدق الحق سبحانه في قوله: { فإن تولوا فإن الله عليم ~~بالمفسدين } [آل عمران: 63] ومع ذلك فقد أمر الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم أن يدعوهم إلى الدين الكامل لأنهم مؤمنون بالإله، وبالسماء، ~~وبالكتاب، لذلك ms1174 يقول الحق: { قل يأهل الكتاب تعالوا ~~إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم... }. ### || [3.64] # إنها دعوة إلى كلمة مستوية لا التواء فيها { ألا نعبد إلا ~~الله } [آل عمران: 64] وهذا أمر لا جدال فيه، ثم { ولا نشرك ~~به شيئا } [آل عمران: 64] أي لا ندخل معه من لا يقدر على الارتفاع ~~إلى جلال كماله، فالعقول السليمة ترفض كلمة " الشرك " لأن الشرك يكون على ~~ماذا؟ هل الشرك على خلق الكون؟ إن كل مخلوق أشركوه في الألوهية إنما جاء ~~من بعد أن خلق الله الكون. أو يكون الشرك على إدارة هذا الكون؟ إذا كان ~~هذا هو السبب في الشرك فهو أتفه من أن يكون سببا لأن الحق سبحانه قادر ~~على إدارة هذا الكون، وأنزل منهجا إذا ما اتبعه الإنسان صار الكون ~~منسجما، إذن فأي شرك لا لزوم له. وإن كان - والعياذ بالله - له شريك ~~وتمتع إله ما بقدرات خاصة فهذه القدرات تنقص من قدرات الإله الثاني. وهذا ~~عجز في قدرة هؤلاء الآلهة، ولهذا يحسم الحق هذا الأمر بقوله الكريم: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما يصفون # [المؤمنون: 91]. إذن فمسألة الشركاء هذه ليست مقبولة، وبعد ذلك يقول ~~الحق: { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله } [آل عمران: 64]. أي ألا نأخذ من بعضنا كهنوتا وكهنة، يضع ~~الواحد منهم الحلال لنا أو الحرام علينا فالتحليل والتحريم إنما يأتي من ~~الله، وليس لمخلوق أن يحلل أو يحرم. ثم يقول الحق: { فإن تولوا ~~فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون } [آل عمران: 64] أي إن من ~~لا يقبل عبادة الإله الواحد الذي لا شريك له ولا أرباب تحلل أو تحرم، ~~إنما يريد أربابا وشركاء، وهذا معناه أن قلبه غير مستعد لتقبل قضية ~~الإيمان لأن قضية الإيمان تتميز بأن مصدرا واحدا هو الذي له مطلق ~~القدرة، وهو مصدر الأمر في الحركة وهو الواحد الأحد، فلا تتضارب الحركات ~~في الكون. إن حركاتنا كلها وهي الخاضعة لمنهج الله ب " افعل ms1175 " و " لا ~~تفعل " فلو أن هناك إلها قال: " افعل " وإلها آخر قال: " لا تفعل " ، ~~لكان معنى ذلك والعياذ بالله أن هؤلاء الآلهة أغيار لها أهواء. والحق ~~سبحانه يحسم هذا بقوله: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ~~ذكرهم معرضون # [المؤمنون: 71]. وهكذا كانت دعوة الله على لسان رسوله محمد صلى الله ~~عليه وسلم { قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا ~~نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا ~~من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا ~~مسلمون } [آل عمران: 64] إنها آية تحمل دعوة مستوية بلا نتوءات، فلا ~~عبادة إلا لله، ونحن لا نأخذ " افعل " و " لا تفعل " إلا من الله، ولا ~~نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا كهنوتا أو مصدرا للتحليل أو ~~التحريم، فإن رفضوا وتولوا، فليقل المؤمنون: { اشهدوا بأنا ~~مسلمون } [آل عمران: 64] أي أنه لا يوجد إلا إله واحد، ولا شركاء ~~له، وبعضنا لا يتخذ بعضا أربابا، وتلك شهادة بأن الإسلام إنما جاء ~~بالأمرالمستوى الذي لا عوج ولا نتوء فيه ونحن متبعون ما جاء به. # وبعد ذلك يقول الحق: { يأهل الكتاب لم تحآجون في ~~إبراهيم... }. ### || [3.65] # إن الحق يسألهم: لماذا يكون جدالكم في إبراهيم خليل الله؟ إن اليهود ~~منكم ينسبون أنفسهم إلى موسى، والنصارى منكم ينسبون أنفسهم إلى عيسى، ~~وإبراهيم عليه السلام لا يمكن أن يكون يهوديا كما يدعي اليهود، ~~فاليهودية قد جاءت من بعد إبراهيم والنصارى لا يمكنهم الادعاء بأن ~~إبراهيم كان نصرانيا، لأن النصرانية قد جاءت من بعد إبراهيم عليه ~~السلام، فلم المحاجة إذن؟ لقد أنزلت التوراة والإنجيل من بعد إبراهيم ~~فكيف يكون تابعا للتوراة والإنجيل؟ وبعد ذلك يقول الحق: { هأنتم ~~هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم... }. ### || [3.66] # أي لقد جادلتم فيما بقي عندكم من التوراة وتريدون أن تأخذوا الجدل على ~~أنه باب مفتوح، تجادلوا في كل شيء، وأنتم لا تعلمون ما يعلمه الخالق ~~الرحمن علام الغيوب. ويوضح الحق هذا الأمر فيقول: { ما ms1176 كان ~~إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا ~~مسلما... }. ### || [3.67] # وبذلك يتأكد أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديا، لأن اليهودية جاءت ~~من بعده. ولم يكن إبراهيم نصرانيا، لأن النصرانية جاءت من بعده، لكنه ~~وهو خليل الرحمن { كان حنيفا مسلما وما كان من ~~المشركين } ونحن نفهم أن كلمة " حنيفا " تعني الدين الصافي القادم ~~من الله، والكلمة مأخوذة من المحسات، فالحنف هو ميل في الساقين من أسفل، ~~أي اعوجاج في الرجلين، ثم نقل الحنف إلى كل أمر غير مستو. وهنا يتساءل ~~الإنسان، هل كان إبراهيم عليه السلام في العوج أو في الاستقامة؟ وكيف ~~يكون حنيفا، والحنف عوج؟ وهنا نقول: إن إبراهيم عليه السلام كان على ~~الاستقامة، ولكنه جاء على وثنية واعوجاج طاغ فالعالم كان معوجا. وجاء ~~إبراهيم ليخرج عن هذا العوج، وما دام منحرفا عن العوج فهو مستقيم، ~~لماذا؟ لأن الرسل لا يأتون إلا على فساد عقدي وتشريعي طاغ. والحق سبحانه ~~وتعالى ساعة ينزل منهجه يجعل في كل نفس خلية إيمانية. والخلية الإيمانية ~~تستيقظ مرة، فتلتزم، وتغفل مرة، فتنحرف، ثم يأتي الاستيقاظ بعد الانحراف، ~~فيكون الانتباه، وهكذا توجد النفس اللوامة، تلك النفس التي تهمس للإنسان ~~عند الفعل الخاطئ: أن الله لم يأمر بذلك. ويعود الإنسان إلى منهج الله ~~تائبا ومستغفرا، فإن لم توجد النفس اللوامة صارت النفس أمارة بالسوء، ~~وهي التي تتجه دائما إلى الانحراف، وحول النفس الواحدة توجد نفوس متعددة ~~تحاول أن تقاوم وتقوم المعوج، وهي نفوس من البيئة والمجتمع، فمرة يكون ~~الاعتدال والاتجاه إلى الصواب بعد الخطأ قادما من ذات الإنسان أي من ~~النفس اللوامة، ومرة لا توجد النفس اللوامة، بل توجد النفس الأمارة ~~بالسوء، لكن المجتمع الذي حول هذا الإنسان لا يخلو من أن يكون فيه خلية ~~من الخير تهديه إلى الصواب، أما إذا كانت كل الخلايا في المجتمع قد أصبحت ~~أمارة بالسوء فمن الذي يعدلها ويصوبها؟ هنا لابد أن يأتي الله برسول ~~جديد، لأن الإنسان يفتقد الردع من ذاتية النفس بخلاياها الإيمانية، ~~ويفتقد الردع من المجتمع الموجود ms1177 لخلوه كذلك من تلك الخلايا الطيبة، ~~وهكذا يطم الظلام ويعم، فيرسل الله رسولا ليعيد شعلة الإيمان في النفوس. ~~والله سبحانه وتعالى قد ضمن لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ألا يأتي لها ~~نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا فمن الضروري أن يوجد فيها ~~الخير ويبقى، فالخير يبقى في الذات المسلمة، فإذا كانت الغفلة فالنفس ~~اللوامة تصوب، وإن كانت هناك نفس أمارة بالسوء فهناك قوم كثيرون مطمئنون ~~يهدون النفس الأمارة إلى الصواب. وهكذا لن تخلو أمة محمد في أي عصر من ~~العصور من الخير، أما الأمم الأخرى السابقة فأمرها مختلف فإن الله يرسل ~~لهم الرسل عندما تنطفئ كل شموع الخير في النفوس، ويعم ظلام الفساد فتتدخل ~~السماء، وحين تتدخل السماء يقال: إن السماء قد تدخلت على عوج لتعدله ~~وتقومه. # إذن فإبراهيم عليه السلام جاء حنيفا، أي مائلا عن المائل، وما دام ~~مائلا عن المائل فهو مستقيم، فالحنفية السمحة هي الاستقامة. وهكذا نفهم ~~قول الحق: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ~~ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين } ~~[آل عمران: 67]. إن إبراهيم هو أبو الأنبياء، ولو لم تكن اليهودية قد ~~حرفت وبدلت، وكذلك النصرانية لكان من المقبول أن يكون اليهود والنصارى ~~على ملة إبراهيم لأن الأديان لا تختلف في أصولها، ولكن قد تختلف في بعض ~~التشريعات المناسبة للعصور، ولذلك فسيدنا إبراهيم عليه السلام لا يمكن أن ~~يكون يهوديا باعتبار التحريف الذي حدث منهم، أي لا يكون موافقا لهم في ~~عقيدتهم، وكذلك لا يمكن أن يكون نصرانيا للأسباب نفسها، لكنه { كان ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين } [آل عمران: 67] ~~أي أنه مائل عن طريق الاعوجاج. قد يقول قائل: ولماذا لم يقل الله: " إن ~~إبراهيم كان مستقيما " ولماذا جاء بكلمة " حنيفا " التي تدل على العوج؟ ~~ونقول: لو قال: " مستقيما " لظن بعض الناس أنه كان على طريقة أهل زمانه ~~وقد كانوا في عوج وضلال ولهذا يصف الحق إبراهيم بأنه { كان حنيفا ~~مسلما } [آل عمران: 67] وكلمة " مسلما " تقتضي " مسلما إليه " وهو ~~الله، ms1178 أي أنه أسلم زمامه إلى الله، ومسلما فيه وهو الإيمان بالمنهج. ~~وعندما أسلم إبراهيم زمامه إلى الله فقد أسلم في كل ما ورد ب " افعل ولا ~~تفعل " وإذا ما طبقنا هذا الاشتقاق على موكب الأنبياء والرسل فسنجد أن ~~آدم عليه السلام كان مسلما، ونوحا عليه السلام كان مسلما، وكل ~~الأنبياء الذين سبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مسلمين. كان كل ~~نبي ورسول من موكب الرسل يلقى زمامه في كل شيء إلى مسلم إليه وهو ~~الله، ويطبق المنهج الذي نزل إليه، وبذلك كان الإسلام وصفا لكل الأنبياء ~~والمؤمنين بكتب سابقة، إلى أن نزل المنهج الكامل الذي اختتمت به رسالة ~~السماء على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ب " افعل ولا تفعل " ولم ~~يعد هناك أمر جديد يأتي، ولن يشرع أحد إسلاما لله غير ما نزل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. لقد اكتملت الغاية من الإسلام، ونزل المنهج ~~بتمامه من الله. واستقر الإسلام كعقيدة مصفاة، وصار الإسلام علما على ~~الأمة المسلمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهي التي لا يستدرك عليها ~~لأنها أمة أسلمت لله في كل ما ورد ونزل على محمد صلى الله عليه وسلم. ~~لذلك قال الحق: { إن أولى الناس بإبراهيم للذين ~~اتبعوه... }. ### || [3.68] # ولنا أن نلحظ أن كل رسول من الرسل السابقين على سيدنا رسول الله إنما ~~نزل لأمة محددة، فموسى عليه السلام أرسله الله إلى بني إسرائيل، وكذلك ~~عيسى عليه السلام، قال تعالى: # ورسولا إلى بني إسرائيل # [آل عمران: 49] أي رسولا مسلما في حدود تطبيق المنهج الذي جاء به ونزل ~~إلى هؤلاء الرسل، فلما تغير بعض من التشريع وتمت تصفية المنهج الإيماني ~~بالرسالة الخاتمة، وهي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وهي عامة لكل البشر ~~فقد آمن بعض من أهل تلك الأمم برسالته عليه الصلاة والسلام، كما آمن بها ~~من أرسل فيهم سيدنا رسول الله، واستمر موكب الإيمان بالدين الخاتم إلى أن ~~وصل إلينا. وهكذا صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم ms1179 هي خاتمة الأمم ~~الإسلامية لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء والمرسلين. ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا ~~موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ~~ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين ". # وحين يقولون: إن إبراهيم عليه السلام كان يهوديا أو نصرانيا. إنما ~~أوردوا ذلك لأن إبراهيم عليه السلام فيه أبوة الأنبياء. وهم قد أرادوا أن ~~يستحضروا أصل الخلية الإيمانية في محاولة لأن ينسبوها إلى أنفسهم وكأنهم ~~تناسوا أن المسألة الإيمانية ليست بالجنس أو الوطن أو الدم، أو أي انتماء ~~آخر غير الانتماء لمنهج الله الواحد، ولذلك فأولى الناس بإبراهيم ليسوا ~~من جاءوا من ذريته، بل إن أولى الناس بإبراهيم هم الذين اتبعوه، ونبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم قد اتبع إبراهيم عليه السلام، لذلك فلا علاقة ~~لإبراهيم بمن جاء من نسله، ممن حرفوا المنهج ولم يواصلوا الإيمان، لقد ~~حسم الله هذه القضية مع إبراهيم عندما قال سبحانه: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي ~~قال لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]. لقد امتحن الحق إبراهيم بكلمات هي الأوامر والنواهي، ~~فأتمها إبراهيم عليه السلام تماما على أقصى ما يكون من الالتزام، ولم ~~يكن مجرد إتمام يتظاهر بالشكلية، إنما كان إتماما بالشكل والمضمون معا. ~~والمثال على تمام الأوامر والنواهي بالشكل فقط هو رؤيتنا لمن يتلقى الأمر ~~من الله بأن يصلي خمسة فروض، فيصلي هذه الفروض الخمسة كإجراء شكلي، لكن ~~هناك إنسانا آخر يصلي هذه الفروض الخمسة بحقها في الكمال مضمونا ~~وشكلا، إنه يتم الأوامر الإلهية إتماما يرضى عنه الله. ولقد أدى ~~إبراهيم عليه السلام الابتلاءات التي جاءت بالكلمات التكليفية من الله ~~على أكمل وجه. # ألم يأمر الله إبراهيم عليه السلام على أن يرفع القواعد من البيت؟ أما ~~كان يكفي إبراهيم عليه السلام لينفذ الأمر ms1180 برفع بناء الكعبة إلى أقصى ما ~~تطوله يداه؟ إنه لو فعل ذلك لكان قد أدى الأمر، لكن إبراهيم عليه السلام ~~أراد أن يوفي الأمر بإقامة القواعد من البيت تمام الوفاء، فبنى الكعبة ~~بما تطوله يداه، وبما تطوله الحيلة أيضا، فجاء إبراهيم عليه السلام بحجر ~~ليقف من فوقه، ويزيد من طول جدار الكعبة مقدار الحجر، لقد أراد أن يوفي ~~البناء بطاقته في اليدين وبحيلته الابتكارية أيضا، فلم يكن معروفا في ~~ذلك الزمان " السقالات " وغير ذلك من الأدوات التي تساعد الإنسان على ~~الارتفاع عن الأرض إلى أقصى ما يستطيع. ولو أن إبراهيم عليه السلام قد ~~رفع القواعد من البناء على مقدار ما تطوله يداه لكان قد أدى تكليف الله، ~~لكنه أراد الأداء بإمكاناته الذاتية الواقعية، وأضاف إلى ذلك حيلة من ~~ابتكاره، لذلك جاء بالحجر الذي يقف عليه ليزيد من جدار الكعبة، وهذا ما ~~نعرفه عندما نزور البيت الحرام ب " مقام إبراهيم " فلما أتم إبراهيم ~~الكلمات هذا الإتمام قال الحق سبحانه لإبراهيم: # إني جاعلك للناس إماما.. # [البقرة: 124]. إي إنك يا إبراهيم مأمون على أن تكون إماما للناس في ~~دينهم لأنك أديت " افعل ولا تفعل " بتمام وإتقان. ولنر غيرة إبراهيم عليه ~~السلام على منهج ربه، إنه لم يرد أن يستمر المنهج في حياته فقط، ولكنه ~~طلب من الله أن يظل المنهج والإمامة في ذريته، فقال الحق سبحانه على لسان ~~إبراهيم طالبا استمرار الأمانة في ذريته: # ومن ذريتي.. # [البقرة: 124]. إن سيدنا إبراهيم قد امتلأ بالغيرة على المنهج وخاف عليه ~~حتى من بعد موته، لكن الحق سبحانه وتعالى يعلم الخلق جميعهم من خلال ~~إبراهيم فيقول سبحانه: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]. أي أن المسألة ليست وراثة، لأنه سيأتي من ذريتك من يكون ~~ظالما لنفسه ويعدل في المنهج بما يناسب هواه، وهو بذلك لا تتوافر فيه ~~صفات الإمامة. إن الحق يعلمنا قواعد إرث النبوة، إن تلك القواعد تقضي أن ~~يرث الأنبياء من هو قادر على تطبيق المنهج بتمامه دون تحريف، والمثال على ~~ذلك ما علمه لنا رسول ms1181 الله صلى الله عليه وسلم حين قال لسلمان الفارسي: # " سلمان منا آل البيت ". # إن سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم لم يقل لسلمان الفارسي " أنت من ~~العرب " لا. بل نسبه لآل البيت، أي نسبه إلى إرث النبوة بما يتطلبه هذا ~~الإرث من تطبيق المنهج بتمامه، لقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~علمه الحق سبحانه لسيدنا إبراهيم عليه السلام عن إرث النبوة، فليس هذا ~~الإرث بالدم، إنما بتطبيق المنهج نصا وروحا، كما تعلم سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مما علمه له الحق عن نوح عليه السلام، لقد وعد الحق ~~نوحا بأن ينجيه وأهله من الطوفان ويرى نوح عليه السلام ابنه مشرفا على ~~الغرق، فيتساءل " ألم يعدني الله أن ينجي أهلي؟ " فينادي نوح عليه السلام ~~ربه، بما أورده القرآن الكريم حين قال: # ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي ~~وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين # [هود: 45]. فيقول الحق ردا على طلب نوح نجاة ابنه: # قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير ~~صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك ~~أن تكون من الجاهلين # [هود: 46]. ولننظر إلى التعليل القرآني لانتفاء الأهلية عن ابن نوح عليه ~~السلام " إنه ليس من أهلك "؟ لماذا؟ " إنه عمل غير صالح ". إن الحق لم ~~يقل " إنه عامل غير صالح " - الذاتية ممنوعة - لأن الفعل هو الذي يحاسب ~~به الله فالإيمان ليس نسبا، ولا انتماء لبلد ما، أو انتماء لقوم ما، إنه ~~العمل، فمن يعمل بشرع أي رسول يكون من أهل هذا الرسول، إن النسبة ~~للأنبياء لا تأتي للذات التي تنحدر من نسب النبي، بل يكون الانتساب ~~للأنبياء بالعمل الذي تصنعه الذات. وفي موقع آخر يعلمنا الحق عن سيدنا ~~إبراهيم موقفا يصور رحمة الخالق بكل خلقه من آمن منهم ومن كفر. لقد طلب ~~إبراهيم عليه السلام سعة الرزق لأهل بيته الذين جعل إقامتهم بمكة، كما ~~جاء في الكتاب الكريم: # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا ~~وارزق أهله ms1182 من الثمرات من آمن منهم.. # [البقرة: 126]. فهل استجاب الحق لدعوة إبراهيم برزق الذين آمنوا فقط من ~~أهل مكة؟ لا، بل رزق المؤمن والكافر. وعلم إبراهيم ذلك حينما قال له: # قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى ~~عذاب النار وبئس المصير # [البقرة: 126]. إن الرزق المادي مكفول من الحق لكل الخلق، مؤمنهم ~~وكافرهم، والاقتيات المادي مكفول من قبل الله لأنه هو الذي استدعى المؤمن ~~والكافر إلى هذه الدنيا. أما رزق المنهج فأمر مختلف، إن اتباع المنهج ~~يقتضي التسليم بما جاء به دون تحريف. وهذا المنهج لم يتبعه أحد ممن جاءوا ~~بعد إبراهيم عليه السلام إلا القليل، فمن آمن برسالة موسى عليه السلام ~~دون تحريف هم قلة. ثم جاء عيسى عليه السلام برسالة تبعد بني إسرائيل عن ~~المادية الصرفة إلى الإيمان بالغيب، لكن رسالة عيسى عليه السلام تم ~~تحريفها أيضا، وعلى ذلك فأولى الناس بإبراهيم عليه السلام هم الذين ~~اتبعوا المنهج الخاتم الصحيح والمصفى لكل ما سبق من رسالات، وهؤلاء هم ~~الذين آمنوا برسالة محمد صلى الله عليه السلام، والله ولي المؤمنين ~~جميعا من آمن منهم برسالة إبراهيم خليل الرحمن، إيمانا صحيحا كاملا، ~~ومن آمن برسالة محمد عليه الصلاة والسلام.. بعد ذلك يقول الحق سبحانه: { ~~ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم... }. ### || [3.69] # إن المعنى " ودت " هو " تمنت " و " أحبت ". ولماذا أحبوا أن يضلوا ~~المؤمنين؟ لأن المنحرف حين يرى المستقيم، يعرف أنه كمنحرف لم ينجح في أن ~~يضبط حركته على مقتضى التكليف الإيماني ل " افعل " و " لا تفعل " ، أما ~~الملتزم المؤمن فقد استطاع أن يضبط نفسه، وساعة يرى غير الملتزم إنسانا ~~آخر ملتزما، فإنه يحتقر نفسه ويقول بينه وبين نفسه حسدا للمؤمن: لماذا ~~وكيف استطاع هذا الملتزم أن يقدر على نفسه؟ ويحاول المنحرف أن يأخذ ~~الملتزم إلى جانب الانحراف، وعندما لا يستطيع جذب الملتزم إلى الانحراف ~~فهو يسخر منه، ويهزأ به، ويحاول أن يحتال عليه ليأخذه إلى جانب الانحراف. ~~ألم يقل الله سبحانه وتعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون ms1183 * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين # [المطففين: 29-33]. وهذا ما يحدث الآن عندما يرى أهل الانحراف إنسانا ~~مؤمنا ذا استقامة، فيسخرون منه بكلمات كالتي تسمعها " خذنا على جناحك " ~~أو يحاول النيل من إيمانه وعندما يعود أهل الانحراف إلى أهلهم فهم يروون ~~بتندر كيف سخروا من المؤمنين، وكأنهم يحققون السعادة لهؤلاء الأهل ~~بحكايات السخرية من الإنسان المؤمن، ويطمئن الحق المؤمنين بأن لهم يوما ~~يضحكون فيه من هؤلاء الكفار: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على ~~الأرآئك ينظرون # [المطففين: 34-35]. ويسأل الحق أهل الإيمان: # هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 36]. أي قد عرفتم كيف أجازي بالعقاب أهل الكفر. لذلك فأولى ~~الناس بإبراهيم هم المؤمنون برسالة محمد عليه الصلاة والسلام. ولا يفتأ ~~بعض من أهل الكفر من محاولة جذب المؤمنين إلى الضلال. إنهم يحبون ذلك ~~ويتمنونه، ولكن ليس كل ما يوده الإنسان يحدث، فالتمني هو أن يطلب الإنسان ~~أمرا مستحيلا أو عسير المنال، هم يحبون ذلك ولكن لن يصلوا إلى ما ~~يريدون، يشير إلى ذلك قوله تعالى: { ودت طآئفة من أهل ~~الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم ~~وما يشعرون } [آل عمران: 69]. إنهم يتمنون إضلال المؤمنين، لكن هل ~~يستطيعون الوصول إلى ذلك؟ لا: والمثال على ذلك هو ما فعله بعض أهل الكتاب ~~من اليهود عندما ذهبوا إلى معاذ بن جبل وإلى حذيفة الصحابيين الجليلين، ~~وذهبوا أيضا إلى عمار الصحابي الجليل وحاولوا فتنة معاذ وحذيفة وعمار ~~لكنهم لم يستطعوا. وعلينا أن نعرف أن " الضلال " يأتي على معان متعددة، ~~فقد يأتي الضلال مرة بمعنى الذهاب والفناء في الشيء، مثل قوله الحق: # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق ~~جديد بل هم بلقآء ربهم كافرون # [السجدة: 10]. لقد تساءل المشركون " أبعد أن نذوب في الأرض وتتفكك ~~عناصرنا الأولية نعود ثانية، ونبعث من جديد؟ ". وقد يأتي الضلال مرة ~~أخرى بمعنى عدم اهتداء الإنسان إلى وجه الحق، كما قال الحق وصفا لرسوله ~~صلى ms1184 الله عليه وسلم عندما رفض عبادة الأصنام وظل يبحث عن المنهج الحق. # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7]. أي أنك يا محمد لم يعجبك منهج قريش في عبادة الأصنام، وظللت ~~تبحث عن المنهج الحق، إلى أن هداك الله فأنزل إليك هذا المنهج القويم. ~~لقد كنت ضالا تبحث عن الهداية، فجاءتك النعمة الكاملة من الله. وهناك ~~لون آخر من الضلال، وهو أن يتعرف الإنسان على المنهج الحق، لكنه ينحرف ~~عنه ويتجه بعيدا عن هذا المنهج مثل قول الحق: { ودت طآئفة من ~~أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا ~~أنفسهم } [آل عمران: 69]. ونتساءل: كيف يحدث إضلال النفس؟ وتكون ~~الإجابة هي: أن الضال الذي يعرف المنهج وينكره إنما يرتكب إثما، ويزداد ~~هذا الإثم جرما بمحاولة الضال إضلال غيره، فهو لم يكتف بضلال ذاته بل ~~يزداد ضلالا بمحاولته إضلال غيره. وهذا القول الكريم قد حل لنا إشكالا ~~في فهم قوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى ~~حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى.. # [فاطر: 18]. وفي فهم قوله - جل شأنه -: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون # [النحل: 25]. وهكذا نعرف أن الوزر في آية فاطر هو وزر الضلال في الذات ~~والأوزار في سورة النحل هي لإضلال غيرهم فهولاء الضالون لا يكتفون بضلال ~~أنفسهم، بل يزيدون من ضلال أنفسهم أوزارا بإضلال غيرهم، فهم بذلك ~~يزدادون ضلالا مضافا إلى أنهم يحملون أوزارهم كاملة. { وما ~~يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون } [آل عمران: 69]. ~~إنهم لا يشعرون بالكارثة التي سوف تأتي من هذا الضلال المركب الذي ~~سينالون عليه العقاب. ولو أنهم تعمقوا قليلا في الفهم لتوقفوا عن إضلال ~~غيرهم، ولو بحثوا عن اليقين الحق لتوقفوا عن ضلال أنفسهم. ومن بعد ذلك ~~يقول الحق: { يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله... ~~}. ### || [3.70] # إن الحق يسألهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لم تكفرون بآيات الله ~~العجيبة وأنتم تشهدون؟ وهنا قد يسأل سائل هل شهد أهل الكتاب الآيات ~~العجيبة في ms1185 زمن رسول الله؟ والإجابة هي: ألم يستفتح اليهود على من ~~يقاتلونهم بمجيء نبي قادم؟ إنهم كانوا يدعون الله قائلين: إنا نسألك بحق ~~النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم ~~فكانوا ينصرون على أعدائهم فلما بعث - صلى الله عليه وسلم - كفروا به ~~بغيا وحسدا قال الله تعالى: # ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة ~~الله على الكافرين # [البقرة: 89]. لقد كفروا من أجل السلطة الزمنية. فقد كانوا يريدون الملك ~~والحكم. وهذا عبد الله بن سلام الذي كان يهوديا فأسلم قد قال عن سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني ~~ومعرفتي لمحمد أشد ". إذن فمعرفتهم بنعت رسول الله ووصفه موجودة في آيات ~~التوراة ولقد شهدوا الآيات البينات، لكنهم أنكروا الآيات طمعا في السلطة ~~الزمنية حتى ولو تطلب ذلك أن يحرف بعضهم منهج الله سبحانه وتعالي ~~ويحولوا هذا التحريف إلى سلطة زمنية فاسدة كهؤلاء الذين باعوا صكوك ~~الغفران ولذلك قال الحق عن هؤلاء الذين يحرفون منهج الله: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل ~~لهم مما يكسبون # [البقرة: 79]. إن العذاب هو مصير هؤلاء الدين يحرفون كلام الله ومنهجه. ~~ويقول الحق سبحانه: { يأهل الكتاب لم تلبسون الحق ~~بالباطل... }. ### || [3.71] # ومعنى " تلبس " هو إدخال شيء في شيء، فنحن عندما نرتدي ملابسنا، إنما ~~ندخل أجسامنا في الملابس، وبهذا يختلف منظر اللابس والملبوس. وفي مجال ~~الدعوة إلى الله نجد دائما الحق وهو يواجه الباطل، إنهم يخلطون الحق ~~بالباطل فهذه الآية تتحدث عن محاولة من بعض أهل الكتاب لإلباس الحق ~~بالباطل، وقد حدث ذلك عندما حرفوا التوراة والإنجيل وأدخلوا فيها ما لم ~~يأت به موسى عليه السلام أو عيسى عليه السلام، وكانت هذه هي محاولة ضمن ~~محاولات أخرى لإلباس الحق بالباطل، ثم جاءت أكبر المحاولات لإلباس الحق ms1186 ~~بالباطل هو إنكارهم للبشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم، رغم أنها ~~وردت في كتبهم السماوية. لقد أعلنوا الإيمان بموسى أو عيسى، ولم يؤمنوا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، لقد أنكروا بشارة موسى وعيسى برسالة محمد ~~الخاتمة، وكان ذلك قمة إلباس الحق بالباطل، لأنهم أعلنوا الإيمان برسولين ~~ثم أنكروا الإيمان بالنبي الخاتم وذلك لأنهم كانوا يعلمون أن الإسلام ~~الذي جاء به محمد رسول الله هو الدين الحق، وكانوا إذا ما خلوا إلى ~~أنفسهم عرفوا ذلك ولكنهم يجحدونه. # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # [النمل: 14]. ومع ذلك فهم يحاولون العثور على حيلة ليبتعد بها الناس عن ~~تلك الرسالة الخاتمة، تماديا منهم في الكفر، ونزل قول الحق: { وقالت ~~طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على ~~الذين آمنوا... }. ### || [3.72] # لقد أراد بعض من أهل الكتاب أن يشككوا المسلمين في أمر المنهج، لذلك ~~اصطنعوا تلك الحيلة، فالمؤمنون من العرب وقريش في ذلك الزمن كانوا أميين ~~وكانوا يعرفون أن أهل الكتاب على علم بمناهج السماء، ولم يكن القرآن كله ~~قد نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا ما آمن بعض منهم برسالة ~~رسول الله وجه النهار وكفروا به آخر النهار فهذا خلط للحق بالباطل. وفي ~~هذا خداع للمؤمنين. ولنا أن نعرف أن { وجه النهار } [آل عمران: ~~72] مقصود به ساعات الصباح والظهر، فالوجه هو أول ما يواجه في أي أمر، ~~ونحن نأخذ ذلك في أمثلة حياتنا اليومية، فنقول عن بائع الفاكهة: " لقد ~~صنع وجها للفاكهة " ، أي أنه قد وضع أنضج الثمار في واجهة العربة، وأخفى ~~خلف الثمار الصالحة الناضجة ثمارا أخرى فاسدة. وعندما يفعل التاجر مثل ~~هذا الفعل فمقصده الغش والخداع، لأن الإنسان إذا ما اشترى أي مقدار من ~~هذه الفاكهة فسيجد ربع ما اشترى هو من واجهة الفاكهة، والباقي من الثمار ~~الفاسدة. وكذلك حاول بعض من أهل الكتاب أن يخدعوا المؤمنين بإعلان ~~الإيمان أول النهار ثم إعلان الكفر آخر النهار، والهدف بطبيعة الحال هو ~~إشاعة الشك وزراعة البلبلة في نفوس المؤمنين بخصوص ms1187 هذا الدين، فقد يقول ~~بعض من الأميين: " لقد اختبر أهل الكتاب هذا الدين الجديد وهم أهل علم ~~بمناهج السماء ولم يجدوه مطابقا لمناهج السماء ". أو أن الآية قد نزلت ~~في مسألة تحويل القبلة إلى الكعبة، فإذا كان الحق سبحانه قد أمر سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ~~فالكافرون من أهل الكتاب أرادوا نقض ذلك، وقالوا: " فلنسمع أول النهار ~~كلام محمد ونتوجه في الصلاة إلى الكعبة ثم نصلي آخر النهار ونجعل قبلتنا ~~بيت المقدس ". وكأن الحق قد أراد بذلك أن يكشف لنا أن كل أساليب الكفر هي ~~من تمام قلة الفطنة وعدم القدرة على حسن التدبر، لقد أرادوا إشعال الحرب ~~النفسية ضد المسلمين، لعل بعضا من المسلمين يتشككون في أمر الدين ~~الجديد، لكنهم دون أن يلحظوا أنهم قد فضحوا أنفسهم، واعترفوا دون قصد ~~منهم بأن الذين آمنوا بالقرآن هم المؤمنون حقا بينما هم قد أخذوا ~~لأنفسهم موقف الكفر الذي هو نقيض للإيمان، قال سبحانه حكاية عنهم: { ~~آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه ~~النهار واكفروا آخره } [آل عمران: 72] فهم قد ارتضوا ~~لأنفسهم الكفر. لقد أعلن هؤلاء المشككون التصديق بالإسلام وذلك ليعرف ~~الناس عنهم ذلك، ولكنهم أهل كتاب فهم قادرون على الحكم عليه، فإذا ما ~~رجعوا عن الإسلام من بعد معرفته، فسيقولون: إن رجوعنا ليس بسبب الجهل أو ~~التعصب، إنما بسبب اختبارنا لهذا الدين، فلم نجده مناسبا ولا متوافقا ~~مع ما نزل على رسولنا. وهذا من أساليب الحرب النفسية. والحق سبحانه ~~وتعالى يكشف ذلك المكر والخداع للذين حاولوا أن يكتموا خداعهم ولعبتهم ~~الماكرة، والتي أرادوا بها التشكيك والخداع. فينزل على رسوله هذا القول ~~الحق: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن ~~الهدى هدى الله... }. ### || [3.73] # إن الحق سبحانه يكشف للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به من الأميين ~~لعبة إيمان بعض من أهل الكتاب بالإسلام وجه النهار والكفر به آخر النهار، ~~لقد طالب المتآمرون بعضهم بعضا أن يظل الأمر سرا حتى لا ms1188 يفقد المكر ~~هدفه وهو بلبلة المسلمين من الأميين، ولذلك قال هؤلاء المتآمرون بعضهم ~~لبعض: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم } [آل عمران: ~~73] أي لا تكشفوا سر هذه الخدعة إلا لمن هو على شاكلتكم، لكن الحق يكشف ~~هذا الأمر كله بنزول هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلاغه ~~إياها للمؤمنين، وبذلك فسد أمر تلك البلبلة، وارتدت الحرب النفسية إلى ~~صدور من أشعلوها، ويستمر القول الكريم في كشف خديعة هؤلاء البعض من أهل ~~الكتاب فيقول سبحانه: { قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى ~~أحد مثل مآ أوتيتم أو يحآجوكم عند ربكم } [آل ~~عمران: 73]. إن الحق سبحانه يكشف فعل الماكرين من أهل الكتاب الذين ~~أرادوا إعلان الإيمان أول النهار كلون من " هدى النفس " لكنه من صميم ~~الضلال والإضلال وذريعة له، ولم يكن هدى من الله لأن هدى الله إنما يوصل ~~الإنسان إلى الغاية التي يريدها الله، وهؤلاء البعض من أهل الكتاب أرادوا ~~بالخديعة أن يجعلوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أتباع يؤمنون ~~بالإسلام لقد تواصى هؤلاء القوم من أهل الكتاب بأن يكتموا اتفاقهم على ~~تمثيل الادعاء بالإيمان وجه النهار والكفر به في آخره، وألا يعلنوا ذلك ~~إلا لأهل ديانتهم حتى لا يفقد المكر هدفه، وهو بلبلة المسلمين. لقد أخذهم ~~الخوف لأن الناس إن أخذوا بدين محمد صلى الله عليه وسلم لأوتوا مثلما ~~أوتي أهل الكتاب من معرفة بالمنهج، بل إن المنهج الذي جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم هو المنهج الخاتم، وأهل المكر من أهل الكتاب إنما أرادوا ~~أن يحرموا الناس من الإيمان، أو أنهم خافوا أن يدخل المسلمون معهم في ~~المحاجة في أمر الإيمان، وكان كل ذلك من قلة الفطنة التي تصل إلى حد ~~الغباء. لماذا؟ لأنهم توهموا أن الله لا يعرف باطن ما كتموا وظاهر ما ~~فعلوا، إنهم تناسوا أن الحق يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وتطابق ~~ذلك مع سابق فعلهم عندما خرجوا من مصر، وذهبوا إلى التيه أثناء عبور ~~الصحراء، وادعوا أن ms1189 الله قال لموسى عليه السلام: " علموا بيوتكم أيها ~~الإسرائيليون، لأني سأنزل وأبطش بالبلاد كلها ". وكأنهم لو لم يضعوا ~~العلامات على البيوت فلن يعرفها الله، إنه كلام خائب للغاية بل هو منتهى ~~الخيبة والضلال، ويبلغ الحق رسوله الكريم: { قل إن الفضل بيد ~~الله يؤتيه من يشآء والله واسع عليم } [آل عمران: ~~73]. وما دام الفضل بيد الله فلن تستطيعوا يا أهل المكر بالمسلمين أن ~~تأخذوا أناسا كما تودون، وبعد ذلك تريدون أن تخدعوهم لأن الفضل حين ~~يؤتيه الله لمن آمن به فلن ينزعه إلا الله. فالحيلة لن تنزع فضل الإيمان ~~بالله ما دام قد أعطاه الله، والله واسع بمعنى أنه قادر على إعطاء الفضل ~~لكل الخلق، ولن ينقص ذلك من فضله شيئا، والحق سبحانه عليم بمن يستحق هذا ~~الفضل لأن قلبه مشغول بربه. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { يختص ~~برحمته من يشآء... }. ### || [3.74] # إن أحدا ليس له حق على الله فكل لحظة من لحظات الحياة هي فضل من الله، ~~وهو سبحانه يعطي رحمته بالإيمان بمنهجه لمن يشاء وهو صاحب الفضل المطلق. ~~وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { ومن أهل الكتاب من إن ~~تأمنه بقنطار يؤده إليك... }. ### || [3.75] # إنه مطلق الإنصاف الإلهي، فإذا كان الحق قد كشف للرسول بعضا من مكر أهل ~~الكتاب فذلك لا يعني أن هناك حملة على أهل الكتاب وكأنهم كلهم أهل سوء، ~~لا، بل منهم من يتميز بالأمانة، وهذا القول إنما يؤكد إنصاف الإله ~~المنصف العدل. إن الحق سبحانه يخاطب النفوس التي يعلمها، فهو يعلم أن ~~دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، قد نزلت رحمة للناس أجمعين، ويخاطب بها ~~العالم كله بمن فيه من أهل الكتاب، وهم الذين يعرفون الآيات والعلامات ~~التي تدل على مجيء رسالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنهم أناس ~~قد جعلوا دعوة محمد صلى الله عليه وسلم في بؤرة شعورهم ليدرسوها ويؤمنوا ~~بها. ولو أن الله قد جعل الحملة على كل أهل الكتاب، لقال الذين كفروا في ~~الإيمان برسول الله: " كنا نفكر في أن ms1190 نؤمن، ونحن نريد أن ننفذ تعاليم ~~الله لنا لكن محمدا يشن حملة على كل أهل الكتاب ونحن منهم ". فساعة يقول ~~الله إن بعضا من أهل الكتاب يتميزون بالأمانة فإن من تراوده فكرة ~~الإسلام يقولون: إن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يتكلم إلا عن نور من ~~ربه، لكن لو عمم القرآن الحكم على الكل، لتساءل الذين ينشغلون برغبة ~~الإيمان بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم " لماذا يعم الحكم ~~الجميع ونحن نسير في الطريق إلى الإيمان؟ ". ولهذا يضع الحق القول الفصل ~~في أن منهم أناسا يتجهون إلى الإيمان: # ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون ~~آيات الله آنآء الليل وهم يسجدون # [آل عمران: 113]. وفي هذا ما يطمئن الذين شغلوا أنفسهم بدراسة هذا الدين ~~والتفكير في أن يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. لو كان القرآن قد ~~نزل بلعنتهم جميعا لقال الذين يفكرون منهم في الإيمان " نحن لسنا كذلك ~~ولا نستحق اللعنة، فلماذا يأتي محمد بلعنتنا؟ ". لذلك نرى القول بأن { ~~ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك } [آل عمران: 75] العدل المطلق في الإنصاف: وقد قال بعض ~~المفسرين: إن القرآن يقصد هنا من " أهل الكتاب " النصارى لأن منهم أصحاب ~~ضمير حي، ونحن نعرف أن المقصود بأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وفي هذا ~~التفسير إنصاف للنصارى فصفة الخير لهم لا ينكرها الله، بل يشيعها في ~~قرآنه الذي يتلى إلى يوم الدين، وذلك ليصدق أيضا أهل الكتاب أي أمر ~~سيء تنزل فيه آيات من القرآن، لأن القرآن منصف مطلق الإنصاف. فما دام قد ~~قال خصلة الخير فيهم فلا بد أن يكون صادقا عندما يقول الأمور السيئة ~~التي اتصفوا بها. # وعندما يقول الحق سبحانه: " ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك " فالقنطار هنا للمبالغة في القدر الكبير من المال، وكلمة الأمانة ~~حينما نستعرضها في كتاب الله عز وجل نجد أنها مرة تتعدى بالباء، كمثل هذه ~~الآية { من إن تأمنه بقنطار } [آل عمران: 75] ومرة تتعدى ب ~~" على ": # قالوا ms1191 يأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا ~~له لناصحون # [يوسف: 11]. وقوله الحق: # قال هل آمنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه ~~من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين # [يوسف: 64]. إن مادة الأمانة تأتي متعدية مرة بالباء، ومرة متعدية ب " ~~على ". وكل حرف من هذين الحرفين له حكمة، فالمتكلم هو الله. إن الأمانة ~~هي شيء يأتمن فيه مؤتمن على مؤتمن ولا حجة لصاحب الشيء المؤتمن عليه ~~إلا ذمة المؤتمن، فإن كانت العلاقة بينهما محكومة بإيصال أو عقد، أو ~~شهود فهذه ليست أمانة، إنما الأمانة هي ما يعطيها إنسان لآخر فيما ~~بينهما، وبعد ذلك فالمؤتمن بعد ذلك إما أن يقر بها وإما لا يقر ~~بها. وقلنا سابقا: إن على المؤمن الحق أن يحتاط للأمانة، لأن هناك وقتا ~~تتحمل فيه الأمانة، وهناك وقت آخر تؤدى فيه الأمانة إن طلبها صاحبها. ~~ومثال تحمل الأمانة كأن يعرض عليك إنسان مبلغا من المال، ويقول: " احفظ ~~هذا المبلغ أمانة عندك " فتقول له: نعم سأفعل. وتأخذ المبلغ، إن هذا ~~الفعل يسمى " التحمل " ، وعندما يأتي صاحب المال ليطلبه فهذا اسمه " ~~الأداء " والكل يضمنون أنفسهم وقت التحمل، وقد تكون النية هكذا بالفعل، ~~ولكن المؤمن الحق لا يأمن ظروف الأغيار، فمن المحتمل أنه عندما يأتي صاحب ~~المال ليطلبه من المؤتمن يجد المؤمن نفسه وقد انشغل بالأغيار، فقد تكون ~~ظروف الحياة قد داهمته مما دفعه ليتصرف في الأمانة أو أن تكون نفسه قد ~~تحركت، وقالت له: وماذا يحدث لو تصرفت في الأمانة؟ إن المؤمن الحق لا ~~يضمن نفسه وقت الأداء، وإن ضمن نفسه وقت التحمل. إذن يجب أن نلحظ في ~~الأمانة ملحوظتين هما " الأداء " و " التحمل ". والذين يأخذون الأمانة ~~وفي نيتهم أن يؤدوها ضمنوا أنفسهم وقت التحمل، لكنهم لا يضمنون أنفسهم ~~وقت الأداء لذلك فالمؤمن المحتاط يقول لنفسه: ولماذا أعرض نفسي لذلك، فقد ~~يأتي وقت الأداء فلا أستطيع ردها لصاحبها. لذلك يقول لصاحب الأمانة: ~~أرجوك ابتعد عني فأنا لن أحمل هذه الأمانة. إنه خائف من وقت الأداء وذلك ~~ما حدث ms1192 في أمانة التكليف والاختيار والتي قال عنها الحق سبحانه: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. إن السماء والأرض والجبال طلبوا ألا يكون لهم اختيار وأن ~~يظلوا مقهورين لأنهم لا يضمنون لحظة الأداء، أما الإنسان فلأنه ظلوم جهول ~~فقد قال: " لا، إنني عاقل وسأرتب الأمور " فالإنسان ظلوم لنفسه، وجهول ~~لأنه لم يعرف ماذا يفعل وقت الأداء. لذلك نرى هنا القول الحق: { ومن ~~أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار } [آل عمران: 75] ~~ونجد الأمانة متعدية بالباء، فمعنى الباء - في اللغة - الإلصاق، أي التصق ~~القنطار بأمانته، فأصبح هناك ارتباط وامتزاج، وإياك ساعة الأداء أن تفصل ~~الأمانة عن القنطار، فساعة يغريك قنطار الذهب ببريقه فعليك أن تلصق ~~الأمانة بالقنطار، وإياك أن يغريك القنطار فتترك أمانتك لأنك إن نظرت إلى ~~القنطار دون أن تنظر إلى الأمانة فهذه هي الخيبة. أما استعمال " على " مع ~~الأمانة، ف " على " في اللغة تأتي للاستعلاء والتمكن، أي اجعل الأمانة ~~مستعلية على القنطار، وبذلك تصير أمانتك فوق القنطار، فساعة تحدثك نفسك ~~بأن تأخذ القنطار لأنه يدير لك حركة حياتك، ولأنه يخرجك إلى دنيا عريضة ~~مغرية فتذكر عز الأمانة، ولهذا نجد الفقهاء قد قالوا بقطع يد السارق في ~~ربع دينار، وجعلوا دية قطع يد إنسان لم يسرق خمسمائة دينار وتساءل البعض ~~قائلا: # يد بخمس مئين عسجد وديت # ما بالها قطعت في ربع دينار # فقال فقيه ردا على ذلك المعترض: # عز الأمانة أغلاها، وأرخصها # ذل الخيانة، فافهم حكمة الباري # إذن قول الحق سبحانه وتعالى: { ومن أهل الكتاب من إن ~~تأمنه بقنطار يؤده إليك } [آل عمران: 75] هذا القول ~~جاء بالباء ليلصق الأمانة بالمؤتمن عليه، وجاد بالمؤتمن عليه وهو القنطار ~~وهو أضخم شيء في عالم الموازين وكان من الذهب وهو أثمن المعادن وأغلاها ~~ليؤكد على كل مؤتمن أن يلصق الأمانة بما أؤتمن عليه ولا يفصل بينهما ~~أبدا لأنه لو فصل الأمانة وعزها عن القنطار ربما سولت له نفسه أن ~~يأخذ القنطار ويترك الأمانة. ms1193 وكذلك عندما تأتي الأمانة متعدية بعلى، تكون ~~الأمانة فوق الشيء المؤتمن عليه، فالأمانة يجب أن تكون مستعلية على الشيء ~~مهما غلت قيمته، ويقول الحق من بعد ذلك: { ومنهم من إن ~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت ~~عليه قآئما } [آل عمران: 75] أي أن تكون دائم السؤال عن دينارك ~~الذي ائتمنت عليه ذلك الإنسان، وأن تلح في طلب دينارك. ومن بعد ذلك يقول ~~الحق: { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين ~~سبيل } [آل عمران: 75] وقد قام بعض من بني إسرائيل على عهد رسول الله، ~~يخديعة الأميين من العرب المؤمنين فأنكروا حقوقهم. والمقصود بالأميين هنا ~~المؤمنون الذين لم يكونوا من أهل الكتاب، أو هم المنسوبون إلى الأم كما ~~قال الحق: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. أو أن يكون المقصود " بالأميين " أهل مكة، فقد كانوا ~~يسمونهم كذلك لأنهم منسوبون إلى أم القرى " مكة المكرمة ". من أين جاء ~~أهل الكتاب إذن بهذا الأسلوب المزدوج في معاملة الناس؟ ومن الذي وضع هذا ~~المنهج الذي يقضي بخديعة المؤمنين الأميين؟ وهل الفضائل ومنازل الخلق ~~تختلف في المعاملة من إنسان إلى آخر؟ وهل يقضي الخلق القويم أن يأخذ ~~إنسان الأمانة وينكرها إذا كانت لرجل أمي؟ ويرد الأمانة ويعترف بها إن ~~كانت ليهودي؟ هل يصح أن يقرض إنسان أمواله بالربا لغير اليهود، ويقرض ~~اليهود دون ربا؟ إذن تكون هذه المعاملات مجحفة، هنا فضيلة، وهناك لا ~~فضيلة، لا، إن القضية يجب أن تكون مستوية ومكتملة في كل وقت وكل زمان ~~ولكل إنسان، ولا ينبغي أن تتنوع. من أين إذن جاءوا بهذا القول وهم أهل ~~كتاب؟ إن هذا ضد منهج الكتاب الذي أنزله الله عليهم بل هو من التحريف ~~والتحوير لقد خدعوا أنفسهم وألصقوا بالتشريع ما ليس فيه، فالكتاب السماوي ~~الذي نزل عليهم ليس به تصنيف البشر صنفين: صنف هم أهل الكتاب ولهم معاملة ~~خاصة، وصنف هم الأميون ولهم معاملة أخرى، وكان عليهم ان يتعلموا من عدالة ~~رسول الله ms1194 صلى الله عليه وسلم في معاملتهم. لقد أرخ لهم رسول الله بالنص ~~المنزل عليه من الله التأريخ الصادق والعادل، في هذا القول الكريم الذي ~~نتناوله بالخواطر إنما يسجل تاريخ اليهودية مع الإسلام. وهذا التأريخ لم ~~يصدر فيه الله حكما واحدا يشملهم جميعا، بل أنصف أصحاب الحق منهم، وإن ~~كانوا على دين اليهودية، وبذلك استقر في أذهان المنصفين منهم أن الإسلام ~~قد جاء بكل الحق، فلو كان الإسلام قد أصدر حكما واحدا ضد كل اليهود سواء ~~من وقف منهم ضد دعوة رسول الله أو المنصف منهم الذي تراوده فكرة الإيمان ~~بالإسلام، لو كان مثل ذلك الحكم العام الشامل قد صدر لقال المنصفون من ~~اليهود: نحن نفكر في أن نؤمن بالإسلام فكيف يهاجمنا الإسلام هذه ~~المهاجمة؟ لكن الإسلام جاء لينصف فيعطي كل ذي حق حقه. وهؤلاء هم الذين ~~يؤرخ الله لهم بالقول: { من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك } [آل عمران: 75] وتلك شهادة على صدق اليقين من هؤلاء، أما ~~الذين طغت عليهم المادية فهؤلاء هم الذين جاء فيهم القول الحكيم: { ~~ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ~~إلا ما دمت عليه قآئما } [آل عمران: 75] وهذا هو التأريخ ~~الصادق لمن طغت عليهم المادة فلا يرد الإنسان منهم ما عليه إلا بعد ~~الملاحقة والمطاردة، وهكذا يبلغنا القرآن التاريخ بصدق. والعلة في أن ~~الذي يؤتمن على قنطار يؤديه، والذي يؤتمن على دينار لا يؤديه هي علة ~~واضحة فالمؤتمن على قنطار ويؤديه هو إنسان ملتزم أمام إله موصوف باسم ~~الحق، ولا يريد الله من عباده إلا أن يواجهوا حركة حياتهم بالحق. # وأكرر هنا مرة أخرى، إن كلمة " الأمانة " ترد في القرآن الكريم مرة وهي ~~متعدية ب " على " ، ومرة أخرى وهي متعدية بالباء، لأن الباء تأتي في ~~اللغة لإلصاق شيء بشيء آخر، فكأنك إذا اؤتمنت أيها المسلم فلا بد أن ~~تلتصق بالأمانة حتى تؤديها، وكذلك جاءت الأمانة متعدية ب " على " ، أي ~~أنك أيها المؤمن إذا اؤتمنت فعليك أن تستعلي على الشيء الذي اؤتمنت عليه. ~~فإذا ما اؤتمنت ms1195 على مائة جنيه مثلا فلا تنظر إلى ما يعود عليك من نفع ~~إذا ما تصرفت في هذا المبلغ، بل يجب أن تستعلي على تلك المنفعة. فإياك أن ~~تغش نفسك أيها المؤمن بفائدة ونفاسة الشيء الذي تختلسه من الأمانة، بل ~~قارن هذا الشيء بالأمانة فستجد أن كفة الأمانة هي الراجحة. والذين ~~استباحوا خيانة الأمانة من أهل الكتاب، إنما عميت بصيرتهم عن أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد نال الشهرة بالأمانة سواء قبل الرسالة أو ~~بعدها. وعميت أبصارهم، إن الدين الحق لا يفرق في أداء الأمانة بين صنف من ~~البشر، وصنف آخر فالدين الحق يضم تشريعا من إله خلق الجميع وهكذا نجد أن ~~تشريعهم بالتفرقة في أداء الأمانة هو تشريع من عند أنفسهم، وليس من الرب ~~المتولي شئون خلقه جميعا، ويدحض الحق القضية التي حكموا بوساطتها أن ~~يعاملوا الأميين معاملة تختلف عن معاملتهم لأهل الكتاب، فقال سبحانه: { ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } [آل عمران: ~~75]. يعلمون ماذا؟ يعلمون ان قولهم كذب، فهم يعرفون الحكم الصحيح ~~وينحرفون عنه، وياليتهم قالوا: إن ذلك الحكم من عند أنفسهم، لكنهم ينسبون ~~ذلك إلى تعاليم دينهم، وتعاليم الدين - كما قلنا - مأخوذة من الله، وهم ~~بذلك - والعياذ بالله - يفترون على الله كذبا بأنه خلق خلقا ثم صنفهم ~~صنفين: صنفا تؤدى الأمانة له، وصنفا لا تؤدى الأمانة له، وهكذا كذبوا ~~على الله وعلموا أنهم كاذبون، وهذا هو الافتراء. وهم أيضا يعلمون ~~العقوبة التي تلحق بمن يكذب على الله ورغم ذلك كذبوا. لقد حذف الحق في ~~هذه الآية المفعول به لم يقل: " يعلمون كذا ". الحق حين يحذف " المفعول " ~~فهو يريد أن يعمم الفهم ويريد أن يعمم الحركة، إنه سبحانه يريد أن يبلغنا ~~بأن هؤلاء يعلمون أن قولهم هذا كذب، ويعلمون عقوبة ذلك الكذب.. وساعة ~~تأتي قضية منفية ثم يأتي بعدها كلمة " بلى " فإنها تنقض القضية التي ~~سبقتها ومعنى ذلك أنها تثبت ضدها. لقد قالوا: " ليس علينا في الأميين ~~سبيل " وهذه قضية منفية ب " ليس " ، والحق يقول في الآية ms1196 التالية: { ~~بلى من أوفى بعهده واتقى... }. ### || [3.76] # إن قول الحق في بداية هذه الآية " بلى " إنما جاء لينقض القضية السابقة ~~التي ادعاها أهل الكتاب، وكأن الحق يقول: أي عليكم في الأميين سبيل لأن ~~المشرع هو الله، والناس بالنسبة له سبحانه سواء. وبعد ذلك يأتي قول الحق ~~بقضية عامة: { بلى من أوفى بعهده واتقى فإن ~~الله يحب المتقين } [آل عمران: 76]. ما العهد هنا؟ وأي عهد؟ ~~إنه العهد الإيماني الذي ارتضيناه لأنفسنا بأننا آمنا بالله وساعة تؤمن ~~بالإله فمعنى إيمانك به هو حيثية قبولك لكل حكم يصدر منه سبحانه، وأن ~~تلتزم بما يطلبه منك. وإن لم تلتزم بما يطلبه منك كان إيمانك بلا قيمة ~~لأن فائدة الإيمان هو الالتزام. ولذلك قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى حينما ~~يريد تشريع حكم لمن آمن به ينادي أولا يأيها الذين آمنوا كتب عليكم كذا، ~~إن الحق سبحانه لا ينادي في التكليف كل الناس، إنما ينادي من آمن وكأن ~~سبحانه يقول: " يا من آمن بي إلها، اسمع مني الحكم الذي أريده منك. أنا ~~لا أطلب ممن لم يؤمن بي حكما، إنما أطلب ممن آمن ". وهنا يقول الحق: { ~~من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب ~~المتقين } [آل عمران: 76] وقد يفهم البعض هذا القول بأن من أوفى ~~بعهده الإيماني واتقى الله في أن يجعل كل حركاته مطابقة ل " افعل ولا ~~تفعل " فإن الله يحبه. هذا هو المعنى الذي قد يفهم للوهلة الأولى، لكن ~~الله لم يقل ذلك، إن " الحب " لا يرجع إلى الذات بل يرجع إلى العمل، لقد ~~قال الحق: { فإن الله يحب المتقين } [آل عمران: 76]. إن ~~الإنسان قد يخطئ ويقول: " لقد أحبني الله، وسأفعل من بعد ذلك ما يحلو لي ~~" ونحن نذكر صاحب هذا القول بأن الله يحب العمل الصالح الذي يؤديه العبد ~~بنية خالصة لله وليس للذات أي قيمة، لذلك قال: { من أوفى ~~بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين } [آل ~~عمران: 76]. إن الذي أوفى بعهده واتقى سيحب الله فيه التقوى، وإياك أن ~~تفهم أن الحب من الله ms1197 للعبد سيصبح حبا ذاتيا، لكنه حب لوجود الوصف فيه، ~~فاحرص على أن يكون الوصف لك دائما، لتظل في محبوبية الله. ولذلك نقول: ~~إن الحق سبحانه وتعالى أوضح لنا أن الذات تتناسل من ذات، والذوات عند ~~الله متناسلة من أصل واحد. فالجنس ليس له قيمة، إنما القيمة للعمل ~~الصالح. وقد ضربنا المثل قديما، وقلنا: إن الحق سبحانه وتعالى حينما وعد ~~نوحا عليه السلام بأن ينجيه من الغرق هو وأهله، ثم فوجئ نوح بأن ابنه من ~~المغرقين، قال سبحانه حكاية عما حدث: # قال سآوي إلى جبل يعصمني من المآء قال لا ~~عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال ~~بينهما الموج فكان من المغرقين # [هود: 43]. ماذا فعل نوح عليه السلام؟ لقد نادى ربه طالبا نجاة ابنه: # ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي ~~وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين # [هود: 45]. ويعلمنا الله من خلال رده على نوح، أن أهل الأنبياء ليسوا من ~~جاءوا من نسلهم، إنما أهل الأنبياء هم من جاءوا على منهجهم، لذلك قال ~~الحق لنوح عن ابنه: # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.. # [هود: 46]. لماذا يكون ابن نوح ليس من أهل نوح؟ ذلك لأن أهل النبوة هم ~~الذين يتبعون منهج النبوة، ولذلك لم يقل الحق لنوح عن ابنه: " إنه عامل ~~غير صالح " لكن الحق سبحانه قال عن ابن نوح: " إنه عمل صالح ".. لقد نسب ~~الحق الأمر إلى العمل. إذن فالحكمة هي أن الله سبحانه وتعالى في أسلوبه ~~القرآني يوضح لنا أن الله لا يحب شخصا لذاته، إنما لعمله وصفاته فلم ~~يقل: " من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحبه " ، لأن " الهاء " هنا ترجع ~~إلى الذات، إن في ذلك إيضاحا كامل البيان بأن الله يحب عمل العبد لا ذات ~~العبد، فإن حرص العبد على محبوبية الله فذلك يتطلب من العبد أن يظل ~~متبعا لمنهج الله، وبعد ذلك يقول الحق: { إن الذين يشترون ~~بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا ~~خلاق لهم في الآخرة... }. ### || [3.77] # وساعة نسمع كلمة ms1198 " شراء وبيع " فلا بد أن نتوقف عندها لنفهم معناها ~~بدقة. ونحن في الريف نرى المقايضات أو المبادلات في الرزق الذي له نفع ~~مباشر، كأن يبادل طرف طرفا آخر، قمحا بقماش، فهذه سلعة يتم مبادلتها ~~بسلعة أخرى، وعلى ذلك فليس هناك شار وبائع، لأن كل من الطرفين قد اشترى ~~وباع. وهنا نسأل: متى يصبح الأمر إذن شراء وبيعا؟ إن الشراء والبيع ~~يحدث عندما نستبدل رزقا مباشرا برزق غير مباشر، ومثال ذلك عندما يشتري ~~الإنسان رغيف خبز بخمسة قروش، إن هذا هو الشراء والبيع، لأن الخمسة قروش ~~هي رزق غير مباشر النفعية لأن النقود لا تشبعك ولا ترويك من عطشك ولا ~~تسترك. والرغيف هو رزق مباشر النفعية لأنه يشبعك ويدفع عنك الجوع وعندما ~~يحب الإنسان أن يشتري شيئا فإن الذي يدفعه في الشراء يسمى ثمنا. إذن ~~فكيف يشتري الثمن؟ إن الحق يوضح لنا أن الأثمان لا تكون مشتراة أبدا، ~~إنها مشترى بها، ولذلك تكون أول خيبة في صفقة الذين يشترون بعهد الله ~~ثمنا قليلا، أنهم اشتروا الثمن، بينما الثمن لا يشترى، فالذي يشتري هو ~~السلعة. وياليت الثمن الذي اشتروه ثمن له قيمة، لكنه ثمن قليل، ومن هنا ~~جاء تحريم الربا لأن المرابي يعطي الشخص مائة، ويريد أن يسترده مائة ~~وعشرة، ويكون المرابي في هذه المسألة قد جعل النقود سلعة، وهكذا تكون ~~الصفقة خائبة من بدايتها. إذن فأول خيبة في نفوس الناس الذين يستبدلون ~~الهدى ويأخذون بدلا منه الضلال، إنهم خاسرون. # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ~~ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين # [البقرة: 16]. والحق سبحانه يقول هنا: { إن الذين يشترون ~~بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [آل عمران: 77]. ~~ونعرف أن " الباء " دائما تدخل على المتروك، أي أنهم تركوا عهد الله ~~والأيمان التي حلفوا بها على التصديق بالرسول، وعلى نصرته إذا جاءهم، ~~أنهم اشتروا ذلك بثمن قليل، كيف يحدث ذلك؟ لهذه المسألة واقعة حال، وإن ~~كان المراد عموم الموضوع لا خصوص السبب، فلا يقولن أحد: إن هذه الآية ~~نزلت في الأمر الفلاني فلا شأن لي ms1199 بها، لا فكل من يشتري بآيات الله ثمنا ~~قليلا تنطبق عليه هذه الآية. وواقعة الحال التي نزلت فيها الآية هي أن ~~جماعة في عهد جدب ومجاعة دخلت على كعب بن الأشرف اليهودي يطلبون منه ~~الميرة - أي الطعام والكسوة - فقال لهم: هل تعلمون أن هذا الرجل رسول ~~الله؟ قالوا نعم، قال: إنني هممت أن أطعمكم وأن أكسوكم ولكن الله حرمكم ~~خيرا كثيرا وتساءلوا: لماذا حرمنا الله الخير الكثير؟ وجاءتهم الإجابة ~~لقد أعلنتم الإيمان بمحمد فلما وجدوا أنفسهم في هذا الموقف، قالوا لكعب ~~بن الأشرف: دعنا فترة لأنه ربما غلبتنا شبهة، فلنراجع فيها أنفسنا. # وعندما مرت الفترة، فضلوا الطعام والكسوة على الإيمان، وقالوا لكعب بن ~~الأشرف: لقد قرأنا في كتبنا الموجودة لدينا خطأ، ومحمد ليس رسولا. ~~فأعطاهم كعب القوت والكسوة. وهؤلاء هم الذين اشتروا بآيات الله ثمنا ~~قليلا، وهو الطعام والكسوة. وكل من يشتري بآيات الله ثمنا قليلا، فهو ~~يطمس حكما من أحكام الله من أجل أن يتظاهر أمام الناس أنه عصري، أو أنه ~~مساير لروح الزمان، أو يزين لأولياء الأمر فعلا من الأفعال لا يرضى عنه ~~الله. إذن فالذي يفعل مثل ذلك إنما يشتري بآيات الله ثمنا قليلا، وكل ~~من يجعل آية من آيات الله عرضة للبيع من أجل أن يأخذ عنها ثمنا يعتبر ~~داخلا في هذا النص { إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا } [آل عمران: 77]. والمقصود هنا بعهد ~~الله، إما أن يكون عهد الفطرة أو العهد الذي أخذه الله على أهل الكتاب ~~بأنهم إن أدركوا بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بد أن يعلنوا ~~الإيمان به هو العهد الذي جاء به القول الحق: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران: 81 ]. إذن فعندما جاءت صفة تكذيبهم لما أعلنوه من إيمان سابق ~~مقابل الميرة والكسوة، فهم قد تركوا عهد ms1200 الله وأخذوا الثمن القليل من ~~الميرة والكسوة، وكان ذلك خيبة كبرى فهم قد اشتروا الثمن، والثمن مع ذلك ~~قليل، ولذلك يقول عنهم الحق: { أولئك لا خلاق لهم في ~~الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم ~~القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } [آل عمران: ~~77]. وكلمة " أولئك " تدل على أن الصلة وهي { يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا } [آل عمران: 77] تلحق بهم ~~كل من يتصف بهذه الصفات وتجعل له المصير نفسه. فهذه الآية وإن نزلت في ~~هؤلاء الأشخاص الذين جرت منهم حادثة شراء الطعام والكسوة مقابل النكوص عن ~~الإيمان برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها تشمل كل متصف بهذه ~~الصفة وكل من كان على هذا اللون في أي عصر، وفي أي دين من الأديان، ~~ويصفهم الحق سبحانه ب { أولئك لا خلاق لهم } [آل عمران: ~~77]. وكلمة " خلاق " وكلمة " خلق " وكلمة " خليقة " وكلمة " خلق " كلها ~~تدور حول معنى يكاد يكون متقاربا، فالخلق - بضم الخاء واللام - أن توجد ~~صفة في الإنسان تغلب عليه حتى تصير ملكة. فيقال: " فلان عنده خلق الصدق " ~~أو " فلان خلقه الكرم " ومعناه: أن فلانا الأول صار الصدق عنده ملكة ولا ~~يتعب نفسه في أن يكون صادقا بل صار الصدق أمرا طبيعيا فيه، وكذلك وصف ~~فلان الثاني بالكرم أي أن الكرم صار ملكة وسجية عنده. # وهذه الملكة في الأمور المعنوية تساوي الآلية في الأمور الحسية لأننا ~~نعرف أن كل فعل من الأفعال يحتاج إلى دربة ليكون الإنسان متميزا في ~~أدائه، وعلى سبيل المثال، العامل الذي ينسج على آلة يحتاج إلى أن يتدرب ~~على تحريك مكوك الخيط، وأن يتعلم كيف يحرك المكوك بين خيوط النسيج، وبعد ~~ذلك يختلف الخيطان معا لتمسك بهما حركة المكوك الثانية في ارتدادها، ~~وبذلك يتم النسيج، وحين يتدرب إنسان على هذا العمل فهو يحتاج إلى وقت ~~طويل، ليصل إلى كفاءة الحركة. في بداية التدريب يكون الأمر صعبا، ~~ويستطيع النساج بعد أن يتقن التدريب أن يجلس أمام آلة النسيج ويداه تحرك ~~المكوك بآلية. لقد صارت المسألة بالنسبة ms1201 إلى النساج المتدرب آلية. وسبق ~~أن ضربت المثل بالإنسان الذي يتعلم قيادة السيارة، فالمدرب يعلمه كيف ~~يدير المفتاح، وكيف ينتظر لتسخين المحرك، وكيف يفك مكبح السيارة، ثم كيف ~~يحرك عصا التحكم في اندفاع السيارة، وكيف يوازن بين الضغط على بدال ~~الوقود والضغط على بدال التحكم الفاصل، وكيف يوازن بين سير السيارة ~~بتخفيض السرعة بلمسات خفيفة لبدال المكبح. وقد يخطئ الإنسان في بداية ~~التعلم ويرتبك، ولكنه بعد تمام التدريب فإنه يعمل بآلية وبدون تفكير، إنه ~~عمل آلي لا يحتاج إلى تفكير، وضربت في السابق مثالا بالصبي الذي يتعلم ~~حياكة الملابس، إنه يأخذ وقتا ليضع الخيط في سم الإبرة، وتقع منه ~~الأخطاء في قياس المسافات المختلفة بين الغرز، لكنه من بعد ذلك يتدرب على ~~فعل هذه الأعمال التي كانت صعبة، ويؤديها بآلية، والعمل الآلي في الأمور ~~المحسة، يقابل الملكة في الأمور المعنوية، فيقال: " إن الصدق عند فلان ~~ملكة " إي أنه إنسان لا يرهقه أن يكون صادقا. ونحن أثناء تعليم أبنائنا ~~للنحو - مثلا - نقول لهم: " إن حكم الفاعل الرفع والمفعول به منصوب " ~~وعندما ينطق الابن عبارة ما، فإنه يحاول تطبيق القاعدة أثناء القراءة، ~~وقد ينساها، أو يتلجلج، وعندما يتذكرها فإنه ينطق الكلمات برسمها الصوتي ~~الصحيح، وبعد أن يتم التدريب على القاعدة ويقرأ الابن، فإن أخطاءه ~~تتلاشى، وبذلك يصير النحو ملكة عنده. وكذلك الخلق، إن الخلق صفة ترسخ في ~~النفس، فتصدر عنها الأفعال بيسر وسهولة، فيقال: " الصدق له خلق " ، و " ~~الكرم له خلق " ، و " الشجاعة له خلق " إنها الصفات التي ترسخ في النفس ~~فتصدر عنها الأفعال في يسر وسهولة. والحق سبحانه يقول: { أولئك ~~لا خلاق لهم في الآخرة } [آل عمران: 77] وقد فسر البعض حرمان ~~أولئك من الخلق بأن هذا الصنف من الناس لا نصيب لهم من الخلق، لأن الخلق ~~صفة راسخة في الإنسان، والحق يحدد الزمن بأنه " في الآخرة ". # والآخرة هي الوقت الذي لا يمكن التدارك فيه، فالآخرة هي يوم التقييم ~~الصحيح والنهائي. إن الإنسان قد لا يكون له نصيب السلوك القويم فيعدل ~~سلوكه ms1202 حتى يكتسب هذا السلوك القويم في الدنيا لكن الإنسان لا يستطيع في ~~الآخرة أن يجد مجالا للاستدراك، وهذه هي الخيبة القوية. فالإنسان في ~~الدنيا، قد يقوم بعمل ما ولا يكون له نصيب من أجره أو قد لا نرى نحن ~~الجزاء والنصيب الذي يعطيه له الله ولكن الله يعوضه في الآخرة عن هذا ~~العمل الذي لم يكن له نصيب منه في الدنيا أما من لا خلاق له في الآخرة ~~فكيف يتم التعويض؟ إن ذلك أمر مستحيل؟ ويضيف الحق { ولا يكلمهم ~~الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا ~~يزكيهم ولهم عذاب أليم } [آل عمران: 77] وقد يقول قائل: ~~ألم يقل القرآن الكريم في موقع آخر، إن الله يقول للكافرين: # قال اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. فلماذا يقول الحق لهم مرة: " اخسئوا فيها ولا تكلمون " ~~، ومرة أخرى يقول الحق: " لا يكلمهم الله "؟. ونجيب على مثل هذا القول: ~~إن الحق لا يكلمهم كلاما ينفعهم، أو أنه سبحانه يكلمهم بواسطة ملائكته، ~~ولكن كيف لا ينظر إليهم الله؟ وساعة نجد أمرا يوجد في الناس وله نظير ~~منسوب لله سبحانه وتعالى ويقوله سبحانه عن نفسه، فلا بد أن نأخذ هذا ~~الأمر في إطار: " ليس كمثله شيء ". إننا في مجالنا البشري نقول: " فلان ~~لا ينظر إلى فلان " أي أنه لا يوجه عيونه إليه، ويحول حدقتيه عنه، لكن لا ~~يمكن قياس ذلك على الله، لأن الله منزه عن التشبيه ففي الوضع البشري نجد ~~إنسانا يحب صديقا له فيقبل عليه بالوجه والنظر فيقال: " فتى هو قيد ~~العين " أي أنه شاب عندما تنظر إليه العين فهو يقيد العين فلا تذهب عنه ~~إلى مكان آخر ففي هذا الشاب محاسن تجعل العين لا تذهب بعيدا عنه. وهكذا ~~نأخذ إقبال العين بالنظر على المنظور أو على المرئي كسمة للاهتمام به، ~~وهذا صحيح في الوضع البشري. لكن إذا ما جاء ذلك بالنسبة لله، هنا نأخذ ~~المسألة في إطار: " ليس كمثله شيء ". وهكذا نفهم عدم نظر الله إلى { ~~الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا } [آل عمران: ms1203 77] بأن الله يهملهم، ولا يهتم بهم " لا ينالهم ~~الله برحمته " ، فالحق سبحانه منزه عن كل تشبيه، وهكذا الأمر في عدم نظر ~~الحق إليهم، نأخذ الأمر أيضا في إطار: " ليس كمثله شيء " إن ولي الأمر ~~من البشر عندما يرغب في عقاب أحد رعاياه، لا ينظر إليه ويهمله، فما بالنا ~~بإهمال الحق سبحانه وتعالى؟! إنه إبعاد لهم عن رحمة الله ورضوانه. # ويضيف الحق سبحانه { ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } [آل ~~عمران: 77] والتزكية تأتي بمعنى التطهير، أو بمعنى الثناء أو النماء ~~والزيادة فنقول: " فلان زكى فلانا " أي أثنى عليه ويقال أيضا: " فلان ~~زكى فلانا " أي طهره، ومن هذا تكون " الزكاة " التي هي تطهير ونماء. ~~وعندما يخبرنا الحق سبحانه أنه لا يكلم ذلك الصنف من البشر ولا ينظر ~~إليهم ولا يطهرهم من أوزارهم، فهذا مقدمة لما أعده لهم بقوله: { ولهم ~~عذاب أليم } [آل عمران: 77] فلابد أن نأخذ قوة الحدث بفاعل الحدث. ~~وفي حياتنا العادية عندما يقال: " صفع الطفل فلانا الرجل " نفهم بطبيعة ~~الحال أن صفعة الطفل تختلف في قوتها عن صفعة الشاب، وكذلك صفعة الشاب ~~تختلف عن صفعة بطل في الملاكمة. إذن فالحدث يختلف باختلاف فاعله قوة ~~وضعفا على المفعول به الذي هو مناط الحدث، فإذا كان فاعل العذاب هو الله ~~فلابد أن يكون عذابا أليما ولا حدود لألمه، أنجانا الله وإياكم منه. ~~ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: { وإن منهم لفريقا يلوون ~~ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو ~~من الكتاب... }. ### || [3.78] # أي أنهم يلوون ألسنتهم بالكلام الصادر من الله ليحرفوه عن معانيه، أو ~~يلوون ألسنتهم عندما يريدون التعبير عن المعاني. و " اللي " هو الفتل، ~~فنحن عندما نفتل حبلا، نحاول أن نجدل بين فرعين اثنين من الخيوط، ثم ~~نفتلهم معا لنصنع حبلا، والهدف من الفتل هو أن نضع قوة من شعيرات ~~الخيوط، فهذه الشعيرات لها قوة محدودة، وعندما نفتل هذه الخيوط فإننا ~~نزيد من قوة الخيوط بجدلها معا. إذن فالفتل المراد به الوصول إلى قوة، ~~وهكذا نرى أنهم يلوون ألسنتهم بكلام يدعون أنه ms1204 من المنهج المنزل من عند ~~الله، وهذا الكلام ليس من المنهج ولم ينزل من عند الله إنهم يفعلون ذلك ~~لتقوية مركزهم والتنقيص من مكانة الإسلام والطعن في الرسول كما قالوا من ~~قبل: " راعنا " ، لذلك قال الحق مخاطبا المؤمنين: # ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا ~~انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم # [البقرة: 104]. إن الحق يوضح لنا ألا نعطي لهم فرصة لتحريف كلام الله، ~~فهو سبحانه القائل: # من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع ~~وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو ~~أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا ~~لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله ~~بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا # [النساء: 46]. لقد فضحهم - الحق سبحانه - لنا، وهم يحرفون الكلام عن ~~موضعه، فقد قال الحق هذا القول بمعنى: أن الذي تسمعه لا يضرك لقد سجل ~~الله عليهم أنهم قالوا سمعنا وعصينا كما قاموا بتحريف الكلمة وقالوا: " ~~اسمع غير مسمع " أي " لا سمعت أبدا " ، تماما كما أخذوا من قبل قول ~~الله: # وقولوا حطة.. # [الأعراف: 161]. وحرفوا هذا القول: " وقولوا حطة " ، وهم قد فعلوا ذلك ~~حتى نحسب هذا التحريف من الكتاب، وما هو من الكتاب، أي أنهم يفتلون بعضا ~~من المعاني المستنبطة من الكلمات حتى يوهموا المؤمنين بأن هذه المعاني ~~غير المرادة وغير الصحيحة هي معان مرادة لله، وصحيحة المعنى، إنهم يدعون ~~على المنهج المنزل من السماء ما ليس فيه، ولذلك قال سبحانه: { ~~لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب } [آل عمران: ~~78] إنهم عندما يلوون ألسنتهم بالكتاب يحرفونه رغبة في التلبيس والتدليس ~~عليكم لتظنوا أنه من الكتاب المنزل من عند الله على رسولهم، إنهم لو ~~فعلوا ذلك فحسب لجاز أن يتوبوا ويرجعوا إلى ربهم ويندموا على ما فعلوا. ~~أما قولهم بعد ذلك: { هو من عند الله } [آل عمران: 78] فهو دليل ~~على أنهم أحدثوا في الكتاب شيئا وأصروا عليه فجاءوا بقولهم: { هو من ~~عند الله } [آل عمران: 78] لينفوا عن أنفسهم شبهة أن يدعى عليهم ~~أنهم حرفوا الكتاب، ولو لم يكونوا قد حرفوا ms1205 الكتاب أكانت تخطر ببالهم، ~~هذه؟ إن أمرهم جاء من باب يكاد المريب أن يقول خذوني إنهم بهذا القول ~~يحتالون على إخفاء أمر حدث منهم. # إن الحق - سبحانه - يؤكد أن الخيانة تلاحقهم فيقول: وما هو من عند الله، ~~فهذه الآية الكريمة تفضحهم وتكشف تحريفهم لكتاب الله، يقول سبحانه: { ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } [آل عمران: ~~78] إنهم يعرفون أن ما يقولونه هو الكذب، والكذب كما عرفنا هو أن تكون ~~النسبة الكلامية غير مطابقة للواقع، فالنسب في الأحداث تأتي على ثلاث ~~حالات: نسبة واقعة. نسبة يفكر فيها وهي نسبة ذهنية. نسبة ينطق بها. ~~فعندما نعرف إنسانا اسمه محمد، وهو مجتهد بالفعل فهذه نسبة واقعة وإذا ~~خطر ببالك أن تخبر صديقا لك باجتهاد محمد فهذا الخاطر نسبة ذهنية. وساعة ~~تنطق بهذا الخبر لصديق لك صارت النسبة كلامية. والصدق هو أن تكون النسبة ~~الكلامية لها واقع متسق معها كأن يقول: " محمد مجتهد " ويكون هناك بالفعل ~~من اسمه محمد وهو مجتهد بالفعل، وبهذا تكون أنت الناطق بخبر اجتهاد محمد ~~إنسانا صادقا، أما إن لم يكن هناك من اسمه محمد ومجتهد فالنسبة ~~الكلامية لا تتفق مع النسبة الواقعية، لذلك يصير الخبر كاذبا. والعلماء ~~يفرقون بين الصدق والكذب بهذا المعيار. فالصدق: هو مطابقة الكلام للواقع، ~~والكذب: هو عدم مطابقة الكلام للواقع. وحاول بعض من الذين يحبون التشكيك ~~أن يقفوا عند سورة المنافقين التي يقول فيها الحق: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1]. لقد قال المنافقون: نشهد إنك لرسول الله، وسيدنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم هو رسول من عند الله بالفعل، والحق سبحانه يقول: " ~~والله يعلم إنك لرسوله " فهل علمهم كعلم الله؟ لا، لأن الله سبحانه قال: ~~" والله يشهد إن المنافقين لكاذبون " ، فكيف يصفهم الحق بأنهم كاذبون مع ~~أنهم شهدوا بما شهد هو به؟ إن الحق لا يكذبهم في أن محمدا رسول الله ~~فهذه قضية صادقة، ولكن سبحانه قد كذبهم في قضية قالوها وهي: " نشهد ms1206 " ، ~~لأن قولهم: " نشهد " تعني أن يوافق الكلام المنطوق ما يعتقدونه في ~~قلوبهم، وقولهم: " نشهد " هو قول لا يتفق مع ما في قلوبهم، ولذلك صاروا ~~كذابين، فلسان كل منهم لا يوافق ما في قلبه. إذن فقوله الحق: { ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون } [آل عمران: ~~78]، أي إنهم يقولون كلاما ليس له نسبة خارجية تطابقه، وهم يعلمون أنه ~~كذب، حتى لا نقول: إنهم نطقوا بذلك غفلة، لقد تعمدوا الكذب، وهم يعرفون ~~أنهم يقولون الكذب. # والدقة تقتضي أننا يجب أن نفرق بين صدق الخبر، وصدق المخبر. صدق الخبر ~~هو أن يطابق الواقع لكن أحيانا يكون المخبر صادقا، والخبر في ذاته كذب، ~~كأن يقول واحد: " إن فلانا يستذكر طول الليل " لأنه شاهد حجرة فلان ~~مضاءة وأنه يفتح كتابا، بينما يكون هذا الفلان غارقا في قراءة رواية ~~ما، إن المخبر الصادق في هذه الحالة، لكن الخبر كاذب. ولكن في مجال الآية ~~نحن نجد أنهم كاذبون عن عمد، فاللسان هو وسيلة بيان ما في النفس: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما # جعل اللسان على الفؤاد دليلا # ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: { ما كان لبشر أن يؤتيه ~~الله الكتاب والحكم والنبوة... }. ### || [3.79] # ونحن نعرف أن الحق سبحانه وتعالى حين ينزل منهجه، فهو ينزله في كتاب، ~~ويقتضي ذلك أن يصطفي سبحانه إنسانا للرسالة، أي أن الرسول يجيء بمنهج ~~ويطبقه على نفسه ويبلغه للناس، الرسول مصطفى من الله ويختلف في مهمته عن ~~النبي، فالنبي أيضا مصطفى ليطبق المنهج، وهكذا حتى لا يسمع الناس المنهج ~~ككلام فقط ولكن يرونه تطبيقا أيضا، إذن فالرسول واسطة تبليغية ونموذج ~~سلوكي، والنبي ليس واسطة تبليغية، بل هو نموذج سلوكي فقط. إن الحق سبحانه ~~وتعالى يرسل النبي ويرسل الرسول، ولذلك تأتي الآية: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ ~~الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ~~والله عليم حكيم # [الحج: 52]. هكذا نعرف أن الرسول والنبي كليهما مرسل من عند الله، ~~الرسول مرسل للبلاغ والأسوة، والنبي ms1207 مرسل للأسوة فقط، لأن هناك بعضا من ~~الأزمنة يكون المنهج موجودا، ولكن حمل النفس على المنهج، هو المفتقد، ~~ومثال ذلك عصرنا الحاضر. إن المنهج موجود وكلنا نعلم ما الحلال وما ~~الحرام، لكن خيبة هذا الزمان تأتي من ناحية عدم حمل أنفسنا على المنهج، ~~لذلك فنحن نحتاج إلى أسوة سلوكية، هكذا عرفنا الكتاب، والنبوة، فما هو ~~الحكم إذن؟ لقد جاء الحق بكلمة: " الحكم " هنا ليدلنا على أنه ليس من ~~الضروري أن توجد الحكمة الإيمانية في الرسول أو النبي فقط، بل قد تكون ~~الحكمة من نصيب إنسان من الرعية الإيمانية، وتكون القضية الإيمانية ناضجة ~~في ذهنه، فيقولها لأن الحكمة تقتضي هذا. ألم يذكر الله لنا وصية لقمان ~~لابنه؟ إن وصية لقمان لابنه هي المنهج الديني، وعلى ذلك فمن الممكن أن ~~يأتي إنسان دون رسالة أو نبوة، ولكن المنهج الإيماني ينقدح في ذهنه، فيعظ ~~به ويطبقه، وهذا إيذان من الله على أن المنهج يمكن لأي عقل حين يستقبله ~~أن يقتنع به، فيعمل به ويبلغه. ولابد لنا أن نؤكد أن من يهبه الله الحكمة ~~في الدعوة لمنهج الله وتطبيق هذا المنهج، لن يضيف للمنهج شيئا، وبحكم ~~صدقه مع الله فهو لن يدعي أنه مبعوث من الله للناس، إنه يكتفي بالدعوة ~~لله وبأن يكون أسوة حسنة. لكن لماذا جاءت هذه الآية؟ لقد جاءت هذه الآية ~~بعد جدال نصارى نجران مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، ~~وأثناء الجدال انضمت إليهم جماعة من اليهود، وسألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: - بماذا تؤمن وتأمر؟ فأبلغهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأوامر المنهج ونواهيه،، وأصول العبادة، ولأن تلك الجماعة كانوا من أهل ~~الكتاب، بعضهم من نصارى نجران والبعض الآخر من يهود المدينة، وكانوا ~~يزيفون أوامر تعبدية ليست من عند الله، ويريدون من الناس طاعة هذه ~~الأوامر،، لذلك لم يفطنوا إلى الفارق بين منهج رسول الله صلى الله عليه ~~السلام وأوامره، وبين ما زيفوه هم من أوامر، فمحمد صلى الله عليه وسلم ~~يطلب من الناس ms1208 عبادة الله على ضوء المنهج الذي أنزله عليه الحق سبحانه، ~~أما هم فيطلبون طاعة الناس في أوامر من تزييفهم. # والطاعة - كما نعلم - هي لله وحده في أصول كل الأديان، فإذا ما جاء ~~إنسان بأمر ليس من الله، وطلب من الناس أن يطيعوه فيه، فهذا معناه أن ذلك ~~الإنسان يطلب أن يعبده الناس - والعياذ بالله - لأن طاعة البشر في غير ~~أوامر الله هي شرك بالله. ولهذا تشابهت المواقف على هذا البعض من أهل ~~الكتاب، وظنوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب منهم طاعتهم لأوامره ~~هو، كما كانوا يطلبون من الناس بعد تحريفهم للمنهج وقالوا: أتريد أن ~~نعبدك ونتخذك إلها؟ إنهم لم يفطنوا إلى الفارق بين الرسول الأمين على ~~منهج الله، وبين رؤسائهم الذين خالفوا الأحكام واستبدلوها بغيرها، ~~فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب منهم طاعته لذاته هو، ولكنه قد طلب ~~منهم الطاعة للمنهج الذي جاء به رسولا وقدوة، واستنكر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما قالوه. وأنزل الله سبحانه قوله الحق: { ما كان لبشر ~~أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله } [آل ~~عمران: 79]. لقد بلغت بهم الغفلة والشرك أنهم ظنوا أن الله لم يختر ~~رسولا أمينا على المنهج، وظنوا بالله ظن السوء، أو أنهم ظنوا أن الرسول ~~سيحرف المنهج كما حرفوه هم، فتحولوا عن عبادة الله إلى عبادة من بعثه ~~الله رسولا، ولذلك جاء القول الفصل { ما كان لبشر أن يؤتيه ~~الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس ~~كونوا عبادا لي من دون الله } [آل عمران: 79]. وقد ينصرف ~~المعنى أيضا إلى أن بعض صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ~~يجلونه - صلى الله عليه وسلم - وكل مؤمن مطلوب منه أن يجل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأن يعظمه، ومن فرط حب بعض الصحابة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قالوا له: أنسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، ألا ~~نسجد لك؟ إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ms1209 يطلب السجود له من أحد، والحق ~~سبحانه هو الذي كلف عباده المؤمنين بتكريم رسوله فقال: # لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم ~~لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم # [النور: 63]. إن المطلوب هو التعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ~~أن نعطي له أشياء لا تكون إلا لله. # إن تعظيم المسلمين لرسول الله وتكريمهم له هو أن نجعل دعاءه مختلفا عن ~~دعاء بعضنا بعضا. والحق في هذه الآية التي نحن في مجال الخواطر عنها ~~وحولها يقول: { ولكن كونوا ربانيين بما كنتم ~~تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } [آل عمران: 79]. ~~إن " لكن " هنا للاستدراك، مثلما قلنا من قبل: إن " بلى " تنقض القضية ~~التي قبلها وتثبت بعدها قضية مخالفة لها. إن الحق يستدرك هنا لنفهم أنه ~~ليس لأحد من البشر أن يقول: " كونوا عبادا لي " بعد أن أعطاه الله ~~الكتاب والحكم والنبوة، والقضية التي يتم الاستدراك من أجلها وإثباتها ~~هي: " كونوا ربانيين " وكلمة " رباني " ، وكلمة " رب " ، وكلمة " ربيون " ~~، وكلمة " ربان " ، وكل المادة المكونة من " الراء " و " الباء " تدل على ~~التربية، والولاية، وتعهد المربي، وتدور حول هذا المعنى. أليس ربان ~~السفينة هو الذي يقود السفينة. وكلمة " الرب " توضح المتولي للتربية، إذن ~~فما معنى كلمة " رباني "؟ إنك إذا أردت أن تنسب إلى " رب " تقول: " ربي ~~". وإذا أردنا المبالغة في النسبة نضيف لها ألفا ونونا فنقول: " رباني ~~" ولذلك نجد في التعبيرات المعاصرة من يريدون أن ينسبوا أمرا إلى العلم ~~فيقولون: " علماني " وفي ذلك مبالغة في النسبة إلى العلم. والفرق بين " ~~علمي " و " علماني " هو أن العلماني يزعم لنفسه أن كل أموره تمشي على ~~العلم المادي، ونجد أن في " علماني " ألفا ونونا زائدين لتأكيد النسبة ~~إلى العلم. وقد يقول قائل: ولماذا نؤكد الانتساب إلى الله بكلمة " رباني ~~"؟ ونقول: لأن الكلمة مأخوذة من كلمة رب، وتؤدي إلى معان: منها أن كل ما ~~عنده من حصيلة البلاغ لابد أن يكون صادرا ومنسوبا إلى الرب لأنه ms1210 لم يأت ~~بشيء من عنده، أي أنه يأخذ من الله ولا يأخذ من أحد آخر أبدا فهو رباني ~~الأخذ. وتؤدي الكلمة إلى معنى آخر: إنه حين يقول ويتكلم فإنه يكون متصفا ~~بخلق أنزله رب يربي الناس ليبلغوا الغاية المقصودة منهم، فهو عندما ينقل ~~ما عنده للناس يكون مربيا، ويدبر الأمر للفلاح والصلاح. يقول الحق - ~~سبحانه -: { بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم ~~تدرسون } [آل عمران: 79] إن العلم هو تلقي النص المنهجي. والدراسة ~~هي البحث الفكري في النص المنهجي. لذلك فنحن في الريف نقول: " ندرس القمح ~~" أي أننا ندرس القمح بألة حادة كالنورج حتى تنفصل حبوب القمح عن " التبن ~~" وتكون نتيجة الدراس هي استخلاص النافع. # . إذن ففيه فرق بين " تعلمون " أي تعلمون غيركم المنهج الصادر من الله ~~وذلك خاضع لتلقي النص، وبين " ما كنتم تدرسون " أي تعملون أفكاركم في ~~الفهم عن النص. إن الفهم عن النص يحتاج إلى مدارسة، ومعنى المدارسة هو ~~أخذ وعطاء، ويقال: " دارسه " أي أن واحدا قد قام بتبادل التدريس مع آخر، ~~ويقال أيضا " تدارسنا " أي أنني قلت ما عندي وأنت قد قلت ما عندك حتى ~~يمكن أن نستخلص ونستنبط الحكم الذي يوجد في النص. وقد يأتي النص محكما، ~~وقد يأتي النص محتملا لأكثر من معنى. وما دمت قد تعلمت، فلابد أنك تعرفت ~~على النصوص المحكمة للمنهج. وما دمت قد تدارست، فلا بد أنك قد فهمت من ~~النصوص المحتملة حين مدارستك لأهل الذكر حسن استقبال المنهج لذلك يجب ~~أن تكون ربانيا في الأمرين معا. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { ولا ~~يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا... }. ### || [3.80] # أي أنه ليس لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة أن يأمر الناس باتخاذ ~~الملائكة والنبيين أربابا. إن من اختصه الله بعلم وكتاب ونبوة لا يمكن ~~أن يقول: اعبدوني، أو اعبدوا الملائكة، أو اعبدوا الأنبياء. لماذا؟ ~~ويجيب الحق سبحانه: { أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم ~~مسلمون } [آل عمران: 80]. وقوله الحق: { بعد إذ أنتم ~~مسلمون } [آل عمران: 80] تدل على أن واقعة القضية وما معها كانت ms1211 مع ~~مسلمين كأنهم عندما جاءوا وأرادوا أن يعظموا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقالوا: نحن نريد أن نعطيك وضعا في التعظيم أكثر من أي كائن ونريد ~~أن نسجد لك. فوضح النبي صلى الله عليه وسلم لهم: أن السجود لا ~~يكون إلا لله. إذن فالذين تكلموا مسلمون، وكانوا يقصدون بذلك تعظيم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو أن رسول الله وافقهم لكان معنى ذلك أنه ~~يخرجهم عن الإسلام، ولا يتصور أن يصدر هذا عن سيدنا وحبيبنا المصطفى صلى ~~الله عليه وسلم أو عن غيره من الأنبياء عليهم السلام. والحق سبحانه يقول: ~~{ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة... }. ### || [3.81] # هذه الآية تجعلنا نتعرف على أسباب بعث الحق لموكب الرسل، ونعرف جميعا ~~أن المنهج الأول قد أنزله الله على آدم عليه السلام متضمنا كل ما يجعل ~~الحياة تسير إلى انسجام، وبلغ آدم أولاده هذا المنهج كما علمهم أمور ~~حياتهم، تماما مثلما يعلم الأب أبناءه ما يخدم أمور حياتهم، كما يقوم ~~بإبلاغ الأبناء مطلوب الدين، والأبناء يبلغون أبناءهم، ويتواصل البلاغ من ~~جيل إلى جيل كي يكتمل وصول المنهج للذرية، ولكن مع توالي الزمن وتتابعه ~~نجد أن بعضا من مطلوبات الدين يتم نسيانها. إن هذا دليل على أن الناس قد ~~غفلت عن المنهج، وهكذا نرى أن الغفلة عن المنهج إنما تتم على مراحل، فبعد ~~بلاغ المنهج نجد إنسانا يغفل عن جزئية ما في هذا المنهج، وتنبهه نفسه ~~وتلومه على تركه لتلك الجزئية، ونسمي صاحب هذا الموقف بصاحب النفس ~~اللوامة، إنه يفعل السيئة لكن نفسه تعود إلى اليقظة لمنهج الله لأنه ~~يتمتع بوجود خلية المناعة الإيمانية فيه، وهناك إنسان آخر يستمرئ ~~المخالفة للمنهج وتلح عليه نفسه بالمخالفة إنه صاحب النفس الأمارة ~~بالسوء، وتتوالى به دواعي ارتكاب السيئات، ومثل هذا الإنسان يحتاج إلى ~~غيره من خارج نفسه ليلفته إلى الخير. وماذا يحدث للمجتمع إذا صار أفراده ~~جميعا من أصحاب النفس الأمارة بالسوء؟ إن معنى ذلك أن الفساد قد طم، ولا ~~بد من ms1212 مجيء رسول لأن مراد الحق سبحانه هو هداية الناس، لقد خلقنا سبحانه ~~وله كل صفات الكمال، ولم يضف خلقنا إليه شيئا. وها هو ذا الحديث القدسي ~~الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: # " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، ~~ياعبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع ~~إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عار إلا من كسوته، ~~فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر ~~الذنوب جميعا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري ~~فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا ~~عبادي، لم أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ~~منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك ~~مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما هي ~~أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياه، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد ~~غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ". # إن الله سبحانه وتعالى قد خلقنا وهو من الأزل إلى الأبد، في تمام صفات ~~الكمال ولم يضف له هذا الخلق شيئا، وهو القائل: # مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون * ~~إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين # [الذاريات: 57-58]. إذن فعندما يشرع لنا الحق أمرا فهو يشرعه لمصلحتنا ~~إنه سبحانه يحب لصنعته أن تظفر بسعادة المنهج لذلك أنزل المنهج " بافعل ~~ولا تفعل " وحين يقول المنهج: " افعل ولا تفعل " فهو لا يريد أن يحدد ~~حرية الحركة على الخلق الا بما يحميهم، إنه يحدد حرية هنا ليحمي حرية ~~هناك. فعندما حرم الله السرقة -على سبيل ms1213 المثال - فالأمر شامل لكل البشر، ~~فلا يسرق أحد أحدا. إن الحق سبحانه حين منع يد واحد من السرقة، كان في ~~ذلك منع لملايين الأيدي أن تسرق من هذا الإنسان، وفي هذا حماية لكل البشر ~~من أن يسرق إنسان إنسانا آخر، وفي ذلك كسب لكل إنسان، فساعة تأخذ ~~التشريع لا تأخذه على أنه مطلوب منك، ولكن خذه على أنه مطلوب منك ومطلوب ~~لك أيضا. ومثال آخر، لقد حرم المنهج على العبد المؤمن أن يمد عينيه إلى ~~محارم غيره، ولم يكن هذا التحريم لعبد واحد، إنما لكل إنسان مؤمن، وبذلك ~~لا تمتد أي عين إلى محارم هذا العبد، لقد جاء الأمر لك بغض البصر عن ~~محارم غيرك وأنت واحد، وكففنا من أجلك ملايين الأبصار كيلا تمتد إلى ~~محارمك. إذن فكل عبد مؤمن يكسب حياة مطمئنة من وجود التشريع، وكل ~~التشريعات إنما جاءت لصالحنا جميعا، ولذلك كان الحق رحيما بنا لأن ~~ركب الرسل قد تواصل واستمر في الكون منذ آدم، وإلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم، والمنهج الذي جاء به كل هؤلاء الرسل لا تناقض فيه أبدا، لأن في ~~هذا المنهج مصلحة للخلق، لذلك فلا يمكن أن يكون موكب رسول قد أتى، ليناقض ~~موكب رسول آخر. لكن ما الذي يأتي بالتناقض بين الأديان والمشرع واحد؟ وكل ~~الناس عيال له؟ إننا نبرئ الرسل من التناقض، وإن حاول البعض أن يصوروا ~~الأمر كذلك فلنعلم أن أتباع الرسل هم الذين يريدون لأنفسهم سلطة زمنية ~~يتحكمون بها في الدنيا، فالذين كانت لهم سلطة زمنية في دين كاليهودية أو ~~النصرانية فعلوا ذلك. وعندما جاءت النصرانية على اليهودية قال أحبار ~~اليهود: نحن لا نريد النصرانية لماذا؟ لأن السلطة الزمنية كانت في ~~أيديهم، ولو أن هؤلاء الأحبار ظلوا باقين على ما أنزله الله عليهم من ~~منهج لقبلوا يدي أي رسول قادم شاكرين له مقدمه ومجيئه وقالوا له: ~~ساعدنا على أن نعمق فهمنا لمنهج الله. # . إذن فالخلاف لا يحدث إلا حين توجد أهواء لها سلطات زمنية، وموكب ~~الرسالات من يوم أن ms1214 خلق الله الإنسان هو منهج متساند لا متعاند. وحينما ~~يأتي رسول ليجد أناسا غير مؤمنين بإله فالمشكلة تكون سهلة، لأنه سيلفتهم ~~إلى إله واحد، وبالمنهج الذي يريده الله، لكن المشكلة تكون كبيرة مع ~~الجماعة التي لها رسول وهم منسوبون إلى السماء، فإذا ما جاء رسول من الله ~~فهو يجيء وهؤلاء الأتباع قد أخذوا من ادعائهم بالانتساب لرسالة رسول سابق ~~سلطة زمنية كما حدث مع اليهود والنصارى، فتعصبوا للدين الذي كانوا عليه ~~متناسين أن كبارهم قد حرفوا المنهج لحساب السلطة الزمنية. وقد استمر موكب ~~الرسل إلى الخلق ليحمي الله الخلق من سيادة الانحراف واصطفى الله أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم لتحمل الأمانة فلن يأتي لها رسول بعد محمد صلى ~~الله عليه وسلم لأن الله قد ضمن بقاء الخير في هذه الأمة، فإذا رأيت ~~أناسا بالغوا في الإلحاد فثق أن هناك أناسا زادهم الله في المدد حتى ~~يحدث التوازن لأن الحق هو القائل: # ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون # [آل عمران: 104]. وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول الحق سبحانه: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ~~ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون # [آل عمران: 110]. إذن فإن امتنع الوازع النفسي في النفس اللوامة عند فرد ~~من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فسوف يأتي أناس مسلمون ينبهونه إلى ~~المنهج، والحق سبحانه وتعالى لا يعصم الناس من أن يخطئوا فهو القائل: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3]. إن الحق جاء بكلمة " وتواصوا " ، ولم يأت بكلمة " وصوا " ~~وذلك لنفهم أن التوصية أمر متبادل بين الجميع، فساعة يوجد إنسان في لحظة ~~ضعف أمام المنهج توجد لحظة قوة عند غيره فيوصيه. وترد هذه المسألة أيضا ~~إلى الموصى، فقد تأتي له لحظة ضعف أمام المنهج فيجد من يوصيه وهكذا نرى ~~أنه لا يوجد أناس مخصوصون ليوصوا، وآخرون مهمتهم ms1215 تلقى التوصية، إنما ~~الأمر متبادل بينهم، وهذا هو التكافل الإيماني، والإنسان قد يضعف في ~~مسألة من المسائل فيأتي أخ مؤمن يقول له: ابتعد عن هذا الضعف، إن هذه ~~المسألة تحدث بالتناوب لمقاومة لحظات الأغيار في النفس البشرية لأن لحظات ~~الأغيار لا تجعل الإنسان يثبت على حال، فإذا ما رأينا إنسانا قد ضعف ~~أمام التزام ما فعلينا أن نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر، وأنت أيضا حين ~~تضعف ستجد من أخوتك الإيمانية من يوصيك. # هذا هو الحال في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أما الأمم السابقة عليها ~~فقد كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، ولذلك كان لا بد أن تتدخل السماء ~~وتأتي برسول جديد ومعه معجزة جديدة تلفت العقول لفتا قسريا إلى أن هناك ~~أشياء تأتي بها المعجزة، وهي خرق ناموس الكون، وفي ذلك لفت من الله للناس ~~إلى مناطق القدرة. وأخذ الله الميثاق على الأنبياء بأن يبلغ كل نبي قومه ~~هذا البلاغ، انتظروا أن ترسل إليكم السماء رسلا، وساعة يجيء الرسول ~~المبلغ عن الله منهجه فكونوا معه، وأيدوه. كان الرسل عليهم جميعا السلام ~~مأمورين أن يضعوا في المنهج. وصلبه أن السماء حينما تتدخل وتأتي برسول ~~جديد فلابد أن يتبعه أقوامهم، وألا يتعصبوا ضد الرسول القادم، بل يسلمون ~~معه ويرحبون به لأن الرسول إنما يجيء ليعاون الناس على المنهج الصحيح، ~~لكن الأتباع الذين يعشقون السلطة الزمنية تعمدوا التحريف، ومن أجل أن ~~يحمي الحق خلقه من هذا المرض أنزل الميثاق الذي أخذه على النبيين، ~~فقال: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم ~~من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما ~~معكم لتؤمنن به ولتنصرنه.. } [آل عمران: 81]. قد ~~يقول قائل: إن هذا القول يصلح عندما يأتي رسول معاصر لرسول مثلما عاصر ~~شعيب سيدنا موسى عليه السلام، وكما عاصر لوط سيدنا إبراهيم عليه السلام، ~~ونقول: هذا يحدث - أيضا - وإن لم تتعاصر الرسل، فالحق سبحانه قد أراد ~~لكل رسول أن يعطي لقومه البلاغ الواضح، وإن لم يتعاصر الرسولان فلابد أن ~~يعطي الرسول مناعة ضد التعصب، فما ms1216 داموا قد آمنوا بالرسول واتبعوه فعليهم ~~حسن استقبال الرسول القادم من بعد رسولهم، وكان على كل رسول أن يبلغ ~~قومه: كونوا في انتظار أن تتدخل السماء في أي وقت، فإذا تدخلت السماء في ~~أي وقت من الأوقات، وجاءت برسول مصدق لما معكم فإياكم أن تقفوا منه موقف ~~المضارة، وإياكم أن تقفوا منه موقف العداوة، بل عليكم أن " تنصروه " ~~وهذا قول واضح وجلى ولا لبس فيه. { وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جآءكم رسول مصدق لما معكم.. } [آل عمران: 81]. ونقول ~~في شرح معنى: { رسول مصدق لما معكم } [آل عمران: 81]. إن ~~الدين يأتي بقضايا متفق عليها لأن العقائد واحدة، والأخبار واحدة، والقصص ~~واحد، لكن الذي يختلف هو الحكم التشريعي الذي قد يناسب زمنا ولا يناسب ~~زمنا آخر، فإذا جاء الرسول بكتاب مصدق لما معكم في الأمور الدائرة في ~~منهج العقائد، أو منهج الأخبار أو منهج القصص فلا بد لكم أن تصدقوه. لكن ~~اليهود لم يفعلوا ذلك لأن الرسول جاء ليعيد هداية الجماعة التي آمنت ~~بالرسل والتي تؤمن بإله، وكان مجيء محمد صلى الله عليه وسلم بالمنهج ~~الواضح العقيدة والأخبار الصحيحة غير المحرفة والقصص التي تدعم المنهج ~~كما جاء بالتشريع المناسب وكان مجيء النبي الخاتم مزلزلا لمن استمرأوا ~~السلطة الزمنية، فمنهم من أصر على اتباع رسولهم فقط وبالمنهج الذي تم ~~تحريفه ورفضوا اتباع الرسول الجديد، ومنهم جماعة أخرى آمنت، بالرسول صلى ~~الله عليه وسلم، وكانت هناك جماعة ثالثة تؤمن برسول آخر، والخيبة تأتي ~~نتيجة للتعصب، ولذلك كانت دعوة الإسلام هي لتصفية العقائد، ودعوة لكل ~~متبع لأي رسالة سابقة أن يدرس ويناقش، هل الدين الخاتم قد جاء بما يختلف ~~عن الأديان السابقة في العقائد؟ أو جاء مصدقا لها؟ لقد جاء الدين ~~الخاتم مصدقا لما سبقه في العقائد والأخبار والقصص وإن اختلف في ~~التشريعات التي تناسب زمنا ولا تناسب زمنا آخر، فكأن الحق سبحانه ~~وتعالى أراد أن يعصم البشرية من العصبية الهوجاء، والعصبية العمياء التي ~~تنشأ من اتباع رسول لتقف ms1217 سدا حائلا أمام رسول آخر فالله حين أرسل كل ~~رسول قد أعطاه الأخبار والحقائق وأنه سبحانه قد أخذ الميثاق على كل نبي ~~أرسله بأن يكون على استعداد هو والمؤمنون معه لتصديق كل رسول يأتي ~~معاصرا ومصدقا لما معهم، وأن يؤمنوا به، وأن يبلغ كل رسول أمته بضرورة ~~هذا الإيمان. # لماذا؟ لأن الحق سبحانه وتعالى يريد من الركب الإيماني المتمثل في مواكب ~~الرسل ألا يكون بعضهم لبعض عدوا، بل عليهم أن يواجهوا أعداء قضية الدين ~~كلها. فالذي يجعل الإلحاد متفشيا في هذا العصر هو أن المنسوبين إلى ~~الأديان السماوية مختلفون، وربما كانت العداوة بينهم وبين بعضهم أقوى من ~~العداوة بينهم وبين الملحدين والمنكرين لله، وهذا الاختلاف يعطي المجال ~~للملحدين فيقولون: لو كانت هذه الأديان حقا لاتفقوا وما اختلفوا، فما ~~معنى أن يقول أتباع كل رسول إنهم يتبعون رسولا قادما من السماء؟ إن ~~الملحدين يجدون من اختلاف أتباع الديانات السماوية فرصة ليبذروا في الناس ~~بذور الإلحاد، ولا يجدون تكتلا ولا قوة إيمانية لمن يؤمن بالسماء أو ~~بمنهج السماء لكن الحق سبحانه يقول: { وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين } وهذا يعني أنه سبحانه قد أخذ الميثاق على كل نبي ساعة ~~أرسله أنه قد آتاه الكتاب والحكمة، وأنه إذا جاءكم رسول مصدق لهذا الكتاب ~~وتلك الحكمة فعليكم الإيمان به، ولا يكفي إعلان الإيمان فقط، بل لا بد أن ~~يكون النبي ومن معه في نصرة الرسول الجديد نقول: ولو عمل أتباع كل نبي ~~بهذا العهد والميثاق لما كان لهؤلاء الملحدين حجة ويضيف سبحانه: { قال ~~أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا ~~أقررنا قال فاشهدوا } [آل عمران: 81] والإقرار سيد الأدلة ~~كما يقولون والإصر هو العهد الشديد، ولذلك يقال: " آصرة المودة " أي ~~الرابطة الشديدة المعقودة. # وقال الموكب الإيماني للأنبياء موجهين إقرارهم لله تعالى " أقررنا " ، ~~فقال الحق سبحانه: " فاشهدوا ". والشهادة دائما تقتضي شاهدا ومشهودا ~~عليه ومشهودا به. وما دام الحق سبحانه هو الذي يقول للنبيين الذين أخذوا ~~منه العهد والميثاق الحق: " فاشهدوا " إذن فهم في موقف الشاهد، وما ~~المشهود عليه؟ ms1218 وما المشهود به؟ هل يشهدون على أنفسهم؟ أو يشهد كل نبي ~~على الأنبياء الآخرين؟ أو يشهد أنه قد بلغ أمته هذا القرار الإلهي؟ إن ~~الرسول يشهد على أمته، وأن الأنبياء يشهد بعضهم لبعض. إذن قد يكون الشاهد ~~نبيا، والمشهود له نبي آخر، والمشهود به أن يؤمنوا بالرسول القادم ~~وينصروه. وقد يكون الشاهد النبي، والمشهود عليه هي أمته بأنه قد بلغها ~~ضرورة الإيمان بالرسول القادم بمنهج السماء لأن الأمة ما دامت قد آمنت ~~برسول فعليهم مؤازرة هذا الرسول، ومؤازرة من يأتي من بعده، وذلك حتى لا ~~يتبدد ركب الإيمان أمام باطل الإلحاد: { لتؤمنن به ~~ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم ~~من الشاهدين } [آل عمران: 81]. ولنرتب الشهادات التي وردت في هذه ~~الآية الكريمة: الأنبياء يشهد بعضهم على بعض، أو الأنبياء يشهدون على ~~أممهم، ثم شهادة الله على الأنبياء. وما دام الأمر قد جاء بهذا التوثيق ~~فعلينا أن ننبه أنه إذا ما وجدنا دينا سابقا يتعصب أمام دين لاحق، بعد ~~أن يأتي هذا الدين بالمعجزة الدالة على صدق بلاغ ذلك الرسول عن الله ~~فلنعلم أنهم خانوا هذه القضية. وسبب ذلك يرجع إلى أن الله يريد أن يحتفظ ~~للدعوة إلى الإيمان، بانسجام تام، فلا يتعصب رسول لنفسه ولا لقوميته ولا ~~لبيئته، ولا يتعصب أهل رسول لملتهم أو نحلتهم لأنهم جميعا مبلغون عن إله ~~واحد لمنهج واحد، فيجب أن يظل المنهج مترابطا فلا يتعصب كل قوم لنبيهم ~~أو دينهم، وهذا ليكون موكب الرسالات موكبا متلاحما متساندا متعاضدا، ~~فلا حجة من بعد ذلك لنبي، ولا لتابع نبي أن يصادم دعوة أي رسول يأتي، ما ~~دام مصدقا لما بين يديه. لقد أعلمنا الحق أنه قد عرض شهادة الأنبياء على ~~بعضهم، وشهادة الأنبياء على أممهم، وشهادة الله سبحانه على الجميع، وذلك ~~أوثق العهود وآكدها. ولذلك فكل من استمع لهذا يجب أن ينصر أي رسول يأتي ~~مصدقا لما معه، وبذلك يزداد موكب الإيمان تآزرا وتلاحما، فلا يأتي مؤمن ~~برسالة من السماء ليصادم ms1219 مؤمنا آخر برسالة من السماء.. ولندع المصادمة ~~لمن لا يؤمنون برسالة السماء، وحين يتكاتف المؤمنون برسالة السماء ~~يستطيعون الوقوف أمام هؤلاء الملاحدة، وبعد هذا البيان الواضح يقول الحق: ~~{ فمن تولى بعد ذلك... }. ### || [3.82] # معنى " تولى " هي مقابل " أقبل ". و " أقبل " تعني أنه جاء بوجهه عليك. ~~و " تولى " أعرض كما نقول نحن في تعبيراتنا الشائعة: " أعطاني ظهره ". ~~ومعنى هذا أنه لم يأبه لي، ولم يقبل علي. إذن فالمراد من أخذ العهد ~~أن يقبل الناس على ذلك الدين، فالذي يعرض ويعطي الإيمان الجديد ظهره ~~يتوعده الله ويصفه بقوله: { فمن تولى بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون } [آل عمران: 82] بعد ماذا؟ إنه ~~التولي بعد أخذ العهد والميثاق على النبيين، وشهادة الأمم بعضها على ~~بعضها، وشهادة الله على الجميع، إذن فلا عذر لأحد. فمن أعطى ظهره للنبي ~~الجديد، فماذا يكون وعيد الله له؟ إن الحق يصفهم بقوله: { فأولئك ~~هم الفاسقون } [آل عمران: 82] أي أن الوعيد هو أن الله يحاسبه ~~حساب الفاسقين، والفسق - كما نعلم - هو الخروج عن منهج الطاعة. والمعاني ~~- كما تعرف - أخذت وضعها من المحسوسات. لأن الأصل في الوعي البشري هو ~~الشيء المحس أولا، ثم تأتي المعنويات لتأخذ من ألفاظ المحسوسات. والفسق ~~في أصل اللغة هو خروج الرطبة عن قشرتها فالبلح حين يرطب، يكون حجم كل ~~ثمرة قد تناقص عن قشرتها. وحينما يتناقص الحجم الطبيعي عن القشرة تصبح ~~القشرة فضفاضة عليه، وتصبح أي حركة عليه هي فرصة لانفلات الرطبة من ~~قشرتها. ويقال: " فسقت الرطبة " أي خرجت عن قشرتها. وأخذ الدين هذا ~~التعبير وجعله وصفا لمن يخرج عن منهج الله، فكأن منهج الله يحيط ~~بالإنسان في كل تصرفاته، فإذا ما خرج الإنسان عن منهج الله، كان مثل ~~الرطبة التي خرجت عن قشرتها. ونحن أمام فسق من نوع أكبر، فهناك فسق صغير، ~~وهناك فسق كبير. وهنا نسأل أيكون الفسق هنا مجرد خروج عن منهج طاعة ~~الرسول؟ لكن هذا الخروج يوصف به كل عاص، أي أن صاحبه مؤمن بمنهج وفسق ~~جزئيا، إننا نقول عن كل عاص: " إنه ms1220 فسق " أي أنه مؤمن بمنهج وخرج عن ~~جزئية من هذا المنهج، أما الفسق الذي يتحدث عنه الحق هنا فهو فسق القمة ~~لأنه فسق عن ركب الإيمان كله، فإذا كان الله قد أخذ العهد، وشهد الأنبياء ~~على أممهم، وشهدت الأمم بعضها على بعض، وشهد الله على الجميع، أبعد ذلك ~~تكون هناك فرصة لأن يتولى الإنسان ويعرض؟ ثم لماذا يتولى ويعرض؟ إنه يفعل ~~ذلك لأنه يريد منهجا غير هذا المنهج الذي أنزله الله، فلو كان قد اقتنع ~~بمنهج الله لأقبل على هذا المنهج، أما الذي لم يقتنع فإنه يعرض عن المنهج ~~ويطلب منهجا غيره فأي منهج تريد يا من لا ترضى هذه الشهادة ولا هذا ~~التوثيق؟ خصوصا وأنت تعلم أنه لا يوجد منهج صحيح إلا هذا المنهج، فليس ~~هناك إله آخر يرسل مناهج أخرى. # وهكذا نعرف أنه لا يأتي منهج غير منهج الله، إلا منهج من البشر لبعضهم ~~بعضا، ولنا أن نقول لمن يتبع منهجا غير منهج الله: من الذي جعل إنسانا ~~أولى بأن يتبعه إنسان؟ إن التابع لابد أن يبحث عمن يتبعه، ولابد أن يكون ~~الذي يتبعه أعلى منه، لكن أن يتبع إنسانا آخر في منهج من عنده، فهذا لا ~~يليق، وهو فسق عن منهج الله لأن المساوي لا يتبع مساويا له أبدا، ومن ~~فضل الله سبحانه أنه جعل المنهج من عنده للناس جميعا حتى لا يتبع إنسان ~~إنسانا آخر. لماذا؟ حتى لا يكون هوى إنسان مسيطرا على مقدرات إنسان ~~آخر، والحق سبحانه لا هوى له. إن كل إنسان يجب أن يكون هواه تابعا لله ~~الذي خلق كل البشر. وما دام ليس هناك إله آخر فما المنهج الذي يرتضيه ~~الإنسان لنفسه؟ إن المنهج الذي يرتضيه الإنسان لنفسه لو لم يتبع منهج ~~الله هو منهج من وضع البشر، والمنهج الذي يضعه البشر ينبع دائما من ~~الهوى، وما دامت الأهواء قد وجدت، فكل مشرع من البشر له هوى، وهذا يؤدي ~~إلى فساد الكون. قال تعالى: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ومن ms1221 فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ~~ذكرهم معرضون # [المؤمنون: 71]. فإذا كانوا لا يرتضون منهج الله، فأي فسق هم فيه؟ إنه ~~فسق عظيم لأن الله قد أخذ عليهم العهد وعلى أنبيائهم ووثق هذا العهد، ~~أفغير الله يبغون؟ نعم، إنهم يبغون غير الله ومن هو ذلك الغير؟ هو إله ~~آخر؟ لا، فليس مع الله إله آخر، بل هم قد جعلوا الخلق مقابل الخالق، ~~ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { أفغير دين الله يبغون ~~وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا... }. ### || [3.83] # إنهم ما داموا غير مؤمنين برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ~~أرسله الله نبيا ورسولا فإن ذلك يكشف رغبتهم في أنهم يريدون منهجا غير ~~منهج الله، وليس أمامهم إذن إلا مناهج البشر النابعة من الأهواء، والتي ~~تقود حتما إلى الضلال، إن الحق سبحانه وتعالى يريد لخلقه أن يكونوا ~~منطقيين مع أنفسهم، إنه الحق سبحانه وتعالى قد أوضح لنا في منهجه، وقال ~~لنا هذا المنهج: أنتم مستخلفون في الكون، وأنتم أيها الخلفاء في الأرض ~~سادة هذا الكون، سادة يخدمكم الكون كله، وانظروا إلى أجناس الوجود تجدوها ~~في خدمتكم، الحيوان أقل منكم بالفكر. والنبات أقل من الحيوان بالحس. ~~والجماد أقل من النبات. إذن فأجناس الكون من حيوان ونبات وجماد ترضخ ~~لإرادتك أيها الإنسان، فالنبات يخدم الحيوان والحيوان يخدمك أيها ~~الإنسان، والجماد يخدم الجميع، والعناصر التي نأخذها نحن البشر من الجماد ~~يستفيد منها أيضا النبات والحيوان. إذن فكل جنس في الوجود تراه بعينيك ~~إنما يخدم الأجناس التي تعلوه. الجماد يخدم النبات. والجماد والنبات ~~يخدمان الحيوان. والجماد والنبات والحيوان في خدمة الإنسان وأنت أيها ~~الإنسان تخدم من؟ كان من واجب عقلك عليك أيها الإنسان أن تفكر فيمن ترتبط ~~به ارتباطا يناسب سيادتك على الأجناس الأخرى، كان لا بد أن تبحث عمن ~~أعطاك السيادة على الأجناس الأخرى. هل أنت أيها الإنسان قد سخرت هذه ~~الأجناس بقدرتك وقوتك؟ لا فلست تملك قدرة ذاتية تتيح لك ذلك؟ أما كان يجب ~~عليك أن تفكر ما هي القوة التي ms1222 سخرت لك ما لا تقدر عليه، فخدمتك حين لا ~~توجد لك قدرة، وخدمتك وأنت نائم تغط في نوم عميق؟ أما كان يجب أن تفكر ~~هذا الفكر؟ إنك أيها الإنسان يجب أن تكون منطقيا مع نفسك، وأن تبحث لك ~~عن سيد يناسب سيادتك على غيرك. والكون لا يوجد فيه سيد عليك لأن الكون ~~محس، فإن جاءك من يحدثك بأن غيبا هو الإله يطلب أن تكون في خدمته فيجب ~~أن تقول: " إن هذا كلام منطقي بالنسبة لوضعي في الكون " وبعد ذلك انظر ~~إلى الكون، فأنت في الكون لست وحدك بل هناك أجناس أخرى، وكل جنس من ~~الأجناس له قانونه وله مهمته، للحيوان مهمة، وللنبات مهمة، وللجماد مهمة. ~~فهل وجدت جنسا من الأجناس تمرد على مهمته؟ لا. إن الحصان مثلا، تستخدمه ~~كمطية عليها وسادة من حرير وجلد ولها لجام من فضة لتركبه، وتجد هذه ~~المطية في يوم آخر تحمل سماد الأرض من روث الحيوان وما تأبت، لقد أدت ~~الخدمة لك راكبا، وأدت الخدمة لك ناقلا، وما تمردت عليك أبدا. كل ~~الأجناس - إذن - تؤدي مهمتها كما ينبغي، فاستقام الأمر فيها، وما دام ~~الأمر قد استقام فيها، فبأي شيء استقام؟ إن الله هو الذي خلقها ذللها، ~~قال لها: " كوني في خدمة الإنسان مؤمنا كان أو كافرا " وفي هذا الأمر ~~عدالة الربوبية، فلا تتأخر أو تشذ عن حركتها في خدمة الإنسان. # أرأى أحدكم الشمس مرة قالت: لم يعد الخلق يعجبونني، ولن أشرق عليهم ~~وسأحتجب اليوم؟! أتمرد الهواء وقال: لا، إن الخلق لم تعد تستحق تنفس ~~الهواء، لذلك لن أمكنهم من الانتفاع بي. أرأينا المطر امتنع؟ هل استنبت ~~الإنسان أرضا صالحة للزراعة واستعصت عليه؟ لا.. فكل شيء في الوجود يؤدي ~~مهمته تسخيرا وتذليلا. لذلك يقول الحق: # وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون * ~~ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون # [يس: 72-73]. والحق سبحانه وتعالى يطلق بعضا من الحيوان فلا يذلل، ولا ~~يستأنس، وذلك حتى تعلم أيها الإنسان أنك لم تستأنس الجمل بقدرتك فإن كانت ~~لك قدرة مطلقة على ms1223 الكون فاستأنس بعض ثعابين هذا العالم أو استأنس الأسد. ~~وأنت أيها الإنسان ترى في هذا الكون بعضا من الحيوانات والمخلوقات شاردة ~~مثل الثعابين والحيوانات المتوحشة. بغير استئناس ليدلنا الحق على أن هذا ~~الذي يخدمك لو لم يذلله الله لك لما استطعت أنت بقدرتك أن تذلله، إنه ~~تذليل وتسخير وخضوع لهذه المخلوقات منحه الله تعالى لك أيها الإنسان ~~تفضلا منه - سبحانه - مع عجزك وضعفك. ولم نجد شيئا نافعا قد عصى ~~الإنسان في الكون، لأن كل الخلق مسخر من الله لخدمة الإنسان كافرا كان ~~أو مؤمنا، وهذا هو عطاء الربوبية، لأن عطاء الربوبية يشمل الخلق جميعا، ~~فالخالق الأكرم هو رب الناس كلهم ويتولى تربيتهم جميعا، ولذلك تستجيب ~~الأجناس من غير الإنسان للإنسان سواء أكان مؤمنا أم كافرا. فإن أحسن ~~الكافر استخدام الأسباب فإن الأسباب تعطيه ولا تعطي المؤمن الذي لا ~~يستخدم الأسباب، أو لا يحسن استخدامها فهذا هو عطاء الربوبية، والربوبية ~~للجميع. أما عطاء الألوهية فهو " افعل ولا تفعل " وهو عطاء للمؤمنين فقط. ~~فإذا كانت هذه هي صورة الكون وهو يؤدي مهمته بلا شذوذ فيه، ومنسجم في ~~ذاته انسجاما عجيبا فلنا أن نسأل " من أين جاء الخلل في الكون؟ " إن ~~الخلل قد جاء منك أيها الإنسان. ولهذا فنحن لا نجد فسادا في الكون إلا ~~وللإنسان مدخل فيه، أما مالا مدخل للإنسان فيه فلا فساد فيه أبدا. أرأيت ~~أحدا قد اشتكى من أن الهواء قصر؟ لا. لماذا لأن أحدا لا دخل له بمسألة ~~الهواء هذه أبدا، صحيح أننا نتدخل في الهواء بتلويثه بالعادم والفضلات، ~~وصحيح أيضا أن الحق يكرم الخلق باكتشافات قد تصلح من هذا الفساد إذن، ~~فحين يتدخل الإنسان فإن الشيء قد يفسد. # لكن هل معنى ذلك ألا نتدخل؟ هل نقف من الكون مكتوفي الأيدي؟ لا، بل يجب ~~أن نتدخل في الكون، ولكن بمنهج الله. إنك إن تدخلت في الكون بمنهج الله، ~~فكل شيء يسير كما يسير الكون الذي لا منهج له إلا الخضوع والتسخير، فكما ~~أدت الشمس مهمتها والجماد مهمته، والحيوان ms1224 مهمته، وأنت أيها الإنسان ~~مطلوب منك أن تؤدي مهمتك، وهي أن تطيع الله، تلك الطاعة التي تتلخص ~~مطلوباته منك في: " افعل كذا ولا تفعل كذا " فإن انتظمت مع المنهج ب " ~~افعل " و " لا تفعل " تكن قد انسجمت مع الكون. إن الله سبحانه يذيل هذه ~~القضية ويختمها باستفهام تنقطع وتنفطر له قلوب المؤمنين: { أفغير ~~دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون } [آل عمران: 83]. ~~إن كل شيء في السماوات وفي الأرض قد أسلم لله طوعا أو كرها. وإذا ما ~~تساءلنا، وما معنى " طوعا؟ " فالإجابة هي طاعة التسخير، كما قالت ~~السماوات والأرض في النص القرآني الحكيم: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين # [فصلت: 11]. فكل ما لا تكليف له جاء طائعا مسخرا، وما معنى: " كرها ~~"؟ إن بعضا من العلماء قد قال: إن " طوعا " تشمل أجناس الملائكة، ~~والجماد، والنبات، والحيوان، فكل منهم يؤدي مهمته بخضوع ولا يعترض أحد ~~منهم ولا يملك أحدهم قدرة على العصيان، وأما عن " كرها " فقد فهم بعض ~~العلماء أنهم الناس الذين يخدمون الناس بالقوة كالعبيد مثلا، ولهؤلاء ~~نقول: لا يصح ولا يستقيم أن نعطي خصوم الإسلام فرصة ليقولوا إن الإسلام ~~قد أكره أحدا من البشر أن يخدم أحدا كرها لأن الحق سبحانه قال: # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ~~فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع ~~عليم # [البقرة: 256]. فما دام الله لم يكره أحدا على الإيمان به فكيف يكره ~~إنسانا ليخدم إنسانا آخر؟! ولهذا فإننا يجب أن نفهم كرها على وضعها ~~الحقيقي، والحق سبحانه أبلغنا أن هذا الكون كله مسخر له، لأنه سبحانه هو ~~الذي خلقه ولا إله غيره وهذه مسألة مسلم بها، فالكون كله لله، وهو المدبر ~~والقاهر له، قال الحق: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما ms1225 يصفون # [المؤمنون: 91]. وما دام هو الواحد وهو الخالق فلن يتمرد أحد على مراده، ~~وكان يجب أن يفهم الإنسان مهمته على أنه هو الوحيد الذي كلفه الله لأن ~~بقية الأجناس لا اختيار لها وهي غير مكلفة كما كلف الله الإنسان ب " ~~افعل " و " لا تفعل " إذن فالتكليف فرع الاختيار فالمنهج يقول لك: " افعل ~~كذا ولا تفعل كذا " لأن الذي وضعه يعلم أنه قد خلقك صالحا لأن تفعل ما ~~يأمرك به، وصالحا لأن تفعل ما لا يأمرك به. # إن اليد - مثلا - مخلوقة لتتحرك حسب إرادة صاحبها، بدليل أن الإرادة إن ~~شلت وانقطع الخيط الموصل للإرادة الآمرة إلى الجارحة الفاعلية عندئذ ~~يحاول الإنسان المصاب بذلك - والعياذ بالله - أن يرفع يده فلا يستطيع، ~~فاليد مسخرة لإرادة الإنسان، وإرادتك أيها الإنسان عندما تسير في ضوء ~~منهج الله فإنك توجهها في ضوء " افعل " و " لا تفعل ". وعندما يقال لك ~~مثلا: " لا تضرب بها أحدا " فمعنى ذلك أن اليد صالحة لأن تضرب، وعندما ~~يقال لك: " خذ بيد العاثر " فيدك قادرة على أن تأخذ بيد العاثر، فأنت ~~مخلوق على هيئة الطواعية من جوارحك لإرادتك. ويأتي المنهج ليقول لك: " ~~نفذ الإرادة في كذا ولا تنفذ الإرادة في كذا ".. إذن فالإنسان عندما يتبع ~~المنهج فهو يتفق مع الأشياء المسخرة تمام الاتفاق، ويؤدي كل شيء على خير ~~أداء، لكن متى يختلف الإنسان عن الانسجام مع الأجناس الأخرى في الكون؟ إن ~~الإنسان يختلف عن الانسجام عندما لا يطبق المنهج، فيشذ عن الركب في الكون ~~كله، ولتقرأ قوله سبحانه وتعالى: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم ~~إن الله يفعل ما يشآء # [الحج: 18]. إنها الأجناس كلها ساجدة، الشمس ساجدة، القمر ساجد، ~~والنجوم، والجبال، كل هذه الجمادات ساجدة، وكذلك الشجر والنبات ساجد لله، ~~والحيوان والدواب ساجدة لله، وكثير من الناس سجود، لكن في مقابل هذا ~~الكثير الساجد من البشر، ms1226 هناك كثير غير ساجد لذلك حق عليه العذاب، ولو أن ~~الإنسان قد أخذ منهج الله فنفذه لصار كبقية الأجناس، لكن الإنسان اختلف، ~~وقال: " أنا سوف آخذ اختيار تحمل الأمانة، لأني عالم وعاقل " كما جاء في ~~القول الحق: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. فلو أخذ الإنسان منهج الله في " افعل " و " لا تفعل " ، ~~لانسجم الإنسان مع الوجود كله وحين ينسجم الإنسان مع الوجود كله فلن تأتي ~~منه مخالفة أبدا كما لا تأتي مخالفة في الوجود من غير الإنسان، وعند ذلك ~~يصبح الكون مثاليا في الانسجام. ونحن نعرف أن الطموحات العلمية حين تعمل ~~وتشغل العقل في أمر ما فإنها تريد الخير، ولكنها تعلم شيئا، ويغيب عنها ~~شيء آخر، ولو أخذوا عن الله العليم بكل شيء لصارت الدنيا إلى انسجامها. # إن المخترعين الذين صمموا المحركات التي تتحرك بسائل البنزين قاموا ~~بتسهيل الحركة على الإنسانية، ولكن العادم والمخالفات الناتجة من البنزين ~~صنعت ضررا بالكون، ودليل ذلك أن العلماء الآن يبحثون عن أساليب لمقاومة ~~تلوث البيئة. وعندما كان الوقود هو الحطب لم يكن هناك تلوث للبيئة، ~~لماذا؟ لأن كل عنصر كان يؤدي مهمته، فجزء من احتراق الحطب كان يتحول إلى ~~كربون، وجزء آخر يتحول إلى غازات، وتنصرف كل الأشياء إلى مساراتها. إن ~~هذا يدلنا على أن الإنسان قد دخل إلى المخترعات المعاصرة بنصف علم. لقد ~~قدر الإنسان أنه يريد تخفيف الحركة، وينقل الأثقال ويختصر المسافات، ~~لكنه لم ينظر إلى البيئة وتلوثها، فنشأ عادم يفسد البيئة، لكن لو كان عند ~~الإنسان القدرة الشاملة على العلم لكان ساعة اختراع هذه المحركات قد بحث ~~عن وضع معادلة لتعدل من فساد العادم. ولننظر إلى عظمة الحق، إنه يترك ~~للعقل البشري أن يتقدم، ولكن العقل البشري قاصر وينسى من الأشياء ما ينتج ~~عنه الضرر أخيرا. إن الذين اخترعوا المبيدات الحشرية كانوا يظنون أنهم ~~قاموا بفتح جديد في الكون، وتشاء إرادة الحق أن يقوم بتحريم هذه المبيدات ms1227 ~~القوم أنفسهم الذين اخترعوها لأنهم وجدوا منها الضرر، لذلك يقول الحق ~~سبحانه: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا * أولئك الذين كفروا بآيات ~~ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم ~~يوم القيامة وزنا # [الكهف: 103-105]. إنك أن أردت أن تكمل صنعتك فابحث عن الحسن في ضوء ~~منهج الله، والحق سبحانه يضرب لنا المثل الواضح. إننا نعرف أن عادم ~~صناعتنا ضار كعادم المصانع والسيارات وغيرها، لكن عادم خلق الله في ~~الحيوان نافع، فالإنسان يأخذ روث الحيوان ويصنع منه السماد ليزيد من ~~خصوبة الأرض، والعجيب أن فضلات الحيوان التي تعطي خصوبة للأرض لا نجد ~~فيها شيئا يقزز، ولا نجد لها الرائحة التي توجد في فضلات الإنسان، ~~لماذا؟ لأن الحيوان يأكل على قدر حاجته، إن الحيوان قد يجد أمامه أصنافا ~~كثيرة، مثل الحشيش الجاف اليابس، وأمامه النعناع الأخضر، فلا يأكل ~~النعناع الأخضر ويأكل الحشيش اليابس، وإذا شبع الحيوان امتنع عن الطعام، ~~ولذلك لا يخرج فضلات كريهة الرائحة، لكن الإنسان ينوع ويلون ويأكل فوق ~~طاقته ويحث شهيته على الانطلاق والانفلات، إن الحيوان لا اختيار له، ~~ومحكوم بالغريزة ويجد أمامه هذا الذي يؤكل وذلك الذي لا يؤكل فيختار ~~بغريزته المناسب له، وإذا امتلأت البطن لا يأكل لأنه محكوم بالغريزة ~~والتسخير المطلق، لكن الإنسان يتمتع بالاختيار، فأفسد عليه هذا الاختيار ~~وأبعده عن منهج الله وجعله بما لديه من قدرة يتجاوز الاكتفاء بحدود ~~الشبع. # وهكذا نرى بوضوح أن الكون كله أسلم لله طوعا في المسخرات. وإياك أن ~~تفهم أن هناك إسلاما بالقهر والإكراه. وبعض العلماء قد فاتهم ذلك وهم ~~يعطون لخصوم الإسلام حجة الإسلام حجة فيقولون: " إن دينكم انتشر بإكراه ~~السيف " ولذلك نقول لهم: لا، إن أحدا لم يسلم كرها أبدا لأن السيف ~~إنما رفع لشيء واحد هو حماية حرية الاختيار. إن السيف قد رفع ليمنع ~~الإكراه، وليمنع تسلط بعض الناس بقوتهم ليجبروا الناس على عقائدهم فقال ~~لهم السيف: " قفوا عند حدكم، ودعوا الناس أحرارا في اختيار ما ms1228 يعتقدون " ~~، ودليل ذلك أن البلاد التي فتحها الإسلام تجد فيها غير المسلمين، ولو ~~كان الأمر فتحا بالسيف لما وجدنا ديانات أخرى. غير الإسلام، نجدهم أيضا ~~يتشدقون بذلك ويزيدون " إنكم تفرضون جزية ". ونقول لهم: أنتم تردون على ~~أنفسكم، ونحن لم نفرض جزية على المؤمن ولكن الكافر تركناه على كفره، ~~والجزية يدفعها الكافر ليدافع عنه المؤمنون لو أصاب البلاد مكروه. إذن ~~فكيف نفهم قوله الحق بأن هناك من أسلم كرها؟ نحن نفهمها كالآتي: إن ~~الإنسان هو الذي انقسمت عنده المسائل، وفيه أمور تدخل في فعله ومراداته، ~~وفيه أمور تحدث قهرا عنه، وتحدث له بلا إرادة ولا اختيار، فالإنسان يكون ~~مختارا في الفعل الذي يقع منه، أما الفعل الذي يقع عليه أو فيه فلا دخل ~~له فيه بالاختيار إن أحدا منا لا يختار يوم ميلاده، أو يوم وفاته أو يوم ~~إصابته بالمرض، والإنسان الذكي هو الذي يعرف ذلك ونقول للإنسان الذي لا ~~يعرف أو يتجاهل ذلك: أيها الإنسان دعك من الغباء إن هناك زوايا من حياتك ~~أنت مجبر فيها على أن تكون مسلما لله كرها إنك تسلم لله دون إرادتك في ~~كثير من الأمور التي تقع عليك، ولا تستطيع لها دفعا، فلماذا تقف في ~~الإسلام عند زاوية الاختيار؟ إن المسخرات كلها مسلمة لله، والإنسان فيما ~~يقع فيه أو عليه من أمور لا يستطيع دفعها. هو تسليم لله كرها من ~~الإنسان، وهكذا نرى أن قيادة التسخير فيما ليس لك دخل فيه أيها الإنسان ~~هي مسلمة لله، مثلك في ذلك مثل كل الكائنات، أفلا يجب عليك أن تسلم بكل ~~زوايا حياتك؟ فلو كان هناك إنسان كافر بكل ما فيه من أبعاض فعلى هذا ~~الكافر ألا يسلم بأي شيء من جوارحه هل يستطيع أن يمنعها من أن تؤدي ~~عملها؟ ولنر ما سيحدث له لابد أن يتوقف عن التنفس لأن التنفس يحدث رغما ~~عنه، لابد أن يوقف دقات قلبه لأنها تدق رغما عنه. وما دام هناك من ~~يستمرئ الكفر فليحاول أن يجعل كل ما فيه كافرا، ولن ms1229 يستطيع بل سيجد أنه ~~يحب أمورا ولا تأتي له، ويكره أمورا وتنزل به، ولن يفلت أحد من الإسلام ~~لله، لأن الله قد اختار لكل إنسان يوم الميلاد ويوم الموت، واختار الله ~~لإنسان أن تجري الأحداث فوقه ولا يستطيع دفعها، ويصبح خاضعا رغم أنفه، ~~لذلك قال الحق: { وله أسلم من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها وإليه يرجعون } [آل عمران: 83]. # إذن ولنأخذ " طوعا " لغير الإنسان، وللمؤمن الذين نفذ تعاليم المنهج، ~~ولنأخذ " كرها " في المسائل التي لا دخل لاختيار الإنسان فيها وتقع عليه ~~وهو يكرهها، ولا يستطيع دفعها، لأن الذي يجريها عليه هو الخالق الفعال ~~لما يريد، وما دامت هناك زاوية من حياتك أيها الإنسان أنت مكره فيها ~~فلماذا تمردت في المسألة الاختيارية؟ كان يجب أن يأخذ الكافر هذه النقطة ~~ويقول للكفر: " لا " ، ويتجه إلى الإيمان لأن المؤمن يأخذ هذه النقطة ~~ويقول: أنا أريد أن أنسجم مع الكون كله حتى لا تطغى ملكة على ملكة، ولا ~~تطغى إرادة على إرادة أخرى، وهذه رحمة من الله بالخلق. وحين يسلم الإنسان ~~منهجه لله فإنه يفعل ما يطلبه المنهج ولا يفعل ما يحرمه المنهج ومن يريد ~~أن يقف في " افعل " و " لا تفعل " ، ونقول له: إذا فعلت ما الذي يستفيده ~~الله منك؟ وإذا لم تفعل ما الذي يضر الله منك؟ لا شيء، إن عليك أن تفكر ~~جيدا فالأمر إنما يرد أو يتمرد عليه إن كان للآمر فيه مصلحة، وحيث ~~إنه لا مصلحة للحق سبحانه وتعالى في مراداته من الخلق إلا إصلاح الخلق ~~ذاته، إذن فمنهج الحق هو لمصلحة الإنسان، وأول ما يصاب به من يقف في منهج ~~الله أنه يصبح ضد نفسه، ولا ينسجم مع الكون، فإن كان هناك من يريد ألا ~~يسلم، فليجرب نفسه بألا يسلم في المقهورات التي هو مقهور عليها، وهذا أمر ~~مستحيل. ولنقرأ الموقف القرآني بدقة، لنرى أنه الحق بعد القسم وبعد العهد ~~وبعد الإشهاد عليه، قال لنا: { أفغير دين الله يبغون ~~وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وإليه يرجعون ms1230 } [آل عمران: 83]. إن من يبغى غير دين الله ليس ~~منطقيا مع نفسه أو مع الكون لأن الكون كله لله بما فيه ومن فيه من ~~السماوات والأرض، وكذلك الإنسان الذي ارتضى منهج الله، وأيضا أسلم ~~الكافر لله فيما ليس له فيه اختيار. " وأسلم " في هذا السياق القرآني ~~الكريم تعني أنه خضع وسخر، وقهر على أن ينفذ، ولكن الحق سبحانه أورد عن ~~السماء والأرض قال: # قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11]. إن المألوف أن ترضخ السماء والأرض لأمر الله، وعندما " ~~قالتا أتينا طائعين " فقد كسبت السماء والأرض الإسلام لله، فإلى الله كل ~~مرجع فالإنسان - مؤمنا كان أو كافرا - سيعود إلى الله حتما. # وكلمة " يرجعون " التي تأتي في تذييل الآية يمكننا أن نراها في مواقع ~~أخرى من القرآن مرة تأتي مبنية للمجهول وننطقها " يرجعون " بمعنى أنهم ~~مقهورون على الرجوع إلى الله، ونجدها في مواقع أخرى في القرآن كفعل مبني ~~للفاعل فننطقها " يرجعون " ، أي أنهم يريدون الإسراع في العودة إلى ~~الله، وفي هذه الآية نفهم أن الذين يبغون غير دين الله لا يرغبون أن ~~يعودوا إلى الله لذلك يتم إرجاعهم بالقهر، فسبحانه وتعالى يقول: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13]. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { قل آمنا بالله ~~ومآ أنزل علينا ومآ أنزل على إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط... }. ### || [3.84] # عندما ننظر إلى هذه الآية بخواطرنا فإننا نجد أن الحق يمزج الرسول ~~والمؤمنين به والمرسل إليهم في الإيمان به، ويتحدث إلى الرسول والمؤمنين ~~كوحدة إيمانية، إن قول الحق: " قل " هو خطاب لمفرد هو النبي صلى الله ~~عليه وسلم، والمقول: " آمنا " دليل على انسجام الرسول مع الأمة المؤمنة ~~به، فكأن الأمة الإسلامية قد انصهرت في " قل " ، وكأن الرسول موجود في " ~~آمنا " ، وبذلك يتحقق الامتزاج والانسجام بين الرسول وبين المؤمنين به، ~~ويصير خطاب الحق إليهم هو خطاب لوحدة إيمانية واحدة لا انفصام فيها. وقد ~~جاء الحق بهذا الأسلوب ليوضح لنا أن الرسول لم يأت ليتعالى على أمته، بل ~~جاء ليحمل أعباء هذه الأمة، ولذلك قلنا من ms1231 قبل: إن للرسول صلى الله ~~عليه وسلم إيمانين، لقد آمن بالله، وأمن للمؤمنين، وهو صلى الله عليه ~~وسلم سيشفع لنا، لأنه قد أدى مؤدى يسع أمته كلها، لقد أتم البلاغ وخضع ~~للتكليف بما يسع أمته كلها، ولذلك يقول الحق: " قل آمنا " ، كان القياس ~~أن يقول: " قل آمنت " ، أو أن يقول: " قولوا آمنا ". لكن الحق في قرآنه ~~الكريم يضع كل كلمة في موضعها، فتصبح الكلمة جاذبة لمعناها، ويصبح كل ~~معنى عاشقا لكلمته، وقد قال الحق هنا: " قل آمنا " ليتضح لنا أن محمدا ~~رسول ممتزج في أمته، وأمة الإسلام في طواعية لرسولها، والأمر يأتي لرسول ~~الله من الحق سبحانه، والتنفيذ لهذا الأمر يكون من الجميع، وفي هذا إشعار ~~للخصوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون ذا عصبية إيمانية قوية، فلو ~~قال: " قل آمنت " لكان معنى ذلك أن الرسول لن يملك إلا إيمانه فقط، لكن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم آمن به قومه، وكثير غيرهم وجاء على يديه فتح ~~مكة كما قال الحق: # إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا # [النصر: 1-2]. وعندما نقرأ قوله الحق: { قل آمنا بالله ومآ ~~أنزل علينا } [آل عمران: 84] فلنا أن نلتفت إلى أن العلماء لهم ~~وقفة في مسألة الإنزال، فمرة يقول الحق: # والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من ~~قبلك وبالآخرة هم يوقنون # [البقرة: 4]. ومرة أخرى يقول الحق: # ومآ أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم ~~الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون # [النحل: 64]. وهكذا نجد أن " الإنزال " يأتي مرة متعديا ب " إلى " ، ~~ويأتي مرة مرة أخرى متعديا " بعلى ". وقال بعض من العلماء: إن الكلام ~~حينما يكون موجها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالحق يقول: " أنزل ~~عليك " ، وكأن هؤلاء العلماء - دون قصد منهم - يفصلون بين بلاغ الله ~~للرسول عن البلاغ إلى أمة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يلتفتوا إلى أن ~~الغاية من إنزال المنهج على الرسول هو هداية الأمة. # ونحن نقول: إن علينا ألا نأخذ الأمر بسطحية من أسلوب ms1232 ظهر لنا ذلك أن ~~هناك أسلوبا خفيا، وهو أن " إلى " و " على " إنما تفيدان أن المنهج ~~نزل للأمة والرسول صلى الله عليه وسلم فمرة يأتي الحق بالنزول متعديا ب ~~" إلى " والخطاب موجه للرسول صلى الله عليه وسلم كقوله الحق: # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ~~ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين # [المائدة: 83]. ومرة يأتي الحق بالنزول متعديا ب " على " والخطاب موجه ~~للرسول صلى الله عليه وسلم كقوله الحق: # ومآ أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم ~~الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون # [النحل: 64]. ومرة ثالثة يأتي الحق بالإنزال في حديث إلى المؤمنين: # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات ~~الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ~~إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم ~~جميعا # [النساء: 140]. إنه كتاب منزل من السماء وملحوظ فيه العلو، والغاية من ~~النزول هو مصلحة الأمة، فالإتيان ب على يفيد العلو، ولمصلحة الأمة، " ~~والعلية " هنا لتزيد مقام المنهج بالنسبة للمؤمنين فهو قد نزل لمصلحتهم. ~~إذن فالنزول يقتضي " علية " ، وهو من حيث العلو يأتي ب " على " ، ومن ~~حيث الغاية يأتي ب " إلى " ، فهو منهج نزل من الحق الأعلى ونزل إلى ~~الرسول وعلى الرسول ليبلغه إلى المؤمنين لمصلحتهم. ولذلك قلنا: إننا إذا ~~رأينا حكما يقيد من حرية الفرد فلا يصح أن نفهم أن الله قد قصد هذا ~~الفرد ليقيد حريته، إنما جاء مثل هذا القيد ليقيد الملايين من أجل حرية ~~الفرد، مثال ذلك ساعة يحرم المنهج السرقة على الإنسان، فهو أمر لكل إنسان ~~من الملايين وهو لمصلحة كل إنسان، فالقرآن قد نزل لمصلحتك، ومصلحة ~~المؤمنين جميعا. وعندما نقرأ قوله الحق: { قل آمنا بالله ومآ ~~أنزل علينا ومآ أنزل على إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى ~~والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ~~ونحن له مسلمون } [آل عمران: 84]. فهذا القول يوضح أن الرسول ~~صلى الله عليه ms1233 وسلم إنما جاء بمنهج يضم صحيح العقائد والقصص والأخبار، ~~وهو يوافق ما جاء في موكب الرسالات من يوم أن خلق الله الأرض وأرسل ~~الرسل. # وقد أخذ الله العهد على الأمم والأنبياء من قبل، بأنه إذا جاء رسول مصدق ~~لما معهم ليؤمنن به، وكذلك أخذ الله العهد على رسولنا صلى الله عليه وسلم ~~بأن يؤمن بالرسل السابقين، فهو صلى الله عليه وسلم لم يأت ليهدم أديانا، ~~ولكن ليكمل أديانا، وهكذا نرى النص القرآني الجليل: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا.. # [المائدة: 3]. كأن الأديان السابقة بكل ما جاء فيها من صحيح العقائد، ~~والقصص، والأخبار موجودة في الإسلام، وفوق كل ذلك جاء الإسلام بشرائع ~~تناسب كل زمان ومكان، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث ~~الشريف: # " إنما مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بني بنيانا فأحسنه وأجمله ~~وأكمله إلا موضع لبنة فجعل الناس يطوفون به ويقولون ما رأينا أحسن من هذا ~~لولا موضع هذه اللبنة فكنت أنا اللبنة ". # إذن فزمام كل الأمر انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخذ ~~الله العهد على غيره أن يصدقوه عندما يجيء، وهو صلى الله عليه وسلم آمن ~~وصدق بمن سبق من الرسل، ولم يجيء من بعده شيء يطلب من رسول الله ولا من ~~أمته أن يصدقوه، وقال الحق تذييلا لهذه الآية الكريمة: { ونحن له ~~مسلمون } [آل عمران: 84]. أي أنه لا يوجد لأتباع أي رسول من الرسل ~~السابقين ما يعطيهم سلطة زمنية، بل المسألة كلها تبدأ من الله، وتنتهي ~~إلى الله. وتلك هي القضية النهائية في موكب الرسالات. وما دام الإسلام هو ~~ذلك الانقياد الذي يختاره الإنسان لنفسه ليكون منسجما مع نفسه في ~~الإسلام لله، ويكون انسجاما مع الكون الآخر وما يحتويه من حيوان ونبات ~~وجماد وغيرها في أنه أسلم خضوعا لله، وبذلك يصبح الكون بما فيه الإنسان ~~المؤمن المسلم لله كله مسخرا لله سبحانه وتعالى. وما دام الكون ~~بالإنسان قد صار مسخرا لله فلا تضاد في حركة ms1234 لتعاند حركة أخرى لأن الذي ~~يهيمن هذه الهيمنة هو الذي وضع لكل إنسان في مجال حركته في الحياة ~~قانونا يعصمه من أن يصطدم بغيره، وإذا كان البشر قد استطاعوا أن يضعوا ~~لأنفسهم معايير تمنع التصادم في الحركة، ذلك التصادم الذي يؤدي إلى كوارث ~~ومصائب. مثال ذلك، لننظر إلى السكك الحديدية، ألا يوجد موظف اسمه " ~~المحولجي "؟ ومعنى هذه الوظيفة هو أن القائم بها يقوم بتحويل القاطرة ~~القادمة من طريق معين إلى مسار محدد حتى لا تدهم قاطرة أخرى جاءت من ~~الطريق نفسه. إن ذلك من فعل الإنسان فيما صنع من قطارات ومواصلات، لقد ~~صنع أيضا وسائل تمنع تصادمها، فما بالنا بالحق - وله المثل الأعلى - وهو ~~الذي خلق الإنسان؟ إنه سبحانه قد وضع المنهج حتى لا تصطدم حركة في الوجود ~~بحركة أخرى. # ولننظر إلى الأشياء التي جاءت بقانون التسخير، والأشياء التي دخلت في ظل ~~الاختيار. أسمعنا أن جملين سارا في طريقين متعارضين واصطدم الجمل بجمل؟ ~~لم يحدث ذلك أبدا، فالجمل يفادي نفسه وما يحمل من الجمل الآخر وما ~~يحمله، لكننا نسمع عن تصادم سيارة مع سيارة، ذلك أن السيارة لا تسير ~~بذاتها بل تسير بقيادة إنسان مختار، وهو الذي يصدم وهو الذي قد تأتي منه ~~في غفلته الكوارث. إذن فتصادم حركة بحركة إنما ينشأ في الأمور ~~الاختيارية، أو غفلة إنسان عن مهمته، كغفلة " المحولجي " عن عمله في ~~تنظيم مرور القطارات، لكن تصادم حركة في الوجود بحركة أخرى في الوجود هو ~~أمر مستحيل، ولا يحدث أبدا، لأن الأمر الذي ما زال في يد المهيمن ~~الأعلى، مهيمن الأرض والسماء، وهو الله الذي يسير الكون منسجما ويعرفنا ~~بصفاته فيقول: # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم # [البقرة: 255] ومعناه: أني أنا القائم بأسبابكم ومدبر أمركم ولا أنام أو ~~تأخذنا سنة أو غفلة أي فناموا أنتم فقد سخرت الوجود كله من أجلكم. وما ~~دام الأمر في الإسلام هكذا، والوجود ينسجم مع نفسه، فلماذا تشذ أنت أيها ~~الإنسان عن الوجود؟ ولماذا تشذ عن ms1235 ملكات نفسك؟ لماذا لا تكون منسجما ~~مع الكون؟ إنك إن انسجمت مع نفسك ومع الكون صرت الإنسان السعيد. وفي ~~عصرنا الحديث نرى ارتقاء العالم ماديا بصورة عالية، بحيث يقع الحدث في ~~أمريكا مثلا فنراه على شاشة التلفزيون فورا، ويركب الإنسان مركبا ~~صاروخيا إلى الفضاء ولكن هل استراح العالم؟ لا، لقد ازداد العالم عناء، ~~وكأنه يكد ذهنه ويرهق العلماء في معاملهم لابتكار أشياء تعطي للعالم ~~مزيدا من القلق والاضطراب وتتصادم وتتعارض. وبذلك صار الكون لا يفرغ ~~أبدا من حرب باردة أو ساخنة. كل ذلك إنما ينشأ من إدارة أمور العالم ~~بأهواء البشر، فلسنا جميعا مردودين إلى منهج واحد يأمرنا فنأتمر، ~~وينهانا فننتهي، بل كل إنسان يتبع في عمله هواه، لذلك نرى القلق ~~والاضطراب، ونرى الصرخات تملأ الدنيا من أهوال ومصائب، منها مثلا ~~المخدرات وغيرها. إن الذي يدمن المخدرات هو إنسان غير راض عن واقع ~~حياته، فلا يريد مواجهة حياته، إنما يحاول الهرب منها بالإدمان، ونقول ~~لمثل هذا الإنسان: ليس هذا حلا للمشكلة لأن الإنسان عندما تأتيه مشكلة ~~فهو يحتاج عقلا على عقله ليواجه هذه المشكلة، وأنت بهذا الإدمان إنما ~~تضيع عقلك، رغم أنك مطالب بأن تأتي بعقل آخر بجانب عقلك لتحل مشكلتك، ~~فالهرب من المشكلة لا يحلها، إنما الهروب غباء وقلة فطنة فالمشكلة زادت ~~تعقيدا ونقول للمجتمعات التي تشكو من مثل هذه البلايا لو أخذتم شرائعكم ~~من منهج الله لكان ذلك حماية لكم من مثل تلك الكوارث. # وهكذا نرى أن كل الابتكارات توجه دائما إلى الشر أولا، فإذا لم يوجد ~~لها ميدان شر فإننا نوجهها إلى الخير، ويا ليته خير خالص لوجه الله، لا، ~~إنه خير مجنح ومنحرف عن الخير لأن الذي لا يملك هذا اللون من الاختراعات ~~كالشعوب النامية والعالم الثالث قد جعله المخترعون بوساطة هذه الاكتشافات ~~والمخترعات مستعبدا ومقهورا لهم إنهم جعلوا تقدمهم استعبادا وإذلالا ~~لغيرهم وإن تظاهروا بغير ذلك. لماذا يحدث كل ذلك؟ لأننا لم نكن منطقيين - ~~كما يجب - مع أنفسنا ولا مع واقع الأمور النهوضية التي نحن ms1236 فيها ~~فالطموحات العلمية التي لا حد لها لا يصح أن تسبب لنا كل هذا التعب، بل ~~كان المفروض بعد الوصول إلى تحقيق هذه الطموحات ان نستريح، ولكن لم لم ~~يحدث هذا؟ لأن زمامنا نحن البشر بيد أهوائنا، والأهواء ليست هي اليد ~~الأمينة، إن اليد الأمينة هي شرع الله الذي لم يشرع إلا لمصلحة من خلق، ~~وما دام الإسلام يرسم طريق الأمان مع الخالق والنفس والكون الذي نحياه، ~~بما فيه من الأجناس الأخرى ،، إذن فالدين عند الله هو الإسلام، وهذه هي ~~النتيجة الحتمية لذلك يقول الحق سبحانه: { ونحن له مسلمون } ~~[آل عمران: 84] ويتبعها الحق سبحانه بقوله: { ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه... }. ### || [3.85] # إن الغاية التي تسعد العالم كله هي دين الإسلام، ومن يرد دينا غير ذلك ~~فلن يقبله الله منه. فإن كان هناك من لا يعجبه تقنين السماء ويقول ~~مندهشا: إن في هذا التقنين قسوة إنك تقطع يد إنسان وتشوهه نرد على مثل ~~هذا القائل: إن سيارة تصدم سيارة تشوه عشرات من البشر داخل السيارتين، أو ~~قطار يصاب بكارثة فيشوه مئات من البشر. ونحن عندما نبحث عن عدد الأيدي ~~التي تم قطعها في تاريخ الإسلام كله، فلن نجدها إلا أقل كثيرا من عدد ~~المشوهين بالحوادث، وأي ادعاء بالمحافظة على جمال الإنسان مسألة تثير ~~السخرية لأن تقنين قطع يد السارق استقامت به الحياة، بينما الحروب ~~الناتجة عن الهوى شوهت وأفنت المئات والآلاف، إن مثل هذا القول سفسطة، هل ~~معنى تشريع العقوبة أن يحدث الذنب؟ لا، إن تشريع العقوبة يعني تحذير ~~الإنسان من أن يرتكب الذنب. وعندما نقول لإنسان: " إن قتلت نفسا فسيتولى ~~ولي الأمر قتلك " أليس في ذلك حفاظ على حياته وحياة الآخرين؟ وحين يحافظ ~~التشريع على حياة فرد واحد فهو يحافظ في الوقت نفسه على حياة كل إنسان، ~~يقول الله تعالى: # ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب لعلكم ~~تتقون # [البقرة: 179]. وهكذا يصبح هذا التقنين سليما غاية السلامة، إذن فقول ~~الحق سبحانه: { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل ms1237 منه } [آل عمران: 85] يدلنا على أن الذي يشرع تشريعا يناقض ~~ما شرعه الله فكأنه خطأ الله فيما شرع، وكأنه قد قال لله: أنا أكثر ~~حنانا على الخلق منك أيها الإله لأنه قد فاتتك هذه المسألة. وفي هذا ~~القول فسق عن شرع الله، وعلى الإنسان أن يلتزم الأدب مع خالقه. وليرد كل ~~شيء إلى الله المربي، وحين ترد أيها الإنسان كل شيء إلى ربك فأنت تستريح ~~وتريح، اللهم إلا أن يكون لك مصلحة في الانحراف. فإن كان لك مصلحة في ~~الانحراف فأنت تريد غير ما أراد الله، أما إذا أردت مصلحة الناس فقد شرع ~~الحق ما فيه مصلحة كل الناس لذلك قال الحق: { ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين } [آل عمران: 85]. وقد يقول قائل في قوله تعالى: " فلن ~~يقبل منه " إن هذه العبارة لا تكفي في منحى اطمئنانا إلى جزاء العمل ~~الذي أتقرب به إلى الله، فالله قد يقبل وقد لا يقبل فهو - سبحانه - لا ~~أحد يكرهه على شيء، ونقول له: إنك ستأتي إلى ربك رضيت أو أبيت فما حاجتك ~~إلى هذا القول؟ لو كنت تستطيع أن تعجز الله وتفوته فلا يقدر عليك لحق ~~لك أن تقول ذلك، ولكنك لا تستطيع، فكن عاقلا ولا تتمرد على أمر ربك، ~~ويقول الحق: { وهو في الآخرة من الخاسرين } [آل عمران: ~~85]. والخاسر: مأخوذة من " الخسر " ، و " الخسر " هو ذهاب رأس المال ~~وضياعه، والآخرة حياة ليس بعدها حياة، ومن الغباء أن يقول قائل: " سوف ~~أتعذب قليلا ثم تنتهي المسألة " لا، إن المسألة لا تنتهي لأن الآخرة ~~حياة دائمة ولا حياة بعدها. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { كيف يهدي ~~الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن ~~الرسول حق... }. ### || [3.86] # إننا نرى هنا الأسلوب البديع إن الحق سبحانه يدعونا أن نتعجب من قوم ~~كفروا بعد الإيمان، إنهم لو لم يعلنوا الإيمان من قبل لقلنا: إنهم لم ~~يذوقوا حلاوة الإيمان، لكن الذي آمن وذاق حلاوة الإيمان كيف يقبل على ~~نفسه أن يذهب ms1238 إلى الكفر؟ إنه التمرد المركب. وقد يتساءل إنسان قائل: ما ~~دام الله لم يهدهم، فما ذنبهم؟ نقول له: يجب أن تتذكر ما نكرره دائما، ~~لتتضح القضية في الذهن لأنها قضية شائعة وخاصة عند غير الملتزمين، الذين ~~يقول الواحد منهم: إن الله لم يرد هدايتي، فماذا أفعل أنا؟ إن ذلك ~~استدلال لتبرير الانحراف ومثل هذا القول لا يصدر إلا من المسرف على نفسه، ~~ولا يأتي هذا القول أبدا من طائع لله، إن الذي يقول: " إن المعصية إنما ~~أرادها الله مني، فما ذنبي؟ " يجب أن يعرف أن الطاعة من الله، فلماذا لم ~~يقل: " إن الطاعة من الله فلماذا يثيبنا عليها؟ لماذا تغفل أيها العاصي ~~عن ذكر ثواب الطاعة، وتقف عند المعصية وتقول: " إن الله قد كتب على ~~المعصية فلماذا يعذبني؟ " كان يجب أن نقول أيضا: " ما دام قد كتب علي ~~الطاعة فلماذا يعطيني عليها ثوابا؟ ". إننا نقول لمن يبرر لنفسه ~~الانحراف: إنك تريد أن تأخذ من الطاعة ثوابها، وتريد أن تهرب من عقاب ~~المعصية. وأنت تحتاج إلى أن تفهم الأمر على حقيقته، لقد قلت من قبل: إن " ~~الهداية " تأتي بمعنيين " هدى " أي دل على الطريق الموصلة للغاية ~~المرجوة ولم يصنع شيئا أكثر من ذلك والمثال هو إشارات المرور الصماء إن ~~كل إشارة توضح طريقا معينا وتهدي إليه، وإشارة أخرى توضح طريقا آخر ~~وتهدي إليه. ولا يوجد أحد عند هذه الإشارة يأخذ بيد إنسان ويقول له: أنا ~~سآخذ بيدك وأصلح العربة عندما تقف منك، أو أركب معك لأوصلك إلى غايتك. إن ~~هذه الإشارة هي هداية فقط، إي أنها دلالة على الطريق الموصلة إلى الغاية ~~المرجوة والله سبحانه وتعالى قد هدى الناس جميعا المؤمن منهم والكافر ~~أيضا، أي دلهم سبحانه على الطريق الموصل للغاية. وانقسم الناس بعد ذلك ~~إلى قسمين: قسم قبل هذا المنهج وارتضاه وسار كما يريد الله، وساعة أن ~~راح هذا المؤمن إلى جناب الله وآمن به، فكأن الحق يقول له: إنك آمنت بي ~~وبمنهجي، لذلك ستكون لك جائزة أخرى، وهي أن ms1239 أعينك وأخفف عليك الأمور، ~~وهذه هي الهداية الثانية التي يعطيها الله جائزة لمن آمن به وارتضى منهجه ~~وتعني " المعونة " ، إن الله يعطي عبده المؤمن حلاوة الطاعة، ويجعله ~~مقبلا عليها بنشاط. # إذن فالهداية تكون مرة " دلالة " وتكون مرة ثانية " معونة " إنني أكرر ~~هذا القول حتى يتضح الأمر في أذهاننا جميعا، ولنذكره دائما، ونقول: من ~~يعين الإنسان؟ إن الذي يعينه هو من آمن به، أما من كفر بالله، فلا يعينه ~~الله. وسبق أن قلت مثلا - وما زلت أضربه -: إن إنسانا ما يسير في طريق ~~ثم التبس عليه الطريق الموصل للغاية كالمسافر إلى الإسكندرية مثلا، وبعد ~~ذلك وجد شرطيا واقفا فسأله: أين الطريق إلى الإسكندرية؟ فيشير الشرطي ~~إلى الطريق الموصل إلى الإسكندرية قائلا للسائل: هذا هو الطريق الصحيح ~~إلى الإسكندرية. إن الشرطي هنا قد دل هذا الإنسان، لكن عندما يقول السائل ~~للشرطي: " الحمد لله أنني وجدتك هنا لأنك يسرت لي السبيل " فهذا القول ~~يأسر قلب الشرطي، فيزيد من إرشاداته للسائل ويوضح له بالتفصيل الدقيق كيف ~~يصل إلى الطريق، وينبهه إلى أي عقبة قد تعترضه، وإن زاد السائل في شكره ~~للشرطي، فإن ذلك يأسر وجدان الشرطي أكثر، ويتطوع ليركب مع السائل ليوصله ~~إلى الطريق، شارحا له ما يجب أن يتجنبه من عقبات، وبذلك يكون الشرطي قد ~~قدم كل المعونة لمن شكره. لكن لنفترض أن رجلا آخر سأل الشرطي عن الطريق، ~~فكذب الرجل الشرطي، وفي مثل هذا الموقف يتجاهل الشرطي مثل هذا الرجل، وقد ~~ضربت هذا المثل للتقريب لا للتشبيه. إن الحق يدل أولا بهداية الدلالة، ~~وقد هدى الله الناس جميعا، أي دلهم على المنهج، فمن ذهب إلى رحابه وآمن ~~به، أعطاه الله هداية ثانية، وهي هداية المعونة والتيسير. # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. إن الحق يعطيهم حلاوة الهداية وهي التقوى، كأن الحق يقول ~~للعبد المؤمن: ما دمت قد أقبلت علي بالإيمان فلك حلاوة الإيمان، أما ~~الذي يكفر، والذي يظلم نفسه بالشرك، فالحق يمنع عنه هداية المعونة لأنه ~~قد رأى هداية الدلالة ولم ms1240 يؤمن بها. إذن فالاستفهام في قوله تعالى: { ~~كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم } [آل ~~عمران: 86] هو تساؤل يراد به الإنكار والاستبعاد لا عن الهداية الأولى ~~وهي هداية الدلالة، ولكنه عن هداية المعونة، أي: كيف أعين من كفر بي؟ ~~والمقصود بهذا القول هو بعض من أهل الكتاب الذين جاءهم نعت الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في كتبهم حتى إن عبد الله بن سلام وهو منهم، يقول: لقد ~~عرفت محمدا حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد، ومصداق ذلك ما ~~يقوله الحق سبحانه وتعالى: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا ~~النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون # [الأعراف: 157]. والتعبير القرآني الدقيق لم يقل: يجدون وصفة مكتوبا ~~عندهم في التوراة والإنجيل إنما يقول الحق: # الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل.. # [الأعراف: 157]. كأن الذي يقرأ التوراة والإنجيل يمكنه أن يرى صورة ~~النبي عليه الصلاة والسلام من دقة الوصف، لقد عرفته التوراة وعرفه ~~الإنجيل معرفة مفصلة وشاملة، مع نطق وقول يؤكد ذلك وهناك فرق بين أن " ~~تعرف " وبين أن " تقول " فقد يعرف الإنسان ويكتم ما عرف، ولكنهم عرفوا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم واعترفوا بذلك، فقد كانوا من قبل يستفتحون به ~~على الذين كفروا، قال الحق سبحانه: # ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة ~~الله على الكافرين # [البقرة: 89]. لقد أخذوا الرسول صلى الله عليه وسلم قبل مجيئه نصرة على ~~الكافرين، فقالوا: سيأتي نبي ونتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فماذا ~~فعلوا؟ إن الحق يجيب: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله ~~على الكافرين # [البقرة: 89]. إذن هم آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم من قبل مجيئه، ~~فلما جاء كفروا به. انظر إلى العدالة من الحق سبحانه وتعالى، ms1241 حين يريد أن ~~يدلهم على موقف الصدق والحق والكرامة الإيمانية: # قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتاب # [الرعد: 43]. إن الذين عندهم علم الكتاب هم اليهود والنصارى، هؤلاء ~~يشهدون أن محمدا رسول الله، وإن القرآن بعدالته ينصف التوراة والإنجيل ~~وهي الكتب التي بين أيديهم، { كيف يهدي الله قوما كفروا ~~بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق } [آل عمران: ~~86] لقد آمنوا به رسولا من منطوق كتبهم، ثم أعلنوها حينما قالوا: " يأتي ~~نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم ". فإذا كانوا قد صنعوا ذلك، فكيف ~~يهديهم الله؟ إنهم ليس لديهم الاستعداد للهداية، ولم يقبلوا على الله ~~بشيء من الحب، لذلك فهو سبحانه لا يعينهم على الهداية ولو أقبلوا على ~~الله لأعانهم قال تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. وهؤلاء لم يهتدوا، فلذلك تركهم الله بدون هداية المعونة، ~~وهذا يوضح لنا معنى القول الحق: # ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا # [النساء: 88]. إن الذين لم يهتدوا بهداية الدلالة فلم يؤمنوا يضلهم الله ~~أي يتركهم في غيهم وكفرهم، أي أنه ما دام هناك من لم يؤمن بالله فهل يمسك ~~الله بيده ليهديه هداية المعونة؟ لا لأنه إذا لم يؤمن بالأصل وهو هداية ~~الدلالة، فكيف يمنحه الله هداية المعونة؟ وما دام لم يؤمن بالله أكان ~~يصدق التيسيرات التي يمنحها الله له؟ لا. إنه لا يصدقها، ويجب أن تعلم أن ~~هداية الدلالة هداية عامة لكل مخاطب خطابا تكليفيا، وهو الإنسان على ~~إطلاقه، أما هداية المعونة فهي لمن أقبل مؤمنا بالله وكأن الحق يقول له: ~~" أنت آمنت بدلالتي فخذ معونتي " أو " أنت أهل لمعونتي " أو " ستجد ~~التيسير في كل الأمور " ، أما الذي كفر فلا يهديه الله. # . إن الحق سبحانه لا يعين الكافر لأن المعونة تقتضي ابتداء فعلا من ~~المعان، والكافر لم يفعل ما يمكن أن ينال به هذه المعونة، فهو لم يؤمن، ~~لذلك يكون القول الفصل: " والله لا يهدي القوم الكافرين " ويكون القول ~~الحق " والله لا يهدي القوم الفاسقين " ويكون القول الحق " والله لا ms1242 يهدي ~~القوم الظالمين ". إن هؤلاء هم الظالمون الذين ارتكبوا الظلم الأصيل وهو ~~الشرك بالله كما قال الحق: # وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يبني لا ~~تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. والحق عندما يتركهم فإنه يزيدهم ضلالا، ويختم على قلوبهم، ~~فلا يعرفون طريقا إلى الإيمان: { كيف يهدي الله قوما ~~كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق ~~وجآءهم البينات والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } [آل عمران: 86]. لقد جاءهم الرسول بالآيات الدالة على ~~صدق رسالته، ولكنهم ظلموا أنفسهم الظلم الكبير العظيم، وهو الشرك بالله، ~~ولكن هل هذه الآية قد نزلت في أهل الكتاب الذين كان عندهم نعت لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وإشارات وبشارات به؟ أو نزلت من أجل شيء آخر هو أن ~~أناسا آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كفروا به؟ إن القول الحق ~~يتناول الفئتين، وينطبق عليهم، سواء أكانوا من أهل الكتاب الذين آمنوا ~~بالرسل من قبل ولم يؤمنوا برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، أم من الذين ~~آمنوا برسالة رسول الله ثم كفروا به، كما حدث من بعضهم في عهد الرسول، ~~مثال ذلك طعمة بن أبيرق، وابن الأسلت والحارث بن سويد، هؤلاء أعلنوا ~~الإيمان واتجهوا إلى مكة ومكثوا فيها، تاب منهم واحد وأخذ له أخوه ضمانا ~~عند رسول الله، والباقون لم يتوبوا. إن القول الحق يتناول الفئتين، ~~وينطبق عليهم جميعا قوله تعالى: { كيف يهدي الله قوما ~~كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق ~~وجآءهم البينات والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } [آل عمران: 86]. ويفصل لنا الحق سبحانه جزاء هؤلاء بقوله ~~الحكيم: { أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة ~~الله... }. ### || [3.87] # واللعنة هي الطرد من الرحمة، والله يعلم كل ملعون منهم، وما داموا قد ~~طردوا من رحمة الله فالملائكة وهم المؤمنون بالله إيمان المشهد يرددون ~~اللعنة، والمؤمنون من خلق الله يرددون اللعنة، وكذلك يلعنهم جميع الناس، ~~وكيف يلعنهم كل الناس سواء أكانوا مؤمنين أم كفارا؟ كيف يلعنهم ~~الكافرون؟ إن الكافر عندما يرى إنسانا يرتكب معصية ما فإنه ينزله من ~~نظره ms1243 ويحتقره وإن لم يكن مؤمنا. وهب أن كافرا وجد إنسانا يخرج على ~~المنهج ويفعل معصية ويرتكب جرما ألا يلعن الكافر مثل ذلك الإنسان؟ إنه ~~يلعنه لأن الفطرة المركوزة التي فطر الله الناس عليها ترفض ذلك ولا ~~ترتضيه. وهكذا شاء الحق أن يجعلهم ككفار يتلاعنون فيما بينهم، ونجد أن ~~جميع الناس يلعنونهم كذلك لأنهم قد خرجوا عن منهج الله بالكفر بعد ~~الإيمان، وهم مع ذلك خالدون في اللعنة قال تعالى: { خالدين فيها ~~لا يخفف عنهم... }. ### || [3.88] # ومعنى { لا يخفف عنهم العذاب } [آل عمران: 88] أي أن ~~العذاب يظل دائما أبدا وقد يظن بعض الناس أن الكافر ما دام سيدخل النار ~~ويحترق فسوف ينتهي أمره.. لا إنه يغفل قضية ويذكر قضية، إنه يتناسى قول ~~الحق: # إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا ~~كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما # [النساء: 56]. إنهم سيذوقون العذاب بأمر من الحق دائما وأبدا، وقد ~~يقول بعضهم: إن العلم قد توصل إلى أن الإنسان تقل حساسيته للألم الناتج ~~من الضرب بالسوط بعد العشرين سوطا الأولى، وهو بذلك ينسى أن العذاب في ~~الآخرة على نمط آخر، إن الله يخلق للمعذب إحساسا جديدا ليظل مستشعرا ~~دائما العذاب، قال الحق: { لا يخفف عنهم العذاب ولا ~~هم ينظرون } [آل عمران: 88] أي أن عذابهم مؤكد ولا يتركهم الحق ~~ليستريحوا من عذابهم. وبعد ذلك يقول تعالى: { إلا الذين تابوا ~~من بعد ذلك... }. ### || [3.89] # والحق سبحانه وتعالى هو الخالق للخلق كلهم، يحب أن يكونوا على ما يود ~~ويحب لأنهم صنعة الله فهو سبحانه وتعالى يحب التوابين ويحب المتطهرين. ~~وقد أمر عباده أن يتوبوا إليه توبة نصوحا أي توبة صادقة خالصة لا رجوع ~~فيها هذه التوبة تتسم بالإقلاع عن الذنب والندم على ما فات والعزم على ~~عدم العودة للذنب مرة أخرى ورد المظالم لأصحابها إن كانت هناك مظالم. وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم # " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب ~~مسيء الليل حتى تطلع الشمس ms1244 من مغربها ". # وهكذا أوجد الحق تشريع التوبة بهدف إصلاح الكون لأن الله لو لم يشرع ~~التوبة لمن أذنب فإن من غفل عن منهج الله ولو مرة واحدة قد يصير في نظر ~~نفسه ضائعا فاسدا مرتكبا لكل الحماقات، فكأن الله بتشريع التوبة قد ~~ضمن لصاحب الإسراف على نفسه في ذنب أن يعود إلى الله، كما يرحم المجتمع ~~من شرور إنسان فاسد، إذن فتشريع التوبة إنما جاء لصالح الكون، ولصالح ~~الإنسان لينعم بمحبة الله، لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { إلا ~~الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله ~~غفور رحيم } [آل عمران: 89]. فبرغم كفرهم السابق إلا أن الله ~~برحمته لا يدخلهم في الوعيد إنهم مطالبون بالتوبة والإصلاح، ومعنى كلمة " ~~أصلح " أنه زاد شيئا صالحا على صلاحه. والكون ليس فيه شيء فاسد. اللهم ~~إلا ما ينشأ عن فعل اختياري من الإنسان وعلى التائب أن يزيد من الصلاح في ~~الكون، وهكذا نضمن ألا يجيء التائب إلى الشيء فيفسده لأن من يريد أن يزيد ~~الصالح صلاحا، لن يفسد الشيء الصالح. وربما كان هؤلاء الذين أسرفوا على ~~أنفسهم في لحظة من لحظات غفلة وعيهم الإيماني ساعة يذكرون الذنب أو ~~الجريرة التي اقترفوها بالنسبة لدينهم، يحاولون أن يجدوا ويسارعوا في ~~أمر صالح حتى يجبر الله كسر معصيتهم السابقة بطاعتهم اللاحقة. ولذلك ~~تجد كثيرا من الناس الذين يتحمسون للإصلاح وللخير، هم أناس قد تكون فيهم ~~زاوية من زوايا الإسراف على نفوسهم في شيء، وبعد ذلك يتجهون لعمل الخيرات ~~في مجالات كثيرة جدا، كأن الله يقول لكل منهم: أنت اختلست من محارمي ~~شيئا وأنا سآخذك إلى حلائلي، إنه الحق يجعل من معصية الفرد السابقة ~~سياطا دائمة تلهب ضميره فيتجه إلى الخير، فيتصدق على الفقراء، وربما كان ~~أهل الطاعة الرتيبة ليس في حياتهم مثل هذه السياط. ولكن الذين أسرفوا على ~~أنفسهم هم الذين تلهبهم تلك السياط، فساعة يرى الواحد منكم إنسانا قد ~~أسرف على نفسه فليدع الله له بالهداية، واعلم تمام العلم أن الله ~~سيسخر منه ما يفعل به الخير ms1245 لأن أحدا لن يسرق الكون من خالقه أبدا. ~~وهذا ينطبق على من قال عنهم الله: { إلا الذين تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا } [آل عمران: 89] وأصلحوا أي عملوا صلاحات ~~كثيرة لأن حرارة إسرافهم على نفوسهم تلهب ظهورهم دائما، فهم يريدون أن ~~يصنعوا دائما أشياء لاحقة تستر انحرافاتهم السابقة وتذهبها. وبعد ذلك ~~يقول الحق: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ~~ازدادوا كفرا لن... }. ### || [3.90] # هذه الآية تتحدث عن أولئك الذين كفروا بعد إيمانهم، وازدادوا كفرا، ~~وهؤلاء لا تقبل توبتهم وهم الضالون، وقد جاءت مقابلة للآية السابقة، أناس ~~تابوا وأناس لم يتوبوا. لكن كيف يزداد الكفر؟ إنه قد كفر في ذاته، وبعد ~~ذلك كان عائقا لغيره عن أن يؤمن، وهو لا يكتفي بخيبته، بل يحاول أن ينشر ~~خيبته على الآخرين، وفي ذلك ازدياد في الكفر والعياذ بالله، وهذا القول ~~قد نزل في بعض من اليهود الذين آمنوا بالبشارات التي تنبأت بمقدم عيسى ~~عليه السلام، فلما جاء عيسى كفروا به، ولما جاء محمد ازدادوا كفرا. لقد ~~كفروا بعيسى أولا، ثم ازدادوا كفرا بمحمد وادعوا أنهم أبناء الله ~~وأحباؤه، وهؤلاء ليسوا من الذين تابوا. أو أنهم أعلنوا التوبة باللسان، ~~ولم يتوبوا التوبة النصوح، " والراجع في توبته كالمستهزئ بربه ". وقانا ~~الله وإياكم هذا المنقلب. وبعد ذلك يقول الحق: { إن الذين ~~كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ~~ملء الأرض ذهبا ولو... }. ### || [3.91] # لقد كفروا، ولم يقدر الله لهم أن يتوبوا، فماتوا على الكفر، ويريد الله ~~أن يعطينا حكما خاصا بعملهم في الدنيا، وحكما خاصا بما يتلقونه من ~~عذاب في الآخرة، والحكم الخاص بعملهم في الدنيا سببه أن لهم اختيارا، ~~والحكم الخاص بما يتلقونه في الآخرة من عقاب لأنه لا خيار لهم، وهنا ~~للعلماء وقفة، فهل ملء الأرض ذهبا أنهم أنفقوا في حياتهم ملء الأرض ~~ذهبا؟ نقول له: لا ينفعك هذا الإنفاق في أعمال الخير لأن أعمالك حابطة. ~~هب أن كافرا مات على الكفر وقد أنفق في الخير ملء الأرض ذهبا، نقول له: ~~هذا الإنفاق لا ms1246 ينفع مع الخيانة العظمى وهي الكفر، فما دام غير مؤمن ~~بإله، فهو قد أنفق هذا المال من أجل الناس، وصار منفقا على من لا يقدر ~~على أن يجازيه بالخير في الآخرة، لذلك فليس له عند الله شيء، فالذي يعمل ~~عملا، عليه أن يطلب أجرا ممن عمل له، فهل كان الله في بال ذلك الكافر؟ ~~لا لأنه مات على الكفر، لذلك لو أنفق ملء الأرض ذهبا فلن يقبل منه. لقد ~~صنع ذلك الخير وفي باله الناس، والناس يعطونه حقه من الثناء، سواء كان ~~مخترعا أو محسنا أو غير ذلك، إنه ينال أجره من الإنسانية، وينطبق عليه ~~قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " وفعلت ليقال وقد قيل ". من حديث شريف. ~~كأن الله يقول له: لم أكن في بالك فلماذا تطلب مني أجرا في الآخرة، لم ~~يكن في بالك أن الملك لي، قال سبحانه: # يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء ~~لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وبعض الناس يقول: كيف لا ينال ثواب الآخرة من ملأوا الدنيا ~~بالاكتشافات والابتكارات وخففوا بها آلام الإنسانية؟ ونقول: لقد أعطتهم ~~الإنسانية وخلدت ذكراهم، وأقامت لهم التماثيل والمؤلفات والأعياد ~~والجوائز، لقد عملوا للناس فأعطاهم الناس، فلا بخس في حقوقهم، ذلك أنهم ~~لم يعملوا وفي بالهم الله، وقد صور الحق موقفهم التصوير الرائع فيقول جل ~~شأنه: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. إنه سراب ناتج عن تخيل الماء في الصحراء يتوهمه السائر ~~العطشان في الصحراء نتيجة انعكاسات الضوء، فيظل السائر متجها إلى وهم ~~الماء، إنه يصنع الأمل لنفسه، فإذا جاءه لم يجده شيئا، ويفاجأ بوجود ~~الله، فيندم ويتلقى العذاب، وكذلك لن يقبل منه ملء الأرض ذهبا لو أنفقه ~~في أي خير في الدنيا، وبعد ذلك لن يقبل الله منه ملء الأرض ذهبا، لو ~~افتدى به نفسه في الآخرة، إن كان سيجد ملء الأرض ذهبا، وعلى فرض أنه قد ms1247 ~~وجد ملء الأرض ذهبا، فهل يجد من يقبل ذلك منه؟ لا، إنه في الحقيقة لن ~~يجد الذهب لأنه في الآخرة لم يعد يملك شيئا: يقول الحق: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. ويقول سبحانه: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. { أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ~~ناصرين } [آل عمران: 91] أي إن لهؤلاء عذابا أليما لأن كل حدث من ~~الأحداث إنما يأخذ قوته من قوة فاعله، فإذا كان الحدث التعذيبي منسوبا ~~إلى الله وله مطلق القوة والقدرة، لذلك فالعذاب لن يطاق. ولن يجد الظالم ~~من يدرأ عنه هذا العذاب. لأنه لن يجد ناصرا له، ولن يجد شفيعا فلن يأتي ~~أحد ويقول: إن فلانا يتعذب فهيا بنا ننصره، لا يأتي أحد لينصره. وبعد ~~ذلك يقول الحق سبحانه: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون... }. ### || [3.92-93] # { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما ~~تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } [آل عمران: 92]. ~~وتؤدي كل مادة الباء والراء المضعفة إلى معنى " السعة " ، ف " البر " ~~أي الواسع والبر أي الأرض المتسعة ومقابله " البحر " وإن قال قائل: " ~~إن البحر أوسع من البر، لأن حجم القارات ليس في حجم البحار والمحيطات ~~التي تفصل بينها ": نقول لمثل هذا القائل: لا، إن حركتك في البر - الأرض ~~- موسعة، وحركتك في البحر مضيقة لأنك لا تتحرك في البحر إلا على شكل خاص، ~~إما أن تتحرك بسفينة أو حتى على لوح من الخشب، أما حركتك في البر - الأرض ~~- فأنت تمشي أو تركب، تذهب أو تجيء، فمجالك في البر متسع عن مجالك في ~~البحر. و " البر " هو التقوى، والطاعة، أو هو " الجنة " وكلها معان ~~ملتقية، لأنها تؤدي إلى السعة، فالطاعة تؤدي إلى السعة، وكذلك التقوى، ~~وكذلك الجنة، كلها ملتقية لأن كلها سعة، فأحدهم أخذ معنى الكلمة من ~~مرحلتها الأولى أي بالسبب وهو الطاعة، وبعضهم أخذها من المرحلة الأخيرة ~~أي بالمسبب وهو الجنة، وقد ms1248 يسأل سائل، لماذا أراد الله أن يجيء بحديث عن ~~النفقة بعد الحديث عن تعذيب الكفار؟ ونقول: إن الحق حين يتكلم عمن يصيبه ~~العذاب الأليم لأنه كفر ومات كافرا، وماله من ناصرين فإن المقابل يأتي ~~إلى الذهن، وهو من آمن وعمل صالحا، ومات على إيمانه، فله عكس العذاب ~~الأليم وهو النعيم، وسيجد من يأخذ بيده، بينما الكافر لن يجد ناصرين له. ~~إن المؤمن سيجد جزاء الله على الطاعة وهي البر لأن البر هو كل خير، وإن ~~جاء إطلاقه فإنه ينصرف إلى الجزاء من الله وقمته هو الجنة. وهكذا نرى ~~المقابل لمعاملة الحق للكفار وهو معاملة الحق للمؤمنين، لقد جاء هذا ~~القول في القرآن وهو كلام الله المعجز، وحين يخاطب سبحانه المكلفين ~~بالمنهج، فهو يخاطب بكلامه ملكات إنسانية خلقها هو، إذن فلابد أن يغذي ~~هذا الكلام كل الملكات المخلوقة لله، فلو كان الخالق للملكات غير المتكلم ~~لكان من الممكن ألا ينسجم الكلام مع الملكات، ولكن الكلام هنا لله الذي ~~خلق، لذلك لابد أن تنسجم الملكات مع كلام الله. وفي النفس الإنسانية ~~ملكات متعددة، وهذه الملكات المتعددة متشابكة تشابكا دقيقا فتستطيع حين ~~تخاطب ملكة سمعية أن تحرك مواجيد وجدانية، فإن لم يكن العالم بالملكات ~~عليما بها لما أمكن أن يجيء المنطق موافقا لملكة سمعية، وموافقا لملكات ~~وجدانية قد تتأتى بها طبيعة تداعي المعاني. و " تداعي المعاني " هو ~~الخاصية الموجودة في الإنسان، ومعنى " تداعى المعاني " أن الإنسان يستقبل ~~معنى من المعاني فيشير ذلك المعنى إلى معان خبيئة يستدعيها لتحضر في ~~الذهن، فمثلا حين ترى إنسانا تعرفه. # فإن تداعي المعاني يعطيك تاريخك معه وتاريخه معك، ويصور بخاطرك أيضا ~~صورا عن أهله وأصدقائه، ومعارفه، ويأتي لك تداعي المعاني بالأحداث التي ~~كانت بينك وبينه أو شاهدتها أنت وهذا هو ما نسميه " تداعي المعاني " أي ~~أن المعنى يدعو المعنى. وحين يخاطب الله سبحانه وتعالى الإنسان، فإنه ~~يخاطب كل ملكة فيه في آن واحد، حتى لا تأخذ ملكة غذاءها، دون ملكة أخرى ~~لا تجد لها غذاء إن كلام الله ms1249 جاء مستوفيا وكافيا لكل الملكات، ومثال ~~ذلك حينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يمنع المشركين من أن يطوفوا ~~بالبيت، وكان المشركون قبل تحريم الله لطوافهم، يطوفون بالبيت، ويأتون من ~~أماكن سحيقة بعيدة ليطوفوا في موسم الحج، وكانوا يأتون بأموالهم لينفقوا ~~على أهل مكة، ويشتروا كل شيء يلزمهم منها، فموسم الحج كان موسما ~~اقتصاديا. وحين يريد الله أن يمنع المشركين من الحج فهو يخاطب المسلمين ~~المقيمين بمكة حتى يحولوا بين المشركين وبين الطواف، وهو سبحانه قد علم - ~~وهو العليم - بما خلق من ملكات، يعلم سبحانه أن ملكة أخرى ستتدخل في هذا ~~الوقت، فيقول: # يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا.. # [التوبة: 28]. وعندما ينزل هذا الحكم فلا بد أن تتحرك ملكات في النفس ~~الإنسانية، والحق قد علم أزلا أن ملكة النفعية الاقتصادية عند أهل مكة ~~ستتحرك عند سماع هذا الحكم، بمعنى أن بعضا من المسلمين المقيمين بمكة ~~وقت نزول هذا الحكم قد يقولون: " وإذا كنا نمنع المشركين الذين يفدون ~~علينا بالأموال ليشتروا بضائعنا وموسمهم الاقتصادي هو الذي يعولنا طيلة ~~العام فماذا نصنع إذن؟ إن الله يعلم أنه عند نزول حكم بتحريم البيت على ~~المشركين أن يقربوه فلا بد أن تتحرك في النفس الإنسانية تلك الملكية ~~النفعية، فيقول - سبحانه - عقب ذلك مباشرة: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله ~~إن شآء إن الله عليم حكيم # [التوبة: 28]. الخوف من العيلة، أي الخوف من الفقر، وتلك هي عظمة الكلام ~~الإلهي لأن ربا يتكلم إن الإنسان حينما يتكلم قد تفوته معان كثيرة، ~~وبعد ذلك قد تحدث ضجة وبلبلة وثورة بين الناس، لكن الحق الأعلى عندما ~~يقول: # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28] ويتبع ذلك فورا بقوله المطمئن: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله # [التوبة: 28] وقد فعل وجبى الحق وجلب إلى البيت الحرام ثمرات كل شيء، ~~وكأنه يقول لنا: لا تعتقدوا أن هذه الثمرات قادمة عن طريق التطوع ولكنها ~~رزق من لدنا، كما ms1250 جاء في قوله الحق: # وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من ~~أرضنآ أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ~~ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون # [القصص: 57]. أي أنه ليست هناك حرية لأحد أن يعطي أهل البيت الحرام أو ~~لا يعطي، إنها جباية، لطمأنة الملكية النفعية في النفس، وهو سبحانه يعطي ~~الأمان الاقتصادي الذي يترتب عليه قوام الحياة، وعندما نمعن النظر في ~~آيات القرآن نجد أن هناك آية قد تتقدم وآية قد تتأخر، وآية قد تأتي في ~~الوسط، ونجد أن الآية الوسطى، مرتبطة بتداعي المعاني بالآية التي قبلها، ~~ومرتبطة بتداعي المعاني بالآية التي بعدها، وذلك لترتوي وتتغذى كل ملكات ~~الإنسان فلا يأتي أمر يوحي بأن هناك ما ينقص النفس البشرية، لنتأمل ~~مثالا لذلك وهو قوله الحق: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير # [المجادلة: 8]. إن المشركين لم يقولوا لأحد: " إنما قالوا لأنفسهم " ، ~~ويكشفهم الحق سبحانه العليم في أخفى خباياهم، ويظهر ما في أنفسهم، وهو ~~العليم بكل خفايا عباده والكاشف لكل الملكات النفسية في خلقه. وحين يقول ~~الحق سبحانه: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } ~~[آل عمران: 92]. فإن الآية تحريض على الإنفاق، وجاءت بعد آية تفيد أن ~~هناك إنفاقا لا يقبله الله في قوله سبحانه: # إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل ~~من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به ~~أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين # [آل عمران: 91]. إذن فهناك لون من النفقة يرفضه الله، وتداعى المعاني في ~~النفس الإنسانية قد يجعل الإنسان يسأل " ما هي إذن النفقة المقبولة؟ " ~~لذلك كان لا بد وأن يأتي قوله تعالى: { لن تنالوا البر حتى ~~تنفقوا مما تحبون } [آل عمران: 92] فإذا كانت هناك نفقة ~~مردودة فهناك أيضا نفقة مقبولة، وهكذا نرى الآية التي تحرض على الإنفاق ~~منسجمة مع ما قبلها. { لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون } [آل عمران: 92]، قد يسأل سائل، ولماذا لا ms1251 ينال ~~الإنسان البر إلا بعد ان ينفق مما يحب؟ وله أن يعرف أن طبيعة النفس ~~الإنسانية هي " الشح " ولهذا جاء في القرآن الكريم: # فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا ~~وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون # [التغابن: 16]. وشح النفس يأتي لأن الإنسان لا يأمن أبدا أن يأتيه ~~العجز من بعد القدرة، لذلك فإنه يحاول إن كان يملك شيئا أن يؤمن العجز ~~المتوهم، فيحافظ على ما عنده من حاجات، ومن هنا جاءت الحيازة والملكية ~~ولم تنشأ هذه الأشياء من أول الخلق، وإنما نشأت من يوم أن ضاقت الأمكنة ~~المعطية دون الحاجات، فحين تكون الأمكنة المعطية تسع الحاجات فلا داعي ~~لهذا العجز المتوهم. # لنفترض أن رجلا اشترى صندوقا من البرتقال، ودخل منزله وعندما يحتاج ~~ابن هذا الرجل لبرتقالة أو اثنتين فإنه يأخذ ما يريد، لكن لو أحضر الرجل ~~قليلا من البرتقال فإن زوجة الرجل تكون حريصة على أن تقسم البرتقال بين ~~الأولاد حتى لا تترك كل ابن على سجيته بما قد يحرم الآخرين. وهكذا كان ~~الأمر في بدء استخلاف الله للإنسان في الأرض، فمن أراد الأرض أخذ، ومن ~~أراد أكل الثمار فهي أمامه، وعندما قلت معطيات الحاجات وذلك بضيق ~~الأمكنة المعطية بدأت في الظهور الرغبة في الملكية، وامتياز الأشياء، ~~والحق سبحانه يلفتنا في هذه المسألة وكأنه يقول لنا: إن النفقة لو نظرت ~~إليها نظرة واقعية حقيقية لوجدت أنك أيها العبد مضارب لله في خير الله. ~~ومعنى " مضارب " أي أنك تعمل عند الله بالعقل الذي خلقه لك، وتخطط به، ~~وتعمل عند الله بالطاقة التي خلقها الله، والمادة التي خلقها الله لك ~~تنفعل معها فماذا لك أنت؟ إن كل شيء لله، وأنت مجرد مضارب لا تملك شيئا ~~وما دمت مضاربا أيها العبد، فأعط لله حقه، وحق الله لا يأخذه هو فهو ~~أغنى الأغنياء، إن حق الله يأخذه أخوك غير القادر الذي لا يستطيع أن ~~يتفاعل مع المادة، ولا تظن أيها العبد أن الله حين طلب منك النفقة مما ~~تحب أنه - جل ms1252 شأنه - قد استكثر عليك ما طلب منك أن تنفقه، إنه ساعة يأخذ ~~منك لأخيك وأنت قادر، إنما يطمئنك أنك إن عجزت فسيأخذ لك من القادرين ذلك ~~هو التأمين في يد الله. إن الحق يريد أن يحببنا في أن ننفق، لكن الإنسان ~~يحاول أن ينفق مما لا يحب، فيهدي الإنسان الثوب الذي لم يعد صالحا ~~للاستعمال يعطيه لفقير، أو يعطي الحذاء المستهلك لواحد محتاج. لكن الله ~~يأمرنا بأن ننفق مما نحب لذلك انفعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حينما سمعوا هذا النص: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون } [آل عمران: 92] هذا أبو طلحة حينما يسمعها يقول: يا ~~رسول الله، إن أحب مالي إلي هو " بيرحاء " فأنا أخرجه في سبيل الله، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعله في أقاربك، فجعله في أقاربه، ~~وهذا زيد بن حارثة يسمع الآية الكريمة فينفعل بها كذلك، وكان عنده فرس ~~اسمه " سبل " وكان يحبه، فيقول: يا رسول الله أنت تعلم حبي لفرسي، وأنا ~~أجعله في سبيل الله، فأخذه منه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء ~~بأسامة بن زيد وأركبه الفرس قال زيد: " فوجدت في نفسي " أي أنه حزن، وقال ~~زيد: يا رسول الله أنا أردت أن أجعل الفرس في سبيل الله وأنت تعطي الفرس ~~لابني ليركبه. # فقال رسول الله لزيد: " أما إن الله قبله منك ". وبعد ذلك ينفعل سيدنا ~~أبو ذر رضي الله عنه وكان عنده إبل، والإبل لها فحل يلقح إناث الإبل، ~~وكان هذا الفحل أحب مال أبي ذر إليه وجاء ضيف إلى أبي ذر فقال له: إني ~~مشغول، فاخرج إلى إبلي فاختر خيرها لنذبحه لضيافتك. فخرج الضيف، ثم عاد ~~وفي يده ناقة مهزولة، فلما رآها أبو ذر قال: خنتني، قلت لك هات خير ~~الإبل، قال الضيف: يا أبا ذر لقد رأيت خيرها فحلا لك وقدرت يوم حاجتكم ~~إليه. فقال أبو ذر: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي. إن الصحابي ~~الجليل أبا ذر يعرف أن يوم أن يوضع ms1253 في الحفرة هو اليوم الجليل الذي يستحق ~~من المرء أن يستعد له. وسيدنا ابن عمر كان عنده جارية جميلة من فارس، ~~وكان يحبها، فلما سمع الآية، قال: ليس عندي أحب إلي من هذه الجارية، ~~وأعتقها، وكان من الممكن أن يتزوجها بعد أن أعتقها لكنه قال: لولا أن ذلك ~~يقدح في عتقها لتزوجتها. وسيدنا أبو ذر رضي الله عنه يعطينا في مسألة ~~الإنفاق درسا من أروع الدروس المستوعبة للملكة النفسية، فيقول: في المال ~~شركاء ثلاثة: القدر لا يستأمرك أن يذهب بخيره وشره من هلك أو موت. أي ~~أن القدر لا يستأذن عبدا في أن يذهب بالمال حيث يريد، فتأتي أي مصيبة ~~فتأخذ المال إلى هالك أو موت. هذا هو الشريك الأول في المال، إنه ~~القدر. والشريك الثاني في المال يوضحه لنا أبو ذر فيقول: إنه الوارث، ~~ينتظرك إلى أن تضع رأسك، ثم يستاقها وأنت قد سلبت بالموت كل ما تملك في ~~الدنيا وأصبحت من غير أهلها. إن الوارث يقول لنفسه: " فلأستمتع بما ترك ~~لي " ، وهذا هو الشريك الثاني في المال. ويوضح لنا أبو ذر رضي الله عنه ~~الشريك الثالث في المال فيقول: والثالث أنت، فإن استطعت ألا تكون أعجز ~~الثلاثة فلا تكن أعجزها، أي إياك أن يغلبك على المال القدر أو الوارث، ~~ينبغي عليك أن تغلب بإنفاق المال في سبيل الله وإلا أخذه منك باقي ~~الشركاء. إذن لقد انفعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآية حينما ~~نزلت حتى عدا الخير المحبوب منهم إلى غيرهم، وكان جزاء ذلك الجنة. لقد ~~عرفوا قول الحق: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون } [آل عمران: 92] أي الجنة المترتبة على الطاعة أو التقوى، أو ~~سعة البركة أو سعة القوة، وكلها معان ملتقية، ولذلك يقول الله في الحديث ~~القدسي: # " قد كان العباد يكافئون في الدنيا بالمعروف وأنا اليوم أكافئ بالجنة ~~". # إن الحق سبحانه الذي يعطي البر ثمنا لنفقة مما تحب يعلم هل أنفقت مما ~~تحب فعلا أو تيممت الخبيث لتنفق منه، فإياك أيها المؤمن أن ms1254 تخدع نفسك في ~~هذا الأمر، لأن الذي يعطي البر ثمنا لنفقة مما تحب يعلم خبايا النفس، ~~لذلك يقول سبحانه: { وما تنفقوا من شيء فإن الله به ~~عليم } [آل عمران: 92]. وعلم الله شامل، إنه يعلم ما في نيتك، وكيف ~~أنفقت. ولقد بين الحق سبحانه النفقة المرفوضة حتى ولو كانت ملء الأرض ~~ذهبا، ثم أوضح لنا أن هناك نفقة مقبولة وجزاؤها الجنة، وبذلك نرى ~~التقابل بين النفقتين ولماذا جاء هذا الحديث؟ لقد كذب بعض أهل الكتاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في مستهل أمر الدعوة وكذبوا البشارة به، ~~والنعت والبشارة جاءا في التوراة والإنجيل، وأنكروا الأوصاف التي ذكرت ~~في كتبهم السماوية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتمادوا ومحوا هذه ~~الأوصاف من كتبهم. حدث ذلك مع أنهم قد تورطوا من قبل في إعلان البشارة به # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89]. لقد أراد الله أن يفضحهم في التوراة التي يعتقدون أنها ~~كتابهم وقد حرفوا بعض أحكام الله، وظنوا أن هذه التحريفات ستظل مستورة، ~~لذلك جاء لهم بأحداث ولم ينتبهوا إليها لتقوم الحجة على أنهم قاموا ~~بتحريف التوراة مثلما قلنا من قبل عن الخيبرية التي ارتكبت فاحشة الزنى، ~~وأراد رؤساء اليهود أن يخففوا العقوبة عنها، لأن العقوبة الواردة في ~~التوراة على جريمة الزنى هي الرجم وقال هؤلاء الرؤساء: " نذهب إلى محمد، ~~لعل لديه حكما مخففا " فلما ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وضح لهم أنه الرجم. قالوا: لا، إنك لم تنصف في حكمك. فبين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لهم إنه يرضى بحكم التوراة التي عندكم وجيء بالتوراة ~~وأمرهم الرسول أن يقرأوا فلما جاءوا إلى آية الرجم أرادوا أن يغفلوها ~~فقال ابن سلام: إنهم يا رسول الله قد وثبوا وأغفلوا الآية. وهكذا انتبه ~~الجميع إلى أن رؤساء اليهود أرادوا ان يتخطوا حكما لله موجودا عندهم ~~وأرادوا أن ينكروه، كما فعلوا وأحدثوا في وصف النبي عليه الصلاة والسلام ~~ومحوا هذا الوصف، ms1255 ولم يتركوا له أثرا، لكن الله أنساهم بعض الأشياء ~~لتكون بينة وآية على رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعندما أحل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الإبل وألبانها، قالوا: هذه محرمة من أيام ~~إبراهيم ومن قبله من أيام نوح، ولا يمكن أن نقبل تحليلها، فوضح النبي صلى ~~الله عليه وسلم لهم أنها ليست محرمة، الله أحلها. وكان يجب أن يفهموا أن ~~الإبل وألبانها حتى وإن كانت محرمة من قبل إلا أن رسولا قد جاء من عند ~~الله بتشريع له أن ينسخ ما قبله مع أن الإبل وألبانها لم تكن محرمة، ~~لذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يحتكم إلى التوراة. # وهذه هي العظمة النورانية المحمدية، فلا يمكن أن يقول صلى الله عليه ~~وسلم: " نحتكم إلى التوراة " إلا وهو واثق أن التوراة إنما تأتي بالحكم ~~الذي يؤيد ما يقول، مع أنه لا يقرأ ولا يكتب. ويحضرون التوراة، فيجدون ~~الكلام مطابقا لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك قال الله: { ~~كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل ~~التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صادقين } [آل عمران: 93]. وحين يحرم نبي الله يعقوب - إسرائيل - ~~طعاما ما، فهو حر فقد يحرم على نفسه طعاما كنذر، أو كوسيلة علاج أو ~~زهادة، لكن الله لم يحرم عليه شيئا، وما تحتجون به أيها اليهود إنما هو ~~خصوصية لسيدنا يعقوب { كل الطعام كان حلا لبني ~~إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } [آل ~~عمران: 93] فلماذا تقولون: إن الإبل وألبانها كانت محرمة؟ لقد فعلوا ذلك ~~لأنهم أرادوا أن يستروا على أنفسهم نقيصة لا يحبون أن يفضحوا بها، وتلك ~~هي النقيصة التي كشفها القرآن بالقول الكريم: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ~~ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون # [الأنعام: 146]. إذن فهناك أشياء قد حرمت على اليهود لأنهم ظلموا، وهذه ~~الآية ms1256 الكريمة هي التي أوضحت أن الحق قد حرم عليهم هذه الأطعمة لظلمهم. ~~ومعنى: " كل ذي ظفر " أي القدم التي تكون أصابعها مندمجة ومتصلة، فليست ~~الأصابع منفصلة، ونجدها في الإبل والنعام والأوز، والبط، وهذه كلها تسمى ~~ذوات الظفر " إلا ما حملت ظهورهما " يعني الشحم الذي على الظهر. أما " ~~الحوايا " فهي الدهون التي في الأمعاء الغليظة " أو ما اختلط بعظم ". أي ~~الشحم الذي يختلط بالعظم إن التحريم هنا لم يكن لأن هذه الأشياء ضارة، ~~ولكن التحريم إنما كان عقابا لهم على ظلمهم لأنفسهم وبغيهم على غيرهم. ~~وأقول ذلك حتى لا يقول كل راغب في الانفلات من حكم الله ما الضرر في ~~تحريم الأمر الفلاني؟ إن محاولة البحث عن الضرر فيما حرمه الله هي رغبة ~~في الانفلات عن حكم الله. فالتحريم قد يأتي أدبا وتأديبا، ونحن على ~~المستوى البشري - ولله المثل الأعلى - يمنع الإنسان منا " المصروف " عن ~~ابنه تأديبا، أو يمنع عنه الحلوى، لأن الابن خرج عن طاعة أمه، إذن كان ~~التحريم جزاء لهم وعقابا قال تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا * ~~وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال ~~الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا ~~أليما # [النساء: 160-161]. وذلك هو الجزاء الذي أراده الله عليهم. إن التشريع ~~السماوي حينما يأتي لظالم يخرج عن منهج الله فكأنه يقول له ما هو القصد ~~من خروجه عن منهج الله؟ لماذا يظلم؟ لماذا يأخذ الربا؟ لماذا يصد عن سبيل ~~الله؟ لماذا يأكل أموال الناس بالباطل؟ إن الظالم يفعل ذلك حتى يمتع نفسه ~~بشيء أكثر من حقه، لذلك يأتي التشريع السماوي ليفوت عليه حظ المتعة، وكان ~~هذا الحظ من المتعة حقا وحلا له، لكن التشريع يحرمه. ومثال ذلك القاتل ~~يحرم من ميراث من يقتله؟ لأن القاتل استعجل ما أخره الله وأراد أن يجعل ~~لنفسه المتعة بالميراث، فارتكب جريمة قتل، لذلك يأتي التشريع ليحرمة من ~~الميراث. كأن التشريع يقول له: " ما دامت نيتك هكذا فأنت محروم من ~~الميراث " والتشريع حين ms1257 وضع ذلك إنما حمى كل مورث وإلا لكان كل مورث عرضة ~~لتعدي ورثته عليه بالقتل لينتقل إليهم ما يملك، فقال: لا. نحرمة من ~~الميراث وكذلك هنا نجد الظلم بأنواعه المختلفة، الظلم بإنكار الحق والصد ~~عن سبيل الله، وأخذ الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، وما دام اليهود قد ~~أدخلوا على أنفسهم أشياء ليست لهم فالتشريع يسلب منهم أشياء كانت حقا ~~لهم. وكان اليهود في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرغبون ألا يشاع ~~عنهم هذا الأمر فقالوا: إن هذا الطعام محرم على بني إسرائيل. وبعد ذلك ~~وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا اللون من الطعام حلال في ~~التوراة، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر الذي فضحهم. ~~ولماذا تجيء هذه الآية بعد قوله الحق في الآية السابقة: { لن تنالوا ~~البر حتى تنفقوا مما تحبون } [آل عمران: 92]؟ ونحن ~~نعرف أن آية " لن تنالوا البر " قد جاءت بعد آية توضح النفقة غير ~~المقبولة من الله. ولنذكر ما قلناه أولا، عن تداعي المعاني في الملكات ~~الإنسانية: إن في النفس الإنسانية ملكة تستقبل، فتتحرك ملكة أخرى، وحين ~~يقول الحق: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل } ~~[آل عمران: 93] فالذين يسمعون هذا سينفعلون انفعالات مختلفة، فالشبعان من ~~الناس لن يلتفت إلى هذه المسألة بانتباه بالغ، ومن عنده بعض الطعام فإن ~~نفسه قد تتحرك إلى ألوان أخرى من الطعام، أما من ليس عنده طعام فلسوف ~~يلتفت بانتباه شديد ليتعرف على الحلال من الطعام والحرام منه. إذن فقبل ~~أن يأتي الله بالحكم الذي يحلل ويحرم، هذا الحكم الذي يثير عند الجائع ~~شجن الافتقار وشجن ذكر الطعام الذي يسيل له لعابه، إن الحق قبل أن يحرك ~~معدما على غير موجود معه، فإنه يحرك معطيا على موجود معه، لذلك فقبل أن ~~يأتي الحق سبحانه ويذكر الطعام، وقبل أن يقلب الأمر على النفس الإنسانية ~~التي لا تجد طعاما، نجد الرسول قد نطق قبلها بما أنزله عليه الحق { لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } [آل عمران: ms1258 ~~92]. # فبتداعي المعاني في النفس الإنسانية يكون - سبحانه - قد حرك ملكة واجدة ~~ومالكة قبل أن يحرك ملكة معدمة. وهكذا يكون التوازن الذي أراده الله في ~~الكون المخلوق له. إنه رب يحكم كونه، فلا ينسى شيئا ويذكر شيئا. # لا يضل ربي ولا ينسى # [طه: 52] إن كل شيء في علمه كما قدره وهو الخلاق القدير العليم، وهو ~~لا يذكر بعضا من الخلق، وينسى بعضا آخر، فهو قد كتب العدم لحكمة، وأعطى ~~النعمة لحكمة. لقد جعل الفقير عبرة، ولكنه لم يتركه، وذلك حتى يرى كل ~~إنسان أن القدرة على الكسب ليست إلا عرضا زائلا، فمن الممكن أن يصبح ~~القادر الآن عاجزا بعد دقائق أو ساعات، ومن الممكن أن يصبح القوي ~~ضعيفا، فإذا ما علم القوي أو القادر ذلك فإنه يتحرك إلى إعطاء الآخرين ~~حتى يضمن لنفسه التأمين الإلهي لو صار ضعيفا، فيعطيه الأقوياء، فعندما ~~يأمر الله الأقوياء بأن يعطوا وينفقوا فإن عليهم إن يستجيبوا لأن الواحد ~~منهم لو صار ضعيفا فسوف يأخذ. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: { لن ~~تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } [آل عمران: ~~92] هذا القول قد خدم قضية سبقتها، وهي أنه لن يقبل من أحدهم ملء الأرض ~~ذهبا ولو افتدى به، ما دام كافرا، إنها نفقة مرفوضة لا اعتبار لها، ~~إنها هدر. ويأتي من بعد ذلك بتحديد النفقة التي ليست هدرا، ثم يفضح ~~اليهود بقضية توجد عندهم في التوراة ولكنهم كذبوها، وهي قضية تتعرض ~~للطعام، وما دامت القضية تتعرض للطعام فهناك الكثير من الملكات التي يمكن ~~أن تتحرك، فملكات الواجد حين تتحرك فحركتها تكون بأسلوب غير الأسلوب الذي ~~تتحرك به ملكات المعدم. فقيل أن يحرك وجدان المعدم إلى أنه معدم، حتى ~~لا يتلقى ذلك بحسرة، فإنه سبحانه يكون قد عمل رصيدا لهذا المعدم، فيرقق ~~قلب الواجد أولا { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما ~~تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم } ~~[آل عمران: 92] وبعد ذلك يأتي قوله الحق سبحانه: { كل الطعام ~~كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل ~~على ms1259 نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } [آل عمران: 93]. ~~ومعنى كلمة " حل " هو " حلال " ، ويقابلها " حرام " وحل هي مصدر، وما ~~دامت مصدرا فلا نقول " هذان حلالان " بل نقول: " هذان حل " ، ونقول: " ~~هؤلاء حل " وإن شئت فاقرأ قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا جآءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ~~لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن.. # [الممتحنة: 10]. " لا هن " هذه لجماعة النساء، والحل مفرد، وعندما يقول ~~الحق سبحانه: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ~~إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } [آل عمران: 93] فهذا ~~يعني أنه قد حرم بعضا من الطعام على نفسه فهو حر في أن يأخذ أو يترك، أو ~~أنه قد حرمه على نفسه فوافقه الله لأن الناذر حين ينذر شيئا لم يفرضه ~~الله عليه فهو قد ألزم نفسه بالنذر أمام الله. إن الزمن الذي حرم فيه ~~إسرائيل على نفسه بعضا من الأطعمة هو { من قبل أن تنزل ~~التوراة } [آل عمران: 93] أي أن هذا التحريم لم يحرمه الله، ويأتي ~~الأمر لرسوله الكريم أن يخاطب بني إسرائيل: { قل فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } [آل عمران: 93] إنه ~~قد كشف سترهم، وعلموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن النص الذي ~~يؤيد صدقه موجود في التوراة، ولهذا لم يأت اليهود بالتوراة، وذلك لعلمهم ~~أن فيها نصا صريحا يصدق ما جاء به رسول الله، ولا يحتمل اللجاجة، أو ~~المجادلة، وما داموا لم يحضروا التوراة فهذا يعني أنهم غير صادقين. ويقول ~~الحق: { فمن افترى على الله الكذب... }. ### || [3.94] # إن في هذا القول التحذير الواضح ألا يختلق أحد على الله شيئا لم ينزل ~~به رسول أو كتاب فمن يفتري الكذب على الله لا يظلم إلا نفسه. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم ~~حنيفا... }. ### || [3.95] # يأمر الحق رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: { قل صدق الله ~~فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا } [آل عمران: 95]. ونعرف أن ~~ملة ms1260 إبراهيم هي التي سمت كل المؤمنين بالله المسلمين، والدعوة إلى ~~الإيمان بملة إبراهيم هي لإيضاح أن جوهر الإيمان لا يحتمل الخلاف، ~~فركب الإيمان والرسل والأنبياء هو ركب واحد، وكلمة " اتبعوا " تعني ~~أن هناك مقدما كما أن هناك تابعا. و " الملة " تشمل المعتقدات ~~والتشريعات العامة، كما أن الشريعة تشمل الأحكام، والدين يكون لبيان ~~العقائد. وقد عرفنا من قبل أن كلمة " حنيفا " تعني الذي يسير على خط ~~مستقيم، ويتبع منهجا قويما ومستويا ونحن نسمي ملتنا " الحنيفية ~~السمحاء " ومع ذلك فالحنف هل ميل في الساقين، اليمين مقوسة إلى اليمين، ~~واليسار مقوسة إلى اليسار، فكيف إذن نقول عن الدين الحق الهادي لمنهج ~~الله وشريعته: إنه حنيف؟ لقد قلنا: إن السماء لا تتدخل بإرسال الرسل إلا ~~حين يعم الفساد، وما دام الفساد قد عم فإن الذي يميل منحرفا عن الفساد ~~هو الذي اهتدى إلى الصراط المستقيم، فالحنيف معناه مائل عن الفساد، ~~فالمائل عن المعوج معتدل، { قل صدق الله فاتبعوا ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } [آل عمران: 95]. ~~" صدق الله " نعم لأن الصدق هو أن يطابق القول ما وقع فعلا، وحين يتكلم ~~الحق وهو العليم أزلا فما الذي يحدث؟ لا بد أن يوافق الواقع ما يقوله ~~سبحانه وتعالى فليس من المعقول أن يتكلم الله كلاما يأتي على لسان رسول، ~~أو على لسان أتباع الرسول، وبعد ذلك يأتي واقع الحياة فينقض قول الحق ~~ويخالفه، إن الحق العليم أزلا ينزل من الكلام ما هو في صالح الدعوة إلى ~~منهجه. إذن فحين يطلق الله قضية من قضايا الإيمان فإنه - سبحانه - عليم ~~أزلا أنها سوف تحدث على وفق ما قال، وإن كان الظرف الذي قيلت فيه لا ~~يشجع على استيعابها وفهمها. إن المؤمنين كانوا في أول الأمر مضطهدين، ~~ومرهقين وإن لم يكن للواحد منهم عشيرة تحميه فإنه يهاجر عن البلاد، وإن ~~لم يستطع الهجرة فإنه يعذب ويضطهد. وفي هذه الفترة الشديدة القاسية ~~وفي قمة اضطهاد المؤمنين ينزل القول الحق: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. وعندما يسمع سيدنا عمر عليه ms1261 رضوان الله هذا القول يتساءل: ~~أي جمع هذا؟ إن الواقع لا يساعد على هذا، ثم جاءت بدر، وهزم المؤمنون ~~الجمع وولوا الدبر وهذا دليل على أن الله قد أطلق قضية وضمن أنها ستحدث ~~كما قال وكما أخبر، وهذا مطلق الصدق. إن الإنسان يمكنه أن يستبعد الصدق ~~لو أن الذي قال غير الذي خلق، لكن الذي قال ذلك هو الذي خلق ويخلق ويعلم، ~~فمن أين يأتي التناقض؟ وهذا معنى القول الكريم: # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # [النساء: 82]. إنه قول حق جاء من عند العليم أزلا، ومن العجيب أن أهل ~~الكتاب من يهود ونصارى يتمسحون في سيدنا إبراهيم، فقال بعضهم: إن إبراهيم ~~عليه السلام كان يهوديا، وبعضهم قال: إن إبراهيم كان نصرانيا. وكان يجب ~~أن يفهموا أن اليهودية والنصرانية إنما جاءتا من بعد إبراهيم، فكيف يكون ~~يهوديا أو نصرانيا وهذه الملل قد جاءت من بعده؟ لذلك جاء القرآن الكريم ~~قائلا: # يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم ومآ ~~أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا ~~تعقلون # [آل عمران: 65]. وقد أوضح الحق بعد ذلك دين إبراهيم عليه السلام: # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما وما كان من المشركين # [آل عمران: 67]. فكيف يمكن أن يختلقوا على إبراهيم أنه كان يهوديا أو ~~نصرانيا؟ إنه كلام لا يصدر إلا عن قلة فطنة وغفلة بالغة. وعندما يقول ~~الحق عن إبراهيم: " وما كان من المشركين " فهل أهل الكتاب مشركون؟ نعم ~~لأنهم حين يؤمنون بالبنوة لعزير، ويؤمنون بالبنوة لعيسى فهذا إشراك ~~بالله، وأيضا كان العرب عبدة الأصنام يقولون: إنهم على ملة إبراهيم لأن ~~شعائر الحج جاء بها إبراهيم عليه السلام، ولهذا ينزه الحق سبحانه سيدنا ~~إبراهيم عن ذلك، ويقول: { قل صدق الله فاتبعوا ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } [آل عمران: 95] ~~وذلك يدل على أن ملة إبراهيم وما جاء به موافق لملة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وما جاء به، وإجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام. ثم يقول ms1262 الحق ~~سبحانه: { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ~~مباركا... }. ### || [3.96] # لقد عرفنا من قبل كيف كان تداعي المعاني سببا في إرواء الحق لكل ملكات ~~الإنسانية، وقبل هذه الآية التي تتحدث عن بناء البيت الحرام بمكة المكرمة ~~كان هناك حديث عن سيدنا إبراهيم عليه السلام حين قال الحق: # قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين # [آل عمران: 95]. وإبراهيم عليه السلام هو أول الأنبياء صلة بالبيت ~~الحرام، وكان رفع قواعد البيت الحرام على يده بعد أن طمر وستر بالطوفان ~~في عهد نوح عليه السلام، فحين يأتي الكلام في رسالة سيدنا إبراهيم عليه ~~السلام فلا بد أن تأتي أكبر حادثة في تاريخ سيدنا إبراهيم، وهي حادثة ~~بناء البيت الحرام، كما أن الحق سبحانه حينما تكلم عن المحاجاة بين ~~المسلمين وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده القرآن، وبين ~~أهل الكتاب وفي أيديهم التوراة المحرفة والإنجيل المحرف أراد سبحانه أن ~~يردنا إلى شيء واحد هو ملة إبراهيم الذي سمانا مسلمين. ومعنى ذلك أن الله ~~يريد منا أن تسيطر قيم السماء على حركة أهل الأرض لأن حركة أهل الأرض إن ~~اتبعت الأهواء تصادمت الحركات، وما دامت الحركات قد تصادمت فإن ما ينتج ~~عنها هو ضياع مجهود الحركة الإنسانية، ويصير هذا المجهود مبددا. ولكن ~~الإنسان الذي يحمل القيم التي تتركز عقيدة في قلبه - بعد أن يبحثها بفكره ~~- هذا الإنسان له قالب تنفذ به تشريعات الله، ولولا وجود القالب هذا لما ~~استطاع الإنسان أن يطبق تشريعات الله، ولما استطاع أن يؤدي هذه ~~التشريعات، ولما استطاع أن يطيع الله بجوارحه فالإنسان بغير قالب لا ~~يستطيع أن يؤدي الحركة المطلوبة. إذن فلا بد للقالب الإنساني - البدن - ~~في التشريع من عملية أخرى وهي أن ينصب القالب ويكون له عمل حين يتوجه إلى ~~بيت واحد لله، وبذلك يصبح للقالب نصيب في العبادة أيضا. ولهذا كان لا بد ~~أن يوجد للقالب - أيضا - متجه وهذا المتجه يحكم القالب نفسه، فكان ~~المؤمن المسلم محكوما قلبا وقالبا، ms1263 فحين نأتي للصلاة لنكون في حضرة ~~الله نتحرى أن يكون قالبنا متجها إلى المكان الذي أمرنا الله أن نتوجه ~~إليه، لماذا؟ لأن الحق سبحان وتعالى ساعة يعطي رحمته وبركته وتنزلاته ~~وإشراقاته يريد أن يكون الجسم في وضع مؤهل لاستقبال هذه التجليات ولذلك ~~كان لا بد أن يكون لله بيت يتجه إليه الجميع حتى يعطي للتدين وحدة، فكما ~~أعطى الحق لموكب الرسالات وحدة، فإنه يعطي أيضا وحدة في القالب الإنساني ~~والمتجه، وكل مكان يعبد الله فيه بالنسبة للإسلام يعتبر مسجدا، وقد ~~يسر الله الأمر على أمة سيدنا محمد، فقال - صلى الله عليه وسلم -: # " جعلت لي أرض مسجدا وطهورا ". # وكان لقاء الله وعبادته في الديانات السابقة يقتضي مكان محددا ولكن قد ~~وسع رحمته على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. إن تراب الأرض طهور، إننا ~~عندما نفتقد الماء الطهور فإن التراب الذي قد يبدو للوهلة السطحية أنه ~~سبب في عدم النظافة قد جعله الله لنا طهورا. إن الإنسان يمكنه أن يتيمم ~~ويتطهر بالتراب، وكأن الله قد أراد أن يكون لقاء كل فرد من أمة محمد به ~~ميسرا تيسيرا كبيرا. وكل مكان نعبد فيه الله ويسجد فيه المسلم لله ~~يصير مسجدا. لكن هناك فارقا بين أي مكان نعبد الله فيه والمسجد، فنحن ~~نرى العامل يعبد الله في المصنع والتلميذ يعبد الله في الفصل، والفلاح ~~يعبد الله ويؤدي الفروض في الحقل، ويمكن للسائر في الشارع أن يؤدي صلاته ~~في أي مكان، وأن يزاول عمله بعد ذلك، ولكن حين يحيز الإنسان مكانا ~~ليكون بيتا لله، فمحظور أن يزاول فيه نشاطا آخر من نشاطات الحياة إنه ~~مكان محيز. إن العبادة كلها مقبولة، ولكن هناك فارقا بين مكان تعمل فيه ~~ومكان تخصصه ليصير مسجدا. فالمسجد هو مكان لا يزاول فيه إلا لقاء الله، ~~لذلك أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نستغل هذا الحيز في أي أمر ~~يتعلق بدنيانا، وقد أوضح لنا - صلى الله عليه وسلم - أن الذي يعقد صفقة ~~في المسجد لم يبارك الله فيها، ms1264 والذي ينشد فيه شيئا ضالا له لن يجده. ~~فقد دعا الرسول ألا يرد الله عليه ضالته. إن أمور الدنيا يكفيها أن تأخذ ~~من الإنسان كل يوم ثلاثا وعشرين ساعة، فليخصص الإنسان المؤمن ساعة لله ~~وحده، وليخلع كل أغراض الحياة الدنيا كما يخلع النعال على باب المسجد. ~~فليس من حسن الأدب واللياقة أن ينشغل الإنسان بأي شيء غير لقاء الله في ~~الوقت المخصص للقاء الله، وفي المكان المخصص لهذا اللقاء. فساعة تدخل ~~المسجد ينبغي أن تمنع نفسك من أن يتكلم معك أحد في فضول الكلام ولغوه، ~~وأن تنوي الاعتكاف لتستفيد من وجودك في المسجد. وساعة أن نخصص حيزا ما ~~ليكون مسجدا، فكيف يكون الاتجاه داخل المسجد؟ أيترك الأمر لكل واحد أن ~~يختار له متجها؟ لا، إن المؤمن ملتزم بالاتجاه إلى مكان واحد، هذا ~~المكان الواحد هو بيت لله باختيار الله بينما المساجد الأخرى هي بيوت لله ~~باختيار خلق الله، فبيوت الله باختيار خلق الله متجها جميعا هو بيت الله ~~الحرام. وحين تنظر هذه النظرة ستجد العالم متواجها لأن كل عابد سيكون ~~اتجاهه إلى بيت الله مع بقية العابدين لله، فيلتف المؤمنون كلهم حول بيت ~~الله، ويتواجهون، إن وجوهنا كلها تقابل بعضها بعضا، ولكن ما ضرورة ~~الاتجاه للكعبة؟ والحق سبحانه يقول: # ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم ~~وجه الله إن الله واسع عليم # [البقرة: 115]. نقول: إن هذه الآية تؤيد ما نقوله، فما دام لله المشرق ~~والمغرب، فهذا هو المعنى العام، فالناس أول ما عرفوا الكون تعرفوا على ~~المشرق والمغرب ثم الشمال والجنوب أيضا، وبعد أن توصل العلم إلى تحديد ~~الجهات الفرعية بجانب الجهات الأصلية الأربع المعروفة عرفنا " الشمال ~~الشرقي " و " الشمال الغربي " و " الجنوب الشرقي " و " الجنوب الغربي ". ~~إذن فكل المتجهات لله، والاتجاه للكعبة يحقق هذا القول الكريم. وعندما ~~يتجه إنسان إلى الكعبة فقد يكون الشرق خلفه، ويكون الغرب أمامه، ويتجه ~~إليها إنسان آخر إلى الكعبة، فيتقابل وجهه مع وجه المتجه للكعبة، وثالث ~~يتجه إلى الكعبة، فيكون في زاوية أخرى ناظرا إليها، ms1265 وهكذا يلتف البشر من ~~الشرق والغرب والشمال والجنوب وكل الجهات الفرعية حول الكعبة. إذن فقول ~~الحق: # ولله المشرق والمغرب # [البقرة: 115] أي جميع الخلق متجه إلى الكعبة، وبذلك لا تكون هناك جهة ~~أولى بالله من جهة أخرى. وأنا لا أريد أن أدخل في متاهة أن الكعبة مركز ~~الأرض وأن الأرض خلقت منها لأن الشيء إذا كان مكورا فأي نقطة فيه تكون ~~مركزا للجميع، لذلك فلنترك مثل هذا الكلام، لكن ألا يكفي أن يرجحها أن ~~الله قد اختارها؟ إن ذلك يكفي وزيادة، وبذلك ينتهي الأمر، إنها كذلك ~~لأنها بيت الله باختيار الله، وهذا يكفي. لقد علمنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن الأشياء التي تقف فيها العقول وليست من صلب العقائد أو ~~الدين لا يصح أن تكون محل خلاف أو جدل. ويقول سيدنا علي كرم الله وجهه عن ~~سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: سأله رجل، " أذلك أول بيت لله؟ " ~~فوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قبله بيوتا، ولكن هو أول بيت ~~وضع للناس. وهذا إيضاح أن الله قد جعل الكعبة هي أول بيت له يتعبد فيه ~~جنس البشر، وذلك لقول الله تعالى: { إن أول بيت وضع ~~للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين } [آل ~~عمران: 96]. ولكن إن كانت هناك أجناس سابقة على الجنس البشري فمن المؤكد ~~أنه كانت هناك لله بيوت لا نعرفها. # وما آدم في منطق العقل واحد # ولكنه عند القياس أوادم # ولذلك فوجود البيت الحرام كبيت لله لا يصطدم مع منطق الناس الذين لا ~~يملكون إلا الثقافة الدينية الضحلة، فساعة أن يسمع الواحد منهم، أن هناك ~~اكتشافا لحفريات من كذا مليون سنة فهو يتساءل قائلا: كيف وآدم لم يمر ~~عليه ملايين السنين؟ لنفترض أن هناك خمسة أجيال لإدريس عليه السلام ~~وثلاثة أجيال لنوح عليه السلام، وأحد عشر جيلا لإبراهيم عليه السلام ~~وثلاثين جيلا لمحمد عليه الصلاة والسلام، وهكذا يكون الوجود البشري ~~محددا بآلاف السنوات لا ملايينها. # لهذا الإنسان نقول: وهل قال لك أحد: إن آدم أول ms1266 من عمر الأرض؟ إن ~~الدين لم يقل ذلك، لكن الدين قال: إن آدم هو أول هذا الجنس البشري، ولكنه ~~ليس أول من سكن الأرض، لذلك فليقل العلماء: إن عمر هذه الأرض ملايين ~~السنين ولنسمع جميعا قول الحق تبارك وتعالى: # ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق ~~إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد # [إبراهيم: 19]. إذن فلا مجال لهذا البحث، لذلك قال النبي عليه الصلاة ~~والسلام: # " لا، بل قبله بيوت ". # والحق سبحانه وتعالى يقول ما يوضح أن الجن قد سكنوا الأرض قبلنا: # والجآن خلقناه من قبل من نار السموم # [الحجر: 27]. ألم يقل الحق سبحانه إن الإنسان خليفة، وردت عليه ~~الملائكة: # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال ~~إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة: 30]. إن الذين قالوا ذلك ليسوا من البشر، إذن فكلام الله يؤكد ~~أن الكعبة هي أول بيت وضع للناس، أي للجنس البشري، ولذلك فلا داعي أن ~~نتكلم في الأشياء التي يقف فيها العقل حتى لا ندخل في متاهة. ولو كان ~~الله قد أراد أن يعلمنا أن الكعبة هي أول بيت في الأرض لقال لنا: " إن ~~أول بيت وضع في الأرض " ، ولم يكن قد حدد الجنس الذي وضع البيت من أجله، ~~لكن الحق سبحانه قال: { إن أول بيت وضع للناس للذي ~~ببكة مباركا } [آل عمران: 96]، ولذلك بين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن قبله بيوتا، ولكنه أول بيت وضع للناس. إنه جواب يتسع لكل ~~ما يأتي به العلم. وحين ننظر إلى القول الحق: { إن أول بيت ~~وضع للناس للذي ببكة مباركا } [آل عمران: 96] ما ~~معنى " أول "؟ إنه الابتداء، وهل كل ابتداء له انتهاء؟ لا، إن هناك ~~أمورا لها " أول " وليس لها " آخر " ومثال ذلك العدد " واحد " وما بعده ~~ليس له آخر، فآخر ما بعد العدد واحد هو ما يمكن الإنسان أن يحسبه عجزا ~~في التقديرات الدشليونية ولكن ما بعد الدشليون هناك أعداد أخرى، ms1267 وكان ~~الإنسان قديما يقف عند الألف، ثم يقول عن المليون " ألف ألف " ، وكذلك ~~الجنة لها أول وليس لها آخر. إذن فأول بيت وضعه الله للناس هو الكعبة. ~~وعندما نرى كلمة " وضع " نجدها فعلا، ونرى أنه قد وضع للناس. وما دام ~~هذا البيت قد وضع للناس لذلك فمن اللازم حين تأتي كلمة " ناس " أن يكون ~~هناك " بيت " و " آدم " من الناس، ووالد كل الناس، وكان له بيت وضع له. # وحين يقال: إن البيت قد تم بناؤه قبل آدم فإننا نقول: نعم، لأن آدم من ~~الناس، والله يقول: { إن أول بيت وضع للناس } [آل عمران: ~~96] فلماذا نحرم آدم من أن يكون له بيت عند الله؟ إذن فالبيت موجو من قبل ~~آدم. وبعض الناس تظن أن إبراهيم عليه السلام هو الذي بنى البيت، ولأصحاب ~~هذا الظن نقول: لنفهم القرآن معا، إن مثل هذا القول يناقض القرآن لأن ~~القرآن قد قال: { إن أول بيت وضع للناس } [آل عمران: 96] ~~وذلك إيضاح أن إبراهيم كان من قبله أناس سابقون له، فكيف لا يكون للناس ~~من قبل إبراهيم بيت؟ ولا يكون للناس من بعد إبراهيم بيت؟ إن الذين كانوا ~~يعيشون قبل مجيء إبراهيم عليه السلام لهم الحقوق نفسها عند الله التي ~~وضعها الله لمن بعد إبراهيم، فلا بد أن الله قد جعل بيته لهم، والنص ~~القرآني { إن أول بيت وضع للناس } [آل عمران: 96] يؤكد ~~ذلك، وما دام قد جعل الفعل مبنيا للمجهول فواضعه غير الناس، ف " ~~وضع " هو فعل مبني على ما لم يسم فاعله، فمن الذي وضعه؟ هل هم ~~الملائكة؟ قد يصح ذلك وهو أن يكون الملائكة قد تلقوا الأمر من الله ~~بمزاولة هذا البناء ولكن الحق يقول عن هذا البيت إنه: " هدى للعالمين " ~~وهذا يعني أن البيت هدى للملائكة لأنهم عالم، وهذا يعني أن البيت قد وضعه ~~الله من قبل ذلك، إن أحدا لا يقدر أن يجعل الكون على قدر العقل البشري، ~~إن على العقل البشري أن يكون في ركاب الكون، وإياك أن تجعل الكون ms1268 في ركاب ~~عقلك. أما مسألة أن إبراهيم قد بني الكعبة أولا فهذا عدم فهم للنص ~~القرآني القائل: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع ~~العليم # [البقرة: 127]. فما هو الرفع؟ إنه إيجاد البعد الثالث وهو الارتفاع، ~~فالطول والعرض موجودان إذن فهذا دليل على وجود البيت قبل أن يقيم إبراهيم ~~عليه السلام ارتفاع البيت. وهكذا نستنتج أن الذي كان مطموسا هو القاعدة ~~والارتفاع، مع وجود الطول والعرض اللذين يحددان المكان، أما البناء فهو ~~الذي يحدد " المكين " وعندما انهدم البيت الحرام كان الناس يتجهون إلى ~~المكان نفسه. ونحن عندما نصلي في الدور الثالث في الحرم، فإننا نتجه إلى ~~الهواء الموجود من فوق الكعبة، ولو حفرنا نفقا تحت الأرض بألف متر، ~~وأردنا أن نصلي فإننا سنتجه إلى جذر الكعبة، وهكذا نعرف أن جو الكعبة ~~كعبة. إذن فعمل إبراهيم عليه السلام كان في إيجاد المكين لا المكان، ~~ولنقرأ بالفهم الإيماني ما حدث لإبراهيم عليه السلام. # لقد أخذ إبراهيم هاجر وابنها إسماعيل، وخرج بهما ليضعهما في هذا المكان. ~~" وهاجر " تعرف أن مكونات الحياة هي المياه والهواء والقوت، وهذا المكان ~~لا توجد به حتى المياه، لذلك قالت هاجر سائلة إبراهيم عليه السلام: كيف ~~تتركنا هنا؟ هل أنزلتنا هنا برأيك أم بتوجيه من الله؟ فقال لها إبراهيم ~~عليه السلام: إنه توجيه من الله، لذلك قالت: " لقد اطمأننت، والله لا ~~يضيعنا أبدا ". لم تقلق هاجر لأن إبراهيم اتجه إلى ما أمر الله، وهذا هو ~~الإيمان في قمته، ولو لم يكن الإيمان على هذه الدرجة الرفيعة فأي قلب لأم ~~تترك أب الطفل يذهب بعيدا عنها وتعيش مع ابنها في هذا المكان الذي لا ~~يوجد به طعام أو ماء، فهي لا تؤمن بإبراهيم، ولكنها تؤمن برب إبراهيم ~~وعندما تقرأ القرآن الكريم تجد القول الحق على لسان إبراهيم: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من ~~الثمرات لعلهم يشكرون # [إبراهيم: 37]. هكذا ms1269 نعرف أنه ساعة إسكان إبراهيم لذريته كان هناك بيت ~~وأن هذا البيت محرم، وعندما نقرأ عن رفع البيت الحرام نجد أن إبراهيم ~~عليه السلام لم يرفع قواعد البيت بمفرده بل شاركه ابنه إسماعيل عليه ~~السلام. # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع ~~العليم # [البقرة: 127]. هكذا نعلم أن إسماعيل عليه السلام كان قد نضج بصورة تسمح ~~له أن يساعد والده خليل الرحمن في إقامة قواعد البيت الحرام، وهذا يدلنا ~~على أن إسماعيل نشأ طفلا في هذا المكان عندما أسكنه والده إبراهيم عند ~~البيت المحرم، هكذا نتيقن أن البيت المحرم كان موجودا من قبل إبراهيم ~~عليه السلام، وعندما ندقق النظر في معنى كلمة " بكة " التي وردت في هذا ~~القول الكريم: { إن أول بيت وضع للناس للذي ~~ببكة مباركا } [آل عمران: 96] فإننا نعرف أن هناك اسما لمكان ~~البيت الحرام هو " بكة " وهناك اسم آخر هو مكة، وبعض العلماء يقول: إن " ~~الميم " و " الباء " يتعاونان، ونلحظ ذلك في الإنسان " الأخنف " أو ~~المصاب بزكام، إنه ينطق " الميم " كأنها " باء ". والميم و " الباء " ~~حرفان قريبان في النطق، والألفاظ منهما تأتي قريبة المعنى من بعضها. ~~ولننظر إلى اشتقاق " مكة " واشتقاق " بكة ". إننا نقرأ " بك المكان " أي ~~ازدحم المكان، وهكذا نعرف من قوله الحق: { إن أول بيت وضع ~~للناس للذي ببكة مباركا } [آل عمران: 96] أي أنه مكان ~~الازدحام الذي يأتي إليه كل الناس وكل الوفود لتزور بيت الله الحرام، ولا ~~أدل على ازدحام البيت الحرام من أن الرجال والنساء يختلط بعضهم ببعض، ~~والإنسان يطوف بالبيت الحرام، ولا يدري أنه يسير وقد يلمس امرأة أثناء ~~الطواف. # و " بكة " هي المكان الذي فيه الطواف والكعبة، أي هي اسم مكان البيت ~~الحرام، و " مكة " اسم البلد كلها الذي يوجد به البيت الحرام. و " مكة " ~~مأخوذة من ماذا؟ إن " مكة " مأخوذة من " مك الفصيل الضرع " أو " امتك ~~الفصيل الضرع " ، أي امتص كل ما فيه من لبن، والفصيل كما نعرف هو صغير ~~الإبل أو صغير البقر. وما ms1270 دام الفصيل قد امتص كل ما في الضرع من لبن ~~فمعنى هذا أنه جائع، ومكة كما نعرف ليس فيها مياه، والناس تجهد وتبالغ في ~~أن تمتص المياه القليلة عندما تجدها في مكة. وفي كلمة " مباركا " نجد ~~أنها مأخوذة من " الباء والراء والكاف " والمادة كلها تدور حول شيء اسمه ~~الثبات، فهل هو الثبات الجامد، أم الثبات المعطي النامي الذي مهما أخذت ~~منه فإنه ينمو أيضا؟ إننا في حياتنا اليومية نقول: " إن هذا المال فيه ~~بركة مهما صرفت منه فإنه لا ينتهي " ، أي أنه ثابت لا يضيع، ويعطي ولا ~~ينفد. وكلمة " بركة " في حياتنا تعني أنها تجمع الماء تأخذ منها ~~مهما تأخذ فيأتي إليها ماء آخر. وكلمة " تبارك الله " تعني " ثبت الحق " ~~ولم يزل أزلا ولا يزال هو واحدا أحدا، إنه الثبوت المطلق. وهكذا نجد ~~أن الثبات يأتي في معنى البيت الحرام. إن البيت الحرام مبارك أبدا " كيف ~~"؟ أليست تضاعف فيه الحسنة؟ وهل هناك بركة أحسن من هذه؟ وهل هناك بركة ~~أفضل من أنه بيت تجبى إليه ثمرات كل شيء ولا تنقطع؟ فقديما كان الذاهب ~~إلى البيت الحرام يأخذ معه حتى الكفن، ويأخذ الإبرة والخيط، والملح، ~~والآن فإن الزائر لبيت الله الحرام يذهب ليأتي بكماليات الحياة من هناك. ~~ويقول سبحانه عن هذا البيت الحرام المبارك: إنه " هدى للعالمين ". ما هو ~~الهدى؟ قلنا: إن الهدى هو الدلالة الموصلة للغاية، ومن يزر البيت ~~الحرام يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فهل اهتدى للجنة أم لا؟ إنه يعرف ~~بزيارة البيت الحرام الطريق إلى الجنة. وحينما ننظر إلى هذه المسألة نجد ~~أن الحق سبحانه وتعالى عندما تكلم عن البيت لم يتكلم إلا عن آية واحدة ~~فيه هي مقام إبراهيم مع أن فيه آيات كثيرة. قال الحق: { فيه آيات ~~بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا... }. ### || [3.97] # إننا نجد أن صيغة الجمع موجودة في قوله الحق: " فيه آيات " و " بينات " ~~وهي وصف الجمع. وبعد ذلك قال الحق: " مقام إبراهيم " إنه سبحانه لم يذكر ~~إلا مقام إبراهيم بعد ms1271 الآيات، والمقام آية واحدة، وهذا يدل على أن مقام ~~إبراهيم فيه الآيات البينات، ونحن نقرأ " مقام إبراهيم " بفتح الميم ~~الأولى في كلمة " مقام " ولا ننطقها " مقام " بضم الميم الأولى لأن ~~المقام بضم الميم تعني مكان إقامة إبراهيم، أما مقام بفتح الميم فمكان ~~القيام، لماذا كان قيام إبراهيم عليه السلام؟ لقد كان إبراهيم يقوم ليرفع ~~قواعد البيت الحرام، وكان إبراهيم يقوم على " حجر ". وعندما ننظر إلى ~~مقام إبراهيم فإنك تجد فيه كل الآيات لأن الله طلب من إبراهيم عليه ~~السلام أن يرفع قواعد البيت، وكان يكفيه حين يرفع قواعد البيت أن يعطيه ~~الارتفاع الذي يؤديه طول يديه، وبذلك يكون إبراهيم عليه السلام قد أدى ~~مطلوب الله - كما قلنا من قبل - لكن إبراهيم عليه السلام تعود مع الله أن ~~يؤدي كل تكليفات الله بعشق وحب وإكمال وإتمام، فقال إبراهيم في نفسه: " ~~ولماذا لا أرفع البيت أكثر مما تطول يداي؟ " ولم تكن هناك في ذلك الزمن ~~القديم فكرة " السقالات " ، ولم يكن مع إبراهيم عليه السلام إلا ابنه ~~إسماعيل. وأحضر إبراهيم عليه السلام حجرا، ووقف عليه ليرفع القواعد قدر ~~الحجر. إذن فإبراهيم خليل الرحمن أراد أن ينفذ أمر الله بالرفع للقواعد ~~لا بقدر الاستطالة البدنية فقط، ولكن بقدر الاحتيال على أن يرفع القواعد ~~فوق ما يطلبه الله، وهذا معنى قول الله عن إبراهيم عليه السلام: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي ~~قال لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]. أي أنه أدى مطلوب الله أداء كاملا، ولا أدل على هذا ~~الأداء الكامل من أنه أتى بحجر ليقف عليه ليزيد من ارتفاع البيت قدر هذا ~~الحجر. ونعرف أن الذي ساعده وشاركه في رفع القواعد هو ابنه إسماعيل. ومن ~~أكرمه الله برؤية مقام إبراهيم يجد أن الحجر يسع وقوف إنسان واحد، وهكذا ~~نفهم أن إسماعيل كان يساعد ويناول والده الأحجار، أما مكان الأقدام ~~الموجودة في هذا الحجر، فهذا يعني أن إبراهيم عندما كان يقف ويحمل حجرا ~~من المفروض أن يحمله ms1272 اثنان فإن هذا يتطلب ثبات القدمين في مكان آمن حتى ~~لا يقع. فهل يا ترى أن الله سبحانه وتعالى جلت قدرته ساعة رأى إبراهيم ~~يحتال هذه الحيلة قال لخليله: سأكفيك مؤنة ذلك. # وجعل الحق القدمين تغوصان في الحجر غوصا يسندهما حتى لا تقعا. والذي لا ~~يتسع ذهنه إلى أن الله ألان لإبراهيم الحجر، نقول له: إن إبراهيم قد ~~احتال، وخاف أن تزل قدمه، فنحت مكانا في الحجر على قدر قدمه حتى تثبت ~~قدمه حين يحمل ويرفع الحجر، وهذه آيات بينات. فخذ ما يتسع ذهنك وفهمك له، ~~إن الله أعان إبراهيم لأنه فكر أن يبني القواعد ويرفعها أكثر مما تطول ~~يداه، وقد مكن الله له في ذلك وأعانه عليه، ونحن نعلم أن الهداية تكون ~~هداية الدلالة وهداية المعونة. # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. { فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن ~~دخله كان آمنا } [آل عمران: 97]، والآيات هي الأمور العجيبة، ~~وعندما تراها فإنك لا تستطيع أن تنكرها. ودخول البيت يعني الأمن للإنسان ~~الذي يدخله، ونحن نعلم أن البيت قد تم بناؤه في هذا المكان. وهذا المكان ~~تجتمع فيه القبائل، وبين بعض هذه القبائل ثارات ودماء وحروب، لذلك يبين ~~الله الوضع الذي بمقتضاه تحقن الدماء { ومن دخله كان آمنا } ~~[آل عمران: 97] لماذا؟ لأنه بيت الرب ولا يصح أن يدخل واحد بيت الرب ~~ويعاقب حتى ولو كان قد أجرم جرما يوجب الله عليه الحد فيه. ولذلك قال ~~سيدنا عمر رضي الله عنه: لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب - والده - لم أتعرض ~~له. ولكن يضيق الخناق على المجرم حتى يخرج. وهذا الأمن محدد بأي أمر ~~اقترفه في دنياه، أما من دخله كان آمنا يوم القيامة فالحكم فيه شيء آخر، ~~إنها درجة عالية من فضل الله، والآيات البينات الواضحة في البيت الحرام ~~يراها من زار البيت الحرام، وليحقق الله أمل كل راغب في زيارة البيت ~~الحرام، وأن يكرر الزيارة لمن ذهب وأراد أن يعود للزيارة مرة أخرى. فساعة ~~تدخل البيت الحرام فأنت هنا تتجه إلى مكان ms1273 في البيت والمقابل لك في الكرة ~~الأرضية يتجه إلى المكان المقابل، إلى أن تصير الاتجاهات مشتملة على ~~الكعبة كلها. ونحن عندما نكون في الكعبة إننا نوجه وجوهنا إلى المبنى ~~لأننا نراها، ونحن نوجه الوجوه إلى المبنى المقطوع بأنه منها، والحطيم، ~~وهو القوس المبني حول حجر إسماعيل، هو من الكعبة أيضا، ولكن النفقة ~~قصرت، فجعلوه ليحدد مكان الكعبة، فظل هكذا، فإذا غاب الإنسان عن الكعبة ~~واتجه إليها فإنه يكفي أن يتجه إلى جهتها. ولذلك نجد الصفوف في الصلاة ~~حول الكعبة تتخذ شكل الدائرة لأن الذين يصلون في داخل الحرم يشاهدونها، ~~أما الذين يصلون خارجها فيكفي أن يتجهوا إلى جهتها ولو طال الصف إلى ألف ~~متر، لذلك فالصف للمصلين خارج الحرم يكون معتدلا، أما في داخل الحرم ~~فالصفوف تأخذ شكل الدائرة لأن أقصى بعد في الكعبة هو اثنا عشر مترا ~~وربع المتر، ونجد من الآيات العجيبة أنك إذا ما نظرت إلى الحجر الأسود ~~تجد الناس تتهافت على تقبيله، والحجر يمثل أدنى أجناس الكون، ونعلم ~~جميعا أن الإنسان مستخلف كسيد في الكون، ومن بعده الحيوان أقل منه في ~~الفكر ومسخر، ومن بعد الحيوان يكون جنس النبات، ومن بعد ذلك يأتي جنس ~~الجماد ومنه الحجر. # إننا نرى هذا الإنسان السيد في الكون لا يقبل الله منه النسك القبول ~~التام الحسن إلا إذا قبل الحجر، أو حياه، وهكذا ينقل الحق أعلى ~~الأجناس إلى أدناها. والناس تزدحم حول الحجر، ومن لم يقبل الحجر يحس أنه ~~افتقد شيئا كثيرا، وهكذا ترى استطراقا وسلوكا من الخلق إلى باب الله، ~~فالإنسان المتكبر الذي يتوهم أنه سيد على غيره، يأتي إليه أمر في النسك ~~بتقبيل الحجر أو تحيته بالسلام، وهذا الإنسان برغم أن الحق - سبحانه - ~~يقبل منه أن يحيي الحجر الأسود بالسلام ولم يفرض عليه أن يقبله ولكنه مع ~~ذلك يحاول أن يقبل الحجر، وهو أدنى الأجناس، لأن الله قد عظمه، وهذا أول ~~كسر لأنف غرور الإنسان، وحتى لا يظن ظان أنها حجرية أو وثنية، يأتي الأمر ~~من الحق برجم ms1274 حجر آخر. إذن فالحجرية لا ملحظ لها هنا، فنحن نجد حجرا ~~يقدس، وحجرا آخر يرجم. نجد حجرا يقبله الإنسان ويعظمه وحجرا آخر ~~يزدريه ويحقره. وذلك يدل على رضوخنا لإرادة الآمر سبحانه وتعالى فقط، ~~فعندما يأمرنا بأن نعظم حجرا فالمؤمن يؤدي حق التعظيم بالسمع والطاعة، ~~وعندما يأمرنا سبحانه برجم حجر آخر، فالمؤمن يرجم هذا الحجر بالسمع ~~والطاعة لله أيضا، فالذاتية الحجرية لا دخل لها على الإطلاق. وبعض من ~~أصحاب الظن السيء قالوا: إن الإسلام قد استبقى بعض الوثنية. ولهؤلاء ~~نقول: ولماذا تذكرون تعظيم الحجر الأسود، ولم تذكروا رجم إبليس وهو ثلاثة ~~أحجار؟ لقد عظم المؤمن المؤدي للنسك حجرا واحدا ورجم ثلاثة أحجار، إن ~~المؤمن إنما يطيع أمر الله، فليست للحجر أي ذاتية في النسك أو العبادة. ~~لقد رفعنا الحق من حضيض عبادة الأصنام التي هي عين الكفر، لكنه قال لنا: ~~" قبلوا الحجر الأسود " فقد قبلنا الحجر احتراما لأمر الآمر، وذلك هو ~~منتهى اليقين. لقد نقلنا الحق من مساو إلى مساو، من عبادة الحجر إلى ~~تعظيم وتقديس حجر مثله، لكن الأصنام كانت منتهى الشرك، وتقبيل الحجر ~~الأسود منتهى اليقين. أليست هذه آيات بينات؟ وزمزم التي توجد في حضن ~~الكعبة، أليست آيات بينات؟ إن " هاجر " تترك الكعبة وتروح إلى " الصفا " ~~وتصعد إلى " المروة " بعد أن تضع " إسماعيل " بجانب الكعبة، وتدور بحثا ~~عن المياه. وسعت هاجر سبعة أشواط لعلها ترى طيرا أو تجد إنسانا يعرف ~~طريق المياه لان ابنها يحتاج إلى الشرب، ولو أنها وجدت على الصفا أو ~~المروة مياها في أول سعيها أكانت تجد تصديقا لقولها لإبراهيم عندما جاء ~~بها للإقامة في هذا المكان " إن الله لا يضيعنا " إنها سعت. # وكأن الله يقول لها ولكل إنسان: عليك بالسعي، ولكن لن أعطيك من السعي، ~~إنما أعطيك الماء تحت رجل إسماعيل. إذن فصدقت في قولها: لن يضيعنا الله، ~~لقد جعلها الحق سبحانه تسعى سبعة أشواط، ولا يمكن لامرأة في مثل عمرها أن ~~تقدر على أكثر من ذلك، وهذا يعلمنا أن الإنسان عليه أن يباشر الأسباب، ms1275 ~~ولكن القلب عليه أن يتعلق بمسبب الأسباب، وهو الله سبحانه، وفي هذا ما ~~يعدل سلوك الناس جميعا. فساعة يرى الإنسان أن البئر مكان قدم إسماعيل ~~وعلى البعد تكون الصفا والمروة، وتسعى بينهما، وبعد ذلك تجد زمزم مكان ~~ضربة قدم إسماعيل، أليس في هذا آيات بينات تهدي الإنسان أن يباشر الأسباب ~~ويأخذ بها، ويتعلق القلب بمسبب الأسباب؟ إن هذا يعطي المؤمن إيمانية ~~التوكل، وهي تختلف عن الكسل و " بلادة التواكل " فإيمانية التوكل هي أن ~~الجوارح تعمل، والقلوب تتوكل، أما الكسل عن الأخذ بالأسباب مع الادعاء ~~بالتوكل فهذه بلادة، ومثل هذا الكسول المتواكل عندما يأتي الأكل أمامه ~~يأكل بنهم وشره، ولو كان صادقا لترك اللقمة تقفز إلى فمه، ولماذا يمضغها ~~إذن؟ لماذا يختار التواكل والكسل، وعدم العمل، ثم يمد يده ليأكل؟ إن هذه ~~هي " صفات التواكل ". إننا نأخذ من سعي " هاجر " وتفجر الماء عبرة، هي ~~الأخذ بأسباب الله، وبعد ذلك فإننا نجد كل إنسان في البيت الحرام مشغولا ~~بنفسه مع ربه، ومن فرط انشغاله يكون غافلا عمن يكون معه، ولو كان أحب ~~إنسان له فإنه لا يدري به. وساعة تدخل وتنظر إلى الكعبة ينفض من عقلك كل ~~فكر في أي شيء من الأشياء، لا تذكر أولادك أو مالك، لكنك بعد أن تفرغ من ~~المناسك تعود للتفكير في أولادك وعملك، وإلا لو ظل حبك وشوقك وتعلقك ~~ومواجيدك بهذه البقعة لضاق المكان بالناس جميعا. بعد ذلك يقول الحق ~~سبحانه عن البيت الحرام: { ومن دخله كان آمنا } [آل عمران: ~~97]. وهنا يجب أن نفهم أن هناك فارقا بين أن يكون " الخبر " تاريخا ~~للواقع، وبين أن يكون " الخبر " خبرا تكليفيا فلو كان { ومن دخله ~~كان آمنا } [آل عمران: 97] تأريخا للواقع لتم نقض ذلك بأشياء كثيرة، ~~فقد وجد فيه قوم ولم يأمنوا. ونحن نعرف حادث الاعتداء الأخير الذي ~~حاوله جهيمان منذ سنوات قال الناس: إن جهيمان عندما اعتدى على الناس، لم ~~يستطع حجيج بيت الرحمن أن يكونوا آمنين في البيت وتساءل بعضهم، فكيف قال ~~الحق: { ومن دخله كان ms1276 آمنا } [آل عمران: 97]؟ بل قال بعض أهل ~~الانحراف: إذن مسألة دخول جهيمان إلى البيت الحرام تجعل { ومن دخله ~~كان آمنا } [آل عمران: 97] ليست صادقة! ولهؤلاء نقول: إن هناك فرقا ~~بين إخبار الحق بواقع قد حدث، وبين إخبار بتكليف. # إن الإخبار بالواقع كان معناه ألا يدخل أحد البيت الحرام ويهيجه أو ~~يهاجمه أحد أبدا، ولكن الإخبار التكليفي معناه: أن يخبر الله بخبر ويقصد ~~به تكليف خلقه به، والتكليف كما نعرف عرضة لأن يطاع، وعرضة لأن يعصى، ~~فإذا قال الله سبحانه: { ومن دخله كان آمنا } [آل عمران: 97] ~~فهذا معناه: يأيها المؤمنون، من دخل البيت الحرام فأمنوه. ونضرب المثل - ~~ولله المثل الأعلى - تقول أنت لولدك: يا بني هذا بيت يفتح للضيوف من دخله ~~يكرم. أهذا يدل على إنجاز الإكرام لكل من دخل هذا البيت وحصوله له بالفعل ~~وأن هذا لا يتخلف أبدا أم أنك قلت الخبر وتريد لولدك أن ينفذه؟ إن هذا ~~خبر يحمل أمرا لابنك هو ضرورة إكرام من يدخل هذا البيت، وتلك الوصية ~~عرضة لتطاع وعرضة لأن تخالف، لذلك فنحن نفهم من قول الحق: { ومن ~~دخله كان آمنا } [آل عمران: 97] على أساس أنها أمر تكليفي، عرضة ~~للطاعة وللعصيان، ومثال آخر على ذلك هو قول الله تعالى: # الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ~~والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ~~أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق ~~كريم # [النور: 26] بعض الناس يقول: نجد واقع الحياة غير ذلك، حيث نجد امرأة ~~طيبة تقع في عصمة رجل غير طيب وتتزوجه. ونجد رجلا طيبا يقع مع امرأة غير ~~طيبة ويتزوجها، فكيف يقول الله ذلك؟ ونحن نرد على أصحاب هذا القول: إن ~~الله لم يقل ذلك تأريخا للواقع. ولكنه أمر تكليفي. أي افعلوا ذلك، ~~وحكمي وتكليفي أن يكون الطيبات للطيبين والطيبون يكونون للطيبات. فإذا ~~امتثل الخلق أمر الحق فعليهم أن يفعلوا ذلك، وإن لم يمتثل بعض الخلق لأمر ~~الحق فإن الواقع ينبىء بحدوث وجود طيبين لغير طيبات أو العكس. إذن فقول ~~الحق: { ومن دخله كان آمنا } [آل عمران: 97] هو خبر يراد ms1277 به ~~أمر تكليفي، فمن أراد أن يكون صادقا فيما كلفه الله به فليؤمن من دخل ~~البيت الحرام. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { ولله على الناس ~~حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن ~~الله غني عن العالمين } [آل عمران: 97]. وحين تسمع " ل " و " ~~على " ، فافهم أن الفائدة تقع على ما دخلت عليه " اللام " ، والتبعة تقع ~~على ما دخلت عليه " على ". فحين نقول: " لفلان على فلان كذا " فالنفعية ~~لفلان الأول والتبعة على فلان الثاني. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~ولله على الناس حج البيت } [آل عمران: 97]. # فعلى هذا فالنفعية هنا تكون لله، والتبعة هنا تكون على الناس، لكن لو ~~فطنا إلى سر العبارة لوجدنا أن الله لا ينتفع بشيء من تكليفه لنا، فالحج ~~لله، ولكنه يعود إليك، فما لله عاد إليك، وما عليك عاد لك. وكل تكليف ~~عليك فأثره لك، فإياك أن تفهم من ذلك القول الكريم: { ولله على ~~الناس حج البيت } [آل عمران: 97] أن اللام الأولى للنفعية، ~~وإياك أن تفهم أن " على " هي للتبعة، نعم إن الحج لله، ولكن الفائدة لا ~~تعود إلا عليك، وهو تكليف عليك، وفائدته تعود عليك، فالحق سبحانه وتعالى ~~منزه عن أن يفيد من حكم من أحكامه، وهو سبحانه حين ينزل حكما تكليفيا ~~فعلى العبد المؤمن أن يعرف أن فائدة الحكم عائدة عليه وعلى حياته، ولله ~~يكون القصد والحج، لا لشيء سواه. ولماذا يقول الحق: إن على العبد المؤمن ~~أن يحج البيت الحرام؟ لأنه الخالق وهو خبير وعليم بأن التكليف شاق على ~~النفس، ولكن على المؤمن المكلف حين يجد تكليفا شاقا عليه أن ينظر إلى ~~الفائدة العائدة من هذا الحكم، فإن نظر إلى الفائدة من الحكم وجد أنها ~~تعود عليه، ولذلك يسهل على العبد المؤمن أمر الطاعة. والذي لا يقبل على ~~الطاعة ويهمل الجزاء عليها ويغفل عنه. تكون الطاعة شاقة عليه. والذي يقبل ~~على المعصية ويهمل الجزاء عليها تكون المعصية هينة عليه. ولكن الطائع لو ~~استحضر غاية الطاعة لعلم أنها له لا عليه. ولو أن ms1278 العاصي استحضر العذاب ~~على المعصية لعلم أنها عليه لا له فالعاصي قد يحقق لنفسه شهوة، لكنها ~~شهوة عاجلة، أمدها قصير، ولو استحضر العاصي العقوبة على المعصية وقت ~~عملها ما أقدم على معصيته أبدا. ولكن الذين يرتكبون المعصية ينظرون إلى ~~الشهوة الطارئة، ويعزلون جزاء المعصية عنها، ولو أنصفوا أنفسهم، ~~لاستحضروا العقاب على المعصية في وقت الرغبة في ارتكابها. وحين يستحضرون ~~جزاء المعصية مع المعصية فإن شهوة المعصية تنتهي منهم، وأضرب هذا المثل ~~دائما عن أعنف غرائز الإنسان وهي غريزة الجنس. هب أن هناك واحدا رأى ~~فتاة جميلة ثم أراد أن ينالها نقول لهذا المتشرد جنسيا: استحضر العذاب ~~على هذا العمل، وإن أخذت هذه الفتاة فتعال لنريك بعينيك ما أعده الله لك ~~حين تتمتع بهذه الفتاة خارجا عن شرع الله، وأوقد له فرنا مسجورا ~~ومحميا، وقل له: في مثل هذا ستدخل بل وأشد منه إن نلت من الفتاة. ~~أيقبل هذا المتشرد على ارتكاب تلك المعصية؟ لا فشهوة المعصية تضيع عندما ~~يستحضر العذاب عليها. إن الحق سبحانه يقول: { ولله على الناس ~~حج البيت من استطاع إليه سبيلا } [آل عمران: 97] ~~والسبيل هو الطريق الموصل للغاية، والطريق الموصل للغاية عادة ما يكون ~~مطروقا، وعندما يتجه الإنسان لأداء فريضة الحج فهو طارق للطريق، أي ~~سيسير عليه، هكذا تعرف أن هناك ثلاثة أشياء: طارق، وهو من كتب الله عليه ~~الحج وهو المكلف. # وسبيل مطروق. وغاية، وهي حج البيت. وما دام الطارق سيسلك طريقا فلا بد ~~أن يكون عنده قدرة على أن يسلك هذا الطريق فكيف تتأتى هذه القدرة؟ إن أول ~~شيء في القدرة هو الزاد، وثاني شيء في القدرة هو المطية التي يركبها، ~~وهكذا نتبين أننا نحتاج إلى زاد وراحلة لطارق الحج. والسبيل الذي يطرقه، ~~أيكون محفوفا بالمخاطر؟ لا، بل يفترض أن يكون السبيل آمنا. إذن ~~فالاستطاعة تلزمها ثلاث حاجات، هي: الزاد، والراحلة، وأمن الطريق. والزاد ~~عادة يخص الإنسان نفسه، ولكن ماذا يكون الحال إن كان الإنسان يعول أسرة ~~وصغارا؟ إذا كان الإنسان على هذا الحال فمن ms1279 الاستطاعة أن يكون قد ترك ~~زادا لمن يعولهم إلى أن يعود. وعلينا أن ننتبه إلى أن الله قال في كل ~~تكليف: " يأيها الذين آمنوا كتب عليكم ". ولكنه سبحانه جاء في فريضة الحج ~~بالقول الواضح، بأن الحج لله على الناس وليس لمن أسلموا فقط، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قد دعا أهل الكتاب الذين كانوا يتمحكون في إبراهيم ~~عليه السلام أن يحجوا البيت الحرام، فامتنعوا عن الحج، ولو كان الحج ~~للمسلمين المؤمنين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لما عرض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على اليهود والنصارى أن يحجوا ليكون ذلك جمعا لهم على أن ~~يتجه الخلق جميعا إلى بيت الله ويعبدوا إلها واحدا هو رب هذا البيت، ~~ولكنهم امتنعوا عن الحج. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيمن لم ~~يحج بدون مرض حابس، أو سلطان جائر، أو فقر وعوز، يقول في الحديث الشريف: ~~عن علي رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت إن ~~شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا، وذلك أن الله تعالى يقول: { ولله ~~على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا } ". # ولذلك نجد التكليف بالحج قد اتبع مباشرة بقول الحق: " ومن كفر " فهل يقع ~~من لا يحج بدون مانع قاهر في الكفر؟ هنا يقف العلماء وقفة. العلماء ~~يقولون: نعم إنه يدخل في الكفر، لماذا؟ لأن الكفر عند العلماء نوعان كفر ~~بالله، أو كفر بنعمة الله، ومثال ذلك قوله - جل شأنه -: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. أو هو الكفر، كأن يموت الإنسان يهوديا أو نصرانيا، وهنا ~~نقول: انتبه، لا تأخذ الحكم من زاوية وتترك الزاوية الأخرى. # إن المسألة التكليفية يوضحها الحق بقوله: { ولله على الناس ~~حج البيت } [آل عمران: 97]. فهل تعارضون في هذا التكليف؟ أو ~~تؤمنون به ولكن ms1280 لا تنفذونه؟ إن القضية التكليفية الإيمانية هي { ولله ~~على الناس حج البيت } [آل عمران: 97] فهل أنت مؤمن بها أو ~~لا؟ سنجد الإجابة من كل المؤمنين ب " نعم ". ولكن الموقف يختلف من ~~مؤمن إلى آخر فنحن نجد مؤمنا يحرص على أداء الحكم من الله، وهو الطائع، ~~ونجد مؤمنا آخر قد لا يحرص على أداء الحكم فيصبح عاصيا. ونجد في هذا ~~الموقف أن الكفر نوعان، هناك من يكفر بحكم الحج، أي من كفر في الاعتقاد ~~بأن لله على الناس حج البيت، وهذا كافر حقا، لكن هناك نوع آخر وهو الذي ~~يرتكب معصية الكفران بالنعمة لأن الله أعطاه الاستطاعة من زاد، ومن ~~راحلة، ومن أمن طريق، ومن قدرة على زاد يكفي من يعولهم إلى أن يعود، وهنا ~~كان يجب على مثل هذا الإنسان أن يسعى إلى الحج. لذلك قال بعض العارفين لو ~~أن أحدهم أخبر بأن له ميراثا بمكة لذهب إليه حبوا. إذن فقوله تعالى: ~~{ ولله على الناس حج البيت } [آل عمران: 97] هي قضية ~~إيمانية، فمن اعتقدها يبرأ من الكفر، ومن خالفها وأنكرها فهو في الكفر. ~~ومن قام بالحج فهو طائع، ومن لم يفعل وهو مؤمن بالحج فهو عاص. ولننظر ~~إلى دقة الأداء القرآني حين يقول الحق: { ومن كفر فإن الله ~~غني عن العالمين } [آل عمران: 97]. قد يقول قائل: ولماذا لم ~~يقل الله: ومن كفر فإن الله غني عنه؟ وقال: " فإن الله غني عن العالمين ~~"؟ ونقول: إن الله غني عن كل مخلوقاته، وإياك أن تفهم أن الذي لم ~~يكفر وآمن، وأدى ما عليه من تكليف، أنه عمل منفعة لله إن الله غني عن ~~الذي أدى وعن الذي لم يؤد، إياك أن تظن أن من أدى قد صنع لله معروفا، ~~أو قدم لله يدا " فإن الله غني عن العالمين " عمن لا يفعل، وعمن يفعل. ~~وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { قل يأهل الكتاب لم تكفرون ~~بآيات الله... }. ### || [3.98] # وحين تسمع " قل " فهي أمر من الله لرسوله كما قلنا من قبل إنك إذا كلفت ~~إنسانا أن ms1281 يقول جملة لمن ترسله إليه فهل هذا الإنسان يأتي بالأمر " قل " ~~أو يؤدي الجملة؟ إنه يؤدي الجملة، ومثال ذلك حين تقول لابنك مثلا: " قل ~~لعمك: إن أبي سيأتيك غدا " فابنك يذهب إلى عمه قائلا: " أبي يأتيك غدا ~~". وقد يقول قائل: ألم يكن يكفي أن يقول الله للرسول: " قل يا محمد " ~~فيبلغنا رسول الله يا أهل الكتاب لم تكفرون؟ كان ذلك يكفي، ولكن الرسول ~~مبلغ الأمر نفسه من الله، فكأنه قال ما تلقاه من الله، والذي تلقاه ~~الرسول من الله هو: { قل يأهل الكتاب } [آل عمران: 98] وهذا ~~يدل على أن الرسول يبلغ حرفيا ما سمعه عن الله وهناك آيات كثيرة في ~~القرآن تبدأ بقول الحق: { يأهل الكتاب } [آل عمران: 98] ولا يأتي ~~فيها قول الحق: " قل ". وهناك آيات تأتي مسبوقة ب " قل " " ما الفرق بين ~~الاثنين "؟ نحن نجد أن الحق مرة يتلطف مع خلقه، فيجعلهم أهلا لخطابه، ~~فيقول: { يأهل الكتاب } [آل عمران: 98] إنه خطاب من الله لهم ~~مباشرة. ومرة يقول لرسوله: قل لهم يا محمد لأنهم لم يتساموا إلى مرتبة أن ~~يخاطبوا من الله مباشرة: فإذا ما وجدنا خطابا من الحق للخلق، مرة ~~مسبوقا ب " قل " ومرة أخرى غير مسبوق فلتعلم أن الحق سبحانه حين يخاطب ~~خلقه الذين خلقهم يتلطف معهم مرة، ويجعلهم أهلا لأن يخاطبهم، ومرة حين ~~يجد منهم اللجاج فإنه يبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم: قل لهم. والمثال ~~على ذلك - ولله المثل الأعلى - في حياتنا، نجد الواحد منا يقول لمن ~~بجانبه: قل لصاحب الصوت العالي أن يصمت. إن هذا القائل قد تعالى عن أن ~~يخاطب هذا الإنسان صاحب الصوت المرتفع فيطلب ممن يجلس بجانبه أن يأمر ~~صاحب الصوت العالي بالسكوت. وحين يجيء الخطاب لأهل الكتاب فنحن نعرف أنهم ~~اليهود أصحاب التوراة، والنصارى أصحاب الإنجيل، وهؤلاء هم من يقول عنهم ~~الحق: { يأهل الكتاب } [آل عمران: 98]. ولم يقل أحد لنا: " يا أهل ~~القرآن " لماذا؟ لأن الحق حين يقول لهم: { يأهل الكتاب } [آل ~~عمران: 98] فنحن نعرف أن الكتاب يطلق على كل مكتوب، ms1282 وكفرهم يعارض ما علم ~~الله أنه موجود في الكتاب الذي أنزل عليهم لأنه هو الذي أنزل الكتاب، ~~ويعلم أن ما في الكتاب يدعو إلى الإيمان، ولا يدعو إلى الكفر. وما دام هو ~~الحق الذي نزل الكتاب، وهو الشاهد، فيصبح من الحمق من أهل الكتاب أن ~~يوقعوا أنفسهم في فخ الكفر لأنهم بذلك يكذبون على الله: والله - سبحانه - ~~يسجل عليهم أنهم خالفوا ما هو مكتوب ومنزل عليهم في كتابهم. # إنهم - أهل الكتاب - إن استطاعوا تعمية أهل الأرض فلن يستطيعوا ذلك ~~بالنسبة لخالق الأرض والسماء. والحق حين يقول: { لم تكفرون ~~بآيات الله } [آل عمران: 98] فهل نفهم من ذلك أن كفرهم بآيات الله ~~هو سترهم آيات الله سترا أوليا أو أنهم آمنوا بها، ثم كفروا بها؟ لنرى ~~ماذا حدث منهم، لقد كانت البشارات به صلى الله عليه وسلم مكتوبة في ~~التوراة، ومكتوبة في الإنجيل وهم قد آمنوا بها قبل أن يجيء سيدنا رسول ~~الله، فلما جاء رسول الله بالفعل كفروا بها. وفي هذا جاء القول الحكيم: # ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة ~~الله على الكافرين # [البقرة: 89]. لماذا كفروا به صلى الله عليه وسلم؟ لأنه زحزح عنهم ~~السلطة الزمنية، فلم تعد لهم السلطة الزمنية التي كانوا يبيعون فيها ~~الجنة ويبيعون فيها رضوان الله ويعملون ما يحقق لهم مصالحهم دون التفات ~~لأحكام الله. وسبق أن قلت: إن قريشا قد امتنعت عن قول: " لا إله إلا ~~الله " وهذا الامتناع دليل على أنها فهمت المراد من " لا إله إلا الله " ~~، فلو كانت مجرد كلمة تقال لقالوها، لكنهم عرفوا وفهموا أنه لا معبود ولا ~~مطاع ولا مشرع، ولا مكلف إلا الله. إن الحق يقول لأهل الكتاب: { قل ~~يأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن ~~تبغونها عوجا... }. ### || [3.99] # هب أنكم خبتم في ذواتكم، وحملتم وزر ضلالكم فلماذا تحملون وزر إضلالكم ~~للناس؟. كان يكفي أن تحملوا وزر ضلالكم أنتم، لا أن ms1283 تحملوا أيضا وزر ~~إضلالكم للناس؟ إن الحق - سبحانه - قال: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون # [النحل: 25]. إنه سبحانه قال ذلك مع أنه قد قال: # ولا تزر وازرة وزر أخرى.. # [فاطر: 18]. إن الذي لا يحمل وزرا مع وزره هو الضال الذي لم يضل ~~غيره، فهذا يتحمل إثمه فقط. أما الذي يحمل وزر نفسه، ووزر غيره فهو الضال ~~المضل لغيره، وهنا يسألهم الحق سبحانه وتعالى على لسان رسوله: { لم ~~تصدون عن سبيل الله من آمن } [آل عمران: 99]. كأنه يقول ~~لهم ماذا تريدون من الدين الذي يربط العبد بربه؟. إنكم لا تريدونه دينا ~~قيما إنكم تريدون دينا معوجا، والمعوج عن الاستقامة إنما يكون معوجا ~~لغرض لأن المعوج يطيل المسافة. إن الذي يسير في طريق مستقيم ما الذي ~~يدعوه إلى أن ينحرف عن الطريق المستقيم ليطيل على نفسه السبيل؟. إن كان ~~يريد الغاية مباشرة فإنه يفضل الطريق المستقيم. أما الذي ينحرف عن الطريق ~~المستقيم فهو لا يبغي الغاية المنشودة، بل يطيل على نفسه المسافة، وقد لا ~~يصل إلى الغاية. والحق يقول: { لم تصدون عن سبيل الله من ~~آمن تبغونها عوجا } [آل عمران: 99] وساعة تسمع " عوجا " فإننا ~~قد نسمعها مرة " عوج " بفتح العين. ومرة نسمعها " عوج " بكسر العين. حين ~~نسمعها " عوج " بفتح العين، فالعوج هو للشيء الذي له قيام، كالحائط أو ~~الرمح، أما " العوج " بكسر العين فهو في المعاني والقيم، لذلك يقول لهم ~~الحق عن انحرافهم في المعاني والقيم: { تبغونها عوجا وأنتم ~~شهدآء } [آل عمران: 99]. إن الحق يبلغهم: أنتم تبغون الدين عوجا ~~برغم أنكم شهداء على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، إنه ~~جاء مبلغا بالصدق، وكنتم تبشرون برسالة محمد، وكنتم تستفتحون على الذين ~~أشركوا من أهل مكة وتقولون: سيأتي نبي نتبعه ثم نقتلكم معه قتل عاد وإرم. ~~وأنتم - يا أهل الكتاب - شهود على صدق هذا الرسول. لقد ارتكبوا سلسلة من ~~المعاصي هم ضلوا وجهدوا أن يضلوا غيرهم. ويا ليت ذلك ms1284 يتم عن جهل، ولكنه ~~أمر كان يتم بقصد وعن علم. وبلغت المسألة منهم مبلغ أنهم شهود على الحق. ~~وبرغم ذلك أصروا على الضلال والإضلال. ومعنى " الشهود " ، أنهم عرفوا ما ~~قالوا ورأوه رأي العين، فالشهود هو رؤية لشيء تشهده، وليس شيئا سمعته، ~~لذلك يذكرهم الحق سبحانه بقوله: { وما الله بغافل عما ~~تعملون } [آل عمران: 99]. إن الرسالة التي جاء بها محمد مبلغا ~~واضحة، وهذا مذكور في كتبكم السماوية. فما الذي يجعلكم - يا أهل الكتاب - ~~لا تلتزمون طريق الحق وأنتم شهود؟ لا بد أنكم قد مستكم شبهة إن الله يغفل ~~عن ذلك، فقال لهم لا: { وما الله بغافل عما تعملون } ~~[آل عمران: 99]. وبعد ذلك يأتي قول الحق سبحانه: { يأيها الذين ~~آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا... }. ### || [3.100] # معنى ذلك أن الله نبه الفئة المؤمنة إلى أن الذين يكفرون بآيات الله لن ~~يهدأ بالهم ما دمتم أنتم - أيها المؤمنون - على الجادة، وما دمتم ~~مستقيمين، ولن يهدأ للكافرين بآيات الله بال إلا أن يشككوا المؤمنين في ~~دينهم، وأن يبغوها عوجا، وأن يكفروهم من بعد إسلامهم. وهذه قضية يجب أن ~~ينتبه لها الذين آمنوا لأن الذين يبغون الأمر عوجا قد ضلوا وأضلوا، وهم ~~يشهدون على هذا، ويعلمون أن الله غير غافل عما يعملون، فماذا يكون موقف ~~الطائفة المؤمنة؟ إن الحق سبحانه يوضحه بقوله: { يأيها الذين ~~آمنوا } [آل عمران: 100]. إن أهل الكتاب يحاولون أن يصدوا المؤمنين ~~عن سبيل الله، وليس المقصود بالصد، أن هناك من يمنع المؤمنين من الإيمان، ~~لا، بل هي محاولة من أهل الكتاب لإقناع المؤمنين بالرجوع والارتداد عن ~~الإيمان الذي اعتنقوه فالمؤمنون هم الطائفة التي تلتزم بالتكليف من الله، ~~لذلك يحذرهم الحق سبحانه بقوله: { إن تطيعوا فريقا من ~~الذين أوتوا الكتاب، يردوكم بعد إيمانكم ~~كافرين } [آل عمران: 100] الحق يحدد قسما من الذين أوتوا الكتاب، ~~وذلك تأريخ بنزاهة وصدق وحق ودون تحامل. كأن الحق سبحانه يبلغنا أن هناك ~~فريقا من أهل الكتاب سيسلكون الطريق السوي، ويجيئون إلى المسلمين ~~أرسالا وجماعات وأفرادا مع الإسلام فالحق ms1285 لا يتكلم عن كل الذين أوتوا ~~الكتاب. لذلك يقول الحق { إن تطيعوا فريقا من الذين ~~أوتوا الكتاب } [آل عمران: 100] إن الحق يؤرخ وهو يحمي الحقيقة، ~~ويقول سبحانه بعد ذلك: { وكيف تكفرون وأنتم تتلى ~~عليكم آيات الله... }. ### || [3.101] # إنه استعظام وتعجيب من أن يأتي الكفر مرة أخرى من المؤمنين وهم في نعيم ~~المعرفة بالله، فآيات الله تتلى عليهم، ورسول الله حق ومعهم وفيهم. ~~ويقول الحق سبحانه للمؤمنين: # إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب # [آل عمران: 100] إن لذلك قصة فقد كان اليهود في المدينة يملكون السلطة ~~الاقتصادية لأنهم يجيدون التعامل في المال، وكل من يريد مالا يذهب إليهم ~~ليقترض منهم بالربا. وكان لليهود أيضا التفوق والتميز العلمي لأنهم ~~يعلمون الكتاب، بينما كان غالبية أهل مكة والمدينة من الأميين الذين لا ~~يعرفون كتابا سماويا. وكذلك كان هناك تميز آخر لليهود هو خبرتهم بالحرب ~~فلهم قلاع وحصون. هكذا كان لليهود ثلاثة أسباب للتميز: المال يحقق ~~الزعامة الاقتصادية، والعلم.. بالكتاب وهو تفوق علمي، ثم خبرتهم بفنون ~~الحرب، وكانوا فوق ذلك يحاولون إيجاد الخلاف بين الناس وتعميقه. مثل ~~محاولتهم إثارة العداوات بين الأوس والخزرج. والمتاجرة بذلك حتى تظل ~~الحروب قائمة، وبذلك يضمنون رواج تجارة الأسلحة التي يصنعونها ويمدون بها ~~كل فريق من المتحاربين. ولما جاء الاسلام وحد الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بين الأوس والخزرج وبذلك ضاع منهم التفوق الاقتصادي. وجاء الاسلام بدين ~~وكتاب مهيمن على الكتب، فضاعت من اليهود المنزلة العلمية. وكذلك ضاعت من ~~اليهود المنزلة الحربية فقد رأوا قلة من المؤمنين هزموا الكفار وأنزلوا ~~بهم هزيمة نكراء في بدر، وهكذا ضاع كل سلطان لليهود في المدينة، لذلك ~~أرادوا أن يعيدوا الأمر إلى ما كان عليه قبل أن يجيء الإسلام، فقالوا ~~فلنؤجج ونشعل ما بين الأوس والخزرج من العداوات ونهيجها، وقال شخص اسمه " ~~شاس بن قيس " وقد رأى نور الإيمان يعلو وجوه الأوس والخزرج ويشملهم ~~الانسجام الإيماني. وتوجد بينهم المودة وابتسامات الصفاء، هيج ذلك شاس ~~بن قيس وقال: " والله لا بد أن نعيدها جذعة ms1286 ونرجعهم إلى ما كانوا عليه من ~~أحقاد وعداوات، فلا استقرار لنا ما دامو قد اجتمعوا ". فأرسل فتى من ~~اليهود وجلس بين الأوس والخزرج، ثم تطرق الحديث منه إلى يوم يسمى يوم " ~~بعاث " ، وهو اسم يوم من أيام العرب قبل الإسلام، وكان بين الأوس ~~والخزرج، وكان النصر فيه للأوس على الخزرج، وجلس الفتى اليهودي يذكر ~~ويأتي بالشعر الذي قيل في هذا اليوم فهيج حمية الأوس والخزرج وحدث ~~النزاع، وحصل التفاخر واستيقظ التباغض، وقالوا: " السلاح.. السلاح " ~~وهكذا نجحت المكيدة، ونمى الخبر إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقام صلى الله عليه وسلم ومعه صحابته، حتى انتهوا إلى اجتماع الأوس ~~والخزرج، فوجدوا الحال على أشد درجات الهياج، نزاع، وتباغض، وسلاح محمول، ~~فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم!! ~~أي كان من الواجب أن تخجلوا من أنفسكم لأن رسول الله بينكم وأضاف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لقد أكرمكم الله بالإسلام، وقطع به عنكم أمر ~~الجاهلية، وألف بين قلوبكم، فماذا كانت مواقع كلمات الرسول في نفوس ~~القوم؟ لقد دفعتهم كلماته صلى الله عليه وسلم إلى إلقاء السلاح، وبكوا ~~وعانق بعضهم بعضا وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان ~~يوم أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم. # وعندما نتأمل ما فعله هؤلاء القوم من اليهود لإشعال الفتنة بين الأوس ~~والخزرج نجد أنهم قد أدركوا طبيعة النزاع القديم بين الأوس والخزرج ~~فأرادوا أن يهيجوا تلك العداوات والأحقاد القديمة، وكذلك نجد أن تهييج ~~المشاعر بين الأوس والخزرج جعل للانفلات بابا فكاد القتال يشتعل، وعندما ~~تكلم فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هدأت المواجيد، وألقوا السلاح، ~~وندموا على ما فعلوا. وإذا أردنا أن نرى الأمر بعمق التصور لما حدث ~~فإننا نجد أن إدراك العداوة بين الأوس والخزرج من اليهود هو الذي دفع ~~اليهود لتحريك هذا الإدراك الخاطئ وإحياء الثارات القديمة، ثم كان انفعال ~~الأوس والخزرج بتلك الثارات القديمة قد فتح الباب لحمل السلاح للاقتتال. ~~وهكذا نجد أن ms1287 الإدراك للشيء، يمر بثلاث مراتب: أولا: الإحساس بالشيء، ~~ثانيا: انفعال النفس له، ثالثا: النزوع السلوكي، وعندما تحدث الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، أدرك الأوس والخزرج الأمر بطريقة عكسية فألقوا ~~السلاح، وهدأت مواجيد البغضاء، وتركوا الإدراكات الخاطئة. لقد ذكرهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشياء هي: " أبدعوى الجاهلية وأنا بين ~~أظهركم وقد أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية. وألف بين ~~قلوبكم ". وقد استقبلوا ذلك بإلقاء السلاح أولا، ثم البكاء ثانيا، وهو ~~أمر حركته المواجيد فيهم ثم تعانقوا أي صححوا الإدراكات ثالثا، وهكذا ~~حدث النزوع بالعكس. ولما حدث ذلك أصاب اليهود الغيظ والخيبة والنكد. وقال ~~المؤرخ لهذه القصة: فما كان يوم في الإسلام أسوأ أولا وأحسن آخرا إلا ~~ذلك اليوم. لقد بدأ اليوم بعبوس، وانتهى بإشراق الطمأنينة، وبعد ذلك ~~وجدت الخلية التي تكون المناعة في نفوس المؤمنين، بعد أن قال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ذلك القول: # " أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، وقطع ~~به عنكم أمر الجاهلية وألف بينكم ". # لقد صار هذا القول الكريم مستحضرا عند كل نزع لشيطان، أو كيد لعدو. لقد ~~جعل الحق المناعة ضد فعل الكيد، ونزغ الشيطان عند المؤمنين من الأوس ~~والخزرج، وهكذا نرى أن الله يسخر الكافر حتى في رفعة شأن الإيمان، فلو لم ~~تحدث هذه المسألة ويأتي الرسول صلى الله عليه بمنطقه المؤثر وهو بين ~~القوم ليقول ذلك القول لما أصبح لدى المسلمين هذه المناعة من الارتفاع عن ~~البغضاء فيما بينهم، ولو كان أحد من أتباع الرسول قد قال مثل هذه الكلمة ~~فقد كان من المحتمل أن يحدث هذا الأثر، لكن عندما قالها الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فقد أوجدت المناعة لغيرها من الأحداث التي تأتي وقد لا يكون ~~الرسول موجودا. # ولذلك فأنت أيها المؤمن إن نظرت إلى الكافرين. فإنك تجد عقولهم خائبة. ~~لقد نشروا الإسلام - دون إرادتهم - بمواقفهم الحمقاء، فمثلا حين قالوا: ~~سيأتي نبي نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم، فما الذي حدث؟ إن الأنصار ~~ساعة أن ms1288 سمعوا بالدين الجديد قال بعضهم لبعض: اسمعوا يا قوم، إنه الدين ~~الذي بشرتكم به يهود، فقبل أن يسبقونا إليه هيا بنا نسبق نحن اليهود ~~إليه. لقد كان استعلاء اليهود وتفاخرهم على الأوس والخزرج دافعا للأوس ~~والخزرج على الدخول في الإسلام، وهكذا يجعل الحق سبحانه وتعالى كفر ~~الكافر مؤثرا في تثبيت إيمان المؤمن. وحين يقول الحق سبحانه: { وكيف ~~تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم ~~رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط ~~مستقيم } [آل عمران: 101] نفهم أنه استعظام وتعجيب يأتي من الحق. ~~فساعة تسمع: " كيف تكفرون " فذلك أمر عجيب، لأنه من المستبعد أن يكفر ~~المؤمنون وكتاب الله يتلى عليهم، ورسول الله فيهم. ويجيء من بعد ذلك ~~الدعوة إلى الاعتصام بالله، ومعنى الاعتصام: التمسك، ولا يتأتى إلا في ~~علو، فيقال: " اعتصمت بحبل الإيمان " لأن للإنسان ثقلا ذاتيا، هذا ~~الثقل الذاتي إن لم يرفعه سواه، فإنه يقع بالإنسان. وهذا لا ينشأ إلا إذا ~~كان الإنسان معلقا في الجو ويمسك بحبل ولا يوجد من يدفعه إلى أسفل، بل ~~الإنسان بثقله الخاص يهبط إلى الأرض. فمن يعتصم بالله ويمسك بحبل الإيمان ~~فإنه يمنع نفسه من الهوي والسقوط. وهنا نشعر أن الاعتصام بالله هو أن ~~نتبع ما تلي علينا من الآيات، وما سنه لنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. إذن فباب الاعتصام هو كتاب الله وسنة رسوله، وكذلك كان وجود الرسول ~~بين أظهرهم هو الأمر الضروري، لأنهم كانوا منغمسين في حمأة الجاهلية، فلا ~~بد أن توجد إشراقة الرسول بينهم حتى تضيء لهم، فيروا أن الله قد أخرجهم ~~من الظلمات إلى النور. ولم يقبض الحق رسوله إلا بعد أن أكمل لنا الدين، ~~وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا. قال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم: # " تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ". # هكذا نرى أن وجود آيات الله، وسنة رسول الله هي العاصم الذي يهدي إلى ~~صراط مستقيم. والهدى كما نعرف هو ما يوصل إلى الغاية المرجوة، فهب أن ~~غايتك أن تذهب إلى ms1289 مكان معين فالذي يوصلك إلى ذلك المكان هو هدى، وكل ما ~~يدل إنسانا على الموصل للغاية اسمه هدى. # والحق سبحانه وتعالى خلق الخلق جميعا، وجعل بعض الخلق مقهورا، وبعض ~~الخلق مخيرا. والمقهور من خلق الله هو كافة المخلوقات في الكون ما عدا ~~الإنسان إلا في بعض أموره فإنه مقهور فيها أيضا ولذلك قلنا: إن كل ما ~~عدا الإنسان من خلق الله يؤدي مهمته كما طلبت منه، فما امتنعت الشمس أن ~~تشرق على الناس يوما، ولا امتنعت الريح أن تهب، ولا امتنعت السماء عن أن ~~تمطر، ولم تقل الأرض للإنسان إنك تعصي الله فلا أنبت لك، ولا جاء إنسان ~~ليركب الدابة المسخرة فقالت: لا إنك عاص، ولذلك سأحرن فلا أمكنك من ركوب ~~ظهري. هكذا نرى أن كل شيء ما عدا الإنسان مسخر مقهور للغاية المرجوة منه، ~~وهو خدمة ذلك الإنسان. والإنسان وحده هو الذي له اختيار.. ولذلك يجب أن ~~نتنبه دائما إلى أن الله قد جعل للخلق تسخيرا وتسييرا، وجعل الإجماع ~~في كل الأجناس، ولكن الانقسام جاء عند الإنسان فقال الحق سبحانه: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم ~~إن الله يفعل ما يشآء # [الحج: 18]. إن الجمادات الساجدة المسخرة هي: " الشمس والقمر والنجوم " ~~، والنبات الساجد المسخر هو " الشجر " وكذلك " الدواب " فهي ضمن ~~الكائنات التي عليها حكم الحق بالإجماع، بأنها كلها تسجد خاضعة مسخرة. ~~أما الإنسان فقد قال الحق عنه: " وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ". ~~إذن فالانقسام جاء عند من؟ لقد جاء الانقسام عند الإنسان. لماذا؟ لأن ~~الله خلق الإنسان مختارا. ألم يكن من الممكن أن يخلق الإنسان مسخرا ~~كبقية الكائنات؟ أليس التسخير دليلا على قدرة المسخر، وأن شيئا من خلقه ~~لن يخرج من قدرته هذا صحيح، لكن الحق سبحانه كما أراد أن يثبت القدرة ~~والقهر بالتسخير، أراد أن يثبت المحبوبية بالاختيار. فمن كان مختارا ms1290 أن ~~يؤمن أو يعصي، ثم اختار أن يؤمن، فهذا الاختيار إنما يثبت به الإنسان ~~المحبوبية لله. هكذا صنف الله الخلق بين قسم قهري يثبت القدرة، وقسم ~~اختياري يثبت المحبوبية، ولهذا أراد الله للإنسان أن يكون مختارا أن ~~يفعل أو لا يفعل. فلماذا - إذن - لا يفعل الإنسان كل أفعاله وهي منسجمة ~~مع الإيمان؟ لأن للشهوة بريقا سطحيا، وهذا البريق السطحي يجذب الإنسان ~~كما تجذب النار الفراش. عندما يوقد الإنسان نارا ما في الخلاء ~~فضوؤها يجذب الفراش، ويحترق الفراش بنيران الضوء فقد جذبه النور ~~وأغراه، ولكنه لم يعرف أن مصرعه في تلك النار. # والحكمة العربية تقول: " رب نفس عشقت مصرعها " كذلك في الشهوات، تتزين ~~الشهوة للإنسان، فتجذبه إليها فيكون فيها مصرع الإنسان. لكن ما الحماية ~~للإنسان من ذلك؟ إن الحماية هي في منهج الله " افعل ". و " لا تفعل " فمن ~~يرد أن ينقذ نفسه من كيد الشيطان وكيد النفس فعليه أن يخضع لمنهج الله في ~~" افعل " و " لا تفعل ". وقد قلت قديما: إنه من الحمق أن يصنع صانع ~~صنعة ما، ثم ينسى أن يضع لها قانون الصيانة. والإنسان في حدود صناعته لا ~~ينسى ذلك، فما بالنا بالحق سبحانه بطلاقة قدرته؟ إن الخالق سبحانه وتعالى ~~قد صنع الإنسان، ووضع الحق سبحانه وتعالى قانون صيانة صنعته في الإنسان ~~فقال جل وعلا: افعل كذا ولا تفعل كذا، فمن أراد أن يعتصم بالحبل المتين ~~فلا يأتي له نزغ شيطان أو كيد عدو ولا هوى نفس. فليعتصم بمنهج الله لأن ~~الله هو الذي خلقه وهو الذي وضع منهجه كقانون لصيانة صنعته، وهو قانون ~~الموجز في " افعل ولا تفعل ". ويقول الحق: { ومن يعتصم بالله ~~فقد هدي إلى صراط مستقيم } [آل عمران: 101] وكلمة ~~الاعتصام أروع ما تكون عندما يكون الإنسان في الهواء معلقا في الفراغ، ~~وهو في أثناء وجوده في الفراغ فإن ثقله الذاتي هو الذي يوقعه ويسقطه، لكن ~~عندما يتمسك الإنسان بمنهج الله فإنه ينقذ نفسه من السقوط والهوى بضم ~~الهاء وكسر الواو ومهمة الشيطان أن يزين المعصية بالبريق، ms1291 فتندفع شهوات ~~النفس هائجة إلى المعصية ولذلك يأتي الشيطان يوم القيامة ويأخذ الحجة ~~علينا. يقول الحق: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ~~ومآ أنتم بمصرخي إني كفرت بمآ أشركتمون من ~~قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم # [إبراهيم: 22]. والسلطان كما نعرف نوعان: النوع الأول هو أن يقهر ~~الشيطان الإنسان، والشيطان لا قدرة له على ذلك. والنوع الثاني هو أن ~~يقنع الشيطان الإنسان بأن يفعل ذلك الخطأ. ما الفرق بين الإقناع والقهر ~~في هذا المجال؟ إن القهر هو أن يجبر الشيطان الإنسان على أن يفعل شيئا ~~لا يريده الإنسان. أما الإقناع فهو أن يزين الشيطان الأمر للإنسان فيفعله ~~الإنسان بالاختيار ويعلن الشيطان يوم القيامة: لم يكن لي سلطان أقهرك به ~~أيها الإنسان حتى تعصي الله، لقد زينت لك المعصية أيها الإنسان فاستجبت ~~لي. إن الشيطان يوم القيامة يقول: " ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي " ما ~~معنى " مصرخكم "؟ إنها مشتقة من " أصرخ " ، أي سمع صراخك فأغاثك وأنجدك، ~~فمصرخ: مغيث ومنجد، والشيطان يعلن أنه لن يستطيع نجدة الإنسان، ولا ~~الإنسان بمستطيع أن ينجد الشيطان. # إذن، فثقل النفس البشرية هو ما يوقع الإنسان في الهاوية دون أن يلقيه ~~أحد فيها، ولا إنقاذ للإنسان من الهاوية إلا بالاعتصام بحبل الله. كأن ~~منهج الله هو الحبل الممدود إلينا، فمن يعتصم به ينجو من الهاوية. وما ~~دمنا نعتصم بحبل الله وهو القرآن المنزل من خالقنا والسنة النبوية ~~المطهرة، وسبحانه يعلم كيد النفس لصاحبها - فلا بد أن يهدينا الله إلى ~~الصراط المستقيم. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { يأيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله حق تقاته... }. ### || [3.102] # إن الله قد أعطى المؤمنين المناعة أولا بألا يسمعوا كلام أعداء الدين. ~~وحين نسمع كلمة " اتقوا " فلنفهم أن هناك أشياء تسبب لك التعب والأذى، ~~فعليك أن تجعل بينك وبينها وقاية، ولذلك قال الحق: # واتقوا النار التي أعدت للكافرين # [آل عمران: ms1292 131]. إنه الحق يطلب من الإنسان أن يجعل بينه وبين النار ~~وقاية وحجابا يقيه منها. والحق سبحانه وتعالى حين يقول على سبيل المثال: # واتقوا الله إن الله سريع الحساب # [المائدة: 4]. أي اجعل بينك وبين الله حجابا يقيك من غضبه. وقد يقول ~~قائل: كيف يكون ذلك وأنا كمؤمن أريد أن إعيش في معية الله؟ نقول: إنك ~~تجعل الوقاية لنفسك من صفات جلال الله، وأنت تستظل بصفات الجمال، فالمؤمن ~~الحق هو من يجعل لنفسه وقاية من صفات الجلال، وهي القهر والجبروت وغيرها، ~~وكذلك النار إنها من جنود صفات جلال الله. فحين يقول الحق: " اتقوا ~~النار " أو " اتقوا الله " فالمعنى واحد. وعندما يسمع إنسان قول الحق ~~سبحانه: { اتقوا الله حق تقاته } [آل عمران: 102] ماذا ~~تعني حق تقاته؟ إن كلمة " حق " - كما نعرف - تعني الشيء الثابت الذي لا ~~يزول ولا يتزحزح، أي لا ينتهي ولا يتذبذب، هذا هو الحق. إذن ما حق التقى؟ ~~هو أن يكون إيمانك أيها المؤمن إيمانا راسخا لا يغادرك ولا تتذبذب معه، ~~واتقاء الله حق تقاته هو اتباع منهجه، فيطاع الله باتباع المنهج فلا ~~يعصي، ويذكر فلا ينسى، ويشكر ولا يكفر. وطريق الطاعة يوجد في اتباع ~~المنهج ب " افعل " و " لا تفعل " ويذكر ولا ينسى لأن العبد قد يطيع ~~الله، وينفذ منهج الله، ولكن النعم التي خلقها الله قد تشغل العبد عن ~~الله، والمنهج يدعوك أن تتذكر في كل نعمة من أنعم بها، وإياك أن تنسيك ~~النعمة المنعم. ويشكر العبد الله ولا يكفر بالنعم التي وهبها له الله. ~~وما دمت أيها العبد تستقبل كل نعمة وتردها إلى الله وتقول: " ما شاء ~~الله، لا قوة إلا بالله " ولا تكفر بالنعم أي أنك تؤدي حق النعمة، وكل ~~نعمة يؤدي العبد حقها تعني أنها نعمة شكر العبد ربه عليها، ولم يكفر بها. ~~وقيل في معنى: " حق تقاته " أي أنه لا تأخذك في الله لومة لائم، أو أن ~~تقول الحق ولو على نفسك. هذا ما يقال عنه " حق التقى " ، أي التقى الحق ~~الذي يعتبر تقى ms1293 بحق وصدق. وقال العلماء: إن هذه الآية عندما نزلت وسمعها ~~الصحابة، استضعف الصحابة نفوسهم أمام مطلوبها، فقال بعضهم: من يقدر على ~~حق التقى؟ ويقال: إن الله أنزل بعد ذلك: # فاتقوا الله ما استطعتم.. # [التغابن: 16]. فهل معنى هذا أن الله كلف الناس أولا ما لا يستطيعون، ~~ثم قال من بعد ذلك: " فاتقوا الله ما استطعتم "؟ لا، إنه الحق سبحانه لا ~~يكلف إلا بما في الوسع، والناس قد تخطئ الفهم لقوله تعالى: " فاتقوا الله ~~ما استطعتم " فيقول العبد: أنا غير مستطيع أن أقوم بذلك التكليف، ويظن ~~هذا العبد أن التكليف يسقط عنه. لا، إن هذا فهم خاطئ إن قوله الحق: " ~~فاتقوا الله ما استطعتم " أي إنك تتقي الله بما كان في استطاعتك من ~~الوسع، فما باستطاعتك أن تقوم به عليك أن تقوم به. فلا يهرب أحد إلى ~~المعنى المناقض ويقول: أنا غير مستطيع لأن الله يعلم حدود استطاعتك. ~~وساعة تكون غير مستطيع فهو - سبحانه - الذي يخفف.. إنك لا تخفف أنت على ~~نفسك أيها العبد، فالخالق الحق هو الذي يعلم إذا كان الأمر خارجا عن ~~استطاعتك أو لا، وساعة يكون الأمر خارجا عن استطاعتك فالله هو الذي يخفف ~~عنك. ولذلك فعلى الإنسان ألا يستخدم القول الحق: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.. # [البقرة: 286]. في غير موضعه لأن الإنسان لا يستطيع أن يقدر الوسع، ثم ~~يبني التكليف على الوسع. بل عليك أن تفهم أيها الإنسان أن الله هو الذي ~~خلق النفس، وهو الذي أنزل التكليف لوسع النفس، وما دام الخالق للنفس هو ~~الله فهو العليم بوسع النفس حينما قرر لها المنهج. إنه سبحانه الذي كلف، ~~وهو العليم بأن النفس قد وسعت، ولذلك فهو لا يكلف نفسا إلا وسعها. فإن ~~كان سبحانه قد كلف فاعلم أيها العبد أنه سبحانه قد كلف بما في وسعك، ~~وعندما يحدث للإنسان ما يشق عليه أو يمنعه من أداء ما كلف به تاما فهو - ~~سبحانه - يضع لنا التخفيف وينزل لنا الرخص. مثال ذلك: المريض أو الذي على ~~سفر، له رخصة ms1294 الإفطار في رمضان، والمسافر له أن يقصر الصلاة. إذن فالله ~~سبحانه هو الذي علم حدود وسع النفس التي خلقها، ولذلك لا تقدر وسعك أولا ~~ثم تقدر التكليف عليه، ولكن قدر التكليف أولا، وقل: ما دام الحق قد كلف ~~فذلك في الوسع. وفي تذييل الآية الكريمة بقوله: { ولا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون } [آل عمران: 102] نجد أنفسنا أمام نهي ~~عن فعل وهو: عدم الموت إلا والإنسان مسلم. كيف ذلك؟ أيقول لك أحد: لا ~~تمت؟ إن ذلك الأمر ليس لك فيه اختيار لأنه أمر نازل عليك. فإذا قيل لك: ~~لا تمت، فإنك تتعجب لأن أحدا لا يملك ذلك، ولكن إذا قيل لك: لا تمت إلا ~~وأنت مسلم، فأنت تفكر، وتصل بالتفكير إلى أن الفعل المنهي عنه: لا تمت ~~ليس في قدرة الإنسان ولكن الحال الذي يقع عليه الفعل وهو: إلا وأنت مسلم، ~~في قدرة الإنسان لذلك تقول لنفسك: إن الموت يأتي بغير عمل مني، ولكن ~~كلمة: إلا وأنت مسلم، فهي باستطاعتي، لأن الإسلام يكون باختياري. # صحيح أنك لا تعرف متى يقع عليك الموت؟ ولذلك تحتاط والاحتياط يكون بأن ~~تظل مسلما حتى يصادفك الموت في أي لحظة وأنت مسلم. إذن.. فقول الله: { ~~ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [آل عمران: 102] هو ~~نهي عن الفعل الأول وهو ليس باختيارنا. والحال الذي لنا فيه اختيار هو { ~~ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [آل عمران: 102] فكيف ~~نوفق بين الأمرين؟ إن الموت لا اختيار لأحد فيه، ولا يعلم أحد منا متى ~~يقع عليه، ولذلك نأتي إلى الأمر الذي لنا فيه اختيار، وهو أن نحرص على أن ~~نكون مسلمين، ويظل كل منا متمسكا بأهداب الإسلام، فإن صادف الموت في أي ~~لحظة يكون مسلما وكأن الحق سبحانه يقول لنا: تمسكوا بإسلامكم لأنكم لا ~~تدرون متى يقع عليكم الموت. وإخفاء الموت عن الإنسان ليس إبهاما كما يظن ~~البعض، لا إنه منتهي البيان الواسع لأن إخفاء الموت، وميعاده عن الإنسان ~~زمنا وحالا، وسنا وسببا، كل ذلك يوضح الموت أوضح بيان. لماذا؟ لأن الله ~~حين ms1295 استأثر بعلم الموت فالإنسان منا يترقب الموت في أي لحظة وما دام ~~الإنسان مترقبا للموت في أي لحظة فهذا بيان واسع بل هو أوسع بيان. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعدآء... }. ### || [3.103] # جاء هذا القول الكريم لينبه كل المؤمنين، من خلال التنبيه للأوس ~~والخزرج، وكأنه يقول: اعلموا أن التفاخر قبل الإسلام كان لأشياء وبأشياء ~~ليست من الإسلام في شيء. لكن حين يجيء الإسلام فالتفاخر يكون بالإسلام ~~وحده فإذا ما تغاضى إنسان بما قبل الإسلام بقوله: منا كذا.. ومنا كذا. ~~فهنا يأتي الرد: لا إن ذلك قبل الإسلام. وقد حدث أن قال الأوس من بعد ~~الإسلام: " منا خزيمة " فقال واحد من الخزرج: ومنا أبي بن كعب وزيد بن ~~ثابت فقال واحد من الأوس: منا حنظلة ابن الراهب وحنظلة هذا هو غسيل ~~الملائكة، وخزيمة بن ثابت صحابي جليل جعل الرسول صلى الله عليه وسلم ~~شهادته بشهادتين لأن خزيمة صاحب إيمان نوراني. ونورانية اليقين هدته إلى ~~الحكم الصواب # " فقد اشترى النبي صلى الله عليه وسلم فرسا من أعرابي وذهب ليحضر له ~~الثمن، ولكن الأعرابي أنكر البيع لأن بعض الناس زاده في ثمن الفرس دون ~~علم أن الرسول قد اشتراه فنادى الأعرابي الرسول وقال له إن كنت مبتاعا ~~هذا الفرس فابتعه وإلا بعته. فقال النبي للرجل: " ألست قد ابتعته منك ". ~~فقال الرجل هات شاهدا يشهد بذلك. لقد انتهز الرجل فرصة أن النبي ابتاع ~~منه دون وجود أحد في هذا الوقت، وكان سيدنا خزيمة جالسا لحظة مطالبته ~~للنبي بشاهد. فقال سيدنا خزيمة: أنا أشهد يا رسول الله أنك قد بايعته. ~~ولأن الرجل كاذب، قال لنفسه: لعل خزيمة رآنا وأنا أبيع الفرس للنبي فسكت ~~الرجل وانصرف، وبعد أن انصرف الرجل نادى الرسول خزيمة. وقال له: " يا ~~خزيمة بم تشهد ولم تكن معنا؟ " فقال: أنا أصدقك في خبر السماء ولا أصدقك ~~بما تقول؟ أعلم أنك لا تقول إلا حقا قد آمناك على أفضل من ذلك، على ms1296 ~~ديننا. فعلم الرسول أن لخزيمة نورانية التصديق وحسن الاستنباط، فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " من شهد له خزيمة فحسبه ". # فالأمر الذي يحتاج شاهدين تكفي فيه شهادة خزيمة، وبذلك أعطى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم الوسام لخزيمة وجعل شهادته شهادة رجلين، ولنر كيف جمع ~~الله بين الأوس والخزرج في جمع القرآن، قال زيد بن ثابت: فآليت على نفسي ~~ألا أكتب آية إلا إذا وجدتها مكتوبة وشهد عليها اثنان، إلا آخر ~~التوبة فوجدتها مكتوبة ولم يشهد عليها إلا خزيمة، وكان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم قد قال في خزيمة: " من شهد له خزيمة فحسبه " ولنا أن نعرف أن ~~زيد بن ثابت من الخزرج وأن خزيمة من الأوس. لقد جمعهما الله في جمع ~~القرآن، فنفع الأوسي الخزرجي، وذلك ليدلنا الحق سبحانه دلالة جديدة، وهي ~~أن التفاخر قبل الإسلام كان بغير الإسلام، لكن ساعة يجيء الإسلام فأي ~~واحد من أي جنس ما دام قد أحسن الإسلام، فله أن يفخر به، فإياك يا أوسي ~~أن تقول: " منا خزيمة " فالخزرجي له الفخر بخزيمة أيضا، وليس للخزرجي أن ~~يقول: " منا زيد بن ثابت " فللأوسي أيضا أن يفخر به، لأن كلا منهما قد ~~جمعه الله بالآخر في القرآن، والإسلام، وهكذا يكون الاعتصام بحبل الله. # يقول الحق سبحانه وتعالى: { واعتصموا بحبل الله جميعا ~~ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ ~~كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم } [آل عمران: 103] إن ~~الحرب ظلت مستعرة بين الأوس والخزرج مائة وعشرين عاما مع أن أصل ~~القبيلتين واحد، هما أخوان لأب وأم وعندما جاء الإسلام ألف الله بين ~~قلوبهم وأصبحوا بنعمته إخوانا. وهذا يدلنا على أن كل نزغة جارحة من ~~الجوارح لا بد أن يكون وراءها هبة قلب وثورته وهياجه، فاليد لا تصفع ~~أحدا من فراغ، ولكن الصفعة توجد في القلب أولا { فألف بين ~~قلوبكم } [آل عمران: 103]، إن الحق سبحانه يقول: { وكنتم ~~على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } [آل ~~عمران: 103] والشفا هي الحافة. ومرة يقال: " شفا " ومرة يقال: " شفة ". ~~لقد كانوا على ms1297 حافة النار، ومن كان على الحافة فهو يوشك أن يقع، فكأن ~~الله يقول: لقد تداركتم بالإسلام، ولولا الإسلام لهويتم في النار. ويقول ~~سبحانه: { كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تهتدون } [آل عمران: 103] وهكذا نرى نعمة الإسلام في الدنيا، فقدرة ~~الإيمان على إنقاذ الإنسان من النار لا تحتاج إلى انتظار بل يستطيع ~~المؤمن أن يراها في الدنيا. ولقد كان العرب قبل الإسلام مؤرقين ~~بالاختلافات، وموزعين بالعصبية، وكل يوم في شقاق. ولما جاء الإسلام صاروا ~~إخوانا، وهذه نعمة عاجلة في الدنيا والدنيا كما نعرف ليست دار جزاء، فما ~~بالك بما يكون في الآخرة وهي دار الجزاء والبقاء. وقوله الحق: { ~~لعلكم تهتدون } [آل عمران: 103] المقصود به أن تظلوا على ~~هدايتكم. لقد خاطبهم الحق: { إذ كنتم أعدآء فألف بين ~~قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا } [آل عمران: 103] ~~وساعة يطلب التشريع منك ما أنت عليه، فاعلم أن التشريع يريد منك ~~استدامته، فعندما يقول الحق يا أيها الذين آمنوا أي مع الإيمان الذي معكم ~~قبل كلامي، جددوا إيمانا بعد كلامي ليستمر لكم الإيمان دائما. وبعد ذلك ~~يقول الحق سبحانه: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر... }. ### || [3.104] # وكلمة " أمة " تطلق مرة، ويراد بها الجماعة التي تنتسب إلى جنس، كأمة ~~العرب، أو أمة الفرس، أو أمة الروم، ومرة تطلق كلمة " أمة " ويراد بها ~~الملة أي الدين، ومرة ثالثة تطلق كلمة " أمة " ويراد بها الفترة الزمنية ~~كقول الحق: # وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا ~~أنبئكم بتأويله فأرسلون # [يوسف: 45]. إن الرجل الذي فسر له سيدنا يوسف الرؤيا تذكر سيدنا يوسف ~~بعد أمة أي بعد فترة من الزمن، ومرة تطلق كلمة " أمة " على الرجل الجامع ~~لصفات الخير. # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم ~~يك من المشركين # [النحل: 120]. لأن خصال الخير ليس من الضروري أن تجتمع في واحد، ولكنها ~~قد تجتمع في عدد من الأفراد فيكون هناك فلان المتميز بالصفة الطيبة، ~~وغيره متصف بصفة أخرى طيبة، وثالث فيه صفة طيبة ثالثة، ومن مجموع الأمة ~~تظهر ms1298 صورة الكمال، لكن إبراهيم عليه السلام اجتمعت فيه كل خصال الخير ~~المكتمل. وساعة أن تأتي لإنسان وتقول له: ليكن منك شجاع فما معنى ذلك؟ إن ~~معناه، أن يجرد الإنسان من نفسه ويخرج منها شخصا شجاعا، وذلك بتدريبها ~~وتعويدها على ذلك حتى يكون الإنسان شجاعا، أو تقول لآخر: ليكن منك كريم، ~~أي أخرج من نفسك رجلا كريما. وقوله الحق سبحانه: { ولتكن منكم ~~أمة يدعون إلى الخير } [آل عمران: 104]. هذا القول يعني أن ~~يكون منكم أيها المخاطبون أمة تدعو إلى الخير، ومعناه أيضا أن تكونوا ~~جميعا أمة تدعو إلى الخير، وبعض العلماء يرى أن هذا القول يعني: أن تكون ~~منكم جماعة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ولكن هناك فهما أعمق من ~~هذا، وهو أن هذه الآية تأمر بأن تكون كل جماعة المسلمين أمة تدعو إلى ~~الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، أي أن هذه الآية تطالب كل ~~أمة المسلمين بذلك، فلا تختص جماعة منها فقط بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، بل الواجب أن تكون أمة المسلمين كلها آمرة بالمعروف، وناهية عن ~~المنكر، فمن يعرف حكما من الأحكام عليه أن يأمر به. وهناك من العلماء من ~~قال: إن الذي يأتي المنكر له حكم آخر أيضا وهو أن ينهى غيره عن المنكر، ~~أي أن الإنسان المؤمن مطالب بأمرين: الأول: ألا يصنع المنكر، والثاني: ~~أن ينهى عن المنكر. ولذلك إن جاء نصح من إنسان ينهاك عن المنكر، وهو قد ~~فعله، فلا تقل له: أصلح نفسك واتبع أنت ما تنصح به أولا، لا تقل له ذلك ~~حتى لا يقول لك ما قاله الشاعر: # خذ بعلمي ولا تركن إلى عملي # واجن الثمار وخل العود للنار # لكن الأجدر بمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أن يكون أول العاملين ~~بقوله حتى لا يدخل في زمرة من قال الله فيهم: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2-3]. إذن فقوله الحق: { ولتكن منكم أمة يدعون ~~إلى الخير } [آل عمران: ms1299 104] أي جردوا من أنفسكم أمة مجتمعة على ~~أنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، واستمعوا إلى قوله تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3]. إن السورة الكريمة توضح العقيدة ومطلوبها وهو الإيمان ~~والعمل الصالح. وبعد ذلك قال الحق: " وتواصوا " ولم يقل " ووصوا " ما ~~معنى " تواصوا "؟ أي أن يعرف كل مؤمن أنه من الأغيار، وكذلك أخوه المؤمن، ~~وقد يضعف أحدهما أمام معصية فيصنعها، لكن الآخر غير ضعيف أمام تلك ~~المعصية، لذلك يكون على غير الضعيف توصية الضعيف، وعلى الضعيف أيضا ~~ضرورة الانتباه حتى يتواصى مع غيره. فالإسلام لم يجعل جماعة يوصون غيرهم، ~~وجماعة أخرى تتلقى الوصاية، بل كلنا موص - بكسر الصاد - حينما نجد من ~~من يضعف أمام معصية. وكلنا موصى، - بفتح الصاد - حين يكون ضعيفا أمام ~~المعصية فالتواصي يقتضي التفاعل بين جانبين.. فمرة تكون موصيا، ومرة ~~تكون موصى، وكذلك التواصي بالصبر. فساعة تحدث كارثة لواحد من المسلمين ~~يأتي أخوه ليصبره، وكذلك إن حدثت كارثة للأخ المسلم يصبره أخوه المسلم، ~~فعندما يحتاج مسلم في وقت ما إلى أن يصبر، يجد من إخوته من يصبره ~~فالأمة كلها مطالبة: " وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ". هكذا نفهم معنى ~~قول الحق: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~وأولئك هم المفلحون } [آل عمران: 104]. والدعوة إلى ~~الخير يفسرها الحق بأن يأمر الإنسان بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر. ويقول ~~الحق: { وأولئك هم المفلحون } [آل عمران: 104] أن كلمة " ~~المفلحون " هي كلمة معها دليلها، فالمفلح هو الذي أخذ الصفقة الرابحة. ~~والكلمة مأخوذة، من فلح الأرض. فالذي يفلح الأرض ويحرثها ثم يزرعها يجد ~~الثمرة تجيئه في النهاية، وقد جاء الحق بالمسألة المعنوية من أمر محس. ~~وبعد ذلك يريد الحق أن يعطينا شيئا آخر فيقول: إياك أن تظن أن المشقة ~~التي تصيبك حين تفعل خيرا لا تعود عليك بالراحة، أو أن النقص الذي تفعل ~~به الخير لا يعود عليك بالكمال، فمثلا الإنسان الذي فلح الأرض وأخرج " ~~كيلة " من القمح وبذرها ms1300 فيها. هذا الإنسان قد تكون له زوجة حمقاء تقول ~~له: إننا لا نملك إلا أربع " كيلات " من القمح فكيف تأخذ " كيلة " ~~لترميها في الأرض، إن هذه المرأة لا تعرف أن " الكيلة " التي أخذها الزوج ~~هي التي ستأتي بعدد من الأرادب من القمح. # فإياك أن تفهم أن الإسلام يأخذ منك شيئا إلا وهو يريد أن يعطيك أشياء. ~~إن الفلاح الذي يشقى بالحرث وبالري، وتراه وقد علا جبهته العرق وتراب ~~الأرض وتغوص أقدامه في الطين والمياه، إنك تراه يوم الحصاد وهو فرح مسرور ~~بغلته. أما غيره الذي لم يشق بالحرث ولم تعل جبهته حبات العرق، ~~فيأتي في هذا اليوم وهو حزين ونادم. فإياك أن تنظر إلى تكاليف الدين على ~~أنها أمور تحرمك النفع، إنها أمور تربب لك النفع أي تكثر لك النفع. ~~وإياك أن تظن أن حكما من أحكام الله قد جاء ليجور على حريتك بل جاء ~~ليمنع عنك اعتداء الآخرين. وقلنا من قبل: إن الشرع حين كلف كل إنسان ألا ~~يسرق مال أحد، فهو تقييد من أجل حفظ أموال الملايين، وهو أمر ضمني لكل ~~الناس ألا يسرقوا شيئا من هذا الإنسان، وهنا نجد الأمان ينتشر ~~بالإيمان بين الجميع. ولو نظرت إلى ما منع الدين الناس أن يمارسوه معك ~~لعرفت قيمة التكاليف الإيمانية. إن التكليف حين يأمر ألا يمد أحد عيونه ~~إلى محارم جاره، هذا التكليف صادر للناس جميعا حتى يحمي الله لك محارمك ~~من عيون الناس، لقد قيد التكليف حرية الآخرين من أجلك وهم كثيرون، ~~وقيد حريتك من أجل الآخرين وأنت واحد.. إذن فيجب أن نذكر أن كل تكليف ~~يعطي صلاحا وفلاحا، فالأرض تأخذ الحبة وتعطيك سبع سنابل في كل سنبلة ~~مائة حبة، فلا تنظر إلى ما أخذه التكليف من حريتك، لأنه أخذ لك من حريات ~~الآخرين أيضا. ولا تقل: إن التكليف قد نقص حركتي لنفسي، لأنه سيعطيك ~~ثمرات أكثر مما أفقدك. ويقول الحق من بعد ذلك: { ولا تكونوا ~~كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جآءهم ~~البينات... }. ### || [3.105] # وهذا القول الحكيم ms1301 ينهى عن اتباع الهوى الذي يؤدي إلى الفرقة. برغم وضوح ~~آيات الحق سبحانه لهم، لأن لهؤلاء الذين يتبعون الهوى من بعد وضوح قضية ~~الحق سيصليهم الله النار، ولهم عظيم العذاب. وبعد ذلك يقول الحق: { ~~يوم تبيض وجوه وتسود وجوه... }. ### || [3.106] # وهنا يجب أن نعلم أن الاسوداد والابيضاض هما من آثار اختلاف البيئات في ~~الدنيا، فالشخص الأسود يزيد الله في تكوينه عن الشخص الأبيض بما يناسب ~~البيئة، لأن المادة الملونة للبشرة في جسده موجودة بقوة، لتعطيه اللون ~~المناسب لمعايشة ظروف البيئة، أما أبيض البشرة فلا يملك جسده القدر ~~الكافي من المادة الملونة، لأن بيئته لا تحتاج مثل هذه المادة الملونة. ~~إذن فالسواد في الدنيا لصالح المسود، أما في هذه الآية، فهي تتحدث عما ~~سوف نراه في الآخرة حيث يكون السواد والبياض مختلفين، تماما كما تتبدل ~~الأرض غير الأرض والسماوات غير السماوات، وكذلك يتبدل أمر السواد ~~والبياض، إنه لن يكون سوادا أو بياضا من أجل البيئات. ولذلك ستتعجب يوم ~~القيامة لأنك قد ترى إنسانا كان أسود في الدنيا، وتجده أبيض في الآخرة، ~~وتجد إنسانا آخر كان لونه أبيض في الدنيا ثم صار أسود في الآخرة. فلا ~~يظن ظان أن الإنسان الأسود في الدنيا مكروه من الله، لا، إن الله يعطي كل ~~واحد ما يناسبه، بدليل أن الله قد أمده باللون الذي يقويه على البيئة ~~التي يحيا فيها. وفي مجالنا البشري، نحن نعطي المصل لأي إنسان مسافر إلى ~~مكان ما، حتى نحميه من شر مرض في المكان الذي يذهب إليه، كذلك خلق ~~الله في الأرض فقد أعطى سبحانه لكل إنسان في تكوينه المناعة التي تحفظه ~~فالله لا يكره السواد لأنه حماية للإنسان من البيئة. وهذه المسألة ستتبدل ~~يوم القيامة كما تتبدل الأرض غير الأرض، وتبيض الوجوه المؤمنة، وتسود ~~الوجوه الكافرة. أو أن البياض والسواد كليهما، أمر اعتباري، بدليل أنك ~~ترى واحدا أبيض ولكن وجهه عليه غبرة ترهقه قترة، وترى واحدا آخر أسود ~~اللون، ولكن نور اليقين يملأ وجهه، وبريق الصلاح يشع منه، وأنت ms1302 لا تقدر ~~أن تمنع عينيك من أن تديم النظر إليه، ولذلك قال الحق: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]. أي أن ما في داخل النفس إنما ينضح على قالب الإنسان ~~وتظهره ملامحه، فقد يكون الأسود مضيء الوجه بالبشر والإشراق والتجلي ~~بالجاذبية الآسرة، وقد يكون الإنسان أبيض الوجه لكنه مظلم الروح. وهكذا ~~نفهم أن اسوداد بشرة إنسان في الدنيا، إنما هو لمساعدة الإنسان على ~~التواؤم مع البيئة، ومثال ذلك سواد العين وبياضها، هل يستطيع أحد أن ~~يقول: إن بياض العين أحسن من سوادها، أو العكس؟. لا لأن كل شيء معد ~~لمهمته. ومثال آخر: عندما يأتي عامل البناء ليثني عمود الحديد المستقيم ~~ويلويه، فهل يقال: إن هذا الإنسان قد عوج الحديد؟. لا إنه يريد أن يشكل ~~عود الحديد ليكون صالحا لمهمة معينة. وكذلك الاسوداد أو الابيضاض في ~~الدنيا، إنما أراده الله ليتناسب مع ظروف الحياة في البيئة، أما في ~~الآخرة فالدنيا قد زالت وفنيت، والأرض لن تكون هي الأرض والسماء لن تكون ~~هي السماء فالحق يقول: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا ~~لله الواحد القهار # [إبراهيم: 48]. فالمؤمن حين يرى ما أعده الله له من النعيم المقيم يقابل ~~عطاء الله باستشراف نفس وسرور وانبساط، أما الذي يرى مقعده من النار فلا ~~بد أن يكون مظلم الوجه. والحق سبحانه يوجه سؤالا لهؤلاء: " أكفرتم بعد ~~إيمانكم " أو كأن هذا أمر يفاجئ من كان يعرف هؤلاء الناس في الدنيا فقد ~~رأوهم في الدنيا بيض الوجوه، ولكن يرونهم يوم القيامة وعلى وجوههم غبرة ~~سوداء وترهقهم قترة، فيقولون لهم: " أكفرتم بعد إيمانكم "؟. وكأن ذلك هو ~~سمة من يكفر بعد الإيمان. هذه هي سمتهم وعلامتهم في الآخرة أي ما الذي ~~صيركم إلى هذا اللون؟ إنه الكفر بعد الإيمان. فمن هم الذين كفروا بعد ~~الإيمان؟ هذا يعني أن الإيمان قد سبق ثم طرأ على الإيمان كفر، وماتوا على ~~ذلك الكفر، وهذا قول ينطبق على الذين ارتدوا عن الإسلام مثل ابن الأسلت ~~وغيره، وهؤلاء كفروا بعد الإيمان. أو ms1303 يكون " أكفرتم بعد إيمانكم " يجعلنا ~~نقول: البعدية هنا لا بد أن يكون لها قبلية: ألم يأخذ الله على خلقه ~~عهدا في عالم الذر حين استخرجهم من ظهر آدم؟ وقال سبحانه: # ألست بربكم قالوا بلى.. # [الأعراف: 172]. إنه إقرار إيماني موجود في عالم الذر، فمن جاء في ~~الواقع لينقض هذه المسألة فقد كفر بعد إيمان. أو أكفرتم بعد إيمانكم ~~بمحمد، بعد أن جاءتكم به البشارات التي عرفتموها، وقرأتموها في التوراة ~~والإنجيل، وقد تأكدتم أنه قادم لا محالة، وأنه رسول هذه الأمة وخاتم ~~الرسل، وانطبق عليكم قول الحق: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله ~~على الكافرين # [البقرة: 89]. إذن فهذا القول، إما أن يكون في المرتدين، وإما أن يكون ~~الكفر في واقع الدنيا بعد الإيمان في عالم الذر عندما أخذ الله العهد على ~~الناس جميعا، أو يكون الكفر بعد الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقد جاءت به البشارة في التوراة والإنجيل، أو يكون ذلك من أهل الأهواء ~~الذين أخذوا الدين وجعلوه شيعا، كالفرق التي خرجت عن الإسلام، وهي تدعى ~~الانتساب إليه كالبهائية والقاديانية وغيرها. إن الآية تحتمل كل هذا، ~~وعندما نمعن النظر إلى النص القرآني نجده يستوعب كل هذه المعاني. وهنا ~~نلاحظ أن الحق سبحانه أورد فقط: { أكفرتم بعد إيمانكم ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } [آل عمران: 106] ~~وهذا قول يختص بالكفار فقط يذوقون العذاب بسبب الكفر، وذلك يعني أن ~~المؤمن بإيمانه سينال ثواب عمله. يقول تعالى: { وأما الذين ~~ابيضت وجوههم ففي... }. ### || [3.107] # ولنلاحظ دائما أن الله حين يبين جزاء لمؤمن على إيمانه وطاعته فسبحانه ~~يقول مرة: # أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون # [الأعراف: 42]. ومرة أخرى يقول: # فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ~~فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه ~~صراطا مستقيما # [النساء: 175]. ما الفرق بين الاثنين؟ إن الناس في العبادة صنفان: منهم ~~من يعبد الله ويريد نعيم الجنة، فيعطيه الله الجنة جزاء لعبادته ولعمله ~~الصالح. وآخر يعبد الله لأن الله يستحق العبادة ولا تمر الجنة على باله، ~~وهذا ينال ذات ms1304 الرحمة، إنه ينال لقاء وجه الله. وما الفرق بين الجنة ~~والرحمة؟ إن الجنة مخلوقة لله، فهي باقية بإبقاء الله لها، ولكن الرحمة ~~باقية ببقاء الله، وهذا ضمان كاف، فمن يرى الله فيه حسن العبادة لذاته - ~~سبحانه - يضع الله في الرحمة. وقلنا من قبل: إن هناك جنة من الجنات اسمها ~~" عليون " ليس فيها متعة من المتع التي سمعنا عنها في الجنة، كلحم الطير ~~وغير ذلك، وليس فيها إلا أن ترى الله. وما دام العبد لا يأكل عن جوع في ~~الآخرة، فما الأفضل له، جنة المتع، أو متعة رؤية وجه الله؟ أتتمتع ~~بالنعمة أم بالمنعم؟ لا جدال أن التمتع برؤية المنعم أرقى وأسمى من ~~التمتع بالمتع الأخرى. والدقة الأدائية في القرآن توضح لنا أن الرحمة ~~تكتنف هؤلاء العباد الصالحين، وتحيط بهم، إنهم ظرف للرحمة وداخلون فيها ~~فلا تمسهم الرحمة فقط، ولكن تحيط بهم، وهم خالدون فيها، ويؤكدها الحق ~~بظرفية جديدة بقوله: " هم فيها خالدون " فكأن هناك رحمة يدخل فيها ~~العباد، ثم يطمئننا على أنها لا تنزع منا أبدا. ف " فيها " الثانية ~~للخلود، " وفي " الأولى للدخول في الرحمة. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { ~~تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق... }. ### || [3.108] # إن آيات الله هي حججه وبراهينه وجزاءاته، فمن اسود وجهه يوم القيامة نال ~~العذاب، ومن ابيض وجهه نال الرحمة وهو فيها خالد { تلك آيات الله ~~نتلوها عليك بالحق } [آل عمران: 108]، فما الذي يجعل ~~إنسانا لا يخبر بالحق؟ لابد أن هناك داعيا عند ذلك الإنسان، فلأن الحق ~~يتبعه، فهو يخبر بغير الحق. لكن هل هناك ما يتعب الخالق؟ لا فسبحانه ~~وتعالى منزه عن ذلك وعن كل نقص أو عيب إذن فلابد ألا يقول إلا الحق، ~~فلا شيء خارج عن ملكه بعد ذلك يقول سبحانه: { وما الله يريد ~~ظلما للعالمين } [آل عمران: 108]. إنه سبحانه ينفي الظلم عن ~~نفسه كما قال: # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46]. والحق لا يريد الظلم على إطلاقه من نفسه ومنكم أنتم أيها ~~العباد. وكيف يأتي الظلم؟ إن مظاهر الظلم هي - كما ms1305 نعرف - أن تأخذ ~~إنسانا بغير جرم.. هذا ظلم، أو أن تعاقب إنسانا فوق الجرم.. هذا ظلم. ~~أو ألا تعطي إنسانا مستوى إحسانه.. هذا ظلم. وماذا يفعل من يقوم بالظلم؟ ~~إنه يريد أن يعود الأمر بالنفع له، فإن كان يريد أخذ إنسان بغير جرم ~~فهو يفعل ذلك ليروي حقدا وغلا في نفسه، وقد يلفق لإنسان جرما لأنه يرى ~~أن هذا الإنسان قد يهدده في أي مصلحة من المصالح، وهو يعلم انحرافه فيها، ~~فيعتقله مثلا، أو يضعه في السجن حتى لا يفضحه. إذن لا يمكن أن يذهب ~~إنسان عن الحق إلى الظلم إلا وهو يريد أن يحقق منفعة أو يدفع عن نفسه ~~ضررا، والله لن يحقق لذاته منفعة بظلم، أو يدفع ضررا يقع من خلقه عليه ~~إنه منزه عن ذلك فهو القاهر فوق عباده. والحديث القدسي يقول: # " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي. وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ~~". # والظالم من البشر جاهل. لماذا؟ لأنه قوى الذي ظلمه، ولم يضعفه، ~~فالظالم يظلم ليضعف المظلوم أمامه، فنقول له: أنت غبي، قليل الذكاء لأنك ~~قويته على نفسك وفعلت عكس ما تريد. ولنوضح ذلك - ولله المثل الأعلى - ~~نحن جميعا عيال الله، سننتقل إلى دائرة حياتنا اليومية ونرى عيالنا، إن ~~الواحد منا عندما يكون له أولاد، وجاء ولد من الأولاد وظلم أخاه فقلب ~~الوالد يكون مع المظلوم، ويحاول الوالد أن يترضى ابنه المظلوم. إذن ~~فالولد الظالم ضر أخاه ضررا يناسب طفولته، ولكنه أعطاه نفعا يناسب قوة ~~والده، إنه يجهل حقيقة تقويته لأخيه. وما دمنا جميعا عيال الله فماذا ~~يفعل الله حين يرى سبحانه واحدا من خلقه يظلم آخر من خلقه؟ لابد أن الحق ~~سيشمل المظلوم برعايته، وهكذا يقوى الظالم المظلوم، والظالم بذلك يعلن عن ~~غبائه، فلو كان ذكيا، لم ظلم، ولضن على عدوه أن يظلمه، ولقال: إنه لا ~~يستأهل أن أظلمه لأنه عن طريق ظلمي له سيعطيه الله مكافأة كبرى، وهي أن ~~يجعله في كنفه ورعايته مباشرة. # وقد نجد واحدا يظلم من أجل نفع عاجل، وينسى ms1306 هذا الإنسان أنه لن يشرد ~~أبدا ممن خلقه. ونقول لمثل هذا الإنسان: أنت لن تشرد ممن خلقك، ولكنك ~~شردت من المخلوق وداريت نفسك، وحاولت أن تحقق النفع العاجل لنفسك، لكن ~~الخالق قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم. وكأن الحق سبحانه يطمئننا بأن ننام ~~ملء جفوننا لأنه سبحانه لا تأخذه سنة ولا نوم. { وما الله يريد ~~ظلما للعالمين } [آل عمران: 108] لأن الظلم لا ينشأ إلا عن ~~إرادة نفعية بغير حق، أو إرادة الضرر بغير جرم، والله غني عن ذلك، ولذلك ~~نجد الحق يؤكد غناه عن الخلق وأنه مالك للكون كله فيقول: { ولله ما ~~في السماوات وما في الأرض... }. ### || [3.109] # إنه مالك الملك، كل شيء له وبه وملكه، وإليه يرجع كل أمر. ونحن نعلم أن ~~القرآن الكريم قد نزل من عند الله بقراءات متعددة وقد ورد وفي بعضها ~~ترجع الأمور بفتح التاء بالبناء للفاعل، وفي قراءة أخرى: ترجع ~~الأمور بضم التاء بالبناء للمجهول، وكذلك ترجعون تأتي أيضا بضم التاء ~~وفتحها، وكلها - كما قلنا - قراءات من عند الله. وعندما يقول الحق: " ~~وإليه ترجعون " بفتح التاء فمعنى ذلك أننا نعود إليه مختارين لأن المؤمن ~~يحب ويرغب أن يصل إلى الآخرة، لأن عمله طيب في الدنيا، فكأنه يجري ~~ويسارع إلى الآخرة، ومرة يقول تعالى: " وإليه ترجعون " بضم التاء. وهذا ~~ينطبق على الكافر أو العاصي. إن كلا منهما يحاول ألا يذهب إلى ~~الآخرة، لكن المسألة ليست بإرادته، إنه مقهور على العودة إلى الآخرة ~~ولذلك نجد التعبير القرآني: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13]. هناك من يدفعهم إلى النار دفعا. وفي حياتنا - ولله المثل ~~الأعلى - نجد الشرطي يمسك بالمجرم من ملابسة ويدفعه إلى السجن.. ذلك هو ~~الدع. وهكذا يكون قول الحق: " وإليه ترجعون " بضم التاء وفتح الجيم، أي ~~أنه مدفوع بقوة قاهرة إلى النهاية. أما المؤمن الواثق فهو يهرول إلى ~~آخرته مشتاقا لوجه ربه. وعندما تقرأ { وإلى الله ترجع ~~الأمور } [آل عمران: 109]. قد يقول قائل: ومتى خرجت الأمور منه حتى ~~ترجع إليه؟ ونقول: حين خلق الله ms1307 الدنيا، خلقها بقهر تسخيري لنفع الإنسان، ~~وجعل فيها أشياء بالأسباب، فإن فعل الإنسان السبب فإنه يأخذ المسبب - ~~بفتح الباء - المشددة، فالشمس تشرق علينا جميعا، والضوء والدفء ~~والحرارة، هي - بأمر الله - للمؤمن والكافر معا، ولم يصدر الله لها ~~أمرا أن تختص المؤمن وحده بمزاياها، والهواء لا يمر على المؤمن وحده، ~~إنما يمر على المؤمن والكافر، وكذلك الماء، والأرض يزرعها الكافر فيأخذ ~~منها الثمار، ويزرعها المؤمن كذلك. إذن ففي الكون أشياء تسخيرية، وهي ~~التي لا تدخل فيها طاقة الإنسان، وهناك أشياء سببية، فإن فعلت السبب يأتي ~~لك المسبب، والله قد جعل الأسباب للمؤمن والكافر. وعندما يملك الله ~~بعض الخلق أسباب الخلق فهو القيوم فوق الجميع، لكن في الآخرة، فلا أسباب ~~ولا مسببات ولذلك يكون الأمر له وحده، اقرأوا جيدا: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. إن في الدنيا أناسا - بإرادة الله - تملك أسبابا، وتملك ~~عبيدا، وتملك سلطانا لأن الدنيا هي دنيا الأسباب. أما في الآخرة فلا ~~مجال لذلك. لقد بدأت الدنيا بأسبابها منة منه، ورجعت منه إليه " ~~لمن الملك اليوم لله الواحد القهار " ومن يعتز بالسببية نقول له: كن أسير ~~السببية لو كنت تستطيع. ومن يعتز بالقوة لأنها - ظاهرا - سبب للحركة، ~~نقول له: احتفظ بقوتك إن كنت قادرا. ومن يعتز بالملك نقول له: لتحتفظ ~~بالملك لو كنت تستطيع. ولا أحد بقادر على أن يحتفظ بأي شيء، فكل شيء ~~مرده إلى الله، وإن كان في ظاهر الأمر أن بعض الأشياء لك الآن، وفي ~~الآخرة لله يكون كل أمر، ويرجع إليه كل شيء، لقد بدأت به، ورجعت إليه. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر... }. ### || [3.110] # هذه الخيرية لها مواصفات وعناصر: { تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } [آل عمران: ~~110]. فإن تخلف عنصر من هذه العناصر، انحلت عنكم الخيرية، فالخيرية لكم ~~بأشياء هي: أمر بالمعروف. نهي عن المنكر. إيمان بالله. وساعة تسمع كلمة " ~~معروف " و " منكر " فإنك تجد أن اللفظ موضوع في المعنى الصحيح، ف " ~~المعروف ms1308 " هو ما يتعارف الناس عليه ويتفاخرون به، ويسر كل إنسان أن ~~يعرفه الآخرون عنه. " والمنكر " هو الذي ينكره الناس ويخجلون منه، فمظاهر ~~الخير يحب كل إنسان أن يعرفها الآخرون عنه، ومظاهر الشر ينكرها كل إنسان. ~~إن مظاهر الخير محبوبة ومحمودة حتى عند المنحرف. ومظاهر المنكر مذمومة ~~ومكروهة حتى عند النحرف. فاللص نفسه عندما يوجد في مجلس لا يعرفه فيه ~~أحد، ويسمع أن فلانا قد سرق فإنه يعلن استنكاره لفعل اللص، إنه أمر ~~منكر، حتى وإن كان هو يفعله. وهكذا تعرف أن " المعروف " و " المنكر " ~~يخضعان لتقدير الفطرة. والفطرة السليمة تأتي للأمور الخيرة، وتجعلها ~~متعارفا عليها بين الناس، وتنكر الفطرة السليمة الأمور المنكرة، حتى ممن ~~يفعلها. ويورد الله مسألة الإيمان بالله من بعد الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، لماذا؟ لأنه من الجائز أن يوجد إنسان له صفات الأريحية ~~والإنسانية ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويصنع الخير، ويقدم الصدقات، ~~ويقيم مؤسسات رعاية للمحتاجين والعاجزين سواء كانت صحية أو اقتصادية، ~~لكنه يفعل ذلك من زاوية نفسه الإنسانية، لا من زاوية منهج الله، فيكون كل ~~ما فعله حابطا ولا يعترف له بشيء لأنه لم يفعل ذلك في إطار الإيمان ~~بالله، ولذلك فلا تظن أن الذي يصنع الخير دون إيمان بالله له أجر عند ~~الله فالله يجازي من كان على الإيمان به، وأن يكون الله في بال العبد ~~ساعة يصنع الخير. فمن صنع خيرا من أجل الشهامة والإنسانية والجاه ~~والمركز والسمعة فإنه ينال جزاءه ممن عمل له، وما دام قد صنع ذلك من أجل ~~أن يقال عنه ذلك فقد قيل، وهو ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: # " إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه ~~فعرفها فقال: ما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ~~ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في ~~النار. ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها ~~فقال: ما ms1309 عملت فيها قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت ~~ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: قارئ فقد قيل، ثم ~~أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من ~~أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: ما ~~تركت في سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها. قال: كذبت ولكنك فعلت ~~ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر فسحب على وجهه ثم ألقي في النار ". # إنه ينال جزاء عمله من قول الناس، لكن الله يجازي في الآخرة من كان الله ~~في باله ساعة أن عمل. لذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول: # ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صالحا ~~وقال إنني من المسلمين # [فصلت: 33]. إن المؤمن يفعل العمل الصالح، ويعلن أنه يفعل ذلك لأنه من ~~المسلمين، إنه لا يفعل الخير، لأنه شيوعي، أو وجودي، أو إنساني إلخ، ~~فمهما صنع إنسان من الخير، وترك الاعتراف بالله فخيانة الكفر تفسد كل ~~عمل. لأنه جحد وأنكر خالقه وكفر به، والذي يعمل خيرا من أجل أحد فلينل ~~من هذا الأحد جزاء هذا العمل. وهنا في هذه الآية أمر بالمعروف، ونهي عن ~~المنكر، وإيمان بالله. ولكن ما الذي يجعلهم لا يؤمنون بالله وإن عملوا ~~معروفا؟ إنه حرصهم على الجاه الزائف، فلما جاء الإسلام، ظن أهل الجاه ~~في الديانات الأخرى أن الإسلام سيسلبهم الجاه والسلطة والمكانة والمنافع ~~التي كانوا يحصلون عليها، وكان من حماقة بعضهم أن باعوا الجنة على الأرض ~~وخافوا على المركز والجاه والمنافع، وكان ذلك من قلة الفطنة، فالحق يقول: ~~{ ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } [آل عمران: 110]. فلو ~~آمنوا لظل لهم الجاه والسلطة في ضوء الإيمان بالله، فلا تجارة بالدين، ~~وكانوا سيحصلون على أجرهم مرتين، أجر في الدنيا، وأجر في الآخرة، أو أجر ~~على إيمانهم بنبيهم، وأجر آخر لإيمانهم برسول الله، ولكن هل معنى هذا ~~القول أن أهل الكتاب لم يؤمنوا؟ لا، إن ms1310 بعضهم قد آمن، فالحق سبحانه ~~وتعالى يؤرخ لهم تأريخا حقيقيا فيقول سبحانه: { منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } [آل عمران: 110] وكان ~~القياس أن يأتي وصف بعضهم بالإيمان، وأن يكون غيرهم من أبناء ملتهم ~~كافرين، لأن الإيمان يقابله الكفر، لكن الحق يحدد المعنى المناسب لفعلهم ~~فيقول: " وأكثرهم الفاسقون ". إنه الحق سبحانه وتعالى الذي يتكلم فيورد ~~كل كلمة بمنتهى الدقة، فهناك فرق بين أن تكفر وليس عندك مقدمات الإيمان ~~وأدلته، وأن تكفر وأنت تعرف مقدمات الإيمان كقراءة التوراة والإنجيل. لقد ~~قرأ أهل الكتاب التوراة والإنجيل ورأوا الآيات البينات وعرفوا البشارات ~~لذلك فهم عندما كفروا برسول الله، فسقوا أيضا مع الكفر. إن الذين كفروا ~~برسول الله من أهل الكتاب هم فاسقون حتى في كفرهم، لأن مقتضى معرفتهم ~~للبشارات والآيات أن يعلنوا الإيمان برسالة رسول الله، فالواحد منهم ليس ~~كافرا عاديا، بل هو فاسق حتى في الكفر لأنه عرف الحق، ثم خرج وفسق عنه. ~~وما دام الحق قد قال: { منهم المؤمنون وأكثرهم ~~الفاسقون } [آل عمران: 110] إذن ماذا يفعل المؤمن منهم مع الفاسق؟ ~~سيتربص الفاسقون وهم الأكثرية في اليهودية والنصرانية بالأقلية المؤمنة ~~ليوقعوا بهم الأذى والضرر، ويقول الحق سبحانه: { لن يضروكم إلا ~~أذى وإن يقاتلوكم يولوكم... }. ### || [3.111] # لكن الحق سبحانه يطمئن هذه الأقلية من إضرار الأكثرية بهم فيقول: { لن ~~يضروكم إلا أذى } [آل عمران: 111]. أي يا أيتها الأقلية التي ~~آمنت من أهل الكتاب - مثل عبد الله بن سلام الذي أسلم وترك اليهودية - ~~إياكم أن تظنوا أن الأكثرية الفاسقة قادرة على إنزال العذاب بكم فالحق - ~~سبحانه - يعلن أن محاولة الأكثرية لإنزال الضرر بالأقلية التي آمنت منهم ~~لن يتجاوز الأذى. ما هو الضرر؟ وما هو الأذى؟ إن الأذى هو الحدث الذي ~~يؤلم ساعة وقوعه ثم ينتهي، أما الضرر فهو أذى يؤلم وقت وقوعه، وتكون له ~~آثار من بعد ذلك، فعندما يصفع الإنسان إنسانا آخر صفعة بسيطة فالصفعة ~~البسيطة تؤلم، وألمها يذهب مباشرة، لكن إن كانت الصفعة قوية وتتسبب في ~~كدمات وتورم فهذا هو الضرر. إذن فالأذى يؤلم ساعة يباشر ms1311 الفعل فقط، وقد ~~يكون الأذى بالكلمة كالاستهزاء، فالفاسق قد يستهزئ بالذي آمن، فينطق ~~بكلمة الكفر أو الفجر، هذه الكلمة ليس لها ضرر في ذات المؤمن ولكنها ~~تؤذي سمعه. إن الحق سبحانه يطمئن المؤمنين على أن أهل الكفر لن يضروا ~~المؤمنين إلا أذى، وهذا أقصى ما في استطاعتهم، وليس لهذا الأذى أثر. إذن ~~فقول الحق: { لن يضروكم إلا أذى } [آل عمران: 111] يعني أنهم ~~لن يستطيعوا أن ينالوا منكم أبدا اللهم إلا الاستهزاء أو الغمز ~~واللمز، أو إشارة بحركة تؤذي شعور المؤمن، أو تمجد الكفر، وتعظمه أو بنطق ~~كلمة عهر أو فجر لا يوافق عليها الدين، هذا أقصى ما يستطيعه أهل الفسق، ~~وهم لا يملكون الضرر لأهل الإيمان. وبعد ذلك نرى أن واقع الأمر قد سار ~~على هذا المنوال مع الدعوة المحمدية ومع جنود سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. لقد أطلقها الله كلمة: { لن يضروكم إلا أذى } [آل ~~عمران: 111] فصارت الكلمة قانونا. فقد وقعت الوقائع بين جند رسول الله ~~وأهل الفسق، وثبت أن أهل الفسق لم يستطيعوا ضرر أهل الإيمان إلا أذى. ~~ولننظر إلى ما حدث لبني قينقاع، ولما حدث لبني قريظة، ولما حدث لبني ~~النضير، ولما حدث ليهود خيبر، هل ضروا المؤمنين إلا أذى؟ لقد قالوا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قوما أغرارا لا ~~علم لهم بالحرب فانتصرت عليهم، فإذا أنت حاربتنا فستعرف من الرجال. وكان ~~ذلك مجرد كلام باللسان. إن التاريخ يحمل لنا ما حدث لهم جميعا، لقد ~~هزمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد هذا أرادوا أن يرتفعوا عن ~~الأذى إلى الضرر الحقيقي فلم يمكنهم الله لأن الحق يقول: { وإن ~~يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون } [آل ~~عمران: 111]، فإن أراد أهل الفسق أن يصعدوا الأذى للمؤمنين ليوقعوا ~~ضررا حقيقيا، فإن الكافرين يولون الأدبار أمام المؤمنين، فهزيمتهم أمر ~~لا مناص منه. # ونحن نعرف في اللغة أن هناك ما نسميه " الشرط " وما نسميه " الجواب " ف ~~" إن " حرف شرط تجزم فعل الشرط ms1312 وجوابه فإن كان الفعل من الأفعال الخمسة ~~فإننا نحذف النون، لذلك نجد القول الحق: { وإن يقاتلوكم ~~يولوكم الأدبار } [آل عمران: 111]. إن " يقاتلوكم " فعل شرط ~~محذوفة منه النون. و " يولوكم الأدبار " أصلها يولونكم الأدبار. وهي جواب ~~شرط حذفت منه النون، وعندما يأتي العطف بعد ذلك، فهل يكون بالرفع أو ~~الجزم؟ إن العادة أن يكون العطف بالجزم!! لكن الحق يعطف بالرفع فيأتي ~~قوله: " ثم لا ينصرون ". إنها كسرة إعرابية تجعل الذهن العربي ~~يلتفت إلى أن هناك أمرا جللا، لأن المتكلم هو الله سبحانه. كيف جاءت " ~~النون "؟ هنا نقف وقفة فلننطق الآية ككلام البشر: إن يقاتلوكم يولوكم ~~الأدبار ثم لا ينصروا. وهذا القول يكون تأريخا لمعركة واحدة، لكن ما ~~الذي سوف يحدث من بعد ذلك؟ ماذا يحدث عندما يقاتل المؤمنون أهل الكفر ~~والفسق؟ وتكون الإجابة هي: " ثم لا ينصرون " إن هذا القول الحكيم يحمل ~~قضية بعيدة عن الشرط والجزاء، إنها حكم من الله على أهل الفسق بأنهم لا ~~ينصرون أبدا سواء أقاتلوا أم لم يقاتلوا إنها قضية ثابتة منفصلة، وليست ~~معطوفة على الشرط، فعلة عدم النصر، ليست القتال، ولكنها الكفر. وإذا ~~دققنا الفهم في العبارة حروفا - بعد أن دققنا فيها الفهم جملا - لوجدنا ~~معنى جديدا، فقد يظن إنسان أن القول كان يفترض أن يتأتى على نحو مغاير، ~~هو " يولوكم الأدبار فلا ينصرون " لأن الذي يأتي بعد ال " فاء " يعطي ~~أنهم لا ينتصرون عليكم في بداية عهدكم، وهذا ما تفيده الفاء لأنها ~~للترتيب والتعقيب. لكن الحق أورد حرف " ثم " وهو يفيد التراخي، وهذا يعني ~~أنهم لا ينصرون عليكم أيها المؤمنون حتى لو استعدوا بعد فترة لمعركة ~~يردون بها على توليهم الأدبار. إنه حكم تأبيدي، لأن " ثم " تأتي ~~للتعقيب مع التراخي، والفاء تأتي للتعقيب المباشر بدون تراخ. ولذلك ~~فعندما نقرأ القرآن نجد وضع الفاء كالآتي: # ثم أماته فأقبره # [عبس: 21]. لأن دخول القبر يكون بعد الموت مباشرة، وبعدها يقول الحق: # ثم إذا شآء أنشره # [عبس: 22]. فإذا كان هناك تعقيب بعد مدة زمنية فالحق يأتي ب " ثم ms1313 " ~~وإذا كان هناك تعقيب فوري بلا مدة يأتي الحق ب " ف ". والتعقيب في ~~الآية التي نتناولها يأتي بعد " ثم " ، وكأن هذا حكم مستمر من الحق بأن ~~أهل الفسق لن ينتصروا على أهل الإيمان، ولم بعد انتهاء المعركة القائمة ~~الآن بينهم، إنها هزيمة بحكم نهائي، هذا هو القول الفصل: " ثم لا ينصرون ~~" وهو أشد وقعا مما لو جاء " لا ينتصرون " لماذا؟ لأن من الممكن ألا ~~ينتصر أهل الكفر بذواتهم، ولكن الإيضاح يؤكد أنهم - أهل الكفر - لا ~~ينتصرون لا بذواتهم، ولا ينصرون بغيرهم أيضا. # إن " ثم لا ينصرون " قضية قائمة فليست المسألة مقصورة على عهد رسول الله ~~فقط، ولكنها ستظل إلى أبد الآبدين. ومن السطحية في الفهم أن نقول: إن ~~الآية كانت تتطلب أن يكون القول " ثم لا ينصروا " لأن الإعراب يقتضي ذلك. ~~لكن المعنى اللائق بالمتكلم وهو الحق سبحانه وتعالى الذي يعطي الضمان ~~والاطمئنان للأمة المسلمة أمام خصومها لا بد أن يقول: " ثم لا ينصرون " ~~وهي أكثر دقة حتى من " لا ينتصرون " لأن " ينتصرون " فيها مدخلية الأسباب ~~منهم، أما " ثم لا ينصرون " فهي تعني أن لا نصر لهم أبدا، حتى وإن تعصب ~~لأهل الفسق قوم غيرهم وحاولوا أن ينصروهم فلن يستطيعوا ذلك. فإن رأيتم - ~~أيها المسلمون - نصرا للكافرين عليكم منهم أو بتعصب قوم لهم فاعلموا ~~أنكم دخلتم معهم على غير منهج الله. وقد يأتي إنسان ويقول: كيف ينتصر ~~علينا اليهود ونحن مسلمون؟ ونقول: هل نحن نتبع الآن منهج وروح الإسلام؟ ~~وماذا عندنا من الإسلام ومن الإيمان؟ هل تحسب نفسك على ربك أثناء هزيمتك؟ ~~وهل دخلت معركتك كمعركة إسلامية؟ لا، لقد انتبهنا إلى كل شيء إلا ~~الإسلام. قدمنا الانتماء لعصبية وقومية وعرقية على الإيمان فكيف نطلب ~~نصرا من الله؟ لا يحق لنا أن نطلب نصرة لله إلا إذا دخلنا المعركة ونحن ~~من جند الله. والهزيمة تحدث عندما لا نكون جندا لله لأن الله ضمن النصر ~~والغلبة لجنوده فقال: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. فإذا لم نغلب فتأكدوا أننا لسنا من جنود الله.. ms1314 ويقول ~~الحق من بعد ذلك: { ضربت عليهم الذلة أين ما ~~ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من... }. ### || [3.112] # ونحن نستخدم كلمة " ضرب " في النقود، عندما نقول: ضرب هذا الجنيه في ~~مصر، ومعنى ذلك أن الصانع يقوم بصنع قالب من مادة أكثر صلابة، من المادة ~~التي يصنع منها النقد ويرسم فيها الحفريات التي تبزر الكتاب والصور على ~~وجهي الجنيه، ثم يصب المادة في ذلك القالب، وتخضع للقالب فتبرز الكتابة ~~والصور، ولا تتأبى المادة على القالب. كأن " ضرب " معناها " ألزم " ~~بالبناء للمجهول فيهما، وكأن المادة المصنوعة تلزم القالب الذي تصب ~~فيه ولا تتأبى عليه ولا يمكن أن تتشكل إلا به. إذن فالضرب معناه الإلزام ~~والقسر على الفعل. وعندما يقول الحق: { ضربت عليهم الذلة } ~~[آل عمران: 112] أي لزمتهم الذلة لا يستطيعون الانفكاك عنها أبدا، كما ~~لا يستطيع المعدن المضروب نقدا أن ينفك عن القالب الذي صك عليه، وكأن ~~الذلة قبة ضربت عليهم، وقالب لهم، وقول الحق: { أين ما ثقفوا } ~~[آل عمران: 112] تفيد أنهم أذلاء أينما وجدوا في أي مكان. ولكن هناك ~~استثناء لذلك، ما هو؟ إنه قول الحق: { إلا بحبل من الله ~~وحبل من الناس } [آل عمران: 112] إنهم لا يعانون من الذلة في ~~حالة وجود عهد من الله أو عهد من أناس أقوياء أن يقدموا لهم الحماية: ~~فلما كانوا في عهد الله أولا وعهد رسوله ساعة دخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم المدينة وأعطاهم العهد، فكانوا آمنين، ولما خانوا العهد، ولم ~~يوفوا به ماذا حدث؟ ضربت عليهم الذلة مرة أخرى. إذن لقد كانوا في عهد ~~الله آمنين لكنهم خانوا العهد، وانقطع حبل الله عنهم، فهيجوا الهيجة التي ~~عرفناها ونزل بهم ما نزل، وهو ما حدث لبني قينقاع ولبني النضير وبني ~~قريظة ويهود خبير. إذن فهم قبل ذلك كانوا في عهد مع الله. وأنتم تعرفون ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما نزل المدينة بني المسجد وعقد ~~العهد بينه وبين اليهود وعاشوا في اطمئنان إلى أن خانوا العهد، فضربت ~~عليهم الذلة. ms1315 وطردوا من المدينة، كما يقول الحق: { ضربت عليهم ~~الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله ~~وحبل من الناس } [آل عمران: 112]. لقد أخذوا العهد من الله من ~~خلال من له الولاية على الناس، فالرسول في عهده كان قائما على أمر ~~المسلمين، وكذلك يكون الأمر معهم في ظل القائمين على أمر الإسلام، ويحدث ~~هذا عندما تسير الأمور بمنهج الإسلام. أما عن حبل الناس فذلك لأنهم لا ~~يملكون أي عزة ذاتية، إنهم دائما في ذلة إلا أن يبتغوا العزة من جانب ~~عهد وحبل من الله، أو من جانب حماية من الناس. ونحن نراهم على هذا الحال ~~في حياتنا المعاصرة، لا بد لهم من العيش في كنف أحد لذلك فعندما حاربنا " ~~إسرائيل " في حرب أكتوبر، انتصرنا عليهم إلى أن تدخلت أمريكا بثقلها ~~العسكري. # فقال رئيس الدولة المصري: " لا جلد لي أن أحارب أمريكا ". إذن لو ~~كانت الحرب بيننا وبينهم فقط لانتهت قوتهم فهم بلا عزة ذاتية، وتكون لهم ~~عزة لو كانوا في جانب حبل من الله، أو حبل من الناس. يقول الحق سبحانه ~~عنهم من بعد ذلك: { وبآءوا بغضب من الله وضربت ~~عليهم المسكنة } [آل عمران: 112] ولنا أن نلاحظ أن الذلة لها ~~استثناء، فهم ينالون العزة لو كانوا بجانب حبل من الله أو حبل من الناس، ~~أما المسكنة، فلا استثناء فيها، وقد قال الحق عنهم في موضع آخر في القرآن ~~الكريم: # وضربت عليهم الذلة والمسكنة وبآءو بغضب ~~من الله.. # [البقرة: 61]. لأن المسكنة أمر ذاتي في النفس، إنهم مساكين بأمر من ~~الله، أما الذلة فقد يأتي لهم من ينصرهم ويقف بجانبهم فالذلة أمر من ~~خارج، أما المسكنة فهي في ذاتيتهم، وعندما تكون المسكنة ذاتية، فلا إنقاذ ~~لهم منها لأنه لا حبل من الله يأتيهم فينجيهم منها، ولا حبل من الناس ~~يعصمهم من آثارها. ويقول الحق: { وبآءوا بغضب من الله } [آل ~~عمران: 112] وهل رأى أحد منا غضبا أكبر من أن الحق قد قطعهم في الأرض؟ ~~ولنقرأ قول الله: # وقطعناهم في الأرض أمما.. # [الأعراف: 168]. المكان الوحيد ms1316 الذي آواهم في زمن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هو الجزيرة العربية في يثرب، واستقروا قليلا، وصارت لهم سيادة ~~علمية لأنهم أهل كتاب، وصارت لهم سيادة اقتصادية، وكذلك سيادة حربية، ~~وهذا المكان الذي أواهم من الشتات في الأرض هو المكان نفسه الذي تمردوا ~~عليه. لقد كان السبب الذي من أجله قد جاءوا إلى يثرب هو ما كانوا يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة ففي التوراة جاء ما يفيد أن نبيا سيأتي في هذا ~~المكان ولابد أن يتبعوه كالميثاق الذي قلنا عليه من قبل: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران: 81]. وهذا الميثاق يقضي بأن يتولى الرسل بلاغ الأمم التي ~~بعثوا إليها، وأن يبلغ أهل الإيمان القادمين من بعدهم بأن هناك ~~رسولا قادما من عند الله بالمنهج الكامل. واليهود لم يأتوا إلى يثرب ~~إلا على أمل أن يتلقفوا النبي المنتظر ليؤمنوا به، ومن بعد ذلك يكونون ~~حربا على الكافرين بالله، لكن ما الذي حدث؟ إنه سبحانه يخبرنا بما حدث ~~منهم في قوله: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به.. # [البقرة: 89]. فماذا بعد أن باءوا بغضب من الله. وبعد أن ختم الله ~~قالبهم بالمسكنة؟ وما السبب؟ تكون الإجابة من الحق سبحانه: { ذلك ~~بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~الأنبيآء بغير حق } [آل عمران: 112] لقد أرسل الله لهم آيات ~~عجيبة ولكنهم كفروا بها، تلك الآيات التي جاءنا ذكر منها في قوله الحق: # وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم.. # [البقرة: 57]. كثير من الآيات أرسلها الحق لبني إسرائيل، منها ما جاء في ~~قوله الحق: # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ~~مآ ءاتينكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم ~~تتقون # [البقرة: 63]. ولكنهم تولوا عن الإيمان وأمامهم ضرب موسى عليه السلام ~~الحجر بالعصا فانفجرت منه عيون المياه ليشربوا. # وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب ms1317 بعصاك ~~الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم ~~كل أناس مشربهم.. # [البقرة: 60]. وبرغم ذلك فقد قاموا بقتل الأنبياء بغير حق. وادعوا الكذب ~~على أنبيائهم وقتلوهم، وفي شأنهم يقول الحق: { ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون } [آل عمران: 112] كان العصيان سببا لأن ~~تضرب عليهم الذلة، وأن يبوءوا بغضب من الله، وأن تضرب عليهم المسكنة، ~~وكل ذلك ناشئ من فعلهم. وهناك فرق بين أن يبدأهم الله بفعل، وبين أن ~~يعاقبهم الله على فعل، وحتى نفهم ذلك فلنقرأ قوله الحق: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا # [النساء: 160]. لقد حرم الله عليهم الطيبات بظلم منهم لأنفسهم، لأن معنى ~~تحريم الطيبات أن الله حرمهم متعة في طيب، وذلك لأنهم استحلوا متعة في ~~غير طيب لأن مرادات الشارع تأتي على عكس مرادات الخارجين عن أمر الشارع. ~~وكما قلنا من قبل: إن الحق سبحانه وتعالى يؤرخ للحق وللواقع ولا يشملهم ~~كلهم بحديث يجمعهم جميعا، فقد كان منهم أناس تراودهم فكرة الإيمان ~~بالرسول، وفكرة الإيمان بالقرآن، ومنهم من آمن فعلا لذلك كان من عدل ~~الله أن يفصل بين الذين يفكرون في الإيمان والمصرين على الكفر. لذلك يقول ~~سبحانه: { ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة قآئمة ~~يتلون آيات الله... }. ### || [3.113] # وهذا ما حدث بالفعل، لكن أي آيات لله كانوا يتلونها؟ إنها الآيات ~~المهيمنة، آيات القرآن ولماذا يقول الحق: { وهم يسجدون } [آل ~~عمران: 113] وهل هناك قراءة للقرآن ساعة السجود؟ حتى نعرف تفسير ذلك لا ~~بد لنا أن نعرف أن اليهود لا يصلون العتمة، أي الصلاة في الليل، وحتى ~~يعطيهم الله السمة الإسلامية قال عنهم: " يسجدون " ويعرفهم بأنهم ~~يقيمون صلاة العتمة، - العشاء - وهي صلاة المسلمين، وما داموا يصلون ~~صلوات المسلمين ويسجدون، إذن فهم مسلمون أو نفهم من قوله: " وهم يسجدون " ~~أن الصلاة عنوان الخضوع، والسجود أقوى سمات الخضوع في الصلاة. ما داموا ~~يصلون فلا بد أنهم يتلون آيات الله آناء الليل وهم يؤدون الصلاة بخشوع ~~كامل. ونعرف أن من حسن العبادة في الإسلام، ms1318 ومن السنن المعروفة قراءة ~~القرآن ليلا، وصلاة التهجد، وهذه في مدارج العملية الإيمانية التي يدخل ~~بها الإنسان إلى مقام الإحسان. و " آناء " جمع " إنى " مثلها مثل " أمعاء ~~" جمع " معى ". و " الآناء " هي مجموع الأوقات في الليل، وليست في " إنى ~~" واحد. فهناك مؤمن يقرأ القرآن في وقت من الليل، ومؤمن آخر يقرأ القرآن ~~في وقت آخر، وكأن المؤمنين يقطعون الليل في قراءة للقرآن، والذي يدخل مع ~~ربه في مقام الإحسان، فهو لا يصلي فقط صلاة العتمة وهي ستأخذ " إنى " ~~واحدا، أي وقتا واحدا، ولكنه عندما يصلي في آناء الليل فذلك دليل على ~~أنه يكرر الصلاة، وزاد على المفترض عليه، وما دام قد زاد على المفترض، ~~فهو لا يكتفي بتلاوة القرآن لأنه يريد أن يدخل في مقام الإحسان، أي أنه ~~وجد ربه أهلا لأن يصلي له أكثر مما افترض عليه، كأنه قد قال لنفسه: أنت ~~كلفتني يارب بخمس صلوات لكنك يارب تستحق أكثر من ذلك وكأن هذا البعض من ~~أهل الكتاب لم يكتفوا بإعلان الإيمان بالإسلام فقط، ولكنهم دخلوا بثقلهم، ~~فصلوا آناء الليل. وأحبوا أن ينطبق عليهم قول الله تعالى: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين # [الذاريات: 15-16]. ما معنى " محسن "؟ إنها وصف للإنسان الذي آمن بربه ~~فعبد الله بأكثر مما افترض تعبدنا الله بخمس صلوات فنزيدها لتصل إلى ~~عشرين مثلا، ونحن تعبدنا الله بصيام شهر في العام ومنا من يصوم في كل ~~شهر عددا من الأيام. وتعبدنا بالزكاة بالنصاب، ومنا من يزيد على النصاب، ~~وتعبدنا سبحانه بالحج مرة، ومنا من يزيد عدد مرات الحج. فحين يريد العبد ~~أن يدخل في مقام الإحسان فبابه هو أداء عبادات من جنس ما تعبده الله به ~~فالعبد لا يخترع أو يقترح العبادة التي يعبد بها الله، ولكنه يزيد فيما ~~افترضه الله. # وهؤلاء الذين آمنوا بالله من أهل الكتاب ويتحدث عنهم القرآن، لقد دخلوا ~~بثقلهم في الإسلام فصلوا آناء الليل وقرأوا القرآن، ودخلوا مقام الإحسان، ~~وأرادوا أن يطبقوا ms1319 القول الحق: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون # [الذاريات: 17]. أي أنهم ما داموا قد صلوا في الليل، وقليلا ما هجعوا ~~فلا بد أنهم قد أدوا الصلاة في آناء كثيرة من الليل. ونحن حين ندخل في ~~مقام الإحسان ونصلي في الليل، ونكون بارزين إلى السماء فلا يفصلنا شيء ~~عنها، وننظر فنجد نجوما لامعة تحت السماء الدنيا، وأهل السماء ينظرون ~~للأرض فيجدون مثلما نجد من النجوم المتلألئة اللامعة في الأرض، ويسألون ~~عنها فيقال لهم: إنها البيوت التي يصلي أهلها آناء الليل وهم يسجدون، وكل ~~بيت فيه هذا يضيء كالنجوم لأهل السماء. ويضيف الحق في صفات هؤلاء: # وبالأسحار هم يستغفرون # [الذاريات: 18] وهل فرض الله على خلقه بأن يصلوا آناء الليل فلا يهجعون ~~إلا قليلا من الليل؟ لا، ولكن من يريد أن يدخل في مقام الإحسان، فهو ~~يفعل ذلك. أما المسلم العادي فيكتفي بصلاة العشاء، وعندما يأتي الصبح فهو ~~يؤدي الفريضة. لكن من يدخل في مقام الإحسان فقليلا من الليل ما يهجع. ~~وينطبق عليه القول الحق: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم ~~يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم # [الذاريات: 15-19]. وهذه دقة البيان القرآني التي توضح مقام الإحسان، ~~فيكون في مالهم حق للسائل والمحروم، وليس هناك قدر معلوم للمال الذي ~~يخرج، لأن المقام هنا مقام الإحسان الذي يعلو مقام الإيمان، ومقام ~~الإيمان - كما نعرف - قد جاء ذكره في قوله الحق: # والذين في أموالهم حق معلوم * للسآئل ~~والمحروم * والذين يصدقون بيوم الدين # [المعارج: 24-26]. فالإنسان في مقام الإيمان قد يقيد الإخراج من ماله ~~بحدود الزكاة أو فوقها قليلا، لكن في مقام الإحسان فلا حدود لما يخرج من ~~المال. وهكذا نعرف أن أهل الكتاب ليسوا سواء فمنهم من دخل الإسلام من باب ~~الإحسان، فقال فيهم الحق: { ليسوا سوآء من أهل الكتاب ~~أمة قآئمة يتلون آيات الله آنآء الليل وهم ~~يسجدون } [آل عمران: 113]، وكأن الحق بهذا الاستثناء الواضح. يؤكد ~~لنا أننا ms1320 لا يصح أن نظن أن أهل الكتاب جميعهم هم الذين جاء فيهم قوله: # ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون الأنبيآء بغير حق ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون # [آل عمران: 112] لا فأهل الكتاب ليسوا سواء، ولذلك لا يكون حكم الله ~~منسحبا عليهم جميعا، فمن أهل الكتاب جماعة قائمة بتلاوة القرآن آناء ~~الليل وهم يسجدون، إنهم أمة قائمة، وكلمة " قائم " هي ضد " قاعد " ، ~~والقعود غير الجلوس، فالجلوس يكون عن الاضطجاع فيقال: كان مضطجعا فجلس. # لكن عندما نقول: " كان قائما " فإننا نقول فقعد، فالقعود يكون بعد ~~القيام. والقعود في الصلاة مريح، أما القيام فهو غير مريح، ونحن نعرف أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقف في الصلاة حتى تتورم قدماه لأن الثقل ~~كله على القدمين، ولكن عندما نقعد فنحن نوزع الثقل على جملة أعضاء الجسم. ~~وعندما يصفهم الحق: { من أهل الكتاب أمة قآئمة } [آل ~~عمران: 113] فمعنى ذلك أنهم أخذوا أمانة أداء الفروض بكل إخلاص، وكانوا ~~يؤدون الصلاة باستدامة وخشوع. ويستمر الحق في وصفهم في الآية التالية: { ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر... }. ### || [3.114] # وهم بالإيمان بالله واليوم الآخر، وبالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ~~إنما يتصفون بالصفات التي أوردها الله صفة لخير أمة أخرجت للناس وهي أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. لقد دخل هذا البعض من أهل الكتاب بثقلهم - ومن ~~أول الأمر - في مقام الإحسان، وما داموا قد دخلوا في مقام الإحسان فهم ~~بحق كانوا مستشرفين لظهور النبي الجديد. وبمجرد أن جاء النبي الجديد ~~تلقفوا الخيط وآمنوا برسالته، وصاروا من خير أمة أخرجت للناس. ويكمل الحق ~~سبحانه صفاتهم بقوله: { ويسارعون في الخيرات } [آل عمران: ~~114] وهذا كمثل قوله سبحانه وتعالى في حق المؤمنين: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين # [آل عمران: 133]. ونحن نعرف أن هناك فرقا بين " السرعة " و " العجلة " ~~ف " السرعة " و " العجلة " يلتقيان في تقليل الزمن بالنسبة للحدث، ومثال ~~ذلك أن يقطع إنسان المسافة من مكان إلى مكان في زمن معين، والذي ms1321 يسرع في ~~قطع المسافة هو الذي يستغرق من الزمن أقل وقت ممكن ولكن هناك اختلاف بين ~~السرعة والعجلة، وأول خلاف بينهما يتضح في المقابل، فمقابل السرعة ~~الإبطاء، ويقال: فلان أسرع، وعلان أبطأ ومقابل " العجلة " هو " الأناة " ~~فيقال: فلان تأنى في اتخاذ قراره. فالسرعة ممدوحة ومقابلها وهو " الإبطاء ~~" مذموم، " والعجلة " مذمومة، ومقابلها هو التأني ممدوح لأن السرعة هي ~~التقدم فيما ينبغي التقدم فيه، والعجلة هي التقدم فيما لا ينبغي التقدم ~~فيه، ولذلك قيل في الأمثال: " في العجلة الندامة، وفي التأني السلامة " ~~وقال الحق: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم.. # [آل عمران: 133]. وهو سبحانه: هنا يقول { ويسارعون في ~~الخيرات } [آل عمران: 114] أي كلما لمحت لهم بارقة في الخير فهم ~~يسرعون إليها، أي أنهم يتقدمون فيما ينبغي التقدم فيه، إنهم يعلمون أن ~~الإسراع إلى الخير حدث، وكل حدث يقتضي حركة، والحركة تقتضي متحركا، ~~والمتحرك يقتضي حياة، فما الذي يضمن للإنسان أن تظل له حياة، لذلك يجب أن ~~تسرع إلى الخيرات، وسيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه كان ~~ينام القيلولة، وكان حاجبه يمنع الناس من إيقاظ الخليفة، فجاء ابن عمر بن ~~عبد العزيز وقال للحاجب: أريد أن أدخل على أمير المؤمنين الساعة، فمنعه ~~الحاجب قائلا: إنها ساعة يستريح فيها وهو لا يستريح من الليل أو النهار ~~إلا فيها، فدعه ليستريح. وسمع سيدنا عمر بن عبد العزيز الضجة، فسأل ~~الحاجب. قال الحاجب: إنه ابنك، ويريد أن يدخل عليك وأنا أطالبه ألا يدخل ~~حتى تستريح. قال عمر بن عبد العزيز للحاجب: دعه يدخل. # فلما دخل الابن على أبيه، قال الابن: يا أبي بلغني أنك ستخرج ضيعة كذا ~~لتقفها في سبيل الله. قال عمر بن عبد العزيز أفعل إن شاء الله. غدا ~~نبرمها. قال الابن متسائلا: هل يبقيك الله إلى غد؟ فقال عمر بن عبد ~~العزيز وهو يبكي: الحمد لله الذي جعل من أولادي من يعينني على الخير. لقد ~~أراد الابن من أبيه أن يسارع إلى الخير، فما دامت هبة الخير قد هبت ~~عليه فعلى ms1322 الإنسان أن يأخذ بها لأن الإنسان لا يدري أغيار الأحداث في ~~نفسه، لذلك فعليه أن يسارع إلى اقتناص هبة الخير، وها هو ذا ابن عمر بن ~~عبد العزيز يعين والده على الخير، لكننا في زماننا قد نجد من الأبناء من ~~يطلب الحجر على أبيه إن فكر الأب في فعل الخير، متناسين قول الحق: { ~~ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين } [آل ~~عمران: 114]. وهنا يبرز سؤال هو: لأي عمل هم صالحون؟ والإجابة تقتضي ~~قليلا من التأمل، إننا نقول في حياتنا: " إن فلانا رجل صالح " ومقابله ~~" رجل طالح ". والإنسان صالح للخلافة، فقد جعل الله آدم وذريته خلفاء في ~~الأرض، والرجل الصالح يرى الشيء الصالح في ذاته فيترك هذا الشيء على ما ~~هو عليه أو يزيده صلاحا. أما الرجل الطالح أو المفسد فهو يأتي إلى الشيء ~~الصالح فيفسده، ولا يفعل صلاحا. إن الرجل - على سبيل المثال - قد يجد ~~بئرا يأخذ منه الناس الماء، فإن لم يكن من أهل العزم فإنه يتركه على ~~حاله. وإن كان طالحا فقد يردم البئر بالتراب. أما إن كان الرجل من أهل ~~الصلاح والعزم فهو يحاول أن يبدع في خدمة الناس التي تستقي من البئر، ~~فيفكر ليبني خزانا عاليا ويسحب الماء من البئر بآلة رافعة، ويخرج من ~~الخزان أنابيب ويمدها إلى البيوت، فيأخذ الناس المياه وهم في المنازل، إن ~~هذا الرجل قد استخدم فكره في زيادة صلاح البئر. إذن فكلمة " رجل صالح " ~~تعني أنه صالح لأن يكون خليفة في الأرض وصالح لاستعمار الأرض أي أن ~~يجعلها عامرة، فيترك الصالح في ذاته، أو يزيده صلاحا، ويحاول أن يصلح أي ~~أمر غير صالح. الرجل الصالح عندما يعمل فهو يحاول أن يجعل عمله عن عمق ~~علم، فلا يقدم على العمل الذي يعطي سطحية نفع ثم يسبب الضرر من بعد ذلك. ~~ومثال ذلك حين اخترعوا المبيدات الحشرية ظنوا أنهم تغلبوا على الآفات في ~~الزراعة، لكنهم لم يعرفوا أنهم قد أضروا بالزراعة وبالبيئة أكثر مما ~~أفادوا، لذلك عادوا يقولون: لا تستعملوا هذه المبيدات لأنها ذات ms1323 أضرار ~~جمة، ولهذا لا بد أن يكون كل عمل قائما على قواعد علمية سليمة، ولنقرأ ~~قوله تعالى: # ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا # [الإسراء: 36]. وقوله سبحانه: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف: 103-104]. إذن فقد كرم الله من آمن من أهل الكتاب فوصفهم الوصف ~~الحقيقي، فهم يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون، ويؤمنون بالله ~~واليوم الآخر، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويسارعون في الخيرات، ~~ثم يحكم الحق عليهم حكما عاما بأنهم من الصالحين لعمارة الكون والخلافة ~~في الأرض. ومن بعد ذلك يضيف الحق: { وما يفعلوا من خير ~~فلن يكفروه والله... }. ### || [3.115] # إنه سبحانه يعطيهم الجزاء العادل، وإن شيئا لا يضيع عنده وهو الحق ~~فالخير الذي يفعلونه لن يجحد لهم أو يستر عن الناس لأنه سبحانه عليم ~~بالمتقين، فمن الجائز أن يصنع إنسان الأعمال ولا يراها أحد، أما الحق فهو ~~يرى كل عمل، وهو الذي يملك حسن الجزاء. وبعد ذلك يعود الحق لتبيان حال ~~الذين كفروا فيقول: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا... }. ### || [3.116] # يظن الكافرون أن الأموال والأولاد قد تغني من الله، إنهم لا يحسنون ~~التقدير، فالأموال والأولاد هما من مظان الفتنة مصداقا لقوله تعالى: # واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة وأن ~~الله عنده أجر عظيم # [الأنفال: 28]. وما دامت الأموال والأولاد فتنة فلا بد أن نفهم الأمر ~~على حقيقته فالفتنة ليست مذمومة في ذاتها لأن معناها اختبار وامتحان، وقد ~~يمر الإنسان بالفتنة، وينجح. كأن يكون عنده الأموال والأولاد، وهم فتنة ~~بالفعل فلا يغره المال بل إنه استعمله في الخير، والأولاد لم يصيبوه ~~بالغرور بل علمهم حمل منهج الله وجعلهم ينشأون على النماذج السلوكية في ~~الدين، لذلك فساعة يسمع الإنسان أي أمر فيه فتنة فلا يظن أنها أمر سيء بل ~~عليه أن يتذكر أن الفتنة هي اختبار وابتلاء وامتحان، وعلى الإنسان أن ~~ينجح مع ms1324 هذه الفتنة فالفتنة إنما تضر من يخفق ويضعف عند مواجهتها. ~~والكافرون لا ينجحون في فتنة الأموال والأولاد، بل سوف يأتي يوم لا ~~يملكون فيه هذا المال، ولا أولئك الأولاد، وحتى إن ملكوا المال فلن ~~يشتروا به في الآخرة شيئا، وسيكون كل واحد من أولادهم مشغولا بنفسه، ~~مصداقا لقول الحق: # يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا ~~يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة ~~الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور # [لقمان: 33]. إن كل امرئ له يوم القيامة شأن يلهيه عن الآخرين، ~~والكافرون في الدنيا مشغولون بأموالهم وأولادهم وعندما نتأمل قوله: { ~~لن تغني عنهم } [آل عمران: 116] نجد أننا نقول: أغناه عن كذا ~~أي جعله في استغناء فمن هو الغني إذن؟ الغني هو من تكون له ذاتية غير ~~محتاجة إلى غيره، فإن كان جائعا فهو لا يأكل من يد الغير، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " ليس الغني عن كثرة العرض، ولكن الغني غني النفس ". # والمقصود بالعرض هو متاع الحياة الدنيا قل أو كثر، ومتاع، وعرض ~~الدنيا كالماء المالح، كلما شربت منه ازددت ظمأ. إن الكافر من هؤلاء يخدع ~~نفسه ويغشها، ويغتر بالمال والأولاد وينسى أن الحياة تسير بأمر من يملك ~~الملك كله، إن الكافر يأخذ مسألة الحياة في غير موقعها، فالغرور بالمال ~~والأولاد في الحياة أمر خادع، فالإنسان يستطيع أن يعيش الحياة بلا مال أو ~~أولاد. ومن يغتر بالمال أو الأولاد في الحياة يأتي يوم القيامة ويجد ~~أمواله وأولاده حسرة عليه لماذا؟ لأنه كلما تذكر أن المال والأولاد ~~أبعداه عما يؤهله لهذا الموقف فهو يعاني من الأسى ويقع في الحسرة. ويقول ~~الحق سبحانه عن هذا المغتر بالمال والأولاد وهو كافر بالله: { ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [آل عمران: ~~116] وهذا مصير يليق بمن يقع في خديعة نفسه بالمال أو الأولاد. # وكيف يكون الإنسان صاحبا للنار؟ لنعرف أولا معنى كلمة " الصاحب " ، إن ~~الصاحب هو الملازم فنحن نقول: فلان صاحب فلان أي ملازمه، لكن ms1325 من أين تبدأ ~~الصحبة؟. إن الذي يبدأ الصحبة هو " فلان " الأول، ل " فلان الثاني " ~~الذي يقبل الصحبة أو يرفضها، وهذا أمر قد نعرفه وقد لا نعرفه، وعن الصحبة ~~مع النار نرى أن الإنسان يلوم نفسه ويؤنبها على أنه اختار النار وصاحبها. ~~ألسنا نرى في الحياة إنسانا قد ارتكب ذنبا وأصابه ضرر، فيضرب نفسه ~~ويقول: أنا الذي استأهل ما نزل بي وأستحقه، وكذلك الإنسان الكافر يجد ~~نفسه يوم القيامة، وهو يدخل النار، ويقول لنفسه: أنا أستحق ما فعلته ~~بنفسي، وتقول النار لحظتها ردا على سؤال الحق لها: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30]. وفي الآخرة نرى أبعاض الإنسان الكافر وهي تبغض صاحبها، فإذا ~~كان للإنسان ولاية على أبعاضه في الدنيا، وهي خاضعة لإرادته إلا أن هذه ~~الأبعاض تأتي يوم القيامة وصاحبها خاضع لإرادتها. إن الظالم يقول ليده في ~~الدنيا، " اضربي فلانا وشددي الصفعة " فلم تعصه يده في الدنيا لأن الله ~~خلقها خاضعة لإرادته، والظالم لنفسه بالكفر يأمر لسانه أن ينطق كلمة ~~الكفر، فلا يعصاه اللسان في الدنيا، لماذا؟ لأن أبعاضه خاضعة لإرادته في ~~الحياة الدنيا، لكن ذلك الكافر يأتي يوم القيامة وتنعزل عن إرادته، ~~فتتحرر أبعاضه، ولا تكون مرغمة على أن تفعل الأفعال التي لا ترتضيها، ~~وتتمرد الأبعاض على صاحبها، وتشهد عليه. قد يقول قائل: ولكن الأبعاض هي ~~التي تتعذب. نعم، ولكنها تقبل العذاب تكفيرا عما فعلت. إذن فالصحبة تبدأ ~~من الأبعاض للنار { وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } [آل عمران: 116] فإن رأينا كفارا يعملون خيرا في الدنيا ~~فليحذر كل منا نفسه قائلا: إياك يا نفس أن تنخدعي بذلك الخير. لماذا؟ ~~لأن الكافر يعيش كفر القمة، وكل عمل مع كفر القمة هو عمل حابط عند الله، ~~وإن كان غير حابط عند الناس. وبعد ذلك يقول الحق عن هؤلاء الكافرين: { ~~مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ~~ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم ~~فأهلكته... }. ### || [3.117] # إن الحق يصف ما ينفقه هؤلاء الكافرون في أثناء الحياة ms1326 الدنيا وهم بعيدون ~~عن منهج الله إنه - سبحانه - يشبهه بريح فيها صر، أي شدة، فمادة " الصاد ~~والراء " تدل على الشدة والضجة والصخب، ومثال ذلك ما قاله الحق عن امرأة ~~إبراهيم: # فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت ~~عجوز عقيم # [الذاريات: 29]. إنها أتت وجاءت بضجيج لأنها عجوز وعقيم ويستحيل عادة أن ~~تلد. ومثل قوله الحق: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6]. والريح الصرصر هي التي تحمل الصقيع ولها صوت مسموع. وقوله ~~الحق: { كمثل ريح فيها صر } [آل عمران: 117] أي أن الريح جعلت ~~البرد شائعا وشديدا، فالبرد قد يكون في منطقة لا ريح فيها، ويظل باقيا ~~في منطقته تلك، وعندما تأتي الريح فإنها تنقل هذا البرد من مكان إلى مكان ~~آخر، فتتسع دائرة الضرر به. وماذا تفعل الريح التي فيها شدة برد؟ إنها ~~تفعل الكوارث، ويقول عنها الحق: { أصابت حرث قوم ظلموا ~~أنفسهم فأهلكته } [آل عمران: 117] وساعة نسمع كلمة " حرث " ~~فنحن نعرف أنه الزرع، وقد سماه الله حرثا، ليعرف الإنسان إنه إن لم يحرث ~~فلن يحصد، يقول الحق: # أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون * لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم ~~تفكهون # [الواقعة: 63-65]. كأن الريح العارمة تفسد الحرث، وهو العملية اللازمة ~~للإنبات فالحرث إثارة للأرض، أي جعل الأرض هشة لتنمو فيها الجذور ~~البسيطة، وتقوى على اختراقها، وأخذ الغذاء منها، وهذه الجذور تستطيع - ~~أيضا - من خلال هشاشة الأرض المحروثة أن تأخذ الهواء اللازم للإنبات. إن ~~الحق سبحانه يريد أن يضرب لنا المثل وهو عن جماعة غير مؤمنين أنفقوا ~~أموالهم في الخير، لكن ذلك لا ينفعهم ولا جدوى منه. مصداقا لقوله تعالى: ~~{ كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا ~~أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن ~~أنفسهم يظلمون } [آل عمران: 117] وهكذا يكون مصير الإنفاق على ~~نية غير مؤمنة، كهيئة الحرث الذي هبت عليه ريح فيها صوت شديد مصحوب ببرد، ~~فال " صر " فيه الشدة والبرودة والعنف، وحاتم الطائي كريم العرب يقول ~~لعبده: # أوقد فإن الليل ليل قر # والريح يا غلام ريح صر # عل ms1327 يرى نارك من يمر # إن جلبت ضيفا فأنت حر # إن هذا الرجل الكريم يطلق سراح العبد إذا ما هدى ضيفا إلى منزل حاتم ~~الطائي. " والليل القر ": هو الليل الشديد البرودة. و " الريح الصر ": هي ~~الريح الشديدة المصحوبة بالبرد. ونعرف في قرانا أن الصقيع ينزل على ~~بعض المزروعات، فيتلفها. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه قد جاء بهذه الآية ~~الكريمة بعد أن أوضح لنا في الآية السابقة عليها أن الذين كفروا لن تغني ~~عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا ومصيرهم النار، وهو سبحانه يدفع أي شبهة ~~تطرأ على السامع، وهي أن هذه الأموال التي أنفقها الكافرون لعمل الخير، ~~لن تغني عنهم شيئا في الآخرة لأنهم لا يملكونها. # لماذا؟ لأن العمل إنما يراد للثواب عليه، والنية دائما هي التي تحدد ~~الهدف من كل حركة.. فهل كان في نية الكفار حين أنفقوا أموالهم في الخير ~~الذي يعلمه الناس كالمساعدات، وتفريج الكرب، وإنشاء المستشفيات هل كان في ~~بال هؤلاء الكفار رب هذه النعم، أو كانوا يعملونها طمعا في جاه ~~الدنيا، وتقدير التاريخ وذكر الإنسانية؟ لا شك أنهم كانوا يعملونها ~~للجاه، أو للتاريخ، أو للإنسانية لأنهم لا يؤمنون بما وراء ذلك، فهم لا ~~يؤمنون بوجود إله ولا يؤمنون بوجود يوم آخر يحاسبون فيه على ما قدموا. ~~وقلنا من قبل: إن الذي يعمل عملا فليطلب أجره ممن عمل له، وما داموا قد ~~عملوا للدنيا وذكرها، وجاهها، والفخر فيها، فقد أعطتهم الدنيا كل شيء. ~~الحق سبحانه وتعالى يضرب لنا مثلا، وهو الذي يضرب الأمثال للناس لعلهم ~~يتذكرون. ومعنى المثل: أن يأتي إلى أمر معنوي قد يغيب عن بعض العقول ~~فهمه، فيشخصه ويمثله بأمر حسي يعرفه الجميع، ونحن نعرف أن المحسات هي أصل ~~المعنويات في الفهم. ونعرف أن الطفل أول ما تتفتح إدراكاته يدرك الشيء ~~المحس أولا، ثم بعد ذلك يكون من المحسات المعقولات. فالطفل - على سبيل ~~المثال - يرى نارا فيمسكها فتحرقه، فيتكون عند الطفل اقتناع بأن النار ~~محرقة. ويشرب الطفل عسلا، فيجده حلوا، فيتكون عنده اقتناع بأن العسل حلو ms1328 ~~الطعم، ويأكل الطفل شيئا مرا كالحنظل، فتتكون عنده قضية معلومة وهي أن ~~هذا الشيء مر الطعم، فكل المعلومات التي يعرفها الإنسان بوسائل إدراكه ~~المتعددة إنما تأتي من الأمور المحسة أولا. والأمور المحسة - كما علمنا ~~- وسائلها الحواس الخمس الظاهرة، وهي: العين لترى، والأذن لتسمع، والأنف ~~ليشم، واللسان ليذوق، والأنامل لتلمس، وهكذا نعرف أن كل حاسة ظاهرة لها ~~غاية في الإدراك. والإنسان يتمتع بحواس أخرى ندرك أعمالها، ولكنا لا ندرك ~~أجهزتها أو آلاتها. مثال ذلك: حاسة البعد وهي أن يعرف الإنسان هل الشيء ~~الذي يراه قريب منه أو بعيد عنه؟ وكذلك حاسة الثقل فيحمل الإنسان الشيء ~~فيعرف مدى ثقله، إنه يدرك ذلك الثقل بحاسة غير الحواس الخمس الظاهرة، هذه ~~الحاسة هي حاسة الثقل يكتشف بها الإنسان أن شيئا أثقل من شيء آخر ذلك أن ~~العضلات التي تحمل الشيء تعرف قدر الجهد المبذول في الحمل. وهناك حاسة ~~أخرى غير ظاهرة هي حاسة " البين " فيمسك الإنسان القماش بأنامله ليعرف ~~هل سمك هذا القماش أكبر من سمك قماش آخر؟ ولمعرفة سمك الشيء لا بد أن ~~يكون واقعا بين لامسين. # إذن فهناك حواس كثيرة تربي المعاني عندنا فكل الإدراكات بنت الحس، ولذلك ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. هذه هي الوسائل للإدراك، وقد أورد سبحانه السمع والأبصار ~~أولا لأنهما الوسيلتان الأساسيتان، وأورد من بعد ذلك " الأفئدة " وهي ~~المختصة بالمعاني والقلبيات وغيرها، فإذا أراد الله أن يضرب مثلا في أمر ~~معنوي قد تختلف فيه العقول فهو سبحانه يأتي بأمر حسي تتفق فيه الحواس. ~~ونعلم أن في اللغة أمرا اسمه " التشبيه " ، فعندما يجهل إنسان شيئا ~~يقول لمعلمه: شبه لي الأمر الذي أجهله بأمر أعرفه. والإنسان منا قد يسأل ~~صاحبه: أتعرف فلانا؟ فيقول الصاحب: لا أعرفه، فيقول الإنسان منا لصاحبه: ~~إن فلانا الذي لا تعرفه يساوي فلانا في الطول، ويساوي فلانا في اللون. ~~وهكذا ينتقل الإنسان من أمر لا يعرفه إلى أمر يعرفه. والحق سبحانه ms1329 يضرب ~~لنا المثل بالأمور الحسية، لنفهم الأمور المعنوية، والله يوضح لنا أن ~~الذين كفروا ساعة تكون لهم آلهة متعددة فملكاتهم تصاب بالاضطراب يقول - ~~سبحانه -: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون # [الزمر: 29]. إنه سبحانه يوضح لنا بالمثل الواضح مصير وحال رجل مملوك ~~لعدد من الشركاء، والشركاء الذين يملكون هذا العبد ليسوا متفقين، بل ~~بينهم نزاع وشقاق، وبطبيعة الحال لابد أن يكون هذا العبد مرهقا، وهكذا ~~تكون قضية الشرك بالله، إن العبد في مثل هذه الحالة يكون مشتتا وموزع ~~النفس بين الذين يملكونه وهم متشاكسون، أما قضية التوحيد فالحق يشبهها ~~بالقول: " ورجلا سلما لرجل ". وهكذا ينقلنا الحق سبحانه - رحمة بنا - ~~من المعنى العقدي العالي إلى معنى محس من الجميع، لنرى أن الرجل ~~المملوك لسيد واحد يتلقى أوامره من واحد فقط، وكذلك يريد الله في هذه ~~الآية أن يضرب مثلا لمن ينفق شيئا على غير نية إرضاء الله في طاعته، ~~فمهما أنفق هذا الإنسان فإن إنفاقه حابط. ونحن عندما نقرأ أمثال القرآن ~~الكريم علينا ألا نأخذ جزئية فقط، لا، لكن يجب أن نأخذ الجملة كلها لنفهم ~~المثل كله كصورة مؤتلفة مثلما ضرب الله لنا مثلا بالشركاء المتشاكسين ~~الذين يملكون رجلا، فعلينا إذن ألا نأخذ المثل بحرفيته، ولكن نأخذ ~~الأمر بمجموع المثل. مثال آخر، يقول الحق سبحانه: # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا # [الكهف: 45]. فهل الحياة الدنيا كالماء؟ لا، ولكن قصة الحياة كلها، تشبه ~~القصة التي يضربها الحق كمثل، الماء حين ينزل يختلط بالأرض، وبعد ذلك ~~تهتز، فتعطي نباتا، والنبات ينتج الزهر الجميل، وبعد ذلك ينتهي إلى ~~هشيم، هكذا هي الدنيا في زخرفتها فالبداية مزهرة، فيها نضارة وخضرة ~~وبهجة، ونهاية مؤلمة ومدمرة. # إذن فالحق سبحانه ينقل لنا معنى الحياة الدنيا ويشبهها بالأزهار والنبات ~~ونهايته أن يصبح هشيما تذروه الرياح، وهو ما يقوله في موضع ms1330 آخر من ~~القرآن الكريم. # فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك ~~نفصل الآيات لقوم يتفكرون # [يونس: 24]. وعندما نمعن النظر في قوله الحق: { مثل ما ينفقون ~~في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ~~أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ~~ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون } [آل عمران: ~~117]. نجد في هذه الآية " مشبها " و " مشبها به " ، المشبه هم ~~القوم الذين ينفقون أموالهم بغير نية الله، أي كافرون بالله، والمشبه ~~به: هو الزرع الذي أصابته الريح وفيها الصر، والنتيجة أنه لا جدوى هنا، ~~ولا هناك. ولماذا تصيب الريح حرث قوم ظلموا أنفسهم، وهل لا تصيب الريح ~~حرث قوم لم يظلموا أنفسهم؟ إن الذين ظلموا أنفسهم تنزل بهم هذه الكارثة ~~كعقوبة، مثلهم في ذلك مثل أصحاب الجنة الذين يقول فيهم الحق سبحانه: # إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * ~~فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون * ~~فأصبحت كالصريم # [القلم: 17-20]. لقد جزاهم الله بظلمهم، ولكن ألا نرى رجلا لم يظلم ~~نفسه وتصيب زراعته كارثة؟ إننا نرى ذلك في الحياة، والرجل الذي لم يظلم ~~نفسه وتصيب زراعته كارثة، ويصبر على كارثته، يأخذ الجزاء والثواب من ~~الله، ولعل الله قد أهلك بها مالا كانت الغفلة قد أدخلته في ماله من ~~طريق غير مشروع. هكذا تكون الكارثة بالنسبة للمؤمن لها ثواب وجزاء، أو ~~تكون تطهيرا للمال. أما الذي ينفق على غير نية الله وهو كافر، فلا ثواب ~~له. ويذيل الحق الآية بقوله { وما ظلمهم الله ولكن ~~أنفسهم يظلمون } [آل عمران: 117] فهو سبحانه لم يظلم الكافرين ~~حين جعل نفقتهم بدون جدوى ولا حصيلة لها عنده، ولكنهم هم الذين ظلموا ~~أنفسهم، لأنهم أنفقوا النفقة على غير هيئة القبول، وهم الذين صنعوا ذلك ~~عندما ظلموا أنفسهم بالكفر فحبطت أعمالهم، وتلك هي عدالة الحق سبحانه ~~وتعالى: ويقول الحق من بعد ذلك: { يأيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ~~ودوا ما عنتم... }. ### || [3.118] # حين يخاطب الله المؤمنين ويناديهم بقوله: { يأيها الذين ~~آمنوا ms1331 } [آل عمران: 118] فلتعلم أن ما يجيء بعد ذلك هو تكليف من الحق ~~سبحانه. فساعة ينادي الحق المؤمنين به، فإنه ينادي ليكلف، وهو سبحانه لا ~~يكلف إلا من آمن به، أما حين يدعو غير المؤمن به إلى رحاب الإيمان، فإنه ~~يثير فيه القدرة على التفكير، فيقول له: فكر في السماء، فكر في الأرض، ~~فكر في مظاهر الكون، حتى تؤمن أن للكون إلها واحدا. فإذا آمن الإنسان ~~بالإله الواحد، فإن الحق سبحانه وتعالى يقول له ما دمت قد آمنت بالإله ~~الواحد، فتلق عن الإله الحكم. إن الحق حين يقول: { يأيها ~~الذين آمنوا } [آل عمران: 118] فهو سبحانه يخاطب بالتكليف ~~المؤمنين به، وهو لا يكلف ب " افعل " و " لا تفعل " إلا من آمن، أما ~~من لم يؤمن فيناديه الله ليدخل في حظيرة الإيمان: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم # [البقرة: 21] فإذا ما دخل الإنسان في حظيرة الإيمان فالحق سبحانه وتعالى ~~يكرم هذا المؤمن بالتكليف ب " افعل " و " لا تفعل " وما دام العبد قد ~~آمن بالإله القادر الحكيم الخالق، القيوم، فليسمع من الإله ما يصلح ~~حياته. ويجيء في بعض الأحيان ما ظاهره أن الله ينادي مؤمنا به، ثم يأمره ~~بالإيمان كقول الحق: { يأيها الذين آمنوا } [آل عمران: 118]. ~~ويتساءل الإنسان كيف ينادي الله مؤمنا به، ثم يأمره بالإيمان؟ وهنا نرى ~~أن المطلوب من كل مؤمن أن يؤدي أفعال الإيمان دائما ويضيف لها ليستمر ~~ركب الإيمان قويا، فالحق حين يطلب من المؤمن أمرا موجودا فيه فلنعلم ~~أن الله يريد من المؤمن الاستدامة على هذا اللون من السلوك الذي يحبه ~~الله، وكأن الحق حين يقول: { يأيها الذين آمنوا } [آل عمران: ~~118] إنما يحمل هذا القول الكريم أمرا بالاستدامة على الإيمان، لأن ~~البشر من الأغيار. ونحن نعرف أن الله أفسح بالاختيار مجالا لقوم آمنوا ~~فارتدوا، فليس الأمر مجرد إعلان الإيمان ثم تنتهي المسألة، لا، إن ~~المطلوب هو استدامة الإيمان. وحين نقرأ قول الحق: { يأيها الذين ~~آمنوا } [آل عمران: 118] فلنفهم أن هناك تكليفا جديدا، وما دام في ~~الأمر تكليف فعنصر الاختيار موجود، إذن ms1332 فحيثية كل حكم تكليفي من الله له ~~مقدمة هي: { يأيها الذين آمنوا } [آل عمران: 118] ولا تبحث ~~أيها المؤمن في علة الحكم، وتسأل: لماذا كلفتني يارب بهذا الأمر؟ فليس من ~~حقك أيها المؤمن أن تسأل: " لماذا " ما دمت قد آمنت فالحق سبحانه لم يكلف ~~إلا من آمن به، فإذا كنت - أيها المؤمن - قد آمنت بأنه إله صادق قادر ~~حكيم فأمن الله على نفسك، ونفذ مطلوب الله ب " افعل " و " لا تفعل " ~~سواء فهمت العلة أم لم تفهمها. # وسبق أن ضربنا المثل وما زلنا نكرره. إن المريض الذي يشكو من سوء الهضم ~~بعد تناول الطعام يفكر أن جهازه الهضمي مصاب بعلة، ويفكر في اختيار ~~الطبيب المعالج ويختار طبيبا متخصصا في الجهاز الهضمي، ويذهب إلى هذا ~~الطبيب. وهنا ينتهي عمل العقل بالنسبة للمريض فقد اختار طبيبا وقرر ~~الذهاب إليه، والطبيب يجري الفحص الدقيق، ويطلب التحاليل اللازمة إن ~~احتاج الأمر، ويشخص الداء، ثم يكتب الدواء، وحين يكتب الطبيب الدواء ~~للمريض، فإن المريض لا يصح أن يقول للطبيب: لن آخذ هذا الدواء إلا إذا ~~أقنعتني بحكمته. بل عليه أن ينفذ كلام الطبيب، وهكذا يطيع المريض الطبيب، ~~وكلاهما مساو للآخر في البشرية، فكيف يكون أدب الإنسان مع خالقه؟ إن كل ~~عمل العقل عند المؤمن هو أن يؤمن بالله، وبعد أن آمنت - أيها المؤمن - ~~بالله حكيما، فتلق عن الله الحكم لأنه مأمون على أن يوجهك لأنك أنت ~~صنعته. إن الحق يأمر المؤمن بالصلاة، وعلى المؤمن أن يؤديها، ولا يبحث عن ~~علة الصلاة كأنها رياضة مثلا، لا، إن الأمر صادر من الحق بالصلاة، وحين ~~تصلي، فإنك تلتفت إلى أن نفسك قد انشرحت بالصلاة وشعرت بالراحة، فتقول ~~لنفسك: ما أحلى راحة الإيمانهذه هي علة الحكم الإيماني. إن علة الحكم ~~الإيماني يعرفها المؤمن بعد أن ينفذه، ولذلك نجد الحق من فضل كرمه، يقول ~~لنا: # واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء ~~عليم # [البقرة: 282]. فأنت ساعة أن تتقي الله في الحكم، يعطيك العلة، ويعطيك ~~راحة الإيمان، إنك أيها العبد لا تسأل ms1333 أولا عن الاقتناع بالعلة حتى تنفذ ~~حكما لله، لأن الحق سبحانه قد يؤجل بعض حيثيات الأحكام لخلقه قرونا ~~طويلة، ومثال ذلك أننا ظللنا لا نعرف علة حكم من الأحكام لمدة أربعة عشر ~~قرنا من الزمان مثل تحريم أكل لحم الخنزير، فهل كان على العباد المؤمنين ~~أن يؤجلوا أكل لحم الخنزير أربعة عشر قرنا إلى أن يمتلكوا معامل للتحليل ~~حتى نعرف المضار التي فيه؟ تلك المضار التي ثبتت معمليا.. لا. إن العباد ~~المؤمنين لم يؤجلوا تنفيذ الحكم، ولكنهم نفذوه، واكتشف أحفاد الأحفاد أن ~~فيه ضررا، وهذا يدفعنا إلى تنفيذ كل حكم لا نعرف له علة، إن هذا الحكم ~~له حكمة عند الله قد لا يستطيع عقل الإنسان أن يفهمها، ولكن ستأتي أشياء ~~توضح بعض الأحكام فيما لم يكن يعرفه الإنسان، وتعطينا تلك الإيضاحات ~~الثقة في كل حكم لا تعرف له علة، وتصبح علة كل حكم هي: { يأيها ~~الذين آمنوا } [آل عمران: 118]. إن الحق بهذا القول ينادي كل عبد ~~من عباده: يا من آمنت بي إلها خذ مني هذا التكليف. # ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - عندما يقول الطبيب: يا من صدقت أني ~~طبيب لمرضك خذ هذا الدواء وستشفى بإذن الله. وعندما يزور الإنسان مريضا ~~ويسأله: لماذا تأخذ هذا الدواء؟ فالمريض يجيب: لقد كتب الطبيب لي هذا ~~الدواء، فما بالنا بتنفيذ أحكام الله؟ إنه يجب أن ننفذها لأن الله قالها، ~~ولذلك فالعاقلون بعمق وجدية يختلفون عن مدعى العقل بسطحية، هؤلاء ~~العاقلون الجادون يقولون: إن هذا العقل مطية يوصلك إلى باب السلطان ولكن ~~لا يدخل معك عليه. فكأن العقل يوصلك إلى أن تؤمن بالله، ولكنه لا يحشر ~~نفسه فيما ليس له قدرة عليه. إن الحق سبحانه في هذا التكليف القادم: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من ~~دونكم } [آل عمران: 118] أي أنكم ما دمتم قد آمنتم، فعليكم الحفاظ ~~على هذا الإيمان بأن تبعدوا عنه نزغ الشيطان وكيد الأعداء. إن نزغ ~~الشيطان وكيد الأعداء إنما يأتي من البطانة التي تتداخل مع الإنسان. ~~ولنفهم كلمة " بطانة ms1334 " جيدا، إن بطانة الرجل هم خاصته، أي الناس الذين ~~يصاحبهم ويجلسون معه ويعرفون أسراره، وكلمة " بطانة " مأخوذة أيضا من ~~بطانة الثوب فنحن عندما نمسك أي قطعة من ثياب نرى أن الثوب خشن، ولذلك ~~فالصانع يضع للثوب الخشن بطانة ناعمة ويختارها كذلك لأنها متصلة بالجسم، ~~والبطانة من الأصدقاء تدخل على الناس بالنعومة وتستميلهم وتستعبدهم. ~~ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " الأنصار شعار، والناس دثار ". # " والشعار " هو الثوب الذي يلامس شعر الجسد، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يعلي من قيمة الذين استقبلوا الدعوة الإسلامية بمودة وحب. وهكذا نعرف أن ~~كلمة " بطانة " مأخوذة - كما قلنا - من بطانة الثوب، لأنها التي تلتحم ~~بالجسم حتى تحميه فنحن نرتدي الصوف ليعطينا الدفء، ونضع بينه وبين الجسم ~~بطانة لنبعد عن الجسم خشونة الصوف، ويسمون البطانة بالوليجة، أي التي ~~تدخل في حياة الناس، وكل شر في الوجود من هذه البطانة. إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو معصوم وموحى إليه وله من الصحابة ما يطمح أي عبد ~~مؤمن أن يتخذه قدوة له، هذا الرسول الكريم نجد بعضا من وصفه في حوار بين ~~سيدنا الحسين رضوان الله عليه وأبيه سيدنا علي كرم الله وجهه قال الحسن: ~~يا أبي قل لي عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال علي كرم الله ~~وجهه: كان رسول الله لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر. وفي الحديث: " كان ~~رسول الله يكثر الذكر ". لماذا؟ لأن الجلوس والقيام هو إبطال حركة بحركة، ~~فمن كان قائما فقعد فقد أدى حركة هي القعود، ومن كان جالسا فقام، فقد ~~أدى حركة هي القيام. # وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل حركة، شاكرا نعمة ~~الخالق عز وجل، والإنسان منا يستطيع أن يسأل نفسه: كم عضلة يحركها ~~الإنسان حتى يقعد أو يقوم؟ إنها أعداد كبيرة من العضلات تتحرك لتوازن ~~ارتفاع الجسم أو جلوسه، وهي أعداد لا يعرفها الإنسان. فما الذي جعل هذه ~~الأجهزة الصماء تفهم مراد الإنسان، وبمجرد أن يحاول الإنسان القيام، ms1335 فإنه ~~يقوم، وبمجرد أن يحاول الإنسان القعود، فإنه يقعد؟ إنك إذا رفعت يدك لا ~~تعرف ما هي العضلات التي تتحرك لترفع اليد، وتلك إدارة عالية يقول عنها ~~الشاعر: # " وفيك انطوى العالم الأكبر " # كأن العالم الكبير قد انطوى وصار في داخلك أنت. إنك إن أردت أن تنام ~~فإنك تنام، وتحب أن تقوم فتقوم. ويبين لك الحق أن أوامرك لعضلاتك وتحكمك ~~في مملكة جسدك، هي من تسخير الله تدرك ذلك حين تنظر حولك فتجد أنه سبحانه ~~قد سلب أحدا غيرك القدرة على رفع الذراع. وإياك أن تظن أن الحركة قد ~~واتتك لمجرد أن لك يدا، لا، إن غيرك قد تكون له يد ولكنه لا يستطيع أن ~~يأمرها فتتحرك. وهكذا نعرف أن كل الإرادات في النفس إنما تتحرك بتسخير ~~الحق لها لخدمة الإنسان. قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذي رد علي روحي وعافاني في ~~جسدي وأذن لي بذكره ". # انه يوجه الإنسان إلى ذكر خالقه عند كل قيام أو قعود، ورسولنا صلى الله ~~عليه وسلم يعلمنا أنه عند كل انفعال بكل حركة من الحركات علينا أن نذكر ~~الذي خلقنا وخلق فينا القدرة على الحركة. وليسأل كل منا نفسه: كم حركة ~~يتطلبها أمر من الإنسان بأن يحك ظهره مثلا؟ إنه عدد غير معروف من ~~الحركات. وهكذا علينا أن نحسن الأدب مع الله بأن نذكره في كل حركة فهو ~~الذي خلق كل إنسان منا صالحا لكل هذه القدرات. ونعود إلى وصف علي كرم ~~الله وجهه مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم: كان لا يجلس ولا يقوم إلا عن ~~ذكر. ولنتنبه إلى دقة الرسول في التعامل مع البطانة من البشر، فها هو ذا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانا لا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها. ~~ويوطن المكان، أي أن يخصص مكان لفلان ليجلس فيه، لقد كان الرسول يجلس حيث ~~انتهى به المجلس، وكذلك كان صحابته، فلا أحد يجلس دائما بجانبه حتى لا ~~يأخذ أحد من مكانته عند الرسول فرصة يتخيل ms1336 معها الآخرون أنه صاحب حظوة ~~فكلهم سواسية ونحن نرى في عصرنا أن هناك من يتخذ لنفسه مكانا في المسجد، ~~وهذا منهي عنه. فعن ابن عمرو رضي الله عنهما قال: # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب وافتراش السبع وأن ~~يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير " # ويضيف علي كرم الله وجهه في وصف مجلس رسول الله: وكان إذا ذهب إلى قوم ~~جلس حيث ينتهي به المجلس، " وكان يجلس على الأرض ويأكل على الأرض، يعتقل ~~الشاة ويجيب دعوة المملوك ". أهناك أدب أكثر من هذا؟ إنه الرسول الكريم، ~~يجلس حيث ينتهي به المجلس، لقد أراد أن يضرب لنا المثل حتى تتنوع ~~اللقاءات فاليوم قد يجلس مؤمن بجانب مؤمن من مكان بعيد، وغدا يجلس ~~كلاهما بجانب اثنين جاء كل منهما من مكان آخر، وهكذا تتحقق اندماجية ~~الإيمان بتنوع اللقاءات. ويقول علي كرم الله وجهه: وكان رسول الله يعطي ~~كل جلسائه نصيبهم من مجلسه حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه. إن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يعطي نظره لواحد، فهو ينظر كذلك لكل ~~واحد في مجلسه، وإن تكلم كلمة إلى ناحية فهو يعطي كلمة أخرى إلى الناحية ~~المقابلة وذلك حتى يعرف كل جليس للرسول أن المؤمنين سواسية، وأنه صلى ~~الله عليه وسلم رسول إلى الناس كافة وليس رسول إلى قوم بعينهم، وحتى يعرف ~~كل واحد من جلسائه أنه يجلس إلى رسوله الذي بعثه الله إليه. هكذا كان ~~سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يعطي القدوة للناس، وحتى يعرف كل ~~إنسان أن التحام الناس بعضهم ببعض قد يسبب لواحد استغلال الالتحام في غير ~~صالح الإيمان. لذلك يقول الحق سبحانه: يا أيها المؤمنون تنبهوا إلى أنكم ~~في معسكر من غير المؤمنين يقاتلكم ويعاند إيمانكم، وهؤلاء لا يمكن أن ~~يتركوكم على إيمانكم، بل لا بد أن يكيدوا لكم، وهذا الكيد يتجلى في أنهم ~~يدسون لكم أشياء، وينفذون إليكم. ونعرف جميعا أن الإسلام عندما جاء كان ~~كثير ممن آمن ms1337 له ارتباطات بمن لم يسلم فهناك القرابة، والصداقة، والإلف ~~القديم والجوار، والأخوة من الرضاعة، لذلك يحذر الحق من هذه المسائل، فلا ~~يقولن مؤمن: هذا قريبي، أو هذا صديقي، أو هذا حليفي، أو هذا أخي من ~~الرضاعة، فالإسلام يحقق لكم أخوة إيمانية تفوق كل ذلك، ولهذا فإياكم أن ~~تتخذوا أناسا يتداخلون معكم بالود لأن الشر يأتي من هذا المجال، وإياكم ~~أن تعتقدوا أن فجوة الإيمان والكفر بينكم ستذهب أو تضيق لأن الكفار لن ~~يتورعوا أن يدخلوا عليكم من باب الكيد لكم ولدينكم بكل لون من الألوان، ~~وهم - الكفار - لا يقصرون في هذا أبدا، لذلك يأتي الأمر من الحق: يا ~~أيها الذين آمنوا، احموا هذا الإيمان فلا تتداخلوا مع غير المؤمنين ~~تداخلا يفسد عليكم أمور دينكم لأنهم لن يهدأوا، لماذا؟ لأن حال هذه ~~البطانة معكم سيكون كما يلي: { لا يألونكم خبالا } [آل عمران: ~~118] أي لا يقصرون أبدا في الكيد لكم، والخبال: هو الفساد للهيئة ~~المدبرة للجسم وهو العقل، ونحن نسمى اختلال العقل " خبلا ". # إن الحق يقول: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما ~~عنتم قد بدت البغضآء من أفواههم وما تخفي ~~صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم ~~تعقلون } [آل عمران: 118]. فالمنهي عنه ليس أن تتخذ بطانة من ~~المؤمنين، ولكن المنهي عنه هو أن تتخذ بطانة من غير المؤمنين لأن المؤمن ~~له إيمان يحرسه، أما الكافر فليس له ما يحرسه، والبطانة من غير المؤمنين ~~لا تقصر في لحظة واحدة في أنها تريد للمؤمنين الخبال والفساد، ولا يقف ~~الأمر عند هذا الحد، بل إنهم يحبون العنت والمشقة للمؤمنين " ودوا ما ~~عنتم " والحق سبحانه وتعالى لا يريد لنا العنت، وفي هذا يقول سبحانه: # ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم # [البقرة: 220]. أي أنه سبحانه لو أراد، لكلفكم بأمور كثيرة تحمل المشقة، ~~لكن الحق سبحانه يسر لكم أيها المؤمنون، لكن أهل الكفر لا يودون إلا ~~الخبال للمؤمنين، ويحبون المشقة لهم. ومن أين تنشأ المشقة؟ إنك حين تكون ms1338 ~~مؤمنا فأنت تقوم بما فرضه عليك الدين، وهم يحاولون أن ينفخوا في المؤمن ~~بغير ما يقتضيه هذا الدين، فتتوزع نفس المؤمن، وبهذا النفخ تنقسم ملكات ~~المؤمن على نفسها، وعندما تنقسم الملكات على نفسها فإن القلق والاضطراب ~~يسيطران على الإنسان، فالقلق والاضطراب ينشآن عندما لا تعيش الملكات ~~النفسية في سلام وانسجام. ونحن نرى ذلك في المجتمعات التي وصلت إلى أرقى ~~حياة اقتصادية وأمورهم المادية ميسرة كلها، فالشيخوخة مؤمنة، وكذلك ~~التأمينات الصحية والاجتماعية، ودخل الإنسان مرتفع، لكنهم مع ذلك يعيشون ~~في تعب، وترتفع بينهم نسبة الانتحار، وينتشر بينهم الشذوذ، والسبب وراء ~~كل ذلك هو أن ملكاتهم النفسية غير منسجمة، وسلام الملكات النفسية لا ~~يتحقق إلا عندما يؤمن الإنسان، ويطبق تعاليم ما يؤمن به. فالرجل - على ~~سبيل المثال - حين ينظر إلى حلاله، أي زوجته، ينظر إليها براحة ويشعر ~~باطمئنان لأن ملكاته النفسية منسجمة، أما عندما تتجه عيناه إلى امرأة ~~ليست زوجته، فإنه يراقب كل من حوله حتى يعرف هل هناك من يراه أو لا؟ وهل ~~ضبطه أحد أو لا؟ وعندما يضبطه أحد فهو يفزع وتتخبط ملكاته. لذلك يحذر ~~الحق سبحانه المؤمنين: إياكم من البطانة من غير المؤمنين، لأنهم لايقصرون ~~أبدا ولا يتركون جهدا من الجهود إلا وهم يحاولون فيه أين يدخلوكم في ~~مشقة. والمشقة إنما تنشأ من أن الكافر يحاول أن يجذب المؤمن إلى الانحراف ~~والاضطراب النفسي وتشتت الملكات مستغلا القرابة والصداقة، مطالبا أن ~~يرضيه المؤمن بما يخالف الدين، ولا يستطيع المؤمن التوفيق بين ما يطلبه ~~الدين وما يطلبه الكافر لذلك تنقسم ملكات المؤمن ويحس بالمشقة. # والكافرون لا يتركون أي فرصة تأتي بالفساد للمؤمنين إلا انتهزوها ~~واغتنموها. { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة ~~من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد ~~بدت البغضآء من أفواههم } [آل عمران: 118]. وما دامت ~~البغضاء قد بدت من أفواههم فكيف نتخذهم بطانة؟ إنك حين تصنع لنفسك جماعة ~~من غير المؤمنين، فإنها تضم بعضا من المنافقين غير المنسجمين مع أنفسهم. ~~والمنافق له لسان يظهر خلاف ما يبطن. وعندما ms1339 يذهب المنافق إلى غير ~~المؤمنين فإن لسان المنافق ينقل بالسخرية كلام المؤمن. هكذا تظهر البغضاء ~~من أفواه المنافقين المذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إنهم ~~لا ينتمون إلى الإيمان ولا ينتمون إلى الكفر، والذي يصل المؤمنين من ~~بغضاء هؤلاء قليل، لأن ما تخفي صدورهم أكبر. وحين تبدوا البغضاء من ~~أفواههم، فإما أن يقولوها أمام منافقين، وإما أن يقولها بعضهم لبعض، ~~فيتبادلوا الاستهزاء والسخرية بالمؤمن، والله أعلم بمن قيل فيه هذا ~~الكلام، ولذلك فعندما يتحدث الكافرون بكلام فيما بينهم فالله يكشفهم ~~ويفضحهم لنا نحن المؤمنين. إن الله تعالى يكشف بطلاقة علمه كل الخبايا، ~~وكان على الكافرين والمنافقين أن يعلموا أن هناك إلها يرقب عملية ~~الإيمان في المؤمن حتى ينبهه إلى أدق الأشياء، لكنهم كأهل كفر ونفاق في ~~غباء، لقد كان مجرد نزول قول الحق: { قد بدت البغضآء من ~~أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر } [آل عمران: 118] كان ~~ذلك فرصة أمامهم ليدفعوا عن أنفسهم لو كانت صدورهم خالية من الحقد. لكنهم ~~عرفوا ان الله قد علم ما في صدورهم. إن الغيظ الذي في قلوب هؤلاء ~~الجاحدين الحاقدين قد نضح على ألسنتهم، ولكن من الذي نقل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وصحابته ما في صدور الكافرين مما هو أكثر من ذلك؟ إنه ~~الله - جلت قدرته - قد فضحهم بما أنزل من قوله تعالى: { وما تخفي ~~صدورهم أكبر } [آل عمران: 118] إذن لم يعد لمن آمن بالله حجة ~~لأن الله أعطاه المناعات القوية لصيانة ذلك الإيمان، وأوضح الحق للمؤمنين ~~أن أعداءهم لن يدخروا وسعا أبدا في إفساد انتمائهم لهذا الدين، فيجب أن ~~ينتبه المؤمنون. وإذا ما دققنا التأمل في تذييل الآية نجد أن الحق قال: { ~~قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون } [آل عمران: ~~118] إذن، فالآيات المنزلة من الله تعالى توضح ذلك، وقد قلنا من قبل: إن ~~الآيات، إما أن تكون آيات قرآنية، وإما أن تكون آيات كونية، فالقرآن له ~~آيات، والكون له آيات. ولنسمع قول الحق بالنسبة للقرآن: # وإذا بدلنآ آية ms1340 مكان آية والله أعلم بما ~~ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر بل أكثرهم لا ~~يعلمون # [النحل: 101]. وفي مجال الكون يقول الحق سبحانه: # ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا ~~تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي ~~خلقهن إن كنتم إياه تعبدون # [فصلت: 37]. وهكذا نعلم أن الآية هي الشيء العجيب اللافت الذي يجب أنه ~~ننتبه إليه لنأخذ منه دستورا لحياتنا. وعلى ذلك، فالآيات القرآنية تعطي ~~المنهج، والآيات الكونية تؤيد صدق الآيات المنهجية. ويجب أن تتفطنوا أيها ~~المؤمنون إلى هذه الآيات. والذي يدل على أن المؤمنين قد عقلوا وتفطنوا، ~~أن الآية الأولى بينت أنهم قد نهوا عن أن يتخذوا بطانة من دونهم - أي من ~~غير المؤمنين - وها هي ذي الآية التالية تقول: { هآأنتم أولاء ~~تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله ~~وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا ~~عليكم الأنامل من الغيظ... }. ### || [3.119] # وما زال الحديث والكلام عن البطانة، وهو يدل على أن البطانة لم تستطع أن ~~تلوي المؤمنين عن الإيمان، بل إن المؤمنين الذين ذاقوا حلاوة الإيمان ~~حاولوا أن يغيروا من الكافرين. ولم يفلح الكافرون أن يغيروا من المؤمنين، ~~وكذلك لم يفلح الكافرون أيضا أن يسيطروا على أنفسهم، ولم يكن أمام هؤلاء ~~الكافرين إلا النفاق، لذلك قالوا: " آمنا ". إن الآية تدلنا على أن ~~المؤمنون قد عقلوا آيات الحق. ولماذا - إذن - جاء الحق بقوله: " تحبونهم ~~ولا يحبونكم "؟ لقد أحب المؤمنون الكافرين حين شرحوا لهم قضية الحق في ~~منهج الإسلام، وأرادوا المؤمنون أن يجنبوا الكافرين متاعب الكفر في ~~الدنيا والآخرة، وهذا هو الحب الحقيقي، فهل بادلهم الكافرون الحب؟ لا ~~لأن هؤلاء الكافرون أرادو أخذ المؤمنين إلى الكفر، وهذا دليل عدم المودة. ~~ولم يستطع الكافرون تحقيق هذا المأرب، ولذلك قالوا: " آمنا " ومعنى ~~قولهم: " آمنا " يدلنا على أن موقف المسلمين كان موقفا صلبا قويا لذلك ~~لم يجد الكافرون بدا من نفاقهم { وإذا لقوكم قالوا آمنا } ~~[آل عمران: 119] قالوا ذلك على الرغم من ظهور البغضاء في أفواههم، ولم ~~يكن سلوكهم مطابقا لما يقولون. وهنا بدأ المسلمون في تحجيم ms1341 وتقليل ~~مودتهم للكافرين ولذلك قال أهل الكفر: لو استمر الأمر هكذا فسوف يتركنا ~~هؤلاء المسلمون.. وحتى يتجنبوا هذا الموقف ادعوا الإيمان في الظاهر، ~~وينقلب موقفهم إذا خلوا لأنفسهم، ويصور الحق هذا الموقف في قوله: { ~~وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } [آل ~~عمران: 119] فما هو العض؟ إن العض لغويا، هو التقاء الفكين على شيء ~~ليقضماه. وما الأنامل؟ إنها أطراف الأصابع، والأنامل فيها شيء من الدقة ~~وشيء من خفة الحركة المأخوذة من خلية النمل، ويسمون الأنامل أيضا ~~البنان، وعملية عض الأنامل عندما نراها نجدها عملية انفعالية قسرية. أي ~~أن الفكر لا يرتبها فليس هناك من يرضى أن يظل مرتكبا لعملية عض أصابعه، ~~فعض الأصبع يسبب الألم، لكن الامتلاء بالغيظ يدفع الإنسان إلى عض الأصابع ~~كمسألة قسرية نتيجة اضطراب وخلل في الانفعال. ومن أين يجيء الغيظ؟. لقد ~~جاء الغيظ إلى الكافرين لأنهم لم يستطيعوا أن يزحزحوا المؤمنين قيد شعرة ~~عن منهج الله، بل حدث ما هو العكس، لقد حاول المؤمنون أن يجذبوا الكافرين ~~إلى نور الإيمان، وكان الكافرون يريدون أن يصنعوا من أنفسهم بطانة يدخلون ~~منها إلى المؤمنين لينشروا مفاسدهم ولذلك وقعوا في الغيظ عندما لم يمكنهم ~~المؤمنون من شيء من مرادهم. إن الإنسان يقع أحيانا فريسة للغيظ حين لا ~~يتمكن من إعلان غضبه على خصمه ولهذا إذا أراد إنسان من أهل الإيمان أن ~~يواجه حسد واحد من خصومه فعليه أن يزيد في فضله على هذا الإنسان، وهنا ~~يزداد هذا الخصم غيظا ومرارة، أيضا نجد أن من تعاليم الإسلام أن ~~الإنسان المؤمن لا يقابل السيئة التي يصنعها فيه آخر بسيئة، وذلك حتى لا ~~يرتكب الذنب نفسه، ولكن يتبع القول المأثور: " إننا لا نكافئ من عصى ~~الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه ". # إنهم بإحسان المسلمين إليهم يزدادون خصومة، وغيظا وحقدا على الإسلام ~~وكان المسلمون الأوائل يتصرفون بذلك الأسلوب لقد كانوا جبالا إيمانية ~~راسخة. فخصوم الإسلام يعصون الله بسوء معاملتهم للمسلمين، لكن المسلمون ~~يردون على سوء المعاملة بحسن المعاملة، وساعة يرى خصوم ms1342 الإسلام أن كيدهم ~~لا يحقق هدفه فإنهم يقعون في بئر وحمأة الغيظ. وعندما يخلون الكافرون ~~لأنفسهم فأول أعمالهم هو عض الأصابع من الغيظ، وهو كما أوضحت نتيجة ~~الانفعال القسري التابع للغضب والعجز عن تحقيق المأرب ذلك أن كل تأثير ~~إدراكي في النفس البشرية إنما يطرق مجالا وجدانيا فيها. والمجال ~~الوجداني لا بد أن يعبر عن نفسه بعملية نزوعية تظهر بالحركة فالإنسان ~~عندما يسبب لواحد يعرفه لونا من الغضب فهو ينفعل بسرعة ويثور بالكلمات، ~~هذا دليل على طيبة الإنسان الغاضب. أما الذي لا يظهر انفعاله فيجب ~~الحذر منه لأنه يخزن انفعالاته، ويسيطر عليها، فلا تعرف متى تظهر ولا على ~~أية صورة تبدو ولذلك يقول الأثر: " اتقوا غيظ الحليم " فعندما تتجمع ~~انفعالات جديدة فوق انفعالات قديمة متراكمة في قلب الحليم فلا أحد يعرف ~~متى يفيض به الكيل. إذن فالإدراك ينشأ عنه وجدان، فينفعل الإنسان بالنزوع ~~الحركي. والتشريع الإسلامي لا يريد من الإنسان أن يكون حجرا أصم لا ~~ينفعل، لكنه يطلب من المسلم أن ينفعل انفعالا مهذبا ولذلك يضع الحق ~~للمؤمن منهجا، فيقول سبحانه: # الذين ينفقون في السرآء والضرآء والكاظمين ~~الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. إن القرآن يعترف بأن هناك من الأحداث ما يستدعي غيظ ~~الإنسان، والذي لا يغضب على الإطلاق إنما يسلك طريقا لا يتوافق مع طبيعة ~~البشر السوية، والله يريد من الإنسان أن يكون إنسانا، له عواطفه وشعوره ~~وانفعالاته، ولكن الله المربي الحق يهذب انفعالات هذا الإنسان، ولنا في ~~النبي صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، فحين مات ولده إبراهيم: قال ~~عليه الصلاة والسلام: # " إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا ~~إبراهيم لمحزونون ". # إن النبي صلى الله عليه وسلم يمزج بين العاطفة والإيمان، فالعين تدمع، ~~والقلب يحزن، والإنسان لا يكون أصم أمام الأحداث، إنما على الإنسان أن ~~يكون منفعلا انفعالا مهذبا. وعندما يعبر القرآن عن الإنسان السوي ~~فهو لا يضع المؤمن في قالب حديدي بحيث لا يستطيع أن يتغير فيقول ms1343 سبحانه: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.. # [المائدة: 54]. إذن فليس المؤمن مطبوعا على الذلة، ولا مطبوعا على ~~العزة، لكنه ينفعل للمواقف المختلفة، فهذا موقف يتطلب ذلة وتواضعا ~~للمؤمنين فيكون المؤمن ذليلا، وهناك موقف آخر يتطلب عزة على الكافرين ~~المتكبرين فيكون المؤمن عزيزا، والحق سبحانه يقول عن المؤمنين: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا # [الفتح: 29]. إن الرحمة ليست خلقا ثابتا، ولا الشدة خلقا ثابتا ~~ولكن المؤمنين ينفعلون للأحداث، فحين يكون المؤمن مع المؤمنين فهو ~~رحيم، وحين يكون في مواجهة الكفار فهو قوي وشديد. والله سبحانه لا يريد ~~المؤمن على قالب واحد متجمد، لذلك يقول الحق: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. وهو سبحانه القائل: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. # [النحل: 126]. إذن فالحق لم يمنع المؤمن من أن يعاقب أحدا على خطأ، ~~وذلك لأنه خلق الخلق وعليم بهم، ولا يمكن أن يصادم طباعهم، وذلك حتى لا ~~يتهدد المؤمن في إيمانه فيما بعد، فالمؤمن لو ترك حقوقه فإن الكفار ~~سيصولون ويجولون في حقوق المسلمين ولهذا فالمؤمن يتدرب على توقيع العقاب ~~حتى على المؤمن المخطئ، وذلك ليعرف المؤمن كيف يعاقب أي مجترئ على حق من ~~حقوق الله. والمؤمن أيضا مطالب بأن يرتقي بعقابه، فهو إما أن يعاقب بمثل ~~ما عوقب به، وإما أن يرتقي أكثر، ويستمع لقول الحق: # ولئن صبرتم لهو خير للصابرين # [النحل: 126]. لقد وضع الحق منهج الارتقاء بعد أن أعطى المؤمن الحق في ~~توقيع العقاب قصاصا، وهكذا لم يقسر الله طبع الإنسان ولو أراد سبحانه ~~ذلك لما خلق هذا الطبع إنه سبحانه يوضح لنا أن هناك انفعالا بالغيظ، وأن ~~المؤمن عليه أن يحاول كظم الغيظ أي لا يعبر عن الغيظ نزوعيا، فإن أخرج ~~المؤمن هذا الأمر من قلبه فمعناه أنه برئ وشفي منه وارتقى. إذن فكظم ~~الغيظ هو ألا يعبر المؤمن عن الغيظ نزوعيا، فإن سبك أحد فأنت لا ~~تسبه، وهذا الكظم يعني كتمان ms1344 الانفعال في القلب، فإذا ارتقى المؤمن أكثر ~~وتجاهل حتى الانفعال بذلك، فإنه يخرج الغيظ من قلبه، وهو بذلك يرتقي ~~ارتقاء أعلى، ويصفه الحق بأنه دخول إلى مرتبة الإحسان، فهو القائل: " ~~والله يحب المحسنين " وهكذا يحسن المؤمن إلى المسبب للغيظ بكلمة طيبة. ~~فماذا يكون موقف الذي تسبب في غيظك أيها المؤمن وأنت قد كظمت الغيظ في ~~المرحلة الأولى وعفوت في المرحلة الثانية وإن أخرجت الانفعال من قلبك، ~~وصلت إلى المرحلة الثالثة وهي التي تمثل قمة الإيمان إنها الإحسان.. " ~~والله يحب المحسنين " لابد أن يراجع المسبب للغيظ نفسه ويندم على ما فعل. # إن الإسلام لم يتجاهل المشاعر الإنسانية عندما طالب المؤمنين أن يحسنوا ~~لمن أساء إليهم، فالذي يمعن النظر ويدقق الفهم يعرف أن الإسلام قد أعطى ~~المؤمن الحق في الطبع البشري حين قال: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل: 126] ولكنه ارتقى بالمؤمن. وعندما ننظر إلى هذا الأمر كقضية ~~اقتصادية وتحسبها ب " منه " و " له " فسنجد أن المؤمن قد كسب.. ومثال ~~ذلك - ولله المثل الأعلى - ساعة يجد الأب ابنا من أبنائه قام بظلم أخ له ~~فإن قلب الأب يكون مع المظلوم فهب أن إنسانا أساء لعبد من عباد الله فإن ~~الله كرب مرب يغار له ونحن نعرف أن واحدا قال لعارف بالله: أتحسن لمن ~~أساء إليك؟ فقال العارف بالله: أفلا أحسن لمن جعل الله في جانبي؟ ولنعد ~~الآن إلى غيظ الكافرين من المؤمنين، إن غيظ الكافر ناتج من أن خصمه ~~المؤمن يحب له الإيمان وليس في قلبه ضغينة بينما الكافر يغلي من الحقد، ~~وبسبب هذا الأمر يكاد يفقد صوابه لذلك يقول الحق: { وإذا خلوا ~~عضوا عليكم الأنامل من الغيظ } [آل عمران: 119]. و " ~~خلوا " المقصود بها. أن الكافرين إذا ما أصبحوا في مجتمع كفرى وليس معهم ~~مسلم أعلنوا الغيظ من المؤمنين، ولقد فعلوا هذا الأمر - عض الأنامل من ~~الغيظ - في غيبة الإيمان والمؤمنين بالله، لو كان عند هؤلاء الكافرين ذرة ~~من تعقل لفكروا كيف فضحهم القرآن، وهم الذين ارتكبوا هذا الفعل بعيدا ms1345 عن ~~المؤمنين؟ ألم يكن لتفكيرهم أن يصل إلى أن هناك ربا للمؤمنين يقول ~~الخافي من الأمور لرسوله، ويبلغها الرسول للمؤمنين. لكنهم مع ذلك لم ~~يفهموا هذا الفضح لهم { وإذا خلوا عضوا عليكم ~~الأنامل من الغيظ } [آل عمران: 119] وهنا ينبغي أن نفهم أن ~~هناك أمرا قد يغيظ، ولكن الإنسان قد يجبن أن ينفث غيظه، فإذا غاظك أحد ~~فقد تذهب إليه وتنفعل عليه، أو قد تنفعل على نفسك وذلك هو ما يسمى ب " ~~تحويل النزوع ". فالغاضب يمتلئ بطاقة غضبية، ومن يغضب عليه قد يكون قويا ~~وصاحب نفوذ، فيخاف أن ينفعل عليه، فينفث الغاضب طاقة غضبه على نفسه بأن ~~يعض على أنامله، وما دامت المسألة هكذا، فقد قال الحق: { قل موتوا ~~بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور } [آل عمران: ~~119]. ومعنى ذلك أن إغاظة المؤمنين لكم أيها الكافرون ستستمر إلى أن ~~تموتوا من الغيظ لذلك فلا طائل من محاولتكم جذب المؤمنين إلى الكفر: " قل ~~موتوا بغيظكم ". ونحن قد عرفنا أنه ساعة يؤمر الإنسان بشيء ليس في ~~اختياره - لأن الموت ليس في اختيارهم - وأن يختار بينه وبين شيء في ~~اختياره كالغيظ، فمعنى ذلك أن الأمر قد صدر إليه ليظل أسير الأمر الذي ~~يقدر عليه وهو الغيظ حتى يدركه الموت. # وعندما يقول الحق: " موتوا بغيظكم " فهذا يعني أن الكافرين لن يستطيعوا ~~الموت، ولكن سيظلون في حالة الغيظ إلى أن يموتوا لأنهم لايعرفون متى ~~يموتون، وهكذا يظلون على حالهم من الغيظ من المؤمنين، وما دام الكافرون ~~في حالة غيظ من المؤمنين فهذا دليل على أن المؤمنين يطبقون منهجهم بأسلوب ~~صحيح. وفي هذه الآية بشارة طيبة للمؤمنين ونذارة مؤلمة للكافرين { قل ~~موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور } [آل ~~عمران: 119] إن الحق يعلمنا أنه عليم بذات الصدور، أي بالأمور التي تطرأ ~~على الفكر، ولم تخرج بعد إلى مجال القول. وهو سبحانه القائل: # وما تخفي صدورهم أكبر.. # [آل عمران: 118]. وما دام هو الحق العليم بما تخفي الصدور فهو قادر ليس ~~فقط على الجزاء بما يفعلونه من عمل نزوعي ولكنه ms1346 قادر على أن يجازيهم ~~أيضا بأن يفضح الأعمال غير النزوعية الكامنة في صدروهم، وبعد ذلك يقول ~~سبحانه: { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم ~~سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا ~~يضركم كيدهم شيئا... }. ### || [3.120] # والقرآن كلام الله وله - سبحانه - الطلاقة التامة والغنى الكامل، ~~والعبارات في المعنى الواحد قد تختلف لأن كل مقام له قوله، وسبحانه يحدد ~~بدقة متناهية اللفظ المناسب.. إنه هو سبحانه الذي قال: # إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * ~~وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين * الذين ~~هم على صلاتهم دآئمون # [المعارج: 19-23]. وهو سبحانه الذي قال: # مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى ~~بالله شهيدا # [النساء: 79]. إنه جل وعلا يتكلم عن المس في الشر والخير، ومرة يتكلم ~~عما يحدث للإنسان كإصابة في الخير أو في الشر، وفي الآية التي نحن بصدد ~~الخواطر عنها تجد خلافا في الأسلوب فسبحانه يقول: { إن تمسسكم ~~حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها } [آل ~~عمران: 120] إنه لم يورد الأمر كله مسا، ولم يورده كله " إصابة " إنه ~~كلام رب حكيم وعندما نتمعن في المعنى فإن الواحد منا يقول: هذا كلام لا ~~يقوله إلا رب حكيم. ولنتعرف الأن على " المس " و " الإصابة " بعض العلماء ~~قال: إن المس والإصابة بمعنى واحد، بدليل قوله الحق: # إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * ~~وإذا مسه الخير منوعا # [المعارج: 19-21]. ولكننا نقول إن المس هو إيجاد صلة بين الماس ~~والممسوس، فإذا مس الرجل امرأته، فنحن نأمره بالوضوء فقط لأنه مجرد ~~التقاء الماس بالممسوس والأمر ليس أكثر من التقاء لا تحدث به الجنابة فلا ~~حاجة للغسل، أما الإصابة فهي التقاء وزيادة فالذي يضرب واحدا صفعة فإنه ~~قد يورم صدغة، فالكف يلتقي بالخد، ويصيب الصدغ، وهكذا نعرف أن هناك فرقا ~~بين المس والإصابة، وحين يقول الحق: { إن تمسسكم حسنة ~~تسؤهم } [آل عمران: 120]. فمعنى ذلك أن الحسنة الواقعة بسيطة، وليست ~~كبيرة إنها مجرد غنيمة أو قليل من الخير.. وفي حياتنا ms1347 اليومية نجد من ~~يمتلئ غيظا لأن خصمه قد كسب عشرة قروش، وقد يجد من يقول له: لماذا لا ~~تدخر غيظك إلى أن يكسب مائة جنيه مثلا؟ ومثل هذا الغيظ من الحسنة ~~الصغيرة هو دليل على أن أي خير يأتي للمؤمنين إنما يسبب التعب والكدر ~~للكافرين. فمجرد مس الخير للمؤمنين يتعب الكافرين فماذا عن أمر السيئة؟ ~~إن الحق يقول: { وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها } [آل ~~عمران: 120] إن الكافرين يفرحون لأي سوء يصيب المؤمنين مع أنه كان مقتضى ~~الإنسانية أن ينقلب الحاسد راحما: # حسبك من حادث بامرئ # ترى حاسديه له راحمينا # يعني حسبك من حادث ومصيبة تقع على إنسان أن الذي كان يحسده ينقلب راحما ~~له ويقول: والله أنا حزنت من أجله. # إذن فلما تشتد إصابة المؤمنين أكانت تغير من موقف الكافرين؟ لا، كان ~~أهل الكفر يفرحون في أهل الإيمان، وإذا جاء خير أي خير للمؤمنين يحزنون ~~فالحق يقول: { إن تمسسكم حسنة تسؤهم } [آل عمران: 120] ~~والحسنة هي أي خير يمسهم مسا خفيفا، { وإن تصبكم سيئة ~~يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ~~كيدهم شيئا } [آل عمران: 120]، فأنت مهما كادوا لك فلن يصيبوك ~~بأذى. إن المطلوب منك أن تصبر على عداوتهم، وتصبر على شرهم، وتصبر على ~~فرحهم في المصائب، وتصبر على حزنهم من النعمة تصيبك أو تمسك، اصبر فيكون ~~عندك مناعة وكيدهم لن ينال منك اصبر واتق الله: لتضمن أن يكون الله في ~~جانبك، { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم ~~شيئا } [آل عمران: 120]. وما الكيد؟ الكيد هو أن تبيت وتحتال على ~~إيقاع الضرر بالغير بحيث يبدو أنه كيد من غيرك، أي تدبر لغيرك لتضره. ~~وأصل الكيد مأخوذ من الكيد والكبد، وهما بمعنى واحد، فما يصيب الكبد يؤلم ~~لأن الكبد هو البضع القوي في الإنسان، إذا أصابه شيء أعيى الإنسان ~~وأعجزه، ويقولون: فلان أصاب كبد الحقيقة أي توصل إلى نقطة القوة في ~~الموضوع الذي يحكي عنه. وما معنى يبيتون؟ قالوا: إن التبييت ليس دليل ~~الشجاعة، وساعة ترى واحدا يبيت ويمكر فاعرف أنه جبان لأن ms1348 الشجاع لا يكيد ~~ولا يمكر، إنما يمكر ويكيد الضعيف الذي لا يقدر على المواجهة، فإن تصبروا ~~على مقتضيات عداواتهم وتتقوا الله لا يضركم كيدهم شيئا لأن الله يكون ~~معكم. ويذيل الحق الآية بالقول الكريم: { إن الله بما ~~يعملون محيط } [آل عمران: 120]. وساعة ترى كلمة " محيط " فهذا ~~يدلك على أنه عالم بكل شيء. والإحاطة: تعني ألا تشرد حاجة منه. وها هي ذي ~~تجربة واقعية في تاريخ الإسلام يقول الحق فيها مؤكدا: { وإن ~~تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن ~~الله بما يعملون محيط } [آل عمران: 120] وعلى كل منا أن ~~يذكر صدق هذه القضية. ### || [3.121] # إنه في هذه المرة - في غزوة أحد - جاء الكفار بثلاثة آلاف وكان المسلمون ~~قلة، سبعمائة مقاتل فقط، وحتى يبين الحق صدق قضاياه في قوله: # وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا # [آل عمران: 120] وليس المقصود هنا الكيد التبييتي بل عملهم العلني، أي ~~واذكر صدق هذه القضية: { وإذ غدوت من أهلك } [آل عمران: ~~121]، والغدوة هي: أول النهار، والرواح: آخر النهار، والأهل: تطلق ويراد ~~بها الزوجة، والمقصود هنا حجرة عائشة لأن الرسول كان فيها في هذا الوقت ~~الذي أراد فيه كفار قريش أن يثأروا لأنفسهم من قتلى بدر وأسراهم، لقد ~~جمعوا حشودهم، فكل موتور من معركة بدر كان له فرسان وله رجال، حتى أنهم ~~بعد معركة بدر قال زعيمهم أبو سفيان لأصحابه: قل للنساء لا تبكين قتلاكم ~~فإن البكاء يذهب الحزن، فالدموع يسمونها غسل الحزن، أو ذوب المواجيد، ~~فساعة يبكي إنسان حزين يقول من حوله: دعوه يرتاح. فلو حزنت النساء وبكين ~~على قتلى بدر لهبطت جذوة الانتقام لذلك قال أبو سفيان: قل لهن لا يبكين. ~~إنه يريد أن يظل الغيظ في مسألة بدر موجودا إلى أن يأخذوا الثأر. وفعلا ~~اجتمع معسكر الكفر في ثلاثة آلاف مقاتل عند أحد، وبعد ذلك استشار النبي ~~صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة أصحابه وأرسل إلى واحد من أكبر ~~المنافقين هو عبد الله بن أبي سلول، وما استدعاه إلا في هذه المعركة، ~~فقال ms1349 عبد الله بن أبي بن سلول وأكثر الأنصار: يا رسول الله نحن لم نخرج ~~إلى عدو خارج المدينة إلا نال منا، ولم يدخل علينا عدو إلا نلنا منه، ~~فإنا نرى ألا تخرج إليهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوها قاتلهم ~~الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا ~~رجعوا خائبين وأشار آخرون من الصحابة بالخروج إليهم، وقالوا: " يا رسول ~~الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا، ولم يترك ~~أصحاب هذا الرأي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وافقهم على ما أرادوا ~~". فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته فلبس درعه وأخذ سلاحه، وظن ~~الذي ألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج أنهم قد استكرهوه ~~على ما لا يريد فندموا على ما كان منهم، ولما خرج عليهم قالوا: استكرهناك ~~يا رسول الله ولم يكن لنا ذلك، فإن شئت فاقعد، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما ينبغي لنبي لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل ". # وخرجوا إلى الحرب، وهذا هو الذي يذكر به القرآن صدقا للقضية التي ~~جاءت في الآية السابقة: # وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ~~إن الله بما يعملون محيط # [آل عمران: 120]. اذكر يا محمد: { وإذ غدوت من أهلك ~~تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال.. } [آل عمران: 121]. و ~~" تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال " أي توطن المؤمنين في أماكن للقتال، ~~وبوأت فلانا يعني: وطنته في مكان يبوء إليه أي يرجع، واسمه وطن لأن ~~الوطن يرجع إليه الإنسان. انظر إلى الدقة الأدائية لقول الحق: { وإذ ~~غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال ~~} [آل عمران: 121] أي تجعل لهم مباءة ووطنا. وكلمة " مقاعد " أي أماكن ~~للثبات، والحرب كر وفر وقيام، والذي يحارب يثبته الله في المعركة، ~~فكأنه موطن في الميدان، فكأن أمر الرسول إلى المقاتلين يتضمن ألا ~~يلتفت أي منهم إلى موطن آخر غير موطنه الذي ثبته وبوأته فيه أي إن هذا ~~هو وطنك الآن لأن مصيرك الإيماني سيكون رهنا به. إذن فقوله: ms1350 { وإذ ~~غدوت من أهلك تبوىء } [آل عمران: 121] أي توطن " المؤمنين ~~" وتقول لهم: إن وطنكم هو مقاعدكم التي ثبتكم بها. ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جاء بالرماة وأمر عليهم " عبد الله بن جبير " وهم يومئذ خمسون ~~رجلا وقال رسول الله لهم: # " قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا ~~تشركونا، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا ". # لكنهم لم يقدروا على هذه لأن نفوسهم مالت إلى الغنيمة وشاء الله أن يجعل ~~التجربة في محضر من رسوله صلى الله عليه وسلم: حتى يبين للمؤمنين في كل ~~المعارك التي تلي ذلك أن اتباع أمر القائد يجب أن يكون هو الأساس في ~~عملية الجندية. وإنكم إن خالفتم الرسول فلا بد أن تنهزموا. وقد يقول ~~قائل: الإسلام انهزم في أحد. ونقول: لا، إن الإسلام انتصر. ولو أن ~~المسلمين انتصروا في " أحد " مع مخالفة الرماة لأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، أكان يستقيم لرسول الله أمر؟ إذن فقد انهزم المسلمون الذين لم ~~ينفذوا الأمر، وكان لا بد من أن يعيشوا التجربة وهم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فحينما هبت ريح النصر على المؤمنين في أول المعركة، ~~ابتدأ المقاتلون في الانشغال بالأسلاب والغنائم، فقال الرماة: سيأخذ ~~الأسلاب غيرنا ويتركوننا ونزلوا ليأخذوا الغنائم، فانتهز خالد بن الوليد ~~وكان على دين قومه انتهز الفرصة وطوقهم وحدث ما حدث وأذيع وفشا في الناس ~~خبر قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكفأوا وانهزموا فجعل رسول الله ~~يدعو ويقول: " إلي عباد الله " حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم ~~على هربهم فقالوا: يا رسول الله: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، أتانا خبر ~~قتلك فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين إن التحقيق التاريخي لمعركة أحد قد ~~أكد أن المسألة لا تعتبر هزيمة ولا انتصارا لأن المعركة كانت لا تزال ~~مائعة. # وبعدها دعا الرسول من كان معه في غزوة أحد إلى الخروج في طلب العدو، ~~وأدركوهم في حمراء الأسد وفر الكافرون. إن الله أراد أن يعطي ~~المؤمنين درسا في التزام أمر الرسول صلى ms1351 الله عليه وسلم، وقال الحق: { ~~وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد ~~للقتال } [آل عمران: 121]. إن الحق يذكر بمسئوليات القائد، الذي ~~يوزع المهام، فهذا جناح أيمن وذاك جناح أيسر، وهذا مقدمة وهذا مؤخرة. ~~ويذيل الحق هذا بقوله: { والله سميع عليم } [آل عمران: 121] ~~حتى يعرف المؤمنون أنه سبحانه قد شهد أن رسوله قد بوأ المؤمنين مقاعد ~~القتال، وسبحانه " عليم " بما يكون في النيات لأن المسألة في الحرب دفاع ~~عن الإيمان وليست انقياد قوالب، ولكنها انقياد قلوب قبل انقياد القوالب. ~~ويقول الحق من بعد ذلك: { إذ همت طآئفتان منكم أن ~~تفشلا والله وليهما... }. ### || [3.122] # والفشل هو الجبن، والطائفتان هما " بنو حارثة " من الأوس، " وبنو سلمة " ~~من الخزرج، وهؤلاء كانوا الجناح اليمين والجناح اليسار، فجاءوا في الطريق ~~إلى المعركة وسمعوا كلام المنافق ابن سلول، إذ قال لهم: لن يحدث قتال ~~لأنه بمجرد أن يرانا مقاتلو قريش سيهربون. وقال ابن سلول المنافق للرسول: ~~لو نعلم قتالا لاتبعناكم. إلا أن عبد الله ابن حارثة قال: أنشدكم الله ~~وأنشدكم رسول الله وأنشدكم دينكم. فساروا إلى القتال وثبتوا بعد أن هموا ~~في التراجع. وما معنى " الهم " هنا؟ إن الهم هو تحرك الخاطر نحو عملية ~~ما، وهذا الخاطر يصير في مرحلة ثانية قصدا وعزما، إذن فالذي حدث منهم ~~هو مجرد هم بخاطر الانسحاب، لكنهم ثبتوا. ولماذا ذلك؟ لقد أراد الله ~~بهذا أن يثبت أن الإسلام منطقي في نظرته إلى الإنسان، فالإنسان تأتيه ~~خواطر كثيرة. لذلك يورد الحق هذه المسألة ليعطينا العلاج. فقال: { إذ ~~همت طآئفتان منكم أن تفشلا } [آل عمران: 122]. وقد قال ~~واحد من الطائفتين: والله ما يسرني أني لم أهم - أي لقد انشرح قلبي لأني ~~هممت - لأني ضمنت أين من الذين قال الله فيهم: { والله وليهما ~~} [آل عمران: 122]، وحسبي ولاية الله. لقد فرح لأنه أخذ الوسام، وهو ~~ولاية الله. وهكذا نلتقط العبر الموحية من الآيات الكريمات حول غزوة ~~أحد، ونحن نعلم أن هذه الغزوة التالية لغزوة بدر الكبرى. وغزوة بدر ~~الكبرى انتهت بنصر المسلمين وهم قلة في ms1352 العدد والعدة، ففي بدر لم يذهب ~~المسلمون إلى المعركة ليشهدوا حربا، وإنما ليصادروا أموال قريش في ~~العير تعويضا لأموالهم التي تركوها في مكة. ومع ذلك شاء الله ألا ~~يواجهوا العير المحملة ولكن ليواجهوا الفئة ذات الشوكة، وجاء النصر لهم. ~~ولكن هذا النصر، وإن يكن قد ربى المهابة للمسلمين في قلوب خصومهم، فإنه ~~قد جمع همم أعداء الإسلام ليتجمعوا لتسديد ضربة يردون بها اعتبار الكفر ~~ولذلك رأينا رءوس قريش وقد منعت نساءها أن يبكين على قتلاهم لأن البكاء ~~يريح النفس المتعبة، وهم يريدون أن يظل الحزن مكبوتا ليصنع مواجيد ~~حقدية تحرك النفس البشرية للأخذ بثأر هؤلاء، هذا من ناحية العاطفة التي ~~يحبون أن تظل مؤججة، ومن ناحية المال فإنهم احتفظوا بمال العير الذي نجا ~~ليكون وسيلة لتدبير معركة يردون فيها اعتبارهم. وقد حاولوا قبل أحد أن ~~يفعلوا شيئا، ولكنهم كانوا يردون على أعقابهم. فمثلا قاد أبو سفيان ~~حملة مكونة من مائة، وأراد أن يهاجم بها المدينة فلما نمى خبرها إلى ~~سيدنا رسول الله نهض بصحابته إليهم، فبلغ أبا سفيان خروج رسول الله، ففر ~~هاربا وألقى ما عنده من مؤنة في الطريق ليخفف الحمل على الدواب لتسرع في ~~الحركة، ولذلك يسمونها " غزوة السويق " لأنهم تركوا طعامهم من السويق. # كما حاول بعض الكفار أن يغيروا على المدينة بعد ذلك أكثر من مرة ولكن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذهب إليهم على رأس مقاتلين فمرة عددهم ~~مائة ومرة مائة وخمسون ومرة مائتان، وفعلا شتت الرسول صلى الله عليه ~~وسلم شملهم. وكان من خطته صلى الله عليه وسلم حين يذهب إلى قوم كان يبلغه ~~أنهم يريدون أن يتآمروا لغزو المدينة أن يظل في بلدهم وفي معسكرهم وقتا ~~ليس بالقليل. كل ذلك سبق غزوة أحد. وبعد ذلك تجمعوا ليجيئوا لغزوة أحد، ~~وكان ما كان، والآيات التي تعالج هذه الغزوة فيها إيحاءات بما جاء في ~~المعركة، فالرسول صلى الله عليه وسلم بوأ للمقاتلين مقاعد للقتال، وأمرهم ~~بالثبات في تلك المواقع لكن بعضا من المقاتلين ترك ms1353 مكانه، والبعض الآخر ~~هم بالانسحاب، لكنه ثبت أخيرا، وفر كفار قريش. وقد تجلت في هذه ~~المعركة آيات الله الكبيرة. فحين نصر الله سبحانه وتعالى المسلمين " ببدر ~~" وهم قلة، لم يخرجوا لمعركة وإنما خرجوا لمصادرة عير. وربما ظن أناس ~~أنهم بمجرد نسبتهم إلى الله وإلى الإسلام سينصرون على هذه الوتيرة، ~~ويتركون الأسباب فأراد الله أن يعلمهم أنه لابد من استنفاد الأسباب، ~~إعدادا لعدة ولعدد، وطاعة لتوجيه قائد. فلما خالفوا كان ولابد أن يكون ~~ما كان. والمخالفة لم تنشأ إلا بعد استهلال بالنصر، ولذلك سيجيء فيما ~~بعد ستون آية حول هذه الغزوة لتبين لنا مناط العبرة في كل أطوارها ~~لنستخرج منها العظة والدرس. ونعلم أن المنتصرين عادة يكون الجو معهم ~~رخاء. ولكن الكلام هنا عن هزيمة من لا يأخذون بأسباب الله، وهذا أمر ~~يحتاج إلى وقفة، فجاء القرآن هنا ليقص علينا طرفا من الغزوة لنستخرج ~~منها العبرة والعظة، العبرة الأولى: أنهم حينما خرجوا، تخلف المنافقون ~~بقيادة ابن أبي، إذن فالمعركة إنما جاءت لتمحص المؤمنين. والتمحيص يأتي ~~في الشيء الواحد، أما التمييز فيأتي في شيئين: هذا مؤمن، وهذا كافر، إنما ~~التمحيص يأتي للمؤمن ويعركه عركا، ويبين منه مقدار ما هو عليه من الثبات ~~ومن اليقين، والحق إنما يمحص الفئة المؤمنة لأنها ستكون مأمونة في ~~التاريخ كله إلى أن تقوم الساعة على حماية هذه العقيدة، فلا يمكن أن ~~يتولى هذا الأمر إلا أناس لهم قلوب ثابتة، وجأش قوي عند الشدائد، وهمة ~~دونها زخارف الدنيا كلها. وبعد ذلك يعالج النفس البشرية في أوضاعها ~~البشرية، فعقائد الإيمان لا تنصب في قلوب المسلمين بمجرد إعلان الإيمان، ~~ولكن كل مناسبة تعطي دفعة من العقيدة يتكون بعد ذلك الأمر العقدي كله.. ~~ولذلك يبين لنا الحق أن طائفتين من المؤمنين قد همت بالتراجع، فهم نفوس ~~بشرية، ولكن أنفذت الطائفتان ذلك الهم أم رجعت وفاءت إلى أمر الله؟ ~~لقد رجعت الطائفتان. # وهكذا رأينا بين الذين أعلنوا إيمانهم فئة نكصت من أول الأمر، وفئة خرجت ~~ثم عادت. لقد تحدثت النفوس ولكن أفراد ms1354 تلك الفئة لم يقفوا عند حديث النفس ~~بل ثبتوا إلى نهاية الأمر، ومنهم من ثبت إلى الغاية السطحية من الأمر ~~كالرماة الذين رأوا النصر أولا، وهؤلاء من الذين ثبتوا، ما فروا أولا ~~مع ابن أبي، وما كانوا من الطائفة التي همت، ولكنهم كانوا من الذين ~~ثبتوا. لكنهم عند بريق النصر الأول اشتاقوا للغنائم، وخالفوا أمر الرسول، ~~ولنقرأ قوله تعالى: # ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ~~حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ~~من بعد مآ أراكم ما تحبون منكم من يريد ~~الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ~~ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على ~~المؤمنين # [آل عمران: 152]. وبعد ذلك تأتي لقطة أخرى وهي ألا نفتن في أحد من ~~البشر، فخالد بن الوليد بطل معسكر الكفر في أحد، وهو الذي استغل فرصة ~~نزول الرماة عن أماكنهم، وبعد ذلك طوق جيش المؤمنين، وكان ما كان، من ~~خالد قبل أن يسلم، ألم يكن في غزوة الخندق؟ لقد كان في غزوة الخندق. وكان ~~في غزوات كثيرة غيرها مع جند الشرك، فأين كانت عبقريته في هذه الغزوات؟. ~~إن عبقرية البشر تتصارع مع عبقرية البشر ولكن لا توجد عبقرية بشرية ~~تستطيع أن تصادر ترتيبا ربانيا، ولذلك لم يظهر دور خالد في معركة ~~الخندق، لقد ظهر دوره في معركة أحد لأن المقابلين لخالد خالفوا أمر ~~القيادة فبقيت عبقرية بشر لعبقرية بشر، ولكنهم لو ظلوا في حضن المنهج ~~الإلهي في التوجيه لما استطاعت عبقرية خالد أن تطفو على تدبيرات ربه ~~أبدا. والتحقيق التاريخي لكل العسكريين الذين درسوا معركة أحد قالوا: ~~لا هزيمة للمسلمين ولا انتصار للكفار لأن النصر يقتضي أن يجلي فريق ~~فريقا من أرض المعركة، ويظل الفريق الغالب في أرض المعركة. فهل قريش ظلت ~~في أرض المعركة أو فرت؟ لقد فرت قريش. ويفسر النصر أيضا بأن يؤسر عدد ~~من الطائفة المقابلة، فهل أسرت قريش أحدا من المسلمين؟ لا. ولقد علموا ~~أن المدينة خالية من المؤمنين جميعا وليس فيها إلا من تخلف من المنافقين ms1355 ~~والضعاف من النساء والأطفال، ولم يؤهلهم فوزهم السطحي لأن يدخلوا ~~المدينة. إذن فلا أسروا، ولا أخذوا غنيمة، ولا دخلوا المدينة، ولا ظلوا ~~في أرض المعركة، فكيف تسمي هذا نصرا؟ فلنقل: إن المعركة ماعت. وظل ~~المسلمون في أرض المعركة. وهنا تتجلى البطولة الحقة لأننا كما قلنا في ~~حالة النصر يكون الأمر رخاء، حتى من لم يبل في المعركة بلاء حسنا ~~ينتهز فرصة النصر ويصول ويجول، ولكن المهزومين والذين أصيب قائدهم صلى ~~الله عليه وسلم، وضعف أن يصعد الجبل، حتى أن طلحة بن عبيد الله يطأطئ ~~ظهره لرسول الله ليمتطيه فيصعد على الصخرة. # ورسول الله يسيل منه الدم بعد أن كسرت رباعيته وتأتي حلقتان من حلق ~~المغفر في وجنته، بعد هذا ماذا يكون الأمر؟ حتى لقد أرجف المرجفون ~~وقالوا: إن رسول الله قد قتل. وكل هذا هو من التمحيص، فمن يثبت مع هذا، ~~فهو الذي يؤتمن أن يحمل السلاح لنصرة كلمة الله إلى أن تقوم الساعة. ~~ويتفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلا من أبطال المسلمين كان حوله ~~فلا يجده، إنه " سعد بن الربيع ". يقول عليه الصلاة والسلام: " من رجل ~~ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات "؟ فقال رجل ~~من الأنصار هو أبي بن كعب: فذهبت لأتحسسه، فرأيته وقد طعن سبعين ~~طعنة ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية قوس. فلما رآه قال له: رسول الله ~~يقرئك السلام، ويقول لك: كيف تجدك - أي كيف حالك -؟ قال سعد بن الربيع: ~~قل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن ~~أمته، وقل للأنصار ليس لكم عند الله عذر إن خلص إلى رسول الله وفيكم ~~عين تطرف. ثم فاضت روحه. انظروا آخر ما كان منه، حين أثخن في المعركة ~~فلم يقو على أن يحارب بنصاله، انتهز بقية الحياة ليحارب بمقاله، ولتصير ~~كلماته دويا في آذان المسلمين. وليعلم أن هؤلاء الذين أثخنوه جراحا ما ~~صنعوا فيه إلا أن قربوه إلى لقاء ربه، وأنه ms1356 ذاهب إلى الجنة. وتلك هي ~~الغاية التي يرجوها كل مؤمن. ونجد أيضا أن الذين يعذرهم القرآن في أن ~~يشهدوا معارك الحرب، يتطوعون للمعارك! فمثلا عمرو بن الجموح، كان أعرج، ~~والعرج عذر أقامه الله مع المرض والعمى لأنه سبحانه هو القائل: # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج # [النور: 61]. وكان لعمرو بن الجموح بنون أربعة مثل الأسد قد ذهبوا إلى ~~المعركة، ومع ذلك يطلب من رسول الله أن يذهب إلى المعركة ويقول له: يا ~~رسول الله إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه، ~~فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة. فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك. وقال لبنيه: ما عليكم ~~ألا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة، فخرج معه فقتل. وهذا مؤمن آخر ~~يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن ابني الذي استشهد ~~ببدر رأيته في الرؤيا يقول لي: " يا أبت أقبل علينا " فأرجو أن تأذن لي ~~بالقتال في " أحد " فأن له فقاتل فقتل فصار شهيدا. # وتتجلى الروعة الايمانية والنسب الإسلامي في حذيفة بن اليمان، لقد كان ~~أبوه شيخا كبيرا مسلما فأخذ سيفه ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لعل الله يرزقه الشهادة في سبيل الله، فدخل في المعركة ولا يعلم به أحد ~~فقتله المسلمون ولا يعرفونه، فقال ابنه حذيفة، أبي والله. فقالوا والله ~~ما عرفناه، وصدقوا، قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. وأراد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤدي ديته، فقال له حذيفة بن اليمان: ~~وأنا تصدقت بها على المسلمين. هذه الأحداث التي دارت في المعركة تدلنا ~~على أن غزوة أحد كان لا بد أن تكون هكذا، لتمحص المؤمنين تمحيصا يؤهلهم ~~لأن يحملوا كلمة الله ويعلوها في الأرض. ويقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة... }. ### || [3.123] # لقد نقلهم من معركة فيها شبه هزيمة أو عدم انتصار إلى نصر، ms1357 فكأنه يريد ~~أن يقول: إن الأمر بالنسبة لكم أمر إلهكم الذي يرقبكم ويعينكم ويمدكم ~~ويرعاكم. وإياكم ان تعتمدوا على العدد والعدة ولكن اعتمدوا على الحق ~~سبحانه وتعالى وعلى ما يريده الحق توجيها لكم، لأن مدد الله إنما يأتي ~~لمستقبل لمدد الله، ولا يأتي المدد لغير مستقبل لمدد الله. ونعرف أن ~~فيه فرقا بين الفاعل وبين القابل، فالفاعل شيء والقابل للانفعال بالفعل ~~شيء آخر. وضربنا لذلك مثلا: بأن الفاعل قد يكون واحدا، ولكن الانفعال ~~يختلف، وحتى نقرب المسألة نقول: كوب الشاي تأتي لتشرب منه فتجده ساخنا ~~فتنفخ فيه ليبرد، وفي الشتاء تصبح لتجد يدك باردة فتنفخ فيها لتدفأ، إنك ~~تنفخ مرة لتبرد كوب الشاي، ومرة تنفخ لتدفئ يدك، إذن فالفاعل واحد وهو ~~النافخ، ولكن القابل للانفعال شيء آخر، ففيه فاعل وفيه قابل، ومثال آخر: ~~إن القرآن كلام الله ولو أنه نزل على الجبال لخرت خاشعة، ومع ذلك يسمعه ~~أناس، لا يستر الله عليهم بل يكشفهم لنا ويفضحهم بعظمة ألوهيته: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهوآءهم # [محمد: 16]. إنهم لم ينفعلوا بالقرآن، وقولهم: " ماذا قال آنفا " معناه ~~استهتار بما قيل. ونجد الحق يرد على ذلك بقوله تعالى: # أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهوآءهم # [محمد: 16]. إن الفاعل واحد والقابل مختلف. ويتابع الحق بلاغه الحكيم في ~~قوله: { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ~~فاتقوا الله لعلكم تشكرون } [آل عمران: 123]. إذن ~~فمدد الله لكم إنما يتأتى لمستقبل إيماني، فان لم يوجد المستقبل - بكسر ~~الباء - فلا يوجد المدد. فاذا كنت لا تستطيع ان تستقبل ما ترسله السماء ~~من مدد نقول لك: أصلح جهاز استقبالك لأن جهاز الاستقبال كالمذياع الفاسد، ~~إن الإرسال من الإذاعات مستمر، لكن المذياع الفاسد هو الذي لا يستقبل. ~~إذن فإن كنت تريد أن تستقبل عن الله فلا بد أن يكون جهاز استقبالك ~~سليما. ويوضح الحق ذلك بقوله جل جلاله: { إذ تقول للمؤمنين ~~ألن يكفيكم ms1358 أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف... }. ### || [3.124] # ويبين سبحانه وتعالى كيفية إصلاح جهاز الاستقبال لتلقي مدد الله فيقول: ~~{ بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم ~~هذا... }. ### || [3.125] # إن الحق سبحانه وتعالى ضرب المثل بالصبر والتقوى في بدر مع القلة فكان ~~النصر، وهنا في أحد لم تصبروا فساعة أن رأيتم الغنائم سال لعابكم فلم ~~تصبروا عنها، ولم تتقوا أمر الله المبلغ على لسان رسوله في التزام ~~أماكنكم. فكيف تكونون أهلا للمدد؟ إذن من الذي يحدد المدد؟ إن الله هو ~~الذي يعطي المدد، ولكن من الذي يستقبل المدد لينتفع به؟ إنه القادر على ~~الصبر والتقوى. إذن فالصبر والتقوى هما العدة في الحرب. لا تقل عددا ~~ولا عدة. لذلك قال ربنا لنا: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # [الأنفال: 60] ولم يقل: أعدوا لهم ما تظنون أنه يغلبهم، لا. أنتم تعدون ~~ما في استطاعتكم، وساعة تعدون ما في استطاعتكم وأسبابكم قد انتهت.. فالله ~~هو الذي يكملكم بالنصر. والبشر في ذواتهم يصنعون هذا، فمثلا - ولله ~~المثل الأعلى من قبل ومن بعد - لنفترض أنك تاجر كبير. وتأتيك العربات ~~الضخمة محملة بالبضائع، صناديق وطرود كبيرة، وأنت جالس بينما يفرغ العمال ~~البضائع، وجاء عامل لينزل الطرد فغلبه الطرد على عافيته، وتجد نفسك بلا ~~شعور منك ساعة تجده سيقع تهب وتقوم لنصرته ومعاونته، لقد استنفد هذا ~~العامل أسبابه ولم يقدر، فالذي يعنيه الأمر يمد يده إليه، فما بالنا ~~بالحق سبحانه وتعالى. كأنه يقول ابذل وقدم أسبابك، فإذا ما رأيت أسبابك ~~انتهت والموقف أكبر منك، فاعلم أنه أكبر منك أنت ولكنه ليس أكبر من ربك ~~إنه سبحانه يقول: { وما جعله الله إلا بشرى لكم ~~ولتطمئن قلوبكم به... }. ### || [3.126] # فإياك أن تظن أن المدد بالثلاثة آلاف أو الخمسة آلاف، الذين أنزلهم الله ~~وأمدكم بهم أو بالملائكة المدربين على القتال.. إياكم أن تظنوا أن هذا ~~المدد، هو شرط في نصر الله لك. بذاتك أو بالملائكة إنه قادر على أن ينصرك ~~بدون ملائكة، ولكنها بشرى لتؤنس المادة البشرية، فساعة يرى المؤمنين ~~أعدادا كبيرة من ms1359 المدد، والكفار كانوا متفوقين عليهم في العدد، فإن ~~أسباب المؤمنين تطمئن وتثق بالنصر. إذن فالملائكة مجرد بشرى، ولكن ~~النصر من عند الله العزيز الذي لا يغلب. وكل الأمور تسير بحكمته التي لا ~~تعلوها حكمة أبدا. يقول الحق من بعد ذلك: { ليقطع طرفا من ~~الذين كفروا... }. ### || [3.127] # وقطع الطرف يتحدد بمعرفة ما هو طرف لماذا؟ فإن كان الطرف هو العدد ~~الكثير فقطع الطرف أن يقتل بعضه. وإن كان الطرف هو أرضا واسعة فقطع ~~الطرف أن يأخذ من أرضهم. ولذلك يقول الحق سبحانه: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو ~~سريع الحساب # [الرعد: 41]. لقد كانت الأرض الكفرية تخسر كل يوم جزءا منها لينضم ~~هذا الجزء إلى الأرض الإيمانية، هذا بالنسبة لسعة الأرض، وافرض أن الطرف ~~هو المال، فقطع الطرف هنا يكون بأن نأخذ بعض المال كغنائم، ثم هناك ~~المنزلة التي كانت تهابها الجزيرة كلها، كل الجزيرة تهاب قريشا، ~~وقوافلها التجارية للشمال والجنوب لا تستطيع قبيلة أن تتعرض لها لأن كل ~~القبائل تعرف أنها ستذهب إلى البيت في موسم الحج، فلا توجد قبيلة تتعرض ~~لها لأنها غدا ستذهب إلى قريش، إذن فالسيادة والعظمة كانت لقريش، وساعة ~~تعلم القبائل أن رجال قريش قد كسروا وانهزموا، وأن رحلتهم إلى الشام ~~أصبحت مهددة، فإنهم يبحثون عن فريق آخر يذهبون إليه. إن قطع الطرف كان ~~على أشكال متعددة، فإن كان طرف عدد فيقتل بعضهم، وإن كان طرف أرض ~~فبعضها يؤخذ وتذهب إلى أرض إيمانية، وإن كانت عظمة وقهرا تأتيهم ~~الهزيمة، وإن كان نفوذا في الجزيرة فهو يتزلزل { ليقطع طرفا ~~من الذين كفروا } [آل عمران: 127]. ولنلحظ أن الحق قد قال: " ~~ليقطع طرفا " - لم يقل ليستأصل - لأن الله سبحانه وتعالى أبقى على بعض ~~الكفار لأن له في الإيمان دورا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ممتلئا بالعطف والرحمة والحنان على أمته، وكان يحسن الظن بالله أن ~~يهديهم، ولذلك تعددت آيات القرآن التي تتحدث في هذا الأمر. ها هو ذا الحق ~~يقول: ms1360 # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. وفي موقع آخر بالقرآن الكريم يقول الحق: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. والله يقول لرسول صلى الله عليه وسلم: " فإنما عليك ~~البلاغ " والرسول يحب أن يهتدي إلى الإيمان كل فرد في أمته، فقال الحق: { ~~ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم... }. ### || [3.128] # أي ليس لك يا محمد من الأمر شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بتوبتهم، ~~أو يعذبهم، فلا يحزنك ذلك لأنهم ظالمون أي ما عليك يا محمد إلا البلاغ ~~فقط. أما هم فقد ظلموا أنفسهم بالكفر. والظلم كما نعرف هو أخذ الحق من ذي ~~الحق وإعطاؤه لغيره. وقمة الظلم هو إضفاء صفة الألوهية على غير الله وهو ~~الشرك. ولذلك يقول الحق: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. إن الحق يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: { ليس لك ~~من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم ~~فإنهم ظالمون } [آل عمران: 128]. وهذه مسألة لم تخرج عن ملك ~~الله، لماذا؟ لأن السماوات والأرض وما فيهن ملك لله: قيل أراد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم - بعد أن خضب المشركون وجهه بالدم وهو يدعوهم إلى ~~ربهم - أراد عليه الصلاة والسلام أن يدعو عليهم فنهاه الله لعلمه - ~~سبحانه - أن فيهم من يؤمن وأنزل قوله تعالى: { ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشآء... }. ### || [3.129] # وبما أننا نتحدث عن ملامح في غزوة أحد أريد أن أقول: " جبل أحد رضي ~~الله عنه " لأننا سمعنا بعض العارفين بالله حين تذكر كلمة " أحد " قال: ~~أحد رضي الله عنه - فتعجب القوم لقول الشيخ عبد الله الزيدان الذي قال ~~ذلك، فما رأى عجبهم قال لهم: ألم يخاطبه رسول الله بقوله: # " اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان " # ، ألم يقل فيه رسول الله: # " أحد جبل يحبنا ونحبه " # أتريدون أحسن من ذلك في الصحبة! قل: أحد رضي الله عنه. وقلنا سابقا: ~~إنك إذا ms1361 وقف عقلك في حاجة فلا تأخذها بمقاييسك أنت، بل خذها بالمقاييس ~~الأعلى. ونحن نقول هذا الكلام لأن العلم الآن يجري ويسعى سعيا حثيثا ~~مسرعا حول استخراج بعض أسرار الله في الكون، فبين لنا أن الحيوانات لها ~~لغات تتفاهم بها ويحاولون الآن أن يضعوا قاموسا للغة الأسماك. والحق ~~سبحانه وتعالى ذكر لنا حكاية النملة مع سليمان - عليه السلام - فقال: # يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون # [النمل: 18]. هذا القول يدل على أن نملة خرجت وقامت بعمل وردية كي ~~تحافظ على من معها ثم عادت لتتكلم مع أبناء فصيلتها، وسمعها سيدنا ~~سليمان، فتبسم من قولها. إذن العلم يتسابق ويجد ويسارع الآن ليثبت أن ~~لكل جنس في الوجود لغة يتفاهم بها، وكل جنس في الوجود له انفعال، وكل جنس ~~في الوجود له تكاثر، ولذلك قال الحق لنا على لسان سيدنا سليمان: # يأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من ~~كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين # [النمل: 16]. وكانت هذه خصوصية لسيدنا سليمان عليه السلام، إذن فللطير ~~منطق. وعندما نتسامى ونذهب إلى الجماد نسمع قول الحق سبحانه في آل فرعون ~~وعدم بكاء الجماد عليهم: # كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ~~ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها ~~قوما آخرين * فما بكت عليهم السمآء والأرض وما ~~كانوا منظرين # [الدخان: 25-29]. هل تبكي السماء والأرض؟ إنه أمر عجيب فالجماد من سماء ~~وأرض لا تتفاهم فقط ولكن لها عواطف أيضا لأن البكاء إنما ينشأ عن انفعال ~~عاطفي وجداني. وهذا يعني أن الجمادات لا تتكلم فقط، ولكنها تحس أيضا. ~~فالأرض تخرج أثقالها، وتحدث أخبارها، كيف # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5]. والسماء والأرض أتيا إلى الله في منتهى الطاعة والخشوع: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين # [فصلت: 11]. إذن فهناك ما هو أكثر من التفاهم، إن لها عواطف مثلك ~~تماما، وكما تحزنك حاجة فالأرض أيضا تبكي، وما دامت تبكي إذن فلها ~~مقابل بأن تفرح، ويقول الله ms1362 تعالى عن أرض فرعون: { فما بكت ~~عليهم السمآء والأرض } فلو أنها لم تبك مع بعض الناس لما ~~كان لهذا الكلام ميزة. # لذلك قال الإمام علي - كرم الله وجهه -: إذا مات المؤمن بكى عليه ~~موضعان: موضع مصلاه لأنه سيحرم من نعمة الإيمان، ومصعد عمله، موضع في ~~الأرض وموضع في السماء.. إذن فلا بد أن نفهم أن لكل شيء شعورا. وقال صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا مات المؤمن استبشرت له بقاع الأرض فليس من بقعة إلا وهي تتمنى أن ~~يدفن فيها ". # لماذا نقول هذا الكلام الآن؟ نقول ذلك حتى إذا ثبت بالعلم أن لكل شيء ~~لغة، ولكل شيء في أجناس الكون تفاهما، يقال إن فيه ناسا هبت عليهم ~~نسمات الإيمان فأدركوها وأحسوها من القرآن، فلا يدعي أحد أنه ابتكر من ~~ذات نفسه لأنها في القرآن وإن كنا لا نعرف كيف تأتي. وهذه المعركة - ~~معركة أحد - التي أخذت ستين آية، نجد أن الحق تكلم عنها هنا فقال: # وإذ غدوت من أهلك # [آل عمران: 121] و # إذ همت طآئفتان # [آل عمران: 122] وقوله: # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة # [آل عمران: 123]، وبعد ذلك يترك الغزوة في حرارتها ويأتينا بأشياء يضعها ~~هنا، ثم يأتي ليكمل الغزوة. لو أن هذه لقطة من الغزوة وتنتهي ثم يأتي ~~موضوع آخر، لما شغلنا أنفسنا، إنما الغزوة ستأتي فيها ستون آية، فكيف ~~ينهي الكلام في الغزوة ولا يعطينا إلا استهلال الغزوة، وبعد ذلك ينصب ~~القرآن على معان بعيدة عن الغزوة؟ فما الذي يجعله - سبحانه - يترك أمر ~~الغزوة ليقول: # يآ أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا ~~مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون * واتقوا ~~النار التي أعدت للكافرين * وأطيعوا الله ~~والرسول لعلكم ترحمون * وسارعوا إلى مغفرة ~~من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت ~~للمتقين * الذين ينفقون في السرآء والضرآء ~~والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين * والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم ~~يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * أولئك ~~جزآؤهم مغفرة من ms1363 ربهم وجنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين ~~* قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين * هذا بيان ~~للناس وهدى وموعظة للمتقين # [آل عمران: 130-138]. لماذا لم يعطنا الحق إلا استهلال الغزوة وبعد ذلك ~~انصب على قضايا أولها قضية الربا، ما العلاقة بين هذه القضايا وتلك ~~الغزوة؟. وأقول: رحم الله صاحب الظلال الوارفة الشيخ سيد قطب فقد استطاع ~~أن يستخلص من هذه النقلة مبادئ إيمانية عقدية لو أن المسلمين في جميع ~~بقاع الأرض جعلوها نصب أعينهم لما كان لأي دولة من دول الكفر غلب علينا. # ونريد أن نفهم هذه اللقطات، ولماذا استهلت بمسألة الربا؟ لأن الذي كان ~~سببا في الهزيمة أو عدم النصر في معركة أحد أنهم طمعوا في الغنيمة. ~~والغنيمة مال زائد، والربا فيه طمع في مال زائد. والقرآن حين يعالج هنا ~~قضية حدثية، والأحداث أغيار تمر وتنتهي، فهو سبحانه يريد أن يستبقي عطاء ~~الحدث ليشيع في غير زمان الحدث، وإلا فالحدث قد يمر بعظاته وعبره وينتهي ~~ولا تكون له فائدة. والنفس حين تمر بالأحداث تكون ملكاتها متفتحة لأن ~~الحدث - كما قال المغفور له الشيخ سيد قطب - يكون ساخنا، فحين يستغل ~~القرآن الحدث قبل أن يبرد فإن القضية التي تتعرض لها الموعظة تتمكن من ~~النفس البشرية. وهو سبحانه لم يرد أن تمر أحداث أحد بما فيها من العبر ~~والعظات إلا ويستغلها القرآن الكريم ليثبت بها قضايا إيمانية تشيع في غير ~~أزمنة الحدث من الحروب وغيرها لتنتظم أيضا وقت السلام. فآية الربا هنا ~~كأنما سقطت وسط النصوص التي تتعرض لغزوة أحد. والسطحيون قد يقولون: ما ~~الذي جعل القرآن ينتقل من الكلام عن أحد إلى أن يتكلم في الربا مرة ~~ثانية بعد أن تكلم عنه أولا؟ ونقول: إن القرآن لا يؤرخ الأحداث، وإنما ~~يريد أن يستغل أحداثا ليبسط ويوضح ما فيها من المعاني التي تجعل الحدث ~~له عرض وله طول وله عمق لأن كل حدث في الكون يأخذ من الزمن قدر الحدث، ~~والحدث ms1364 له طول هو قدر من الزمن، يكون ساعة أو ساعتين أو ليلة مثلا، هذا ~~هو طول الحدث. والأحداث التي يجريها الله لها طول يحدده عمر الحدث ~~الزمني، ولها عرض يعطيها الاتساع، فبعد أن كانت خطا مستقيما صارت ~~مساحة، ويجعلها الحق شاملة لأشياء كثيرة، فهو لا يريد للحدث أن يسير كخط ~~مستقيم، بل يريده طريقا واسعا له مساحة وله عرض. هذا العرض يعطيه رقعة ~~مساحية تأخذ كثيرا من الأشياء، وهذا أيضا قد ينتهي مع الحدث، ولذلك ~~يريد الله أن يعطي للحدث بعدا ثالثا وهو العمق في التاريخ فيعطي عطاءه، ~~كما نستفيد نحن الآن من عطاء حدث هو غزوة أحد. إذن فالحدث له حجم أيضا، ~~وهذا ما يجعل الناس تقف لتقول: إن صلة الرحم تطيل العمر، والعمر له حد ~~زمني محدد وهو الخط المستقيم له، فهناك واحد يزيد من عرض عمره، فبدلا من ~~أن ينفع الناس في مجال صغير فهو يعمل وينفع في مجال أوسع، إذن فهو يعطي ~~لعمره مساحة. وهناك إنسان آخر يريد أن يكون أقوى في العمر، فماذا يعمل؟ ~~إنه يعطي لعمره عمقا، فبدلا من أن يعمل لمجرد حياته وينتهي عمره مهما ~~كانت رقعته واسعة، فهو يزيد من عمله الصالح ويترك أثرا من علم أو خير ~~يستمر من بعد حياته كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية أو علم ينتفع به ~~أو ولد صالح يدعو له ". # ولذلك يقول الحق: # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء * ~~تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون # [إبراهيم: 24-25]. هي كلمة طيبة قيلت، لكنها مثل الشجرة الطيبة لأنها ~~ترسخ في أذن من يسمعها فتصير حركة خاضعة للكلمة، وكلما فعل السامع لهذه ~~الكلمة فعلا ناتجا من تأثير هذه الكلمة فإن بعض الثواب يعود إلى من قال ~~هذه الكلمة حتى ولو كان قد مات. فكأن قائل هذه الكلمة ما زال يعيش، وكأن ms1365 ~~عمره قد طال بكلمته الطيبة إذن فأعمال الخير التي تحدث من الإنسان ليس ~~معناها أنها تطيل العمر لأن العمر محدود بأجل، ولكن هناك إنسان يعطي ~~عمره عرضا، وآخر يعطيه عمقا ويظل العطاء منه موصولا إلى أن تقوم ~~الساعة، فكأنه أعطى لنفسه عمرا خالدا. ويقولون: والذكر للإنسان عمر ~~ثان. والحق سبحانه وتعالى يوضح الدروس المستفادة من غزوة أحد، إن أول ~~مخالفة كانت سببا ليس في الهزيمة، ولكن دعنا نقل: " في عدم إتمام النصر ~~" ، لأنهم بدأوا منتصرين، ولم يتم النصر لأنه قد حدثت مخالفة، ودوافع هذه ~~المخالفة انهم ساعة رأوا الغنائم، اندفعوا إليها، إذن فدوافعها هي طلب ~~المال من غير وجه مشروع لأن النبي قال لهم: # " انضحوا عنا الخيل ولا نؤتين من قبلكم، الزموا أماكنكم إن كانت النوبة ~~لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم " # وبهذا صارت مبارحة المكان أمرا غير مشروع، فتطلع النفس إلى شيء في غير ~~ما أمر به رسول الله يعتبر أمرا غير مشروع والتطلع هنا كان للمال، وهكذا ~~الربا. وأراد الحق أن تكون سخونة الحدث، والأثر الذي نشأ من الحدث في أن ~~المسلمين لم يتم نصرهم، وتعبوا، وكان مصدر التعب أن قليلا منهم أحبوا ~~المال الزائد من غير وجهه المشروع. فأراد - سبحانه - أن يكون ذلك مدخلا ~~لبيان الأثر السيء للتعامل بالربا. إذن فهذه مناسبة في أننا نجد آية ~~الربا هنا وهي توضح الآثار السيئة للطمع في المال الزائد عن طريق غير ~~مشروع، والقرآن فيه الكثير من المواقف التي توضح آثارا تبدو في ظاهرها ~~غير مترابطة، ولكن النظرة العميقة تؤكد الترابط. وقلنا من قبل في قول ~~الله تعالى: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا ~~لله قانتين * فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذآ ~~أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون # [البقرة: 238-239]. قد يقول أحد السطحيين: إن الحق سبحانه وتعالى كان ~~يتكلم عن الطلاق قبل هاتين الآيتين فقال سبحانه: # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن ~~يعفون ms1366 أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن ~~تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم ~~إن الله بما تعملون بصير # [البقرة: 237]. ويترك الحق الحديث عن الطلاق ويأمر بالحفاظ على الصلاة ~~بقوله الحكيم: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا ~~لله قانتين # [البقرة: 238]. وبعد ذلك يعود الحق لاستكمال حديث الطلاق والفراق ~~بالموت. # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن ~~خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن ~~من معروف والله عزيز حكيم # [البقرة: 240]. إنه يتكلم عن الطلاق، والوفاة، ثم ينزل بينهما آية ~~الصلاة، لماذا؟ ليتضح لنا أن المنهج الإسلامي منهج متكامل. إياك أن تقول: ~~إن الطلاق غير الصلاة، غير الوفاة، أبدا، إنه منهج متكامل. ولأنه - ~~سبحانه وتعالى - يريد أن ينبهنا إلى أن الطلاق عملية تأتي والنفس فيها ~~غضب وتأتي والزوج والزوجة وأهل الزوج وأهل الزوجة في كدر، فيقول لهم ~~المنهج: لو كنتم تحسنون الفهم لفزعتم إلى الصلاة حين تواجهكم هذه الأمور ~~التي فيها كدر. وساعة تكون في كدر قم وتوضأ وصل، لأن النبي علمنا أنه ~~إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة، فساعة تجد الجو المشحون بالتوتر بين ~~الزوج والزوجة وأهلهما قل لهم: المسألة صارت أكبر من حيلنا، فهيا نصل ~~ليساعدنا الله على حل هذه المسائل الصعبة وأنا أتحدى ألا يوجد الله حلا ~~لمشكلة لجأ فيها المسلم إلى الصلاة قبلها. وهكذا نفهم أن الحق قال: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # [البقرة: 238] لأن محافظتكم عليها هي التي ستنهي كل الخلافات لأن الله ~~لايكون في بالكم ساعة ضيقكم وفي ساعة شدتكم فتستسلمون للضيق والشدة ~~وتنسون الصلاة، في الوقت الذي يكون فيه الإنسان أحوج ما يكون إلى الصلاة. ~~إنك في وقت الضيق والشدة عليك أن تذهب إلى ربك، وأقول هذا المثل - ولله ~~المثل الأعلى - إن الولد الذي يضربه أصحابه يذهب إلى أبيه، كذلك زوجتك ~~إذا أغضبتها تذهب إلى أهلها، فكيف لا تذهب إلى ربك وقت شدتك وكربك؟. ~~وهكذا نجد أن قوله الحق: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى # [البقرة: 238] جاء في ms1367 المكان الصحيح، وهكذا آية الربا، جاءت في مكانها ~~هنا وخصوصا أنه تكلم عن الربا أولا، فتأتي الحادثة وسخونة الحدث وينزل ~~هذا القرآن الكريم كي يعرف كل من يريد مالا زائدا على غير ما شرع الله ~~أنه سيأتي منه البلاء على نفسه وعلى غيره، فالبلاء في أحد شمل الجميع: ~~الرماة وغير الرماة أيضا. إذن فكل الدنيا تتعب عندما تخالف منهج الله، ~~والمال الزائد من غير ما شرع الله إن لم يترك فقد آذن الله من يأكله بحرب ~~من الله ومن رسول الله. ### || [3.130] # والربا زيادة في المال، فهل يؤكل؟ نعم لأن كل المسائل المالية من أجل ~~اللقمة التي تأكلها، هذا هو الأصل. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: # " من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه ~~فكأنما حيزت له الدنيا ". # ونعرف أنه عندما يكون الواحد منا في منطقة ليس فيها رغيف خبز، فلن تنفعه ~~ملكية جبل من الذهب. { لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ~~} [آل عمران: 130] وقوله سبحانه: " أضعافا " و " مضاعفة " هو كلام ~~اقتصادي على أحدث نظام، فالأضعاف هي: الشيء الزائد بحيث إذا قارنته ~~بالأصل صار الأصل ضعيفا، فعندما يكون أصل المال مائة - على سبيل المثال ~~- وسيؤخذ عليها عشرون بالمائة كفائدة فيصبح المجموع مائة وعشرين. إذن ~~فالمائة والعشرون تجعل المائة ضعيفة، هذا هو معنى أضعاف. فماذا عن معنى " ~~مضاعفة "؟ إننا سنجد أن المائة والعشرين ستصبح رأس مال جديدا، وعندما ~~تمر سنة ستأخذ فائدة على المائة وعلى العشرين أيضا، إذن فالأضعاف ضوعفت ~~أيضا، وهذا ما يسمى بالربح المركب، وهل معنى هذا أننا نأكله بغير أضعاف ~~مضاعفة؟! لا لأن الواقع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هكذا. ~~وقد يقول لك واحد: أنا أفهم القرآن وأن المنهي هو الأضعاف المضاعفة، فإذا ~~لم تكن أضعافا مضاعفة فهل يصح أن تأخذ ربحا بسيطا يتمثل في نسبة فائدة ~~على أصل المال فقط؟ ولكن مثل هذا القائل نرده إلى قول الله: # وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا ~~تظلمون # [البقرة: 279]. إن ms1368 هذا القول الحكيم يوضح أن التوبة تقتضي أن يعود ~~الإنسان إلى حدود رأس ماله ولا يشوب ذلك ربح بسيط أو مركب. وعندما نجد ~~كلمة " أضعافا مضاعفة " فهي قد جاءت فقط لبيان الواقع الذي كان سائدا ~~في أيامها. وبعد ذلك يقول الحق تذييلا للآية: { واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون } ونقول دائما ساعة نرى كلمة " اتقوا " يعني ~~اجعلوا بينكم وبين الله وقاية، وهل تكون الوقاية بينكم وبين الله بكل ~~صفات جماله وجلاله؟ لا، فالوقاية تكون مما يتعب ومما يؤلم ويؤذي، إذن ~~فاتقوا الله يعني: اجعلوا بينكم وبين صفات جلاله من جبروت وقهر وانتقام ~~وقاية، وعندما يقول الحق: " واتقوا النار " فهي مثل قوله: " واتقوا الله ~~" ، لأن النار جند من جنود صفات الجلال. وعندما يقول الحق: { لعلكم ~~تفلحون } [آل عمران: 130] نعرف أن كلمة " الفلاح " هذه تأتي لترغيب ~~المؤمن في منهج الله، وقد جاء الحق بها من الشيء المحس الذي نراه في كل ~~وقت، ونراه لأنه متعلق ببقاء حياتنا، وهو الزرع، والفلاحة، أنت تحرث ~~وتبذر وتروي، وبعد ذلك تحصد. # إذن فهو يريد أن يوضح لك أن المتاعب التي في الحرث، والمتاعب التي في ~~البذر، والمتاعب التي في السقي كلها متى ترى نتيجتها؟ أنت ترى النتيجة ~~ساعة الحصاد، فالفلاح يأخذ كيلتين من القمح من مخزنه كي يزرع ربع فدان، ~~ولا نقول له: أنت أنقصت المخزن لأنه أنقص المخزن للزيادة، ولذلك فالذي لم ~~ينقص من مخزنه ولم يزرع، يأتي يوم الحصاد يضع يده على خده نادما ولا ~~ينفع الندم حينئذ! إن الحق يريد أن يقول لنا: إن المنهج وإن أتعبك، وإن ~~أخذ من حركتك شيئا كثيرا إلا أنه سيعود عليك بالخير حسب نيتك وإقبالك ~~على العمل، ولقد ضرب لنا الله المثل في قوله: # كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم # [البقرة: 261]. هذا أمر واضح، حبة نأخذها منك فتنقص ما عندك، لكنها ~~تعطيك سبعمائة، إذن فساعة تؤخذ منك الحبة لا تقل: إنك نقصت، إنما قدر ~~أنك ستزيد قدر كذا. ms1369 ويعطينا الله ذلك المثل في خلق من خلقه وهو الأرض. ~~الأرض الصماء، أنت تعطيها حبة فتعطيك سبعمائة. فإذا كان خلق من خلق الله ~~وهو الأرض يعطيك أضعاف أضعاف ما أعطيت. أفلا يعطيك رب هذه الأرض ~~أضعافا مضاعفة؟ إنه قادر على أجزل العطاء، هذا هو الفلاح على حقيقته، ~~وبعد ذلك فإنه ساعة يتكلم عن الفلاح يقول لك: إنك لن تأخذ الفلاح فقط ~~ولكنك تتقي النار أيضا. فيقول الحق سبحانه: { واتقوا النار... ~~}. ### || [3.131] # إذن ففيه مسألتان: سلب لمضرة، وإيجاب منفعة، إنه يوجب لك منفعة ~~الفلاح ويسلب منك مضرة النار. ولذلك يقول تعالى: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز # [آل عمران: 185]. لأنه إذا زحزح عن النار ولم يعد في نار ولا في جنة ~~فهذا حسن، فما بالك إذا زحزح عن النار وأدخل الجنة؟ إن هذا هو الفوز ~~الكبير، وهذا السبب في أن ربنا سبحانه وتعالى ساعة السير على الصراط ~~سيرينا النار ونمر عليها، لماذا؟ كي نعرف كيف نجانا الإيمان من هذه، ~~وما الوسيلة كي نفلح ونتقي النار؟ إن الوسيلة هي اتباع منهج الله الذي ~~جاء به على لسان رسوله: { وأطيعوا الله والرسول... }. ### || [3.132] # و " الرحمة " تتجلى في ألا يوقعك في المتعبة، أما الشفاء فهو أن تقع في ~~المتعبة ثم تزول عنك، لذلك فنحن إذا ما أخذنا المنهج من البدء فسنأخذ ~~الرحمة. # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة.. # [الإسراء: 82]. إن الشفاء هو إزالة للذنب الذي تورطنا فيه ويكون القرآن ~~علاجا، والرحمة تتجلى إذا ما أخذنا المنهج في البداية فلا تأتي لنا أية ~~متاعب. ويقول الحق من بعد ذلك: { وسارعوا إلى مغفرة من ~~ربكم وجنة عرضها السماوات... }. ### || [3.133] # والسرعة - كما عرفنا - مقابلها العجلة، إن السرعة هي: التقدم فيما ~~ينبغي، ومعنى أن تتقدم فيما ينبغي: أنك تجعل الحدث يأخذ زمنا أقل، ~~والمثال على ذلك عندما يسرع الإنسان بسيارته من القاهرة إلى الإسكندرية ~~فهو يحاول أن يقطع المائتين والعشرة كيلو مترات في زمن أقل، فبدلا من أن ~~تأخذ منه ثلاث ساعات في السيارة فهو ms1370 يسرع كي تأخذ منه ساعتين. إذن ~~فالسرعة هي: التقدم فيما ينبغي، وهي محمودة، وضدها: الإبطاء. فالسرعة ~~محمودة، والإبطاء مذموم. لكن " العجلة " تقدم فيما لا ينبغي، وهي مذمومة، ~~مقابلها " التأني " ، والتأني ممدوح، إذن فالسرعة محمودة، ومقابلها ~~الإبطاء مذموم، والعجلة مذمومة، ومقابلها التأني ممدوح، والمثل الشعبي ~~يقول: في التأني السلامة وفي العجلة الندامة. إن الحق يقول: { ~~وسارعوا إلى مغفرة من ربكم } [آل عمران: 133] أي: ~~خذوا المغفرة وخذوا الجنة بسرعة، لأنك لا تعرف كم ستبقى في الدنيا، إياك ~~أن تؤجل عملا من أعمال الدين أو عملا من أعمال الخير لأنك لا تعرف ~~أتبقى له أم لا. فانتهز فرصة حياتك وخذ المغفرة وخذ الجنة، هذا هو المعنى ~~الذي يأتي فيه الأثر الشائع " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك ~~كأنك تموت غدا ". الناس تفهمها فهما يؤدي مطلوباتهم النفسية بمعنى: ~~اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا: يعني اجمع الكثير من الدنيا كي يكفيك حتى ~~يوم القيامة، وليس هذا فهما صحيحا لكن الصحيح هو أن ما فاتك من أمر ~~الدنيا اليوم فاعتبر أنك ستعيش طويلا وتأخذه غدا، أما أمر الآخرة ~~فعليك أن تعجل به. { وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ~~وجنة عرضها السماوات والأرض } [آل عمران: 133] ونحن ~~نعرف أن المساحات لها طول وعرض، لأن الذي طوله كعرضه يكون مربعا، إنما ~~الذي عرضه أقل من طوله فنحن نسميه " مستطيلا " ، وحين يقول الحق { ~~عرضها السماوات والأرض } [آل عمران: 133] نعرف أن العرض هو ~~أقل البعدين، أي أنها أوسع مما نراه، فكأنه شبه البعد الأقل في الجنة ~~بأوسع البعد لما نعرفه وهو السماوات والأرض ملتصقة مع بعضها بعضا ~~فأعطانا أوسع مما نراه. فإذا كان عرضها أوسع مما نعرف فما طولها؟ ~~أنه حد لا نعرفه نحن. قد يقول قائل لماذا بين عرضها فقال: { عرضها ~~السماوات والأرض } [آل عمران: 133]. فأين طولها إذن؟ ونقول: وهل ~~السماوات والأرض هي الكون فقط؟ إنه سبحانه يقول: # وسع كرسيه السماوات والأرض.. # [البقرة: 255]. ويقول صلى الله عليه وسلم: # " ما السماوات والأرض وما بينهما إلا كحلقة ألقاها ملك في فلاة ". # أليست ms1371 هذه من ملك الله؟ وهكذا نرى أن هذه الجنة قد أعدت للمتقين، ومعنى ~~" أعدت " أي هيئت وصنعت وانتهت المسألة! يؤكد ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيقول: # " عرضت علي الجنة ولو شئت أن آتيكم بقطاف منها لفعلت ". # لماذا؟ لأن الإخبار بالحدث قد يعني أن الحدث غير موجود وسيوجد من بعد ~~ذلك، ولكن الوجود للحدث ينفي أن لا يوجد لأن وجوده صار واقعا، فعندما ~~يقول: " أعدت " فمعناها أمر قد انتهى الحق من إعداده، ولن يأخذ من خامات ~~الدنيا وينتظر إلى أن ترتقي الدنيا عندكم ويأخذ وسائل ومواد مما ارتقيتم ~~ليعد بها الجنة، لا. لقد أخبر سبحانه عنها فقال: " فيها ما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " ، وأعد سبحانه الجنة كلها ب " كن " ~~، فعندما يقول: " أعدت " تكون مسألة مفروغا منها. وما دامت مسألة ~~مفروغا منها إذن فالمصير إليها أو إلى مقابلها مفروغ منه، والجنة أعدت ~~للمتقين، فمن هم المتقون؟. ### || [3.134] # هذه بعض من صفات المتقين { والكاظمين الغيظ } [آل عمران: 134] ~~لأن المعركة - معركة أحد - ستعطينا هذه الصورة أيضا. فحمزة وهو سيد ~~الشهداء وعم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتل. وليته يقتل فقط ~~ولكنه مثل به، وأخذ بضع منه وهو كبد فلاكته " هند " ، وهذا أمر أكثر ~~من القتل. وهذه معناها وأخذ دنيء. وحينما جاء لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خبر مقتل حمزة وقالوا له: إن " هندا " أخذت كبده ومضغتها ثم ~~لفظتها، إذ جعلها الله عصية عليها، قال: " ما كان الله ليعذب بعضا ~~من حمزة في النار " كأنها ستذهب إلى النار، ولو أكلتها لتمثلت في جسمها ~~خلايا، وعندما تدخل النار فكأن بعضا من حمزة دخل النار، فلا بد أن ربها ~~يجعل نفسها تجيش وتتهيأ للقيء وتلفظ تلك البضعة التي لاكتها من كبد سيد ~~الشهداء. وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحادثة بأنها أفظع ما ~~لقي. إنها مقتل حمزة فقال: # " لئن أظفرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا ~~منهم ". # وهنا جاء ms1372 كظم الغيظ ليأخذ ذروة الحدث وقمته عند رسول الله في واحد من ~~أحب البشر إليه وفي أكبر حادث أغضبه، وينزل قول الحق: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين # [النحل: 126]. كي نعرف أن ربنا - جل جلاله - لا ينفعل لأحد لأن الانفعال ~~من الأغيار، وهذا رسوله فأنزل - سبحانه - عليه: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل: 126] ويأتي هنا الأمر بكظم الغيظ، وهو سبحانه يأتي بهذا الأمر ~~في مسألة تخص الرسول وفي حدث " أحد ". وبعد ذلك يشيعها قضية عامة لتكون ~~في السلم كما كانت في الحرب. وتكون مع الناس دون رسول الله لأنها كانت مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. { والكاظمين الغيظ } [آل عمران: ~~134] ونعرف أن كل الأمور المعنوية مأخوذة من الحسيات. وأصل الكظم أن ~~تملأ القربة، والقرب - كما نعرف - كان يحملها " السقا " في الماضي، ~~وكانت وعاء نقل الماء عند العرب، وهي من جلد مدبوغ، فإذا ملئت القربة ~~بالماء شد على رأسها أي ربط رأسها ربطا محكما بحيث لا يخرج شيء ~~مما فيها، ويقال عن هذا الفعل: " كظم القربة " أي ملأها وربطها، ~~والقربة لينة وعندما توضع على ظهر واحد أو على ظهر الدابة فمن ليونتها ~~تخرج الماء فتكظم وتربط بإحكام كي لا يخرج منها شيء. كذلك الغيظ يفعل في ~~النفس البشرية، إنه يهيجها، والله لا يمنع الهياج في النفس لأنه انفعال ~~طبيعي، والانفعالات الطبيعية لو لم يردها الله لمنع أسبابها في التكوين ~~الإنساني. # إنما هو يريدها لأشياء مثلا: الغريزة الجنسية، هو يريدها لبقاء النوع، ~~ويضع من التشريع ما يهذبها فقط، وكذلك انفعال الغيظ، إن الإسلام لا يريد ~~من المؤمن أن يصب في قالب من حديد لا عواطف له، لا، هو سبحانه يريد ~~للمؤمن أن ينفعل للأحداث أيضا، لكن الانفعال المناسب للحدث، الانفعال ~~السامي الانفعال المثمر، ولا يأتي بالانفعال المدمر. لذلك يقول الحق: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا.. # [الفتح: 29]. فالمؤمن ليس مطبوعا على ms1373 الشدة، ولا على الرحمة، ولكن ~~الموقف هو الذي يصنع عواطف الإنسان، فالحق سبحانه يقول: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.. # [المائدة: 54]. وهل هناك من هو ذليل عزيز معا؟ نقول: المنهج الإيماني ~~يجعل المؤمن هكذا، ذلة على أخيه المؤمن وعزة على الكافر. إذن فالإسلام لا ~~يصب المؤمنين في قالب كي لا ينفعلوا في الأحداث. ومثال آخر: ألم ينفعل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه إبراهيم؟ لقد انفعل وبكى وحزن. ~~إن الله لا يريد المؤمن من حجر. بل هو يريد المؤمن أن ينفعل للأحداث ولكن ~~يجعل الانفعال على قدر الحدث، ولذلك قال سيدنا رسول الله عند فراق ابنه: # " إن العين تدمع وإن القلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك ~~يا إبراهيم لمحزونون ". # ولا نقول لحظة الانفعال ما يسخط الرب. بل انفعال موجه، والغيظ يحتاج ~~إليه المؤمن حينما يهيج دفاعا عن منهج الله، ولكن على المؤمن أن يكظمه. ~~أي لا يجعل الانفعال غالبا على حسن السلوك والتدبير. والكظم - كما قلنا ~~- مأخوذ من أمر محس. مثال ذلك: نحن نعرف أن الإبل أو العجماوات التي لها ~~معدتان، واحدة يختزن فيها الطعام، وأخرى يتغذى منها مباشرة كالجمل ~~مثلا، إنه يجتر. ومعنى: يجتر الجمل أي يسترجع الطعام من المعدة الإضافية ~~ويمضغه، هذا هو الاجترار. فإذا امتنع الجمل عن الاجترار يقال: إن الجمل ~~قد كظم. والحق سبحانه يقول: { والكاظمين الغيظ والعافين ~~عن الناس } [آل عمران: 134]. وقلنا: إن هناك فرقا بين الانفعال في ~~ذاته، فقد يبقى في النفس وتكظمه، ومعنى كظم الانفعال: أن الإنسان يستطيع ~~أن يخرجه إلى حيز النزوع الانفعالي، ولكنه يكبح جماح هذا الانفعال. أما ~~العفو فهو أن تخرج الغيظ من قلبك، وكأن الأمر لم يحدث، وهذه هي مرتبة ~~ثانية. أما المرتبة الثالثة فهي: أن تنفعل انفعالا مقابلا أي أنك لا ~~تقف عند هذا الحد فحسب، بل إنك تستبدل بالإساءة الإحسان إلى من أساء ~~إليك. إذن فهناك ثلاث مراحل: الأولى: كظم الغيظ. والثانية: العفو. ~~والثالثة: أن يتجاوز الإنسان الكظم والعفو بأن يحسن ms1374 إلى المسيء إليه. # وهذا هو الارتقاء في مراتب اليقين لأنك إن لم تكظم غيظك وتنفعل، ~~فالمقابل لك أيضا لن يستطيع أن يضبط انفعاله بحيث يساوي انفعالك، ويمتلئ ~~تجاهك بالحدة والغضب، وقد يظل الغيظ ناميا وربما ورث أجيالا من أبناء ~~وأحفاد. لكن إذا ما كظمت الغيظ، فقد يخجل الذي أمامك من نفسه وتنتهي ~~المسألة. { والعافين عن الناس } [آل عمران: 134] مأخوذة من " ~~عفى على الأثر " والأثر ما يتركه سير الناس في الصحراء مثلا، ثم تأتي ~~الريح لتمحو هذا الأثر. ويقول الحق في تذييل الآية: { والله يحب ~~المحسنين } [آل عمران: 134]. وقلنا في فلسفة ذلك: إننا جميعا صنعة ~~الله، والخلق كلهم عيال الله. وما دمنا كلنا عيال الله فعندما يسيء واحد ~~لآخر فالله يقف في صف الذي أسيء إليه، ويعطيه من رحمته ومن عفوه ومن ~~حنانه أشياء كثيرة. وهكذا يكون المساء إليه قد كسب. أليس من واجب ~~المساء إليه أن يحسن للمسيء؟. لكن العقل البشري يفقد ذكاءه في مواقف ~~الغضب فالذي يسيء إلى إنسان يحسبه عدوا. لكن على الواحد منا أن يفهم أن ~~الذي يسيء إليك إنما يجعل الله في جانبك فالذي نالك من إيذائه هو أكثر ~~مما سلبك هذا الإيذاء. هنا يجب أن تكون حسن الإيمان وتعطي المسيء إليك ~~حسنة. ويضيف الحق من بعد ذلك في صفات أهل الجنة: { والذين إذا ~~فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا ~~الله... }. ### || [3.135] # والفاحشة هي: الذنب الفظيع. فهل معنى ذلك أن الرماة في غزوة أحد حين ~~تركوا مواقعهم، قد خرجوا من الإيمان؟ لا، إنها زلة فقط، لكنها اعتبرت ~~كبيرة من الكبائر لمن أشار على المؤمنين أن ينزلوا، واعتبرت صغيرة لمن ~~حرض - بالبناء للمجهول - على أن ينزل من موقعه. إذن فهو قول مناسب: { ~~والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله } [آل عمران: 135] وجاء الحق هنا ب " ذكروا الله " ~~كتنبيه لنا إلى أن من يفعل الفاحشة أو يظلم نفسه هو من نسي الله، فلحظة ~~فعل الفاحشة أو ظلم النفس لا ms1375 يكون الله على بال الإنسان الفاعل للفاحشة ~~أو على بال من ظلم نفسه، والذي يجرئ الإنسان على المعصية ليحقق لنفسه ~~شهوة، أنه لم ير الله ولم ير جزاءه وعقابه في الآخرة ماثلا أمامه، ولو ~~تصور هذا لامتنع عن الفاحشة. وكذلك الذي يهمل في الطاعة أيضا، لم يذكر ~~الله وعطاءه للمتقين. ولو ذكر الله وعطاءه للمتقين لما تكاسل عن طاعة ~~الله. ولذلك يقول الحق: { ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم } [آل عمران: 135] فمن يستغفر لذنبه فقد ذكر الله. وموقف ~~العلماء من الفاحشة فيه اختلاف. بعض العلماء قال: إنها الكبيرة من ~~الكبائر، وظلم النفس صغيرة من الصغائر. وقال بعض آخر من العلماء: إن ~~الفاحشة هي الزنا لأن القرآن نص عليها، وما دون ذلك هو الصغيرة. ولكن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا كبيرة مع الاستغفار. ولا صغيرة مع الإصرار ". # فلا يجوز للإنسان أن يتجاوز عن أخطائه ويقول: هذه صغيرة وتلك صغيرة لأن ~~الصغيرة مع الصغيرة تصير كبيرة. وحين ننظر إلى قول الله تعالى: { ~~والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم } ~~[آل عمران: 135] نجد أن الذي فعل الفاحشة ظالم لنفسه أيضا لأنه حقق ~~لنفسه شهوة عارضة، وأبقى على نفسه عذابا خالدا. ولماذا لم يقل الحق ~~إذن: والذين ظلموا أنفسهم فقط؟ أي يكون العطف ب " الواو " لا ب " أو " ~~لأن الحق يريد أن يوضح لنا الاختلاف بين فعل الفاحشة وظلم النفس. لأن ~~الذي يفعل الفاحشة إنما يحقق لنفسه شهوة أو متعة ولو عاجلة، لكن الذي ~~يظلم نفسه يذنب الذنب ولا يعود عليه شيء من النفع فالذي يشهد الزور - على ~~سبيل المثال - إنه لا يحقق لنفسه النفع، ولكن النفع يعود للمشهود له ~~زورا. إن شاهد الزور يظلم نفسه لأنه لبى حاجة عاجلة لغيره، ولم ينقذ ~~نفسه من عذاب الآخرة. أما الإنسان الذي يرتكب الفاحشة فهو قد أخذ متعة في ~~الدنيا، وبعد ذلك ينال العقاب في الآخرة. # لكن الظالم لنفسه لا يفيد نفسه، بل يضر نفسه فالذي هو شر أن تبيع دينك ~~بدنياك إنك في هذه ms1376 الحالة قد تأخذ متعة من الدنيا وأمد الدنيا قليل. ~~والحق لم ينه عن متاع الدنيا، ولكنه قال عنه: # قل متاع الدنيا قليل # [النساء: 77]. وهناك من يبيع دينه بدنيا غيره، وهو لا يأخذ شيئا ويظلم ~~نفسه. ويقول الحق: { فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر ~~الذنوب إلا الله } [آل عمران: 135]. ومعنى " ذنب " هو مخالفة ~~لتوجيه منهج. فقد جاء أمر من المنهج ولم ينفذ الأمر. وجاء نهي من المنهج ~~فلم يلتزم به. ولا يسمى ذنبا إلا حين يعرفنا الله الذنوب، ذلك هو ~~تقنين السماء. وفي مجال التقنين البشري نقول: لا تجريم إلا بنص ولا عقوبة ~~إلا بتجريم. وهذا يعني ضرورة إيضاح ما يعتبر جريمة حتى يمكن أن يحدث ~~العقاب عليها، ولا تكون هناك جريمة إلا بنص عليها. أي أنه يتم النص على ~~الجريمة قبل أن ينص على العقوبة، فما بالنا بمنهج الله؟ إنه يعرفنا ~~الذنوب أولا، وبعد ذلك يحدد العقوبات التي يستحقها مرتكب الذنب. ولننتبه ~~إلى قول الحق: { ولم يصروا على ما فعلوا وهم ~~يعلمون } [آل عمران: 135] إذن فالاستغفار ليس أن تردف الذنب بقولك: ~~أستغفر الله لا. إن على الإنسان أن يردف الذنب بقوله: أستغفر الله وأن ~~يصر على ألا يفعل الذنب أبدا. وليس معنى هذا ألا يقع الذنب منك مرة أخرى ~~إن الذنب قد يقع منك، ولكن ساعة أن تستغفر تصر على عدم العودة، إن الذنب ~~قد يقع، ولكن بشرط ألا يكون بنية مسبقة، وتقول لنفسك: سأرتكب الذنب، ~~وأستغفر لنفسي بعد ذلك. إنك بهذا تكون كالمستهزئ بربك، فضلا على أنك قد ~~تصنع الذنب ولا يمهلك الله لتستغفر. قوله الحق: { ولم يصروا ~~على ما فعلوا وهم يعلمون } [آل عمران: 135] يوضح لنا أنه ~~لا عقوبة إلا بتجريم ولا تجريم إلا بنص. إن الحق يعلمنا ويعرفنا أولا ما ~~هو الذنب؟ وما هو العقاب؟ وكيفية الاستغفار؟ ويقول الحق بعد ذلك: { ~~أولئك جزآؤهم مغفرة من ربهم وجنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها... }. ### || [3.136] # { أولئك } إشارة إلى ما تقدم في قوله سبحانه: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ms1377 ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين # [آل عمران: 133]. مع بيان أوصاف المتقين في قوله: # الذين ينفقون في السرآء والضرآء والكاظمين ~~الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. إنهم ينفقون في السراء نفقة الشكر. وينفقون في الضراء ~~نفقة الذكر والتضرع، لأن النعمة حين توجد بسراء تحتاج إلى شكر لهذه ~~النعمة، والنعمة حين تنفق في الضراء تقتضي ضراعة إلى الله ليزحزح عن ~~المنفق آثار النقمة والضراء. إذن فهم ينفقون سواء أكانوا في عسر، أم ~~كانوا في يسر. إن كثيرا من الناس ينسيهم اليسر أن الله أنعم عليهم ~~ويظنون أن النعمة قد جاءت عن علم منهم. وبعض الناس تلهيهم النعمة عن أن ~~يحسوا بآلام الغير ويشغلوا بآلام أنفسهم. لكن المؤمنين لا ينسون ربهم ~~أبدا. وأمره بالإنفاق في العسر واليسر. ولذلك قولوا: فلان لا يقبض يده ~~في يوم العرس ولا يوم الحبس. وتتتابع أوصاف المتقين: # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر ~~الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ~~وهم يعلمون # [آل عمران: 135]. وفي ذلك لون من تطمين المؤمن على أغيار نفسه، وعلى أنه ~~عندما يستجيب مرة لنزغات الشيطان، فهذه لا تخرجه من حظيرة التقوى، لأن ~~الله جعل ذلك من أوصاف المتقين. فالفاحشة التي تكون من نزغ الشيطان وذكر ~~العباد لله بعدها، واستغفارهم مع الإصرار على عدم العودة، لا تخرجهم ~~أبدا عن وصفهم بأنهم متقون. لأن الحق هو الغفور: # ومن يغفر الذنوب إلا الله # [آل عمران: 135]. إنهم قد أخبروا بذلك، فلم يجرم الحق أحدا إلا بنص، ~~ولم يعاقب إلا بجريمة. وقول الحق سبحانه: { أولئك جزآؤهم ~~مغفرة من ربهم } [آل عمران: 136] هو إشارة لكل ما سبق. ~~ونلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى جعل للعاملين بهذا العمل من التقوى قوسين: ~~القوس الأول الذي ابتدأ به هو قوله الحق: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السماوات والأرض أعدت للمتقين # [آل عمران: 133]. والقوس الثاني هو الذي أنهى الأمر: { أولئك ~~جزآؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من ~~تحتها الأنهار } [آل عمران: 136]. فالجنة ms1378 الأولى التي ذكرها الله ~~إلهابا للعواطف النفسية لتقبل على ما يؤدي لهذه الجنة، وبعد ذلك ذكر ~~الأوصاف والأصناف وجعل الجنة أجرا. { ونعم أجر العاملين } ~~[آل عمران: 136]. والأجر عادة هو ما يأخذه العامل نتيجة العمل. والأجر ~~حين يأخذه العامل نتيجة لعمل يتوقف على تقييم العمل عند صاحب العمل نفسه. ~~فزيادة الأجر ونقصه تقدير من صاحب العمل، وأيضا تقدير للعامل. فإن طلب ~~أصحاب عمل متعددون عاملا محددا فله أن يطلب زيادة وإن لم يطلبه أحد فهو ~~يقبل أول عرض من الأجر نظير أداء العمل. # إذن فالمسألة مسألة حاجة من صاحب عمل، أو حاجة من عامل، وحين ننظر إلى ~~الصفقة في الآخرة نجد أنها بين إله لا يحتاج إلى عملك. ومع أنه لا يحتاج ~~إلى عملك جعل لعملك أجرا. ما هذه المسألة؟ هو ليس محتاجا إلى عملك، ~~ويعطيك أجرا على عملك ويقول لك: إن هذا الأجر هو الحد الأدنى، لكن لي ~~أنا أن أضاعف هذا الأجر، ولي أن أتفضل عليك بما فوق الأجر. فكم مرحلة ~~إذن؟ إنها ثلاث مراحل، مع أنه سبحانه لا يستفيد من هذا العمل إلا أنه وضع ~~ثلاث مراتب للأجر. إذن فالحاجة من جهة واحدة هي جهتك أنت أيها العبد، أنت ~~تحتاج إلى خالقك وهو لا يحتاج إليك، ومع ذلك يعطيك الإله الحق الأجر لا ~~على قدر العمل فقط، ولكن فوق ذلك بكثير. إن الذي تعمل له يوما من العباد ~~قد يعطيك - على سبيل المثال - ما يكفيك قوت يوم، أو قوت يوم ونصف يوم. ~~ولكنك حين تأخذ الأجر من يد الله فإنه يعطيك أجرا لا تنتهي مدة إنفاقه ~~فهو القائل: { ونعم أجر العاملين } [آل عمران: 136]. هذا هو ~~الأجر الذي يقال فيه: نعم هذا الأجر لأنه أجر لا يتناسب مع مجهودي، بل ~~يفوق كل ما بذلت من جهد وقادم من جهة لا تحتاج إلى هذا المجهود. إنه ~~سبحانه متفضل على أولا. ومتفضل على أخيرا، ليدل الحق سبحانه وتعالى على ~~أنك - أيها العبد - حين تعمل الطاعة يعود أثر الطاعة على نفسك ومع ms1379 ذلك ~~فهو يعطيك أجرا على ما فعلت. وأوضحنا أن هذه الآيات جاءت بين آيات معركة ~~أحد إرشادا واستثمارا للأحداث التي وقعت في أحد، حتى إذا عاش ~~الإنسان في تصور الأحداث فالأحداث تكون ساخنة، ويكون التقاط العبرة منها ~~قريبا إلى النفس لأن واقعا يحتمها ويؤكدها. والحق سبحانه وتعالى يقول ~~من بعد ذلك: { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في ~~الأرض فانظروا... }. ### || [3.137] # أي أنتم لستم بدعا في هذه المسألة. و " خلت " تعني " مضت " ، أي حصلت ~~واقعا في أزمان سبقت هذا الكلام. وعادة فالأخبار التي يتكلم بها الإنسان ~~مرة تكون خبرا يحتمل الصدق والكذب، لكن هذه المسألة لا تحتاج إلى صدق أو ~~كذب لأن الواقع ليس أمرا مستقبلا، ولكنه أمر قد سبق، فبمجرد أن يجيء ~~الكلام لا ننتظر واقعا يؤكد صدق الكلام، لأن الواقع قد حدث من قبل، ~~فيقول سبحانه: { قد خلت من قبلكم سنن } [آل عمران: 137]. ~~والسنن هي الطرق التي يصرف الله بها كونه بما يحقق مصلحة ذلك الكون ليضمن ~~للإنسان - السيد في هذا الكون - ما يحقق مصلحته، ومصلحة الإنسان تتمثل في ~~أن يسود الحق في حياة الإنسان المختار كما ساد الحق في الكون المسير قبل ~~الإنسان. وقد قلنا إن في هذا الكون تسخيرا: أي لا إرادة له، لا إرادة ~~للجماد ولا للنبات. ولا للحيوان في أن تفعل الخير لك أو لا تفعل. فلم ~~يحدث أن جاء إنسان لأرض صالحة للزراعة، ووضع فيها بذورا، فلم تنبت الأرض ~~وقالت له: لن أعطيك، ولم تقل الأرض يوما عن إنسان: إنه كافر فلن أعطي له ~~الرزق. إن الأرض مسخرة لخدمة الإنسان ما دام يأخذ بأسبابها فهي تؤدي له. ~~والحيوانات أيضا مسخرة لخدمتك لا باختيارك، ولا بقدرة تسخيرك لها، ولكن ~~بتسخير الله لها أن تفعل. وقلنا: إن الإنسان قد تكون عنده مطية، مثل بعض ~~الفلاحين، فمرة يجعلها صاحبها تحمل أكوام السباخ من روث الحيوان وفضلاته، ~~وبعد ذلك يلوح له أن يخرجها من عملها هذا ويجعلها ركوبة له، ويدللها ~~بالأشياء التي تعرفونها من لجام جميل وسرج ms1380 أجمل، ويرفهها في حياتها ~~وينظفها. هل في الحالة الأولى امتنعت المطية عن حمل السباخ أو امتنعت في ~~الحالة الثانية عن حمل الإنسان؟ لا أنت تسيرها مثلما تريد أنت، فليس لها ~~اختيار. ولا النبات له اختيار، ولا الجماد له اختيار، ولا الحيوان أيضا، ~~إنما الاختيار للإنسان. وقد حكم الله اختيار الإنسان بمقادير يكون ~~الإنسان مسخرا فيها حتى لا يظن أنه استقل بالسيادة فأصبحت له قدرة ~~ذاتية. والحق يحكم الإنسان بأشياء يجعلها قهرية على الإنسان كي يظل في ~~إطار التسخير. ويترك الحق للإنسان أشياء ليبقى له فيها الاختيار. فإذا ما ~~نظرنا إلى الكون وجدنا أن ما لا اختيار فيه لشيء يسير على أحدث نظام ولا ~~تصادم فيه، والذي فيه اختيار للإنسان هو الذي يختل، لماذا؟. لأن الإنسان ~~قد يختار على غير منهج الذي خلق وهو الله - سبحانه وتعالى - فإذا أردت ~~أن يستقيم لك الأمر أيها المختار فاجعل اختيارك في إطار منهج الله. # وحين تجعل اختيارك في إطار منهج الله تكون قد أصبحت سويا كبقية ~~الأجناس وتسير الأمور معك بانتظام. وعندما تقارن بين شيء للإنسان فيه ~~اختيار وعمل، وشيء لا اختيار للإنسان فيه ولا عمل، فأنت تجد أن الشيء ~~الذي لا اختيار للإنسان فيه مستقيم الأمر، ولا خلاف فيه أبدا، أما الشيء ~~الذي فيه اختيار للإنسان، فأنت تجد فيه الخلاف. مثال ذلك: لو نظرنا إلى ~~وسيلة مواصلات من الحيوانات كالجمال أو الخيل أو الحمير، فإننا نجدها ~~تسير في طريق واحد، وتتقابل جيئة وذهابا فلا يحدث تصادم بين حمار وحمار، ~~ولا قتل لراكب أحد الحمارين. إن الحيوانات يتفادى ويتحامى بعضها بعضا ~~حتى لو كان الراكب نائما. ومهما كان الطريق مزدحما فالحيوانات لا ~~تتصادم لأن ذلك من نطاق تسخير الحق للحيوان. ولننظر إلى الإنسان حين ~~تدخل ليصنع وسيلة مواصلات، صنع الإنسان ألوان السيارات، يقودها ~~الإنسان، ومع أن الإنسان هو الذي يقود السيارات، وبرغم ذلك بدأت تأتي ~~المخالفات والمصادمات والحوادث لأن للإنسان يدا في ذلك. والحق سبحانه ~~وتعالى يريد أن يدلك على أن ما خلق مسخرا ms1381 بأمر الله وتوجيهه لا يتأتى ~~منه فساد أبدا، إنما يتأتى الفساد مما لك فيه اختيار، فحاول أن تختار ~~في إطار منهج الله. فعندما يقول الحق لك: " افعل كذا ولا تفعل كذا " ~~فعليك أن تصدق وتطيع لأن الحق سبحانه عندما سخر الأشياء للإنسان سارت ~~بانتظام رائع، وأنت أيها العابد عندما تطيع الله فإن الأمور في حياتك ~~تمشي بيسر. ولذلك قلنا: إن الناس لم تشتك قط أزمة شمس ولم يشتكوا أزمة ~~هواء، لكن لماذا اشتكوا أزمة طعام؟ إن الإنسان له دخل في إنتاج الطعام. ~~فما للإنسان فيه دخل يجب أن يحكمه قانون التكليف من الله: " افعل كذا ولا ~~تفعل كذا ". الكون مخلوق بحق. ومعنى أنه مخلوق بحق أن كل شيء في الوجود ~~يؤدي مهمته كما أرادها الله، وكما سخر من أجله إذا ما قام الإنسان ~~بتنفيذ التكليف فكل شيء يسير بحق. وإن ترك الإنسان التكليف وأخذ باختياره ~~فإنه يصير إلى باطل ونتج ما هو باطل، والكون مبني على الحق: # ما خلقناهمآ إلا بالحق ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون # [الدخان: 39]. إن الحق جعل للكون قضايا ثابتة، فلا شيء يعتدي على شيء ~~آخر أبدا. واختيار الإنسان هو الذي يأتي بمقابل الحق وهو الباطل، ولذلك ~~يصون الله الكون بأن يبين أن الحق يصطدم بالباطل، والباطل يصطدم بالحق ~~لكن الحق يجيء ويبقى، والباطل يزهق ويزول، ويظهر الله لنا ذلك أمام ~~أعيننا يقول تعالى: # وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان ~~زهوقا # [الإسراء: 81]. إذن فقوله سبحانه: { قد خلت من قبلكم سنن ~~} [آل عمران: 137] يعني: اعتبروا بما سبقكم وانظروا إلى اصطدام الباطل ~~بالحق، أدام وبقى اصطدام الباطل بالحق؟ لا لأن الباطل كان زهوقا. # ولذلك نحن نرى أمثلة عملية لذلك لا أقول في مواكب الناس بعضهم مع بعض، ~~ولكن في موكب الباطل مع حق السماء. وحق السماء يمثله الرسل والمناهج التي ~~جاءت من عند الله وكل حق جاء من السماء وجاء من مناهج الله قابله قوم ~~مبطلون. لماذا؟ لأن السماء دائما لا تتدخل إلا حين يشيع الفساد، وما دام ms1382 ~~الفساد يشيع فإن هناك طائفة منتفعة بالفساد، وهذه الطائفة المنتفعة ~~بالفساد وبالباطل تدافع عنه وبعد ذلك يأتي موكب السماء ليصادم هذا الباطل ~~والفئة المنتصرة للباطل، فتنشأ معركة، فقال الحق حينئذ: { قد خلت ~~من قبلكم سنن } [آل عمران: 137]. قالها الحق لنعرف أن الباطل ~~زهوق، وأن كل معارك أهل الأرض مع منهج السماء قد انتصر فيها الحق. ولذلك ~~تأتي سورة العنكبوت لتبين لنا ذلك، بداية من قوله سبحانه: # وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يقوم اعبدوا ~~الله وارجوا اليوم الأخر ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين * فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا ~~في دارهم جاثمين # [العنكبوت: 36-37]. هذه هي الصورة الأولى، وتأتي الصورة الثانية: # وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم ~~وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل وكانوا مستبصرين # [العنكبوت: 38]. إذن فانظروا إلى مساكنهم الباقية لتدلكم على ما حدث ~~لهم. والصورة الثالثة: # وقارون وفرعون وهامان ولقد جآءهم موسى ~~بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا ~~سابقين # [العنكبوت: 39]. وساعة تسمع " وما كانوا سابقين ". أي كأن هناك حاجة ~~تلاحقهم، والذي يلاحقه شيء فإنه يحاول أن يسبقه، لكنهم لا يستطيعون. ~~وتأتي السنن واضحة بعد ذلك: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [العنكبوت: 40]. إذن فصراع الحق والباطل قد تقدم ووقع في أمم قد سبقتكم ~~وبقيت لها مساكن، فمن شاء أن يذهب إليها ليتأكد فليذهب، ولا تزال مدائن ~~صالح، ولا تزال هناك آثار عاد، وكل مكان فيه أثر من الآثار. ولذلك يوضح ~~الحق: فإن كنتم تريدون التأكد من ذلك فأنا قد أخبرت، ومن آمن بي فليصدق ~~خبري، ولغير المؤمن ولمن يريد اطمئنان قلبه يقول سبحانه: # فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين # [النحل: 36]. إن الحق سبحانه وتعالى يمثل صراع الحق - وهو الشيء الثابت ~~- مع الباطل، وهذه القضية موجودة حتى فيما لا اختيار له. ويصنعها الحق ~~فيهم، صراعا بين حق وباطل فيما لا اختيار له لمصلحة الإنسان أيضا. وقد ms1383 ~~جعل سبحانه الصراع بين الحق والباطل في أشياء ليست من الإنسان ولكنها ~~تخدم الإنسان، وهذه نراها في الأمور العادية. أما في القيم فالحق يقول: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. إنه سبحانه أنزل من السماء ماء فسال في الأودية، والأودية ~~كما نعرفها هي المكان المنحصر بين جبلين، فإذا نزلت الأمطار على الأعالي ~~فإنها تنحدر إلى الأسفل وتسيل في الأودية. والوديان هي محل الخصب لأن ~~الغرين والطمى الذي ينزل من الجبال مع مياه المطر ويترسب ويصير ترابا ~~خصبا يخرج منه الزرع. وكل واد من الوديان يأخذ على قدر سعته، وباقي ~~المياه يبحث له عن مسلك آخر، ولو إلى باطن الأرض، وذلك كان مظهرا ~~مألوفا في الجزيرة العربية فعندما يأتي السيل فإن الأودية تمتلئ ماء، ~~كل واد يأخذ على قدر سعته. # فاحتمل السيل زبدا رابيا # [الرعد: 17] ونحن نراه في الحقول ونسميه " الريم " الذي يطفو على سطح ~~الماء، ما الذي يحدث لهذا الريم؟ إنه يتجمع ويطفو ثم يركن ويميل جانبا. ~~ألم تر القدر بها لحم تفور؟. إننا نجد الريم قد طفا على السطح. وهذا ~~الريم فيه أشياء خارجة عن عنصر الشيء الموجود في القدر، فإذا ما جاءت ~~حرارة النار أخرجته على السطح، فإما أن يخرجه الإنسان خارج القدر، وإما ~~أن يتركه فيتجمد على الجوانب وينتهي. ومن أين جاء هذا الزبد؟ إنه يأتي من ~~الأرض والأرض فيها أشياء كثيرة، كجذور النبات وبقايا ما حمله الهواء ~~وتتخلل هذه الأشياء مسام الأرض، هذه الأشياء عندما توجد في المسام، وتأتي ~~الجذور الصغيرة لتنمو فتعوقها عن أخذ غذائها لذلك فعندما ينزل الحق الماء ~~من السماء فإن الماء يجعل هذه الأشياء تطفو على السطح ليجعل هناك منفذا ~~للجذور الصغيرة. وينزل الله المطر ليغسل التربة كلها، ويجعل هذه الأشياء ~~تطفو لأنها غثاء، ويطفو ms1384 الغثاء. وساعة أن يطفو الغثاء فإياك أن تفهم أن ~~ذلك علو، إنه علو إلى انتهاء، كذلك فورة الباطل. إياك أن تظن أن الزبد ~~له فائدة، أو أن ارتفاع الريم كان علوا على ما في القدر، لا. إنه ~~تطهير لما في القدر أو الإناء، ولهذا قال الحق: # فاحتمل السيل زبدا رابيا # [الرعد: 17]. وإن لم تذهب آثار الريم بحركة الماء التموجية فإنها ستذهب ~~بطريقة أو بأخرى. ولننظر إلى الأشياء القذرة التي تلقى في البحر نجد أنها ~~بعد مدة قد خرجت إلى الشاطئ. # وما يعلم جنود ربك إلا هو.. # [المدثر: 31]. إنها تخرج على الشاطيء ويجمعها المكلفون بتنظيف الشاطئ. ~~وإلا كيف تتم صيانة الماء؟ إنه سبحانه يجعل الماء ينظف نفسه بحركته ~~الذاتية. إذن فالماء عندما ينزل سيلا، فإنه ينقي التربة من العوائق التي ~~تعوق غذاء الجذيرات الصغيرة، وقد لا يكتفي بعضنا بهذا المثل، فيضرب لنا ~~الله مثلا آخر: # ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو ~~متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ~~ينفع الناس فيمكث في الأرض.. # [الرعد: 17]. ونحن نرى هذه الحكاية عندما يضعون أي معدن في النار، فإن ~~المعدن ينصهر ويصير كالعجينة وتخرج منه فقاقيع ونحن نسميها خبث المعدن ~~وعندما نخرج الخبث من المعدن فانه يصير قويا، إذن فالنار قد صهرت ~~المعدن، وأخرجت منه الخبث الضار فيه، أو الذي يجعله لا يؤدي مهمته بكفاءة ~~عالية، فأنا قد أصنع من الحديد درعا قوية أو أريد أن أستخرج منه الصلب، ~~وهذه العمليات معناها أننا نصهر الحديد بالنار لنزيل خبثه ليزداد قوة. ~~وكذلك الذهب والفضة ساعة نريد أن نخلصهما من هذه الآثار فإننا نصهرهما ~~لنخرج منهما الأشياء الخارجة عنهما أي التي تختلط بهما وتشوبهما وهي ليست ~~منهما. لماذا إذن يا ربي هذا التمثيل الحسي في المياه؟ والحلية التي لا ~~تؤدي ضرورة، والمتاع وهو الذي يؤدي ضرورة؟ إنه سبحانه يقول: # كذلك يضرب الله الحق والباطل # [الرعد: 17]. إن الحق كالماء، والحق كالنار، والماء يحمل الزبد الرابي ~~بعيدا عن مسام الأرض، ms1385 والنار تخرج الزبد والخبث من المعادن، وتجعل ~~المعادن خالصة للمنفعة المطلوبة لنا، كذلك يضرب الله الحق والباطل: # فأما الزبد فيذهب جفآء # [الرعد: 17]. وجفاء أي مطروحا مرميا، # وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض # [الرعد: 17]. ذلك هو صراع الحق والباطل في المبادئ والقيم ويصوره الله ~~في الأمور المادية. ومن العجيب أنه يصوره بمتناقضين ولكنهما متناقضان ~~ويؤديان مهمة واحدة، ماء ونار، فإياك حين ترى شيئا يناقض شيئا أن تقول: ~~هذا يناقض ذاك، لا لأن هذا الشيء مطلوب لمهمة، وذاك الشيء مطلوب لمهمة ~~أخرى. إذن فقول الحق سبحانه: { قد خلت من قبلكم سنن } [آل ~~عمران: 137] هو لفت لنا إلى صراع الحق مع الباطل، وأن الإنسان قد يرى ~~الباطل مرة وله فورة وعلو، ونقول: هذا إلى جفاء. وهذه سنة من سنن ~~الحياة. وإن أردتم أن تتأكدوا منهما، فالتفتوا إلى دقة قول الحق تعالى: { ~~فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين } [آل عمران: 137]. وهنا ملحظ عام، وملحظ خاص، الملحظ ~~العام: أننا نفهم أن المقصود بذلك السير على الأرض، وتلك هي حدود رؤيتنا، ~~لكن حين يتكلم الله فرؤية الله أشمل فهو الخالق لهذا الكون، ونحن ما زلنا ~~نجهل جزيئات في هذا الكون، ولم نعرف بعضها إلا أخيرا، وخالق الكون هو ~~الذي يعلم كل الخبايا. نحن نقول: إننا نسير على الأرض لأننا كنا نفهم أن ~~هذه الأرض ليس عليها إلا نحن فقط، ثم تبين لنا - بعد أن أخذ العلم حظه - ~~أنه لولا وجود الهواء في الأرض لما صلحت للحياة. # ولذلك فعندما تدور الأرض. فالهواء الذي حولها يدور معها ويسمونه الغلاف ~~الجوي إذن فالغلاف الجوي جزء من الأرض وله امتداد كبير، فالإنسان عندما ~~يسير فإنه يسير في الأرض، أما الذي يسير على الأرض فهو الذي يسير فوق ~~الغلاف الجوي، أما السائر على اليابسة، والغلاف الجوي ما زال فوقه فهو ~~يسير في الأرض لا على الأرض. وما دامت المسألة هي سنن تقدمت، ويريد الله ~~منا أن نعتبر بالسنن المتقدمة، لذلك يقول لنا: { فسيروا في الأرض ~~} [آل عمران: 137] نسير ms1386 بماذا؟. إما أن نسير بالانتقال، أو نسير بالأفكار ~~لأن الإنسان قد لا يملك القدرة على السير ويترك هذه المهمة للرحالة، ~~والرحالة - مثلا - هم الذين ذهبوا إلى جنوب الجزيرة، ورأوا وادي الأحقاف ~~ووجدوا أن عاصفة رمل واحدة تطمر قافلة بتمامها. إذن ففيه عواصف وارت ~~الكثير من الأشياء، فعاصفة واحدة تطمر قافلة. فكم من العواصف قد هبت على ~~مر هذه القرون؟ والحق سبحانه يخبرنا بإرم ذات العماد فيقول: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * ~~الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * ~~فصب عليهم ربك سوط عذاب # [الفجر: 6-13]. إنه سبحانه يخبرنا أن إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها ~~في البلاد أي متفوقة على حضارة مصر القديمة. وهي عجيبة وفيها أكثر من ~~عجيبة فأين هي الآن؟. وما دامت الرمال بعاصفة واحدة - كما قلنا - تطمر ~~قافلة، فكم عاصفة مرت على هذه البلاد؟. ولذلك نجد أننا لا نزال جميعا ~~إلى الآن حين نريد أن ننقب عن الآثار فلا بد أن نحفر تحت الأرض. لماذا ~~هذا الحفر وقد كانت هذه الآثار فوق الأرض؟ لقد غطتها العواصف الرملية. ~~والمثال على ذلك: أنك تغيب عن بيتك شهرا واحدا وتعود لتجد من التراب ~~الناعم ما يغطي أرض البيت على الرغم من إغلاق النوافذ. فماذا تجد من حجم ~~التراب لو غبت عن بيتك عاما، أو عامين، أو ثلاثة أعوام، رغم إحكام ~~وإغلاق النوافذ والفتحات بالمطاط وخلافه؟ ولكن التراب الناعم يتسرب ويغطي ~~الأثاث والأرض. وإذا كانت هذه الأمور تحدث في منازلنا فما بالك بالمنطقة ~~التي فيها أعاصير وعواصف رملية؟ هل تطمر المدن أو لا؟ إن المدن والحضارات ~~تطمر تحت الرمال لذلك فعندما ننقب عن الآثار فنحن نحفر في الأرض، وهذا ~~لون من السير في الأرض للرؤية والعظة. وحين يقول الحق: { فانظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين } [آل عمران: 137] فماذا يعني ~~بعاقبة المكذبين؟ حين تكون أمة قد تحضرت حضارة كبيرة يقول عنها الحق: # ألم تر ms1387 كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * ~~الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد # [الفجر: 6-12]. إن الذي أقام هذه الحضارات ألا يستطيع أن يجعل لهذه ~~الحضارة ما يصونها؟ كيف يتم القضاء على هذه الحضارات الواسعة واندثارها ~~وذهابها؟. لا بد أن ذلك يتم بقوة أعلى منها، فهذه الحضارات رغم تقدمها ~~الرهيب لم تستطع أن تحفظ نفسها من الفناء. إنها القوة الأعلى منها، وهكذا ~~نصدق قوله الحق: { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ~~} [آل عمران: 137]. إنه القيوم الذي يرى كل الخلق، فمن يطغى ويفسد فليلق ~~النهاية نفسها. إذن فقوله سبحانه يحمل كل الصدق: { قد خلت من ~~قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان ~~عاقبة المكذبين } [آل عمران: 137]. وبعد ذلك يقول الحق: { ~~هذا بيان للناس وهدى... }. ### || [3.138] # انظر إلى الكلمة { هذا بيان للناس } [آل عمران: 138] إن ~~البيانات عندما تتأتى تأخذ قوتها وسطوتها وعظمتها من قوة من أصدر البيان ~~أنت ساعة تجد ثورة في مجتمع ما فإننا نسمع كلمة " بيان رقم واحد " تهتز ~~له الدنيا وهو بيان قادم من بشر فما بالنا بالبيان القادم من الله؟ إنه ~~إيضاح من الله: أنا لن آخذكم على غرة { هذا بيان للناس ~~وهدى وموعظة للمتقين } [آل عمران: 138] و " الهدى ": ~~كما نعرف هو الطريق الموصل للغاية المرجوة. و " الموعظة " معناها: حمل ~~النفس ترغيبا وترهيبا، لعمل الخير بالترغيب، والبعد عن الشر بالترهيب، ~~تلك هي الموعظة. وكل هذه الأشياء عندما جاءت في ثنايا آيات أحد بعد أن ~~أخذنا منها العبرة والحدث ما زال ساخنا. لذلك فقبل أن يكمل لنا قصة ~~أحد استثار النفوس بهذه المسألة، ووضع لنا الأشياء المادية والقيمية ~~لنأخذ بها في حياتنا، وحتى لا تنتهي قصة أحد وينصرف الناس عن العظات ~~التي كانت فيها. وما دامت المسألة هكذا، وكان المقاتلون في سبيل الله هم ~~جنود الحق، وعرفوا ذلك بتأييد الله لهم ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ~~بينهم. وهو حامل المعجزة الدالة على صدقه ms1388 لذلك فالذي حدث في معركة أحد ~~لا يصح أن يضعفكم لأنكم تعرفون كيف يسند الله الحق ويقويه. وتعرفون حملة ~~الله على الباطل. وقد أوضحنا لكم السنن والبيان، ولذلك يقول الحق سبحانه ~~بعد ذلك: { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون... ~~}. ### || [3.139] # والمقصود بقوله: { ولا تهنوا } [آل عمران: 139] أي لا تضعفوا، وهي ~~أمر خاص بالمسألة البدنية لأن الجراحات أنهكت الكثيرين في موقعة أحد ~~لدرجة أن بعضهم أقعد، ولدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقدر أن ~~يصعد الجبل، وحمله طلحة بن عبيد الله على ظهره ليقوم، لذلك قال الحق: { ~~ولا تهنوا } [آل عمران: 139]، لأنك عندما تستحضر أنك مؤمن وأن الله ~~لن يخلي بينك وبين جنود الباطل لأنك نصير للحق، والحق من الله وهو الحق ~~لا يسلم نبيه وقومه لأعدائهم، فيوم تأتي لك هذه المعاني إياك أن تضعف. ~~والضعف هو نقصان قوة البدن. { ولا تحزنوا } [آل عمران: 139] والحزن ~~مواجيد قلبية، وهم قد حزنوا فقد مات منهم كثير. مات منهم خمسة وسبعون ~~شهيدا، خمسة من المهاجرين، وسبعون من الأنصار، وهذه عملية صعبة وشاقة، ~~وقد حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الشهداء، وغضب لمقتل حمزة - ~~رضي الله عنه - وقال: " لن أصاب بمثلك أبدا! وما وقفت موقفا قط أغيظ ~~إلي من هذا " ثم قال: " لئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن ~~لأمثلن بثلاثين رجلا منهم مكانك ". فقال الحق: { ولا تحزنوا } [آل ~~عمران: 139] لماذا؟ لأنك يجب أن تقارن الحدث بالغاية من الحدث. صحيح أن ~~القتل صعب وإزهاق للنفس، ولكن انظر إلى أين ذهب. وانظر ماذا خلف من بعده. ~~أما هو فقد ذهب إلى حياة عند ربه وهي ليست كالحياة عندكم. إن الحياة ~~عندنا لها مقاييس، والحياة عند ربنا لها مقاييس، فهل مقاييسنا أعلى من ~~مقاييسه؟ لا، حاشا لله. إذن فإذا نظرت إليه هو فاعلم أنه ذهب لخير مما ~~ترك، فلا تحزن عليه بل تفرح له لأنه ما دامت الغاية ستصل إلى هذه ~~المسألة. إذن فقد قصر له مسافة الحياة، وما دامت الغاية ms1389 أن يصل إلى رحمة ~~الله وإلى حياة عند الله بكافة معانيها، فهو سعيد بجوار ربه، ونحن في ~~الغايات الدنيوية عندما نريد أن نذهب إلى مكان نسر ممن يعجل لنا الزمن ~~لنصل إلى هذا المكان. فبدلا من أن أذهب إلى الإسكندرية ماشيا أذهب ~~راكبا حصانا أو أذهب راكبا سيارة، والمترفه يذهب راكبا طائرة، فإذا ~~كانت الغاية مرجوة ومحببة إلى النفس، وبعد ذلك يجيء لك حدث يقرب لك ~~المسافة من الغاية، فلماذا تحزن إذن؟ لقد استشهد. إياك أن تقول: إن الله ~~حرمني قوته في نصرة الحق، لا. هو أعطى قوة أخرى لكثير من خلقه نصر بهم ~~الحق، إنك عندما تعرف أن إنسانا باع نفسه لله، لا بد أن تعرف أن الغاية ~~عظيمة ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم في معركة بدر، يقدم أهله لأنه ~~يعرف أنه إن قتل واحد منهم إلى أين سيذهب، إذن فهو يحب أهله، لكنه يحبهم ~~الحب الكبير، والناس تحب أهلها هنا أيضا لكن الحب الدنيوي. # { ولا تحزنوا } [آل عمران: 139] على ما فاتكم من الغنائم أو لا ~~تحزنوا على ما فاتكم من النصر لماذا؟ وتأتي الإجابة، { وأنتم ~~الأعلون } [آل عمران: 139].. ولذلك جاء مصداق ذلك حينما نادى أبو ~~سفيان فقال: " اعل هبل " أي أن إلههم صار عاليا، فقال الرسول لأصحابه: ~~ألا تردون عليهم؟ قالوا: بماذا نرد قال: قولوا لهم: الله أعلى وأجل فقال ~~أبو سفيان: " لنا العزى ولا عزى لكم " ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" أجيبوه " قالوا: ما نقول؟ قال: " قولوا الله مولانا ولا مولى لكم " ثم ~~قال أبو سفيان: إن موعدكم " بدر " العام المقبل، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لرجل من أصحابه: " قل نعم هو بيننا وبينك موعد ". ف { ~~وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 139] ~~فما دمتم على الإيمان فأنتم الأعلون، وإذا أردتم أن تعرفوا معنى " ~~الأعلون " حقا، فقارنوا معركة " أحد " بمعركة " بدر " ، هم قتلوا منكم ~~في أحد، وأنتم قتلتم منهم في بدر. ولكنكم أسرتم منهم في بدر، ولم ~~يأسروا منكم أحدا في " أحد ms1390 ". وأنتم غنمتم في بدر، ولم يغنموا شيئا ~~في أحد. وأنتم الأعلون لأن الله حمى مدينتكم مع أنه لا حامية فيها ممن ~~يكون فيه معنى الجندية. كل ذلك وأنتم الأعلون، هذا إذا نظرنا إلى معركة ~~بمعركة. وإن نظرنا إلى المعركة نفسها " أحد " وندع بدرا وحدها، في ظل ~~قوله تعالى: { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } [آل ~~عمران: 139] لقد ثبتت تلك القضية لأنكم حينما كنتم مؤمنين - ومن شرط ~~الإيمان اتباع أمر الذي لا ينطق عن الهوى - انتصرتم. وانتصرتم انتصارا ~~رائعا لأنكم قتلتم في أول جولة للحرب بضعا وعشرين من صناديدهم وفيهم ~~صاحب الراية. ولكنكم حينما خالفتم أمرالنبي صلى الله عليه وسلم، تلخلخ ~~الإيمان في قلوبكم. إذن فالعملية التي حدثت تؤكد صدق { وأنتم ~~الأعلون إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: 139]. فأنتم علوتم ~~في أول الأمر، وعندما خالفتم الأمر صار لكم ما صار فقد صدقت القضية في ~~قول الله: { وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } [آل ~~عمران: 139]. وأيضا فإنكم لو نظرتم إلى المعركة نفسها لوجدتم أن عدوكم ~~لم يبق في أرض المعركة، بل أنتم الذين بقيتم في موضع المعركة. وأين ذهب ~~هو؟ أذهب إلى موقع آخر ينال فيه غلبة ونصرا؟ لم يكن هناك إلا المدينة، ~~والمدينة ليس فيها أحد، ولم يذهب عدوكم إلى هناك، وإنما ذهب ناحية مكة، ~~إذن فهو الذي هرب. # وبعد ذلك ماذا حدث؟ ألم يؤذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الناس ويطلب العدو مرهبا له ليظنوا به القوة، وإن الذي أصابهم لم ~~يوهنهم عن عدوهم؟ ولقد خرج رسول الله، مع من؟ أجاء بحامية لم تشهد ~~المعركة؟ لا. بل قال عليه الصلاة والسلام مناديا المسلمين: " إلي عباد ~~الله " ، فالذين شهدوا المعركة سبعمائة، جرح منهم الكثير وقتل منهم خمسة ~~وسبعون، فيهم حمزة، ومصعب بن عمير، وعبد الله بن جحش، وشماس بن عثمان، ~~وسعد مولى عتبة، هؤلاء خمسة من المهاجرين، والباقي من الأنصار هؤلاء ~~مطروحون من العدد الذي شاهد أول الموقعة، حتى أن رسول الله لم يأخذ بدلا ~~منهم من المدينة من القوم الذين ms1391 عرضوا أنفسهم ليكونوا مع الجيش الذي ~~يطارد قريشا، بل آثر الرسول أن يذهب بمن ذهب معه إلى المعركة أنفسهم، ~~ولم يكن منهم بطبيعة الحال الشهداء أو الجرحى. لم يقبل الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ممن لم يشهد المعركة إلا واحدا. وهو سيدنا جابر بن عبد الله. ~~الذي لم يخرج في معركة أحد واعتذر إلى رسول الله بأن أباه عبد الله بن ~~عمرو بن حرام قد خلفه على بنات له سبع وقال له: يا بني إنه لا ينبغي لي ~~ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي فتخلف على أخواتك فتخلف عليهن ~~فقبل رسول الله عذره وأذن له فخرج معه وطاردهم رسول الله ومن معه إلى ~~حمراء الأسد، أما والده عبد الله بن عمرو فقد استشهد في أحد ومع ذلك فقد ~~طلب من رسول الله على الرغم من استشهاد أبيه أن يخرج إلى حمراء الأسد. ~~وذلك لتعلم أن الله يقول: # وما يعلم جنود ربك إلا هو.. # [المدثر: 31]. هذا وإن واحدا من المشركين الذين كانوا موضع سر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومن حلفائه وهو معبد الخزاعي، مر على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد وقال له: يا محمد: أما والله لقد عز ~~علينا ما أصابك، ثم لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا ~~الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال له أبو سفيان: ما ~~وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله، ~~ولم يزل بهم حتى ثنى أبا سفيان ومن معه فولوا وجوههم إلى مكة خائفين ~~مسرعين، وقد ذهب رسول الله إلى حمراء الأسد فلم يجد أحدا فعسكر رسول ~~الله ثلاثة أيام هناك، ومعنى ذلك أنهم هم الذين فروا من المعركة. إذن ~~فأنتم الأعلون، ولكن لا حظوا الشرط { إن كنتم مؤمنين } [آل ~~عمران: 139]. ثم بعد ذلك يسلى الله المؤمنين فيقول: { إن ms1392 ~~يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس... }. ### || [3.140] # وقد تكلمنا - من قبل - عن " المس " وهو: إصابة بدون حس.. أي لمس لكنك لا ~~تحس بحرارة أو نعومة مثلا، إنما " اللمس " هو أن تحس في الشيء حرارة أو ~~نعومة ويحتاج إلى الالتصاق المؤقت، إنما " المس " هو ما لا تكاد تدرك به ~~شيئا، " والقرح " هو: الجراح، وفي لغة أخرى تقول " القرح " - بضم ~~القاف - وأقول: القرح وهو الألم الناشئ من الجراح، كي يكون لفظ معنى. ~~وأنت قد ترى بعض الألفاظ فتظن أن معناها واحد في الجملة، إلا أن لكل معنى ~~منها ملحظا، أنت تسمع مثلا: رأى، ونظر، ولمح، ورمق، ورنا. كل هذه تدل ~~على البصر. لكن كل لفظ له معنى: رمق: رأى بمؤخر عينيه، ولمح: أي شاهد من ~~بعد، ورنا: نظر بإطالة، وهكذا. ويقال أيضا: جلس، وقعد، فالمعنى العام ~~يكاد يكون واحدا، لكن المعنى الدقيق يوضح أن الجلوس يكون عن اضطجاع. ~~والقعود عن قيام، كان قائما فقعد، والاثنان ينتهيان إلى وضع واحد، فكذلك ~~" قرح " و " قرح " كل لفظ له معنى دقيق. ويقولون - مثلا -: إن للأسد ~~أسماء كثيرة، فقال: " الأسد " و " الغضنفر " و " الرئبال " و " الورد " ~~و " القسورة ". صحيح هذه أسماء للأسد، ولكن لكل اسم معنى محدد، ف " ~~الأسد " هو اللفظ العام والعلم على هذا الحيوان، و " الغضنفر " هو ~~الأسد عندما ينفش لبدته، و " الورد " هو حالة للأسد عندما يكون قد مط ~~صلبه، فكل موقف للأسد له معنى خاص به. وقوله الحق: { إن يمسسكم ~~قرح فقد مس القوم قرح مثله } [آل عمران: 140] لاحظ ~~أن المتكلم هو الله فافطن جيدا إلى مرادات كلامه. ونعرف أنه في الشرط ~~والجواب،، أن الشرط يأتي أولا ثم يأتي الجواب من بعد ذلك مترتبا عليه ~~ونتيجه له، كقولنا " إن تذاكر تنجح " إن النجاح هو جواب لشرط وهو ~~الاستذكار. وقوله الحق: { إن يمسسكم قرح فقد مس ~~القوم قرح مثله } [آل عمران: 140] فهل المعنى المراد من هذه ~~الجملة الشرطية أن مس القرح للكافرين الذي حدث في بدر كان ms1393 كجزاء لمس ~~القرح للمؤمنين في أحد؟ لا، إنه لا يكون أبدا جوابا لشرط لأنه لو كان ~~جواب شرط لقال الحق: إن يمسسكم قرح فسيمس القوم قرح مثله. ولكنه لم يقل ~~ذلك لأن القرح الذي أصاب المشركين في بدر كان أسبق من القرح الذي أصاب ~~المؤمنين في أحد. وكأن الحق يقول: إن يمسسكم قرح فلا تبتئسوا فقد مس ~~القوم قرح مثله، وليس ذلك جواب الشرط، ولكنه جاء ليستدل به على جواب ~~الشرط، أي أنه تعليل لجواب الشرط، أقول ذلك حتى لا يتدخل دعي من ~~الأدعياء ويتهم القرآن - والعياذ بالله - بما ليس فيه. # إنه - سبحانه - يثبت المؤمنين ويسليهم. ومثال ذلك ما نقوله نحن لواحد ~~إذا أصابته كارثة: إن كان قد حدث لك كذا، فقد حدث لخصمك مثله. إذن فنحن ~~نسليه. والمقصود هنا أن الحق يسلي المؤمنين: إن يمسسكم قرح فلا تبتئسوا، ~~فليكن عندكم سلو ولتجتازوا هذا الأمر ولترض به نفوسكم لأن القوم قد ~~مسهم قرح مثله. والأسوة والتسلية، هل تأتي بما وقع بالفعل أم بما سيقع؟. ~~إنها تأتي بما وقع بالفعل، إذن فهي تعلل تعليلا صحيحا: { إن ~~يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله } [آل ~~عمران: 140]. وأطلق الحق سبحانه من بعد ذلك قضية عامة: { وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس } [آل عمران: 140]. ما معنى ~~المداولة؟ داول أي نقل الشيء من واحد لآخر. ونحن هنا أمام موقعتين غزوة ~~بدر وغزوة أحد. وكان النصر للمسلمين في غزوة بدر بالإجماع، أما غزوة ~~أحد فلم يكن فيها هزيمة بالإجماع ولم يكن فيها نصر. إذن فقوله الحق: { ~~وتلك الأيام نداولها بين الناس } [آل عمران: 140] أي ~~مع التسليم جدلا بأن الكفار قد انتصروا - رغم أن هذا لم يحدث - فإننا ~~نقلنا النصر منكم أيها المؤمنون إليهم. وإياك أن تفوتك هذه الملاحظة، بأن ~~النصر لم ينتقل إليهم إلا بمخالفة منكم أيها المؤمنون. ومعنى مخالفة ~~منكم، أي أنكم طرحتم المنهج، ومعنى أنكم طرحتم المنهج، أي أنكم أصبحتم ~~مجرد " ناس " مثلهم. وما دمتم قد صرتم مجرد ناس بدون منهج مثلهم ومتساوين ~~معهم، فإن ms1394 النصر لكم يوم، ولهم يوم. ولنلحظ ان الحق لم يقل: إن المداولة ~~بين الناس هي مداولة بين مؤمنين وكافرين. فإن ظللتم مؤمنين فلا يمكن أن ~~ينتقل النصر إلى الكفار، إنما النصر يكون لكم، انظر ماذا قال: { وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس } [آل عمران: 140] ولم يقل بين ~~المؤمنين والكافرين، أي بينكم وبين قريش. وليس المقصود بالأيام ما هو ~~معروف لدى الناس من أوقات تضم الليل والنهار، ولكن المقصود ب " الأيام " ~~هنا هو أوقات النصر أو أوقات الغلبة. ويقال أيضا: " يوم فلان على فلان " ~~إذن { وتلك الأيام نداولها بين الناس } [آل عمران: ~~140] لم تتضمن المداولة بين المؤمنين والكافرين، ولكنها مداولة بين الذين ~~مالت أبصارهم إلى الغنائم فتخلخل إيمانهم، ففازت قريش ظاهريا. فلو ظللتم ~~على إيمانكم لما حدث ذلك أبدا. لكنكم تخليتم عن منهج ربكم، وبذلك ~~استويتم وتساويتم مع غير المؤمنين، وبذلك تكون الأيام لذلك مرة ولهذا مرة ~~أخرى، إنها مطلق عدالة. # علينا أن نتذكر الشرط السابق، لا لعدم الهزيمة. بل للعلو والنصر: # وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين # [آل عمران: 139]. إن الحق سبحانه في مسألة مداولة الأيام ينبه المؤمنين ~~الذين تخلخل إيمانهم: ما دمتم اشتركتم معهم في كونكم مجرد " أناس " فيصبح ~~النصر يوما لهم ويوما لكم، والذكي العبقري الفطن الذي يحسن التصرف هو ~~من يغلب لأن المعركة هنا تدور بين قوة بشر مقابل قوة البشر. وما دام ~~المسلمون قد تخلوا عن منهج الله فقد صاروا مجرد بشر في مواجهة بشر. ولذلك ~~قلنا: إنه عندما تخلى الرماة عن إنفاذ أمر القائد الأعلى سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ظهرت عبقرية خالد بن الوليد على عبقرية المقاتلين ~~المسلمين. ويجب أن نلحظ في قوله الحق: { وتلك الأيام ~~نداولها بين الناس } [آل عمران: 140] إننا لا يمكن أن نقول: ~~إن مداولة الأيام تكون بين المؤمنين والكافرين، إنما هي بين الناس لأن ~~الناس هم مجموعة الإنسان، فإن تجردوا عن منهج السماء فهم سواسية، وصاحب ~~الحيلة يغلب، أو صاحب القوة يغلب، أو صاحب العدد أو العدة يغلب. ولكن ~~ما ms1395 الذي يعوض كل تلك الإمكانات ويحقق النصر؟ إنك إن تأخذ الله في جانبك ~~فلن يجرؤ مخلوق أن يكون في مواجهة الحق في معركة. لقد قلنا قديما وعلينا ~~أن نعيها جيدا: إن الولد الصغير حينما يضطهده زملاؤه فيلجأ إلى حضن ~~أبيه، عندئذ ينصرف كل منهم إلى حاله، لكن أقرانه يستطيعون أن يهزموه ~~عندما يبتعد عن أبيه. فما بالنا ونحن عيال الله؟ وكذلك شأن الكفار مع ~~المؤمنين. إن الكفار قادرون على الانفراد بالمؤمنين حينما يتخلى المؤمنون ~~عن منهج الله لأن الله لن ينصر أناسا ليسوا على منهجه، فلو نصر الله ~~أناسا على غير منهجه فإن ذلك يبطل قضية الإيمان. وعندما نستقرئ القرآن ~~الكريم نجد أن كل خبر عن الإنسان وهو معزول عن المنهج الإلهي هو خبر كله ~~شر. فسبحانه يقول: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 1-2]. إن الإنسان على إطلاقه لفي خسر، ولكن من الذي ينجو من ~~الخسران؟ وتأتي الإجابة من الحق فيقول: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا ~~بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3]. وتتأكد القضية في موضع آخر من القرآن الكريم فيقول - سبحانه ~~-: # إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * ~~وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين # [المعارج: 19-22]. إذن كل كلام - في القرآن - عن الإنسان على إطلاقه ~~يأتي من ناحية الشر. وما الذي ينجيه من ذلك؟ إنه المنهج الإلهي. إذن ~~فقوله الحق: { وتلك الأيام نداولها بين الناس } [آل ~~عمران: 140] تحمل تأنيبا ولذعة خفيفة لمن أعلنوا الإيمان ولكنهم تخلفوا ~~عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد. # وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { وليعلم الله الذين آمنوا ~~ويتخذ منكم شهدآء والله لا يحب الظالمين } ~~[آل عمران: 140]. ففي وقت النصر نجد حتى الذي لم يشترك في المعركة يريد ~~أن يدخل نفسه ضمن المنتصرين. لكن وقت الهزيمة فالحق يظهر، والذي يظل ~~في جانب الهزيمة معترفا بأنه شارك في نزولها بالمسلمين وإن لم يكن شارك ~~فقد عذر أو لام من كان سببا فيها، وهو مع ذلك يسهم في حمل أوزارها ~~وآثارها الضارة، ويتحمل ms1396 ويشارك في المسئولية، إنه بذلك يكون صادقا. وقد ~~يقول قائل: هل الله لا يعلم الذين آمنوا؟ لا، إنه سبحانه وتعالى يعلم ~~الذين آمنوا سواء حدثت معركة أو لم تحدث. لكن علم الله الأزلي الغيبي لا ~~نرى نحن به الحجة، ولذلك لا تكون الحجة ظاهرة بيننا، ولكن حين يبرز ~~علم الله إلى الوجود أمامنا فإنه علم تقوم به الحجة واضحة على من آمن، ~~وعلى من لم يحسن الإيمان، وذلك حتى لا يدعي أحد لنفسه أنه كان سيفعل، ~~لكن الفرصة لم تواته. وهكذا تأتي المواقف الاختبارية والابتلاءات ليعلم ~~كل منا نفسه وتبرز الحجة علينا جميعا. إذن: فهناك فرق بين علم الله ~~الأزلي للأشياء كما سوف تحدث، ولكن لا تقوم به الحجة علينا. فقد يدعي ~~البعض أنه لو قامت معركة شديدة فإنهم سوف يصمدون، ولكن عندما تقوم ~~المعركة بالفعل فنحن نرى من الصامد ومن هو غير ذلك من المتخاذلين ~~الفارين؟ ولنضرب لذلك مثلا ولله المثل الأعلى: نحن في حياتنا العادية ~~نجد أن عميد إحدى الكليات يأتي إلى المدرس ويقول له: نحن نريد أن نعقد ~~امتحانا لنتعرف على المتفوقين من الطلاب، ونمنح كلا منهم جائزة. فيرد ~~المدرس: ولماذا الامتحان؟ إنني أستطيع أن أقول لك: من هم المتفوقون، وأن ~~أرتبهم لك من الأول ومن الثاني وهكذا. لكن عميد الكلية يصر على أن يعقد ~~امتحانا حتى لا يكون لأحد حجة، ويختار العميد مدرسا آخر ليضع هذا ~~الامتحان. وتظهر النتيجة ويكون توقع المدرس الأول هو الصائب، وهكذا يكون ~~تفوق هؤلاء الطلاب تفوقا بحجة. وإذا كان ذلك يحدث في المستوى البشري ~~فما بالنا بعلم الله الأزلي المطلق؟ إن الحق بعلمه الأزلي يعلم كل شيء ~~ومحيط بكل شيء، وهو سبحانه لا يقول لنا: أنا كنت أعلم أنكم لو دخلتم ~~معركة ستفعلون كذا وكذا.. وكان يمكن أن يجادلوا ويدعوا لأنفسهم أشياء ~~ليست فيهم، لكن الحق يضع المعركة وتكون النتيجة مطابقة لما يعلمه الله ~~أزلا. إذن فالتغيير هنا لا يكون في علم الله، لكن التغيير يكون في ~~المعلوم لله، ليس في ms1397 العالم بل في المعلوم بحيث نراه حجة علينا. ويقول ~~الحق: { ويتخذ منكم شهدآء } [آل عمران: 140] وساعة تسمع ~~كلمة " يتخذ " هذه اعرف أنها اصطفاء واختيار. # وسبحانه يقول: # واتخذ الله إبراهيم خليلا # [النساء: 125]. أي أنه جل وعلى قد آثر إبراهيم واصطفاه، إذن فالاتخاذ ~~دائما هو أن يأخذه إلى جانبه لمزية له ورفعة لمكانته. وحين يقول الحق: ~~{ ويتخذ منكم شهدآء } [آل عمران: 140] فنحن نعرف أن " شهداء ~~" هي جمع شهيد، وكلمة شهيد لها معان متعددة، فالشهيد في القتال هو الذي ~~يقتل في المعركة، وهذا سيكون حيا ويرزق عند ربه. وإياك أن تقول: إننا ~~عندما نفتح قبر الشهيد سنجده عظما وترابا. وهذا يعني أنه سلب الحياة.. ~~لا، إن الله وضح أن الشهيد حي عنده، وليس حيا عند البشر. وإذا فتح أحد ~~من الناس القبر على الشهيد فسيراه عظاما وترابا فقد جعل الله سبحانه ~~للشهيد حياة عنده لا عندنا: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]. إذن فللشهداء عند ربهم حياة لا نعرف كنهها، ويوم نفتح ~~عليهم قبورهم تصير أمرا محسا، ولكن الله نبهنا أن الشهداء أحياء عند ~~ربهم. وعندما نتأمل كلمة " شهداء " نجد أنها تعني أيضا الشهادة على الحق ~~الذي قامت من أجله المعركة، وكل إنسان يحب الخير لنفسه، فلو لم يعلم ~~هؤلاء أن إقدامهم على ما يؤدي إلى قتلهم خير لهم من بقائهم على حياتهم ~~لما فعلوا. وبذلك يكون الواحد منهم شاهدا للدعوة وشهيدا عليها. وقد ~~ينصرف المعنى في " شهداء " إلى أنهم بلغوا الدعوة حتى انتهت دماؤهم ~~ويذيل الحق الآية بقوله: { والله لا يحب الظالمين } [آل ~~عمران: 140]. ومعنى هذا التذييل أن المعركة يجب أن تدور في إطار الحق، ~~ومثلما قلنا: ما دام الناس متخلفين عن المنهج فإن الله لا يظلمهم بل ~~ستدور المعركة صراع بشر لبشر، والقادر من الطرفين هو الذي يغلب. فالحق ~~سبحانه بالرغم من كراهيته للكفر إلا انه لا يحابي المسلم الذي لا يتمسك ~~بمطلوب الإيمان لذلك قد يغلب الكافر المسلم الذي لا يتمسك ms1398 بمطلوب ~~الإيمان، ولكن إن تمسك المؤمنون بمطلوب الإيمان فالنصر مضمون لهم بأمر ~~الله. وبعد ذلك يقول الحق: { وليمحص الله الذين ~~آمنوا... }. ### || [3.141] # والتمحيص يختلف عن المحق، لأن التمحيص هو تطهير الأشياء وتخليصها من ~~العناصر الضارة، أما المحق فهو الذهاب بها كلها. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم ~~الله... }. ### || [3.142] # إن الإيمان ليس مجرد كلمة تقال هكذا، بل لابد من تجربة تثبت أنكم ~~فتنتم ونجحتم في الفتنة، والفتنة هي الامتحان إذن فلا تحسبوا أن ~~المسألة سوف تمر بسهولة ويكتفي منكم أن تقولوا نحن نحمل دعوة الحق، لا. ~~إذا كنتم صادقين في قولكم يلزمكم أن تكونوا أسوة حين يكون الحق ضعيفا ~~فالحق حين يكون قويا فهو لا يحتاج إلى أسوة. بل قضية الإيمان الحق تحتاج ~~إلى الأسوة وقت الضعف. ودخول الجنة له اختبار يجب أن يجتازه المؤمن. ~~والحق يقول: { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ~~ويعلم الصابرين } [آل عمران: 142] وعندما نسمع ذلك فعلينا أن ~~نعرف أن الله يعلم علما أزليا من المجاهد ومن الصابر، ولكنه علم لا ~~تقوم به الحجة على الغير، فإذا حدث له واقع صار حجة على الغير. وبعد ~~ذلك يقول الحق: { ولقد كنتم تمنون الموت من قبل ~~أن تلقوه... }. ### || [3.143] # وكان القوم الذين فاتهم شرف الاشتراك في بدر قد أرادوا أن يذهبوا مع ~~الرسول للمشاركة في غزوة أحد، ويوضح لهم الحق: أكنتم تظنون أن تمنى ~~المعارك وحده يحقق النصر، وهل كنتم تظنون أن كل معركة يدخلها المؤمنون لا ~~بد أن تكون منتصرة؟ وإن كنتم تظنون أن المسألة هي نصر لمجرد التمني، ~~فمعنى ذلك أنكم دخلتم إلى معسكر الإيمان من أجل الفأل واليمن والنصر، ~~ونحن نريد أن نعرف من الذي يدخل معسكر الإيمان وهو بائع روحه وهو محتسب ~~حياته في سبيل الله. فلو أن الأمر يمر رخاء، لدخل كل واحد إلى معسكر ~~الإيمان، لذلك يقول الحق: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ~~ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين } [آل عمران: 143]. فهل ظننتم أنكم تدخلون ms1399 الجنة بدون أن ~~يخرج الحق على الملأ ما علمه غيبا، وتترجمه الأحداث التي يجريها ~~سبحانه فيصير واقعا وحجة عليكم، ويبرز الله سبحانه من الذين جاهدوا أي ~~دخلوا في زمرة الحق، والذين صبروا على الأذى في الحق. ويقول سبحانه: { ~~ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه ~~فقد رأيتموه وأنتم تنظرون } [آل عمران: 143] أي إن ما ~~كنتم تتمنونه قديما صار أمامكم، فلو أن التمني كان صحيحا لأقبلتم على ~~الموت كما تقبلون على الحياة. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { وما ~~محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل... }. ### || [3.144] # ونحن نعرف ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه الأول هو " محمد " ، ~~وله اسم ثان عرفناه من القرآن وجاء في الإنجيل هو " أحمد ": # وإذ قال عيسى ابن مريم يبني إسرائيل إني ~~رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه ~~أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر ~~مبين # [الصف: 6]. وقد ورد اسمه صلى الله عليه وسلم " محمد " في القرآن أربع ~~مرات، و " أحمد " وردت مرة واحدة. والآية التي نحن بصددها، وهي آية ذكر ~~فيها اسم محمد: { وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل } [آل عمران: 144]. ولنقرأ قول الحق: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل ~~شيء عليما # [الأحزاب: 40]. وقوله تعالى: # والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما ~~نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر ~~عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم # [محمد: 2]. وها هو ذا القول الكريم: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا.. # [الفتح: 29]. والاسم هو ما وضع علما على المسمى بحيث إذا ذكر ~~الاسم جاء إلى الذهن المسمى، فإذا اشترك اثنان في بيئة واحدة في اسم فلا ~~بد من التمييز بينهما بوصف. فإذا كان في أسرة واحدة ولدان اسم كل واحد ~~منهما محمد، فلا بد أن نميز بين الاثنين بصفة، وفي الريف نجد من يسمى " ~~محمدا ms1400 الكبير " و " محمدا الصغير ". وكلمة " محمد " وكلمة " أحمد " ~~مشتركتان في أصل المادة لأنهما من " الحاء والميم والدال " فالمادة هي ~~الحمد، إلا أن التوجيه الاشتقاقي في محمد غير التوجيه الاشتقاقي في أحمد، ~~لأن الاسم قبل أن يكون علما إذا خرجت به عن معناه الأصلي، انحل عن معناه ~~الأصلي، وصار علما على الشخص. ولذلك قد نجد رجلا له جارية سوداء ~~فيسميها " قمرا " وقد يكون للرجل عبد شقي فيسميه: " سعيدا ". فإذا صار ~~الاسم علما على شيء فإنه ينتقل من معناه الأصلي ويصير علما على ~~المسمى، لكن الناس حين تسمى أبناءها تلمح التفاؤل في أن يصير المعنى ~~الأصلي واقعا. والدميمة التي يسميها صاحبها " قمرا " افتقدت جمال ~~المسمى، ولذلك فهو يريد لها أن تأخذ جمال الاسم.. وكلمة " محمد " حين ~~ننظر إليها في الاشتقاق نجد أنها ذات يقع عليها الحمد من غيرها، مثلما ~~تقول: فلان مكرم أي وقع التكريم من الغير عليه. وكلمة " أحمد " نجدها ~~ذاتا وقع عليها الحمد لغيرها. # وعندما نقول: مكرم - بضم الميم وفتح الكاف مع تشديد الراء مكسورة - ~~أي وقع التكريم منه لغيره. ونحن عندنا اسمان لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، في القرآن وكلاهما من مادة " الحمد " ف " محمد " ملحوظ فيه أن ~~الحمد وقع عليه كثيرا من غيره. لكن لو كان المراد أن الحمد وقع عليه دون ~~الكثرة فيه لكان اسم " محمود " هو الذي يطلق عليه فقط. أما " أحمد " فقد ~~قلنا إنه ملحوظ فيها أن الحمد وقع منه لغيره. و " أحمد " تتطابق مع ~~أفعل التفضيل فنحن نقول: " فلان كريم وفلان أكرم من فلان ". إذن ف " ~~أحمد " أي وقع منه الحمد لغيره كثيرا، فلو كان الحمد قد وقع منه بقدر ~~محدود لقلنا " حامد ". إذن ف " أحمد " مبالغة في " حامد " وقع منه الحمد ~~لغيره كثيرا فصار أحمد. و " محمد " مبالغة في " محمود " ، وقع عليه ~~الحمد من غيره كثيرا فصار محمدا. إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جمع له الله بين الأمرين فهو محمد من الله وحامد لله لأن رسول الله صلى ~~الله عليه ms1401 وسلم جمع الله له بين مقامين: مقام الاصطفاء ومقام المجاهدة، ~~فبالاصطفاء كان " محمدا " و " محمودا " ، وبالمجاهدة كان " حامدا " و ~~" أحمد ". إذن نحن هنا أمام مقامين اثنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا محمد وأحمد والمقفى والحاشر ونبي التوبة ونبي الرحمة ". # وسيكون لذلك كلام ونحن نتناول هنا بالخواطر معركة أحد، فبعد أن انحل ~~القوم من الرماة عن أمره، وحدثت الكرة عليهم من المشركين القرشيين، بعد ~~ذلك يتجه الصحابة هنا وهناك ليفروا، ويتكتل المشركون على رسول الله لدرجة ~~أن ابن قمئة يمسك حجرا ويضرب به حضرة النبي عليه الصلاة والسلام فيكسر ~~رباعيته. وتنغرز في وجنتي الرسول حلقتا المغفر، ويسيل منه الدم، ~~ويحاول الرسول صلى الله عليه وسلم أن يصعد على صخرة من الجبل ليعلوها فلم ~~يستطع فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها. وكلها ~~مجاهدات بشرية. أما كان الله بقادر أن يجنب رسوله كل ذلك؟ إنه سبحانه ~~قادر. ولكن كل ذلك كان تكريما من الله، ولم يرد سبحانه أن يحرم رسوله من ~~لذة المجاهدة، وحتى يعرف الله المؤمنين بمحمد نقول: إن الله لم يأت ~~بمحمد ليدلله على خلقه، ولكن ليدل كل مؤمن على أن رسول الله حينما ~~حدث له ما حدث قد ذاق المجاهدة فقد فر بعض المقاتلين من المعركة في ~~أحد، وكادت ريح الهزيمة تهب على معسكر الإيمان، ها هو ذا سيدنا أبو ~~عبيدة رضي الله عنه يذهب إلى رسول الله فيجد حلقتي المغفر في وجنتيه صلى ~~الله عليه وسلم، فيحاول سيدنا أبو بكر أن يخلع حلقتي المغفر، فيتألم ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول سيدنا أبو عبيدة: - إليك يا أبا بكر. # بالله دعني. ويمسك أبو عبيدة بإحدى الحلقتين وينزعها من وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فسقطت ثنيته، ثم نزع الحلقة الأخرى فسقطت ثنيته ~~الأخرى فكان أبو عبيدة - رضي الله عنه - ساقط الثنيتين، وقال فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة ms1402 أبو عبيدة بن الجراح ". # وينزف دمه صلى الله عليه وسلم، وسيدتنا فاطمة يلهمها الله أن تأتي بقطعة ~~من حصير وتحرقها، وتأخذ التراب الباقي من الحريق وتضمد به الجرح. إن الله ~~لم يشأ أن يحرم رسوله لذة المجاهدة. ويأتي أنس بن النضر ويجد الصحابة ~~وفيهم عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله وقد ألقوا ما بأيديهم، فيسألهم ~~أنس: ما يجلسكم؟ فيقولون: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: ~~فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ثم استقبل القوم من المشركين فقاتل حتى قتل. هذه ~~كلها مواقف لم تكن تأتي وتظهر إلا بهذه المعركة. { وما محمد ~~إلا رسول } [آل عمران: 144] أي اسمعوا. هذا محمد وهذه منزلته، هو ~~رسول من الله جاء بعد عيسى بن مريم، وكان من الواجب أن نعلم أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم مؤكد على بشريته. { وما محمد إلا رسول ~~قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم } [آل عمران: 144]. وهل انقلب أتباع ~~الرسل السابقين على أعقابهم حينما ماتت رسلهم؟ فكيف تكونون أقل شأنا من ~~هذه الأمم؟ هبوا أن ذلك قد حدث، فلماذا لا يبقى الخير الذي بلغه فيكم ~~رسول الله إلى يوم القيامة؟ الرجل الذي يكون قد صنع خيرا يموت بموته، ~~أيكون قد صنع شيئا؟ لا فالذي يريد أن يصنع خيرا فعليه أن يصنع خيرا ~~يخلفه. لذلك فالزعامات الفاشلة هي التي يكون الفرد فيها زعيما، ثم يموت ~~ونبحث عن زعيم بعده فلا نجد ونتساءل: لماذا خنق الزعيم أصحابه وزملاءه؟ ~~أكان خائفا منهم؟ ونظل نتمنى أن يكون قد ربى الزعيم أناسا، فإذا ما ~~ذهب نجد من يخلفه، فلا يوجد إنسان يضمن حياته لذلك يقول الحق: { وما ~~محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } [آل ~~عمران: 144]. وساعة تسمع القول الكريم: { وما محمد إلا رسول ~~} [آل عمران: 144] فهذا أسلوب اسمه أسلوب القصر. # إنه سبحانه وتعالى يقصر محمدا على الرسالة. فإذا قصر محمد صلى الله ~~عليه وسلم ms1403 على الرسالة فهذا يعني أن بعض المعاصرين له كانوا يعتقدون أن ~~محمدا أكبر من رسول ولا يموت. فأوضح الله سبحانه أن محمدا رسول، وقد ~~خلت من قبله الرسل، ولن يخلد الله أحدا. وهل غاب ذلك عن الذهن؟ نعم كان ~~ذلك يغيب عن الذهن بدليل أنه حتى بعد أن نزلت هذه الآية وصارت قرآنا ~~يتلى، نجد أن سيدنا عمر رضي الله عنه وكانت له فطرة صافية توافق وحي ~~الله، أنه محدث ملهم. ها هو ذا عمر بن الخطاب حينما مات رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وانتقل إلى رحاب الله يقول: والله ما مات رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا يموت حتى يقطع أيدي أناس من المنافقين كثير ~~وأرجلهم. قال عمر بن الخطاب ذلك من هول الفاجعة ونسي الآية فيأتي سيدنا ~~أبو بكر فيقول: من كان يعبد الله فإن الله حي لم يمت، ومن كان يعبد ~~محمدا فإن محمدا قد مات، وتلا قوله تعالى: { وما محمد إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل ~~انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه ~~فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين } [آل ~~عمران: 144]. فقال عمر بن الخطاب: " فلكأني لم أقرأها إلا يومئذ ". ثم إن ~~عمر بعد أن بايع المسلمون أبا بكر بالخلافة قال: أما بعد فإني قلت لكم ~~أمس مقالة، وإنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت ~~لكم في كتاب أنزله الله، ولا في عهد عهده إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولكني كنت أرجو أن يعيش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~يدبرنا فاختار الله عز وجل لرسوله الذي عنده على الذي عندكم، وهذا ~~الكتاب الذي هدى الله به رسوله فخذوا به تهتدوا كما هدي له رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وهذه تعطينا أمرين اثنين: الأمر الأول: هو عشق ~~الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والأمر الثاني: هو حاجة إيمان ~~فالعشق لا يستقيم ولا يصح أن يخرجنا عن طور التصور ms1404 الإيماني فعمر بن ~~الخطاب قال: عندما سمعت أبا بكر يتلو هذه الآية عرفت حتى ما تقلني رجلاي، ~~وحتى هويت على الأرض. إذن فقوله سبحانه: { وما محمد إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل } [آل عمران: 144] يعني لا ~~ترتفعوا به أنتم أيها المؤمنون برسالته فوق ما رفعته أنا. ومعنى { ~~ينقلب على عقبيه } [آل عمران: 144] أي يرجع. فهل هذا الرجوع ~~رجوع عن المعركة؟ أو رجوع عن أصل التشريع وأصل الديانة وأصل الرسالة التي ~~جاء بها محمد؟ إن هذا يصح، وذلك يصح. # وقوله الحق: { أفإن مات أو قتل } [آل عمران: 144] قول واضح، ~~وسبق أن تعرضنا إلى الموت وإلى القتل، وقلنا: إن الموت والقتل مؤداهما ~~واحد، وهو الذهاب بالحياة، إلا أن الذهاب بالحياة مرة يكون بنقض البنية ~~التي لا تسكن الروح فيها إلا بمواصفاتها، فإن نقضت البنية ولم تجد الروح ~~المسكن الملائم لها تتركه، لكن الموت على إطلاقه: هو أن تذهب الحياة ~~بدون نقض البنية، فالإنسان يذهب حتف أنفه، أي نجده قد مات وحده. إذن فنقض ~~البنية يؤدي إلى ذهاب الحياة بالقتل لأن الروح لا تسكن في مادة إلا ~~بمواصفات خاصة، فإذا انتهت هذه المواصفات ذهبت الروح. لكن عندما تذهب ~~الروح بمفردها بدون نقض للبنية فهذا هو الموت لا القتل. والله سبحانه ~~يقول: { أفإن مات أو قتل } [آل عمران: 144] ذلك أنهم أشاعوا ~~أن النبي قد قتل. وكيف يجوز ذلك على الصحابة والله قد قال: # والله يعصمك من الناس.. # [المائدة: 67]. وهنا نقول: هل أنت علمت أن هذه الآية قد نزلت قبل أحد ~~أو بعدها؟ وهل أنت حسن الظن بأن كل صحابي يكون مستحضرا لكل آيات القرآن ~~في بؤرة شعوره؟ ألا ترى أنهم عندما سمعوا خبر قتله هربوا، وإذا كان سيدنا ~~عمر قد نسي هذه الآية: { أفإن مات أو قتل } [آل عمران: 144] ~~كما أنه يحتمل أن يكون المراد من عصمة الله رسوله من الناس أنه - سبحانه ~~- يحفظه من فتنة الناس وإذلالهم. وهكذا أراد الله أن تمثل لنا معركة أحد ~~كل الطوائف والأصناف التي تنسب إلى الإيمان ms1405 تمثيلا يتضح في موقف ابن ~~أبي حيث انخذل وانقطع عن رسول الله بثلث القوم، ومرحلة أقل منها، تتمثل ~~في طائفتين همتا، ثم شاء الله أن يربط على قلوبهما فيظلا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولما نشبت المعركة كان للرماة موقف في المعركة ~~الأحدية. فحين رأوا النصر أولا ورأوا الغنائم سال لعاب بعضهم على ~~الغنائم، فحصل انشقاق فيهم، فعبد الله بن جبير وهو رئيس الرماة ومعه من ~~معه من القلة يصر على تنفيذ أمر رسول الله فيقاتل حتى استشهد، واستشهدوا ~~وهؤلاء هم الذين أرادوا الآخرة. بينما كان هناك قوم آخرون أرادوا ~~الغنائم، وحينما أشيع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل فرت البقية ~~الباقية من الرماة وغيرهم من المعركة، ورسول الله ينادي القوم: # " إلي عباد الله إلي عباد الله ". # كل هذه مصاف إيمانية تمثل لنا كيف يصفي الله مواقف المنسوبين إليه. ~~وتظهر وتوضح موقف كل واحد، وأنه مفضوح إيمانيا إن وقف موقفا يخالف منهج ~~الله. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - في هذا الوقت - في موقف ~~الإنهاك لقوته البشرية لدرجة أننا قلنا: إنه أراد أن يصعد فلم تقو مادته ~~البشرية، فطأطأ طلحة ظهره ليصعد النبي عليه، وهو في هذه المرحلة من ~~الإنهاك المادي البشري يريد الحق سبحانه وتعالى أن يعطيه من القوة في هذا ~~الضعف وفي هذا الإنهاك ما يقف به أمام جبار من جبابرة قريش. # كان هذا الجبار يتهدده. ولو أن الموقف كان موقف قوة لرسول الله أكان من ~~المعقول أن ينتصر رسول الله على جبار قريش؟ ولكن الله يريد أن يرينا ~~تأييد الله لرسوله، في موقف إنهاكه وكيف يقف من جبار قريش هذا الموقف، ~~هذا الجبار هو " أبي بن خلف الجمحي " وكانت عنده رمكة فيقول لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: هذه الرمكة أنا أعلفها كل يوم فرقا من ذرة ~~لأقتلك عليها. فيقول له رسول الله قولة الواثق من أن ربه لن يخذله: # " بل أنا أقتلك إن شاء الله ". # لم يلتق هذا الرجل مع رسول ms1406 الله وهو في قوته، ولكنه جاء لرسول الله وهو ~~في هذا الموقف الذي أثخنته فيه الجراح وكسرت رباعيته ودخلت حلقتا ~~المغفر في وجنتيه وسال دمه. وبعد ذلك يأتي إليه هذا الرجل " أبي بن خلف ~~الجمحي " وهو يقول: أين محمد؟ لا نجوت إن نجا، فقال القوم: يا رسول الله ~~أيعطف عليه رجل منا؟ فيشير إليهم رسول الله أن اسكتوا. إنه - رسول الله - ~~لايريد قوة لقوة، ولكنه علم أن أبيا قد عرف أن رسول الله منهك فجاء ~~في هذا الوقت، فأخذ رسول الله الحربة، وضرب أبي بن خلف بها فنالت منه، ~~فسقط من على فرسه يخور كما يخور الثور، فقال له أصحابه: " لا بأس عليك يا ~~أبي، ما أجزعك: إنما هو خدش ". وهذا الذي قتله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو الذي اشتد عليه غضب الله تعالى لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: " اشتد غضب الله على من قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ~~في سبيل الله واشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ". ولننظر كيف أن الذين عادوا رسول الله صلى عليه وسلم ~~استكبارا وعنادا، ولم يعادوه عقيدة قلبية، إنهم يعتقدون صدقه، ويعتقدون ~~حسن بلاغه عن الله، ويتحقق ذلك من قوله سبحانه وتعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا ~~فانظر كيف كان عاقبة المفسدين # [النمل: 14]. فما هو الاستيقان هنا؟ لقد قال أصحاب أبي له: ما أجزعك ~~إنما هو خدش فقال أبي: والذي نفسي بيده لو كان الذي بي بأهل الحجاز ~~لماتوا جميعا. لكن أصحاب أبي قالوا له مرة أخرى: لا بأس عليك يا أبي ~~إنه خدش بسيط. لكن أبي يقول: - لا والله لقد علمت أنه يقتلني لأنه قال ~~لي بمكة: " أنا قاتلك إن شاء الله " فوالله لو بصق علي لقتلني. # فمات وهم قافلون به إلى مكة. هذا يحدث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو في موقف الضعف والإنهاك، ويشاء له الله أن يقتل جبارا من جبابرة ~~قريش وهو ms1407 في هذه الحالة. إن كان ذلك لأدلة تثبت لهم أن البشرية المادية ~~لا علاقة لها مطلقا بمدد النصر من الله فالله يمد رسوله حتى في وقت ~~الضعف. ومدده سبحانه لرسوله وقت ضعف الرسول هو إعلام بقيوميته سبحانه على ~~جنوده لأنهم لو ظلوا أقوياء لقيل في عرف البشر: أقوياء وغلبوا. لكن ها هو ~~ذا الرسول يصيب الجبار من قريش في مقتل والرسول ضعيف، وبعد ذلك يعطي الحق ~~سبحانه لرسول الله أشياء إيمانية تزيده ثقه بأنه هو رسول الله، وتزيد ~~المؤمنين ثقة بأنه رسول الله. لقد خرج إلى المعركة وهو يعلم بما سيكون ~~فيها لأنه قال: # " إني قد رأيت والله خيرا رأيت بقرا تذبح ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ~~ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لقد رأيتني يوم أحد وما في الأرض قربي مخلوق غير جبريل عن يميني وطلحة ~~عن يساري ". # إذن فالمعركة بكل أحوالها عرضت عليه، ومع ذلك أقبل رسول الله على ~~المعركة ليستدل من ذلك على أن الله أعطاه المناعة قبل أن يخوض المعركة. ~~هذا ما يتعلق به صلى الله عليه وسلم، لقد رأى فأول، وأما الذي يتعلق ~~بالناس، فيأتي إلى واحد من قتلى المعركة - وقتلى المعركة، لا يغسلون ~~لأن الذي يغسل هو من يموت في غير معركة - يأتي الرسول إلى واحد من هؤلاء ~~الشهداء فيقول: " إن صاحبكم لتغسله الملائكة " - يعني حنظلة - المؤمنون ~~يرون أنه صلى الله عليه وسلم قد خرج عن القاعدة في الشهداء. كيف؟ لقد ~~أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بالخبر بعد ذلك.. ولا يخرج حنظلة عن ~~قانون الشهداء أنه يغسل.. ولكن الذي يغسله هم الملائكة.. إن الملائكة ~~تغسل حنظلة. وبعد أن رجع رسول الله إلى المدينة يسأله أهله ما شأنه.. ~~فيعلم أن حنظلة قد دخل بعروسه.. ثم نودي للمعركة.. فأعجله نداء المعركة.. ~~فذهب إلى المعركة جنبا.. فذلك غسل الملائكة له، لقد تأكد الخبر من ~~زوجة حنظلة.. إذن فهذه شهادة أخرى أن الله سبحانه وتعالى لم يتخل عنهم ~~في ms1408 أوقات الضعف، وأن تلك العملية كانت عملية مقصودة. إن الحق سبحانه ~~وتعالى يعطي الرسول صلى الله عليه وسلم أشياء لتؤكد لنفسه أنه رسول الله. ~~ألم نقل سابقا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء له صحابته فقالوا ~~يا رسول الله: إن جابر بن عبد الله عليه دين ليهودي وأجل الدين إلى جز ~~التمر وتمره خاس هذا العام أي فسد من آفة مثلا فنحب يا رسول الله أن ~~تطلب من اليهودي أن ينظر جابرا - أي ينتظر عليه ويؤخره إلى وقت آخر - ~~فذهب رسول الله إلى اليهودي وطلب منه أن ينظر جابرا، فلم يرض اليهودي ~~وقال: لا يا أبا القاسم. # فأعاد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال اليهودي: لا يا أبا ~~القاسم. فأعاد عليه الرسول مرة ثالثة فقال اليهودي: لا يا أبا القاسم.. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بثقة الإيمان بالله ما معناه: يا جابر ~~اذهب بي إلى بستانك. وذهب رسول الله فجاس خلال النخل، ثم ذهب إلى عريش ~~جابر الذي يجلس فيه، واضطجع وقال: يا جابر جز واقض. قال جابر: فذهبت ~~فجززت، فإذا ما جززته يؤدي ما علي لليهودي ويبقى لي ما لم يبق لي وأنا ~~غير مدين. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أشهد أني ~~رسول الله ". إن الحق سبحانه يعطي رسوله بينات توضح أنه رسول الله، ~~فاليهودي لم يرض شفاعة النبي، فيعطي الله رسوله ما يؤكد أنه رسول الله. ~~وهكذا نرى أن الله يعطي رسوله في وقت الضعف الأدلة التي تؤكد له أنه رسول ~~الله. والذي يدل على ذلك هؤلاء الذين أحبوا أن يؤذوه في اسمه. إن اسمه ~~محمد كما نعرف، و " محمد " أي الممدوح من الكل، وبكثرة، فيأتي خصومه ~~ويريدون أن يهجوه وأن يلعنوه، فيصرفهم الله سبحانه وتعالى حتى عن شتم ~~الاسم لا المسمى فقط. إن الله أراد أن يصعد العصمة، وأراد - سبحانه - ألا ~~ينالوا بالسباب من اسم رسول الله، فألهم الله خصوم رسول الله أن يسموا ~~المشتوم عندهم ms1409 " مذمما " بدلا من " محمد ". وعندما يريدون اللعن، فهم لا ~~يلعنون الاسم محمدا ولكنهم يسبون الاسم الذي اختاروه وهو " مذمم " ، ~~فيضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سمع ما قالته أم جميل امرأة ~~أبي لهب: " مذمما عصينا.. وأمره أبينا.. ودينه قلينا ". وهي تقصد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقد حدث أن حمالة الحطب أتت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق وفي يدها ~~حجر فلما وقفت عليهما أخذ الله ببصرها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلا ترى إلا أبا بكر فقالت: يا أبا بكر أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني ~~والله لو وجدته لضربت بهذا الحجر فاه أما والله إني لشاعرة وقالت ما ~~قالت. # ويقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " ألا تعجبون لما يصرف الله عني من أذى قريش يشتمون مذمما ~~ويلعنون مذمما وأنا محمد ". # هكذا نرى من أفواه الحاقدين على رسول الله أنه معصوم بإرادة الله، حتى ~~الاسم أبعده الله عن اللعن، أما المسمى فلن يلعن ولن يشتم. إن ما حدث في ~~غزوة أحد كان هو التربية الأولى لصحابة رسول الله، والتأكيد على صدق ~~بلاغه عن الله. إن هذه المعركة قد صورت ذلك وجسدته، ولذلك حين نلحظ ~~المعارك التي جاءت بعد هذه المعركة فإننا لا نجد للمؤمنين هزيمة أبدا، ~~لأنهم صفوا التصفية وربوا التربية التي جعلت كل واحد منهم عارفا أن ~~الله يعلم ما يخفيه وإن لم يحسن البلاء والجهاد فسيفضح الله ما في نفسه، ~~وسيعلن الله عنه لذلك دخل كل مؤمن منهم المعارك وهو مقبل على الجهاد، وكل ~~المعارك بعد أحد جاءت نصرا وجاءت سلاما. وهنا يعلمنا الحق أن البقاء ~~على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم هو النجاة وهو النصر، ويحذرنا ~~سبحانه ألا ينقلب المؤمن على عقبيه، قال لنا: { أفإن مات أو ~~قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على ~~عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله ~~الشاكرين } [آل عمران: 144]. { ومن ينقلب على عقبيه ms1410 } ~~[آل عمران: 144] هي صورة حركية مادية مرئية. وقد حدث ذلك من بعض الصحابة ~~في معركة أحد، لقد فر البعض وانقلب بعضهم إلى المدينة، ومعنى " انقلب " ~~أي أعطى ظهره للمعركة بعد أن كان مواجها لعدوه، وهي مثل قوله: " ~~ولوا الأدبار ". ولكن في قوله: { انقلبتم على أعقابكم ~~} [آل عمران: 144] فيه انقلاب حسي أيضا، وفيها كذلك انقلاب نفسي، وهو ~~الانصراف عن أصل الدين، ولذلك سيعرفنا الحق أن المنافقين بعد حدوث تلك ~~الواقعة وبعد ما فشا وذاع في الناس قتل الرسول كان لهم كلام، وضعاف ~~الإيمان كان لهم كلام آخر فالمنافقون الذين هم أكثر شرا من الكفار ~~قالوا: لو كان نبيا لما قتل، ارجعوا إلى إخوانكم وإلى دينكم. أما الذي ~~آمنوا إيمانا ضعيفا فقالوا: سنذهب إلى ابن أبي ليأخذ لنا أمانا من ~~أبي سفيان. فيقف أنس بن النضر قائلا: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به ~~هؤلاء - أي المنافقون - وأعتذر إليك مما يقول هؤلاء - أي ضعاف الإيمان -. ~~لقد وزعها بالحق فهو يبرأ إلى الله من قول المنافقين الذين قالوا: إنهم ~~سيعودون إلى دينهم القديم، ويعتذر ويستغفر عن ضعاف الإيمان. ويقول ~~سبحانه: { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله ~~شيئا } [آل عمران: 144]. لماذا؟ لأن الله أزلا وقبل أن يخلق شيئا من ~~خلقه له كل صفات الكمال، إذن فأي صفة من صفات الكمال لم تطرأ عليه - ~~سبحانه - من خلقه، إنه - سبحانه - أوجد الكون بما فيه الخلق لأنه قادر، ~~وأوجده لأنه حكيم، وأوجده لأنه عالم، إذن فخلق الخلق لم يزد الله صفة من ~~صفاته، فحين خلقكم وصنعكم أعطى لكم المنهج لتكونوا خلقا سويا. # إذن فالمصلحة تعود علينا نحن الخلق، فكان يجب أن تنظروا إلى المناهج ~~التي تأتي من الله على أنه لا نفع فيها لله، ولكن النفع فيها عائد عليكم. ~~ولذلك فمن يلحظ هذه، فهو يعرف أن ربنا يستحق الشكر على أنه كلفنا ~~بالمنهج. ولذلك جاءت الآية من بعد ذلك لتقول: { وسيجزي الله ~~الشاكرين } [آل عمران: 144] لأن الشكر إنما يؤديه العبد على نعمة، ~~نعمة تمحيص وتعليم وبيان ms1411 مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه. لقد ~~تعلم المؤمنون أن الله يستحق منهم الشكر على هذه النعم. وبعد ذلك ينتقل ~~بنا الحق إلى قضية عامة، القضية العامة للناس جميعا هي: { وما كان ~~لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا... }. ### || [3.145] # وساعة تسمع " ما كان " أي " ما ينبغي ". فنحن في حياتنا نقول: ما كان لك ~~أن تضرب زيدا، ونقصد أنه ما ينبغي أن تضرب زيدا. فقوله: { وما كان ~~لنفس أن تموت إلا بإذن الله } [آل عمران: 145] هذا القول ~~قد يدفع إلى التساؤل: وهل الموت أمر اختياري؟ لا، ولكن تعبير الحق سبحانه ~~له إيحاء لأنك عندما تقول: ما كان لفلان أن يفعل كذا، فهذا معناه أن ~~لفلان أن يختار أن يفعل ذلك أو لا يفعله، وفي قدرة فلان أن يفعل أو لا ~~يفعل. أما عن قدرة الله فلا يمكن أن يقول أحد ذلك. إننا نفهمه على فرض أن ~~النفس تدفع نفسها إلى موارد التهلكة، فما لها أن تموت إلا أن يأذن الله. ~~فإذا كانت النفس هي التي تدفع نفسها إلى موارد التهلكة، ومع ذلك لا تملك ~~أن تموت، فكيف إذا لم تدفع نفسها إلى موارد التهلكة. إذن فالموت إن ~~أرادته النفس فلن يأتي إلا أن يكون الله قد أذن بذلك. وإننا نجد في واقع ~~الحياة صورا شتى من هذه الصور. نجد من يضيق ذرعا بهذه الحياة لأن طاقته ~~الإيمانية لا تتسع للبلاء والكد في الدنيا فينتحر، إنه يريد أن يفر مما ~~لا يقدر على دفع أسبابه. أما الذي يملك الطاقة الإيمانية الرحبة فأي شقاء ~~أو بلاء يقابله يقول: إن لي ربا، وما أجراه علي ربي فهو المربي الحكيم ~~الذي يعرف مصلحتي أكثر مما أعلم، ولعل هذا البلاء كفارة لي عن ذنب. وهذا ~~عكس من يفر مما لا يقدر على دفع أسبابه، فيحاول أن يقتل نفسه، وكل منا قد ~~رأى أو سمع عن بعض الذين يريدون ذلك لكن يتم إنقاذهم ويدركهم من ينفذ ~~مشيئة الله في إنقاذهم، كغسيل المعدة لمن ms1412 ابتلع أقراصا سامة، أو إطفاء ~~حريق من أشعل في نفسه النار. فالمنتحر يريد لنفسه الموت ولكن الله إذا لم ~~يأذن، فلا يبلغه الله هذا، فقد تجد منتحرا يريد أن يطلق على نفسه رصاصة ~~من مسدس فلا تنطلق الرصاصة، أو تجد منتحرا آخر يريد أن يشنق نفسه بحبل ~~معلق في السقف فينقطع الحبل، لماذا؟ لأنه لا يقبض الحياة إلا من وهب ~~الحياة. قد يقول قائل: ولكن هناك المقتول الذي يقتله إنسان آخر. وهنا يرد ~~المثل الشعبي: لو صبر القاتل على المقتول لمات بمفرده، إن اللحظة التي ~~تفارق الروح مادة الجسد موقوتة بأجل محدود، فمرة تأتي اللحظة بدون سبب، ~~فيموت الإنسان حتف أنفه، ويقول أصدقاؤه: لقد كان معنا منذ قليل. إنهم ~~ينسون أنه مات لأنه يموت بكتاب مؤجل. ولذلك نجد إنسانا يسعى إلى عافية ~~الحياة، فيذهب إلى إجراء جراحة ما، وأثناء إجراء الجراحة يموت. # ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي حين يقول في ذلك: # في الموت ما أعيا وفي أسبابه # كل امرئ رهن بطي كتابه # أسد لعمرك من يموت بظفره # عند اللقاء كمن يموت بنابه # إن نام عنك فكل طب نافع # أو لم ينم فالطب من أذنابه # إن الكتاب إذا انطوى فقد انتهى الأمر، حتى عندما يلتقي الإنسان بأسد، ~~فيستوي الموت بالناب، كالموت بظفر الأسد. فإن نام الموت عن الإنسان فقد ~~يشفيه من أمراضه قرص دواء أو جرعة ماء. أما إن استيقظ الموت فالطب ~~والعلاج قد يكون ذنبا أو أداة للموت، والقاتل كل ما فعله أنه نقض ~~بنية المقتول، وهذا هو ما يعاقب عليه. إذن فقول الحق: { وما كان ~~لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا } [آل ~~عمران: 145] يطلق قضية عامة. والكتاب المؤجل يطلق مرة على زمن العمر كله، ~~ومرة يطلق على النهاية النهائية منه، والنهاية النهائية هي الموت ~~الحقيقي. فالقاتل حين ينقض بنية القتل إنما يوافق الأجل المكتوب الذي ~~أراده الله. لكن لماذا نعاقب القاتل إذن؟ نحن نعاقبه لأنه نقض بنية إنسان ~~آخر. والحق يقول: { وما كان لنفس أن تموت ms1413 إلا بإذن ~~الله كتابا مؤجلا } [آل عمران: 145]. ولنلحظ قوله: " بإذن الله ~~" فهي تدلنا على أن الله هو الذي يطلق الإذن. والإذن يكون للملائكة ~~ليقوموا بهذه المسألة، ولذلك نجد القرآن الكريم حين يتعرض لهذه المسألة ~~يسند مرة هذه العملية لله فيقول سبحانه: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون # [الزمر: 42]. ومرة أخرى يسند القرآن هذه العملية لملك واحد: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم ~~إلى ربكم ترجعون # [السجدة: 11]. ومرة يسندها الحق سبحانه إلى رسل من المعاونين لملك ~~الموت: # وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة ~~حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم ~~لا يفرطون # [الأنعام: 61]. والحق سبحانه وتعالى صادق في كل بلاغ عنه كل أمر يحدد ~~الأجل ليس بمراد الموكل بإنهاء الأجل، إنما هو بإذن من الله تعالى الذي ~~يحدد ذلك. وما دام كل أمر قد صدر منه فهو سبحانه الذي يتوفى الأنفس، وبعد ~~ذلك فالملك الذي يتوفى الأنفس - عزرائيل - له أعوان فهو عندما يتلقى ~~الأمر من الله فهو ينقل الأوامر إلى أعوانه ليباشر كل واحد مهمته. إذن ~~فصيرورة الأمر بالموت نهائيا إلى الله. وصيرورة الأمر بالموت إلى ~~الملائكة ببلاغ من الله، هذا هو الإذن، والإذن يقتضي مأذونا، والمأذون ~~هم ملائكة الموت الذين أذن لهم ملك الموت بذلك، وملك الموت تلقى الإذن من ~~الله سبحانه وتعالى. ويقول الحق من بعد ذلك: { ومن يرد ثواب ~~الدنيا نؤته منها } [آل عمران: 145] فالذي يريد جزاء الدنيا ~~وهو الذي يطلب جزاء حركته فيها، يأخذها، ولو كان كافرا: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا # [الإسراء: 18]. ويقول سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن الكريم: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. وهذا ينهي عملية أن تقول: ms1414 إن الكفار حالتهم أفضل من ~~حالتنا، الكفار متقدمون ونحن متخلفون. وهل لم تأت فترة كان فيها المؤمنون ~~متقدمين جدا؟ لقد جاءت فترة تقدم فيها المؤمنون، وكانوا متقدمين لألف ~~سنة، وهم الدولة الأولى في العالم. وكان الكفار يسمون زمانهم ودولهم ~~بأنها تحيا في عصر الظلمات. لماذا أنكرتم هذه!؟ لأن التاريخ جاء لنا من ~~ناحية هؤلاء وقد شوهوه، ولذلك نقول لهم: نحن كنا متقدمين وأنتم والتاريخ ~~يشهد بذلك. ولذلك قلنا: يجب على المؤمن بالله أن يكون غيورا على أسباب ~~الله، فلا يدع أسباب الله للكافر بالله، أيأخذ الكافر بأسباب الله وأنت ~~يا مؤمن بالله تترك الأسباب ليأخذها هو!؟ لا لأن من يعبد الله أولى ~~بسره في الوجود، فكوننا نتركهم يأخذون الأسرار العلمية ولا ننافسهم في ~~هذا المجال هذا تقصير منا. { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته ~~منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي ~~الشاكرين } [آل عمران: 145] ونلحظ أن الحق قد جاء بلفظ " الشاكرين " ~~مرتين، والقرآن يؤكد هذا المعنى. إنه سبحانه أعطاكم أسبابا فإن كانت ~~الأسباب قد جاءت لكم بمسائل الدنيا فهي تستحق الشكر، وإن كانت ستعطيكم ~~تكليفا مع الأسباب فهذا التكليف سيعطيكم خير الآخرة، وهو أمر يستحق ~~الشكر أيضا. وبعد هذا الكلام النظري { وما كان لنفس أن ~~تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا } [آل عمران: 145].. ~~يقول ما يؤكد وجوده في موكب الإيمان الذي سبقكم لأن فيه فرقا بين الكلام ~~وبين أن يقع مدلول الكلام، فواقع الكلام سبقكم فيقول: { وكأين من ~~نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لمآ ~~أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا... ~~}. ### || [3.146] # { وكأين } هذه يقولون: إنها للتكثير، مثل " كم " فعندما يقول لك ~~إنسان مثلا: لماذا تجافيني؟ فتقول له: كم زرتك؟ إن قولك: " كم زرتك! " ~~في ظاهرها أنها استفهام، وأنت لا تريد أن تقول له مستفهما كم مرة زرته ~~فيها، بل تقول له: أنت الذي عليك أن تقول - لأنك بقولك ستعترف أني زرتك ~~كثيرا، فيكون الجواب موافقا لما فعلت. وأنت لا تقول " كم زرتك " إلا ~~وأنت واثق أنه ms1415 إذا أراد أن يجيب فسيقول: " زرتني كثيرا " ولو كنت لا تثق ~~أنه سيقول: زرتني كثيرا، لما قلتها، فعندما تقول له: كم زرتك، كم ~~تفضلت عليك، كم واسيتك، كم أكرمتك؟ فإن " كم " تأتي للتكثير، وتأتي مثلها ~~" كأين " إنها للتكثير أيضا، عندما تقول مثلا: " ياما حصل كذا " و " ~~ياما " هذه معناها " كأين ". وقد يسألك صديق: كيف حدثت هذه الحكاية؟ ~~فتقول له: كأي رجل يفعل كذا ويحصل له كذا، أي أن المسأله ليست غريبة، إن ~~قولك: كأي رجل معناها أنها شاعت كثيرا، وعندما تقول: كم مرة زرتك، وكم ~~من مرة زرتك فهذان الاستعمالان صحيحان والمعنى: كثير من نبي قاتل معه ~~مؤمنون برسالته كما حدث وحصل مع رسول الله. وقوله الحق " ربيون " ~~أي ناس فقهاء فاهمون سبل الحرب، و " ربيون " أيضا تعني: " أتباعا ~~يقاتلون " ، و " ربيون " يمكن أن ينصرف معناها إلى أن منهجهم إلهي مثل " ~~الربانيين ". وقول الحق: " فما وهنوا " أي ما ضعفوا، إذن فهو يريد أن ~~يأتي بالأسوة، وكأنه سبحانه يقول: أنتم لماذا ضعفتم في موقفكم في غزوة ~~أحد وأنتم تقاتلون مع رسول الله. لقد كان الأولى بكم أن يكون حماسكم في ~~القتال معه أشد من حماس أي أتباع نبي مع نبيهم لأنه النبي الخاتم الذي ~~سيضع المبدأ الذي ستقوم عليه الساعة، ولن يأتي أحد بعده، فكان يجب أن ~~تتحمسوا فأنتم خير أمة أخرجت للناس، وأنا ادخرتكم لذلك. إن الحق يعطيهم ~~المثل وفيه تعريض بهم وعتاب لهم، وفي هذا القول تعليم أيضا، فيقول: { ~~وكأين من نبي } [آل عمران: 146] أي وكثير من الأنبياء { ~~قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لمآ أصابهم } ~~[آل عمران: 146] ونستوحي من كلمة " وهنوا " أي ما ضعفوا. فكأنه قد حدث في ~~القتال ما يضعف، { فما وهنوا لمآ أصابهم } [آل عمران: 146] ~~أي ما حدثت لهم نكسة مثلما حدثت لكم. { وما ضعفوا وما ~~استكانوا } [آل عمران: 146]. وكل من " وهنوا " و " ضعفوا " و " ~~استكانوا " هذه جاءت في موقعها الصحيح لأن " الوهن " بداية الضعف، و " ~~الوهن " محله القلب وهو ينضح على الجوارح ضعفا. # و " استكانوا ms1416 " ماذا تعني؟ إنها من " سكن ". والسكون تقابله الحركة. ~~والحرب تحتاج إلى حركة، والذي يأتي للحرب فهو يحتاج إلى كر وفر. أما ~~الذي لا يتحرك فهذا معناه أنه ليس لديه قدرة على أن يتحرك، وساعة تسمع - ~~الألف والسين والتاء - وتأتي بعدها كلمة، نعلم أن " الألف والسين والتاء ~~" للطلب، " فاستفهم " أي طلب أن يفهم، وهي تأتي لطلب المادة التي ~~بعدها. كأن نقول: " استعلم " أي طلب أن يعلم، أو نقول: " استخبر " أي طلب ~~الخبر، و " استكان " يعني طلب له كونا أي وجودا، فكأنهم بلغوا من ~~الوهن ومن الضعف مبلغا يطلبون فيه أن يكون لهم مجرد وجود لأن الوجود ~~مظهره الحركة، والحركة انتهت، هذا هو معنى " استكانوا ". وما دامت من ~~الكون يكون وزنها - مثلما يقول الصرفيون - " استفعل " يعني طلب الكون، ~~وطلب الوجود، وقد يكون وزنها ليس كذلك إذا كانت من سكن، وهي بهذا ~~الاعتبار لا يكون فيها طلب لأن السين ستكون أصلية، فوزنها ليس " استفعل " ~~بل هو " افتعل " ف " استكانوا " هل تعني أنهم طلبوا السكون؟ لا لأنهم ~~كانوا ساكنين، إذن فالأولى أن يكون معناها أنهم طلبوا مجرد الوجود، هذا ~~ما أميل إليه وأرجحه، وقيل في معناها: فما خضعوا وما ذلوا من الاستكانة: ~~وهي الذلة والخضوع. { فما وهنوا لمآ أصابهم في سبيل ~~الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب ~~الصابرين } [آل عمران: 146]. فما يصيب العبد ابتلاء من الله، وفي ~~الحديث: # " إذا أحب الله قوما ابتلاهم ". # وكل ذلك الوهن والضعف، لا يشغلهم عن المعركة، لأنهم لو صبروا على التحمل ~~لأمدهم الله بمدد من عنده لأنه حين تفرغ أسباب الخلق وتنتهي يأتي إمداد ~~الخالق. ويلفتنا الحق سبحانه وتعالى بتذييل الآية: { والله يحب ~~الصابرين } [آل عمران: 146] أي وكفى جزاء عن الصبر أن تكون محبوبا ~~لله لأننا قلنا سابقا: قد نحب الله لنعمه التي أنعمها علينا، ولكن ~~المسألة ليست في أن تحب الله أنت، وإنما في أن تصير بتطبيق منهجه فيك ~~محبوبا لله. وقد أثر عن بعضهم قوله: وإلا ألم تر كثيرا أحب ولم ~~يحب؟!! أنت أحببت للنعم، ولكنك ms1417 تريد أن تكون محبوبا من الله لأن حبك ~~للنعم لا يكفي، فمثل هذه النعم أخذها الكافر أيضا، إذن فهناك حاجة أخرى. ~~هناك مقدم وهناك ومؤخر فالمقدم هو نعم الحياة وكل البشر شركاء فيها ~~مؤمنهم وكافرهم، ولكن المؤخر هو جزاء الله في الآخرة وهو الأصل. # إذن، فلو أن الناس فطنوا إلى قول الله: { والله يحب ~~الصابرين } [آل عمران: 146] لقالوا: كفى بالجزاء عن الصبر أن نكون ~~محبوبين لله، حين أصابهم ما أصابهم. صحيح أن الإصابة لم تصنع فيهم وهنا ~~أو ضعفا أو استكانة، وهذا معناه أن فيهم مسكة اليقين بالله. ومسكة ~~اليقين بالله تجعلهم أهلا لإمداد الله. فليس لك إلا أن تصبر على ما أنت ~~فيه لتعرف مدد الله لك. ومدد الله لك لا يتجلى بحق إلا وقت الضعف لأنك ~~وقت قوتك قد تعمل مثل الذي قيل فيهم: # فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه ~~نعمة منا قال إنمآ أوتيته على علم بل هي ~~فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون # [الزمر: 49]. لكن المؤمنين حين أصابهم ما أصابهم { فما وهنوا } ~~[آل عمران: 146] لأنهم كانوا متيقظين إلى قضية إيمانية: إن الله لا ~~يسلمك لنفسك إلا حين تغيب عنه، فقالوا: ولماذا حدث لنا هذا؟ لم يقولوا: ~~ربنا انصرنا كي نخرج من الضعف، لا. بل فكروا في الأسباب التي أدت بهم إلى ~~هذا: { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر ~~لنا ذنوبنا... }. ### || [3.147] # فكأن ما حدث نتيجة لذنب تقدم ففطنوا إلى السبب، كان المفروض أنهم في ~~معركة، وهذه المعركة أجهدتهم وأنهكتهم، صحيح أنهم لم يضعفوا، وكان ~~المفروض أن يقولوا: " يارب انصرنا أولا " لا. بل قالوا: لا بد أن نعرف ~~السبب في النكسة الأولى، السبب في هذه النكسة أن الله لم يسلمني إلى نفسي ~~إلا لأني نسيته. { وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا } ~~[آل عمران: 147]، " ربنا " ، وانظر لكلمة النداء في " ربنا " ، كان يمكن ~~أن يقولوا: يا ألله إنما جاءوا بكلمة " ربنا " لماذا؟ لأن علاقة العبد ~~بالربوبية هي قبل علاقته بالألوهية، فالألوهية مكلفة، فمعنى " إله " أي: ms1418 ~~معبود، وما دام معبودا فله تكليف يطاع فيه، وهذا التكليف يأتي بعد ذلك، ~~هو سبحانه له ربوبيته في الخلق. قبل أن يكلفهم، وما دام الرب هو الذي ~~يتولى التربية، فالأولى أن يقولوا: يارب، إذن قولهم: " ربنا " يعني أنت ~~متولي أمورنا، أنت الذي تربينا. { ربنا اغفر لنا ذنوبنا } ~~[آل عمران: 147] فكأنه لا شيء يصيبنا إلا بذنب من الغفلة ارتكبناه. ونعرف ~~من كلمة " ذنب " أن الذي يفطن إلى معناه لا يفعلها أبدا، لأن كلمة " ذنب ~~" مأخوذة من مادة " الذنب ". والذنب سيأتي بعده عقوبة. فاللفظ نفسه ~~يوحي بأن شيئا سيأتي، وعندما تتذكر عقاب الذنب فأنت لا تفعله. { اغفر ~~لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا } [آل عمران: 147] لأن ~~كل معصية تكون تجاوزا عما أحله الله لك، وزيادة غير مشروعة وإن كانت ~~من نوع ما أحله الله، ولكنها زيادة عن مقومات حياتك، فالله شرع لنا ~~الزواج لنأتي بالأولاد، وعندما نأخذ أكثر من هذا من غير زواج نكون قد ~~أسرفنا، والله أعطانا مالا بقدر حركتنا، فإن طمعنا في مال غيرنا فقد ~~أسرفنا. " وأسرفت " يعني أن تأخذ حاجة ليست ضرورية لقوام حياتك ولذلك ~~فالحق سبحانه وتعالى يقول: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم # [الزمر: 53]. إنه سبحانه يوضح: أنا حللت لك كذا من النساء فما الذي جعل ~~عينيك تزوغ وتميل إلى غير ما أحله الله لك؟ أنا أحللت لك كسب يدك وإن كنت ~~فقيرا فستأخذ صدقة، لماذا أسرفت؟ إذن فكل أمر زائد على الحد المطلوب ~~لبقاء الحياة اسمه " إسراف " { وإسرافنا في أمرنا وثبت ~~أقدامنا } [آل عمران: 147]. لقد بدأوا يدخلون في الحق، لكنهم في ~~البداية رأوا الباطل، والباطل هو من أسباب تخلي الحق عن نصرتنا أولا، ~~لكن عندما يغفر سبحانه الذنب ويغفر الإسراف في الأمر نكون أهلا للمدد ~~وأهلا لتثبيت الله. # { وثبت أقدامنا } [آل عمران: 147] كيف يقول الحق ذلك والمفهوم ~~في المعركة أن الأقدام لا تثبت؟ المعركة تطلب من المقاتل أن يكون صوالا ~~جوالا متحركا، إذن ms1419 فما معنى " وثبت أقدامنا "؟ إن قول الحق: " وثبت ~~أقدامنا " يعني لا تجعلنا نفر من أرض المعركة، ولا نترك أرض المعركة ~~أبدا. ولذلك قلنا: إن الكفار عندما حدث منهم ما حدث لم يظلوا في أرض ~~المعركة، بل تركوا أرض المعركة وانصرفوا، وهؤلاء المؤمنون ولو أنهم ~~انهزموا إلا أنهم مكثوا في أرض المعركة مدة، وكروا وراء أعدائهم وطردوهم. ~~وقد اهتدى البشر أخيرا إلى هذا المعنى، ففي فرنسا نيشان يسمونه " نيشان ~~الذبابة " لماذا الذبابة؟ لأن الذبابة إن طردتها عن مكان لابد أن تعود ~~إليه، فكذلك المفروض على القائد - ما دام انسحب من منطقة - أن يوطن نفسه ~~على العودة إليها، فيعطوه نيشان الذبابة. فقوله: { وثبت ~~أقدامنا } [آل عمران: 147] في أي منطقة؟ وفي أي معركة؟ علينا ألا ~~نبرح أماكننا لأننا ساعة أن نبرحها فهذه أول الهزيمة، وهذا أمر يجرئ ~~العدو علينا. { وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين } [آل عمران: 147]. كلمة " وانصرنا على القوم الكافرين " ~~هي حيثية، فما داموا قد قالوا: " وانصرنا على القوم الكافرين " فهم إذن ~~مؤمنون، ومؤمنون بحق ولذلك فإن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول ~~قولته المشهورة: إنكم تنتصرون على عدوكم بطاعة الله، فإن استويتم أنتم ~~وهم في المعصية غلبوكم بعدتهم وعددهم. ولذلك فالإيمان يتطلب أن ~~تنتبهوا إلى موطن الضعف فيكم أولا، والذي استوجب أن يصيبكم ما أصابكم، ~~حقا إنكم لم تضعفوا، ولم تستكينوا وأصابكم من المعركة شيء من التعب ~~والألم. كأن الحق يوضح لنا أنهم قد تنبهوا فأحسنوا البحث في نفوسهم ~~أولا، لقد تكلموا عن الذنوب وطلبوا المغفرة وتكلموا عن الإسراف على ~~النفس، وبعد ذلك تكلموا عن المعركة. فماذا كان العطاء من الله؟ ويأتينا ~~الجواب في قوله الحق: { فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ~~ثواب الآخرة... }. ### || [3.148] # أي أن الذي يريد الدنيا فالله يعطيه من الدنيا غنائم وأشياء، ولنا أن ~~نلحظ أن الحق عندما يتكلم هنا عن الدنيا فهو لم يصفها بحسن أو بشيء، فقد ~~قال: { ثواب الدنيا } [آل عمران: 148]، لكن عندما تكلم عن الآخرة ~~فهو يقول: { وحسن ثواب الآخرة } [آل ms1420 عمران: 148] وهذا هو ~~الجمال الذي يجب أن يعشق لأن الدنيا مهما طالت فهي متاع وغرور وزخرف ~~زائل، ومهما كنت منعما فيها فأنت تنتظر حاجة من اثنتين: إما أن تزول عنك ~~النعمة، وإما أن تزول أنت عن النعمة. ويختم الحق الآية بقوله: { ~~والله يحب المحسنين } [آل عمران: 148] وقد أحسنوا حين ~~ناجوا ربهم بعدما أصابهم. إنهم سألوا المغفرة، وسألوا أن يغفر لهم ~~إسرافهم في أمرهم، وأن يثبت أقدامهم وأن ينصرهم على القوم الكافرين لأنهم ~~رأوا أن قوتهم البشرية حين يتخلى عنهم مدد الله تصبح هباء لا وزن لها. { ~~فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ~~والله يحب المحسنين } [آل عمران: 148] ومثلما قلنا في ~~الصبر: # والله يحب الصابرين # [آل عمران: 146] كفى بالجزاء على الصبر أن تكون محبوبا لله، كذلك كفى ~~بالجزاء على الإحسان أن تكون محبوبا لله. وبعد ذلك يقول الحق: { يا ~~أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا... }. ### || [3.149] # وما دمتم مؤمنين وهم كفار فكيف يتأتى منكم أن تطيعوا الكافرين؟ إنكم وهم ~~من أول مرحلة مختلفون أنتم مؤمنون وهم كفار، والكافر والمنافق سيستغل ~~فرصة الضعف في النفس الإيمانية المسلمة، ويحاول أن يتسلل إليها، مثلما ~~قلنا: إن جماعة من المنافقين قالوا: قتل محمد، ولم يعد فينا رسول فلنلجأ ~~إلى دين آبائنا. والمؤمنون الذين أصابتهم لحظة ضعف قالوا: نذهب إلى ابن ~~أبي - المنافق الأول في المدينة - ونطلب منه أن يتوسط لنا عند أبي سفيان ~~ليأخذ لنا الأمان. ولذلك يقول الحق: { يا أيها الذين آمنوا ~~إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم ~~فتنقلبوا خاسرين } [آل عمران: 149]، فإن كان الموقف يحتاج إلى ~~ناصر فلا تطلبوا النصير من الكافرين، ولكن اطلبوه ممن آمنتم به. وينزل ~~القول الحق: { بل الله مولاكم وهو... }. ### || [3.150] # ألم يقل أبو سفيان: " لنا العزى، ولا عزى لكم " ، فقال لهم النبي ~~قولوا لهم: الله مولانا ولا مولى لكم، وعندما قال: يوم بيوم، أي يوم أحد ~~بيوم بدر، الحرب سجال. فرد عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: لا ~~سواء، أي نحن لسنا مثلكم ms1421 قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، فكيف تكون ~~سواء وكيف تكون سجالا!؟ { بل الله مولاكم وهو خير ~~الناصرين } [آل عمران: 150] ونفهم قول الحق: " خير الناصرين " أي ~~يجوز أن يوجد الله بشرا كافرين أو غير كافرين وينصروكم نصرا سطحيا، لا ~~نقول إن هذا نصر إنما النصر الحقيقي هو النصر الذي يأتي من الله، لماذا؟ ~~لأن النصر أول ما يأتي من ناحية الله فاطمئن على أنك خالص ومخلص لله وإلا ~~ما جاءك نصره، فساعة يأتيك نصر الله فاطمئن على نفسك الإيمانية وأنك مع ~~الله. وقول الحق: { خير الناصرين } [آل عمران: 150] دليل على أنه ~~من الممكن أن يكون هناك ناصر في عرف البشر. وقد قال المؤمنون: يا رب نحن ~~ضعاف الآن وإن لم نذهب لأحد ليحمينا ماذا نصنع؟ فيوضح لهم الحق: كونوا ~~معسكرا إيمانيا أمام معسكر الكفر، وإياكم أن تلجأوا إلى الكافرين بربكم ~~لأنهم غير مأمونين عليكم. وإن كنتم تريدون أن تعرفوا ماذا سأفعل: # سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب # [آل عمران: 151]. فإذا ألقى الرعب في قلوب الكافرين فماذا يفيدهم من ~~عددهم وعددهم؟! عددهم وأموالهم تصير ملكا لكم وتكون في السلب ~~والغنيمة. ### || [3.151] # وألقى الحق في قلوبهم الرعب بالفعل. فساعة قالوا لأبي سفيان: إن محمدا ~~قادم إليك بجيش كثيف من المدينة، وانضم له مقاتلون لم يحاربوا من قبل، ~~وقادم إليكم في حمراء الأسد. ماذا صنع أبو سفيان وقومه؟ ألقى الله الرعب ~~في قلوبهم وفروا. وكلمة " سنلقي " مأخوذة من " الإلقاء " وهو لا يكون إلا ~~لمادة وعين. ويبين لنا القرآن هذا الأمر حين يقول: " فألقى الألواح " ، ~~هذه حاجة مادية. قال تعالى: # وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ~~قال ابن أم إن القوم استضعفوني.. # [الأعراف: 150]. إنه أمر مادي.. ونحن نقول: ألقى الحجر. والحق سبحانه ~~يقول: # فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون ~~إنا لنحن الغالبون # [الشعراء: 44]. إنها حبال، أي أمر مادي. وسبحانه وتعالى يقول عن الوحي ~~لأم موسى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني ~~إنا رآدوه ms1422 إليك وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7]. فالإلقاء أمر مادي، كأن الله يريد أن يجعل المعنى وهو الرعب ~~شائعا، فقال: أنا سأجمع الرعب وأضعه في القلب، ويكون عمله ماديا. فإذا ~~ما استقر الرعب في القلب جاء الخور، وإذا سكن الخور القلب نضح على جميع ~~الجوارح تخاذلا، فيقول: { سنلقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب } [آل عمران: 151] فكأنه مثل لنا الرعب، والرعب أمر معنوي وهو ~~التخوف من كل شيء، فأوضح: بأنه سيأتيهم بالرعب ويلقيه في القلب، فيبقى به ~~ليصنع الخور والخذلان. { سنلقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب } [آل عمران: 151] انظروا إلى التعابير الصادرة عن الله إنه ~~هنا يأتي ب " نون العظمة " ، " سنلقي " ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى ~~ساعة يتكلم عن أمر يحتاج إلى فعل فهو سبحانه يأتي ب " نون العظمة " ~~كقوله: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. ولأن إنزال الذكر عملية عظيمة، فنأتي ب " نون العظمة ". ~~لأننا سننزله بقدرة وسننزله بحكمة، وننزله بعلم وننزله بسمع، وننزله ~~ببصر، وننزله بقيومية، وننزله بقبض وننزله ببسط، فقوله: " إنا نحن " فكأن ~~نون العظمة تأتي هنا، لكن ساعة يتكلم سبحانه عن الذات العلية فهو يقول: " ~~إنني أنا الله ". لم يقل إننا، ولكن في الإنزال يقول: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. لأن هذه عملية عظيمة جليلة ف " نون العظمة " تأتي فيما ~~يكون من شأنه حدث يفعل وهذا الحدث الذي يفعل يحتاج لصفات كثيرة، ولذلك ~~قلنا ساعة تبتدئ أي عمل تقول: " بسم الله الرحمن الرحيم " لماذا؟ لأن ~~العمل الذي ستعمله يحتاج إلى قدرة علية، ويحتاج إلى علم قبل أن تعمله، ~~ويحتاج إلى حكمة، أي أنه يحتاج إلى صفات كثيرة، فأنت تدخل على العمل باسم ~~القادر الذي يقدرك وباسم العليم الذي يعلمك، وباسم الحكيم الذي ~~يحكمك. # وكل هذه الصفات ستتكاتف في إبراز العمل كي يرحمك حتى في الاستعانة، فلا ~~يقول لك: هات الصفات كلها التي يحتاج إليها فعلك لأن هناك صفات أنت لا ~~تعرفها، فيقول لك: هات الاسم الجامع لكل صفات الكمال. قال: " باسم الله " ~~، وهي تضم كل صفات ms1423 الكمال. إذن فأنت تلاحظ أنك إذا رأيت " نون العظمة " ~~التي نسميها " نون الجمع " نجد أننا نقول: " نحن " للجماعة. أو للمتكلم ~~الواحد حين يعظم نفسه، ولذلك نلاحظها حتى في قانون البشر، ألم يقولوا في ~~الملكية: " نحن الملك " ، وهذه النون بالنسبة لله ليست نون الجماعة. إنما ~~هي " نون العظمة " ، العظمة الجامعة لكل صفات الكمال التي يتطلبها أي فعل ~~من الأفعال، لذلك قال سبحانه: { سنلقي في قلوب الذين ~~كفروا الرعب } [آل عمران: 151] فكل قلب به كفر يحتاج إلى إلقاء ~~الرعب فيه. إذن فتأتي نون العظمة لتستوعب كل هذه القلوب الكافرة. وهو ~~سبحانه لا يتجنى عليهم بإلقاء الرعب، ولكن هم الذين استحقوا أن يلقى في ~~قلوبهم الرعب، لماذا؟ " بما أشركوا ". إن الإشراك بالله هو الذي جاء لهم ~~بالرعب لأن الله يفعل، والشركاء لا يفعلون. ولو أن شركاءهم حق لما تخلوا ~~عنهم. فلماذا لم يأتوا بشركائهم لينصروهم؟ لقد جاءهم الرعب لأنهم ليس لهم ~~مولى، ولو كان لهم آلهة قادرة - كما يدعون - لقالوا لتلك الآلهة: رب محمد ~~يعمل معنا هكذا فلماذا لا تقفون له يا أربابنا؟ لكنهم أشركوا بالله ما لا ~~يضر ولا ينفع، بل ضره أقرب من نفعه. { بمآ أشركوا بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا } [آل عمران: 151] والسلطان هو القوة ~~والحجة والبرهان مأخوذة من مادة " السين واللام والطاء " ونقول: فلان ~~تسلط على فلان، أي أرغمه بقدرته عليه. ويقولون: فلان سليط اللسان، أي ~~قادر أن يسب، إذن فالسلطة هي: القهر، والقوة التي ترغم على الفعل، وفي ~~المعنويات هي الحجة والبرهان، والمؤمنون دائما ذوو سلطان من الله لأنهم ~~إن انتصروا ماديا فذلك سلطان القهر، وإن انهزموا ماديا فعندهم سلطان ~~الحق والدليل ولذلك قلنا سابقا: إن إبليس يأتي يوم القيامة ويقول: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.. # [إبراهيم: 22]. وقلنا إن السلطان نوعان: إما قوة تقهرنا على أن نفعل ~~المعصية، وإما برهان ودليل يجعلنا نفعل المعصية. والفرق بين القوة ~~القاهرة وبين سلطان الدليل هو أن القوة القاهرة تجعلك تفعل ms1424 وأنت مرغم غير ~~راض عن الفعل. # أما سلطان الدليل فيقنعك بأن تفعل فتكون قد فعلت برضاك، فمرة يأتي ~~السلطان بمعنى: قوة تقهرك على أن تفعل الفعل وأنت مرغم. إنما قوة الدليل ~~تقنعك أن تفعل، فيأتي الشيطان ليقر على نفسه في الآخرة ويقول: " وما كان ~~لي عليكم من سلطان " أي ليس معي قوة تقهركم على المعصية وليس معي دليل ~~يقنعكم حتى تفعلوا المعصية، لا هذا ولا ذاك، فما الحكاية إذن؟ قال: " وما ~~كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ". أي إنكم أطعتموني ~~واستجبتم لدعوتي بلا سلطان قوة أقهركم به على شيء، ولا سلطان دليل أقنعكم ~~به. ويذيل الحق الآية بقوله: { ومأواهم النار وبئس مثوى ~~الظالمين } [آل عمران: 151] أي أن المرجع الذي يأوون إليه هو النار، ~~والمأوى هو الموضع الذي ترجع أنت إليه. وكأن في هذا المرجع ذاتية من ~~الكافر تلقيه على النار فهو - أي الكافر - مأواه ومثواه الذي يرجع إليه. ~~ولذلك يجب أن نفطن إلى قوله الحق في بعض الأساليب: " وإليه ترجعون " ~~وقوله: " وإليه ترجعون ". { وبئس مثوى الظالمين } [آل ~~عمران: 151].. أي مثوى لا مفر بعده أبدا، فكل مثوى من الجائز أننا نرحل ~~عنه، لكن المثوى الذي سيبقى خلودا للظالمين هو النار وهو بئس المثوى. ~~وبعد ذلك يقول الحق: { ولقد صدقكم الله وعده إذ ~~تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في ~~الأمر وعصيتم من بعد مآ أراكم ما تحبون... }. ### || [3.152] # ونعرف أن في { صدقكم الله وعده } [آل عمران: 152] مفعولين: ~~الأول هو ضمير المخاطبين في قوله: " صدقكم " ، والثاني هو قوله " وعد " ~~المضاف إليه الضمير العائد على لفظ الجلالة " الله " فهو - سبحانه - قد ~~أحدث وعدا، والواقع جاء على وفق ما وعد. لقد قال الحق: # إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم # [محمد: 7]. وقال سبحانه: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. والآيتان تؤكدان قضية وعدية، بعد ذلك جاء التطبيق ~~العملي.. فهل وقع الوعد أو لم يقع؟ لقد وقع، ومتى؟ فهل يشير الحق في هذه ~~الآية إلى موقعة بدر؟ { إذ تحسونهم بإذنه } [آل عمران: ~~152]. و ms1425 " تحسونهم " أي تذهبون الحس منهم، والحس: هو الحواس الخمس، ~~ومعنى أذهبت حسه يعني أفقدته تلك الحواس. " إذ تحسونهم " وقد حدث، ~~وتمكنتم منهم تقتلونهم وتأسرونهم، أو الحس: هو الصوت الذي يخرج من ~~الإنسان، وما دام فقد الحس يعني انتهى، { إذ تحسونهم بإذنه ~~} [آل عمران: 152] فحينما صدقتم لقاءكم لعدوكم على منهج الله صدق الله ~~وعده هذا في بدر. أما هنا في أحد فقد جاء فيكم قوله: { حتى إذا ~~فشلتم } [آل عمران: 152] أي جبنتم. { وتنازعتم في الأمر ~~وعصيتم } [آل عمران: 152] أمر الرسول { من بعد مآ أراكم ~~ما تحبون } [آل عمران: 152] وهي الغنائم، { منكم من يريد ~~الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } [آل عمران: 152]. كأنه ~~سبحانه يعطينا العبرة من معركتين: معركة فيها صدق وعد الله، وفعلا ~~انتصرتم، وأيضا صدق وعد الله حينما تخليتم عن أمر الرسول فحدث لكم ما ~~حدث. إذن فالمسألة مبسوطة أمامكم بالتجربة الواقعية، ليس بالكلام النظري ~~وليس بالآيات فقط، بل بالواقع. أو أن الأمر كله دائر في أحد، نقول ~~فرضا: هو يدور في أحد ودع بدرا هذه، حينما دخلتم أيها المسلمون أول ~~الأمر انتصرتم أم لم تنتصروا؟ لقد انتصرتم، وطلحة بن أبي طلحة الذي كان ~~يحمل الراية للكفر قتل هو وبضعة وعشرون، الراية الكافرة قد سقطت في أول ~~المعركة، وحامل الراية يقتل وهذا ما وضحه قوله تعالى: { ولقد ~~صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى ~~إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر } [آل عمران: 152] فجماعة ~~تقول: لنبق في أرض المعركة، وجماعة تقول: ننسحب. ورأيتم الغنائم فحدث ~~منكم كذا وكذا. فتأتي النكسة، ولو لم يحدث ما حدث لكان من حقكم أن ~~تتشككوا في هذا الدين، إذن فما حدث دليل على صدق هذا الدين، وأنكم إن ~~تخليتم عن منهج من مناهج الله فلا بد أن يكون مآلكم الفشل والخيبة ~~والهزيمة. { حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر } ~~[آل عمران: 152]، فجماعة قالوا: نظل كما أمرنا الرسول، وجماعة قالوا: ~~نذهب إلى الغنائم { منكم من يريد الدنيا ومنكم من ~~يريد الآخرة } [آل عمران: 152]. # . وما دمتم قد تنازعتم وقالت جماعة: لنتمسك ms1426 بمواقعنا، وقالت جماعة أخرى: ~~لنذهب إلى الغنائم، إذن فالذي أراد مواصلة القتال إنما يريد الآخرة ولم ~~تلهه الغنائم، والقسم الذي أراد الدنيا قال: لنذهب إلى الغنائم. وفي هذه ~~المسألة قال ابن مسعود رضي الله عنه: والله ما كنت أعلم أن أحدا من ~~صحابة رسول الله يريد الدنيا حتى نزل فينا ما نزل يوم أحد. أي أنه لم ~~يكن يتصور أن من بين الصحابة من يريد الدنيا، بل كان يظن أنهم جميعا ~~يريدون الآخرة، فلما نزل قول الله: { منكم من يريد الدنيا ~~ومنكم من يريد الآخرة } [آل عمران: 152] عرف ابن مسعود أن من ~~الصحابة من تتقلب به الأغيار. وذلك لا يقدح فيهم لأنهم رأوا النصر، فظنوا ~~أن المسألة انتهت لقد سقطت راية الكفر، وقتل المؤمنون عددا من صناديد ~~قريش. ولقد عفا الله عن المؤمنين وغفر لهم ما بدر منهم من مخالفة لأمر ~~رسوله - صلى الله عليه وسلم -. { ثم صرفكم عنهم ~~ليبتليكم } [آل عمران: 152] نعم لأنكم كنتم مشغولين بقتالهم قبل ~~أن تنظروا إلى الغنائم، فلما نظرتم إلى الغنائم اتجه نظركم إلى مطلوب ~~دنياكم، فانصرفتم عنهم، ولم تجهزوا عليهم ولم تتم لكم هزيمتهم وقهرهم، { ~~ثم صرفكم عنهم ليبتليكم } [آل عمران: 152] وابتلاؤكم ~~في هذه الغزوة إنما هو رياضة وتدريب على المنهج، كأنهم غزوة مقصودة ~~للابتلاء، فترون منها كل ما حدث. وبعد ذلك نجحت التجربة، فبعد هذه ~~المعركة لم ينهزم المسلمون في معركة قط. ولذلك يقولون: الدرس الذي يعلم ~~النصر في الكثير لا يعتبر هزيمة في القليل. والمثال على ذلك: لنفرض أن ~~ولدا من الأولاد رسب سنة، ثم حمل ذلة الرسوب، نجده ينال بسبب ذلك مرتبة ~~متميزة بعد ذلك بين العشرة الأوائل، إذن فالرسوب الأول له كان خيرا. { ~~ولقد عفا عنكم } [آل عمران: 152] لأنه كان لكم وجهة نظر أيضا ~~عندما تصورتم أن المعركة انتهت بسقوط راية الكفر ومقتل طلحة بن أبي طلحة ~~ومقتل بعض من الصناديد في معسكر الكفر، فظننتم أن المسألة انتهت، لكن كان ~~يجب أن تذكروا أن الرسول قال لكم: اثبتوا في مراكزكم ms1427 وأماكنكم حتى لو ~~رأيتمونا نتبع القوم إلى مكة، ولو رأيتموهم يدخلون المدينة. أيوجد تحذير ~~أكثر من ذلك!؟ { والله ذو فضل على المؤمنين } [آل عمران: ~~152] وسبحانه جل وعلا لم يخرجهم من الحظيرة الإيمانية بهذا القول الحكيم. ~~ويقول الحق من بعد ذلك: { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ~~والرسول يدعوكم في أخراكم... }. ### || [3.153] # { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد } [آل عمران: 153] هنا ~~جاء لهم بلقطة من المعركة، حتى إذا سمع كل واحد منهم هذا الكلام يستحضر ~~الصورة المخزية التي ما كان يصح أن تحدث، " إذ تصعدون " ، فيه " تصعد ~~" ، وفيه " تصعد " وهنا " تصعدون " من " أصعد " ، و " أصعد " ~~أي ذهب في الصعيد، والصعيد الأرض المستوية حتى تعينه على سرعة الفرار. ~~إنما " صعد " تحتاج إلى أن يكون هناك مكان عال يصعدون إليه. وهم ساعة ~~أرادوا أن يفروا جروا إلى الأرض السهلة ومشوا، فكل منهم لا يريد أن ~~يتعثر هنا أو هناك، إذن فالمناسب لها { إذ تصعدون ولا تلوون ~~على أحد } [آل عمران: 153] والفار لا ينظر هنا أو هناك ليس أمامه ~~إلا الأرض السهلة. { ولا تلوون على أحد } [آل عمران: 153] أي ~~لا تعرجون على شيء، والأهم من ذلك أن هناك تنبيها من القائد الأعظم وهو ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يدعوكم " والرسول يدعوكم في أخراكم " أي ~~يناديكم من مؤخرتكم طالبا منكم العودة إلى ميدان القتال " فأثابكم غما ~~بغم ". أنتم غممتم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنكم خالفتم أوامره، ~~فوقفكم الله هذا الموقف. كلمة { فأثابكم غما بغم } [آل ~~عمران: 153] كأنه يقول: عاقبكم. ولكنه سبحانه يأتي بها مغلفة بحنان ~~الألوهية " فأثابكم ". إذن فهي ثواب.. أي أن الحق سبحانه وتعالى بربوبيته ~~وبألوهيته يعلم أن هؤلاء مؤمنون فلم يقس عليهم، قال: { فأثابكم ~~غما بغم } [آل عمران: 153] فكأن ما حدث لكم تخليص حق. { ~~لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } [آل عمران: 153] ولو لم ~~تحدث مسألة الحزن والخزي والذلة لشغلتكم مسألة أنكم فاتتكم الغنائم ~~والنصر، ولظل بالكم في الغنائم لأنها هي السبب في هذا. كأن الغم الذي حدث ~~إنما جاء ليخرج من ms1428 قلبكم لقطة سيل اللعاب على الغنيمة. وما أصابكم من ~~القتل والهزيمة، { فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا ~~على ما فاتكم ولا مآ أصابكم والله خبير بما ~~تعملون } [آل عمران: 153] أي أنه سبحانه يقدر ما الذي استولى عليكم، ~~لأن من الجائز { والرسول يدعوكم في أخراكم } [آل عمران: ~~153] أنهم لم يسمعوا النداء من هول المعركة، { والله خبير بما ~~تعملون } [آل عمران: 153] وهو سبحانه خبير بكل فعل وإحساس. ويقول ~~الحق من بعد ذلك: { ثم أنزل عليكم من بعد الغم ~~أمنة نعاسا يغشى طآئفة منكم وطآئفة قد ~~أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن ~~الجاهلية... }. ### || [3.154] # وكلمة { أنزل } تدل على أن هذا عطاء علوي ليس له شأن بالأسباب ~~المادية ولا بالقوانين البشرية لأن النوم عرض من الأعراض التي تطرأ على ~~الأحياء، هذا العرض تستوجبه عمليات كيماوية في نفسك، وهذه العمليات ~~الكيماوية حتى الآن لا يعرفون ما هي، وأقصى ما فهم منه أنه ردع ذاتي ~~لجسم الإنسان. فكأن الجهاز المتحرك المكون من مخ يعمل، وعين ترى، وأذن ~~تسمع، وحواس وحركة هذا الجهاز له طاقة، ساعة تنتهي منه الطاقة، لا يقول ~~لك: أنت الذي تترك العمل. لا، بل يقول لك: أنا لم أعد صالحا للعمل. إنه ~~ردع ذاتي، مثلما يريدون أن يصلوا إليه الآن في مجال الآلات بمجرد فصل ~~تيار الكهرباء آليا عن تلك الآلات فهي تتوقف. فالردع الذاتي هو في النوم ~~ويأتيك النعاس. وتبين بالبحث العلمي أن هناك أشياء في الجسم لا تخرج ~~كفضلات. بل تحتاج إلى التعادل والتوازن الكيميائي. ونحن نعلم أن هناك ~~بقايا كنتيجة للحركة، وهناك احتراق للطاقة، وكل حركة فيها احتراق، وبقايا ~~هذا الاحتراق تخرج مرة على هيئة بول ومرة يخرج غائطا ومرة يخرج مخاطا، ~~وهكذا، إذن كثير من هذه الفضلات هي نتيجة عمليات الاحتراق، لكن هناك ~~أشياء لا نريد لها أن تخرج ولكن نريدها أن تتعادل، فعندما تنام لا يوجد ~~لك حركة وتبتدئ الكيماويات داخل الجسم في التعادل، وهذا هو ما يفعله لك ~~النوم الذي تستوجبه أسبابك المادية. وصاحب الهم والغم لا ms1429 ينام أبدا فهو ~~يسهو عن نفسه ويرهق جسمه أكثر وتكون المصيبة كبيرة عليه، وهنا ينزل الحق ~~فضله عليكم بالنوم لأن أسبابكم لا تساعد أيا منكم على أن ينام. وأنتم ~~تذكرون قديما أننا قلنا: إن الإمام عليا كرم الله وجهه لما اشتهر ~~بالفتيا، وكلما سألوه عن أمر أفتى فيه، فقالوا: نأتي له بمسألة معقدة ~~ونرى كيف يأتي بالفتيا، وكأنهم نسوا أنه يفتي لأنه تربى في حضن النبوة، ~~فقد جاءت النبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيدنا علي ما زال صغيرا، ~~أما الصحابة الآخرون فقد جاءت النبوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ~~كبار في السن، فهناك معلومات دخلت عندهم من أيام الجاهلية، ولكن سيدنا ~~عليا كرم الله وجهه لم تدخل عليه معلومة من معلومات الجاهلية. كل ~~المعلومات التي عنده نبوية، فكل هذا التفاعل ينشأ عنه فتيا لذلك كان ~~سريعا في الإفتاء. على سبيل المثال، تأتي له امرأة فتقول: يا ابن أبي ~~طالب كيف يعطونني دينارا من ستمائة؟ مورثي خلف ستمائة دينار فأعطوني ~~دينارا واحدا. فقال لها: لعله مات عن زوجة، وعن بنتين، وعن أم، الزوجة ~~تأخذ الثمن خمسة وسبعين دينارا والبنتان تأخذان الثلثين أربعمائة دينار ~~وللأم السدس وهو مائة دينار، ولعل له اثني عشر أخا وأختا واحدة، أشقاء ~~أو لأب، وأنت هذه الأخت وقد بقي من التركة خمسة وعشرون دينارا توزع على ~~الاثني عشر أخا والأخت فيكون نصيبك دينارا. # كيف عرف ذلك؟ إنها دقة الحساب عند من تعلم في بيت النبوة. وفي الآية ~~التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد أن الحق قد أنزل عليهم نعاسا ليؤمنهم ~~فلم ينشأ النوم هنا من حركة الاختيار، ولكن الله أنزله، ومعنى " أنزله " ~~أنه بعث رحمة جديدة من السماء ليخرج القوم الذين أصابهم الغم على ما ~~فعلوا مما هم فيه. ولذلك قال أبو طلحة: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم ~~أحد فكان السيف يسقط من أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه. إذن فهي عملية ~~قسرية. والنعاس حينما ينزل من الحق سبحانه وتعالى يكون عملية إنقاذ ms1430 من ~~حركة فاتت فرصتها على النفس البشرية فعوضها الله، ولكن القوم الذين ~~نافقوا ماذا كان حالهم؟ لا شك أن الذين جاءوا نفاقا لم يصبهم غم على ما ~~حدث. بل بالعكس، لا بد أن يكون قد أصابهم فرح أو اطمئنان على ما حدث، ~~وهؤلاء لا يكونون أهلا لأن ينزل الله عليهم أمنة النعاس. بل يتركهم الله ~~لذواتهم لأنهم لم يكونوا في حصن الله باتباع منهج الإسلام أو بالإخلاص - ~~على الأقل - لفكرة الإسلام، هؤلاء يسلمهم الله لذواتهم. إذن فلن ينزل ~~عليهم أمنة النعاس. وما دام لن ينزل عليهم أمنة النعاس، فقد أصبحوا في ~~قلق، لماذا؟ لأن نفوسهم قد أهمتهم. والإنسان حين يؤمن ويتقبل الإسلام من ~~ربه يكون قد باع نفسه لربه، وما دام قد باع نفسه لربه فالصفقة الإيمانية ~~لابد أن تستمر. وإذا استيقظ المسلم مرة لنفسه نقول له: لقد رجعت في عقد ~~الصفقة. وما دمت قد رجعت في عقد الصفقة فالله الذي كان قد اشتراك يتركك ~~لنفسك، فقوله: { أهمتهم أنفسهم } [آل عمران: 154] أي خرجوا ~~عن صفقة الإيمان لأن الذي يعقد صفقة بالإيمان مع ربه، هو من قال الله ~~فيه: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في ~~التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده ~~من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ~~وذلك هو الفوز العظيم # [التوبة: 111]. وما دام الله قد اشترى من المؤمن نفسه فيجب على المؤمن ~~ألا تهمه نفسه، فيدخل المعركة بالصفقة الإيمانية، فإذا أهمته نفسه يبدأ ~~القلق، والبلبلة، والاضطراب، وتوهم الأشياء، والشيء الواحد يتوهمه على ~~ألف لون. إذن فنفسه تكون غير مطمئنة، وما دام الإنسان قد شغله هم نفسه ~~حتى لو كان النعاس استجابة لأمر طبيعي من ذات النفس فلا يأتي النعاس ~~أبدا. ولذلك نجد أن الإمام عليا - رضوان الله عنه وكرم الله وجهه - ~~حينما سئل عن أشد جنود الله؟ بسط يديه وقال: أشد جنود الله عشرة: الجبال ~~الرواسي، والحديد يقطع الجبال، إذن فالحديد أشد من الجبال، والنار ms1431 تذيب ~~الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل ~~الماء، والريح يقطع السحاب، وابن آدم يغلب الريح يستتر بالثوب أو الشيء ~~ويمضي لحاجته، والسكر يغلب ابن آدم، والنوم يغلب السكر، والهم يغلب ~~النوم، فأشد جنود الله " الهم ". # فساعة يدخل الهم على النفس البشرية، هذا أشد جنود الله لأن الهم يدخل ~~على النفس البشرية بألوان متعددة للخطب الواحد، فيتصور أمورا معقدة في ~~أمر واحد، وواقعة على لون واحد، ولكن الهم يجول به في كل لون فهؤلاء قد ~~أهمتهم أنفسهم وما داموا قد أهمتهم أنفسهم فقد خرجوا عن صفقة الإيمان. ~~وما داموا قد خرجوا عن صفقة الإيمان الذي بوساطته اشترى الله من المؤمنين ~~أنفسهم، فالله يتخلى عنهم. وما دام الله قد تخلى عنهم فعليهم مواجهة ~~المصير. إن القلق والاضطراب يستبدان بهم ويصابون بالفزع من كل شيء. لكن ~~حال الصنف الأول والطائفة الأولى يختلف فالله سبحانه وتعالى يعاملهم ~~معاملة من بقي في الصفقة الإيمانية وإن كانت نفوسهم البشرية قد فسرت ~~الأحداث تفسيرا خاطئا، فظنوا أن المسألة في المعركة انتهت، فذهبوا لأخذ ~~الغنيمة إن هؤلاء قد احترم الله بقاءهم على الإخلاص للإسلام، وأدبهم على ~~تفسيرهم للأحداث تفسيرا غير حق، فأثابهم غما لما خالفوا فيه، وأنزل ~~عليهم أمنه لإخلاصهم في قضية الإسلام. { وطآئفة قد أهمتهم ~~أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن ~~الجاهلية } [آل عمران: 154] وإذا سمعت كلمة " طائفة " فاعلم أنها ~~جماعة، لكن هذه الجماعة لها مواصفات خاصة هي التي تجمعها على فكرة واحدة ~~كأنهم يطوفون حولها، إنها ليست مطلق جماعة لكنها جماعة تدور حول فكرة ~~واحدة ويأتي القول الحكيم هنا ليبين لك ما قالوه في نفوسهم، وما داموا قد ~~قالوا في نفوسهم، أسمعهم أحد؟ لا، ولكن الله أخبر به، وأخبر بما في ~~نفوسهم جميعا بقول واحد، مما يدل على أنهم يطوفون حول فكرة واحدة فالنصح ~~الوجداني يجعلهم يقولون جملة واحدة هي: { هل لنا من الأمر من ~~شيء } [آل عمران: 154] وما داموا سيقولون في نفوسهم فمن الذي سمعهم ~~وهم جماعة؟ إنه الله - سبحانه - { والله ms1432 عليم بذات الصدور ~~} [آل عمران: 154]. وأنت إذا قلت " طائفة " تجد أنها في عرف اللفظ " مفرد ~~" ، وعندما تجمعها تقول: " طوائف " ، لكن هي لفظ مفرد يدل على جمع، فمرة ~~يلحظ المفرد، ومرة يلحظ ما يؤديه المفرد من الجمع. وهذه لا يتنبه إليها ~~إلا البليغ، فيفرق بينها كلفظ مفرد وبين ما تدل عليه كجمع، ولذلك تجد هذا ~~في إعجاز القرآن، فالحق يقول: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله ~~يحب المقسطين # [الحجرات: 9]. وحينما يقول: " وإن طائفتان من المؤمنين " فهو هنا يأتي ~~بالخبر، اقتتلتا أو اقتتلوا؟ إنه سبحانه يقول: " اقتتلوا " ، اللفظ ~~طائفتان لكن الدقة البلاغية لاحظت أن كل طائفة مكونة من جماعة. " وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " فماذا نفعل؟ " فأصلحوا بينهما " ، فمرة ~~رجع للجماعة ومرة رجع للاثنتين، ففي ساعة الاقتتال لا تقف الطائفة بسيف ~~واحد وتضرب ضربة واحدة، لا، ففي ساعة القتال كل فرد من الطائفة له عمل، ~~إذن فالفردية المكونة للطائفة متعددة. لكن عندما نصلح هل نأتي بكل فرد من ~~هذه الطائفة وبكل فرد من الطائفة الأخرى أو نأخذ هذه الطائفة ممثلة في ~~رؤوسها والطائفة الأخرى ممثلة في رؤوسها ونعقد الصلح بين الطائفتين؟ فدقة ~~القرآن تقول: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما # [الحجرات: 9] وبعد ذلك يعود الحق للتثنية فيقول: # فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت ~~فأصلحوا بينهما # [الحجرات: 9] والصلح يكون بين جماعة ممثلة في قيادة وجماعة أخرى ممثلة ~~في قيادة. وقوله الحق: { وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم ~~يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون ~~هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله ~~يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو ~~كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا } [آل عمران: ~~154] هذا القول يدل على أنها طائفة تدور حول حركة واحدة، ويدل على أن ~~النفاق نفاق متفق عليه، وليس كل ms1433 واحد منهم ينافق في نفسه، لا إنها طائفة ~~المنافقين، وقد كونوا جماعة، ولهم سياسة مخصوصة، ولهم كلام مخصوص ولهم ~~وحدة فكر، ولهم وحدة قول، تعرفهم من قول الحق { وطآئفة قد ~~أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن ~~الجاهلية } [آل عمران: 154]. ونعرف أن الحق هو الشيء الثابت، وما ~~دام ثابتا فهو لا يتغير، وقضية الحق فيه تكون مطردة، فالله حق، خلق ~~السماوات والأرض، وكل الكون بالحق، أنزل كتابه بالحق، كله حق، فهم يظنون ~~بالله غير الحق مع أنه حق، ونشأ الكون منه بقانون حق، واستمرت سنن الله ~~في الكون بالحق، وهو دائما ينصر الحق، وهم يظنون بالله غير الحق، ~~يقولون: ربنا لم ينصرنا على الرغم من أنه وعدنا بالنصر، وتناسوا العناصر ~~التي جعلها الله أسبابا للنصر، إنها سنة الله وسنة الله تتحقق ولو ~~على أحبابه، لقد خالفوا أمر الرسول، فلا بد أن ينهزموا، فلا مجاملة لأحد، ~~فالذي يخالف لا بد أن يأخذ جزاءه لأن هذا هو الحق. # كان يجب أن يقولوا إن الحق واضح لدرجة أن أحبابه ومعهم رسوله حينما ~~خالفوا عن أمر الله الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم طبق الله عليهم ~~سنته إذن فهي سنة بالحق، لكنهم ظنوا بالله ظن الجاهلية، والمقصود به إما ~~ظن أهل الجاهلية وإما أن تكون الجاهلية علما على السفه كله، وهذا ~~الظن له نضح سلوكي. { يقولون هل لنا من الأمر من شيء } ~~[آل عمران: 154] أي هل انتصرنا أو ظفرنا أو غلبنا أو أخذنا غنائم؟ أو ~~يكون قولهم: { هل لنا من الأمر من شيء } [آل عمران: 154] ~~مقصودا به: أننا خرجنا إلى المعركة بدون رأينا فقد كان من رأينا ألا نخرج ~~وأن نظل في المدينة وعندما يدخلونها علينا نحاربهم. { يقولون هل ~~لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله } ~~[آل عمران: 154] هم لم يمتلكوا البصيرة الإيمانية ولم يعرفوا لماذا لم ~~ينصرهم الله، هم فهموا أنهم لم ينتصروا لكن في عرف الحق أنه انتصار ~~لماذا؟ لأن المعركة أثبتت أن المبدأ إن خولف فلا نصر، ms1434 إذن فالإسلام قد ~~انتصر، ولكن الذي انهزم هم المتخاذلون عن منهج الإسلام، وهذا نصر للإسلام ~~في ذاته. ولذلك يجب أن نفرق دائما بين المبدأ الإسلامي والمنسوبين ~~للمبدأ. إياك أن تأخذ الحكم على المبدأ من المنسوبين للمبدأ، فلا يكون ~~المنسوبون للمبدأ حجة على الحكم في ذاته إلا إذا كانوا ملتزمين به لأن ~~الله حينما شرع دينا سماه الإسلام ليحكم حركة الحياة في الناس فهو قد ~~قنن وحرم فيه أفعالا، وما دام قد قنن وحرم فيه أفعالا فمعناه أن ~~المؤمنين المسلمين الذين انتسبوا له من الممكن أن يخالفوا بأفعالهم تلك ~~الأحكام، فعندما يقرر الإسلام جلد أو رجم الزاني والزانية، وحينما يشرع ~~الإسلام قطع يد السارق أو السارقة وحين يشرع الإسلام تلك العقوبات ~~للجرائم، فمعنى ذلك أنه من الجائز أن تحدث تلك الجرائم، فإذا ما حدثت ~~فأنت لا تأخذها من واقع مجرم لتحكم به على الإسلام، لا تقل إن ~~الإسلام أباح السرقة بل قل: سرق مسلم ووضع الإسلام عقوبة صارمة عليه وهي ~~قطع يده. { يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك ~~يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ~~هاهنا } [آل عمران: 154] وهذه هي الفضيحة لهم، فماذا كانوا يريدون أن ~~يكون لهم؟ كانوا يريدون ألا يخرجوا للمعركة فقالوا: لو كان لنا من الأمر ~~شيء واتبعنا منطقنا، لما جئنا الموقعة هنا وحصل لنا ما حصل، هذه واحدة، ~~أو لو كان لنا شيء من الظفر الذي وعد الله به محمدا وأصحابه ما قتلنا ها ~~هنا، فعلى الرأيين يصح المعنى، فكأنهم أرادوا أن يعللوا القتل أو الموت ~~بأسباب، ومن الذي قال: إن القتل أو الموت يتعلق بأسباب؟ إن الموت قضية ~~تطرأ لإعدام الحياة، وهي مجهولة السبب ومجهولة الزمان ومجهولة المكان ~~ومجهولة العمر. # إذن فما دامت المسألة مجهولة فلماذا ربطتم بين القتل والموقعة؟ وهل لم ~~تروا إنسانا مات وليس في موقعة؟ ألم تروا إنسانا قد قتل وليس في ~~موقعة؟ لو أن القتل لا ينشأ إلا في مواقع قتال وحرب لكان لكم أن تقولوا ~~هذا، وإنما القتل ms1435 والموت قضية عامة لها واقع في حياتكم. هذا الواقع لم ~~يرتبط بأرض، ولم يرتبط بزمان، ولم يرتبط بسن، ولم يرتبط بسبب، وإنما ~~الموت يأتي لأنك تموت، انتهت المسألة. إذن فهم عندما ربطوا القتل والموت ~~بالموقعة فهم قد خرجوا عن القضية الإيمانية. ولذلك يأتي الرد من الحق ~~بأمر واضح للرسول صلى الله عليه وسلم: { قل لو كنتم في ~~بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم } [آل عمران: 154]. فكأنك أيها الميت قد تكون أحرص على ~~لقاء الموت من حرص الموت عليك. بدليل أننا قلنا: إن الإنسان يكون ~~مريضا، ويلح على أن تجري له عملية جراحية فيعتذر الطبيب قائلا: عندي ~~عدد كبير من الجراحات فانتظر شهرا، فيأتي له المريض بوساطة لكي يقبل ~~الطبيب إجراء العملية الجراحية ويلح عليه. ويعلى أجر الطبيب وقد يموت ~~المريض. إذن فهو يلح على الموت أو لا؟ إنه يلح على الموت. يقول الحق: { ~~لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم ~~القتل إلى مضاجعهم } [آل عمران: 154] وكلمة " برز " تدل ~~على اندفاع حركي، فمعنى: برز من الصف يعني أن الصف له التئام واقعي، ~~والذي يبرز إنما يقوم بحركة مخالفة للصف، هذه حركة. { قل لو كنتم ~~في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ~~ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور } [آل عمران: ~~154] والذي يبرز إلى المضجع هو من يخرج من مكان الاستقرار، وإلا فكيف ~~يكون الابتلاء لمن يقدر الله سبحانه أن يحملوا معركة الإسلام إلى أن تقوم ~~الساعة إذا لم تكن هذه المسائل؟ لا بد أن يكونوا قوما قد عركتهم ~~التجربة، ممحصين بالأحداث حتى لا يكون مأمونا على حمل السلاح في ~~الإسلام إلا هؤلاء الصفوة المختارة. فساعة يقول الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بالخروج، وينتهي إلى أن يخرج إلى أحد، نجد جماعة يتخاذلون بوساطة ~~ابن أبي، هذه أول تصفية، وبعد ذلك ينقسم الرماة، وهذه تصفية أخرى، فريق ~~يظل وفريق ينزل للغنائم، وبعد ذلك يشاع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قد قتل، ms1436 هذه تصفية ثالثة. { وليبتلي الله ما في صدوركم ~~وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ~~} [آل عمران: 154] وكلمة " ذات الصدور " معناها صاحبة الصدور. وفي الصدر ~~يحرص الإنسان على إخفاء الأمر الذي يحب أن يحتفظ به لنفسه بحرص كحرص ~~الصاحب على صاحبه، كأن الصدر حريص على ألا يسلم ما فيه، ولكن الله سبحانه ~~وتعالى يفضحهم أمام الناس، ويفضحهم أمام نفوسهم فقد يجوز أن يكونوا ~~مغشوشين في نفوسهم. ويقول الحق من بعد ذلك: { إن الذين ~~تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما ~~استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا... }. ### || [3.155] # وعندما نقرأ كلمة { استزلهم } [آل عمران: 155] نعرف أن الهمزة ~~والسين والتاء للطلب، تطلب ما بعدها، مثل: استفهم أي طلب الفهم، استعلم ~~يعني طلب العلم، استقوى يعني طلب القوة، و " استزل " يعني طلب ~~الزلل، ومعنى " الزلل " هو العثرة والهفوة، أي أن الإنسان يقع في ~~الغلط، إذن فالشيطان طلب أن يزلوا، { ببعض ما كسبوا } [آل ~~عمران: 155]، كأن الشيطان لا يجترئ على أن يستزل أحدا ممن آمن إلا إذا ~~صادف فيه تحللا من ناحية، لكن الذي ليس عنده تحلل لا يقوى عليه الشيطان، ~~ساعة يأتي الإنسان ويعطي لنفسه شهوة من الشهوات فالشيطان يرقمه ويضع عليه ~~علامة ويقول: هذا ضعيف، هذا نقدر أن نستزله. لكن الذي يراه لا يطاوع ~~نفسه في شيء من التحلل لا يقترب ناحيته أبدا. ولذلك فالنفس هي مطية ~~الشيطان إلى الذنوب، وفي الحديث الشريف: # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " # وعندما يرى الشيطان واحدا تغلبه نفسه في حاجة فالشيطان يقول: هذا فيه ~~أمل! وهو الذي يجري منه مجرى الدم كما سبق في الحديث، أما الملتزم الذي ~~ساعة تحدثه نفسه بشيء ويأبى فالشيطان يخاف منه، إذن فالشيطان لا يستزل ~~إلا الضعيف، ولذلك فالذي يكون ربه على ذكر منه دائما لا يجترئ عليه ~~الشيطان أبدا. إن الله - سبحانه - قد سمى الشيطان " الوسواس الخناس " ، ~~إنه يوسوس للناس، لكنه خناس فإذا ذكر الله يخنس، أي يتأخر ويختفي ~~ولكنه ينفرد بك حين يراك منعزلا عن ربك، لكن ms1437 حين تكون مع ربك فهو لا ~~يقدر عليك بل يتوارى ويمتنع عن الوسوسة إذا استعذت عليه بالله. إذن ~~فقوله: { إنما استزلهم الشيطان } [آل عمران: 155] يعني ~~طلب منهم أن يزلوا نتيجة لأنه عرف أنهم فعلوا أشياء أبدوا وأظهروا ~~فيها ضعفهم، { إنما استزلهم الشيطان ببعض ما ~~كسبوا } [آل عمران: 155] وكلمة " ببعض ما كسبوا ".. كأن قول الله { ~~ولقد عفا الله عنهم } [آل عمران: 155] أنه لم يأخذهم بكل ~~ما كسبوا لأن ربنا يعفو عن كثير. { إنما استزلهم الشيطان ~~ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله ~~غفور حليم } [آل عمران: 155]. { عفا الله عنهم } [آل ~~عمران: 155] لماذا؟ عفا عنهم تكريما لمبدأ الإسلام الذي دخلوا فيه ~~بإخلاص، ولكن نفوسهم ضعفت في شيء، فيعطيهم عقوبة في هذه ولكنه يعفو ~~عنهم فهذا هو حق الإسلام، { إن الله غفور حليم } [آل عمران: ~~155]. ويقول الحق بعد ذلك: { يأيها الذين آمنوا لا ~~تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ~~ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ~~ما ماتوا وما قتلوا... }. ### || [3.156] # والضرب في الأرض هو السعي واستنباط فضل الله في الأرض وفي سبيله لإعلاء ~~كلمته، فالذين كفروا يرتبون الموت والقتل والعمليات التي يفارق الإنسان ~~فيها الحياة على ماذا؟ على أنه ضرب في الأرض أو خرج ليقاتل في سبيل الله، ~~وقالوا: لو لم يخرجوا ما حصل لهم هذا! سنرد عليهم، ونقول لهم: كأنكم لم ~~تروا أبدا ميتا في فراشه. كأنكم لم تروا مقتولا يسقط عليه جدار، أو ~~يصول عليه جمل، أو تصيبه طلقة طائشة، هل كل من يموت أو يقتل يكون ضاربا ~~في الأرض لشيء أو خارجا للجهاد في سبيل الله؟! إذن فهذا حمق في ~~استقراء الواقع، وجاء الحق بذلك ليعطينا صورة من حكمهم على الأشياء، إنه ~~حكم غير مبني على قواعد استقرائية حقيقية. فإذا عرفنا أنهم كفروا نقول: ~~هذه طبيعتهم، لأننا نجد أن حكمهم ليس صحيحا في الأشياء الواضحة، وما دام ~~حكمهم ليس صحيحا أو حقيقيا في الجزئيات التي تحدث - فإذا عرفتم أنهم ~~كفروا فهذا كلام منطقي بالنسبة لهم ms1438 - فشأنهم أنهم لا يتثبتون في أحكامهم ~~فلا عجب - إذن - أن كانوا كافرين. { أو كانوا غزى } [آل عمران: ~~156] وغزى: جمع غاز، مثل: صوم وقوم يعني جمع: صائم وقائم. { لو ~~كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ~~ذلك حسرة في قلوبهم } [آل عمران: 156]. إذن فالله سبحانه ~~وتعالى يصور لهم ما يقولونه ليعذبهم به، كيف؟ لأنهم عندما يقولون: لو ~~كانوا عندنا لكنا منعناهم أن يخرجوا أو يقتلوا، إذن فنحن السبب. وهكذا ~~نجد أنهم كلما ذكروا قتلاهم أو موتاهم يعرفون أنهم أخطأوا، وهذه حسرة في ~~قلوبهم، ولو أنهم ردوها إلى الحق الأعلى لكان في ذلك راحة لهم ولما ~~كانوا قد أدخلوا أنفسهم في متاهة، ويحدث منهم هذا حتى نعرف غباءهم أيضا ~~فهم أغبياء في كل حركاتهم وفي استقراء الأحداث الجزئية، وأغبياء في ~~استخراج القضية الإيمانية الكلية، أغبياء في أنهم حشروا أنفسهم وأدخلوها ~~في مسألة ليست من شأنهم، فأراد ربنا سبحانه وتعالى أن يجعل ذلك حسرة ~~عليهم. { لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ~~ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم } [آل عمران: 156] ~~إن القضية الإيمانية هي { والله يحيي ويميت } [آل عمران: ~~156] أي هو الذي يهب الحياة وهو الذي يهب الموت، فلا الضرب في الأرض ~~ولا الخروج في سبيل الله هو السبب في الموت، ولذلك يقول خالد بن الوليد - ~~رضي الله عنه -: لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها وما في جسدي موضع شبر إلا ~~وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت العير - ~~أي حتف أنفه - فلا نامت أعين الجبناء. # والشاعر يقول: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى # وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟ # أي يا من تمنعني أن أحضر الحرب هل تضمن لي الخلود ودوام البقاء إذا ~~أحجمت عن القتال. ويكمل الشاعر قوله: # فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي # فدعني أبادرها بما ملكت يدي # ويختم الحق الآية بقوله: { والله بما تعملون بصير } [آل ~~عمران: 156] فكأنهم قد بلغوا من الغباء أنهم لم يستتروا حتى في المعصية، ~~ولكنهم جعلوها حركة ترى، وهذا القول ms1439 هنا أقوى من " عليم " لأن " عليم " ~~تؤدي إلى أن نفهم أنهم يملكون بعضا من حياء ويسترون الأشياء، ولكن علم ~~الله هو الذي يفضحهم. لا، هي صارت حركة واضحة بحيث تبصر. فجاء قوله: { ~~والله بما تعملون بصير } [آل عمران: 156]. ويقول الحق من ~~بعد ذلك: { ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم ~~لمغفرة... }. ### || [3.157] # والذي يحرص على ألا يخوض المعركة مخافة أن يقتل، فما الذي يرجح عنده ~~هذا العمل؟ إنه يبتغي الخير بالحياة. وما دام يبتغي الخير بالحياة، إذن ~~فحركته في الحياة في وهمه ستأتيه بخير، فهو يخشى أن يموت ويترك ذلك ~~الخير، إنه لم يمتلك بصيرة إيمانية، ونقول له: الخير في حياتك على قدر ~~حركتك: قوة وعلما وحكمة، أما تمتعك حين تلتقي بالله شهيدا فعلى قدر ما ~~عند الله من فضل ورحمة وهي عطاءات بلا حدود، إذن فأنت ضيعت على نفسك ~~الفرق بين قدرتك وحكمتك وعلمك وحركتك في الكسب وبين ما ينسب إلى ~~الله في كل ذلك، ولذلك يقول الحق: { ولئن قتلتم في سبيل ~~الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير ~~مما يجمعون } [آل عمران: 157]. وبعد ذلك يقول الحق: { ولئن ~~متم أو قتلتم لإلى... }. ### || [3.158] # ولنا أن نلحظ أن قول الحق في الآية الأولى جاء بتقديم القتل على الموت ~~قال تعالى: # ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم # [آل عمران: 157] وجاء في هذه الآية بتقديم الموت على القتل قال - جل ~~شأنه -: { ولئن متم أو قتلتم } [آل عمران: 158] فقدم ~~القتل على الموت في الآية الأولى لأنها جاءت في المقاتلين، والغالب في ~~شأنهم أن من يلقى الله منهم ويفضي إلى ربه يكون بسبب القتل أكثر مما يكون ~~بسبب الموت حتف أنفه، أما هذه الآية فقد جاءت لبيان أن مصير جميع العباد ~~ومرجعهم يوم القيامة يكون إلى الله - تعالى - وأن أكثرهم تزهق نفسه وتخرج ~~روحه من بدنه بسبب الموت، فلذا قدم الموت هنا على القتل. إذن فكل كلمة ~~وجملة جاءت مناسبة لموقعها. إنه قول الحكيم الخبير. وبعد ذلك يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { فبما ms1440 رحمة من الله لنت لهم ولو ~~كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف ~~عنهم واستغفر لهم... }. ### || [3.159] # إن الآية كما نرى تبدأ بكلام إخباري هو { فبما رحمة من ~~الله لنت لهم } [آل عمران: 159]. فكأنه - سبحانه - يريد أن يقول: ~~إن طبيعتك يا محمد طبيعة تتناسب لما يطلب منك في هذه المسألة، هم خالفوك ~~وهم لم يستجيبوا لك حينما قلت: إلي عباد الله، إلي عباد الله إني ~~رسول الله، وهذا شيء يحفظ ويغضب. ولكنه لا يحفظ طبيعتك ولا يغضب ~~سجيتك لأنك مفطور مع أمتك على الرحمة. فكأنه يريد أن يحنن رسول الله ~~على أمته التي أصابته بالغم فقال له: إياك أن تجازيها على هذا لأن طبيعتك ~~أنك رحيم، وطبيعتك أنك لست فظا، طبيعتك أنك لست غليظ القلب، فلا تخرج عن ~~طبيعتك في هذه المسألة، مثلما تأتي لواحد مثلا وتقول له: أنت طبيعة ~~أخلاقك حسنة، يعني اجعلها حسنة في هذه. { فبما رحمة من الله ~~لنت لهم } [آل عمران: 159] أي بأي رحمة أودعت فيك. ساعة تقول: بأي ~~رحمة فأنت تبهم الأمر، وعندما تبهم الشيء فكأنه شيء عظيم لأن الشيء ~~يبهم إما لأنه صغير جدا، وإما لأنه كبير جدا، فالشيء إذا كان كبيرا ~~يكون فوق المستوى الإدراكي، وإذا كان صغيرا جدا يكون دون مستوى ~~الإدراك. ولذلك فالأشياء الضخمة جدا نرى منها جانبا ولا نرى الجانب ~~الآخر، والشيء الدقيق جدا لا نراه، ولذلك يقولون: هذا الشيء نكرة، وذلك ~~يدل مرة على التعظيم ويدل مرة على التحقير، ومرة يدل على التكثير، ومرة ~~يدل على التقليل. فإن نظرت إلى أن الإدراك لا يستوعبه لضخامته إذن فهو ~~كثير، وإن رأيت أن الإدراك لا يستوعبه للطفه ودقته، وأنه ليس في ~~متناول البصر يكون قليلا أو دقيقا. إذن فقول الحق: { فبما رحمة ~~} [آل عمران: 159] أصلها هو: برحمة من الله طبعت عليها لنت لهم، و " ~~ما " لماذا جاءت هنا؟ إنك إما أن تأخذها إبهامية.. يعني بأي رحمة فوق ~~مستوى الإدراك، رحمة عظيمة. أو تقول: " فبما رحمة " أي أن " ما " تكون ~~اسما ms1441 موصولا. وكأن الحق يقول له: فبالرحمة المودعة من خالقك فيك والتي ~~تناسب مهمتك في الأمة لنت لهم، وما دامت تلك طبيعتك فلن لهم في ~~هذا الأمر واعف عنهم واستغفر لهم. وهذه الآية جاءت عقب أحداث حدثت في ~~أحد: الحدث الأول: أنه صلى الله عليه وسلم رأى ألا يخرج إلى قتال قريش ~~خارج المدينة بل يظل في المدينة، فأشار عليه المحبون للشهادة والمحبون ~~للقتال والمحبون للتعويض عما فاتهم من شرف القتال في " بدر " أن يخرج ~~إليهم، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رأيهم، ولبس لأمته، فلما ~~أحسوا أنهم أشاروا على رسول الله بما يخالف ما كان قد بدر منه، تراجعوا ~~وقالوا: يا رسول الله إن رأيت ألا نخرج، فقال: # " ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل " # فما دام قد استعد للحرب انتهى الأمر، هذه أول مسألة وهي مسألة المشورة. ~~وبعد ذلك تخلف ابن أبي بثلث الجيش وهذه مسألة ثانية، أما المسألة ~~الثالثة فهي مخالفة الرماة أمره صلى الله عليه وسلم وتركهم مواقعهم ~~على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم قد حذرهم من ذلك وقال لعبد الله بن ~~جبير الذي أمره على الرماة: " أنضح عنا الخيل بالنبل، لا يأتونا من ~~خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك " ، ولكنهم ~~خالفوا عن أمر رسول الله. والمسألة الرابعة هي: فرارهم حينما قيل: قتل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسألة الخامسة: أنه حين كان يدعوهم ~~فروا لا يلوون على شيء. كل تلك أحداث كادت تترك في نفسه صلى الله عليه ~~وسلم آثارا، فكأن الله سبحانه وتعالى يقول: أنا طبعتك على رحمة تتسع لكل ~~هذه الهفوات، والرحمة مني، وما دامت الرحمة موهوبة مني فلا بد أني جعلت ~~فيك طاقة تتحمل كل مخالفة من أمتك ومن أتباعك. ولا تظن أنك قد أرسلت إلى ~~ملائكة، إنما أرسلت إلى بشر، والبشر خطاءون، البشر من الأغيار، فلهذا ~~اجعل المسألة درسا، وأنا فطرتك على الرحمة، وأنت بذاتك طلبت مني كثيرا ms1442 ~~من الخير لأمتك، ومن رحمته أن جبريل نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث الله إليك ملك ~~الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال فسلم على ثم قال: ~~يا محمد إن الله قد بعثني إليك وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ ~~إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ~~". # فأنا أطلب منك الرحمة التي أودعتها في قلبك فاستعملتها في كل مجال، ~~وبهذه الرحمة لنت لهم، وبهذه الرحمة التفوا حولك، التفوا حولك لأدبك ~~الجم، ولتواضعك الوافر، لجمال خلقك، لبسمتك الحانية، لنظرتك المواسية، ~~لتقديرك لظرف كل واحد حتى إنك إذا وضع أي واحد منهم يده في يدك لم تسحب ~~يدك أنت حتى يسحبها هو، خلق عال، كل ذلك أنا أجعله حيثية لتتنازل عن ~~كل تلك الهفوات وليسعها خلقك وليسعها حلمك، لأنك في دور التربية ~~والتأديب. والتربية والتأديب لا تقتضي أن تغضب لأي بادرة تبدر منهم، وإلا ~~ما كنت مربيا ولا مؤدبا. { ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك } [آل عمران: 159] لماذا؟ لأنك تخرجهم عما ~~ألفوا من أمور الجاهلية. # والذي يخرج واحدا عما ألف لا يصح أن يجمع عليه إخراجه عما اعتاد ~~بالأسلوب الخشن الفظ لأنه في حاجة إلى التودد وإلى الرحمة، لا تجمع عليه ~~بين أمرين تقبيح فعله، وإخراجه عما ألف واعتاد، ولذلك يقولون للذي ينصح ~~إنسانا، النصح ثقيل لأن النصح معناه تجريم الفعل في المنصوح، فعندما ~~تقول لواحد: لا تفعل هذا، ما معناها؟ معناها أن هذا الفعل سيء، فما دمت ~~تجرم فعله فلا تجمع عليه أمرين، إنك قبحت فعله وأخرجته مما ألف، ~~وبعد ذلك تنصحه بما يكره لا، إنه في حاجة إلى ملاطفة وملاينة لتستل منه ~~الخصال القبيحة، نحن نستعمل ذلك في ذوات أنفسنا حين نجد مرضا يحتاج إلى ~~علاج مر، فنغلف العلاج المر في ms1443 غلاف من السكر بحيث يمر من منطقة الذوق ~~بلا ألم أو نغص، حتى ينزل في المنطقة التي لا تحس بهذه المرارة لأن ~~الإحساس كله في الفم. فإذا كنتم تفعلون ذلك في الأمور المادية، فلا بد ~~إذن أن نطبق ذلك أيضا في الأمور المعنوية، ولأن النصح ثقيل فلا تجعله ~~جدلا ولا ترسله جبلا، وخفة البيان تؤدي عنك بدون إثارة أو استثارة، ~~وبلطف يحمل على التقبل.. بهذا تصل إلى ما تريد، ومثال ذلك حكاية الملك ~~الذي رأى في منامه أن أسنانه كلها وقعت، فجاء للمعبر ليعبر، فقال له: ~~أهلك جميعا يموتون، التعبير لم يسر منه الملك، فذهب لواحد آخر فقال له: ~~ستكون أطول أهل بيتك عمرا، إنه التعبير نفسه، فما دام أطول أهل بيته ~~عمرا، إذن فسيموتون قبله، هي هي، ولذلك قالوا: الحقائق مرة فاستعيروا لها ~~خفة البيان. { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا ~~من حولك } [آل عمران: 159] إذن فبالرحمة لنت لهم وبلين القول ~~تبعوك وألفوك وأحبوك. و " الفظ " هو: ماء الكرش، والإبل عندما تجد ماء ~~فهي تشرب ما يكفيها مدة طويلة، ثم بعد ذلك عندما لا تجد ماء فهي تجتر من ~~الماء المخزون في كرشها وتشرب منه، في موقعة من المواقع لم يجدوا ماء ~~فذبحوا الإبل وأخذوا الماء من كرشها، الماء من كرش الإبل يكون غير مستساغ ~~الطعم، هذا معنى " الفظ " ، ونظرا لأن هذا يورث غضاضة فسموا: " خشونة ~~القول " فظاظة، والغلظ في القلب هو ما ينشأ عنه الخشونة في الألفاظ. { ~~ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ~~[آل عمران: 159]. إنها رحمة طبعت عليها يا رسول الله من الحق الذي ~~أرسلك. وبالرحمة لنت لهم وظهر أثر ذلك في إقبالهم عليك وحبهم لك لأنك ~~لو كنت على نقيض ذلك لما وجدت أحدا حولك. إذن فالسوابق تثبت أن هذه هي ~~طباعك، وخلقك، هو الرحمة واللين. # وبعد ذلك اعف عنهم، وقلنا: إن " العفو " هو: محو الذنب محوا تاما ~~وهو يختلف عن كظم الغيظ لأن كظم الغيظ يعني أن تكون المسألة موجودة في ~~نفسك أيضا ms1444 إلا أنك لا تعاقب عليها لأنك كففت جوارحك وصنت لسانك، أما ~~المسألة فما زالت في نفسك، لكن العفو هو أن تمحو المسألة كلها نهائيا، ~~وتأكيدا لذلك العفو فأنت قد تقول: أنا من ناحيتي عفوت. لا. المسألة لا ~~تتعلق بك وحدك لأنك رسول من الله، أنت وراءك إله يغار عليك، فلا يكفي أن ~~تعفو عنهم. بل لا بد أن تستغفر الله لهم أيضا، فمن الممكن أن يعفو صاحب ~~الذنب، ولكن ربي ورب صاحب الذنب لا يعفو، فيوضح الحق: أنت عفوت فهذا من ~~عندك لكنه يطلب منك أن تستغفر لأجلهم. كي لا يعذبهم الله عما بدر منهم ~~نحوك. { فاعف عنهم } [آل عمران: 159] هذه خاصة بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم.. { واستغفر لهم } [آل عمران: 159] بسبب ما فعلوه، ~~وترتب عليه ما ترتب من هزيمتكم في " أحد " ، وشجك وجرحك، ولا تقل: ~~استشرتهم وطاوعتهم في المشورة، وبعد ذلك حدث ما حدث، فتكره أن تشاورهم، ~~لا تقفل هذا الباب برغم ما حدث نتيجة تلك المشورة وأنها لم تكن في صالح ~~المعركة، فالعبرة في هذه المشقة هي أن تكون " أحد " معركة التأديب، ~~ومعركة التهذيب، ومعركة التمحيص، إذن فلا ترتب عليها أن تكره المشورة، ~~بل عليك أن تشاورهم دائما، فما دام العفو قد رضيت به نفسك، وما دمت ~~تستغفر لهم ربك، واستغفارك ربك قد تستغفره بعيدا عنهم، وعندما تشاورهم ~~في أي أمر من بعد ذلك فكأن المسألة الأولى انتهت، وما دامت المسألة ~~الأولى قد انتهت، فقد استأنفنا صفحة جديدة، وأخذنا الدرس والعظة التي ~~ستنفعنا في أشياء كثيرة بعد ذلك. ولذلك تجد بعد هذه المعركة أن الأمور ~~سارت سيرها المنتصر دائما لأن التجربة والتعليم والتدريب قد أثر وأثمر، ~~لدرجة أن سيدنا أبا بكر - رضي الله عنه - عندما جاءت حروب الردة، ماذا ~~صنع؟ شاور أصحابه، فقال له بعضهم: لا تفعل. فهل سمع مشورتهم؟ لا. لم يسمع ~~مشورتهم، إنما شاورهم. فلإنفاد المشورة حكم، ولرد المشورة حكم، المهم ~~أن تحدث المشورة ونعمل بأفضل الأراء فالمشورة: تلقيح الرأي بآراء متعددة، ~~ولذلك يقول الشاعر: # شاور ms1445 سواك إذا نابتك نائبة # يوما وإن كنت من أهل المشورات # لقد اهتدى الشاعر إلى كيفية تقريب المعنى لنا، فعلى الرغم من أن الإنسان ~~قد يكون من أهل المشورة والناس تأخذ برأيه، فعليه أن يسأل الناس الرأي ~~والمشورة، لماذا؟ ها هو ذا الشاعر يكمل النصيحة: # فالعين تنظر منها مادنا ونأى # ولا ترى نفسها إلا بمرآة # إن العين ترى الشيء القريب والشيء البعيد، لكن هذه العين نفسها تعجز عن ~~رؤية نفسها إلا بمرآة، وكذلك شأن المسألة الخاصة بغيرك والتي تعرض عليك، ~~إن عقلك ينظر فيها باستواء ودون انفعال لأنه لا هوى لك، والحق هو الذي ~~يجذبك. # لكن مسائلك الخاصة قد يدخل فيها هواك ويحليها لك ويحسنها. إذن ~~فالمشورة في أحد كانت نتيجتها كما علمتم، وكأن الله يقول لرسوله: إياك ~~أن تأخذ من سابقة المشورة أن المشورة لا تنفع، فتقاطعهم ولا تشاورهم لأنك ~~لن تظل حيا فيهم، وسيأتي وقت يحكمهم بشر مثلهم، وما دام يحكمهم بشر ~~مثلهم فلا تحرمه أن يأخذ آراء غيره، وعندما يأخذ الآراء وتكون أمامه آراء ~~متعددة فهو يستطيع أن يتوصل إلى الحكم الصحيح بحكم الولاية وبحكم أنه ~~الإمام، ويستطيع أن يفاضل ويقول: هذه كذا وهذه كذا، إلا أن يفوض غيره. { ~~وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ~~} [آل عمران: 159] وقد عزم رسول الله أيضا على الحرب ولبس لأمته، أكان ~~يلبس اللأمة - وهي عدة الحرب - وبعد ذلك يقولون له: لا تخرج فيدعها؟ لا ~~فالمسألة لا تحتمل التردد. { فإذا عزمت فتوكل على الله ~~} [آل عمران: 159] وهذه فائدة الإيمان، وفائدة الإيمان: أن الجوارح تعمل ~~والقلوب تتوكل، معادلة جميلة! الجوارح تقول: نزرع، نحرث، نأتي بالبذر ~~الجيد، نروي، نضع سمادا ونفترض أن الصقيع قد يأتي ونخشى على النبات منه ~~فنأتي بقش ونحوه ونغطيه، كل هذه عمل الجوارح. وبعد ذلك القلوب تتوكل. ~~فإياك أن تقول: المحصول آت آت لأنني أحسنت أسبابي، لا. لأن فوق الأسباب ~~مسببها. فالجوارح تعمل والقلوب تتوكل، هذه فائدة الإيمان لأنني مؤمن ~~بإله له طلاقة القدرة، يخلق بأسباب ويخلق بغير أسباب. ms1446 الأسباب لك يا بشر، ~~أما الذي فوق الأسباب فهو لله، فأنت حين تعمل أخذت بالأسباب، وحين تتوكل ~~ضمنت المسبب وهو الله - سبحانه -. إذن فالجوارح تعمل والقلوب تتوكل. إياك ~~أن تظن أن التوكل يعني أن تترك الجوارح بلا عمل، لا، فهذا هو التواكل أو ~~الكسل، إنه التوكل الكاذب، والدليل على كذب من يقول ذلك أنه يحب أن يتوكل ~~فيما فيه مشقة، والسهل لا يتوكل فيه، ونقول للرجل الذي يدعي أنه يتوكل ~~ولا يعمل: أنت لست متوكلا، ولو كنت صادقا في التوكل إياك أن تمد يدك ~~إلى لقمة وتضعها في فمك. كن متوكلا كما تدعي، ودع التوكل يضع لك اللقمة ~~في فمك واترك التوكل ليمضغها لك! وطبعا لن يفعل ذلك، ولهذا نقول له ~~أيضا: إن ادعاءك التوكل هو بلادة حس إيماني وليس توكلا. إن الحق سبحانه ~~وتعالى يقول: { واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا ~~عزمت فتوكل على الله } [آل عمران: 159] و " عزمت " تقتضي ~~عزيمة، والتوكل يقتضي إظهار عجز، فمعنى أني أتوكل على الله أنني استنفدت ~~أسبابي، ولذلك أرجع إلى من عنده قدرة وليس عنده عجز، وهذا هو التوكل ~~المطلق. # وفي حياتنا اليومية نسمع من يقول: أنا وكلت فلانا، أي أنني لا أقدر على ~~هذا الأمر فوكلت فلانا. ومعنى توكيله لفلان أنه قد أظهر عجزه عن هذا ~~الأمر. ولهذا ذهب إلى غير عاجز. كذلك التوكل الإيماني، فالتوكل معناه: ~~تسليمك زمام أمورك إلى الحق ثقة بحسن تدبيره، ومن تدبيره أن أعطاك ~~الأسباب فلا ترد يد الله الممدودة بالأسباب ثم تقول له اعمل لي يارب ~~لأننا قلنا في سورة الفاتحة: إن الإنسان يدعو قائلا: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. ومعنى " نستعين " أي نطلب منك المعونة التي نتقن بها ~~العمل. وبعد ذلك يقول الحق: { إن ينصركم الله فلا غالب ~~لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من ~~بعده... }. ### || [3.160] # الحق يقول هنا: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } [آل ~~عمران: 160]، المؤمنون بمن؟ بالله.. وما داموا مؤمنين به فمن إيمانهم به ~~أنه إله قادر حكيم عالم بالمصلحة، ولا يوجد ms1447 أحسن من أنك توكله. وعندما ~~نقرأ { إن ينصركم الله فلا غالب لكم } [آل عمران: 160] ~~فقد نسأل: وما هو المقابل؟ المقابل هو { وإن يخذلكم فمن ذا ~~الذي ينصركم من بعده } [آل عمران: 160]. إذن فأنت دخلت ~~بالأسباب التي قالها الحق سبحانه وتعالى مؤتمرا بأمر القيادة السماوية ~~التي مثلت في الرسول المبلغ عن الله، وقد أخذت عدتك على قدر استطاعتك، ~~إياك أن تقارن عددك بعدد خصمك أو تقارن عدتك بعدة خصمك فالله لا ~~يكلفك أن تقابل العدد بالعدد ولا العدة بالعدة، وإنما قال: أنت تعد ما ~~استطعته، لماذا؟ لأن الله يريد أن يصحب ركب الإيمان معونة المؤمن به لأنه ~~لو كانت المسائل قدر بعضها، لكانت قوة لقوة. لكن الله يريد أن يكون العدد ~~قليلا وتكون العدة أقل وأن نعترف ونقول: هذا ما قدرنا عليه يارب. وما ~~دام هو الذي قدرنا عليه، فتكون هذه هي الأسباب التي مكنتنا منها، ونثق ~~بأنك يارب ستضع مع العدد القليل مددا من عندك، فأنت المعين الأعلى، ~~فسبحانك القائل: # ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم # [محمد: 11]. والحق هنا يقول: { إن ينصركم الله فلا غالب ~~لكم } [آل عمران: 160] فأنت تضمن نصر الله لك إن كنت قد دخلت على أن ~~تنصره. كيف نعرف أننا ننصر الله؟ نعرف ذلك عندما تأتي النتيجة بنصرنا، ~~لأنه سبحانه لا يعطي قضية في الكون وبعد ذلك يأتي بالواقع ليكذبها، وإلا ~~فالمسلمون يكونون قد انخدعوا - معاذ الله - لأنه لو جاء الدين بقضية ثم ~~يأتي الواقع ليكذبها، فلا بد أن يقولوا: إن الواقع كذب تلك القضية. لكن ~~الحق قال: { إن تنصروا الله ينصركم } [آل عمران: 160] ويجيء ~~الواقع مؤكدا لهذه القضية، عندئذ نحن لا نصدق في هذه القضية فقط، بل ~~نصدق كل ما غاب عنا، فعندما تظهر جزئية مادية واقعة محسوسة لتثبت لي ~~صدق القرآن في قضية فأنا لا أكتفي بهذه القضية، بل أقول: وكل ما لا أعلمه ~~داخل في إطار هذه القضية. ولذلك قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى ترك بعض ~~أسراره في كونه، ms1448 وهذه الأسرار التي تركها في كونه هي أسرار لا تؤدي ~~ضرورات إن عرفناها فنحن ننتفع بها قليلا في الكماليات، ويترك الحق بعض ~~الأسرار في الكون إلى العقول لتستنبطها، فالشيء الذي كان العقل يقف فيه ~~قديما يصبح باكتشاف أسرار الله مقبولا ومعقولا، كأن الشيء الذي وقف ~~فيه العقل سابقا أثبتت الأيام أنه حق، إذن فما لا يعرف من الأشياء ~~يؤخذ بهذه القضية أو بما أخذ من الغير. # يقولون - مثلا- اكتشف الميكروب على يد " باستير " ، لكن ألم يكن ~~الميكروب موجودا قبل " باستير "؟ كان الميكروب موجودا، ولم يكن أحد ~~يراه لأن الشيء إذا دق ولطف لا نقدر أن ندركه فليس عندنا الآلة التي ~~تدركه، ولم نكن قد اخترعنا المجهر الذي يكبر الأشياء الدقيقة آلاف ~~المرات. وكذلك اخترع الناس التلسكوب، فبعد أن كان الشيء لا يرى لبعده، ~~أصبح يرى بوساطة التلسكوب، وإن كان الشيء ضئيلا جدا ولا نراه. فقد ~~استطعنا أن نراه بوساطة المجهر المسمى " الميكروسكوب ". و " التلسكوب " ~~يقرب البعيد و " الميكروسكوب " يكبر الصغير فنرى له حركة وحياة، ونجد له ~~مجالا يسبح فيه، وهذا جعلني إذا حدثني القرآن أن لله خلقا غاب عن الحس ~~لا يدرك من جن وملائكة، فلا أكذب ذلك، لأن هناك أشياء كانت موجودة ولم ~~تدخل تحت حسى ولا إدراكي مع أنها من مادتي، فإذا كانت الأشياء الأخرى من ~~مادة أخرى مثل الملائكة من نور، أو الجن من النار، ويقول لي سبحانه إنهم ~~مخلوقون وموجودون فأنا لا أكذب ما جاء عن الحق لأن هناك أشياء من جنسي ~~كانت موجودة ولم أستطع أن أراها. إذن فهذه قربت لي المسألة، فعندما يقول ~~الحق: { إن ينصركم الله فلا غالب لكم } [آل عمران: 160] ~~فنحن نعرف أن نصر الله مترتب على أن تدخل المعركة وأنت تريد أن تنصر ~~الله، وتنصره بماذا؟ بأنك تحقق كلمته وتجعلها هي العليا، وليس هذا فقط هو ~~المطلوب، بل لتجعل - أيضا - كلمة الذين كفروا السفلى. { وإن ~~يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده } [آل عمران: ~~160] إنه في ظاهر الأمر يكون معنا، لكننا نشعر ms1449 أنه تخلى عنا، لماذا؟ ~~لأننا نترك بعضا من تعاليم الله، إذن فهو في المظهر العام معكم كمسلمين، ~~ومن معيته لكم أن يؤدبكم على المخالفة فيخذلكم عندما تخالفون عن أمره. ~~ويختم الحق سبحانه الآية بقوله: { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } [آل عمران: 160] وفي الآية السابقة قال سبحانه: # إن الله يحب المتوكلين # [آل عمران: 159]، والذي لا يتوكل على الله عليه أن يراجع إيمانه. وبعد ~~ذلك يقول الحق سبحانه: { وما كان لنبي أن يغل ومن ~~يغلل يأت بما... }. ### || [3.161] # ما معنى " يغل "؟ أولا: " الغلول " هو الأخذ في الخفاء. وهو مأخوذ من ~~" أغل الجازر " - أي الجزار - أي عندما يسلخ الجلد يأخذ بعض اللحم مع ~~الجلد، ثم يطوي الجلد مخفيا ما أخذه من اللحم، هذا هو الأصل، وأطلق ~~شرعا على الخيانة في الغنائم، ففي هول المعارك قد يجد المقاتل شيئا ~~ثمينا فيأخذ هذا الشيء خفية، وهذا اسمه " الغلول " ، وأيضا كلمة " ~~الغل في الصدور " أي إخفاء الكراهية، وكل المادة إخفاء. والحق يقول: { ~~وما كان لنبي أن يغل } [آل عمران: 161] لماذا؟ لأن من ~~الجائز أن الرماة - في غزوة أحد - ساعة رأوا الغنائم أقبلوا عليها لأن ~~غنائم بدر لم تكن قد قسمت بين كل من اشتركوا في القتال، فالذي كان يعثر ~~على غنيمة كان يأخذها، وكانت بدر أول معركة، وكان الهدف من ذلك تشجيع ~~المقاتلين. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم: قد قال: # " من قتل قتيلا فله سلبه ". # وظن المقاتلون في أحد أن المسألة ستكون مثل بدر، وظن البعض أن الرسول ~~لن يعطيهم غنائم، فيوضح الحق سبحانه وتعالى: بأن هذه مسألة وتلك مسألة ~~أخرى، فمن يفعل مثل هذا يكون قد غل. وساعة تسمع: { وما كان ~~لنبي أن يغل } [آل عمران: 161] أي أن من طبعه صلى الله عليه ~~وسلم ومن فطرته وسجيته ألا يتأتى ذلك منه أبدا، لكن من الجائز أن يحدث ~~مثل ذلك من واحد من أمته، إذن فهناك فرق بين امتناع المؤمن أن يكون ~~غالا، أي يأخذ لنفسه شيئا من الغنيمة، وامتناع الرسول أن يكون غالا، ~~لأن طبعه ms1450 وسجيته لا تستقيم مع هذه، لكن الأمر يختلف مع المقاتلين فمن ~~الممكن أن يكون أحدهم كذلك، فسيدنا عمر في معركة الفرس، حينما جاء جماعة ~~بتاج كسرى، والتاج فيه كل النفائس وتلك سمة عظمة الملوك، فقال الفاروق ~~عمر: إن قوما أدوا إلى أميرهم هذا لأمناء. فقد كان من الممكن أنهم ~~يخفونه. { وما كان لنبي أن يغل } [آل عمران: 161] وساعة ~~تسمع " وما كان " أي: وما ينبغي ولا يصح أن يكون ذلك الأمر، وبعد ذلك ~~يأتي بالحكم العام فيمكن أن يحدث غلول من أحد فيقول: { ومن يغلل ~~يأت بما غل يوم القيامة } [آل عمران: 161] فالذي غل في ~~حاجة وخان فيها يأتي بها يوم القيامة كما صورها الرسول صلى الله عليه ~~وسلم: # " والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حلة إلا لقي الله يحمله يوم ~~القيامة، فلا أعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة ~~لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه يقول: اللهم ~~قد بلغت ". # إن من يأخذ حراما في خفية يأتي يوم القيامة وهو يحمل البعير أو البقرة ~~أو الشاة مثلا. وآه لو كان ما أخذه حمارا فله نهيق!! فإذا كان سيأتي ~~بما غل يوم القيامة - فالذي أخذه سيفضحه - ولذلك تسمى " الفاضحة " ، و " ~~الطامة ". إذن فمن الممكن في الدنيا أن يأخذها خفية ويغل. لكن سيأتي في ~~يوم القيامة وهو يحمل ما أخذه على ظهره، ثم يقول مناديا رسول الله: يا ~~محمد.. يا محمد، لأن كل مسلم قد علم واطمأن إلى أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رءوف ورحيم وأنه لن يرضى بهذه الحكاية، لكن رسول الله أبلغ عن ~~عقاب من يفعل ذلك في حياته، وعلى كل المؤمنين به ألا يفكروا في الغلول ~~وأخذ الغنيمة خفية. ولماذا تكون الغنيمة في الحرب شرا؟ لأن المقاتل يعيش ~~أثناء القتال في مهمة أن تكون كلمة الله هي العليا فكيف يرضى لنفسه بهذه ~~المهانة وهي إخفاء الغنيمة؟ إنه يحارب من أجل أن تكون كلمة الله هي ~~العليا، ويجب ms1451 أن يكون في مستوى ذلك. وبعد ذلك يأتي الحق بالقضية العامة: ~~{ ثم توفى كل نفس ما كسبت } [آل عمران: 161]، وهي ~~تشمل الغلول في الغنيمة والغلول في غير الغنيمة، ولنتصور هذه بالنسبة لكل ~~من يخون أمانة أؤتمن عليها، وأنه سيأتي يوم القيامة يحمل عمارة - مثلا - ~~لأنه بناها بغير أمانة أو يحمل أطنانا من سمك لأنه سرقها، أو يحمل ~~أطنانا من الجبن الفاسد التي استوردها. فكل من سرق شيئا سيأتي يوم ~~القيامة وهو يحمله، وإذا كنا نشهد أن الناس لا تطيق أن تفضح بين الخلق، ~~والخلق محدودون لأنهم المعاصرون، فما بالك بالفضيحة التي ستكون لعموم ~~الخلق من أول آدم إلى أن تقوم الساعة. إذن فعلى كل إنسان أن يحرس نفسه ~~لأن المسألة ستنفضح. { ومن يغلل يأت بما غل يوم ~~القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون } [آل عمران: 161] وما دام سبحانه سيوفى كل نفس ما كسبت فكل ~~سيأخذ قدر ما فعل، فلا ظلم، فلو ترك الأمر بلا حساب لكان هذا هو الظلم ~~وحاشا لله أن يظلم أحدا، وبعد تلك التهيئة والإيضاح يقول سبحانه: { ~~أفمن اتبع رضوان الله كمن بآء بسخط من ~~الله... }. ### || [3.162] # والحق سبحانه وتعالى حين يطرح بعض القضايا طرح الاستفهام، فهو يطرحها لا ~~ليعلم هو فهو عالم، ولكن ليستنطق السامع، ونطق السامع حجة فوق خبر ~~المخبر، فلو قال: إن الذي يتبع رضوان الله لا يساوي من ذهب إلى سخط الله ~~لكان ذلك إخبارا منه وهو صادق فيما يقول، لكنه سبحانه يريد أن يستنطق ~~عباده بالقضية، { أفمن اتبع رضوان الله كمن بآء } [آل ~~عمران: 162] " باء " أي: رجع { بسخط من الله } [آل عمران: ~~162]. لا شك أن كل من يسمع عن الفاروق بين اتباع الرضوان، أو الرجوع ~~بالسخط يقول: إن اتباع الرضوان يرفع درجة الإنسان، والذي يبوء بالسخط ~~يهبط إلى درك الخسران، فالقضية قالها السامع.. فكأن الحق يستنطقنا ~~بالقضية لتكون حجة علينا، والذي يتبع رضوان الله بالطاعة، أيساويه من ~~يرجع إلى سخط الله بالمعصية؟! أفمن يتبع رضوان الله فلا يغل ms1452 في الغنيمة ~~ولا يختان في الأمانة كمن غل في الغنيمة وخان في الأمانة؟ أفمن اتبع ~~رضوان الله بأن استمع لأوامر الله حين استنفره لجهاد العدو، كمن لم يذهب ~~لنداء الله ليكون في جند الله مقاتلا لعدو الله، لا فالذي لا يستجيب ~~لنداء الله هو من يبوء بسخط الله. و " السخط " هو: إظهار التقبيح، لكن ~~إظهار التقبيح قد لا يؤثر في أناس غليظي الإحساس، لا تنفع فيهم اللعنة أو ~~الشتائم لذلك جاء سبحانه بالحكم: { ومأواه جهنم وبئس ~~المصير } [آل عمران: 162] و " مأواه " أي المكان الذي يأوي ويرجع ~~إليه هو جهنم وبئس المصير. وبعد ذلك يقول الحق: { هم درجات عند ~~الله... }. ### || [3.163] # { هم درجات } [آل عمران: 163] أي ينزلون في الآخرة منازل على قدر ~~أعمالهم، فكما ترى الدرجات موصلة إلى المراقي العالية كذلك في الآخرة كل ~~إنسان محاسب بعمله، ويأخذ عليه درجة، ولنا أن نلحظ أن الحق يستخدم كلمة ~~" درجات " بالنسبة للجنة لأن فيها منازل ورتبا، أما فيما يتعلق بالنار، ~~فيأتي لفظ " دركات " ، فالدركة تنزل، والدرجة ترفع. { هم درجات ~~عند الله } [آل عمران: 163] فالله هو العادل الذي ينظر لخلقه جميعا ~~على أنهم خلقه، فلا يعادي أحدا، إنه يحكم القضية في هذه المسألة سواء ~~أكانت لهم أم كانت عليهم، وبعد ذلك يردفها - سبحانه بقوله: { والله ~~بصير بما يعملون } [آل عمران: 163] ليطمئن هؤلاء على أن الله ~~بصير بما يعملون فلن يضيع عنده عمل حسن، ولن تهدر عنده سيئة بدرت منهم. { ~~والله بصير بما يعملون } [آل عمران: 163]. ونحن نسمع كلمة " ~~يعمل " وكلمة " يفعل " وكلمة " يقول " ، والعمل أهم الأحداث، لأن العمل ~~هو تعلق الجارحة بما نيطت به، فالقلب جارحة عملها النية، واللسان جارحة ~~عملها القول، والأذن جارحة وعملها الاستماع، والعين جارحة وعملها أن ~~تنظر. إذن فكل جارحة من الجوارح لها حدث تنشئه لتؤدي مهمتها في الكائن ~~الإنساني، إذن فكل أداء مهمة من جارحة يقال له: " عمل ". لكن " الفعل ~~" هو تعلق كل جارحة غير اللسان بالحدث، أما تعلق اللسان فيكون قولا ~~ومقابله فعل، إذن ففيه قول وفيه فعل ms1453 وكلاهما " عمل " إذن فالعمل يشمل ~~ويضم القول والفعل معا لأن العمل هو شغل الجارحة بالحدث المطلوب منها، ~~لكن الفعل هو: شغل جارحة غير اللسان بالعمل المطلوب منها، وشغل اللسان ~~بمهمته يسمى: قولا ولا يسمى فعلا، لماذا؟ لأن الإنسان يتكلم كثيرا، ~~لكن أن يحمل نفسه على أن يعمل ما يتكلمه فهذه عملية أخرى، ولذلك يقول ~~الحق: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2-3]. إذن فالقول مقابله الفعل، والكل عمل { والله بصير ~~بما يعملون } [آل عمران: 163] قولا أو فعلا وبعد ذلك يقول الحق ~~سبحانه: { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ~~ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة... }. ### || [3.164] # والذي يمن على الآخر هو الذي يعطيه عطية يحتاج إليها هذا الآخذ، فكأن ~~الحق يقول: وهل أنا في حاجة إلى إيمانكم؟ وفي حاجة إلى إسلامكم؟ أصفة من ~~صفاتي معطلة حتى تأتوا أنتم لتكملوها لي؟ لا، إذن فحين أبعث لكم رسولا ~~رحيما بكم، فالمنة تكون لي وحدي. { لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم } [آل ~~عمران: 164]. أكان يبعثه ملكا؟ لا. بل بعثه من البشرية كي تكون الأسوة ~~فيه معقولة. فعندما يقول لكل مسلم افعل مثلي، فالمسلم عليه أن يطبق ما ~~يأمره به الرسول، لكن لو كان ملكا أكانت تنفع فيه الأسوة؟ لا، فقد ~~يقول لك: افعل مثلي، فتقول له: لا أقدر لأنك ملك، ومن يدعي الألوهية ~~لرسول، فهو ينفي عنه الأسوة لأنه عندما يقول: كن مثلي، يمكنك أن تقول: ~~وهل نقدر؟ أنت طبيعتك مختلفة، فهل نصل لذلك؟! لا نقدر، ولذلك فالذين ~~يقولون بألوهية رسول، إنما يفقدون الأسوة فيه، والمفهوم في الرسول أن ~~يكون أسوة سلوكية، وأن يكون مبلغا عن الله منهجه، وأن يعلن بشريته ~~ويقول: أنا بشر وأستطيع أن أمثل وأطبق المنهج. إذن فهو أسوة سلوكية ~~تطبيقية. والرسول مبعوث للكل، فلماذا كانت المنة على من آمن فقط!؟ لأنه ~~هو الذي انتفع بهذه الحكاية، لكن ms1454 الباقين أهدروا حقهم في الأسوة ولذلك ~~تكون المنة على من آمن. { لقد من الله على المؤمنين } ~~[آل عمران: 164] وما هي المنة؟ المن: الأصل فيه أنه القطع، لكن حين ~~نسمعها نجدها تستعمل في أشياء متقابلة، فمثلا: المن هو العطاء بلا ~~مقابل، والمن هو: تكدير النعمة بالتحدث بها، مثل قوله تعالى: # الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا ~~يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 262]. إذن فالمن الذي نحن بصدده هو العطاء بلا مقابل، ولكن ~~المن قد استعمل في تكدير النعمة بكثرة الكلام فيها، فقد يقول الإنسان لمن ~~يمن عليه: لا أريد النعمة التي تتكلم عنها دائما، إذن فالمن استعمل في ~~النعمة وفي تكدير النعمة، تقول: من على فلان إذ أنقذني من ضيق كنت ~~فيه، ويقال: فلان ليس فيه منة، أي ليس فيه قوة، وكلها تدور في معنى ~~القطع، فإذا استعمل في النعمة والعطاء نقول: نعم فيها قطع لأن النعمة ~~جاءت لتقطع الحاجة، فيه حاجة ثم جاء عطاء، والعطاء قطع الحاجة. فاستعملت ~~في معناها. فإذا جاءت نعمة بعد حاجة والحاجة انقطعت بالنعمة فلا بد أن ~~تأتي بفعل بعدها وهو أن تشكر من أنعم عليك، وخصوصا أنه الله، فالمن يقطع ~~الشكر لأنك إن مننت بالنعمة وأظهرت تفضلك بها على من أسديتها إليه فقد ~~تسببت في أن الآخذ لا يشكرك بل إنه يتضايق من نعمتك وقد يردها عليك. # فإذن: هنا قطع للشكر، فإن قطعت حاجة محتاج فهذا يسمى " نعمة " وإن فخرت ~~بنعمتك عليه حتى كدرتها فقد قطعت ومنعت شكره لك، وهذا يسمى " منا " أي ~~أذى لأنه يؤذي مشاعر وإحساس الآخذ. وإن قطعت مطلقا اختصت باسم " ~~المنة " ، يقولون: فلان لا منة فيه أي لا قوة عنده تقطع في الأمور، ~~وهنا يقول: { لقد من الله على المؤمنين } و " من " ~~هنا بمعنى أعطى نعمة، والنعمة في الدنيا تعطيك على قدر دنياك، و " منة " ~~الله برسوله صلى الله عليه وسلم تعطيني عطاء على قدر الدنيا وعلى امتداد ms1455 ~~الآخرة، فتكون هذه منة كبيرة. { لقد من الله على المؤمنين ~~إذ } [آل عمران: 164]، و " إذ " يعني ساعة أي حين بعث فيهم رسولا ~~منهم فقد عمل فيهم منة وقدم لهم ومنحهم جميلا كبيرا وأنعم عليهم نعمة، ~~{ إذ بعث فيهم رسولا } [آل عمران: 164]. فإذا كان مطلق بعث ~~رسول كي يهدي الناس إلى منهج الله يكون نعمة فماذا إذا كان الرسول من ~~أنفسهم؟ إن هذه تكون نعمة أخرى لأنه ما دام من أنفسهم؟ إن هذه تكون نعمة ~~أخرى لأنه ما دام من أنفسهم ومن رهطهم ومن جماعتهم، هو معروف نسبا ~~وحسبا ومعروف أمانة، فلا يخون، ومعروف صدقا فلا يكذب، كل هذه " منة ~~" ولم يتعب أحدا في أن يبحث وراءه: أكذب قبل ذلك حتى نعتبر ذلك كذبا؟ ~~أخان قبل ذلك حتى نعتبر ذلك خيانة؟ لا. هل هو من الناس المدعين الذين ~~يريدون أن يقيموا ضوضاء من حولهم؟ لا. بل هو في الحسب والنسب معروف، جده ~~عبد المطلب سيد البطحاء ولا يوجد واحد من أهله تافها. وعرف الجميع عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمانة منذ صغره، إذن فالمقدمات تجعل ~~الناس لا تجهد نفسها في أن تتحرى عنه أصادق هو أم غير صادق؟ إذن فهو ~~منة، ولذلك حينما بعث الله سيد الخلق إلى الخلق كان هناك أناس بمجرد أن ~~قال لهم: إني رسول الله، آمنوا به، لم يقدم معجزة ولم يقولوا له: ماذا ~~ستقول أو ماذا تعمل؟ بل بمجرد أن قال: إنه رسول الله صدقوه، فعلى أي ~~حيثية استندوا في التصديق؟ لقد استندوا على الماضي. # لقبتموه أمين القوم في صغر # وما الأمين على قول بمتهم # ها هو ذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يقول: إن كان قد قال فقد صدق - إذن ~~فالمقدمات التي يعرفونها عنه كانت هي الحجة في تصديق الرسول، وخديجة - ~~رضي الله عنها - عندما آمنت به، أقال لها المعجزات والقرآن؟ لا. # بل بمجرد أن قال لها: أنا رسول الله. قالت له: صدقت فلا بد أن تكون ~~رسولا، هو نفسه كان يتشكك ms1456 وهي مؤمنة به، هو نفسه يتساءل: لعل ذلك يكون ~~كذا، وذهبت به خديجة - رضي الله عنها - إلى ورقة بن نوفل لتطمئنه على ~~الرغم من أنها كانت قد توصلت إلى الحكم في القضية التي سألت عنها ورقة بن ~~نوفل وأوضحت لرسول الله أن ما تقوله لا يمكن أن يوقعك في بلية أو خزي أو ~~ذلة لأن صفاتك جاءت كمقدمات لهذه النتيجة، وهي أنك رسول كريم " إنك ~~لتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الدهر، والله لا يخزيك الله ~~أبدا " ، إنسان بهذه الصفات لا يمكن أن يأتيه شيطان، وتعال نذهب معا ~~لأهل الكتاب الذين لهم علم بهذه المسألة. كأنها آمنت برسالة رسول الله ~~قبل أن يقول لها ورقة بن نوفل شيئا. إذن فقوله: { من أنفسهم } ~~[آل عمران: 164] أي معروف لهم، فلم يأت لهم بواحد سقط عليهم من السماء، ~~وقال: هذا رسول، لا. إنه رسول " من أنفسهم " ، وهذه أول منة، { لقد ~~من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من ~~أنفسهم } [آل عمران: 164]، هذا إذا أخذت المحيط القريب إنه من ~~الرهط ومن القبيلة ومعروف لهم، " من أنفسهم " أو من جنس ونوع العرب، وهذه ~~أيضا منة، فساعة أن يتكلم سيفهمونه ولا يحتاجون إلى وساطة أو ترجمة، ~~والرسول عندما يأتي ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، يريد أناسا تفهم ~~عنه، فأوضح لهم: لم أكلفكم لتقولوا ماذا يريد، لا، هو من أنفسكم، وهو ~~إنسان له مواصفاتكم، ولكنهم لفرط عنادهم لم يؤمنوا مصداق ذلك قوله تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. إنهم يستكثرون كيف يبعث الله بشرا ويجعله رسولا، وهذا ~~غباء في الاعتراض، ويأتي الرد الجميل من الله. # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. أنتم من البشر، فلا بد أن نأتيكم برسول من جنسكم، حتى ~~إذا قال لكم: افعلوا كذا تقولون: نعم؟ لأنه بشر ويعمل ونحن بشر نستطيع أن ~~نعمل مثله.. لكنه لو كان ملكا لقال الواحد ms1457 منكم: وهل أنا أقدر أن ~~أكون كالملك؟ إذن فلا تنفع هذه الحكاية، وهكذا من الله على المؤمنين. ~~إذ بعث فيهم رسولا. { من أنفسهم } [آل عمران: 164]، إن أخذتها ~~على أساس أنها قبيلة محدودة ومعروفة فهي منة، وإن أخذتها على أنه من جنس ~~عربي فيكون اللسان واحدا فهي منة، وإن أخذتها من الجنس العام وهو ~~الإنسان فهي منة أيضا. وهل اعتبار معنى واحد من المعاني ينقض المعاني ~~الأخرى أو تأتي كلها في سلك واحد؟ إنها معان تأتي كلها في سلك واحد لأن ~~المتكلم هو الله، وما دام المتكلم هو الله فيكون عطاء اللفظ أكثر من عطاء ~~ألفاظ الخلق، { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث ~~فيهم رسولا من أنفسهم } [آل عمران: 164]، وهناك قراءة - ~~وإن كانت قراءة شاذة - تقول: " من أنفسهم " بفتح الفاء أي من أشرفهم ~~لأنه من بني هاشم وهم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب. # وماذا يعمل الرسول؟ يفهم من قوله: " رسولا " أنه لا يأتي بشيء من ~~عنده، بل هو - مع هذه المنزلة الحسنة بخلقه الجميل وماضيه الناصع - هو ~~مع هذا رسول وليس له في الأمر شيء، إذن فمرسله خير منه، فلا تتنبه إلى ~~هذا الرجل العظيم فحسب بل يجب عليك أن تسأل: من أين جاء؟ لا بد أن تلتفت ~~إلى أن الذي بعثه أعظم منه. { رسولا من أنفسهم يتلوا ~~عليهم آياته } [آل عمران: 164]، وكلمة " يتلو " يعني يقرأ لأن ~~الكلمة تتلو الكلمة، فالذي يقرأ أي ينطق كلمة بعد كلمة، كلمة تالية بعد ~~أخرى { يتلوا عليهم آياته } [آل عمران: 164] وكلمة " الآيات ~~" - كما نعرف - تستعمل للأمور العجيبة اللافتة للنظر، تقول مثلا: فلان ~~آية في الحسن. أي حسنه لافت للنظر، وتقول: فلان آية في الذكاء، صحيح ~~أن هناك أذكياء كثيرين، لكنه آية في الذكاء.. أي أن هذا الإنسان أمره ~~عجيب في الذكاء، إذن فكلمة " آية " معناها: الأمر العجيب، وهو الذي يقف ~~الإنسان عنده وقفة طويلة ليتأمل في عجائبه. والآيات نوعان: آيات منظورة ~~في الكون مثل قول الحق: # ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا ~~تسجدوا ms1458 للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي ~~خلقهن إن كنتم إياه تعبدون # [فصلت: 37]. وكل ظواهر الكون تعتبر أشياء عجيبة. والنوع الثاني: هو آيات ~~القرآن مثل قوله الحق: # وإذا بدلنآ آية مكان آية والله أعلم بما ~~ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر بل أكثرهم لا ~~يعلمون # [النحل: 101]. إذن فالآيات هي الأمور العجيبة وهي قسمان: منظور ومقروء، ~~المنظور: كل الكون، والمقروء: هو القرآن، فالقرآن يفسر آيات الكون، وآيات ~~الكون تفسر آيات القرآن، والرسول جاء يتلو آيات القرآن، كانت عجيبة ~~عليهم، لكن الآيات الأخرى التي في الكون يشاهدونها ويرونها، لقد جاء ~~الرسول بآيات مقروءة ليلفت الناس إلى الآيات المنظورة، وبتلك الآيات ~~المنظورة يكون العجب من دقة خلق الكون فينتهي الإنسان إلى الإيمان بمن ~~خلق هذا الكون. إن الحق يقول عن الرسول: { يتلوا عليهم آياته ~~ويزكيهم } [آل عمران: 164] والمسألة ليست أنه يتلو الآيات ليعجبوا ~~منها فحسب، لا. فالرسول له مهمة إيمانية تلفت كل سامع للقرآن إلى من خلق ~~ذلك الكون الجميل البديع الذي فيه الآيات العجيبة. # ثم يعطي الرسول من بعد ذلك المنهج الذي يناسب جمال الكون، إذن فالرسول ~~ينقل المؤمنين إلى المنهج الذي يزكي الإنسان وأنت إذا سمعت كلمة " ~~يزكيهم " فأنت تعرف أنها من الزكاة. والزكاة أول معانيها: التطهير ~~والتنقية والنماء. والآيات التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إنما جاءت لتزكيهم. وهذا التطهير لمصلحة المطهر أو المطهر. إنه ~~لمصلحة المطهر التنقية والنماء لمصلحتكم أنتم وهذا لا يشكك في ~~التكليف لأن التكليف لم يأت للمكلف، إنما جاء للمكلف، وأضرب هذا ~~المثل - ولله المثل الأعلى - فالرجل يكون ميسور الحال وعنده مال وعنده ~~عقارات وأطيان، وبعد ذلك يحب لأولاده أن ينجحوا في المدارس فيشجعهم ~~قائلا لكل منهم: إن نجحت فسأفعل لك كذا. هو لا يريد منهم شيئا لنفسه، ~~فعنده النعمة الكافية، هو يريد - فقط - مصلحتهم هم. إذن فالمكلف لن ينتقع ~~بتكليفنا أبدا، فالتنقية لصالحنا والتطهير لصالحنا والنماء لصالحنا - ~~والتزكية هي: تطهير وتنقية ونماء - ولننظر إلى الحالة التي كانت الجاهلية ~~عليها، هل كانت طاهرة؟ هل كانت ms1459 نقية؟ هل كانت نامية؟ لم يكن بها وصف من ~~تلك الأوصاف، لأنها جاهلية، فكلهم محكومون بالهوى والجبروت والسلطان ~~والقهر، ونعرف أن أول ما يهتم به الإنسان هو أن يستبقي حياته وبعد ذلك ~~يستبقي نوعه، وبعد ذلك يستديم ما حوله، والتزكية شملت كل أمر من هذه ~~الأمور، تزكية في الإنسان نفسه، في ذاته، بدلا من أن يكذب لسانه طهره عن ~~الكذب، بدل أن تمتد عينه إلى محارم غيره طهر عينه من النظر للمحرمات، ~~وبدلا من أن تمتد يده خفية وتسرق فهو لا يفعل ذلك. والسرقة - كما نعلم ~~حتى عند من يسرق - نقيصة، بدليل أن اللص يتوارى ويحاول أن يسترها وألا ~~يراها أحد، لأنها رذيلة ونقيصة. ويأتي المنهج فيقول له: لا تسرق، ويطهر ~~المنهج حركة جوارح الإنسان في الأرض، ويطهر قلبه من الحقد كي يعيش ~~مرتاحا، وتبقى قوته مصونة للعمل الجاد المثمر، فلم يبدد قوته، ولم ~~يبدد نظراته، ولم يبدد علاقاته بالناس؟ إذن فالمنهج ينمي الإنسان، إنه ~~تطهير وتنقية ونماء له، وبعد ذلك عندما يصاب الإنسان بالعجز وعدم القدرة، ~~فلن يستذله الغير لكي يعطيه لقمة. لقد زكاه المنهج من هذه ونقاه من الذلة ~~وجعل لله من مال القادر حقا، والقادر هو الذي يبحث عن الضعيف ليعطيه حقه ~~لأن العاجز عندما يرى كل المؤمنين حوله قادرين يبحثون عنه ليعطوه حقه ~~وليس مجرد صدقة يتصدقون بها عليه حينئذ يقول: أنا لست وحدي في الكون. أنا ~~في الكون بفلان وبفلان، فتكون تنمية له، ما دام الكل يعطيه. أما عن بقاء ~~النوع فماذا يعني؟ إن الحق يريد طهارة الإنسان والذرية التي تأتي وأن ~~يجعل لها وعاء شريفا عفيفا، وإطار لا تشوبه شائبة فجاء المنهج ليزكيكم ~~في كل شيء، يزكي حركات جوارحكم فلا تتجه الحركة إلا لتحقق المطلوب منها ~~عند من خلقها، فالخالق قد أوضح: يا عين حدودك كذا، يا لسان حدودك كذا، يا ~~يد حدودك كذا، يا رجل حدودك كذا، يا قلب حدودك كذا، فالذي خلق كل جارحة ~~هو الذي أعطى لكل منها حدودها فلا تجاوز ms1460 ولا تهاون ولا إفراط ولا تفريط، ~~فإن خرجت عن غير ما وضع لها في منهج الله فقد خالفت. # وهكذا نرى أن المنهج قد جاء يزكيكم أي يطهركم وينقيكم وينميكم في كل ~~مجال من مجالات الحياة. { ويعلمهم الكتاب والحكمة } ~~[آل عمران: 164] وساعة يقول الحق: " الكتاب " فهو يقصد الكتاب المنزل إنه ~~القرآن، والحكمة هي السنة. والحق يقول: # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا # [الأحزاب: 34]. وآيات الله معروفة وهي آيات القرآن، والحكمة هي سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهنا يقول الحق: { يتلوا عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب } [آل عمران: 164]، ~~إذن فالكتاب هو القرآن، سيتلو عليهم آيات القرآن وبعد ذلك يعلمهم ما جاء ~~في هذا الكتاب. بعض المفسرين قال: لا بد أن نحمل " الكتاب " هنا على معنى ~~آخر غير القرآن، فقالوا: الكتاب يعني الكتابة، وأول عمل زاولوه في ~~الكتابة كتابة المصحف. إذن فالتقى المعنيان، ولذلك في غزوة " بدر " كان ~~يتم فداء الأسرى إما بالمال وإما أن كل أسير يجيد القراءة والكتابة إذا ~~أراد أن يفدي نفسه فعليه أن يقوم بتعليم عشرة من المسلمين القراءة ~~والكتابة فقد كانت الأمة أمية يقول سبحانه وتعالى: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلوا ~~عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة.. # [الجمعة: 2]. لذلك نجد أن تفسير الكتاب بالكتابة هو المناسب للأمية، أو ~~خذ هذه اللقطة على أساس أن هناك فرقا بين التلاوة والتعليم، التلاوة: ~~يتلو عليهم، أي أن الرسول هو الذي يتلو، والتعليم يكون بأن يتلوا هم ~~القرآن. { ويعلمهم الكتاب والحكمة } [آل عمران: 164] و ~~" علم " أي نقل العلم من معلم إلى معلم. ويختتم الحق هذه الآية ~~بالقول الكريم: { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } [آل ~~عمران: 164] وهناك أساليب تأتي في القرآن فيها " إن " وتجد كل " إن " في ~~موضع لها معنى يختلف عن الآخر، فمثلا تأتي " إن " شرطية، يعني يأتي بعدها ~~فعل شرط وجواب شرط مثل قوله الحق: # إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله.. # [آل عمران: 140]. أي ms1461 إن يمسسكم قرح فلا تيأسوا ولا تبتئسوا. فقد مس ~~القوم قرح مثله، وقوله الحق: # إن تبدوا الصدقات فنعما هي # [البقرة: 271]. إننا هنا نجد أن " إن " شرطية، ففيه شرط وجواب شرط. ~~ومرة تأتي " إن " وبعدها " إلا ": # إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم.. # [المجادلة: 2]. وهو سبحانه يتكلم هنا عن الذين يظاهرون من نسائهم، أي ~~يقول الرجل لامرأته: أنت على كظهر أمي، إن أمك هي التي ولدتك وامرأتك لم ~~تلدك، فلو كانت أمك لكانت محرمة عليك، " إن أمهاتهم إلا اللائي " ، فعندي ~~هنا " إن " وبعدها " إلا " وما دام جاءت " إلا " فالذي بعدها يكون ~~مثبتا، والذي قبلها يكون منفيا، مثل قولنا: " ما قام القوم إلا زيدا " ~~إن زيدا مختلف عنهم. " إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم " أي: ما أمهاتهم ~~إلا اللائي ولدنهم، إذن ف " إن " هنا ليست شرطية لكنها هنا " إن " ~~النافية وتعرفها بوجود " إلا ". ومرة ثالثة تأتي " إن " لا هي شرطية، ~~ولا هي نافية مثل آيتنا هنا { وإن كانوا من قبل لفي ضلال ~~مبين } [آل عمران: 164]. ونقول: هذه " إن " التي هي تخفيف " إن " ~~أي " إن " هنا مخففة من الثقيلة ويكون المعنى وإن الحال والشأن والقصة ~~والواقع أنهم كانوا في ضلال مبين. ويقول النحاة: اسمها ضمير الشأن - أي ~~الحال والقصة - وهو محذوف. وما هو الضلال؟ يقولون: ضل فلان الطريق أي مشى ~~في مكان لا يوصله للغاية، أو يوصل إلى ضد الغاية لأن الضلال في الدنيا ~~والأمور المادية قد لا يوصلني لغايتي المرجوة، وقد لا يوصلني لشر منها أو ~~لمقابلها، لكن في الأمر القيمى ماذا يفعل؟ إنه لا يوصلك إلى الغاية ~~المرجوة وهي الجنة فحسب ولكنه يوصل للمقابل وهو النار، هذا هو الضلال ~~المبين، إنه ضلال واضح بدليل أن النقائص التي جاء الإسلام ليطهر الإنسان ~~منها، يحب مرتكبها ألا تعلم عنه وسط الناس، فالسارق يسرق لكن لا يحب أن ~~يعرف الناس أنه لص، والكاذب يكذب لكن لا يحب أن يعرف الناس أنه كذاب، ~~بدليل أنك عندما تقول له: يا كذاب تكون له صاعقة. إذن فالنقيصة تفعل ~~وصاحبها لا ms1462 يريد أن يراها أحد أو يعرف بها. { وإن كانوا من قبل ~~لفي ضلال مبين } [آل عمران: 164] أي ضلال ظاهر وهو ضلال يعرفه ~~صاحبه بدليل أننا قلنا في قصة سيدنا يوسف حيث نجد في القصة اثنين من ~~الفتيان قد دخلا السجن، وماذا حدث لهما: # ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إني ~~أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل ~~فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا ~~بتأويله إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36]. لقد رأوا في يوسف عليه السلام كأن عنده ميزان الإحسان فهو ~~يعرف الحسن والقبيح، ولأنهما يعرفان ميزان الإحسان فلا بد أن تكون ~~المسائل بالنسبة لهما واضحة. # ولماذا لم يقلها واحد منهما من قبل؟ لقد شهدا هذه الشهادة لسيدنا يوسف ~~لأنهما يطلبان الآن مشورته في تأويل الرؤى. كان يوسف عليه السلام ~~مسجونا، ولم ينظر إليه أحد إلا كمسجون. ومن سلوكه معهما في السجن عرفا ~~أنه طيب ومحسن. ولذلك التفتا إليه ورأيا فيه أنه قادر على تأويل رؤيا كل ~~منهما. مثلما قلنا: إن المنحرف نفسه يعرف قيمة الفضيلة، وهكذا نجد أن ~~الفضيلة مسألة ذاتية وليست نسبية، أي أنه حتى المنحرف عن الفضيلة يرى ~~الفضيلة فضيلة. وبعد ذلك يعود الحق إلى قضية عجيبة، فإذا كان الله سبحانه ~~قد من على المؤمنين بالرسول، ومن أنفسهم، وجاء يتلو عليهم آيات الله، ~~وجاء يزكيهم طهارة ونقاء ونماء، وجاء ليعلمهم الكتاب والحكمة وهي وضع ~~الشيء في موضعه، أو البحث عن أسرار الأشياء كان يجب عليكم - إذن - أنه ~~إذا قال قولة لا تخالفوا عنها أبدا، وعندما يجري على يديه أمر فهو لا ~~يحتاج إلى مناقشة، إذن فما حكايتكم؟ يقول الحق: { أو لما ~~أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى ~~هذا قل هو من عند أنفسكم... }. ### || [3.165] # لماذا تقولون: كيف يهزمنا الكفار؟ لقد حدث لكم ذلك لأنكم خالفتم الرسول ~~الذي من ربكم به عليكم، وآتاكم، وزكاكم، ويعلمكم الكتاب والحكمة، كان ~~مقتضى ذلك أن كل ما يقوله الرسول الذي هو بهذه المواصفات أن تطيعوه، ولا ~~يقولن أحدكم: لماذا تحدث ms1463 هذه الهزيمة؟ ولا يقولن أحد لماذا حكاية أحد ~~وكيف يهزمنا الكفار؟ إن هذا لا ينسجم مع ما قيل من أن الله من عليكم ~~وبعث فيكم رسولا، ثم إن أحدا ليست مصيبة بادئة، بل مصيبة جاءت بعدما ~~أصبتم من أعدائكم مصيبة، ونلتم منهم ضعف ما نالوا منكم. فأنتم بدأتم ببدر ~~وأعطاكم الله الخير. أنتم قتلتم سبعين وأسرتم سبعين، وهم قتلوا سبعين ولم ~~يأسروا أحدا في " أحد " ، أنتم أخذتم غنائم في بدر، وهم لم يأخذوا أي ~~غنيمة في أحد، ما العجيبة في هذه!! كان يجب أن تبحثوا في ذواتكم وفي ~~نفوسكم، هل كنتم منطقيين مع إيمانكم ومع قيادة الرسول لكم!؟ أيكون منكم ~~ذلك السؤال وهو " أنى هذا " ، لأن " أنى " معناها استنكار أن هذا ~~يحدث أي من أين أصابنا هذا الانهزام والقتل ونحن نقاتل في سبيل الله ~~وفينا النبي والوحي وهم مشركون ونقول لكم: وهل كنتم على مستوى الإيمان ~~المطلوب؟ إن مستوى الإيمان المطلوب يقتضي منكم أن تنفذوا ما قاله الرسول، ~~وأنتم لم تكونوا على هذا المستوى، الذي كنتم عليه في بدر. وساعة تسمع " ~~أو لما " فهناك همزة الاستفهام ثم " واو عطف " ، " أو لما أصابتكم مصيبة ~~قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا " ، و " لما " هنا هي الحينية، فماذا يكون ~~المعنى، لقد آمنتم بالله إلها وآمنتم بالرسول مبلغا، أحين تصيبكم مصيبة ~~قد أصبتم مثليها تقولون أنى هذا؟ كان المنطق ألا تسألوا هذا السؤال أبدا ~~لأنكم آمنتم بإله عادل له سنن لا تتبدل ولا تتحول. أكان يترك السنن من ~~أجلكم!؟ # سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا # [الأحزاب: 62]. وفي موقع آخر من القرآن يقول سبحانه: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله فهل ~~ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله ~~تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا # [فاطر: 43]. فلو أنكم استحضرتم الإيمان بالإله الذي أطلق السنن في الكون ~~ليسوس به أمر ملكه بما يحقق أمر المصلحة لما قلتم هذا وما دمتم قد آمنتم ~~بأن الإله هو الذي صنع تلك السنن فكان ms1464 الواجب عليكم أن تعلموا أن الإله ~~لن يجاملكم بإبطال سننه من أجل أنكم نسبتم إليه أولا بأنكم مسلمون، ~~فإنكم إن خالفتم فسنن الله واقعة، وكان يجب أن تفهموا هذا الأمر، وكان ~~يجب ألا تسألوا هذا السؤال، وقد آمنتم بالله إلها له سنن، وآمنتم ~~بالرسول المبلغ عن الله. # أحين تصيبكم مصيبة مع هذا الإيمان قد أصبتم مثليها، تقولون: أنى هذا؟ ~~أنتم حدث منكم أنكم أصبتم خصومكم، وياليتكم أصبتموهم بمثل ما أصابوكم به ~~بل أنتم أصبتم مثليها، كان يجب أن تقارنوا: لماذا أصبتم مثليها من ~~قبل، ولماذا أصبتم الآن؟ وكان يجب أن تعرضوا عملكم على الموازين ~~الإيمانية فإن عرضتموه على الموازين الإيمانية لما سألتم هذا السؤال: " ~~أنى هذا ".. وساعة تسمع " أنى هذا " فلها معنيان: إما أنها تأتي بمعنى ~~كيف يحدث هذا؟ وإما بمعنى من أين يحدث هذا؟ فإن كانت لأعيان وتحب أن ~~تعرف، مثلما أحب سيدنا زكريا أن يعرف: من أين يأتي الرزق لسيدتنا مريم ~~وهي في المحراب: # كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند ~~الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. أي من أين؟ وتأتي مرة أخرى بمعنى " كيف ": # أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على ~~عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ~~فأماته الله مئة عام ثم بعثه # [البقرة: 259]. أي كيف يحيي؟ إذن فمرة تكون بمعنى " من أين " ، ومرة ~~تكون بمعنى " كيف " ، والذين دخلوا معركة أحد كانوا ينكرون ويستعجبون ~~لعدم انتصارهم.. فأوضح لهم الحق: لو كنتم مستحضرين قضية الإيمان بإله ~~عادل وضع في كونه سننا وهو لن يغير سننه ولن يحولها من أجلكم أنتم، إن ~~عليكم أن تعرفوا أن الله لا يتغير من أجل أحد، ولكن يجب أن تتغيروا أنتم ~~من أجل الله. { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم ~~مثليها } [آل عمران: 165]: و " لما " يعني: حين، واسمها: " لما ~~الحينية " و " لما " تكون أيضا من أدوات وعوامل الجزم مثل: لم و " لم ~~" تنفي، و " لما " أيضا تنفي ms1465 مثل قوله الحق: # ولما يدخل الإيمان في قلوبكم.. # [الحجرات: 14]. أي أن الإيمان لم يدخل قلوبكم بعد. إنما من الجائز أنه ~~قد يدخل بعد ذلك، هذه اسمها " لما " الجازمة. وهناك " لما " الشرطية مثل ~~قولنا: لما يقوم زيد يحرث كذا، وهذه فيها شرط، وفيها الزمن أي حين يقوم ~~يحدث كذا، مثل قوله الحق: # فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن ~~يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ.. # [الصافات: 103-105]. أي حين أسلم وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد ~~صدقت الرؤيا أي ناديناه، والواو هنا مقحمة مثلها في قوله تعالى: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها # [الزمر: 73] أي قال لهم. # ومعنى مقحمة.. جيء بها للتوكيد والتقوية. أو جاءت الواو هنا لتفيد أن ~~نداء الله لسيدنا إبراهيم جاء مصاحبا لإلقاء ابنه إسماعيل على وجهه ~~ليذبحه. ف " لما " هذه وفي الآية التي نحن بصددها هي " لما الحينية " ، ~~أحين تصيبكم أي: أوقت تصيبكم مصيبة قد أصبتم مثليها " قلتم أنى هذا " كان ~~يجب أن تقارنوا لماذا أصبتم في بدر من عدوكم ضعف ما أصاب منكم، ~~ولماذا أصاب عدوكم منكم يوم أحد هذا؟ كان يجب أن تسألوا أنفسكم هذا ~~السؤال لأن الميزان منصوب وموضوع، وما دمتم تغافلتم عن هذا فسيأتي لكم ~~الرد.. قل يا محمد لهم ردا على هذا: { هو من عند أنفسكم } ~~[آل عمران: 165]. لقد خالفتم عن أمر الرسول، وما دمتم خالفتم عن أمر ~~الرسول، فلا بد أن يحدث هذا بمقتضى إيمانكم بإله له سنن لا تتحول ولا ~~تتبدل. { أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم ~~مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند ~~أنفسكم } [آل عمران: 165]. وبعد ذلك تذيل الآية بقوله سبحانه: { ~~إن الله على كل شيء قدير } [آل عمران: 165]. فما ~~موضعها هنا؟ موضعها أنه ما دامت لله سنن، وسنن الله لا تتبدل، والله ~~موصوف بالقدرة الفريدة له فلن يأتي إله آخر ويقول: نبطل هذه السنن. وما ~~دام لا يوجد إله آخر يقول ذلك فهو سبحانه قدير على كل شيء، وهو قدير على ~~أن تظل سننه دائمة، ولا توجد ms1466 قوة تزحزح هذه القضية لأن السنن وضعها الله. ~~فمن الذي يغيرها؟ إنها لن تتغير إلا بقوة أعلى ومعاذ الله أن تكون هناك ~~قوة أعلى من قوة الله لذلك يوضح سبحانه: أنا قدير على كل شيء وقدير على ~~أن أصون سنني في الكون، فلا تتخلف ولا توجد قوة أخرى تحول هذه السنن ~~أو تبدلها. ولا تظنوا أن ما أصابكم جاء فقط لأن السنن لا تتغير، لا، فهذا ~~قد حدث بإذن من الله، فالله أوضح للكون: من يخالف أمري أفعل فيه كذا. إذن ~~فالكون لم يحدث فيه شيء دون علم الله وإذنه. ويقول الحق بعد ذلك: { ومآ ~~أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله... }. ### || [3.166] # أي أنه سبحانه قد جمع المؤمنين وجمع الكافرين في أحد بإذن منه وبعلمه ~~والنتيجة معروفة عنده، وأنه سيحدث منكم كذا وكذا، إذن فهذا أمر معلوم، ~~أو " بإذن الله " أي في السنن التي لا تتخلف، فالمسألة لم تأت بغير علم ~~الله، لا. لقد جاءت بإذن الله ولا تتخلف - تطبيقا - عن أحد من خلقه ~~أبدا مهما كانت منزلته. { ومآ أصابكم يوم التقى ~~الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين } [آل ~~عمران: 166] ساعة ترى أمرا أجراه الله ليعلم الذين نافقوا، وليعلم ~~المؤمنين، نعرف أن الله عالم بهم قبل أن تقع الأحداث، ولكن علمه لا يكون ~~حجة على الغير إلا إن حدث منه بالفعل لجواز أن يقول: يارب أنت حاسبتني ~~بعلمك أن هذا سيحدث، لكن ما كنت لأفعله. فيوضح الحق: لا. أنت قد علمته ~~لأنك فعلته وصار واقعا منك وتقوم به الحجة عليك. وأضرب هذا المثل - ولله ~~المثل الأعلى - أنت كمعلم تقول لواحد من الطلبة: أنت راسب، فيقول لك: لا، ~~لابد أن تمتحنني. تقول له: أنا أعرف أنك راسب. فيقول لك: أنا لا آخذ ~~بعلمك بل لابد أن تمتحنني. تقول له: تعال أمتحنك. وتعطيه بعض الأسئلة ~~فيرسب. وهنا يصير علمه برسوبه أمرا واقعا، وهو كان يعلمه بسبق علم، ~~لكنه الآن لا يقدر أن يجادل لأنه صار واقعا محسوسا. ويقول الحق: { ~~وليعلم المؤمنين } [آل عمران: ms1467 166] ومنهم الثابت الإيمان ~~الذي لا يتزعزع ويعلم أنه إذا أصابته مصيبة بما قدم لنفسه، هذه المصيبة ~~تزيده إيمانا بإلهه. ويقول الحق من بعد ذلك: { وليعلم الذين ~~نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله ~~أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم ~~هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان... }. ### || [3.167] # وقوله: { وليعلم الذين نافقوا } [آل عمران: 167] أي ~~يجعلهم يظهرون وينكشفون أمام الناس، وإلا لو لم تحدث هذه الأحداث فكيف ~~كنت تعرف المنافق؟ سيستر نفسه. لابد إذن أن تأتي أحداث لتظهره وتفضحه، ~~فالمنافق يراوغ لذلك يأتيه الحق بأحداث ليظهر على حقيقته، وقد كان. { ~~وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا ~~قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا } [آل عمران: 167].. ~~وكانت المدينة مهاجمة، وإذا انتصر الكفار فسيدخلون ويسبون ويأخذون ~~المسلمين أسرى ويفعلون كل منكر!! فقال عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري ~~للمنافقين: اخرجوا وقاتلوا معنا، وإن لم تخرجوا لتقاتلوا معنا.. اخرجوا ~~لتدفعوا عن أنفسكم وعن أموالكم وعن نسائكم لأنهم إذا انتصروا على ~~المسلمين فسيدخلون ويفعلون كذا وكذا، إنه دعاهم إلى القتال على طريق ~~إثارة الحمية والأنفة فيهم وذلك بعد أن يئس من أنهم لم يقاتلوا في سبيل ~~الله، ولما رأى إصرارهم على عدم الخروج قال لهم عبد الله: اذهبوا أعداء ~~الله فسيغني الله رسوله عنكم. إذن ففيه فرق بين القتال في سبيل الله وبين ~~الدفاع عن النفس فقال: { قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ~~} [آل عمران: 167].. أو ادفعوا عنا ولو بتكثير سوادنا وإظهار كثرتنا حتى ~~يظن المشركون أن معنا أناسا كثيرين. { قالوا لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم } [آل عمران: 167].. وعندما نتابع هذا المنطق في ~~القصة في ذاتها نجد أن " ابن أبي " كان من رأيه أن يظل رسول الله في ~~المدينة لماذا؟ لأنه قد ثبت بالتجربة أنه إذا جاء قوم ليغيروا على ~~المدينة ودخلوها فأهل المدينة ينتصرون عليهم، وإذا خرج لهم أهل المدينة ~~فهم ينهزمون. إذن فالقضية واضحة في ذهن ابن أبي، فهو لم يرض أن يخرج ~~لأن التجارب أثبتت له أنهم إذا خرجوا عن المدينة ليحاربوا ms1468 العدو فعدوهم ~~ينتصر عليهم، وإذا ظلوا انتصروا، إذن فهو واثق من نتيجة الخروج، ولكن ما ~~دامت المسألة قد صدرت من رأس النفاق عبد الله بن أبي فأنت لا تستطيع أن ~~تحكم أين الحق، فمن الجائز أن آثار يوم هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام ~~من مكة إلى المدينة هذه الآثار كانت باقية في نفس " ابن أبي " ففي ذلك ~~اليوم الذي جاء فيه الرسول إلى المدينة كان هو اليوم الذي كان سيتوج فيه ~~المنافق " ابن أبي " ليكون ملكا على المدينة، فلما جاء الرسول بهذا ~~الحدث الكبير تغير الوضع وصار التاج من غير رأس تلبسه، فهذه قد حملها في ~~نفسه. { قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم } [آل ~~عمران: 167] لقد ادعى ابن أبي أن الخروج من المدينة هو كإلقائه إلى ~~التهلكة وليس قتالا لأن القتال تدخله وعندك مظنة أن تنتصر، إنما هذا ~~إلقاء إلى تهلكة وليس قتالا، لكن أقال: " لو نعلم قتالا لاتبعناكم " ~~وهو صادق؟ إن الحق يفضحهم: { هم للكفر يومئذ أقرب ~~منهم للإيمان } [آل عمران: 167]، فقبل ذلك كانوا في نفاق مستور، ~~وما دام النفاق مستورا فاللسان يقول والقلب ينكر ويجحد، فهم مذبذبون بين ~~ذلك لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، هذه المسألة جعلته قريبا من الكفر ~~الظاهر. # { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } [آل عمران: ~~167].. إذن فالقلب عمله النية الإيمانية، واللسان قد يقول ولا يفعل ما ~~يقول، ولذلك قلنا: إن المنافق موزع النفس، موزع الملكات، يقول بلسانه ~~كلاما وقلبه فيه إنكار، ولذلك سيكونون في الدرك الأسفل من النار لأنهم ~~غشاشون، ونفوسهم موزعة. { يقولون بأفواههم ما ليس في ~~قلوبهم } [آل عمران: 167] والقول ضرورة بالفم لأن القول يطلق ويراد ~~به البيان عما في النفس، فتوضيح الإنسان لما في نفسه كتابة، يعتبر قولا ~~- لغة - ولذلك فالذي يستحي من واحد أن يقول له كلاما فهو يكتبه له في ~~ورقة، فساعة يكتب يكون قد قال، وهؤلاء المنافقون يقولون كلماتهم لا ~~بوساطة كتاب بل بوساطة أفواههم، وهذا تبجح في النفاق، فلو كانوا يستحون ~~لهمسوا به: { يقولون بأفواههم ما ليس في ms1469 قلوبهم } ~~[آل عمران: 167] إذن فاللسان لم يتفق مع القلب. فالقلب منعقد ومصر على ~~الكفر - والعياذ بالله - واللسان يتبجح ويعلن الإيمان. ونعرف أن " الصدق ~~" هو أن يوافق القول الواقع، والواقع في القضية الإيمانية نية في القلب ~~وحركة تثبت الإيمان، أما المنافقون فلسانهم لا يوافق قلبهم، فلما كان ما ~~في القلب مستورا ثم ظهر إلى الجوارح انكشفوا. وهذا هو السبب في أنهم ~~كانوا أقرب إلى الكفر، { يقولون بأفواههم ما ليس في ~~قلوبهم } [آل عمران: 167] وهذا لون من نقص التصور الإيماني في ~~القلب، كأنهم يعاملون الله كما يعاملون البشر مثلهم. وبعد ذلك يقول الحق: ~~{ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما ~~قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت... }. ### || [3.168] # فعندما أراد ابن أبي أن يخذل الجيش، وافقه بعض المنافقين ولم ~~يوافقه البعض. هؤلاء الذين خرجوا للقتال والجهاد ولم يوافقوهم ثم قتلوا ~~فرحوا فيهم، وقالوا: لو كانوا أطاعونا ومكثوا في المدينة ولم يخرجوا لما ~~انهزموا ولما قتلوا، وكأن الحق يوضح لنا أسلوبهم لذلك سنأخذهم من ~~منطقهم.. هم قعدوا وقالوا عن إخوانهم الذين قتلوا في المعركة والذين هم ~~من جماعتهم: { لو أطاعونا } [آل عمران: 168] كأن قولا صدر منهم: " ~~أن اقعدوا " ولكن القوم الآخرين الذين هم أقل نفاقا. لم يطاوعوهم ~~وخرجوا، فحدث لهم ما حدث. فكيف يرد الله على هذه؟ انظروا إلى الرد ~~الجميل: أنتم تقولون: { لو أطاعونا } [آل عمران: 168]، فكأن طاعتكم ~~كانت وسيلة لسلامتهم من القتل. إذن فأنتم تعرفون طريق السلامة من القتل. ~~والذي يعرف طريق السلامة من القتل هل يعرف طريق السلامة من الموت؟ ولذلك ~~يقول الحق سخرية بهم: { فادرءوا عن أنفسكم الموت إن ~~كنتم صادقين } [آل عمران: 168] وفي ذلك رد عليهم من كلامهم { ~~لو أطاعونا ما قتلوا } [آل عمران: 168]. وما دمتم تعرفون وسيلة ~~للسلامة من القتل فاستعملوا هذه الوسيلة في أن تدفعوا عن أنفسكم الموت. ~~وأنتم مع المتقدمين منكم والحاضرين تموتون ولا تستطيعون رد الموت عنكم، ~~إذن فأنتم لا تعرفون طريق السلامة من الموت فكم من محارب عاد من الحرب ~~سليما، وكم من هارب ms1470 من القتال قد مات وانتهى، وهب أن بعضا من ~~المؤمنين المقاتلين قد قتل، إن الذي قتل في المعركة ليس أهون على الله ~~ممن سلم من المعركة، هؤلاء أحب إلى الله وقد عجل الله لقاءهم وأنزلهم ~~المنزل المقرب عنده. ونعرف أن الحدث إنما يحمد ويذم بالنسبة للغاية ~~منه، فكل حدث يقربك من الغاية يكون محمودا، وكل حدث يبعدك عن الغاية ~~يكون غير محمود، فإذا كانت الغاية أن تذهب إلى الإسكندرية مثلا فقد تذهب ~~إليها ماشيا فتحتاج إلى عدة أيام، وقد تذهب إليها راكبا دابة فتحتاج ~~إلى زمن أقل، أو تذهب إليها راكبا عربة فيقل الزمن لساعات، أو تذهب ~~إليها راكبا طائرة فتصلها في نصف الساعة، فكلما كانت الوسيلة قوية كان ~~الزمن قليلا لأننا نعلم أن القوة الفاعلة في النقلة تتناسب مع الزمن ~~تناسبا عكسيا. وكلما زادت القوة قل الزمن، وما دامت غايتي أن أذهب إلى ~~الإسكندرية. فالذي يعجل لي الزمن ويقلله لأذهب إليها أفضل أم لا؟ إنها ~~الوسيلة الأفضل. فما دامت الغاية أن تذهب إلى لقاء الله وأن تعيش في ~~جواره ومعيته، فحين يعجل الله ببعضنا فيأخذهم من أقصر طريق فهذا أفضل ~~بالنسبة لهم أم لا؟ هذا أفضل، وهكذا نرى أن الناس تنظر للموت نظرة حمقاء، ~~إن موت المؤمن الحق الصادق الإيمان إنما يقربه إلى الغاية، فما الذي ~~يحزنني! ### || [3.169] # أنتم تخافون الموت، ولكن هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله ليسوا بميتين، ~~لأن حياتهم حياة موصولة. إن هناك فارقا كبيرا بين الموت والشهادة، ~~فالذي يقتل شهيدا تكون حياته موصولة، ولن يمر بفترة موتنا نحن، ولنفهم ~~أنهم أحياء عند ربهم، أي بقانونه سبحانه، فلا تحكم قانونك أنت، فأنت - ~~كما قلت - لو فتحت القبر ستجد هؤلاء القتلى مجرد أشلاء. هم عندك أشلاء ~~وأموات في قانونك أنت. لكنهم أحياء عند ربهم يرزقون. فالحياة تختلف عن ~~الموت في ماذا؟ إن الإنسان إذا زهقت روحه وفارقت جسده انقطعت حياته، في ~~ظاهر الأمر انتهى ولم يعد ينتفع برزق ولا بأكل لأن الرزق جعل لاستبقاء ~~الحياة، وما دام ms1471 الرزق قد صنع لاستبقاء الحياة وليس فيه حياة إذن فلا ~~رزق، لكن الله سبحانه يريد أن يعطينا مواصفات تؤكد أن الشهيد حي. ومن ~~ضروريات الحياة أنه يرزق أي ينتفع باستبقاء الحياة، وعلينا أن نفهم أن ~~العندية عندك غير العندية عند الله. فالشهيد حي عند ربه ويرزق عند ربه ~~رزقا يناسب الحياة التي أرادها له ربه. ونعلم أن الرزق هو الخاصية التي ~~توجد للأحياء. وعندما نقرأ قول الله: { أحياء عند ربهم ~~يرزقون } [آل عمران: 169] قد يقول قائل: من الجائز أنك تأخذ إنسانا ~~وتبقيه حيا وتعطيه طعاما وشرابا لكن أهو فرح بموقعه؟ لا. لذلك يجب أن ~~ندرك ونعرف أن حياة الشهيد ليست في قبره ولكنها عند ربه وهو فرح بموقعه ~~لذلك يقول الحق: { فرحين بمآ آتاهم الله من فضله ~~ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم... }. ### || [3.170] # والعدل يتحقق بين البشر بأن كلا منهم يموت. ولكن الفضل أن يعجل الله ~~انقضاء الحياة في الدنيا لمن يحبهم بالاستشهاد وينقلهم إلى رضوانه ~~ونعيمه { فرحين بمآ آتاهم الله من فضله } [آل عمران: ~~170] وليس هذا فقط، بل إننا نجد الأخوة الإيمانية قد بقيت فيهم وليست ~~كخاصية الأحياء بل أنقى وأبقى من خاصية الأحياء، فالخاصية الإيمانية ~~تقتضي أن يحب المؤمن لأخيه ما يحب لنفسه، والشهداء في حياتهم عند ربهم ~~كذلك، مما يدل على أن الحياة التي يحياها الشهداء هي حياة نامية فيها رزق ~~ومواجيد وفرح، وكل شهيد يعتبر أن هذا فضل من الله قد فضله به. ولذلك ~~فالشهيد يستبشر بالذي لم يأت من بعده من إخوانه المؤمنين ويقول: يا ليتهم ~~يأتون ليروا ما نراه. { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا ~~بهم } [آل عمران: 170]: " ويستبشرون " من البشرى، والبشرى هي الخبر ~~السار { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم } [آل ~~عمران: 170] ويلحقوا أي يأتوا بعدهم، فالشهداء يقولون: إنهم سيأتون لنا ~~وما داموا سيأتون لنا فنحن نحب أن يكونوا معنا في النعيم والخير الذي ~~نحيا فيه. وكل منهم يشعر بالمحبة لأخيه، لأنه يعلم قول الرسول صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا يكمل إيمان أحدكم حتى ms1472 يحب لأخيه ما يحب لنفسه " # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد ~~أنهار الجنة وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما ~~وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن فضلهم قالوا: ليت إخواننا يعلمون ما صنع ~~الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا من الحرب. فقال الله - عز وجل ~~-: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله هذه الآيات: { ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء ~~عند ربهم يرزقون } وما بعدها ". # ونعرف أن " البشر " عادة هو الفرحة، وهي تبدو على بشرة الإنسان، ~~فساعة يكون الإنسان فرحا، فالفرحة تظهر وتشرق في وجهه ولذلك نسميها " ~~البشارة " ، لأنها تصنع في وجه المبشر شيئا من الفرح مما يعطيه ~~بريقا ولمعانا وجاذبية. { ويستبشرون بالذين لم ~~يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون } [آل عمران: 170] أي أن الذين خلفوا عن الشهادة لا خوف ~~عليهم، فهؤلاء الذين لم يستشهدوا بعد قد يخوضون معركة ما، فيقول الحق على ~~لسان الشهداء لكل منهم: لا تخف لأنك ستذهب لخير في الحياة { ألا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } [آل عمران: 170]. وبعد ذلك ~~يقول الحق: { يستبشرون بنعمة من الله وفضل... }. ### || [3.171] # إن الحق سبحانه لا يضيع أجر هؤلاء الذين قاتلوا في سبيل الله، وها هو ذا ~~سبحانه وتعالى يقول: { الذين استجابوا لله والرسول من ~~بعد مآ أصابهم القرح... }. ### || [3.172] # انظر إلى المنزلة العالية كي تعلم أن الهزة التي حدثت في أحد أعادت ~~ترتيب الذرات الإيمانية في نفوس المؤمنين. ولذلك أراد الله ألا يطول أمد ~~الغم على من ندموا بسبب ما وقع منهم، وألا يطول أمد الكفار الذين فرحوا ~~بما ألحق بالمؤمنين من الضرر في المعركة الأخيرة، هؤلاء المشركون فرحون، ~~وهؤلاء المسلمون في حزن لأننا قلنا: ما داموا مسلمين ومؤمنين فلهم الحق، ~~وإن قصروا فعليهم عقوبة، وسبحانه قد أنزل بهم العقوبة لكن بقي ~~لإسلامهم حق على الله لأنه أجرى تلك ms1473 الأقدار ليهذب ويمحص ويربي، فلا ~~يطيل أمد الغم على المؤمنين ولا يمد الفرحة للكافرين، فيأتي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والحالة كما تعلمون هكذا، ويؤذن مؤذنه صلى الله عليه ~~وسلم في الناس بطلب قريش قائلا: " لا يخرجن معنا إلا من حضر معنا القتال ~~". ويخرج الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم بعدد لايزيد على عدد المقاتلين ~~الذين كانوا يواجهونهم حتى لا يقال إنهم جاءوا بمدد إضافي، بل بالعكس، ~~فالذين خرجوا لمطاردة الكفار هم الذين بقوا مع الرسول في أحد، ونقص منهم ~~من قتل ونقص منهم أيضا كل من أثقلته جراحه. لقد كانوا أقل ممن كانوا في ~~المعركة، وكأن الله يريد أن يبين لنا أن التمحيص قد أدى مطلوبه. هم في ~~هذه الحالة استجابوا للرسول، كأن المسألة جاءت رد اعتبار لمن شهدوا ~~المعركة حتى لا يضعفوا أمام نفوسهم وحتى لا يجعلوها زلة تطاردهم وتلاحقهم ~~في تاريخهم الطويل، بل يعلمون أن معركة أحد قد انتهت وعرفوا آثارها. ~~وبمجرد أذن مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم بالنداء السابق استجابوا ~~جميعا، ولم يسمح إلا لجابر بن عبد الله أن يكون إضافة لهم لأنه أبدى ~~العذر في أنه لم يكن مع القوم لأن له أخوات سبعا من البنات وأمره أبوه ~~أن يمكث مع أخواته لرعايتهن، فسمح له رسول الله. - وكما قلنا - فإن الله ~~أراد بكل أحداث أحد أن يعيد ترتيب الذرات الإيمانية، وما دامت الذرات ~~الإيمانية قد انتظمت فقد تم إصلاح جهاز الاستقبال عن الله، وفي لحظة ~~واحدة يستجيبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أنهم يلاحقون الكفار، ~~وذهبوا إلى حمراء الأسد وكان ما كان. وبعد ذلك أرسل الله لهم من جنوده من ~~يخذل هؤلاء القوم الكافرين، ويقول لهم: إن محمدا قد خرج إليكم بجيش ~~كبير. ونلحظ أن الحق سبحانه يجيء هنا بقوله: { الذين استجابوا } ~~[آل عمران: 172] وهي تقابل " من خالفوا " أمر رسول الله وهم الرماة، { ~~الذين استجابوا لله والرسول من بعد مآ أصابهم ~~القرح } [آل عمران: 172]. لقد استجابوا وهم مرهقون ومتألمون ومثخنون ~~بالجراح ms1474 فكل واحد منهم قد ناله نصيب من إرهاق القتال، ومع ذلك استجابوا ~~لله وللرسول، وكل منهم أصابه القرح أو القرح.. يعني الألم أو الجرح، { ~~من بعد مآ أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم ~~واتقوا أجر عظيم } [آل عمران: 172] وهم قد أحسنوا في ~~الاستجابة لذلك فلهم الأجر العظيم، " أجر عظيم " لأن ما حدث منهم من أمر ~~المخالفة قد أخذوا عليه العقوبة. ويقول الحق بعد ذلك: { الذين قال ~~لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا... }. ### || [3.173-174] # { الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا ~~الله ونعم الوكيل } [آل عمران: 173]. المسألة ليست ذلك فقط، ~~المسألة أن المنافقين راحوا يروجون إشاعات كاذبة بأن المشركين قد ~~استدعوا عددا جديدا من كفار مكة وذلك ليخيفوا المؤمنين، فلم يخف ~~مؤمن واحد { الذين قال لهم الناس إن الناس قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم } [آل عمران: 173] وساعة ترى كلمة " ~~الناس " فاعرف أن الإيمان بعيد عنها، وما داموا " أناسا " فهم يقابلون ~~أناسا آخرين، ومن يغلب فهو يغلب بجهده وشطارته وحسن تصرفه، لكن المؤمن ~~يقابل الكافر، والمؤمن يتلقى المدد من ربه. قيل: إن الشيطان قد يتمثل على ~~هيئة حشد من الناس ليرهب المؤمنين، والشيطان من عالم الجن، وعالم الجن ~~يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، وقد أعطاه الله القدرة على أن يتشكل ~~بما يحب. فله أن يتشكل في إنسان، في حيوان، أو كما يريد، ولكن إذا تشكل ~~فالصورة تحكمه لأنه ارتضى أن يخرج عن واقعه ليتشكل بهيئة أخرى، فإذا ما ~~تشكل على هيئة إنسان، فقانون الإنسان يسري عليه، بحيث إن كان معك مسدس أو ~~سيف أو خنجر وتمكنت منه وطعنته يموت. وهذا هو ما رحمنا من تخويفهم لنا. ~~ولذلك تجد أن الشيطان يظهر لمحة خاطفة ثم يختفي، لأنه يخاف أن يكون ~~الإنسان الذي أمامه واعيا بأن الصورة تحكمه، فعندما يتمثل لك بأي شكل ~~تخنقه فيخنق لذلك يخاف من الإنسان، فلا يظهر إلا في لمحات خاطفة. ويمكن ~~أن نفهم أيضا قول الحق: { الذين قال ms1475 لهم الناس إن ~~الناس قد جمعوا لكم } [آل عمران: 173] أي هناك بعض من الكفار ~~أشاعوا أن أبا سفيان وصحبه قد حشدوا حشودهم، فكلمة " جمعوا " تعطي إيحاء ~~بأنهم جاءوا بمقاتلين آخرين، أو أن فلولهم قد تجمعت، وسواء هذا أو ذاك ~~فهم عندما فروا فروا فلولا، لأن القوم المنهزمين لا يسيرون سيرا منتظما ~~يجمعهم، بل يسير كل واحد منهم حسب سرعته، ويصح أن يتجمعوا ثانية، أو ~~جاءوا بناس آخرين، ولنا أن نلحظ أن الأسلوب يحتمل كل ذلك. { الذين ~~قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم } [آل عمران: 173] ومثل هذا القول قد يفت في عضد المؤمنين، ~~لكن التمحيص الإيماني قد صقل معسكر الإيمان فلم يهتموا بهذا الكلام، ~~وهكذا أثمر الدرس الأول، لقد تعلموا أن المخالفة عن أمر الله الممثل في ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد المخالفة تجعل الضعف يسري في ~~النفس، لكن التثبت والتمسك بأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم يعزز ~~الإحساس بالقوة لذلك لم يأبهوا لهذا التهديد بل قالوا: إن العدد هذا ليس ~~في بالنا لأننا نعتمد على الله وحسن الإيمان، إنهم قالوا: { حسبنا ~~الله ونعم الوكيل } [آل عمران: 173] فلم يهتموا بالعدد وفهموا ~~أن الإيمان يقتضي أن يقاتلوا الكافرين حتى يعذبهم الله بأيديهم، وفي هذا ~~درس لكل محارب، فعندما تحارب، فأنت إما أن تكون منصورا بإيمانك بالله ~~وإما أن تكون على عكس ذلك: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.. # [الأنفال: 17]. لقد فطنوا إلى أنفسهم، وتغير الترتيب الإيماني في ~~أعماقهم، ونلمس ذلك في أن بعضا من الناس جاءوا يصدونهم ويخذلونهم، فلم ~~يستطيعوا بل زادهم هذا القول إيمانا { وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل } [آل عمران: 173]، لقد فطنوا إلى أن قوة الله هي ~~التي تنصرهم والله حسبهم وكافيهم عن أي عدد من الأعداد وهو نعم الوكيل، ~~ومعنى " الوكيل " أنني عندما أعجز عن أمر أوكل أحدا فهو وكيل عني، ~~وعندما نوكل الله فيما عجزنا عنه فهو نعم الوكيل، لماذا؟ وتأتينا ~~الإجابة: { فانقلبوا بنعمة من الله } [آل عمران: 174]، ~~ولقد نصروا ms1476 بالرعب الذي أنزله الله في قلوب أعدائهم ولم يشتبكوا مع ~~الكفار، فصدق قول الله: # سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب.. # [الأنفال: 12]. ويأتي الحق من بعد ذلك بما يصدق القضية: { ~~فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم } ~~[آل عمران: 174]. وهذه القضية يجب أن يستشعرها كل مؤمن يتعرض لتمحيص الحق ~~له، وعلى كل مسلم أن يتذكر تلك التجربة، تجربة أحد، فليلة واحدة كانت هي ~~الفارق بين يوم معركة أحد ويوم الخروج لملاحقة الكفار في حمراء الأسد، ~~ليلة واحدة كانت في حضانة الله وفي ذكر لتجربة التمحيص التي مر بها ~~المؤمنون إنها قد فعلت العجب لأنهم حينما طاردوا الكفار، لم يأبهوا ~~لمحاولات الحرب النفسية التي شنها عليهم الأعداء، بل زادهم ذلك إيمانا ~~وقالوا: { حسبنا الله ونعم الوكيل } [آل عمران: 173]. إذن ~~فقد تجردوا من نفوسهم ومن حولهم ومن قوتهم ومن عددهم ومن أي شيء إلا أن ~~يقولوا: الله كافينا وهو نعم الوكيل لمن عجز عن إدراك بغيته. لقد عرفوا ~~الأمر المهم، وهو أن يكون كل منهم دائما في حضانة ربه، وقد أخذ صحابة ~~رسول الله وآل بيت رسول الله هذه الجرعة الإيمانية واستنبطوا منها الكثير ~~في حل قضاياهم. وقول الله سبحانه: { حسبنا الله ونعم ~~الوكيل } [آل عمران: 173] يذكرنا بالإمام جعفر الصادق ابن سيدي محمد ~~الباقر بن سيدي علي زين العابدين وكان من أفقه الناس بالقرآن، وكان من ~~أعلمهم في استنباط أسرار الله في القرآن، إنه كان يجد في قول الحق: { ~~حسبنا الله ونعم الوكيل } [آل عمران: 173] استنباطا ~~رائعا، فهو يتعجب لأي إنسان أدركه الخوف من أي شيء يخيف، والإنسان لا ~~يخاف إلا أمرا ينقض عليه رتابة راحته، ويقلقه ويهدده في سلامه ~~وأمنه واطمئنانه، ويكون لهذا الخوف مصدر معلوم، فإذا ما تعرض المؤمن لمثل ~~هذا الخوف فعليه أن يتذكر قول الحق: { حسبنا الله ونعم ~~الوكيل } [آل عمران: 173] لأنها قضية نفعت الجيش كله في معركته مع ~~الكفار، فحين يأخذ الفرد هذه الجرعة فهو يستعيد رباطة الجأش. # واشتداد القلب ms1477 فلا يفر عند الفزع. وينبهنا سيدنا جعفر الصادق إلى هذه ~~القضية لنفزع إليها عند كل ما يخيفنا فيقول: عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى ~~قول الله: { حسبنا الله ونعم الوكيل } [آل عمران: 173] ~~إنه بنظرته الإيمانية يتعجب لإنسان أدركه الخوف ثم لا يفزع إلى هذا القول ~~الكريم { حسبنا الله ونعم الوكيل } [آل عمران: 173]، ثم ~~يستنبط بإشراقاته سر هذا فيقول: لأني سمعت الله بعقبها يقول: { ~~فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء } [آل عمران: 174] وانظروا إلى قول سيدنا جعفر الصادق: " فإني ~~سمعت الله بعقبها " هو قرأ بنفسية المؤمن الصادق، فالمؤمن حين يقرأ كلام ~~الله إنما يستحضر أنه يسمع الله يتكلم إنه يقول: فإني سمعت الله بعقبها ~~يقول: { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء } [آل عمران: 174] ولذلك فالحق يقول: # وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~لعلكم ترحمون # [الأعراف: 204]. فأنت حين تستمع إلى القرآن فالله هو الذي يتكلم، ومن ~~العيب أن يتكلم ربك في أذنك ثم تشغل عنه وهو ربك، إذن فعلاج الخوف هو أن ~~تقول من قلبك: { حسبنا الله ونعم الوكيل } [آل عمران: ~~173] وأن تقولها بحقها، فإن قلتها بحقها كفاك الله شر ذلك الخوف، لأن ~~الله يقول بعد { وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل } [آل ~~عمران: 173]: { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء } [آل عمران: 174] انظر إلى النعمة والفضل، إنهما من ~~الله، وقد تصيبك النعمة والفضل ولكن تقدر ذلك في أخريات الأمور، فأوضح ~~الله أن النعمة زادت في أنها غنيمة باردة، ولم يحدث فيها أن مسنا سوء، ~~إن ذلك هو قمة العطاء ورأسه وسنامه، فإذا قدرته في أخريات الأمور فقد ~~أخطأت التقدير { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء } [آل عمران: 174] ونتيجة لتلك التجربة النافعة هي ~~أن " اتبعوا رضوان الله " ، وقد نجحت التجربة مع المؤمنين. ويقول الإمام ~~جعفر الصادق ليكمل العلاج لجوانب النفس البشرية، ويصف الدواء فالنفس ~~البشرية يفزعها ويقلقها ويجعلها مضطربة أن تخاف شرا يقع عليها، وعلاج ~~هذا: { حسبنا الله ونعم الوكيل } [آل عمران: 173]، ويضيف: ~~وعجبت لمن اغتم ms1478 ولم يفزع إلى قول الحق سبحانه: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87]. و " الغم " قلق في النفس، ولكنك لا تدرك أسبابه، ~~فأسبابه معقدة، صدر يضيق، ولذلك تقول: أنا صدري ضيق، أنا متعب ولا أدري ~~لماذا؟ أي لم يمر بك الآن أشياء تستوجب هذا، إنما قد تكون حصيلة تفاعلات ~~لأحداث وأمور أنت لا تتذكرها الآن، هذا اسمه " غم " ، فإذا ما فزع العبد ~~إلى قول الحق سبحانه: " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " ~~فالعبد يقر بذنبه ويقول: هذا الغم لم يأتني إلا لأنني خرجت عن المنهج، ~~ويذكرنا سيدنا جعفر الصادق بأنه سمع بعدها قول الله: # فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي ~~المؤمنين # [الأنبياء: 88]. والذي قال ذلك هو سيدنا يونس " فاستجبنا له ونجيناه من ~~الغم ". وهذه الاستجابة من الله ليست خاصية كانت ليونس عليه السلام، ~~لأنه سبحانه قال: " وكذلك ننجي المؤمنين " أي أنه باب واسع أدخل الله ~~فيه كل المؤمنين، ويضيف سيدنا جعفر الصادق: وعجبت لمن مكر به ولم يفزع ~~إلى قول الله: # وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد # [غافر: 44]. فإني سمعت الله بعقبها يقول: # فوقاه الله سيئات ما مكروا # [غافر: 45]. ومكر به معناها بيت له الشر بحيث يخفى، لأن المكر هو: ~~تبييت من خصمك لشر يصيبك، بينما أنت تقف بجانب الحق، فيكون هذا المكر ~~شرا يبيت لخير وحق، وهذا هو المكر السيىء، ويقابله مكر حسن، ~~ولذلك يقول الحق: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله.. # [فاطر: 43]. إذن فهناك مكر ليس بسيىء، كأن يبيت صاحب الحق لصاحب ~~الشر تبييتا يخفى عليه، هذا اسمه مكر خير لأنه محاربة لشر، ولذلك ~~يوضح لنا الله هذا الأمر: افطنوا إلى هذه، فإن كانوا يمكرون ويبيتون، ~~فهم إن بيتوا على الخلق جميعا لا يبيتون على الله لأنه سبحانه ~~العليم، الخالق، المربي، وإن يبيت الله لهم فلن يستطيعوا كشف هذا ~~التبييت، إذن فالله خير الماكرين لأن تبييتهم مكشوف أمام الخالق لذلك فهو ~~مكر ضعيف، أما المكر الحقيقي فهو الذي لا ms1479 توجد وسيلة تعرفه بها. ونواصل ~~مع سيدنا جعفر الصادق قوله في علاج النفس البشرية فيقول: وعجبت لمن طلب ~~الدنيا وزينتها كيف لا يفزع إلى قول الله: # ما شآء الله لا قوة إلا بالله.. # [الكهف: 39]. فإني سمعت الله يعقبها بقوله: # إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا * فعسى ربي أن ~~يؤتين خيرا من جنتك.. # [الكهف: 39-40]. واستنبط سيدنا جعفر الصادق ذلك من حكاية صاحب الجنة: # ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله لا ~~قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا ~~وولدا * فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك.. # [الكهف: 39-40]. إنك حين تقول: " ما شاء الله لا قوة إلا بالله " فإن ~~الدنيا تأتيك مهرولة، لأنك جردت نفسك من حولك، ومن قوة حيلتك وأسبابك، ~~وتركت الأمر لله سبحانه وتعالى القادر على كل عطاء. # إذن فالجوانب البشرية في النفس: هي خوف له علاج ووصفة، وهم له ~~علاج ووصفه، ومكر بك له علاج ووصفه، وطلب دنيا وسعادة لها علاج ووصفة، ~~والوصفة التي نحن بصددها هنا: { وقالوا حسبنا الله ونعم ~~الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء } [آل عمران: 173-174]. والنعمة أن يعطيك الله على ~~قدر عملك، والفضل من الله هو أن يزيدك عطاء، ولم يمسس السوء أحدا من ~~المؤمنين الذين طاردوا المقاتلين من قريش، وكان من نتيجة ذلك أنهم جمعوا ~~بين كل ما وهبه الله لهم من نعمة وفضل مع اتباعهم رضوان الله فقد صارت ~~المسألة بالنسبة لهم تجربة محسة ومجربة { واتبعوا رضوان ~~الله والله ذو فضل عظيم } [آل عمران: 174]. لقد حاول ~~المنافقون أن يثبطوا المؤمنين عن لقاء كفار قريش، فيريد الحق أن يكشفهم، ~~ويظهر الدافع إلى مثل ذلك الموقف من المنافقين لذلك قالوا للمؤمنين: { ~~إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم } [آل عمران: 173]. ~~ويظهر الله للمؤمنين حقيقة موقف المنافقين: { إنما ذلكم ~~الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم... }. ### || [3.175] # إنها صرخة الشيطان الذي يخوف أولياءه، ويصح أن يصرخ الشيطان صرخته ~~وهو يتمثل في صورة بشر، ويصح أن ينزغ الشيطان بصرخته لواحد ms1480 من البشر ~~فيصرخ هذا الإنسان بنزغ الشيطان له { إنما ذلكم الشيطان ~~يخوف أولياءه } [آل عمران: 175]. وعندما نقرأ القرآن بدقة ~~صفائية إيمانية فلا بد أن نفهم عن القرآن بعمق، فمن هم أولياء الشيطان؟ ~~أولياء الشيطان في هذا الموقف، إما كفار قريش، وإما المنافقون أو هما ~~معا. و " أولياءه " هم أحبابه الذين ينصرون فكرته. كأن الحق سبحانه ~~وتعالى يريد أن يبلغنا: إنما ذلكم الشيطان الذي قال: إن الناس قد جمعوا ~~لكم فاخشوهم، هذا الشيطان إنما يخوف أولياءه. وللوهلة الأولى نجد أن ~~الشيطان مفترض فيه أن يخوف أعداءه. ونحن هنا أمام شيطان ينزغ بعبارة ~~التخويف، فمن الذي يخاف وممن يخاف؟ المفروض أن يخيف الشيطان أعداءه، ~~هذا هو المنطق. فنحن في حياتنا العادية نقول: خوفت فلانا من فلان، أو ~~خوفت فلانا فلانا إذن فالشيطان يحاول هنا أن يتسلط على المؤمنين ~~ويخوفهم من أوليائه الكفار والمنافقين، ونعرف في اللغة أن هناك في بعض ~~المواقف يمكننا أن نحذف حرف الجر ونصل الجملة، ونسميه " مفعولا منه ". ~~مثال ذلك قول الحق: # واختار موسى قومه سبعين رجلا.. # [الأعراف: 155]. فموسى عليه السلام اختار من قومه سبعين رجلا. وعلى ذلك ~~نقرأ قول الحق: { إنما ذلكم الشيطان يخوف ~~أولياءه } [آل عمران: 175] ونفهم منها أن ذلك الشيطان يخوفكم ~~أنتم من أوليائه، لأن حرف الجر في الآية الكريمة محذوف، ويعاضد هذا ~~ويقويه قراءة ابن عباس وابن مسعود: يخوفكم أولياءه، وينبه الحق المؤمنين ~~ألا تخافوا من أولياء الشيطان فيقول: " فلا تخافوهم ". وهذا يوضح لنا أن ~~الشيطان إنما أراد أن يخوف المؤمنين من أوليائه وهم المنافقون ~~والكافرون. وبعض المفسرين قال: " يخوف أولياءه " المقصود بهم أن الشيطان ~~يخوف أولياءه حتى يجبنوا من القتال، فنزغ فيهم أنهم إن خرجوا للقتال ~~فقد يموتون. ولكن إن جاز ذلك القول على المنافقين الذين لم يخرجوا مع ~~الرسول لملاقاة المشركين فكيف يجوز ذلك على الصنف الثاني من أوليائه وهم ~~الكفار؟ إن الكفار قد خرجوا فعلا لقتال المؤمنين. ونفهم من قول الحق: " ~~فلا تخافوهم وخافون " أن أولياء الشيطان ليسوا هم الخائفين ولكنهم هم ms1481 ~~المخوفون: { إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه ~~فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين } [آل عمران: ~~175]. فالحق سبحانه يطلب من المؤمنين أن يصنعوا معادلة ومقارنة، أيخافون ~~أولياء الشيطان، أم يخافون الله؟ ولابد أن يصلوا إلى الخوف من الله ~~القادر على دحر أولياء الشيطان. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: { ولا ~~يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن ~~يضروا الله شيئا... }. ### || [3.176] # لقد كان المنافقون في أول المعركة مختفين ومستورين، ثم ظهرت منهم بادرة ~~الانخذال في أحد فكانوا أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان، ولكنهم من ~~بعد ذلك سارعوا إلى الكفر، كأن هناك من يلاحقهم بسوط ليتسابقوا إلى ~~الكفر. وها هو ذا الحق سبحانه قد حدد عناصر المعركة، أو قوى المعركة، أو ~~ميدان المعركة أو جنود المعركة، فينبه رسوله: { ولا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر } [آل عمران: 176] ولم يقل: لن ~~يضروكم شيئا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته المؤمنين ليسوا ~~طرفا في المسألة، فعداء الذين يسارعون في الكفر هو عداء لله لذلك يقول ~~الحق: { إنهم لن يضروا الله شيئا } [آل عمران: 176]. ~~كأن المعركة ليست مع المؤمنين. ولكنها معركة الكافرين مع الله، وما دامت ~~المعركة مع الله فالمؤمنون جند الله وهم الصورة التي أرادها الله لهزيمة ~~الكافرين: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين # [التوبة: 14]. فلو كانت معركة الكفر مع المؤمنين بالله فقط لقال الله: ~~ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروكم شيئا، لكن المسألة ~~ليست هكذا، لقد أراد معسكر الكفر والنفاق أن يدخل معركة مع الله، ولا ~~توجد قوة قادرة على ذلك، ولهذا يطمئن الله المؤمنين أكثر، ليزدادوا ~~ثباتا على الإيمان لأن الكل من البشر مؤمنين وكفارا أغيار، وقد يتحول ~~بعض من البشر المؤمنين الأغيار عن المنهج قليلا، فعندما تكون المعركة ~~بين بشر وبشر فقد يغلب أحد الطرفين بقوته. ومن أجل المزيد من الاطمئنان ~~الكامل نقل الله المعركة مع الكفر إلى مسألة أخرى، إنه بجلاله وكماله ~~وجبروته هو الذي يقف ضد معسكر الكفار. والمهم فقط أن ms1482 يظل المؤمنون في ~~حضانة الله. والرسول كان يحزنه أن يسارع البعض إلى الكفر. فهل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا يعلم أنه إنما جاء مبلغا فقط؟. إنه يعلم ولكنه ~~كان يحرص - صلى الله عليه وسلم - على أن يؤمن الناس جميعا ليذوقوا حلاوة ~~ما جاء به، هذا الحرص هو الذي يدفع الحزن إلى قلب الرسول، وعندما يرى ~~واحدا لا يتذوق حلاوة المنهج، فالرسول يأمل أن يذوق الناس كلهم حلاوة ~~الإيمان لأنه صلى الله عليه وسلم رءوف رحيم بالمؤمنين، بل وبالناس جميعا ~~{ ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [الأنبياء: ~~107] ودليل ذلك أن جاءه التخيير. # " فقد نادى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " إن الله قد سمع ~~قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت ~~فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال: يا محمد، إن الله قد ~~بعثني إليك وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك فما شئت؟ إن شئت أطبق عليهم ~~الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " بل أرجو أن يخرج الله من ~~أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا " ". # فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يبقى على هؤلاء فقط ولكنه يحرص أيضا على ~~الأجيال القادمة. وقد كان. وخرج من أولاد كفار قريش صناديد وأبطال وجنود ~~دعوة وشهداء. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم - كما أخبر الله في ~~آيات القرآن - يحزن عندما لا يذوق أحد حلاوة الإيمان، ويقول الحق: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. وفي موقع آخر يقول الحق: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. والحق سبحانه وتعالى لا يريد أعناقا، لكنه يريد قلوبا ~~تأتي له بعامل الاختيار والمحبة، فباستطاعته وهو الخالق الأكرم أن يخلق ~~البشر على هيئة عير قابلة للمعصية، كما خلق الملائكة، إن كل الأجناس ~~تسبح بحمده، إذن فالقرآن يبين حرصه صلى الله عليه وسلم بأن يؤمن ~~الناس ms1483 جميعا وأن يذوقوا حلاوة اللقاء بربهم، واتباع منهج الله وحلاوة ~~التشريع الذي يسعدهم ويسعد كل ملكاتهم. فإذا ما جاءت المسائل على غير ~~ما يحب رسول الله. فها هو ذا قول الله سبحانه: { ولا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر } [آل عمران: 176]. وهذا دليل على ~~أن الله يريد أن يبلغ البشر: أيها الناس إن من فرط حب الرسول لكم ~~أنه يحزن من أجل عصيانكم وأنا الذي أقول له: لا تحزن. والرسول صلى الله ~~عليه وسلم رحيم بالأمة كلها، كما يقول القرآن: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. ويكفيه موقفه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، حين ~~تذهب كل أمة إلى رسولها ليردها، فتأتي الأمم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيكرمه الله بقبول شفاعته حتى يعجل الله بالفصل والحساب، ~~وهذه رحمة للعالمين لأنهم من هول الموقف يتمنون الانصراف ولو إلى النار. ~~ونحن قلنا سابقا: إن الحق سبحانه وتعالى علم انشغال سيدنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأمته وبرحمته بهم، فقال له الله - ليريح عواطفه ومواجيده ~~- ما ورد هنا في الحديث الشريف: فعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني ~~فإنه مني # [إبراهيم: 36]. وقول عيسى - عليه السلام - # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118]. # " فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل ~~اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة ~~والسلام فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، ~~فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: " إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك ~~" ". # ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - له موقف آخر يدل على كمال رحمته ~~بأمته، فقد أنزل الله فيما أنزل من القرآن الكريم - بعد فترة الوحي - ~~قوله تعالى: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5]. انظروا إلى ما ورد عن ms1484 سيدنا علي في هذه الآية، فقد روي ~~أنه - رضي الله عنه - قال لأهل العراق: إنكم تقولون: إن أرجى آية في كتاب ~~الله تعالى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا # [الزمر: 53]. قالوا: إنا نقول ذلك قال: ولكنا - أهل البيت - نقول: إن ~~أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5]. وفي الحديث لما نزلت هذه الآية قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: # " إذا لا أرضى وواحد من أمتي في النار ". # كما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # " لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعتي ~~لأمتي يوم القيامة ". # وهكذا نرى شغل رسول الله بأمته كأمر واضح موجود في بؤرة شعوره. إذن فقول ~~الله: { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } [آل ~~عمران: 176] هو توضيح من الله لرسوله بأنهم لم يسارعوا في الكفر تقصيرا ~~منك، فأنت قد أديت واجبك، ويضيف سبحانه: { إنهم لن يضروا ~~الله شيئا } [آل عمران: 176] ولم يقل سبحانه: إنهم لن يضروك، أو لن ~~يضروا المؤمنين، لا بل لقد جعل سبحانه وتعالى المعركة معه وهو القوي ذو ~~الجبروت إنه هنا يطمئن المؤمنين. ويريد الله ألا يجعل للذين يسارعون إلى ~~الكفر حظا في الآخرة فيقول: { يريد الله ألا يجعل لهم ~~حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم } [آل عمران: 176] وما ~~دامت هذه إرادات الله في ألا يجعل لهم حظا في الآخرة، أيكون لهم عمل ~~يصادم مرادات ربهم؟ لا. إنه سبحانه يريد بما شرع من منهج أن تأتيهم ~~سنته، والله يعذب من يخالف سنته التي شرعها. لأنه جلت قدرته يطلب من ~~المكلفين أن يطبقوا سنته التي شرعها لهم. وفرق بين وجود " لام العاقبة " ~~التي تأتي حين يكون في مراد العبد شيء، ولكن القدرة الأعلى تريد شيئا ~~آخر، وهي تختلف عن " لام الإرادة والتعليل " ف " لام الإرادة والتعليل " ~~تتضح في قولنا: ذاكر التلميذ لينجح، لأن علة المذاكرة هي الرغبة في ~~النجاح، أما " لام العاقبة " فتتضح ms1485 عندما يقول الأب لابنه: أنا دللتك ~~لترسب آخر العام. # أدلل الأب ابنه حتى يرسب؟ لا، ولكن الأب يأتي هنا ب " لام العاقبة " ~~أي كان للأب مراد، ولكن قدرة أعلى جاءت على خلاف المراد. ونوضح المسألة ~~أكثر، فالحق يقول في قصة سيدنا موسى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني ~~إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7]. ونحن لا بد أن نتنبه إلى قول الحق: " فألقيه في اليم " ~~والإنسان العادي لو قال لامرأة تحمل رضيعها: إن خفت على ابنك فألقيه في ~~البحر. هذه المرأة لن تصدق هذا القائل، لكن أم موسى تلقت هذا الوحي من ~~الله، والتلقي من الله لا يصادمه فكر شيطان ولا فكر بشر، فالإلهام من ~~الله يتجلى في قوله: " وأوحينا إلى أم موسى ". وما دام الله هو الذي ~~ألهمها، فإن خاطر الشيطان لا يجيء. ولذلك قامت أم موسى بتنفيذ أمر الله. ~~ويطمئنها الله فقال لها: # ولا تخافي ولا تحزني إنا رآدوه إليك ~~وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7]. وينبه سبحانه أم موسى أنه لن يرده إليها لمجرد أنه قرة ~~عين، ولكن لأن لموسى أيضا مهمة مع الله. وفي لقطة أخرى يقول الحق عن ~~مسألة الوحي لأم موسى: # إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت ~~عليك محبة مني ولتصنع على عيني # [طه: 38-39]. والحق هنا في هذه اللقطة يصف وقت تنفيذ العملية التي أوحى ~~بها، ففيه فرق بين التمهيد للعملية قبل أن تقع كما حدث في اللقطة السابقة ~~حيث قال لها الحق: # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم # [القصص: 7]. كان ذلك هو الإعداد، ثم جاء وقت التنفيذ، فقال الحق لموسى: # إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى # [طه: 38]. إنها سلسلة من الأوامر المتلاحقة التي تدل على أن هذه العملية ~~كانت في وقت أخذ جنود فرعون لأطفال بني إسرائيل ليقتلوهم، إنه سبحانه ~~يبين لنا أن جنود الله من الجمادات ms1486 التي لا تعي تلقت الأمر الإلهي بأن ~~تصون موسى، فكلمة " اقذفيه " تدل على السرعة، وتلقي " اليم " الأمر من ~~الله بأن موسى عندما يلقى في البحر، فلا بد أن يلقيه إلى الساحل. # إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل # [طه: 38-39] إنها أوامر للمسخر من المخلوقات التي لا تعصي. لكن كيف ~~تكون أوامر الحق لعدو لله؟ إن الله يدخلها كخاطر ملح في رأس فرعون ~~لينفذ مراد الله. إن امرأة فرعون تقول له ما جاء في قوله تعالى: # وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا ~~تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا ~~يشعرون # [القصص: 9]. لقد دخل أمر الله كخاطر، والتقطه آل فرعون لا ليكون قرة عين ~~لامرأة فرعون، ولكن لأمر مختلف أراده الله. فهل ساعة الالتقاط كان في ~~بالهم أن يكون موسى عدوا أو قرة عين؟ إنها " لام العاقبة " التي تتضح ~~في قوله: # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. فالإنسان يكون في مراده شيء، ولكن القدرة الأعلى من ~~الإنسان - وهو الله - تريد شيئا آخر. الإنسان في تخطيطه أن يقوم ~~بالعملية لكذا، ولكن القوة الأعلى من الإنسان تريد العملية لهدف آخر، ~~وهي التي أوحت للإنسان أن يقوم بهذه العملية. ويتجلى ذلك بوضوح في العلة ~~لالتقاط آل فرعون لموسى. كان فرعون يريده قرة عين له، ولكن الله أراده ~~أن يكون عدوا لفرعون. وفي هذا المثال توضيح شامل للفرق بين " لام ~~العاقبة " و " لام الإرادة والتعليل " وعندما نرى أحداثا مثل هذه ~~الأحداث فلا نقول: " هذا مراد الله " ولكن فلنقل: العاقبة فيما فعلوا ~~وأحدثوا خلاف ما خططوا. وبعد ذلك يقول الحق: { إن الذين ~~اشتروا الكفر بالإيمان... }. ### || [3.177] # إنهم لن يضروا الرسول وصحابته لأنهم في معية الله وهم لن يضروا الله، ~~وفي ذلك طمأنة للمؤمنين، كأن الحق سبحانه وتعالى يقول: أيها المؤمنون بي ~~المصدقون بمحمد إن المعركة مع الكفر ليست معركة المؤمنين مع الكافرين، ~~ولكنها معركة ربكم مع هؤلاء الكافرين وفي هذا اطمئنان كبير. { إن ~~الذين ms1487 اشتروا الكفر بالإيمان } [آل عمران: 177]، و " ~~الاشتراء " صفقة، والصفقة تقتضي " ثمنا " و " مثمنا ". و " الثمن " ~~هنا هو الإيمان، لأن الباء تدخل على المتروك، و " المثمن " هو الكفر ~~لأنه هو المأخوذ. فهل أخذوا الكفر ودفعوا الإيمان ثمنا له؟ وهل معنى ذلك ~~أن الإيمان كان موجودا لديهم؟ نعم كان عندهم الإيمان لأن الإيمان القديم ~~هو إيمان الفطرة وإيمان العهد القديم الذي أخذه الله على الذر قبل أن ~~توجد في الذر الأغيار والأهواء: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين # [الأعراف: 172]. أو على الأقل كان الإيمان والكفر في متناولهم بانضباط ~~قانون الاختيار في النفس البشرية، لكنهم أخذوا الكفر بدل الإيمان. ~~والبدلية واضحة، فقد استبدلوا الكفر بالإيمان، فالباء - كما قلت - دخلت ~~على المتروك. لقد تركوا الإيمان القديم وهو إيمان الذر، أو تركوا إيمان ~~الفطرة فالحديث الشريف يقول: # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ~~". # لقد انسلوا من الإيمان، ودفعوه ثمنا للكفر، فعندما يأخذ واحد الكفر، ~~فهو قد أخذ الكفر بدلا من الإيمان وهم { لن يضروا الله شيئا ~~ولهم عذاب أليم } [آل عمران: 177] لماذا؟ لأننا إن افترضنا أن ~~الدنيا كلها قد آمنت فهذا لن يفيد الله في شيء. والحديث القدسي يقول: ~~قال الله تعالى: # " يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرما بينكم فلا تظالموا، ~~يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا ~~من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني ~~أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا، ~~فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا ~~نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على ~~أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم ~~وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ms1488 منكم ما نقص ذلك من ~~ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد ~~واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص ~~المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم ~~أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن ~~إلا نفسه ". # إذن، فلا الإيمان من البشر يزيد الله شيئا، ولا الكفر ينقص من الله ~~شيئا لأن الإنسان قد طرأ على ملك الله، ولم يأت الإنسان في ملك الله ~~بشيء زائد، فالإنسان صنعة الله وخلقه من عناصر ملكه - جلت قدرته - ويستمر ~~الحديث في توضيح أن الحق سبحانه لا يعالج شيئا بيديه فيأخذ منه زمنا. ~~لا، إنه سبحانه جلت مشيئته يقول للشيء: كن فيكون. وكلمة " كن " نفسها ~~هي أقصر أمر. إن أمره ألطف وأدق من أن يدركه على حقيقته مخلوق. لكن الحق ~~يأتي لنا بالصورة الخفيفة التي تجعل بشريتنا تفهم الأمر. فالذين اشتروا ~~الكفر بالإيمان لن يضرو الله شيئا ولهم عذاب أليم. فهم لن يعيشوا ~~بنجوة وبعد عن العذاب، بل سيكون لهم العذاب الأليم. ونحن نجد أن ~~الحق يقول مرة في وصف مثوى الكافرين إنه عذاب أليم، ومرة أخرى لهم عذاب ~~عظيم ومرة عذاب مهين، لماذا؟ لأن العذاب له جهات متعددة، فقد يوجد عذاب ~~مؤلم، ولكن المعذب يتجلد أمام من يعذبه ويظهر أنه ما زال يملك ~~بقية من جلد، إنه يتألم لكنه يستكبر على الألم، ولذلك قال الشاعر: # وتجلدي للشامتين أريهمو # إني لريب الدهر لا أتضعضع # فالتجلد هو نوع من الكبرياء على الواقع. ولذلك يأتي من بعد ذلك قوله ~~الحق إن لأمثال هؤلاء عذابا مهينا، أي إنهم سيذوقون الذل والألم، ولا ~~أحد فيهم يستطيع التجلد. وهذا النوع من العذاب لا يقف فقط عند حدود ~~الألم العادي، ولكنه عذاب عظيم في كميته وقدره، وأليم في وقعه. ومهين في ~~إذلال ودك النفس البشرية وغرورها: لذلك فعندما نجد أن العذاب الذي أعده ~~الله للكافرين موصوف بأنه " عذاب ms1489 أليم " ومرة " عذاب عظيم " ومرة " عذاب ~~مهين " فلنعرف أن لكل واحدة معنى، فليست المسألة عبارات تقال هكذا بدون ~~معنى مقصود. وأريد أن أقف هنا في هذا الحديث عند " لام العاقبة " لأن ~~البعض يحاول أن يخلق منها إشكالات، إن هؤلاء المتربصين لكلام الله ~~يحاولون النيل منه، وهم لا يبحثون إلا فيما يتوهمون - جهلا - أنه نقاط ~~ضعف، وهو سبحانه وتعالى يقول عن الكفار والعياذ بالله وهم في النار: # ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون * ~~قال اخسئوا فيها ولا تكلمون * إنه كان فريق ~~من عبادي يقولون ربنآ آمنا فاغفر لنا ~~وارحمنا وأنت خير الراحمين * فاتخذتموهم ~~سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم ~~تضحكون # [المؤمنون: 107-110]. لقد انشغل الكفار بالسخرية من أهل الإيمان ~~بإشارات أو لمز وغمز أو اتهام بالرجعية أو الدروشة أو مثل ذلك من ~~ألوان السخرية، لدرجة أنهم نسوا مسألة الإيمان، فما الذي أنساهم ذكر ~~الله؟ لقد أنساهم ذكر الله انشغالهم بالسخرية من أهل الإيمان. # لقد قضى الكفار وقتهم كله للسخرية من أهل الإيمان حتى نسوا ولم يتذكروا ~~أن هناك خالقا للكون. وهذا ما يسمى " غاية العاقبة " وليست غاية وعلة ~~للإرادة، لأنهم لم يريدوا نسيان ذكر الله ولكن أمرهم انتهى إلى ذلك. ~~وسيعذب الله الكافرين عذابا أليما وعظيما ومهينا. ولكل وصف مراده ~~في النص حتى يستوعب كل حالات الإهانة من إيلام، فالذي لا يألم بشيء صغير ~~ولا يتحمل الألم القوي سيجد الألم الكبير، وكذلك الذي يتجلد على الألم ~~العظيم، سيجد الألم المهين. ثم يقول الحق سبحانه: { ولا يحسبن ~~الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم ~~إنما نملي... }. ### || [3.178] # وعندما نسمع قول الله: " ولا يحسبن " فهو نهي، وقد نهى الله الكافرين عن ~~ماذا؟ إن الكافر عندما يجد نفسه قد أفلت في المعركة من سيف المؤمنين وأن ~~عمره قد طال في الكفر، فهو يظن أن الحق سبحانه وتعالى تركه لخير له لأنه ~~يفهم أن عمره هو أثمن شيء عنده، فما دام قد حوفظ له على عمره فهو الخير. ~~نقول لمثل هذا الكافر: إن العمر ms1490 زمن، والزمن وعاء الأحداث، إذن فالزمن ~~لذاته لا يمجد إلا بالحدث الذي يقع فيه، فإن كان الحدث الذي يقع في ~~الزمن خيرا فالزمن خير. وإن كان الحدث الذي يقع في الزمن شرا، فالزمن ~~شر، وما دام هؤلاء كافرين، فلا بد أن كل حركاتهم في الوجود والأحداث التي ~~يقومون بها هي من جنس الشر لا من جنس الخير، لأنهم يسيرون على غير منهج ~~الله. وربما كانوا على منهج المضادة والمضارة لمنهج الله. وذلك هو الشر. ~~إذن فالله لا يملي لهم بقصد الخير، إنما يملي الله لهم لأنهم ما داموا ~~على الكفر فهم يشغلون أوقات أعمارهم بأحداث شرية تخالف منهج الله. وكل ~~حدث شرى له عذابه وجزاؤه. إذن فإطالة العمر لهم شر. والحق سبحانه يقول: ~~{ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم } [آل عمران: 178] و " يحسبن " هي فعل مضارع، والماضي ~~بالنسبة له هو " حسب " - بكسر السين - ولذلك قال الحق سبحانه في موقع ~~آخر من القرآن الكريم: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2]. إن الماضي هو " حسب " - بكسر السين - والمضارع " ~~يحسب " - بفتح السين -. أما حسب " يحسب " - بكسر السين - في المضارع ~~وفتحها في الماضي فهي من الحساب والعدد، وهو عدد رقمي مضبوط. أمر " ~~حسب " و " يحسب " فتأتي بمعنى الظن، والظن كما نعرف أمر وهمي، والحق ~~سبحانه يذكرهم أن ظنونهم بأن بقاء حياتهم هو خير لهم ليست حقا. بل هي ~~حدس وتخمين لا يرقى إلى اليقين. صحيح أن العمر محسوب بالسنوات لأن العمر ~~طرف للأحداث، والعمر بذاته - مجردا عن الأحداث - لا يقال إن إطالته خير ~~أو شر، وإنما يقال: إن العمر خير أو شر بالأحداث التي وقعت فيه، والأحداث ~~التي تقع من الكافر تقع على غير منهج إيماني فلا بد أن تكون شرا، حتى ~~ولو فعل ما ظاهره أنه خير فإنه يفعله مضارة لمنهج الله. فلو كانت المسألة ~~بالعملية الرقمية لقلنا: " حسب " و " يحسب " - بفتح السين في الماضي ~~وكسر السين في المضارع - لكن هي مسألة وهمية ظنية لذلك ms1491 نقول " يحسب " - ~~بفتح السين في المضارع - أي يظن. # وهو سبحانه يقول: { إنما نملي لهم } [آل عمران: 178] ما ~~الإملاء؟ الإملاء هو تمديد الوقت وإطالته. ولذلك نجد في القرآن: # قال أراغب أنت عن آلهتي يإبراهيم لئن لم ~~تنته لأرجمنك واهجرني مليا # [مريم: 46]. إنه يأمر سيدنا إبراهيم أن يهجره مدة طويلة. هذا هو معنى " ~~واهجرني مليا ". والمقصود هنا أن إطالة أعمارهم بعد أن أفلتوا من سيوف ~~المؤمنين. ليست خيرا لهم ولا يصح أن يظنوا أنها خير لهم، لأن الله إنما ~~يملي لهم " ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين " وهنا نجد " لام العاقبة ". ~~وإياك أن تقول أيها المؤمن: إن الله قد فعل ذلك ليعاقبهم. لا لأن الله ~~سبحانه وتعالى قد وضع سننه في الكون ويطبقها على من يخرج على منهجه، فمن ~~يصنع إثما يعاقبه الله عليه { إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما } [آل عمران: 178] فكل ظرف من الزمن يمر عليهم يصنعون فيه ~~أعمالا آثمة على غير المنهج. { ولهم عذاب مهين } [آل عمران: ~~178] وتأتي كلمة " مهين " وصفا للعذاب مناسبة تماما لأن الكافر قد يخرج ~~من المعركة وقد تملكه الزهو والعجب بأن أحدا لم يستطع أن يقطع رقبته ~~بالسيف، ويتيه بالعزة الآثمة، لذلك فالإيلام هنا لا يكفي، لأنه قد يكتم ~~الألم ويتجلد عليه، ولكن العذاب عندما يكون مهينا فهو العقاب المناسب ~~لمثل هذا الموقف. والمتكلم هنا هو الله، وسبحانه العليم بالمناسب لكل ~~حال. ومن بعد ذلك يقول الحق: { ما كان الله ليذر ~~المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز الخبيث ~~من الطيب وما كان الله ليطلعكم... }. ### || [3.179] # وساعة نسمع " ما كان " فلنعرف أن هنا " جحودا " أي أن هناك من يجحد ~~القضية ويسمونها " لام الجحود ". فقبل حادثة أحد، كان المنافقون ~~متداخلين مع المؤمنين. أكان الله يترك الأمر مختلطا هكذا، ولا يظهر ~~المنافقين بأحداث تبين مواقعهم الحقة من الإيمان؟ لا، إنه سبحانه وتعالى ~~لا يقبل ذلك حتى لا يظل المنافقون دسيسة في صفوف المؤمنين. وكان لابد أن ~~تأتي الأحداث لتكشفهم. وجاءت أحداث أحد لتهيج الصف المنسوب إلى ~~الإيمان، وتفرزه ليتميز ms1492 الخبيث من الطيب، مصداقا لقوله الحق: # فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض.. # [الرعد: 17]. إذن كانت أحداث أحد ضرورية. وقوله الحق: { ما كان ~~الله ليذر المؤمنين } [آل عمران: 179] مقصود بها أن الله لم ~~يكن ليدع المؤمنين ويتركهم عرضة لاختلاط المنافقين بهم بدون أن يتميز ~~المنافقون بشيء من الأشياء، حتى لا تظل المسألة مقصورة على ما يعلمه ~~الله لرسوله من أمر المنافقين. فلو أعلم الله رسوله فقط بأمر المنافقين، ~~ولو أعلن الرسول ذلك للمؤمنين دون اختبار واقعي للمنافقين لكان ذلك مجرد ~~تشخيص نظري للنفاق يأتي من جهة واحدة، وأراد الله أن تأتي حادثة واضحة ~~وتجربة معملية واقعية تبين وتظهر الواقع، حتى ينكشف المنافقون، وحتى لا ~~يعترض أحد منهم عندما يوصف بأنه منافق، وحتى لا يكون هذا الوصف مجرد كلام ~~من الخصم، بل بفعل ارتكبوه هم عمليا، وبذلك تكون الحجة قوية للغاية. لقد ~~كان المنافقون أسبق الناس إلى الصفوف الأولى في الصلاة لأن كل منافق منهم ~~أراد أن يحبك مسألة نفاقه، ويواريه، فيحرص على ما يندفع المؤمنون ~~إليه، والمنافق كان يعرف أن المؤمنين يتسابقون إلى الصلاة، فهو يسارع ~~ليكون في الصف الأول من الصلاة. ويخبر الله سبحانه وتعالى رسوله: # ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم ~~أعمالكم # [محمد: 30]. أي لو لاحظت كلامهم لعرفتهم، مثلهم مثل كل المنافقين في ~~الدنيا، تلاحظ في كلامهم لقطة من نفاق فالمؤمن حين يجلس مع جماعة من ~~المنافقين ويأتي وقت صلاة الظهر ويدعو الأذان إلى الصلاة، تجد المؤمن ~~يقول: فلنقم إلى الصلاة وهنا يسخر المنافق ويقول للمؤمن: لتأخذني على ~~جناحك للجنة يوم القيامة. ومثل هذه الكلمة يكون " لحن القول ". أو عندما ~~يدخل مؤمن على جماعة من الناس فيهم منافق، فيستقبل المنافق المؤمن بلهجة ~~من السخرية في التحية، " كيف حالك أيها الشيخ فلان "؟ ومعنى ذلك أنه غير ~~مستريح لوجود المؤمن فيسخر منه. وذلك من " لحن القول " الذي يظهر به ~~المنافق. ومثل هذه العمليات عندما يواجهها المؤمن الواعي المستنير الذي ~~يتجلى الله ms1493 عليه بالإشراقات النورانية، مثل هذه العمليات تكون وقودا ~~للمؤمن وتزيد من إيمانه لأن المؤمن على منهج الحق، وقادر على نفسه؟ هذا ~~ما يغيظ المنافق كثيرا فالمنافق يتسائل بينه وبين نفسه: لماذا يقدر ~~المؤمن على نفسه؟ والمنافق لا يقدر على نفسه لذلك يريد أن يسحب المؤمن من ~~عقيدته ليكون معه على النفاق والعياذ بالله. # وعلى المؤمن أن يوطن نفسه على أنه سيواجه منافقين يريدون أن يردوه عن ~~الإيمان، وسيجد أناسا يسخرون منه ويتغامزون عليه، مصداقا لقوله الحق: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين # [المطففين: 29-33]. والمنافق أو الكافر قد يقول لأهله: لقد رأيت اليوم ~~شيخا أو رجل دين أو متدينا فسخرت منه وأهنته ويتندر المنافق بمثل هذا ~~القول في بيئته الفاسدة، ويكشفها الحق لنا بقوله الكريم. ليطمئن ~~المؤمنين، ويعوض كل مؤمن عما يصيبه من أهل النفاق والفساد: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على ~~الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون # [المطففين: 34-36]. فالحق سبحانه يسأل المؤمنين يوم القيامة: هل قدرنا ~~أن نجازي الكفار والمنافقين الذين سخروا منكم؟ فيقولون: نعم يارب ~~العالمين قد جوزوا وأثيبوا على فعلهم أوفى الجزاء وأتمه وأكمله. إن سخرية ~~المنافقين والكافرين من المؤمنين لها أمد دنيوي ينقضي، ولكن السخرية في ~~الآخرة لا تنقضي أبدا. وعندما نقيسها نحن المؤمنين، نجد أننا الفائزون ~~الرابحون إن شاء الله. فلو ترك أي منافق ليتداخل في أحضان المؤمنين، ولا ~~يظهر ذلك للمؤمنين لكانت المسألة صعبة العلاج، ولهذا يقول الحق للرسول ~~صلى الله عليه وسلم: # ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم ~~أعمالكم # [محمد: 30]. والحق لا يكتفي بذلك، لكنه يكشف لنا واقع المنافقين بتجارب ~~معملية حتى لا يقول واحد منهم: لست منافقا. وعندما يظهر الله المنافق ~~ويكشفه بحادثة مدوية فعليه، ومخجلة تبين أنه منافق، فيكون قد وصم ~~بالنفاق، لأن كثيرا من الناس الذين يظلون طوال عمرهم ms1494 ينافقون اعتمادا ~~على أنهم مسلمون في الظاهر لا يتركهم الله، بل لا بد أن يأتي الله لهم ~~بخاطر من الخواطر ويقعوا في فخ اكتشاف المؤمنين لهم حتى يعرفهم المؤمنون ~~ويقيموهم على حقيقتهم، فسبحانه وتعالى القائل: { ما كان الله ~~ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز ~~الخبيث من الطيب } [آل عمران: 179]. وكلمة " يذر " تعني " ~~يترك " أو " يدع ". والدارسون للنحو يعرفون أن هناك فعلين هما " يذر " و ~~" يدع " ، أهملت العرب الفعل الماضي لهما، فهذان الفعلان ليس لهما فعل ~~ماض. # ونستخدمهما في صيغة المضارع. والحق سبحانه لم يكن ليدع المؤمنين على ما ~~هم عليه من الاختلاط واندساس المنافقين بينهم وعدم معرفة المؤمنين ~~للمنافقين لذلك يميز ويظهر الخبيث من الطيب. فلا يكتفي بإخبار النبي بأمر ~~الخبثاء فقط، ولكنه يكشف الخبثاء بفعل واقعي. فيقول: { وما كان ~~الله ليطلعكم على الغيب } [آل عمران: 179] لأن الله لو ~~أطلعكم على الغيب لتعرفوا المنافقين لأنكروا أنفسهم منكم وستروها عنكم، ~~ولذلك يجري سبحانه الوقائع لتكشف الخبيث من الطيب، وبعد ذلك يوصم المنافق ~~بالنفاق بإقرار نفسه وإقرار فعله. { وما كان الله ليطلعكم ~~على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشآء ~~} [آل عمران: 179]. إنه جل وعلا يختار من رسله من يشاء ليطلعهم على بعض ~~الغيب حتى يزدادوا ثقة في أن الله لا يتخلى عنهم، أي يعطي للرسول دلالات ~~على المنافقين، حتى يزداد الرسول ثقة في أن الله لا يتخلى عنه. والله ~~برحمته لا يكشف الغيب لكل المؤمنين، فلو اطلع المؤمن على الغيب لفسدت ~~أمور كثيرة في الكون. وهب أن الله أطلع الإنسان على غيب حياته، فعرف ~~الإنسان ألف حادثة سارة ثم حادثة واحدة مكدرة فإن كدر الإنسان بالحادثة ~~الواحدة المكدرة التي تقع بعد عشرين عاما يفسد على الإنسان تنعمه ~~بالأحداث السارة. وإن كان الإنسان يريد أن يطلع على غيب الناس فهل يقبل ~~أن يطلع على غيبه أحد؟ فلماذا تريد أيها الإنسان أن تعرف غيب غيرك؟ أيرضى ~~أي واحد منا أن يعرف الناس غيبه؟ لا. إذن فستر المعلومات عن الناس وجعلها ms1495 ~~غيبا هي نعمة كبرى. ومع ذلك فالناس تلح أن تعرف الغيب. ونرى من يجري ~~على الدجالين والعرافين ومن يدعون كذبا أنهم أولياء لله، وكل ذلك من أجل ~~أن يعرف الواحد بعضا من الغيب. وهنا نقول: ليست مهارة العارف في أن يقول ~~لك ماذا سيحدث لك في المستقبل، لكنها في أن يقول واحد من هؤلاء المدعين ~~لمعرفة الغيب: إن حادثا مكروها سيقع لك، وسأمنعه أو أدفعه بعيدا عنك. ~~لا أحد يستطيع دفع قدر الله ولذلك فلنترك المستقبل إلى أن يقع. لماذا؟ ~~حتى لا يحيا الواحد منا في الهم والحزن قبل أن يقع. إذن فقول الحق: { ~~وما كان الله ليطلعكم على الغيب } [آل عمران: 179] ~~هو سنة من الله لأن نظام الملك ينتظم بها ويحتاج إليها. فكل إنسان له ~~هزات مع نفسه، وقد تأتي له فترة يضعف فيها في شيء من الأشياء، فإذا ما ~~عرف الغير منطقة الضعف في إنسان ما، وعرف هذا الإنسان منطقة الضعف في ~~أخيه، فلسوف يبدو كل الناس في نظر بعضهم بعضا ضعافا.. ومن فضل الله أن ~~أخفى غيب الناس عن الناس. وجعل الله إنسانا ما قويا فيما لا نعلم، وذلك ~~قويا فيما لا نعلم، وبذلك تسير حركة الحياة بانتظامها الذي أراده الله. # { وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن ~~الله يجتبي من رسله من يشآء } [آل عمران: 179] والحق ~~يجتبي من الرسل، أي بعضا من الرسل - لا كل الرسل - ليطلعهم على الغيب ~~حتى يعطي لهم الأمان بأنهم موصولون بمن أرسلهم، فهو سبحانه لم يرسلهم ~~ليتخلى عنهم، لا، إنهم موصولون به لذلك يطلعهم على الغيب، وقلنا: إن ~~الغيب أنواع: فمطلق الغيب: هو ما غاب عنك وعن غيرك. ولكن هناك غيبا ~~غائبا عنك وهو معلوم لغيرك، وهذا ليس غيبا. مثال ذلك إن ضاعت من أحدكم ~~حافظة نقوده، وسارقها غيب، ومكانها غيب عن صاحبها، لكن الذي سرقها عارف ~~بمكانها، إذن فهذا غيب على المسروق، ولكنه ليس غيبا على السارق. لأنه ~~ليس غيبا مطلقا، وهذا ما يضحك به الدجالون على السذج من الناس، ms1496 فبعض من ~~الدجالين والمشعوذين قد يتصلون بالشيطان أو الجن ويقول للمسروق حكاية ما ~~عن الشيء الذي سرق منه وهؤلاء المشعوذون لا يعرفون الغيب لأن الغيب ~~المطلق هو الذي لا يعلمه أحد، فقد استأثر به الله لنفسه. ومثال آخر: ~~الأشياء الابتكارية التي يكتشفها البشر في الكون، وكانت سرا ولكن الله ~~كشف لهم تلك الأشياء، وقد يتم اكتشافها على يد كفار أيضا. فهل قال أحد: ~~إنهم عرفوا غيبا؟ لا لأن لمثل هذا الغيب مقدمات، وهم بحثوا في أسرار ~~الله، ووفقهم سبحانه أن يأخذوا بأسبابه ما داموا قد بذلوا جهدا، والله ~~يعطي الناس - مؤمنهم وكافرهم - أسبابه. وما داموا يأخذون بها فهو يعطيهم ~~المكافأة على ذلك. ولله المثل الأعلى، وسبحانه منزه عن كل تشبيه، أقول ~~لكم هذا المثل للتقريب: المدرس الذي يعطي تمرين هندسة للتلميذ ليقوم ~~بحله، فهل مجيء الحل غيب.؟ لا لأن التلميذ يعرف كيف يحل التمرين الهندسي ~~لأن فيه المعطيات التي يتدبر فيها بأسلوب معين فتعطي النتيجة. وما دام ~~التلميذ يخرج بنتيجة لتمرين ما بعد معطيات أخذها، فذلك ليس غيبا. ولذلك ~~فعلينا أن نفطن إلى أن الغيب هو ما غاب عن الكل، وهذا ما استأثر الله ~~بعلمه وهو الغيب المطلق، وهو سبحانه وتعالى يطلع عليه بعضا من خلقه من ~~الرسل، وهو سبحانه القائل: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى.. # [الجن: 26-27]. وأما الأمر المخفي في الكون، وكان غيبا على بعض من ~~الخلق ثم يصبح مشهدا لخلق آخرين فلا يقال إنه غيب، وعرفنا ذلك أثناء ~~تناولنا بالخواطر لآية الكرسي: # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ~~ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شآء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا ~~يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم # [البقرة: 255]. إن الحق سبحانه قد نسب هنا الإحاطة للبشر، ولكن بإذن ~~منه، فهو يأذن للسر أن يولد، تماما كما يوجد ms1497 للإنسان سلالات ولها أوقات ~~معلومة لميلادها، كذلك أسرار الكون لها ميلاد. وكل سر في الكون له ميلاد، ~~هذا الميلاد ساعة يأتي ميعاده فإنه يظهر، ويحيط به البشر. فإن كان العباد ~~قد بحثوا عن السر وهم في طريق المقدمات ليصلوا إليه ووافق وصولهم ميعاد ~~ميلاده، ليكونوا هم المكتشفين له. وإن لم يحن ميعاد ميلاد هذا السر فلن ~~يتم اكتشافه واذا حان ميلاد السر ولم يوجد عالم معملي يأخذ بالأسباب ~~والمقدمات فالله يخرج هذا السر كمصادفة لواحد من البشر. وحينئذ يقال: إن ~~هذا السر قد ولد مصادفة من غير موعد ولا توقع. وأسرار الله التي جاءت على ~~أساسها الاكتشافات المعاصرة، كثير منها جاء مصادفة. فالعلماء يكونون بصدد ~~شيء، ويعطيهم الله ميلاد سر آخر. إذن فليس كل اكتشاف ابنا لبحث العلماء ~~في مقدمات ما، ولكن العلماء يشتغلون من أجل هدف ما، فيعطيهم الله اكتشاف ~~أسرار أخرى لأن ميلاد تلك الأسرار قد جاء والناس لم يشتغلوا بها. ويتكرم ~~الله على خلقه ويعطيهم هذه الأسرار من غير توقع ولا مقدمات. ويستمر سياق ~~الآية { فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا ~~فلكم أجر عظيم } [آل عمران: 179] وهو سبحانه يخاطب المؤمنين. ~~والحق سبحانه وتعالى إذا خاطب قوما بوصف، ثم طلب منهم هذا الوصف فما ~~معناه؟. ومثال ذلك قول الحق سبحانه: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا.. # [النساء: 136]. إنهم مؤمنون، والحق قد ناداهم بهذا الوصف. معنى ذلك أنه ~~يطلب منهم الالتزام بمواصفات الإيمان على مر الأزمان لأن الإيمان هو يقين ~~بموضوعات الإيمان في ظرف زمني، والأزمان متعاقبة لأن الزمن ظرف غير قار. ~~و " غير قار " تعني أن الحاضر يصير ماضيا، والحاضر كان مستقبلا من ~~قبل. فالماضي كان في البداية مستقبلا، ثم صار حاضرا، ثم صار ماضيا. ~~والزمن " ظرف " ، ولكن ظرف غير قار.. أي غير ثابت. لكن المكان ظرف ثابت ~~قار. فكأن الله يخاطبك: إن الزمن الذي مر قبل أن أخاطبك شغل بإيمانك، ~~والزمن الذي يجيء أيضا اشغله بالإيمان. إذن معنى ذلك: يا أيها الذين ~~آمنوا داوموا على إيمانكم. { وإن تؤمنوا ms1498 وتتقوا فلكم ~~أجر عظيم } [آل عمران: 179] ولنا أن نتصور عظمة عطاء الحق، فالمنهج ~~الإيماني يعود خيره على من يؤديه، ومع ذلك فالله يعطي أجرا لمن اتبع ~~المنهج. إذن فعندما يضع الحق سبحانه وتعالى منهجا فإنه قد فعله لصالح ~~البشر وأيضا يثيبهم عليه، وهو يقول: # فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى # [طه: 123-124]. إن المتبع للمنهج يأخذ نفعه ساعة تأدية هذا المنهج. ~~ويزيد الله فوق ذلك أنه سبحانه يعطي المتبع للمنهج أجرا، وهذا محض ~~الفضل، وقلنا من قبل: إن العمر الذي يمده الله للكافرين والمنافقين ليس ~~خيرا. إذن فعلى الناس أن يأخذوا المسائل والأزمنة بتبعات وآثار ونتائج ~~ما يحدث فيها. ويقول الحق بعد ذلك: { ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بمآ آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم ~~بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم ~~القيامة... }. ### || [3.180] # لقد ظن بعض من المنافقين والكفار أن طول العمر ميزة لهم، وها نحن أولاء ~~بصدد قوم آخرين ظنوا أن المال الذي يجمعونه هو الخير فكلما زاد فرحوا. ~~فيقول الحق: { ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ آتاهم ~~الله من فضله } [آل عمران: 180]. فالمال قد جاءهم من فضل الله، ~~ذلك بأنهم دخلوا الدنيا بغير جيوب. ولا أحد فينا قد رأى كفنا له جيوب. ~~ولا أحد فينا قد رأى قماط طفل وليد له جيوب. فالإنسان يدخل الدنيا بلا ~~جيب، ويخرج بلا جيب. وكل ما يأتي للإنسان هو من فضل الله، فلا أحد قد ~~ابتكر الأشياء التي يأتي منها الرزق. ويمكن أن تبتكر من رزق موجود. فتطور ~~في الوسائل والأسباب وللإنسان جزء من الحركة التي وهبها الله له ليضرب في ~~الأرض، ولكن لا أحد يأتي بأرض من عنده ليزرع فيها، ولا أحد يأتي ببذور من ~~عنده لم تكن موجودة من قبل ويزرعها، ولا أحد يأتي بماء لم يوجد من قبل ~~ليروي به، فالأرض من الله، والبذور عطاء من الله، والماء من رزق الله، ~~وحتى الحركة التي ms1499 يتحرك بها الإنسان هي من فضل الله. فبالله لو أراد ~~إنسان أن يحمل الفأس ليضرب في الأرض ضربة، فهل يعرف الإنسان كم عضلة من ~~العضلات تتحرك ليرفع الفأس؟ وكم عضلة تتحرك حين ينزل الفأس؟!! وعندما ~~يضرب الإنسان الفأس. فهو يضربها في أرض الله. والذي أراد لنفسه فأسا ~~فإنه يذهب إلى الحداد ليصنعها له، لكن هل سأل الإنسان نفسه من أين أتى ~~الحديد؟ وفي هذه قال الحق: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. # [الحديد: 25]. إذن فماذا توجد أنت أيها الإنسان؟ أنت تأخذ المواد الخام ~~الأولية من عند الله، وتبذل فيها الحركة الممنوحة لك من الله، وأنت لا ~~توجد شيئا من معدوم بل إنك توجد من موجود، فكل شيء من فضل الله. وأنت ~~أيها الإنسان مضارب في كون الله. فعقلك الذي يفكر، من الذي خلقه؟ إنه ~~الله. وجوارحك التي تنفعل للعقل من الذي خلقها؟ إنه الله. وجوارحك تنفعل ~~في منفعل هو الأرض، بآلة هي الفأس، ثم ترويها بماء هو نازل من السماء. ~~فما الذي هو لك أيها الإنسان؟ إن عليك أن تعرف أنه ليس لك شيء في كل ذلك، ~~إنما أنت مضارب لله. فلتعطه حق المضاربة. والحق سبحانه لا يطلب إلا قدرا ~~بسيطا من نتاج وثمرة الأرض.. إن كانت تروى بماء السماء فعليك عشر ~~نتاجها. وإن كانت الأرض تروى بآلة الطنبور أو الساقية فعليك نصف العشر. ~~والذي يزرع أرضا فإنه يحرثها في يوم، ويرويها كل أسبوعين. أما الذي ~~يتاجر في صفقات تجارية فهي تحتاج إلى عمل في كل لحظة، لذلك فإن الحق قدر ~~الزكاة عليه بمقدار اثنين ونصف بالمائة. # إذن فكلما زادت حركة الإنسان قلل الله قدر الزكاة. وهذه العملية على عكس ~~البشر. فكلما زادت حركته. فإنهم يأخذون منه أكثر!! والله سبحانه يريد أن ~~توجد الحركة في الكون لأنه إن وجدت الحركة في الكون انتفع الناس وإن لم ~~يقصد التحرك. وبعد ذلك فأين يذهب الذي يأخذه الله منك؟. إنه يعطيه لأخ لك ~~ولغيره. فما دام سبحانه يعطي أخا لك وزميلا لك ms1500 من ثمرة ونتيجة حركتك، ~~ففي هذا اطمئنان وأمان لك، لأن الغير سيعطيك لو صرت عاجزا غير قادر على ~~الكسب. وفي هذا طمأنينة لأغيار الله فيك. فإن جاءت لك الأغيار فستجد ~~أناسا يساعدونك، وبذلك يتكاتف المجتمع وهذا هو التأمين الاجتماعي في ~~أرقى معانيه. أليس التأمين أن تعطي وأنت واجد وأن تأخذ وأنت فاقد؟. إذن ~~فهذا كله من فضل الله. { ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ ~~آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر ~~لهم } [آل عمران: 180] إن الذين يبخلون بفضل الله يظنون أن البخل خير ~~لمجرد أنه يكدس عندهم الأموال، وليس ذلك صحيحا لأن الحق يقول: { ~~سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة } [آل عمران: ~~180] أي أن ما بخلوا به يصنعه الله طوقا في رقبة البخيل، وساعة يرى ~~الناس الطوق في رقبة البخيل يقولون: هذا منع حق الله في ماله. والرسول ~~صلى الله عليه وسلم يصور هذه المسألة تصويرا دقيقا حين يبين لنا أن من ~~يطلب منه حق الله ولم يؤده، يأتي المال الذي منعه وضن وبخل به يتمثل ~~لصاحبه يوم القيامة " شجاعا أقرع " وهو ثعبان ضخم، ويطوق رقبته. قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعا أقرع له زبيبتان ~~يطوقه يوم القيامة يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - يقول: " أنا مالك أنا ~~كنزك " ثم تلا قوله تعالى: { ولا يحسبن الذين يبخلون ~~بمآ آتاهم الله من فضله } إلى آخر الآية ". # إذن فالذي يدخر بخلا على الله فهو يزيد من الطوق الذي يلتف حول رقبته ~~يوم القيامة. { ولله ميراث السماوات والأرض والله ~~بما تعملون خبير } [آل عمران: 180] نعم فلله ميراث السماوات ~~والأرض، ثم يضعها فيمن يشاء، فكل ما في الكون نسبته إلى الله، ويوزعه ~~الله كيفما شاء. إن الإيمان يدعونا ألا ننتظر بالصدقة إلى حالة بلوغ ~~الروح الحلقوم، فقد روي عن أبي هريرة أنه قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول أي الصدقة ~~أعظم أجرا؟ قال: " أن تصدق وأنت ms1501 صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا ~~تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان " # لأنه عند وصول الروح الى الحلقوم لا يكون له مال. قول الحق: { والله ~~بما تعملون خبير } [آل عمران: 180] قضية تجعل القلب يرتجف ~~خوفا ورعبا، فقد يدلس الإنسان على البشر، فتجد من يتهرب من الضرائب ~~ويصنع تزويرا دفترين للضرائب، واحدا للكسب الصحيح وآخر للخسارة الخاطئة ~~ويكون هذا المتهرب من الضرائب يملك المال ثم ينكر ذلك، هذا الإنسان عليه ~~أن يعرف أن الله خبير بكل ما يعمل. وبعد ذلك يقول الحق: { لقد سمع ~~الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن ~~أغنيآء... }. ### || [3.181] # روي - في سبب نزول هذه الآية الكريمة: قال سعيد بن جبير عن ابن عباس - ~~رضي الله عنهما - لما نزل قوله تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة # [البقرة: 245] قالت اليهود: يا محمد افتقر ربك، فسأل عباده القرض؟ فأنزل ~~الله { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله ~~فقير ونحن أغنيآء } [آل عمران: 181]. والذين عايشوا الإسلام ~~في المدينة كانوا من اليهود. واليهود كما نعرف كانوا يدلون ويفخرون على ~~العالم بأنهم أهل كتاب وعلم ومعرفة، ويدلون على البيئة التي عاشوا فيها ~~أنهم ملوك الاقتصاد كما يقولون الآن عن أنفسهم. كل من يريد شيئا يأخذه ~~من اليهود. وكانوا يبنون الحصون ويأتون بالأسلحة لتدل على القوة. وجاء ~~الإسلام وأخذ منهم هذه السيادات كلها، ثم تمتعوا بمزايا الإسلام من ~~محافظة على أموالهم وأمنهم وحياتهم. أكان الإسلام يتركهم هكذا يتمتعون ~~بما يتمتع به المسلمون أمنا واطمئنانا، وسلامة أبدان وسلامة أموال ثم ~~لا يأخذ منهم شيئا؟ لقد أخذ منهم الإسلام الجزية. فلم يكن من المقبول أن ~~يدفع المسلم الزكاة ويجلس اليهود في المجتمع الإيماني دون أن يدفعوا ~~تكلفة حمايتهم. ولذلك أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم سيدنا أبو بكر ~~الصديق الى اليهود في المكان الذي يتدارسون فيه فعن ابن عباس قال: دخل ~~ابو بكر الصديق بيت المدراس فوجد من يهود ناسا ms1502 كثيرة قد اجتمعوا على رجل ~~منهم يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم ومعه حبر يقال: أشيع، فقال ~~له أبو بكر: ويحك يا فنحاص، اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدا ~~رسول الله من عند الله قد جاء بالحق من عنده، تجدونه مكتوبا عندكم في ~~التوراة والإنجيل، فقال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من حاجة ~~من فقر، إنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا وإنا عنه ~~لأغنياء، ولو كان عنا غنيا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن ~~الربا ويعطينا، ولو كان غنيا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر - رضي الله ~~عنه - فضرب وجه فنحاص ضربا شديدا، وقال: والذي نفسي بيده لولا الذي ~~بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدو الله فأكذبونا ما استطعتم إن ~~كنتم صادقين. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ~~أبصر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما حملك على ~~ما صنعت يا أبا بكر "؟ فقال يا رسول الله: إن عدوا الله قال قولا ~~عظيما، يزعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء فلما قال ذلك غضبت لله مما ~~قال فضربت وجهه فجحد فنحاص ذلك وقال: ما قلت ذلك. # فأنزل الله فيما قال فنحاص { لقد سمع الله قول الذين ~~قالوا إن الله فقير ونحن أغنيآء } [آل عمران: ~~181]. هؤلاء لم يفطنوا إلى سر التعبير الجميل في قوله سبحانه: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا.. # [الحديد: 11]. فإن هذا القول هو احترام من الحق - سبحانه - لحركة ~~الإنسان في التملك. لماذا احترم الله حق الإنسان في التملك؟ هو سبحانه ~~يريد أن يغري المتحرك بزيادة الحركة، ويحمل غير المتحرك على أن يتحرك. ~~فإن طلب سبحانه شيئا من هذا المال فهو لا يقول للإنسان: أعطي ما أعطيت ~~لك. بل كأنه سبحانه يقول: إنني سأحترم عرقك، وسأحترم حركتك، وسأحترم ~~فكرك، وسأحترم جوارحك وطاقاتك وكل ما فيك، فإن أخذت منك شيئا فلن أقول ~~لك أعطني ms1503 ما أعطيت لك، لكن أقول لك: أقرضها لي وإن أقرضتها فسوف تقرضها ~~لا لأنتفع بها، ولكنها لأخيك. وقد اقترض من القادر فيما بعد وذلك لك أنت ~~إذا أصابتك الحاجة. لماذا؟ لأنني أنا الله الذي استدعيت خلقي إلى الوجود. ~~وما دمت أنا الله الذي استدعيت الخلق إلى الوجود فأرزاقهم مطلوبة مني. إن ~~الواحد من البشر عندما يدعو اثنين من أصدقائه فهو يصنع طعاما يكفي خمسة ~~أو عشرة أشخاص. وما دام الله هو الذي استدعى الخلق إلى الوجود فهو الذي ~~يكفل لهم الرزق. وعندما يكفل لهم الرزق فلا بد أن يتحركوا. وعندما ~~يتحركون فهو سبحانه يضمن آثار الحركة، وذلك حتى ينال كل ما يرضيه، أو ~~على الأقل ما يكفيه من الضروريات. ولذلك عندما جاءت آثار الحركة من المال ~~وتدخل البشر فيها تأميما وغير ذلك من الإجراءات قلت الحركة. لكن الله ~~سبحانه وتعالى يعلم حرص الإنسان على منفعة نفسه فيغريه بذلك حتى يتحرك ~~وسينتفع المجتمع بحركته، سواء قصد الإنسان أو لم يقصد. إذن فحين يقترض ~~الحق سبحانه وتعالى من بعض خلقه لبعض خلقه، فهو سبحانه لا يتراجع فيما ~~وهب. بل يقول جل وعلا: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~وله أجر كريم # [الحديد: 11]. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نحن البشر قد نضطر ~~إلى هذا الموقف فالواحد منا عندما يعطي أبناءه مصروف اليد، فكل ابن يدخر ~~ما يبقى منه، وبعد ذلك يأتي ظرف لبعض الأبناء يتطلب مالا ليس في مكنة ~~الوالد ساعة يأتي الحدث. فيقول الوالد لأبنائه: أقرضوني ما في " ~~حصالاتكم " ، وسأردها لكم مضاعفة، هو أخذها لأخيهم، لكن لأنه الذي وهب ~~أولا فلم يرجع في الهبة، لكنه طلبها قرضا. وعندما يأتي أول الشهر فهو ~~يرد القرض مضاعفا، فإن كان ذلك ما يحدث في مجال البشر فما بالنا بما ~~يحدث من الخالق الوهاب لعباده؟. # هو سبحانه يقول: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [الحديد: 11]. لكن اليهودي لم يأخذ المسألة بهذا الفهم، لكنه أخذها ~~بغباء المادة فقال: إن الله فقير ونحن ms1504 أغنياء. لذلك قال الحق سبحانه: { ~~لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله ~~فقير ونحن أغنيآء سنكتب ما قالوا } [آل عمران: ~~181]. ولماذا يكتب الله ذلك وهو العالم بكل شيء؟. جاء هذا القول ليدل على ~~التوثيق أيضا، فعندما يأتي هذا الرجل ليقرأ كتابه يوم القيامة يجدها ~~مكتوبة فالكتابة لتوثيق ما يمكن أن ينكر - بالبناء للمجهول - فإذا كان ~~العلم من الله فقط فالعبد قد يقول: - إنك يارب الذي تعاقب. فلك أن تقول ~~ما تقول. فإذا ما كان مكتوبا عليهم ليقرأوه. فهذا توثيق لا يمكن إنكاره. ~~ولم يفهم ذلك اليهودي أن القرض لله هو تلطف من الحق سبحانه وتعالى ~~واستدرار لحنان الإنسان على الإنسان. فقد شاء الحق أن يحترم أثر مجهودك ~~وعرقك أيها الإنسان، فإن وصلت إلى شيء من المال فهو مالك. ولم يقل الله ~~لك: أعط أخاك، فسبحانه وتعالى تلطف مع خلقه يقول: أقرضني ليضمن الإنسان ~~أن ما أعطاه إنما هو عند ملئ. لكن أدب بني إسرائيل مع الله مفقود، فقد ~~قالوا من قبل: # وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ~~ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف ~~يشآء.. # [المائدة: 64]. وسبب ذلك أنه أصابتهم سنة وجدب وذلك بسبب تكذيبهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: " إن الله وسع على اليهود في ~~الدنيا حتى كانوا أكثر الناس مالا، فلما عصوا الله وكفروا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم وكذبوه ضيق الله عليهم في زمنه صلى الله عليه وسلم، فقال ~~فنحاص بن عازوراء ومن معه من يهود: يد الله مغلولة فأنزل الله هذه الآية. ~~إنهم قالوا: السماء بخلت علينا ويد الله مغلولة، فلم تعطنا رزقا. هكذا ~~كان اجتراؤهم في الحديث عن الله " يد الله مغلولة " ونعرف أن " الغل " هو ~~ربط اليدين بسلسلة. وهاهم أولاء يجترئون مرة أخرى فيقولون: " إن الله ~~فقير ". ويورد الحق سبحانه كل ذلك تسلية لسيدنا محمد حتى إذا ما اجترأوا ~~عليه بكلمة أو على أصحابه باستهزاء، فسبحانه يوضح لرسوله: أنهم لم يصنعوا ~~ذلك معك ولا مع أتباعك، إن ms1505 هذا هو موقفهم مني أنا فإذا كان موقفهم وسوء ~~أدبهم وصل بهم إلى أن يجترئوا على الذات المقدسة العلية، ويقولون: { ~~إن الله فقير ونحن أغنيآء } [آل عمران: 181] ويقولون: # يد الله مغلولة # [المائدة: 64]. أفتحزن وتأسى على أن يقولوا لك أو لأتباعك أي شيء يسيء ~~إليكم؟ إنها نعمت المواساة من الله لرسوله ونعمت التسلية. ويضيف الحق: { ~~سنكتب ما قالوا } [آل عمران: 181]. # لماذا يكتب الله ما قالوا مع أن علمه أزلي لا ينسى؟ # لا يضل ربي ولا ينسى # [طه: 52]. لقد جاءت كلمة " سنكتب " حتى لا يؤاخذهم سبحانه وتعالى يوم ~~القيامة بما يقول هو إنهم فعلوه، ولكن بما كتب عليهم وليقرأوه بأنفسهم، ~~وليكون حجة عليهم، كأن الكتابة ليست كما نظن فقط، ولكنها تسجيل للصوت ~~وللأنفاس، ويأتي يوم القيامة ليجد كل إنسان ما فعله مسطورا: # اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. وهذا القول يدل على أنه ساعة يرى الإنسان ما كتب في ~~الكتاب سيعرف أنه منه، وإذا كنا نحن الآن نسجل على خصومنا أنفاسهم ~~وكلماتهم أتستبعد على من علمنا ذلك أن يسجل الأنفاس والأصوات والحركات ~~بحيث إذا قرأها الإنسان ورآها لا يستطيع أن يكابر فيها أو ينكرها؟ { ~~سنكتب ما قالوا } [آل عمران: 181] وهم قالوا: { إن الله ~~فقير ونحن أغنيآء } [آل عمران: 181] وهذا معصية في القمة، ~~وتبجح على الذات العلية، ولم يكتفوا بذلك بل قتلوا الأنبياء الذين أرسلهم ~~الله لهدايتهم لذلك يقول الحق: { سنكتب ما قالوا وقتلهم ~~الأنبياء بغير حق } [آل عمران: 181]. وعندما يأتي هذا النبأ ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو تسلية له من الحق سبحانه. لقد قالوا ~~في ربك يا محمد ما قالوا، وقتلوا الأنبياء إخوانك، فإذا صنعوا معك ما ~~صنعوا فلا تحزن فسوف يجازون على ما كتبناه عليهم بشهادة أنفسهم، ~~ونقول: ذوقوا عذاب الحريق. والحريق يصنع إيلاما إحساسيا في النفس. ~~والإحساس يختلف من حاسة إلى أخرى، فمرة يكون الإحساس بالبصر، ومرة ~~بالأذن، ومرة بالشم أو باللمس أو بالذوق. والذوق هو سيد الأحاسيس، فهو لا ~~يضيع من أحد أبدا، فقد نجد ms1506 إنسانا أعمى، وآخر أصم، أو شخصا ثالثا ~~أصيب بالشلل فلا تستطيع يده أن تلمس، وقد يصاب واحد بزكام مستمر فلا يصبح ~~قادرا على الشم، أما الذوق فهو حاسة لا تختفي من أي إنسان، لذلك أن ~~الذوق أمر من داخل الذات لذلك فهو أبلغ في الإيلام. ونجد الحق سبحانه ~~وتعالى يقول: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. انظر إلى التعبير القرآني " فأذاقها الله لباس الجوع ~~والخوف ". جاء التعبير بالإذاقة، وجاء بشيء لا يذاق وهو اللباس. وهل ~~اللباس يذاق؟ لا، لكنه سبحانه يريد أن ينبه الإنسان إلى أن كل الحواس ~~التي فيه تحس، حتى تلك الحاسة المختفية داخل النفس، إن ذلك يشمل كل جزء ~~في الإنسان. فالإذاقة تحيط بالإنسان في هذا التصوير البياني القرآني ~~الكريم: " فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ". إذن فهي شدة وقع الإيلام ~~واستيعاب العذاب المؤلم لكل أجزاء الجسم حتى صار الذوق في كل مكان. { ~~ذوقوا عذاب الحريق } [آل عمران: 181]، والحريق هو النار القوية ~~التي تحرق ومن بعذ ذلك يقول الحق: { ذلك بما قدمت ~~أيديكم... }. ### || [3.182] # { ذلك } [آل عمران: 182] إشارة إلى عذاب الحريق. والحق سبحانه لم ~~يظلمهم، لكنهم هم الذين ظلموا أنفسهم. { بما قدمت أيديكم } ~~[آل عمران: 182] فهل معنى ذلك أن كل المعاصي من تقديم اليد؟ إن هناك ~~معصية للعين، ومعصية للسان، ومعصية للرجل، ومعصية للقلب، ولا حصر ~~للمعاصي. فلماذا إذن قال الحق: { بما قدمت أيديكم } [آل ~~عمران: 182]؟ قال الحق ذلك لأن الأعمال الظاهرة تمارس عادة باليد فاليد ~~هي الجارحة التي نفعل بها أكثر أمورنا، وعلى ذلك يكون قول الحق: { بما ~~قدمت أيديكم } [آل عمران: 182] مقصود به: بما قدمتم بأي جارحة ~~من الجوارح. وبعد ذلك يخبرنا سبحانه: { وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد } [آل عمران: 182] لقد أذاقهم عذاب الحريق نتيجة ~~ما كتبه عليهم من قول وفعل. والقول هو الافتراء باللسان حين قالوا: { ~~إن الله فقير ونحن أغنيآء } [آل عمران: 181]. والفعل ~~هو قتلهم ms1507 الأنبياء فهم يستحقون ذلك العذاب. والقضية العامة في الإله ~~وعدالة الإله أنه ليس بظلام للعبيد. وهنا وقفة لخصوم الإسلام من ~~المستشرقين، هم يقولون: الله يقول في قرآنكم { وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد } [آل عمران: 182]، وكلمة " ظلام " هي مبالغة في ~~كلمة " ظالم " ، ففيه " ظالم " وفيه " ظلام " ، و " الظلام " هو الذي ~~يظلم ظلما قويا ومتكررا ف " ظلام " هي صيغة مبالغة في " ظالم ". ~~وحتى نرد عليهم لابد لنا أن نعرف أن صيغ المبالغة كثيرة، فاللغويون ~~يعرفون أنها: فعال، فعيل، مفعال، فعول، فعل، فظلام مثلها مثل قولنا: ~~" أكال " ، ومثل قولنا: " قتال " بدلا من أن نقول: " قاتل " فالقاتل ~~يكون قد ارتكب جريمة القتل مرة واحدة، لكن ال " قتال " هو من فعل ~~الجريمة مرات كثيرة وصار القتل حرفته. ومثل ذلك " ناهب " ، ويقال لمن صار ~~النهب حرفته: " نهاب " أي أنه إن نهب ينهب كثيرا، ويعدد النهب في ~~الناس. وهذه تسمى صيغة المبالغة. وصيغة المبالغة إن وردت في الإثبات أي ~~في الأمر الموجب فهي تثبت الأقل، فعندما يقال: " فلان ظلام " فالثابت ~~أنه ظالم أيضا، لأننا ما دمنا قد أثبتنا المبالغة فإننا نثبت الأقل. ~~ومثل ذلك نقول: " فلان علام " أو " فلان علامة " فمعنى ذلك أن فلانا ~~هذا عالم. ولكن إذا قلنا: " فلان عالم " فلا يثبت ذلك أنه " علامة ". ~~فصيغة المبالغة ليس معناها " اسم فاعل " فحسب، إنها أيضا اسم فاعل مبالغ ~~فيه، لأن الحدث يأتي منه قويا، أو لأن الحدث متكرر منه ومتعدد. # فإذا ما أثبتنا صفة المبالغة فمن باب أولى تثبت صفة غير المبالغة فإذا ~~ما قال واحد: " فلان أكال " فإنه يثبت لنا أنه آكل، هذا في الإثبات. ~~والأمر يختلف في النفي. إننا إذا نفينا صفة المبالغة، فلا يستلزم نفي ~~الصفة الأصلية، فإن قلت: " فلان ليس علامة " فقد يكون عالما. وهكذا ~~نفهم لأن الإثبات يختلف عن النفي. فإذا أثبت صفة المبالغة تثبت ~~الصفة التي ليس فيها مبالغة من باب أولى. أما إذا نفيت صفة المبالغة فلا ~~يستلزم ذلك نفي الصفة الأقل. والتذييل للآية التي نحن بصددها الآن هو { ~~وأن ms1508 الله ليس بظلام للعبيد } [آل عمران: 182]. يفهم ~~المستشرقون من هذا القول أنه مجرد نفي للمبالغة في الظلم لكنها لم تنف ~~عنه أنه ظالم ولم يفهم المستشرقون لماذا تكون المبالغة هنا: إن الحق قد ~~قال: إنه ليس بظلام للعبيد، ولم يقل إنه ليس بظلام للعبد. ومعنى ذلك أنه ~~ليس بظلام للعبيد من أول آدم إلى أن تقوم الساعة، فلو ظلم كل هؤلاء - ~~والعياذ بالله - لقال إنه ظلام، حتى ولو ظلم كل واحد أيسر ظلم. لأن الظلم ~~تكرر وذلك بتكرر من ظلم وهم العبيد، فإن أريد تكثير الحديث فليفطن ~~الغبي منهم إلى أن الله قال: { وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد } [آل عمران: 182] ولم يقل إنه ليس بظلام للعبد. وإذا كان ~~الظالم لا بد أن يكون أقوى من المظلوم، إذن فكل ظلم يتم تكييفه بقوة ~~الظالم. فلو كان الله قد أباح لنفسه أن يظلم فلن يكون ظالما لأن عظم ~~قوته لن يجعله ظالما بل ظلاما. فإن أردنا الحدث فيكون ظلاما، وإن ~~أردنا تكرارا للحدث فيكون ظلاما. وحين يحاول بعض المستشرقين أن ~~يستدركوا على قول الحق: { وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد } [آل عمران: 182] فهذا الاستدراك يدل على عجز في فهم مرامي ~~الألفاظ في اللغة أو أن هؤلاء يعلمون مرامي الألفاظ ويحاولون غش الناس ~~الذين لا يملكون رصيدا لغويا يفهمون به مرامي الألفاظ. ولكن الله ~~سبحانه وتعالى يسخر لكتابه من ينبه إلى إظهار إعجازه في آياته. وبعد أن ~~انتهى الحق من غزوة أحد، فهو سبحانه يريد أن يقرر مبادئ يبين فيها ~~معسكرات العداء للإسلام: معسكر أهل الكتاب، ومعسكر مشركي قريش في مكة، ~~ومعسكر المشركين الذين حول المدينة وكانوا يغيرون على المدينة. فبعد ~~غزوة أحد التي صفت، وربت، وامتحنت وابتلت، وعرفت الناس قضايا الدين، ~~أراد الحق بعدها أن يضع المبادئ. فأوضح القرآن: أن هؤلاء أعداؤكم تذكروهم ~~جيدا، قالوا في ربكم كذا، ويقولون في رسولكم كذا، وقتلوا أنبياءكم. ومن ~~بعد ذلك يقول الحق سبحانه: { الذين قالوا إن الله عهد ~~إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان ~~تأكله ms1509 النار... }. ### || [3.183] # هم يدعون ذلك ويقولون: ربنا قال لنا هذا في التوراة إياكم أن تؤمنوا ~~برسول يأتيكم، حتى يأتيكم بمعجزة محسة، هذه المعجزة المحسة هي أن يقدم ~~الرسول قربانا فتنزل نار من السماء تأكله. هذا كان صحيحا، وكلنا نسمع ~~قصة قابيل وهابيل: # واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا ~~قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ~~قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من ~~المتقين * لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا ~~بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العالمين # [المائدة: 27-28]. ونريد أن نقبل على القرآن ونتدبر: لماذا جاء هذا ~~اللفظ: " فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر "؟ إن القبول من الله، وهو ~~مسألة سرية عنده، فكيف نعرف نحن أن الله تقبل أو لم يتقبل؟ لا بد أنه ~~الله قد جعل للقبول علامة حسية. ونحن نعرف أن الإنسان قد يعمل عملا ~~فيقبله الله، ونجد إنسانا آخر قد يعمل عملا ولا يقبله الله والعياذ ~~بالله، فمن الذي أعلمنا أن الله قد قبل عمل إنسان وقربانه، ولم يقبل عمل ~~الآخر وقربانه؟. وبما أن القبول سر من أسرار الله إذن فلن نعرف علامة ~~القبول إلا إذا كانت شيئا محسا، بدليل قوله: # فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر # [المائدة: 27]. وقال الذي لم يتقبل الله قربانه: " لأقتلنك " كأن الذي ~~قبل الله قربانه قد عرف، والذي لم يتقبل الله قربانه قد عرف أيضا، إذن ~~فلابد أن هناك أمرا حسيا قد حدث. وقلنا: إن الله كان يخاطب خلقه على ~~قدر رشد عقولهم حسا ومعنى ولذلك كانت معجزاته سبحانه وتعالى للأنبياء ~~السابقين لرسول الله هي من الأمور المحسة. فالمعجزة التي آتاها الله ~~لإبراهيم كانت نارا لا تحرق، وعصا سيدنا موسى تنقلب حية، وسيدنا عيسى ~~عليه السلام يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. والمعجزة ~~الحسية لها ميزة أنها تقنع الحواس، ولكنها تنتهي بعد أن تقع لمرة واحدة. ~~لكن المعجزة العقلية التي تناسب رشد الإنسانية، هي المعجزة الباقية، وحتى ~~تظل معجزة باقية فلا يمكن أن ms1510 تكون حسية. إذن فعندما تأتي معجزة خالدة ~~لرسول هو خاتم الرسل، والذي سوف تقوم القيامة على المنهج الذي جاء به هذه ~~المعجزة لا بد أن تكون ذات أمد ممتد، والامتداد يناقض الحسية لأن ~~الحسية تظل محصورة فيمن رآها، والذي لم يرها لا يقولها ولا يؤمن بها إلا ~~إذا كان على ثقة عظيمة بمن أخبره بها. وابنا آدم، قابيل وهابيل قرب كل ~~منهما قربانا. و " قربان " مثلها في اللغة مثل " غفران " و " عدوان " ~~والقربان هو شيء أو عمل يتقرب به العبد من الله. # وقبول هذا العمل من البر هو سر من أسرار الله. فما الذي أدرى هؤلاء أن ~~قربان هابيل قد تقبله الله ولم يتقبل الله قربان قابيل؟ لابد أن تكون ~~المسألة حسية. ولابد أن قابيل وهابيل قد اختلفا، ولكن القرآن لم يقل لنا ~~على ماذا اختلفا، إنها دعوى أن واحدا منهما مقرب إلى الله أكثر، ولكن ~~بأي شكل؟ لم يظهر القرآن لنا ذلك، ولو كانت المسألة مهمة لأظهرها الله ~~لنا في القرآن الكريم، فلا تقل كان الخلاف على زواج أو غير ذلك. فالذي ~~ظهر لنا من القرآن أن خلافا قد وقع بينهما أو أنهما قد حكما السماء. ~~ومبدأ تحكيم السماء لا يستطيع أحد أن ينقضه. وكان لكل واحد منهم شبهة. ~~وعندما قامت الشبهة التي لقابيل ضد الشبهة التي لهابيل، فلا إقناع من ~~صاحب شبهة، ولذلك ذهبا إلى التحكيم. ونحن في عصرنا الحديث عندما نختلف ~~على شيء فإننا نقول: نجري قرعة. وذلك حتى لا يرضخ إنسان لهوى إنسان آخر، ~~بل يرضخ الاثنان للقدر، فيكتب كل منهما ورقة ثم يتركان ثالثا يجذب إحدى ~~الورقتين. أما هابيل وقابيل فيذكر القرآن الكريم: # واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا ~~قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر # [المائدة: 27]. إذن فكل واحد منهما كانت له شبهة، ولا أحد منهما بقادر ~~على إقناع الثاني لذلك قال قابيل بعد أن قبل الله قربان هابيل: " لأقتلنك ~~" فماذا قال هابيل؟. قال: # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة: 27]. إذن ms1511 فالذي يتقبل الله منه القربان هو الذي سيقتل. ~~والذي يملأه الغيظ هو من لم يتقبل الله قربانه، وهو الذي سوف يقتل. ~~فماذا قال صاحب القربان المقبول: # لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط ~~يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العالمين # [المائدة: 28]. إذن فهذا أهل لأن يتقبل الله قربانه، لأنه متيقظ الضمير ~~بمنهج السماء، وهذه حيثية لتقبل القربان. وحتى لا نظن أن الآخر " قابيل " ~~كله شر لمجرد أن الشهوة سيطرت عليه، لكن الحق يظهر لنا أن فيه بعض الخير، ~~ودليل ذلك قول الحق: # فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من ~~الخاسرين # [المائدة: 30]. وهذا القول يدل على أنه تردد، فلا يقال: " طوعت الماء " ~~، ولكن يقال " طوعت الحديد " ، فكأن الإيمان كان يعارض النفس، إلا أن ~~النفس قد غلبت وطوعت له قتل أخيه. وعندما قتل قابيل أخاه وهدأت شرة ~~الغضب وسعار الانتقام، رأى أخاه ملقى في العراء: # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ~~يواري سوءة أخيه قال ياويلتا أعجزت أن أكون ~~مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من ~~النادمين # [المائدة: 31]. وعلى هذا النسق قال اليهود: إن الله أوصانا ألا نؤمن ~~برسول إلا بعد أن يأتي بمعجزة من المحسات. # لماذا قالوا ذلك؟. قالوا ذلك لأن معجزة رسول الله الكبرى وهي القرآن ~~الكريم لم تكن من ناحية المحسات وانتهى عهد الإعجاز بالمحسات فقط، ~~فرسولنا له معجزات حسية كثيرة، ونظرا لأن هذه ينتهي إعجازها بانقضائها ~~فكان القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة وهو الذي يناسب الرسالة الخاتمة، ~~فهم طلبوا أن تكون المعجزة بالمحسات حتى يصنعوا لأنفسهم شبه عذر في أنهم ~~لم يؤمنوا، فقالوا ما أورده القرآن: { الذين قالوا إن الله ~~عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا } [آل ~~عمران: 183].. إلخ. وعلمنا الحق في هذه الآية أن القربان تأكله النار، ~~ومن هذا نستنبط كيف تقبل الله قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل، لكي ~~نفهم أن القرآن لا يوجد به أمر مكرر. والحق سبحانه يرينا ردوده الإلهية ~~المقنعة الممتعة: { قل قد جآءكم رسل من ms1512 قبلي ~~بالبينات وبالذي قلتم } [آل عمران: 183].. إلخ الآية. ~~لقد جاءكم رسل قبل رسول الله بالقربان وأكلته النار ومع ذلك كفرتم. فلو ~~كان كلامكم أيها اليهود صحيحا، لكنتم آمنتم بالرسل الذين جاءوكم ~~بالقربان الذي أكلته النار. وهكذا يكشف لنا الحق أنهم يكذبون على أنفسهم ~~ويكذبون على رسول الله، وأنها مجرد " مماحكات " ولجاج وتماد في المنازعة ~~والخصومة. والحق سبحانه يأمر رسوله أن يسأل: { فلم قتلتموهم ~~إن كنتم صادقين } [آل عمران: 183]؟ هو سبحانه يريد أن يضع لنا ~~قضية توضح أن عهد المعجزات الحسية وحدها قد انتهى، ورشد الإنسانية ~~وبلوغ العقل مرتبة الكمال قد بدأ لذلك أتى سبحانه بآية عقلية لتظل مع ~~المنهج إلى أن تقوم الساعة. ولو كانت الآية حسية لاقتصرت على المعاصر ~~الذي شهدها وتركت من يأتي بعده بغير معجزة ولا برهان. أما مجيء المعجزة ~~عقلية فيستطيع أي واحد مؤمن في عصرنا أن يقول: سيدنا محمد رسول الله وتلك ~~معجزته. ولكن لو كانت المعجزة حسية وكانت قربانا تأكله النار، فما الذي ~~يصير إليه المؤمن ويستند إليه من بعد ذلك العصر؟ إن الحق يريد أن يعلمنا ~~أن الذي يأتي بالآيات هو سبحانه، وسبحانه لا يأتي بالآيات على وفق أمزجة ~~البشر، ولكنه يأتي بالآيات التي تثبت الدليل لذلك فليس للبشر أن يقترحوا ~~الآية. هو سبحانه الذي يأتي بالآية، وفيها الدليل. لماذا؟ لأن البعض قد ~~قال للرسول: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف ~~أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى ~~تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل ~~كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 90-93]. لقد كانت كل هذه آيات حسية طلبوها، والله سبحانه ~~وتعالى يرد على ذلك حين قال لرسوله: إن الذي منعه من إرسال مثل هذه ~~الآيات هو تكذيب الأولين بها: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ms1513 ~~الأولون.. # [الإسراء: 59]. فحتى هؤلاء الذين قالوا: لن نؤمن حتى تأتي بقربان تأكله ~~النار قد جاءهم من قبل من يحمل معجزة القربان الذي تأكله النار، ومع ذلك ~~كذبوا، إذن فالمسألة مماحكة ولجاج في الخصومة. ويسلي الله رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، وتسلية الله لرسوله هنا تسلية بالنظير والمثل في الرسل. ~~كأن الحق يوضح: إن كانوا قد كذبوك فلا تحزن فقد كذبوا من قبلك رسلا ~~كثيرين، وأنت لست بدعا من الرسل. ### || [3.184] # ويتسامى الحق سبحانه وتعالى بروح سيدنا رسول الله إلى مرتبة العلو الذي ~~لا يرقى إليه بشر سواه، فيقول: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك.. # [الأنعام: 33]. فالمسألة ليست مسألتك أنت إنهم يعرفون أنك يا محمد صادق ~~لا تكذب أبدا # ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33]. أي هذا الأمر ليس خاصا بك بل هو راجع إلي فلا أحد يقول ~~عنك إنك كذاب هم يكذبونني، الظالمون يجحدون وينكرون آياتي فالحق سبحانه ~~يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم هنا للتسلية ويعطيه الأسوة التي تجعله ~~غير حزين مما يفعله اليهود والمكذبون به فيقول: { فإن كذبوك ~~فقد كذب رسل من قبلك جآءوا بالبينات ~~والزبر والكتاب المنير } [آل عمران: 184]. ونعرف أن الشرط ~~سبب في وجود جوابه. فإذا كان الجواب لم يأت فالشرط هو الذي يجعله يأتي، ~~وإذا كان الجواب قد حصل قبل الشرط فما الحل؟. الحق يوضح: إن كذبوك يا ~~محمد فقد كذبوا رسلا من قبلك. أي أن " جواب الشرط " قد حصل هنا قبل ~~الشرط وهذه عندما يتلقفها واحد من السطحيين أدعياء الإسلام، أو من ~~المستشرقين الذين لا يفهمون مرامي اللغة فمن الممكن أن يقول: إن الجواب ~~في هذه الآية قد حصل قبل الشرط. وهنا نرد عليه قائلين: أقوله تعالى: { ~~فقد كذب رسل من قبلك.. } [آل عمران: 184] هو جواب ~~الشرط.. أم هو دليل الجواب؟ لقد جاء الحق بهذه الآية ليقول لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: فإن كذبوك فلا تحزن، فقد سبقك أن كذب قوم رسلهم، ~~إنها علة لجواب الشرط، كأنه يقول: فإن كذبوك ms1514 فلا تحزن. إذن فمعنى ذلك أن ~~المذكور ليس هو الجواب، إنما هو الحيثية للجواب { فإن كذبوك ~~فقد كذب رسل من قبلك جآءوا بالبينات } [آل ~~عمران: 184].. إلخ. وعندما نقول: " جاءني فلان بكذا " فقد يكون هو الذي ~~أحضره، وقد يكون هو مجرد صاحب لمن جاء به. ولنضرب هذا المثل للإيضاح - ~~ولله المثل الأعلى - فلنفترض أن موظفا أرسله رئيسه بمظروف إلى إنسان ~~آخر، فالموظف هو المصاحب للمظروف. إذن فالبينات جاءت من الله، لكن هؤلاء ~~الرسل جاءوا مصاحبين ومؤيدين بالبينات كي تكون حجة لهم على صدق بلاغهم ~~عن الله، { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك ~~جآءوا بالبينات } [آل عمران: 184]. أي جاءوا بالآيات الواضحة ~~الدلالة على المراد. والآيات قد تكون لفتا للآيات الكونية، وقد تكون ~~المعجزات. ونعلم أن كل رسول من الرسل الذين سبقوا سيدنا رسول الله كانت ~~معجزتهم منفصلة عن منهجهم، فالمعجزة شيء وكتاب المنهج شيء آخر. " صحف ~~إبراهيم " فيها المنهج لكنها ليست هي المعجزة فالمعجزة هي الإحراق بالنار ~~والنجاة، وموسى عليه السلام معجزته العصا وتنقلب حية، وانفلاق البحر، لكن ~~كتاب منهجه هو " التوراة " ، وعيسى عليه السلام كتاب منهجه " الإنجيل " ~~ومعجزته العلاج وإحياء الموتى بإذن الله، إذن فقد كانت المعجزة منفصلة عن ~~المنهج، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن معجزته هي عين منهجه، ~~معجزته القرآن، ومنهجه القرآن، لماذا؟ لأنه جاء رسولا يحمل المنهج ~~المكتمل وهو القرآن الكريم، ومع ذلك فهو صلى الله عليه وسلم الرسول ~~الخاتم، فلا بد أن تظل المعجزة مع المنهج كي تكون حجة، إذن فقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { جآءوا بالبينات } [آل عمران: 184]: أي ~~المعجزات الدالات على صدقهم. # { والزبر والكتاب المنير } [آل عمران: 184] أي الكتب التي ~~جاءت بالمنهج، فهم يحتاجون إلى أمرين اثنين: منهج ومعجزة. و " البينات " ~~هي المعجزة أي الأمور البينة من عند الله وليست من عند أي واحد منهم، ثم ~~جاء " المنهج " في { الزبر والكتاب المنير } [آل عمران: ~~184]. ومعنى " الزبر ": الكتاب، وما دام الشيء قد كتب فقد " زبره " أي ~~كتبه، وهذا دليل على التوثيق أي مكتوب فلا ms1515 ينطمس ولا يمحى فالزبر ~~الكتابة، و " الزبر " تعني أيضا الوعظ لأنه يمنع الموعوظ أن يصنع ما ~~عظم أي يمتنع عن الخطأ وإتيان الانحراف، و " الزبر " أيضا تعني ~~العقل لأنه يمنع الإنسان من أن يرد موارد التهلكة. والذين يريدون أن ~~يأخذوا العقل فرصة للانطلاق والانفلات، نقول لهم: افهموا معنى كلمة " ~~العقل " ، معنى العقل هو التقييد، فالعقل يقيدك أن تفعل أي أمر دون دراسة ~~عواقبه. والعقل من " عقل " أي ربط، كي يقال هذا، ولا يقال هذا، ويمنع ~~الإنسان أن يفعل الأشياء التي تؤخذ عليه. و " الزبر " أيضا: تحجير البئر ~~فعندما نحفر البئر ليخرج الماء، لا نتركه. بل نصنع له حافة من الحجر ~~ونبنيه من الداخل بالحجارة. كي لا يردم بالتراب وكل معاني الزبر ملتقية، ~~فهو يعني: المكتوبات، والمكتوبات لها وصف، إنها منيرة، وهذه الإنارة ~~معناها أنها تبين للسالك عقبات الطريق وعراقيله، كي لا يتعثر. إذن فالحق ~~سبحانه وتعالى يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم ويوضح له: لا تحزن إن ~~كذبوك فقد كذب رسل من قبلك، والرسل جاءوا بالمنهج والمعجزة، وبعد أن يعطي ~~الله للمؤمنين ولرسول الله مناعة ضد ما يذيعه المرجفون من اليهود وضد ما ~~يقولون، وتربية المناعة الإيمانية في النفس تقتضي أن يخبرنا الله على ~~لسان رسوله بما يمكن أن تواجهه الدعوة حتى لا تفجأنا المواجهات ويكشف لنا ~~سبحانه بما سيقولون. وبما سيفعلونه. ونحن نفعل ذلك في العالم المادي: إذا ~~خفنا من مرض ما كالكوليرا - مثلا - ماذا نفعل؟ نأخذ الميكروب نفسه ~~ونضعفه بصورة معينة ثم نحقن به السليم كي نربي فيه مناعة حتى يستطيع ~~الجسم مقاومة المرض. ثم بعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى بقضية إيمانية ~~يجب أن تظل على بال المؤمن دائما. هذه القضية: إن هم كذبوك فتكذيبهم لا ~~إلى خلود لأنهم سينتهون بالموت، فالقضية معركتها موقوتة، والحساب أخيرا ~~عند الحق سبحانه، ولذلك يقول: { كل نفس ذآئقة الموت ~~وإنما توفون... }. ### || [3.185] # ولاحظ أن كلمة " ذائقة " جاءت أيضا هنا، ونعرف أن هناك " قتلا " وهناك ~~" موتا " ، فالموت معناه أعم وهو: انتهاء الحياة ms1516 سواء أكان بنقض البنية ~~مثل القتل، أم بغير نقض البنية مثل خروج الروح وزهوقها حتف الأنف، ولذلك ~~فالعلماء الذين يدققون في الألفاظ يقولون: هذا المقتول لو لم يقتل، أكان ~~يموت؟ نقول: نعم لأن المقتول ميت بأجله، لكن الذي قتله هل كان يعرف ميعاد ~~الأجل؟ لا. إذن فهو يعاقب على ارتكابه جريمة إزهاق الروح، أما المقتول ~~فقد كتب الله عليه أن يفارق الحياة بهذا العمل. إذن فكل نفس ذائقة الموت ~~إما حتف الأنف وإما بالقتل. ولأن الغالب في المقتولين أنهم شهداء، ~~والشهداء أحياء، لكن الكل سيموت. يقول تعالى: # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله.. # [الزمر: 68]. انظروا إلى دقة العبارة: { وإنما توفون ~~أجوركم يوم القيامة } [آل عمران: 185] أي إياكم أن تنتظروا ~~نتيجة إيمانكم في هذه الدنيا، لأنكم إن كنتم ستأخذون على إيمانكم ثوابا ~~في الدنيا فهذا زمن زائل ينتهي، فثوابكم على الإيمان لابد أن يكون في ~~الآخرة لكي يكون ثوابا لا ينتهي. ونعرف ما حدث في بيعة العقبة الثانية ~~حينما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار عهودا، قالوا: فما ~~لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ لم يقل لهم صلى الله عليه وسلم ~~ستنتصرون أو ستملكون الدنيا، بل قال: " الجنة " قالوا: ابسط يدك، فبسط ~~يده فبايعوه، فلو وعدهم بأي شيء في الدنيا لقال له أي واحد فطن منهم: ما ~~أهونها، ولذلك عندما قال واحد لصاحبه: أنا أحبك قدر الدنيا فقال له: وهل ~~أنا تافه عندك لهذه الدرجة؟ فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول: إياكم أن ~~تفهموا أن جزاء الإيمان يكون في الدنيا، لأنه لو كان في الدنيا لكان ~~زائلا ولكان قليلا كجزاء على الإيمان، لأن الإيمان وصل بغير منته وهو ~~الله، فلا بد أن يكون الجزاء غير منته وهو الجنة، فقال: { وإنما ~~توفون أجوركم } [آل عمران: 185].. وأخذ أهل اللمح من كلمة " ~~توفون " أن هناك مقدمات لأن معنى " وفيته أجره " أي أعطيته وبقي له حاجة ~~وأكمل له، نعم هو سبحانه يعطيهم حاجات ms1517 إيمان، ويكفي إشراقة الإيمان في ~~نفس المؤمن، فالجواب لابد أن يكون متمشيا مع منطق من يسمع هذه الآية فقد ~~يموت من يسمعها بعد قليل في معركة، وما دام قد مات في معركة فهو لم ير ~~انتصارا، ولم ير غنائم ولا أي شي، فماذا يكون نصيبه؟ إنه يأخذ نصيبه يوم ~~القيامة " توفون " فمن نال منها شيئا في الدنيا بالنصر، بالغنائم، ~~بالزهو الإيماني على أنه انتصر على الكفر فهذا بعض الأجر، إنما الوفاء ~~بكامل الأجر سيكون في الآخرة، لأن كلمة التوفية تفيد أن توفية الأجور ~~وتكميلها يكون في يوم القيامة، وأن ما يكون قبل ذلك فهو بعض الأجور التي ~~يستحقها العاملون. # ويقول الحق: { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة ~~فقد فاز } [آل عمران: 185] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها اقرأوا إن شئتم: { فمن ~~زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } " # وعندما تقول: زحزحت فلانا، معناها أنه كان متوقفا برعب، فكيف يحدث ذلك ~~عند النار؟. نعرف أن النار سببها المعصية، والمعصية كانت لها جاذبية ~~للعصاة، ويأتي الإيمان ليشدهم فتأخذهم جاذبية المعصية، فكذلك يكون الجزاء ~~بالنار. إذن فالنار لها جاذبية لأنها ستكون في حالة غيظ.. ولذلك يقول ~~ربنا: # تكاد تميز من الغيظ.. # [الملك: 8]. النار تتميز من الغيظ على الكافرين. وما معنى تميز من ~~الغيظ؟ أما رأيت قدرا يفور؟ ساعة يفور القدر فإن بعض الفقاقيع تخرج ~~منه وتنفصل عما في القدر، وهذا " تميز " أي تفترق، والإنسان منا عندما ~~يكون في حالة غيظ تخرج منه أشياء كفقاقيع غليان القدر إنه يرغي ويزبد أي ~~اشتد غضبه، هذه الفقاقيع تحرق من يقف أمامها أو يلمسها، وهي من شدة ~~الفوران تميز بعضها وانفصل عن القدر، كذلك النار، ولماذا تميز من الغيظ؟ ~~إنها تميز من الغيظ من الكافرين لأنها أصلها مسبحة حامدة شاكرة، وبعد ~~ذلك يقول لها الحق: # هل امتلأت.. # [ق: 30] وتقول # هل من مزيد # [ق: 30]. وذلك مما يدل على أن كلمة: " تميز ms1518 من الغيظ " حقيقة ولذلك يبين ~~لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النار لها جاذبية، فالنار إنما كانت ~~نتيجة المعصية في الدنيا، والمعصية في الدنيا هي التي تجذب العصاة، يقول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك: # " مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها ~~وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي ~~" # انظر إلى التشبيه الجميل - حين توقد نارا في خلاء فأول مظهر هو أن ترى ~~الفراش والهوام والبعوض تأتي على النار، ولذلك يقولون: رب نفس عشقت ~~مصرعها. لقد جاءت تلك الحشرات على أساس أنها جاءت للنور، إننا نرى ذلك ~~عندما نشعل موقدا في الخلاء فأنت تجد حوله الكثير من هذه الحشرات ~~صرعى، تلك الحشرات عشقت مصرعها، إنها قد جاءت إلى النور ولكن النار ~~أحرقتها، كذلك الإنسان العاصي يعشق مصرعه لأنه لا يعرف أن هذه الشهوة ~~ستدخله النار. # { فمن زحزح عن النار } [آل عمران: 185] أي أن النار لها ~~جاذبية مثل جاذبية المعصية عندما تأخذ الإنسان، ومجرد الزحزحة عن النار، ~~حتى وإن وقف بينهما لا في النار ولا في الجنة فهذا حسن، فما بالك إن ~~زحزح عن النار وأدخل الجنة؟ لقد زال منه عطب وأعطى صالحا. وهذه حاجة ~~حسنة، وهذا هو السبب في أن النار مضروب على متنها الصراط الذي سنمر عليه، ~~لماذا؟ حتى يرى المؤمن النار.. وهو ماش على الصراط التي لو لم يكن ~~مؤمنا لنزل فيها، فيقول: الحمد لله الذي نجاني من تلك النار. { فمن ~~زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } [آل عمران: ~~185] والفوز هو النجاة مما تكره، ولقاء ما تحب، مجرد النجاة مما تكره ~~نعمة، وأن تذهب بعد النجاة مما تكره إلى نعمة، فهذا فوز. ونلحظ في { ~~زحزح } أن أحدا غيره قد زحزحه. نعم لأن الله تكرم عليه أولا في ~~حياته بفيض الإيمان وهو الذي زحزحه عن النار أيضا. ويذيل الحق الآية ~~بقوله تعالى: { وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } ~~[آل عمران: 185]. وعندما يصف الحق سبحانه الحياة التي ms1519 نعرفها بأنها " ~~دنيا " ففي ذلك ما يشير إلى أن هناك حياة توصف بأنها " غير دنيا " وغير ~~الدنيا هي " العليا " ، ولذلك يقول الحق في آية أخرى: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. أي هي الحياة التي تستحق أن تسمى حياة لأن الدنيا لا ~~يقاس زمانها ببدايتها إلى قيام الساعة، لأن تلك الحياة بالنسبة للكون ~~كله، ولكن لكل فرد في الحياة دنيا ليس عمرها كذلك، وإنما دنيا كل فرد هي ~~مقدار حياته فيها. ومقدار حياته فيها لا يعلم أهو لحظة أم يوم أم شهر أم ~~قرن. وقصارى الأمر أنها محدودة حدا خاصا لكل عمر، وحدا عاما لكل ~~الأعمار. والمتعة في الدنيا على قدر حظ الإنسان في المتع، فهي على قدر ~~إمكاناته. فإذا نظرنا إلى الدنيا بهذا المعيار فإن متاعها يعتبر قليلا، ~~ولهذا لا يصح ولا يستقيم أن يغتر الإنسان بهذه المتعة متذكرا قول الله: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. فالغرور إذن أن تلهيك متعة قصيرة الأجل عن متعة عالية لا ~~أمد لانتهائها، فحتى لا يغتر عائش في الدنيا فيلهو بقليلها عن كثير عند ~~الله في الآخرة يجب أن يقارن متعة أجلها محدود وإن طال زمانها بمتعة لا ~~أمد لانتهائها، متعة على قدر إمكاناتك ومتعة على قدر سعة فضل الله لذلك ~~كانت الحياة الدنيا متاع غرور ممن غر بالتافه القليل عن العظيم الجليل. ~~والله لم يظلم الدنيا فوصفها أنها متاع، ولكن نبهنا إلى أنها ليست المتاع ~~الذي يغتر به فيلهي عن متاع أبقى، إنه الخلود. # وبعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى لرسوله ولأتباع رسوله قضية تنشئ فيهم ~~وتؤكد لهم أن الإيمان وحده خير جزاء للمؤمن، وإن لم يتأت له في الدنيا ~~شيء من النعيم، ولذلك أراد أن يوطنهم على أن الذين يدخلون الإيمان، لا ~~يوطنون أنفسهم على أن الايمان دائما منتصر، فلو كان دائما منتصرا ~~لوطن كل واحد نفسه عليه ورضيه لأنه يضمن له حياة مطمئنة لذلك كان لا بد ~~أن يوضح لهم: أن هناك ابتلاءات. ms1520 فالقضية الإيمانية أن تبتلوا، وموقع ~~البلاء في نفوسكم أو في أموالكم، فقال: { لتبلون في ~~أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم ومن الذين... }. ### || [3.186] # والبلاء في المال بماذا؟ بأن تأتي آفة تأكله، وإن وجد يكون فيه بلاء من ~~لون آخر، وهي اختبارك هل تنفق هذا المال في مصارف الخير أو لا تعطيه ~~لمحتاج، فمرة يكون الابتلاء في المال بالإفناء، ومرة في وجود المال ~~ومراقبة كيفية تصرفك فيه، والحق في هذه الآية قدم المال على النفس لأن ~~البلاء في النفس يكون بالقتل، أو بالجرح أو بالمرض. فإن كان القتل فليس ~~كل واحد سيقتل، إنما كل واحد سيأتيه بلاء في ماله. { ولتسمعن ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين ~~أشركوا أذى كثيرا } [آل عمران: 186] هما إذن معسكران للكفر: ~~معسكر أهل الكتاب، ومعسكر المشركين. هذان المعسكران هما اللذان كانا ~~يعاندان الإسلام، والأذى الكثير تمثل في محاولة إيذاء الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، وأذى الاستهزاء بالمؤمنين، وأهل الكفر والشرك يقولون للمؤمنين ~~ما يكرهون، فوطنوا العزم أيها المسلمون أن تستقبلوا ذلك منهم ومن ~~ابتلاءات السماء بالقبول والرضا. ويخطئ الناس ويظنون أن الابتلاء في ذاته ~~شر، لا. إن الإبتلاء مجرد اختبار، والاختبار عرضة أن تنجح فيه وأن ترسب، ~~فإذا قال الله: " لتبلون " ، أي سأختبركم - ولله المثل الأعلى - كما يقول ~~المدرس للتلميذ: سأمتحنك " فنبتليك " يعني نختبرك في الامتحان، فهل معنى ~~ذلك أن الابتلاء شر أو خير؟. إنه شر على من لم يتقن التصرف. فالذي ينجح ~~في البلاء في المال يقول: كله فائت، وقلل الله مسئوليتي، لأنه قد يكون ~~عندي مال ولا أحسن أداءه في مواقعه الشرعية، فيكون المال علي فتنة. ~~فالله قد أخذ مني المال كي لا يدخلني النار، ولذلك قال في سورة " الفجر ~~": # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن # [الفجر: 15-16]. فهنا قضيتان اثنتان: الإنسان يأتيه المال فيقول: ربي ~~أكرمني، وهذا أفضل ممن جاء فيه قول الحق: # قال ms1521 إنمآ أوتيته على علم عندي أولم يعلم ~~أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو ~~أشد منه قوة وأكثر جمعا.. # [القصص: 78]. إذن فالذي نظر إلى المال وظن أن الغني إكرام، ونظر إلى ~~الفقر والتضييق وظن أنه إهانه، هذا الإنسان لا يفطن إلى الحقيقة، ~~والحقيقة يقولها الحق: " كلا " أي أن هذا الظن غير صادق فلا المال دليل ~~الكرامة، ولا الفقر دليل الإهانة، ولكن متى يكون المال دليل الكرامة؟ ~~يكون المال دليل كرامة إن جاءك وكنت موفقا في أن تؤدي مطلوب المال عندك ~~للمحتاج إليه، وإن لم تؤد حق الله فالمال مذلة لك وإهانة، فقد أكون غنيا ~~لا أعطي الحق، فالفقر في هذه الحالة أفضل، ولذلك قال الله للاثنين: " كلا ~~" ، وذلك يعني: لا إعطاء المال دليل الكرامة ولا الفقر دليل الإهانة. # وأراد سبحانه أن يدلل على ذلك فقال: # كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحآضون على ~~طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلا لما # [الفجر: 17-19]. " كلا بل لا تكرمون اليتيم " وما دمتم لا تكرمون اليتيم ~~فكيف يكون المال دليل الكرامة؟ إن المال هنا وزر، وكيف إن سلبه منك يا من ~~لا تكرم اليتيم يكون إهانة؟.. إنه سبحانه قد نزهك أن تكون مهانا، فلا ~~تتحمل مسئولية المال. إذن فلا المال دليل الكرامة، ولا الفقر دليل ~~الإهانة. # كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحآضون على ~~طعام المسكين # [الفجر: 17-18] وحتى إن كنت لا تمتلك ولا تعطي أفلا تحث من عنده أن ~~يعطي؟ أنت ضنين حتى بالكلمة، فمعنى تحض على طعام المسكين أي تحث غيرك.. ~~فإذا كنت تضن حتى بالنصح فكيف تقول إن المال كرامة والفقر إهانة؟.. # كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحآضون على ~~طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلا لما # [الفجر: 17- 19] أي تأكلون الميراث وتجمعون في أكلكم بين نصيبكم من ~~الميراث ونصيب غيركم دون أن يتحرى الواحد منكم هل هذا المال حلال أو ~~حرام.. فإذا كانت المسألة هكذا فكيف يكون إيتاء المال تكريما وكيف يكون ~~الفقر إهانة؟.. لا هذا ولا ذاك. { لتبلون في ms1522 أموالكم ~~وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } [آل عمران: ~~186] والذي يقول هذا الكلام: هو الله، إذن لا بد أن يتحقق - فيارب أنت ~~قلت لنا: إن هذا سيحصل وقولك سيتحقق، فماذا أعطيتنا لنواجه ذلك؟ - اسمعوا ~~العلاج: { وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم ~~الأمور } [آل عمران: 186].. تصبر على الابتلاء في المال، تصبر على ~~الابتلاء في النفس، وتصبر على أذى المعسكر المخالف من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم ومن الذين أشركوا، إن صبرت فإن ذلك من عزم الأمور، والعزم هو: ~~القوة المجتمعة على الفعل. فأنت تنوي أن تفعل، وبعد ذلك تعزم يعني تجمع ~~القوة، فقوله: { فإن ذلك من عزم الأمور } [آل عمران: 186] ~~أي من معزوماتها التي تقتضي الثبات منك، وقوة التجميع والحشد لكل مواهبك ~~لتفعل. إذن فالمسألة امتحان فيه ابتلاء في المال، وابتلاء في النفس وأذى ~~كثير من الذين أشركوا ومن الذين أوتوا الكتاب، وذلك كله يحتاج إلى صبر، و ~~" الصبر " - كما قلنا - نوعان: " صبر على " و " صبر عن " ، ويختلف الصبر ~~باختلاف حرف الجر، صبر عن شهوات نفسه التي تزين للإنسان أن يفعل هذه ~~وهذه، فيصبر عنها والطاعة تكون شاقة على العبد فيصبر عليها، إذن ففي ~~الطاعة يصبر المؤمن على المتاعب، وفي المعصية يصبر عن المغريات. # و { لتبلون في أموالكم وأنفسكم } [آل عمران: 186] ~~توضح أنه لا يوجد لك غريم واضح في الأمر، فالآفة تأتي للمال أو الآفة ~~تأتي للجسد فيمرض، فليس هنا غريم لك قد تحدد، ولكن قوله: { ~~ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~ومن الذين أشركوا أذى كثيرا } [آل عمران: 186] فهذا ~~تحديد لغريم لك. فساعة ترى هذا الغريم فهو يهيج فيك كوامن الانتقام. ~~فأوضح الحق: إياك أن تمكنهم من أن يجعلوك تنفعل، وأجل عملية الغضب، ~~ولا تجعل كل أمر يستخفك. بل كن هادئا، وإياك أن تستخف إلا ~~وقت أن تتيقن أنك ستنتصر، ولذلك قال: { وإن تصبروا وتتقوا ~~فإن ذلك من عزم الأمور } [آل عمران: 186]. واتقوا مثل " ~~اتقوا الله " أي اتقوا صفات الجلال وذلك ms1523 بأن تضع بينك وبين ما يغضب الله ~~وقاية. # " عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه ~~قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة ببني الحارث بن ~~الخزرج قبل وقعة بدر حتى مر على مجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول وذلك ~~قبل أن يسلم ابن أبي، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين ~~عبدة الأوثان وأهل الكتاب اليهود والمسلمين وفي المجلس عبد الله بن ~~رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ~~وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وقف فنزل ~~ودعاهم إلى الله عز وجل وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي: أيها ~~المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا في مجالسنا، ارجع إلى ~~رحلك فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: بلى يا ~~رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون ~~واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم ~~حتى سكتوا، ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد ~~بن عبادة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا سعد ألم تسمع إلى ما ~~قاله أبو حباب "؟ يريد عبد الله بن أبي، قال: كذا وكذا فقال سعد: يا رسول ~~الله اعف عنه واصفح فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاءك الله بالحق الذي ~~نزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة ~~فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ~~ما رأيت. فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ". # ويقول الحق من بعد ذلك: { وإذ أخذ الله ميثاق الذين ~~أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه... ~~}. ### || [3.187] # ونعرف - من قبل - أن الله قد أخذ عهدا وميثاقا على كل الأنبياء أن ~~يؤمنوا برسالة محمد عليه الصلاة ms1524 والسلام في قوله: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران: 81]. ونأتي هنا إلى عهد وميثاق أخذه الله على أهل الكتاب ~~الذين آمنوا بأنبيائهم، هذا العهد هو: { وإذ أخذ الله ميثاق ~~الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه } [آل عمران: 187]. فما الذي يبينونه؟ وما الذي يكتمونه؟ ~~وهل هم يكتمون الكتاب؟ نعم لأنهم ينسون بعضا من الكتاب، وما داموا ينسون ~~بعضا من الكتاب فمعنى ذلك أنهم مشغولون عنه: # فنسوا حظا مما ذكروا به.. # [المائدة: 14]. والذي لم ينسوه من المنهج، ماذا فعلوا به؟: # إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات ~~والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ~~أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون # [البقرة: 159]. لقد كتموا البينات التي أنزلها الله في الكتاب، فالكتم ~~عملية اختيارية، أما النسيان فقد يكون لهم العذر أنهم نسوه، لكنهم ~~يتحملون ذنبا من جهة أخرى، إذ لو كان المنهج على بالهم وكانوا يعيشون ~~بالمنهج لما نسوه. والذي لم ينسوه كتموا بعضه، والذي لم يكتموه لووا به ~~ألسنتهم وحرفوه. وهل اقتصروا على ذلك؟ لا. بل جاءوا بشيء من عندهم ~~وقالوا: هو من عند الله: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل ~~لهم مما يكسبون # [البقرة: 79]. وقولهم: " هذا من عند الله " ما يصح أن يقال إلا لبلاغ ~~صادق عن الله، وكلمة " ليشتروا به ثمنا قليلا " لا بد أن توسع مدلولها ~~قليلا، ولها معنى عام، ونحن نعرف أن الثمن نشتري به، فكيف تشتري أنت ~~الثمن؟ أنت إذا جعلت الثمن سلعة، وما دام الثمن يجعل سلعة فيكون ذلك أول ~~مخالفة لمنطق المبادلة لأن الأصل في الأثمان أن يشترى بها، أصل المسألة ~~أن نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم كان موجودا عندهم في الكتب ثم ~~أنكروه. # وكانوا من قبل يستفتحون على ms1525 الذين كفروا ~~فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به.. # [البقرة: 89]. إذن فقوله: " لتبيننه " يعني لتبينن أمر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، كما هو موجود عندكم دون تغيير أو تحريف، وعندما يبينون أمر ~~الرسول بأوصافه ونعوته فهم يبينون ما جاء حقا في الكتاب الذي جاءهم من ~~عند الله. وهكذا نجد أن المعاني تلتقي، فإن بينوا الكتاب الذي جاء من عند ~~الله، فالكتاب الذي جاء من عند الله فيه نعت محمد، وهكذا نجد أن معنى ~~تبيين الكتاب، وتبيين نعت رسول الله بالكتاب أمران ملتقيان. # { لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ~~ظهورهم } [آل عمران: 187] يقال: نبذت الشيء أي طرحته بقوة، وذلك ~~دليل على الكراهية لأن الذي يكره شيئا يحب أن يقصر أمد وجوده، ومثال ~~ذلك: لنفترض أن واحدا أعطى لآخر حاجة ثم وجدها جمرة تلسعه، ماذا يفعل؟ ~~هو بلا شعور يلقيها بعيدا. والنبذ له جهات، ينبذه يمينه، ينبذه أمامه، ~~ينبذه شماله، أما إذا نبذه خلفه، فهذا دليل على أنه ينبذه نبذة لا التفات ~~إليها أبدا، انظر التعبير القرآني { فنبذوه ورآء ظهورهم } ~~[آل عمران: 187]. إن النبذ وحده دليل الكراهية لوجود الشيء الذي يبغضه، ~~إمعان في الكراهية والبغض، فلو رمى إنسان شيئا أمامه فقد يحن له عندما ~~يراه أو يتذكره، لكن إن رماه وراء ظهره فهذا دليل النبذ والكراهية ~~تماما، ولذلك يقولون: لا تجعلن حاجتي بظهر منك، يعني لا تجعل أمرا ~~أريده منك وراء ظهرك، والحق يقول: { فنبذوه ورآء ظهورهم } ~~[آل عمران: 187] أي أنهم جماعة و " ظهور " جمع " ظهر " كأن كل واحد منهم ~~نبذه وراء ظهره. وكأن هناك إجماعا على هذه الحكاية، وكأنهم اتفقوا على ~~الضلال، واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون. والمشترى هنا هو الثمن، ~~والثمن يشترى به، ولندقق النظر في التعبير القرآني، فهناك واحد يشتري ~~هذا الأمر بأكلة، وآخر يشتري هذه الحكاية بحلة أو لباس، وهناك من ~~يشتريها بحاجة وينتهي، إنما هم يقولون: نريد نقودا ونشتري بها ما نحب، ~~هذا معنى { واشتروا به ثمنا } [آل عمران: 187]. ويعلق الحق ~~على ما يشترونه قائلا: { فبئس ms1526 ما يشترون } [آل عمران: 187] ~~لماذا؟ لأنك قد تظن أن بالمال - وهو الثمن - تستطيع أن تشتري به كل شيء، ~~ولكن النقود لا تنفع الإنسان كما تنفعه الحاجة المباشرة لأننا قلنا ~~سابقا: هب أن إنسانا في مكان صحراوي ومعه جبل من ذهب وليس معه كوب ماء، ~~صحيح أن المال يأتي بالأشياء، إنما قد يوجد شيء تافه من الأشياء يغني ما ~~لا يغنيه المال ولا الذهب، فيكون كوب الماء مثلا بالدنيا كلها، ولا ~~يساويه أي مال { فبئس ما يشترون } [آل عمران: 187]. وبعد ذلك ~~يقول الحق: { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا ~~ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا... }. ### || [3.188] # والحسبان للأمر أن يظنه السامع دون حقيقته، والأمور التي يظنها السامع ~~تسير أولا على ضوء الشيء الواضح دون التدبر لما وراء واجهات الأشياء، ~~فالذين يفرحون بنا أتوا نوعان: نوع يفرح بما أتاه مناهضا لدعوة الحق ~~كالمنافقين الذين فرحوا بأنهم غشوا المؤمنين، وتظاهروا بالإيمان فعاملهم ~~المؤمنون بحق الأخوة الإيمانية، حدث هذا قبل أن يكشف الحق هؤلاء ~~المنافقين للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من بعد ذلك. ونوع آخر ~~يفرح لما آتاه وجاء به مناصرا لدعوة الحق فالفرح الأول - وهو فرح ~~المنافقين - ممنوع، والفرح الثاني مشروع. ولذلك يقول الحق: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا.. # [يونس: 58]. إذن فلم ينه الله عن مطلق الفرح ولكن ليفرحوا بفضل الله. ~~إنه سبحانه قد نهى عن نوع من الفرح في مسألة قارون: # إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب ~~الفرحين # [القصص: 76]. وهكذا نجد آيات تنهى عن الفرح وآيات تثبت للمؤمنين الفرح، ~~وتأمرهم به. إذن فالفرح في ذاته ليس ممقوتا، ولكن الممقوت بعض دواعي ذلك ~~الفرح، فدواعيه عند المؤمن أن يفرح بنصر الله، وأن يفرح بإعلاء كلمة ~~الحق، وهذه دواع مشروعة. ودواعيه الممنوعة أن يفرح بأن يقف أمام مبدأ من ~~مبادئ الله ليدحض ذلك المبدأ وهذا ما يفرح به الكافر ولكن الفرح الحقيقي ~~هو الفرح الذي لا يعقبه ندم، ففرح المؤمن موصول إلى أن تقوم الساعة، ~~وموصول بعد أن ms1527 تقوم الساعة. ولكن فرح الكافر والمنافق وأهل الكتاب الذين ~~يصورون الله على غير حقيقته فرح موقوت وممقوت، إذن فذلك لا يعتبر فرحا ~~لأن الندم بعد الفرح يعطى عاقبة شر لأن النادم يتحسر دائما على فعله فهو ~~في غم وحزن. فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يعطي للمؤمن مناعة، إنكم أيها ~~المؤمنون تواجهون معسكرات تعاديكم. هذه المعسكرات ستفرح بما أتته ضدكم ~~فيجب ألا يفت ذلك في عضدكم، ولا تحسبنهم إن فعلوا ذلك بمنجاة من العذاب، ~~وما دام فرحهم سيؤدي بهم إلى العذاب فهو فرح أحمق. وماذا صنع الذين جاء ~~فيهم القول: { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا } ~~[آل عمران: 188] يحتمل أن يكون المراد هم أهل الكتاب الذين كتموا نعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الآية السابقة تقول: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ~~ظهورهم # [آل عمران: 187] ماذا فعل هؤلاء إذن؟ لقد كتموا أوصاف رسول الله ونعته ~~الموجود في كتبهم وفرحوا بما كتموا، وبعد ذلك أحبوا أن يحمدوا بما فعلوا ~~من الذين على طريقتهم في الكفر والضلال. إن الإنسان قد يأتي الذنب ولكنه ~~يندم بعد أن يفعله، ولكنه حين يسترسل فيفرح بما فعل فذلك ذنب آخر، وهكذا ~~صار إتيان العمل ذنبا، والفرح به ذنبا آخر لأنه لو ندم على ما فعله ~~لكان الندم دليلا على التوبة، أما أن يأتي العمل وبعد ذلك يفرح به ثم ~~يأتي بعد ذلك الأشد فيجب أن يحمد بما لم يفعل، فذلك من تمام الحمق، إنه ~~جرم وذنب مركب من فعل آثم، ففرح به، فحب لحمد على شيء لم يفعله. # أكان يجب أن يحمد بما فعل أو بما لم يفعل؟ بما لم يفعل لأنه خلع على ~~أمره غير الحق، وإذا قال قائل: إنها نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن ~~رسول الله فالقول محتمل لأن هؤلاء تخلفوا عن الحرب مع رسول الله وفرحوا ~~بأن متاعب السفر ومتاعب الجهاد لم تنلهم، وبعد ذلك اعتذروا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم اعتذارات كاذبة ms1528 ولو ندموا لكان خيرا لهم، ولم يتضح ~~للمسلمين كذبهم فحمدوا لهم ذلك الاعتذار، إنهم قد أتوا الذنب، وفرحوا ~~بأنهم أتوه، ونجوا من مغارم الحرب، وبعد ذلك فرحوا أيضا بأنهم أحبوا أن ~~يحمدوا بما لم يفعلو، لأن اعتذارهم كان نفاقا، سواء كان هذا أو ذاك ~~فالآية على إطلاقها: للذين يفرحون بما أتوا من مناهضة الحق وذلك فعل، ~~والفرح به ذنب آخر، والرغبة في الحمد عليه شيء ثالث، إذن فالذنب مركب، ~~فهم يسترون الأمر ويبينون نقيضه كي نحمدهم ونشكرهم، والحق سبحانه وتعالى ~~يعطي لهذا دستورا إيمانيا لمطلق الحياة. { ويحبون أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا } [آل عمران: 188] وهل المنعي عليهم ~~أنهم يحبون أن يحمدوا؟ أو المنعي عليهم والمأخوذون به أنهم يحبون أن ~~يحمدوا بما لم يفعلوا؟ إن المنعي عليهم انهم يحبون أن يحمدوا بما لم ~~يفعلوا لأن الإنسان إن أحب أن يمدح بما فعل فلا مانع، والقرآن حين يعالج ~~نفسا بشرية خلقها الله بملكات، فهو يعلم مطلوبات الملكات، بعض الملكات ~~قد تحتاج إلى شيء فلا يتجاوز الله هذا الشيء، إن الإنسان مطبوع على حب ~~الثناء من الغير، لأن حب الثناء يثبت له وجودا ثانيا، ووجودك الثاني هو ~~أن تعبر عن نفسك بعملك الذي يكون مبعث الثناء عليك، والناس لا تثني على ~~وجودك، لكنها تثني على فعلك. وما دام الإنسان يحب الثناء فسيغريه ذلك ~~بأن يعمل ما يثني به عليه، وما دام يغرى بما يثني عليه فسيعمل بإتقان ~~أكثر، وساعة يعمل فإن المحيط به ينتفع من عمله، والله يريد إشاعة النفع ~~فلا يمنع سبحانه حب الثناء كي يزيد في الطاقة الفاعلة للأشياء لأنه لو ~~حرم ذلك الثناء فلن يعمل إلا من كانت ملكاته سوية، وسيفقد المجتمع طاقات ~~من كانت ملكاته قليلة، فصاحب الملكات القليلة يريد أن يمدح، فلا مانع من ~~مدحه ليزيد من العمل، ويمدح مرة ثانية، وتستفيد الناس، والذي ينتظر ~~الثناء من الناس تنزل منزلته ومرتبته عن مرتبة من انتظر التقدير من الله، ~~فهو الذي جنى على نفسه في ذلك. # لكن لا بد ms1529 أن نمدحه كي يعمل بما فيه من غريزة حب الثناء فنكون قد زدنا ~~من عدد طاقات العاملين. ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى حينما عرض لهذه ~~القضية، وهي قضية تزكية الصالح وتجريم الطالح الفاسد في قصة " ذي القرنين ~~" يقول تعالى: # ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم ~~منه ذكرا * إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من ~~كل شيء سببا # [الكهف: 83-84]. كي تعلم أن الممكن لا يمكن بذاته وإنما هو ممكن ~~بمن مكنه، فلو كان عنده تفكير إيماني، لما أغرته الأسباب أن يتمرد ~~لأن الإيمان يعلمه أن الأسباب ليست ذاتية. ومن أجل أن يثبت الله أن ~~الأسباب غير ذاتية فهو ينزع الملك ممن يشاء، ويهب الملك من يشاء، نقول ~~له: لو كان الأسباب ذاتية فتمسك بها، لكن الأسباب هبة من الله " وآتيناه ~~من كل شيء سببا " وحين يأتيه الله الأسباب فالأسباب أنواع: سبب مباشر ~~للفعل، وسبب متقدم على السبب المباشر، فأنت إذا ارتديت ثوبا جميلا، ~~فوراء ذلك أنك أتيت بالقماش الذي نسجه النساج، والنساج استطاع إتقان عمله ~~بعد أن قام الغزال بغزل القطن، والقطن نتج لأن فلاحا بذر البذور ورعى ~~الأرض بالحرث والري. فأنت إن نظرت إلى الأسباب المباشرة المتلاحقة فانظر ~~إلى نهاية الأسباب، وستصل إلى شيء لا سبب له إلا المسبب الأعلى وهو الله ~~- جلت قدرته -. وسلسل أي شيء في الوجود ستجد أنك أخيرا أمام سبب خلقه ~~الله مثال ذلك النور الكهربائي الذي تتمتع أنت به. ستجد أن المعمل قام ~~بصنع الزجاج الخاص بالمصابيح الكهربائية، ونوع من المصانع يصنع الأسلاك ~~الموجودة بالمصباح، وستنتهي إلى شيء موجود لا يوجد فيه بشر، فتصل إلى ~~الحق سبحانه وتعالى. أنت مثلا جالس على الكرسي. وقد تقول: لقد صنعه ~~النجار والنجار جاء بالخشب من البائع، والبائع جاء بالخشب من الغابة، فمن ~~أين جاء الخشب إلى الغابة؟ تقول: لا أعرف، أما إذا كان عندك الحس ~~الإيماني فأنت تقول: أوجده الله. وحين تنتهي الأسباب وسلسلتها نجد الله ~~الخالق # إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل ms1530 شيء ~~سببا * فأتبع سببا # [الكهف: 84-85] فعندما أعطاه الله الأسباب جاء هو بالوسائط فقط، إذن ~~فالأصل كله من الله. ويتابع الحق: # حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين ~~حمئة # [الكهف: 86] هذا في عين الناظر فقط، فأنت حين تركب البحر ثم ترى الشمس ~~عند الغروب تغطس في البحر، وعندما تذهب للمنطقة التي غطست الشمس فيها تجد ~~الشمس موجودة لأنها لا تغيب أبدا، إنما " تغرب في عين حمئة " أي فوجد ~~الشمس في نظره عند غروبها عنه كأنها تغرب في مكان به عين ذات ماء حار ~~وطين أسود. # ويتابع الحق: # ووجد عندها قوما قلنا يذا القرنين إمآ أن ~~تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا # [الكهف: 86]. والناس تفهم أن هذا تخيير، يعني إما أن تعذبهم، وإما تحسن ~~إلى من كنت تعذبهم، لكن الدقة والتمعن يوضحان لنا أن الحق قد أعطى ~~تفويضا لذي القرنين، بقوله: " إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا " ~~ففهم ذو القرنين عن الله التفويض، ولم يأخذ التفويض وافترى، بل قال: " ~~أما من ظلم فسوف نعذبه " وليس هذا هو العذاب الذي يستحقه، لا، نحن سنعذبه ~~في دنيانا كي لا يستشري فيها الشر. وفوق ذلك سيعذبه الله عذابا آخر. # أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه ~~فيعذبه عذابا نكرا # [الكهف: 87] إنه أولا لم يصف عذابه بنكر، إنما وصف عذاب الله فقال: " ~~فيعذبه عذابا نكرا " ، لأن عذاب البشر للبشر على قدر البشر، لكن عذاب ~~الله يتناسب مع قدرة الله، فهل لنا طاقة بهذا العذاب والعياذ بالله؟ ليس ~~لنا طاقة به، وماذا عن موقف ذي القرنين من الذي آمن؟ إنه موقف مختلف. ~~يقول الحق: # وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى ~~وسنقول له من أمرنا يسرا # [الكهف: 88] هو يجازيه بالحسنى ويعطيه المكافآت ويكرمه، وعندما يتساءل ~~من يحب الثناء قائلا: لماذا كرم هذا؟ ويرى أسباب التكريم فيقول لنفسه ~~لأصنعن مثله كي أكرم. ولذلك تجد الشباب يتهافت حتى على اللعب بكرة ~~القدم لماذا؟ لأنهم يجدون من يضع هدفا في كرة القدم ms1531 يكرم، فيقول: أنا ~~أريد أن أضع هدفا. هذا وإن ديننا الحنيف يدعونا إلى أن نشكر من قدم ~~خيرا أو أسدى معروفا حفزا للهمم وتشجيعا لبذل الطاقات وفي الأثر: " ~~من لم يشكر الناس لم يشكر الله " إذن فحب الثناء من طبيعة الإنسان، ولكي ~~تغري الناس بأن يعملوا لا بد أن تأتي لهم بأعمال تستوعب طاقاتهم ~~المتعددة، أما إذا اقتصر إتقان العمل على من لا يحبون الثناء، فسنقلل ~~الأيدي التي تفعل، ولذلك تجد العمل حيث توجد المكافأة التشجيعية التي ~~يأخذها من يستحقها ويقابلها من التجريم والعقوبة لمن يهمل في عمله، فلا ~~يمنح رئيس عمل مكافأة لمن عملوا على هواهم، بل عليه أن يمنحها لمن أدى ~~عمله بإتقان. وحين يعلم الناس أنه لا يجازي بالخير ولا يكرم بالقول إلا ~~من فعل فعلا حقيقيا فالكل يفعل فعلا حقيقيا، لكن عندما تجد الناس أن ~~المكافآت لا يأخذها أحد إلا بالتزلف وبالنفاق وبالأشياء غير المشروعة ~~فسيفعلون ذلك، وهكذا تأتي الخيبة. وهكذا تجد أن قوله الحق: { لا ~~تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا } [آل عمران: 188]. إن ~~هذا القول يضع أساسا ودستورا إيمانيا لمطلق الحياة، وعلاقة الحاكم ~~بالمحكومين وعلاقة الفرد بنفسه وبمن حوله. # وعلاقة الإنسان بالعمل الصالح أو بالذنوب فالإنسان إذا ما أتى ذنبا، ~~فربما يكون قد نفس عن نفسه بارتكاب الذنب، لكن بعد ما تهدأ شرة ~~المعصية يجب عليه أن ينتبه فيندم ولا يفرح. هذه أول مرحلة. ولا يتمادى في ~~ارتكاب الذنب، أما إذا تمادى وخلع على فعله النقيض وادعى أنه قد أتى ~~فعلا حسنا حتى يناله مدح بدلا من أن يناله ذم فذلك ذنب مركب، ويحشره ~~الله ضمن من قال فيهم: { فلا تحسبنهم بمفازة من ~~العذاب } [آل عمران: 188]. والمفازة هي المكان الذي يظن الإنسان أن ~~فيه نجاته، أي أن في هذا المكان فوزا له، ويطلقون كلمة " مفازة " على ~~الصحراء إطلاقا تفاؤليا، لا يسمونها " مهلكة " لأن الذي كان يجوبها ~~يهلك فسموها " مفازة " تفاؤلا بأن الذي يسلكها يفوز، أو أن الصحراء أرض ~~مكشوفة، وما دام الإنسان قد وصل إلى ms1532 أرض مكشوفة فلن يصادف ما يخافه من ~~حيوانات شرسة أو من وافدات ضارة كالحيات، أو من عدو راصد، وفي ذلك فوز ~~له، لأنه تجنب هذه المخاطر، إنه إن سار في الجبال والوديان فمن الممكن أن ~~تستر عنه الوحوش المفترسة أو الهوام أو تستر عنه الذين يتتبعونه فلا ~~يتوقاهم وقد يصيبونه بالأذى، فإذا ما ذهب إلى الأرض المكشوفة نجا من كل ~~هذا لأنه ينأى ويبتعد عنهم، وتكون التسمية على حقيقتها، ومن يرى أن ~~الصحراء مهلكة فليعرف أنها سميت " مفازة " تفاؤلا، كما يسمون اللديغ ~~الذي لدغه الثعبان ب " السليم ". ونحن في أعرافنا العادية نتفاءل فنضع ~~للشيء اسما ضد مسماه تفاؤلا بالاسم، مثال ذلك: إذا كنت في ضيافة إنسان ~~وقدم شرابا. قهوة مثلا، وبعد أن نشرب القهوة يأتي الخادم فيقول من قدم ~~لك القهوة لخادمه: تعال " خذ المملوء " ولا يقول: " خذ الفارغ " وهذا لون ~~من التفاؤل. { فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ~~ولهم عذاب أليم } [آل عمران: 188] هم يظنون أنهم بمفازة من ~~العذاب برغم أنهم لا يؤمنون بالحق، ولا يؤمنون بسيطرة الحق على كل ~~أحوالهم وكل أمورهم فهم يظنون أن انتصارهم في معركة الدنيا لا هزيمة ~~بعده، ولكن الحق بعد هذه الآية قال: { ولله ملك السماوات... ~~}. ### || [3.189] # إنه سبحانه حكم فيما يملك ولا أحد يستطيع أن يخرج من ملكه، وما دام لله ~~ملك السماوات والأرض، فحين يقول: # فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب ~~أليم # [آل عمران: 188] فهذا الوعيد سيتحقق لأن أحدا لا يفلت منه، ولذلك يقول ~~أهل الكشف وأهل اللماحية وأهل الفيض: اجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، ~~واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه ~~وسلطانه. إذن ف { ولله ملك السماوات والأرض } [آل ~~عمران: 189] تدل على أن الله حين يوعد فهو - سبحانه - قادر على إنفاذ ما ~~أوعد به، ولن يفلت أحد منه أبدا. وهذه تؤكد المعنى. فإذا ما سر أعداء ~~الدين في فورة توهم الفوز فالمؤمن يفطن إلى النهاية وماذا ستكون؟ ولذلك ~~تجد أن الحق سبحانه ms1533 وتعالى قال: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد # [المسد: 1-5]. وهذه السورة قد نزلت في عم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وكانت هذه السورة دليلا من أدلة الإيمان بصدق الرسول في البلاغ عن ~~الله، لأن أبا لهب كان كافرا، وكان هناك كفرة كثيرون سواه، ألم يكن عمر ~~بن الخطاب منهم؟ ألم يكن خالد بن الوليد منهم؟ ألم يكن عكرمة بن أبي جهل ~~منهم؟ ألم يكن صفوان منهم؟ كل هؤلاء كانوا كفارا وآمنوا، فمن الذي كان ~~يدري محمدا صلى الله عليه وسلم أنه بعد أن يقول: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد # [المسد: 1-5] من كان يدري محمدا بعد أن يقول هذا ويكون قرآنا يتلى ~~ويحفظه الكثير من المؤمنين، وبعد ذلك كله من كان يدريه أن أبا لهب يأتي ~~ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقد يضيف: إن كان ~~محمد يقول: إنني سأصلى نارا ذات لهب فهأنذا قد آمنت، من كان يدريه أنه ~~لن يفعل، مثلما فعل ابن الخطاب، وكما فعل عمرو بن العاص. إن الذي أخبر ~~محمدا يعلم أن أبا لهب لن يختار الإيمان أبدا، فيسجلها القرآن على ~~نفسه، وبعد ذلك يموت أبو لهب كافرا. وكأن الله يريد أن يؤكد هذا فيوضح ~~لك: إياك أن تظن أن ذلك الوعيد يتخلف لأنى أنا " أحد صمد " ، ولا أحد ~~يعارضني في هذا الحكم لذلك يقول في سورة الإخلاص: # قل هو الله أحد * الله الصمد # [الإخلاص: 1-2]. فما دام # هو الله أحد # [الإخلاص: 1] فيكون ما قاله أولا لن ينقضه إله آخر، وستظل قولته دائمة ~~أبدا. # إذن فقول الحق سبحانه بعد قوله: # فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب ~~أليم # [آل عمران: 188]، { ولله ملك السماوات والأرض.. } [آل ~~عمران: 189] يوضح لنا أنه قد ضم هذا الوعد ms1534 إلى تلك الحقيقة الإيمانية ~~الجديدة: { ولله ملك السماوات والأرض.. } [آل عمران: ~~189] وجاء بالقوسين لأن السماء تظل، والأرض تقل، فكل منا محصور بين ~~مملوكين لله، وما دام كل منا محصورا بين مملوكين لله، فأين تذهبون؟ { ~~ولله ملك السماوات والأرض.. } [آل عمران: 189] وقد يكون ~~هناك الملك الذي لا قدرة له أن يحكم، فيوضح سبحانه لا، إن لله الملك ~~وله القدرة. { والله على كل شيء قدير } [آل عمران: 189] ~~ثم يأتي بعد ذلك إلى تصور إيماني آخر ليحققه في النفوس بعد المقدمات التي ~~أثبتت صدق الله فيما قال بواقع الحياة: { إن في خلق السموت ~~والأرض... }. ### || [3.190] # سبحانه يريد أن يبني التصور الإيماني على جذور ثابتة في النفس البشرية، ~~لأن الإنسان الذي يفاجأ بهذا الكون، وفيه سماء بهذا الشكل: بلا عمد، ~~وتحتها الكواكب، وأرض مستقرة، بالله ألا يفكر فيمن صنع هذا؟ والله لو ~~أن واحدا استيقظ من نومه ووجد سرادقا قد نصب في الميدان ليلا لوقف ~~ليسأل: ما الحكاية؟ فما بالنا بواحد فتح عينيه فوجد هذا الكون المنتظم ~~الذي يعطيه أسباب الحياة؟ ولذلك يجيء في سورة أخرى ليشرح هذه القضية ~~شرحا يجلي لنا قضية الإيمان بالفكر الإنساني، فلا ننتظر الواعظ فقط الذي ~~يأتينا بالرسالة والنبوة ليدل على المنهج المراد لمن خلق، بل يحتم ~~علينا أن نتنبه بالفطرة إلى من خلق، لأننا قلنا من قبل: لو أن إنسانا ~~وقعت به طائرة في صحراء، ولم يجد فيها ماء ولا شجرا ولا أناسا ولأنه ~~مجهد غلبه النوم، فاستيقظ فوجد مائدة عليها أطايب الطعام، بالله قبل أن ~~يمد يده لينتفع بها، ألا يجول فكره فيمن صنع هذه؟ إن دهشته من الحدث ~~تجعله يفكر فيمن جاء بها قبلما يذوق الطعام، رغم أنه جوعان، فكذلك ~~الناس الذين فتحوا عيونهم فوجدوا هذا الكون العجيب، وبعد ذلك لم يدع ~~أحد منهم أنه خلقه، ولو كان أحد قد ادعى أنه خلقه، لكانت المسألة تسهل، ~~لكن أحدا لم يدع صنعه. هذا الكون الذي نراه جميعا بانتظامه الرائع، ~~وقوانينه الثابتة. هل قال أحد: إنني صنعته؟ لا ms1535 إذن فالذي قال: إنني صنعته ~~تسلم له الدعوة، حتى يأتي واحدا آخر يقول: أنا الذي صنعته. لم يحدث ~~هذا قط برغم وجود الملاحدة والمفترين على الله، ولذلك جاء قوله تعالى: # أمن خلق السماوات والأرض.. # [النمل: 60]. كأن الحق يقول: إن لم أكن أنا الذي خلقت فمن الذي خلق إذن؟ ~~ولم يجرؤ أحد على أن ينسب الكون لنفسه لأن الكفار والملاحدة لا يستطيعون ~~خلق شيء تافه من عدم. ومثال ذلك كوب الماء الذي تركه الله ولم يخلقه على ~~الصورة التي هو عليها، كي يصنعوه ليفهموا أن كل شيء تم بخلقه - سبحانه - ~~كوب الماء هذا شيء تافه أترف الحياة، وقبل أن تتم صناعة الكوب كنا نشرب ~~ولم يكن هناك شجر يطرح ويثمر أكوابا بل صنعه إنسان أراد أن يترف الحياة، ~~فإذا كان هذا الشيء الصغير له صانع جال في نواحي علوم شتى وفي المادة، ~~ثم نظر إلى الأرض حتى وجد المادة التي عندما تصهر تعطي هذه الشفافية ~~واللمعان، فجرب في عناصر الأرض فلم يجد إلا الرمل. واكتشف هذه المادة ~~ومزجها بمواد أخرى لصهرها وإذابتها واحتاجت صناعة الكوب إلى معامل ~~وعلماء، كل هذه من أجل الكوب الصغير الذي قد تستغني عنه، انظر ما يحتاجه ~~لصنعه؟ احتاج طاقات جالت في جميع مواد الأرض، وإمكانات صناعية وأناسا ~~يضعون معادلات كيماوية، فما بالنا بالأشياء الأصلية وكم تحتاج؟ إن كل ~~صناعة تحتاج على قدرها، ولم يقل أحد: إنني صنعتها، فيقول الحق: من الذي ~~صنع كل هذا؟ وساعة يطرح سؤالا فهو لا يريد أن يجعل القضية إخبارية منه، ~~وهو القادر أن يقول: أنا الذي خلق السماء والأرض؟ فماذا يفعل المسئول؟ ~~إنه يتخبط في إجابته ثم في النهاية لا يجد إلا الله. # وكأن السائل لا يطرح هذا السؤال إلا إذا وثق أن الإجابة لا تكون إلا على ~~وفق ما يريد # أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من ~~السمآء مآء فأنبتنا به.. # [النمل: 60] وجاء بهذه الحاجة المباشرة.. # فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة # [النمل: 60] أي أنها تسر النظر بما فيها من خضرة، ms1536 ونضارة، وطراوة، وظل، ~~وأزهار، وثمار، ولم يختصر الأمر فيقول: " لتأكلوا منها " لأن الذي يأكل ~~هو الذي يملك فقط، لكن جمال المنظر لا يحجزه أحد عن كل من يرى، ويستمتع ~~بما يراه. وكل منا عندما يرى بستانا جميلا يسره منظره، صحيح أنك لا تمد ~~يدك لتأكل منه لأنه ليس ملكك، لكن هل يمنعك أحد أن تمتع به نظرك. وأن ~~تمتع أنفك برائحته الجميلة؟ لا. وهكذا جاء الحق بالنعمة الشائعة لمن ~~يملك ولمن لا يملك فقال: # ذات بهجة # [النمل: 60] ونعرف أن الحق سبحانه وتعالى حين يمتن بالأشياء يوضح لك: ~~إياك أن تفهم أن الغرض من هذه المسألة أن تأكلها لتملأ بها بطنك فقط لأن ~~هناك أشياء جميلة لا ننتفع بها أكلا، فهناك ألوان من الشجر ليس له ثمرة ~~لكن لابد أن له عملا فورقه الجميل قد يفيد في الظل وما يشيعه من رائحة ~~تعطر الجو، وبه خشب نحتاج إليه، وبجانب هذا نجد أشجارا لها ثمار جميلة ~~ننتفع بها. ولذلك يقول الحق: # وهو الذي أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ~~نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه ~~حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان ~~دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان ~~مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذآ ~~أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون # [الأنعام: 99 ]. وسبحانه يستفهم من الإنسان: # ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله ~~بل هم قوم يعدلون # [النمل: 60]. بسطحية راح أحد المستشرقين يردد: أينعى الله على الخلق ~~ويعيب عليهم أن يعدلوا؟ ذلك أنه لم يفهم المعنى الصحيح، فالعدل هنا بمعنى ~~العدول عن الحق أو الميل عنه. ويقول: # أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا ~~وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ~~أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون # [النمل: 61]. إنه سبحانه الذي خلق الأرض ومن خلالها الأنهار وجعل فيها ~~الجبال الرواسي، ويوضح الحق سبب وجود الجبال الرواسي في موقع آخر من ~~القرآن الكريم: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك ms1537 رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 9-10]. فلماذا باركت يا الله؟ بارك الله في الجبال وقدر فيها ~~أقواتها، فالقوت هو ما ينتفع به في استبقاء الحياة. ونعرف أن القوت يؤخذ ~~من الزرع، والزرع ينمو دائما في الأرض الخصبة، وخصوبة الأرض تكون في ~~الوديان، والوادي هو المكان الذي يكون بين جبلين. ولماذا يكون الوادي ~~خصبا بين جبلين؟ لأن المطر حين ينزل من السماء، إنما ينزل على الجبال، ~~والجبال كما نعرف معرضة لعوامل التعرية، فالحرارة تأتي بعد البرودة، ~~والحرارة تجعل الأرض تمتد والبرودة تقبض المادة، وما بين القبض والبسط ~~يحدث للجبال التشقق السطحي. وعندما ينزل المطر فهو يجرف هذه التشققات، ~~فتنزل من قمة الجبل بقوة الدفع لتصير جسيمات ناعمة، ونسميها نحن الغرين ~~أو الطمي، كالذي كان يأتي لنا من الحبشة، والذي أحدث خصوبة وادي النيل. ~~إذن فالجبال هي مخازن الأقوات. ومن فضل الله جعل الجبال صلبة، فلو أنها ~~كانت هشة من أول الأمر، لكان سيل واحد من المطر كفيلا بإزالتها كلها، ~~ولجعل الأرض سطحا واحدا، ولا انتفع البشر بنصف متر من الخصوبة. وبعد ~~ذلك يأتي الجدب. ونعلم أن الحق جعل مع التكاثر الإنساني تكاثرا لأسباب ~~القوت، فكيف يكثر الحق سبحانه من القوت؟ نحن نرى أن للجبال قمة ولها ~~قاعدة، وبين كل جبل وجبل يوجد الوادي، ونعرف أن ضيق الوادي يكون في ~~أدناه، واتساع الوادي في أعلاه، والجبل عكس الوادي. فضيق الجبل يكون في ~~القمة واتساعه في القاعدة أي أن قمة الجبل أقل اتساعا من قاعدته. وعندما ~~ينزل الغرين بوساطة المطر من الجبل فهو ينزل إلى الوادي، فيرفع من مستوى ~~سطح الوادي، وتتسع مساحة الوادي. وكلما نزل المطر على الجبال اتسعت مساحة ~~الوديان التي بين الجبال لأن المطر يحمل معه أجزاء من الجبال وهو ما يسمى ~~بالغرين. وعندما يشاء الحق سبحانه إيذان النهاية، تتفتت كل الجبال ويقول ~~للساعة: " قومي الآن ". وهو يقول: # وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا ~~أإله مع ms1538 الله بل أكثرهم لا يعلمون # [النمل: 61]. وفي موقع آخر يقول الحق: # مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا ~~يبغيان # [الرحمن: 19-20]. الماء له استطراق فسلكه الله ينابيع في الأرض، ~~فالإنسان يحفر في مكان من الأرض فيجد الماء عذبا، وفي موقع آخر يدق ~~الإنسان الأرض ويحفرها ليجد الماء ولكنه مالح. لماذا إذن لم يتسرب الماء ~~المالح إلى الماء العذب وكلاهما تحت الأرض؟ إذن لا بد أن للماء المالح ~~مسارب تختلف عن مسارب الماء العذب ولا يطغى أحد على الآخر. # لماذا؟ لأننا نجد أن الماء العذب يأتي من أعلى. ونجد دائما منابع ~~الأنهار عالية وتصب في البحر. والحق لم يجعل منسوب الماء المالح أعلى من ~~منسوب الماء العذب، حتى لا يطغى الماء المالح على الماء العذب، لأنه ~~سبحانه يريد أن يرتوي الناس من الظمأ بالماء، ويريد للزرع أن ينمو، وأن ~~يتجه الفائض من الماء العذب إلى مخزن الماء سواء في بطن الأرض أو في ~~البحار، وتأتي من بعد ذلك عملية التبخير فيتصاعد الماء بخارا ليصير ~~سحابا، ثم يمطر من بعد ذلك ماء عذبا. والقدر الذي خلقه الله من الماء ~~أزلا، هو. هو، لا يزيد ولا ينقص. فالإنسان إذا كان قد شرب أطنانا من ~~الماء طوال حياته، فهل ظلت تلك الأطنان في جسد الإنسان أو أن تلك ~~الأطنان قد خرجت في فضلات الإنسان؟ إن الإنسان لا يختزن إلا الموجود فيه ~~الآن من الماء. والجسم الإنساني به حوالي تسعين بالمائة من مكوناته من ~~الماء، وبعد ذلك يموت الإنسان فيتبخر منه الماء وتنزل بقية العناصر ~~للأرض. إذن فكمية المياه واحدة، ولكنها تخضع لدورة أرادها الله. وبعد ذلك ~~يقول الحق: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ~~ويجعلكم خلفآء الأرض أإله مع الله قليلا ~~ما تذكرون # [النمل: 62]. ومعنى المضطر هو الإنسان الذي استنفد أسباب بشريته ولم ~~يدرك ما يحفظ به حياته ولذلك يقول الحق: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه كذلك زين ms1539 للمسرفين ما ~~كانوا يعملون # [يونس: 12]. وكذلك يقول الحق في موضع آخر بالقرآن الكريم: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان ~~الإنسان كفورا # [الإسراء: 67]. ذلك أنه عندما يصاب الإنسان بحادث جسيم، فهو لا يكذب على ~~نفسه، حتى الكافر بالله عندما يجد أن كل الأسباب المادية التي أمامه لا ~~تنفعه فهو يلجأ ويعترف بأن هناك إلها واحدا خالقا. فيقول: يا رب. إذن ~~فالحق سبحانه وتعالى يقول: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ~~ويجعلكم خلفآء الأرض أإله مع الله قليلا ~~ما تذكرون * أمن يهديكم في ظلمات البر ~~والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي ~~رحمته أإله مع الله تعالى الله عما ~~يشركون * أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن ~~يرزقكم من السمآء والأرض أإله مع الله قل ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين # [النمل: 62-64]. كل هذه الآيات تؤكد قول الحق سبحانه وتعالى: { إن ~~في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار ~~لآيات لأولي الألباب } [آل عمران: 190]. إنها ظواهر كونية. ~~واختلاف الليل والنهار يعني أن هناك شيئا آخر أو يأتي بعد شيء آخر. إذن ~~فاختلاف الليل والنهار له معنيان: فمجيء الليل بعد النهار يعني اختلافهما ~~أي كل منهما خليفة للآخر. # والزمن يمثل ذلك. واختلاف آخر يتمثل في أن النهار منير، والليل مظلم، ~~والنهار محل حركة، والليل محل سكون. فاختلاف الليل والنهار ليس آية فقط ~~ولكنه آيات لكثيرين. وكأن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: أن الفرد أعجز ~~من أن يستنبط كل ما في الآيات، ولكن على كل واحد منكم أنتم البشر أن ~~يستنبط آية، وكل إنسان يستنبط آية ينتفع بها هو وغيره من الناس وهكذا. ~~إنها آيات يتوزع استنباطها على الخلق الذين يملكون البصيرة والأخذ بأسباب ~~الله ليشيع الحق الاستنباط من أسرار الله لكل خلق الله المؤمنين إلى أن ~~تقوم الساعة، ولبين لنا أصحاب العقول الحقيقية التي لا تنشغل بالنعمة عن ~~المنعم بالنعمة لأن لله إمدادا حين خلق من عدم، وإمدادا حين أمد من ~~عدم، وإمدادا آخر ms1540 حينما يلقى على نعمته شيئا من البركة، فالذي أخذ ~~نعمة الله التي سبقت وجوده، وبعد ذلك غفل عن الحق سبحانه وتعالى فإن ~~النعمة تعطيه، لكنها لا تكون مصحوبة بالبركة. ومعنى البركة أن يكون الشيء ~~الحاصل والمستنبط من حركتك لا يأتي منه لك ولا للناس إلا الخير. فقد ~~يعطيك الله بالأسباب والمسببات. لكن الله لا يعطيكم البركة إذا أخذت ~~النعمة وتركت المنعم. فلو أنك عند كل شيء ذكرت الله لأخذت النعمة ~~والبركة. فحين ترى لك شيئا تحبه عليك أن تقول: # ما شآء الله لا قوة إلا بالله.. # [الكهف: 39]. إنه ليس من شغلك ولا من عملك. ولكنها مشيئة الله وقوته ~~سبحانه. ولذلك يقولون: إنك إذا رأيت أي نعمة لك في مال أو ولد أو خلق ~~أو هندام تقول حين تراها: # ما شآء الله لا قوة إلا بالله.. # [الكهف: 39] فأنت لا ترى فيها سوءا أبدا لأنك رددتها إلى من خلقها، ~~فضمنت صيانة الله لها بذلك الرد، والذي يحرسها هو الكلمة الواضحة # ما شآء الله لا قوة إلا بالله.. # [الكهف: 39]. ولذلك نرى في قوله تبارك وتعالى: # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا ~~بينهما زرعا * كلتا الجنتين آتت أكلها ولم ~~تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا * وكان ~~له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر ~~منك مالا وأعز نفرا * ودخل جنته وهو ظالم ~~لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا * ومآ ~~أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي ~~لأجدن خيرا منها منقلبا # [الكهف: 32-36]. فماذا قال له صاحبه؟ # قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك ~~من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا * لكنا ~~هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا * ولولا إذ ~~دخلت جنتك قلت ما شآء الله لا قوة إلا ~~بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا * فعسى ~~ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها ~~حسبانا من السمآء فتصبح صعيدا زلقا # [الكهف: 37-40]. فكان يجب ألا يغتر الإنسان بوجود النعمة وأن يعزوها ~~وينسبها ms1541 ويردها إلى المنعم وهذا يوضح لنا معنى قول الحق: # لئن شكرتم لأزيدنكم.. # [إبراهيم: 7]. فقد تعطيكم الأسباب مسبباتها، ولكن لا زيادة عن المسببات ~~بالتفضل منه سبحانه بالبركة، بل ربما كانت فجيعة لصاحبها، فتعطيه الأسباب ~~ثم ينزع العطاء فتكون حسرة عليك. إذن فمن هم أولو الألباب؟ تكون إجابة ~~الحق: { الذين يذكرون الله قياما وقعودا... }. ### || [3.191] # إنهم يقولون: { ربنآ ما خلقت هذا باطلا.. } [آل عمران: ~~191] لأنك حق، وخلقت السماوات والأرض بالحق، ووضعت لها نواميسها ~~وقوانينها بالحق، فيجب أن نستقبل النعمة التي خلقتها لنا بالحق. فإن ~~استقبلها بعض الناس بغير الحق، فإنها تكون وبالا عليهم. ويقال: إن ~~المؤمن الصادق في بني إسرائيل قبل رسالة عيسى عليه السلام كان إذا عبد ~~الله بإخلاص ثلاثين سنة فإن غمامة تظله حيث سار. فكانوا عندما يرون ~~واحدا من هؤلاء يسير تظلله غمامة، فهم يعرفون أنه عبد الله بإخلاص ~~ثلاثين عاما. وعبد واحد منهم الله ثلاثين سنة ولم ير السحابة تظلله، ~~فشكا ذلك لأمه فقالت له: لعل شيئا فرط منك. فقال لها: يا أماه لا ~~أذكر. فقالت له: لعلك نظرت مرة إلى السماء ولم تفكر. فقال لها: لعل ذلك ~~حدث. فقالت: الذي يأتيك من ذاك. وهذه القصة تذكرنا بضرورة التفكير في ~~الله دائما. ويروى عن سيدنا الإمام علي - رضي الله عنه وكرم الله وجهه ~~- أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا استيقظ في الليل، ~~استاك، ثم نظر إلى السماء. إذن فالنظر إلى السماء هو النظر إلى العلو. ~~والنظر إلى الأرض أيضا هو تأمل في حكمة الخالق، لكن النظرة إلى السماء ~~تجعل الإنسان يفطن إلى علو الخالق. ولذلك فالعربي الذي استلقى على ظهره ~~نائما، واستيقظ ففطن إلى لون السماء الأزرق البديع، والنجوم تتلألأ فيها ~~فقال: أشهد أن لك ربا وخالقا، اللهم اغفر لي. ولقد عرف الرجل متى ~~يدعو الله وكيف يدعو، لذلك غفر الله له. وفيما روت كتب السيرة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه جاء ليلة ونام، وكانت ليلة عائشة رضوان الله ~~عليها. قالت ms1542 عائشة لعبد الله بن عمر رضوان الله عليه. فنام بجواري حتى مس ~~جلدي جلده، ثم قال: # " يا عائشة هل تأذنين لي الليلة في عبادة ربي " # لقد استأذن منها رسول الله في حقها لأن الليلة ليلتها. وأضافت عائشة: يا ~~رسول الله أنا أحب قربك وأحب هواك، وقد أذنت لك. لقد احتاطت الاحتياط ~~الجميل، فهي تحب الرسول، وتقول: " وأنا أحب قربك " وهذا القول له معنى ~~جميل، وحدث أن قال بعض المتنطعين على دين الله: إن رسول الله كان كبير ~~السن بفارق كبير بينه وبين عائشة، وقولها ذلك إنما عن زهد فيه. لكنها ~~عائشة - رضي الله عنها - ردت على ذلك من قبل أن يقال. فقالت: يا رسول ~~الله أنا أحب قربك وأحب هواك وقد أذنت لك. وهذا درس يعطيه لنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى نتعلم كيف نعامل أهلنا، حتى ولو كان الأمر الذي ~~يشغلنا عنهم هو العبادة، وهو لا يريد أن ينشغل المؤمن عن رعاية أهله بعد ~~أداء ما عليه من فروض، حتى ولو كان عبادة إلا بعد استئذان الأهل. # لماذا؟ لأن الله طلب من الزوجة في العبادة غير المفروضة ألا تتطوع حتى ~~تستأذن زوجها. فالزوجة إن صلت تطوعا، أو صامت تطوعا لا بد أن تستأذن ~~زوجها، فإن أذن لها، فبها، وإن لم يأذن فليس لها أن تقوم بهذه العبادة ~~غير المفروضة. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خيركم.. خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ". # لأن الزوج حين يقرب زوجته فهو يريد أن يعفها عن التطلعات البشرية لذلك ~~فعندما تريد الزوجة أن تأخذ وقتها وخصوصا إن كان لها ضرائر، فهذا الوقت ~~حق لها. فإن أراده الزوج للعبادة غير المفروضة فعليه أن يستأذن. وقد تكون ~~الحالة النفسية للمرأة في عدم وجود ضرائر أكثر قدرة على قبول استئذان ~~الزوج لها ليتفرغ للعبادة. ولذلك فأنت ترى من أهل الفتوى الإيضاح الناجح ~~لمثل هذا الأمر. لقد ذهبت امرأة تشكو زوجها لعمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - وكان مضمون الشكوى أن زوجها لا يقربها، وكان ms1543 مع عمر صحابي جليل. ~~فقال له عمر ابن الخطاب: أفتها. فقال الصحابي للزوج: يا هذا سنفرض أنك ~~تزوجت أربعا، فلزوجتك إذن ليلة بعد كل ثلاث ليال. وإذا كان الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قد استأذن عائشة في عبادة ربه، فهذا معناه درس للأزواج أن ~~يحسنوا معاملة الأهل إحسانا لا يجعل للمرأة تطلعا. لكننا نجد أناسا ~~لا يستأذنون أهلهم لا في العبادة، ولا حتى في سهرات المعصية. وهذا ما ~~يفسد البيوت والأسر. إن ما يفسد البيوت أن يكون الزوج مشغولا عن الزوجة، ~~ويذهب إلى أصحابه في المقهى أو في مكان آخر. ولا يهتم بأفراد أسرته. ~~لماذا لا يذهب إلى منزلة ليؤانس أهله؟ وليشبع رغبتهم ويجلس مع زوجته ~~وأهله وأولاده وبذلك تطمئن الزوجة أن رجلها معها وليس في مكان آ خر، وذلك ~~حتى تستقر الأمور. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن عائشة رضي ~~الله عنها فتأذن له. قالت عائشة رضوان الله عليها: # " فقام إلى قربة فتوضأ ثم قام فبكى ثم قرأ فبكى، ثم أثنى على الله وحمده ~~فبكى، حتى ابتلت الأرض، ثم جاء بلال، فقال: يا رسول الله صلاة الغداة. ~~فرآه يبكي. فقال: يا رسول الله أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك ~~وما تأخر؟ فقال رسول الله: أفلا أكون عبدا شكورا، يا بلال لقد نزل علي ~~الليلة: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين ~~يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ~~ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنآ ما ~~خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار * ربنآ ~~إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين ~~من أنصار * ربنآ إننآ سمعنا مناديا ينادي ~~للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر ~~لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع ~~الأبرار * ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا ~~تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد * ~~فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل ~~منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين ~~هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في ms1544 سبيلي ~~وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ~~ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا ~~من عند الله والله عنده حسن الثواب * لا ~~يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد * متاع ~~قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد * لكن ~~الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند ~~الله خير للأبرار * وإن من أهل الكتاب لمن ~~يؤمن بالله ومآ أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم ~~خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا ~~أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع ~~الحساب * يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ~~ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون }. وأضاف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " فويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها، وويل لمن ~~لاكها بين فكيه ولم يتأملها " ". # هذا ما جاء عن سيدنا رسول الله في أواخر سورة آل عمران، تلك الأواخر ~~التي تبدأ بقوله تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل ~~والنهار.. # [آل عمران: 190]. إن في تلك الآيات المنهج والاستدلال، واصطحاب الحق ~~سبحانه وتعالى وذكره على كل حال من القيام والقعود وعلى الجنب. إن الحق ~~يقول: { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ~~ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب ~~النار } [آل عمران: 191]. ها نحن أولاء نرى أن مطلوب أولي الألباب هو ~~أن يذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم. وقال بعض العلماء في تفسير ~~قول الحق: { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى ~~جنوبهم.. } [آل عمران: 191] إن المقصود بذلك هو الصلاة، فمن لا ~~يستطيع الصلاة قائما يصلي قاعدا.. ومن لا يستطيع الصلاة قاعدا فليصل ~~مضطجعا. ونقول لهؤلاء العلماء: لقد خصصتهم هذا المعنى حيث المقام ~~للتعميم، لماذا لأن القرآن لا يتعارض مع بعضه، بل يفسر بعضه بعضا، والحق ~~يقول عند صلاة الخوف: # وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم ~~طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا ~~سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى ~~لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن ~~أسلحتكم ms1545 وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة ~~واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ~~أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا ~~حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا # [النساء: 102]. وحتى لا يظن المؤمن أن الفروض الخمسة هي التي يذكر فيها ~~الله فقط قال سبحانه: # فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا ~~الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا # [النساء: 103]. أي إنه حصلت الصلاة أولا، وحصلت الصلاة ثانيا، كأن ذكر ~~الله أمر متصل واجب في الصلاة، وفي غيرها، وبعدها يتفكر المؤمنون في خلق ~~السماوات والأرض ويعترفون أنه سبحانه لم يخلق هذا باطلا. ويكون المطلوب ~~أن يقولوا: { سبحانك فقنا عذاب النار } [آل عمران: 191]. ~~لماذا؟ لأن كل هذا الذكر لا يوفي حق ربنا علينا. لذلك قالوا: { ربنآ ~~إنك من تدخل... }. ### || [3.192] # إنها العظمة، فهم لا يذكرون عذاب من يدخل النار، ولكنهم يذكرون خزي ~~الله لمن دخل النار. وكأن الخزي مرتبة أشر من عذاب النار، فمن الذي ~~أعطانا كل هذا الفضل، إنه - سبحانه - أعطانا توفيقا لذكره، وتوفيقا ~~لنتفكر في خلق السماوات والأرض، فهل يصح أن نقابله بكفران النعمة؟ وما ~~الذي يحدث بهؤلاء الذين يدخلون النار؟ إنه الخزي والعياذ بالله. { وما ~~للظالمين من أنصار } [آل عمران: 192] أي وليس لهم أنصار ~~يمنعون عنهم عذاب النار. ومن بعد ذلك يقول الحق: { ربنآ إننآ ~~سمعنا مناديا ينادي... }. ### || [3.193] # فكأن الإنسان بقلبه وفكره قبل أن يجيء له الرسول يجب أن يتنبه إلى ما في ~~الكون من آيات، وعليه أن يستشرف أن وراء الكون قوة، ولكن هذه القوة مبهمة ~~في ذهنه. ما هي؟ إنه يرى الكون العجيب فيقول لنفسه: من المستحيل أن يكون ~~هذا الكون بلا خالق. إن وراءه قوة لها حكمة ولها قدرة. هذا قصارى ما يصل ~~إليه العقل ولكن أيستطيع العقل أن يدرك أن القوة اسمها الله؟ أيستطيع ~~العقل أن يدرك ماذا تطلب القوة منه؟ لا، إذن لابد من رسول يبلغ عن تلك ~~القوة. ولذلك قلنا: إن تلك هي الزلة التي وقع ms1546 فيها الفلاسفة لأن الفلاسفة ~~هم الذين بحثوا وراء المادة. ونحن نعلم أن العلم ينقسم إلى قسمين، قسم ~~مادي قائم على التجربة، وقسم ميتافيزيقى يبحث فيما وراء المادة. وهذا ~~العلم متاهة الفلاسفة، وهو المضلة التي لم تلتق فيها مدرسة بمدرسة، ولا ~~تلميذ في مدرسة مع تلميذ آخر في مدرسة. لماذا لم يلتقوا؟ لأنهم يبحثون ~~وراء المادة. وما وراء المادة غيب. والغيب لا يدخل المعمل. لكن المادة ~~تدخل المعمل. والمعمل عندما يعطي نتائج تحليلات لا يجامل في هذه النتائج. ~~فالذي يدخل التجربة العلمية في المعمل بنزاهة فالمعمل يعطيه. والذي يدخل ~~بغير نزاهة لا تعطيه المعامل شيئا. ولذلك نقول دائما: إننا لا نجد في ~~العلوم المادية فارقا بين علم شيوعي روسي، وعلم أمريكي رأسمالي، فلا ~~توجد كيمياء رأسمالية أو كيمياء شيوعية ولا توجد كهرباء روسية وأخرى ~~أمريكية. إنها كيمياء واحدة، وكهرباء واحدة لأنها ابنة المعمل وبنت ~~التجربة المادية. ومن العجيب الذي لا يفطن له الخلق المغرورون من هؤلاء ~~أننا نجد العلم المادي ابن التجربة والمعمل والمادة الصماء التي لا تجامل ~~يحاول كل معسكر أن يسرقه من غيره، ونجد الجواسيس يسافرون من معسكر إلى ~~معسكر ليسرقوا تصميمات الطائرات والصواريخ. وأن بعضهم يتلصص على بعض حتى ~~يعرفوا العلم المادي. لكن ماذا عن علم الأهواء والنظريات؟ إننا نجد أن كل ~~طرف يقيم جدارا حتى لا يخترق علم الأهواء المجتمع. هم يقيمون الحواجز في ~~الأهواء ولكن في العلم المادي يتحولون إلى لصوص. فلماذا لا يأخذون ~~الأهواء مع العلم المادي؟ إن كل معسكر حريص على العداء مع مذاهب الغير في ~~الحكم والاجتماع والاقتصاد. لكنهم في العلم المادي يسرق بعضهم بعضا لأن ~~المذاهب النظرية تتبع الأهواء، لكن العلم المادي - كما قلنا - يتبع ~~الحقيقة المعملية التي لا تجامل. إذن فساعة يفكر الإنسان بعقله لابد أن ~~يقول: إن وراء خلق الكون قوة خارقة. وقد عرفها العربي بفطرته فقال: ~~البعرة تدل على البعير والقدم تدل على المسير، أفلا يدل كل ذلك على ~~اللطيف الخبير؟!! إنه دليل فطري، يدلك على وجود القوة، لكن ms1547 ما اسم هذه ~~القوة؟ لا نعرف. # إذن فالأذن تستشرف إلى من يدلها على اسم هذه القوة. فإذا جاء واحد ~~وقال: أنا مرسل من ناحية هذه القوة، وأن اسمها الله، كان من ~~المفروض أن تتهافت الناس عليه لأنه سيحل لها اللغز الذي يشغلهم، لذلك ~~فالمؤمنون يقولون: { ربنآ إننآ سمعنا مناديا ينادي ~~للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا.. } [آل عمران: 193]. ~~كأن ذهن كل واحد فيهم كان مشغولا بضرورة التعرف على الخالق. وبعد ذلك ~~يقولون: # ربنآ إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما ~~للظالمين من أنصار # [آل عمران: 192]. فأول حاجة فكروا فيها هي درء المفسدة لأن أفاضل الناس ~~يتهمون أنفسهم بالتقصير دائما لذلك قالوا: { ربنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا.. } [آل عمران: 193]. وعندما ~~ننظر إلى معطيات القرآن نجد أن " الذنب " شيء، و " السيئة " شيء آخر. ~~فالذنب يحتاج إلى غفران، والسيئة تحتاج إلى تكفير، على سبيل المثال " ~~كفارة اليمين " تكون واجبة إذا ما أقسم المؤمن يمينا وحنث فيه، وهذا ~~التكفير هو المقابل للحنث في اليمين، أما الأشياء التي تتعلق بالمعصية ~~بين العبد وربه فهي الذنب، والسيئة هي الأمر الذي يخالف منهج الله مع ~~عباد الله. فحين تفعل المعصية في أمر بينك وبين الله فأنت لم تسيء إلى ~~الله، فمن أنت أيها الإنسان من منزلة الله؟ لكنك بالمعصية تذنب، والذنب ~~تأتي بعده العقوبة. أما مخالفة منهج الله مع عباد الله فهي سيئة لأنك بها ~~تكون قد أسأت. لذلك فالمؤمنون قالوا: { ربنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا.. } [آل عمران: 193]. ومن ~~الذي هداهم إلى معرفة أن هناك فرقا بين الذنب والسيئة؟ وأن الذنب يحتاج ~~إلى غفران، وأن السيئة تحتاج إلى تكفير؟ إنه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~حامل الرسالة من الله. هو الذي علمنا الفرق بين الذنب والسيئة. فقد كان ~~جالسا بين أصحابه فأخذته سنة من النوم، ثم استيقظ فضحك. فعن أنس رضي ~~الله عنه قال: # " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ~~ثناياه فقال عمر رضي الله عنه: ما ms1548 أضحكك يا رسول الله؟ قال: رجلان جثيا ~~من أمتي بين يدي رب العزة فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي. قال ~~الله: أعط أخاك مظلمته. قال يا رب: لم يبق من حسناتي شيء، قال: يا رب ~~يحمل عني من أوزاري. وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ثم ~~قال: إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى أن يتحمل عنهم من ~~أوزارهم. فقال الله للطالب: ارفع بصرك فانظر في الجنان فرفع رأسه فقال: ~~يا رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا؟ لأي ~~صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى الثمن. قال: يا رب ~~ومن يملك ثمنه؟ قال: أنت. قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك. قال: يا رب ~~قد عفوت عنه، قال: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة. ثم قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المؤمنين ~~يوم القيامة ". # هذا هو معنى التكفير أي أن نتحمل لذلك نقول في الدعاء كما علمنا: " ~~اللهم ما كان لك منها فاغفره لي، وما كان لعبادك فتحمله عني ". أي أن ~~العبد يطلب أن يراضي الحق عباده من عنده، وما عنده لا ينفد أبدا. ~~والعباد المؤمنون يقولون: { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا ~~وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار } [آل ~~عمران: 193]. أي اختم لنا سبحانك هذا الختام مع الأبرار. ومن بعد ذلك ~~يأتي قوله تعالى حكاية عنهم: { ربنا وآتنا ما وعدتنا... }. ### || [3.194] # أي ربنا أعطنا ما وعدتنا على لسان رسلك، ولتسمع قول الحق استجابة لهم: { ~~فاستجاب لهم ربهم أني... }. ### || [3.195] # ولنر اللفتة الجميلة في الاستجابة: { فاستجاب لهم ربهم ~~أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ~~بعضكم من بعض.. } [آل عمران: 195]. لقد كانوا يذكرون الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض. ويخشون ~~خزي الدخول إلى النار. ودعوا الله بغفران الذنوب وتكفير السيئات. ودعوا ~~الله أن يأتيهم ويعطيهم ما وعدهم به على ألسنة الرسل. ms1549 لم يقل الحق ~~سبحانه: استجبت لكم، لكنه جعل الاستجابة هي قبول العمل فقال: { أني ~~لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى.. } [آل ~~عمران: 195]. فليست الحكاية كلاما يقال، إنما يريد الله أن تدخل هذه ~~المسائل في حيز التطبيق والنزوع العملي فالمسألة ليست بالتمني فقط، فقد ~~وضع سبحانه الشرط الواضح وهو العمل، فمن يريد استجابة الحق فلابد له من ~~العمل. إن التفكر في بديع صنع الله لا يغني عن العمل لأن الحق سبحانه ~~يريد التفكر فيه وأنت تعمل في أسبابه. فأسباب الحق لا تشغلك عنه. { ~~فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل ~~منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين ~~هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي ~~وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ~~ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا ~~من عند الله والله عنده حسن الثواب } [آل عمران: ~~195]. فالذين هاجروا من بلادهم ومن أهلهم ومن أوطانهم ومن أحبابهم، دون ~~إكراه فهجرتهم هذه هي نزع وجودي، وانتقال من مكان إلى مكان جديد وكان ذلك ~~في سبيل الله أي، فالذين هاجروا وخرجوا بجزء من إرادتهم، وكذلك الذين ~~أخرجوا من ديارهم، وقاتلوا في سبيل الله وتحملوا الإيذاء وقتلوا - هؤلاء ~~- ينالون التكفير عن السيئات ويدخلون الجنة. لقد جاء الحق هنا بالعملية ~~التي تتضح فيها الأسوة الإيمانية لأن الإنسان ينشغل بماله وأهله ووطنه ~~وباستبقاء الحياة، فإذا ما ضحى الإنسان بهذا كله في سبيل الثبات على كلمة ~~الله أولا، وإعلاء كلمة الله ونشرها ثانيا. فالمؤمن من هؤلاء لم يكتف ~~بنفسه بل جاهد في سبيل الله لتنتقل الحياة بحلاوتها إلى غيره، وبذلك يكون ~~قد أحب لغيره ما أحبه لنفسه. نخرج من كل هذا برؤية واضحة هي أن الفكر ~~وحده لا يكفي وإذا قال واحد: إن إيماني حسن فلا تأخذني بالمسائل الشكلية، ~~نرد عليه قائلين: إن الله ليس في حاجة إلى ذلك، ولكنه يطلب منك أن تعمر ~~الكون بحركتك، وأبرك الحركات وأفضلها أن ترسخ منهج الله في الأرض لأنك إن ~~رسخت منهج الله في الأرض، أدمت ms1550 للوجود جماله. ومن بعد ذلك يقول الحق: { ~~لا يغرنك تقلب... }. ### || [3.196] # وإذا ما سمعنا كلمة { تقلب الذين كفروا في البلاد } ~~[آل عمران: 196] فاعلم أن التقلب يحتاج إلى قدرة على الحركة. والقدرة على ~~الحركة تكون في مكان الإنسان وبلاده، فإذا اتسعت قدرتك على الحركة ~~وانتقلت إلى بلد آخر، فعندئذ يقال عن هذا الإنسان: " فلان نشاطه واسع " ~~أي أن البيئة التي تحيا فيها ليست على قدر قدرته، بل إن قدرته أكبر من ~~بيئته، لذلك فإنه يخرج من بلده. وكان ذلك يحدث، فكفار قريش كانوا يرحلون ~~من بلدهم في رحلات خارجها. لذلك قال الحق: { لا يغرنك تقلب ~~الذين كفروا في البلاد } [آل عمران: 196]. والتقلب كما ~~عرفنا ينشأ عن: قدرة وحركة واتساع طموح. وسبحانه يريد أن يبين لنا أن ~~زخارف الحياة قد تأتي لغير المؤمنين. إن كل زخرف هو متاع الحياة الدنيا ~~وهو مرتبط بعمر الإنسان في الوجود. ومهما أخذوا فقد أخذوا زينة الحياة ~~وغرورها فسبحانه هو القائل: # وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور # [آل عمران: 185]. إنها حياة لها نهاية. أما الذي يريد أن يصعد ~~النعمة ويصعد النفع فهو يفعل العمل من أجل حياة لا تنتهي. والكافرون قد ~~يأخذون العاجلة المنتهية، ولكن المؤمنين يأخذون الآجلة التي لا تنتهي. ~~وحين نقارن بين طالب الدنيا وطالب الآخرة، نرى أن الصفقة تستحق أن ~~نناقشها من نواحيها وهي كما يلي: لا تقس عمر الدنيا بالنسبة لذاتها، ولكن ~~قس عمرها بالنسبة لعمر الفرد في الحياة لأن عمر الدنيا عند كل فرد هو مدة ~~بقائه فيها، فهب أن الدنيا دامت لغيري، فما لي ولها، إن عمر الدنيا قصير ~~بالنسبة لبقاء الإنسان فيها، وإياك أن تقارنها بقولك: إن الدنيا سوف تبقى ~~لملايين السنين لأنها ستظل ملايين السنين لملايين الخلق غيرك، وعمر ~~الدنيا بالنسبة لك هو عمرك فيها، وعمرك فيها محدود، وهذا على فرض أن ~~الإنسان سيعيش متوسط الأعمار. فما بالك وعمرك فيها مظنون لأن الموت يأتي ~~بلا سن ولا يرتبط بسبب أو بزمان. ولذلك فالإنسان لا يضمن متوسط الأعمار. ~~وعمر الآخرة ms1551 متيقن وهو إلى خلود. إذن فعمر الإنسان في الدنيا مظنون وعمره ~~في الآخرة متيقن، والدنيا محدودة، وفي الآخرة خلود، ونعيمك في الدنيا ~~منوط بقدرتك على تصور النعمة وإمكاناتها. ولكن نعيمك في الآخرة على قدر ~~عظمة ربك وعطائه العميم لذلك قال الحق عنها: إنها متاع الغرور. ولم يأت ~~الله لها باسم أقل من اسم الدنيا، فهل هناك اسم أقل وأحقر من هذا؟ إن ~~الذين يغترون بما يناله الخارجون عن منهج الله من تقلبهم في البلاد عليهم ~~أن يتذكروا أن كل ذلك إلى زوال وضياع. وعلينا أن نقارن التقلب في البلاد ~~بما أعده الله لنا في الآخرة. وساعة تقارن هذه المقارنة تكون المقارنة ~~سليمة.. ولذلك يتابع الحق قوله عن تقلب الذين كفروا في البلاد: { متاع ~~قليل ثم مأواهم... }. ### || [3.197] # والمهد هو المكان الذي ينام فيه الطفل. ومعنى ذلك أن الحق يقلب فيهم في ~~جهنم كما يريد، لأنه لا قدرة لهم على أي شيء، شأنهم في ذلك شأن الطفل، ~~يزال ملازما لفراشه ومهده حتى يقلبه ويحركه غيره. ويأتي المقابل لهؤلاء ~~وهم المؤمنون فيقول: { لكن الذين اتقوا... }. ### || [3.198] # والنزل هو المكان الذي يعد لنزول الضيف، والنزل حينما تقيمه قدرات بشرية ~~تتراوح حسب إمكانات البشر وفي إحدى السفريات نزلنا في فندق فاخر فقال لي ~~زملائي وإخواني: هذا لون من العظمة البشرية. قلت لهم: هذا ما أعده البشر ~~للبشر، فكيف بما أعده الله للمؤمنين؟ وعندما ترى تقلب الكفار في البلاد ~~فاعلم أنهم لن يأمنوا أن يأخذهم الله في تقلبهم، وفي ذلك يقول: # قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو ~~جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون # [الأنعام: 47]. ويقول - سبحانه -: # أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين # [الأنعام: 46]. والكافر من هؤلاء يتملكه الغرور، وهو يتقلب فيأتيه عذاب ~~الله بغتة. والعذاب يأتي مرة بغتة، ومرة أخرى جهرة. إنه يأتي بغتة حتى ~~يكون الإنسان متوقعا له في أي لحظة. ويأتي جهرة حتى يرعب الإنسان ويخيفه ~~قبل أن يقع. ولذلك يقول الحق: # وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى ms1552 الله ~~جهرة فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون # [البقرة: 55]. فالموت إن جاءهم بغتة فقد لا يشعرون بهوله إلا لحظة ~~وقوعه، ولكن حينما يأتيهم الموت وهم ينظرون، فهم يرونه وهم في فزع ورعب. ~~والحق يقول من بعد ذلك: { وإن من أهل الكتاب لمن... }. ### || [3.199] # والحق سبحانه وتعالى يؤرخ للإيمان تأريخا صادقا أمينا، فالقرآن لم ~~يتحامل على أهل الكتاب لأنهم عاندوا رسول الله وواجهوا دعوته وصنعوا معه ~~كل ما يمكن أن يحبط الدعوة ويقضي عليها. إن القرآن يقول: في شأن بعض منهم ~~منصفا لهم: { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن ~~بالله.. } [آل عمران: 199]. وهذا اسمه - كما قلنا - صيانة الاحتمال. ~~فساعة يقول الحق: { وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن ~~بالله.. } [آل عمران: 199]، ساعة ينزل هذا الكلام، فيسمعه بعض من أهل ~~الكتاب الذين انشغلوا في أعماقهم بتصديق الرسول، ويعرضون قضية الإيمان ~~على نفوسهم، فإذا ما كانوا كذلك ماذا يكون موقفهم وهم الذين يفكرون في ~~أمر الإيمان بما جاء به محمد؟ إنهم عندئذ يقولون لأنفسهم: هذه مسألة في ~~أعماقنا، فمن الذي أطلع محمدا عليها؟ إن ذلك دليل على أن محمدا لا ينطق ~~عن الهوى، وأن الله يعلمه بما في نفوسنا مما لم يبرز إلى حيز الوجود، وما ~~دام الحق يخبره بما لم يخرج إلى حيز الوجود فلابد أنه صادق. فإن كانت ~~الآية قد قيلت بعد أن آمنوا فلن يكون لها هذا الوقع. إذن فلابد أن هذا ~~القول تبشير بأن كثيرا من أهل الكتاب يفكرون في تصديق الرسول الله في ~~البلاغ من الله، وهم بصدد أن يؤمنوا. فقول الله ذلك يجعل العملية ~~الإيمانية في نفوسهم مصدقة، لأنهم يقولون: إن الرسول الذي يقول ذلك هو ~~مبلغ عن إله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. ويقول الحق من بعد ذلك: ~~{ يا أيها الذين آمنوا... }. ### || [3.200] # هذه الآية هي ختام سورة آل عمران. وسورة آل عمران جاءت بعد سورة البقرة. ~~والسورتان تشتركان معا في قضية عقدية أولى، وهي الإيمان بالله والتصديق ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند ms1553 الله خاتما للرسالات ~~ومهيمنا عليها. ولذلك تكلم الحق عن قضية الإيمان وقضية الهدى وقضية ~~الكتاب، ثم تعرض الحق لرواسب ديانات سابقة تحولت عن منهج الله إلى أهواء ~~البشر، فجادل في سورة البقرة اليهود، وجادل في سورة آل عمران النصارى. ~~وبعد ذلك عرض قضية إيمانية تتعلق بموقف المسلمين المؤمنين بالله وبتصديق ~~رسوله في معترك الحياة، وعرض معركة من المعارك ابتلى فيها المؤمنون ~~ابتلاء شديدا، ثم عرض للقضية الإيمانية حين يثوب المؤمن المتخاذل إلى ~~منهج ربه. وبعد أن ينتهي من هذه، يقول الحق: { يا أيها الذين ~~آمنوا.. } [آل عمران: 200] أي يا من آمنتم بما تقدم إيمانا بالله، ~~وتصديقا بكتابه، وتصديقا برسالته صلى الله عليه وسلم، وتمحيصا للحق مع ~~اليهود، وتمحيصا للحق مع أهل الكتاب جميعا، تمحيصا لا جدليا نظريا، ~~ولكن واقعيا في معركة من أهم معارك الإسلام وهي معركة أحد، فيا من آمنتم ~~بالله إيمانا صادقا صافيا، استمعوا إلي يا من آمنتم بي { ~~اصبروا.. } [آل عمران: 200] وهذا أمر، و { وصابروا.. } [آل ~~عمران: 200] أمر ثان، و { رابطوا.. } [آل عمران: 200] أمر ثالث، و { ~~واتقوا الله.. } [آل عمران: 200] أمر رابع. إنها أربعة أوامر، ~~والغاية من هذه الأوامر هي { لعلكم تفلحون } [آل عمران: 200] ~~إذن فمن عشق الفلاح فعليه أن ينفذ هذه الأربعة: اصبر، صابر، رابط، اتق ~~الله، لعلك تفلح. والحق سبحانه وتعالى حين يعبر عن الفلاح إنما يعبر بأمر ~~مشهود محس للناس جميعا، لم يقل لك: افعل ذلك لتنجح أو لتفوز. إنما جاء ~~بكلمة " الفلاح ". و " الفلاح " كما قلنا: مأخوذ من فلح الأرض. وفلح ~~الأرض هو شقها لتتعرض للهواء، ولتكون سهلة هينة تحت الجذير البسيط الخارج ~~من البذرة، فإذا فلحت الأرض بهذه المشقة حرثا وبذرا وتعهدا بالري ماذا ~~يحدث لك من الأرض؟ إنها تؤتيك خيرا ماديا مشهودا ملحوظا. إذن فقد ضرب ~~الله المثل في المعنويات بالأمر المحس الذي يباشره الناس جميعا، وأي ~~فلاح هذا الذي يقصده الحق سبحانه وتعالى؟ إنه فلاح الدنيا وفلاح الآخرة ~~فلاح الدنيا بأن تنتصروا على خصومكم، وأن تعيشوا معيشة آمنة مستقرة رغدة، ms1554 ~~وفلاح الآخرة أن تأخذوا حظكم من الخلود في النعيم المقيم، وما دام سبحانه ~~يقول: اصبروا فلابد أن يكون هذا إيذانا بأن فيه مشقة، فالإيمان يؤدي إلى ~~الجنة والجنة محفوفة بالمكاره لذلك لابد أن تكون فيه مشقات. # وإذا نظرت إلى تلك المشقات تجدها في ذات النفس منفصلة عن المجتمع تارة، ~~وتجدها في ذات النفس مع المجتمع تارة أخرى، أما في ذات النفس مفصولة عن ~~المجتمع، فإن الصبر يقتضي أن تصبر على تنفيذ أمر الله في فعل الطاعات ~~وعلى تحمل الألم منه في ترك المعاصي وإن كان ذلك يمنعك عن لذة شهوة تحبها ~~فإنك تصبر عن تلك الشهوة التي تلح عليك، فمجاهدة المؤمن أن يصبر عن ~~الشهوات التي نهى الله عنها، والأشياء التي تصيب الإنسان يصبر عليها، ~~فالمصيبة في النفس يصبر عليها، والأشياء التي يصبر عنها من النواهي هي ~~الشهوات والمتع التي يحرمها الله. وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول: إنني ~~خلقتك وأعلم منازعة نفسك إلى الشهوة، لأنك تحبها فاصبر عنها، والأمور ~~التي في الطاعة إن فعلتها ستورثك مشقة في ذاتك، اصبر عليها، إذن ففي ~~الأوامر صبر على تنفيذها، وفي المناهي صبر عن إيقاعها، هذه كلها في ~~الذات، وبعد ذلك إذا تعدت المسألة من الذاتية إلى المحيط الخارجي فالحق ~~يقول: # والصابرين في البأسآء والضراء وحين البأس ~~أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون # [البقرة: 177]. يقول: " صابرين في " ، فعندنا " صابر على " ، و " صابر ~~عن " و " صابر في " ، # والصابرين في البأسآء والضراء.. # [البقرة: 177] التي تقع عليهم من المجتمع الخارج عنهم، وكيف تصيبهم ~~البأساء من المجتمع الخارج عنهم؟ نعم، لأن منهج الحق إنما يجيء ليصوب ~~الخطأ في حركة المجتمع. والخطأ في حركة المجتمع إنما يستفيد منه أناس وهم ~~يحرصون جاهدين أن يصدوا من يريدون تثبيت منهج الله، إذن فهم لا يقصرون ~~في إيذائهم، وفي السخرية منهم، وفي إتعابهم وفي حربهم، وهذا صبر في ~~البأساء والضراء وحين البأس، وإذا كان عدوك الذي جئت لتدحض منهجه الباطل ~~بمنهجك الحق صابرك وصابر أيضا على إيذائك، فعليك أن تصابره. ماذا يعني ms1555 ~~ذلك؟ يعني أن " اصبر " غير " صابر " ، فاصبر هو أمر في نفسك ستصبر عليه، ~~ولكن هب أن خصمك صبر أيضا على إيذائك، وصار عنده جلد ليقف أمامك هنا. ~~الحق يأمرك هنا بأن تصابره، أي إذا كان عدوك يصبر قليلا فعليك أنت أن ~~تقوى على الصبر عليه، أي أن تجيء بصبر فوق الصبر الذي يعارضك، وكل مادة " ~~فاعل " هكذا. مثال ذلك: عندما تقول: فلان نافس فلانا. والمنافسة تكون ~~بين اثنين يحتاجان ويقصدان غاية، وكل واحد يريد أن يصل إليها، والذي يريد ~~أن يصل إليها يريد أن يصل بحرص، فإن كان معاندك يحرص عليها بخطوة فاحرص ~~عليها أنت بخطوتين، هذه هي المنافسة فالمنافسة مغالبة على الفوز، والحق ~~يقول: # وفي ذلك فليتنافس المتنافسون # [المطففين: 26]. والأصل فيها هو: إطالة النفس حين يغطس الإنسان في ~~الماء، وسيدنا عمر - رضي الله عنه - قال للعباس - رضي الله عنه -: ~~أتنافسني؟ أي عرض عليه أن ينزلا معا تحت الماء، ويرى من منهما أطول ~~نفسا. # إذن فالفطن الكيس هو من يتمرس على هذا العمل ولا ينزل إلى الماء في ~~نفس متردد، بل يأخذ كمية من الهواء بشهيق يتسع له تجويف صدره كله ليكون ~~عنده حصيلة يستطيع بها أن يمكث في الماء أطول مدة من الثاني، أما الذي ~~يغطس وليس عنده هذه الحصيلة، فسيأخذ مقدار شهيق وزفير فقط، " فنافسني " ~~تعني أن نغطس في الماء معا لنرى من منا أطول نفسا. أي أنه قادر على ~~أن يحتفظ بكمية من الهواء تستطيع أن تؤدي وظيفة حياته مدة طويلة، ولا ~~يمكن أن يتأتى هذا إلا إذا أخذت شهيقا يملأ الصدر حتى إنك لا تقدر أن ~~تزيد، ولذلك فالطبيب عندما يريد أن يفحص حالة الرئة يقول للمريض: خذ ~~نفسا طويلا، لأنه يريد أن يرى المريض وقدرته. إذن فالمصابرة تعني إن ~~كان خصمك يصابرك فأنت تصبر وهو يصبر، فتصبر أنت أكثر، ولهذا تحتاج ~~المسألة إلى أن يتكاتف المجتمع كله على المصابرة، ولذلك جاء قول الحق ~~سبحانه وتعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ms1556 وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3]. أي أنك إذا رأيت أخا من إخوانك المؤمنين يخور ويضعف في ~~مصابرته فتحثه على المصابرة وقل له: إياك أن تخور، لماذا؟ لأن النفس ~~البشرية من الأغيار، وقد يأتي لها حدث يقوى عليها، فالمؤمن الذي ليس عنده ~~هذه الأغيار ينفخ بالعزيمة فيمن يخور فقال الحق: # وتواصوا.. # [العصر: 3]، ولم يقل: جماعة يوصون جماعة، لا. " فالتواصي " أن تكون أنت ~~مرة موصيا، ومرة موصى، فساعة لا يكون عندك ضعف الأغيار فوص، وساعة ~~يكون عندك ضعف الأغيار توصى، فكل واحد موص في وقت، وموصى في وقت ~~آخر، ولا نتواصى هذه التوصية على الصبر إلا إذا كنا تواصينا أولا على ~~الحق الذي من أجله نشأت المعركة بين صابر وصابر. { يا أيها ~~الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون } [آل عمران: 200]. وعرفنا الصبر، ~~وعرفنا المصابرة، فما هو الرباط؟ هو أن تشعر عدوك بأنك مستعد دائما ~~للقائه، هذا هو معنى الرباط. والحق يقول: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.. # [الأنفال: 60]. إنها خيل مربوطة للجهاد في سبيل الله مستعدة، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " خيركم ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها ". # أي أن نكون مستعدين قبل وقوع الهجوم، وساعة تأتي الأمور الداهمة ننطلق ~~لمواجهتها. ولكن يكون استعدادنا من قبل الأمر الداهم، ولذلك حين يكون ~~عدوك عالما بأنك مرابط له ومستعد للحركة في أي وقت يرهبك ويخافك، أما ~~إذا كنت في استرخاء وغفلة فإنه يدهمك، فإلى أن تستعد يكون قد أخذ منك ~~الجولة الأولى، إذن فما فائدة الرباط؟ فائدة الرباط أن يعلم أنك لم تغفل ~~عن عدوك وأنك لن تترك العدة والاستعداد له إلى أن يأتي بالمداهمة، ولكن ~~تكون أنت مستعدا لها في كل وقت، والرباط لا يكون فقط أن ترابط بالخيل ~~للعدو المهاجم هجوما ماديا، بل المرابطة تعني: الإعداد لكل ما يمكن أن ~~يرد عن الحق صيحة الباطل، فمن المرابطة أن تعد الناشئة الإسلامية ~~لوافدات الإلحاد قبل أن تفد، ms1557 لماذا؟ لأن المسألة ليست كلها غزوا بخيل ~~وسلاح وعدد، فقد يكون الغزو بالفكر الذي يتسرب إلى النفوس من حيث لا ~~تشعر، فإذن لابد أن تكون أيضا في الرباط الذي يمد المؤمن بقدرة وطاقة ~~المواجهة بحيث إذا جاءت قضية من قضايا الإلحاد التي قد تفد على المؤمنين، ~~يكون عند كل واحد منهم الحصانة ضدها والقدرة على مواجهتها. # لقد قلنا: إن آفة المناهج العلمية أنهم أخذوا مناهجهم عن الغرب، فدرسوا ~~التاريخ كما يدرسه الغرب، ودرسوا الطبيعة كما يدرسها الغرب ونسوا أن لنا ~~دينا يحمينا من كل هذه الأشياء، فعندما يأتيني رجل التاريخ بمنهجه من ~~الغرب، ويقول: إن الثورة الفرنسية هي التي أعلنت حقوق الإنسان، هنا يجب ~~أن تكون عندنا مناعة وترابط، ونقول له: في أي سنة نشأت الثورة الفرنسية؟ ~~لقد نشأت منذ سنوات قليلة، قد تزيد أو تنقص على المائتي سنة، وأنتم ~~تجهلون أن الدين الإسلامي جاء منذ أربعة عشر قرنا بحقوق الإنسان، ~~واقرأوا القرآن. فلو أن كل تلميذ حين يسمع أن الثورة الفرنسية هي التي ~~أعلنت حقوق الإنسان، يقول لهم: لا، أنت تعلم أن ذلك حدث في القرن السابع ~~عشر لكن لماذا لا تلتفت إلى أنه منذ أربعة عشر قرنا جاء الإسلام بهذا ~~المبدأ والتفت إلى الإساءة في استعمال الحق، فإذا كنت تجهل تشريع الله ~~فلا يصح أن يؤدي بك هذا الجهل إلى طمس معالم الحق في منهج الله. وإذا قال ~~دارس للطبيعة: إن الطبيعة أمدت الحيوان الفلاني باللون الذي يناسب البيئة ~~التي يعيش فيها حتى لا يفتك به عدوه وهو بذلك يضلله، نقول له: إن الطبيعة ~~لا تمد، الطبيعة ممدة من الله، لا تقل: إن الطبيعة أمدت. إذن فالرباط لا ~~يكون بقوة عسكرية فحسب بل بالقوة العلمية أيضا، فخصوم الإسلام قد يئسوا ~~من أن ينتصروا على الإسلام بقوة عسكرية بعد أن كتلوا كل قواهم في الحروب ~~الصليبية، ولم يبق لهم إلا أن يدخلوا علينا من خلال مناهجهم ومن خلال ~~المستشرقين هناك، والمستغربين منا فينقلوا لنا ثقافات أجنبية بعيدة عن ~~منهجنا، ms1558 وهم معذورون لأنهم لا يعلمون منهج الله في دين الله، إذن فالرباط ~~لابد أن يكون أيضا في رباط الأفكار، ورباط العلم المادي. # إن خصوم الإسلام يدخلون على الناس من مداخل متعددة فيجب أن ننبه النشء ~~إليها، يقولون: أوروبا ارتقت حضاريا وأنتم يا مسلمون تخلفتم. نقول لهم: ~~هل كان التخلف مقارنا للإسلام؟ لقد كانت الدولة الإسلامية هي الدولة ~~الحضارية الأولى في العالم لمدة ألف سنة، وأوروبا التي تتشدقون بحضارتها ~~كانت تعيش في العصور المظلمة. إن هؤلاء لم يعرفوا تاريخنا أو هم يتكلمون ~~لأناس لا يعرفون تاريخهم. إذن فالمرابطة أن توضح أمور دينك توضيحا يقف ~~أمام أي وافدة قبل أن تفد بالعدوان المسلح، ويجب أن تقف لغزو الأفكار ~~ولهدم المبادئ، ولذلك قال الحق: { اصبروا.. } [آل عمران: 200]. و { ~~وصابروا.. } [آل عمران: 200]. و { ورابطوا.. } [آل عمران: ~~200]، وجماع كل ذلك " الصبر على " و " الصبر عن " و " الصبر في " ، ~~والمصابرة للعدو والتواصي بالصبر، والرباط بمعنييه المادي والمعنوي، أي ~~بالأمور المادية والأمور المعنوية القيمية، ويختم الحق الآية بقوله: { ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون } [آل عمران: 200]. ونعرف ~~أنه حين قال لك: " اتق الله " تساوي أن يقول لك: " اتق النار " فمعنى " ~~اتقو الله ": أي اجعلوا بينكم وبين غضب ربكم وقاية. ما هي الوقاية؟ أن ~~تطيع، وما هي الطاعة؟ أن تنفذ ما أمر، وأن تنتهي عما نهى. فالذي يفسر ~~التقوى بأنها الطاعة نقول له: نعم لأنها الوسيلة إلى وقايتك من غضب الله ~~وعذابه، فالذي يفسرها بهذا يفسرها بالوسيلة، والذي يفسرها بالأخرى يفسرها ~~بالغاية، فعندما يقال لك: اتق الله، أي اجعل بينك وبين النار التي هي من ~~جنود الله وقاية، أي اجعل بينك وبين غضب الله وقاية، وإذا قال لك: اتق ~~الله يعني أطعه في أمره وفي نهيه، فما هي الوسيلة لاتقاء النار واتقاء ~~غضب الله؟ إنها الطاعة، فمرة تفسر التقوى بالوسيلة ومرة تفسر بالغاية. ~~وقلنا في قوله: { لعلكم تفلحون } [آل عمران: 200] إن الفلاح ~~إما أن يكون في الدنيا وإما أن يكون في الآخرة. في الدنيا: بأن ترتفع ~~كلمة الحق وكلمة الإيمان ms1559 وتنتصروا ولا أحد يذلكم ولا يجعلكم أحد تابعين ~~له. هذا لون من الفلاح، ولكن على فرض أنهم فلحوا وضعفتم أنتم، في فترة من ~~الزمن فثقوا أنكم تعملون لفلاح آخر هو فلاح الآخرة، وإلا فالذين يخاطبون ~~بهذه الآية قبل أن يدركوا نصرا للإسلام على أعدائه، يفسرون الفلاح ~~بماذا؟ الذين جاهدوا وتعبوا وعاشوا مضطهدين لا استقرار في حياتهم، وبعد ~~ذلك ماتوا قبل أن يمكن للإسلام، كيف يكون فلاحهم؟ إن فلاحهم في الآخرة، ~~ولذلك تجد الاحتياط في قصة أهل الكهف: # وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم قال قائل ~~منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ~~قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم ~~بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيهآ ~~أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ~~ولا يشعرن بكم أحدا * إنهم إن يظهروا ~~عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن ~~تفلحوا إذا أبدا # [الكهف: 19-20]. ونلحظ في هذه القصة قوله الحق: # يرجموكم.. # [الكهف: 20] هذه واحدة، # أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا # [الكهف: 20]. إن كانوا يرجمونكم فسينتصرون عليكم في الدنيا، إنما ~~ستأخذون الآخرة، وإن ردوكم إلى دينهم، فلن تفلحوا في الدنيا ولا في ~~الآخرة، إذن فعناصر الفلاح المرادة للإنسان، إما في الدنيا وإما في ~~الآخرة وإما فيهما معا إن عناصر الفلاح أن ننفذ أوامر الله في قوله: { ~~اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون } [آل عمران: 200]. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # وساعة يدعو الله سبحانه الناس إلى تقواه يقول: { يأيها الناس ~~اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة.. } ~~[النساء: 1] ومعنى { اتقوا ربكم.. } [النساء: 1] أي اجعلوا بينكم ~~وبينه وقاية، وماذا أفعل لأتقي ربنا؟ أول التقوى أن تؤمن به إلها، وتؤمن ~~أنه إله بعقلك، إنه - سبحانه - يعرض لك القضية العقلية للناس فيقول: { ~~يأيها الناس اتقوا ربكم.. } [النساء: 1] ولم يقل: اتقوا ~~الله، لأن الله مفهومه العبادة، فالإله معبود له أوامر وله نواه، لم يصل ~~الحق بالناس لهذه بعد، إنما هم لا يزالون في مرتبة الربوبية، والرب هو: ~~المتولي تربية الشيء، خلقا من عدم وإمدادا من عدم، لكن أليس ms1560 من حق ~~المتولي خلق الشيء، وتربيته أن يجعل له قانون صيانة؟ إن من حقه ومسئوليته ~~أن يضع للمخلوق قانون صيانة. ونحن نرى الآن أن كل مخترع أو صانع يضع ~~لاختراعه أو للشيء الذي صنعه قانون صيانة، بالله أيخلق سبحانه البشر من ~~عدم وبعد ذلك يتركهم ليتصرفوا كما يشاؤون؟ أم يقول لهم: اعملوا كذا وكذا ~~ولا تعملوا كذا وكذا، لكي تؤدوا مهمتكم فى الحياة؟ إنه يضع دستور الدعوة ~~للإيمان فقال: { يأيها الناس اتقوا ربكم الذي ~~خلقكم.. } [النساء: 1]. إذن فالمطلوب منهم أن يتقوا، ومعنى يتقوا أن ~~يقيموا الوقاية لأنفسهم بأن ينفذوا أوامر هذا الرب الإله الذي خلقهم، ~~وبالله أيجعل خلقهم علة إلا إذا كان مشهودا بها له؟ هو سبحانه يقول: { ~~اتقوا ربكم الذي خلقكم.. } [النساء: 1] كأن خلقة ربنا ~~لنا مشهود بها، وإلا لو كان مشكوكا فيها لقلنا له: إنك لم تخلقنا - ولله ~~المثل الأعلى. أنت تسمع من يقول لك: أحسن مع فلان الذي صنع لك كذا ~~وكذا، فأنت مقر بأنه صنع أم لا؟ فإذا أقررت بأنه صنع ما صنع فأنت تستجيب ~~لمن يقول لك مثل ذلك الكلام. إذن فقول الله: { يأيها الناس ~~اتقوا ربكم الذي خلقكم.. } [النساء: 1] فكأن خلق الله ~~للناس ليس محل جدال ولا شك من أحد، فأراد - سبحانه - أن يجذبنا إليه ~~ويأخذنا إلى جنابه بالشيء الذي نؤمن به جميعا وهو أنه - سبحانه - خلقنا ~~إلى الشيء الذي يريده وهو أن نتلقى من الله ما يقينا من صفات جلاله، وجاء ~~سبحانه بكلمة " رب " ولم يقل: " اتقوا الله " لأن مفهوم الرب هو الذي خلق ~~من عدم وأمد من عدم، وتعهد وهو المربي ويبلغ بالإنسان مرتبة الكمال ~~الذي يراد منه وهو الذي خلق كل الكون فأحسن الخلق والصنع، ولذلك يقول ~~الحق: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر ~~الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون # [العنكبوت: 61]. إذن فقضية الخلق قضية مستقرة. وما دامت قضية مستقرة ~~فمعناها: ما دمتم آمنتم بأني خالقكم فلي قدرة إذن، هذه واحدة، وربيتكم ~~إذن فلي حكمة، وإله له قدرة وله حكمة، ms1561 إما أن نخاف من قدرته فنرهبه وإما ~~أن نشكر حكمته فنقر به، { يأيها الناس اتقوا ربكم ~~الذي خلقكم من نفس واحدة.. } [النساء: 1]. لو لم يقل ~~الحق: { وجعل منها زوجها.. } [النساء: 1] لما كملت، لماذا؟ ~~لأنه سيقول في آيات آخرى عن الإيجاد: # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون # [الذاريات: 49]. إذن فخلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها هنا، والناس ~~تريد أن تدخل فى متاهة. هل خلق منها المقصود به خلق حواء من ضلع آدم أى ~~من نفس آدم؟ أناس قالوا ذلك، وأناس قالوا: لا، { منها.. } [النساء: 1] ~~تعني من جنسها، ودللوا على ذلك قائلين: حين يقول الله: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم.. # [التوبة: 128]. أأخذ الله محمدا صلى الله عليه وسلم من نفوسنا وكونه؟ ~~لا، إنما هو رسول من جنسنا البشري، وكأنه سبحانه قد أشار إلى دليل لأن ~~خلق حواء قد انطمست المعالم عنه، ولأنه أعطانا بيان خلق آدم وتسويته من ~~طين ومراحل خلقه إلى أن صار إنسانا، ولذلك يجوز أن يكون قد جعل خلق آدم ~~هو الصورة لخلق الجنس الأول، وبعد ذلك تكون حواء مثله، فيكون قوله ~~سبحانه: { خلق منها.. } [النساء: 1] أي من جنسها، خلقها من طين ثم ~~صورها إلخ ولكن لم يعد علينا التجربة في حواء كما قالها فى آدم، أو ~~المراد من قوله: " منها " أي من الضلع، وهذا شيء لم نشهد أوله، والشيء ~~الذي لم يشهده الإنسان فالحجة فيه تكون ممن شهده، وسبحانه أراد أن ~~يرحمنا من متاهات الظنون في هذه المسألة، مسألة كيف خلقنا، وكيف جئنا؟ ~~إن كيفية خلقك ليس لك شأن بها، فالذي خلقك هو الذي يقول لك فاسمع كلامه ~~لأن هذه مسألة لا تتعلق بعلم تجريبي ولذلك عندما جاء " دارون " وأراد أن ~~يتكبر ويتكلم، جاءت النظرية الحديثة لتهدم كلامه، قالت النظرية الحديثة ~~لدارون: إن الأمور التي أثرت في القرد الأول ليكون إنسانا، لماذا لم ~~تؤثر في بقية القرود ليكونوا أناسا وينعدم جنس القرود؟! وهذا سؤال لا ~~يجيب عليه دارون لذلك نقول: هذا أمر لم نشهده فيجب أن ms1562 نستمع ممن فعل، ~~والحق سبحانه يقول: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. وما دام لم يشهدهم، فهل يستطيع أحد منهم أن يأتي بعلم ~~فيها؟ إن أحدا لا يأتي بعلم فيها، وبعد ذلك يرد على من يجيء بادعاء علم ~~فيقول: # وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51] معنى مضلين أنهم سيضلونكم في الخلق. # كأن الله أعطانا مناعة في الأقوال الزائفة التي يمكن أن تنشأ من هذا ~~عندما قال: # وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]، فقد أوضح لنا طبيعة من يضللون في أصل الخلق وفي كيفية ~~الخلق، فهم لم يكونوا مع الله ليعاونوه ساعة الخلق حتى يخبروا البشر ~~بكيفية الخلق. فإن أردتم أن تعرفوا فاعلموا أنه سبحانه الذي يقول كيف ~~خلقتم وعلى أي صورة كنتم، ولكن من يقول كذا وكذا، هم المضللون، و " ~~المضللون " هم الذين يلفتونكم عن الحق إلى الباطل. { يأيها الناس ~~اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة.. } ~~[النساء: 1] ولماذا لم يقل خلقكم من زوجين وانتهى؟ لأنه عندما يرد ~~الشيء إلى اثنين قد يكون لواحد من الاثنين هوى، وإنما هذه ردت إلى واحدة ~~فقط، فيجب ألا تكون لكم أهواء متنازعة، لأنكم مردودون إلى نفس واحدة، أما ~~عن نظرية " دارون " وما قاله من كلام فقد قيض الله لقضية الدين وخاصة ~~قضية الإسلام علماء من غير المسلمين اهتدوا إلى دليل يوافق القرآن، فقام ~~العالم الفرنسي " مونيه " عندما أراد أن يرد على الخرافات التي يقولونها ~~من أن أصل الإنسان كذا وكذا، وقال: أنا أعجب ممن يفكرون هذا التفكير، هل ~~توجد المصادفة ما نسميه " ذكرا " ثم توجد المصادفة شخصا نسميه " أنثى " ~~ويكون من جنسه لكنه مختلف معه في النوع بحيث إذا التقيا معا جاءا بذكر ~~كالأول أو بأنثى كالثاني؟ كيف تفعل المصادفة هذه العملية؟ سنسلم أن ~~المصادفة خلقت آدم، فهل المصادفة أيضا خلقت له واحدة من جنسه. ولكنها ~~تختلف معه في النوع بحيث إذا التقيا معا ينشأ بينهما سيال عاطفي جارف ~~وهو أعنف الغرائز، ثم ينشأ منهما ms1563 تلقيح ينشىء ذكرا كالأول أو ينشىء ~~أنثى كالثاني؟ أي مصادفة هذه؟ هذه المصادفة تكون عاقلة وحكيمة، سموها ~~مصادفة ونحن نسميها الله. لقد ظن " مونيه " - هداه الله إلى الإسلام وغفر ~~له - أنه جاء بالدليل الذي يرد به على دارون، نقول له: إن القرآن قد مس ~~هذه المسألة حين قال: { اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها.. } [النساء: 1]، وهذه هي ~~العظمة إنه خلق الرجل وخلق الأنثى وهي من جنسه، ولكنها تختلف معه في ~~النوع بحيث إذا التقيا معا أنشأ الله منهما رجالا ونساء. إذن فهو ~~عملية مقصودة، وعناية وغاية وحكمة، إذن فقول الله سبحانه وتعالى: { ~~الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها.. ~~} [النساء: 1] هذه جاءت بالدليل الذي هدي إليه العالم الفرنسي " مونيه " ~~أخيرا. { وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء.. } [النساء: ~~1] وانظروا عظمة الأسلوب في قوله { وبث.. } [النساء: 1] أي " نشر " ~~وسنقف عند كلمة " نشر " لأن الخلق يجب أن ينتشروا في الأرض، كي يأخذوا ~~جميعا من خيرات الله في الأرض جميعا. # و " النشر " معناه تفريق المنشور في الحيز، فهناك شيء مطوي وشيء آخر ~~منشور، والشيء المطوي فيه تجمع، والشيء المنشور فيه تفريق وتوزيع، إذن ~~فحيز الشيء المتجمع ضيق، وحيز الشيء المبثوث واسع، معنى هذا أن الله ~~سبحانه وتعالى حينما يقول { وبث منهما.. } [النساء: 1] أي من آدم ~~وحواء { رجالا كثيرا ونسآء.. } [النساء: 1] واكتفى بأن يقول " ~~نساء " ولم يقل: كثيرات لماذا؟ لأن المفروض في كل ذكورة أن تكون أقل في ~~العدد من الأنوثة. وأنت إذا نظرت مثلا في حقل فيه نخل، تجد كم ذكرا من ~~النخيل، وكم أنثى؟ ستجد ذكرا أو اثنين. إذن القلة في الذكورة مقصودة لأن ~~الذكر مخصب ويستطيع الذكر أن يخصب آلافا، فإذا قال الله: { وبث ~~منهما رجالا كثيرا.. } [النساء: 1] فالذكورة هي العنصر الذي ~~يفترض أن يكون أقل كثيرا، فماذا عن العنصر الثاني وهو الأنوثة؟ لابد أن ~~يكون أكثر، والقرآن يأتي لينبهك إلى المعطيات في الألفاظ لأن المتكلم هو ~~الله، ولكن إذا نظرت لقوله: { وبث منهما.. } [النساء: 1] أي من ~~آدم ms1564 وحواء وهما اثنان { رجالا كثيرا ونسآء.. } [النساء: 1] ~~فتكون جمعا وهذا ليدلك على أن المتكاثر يبدأ بقلة ثم ينتهي بكثرة. ~~ونريد أن نفهم هذه كي نأخذ منها الدليل الإحصائي على وجود الخالق، فهو { ~~بث منهما رجالا كثيرا ونسآء.. } [النساء: 1] والجمع ~~البشري الذي ظهر من الاثنين سيبث منه أكثر، وبعد ذلك يبث من المبثوث ~~الثاني مبثوثا ثالثا، وكلما امتددنا في البث تنشأ كثرة، وعندما تنظر ~~لأي بلد من البلاد تجد تعداده منذ قرن مضى أقل بكثير جدا من تعداده ~~الآن، مثال ذلك كان تعداد مصر منذ قرن لا يتعدى خمسة ملايين، ومن قرنين ~~كان أقل عددا، ومن عشرة قرون كان أقل، ومن عشرين قرنا كان أقل، إذن ~~فكلما امتد بك المستقبل بالتعداد يزيد، لأنه سبحانه يبث من الذكورة ~~والأنوثة رجالا كثيرا ونساء وسيبث منهم أيضا عددا أكبر. إذن فكلما ~~تقدم الزمن تحدث زيادة في السكان، ونحن نرى ذلك في الأسرة الواحدة، إن ~~الأسرة الواحدة مكونة عادة من أب وأم، وبعد ذلك يمكن أن نرى منهما أبناء ~~وأحفادا وعندما يطيل الله في عمر أحد الوالدين يرى الأحفاد وقد يرى ~~أحفاد الأحفاد. إذن كلما تقدم الزمن بالمتكاثر من اثنين يزداد وكلما رجعت ~~إلى الماضي يقل فالذين كانوا مليونا من قرن كانوا نصف مليون من قرنين، ~~وسلسلها حتى يكونوا عشرة فقط، والعشرة كانوا أربعة، والأربعة كانوا اثنين ~~والإثنان هما آدم وحواء. فعندما يقول الحق: إنه خلق آدم وحواء، وتحاول ~~أنت تسلسل العالم كله سترجعه لهما، وما دام التكاثر ينشأ من الاثنين، فمن ~~أين جاءا؟ الحق سبحانه يوضح لنا ذلك بقوله: # إنا خلقناكم من ذكر وأنثى.. # [الحجرات: 13] وهو بذلك يريحنا من علم الإحصاء. وكان من الضروري أن تأتي ~~هذه الآية كي تحل لنا اللغز في الإحصاء، وكلما أتى الزمن المستقبل كثر ~~العالم وكلما ذهبنا إلى الماضي قل التعداد إلى أن يصير وينتهي إلى اثنين، ~~وإياك أن تقول إلى واحد، لأن واحدا لا يأتي منه تكاثر، فالتكاثر يأتي من ~~اثنين ومن أين جاء الاثنان؟ لابد أن أحدا ms1565 خلقهما، وهو قادر على هذا، ~~ويعلمنا الله ذلك فيقول: { خلقكم من نفس واحدة وخلق ~~منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء } ~~[النساء: 1] ونأخذ من " بث " " الانتشار " ولو لم يقل الله هذا لكانت ~~العقول الحديثة تتوه وتقع في حيرة وتقول: نسلسل الخلق حتى يصيروا اثنين، ~~والإثنان هذان كيف جاءا؟ - إذن لابد أن نؤمن بأن أحدا قد أوجدهما من غير ~~شيء. { وبث منهما رجالا كثيرا.. } [النساء: 1] لأن النشر ~~في الأرض يجب أن يكون خاصا بالرجل، فالحق يقول: # فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله.. # [الجمعة: 10]. والحق يقول: # فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه.. # [الملك: 15]. والأنثى تجلس في بيتها تديره لتكون سكنا يسكن إليها، ~~والرجل هو المتحرك في هذا الكون، وهي بذلك تؤدي مهمتها. وبعدما قال: { ~~اتقوا ربكم.. } [النساء: 1] يقول: { اتقوا الله.. } ~~[النساء: 1] لقد قدم الدليل أولا على أنه إله قادر، وخلقكم من عدم ~~وأمدكم وسخر العالم لخدمتكم، وقدم دليل البث في الكون المنشور الذي يوضح ~~أنه إله، فلا بد أن تتلقوا تعليماته، ويكون معبودا منكم، أي مطاعا، ~~والطاعة تتطلب منهجا: افعل ولا تفعل، وأنزل الحق القرآن كمنهج خاتم، ~~ويقول: { واتقوا الله الذي تسآءلون به.. } [النساء: ~~1]. انظر إلى " القفشة " ، للخلق الجاحد، إنه - سبحانه - بعد أن أخذهم ~~بما يتعاملون ويتراحمون ويتعاطفون به أوضح لهم: أنتم مع أنكم كنتم على ~~فترة من الرسل إلا أن فطرتكم التي تتغافلون عنها تعترف بالله كخالق لكم. ~~وأنت إذا أردت إنفاذ أمر من الأمور، وتريد أن تؤثر على من تطلب منه ~~أمرا، تقول: سألتك بالله أن تفعل ذلك، لقد أخذ منهم الدليل، فكونك تقول: ~~سألتك بالله أن تفعل ذلك فلا بد أنك سألته بمعظم، إذن فتعظيم الله أمر ~~فطري في البشر، والمطموس هو المنهج الذي يقول: افعل ولا تفعل. والإنسان ~~من هؤلاء الجاحدين عندما يسهو، ويطلب حاجة تهمه من آخر، فهو يقول له: ~~سألتك بالله أن تفعل كذا. ومادام قد قال: سألتك بالله فكأن هناك قضية ~~فطرية مشتركة هي أن الله هو الحق، وأنه هو الذي يسأل به، وما ms1566 دام قد سئل ~~بالله فلن يخيب رجاء من سأله. # إنه في الأمور التي تريدون بها تحقيق مسائلكم تسألون بالله وتسألون ~~أيضا بالأرحام وتقولون: بحق الرحم الذي بيني وبينك، أنا من أهلك، وأنا ~~قريبك وأمنا واحدة، أرجوك أن تحقق لي هذا الأمر. ولماذا جاءت " ~~الأرحام " هنا؟ لأن الناس حين يتساءلون بالأرحام فهم يجعلون المسئولية من ~~الفرد على الفرد طافية في الفكر، فما دمت أنا وأنت من رحم واحد، فيجب أن ~~تقضي لي هذا الشيء. إذن فمرة تسألون بالله الذي خلق، ومرة تسألون ~~بالأرحام لأن الرحم هو السبب المباشر في الوجود المادي، ومثال ذلك قول ~~الحق: # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا.. # [النساء: 36]. لقد جاء لنا بالوالدين اللذين هما السبب في إيجادنا، ~~والله يريد من كل منا أن يبر والديه، ولكن قبل ذلك لابد أن ينظر إلى الذي ~~أوجدهما، وأن يصعد الأمر قليلا ليعرف أن الذي أوجدهما هو الله سبحانه. ~~ويختم الحق الآية بقوله: { إن الله كان عليكم رقيبا } ~~[النساء: 1] لأن كلمة { اتقوا.. } [النساء: 1] تعني اجعل بينك وبين ~~غضب ربك وقاية بإنفاذ أوامر الطاعة، واجتناب ما نهى الله عنه { إن ~~الله كان عليكم رقيبا } [النساء: 1]، والرقيب من " رقب " ~~إذا نظرت ويقال: " مرقب " ، ونجد مثل هذا المرقب في المنطقة التي تحتاج ~~إلى حراسة، حيث يوجد " كشك " مبني فوق السور ليجلس فيه الحارس كي يراقب. ~~ومكان الحراسة يكون أعلى دائما من المنطقة المحروسة، وكلمة " رقيب " ~~تعني ناظرا عن قصد أن ينظر، ويقولون: فلان يراقب فلانا أي ينظره، صحيح ~~أن هناك من يراه ذاهبا وآتيا من غير قصد منهم أن يروه، لكن إن كان ~~مراقبا، فمعنى ذلك أن هناك من يرصده وسبحانه يقول: { إن الله ~~كان عليكم رقيبا } [النساء: 1] فليس الله بصيرا فقط ولكنه ~~رقيب أيضا - ولله المثل الأعلى. نحن نجد الإنسان قد يبصر مالا غاية له ~~في إبصاره، فهو يمر على كثير من الأشياء فيبصرها، لكنه لا يرقب إلا من ~~كان في باله. والحق سبحانه رقيب علينا جميعا كما في قوله: # إن ms1567 ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]. وبعد أن تكلم سبحانه عن خلقنا أبا وأما وأنه بث منهما ~~رجالا كثيرا ونساء، أراد أن يحمي هذه المسألة وأن يحمي المبثوث. ~~والمبثوث قسمان: قسم اكتملت له القوة وأصبحت له صلاحية في أن يحقق أموره ~~النفعية بذاته، وقسم ضعيف ليست له صلاحية في أن يقوم بأمر ذاته، ولأنه ~~سبحانه يريد تنظيم المجتمع لذلك لابد أن ينظر القادرون في المجتمع إلى ~~القسم الضعيف في المجتمع، ومن القسم الضعيف الذي يتكلم الله عنه هنا؟ ~~إنهم اليتامى، لماذا؟ لأن الحق سبحانه حينما خلقنا من ذكر وأنثى، آدم ~~وحواء، جعل لنا أطوارا طفولية، فالأب يكدح والأم تحضن، ويربيان الإنسان ~~التربية التي تنبع من الحنان الذاتي ونعرف أن الحنان الذاتي والعاطفة ~~يوجدان في قلب الأبوين على مقدار حاجة الابن إليهما، الصغير عادة يأخذ من ~~حنان الأب والأم أكثر من الكبير، وهذه عدالة في التوزيع، لأنك إذا نظرت ~~إلى الولد الصغير والولد الكبير والولد الأكبر، تجد الأكبر أحظهم زمنا ~~مع أبيه وأمه والصغير أقلهم زمنا، فيريد الحق أن يعوض الصغير فيعطي الأب ~~والأم شحنة زائدة من العاطفة تجاهه، وأيضا فإن الكبير قد يستغني والصغير ~~ما زال في حاجة، ولذلك قال سبحانه في أخوة يوسف: # إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ~~ونحن عصبة.. # [يوسف: 8]. أي أنهم أقوياء وظنوا أنه يجب على أبيهم أن يحب الأقوياء. ~~وهذا الظن دليل على أن الأب كان يعلم أنهم عصبة لذلك كان قلبه مغ غير ~~العصبة، وهذا هو الأمر الطبيعي، فهم جاءوا بالدليل الذي هو ضدهم. إذن ~~فحين يوجد الناشىء الذي يحتاج إلى أن يربى التربية التي يعين عليها ~~الحنان والعطف، فلا بد من أن نأتي لليتيم الذي فقد مصدر الحنان الأساسي ~~ونقنن له، ويأتي الحق سبحانه وتعالى ليوزع المجتمع الإنساني قطاعات، ~~ويحمل كل واحد القطاع المباشر له، فإذا حمل كل واحد منا القطاع المباشر ~~له تتداخل العنايات في القطاعات، هذا سيذهب لأبيه وأمه ولأولاد أخيه، ~~وهذا كذلك، فتتجمع الدوائر. وبعد ذلك يعيش المجتمع كله في تكافل، ms1568 وهو ~~سبحانه يريد أن يجعل وسائل الحنان ذاتية في كل نفس، وما دام اليتيم يقيم ~~معنا كفرد فلا بد من العناية به. إن اليتيم فرد فقد العائل له ولذلك ~~يقولون: " درة يتيمة " أي وحيدة فريدة، وهكذا اليتيم وحيد فريد، إلا أنهم ~~جاءوا في الإنسان وفي الأنعام وفي الطير وقالوا: اليتيم في الإنسان من ~~فقد أباه، واليتيم في الأنعام من فقد أمه، لماذا؟ لأن الأنعام طلوقة ~~تلقح الذكور فيه الإناث وتنتهي. والأم هي التي تربي وترضع فإذا جاء أحد ~~آخر يمسها تنفر منه. أما اليتيم في الطير فمن فقدهما معا. فالطير عادة ~~الزوج منها يألف الآخر ولذلك يتخذان عشا ويتناوبان العناية بالبيض ~~ويعملان معا ففيه حياة أسرية، والحق سبحانه وتعالى جاء في اليتيم الذي ~~هو مظهر الضعف في الأسوة الإنسانية وأراد أن يقنن له فقال: { وآتوا ~~اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا... }. ### || [4.2] # وكيف نؤتي اليتيم ماله وهو لم يبلغ مبلغ الرجال بعد، ونخشى أن نعطيه ~~المال فيضيعه؟ انظر إلى دقة العبارة في قوله من بعد ذلك: # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم.. # [النساء: 6]. وقبل ذلك ماذا نفعل؟ هل ندفع لهم الأموال؟ الحق يوضح أنك ~~ساعة تكون وليا على مال اليتيم فاحرص جيدا أن تعطي هذا اليتيم ماله ~~كاملا بعد أن يستكمل نضجه كاملا، فأنت حفيظ على هذا المال، وإياك أن ~~تخلط مالك بماله أو تتبدل منه، أي تأخذ الجميل والثمين من عنده وتعطيه من ~~مالك الأقل جمالا أو فائدة. إذن فقوله: { وآتوا اليتامى ~~أموالهم.. } [النساء: 2] أي أن الله جعل المال لليتيم ولم يجعل ~~للقيم عليه أن يتصرف في هذا المال إلا تصرف صيانة، وأيضا هنا ملحظ آخر ~~هو ما شرحه لنا # وابتلوا اليتامى.. # [النساء: 6] فهناك أناس يريدون أن يطيلوا زمن الوصاية على اليتيم، لكي ~~ينتفع الواحد منهم بهذا المال فيوضح سبحانه: لا تنتظر إلى أن يبلغ الرشد ~~ثم تقول ننظره، لا. أنت تدربه بالتجربة في بعض التصرفات وتنظر أسيحسن ~~التصرف أم لا؟ إن قول الحق ms1569 # وابتلوا اليتامى.. # [النساء: 6] أي اختبروهم، هل يستطيعون أن يقوموا بمصالحهم وحدهم؟ فإن ~~استطاعوا فاطمئنوا إلى أنهم ساعة يصلون إلى حد الحلم سيحسنون التصرف، ~~أعطوهم أموالهم بعد التجربة لأن اليتيم يعيش في قصور عمري، وهو سبحانه ~~يفرق بين اليتيم والسفيه، فالسفيه لا يعاني من قصور عمري بل من قصور ~~عقلي، وعندما تكلم سبحانه عن هذه المسألة قال: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم.. # [النساء: 5]. فهل هي أموالكم؟ لا. فحين يكون المرء سفيها فاعلم أنه لا ~~إدارة له على ملكه، وتنتقل إدارة الملكية إلى من يتصرف في المال تصرفا ~~حكيما، فاحرص على أن تدير مال السفيه كأنه مالك لأنه ليس له قدرة على ~~حسن التصرف. لكن لما يبلغ اليتيم إلى مرحلة الباءة والنكاح والرشد يقول ~~الحق: # فادفعوا إليهم أموالهم.. # [النساء: 6]. إنه سبحانه يقول مرة في الوصاية: # أموالكم.. # [النساء: 5] وفي العطاء يقول: # أموالهم.. # [النساء: 6] إذن فهو يريد ألا تبدد المال، ثم يوضح. احرص على ثروة ~~اليتيم أو السفيه وكأنها مالك، لأنه ما دام سفيها فمسئولية الولاية ~~مطلوبة منك، والمال ليس ملكا لك. خذ منه ما يقابل إدارة المال وقت السفه ~~أو اليتم، وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليعلم القائمين على أمر ~~اليتامى أو على أمر السفهاء الذين لا يحسنون إدارة أموالهم فيقول: # وارزقوهم فيها.. # [ النساء: 5]. اجعلوا الرزق مما يخرج منها، وإياكم أن تبقوها عندكم، ~~وإلا فما قيمة ولايتك ووصايتك وقيامك على أمر السفيه أو اليتيم؟ إنك تثمر ~~له المال لا أن تأكله أو لا تحسن التصرف فيه بحيث ينقص كل يوم، لا. # وارزقوهم فيها.. # [النساء: 5]، و " في " هنا للسببية، أي ارزقوهم بسببها، ارزقوهم رزقا ~~خارجا منها. { وآتوا اليتامى أموالهم ولا ~~تتبدلوا الخبيث بالطيب.. } [النساء: 2] والخبيث هو ~~الحرام والطيب هو الحلال، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب، فقد يكون ضمن مال ~~اليتيم شيء جميل، فيأخذه الوصي لنفسه ويستبدله بمثل له قبيح، مثال ذلك، ~~أن يكون ضمن مال اليتيم فرس جميل، وعند الوصي فرس قبيح فيأخذه ويقول: فرس ~~بفرس، أو جاموسة مكان جاموسة،؟ أو نخلة طيبة بنخلة لا ms1570 تثمر، هنا يقول ~~الحق: { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب.. } [النساء: 2]. ~~وقوله سبحانه وتعالى: { ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم.. } يعني إياكم ألا تجعلوا فرقا بين أموالهم وأموالكم ~~فتأكلوا هذه مع تلك، بل فرقوا بين أكل أموالكم والحفاظ على أموالهم ~~لماذا؟ تأتي الإجابة: { إنه كان حوبا كبيرا } [النساء: 2] أي ~~إثما فظيعا. ثم يتنقل الحق إلى قضية أخرى يجتمع فيها ضعف اليتم، وضعف ~~النوع: ضعف اليتم سواء أكان ذكرا أم أنثى، وإن كانت أنثى فالبلوى أشد ~~فهي قد اجتمع عليها ضعف اليتم وضعف النوع، طبعا فاليتيمة عندما تكون تحت ~~وصاية وليها، يجوز أن يقول: إنها تملك مالا فلماذا لا أتزوجها لكي آخذ ~~المال؟ وهذا يحدث كثيرا. ولذلك يقول الحق سبحانه: { وإن خفتم ~~ألا تقسطوا... }. ### || [4.3] # هنا يؤكد الحق الأمر بأن ابتعدوا عن اليتامى. فاليتيم مظنة أن يظلم ~~لضعفه، وبخاصة إذا كان أنثى. إن الظلم بعامة محرم فى غير اليتامى، ولكن ~~الظلم مع الضعيفة كبير، فهي لا تقدر أن تدفع عن نفسها، فالبالغة الرشيدة ~~من النساء قد تستطيع أن تدفع الظلم عن نفسها. وقوله الحق: { وإن ~~خفتم ألا تقسطوا.. } [النساء: 3] من " أقسط " أي عدل، والقسط ~~من الألفاظ التي تختلط الأذهان فيها، و " القسط " مرة يطلق ويراد به " ~~العدل " ، إذا كان مكسور القاف، ولذلك يأتي الحق سبحانه فيقول: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم # [آل عمران: 18]. وهكذا نعرف أن كلمة " قسط " تأتي مرة للعدل ومرة للجور. ~~ف " قسط " " يقسط " " قسطا " و " قسوطا " أي ظلم بفتح ~~القاف في " قسط " وضمها في " قسوط ". والقسط بكسر القاف هو العدل، ~~والقسط بفتح القاف - كما قلنا - هو الظلم وهناك مصدر ثان هو " قسوط " ~~لكن الفعل واحد، وعندما يقول الحق: { وإن خفتم ألا ~~تقسطوا.. } [النساء: 3] من أقسط. أي خفتم من عدم العدل وهو الظلم. ~~وهناك في اللغة ما نسميه همزة الإزالة، وهي همزة تدخل على الفعل فتزيله، ~~مثال ذلك: فلان عتب على فلان، أي لامه على تصرف ما، ويقال لمن ms1571 تلقى ~~العتاب عندما يرد على صاحب العتاب: أعتبه، أي طمأن خاطره وأزال مصدر ~~العتاب. ويقال: محمد عتب على علي. فماذا كان موقف علي؟ يقال: أعتب ~~محمدا أي طيب خاطره وأزال العتاب. ويقال أعجم الكتاب. فلا تفهم من ذلك ~~أنه جعل الكتاب معجما، لا، فأعجمه أي أزال إبهامه وغموضه. كذلك " أقسط " ~~أي أزال القسط والظلم. إذن " القسط " هو العدل من أول الأمر، لكن " ~~أقسط. إقساطا " تعني أنه كان هناك جور أو ظلم وتم رفعه. والأمر ينتهي ~~جميعه إلى العدل. فالعدل إن جاء ابتداء هو: قسط بكسر القاف. وإن جاء بعد ~~جور تمت إزالته فهو إقساط. فحين يقال " أقسط " و " تقسطوا " بالضم، ~~فمعناها أنه كان هناك جور وظلم تم رفعه، ولذلك فعندما نقرأ القرآن نجده ~~يقول: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15]. والقاسطون هنا من القسط - بالفتح - ومن القسوط بالضم، أي من ~~الجور والظلم، ونجد القرآن الكريم يقول أيضا: # وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله ~~يحب المقسطين # [المائدة: 42]. أي أن الله يجب الذين إن رأوا ظلما أزالوه وأحلوا محله ~~العدل. # الحق هنا في سورة النساء يقول: { وإن خفتم ألا تقسطوا ~~في اليتامى.. } [النساء: 3] أي إن خفتم ألا ترفعوا الظلم عن ~~اليتامى، ومعنى أن تخاف من ألا تقسط لأنك بار تعرف كيف تنقذ نفسك من ~~مواطن الزلل. أي فإن خفتم أيها المؤمنون ألا ترفعوا الجور عن اليتامى ~~فابتعدوا عنهم وليسد كل مؤمن هذه الذريعة أمام نفسه حتى لا تحدثه نفسه ~~بأن يجور على اليتيمة فيظلمها. وإن أراد الرجل أن يتزوج فأمامه من غير ~~اليتامى الكثير من النساء. وما دامت النساء كثيرات فالتعدد يصبح واردا، ~~فهو لم يقل: اترك واحدة وخذ واحدة، لكنه أوضح: اترك اليتيمة وأمامك ~~النساء الكثيرات. إذن فقد ناسب الحال أن تجيء مسألة التعدد هنا، لأنه ~~سبحانه وتعالى يريد أن يرد الرجل الولي عن نكاح اليتيمات مخافة أن ~~يظلمهن، فأمره بأن يترك الزواج من اليتيمة الضعيفة لأن النساء غيرها ~~كثيرات. { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم ms1572 من النسآء مثنى وثلاث ~~ورباع.. } [النساء: 3]. وقوله الحق: { ما طاب لكم من ~~النسآء.. } [النساء: 3] أي غير المحرمات في قوله تعالى: # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء إلا ما ~~قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وسآء سبيلا # [النساء: 22]. وفي قوله سبحانه: # حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ~~وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ~~وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم ~~تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل ~~أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين ~~الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا ~~رحيما * والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت ~~أيمانكم كتاب الله عليكم.. # [النساء: 23-24]. إذن فما طاب لكم من النساء غير المحرمات هن اللاتي ~~يحللن للرجل { فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى ~~وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ~~أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } ~~[النساء: 3] وهنا يجب أن نفهم لماذا جاء هذا النص ولماذا جاء بالمثنى ~~والثلاث والرباع هنا؟ إنه سبحانه يريد أن يزهد الناس في نكاح ~~اليتيمات مخافة أن تأتي إلى الرجل لحظة ضعف فيتزوج اليتيمة ظالما لها، ~~فأوضح سبحانه: اترك اليتيمة، والنساء غيرها كثير، فأمامك مثنى وثلاث ~~ورباع، وابتعد عن اليتيمة حتى لا تكون طامعا في مالها أو ناظرا إلى ~~ضعفها أو لأنها لم يعد لها ولي يقوم على شأنها غيرك. ونريد أن نقف هنا ~~وقفة أمام قوله تعالى: { فانكحوا ما طاب لكم من النسآء ~~مثنى وثلاث ورباع.. } [النساء: 3] ما معنى مثنى؟ يقال { ~~مثنى.. } [النساء: 3] أي اثنين مكررة، كأن يقال: جاء القوم مثنى، أي ~~ساروا في طابور وصف مكون من اثنين اثنين. # هذا يدل على الوحدة الجائية. ويقال: جاء القوم ثلاث، أي ساروا في طابور ~~مكون من ثلاثة ثلاثة. ويقال: جاء القوم رباع. أي جاء القوم في طابور يسير ~~فيه كل أربعة خلف أربعة أخرى. ولو قال واحد: إن المقصود بالمثنى والثلاث ~~والرباع أن يكون المسموح به تسعة من النساء. نقول ms1573 له: لو حسبنا بمثل ما ~~تحسب، لكان الأمر شاملا لغير ما قصد الله، فالمثنى تعني أربعة، والثلاث ~~تعني ستة، والرباع تعني ثمانية، وبذلك يكون العدد ثمانية عشر، ولكنك لم ~~تفهم، لأن الله لا يخاطب واحدا، لكن الله يخاطب جماعة، فيقول: { وإن ~~خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب ~~لكم من النسآء مثنى وثلاث ورباع.. } [النساء: 3]. ~~فإذا قال مدرس لتلاميذه: افتحوا كتبكم، أيعني هذا الأمر أن يأتي واحد ~~ليفتح كل الكتب؟ لا، إنه أمر لكل تلميذ بأن يفتح كتابه، لهذا فإن مقابلة ~~الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا. وعندما يقول المدرس: أخرجوا أقلامكم. ~~أي على كل تلميذ أن يخرج قلمه. وعندما يقال: اركبوا سياراتكم، أي أن يركب ~~كل واحد سيارته. إذن فمقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، وقوله ~~تعالى: { فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى ~~وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ~~أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } ~~[النساء: 3] هو قول يخاطب جماعة، فواحد ينكح اثنتين وآخر ينكح ثلاث نساء، ~~وثالث ينكح أربع نساء. والحق سبحانه وتعالى حينما يشرع الحكم يشرعه مرة ~~إيجابا ومرة يشرعه إباحة، فلم يوجب ذلك الأمر على الرجل، ولكنه أباح ~~للرجل ذلك، وفيه فرق واضح بين الإيجاب وبين الإباحة. والزواج نفسه حتى من ~~واحدة مباح. إذن ففيه فرق بين أن يلزمك الله أن تفعل وأن يبيح لك أن ~~تفعل. وحين يبيح الله لك أن تفعل، ما المرجح في فعلك؟ إنه مجرد رغبتك. ~~ولكن إذا أخذت الحكم، فخذ الحكم من كل جوانبه، فلا تأخذ الحكم، بإباحة ~~التعدد ثم تكف عن الحكم بالعدالة، وإلا سينشأ الفساد في الأرض، وأول هذا ~~الفساد أن يتشكك الناس في حكم الله. لماذا؟ لأنك إن أخذت التعدد، وامتنعت ~~عن العدالة فأنت تكون قد أخذت شقا من الحكم، ولم تأخذ الشق الآخر وهو ~~العدل، فالناس تجنح أمام التعدد وتبتعد وتميل عنه لماذا؟ لأن الناس شقوا ~~كثيرا بالتعدد أخذا لحكم الله في التعدد وتركا لحكم الله في العدالة. ~~والمنهج الإلهي يجب أن يؤخذ ms1574 كله، فلماذا تكره الزوجة التعدد؟ لأنها وجدت ~~أن الزوج إذا ما تزوج واحدة عليها التفت بكليته وبخيره وببسمته وحنانه ~~إلى الزوجة الجديدة، لذلك فلا بد للمرأة أن تكره زواج الرجل عليها بإمرأة ~~أخرى. إن الذين يأخذون حكم الله في إباحة التعدد يجب أن يلزموا أنفسهم ~~بحكم الله أيضا في العدالة، فإن لم يفعلوا فهم يشيعون التمرد على حكم ~~الله، وسيجد الناس حيثيات لهذا التمرد، وسيقال: انظر، إن فلانا تزوج ~~بأخرى وأهمل الأولى، أو ترك أولاده دون رعاية واتجه إلى الزوجة الجديدة. # فكيف نأخذ إباحة الله في شيء ولا تأخذ إلزامه في شيء آخر، إن من يفعل ~~ذلك يشكك الناس في حكم الله، ويجعل الناس تتمرد على حكم الله - والسطحيون ~~في الفهم يقولون: إنهم معذورون، وهذا منطق لا يتأتى. إن آفة الأحكام أن ~~يؤخذ حكم جزئي دون مراعاة الظروف كلها، والذي يأخذ حكما عن الله لابد أن ~~يأخذ كل منهج الله. هات إنسانا عدل في العشرة وفي النفقة وفي البيتوتة ~~وفي المكان وفي الزمان ولم يرجح واحدة على أخرى، فالزوجة الأولى إن فعلت ~~شيئا فهي لن تجد حيثية لها أمام الناس. أما عندما يكون الأمر غير ذلك ~~فإنها سوف تجد الحيثية للاعتراض، والصراخ الذي نسمعه هذه الأيام إنما نشأ ~~من أن بعضا قد أخذ حكم الله في إباحة التعدد ولم يأخذ حكم الله في عدالة ~~المعدد. والعدالة تكون في الأمور التي للرجل فيها خيار. أما الأمور التي ~~لا خيار للرجل فيها فلم يطالبه الله بها. ومن السطحيين من يقول: إن ~~الله قال: اعدلوا، ثم حكم أننا لا نستطيع أن نعدل. نقول لهم: بالله أهذا ~~تشريع؟، أيعطي الله باليمين ويسحب بالشمال؟ ألم يشرع الحق على عدم ~~الاستطاعة فقال: # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو ~~حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها ~~كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان ~~غفورا رحيما # [النساء: 129]. وما دام قد شرع على عدم الاستطاعة في العدل المطلق فهو ~~قد أبقى الحكم ولم يلغه، وعلى المؤمن ألا يجعل منهج ms1575 الله له في حركة ~~حياته عضين بمعنى أنه يأخذ حكما في صالحه ويترك حكما إن كان عليه. ~~فالمنهج من الله يؤخذ جملة واحدة من كل الناس لأن أي انحراف في فرد من ~~أفراد الأمة الإسلامية يصيب المجموع بضرر. فكل حق لك هو واجب عند غيرك، ~~فإن أردت أن تأخذ حقك فأد واجبك. والذين يأخذون حكم الله في إباحة ~~التعدد يجب أن يأخذوا حكم الله أيضا في العدل، وإلا أعطوا خصوم دين الله ~~حججا قوية في إبطال ما شرع الله، وتغيير ما شرع الله بحجة ما يرونه من ~~آثار أخذ حكم وإهمال حكم آخر. والعدل المراد في التعدد هو القسمة بالسوية ~~في المكان، أي أن لكل واحدة من المتعددات مكانا يساوي مكان الأخرى، وفي ~~الزمان، وفي متاع المكان، وفيما يخصص الرجل من متاع نفسه، فليس له أن ~~يجعل شيئا له قيمة عند واحدة، وشيئا لا قيمة له عند واحدة أخرى، يأتي ~~مثلا ببجامة " منامة " صوف ويضعها عند واحدة، ويأتي بأخرى من قماش أقل ~~جودة ويضعها عند واحدة، لا. # لابد من المساواة، لا في متاعها فقط، بل متاعك أنت الذي تتمتع به عندها، ~~حتى أن بعض المسلمين الأوائل كان يساوي بينهن في النعال التي يلبسها في ~~بيته، فيأتي بها من لون واحد وشكل واحد وصنف واحد، وذلك حتى لا تدل ~~واحدة منهن على الأخرى قائلة: إن زوجي يكون عندي أحسن هنداما منه عندك. ~~والعدالة المطلوبة - أيضا - هي العدالة فيما يدخل في اختيارك لأن ~~العدالة التي لا تدخل في اختيارك لا يكلف الله بها، فأنت عدلت في المكان، ~~وفي الزمان، وفي المتاع لكل واحدة، وفي المتاع لك عند كل واحدة، ولكن لا ~~يطلب الله منك أن تعدل بميل قلبك وحبك نفسك لأن ذلك ليس في مكنتك. ~~والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا هذا فيقول: عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ويعدل ويقول: " اللهم هذا قسمي ~~فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " يعني القلب ms1576 ". # إذن فهذا معنى قول الحق: # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو ~~حرصتم.. # [النساء: 129]. لأن هناك أشياء لا تدخل في قدرتك، ولا تدخل في اختيارك، ~~كأن ترتاح نفسيا عند واحدة ولا ترتاح نفسيا عند أخرى، أو ترتاح جنسيا ~~عند واحدة ولا ترتاح عند أخرى، لكن الأمر الظاهر للكل يجب أن تكون فيه ~~القسمة بالسوية حتى لا تدل واحدة على واحدة. وإذا كان هذا في النساء ~~المتعددات - وهن عوارض - حيث من الممكن أن يخرج الرجل من أي إمرأة - ~~بطلاق أو فراق فما بالك بأولادها منه؟ لابد أيضا من العدالة. والذي يفسد ~~جو الحكم المنهجي لله أن أناسا يجدون رجلا عدد، فأخذ إباحة الله في ~~التعدد، ثم لم يعدل، فوجدوا أبناءه من واحدة مهملين مشردين، فيأخذون من ~~ذلك حجة على الإسلام. والذين حاولوا أن يفعلوا ما فعلوا في قوانين ~~الأحوال الشخصية إنما نظروا إلى ذلك، التباين الشديد الذي يحدثه بعض ~~الآباء الحمقى نتيجة تفضيل أبناء واحدة على أخرى في المأكل والملبس ~~والتعليم! إذن فالمسلم هو الذي يهجر دينه ويعرضه للنقد والنيل من أعدائه ~~له. فكل إنسان مسلم على ثغرة من ثغرات دين الله تعالى فعليه أن يصون ~~أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته من أي انحراف أو شطط لأن كل مسلم بحركته ~~وبتصرفه يقف على ثغرة من منهج الله، ولا تظنوا أن الثغرات فقط هي الشيء ~~الذي يدخل منه أعداء الله على الأرض كالثغور، لا، الثغرة هي الفجوة حتى ~~في القيم يدخل منها خصم الإسلام لينال من الإسلام. إنك إذا ما تصرفت ~~تصرفا لا يليق فأنت فتحت ثغرة لخصوم الله. # فسد كل ثغرة من هذه الثغرات، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد ~~توسع في العدل بين الزوجات توسعا لم يقف به عند قدرته، وإن وقف به عند ~~اختياره، فالرسول صلى الله عليه وسلم حين مرض كان من الممكن أن يعذره ~~المرض فيستقر في بيت واحدة من نسائه، ولكنه كان يأمر بأن يحمله بعض ~~الصحابة ليطوف على بقية نسائه في أيامهن فأخذ قدرة ms1577 الغير. وكان إذا سافر ~~يقرع بينهن، هذه هي العدالة. وحين توجد مثل هذه العدالة يشيع في الناس أن ~~الله لا يشرع إلا حقا، ولا يشرع إلا صدقا، ولا يشرع إلا خيرا. ويسد ~~الباب على كل خصم من خصوم دين الله، حتى لا يجد ثغرة ينفذ منها إلى ما ~~حرم دين الله، وإن لم يستطع المسلم هذه الاستطاعة فليلزم نفسه بواحدة. ~~ومع ذلك حين يلزم المسلم نفسه بزوجة واحدة، هل انتفت العدالة مع النفس ~~الواحدة؟ لا، فلا يصح ولا يستقيم ولا يحل أن يهمل الرجل زوجه. ولذلك ~~حينما شكت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن زوجها لا يأتي إليها ~~وهي واحدة وليس لها ضرائر، فكان عنده أحد الصحابة، فقال له: أفتها " أي ~~أعطها الفتوى ". قال الصحابي: لك عنده أن يبيت عندك الليلة الرابعة بعد ~~كل ثلاث ليال. ذلك أن الصحابي فرض أن لها شريكات ثلاثا، فهي تستحق ~~الليلة الرابعة. وسر عمر - رضي الله عنه - من الصحابي لأنه عرف كيف يفتي ~~حتى في أمر المرأة الواحدة. إذن قول الحق سبحانه وتعالى: # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو ~~حرصتم فلا تميلوا كل الميل.. # [ النساء: 129]. أي لا تظنوا أن المطلوب منكم تكليفيا هو العدالة حتى ~~في ميل القلب وحبه، لا. إنما العدالة في الأمر الاختياري، وما دام الأمر ~~قد خرج عن طاقة النفس وقدرتها فقد قال - سبحانه -: # فلا تميلوا كل الميل.. # [النساء: 129]. ويأخذ السطحيون الذين يريدون أن يبرروا الخروج عن منهج ~~الله فيقولوا: إن المطلوب هو العدل وقد حكم الله أننا لا نستطيع العدل. ~~ولهؤلاء نقول: هل يعطي ربنا باليمين ويأخذ بالشمال؟ فكأنه يقول: اعدلوا ~~وأنا أعلم أنكم لن تعدلوا؟ فكيف يتأتى لكم مثل هذا الفهم؟ إن الحق حين ~~قال: # ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو ~~حرصتم.. # [النساء: 129] أي لا يتعدى العدل ما لا تملكون من الهوى والميل لأن ذلك ~~ليس في إمكانكم، ولذلك قال: # فلا تميلوا كل الميل.. # [النساء: 129]. نقول ذلك للذين يريدون أن يطلقوا الحكم غير واعين ms1578 ولا ~~فاهمين عن الله، ونقوله كذلك للفاهمين الذين يريدون أن يدلسوا على منهج ~~الله، وهذه المسألة من المسائل التي تتعرض للأسرة، وربها الرجل. # فهب أن رجلا ليس له ميل إلى زوجته، فماذا يكون الموقف؟ أمن الأحسن أن ~~يطلقها ويسرحها، أم تظل عنده ويأتي بامرأة تستطيع نفسه أن ترتاح معها؟ أو ~~يطلق غرائزه في أعراض الناس؟ إن الحق حينما شرع، إنما شرع دينا ~~متكاملا، لا تأخذ حكما منه لتترك حكما آخر. والأحداث التي أرهقت ~~المجتمعات غير المسلمة ألجأتهم إلى كثير من قضايا الإسلام. وأنا لا أحب ~~أن أطيل، هناك بعض الدول تكلمت عن إباحة التعدد لا لأن الإسلام قال به، ~~ولكن لأن ظروفهم الاجتماعية حكمت عليهم أنه لا يحل مشاكلهم إلا هذا، حتى ~~ينهو مسألة الخليلات. والخليلات هن اللائي يذهب إليهن الرجال ليهتكوا ~~أعراضهن ويأتوا منهن بلقطاء ليس لهم أب. إن من الخير أن تكون المرأة ~~الثانية، امرأة واضحة في المجتمع. ومسألة زواج الرجل منها معروفة للجميع، ~~ويتحمل هو عبء الأسرة كلها. ويمكن لمن يريد أن يستوضح كثيرا من أمر ~~هؤلاء الناس أن يرجع إلى كتاب تفسير في هذا الموضوع للدكتور محمد خفاجة ~~حيث أورد قائمة بالدول وقراراتها في إباحة التعدد عند هذه الآية. وهنا ~~يجب أن ننتبه إلى حقيقة وهي: أن التعدد لم يأمر به الله، وإنما أباحه، ~~فالذي ترهقه هذه الحكاية لا يعدد، فالله لم يأمر بالتعدد ولكنه أباح ~~للمؤمن أن يعدد. والمباح أمر يكون المؤمن حرا فيه يستخدم رخصة الإباحة ~~أو لا يستعملها، ثم لنبحث بحثا آخر. إذا كان هناك تعدد في طرف من طرفين ~~فإن كان الطرفان متساويين في العدد، فإن التعدد في واحد لا يتأتى، والمثل ~~هو كالآتي: إذا دخل عشرة أشخاص حجرة وكان بالحجرة عشرة كراسي فكل واحد ~~يجلس على كرسي، ولا يمكن بطبيعة الحال أن يأخذ واحد كرسيا للجلوس ~~وكرسيا آخر ليمد عليه ساقيه، لكن إذا كان هناك أحد عشر كرسيا، فواحد من ~~الناس يأخذ كرسيا للجلوس وكرسيا آخر ليستند عليه، إذن فتعدد طرف ms1579 في طرف ~~لا ينشأ إلا من فائض. فإذا لم يكن هناك فائض، فالتعدد - واقعا - يمتنع، ~~لأن كل رجل سيتزوج امرأة واحدة وتنتهي المسألة، ولو أراد أن يعدد الزواج ~~فلن يجد. إذن فإباحة التعدد تعطينا أن الله قد أباحه وهو يعلم أنه ممكن ~~لأن هناك فائضا. والفائض كما قلنا معلوم، لأن عدد ذكور كل نوع من ~~الأنواع أقل من عدد الإناث. وضربنا المثل من قبل في النخل وكذلك البيض ~~عندما يتم تفريخه فإننا نجد عددا قليلا من الديوك والبقية إناث. إذن ~~فالإناث في النبات وفي الحيوان وفي كل شيء أكثر من الذكور. وإذا كانت ~~الإناث أكثر من الذكور، ثم أخذ كل ذكر مقابله فما مصير الأعداد التي تفيض ~~وتزيد من الإناث؟ إما أن تعف الزائدة فتكبت غرائزها وتحبط، وتنفس في كثير ~~من تصرفاتها بالنسبة للرجل وللمحيط بالرجل، وإما أن تنطلق، تنطلق مع ~~من؟ إنها تنطلق مع متزوج. # وإن حدث ذلك فالعلاقات الاجتماعية تفسد. ولكن الله حين أباح التعدد أراد ~~أن يجعل منه مندوحة لامتصاص الفائض من النساء ولكن بشرط العدالة. وحين ~~يقول الحق: { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة.. } ~~[النساء: 3] أي إن لم نستطع العدل الاختياري فليلزم الإنسان الواحدة. ~~وبعد ذلك يقول الحق: { أو ما ملكت أيمانكم.. } [النساء: 3]. ~~وهناك من يقف عند { ما ملكت أيمانكم.. } [النساء: 3] ~~ويتجادل، ونطمئن هؤلاء الذين يقفون عند هذا القول ونقول: لم يعد هناك ~~مصدر الآن لملك اليمين لأن المسلمين الآن في خنوع، وقد اجترأ عليهم ~~الكفار، وصاروا يقتطعون دولا من دولهم. وما هب المسلمون ليقفوا لحماية ~~أرض إسلامية. ولم تعد هناك حرب بين مسلمين وكفار، بحيث يكون فيه أسرى، و ~~" ملك اليمين ". ولكنا ندافع عنه أيام كان هناك ملك يمين. ولنر المعنى ~~الناضج حين يبيح الله متعة السيد بما ملكت يمينه، انظر إلى المعنى، ~~فالإسلام قد جاء ومن بين أهدافه أن يصفي الرق، ولم يأت ليجيء بالرق. ~~وبعد أن كان لتصفية الرق سبب واحد هو إرادة السيد. عدد الإسلام مصارف ~~تصفية الرق فارتكاب ذنب ما يقال للمذنب: ms1580 اعتق رقبة كفارة اليمين. وكفارة ~~ظهار فيؤمر رجل ظاهر من زوجته بأن يعتق رقبة وكفارة فطر في صيام، وكفارة ~~قتل.. إلخ.. إذن فالإسلام يوسع مصارف العتق. ومن يوسع مصارف العتق ~~أيريد أن يبقى على الرق، أم يريد أن يصفيه ويمحوه؟ ولنفترض أن مؤمنا لم ~~يذنب، ولم يفعل ما يستحق أن يعتق من أجله رقبة، وعنده جوار، هنا يضع ~~الإسلام القواعد لمعاملة الجواري: - إن لم يكن عندك ما يستحق التكفير، ~~فعليك أن تطعم الجارية مما تأكل وتلبسها ما يلبس أهل بيتك، لا تكلفها ما ~~لا تطيق، فإن كلفتها فأعنها، أي فضل هذا، يدها بيد سيدها وسيدتها، فما ~~الذي ينقصها؟ إن الذي ينقصها إرواء إلحاح الغريزة، وخاصة أنها تكون في ~~بيت للرجل فيه امرأة، وتراها حين تتزين لزوجها، وتراها حين تخرج في ~~الصباح لتستحم، والنساء عندهن حساسية لهذا الأمر، فتصوروا أن واحدة مما ~~ملكت يمين السيد بهذه المواقف؟ ألا تهاج فيها الغرائز؟ حين يبيح الله ~~للسيد أن يستمتع بها وأن تستمتع به، فإنه يرحمها من هذه الناحية ويعلمها ~~أنها لا تقل عن سيدتها امرأة الرجل فتتمتع مثلها. ويريد الحق أيضا أن ~~يعمق تصفية الرق، لأنه إن زوجها من رجل رقيق فإنها تظل جارية أمة، والذي ~~تلده يكون رقيقا، لكن عندما تتمتع مع سيدها وتأتي منه بولد، فإنها تكون ~~قد حررت نفسها وحررت ولدها، وفي ذلك زيادة في تصفية الرق، وفي ذلك إكرام ~~لغريزتها. # لكن الحمقى يريدون أن يؤاخذوا الإسلام على هذا!! يقول الحق: { فإن ~~خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا } [النساء: 3] فالعدل أو ~~الاكتفاء بواحدة أو ما ملكت اليمين، ذلك أقرب ألا تجوروا. وبعض الناس ~~يقول: { أدنى ألا تعولوا } [النساء: 3] أي ألا تكثر ذريتهم ~~وعيالهم. ونقول لهم: إن كان كذلك فالحق أباح ما ملكت اليمين، وبذلك يكون ~~السبب في وجود العيال قد اتسع أكثر، وقوله: { ذلك أدنى ألا ~~تعولوا } [النساء: 3] أي أقرب ألا تظلموا وتجوروا، لأن العول فيه معنى ~~الميل، والعول في الميراث أن تزيد أسهم ms1581 الأنصباء على الأصل، وهذا معنى ~~عالت المسألة، وإذا ما زاد العدد فإن النصيب في التوزيع ينقص. وبعد ذلك ~~يقول الحق: { وآتوا النسآء صدقاتهن... }. ### || [4.4] # والمقصود ب { صدقاتهن.. } [النساء: 4] هو المهور، و " النحلة ~~" هي العطية، وهل الصداق عطية؟ لا. إنه حق وأجر بضع. ولكن الله يريد أن ~~يوضح لنا: أي فليكن إيتاء المهور للنساء نحلة، أي وازع دين لا حكم قضاء، ~~والنحلة هي العطية. وانظر إلى اللمسات الإلهية والأداء الإلهي للمعاني، ~~لأنك إن نظرت إلى الواقع فستجد الآتي: الرجل يتزوج المرأة، وللرجل في ~~المرأة متعة، وللمرأة أيضا متعة أي أن كلا منهما له متعة وشركة في ~~ذلك، وفي رغبة الإنجاب، وكان من المفترض ألا تأخذ شيئا، لأنها ستستمتع ~~وأيضا قد تجد ولدا لها، وهي ستعمل في المنزل والرجل سيكدح خارج البيت، ~~ولكن هذه عطية قررها الله كرامة للنساء { وآتوا النسآء ~~صدقاتهن نحلة.. } [النساء: 4] والأمر في { آتوا.. } [النساء: ~~4] لمن؟ إما أن يكون للزوج فقوله: { وآتوا النسآء ~~صدقاتهن.. } [النساء: 4] يدل على أن المرأة صارت زوجة الرجل، وصار ~~الرجل ملزما بالصداق ومن الممكن أن يكون دينا إذا تزوجها بمهر في ذمته ~~يؤديه لها عند يساره، وإما أن يكون الأمر لولي أمرها فالذي كان يزوجه ~~أخته مثلا، كان يأخذ المهر له ويتركها دون أن يعطيها مهرها، والأمر في ~~هذه الآية - إذن - إما أن يكون للأزواج وإما أن يكون للأولياء. وحين ~~يشرع الحق لحماية الحقوق فإنه يفتح المجال لأريحيات الفضل. لذلك ~~يقول: { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه ~~هنيئا مريئا } [النساء: 4]. لقد عرف الحق الحقوق أولا بمخاطبة ~~الزوج أو ولي الأمر في أن مهر الزوجة لها لأنه أجر البضع. ولكنه سبحانه ~~فتح باب أريحية الفضل فإن تنازلت الزوجة فهذا أمر آخر، وهذا أدعى أن يؤصل ~~العلاقة الزوجية وأن يؤدم بينهما. والمراد هنا هو طيب النفس، وإياك أن ~~تأخذ شيئا من مهر الزوجة التي تحت ولايتك بسبب الحياء، فالمهم أن يكون ~~الأمر عن طيب نفس. { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا ms1582 } [النساء: 4] والهنيء هو الشيء المأكول ~~وتستسيغه حين يدخل فمك. لكنك قد تأكل شيئا هنيئا في اللذة وفي المضغ ~~وفي الأكل ولكنه يورث متعبة صحية. إنه هنيء لكنه غير مريء. والمقصود هو ~~أن يكون طيب الطعم وليس له عواقب صحية رديئة. وهو يختلف عن الطعام الهنيء ~~غير المريء الذي يأكله الإنسان فيطلب من بعده العلاج. إذن فكل أكل يكون ~~هنيئا ليس من الضروري أن يكون مريئا. وعلينا أن نلاحظ في الأكل أن يكون ~~هنيئا مريئا. والإمام علي - رضوان الله عليه وكرم وجهه - جاء له رجل ~~يشتكي وجعا، والإمام علي - كما نعرف - مدينة العلم والفتيا، وهبه الله ~~مقدرة على إبداء الرأي والفتوى. # لم يكن الإمام علي طبيبا. لكن الرجل كان يطلب علاجا من فهم الإمام ~~علي وإشراقاته. قال الإمام علي للرجل: خذ من صداق امرأتك درهمين واشتر ~~بهما عسلا، وأذب العسل في ماء مطر نازل لساعته - أي قريب عهد بالله - ~~واشربه فإني سمعت الله يقول في الماء ينزل من السماء: # ونزلنا من السمآء مآء مباركا.. # [ق: 9]. وسمعته سبحانه وتعالى يقول في العسل: # فيه شفآء للناس.. # [النحل: 69]. وسمعته يقول في مهر الزوجة: { فكلوه هنيئا ~~مريئا } [النساء: 4]. فإذا اجتمع في دواء البركة والشفاء الهنيء ~~والمريء عافاك الله إن شاء الله. لقد أخذ الإمام علي - رضوان الله عليه ~~وكرم وجهه - عناصر أربعة ليمزجها ويصنع منها دواء ناجعا، كما يصنع ~~الطبيب العلاج من عناصر مختلفة وقد صنع الإمام علي علاجا من آيات ~~القرآن. وبعد ذلك ينتقل الحق إلى قضايا اليتامى والسفهاء والمال والوصاية ~~والقوامة، فيقول سبحانه: { ولا تؤتوا السفهآء... }. ### || [4.5] # ومن هو السفيه؟ إنه الذي لا صلاح له في عقل ولا يستطيع أن يصرف ماله ~~بالحكمة. ومن الذي يعطي ماله إلى سفيه؟ إن الحق يقول ذلك ليعلمنا كيفية ~~التصرف في المال - ومثال على ذلك يقول الحق: # ولا تلمزوا أنفسكم.. # [الحجرات: 11]. هل أحد منا يلمز نفسه؟ لا، ولكن الإنسان يلمز خصمه، ولمز ~~الخصم يؤدي إلى لمز النفس لأن خصمه سيلمزه ويعيبه أو لأنكما سواء. إذن ~~فقول الحق: ms1583 { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم.. } [النساء: ~~5] يعني أن الله يريد أن يقول: إن السفيه يملك المال، إلا أن سفهه يمنعه ~~من أن يحسن التصرف. وعدم التصرف الحكيم يذهب بالمال، ويفسده، وحين يكون ~~سفيها فالمال ليس له - تصرفا وإدارة - ولكن المال لمن يصلحه ~~بالقوامة. أو أن الحق سبحانه وتعالى يعالج قضية كان لها وجود في المجتمع ~~وهي أن الرجل إذا ما كان له أبناء، وكبروا قليلا، فهو يحب أن يتملص من ~~حركة الحياة، ويعطي لهم حق التصرف في المال. وإن كان تصرفهم لا يتفق مع ~~الحكمة، فكأنه قال سبحانه: " لا " إياك أن تعطي أموالك للسفهاء بدعوى ~~أنهم أولادك. وإياك أن تملك أولادك ما وهبه الله لك من رزقك لأن الله جعل ~~من مالك قياما لك، وإياك أن تجعل قيامك أنت في يد غيرك. { ولا ~~تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل الله لكم ~~قياما وارزقوهم فيها.. } [النساء: 5] وهل السفيه لا يعيش؟ وهل ~~يأكل السفيه دون أكل الرشيد؟ أيلبس السفيه لبس الرشيد؟ أيسكن السفيه ~~دون مسكن الرشيد؟ أيبتسم الإنسان في وجه الرشيد ولا يبتسم في وجه السفيه؟ ~~لا لذلك يأمر الحق ويقول: { وارزقوهم فيها واكسوهم ~~وقولوا لهم قولا معروفا } [النساء: 5] ذلك أمر بحسن معاملة ~~السفيه، وإياكم أن تعيروهم بسفههم، ويكفيهم ما هم فيه من سفه. ويرجع الحق ~~من بعد ذلك إلى اليتامى: { وابتلوا اليتامى حتى إذا... ~~}. ### || [4.6] # إن الله سبحانه وتعالى يأمر في التعامل مع اليتامى بأن يبدأ الولي في ~~اختبار اليتيم وتدريبه على إدارة أمواله من قبل الرشد، أي لا تنتظر وقت ~~أن يصل اليتيم إلى حد البلوغ ثم تبتليه بعد ذلك، فقبل أن يبلغ الرشد، لا ~~بد أن تجربه في مسائل جزئية فإذا تبين واتضح لك اهتداء منه وحسن تصرف في ~~ماله لحظتها تجد الحكم جاهزا، فلا تضطر إلى تأخير إيتاء الأموال إلى أن ~~تبتليه في رشده. بل عليك أن تختبره وتدربه وتمتحنه وهو تحت ولايتك حتى ~~يأتي أوان بلوغ الرشد فيستطيع أن يتسلم منك ماله ويديره بنفسه. وحتى لا ~~تمر على المال ms1584 لحظة من رشد صاحبه وهو عندك. فسبحانه يقول: { وابتلوا ~~اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم ~~منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا ~~تأكلوهآ إسرافا.. } [النساء: 6]. فعندما يبلغ اليتيم الرشد وقد ~~تم تدريبه على حسن إدارة المال. وعرف الوصي أن اليتيم قد استطاع أن يدبر ~~ماله، ومن فور بلوغه الرشد يجب على الوصي أن يدفع إليه ماله، ولا يصح أن ~~يأكل الوصي مال اليتيم إسرافا.. والإسراف هو الزيادة في الحد لأنه ليس ~~ماله، إنه مال اليتيم. وعندما قيل لرجل شره: ماذا تريد أيها الشره؟ قال ~~الشره: " أريد قصعة من ثريد أضرب فيها بيدي كما يضرب الولي السوء في مال ~~اليتيم ". أنجانا الله وإياكم من هذا الموقف، ونجد الحق يقول: { ولا ~~تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن يكبروا.. }. إن الحق سبحانه ~~يحذرنا من الإسراف في مال اليتيم في أثناء مرحلة ما قبل الرشد، وذلك من ~~الخوف أن يكبر اليتيم وله عند الولي شيء من المال أي أن يسرف الولي فينفق ~~كل مال اليتيم قبل أن يكبر اليتيم ويرشد، والله سبحانه وتعالى حين يشرع ~~فهو بجلال كماله يشرع تشريعا لا يمنع قوامة الفقير العادل غير الواجد. ~~كان الحق قادرا أن يقول: لا تعطوا الوصية إلا لإنسان عنده مال لأنه في ~~غنى عن مال اليتيم. لكن الحق لا يمنع الفقير النزيه صاحب الخبرة والإيمان ~~من الولاية. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى عن الولي: { ومن كان ~~غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل ~~بالمعروف.. } [النساء: 6] فلا يقولن أحد عن أحد آخر: إنه فقير، ولو ~~وضعنا يده على مال اليتيم فإنه يأكله. لا، فهذا قول بمقاييس البشر، لا ~~يجوز أن يمنع أحد فقيرا مؤمنا أن يكون وليا لليتيم لأننا نريد من يملك ~~رصيدا إيمانيا يعلو به فوق الطمع في المال لذلك يقول الحق عن الوصي على ~~مال اليتيم: إن عليه مسئولية واضحة. فإن كان غنيا فليستعفف، وإن كان ~~فقيرا فليأكل بالمعروف. # وحددوا المعروف بأن يأخذ أجر مثله في العمل الذي يقوم به. وكلمة المعروف ~~تعني الأمر المتداول عند الناس، ms1585 أو أن يأخذ على قدر حاجته. ويقول الحق: { ~~فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ~~وكفى بالله حسيبا } [النساء: 6] وانظروا الحماية، هو سبحانه ~~يصنع الحماية للولي أو الوصي، فالحق يعلم خلقه، - وخلقه من الأغيار ~~- والولي على اليتيم لابد أن يلي الأمر بحكمة وحرص، حتى لا يكرهه اليتيم. ~~وربما قد يراضيه في كل شيء. نقول له: لا، أعطه بقدر حتى لا تفسده. فإذا ~~ما أعطى الولي لليتيم بقدر ربما كرهه اليتيم لأن اليتيم قد يرغب في أشياء ~~كمالية لا تصلح له ولا تناسب إمكاناته، وعندما يصل اليتيم إلى سن الرشد ~~قد يتركز كرهه ضد الوصي، فيقول له: لقد أكلت مالي لذلك يوضح الحق للولي ~~أو الوصي: كما حميت اليتيم بحسن ولايتك أحميك أنا من رشد اليتيم. لذلك ~~يجب عليك - أيها الولي - حين تدفع المال إليه أن تشهد عليه، لأنك لا تملك ~~الأغيار النفسية، فربما وجد عليك وكرهك لأنك كنت حازما معه على ماله، ~~وكنت تضرب على يده إذا انحرف. وإذا ما كرهك ربما التمس فترة من الفترات ~~وقام ضدك واتهمك بما ليس فيك لذلك لابد من أن تحضر شهودا وعدولا لحظة ~~تسليمه المال. وهذه الشهادة لتستبرىء بها من المال فحسب، أما استبراء ~~الدين فموكل إلى الله { وكفى بالله حسيبا } [النساء: 6]. هذا ~~وإن سورة النساء تعالج الضعف في المرأة والضعف في اليتيم، لأن الحال في ~~المجتمع الذي جاء عليه الإسلام أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا يورثون ~~الصغار الذين لم تشتد أجنحتهم، وكانت القاعدة الغريبة عندهم هي: من لم ~~يطعن برمح ولم يذد عن حريم أو عن مال ولم يشهد معارك فهو لا يأخذ من ~~التركة. وكانت هذه قمة استضعاف أقوياء لضعفاء. وجاء الإسلام ليصفي هذه ~~القاعدة. بل فرض وأوجب أن تأخذ النساء حقوقهن وكذلك الأطفال، ولهذا قال ~~الحق سبحانه: { للرجال نصيب مما ترك... }. ### || [4.7] # ومن الذي يفرض هذا النصيب؟ إنه الله الذي ملك وهو الذي فرض. هنا نلاحظ ~~أن المرحوم الشهيد صاحب الظلال الوارفة الشيخ سيد قطب لحظ ملحظا جميلا ~~هو: كيف ms1586 يكون للمتوفي أولاد أو نساء محسوبون عليه ولا يأخذون؟ إن الصغار ~~كانوا أولى أن يأخذوا لأن الكبار قد اشتدت أعوادهم وسواعدهم، فالصغار ~~أولى بالرعاية، وأيضا إذا كانت قوانين " مندل " في الوراثة توضح أن ~~الأولاد يرثون من أمهاتهم وآبائهم وأجدادهم الخصال الحسنة أو السيئة، أو ~~المرض أو العفة أو الخلقة، فلماذا لا تورثونهم أيضا في الأموال؟ وحين ~~نسمع قول الحق: { نصيبا مفروضا } [النساء: 7] فلابد من أن يوجد ~~فارض، ويوجد مفروض عليه، والفارض هنا هو الله الذي ملك، وفيه فرق دقيق ~~بين " فرض " و " أوجب " فالفرض يكون قادما من أعلى، لكن الواجب قد يكون ~~من الإنسان نفسه، فالإنسان قد يوجب على نفسه شيئا. وحين يتكلم الحق عن ~~النصيب المفروض، فقد بين أن له قدرا معلوما، وما دام للنصيب قدر معلوم، ~~فلا بد أن يتم إيضاحه، ولم يبين الحق ذلك إلا بعد أن يدخل في العملية ~~أناسا قد لا يورثهم، وهم ممن حول الميت ممن ليسوا بوارثين، ويوضح ~~سبحانه الدعوة إلى إعطاء من لا نصيب له، إياكم أن يلهيكم هذا النصيب ~~المفروض عمن لا نصيب له في التركة. لذلك يقول سبحانه وتعالى: { ~~وإذا حضر القسمة أولوا... }. ### || [4.8] # وحين يحضر أولو القربى واليتامى والمساكين مشهد توزيع المال، وكل واحد ~~من الورثة الذين يتم توزيع مال المورث عليهم انتهت مسائله، قد يقول ~~هؤلاء، غير الوارثين: إن الورثة إنما يأخذون غنيمة باردة هبطت عليهم مثل ~~هذا الموقف ترك شيئا في نفوس أولي القربى واليتامى والمساكين. صحيح أن ~~أولي القربى واليتامى والمساكين ليسوا وارثين، ولن يأخذوا شيئا من ~~التركة فرضا لهم، ولكن حضروا القسمة لذلك يأتي الأمر الحق: { ~~فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا } [النساء: ~~8] فلو أنهم لم يحضروا القسمة لاختلف الموقف. فيأمر سبحانه بأن نرزق ~~اليتامى وأولي القربى والمساكين حتى نستل منهم الحقد أو الحسد للوارث، ~~أو الضغن على المورث، ولا يكتفي الحق بالأمر برزق هؤلاء الأقارب ~~واليتامى والمساكين، ولكن يأمر أن نقول لهم: قولا معروفا، مثل أن ندعو ~~الله لهم أن يزيد من رزقهم، وأن ms1587 يكون لهم أموال وأن يتركوا أولادا ~~ويورثوهم، ومن الذي يجب عليه أن يقوم بمثل هذا العمل؟ إنهم الوارثون إن ~~كانوا قد بلغوا الرشد، ولكن ماذا يكون الموقف لو كان الوارث يتيما؟ ~~فالحضور هم الذين يقولون لأولي القربى واليتامى والمساكين: إنه مال ~~يتيم، وليس لنا ولاية عليه، ولو كان لنا ولاية لأعطيناكم أكثر، وفي مثل ~~هذا القول تطبيب للخاطر. { وإذا حضر القسمة أولوا ~~القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ~~وقولوا لهم قولا معروفا } [النساء: 8] يجب أن تكونوا في ~~ذلك الموقف ذاكرين أنه إذا كنتم أنتم الضعفاء واليتامى وغير الوارثين فمن ~~المؤكد أن السرور كان سيدخل إلى قلوبكم لو شرعنا لكم نصيبا من الميراث. ~~إذن فليذكر كل منكم أنه حين يطلب الله منه، أنك قد تكون مرة في موقف من ~~يطلب الله له ولأولاده. إذن فالحكم التشريعي لا يؤخذ من جانب واحد، وهو ~~أنه يلزم المؤمن بأشياء، ولكن لنأخذ بجانب ذلك أنه يلزم غيره من ~~المؤمنين للمؤمن بأشياء. إن الحكم التشريعي يعطيك، ولذلك يأخذ منك. ولهذا ~~قلنا في الزكاة: إياك أن تلحظ يا من تؤدي الزكاة أننا نأخذ منك حيفا ثمرة ~~كدحك وعرقك لنعطيها للناس، نحن نأخذ منك وأنت قادر لنؤمنك إن صرت ~~عاجزا. وسوف نأخذ لك من القادرين. إنه تأمين رباني حكيم. ويقول الحق بعد ~~ذلك: { وليخش الذين لو تركوا من خلفهم... }. ### || [4.9] # والإنسان حين يترك ذرية ضعيفة يتركها وهو خائف عليهم أن يضيعهم الزمان. ~~فإن كان عندك أيها المؤمن ذرية ضعيفة وتخاف عليها فساعة ترى ذرية ضعيفة ~~تركها غيرك فلتعطف عليها، وذلك حتى يعطف الغير على ذريتك الضعيفة إن ~~تركتها. واعلم أن ربنا رقيب وقيوم ولا يترك الخير الذي فعلته دون أن ~~يرده إلى ذريتك. وقلنا ذات مرة: إن معاوية وعمرو بن العاص اجتمعا في ~~أواخر حياتهما، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين ماذا بقي ~~لك من حظ الدنيا؟ وكان معاوية قد صار أميرا للمؤمنين ورئيس دولة قوية ~~غنية، فقال معاوية: أما الطعام فقد مللت أطيبه، وأما اللباس فقد ms1588 سئمت ~~ألينه، وحظي الآن في شربة ماء بارد في ظل شجرة في يوم صائف. وصمت معاوية ~~قليلا وسأل عمرا: وأنت يا عمرو ماذا بقي لك من متع الدنيا؟. وكان ~~سيدنا عمرو بن العاص صاحب عبقرية تجارية فقال: أنا حظي عين خرارة في أرض ~~خوارة تدر علي حياتي ولولدي بعد مماتي. إنه يطلب عين ماء مستمر في أرض ~~فيها أنعام وزروع تعطي الخير. وكان هناك خادم يخدمهما، يقدم لهما ~~المشروبات، فنظر معاوية إلى الخادم وأحب أن يداعبه ليشركه معهما في ~~الحديث. فقال للخادم: وأنت يا " وردان " ماذا بقي لك من متاع الدنيا؟ ~~أجاب الخادم: بقي لي من متع الدنيا يا أمير المؤمنين صنيعة معروف أضعها ~~في أعناق قوم كرام لا يؤدونها إلي طول حياتي حتى تكون لعقبي في عقبهم. ~~لقد فهم الخادم عن الله قوله: { وليخش الذين لو تركوا ~~من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا ~~الله وليقولوا قولا سديدا } [النساء: 9]. فالذين يتقون ~~الله في الذرية الضعيفة يضمنون أن الله سيرزقهم بمن يتقي الله في ~~ذريتهم الضعيفة. وقد تكلمنا مرة عن العبد الصالح الذي ذهب إليه موسى عليه ~~السلام: # قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما ~~علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا * ~~وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ~~ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * ~~قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث ~~لك منه ذكرا * فانطلقا حتى إذا ركبا في ~~السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد ~~جئت شيئا إمرا # [الكهف: 66-71]. لقد جرب العبد الصالح موسى في خرق السفينة - كما توضح ~~الآيات - فقال العبد الصالح: # قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا * قال ~~لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا # [الكهف: 72-73]. ثم ما كان من أمر الغلام الذي قتله العبد الصالح وقول ~~موسى له: # لقد جئت شيئا نكرا # [الكهف: 74]. ثم جاءا إلى أهل قرية فطلبا منهم الطعام، وحين يطلب منك ~~ابن سبيل طعاما فاعلم أنها ms1589 الحاجة الملحة لأنه لو طلب منك مالا فقد تظن ~~أنه يكتنز المال، ولكن إن طلب لقمة يأكلها فهذا أمر واجب عليك. فماذا فعل ~~أهل القرية حين طلب العبد الصالح وموسى طعاما لهما؟. يقول الحق: # فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ ~~أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا ~~يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت ~~عليه أجرا # [الكهف: 77]. إنها قرية لئيمة، ووجد العبد الصالح في القرية جدارا يريد ~~أن يسقط وينقض فأقامه، واعترض موسى لأن عنده حفيظة على أهل القرية فقد ~~طلبا منهم طعاما فلم يطعموهما، وقال سيدنا موسى: إنك لو شئت لاتخذت عليه ~~أجرا لأن أهل القرية لئام، وما كان يصح أن تقيم لهم الجدار إلا إذا أخذت ~~منهم أجرا. لقد غاب عن موسى ما لم يغيب الله سبحانه عن العبد الصالح، ~~فبالله لو أن الجدار وقع وهم لئام لا يطعمون من استطعمهم، ثم رأوا الكنز ~~المتروك لليتامى المساكين، فلا بد أنهم سيغتصبون الكنز. إذن فعندما رأيت ~~الجدار سيقع أقمته حتى أواري الكنز عن هؤلاء اللئام. ويقول الحق سبحانه: # وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما ~~صالحا فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا ~~كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك ~~تأويل ما لم تسطع عليه صبرا # [الكهف: 82]. إذن فالعلة في هذه العملية هي الحماية لليتيمين، ولنلق ~~بالا ولنهتم بملاحظ النص، لا بد أن العبد الصالح قد أقام الجدار ~~بأسلوب جدد عمرا افتراضيا للجدار بحيث إذا بلغ اليتيمان الرشد وقع ~~الجدار أمامهما ليرى كلاهما الكنز، لقد تم بناء الجدار على مثال القنبلة ~~الموقوتة بحيث إذا بلغا الرشد ينهار الجدار ليأخذا الكنز. إنه توقيت إلهي ~~أراده الله لأن والد اليتيمين كان صالحا، اتقى الله فيما تحت يده فأرسل ~~الله له جنودا لا يعلمهم ولم يرتبهم ليحموا الكنز لولديه اليتيمين، لذلك ~~فلنفهم جيدا في معاملتنا، قول الحق: { وليخش الذين لو ~~تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ~~فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا } [النساء: ms1590 9]. ~~لماذا؟ لأن الإنسان عندما يكون شابا فذاتيته تكون هي الموجودة. لكن كلما ~~تقدم الإنسان في السن تقدمت ذاتية أولاده عنده، ويحرم نفسه ليعطي أولاده، ~~وعندما يرى أن عياله ما زالوا ضعافا، وجاءت له مقدمات الموت فهو يحزن ~~على مفارقة هؤلاء الضعاف، فيوضح الحق لكل عبد طريق الأمان: إنك تستطيع ~~وأنت موجود أن تعطي للضعاف قوة، قوة مستمدة من الالتحام بمنهج الله وخاصة ~~رعاية ما تحت يدك من يتامى، بذلك تؤمن حياة أولادك من بعدك وتموت وأنت ~~مطمئن عليهم. والقول السديد من الأوصياء: ألا يؤذوا اليتامى، وأن ~~يكلموهم كما يكلمون أولادهم بالأدب الحسن والترحيب ويدعوهم بقولهم يا بني ~~ويا ولدي. وحين يتقى المؤمن الله فيما بين يديه يرزقه الله بمن يتقي ~~الله في أولاده. وما زال الحق يضع المنهج في أمر اليتامى: { إن ~~الذين يأكلون... }. ### || [4.10] # لماذا يركز القرآن على هذه الجزئية؟ لأن الله يريد من خلقه أن يستقبلوا ~~قدر الله فيمن يحبون وفيمن يحتاجون إليهم برضا، فإذا كان الطفل صغيرا ~~ويرى أباه يسعى في شأنه ويقدم له كل جميل في الحياة وبعد ذلك يموت، فإن ~~كان هذا الصغير قد رأى واحدا مات أبوه وكفله المجتمع الإيماني الذي يعيش ~~في كفالة عوضته عن أب واحد بآباء إيمانيين متعددين، فإذا مات والد هذا ~~الطفل فإنه يستقبل قدر الله وخطبه بدون فزع. فالذي يجعل الناس تستقبل ~~الخطوب بالفزع والجزع والهلع أنهم يرون أن الطفل إذا ما مات أبوه وصار ~~يتيما فإنه يضيع، ويقول الطفل لنفسه: إن إبي عندما يموت سأصير مضيعا. ~~لكن لو أن المجتمع حمى حق اليتيم وصار كل مؤمن أبا لليتيم وكل مؤمنة ~~أما لليتيم لاختلف الأمر، فإذا ما نزل قضاء الله في أبيه فإنه يستقبل ~~القضاء برضا وتسليم. { إن الذين يأكلون أموال ~~اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا } [النساء: 10]. إن كل العملية السلبية والنهبية ~~أهم ما فيها هو الأكل لأن الأكل هو المتكرر عند الناس، وهو يختلف عن ~~اللباس، فكل فصل يحتاج الإنسان إلى ملابس تناسبه، لكن ms1591 الأكل عملية يومية ~~لذلك فأي نهب يكون من أجل الأكل. ولذلك نقول في أمثالنا العامية عن ~~النهاب: " فلان بطنه واسعة " إنها مسألة الأكل. وقد أوضح الحق هذا الأمر ~~لأكل مال اليتيم: أنت تحشو في بطنك نارا. ويعني ذلك أنه يأكل في بطنه ما ~~يؤدي إلى النار في الآخرة. وهذا قد يحدث عقابا في الدنيا فيصاب آكل مال ~~اليتيم في بطنه بأمراض تحرق أحشاءه، ويوم القيامة يرى المؤمنون هؤلاء ~~القوم الذين أكلوا مال اليتيم، وعليهم سمات أكل مال اليتيم: فالدخان يخرج ~~من أفواههم. وإياك أن تفهم أن البطون هي التي ستكون ممتلئة بالنار فقط، ~~وإلا يكون هناك نار أمام العيون. بل سيكون في البطون نار وسيصلون سعيرا. ~~ويقول الحق سبحانه وتعالى: { يوصيكم الله في أولادكم... ~~}. ### || [4.11] # ونعم الرب خالقنا إنه يوصينا في أولادنا، سبحانه رب العرش العظيم، كأننا ~~عند ربنا أحب منا عند أبائنا. وقوله الكريم: { يوصيكم الله في ~~أولادكم.. } [النساء: 11] توضح أنه رحيم بنا ومحب لنا. ومادة ~~الوصية إذا ما استقرأناها في القرآن نجد - بالاستقراء - أن مادة الوصية ~~مصحوبة بالباء، فقال سبحانه: # ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون # [الأنعام: 153]. وقال سبحانه: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا.. # [الشورى: 13]. وقال الحق أيضا: # ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا ~~على وهن.. # [لقمان: 14]. كل هذه الآيات جاءت الوصية فيها مصحوبة بالباء التي تأتي ~~للإلصاق. لكن عندما وصى الآباء على الأبناء قال: { يوصيكم الله ~~في أولادكم.. } [النساء: 11] فكأن الوصية مغروسة ومثبتة في ~~الأولاد، فكلما رأيت الظرف وهو الولد ذكرت الوصية. وما هي الوصية؟ إنها { ~~للذكر مثل حظ الأنثيين.. } [النساء: 11] وقلنا من قبل: ~~إن الحق قال: # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~وللنسآء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون.. # [النساء: 7]. ولم يحدد النصيب بعد هذه الآية مباشرة إلا بعد ما جاء ~~بحكاية اليتامى وتحذير الناس من أكل مال اليتيم، لماذا؟ لأن ذلك يربي في ~~النفس الاشتياق للحكم، وحين تستشرف النفس إلى تفصيل الحكم، ويأتي الحكم ~~بعد طلب النفس له، فإنه يتمكن منها. الشيء حين تطلبه ms1592 النفس تكون مهيأة ~~لاستقباله، لكن حينما يعرض الأمر بدون طلب، فالنفس تقبله مرة وتعرض عنه ~~مرة أخرى. ونلحظ ذلك في مناسبة تحديد أنصبة الميراث. فقد قال الحق سبحانه ~~أولا: # للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ~~وللنسآء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون.. # [النساء: 7]. وعرض بعد ذلك أمر القسمة ورعاية اليتامى والمساكين وأولي ~~القربى، ثم يأتي الأمر والحكم برعاية مال اليتيم والتحذير من نهبه، وبعد ~~ذلك يقول: { يوصيكم الله في أولادكم.. } [النساء: 11] ~~ويأتي البند الأول في الوصية { للذكر مثل حظ الأنثيين.. ~~} [النساء: 11] ولماذا لم يقل " للأنثيين مثل حظ الذكر ". أو " للأنثى ~~نصف حظ الذكر " ، هذه معان يمكن أن تعبر عن المطلوب. لقد أراد الله أن ~~يكون المقياس، أو المكيال هو حظ الأنثى، ويكون حظ الرجل هنا منسوبا إلى ~~الأنثى، لأنه لو قال: " للأنثى نصف حظ الرجل " لكان المقياس هو الرجل، ~~لكنه سبحانه جعل المقياس للأنثى فقال: { للذكر مثل حظ ~~الأنثيين.. } [النساء: 11]. والذين يقولون: هذا أول ظلم يصيب ~~المرأة، نريد المساواة. نقول لهم: انظروا إلى العدالة هنا. فالذكر مطلوب ~~له زوجة ينفق عليها، والأنثى مطلوب لها ذكر ينفق عليها، إذن فنصف حظ ~~الذكر يكفيها إن عاشت دون زواج، وإن تزوجت فإن النصف الذي يخصها سيبقى ~~لها، وسيكون لها زوج يعولها. # إذن فأيهما أكثر حظا في القسمة؟ إنها الأنثى. ولذلك جعلها الله الأصل ~~والمقياس حينما قال: { للذكر مثل حظ الأنثيين.. } ~~[النساء: 11] فهل في هذا القول جور أو فيه محاباة للمرأة؟ إن في هذا ~~القول محاباة للمرأة لأنه أولا جعل نصيبها المكيال الذي يرد إليه الأمر ~~لأن الرجل المطلوب منه أن ينفق على الأنثى، وهي مطلوب لها زوج ينفق ~~عليها. إذن فما تأخذه من نصف حظ الذكر يكون خالصا لها، وكان يجب أن ~~تقولوا: لماذا حابى الله المرأة؟ لقد حابى الله المرأة لأنها عرض، ~~فصانها، فإن لم تتزوج تجد ما تنفقه، وإن تزوجت فهذا فضل من الله، ثم ~~يقول الحق: { فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ثلثا ~~ما ترك.. } [النساء: 11]. وأنا أريد أن نستجمع الذهن ms1593 هنا جيدا لنتعرف ~~تماما على مراد الحق ومسالك القرآن في تنبيه الأذهان لاستقبال كلام ~~الله. فقد كرم الله الإنسان بالعقل، والعقل لا بد له من رياضة. ومعنى ~~الرياضة هو التدريب على حل المسائل، وإن طرأت مشكلات هيأ نفسه لها بالحل، ~~وأن يملك القدرة على الاستنباط والتقييم، كل هذه من مهام العقل. فيأتي ~~الحق في أهم شيء يتعلق بالإنسان وهو الدين، والدليل إلى الدين وحافظ ~~منهجه هو القرآن، فيجعل للعقل مهمة إبداعية. إنه - سبحانه - لا يأتي ~~بالنصوص كمواد القانون في الجنايات أو الجنح، ولكنه يعطي في مكان ما ~~جزءا من الحكم، ويترك بقية القانون لتتضح معالمه في موقع آخر من ~~القرآن بجزئية أخرى، لأنه يريد أن يوضح لنا أن المنهج الإلهي كمنهج واحد ~~متكامل، وأنه ينقلك من شيء إلى شيء، ويستكمل حكما في أكثر من موقع ~~بالقرآن. وذلك حتى تتعرف على المنهج ككل. وأنك إذا كنت بصدد شيء فلا تظن ~~أن هذا الشيء بمفرده هو المنهج، ولكن هناك أشياء ستأتي استطرادا تتداخل ~~مع الشيء الذي تبحث عن حكم الله فيه، مثال ذلك: مسألة اليتيم التي تتداخل ~~مع أحكام الميراث. وهذه الآية تعطينا مثل هذه المسألة لماذا؟ لأن الله ~~يريد لك يا صاحب العقل الدربة في الإطار الذي يضم الحياة كلها. وما يهمك ~~أولا هو دينك، فلتعمل عقلك فيه، فإذا أعملت عقلك في الدين أعطيت عقلك ~~النشاط ليعمل في المجال الآخر. لكن إذا غرق ذهنك في أي أمر جزئي فهذا قد ~~يبعد بك عن الإطار العام لتنشغل بالتفاصيل عن الهدف العام. وأولادنا من ~~الممكن أن يعلمونا من تجربة من ألعابهم، فالطفل يلعب مع أقرانه " ~~الاستغماية " ، ويختبىء كل قرين في مكان، ويبحث الطفل عن أقرانه. ونحن ~~نلعب أيضا مع أولادنا لعبة إخفاء شيء ما في يد ونطبق أيدينا ونترك الإبن ~~يخمن بالحدس في أي يد يكون الشيء، إنها دربة للعقل على الاستنباط، فإن ~~كان الولد سريع البديهة قوي الملاحظة ويمتلىء بالذكاء، فهو يرى يدي ~~والده ليقارن أي يد ترتعش قليلا، أو أي ليست ms1594 طبيعية في طريقة إطباق الأب ~~لها فيختارها، وينتصر بذلك ذكاء الولد، وهذه عملية ترويض للطفل على ~~الاستنباط والفهم، وبذلك تعلم الطفل ألا يأخذ المسائل ضربة لازب بدون فكر ~~ولا دربة. # والحق سبحانه أراد أن تكون أحكامه موزعة في المواقع المختلفة، ولننظر ~~إلى قوله: { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل ~~حظ الأنثيين فإن كن نسآء فوق اثنتين فلهن ~~ثلثا ما ترك.. } [النساء: 11] أي أنه إن لم ينجب المورث ذكرا ~~وكان له أكثر من اثنتين فلهن ثلثا ما ترك. أما لو كان معهن ذكر، فالواحدة ~~منهن ستأخذ نصف نصيب الذكر، وإن كانت الوارثة بنتا واحدة، فالآية تعطيها ~~النصف من الميراث { وإن كانت واحدة فلها النصف.. } ~~[النساء: 11] وبقي شيء لم يأت الله له بحكم، وهو أن يكون المورث قد ترك ~~ابنتين. وهنا نجد أن الحق قد ضمن للاثنتين في إطار الثلاث بنات أو أكثر ~~أخذ الثلثين من التركة، هكذا قال العلماء، ولماذا لم ينص على ذلك بوضوح؟ ~~لقد ترك هذه المهمة للعقل، فالبنت حينما ترث مع الذكر تأخذ ثلث التركة، ~~وعندما تكون مع ابنة أخرى دون ذكر، تأخذ الثلث. فإذا كانت مع الذكر وهو ~~القائم بمسئولية الكدح تأخذ الثلث، ولذلك فمن المنطقي أن تأخذ كل أنثى ~~الثلث إن كان المورث قد ترك ابنتين. وهناك شيء آخر، لتعرف أن القرآن يأتي ~~كله كمنهج متماسك، فهناك آية أخرى في سورة النساء تناقش جزئية من هذا ~~الأمر ليترك للعقل فرصة العمل والبحث، يقول سبحانه: # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ ~~هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ~~وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن كانتا ~~اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا ~~إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ الأنثيين ~~يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء ~~عليم # [النساء: 176]. لقد جاء الحق هنا بأختي المورث وأوضح أن لهما الثلثين من ~~التركة إن لم يكن للمورث ولد - ابن أو بنت - فإذا كان للأختين الثلثان، ~~فأيهما ألصق بالمورث، البنتان أم الأختان؟ إن ms1595 ابنتي المورث ألصق به من ~~أختيه، ولذلك فللبنتين الثلثان، فالإبنة إن كانت مع أخيها فستأخذ الثلث، ~~وإن كانت قد ورثت بمفردها فستأخذ النصف. وإن كانت الوارثات من البنات ~~أكثر من اثنتين فسيأخذن الثلثين، وإن كانتا اثنتين فستأخذ كل منهما ~~الثلث، لماذا؟ لأن الله أعطى الأختين ثلثي ما ترك المورث إن لم يكن له ~~أولاد. ومن العجيب أنه جاء بالجمع في الآية الأولى الخاصة بتوريث البنات، ~~وجاء بالمثنى في الآية التي تورث الأخوات، لنأخذ المثنى هناك - في آية ~~توريث الأخوات - لينسحب على الجمع هنا، ونأخذ الجمع هنا - في آية توريث ~~البنات - لينسحب على المثنى هناك. # لقد أراد الحق أن يجعل للعقل مهمة البحث والاستقصاء والاستنباط وذلك حتى ~~نأخذ الأحكام بعشق وحسن فهم، وعندما يقول سبحانه: # يستفتونك.. # [النساء: 176] فمعنى يستفتونك أي يطلبون منك الفتوى، وهذا دليل على أن ~~المؤمن الذي سأل وطلب الفتيا قد عشق التكليف، فهو يحب أن يعرف حكم الله، ~~حتى فيما لم يبدأ الله به الحكم. وقد سأل المؤمنون الأوائل وطلبوا الفتيا ~~عشقا في التكليف # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة.. # [النساء: 176] والكلالة مأخوذة من الإكليل وهو ما يحيط بالرأس، والكلالة ~~هي القرابة التي تحيط بالإنسان وليست من أصله ولا من فصله. # إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ~~ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن ~~كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن ~~كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله ~~بكل شيء عليم # [النساء: 176]. وهذه الآية تكمل الآية الأولى. ونعود إلى تفصيل الآية ~~الأولى التي نحن بصدد خواطرنا الإيمانية عنها: { ولأبويه لكل ~~واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن ~~لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث.. ~~} [النساء: 11]. ومعنى ذلك أن المورث إن لم يكن له الأولاد فللأم الثلث، ~~والأب له الثلثان، فإن كان للمورث إخوة أشقاء أو لأب أو لأم فللأم السدس ~~حسب النص القرآني { فإن كان له إخوة فلأمه السدس من ms1596 ~~بعد وصية يوصي بهآ أو دين.. } [النساء: 11]، وذلك بعد ~~أن تنفذ وصية المورث، ويؤدي الدين الذي عليه. والوصية هنا مقدمة على ~~الدين لأن الدين له مطالب، فهو يستطيع المطالبة بدينه، أما الوصية فليس ~~لها مطالب، وقد قدمها الحق للعناية بها حتى لا نهملها. ويذيل الحق هذه ~~الآية: { آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب ~~لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما ~~حكيما } [النساء: 11]. فإياك أن تحدد الأنصباء على قدر ما تظن من ~~النفعية في الآباء أو من النفعية في الأبناء، فالنفعية في الآباء تتضح ~~عندما يقول الإنسان: " لقد رباني أبي وهو الذي صنع لي فرص المستقبل ". ~~والنفعية في الأبناء تتضح عندما يقول الإنسان: إن أبي راحل وأبنائي هم ~~الذين سيحملون ذكري واسمي والحياة مقبلة عليهم. فيوضح الحق: إياك أن تحكم ~~بمثل هذا الحكم فليس لك شأن بهذا الأمر: { لا تدرون أيهم ~~أقرب لكم نفعا.. } [النساء: 11]. وما دمت لا تدري أيهم أقرب لك ~~نفعا فالتزم حكم الله الذي يعلم المصلحة وتوجيهها في الأنصبة كما يجب أن ~~تكون. # ونحن حين نسمع: { إن الله كان عليما حكيما } [النساء: 11] ~~أو نسمع: # إن الله كان غفورا رحيما # [النساء: 106] فنحن نسمعها في إطار أن الله لا يتغير، وما دام كان في ~~الأزل عليما حكيما وغفورا رحيما فهو لا يزال كذلك إلى الأبد. ~~فالأغيار لا تأتي إلى الله، وثبت له العلم والحكمة والخبرة والمغفرة ~~والرحمة أزلا وهو غير متغير، وهذه صفات ثابتة لا تتغير. لذلك فعندما ~~تقرأ: { إن الله كان عليما حكيما } [النساء: 11] أو # إن الله كان غفورا رحيما # [النساء: 106]، فالمسلم منا يقول بينه وبين نفسه: ولا يزال كذلك. والحق ~~يقول من بعد ذلك: { ولكم نصف ما ترك أزواجكم... }. ### || [4.12] # والآيات تسير في إيضاح حق الذكر مثل حظ الأنثيين وهذه عدالة لأن الرجل ~~حين تموت امرأته قد يتزوج حتى يبني حياته، والمرأة حين يموت زوجها فإنها ~~تأخذ ميراثها منه وهي عرضة أن تتزوج وتكون مسئولة من الزوج الجديد. إن ~~المسألة كما أرادها الله تحقق العدالة الكاملة. ms1597 والكلالة - كما قلنا - ~~أنه ليس للمتوفي والد أو ولد، أي لا أصل له ولا فصل متفرع منه. فإذا كان ~~للرجل الكلالة أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك ~~فهم شركاء بالثلث، وذلك أيضا من بعد الوصية التي يوصى بها أو دين. ~~ولماذا يتم تقرير هذا الأمر؟ لنرجع مرة أخرى إلى آية الكلالة التي جاءت ~~في آخر سورة النساء. إن الحق يقول فيها: # فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن ~~كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله ~~بكل شيء عليم # [النساء: 176]. في الآية الأولى التي نحن بصددها يكون للواحد من الإخوة ~~سدس ما ترك إذا انفرد، فإذا كان معه غيره فهم شركاء في الثلث. هذا إذا ~~كانوا إخوة من الأم. أما الآية التي يختص بها الحق الأختين بالثلثين من ~~التركة إذا لم يكن معهما ما يعصبهما من الذكور فهي في الإخوة الأشقاء أو ~~الأب، هكذا يفصل القرآن ويوضح بدقة مطلقة. وماذا يعني قوله الحق: { ~~غير مضآر وصية من الله والله عليم حليم } ~~[النساء: 12]؟ إنه سبحانه يريد إقامة العدل، فلا ضرر لأحد على الإطلاق في ~~تطبيق شرع الله لأن الضرر إنما يأتي من الأهواء التي تفسد قسمة الله. فقد ~~يكون هناك من يرغب ألا يرث العم من بنات أخيه الشقيق، أو لأب، أو يريد ~~آخر ألا يدخل أولاد الإخوة الذكور أشقاء أو لأب في ميراث العمة أو بنات ~~العم الشقيق أو لأب، لمثل هؤلاء من أصحاب الهوى نقول: إن الغرم على قدر ~~الغنم، بالله لو أنك مت وتركت بنات ولهن عم، أليس مطلوبا من العم أن ~~يربي البنات؟ فلماذا يجبر الحق العم على رعاية بنات أخيه إن توفي الأخ ~~ولم يترك شيئا؟ لذلك يجب أن تلتفت إلى حقيقة الأمر عندما يأتي نصيب للعم ~~في الميراث. وعلينا أن نعرف أن الغرم أمامه الغنم. وقلنا: إن القرآن ~~الكريم يجب أن يؤخذ جميعه فيما يتعلق بالأحكام، فإذا كان في سورة النساء ~~هذه ms1598 يقول الحق سبحانه وتعالى في آخر آية منها: # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ ~~هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك ~~وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن كانتا ~~اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا ~~إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ الأنثيين ~~يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء ~~عليم # [النساء: 176]. فما الفرق بين الكلالة حين يجعل الله للمنفردة النصف ~~وللاثنتين الثلثين، وبين الكلالة التي يجعل الله فيها للمنفرد السدس، ~~ويجعل للأكثر من فرد الاشتراك في الثلث دون تمييز للذكر على الأنثى؟ لابد ~~أن نفرق بين كلالة وكلالة.. هما متحدتان في أنه لا أصل ولا فرع للمتوفي. ~~والمسألة هنا تتعلق بالإخوة. ونقول: إن الإخوة لها مصادر متعددة. هذه ~~المصادر إما إخوة من أب وأم، وإما أخوة لأب، وإما إخوة لأم. فإذا كان أخ ~~شقيق أو لأب فهو من العصبة الأصلية، وهما المعنيان في الآية 176 من ~~السورة نفسها. وبذلك تكون آية السدس والثلث التي نحن بصددها الآن متعلقة ~~بالإخوة لأم. إذن فالكلالة إما أن يكون الوارث أخا لأم فقط، وإما أن ~~يكون أخا لأب، أو أخا لأب وأم. فالحكمان لذلك مختلفان لأن موضع كل ~~منهما مختلف عن الآخر. وإلا لو أن مستشرقا قرأ هذه الآية وقرأ الآية ~~الأخرى وكلتاهما متعلقتان بميراث الكلالة، وأراد هذا المستشرق أن يبحث عن ~~شيء يطعن به ديننا ويطعن به القرآن لقال - والعياذ بالله - القرآن ~~متضارب، فهو مرة يقول: للكلالة السدس، ومرة يقول: الثلث، ومرة أخرى ~~النصف، ومرة أخرى الثلثان، ومرة للذكر مثل حظ الأنثيين! ونرد على من يقول ~~ذلك: أنت لم تلاحظ المقصود الفعلي والواقعي للكلالة لذلك فأنت تفهم شيئا ~~وتغيب عنك أشياء. والحق قال: { من بعد وصية يوصى بهآ أو ~~دين.. } [النساء: 12] ولنا أن نلاحظ أن في كل توريث هذه " البعدية " ~~أي أن التوريث لا يتأتى إلا من بعد الوصية الواجبة النفاذ والدين. ~~ولنا أن نسأل: أيهما ينفذ أولا، الوصية أم الدين؟ والإجابة: لا شك أنه ms1599 ~~الدين لأن الدين إلزام بحق في الذمة، والوصية تطوع، فكيف تقدم الوصية - ~~وهي التطوع - على الدين، وهو للإلزام في الذمة. وعندما يقول: { غير ~~مضآر.. } [النساء: 12] لابد أن نعرف جيدا أن شرع الله لن يضر أحدا، ~~وما المقصود بذلك؟ المقصود به الموصي، ففي بعض الأحيان يكون المورث ~~كارها لبعض المستحقين لحقهم في ميراثه، فيأتي ليوصي بمنع توريثهم أو ~~تقليل الأنصباء، أو يأتي لواحد بعيد يريد أن يعطيه شيئا من الميراث ولا ~~يعطي لمن يكرهه من أهله وأقاربه المستحقين في ميراثه، فيقر لذلك ~~الإنسان بدين، فإذا ما أقر له بدين حتى وإن كان مستغرقا للتركة كلها، ~~فهو يأخذ الدين وبذلك يترك الورثة بلا ميراث. وهذا يحدث في الحياة ونراه، ~~فبعض من الناس أعطاهم الله البنات ولم يعطهم الله ولدا ذكرا يعصبهم، ~~فيقول الواحد من هؤلاء لنفسه: إن الأعمام ستدخل، وأبناء الأعمام سيدخلون ~~في ميراثي، فيريد أن يوزع التركة على بناته فقط، فيكتب دينا على نفسه ~~للبنات. # ونقول لهذا الإنسان: لا تجحف، أنت نظرت إلى أن هؤلاء يرثون منك، ولكن ~~يجب أن تنظر إلى الطرف المقابل وهو أنك إذا مت ولم تترك لبناتك شيئا وهن ~~لا عصبة لهن، فمن المسئول عنهن؟ إنهم الأعمام، فالغرم هنا مقابل الغنم، ~~ولماذا تطلب البنات الأعمام أمام القضاء ليأخذن النفقة منهم في حالة وفاة ~~الأب دون أن يترك له ثروة. فكيف تمنع عن إخوتك ما قرره الله لهم؟ وهناك ~~بعض من الناس يرغب الواحد منهم ألا يعطي عمومته أو إخوته لأي سبب من ~~الأسباب، فماذا يفعل؟ إنه يضع الوصية لذلك حدد الإسلام الوصية بمقدار ~~الثلث، حتى لا تحدث مضارة للورثة. وقد حاول البعض من هؤلاء الناس أن ~~يدعوا كذبا، أن هناك دينا عليهم، والدين مستغرق للتركة حتى لا يأخذ ~~الأقارب شيئا. والإنسان في هذا الموقف عليه أن يعرف أنه واقف في كل لحظة ~~في الحياة أو الممات أمام الله، وكل إنسان أمين على نفسه. لذلك قال الحق ~~سبحانه: # آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم ~~نفعا فريضة من ms1600 الله إن الله كان عليما حكيما # [النساء: 11]. والحق يلفتنا ألا نضر أحدا بأي تصرف لأنها توصية من الله ~~لكل ما يتعلق بالحكم توريثا ووصية وأداء دين، كل ذلك توصية من الله، ~~والتوصية ليست من مخلوق لمخلوق، ولكنها من الله لذلك ففيها إلزام وفرض، ~~فسبحانه القائل: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا.. # [الشورى: 13]. والوصية هنا افتراض، ومثل ذلك يقول الحق: # ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ~~ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون # [الأنعام: 151]. وما دامت التوصية تأتي من المالك الأعلى، فمعنى ذلك ~~أنها افتراض، ويذيل الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد تناولها بالخواطر ~~الإيمانية: { والله عليم حليم } [النساء: 12] أي إياكم أن ~~تتصرفوا تصرفا قد يقره ويمضيه القضاء، ولكنه لا يبرئكم أمام الله لأنه ~~قد قام على باطل. مثال ذلك: هناك إنسان يموت وعليه دين، عندئذ يجب تسديد ~~الدين، لكن أن يكتب الرجل دينا على نفسه غير حقيقي ليحرم بعضا من ~~أقاربه من الميراث فعليه أن يعرف أن الله عليم بالنوايا التي وراء ~~التصرفات. فإن عميتم أيها البشر على قضاء الأرض، فلن تعموا على قضاء ~~السماء. وهذه مسألة تحتاج إلى علم يتغلغل في النوايا، إذن فمسألة القضاء ~~هذه هي خلاف بين البشر والبشر، ولكن مسألة الديانة وما يفترضه الحق، فهو ~~موضوع بين الرب وبين عبيده، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حديث شريف: # " إنما أنا بشر وأنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من ~~بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة ~~من النار فليأخذها أو ليتركها ". # إن الرسول يعلمنا أنه بشر، أي أنه لا يملك علم الغيب ومداخل المسائل، ~~وعندما يرفع المسلمون إليه قضاياهم فقد يكون أحدهم أكثر قدرة على الفصاحة ~~وذلاقة اللسان، ويستطيع أن يقلب الباطل حقا، والآخر قليل الحيلة، فيحكم ~~النبي بمقتضى البينة القضائية، ولكن الأمر الواقع يتنافى مع تسلسل الحق ~~لذلك يعلمنا أنه بشر، وأننا حين نختصم إليه يجب ألا يستخدم واحد منا ms1601 ~~ذلاقة اللسان في أخذ ما ليس له لأنه حتى لو أخذ شيئا ليس له بحكم من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، فليعلم أنه يأخذ قطعة من الجحيم. إذن فمعنى ~~ذلك أنه يجب علينا أن نحذر في الأمور، فلا نعمي ولا نأخذ شيئا ~~بسلطان القضاء ونهمل مسألة الديانة. فالأمور التي تتعلق بالدين لا يجوز ~~للمؤمن المساس بها، إياكم أن تظنوا أن حكم أي حاكم يحلل حراما أو يحرم ~~حلالا، لا. فالحلال بين، والحرام بين، والقاضي عليه أن يحكم بالبينات ~~الواضحة. ومثال على ذلك: هب أنك اقترضت من واحد ألفا من الجنيهات، وأخذ ~~عليك صكا، ثم جاء المقترض وسدد ما عليه من قرض وقال لمن اقترض منه: " ~~عندما تذهب إلى منزلك أرجو أن ترسل لي الصك " ثم سبق قضاء الله، وقال أهل ~~الميت: " إن الصك عندنا " واحتكموا إلى القضاء ليأخذوا الدين. هنا يحكم ~~القضاء بضرورة تسديد الدين مرة أخرى، لكن حكم الدين في ذلك يختلف، ~~فالرجل قد سدد الدين ولا يصح أبدا أن يأخذ الورثة الدين مرة أخرى إذا ~~علموا أن مورثهم حصل على دينه. ولذلك يقول لنا الحق: { والله ~~عليم حليم } [النساء: 12] حتى نفرق بين الديانة وبين القضاء. والحق ~~يقول لنا: إنه: { حليم } [النساء: 12] فإياك أن تغتر بأن واحدا حدث ~~منه ذلك، ولم ينتقم الله منه في الدنيا، فعدم انتقام الله منه في الدنيا ~~لا يدل على أنه تصرف حلالا، لكن هذا حلم من الله وإمهال وإرجاء ~~ولكن هناك عقابا في الآخرة. وبعد بيان هذه الأمور يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { تلك حدود الله... }. ### || [4.13] # الأحكام المتقدمة والأمور السابقة كلها حدود الله، وحين يحد الله ~~حدودا، أي يمنع أن يلتبس حق بحق، أو أن يلتبس حق بباطل فهو الذي يضع ~~الحدود وهو الذي فصل حقوقا عن حقوق. ونحن عندما نقوم بفصل حقوق عن حقوق ~~في البيوت والأراضي فنحن نضع حدودا واضحة، ومعنى " حد " أي فاصل بين ~~حقين بحيث لا يأخذ أحد ما ليس له من آخر. والحدود التي نصنعها نحن والتي ~~قد ms1602 لا يتنبه إليها كثير من الناس، هي نوعان: نوع لا يتعدى بالبناء، ~~فعندما يريد واحد أن يبني، فالأول يبني على الأرض التي هي حق له، ويكون ~~الجداران ملتصقين بعضهما ببعض. وعندما يزرع فلاح بجانب فلاح آخر فكل فلاح ~~يزرع في أرضه وبين القطعتين حد، وهذا يحدث في النفع. لكن لنفترض أن ~~فلاحا يريد أن يزرع أرزا، وجاره لن يزرع أرزا، فالذي لن يزرع الأرز قد ~~تأخذ أرضه مياها زائدة، فالمياه تصلح للأرز وقد تفسد غيره، ولذلك يكون ~~الحكم هنا أن يقيم زارع الأرز حدا اسمه " حد الجيرة " ليمنع الضرر، وهو ~~ليس " حد الملكية " فزارع الأرز هنا ينقص من زراعته مسافة مترين، ويصنع ~~بهما حد الجيرة، حتى لا تتعدى المياه التي يروى بها الأرز إلى أرض ~~الجار. إنه حد يمنع الضرر، وهو يختلف عن الحد الذي يمنع التملك. إذن فمن ~~ناحية حماية الإنسان لنفسه من أن يوقع الضرر بالآخرين عليه أن ينتبه إلى ~~المقولة الواضحة: " لا تجعل حقك عند آخر حدك، بل اجعل حقك في الانتفاع ~~بعيدا عن حدك " ، وهذا في الملكية. وذلك إذا كان انتفاعك بما تملكه كله ~~سيضر بجارك. وكذلك يعاملنا الله، ويقول في الأوامر: # تلك حدود الله فلا تعتدوها.. # [البقرة: 229]. وفي النواهي يقول سبحانه: # تلك حدود الله فلا تقربوها.. # [البقرة: 187]. أي أنك إذا ما تلقيت أمرا، فلا تتعد هذا الأمر، وهذه هي ~~الملكية، وإذا ما تلقيت نهيا فلا تقرب الأمر المنهي عنه. مثال ذلك النهي ~~عن الخمر، فالحق لا يقول: " لا تشرب الخمر " ، وإنما يقول: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه.. # [المائدة: 90]. أي لا تذهب إلى المكان الذي توجد فيه من الأصل، كن في ~~جانب وهذه الأشياء في جانب آخر. ولذلك قلنا في قصة أكل آدم من الشجرة: ~~أقال الحق: " لا تأكلا من الشجرة "؟ أم قال ولا تقربا هذه الشجرة؟ سبحانه ~~قال: # ولا تقربا هذه الشجرة.. # [الأعراف: 19]. وهذا حد اسمه " حد عدم المضارة " إنه أمر بعدم الاقتراب ~~حتى لا يصاب الإنسان بشهوة أو رغبة ms1603 الأكل من الشجرة. # وكذلك مجالس الخمر لأنها قد تغريك. ففي الأوامر يقول سبحانه: # تلك حدود الله فلا تعتدوها.. # [البقرة: 229] وهذا ما يتعلق بالملكية. وفي النواهي يقول سبحانه: # تلك حدود الله فلا تقربوها.. # [البقرة: 187] ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا الحديث: " الحلال ~~بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس ~~فمن اتقى المشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه، ومن وقع في المشبهات ~~وقع في الحرام، كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك ~~حمى، ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا ~~صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ". لذلك ~~تجنب حدود الله. مثال ذلك قول الحق: # ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك ~~حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته ~~للناس لعلهم يتقون # [البقرة: 187]. إن الحق يأمر المعتكف بالمسجد أنه عندما تأتي له زوجة ~~لتناقشه في أمر ما فعلى المؤمن أن يمتثل لأمر الله بعدم مباشرة الزوجة في ~~المسجد. ولا يجعل المسائل قريبة من المباشرة، لأن ذلك من حدود الله. ~~وسبحانه يقول: # تلك حدود الله فلا تقربوها.. # [البقرة: 187]. وهنا في مسائل الميراث يقول الحق: { تلك حدود ~~الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز ~~العظيم } [النساء: 13]. وكان يكفي أن يقول الحق - من بعد بيان الحدود ~~-: { ومن يطع الله.. } [النساء: 13] ولكنه قال: { ومن يطع ~~الله ورسوله.. } [النساء: 13] وذلك لبيان أن لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يضع حدودا من عنده لما حل، وأن يضع حدودا لما حرم. وهذا ~~تفويض من الله لرسوله في أنه يشرع لذلك فلا تقل في كل شيء: " أريد ~~الحكم من القرآن ". ونرى من يقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا ~~فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه حرام حرمناه. هؤلاء لم يلتفتوا إلى ~~أن الرسول صلى الله عليه وسلم مفوض في التشريع وهو القائل: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ms1604 عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. إنه صلى الله عليه وسلم مفوض من الله، وهؤلاء الذين ينادون ~~بالاحتكام إلى القرآن فحسب يريدون أن يشككوا في سنة رسول الله، إنهم ~~يحتكمون إلى كتاب الله، وينسون أو يتجاهلون أن في الكتاب الكريم تفويضا ~~من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يشرع. هم يقولون: بيننا وبينكم ~~كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. ~~وقولهم لمثل هذا الكلام دليل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ~~يقول، لأنهم لو لم يقولوا لقلنا: يا رسول الله لقد قلت: روى المقدام بن ~~معدي كرب قال: حرم النبي صلى الله عليه وسلم " أشياء يوم خيبر منها ~~الحمار الأهلي وغيره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يوشك أن يقعد ~~الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله فما ~~وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه وإن ما حرم رسول ~~الله كما حرم الله ". # فكيف يا سيدي يا رسول الله ذلك، ولم يقل أحد هذا الكلام؟ إذن فقولهم ~~الأحمق دليل على صدق الرسول فيما أخبر. ويسخرهم الحق، فينطقون بمثل هذا ~~القول لنستدل من قول خصوم النبي على صدق كلام النبي. والحق يقول: { ومن ~~يطع الله ورسوله يدخله جنات.. } [النساء: 13] والذي ~~يطيع الله ورسوله في الدنيا هو من أخذ التكليف وطبقه ويكون الجزاء هو ~~دخول الجنة في الآخرة. لكن إدخال الجنة هل هو منهج الدين، أو هو الجزاء ~~على الدين؟ إنه الجزاء على الدين، وموضوع الدين هو السلوك في الدنيا، ~~ومن يسير على منهج الله في الدنيا يدخل الجنة في الآخرة، فالآخرة ليست ~~موضوع الدين، لكن موضوع الدين هو الدنيا، فعندما تريد أن تعزل الدنيا عن ~~الدين نقول لك: لم تجعل للدين موضوعا، إياك أن تقول: موضوع الدين هو ~~الآخرة لأن الآخرة هي دار الجزاء، وفي حياتنا نأخذ هذا المثل: هل ~~الامتحان موضوع المناهج، أو أن المناهج يقرأها الطالب طوال السنة، وهي ~~موضوع الامتحان؟ إن المناهج التي ms1605 يدرسها الطالب هي موضوع الامتحان، وكذلك ~~فالدنيا هي موضوع الدين، والآخرة هي جزاء لمن نجح ولمن رسب في ~~الموضوع لذلك فإياكم أن تقولوا: دنيا ودين، فلا يوجد فصل بين الدنيا ~~والدين لأن الدنيا هي موضوع الدين. فالدنيا تقابلها الآخرة والدين ~~لهما. الدنيا مزرعة والآخرة محصدة. بهذا نرد على من يقول: إن الدنيا ~~منفصلة عن الدين. ومن يطع الله ورسوله يدخله جنة واحدة أوجنتين أو ~~جنات، وهل دلالة " من " للواحد؟ لا، إن " من " تدل على الواحد، وتدل ~~على المثنى وتدل على الجمع، مثال ذلك نقول: جاء من لقيته أمس ونقول ~~أيضا: جاء من لقيتهما أمس، وتقول ثالثا: جاء من لقيتهم أمس. إذن ف ~~" من " صالحة للمفرد والمثنى والجمع. والحق هنا لا يتكلم عن فرد هنا أو ~~جمع. كما قلنا في أول الفاتحة: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. على الرغم من أن القياس أن تقول: " إياك أعبد وإياك ~~أستعين ". لكن قال سبحانه: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5] ليوضح لنا أن المؤمنين كلهم وحدة واحدة في العبادة. وهناك ~~من يقول إذا دلت: من على المفرد فقد لحظنا لفظها، وإذا دلت على ~~المثنى أو الجمع فقد لحظنا معناها. # ولمن يقول ذلك نقول: إن هذا الكلام غير محقق علميا لأن لفظ " من " ~~لم يقل أحد إنه للمفرد. بل إنها موضوعة للمفرد والمثنى والجمع. فلا تقل: ~~استعمل لفظ " من " مراعاة للفظ أو مراعاة للمعنى، لأن لفظ " من " ~~موضوع لمعان ثلاثة هي المفرد والمثنى والجمع. وقد سألني أخ كريم في جلسة ~~من الجلسات: لماذا يقول الحق سبحانه في سورة الرحمن: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]. فقلت له: إن سورة الرحمن استهلها الحق سبحانه وتعالى: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان # [الرحمن: 1-3]. وبعد ذلك قال الحق: # خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجآن ~~من مارج من نار # [الرحمن: 14-15]. وقال سبحانه: # سنفرغ لكم أيه الثقلان # [الرحمن: 31]. وقال تعالى: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان # [الرحمن: 33]. إذن فمن ms1606 خاف مقام ربه، هو من الجن أو من الإنس، إن كان ~~من الجن فله جنة، وإن كان من الإنس فله جنة أخرى. إذن فمن خاف مقام ربه ~~فله جنتان. وهناك من يقول جنتان لكل واحد من الإنس والجن، لأن الله لا ~~يعاني من أزمة أماكن، فحين شاء أزلا أن يخلق خلقا أحصاهم عدا من لدن ~~آدم إلى أن تقوم الساعة، وعامل الكل على أنه مؤمن مطيع، وأنشأ لكل واحد ~~مكانه في الجنة، وعامل سبحانه الكل على أنه عاص، وأنشأ له مقعدا في ~~النار، وذلك حتى لا يفهم أحد أن المسألة هي أزمة أماكن. فإذا دخل صاحب ~~الجنة جنته، بقيت جنة الكافر التي كانت معدة له على فرض أنه مؤمن لذلك ~~يقول الحق: # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الزخرف:72]. فيرث المؤمنون ما كان قد أعد لغيرهم لو آمنوا. إذن ~~فالمعاني نجدها صوابا عند أي أسلوب من أساليب القرآن. وهنا يقول الحق: { ~~يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار.. } [النساء: 13] ~~ويجب أن نفهم أن النهر هو الشق الذي يسيل فيه الماء وليس هو الماء، الحق ~~يقول: { جنات تجري من تحتها الأنهار.. } [النساء: 13] ~~فأين تجري الأنهار؟ أتجري الأنهار تحت زروعها، أم تحت بنيانها؟ ونعرف أن ~~الزروع هي التي تحتاج إلى مياه، ونحن نريد أن نبعد المياه عن المباني ~~كيف؟ ولكن ليس هناك شيء مستحيل على الله لأنها تصميمات ربانية. فالخلق قد ~~تشق نهرا، ونجد من بعد ذلك النشع يضرب في المباني، لكن تصميمات الحق ~~بطلاقة القدرة تكون فيه الجنات تجري من تحتها مياه الأنهار، ولا يحدث ~~منها نشع، سواء من تحت أبنية الجنات أو من تحت زروعها والذي يقبل على ~~أسلوب ربه ويسأله أن يفيض عليه ويلهمه، فهو - سبحانه - يعطيه ويمنحه ~~فالحق مرة يقول: { جنات تجري من تحتها الأنهار. # . } [النساء: 13] ومرة أخرى يقول: # جنات تجري تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100] فهذا ممكن وذاك ممكن: فقوله - سبحانه - # جنات تجري تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100] قد يشير إلى أن الأنهار تكون آتية من موقع آخر وتجري وتمر ~~من ms1607 تحت الجنات. لا. هي تجري منها أيضا يقول الله تعالى: { جنات ~~تجري من تحتها الأنهار.. } [النساء: 13] حتى لا يظن أحد أن ~~هناك من يستطيع أن يسد عنك المياه من أعلى. إنها أنهار ذاتية. وعندما ~~نقرأ أن الأنهار تجري من تحت الجنات بما فيها ومن فيها من قصور فقد ~~يقول قائل: ألا أستطيع أن آخذ من هذه وأنا مهندس أضع تصميمات مباني ~~الدنيا وآخذ من قول الحق إنه من الممكن أن تقيم مباني تجري من تحتها ~~الأنهار؟ وبالفعل أخذ البشر هذا الأمر اللافت. نحن نقيم القناطر وهي ~~مبان وتجري من تحتها الأنهار، وعندما تكون المواصفات صحيحة في الطوب ~~والأسمنت إلى آخر المواصفات فلا نشع يحدث ولا خلخلة في المبنى. فالخلل ~~الذي يحدث في المباني عندنا، إنما يأتي من آثر الخيانة في التناول. ومن ~~الممكن أن تجري الأنهار تحت قصور الجنة. التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر. ألا يوحي ذلك للمهندس المسلم أن يحيا في هذه ~~اللفتة الإلهية ويأخذ منها علما ويستطيع أن يقيم مباني تجري من تحتها ~~الأنهار؟ لو تنبهت إلى ذلك إيمانية مهندس وأخذ يتعلم عن ربه كيفية أداء ~~العمل. لفعل ذلك بتوفيق الله. ولنتكلم على مصر التي تعاني من أزمة إسكان، ~~ونجد أن المساحة المائية تأخذ قدرا كبيرا من الأرض، سواء أكانت النيل، ~~أم الفروع التي تأخذ من النيل، وكذلك الترع الصغيرة وكذلك الطرق فلو أن ~~هناك هندسة إيمانية لاستغلت المساحات والمسطحات المعطلة، نقيم عليها ~~مباني تسع مرافق الدولة كلها، ويتم إنجاز المباني فوق الطرق وفوق المياه ~~وفوق المصارف. وليس معنى ذلك أن نبني كل الأماكن حتى تصير مسدودة ~~بالمباني، ولكن نبني الثلث، ونترك فراغا مقدار الثلثين حتى لا نفسد ~~المنظر، ولا نتعدى على أرض خضراء مزروعة، إنها إيحاءات إيمانية على ~~المهندس المسلم أن يفكر فيها. إن بلدا كالقاهرة تحتاج إلى مرافق مختلفة ~~متنوعة، ونستطيع أن نبني على الفراغات سواء أكانت فراغات في مساحات النيل ~~شرط مراعاة الفراغات والزروع اللازمة لجمال ms1608 البيئة وتنقيتها من التلوث. ~~أم نبني المرافق تحت الأرض، ولن تكون هناك أزمات للإسكان أو المرافق، هذا ~~بالإضافة إلى الانتفاع بالصحراء في هذا المجال. والحق يقول: { جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها.. } [النساء: 13] ~~صحيح أن الجنة ستكون نعيما ليس على قدر تصورك ولكن على قدر كمال وجمال ~~قدرة الحق، فالنعيم الذي يتنعم فيه الإنسان يكون على قدر التصور في ~~معطيات النعيم، وقلنا قديما: إن عمدة إحدى القرى قال: أريد أن أبني ~~مضيفة وحجرة للتيلفون، ومصطبة نفرشها. # هذا هو النعيم في تصور العمدة. ونحن في الحياة نخاف أن نترك النعيم ~~بالموت أو يتركنا النعيم. لكن كيف يكون النعيم عند صانع كل التصورات وهو ~~الحق سبحانه وتعالى؟ لذلك تكون جنات النعيم دائمة، فلا أنت تموت ولا هي ~~تذهب. والخلود هنا له معنى واضح إنه بقاء لا فناء بعده { وذلك ~~الفوز العظيم } [النساء: 13] وما هو " الفوز "؟ إنه النصر، إنه ~~الغلبة، إنه النجاح، إنه الظفر بالمطلوب. فإذا كان فوزنا في الدنيا ~~يعطينا جائزة نفرح بها، فالفرح قد يستمر مدة الدنيا التي يملكها الواحد ~~منا، فما بالنا بالفوز الذي يأتي في الآخرة وهو فوز الخلود في جنة من صنع ~~ربنا، أليس ذلك فوزا عظيما؟ إننا إذا كنا نفرح في الدنيا بالفوز في ~~أمور جزئية فما بالنا بالفوز الذي يمنحه الحق ويليق بعظمته سبحانه ~~وتعالى، ولو قسنا فوز الدنيا بفوز الآخرة لوجدنا فوز الآخرة له مطلق ~~العظمة، ومهما ضحى المؤمن في سبيل الآخرة، فهناك فوز يعوض كل التضحيات، ~~ويسمو على كل هذا. وإذا قال قائل: ألم يكن من الأفضل أن يقول: ذلك الفوز ~~الأعظم نقول له: إنك سطحي الفهم لأنه لو قال ذلك لكان فوز الدنيا عظيما، ~~لأن الأعظم يقابله العظيم، والعظيم يقابله الحقير فحين يقول الحق عن فوز ~~الآخرة: إنه عظيم، فمعنى ذلك أن فوز الدنيا حقير، والتعبير عن فوز الآخرة ~~هو تعبير من الحق سبحانه. وبعد ذلك يأتي الحق بالمقابل: فيقول: { ومن ~~يعص الله ورسوله... }. ### || [4.14] # وسبحانه قال من قبل: { تلك حدود الله.. ms1609 } [النساء: 14] والحدود ~~إما أن تبين الأوامر وحدها وإما أن تبين النواهي وحدها. فهي شاملة أن ~~يطيعها الطائع أو يعصيها العاصي. فإن كنت تطيع فلك جزاء الطاعة وتأخذ ~~الجنات والخلود والفوز العظيم. لكن ماذا عمن يعصي؟ إن له المقابل، ~~وهذا هو موقفه وجزاؤه أن له العذاب. { ومن يعص الله ~~ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ~~وله عذاب مهين } [النساء: 14]. هنا نجد " نارا " واحدة، وهناك ~~نجد " جنات ". هذا ملحظ أول، وإذا كنا منتبهين ونقبل على كتاب الله، ~~ونعرف أن المتكلم هو الله، فإننا نجد الملحظ الثاني وهو خلود للمؤمنين في ~~الجنات، أما الكافر فسيدخل النار. ولم يقل الحق: نيرانا، ولم يقل الحق ~~أيضا: " خالدين " لماذا؟ لأن المؤمنين سيكونون في الجنة على سرر ~~متقابلين، ويتزاورون، وكل واحد يستمتع بكل الجنان، وأيضا إن المرء إذا ~~كان له من عمله الصالح الكثير وقصر أولاده الذين اشتركوا معه في ~~الإيمان، فإن الحق - سبحانه - يلحق به ذريته ويكون هو وذريته في النعيم ~~والجنان كرامة له. فتكون الجنان مع بعضها وهذا أدعى للأنس. ولكن الموقف ~~يختلف مع الكافر، فلن يلحق الله به أحدا وكل واحد سيأخذ ناره، وحتى لا ~~يأنسوا مع بعضهم وهم في النار، فالأنس لن يطولوه أيضا، فكل واحد في ناره ~~تماما مثل الحبس المنفرد في زنزانة. ولن يأنس واحد منهم بمعذب آخر. إذن ~~فهناك " جنات " و " نار " و " خالدين " و " خالدا " ، وكل استخدام ~~للكلمة له معنى. والطائع له جنات يأتنس فيها بذريته وإخوته أهل الإيمان ~~ويكونون خالدين جميعا في الجنات، أما العاصي فهو في النار وحده خالدا { ~~وله عذاب مهين } [النساء: 14]. إن العذاب يكون مرة أليما، ~~ومثال ذلك أن يؤلم واحد عدوه فيتجلد عدوه حتى لا يرى شماتة الذي يعذبه. ~~ويقول الشاعر: # وتجلدي للشامتين أريهمو # أني لريب الدهر لا أتضعضع # فيكتم الألم عن خصمه، لكن هذا في الدنيا، أما في الآخرة فهناك إهانة في ~~النفس، فعذاب الله يجمع الألم والإهانة، إياك أن تفهم أن هناك من يقدر ~~على أن يتجلد كما يتجلد البشر عند ms1610 وقوع العذاب في الدنيا - إن عذاب ~~الآخرة مهين ومذل للنفس في آن واحد. وهكذا نجد أن المرحلة الأولى من سورة ~~النساء عالجت وحدة الإنسان أبا، ووحدته أما، وعالجت كيف بث الله منهما ~~رجالا كثيرا ونساء. وعالجت السورة أيضا ما يطرأ مما يجري به قدر الله ~~في بعض خلقه بأن يتركوا أيتاما ضعافا، وأنه سبحانه أراد استبقاء ~~الحياة الكريمة للنفس الإنسانية لذلك طلب أن نصنع الخير والمودة مع ~~اليتامى، ووضع أسلوب التعامل الإيماني معهم، وأن نكون أوصياء قائمين ~~بالعدالة والإرادة الحسنة العفيفة لأموالهم، إلى أن يبلغوا سن الرشد ~~فيتسلموها. # وأيضا عالجت السورة أمرا آخر وهو استبقاء الحياة الكريمة للنساء ~~والأطفال ضمن النسيج الاجتماعي. ذلك أن العرب كانوا يمنعون النساء من ~~الميراث، ويمنعون - كذلك - من الميراث من لم يطعن برمح ولم يضرب بخنجر ~~أو سيف ولم يشترك في رد عدوان. فأراد الله سبحانه لهذه الفئة الذليلة ~~المضطهدة أن تأخذ حقها ليعيش العنصران في كرامة ويستبقيا الحياة في عزة ~~وهمة وفي قوة، فشرع الحق نصيبا محددا للنساء يختلف عن نصيب الرجال مما ~~قل أو كثر، وبعد ذلك استطرد ليتكلم عن الحقوق في المواريث. وأوضح سبحانه ~~الحدود التي شرعها لهذا الأمر، فمن كان يريد جنات الله فليطع الله ~~ورسوله فيما حد من حدود. ومن استغنى عن هذه الجنات فليعص الله ليكون ~~خالدا في النار. إذن فالحياة الإنسانية هبة من الله لعباده، ومن كرمه ~~سبحانه أن أوجد لها - قبل أن يوجدها - ما يقيم أود الحياة الكريمة لذلك ~~الإنسان المكرم، فوفد الإنسان على الخير، ولم يفد الخير على الإنسان، أي ~~أن الحق سبحانه لم يخلق الإنسان أولا ثم صنع له من بعد ذلك الشمس ~~والقمر والأرض والعناصر. لا، لقد خلق الله هذه العناصر التي تخدم الإنسان ~~أولا وأعدها لاستقبال الطارق الجديد - الإنسان - الذي اختاره سبحانه ~~ليكون خليفة في الأرض. فالخير في الأرض الذي نستبقي به الحياة سبق وجود ~~الإنسان، وهذه عناية من الحق الرحمن بمخلوقه المكرم وهو الإنسان. وجعل ~~الله للإنسان وسيلة للتكاثر وربطها بعملية الإمتاع، ms1611 وهذه الوسيلة في ~~التكاثر تختلف عن وسائل التكاثر في الزروع والحيوانات، فوسيلة التكاثر في ~~كل الكائنات هي لحفظ النوع فقط. وأراد - سبحانه وتعالى - أن يكون الإمتاع ~~مصاحبا لوسيلة التكاثر الإنساني، ذلك أن المشقات التي يتطلبها النسل ~~كثيرة، فلا بد أن يجعل الله في عملية التكاثر متعة تغري الإنسان. وأراد ~~الحق سبحانه بذلك أن يأتي بالضعاف ليجعل منهم حياة قوية. ويوصينا الحق ~~باليتيم من البشر، وقد يقول قائل: ما دام الحق سبحانه وتعالى يوصينا حتى ~~ننشئ من اليتيم إنسانا قويا وأن نحسن إلى اليتيم، فلماذا أراد الله أن ~~يموت والد اليتيم؟. نقول: جعل الحق هذا الأمر حتى لا تكون حياة الإنسان ~~ضربة لازب على الله، إنه يخلق الإنسان بعمر محدد معروف له سبحانه ومجهول ~~للإنسان، فالإنسان قد يموت جنينا أو طفلا أو صبيا أو رجلا أو هرما، ~~بل نحن نجد في الحياة إنسانا هرما ما زال يحيا بيننا ويموت حفيد حفيده، ~~لماذا؟. لأن الله أراد أن يستر قضية الموت عن الناس، فلا معرفة للإنسان ~~بالعمر الذي سوف يحياه ولا بزمان الموت، ولا مكان الموت، حتى يكون ~~الإنسان منا دائما على استعداد أن يموت في أي لحظة. # وما دام الإنسان يعيش مستعدا لأن يموت في أي لحظة، فعليه أن يستحي أن ~~يلقي الله على معصية. وأيضا لنعلم أن المنهج الإيماني منهج يجعل ~~المؤمنين جميعا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، فإذا مات رجل وترك ~~طفلا يتيما، ووجد هذا اليتيم آباء من المجتمع الإيماني، فإن المنهج ~~الإيماني يستقر في قلب اليتيم اطمئنانا ويقينا. ومن حكمة الموت ألا ~~يفتن أحد في أبيه أو في الأسباب الممنوحة من الله للآباء، بل نكون جميعا ~~موصولين بالله. وما دام الحق سبحانه قد وضع لنا الأسباب لاستبقاء الحياة، ~~ووضع لنا أسلوب السعي في الأرض لتستبقي الحياة بالحركة فيها، فقد وضع ~~أيضا الوسيلة الكريمة لاستبقاء النوع وجعل من حركة الأصل ما يعود على ~~الفرع، فلم يغر الله الإنسان وحده بالحركة لنفسه، ولكن أغراه أن يتحرك ~~في الحياة حركة تسعه وتسع ms1612 من يعول، ويوضح الحق للإنسان: أن حركتك في ~~الأرض ستنفع أولادك أيضا. ولذلك أوجد الله سبحانه في نفس كل واحد غريزة ~~الحنان والحب. ونحن نرى هذه الغريزة كآية من آيات الله متمكنة في نفوس ~~الآباء. ولهذا يسعى الأب في الحياة ليستفيد هو وأولاده. والذي يتحرك حركة ~~واسعة في الحياة قد يأتي عليه زمان يكفيه عائد حركته بقية عمره لأنه تحرك ~~بهمة وإخلاص وأفاء الله عليه الرزق الوفير، وقد يتحرك رجل لمدة عشرين ~~عاما أو يزيد ويضمن لنفسه ولأولاده من بعده الثروة الوفيرة، وهناك من ~~يكد ويتعب في الحياة ويكسب رزقا يكفيه ويكفي الأبناء والأحفاد. وهكذا ~~نجد الذين يتحركون لا يستفيدون وحدهم فقط، ولكن المجتمع يستفيد أيضا. ~~وتشاء حكمة الله العالية بأن يفتت الثروة بقوانين الميراث لتنتشر الثروة ~~وتتوزع بين الأبناء فتشيع في المجتمع، وهذا اسمه التفتيت الانسيابي. كأن ~~نجد واحدا يملك مائة فدان وله عدد من الأبناء والبنات. وبعد وفاة الرجل ~~يرث الأبناء والبنات كل تركته، وهكذا تتفتت الثروة بين الأبناء تفتيتا ~~انسيابيا وليس بالتوزيع القهري الذي ينشئ الحقد والعداوة، ويريد الحق ~~أن نحترم حركة المتحرك، وأن تعود له حركة حياته ولمن يعول فقال سبحانه: # إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا ~~وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم # [محمد: 36]. هو سبحانه لا يقول لأي واحد: هات المال الذي وهبته لك. وقلت ~~سابقا: إنه سبحانه وتعالى يحنن عبدا على عبد فيقول: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~وله أجر كريم # [الحديد: 11]. إن الله سبحانه يحترم حركة العبد، ويحترم ما ملك العبد ~~بعرقه، ويوصي الحق العبد الغني: إن أخاك العبد الفقير في حاجة، فأقرضني - ~~أنا الله - بإعطائك الصدقة أو الزكاة لأخيك الفقير. # ولم يقل للعبد الغني: أقرض أخاك، ولكنه قال أقرضني. لماذا لأنه سبحانه ~~هو الذي استدعى الخلق إلى الوجود، وهو المتكفل برزقهم جميعا، المؤمن ~~منهم والكافر. ولذلك ضمن الرزق للجميع وأمر الأسباب بأن تستجيب حتى ~~للكافر، لأنه سبحانه هو الذي استدعاه للوجود. وسبحانه وضع هذا التوريث، ~~ليصنع التفتيت ms1613 الانسيابي للملكية حتى لا يأتي التفتيت القسري الذي يجعل ~~بعضا من الأبناء وقد نشأوا في نعمة وأخذوا من مسائل الحياة ما يريدون، ~~وعندما يأتي عليهم هذا التفتيت القسري، يصبحون من المساكين الذين فاجأتهم ~~الأحداث القسرية بالحرمان، فهم لم يستعدوا لهذا الفقر المفاجئ. لكن عندما ~~يأتي التفتيت الانسيابي فكل واحد يعد نفسه لما يستقبله، وبذاتية راضية ~~وبقدرة على الحركة، ولذلك قال الحق: # إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا ~~وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أموالكم # [محمد: 36]. إنه سبحانه لا يقول: أنا الذي ملكتك هذا المال، ولا أنا ~~الذي رزقتك هذا الرزق، مع أنه - سبحانه - هو الذي ملكك ورزقك هذا المال ~~حقا ولكنه يوضح لك حقك في الحركة، فيقول بعد ذلك: # إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج ~~أضغانكم # [محمد:37]. ولو ألح عليك فأنت تبخل بها لأنك جنيتها بتعب وعرق. ولكن ما ~~الفرق بين إنسان لم يسرف على نفسه، بل عاش معتدلا، ثم أبقى شيئا ~~لأولاده والذي جاء بدخله كله وبدده فيما حرمه الله وأسرف على نفسه في ~~المخدرات وغيرها، ما الفرق بين هذا وذاك؟. الفرق هو احترام الحق سبحانه ~~لأثر حركة الإنسان في الحياة، لذلك يوضح: أنا لا أسألكم أموالكم، لأني إن ~~سألتكم أموالكم فقد تبخلون، لأن مالكم عائد من أعمالكم. ويقول الحق: # ويخرج أضغانكم # [محمد: 37] وإذا ظهر وخرج الضغن في المجتمع فالويل للمجتمع كله ولذلك ~~نجد أن كل حركة من هذه الحركات القسرية ينشأ منها بروز الضغن في المجتمع ~~كله، وساعة يبرز الضغن في المجتمع، انتهى كل شيء جميل. ولذلك وضع الحق ~~أسس ووسائل استبقاء الحياة الكريمة. وضع أسسا للضعيف بما يحميه، وكذلك ~~للنساء اللاتي كن محرومات من الميراث قبل الإسلام، وجعل الحق - سبحانه ~~وتعالى - لتوريث الأطفال والأبناء والنساء حدودا # تلك حدود الله.. # [النساء: 13] وإياكم أن تتعدوا هذه الحدود لأن الإنسان إذا ما تعدى هذه ~~الحدود، فلا بد أن يكون من أهل النار - والعياذ بالله - فقد وضع الله تلك ~~القواعد لاستبقاء حياتك وحياة من تعول. وهناك لون آخر من الاستبقاء، هو ~~استبقاء ms1614 النوع، لأن للإنسان عمرا محدودا في الحياة وسينتهي لذلك يجب أن ~~يستبقي الإنسان النوع في غيره، كيف؟ نحن نتزوج كي يرزقنا الله بالذرية ~~والبنين والحفدة وتستمر حلقات، وهذا استبقاء للنوع الإنساني. والحق يريد ~~أن يكون الاستبقاء للنوع كريما لذلك يأمرنا الحق - سبحانه - أن نستبقي ~~النوع بأن نختار له الوعاء الطاهر، فإياك أن تستبقي نوعا من وعاء خبيث ~~نجس، اختلطت فيه مياه أناس متعددين، فلا يدري أحد لمن ينسب الولد ~~فيصير مضيعا في الكون، مجهول النسب فأوضح الله للإنسان أن يختار لنفسه ~~الوعاء النظيف ليستبقي النوع بكرامة. # والحصول على الأوعية النظيفة يكون بالزواج، فيختار الرجل أنثى عفيفة ذات ~~دين وترضي به زوجا أمام أعين الناس جميعا، ويصير معروفا للجميع أن هذه ~~امرأة هذا، وهذا زوجها، دخوله وخروجه غير ممقوت أو موقوت. وما ينشأ من ~~الذرية بعد ذلك يكون قطعا منسوبا إليه. ويخجل الإنسان أن يكون ابنه ~~مهينا أو عاريا أو جائعا أو غير معترف به لذلك يحاول الأب أن يجعل من ~~ابنه إنسانا مستوفيا لكل حقوقه مرفوع الرأس غير مهين، لا يقدحه واحد ~~فيسبه وينال منه قائلا: جئت من أين؟ أو من أبوك؟ فلا يعيش الطفل ~~كسير الجناح ذليلا طوال عمره. فأراد سبحانه استبقاء النوع برابطة تكون ~~على عين الجميع، وأن تكون هذه الرابطة على الطريق الشرعي. ومن العجيب ~~أننا نجد هذه المسألة ذات آثار واضحة في الكون، فالتي تحاول أن تزيل أثر ~~جريمتها يجبرها الحنان الطبيعي كأم ألا تلقي ابنها الوليد في البحر بل ~~أمام مسجد فالطفل مربوط بحنان أمه ولكن الحنان غير شرعي ولذلك ترمي الأم ~~الزانية بطفلها أمام المسجد حتى يلتقطه واحد من الناس الطيبين، فالزانية ~~نفسها تعرف أنه لا يدخل المسجد إلا إنسان طيب قد يحن على الوليد ويأخذ ~~هذا الطفل ويصير مأمونا عليه. وهي لا تلقي بوليدها عند خمارة أو دار ~~سينما، ولكن دائما تضعه عند أبواب المساجد، فالحنان يدفعها إلى وضع ~~الطفل غير الشرعي في مثل هذا المكان لأنها تخاف عليه، لذلك تلفه وتضعه في ms1615 ~~أحلى الملابس، وإن كانت غنية فإنها تضع معه بعضا من المال لأن الحنان ~~يدفعها إلى ذلك، والحياء من الذنب هو الذي يجعلها تتخلص من هذا الطفل. ~~إنها - كما قلنا - تحتاط بأن تضعه في مكان يدخله أناس طيبون فيعثر عليه ~~رجل طيب، يأخذه ويكون مأمونا عليه. إذن فحتى الفاسق المنحرف عن دين الله ~~يحتمي في دين الله وهذا شيء عجيب. والله يريد أن يبني بقاء النوع على ~~النظافة والطهر والعفاف ولا يريد لجراثيم المفاسد أن توجد في البيوت لذلك ~~يشرع العلاقة بين الرجل والمرأة لتكون زواجا أمام أعين الناس. ويأخذ ~~الرجل المرأة بكلمة الله. وأضرب هذا المثل: نحن نجد الرجل الذي يحيا في ~~بيت مطل على الشارع وله ابنة وسيمة والشباب يدورون حولها - ولو عرف الرجل ~~أن شابا يجيء ويتعمد لينظر إلى ابنته فماذا يكون موقف الرجل من الشاب؟ ~~إن الرجل قد يسلط عليه من يضربه أو يبلغ ضده الشرطة ويغلي الرجل بالغيظ ~~والغيرة. # وما موقف الرجل نفسه عندما تدق الباب أسرة شاب طيب يطلبون الزواج من ~~ابنته؟ يفرح الرجل ويسأل الابنة عن رأيها، ويبارك للأم ويأتي بالمشروبات ~~ويوجه الدعوات لحفل عقد القرآن، فما الفرق بين الموقفين؟ لماذا يغضب الأب ~~من الشاب الذي يتلصص؟ لأن هذا الشاب يريد أن يأخذ البنت بغير حق الله، ~~أما الشاب الذي جاء ليأخذ الابنة زوجة بحق الله وبكلمة الله فالأب يفرح ~~به وينزل الأمر عليه بردا وسلاما. وبعد ذلك يتسامى الأمر، ويتم الزفاف ~~ويزور الأب ابنته صباح الزفاف ويرغب أن يرى السعادة على وجهها. إن الفارق ~~بين الموقفين هو ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: # " الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون، الله الله ~~في النساء فإنهن عوان في أيديكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله ". # وما دام الله هو الذي خلق الرجل والمرأة وشرع أن يجتمعا وتكون كلمة ~~الشاب: " أريد أن أتزوج ابنتك " بردا وسلاما على قلب الأب، ويكون الفرح ~~والاحتفال الكبير لأن هذه مسألة عفاف وطهر. والله يريد ms1616 أن يجعل استبقاء ~~النوع الإنساني استبقاء نظيفا لا يخجل أن تجيء منه ولادة، ولا يخجل ~~منه المولود نفسه، ولا يذم في المجتمع أبدا، إذا استبقينا النوع بهذا ~~الشكل فهذا هو الاستبقاء الجميل للنوع. واستبقاء النوع هو الذي تأتي من ~~أجله العملية الجنسية وأراد الله أن يشرعها حلالا على علم الناس ويعرفها ~~الجميع. وقد سألني سائل وأنا في الجزائر: لماذا تقوم العلاقة بين الرجل ~~والمرأة على كلمات نحو: " زوجتك موكلتي، أو تقول هي زوجتك نفسي " ويقبل ~~الرجل، وتنكسر العلاقة بكلمة " أنت طالق "؟ وأجبته: لماذا يستبيح الرجل ~~لنفسه أن يمتلك بضع الزوجة بكلمتين؟ ويستكثر أن تخرج من عصمته بكلمتين؟ ~~فكما جاءت بكلمة تذهب بكلمة. إن الحق سبحانه وتعالى كما استبقى الحياة ~~بالعناصر التي تقدمت، يريد أن يستبقي النوع بالعناصر التي تأتي، وأوضح ~~لنا أن كل كائن يتكاثر لا بد له من إخصاب، الإخصاب يعني أن يأتي الحيوان ~~المنوي من الذكر لبويضة الأنثى كي ينشأ التكاثر، والتكاثر في غير الإنسان ~~يتم بعملية قسرية. ففي الحيوانات نرى الأنثى وهي تجأر بالصوت العالي ~~عندما تنزل البويضة في رحمها كالبقرة مثلا، حتى يقول الناس جميعا: إن ~~البقرة تطلب الإخصاب، وعندما يذهب بها صاحبها إلى الفحل ليخصبها تهدأ، ~~ولا تمكن فحلا آخر منها من بعد ذلك، وهكذا يتم حفظ النوع في الحيوانات. ~~أما في النباتات فالأنثى يتم تلقيحها ولو على بعد أميال.. ونحن نعرف ~~بعضا من ذكور النبات وإناثها مثل ذكر النخل والجميز، لكننا لا نعرف ~~التفريق بين ذكورة وأنوثة بعض النباتات، وقد يعرفها المتخصصون فقط، وبعد ~~النباتات تكون الذكورة والأنوثة في عود واحد كالذرة مثلا فالأنوثة توجد ~~في " الشراشيب " التي توجد في " كوز " الذرة، وعناصر الذكورة توجد في ~~السنبلة التي يحركها الهواء كي تنزل لتخصب الأنوثة، وكذلك القمح. # وهناك أنواع من النباتات لا نعرف ذكورتها! بالله أيوجد أحد عنده ذكر ~~مانجو أو ذكر برتقال؟ إذن هناك أشياء كثيرة لا نعرفها، لكن لا بد من أن ~~تتلاقح إخصابا لينشأ التكاثر، فيوضح ربنا: اطمئنوا أنا جعلت الرياح ~~حاملة ms1617 لوسائل اللقاح، يأخذ الريح اللواقح إلى النباتات، والنبات الذي ~~يكون تحت مستوى الريح يسخر الله له أنواعا من الحشرات غذاؤها في مكان ~~مخصوص من النبات وله لون يجذبها، حشرة يجذبها اللون الأحمر، وحشرة ~~يجذبها اللون الأبيض لأن الحشرة تذهب للذكورة فيعلق بها حيوان الذكورة، ~~فتذهب إلى الأنثى المتبرجة بالزينة، وهذه العملية تحدث ولا ندري عنها ~~شيئا. من الذي يلقح؟ من الذي يعلمها؟ إنه الله القيوم الذي لا تأخذه ~~سنة ولا نوم، فاستبقى لنا الأنواع غريزيا وقسريا، بدون أن نعرف عن ~~الكثير منها شيئا، حتى المطر لا يمكن أن ينزل إلا إذا حدث عملية تلقيح. ~~ولذلك يقول الحق: # وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السمآء ماء ~~فأسقيناكموه ومآ أنتم له بخازنين # [الحجر: 22]. إذن الحق قد استبقى لك أيها الإنسان أنواع مقومات حياتك ~~بما لا تدريه، وجعل هذه المسائل قسرية بحيث يؤدي كل كائن وظيفته وتنتهي ~~المسألة، لكن حين كان لك اختيار، وتوجد مشقات كثيرة في الإنجاب وحفظ ~~النوع، فقد قرن - سبحانه - حفظ النوع بالمتعة، وإياك أن تعزل حفظ النوع ~~عن المتعة، فإن أخذت المتعة وحدها فقد أخذت الفرع وتركت الأصل، فلابد أن ~~تفعلها لحفظ النوع المحسوب عليك. إذن فإياك أن تلقي حيوانك المنوي إلا في ~~وعاء نظيف، محسوب لك وحدك كي لا تنشأ أمراض خبيثة تفتك بك وبغيرك، ولكيلا ~~ينشأ جيل مطموس النسب، ولكيلا يكون مهينا ولا مدنسا في حياته فإياكم أن ~~تأخذوا قضية حفظ النوع منفصلة عن المتعة فيها. ولذلك - فسبحانه - سيتكلم ~~عن المرأة عندما تتصل بامرأة بالسحاق، أو الرجل يكتفي بالرجل باللواط ~~للمتعة، أو رجل ينتفع بامرأة على غير ما شرع الله. فعندما تنتفع امرأة مع ~~امرأة، وينتفع الرجل بالرجل للاستمتاع، نقول لها: أنت أيتها المرأة أخذت ~~المتعة وتركت حفظ النوع، وأنت يا رجل أخذت المتعة وتركت حفظ النوع، ~~والحق يريد لك أن تأخذ المتعة وحفظ النوع معا. فيوضح سبحانه أنه لا بد أن ~~تكون المتعة في ضوء منهج الله. واسمعوا قول الله: { واللاتي ~~يأتين الفاحشة... }. ### || [4.15] # و { واللاتي } اسم ms1618 موصول لجماعة الإناث، وأنا أرى أن ذلك خاص ~~باكتفاء المرأة بالمرأة. وماذا يقصد بقوله: { فاستشهدوا ~~عليهن أربعة.. } [النساء: 15]؟ إنه سبحانه يقصد به حماية ~~الأعراض، فلا يلغ كل واحد في عرض الآخر، بل لا بد أن يضع لها الحق ~~احتياطا قويا، لأن الأعراض ستجرح، ولماذا " أربعة " في الشهادة؟ لأنهما ~~اثنتان تستمتعان ببعضهما، ومطلوب أن يشهد على كل واحدة اثنان فيكونوا ~~أربعة، وإذا حدث هذا ورأينا وعرفنا وتأكدنا، ماذا نفعل؟ قال سبحانه: { ~~فأمسكوهن في البيوت.. } [النساء: 15] أي احجزوهن واحبسوهن ~~عن الحركة، ولا تجعلوا لهن وسيلة التقاء إلى أن يتوفاهن الموت { أو ~~يجعل الله لهن سبيلا } [النساء: 15] وقد جعل الله. والذين ~~يقولون: إن هذه المسألة خاصة بعملية بين رجل وامرأة، نقول له: إن كلمة " ~~واللاتي " هذه اسم موصول لجماعة الإناث، أما إذا كان هذا بين ذكر وذكر. ~~ففي هذه الحالة يقول الحق: # واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا ~~وأصلحا فأعرضوا عنهمآ إن الله كان توابا ~~رحيما # [النساء: 16]. الآية هنا تختص بلقاء رجل مع رجل، ولذلك تكون المسألة ~~الأولى تخص المرأة مع المرأة، ولماذا يكون العقاب في مسألة لقاء المرأة ~~بالمرأة طلبا للمتعة هو الإمساك في البيوت حتى يتوفاهن الموت؟ لأن هذا ~~شر ووباء يجب أن يحاصر، فهذا الشر معناه الإفساد التام، لأن المرأة ليست ~~محجوبة عن المرأة فلأن تحبس المرأة حتى تموت خير من أن تتعود على ~~الفاحشة. ونحن لا نعرف ما الذي سوف يحدث من أضرار، والعلم ما زال قاصرا، ~~فالذي خلق هو الذي شرع أن يلتقي الرجل بالمرأة في إطار الزواج وما يجب ~~فيه من المهر والشهود، وسبحانه أعد المرأة لاستقبال، وأعد الرجل للإرسال، ~~وهذا أمر طبيعي، فإذا دخل إرسال على استقبال ليس له، فالتشويش يحدث. وإن ~~لم يكن اللقاء على الطريقة الشرعية التي قررها من خلقنا فلا بد أن يحدث ~~أمر خاطئ ومضر، ونحن عندما نصل سلكا كهربائيا بسلك آخر من النوع نفسه. ~~أي سالب مع سالب أو موجب مع موجب تشب الحرائق، ونقول: " حدث ماس كهربائي ~~" ، أي أن التوصيلة ms1619 الكهربائية كانت خاطئة. فإذا كانت التوصيلة ~~الكهربائية الخاطئة في قليل من الأسلاك قد حدث ما حدث منها من الأضرار، ~~أفلا تكون التوصيلة الخاطئة في العلاقات الجنسية مضرة في البشر؟ إنني ~~أقول هذا الكلام ليسجل، لأن العلم سيكشف - إن متأخرا أو متقدما - ~~أن لله سرا، وحين يتخصص رجل بامرأة بمنهج الله " زوجني.. وتقول له زوجتك ~~" فإن الحق يجعل اللقاء طبيعيا. أما إن حدث اختلاف في الإرسال ~~والاستقبال فلسوف يحدث ماس صاعق ضار، وهذه هي الحرائق في المجتمع. # أكرر هذا الكلام ليسجل وليقال في الأجيال القادمة: إن الذين من قبلنا قد ~~اهتدوا إلى نفحة من نفحات الله، ولم يركنوا إلى الكسل، بل هداهم الإيمان ~~إلى أن يكونوا موصولين بالله، ففطنوا إلى نفحات الله. والحق هو القائل: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. فإذا كنا قد اهتدينا إلى معرفة أن اتصال سلك صحيح بسلك صحيح ~~فالكهرباء تعطي نورا جميلا. أما إذا حدث خطأ في الاتصال، فالماس يحدث ~~وتنتج منه حرائق، كذلك في العلاقة البشرية، لأن المسألة ذكورة وأنوثة. ~~والحق سبحانه القائل: # ومن كل شيء خلقنا زوجين.. # [الذاريات: 49]. فإذا كان النور الجميل يحدث من الاتصال الصحيح بين ~~الموجب والسالب في غير الإنسان، وتحدث الحرائق إن كان الاتصال خاطئا، ~~فما بالنا بالإنسان؟ وفي بعض رحلاتنا في الخارج، سألنا بعض الناس: - ~~لماذا عددتم للرجل نساء، ولم تعددوا رجالا للمرأة؟ هم يريدون أن ~~يثيروا حفيظة المرأة وسخطها على دين الله حتى تقول المرأة الساذجة - ~~متمردة على دينها -: " ليس في هذا الدين عدالة " لذلك سألت من سألوني: ~~أعندكم أماكن يستريح فيها الشباب المتحلل جنسيا؟ فكان الجواب: نعم في ~~بعض الولايات هناك مثل هذه الأماكن. قلت: بماذا احتطتم لصحة الناس؟ ~~قالوا: بالكشف الطبي الدوري المفاجئ. قلت: لماذا؟ قالوا: حتى نعزل ~~المصابة بأي مرض. قلت: أيحدث ذلك مع كل رجل وامرأة متزوجين؟ قالوا: لا. ~~قلت: لماذا؟؟ فسكتوا ولم يجيبوا، فقلت: لأن الواقع أن الحياة الزوجية ~~للمرأة مع رجل واحد تكون المرأة وعاء للرجل وحده ms1620 لا ينشأ منها أمراض، ~~ولكن المرض ينشأ حين يتعدد ماء الرجال في المكان الواحد. إذن فالحق ~~سبحانه وتعالى يريد أن يستبقي النوع بقاء نظيفا لذلك قال: { واللاتي ~~يأتين الفاحشة من نسآئكم فاستشهدوا عليهن ~~أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت ~~حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن ~~سبيلا } [النساء: 15]. والمقصود ب " نسائكم " هنا المسلمات، لأننا لا ~~نشرع لغيرنا، لأنهم غير مؤمنين بالله، وطلب الشهادة يكون من أربعة من ~~المسلمين، لأن المسلم يعرف قيمة العرض والعدالة. وإن شهدوا فليحدث حكم ~~الله بالحبس في البيوت. وقد عرفنا ذلك فيما يسمى في العصر الحديث بالحجر ~~الصحي الذي نضع فيه أصحاب المرض المعدي. وهناك فرق بين من أصبن ب " ~~مرض معد " ومن أصبن ب " العطب والفضيحة ". فإذا كنا نعزل أصحاب المرض ~~المعدي فكيف لا نعزل اللاتي أصبن بالعطب والفضيحة لذلك يقول الحق: { ~~فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو ~~يجعل الله لهن سبيلا } [النساء: 15] أي أن تظل كل منهما في ~~العزل إلى أن يأتي لكل منهن ملك الموت. # وحدثتنا كتب التشريع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الآية على ~~أنها تختص بزنى يقع بين رجل وامرأة وليس بين امرأتين. عن عبادة بن ~~الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " خذوا عني خذوا عني: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب ~~جلد مائة والرجم ". # ثم جاء التشريع بعد ذلك فصفى قضية الحدود إلى أن البكر بالبكر جلد، ~~والثيب بالثيب رجم. وبعض من الناس يقول: إن الرجم لم يرد بالقرآن. نرد ~~فنقول: ومن قال: إن التشريع جاء فقط بالقرآن؟ لقد جاء القرآن معجزة ~~ومنهجا للأصول، وكما قلنا من قبل: إن الحق قال: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه.. # [الحشر: 7]. وبعد ذلك نتناول المسألة: حين يوجد نص ملزم بحكم، قد نفهم ~~الحكم من النص وقد لا نفهمه، فإذا فهمنا فله تطبيق عملي في السيرة ~~النبوية. فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت بالنص فقط ولكن جاء ~~بالعمل نفسه، فالأسوة تكون بالفعل في ms1621 إقامة الحد لأن الفعل أقوى من النص، ~~فالنص قد يوجد ولا يطبق لسبب كالنسخ للحكم مثلا، أما الفعل فإنه ~~تطبيق، وقد رجم الرسول ماعزا والغامدية ورجم اليهودي واليهودية عندما ~~جاءوا يطلبون تعديل حكم الرجم الوارد بالتوراة. إذن فالفعل من الرسول ~~أقوى من النص وخصوصا أن الرسول مشرع أيضا. وقال واحد مرة: إن الرجم ~~لمن تزوج، فماذا نفعل برجل متزوج قد زنى بفتاة بكر؟ والحكم هنا: يرجم ~~الرجل وتجلد الفتاة، فإن اتفقا في الحالة، فهما يأخذان حكما واحدا. وإن ~~اختلفا فكل واحد منهما يأخذ الحكم الذي يناسبه. وحينما تكلم الحق عن الحد ~~في الإماء - المملوكات - قال: # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب.. # [النساء: 25]. ويفهم من ذلك الجلد فقط، لأن الرجم لا يمكن أن نقوم ~~بتقسيمه إلى نصفين، فالأمة تأخذ في الحد نصف الحرة، لأن الحرة البكر في ~~الزنى تجلد مائة جلدة، والأمة تجلد خمسين جلدة. وما دام للأمة نصف حد ~~المحصنة، فلا يأتي - إذن - حد إلا فيما ينصف، والرجم لا ينصف، ~~والدليل أصبح نهائيا من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشرع وليس ~~مستنبطا، وقد رجم رسول الله. ولماذا تأخذ الأمة نصف عقاب الحرة؟ لأن ~~الإماء مهدورات الكرامة، أما الحرائر فلا. ولذلك فهند امرأة أبي سفيان ~~قالت: أو تزني الحرة؟ قالت ذلك وهي في عنف جاهليتها. أي أن الزنى ليس ~~من شيمة الحرائر، أما الأمة فمهدورة الكرامة نظرا لأنه مجترأ عليها ~~وليست عرض أحد. لذلك فعليها نصف عقاب المحصنات، وقد تساءل بعضهم عن وضع ~~الأمة المتزوجة التي زنت، والرجم ليس له نصف. نقول: الرجم فقد للحياة فلا ~~نصف معه، إذن فنصف ما على المحصنات من العذاب، والعذاب هو الذي يؤلم. # ونستشهد على ذلك بآية لنبين الرأي القاطع بأن العذاب شيء، والقتل وإزهاق ~~الحياة شيء آخر، ونجد هذه الآية هي قول الحق على لسان سليمان عليه السلام ~~حينما تفقد الطير ولم يجد الهدهد: # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه.. # [النمل: 21]. إذن، فالعذاب غير الذبح، وكذلك يكون العذاب غير الرجم. ~~فالذي ms1622 يحتج به البعض ممن يريدون إحداث ضجة بأنه لا يوجد رجم لأن الأمة ~~عليها نصف ما على المحصنات، والرجم ليس فيه تنصيف نقول له: إن ما تستشهد ~~به باطل لأن الله فرق بين العذاب وبين الذبح، فقال على لسان سليمان: # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه.. # [النساء: 21] فإذا كان العذاب غير إزهاق الروح بالذبح، والعذاب أيضا ~~غير إزهاق الروح بالرجم. إذن فلا يصح أن يحاول أحد الإفلات من النص وفهمه ~~على غير حقيقته ولنناقش الأمر بالعقل: حين يعتدي إنسان على بكر، فما ~~دائرة الهجوم على العرض في البكر؟ إنها أضيق من دائرة الهجوم على الثيب ~~لأن الثيب تكون متزوجة غالبا، فقصارى ما في البكر أن الاعتداء يكون على ~~عرضها وعرض الأب والأخ. أما الثيب فالاعتداء يكون على عرض الزوج أيضا، ~~وهكذا تكون دائرة الاعتداء أكبر، إنه اعتداء على عرض الأب والأم. والإخوة ~~والأعمام مثل البكر، وزاد على ذلك الزوج والأبناء المتسلسلون. فإذا كان ~~الآباء والأمهات طبقة وتنتهي، فالأبناء طبقة تستديم لذلك يستديم العار. ~~واستدامة العار لا يصح أن تكون مساوية لرقعة ليس فيها هذا الاتساع، فإن ~~سوينا بين الاثنين بالجلد فهذا يعني أن القائم بالحكم لم يلحظ اتساع جرح ~~العرض. إن جرح العرض في البكر محصور وقد ينتهي لأنه يكون في معاصرين ~~كالأب والأم والإخوة، لكن ما رأيك أيها القائم بالحكم في الثيب المتزوجة ~~ولها أولاد يتناسلون؟ إنها رقعة متسعة، فهل يساوي الله - وهو العادل - ~~بين ثيب وبكر بجلد فقط؟ إن هذا لا يتأتى أبدا. إذن فالمسألة يجب أن تؤخذ ~~مما صفاه رسول الله وهو المشرع الثاني الذي امتاز لا بالفهم في النص ~~فقط، ولكن لأن له حق التشريع فيما لم يرد فيه نص! فسنأخذ بما عمله وقد ~~رجم رسول الله فعلا، وانتهى إلى أن هذا الحكم قد أصبح نهائيا، الثيب ~~بالثيب هو الرجم، والبكر بالبكر هو الجلد، وبكر وثيب كل منهما يأخذ حكمه، ~~ويكون الحكم منطبقا تماما، وبذلك نضمن طهارة حفظ النوع لأن حفظ النوع ~~هو أمر أساسي في الحياة ms1623 باستبقاء حياة الفرد واستبقاء نوعه، فاستبقاء ~~حياة الفرد بأن نحافظ عليه، ونحسن تربيته ونطعمه حلالا، ونحفظ النوع ~~بالمحافظة على طهارة المخالطة. والحق سبحانه وتعالى يمد خلقه حين يغفلون ~~عن منهج الله بما يلفتهم إلى المنهج من غير المؤمنين بمنهج الله، ويأتينا ~~بالدليل من غير المؤمنين بمنهج الله، فيثبت لك بأن المنهج سليم. # ولقد تعرضنا لذلك من قبل مرارا ونكررها حتى تثبت في أذهان الناس قال ~~الحق: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # [التوبة: 33]. فلا يقولن قائل: إن القرآن أخبر بشيء لم يحدث لأن الإسلام ~~لم يطبق ولم يظهر على الأديان كلها. ونرد عليه: لو فهمت أن الله قال: # ليظهره على الدين كله.. # [التوبة: 33] وأضاف سبحانه: # ولو كره المشركون # [التوبة: 33]، # ولو كره الكافرون # [غافر: 14] كما جاء في موقع آخر من القرآن الكريم، لقد أوضح الحق أن ~~الإسلام يظهر ويتجلى مع وجود كاره له وهو الكافر والمشرك. ولم يقل ~~سبحانه: إن الإسلام سيمنع وجود أي كافر أو مشرك. وكيف يكره الكفار ~~والمشركون إظهار الله للإسلام؟ إنهم لا يدينون بدين الإسلام لذلك يحزنهم ~~أن يظهر الإسلام على بقية الأديان. وهل يظهر الإسلام على الأديان بأن ~~يسيطر عليها ويبطل تلك الأديان؟ لا. إنه هو سبحانه يوضح بالقرآن والسنة ~~كما يوضح لأهل الأديان الأخرى: بأنكم ستضطرون وتضغط عليكم أحداث الدنيا ~~وتجارب الحياة فلا تجدون مخلصا لكم مما أنتم فيه إلا أن تطبقوا حكما من ~~حكم الإسلام الذي تكرهونه. وحين تضغط الحياة على الخصم أن ينفذ رأي خصمه ~~فهذا دليل على قوة الحجة، وهذا هو الإظهار على الدين كله ولو كره ~~الكافرون والمشركون، وهذا قد حدث في زماننا، فقد روعت أمة الحضارة الأولى ~~في العالم وهي الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 1981 بما يثبت صدق ~~الإسلام في أنه حين ضمن ووضع للمخالطات التي تبقي النوع نظاما، وهو ~~التعاقد العلني والزواج المشروع، فالحق قد ضمن صحة الخلق. لكن الحضارة ~~الأمريكية لم تنتبه إلى عظمة قانون الحق سبحانه فروعت بظهور ms1624 مرض جديد ~~يسمى " الإيدز " و " إيدز " مأخوذة من بدايات حروف ثلاث كلمات: حرف " A " ~~، وحرف " I " و، " D ". ومعنى اسم المرض بالترجمة العربية الصحيحة " نقص ~~مناعي مكتسب " والوسيلة الأولى للإصابة به هي المخالطة الشاذة، ونشأت من ~~هذه المخالطات الشاذة فيروسات، هذه الفيروسات ما زال العلماء يدرسون ~~تكوينها، وهي تفرز سموما وتسبب آلاما لا حصر لها، وإلى الآن يعيش أهل ~~الحضارة الغربية هول الفزع والهلع من هذا المرض. ومن العجيب أن هذه ~~الفيروسات تأتي من كل المخالطات الشاذة سواء أكانت بين رجل ورجل، أو بين ~~رجل وامرأة على غير ما شرع الله. لقد جعل الحق سبحانه وتعالى عناصر ~~الزواج " إيجابا " و " قبولا " و " علانية " إنه جعل من الزواج علاقة ~~واضحة محسوبة أمام الناس، هذا هو النظام الرباني للزواج الذي جعل في ~~التركيب الكيميائي للنفس البشرية " استقبالا " و " إرسالا ". # والبشر حين يستخدمون الكهرباء، فالسلك الموجب والسلك السالب - كما قلنا ~~- يعطيان نورا في حالة استخدامهما بأسلوب طبيعي، لكن لو حدث خلل في ~~استخدام هذه الأسلاك فالذي يحدث هو ماس كهربائي تنتج منه حرائق. وكذلك ~~الذكورة والأنوثة حين يجمعها الله بمنطق الإيجاب والقبول العلني على مبدأ ~~الإسلام، فإن التكوين الكيميائي الطبيعي للنفس البشرية التي ترسل، والنفس ~~البشرية التي تستقبل تعطي نورا وهو أمر طبيعي. وأوضحنا من قبل أن ~~الإنسان حين يجد شابا ينظر إلى إحدى محارمه، فهو يتغير وينفعل ويتمنى ~~الفتك به، لكن إن جاء هذا الشاب بطريق الله المشروع وقال والد الشاب ~~لوالد الفتاة: " أنا أريد خطبة ابنتك لابني " فالموقف يتغير وتنفرج ~~الأسارير ويقام الفرح. إنها كلمة الله التي أثرت في التكوين الكيميائي ~~للنفس وتصنع كل هذا الإشراق والبشر، وإعلان مثل هذه الأحداث بالطبول ~~والأنوار والزينات هو دليل واضح على أن هناك حاجة قد عملت وأحدثت في ~~النفس البشرية مفعولها الذي أراده الله من الاتصال بالطريق النظيف الشريف ~~العفيف. فكل اتصال عن غير هذا الطريق الشريف والعفيف لابد أن ينشأ عنه ~~خلل في التكوين الإنساني يؤدي إلى أوبئة نفسية وصحية قد لا يستطيع ms1625 ~~الإنسان دفعها مثل ما هو كائن الآن. وعلى هذا فيكون قول الحق سبحانه: { ~~واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم فاستشهدوا ~~عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في ~~البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله ~~لهن سبيلا } [النساء: 15]. وكانت هذه مرحلة أولية إلى أن طبق ~~الرسول إقامة الحد. ويقول الحق: { واللذان يأتيانها ~~منكم... }. ### || [4.16] # والحق سبحانه وتعالى تواب ورحيم، ونعرف أن صفة المبالغة بالنسبة لله لا ~~تعني أن هناك صفة لله تكون مرة ضعيفة ومرة قوية، وكل صفات الله واحدة في ~~الكمال المطلق. وقلت من قبل: إنني عندما أقول: " فلان أكال " قد يختلف ~~المعنى عن قولي: " فلان آكل " ، فبمثل هذا القول أبالغ في وصف إنسان يأكل ~~بكثرة، فهل هو يأكل كثيرا في الوجبة الواحدة، أو أن الوجبة ميزانها ~~محدود لكن هذا الموصوف يعدد الوجبات، فبدلا من أن يأكل ثلاث مرات فهو ~~يأكل خمس مرات، عندئذ يقال له: " أكال " ، أي أنه أكثر عدد الوجبات، ~~وإن كانت كل وجبة في ذاتها لم يزد حجمها. أو هو يأتي في الوجبة الواحدة ~~فيأكل أضعاف ما يأكله الإنسان العادي في الوجبة العادية، فيأكل بدلا من ~~الرغيف أربعة، فنقول: إنه " أكول " ، إذن فصيغة المبالغة في الخلق إما أن ~~تنشأ في قوة الحدث الواحد، وإما أن تنشأ من تكرار الحدث الواحد. إن قولك: ~~" الله تواب " معناه أنه عندما يتوب على هذا وذاك وعلى ملايين الملايين ~~من البشر، فالتوبة تتكرر. وإذا تاب الحق في الكبائر أليست هذه توبة ~~عظيمة؟ هو تواب ورحيم لأنه سبحانه وتعالى يتصف بعظمة الحكمة والقدرة على ~~الخلق والإبداع، وهو الذي خلق النفس البشرية ثم قنن لها قوانين وبعد ذلك ~~جرم من يخالف هذه القوانين، وبعد أن جرم الخروج عن القوانين وضع عقوبة ~~على الجريمة. والتقنين في ذاته يقطع العذر، فساعة أن قنن الحق لا يستطيع ~~واحد أن يقول: " لم أكن أعلم " لأن ذلك هو القانون، وحين يجرم فهذا إيذان ~~منه بأن النفس البشرية قد تضعف، وتأتي بأشياء مخالفة للمنهج، فنحن لسنا ~~ملائكة، وسبحانه حين يقنن يقطع ms1626 العذر، وحين يجرم فهو إيذان بأن ذلك من ~~الممكن أن يحدث. وبعد ذلك يعاقب، وهناك أفعال مجرمة، ولكن المشرع الأول ~~لم يجرمها ولم يضع لها قانونا، لا عن تقصير منه، ولكن التجريم يأتي ~~كفرع. إن الله سبحانه قد قدر أن النفس البشرية قد تفعل ذلك، كالسرقة - ~~مثلا - إنه سبحانه وضع حدا للسرقة، وقد تضعف النفس البشرية فتسرق، أو ~~تزني لذلك فالحد موجود، لكن هناك أشياء لا يأتي لها بالتجريم والعقوبة، ~~وكأنه سبحانه يريد أن يدلنا من طرف خفي على أنها مسائل ما كان يتصور ~~العقل أن تكون. مثال ذلك اللواط، لم يذكر له حدا، لماذا؟ لأن الفطرة ~~السليمة لا تفعله، بدليل أن اللواط موجود في البشر وغير موجود في ~~الحيوان. لكن ليس معنى ألا يجرم الحق عملا أنه لا يدخل في الحساب، لا، ~~إنه داخل في الحساب بصورة أقوى لأن التجريم والعقوبة على التجريم تدل على ~~أن الفعل من الممكن أن يحدث، وحين يترك هذه المسألة بدون تجريم، فمعنى ~~ذلك أن الفطرة السليمة لا يصح أن تفعلها، ولذلك لم يضع لها حدا أو ~~تجريما، وترك الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو المكلف بالتشريع ~~أن يضع حدا لهذه المسألة. # إذن فعدم وجود نص على جريمة أو عقوبة على جريمة ليس معناه ألا يوجد حساب ~~عليها، لا. هناك حساب، فقد تكون العقوبة أفظع، وقد أمر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بإلقاء الفاعل للواط والمفعول به من أعلى جبل. إن عقوبتهما أن ~~يموتا بالإلقاء من شاهق جبل، إذن فالعقوبة أكثر من الرجم. وهكذا نعرف أن ~~عدم التجريم وعدم التقنين بالعقوبة لأي أمر غير مناسب للعقل وللفطرة ~~السليمة دليل على أن هذا الأمر غير مباح، والحق لم يترك تلك الأمور ~~سكوتا عنها، ولكن هو إيحاء من طرف خفي أن ذلك لا يصح أن يحدث، بدليل أنه ~~لا تحدث في الحيوانات التي هي أدنى من الإنسان. وبعد ذلك قد يتعلل ~~الإنسان الفاعل لمثل هذا القبح الفاحش بأنها شهوة بهيمية. نقول: يا ليت ~~شهوتك ms1627 المخطئة في التعبير عن نفسها بهيمية لأن البهائم لا يحدث منها مثل ~~ذلك الفعل أبدا، فلا أنثى الحيوانات تقترب من أخرى، وكذلك لا يوجد ذكر ~~حيوان يقترب من ذكر آخر، وإذا ما حملت أنثى الحيوان فإنها لا تسمح لأي ~~ذكر من الحيوانات بالاقتراب منها، إذن فالقبح الفاحش من المخالطة على غير ~~ما شرع الله يمكن أن نسميها شهوة إنسانية، فالبهائم لا ترتكب مثل تلك ~~الأفعال الشاذة. ومن يقول عن الشهوة إنها بهيمية فهو يظلم الحيوانات. ~~والحق سبحانه وتعالى على الرغم من هذه الخطايا يوضح لنا: أنه التواب ~~الرحيم، لماذا؟ انظر الحكمة في التوبة وفي قبولها، فلو لم تحدث معصية من ~~الإنسان الذي آمن، لفقد التكليف ضرورته. معنى التكليف أنه عملية يزاحم ~~الإنسان فيها نفسه ويجاهدها لمقاومة تنفيذ المعاصي أو لحملها على مشقة ~~الطاعة. فمقاومة الإنسان للمعاصي خضوعا للتكليف الإيماني دليل على أن ~~التكليف أمر صحيح، اسمه " تكليف " وإلا لخلقنا الله كالملائكة وانتهت ~~المسألة. وحين يشرع الله التوبة، فذلك يدل على أن الإنسان ضعيف، قد يضعف ~~في يوم من الأيام أمام معصية من المعاصي، وليس معنى ذلك أن يطرده الله من ~~عبوديته له سبحانه، بل هو يقنن العقوبة، وتقنين العقوبة للعاصي دليل على ~~أنه سبحانه لم يخرج الذي اختار الإسلام وعصى من حظيرة الإسلام أو ~~التكليف، ولو فرضنا أن الحق سبحانه لم يقنن التوبة لصارت اللعنة مصير كل ~~من يضعف أمام شهوة، ولصار العاصي متمردا لا يأبه ولا يلتفت من بعد ذلك ~~إلى التكليف، يلغ في أعراض الناس ويرتكب كل الشرور. # إذن فساعة شرع الله التوبة سد على الناس باب " الفاقدين " الذين يفعلون ~~ذنبا ثم يستمرون فيه، ومع ذلك فسبحانه حين تاب على العاصي رحم من لم يعص ~~إنه القائل: { إن الله كان توابا رحيما } [النساء: 16] ~~ولو قال الحق إنه تواب فقط لأذنب كل واحد منا لكي يكون الوصف معه وقائم ~~به لا محالة، ولكنه أيضا قال: { توابا رحيما } [النساء: 16] أي ~~أنه يرحم بعضا من خلقه فلا يرتكبون أي معصية من ms1628 البداية. فالرحمة ألا ~~تقع في المعصية. وبعد ذلك يشرع الحق سبحانه وتعالى للتوبة: { إنما ~~التوبة على الله للذين... } ### || [4.17] # ولنلتفت إلى دقة الأداء القرآني، هو سبحانه يقول: { إنما ~~التوبة على الله.. } [النساء: 17] وقد يقول واحد: ما دام الحق ~~شرع التوبة، فلأفعل ما أريد من المعاصي وبعد ذلك أتوب. نقول له: إنك لم ~~تلتفت إلى الحكمة في إبهام ساعة الموت، فما الذي أوحى لك أنك ستحيا إلى ~~أن تتوب؟ فقد يأخذك الموت فجأة وأنت على المعصية، وعليك أن تلتفت إلى دقة ~~النص القرآني: { إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما ~~حكيما } [النساء: 17]. وفعل السوء بجهالة، أي بعدم استحضار العقوبة ~~المناسبة للذنب، فلو استحضر الإنسان العقوبة لما فعل المعصية. بل هو ~~يتجاهل العقوبة لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ~~ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". # فلو كان إيمانه صحيحا ويتذكر تماما أن الإيمان يفرض عليه عدم الزنى، ~~وأن عقوبة الزنى هي الجلد أو الرجم، لما قام بذلك الفعل. والحق قد قال: ~~{ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب.. } [النساء: 17] فهناك من ~~يفعل المعصية ويخطط لها ويفرح بها ويزهى بما ارتكب ويفخر بزمن ~~المعصية، وهناك من تقع عليه المعصية وبمجرد أن تنتهي يظل نادما ويضرب ~~نفسه ويعذبها ويتساءل لماذا فعلت ذلك؟ وأضرب مثلا للتمييز بين الاثنين، ~~نجد اثنين يستعد كل منهما للسفر إلى باريس، واحد منهما يسأل قبل سفره عن ~~خبرة من عاشوا في عاصمة فرنسا، ويحاول أن يحصل على عناوين أماكن اللهو ~~والخلاعة، وما إن يذهب إلى باريس حتى ينغمس في اللهو وعندما يعود يظل ~~يفاخر بما فعل من المعاصي. وأما الآخر فقد سافر إلى باريس للدراسة، ~~وبينما هو هناك ارتكب معصية تحت إغراء وتزيين، إذن هو إنسان وقعت عليه ~~المعصية ودون تخطيط، وبعد أن هدأت شرة الشهوة ms1629 غرق في الندم، وبعد أن ~~عاد استتر من زمن المعصية. هكذا نرى الفارق بين المخطط للمعصية وبين من ~~وقعت عليه المعصية. والله سبحانه حين قدر أمر التوبة على خلقه رحم ~~الخلق جميعا بتقنين هذه التوبة، وإلا لغرق العالم في شرور لا نهاية لها، ~~بداية من أول واحد انحرف مرة واحدة فيأخذ الانحراف عملا له، والمهم في ~~التائب أن يكون قد عمل السوء بجهالة، ثم تاب من قريب. والرسول صلى الله ~~عليه وسلم حين حدد معنى { من قريب.. } [النساء: 17] قال: إن الله ~~تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. والحوار الذي دار بين الحق وبين ~~إبليس: # قال رب بمآ أغويتني لأزينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم ~~المخلصين # [الحجر: 39-40]. إن إبليس قال ذلك وظن أنه سيهلك البشر جميعا ويوقعهم ~~في المعصية إلا عباد الله الذين اصطفاهم وأخلصهم له، لكن الله - سبحانه - ~~خيب ظنه وشرع قبول توبة العبد ما لم يغرغر، لم يصل إلى مرحلة خروج ~~الروح من الجسد. فإذا ما قدم العبد التوبة لحظة الغرغرة فماذا يستفيد ~~المجتمع؟ لن يستفيد المجتمع شيئا من مثل هذه التوبة لأنه تاب وقت ألا ~~شر له لذلك فعلى العبد أن يتوب قبل ذلك حتى يرحم المجتمع من شرور ~~المعاصي. { إنما التوبة على الله للذين يعملون ~~السوء بجهالة.. } [النساء: 17] هل يتوب أولا، ثم يتوب الله ~~عليه؟ أنه سبحانه يقول: # ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب ~~الرحيم # [التوبة: 118]. هنا وقف العلماء وحق لهم أن يتساءلوا: هل يتوب العبد ~~أولا وبعد ذلك يقبل الله التوبة؟ أم أن الله يتوب على العبد أولا ثم ~~يتوب العبد؟، صريح الآية هو: # ثم تاب عليهم ليتوبوا.. # [التوبة: 118] ونقول: وهل يتوب واحد ارتجالا منه، أو أن الله شرع ~~التوبة للعباد؟ لقد شرع الله التوبة فتاب العبد، فقبل الله التوبة. نحن ~~إذن أمام ثلاثة أمور: هي أن الله شرع التوبة للعباد ولم يرتجل أحد توبته ~~ويفرضها على الله، أي أن أحدا لم يبتكر التوبة، ولكن الذي خلقنا جميعا ~~قدر ms1630 أن الواحد قد يضعف أمام بعض الشهوات فوضع تشريع التوبة. وهو ~~المقصود بقوله # ثم تاب عليهم ليتوبوا.. # [التوبة: 118] أي شرع لهم التوبة وبعد ذلك يتوب العبد إلى الله # ليتوبوا.. # [التوبة: 118] وبعد ذلك يكون القبول من الله وهو القائل: # غافر الذنب وقابل التوب.. # [غافر: 3]. تأمل كلمة { إنما التوبة على الله.. } ~~[النساء: 17] تجدها في منتهى العطاء، فإذا كان الواحد فقيرا ومدينا ~~وأحال دائنه إلى غنى من العباد فإن الدائن يفرح لأن الغني سيقوم بسداد ~~الدين وأدائه إلى الدائن، فما بالنا بالتوبة التي أحالها الله على ذاته ~~بكل كماله وجماله، إنه قد أحال التوبة على نفسه لا على خلقه، وهو سبحانه ~~أوجب التوبة على نفسه ولا يملك واحد أن يرجع فيها، ثم قال: { ثم ~~يتوبون من قريب.. } [النساء: 17] أي أن العبد يرجو التوبة من ~~الله، وحين قال: { فأولئك يتوب الله عليهم.. } ~~[النساء: 17] أي أن سبحانه قابل للتوب وغافر للذنب وحين يقول سبحانه: { ~~وكان الله عليما حكيما } [النساء: 17] فنحن نعلم أن كل تقنين ~~لأي شيء يتطلب علما واسعا بما يمكن أن يكون وينشأ. والذين يتخبطون في ~~تقنينات البشر، لماذا يقننون اليوم ثم يعدلون عن التقنين غدا؟ لأنهم ~~ساعة قننوا غاب عنهم شيء من الممكن أن يحدث، فلما حدث ما لم يكن في بالهم ~~استدركوا على تقنينهم. # إذن فالاضطراب ينشأ من عدم علم المقنن بكل أحوال من يقنن لهم ماضيا ~~وحاضرا ومستقبلا، والمقنن من البشر قد لا يستوعب الأحداث الماضية، وذلك ~~لأنه لا يستوعبها إلا في بيئته أو في البيئة التي وصله خبرها، فحتى في ~~الماضي لا يقدر، ولا في المستقبل يقدر، وكذلك في الحاضر أيضا، فالحاضر ~~عند بيئة ما يختلف عن الحاضر في بيئة أخرى. ونحن نعرف أن حواجز الغيب ~~ثلاثة: أي أن ما يجعل الشيء غيبا عن الإنسان هو ثلاثة أمور: الأمر ~~الأول: هو الزمن الماضي وما حدث فيه من أشياء لم يرها المعاصرون ولم ~~يعرفوها لذلك فالماضي قد حجز عن البشر بحجاب وقوع الأحداث في ذلك الماضي ~~ولذلك يلفتنا الله سبحانه وتعالى ms1631 في تصديق رسوله صلى الله عليه وسلم ~~فيقول سبحانه: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر.. # [القصص: 44]. ورسول الله لم يكن مع موسى ساعة أن قضى الله لموسى الأمر، ~~ومع ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أميا لا يمكنه أن يقرأ ~~التاريخ أو يتعلمه. ويقول أيضا سبحانه: # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون # [آل عمران: 44]. أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشهد تلك ~~الأزمان التي يأتيه خبرها عن الله، والرسول أمي بشهادة الجميع ولم يجلس ~~إلى معلم. إذن فالذي اخترق حجاب الزمن وأخبر الرسول بتلك الأحداث هو ~~الله. والأمر الثاني: هو حجاب الحاضر، حيث يكون الحجاب غير قادم من الزمن ~~لأن الزمن واحد، ولكن الحجاب قادم من اختلاف المكان، فأنا أعرف ما يحدث ~~في مكاني، ولكني لا أعرف ما الذي يحدث في غير المكان الذي أوجد به، ولا ~~يقتصر الحجاب في الحاضر على المكان فقط ولكن في الذات الإنسانية بأن ~~يضمر الشخص الشيء في نفسه. فالحق يقول: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول.. # [المجادلة: 8]. هنا يخبر الله سبحانه الرسول عن شيء حاضر ومكتوم في نفوس ~~أعدائه. وبالله لو لم يكونوا قد قالوه في أنفسهم، لما صدقوا قول الرسول ~~الذي جاءه إخبارا عن الله. وقد خرق الله أمام رسوله حجاب الذات وحجاب ~~المكان. والأمر الثالث: هو حجاب المستقبل، فيقول القرآن: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. ونلحظ أن كلمة # سيهزم.. # [القمر: 45] فيها حرف " السين " التي تنبئ عن المستقبل، وقد نزلت هذه ~~الآية في مكة وقت أن كان المسلمون قلة وهم مضطهدون ولا يستطيعون الدفاع ~~عن أنفسهم. وعندما يسمعها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ينفعل ويقول ~~لرسول الله: أي جمع هذا؟ وجاء الجمع في بدر وولى الدبر. حدث ذلك ~~الإخبار في مكة، ووقعت الأحداث بعد الهجرة. وكانت الهجرة في الترتيب ~~الزمني مستقبلا بالنسبة لوجود المسلمين في مكة. # أكان من الممكن أن يقول سبحانه: # سيهزم الجمع ms1632 ويولون الدبر # [القمر: 45] لولا أن ذلك سيحدث بالفعل؟ لو حدث غير ذلك لكذبه المؤمنون ~~به. إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ذلك إبلاغا عن الله وهو واثق، ~~ويطلقها الله على لسان رسوله حجة فيمسكها الخصم، ثم يثبت صدقها لأن الذي ~~قالها هو من يخلق الأحداث ويعلمها. ويأتي في الوليد بن المغيرة وهو ضخم ~~وفحل وله مهابة وصيت وسيد من سادة قريش، فيقول الحق: # سنسمه على الخرطوم # [القلم: 16]. أي سنضربه بالسيف ضربة تجعل على أنفه علامة في أعلى منطقة ~~فيه. ويأتي يوم بدر، فيجدون الضربة على أنف الوليد. لقد قالها الحق على ~~لسان رسوله في زمن ماض ويأتي بها الزمن المستقبل، وعندما تحدث هذه ~~المسألة فالذين آمنوا بمحمد وبالقرآن الذي نزل على محمد يتأكدون من صدق ~~رسول الله في كل شيء. ويأخذون الجزئية البسيطة ويرقونها فيصدقون ما ~~يخبرهم به من أمر الدنيا والآخرة. ويقولون: - إذا أخبرنا رسول الله بغيب ~~يحدث في الآخرة فهو الصادق الأمين، ويأخذون من أحداث الدنيا الواقعة ما ~~يكون دليلا على صدق الأحداث في الآخرة. ويذيل الحق الآية: { وكان ~~الله عليما حكيما } [النساء: 17] أي عليما بالتقنينات فشرع ~~التوبة لعلمه - جل شأنه - بأنه لو لم يشرع التوبة، لكان المذنب لمرة ~~واحدة سببا في شقاء العالم لأنه - حينئذ - يكون يائسا من رحمة الله. ~~إذن فرحمة منه - سبحانه - بالعالم شرع الله التوبة. وهو حكيم فإياك أن ~~يتبادر إلى ذهنك أن الحق قد حمى المجرم فحسب حين شرع له التوبة، إنه ~~سبحانه قد حمى غير المجرم أيضا. وساعة نسمع الزمن في حق الحق سبحانه ~~وتعالى كقوله: " كان " فلا نقول ذلك قياسا على زماننا نحن، أو على ~~قدراتنا نحن، فكل ما هو متعلق بالحق علينا أن نأخذه في نطاق # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. فقد يقول الكافر: " إن علم الله كان " ويحاول أن يفهمها ~~على أنه علم قد حدث ولا يمكن تكراره الآن، لا، فعلم الله كان ولا يزال ~~لأن الله لا يتغير، وما دام الله لا يتغير، فالثابت له من قبل أزلا ms1633 يثبت ~~له أبدا والحكمة هي وضع الشيء في موضعه. وما دام قد قدر سبحانه وضع ~~الشيء، فالشيء إنما جاء عن علم، وحين يطابق الشيء موضعه فهذه هي مطلق ~~الحكمة. والحق يقول: { إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب ~~فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما ~~حكيما } [النساء: 17]. لقد شرع الله سبحانه التوبة ليتوب عباده، فإذا ~~تابوا قبل توبتهم، وهذا مبني على العلم الشامل والحكمة الدقيقة ~~الراسخة. وانظروا إلى دقة العبارة في قوله: " إنما التوبة على الله " ، ~~فساعة يوجد فعل إيجابي يقال: على من، لكن عندما لا يأتي بفعل إيجابي لا ~~يقال: عل من، بل يقال: ليس بالنفي. إن الحق عندما قرر التوبة عليه - ~~سبحانه - وأوجبها على نفسه، للذين يعملون السوء بجهالة ويتوبون فورا، ~~إنه يدلنا أيضا على مقابل هؤلاء، فيقول: { وليست التوبة ~~للذين... }. ### || [4.18] # هنا يوضح الحق أن توبة هؤلاء الذين يعملون السيئات لم توجد من قريب، وهم ~~يختلفون عن الذين كتب الله قبول توبتهم، هؤلاء الذين يعيشون وتستحضر ~~نفوسهم قيم المنهج، إلا أن النفوس تضعف مرة. أما الذين لا يقبل منهم ~~التوبة فهم أصحاب النفوس التي شردت عن المنهج في جهات متعددة، وهم لم ~~يرتكبوا " سوءا " واحدا بل ارتكبوا السيئات. فالذي ارتكب سوءا واحدا ~~فذلك يعني أنه ضعيف في ناحية واحدة ويبالغ ويجتهد في الزوايا والجوانب ~~الأخرى من الطاعات التي لا ضعف له فيها ليحاول ستر ضعفه. إنك ترى أمثال ~~هذا الإنسان في هؤلاء الذين يبالغون في إقامة مشروعات الخير، فهذه ~~المشروعات تأتي من أناس أسرفوا على أنفسهم في ناحية لم يقدروا على أنفسهم ~~فيها فيأتوا في نواحي خير كثيرة، ويزيدوا في فعل الخير رجاء أن يمحو الله ~~سيئاتهم التي تركوها وأقلعوا وتابوا عنها. ومن ذلك نعلم أن أحدا لا ~~يستطيع أن يمكر مع الله فالذي أخذ راحته في ناحية، يوضح له الله: أنا ~~سآتي بتعبك من نواح أخرى لصالح منهجي، ويسلط الله عليه الوهم، ويتخيل ~~ماذا ستفعل السيئة به، فيندفع إلى صنع الخير. ms1634 وكأن الحق يثبت للمسيء: أنت ~~استمتعت بناحية واحدة، ومنهجي وديني استفادا منك كثيرا، فأنت تبني ~~المساجد والمدارس وتتصدق على الفقراء، كل هذا لأن عندك سيئة واحدة. إذن ~~فلا يمكن لأحد أن يمكر على الله، وعبر القرآن عن صاحب السيئة بوصف هذه ~~الزلة بكلمة " السوء " ، ولكنه وصف الشارد الموغل في الشرود عن منهج الله ~~بأنه يفعل " السيئات " ، فهو ليس صاحب نقطة ضعف واحدة، لكنه يقترف سيئات ~~متعددة، ويمعن في الضلال، ولا يقتصر الأمر على هذا بل يؤجل التوبة إلى ~~لحظة بلوغ الأجل، بل إنهم قد لا ينسبون الخير الصادر منهم إلى الدين ~~مثلما يفعل الملاحدة، أو الجهلة الذين لا يعلمون بأن كل خير إنما يأمر به ~~الدين. مثال ذلك مذهب " الماسونية " ، يقال: إن هذا المذهب وضعه اليهود، ~~والظاهر في سلوك الماسونيين أنهم يجتمعون لفعل خير ما يستفيد منه ~~المجتمع، وما خفي من أفعال قمة أعضاء الماسونية أنهم يخدمون أغراض ~~الصهيونية، وقد ينضم إليهم بعض ممن لا يعرفون أهداف الماسونية الفعلية ~~ليشاركوا في عمل الخير الظاهر. ونقول لكل واحد من هؤلاء: انظر إلى دينك، ~~وتجده يحضك على فعل مثل هذا الخير، فلماذا تنسبه إلى الماسونية ولا تفعله ~~على أنه أمر إسلامي. ولماذا لا تنسب هذا الخير إلى الإسلام وتنسبه لغير ~~الإسلام؟ وفي هذا العصر هناك ما يسمى بأندية " الروتاري " ويأخذ الإنسان ~~غرور الفخر بالانتماء إلى تلك الأندية، ويقول: " أنا عضو في الروتاري " ~~وعندما تسأله: لماذا؟ يجيب: إنها أندية تحض على التعاون والتواصل والمودة ~~والرحمة، ونقول له: وهل الإسلام حرم ذلك؟ لماذا تفعل مثل هذا الخير ~~وتنسبه إلى " الروتاري " ، ولا تفعل الخير وتنسبه إلى دينك الإسلام؟ إذن ~~فهذا عداء للمنهج. # ونجد الشاردين عن المنهج، مثلهم كمثل الرجل الذي قالوا له: ما تريد نفسك ~~الآن؟ وأراد الرجل أن يحاد الله فقال: تريد نفسي أن أفطر في يوم رمضان، ~~وعلى كأس خمر، وأشتري كأس الخمر هذه بثمن خنزير مسروق. إنه يريد فطر ~~رمضان وهو محرم، ويفطر على خمر وهي محرمة، وبثمن خنزير والخنزير حرام ~~على ms1635 المسلم، والخنزير مسروق أيضا. وسألوه: ولماذا كل هذا التعقيد؟ فقال: ~~حتى تكون هذه الفعلة حراما أربع مرات. إذن فهذه مضارة لله، وهذا رجل ~~شارد عن المنهج. فهل هذا يتوب الله عليه؟ لا، { وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت.. } [النساء: 18] وعند لحظة الموت يبدأ الجبن وتتمثل أخلاق ~~الأرانب، ولماذا لم يصر على موقفه للنهاية؟ لأنه جاء إلى اللحظة التي لا ~~يمكن أن يكذب فيها الإنسان على نفسه { إذا حضر أحدهم الموت ~~قال إني تبت الآن.. } [النساء: 18] لكن التوبة لا تقبل، ولن ~~ينتفع بها المجتمع، وشر مثل هذا الإنسان انتهى، وتوبته تأتي وهو لا يقدر ~~على أي عمل، إذن فهو يستهزئ بالله فلا تنفعه التوبة. ولكن انظروا إلى ~~رحمة الله واحترامه للشهادة الإيمانية التي يقر فيها المؤمن بأنه " لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ". هذا المؤمن جعله الله في مقابل ~~الكافر، فيأخذ عذابا على قدر ما فعل من ذنوب، ويأتي احترام الحق سبحانه ~~لإيمان القمة لقوله: " أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " ~~فيوضح سبحانه: لن نجعلك كالكافر بدليل أنه عطف عليه { ولا الذين ~~يموتون وهم كفار.. } [النساء: 18]، وإنما يقدر للمؤمن العاصي ~~من العذاب على قدر ما ارتكب من معاص، ويحترم الحق إيمان القمة، فيدخلون ~~الجنة لذلك لم يقل الحق: إنهم خالدون في النار. وإنما قال: { ~~أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما } [النساء: 18] و { ~~أولئك.. } [النساء: 18] تعني الصنفين - المؤمن والكافر - فالعذاب ~~لكل واحد حسب ذنبه. ويقول الحق من بعد ذلك: { يا أيها الذين ~~آمنوا... }. ### || [4.19] # وقلنا: ساعة ينادي الحق عباده الذين آمنوا به يقول سبحانه: { يا ~~أيها الذين آمنوا.. } [النساء: 19]، فمعناها: يا من آمنتم ~~بي بمحض اختياركم، وآمنتم بي إلها له كل صفات العلم والقدرة والحكمة ~~والقيومية، ما دمتم قد آمنتم بهذا الإله اسمعوا من الإله الأحكام التي ~~يطلبها منكم. إذن فهو لم يناد غير مؤمن وإنما نادى من آمن باختياره ~~وبترجيح عقله فالحق يقول: # لا إكراه في الدين.. # [البقرة: 256]. يريد الحق سبحانه وتعالى ms1636 أن يعالج قضية تتعلق بالنساء ~~وباستضعافهم. لقد جاء الإسلام والنساء في الجاهلية في غبن وظلم وحيف ~~عليهن. - وسبحانه - قال: { يا أيها الذين آمنوا لا يحل ~~لكم أن ترثوا النسآء كرها.. } [النساء: 19] وكلمة " ورث " ~~تدل على أن واحدا قد توفي وله وارث، وهناك شيء قد تركه الميت ولا يصح ~~أن يرثه أحد بعده لأنه عندما يقول: { لا يحل لكم أن ~~ترثوا.. } [النساء: 19]، فقد مات مورث ويخاطب وارثا. إذن فالكلام ~~في الموروث، لكن الموروث مرة يكون حلا، ولذلك شرع الله تقسيمه، ~~وتناولناه من قبل، لكن الكلام هنا في متروك لا يصح أن يكون موروثا، ما ~~هو؟ قال سبحانه: { لا يحل لكم أن ترثوا النسآء ~~كرها.. } [النساء: 19]، وهل المقصود ألا يرث الوارث من مورثه إماء ~~تركهن؟ لا. إن الوارث يرث من مورثه الإماء اللاتي تركهن، ولكن عندما ~~تنصرف كلمة " النساء " تكون لأشرف مواقعها أي للحرائر، لأن الأخريات ~~تعتبر الواحدة منهن ملك يمين، { لا يحل لكم أن ترثوا ~~النسآء كرها.. } [النساء: 19] وهل فيه ميراث للنساء برضى؟ وكيف ~~تورث المرأة؟ ننتبه هنا إلى قوله سبحانه { كرها.. } [النساء: 19]، ~~وكان الواقع في الجاهلية أن الرجل إذا مات وعنده امرأة جاء وليه، ويلقي ~~ثوبه على امرأته فتصير ملكا له، وإن لم تقبل فإنه يرثها كرها، أو إن لم ~~يكن له هوى فيها فهو يحبسها عنده حتى تموت ويرثها، أو يأتي واحد ويزوجها ~~له ويأخذ مهرها لنفسه كأنه يتصرف فيها تصرف المالك لذلك جاء القول الفصل: ~~{ لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها ولا ~~تعضلوهن.. } [النساء: 19]، و " العضل " في الأصل هو المنع، ويقال: ~~" عضلت المرأة بولدها " ، ذلك أصل الاشتقاق بالضبط. فالمرأة ساعة تلد فمن ~~فضل الله عليها أن لها عضلات تنقبض وتنبسط، تنبسط فيتسع مكان خروج الولد، ~~وقد تعضل المرأة أثناء الولادة، فبدلا من أن تنبسط العضلات لتفسح للولد ~~أن يخرج تنقبض، فتأتي هنا العمليات التي يقومون بها مثل القيصرية. إذن ~~فالعضل معناه مأخوذ من عضلت المرأة بولدها أي انقبضت عضلاتها ولم تنبسط ~~حتى لا يخرج الوليد، وعضلت الدجاجة ms1637 ببيضها أي أن البيضة عندما تكون في ~~طريقها لتنزل فتنقبض العضلة فلا تنزل البيضة لأن اختلالا وظيفيا قد حدث ~~نتيجة للحركة الناقصة، ولماذا تأتي الحركة ناقصة للبسط؟ لأن الحق سبحانه ~~وتعالى لم يشأ أن يجعل الأسباب في الكون تعمل آليا وميكانيكيا بحيث إذا ~~وجدت الأسباب يوجد المسبب، لا. # ففوق الأسباب مسبب إن شاء قال للأسباب: قفي فتقف. إذن فكل المخالفات ~~التي نراها تتم على خلاف ما تؤديه الأسباب إنما هي دليل طلاقة القدرة، ~~فلو كانت الأشياء تسير هكذا ميكانيكيا، فسوف يقول الناس: إن الميكانيكا ~~دقيقة لا تتخلف. لكن الحق يلفتنا إلى أنه يزاول سلطانه في ملكه، فهو لم ~~يزاول السلطان مرة واحدة، ثم خلق الميكانيكا في الكون والأسباب ثم تركها ~~تتصرف، لا، هو يوضح لنا: أنا قيوم لا تأخذني سنة ولا نوم، أقول ~~للأسباب اعملي أو لا تعملي، وبذلك نلتفت إلى أنه المسيطر. وتجد هذه ~~المخالفات في الشواذ في الكون، حتى لا تفتنا رتابة الأسباب، ولنذكر ~~الله باستمرار، ويكون الإنسان على ذكر من واهب الأسباب ومن خالقها، فلا ~~تتولد عندنا بلادة من أن الأسباب مستمرة دائما، ويلفتنا الحق إلى وجوده، ~~فتختلف الأسباب لتلفتك إلى أنها ليست فاعلة بذاتها، بل هي فاعلة لأن الله ~~خلقها وتركها تفعل، ولو شاء لعطلها. قلنا هذا في معجزة إبراهيم عليه ~~السلام، حيث ألقاه أهله في النار ولم يحرق، كان من الممكن أن ينجي الله ~~إبراهيم بأي طريقة أخرى، ولكن هل المسألة نجاة إبراهيم؟ إن كانت المسألة ~~كذلك فما كان ليمكنهم منه، لكنه سبحانه مكنهم منه وأمسكوه ولم يفلت ~~منهم، وكان من الممكن أن يأمر السماء فتمطر عندما ألقوه في النار، وكان ~~المطر كفيلا بإطفاء النار، لكن لم تمطر السماء بل وتتأجج النار. وبعد ~~ذلك يقول لها الحق: # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. بالله أهذا غيظ لهم أم لا؟ هذا غيظ لهم فقد قدرتم عليه ~~وألقيتموه في النار، وبعد ذلك لم ينزل مطر ليطفئ النار، والنار موجودة ~~وإبراهيم في النار، لكن النار لا ms1638 تحرقه. هذه هي عظمة القدرة. إذن فما ~~معنى { تعضلوهن.. } [النساء: 19]؟ العضل: أخذنا منه كلمة " المنع ~~" فعضلت المرأة أي قبضت عضلاتها فلم ينزل الوليد، وأنت ستعضلها كيف؟ بأن ~~تمنعها من حقها الطبيعي حين مات زوجها، وأن من حقها بعد أن تقضي العدة ~~أن تتزوج من تريد أو من يتقدم لها، وينهى الحق: { ولا ~~تعضلوهن.. } [النساء: 19] أي لا تحبسوهن عندكم وتمنعوهن، لماذا ~~تفعلون ذلك؟ { لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن.. } [النساء: ~~19] كأن هذا حكم آخر، لا ترثوا النساء كرها هذا حكم، وأيضا لا تعضلوهن ~~حكم ثان. # والمثال عندما يكون الرجل كارها لامرأته فيقول لها: والله لن أطلقك، ~~أنا سأجعلك موقوفة ومعلقة لا أكون أنا لك زوجا ولا أمكنك أيضا من أن ~~تتزوجي. وذلك حتى تفتدي نفسها فتبرئ الرجل من النفقة ومؤخر الصداق فيحمي ~~الإسلام المرأة ويحرم مثل تلك الأفعال. ولكن متى تعضلوهن؟ هنا يقول الحق: ~~{ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة.. } [النساء: 19] لأنهم ~~سيحبسونهن، وهذا قبل التشريع بالحد. وقال بعض الفقهاء: للزوج أن يأخذ من ~~زوجته ما تفتدي به نفسها منه وذلك يكون بمال أو غيره إذا أتت بفاحشة من ~~زنى أو سوء عشرة، وهذا ما يسمى بالخلع وهو الطلاق بمقابل يطلبه الزوج. ~~ويتابع الحق: { وعاشروهن بالمعروف.. } وكلمة " المعروف " ~~أوسع دائرة من كلمة المودة فالمودة هي أنك تحسن لمن عندك ودادة له وترتاح ~~نفسك لمواددته، أنك فرح به وبوجوده، لكن المعروف قد تبذله ولو لم تكره، ~~وهذه حلت لنا إشكالات كثيرة، عندما أراد المستشرقون أن يبحثوا في القرآن ~~ليجدوا شيئا يدعون به أن في القرآن تعارضا فيقولون: قرآنكم يقول: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ~~أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه ~~أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون # [المجادلة: 22]. كيف لا يواد المؤمن ابنه أو أباه أو أحدا من عشيرته ~~لمجرد كفره. والقرآن ms1639 في موقع آخر منه يقول؟ # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15]. ونقول: إن هؤلاء لم يفهموا الفرق بين المودة والمعروف. ف ~~" الود " شيء و " المعروف " شيء آخر. الود يكون عن حب، لكن المعروف ليس ~~ضروريا أن يكون عن حب، ساعة يكون جوعان سأعطيه ليأكل وألبي احتياجاته ~~المادية. هذا هو المعروف، إنما الود هو أن أعمل لإرضاء نفسي. وساعة يعطف ~~الرجل المؤمن على أبيه الكافر لا يعطف عليه نتيجة للود، إنما هو يعطف ~~عليه نتيجة للمعروف لأنه حتى لو كان كافرا سيعطيه بالمعروف. ألم يعاتب ~~الحق - سبحانه - إبراهيم في ضيف جاء له فلم يكرمه لأنه سأله وعرف منه: ~~أنه غير مؤمن لذلك لم يضيفه؟ فقال له ربنا: أمن أجل ليلة تستقبله فيها ~~تريد أن تغير دينه، بينما أنا أرزقه أربعين سنة وهو كافر؟ فماذا فعل ~~سيدنا إبراهيم؟ جرى فلحق بالرجل. وناداه فقال له الرجل: ما الذي جعلك ~~تتغير هذا التغير المفاجئ فقال له إبراهيم: " والله إن ربي عاتبني لأني ~~صنعت معك هذا ". فقال له الرجل: أربك عاتبك وأنت رسول في وأنا كافر به، ~~فنعم الرب رب يعاتب أحبابه في أعدائه، فأسلم. # هذا هو المعروف، الحق يأمرنا أننا يجب أن ننتبه إلى هذه المسائل في ~~أثناء الحياة الزوجية، وهذه قضية يجب أن يتنبه لها المسلمون جميعا كي لا ~~يخربوا البيوت. إنهم يريدون أن يبنوا البيوت على المودة والحب فلو لم ~~تكن المودة والحب في البيت لخرب البيت، نقول لهم: لا. بل " عاشروهن ~~بالمعروف " حتى لو لم تحبوهن، وقد يكون السبب الوحيد أنك تكره المرأة لأن ~~شكلها لا يثير غرائزك، يا هذا أنت لم تفهم عن الله ليس المفروض في المرأة ~~أن تثير غريزتك، ولكن المفروض في المرأة أن تكون مصرفا، إن هاجت غريزتك ~~كيماويا بطبيعتها وجدت لها مصرفا. فأنت لا تحتاج لواحدة تغريك لتحرك ~~فيك الغريزة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا رأى أحدكم امرأة حسناء فأعجبته فليأت أهله ms1640 فإن البضع واحد ومعه ~~مثل الذي معها ". # أي أن قطعة اللحم واحدة إن هاجت غريزتك بطبيعتها فأي مصرف يكفيك، ولذلك ~~عندما جاء رجل لسيدنا عمر - رضي الله عنه - وقال: يا أمير المؤمنين أنا ~~كاره لامرأتي وأريد أن أطلقها، قال له: أو لم تبن البيوت إلا على ~~الحب، فأين القيم؟ لقد ظن الرجل أن امرأته ستظل طول عمرها خاطفة لقلبه، ~~ويدخل كل يوم ليقبلها، فيلفته سيدنا عمر إلى أن هذه مسألة وجدت أولا ~~وبعد ذلك تنبت في الأسرة أشياء تربط الرجل بالمرأة وتربط المرأة بالرجل. ~~لذلك يقول الحق: { وعاشروهن بالمعروف فإن ~~كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله ~~فيه خيرا كثيرا } [النساء: 19]، أنت كرهتها في زاوية وقد تكون ~~الزاوية التي كرهتها فيها هي التي ستجعلها تحسن في عدة زوايا لكي تعوض ~~بإحسانها في الزوايا الأخرى هذه الزاوية الناقصة، فلا تبن المسألة على ~~أنك تريد امرأة عارضة أزياء لتثير غرائزك عندما تكون هادئا، لا. فالمرأة ~~مصرف طبيعي إن هاجت غرائزك بطبيعتها وجدت لها مصرفا، أما أن ترى في ~~المرأة أنها ملهبة للغرائز فمعنى ذلك أنك تريد من المرأة أن تكون غانية ~~فقط. وأن تعيش معك من أجل العلاقة الجنسية فقط، لكن هناك مسائل أخرى ~~كثيرة، فلا تأخذ من المرأة زاوية واحدة هي زاوية الانفعال الجنسي، وخذ ~~زوايا متعددة. واعلم أن الله وزع أسباب فضله على خلقه، هذه أعطاها ~~جمالا، وهذه أعطاها عقلا، وهذه أعطاها حكمة، وهذه أعطاها أمانة، وهذه ~~أعطاها وفاء، وهذه أعطاها فلاحا، هناك أسباب كثيرة جدا، فإن كنت تريد ~~أن تكون منصفا حكيما فخذ كل الزوايا، أما أن تنظر للمرأة من زاوية ~~واحدة فقط هي زاوية إهاجة الغريزة، هنا نقول لك: ليست هذه هي الزاوية ~~التي تصلح لتقدير المرأة فقط. { فعسى أن تكرهوا شيئا ~~ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } [النساء: 19]. # وانظر إلى الدقة في العبارة { فعسى أن تكرهوا.. } [النساء: ~~19] فأنت تكره وقد تكون محقا في الكراهية أو غير محق، إنما إن كرهت ~~شيئا يقول لك الله عنه: { ويجعل الله فيه ms1641 خيرا كثيرا } ~~[النساء: 19] فاطمئن إنك إن كرهت في المرأة شيئا لا يتعلق بدينها، فاعلم ~~أنك إن صبرت عليه يجعل الله لك في بقية الزوايا خيرا كثيرا. وما دام ~~ربنا هو من يجعل هذا الخير الكثير فاطمئن إلى أنك لو تنبهت لزاوية أنت ~~تكرهها ومع ذلك تصبر عليها، فأنت تضمن أن ربنا سيجعل لك خيرا في نواح ~~متعددة، إن أي زاوية تغلبت على كرهك سيجعل الله فيها خيرا كثيرا. إن ~~الحق يطلق القضية هنا في بناء الأسرة ثم يعمم، وكان بإمكانه أن يقول: ~~فعسى أن تكرهوهن ويجعل الله فيهن خيرا، لا. فقد شاء أن يجعلها سبحانه ~~قضية عامة في كل شيء قد تكرهه، وتأتي الأحداث لتبين صدق الله في ذلك، فكم ~~من أشياء كرهها الإنسان ثم تبين له وجه الخير فيها. وكم من أشياء أحبها ~~الإنسان ثم تبين له وجه الشر فيها، ليدلك على أن حكم الإنسان على الأشياء ~~دائما غير دقيق، فقد يحكم بكره شيء وهو لا يستحق الكره، وقد يحكم بحب ~~شيء وهو لا يستحق الحب. إذن فالحق سبحانه وتعالى يأتي بالأشياء مخالفة ~~لأحكامك { فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه ~~خيرا كثيرا } [النساء: 19] فقدر دائما في المقارنة أن الكره منك ~~وجعل الخير في المرأة من الله، فلا تجعل جانب الكره منك يتغلب على جانب ~~جعل الخير من الله. ويقول الحق من بعد ذلك: { وإن أردتم ~~استبدال زوج مكان... }. ### || [4.20] # فإذا ضاقت بك المسائل، بعد أن عاشرت بالمعروف ولم يعد ممكنا أن تستمر ~~الحياة الزوجية في إطار يرضى عنه الله، وتخاف أن تنفلت من نفسك إلى ما ~~حرم الله، ماذا تفعل؟ يقول سبحانه: { وإن أردتم استبدال ~~زوج مكان زوج.. } [النساء: 20] أي لك أن تستبدل ما دامت ~~المسألة ستصل إلى جرح منهج الله، وعليك في هذا الاستبدال أن ترعى المنهج ~~الإيماني مثلما أشار به سيدنا الحسن رضي الله عنه على الرجل الذي كان ~~يستشيره في واحد جاء ليخطب ابنته. قال سيدنا الحسن - رضي الله عنه -: إن ~~جاءك الرجل الصالح فزوجه، ms1642 فإنه إن أحب ابنتك أكرمها، وإن كرهها لم ~~يظلمها. والحق يقول: { وإن أردتم استبدال زوج مكان ~~زوج.. } [النساء: 20] فهذا يعني أن الرغبة قد انصرفت عن الأولى ~~نهائيا، ولا يمكن التغلب عليها بغير الانحراف عن المنهج. وقد يحدث أن ~~يضيق الرجل بزوجته وهو لا يعاني من إلحاح في الناحية الغريزية، فيطلقها ~~ولا يتزوج، فما شروط المنهج في هذا الأمر؟ يقول الحق: { وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا.. } [النساء: ~~20]. كلمة " قنطار " وكلمة " قنطرة " مأخوذة من الشيء العظيم. وقنطار ~~تعني " المال ". وقدروه قديما بأنه ملء مسك البقرة، و " المسك " هو ~~الجلد، فعندما يتم سلخ البقرة يصبح جلدها مثل القربة، وملأ مسكها يسمى ~~قنطارا، والقنطار المعروف عندنا الآن له سمة وزنية، والحق حين يعظم ~~المهر بقنطار يقول: { وآتيتم إحداهن قنطارا.. } [النساء: ~~20] فهو يأتي لنا بمثل كبير وينهانا بقوله: { فلا تأخذوا منه ~~شيئا.. } [النساء: 20] لماذا؟ لأنك يجب أن تفهم أن المهر الذي تدفعه ~~ليس منساحا على زمن علاقتك بالمرأة إلى أن تنتهي حياتكما، بل المهر ~~مجعول ثمنا للبضع الذي أباحه الله لك ولو للحظة واحدة، فلا تحسبها ~~بمقدار ما مكثت معك، لا، إنما هو ثمن البضع، فقد كشفت نفسها لك وتمكنت ~~منها ولو مرة واحدة. إذن فهذا القنطار عمره ينتهي في اللحظة الأولى، لحظة ~~تمكنك منها. { وآتيتم إحداهن قنطارا.. } [النساء: 20] ~~وهذه هي المسألة التي قال فيها سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ~~أخطأ عمر وأصابت امرأة، لأنه كان يتكلم في غلاء المهور فقالت له المرأة: ~~كيف تقول ذلك والله يقول: { وآتيتم إحداهن قنطارا.. } ~~[النساء: 20]، فقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر. عن عمر رضي الله عنه أنه نهى ~~وهو على المنبر عن زيادة صداق المرأة على أربعمائة درهم ثم نزل، فاعترضته ~~امرأة من قريش فقالت: أما سمعت الله يقول: { وآتيتم إحداهن ~~قنطارا. # . } [النساء: 20]؟ فقال: اللهم عفوا كل الناس أفقه من عمر ثم رجع فركب ~~المنبر فقال: " إني كنت قد نهيتكم أن تزيدوا في صدقاتهن على أربعمائة ~~درهم فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب ms1643 ". وعن عبد الله بن مصعب أن عمر - ~~رضي الله عنه - قال: " لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أوقية من ~~فضة، فمن زاد أوقية جعلت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة: ما ذاك ~~لك، قال ولم؟ فقالت: لأن الله تعالى يقول: { وآتيتم إحداهن ~~قنطارا.. } [النساء: 20] فقال عمر: " امرأة أصابت ورجل أخطأ ". ثم ~~ينكر القرآن مجرد فكرة الأخذ فيقول: { أتأخذونه بهتانا ~~وإثما مبينا } [النساء: 20] لماذا؟ لأنه ليس ثمن استمتاعك بها ~~طويلا، بل هو ثمن تمكنك منها، وهذا يحدث أول ما دخلت عليها. وإن أخذت ~~منها شيئا من المهر بعد ذلك فأنت آثم، إلا إذا رضيت بذلك، والإثم ~~المبين هو الإثم المحيط. ويأتي الحق من بعد ذلك بمزيد من الاستنكار ~~فيقول: # وكيف تأخذونه.. # [النساء: 21] إنه استنكار لعملية أخذ شيء من المهر بحيثية الحكم فيقول: ~~{ وكيف تأخذونه وقد... }. ### || [4.21] # فلو أدركتم كل الكيفيات فلن تجدوا كيفية تبرر لكم الأخذ، لماذا؟ لأن ~~الحق قال: { وكيف تأخذونه.. } [النساء: 21] وانظر للتعليل: { ~~وقد أفضى بعضكم إلى بعض.. } [النساء: 21]. إذن فثمن ~~البضع هو الإفضاء، وكلمة { أفضى بعضكم إلى بعض.. } ~~[النساء: 21] كلمة من إله لذلك تأخذ كل المعاني التي بين الرجل والمرأة و ~~" أفضى " مأخوذة من " الفضاء " والفضاء هو المكان الواسع، و { أفضى ~~بعضكم.. } [النساء: 21] يعني دخلتم مع بعض دخولا غير مضيق. إذن ~~فالإفضاء معناه: أنكم دخلتم معا أوسع مداخلة، وحسبك من قمة المداخلة ~~أن عورتها التي تسترها عن أبيها وعن أخيها وحتى عن أمها وأختها تبينها ~~لك، ولا يوجد إفضاء أكثر من هذا، ودخلت معها في الاتصال الواسع، أنفاسك، ~~ملامستك، مباشرتك، معاشرتك، مدخلك، مخرجك، في حمامك، في المطبخ، في كل ~~شيء حدثت إفضاءات، وأنت ما دمت قد أفضيت لها وهي قد أفضت لك كما قال الحق ~~أيضا في المداخلة الشاملة: # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن.. # [البقرة: 187]. أي شيء تريد أكثر من هذا!؟ ولذلك عندما تشتد امرأة على ~~زوجها، قد يغضب، ونقول له: يكفيك أن الله أحل لك منها ما حرمه على غيرك، ~~وأعطتك عرضها، فحين تشتد عليك ms1644 لا تغضب، وتذكر حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ". # { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ~~وأخذن منكم ميثاقا غليظا } [النساء: 21] والميثاق هو: ~~العهد يؤخذ بين اثنين، ساعة سألت وليها: " زوجني " فقال لك: زوجتك، ~~ومفهوم أن كلمة الزواج هذه ستعطي أسرة جديدة، وكل ميثاق بين خلق وخلق في ~~غير العرض هو ميثاق عادي، إلا الميثاق بين الرجل والمرأة التي يتزوجها ~~فهذا هو الميثاق الغليظ، أي غير اللين، والله لم يصف به إلا ميثاق ~~النبيين فوصفه بأنه غليظ، ووصف هذا الميثاق بأنه غليظ، ففي هذه الآية { ~~أفضى بعضكم إلى بعض.. } [النساء: 21] فهنا إفضاء وفي آية ~~أخرى يكون كل من الزوجين لباسا وسترا للآخر # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن.. # [البقرة: 187] لهذا كان الميثاق غليظا، وهذا الميثاق الغليظ يحتم عليك ~~إن تعثرت العشرة أن تتحملها وتعاملها بالمعروف، وإن تعذرت وليس هناك ~~فائدة من استدامتها فيصح أن تستبدلها، فإن كنت قد أعطيتها قنطارا إياك ~~أن تأخذ منه شيئا، لماذا؟ لأن ذلك هو ثمن الإفضاء، وما دام هذا القنطار ~~هو ثمن الإفضاء وقد تم، فلا تأخذ منه شيئا، فالإفضاء ليس شائعا في ~~الزمن كي توزعه، لا. والحق يقول: { وكيف تأخذونه وقد ~~أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا } [النساء: 21] هنا يجب أن نفهم أن الحق حين يشرع فهو يشرع ~~الحقوق، ولكنه لا يمنع الفضل، بدليل أنه قال: # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # [النساء: 4]. إذن ففيه فرق بين الحق وما طاب لكم، والأثر يحكي عن القاضي ~~الذي قال لقومه: أنتم اخترتموني لأحكم في النزاع القائم بينكم فماذا ~~تريدون مني؟! أأحكم بالعدل أم بما هو خير من العدل؟ فقالوا له: وهل يوجد ~~خير من العدل؟ قال: نعم، الفضل. فالعدل: أن كل واحد يأخذ حقه، والفضل: أن ~~تتنازل عن حقك وهو يتنازل عن حقه، وتنتهي المسألة، إذن فالفضل أحسن من ~~العدل، والحق سبحانه وتعالى حين يشرع الحقوق يضع الضمانات، ولكنه لا يمنع ~~الفضل بين ms1645 الناس: فيقول - جل شأنه -: # ولا تنسوا الفضل بينكم.. # [البقرة: 237]. ويقول الحق في آية الدين: # ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى ~~أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة ~~وأدنى ألا ترتابوا.. # [البقرة: 282]. ويأمركم الحق أن توثقوا الدين.. لأنكم لا تحمون مال ~~الدائن فحسب بل تحمون المدين نفسه، لأنه حين يعلم أن الدين موثق عليه ~~ومكتوب عليه فلن ينكره، لكن لو لم يكن مكتوبا فقد تحدثه نفسه أن ينكره، ~~إذن فالحق يحمي الدائن والمدين من نفسه قال: # ولا تسأموا أن تكتبوه.. # [البقرة: 282]، وقال بعدها: # فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته # [البقرة: 283]. فقد تقول لمن يستدين منك: لا داعي لكتابة إيصال وصك ~~بيني وبينك، وهذه أريحية لا يمنعها الله فما دام قد أمن بعضكم بعضا ~~فليستح كل منكم وليؤد الذي أؤتمن أمانته وليتق الله ربه. وما دام قد جعل ~~للفضل مجالا مع تسجيل الحقوق فلا تنسوا ذلك. فما بالنا بالميثاق الغليظ ~~بين الرجل والمرأة، وغلظ الميثاق إنما يتأتى بما يتطلبه الميثاق، ولا ~~يوجد ميثاق أغلظ مما أخذه الله من النبيين ومما بين الرجل والمرأة لأنه ~~تعرض لمسألة لا تباح من الزوجة لغير زوجها، ولا من الزوج لغير زوجته. إن ~~على الرجل أن يوفي حق المرأة ولا يصح أن ينقصها شيئا إلا إذا تنازلت هي. ~~فقد سبق أن قال الحق: # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # [النساء: 4]. وما دامت النفس قد طابت، إذن فالرضا بين الطرفين موجود، ~~وذلك استطراق أنسي بين الرجل والمرأة. فالمهر حقها، ولكن لا يجب أن يقبض ~~بالفعل، فهو في ذمة الزوج، إن شاء أعطاه كله أو أخره كله أو أعطى بعضه ~~وأخر بعضه. ولكن حين تنفصل الزوجة بعد الدخول يكون لها الحق كاملا في ~~مهرها، إن كان قد أخره كله فالواجب أن تأخذه، أو تأخذ الباقي لها إن كان ~~قد دفع جزءا منه كمقدم صداق. ولكن حين تنتقل ملكية المهر إلى الزوجة ~~يفتح الله باب الرضا والتراضي بين الرجل والمرأة فقال: # فإن ms1646 طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # [النساء: 4] فهو هبة تخرج عن تراض. وذلك مما يؤكد دوام العشرة والألفة ~~والمودة والرحمة بين الزوجين. وبعد ذلك يبقى حكم آخر. هب أن الخلاف ~~استعر بين الرجل والمرأة. حالة تكره هي وتحب أن تخرج منه لا جناح أن ~~تفتدي منه نفسها ببعض المال لأنها كارهة، وما دامت هي كارهة، سيضطر هو ~~إلى أن يبني بزوجة جديدة، إذن فلا مانع أن تختلع المرأة منه بشيء تعطيه ~~للزواج: # فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به.. # [البقرة: 229]. والحق سبحانه وتعالى أراد أن يعطينا الدليل على أن حق ~~المرأة يجب أن يحفظ لها، ولذلك جاء بأسلوب تناول مسألة أخذ الزوج لبعض ~~مهر الزوجة في أسلوب التعجب: { وكيف تأخذونه وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا } ~~[النساء: 21]. فكأن { وكيف تأخذونه.. } [النساء: 21] هذه دليل ~~على أنه لا يوجد وجه من وجوه الحق يبيح لك أن تأخذ منها مهرها، فساعة ~~يستفهم فيقول: " كيف " فهذا تعجب من أن تحدث هذه، وقلنا: إن كل المواثيق ~~بين اثنين لا تعطي إلا حقوقا دون العرض، ولكن ميثاق الزواج يعطي حقوقا ~~في العرض، ومن هنا جاء غلظ الميثاق، وكل عهد وميثاق بين اثنين قد ينصب ~~إلى المال، وقد ينصب إلى الخدمة، وقد ينصب إلى أن تعقل عنه الدية، وقد ~~ينصب إلى أنك تعطية مثلا المعونة، هذه ألوان من المواثيق إلا مسألة ~~العرض، فمسألة العرض عهد خاص بين الزوجين، ومن هنا جاء الميثاق الغليظ. ~~وبعد ذلك يتناول الحق سبحانه وتعالى قضية يستديم بها طهر الأسرة وعفافها ~~وكرامتها وعزتها، ويبقى لأطراف الأسرة المحبة والمودة فلا يدخل شيء يقضي ~~على هذه المحبة والمودة، ويدخل نزغ الشيطان فيها. قال الحق سبحانه: { ~~ولا تنكحوا ما نكح... }. ### || [4.22] # فكأن هذه مسألة كانت موجودة، كان ينكح الولد زوج أبيه التي هي غير أمه. ~~و " صفوان بن أمية " وهو من سادة قريش قد خلف أباه أمية بن خلف على " ~~فاختة بنت الأسود بن المطلب ms1647 " كانت تحت أبيه، فلما مات أبوه تزوجها هو، ~~ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يبعد هذه القضية من محيط الأسرة، لماذا؟ لأن ~~الأب والابن لهما من العلاقات كالمودة والرحمة والحنان والعطف من الأب، ~~والبر والأدب، والاستكانة، وجناح الذل من الابن، فحين يتزوج الرجل امرأة ~~وله ابن، فذلك دليل على أن الأب كان متزوجا أمه قبلها، وكأن الزيجة ~~الجديدة طرأت على الأسرة. وسبحانه يريد ألا يجعل العين من الولد تتطلع ~~إلى المرأة التي تحت أبيه، ربما راقته، ربما أعجبته، فإذا ما راقته ~~وأعجبته فأقل أنواع التفكير أن يقول بينه وبين نفسه: بعدما يموت أبي ~~أتزوجها، فحين يوجد له الأمل في أنه بعدما يموت والده يتزوجها، ربما يفرح ~~بموت أبيه، هذا إن لم يكن يسعى في التخلص من أبيه، وأنتم تعلمون سعار ~~الغرائز حين تأتي، فيريد الحق سبحانه وتعالى أن يقطع على الولد أمل ~~الالتقاء ولو بالرجاء والتمني، وأنه يجب عليه أن ينظر إلى الجارية أو ~~الزوجة التي تحت أبيه نظرته إلى أمه، حين ينظر إليها هذه النظرة تمتنع ~~نزغات الشيطان. فيقول الحق: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم.. ~~} [النساء: 22] والنكاح هنا يطلق فينصرف إلى الوطء والدخول، وقد ينصرف ~~إلى العقد، إلا أن انصرافه إلى الوطء والدخول - أي العملية الجنسية - هو ~~الشائع والأولى، لأن الله حينما يقول: # الزاني لا ينكح إلا زانية.. # [النور: 3] معناها أنه ينكح دون عقد وأن تتم العملية الجنسية دون ~~زواج. والحق هنا يقول: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النسآء إلا ما قد سلف.. } [النساء: 22] فما هو السلف هذا؟ ~~إن ما سلف كان موجودا، أي جاء الإسلام فوجد ذلك الأمر متبعا، وجاء ~~الإسلام بتحريم مثل هذا الأمر. فالزمن الجديد بعد الإسلام لا يحل أن يحدث ~~فيه ذلك وإن كان عقد النكاح قد حدث قبل الإسلام، ولذلك قال - سبحانه -: { ~~إلا ما قد سلف.. } [النساء: 22] فجاء ب ما وهي راجعة للزمن. ~~كأن الزمن الجديد لا يوجد فيه هذا. هب أن واحدا قد تزوج بامرأة أبيه ثم ~~جاء الحكم. أيقول سلف أن تزوجتها ms1648 قبل الحكم! نقول: لا الزمن انتهى، إذن ~~فقوله: { ما قد سلف.. } [النساء: 22] يعني الزمن، وما دام الزمن ~~انتهى يكون الزمن الجديد ليس فيه شيء من مثل تلك الأمور. لذا جاءت ما ولو ~~جاءت من بدل ما لكان الحكم أن ما نكحت قبل الإسلام تبقى معه، لكنه قال { ~~إلا ما قد سلف. # . } [النساء: 22] فلا يصح في المستقبل أن يوجد منه شيء ألبتة ويجب ~~التفريق بين الزوجين فيما كان قائما من هذا الزواج. والحق سبحانه وتعالى ~~يريد أن يبين لنا أنه حين يشرع فهو يشرع ما تقتضيه الفطرة السليمة. فلم ~~يقل: إنكم إن فعلتم ذلك يكون فاحشة، بل إنه برغم وجوده من قديم كان فاحشة ~~وكان فعلا قبيحا { إنه كان فاحشة ومقتا وسآء سبيلا ~~} [النساء: 22] وما كان يصح بالفطرة أن تكون هذه المسألة على تلك الصورة، ~~إلا أن الناس عندما فسدت فطرتهم لجأوا إلى أن يتزوج الرجل امرأة أبيه، ~~ولذلك إذا استقرأت التاريخ القديم وجدت أن كل رجل تزوج من امرأة أبيه كان ~~يسمى عندهم نكاح " المقت " والولد الذي ينشأ يسمونه " المقتى " أي ~~المكروه. إذن فقوله: { إنه كان.. } [النساء: 22] أي قبل أن أحكم ~~أنا هذا الحكم { كان فاحشة ومقتا وسآء سبيلا } [النساء: ~~22]. فالله يوضح: إنني أشرع لكم ما تقتضيه الفطرة. والفطرة قد تنطمس في ~~بعض الأمور، وقد لا تنطمس في البعض الآخر لأن بعض الأمور فاقعة وظاهرة ~~والتحريم فيها يتم بالفطرة. مثال ذلك: أن واحدا ما تزوج أمه قبل ذلك، أو ~~تزوج ابنته، أو تزوج أخته. إذن ففيه أشياء حتى في الجاهلية ما اجترأ أحد ~~عليها. إذن جاء بالحكم الذي يحرم ما اجترأت عليه الجاهلية وتجاوزت وتخطت ~~فيه الفطرة، فقال سبحانه: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ~~من النسآء إلا ما قد سلف.. } [النساء: 22] أي مضى. لقد ~~وصف سبحانه نكاح الأبناء لزوجات آبائهم بأنه { كان فاحشة.. } ~~[النساء: 22] أي قبحا، { ومقتا.. } [النساء: 22] أي مكروها، { ~~وسآء سبيلا.. } [النساء: 22] أي في بناء الأسرة. ثم شرع الحق ~~سبحانه وتعالى يبين لنا المحرمات وإن كانت الجاهلية قد اتفقت ms1649 فيها، إلا ~~أن الله حين يشرع حكما كانت الجاهلية سائرة فيه لا يشرعه لأن الجاهلية ~~فعلته، لا. هو يشرعه لأن الفطرة تقتضيه، وكون الجاهلية لم تفعله، فهذا ~~دليل على أنها فطرة لم تستطع الجاهلية أن تغيرها، فقال الحق سبحانه ~~وتعالى: { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ~~وأخواتكم... }. ### || [4.23] # من الذي يحلل ويحرم؟ إنه الله، فهم رغم جاهليتهم وغفلتهم عن الدين ~~حرموا زواج المحارم فحتى الذي لم يتدين بدين الإسلام توجد عنده محرمات لا ~~يقربها. أي أنهم قد حرموا الأم والبنت والأخت.. إلخ، من أين جاءتهم هذه؟ ~~الحق يوضح: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24]. ومنهج السماء أنزله الله من قديم بدليل قوله: # قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما ~~يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ~~ولا يشقى # [طه: 123]. فبمجرد أن خلق الله آدم وخلق زوجته، أنزل لهما المنهج، هذا ~~المنهج مستوفى الأركان، إذن فبقاء الأشياء التي جاء الإسلام فوجدها على ~~الحكم الذي يريده الإسلام إنما نشأ من رواسب الديانات القديمة، وإن أخذ ~~محل العادة ومحل الفطرة، أي أن الناس اعتادوه وفطروا عليه، ولم يخطر ~~ببالهم أن الله شرعه في ديانات سابقة. والعلوم الحديثة أعانتنا في فهم ~~كثير من أحكام الله، لأنهم وجدوا أن كل تكاثر سواء أكان في النبات أم في ~~الحيوان أم في الإنسان أيضا، كلما ابتعد النوعان " الذكورة والأنوثة " ~~فالنسل يجيء قويا في الصفات. أما إذا كان الزوج والزوجة أو الذكر ~~والأنثى من أي شيء: في النبات، في الحيوان، في الإنسان قريبين من اتصال ~~البنية الدموية والجنسية فالنسل ينشأ ضعيفا، ولذلك يقولون في الزراعة ~~والحيوان: " تهجن " أي نأتي للأنوثة بذكورة من بعيد. والنبي عليه الصلاة ~~والسلام يقول لنا: اغتربوا لا تضووا وقال: # " لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاويا ". # فالرسول يأمرنا حين نريد الزواج ألا نأخذ الأقارب، بل علينا الابتعاد، ~~لأننا إن أخذنا الأقارب فالنسل يجيء هزلا. وبالاستقراء وجد أن العائلات ~~التي جعلت من سنتها في الحياة ألا تنكح إلا منها، فبعد فترة ينشأ ms1650 فيها ~~ضعف عقلي أو ضعف جنسي أو ضعف مناعي، فقول رسول الله: " اغتربوا لا تضووا ~~" أي إن أردتم الزواج فلا تأخذوا من الأقارب، لأنكم إن أخذتم من الأقارب ~~تهزلوا، فإن " ضوي " بمعنى " هزل " فإن أردتم ألا تضووا، أي ألا تهزلوا ~~فابتعدوا، وقبلما يقول النبي هذا الكلام وجد بالاستقراء في البيئة ~~الجاهلية هذا. ولذلك يقول الشاعر الجاهلي: # أنصح من كان بعيد الهم # تزوج أبناء بنات العم # فليس ينجو من ضوى وسقم # فقد يضوي سليل الأقارب، وعندنا في الأحياء الشعبية عندما يمدحون واحدا ~~يقولون: " فتوة " أي فتى لم تلده بنت عم قريبة. وفي النبات يقولون: إن ~~كنت تزرع ذرة في محافظة الغربية لا بد أن تأتي بالتقاوى من محافظة ~~الشرقية مثلا، وكذلك البطيخ الشيليان. يأتون ببذوره من أمريكا، ~~فيزرعونها فيخرج البطيخ جميلا لذيذا، بعض الناس قد يرفض شراء مثل تلك ~~البذور لغلو ثمنها، فأخذ من بذور ما زرع ويجعل منه التقاوى، ويخرج ~~المحصول ضعيفا. # لكن لو ظل يأتي به من الخارج وإن وصل ثمن الكيلو مبلغا كبيرا فهو يأخذ ~~محصولا طيبا. وكذلك في الحيوانات وكذلك فينا ولذلك كان العربي يقول: ما ~~دك رءوس الأبطال كابن الأعجمية لأنه جاء من جنس آخر. أي أن هذا الرجل ~~البطل أخذ الخصائص الكاملة في جنس آخر. فلقاح الخصائص الكاملة بالخصائص ~~الكاملة يعطي الخصائص الأكمل، إذن فتحريم الحق سبحانه وتعالى زواج الأم ~~والأخت وكافة المحارم وإن كانت عملية أدبية إلا أنها أيضا عملية عضوية. ~~{ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم.. } [النساء: 23] ~~لماذا؟ لأن هذه الصلة صلة أصل، والصلة الأخرى صلة فرع، الأمهات صلة ~~الأصل، والبنات صلة الفرع، { وأخواتكم.. } [النساء: 23] وهي صلة ~~الأخ بأخته إنها بنوة من والد واحد، { وعماتكم وخالاتكم ~~وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة.. } [النساء: 23]. إذن ~~فالمسألة مشتبكة في القرابة القريبة. والله يريد قوة النسل، قوة الإنجاب، ~~ويريد أمرا آخر هو: أن العلاقة الزوجية دائما عرضة للأغيار النفسية، ~~فالرجل يتزوج المرأة وبعد ذلك تأتي أغيار نفسية ويحدث بينهما خلاف مثلما ~~قلنا في قوله ms1651 تعالى: # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج.. # [النساء: 20] ويكره منها كذا وكذا، فكيف تكون العلاقة بين الأم وابنها ~~إذا ما حدث شيء من هذا؟! والمفروض أن لها صلة تحتم عليه أن يظل على وفاء ~~لها، وكذلك الأمر بالنسبة للبنت، أو الأخت، أو العمة، أو الخالة، فيأمر ~~الحق الرجل: ابتعد بهذه المسألة عن مجال الشقاق. ومن حسن العقل وبعد ~~النظر ألا ندخل المقابلات في الزواج، أو ما يسمى " بزواج البدل " ، حيث ~~يتبادل رجلان الزواج، يتزوج كل منهما أخت الآخر مثلا، فإذا حدث الخلاف ~~في شيء حدث ضرورة في مقابله وإن كان الوفاق سائدا. فحسن الفطنة يقول لك: ~~إياك أن تزوج أختك لواحد لأنك ستأخذ أخته، فقد تتفق زوجة مع زوجها، لكن ~~أخته قد لا تتوافق مع زوجها الذي هو شقيق للأخرى. وتصوروا ماذا يكون ~~إحساس الأم حين ترى الغريبة مرتاحة عند ابنها لكن ابنتها تعاني ولا تجد ~~الراحة في بيت زوجها. ماذا يكون الموقف؟ نكون قد وسعنا دائرة الشقاق ~~والنفاق عند من لا يصح أن يوجد فيه شقاق ولا نفاق. والحكمة الإلهية ~~ليست في مسألة واحدة، بل الحكمة الإلهية شاملة، تأخذ كل هذه المسائل، { ~~حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم.. } ~~[النساء: 23] والمحرم هنا بطبيعة الحال هن الأمهات وإن علون، فالتحريم ~~يشمل الجدة سواء كانت جدة من جهة الأب، أو جدة من جهة الأم. وما ينشأ ~~منها. وكل واحدة تكون زوجة لرجل فأمها محرمة عليه، " وبناتكم " وبنات ~~الابن وكل ما ينشأ منها، وكذلك بنات البنت، { وأخواتكم ~~وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ~~وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم. # . } [النساء: 23]. ولماذا يحرم الحق { وأمهاتكم اللاتي ~~أرضعنكم.. } [النساء: 23]؟ لأنها بالإرضاع أسهمت في تكوين خلايا ~~فيمن أرضعته؟ ففيه بضعة منها، ولهذه البضعة حرمة الأمومة، ولذلك ~~قال العلماء: يحرم زواج الرجل بامرأة جمعه معها رضاعة يغلب على الظن أنها ~~تنشئ خلايا، وحلل البعض زواج من رضع الرجل منها مصة أو مصتين مثلا، ~~إلا أن أبا حنيفة رأى تحريم أي امرأة رضع منها الرجل، وأفتى المحققون ~~وقالوا: لا تحرم المرأة إلا ms1652 أن تكون قد أرضعت الرجل، أو رضع الرجل معها ~~خمس رضعات مشبعات، أو يرضع من المرأة يوما وليلة ويكتفي بها، وأن يكون ~~ذلك في مدة الرضاع، وهي بنص القرآن سنتان. # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين.. # [البقرة: 233]. وهذه المسألة حدث الكلام فيها بين سيدنا الإمام علي - ~~رضوان الله عليه وكرم الله وجهه - وسيدنا عثمان - رضي الله عنه - حينما ~~جاءوا بامرأة ولدت لستة شهور وكان الحمل الشائع يمكث تسعة أشهر، وأحيانا ~~نادرة يولد الطفل بعد سبعة أشهر، لكن أن تلد امرأة بعد ستة شهور فهذا أمر ~~غير متوقع، ولذلك أراد عثمان - رضي الله عنه - أن يقيم الحد عليها لأنها ~~ما دام ولدت لستة أشهر تكون خاطئة، لكن سيدنا علي - رضوان الله عليه ~~وكرم الله وجهه - أدرك المسألة. قال: يا أمير المؤمنين لماذا تقيم عليها ~~الحد؟ فقال عثمان بن عفان: لأنها ولدت لستة أشهر وهذا لا يكون. وأجرى ~~الله فتوحاته على سيدنا علي، وأجرى النصوص على خياله ساعة الفتيا، وهذا ~~هو الفتح، فقد يوجد النص في القرآن لكن النفس لا تنتبه له، وقد تكون ~~المسألة ليست من نص واحد. بل من اجتماع نصين أو أكثر، ومن الذي يأتي في ~~خاطره ساعة الفتيا أن يطوف بكتاب الله ويأتي بالنص الذي يسعفه ويساعده ~~على الفتيا، إنه الإمام علي، وقال لسيدنا عثمان: الله يقول غير ذلك، قال ~~له: وماذا قال الله في هذا؟ قال: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة.. # [البقرة: 233]. إذن فإتمام الرضاعة يكون في حولين كاملين أي في أربعة ~~وعشرين شهرا، - والتاريخ محسوب بالتوقيت العربي - والحق سبحانه قال ~~أيضا: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا.. # [الأحقاف: 15]. فإذا كان مجموع أشهر الحمل والرضاع، ثلاثين شهرا، ~~والرضاع التام أربعة وعشرون شهرا، إذن فمدة الحمل تساوي ستة أشهر. هكذا ~~استنبط سيدنا علي - رضي الله عنه وكرم الله وجهه - والإنسان قد يعرف آية ~~وتغيب عنه آيات، والله لم يختص زمنا معينا بحسن الفتيا وحرم الأزمنة ~~الأخرى، وإنما فيوضات الله تكون لكل الأزمان، فقد يقول قائل: لا ms1653 يوجد في ~~المسلمين من يصل بعمله إلى مرتبة الصحابة، ومن يقول ذلك ينسى ما قاله ~~الحق في سورة الواقعة: # والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في ~~جنات النعيم * ثلة من الأولين * وقليل من ~~الآخرين # [الواقعة: 10-14]. أي أن الآخرين أيضا لن يحرموا من أن يكون فيهم ~~مقربون قادرون على استيعاب النصوص لاستنباط الحكم، إذن فالرضاع: مصة أو ~~مصتان هذا مذهب، وعشر رضعات مذهب آخر، وخمس رضعات مشبعات مذهب ثالث، وأخذ ~~جمهور الفقهاء بالمتوسط وهو خمس رضعات مشبعات تحرمن الزواج، لكن بشرط أن ~~تكون في مدة الرضاع، فلو رضع في غير مدة الرضاعة، نقول: إنه استغنى ~~بالأكل وأصبح الأكل هو الذي يعطيه مقومات البنية. إذن فمسألة الرضاع ~~متشعبة لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". # والمحرم من الرضاع هو: الأم من الرضاع، والبنت من الرضاع، والأخت من ~~الرضاع، والعمة من الرضاع، والخالة من الرضاع، وهكذا نرى أنها عملية ~~متشعبة تحتاج من كل أسرة إلى اليقظة، لأننا حين نرى أن بركة الله لا تحوم ~~حول كثير من البيوت لا بد أن ندرك لها أسبابا، أسباب البعد عن استقبال ~~البركة من الله.. فالإرسال الإلهي مستمر، ونحن نريد أجهزة استقبال حساسة ~~تحسن الاستقبال، فإذا كانت أجهزة الاستقبال خربة، والإرسال مستمرا فلن ~~يستفيد أحد من الإرسال، وهب أن محطة الإذاعة تذيع، لكن المذياع خرب، فكيف ~~يصل الإرسال للناس؟ إذن فمدد الله وبركات الله المتنزلة موجودة دائما، ~~ويوجد أناس لا يأخذون هذه البركات لأن أجهزة استقبالها ليست سليمة، وأول ~~جهاز لاستقبال البركة أن البيت يبنى على حل في كل شيء، يعني: لقاء الزوج ~~والزوجة على حل، وكثير من الناس يدخلون في الحرمة وإن لم يكن بقصد، وهذا ~~ناشئ من الهوس والاختلاط والفوضى في شأن الرضاعة، والناس يرضعون أبناءهم ~~هكذا دون ضابط وليس الحكم في بالهم. وبعد ذلك نقول لهم: يا قوم أنتم ~~احتطتم لأولادكم فيما يؤدي إلى سلامة بنيتهم، فكان لكل ولد ملف فيه: ~~شهادة الميلاد، وفيه ميعاد تلقي التطعيمات ضد الدفتريا، ms1654 وشلل الأطفال ~~وغير ذلك. فلماذا يا أسرة الإسلام لا تضعون ورقة في هذا الملف لتضمنوا ~~سلامة أسركم، ويكتب في تلك الورقة من الذي أرضع الطفل غير أمه، وساعة ~~يأتي للزواج نقول: يا موثق هذا ملفه إنه رضع من فلانة، في هذا الملف ~~تدرج أسماء النساء اللاتي رضع منهن.. فنبني بذلك أسرة جديدة على أسس ~~إيمانية سليمة، بدلا من أن نفاجئ رجلا تزوج امرأة، وعاشا معا وأنجبا ~~وبعد ذلك يتبين أنهما رضعا معا، وبذلك تصير المسألة إلى إشكال شرعي ~~وإشكال مدني وإشكال اجتماعي ناشىء من أن الناس لم تعد لمنهجها الإيماني ~~ما أعدته لمنهجها المادي. # إذن فلا بد من التزام كل أسرة أن تأتي في ملف ابنها أو بنتها وتضع ورقة ~~فيها أسماء من رضع منهن المولود. وعلى كل حال لم تعد هناك الآن ضرورة أن ~~نأتي بمرضعة للأولاد، فاللبن الجاف من الحيوانات يكفي ويؤدي المهمة، ~~وصرنا لا ندخل في المتاهة التي قد تؤدي بنا في المستقبل إلى أن الإنسان ~~يتزوج أخته من الرضاعة أو أمه من الرضاعة، أو أي شيء من ذلك، وبعد ذلك ~~تمتنع بركة الله من أن تمتد إلى هذه الأسرة. { حرمت عليكم ~~أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم ~~وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم ~~اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة.. } ~~[النساء: 23]. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". # وجاء القرآن بالأمور البارزة فيها فقط، { وأمهات نسآئكم.. } ~~[النساء: 23] فإذا تزوج رجل من امرأة ولها أم، بالله أيتزوج أمها أيضا؟ ~~إنها عملية غير مقبولة، { وربائبكم اللاتي في حجوركم ~~من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن.. } [النساء: 23]. ~~الربيبة هي بنت المرأة من غير زوجها، فقد يتزوج رجل من امرأة كانت متزوجة ~~من قبل وترملت أو طلقت بعد أن ولدت بنتا هذه البنت يسمونها " ربيبة " ~~وزوج الأم الجديدة سيدخلها في حمايته وفي تربيته، وبذلك تأخذ مرتبة ~~البنوة. والأمر هنا مشروط: { من نسآئكم اللاتي دخلتم ~~بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح ~~عليكم.. } [النساء: 23] فما دام الرجل قد عقد على ms1655 المرأة ولم يدخل ~~بها تكون بنتها غير محرمة. أما العقد على البنت حتى دون دخول فإنه يحرم ~~الأمهات. { وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم.. } ~~[النساء: 23] أي زوجة الابن، وكلمة { من أصلابكم.. } [النساء: ~~23] تدل على أنه كان يطلق لفظ " الأبناء " على أناس ليسوا من الأصلاب، ~~وإلا لو أن كلمة " الأبناء " اقتصرت في الاستعمال على أولاد الإنسان من ~~صلبه، لما قال: { أبنائكم الذين من أصلابكم.. } ~~[النساء: 23]. إذن كان يوجد في البيئة الجاهلية أبناء ليسوا من الأصلاب ~~هم أبناء التبني، وكانت هذه المسألة شائعة عند العرب، فكان الرجل يتبنى ~~طفلا ويلحقه بنسبه ويطلق عليه اسمه ويرثه. وجاء الإسلام ليقول: لا، لا ~~يصح أن تنسب لنفسك من لم تنجبه، لأنه سيدخل في مسألة أخوة لابنتك مثلا، ~~وسيدخل على محارمك، ولذلك أنهى الله هذه المسألة، وجاء هذا الإنهاء على ~~يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت المسألة متأصلة عند العرب. ~~ونعلم أن زيد بن حارثة خطف من أهله، وبعد ذلك بيع على أنه رقيق، واشتراه ~~حكيم بن حزام. وأخذته سيدتنا خديجة وبعد ذلك وهبته لسيدنا رسول الله. # وصار زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما علم أهل ~~زيد أن ولدهم الذي خطف قديما موجود في مكة جاءوا إليها، فرأوا زيد بن ~~حارثة، ولما سألوه أن يعود معهم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أنا أخيره بين أن يذهب معكم أو أن يبقى معي، انظروا إلى زيد بن حارثة كيف ~~صنع به إيمانه وحبه لسيدنا رسول الله: قال: ما كنت لأختار على رسول الله ~~أحدا. وظل مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد الرسول أن ~~يكرمه على العادة التي كانت شائعة فسماه " زيد بن محمد " وتبناه. إذن ~~فالمسألة وصلت إلى بيت النبوة. التبني وصل بيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأراد الله أن ينهى هذه المسألة فقال سبحانه: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم.. # [الأحزاب: 40]. هذا يدل على أن صرامة التشريع لا تجامل أحدا حتى ms1656 ولا ~~محمدا بن عبد الله وهو رسول، # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم.. # [الأحزاب: 40]. وبعض الناس الذين يتسقطون للقرآن يقولون: إن رسول الله ~~كان عنده إبراهيم وكان عنده الطيب وكان عنده القاسم، ونقول: أكان هؤلاء ~~رجالا؟! لقد ماتوا أطفالا، والكلام # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم.. # [الأحزاب: 40]، وهب أنهم كبروا وصاروا رجالا، أقال من رجالكم أم من ~~رجاله؟ قال: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم.. # [الأحزاب: 40] أي لا يمنع أن يكون أبا أحد من رجاله، هو أبو القاسم وأبو ~~الطيب وأبو إبراهيم هم أولاده فافهموا القول. وهذه المسألة أخذت ضجة عند ~~خصوم الإسلام والمستشرقين والحق سبحانه وتعالى وإن كان قد عدل لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم، فتعديل الله لرسوله يشرف رسوله صلى الله عليه وسلم لأن ~~من الذي يعدل لمحمد؟ إنه الله الذي أرسله. ويقول: { وحلائل ~~أبنائكم الذين من أصلابكم.. } [النساء: 23]. ومفهوم ~~هذه العبارة أن المحرمة إنما هي حليلة الابن من الصلب. وقوله: { من ~~أصلابكم.. } [النساء: 23] يدل على أنه كان هناك أبناء ليسوا من ~~الصلب، إذن فالتبني كان موجودا قبل نزول هذا الحكم، وأراد الله أن يبطل ~~عادة التبني، وكانت متغلغلة في الأمة العربية، فأبطلها على يد سيدنا رسول ~~الله، لا مشرعا ينقل حكم الله فحسب، ولكن مطبقا يطبق حكم الله في ذاته ~~وفي نفسه حتى يأخذ الحكم قداسته، ويجب أن نفطن إلى أن فكرة التبني كانت ~~في ذاتها تهدف إلى أن ولدا نجيبا يلحقه رجل به ليعطيه كل حقوق أولاده ~~كلون من التكريم. ولذلك علينا أن نلحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تصرف بالكمال البشري في إطار العدل البشري، والعدل هو: القسط، وساعة تبني ~~زيد بن حارثة وسماه زيد بن محمد إنما كان يهدف إلى أن يعوضه والده، لأن ~~زيدا اختار رسول الله على أبيه، إذن فكان ذلك التبني من رسول الله ~~كمالا وعدلا بشريا بالنسبة للوفاء لواحد آثر اختياره على اختيار أهله ~~فإذا أراد الله أن يصوب فيكون كمالا إلهيا وعدلا إلهيا، فلا ms1657 غضاضة ~~عند أحد أن يصوب الكمال البشري بالكمال الإلهي، ولا أن يصوب العدل ~~البشري والقسط البشري بالعدل الإلهي والقسط الإلهي، وأنزل الله وهو أحكم ~~القائلين هذا الحكم بعبارة تعطي ذلك كله: # ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله.. # [الأحزاب: 5]. أي: إن دعاءهم لآبائهم # أقسط عند الله.. # [الأحزاب: 5]. وكلمة { أقسط.. } [الأحزاب: 5] إياكم أن تكونوا بعدتم ~~ونأيتم عن " عظيم " ف " أعظم " ، إنك ساعة تأتي بصيغة التفضيل يكون ~~المقابل لها وصفا من جنسها، ف " أعظم " المقابل لها " عظيم " ، و " ~~أقسط " المقابل لها " قسط " ، فما فعله رسول الله هو قسط وعدل، ولكن ~~ما عدله الله أقسط مما صنعه رسول الله. إذن فيجب أن نفطن إلى أن الكمال ~~البشري والعدل البشري شيء، والكمال الإلهي والعدل الإلهي شيء آخر. ومن ~~نقله الله من عدل بشريته إلى عدل ألوهيته يكون قد تلقى نعمة كبرى. وإذا ~~ما حاول المستشرقون أن يأخذوا هذه المسألة على أن ربنا عدل له ويحاولوا ~~أن يلصقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم خطأ ما، نقول لهم: أنتم لا ~~تحسنون تقدير الأمر ولا تفهمون المراد من ذلك، فالذي صوب هو الله الذي ~~أرسله، وقد صوب له فعلا فعله في إطار البشرية، وقال الحق: # هو أقسط عند الله.. # [الأحزاب: 5] ومن الذي يجعل البشر متساوين مع الله في القسط والعدل ~~والكمال؟ إن هناك قصة طار بها المستشرقون فرحا وكذلك يروجها خصوم ~~الإسلام من أبناء الإسلام لأن من مصلحة خصوم الإسلام، وكذلك الذين لا ~~يحملون من الإسلام إلا اسمه يروجون أن هذا الدين يحتوي على أكاذيب - ~~والعياذ بالله - فما دام الواحد منهم لا يقدر أن يحمل نفسه على منهج ~~الدين لا يكون له مندوحة ولا نجاة إلا أن يقول: هذا الدين غير صحيح لأن ~~هذا الدين إن كان صحيحا فسوف يهلك هو ومن على شاكلته، فيكذبون أنفسهم ~~وينكرون على الدين أملا في النجاة في ظنهم إذ لا منجى ولا أمل لهؤلاء ~~إلا أن يكون الدين كذبا كله. لننظر إلى القصة التي طار بها المستشرقون ~~فرحا: النبي صلى الله ms1658 عليه وسلم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وكان ~~عبد المطلب له بنت اسمها: أميمة بنت عبد المطلب، وهي بذلك تكون أختا ~~لعبد الله بن عبد المطلب. وأنجبت أميمة بنتا اسمها " برة " ، وغير ~~النبي صلى الله عليه وسلم اسمها، لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان له ~~ملحظ في الأسماء، اسمها " برة ". # والاسم جميل لأنه من البر وهو صفة تجمع كل خصال الخير، لكن رسول الله ~~كره أن يقال فيما بعد: خرج رسول الله من عند " برة " ، فسماها " زينب ". ~~" برة " هذه هي بنت أميمة فهي ابنة عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وزيد ابن حارثة - كما قلنا - كان طفلا ثم خطف وسرق، وبيع وانصرف إلى ~~ملكية رسول الله، وبعد ذلك أراد رسول الله أن يكرمه على ما يقتضيه كماله ~~البشري وعدله البشري فسماه " زيد بن محمد ". وعندما أراد زيد بن محمد أن ~~يتزوج، زوجه رسول الله من " برة " على مضض منها، لأنه مولى، وهي بنت ~~سيد قريش. وكان ملحظ الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن يجعل من ~~المسلمين مزيجا واحدا، فلا فرق بين مولى وسيد، وزوج بنت عمته لزيد، ~~وبعد الزواج لم ينشأ بينهما ود، وكل هذه تمهيدات الأقدار للأقدار. بالله ~~لو أنها كانت أخذته عن حب وكان بينهما وئام، وبعد ذلك أراد الله أن ~~يشرع فهل يشرع على حساب قلبين متعاطفين متحابين ليمزقهما؟ لا، المسألة ~~- إذن - تمهيد من أولها، فلم تكن لها رغبة فيه. وعندما يجد الرجل أن ~~المرأة ليس لها رغبة فيه، تهيج كرامته، وخصوصا أنه صار ابنا بالتبني ~~لرسول الله، ويكون رفض امرأة له مسألة ليست هينة، وتصعب عليه نفسه، ~~فيأتي لرسول الله شاكيا، وقال له: لم تعجبني معاشرة " برة " وأريد أن ~~أفارقها، وكان ذلك تمهيدا من الله سبحانه لأنه يريد أن ينهي مسألة ~~التبني، فقد كانوا في الجاهلية يحرمون أن يتزوج الرجل امرأة ابنه ~~المتبني، ولذلك يقول الحق: # وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت ~~عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في ms1659 ~~نفسك ما الله مبديه.. # [الأحزاب: 37]. وما دام يقول له: # أمسك عليك زوجك.. # [الأحزاب: 37] فالكلام إذن قد جاء معبرا عن رغبة زيد في أن يفارقها، ~~لكن خصوم الإسلام وأبواقهم من المسلمين يقولون في قوله: # وتخفي في نفسك.. # [الأحزاب: 37] إن محمدا كان معجبا بالمرأة ويريد أن يتزوجها، ويخفي ~~هذه الحكاية. نقول لهم: كونوا منطقيين وافهموا النص، فربنا يقول: # وتخفي في نفسك.. # [الأحزاب: 37]، أنتم أخذتم منها أن النبي كان يريد أن يتزوجها. والحق ~~قال: # وتخفي في نفسك ما الله مبديه.. # [الأحزاب: 37]. فإذا كنت تريد أن تعرف ما أخفاه رسول الله، فاعرف ما ~~أبداه الله، هذه هي عدالة الاستقبال، وبدلا من أن تقول هذا الكلام كي ~~تشفي مرض نفسك انظر كيف أعطاك ربنا من تفاصيل الحكاية. # قال سبحانه: # وتخفي في نفسك ما الله مبديه.. # [الأحزاب: 37] فماذا أبدى ربنا؟ وحين يبدي ربنا أمرا يكون هو عين ما ~~أخفاه رسوله، فلما ذهب زيد للنبي وقال له: أريد أن أفارق " برة " قال ~~له: # أمسك عليك زوجك.. # [الأحزاب: 37] لأن رسول الله علم من الله أنه يريد أن يزوجه " برة " ~~التي هي امرأة زيد الذي تبناه كي ينهى مسألة التبني، وأن امرأة المتبني ~~لا تحرم على الرجل، ويطبقها رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسه. لكن ~~هناك أناس ما زال عندهم مرض في قلوبهم، وأناس منافقون، والرسول عليه ~~الصلاة والسلام أراد أن يكون هذا الأمر واردا من الله في قرآنه. فلو كان ~~قد قال هذا الأمر بمجرد الإيحاء الذي جعله الله بينه وبينه لقالوا: هذا ~~كلام منه هو لذلك قال محمد صلى الله عليه وسلم لزيد: أمسك عليك زوجك، ~~فينزل ربنا الأمر كله قرآنا، فلم يقل محمد: ألهمني ربنا، أو ألقى في ~~روعي، لا، جاء هذا الأمر قرآنا، ولذلك يقدم الحق سبحانه وتعالى لهذه ~~المسألة في سورة الأحزاب فيقول: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ~~ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا * ~~وإذ تقول للذي أنعم الله ms1660 عليه وأنعمت ~~عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في ~~نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق ~~أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ~~لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر ~~الله مفعولا # [الأحزاب: 36-37]. فالله أنعم على زيد بالإسلام وأنعمت أنت يا رسول الله ~~عليه بالتبني فلا تخش الناس أن يقولوا: طلق المرأة من زيد ليتزوجها. كأن ~~زواج " زيد " من " زينب " ، كان لغاية واحدة وهي أن تكون " برة " التي ~~سماها رسول الله " زينب " منكوحة لزيد الذي تبناه رسول الله بدليل: # فلما قضى زيد منها وطرا.. # [الأحزاب: 37] أي أدى المهمة، فأردنا أن نعطي الحكم: " زوجنا " فمن ~~الذي زوج؟ إنه الله، وليس رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي تزوج. ~~فإن كنتم تريدون أن تصعدوا المسألة فاتركوا رسول الله في حاله، وصعدوها ~~إلى ربنا، فقوله سبحانه: # فلما قضى زيد منها وطرا.. # [الأحزاب: 37] يدل على أن أصل الزواج من البداية ممهد له، فالغاية منه ~~أن يقضي زيد منها وطرا وهو متبنى رسول الله، ويكون هذا الزواج عن كره ~~منها، إنها غير موافقة عليه، وتنتقل المسألة عند زيد إلى عزة ويقول: لا ~~أريدها. ويذهب إلى الرسول ويقول: أريد أن أطلق " برة " فيقول له الرسول: # أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ~~ما الله مبديه.. # [الأحزاب: 37]. والذي أبداه الله هو قوله لرسوله: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها.. # [الأحزاب: 37] كأن الغاية من النكاح أن يقضي زيد منها وطرا وتنتهي ~~الحكاية بالنسبة لزيد، ويأتي الحكم بالنسبة لرسول الله فيقول ربنا # زوجناكها.. # [الأحزاب: 37]. فالذي يريد أن يمسك المسألة لا يمسكها على الرسول، لكن ~~عليه أن يصعدها إلى ربنا، # زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ~~أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا.. # [الأحزاب: 37]. كأن العملية جاءت من أجل أن ما أبداه ربنا في زواج الرجل ~~من مطلقة الولد المتبنى إذا قضى منها وطرا، هذا ما أبداه ربنا، إن الله ~~حكم بأن الذي أخفاه النبي ms1661 صلى الله عليه وسلم سيبديه، إن الوحي هو الذي ~~بين السبب الباعث على زواج الرسول بزينب إنه قوله تعالى: # لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا.. # [الأحزاب: 37]. فالعلة في هذه العملية: يا ناس، يا محمد، يا زيد، يا ~~زينب، أو يا من يحب أن يرجف، العلة في كل ذلك علة إلهية من كمال إلهي ~~وعدل إلهي يتركز في قوله سبحانه: # لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا.. # [الأحزاب: 37]، والأدعياء: هم الذين يتبنونهم من غير ولادة. وما دام ~~ربنا يريد أمرا فلا بد أن يفعل، وأنتم آمنتم بأنه رسول، وإن لم تؤمنوا ~~بأنه رسول يكون تكذيبكم برسالته أكبر من أنكم تنقدون تصرفه، فإن كنتم ~~مكذبين أنه رسول، فما شأنكم إذن؟ إن تكذيبكم له كرسول هو أشد من أن ~~تنقدوا تصرفا من تصرفاته بأنه تزوج ممن كانت امرأة ابنه المتبنى. وإن ~~آمنتم بأنه رسول، فهذا الرسول مبلغ عن الله. إذن ففعل الرسول المبلغ عن ~~الله هو الميزان للأعمال لا ما تنصبونه أنتم من موازين. أتقولون للرسول ~~الذي أرسله ربنا كي يبلغ منهجه ويطبق هذا المنهج ويكون هو ميزانا ~~للتصرفات، تقولون له: سنأخذ تصرفاتك ونعيدها على الميزان الذي نضعه؟ ما ~~كان يصح أن يفعل أحد هذا، فإن قلت ذلك فقد عملت الميزان من عندك، ونقلت ~~الأمر إلى غير الحق، وهذا أول خطأ فالأصل في الرسول أن كل فعل له هو ~~الكمال، ولا تأتي أنت بميزان الكمال وتأتي للرسول وتقول له: كيف فعلت هذه ~~العملية؟ لأنك عندما تقول ذلك فقد نصبت ميزان كمال من عندك، وتأخذ تصرف ~~الرسول لتزنه بميزان الكمال من عندك، وهذا مناقض للحق لأنك آمنت بأنه ~~رسول. وبعد ذلك يأتي بالقضية العامة ليقول سبحانه: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل ~~شيء عليما # [الأحزاب: 40]. وكلمة # أبآ أحد من.. # [الأحزاب: 40] أي لم يكن أبا لأحد، ماذا تفهم منها؟ نفهم منها أنه ~~أبوكم ms1662 كلكم، # ما كان محمد أبآ أحد.. # [الأحزاب: 40] لأنه أبو الجميع، بدليل أن أزواجه أمهاتكم، ومحرمات ~~عليكم، فهو إذن والدكم كلكم إذن فخذ بالك من دقة الأداء # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم.. # [الأحزاب: 40] وبمنطق الواقع هو أب لكم كلكم لذلك هو لا يأخذ واحدا فقط ~~ويقول: هذا ابني، لا، هو أب لكم كلكم. وكل المؤمنين أولاده بدليل أن ~~أزواجه أمهات لهم، قد يقول واحد: لقد كان عنده أبناء. نقول له: إن أبناءه ~~لم يبلغوا سن الرجولة، وهب أنهم بلغوا سن الرجولة حتى باعتبار ما سيكون ~~فهؤلاء ليسوا رجالكم ولكنهم رجاله. { ولكن رسول الله ~~وخاتم النبيين } [الأحزاب: 40] والرسالة وختم النبوة به فوق ~~شرف الأبوة. وجاء الحق بذلك حتى لا يحزن زيد، فرسول الله قد شرفه، وإن ~~شرفك يا زيد أنك كنت تدعي ابن محمد، فما يشرفك أكثر أنك مؤمن بمحمد ~~كرسول، فالعظمة في محمد صلى الله عليه وسلم أنه جاء رسولا. ولذلك قلنا: ~~إن هذه جعلت بنوة الدم بلا قيمة عند الأنبياء، ونجد أن النبي جاء بسلمان ~~وهو من فارس وليس من قبيلته وهو لا بعربي وقال: # " سلمان منا آل البيت ". # وقول الحق: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم.. # [الأحزاب: 40] بمفهوم العبارة ونضحها الذوقي والأدائي والأسلوبي أنه ~~أبوكم كلكم، فلا ينفرد به أحد دون الآخر، # ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله ~~بكل شيء عليما # [الأحزاب: 40] وبعدما كان زيد ابن محمد، أصبح زيدا ابن حارثة، ومحمد ~~هو رسول الله، وما دمت أنت مؤمنا به - يا زيد - فرسول الله هذه تعوض ~~إلغاء الأبوة بالتبني بالنسبة لك، ثم إنك داخل في الأبوة العامة من رسول ~~الله للمؤمنين لأنك آمنت به كرسول، إذن فعندما نحقق في هذه العبارة نجد ~~أنه يسلى زيدا أيضا. وخير من هذا - أنك يا زيد - إن فقدت بين الناس ~~اسم زيد ابن محمد، وكنت تجعل ذلك شرفا لك، فأنت الوحيد من صحابة رسول ~~الله الذي يذكر في القرآن باسمه الشخصي، وتصبح كلمة " زيد " قرآنا ~~يذكر ويتلى، ويتعبد بتلاوته، ms1663 ومحفوظا على الألسنة ومرفوع الذكر، ~~إذن فقد عوضك الله يا زيد، فقد قال الحق: # فلما قضى زيد منها وطرا.. # [الأحزاب: 37] وهب أنه بقي زيد ابن محمد، فما الذي يحدث؟ سنقرأها في ~~السيرة، لكن يرتفع شرف ذلك عندما نقرأها في كتاب الله المعجزة المتعبد ~~بتلاوته، الذي ضمن الله حفظه، فقد ضمن الله تخليد اسم زيد إلى أن تقوم ~~الساعة، إذن فذكره كزيد ابن محمد في حياته أولى أو ذكر زيد في القرآن؟ ~~إن ذكر اسمه في القرآن أولى، # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل ~~شيء عليما # [الأحزاب: 40]. إذن فقول الحق سبحانه: { وحلائل أبنائكم ~~الذين من أصلابكم.. } [النساء: 23] يدل على أن حلائل الأبناء ~~المتبنين حل لكم، بعد أن كانوا - في الجاهلية - يحرمون ذلك، ويقول الحق ~~من بعد ذلك: { وأن تجمعوا بين الأختين.. } [النساء: 23] ~~وتحريم الجمع في الزواج بين الأختين لأن بينهما رحما يجب أن تظل معه ~~المودة والرحمة والصفاء، لكن إذا كانتا تحت رجل واحد تحدث عداوة، { ~~وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن ~~الله كان غفورا رحيما } [النساء: 23] وهذا الجزء من الآية { ~~وأن تجمعوا بين الأختين.. } [النساء: 23] مع استثناء ~~الحق. في قوله: { وأحل لكم ما وراء ذلكم.. } [النساء: ~~23] قد حصل في فهمهما والمراد منهما خلاف.. ونقول أولا المرأة في ملك ~~اليمين ليس لها حق قبل سيدها في أن يطأها أو يستمتع بها، فملك اليمين ~~لا يوجب على السيد أن يجعل إماءه أمهات أولاد. إن الأمام عليا - رضي ~~الله عنه وكرم الله وجهه - وسيدنا عثمان - رضي الله عنه - أخذ كل واحد ~~منهما موقفا، فسيدنا عثمان سئل عن الأختين مما ملكت اليمين؟ فقال " لا ~~آمرك ولا أنهاك أحلتهما آية وحرمتهما آية " فتوقف رضي الله عنه ولم يفت. ~~أما سيدنا علي فقد حرم الجمع في وطء الأختين بملك اليمين، أما التملك من ~~غير وطء فهو حلال، وهذا هو الذي عليه أهل العلم بكتاب الله ولا اعتبار ~~برأي من شذ عن ذلك من أهل ms1664 الظاهر. ويتابع الحق: { إلا ما قد ~~سلف إن الله كان غفورا رحيما } [النساء: 23] أي أن هذا ~~الأمر ما دام قد سلف قبل أن يشرع الله، فهو سبحانه من غفرانه ورحمته لم ~~يؤاخذنا بالقانون الرجعي، فلا تجريم إلا بنص ولا عقوبة إلا بتجريم، وما ~~دام الحكم لم يأت إلا الآن فيطبق من الآن ولا يصح أن يجمع أحد أختين ~~تحته في نكاح أو في وطء بملك يمين، ولا يجمع أيضا بينهما في زواج من ~~أحدهما ووطء بملك يمين لأخرى. ويقول الحق من بعد ذلك: { والمحصنات ~~من النسآء... }. ### || [4.24] # وقول الحق: { والمحصنات من النسآء.. } [النساء: 24] هو قول ~~معطوف على ما جاء في الآية السابقة من المحرمات، أي سيضم إلى المحرمات ~~السابقات المحصنات من النساء، ومن هن المحصنات من النساء؟ الأصل في ~~الاشتقاق عادة يوجد معنى مشتركا. فهذه مأخوذة من " الحصن " ، وهو مكان ~~يتحصن فيه القوم من عدوهم، فإذا تحصنوا فيه امتنعوا على عدوهم، أما إذا ~~لم يكونوا محصنين فهم عرضة أن يغير عليهم عدوهم ويأخذهم، هذا هو أصل ~~الحصن، والاشتقاقات التي أخذت من هذه كثيرة: منها ما جاء في قوله تعالى: # ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها.. # [التحريم: 12]. و { أحصنت فرجها.. } [التحريم: 12] يعني أنها ~~عفت ومنعت أي إنسان أن يقترب منها، وهنا قوله: { والمحصنات.. } ~~[النساء: 24] في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، المقصود بها ~~المتزوجات، فما دامت المرأة متزوجة، فيكون بضعها مشغولا بالغير، فيمتنع ~~أن يأخذه أحد، وهي تمتنع عن أي طارئ جديد يفد على عقدها مع زوجها. هذا ~~معنى { والمحصنات من النسآء.. } [النساء: 24]، فالمحصنات ~~هنا هن العفيفات بالزواج، والحق يقول: # فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ~~ما على المحصنات من العذاب.. # [النساء: 25]. فما دامت الإماء قد أحصن بالزواج، هل يكن من المحصنات ~~كالحرائر؟ لا، فهذه غير تلك، فهن لا يدخلن في المحصنات من الحرائر، وإلا ~~لو دخلن في المحصنات يكون الحكم واحدا، فهو سبحانه يقول: # فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ~~ما على المحصنات من العذاب.. # [النساء: 25]، وأصل الإحصان ms1665 وهو العفة.. توصف به الحرة لأن الحرة عادة ~~لا يقربها أحد. وهذه امرأة أبي سفيان في بيعة النساء قالت: وهل تزني ~~الحرة؟ كأن الزنى كان خاصا بالإماء لأنهن المهينات وليس لهن أب أو أم ~~أو عرض، قد يجترئ عليها أي واحد، وليس لها شوكة ولا أهل، ولذلك جاء ~~عقابها نصف عقاب الحرة لأن الأمة يحوم حولها من الناس من تسول له نفسه ~~فعل الفاحشة. إذن فالإحصان يطلق ويراد به العفة، ويطلق الإحصان ويراد به ~~أن تكون حرة، ويطلق الإحصان ويقصد به أن تكون متزوجة، وتطلق المحصنات ~~على الحرائر. فالوضع العام للحرة هو الذي يجعل لها أهلا ولا يجترئ عليها ~~أحد، لكن هب أن امرأة متزوجة ثم حدث خلاف أو حرب بين قومها وبين ~~المؤمنين وصارت أسيرة لدى المسلمين مع أنها متزوجة بطريقتهم في بلادها، ~~وهي بالأسر قد انتقلت من هذا الزواج وجاءت في البيئة الإسلامية وصارت ~~مملوكة، ومملوكيتها وأسرها أسقطت عنها الإحصان، فقال: { إلا ما ~~ملكت أيمانكم.. } [النساء: 24]. إذن فهي بملك اليمين يسقط عنها ~~الإحصان، وللمسلم أن يتزوجها أو أن يستمتع بها إذا دخلت في ملكه وإن كانت ~~متزوجة لأن هناك اختلافا في الدارين، هي في دار الإسلام، وخرجت من دار ~~حرب فصارت ملك يمين، ولا يكون هذا إلا بعد استبرائها والاستيثاق من خلو ~~رحمها من جنين يكون قد جاءت به من قومها لقوله صلى الله عليه وسلم في ~~سبايا أوطاس: # " لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض " # وهذا تكريم لها لأنها عندما بعدت عن زوجها وصارت مملوكة ملك يمين فلم ~~يرد الحق أن يعضلها بل جعلها تتمتع بسيدها وتعيش في كنفه كي لا تكون ~~محرومة من التواصل العاطفي والجسدي، بدلا من أن يلغ سيدها في أعراض ~~الناس. { والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت ~~أيمانكم كتاب الله عليكم.. } [النساء: 24] و { كتاب ~~الله.. } [النساء: 24] يعني: كتب الله ذلك كتابا عليكم، وهو أمر ~~مسجل موثق، وكما هو كتاب عليكم فهو لكم أيضا، ويقول الحق: { وأحل ~~لكم ما وراء ms1666 ذلكم.. } [النساء: 24]. إذن فالمحرمات هن: ~~محرمات نسب، ومحرمات رضاع، ومحرمات إحصان بزواج. { وأحل لكم ما ~~وراء ذلكم.. } [النساء: 24] أي أحل لكم أن تتزوجوهن، ولذلك قال: { ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا.. } [النساء: ~~24] أي تطلبوا " بأموالكم محصنين " والمال نعلم أنه ثمرة الحركة. والحركة ~~تقتضي التعب والمشقة، وكل إنسان يحب ثمرة عمله، وقد يدافع عنها إلى أن ~~يموت دون ماله لأن المال ما جاء إلا ثمرة جد، وحتى إذا ما جاء المال عن ~~ميراث فالذي ورثك أيضا ما ورثك إلا نتيجة كد وتعب، وعرفنا أن الذي ~~يتعب مدة من الزمن تساوي عشر سنوات قد يرزقه الله ما يكفيه أن يعيش ~~بعدها مرتاحا، والذي يتعب عشرين سنة قد يرزقه الله ما يكفيه أن يعيش ~~ولده مرتاحا، والذي يتعب ثلاثين سنة يعيش حفيده مرتاحا. إذن فكل ما ~~تراه من مال موروث كان نتيجة جد وكد ومشقة من الآباء، وإذا ما قال ~~الحق: { أن تبتغوا بأموالكم.. } [النساء: 24] دل على أن ~~مقابل البضع يكون من جهة الرجل.. { أن تبتغوا بأموالكم.. } ~~[النساء: 24] التي قال عنها سيدنا رسول الله: # " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن ~~للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". # وما دام المال عزيزا على الإنسان وأخذه من طريق الحركة وطريق الجد ~~وطريق العرق فيجب ألا ينفقه إلا فيما يعود عليه بالخير العاجل ولا ينسى ~~الخير الآجل، فإن هو حقق به خيرا عاجلا ثم سها وغفل عن شر آجل فهو لم ~~يضع المال في موضعه. { أن تبتغوا بأموالكم محصنين } ~~[النساء: 24] و " محصنين " كما عرفنا لها معان متعددة. # . " محصنين " أي متعففين أن تلغوا وتقعوا في أعراض الناس. بأموالكم، ~~أي ضع مالك الذي كسبته بكد فيما يعود عليك بالخير العاجل والآجل، فلا ~~تلغوا به في أعراض الناس لأنه من الممكن أن يبتغي إنسان لقاء امرأة ~~بأمواله لكنه غير محصن، ونقول له: أنت حققت لذة ونفعا عاجلا ولكنك ذهلت ~~عن شر آجل، يقول فيها ربنا: { محصنين غير مسافحين.. } ~~[النساء: 24] ومنه ms1667 أخذ السفاح. فإياك أن تدفع أموالك لكي تأخذ واحدة ~~تقضي معها وطرا. فكلمة { محصنين.. } [النساء: 24] تعني التزام ~~العفة، وشرح الحق كلمة محصنين بمقابلها وهو: مسافحين، من السفح وهو: ~~الصب، والصب هطول ونزول الماء بقوة، فالماء قد ينزل نقطة نقطة، إنما ~~السفح صب، ولذلك سمي سفح الجبل بذلك لأن الماء ينزل من كل الجبل ~~مصبوبا. هنا يلاحظ أن الحق حين يتكلم عن الرجال يقول: { محصنين.. ~~} [النساء: 24] بكسر الصاد، وحين يتكلم عن النساء يقول: { ~~والمحصنات.. } [النساء: 24] بالفتحة. لم يقل " محصنات " بالكسرة، ~~لأن العادة أن الذكورة هي الطالبة دائما للأنوثة، والأنوثة مطلوبة ~~دائما. { غير مسافحين فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن.. } [النساء: 24] والاستمتاع هو إدراك متعة ~~للنفس، والمتعة توجد أولا في الخطبة، فساعة يخطب رجل امرأة فهذا ~~استمتاع، وساعة يعقد عليها وساعة تزف له، هذه كلها مقدمات طويلة في ~~الاستمتاع، لكن الاستمتاع ليس هو الغرض فقط، يقول لك: إذا استمتعت بهن ~~فلا بد أن تعطيهن مهورهن، ولذلك إذا تزوج رجل بامرأة ثم طلقها قبل أن ~~يدخل بها نقول له: ادفع نصف المهر لأنك أخذت نصف المتعة، فلو أن المتعة ~~هي العملية الجنسية فقط لم يكن قد أخذ شيئا وبالتالي فلا شيء عليه من ~~المهر، لكن نقول: إن المتعة في أنه تقدم إلى بنت فلان وخطب وعقد، كل هذه ~~مقدمات متعة، فعندما يكون ذلك فإنه يكون قد استمتع بعض الشيء. الحق ~~سبحانه وتعالى يريد منا أن نبني حياة الأسرة على طهر، وعلى أمن ملكات، ~~فأنت تجد الرجل حين يكون بين أهله لا يجد غضاضة في أن يغلق عليها الباب، ~~لكن تصور وجوده مع امرأة دون زواج، فالملكات النفسية تتصارع فيه، ويتربص، ~~ويمكننا أن ننظر رجفته إذا سمع أي شيء، لأن ملكاته ليست منسجمة، هو سيمتع ~~ملكة واحدة. لكن الملكات النفسية الباقية ملكات مفزعة، مما يدل على أن ما ~~يفعله ليس أمرا طبيعيا، وما دام ليس أمرا طبيعيا فالملكات النفسية ~~تناقضه، الحق سبحانه وتعالى يريد أن تبنى الأسرة على طهر وعلى أمن، ~~وهذا الأمن النفسي ms1668 يعطي لكل ملكات النفس متعة. وقلنا من قبل إن الإنسان ~~إذا كان له بنت ثم رأى شابا يمر كثيرا على البيت ويلتفت كثيرا إلى ~~الشرفة، ثم يقع بصر والد البنت عليه، ماذا يكون موقفه؟ تهيج كل جوارحه، ~~فإذا ما جاء الولد أو أبوه وطرق الباب وقال: يا فلان أنا أريد أن أخطب ~~ابنتك لنفسي، أو أريد ابنتك لابني. # ماذا يكون موقف والد الفتاة؟ إنه السرور والانشراح وتصبح الملكات راضية ~~والنفس مطمئنة، ويتم إعلان البهجة وهو الذي يدعو الناس ويقيم فرحا لأن ~~الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى حينما شرع الالتقاء، أعطى في النفس ~~البشرية وفي ذراتها رضا بهذا الحكم بالالتقاء. ولذلك روى: # " جدع الحلال أنف الغيرة ". # أي أن من يغار على ابنته هو الذي يوجه الدعوات لزواجها، فكأن الغيرة ~~فيها حمية، وإن طلب عرض عن غير طريق خالق الأعراض فلا بد أن تهيج ~~النفس، فإن طلبها على وفق ما شرع خالق الأعراض تطمئن النفس. وهذه عملية ~~قد يكون من الصعب تصورها، فما الذي يسبب الرضا، ومن الذي يدفع في القلب ~~الحمية والغضب والثورة؟ إنه - سبحانه - هو الذي يفعل ذلك. والإنسان عليه ~~أن يلتفت إلى أن كلا منا مكون من ملكات متعددة، فعقد الزواج وقول: " ~~زوجني " و " زوجتك " وحضور الشهود، ماذا يعمل في ذرات تكوين النفس لكي ~~تسر؟ إنها إرادة الحق. وهذا شيء معروف وأنت حين يكون لك إنسان تعرفه ~~فقط، والإلف السيال بينك وبينه ما زال في أوله ما يكفي عندما تقابله أن ~~تلقي عليه السلام وينتهي الأمر، لكن هناك إنسان آخر لا يكفي هذا السيال ~~الودي بينك وبينه، بل لا بد أن تسلم عليه بيدك لأن هناك جاذبية ومودة ~~ولكل منهما تأثير. إذن فعملية الود والولاء أمر يصنع تغييرا كيماويا في ~~النفس، ويكون التنافر إذا ما جاء اللقاء عن طريق ما حرم الله، والذي يأتي ~~عن طريق ما شرع الله يحقق التجاذب. والشاعر عندما خاطب من يحبه قال: # بأبي من وددته فافترقنا # وقضي الله بعد ذاك اجتماعا # وتمنيته فلما التقينا ms1669 # كان تسليمه علي وداعا # كأن الشاعر يريد تطويل أمد التسليم ومسافته كي يغذي ما عنده من الود، ~~وكأنه يريد أن يقول: أنا التقيت مع من أوده فاختفى في واختفيت فيه، وهذا ~~ناشىء من الامتزاج. إذن فالتكوين العاطفي أو السيال أوجده الله كسيال ~~التقاء. هذا إذا ما كان على شرع الله، أما في الحالة الأخرى فهو سيال ~~كراهية. وما الذي يسبب ذلك؟ إنه عطاء من الله وهو خالق الرجل وخالق ~~المرأة، فساعة يجيء اللقاء على وفق ما شرع الله فلا تستبعد أن يعدل ~~الخالق الذرات، فعندما يحدث الامتزاج فلا بد أن الوفاء يأتي كنتيجة ~~طبيعية وكذلك الولاء، ويتحقق الانسجام هذا إيجاب، أما إذا كان اللقاء على ~~غير طريق الله فلا انسجام فيه وهذا سلب. إذن فالحق سبحانه وتعالى يبني ~~الأسرة على هذا المعنى. # وأنتم تعلمون أن الالتقاءات التي تحدث عن غير طريق الله إنما تحدث في ~~الخفاء، ومنكورة الثمرة، فإن جاء منها أثر وحمل فسيلقى الوليد في الشارع ~~ويكون لقيطا وقد يميتونه، إنما الثمرة التي تأتي بالحل فالكل يفرح بها. ~~فالحق سبحانه وتعالى يقول: { وأحل لكم ما وراء ذلكم ~~أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن.. } [النساء: ~~24] والاستمتاع أشياء كثيرة، وجاء الشيعة في قوله: { فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن.. } [النساء: ~~24]. وقالوا: هذا نكاح المتعة بدليل أنه سبحانه سمى ما أخذ في نظير ذلك ~~أجرا ونقول: كلمة " أجر " هذه واردة في الزواج، فسيدنا شعيب عندما جاءه ~~سيدنا موسى عليه السلام قال له: أعطني أجر ثماني حجج. وسيأتي في الآية ~~نفسها التي يتقولون بها ويقول: # وآتوهن أجورهن بالمعروف.. # [النساء: 25]. فسمى المهر " أجرا " أيضا، فلماذا تأخذون هذا المعنى؟ ~~هم يقولون: نكاح المتعة حدث، ونقول لهم: نكاح المتعة حدث ولننظر إلى ~~أسبابه. إن هذا النكاح قد حصل على يد مشرع وله حكمة، ولكن ماذا بعد أن ~~أنهى المشرع هذا الحكم وانتقل إلى الرفيق الأعلى؟ لقد أنهى الحكم، إن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أحل زواج المتعة في فترة وجيزة ms1670 حينما كانوا في ~~غزوة من الغزوات، وذهب قوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم ~~يريدون أن يبنوا حركة حياتهم على الإيمان الناصع. كان من الممكن أن ~~يواروا هذه المسألة عن الرسول، إنهم قالوا له: يا رسول الله أنستخصي؟ أي ~~نخصي أنفسنا؟ فما دام الجهاد يطلب منا أن نكون في هذا الموقع بعيدا عن ~~أهلنا فلنستخص حتى لا يكون عندنا رغبة. فأباح لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زواج المتعة ولكنه أنهاه، والدليل على أنه أنهاه، أن عمر بن ~~الخطاب - رضي الله عنه - وأنتم تعلمون منزلته - رضي الله عنه - من ~~التشريع في أحكام الله، إنه كان يقترح الاقتراح فينزل القرآن موافقا له، ~~يقول عمر: ما يجيء واحد ليستمتع إلى أجل إلا رجمته. إذن فانتهت المسألة، ~~وسيدنا علي - كرم الله وجهه - أقر نهي سيدنا عمر، وقالوا: إن ابن عباس ~~قال به: لكنه قال: إنني كنت قد أخطأت فيه، ونعلم أن صحابة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يجلسوا في فصول تعليمية لسماع الوحي، بل كان كل منهم ~~يذهب إلى رسول الله بعد أن يفرغ من عمله، فهذا سمع وذلك لم يسمع. وهذا هو ~~السبب في أن هذا يروى وذاك لم يرو، فسيدنا ابن عباس قال: إنني كنت أعرف ~~مسألة المتعة، ولم يصح عندي خبر منعها إلا في آخر حياتي. # إذن فقول الشيعة: إن المتعة موجودة هو نتيجة استدلال خاطئ، فقوله ~~سبحانه: { فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن.. } [النساء: 24] علينا أن نقرنه بقوله أيضا في المهور في ~~الآية التالية: # فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن.. # [النساء: 25] لأن هناك فرقا بين الثمن وبين الأجر، فالثمن للعين، ~~والأجر للمنفعة من العين، ولم يملك الرجل بمهره المرأة. إنما ملك ~~الانتفاع بالمرأة، وما دام هو ملك انتفاع فيقال له أجر أيضا. { فما ~~استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة.. } ~~[النساء: 24] أي أن الذي فرض ذلك هو ربنا. { ولا جناح عليكم ~~فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } [النساء: 24] ونلحظ ~~هنا أن هناك فرقا بين أن يشرع ms1671 الحق لحق، وأن يترك باب الفضل مفتوحا، ~~فمن حقها أنها تأخذ المهر. لكن ماذا إن تراضت المرأة مع الرجل في ألا ~~تأخذ المهر وتتنازل له عنه؟ أو أن يعطيها أكثر من المهر؟ هذا ما يدخل في ~~قوله تعالى: # ولا تنسوا الفضل بينكم.. # [البقرة: 237]، فلا لوم ولا تثريب فيما يتراضى به الزوجان من بعد ~~الفريضة، وكلمة { تراضيتم.. } [النساء: 24] تدخل في قوله سبحانه: # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا ~~مريئا # [النساء: 4]. وفي عصرنا نجد أن المرأة تأخذ مهرها من الرجل وتجهز منه ~~أثاث البيت، مع أن المفروض أن يجهز الرجل لزوجته البيت وأن يبقى المهر ~~كاملا لها، ولكن التعاون هو الذي يعطي العطف والتكاتف. ويذيل الحق ~~الآية: { إن الله كان عليما حكيما } [النساء: 24] إذن فكل ~~أحكام الله مبنية على العلم بما يصلح خلقه، ولا يغيب عنه أمر كي يؤخر ~~تشريعه، فتأخير التشريع يعني: أن الذي شرع غاب عن ذهنه جزئيات ما كانت في ~~باله ساعة شرع، وحين يأتي الواقع يأتي له بجزئيات لم تكن موجودة، فيضطر ~~إلى إصدار تشريع جديد يستدرك به ما لم يكن في باله. والذين يقولون: إن ~~التشريع الإلهي لا يغطي حاجة البشر نقول لهم: من الذي سيغطيه؟ أنتم يا ~~مفكرون أتعدلون على الله؟ إن الله يكشفكم أنكم تأتون بتقنينات، وبعد ذلك ~~يظهر عيبها وعوارها وأخطاؤها فتضطرون أن تعدلوا، فسبحانه عليم حكيم. فإن ~~أخر حكما عن ميعاده فقد اقتضت الحكمة أن يكون كذلك. ومثال ذلك تحريم ~~الخمر، لم يجيء به مرة واحدة، لأن الشيء الذي تحكمه العادة والإلف، لا بد ~~فيه من التريث، وأن يصدر التشريع على مراحل، وكل مرحلة تسهل المسألة ~~بالنسبة لما سبقها، ويكون الأمر صعبا إذا كان التشريع دفعة واحدة لأن ~~ترك العادة دون تدرج يكون عسيرا شاقا لأن أهم شيء في الخمر أنها تقود ~~إلى الاعتياد، بدليل أن مدمن الخمر عندما يمر عليه الوقت يضطرب فيأخذ ~~كأسا ليستريح، وأول مرحلة في التحريم أن الحق كسر الاعتياد، وما دامت هي ~~عادة متغلغلة فمن ms1672 الصعب جدا أن ينزعها صاحبها عن نفسه مرة واحدة. # فأولا جاء الأمر كعظة، وبعد ذلك يقول: # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون # [النساء: 43]. وما دامت لا تشربها وأنت تصلي فكم مرة تصلي؟ خمس مرات في ~~النهار، إذن فعودك أن تترك وقتا من الأوقات غير ملتبس بالخمر، وتكون قد ~~تعودت على ترك الخمر طوال النهار، وبعد ذلك يتدرج فيقول: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس.. # [البقرة: 219]. لكن الأحمق عادة يرجح الإثم ويفعله، وما دام سبحانه قال: # فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر ~~من نفعهما.. # [البقرة: 219] إذن فالإثم يترجح. وبعد ذلك جعلها بعلمه - سبحانه - أمرا ~~نهائيا، والحكمة شاءت أن يكون التحريم بالتدريج. ويطمئننا الحق على أن ~~علمه وحكمته منوط بها إخراج الأحكام، ولذلك قال: # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير # [البقرة: 106]. وسبحانه عليم لا يخفى عليه شيء، ويعلم أن امرأة أحبت ~~زوجها لدرجة أن هذا الأجر ليس له قيمة، أو رجل أحب زوجته أيضا لدرجة أن ~~النقود ليس لها قيمة عنده، وما دام سبحانه حكيم. فهو قد يجري الأمور لا ~~بحتمية ما افترض، ولكن بإبقاء على فضل المتعاملين. ويقول الحق بعد ذلك: ~~{ ومن لم يستطع منكم طولا... }. ### || [4.25] # والاستطاعة تعني أن يدخل الشيء في طاعتي فلا يعصى ولا يتأبى علي، وافرض ~~أنني أمسكت قطعة حديد ولويتها، هنا تكون قطعة الحديد قد دخلت في طوعي، ~~ومثال ذلك: ابنا آدم، حين قدم كل منهما قربانا لله فتقبل من أحدهما ولم ~~يتقبل من الآخر، فالذي لم يتقبل الله منه القربان قال: # لأقتلنك.. # [المائدة: 27]. فماذا كان رد الذي تلقى التهديد؟ قال: # لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط ~~يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العالمين * إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك ~~فتكون من أصحاب النار وذلك جزآء الظالمين * ~~فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من ~~الخاسرين # [المائدة: 28-30]. ms1673 ما معنى: # فطوعت.. # [المائدة: 30]؟ طوعت يعني: جعلته في استطاعته، وعندما نمعن النظر في # فطوعت له نفسه.. # [المائدة: 30] نجد أن " الهاء " تشير إليه هو، وذلك يدل على أن الإنسان ~~فيه ملكات متعددة ملكة تقول: اقتله، وملكة أخرى تقول له: لا تقتله. ضميره ~~يقول له: لا تفعل، والنفس الأمارة بالسوء تقول له: اقتل، ويكون هو ~~مترددا بين الأمرين. وقوله الحق: # فطوعت له.. # [المائدة: 30] دليل على أن نفسه كانت متأبية عليه، لكن النفس الأمارة ~~بالسوء ظلت وراءه بالإلحاح حتى أن نفسه الفاعلة طوعت له أن يقتل أخاه، ~~ومع أن نفسه طوعت له أن يقتل أخاه إلا أنه أصبح بعد ذلك من النادمين، ~~وبعدما أخذ شهوته من القتل ندم، ويأتي هذا الندم على لسانه: # ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ~~فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين # [المائدة: 31]. أنت الذي قتلته، لكنك أصبحت من النادمين. لماذا؟ لأن ~~ملكات الخير دائما تصعد عمل الخير وتحبط عمل الشر. والإنسان قد يبدأ ~~شريرا، وإن كانت ملكاته ملكات خير غالبة، فهو ينزل من هذا الشر العالي ~~ويخففه، وإن كانت ملكات الشر غالبة فهو يبدأ في الشر قليلا ثم يصعده، ~~فيقول في نفسه: فلان فعل في كذا وأريد أن أصفعه صفعة، وبعد ذلك قد ~~يرفع من شره فيقول: " أو أضربه ضربة ". لكن إذا ما كان الإنسان خيرا، ~~فيقول: " فلان كاد لي، أريد أن أضربه رصاصة أو أضربه صفعتين أو أوبخه " ~~إنه ينزل من الشر ويصعد من الخير. كما في قصة سيدنا يوسف وإخوته حين ~~قالوا: # إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ~~ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين * اقتلوا ~~يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم ~~وتكونوا من بعده قوما صالحين * قال قآئل منهم ~~لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب ~~يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين # [يوسف: 8-10]. إنهم أسباط، وأولاد النبي يعقوب، فيقللون من الشر، ~~يخففونه مباشرة قائلين: # أو اطرحوه أرضا.. # [يوسف: 9] يعني يلقونه في أرض بعيدة، إذن فخففوا القتل في نفس واحد، كيف ms1674 ~~تم هذا الانتقال من القتل إلى اطرحوه أرضا؟ ثم خففوا الأمر ثانية حتى لا ~~يأكله سبع أو يتوه، فقالوا: # وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض ~~السيارة.. # [يوسف: 10]. إذن فقوله: { ومن لم يستطع منكم.. } [النساء: ~~25] أي من لم يستطع دخول الشيء في طوعه أو أن تطوله يداه، وهذا هو ~~المقصود بالطول، " فطالته يده " يعني صار في استطاعته، وفلان تطول علي، ~~أي تفضل علي بشيء، " وفلان تطاول علي " أي ما كان يصح أن يجترىء علي، ~~وكلها من الطول، و " طولا ": تعني قدرة تطول به الزواج بمن تحب أي أنت لا ~~تملك مالا ولا تستطيع الطول، فهناك مرحلة أخرى، لا داعي للحرة لأن مهرها ~~غال غالبا فخذ من الإماء الأسيرات لأن مؤنتهن ونفقتهن خفيفة، وليس لها ~~عصبة ولا أهل يجادلونك في المهر، فقال: { ومن لم يستطع منكم ~~طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ~~أيمانكم من فتياتكم المؤمنات.. } [النساء: 25]. والذي ~~نلمحه في الآية أن نكاح ما ملكت اليمين يكون لغير مالكها لأن مالكها لا ~~يحتاج ذلك، إنه يستمتع بها ويتغشاها لأنها ملك يمينه وليست مملوكة للغير. ~~إذن فقد أباح الله للمسلم أن ينكح مما ملكت يمين غيره على شرط أن يكون ~~ذلك بإذن مولاها لأنها بالزواج تقتطع جزءا من وقتها وخدمتها لمن يملك ~~رقبتها، فلا بد أن يستأذن حتى يكون أمر انقطاعها إلى الزواج في بعض ~~خدماته مما هو معلوم لأوليائهن، وأمر أيضا سبحانه ألا نستهين بأنها ~~مملوكة ومهينة فلا نأتيها مهرها. بل يجب أن يؤدى لهؤلاء مهورهن بما ~~يعرف، أي بالمتعارف عليه لأن ذلك عوض البضع، فإذا كان الحق قد أمر بأن ~~نستأذن مواليهن وأمر بأن نأتيهن أجورهن، هنا بعض الإشكال لأن المملوكة ~~لا تملك لأن العبد وما ملكت يداه لسيده. نقول له: نعم، ولكن إذا قلت: ~~العبد وما ملكت يداه لسيده فلا بد أن تحقق لها ملكا أولا ثم يكون ما ~~تملكه لسيدها، أما أن تتعداها وتعطي المال لسيدها فإنها في هذه الحالة لم ~~يتحقق لها مهر، فقولك: العبد وما ms1675 ملكت يداه، أي أعطها فترة وفرصة لتكون ~~مالكة بأن تعطي الأجر تكريما لها، أما كون ما لها لسيدها فهذا موضوع ~~آخر. وبعد ذلك تذهب لتتزوجها إن ذلك يصح، فهل نفهم من ذلك أنك إن استطعت ~~طولا لا تنكح الإماء؟ لا. وهل هذا يقلل من شأن الإماء؟ لا. لماذا؟ انظر ~~للحكم العالية التي لا يقولها إلا رب. الله يريد أن يصفي مسألة الرق، ~~فحين يأتي واحد ويتزوج أمة مملوكة لغيره فأولادها يتبعونها في الرق. # فالأولاد في الدين تتبع خير الأبوين، وفي الحرية والرق يتبع الأولاد ~~الأم، فإذا ما تزوج إنسان أمة مملوكة لغيره فأولادها الذين سيأتون ~~يكونون عبيدا. وحين يتركها لسيدها ويتزوج غيرها من الحرائر، فمن تلده ~~من سيدها يكون حرا، إذن فسبحانه يريد أن يصفي الرق، هذه واحدة، الشيء ~~الآخر أن الزواج: التقاء الذكر بالأنثى ليكونا نواة أسرة، فإذا ما كان ~~الزوج والزوجة أكفاء. فالزوج لا يجد في نفسه تعاليا على الزوجة، والزوجة ~~لا تجد في نفسها تعاليا على الزوج لأن كل واحد منهما كفء للآخر، وهذه ~~تضمن اتزان الحياة واتزان التعامل، لكن حين يتزوج واحد أمة ليس لها أهل ~~فقد يستضعفها وقد يستعلي عليها. وقد يذلها. وقد يعيرها، وحين يكون لها ~~أولاد قد يقولون لهم: ليس لكم خال مثلا. والمشرع يريد أن يبني حياة ~~أسرية متزنة، ولذلك اشترط الكفاءة، وقال: # والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين.. # [النور: 26]. وبعض من الناس تفهم عندما ترى طيبة فلا بد أن يتزوجها رجل ~~طيب، نقول لهم: إن هذا تشريع والتشريع تكليف وعرضة أن يطاع وعرضة أن ~~يعصى، فسبحانه حين يشرع أن الطيبات يكن للطيبين والخبيثات للخبيثين، فإن ~~طبقتم التشريع تكون المسائل مستقيمة، وهذا يحمل الرد على من يقولون: ما ~~دام ربنا يقول: # والطيبات للطيبين.. # [النور: 26] فكيف يتزوج فلان بفلانه وأحدهما طيب والآخر خبيث؟ ونقول: إن ~~هذا الحكم ليس في قضية كونية حادثة، بل هو قضية تشريعية تقتضي منا أن ~~نتبعه وأن نجعل الطيبين للطيبات والخبيثين للخبيثات ليتحقق التوازن. فإن ~~كان خبيثا وقال لها: أنت كذا ms1676 وكذا تقول له: أنت كذا وكذا. فلا يقول هذه ~~كي لا تقول له مثلها، أما الإنسان الطيب فهو يلين جانبه مرة وهي طيبة ~~وتلين جانبها مرة. { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح ~~المحصنات المؤمنات.. } [النساء: 25] كلمة { المحصنات.. ~~} [النساء: 25] تعني هنا الحرائر لأنها لو كانت متزوجة فلن تكون محل ~~تزويج لآخر. { فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم ~~المؤمنات.. } [النساء: 25] وكلمة " فتى " نطلقها في الحر على من له ~~فتوة وشباب، ونطلق كلمة فتاة على أي أمة ولو كانت عجوزا، وعلمنا رسول ~~الله ألا نقول: هذا عبدي وهذه أمتي. وإنما نقول: " فتاي " و " فتاتي ". { ~~فمن ما ملكت أيمانكم.. } [النساء: 25] ويتساءل البعض: وهل ~~يتزوج الإنسان ممن يملكها؟ نقول له: لا. إنها حلال له فهي مملوكة له ملك ~~يمين ويستطيع أن يكون له منها ولد، إذن فتكون ما ملكت أيمان غيركم، لأن ~~الله يخاطب المؤمنين على أنهم وحدة بنيانية، وقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ". # ويقول الحق: # ولا تلمزوا أنفسكم.. # [الحجرات: 11]. ويقول في موضع آخر: # فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية ~~من عند الله.. # [النور: 61]. فهل يسلم المؤمن على نفسه أو يسلم على من دخل عليهم؟ إن ~~الحق يريد بالتشريع أن يجعل المؤمنين كالجسد الواحد، ولذلك قال أيضا: # ولا تقتلوا أنفسكم.. # [النساء: 29]. أي لا تقتلوا غيركم، والمعنى هو أن الوحدة الإيمانية يجب ~~أن تجعلنا متكاتفين في وحدة. { فمن ما ملكت أيمانكم من ~~فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم.. } ~~[النساء: 25]. وقد تقول: إن إيمان ملك اليمين ضعيف وتجعلها علة. يقول لك ~~الحق: لا { والله أعلم بإيمانكم.. } [النساء: 25] ولعل أمة ~~خير في الإيمان منك لأن هذه مسألة دخائل قلوب، وأنت يكفيك أن تعلم ~~الظاهر. والحق سبحانه وتعالى حين يعالج الأمر يعالجه معالجة رب يعلم واقع ~~ما خلق ويعطي كل مطلوبات المخلوق، هو أولا أوضح: أنتم إن كنتم لا ~~تستطيعون طولا أن تنكحوا المحصنات فانكحوا الإماء، وهذا من أجل مزيد من ~~تصفية الرق. بعد ذلك يقول: { والله أعلم بإيمانكم ~~بعضكم ms1677 من بعض.. } [النساء: 25] فإن كنت ستتزوج يجب أن تجعل نصب ~~عينيك أمرا هو: أن { بعضكم من بعض.. } [النساء: 25]. أي أنكم ~~جميعا من آدم. وما دمت قد آمنت، فالإيمان سوى بينكما، فإذا ذهبت ~~لتتزوج فلا بد أن تضع هذا نصب عينيك، إنه سبحانه يعالج واقعا. ويقول بعد ~~ذلك: { فانكحوهن بإذن أهلهن.. } [النساء: 25]. وهذا ~~إشعار بأن من تحت يده فتاة بملك يمينه فعليه أن يعاملها معاملة الأهل ~~ليعوضها عما فقدته عند أهلها هناك، ولتشعر أنها في حضانة الإسلام مثلما ~~كانت في حضانة أهلها وآبائها أو أكثر. إذن فالذي يملك لابد أن يجعل نفسه ~~من الأهل، وبذلك يزيد الحق سبحانه وتعالى من أبواب تصفية الرق، وأوضح: ~~فإن لم يدخل واحد منكم من يملكه في هذه المصافي فسوف يبقيه رقيقا، ~~وإذن فعليه أن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس ولا يكلفه ما لا يطيق، فإن ~~كلفه ما لا يطيق فيدك بيده. وعندما يوجد معك إنسان تلبسه من لبسك وتطعمه ~~من أكلك، وعندما يعمل عملا يصعب عليه فأنت تساعده، فأي معاملة هذه؟ إنها ~~معاملة أهل. انظر كم مسألة يعالجها الحق: يعالج طالب الزواج ويعالج ~~المملوكة، ويعالج السادة، إنه تشريع رب الجميع. فلا يشرع لواحد على حساب ~~آخر. وما دامت ملك يمين ولها سيد فهذا السيد له مصالح لابد أن تستأذنه، ~~فقد لا يستطيع أن يستغني عنها لأنها تخدمه، فقال: { بإذن ~~أهلهن.. } [النساء: 25]، لكن في المهور قال: { فانكحوهن ~~بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف.. } ~~[النساء: 25] فالأمة تنكح بإذن من يملكها كي يعرف أن هناك من دخل شريكا ~~له في العملية ويأخذ البضع وهو الزوج، وحين يستأذن السيد ويزوجها فهو ~~يعلم أنها لم تعد له، وبذلك لن يأخذها أحد من خلف ظهره، وهو بالاستئذان ~~والتزويج يرتب نفسه على أن البضع قد أغلق بالنسبة له، وبقيت له ملكية ~~الرقبة. # أما ملك البضع فهو للزوج. { وآتوهن أجورهن بالمعروف.. ~~} [النساء: 25] فإياكم أن تقولوا: هذه مملوكة يمين وأي شيء يرضيها ~~ويكفيها، لا. فلها مهر بالمعروف أي بالمتعارف الذي يعطيها ميزان الكرامة ~~في ms1678 البيئة، { محصنات غير مسافحات ولا متخذات ~~أخدان.. } [النساء: 25] وقلنا: إن المحصنة هي العفيفة، { غير ~~مسافحات.. } [النساء: 25] والمسافحة هي من تمارس وتزاول عملية ~~الزنى، ويسمونها: امرأة عامة، ومتخذات أخدان: أي يتخذن عشاقا وأخدانا. ~~{ فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ~~ما على المحصنات من العذاب.. } [النساء: 25] أي إذا تزوجت ~~الإماء وجاءت الواحدة منهن بفاحشة فلها عقاب. أما إن لم تحصن فليس عليهن ~~حاكم ويقوم سيدها بتعزيرها وتأديبها لأن الأمة عادة مبتذلة، لكن عندما ~~تتزوج تصير محصنة، فإن أتت بفاحشة نقول لها: أنت لك عقابك الخصوصي، لن ~~نعاقبك عقاب الحرة، لأن الحرة يصعب عليها الزنى، لكن الأمة قد لا يصعب ~~عليها أن يحدث منها ذلك، فليس لها أب ولا أخ ولا أسرة، فقال: { فإن ~~أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ~~من العذاب.. } [النساء: 25]، أي نصف ما على الحرائر من العذاب. لكن ~~الخوارج أخذوا الكلمة في معنى من معانيها ليخدم قضية عندهم وقالوا: إن " ~~المحصنات " هن المتزوجات، هم يريدون أن يأخذوها بمعنى المتزوجات كي ~~يقولوا: ما دامت الأمة عليها نصف ما على المتزوجة، إذن فالمتزوجة ليس ~~عليها رجم لأن الرجم لا ينصف، والخوارج أخذوا هذه وقالوا: إن القرآن لا ~~يوجد فيه رجم واكتفوا بجلد الزانية مائة جلدة. ونقول لهم: أنتم أخذتم ~~المحصنة على معنى أنها المتزوجة، ونسيتم { ومن لم يستطع ~~منكم طولا أن ينكح المحصنات.. } [النساء: 25]، فالمحصنات ~~هن الحرائر، فلماذا أخذتم المحصنات هناك بمعنى الحرائر والمحصنات هنا ~~بمعنى المتزوجات؟! إن عليكم أن تأخذوها بمعنى الحرائر ولا حجة لكم في مثل ~~هذا الباطل. وبذلك تسقط الحجة، فالدليل إذا تسرب إليه الاحتمال سقط به ~~الاستدلال. ثم نبحث بحثا آخر، نقول: يقول الحق: { فعليهن نصف ~~ما على المحصنات.. } [النساء: 25] لو أن الحكم على إطلاقه لما ~~قال الحق: { من العذاب.. } [النساء: 25]، فكأن الذي عليها فيه ~~النصف هو العذاب، وما هو العذاب؟ العذاب هو إيلام من يتألم، والرجم ليس ~~فيه عذاب لأنه عملية إنهاء حياة، والآية تبين المناصفة فيما يكون عذابا، ~~أما ما لا يكون عذابا فهو ms1679 لا ينصف والحكم غير متعلق به. فالعذاب إنما ~~يأتي لمن يتألم، والألم فرع الحياة. والرجم مزيل للحياة، إذن فالرجم لا ~~يعتبر من العذاب، والدليل على أن العذاب مقابل للموت أن الحق سبحانه ~~وتعالى حينما حكى عن سيدنا سليمان وتفقده الطير قال: # مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغآئبين * ~~لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه.. # [النمل: 20-21]. فالذبح وإزهاق الحياة مقابل للعذاب، فقوله: { نصف ~~ما على المحصنات.. } فالمتكلم فيه الآن العذاب وليس الرجم، وليس ~~إزهاق الحياة وبهذا يسقط الاستدلال. والذين يقولون: إن آيات القرآن لا ~~تدل على رجم نقول لهم: ومن الذي قال لكم إن القرآن جامع لكل أحكام منهج ~~الله في الإسلام وأنه فصل كل شيء؟. القرآن لم يجيء كتاب منهج فقط، وإنما ~~جاء معجزة وكتاب منهج للأصول، ثم ترك للرسول صلى الله عليه وسلم أن يبين ~~للناس ما نزل إليهم فضلا على أن الرسول صلى الله عليه وسلم بنص القرآن ~~عنده تفويض من الله أن يشرع، وتلك ميزة تميز بها صلى الله عليه وسلم ~~خاتم الأنبياء والمرسلين فالله قد أعطاه الحق في أن يشرع، بدليل أنه ~~سبحانه قال في صلب القرآن الذي يشتمل على أصول منهج الإسلام: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. إذن فللرسول عمل مع القرآن، وإلا فليقل لي من يدعي أن ~~في القرآن كل حكم من أحكام دين الله، من أين أخذ تفصيل حكم الصلوات ~~الخمس؟ ومن أي آية أخذ أن الصبح ركعتان؟ وأخذ الظهر أربعا وأخذ العصر ~~أربعا، والمغرب ثلاثا، والعشاء أربعا، من أين أخذها؟! إذن لا يوجد شيء ~~من ذلك، فما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن القرآن جاء كتاب معجزة وفيه منهج ~~يتعلق بالأصول. وما دام المنهج الذي تعلق بأصول الأشياء قد أعطى لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يشرع، إذن فتشريعه مأمور به ومأذون فيه من ~~صلب القرآن. ولذلك إذا جاء لك حكم من الأحكام وقال لك المتعنت: هات لي ~~هذا الحكم من القرآن، ونظرت في كتاب الله فلم ms1680 تجد، فقل له: دليل الحكم في ~~القرآن هو قول الله: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]، وأي حكم من الأحكام يأتي ولا تجد له سندا من كتاب الله ~~ويقال لك: ما سنده؟ قال: { ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا.. } [الحشر: 7]. والمنهج أوامر ونواه. إذن ~~فالطاعة أن تمتثل أمرا وتجتنب نهيا، تلك هي الطاعة، كل منهج أو دين أمر ~~ونهي، فامتثل الأمر واجتنب النهي. وأنت إذا تصفحت القرآن وجدت آيات ~~الطاعة المطلوبة من المؤمن بمنهج الله والذي شهد بأنه لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله تتمثل في الأمر والنهي. فإذا ما استقرأت القرآن ~~وجدت - كما قلنا سابقا - أن الحق سبحانه وتعالى يقول مرة في الطاعة: # قل أطيعوا الله والرسول.. # [آل عمران: 32]. ولم يكرر الحق هنا أمر الطاعة، فالمطاع هو المكرر، ف " ~~أطيعوا " أمر واحد، نطيع من؟. الله والرسول، المطاع هنا هو الله ~~والرسول، ومرة يكرر أمر الطاعة فيقول: # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول.. # [المائدة: 92]. ومرة ثالثة يقول: # وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون # [النور: 56]. ومرة رابعة يقول: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم.. # [النساء: 59]. وأدخل هنا أولي الأمر أيضا، إذن فمرة يأمر بالطاعة ويكرر ~~المطاع فقط، أي: يوحد أمر الطاعة، ويكرر المطاع # قل أطيعوا الله والرسول.. # [آل عمران: 32] فوحد أمر الطاعة وكررالمطاع، ومرة يكرر أمر الطاعة، ~~ويكرر معها المطاع: # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول.. # [آل عمران: 92]، ومرة يقول: # وأطيعوا الرسول.. # [النور: 56] فإذا قال لك: # أطيعوا الله والرسول.. # [آل عمران: 32] فالأمر قد توارد فيه حكم الله وحكم الرسول. إذن فتطيع ~~فيه الله والرسول، وإذا كان الله أمر إجمالي وللرسول أمر تفصيلي ~~كالصلاة والزكاة والحج، إذن فتطيع الله وتطيع الرسول. وإذا لم يكن لله ~~أمر فيه بل جاء من باطن التفويض في قوله سبحانه: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]، فهذا الأمر أطيع فيه الرسول، لأنه جاء في آية أخرى قوله: # من يطع الرسول فقد أطاع الله.. # [النساء: 80]، لماذا؟ لأن الرسول عمل بالتفويض الذي أعطاه الله ms1681 له حسب ~~قول الحق: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. وبقيت طاعة أولي الأمر التي جاءت في قوله: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم.. # [النساء: 59] أي أطيعوا أولي الأمر من باطن طاعة الله وطاعة رسوله، فلم ~~يفرد ولي الأمر بطاعة وإنما جعل طاعته من: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.. # [النساء: 59]، فلم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، بل قال: وأولي الأمر، أي من ~~باطن طاعة الله والرسول، إنها دقة الأداء في القرآن. تأمل ما يقوله الحق ~~سبحانه: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. لقد قلنا: إن الطاعة امتثال أمر واجتناب نهي، والموجود هنا ~~" آتاكم " و " نهاكم " ف " آتى " هذه جاءت بدل وما أمركم والنهي موجود ~~بلفظة " وما نهاكم عنه " الأمر هو " آتاكم " ، ولماذا لم يقل: وما أمركم ~~به الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا؟ ولماذا لم يختصر فيقول: وما ~~آتاكم الرسول فخذوه؟! لأن الإتيان من الرسول إما أن يكون قولا وإما أن ~~يكون فعلا، ولكن أيكون المنهي عنه فعلا يفعله الرسول؟! لا يمكن. إذن ~~فالنهي لا يتأتى إلا نهيا ومنعا من الفعل، لكن الإيتاء يكون قولا أو ~~فعلا لأنه عندما يقول لك: لا تشرب الخمر، فماذا كان يفعل النبي كي نأخذه ~~من الفعل؟ إن الرسول قطعا لم يشرب الخمر. إذن فقول الرسول وفعله يتأتى ~~في المأمور به، وأما في المنهي عنه فلا يتأتى إلا قولا. # بالله أمن الممكن أن يأتي بهذا عقل بشري؟ لا يمكن، ولا يقولها إلا ~~الله. ثم نبحث بحثا آخر يا خوارج. إن الرسول إنما جاء ليبلغ عن الله - ~~ومراد التبليغ أن يعلمنا بالحكم، لنؤدي مدلوله، فإذا جاء حكم قولا ~~بالنص، فالذي يشرحه لنا هو ما يفعله الرسول، وحين يفعله الرسول أيوجد ~~مجال للكلام في هذا النص؟ لا يوجد، بل تكون المسألة منتهية. إذن فالفعل ~~أقوى ألوان النص في الأوامر لأن الأمر قد يأتي كلاما نظريا، وقد يتأول ~~فيه البعض. لكن عندما يفعل الرسول يكون الحكم لازما لأن الذي فعل هو ~~المشرع. أرجم ms1682 رسول الله أم لم يرجم؟ قد فعل رسول الله ذلك، وفعله هو نص ~~عملي. إن الفعل ليس نصا قوليا يتأول فيه. لقد رجم الرسول ماعزا ~~والغامدية ورجم اليهودي واليهودية وكانا قد أحصنا بالزواج والحرية، وفعل ~~الرسول هو الأصل في الحكم، فدليل الخوارج إذن قد سقط به الاستدلال وبقي ~~ما فعله المشرع وهو الرسول المفوض من الله في أن يشرع قولا أو فعلا أو ~~تقريرا، أي يرى أحدا يفعل فعلا فيقره عليه. ثم نبحثها بالعقل: إذا ~~كنت تريد ألا يوجد في الزنى حد إلا الجلد، أتسوي بين من لم يتزوج ومن ~~تزوج؟ إن المتزوجة لها عرض ولها زوج ولها نسب ونسل. هل هذه مثل تلك التي ~~لم تتزوج؟! إن هذا لا يتأتى أبدا بالعقل، إذن فحكم الرجم موجود من فعل ~~الرسول، والدليل الذي استدل به الخوارج هو دليل تسرب إليه الاحتمال. ~~والدليل إذا تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. { فإن أتين ~~بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم.. } [النساء: 25] ~~ومن هو المقصود ب " ذلك "؟ المقصود به إباحة نكاح الإماء لمن لم يجد ~~طولا أن ينكح من الحرائر. وما هو " العنت "؟ " العنت " هو المشقة ~~والجهد، وإرهاق الأعصاب، وتلف الأخلاق والقيم، لأن الإنسان إذا هاجت ~~غرائزه إما أن يعف وإما أن ينفلت. فإن انفلت فقد تسرب الفساد إلى قيمه ~~وإلى خلقه، وإن لم ينفلت والتزم، ماذا يحدث؟ سيقع بين أنياب المرض النفسي ~~وتأتيه الأمراض العصبية. فأباح له الله أن يتزوج الأمة، إن لم يجد ~~طولا في الزواج من الحرائر. وبذلك يكون مفهوم الآية: إن الذي لا يخشى ~~العنت فليس ضروريا أن يتزوج الأمة. وليس هذا تزهيدا في الأمة بل ~~فيه احترام لها، لأنها إن تزوجت ثم ولدت ممن تزوجته فسيصبح ولدها عبدا، ~~والله يريد أن يصفي الرق والعبودية، فيوضح له: دعها لسيدها فإن أعجبته ~~وحلت في عينيه ووطئها وجاءت منه بولد فستكون هي والولد من الأحرار ~~إنهما قد دخلا في دائرة الحرية. إذن فالحق يريد أن يصفي ms1683 الرق، ثم قال: { ~~وأن تصبروا خير لكم.. } [النساء: 25] أي وصبركم عن نكاح ~~الإماء. وأنتم في عفة وطهر عن مقارفة الإثم إن ذلك خير لكم من زواجهن، ~~فنكاح الحرائر أفضل. ويذيل الحق الآية: بقوله: { والله غفور ~~رحيم } [النساء: 25] أي إنه غفور لما قد بدر وحصل منكم من ذنوب ~~استغفرتم ربكم منها رحيم بكم فلا يعاجلكم بالعقوبة شفقة عليكم وحبا في ~~رجوعكم إليه. ويقول الحق من بعد ذلك: { يريد الله ليبين ~~لكم ويهديكم... }. ### || [4.26] # ماذا يبين لنا؟ إنه - سبحانه - يبين القوانين الحاكمة لانتظام الحياة. ~~وقلنا إنه لا يمكن أن يوجد تجريم إلا بنص ولا توجد عقوبة إلا بتجريم. ~~فقبلما يعاقبك على أمر فهو يقول لك: هذه جريمة وينص عليها، إنه لا يأتي ~~ليقول لك: فعلت الشيء الفلاني وهذه عقوبته لأنك قد تقول له: فعلت هذا ~~الفعل من قبل ولم أعرف أنه جريمة وعليه عقوبة. إذن فلا يمكن أن تعاقب إلا ~~إذا أجرمت، ولا يمكن أن تجرم إلا بنص، فيريد الله أن يبصركم ببيان ما ~~تصلح به حركة حياتكم، والله آمن عليكم من أنفسكم، لأنه هو سبحانه الذي ~~خلق وهو يعلم من خلق. إن سبحانه - وحده - الذي يقنن ما يصلح مخلوقه، ~~أما أن يخلق هو وأنت تقنن فهذا اعتداء لأنه سبحانه يقنن لما يعلم - ولله ~~المثل الأعلى - وقلنا سابقا: إن المهندس الذي يصنع التليفزيون هو الذي ~~يضع له قانون الصيانة لأنه هو الذي صمم الآلة، وهو الجدير بأن يضع لها ~~قانون صيانتها، فيعلمنا: المفتاح هذا لكذا، وهذا للصورة وهذا للصوت. إن ~~الذي خلق الإنسان هو الذي يضع قانون صيانته المتمثل في " افعل ولا تفعل " ~~، وترك سبحانه أمورا لم يرد فيها افعل ولا تفعل، وهي متروكة على ~~الإباحة، تفعله أو لا تفعله، إنه سبحانه: { يريد الله ليبين ~~لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم.. } [النساء: ~~26]، والسنة هي الناموس الحاكم لحركة الحياة. والحق يقول: # سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا # [الأحزاب: 62]. والرسل سبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفنا ms1684 ~~الذين أطاعوا رسلهم ماذا حدث لهم، والذين كذبوا رسلهم ماذا حدث لهم. لقد ~~قال الحق في شأنهم: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [العنكبوت: 40]. فالله يريد أن يبين لنا سنن من قبلنا، أي الطرائق ~~التي حكموا بها، وماذا حدث لأهل الحق وماذا حدث لأهل الباطل. إذن فهو ~~ليس تقنينا أصم، بل هو تقنين مسبوق بوقائع تؤكده وتوثقه، { ~~ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم.. ~~} [النساء: 26] وهو سبحانه يبين ويوضح ويتوب، { والله عليم.. } ~~[النساء: 26] لأنه خالق، { حكيم } [النساء: 26] يضع الأمر في موضعه ~~والنهي في موضعه. فالحكمة هي: وضع الشيء في موضعه، وسبحانه يضعه عن علم، ~~فالعلم يقتضي اتساع المعلومات، والحكمة هي وضع كل معلوم في موقعه. وبعد ~~ذلك يقول سبحانه: { والله يريد أن يتوب عليكم... }. ### || [4.27] # سبحانه قال في الآية السابقة: # يريد الله ليبين لكم.. # [النساء: 26]، وبعد ذلك يقول: # ويهديكم.. # [النساء: 26]، وبعد ذلك: # ويتوب عليكم.. # [النساء: 26]، وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { والله ~~يريد أن يتوب عليكم.. } [النساء: 27]، فلماذا جاء أولا ب # ويتوب عليكم.. # [النساء: 26] وجاء هنا ثانيا ب { والله يريد أن يتوب ~~عليكم.. } [النساء: 27]؟ نقول: التوبة لابد أن تكون مشروعة أولا من ~~الله، وإلا فهل لك أن تتوب إلى الله من الذنب لو لم يشرع الله لك التوبة؟ ~~أتصح هذه التوبة؟ إنه سبحانه إذن يشرع التوبة أولا، وبعد ذلك أنت تتوب ~~على ضوء ما شرع، ويقبل هو التوبة، وبذلك نكون أمام ثلاث مراحل: أولا ~~مشروعية التوبة من الله رحمة منه بنا، ثم توبة العبد، وبعد ذلك قبول الله ~~التوبة ممن تاب رحمة منه - سبحانه - إذن فتوبة العبد بين توبتين من الرب: ~~توبة تشريع، وتوبة قبول. { والله يريد أن يتوب عليكم.. } ~~[النساء: 27]، ما دام سبحانه قد شرع التوبة أيشرعها ولا يقبلها؟! لا، فما ~~دام قد شرع وعلمني أن أتوب فمعنى ذلك أنه فتح لي باب التوبة، وفتح ~~باب ms1685 التوبة من رحمة العليم الحكيم بخلقه لأن الحق حينما خلق الإنسان زوده ~~دون سائر الأجناس بطاقة من الاختيارات الفاعلة، أي أن الإنسان يستطيع أن ~~يفعل هذه أو يفعل تلك، وجعل أجهزته تصلح للأمر وللنهي، فالعين صالحة أن ~~ترى آية في كون الله تعتبر بها، والعين - أيضا - صالحة أن تمتد إلى ~~المحارم. واللسان صالح أن تسب به، وصالح أن تذكر الله به قائلا: لا إله ~~إلا الله وسائر أنواع الذكر. واليد عضلاته صالحة أن ترفعها وتضرب بها، ~~وصالحة لأن تقيل وترفع بها عاثرا واقعا في الطريق. هذا هو معنى ~~الاختيار في القول وفي الفعل وفي الجوارح، فالاختيار طاقة مطلقة توجهها ~~إرادة المختار، وإذا نظرت إلى اليد تجد أنك إذا أردت أن ترفعها، فإنك لا ~~تعرف شيئا عن العضلات التي تستعملها كي ترفع اليد. فالذي يرفع يده ماذا ~~يفعل؟ وما العضلات التي تخدم هذا الرفع؟ وأنت ترى ذلك مثلا في الإنسان ~~الميكانيكي أو تراه في رافعة الأثقال - الونش - التي ترفع الأشياء، انظر ~~كم عملية لتفعل ذلك؟ أنت لا تعلم شيئا عن هذه المسألة في نفسك، لكنك ~~بمجرد أن تريد تحريك يدك فأنت تحركها وتطيعك. وعندما يريد المهندس أن ~~يحرك الإنسان الآلي فهو يوجهه بحسابات معينة ليفعل كذا وكذا، أما الإنسان ~~فيحرك اليد أو القدم أو العين بمجرد الإرادة. والحق حين يسلب قدرة ~~الإنسان - والعياذ بالله - يصيبه بالشلل، إنه يريد فلا تنفعل له اليد أو ~~غيرها ولا يعلم ما الذي تعطل إلى أن يذهب إلى الأطباء ليبحثوا في الجهاز ~~العصبي، ويعرفوا لماذا لم تنفذ أعصابه الأوامر، إنها عملية طويلة. # إذن فالإنسان - عندما يريد الحركة - يوجه الطاعة المخلوقة لله فقط، ~~فليس له فعل في الحقيقة، فأنا إن أثابني الله وجازاني على طاعة فذلك ~~لأني وجهت الآلة الصالحة للفعل إلى عمل الخير، وعندما تسمع أنه لا أحد ~~بيده أن يفعل شيئا فهذا صحيح لأن أحدا لا يعرف كيف يفعل أي شيء، إنه ~~فقط يريد، فإن وجهت الطاقة للفعل فهذا عملك أنت. فمعنى الاختيار - إذن - ~~أن ms1686 تكون صالحا للفعل ومقابل الفعل وهو الانتهاء والترك. وعندما يبين ~~الحق سبحانه وتعالى لك وينزل لك المنهج الذي يقول لك: وجه طاقتك لهذه ولا ~~توجهها لهذه، معنى ذلك أن طاقتك صالحة للاثنين. إذن فأنت مخلوق على ~~صلاحية أن تفعل وألا تفعل، وما تركه المنهج دون أن يقول لك فيه " افعل " ~~ولا " تفعل " فإن فعلته على أي وجه لا يفسد به الكون ولا تفسد به حركة ~~حياتك فهذا هو المباح لك. وحينما شرع الحق سبحانه التوبة أوضح: أنه إذا ~~انفعل مريد لعمل شيء فوجه طاقته لعمل شيء مخالف، قد تكون شهوته أو شرته ~~قد غلبت عليه، فتوجه في ساعة ضعف إلى عمل شر لذلك شرعت التوبة لماذا؟ ~~لأننا لو أخرجنا هذا الإنسان من حظيرة المطيعين بمجرد فعل أول عمل شر ~~لصارت كل انفعالاته من بعد ذلك شرورا، وهذا هو الذي نسميه " فاقدا " ، ~~فيشرع الحق: إن فعلت ذنبا فلا تيأس، فنحن سنسامحك ونتوب عليك. فساعة شرع ~~الله التوبة رحم المجتمع من شراسة أول عاص، فلو لم تأت هذه التوبة لكثرت ~~المعاصي بعد أول معصية. ومقابل قول الحق: { والله يريد أن ~~يتوب عليكم.. } [النساء: 27] وتنبيهه أن الذنوب التي فعلتها قبل ~~ذلك يطهرك منها بالتوبة، مقابل ذلك الذين يتبعون الشهوات ويريدون منك أن ~~تأتي بذنوب جديدة لذلك يقول الحق سبحانه: { ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا.. } [النساء: 27] والميل هو ~~مطلق عمل الذنوب. إنك بذلك تميل عن الحق لأن الميل هو انحراف عن جادة ~~مرسومة لحكيم، والجادة هي الطريق المستقيم. هذه الجادة من الذي صنعها؟ ~~إنه الحكيم، فإذا مال الإنسان مرة فربنا يعدله على الجادة مرة ثانية، ~~ويقول له: " أنا تبت عليك " ، إنه - سبحانه - يعمل ذلك كي يحمي العالم من ~~شره، لكن الذين يتبعون الشهوات لا يحبون لكم فقط أن تميلوا لمرة واحدة، ~~بل يريدون لكم ميلا موصوفا بأنه ميل عظيم. لماذا؟، لأن الإنسان بطبيعته ~~- كما قلنا سابقا - إن كان يكذب فإنه يحترم الصادق، وإن كان خائنا فهو ~~يحترم الأمين، بدليل أنه إن كان خائنا ms1687 وعنده شيء يخاف عليه فهو يختار ~~واحدا أمينا ليضع هذا الشيء عنده. # إذن فالأمانة والصدق والوفاء وكل هذه القيم أمور معترف بها بالفطرة، ~~فساعة يوجد إنسان لم يقو على حمل نفسه على جادة القيم، ووجد هذا الإنسان ~~واحدا آخر قدر على أن يحمل نفسه على جادة القيم فهو يصاب بالضيق الشديد، ~~وما الذي يشفيه ويريحه؟ إنه لا يقدر أن يصوب عمله وسلوكه ويقوم من ~~اعوجاج نفسه لذلك يحاول أن يجعل صاحب السلوك القويم منحرفا مثله، وإن ~~كانت الصداقة تربط بين اثنين وانحراف أحدهما فالمنحرف يستخذي أمام نفسه ~~بانحرافه، ويحاول أن يشد صديقه إلى الانحراف كي لا يكون مكسور العين ~~أمامه. وهو لا يريده منحرفا مثله فقط بل يريده أشد انحرافا ليكون هو ~~متميزا عليه. إذن فالقيم معترف بها أيضا حتى لدى المنحرفين، واذكروا ~~جيدا أننا نقرأ في سورة يوسف هذا القول الحكيم: # ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إني ~~أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل ~~فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا ~~بتأويله إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36]. هم في السجن مع يوسف، لكن لكل سبب في أنهم سجنوه، فسبب ~~هؤلاء الذين سألوا يوسف هو أنهم أجرموا، لكن سبب وجود يوسف في السجن أنه ~~بريء والبريء كل فكره في الله، أما الذين انحرفوا ودخلوا معه السجن عندما ~~ينظرون إليه يجدونه على حالة حسنة، بدليل أن أمرا جذبهم وهمهم في ذاتهم ~~بأن رأوا رؤيا، فذهبوا لمن يعرفون أنه إنسان طيب برغم وجوده معهم في ~~السجن، فقد أعجبوا به بدليل أنهم قالوا له: # إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36]. ومن يقول: # إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36] لابد أن تكون عنده قدرة على تمييز القيم، ثم قاسوا فعل يوسف ~~عليها فوجدوها حسنة، وإلا فكيف يعرف؟. إذن فالقيم معروفة عندهم، فلما ~~جاء أمر يهمهم في ذاتهم ذهبوا إلى يوسف. ومثال ذلك: هناك لص لا يمل من ~~السرقة ولا يكف عنها، وبعد ذلك جاء له أمر يستدعيه للسفر إلى مكان غير ~~مأمون، فاللص في ms1688 هذه الحالة يبحث عن إنسان أمين ليقضي الليل عنده ولا ~~يذهب للص مثله. إذن فالقيم هي القيم، وعندما قال أصحاب يوسف في السجن: # إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36]، استغل سيدنا يوسف هذه المسألة ووجدهم واثقين فيه فلم يقل ~~لهم عن حكايتهم ابتداء ويؤول لهم الرؤيا، بل استغل حاجتهم إليه وعرض ~~عليهم الإيمان قال: # يصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار # [يوسف: 39]. لقد نقلهم من حكايتهما لحكايته، فما داما يريدان استغلال ~~إحسانه فلماذا لا يستغل حاجتهما له ويعظهما ويبشرهما بدين الله؟ وكأنه ~~يقول لهما: أنتما جئتما إلي لأنكما تقولان إنني من المحسنين. # وأنتما لم تريا كل ما عندي بل إن الله أعطاني الكثير من فيضه وفضله، ~~ويقول الحق على لسان يوسف: # لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله.. # [يوسف: 37]. أي أن يوسف الصديق عنده الكثير من العلم، ويقر لهما بفضل ~~الله عليه: فليس هذا العلم من عندي: # ذلكما مما علمني.. # [يوسف: 37]. وبعد ذلك يدعوهما لعبادة الواحد كي يستنجدا به بدلا من ~~الآلهة المتعددة التي يتخذانها معبودا لهما وهي لا تضر ولا تنفع. # أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار # [يوسف: 39]. إذن فالقيم واحدة، والله يريد أن يتوب عليكم، ولكن الذين ~~يتبعون الشهوات يريدون أن تميلوا ميلا عظيما، حتى لا تكونوا مميزين ~~عليهم تميزا يحقرهم أمام أنفسهم، فهم يريدون أن تكونوا في الانحراف ~~أكثر منهم، لأنهم يريدون أن يكونوا متميزين في الخير أيضا ويقولون ~~لأنفسهم: " إن كنا شريرين فهناك أناس شر منا ". ثم يقول الحق سبحانه: { ~~يريد الله أن يخفف... }. ### || [4.28] # فسبحانه بعد أن قال: # يريد الله ليبين لكم.. # [النساء: 26] ليبصر، # والله يريد أن يتوب عليكم.. # [النساء: 27] ليغفر، والآن يقول: { يريد الله أن يخفف ~~عنكم.. } [النساء: 28] لييسر، وهي ثلاثة أمور هامة. ويقول سيدنا ابن ~~عباس - رضي الله عنه وعن أبيه -: " في سورة النساء ثماني آيات لأمة محمد ~~هي خير مما تطلع عليه الشمس وتغرب: الأولى قول الحق: # يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين ~~من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم ms1689 حكيم # [النساء: 26]. والثانية هي قول الحق: # والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين ~~يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما # [النساء: 27]. والثالثة هي قول الحق: { يريد الله أن يخفف ~~عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } [النساء: 28]. والرابعة هي قول ~~الحق: # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم ~~سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما # [النساء: 31]. والخامسة هي قول الحق: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما ~~عظيما # [النساء: 48]. والسادسة هي قوله سبحانه: # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما # [النساء: 110]. والسابعة هي قوله تعالى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة ~~يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما # [النساء: 40]. # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ~~وكان الله شاكرا عليما # [النساء: 147]. هذه هي الآيات الثماني التي لم تؤت مثلها أي أمة إلا أمة ~~محمد عليه الصلاة والسلام. ومنها قول الحق: { يريد الله أن ~~يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } [النساء: 28]. وما هو ~~ضعف الإنسان؟. الضعف هو أن تستميله المغريات ولا يملك القدرة على استصحاب ~~المكافأة على الطاعة أو الجزاء على المعصية، لأن الذي تتفتح نفسه إلى ~~شهوة ما يستبعد - غالبا - خاطر العقوبة، وعلى سبيل المثال، لو أن السارق ~~وضع في ذهنه أن يده ستقطع إن سرق، فسيتردد في السرقة، لكنه يقدر لنفسه ~~السلامة فيقول: أنا أحتال وأفعل كذا وكذا كي أخرج. إذن فضعف الإنسان من ~~ناحية أن الله جعله مختارا تستهويه الشهوات العاجلة، لكنه لو جمع ~~الشهوات أو صعد الشهوات فلن يجد شهوة أحظى بالاهتمام من أن يفوز برضاء ~~ولقاء الله في الآخرة. وقول الحق: { يريد الله أن يخفف ~~عنكم وخلق الإنسان ضعيفا } [النساء: 28] نلحظ فيه أن ~~التخفيف مناسب للضعف، والضعف جاء من ناحية أن الإنسان أصبح مختارا وخاصة ~~في أمور التكليف، فالذي جعل فيه الضعف جعله مختارا يفعل كذا أو يفعل كذا ~~ولكل أمر مغرياته، ومغريات الشهوات حاضرة. ومغريات الطاعة مستقبله فهو ~~يغلب دائما جانب الحاضر ms1690 على جانب المستقبل. ويقول الحق من بعد ذلك: { ~~يا أيها الذين آمنوا... }. ### || [4.29] # وعندما يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفت خلقه إلى أن يؤمنوا به يلفتهم ~~إلى الكون، ويلفتهم إلى ما خلق الله من ظواهر ليتأكدوا أن هذه الظواهر لا ~~يمكن أن تكون قد نشأت إلا عن قادر عليم حكيم، فإذا ما انتهوا إلى الإيمان ~~به استقبلوا التكليف الذي يتمثل في افعل كذا ولا تفعل كذا، فحين يخاطبهم ~~بالتكليف يجعل لأمر التكليف مقدمة هي أنك ألزمت نفسك في أن تدخل إلى هذا ~~التكليف، ولم يرغمك الله على أن تكون مكلفا، وإنما أنت دخلت إلى الإيمان ~~بالله باختيارك وطواعيتك، وما دمت قد دخلت على الإيمان باختيارك وطواعيتك ~~فاجعل إيمانك بالله حيثية كل حكم يحكم به الله عليك، من افعل كذا ولا ~~تفعل كذا، ولا تقل: لماذا أفعل كذا يا رب، ولماذا لا أفعل كذا يا رب؟ بل ~~يكفي أن تقول: الذي آمنت به إلها حكيما قادرا هو سبحانه مأمون على أن ~~يأمرني وأن ينهاني. ولذلك يجيء الحق دائما قبل آيات التكليف بقوله ~~سبحانه: { يا أيها الذين آمنوا.. } [النساء: 29] فهو لم يكلف ~~مطلق الناس، وإنما كلف من آمن به. إذن فحين يكلف من آمن به لا يكون قد ~~اشتط وجار عليه لأنه قد آمن به بمحض اختياره. وإذا لفت إنسانا ونبهته ~~وأمرته بأمر تكليفي مثل صل، أو امتنع عن فعل المنكر فقال لك: # لا إكراه في الدين.. # [البقرة: 256] هنا يجب أن تقول له: أنت لم تفهم معنى قول الحق: # لا إكراه في الدين.. # [البقرة: 256] فأصل التدين والإيمان بالله ألا يكرهك أحد عليه، بل ادخل ~~إلى الإيمان بالله باختيارك، لكن إذا دخلت إلى الإيمان بالله فالتزم ~~بالسماع من الله في " افعل " و " لا تفعل " فحين يقول الحق: { يا ~~أيها الذين آمنوا.. } [النساء: 29] فهو يعطينا حيثيات ~~التكليف، أي علة الحكم. فعلة الحكم أنك آمنت بالله آلها حكيما قادرا. ~~وما دمت آمنت بالله إلها حكيما قادرا فسلم زمام الأوامر والنواهي له ~~سبحانه، فإن وقفت في ms1691 أمر بشيء أو نهي عن شيء فراجع إيمانك بالله. إذن ~~فقوله: # لا إكراه في الدين.. # [البقرة: 256] أي أنك حر على أن تدخل في الإيمان بالله أو لا تدخل، لكن ~~إذا ما دخلت فإياك أن تكسر حكما من أحكام الله الذي آمنت به، وإن كسرت ~~حكما من أحكام الله تدخل معنا في إشكال ارتكاب السيئات أو الذنوب. ~~والأحكام التي سبقت للذين آمنوا هي أحكام تعلقت بالأعراض وبإنشاء الأسرة ~~على نظام طاهر نقي كي يأتي التكاثر تكاثرا نقيا طاهرا، وتكلمت الآيات ~~عن المحرمات من النساء وكذلك المحللات وها هو ذا سبحانه يتكلم عن المال، ~~وهو الذي يقيم الحياة، والمال كما نعرف ثمرة الجهد والمشقة، وكل ما يتمول ~~يعتبر مالا، إلا أن المال ينقسم قسمين: مال يمكن أن تنتفع به مباشرة، ~~فهناك من يملك الطعام، وآخر يملك الشراب، وثالث يملك أثوابا، وهذا نوع ~~من المال ينتفع به مباشرة، وهناك نوع آخر من المال، وهو " النقد " ولا ~~ينتفع به مباشرة، بل ينتفع به بإيجاد ما ينتفع به مباشرة. # وهكذا ينقسم المال إلى رزق مباشر ورزق غير مباشر. والحق سبحانه وتعالى ~~يريد أن يحمي حركة الحياة، لأنه بحماية حركة الحياة يغري المتحرك بأن ~~يتحرك ويزداد حركة. ولو لم يحم الحق حركة الحياة، وثمرة حركة الحياة ~~فماذا يقع؟ تتعطل حركة الحياة. وإننا نلاحظ أن كل مجتمع لا يؤمن فيه على ~~الغاية والثمرة من عمل الإنسان تقل حركة العمل فيه، ويعمل كل واحد على ~~قدر قوته. ويقول لنفسه: لماذا أعمل؟ لأنه غير آمن. لكن إذا كان آمنا على ~~ثمرة حركته يغريه الأمن على ماله على أن يزيد في حركة العمل، وحين تزيد ~~حركة العمل فالمجتمع ينتفع وإن لم يقصد المتحرك. فليس ضروريا أن يقصد ~~الإنسان بكل حركته أن ينفع المجتمع. لا، اجعله يعمل لنفع نفسه. لقد ضربنا ~~هذا المثل سابقا: إنسان مثلا عنده آلاف الجنيهات وبعد ذلك وضعها في ~~خزانة ثم تساءل: لماذا أضعها في خزانة؟ لماذا لا أبني بها بيتا آخر ~~وأكري منه شقتين، فسيأتيني منه ms1692 عائد؟ هل كان المجتمع في بال مثل هذا ~~الإنسان؟ لا، إن باله مشغول بمصلحته لذلك فلنجعل مصلحة كل إنسان في باله، ~~وهنا سيستفيد المجتمع بحركته قصد أو لم يقصد. لأنه ساعة يأتي ليحفر ~~الأساس سيعطي أناسا أجورهم وساعة يأتي بالطوب يشتريه بثمن، وساعة يبني ~~يعطي المهندس والعمال أجورهم لذلك أقول: اعمل لنفسك في ضوء شرع الله، ~~وسينتفع المجتمع قهرا عنك. ومن العجيب أنك تريد أن تنفع نفسك فيبين ~~لك ربنا: أنت ستنفع غيرك قبل أن تنتفع بعائد المنزل الذي بنيته، ولا تظن ~~أن أحدا سيأخذ رزق ربنا ولن يجريه على الخلق، لا، إن المجتمع سينتفع ~~بالرغم منك. إذن فمن حظ المجتمع أن نصون حركة الحياة. ونؤمن كل متحرك في ~~الحياة على ماله. لكن إن كنا حاكمين يجب أن تكون أعيننا مبصرة: أيكسب من ~~حل أم لا؟ فإذا كان الكسب حلالا نشكره، أما إذا كان يكسب من حرام، فنحن ~~نسائله، وإن عمل على غير هذا توقفت حركة الحياة، وإن توقفت حركة الحياة ~~فهذا أمر ضار بالذين لا يقدرون على الحركة، لماذا؟ لأن الله قسم المواهب ~~على الناس، فليس كل واحد من الناس يملك الطموح الحركي، ولا يملك كل إنسان ~~فكرا يخطط به، فقد لا يكون في المجتمع إلا قلة تخطط، والباقون هم جوارح ~~تنفعل للفكر المخطط، والفكر يعمل لجوارح كثيرة، فكذلك يكون هناك مفكر ~~واحد هو الذي يضع خطة ينتفع بها الكثير من الناس. # إذن فلا بد أن نرعى حركة المتحرك وننميها لأن المجتمع ينتفع منها، وإن ~~لم يقصد المتحرك إلا مصلحة نفسه، صحيح أن الذي ليس في باله إلا نفسه إنما ~~يحبط ثواب عمله، وصحيح أن من يضع الناس في باله إنما يعطي ثمرة عمله ~~ويأخذ ثوابا أيضا من الله. والحق سبحانه وتعالى يأتي في مسائل المال ~~ويوضحها توضيحا تاما ليحمي حركة الحياة ويغري الناس بالحركة - وبذلك ~~يتعدد المتحركون وتتعدد الحركات، ويستفيد المجتمع، فقال: { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل.. } [النساء: 29] وساعة تجد أمرا لجماعة في جمع ms1693 مأمور به ~~فقسم الأفراد على الأفراد. مثال ذلك: عندما نقول لجماعة: اركبوا ~~سياراتكم أي: ليركب كل واحد منكم سيارته، والمدرس يدخل الفصل ويقول ~~للتلاميذ: أخرجوا كتبكم. أي أن كل تلميذ عليه أن يخرج كتابه. فمقابله ~~الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، وقول الحق: { لا تأكلوا.. } ~~[النساء: 29] فهذا أمر لجمع. { أموالكم.. } [النساء: 29] أيضا ~~جمع، فيكون معناه: لا يأكل كل واحد ماله، وكيف لا يأكل كل واحد منكم ~~ماله؟ - يوضح الحق: { بالباطل.. } [النساء: 29]. فيكون مطلوبا من ~~كل واحد منكم ألا يأكل ماله بالباطل. والإنسان يأكل الشيء لينتفع به. ~~والحق يوصيك ويأمرك: إياك أن تصرف قرشا من مالك وتضيعه إلا في حق، هذا ~~إذا كنا سنقابل المفرد، فلا يأكل واحد منكم ماله بالباطل، بل يوجهه إلى ~~الأمر النافع، الذي ليس فيه حرمة، والذي لا يأتي بعذاب في الآخرة. وإذا ~~كان المراد أن لا أحد يأكل مال الآخر، فسنوضحه بالمثل الآتي: لنفترض أن ~~تلميذا قال لمدرسه: يا أستاذ قلمي كان هنا وضاع. فيقول الأستاذ ~~للتلاميذ: لا تسرقوا أقلامكم، فهل معنى ذلك أن الأستاذ يقول: لا يسرق كل ~~واحد قلمه أو لا يسرق كل واحد قلم أخيه، إذن فيكون المعنى الثاني: { لا ~~تأكلوا أموالكم.. } [النساء: 29]، أي لا يأكل كل واحد منك ~~مال أخيه بالباطل. وكيف يقول: { أموالكم.. } [النساء: 29]؟ وما دام ~~مالهم فليس عليهم حرج؟ لا لأن معناها المقصود: لا يأكل كل واحد منكم مال ~~أخيه. ولماذا لم يقل ذلك وقال: { أموالكم.. } [النساء: 29]؟ لأن ~~عادة الأوامر من الحق ليست موجهة إلى طائفة خلقت على أن تكون آكلة، ~~وطائفة خلقت على أن تكون مأكولة، بل كل واحد عرضة في مرة أن يكون آكلا ~~لمال غيره ومرة أخرى يكون ماله مأكولا. فأنا إذا أكلت مال غيري فسوف ~~يأكل غيري مالي. فأكون قد عملت له أسوة ويأكل مالي أيضا، فكأنه سبحانه ~~عندما يقول لك: لا تأكل مالك إنما ليحمي لك مالك. # إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يصنع من المجتمع الإيماني مجتمعا ~~واحدا، ويقول إن المال الذي عند كل واحد ms1694 هو للكل. وأنك إن حافظت على مال ~~غيرك حافظ غيرك على مالك. وأنت إن اجترأت على مال غيرك فسيجترئ المجموع ~~على مالك. وأنت ساعة تأكل مال واحد تجريء آلاف الناس على أن يأكلوا ~~مالك. وحين لا تأكل مال غيرك كأنك لم تأكل مالك. { لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل.. } وكلمة " أكل " معناها: الأخذ ~~لأن الأكل هو أهم ظاهرة من ظواهر الحياة لأنها الظاهرة المتكررة، فقد ~~تسكن في بيت واحد طوال عمركن وتلبس جلبابا كل ستة أشهر، لكن أنت تتناول ~~الأكل كل يوم، وحينما نزلت الآية قال المسلمون: نحن لا نأكل أموالنا ~~بالباطل. وتحرجوا أن يأكلوا عند إخوانهم. وبعد ذلك رفع الأمر إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأوضح أن أكل التكارم ليس بالباطل - أنزل الله ~~قوله: # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو ~~بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت ~~أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو ~~صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو ~~أشتاتا.. # [النور: 61]. هذه رفعت عنهم الحرج، إنما ساعة سمعوا أكل الباطل قالوا: ~~لا آخذ حاجة من أحد إلا بمقابل. وما هو " الباطل "؟. الباطل هو أن تأخذ ~~الشيء بغير حقه. مثال ذلك الربا، لأن معنى " ربا " أن واحدا عنده فائض ~~وآخر يحتاج، والمحتاج ليس عنده الأصل أنطلب منه أن يرد الأصل وزيادة، ~~ويعطي الزيادة لمن عنده؟ كيف يتأتى هذا؟ هذا هو الآخذ بالربا، أو ~~الأخذ بالسرقة، بالاختلاس أو بالرشوة أو بالغش في السلع، كل ذلك هو أكل ~~مال بالباطل، وساعة تريد أن تأكل مالا بالباطل كأنك تريد أن تتمتع بثمرة ~~عمل غيرك، وأنت بذلك تتعود على التمتع بثمرة عمل غيرك، وتضمحل عندك قدرة ~~العمل ويصير أخذك من غيرك. أخذا لماله كرها وبغير وجه حق وبذلك تتعطل ~~حركة متحرك في الحياة وهو ذلك العاطل " البلطجي " ، ويخاف المتحرك في ~~الحياة وهو ms1695 من تفرض عليه الإتاوة فيقل ويضعف نشاطه في الحياة، كيف ~~يكون شكل هذا المجتمع؟ إن المجتمع في هذه الحالة سيعاني من كرب وصعوبات ~~في الحياة. فقوله سبحانه: { لا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل.. } [النساء: 29] هو أمر لكل مسلم: لا تراب، ولا تسرق، ولا ~~تغش، ولا تدلس، ولا تلعب ميسرا، ولا تختلس، ولا ترتش لأن كل هذه الأمور ~~هي أكل أموال بالباطل. # وعندما ندقق في مسألة لعب الميسر نجد أمرا عجيبا فالذين يلعبون الميسر ~~يدعون أنهم أصدقاء، وينتظر بعضهم بعضا ويأكلون معا، وكل واحد منهم يجلس ~~أمام الآخر وهو حريص أن يأخذ ما في جيبه، فأي صداقة هذه؟ إذن فساعة يقول ~~الحق: { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل.. } ، ~~وساعة يأمرك الحق: إياك أن يصعب عليك التكليف لأنه شاق عليك، ولكن قدر ما ~~يأخذه منك التكليف من تضييق حركة تصرفك، وما يعطيك التكليف من تضييق حركة ~~الآخرين، الحق قال لك: لا تأخذ مال غيرك لكي لا يأخذ غيرك مالك، وبذلك ~~تكسب أنت ويكسب كل المجتمع، فحين يصدر أمر لإنسان أن يكف يده عن السرقة ~~فهو أمر للناس جميعا كي يكفوا عن سرقة هذا الإنسان لذلك فحين تستقبل أي ~~حكم عن الله لا تنظر إلى ما أخذه الحكم من حريتك، ولكن انظر إلى ما أخذه ~~الحكم لصالحك من حرية الآخرين. ومثال ذلك: حين يوضح الحق وينهي عن النظر ~~إلى المرأة الأجنبية فإياك أن تمد عينك إلى محارم غيرك، هو أمر لا يخصك ~~وحدك، ولكنه أمر لملايين الناس ألا يمدوا عيونهم إلى محارمك، وعندما ~~توازن الأمر فأنت الذي تكون أكثر كسبا. إنني لذلك أقول دائما: لا تنظر ~~إلى ما في التكليف من مشقة أو إلى ما أخذ منك، ولكن انظر فيه إلى ما ~~يعطى لك فإن نظرت هذه النظرة وجدت كل تكليف من الحق هو ربح لك أنت. وإلا ~~لو أننا أطلقنا يدك في الناس جميعا لا بد أن تقدر أننا نطلق أيدي الناس ~~جميعا فيك. وأنت إذا أطلقت يدك في الناس فلن تؤثر فيهم مثلما ms1696 يؤثرون فيك ~~لو أطلقوا أيديهم فيك فيما يخصك، فمن مصلحتك ألا تطلق يدك في الناس. { ~~يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم.. } [النساء: 29] وكلمة { إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم.. } [النساء: 29] أي إلا في النفعية المتبادلة تبادل ~~الأعواض، فشيء عوض شيء. وجاءت التجارة لأن التجارة هي الحلقة الجامعة ~~لأعمال الحياة فالتاجر هو وسيط بين من ينتج سلعة ومن يستهلكها. ~~والسلع في حركتها إنتاج واستهلاك. والإنتاج قد يكون زراعيا أو صناعيا ~~أو خدميا. إذن فالتجارة جامعة لذلك كله. وكلمة { عن تراض.. } ~~[النساء: 29] تدل على أن رضا النفس البشرية في الأعواض مشروط، حتى ما أخذ ~~بسيف الحياء يكون حراما لذلك أقوال: على كل واحد أن يغربل إيمانه، وينظر ~~هل حياته في أعواض الأموال وأعواض التجارة وأعواض المبادلات مستوية أو ~~غير مستوية؟ فإن لم تكن مستوية فعلية أن يفكر فيها قليلا حتى يعطي كل ~~ذي حق حقه. وحتى لا يدخل في دائرة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من ~~بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من ~~النار فليأخذها أو ليتركها ". # ويتابع الحق: { ولا تقتلوا أنفسكم.. } [النساء: 29] وهنا ~~أيضا مقابلة جمع بجمع، ويعني: لا يقتل كل واحد منكم نفسه، وهذا ما يفعله ~~المنتحر - ولا يقتل نفسه إلا إنسان وجد نفسه في ظرف لا يستطيع في حدود ~~أسبابه أن يخرج منه. ونقول له: أنت نظرت لنفسك كإنسان معزول عن خالق ~~أعلى، لكن المؤمن لا يعزل نفسه عن خالقه فساعة يأتيه ظرف فوق أسبابه ولا ~~يقوى عليه فعليه أن يفكر: وهل أنا في الكون وحدي؟ لا، إن لي ربا. وما ~~دام لي رب فأنا لا أقدر وهو - سبحانه - يقدر، وهنا يطرد فكرة الانتحار ~~لأن المنتحر هو إنسان تضيق أسبابه عن مواجهة ظروفه فيقتل نفسه. وإن فائدة ~~الإيمان أنه ساعة يأتي ظرف عليك وتنتهي أسبابك ms1697 تقول: إن الله لن يخذلني ~~وهو يرزقني من حيث لا أحتسب، ويفتح لي أبوابا ليست في بالي، وضربنا ~~مثلا كي نقرب المعنى، وقلنا: هب أن إنسانا يسير في الطريق ومعه " جنيه ~~واحد " في جيبه، ثم ضاع الجنيه، وليس في بيته إلا هو لذلك يحزن جدا على ~~ذلك الجنيه. لكن من يضيع منه " جنيه " وعنده في البيت خمسة " جنيهات " ~~فالمصيبة تكون خفيفة، كذلك من فقد أسبابه فعليه أن يخفف الأمر على نفسه ~~فلا ييأس، فلم يقتل نفسه؟ الله يقول في الحديث القدسي: # " بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه جنتي ". # وهل أنت من وهبت الحياة لنفسك؟ لا، ولذلك فواهب الحياة هو الذي ~~يأخذها، ومن ينتحر لا يدخل الجنة، لأنه لم يتذكر أن له إلها. ولنذكر ~~هنا موقف قوم موسى عليه السلام عندما خرجوا، وطاردهم قوم فرعون. فماذا ~~قال قوم موسى؟ قالوا: # إنا لمدركون # [الشعراء: 61]. وهذا كلام صحيح فأمامهم البحر ومن ورائهم فرعون، وهم قد ~~قالوا ذلك بأسبابهم وبشريتهم. لكن ماذا قال سيدنا موسى. # قال كلا.. # [الشعراء: 62]. و " كلا " هذه نفي، وكيف يقول موسى: " كلا " وما رصيدها؟ ~~إنه لم يقل: " كلا " ببشريته، ولكن قالها برصيده من الإيمان بالإله ~~العظيم فقال: # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. إذن فقوله: { ولا تقتلوا أنفسكم.. } ~~[النساء: 29] أي ولا يقتل كل واحد منكم نفسه لأنك لا تقتل نفسك إلا إذا ~~ضاقت أسبابك عن مواجهة ما تعانيه، وهذا يدل على أنك عزلت نفسك عن ربك، ~~ولو ظللت على الإيمان بأن لك خالقا لانفرجت عنك الكروب، وأي مسألة تأتي ~~تقول: # إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. إن الإيمان يعطيك صلابة استقبال الصعاب. وقد تأخذ { ~~ولا تقتلوا أنفسكم.. } [النساء: 29] معنى آخر أي، ولا ~~تؤدوا بأنفسكم لأن تقتلوا، أي لا تلق بنفسك إلى التهلكة، أو { ولا ~~تقتلوا أنفسكم.. } [النساء: 29] على أن المؤمنين هم وحدة ~~إيمانية، أو أن المشرع لهذه الوحدة قال: الذي يقتل يقتل فإياك أن ~~تقتل نفسك، أي لا تقتل غيرك حتى لا يصير الأمر إلى أنك تقتل نفسك لأنه ~~سيقتص منك. فقوله: ms1698 { ولا تقتلوا أنفسكم.. } [النساء: 29] ~~يعني: لا تفعلوا ما يؤدي بكم إلى القتل، ويحنن الحق الإنسان على نفسه ~~وليس على الناس فحسب، فلا يقول لك: لا تقتل حتى لا تقتل، لأنه سبق ~~أن قال: # ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب لعلكم ~~تتقون # [البقرة: 179]. وعندما يعرف القاتل أنه إن قتل يقتل، فهو يتجنب ~~ذلك، ونلحظ أن الحق قال في آية أخرى: # فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم.. # [النور: 61]. وهل أنا سأسلم على نفسي أو على الناس الداخل عليهم؟ إن ~~الإنسان يسلم على هؤلاء الناس، وعندما تقول: " السلام عليكم " ، يعني ~~الأمان لكم. فسيقولون لك: " وعليكم السلام " فكأنك قد سلمت على نفسك. أو ~~أن الحق قد جعل المؤمنين وحدة واحدة، ومعنى " وحدة " يعني أن ما يحدث ~~لواحد يكون للكل. إذن فقوله: { ولا تقتلوا أنفسكم.. } ~~[النساء: 29] أي ولا يقتل واحد منكم نفسه، فتصلح { ولا تقتلوا ~~أنفسكم.. } [النساء: 29] بمعنى: ولا يقتل واحد منكم نفسه بأن ~~ينتحر، هذه واحدة، ولا يقتل واحد منكم نفسه بأن يلقي بها إلى التهلكة، ~~أو لا يقتل واحد منكم نفسه بأن يقتل غيره فيقتل قصاصا، أو لا تقتلوا ~~أنفسكم يعني: لا يقتل أحد منكم نفس غيره لأنكم وحدة إيمانية وليس واحدا ~~بعينه هو المأمور بل الكل مأمور، فلا يقتل واحد منكم نفس غيره. ويذيل ~~الحق الآية: { إن الله كان بكم رحيما } [النساء: 29]. ~~وبالله، ساعة ينهاني الحق عن أن أقتل نفسي أو أقتل غيري، أليست هذه منتهى ~~رحمة الصانع بصنعته؟ إنها منتهى الرحمة. ويقول سبحانه بعد ذلك: { ومن ~~يفعل ذلك عدوانا... }. ### || [4.30] # { ذلك.. } [النساء: 30]: " ذا " وحدها للإشارة، و " الكاف " للخطاب، ~~والخطاب إذا أفرد، فالمراد به خطاب الله لرسوله، والمؤمنون في طي ذلك ~~الخطاب. ومرة يقول: " ذلكم " أي أنه يخاطبنا نحن، مثل # ذلكم أزكى لكم.. # [البقرة: 232]. وذلك إشارة لما تقدم مباشرة في الآية الخاصة بقتل النفس، ~~وكذلك ما قبلها وهو أكل الأموال. والبعض يأخذها لكل ما تقدم من أول قوله: # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء إلا ما ~~قد سلف.. # [النساء: 22]، والبعض الآخر ms1699 يأخذها من أول الأوامر والنواهي من أول ~~السورة إلى هنا، وكلها تصح. { ومن يفعل ذلك عدوانا ~~وظلما.. } [النساء: 30]. والعدوان هو التعدي، والتعدي قد يكون ظلما ~~وقد يكون نسيانا. ومن يتعدى بالظلم يكون عارفا ويأخذ حق غيره، أما ~~التعدي بالنسيان فيقتضي أن يراجع الإنسان سلوكه، لماذا؟ لأن العاقبة ~~مريرة. وقوله تعالى: { ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما ~~فسوف نصليه نارا.. } [النساء: 30] والفعل إذا أسند لفاعله أخذ ~~قوته من فاعله. فعندما يقول لك أحد: إن عملت هذه فابني الصغير سيصفعك ~~صفعة، وهو قول يختلف عن التهديد بأن يضربك شاب قوي، لماذا؟ لأن قوة الحدث ~~نأخذها من فاعل الحدث، من الذي يصلي المعتدي النار؟ إنه الله، ~~وسبحانه سيجعله يصطلي بها. ويقول الحق: { وكان ذلك على الله ~~يسيرا } [النساء: 30] لأن فعل الله ليس عن معالجة بل ينفذ فورا. ~~ونعلم أن فعل المعالجة هو كل فعل يحتاج لوقت، فهناك عمل يحتاج لساعة وكل ~~دقيقة من هذه الساعة تأخذ جزئية من العمل، وعندما تقسم العمل لستين ~~جزئية، ينتهي العمل في ساعة، وإن كان العمل ينتهي في عشرة أيام تقول له: ~~أسقط أوقات الراحة وعدم مزاولة العمل، وقسم العمل على الباقي من الوقت. ~~هذا هو ما يسمى علاجا لأن ذلك من عمل الإنسان، لكن عمل الله يختلف، ~~فالحق يقول للشيء: # كن فيكون # [يس: 82] إذن فكل فعل على الله يسير ما دامت المسألة: # كن فيكون # [يس: 82] قال سبحانه: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة.. # [لقمان: 28]. وسبحانه يوضح: أنا لا أوجد كل واحد مثلما خلقت آدم ~~وأشكله وأخلقه ثم أبعثه، لا، بل كل الخلق كنفس واحدة. ويقول الحق من بعد ~~ذلك: { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون... }. ### || [4.31] # هذه الآية هي إحدى ثماني آيات قال عنها ابن عباس - رضي الله عنه -: في ~~هذه السورة - سورة النساء - ثماني آيات خير لهذه الأمة مما طلعت عليه ~~الشمس أو غربت، وقلنا: إن هذه الآيات تبدأ بقوله سبحانه: # يريد الله ليبين لكم.. # [النساء: 26]، # والله يريد أن يتوب عليكم.. # [النساء: 27]، # يريد الله أن يخفف عنكم.. ms1700 # [النساء: 28]، ثم جاءت: { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون ~~عنه.. } [النساء: 31]. و " الاجتناب " ليس معناه عدم مزاولة الحدث أو ~~الفعل، ولكن عدم الاقتراب من مظان الحدث أو الفعل حتى يسد المؤمن على ~~نفسه مخايلة شهوة المعصية له وتصوره لها وترائيها له. هذه الآيات ~~الكريمات كانت خيرا لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس أو غربت، لأنها تحمي ~~من حمق الاختيار الذي وجد في الإنسان حين لا يلتزم بمنهج الله، ولو أن ~~الإنسان كان مسيرا ومكرها على الفعل لارتاح من هذا الاختيار. ~~وتعب الإنسان جاء من ناحية أن اغتر بميزته على سائر خلق الله، والميزة ~~التي ميز الله بها الإنسان هي العقل الذي يختار به بين البديلات. ~~بينما سائر الأجناس كلها رضيت من الله أن تكون مسخرة مقهورة على ما جعلها ~~له بدون اختيار. ونعرف أن الحق قال: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. فالإنسان قد ظلم نفسه، لأنه أرجح نفسه عند اختيار الشهوة ~~أو اختيار مرادات منهج الله، بينما المقهورون أو المسخرون ليست عندهم هذه ~~المسألة. وكل كائن منهم يقوم بعمله آليا وارتاح من حمق الاختيار - فهذه ~~الآيات طمأنت الإنسان على أنه إن حمق اختياره في شيء فالله يريد أن ~~يبصره، والله يريد أن يتوب عليه، والله يريد أن يخفف عنه. والله يريد إن ~~اجتنب الكبائر أن يرفع عنه السيئات ويكفرها. كل هذه مطمئنات للنفس ~~البشرية حتى لا تأخذها مسألة اليأس من حمق الاختيار، فيوضح: أنا خالقك ~~وأعرف أنك ضعيف لأن عندك مسلكين: كل مسلك يغريك، تكليف الله بما فيه من ~~الخير لك وما تنتظره من ثواب الله في الآخرة يغري، وشهوة النفس العاجلة ~~تغري. وما دامت المسألة قد تخلخلت بين اختيار واختيار فالضعف ينشأ لذلك ~~يوضح سبحانه: أنا أحترم هذا فيك لأنه وليد الاختيار، وأنا الذي وهبت لك ~~هذا الاختيار. والحق حين وهب الاختيار لهذا الجنس الذي هو سيد الأجناس ~~كلها، يحب أن يأتي لربه راغبا محبا: لأن ms1701 هناك فارقا بين أن يسخر ~~المسخر ولا يستطيع أن ينفلت عما قدر له أن يعمله، وتلك تؤديها صفة ~~القدرة لله، لكن لم تعط لله صفة المحبوبية لأن المحبوبية أن تكون مختارا ~~أن تطيع ومختارا أن تعصي ثم تطيع، هذه صفة المحبوبية، والله يريد من ~~الإنسان أن يثبت بطاعته صفة المحبوبية له سبحانه، فالإنسان المحب لمولاه ~~برغم أنه مختار أن يفعل الطاعة أولا يفعلها ينحاز بالإيمان إلى جانب ~~الطاعة. # { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه.. } [النساء: 31] ~~كأن الله بعد تكليفاته في أمور الأعراض والأموال وتكليفاته في الدماء من ~~قتل النفس وغيرها، أوضح: إياكم أن تستقبلوا الأشياء استقبالا يجعلكم ~~تيأسون من أنكم قد تعجزون عن التكليف لبعض الأمور، فأنا سأرضى باجتناب ~~الكبائر من المساوئ: فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، والجمعة ~~للجمعة كفارة، ومن رمضان لرمضان كفارة، لكن بشرط ألا يكون عندكم إصرار ~~على الصغائر لماذا؟ لأنك إن قدرت ذلك فقدر أنك لا تقدر على استبقاء حياتك ~~إلى أن تستغفر، فلا تقل: سأفعل الذنب ثم أستغفر، هذه لا تضمنها، وأيضا ~~تكون كالمستهزئ بربه. { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم.. } [النساء: 31] في السيئات ~~يقول: { نكفر عنكم سيئاتكم.. } [النساء: 31] وقلنا: إن " ~~الكفر " هو " الستر " أي يسترها - ومعنى نسترها يعني لا نعاقب عليها، ~~فالتكفير إماطة للعقاب، والإحباط إماطة للثواب. فإن ارتكب إنسان أمرا ~~يستحق عليه عقابا وقد اجتنب الكبائر يكفر عنه الله أي يضع ويستر عنه ~~العقاب، أما من عمل حسنة ولم يقبلها الله، فهو يحبطها، إذن فالتكفير ~~- كما قلنا - إماطة العقاب، و " الإحباط " إماطة للثواب كما في قوله: # فأولئك حبطت أعمالهم.. # [البقرة: 217]. أي ليس لهم على تلك الأعمال ثواب لأنهم فعلوها وليس في ~~بالهم الذي يعطي الثواب وهو الله. بل كان في بالهم الخلق، ولذلك يقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: فعلت ليقال وقد قيل. أنت فعلت ليقال وقد قيل، ~~وقالوا عنك إنك محسن كبير، قالوا: إنك بنيت المسجد، وقرأوا اللافتة التي ~~وضعتها على المسجد وسط احتفال كبير. ويقول الحق: # وقدمنآ ms1702 إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. أنت فعلت ليقال وقد قيل ولذلك فالذين عملوا مثل هذه ~~ووضعوا لافتات من رخام عليهم أن يفطنوا لهذا الأمر، وإن كان الواحد منهم ~~حريصا على أنه يأخذ الثواب من يد الله فليرفع هذه اللافتة ويسترها ~~وتنتهي المسألة، فالله سبحانه وتعالى يحب ممن يتصدق أن يكون كما قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في شأن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ~~ظل إلا ظله منهم: # " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". # فأنت حين تتصدق لماذا تفضح من يتقبل الصدقة. والحق يقول: { إن ~~تجتنبوا.. } [النساء: 31]، و " الاجتناب " هو إعطاء الشيء جانبا، ~~ولذلك يقولون: فلان ازور جانبه عني، أي أنه عندما قابلني أعطاني جانبه، ~~والمراد في قوله: { إن تجتنبوا. # . } [النساء: 31] هو التباعد، والحق ساعة يطلب منك ألا تصنع الحدث ويطلب ~~منك بأسلوب آخر أن تجتنبه، فهذا يدل على أن الاجتناب أبلغ، لأن الاجتناب ~~معناه ألا تكون مع المنهي عنه في مكان واحد فعندما يقول الحق: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان.. # [الحج: 30]. وعندما يقول: # واجتنبوا قول الزور # [الحج: 30]. فاجتنبوه أي: ابتعدوا عنه. لماذا؟ لأن حمى الله محارمه.. ~~وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من ~~الناس فمن اتقى المشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في المشبهات ~~وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه ألا وإن لكل ملك حمى ~~ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه.. ". # والحق يقول: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون # [المائدة: 90]. واجتنابه يكون بألا توجد معه في مكان واحد يخايلك ~~ويشاغلك ويتمثل لك، فعندما تكون مثلا في منطقة الذين يشربون الخمر يقول ~~لك الحق: اجتنبها. أي لا تذهب إليها لأن الخمر عندما توجد أمامك وترى ~~من يشربون وهم مستريحون مسرورون، فقد تشربها، لكن عندما تجتنب الخمر ~~ومجالسها فأنت لا تقع في براثنها وإغرائها، ms1703 ولذلك قلنا: إن الاجتناب أبلغ ~~من التحريم، وهناك أناس يبررون الخمر لأنفسهم ويقولون: إن الخمر لم يرد ~~فيها تحريم بالنص!! نقول لكل واحد منهم: حسبك أن شرب الخمر قرن بالرجس ~~من الأوثان، فالحق يقول: # واجتنبوا الطاغوت.. # [النحل: 36]. فاجتناب الطاغوت ليس معناه ألا تعبده، بل إياك أن تراه، ~~إذن فاجتناب الخمر ليس بألا تشربها، بل إياك أن تكون في محضرها. " ~~والكبائر " جمع " كبيرة " ، وما دام فيه " كبيرة " يكون هناك مقابل لها ~~وهي " صغيرة " و " أصغر " ، فالأقل من " الكبيرة " ، ليس " صغيرة " فقد ~~لأن فيه " صغيرة " ، وفيه " أصغر " من " الصغيرة " وهو " اللمم ". والحق ~~يقول: { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم.. } [النساء: 31] و " السيئات " منوطة بالأمر ~~الصغير وبالأصغر، لكن هذه المسألة وقف فيها العلماء، قالوا: معنى ذلك ~~أننا سنغري الناس بفعل السيئات ما داموا قد اجتنبوا الكبائر فقد يفعلون ~~الصغائر. نقول: لا، فالإصرار على الصغيرة كبيرة من الكبائر لذلك لا تجز ~~الصغائر لنفسك فالحق يكفر ما فلت منك فقط ولذلك يقول الحق: # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب.. # [النساء: 17]. يفعلون الأمر السيىء بدون ترتيب وتقدير سابق وهو سبحانه ~~قال بعد ذلك: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن.. # [النساء: 18]. إذن فمعنى أنك تصر على صغيرة وتكررها إنها بذلك تكون ~~كبيرة، وإن لم نجتنب الكبائر ووقعنا فيها فماذا يكون؟. يقول العلماء ~~الذين جعلهم الله هبات لطف ورحمة على الخلق: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا ~~صغيرة مع الإصرار. فإن أخذت هذه فخذ تلك، خذ الاثنتين، فلا كبيرة مع ~~الاستغفار، ومقابلها لا صغيرة مع الإصرار. وحينما أراد العلماء أن يعرفوا ~~الكبيرة قالوا: الكبيرة هي ما جاء فيها وعيد من الله بعذاب الآخرة، أو ~~جاء فيها عقوبة كالحد مثلا فهذه كبيرة، والتي لم يأت فيها حد فقد دخلت ~~في عداد السيئة المغفورة باجتناب الكبيرة أو الصغيرة أو الأصغر. وأن ~~سيدنا عمرو بن عبيد عالم من علماء البصرة وزاهد من زهادها، وهو الذي ms1704 قال ~~فيه أحد الخلفاء: كلهم طالب صيد غير عمرو بن عبيد، أي أن كل العلماء ~~يذهبون إلى هناك ليأخذوا هبات وهدايا إلا عمرو بن عبيد، إذن فقد شهد له، ~~هذا العالم عندما أراد أن يعرف مدلول الكبيرة، وأصر ألا يعرف مدلولها ~~بكلام علماء، بل قال: أريد أن أعرفها من نص القرآن، الذي يقول لي على ~~الكبيرة يأتيني بنص من القرآن. ودخل ابن عبيد البصري على سيدنا أبي عبد ~~الله جعفر بن محمد الصادق، ونعرف سيدنا جعفر الصادق وهو أولى الناس بأن ~~يسأل لأنه عالم أهل البيت، ولأنه قد بحث في كنوز القرآن وأخرج منها ~~الأسرار وعاش في رحاب الفيض، فقال ابن عبيد: هذا هو من أسأله، فلما ~~سلم وجلس قرأ قول الله سبحانه: # الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا ~~اللمم.. # [النجم: 32]. ثم سكت!! فقال له سيدنا أبو عبد الله جعفر الصادق: ما ~~أسكتك يا بن عبيد؟ قال: أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله. وانظروا إلى ~~الثقة بمعرفة كنوز القرآن، ساعة قال له: " أحب أن أعرف الكبائر من كتاب ~~الله " قال أبو عبد الله: نعم، أي على خبير بها سقطت، أي جئت لمن ~~يعرفها، ثم قال: " الشرك بالله، قال تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء.. # [النساء: 48]. وقال تعالى: # إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة.. # [المائدة: 72]. وأضاف: واليأس من رحمة الله فإن الحق قال: # إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون # [يوسف: 87]. وهكذا جاء سيدنا أبو عبد الله جعفر الصادق بالحكم وجاء ~~بدليله، وأضاف: ومن أمن مكر الله لأنه سبحانه قال: # فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون # [الأعراف: 99]. والكبيرة الرابعة: عقوق الوالدين لأن الله وصف صاحبها ~~بأنه جبار شقي قال تعالى: # وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا # [مريم: 32]. وقتل النفس. قال تعالى: # ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا ~~فيها.. # [النساء: 93]. وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات. قال تعالى: # إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ~~لعنوا في الدنيا والآخرة ms1705 ولهم عذاب عظيم # [النور: 23]. وأكل الربا. قال تعالى: # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم ~~الذي يتخبطه الشيطان من المس.. # [البقرة: 275]. والفرار يوم الزحف، أي إن هوجم المسلمون من أعدائهم وزحف ~~المسلمون فر واحد من الزحف. فقد قال تعالى في شأنه: # ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ~~أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله ~~ومأواه جهنم وبئس المصير # [الأنفال: 16]. وأكل مال اليتيم. قال تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا # [النساء: 10]. والزنى. قال تعالى: # ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب ~~يوم القيامة ويخلد فيه مهانا # [الفرقان: 68-69]. وكتمان الشهادة. قال تعالى: # ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه.. # [البقرة: 283]. واليمين الغموس وهو أن يحلف إنسان على شيء فعله وهو لم ~~يفعله أو أقسم أنه لم يفعله، وهو قد فعله، أي القسم الذي لا يتعلق بشيء ~~مستقبل. قال تعالى: # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا ~~يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم # [آل عمران: 77]. والغلول أي أن يخون في الغنيمة. قال تعالى: # ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة.. # [آل عمران: 161]. وشرب الخمر لأن الله قرنه بالوثنية. قال تعالى: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون # [المائدة: 90]. وترك الصلاة لأن الله قال: # ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين # [المدثر: 42-43]. ونقض العهد، وقطيعة الرحم وهو مما أمر الله به أن ~~يوصل. قال تعالى: # الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ~~ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض أولئك هم الخاسرون # [البقرة: 27]. إذن فكل هذه، هي الكبائر بنص القرآن، وكل كبيرة معها ~~حكمة، عرضها لنا سيدنا ابن عبيد لأنه خاطب عالما، فإذا ما نظرنا إلى ~~الاستنباط الذي جاء به سيدنا ابن سيدنا " جعفر الصادق " عندما سأله، ثم ~~يجيبه بهذا الترتيب وبشجاعة من يقول ms1706 لابن عبيد " نعم " أي إن جوابك ~~عندي، ثم يذكرها رتيبة بدون تفكير، وهذا دليل على أنها مسألة قد اختمرت ~~في ذهنه، وخصوصا أنها ليست آيات رتيبة مسلسلة متتابعة! بل هي آيات ~~يختارها من هنا ومن هناك، مما يدل على أنه يعايش أسرار القرآن. لقد نشأ ~~هذا الرجل في بيت سيدنا جعفر الصادق وهو الذي وضع للمؤمن منهجا بحيث لا ~~يصيبه شيء في نفسه إلا وجد له علاجا ودواء في كتاب الله، إنه وجد أن ~~الزوايا التي تعكر على الإنسان أنه يخاف من شيء، والذي يخاف من شيء ~~يكون هذا الشيء - غالبا - محدودا معروفا. # أنا أخاف من الشيء الفلاني، ولكن واحدا يصيبه غم وهم لا يدري سببه، ~~فيقول لك: أنا مغتم دون أعرف السبب. إذن ففيه انقباض لا يعرف سببه، ~~وهناك مثلا إنسان يكيد له أناس كثيرون ويمكرون ويأتمرون به، وهناك ثالث ~~يحب الدنيا ويريد أن تكون الدنيا عنده، كل هذه هي مشاغل النفس البشرية: ~~أن تخاف من شيء، أن تغم من شيء، أن تشفق من مكر بك وكيد لك، أن تتطلب ~~أمرا من أمور الدنيا، وسيدنا جعفر هو الذي قال: عجبت لمن خاف ولم يفزع ~~إلى قول الله سبحانه: # حسبنا الله ونعم الوكيل # [آل عمران: 173]. انظر لاستنباط الدليل، الذي يقوله سيدنا جعفر: فإني ~~سمعت الله بعقبها يقول: # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء.. # [آل عمران: 174]. انظر دقة الأداء، يقول: سمعت الله، ولم يقل: قرأت، كأن ~~الإنسان ساعة يقرأ قرآنا لابد أن يتأكد أن الله هو الذي يتكلم. وجلال ~~القديم يغطي على جدية الحادث، فالذي يقرأ أمامك حادث، لكنه يقرأ كلام ~~الله، إذن فجلال القديم يغطي على جدية الحادث. ويضيف سيدنا جعفر: وعجبت ~~لمن اغتم ولم يفزع إلى قول الله سبحانه: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87]. ثم يقول: فإني سمعت الله يعقبها يقول: # فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي ~~المؤمنين # [الأنبياء: 88]. ويضيف سيدنا جعفر: وعجبت لمن مكر به ولم يفزع إلى ~~قول الله ms1707 سبحانه: # وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد # [غافر: 44]. فإني سمعت الله بعقبها يقول: # فوقاه الله سيئات ما مكروا.. # [غافر: 45]. وعجبت لمن طلب الدنيا كيف لا يفزع إلى قول الله سبحانه: # ما شآء الله لا قوة إلا بالله.. # [الكهف: 39]. فإني سمعت الله بعقبها يقول: # إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا * فعسى ربي أن ~~يؤتين خيرا من جنتك.. # [الكهف: 39-40]. هذه هي الاستنباطات الإيمانية، والاستنباطات هنا ~~والاستنباطات هناك، وإذا ما نظرت إلى الاستنباطات التي قالها سيدنا جعفر ~~تجدها تغطي زوايا النفس الاجترائية لأن التكليف حينما يأتي يحد حركة ~~الإنسان عن الشهوات، فالآيات جاءت لتحد من الاجتراء، وتجدها تأخذ بالقمة ~~من أول الاجتراء على الوحدانية في الألوهية إلى قطيعة الرحم، وقد غطت ~~الآيات كل جوانب الاجتراءات في النفس البشرية، أول اجتراء: هو الشرك لأنه ~~قال: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] والظلم الذي نعرفه: أنك تحكم بشيء للغير وليس من حقه، ~~فبالله عندما تحكم أن ربنا له شريك، أليس هذا أعظم الظلم، وهو ظلم لنفسك، ~~فإياك أن تظن أنك تظلم الله لأن ربنا أغنى الشركاء عن الشرك ولذلك يقول ~~في الحديث القدسي: # " أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته ~~وشركه ". # إن هذا ظلم لنفسك لأنك حين تعتقد أن لله شركاء فقد أتعبت نفسك تعب ~~الأغبياء. واقرأ قول الله: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا.. # [الزمر: 29]. فعبد مملوك لعشرة أسياد، وياليت العشرة الأسياد متفقون، بل ~~هذا يقول له: اذهب، وهذا يقول له: تعال، إذن فقد أتعب نفسه وأرهقها. إذن ~~فقد ظلمها. قال تعالى: # ولكن الناس أنفسهم يظلمون # [يونس: 44]. إن الإيمان بإله واحد يجعلك غير خاضع إلا لوجهة واحدة، ولا ~~أوامر من جهة أخرى أبدا، إذن فقد أرحت نفسك، وهذه قضية يثبتها الواقع ~~لأن الله قد أنزل في قرآنه المحفوظ المتلو المقروء: # لا إله إلا أنا.. # [طه: 14]. فالمؤمن يقول: هذه كلمة صدق، والكافر يقول - والعياذ بالله -: ~~هذه الكلمة غير صدق، ms1708 والمسألة على أي تقدير منتهية، واحد جاء وأخذ الكون ~~وقال: لا يوجد إله إلا أنا، والذي أخذ منه الكون إله ولكن أعلم أن ~~الكون أخذ منه أم لم يعلم بذلك؟ إن لم يكن قد دري تكون مصيبة في هذا ~~الإله، وإن كان قد درى فما الذي أسكته؟ فالمسألة - إذن - محلولة، هذه ~~مسألة الشرك. إن الإيمان بوحدانية إله جاءت لتريح النفس البشرية من كثرة ~~تلفتاتها إلى آلهة متعددين، إنه هو الحق، وهو الذي ينفع ويضر، إنكم حين ~~تكونون لإله واحد كمثل العبد يكون لمالك واحد، أما عندما تعبدون آلهة ~~متعددين تكونون كمثل العبد الذي له شركاء وياليتهم متفقون بل هم مختلفون. ~~بعد ذلك يأتي في المرحلة الثانية وهي: اليأس من روح الله، و " الروح ~~" من " الرائحة " وهي النسيم، فساعة تكون في ضيق والجو حار تلتفت لتجد ~~واحة فتأوي إلى ظلها وهوائها وتلجأ إلى حضنها، هذه الراحة يعطيها الله ~~لمن لا ييأس من روح الله فتعطيه صلابة إيمانية لاستقبال أحداث الحياة ~~لأن الحياة أغيار، وأحداثها متعددة، وللعالم وللكون الظاهر سنن في ~~الأسباب والمسببات. هب أن أسبابك ضاقت بشيء ولم يعد عندك أسباب له ~~أبدا، فالذي لا يؤمن بإله قوي يخرق الأسباب، ماذا يفعل؟ ينتحر كما قلنا. ~~إذن فاليأس من روح الله هو من جعل قوة الله العليا التي خلقت النواميس ~~متساوية مع النواميس بحيث إذا ضاقت وعزت أسبابها البشرية في شيء يئس ~~منها، أما المؤمن فنقول له: أنت لا تيأس لأنك مؤمن بإله قادر فوق ~~النواميس فالذي ييأس من روح الله كأنه يعطل طلاقة القدرة الإلهية على ~~النواميس الكونية، إن الله، هو خالق هذه النواميس. فعندما ييأس إنسان من ~~روح الله، يكون قد سوى الله - بطلاقة قدرته - بالنواميس، إن الذي تأباه ~~النواميس فسبحانه قادر أن ييسره. # وبعد ذلك جاء ب " عقوق الوالدين " وهما الخلية الأولى التي يواجهها ~~الإنسان، وهما السبب المباشر في إيجادك لأنك حين تعق وتعصي من كان ~~سببا مباشرا لوجودك تكون قد عققت وعصيت من كان سببا مباشرا لوجودك، ~~وهو ms1709 الله الذي لم تره، إذن فاحترامهما والبر بهما ليس - فقط - لأنهما ~~سبب في وجودك وإنما - أيضا - لأنهما ربياك صغيرا فعليك بالبر بهما، ~~وهذا يحثك ويدفعك إلى أن تحفظ الجميل لمن كان سببا في إيجادك، ~~وتربيتك، وعندما ترقيها وتتساءل: من أوجد أباك؟ جدك؟ ومن أوجد جدك؟ ~~تصل إلى أين؟ لا يمكن أن تكون لها نهاية إلا أن تتصل بمن لا نهاية له، ~~وهو أن الله قد خلق آدم. ثم قال: قتل النفس، والقتل هو نقض بنية الكائن، ~~وهو يختلف عن الموت، فالموت أن يموت الإنسان وبنيته سليمة، لكن إن تلقى ~~ضربة على رأسه فهو يموت منها، هذا هو نقض البنية سواء أكان الضرب بحجر أم ~~برصاصة أم بأي شيء. ولنقرأ القرآن بإمعان، إن الحق يقول: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم.. # [آل عمران: 144]. فالموت هو سلب الحياة بدون نقض بنية، وهذا لا يجريه ~~إلا الله، إنما القتل بهدم البنية، فأي إنسان يستطيع أن يفعله، فتخرج ~~الروح بإذن الله، وليس معنى ذلك أن أحدا عجل بأجل القتيل، لا، ولكنه ~~تدخل في بنيان أقامه الله فهدمه، ولو لم يتدخل أحد في بنيان الله ليهدمه ~~لكان أجله قد جاء. إذن فالقاتل يعاقب لأنه تدخل في هدم البنية وهو يعرف ~~أن هذه الروح لا تحل إلا في بنيان له مواصفات خاصة تقتضي أن يكون المخ ~~سليما، وكذلك القلب، وبقية أجزاء الجسم. لكن حين يجيء الأجل يموت ~~الإنسان ولو لم ينقض أحد البنية. وضربنا مثلا لنقرب هذا الأمر - ولله ~~المثل الأعلى: إن هذه الروح نشبهها بالكهرباء، فأنت لا تعرف الروح ولم ~~ترها ولم تسمعها ولم تشمها ولم تذقها، إذن فبأي وسيلة من وسائل الإدراك ~~أنت لا تعرفها. لكنك تعرف أنها تدير حياة جسمك كله، بدليل أن الروح عندما ~~تسحب من الجسم يصير رمة. وقد جعلها الله كدليل ذاتي في النفس البشرية ~~على وجود إله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، تقول: لا نرى الله. ~~نقول لك: ms1710 نعم، فهو سبحانه يقول: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]. إن الحق لا يطالبك بأن تبصر ما في الكون فقط من آيات، ~~بل إن الأدلة لا تتعداك أنت أولا، فروحك التي تدير جسمك أين هي؟ ما ~~شكلها؟ ما لونها؟ ما رائحتها؟ أتعرف؟ لا، ولكنها موجودة فيك وأنت لا ~~تراها، فكيف تطلب أن ترى إلها وقد خلق شيئا لم تقو على أن تراه؟ أمخلوق ~~لا تقدر أن تراه، وبعد ذلك تريد أن ترى خالقه. # إذن فمن عظمته أنه لا يدرك، ويقول الحق سبحانه وتعالى عن لحظة تنزل ~~الروح في الجسم: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [ص: 72]. لأنه سيكون إنسانا سويا، فإن شبهنا تلك الروح بالكهرباء - ~~ولله المثل الأعلى - هل تعرف ما هي هل رأيتها؟. لم ترها، هل أحد عرفها؟ ~~الذين اكتشفوها، أعرفوا ما هي؟ لم يعرفوا، إنما نعرفها بآثارها، فساعة ~~نرى المصباح منيرا نقول: جاءت الكهرباء، وساعة تدور المروحة تقول: ~~الكهرباء جاءت. إذن فأنت تعرفها بآثارها، كذلك تعرف الشخص أنه مات عندما ~~لا تجد له حركة. وعندما تخف الحركة وتخفت يقولون: خذ الحركة من شيء إن ~~وقف يكون الموت، وليس من اليد، لأن اليد قد لا تتحرك لإصابتها بالشلل، ~~بينما الإنسان ما زال حيا ولذلك هات المرآة وضعها أمام مخرج النفس، فإن ~~وجدت بخارا على المرآة فهذا يعني أن هذا الإنسان ما زال حيا، وفيه روح، ~~وكذلك عندما ينكسر المصباح الكهربائي فالكهرباء لا تعمل عملها لأن ~~الكهرباء لا تظهر إلا في قالب من هذا النوع، زجاجة مفرغة الهواء مصنوعة ~~بشكل خاص إن انكسرت أو تلفت يذهب النور. إذن فعندما نهدم الجسم لا تجد ~~الروح الوعاء الذي تظهر فيه، فكذلك المصباح الكهربائي إن انكسر تكون ~~الكهرباء موجودة في الأسلاك إنما لا يوجد نور، وعندما تأتي بمصباح جديد ~~يأتي النور، كذلك الروح لا تظهر إلا في الجسد الذي له مواصفات خاصة، هذا ~~وإن القتل هو دليل عجز القاتل، لأن القاتل حين يقتل خصمه فهذه شهادة منه ~~أنه أعجز من خصمه، ms1711 صحيح أنه قد قدر عليه وضربه وأماته وهذا مظهر قدرة ~~بشرية حمقاء. لكن في الواقع أن هذا عجز. إن معنى القتل ونقض الحياة أن ~~القاتل يعلن أمام الملأ أنه لا يستطيع أن يواجه حركة حياة خصمه، ولا ~~يرتاح إلا إذا مات هذا الإنسان، إذن فقد شهد القاتل حين يقتل بعجزه. فلو ~~علم القاتل أن قتله لنفس أخرى ليس دليل قدرة وقوة له ولكنها شهادة عجز، ~~وأنه لا يمكن أن يواجه حياة هذا الحي إلا بأن يميته لما قتله، والحق يحمي ~~النفس البشرية من القتل حتى لا يكون أي إنسان مهددا، وحتى لا تتعطل ~~الخلافة التي أرادها الله في الكون. ثم تأتي كبيرة أخرى وهي: قذف ~~المحصنات الحرائر، ونعرف أن ركنا من أركان المجتمع السليم أن تظل ~~الحرائر مصونات كي لا يعاني النشء والنسل الذي ينسل منهم من ظن الريبة ~~والعار، وحين لا تظن النفس البشرية بريبة فهي تواجه الحياة بمنتهى ~~طلاقتها وبمنتهى قدرتها لذلك فالذي يحب أن تشيع الفاحشة ويقذف المحصنات ~~والحرائر بغير ما اكتسبن فهو يحدث زلزلة في المجتمع، زلزلة في نسب أفراد ~~المجتمع، ويضار بها من ليس له ذنب، ويضار بها الأولاد الصغار، وما ~~ذنبهم وقد قال تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى.. # [فاطر: 18]. وبعد ذلك قال: أكل الربا لأن الربا يصنع خللا اقتصاديا ~~فهو يحمل غير الواجد أن يزيد ثروة الواجد. والزنى كبيرة من الكبائر ~~والحق يقول: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # [الإسراء: 32]. فالزنى يجعل العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة استمتاع ~~فقط، والعلاقة الأولى التي أرادها الله حينما أوجد حواء لآدم هي أن تكون ~~المرأة سكنا وليست أداة استمتاع فقط، والاستمتاع إنما جاء لحفظ النوع ~~وأطلقه في النفس البشرية لأن آثار هذا الاستمتاع تبعتها طويلة من تربية ~~للأطفال الذين تطول طفولتهم ويحتاجون لرعاية، ولو لم يربطها بهذا ~~الاستمتاع لكان كثير من الناس يزهد في الأولاد. وكذلك الفرار يوم الزحف ~~كبيرة من الكبائر، لأن الفرار يصنع خللا في المجتمع الإيماني لأن معنى ~~الزحف أن أعداء ms1712 الإسلام أغاروا علينا، وما داموا قد أغاروا علينا فكل ~~مسلم يقف على ثغرة من ثغور الإسلام، حتى لا يمكن أعداء الإسلام من ديار ~~الإسلام، ولتظل كلمة الله هي العليا، ففرار المسلم يعطي أسوة على ضعف ~~الإيمان في النفس، ولذلك لا تغتروا بأن هذا صار مؤمنا وذاك صار مؤمنا، ~~فلو كان مؤمنا حقا ووثق بالغاية فهو لا يهاب القتال لأنه إن قتل صار ~~شهيدا ومبشرا من الله بكذا وكذا لذلك فالفرار في يوم الزحف يعطي أسوة ~~سيئة ليس في الحرب فقط، بل سيعطي شيوع خلخلة إيمانية في النفس البشرية، ~~والحق سبحانه وتعالى أوضح أن المؤمن عندما يدخل الحرب يرغب في أحد أمرين ~~كلاهما حسن: النصر أو الشهادة، فقال سبحانه: # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين.. # [التوبة: 52]. والمؤمن يتربص بالكافر ليحقق ما قاله الله: # ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من ~~عنده أو بأيدينا.. # [التوبة: 52]. فإذا كان الحق سبحانه وتعالى يريد من المؤمن أن يثبت يقين ~~إيمانه بأن يفقد الحياة التي هي سبب التمسك بمظاهر الحياة لأنه ذاهب ~~لحياة أحسن، ولكن الحق سبحانه وتعالى لا يحب للمؤمنين أن يقدموا على ~~عمليات انتحارية إلا حين تكون هناك مظنة للنصر بدليل قوله الحق: # ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ~~أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله.. # [الأنفال: 16]. فالإنسان لا يدخل في معركة وهو غير مستعد لها، أو ليس ~~لديه مظنة النصر، إنه إن فعل ذلك فإنما ينقص المسلمين واحدا، فماذا ~~أفادنا؟ إن على المؤمن أن يقبل على الاستشهاد بثمن يخصه وهو الجنة، وبثمن ~~يبقي للجماعة الأمان أو النصر. وبعد ذلك قال: واليمين الغموس. واليمين ~~الغموس تمثل قضية من قضايا خلل المجتمع لأن اليمين الغموس هي السبب الذي ~~يغمس صاحبه في النار لأنه حلف على شيء أنه كان وهو لم يكن، أو على شيء لم ~~يكن وهو قد كان، وبهذا يتسلل الكذب إلى الصدق، ولا يعرف القاضي التمييز ~~حين يفصل في الحقوق، هناك إنسان يكذب ويشهد ويحلف اليمين أن هذا ms1713 حدث ~~ويؤدي ذلك إلى ضرر بالغير، فمن يريد أن يظلم لن يعدم شاهدين على باب ~~المحكمة يحلفان له، عندئذ يصبح الإنسان غير مطمئن إلى حركة حياته ولا إلى ~~مصالحه. # وتأتي كبيرة أخرى وهي الغلول. وتعني أن المسلمين حين يلتحمون بأعدائهم ~~ويأخذون منهم الغنائم وهي ما نسميها " السلب " ، وهي أسلحة الأعداء وما ~~عندهم من أشياء، فبالله من يدخل معركة بهذا الشكل ويجد غنيمة ويأخذها، ~~أيكون قد نقض عملية الحرب في سبيل الله أم لا؟ إنه ينقض عملية الحرب في ~~سبيل الله، إن الحرب في سبيل الله شرعت لتكون كلمة الله هي العليا، ولذلك ~~يقول الحق: # ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة.. # [آل عمران: 161]. لقد قلنا: إن كان قد غل بقرة، فسيحملها يوم القيامة، ~~وسيكون لها خوار. وإن غل في أسمنت فسيأتي حامله يوم القيامة، ومن غل في ~~حديد أو استورد لحوما فاسدة أو سمكا نتنا فإنه سيأتي وهو يحمله يوم ~~القيامة. ثم تأتي كبيرة وهي شهادة الزور. فشهادة الزور أيضا ركن من ~~أركان فساد المجتمعات كلها لأنها لا تجعل المؤمن مطمئنا على حقه. أما ~~السحر فهو كبيرة تهدد المجتمع بما يفزع كيانه لأنه ينتهي إلى قوة خفية، ~~إذ ليس أمام الذي يتعرض للإصابة به عدو مباشر يواجهه، حتى يرتب لنفسه ~~الحماية منه. ولذلك يقول الحق سبحانه: # ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من ~~خلاق.. # [البقرة: 102]. أي ليس له نصيب في الآخرة، وربما يقول قائل: إذا كانت ~~هذه مضرة السحر في هدم كيان المجتمع وتفزيعه، فلماذا وجد؟ نقول له: إن ~~الكائنات مخلوقة لله، وكل كائن له قانون، وقد يكون قانون كائن أخف وأسرع ~~من قانون آخر، فأفراد الجنس الواحد محكومون بقانون واحد. وحين يوجد ~~لأفراد الجنس الواحد قانون يحكم حركته يكون قد وجد في ذلك الجنس تكافؤ ~~الفرص، بمعنى أن لك فرصة هي لغيرك. أما أن توجد لك فرصة ولا توجد لغيرك، ~~فهذا يمثل خللا في تكافؤ الفرص في الجنس الواحد. إن تكافؤ الفرص هو ~~الأمر الذي يحمي المجتمع، ms1714 بأن تكون فرصك أنت وفرصي أنا متساوية، فيكون ~~صاحب الحركة في مادة الكون هو الذي يتغلب، وبذلك لا آخذ أنا فرصة غير ~~موجودة عندك. فتكافؤ الفرص هو الذي يرحم البشرية. وإذا كانت قوة الشرق ~~تتمثل في الشيوعية في روسيا قد سقطت وبقيت قوة في الغرب تتمثل في أمريكا، ~~فهناك قوي جديدة تحاول أن تعدل الميزان، اليابان، ألمانيا الموحدة، ~~وأوروبا التي تبحث عن الوحدة، وكل ذلك من أجل أن تتوازن القوى في الفرص ~~المادية الموجودة. # وهذا هو ما يحمي الكون من الدمار لأن أي واحد يفكر في أي شر جارف يخاف ~~من رد الفعل، ويخاف أن يردوا عليه بشر أشد، ولو تيقنوا أن واحدة أقوى من ~~الأخرى لجاء الخراب، إذن فحماية الجنس البشري إنما تنشأ من تكافؤ الفرص ~~بين أفراده، ولكن الإنسان جنس، والجن جنس آخر، والإنس والجن مكلفان من ~~الله، فعنصر الاختيار موجود فيهما، ولذلك حكى القرآن: # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ~~فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى ~~الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا # [الجن: 1-2]. وعندما قسموا قال القرآن: # وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرآئق ~~قددا # [الجن: 11]. إذن فهم مثلنا.. لكنهم لهم قانون ولنا قانون: # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم.. # [الأعراف: 27]. إذن فقانون الجن أنه يرى الإنسان، والإنسان لا يراه، ~~وقانونه أخف من قانون الإنسان لأن كل جنس يستمد قانونه من جرثومة تكوينه ~~الأولى، فنحن البشر مخلوقون من طين.. أي أن لنا مادية محسة وكثيفة. والجن ~~مخلوق من النار، والمخلوق من مادة الطين مثلنا، النبات والحيوان، تفاحة ~~مثلا مخلوقة من مادة الطين لأنها أخذت عناصر غذائها وتكوينها من تربة ~~الأرض وخصوبتها. هب أنها خلف جدار وأنت جالس. أيتعدى طعمها لك؟ أتتعدى ~~رائحتها لك؟ أيتعدى لونها لك؟ لا، إذن فالجرمية المحيزة لا تجعلك تنتفع ~~به. لكن هب أن نارا موضوعة وراء الجدار، وبعد مضي مدة ستشعر بالحرارة، ~~أي أن الحرارة قد نفذت. والجن له شفافية وله خفة في قانونه وفي ms1715 انتقاله ~~ولا توجد مثل هذه الشفافية والخفة للإنسان، ولذلك لاحظوا أن الحق سبحانه ~~وتعالى حينما أراد أن يبين لنا هذا، ضرب لنا المثل بسيدنا سليمان عليه ~~وعلى نبينا السلام الذي سخر الله له الجن: # يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وجفان ~~كالجواب وقدور راسيات.. # [سبأ: 13]. وحينما اجتمع في جنوده ومن حوله من الناس قال: # مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغآئبين # [النمل: 20]. وبعد ذلك جاءه الهدهد وقال له: # أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين ~~* إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ~~ولها عرش عظيم # [النمل: 22-23]. وهذا كله ليس بمهم، إنما المهم هو قول الهدهد: # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله.. # [النمل: 24]. وهذا ما يهم سيدنا سليمان كرسول. فسيدنا سليمان يتميز بأنه ~~رسول وملك، فجاء بالملكية أولا: # إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ~~ولها عرش عظيم # [النمل: 23] هذه مقومات الملك، أما المسألة التي تهم سيدنا سليمان: # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله.. # [النمل: 24]، والسجود للشمس من دون الله ضايق الهدهد وهو الطائر، كأن ~~الهدهد عارف لقضية التوحيد وقضية الإيمان بدليل أنه غضب، ثم يقول: # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السماوات والأرض.. # [النمل: 25]. إذن فهو يعرف من الذي يستحق السجود، ولاحظ أنه جاء ب " ~~الخبء " لأن طعامه دائما من تحت الأرض، ينقر ويخرج رزقه. واستمرت ~~القصة حتى قال سليمان لمن يجلس معه: # أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين # [النمل: 38]. وهذا يدل على أن سليمان عليه السلام كان على علم بأن بلقيس ~~- ملكة سبأ - في الطريق إليه، ومعنى أن يقول: # أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين # [النمل: 38] معناها أن الذي يتصدى لهذا الأمر عليه أن يذهب من عند بيت ~~المقدس إلى اليمن ويحل ويحمل العرش ويأتي به قبل أن تأتي بلقيس. بالله ~~هل من قانون بشري يأتي به؟ وكيف ذلك؟. ولذلك لم يتكلم إنسي عادي، ~~فالإنس العادي يعرف أن قانونه البشري لا يقدر على تلك المهمة، لأن ms1716 سليمان ~~قال: # قبل أن يأتوني.. # [النمل: 38]، وما دام قال ذلك فقد علم أنهم في الطريق. فهل يذهب إنسان ~~عادي ويحل العرش ويحمله ويأتي به قبل أن يأتوا؟ لا، ولذلك عرفنا من هذه ~~قول الحق: # ولا تقف ما ليس لك به علم.. # [الإسراء: 36]. وهنا يتصدى أحد الأذكياء من الجن قائلا: # قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم ~~من مقامك وإني عليه لقوي أمين # [النمل: 39]. ومن يقول ذلك ليس بجن عادي، فالجن أيضا فيهم عفاريت ~~أذكياء وفيهم من هو عاجز قليل الذكاء، مثل الإنسان، ومن قال ذلك أكد ~~أنه قادر على أن يأتي بعرش بلقيس قبل أن يقوم سليمان من مقامه، فكم يمكث ~~من الوقت؟ لا نعرف، ترى هل يجلس سليمان مع القوم ساعتين أو ثلاث ساعات ~~لا نعرف، إذن فتأخذ هذه العملية زمن مقامه، لكن ها هو ذلك الإنسي الذي ~~أعطاه الله فتحا من الكتاب وعلما يقول: # قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك.. # [النمل: 40]. الإنسي العادي لم يتكلم، والعفريت من الجن قال: # أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك.. # [النمل: 39] أما الإنسي الذي أعطاه الله الفتح من الكتاب فقد قال: # أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك.. # [النمل: 40] ولذلك انظر إلى الأداء العاجل في القرآن أداء الحركة: # فلما رآه مستقرا عنده.. # [النمل: 40]. فالمسألة حدثت على الفور. والمهم لنا هنا أن نعرف أن الجن ~~قال: # أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك.. # [النمل: 39]، ومنها نعرف أن له قانونا في الحركة والسرعة، والإنسان ~~الذي وهبه الله علما بالكتاب له قدرة وحركة. إذن فكل جنس من الأجناس له ~~القانون المناسب له. وقد يقف بعض الناس كما وقف كثير من سطحيي المفكرين ~~قائلين: ما الجن والملائكة والعالم الخفي الذين تحدثوننا به؟ نقول: ألا ~~تؤمن إلا بالمحس بالنسبة لك؟ فما رأيك في الميكروبات التي ظهرت الآن ~~بعدما اخترع المجهر؟ لقد كانت موجودة، أكنت تعرفها؟ لقد كانت غيبا عنك، ~~فلماذا لا تأخذ من ms1717 أن شيئا لم يكن موجودا تحت حسك وغير مدرك بإدراكك، ~~كان موجودا وكنت لا تملك آلة إدراكه، لماذا لا تأخذ من ذلك دليلا على ~~وجود أجناس غير مدركة، وعندما يحدثك القرآن عن هذه الأجناس غير المدركة ~~تتساءل عنها؟ فما المشكلة في هذا؟ وبعد ذلك عندما يقول سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: # " وإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ". # قد تتساءل: وهل الشيطان يجري مجرى الدم، أهو سائل أم ماذا؟ نقول: هو خلق ~~لطيف خفي له قانونه الخاص، فربنا فضح الفكر الملحد وفضح التشكيك في ~~الغيبيات التي يذكرها الله، واكتشفنا أن هناك مخلوقات هي الميكروبات، وهي ~~من الجنس المادي من الطين، لكنها ضئيلة جدا، وماذا يفعل الميكروب؟ إنه ~~ينفذ في الجسم ولا تدري أنت به وهو داخل في جسمك، وبعد ذلك ماذا يفعل في ~~حرارتك؟ وماذا يفعل في جسمك؟- فعندما يقول لك الرسول المبلغ عن الله: إن ~~الشيطان سيجري منك مجرى الدم فما التناقض في هذا؟ إذا كان هناك شيء من ~~مادتك ضئيل ولا تعرف كيف دخل، ولا تشعر به وهو داخل، ثم يقلب ميزانك في ~~الحرارة ويمارس العبث بكل جسمك، فتهيج الكرات البيضاء لتقاومه وتخرج ~~الصديد. أي تناقض إذن؟ إن ربنا ترك من غيبيات كونه المادي ما يثبت صدقه ~~في التحدث بغيبيات أخرى: # قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك.. # [النمل: 40]، لقد جاء الحق بواحد من الإنس حتى لا يظن الجن أنه أخذ خفة ~~قانونه وشفافيته وسرعته من عنصر تكوينه بل إنه أخذها بإرادة المكون - ~~سبحانه - إذن فالمسألة ليست عنصرية بل هي إرادة الله إنه - جلت قدرته - ~~أوضح: أنا أستطيع أن أجعل من الجنس القوي بقانونه وهو الجن محكوما لواحد ~~من الإنس، ويجعله يعمل ما يريده. ولم يطلقها الله كطاقة ممنوحة لكل البشر ~~حتى لا تحدث فتنة عند من يعرفها لأنها ستعطيه فرصة ليست موجودة عند ~~غيره. وقد يطغى بها وهذا هو السحر. وأوضحنا ذلك عند قوله سبحانه: ms1718 # واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ~~وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ~~يعلمون الناس السحر ومآ أنزل على الملكين ~~ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر.. # [البقرة: 102]. فتنة، لماذا؟، لأنك تأخذ فرصة ليست موجودة لغيرك، وعندما ~~توجد عندك فرصة ليست موجودة لغيرك فأنت لا تضمن نفسك أن تستعملها في ~~الضار فقد تستعملها في ذلك فستذهب بك إلى النار. # والحق يقول: # فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن ~~الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم.. # [البقرة: 102]. إذن فالحق سبحانه وتعالى من طلاقة قدرته يعطي للجنس ~~الضعيف وهو الإنسان شيئا يستطيع به أن يسخر الأقوى وهو الجن، والجن ~~يعرف هذه الحكاية. ولذلك فكل الذين يتمثل لهم الجن لا يأتي ويدوم بل ~~يأتي لمحة خاطفة لأنه لا يستطيع أن يستقر على صورته التي يتمثل فيها، ~~فلو تمثل بإنسان أو بحيوان مثلا لحكمته الصورة، وإن حكمته الصورة، ~~واستطاع من يراه أن يطلق عليه رصاصة من " مسدسه " لقتله! ولذلك فالجن ~~يأتي لمحة مثل ومضة البرق ويختفي، إنها طلاقة قدرة الحق التي يمكن أن ~~تعطي للجنس الأقل - الإنسان - قوة القدرة على أن يسخر الجنس الأقوى - ~~الجن -، لكن هذه ليست في مصلحة الإنسان، ولذلك فالمؤمن من الجن يقول: ~~أنا أكتفي في جنسي بقانوني، فربما يجعلني عدم تكافؤ الفرص طاغيا، لأن ~~من يملكون هذه القدرة يطغون في الناس. والذي يقوم بعمل تكره به المرأة ~~زوجها ويكره به الزوج امرأته هو نفسه من يحل مثل هذ العمل، ومن ~~مصلحته أن تستمر هذه الحكاية. ولذلك لا أحد يتغلب على تلك المسألة إلا ~~إذا استحضر قول الحق: # وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله.. # [البقرة: 102] فالسحر وارد بنص القرآن، لكن يجب أن تعلم أن هذه ليست ~~طبيعية في السحرة ولا ذاتية فيهم، وإذا أراد الله ألا يضار الإنسان ~~بالسحر فلن ينفع السحر، وإن اتسعت المعرفة بهذا الأمر تكون فتنة للناس، ~~والذي يتبع هؤلاء ms1719 السحرة ويذهب لهم ليفكوا له السحر، ويذهب لهم ليسحروا ~~له الخصوم، وينفتن فيهم يعيش طوال عمره مرهقا مصداقا لقوله الحق: # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا # [الجن: 6]. صحيح أنهم يقدرون أن يسحروا، لكن ذلك السحر يزيد المتسبب فيه ~~رهقا وتعبا. وعلى المؤمن أن يحمي نفسه بهذا الدعاء: " اللهم قد أقدرت ~~بعض خلقك على السحر، واحتفظت لذاتك بإذن الضر، فأعوذ مما أقدرت عليه بما ~~احتفظت به ". عندئذ لن يخافهم ولن يجدوا سبيلا لهم إليه، فهم يستغلون ~~الضعيف فقط، والسحر يوجد عدم تكافؤ فرص، ويفتن الناس في الناس، ويؤدي ~~إلى إخلال توازن المجتمع. وبعد ذلك تجيء كبيرة منع الزكاة، والحق سبحانه ~~وتعالى حين يطلب منا أن نزكي، إنما يلفتنا إلى أننا لم نأت بشيء من ~~عندنا فالعقل الذي يخطط للعمل مخلوق لله، والجوارح التي تعمل مخلوقة لله، ~~والأرض التي تعمل فيها أو الصنعة التي نصنعها مخلوقة لله. إذن فكل حاجة ~~لله، لكنه أوضح لك: سأحترم عملك، وعليك أن تعطي أخاك الفقير بعضا مما ~~رزقتك به. # ويقول قائل: ما دام هو رب الكل، فلماذا يترك واحدا فقيرا؟ نقول: ~~لكي يثبت الأغيار في الكون، ويعرف الغني أن الفقر قد يلحقه، ويعرف ~~القوي أن الضعف قد يلحقه، إذن فالمسألة جاءت لنظام الكون، فيحنن الخالق ~~قلب الواجد على المعدم ليعطيه، فيوم تمنع الزكاة يظهر أثر ذلك في الكون ~~لأنها مسألة محسوبة بحساب دقيق، ولذلك فإذا رأيت واحدا جوعان بحق فاعرف ~~أن واحدا ضيع زكاته فلم يؤدها، وإن رأيت عورة في المجتمع فاعرف أن فيه ~~حدا مضيعا لله، لأن ربنا جعل المجتمع متساويا والنقص هنا يكمله من ~~هناك، فإن رأيت نقصا عاما فاعرف أن فيه حقا لله مضيعا. وبعد ذلك ~~حدثنا سيدنا جعفر الصادق عن كبيرة ترك الصلاة، ونعرف أن الصلاة هي إعلان ~~دوام الولاء للإله الواحد، فأنت تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله مرة واحدة في العمر، وتزكي إن كنت واجدا وقادرا مرة واحدة في ~~السنة، وتحج ms1720 مرة واحدة في العمر، وتصوم شهرا واحدا في السنة، وإن كنت ~~مريضا لا تصوم وقد يسقط عنك هذا الركن إذا كان هناك مرض لا يرجى شفاؤه ~~أو أصبح الشخص لا يقوى على الصوم لكبر سنه، وإذا كنت فقيرا لا تزكي، فقد ~~سقطت الزكاة عنك أيضا، وإن كنت غير مستطيع فلا تحج ويسقط عنك الحج. ها ~~هي ذي ثلاثة أركان لك عذر إن لم تفعلها. وبقي ركنان اثنان من أركان ~~الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والصلاة، ~~وشهادة أن لا إله إلا الله يكفي أن تقولها في العمر مرة، فماذا بقي من ~~أركان الإسلام؟ بقيت الصلاة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " الصلاة عمود الدين ". # إذن فترك الصلاة معناه: أنه تمرد على إعلان العبودية والولاء للحق. وقد ~~طلبها الله في اليوم خمس مرات، وحتم الجماعة فيها في يوم الجمعة في ~~الأسبوع. لماذا؟ حتى يرانا كل العبيد لله عبيدا لله. فلا يعبد واحد ربنا ~~سرا وبعد ذلك لا يرى أحد منا أحدا فكلنا نسجد لله ولا بد من إعلان ~~الولاء لله، فيوم تترك الصلاة ينعدم إعلان الولاء له - سبحانه -. ومن ~~العجيب أن الصلاة فرضها الله عليك بأنك تذهب له خمس مرات في اليوم، هذا ~~بالأمر والتكليف، وإن لم تذهب تأثم إنه ما أغلق الباب اذهب له في أي وقت ~~تجده في استقبالك في أي مكان تقف وتقول: الله أكبر تكون في حضرة ربنا، ~~وقلنا سابقا: إن من له السيادة في الدنيا حين تطلب لقاءه تقدم طلبا ~~حتى تلقاه، ويحدد لك الميعاد، وبعد ذلك يسألك أحد رجاله: ستتكلم في ماذا، ~~وقد يقف المسئول أو السيد في الدنيا وينهي المحادثة، لكن ربنا ليس كذلك، ~~أنت تذهب له في أي وقت وفي أي زمان وتطيل كما تحب ولن ينهي المقابلة إلا ~~إذا أنهيتها أنت. # ولذلك يقولون: # حسب نفسي عزا بأني عبد # يحتفي بي بلا مواعيد رب # هو في قدسه الأعز ولكن # أنا ألقى متى وأين أحب # صحيح هو يأمرني أن ms1721 ألقاه خمس مرات في اليوم، لكن الباب مفتوح للقائه في ~~أي وقت، وأوضحنا سابقا - ولله المثل الأعلى - هب أن صنعة تعرض على ~~صانعها خمس مرات كل يوم - أيوجد فيها عطب؟ لا. وأنت تعرض على خالقك ~~وصانعك كل يوم خمس مرات. والصنعة العادية يصلحها صانعها بسلك أو بمسمار ~~أو بوصلة يضعها، أما أنت المخلوق لله وربك غيب وهو يصلح جهازك بما يراه ~~مناسبا. وبعد ذلك بقي من الكبائر نقض العهد وقطيعة الرحم، ونقض العهد لا ~~يجعل إنسانا يثق في وعد إنسان آخر. فينتشر التشكك في نفوس الجماعة ~~الإيمانية بعضها من بعض، والوعد قد يحل مشاكل للناس المعسرين، فعندما ~~يقول قادر لغير قادر: أعدك بكذا. ويعطيه ما وعده به، فإن وعده المدين ~~بسداد الدين وأخلفه مرة فلن يصدقه بعد ذلك. وإن وعده وصدق ثم وعده وصدق ~~ثم وعده وصدق، يصبح صادقا، وكل ما عند الناس يصبح عنده، ولذلك يقولون: ~~من يأخذ ويعطي يكون المال ماله. وبعد ذلك تأتي كبيرة قطيعة الرحم: لأن ~~الحق سبحانه وتعالى اشتق للرحم اسما من اسمه فهو القائل في الحديث ~~القدسي: " أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها ~~وصلته ومن قطعها قطعته ". ونعلم جميعا حكاية سيدنا معاوية عندما دخل ~~عليه الحاجب وقال له: يا أمير المؤمنين هناك واحد بالباب يقول: إنه أخوك، ~~فيقول معاوية للحاجب: أي إخوتي هو؟ ألا تعرف إخوتي؟ فقال الحاجب: إنه ~~يقول: إنه أخوك. فلما دخل الرجل، سأله معاوية: أأنت أخي؟ قال: نعم فقال ~~معاوية: وأي إخوتي أنت؟. فقال: أنا أخوك من آدم! فقال معاوية: رحم ~~مقطوعة، لأكونن أول من وصلها. تلك هي الكبائر التي ذكرها سيدنا جعفر ~~الصادق وهي تمثل ما يمكن أن يكون نقضا للمجتمع كله من أساسه، فكل كبيرة ~~تنقض ناحية من نواحي المجتمع، وهذا يخالف الإيمان، لأن الإيمان هو منهج ~~إن اتبعناه جميعا عشنا في أمن. والإسلام أيضا منهج إن اتبعناه جميعا ~~عشنا في سلام، فيوم تأتي - أيها المسلم - كبيرة من هذه الكبائر فأنت ~~تزلزل بها ركنا ms1722 من الأركان، وحينئذ لا يكون هناك أمان ولا سلام، ولذلك ~~يقول الحق سبحانه: { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون ~~عنه.. } [النساء: 31] وعندما ندقق في كلمة " تنهون عنه " نلتفت إلى أن ~~أصل الفضائل: أن تسلب نقيصة وأن توجب كمالا، فقبلما توجب الكمال ~~بالأوامر اسلب النقائص بالنواهي ولذلك يقولون: التخلية قبل التحلية. # { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم.. } [النساء: 31] و " نكفر " أي نستر، لأن الكفر ~~هو الستر، وقلنا: إن التكفير للذنوب إماطة للعقاب، والإحباط إماطة ~~للثواب، { وندخلكم مدخلا كريما } [النساء: 31] فلن نسقط ~~عنكم العذاب فقط بل نعطيكم المدخل الكريم - يقول الحق: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة.. # [يونس: 26]. وقد كان يكفي ألا تعاقب، لكنك حينما تتجنب الكبائر لا يسقط ~~عنك العقاب فقط، بل يدخلك الله مدخلا كريما، والمدخل الكريم يتناسب مع ~~من يدخلك في مدخله، فانظر، إلى المدخل الكريم من الله وما شكله؟ يقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر واقرأوا إن شئتم: { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من ~~قرة أعين } ". # وبذلك تنتقل الصورة إلى شيء جديد، وهو: التوازن بين أفراد الجنس ~~الإنساني، كل هذا الكلام كي يحفظ الجنس الإنساني مع بعضه، وبعد ذلك يريد ~~الله أن يقيم توازنا ومصالحة إيمانية بين نوعي الجنس الإنساني، والجنس ~~الإنساني فيه ذكورة وفيه أنوثة. ونعرف أن كل جنس من الأجناس لا ينقسم إلى ~~نوعين إلا إذا كان فيه قدر مشترك يجمع النوعين من الجنس، وفيه شيء مفترق ~~يجعل هذا نوعا وهذا نوعا ولو لم يكن فيه شيء مفترق لما كان نوعين، إذن ~~فما دام الجنس الواحد نوعين فلا بد أن يجمعهما في شيء مشترك، وما دام ~~الجنس الواحد قد انقسم لنوعين فكل نوع له مهمة. والذكورة والأنوثة هما ~~نوعان لجنس البشر، فالذكر والأنثى يشتركان في مطلوبات الجنس، وبعد ذلك ~~ينفردان في مطلوبات النوع، وبعد ذلك كل نوع ينقسم إلى أفراد. والأفراد ~~أيضا ليسوا مكررين، بل فيه ms1723 قدر مشترك يجمع كل الأفراد، وبعد ذلك كل واحد ~~له موهبة وله ريادة وله شطارة في مجال كذا أو كذا، وبذلك يتكامل أفراد ~~الجنس البشري. وما دام الجنس البشري قد انقسم لنوعين، فيكون للرجال ~~خصوصية وللنساء خصوصية. وربنا سبحانه وتعالى لا يأتي حتى في البنية ~~العامة ليجعل الجنسين مستويين في خصائص البنية، صحيح البنية واحدة: رأس ~~وجذع وأرجل، إنما يأتي ويميز بنية كل نوع بشيء، الرجل له شكل مميز، ~~والمرأة لها شكل مميز. ولذلك فالذين يقولون: نساوي الرجل بالمرأة أو ~~المرأة بالرجل نقول لهم: المرأة لها تكوين خاص، والرجل له تكوينه الخاص، ~~فإذا ساويت المرأة بالرجل أعطيت لها مجالات الرجل، وبقيت مجالاتها التي ~~لا يمكن للرجل أن يشاركها فيها، معطلة لا يقوم بها أحد. إذن فأنت حملتها ~~فوق ما تطيق وأنت مخطئ لأنك تأتيها بمتاعب أخرى. # إن الحق سبحانه وتعالى ساعة يخلق جنسا، وساعة يقسم الجنس إلى نوعين، ~~يوضح: تنبهوا أن كل نوع له مهمة وفيه شيء مشترك، المشترك بين الأنوثة ~~والذكورة، ما هو؟ إن هذا إنسان وذلك إنسان، وإن هذا من ناحية الإيمان ~~مطالب منه أن يكون له عقيدة إيمانية ولا أحد يسيطر على الآخر في عقيدته ~~الإيمانية، الأثنان متساويان فيها، ولا يفرضها واحد على الآخر، وضرب الله ~~سبحانه وتعالى لنا مثلا على تشخص الذكورة وتشخص الأنوثة في الأمر الأولي ~~للإيمان، وإن اختلفت في الأمر الثانوي للأحكام، فيقول: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين # [التحريم: 10]. وهذان رسولان، ومع ذلك لم يستطيعا إقناع زوجتيهما ~~بالتوحيد إذن فكل إنسان له حرية العقيدة والتعقل، ولا أحد تابع لآخر في ~~هذه المسألة أبدا. ويقول الحق: # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون ~~إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني ~~من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين # [التحريم: 11]. فرعون الذي ادعى الألوهية لم يقدر أن يرغم امرأته على أن ~~تكفر ms1724 والحق سبحانه وتعالى قال فيها: # إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ~~ونجني من فرعون وعمله.. # [التحريم: 11]. إذن ففي مسألة العقيدة الكل فيها سواء، الذكورة ~~والأنوثة، فيها عقل وفيها تفكير. ولعل المرأة تشير برأي قد يعز على كثير ~~من الرجال. ولنا المثل من زوج رسول الله أم سلمة وموقفها في صلح الحديبية ~~فعندما يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ليعقد المعاهدة، ويحزن أصحابه ~~ومنهم عمر رضي الله عنه الذي قال: أنقبل الدنية في ديننا فيقول له سيدنا ~~أبو بكر: الزم غرزك يا عمر إنه رسول الله. فدخل رسول الله مغضبا، طبعا ~~من حمية عمر وحزن الصحابة، لأنها مسألة تعز على النفس البشرية، لكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يذهب فيجد أم سلمة فيقول لها: هلك المسلمون # " ألا ترين إلى الناس آمرهم بالأمر فلا يفعلونه وهم يسمعون كلامي ~~وينظرون وجهي؟ فقالت يا رسول الله: لا تلمهم فإنه قد داخلهم أمر عظيم مما ~~أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح يا نبي الله ~~اخرج إليهم ولا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك ". # لقد وقع رسول الله صلح الحديبية وانتهت المسألة، ولكن رحمة الله ~~بالمؤمنين الذين وقفوا أمام رسول الله في هذه المسألة، ورحمة الله لهم ~~بأم سلمة أوضح لهم الرسول: سأبين لكم: أنتم لو دخلتم مكة وفيها أناس ~~مسلمون لا تعرفونهم إنهم يكتمون إيمانهم وإسلامهم، والبيت الكافر قد يكون ~~فيه واحد مسلم، وقد تقتلون أناسا مسلمين لا تعرفونهم فتصيبكم معرة أي ما ~~تكرهونه ويشق عليكم مصداقا لقول الحق تعالى: # ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم ~~تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو ~~تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا ~~أليما # [الفتح: 25]. لو تزيلوا أي لو تميز المؤمنون في منطقة لعاقبنا الكافرين ~~عقابا شديدا. إذن لقد أوضح لهم العلة، فرضي الكل، ولنا أن نلتفت إلى أن ~~المسألة جاءت من سيدتنا أم سلمة، وهذا دليل على أن ms1725 الله لا يمنع أن يكون ~~لامرأة عقل وتفكير ناضج، ولذلك نجد القرآن يؤكد ذلك في قصة بلقيس، لقد ~~فكرت بلقيس في الرجل الآتي ليزلزل ملكها: يا ترى هل هو طالب ملك، فجاء ~~على لسانها في القرآن الكريم. # قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ~~* إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم * ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين * قالت ~~يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة ~~أمرا حتى تشهدون # [النمل: 29-32]. فماذا قال القادة؟ قالوا: لا، هذه ليست مسألتنا، وجاء ~~القرآن بقولهم: # قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر ~~إليك فانظري ماذا تأمرين # [النمل: 33]. كان رجل الحرب يؤتمر فقط، يحارب أو لا يحارب، لكن الذي ~~يقدر هذا هم الساسة الذين ليس عندهم حمية وحركية القتال. نقول لقائد ~~الجند: أنت تنتظر الأمر، وتجعل الساسة الهادئين يفكرون في عواقب الأمور ~~لذلك قال قادة الجند لبلقيس: # نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك.. # [النمل: 33] لقد وضعوا الأمر في رقبتها وهي امرأة، ففكرت: سأجرب وأختبره ~~وأنظر أهو طالب ملك أم صاحب دين - فأرسلت هدية له، فلما جاءته الهدية ~~جاء القرآن بما قاله سيدنا سليمان عندما تلقى الهدية: # أتمدونن بمال فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم ~~بل أنتم بهديتكم تفرحون # [النمل: 36]. فعرفت بلقيس أن الملك ليس هدفه، وبعد ذلك عرفت أنه صاحب ~~رسالة، فقالت: أذهب له وأسلم، انظر أداء العبارة القرآنية عندما تصور ~~إيمان ملكه قالت: # وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين # [النمل: 44]. يعني: أنا وهو أصحبنا عبيدا لله، هذه رفعة الإيمان فلا ~~غضاضة ما دامت هي وهو عبيدا لإله واحد، وبلقيس امرأة ولم يحرمها ربنا من ~~الرأي الحسن أيضا ومن الأداء الجميل، وهي عندما ذهبت ووجدت عرشها وقد ~~جاء به من عنده علم من الكتاب وأقامه، لقد تركت العرش في بلدها وجاءت ~~إلى سليمان فوجدت عرشها، وكان لابد أن يلتبس عليها الأمر، وقالوا لها: ~~أهكذا عرشك؟: # فلما جآءت قيل أهكذا عرشك.. # [النمل: 42]. فأجابت إجابة دبلوماسية وكياسة: # قالت كأنه هو.. # [النمل: 42]. هي ms1726 امرأة ولم يحرمها الله من تميز الفكر لذلك لا يصح أن ~~نحرم المرأة من أن يكون لها فكر. لكن المهم أن تعلم أن لها حدودا في ~~إطار نوعيتها، ولا تعتبر النقص في شيء للرجل أنه نقص فيها، فإذا ما كان ~~عندها كمال لا يوجد عند الرجل فلتعلم أنه حتى في البنية يختلف الرجل عن ~~المرأة الرجل فيه خشونة وفيه صلابة وفيه قوة، والمرأة فيها رقة وفيها ~~ليونة ومستميلة، ولها عاطفة فياضة، وفيض حنان، والرجل فيه صلابة حزم ~~وعزم، إذن فكل واحد معد لمهمة. # فلا يقولن أحد: أنا ناقص في هذه، لكن انظر غيرك إنه ناقص في ماذا وهو ~~عندك أيضا كامل. ويأتي الدين ليوضح: يا مؤمنون، الحرير حرام على الذكور ~~وحلال للإناث الذهب حرام على الذكور وحلال للإناث، أي تدليل أكثر من هذا؟ ~~لقد حرم على الرجال التمتع بالحرير والذهب وأعطاهما للنساء، والدين يطلب ~~أن تكون المرأة سكنا للرجل، فالمفروض أن الرجل هو الذي يتحرك حركة ~~الحياة خارجا، وعندما يعود لمنزلة فهو يسكن لزوجه، والذي يصقل السيف ~~ويحده، مثل الشجاع الذي يضرب به تماما كل له عمل يكمل عمل الآخر، وكذلك ~~الرجل عندما يدخل منزله ويجد حياته مرتبة بفضل جهد زوجته فهو يرتاح ويشكر ~~لها ما شاركته من أعباء الحياة. ويقول الحق من بعد ذلك: { ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به... }. ### || [4.32] # الحق سبحانه وتعالى خلق الكون وفيه أجناس، وكل جنس يشمل أنواعا أو ~~نوعين، وتحت كل نوع أفراد. فإذا ما رأيت جنسا من الأجناس انقسم إلى ~~نوعين، فاعلم أنهما يشتركان في مطلوب الجنس، ثم يختلفان في مطلوب النوع، ~~ولو كانا متحدين لما انقسما إلى نوعين. كذلك في الأفراد. وإذا نظرنا إلى ~~الجماد وجدنا الجماد جنسا عاما ولكنه انقسم إلى عناصر مختلفة، لكل عنصر ~~من هذه العناصر مهمة مختلفة، فمثلا إذا أردنا إقامة بناء، فهذا البناء ~~يتطلب رملا، ويتطلب أسمنتا، ويتطلب آجرا، ويتطلب حديدا، فجنس الجماد ~~كله مشترك في إقامة البناء، ولكن للأسمنت مهمة، وللجبس مهمة، وللرمل ~~مهمة، وللمرو - وهو ms1727 الزلط - مهمة، فلا تأخذ شيئا في مهمة شيء آخر. وكذلك ~~انقسم الإنسان إلى نوعين، إلى ذكورة تتمثل في الرجال، وإلى أنوثة تتمثل ~~في النساء، وبينهما قدر مشترك يجمعهما كجنس، ثم بينهما اختلاف باختلاف ~~نوعيهما. فلو أردت أن تضع نوعا مكان نوع لما استطعت. إذن فمن العبث أن ~~يخلق الله من جنس نوعين، ثم تأتي لتقول: إن هذا النوع يجب أن يكون مثل ~~هذا النوع. وأيضا نعرف ذلك عن الزمن، فالزمن ظرف للأحداث، أي أن كل حدث ~~لا بد له من زمن، لكن لكل زمن حدث يناسبه. فالزمن وهو النهار ظرف للحدث ~~في زمنه، والليل أيضا ظرف للحدث في زمنه. ولكن الليل حدثه السكون ~~والراحة، والنهار حدثه الحركة والنشاط. فإن أردت أن تعكس هذا مكان هذا ~~أحلت وجمعت بين المتناقضين. لقد أوضحنا أن الله يلفتنا إلى شيء قد نختلف ~~فيه بشيء قد اتفقنا عليه، فيبين لك: هذا الذي تختلف فيه رده إلى المتفق ~~عليه. فالزمن لا خلاف في أنك تجعل الليل سكنا ولباسا وراحة وهدوءا، ~~والنهار للحركة. وكل الناس يصنعون ذلك. فالحق سبحانه وتعالى يوضح: كما ~~جعل الزمن ظرفا لحركة إلا أن حركة هذا تختلف عن حركة هذا، وهل معنى ذلك ~~أن الليل والنهار نقيضان أو ضدان أو متكاملان؟ إنهما متكاملان لأن راحة ~~الليل إنما جعلت لتصح حركة النهار. فأنت تنام وترتاح لتستأنف نشاطا ~~جديدا. إذن فالليل هو الذي يعين النهار على مهمته، ولو أن إنسانا ~~استيقظ ليلة ثم جاء صباحا لما استطاع أن يفعل شيئا. إذن فما الذي أعان ~~حركة النهار؟ إنه سكون الليل، فالحق سبحانه وتعالى بين: أن ذلك أمر متفق ~~عليه بين الناس جميعا متدينين وغير متدينين، فإذا اختلفتم في أن الذكورة ~~والأنوثة يجب أن يتحدا في العمل والحركة والنوع نقول لكم: لا، هذا أمر ~~متفق عليه في الزمن، فخذوا ما اتفقتم عليه دليلا على صحة ما اختلفتم ~~فيه. ولذلك ضرب الله المثل فقال: # والليل إذا يغشى # [الليل: 1]. فعندما يغشى الليل يأتي السكون، وقال الحق بعد ذلك: # والنهار ms1728 إذا تجلى # [الليل: 2] # وما خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى # [الليل: 3-4]. أي أن لكل جنس مهمة. وهكذا نعرف أن الإنسان ينقسم إلى ~~نوعين: الذكورة والأنوثة وفيهما عمل مشترك وخاصية مشتركة. وأن كلا منهما ~~إنسان له كرامة الإنسان وله حرية العقيدة فلا يوجد رجل يرغم امرأة على ~~عقيدة، وضربنا المثل بامرأة نوح وامرأة لوط وامرأة فرعون. إذن فالقدر ~~المشترك هو حرية الاعتقاد، فلا سلطان لنوع على نوع، وكذلك حرية التعقل في ~~المهمات، وعرفنا كيف أن أم سلمة - رضي الله عنها - أشارت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية إشارة أنقذت المسلمين من انقسام ~~فظيع أمام حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرفنا قصة بلقيس - ملكة ~~سبأ - التي استطاعت أن تبرم أمرا تخلى عنه الرجال، إذن فمن الممكن أن ~~يكون للمرأة تعقل وأن يكون للمرأة فكر، وحتى قبل أن يوجد الإسلام كانت ~~هناك نساء لهن أصالة الرأي، وحكمة المشورة في نوع مهمتها. فمثلا يحدثنا ~~التاريخ أن ملك " كندة " سمع عن جمال امرأة اسمها " أم إياس " بنت عوف بن ~~محل الشيباني، فأراد أن يتزوجها، فدعا امرأة من " كندة " يقال لها: " ~~عصام " وكانت ذات أدب وبيان وعقل ولسان، وقال لها: اذهبي حتى تعلمي لي ~~علم ابنة عوف. أي أرسلها خاطبة. فلما ذهبت إلى والدة " أم إياس " واسمها ~~" أمامة بنت الحارث " وأعلمتها بما جاءت له. وأرسلت الأم تستدعي الابنة ~~من خيمتها، وقالت لها: هذه خالتك جاءت لتنظر إلى بعض شأنك فلا تستري عنها ~~شيئا أرادت النظر إليه من وجه وخلق وناطقيها فيما استنطقتك به. فلما ~~اختلت " عصام " بالبنت فعلت مثل ما أمرتها أمها. وكشفت للخاطبة " عصام " ~~عن كل ما تريد من محاسنها، فقالت الخاطبة كلمتها المشهورة: " ترك الخداع ~~ما انكشف القناع " ، وصار هذا القول مثلا، أي أن القناع عندما يزول يرى ~~الإنسان الحقيقة، وعادت الخاطبة " عصام " إلى الملك فسألها: ما وراءك يا ~~" عصام " إنه يسأل: أي خبر جئت به من عند " أم إياس "؟. فقالت: أبدى ~~المخض عن الزبد. والمخض هو: ms1729 هز الحليب في القربة ليفصل الزبد عن اللبن. ~~وذلك يعني أن رحلتها قد جاءت بنتيجة. فقال لها: أخبريني. قالت: أخبرك ~~حقا وصدقا. ووصفتها من شعرها إلى قدمها وصفا أغرى الملك. فأرسل إلى ~~أبيها وخطبها وزفت إليه. وفي ليلة الزفاف نرى الأم العاقلة توصي ابنتها ~~في ميدان عملها، في ميدان أمومتها، في ميدان أنوثتها، قالت الأم لابنتها: ~~" أي بنية، إن النصيحة لو تركت لفضل أدب لتركت لذلك منك - أي أنها كأم ~~تثق في أدب ابنتها ولا تحتاج في هذا الأمر لنصيحة - ولكنها معونة للغافل ~~وتذكرة للعاقل. # إنك غدا ستذهبين إلى بيت لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه. فكوني له أمة ~~يكن لك عبدا. واحفظي عني عشر خصال تكن لك ذخرا ". وانظروا إلى الخصال ~~التي استنبطتها المرأة من ميزان رسالتها، تستمر كلمات الأم: " أما الأولى ~~والثانية: فالمعاشرة له بالسمع والطاعة والرضا بالقناعة، وأما الثالثة ~~والرابعة: فالتعهد لموقع عينه وموضع أنفه فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا ~~يشم منك إلا أطيب ريح. والخامسة والسادسة: التفقد لوقت طعامه والهدوء عند ~~منامه فإن تنغيص النوم مغضبة، وحرارة الجوع ملهبة. أما السابعة والثامنة: ~~فالتدبير لماله والإرعاء على حشمه وعلى عياله. وأما التاسعة والعاشرة: ~~فألا تفشي له سرا ولا تعصي له أمرا فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، ~~وإن عصيت أمره أوغرت صدره، وإياك بعد ذلك والفرح إن كان ترحا والحزن إن ~~كان فرحا ". فذهبت أم إياس بهذه النصائح إلى زوجها وأنجبت له البنين ~~والبنات وسعدت معه وسعد معها. تلك نصيحة من أم تدل على منتهى التعقل، ~~ولكن في أي شيء؟. في ميدان مهمتها. إذن فالمرأة يمنحها الله ويعطيها أن ~~تتعقل ولها ميدان ولا يأتي هذا التعقل غالبا إلا في ميدانها. لأن ميدان ~~الرجل له حركة تتطلب الحزم، وتتطلب الشدة، والمرأة حركتها تتطلب العطف ~~والحنان والأمثال في حياتنا اليومية تؤكد ذلك، إن الرجل عندما يدخل بيته ~~ويحب أن ينام، قد يأتي له طفله صارخا باكيا، فيثور الأب على زوجته ويسب ~~الولد ويسب أمه، وقد يقول ألفاظا ms1730 مثل: " اكتمي أنفاسه إني أريد أن ~~أستريح ". وتأخذ الأم طفلها وتذهب تربت على كتفه وتسكته، ويستجيب لها ~~الطفل، فهذه مهمة الأم، ولذلك نجد أن الأحداث التاريخية العصيبة تبرز ~~الرجل في مكانه والمرأة في مكانها. فمثلا: سيدنا إبراهيم عليه السلام ~~أسكن هاجر وابنها إسماعيل بواد غير ذي زرع، قالت له: أتتركنا في مكان ~~ليس فيه حتى الماء، أهذا نزلته برأيك أم الله أنزلك فيه؟. قال لها: ~~أنزلني الله هذا المكان. فقالت له: اذهب كما شئت فإنه لا يضيعنا. هذه ~~المهمة للمرأة. هاجر مع طفل في مكان ليس فيه مقوم الحياة الأول وهو ~~الماء، فانظروا عطفها وحنانها، ماذا فعلت؟ لقد سعت بين الصفا والمروة، ~~صعدت الجبل إلى أن أنهكت قواها. إن الذي يذهب إلى الحج أو العمرة ويجرب ~~الأشواط السبعة هذه يعرف أقصى ما يمكن أن تتحمله المرأة في سبيل ابنها ~~لأن هذا موقف عطف وحنان، ابنها يريد أن يشرب. وكأن الله قال لها: إنك قد ~~سعيت ولكني سأجعل رزقك من حيث لا تحتسبين، أنت سعيت بين الصفا والمروة، ~~والماء ينبع تحت قدمي ولدك. # إذن فصدقت في قولها: إنه لا يضيعنا، ولو أن سعيها جاء بالماء لظننا ~~جميعا أن السعي هو الذي يأتي بالماء، ولكن اسع ولا تعتقد في السعي، بل ~~اعتقد في الرزاق الأعلى، تلك مسألة ظاهرة في أمنا هاجر. وحينما جاء موقف ~~الابتلاء بالذبح، اختفت هاجر من المسرح، وجاء دور سيدنا إبراهيم بحزمه ~~وعزمه ونبوته. ورأى في الرؤيا أنه يذبح ابنه، أين أمه في هذا؟ اختفت من ~~المسرح لأن هذا موقف لا يتفق مع عواطفها وحنانها. إذن فكل واحد منهما له ~~مهمة. والنجاح يكون على قدر هذه المهمة. ولذلك يقول الحق: { ولا ~~تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض.. } ~~[النساء: 32] فساعة ترى جنسا أخذ شيئا وجنسا آخر أخذ شيئا، إياك أن ~~تشغل بالك وتتمنى وتقول: " أريد هذه " ، ولكن اسأل الله من فضله لأن كلمة ~~{ ولا تتمنوا.. } [النساء: 32] هي نهي عن أن تتمنى ما فضل الله ~~به بعضا على بعض، ms1731 ولذلك يقول: { واسألوا الله من فضله.. } ~~[النساء: 32]. وما دمت تسأل الله من فضله فهنا أمل أن يعطيك. وقد يرى ~~البعض هنا مشكلة فيتساءل: كيف ينهانا الله عن أن نتمنى ما فضل الله به ~~بعضنا على بعض فقال: { ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~بعضكم على بعض.. } [النساء: 32] مع أن فضل الله من شأنه أن ~~يفضل بعضنا على بعض بدليل قوله: # ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات.. # [الأنعام: 165] فضلا على أنني أطمع في أن أسأل الله ليعطيني لأنه - ~~سبحانه - ما أمرنا بالسؤال إلا ليعطينا. ونقول: لا، التمني عادة أن تطلب ~~شيئا يستحيل أو لم تجر به العادة، إنما السؤال والدعاء هو مجال أن تأتي ~~إلى شيء تستطيع الحصول عليه، فأوضح: لا تذهب إلى منطقة التمني، ولذلك ~~ضربوا المثل للتمني ببيت الشاعر: # ألا ليت الشباب يعود يوما # فأخبره بما فعل المشيب # تمنى الشاعر أن يعود الشباب يوما فهل هذا يتأتى؟ إنه لا يتأتى. أو أن ~~يقول قائل: ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها، هل يمكن أن يحدث ذلك؟ لا. ولكن ~~هذا القول يدل على أن هذا الشيء محبوب وإن كان لم تجر به العادة، أو هو ~~مستحيل، إذن فالسؤال يجب أن يكون في حدود الممكن بالنسبة لك. والحق يوضح: ~~لا تنظروا إلى ما فضل الله به بعضكم على بعض. وما دام الله قد فضل بعضا ~~على بعض فليسأل الإنسان لا في منطقة ما فضل الله غيره عليه ويطلبه لنفسه ~~ويسلبه من سواه، ولكن في منطقة أن توفق في إبراز ما فضلك الله به ولذلك ~~نجد الحق في آيات التفضيل يقول: # والله فضل بعضكم على بعض في الرزق.. # [النحل: 71]. وما هو الرزق؟ هل هو نقود فقط؟ لا، بل الرزق هو كل ما ~~ينتفع به، فالحلم رزق، والعلم رزق، والشجاعة رزق، كل هذا رزق، وقوله ~~الحق: { ما فضل الله به بعضكم على بعض.. } [النساء: ~~32] يجعلنا نتساءل: من هو المفضل ومن هو المفضل عليه؟ لأنه قال: { ~~بعضكم.. } [النساء: 32]. لم يبينها لنا، إذن فبعض مفضل وبعض مفضل ~~عليه. ms1732 وسؤال آخر: وأي بعض مفضل وأي بعض مفضل عليه؟ إن كل إنسان هو فاضل ~~في شيء ومفضول عليه في شيء آخر، فإنسان يأخذ درجة الكمال في ناحية، ~~وإنسان يفتقد أدنى درجة في تلك الناحية، لكنه يملك موهبة أخرى قد تكون ~~كامنة ومكتومة. وهذا يعني التكامل في المواهب، وهذا التكامل هو أسنان ~~الحركة في المجتمع. لننتبه إلى التروس، نحن نجد الترس الزائد يدخل في ~~الترس الأقل، فتدور الحركة، لكن إذا وضعنا ترسا زائدا مقابل ترس زائد ~~مثله فلن تحدث الحركة. إذن فلابد أن يكون متميزا في شيء والآخر متميزا ~~في شيء آخر فيحدث التكامل بينهما، ومثل ذلك قلنا: الليل والنهار، الليل ~~يعينني على حركة النهار، وقلنا: إن السيف في يد الفارس يضرب به ويقتل، ~~ولو لم يسنه خبير في الحدادة ويشحذه ويصقله لما أدى السيف مهمته، وقد لا ~~يستطيع هذا الخبير في صقل السيوف الذهاب للمعركة، وقد يخاف أن يضرب ~~بالسيف، لكن له فضل مثل فضل المحارب بالسيف. إن كل واحد له مهمة يؤديها، ~~والأقدار تعطي الناس مواهبهم المتكاملة وليست المتكررة المتعاندة، وما ~~دامت المواهب متكاملة فلا أحسد من تفوق علي في مجال ما لأنني أحتاج ~~إليه، وهو لا يحسدني إن تفوقت عليه في موهبة أو عمل لأنه يحتاج إلي، إذن ~~فأنا أريده أن يتفوق، وهو يريدني أن أتفوق، وذلك مما يحبب الناس في نعم ~~ومواهب الناس، فأنا أحب النعمة التي وهبها الله للآخر، وهو يحب النعمة ~~والموهبة التي عندي. مثال ذلك عندما نجد رجلا موهوبا في تفصيل الملابس ~~ويحيك أجود الجلابيب فالكل يفرح به، وهذا الرجل يحتاج إلى نجار موهوب ~~ليصنع له بابا جيدا لدكانه، ومن مصلحة الاثنين أن تكون كل نعمة عند ~~واحد محمودة، ولذلك سمانا الله " بعضا " و " بعضا " ويتكون الكل من بعض ~~وبعض، فأنت موهوب في بعض الأمور ولا تؤدي كل الأمور أبدا، ولكن بضميمة ~~البعض الآخر نملك جميعا مواهب بعضنا بعضا. ويتابع الحق: { للرجال ~~نصيب مما اكتسبوا وللنسآء نصيب مما ~~اكتسبن.. } [النساء: 32] فمهمة النجاح للرجل أو ms1733 المرأة هو أن يكون ~~كل منهما صالحا ومؤديا للمهمة التي خلق من أجلها، بعد ذلك يكون حساب ~~الثواب والعقاب وكل واحد على قدر تكليفه. # فالثواب والعقاب يأتي على مقدار ما يقوم كل مخلوق مما كلف به. والمثال ~~على اختلاف مهمة الرجل عن مهمة المرأة، يتجلى في أننا نجد الرجل عندما ~~تغضب امرأته أو تمرض، ويكون عنده ولد رضيع، فهل يستطيع هو أن يرضع الطفل؟ ~~طبعا لا لأن لكل واحد مهمة فالعاقل هو من يحترم قدر الله في خلقه، ~~ويحترم مواهب الله حين أعطاها، وهو يسأل الله من فضله، أي مما فضله به ~~ليعطي له البركة في مقامه. وحين يقول الحق: { ولا تتمنوا ما ~~فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب ~~مما اكتسبوا وللنسآء نصيب مما اكتسبن.. } ~~[النساء: 32] نلحظ أن هذه تساوي تلك تماما. { واسألوا الله من ~~فضله إن الله كان بكل شيء عليما } [النساء: 32] ~~ومن واسع علمه سبحانه أنه وزع المواهب في خلقه حتى يتكامل المجتمع ولا ~~يتكرر لأن تكرار المجتمع هو الذي يولد الشقاق، أما تكامله فيولد الوفاق، ~~وسبب نزول الآية { ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~بعضكم على بعض.. } [النساء: 32] أن النساء قلن: إننا لم يكتب ~~علينا الجهاد وأعطانا ربنا نصف الرجل من الميراث، وقد أوضح الحق من قبل ~~للمرأة أنها أخذت نصف الرجل لأنها محسوبة على غيرها ولن تصرف وتنفق من ~~دخلها على نفسها، بل سيصرف الرجل وينفق عليها، والمسألة بذلك تكون عادلة. ~~وكذلك قال الرجال: ما دام الله قد فضلنا في الميراث، وأعطانا ضعف نصيب ~~المرأة فلعله يفضلنا في الآخرة ويعطينا ضعف ثوابها، فيصنع الرجل العمل ~~الواحد ويريد الضعف!. وانظر لذكاء المرأة، حينما قالت: ما دام ربنا ~~أعطانا نصف ميراثكم فلماذا لا يعطينا نصف العقوبة إذن؟ فأوضح لهم الله: ~~اهدأوا { ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم ~~على بعض.. } [النساء: 32] أي أن على كل واحد أن يرضى بما قسمه الله ~~له. وبعد ذلك يقول الحق: { ولكل جعلنا موالي... }. ### || [4.33] # وساعة ترى لفظة " لكل " وتجدها منونة، ms1734 فاعرف أن هناك حاجة مقدرة، وأصلها ~~" لكل إنسان " ، وحذف الاسم وجاء بدلا منه التنوين، مثل قوله: # فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ ~~تنظرون # [الواقعة: 83-84]. ونجد التنوين في " حينئذ " أي حين بلغت الروح ~~الحلقوم، فحذف حين بلغت الروح الحلقوم وعوض عنها التنوين في " حينئذ " ~~إذن فالتنوين جاء بدلا من المحذوف. وقول الحق: { ولكل جعلنا ~~موالي.. } [النساء: 33]، و " الموالي " جمع " مولى ". وقبل أن تنزل ~~آيات الميراث، آخى النبي بين الأنصار والمهاجرين، فكانوا يتوارثون بهذه ~~المؤاخاة، وكان هناك شيء اسمه " مولى المناصرة " وهو أن يستريح اثنان ~~لبعضهما ويقول كل منهما للآخر: أنا أخوك وأنت أخي، حربي حربك، وسلمي ~~سلمك، ودمي دمك، وترث مني وأرث منك، وتعقل عني وأعقل عنك، أي أن فعلت ~~جناية تدفع عني، وإن فعلت أنت جناية أدفع عنك. مؤاخاة. هؤلاء كان لهم ~~نصيب في مال المتوفي، فالحق يبين: لكل إنسان من الرجال والنساء جعلنا ~~ورثة يرثون مما ترك الوالدان، والأقربون أي لهم نصيب من ذلك ولأولياء ~~المناصرة بعض من الميراث كذلك. فإياكم أن تأتوا أنتم وتقولوا: لا، لابد ~~أن تعطوهم نصيبهم الذي كان مشروطا لهم وهو السدس. لكن أظل الحكم؟ لا، ~~لقد نسخ وأنزل الله قوله: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله إن الله بكل شيء عليم # [الأنفال: 75]. فما دام الله قد قال: { ولكل جعلنا موالي ~~مما ترك الوالدان والأقربون.. } [النساء: 33]. أي ولكل ~~إنسان من الموالي شيء من آثار ما ترك الوالدان والأقربون. فإياكم أن ~~تقولوا: هم ذهبوا فلا نعطيهم شيئا، لا ما كانوا متفقين فيه وعقدوا ~~أيمانهم عليه آتوهم نصيبهم مصداقا لقوله الحق: { فآتوهم نصيبهم ~~إن الله كان على كل شيء شهيدا } [النساء: 33] فالله ~~شهيد على هذه. وشهيد على أنكم تنفذون أو لا تنفذون. وبعد ذلك جاء ليتكلم ~~في قضية متصلة بقول الحق سبحانه: # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض.. # [النساء: 32] فقال: { الرجال قوامون على النسآء... }. ### || [4.34] # { الرجال قوامون على النسآء.. } [النساء: 34]، أول ما ~~نلتفت إليه أن بعضهم لم يفسروا الآية إلا على ms1735 الرجل وزوجته على الرغم من ~~أن الآية تكلمت عن مطلق رجال ومطلق نساء، فليست الآية مقصورة على الرجل ~~وزوجه، فالأب قوام على البنات، والأخ على أخواته. ولنفهم أولا { ~~الرجال قوامون على النسآء.. } [النساء: 34] وماذا تعني؟ ~~وننظر أهذه تعطي النساء التفوق والمركز أم تعطيهن التعب. والحق سبحانه ~~وتعالى يطلب منا أن نحترم قضية كونية، فهو الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه ~~وأوضح القضية الإيمانية { الرجال قوامون على النسآء } ~~[النساء: 34] والذي يخالف فيها عليه أن يوضح - إن وجد - ما يؤدي إلى ~~المخالفة، والمرأة التي تخاف من هذه الآية، نجد أنها لو لم ترزق بولد ذكر ~~لغضبت، وإذا سألناها: لماذا إذن؟ تقول: أريد ابنا ليحمينا. كيف وأنت ~~تعارضين هذا الأمر؟ ولنفهم ما معنى " قوام " ، القوام هو المبالغ في ~~القيام. وجاء الحق هنا بالقيام الذي فيه تعب، وعندما تقول: فلان يقوم على ~~القوم أي لا يرتاح أبدا. إذن فلماذا تأخذ { قوامون على ~~النسآء.. } [النساء: 34] على أنه كتم أنفاس؟ لماذا لا تأخذها على أنه ~~سعي في مصالحهن؟ فالرجل مكلف بمهمة القيام على النساء، أي أن يقوم بأداء ~~ما يصلح الأمر. ونجد أن الحق جاء بكلمة " الرجال " على عمومها، وكلمة " ~~النساء " على عمومها، وشيء واحد تكلم فيه بعد ذلك في قوله: { بما ~~فضل الله بعضهم على بعض.. } [النساء: 34] فما وجه ~~التفضيل؟ إن وجه التفضيل أن الرجل له الكدح وله الضرب في الأرض وله السعي ~~على المعاش، وذلك حتى يكفل للمرأة سبل الحياة اللائقة عندما يقوم ~~برعايتها. وفي قصة آدم عليه السلام لنا المثل، حين حذر الحق سبحانه آدم ~~وزوجته من الشيطان، إبليس الذي دعي إلى السجود مع الملائكة لآدم فأبى، ~~وبذلك عرفنا العداوة المسبقة من إبليس لآدم، وحيثيتها: # قال أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61]. وأوضح الحق لآدم: إذا هبطت إلى الأرض فاذكر هذه العداوة. ~~وأعلم أنه لن يتركك، وسيظل يغويك ويغريك لأنه لا يريد أن يكون عاصيا ~~بمفرده، بل يريد أن يضم إليه آخرين من الجنس الذي أبى أن يسجد هو لأبيهم ~~آدم يريد أن يغويهم، ms1736 كما حاول إغواء آدم: # إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من ~~الجنة.. # [طه: 117]. وهل قال الحق بعدها: فتشقيا أو فتشقى؟ قال سبحانه: # فتشقى # [طه: 117]. فساعة جاء الشقاء في الأرض والكفاح ستر المرأة وكان الخطاب ~~للرجل. وهذا يدل على أن القوامة تحتاج إلى تعب، وإلى جهد، وإلى سعي، وهذه ~~المهمة تكون للرجل. # ونلحظ أنه ساعة التفضيل قال: { الرجال قوامون على النسآء ~~بما فضل الله بعضهم على بعض.. } [النساء: 34] لقد ~~جاء ب { بعضهم.. } [النساء: 34] لأنه ساعة فضل الرجل لأنه قوام ~~فضل المرأة أيضا لشيء آخر وهو كونها السكن حين يستريح عندها الرجل وتقوم ~~بمهمتها. ثم تأتي حيثية القوامة: { وبمآ أنفقوا من ~~أموالهم.. } [النساء: 34]. والمال يأتي نتيجة الحركة ونتيجة التعب، ~~فالذي يتعب نقول له: أنت قوام، إذن فالمرأة يجب أن تفرح بذلك لأنه ~~سبحانه أعطى المشقة وأعطى التعب للجنس المؤهل لذلك. ولكن مهمتها وإن كانت ~~مهمة عظيمة إلا أنها تتناسب والخصلة المطلوبة أولا فيها: الرقة والحنان ~~والعطف والوداعة. فلم يأت بمثل هذا ناحية الرجل لأن الكسب لا يريد هذه ~~الأمور، بل يحتاج إلى القوة والعزم والشدة، فقول الله: { قوامون.. } ~~[النساء: 34] يعني مبالغين في القيام على أمور النساء. ويوضح للنساء: لا ~~تذكرن فقط أنها حكاية زوج وزوجة. قدرن أن القيام يكون على أمر البنات ~~والأخوات والأمهات. فلا يصح أن تأخذ " قوام " على أنها السيطرة لأن مهمة ~~القيام جاءت للرجل بمشقة، وهي مهمة صعبة عليه أن يبالغ في القيام على أمر ~~من يتولى شئونهن. { وبمآ أنفقوا من أموالهم.. } ~~[النساء: 34] إذا كان الزواج متعة للأنثى وللذكر. والاثنان يستمتعان ~~ويريدان استبقاء النوع في الذرية، فما دامت المتعة مشتركة وطلب الذرية ~~أيضا مشتركا فالتبعات التي تترتب على ذلك لم تقع على كل منهما، ولكنها ~~جاءت على الرجل فقط.. صداقا ونفقة حتى ولو كانت المرأة غنية لا يفرض ~~عليها الشرع حتى أن تقرض زوجها. إذا فقوامة الرجال جاءت للنساء براحة ~~ومنعت عنهن المتاعب. فلماذا تحزن المرأة منها؟ ف { الرجال ~~قوامون على النسآء.. } [النساء: 34] أي قائمون إقامة دائمة ~~لأنه ms1737 لا يقال قوام لمطلق قائم، فالقائم يؤدي مهمة لمرة واحدة، لكن " ~~قوام " تعني أنه مستمر في القوامة. { الرجال قوامون على ~~النسآء بما فضل الله بعضهم على بعض وبمآ ~~أنفقوا من أموالهم.. } [النساء: 34] وما دمنا نكدح ونتعب ~~للمرأة فلابد أن تكون للمرأة مهمة توازن ذلك وهي أن تكون سكنا له، وهذه ~~فيها تفضيل أيضا. لقد قدم الحق سبحانه وتعالى في صدر الآية مقدمة بحكم ~~يجب أن يلتزم به لأنه حكم الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه، فأوضح القضية ~~الإيمانية: { الرجال قوامون على النسآء.. } [النساء: 34] ~~ثم جاء بالحيثيات فقال: { بما فضل الله بعضهم على ~~بعض وبمآ أنفقوا من أموالهم.. } [النساء: 34] ويتابع ~~الحق: { فالصالحات قانتات حافظات للغيب.. } [النساء: ~~34] والمرأة الصالحة هي المرأة التي استقامت على المنهج الذي وضعه لها من ~~خلقها في نوعها، فما دامت هي صالحة تكون قانتة، والقنوت هو دوام الطاعة ~~لله، ومنه قنوت الفجر الذي نقنته، وندعو ونقف مدة أطول في الصلاة التي ~~فيها قنوت. # والمرأة القانتة خاضعة لله، إذن فحين تكون خاضعة لله تلتزم منهج الله ~~وأمره فيما حكم به من أن الرجال قوامون على النساء، { فالصالحات ~~قانتات حافظات للغيب.. } [النساء: 34] وحافظات للغيب تدل ~~على سلامة العفة. فالمرأة حين يغيب عنها الراعي لها والحامي لعرضها كالأب ~~بالنسبة للبنت والابن بالنسبة للأم، والزوج بالنسبة للزوجة، فكل امرأة في ~~ولاية أحد لابد أن تحفظ غيبته ولذلك فالرسول صلى الله عليه وسلم حينما ~~حدد المرأة الصالحة قال في حديث عن الدنيا: # " الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة ". # لقد وضع صلى الله عليه وسلم قانونا للمرأة الصالحة يقول فيه: # " خير النساء التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخالفه في نفسها ~~ولا مالها بما يكره ". # وأي شيء يحتاج الرجل إليه أحسن من ذلك. وكلمة " إن نظرت إليها سرتك " ~~إياك أن توجهها ناحية الجمال فقط، جمال المبنى، لا، فساعة تراها اجمع كل ~~صفات الخير فيها ولا تأخذ صفة ولا تترك صفة لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حذرنا من أن نأخذ ms1738 صفة في المرأة ونترك صفة أخرى، بل لابد أن نأخذها في ~~مجموع صفاتها فقال: # " تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات ~~الدين تربت يداك ". # المطلوب ألا تنظر إلى زاوية واحدة في الجمال، بل انظر إلى كل الزوايا، ~~فلو نظرت إلى الزاوية التي تشغل الناس، الزاوية الجمالية، لوجدتها أقل ~~الزوايا بالنسبة إلى تكوين المرأة لأن عمر هذه المسألة " شهر عسل " - كما ~~يقولون - وتنتهي، ثم بعد ذلك تبدو المقومات الأخرى. فإن دخلت على مقوم ~~واحد وهي أن تكون جميلة فأنت تخدع نفسك، وتظن أنك تريدها سيدة صالون! ~~ونقول لك: هذه الصفة أمدها بسيط في عمر الزمن، لكن ما يبقى لك هو أن تكون ~~أمينة، أن تكون مخلصة، أن تكون مدبرة ولذلك فالفشل ينشأ في الأسرة من أن ~~الرجال يدخلون على الزواج بمقياس واحد هو مقياس جمال البنية، وهذا ~~المقياس الواحد عمره قصير، يذهب بعد فترة وتهدأ شرته. وبعد ذلك تستيقظ ~~عيون الرجل لتتطلع إلى نواحي الجمال الأخرى، فلا يجدها. فيحدث الفشل لذلك ~~لا بد أن تأخذ مجموعة الزوايا كلها. إياك أن تأخذ زاوية واحدة، وخير ~~الزوايا أن يكون لها دين. وكذلك المقياس بالنسبة لقبول المرأة للزوج، ~~أيضا خير الزوايا أن يكون له دين، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: # " إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إن لا تفعلوا تكن فتنة في ~~الأرض وفساد عريض ". # وعندما استشار رجل سيدنا الحسن بن علي - رضي الله عنهما - قال: زوجها ~~من ذي الدين، إن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها. # إذن فالدين يرشدنا: لابد أن ننظر إلى المسألة التي سيكون لها عمر طويل ~~في الحياة الممتدة، وبعد ذلك إذا أرادت أن تكون ناجحه فعليها أن ترى إطار ~~نوعيتها وتنبغ فيه، ومن الممكن إن كان عندها وقت أن توسع دائرة مهمتها في ~~بيتها، فإذا كان عندها أولاد فعليها أن تتعلم الحياكة وتقوم بتفصيل ~~وحياكة ملابسها وملابس أولادها فتوفر النقود، أو تتعلم التطريز كي لا ~~تدفع أجرة، أو تتعلم التمريض حتى إذا مرض ولدها ms1739 استطاعت أن تمرضه وترعاه، ~~أن تتعلم كي تغني عن مدرس خصوصي يأخذ نقودا من دخل الأسرة، وإن بقي ~~عندها وقت فلتتعلم السباكة فتوفر أجرة السباك إذا فسد صنبور ماء، أو ~~تتعلم إصلاح الكهرباء لتصلح مفتاح الإضاءة. وتستطيع المرأة أن تقوم بأي ~~عمل وهي جالسة في بيتها وتوفر دخلا لتقابل به المهام التي لا تقدر أن ~~تفعلها، والمرأة تكون من " حافظات الغيب " ليس بارتجال من عندها أو ~~باختيار، بل بالمنهج الذي وضعه الله لحفظ الغيب؟. فما المنهج الذي وضعه ~~الله لحفظ الغيب؟ تحافظ على عرضها وعلى مال زوجها في غيبته، فتنظر ~~المنافذ التي تأتي منها الفتنة وتمتنع عنها، لا تخرج إلى الشوارع إلا ~~لحاجة ماسة أو ضرورة كي لا ترى أحدا يفتنها أو يفتن بها لأن هذه هي ~~مقدمات الحفظ، ولا تذهب في زحمة الحياة، وبعد ذلك نقول لها: " حافظي على ~~الغيب " بل عليها أن تنظر ما بينه الله في ذلك. فإن اضطررت أن تخرجي ~~فلتغضي البصر ولذلك قال سبحانه: # وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ~~فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها.. # [النور: 31]. فالمرأة إن لم تغض النظر يحدث التفات عاطفي لأن كل شعور في ~~الإنسان له ثلاث مراحل: مرحلة أن يدرك، ومرحلة أن يجد في نفسه، ومرحلة أن ~~ينزع، أي يحول الأمر إلى سلوك، ونضرب دائما المثل بالوردة. وأنت تسير ~~ترى وردة في بستان وبمجرد رؤيتك لها فهذا إدراك، وإذا أعجبتك الوردة ~~وعشقتها وأحببتها فهذا اسمه وجدان. وإذا اتجهت لتقطفها فهذه عملية ~~نزوعية، فكم مرحلة؟ ثلاث مراحل: إدراك، فوجدان. فنزوع. ومتى يتدخل الشرع؟ ~~الشرع يتدخل في عملية النزوع دائما. يقول لك: أنت نظرت الوردة ولم نعترض ~~على ذلك، أحببتها وأعجبتك فلم نقل لك شيئا، لكن ساعة جئت لتمد يدك ~~لتأخذها قلنا لك: لا، الوردة ليست لك. إذن فأنت حر في أن تدرك، وحر في ~~أن تجد في نفسك، إنما ساعة تنزع نقول لك: لا، هي ليست لك، وإن أعجبتك ~~فازرع لك وردة في البيت، أو استأذن صاحبها مثلا. ms1740 إذن فالتشريع يتدخل في ~~منطقة النزوع، إلا في أمر المرأة فالتشريع يتدخل من أول الإدراك لأن الذي ~~خلقنا علم أننا إن أدركنا جمالا، نظرنا له، وستتولد عندنا مواجيد ~~بالنسبة للأشياء التي نراها ونشتهيها، وساعة يوجد إدراك واشتهاء، لا يمكن ~~أن ينفصل هذا عن النزوع لأنك - كرجل - مركب تركيبا كيميائيا بحيث إذ ~~أدركت جمالا ثم حدث لك وجدان واشتهاء، فالاشتهاء لا يهدأ إلا بنزوع، ~~فيبين لك الشرع: أنا رحمتك من أول الأمر، وتدخلت من أول المسألة. # وكل شيء أتدخل فيه عند النزوع إلا المرأة فقد تدخلت فيها من أول الإدراك ~~لذلك أمر الحق الرجل أن يغض البصر، وكذلك أمر المرأة. لماذا؟ لأنك إن ~~أدركت فستجد، وإن وجدت فستحاول أن تنزع ونزوعك سيكون عربدة في أعراض ~~الناس، وإن لم تنزع فسيبقى عندك كبت لذلك حسم الحق المسألة من أولها ~~وقال: # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما ~~يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ~~ويحفظن فروجهن.. # [النور: 30-31]. فامنعوا المسألة من أول مراحلها لماذا؟ لأنني عندما أرى ~~وردة، ثم قالوا لي: هي ليست لك فلا تقطفها، فلا يحدث عندي ارتباك في ~~مادتي، لكن عندما يرى الرجل امرأة جميلة وتدخل في وجدانك فسيحدث عنده ~~النزوع لأن له أجهزة مخصوصة تنفعل لهذا الجمال، ولذلك يوضح لك الحق: أنا ~~خالقك وسأتدخل في المسألة من أول الأمر، فقوله: { بما حفظ الله.. ~~} [النساء: 34] أي بالمنهج الذي وضعه الله للحفظ: ألا أعرض نفسي إلى ~~إدراك فينشأ عنه وجدان، وبعد ذلك أفكر في النزوع، فإن نزعت أفسدت، وإن لم ~~تنزع تعقدت، فيأتي شر من ذلك، هذا معنى: { بما حفظ الله.. } ~~[النساء: 34]، يعني انظروا إلى المنهج الذي وضعه الله لأن تحفظ المرأة ~~غيبة زوجها، وهي تحفظه ليس بمنهج من عندها. بل المنهج الذي وضعه خالقها ~~وخالقه. وها هو ذا الحق سبحانه وتعالى حينما يربى من عبده حاسة اليقظة ~~قال: { واللاتي تخافون نشوزهن.. } فالنشوز لم يحدث بل ~~مخافة أن يحدث، فاليقظة تقتضي الترقب من أول ms1741 الأمر، لا تترك المسألة حتى ~~يحدث النشوز، و " النشوز " من " نشز " أي ارتفع في المكان. ومنه " النشز ~~" وهو المكان المرتفع، وما دام الحق قد قال: { الرجال قوامون ~~على النسآء.. } [النساء: 34] فالمعنى هنا: من تريد أن تتعالى ~~وتوضع في مكانة عالية؟ ولذلك فالنشاز حتى في النغم هو: صوت خارج عن قواعد ~~النغم فيقولون: هذه النغمة نشاز، أي خرجت عن قاعدة النغمة التي سبقتها. ~~وكذلك المرأة المفروض فيها أنها تكون متطامنة، فإن شعرت أن في بالها أن ~~تتعالى فإياك أن تتركها إلى أن تصعد إلى الربوة وترتفع. بل عليك التصرف ~~من أول ما تشعر ببوادر النشوز فتمنعه، ومعنى قوله: { واللاتي ~~تخافون. # . } [النساء: 34] يعني أن النشوز أمر متخوف منه ومتوقع ولم يحدث بعد. ~~وكيف يكون العلاج؟ يقول الحق: { فعظوهن.. } [النساء: 34] أي ساعة ~~تراها تنوي هذا فعظها، والوعظ: النصح بالرقة والرفق، قالوا في النصح ~~بالرقة: أن تنتهز فرصة انسجام المرأة معك، وتنصحها في الظرف المناسب لكي ~~يكون الوعظ والإرشاد مقبولا فلا تأت لإنسان وتعظه إلا وقلبه متعلق بك. ~~ولنفترض أن ابنا طلب من والده طلبا، ولم يحضره الأب، ثم جاءت الأم ~~لتشكو للأب سلوك الابن، فيحاول الأب إحضار الطلب الذي تمناه الابن، ويقول ~~له: - تعال هنا يا بني، إن الله قد وفقني أن أحضر لك ما طلبت. وفي لحظة ~~فرح الابن بالحصول على ما تمنى، يقول له الأب: لو تذكرت ما قالته لي أمك ~~من سلوكك الرديء لما أحضرته لك. ولو سب الأب ابنه في هذه اللحظة فإن ~~الابن يضحك. لماذا؟ لأن الأب أعطى الابن الدرس والعظة في وقت ارتباط قلبه ~~وعاطفته به. ولكن نحن نفعل غير ذلك. فالواحد يأتي للولد في الوقت الذي ~~يكون هناك نفور بينهما، ويحاول أن يعظه لذلك لا تنفع الموعظة، وإذا أردنا ~~أن تنفع الموعظة يجب أن نغير من أنفسنا، وأن ننتهز فرصة التصاق عواطف ~~من نرغب في وعظه فنأتي ونعطي العظة. هكذا { فعظوهن.. } [النساء: ~~34] هذه معناها: برفق وبلطف، ومن الرفق واللطف أن تختار وقت العظة، وتعرف ~~وقت العظة ms1742 عندما يكون هناك انسجام، فإن لم تنفع هذه العظة ورأيت الأمر ~~داخلا إلى ناحية الربوة والنشوز فانتبه. والمرأة عادة تدل على الرجل ~~بما يعرف فيه من إقباله عليها. وقد تصبر المرأة على الرجل أكثر من صبر ~~الرجل عليها لأن تكوين الرجل له جهاز لا يهدأ إلا أن يفعل. لكن المرأة ~~تستثار ببطء، فعندما تنفعل أجهزة الرجل فهو لا يقدر أن يصبر، لكن المرأة ~~لا تنفعل ولا تستثار بسرعة، فأنت ساعة ترى هذه الحكاية، وهي تعرفك أنك ~~رجل تحب نتائج العواطف والاسترسال فأعط لها درسا في هذه الناحية، اهجرها ~~في المضجع. وانظر إلى الدقة، لا تهجرها في البيت، لا تهجرها في الحجرة، ~~بل تنام في جانب وهي في جانب آخر، حتى لا تفضح ما بينكما من غضب، اهجرها ~~في المضجع لأنك إن هجرتها وكل البيت علم أنك تنام في حجرة مستقلة أو تركت ~~البيت وهربت، فأنت تثير فيها غريزة العناد، لكن عندما تهجرها في المضجع ~~فذلك أمر يكون بينك وبينها فقط، وسيأتيها ظرف عاطفي فتتغاضى، وسيأتيك ~~أنت أيضا ظرف عاطفي فتتغاضى، وقد يتمنى كل منكما أن يصالح الآخر. إذن ~~فقوله: { واهجروهن في المضاجع.. } [النساء: 34] كأنك تقول ~~لها: إن كنت ستدلين بهذه فأنا أقدر على نفسي. # ويتساءل بعضهم: وماذا يعني بأن يهجرها في المضاجع؟. نقول: ما دام المضجع ~~واحدا فليعطها ظهره وبشرط ألا يفضح المسألة، بل ينام على السرير وتغلق ~~الحجرة عليهما ولا يعرف أحد شيئا لأن أي خلاف بين الرجل والمرأة إن ظل ~~بينهما فهو ينتهي إلى أقرب وقت، وساعة يخرج الرجل وعواطفه تلتهب قليلا، ~~يرجع ويتلمسها، وهي أيضا تتلمسه. والذي يفسد البيوت أن عناصر من الخارج ~~تتدخل، وهذه العناصر تورث في المرأة عنادا وفي الرجل عنادا لذلك لا يصح ~~أن يفضح الرجل ما بينه وبين المرأة عند الأم والأب والأخ، ولنجعل الخلاف ~~دائما محصورا بين الرجل والمرأة فقط. فهناك أمر بينهما سيلجئهما إلى أن ~~يتسامحا معا. { فعظوهن واهجروهن في المضاجع ~~واضربوهن.. } [النساء: 34] وقالوا: إن الضرب بشرط ألا يسيل دما ~~ولا ms1743 يكسر عظما، أي يكون ضربا خفيفا يدل على عدم الرضا ولذلك فبعض ~~العلماء قالوا: يضربها بالسواك. وعلمنا ربنا هذا الأمر في قصة سيدنا أيوب ~~عندما حلف أن يضرب امرأته مائة جلدة، قال له ربنا: # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث.. # [ص: 44]. والضغث هو الحزمة من الحشيش يكون فيها مائة عود، ويضربها ضربة ~~واحدة فكأنه ضربها مائة ضربة وانتهت. فالمرأة عندما تجد الضرب مشوبا ~~بحنان الضارب فهي تطيع من نفسها، وعلى كل حال فإياكم أن تفهموا أن الذي ~~خلقنا يشرع حكما تأباه العواطف، إنما يأباه كبرياء العواطف، فالذي شرع ~~وقال هذا لابد أن يكون هكذا. { واللاتي تخافون نشوزهن ~~فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن.. } ~~[النساء: 34] أي ضربا غير مبرح، ومعنى: غير مبرح أي ألا يسيل دما أو ~~يكسر عظما ويتابع الحق: { فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا.. } [النساء: 34]. فالمسألة ليست استدلالا. بل ~~إصلاحا وتقويما، وأنت لك الظاهر من أمرها، إياك أن تقول: إنها تطيعني ~~لكن قلبها ليس معي وتدخل في دوامة الغيب، نقول لك: ليس لك شأن لأن ~~المحكوم عليه في كل التصرفات هو ظاهر الأحداث. أما باطن الأحداث فليس لك ~~به شأن ما دام الحق قال: { أطعنكم.. } [النساء: 34] فظاهر الحدث ~~إذن أن المسألة انتهت ولا نشوز تخافه، وأنت إن بغيت عليها سبيلا بعد أن ~~أطاعتك، كنت قويا عليها فيجب أن تتنبه إلى أن الذي أحلها لك بكلمة هو ~~أقوى عليك منك عليها وهذا تهديد من الله. ومعنى التهديد من الله لنا أنه ~~أوضح: هذه صنعتي، وأنا الذي جعلتك تأخذها بكلمتي " زوجني.. زوجتك " ، ~~وما دمت قد ملكتها بكلمة مني فلا تتعال عليها لأنني كما حميت حقك أحمي ~~حقها. فلا أحد منكما أولى بي من الآخر، لأنكم صنعتي وأنا أريد أن تستقر ~~الأمور، وبعد هذا الخطاب للأزواج يأتي خطاب جديد في قول الحق من بعد ذلك: ~~{ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا... }. ### || [4.35] # وقوله: { وإن خفتم شقاق بينهما.. } [النساء: 35] يعني أن ~~الشقاق لم يقع بعد، إنما تخافون أن يقع الشقاق، وما هو " الشقاق ms1744 "؟ ~~الشقاق مادته من الشق، وشق: أي أبعد شيئا عن شيء، شققت اللوح: أي أبعدت ~~نصفيه عن بعضهما، إذن فكلمة { شقاق بينهما.. } [النساء: 35] تدل ~~على أنهما التحما بالزواج وصارا شيئا واحدا، فأي شيء يبعد بين الاثنين ~~يكون " شقاقا " إذ بالزواج والمعاشرة يكون الرجل قد التحم بزوجه هذا ما ~~قاله الله: # وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا ~~غليظا # [النساء: 21]. ويتأكد هذا المعنى في آية أخرى: # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن.. # [البقرة: 187]. وهذا يعني أن المرأة مظروفة في الرجل والرجل مظروف فيها. ~~فالرجل ساتر عليها وهي ساترة عليه، فإذا تعداهما الأمر، يقول الحق: { ~~وإن خفتم شقاق بينهما.. } [النساء: 35] من الذين ~~يخافون؟، أهو ولي الأمر أم القرابة القريبة من أولياء أمورها وأموره؟ أي ~~الناس الذين يهمهم هذه المسألة. { وإن خفتم شقاق بينهما ~~فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلهآ.. } ~~[النساء: 35] إنهم البيئة والمجال العائلي، إذن فلا ندع المسائل إلى أن ~~يحدث الشقاق، كأن الإسلام والقرآن ينبهنا إلى أن كل أناس في محيط الأسرة ~~يجب أن يكونوا يقظين إلى الحالات النفسية التي تعترض هذه الأسرة، سواء ~~أكان أبا أم أخا أم قريبا عليه أن يكون متنبها لأحوال الأسرة ولا ~~يترك الأمور حتى يحدث الشقاق بدليل أنه قال: { وإن خفتم شقاق ~~بينهما.. } [النساء: 35]، فالشقاق لم يحدث، ويجب ألا تترك المسألة ~~إلى أن يحدث الشقاق، { وإن خفتم شقاق بينهما ~~فابعثوا.. } [النساء: 35] وهذا القول هو لولي الأمر العام أيضا ~~إذا كانت عيونه يقظة إلى أنه يشرف على علاقات كل البيوت، ولكن هذا أمر ~~غير وارد في ضوء مسئوليات ولي الأمر في العصر الحديث. إذن فلا بد أن الذي ~~سيتيسر له تطبيق هذا الأمر هم البارزون من الأهل هنا وهناك، وعلى كل من ~~لهم وجاهة في الأسرة أن يلاحظوا الخط البياني للأسرة، يقولون: نرى كذا ~~وكذا. ونأخذ حكما من هنا وحكما من هناك وننظر المسألة التي ستؤدي إلى ~~عاصفة قبل أن تحدث العاصفة فالمصلحة انتقلت من الزوجين إلى واحد من أهل ~~الزوج وواحد من أهل الزوجة، ms1745 فهؤلاء ليس بينهما مسألة ظاهرة بأدلتها، ولم ~~تتبلور المشكلة بعد، وليس في صدر أي منهما حكم مسبق، ويجوز أن يكون ~~بين الزوجين أشياء، إنما الحكم من أهل الزوج والحكم من أهل الزوجة ليس ~~في صدر أي منهما شيء، وما دام الاثنان ستوكل إليهما مهمة الحكم. فلا بد ~~أن يتفقا على ما يحدث بحيث إذا رأى الاثنان أنه لا صلح إلا بأن تطلق، ~~فهما يحكمان بالطلاق، والناس قد تفهم أن الحكم هم أناس يصلحون بين ~~الزوجين فإن لم يعجبهم الحكم بقي الزوجان على الشقاق، لا، فنحن نختار ~~حكما من هنا وحكما من هناك. # إن ما يقوله الحكمان لابد أن ننفذه، فقد حصرت هذه المسألة في الحكمين ~~فقال: { إن يريدآ إصلاحا يوفق الله بينهمآ.. } ~~[النساء: 35] فكأن المهمة الأساسية هي الإصلاح وعلى الحكمين أن يدخلا ~~بنية الإصلاح، فإن لم يوفق الله بينهما فكأن الحكمين قد دخلا بألا يصلحا. ~~إن على كل حكم أن يخاف على نفسه ويحاول أن يخلص في سبيل الوصول إلى ~~الإصلاح لأنه إن لم يخلص فستنتقل المسألة إلى فضيحة له. الذي خلق الجميع: ~~الزوج والزوجة والحكم من أهل الزوج والحكم من أهل الزوجة قال: { إن ~~يريدآ إصلاحا يوفق الله بينهمآ.. } [النساء: 35] ~~فليذهب الاثنان تحت هذه القضية، ويصرا بإخلاص على التوفيق بينهما لأن ~~الله حين يطلق قضية كونية، فكل واحد يسوس نفسه وحركته في دائرة هذه ~~القضية. وحين يطلق الله قضية عامة فهو العليم الخبير، ومثال ذلك قوله: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. إنه سبحانه قال ذلك، فليحرص كل جندي على أن يكون جنديا ~~لله لأنه إن انهزم فسنقول له: أنت لم تكن جنديا لله، فيخاف من هذه. إذن ~~فوضع القضية الكونية في إطار عقدي كي يجند الإنسان كل ملكاته في إنجاح ~~المهمة، وعندما يقول الله: { إن يريدآ إصلاحا يوفق الله ~~بينهمآ.. } [النساء: 35]، فإياك أن تغتر بحزم الحكمين، وبذكاء ~~الحكمين، فهذه أسباب. ونؤكد دائما: إياك أن تغتر بالأسباب لأن كل شيء من ~~المسبب الأعلى، ولنلحظ دقة القول الحكيم: { يوفق الله ~~بينهمآ.. ms1746 } [النساء: 35] فسبحانه لم يقل: إن يريدا إصلاحا يوفقا ~~بينهما. بل احتفظ سبحانه لنفسه بفضل التوفيق بين الزوجين. ويذيل سبحانه ~~الآية: { إن الله كان عليما خبيرا } [النساء: 35] أي ~~بأحوال الزوج، وبأحوال الزوجة، وبأحوال الحكم من أهله، وبأحوال الحكم من ~~أهلها، فهم محوطون بعلمه. وعلى كل واحد أن يحرص على تصرفه لأنه مسئول عن ~~كل حركة من الحركات التي تكتنف هذه القضية فربنا عليم وخبير. وما الفرق ~~بين " عليم " و " خبير "؟ فالعلم قد تأخذه من علم غيرك إنما الخبرة فهي ~~لذاتك. وبعد أن تكلم الحق على ما سبق من الأحكام في الزواج وفي المحرمات، ~~وأخذنا من مقابلها المحللات، وتكلم عمن لا يستطيع طولا وتكلم عن المال، ~~وحذرنا أن نأكله بالباطل، وتكلم عن الحال بين الرجل والمرأة، وبعد ذلك ~~لفتنا الحق ووجهنا ونبهنا إلى المنهج الأعلى وهو قوله سبحانه: { ~~واعبدوا الله ولا تشركوا... }. ### || [4.36] # وعندما يقول لنا الحق: { واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا.. } [النساء: 36] أي: إياكم أن تدخلوا في قضية من هذه القضايا؟ ~~على غير طاعة الله في منهجه، والعبادة هي: طاعة العابد للمعبود، فلا ~~تأخذها على أنها العبادات التي نفعلها فقط من: الصلاة والصوم والزكاة ~~والحج لأن هذه أركان الإسلام، وما دامت هذه هي الأركان والأسس التي بني ~~عليها الإسلام، إذن فالإسلام لا يتكون من الأركان فقط بل الأركان هي ~~الأسس التي بني عليها الإسلام، والأسس التي بني عليها البيت ليست هي كل ~~البيت لذلك فالإسلام بنيان متعدد.. فالذين يحاولون أن يأخذوا من المصطلح ~~التصنيفي، أو المصطلح الفني في العلوم ويقولون: إن العبادات هي: الصلاة ~~وما يتعلق بها، والزكاة والصوم والحج لأنها تسمى في كتب الفقه " العبادات ~~" فلقد قلنا: إن هذا هو الاسم الاصطلاحي، لكن كل أمر من الله هو عبادة. ~~ولذلك فبعض الناس يقول: نعبد الله ولا نعمل... نقول لهم: العبادة هي طاعة ~~عابد لأمر معبود، ولا تفهموا العبارة على أساس أنها الشعائر فقط، ~~فالشعائر هي إعلان استدامة الولاء لله. وتعطي شحنة لنستقبل أحداث الحياة، ~~ولكن الشعائر وحدها ليست كل ms1747 العبادة، فالمعاملات عبادة، والمفهوم الحقيقي ~~للعبادة أنها تشمل عمارة الأرض، فالحق سبحانه وتعالى قال: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع.. # [الجمعة: 9]. كأنه أخرجهم من البيع إلى الصلاة، ولم يخرجهم من فراغ بل ~~أخرجهم من حركة البيع، وجاء ب " البيع " لأنه العملية التي يأتي ربحها ~~مباشرة لأنك عندما تزرع زرعا ستنتظر مدة تطول أو تقصر لتخرج الثمار، لكن ~~البيع تأتي ثمرته مباشرة، تبيع فتأخذ الربح في الحال.. والبيع - كما نعلم ~~- ينظم كل حركات الحياة، لأن معنى البيع: أنه وسيط بين منتج ومستهلك، ~~فعندما تبيع سلعة، هذه السلعة جاءت من منتج، والمنتج يبحث عن وسيط يبيعها ~~لمستهلك، وهذا المستهلك تجده منتجا أيضا، والمنتج تجده أيضا ~~مستهلكا... فالإنتاج والاستهلاك تبادل وحركة الحياة كلها في البيع وفي ~~الشراء، وما دام هناك بيع ففيه شراء فهذا استمرار لحركة الحياة. والبائع ~~دائما يحب أن يبيع، لكن المشتري قد لا يحب أن يشتري لأن المشتري سيدفع ~~مالا والبائع يكسب مالا، فيوضح الله: أتركوا هذه العملية التي يأتي ~~ربحها مباشرة، ولبوا النداء لصلاة الجمعة.. لكن ماذا بعد الصلاة؟ يقول ~~الحق: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون # [الجمعة: 10]. إذن فهذا أمر أيضا. فإن أطعنا الأمر الأول: # فاسعوا إلى ذكر الله.. # [الجمعة: 9] فالأمر في # فانتشروا في الأرض.. # [الجمعة: 10] يستوجب الطاعة كذلك.. إذن فكل هذه عبادة، وتكون حركة ~~الحياة كلها عبادة: إن كانت صلاة فهي عبادة، والصوم عبادة، وبعد ذلك.. ~~ألا تحتاج الصلاة لقوام حياة؟ لابد أن تتوافر لك مقومات حياة حتى تصلي. ~~وما هي مقومات حياتك؟ إنها طعام وشراب ومسكن وملبس، وما لا يتم الواجب ~~إلا به فهو واجب.. إذن فجماع حركة الحياة كلها سلسلة عبادة، ولذلك فالحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو ~~أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. # [هود: 61]. إذن فكل عمل يؤدي إلى عمارة الكون واستنباط أسرار الله في ~~الوجود يعتبر عبادة لله لأنك تخرج ms1748 من كنوز الله التي أودعها في الأرض ما ~~يلفت الناس إلى الحقيقة الكونية التي جاء بها الإيمان. وإياك أن تظن أن ~~العبادة هي فقط العبادة التصنيفية التي في الفقه " قسم العبادات " و " ~~قسم المعاملات " ، لا، فكله عبادة، لكن الحركات الحياتية الأخرى لا تظهر ~~فيها العبادة مباشرة لأنك تعمل لنفعك، أما في الصلاة فأنت تقتطع من وقتك، ~~فسميناها العبادة الصحيحة لأن العمليات الأخرى يعمل مثلها من لم يؤمن ~~بإله، فهو أيضا يخرج للحياة ويزرع ويصنع.. ولماذا سموها العبادات؟ لأن ~~مثلها لا يأتي من غير متدين. إنما الأعمال الأخرى من عمارة الكون ~~والمصلحة الدنيوية فغير المتدين يفعلها ولكن كل أمر لله نطيعه فيه اسمه ~~عبادة. هذا مفهوم العبادة الذي يجب أن يتأكد لنا أن نخلص العمل بالعقول ~~التي خلقها الله لنا بالطاقات المخلوقة لنا، في المادة المخلوقة وهي ~~الأرض وعناصرها لنرقى بالوجود إلى مستوى يسعدنا ويرضى الله عنه. { ~~واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا.. } [النساء: 36]. ~~بعدما قال كل هذا الكلام السابق، لفتنا ربنا إلى قضية يجب أن نلحظها ~~دائما في كل تصرفاتنا هي أن نأتمر بأمر الله في منهجه، وألا نشرك به ~~شيئا لأن الشرك يضر قضية الإنسان في الوجود، فإن كنت في عمل إياك أن ~~تجعل الأسباب في ذهنك أمام المسبب الأعلى، بل اقصد في كل عمل وجه الله. ~~ويضرب الحق المثل لراحة الموحد ولتعب المشرك فقال: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون # [الزمر: 29]. فهذا عبد مملوك لجماعة، والجماعة مختلفة ومتشاكسة، وهو لا ~~يعرف كيف يوفق بين أوامر كل منهم التي تتضارب، فإن أرضي هذا، أغضب ذاك. ~~إذن فهو عبد مبدد الطاقة موزع الجهد، مقسم الالتفاتات، ولكن العبد ~~المملوك لواحد، لا يتلقى أمرا إلا من سيد واحد ونهيا من السيد نفسه. ~~والحق يشرع القضية لعباده بصيغة الاستفهام، وهو العليم بكل شيء ليجعل ~~المؤمن به يشاركه في الجواب حتى إذا ما قال الحق: # هل يستويان.. # [الزمر: 29]؟ هنا يعرضها الإنسان ms1749 على عقله ويريد أن يجيب، فماذا يقول؟ ~~سيجيب بطبيعة الفطرة وطبيعة منطق الحق قائلا: لا يا رب لا يستويان. إذن ~~فأنت أيها العبد المؤمن قد قلتها، ولم يفرضها الله عليك. وقد طرحها الحق ~~سبحانه سؤالا منه إليك حتى يكون جوابك الذي لن تجد جوابا سواه. فإذا ما ~~كنت كذلك أيها العبد المؤمن قد ارتحت في الوجود وتوافرت لك طاقتك لأمر ~~واحد ونهي واحد، هنا تصبح سيدا في الكون، فلا تجد في الكون من يأخذ منك ~~عبوديتك للمكون. وتلك هي راحتنا في تنفيذ قول الله: { واعبدوا ~~الله ولا تشركوا به شيئا.. } [النساء: 36] لأن الإشراك ~~بالله - والعياذ بالله - يرهق صاحبه، وياليت المشركين حين يشركون يأخذون ~~عون الله، ولا يأخذون عون الشركاء. لكن الله يتخلى عن العبد المشرك، لأنه ~~سبحانه يقول: # " أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته ~~وشركه ". # الحق إذن يتخلى عن العبد المشرك، وليت العبد المشرك يأخذ حظه من الله ~~كشريك، وإنما ينعدم عنه حظ الله لأن الله غني أن يشرك معه أحدا آخر. ~~وهكذا يكون المشرك بلا رصيد إيماني، ويحيا في كد وتعب.. ويردف الحق ~~سبحانه وتعالى عبادته بالإحسان إلى الوالدين فيأتي قوله - جل شأنه -: { ~~وبالوالدين إحسانا.. } [النساء: 36] والوالدان هما الأب ~~والأم لأنهما السبب المباشر في وجودك أيها المؤمن. وما دامت عبادتك لله ~~هي فرع وجودك، إذن فإيجادك من أب وأم كسببين يجب أن يلفتك إلى السبب ~~الأول إن ذلك يلفتك إلى من أوجد السلسلة إلى أن تصل إلى الإنسان الأول ~~وهو آدم عليه السلام. { وبالوالدين إحسانا.. } [النساء: 36]، ~~انظر إلى المنزلة التي أعطاها الله للوالدين، وهما الأب والأم. والخطاب ~~لك أيها المسلم لتعبد الله، والتكليف لك وأنت فرع الوجود لأن الخطاب ~~لمكلف، والتكليف فرع الوجود، والوالدان هما السبب المباشر لوجودك، فإذا ~~صعدت السبب فالوالدان من أين جاءا؟، من والدين، وهكذا حتى تصل لله، إذن ~~فانتهت المسألة إلى الواحد لأن التكليف من المكلف إلى المكلف فرع ~~الوجود. والوجود له سبب ظاهري هما " الوالدان " ، وعندما تسلسلها ms1750 تصل لله ~~إنه - سبحانه - أمر: اعبدني ولا تشرك بي شيئا، وبعد ذلك، { ~~وبالوالدين إحسانا.. } [النساء: 36]. كلمة " الإحسان " تدل ~~على المبالغة في العطاء الزائد الذي نسميه مقام الإحسان. { ~~وبالوالدين إحسانا.. } [النساء: 36]، الحق سبحانه وتعالى ~~حينما قرن الوالدين بعبادته، لأنه إله واحد ولا نشرك به شيئا، لم ينكر ~~أو يتعرض لإيمانهما أو كفرهما لأن هناك آية أخرى يقول فيها: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15]. صحيح لا تطعهما ولكن احترمهما لأنهما السبب المباشر في ~~الوجود وإن كان هذا السبب مخالفا لمن أنشأه وأوجده وهو الله - جلت ~~قدرته - # وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15] والمعروف يصنعه الإنسان فيمن يحبه وفيمن لا يحبه، إياك ~~أن يكون قلبك متعلقا بهما إن كانا مشركين، لكن صاحبهما في الدنيا ~~معروفا ولذلك قال: # وصاحبهما في الدنيا.. # [لقمان: 15] أي انظر مصلحتهما في أمور الدنيا معروفا منك. والمعروف ~~تصنعه فيمن تحب وفيمن لا تحب. والحق يقول: { وبالوالدين ~~إحسانا.. } [النساء: 36]، ويكررها في آيات متعددة، فقد سبق في سورة ~~البقرة أن قال لنا: # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا ~~الله وبالوالدين إحسانا.. # [البقرة: 83]. وبعد ذلك تأتي هذه الآية التي نحن بصددها، { واعبدوا ~~الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا.. ~~} [النساء: 36]. وبعد ذلك يأتي أيضا قوله سبحانه: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا.. # [الأنعام: 151]. وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى فيقول: # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه ~~كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا.. # [الأحقاف: 15]. ويأتي أيضا في سورة العنكبوت فيقول: # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا.. # [العنكبوت: 8]. لكن إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهما، فإن كان الوالدان مشركين فلا بد أن نعطف عليهما معروفا، ~~والمعروف كما أوضحنا يكون لمن تحب ومن لا تحب، ولكن الممنوع هو: ~~الودادة القلبية ولذلك قال: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله.. # [المجادلة: 22]. ولا يوجد تناقض أو ms1751 شبه تناقض بين الآية التي نحن بصددها ~~وبين آية سورة المجادلة. وهناك آيات تكلم فيها الحق وقرن عبادته بالإحسان ~~إلى الوالدين، وهناك آيتان جاء الأمر فيهما بالتوصية بالوالدين استقلالا. ~~وذلك في قوله تعالى: # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا.. # [الأحقاف: 15]. وفي قوله سبحانه: # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا.. # [العنكبوت: 8]. ففيه " إحسان " وفيه " حسن " ، " الإحسان ": هو أن تفعل ~~فوق ما كلفك الله مستشعرا أنه يراك. فإن لم تكن تراه فإنه يراك، و " ~~الإحسان " من " أحسن " ، فيكون معناها أنه ارتضى التكليف وزاد على كلفه. ~~وعندما يزيد الإنسان على ما كلفه الله أن يصلي الخمس المطلوبة ثم يجعلها ~~عشرة، ويصوم شهر رمضان، ثم يصوم يومي الاثنين والخميس أو كذا من الشهور، ~~ويزكي حسب ما قرر الشرع باثنين ونصف في المائة وقد يزيد الزكاة إلى عشرة ~~في المائة، ويحج ثم يزيد الحج مرتين. إذن فالمسألة أن تزيد على ما افترض ~~الله، فيكون قد أدخلك الله في مقام الإحسان لأنك حين جربت أداء الفرائض ~~ذقت حلاوتها. وعلمت مما أفاضه الله عليك من معين التقوى ومن رصيد قوله: # واتقوا الله ويعلمكم الله.. # [البقرة: 282]. علمت أن الله يستحق منك أكثر مما كلفك به ولذلك فبعض ~~الصالحين في أحد سبحاته قال: " اللهم إني أخشى ألا تثيبني على الطاعة ~~لأنني أصبحت أشتهيها ".. أي صارت شهوة نفس، فهو خائف أن يفقد حلاوة ~~التكليف والمشقة فيقول: يا رب إنني أصبحت أحبها، ومفروض منا أننا نمنع ~~شهوات أنفسنا لكنها أصبحت شهوة فماذا أفعل؟ إذن فهذا الرجل قد دخل في ~~مقام الإحسان واطمأنت نفسه ورضيت وأصبح هواه تبعا لما أمر به الله ~~ورضيه. ولذلك يجب أن نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن المتقين ~~قال: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين # [الذاريات: 15-16]. لماذا هم محسنون يا رب؟. يقول الحق: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون # [الذاريات: 17]. وهل كلفني الله. ألا أهجع إلا قليلا من الليل؟ إن ~~الإنسان يصلي العشاء من أول الليل وينام حتى الفجر، هذا ms1752 هو التكليف، لكن ~~أن تحلو للمؤمن العبادة، ويزداد الإيمان في القلب والجوارح، ويأنس العبد ~~بالقرب من الله، فالحق لا يرد مثل هذا العبد بل إنه يستقبله ويدخله ~~في مقام الإحسان: # إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من ~~الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون # [الذاريات: 16-18]. وربنا لم يكلفهم بذلك، إنما كلفهم فقط بخمسة فروض. ~~ونعرف قصة الأعرابي الذي قال للرسول صلى الله عليه وسلم: هل علي غيرها؟ ~~قال له: لا، إلا أن تطوع، وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع، قال: فأدبر الرجل ~~وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أفلح إن صدق ". # وبذلك دخل هذا الأعرابي في نطاق المفلحين. إذن فالذي يزيد على هذا يدخله ~~الله في نطاق المحسنين. # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار ~~هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم # [الذاريات: 17-19]. ولنلحظ دقة الأداء، إن الحق لم يذكر أن للمحرومين في ~~أموال المحسنين حقا معلوما. لماذا؟ لأن الحق - سبحانه - ترك للمحسن ~~الحرية في أن يزيد على نسبة الزكاة التي يمنحها للسائل والمحروم، وحينما ~~يتكلم سبحانه عن مطلوب الإيمان يقول: # والذين في أموالهم حق معلوم * للسآئل ~~والمحروم # [المعارج: 24-25]. إذن فالذي يزيد على ذلك ينتقل من مقام الإيمان ليدخل ~~في مقام الإحسان. كأنه يقول لك في الآية التي نحن بصددها: إياك أن تعمل ~~مع والديك القدر المفروض فقط، بل ادخل في برهما والإنعام عليهما والتلطف ~~بهما والرحمة لهما وذلة الانكسار فوق ما يطلب منك، ادخل في مقام ~~الإحسان، ثم يأتي في آية أخرى ليرشدنا بعد أن أدخلنا في مقام الإحسان، ~~إنه يصف ذلك الإحسان بشيء آخر وهو " الحسن ": # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا.. # [العنبكوت: 8]. وما هو المقابل " للحسن "؟ إنه " القبح " ، إذن فالحق ~~أدخلنا في مقام الجمال مرة، وفي مقام الإحسان مرة أخرى، وهنا أكثر من ~~ملحظ يجب ألا يغيب عن بال المسلم، أولا: نجد أن ms1753 المفروض في الشائع ~~الغالب أن الوالدين يربيان أبناءهما، ومن النادر أن يصبح الولد يتيما ~~ويربيه غير والديه، فقال: الحظ سبب التربية بعد الوجود، فسبب الوجود: ~~يوجب عليك أن تعطيهما حقوقهما وفوق حقوقهما وتدخل في مقام الإحسان، ولكنه ~~جاء في آية وعلل ذلك فقال: # وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء: 24]. لقد جاء الحق بالتربية حيثية في الدعاء لهما وفي البر ~~التوصية بهما، لكن لو أن إنسانا أخذ فيك منزلة التربية ولم يأخذ فيك ~~سببية الإيجاد، أله حق عليك أن يكون كوالديك؟ إن الحق يقول: # كما ربياني.. # [الإسراء: 24]، فإذا كان والدي لهما هذا الحق، فكذلك من قام بتربيتي من ~~غير الوالدين له هذا الحق أيضا! ما دام جاء الحق بالوالدين في علة ~~الإحسان: # وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء: 24]، فمرة نلحظ أنه لا يجيء بمسألة التربية كي نعلم أن ~~الوالدين هما سبب الوجود، ومرة يلفتنا إلى أن من يتولى التربية يأخذ حظ ~~الوالدين، وشيء آخر: وهو أن الحق سبحانه وتعالى حينما وصى بالوالدين ~~إحسانا، جاء في الحيثيات بما يتعلق بالأم ولم يأت بما يتعلق بالأب: # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه ~~كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا.. # [الأحقاف: 15]. هنا جاء الحق بالحيثيات للأم وترك الأب بدون حيثية، وهذا ~~كلام رب لأن إحسان الوالدة لولدها وجد وقت أن صار جنينا. فهي قد حافظت ~~على نفسها وسارت بحساب وحرص فانشغلت به وهو ما زال جنينا. وحاولت أن ~~توفر كل المطالب قبلما يتكون له عقل وفكر، بينما والده قد يكون بعيدا لا ~~يعرفه إلا عندما يكبر ويصير غلاما ليربيه لكفاح الحياة، أما في فترة ~~الحمل والمهد فكل الخدمات تؤديها الأم ولم يكن للطفل عقل حتى يدرك هذا، ~~إنما بمجرد أن وجد العقل وجد أباه يعايشه ويعاشره، وكلما احتاج إلى شيء ~~قالت له الأم: أبوك يحققه لك، وكل حاجة يحتاج إليها الطفل يسأل أباه أن ~~يأتيه بها، وينسى الطفل حكاية أمه وحملها له في بطنها وأنها أرضعته وسهرت ~~عليه لأنه لم يكن عنده ms1754 إدراك ساعة فعلت كل ذلك، فمن الذي - إذن - يحتاج ~~إلى الحيثية؟ إنها الأم، أما حيثية إكرام الأب فموجودة للإنسان منذ بدأ ~~وعيه لأنه رأى كل حاجته معه لذلك قال الحق: # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه ~~كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا.. # [الأحقاف: 15]. والطفل لا يعرف حكاية الحمل هذه، وعندما يتنبه يجد أن ~~والده هو الذي يأتي بكل حاجة، وما دام أبوه هو الذي في الصورة، فتكون ~~الحيثية عنه موجودة، والأم حيثيتها مغفولة ومستورة، فكان لابد من أن ~~يذكرنا الله بالحيثية المتروكة عند الإنسان مكتفيا بالحيثية للأب ~~الموجودة والواضحة عند الابن، ولذلك تجد النبي صلى الله عليه وسلم حينما ~~يوصي قال: أمك ثم أمك ثم أمك، وبعد ذلك قال: ثم أبوك. كما جاء في ~~الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من ~~أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك قال ثم من؟ ~~قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك ". # ولو حسبتها تجدها واضحة، وأيضا فالأبوة رجولة، والرجولة كفاح وسعي. ~~والأمومة حنان وستر، فهي تحتاج ألا تخرج لسؤال الناس لقضاء مصالحها، أبوك ~~إن خرج ليعمل فعمله شرف له.. إنما خروج الأم للسعي للرزق فأمر صعب على ~~النفس، فالحق سبحانه وتعالى يقول: { وبالوالدين إحسانا.. } ~~[النساء: 36].. أو # بوالديه حسنا.. # [العنكبوت: 8] إنها.. مقرونة في ثلاث آيات بعبادة الله وعدم الإشراك به، ~~ثم أفردهما بالإحسان في آيتين، ويلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى حينما ~~تكلم قال: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما.. # [لقمان: 15]. لكن هذا لا يمنع أن تعطيهما المعروف وما يحتاجان إليه، ~~ونلحظ أن الحق لم يأت لهما بطلب الرحمة وهما على الشرك والكفر كما طلبها ~~لهما في قوله: # وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء: 24]. لأنهما وإن ربيا جسد الولد فلم يربيا قلبه وإيمانه، فلا ~~يستحقان أن يقول: ارحمهما لأن الحق أراد أن يسع الولد والديه في ms1755 الدنيا ~~وإن كانا على الكفر. والحق سبحانه وتعالى حينما يريد أن يشيع الإحسان في ~~الكون كله، يبتدئ بالأقرب فالقريب فالجار، فقال: { وبالوالدين ~~إحسانا وبذي القربى.. } [النساء: 36]. إذن ففيه دوائر. ولو ~~أن كل واحد أحسن إلى أبوية. فلن نجد واحدا في شيوخته مهينا أبدا، ~~لذلك يوسع سبحانه دوائر الهمة الإيمانية فجاء بالوالدين ثم قال بعدها: { ~~وبذي القربى.. } [النساء: 36] أي صاحب القربى، وما القربى؟ إن كل ~~من له علاقة نسبية بالإنسان يكون قريبا. هذه هي الدائرة الثانية، ~~ولو أن كل إنسان موسعا عليه وقادرا أخذ دائرة الوالدين ثم أخذ دائرة ~~القربى فستتداخل ألوان البر من أقرباء متعددين على القريب الواحد، وما ~~دامت الدوائر ستتداخل، فالواحد القريب سيجد له كثيرين يقومون على شأنه ~~فلا يكون أحد محتاجا. وبعد ذلك يتكلم سبحانه عن اليتامى، واليتيم - كما ~~نعلم - هو: من فقد أباه ولم يبلغ مبلغ الرجال، إنه يحتاج إلى حنان ~~أولي. # ولكن بعد أن يبلغ مبلغ الرجال فهو لا يعتبر يتيما فقد أصبح له ذاتية ~~مستقلة ولذلك يتخلى عنه الوصف باليتيم، والذي تموت أمه لا نسميه " يتيما ~~" ، لكن اليتيم في الحيوانات ليس من فقد أباه بل من فقد أمه، وإن ~~كانت طفولة الحيوانات تنتهي بسرعة لأن والدة الحيوان هي التي ترعاه في ~~طفولته القصيرة نسبيا. إذن فيتم الحيوان من جهة الأم، والإنسان يتمه هو ~~فقد الأب لأن الإنسان أطول الحيوانات طفولة لأنه مربى لمهمة أسمى من ~~الحيوانية، وعرفنا من قبل أنك عندما تأتي لتزرع - مثلا - فجلا، فبعد ~~خمسة عشر يوما تأكل منه، لكنك حينما تزرع نخلة أو تزرع شجرة " مانجو " ~~تمكث كذا سنة، حتى تثمر. إذن فطول مدة الطفولة وعدم النسل للمثل يتوقف ~~على المهمة الموكلة للشيء، فإن كانت مهمته كبيرة، تكن مدة طفولته أطول. ~~والله سبحانه وتعالى يريد أن يوسع دائرة الإحسان. فإياك أن تقتصر على ~~الوالدين فقط أو أصحاب القربى فقط. خذ في الدائرة أيضا " اليتيم " ، لأن ~~اليتيم فقد أباه، ثم يرى كثيرا من زملائه وأقربائه لهم آباء، ولو لم ~~يوص الحق سبحانه ms1756 وتعالى بهذا اليتيم لنشأ هذا الولد وفي قلبه جذوة من ~~الحقد على المجتمع، وقد يتمرد على الله، ويتساءل: لماذا لا يكون لي أب ~~وكل واحد من أقراني له أب يأتيه بحاجته، لكن حين يرى أنه فقد أبا واحدا ~~ثم وجد في الجو الإيماني آباء متعددين فهو لا يسخط على أن الله أمات ~~أباه. إن الذين يخافون أن يموتوا ويتركوا من بعدهم ذرية ضعافا، عليهم ~~بالإحسان إلى اليتيم... فلو رأى الواحد منا يتيما يكرم في بيئة أبوة ~~إيمانية لما شغل نفسه ولما خاف أن يموت ويترك ولدا صغيرا، بل يقول ~~الإنسان لنفسه: إن المجتمع فيه خير كثير، وبذلك يستقبل الإنسان قدر الله ~~بنفس راضية، ولا يؤرق نفسه، وهذه مسألة تشغل الناس فنقول لكل إنسان قادر: ~~إذا كنت في بيئة إيمانية. واليتيم يجد رعاية من آباء إيمانيين متعددين ~~فسينشأ اليتيم وليس فيه حقد ولذلك يقول الحق: # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]. لأنك إن رأيت المجتمع الإيماني قد رعى أيتام غيرك فستكون ~~على ثقة من أنه يرعى أيتامك، فإن جاء الموت أو لم يأت فلا تشغل نفسك به، ~~لكن إذا رأى الإنسان يتيما مضيعا، فهو يعض على أسباب الحياة ويريد أن ~~يأتي بالدنيا كلها لولده، ونقول لمثل هذا الأب: اعمل لابنك بأن تضع ما ~~تريد أن تدخره له في يد الله لأن الذي خلق آمن من المخلوق ولذلك قلنا من ~~قبل: إن سيدنا معاوية وسيدنا عمرو بن العاص كانا يجلسان - في أخريات ~~حياتهما - يتكلمان معا، فيقول عمرو بن العاص لمعاوية: يا أمير المؤمنين: ~~ماذا بقي لك من متع الدنيا؟ قال معاوية: أما الطعام فقد سئمت أطيبه، وأما ~~اللباس فقد مللت ألينه، وحظي الآن في شربة ماء بارد في يوم صائف تحت ظل ~~شجرة. # وهذه كلمة تعطي الإنسان طموحات إيمانية في الكون، فبعدما صار معاوية ~~خليفة وأميرا للمؤمنين والكل مقبل عليه قال: حظي في شربة ماء بارد في ظل ~~شجرة في يوم صائف، ms1757 وهذه توجد عند ناس كثيرين. كأن الطموح انتهى إلى ما ~~يوجد عند كل أحد: شربة ماء بارد، ثم قال معاوية لعمرو: وأنت يا عمرو، ~~ماذا بقي لك من متع الدنيا؟ قال عمرو بن العاص: بقي لي أرض خوارة - يعني ~~فيها حيوانات تخور مثل البقر - فيها عين خرارة، أي تعطي ماء وفيرا ~~لتروي الأرض، وتكون لي في حياتي ولولدي بعد مماتي، وكان هناك خادم ~~يخدمهما اسمه " وردان ". أراد أمير المؤمنين أن يلاطفه فقال له: وأنت يا ~~وردان، ماذا بقي لك من متاع الدنيا؟ انظروا إلى جواب العبد كي تعرفوا أن ~~الإيمان ليس فيه سيد ومسود، فقال له: حظي يا أمير المؤمنين: " صنيعة ~~معروف أضعه في أعناق قوم كرام لا يؤدونه إلي في حياتي " أي لا يؤدون ~~هذا الجميل لي. حتى تبقى لعقبى في عقبهم. إذن فحظه صنيعة معروف يضعه في ~~أعناق قوم كرام لا يؤدونه إليه في حياته حتى تكون لعقبة أي لمن سيترك من ~~أولاده. كأنه يفهمنا أنه لا شيء يضيع، فكما تمد يدك يمد غيرك يده لك، ~~والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا هذه المنزلة فيقول: # " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا " وأشار بإصبعيه متجاورين " " # ، أي منزلة هذه، فبالله بعد ذلك ألا يبحث كل واحد منا عن يتيم يكفله ~~لكي يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. وهذه المنزلة كانت أمنية ~~كل صحابي. فقد جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~محزون فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " " يا فلان مالي أراك محزونا؟ " فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه ~~فقال: " ما هو؟ " قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك وغدا ~~ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~ونزل عليه جبريل بهذه الآية: { ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وحسن ~~أولئك رفيقا }. فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فبشره ". # فالحق يقول لهؤلاء: لا ms1758 تحزنوا، فما دمتم تحبون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتفرحون في الدنيا لأنكم معه فلا تخشوا مسألة وجودكم معه بالجنة ~~فسوف أبعثكم معه في الجنة، فالمرء مع من أحب، ولذلك أقول لكل مسلم: ابحث ~~عن يتيم تكفله كي تأخذ المنزلة الإيمانية، المنزلة العلية في الآخرة. فقد ~~قال عليه الصلاة والسلام: # " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما ~~". # فقل لي: إذا عاملنا اليتيم في ضوء هذه التعاليم فماذا يحدث؟ سينتشر ~~التكافل في المجتمع. ويقول الحق بعد ذلك: { والمسكين.. } [النساء: ~~36]، ونعرف أن المساكين، كما قال الفقهاء عنهم وعن الفقراء: إن كلهم في ~~حاجة، فهل المسكين هو من لا يملك حاجة، أو الفقير هو الذي لا يملك حاجة ~~أو يملك دون حاجته، كأن يكون إيراده مثلا عشرة بينما حاجته تحتاج إلى ~~عشرين؟، المهم أنه يكون محتاجا. وكلمة " فقير " مأخوذة من فقار الظهر أي ~~مصاب بما يقصم الوسط والظهر. وهو اسم معبر. و " مسكين " أيضا اسم معبر ~~من المسكنة والسكن أي ليس له استعلاء في شيء، مغلوب ومقهور، فاللفظ نفسه ~~جاء، معبرا، و " الجار " كلمة " جار " تعني: عدل، كقولنا: جار عن الطريق ~~أي عدل عنه، فكيف أسمى من في جانبي " جارا "؟ لأن من في جانبك حدد ~~مكانا له من دنيا واسعة، فيكون قد ترك الكثير وجاء للقليل، وأصبح جارك، ~~أي أنه عدل عن دنيا واسعة وجاء جانبك، فيسمون الجار لمن جار، أي عدل عن ~~كل الأمكنة الواسعة وجاء إلى مكان بجانبك. وهذا الجار يوصي به الله ~~سبحانه وتعالى كما أوصى بالقريب، وباليتيم وبالمسكين، للجار حقوق كثيرة ~~لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث: # " الجيران ثلاثة: فجار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقا. وجار له ~~حقان، وجار له ثلاثة حقوق: فأما الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له، له ~~حق الجوار، وأما الذي له حقان فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار، وأما ~~الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم له حق ms1759 الإسلام وحق الجوار وحق الرحم ~~". # ويقول صلى الله عليه وسلم في حق الجار: # " ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ". # أي سيجعل له من الميراث، وما هي حدود الجار؟ حدوده: الأقرب بابا إليك، ~~إلى أربعين ذراعا، وقالوا: إلى أربعين دارا، هنا يقول الحق: { ~~والجار ذي القربى.. } [النساء: 36]. فأعطاه حق القربى وحق ~~الجوار، وقال { والجار الجنب.. } [النساء: 36]. لأن فيه جارا ~~قريبا وجارا بعيدا وقوله: " الجنب " أي البعيد، { والصاحب ~~بالجنب. # . } [النساء: 36] " الصاحب " هو المرافق. { بالجنب.. } [النساء: 36] ~~أي بجانبه. قالوا: هو الزوجة أو رفيق السفر لأن الرفقاء في السفر مع ~~بعضهم دائما، أو التابع الذي يتبعك طمعا فيما عندك من الرزق سواء كان ~~الرزق مالا أو علما أو حرفة يريد أن يتعلمها منك فهو الملازم لك، ~~والخادم أيضا يكون { بالجنب.. } [النساء: 36] وكل هذا يوسع الدائرة ~~للإحسان، ولو حسبت هذه الدوائر لوجدتها كلها متداخلة. وها هو ذا النبي ~~عليه الصلاة والسلام يقول لأبي ذر رضي الله عنه: # " يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك ". # والمهم أن تتواصل مع جارك، أو الجار ذي القربى: أي الذي قربته المعرفة، ~~وكثير من الجيران يكون بينهم ود، وهناك جار لا تعرف حتى اسمه، فهذا هو " ~~الجار الجنب " ، و { والصاحب بالجنب وابن السبيل.. } ~~[النساء: 36] وابن السبيل، فقد تقول مثلا: فلان بن فلان، كأنك لا تعرف ~~أباه، أو تقول: فلان ابن البلد الفلانية أي لا تعرف عنه شيئا سوى أنه ~~منسوب لبلد معين، وعندما تقول: ابن سبيل تعني أنه غريب انقطعت به كل ~~الأسباب حتى الأسباب التي يمكن أن تعرفه بها، فساعة تراه تقول " ابن ~~السبيل " أي ابن طريق، ولا تجد مكانا ينسب إليه إلا الطريق، لا يجد ~~أبا ينسب إليه، لا يجد أما، لا يجد قبيلة، لا تعرف عه شيئا. { وما ~~ملكت أيمانكم.. } [النساء: 36] وسبق أن تكلمنا عن ملك اليمين ~~وقلنا: إن الإسلام إنما جاء لا ليشرع رقا، ولكن جاء لينهي رقا، ويسد ~~منابعه التي كانت موجودة قبل الإسلام، ولا يبقى إلا منبع واحد. ms1760 هذا ~~المنبع الواحد هو الحرب المشروعة، ولماذا لم يطلقهم؟. لأن الحرب المشروعة ~~عرضة أن يأخذ الخصوم من أبنائي وأنا آخذ من أبنائهم، فلا أطلق أبناءهم إن ~~جاءوا في يدي حتى يطلقوا أبنائي الذين في أيديهم، ويصير الأمر إلى ~~المعاملة بالمثل، التي انتهى إليها العالم الحديث وهي تبادل الأسرى. وقد ~~نهانا الإسلام في ملك اليمين عن أن يقال: " عبدي " بل يقال: فتاي. ولا ~~يقال: " أمتي " بل يقال: فتاتي، حتى التسمية أراد الشرع أن يهذبها، كي لا ~~تنصرف العبودية إلا لله. الحق سبحانه وتعالى جاء بالإسلام والرق كان ~~موجودا،، وله ينابيع متعددة فوق العشرين، وليس له إلا مصرف واحد هو ~~إرادة السيد، فجاء الإسلام ليصفي الرق، وأول تصفية لشيء هو أن تسد ~~منابعه، وبدل أن يكون مجرد مصرف واحد، وهي رغبة السيد، جعل له الإسلام ~~مصارف متعددة، إذن فنكون قد حددنا المنابع في نبع واحد، وعددنا المصارف. ~~فالذنب بينك وبين الله تكفره بأن تعتق رقبة، أو أحدثت ظهارا مثلا تعتق ~~رقبة، وهذه رغبة من يريد أن يصفي الرق، فإذا لم توجد عند أي مالك أسباب ~~لتصفية الرق وظل الفتى أو الفتاة تحت يمينه، فالإسلام يرشدك ويهديك: ما ~~دمت لم تؤثر أن تعتقه واستبقيته فأحسن معاملته، أطعمه مما تطعم وألبسه ~~مما تلبس، ولا تكلفه ما لا يطيق، فإن كلفته فيدك معه، وهات لي واحدا ~~يلبس من ملابس سيده ويأكل مثله وعندما يعمل عملا فوق طاقته تجد يد ~~السيد بيده. # . أليست هذه هي المعاملة الطيبة! قال الله: { وما ملكت ~~أيمانكم.. } [النساء: 36]. وبعد ذلك يجيء الحق سبحانه وتعالى في ~~ختام الآية بما يدك كبرياء ذي الإحسان، فإياك أن تكون النعمة أو البذل ~~الذي ستبذله يعطيك في نفسك غرور الاستعلاء لأن غرور الاستعلاء هذا يكون ~~استعلاء كاذبا. وأنت إذا استعليت على غيرك بأعراض الحياة، فهذه الأعراض ~~تتغير، ومعنى " أعراض " أنها تأتي وتزول. فالذي يريد أن يستعلي ويستكبر ~~فعليه أن يستعلي ويستكبر بحاجة ذاتية فيه ولذلك لا يوجد كبرياء إلا لله، ~~إنما الأغيار من البشر. فنحن نرى ms1761 من كان قويا يصير إلى ضعف، ومن كان ~~غنيا يصير إلى فقر، ومن كان عالما يصبح كمن لا يعلم: # لكيلا يعلم من بعد علم شيئا.. # [الحج: 5]. فلا كبرياء إذن لمخلوق، ومن يريد أن يستعلي ويتكبر على ~~غيره فليتكبر - كما قلنا - بحاجة ذاتية فيه، أي بشيء لا يسلب منه، والخلق ~~كلهم في أغيار، والوجود الإنساني تطرأ عليه الأغيار، إذن فاجعل الكبرياء ~~لصاحبه، وإياك أن تظن أنه عندما قلنا لك: اعمل كذا وأحسن لذي القربى ~~واليتامى والمساكين، إياك أن تحبط هذه الأعمال بأن تستعلي بها لأنها ~~موهوبة لك من الله، وما دامت موهوبة لك من الله فاستح لأن الذي يتكبر هو ~~الذي لا يجد أمام عينه من هو أكبر منه. هات واحدا يتكبر لأن عنده ~~مليونا من الجنيهات ثم دخل عليه واحد آخر عنده أكثر منه ماذا يفعل؟ إنه ~~يستحي ويتضاءل، ولا يتكبر الإنسان إلا إذا وجد كل الموجودين أقل منه، ~~لكنه لو ظل ناظرا إلى الله لعلم أن الكبرياء لله وحده. إذن فعندما يتكبر ~~المتكبر، إنما يفعل ذلك لأن الله ليس في باله. لكن لو كان الحق المتكبر ~~بذاته في باله لاستحى، فإذا كان في بالك من يعطيك لاستحييت. إذن فمعنى ~~المتكبر أن ربنا غائب عن باله لذلك يقول الحق في ختام الآية: { إن ~~الله لا يحب من كان مختالا فخورا } [النساء: 36]. وما ~~" الاختيال "؟ وما " الفخر "؟. إن المادة كلها تدل على زهو الحركة، ولذلك ~~نسمي الحصان " خيلا " لأنها تتخايل في حركتها، وعندما يركبها أحد تتبختر ~~به ولذلك نسمي الخيلاء من هذه. إذن " الاختيال ": حركة مرئية، " والفخر " ~~حركة مسموعة، فالحق ينهى الإنسان عن أن يمشي بعنجهية، كما نهاه عن أن ~~يسير مائلا بجانبه ولا أن يعتبر نفسه مصدرا للنعمة حتى لا ينطبق عليه ~~قوله سبحانه: # ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا ~~خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق * ذلك ~~بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد # [الحج: 9-10]. أما الفخر فهو أن يتشدق الإنسان بالكلام فيحكي عما فعل ~~وكأنه ms1762 مصدر كل عطاء للبشر، والخيلاء والفخر ممنوعان، وعلى المسلم أن ~~يمتنع عن الحركة المرئية وعن كلام الفخر، ولماذا جاء الحق بهذا هنا؟ إنه ~~جاء به حتى لا يظن عبد أنه يحسن إلى غيره من ذاتيته، إنه يحسن مما وهبه ~~الله. ولا يصح أن تستخدم من أحسنت إليهم وتتخذهم عبيدا لأنك تحسن ~~عليهم. وعندما تنظر إلى سيادتك على هؤلاء لأنك تعطيهم، فلماذا لا تنظر ~~إلى سيادة من أعطاك؟ إنك عندما تفعل ذلك وتنظر إلى سيادة خالقك فإنك قد ~~التزمت الأدب معه وبعدت عن الاختيال والفخر بما قدمت لغيرك، يقول الحق: { ~~إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } [النساء: ~~36]. وبعدما قال الحق: { وبالوالدين إحسانا.. } [النساء: 36] ~~قال: { وبذي القربى واليتامى.. } [النساء: 36]. وتحدث عن ~~البذل والأريحية والجود والسماح وبسط اليد، أتى سبحانه بالحديث عن ~~المقابل وهو: { الذين يبخلون ويأمرون الناس... }. ### || [4.37] # وما معنى البخل؟ إنه مشقة الإعطاء. فعندما يقطع حاجة من خاصة ماله ~~ليعطيها لغيره يجد في ذلك مشقة ولا يقبل عليها، لكن الكريم عنده بسط يد، ~~وأريحية. ويرتاح للمعروف، إذن فالبخل معناه مشقة الإعطاء، وقد يتعدى ~~البخل ويتجاوز الحد بضن الشخص بالشيء الذي لا يضر بذله ولا ينفع منعه ~~لأنه لا يريد أن يعطي. وهذا البخل والشح يكون في نفس البخيل لأنه أولا ~~قد بخل على نفسه، فإذا كان قد بخل على نفسه، أتريد أن يجود على الناس؟ ~~والشاعر يصور بخيلا اسمه " عيسى " ويريد أن يذمه لأنه بخيل جدا ويظهر ~~صورة البخل بأنه ليس على الناس فقط بل على نفسه أيضا، فيما لا يضر بذله ~~ولا ينفعه منعه. وما دام يقتر على نفسه فسيكون تقتيره على غيره أمرا ~~متوقعا: # يقتر عيسى على نفسه # وليس بباق ولا خالد # فلو يستطيع لتقتيره # تنفس من منخر واحد # إنه بخيل لدرجة أنه يفكر لو استطاع أن يتنفس من فتحة أنف واحدة لفعل ~~حتى لا يتنفس بفتحتي أنفه. والشاعر الآخر يأتي بصورة أيضا توضح كيف يمنع ~~البخيل نفسه من الأريحية والإنسانية فيقول: # لو أن بيتك يا بن ms1763 عم محمد # إبر يضيق بها فضاء المنزل # وأتاك يوسف يستعيرك إبرة # ليخيط قد قيمصه لم تفعل # فالشاعر يصور أن سيدنا يوسف لو جاء إلى هذا البخيل وقال له: أعطني إبرة ~~لكي أخيط قد القميص الذي مزقته زليخاء، وهذا البخيل عنده بيت يمتلئ ~~فناؤه بالإبر، لضن البخيل ورفض. إذن فالبخيل: هو من يضيق بالإعطاء، ~~حتى إنه يضيق بإعطاء شيء لا يضر أن يبذله ولا ينفعه أن يمنعه، ويقول الحق ~~عن البخلاء: # ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ آتاهم الله من ~~فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ~~ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات ~~والأرض والله بما تعملون خبير # [آل عمران: 180]. فالحق يجعل للبخيل مما بخل به طوقا حول عنقه، ولو أن ~~البخيل قد بذل قليلا، لكان الطوق خفيفا حول رقبته يوم القيامة. لكن ~~البخيل كلما منع نفسه من العطاء ازداد الطوق ثقلا. ولقد قال الحق أيضا ~~عن الذين يكنزون الذهب والفضة: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى ~~عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم ~~فذوقوا ما كنتم تكنزون # [التوبة: 34-35]. فإن كان اكتنازهم لكميات كبيرة فما سيحمى على النار ~~منها يكون كثيرا، ويكوون به. إذن فالإنسان لا بد أن يخفف عن نفسه ~~الكي، والذين يبخلون لا يكتفون بهذه الخسيسة الخلقية في نفوسهم بل ~~يحبون أيضا أن تتعدى إلى سواهم كأنهم عشقوا البخل، ويؤلمهم أن يروا ~~إنسانا جوادا يقول لك البخيل: لا تنفق لأنه يتألم حين يرى إنسانا ~~جوادا، ويريد أن يكون الناس كلهم بخلاء كي لا يكون أحد أحسن منه. # إنه يعرف أن الكرم أحسن، بدليل أنه يريد أن يكون الناس كلهم بخلاء، ~~والبخل: ضن بما أوتيته على من لم يؤت. وهل البخل يكون في المال فقط؟. ~~لا، بل يكون في كل موهبة أوتيتها وتنقص عند غيرك ويفتقر إليها، إن ضننت ~~بها فأنت داخل في البخل. إن الذي يبخل بقدرته على معونة العاجز عن ms1764 ~~القدرة، والذي يبخل بما عنده من علم على من لا يعلم، هذا بخل، والذي ~~يبخل على السفيه حتى بالحلم هذا بخل أيضا، فإن كانت عندك طاقة حلم ~~فابذلها. إذن فالبخل معناه: أنك تمنع شيئا وهبه الله لك عن محتاجه، معلم ~~- مثلا - عنده عشرة تلاميذ يتعلمون الصنعة، ويحاول أن يستر عنهم أسرار ~~الصنعة يكون قد بخل. { الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل.. } [النساء: 37]. والآية معناها يتسع لكل أمر مادي أو قيمي. ~~ونحن نأخذها أيضا في المعاني العالية، فالذين أوتوا الكتاب كانوا يعرفون ~~صفته صلى الله عليه وسلم، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فلما جاءهم ~~مصدقا لما معهم كفروا برسالته صلى الله عليه وسلم وكتموا معرفتهم به عن ~~الناس، وكتموا معرفتهم بما جاء به من علم وهو الصادق المصدوق. وهذا بخل ~~في القيمة، وبعد ذلك استمروا يأمرون الناس بالبخل. وأنتم تعرفون أن ~~الأنصار كانت عندهم الأريحية الأنصارية، وساعة ذهب إليهم المهاجرون، ~~قاسموهم المال، حتى النعمة التي غرس الله في قلب المؤمن الغيرة عليها من ~~أن ينالها أحد حتى ولو كان كارها لها، وهي نعمة المرأة لأن الرجل حتى ~~وإن كره امرأته فهو يغار أن يأخذها أحد، ولكن الأنصار اقتسموا الزوجات، ~~فكم من رجل كان متزوجا من أكثر من واحدة، طلق زوجة ليزوجها لمهاجر، ~~فالحق سبحانه وتعالى يصعد أريحية الأنصار حتى أن الأنصاري يأتي بالمهاجر ~~ويقول له: انظر إلى إحدى زوجتي أو إحدى زوجاتي فاختر ما يروقك فأطلقها ~~وتتزوجها. أية أريحية سامية هذه؟ فإذا كنت ذا نعمة وأنت مؤمن فأنت تحب أن ~~تعدي أثر نعمتك إلى غيرك، فإذا كان عندك سيارة فاخرة قد تحب أن تتصدق ~~بها، لكن المرأة، لا، لكن هذه الأريحية جاءت من الأنصار وقالوا: هؤلاء ~~مهاجرون وتاركون أهلهم. وكان هذا ارتقاء إيمانيا في ذات الأنصار. لقد ~~جاء إليهم المهاجرون وفيهم شباب يمتلئون فتوة، وكانت قريش قد منعت أهليهم ~~عنهم، ليس معهم زوجات. فيقول الأنصاري: لماذا لا أطلق إحدى زوجاتي، ~~وليتزوجها أخي المهاجر لأنفس عن عواطفه. وأقل ما فيها أن أمنع نظره أن ms1765 ~~يتحول حراما. لكن اليهود والمشركين والمنافقين يقولون لهم: لا تنفقوا ~~على من عند رسول الله. # ويقول القرآن الكريم في هذا الموقف: # هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله حتى ينفضوا ولله خزآئن السماوات ~~والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون # [المنافقون: 7]. لقد أخطأوا الظن بمن آمنوا برسول الله، ظنوا أنهم إن ~~لم ينفقوا عليهم فسيرتدون عن إيمانهم. ونسوا أن المؤمنين المهاجرين قد ~~تركوا أموالهم وتركوا بلادهم، فمن ترك أمواله للهجرة في سبيل الله ~~أيكفر به عندما لا يجد شيئا؟ لا لأنه ترك كل شيء في سبيل الله. وهاهو ذا ~~سيدنا مصعب بن عمير المدلل في قريش، وكانت أمه تغدق عليه النعمة وهو صاحب ~~العطور، وبعد ذلك يذهب إلى المدينة، فيلبس جلد شاة، فينظر له النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول لأصحابه: انظروا كيف صنع الإيمان بصاحبكم، فعندما ~~يقول المنافقون كعبد الله بن أبي للأنصار: لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله حتى ينفضوا، يظنون أن المؤمنين يمكن أن يبيعوا إيمانهم بلقمة ~~وكأنهم نسوا أن الذي يبيع إيمانه باللقمة هو من يحمل على مبدأ باطل، ~~لكن من يعتنق ويعتقد مبدأ حق يجد حلاوته في النفس، وأجره مدخر عند ربه. ~~إنه لا يتحول عنه. قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " فجئت المسجد، ~~فطلع علينا مصعب بن عمير في بردة له مرقوعة بفروة، وكان أنعم غلام بمكة ~~وأرفه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ما كان فيه من ~~النعيم، ورأى حاله التي هو عليها فذرفت عيناه عليه، ثم قال: أنتم اليوم ~~خير أم إذا غدي على أحدكم بجفنة من خبز ولحم؟ فقلنا: نحن يومئذ خير ~~نكفى المؤنة ونتفرغ للعبادة، فقال: # " بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ ". # وقلنا: يجب أن تذكروا جيدا أن من حلاوة اليقين وحلاوة الإيمان أن ~~المؤمن يضحي بكل شيء في سبيل رفعة الإيمان، لكن أصحاب المبادئ الباطلة ~~لا يدخلون غيرهم فيها إلا إن دفعوا الثمن مقدما، أي أنهم يشترونهم. فإذا ~~رأيت مبدأ من المبادئ ms1766 يشتري البشر فاعرف أنه مبدأ باطل، ولو كان مبدأ حق ~~لدفع الإنسان من أجل أن يدخل فيه نفيس ماله، بل ويضحي في سبيله بنفسه ~~أيضا. ومن عجائب مبادئ الإسلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما ~~أخذ العهد لنفسه في بيعة العقبة، قال له الأنصار: فإن نحن وفينا بهذا ~~فماذا يكون لنا؟ كأنهم يقولون: أنت أخذت مالك فماذا يبقى لنا؟. انظروا ~~إلى سمو الإيمان، ويقين المصطفى بأن الإيمان نفسه جائزة، فهل بشرهم بأنهم ~~سيملكون الأرض؟ هل بشرهم بأن هؤلاء المستضعفين هم الذين سيمكنون فيها؟ ~~لا، بل قال لهم: لكم الجنة. فلو قال لهم: لكم سيادة الدنيا، لكان في ذلك ~~نظر، صحيح أن الدنيا دانت وخضعت لهم، لكن منهم من مات قبل أن تدنو له ~~الدنيا وتذل، فأين صدق النبوءة؟. # إذن فقد قال لهم عن الشيء المضمون، الشيء الذي يجد المؤمن فيه نفسه من ~~فور أن يموت. قال لهم: لكم الجنة. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~- وحوله عصابة من أصحابه -: # " تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا ~~تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوني ~~في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا ~~فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله ~~فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه ". # لم يغرهم بأنهم سيكونون أصحاب سلطان، ولم يقل لهم: أنتم ستجلسون على ~~البسط والدنيا ستدين لكم، إنما قال لهم في أول البيعة: لكم الجنة، ~~فإياكم أن يطمع أحد منكم في شيء إلا في الجنة ولذلك فالأنصار محبوبون ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما كانت غزوة حنين وأعطى المهاجرين ~~بعضا من الغنائم ولم يكن للأنصار منها شيء، وجد الأنصار في نفوسهم.. ~~فلفتهم رسول الله لفتة إيمانية وقال لهم: # " ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا ~~برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده ms1767 لولا الهجرة لكنت أمرأ من ~~الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا آخر لسلكت شعب ~~الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار. " # فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا. أي ~~سمو إيماني هذا؟ لكن المنافقون قالوا للأنصار: لا تنفقوا أموالكم على من ~~عند رسول الله حتى ينفضوا. لكن المؤمنين لم ينفضوا. إنهم قد تركوا ~~النعيم والأموال في مكة وجاءوا إلى الهجرة، فهم لم يأتوا ليأخذوا نعيما ~~مظنونا محدودا قليلا، وحسبهم ما وعدوا به من نعيم متيقن عريض باق. لقد ~~عرفوا بالإيمان أن نعيم الدنيا إما أن تفوته بالموت وإما أن يفوتك ~~بالتقلب، لكن نعيم الآخرة ليس له حد ينتهي عنده، ولا يفوتك ولا تفوته. ~~ثم سبحانه يقول: { ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله.. } ~~[النساء: 37]، وساعة ترى شيئا يكتم شيئا، لا بد أن تفهم منها أن هذا ~~الكتم معناه: منع شيء يريد أن يخرج بطبيعته، وكما يقولون: اكتم الدم فلو ~~لم تكتمه يستطرق. كأن المال أو العلم يريد أن يخرج للناس ولكن أصحابه ~~يكتمونه. وكأن الفطرة الطبيعية في كل رزق سواء أكان رزقا ماديا أم ~~رزقا معنويا أنه يستطرق لأن كل شيء مخلوق لخدمة الإنسان فعندما يأتي ~~إنسان ويحوز شيئا مما هو مخلوق لخدمة الإنسان ويحجبه فهو بذلك يمنع ~~الشيء المكتوم من رسالته لأن كل شيء مخلوق لخدمة بني آدم، فعندما تعوقه ~~عن هذه الخدمة فالشيء يحزن، وليتسع ظنكم إلى أن الجمادات تحزن أيضا. # فما بكت عليهم السمآء والأرض.. # [الدخان: 29]. فالسماء والأرض لهما بكاء، ليس بكاء دموع إنما بكاء يعلم ~~الله كنهه وحقيقته، إذن فقوله: { ويكتمون مآ آتاهم الله من ~~فضله.. } [النساء: 37]. كأنه يقول: ما آتاه لك الله من فضله ليس ~~ملكك، وليس ذاتية فيك، فأنت لم تأت به من عندك. وانظر إلى الكون حولك ~~تجده كله أغيارا، ألم تر في حياتك قادرا أصبح عاجزا؟ ألم تر غنيا ~~أصبح فقيرا؟ فالدنيا دول، وما من واحد إلا ويمر أمام عينيه وفي تاريخه ~~وفي سماع من ms1768 يثق بكلامه أنه " كان " هناك غني ثم صار فقيرا، فلماذا ~~لا تعتبر بالأغيار التي قد تمر بك، وبعد أن كان يطلب منك أن تعطي، صرت ~~في حال يطلب الحق سبحانه من غيرك أن يعطيك، ادخر لنفسك الآن - بالخير ~~تبذله - حتى إذا جاءتك الأغيار تجد لك ما ينتظرك. { الذين ~~يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون مآ ~~آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا ~~مهينا } [النساء: 37] انظر ماذا فعل فيه البخل، إنه جعل صاحبه كافرا ~~لأن البخيل ستر نعمة كان من الممكن أن تتسع له ولغيره، فجاء له بالشيء ~~الذي يخيف: { وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } ~~[النساء: 37] " أعتدنا " أي أعددنا وهيأنا. فالمسألة موجودة وقد أعدت، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم حينما يتكلم عن الجنة يقول: # " عرضت علي الجنة لو مددت يدي لتناولت من قطوفها ". # هذه ثقة اليقين في أنها مسألة جاهزة وليست تحت الإعداد، ومن الذي أعد؟ ~~إنه الله، قوي القوي، قدرة القدر هي التي تعد، وهو يعدها على قدر سعة ~~قدرته، عذاب مهين لأنه قد يتطاول أحد ويقول: أنا أتحمل العذاب، كما قال ~~الشاعر: # وتجلدي للشامتين أريهمو # أني لريب الدهر لا أتضعضع # فسبحانه يوضح: لن يلقى البخيل العذاب فقط، بل سيلقى عذابا مهينا. ثم ~~يأتي الحق سبحانه بالمقابل، يأتي بغير البخيل، فيقول: { والذين ~~ينفقون أموالهم... }. ### || [4.38] # إن هذه الآية الكريمة تتحدث عن الذي ينفق، لكن الغاية غير واضحة عنده. ~~الغاية ضعيفة لأنه ينفق رئاء الناس، إنه يريد بالإنفاق مراءاة الناس ~~ولذلك يقول العارفون بفضل الله: اختر من يثمن عطاءك. فأنت عندما تعطي ~~شيئا لإنسان فهو يثمن هذا الشيء بإمكاناته وقدراته، سواء بكلمة ثناء ~~يقولها مثلا أو بغير ذلك، لكن العطاء لله كيف يثمنه سبحانه؟ لا بد ~~أن يكون الثمن غاليا. إذن فالعاقل ينظر لمن سيعطي النعمة، ولنا ~~الأسوة في سيدنا عثمان رضي الله عنه عندما علم التجار أن هناك تجارة آتية ~~له، جاء كل التجار ليشتروا منه البضاعة ثم يبيعوها ليربحوا وقال لهم: ~~جاءني أكثر من ثمنكم، وفي النهاية قال لهم: أنا بعتها ms1769 لله.. إذن فقد ~~تاجر سيدنا عثمان مع الله، فرفع من ثمن بضاعته، فالذي يعطي لرئاء الناس ~~نقول له: أنت خائب لأنك ما ثمنت نعمتك، بل ألقيتها تافهة الثمن، ماذا ~~سيفعل لك الناس؟ هم قد يحسدونك على نعمتك ويتمنون أن يأخذوها منك، فلماذا ~~ترائيهم؟ إذن فهذه صفقة فاشلة خاسرة ولذلك قال الحق: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة.. # [التوبة: 111]. وما دام سبحانه هو الذي اشترى فلابد أن الثمن كبير لأنه ~~يعطي النعيم الذي ليس فيه أغيار، ففي الجنة لا تفوت النعمة مؤمنا، ولا ~~هو يفوتها. فالذي يرائي الناس خاسر، ولا يعرف أصول التجارة لأنه لم يعرف ~~طعم التجارة مع الله ولذلك شبه عمله في آية أخرى بقوله: # كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه ~~صلدا.. # [البقرة: 264]. و " الصفوان " هو المروة وجمعه مرو وهي حجارة بيض براقة، ~~والمروة ناعمة وليست خشنة. لكن بها بعض من الثنايا يدخل فيها التراب ~~ولأن المروة ناعمة جدا فقليل من الماء ولو كان رذاذا يذهب بالتراب. ~~والذي ينفق ماله رئاء الناس هو من تتضح له قضية الإيمان ولكن لم يثبت ~~الإيمان في قلبه بعد، فلو كنت تعلم أنك تريد أن تبيع سلعة وهناك تاجر ~~يعطيك فيها ثمنا أغلى فلماذا تعطيها للأقل ثمنا؟ إنك إن فعلت فقد خبت ~~وخسرت فأوضح لك الحق: ما دمت تريد رئاء الناس إذن فأنت ليس عندك إيمان ~~بالذي يشتري بأغلى، فتكون في عالم الاقتصاد تاجرا فاشلا، ولذلك قلنا: ~~ليحذر كل واحد حين يعطي أن يخاف من العطاء، فالعطاء يستقبله الله بحسن ~~الأجر، ولكن عليه ألا يعطي بضجيج ودعاية تفضح عطاءه ولذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم - ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: # " رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". # إن العبد الصالح حين يعطي فهو يعلم أن يده هي العليا ويده خير من اليد ~~السفلى، فليستر على الناس المحتاجين سفلية أيديهم، ولا يجعلها واضحة. ~~ولكن الحق سبحانه وتعالى ms1770 لا يريد أن يضيق مجال الإعطاء فقال: # إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم ويكفر عنكم ~~من سيئاتكم والله بما تعملون خبير # [البقرة: 271]. فإبداء الصدقات لا مانع منه إن كان من يفعل ذلك يريد ~~أن يكون أسوة، المهم أن يخرج الرياء من القلب لحظة إعطاء الصدقة، فالحق ~~يوضح: إياك أن تنفق وفيك رئاء، أما من يخرج الصدقة وفي قلبه رياء فالله ~~لا يحرم المحتاجين من عطاء معط لأنه سبحانه يؤكد: خذوا منه وهو الخاسر ~~لأنه لن يأخذ ثوابا، لكن المجتمع ينتفع. إن الذين ينفقون أموالهم رئاء ~~الناس هم من الذين " لا يؤمنون بالله " لأنه سبحانه هو المعطي، وهو يحب ~~أن يضع المسلم عطاءه في يده: { ولا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر.. } [النساء: 38] فلو كانوا يؤمنون باليوم الآخر ~~لرأوا الجزاء الباقي، فأنت إذا كنت تحب نعمتك فخذ النعمة وحاول أن تجعلها ~~مثمرة، أي كثيرة الثمار، فالذي لم يتصدق من ماله ولم ينفقه حتى على نفسه ~~يكون قد أنهى مسألة المال وعمر ماله معه عند هذا الحد، أما الذي أنفقه ~~في سبيل الله فسيجده في الآخرة، فيكون قد أطال عمر ماله. فالبخيل هو عدو ~~ماله لأنه لم يستطيع أن يثمره، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الحديث الشريف: # " إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل ~~أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ~~ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: ~~بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل ~~وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله له: ~~بل أردت أن يقال: فلان قارئ فقد قيل ذلك، ويؤتي بصاحب المال.... ". # لكن هل قال لك الدين: لا تفعل؟ لا، افعل لينتفع الناس بالرغم منك. ~~والبخيل عندما يكثر ماله يكون قد حرم على نفسه هذا المال ثم يأتي ~~ابن له ms1771 يريد أن يستمتع بالمال، ولذلك يقال في الريف: مال الكنزي ~~للنزهي، ولا أحد بقادر أن يخدع خالقه أبدا!! فسبحانه يوضح: أنا أعطيتك ~~نعمة أنت لم تعطها لأحد، لكني سأيسر السبيل لطائع لي، إياك أن تظن أنك ~~خدعتني عندما بخلت، فبخلك يقع عليك. إذن فأنت قد ضيقت رزقك بالبخل ولو ~~أنفقت لأعطاك الله خيرا كثيرا # ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه.. # [سبأ: 39] لكنك تركته لورثتك وسيأخذونه ليكون رزقهم متسعا، وأيضا فإنك ~~حين تمنع المال عن غيرك فأنت قد يسرت سبيلا لمن يبذل. # كيف؟ لنفرض أن إنسانا كريما، وكرمه لا يدعه يتوارى من السائل، والناس ~~لها أمل فيه. وبعد ذلك لم ينهض دخله بتبعاته، فإن كان عنده " فدانان " ~~فهو يبيع فدانا ليفرج به على المحتاجين، وعندما يبيع الفدان سيشتريه ~~من يكتنز، فيكون المكتنز قد يسر سبيلا للكريم، فإياك أن تظن أنك ~~قادر على خداع من خلقك وخلق الكون وأعطاك هذه النعمة، وهذا يشبه صاحب ~~السيئة الذي من الله عليه بالتوبة والرجوع إلى الله، إننا نقول له: إياك ~~أن تعتقد أنك اختلست شهوة من الله أبدا. أنت اختلست شهوة ستلهبك أخيرا، ~~وتجعلك تفعل حسنات مثلها عشرين مرة، لأنه سبحانه قد قال: # إن الحسنات يذهبن السيئات.. # [هود: 114]. فأنت لن تضحك على خالقك لأنه سيجعلها وراءك، فتعمل خيرا ~~كثيرا، كذلك البخيل نقول له: ستيسر سبيلا لكريم بذال، والحق سبحانه ~~وتعالى بين في آخر الآية السبب الذي حمله على ذلك، إن الأسباب متعددة. ~~لكن تجمعها كلمة " شيطان " ، فكل من يمنعك من سبيل الهدى هو شيطان، ~~ابتداء من شهوات نفسك وغفلة عقلك عن المنهج، إنها قرين سوء يزين لك ~~الفحشاء، ويزين لك الإثم، إن وراء كل هذه الأمور شيطانا وسوس إليك، وكل ~~هؤلاء نسميهم " شيطانا " لأن الشيطان هو من يبعدك عن المنهج، وهناك ~~شياطين من الجن، وشياطين من الإنس، فالنفس حين تحدث الإنسان ألا يلتزم ~~بالمنهج لأن التزامه بالمنهج سيفوت عليه فرصة شهوة - هي شيطان. إن النفس ~~التي ترى الشهوة العاجلة وتضيع منها شهوة آجلة لا حدود ms1772 لها - هي شيطان. ~~فالشيطان إذن هو الذي جعلهم يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، وهذا الشيطان ~~وساعة يكون قرينا للإنسان، فمعنى ذلك أنه مقترن به، والقرن بكسر القاف ~~- هو من تنازله. وكلمة " قرن " تطلق أيضا على فترة الزمن هي مائة ~~عام لأنها تقرن الأجيال ببعضها، فالشيطان قرين أي ملازم لصاحبه ومقترن ~~به، فيقول الحق: # ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء قرينا # [النساء: 38]، أي بئس هذا القرين لأنه القرين الذي لا ينفعني ولا يصدني ~~عن مجال ضار. ولذلك فالناس قد يحب بعضهم بعضا في الدنيا لأنهم يجتمعون ~~على معصية. أما في الآخرة فماذا يفعلون؟ يقول الحق: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. لأن المتقين يعين بعضهم بعضا على الطاعة، فالواحد منهم ~~يقول لصاحبه: كنت تعينني على الطاعة، كنت توجهني وتذكرني إن غفلت، فيزداد ~~الحب بينهما. لكن الإنسان يلعن من أغواه وأول من نلعن يوم القيامة ~~نلعن الشيطان، وكذلك الشيطان أول ما يتبرأ يتبرأ منا ولذلك فعندما تحين ~~المجادلة نجد الشيطان يقول لمن أغواهم وأضلهم: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي.. # [إبراهيم: 22]. والسلطان هو: القوة العالية التي تجبر من دونها، ~~فالإنسان تجبر مادته وبنيته بسلطان القهر المادي، ويقهر في اعتقاداته ~~بالدليل والحجة. والإكراه في المادة إنما يتحكم في القالب، لكنه لا يتحكم ~~في القلب، فقد تكون ضعيفا أمام واحد قوي ولكنك تمسك له سوطا وتقول له: ~~اسجد لي. اخضع، فيسجد لك ويخضع. وأنت بذلك تقهر القالب، لكنك لم تقهر ~~القلب، هذا هو السلطان المادي الذي يقهر القالب، لكن إذا جاء لك إنسان ~~بالحجج وأقنعك، فهذا قهر إقناع، وقدرة قهر العقول بالإقناع نوع من ~~السلطان أيضا. إذن فالسلطان يأتي من ناحيتين: سلطان يقهر القالب، وسلطان ~~يقهر فقه القلب، فسلطان القالب يجعلك تخضع قهرا عنك، وسلطان الحجة ~~والبرهان يجعلك تفعل برضى منك، والشيطان يقول لمن اتبعوه: يا من ~~جعلتموني قرينا لكم لا تفارقوني، أنتم أغبياء فليس لي عليكم سلطان، وما ~~كان لي من القوة بحيث أستطيع أن أرغمكم على ms1773 أن ترتكبوا المعاصي، وما كان ~~عندي منطق ولا حجة لكي أقنعكم أن تفعلوا المعاصي، لكنكم كنتم غافلين، أنا ~~أشرت لكم فقط فلست أملك قوة أقهر مادتكم بها، ولا برهان عندي لأسيطر على ~~عقولكم: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.. # [إبراهيم: 22]. إذن فالخيبة منكم أنتم ولذلك يقول الحق: # مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22]. ماذا يعني " بمصرخكم "؟ إنها استغاثة واحد في أزمة لا ~~يقدر عليها وضاقت به الأسباب، عندئذ يستنصر بغيره، فيصرخ على غيره، أي ~~يناديهم لإنقاذه ولنجدته، فالذي يستجيب له ويأتي لإنقاذه يقال له: أزال ~~صراخه، إذن فأصرخه يعني سارع وأجاب صرخته، والشيطان يقول: إن استنجدتم بي ~~فلن أنجدكم وأنتم لن تنجدوني، فكل واحد منا عرف مسئوليته وقدرته. ~~وبالنسبة للإنسان فقد قال الحق: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه.. # [الإسراء: 13]. فمن يتخذ الشيطان قرينا، # فسآء قرينا.. # [النساء: 38] وكلمة " ساء " مثل كلمة " بئس " كلتاهما تستعمل لذم وتقبيح ~~الشيء أي، فبئس أن يكون الشيطان قرينا لك لأن الشيطان أخذ على نفسه ~~العهد أمام الله ألا يغوي من يطيعه سبحانه ويغوي من سواهم من الناس ~~أجمعين. وعندما نتأمل الآية، نجد أن الحق يقول: { والذين ~~ينفقون أموالهم رئآء الناس ولا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له ~~قرينا فسآء قرينا } [النساء: 38]. فالآية إذن تتناول لونا من ~~الإنفاق يحبط الله ثوابه. فنفقة المرائي تتعدى إلى نفع غيره لكن لا ينتفع ~~المرائي منها، بل تكون قد أنقصت من ماله ولم تثمر عند ربه. والحق يلفتنا ~~إلى أن ذلك كله راجع إلى معوقات الإيمان الذي يتطلب من الإنسان أن يكون ~~في كل حركات حياته على منهاج ربه، هذه المعوقات تظهر في النفس البشرية ~~وفي شهواتها التي تزين الإقبال على المعصية للشهوة العاجلة، وتزين الراحة ~~في ترك الأوامر، والشيطان أيضا يتمثل في المعوقات، والشيطان كما نعلم: ~~اسم للعاصي من الجنس الثاني من المكلفين وهم الجن ويتمثل في إبليس وفي ~~جنوده، ويطلق على كل متمرد من الإنس ms1774 أيضا يقول تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا.. # [الأنعام: 112] وأنت حين تريد أن تعرف المعوق أهو من نفسك أم من ~~الشيطان؟ فانظر إلى نفسك حيال المعصية، أهي معصية تدفعك نفسك أن تأتيها ~~وحدها، أم معصية إن عز عليك أن تفعلها فأنت تنتقل إلى معصية سواها؟ هل ~~هي معصية ملازمة أو معصية تنتقل منها إلى غيرها؟ فهب أن إنسانا كانت ~~معصية نفسه في أن يشتهي ما حرم عليه، أو أن يسرق مال غيره، نقول له: ~~أوقفت في المعصية عند هذه بحيث لا تتعداها إلى غيرها؟ يقول نعم. فبقية ~~المعاصي لا ألتفت إليها.. نقول: تلك شهوة نفس، فإن كانت المعصية حين ~~تمتنع عليك من سرقة مثلا فأنت تلتفت إلى معصية أخرى. فهذا لون من ~~المعاصي ليس من حظ النفس، وإما هو حظ الشيطان منك لأن الشيطان يريد ~~العاصي عاصيا على أي لون من المعصية، فإن عز عليه أن يلوي زمامه إلى ~~لون من المعصية، انتقل إلى معصية أخرى لعله يصادف ناحية الضعف فيه. لكن ~~النفس حين تشتهي فإنها تشتهي شيئا بعينه، فأنت إذن تستطيع أن تعرف ~~المعوق من قبل نفسك أم من قبل الشيطان، فإن وقفت عند معصية واحدة لا ~~تتعداها وتلح عليك هذه المعصية، وكلما عز عليك باب من أبوابها تجد بابا ~~آخر لتصل إليها، فتلك شهوة نفسك. وإن عزت عليك معصية تنتقل إلى معصية ~~أخرى فهذا من عمل الشيطان لأن الشيطان لا يريد عاصيا من لون واحد، وإنما ~~يريدك عاصيا على إطلاقك. وعداوة الشيطان - كما نعلم - هي عداوة مسبقة ~~فقد امتنع الشيطان عن السجود لآدم بحجة أنه خير من آدم. وحذر الله آدم. ~~ولابد أن آدم عليه السلام قد نقل هذا التحذير لذريته وأعلمهم أن ~~الشيطان عدو. ولكن الغفلة حين تسيطر على النفوس تفسح مجالا للشيطان ~~لينفذ إلى نفس الإنسان، والشيطان - كما نعرف - لا يأتي للعاصي الذي تغويه ~~نفسه لأن العاصي تكفيه نفسه لذلك يأتي الشيطان للطائع ليفسد عليه طاعته، ms1775 ~~ولهذا يقول الله عنه: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]. إذن فمقعد الشيطان ليس في الخمارة أو في مكان فساد، إنما ~~يجلس على باب المسجد، لكي يفسد على كل ذاهب إلى الطاعة طاعته. وهذا معنى: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] ولذلك كانوا يقولون: إن الطوائف الأقلية غير المسلمة في ~~أي بلد إسلامي لا تحدث بينهم الشحناء، ولا البغضاء، ولا حرق الزروع ولا ~~سم المواشي، ولا القتل، وتأتي هذه المعاصي في جمهرة المسلمين، نقول: نعم ~~لأن الشيطان ضمن أن هؤلاء وصلوا إلى قمة المعصية فابتعد عن إغوائهم، أما ~~المسلمون فهم أهل الطريق المستقيم، لذلك يركز الشيطان في عمله معهم، إذن ~~فما دام عمل الشيطان على الطريق المستقيم فهو يأتي لأصحاب منهج الهداية، ~~أما الفاسق بطبيعته، والذي كفر كفر القمة فالشيطان ليس له عمل معه ~~لأنه فعل أكثر مما يطلب الشيطان من النفس البشرية. # والحق سبحانه وتعالى يقول: { والذين ينفقون أموالهم ~~رئآء الناس.. } [النساء: 38] أي: أنفقوا وأنقصوا مالهم فلماذا ~~المراءاة إذن؟ لأن الشيطان قرينهم، وعندما ينفقون فهذا عمل طاعة، ولماذا ~~يترك لهم هذا العمل ليسلم الثواب لهم؟ فلا بد أن يفسد لهم هذا لعمل الذي ~~عملوه، وهو يقول: { ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء ~~قرينا } [النساء: 38] مثل هذا القرين أيمدح أم يذم؟ إنه يذم بطبيعة ~~الحال ولذلك قال الله: { فسآء قرينا } [النساء: 38] أي بئس ذلك ~~القرين، فالقرين الذي يلفتك عن فعل الخير هو الذي بعد أن أنقص مالك ~~بالنفقة أفسد عليك الثواب بالرياء. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ~~وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر... }. ### || [4.39] # وقوله سبحانه: { وماذا عليهم.. } [النساء: 39] وأي تبعه ومشقة ~~وضرر عليهم من الإيمان والإنفاق في سبيل الله؟ إنه سبحانه لم يستفهم منهم ~~عما يصيبهم من ذلك ولكنه - جل شأنه - يذمهم ويوبخهم ويصفهم ويصمهم ~~بالجهل والغفلة عما ينفعهم. فالتلميذ الذي يلعب، فيرسب تقول له: وماذا ~~عليك لو أنك ذاكرت؟! يعني أي ضرر عليك في هذا، إذن فمعنى ذلك أنها لا ~~تقال إلا لإنسان في قدرته أن يفعل الفعل، فمثل ms1776 هذا التلميذ يقدر أن ~~يذاكر. لكننا لا نأتي لإنسان فيه صفة لا دخل له فيها كالقصر في القامة ~~مثلا ثم نقول لك: ماذا عليك لو كنت طويلا؟! هذا قول لا ينفع ولا يصح. ~~إذن فماذا عليك. لا تقال إلا لمن في قدرته الاختيارية أن يكون كذلك، أما ~~من لا يكون في قدرته ألا يكون كذلك فلا تقال له. ونقول ذلك لأن طائفة ~~الجبرية قالت: إن الذي كفر لا يقدر أن يؤمن فالكافر يظل كافرا، لكنهم ~~لم يلتفتوا إلى قول ربنا: { وماذا عليهم لو آمنوا بالله ~~واليوم الآخر.. } [النساء: 39] فمعنى هذا القول أن الباب مفتوح. ~~وإلا لو كانوا ملزمين بالكفر لما قال ربنا: { وماذا عليهم.. } ~~[النساء: 39] وهذه الآية لا ترد فقط على مذهب الجبرية، بل تهدم مذهب ~~الجبرية كله. فالإنسان ليس مجبرا على فعل وتنتهي المسألة، وكما ~~يقولون: كالريشة في مهب الريح. ومثلما قال الشاعر: # ألقاه في اليم مكتوفا وقال له # إياك إياك أن تبتل بالماء # نقول لهم: أنتم نسبتم لله - والعياذ بالله - الظلم، فالله سبحانه وتعالى ~~لم يطلب من الإنسان أن يؤمن به إلا وقد أودع فيه قوة اختيارية تختار بين ~~البديلات. وأنتم لم تفطنوا إلى حقيقة كتابة كل شيء أزلا فأخذتم منها ~~الشيء الذي لا بد للناس أن تنفذه، ولم تلتفتوا إلى أن هناك فرقا بين أن ~~يكون قد كتب ليلزم، وأن يكون قد كتب لأنه علم. هو سبحانه كتب لماذا؟ لأنه ~~علم أزلا أن عبده سيختار كذا ويختار كذا. إذن فالكتابة ليست للإلزام ~~ولكن لسبق العلم. والعلم صفة انكشاف لا صفة تأثير. وحتى نوضح ذلك نقول: ~~إن الصفات نوعان: صفة تكشف الأشياء على ما هي عليه بصرف النظر عن أن تقهر ~~أو لا تقهر، والقدرة صفة إبراز وليست صفة انكشاف، ومثال ذلك عميد الكلية ~~الذي يأتي فيقول لأستاذ مادة من المواد: جاءت لي مكافأة للطالب النابغ في ~~مادة كذا، فاصنع اختبارا للطلاب حتى نعطي هذه الجائزة لمن يستحقها. ~~فيقول أستاذ المادة: لا ضرورة للاختبار لأنني أعلمهم وأعرف مواقعهم ms1777 من ~~الجد ومواقعهم من الاجتهاد ومواقعهم من فقه العلم، فلان هو الأول وأعطه ~~الجائزة، فلا يقتنع عميد الكلية، ويضع هو اختبارا أو يأتي بأساتذة آخرين ~~يضعون الاختبار دون هذا الأستاذ. # . وبعد ذلك يفوز الطالب الذي حدده الأستاذ مسبقا بالدرجة الأولى. أساعة ~~أجاب الطالب عن الأسئلة التي وضعت له. أكان مع الطالب الذي فاز بالمركز ~~الأول من يرغمه على أن يكتب المادة العلمية التي جعلته يحصل على ~~الجائزة؟ لا. فلماذا قال الأستاذ عنه ذلك؟ لأنه علم بمن عنده قدرة من ~~العلم. لقد حكم الأستاذ أولا لأنه يعلم. ولله المثل الأعلى من قبل ومن ~~بعد، فالحق سبحانه وتعالى أعطى للناس الاختيار بين البديلات، لكنه أوضح: ~~أنا أعلم أن عبدي سيختار كذا وكذا. إذن فهذا سبق علم لا قهر قدرة. ~~فالقدرة لها تأثير والعلم لا تأثير له ولا قهر. وقول الله هنا: { ~~وماذا عليهم لو آمنوا بالله.. } [النساء: 39] فقوله: { ~~وماذا عليهم.. } [النساء: 39] تعني أي ضرر يلحقهم كلمة " عليهم " ~~دائما تكشف للإنسان ما عليه لذلك لا يقول " لهم " بل يقول: أي ضرر كان ~~يلحقهم لو أنهم آمنوا بالله ولذلك يقول الحق: # الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم.. # [البقرة: 46]. لم يقل سبحانه: الذين يتيقنون. بل إن مجرد الظن بلقاء ~~الله جعلهم يعملون الأعمال الصالحة، فما بالك إذا كان العبد متيقنا؟ إن ~~المتقين يقوم بالعمل الصالح من باب أولى. ولذلك فهذه المسألة أخرجت " ~~المعري " عما اتهموه به من أنه ينكر البعث، صحيح أنه في أول حياته قال: # تحطمنا الأيام حتى كأننا # زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك # فقالوا: إن قوله " لا يعاد لنا سبك " معناه أنه ينفي قدرة الحق على أن ~~يبعثنا مرة ثانية، مع أنه من الممكن أن يتأول فيها، أي لا يعاد لنا سبك ~~في حياتنا هذه، ونحن لا نرى من مات يعود مرة ثانية.. ونقول كذلك: إن ~~هذه قالها في أول حياته. ولكنه قال في آخر الأمر: # زعم المنجم والطبيب كلاهما # لا تحشر الأجساد قلت إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر # أو صح قولي ms1778 فالخسار عليكما # فهو يطلب من الطبيب والمنجم أن يكفا عن إفساد العقول بالشك. وهب أنه ~~اعتقد ألا بعث، وواحد آخر اعتقد أن فيه بعثا، نقول له: إما أن يجيء بعث ~~فيكذب من قال: لا بعث، وإما ألا يجيء بعث، فإذا لم يجيء البعث، ما الذي ~~ضر من آمن بالبعث؟ وإذا جاء البعث فمن الذي خسر؟ سيخسر من أنكره، ~~إذن فالذي ينكر البعث يخسر ولا يكسب، لكن من قال: إن هناك بعثا لا ~~يخسر، وهكذا. وقول الحق: { وماذا عليهم.. } [النساء: 39] إنه ~~تساؤل عن أي ضرر كان يلحقهم " لو أنهم آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا ~~مما رزقهم الله " إن من يعطي الصدقة ويضعها في يد الله يستثمرها عند ~~المعطي، لكن عندما يقوم بذلك رئاء الناس فهو يثمر عند من لا يعطي، ~~وبذلك يكونون قد خسروا أموالهم وخسروا تثمير الأموال في يد الله بالثواب ~~في الآخرة. { وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم ~~الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم ~~عليما } [النساء: 39]. وعلم الله متغلغل وسبحانه يعلم الخفايا. ~~وسبحانه محيط بكل شيء علما لذلك يقول الحق بعد ذلك: { إن الله ~~لا يظلم... }. ### || [4.40] # والظلم: الأصل فيه محبة الانتفاع بجهد غيره، فعندما تظلم واحدا فهذا ~~يعني أنك تأخذ حقه، وحقه ما جاء به بجهده وعرقه، وتأخذه أنت بدون جهد ولا ~~عرق. ويتبع هذا أن يكون الظالم قويا. لكن ماذا عن الذي يظلم إنسانا ~~لحساب إنسان آخر؟ إنه لم ينتفع بظلمه ولكن غيره هو الذي انتفع. وهذا شر ~~من الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه السلام قال: # " بادروا بالأعمال ستكون فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ~~ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا ". # لأنه ظلم إنسانا لنفع عبد آخر ولم يأخذ هو شيئا لنفسه. إذن فالظلم إما ~~أن يكون الانتفاع بثمرة جهد غيرك من غير كد، وإما أن تنفع شخصا بجهد ~~غيره، والله سبحانه وتعالى إذا نظرنا إليه - وهو قوة القوى - إذا أراد أن ms1779 ~~يظلم - وحاشا لله أن يظلم - فماذا يكون شكل ظلمه؟ إن الظلم يتناسب مع قوة ~~الظالم، إذن فقوة القوى عندما تظلم فظلمها لا يطاق، ثم لماذا يظلم؟ ~~وماذا يريد أن يأخذ وهو من وهب؟ إنه سبحانه مستغن، ولن يأخذ من هذا ~~ليعطي ذاك، فكلهم بالنسبة له سواء لأنه سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ~~كلهم متساوون، فلماذا يظلم؟ إن الظلم بالنسبة لله محال عقليا ومحال ~~منطقيا،، فلا يمكن لله أن يضيع عمل حسنة ولا أن يضاعف سيئة. فهذه لا ~~تتأتى، وتلك لا تتأتى، والله واهب كل النعم للناس جميعا. وما دام هو ~~من وهب كل النعم، فسبحانه غير منتفع بآثاره في خلقه. إن الحق سبحانه ~~وتعالى ينفي عن نفسه الظلم في قوله: # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46]. فكلمة " ظلام " مثل قولنا: فلان " أكال " وفلان " نوام " ~~وهي تختلف عن قولنا: فلان نائم، يعني نام مرة، ولكن " نوام " فهذا يعني ~~مداومته على النوم كثيرا، أي أنه إما أن يكون مبالغا في الحدث، وإما أن ~~يكون مكررا للحدث، فالمبالغة - كما نعرف - تأتي مرة لأن الحدث واحد لكنه ~~قوي، ومرة يكون الحدث عاديا لكنه مكرر، هذه هي المبالغة، فقوله سبحانه ~~وتعالى: # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46] نفي للمبالغة، وهذا لا يقتضي نفي غير المبالغة. ونقول: الله ~~لو ظلم لكان ظلمه مناسبا قدرته فيكون كبيرا كثيرا، ولو كان ظالما ~~لشمل ظلمه وعم الخلق جميعا فيكون كذلك كبيرا كثيرا ولكن الله - ~~سبحانه - يقول: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة.. } ~~[النساء: 40]. وسبحانه يحسب السيئة سيئة واحدة. أما الحسنة فيضاعفها، { ~~إن الله لا يظلم مثقال ذرة. # . } [النساء: 40] " مثقال ": يعني ثقل ووزن، والثقل هو: مقدار جاذبية ~~الأرض للشيء. فعندما يكون وزن الشيء قليلا وتلقيه من أعلى، فهو ينزل ~~ببطء، أما الشيء الثقيل فعندما تلقيه من أعلى فهو ينزل بسرعة لأن قوة ~~الجاذبية له تكون أقوى، والإنسان منا حين ينظر إلى كلمة " مثقال " ويعبر ~~عنها بأنها وزن، فمعيار الميزان هنا " الذرة ". وما " الذرة "؟. قال ~~العلماء فيها: هي رأس النملة الصغيرة التي ms1780 لا تكاد ترى بالعين المجردة، ~~أو النملة نفسها. هذه مقولة، أو الذرة كما قال ابن عباس حين سئل عنها: ~~أخذ شيئا من تراب الأرض ثم نفخه، فلما نفخ تطاير التراب في الهواء، فقال ~~لهم: كل واحدة من هذه اسمها " ذرة " وهو ما نسميه " الهباء " ، ونحن الآن ~~الموجودين في مكان واحد لا نرى شيئا في الجو، لكن انظر إلى حزمة ضوئية - ~~أي ثقب تدخل منه أشعة الشمس - فساعة ترى ثقبا يدخل أشعة الشمس ترى ~~غبارا كثيرا يسبح. والمهم أنك لا تراه جاريا إلا في شعاع الشمس فقط، ~~فهو كان موجودا ونستنشقه، فما الذي جعلني لا أراه؟. لأنه بلغ من الصغر ~~واللطف مبلغا فوق طوق العين أن تراه، فالذرة واحدة من هذا الغبار، واسمه ~~" الهباء " وواحدة الهباء هي الذرة. إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: أن ~~كل شيء موزون إلى أقل درجات الوزن وهو الذرة، وهي الهباء، ونحن لا نراها ~~إلا في نور محجوز، لأننا في النور القوي لا نرى تلك الذرات، بل نراها فقط ~~في نور له مصدر واحد ونافذ، والحق سبحانه وتعالى لا يظلم مثقال ذرة، وهذا ~~تمثيل فقط لأن الذرة يمكن أن تكبر، فالذي يكبر يمكن أن يصغر، وقال الحق ~~ذلك ولم يكن عند الإنسان المقياس الذي يفتت به الذرة، وقد حدث أن ~~استطاع الإنسان ذلك، فبعد الحرب العالمية الأولى صنعت ألمانيا اسطوانات ~~تحطيم الجوهر الفرد، أو الجزء الذي لا يتجزأ كما كان يصفه الفلاسفة ~~قديما، ومعنى جزء لا يتجزأ أي لا يمكن أن يأتي أقل منه، ولم يلتفتوا إلى ~~أن أي شيء له مادة إن كان يقبل التكبير فهو أيضا يقبل التصغير، والمهم ~~أن توجد عند الإنسان الآلة التي تدرك الصغر. ومثال ذلك عندما صعدت ~~الأقمار الصناعية وأخذوا من الجو صورة لمدينة نيويورك خرجت الصورة صغيرة ~~لمدينة نيويورك.. بعد ذلك كبروا الصورة فأخرجوا أرقام السيارات التي كانت ~~تسير!. كيف حدث هذا؟ لقد كانت الصورة الصغيرة تحتوي تفاصيل أكثر دقة لا ~~تراها العين المجردة، وعندما يتم تكبيرها يتضح كل ms1781 شيء حتى أرقام السيارات ~~وضحت بعد أن كانت غير ظاهرة، وإن كنت موجودا في نيويورك في هذه الساعة ~~أكنت تظهر بها؟ لا يمكن أن تظهر. # لماذا؟ أن صورتك صغرت إلى الحد والقدر الذي لا يمكنك أن تراها وهي بهذا ~~الحجم وهكذا، فالنور عندما يكون محزوما، فالحزمة الضوئية التي تدخل إلى ~~مكان ما، لها من القوة التي تظهر ذرة الهباء الذي لم تكن تراها. إذن فنور ~~من الله مخلوق ظهرت فيه الذرة، أيخفى على نور الخالق ذرة؟ لا يمكن أن ~~تخفي عليه سبحانه ذرة لأن النور الذي خلقه أظهر الذرة والهباء الذي كان ~~موجودا ولا نراه، فلن يخفى على نور النور ذرة في الأرض. وهكذا نعرف أن ~~المسألة بالنسبة لله عملية قطعية، وعندما اخترعوا اسطوانة تحطيم الجوهر ~~الفرد كانت مثل عصارة القصب، ونحن نعرف أن عود القصب يوضع بين عمودين من ~~الحديد. والعمود الواحد اسمه " اسطوانة " وعندما يضيقون الأسطوانتين ثم ~~يمررون عود القصب بينهما، فلا بد أن تكون المسافة بينهما ضيقة حتى إذا ~~نفذ عود القصب يعصر، إذن فكلما ضيقت بين الأسطوانتين يزداد العصر، وما ~~دامت الاسطوانتان تجري كل واحدة منهما على الأخرى فهنا فراغ ضئيل جدا، ~~وحاول العلماء الألمان تضييق الأسطوانتين تضييقا يفتت لنا هذه الذرة، ~~ونجحوا، وأصبح هناك شيء آخر أقل من الذرة. وظن السطحيون الذين يتربصون ~~بالإسلام وبكتاب الله الدوائر، ويريدون أن يجدوا فيه منفذا. قالوا: إن ~~الله قال: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7]. على أنها أقل شيء وظهر أن هناك أقل من مثقال ذرة لأن ~~الذرة تحطمت. وقلنا لهؤلاء: أنتم أخذتم آية ونسيتم آيات، فالقرآن قد جاء ~~معجزة ليواجه مجتمعات شتى من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن ~~تقوم الساعة فلا بد أن يكون فيه ما يشبع العقول من لدن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة. ولو أن عطاء القرآن صب مرة واحدة في ~~عصر الرسالة لجاءت القرون التالية وليس للقرآن عطاء. فأراد ربنا أن يكون ~~القرآن هو ms1782 المعجزة والمنهج المتضمن للأحكام والكليات، وهذه أمور مفهومة ~~بالنسبة لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أن تقوم الساعة. لكن لا ~~يزال هناك كونيات ونواميس للحق في الوجود لم تظهر بعد، فسبحانه يعطي كل ~~عصر على قدر اتساع فهمه. وعندما نعرف أسرار قضية كونية لا يزيد علينا ~~حكم، فعندما نعرف قضية مثلا كقضية الذرة وتفتيتها ووجود إشارات لها في ~~القرآن الكريم لا يزيد ذلك علينا أي حكم. بل ظلت الأحكام كما هي. ~~فالأحكام واضحة كل الوضوح لأن من يفعلها يثاب، ومن لا يفعلها يعاقب. ~~والناس الذين ستقوم عليهم الساعة مثل الناس الذين عاصروا حضرة النبي عليه ~~الصلاة والسلام لذلك لا بد أن تكون الأحكام واحدة، فمن ناحية أن القرآن ~~كتاب أحكام فهذا أمر واضح وضوحا لا زيادة فيه، ولم يفهم المعاصر لرسول ~~الله حكما ثم جاء الإنسان في زماننا ليفهم حكما آخر، بل كل الأحكام ~~سواء. # والقرآن كمعجزة هو أيضا معجزة للجميع. ولا بد أن تكون هناك معجزة لكل ~~جيل. ولكل عصر، ويأتي الإعجاز في الآيات الكونية التي لو لم نعرفها فلن ~~يحدث شيء بالنسبة للأحكام. مثال ذلك: لو لم نعرف أن الأرض تدور أكان ~~انتفاعنا بالأرض يقل؟ لا، فنحن ننتفع بالأرض سواء أعلمنا كرويتها أم لم ~~نعلم، لكن الحق سبحانه وتعالى يواجه العقول بما يمكن أن تطيقه. فإذا ما ~~ارتقت العقول وتنورت واستنارت بمقتضى طموحاتها العلمية في الكون. فالقرآن ~~إن لم يؤيدها فهو لا يعارضها. وعندما فتتوا الذرة قال المشككون: إن ربنا ~~يضرب بالذرة المثل لأصغر شيء # ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 8] لكن هناك ما هو أقل من الذرة. ونرد عليهم: أنتم نظرتم إلى ~~آية ونسيتم آيات. أنتم لم تنتبهوا - كما قلنا - إلى أن من فتتوا الذرة ~~إلى إلكترونات وأيونات وموجب وسالب حاولوا بعد ذلك أن يفتتوا ما فتت. ~~والآية التي نحن بصددها الآن: { إن الله لا يظلم مثقال ~~ذرة.. } [النساء: 40] أرضت العقول التي تعرف الذرة الأصلية هذه ~~واحدة، ولماذا لا نسمع قول الله: # وما تكون ms1783 في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ ~~تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ~~في الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين # [يونس: 61]. إذن فهناك ذرة وهناك أصغر من الذرة، ولم تأخذوا في بالكم أن ~~" أصغر " هذه أفعل تفضيل، ولا يوجد أصغر إلا إن وجد صغير، إذن فهناك ذرة، ~~وهناك صغير عن الذرة، وهناك أصغر من الصغير، فهناك إذن ثلاث مراحل، فإن ~~فتتوها فلنا رصيد في القرآن يقول بالصغر، فإن فتتتم المفتت، فلنا رصيد في ~~القرآن بأصغر، لأن كل أصغر لا بد أن يسبقه صغير، وإن كنت ستفتت المفتت ~~فما زال عندنا رصيد من القرآن يسبق عقولكم في الابتكار، فإن قلت تفتيت ~~جاز، وإن قلت تجميع جاز لأنها أصغر وأكبر، تفتيت أو تجميع، والمعقول أنك ~~تقول: لا يغيب الأصغر والصغير، والذرة كذلك لا تغيب فكيف يعبر عن الأكبر ~~بأنه لا يغيب مع أنه ظاهر وواضح؟. ونقول لك: إن المتكلم هو ربنا، فالشيء ~~لا يدرك إما لأنه لطيف في غاية الدقة بحيث لا تتعلق به الباصرة فلا يرى، ~~وأيضا لا يدرك لأنه كبير بصورة أكبر من أن تحيط به الباصرة، فحين ترى ~~جبلا كبيرا على بعد اثنين من الكيلومترات أو ثلاثة فأنت لا تدركه لأنه ~~أكبر من أن يحيط به إشعاع بصرك، ولكن الأمر بالنسبة لله يختلف فلا يوجد ~~صغير يدق لا يراه، ولا كبير يكبر لا يراه، إذن فلا بد أن تأتي # ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.. # [يونس: 61]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السمآء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور # [سبأ: 2]. وانظروا إلى دقة الحق في الرد على الإنكار للساعة وهي قضية ~~كونية تنسحب على كل العصور. فيقول سبحانه: # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في ms1784 الأرض ولا أصغر ~~من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين # [سبأ: 3]. كان يكفي أن يقول: إن الساعة آتية، لكنه أوضح: اعرفوا أن ~~الساعة آتية، وكل ما فعلتموه معروف، ولماذا يقولون: لا تأتي الساعة؟ إن ~~هذا لون من تكذيب النفس لأنهم لم يعملوا على مقتضى ما يتطلبه قيام ~~الساعة، فالذي لم يعمل لذلك يود لأن من مصلحته ذلك - أن تكون مسألة ~~الساعة كذب لأنه قد عمل أشياء يخاف أن يحاسب عليها، فجاء سبحانه بالآية ~~لكي ترد على المقولة وعلى الدافع للمقولة. وكل مقولة لها دافع. لقد كان ~~الدافع لمقولتهم هو إسرافهم على أنفسهم فلم يقدموا عملا صالحا فمن ~~مصلحتهم الآمالية ألا تأتي الساعة، كي لا يعاقبوا، وسبحانه يعلم أزلا ما ~~فعلوا ورد على المقولة ورد على الدافع الذهني للمقولة، فأوضح سبحانه: ~~أنا عالم كل أمر ولن يغيب عني عمل من أعمالكم. وقول الحق في الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها: { وإن تك حسنة.. } [النساء: 40] يعني: ~~وإن يكن الوزن لحسنة يضاعفها الله، وعندما يحدثنا سبحانه عن الحسنة وأنها ~~تضاعف ثم لا يتكلم عن السيئة فها يدل على أن السيئة بمثلها، والحق قد ~~تكلم عن المضاعفة للحسنة في كثير من الآيات # والله يضاعف لمن يشآء.. # [البقرة: 261]. وفي آية أخرى يقول الحق: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة # [البقرة: 261]. وبعد ذلك يقول: # والله يضاعف لمن يشآء.. # [البقرة: 261]. ففيه فرق بين نظام حساب الحسنات ونظام حساب السيئات، ~~فالحسنة تضاعف لعشر أمثالها لسبعمائة ضعف، هذا هو نظام الحساب، وإرادة ~~خالق هذا النظام تعطي كما تريد، إذا كنا نحن - كبشر - عندما نوظف واحدا ~~نقول: أنت تدخل السلم الوظيفي، وتبدأ السلم الوظيفي من أول درجاته ثم ~~تترقى درجة بعد درجة، ثم يأتي رئيس الدولة ليعينك في درجة أعلى من ذلك ~~بكثير، فما بالنا بحساب الرب الأعلى؟ إنه يعطي بعملية حسابية فيها زيادة ~~فضل ولذلك قال بعد هذه الآية: { وإن تك حسنة يضاعفها ~~ويؤت من لدنه أجرا ms1785 عظيما } [النساء: 40] أي إنه سبحانه ~~يعطي من عنده ذلك الأجر العظيم، وهذا اسمه " محض الفضل " وكيف يسميه الله ~~أجرا مع أنه زائد؟ لأن هذا الفضل جاء تابعا للأجر، فإذا لم يعمل ~~الإنسان هذا العمل فإنه لا يستحق أجرا، وبالتالي فلا ينال فضلا وحين ~~يضرب الله الأمثال للناس فذلك لتقريب المعاني لأن الله قاله والله صادق ~~فيما يقول، فيعطي الحق سبحانه وتعالى مثلا إيناسية في الكون، حتى لا ~~تستبعد أن الحسنة تذهب لهذه الأضعاف المضاعفة. # فيوضح لك: هذه الأرض أمامك هات حبة واحدة وضعها في الأرض تخرج لك سبع ~~سنابل وكل سنبلة فيها مائة حبة فإذا كانت الأرض - وهي مخلوقة لله - أعطت ~~سبعمائة ضعف، فكم يعطي من خلق الأرض؟ إنه يعطي بغير حساب. إذن فكلمة { ~~من لدنه.. } [النساء: 40] هذه تعطيك الباب الواسع الذي يتناسب مع ~~الله. فالأرض تعطيك على قدر جهدك، وعلى قدر العناصر الغذائية الموجودة ~~فيها. والذي عنده وبيده الخير وخلق كل الكون يوضح: إذا كان خلق من خلقي ~~يعطي حتى الكافر، سبعمائة ضعف فالذي خلق هذا يعطي للمؤمن أجرا للحسنة ~~بلا حدود ولذلك فالإيناسات التمثيلية في الكون يتركها الله لتقرب للعقل ~~المعنى البعيد الذي قد يقف فيه. فالإنسان منا مادة: هي البدن وتحل فيه ~~الروح. وعندما تسحب الروح من البدن، ماذا يصير؟ يصير الجسد رمة، ويتحلل ~~لعوامله الأولى وتنتهي منه مظاهر الحياة. إذن فالروح هي السبب في الحركة، ~~وفي أن كل جهاز يقوم بعمله، وفي النمو، وعندما تسحب الروح ينتهي الأمر، ~~إن الروح هي التي تدير كل هذا الجسم، والروح لا لون لها، ولا أحد يراها، ~~ولا يشمها كائن، فكيف ندركها إذن؟ نقول: إن الجوهر الذي يدخل في جسدك ~~ويعطيه الحركة فيديره. أنت لا تراه ولا تحسه، وهو غيب بالنسبة لك، فإذا ~~حدثت أن ربك غيب فلا تتعجب، فروحك التي بين جنبيك لا تعرف كنهها، ~~وعليك إذن أن تصدق عندما يقال لك: ربك ليس بمحدود بمكان وعندما يقول ~~سبحانه: # لا تدركه الأبصار # [الأنعام: 103]. فكلنا نقول: نعم هذا كلام صحيح ms1786 لأنه إذا كان هناك مخلوق ~~لله وهو الروح لم تدركه الأبصار، أفتريد أن يدرك من خلق؟ لا يمكن ~~وهو سبحانه من عظمته أنه لا يدرك. وسبحانه يقول: { ويؤت من ~~لدنه أجرا عظيما } [النساء: 40] ونقف عند كلمة " من لدنه ". ~~ونعرف أن فيه فرقا بين الإتيان بالناموس - وهو النظام الموضوع - والعطاء ~~المباشر، وعندما يقول الحق: " من لدنه " فهذا يعني أن الوسائط تمتنع. ~~ونعلم قصة سيدنا موسى عندما ذهب ليقابل العبد الصالح قال تعالى في وصف ~~العبد الصالح: # وعلمناه من لدنا.. # [الكهف: 65]. وهذا يعني أن العبد الصالح قد تعلم ليس بوساطة أحد، بل من ~~الله مباشرة، بدليل أن الذي جاء ليتعلم منه وتعلم منه ثم وقف معه في أمور ~~جاءت على خلاف ما تجري به النواميس والعادات فكلمة " من لدنا " تعني ~~تجاوز الحجب، والوسائط، والأنظمة. والحق سبحانه يحترم أصل عملك ويسمى ~~عطاءه لك " أجرا " لأنه أعطى من لدنه بعدما أعطى له النصيب المقدر كأجر، ~~وهذا الأجر موصوف بأنه عظيم لأنه مناسب للمعطي. ثم يقول الحق: { فكيف ~~إذا جئنا من كل أمة... }. ### || [4.41] # وساعة تسمع كلمة " كيف " فاعرف أن هناك شيئا عجيبا، تقول مثلا: أنت ~~سببت السلطان فكيف إذا واجهوك ووجدته أمامك ماذا تفعل؟ كأن مواجهة ~~السلطان ذاتها مسألة فوق التصور، فكل شيء يتعجب منه يؤتى فيه ب " كيف " ~~، ومثال ذلك قوله الحق: # كيف تكفرون بالله.. # [البقرة: 28]. وهذا يعني تعجيبا من مصيبة وكارثة هي الكفر بالله، ~~فقولوا لنا: كيف جاءت هذه؟ إنها مسألة عجيبة، ونقول: فكيف يكون حال هؤلاء ~~الكافرين، كيف يكون حال هؤلاء العصاة، في يوم العرض الأخير، { فكيف ~~إذا جئنا من كل أمة بشهيد.. } [النساء: 41] و " الشهيد ~~" هو: الذي يشهد ليقرر حقيقة، ونحن نعلم أن الحق أخبرنا: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24]. وهذا النذير شهيد على تلك الأمة أنه بلغها المنهج، ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم شهيد على أمته أنه بلغ، فقوله: { وجئنا بك ~~على هؤلاء.. } [النساء: 41] من هم؟ ننظر قوله: { فكيف ~~إذا جئنا من كل أمة بشهيد.. ms1787 } [النساء: 41] وهو رسولها ~~الذي بلغ عن الله منهجه، وكيف يكون الموقف إذا جاء وقال: أنا أبلغتهم ~~الموقف ولا عذر لهم لأنني أعلمتهم به، " وجئنا بك " يا محمد - صلى الله ~~عليك وسلم " على هؤلاء " فهل المعنى ب " هؤلاء " هم الشهداء الذين هم ~~الرسل أو على هؤلاء المكذبين لك؟ وتكون أيضا شهيدا على هؤلاء مثلما أنت ~~شهيد على أمتك؟ إن كلا من الحالين يصح، لماذا؟ لأن الله جاء بكتابه ~~المعجزة وفيه ما يثبت أن الرسل قد بلغوا أممهم، فكأن الرسول حين سجل في ~~كتابه المعجزة وكتابه المنهج أن الرسل قد بلغوا أممهم فهو سيشهد أيضا: ~~هم بلغوكم بدليل أن ربنا قال لي في كتاب المعجزة وفي المنهج. ويكون ~~رسولنا شهيدا على هؤلاء المكذبين الذي أرسل إليهم وهم أمة الدعوة ~~فالمعنى هذا يصلح، وكذلك يصلح المعنى الآخر. ولا يوجد معنى صحيح يطرد ~~معنى صحيحا في كتاب الله، وهذه هي عظمة القرآن. إن عظمة القرآن هي في ~~أنه يعطي إشعاعات كثيرة مثل فص الماس، فالماس غال ونفيس لأنه قاس ~~ويكسر به وكل ذرة فيه لها شعاع، المعادن الأخرى لها إشعاع واحد، لكن كل ~~ذرة في الماس لها إشعاع ولذلك يقولون إنه يضوي ويتلألأ، فكل ذراته تعطي ~~إشعاعا. والحق سبحانه وتعالى يوضح: أن حال هؤلاء سيكون فظيعا حينما ~~يأتي يوم العرض يوم القيامة، ويقولون: إننا بلغناكم، أو الحق سبحانه ~~وتعالى عرض هذه المسألة بالنسبة للرسل وأممهم، وبالنسبة لسيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأمته أو للأمم كلها، فنحن أيضا سنكون شهداء: # لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا.. # [البقرة: 143]. وهذه ميزة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم لأن أمة محمد هي ~~الأمة الوحيدة التي أمنها الله على أن يحملوا المنهج إلى أن تقوم الساعة، ~~فلن يأتي أنبياء أبدا بعد رسول الله، فيقول: # لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا.. # [البقرة: 143] إذن فنحن بنص هذه الآية أخذنا امتداد الرسالة. عن عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ms1788 عليه وسلم: # " اقرأ علي القرآن فقلت يا رسول الله: أقرأ عليك وعليك أنزل؟. قال: ~~نعم إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية ~~{ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا } فقال: حسبك، فإذا عيناه تذرفان الدموع ". # فإذا كان الشهيد بكى من وقع الآية فكيف يكون حال المشهود عليه؟ الشهيد ~~الذي سيشهد بكى من الآية، نعم لأنك تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ملئ قلبه رحمة بأمته ولذلك قلنا: إن حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أمته جعل ربه يعرض عليه أن يتولى أمر أمته، بعد أن علم سبحانه مدى ~~عنايته صلى الله عليه وسلم بهذه الأمة: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. فأمر أمته صلى الله عليه وسلم كان يقلقه جدا على الرغم ~~من أن الحق سبحانه قد أوضح له: أنت عليك البلاغ وليس عليك أن تهدي ~~بالفعل، وهو صلى الله عليه وسلم يعرف هذا. إنما حرصه ورحمته بأمته جعله ~~يحب أن يؤمنوا،، وعليه الصلاة والسلام خاف على أمته من موقف يشهد فيه ~~عليهم ضمن من سيشهد عليهم يوم الحشر. فلما رأى الحق سبحانه وتعالى أن ~~رسوله مشغول بأمر أمته قال له: لو شئت جعلت أمر أمتك إليك. وانظر إلى ~~العظمة المحمدية والفهم عن الله، والفطنة، فقال له: لا يا رب. أنت أرحم ~~بهم مني. وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول للخالق: # " أتنقل مسألتهم في يدي وأنا أخوهم، إنما أنت ربي وربهم، فهل أكون أنا ~~أرحم بهم منك؟ لقد كان من المتصور أن يقول رسول الله: نعم أعطني أمر أمتي ~~لكنه صلى الله عليه وسلم قال: يا رب أنت أرحم بهم مني. فكيف يكون رد ~~الرب عليه؟. قال سبحانه: فلا أخزيك فيهم أبدا، وسبحانه يعلم رحمة سيد ~~البشر محمد صلى الله عليه وسلم بأمته ". # عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم تلا قول الله عز ms1789 وجل في إبراهيم: # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني ~~فإنه مني.. # [إبراهيم: 36] وقول عيسى عليه السلام: # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118]. فرفع يديه وقال: # " اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك ~~أعلم فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله فأخبره رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله: " يا جبريل اذهب ~~إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك ". # { فكيف إذا جئنا.. } [النساء: 41] أي كيف يكون حال هؤلاء ~~العصاة المكذبين.. { إذا جئنا من كل أمة بشهيد.. } ~~[النساء: 41] أنه أدى وبلغ عن الله مراده من خلقه. { وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا } [النساء: 41]. ويقول الحق من بعد ذلك: { ~~يومئذ يود الذين كفروا... }. ### || [4.42] # وساعة ترى { يومئذ.. } [النساء: 42] وتجد فيها هذا التنوين فاعلم ~~أنه عوض عن شيء محذوف والمحذوف هنا أكثر من جملة ويصبح المعنى: يوم إذ ~~نجيء من كل أمة بشهيد وتكون أنت عليهم شهيدا، في هذا اليوم { يود ~~الذين كفروا وعصوا الرسول.. } [النساء: 42] لأنهم ~~فوجئوا بعملية كانوا يكذبونها، فلم يكونوا معتقدين أن الحكاية جادة، ~~كانوا يحسبون أن كلام الرسول مجرد كلام ينتهي، فعندما يفاجئهم يوم ~~القيامة ماذا يكون موقفهم؟ { يود الذين كفروا وعصوا ~~الرسول لو تسوى بهم الأرض.. } [النساء: 42] وما معنى { ~~تسوى بهم الأرض.. } [النساء: 42]؟ كما تقول: سأسوي بفلان ~~الأرض أي تدوسه بحيث يكون في مستوى الأرض. { ولا يكتمون الله ~~حديثا } [النساء: 42]. فكيف لا يكتمون الله حديثا؟ وهو قد قال في آية ~~أخرى: # قال اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. قال الحق ذلك عنهم لأن الأمر له مراحل: فمرة يتكلمون، ~~ويكذبون، فهم يكذبون عندما يقولون: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. وسيقولون عن الأصنام التي عبدوها: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3]. إذن فقوله: { ولا يكتمون الله حديثا } ~~[النساء: 42] دليل على أن الحديث مندفع ولا يقدر صاحبه أن يكتمه. فالكتم: ~~أن تعوق شيئا يخرج بطبيعته من شيء ms1790 آخر فتكتمه. والواحد منهم في الآخرة: ~~لا يقدر أن يكتم حديثا لأن ذاتية النطق ليست في أداة النطق كما كان ~~الأمر في الدنيا فقط، بل سيجدون أنفسهم وقد قدموا إقرارات بخطاياهم، ~~وبألسنتهم وبجوارحهم لأن النطق ليس باللسان فقط، فاللسان سيشهد، والجلود ~~تشهد، واليدان تشهدان، بل كل الجوارح تشهد. إذن فالمسألة ليست تحت سيطرة ~~أحد، لماذا؟ لأن هناك ما نسميه " ولاية الاقتدار " ، ومعناها أن: هناك ~~قادرا، وهناك مقدور عليه. ولكي نقرب الصورة، عندما توجد كتيبة من الجيش ~~وعليها قائد. وبعد ذلك قامت الكتيبة في مهمة، والقانون العام في هذه ~~المهمة: أن يجعل لهذا القائد قادرية الأوامر وعلى الجنود طاعته وألا ~~يخالفوا الأوامر العسكرية، فإذا أصدر هذا القائد أمرا تسبب في فشل معركة ~~ما، وذهب الجنود للقائد الأعلى منه، ويسمونه الضابط الأعلى من الضابط ~~الصغير، فيكون للجنود معه كلام آخر، إنهم يقدرون أن يقولوا: هو الذي قال ~~لنا ونفذنا أوامره. أقول ذلك لتقريب المعنى لحظة الوقوف أمام الحق سبحانه ~~وتعالى، فحينما خلق سبحانه الإنسان خلق جوارحه منفعلة لإرادته، وإرادته ~~مكيفة حسب اختياره. فإرادة الطائع إطاعة أمر واجتناب نهي، وإرادة العاصي ~~على العكس لا يطيع الأمر ولا يتجنب المنهي عنه فواحد أراد أن يشرب الخمر، ~~فرجله مشت، ولسانه نطق للرجل الذي يعطيه الكأس، ويده امتدت وأخذت ~~الكأس وشرب، والجوارح التي تقوم بهذه العملية هي خاضعة لقادرية إرادته، ~~فقد خلقها ربنا هكذا، وبعد ذلك، حين تذهب إلى من دبر هذا الأمر في الآخرة ~~تقول له: يا رب هو عمل بي كذا وكذا، لماذا؟ لأن قادرية الإرادة امتنعت: # الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وليس لي ولا لأحد إرادة في الآخرة، وما دام ليس لي إرادة ~~فاليد تتكلم وتعترف: عمل بي كذا وكذا وكنت يا رب مقهورة لقادرية إرادته ~~التي أعطيتها له فبمجرد ما يريد فأنا أنفذ. عندما أراد أن أضرب واحدا لم ~~أمتنع. ويعترف اللسان بسبه لفلان، أو مدحه لآخر، إذن فكل هذه ولاية ~~القادرية من الإرادة على المقدورات من الجوارح. لكن إذا ما ms1791 ذهبت إلى من ~~وهب القادرية للإرادة فلا يوجد أحد له إرادة. فكأن الجوارح حين تصنع غير ~~مرادات الله بحكم أنها خاضعة للمريد وهو غير طائع تكون كارهة لذلك تفعل ~~أوامر صاحبها وهي كارهة، فإذا ما انحلت إرادته وجدت الفرصة فتقول ما حدث: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.. # [فصلت: 21]. { يومئذ يود الذين كفروا وعصوا ~~الرسول لو تسوى بهم الأرض.. } [النساء: 42]، لأن الكافر ~~سيقول: # يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40]. ويقول الحق بعد ذلك: { يا أيها الذين آمنوا ~~لا تقربوا الصلاة... }. ### || [4.43] # هنا ينقلنا الحق من الأوامر، من العبادات وعدم الإشراك بالله،، من ~~التحذير من النفقة رئاء الناس وأنه سبحانه لا يظلم أحدا وأننا كلنا ~~سنجتمع أمامه يوم لا ظل إلا ظله، بعد ذلك أراد أن يصلنا به وصل العبادية ~~التي تجعلك تعلن ولاءك لله في كل يوم، خمس مرات، وسبحانه يريدك أن تقبل ~~عليه بجماع عقلك وفكرك وروحك بحيث لا يغيب منك شيء. هو سبحانه يقول: { ~~لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى.. } [النساء: 43] ولم ~~يقل: لا تصلوا وأنتم سكارى؟ أي لا تقاربوا الصلاة ولا تقوموا إليها ~~واجتنبوها، وفيه إشارة إلى ترك المسكرات، فما معنى { لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى.. } [النساء: 43]؟ معنى ذلك أنهم إذا ~~كانوا لا يقربون الصلاة إذا ما شربوا الخمر، فيكون تحريم المسكرات لم يأت ~~به التشريع بعد، فقد مر هذا الأمر على مراحل لأن الدين حينما جاء ليواجه ~~أمة كانت على فترة من الرسل أي بعدت صلتها بالرسل، فيجيء إلى أمر العقائد ~~فيتكلم فيها كلاما حاسما باتا لا مرحلية فيه، فالإيمان بإله واحد ~~وعدم الشرك بالله هذه أمور ليس فيها مراحل، ولا هوادة فيها. لكن المسائل ~~التي تتعلق بإلف العادة، فقد جاءت الأوامر فيها مرحلية. فلا نقسر ولا ~~نكره العادة على غير معتادها بل نحاول أن نتدرج في المسائل الخاضعة ~~للعادة ما دام هناك شيء يقود إلى التعود. إن الحق سبحانه وتعالى من رحمته ~~بمن يشرع لهم جعل في مسائل العادة والرتابة مرحليات، فهذه ms1792 مرحلة من ~~المراحل: { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى.. } ~~[النساء: 43] والصلاة هي: الأقوال والأفعال المعروفة المبدوءة بالتكبير ~~والمنتهية بالتسليم بشرائطها الخاصة، هذه هي الصلاة، اصطلاحيا في ~~الإسلام وإن كانت الصلاة في المعنى اللغوي العام هي: مطلق الدعاء. و " ~~سكارى " جمع " سكران " وهو من شرب ما يستر عقله،، وأصل المسألة مأخوذة ~~من السكر ما سد به النهر فالماء حين ينساب يضعون سدا، هذا السد يمنع ~~تدفق الماء، كذلك الخمر ساعة يشربها تمنع تدفق الفكر والعقل، فأخذ من هذا ~~المعنى، { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى.. } [النساء: ~~43] المفهوم أن الصلاة تأخذكم خمسة أوقات للقاء الله، والسكر والخمار ~~وهو ما يمكث من أثر المسكر في النفس، وما دام لن يقرب الصلاة وهو سكران ~~فيمتنع في الأوقات المتقاربة بالنهار. إذن فقد حملهم على أن يخرقوا ~~العادة بأوقات يطول فيها أمد الابتعاد عن السكر. وما داموا قد اعتادوا ~~أن يتركوها طوال النهار وحتى العشاء، فسيصلي الواحد منهم العشاء ثم يشرب ~~وينام. إذن فقد مكث طوال النهار لم يشرب، هذه مرحلة من المراحل، وأوجد ~~الحق سبحانه وتعالى في هذه المسألة مرحليات تتقبلها النفس البشرية. # فأول ما جاء ليتكلم عن الخمر قال: # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا.. # [النحل: 67]. ويلاحظ هنا أن " السكر " مقدم، على الرزق الموصوف ~~بالحسن، ففيه سكر وفيه رزق. كأنهم عندما كانوا يأكلون العنب أو البلح ~~فهذا رزق، ووصف الله الرزق بأنه حسن. لكنهم كانوا أيضا يأخذون العنب ~~ويصنعون منه خمرا، فقدم ربنا " السكر " لأنهم يفعلون ذلك فيه، ولكنه ~~لم يصفه بالحسن، بل قال: # تتخذون منه سكرا.. # [النحل: 67]، لكن كلمة رزق وصفت بالحسن. بالله عندما نسمع # سكرا ورزقا حسنا.. # [النحل: 67] ألا نفهم أن كونه سكرا يعني غير حسن، لأن مقابل الحسن: ~~قبيح. وكأنه قال: ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا أي شرابا ~~قبيحا ورزقا حسنا، ولاهتمامكم أنتم بالسكر، قدمه، وبعد ذلك ماذا حدث؟ ~~عندما يريد الحق سبحانه وتعالى أن يأتي بحكم تكون المقدمة له مثل النصيحة ~~فالنصيحة ليست حكما شرعيا، والنصيحة أن ms1793 يبين لك وأنت تختار، يقول الحق: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من ~~نفعهما.. # [البقرة: 219]. هو سبحانه شرح القضية فقط وأنت حر في أن تختار فقال: # قل فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس.. # [البقرة: 219] ولكن الإثم أكبر من النفع، فهل قال لنا ماذا نفعل؟ لا ~~لأنه يريد أن يستأنس العقول لترجح من نفسها الحكم، وأن يصل الإنسان إلى ~~الحكم بنفسه، فسبحانه قال: " وإثمهما أكبر من نفعهما " فما دام الإثم ~~أكبر من النفع فما مرجحات البدائل؟ مرجحات البدائل تظهر لك حين تقارن بين ~~بديلين ثم تعرف أقل البديلين شرا وأكثر البديلين خيرا. فحين يقول ~~الحق: # فيهمآ إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر ~~من نفعهما.. # [البقرة: 219] إذن فهذه نصيحة، وما دامت نصيحة فالخير أن يتبعها الإنسان ~~ويستأمن الله على نصيحته. لكن لا حكم هنا، فظل هناك ناس يشربون وناس لا ~~يشربون، وبعد ذلك حدثت قصة من جاء يصلي وقرأ سورة الكافرون، ولأن عقله قد ~~سد قال: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون فوصلت المسألة ذروتها وهنا ~~جاء الحكم فنحن لا نتدخل معك سواء سكرت أم لا، لكن سكرك لا يصح أن يؤدي ~~بك أن تكفر في الصلاة، فلا تقرب الصلاة وأنت مخمور. هذا نهي، وأمر، ~~وتكليف. { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى.. } [النساء: ~~43] وما دام لا نقرب الصلاة ونحن سكارى فسنأخذ وقتا نمتنع فيه، إذن ففيه ~~إلف بالترك، وبعد ذلك حدثت الحكاية التي طلبوا فيها أن يفتي الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في أمر الخمر، فقالوا للنبي: بين لنا في الخمر بيانا ~~شافيا، فنزل قوله الحق: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه.. # [المائدة: 90]. إذن فقوله: { يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى.. } [النساء: 43]، مرحلة من ~~مراحل التلطف في تحريم الخمر، فحرمها زمنا، هذا الزمن هو الوقت الذي ~~يلقى الإنسان فيه ربه، إنه أوضح لك: اعملها بعيدا، لكن عندما تأتيني ~~فعليك أن تأتي بجماع فكرك وجماع عقلك، { حتى تعلموا ما ~~تقولون.. } [النساء: ms1794 43] فكأن هذه أعطتنا حكما: أن الذي يسكر لا ~~يعرف ماذا يقول، هذه واحدة، وما دام لا يعرف ما يقوله، إن كان في المسائل ~~العادية فليقل ما يقول، إنما في العبادة وفي القرآن فلا يصح أن يصل إلى ~~هذا الحد، وعندما تصل إلى هذا الحد يتدخل ربنا فيقول: { لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما ~~تقولون.. } [النساء: 43]. ثم جاء بحكم آخر: { ولا جنبا إلا ~~عابري سبيل حتى تغتسلوا.. } [النساء: 43] ومعروف ما هي ~~الجنابة: إنها الأثر الناتج عن التقاء الرجل بالمرأة. ويقال: إنها اللذة ~~التي يغيب فيها الفكر عن خالقه، وهذه لذة يسمونها " جماع اللذات " لأنها ~~تعمل في البدن تلك الرعشة المخصوصة التي تأخذ خلاصات الجسم ولذلك قيل: ~~إنه نور عينيك ومخ ساقيك فأكثر منه أو أقلل يعني أنا أعطيك هذه القدرة ~~وأنت حر ونحن نغتسل لنعيد النشاط إلى النفس البشرية، وليس لأحد شأن بهذه ~~المسائل ما دامت تتم في ضوء شريعة الله وشأننا في ذلك أن نأتمر بأمر ربنا ~~ونغتسل من الجنابة سواء فهمنا الحكمة من وراء ذلك أو لم نفهم. { ولا ~~جنبا إلا عابري سبيل.. } [النساء: 43] إذا كان المراد ~~بالصلاة، فلا تقربوا الصلاة، بالسكر أو بالجنابة ولم يقل: " لا تصلوا ". ~~والصلاة مكانها المسجد، فقول: { لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا.. } ~~[النساء: 43]، أي لا تقربوا الصلاة، والقرب عرضة أن يكون ذهابا للمسجد، ~~فكأنه يقول: لا تذهب إلا إذا كان المسجد لا طريق للماء إلا منه. { وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر.. } [النساء: 43] أي كان عندكم ~~عذر يمنع من الماء. { أو جآء أحد منكم من الغآئط.. } ~~[النساء: 43]، و " الغائط " هو: الأرض الوطيئة، الهابطة قليلا، وكانوا ~~يقضون فيها حاجاتهم،، وأصبح علما على قضاء الحاجة، وكل واحد منا يكنى ~~عنها بأشياء كثيرة فيقول واحد: أنا أريد أن أذهب إلى " بيت الماء " ~~ويتساءل آخر أين " دورة المياه؟ " وفي هذا تلطف في الإخبار عن عملية ~~تستقذرها النفس ولذلك نقول في العبارات الشائعة: أنا ذاهب - أعمل زي ~~الناس - يعني أنا لست ms1795 بدعا أن أقضي حاجتي، فكل الناس تعمل هذا. فربنا ~~سبحانه وتعالى يقول: { أو جآء أحد منكم من الغآئط أو ~~لامستم النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا ~~طيبا. # . } [النساء: 43] ومن رحمة الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن لطف ~~الحق بها أن التشريع جاء ليقبل عليه الإنسان لأنه تشريع فلا تقل لي ~~مثلا: أنا أتوضأ لكي أنظف نفسي ولكننا نقول لك: هل تتوضأ لتنظف نفسك ~~وعندما تفقد الماء تأتي بتراب لتضعه على وجهك؟ فلا تقل لي النظافة أو ~~كذا، إنه استباحة الصلاة بالشيء الذي فرضه الله، فقال لي: توضأ فإن لم ~~تجد ماء فتيمم، أينقلني من الماء الذي ينظف إلى أن أمسح كفي ~~بالتراب ثم ألمس بهما وجهي؟! نعم لأن المسألة أمر من الله فهمت علته أو ~~لم تفهم ولذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر ~~وجعلت لي الأرض مسجدا طهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ~~وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان كل نبي يبعث إلى ~~قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ". # { فتيمموا صعيدا طيبا.. } [النساء: 43]، أي أن تكون ~~واثقا أنه ليس عليه نجاسة، { فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم.. } [النساء: 43]، المسألة فيها " جنب " وفيها كذا وكذا، " ~~وتيمم " ، إذن فكلمة { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم.. } ~~[النساء: 43] ليس ذلك معناه أن التيمم خلف وبديل عن الوضوء فحسب، ففي ~~الوضوء كنت أتمضمض، وكنت أستنشق، وكنت أغسل الوجه، وكنت أغسل اليدين، ~~وأمسح الرأس والأذنين مثلا، وأنا أتكلم عن الأركان والسنن، وفي هذه ~~الآية يوضح الحق: ما دامت المسألة بصعيد طيب وتراب فذلك يصح سواء أكانت ~~للحدث الأصغر أم للجنابة، إذن فيكفي أن تمسح بالوجه واليدين. { ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم.. } [النساء: 43]، وتساءل ~~بعضهم: أهي ضربة واحدة نلمس بها الأرض أم ضربتان؟ نقول: سبحانه قال: { ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم.. } [النساء: 43] وبعض العلماء ~~قال: ضربة واحدة، وبعضهم قال: ضربتان وكلها تيسير. وهذا التخفيف مناسب ~~لكلمة العفو، فيقول الحق: { إن الله كان عفوا غفورا } ~~[النساء: 43] ولكن ماذا ms1796 حدث هنا ليذكر المغفرة؟ لأنه غفر وستر علينا ~~المشقة في ضرورة البحث عن الماء ويسر ورخص لنا في التيمم. ويقول الحق بعد ~~ذلك: { ألم تر إلى الذين أوتوا... }. ### || [4.44] # حين يريد الحق سبحانه وتعالى أن يؤكد قضية من قضايا الكون ليمهد لقضية ~~من قضايا العقائد التي تحرس نظام الكون فهو يخاطب رسوله صلى الله عليه ~~وسلم بقوله: " ألم تر ". والرؤية عمل العين - وعمل العين متعلق بانكشاف ~~الأحداث التي تتعرض لها العين - والشيء المرئي دليله معه لأن الشيء ~~المسموع دليله يؤخذ من صدق قائله، وصدق قائله أمر مظنون، أيكذب أم يصدق؟ ~~أما المرئي فدليله معه ولذلك قالوا: ليس مع العين أين، أي أنك إذا رأيت ~~شيئا فلا تقل: أين هو، وليس الخبر كالعيان، فالخبر الذي تسمعه ليس ~~كالمشاهدة، إذن فالمشاهدة دليلها معها، فلا يقال: دلل على أن فلانا يلبس ~~جلبابا أبيض وأنت تراه. إذن فحين يريد الحق أن يؤكد قضية يقول: أرأيت. ~~ولذلك فأنت إذا حدثت إنسانا عن انحراف إنسان آخر. قد يصدقك وقد لا ~~يصدقك، لكن إذا ما رأيت الإنسان يلعب ميسرا أو يشرب خمرا ثم تقول لمن ~~حدثته من قبل: أرأيت من قلت لك عليه، كأن الرؤية دليل. والحق سبحانه ~~وتعالى حين يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: " أرأيت " ننظر إلى ~~الأمر، فإذا كان مشهودا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يراه بذلك ~~تكون " أرأيت " على حقيقتها، كما يقول له: # أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى # [العلق: 9-10]. هو صلى الله عليه وسلم قد رآه، فتكون " أرأيت " على ~~حقيقتها أم ليست على حقيقتها؟ ولماذا يأتي بهمزة الاستفهام " أرأيت " على ~~الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم قد رأى من ينهى إنسانا عن الصلاة ~~ولماذا لم يقل: " رأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى " ، لا لأن الحق يريد أن ~~يؤكد الخبر بمراحل. فمرة يكون الخبر خبرا تسمعه الأذن، ومرة يكون رؤية ~~تراه، ومرة لا يقول له: أنت رأيت، ولكن يستفهم منه ب " أرأيت " لكي ~~ينتظر منه الجواب. وبذلك يأتي ms1797 الجواب من المخاطب نفسه وليس من المتكلم، ~~وهذه آكد أنواع البيان وآكد ألوان التحقيق، فحين يخاطب الحق سبحانه ~~وتعالى بقوله: " أرأيت " نقول: أكان ذلك مشهدا لرسول الله رآه، فتكون ~~الرؤية على حقيقتها. فإذا كان الأمر لم يكن معاصرا لرسول الله ثم يخاطب ~~الله رسوله بقوله: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. ونعلم أن أصحاب الفيل كانوا عام ميلاده صلى الله عليه وسلم، ~~فهو حين يخاطب رسوله لم يكن المشهد أمامه، ف # ألم تر.. # [الفيل: 1] هنا بمعنى أعلمت. ولماذا عدل هنا عن أعلمت إلى قوله: # ألم تر.. # [الفيل: 1]؟. لأن الحق سبحانه وتعالى حين يخاطب رسوله بأمر منه فهو يوضح ~~له: إن أخبرتك بشيء فاعلم أني أصدق من عينك، فإذا قال سبحانه: # ألم تر.. # [الفيل: 1] فهذا يعني أنك علمت من الحق سبحانه وتعالى، وإخبار الحق ليس ~~كإخبار الخلق لأن إخبار الخلق يحتمل الصدق والكذب، لكن إخبار الحق لا ~~يعني إلا الصدق، إذن فرؤية عينك قد تخونك لأنك قد تكون غافلا فلا ترى كل ~~الحقيقة، لكن إذا أخبرك الحق سبحانه وتعالى فسيخبرك بكل زوايا الحقيقة. ~~إذن فإخبار الحق أوثق وآكد من رؤية العين وسبحانه عندما قال: # أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى # [العلق: 9-10]. هذه مثلت الأولى، وحين قال سبحانه: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. كأنك تراهم الآن، ف # ألم تر.. # [الفيل: 1] تعني كأن المشهد أمامك. إذن فوسائل تأكيد الأشياء: خبر من ~~خلق يحتمل الصدق ويحتمل الكذب. هذه واحدة، ورؤية من خلق تحتمل أنها ~~استوعبت كل المرئي أو أحاطت ببعضه، أو خبر من خالق أحاط بكل شيء، فيجب أن ~~يكون الخبر من الخالق أوثق الأخبار في تصديقهم. { ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } [النساء: 44] جاءت هذه ~~الآية ورسول الله يعاصره قوم من اليهود. ورأى منهم بالفعل أنهم أوتوا ~~نصيبا من الكتاب لأنهم أهل الكتاب، ومع ذلك يشترون الضلالة ولا يقولون ~~الحق، فيكون هذا أمرا مشهديا بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وحينما أرسل الله محمدا ms1798 جعله ختاما للأنبياء وختم به ركب النبوة، وهذا ~~يعني: أن النبوة كان لها ركب. وفي كل عصر من العصور يأتي نبي على مقدار ~~اتساع الحياة، وعلى مقدار التقاء الكائنين في الحياة، وعلى مقدار الداءات ~~والأمراض التي تأتي في المجتمع، ولكن الله علم أزلا أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سيأتي في فترة ورسالته ومنهجه ينتظم ويضم كل قضايا الزمن ~~إلى أن تقوم الساعة، وهو زمن يعلم الله أن فوارق المواصلات فيه ستنتهي، ~~وفوارق الحواجز فيه ستنتهي، فيحدث الخبر في أدنى الشرق وأعلاه فتسمعه في ~~أدنى الغرب وأعلاه، والخبر في الغرب تسمعه في الشرق. والداء يوجد مرة في ~~أمريكا وبعد يوم أو يومين يوجد في أي بلد من البلاد. إذن فالمسافات ~~انتهت، وجعلت المواصلات العالم كقطعة واحدة، إذن فالداءات في المجتمع ~~القديم لعسر الاتصال كانت تنعزل انعزالا إقليميا وكل داء في جماعة قد ~~لا يصل إلى الجماعة الأخرى، فهؤلاء لهم داء لا يصل إلى الجماعة الأخرى ~~لذلك كان الحق يرسل رسولا لكل جماعة ليعالج داءاتها، لكن إذا التحم ~~العالم هذا الالتحام فلا بد أن يأتي رسول واحد جامع للناس جميعا لأن ~~قضايا الداءات ستكون واحدة. ونحن نرى الآن كل يوم عجبا، كلما تحدث حادثة ~~هناك نجدها عندنا. إذن فلا بد أن تتوحد الرسالة. وحين تتوحد الرسالة فلا ~~يأتي رسول ليستدرك بعد ذلك، فرسول الله صلى الله عليه وسلم جاء خاتما ~~ولذلك أخذ الله العهد على كل رسول أن يبشر قومه بأنه سيأتي رسول خاتم ~~ليكون عند أهل كل ديانة خلفية تطمئنهم على أنه إذا جاء رسول، فقد عرفوا ~~خبر مقدمه ويقولون: لقد قالت لنا رسلنا ولذلك قال الحق: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه.. # [آل عمران: 81]. ثم قال: # قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا ~~أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران: 81]. إذن: فرسول الله مشهود له من كل الرسل ولذلك أكد صلى ~~الله عليه ms1799 وسلم ديانات كل الرسل، وجاء دينه بديانات كل الرسل لأنهم معه ~~على منهجه الذي نزل به، والذين يلتحمون بالإيمان بالسماء بواسطة الرسل ~~السابقين إذا ما جاءهم خبر رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فقد يجعلهم ~~تعصبهم لدينهم ينصرفون عنه، فأعطاهم الحق الخميرة الإيمانية وأوضح لهم: ~~سيأتي رسول خاتم فتنبهوا يا كل الأقوام إذا ما جاء الرسول الخاتم فلا بد ~~أن تؤمنوا به. وكان عندهم في كتبهم الدلالات والإخبارات. إذن: فالله ~~أعطاهم نصيبا من الكتاب. وانظروا إلى دقة الأداء القرآني: { ألم ~~تر.. } [النساء: 44] يا محمد { إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب.. } [النساء: 44] جاء هذا القول وهو يحمل لهم عذرهم إن ~~فاتهم شيء من الكتاب لأنه سيقول في آية أخرى: # ونسوا حظا مما ذكروا به # [المائدة: 13]. وما داموا قد نسوا فهم معذورون، لكن من عندهم كفاية في ~~العلم من الذين { أوتوا نصيبا من الكتاب.. } [النساء: 44]، ~~كان المفروض فيهم أن تكون آذانهم مستشرفة إلى صوت داعية الحق الخاتم، ~~وهذا كان معروفا لهم من قبل لذلك يقول لنا ربنا: # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا.. # [البقرة: 89]. فهم كانوا يقولون لعبدة الأوثان من العرب: نحن في انتظار ~~النبي الخاتم الذي سيرسله الله لنسبقكم إلى الإيمان به، فإذا ما سبقناكم ~~إلى الإيمان به وظللتم على كفركم، سنقتلكم به قتل عاد وإرم. إذن: فهم ~~معتصمون بالإيمان بالسماء، فقل لي: إذا قالوا هذا القول، وهم معروفون ~~أنهم أهل كتاب فلماذا كفروا بالرسول صلى الله عليه وسلم؟ إن كفار قريش لم ~~يقولوا: إننا أهل كتاب، بل كانوا على فترة من الرسل، فكان المفروض أنه ~~إذا ما جاء الرسول تسابق أهل الكتاب إلى الإيمان به لأنه سبق لهم أن ~~توعدوا به العرب. لقد أعطاهم الله منزلة عالية لكنهم من لؤمهم لم ينتفعوا ~~بها فيقول الحق: # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب # [الرعد: 43]. لقد جعلكم الحق شهودا على صدق الدعوة، هو شاهد وأنتم ~~شهود، وهذه منزلة كبيرة، لكنهم لم يلتفتوا إلى ms1800 تلك المنزلة وركبوا سفينة ~~العناد الغارقة: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به.. # [البقرة: 89]. ولكن يجب أن نفطن إلى أن الحق سبحانه وتعالى حينما يرسل ~~قضية عقدية في الكون فيخالفها مخالف يظن أنه يضار الله، نقول له: لا أنت ~~تفعل ذلك لشهوة في نفسك. لكن الحق سيجعلها لنصرة الدين الخاتم، وتكون أنت ~~مغفلا في هذا الموقف. فإياك أن تظن أنك قادر أن تصادر مرادات الله حين ~~كذبت بمحمد وجعلك ربنا تقول هذه الكلمة للمشركين من قريش، فانتظر ماذا ~~ستفعل هذه الكلمة؟ ولكي تعرف أنت بإنكارك ماذا قدمت للإيمان. أنت فهمت ~~أنك صادمت الإيمان. لا، أنت أيدت ونصرت الإيمان لكن بتغفيل! وعليك وزر. ~~فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلن دعوته من ربه. قال العرب ~~المشركون الوثنيون: إن هذا النبي هو الذي توعدتنا به اليهود، فهيا نسبق ~~إلى الإيمان به قبل أن يسبقونا. إذن: أخدموا الإيمان أم لا؟ لقد خدموا ~~الإيمان. إذن: فلا يظنن عاص إنه يقدر أن يطفىء نور الله لأن الله يتم ~~نوره ولو كره الكافرون. ومثال لذلك عندما غير ربنا القبلة ويوضح: يا ~~محمد أنا أعرف أنك مستشرف ومتشوق إلى أن تتوجه إلى الكعبة، وأنا قد وجهتك ~~أولا لبيت المقدس لمعنى، ولكن أنا سأوجهك للكعبة وعليك أن تلاحظ أنني ~~حين أوجهك إلى الكعبة سيقول السفهاء " وهم اليهود ": # ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.. # [البقرة: 142]. فهم يتساءلون: ما الذي جعلهم يتركون القبلة التي كانوا ~~عليها؟ فإن كانت قبلة إبراهيم هي الكعبة فلماذا لم يتجه إليها من أول ~~الأمر؟ هم سيقولون هذا الكلام. ونزل به قرآن يتلى ويسجل، ومن تغفيلهم ~~ساعة تغيرت القبلة قالوا ذلك القول أيضا، ولم يلتفتوا إلى أن الحق قال ~~من قبل: # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن ~~قبلتهم.. # [البقرة: 142]. فعلى الرغم من ذكائهم إلا أنهم قالوا هذا الكلام، مما ~~يدل على أن الكفر مظلم والكافر في ظلام فلا يعرف كيف ينصر نفسه. وجعل ~~الله الكفر وسيلة للإيمان. فلو أنهم كانوا أذكياء بحق وأصحاب ms1801 بصيرة ~~لكانوا بمجرد أن قال القرآن: # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها.. # [البقرة: 142]، لجمعوا بعضهم وقالوا: القرآن قال: إننا سنقول كذا وكذا، ~~فهيا لا نقول كي يكون القرآن غير صادق. لكنهم لم يقدروا على ذلك. إذن ~~فالكافر مغفل. هم يظنون أنهم بكفرهم يطمسون الإيمان بالله. لا لأن الله ~~جعل الكفر وسيلة للإيمان، والحديث الشريف يقول: # " إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ". # فالحق سبحانه وتعالى يبين: هؤلاء أوتوا نصيبا من الكتاب، وكان المفروض ~~لمن أوتوا نصيبا من الكتاب أن يكونوا أول من آمن. # لكنهم لم يؤمنوا، هذه أول مرتبة، وليتهم اقتصروا في الشر على هذه، ~~وبذلك تقف المسألة وتظل معلقة بهم، ولكنهم يشترون الضلالة، ليس فقط في ~~نفوسهم بل يريدون أن يضلوا غيرهم، وهذه هي المرحلة الثانية، فهناك من ~~يضل في ذاته وهو حر، لكن أن يحاول إضلال غيره فهذا كفر مركب. أنت ~~ضللت وانتهيت، فلماذا تريدني أن أضل؟ لأن الضال أو المنحرف أو الذي ~~ليس على طريق مستقيم إنما يعرف الطريق المستقيم جيدا. ولكن الصعوبة في ~~أنه لا يستطيع أن يحمل نفسه عليه. فإذا ما وجد إنسانا مؤمنا فهو يستصغر ~~نفسه، " لماذا آمن هو وأنا لم أؤمن "؟ إذن فلا أقل من أن يحاول جذبه ~~في صفه حتى لا يكون هو المنحرف الوحيد، فإذا رأيت مثلا في بلد من البلاد ~~بعض المنحرفين، ويرون واحدا مستقيما فهم يتضاءلون أمامه، وينظرون إليه ~~نظرة حقد، ويقولون: لماذا هو مستقيم؟ لا بد أن نسحبه للانحراف. ولذلك يجب ~~على المستقيمين أن ينتبهوا جيدا إلى أن شياطين الإنس لن تتركهم في ~~طاعتهم، بل إنهم سيحاولون أن يستميلوهم لأنه يعز عليهم أنهم لا يقدرون ~~على أنفسهم ويحز في نفوسهم أكثر أن يجدوا بشرا مثلهم قد قدر على نفسه ~~واستقام. ولذلك يقولون: هيا نكون كلنا معا في المعصية حتى لا يرفع أحد ~~رأسه على الآخر. فلنكن كلنا كذابين حتى لا يوجد فينا واحد صادق يذلنا. ~~والكذاب كلما رأى الصادق يشعر أن هناك حربة ms1802 تنغرز في قلبه!! والخائن ساعة ~~يرى الأمين تكون الرؤية حربة تنزل في قلبه فيريد أن يكون الكل مثله، هذه ~~معنى { يشترون الضلالة.. } [النساء: 44]. والحق يقول لهم: أنتم ~~أحرار بشرائكم الضلالة وستجدون الجزاء في النار، فلماذا تريدون أن تضلوا ~~الناس؟ إذن فيجب أن ينتبه أهل الطاعة إلى هذا الأمر، وعندما يستهزئ أحد ~~من طاعتهم فعليهم أن يلتفتوا إلى قول الحق سبحانه: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين # [المطففين: 29-31]. وهذا ما يحدث إذا رأى بعض المنحرفين واحدا يذهب إلى ~~المسجد أو يصلي، يقولون له: " خذنا على جناحك " ويسخرون منه ويستهزئون، ~~لأنهم ساعة يرونه مقبلا على الطاعة وهم غير قادرين على أن يكونوا طائعين ~~يتضاءلون أمام أنفسهم لذلك يريدون أن يكون الكل غير طائع، وهذه هي الصورة ~~التي نراها الآن، وعندما يقابل هؤلاء أهاليهم يتضاحكون بسرور من أنهم ~~ضايقوا مؤمنا، ويقولون: قابلنا مؤمنا واستهزأنا به، ويتابع الحق. # وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ ~~أرسلوا عليهم حافظين # [المطففين: 32-33]. فالله سبحانه وتعالى يوضح لنا: أن هؤلاء المستهزئين ~~بالدين يتهمون المتدينين بأنهم على ضلال. فإياكم أن تيأسوا أمام هؤلاء، ~~إياكم أن تهزموا أمام هؤلاء لأنني سأنتقم عيانا من هؤلاء، وذلك يأتي ~~يوم الآخرة ويقول الله بعد أن ينزل بهم النكال والعذاب: # هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 36]. فالحق يتساءل ليأتي الجواب على ألسنتنا، والسؤال هو: هل ~~قدرنا أن نجازيهم على ما فعلوه فيكم؟ فاسخروا أنتم منهم، واضحكوا عليهم ~~كما سخروا منكم في الدنيا. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول ~~الحق: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب.. } [النساء: 44] وهم اليهود: { أوتوا نصيبا من ~~الكتاب.. } [النساء: 44] أي أنهم لم يأخذوا بكل الكتاب بدليل أنهم ~~نسوا حظا مما ذكروا به، { يشترون الضلالة.. } [النساء: ~~44]، وساعة تسمع كلمة " يشتري " أعرف أن هناك معاوضة ومبادلة، سلعة ~~وثمنا، فيشترون الضلالة بماذا؟ ماذا سيدفعون؟ الحق يقول في آية أخرى: # اشتروا الضلالة بالهدى.. # [البقرة: 16]. أي ms1803 أنهم دفعوا الهدى ثمنا وأخذوا الضلالة سلعة، وعادة ما ~~ندفعه يضيع من يدنا، وما نشتريه نأخذه لنا. فحين تشتري سلعة بجنيه، ~~فالجنيه يضيع، بعد أن كان معك أولا، فحين يقول: # اشتروا الضلالة بالهدى.. # [البقرة: 16] فهل كان معهم هدى وقدموه وأخذوا الضلالة؟! نعم، كان معهم ~~هدى الفطرة. فكل واحد عنده هدى الفطرة. إياك أن تظن أن العقل الواعي ~~ينتظر رسولا ليدله على الله، إنما هو ينتظر رسولا ليبلغه مرادات الله ~~منه، ذلك أن الإيمان بالله أمر من أمور الفطرة، فالإنسان عندما يتفتح ~~وعيه يجد أشياء في الكون تخدمه، خدمة مستقيمة رتيبة، ولا تتخلف عن خدمته ~~أبدا، هناك شمس تطلع كل يوم، وهواء يمر، أرض عندما تزرعها تعطيك خيرا ~~كثيرا. ألك قدرة على شيء من هذا؟ هل ادعى إنسان مثلك أن له قدرة عليه؟ ~~كل هذه الكائنات أنت تطرأ عليها، ولم تأت بها. وعندما يولد الإنسان ويرى ~~كل هذه النعم موجودة. ألا يؤمن بأنها من عطاء خالق؟ الإنسان فوجيء عندما ~~ولد بوجود النعم. وأيضا آدم عندما خلق فوجىء بالنعم موجودة، إذن فهو طرأ ~~عليها، بالله ما دام هو قد طرأ عليها ألا يفكر من الذي أقام هذه النعم ~~له؟ كان لا بد أن يفكر من الذي صنع له كل هذه النعم، وضربنا من قبل مثلا ~~بمن انقطعت به الوسائل وهو في الصحراء ولم يجد ماء ولم يجد طعاما، ~~ثم يئس فنام، ثم استيقظ فوجد مائدة عليها أطايب الطعام، بالله قبلما يأكل ~~ألا ينظر ويفكر ويقول في نفسه: من الذي أعد وأقام تلك المائدة؟ أنت - ~~إذن - وارد على الكون بخيره كله، ولا أحد قال لك: أنا الذي فعلته، لا ~~أبوك ولا جدك ولا جد جدك قال هذا، فلا بد أن تنتبه إلى أن له خالقا. إذن ~~فالذين اشتروا الضلالة بالهدى، أكان معهم هدى فقدموه وأخذوا الضلالة؟! ~~نعم كان معهم هدى الفطرة، ولذلك حين سئل الإمام علي - كرم الله وجهه -: ~~أعرفت ربك بمحمد أم عرفت محمدا بربك؟ قال: لو عرفت محمدا بربي ما ~~احتجت ms1804 إلى رسول، إذن فلا يصلح أيضا أن يقال لأحد " عرفت ربك بمحمد " ~~لذلك قال علي كرم الله وجهه: ولكني عرفت ربي بربي، وجاء محمد فبلغني مراد ~~ربي مني. # إذن فقوله: # الذين اشتروا الضلالة بالهدى.. # [البقرة: 16] ماذا فعلوا؟ باعوا هدى الفطرة واشتروا الضلالة. وهنا يقول ~~الحق: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يشترون الضلالة.. } [النساء: 44]. ولم يأت ب " الهدى " هنا، ~~وهذا يدل على أن الفطرة انطمست عندهم انطماسا بحيث لم يقدموا ثمنا ~~للضلالة من الهدى. { ويريدون أن تضلوا السبيل } [النساء: ~~44] والإرادة هي: أن يرجح الشخص المختار حكما على حكم، ومثال ذلك: أنت ~~أمامك جوربان مثلا، فلك أن تختار واحدا منهما، لكن لو كان أمامك جورب ~~واحد فإرادتك لا ترجح. إن الإرادة ترجح اختيارا على اختيار، وما معنى " ~~تضلوا "؟ الضلال يطلق بإطلاقات متعددة، فحواها كلها أن هناك أمرا من ~~الحق ليس على بالك، فهل يحدث ذلك لأنك نسيته أو عرفته وتعمدت أن تتركه؟. ~~فالذي نسي هذا الأمر معذور. لكن هناك إنسان آخر يعرف هذا الأمر لكنه ~~تعمد أن يتركه، إذن فالضلال يطلق مرة على النسيان كما في قول الحق: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى.. # [البقرة: 282]. فالضلال هنا نسيان لكن هناك من يضل لأنه يفتقد المنهج ~~الحق ويتشوف ويتطلع إليه ليتبعه، كما في قوله: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7]. أي أن المسائل متشعبة على الإنسان فيرى هذا وذاك، فأوضح ~~الحق لك: لا تتعب نفسك لأني سأعطيك السبيل المستقيم. إذن فالضلالة لها ~~معان متعددة، وفحواها جميعا أنها لا توصلك إلى الغاية، والحق سبحانه ~~وتعالى حينما يعرض قضية إيمانية عقدية معنوية يستعمل فيها الألفاظ التي ~~يستعملها الناس في الكونيات، ولذلك فما هو السبيل؟. السبيل - عندنا - هو ~~الطريق، وكلنا حتى غير المؤمنين يعرفون أن الطريق يصنع ليوصل إلى غاية، ~~ولكن لا بد أن نعرف الهدف أولا وبعد ذلك نرصف الطريق ونعبده، ففيه فرق ~~بين السبب الدافع والواقع. نحن قبلما نرصف الطريق نرى إلى أين يذهب؟ إذن: ~~فالغاية أولا وبعد ذلك نلتمس أقصر طريق يوصلنا ms1805 إلى المطلوب، وعندما ~~نكتشف أقصر طريق يوصلنا للمطلوب نمهده ونعبده لكيلا نتعب الناس، إذن ~~فالسبيل هو: الطريق الموصل إلى الغاية. ولذلك أوضح لنا الحق أن الطريق ~~إلى الإيمان مستقيم كي لا يأخذ مسافات، فالخط المستقيم هو أقصر الخطوط. ~~إننا لا بد أن نعرف الغاية قبل أن نعرف السبيل إلى الغاية. وآفة الدنيا ~~وأهلها أنهم يعيشون فيها ولا يعرفون غاياتهم النهائية، إنما يعرفون ~~غاياتهم الجزئية، فالطالب يريد أن يتعلم كي يكون موظفا، لكي يتزوج ويقيم ~~أسرة، والتاجر يتاجر لكي يعمل كذا، هذه هي الغايات الجزئية، والذكي هو ~~من لا يذهب للغايات القريبة المنتهية، بل ينظر إلى الغايات الأخيرة، ~~لأن الناس يختلفون في الغايات المنتهية، فواحد يعيش خمسين سنة، وآخر يعيش ~~ستين عاما، وثالث يعيش لمدة سنة، إذن فلا بد أن تنظر إلى الغاية التي ~~سيذهب لها الكل، وآفة الناس أنها تعمل للدنيا، يعني للغايات القريبة، ~~برغم أن " الدنيا " تعني الأقل والأتفه، ولذلك اسمها " الدنيا " ، وما ~~دامت " دنيا " إذن فهناك " عليا ". # إن تعب الناس يأتي من أنها يعملون للغايات الدنيا لذلك نقول لكل إنسان: ~~انظر الغاية العليا التي سيكون الكل شركاء فيها، والكل لا بد أن يصل لها. ~~فإذا ما عرفنا الغاية العليا نجونا من إرهاق قصر النظر والغرق في الغايات ~~المحدودة، مثلا: أنت تبعث ابنك ليتعلم من سن الحضانة ثم إلى الروضة ثم ~~الابتدائي ثم الإعدادي ثم الثانوي ثم التعليم العالي ثم يتخصص في مجال ~~معين في التعليم العالي، وتصل سنوات عمره إلى العشرين سنة ليتخرج ويتوظف ~~ويقدر أن يعيش بكده وعرقه، والأب يعمل لهذه الغاية، وقد لا يصل الابن ~~إلى الوظيفة، وقد يتعب الابن والده ولا يكمل تعليمه وبذلك تفلت منه ~~الغاية، لكن نحن نريد الغاية التي لا تفلت، فأنت الآن تعيش في أسباب ~~خلقها لك الحق، فاجعل غايتك أن تعيش مع الحق. إنك في الدنيا تعيش مع ~~الأسباب التي خلقها لك الحق، لكنك في الآخرة ستكون مع الحق نفسه. أنت في ~~الدنيا تعيش بالأسباب، ولكنك تعيش في الآخرة بالمسبب، ms1806 ومهما ارتقت ~~أسبابك. فأنت لن تستطيع أن تصل إلى مستوى رفاهة الآخرة. صحيح أنه إذا ~~ارتقت حياتك في الدنيا فقد تضغط على زر في الحجرة ويأتيك فنجان قهوة، أو ~~تضغط على زر فيأتيك الأكل، ولكن قل لي: مهما ارتقت الحياة أيوجد ارتقاء ~~بحيث إذا خطر الشيء على بالك يأتيك؟ لا يمكن، وهذا ما سيكون لنا في ~~الآخرة، إذن فهذه هي الغاية الحسنة، ونحن نعيش في الدنيا مع أسباب الله ~~الممدودة لنا، أما في الآخرة فسوف نعيش مع الله ولذلك أوضح سبحانه: سأعطي ~~المؤمن والكافر الأسباب في الدنيا، فالكافر عندما يزرع يجد نتاجا، ~~وعندما يبحث في الكون وينظر أسراره فالأسرار تتكشف له لأن الأسباب خلقها ~~الله لمن يأخذ بها سواء أكان مؤمنا أم كافرا. لكن المسبب لا يذهب له ~~إلا من آمن به، أما الكافر فقد آمن بالأسباب فأخذ الأسباب، ولم يمنعها ~~الله منه: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. إذن: فهل غايتك أن تبقى مع الأسباب أو تذهب إلى المسبب؟ ~~انظر إلى غايات الدنيا القريبة، ستجد أنها قد تنتهي قبل أن تصل إليها ~~ويكون تعبك قد ذهب هباء، ولذلك أخفى الله الموت وأسبابه وزمنه كي يختبر ~~الإنسان، فهناك من يحقق كل ما رغب فيه وفي آخر الأمر تنتهي المسألة ~~بالموت، وهو قد أخذ الهباء لأنه لم يؤمن بالمسبب، هب أنه أخذ الدنيا كلها ~~عنده، نقول له: سيأتيك الموت، يعني إما أن تفارق أنت النعمة وإما أن ~~تفارقك النعمة، ولكن في الحياة الآخرة أنت لا تفارق النعمة ولا النعمة ~~تفارقك فهذه - إذن - هي الغاية الحقة، غاية العقلاء، ومتعتك في دنياك كما ~~قلنا على قدر أسبابك، أما متعتك في الآخرة فهي على قدر المسبب، وسبحانه ~~لا يقادر قدره ولا أحد يماثله في فعله، والعاقل هو من ينظر إلى الغاية ~~البعيدة. إذن فالسبيل لا يمكن أن يكون طريقا إلا إذا علمت الغاية، والذي ~~يجعل الناس تتعب ms1807 في الدنيا، أنهم لا يعرفون إلا الغايات القريبة، ولذلك ~~سماها " الدنيا " ولا يوجد اسم أدنى من ذلك لها، وكان يجب أن يوحي هذا ~~الاسم بأنها فانية وهناك باقية. إذن فقبلما ترسم السبيل لا بد أن تحدد ~~الغاية. وبعدما تحدد الغاية تختار السبيل الذي يوصلك للغاية، وهكذا نعرف ~~أن هناك فرقا بين واقع ودافع، الشيء الدافع هو أن تنصب الغاية أولا ~~وتحددها، فالتلميذ يجتهد كي ينجح، وينجح لكي يأخذ حظه في الحياة، وهذه ~~الغاية لا بد أن توجد في ذهنه قبلما يتعلم، وعندما يتصور النجاح ولذته في ~~ذهنه فهو يبدأ في المذاكرة، وعندما يذاكر يصل إلى الغاية وهي النجاح، ~~فالغاية نوعان: غاية دافعة، وغاية واقعة، فالغاية الدافعة تسبق الطريق، ~~والغاية الواقعة تتأخر عن الطريق، ومن الذي يحدد الغاية؟ إن الذي يحدد ~~غاية كل شيء هو من صنعه، وغايتك أنت من الذي يحددها؟ أنت تحدد الغايات ~~الدنيا، أما الغايات العليا فعليك أن تتركها للأعلى ليحددها وهو الله. ~~وما دام هو سبحانه الذي يحددها لأنك صنعته وخلقه لذلك تسأله: أنت سبحانك ~~الذي تعلم موقعها فهيئ لنا الطريق الذي يوصلنا لها. لا بد إذن من ~~الإيمان إذا ما كانت الغاية هي أن تعيش مع الحق، والسبيل هو المنهج: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.. # [الأنعام: 153]. أي أن سبلكم أنتم لا توصلكم إلي لأنكم حددتموها ~~بغاياتكم، أما أنا فقد حددت السبيل بغايتي فمن أراد أن يصل إلي فلينظر ~~إلى طريقي. وكلمة " السبيل " ، و " الطريق " كلها أمور حسية، والحق ~~يستعملها لنا ليدلنا على المعاني العقدية والمعاني المعنوية يوضحها - ~~سبحانه - بأمور حسية أمامنا، وعندما توجد في مفترق طرق وتريد أن تصل إلى ~~المنطقة الفلانية. # فانحرافك بمقدار ملليمتر واحد في بداية الطريق، يبعدك عن الهدف، وكلما ~~امتد بك السير اتسع المشوار وتبعد المسافة، فأنت تتوه، ونمثل لهذا بشيء ~~بسيط جدا: كلنا نركب القطارات، والقطارات تسير على قضبان مستقيمة، فإذا ~~أردنا أن نحول القطار فنحن لا نرفعه ونضعه على قضيب آخر، بل نأتي ms1808 بتحويلة ~~لا تتجاوز اثنين من الملليمتر ونقربها إلى حد الالتصاق في القضيب الأصلي، ~~وهذا ما يفعله " المحولجي " ، فينحرف القطار لينتظم الخط وليصل إلى ~~المحطة المطلوبة. ولفتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بما رواه ~~سيدنا حذيفة - رضي الله عنه - حينما قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حديثين قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: أن الأمانة نزلت ~~في جذر قلوب الرجال - أي أن الإيمان فطري - ثم نزل القرآن، فعلموا من ~~القرآن وعلموا من السنة. ثم حدثنا رسول الله عن رفع الأمانة قال: # " ينام الرجل النومة فتغيض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت - وهو ~~اللسعة التي توجد أثرا على الجلد - ثم ينام الرجل النومة فتغيض الأمانة ~~من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل " # والمجل هو أثر الجمرة التي تظل مدة طويلة على جلد الإنسان فتسبب ورما ~~فيه مياه - كجمر دحرجته على رجلك فنفط - أي انتفخ - فتراه منتبرا وليس ~~به شيء # " فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد يوجد أحد منهم يؤدي الأمانة حتى يقال: ~~" إن في بني فلان رجلا أمينا ". # ويستمر سيدنا حذيفة قائلا: ولقد مر علي زمان وما كنت أبالي أيكم بايعت ~~لئن كان مسلما ليردنه علي دينه ولئن كان نصرانيا ليردنه علي ساعيه - ~~أي المحتسب - وأما الآن فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا. إن ~~الإيمان فطري. إن قصارى ما يعطيك هذا الإيمان الفطري أن وراء هذا الكون ~~الدقيق قوة عظمى فالكون المنظم، الرتيب، الذي لا يدخل تحت طاقتك ولا تحت ~~قدرتك، هذا الكون يسير على أحسن نظام. والقوة العظمى القادرة التي وراء ~~ذلك الكون تتصف بالقدرة، وبالعلم، وبالحكمة، وبكل صفات الكمال. لكن ~~أيعطيك فكرك وعقلك اسم هذه القوة؟ لا يمكن أن يعطي العقل اسم هذه القوة. ~~أيعطيك فكرك وعقلك مرادات هذه القوة؟ إنك لا تستطيع أن تعرف مرادات هذه ~~القوة إلا برسول ترسله ليبلغ عنها. والرسول عندما يأتي تقول: إن القوة ~~التي تبحثون عنها، والتي آمنتم بها إيمانا مجملا اسمها " الله ". فلا ~~بد أن نصدق ms1809 الرسول. فالعقل لا يقول لنا اسم القوة الخالقة. ولكن الذي ~~يقول لنا اسم هذه القوة هو البلاغ، ويعطينا الحق هذا البلاغ من خلال ~~الرسول بكل مراداته من وجودنا. # وهذا هو أقصر طريق للوصول إلى الحق بعيدا عن تعقيدات الفلسفة أو ~~تعقيدات المنطق، وسفسطة الجدل، هذا الطريق الذي يثبت أن من يعبد أي قوة ~~غير الله لا حق له في مثل هذه العبادة. فالذي يعبد الشمس مثلا هل يستطيع ~~أن يقول لنا ما هو منهج الشمس الذي تطلبه من الإنسان؟ وماذا قالت لمن ~~يعبدها جزاء للفعل الحسن أو عقابا على الفعل السيئ؟ ماذا تستطيع هذه ~~الشمس أن تفعل لمن لا يعبدها؟. إنها لا تملك ثوابا ولا عقابا، ولا منهج ~~لها، وإله بلا منهج لا يصلح أن يكون إلها. فالإله لا بد له من منهج يدل ~~الناس على صواب الفعل وينهى عن سوء الفعل ويملك سلطان الثواب والعقاب، ~~والشمس لا تملك منهجا تعطيه، وكذلك الحجر أو القمر. إذن فهذه الأشياء ~~مخلوقة بدورها من قبل خالق ولا تصلح أن تكون آلهة. ووجود الرسل ~~المبلغين عن الله دليل على صدق الدعوة. فالحق سبحانه وتعالى يعطينا ~~إيمانا بوجوده من خلال المنهج، ونحن قبل البلاغ نعرف أن هناك قوة خالقة ~~لا نعرف اسمها ولا مرادها ولذلك فعندما يأتي الرسول بالبلاغ فهذه رحمة من ~~الله بالخلق. أما من يحاول أن يخطط بعقله لحياته بدون الرسول فنقول له: ~~أنت تصيب نفسك وروحك بالتعب ولن تصل إلى شيء. ونضرب هذا المثل دائما - ~~ولله المثل الأعلى - هب أننا نجلس في غرفة والباب مغلق ثم طرق الباب ~~طارق. هنا نتفق نحن الجلوس في الغرفة في أن وراء الباب طارقا. ولكن إذا ~~أردنا تحديد هذا الطارق وتعيينه فسنختلف فيقول قائل: إنه رجل، ويقول آخر: ~~لا، إنه امرأة، ويقول ثالث: لا، إنه طفل، ويقول رابع: هذا بشير، ويقول ~~خامس: هذا نذير، ويقول سادس: إنه القادم لنا بالقهوة، ويقول سابع: إنه ~~رجل مكلف بالقبض علينا. هكذا نتفق على أن طارقا بالباب ونختلف في تحديد ms1810 ~~" من الطارق " ، وهكذا الكون، الكون وراءه قوة هائلة وعندما يحاول ~~الإنسان أن يقول اسم هذه القوة بعقله أو مرادات هذه القوة فهذا يسبب ~~الخلاف. ولكن حينما ترسل القوة عن نفسها رسولا ليقول: إن القوة الخالقة ~~اسمها الله ومرادات الله كذا، ففي ذلك حسم للخلاف. إن الذي أرهق الفلاسفة ~~ووصل ببعضهم إلى دهاليز التيه، هو أن بعضهم لم يكتف بتعقل القوة التي ~~خلقت الكون، بل إنهم أرادوا أن يتصوروا القوة وماهياتها ومراداتها. ~~ونقول: إن نظرة الفلاسفة إلى الخالق لا تصلح لأنهم بتلك النظرة يظلون في ~~التيه، ولكن البلاغ عن طريق رسول هو الذي يحسم هذه المسألة. والحديث الذي ~~رواه لنا سيدنا حذيفة عن الأمانة يصور لنا مهمة الإيمان، وكيف يتعلم ~~المؤمن من القرآن والسنة، وعندما يهمل هذا العلم، فما الذي يحدث؟ إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يمثل لنا مراحل فقدان الأمانة، وينبهنا: احذروا ~~من أن تتسلل الانحرافات بنومة قليلة، ثم إلى أخرى أكبر منها، ثم إلى ~~ثالثة أكبر وأوسع. # وشرحنا ذلك بمثل الانحراف المقصود لقطارات السكك الحديدية. إن قوله الحق ~~سبحانه: { يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا ~~السبيل.. } [النساء: 44] كي لا ينفردوا - وحدهم - بالضلال، والحق ~~سبحانه يعطينا مناعة ضد كلامهم، فهم لهم حظ من علم الكتاب وهذا قد يجعلنا ~~نحسن الظن بأن لهم صلة بالسماء لأنهم أتباع رسل، فسبحانه يوضح لنا: هؤلاء ~~يريدون أن تضلوا السبيل ويتخذوا من نصيب الكتاب الذي عندهم وسيلة كي ~~يضلوكم. وفي عصرنا نجد أن أعدى أعداء أي عقيدة ليسوا أعداءها الظاهرين ~~وإنما أعداؤها من أنفسهم لأن عدوي الظاهر الكافر يجابهني وأنا واثق أنه ~~يريد أن يدس لديني ويدلس ويحرف فيه، لكن عندما يكون هناك مسلم مثلي يأتي ~~ليكلمني فربما آخذ كلامه على أنه مسلم ولذلك فخصوم الإسلام يئسوا أن ~~يواجهوا الإسلام مواجهة صريحة ولذلك نجد الغرب قد توقف الآن عن مسألة ~~الاستشراق، وما بقي من الاستشراق فهذا هو القديم. وكان المستشرق من هؤلاء ~~يؤلف كتابا ساعة يقرأه المسلم قد يقول: إنه رجل يعمل على خدمة ms1811 العلم ~~وعلى خدمة الثقافة، وخدمة سنة رسول الله، وقد يكتفي هذا المؤلف بأن يدس ~~في الكتاب الواحد فكرة واحدة بعد أن يجعل القارئ يثق فيه. وعندما علموا ~~أننا فطنا لهذا دخلوا علينا بالمستغربين، وهم أناس منا ذهبوا إلى الغرب ~~فأخذوا الداءات من هناك وجاءوا فبثوها في مناهج تعليمنا، وفي برامجنا، ~~وفي وسائل الإعلام، وفي الصحافة، والواحد من هؤلاء المستغربين يفعل ذلك ~~وهو مسلم، فيكون محل ثقة، ووجد الغرب أيسر طريق لهم الآن أن يدخلوا إلينا ~~عن طريق بعض المسلمين الذين أوتوا نصيبا من الكتاب لأن الإنسان سيكون ~~مطمئنا إلى أن هؤلاء مسلمون. فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا: أن ~~خصومك الظاهرين أهون عليك من خصومك المنسوبين إلى دينك لأن هؤلاء يدخلون ~~عليك بالثقة الأولى، ثقة انتسابهم للإسلام ولذلك يوضح لنا ربنا هذا الأمر ~~لأنه قد يتعب ويصيب المؤمنين بالعنت لذلك يقول: { أوتوا نصيبا ~~من الكتاب.. } [النساء: 44] وهم يعيشون على هذه. ويقول الحق بعد ~~ذلك: { والله أعلم بأعدائكم... }. ### || [4.45] # فقد يكون عندكم علم بالأعداء فيقال: أنتم عالمون بأعدائكم، لكن الله ~~أعلم بالأعداء جميعا لأنه قد تكون لك عداوة بينك وبين نفسك، أو عداوة من ~~زوجتك، أو عداوة من أولادك أو كل هذه العداوات جميعها أو بعضها، وهؤلاء ~~في ظاهر الأمر لا يمكن للإنسان أن يتبين عداواتهم جميعا، لكن الله أعلم ~~بهم وبما يخفون لذلك يقول: { والله أعلم بأعدائكم.. } ~~[النساء: 45]. وجاء بها بعد قوله: # ويريدون أن تضلوا السبيل # [النساء: 44] أي مخافة أن نقول: إن هؤلاء أهل كتاب أو مسلمون مثلنا وكذا ~~وكذا. وما دام الله هو الأعلم بالأعداء فهو لن يخدعنا ولن يغشنا، فيجب أن ~~ننتبه إلى ما يقوله الحق من أنهم أعداؤنا، ويقول بعدها: { وكفى ~~بالله وليا.. } [النساء: 45] وحين يقول هذا، فالقول يعني أنك لا ~~تريد وليا بعد ذلك، كما يقولون: كفاني فلان أي أنك قد تحتاج إلى هذا ~~وهذا ثم تقول: لكن فلانا عرفته فكفاني عن كل ذلك، أي لا يحوجني إلى ~~أحد سواه لأنني أجد عنده الكفاية التي ms1812 تكفيني في كل حركة حياتي. { ~~وكفى بالله وليا.. } [النساء: 45] نعم كفى به وليا لأن ~~غيره من البشر إنما يملكون الأسباب، والحق سبحانه وتعالى هو الذي خلق ~~الأسباب، فيملك ما هو فوق الأسباب. ولذلك يقول مطمئنا لنا: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2]. و " الولي " دائما هو من يليك مباشرة أي أنه قريب منك. { ~~والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا ~~وكفى بالله نصيرا } [النساء: 45] إذن فهناك قريب، وهناك أيضا ~~نصير، فقد يكون هناك من هو قريب منك ولا ينصرك، لكن الله ولي ونصير، فما ~~دامت المسألة مسألة معركة { والله أعلم بأعدائكم وكفى ~~بالله وليا وكفى بالله نصيرا } [النساء: 45]، كأن ~~الحق ينبهنا: إياكم أن تقولوا إننا نلتمس النصرة عند أحد، اصنعوا ما في ~~استطاعتكم أن تصنعوه ثم اتركوا ما فوق الاستطاعة إلى الله. ولذلك فالحق ~~سبحانه وتعالى أوضح لنا: إياكم أن تتخذوا من أعدائكم أولياء، وإياكم أن ~~تقولوا ماذا نفعل ونحن ضعفاء، ونريد أن نكون في حمى أحد، وماذا نفعل في ~~أعدائنا؟ لا تقولوا ذلك لأن الله أعلمنا: أنا أنصركم بالرعب بأن ألقي ~~في قلوب أعدائكم الخوف فينهزموا من غير سبب وفيهم قوة وغلبة، فإن لم يكن ~~عندكم أسلحة فسأنصركم بالرعب. وما دام سينصرنا بالرعب فهذه كافية لأنه ~~ساعة ينصرني بالرعب يلقي عدوي سلاحه وأنا آخذه ولذلك قال: اعملوا ما في ~~استطاعتكم، ولم يقل: أعدوا لخصومكم ما تحققون به النصر، فهو سبحانه قادر ~~على أن ينصرنا بالرعب: # سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بمآ أشركوا ~~بالله # [آل عمران: 151]. وما دام ألقى في قلوب الذين كفروا الرعب فوسائلهم كلها ~~تكون للمؤمنين وتنتهي المسألة. ويقول الحق بعد ذلك: { من الذين ~~هادوا... }. ### || [4.46] # تكلم الحق في سورة النساء عن الخلق الأول وأوضح: إنني خلقتكم من نفس ~~واحدة وهي " آدم " وبعد ذلك خلقت منها زوجها، ثم بثثت منهما رجالا ~~كثيرا ونساء والبث الكثير للرجال والنساء لتستديم الخلافة للإنسان، لكن ~~كيف يأتي ذلك؟ أوضح سبحانه: أريد مجتمعا قويا، وإياكم أن يضيع ms1813 فيه ~~اليتيم. وبعد ذلك ما دمت أريد استدامة هذا الاستخلاف فليأخذ الأيتام ~~نصيبا، وتكلم - سبحانه - عن التركة، ثم تكلم عن السفهاء غير المؤتمنين ~~على مالهم، وبعد ذلك تكلم عن كيفية الزواج. إذن: فكل هذه العملية ليبني ~~لنا نظام حياة متكاملا لأن الخلافة في الأرض تقتضي دوام هذه الخلافة ~~بالتكاثر، والتكاثر لا يؤدي مراده إلا إذا كان تكاثر أقوياء، أما تكاثر ~~الضعاف فهو لا ينفع. فإن كان فيكم يتيم لا بد أن تلاحظوه، وإن كان فيكم ~~سفيه لا يستطيع أن يدبر ماله فدبروا أنتم له ماله، واجتهدوا لتتركوا من ~~حركة حياتكم للناس الذين سيأتون بعدكم إلى أن تقوى نفوسهم على الحركة. ~~وأوضح سبحانه منهاج الميراث، وأمر سبحانه: أن تزاوجوا، لكن للتزاوج شروطه ~~وقد أوضحها، ثم أعطانا المنهج العام: # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا.. # [النساء: 36]، ووضح هذه الأحكام كلها. وبعد ذلك ما الحكمة في أنه - ~~سبحانه - يرجع بنا مرة ثانية لليهود؟ الحق سبحانه وتعالى يوفي الأحكام، ~~وإلقاء الأحكام شيء وحمل النفس على مراد الله في الأحكام شيء آخر، فيوضح ~~لنا: أن هناك ناسا ستعلم الحكم لكنها لا تقدر أن تحمل نفسها عليه، ~~فإياكم أن تكونوا كذلك. واعلموا أن هناك أناسا عندهم نصيب من الكتاب ~~أيضا، ويعلمون مثلكم تماما، إنما اشتروا الضلالة، إذن فهو شرح لنا ~~إنه الواقع الملموس ولا يأتينا - سبحانه - بكلام خبري أو إنشائي، قد ~~تقول: يحدث أو لا يحدث، إنه يأتيك بأحداث من واقع الكون، وينبهنا: إياكم ~~أن تكونوا مثلهم، فقال: { من الذين هادوا يحرفون ~~الكلم عن مواضعه.. } [النساء: 46] والتحريف: أنك تأتي باللفظ ~~الذي يحتمل معنيين: معنى خير، ومعنى شر، ولكنك تريد منه الشر، مثل الذي ~~يقول: " السام عليكم - والعياذ بالله - " هي في ظاهرها أنه يقول: السلام ~~عليكم، لكنه يقول: السام. يعني " الموت " ، إذن: ففي اللفظ ما يلحظ ~~ملحظ الخير، ولكن العدو يميله إلى الشر. ومثل هذا ما قالوه للنبي: " ~~راعنا " وهي من المراعاة، لكنهم كانوا يأخذونها من الرعونة، فيأتي الأمر: ~~اترك الكلمة التي تحتمل المعنيين. واقطع ms1814 الطريق على الكلمة التي تحتمل ~~التوجهين لأن المتكلم، قد يريد بها خيرا وقد يريد بها شرا، فمعنى ~~تحريف الكلام أي أن الكلام يحتمل كذا ويحتمل كذا. # والمثال على ذلك: الرجل الذي يذهب لخياط ليخيط له قباء - وكان الخياط ~~كريم العين - أي له عين واحدة - فلم يعجب الرجل بخياطة القباء فقال: ~~والله ما دمت أفتضح بهذا الثوب الذي خاطه لي أمام الناس فلا بد أن أقول ~~فيه شعرا يفضحه في الناس، فقال: # خاط لي عمرو قباء # ليت عينيه سواء # فقوله: ليت عينيه سواء يظهر ماذا؟ هل يا ترى يتمنى له أن تكون عينه ~~المريضة مثل السليمة؟ أو يتمنى أن تكون العين السليمة مثل المريضة؟ إذن: ~~فالكلام يحتمل الخير والشر، ومثلما حكوا لنا أن واحدا من الولاة طلب من ~~الخطيب أن يسب سيدنا عليا - كرم الله وجهه وآله - وأن يلعنهم على ~~المنبر. فقال الخطيب: اعفني. فقال الوالي: لا، عزمت عليك إلا فعلت. ~~فقال له الخطيب: إن كنت عزمت علي إلا فعلت، فسأصعد المنبر وأقول: طلب ~~مني فلان أن أسب عليا فقولوا معي: يلعنه الله. فقال له: لا تقل شيئا. ~~فقد فهم الوالي مقصد الخطيب وقدرته على استعمال الكلام على معنيين. والحق ~~يقول: { من الذين هادوا يحرفون الكلم عن ~~مواضعه.. } [النساء: 46]. وأريد أن تنتبهوا إلى أن أسلوب القرآن ~~يأتي في بعض المواقع بألفاظ واحدة، ولكنه يعدل عن عبارة إلى عبارة، فيخيل ~~لأصحاب النظرة السطحية أن الأمر تكرار، ولكنه ليس كذلك، مثلما يقول مرة: # اشتروا الضللة بالهدى.. # [البقرة: 16] ومرة لا يأتي بالهدى كثمن للضلالة ويقول: { يشترون ~~الضلالة } [النساء: 46]، ولم يلتفتوا إلى أن هدى الفطرة مطموس عندهم ~~هنا، ومثال آخر هو قول الحق: # يحرفون الكلم من بعد مواضعه # [المائدة: 41]. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه: { ~~يحرفون الكلم عن مواضعه.. } [النساء: 46]، فكأن المسألة ~~لها أصل عندهم، فالكلام المنزل من الله وضع - أولا - وضعه الحقيقي ثم ~~أزالوه وبدلوه ووضعوا مكانه كلاما غيره مثل تحريفهم الرجم بوضعهم الحد ~~مكانه. أما قوله: # من بعد مواضعه # [المائدة: ms1815 41] فتفيد أنهم رفعوا الكلام المقدس من موضعه الحق ووضعوه ~~موضع الباطل، بالتأويل والتحريف حسب أهوائهم بما اقتضته شهواتهم، فكأنه ~~كانت له مواضع. وهو جدير بها، فحين حرفوه تركوه كالغريب المنقطع الذي لا ~~موضع له، فمرة يبدلون كلام الله بكلام من عندهم، ومرة أخرى يحرفون كلام ~~الله بتأويله حسب أهوائهم. { ويقولون سمعنا وعصينا.. } ~~[النساء: 46]. فهم يقولون قولا مسموعا { سمعنا } [النساء: 46] ثم ~~يقولون في أنفسهم " سمعنا وعصينا ". فقولهم: " سمعنا وعصينا " ففي نيتهم ~~{ عصينا.. } [النساء: 46]، إذن فقولهم { سمعنا.. } [النساء: 46] ~~يعني سماع أذن فقط. أما { عصينا.. } [النساء: 46] فهي تعني: عصيان ~~التكليف، وهم قالوا بالفعل سمعنا جهرا وقالوا عصينا سرا أو هم قالوا: ~~سمعنا، وهم يضمرون المعصية، { واسمع غير مسمع. # . } [النساء: 46] ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يسمعكم، ~~بدليل أنكم قلتم: سمعنا، فماذا تريدون بقولكم: اسمع؟ هل تطلبون أن يسمع ~~منكم لأنه يقول كلاما لا يعجبكم وستردون عليه، أو أنتم تريدون استخدام ~~كلمة تحتمل وجوها فتقلبونها إلى معان لا تليق، مثل قولكم: { غير ~~مسمع.. } [النساء: 46] ما يسرك، أو { غير مسمع.. } [النساء: ~~46] أي لا سمعت لأنهم يتمنون له - معاذ الله - الصمم، وقد تكون سبابا من ~~قولهم: أسمع فلان فلانا إذا سبه وشتمه، فالكلام محتمل. { واسمع ~~غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم.. } [النساء: 46] لم ~~يقولوا: { راعنا.. } [النساء: 46] من الرعاية بل من الرعونة، فقال: ~~لا، اتركوا هذا اللفظ لأنهم سيأخذون منه كلمة يريدون منها الإساءة إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم و " اللي ": هو فتل الشيء، والفتل: توجيه ~~شقي الحبل الذي تفتله عن الاستقامة، وهذا الفتل يعطيه القوة، وهم يعملون ~~هذه العمليات لماذا؟ لأنهم يفهمون أنها تعطي قوة لهم. { ليا ~~بألسنتهم وطعنا في الدين.. } [النساء: 46]، وما داموا ~~يلوون الكلام عن الاستقامة فهم يريدون شرا، لأن الدين جاء استقامة، ~~فساعة يلويه أحد فماذا يريد؟.. إنه يريد { وطعنا في الدين.. } ~~[النساء: 46]، { ولو أنهم قالوا سمعنا.. } [النساء: 46]، ~~وبدلا من إضمار المعصية يقولون: { وأطعنا واسمع وانظرنا.. ~~} [النساء: 46] بدلا من { راعنا.. } [النساء: 46]، ف { انظرنا.. ~~} [النساء: 46] لا تحتمل معنى سيئا. إذن: فمعنى ms1816 ذلك أن الله سبحانه ~~وتعالى يريد أن يخبر أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن خصومه يأتون ~~بالألفاظ محتملة لذم رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك يوضح: احذروا أن ~~تقولوا الألفاظ التي يقولونها لأنهم يريدون فيها جانب الشر وعليكم أن ~~تبتعدوا عن الألفاظ التي يمكن أن تحول إلى شر. فلو قالوا { سمعنا ~~وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ~~ولكن.. } [النساء: 46]، وساعة تسمع كلمة " لكن " فلتعلم أن الأمر جاء ~~على خلاف ما يريده المشرع لأنه يقول: { ولو أنهم قالوا.. } ~~[النساء: 46]، لكنهم لم يقولوا، إذن فالأمر جاء على خلاف مراد المشرع. { ~~ولكن لعنهم الله بكفرهم.. } [النساء: 46] و " اللعن " ~~هو: الطرد والإبعاد، فهل تجنى الله عليهم في لعنهم وطردهم؟ لا. هو لم ~~يلعنهم إلا بسبب كفرهم، إذن فلا يقولن أحد: لماذا لعنهم الله وطردهم وما ~~ذنبهم؟ نقول: لا، هو سبحانه لعنهم بسبب كفرهم، إذن فالذي سبق هو كفرهم، ~~وجاء اللعن والطرد نتيجة للكفر. { ولكن لعنهم الله ~~بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا } [النساء: 46]. وساعة ~~تسمع نفي حدث " لا يؤمنون " ثم يأتي استثناء " إلا " ، فهو يثبت بعض ~~الحدث، تقول مثلا: لا يأكل إلا قليلا، كلمة " لا يأكل " نفت الأكل، " ~~وإلا قليلا " أثبتت بعض الأكل، فهو سبحانه يقول: { فلا يؤمنون ~~إلا قليلا } [النساء: 46]. # والإيمان حدث يقتضي محدثا هو: من آمن، إذن: فعندي حدث وفاعل الحدث، ~~فساعة تسمع استثناء تقول: هذا الاستثناء صالح أن يكون للحدث، وصالح أن ~~يكون لفاعل الحدث، كلمة { فلا يؤمنون إلا قليلا } [النساء: ~~46] تعني: فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا لأنهم يؤمنون قليلا بالصلاة، ~~وبأنهم لا يعملون يوم السبت، أما بقية مطلوبات الإيمان فليست في بالهم ~~ولا يؤدونها، أو فلا يؤمنون إلا قليلا فقد يكون بعض منهم هو الذي يؤمن، ~~وهذا صحيح عندما نقوله لأن بعضا منهم آمن بالفعل، ونجد أيضا أنهم ~~يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فيكون إيمانهم قليلا بالحدث نفسه. ~~وهناك أناس منهم بعدما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلي القرآن ~~ورأوا صورته فوجدوه مثلما وصف عندهم ms1817 تماما فآمنوا، ولكن هل آمن كل ~~يهود، أو آمن قليل منهم؟ آمن قليل منهم مثل: عبد الله بن سلام، وكعب ~~الأحبار، إنما عبد الله بن صوريا، وكعب بن أسد، وكعب بن الأشرف وغيرهم ~~من اليهود فلم يؤمنوا. إذن: فإن أردت أن بعضا " قليلا منهم " هو الذي ~~آمن فهذا صحيح، ويصح أيضا أن الكافرين منهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ~~ويكفرون ببعض، وفي ذلك تعبير من الحق سبحانه وتعالى نسميه " صيانة ~~الاحتمال " لأن القرآن ساعة ينزل بمثل هذا القول فمن الجائز - وهذا ما ~~حدث - أن هناك أناسا من اليهود يفكرون في أنهم يعلنون الإيمان برسول ~~الله، فلو قال: " فلا يؤمنون " فقد لكان من الصعب عليهم أن يعلنوا ~~الإيمان - لكن عندما يقول: { إلا قليلا } [النساء: 46] فالذي عنده ~~فكرة عن الإيمان يعرف أن الذي يخبر هذا الإخبار عالم بدخائل النفوس، ~~فصان بالاحتمال إعلان هؤلاء القلة للإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: { يا ~~أيهآ الذين... }. ### || [4.47] # نعلم أن كل التشريعات التي جاءت من السماء لا يوجد فيها تضارب فالمشرع ~~واحد، ولن يشرع اليوم شريعة ثم يأتي رسول آخر يشرع شريعة أخرى جديدة. ~~فأصول الأديان كلها التي جاء بها ركب الرسالات واحدة، ولا تختلف إلا في ~~بعض الأحكام التي تتطلبها ظروف العصور، وفي التشريع الواحد تتطور الأحكام ~~وخصوصا ما يتعلق بالعادات، وما كان الله سبحانه وتعالى الرحيم بعباده ~~يأتي لمسألة من المسائل تعرض الناس فيها لعادة فتمكنت منهم تلك العادة، ~~وأصبحت تقودهم أن يفعلوها ثم يأتي لينهيها بكلمة، لم تأت الكلمة الفصل ~~إلا في العقيدة، لكن المسائل التي تحتاج لينهيها بكلمة، لم تأت الكلمة ~~الفصل إلا في العقيدة، لكن المسائل التي تحتاج إلى التعود فالحق يتلطف في ~~أن يخرجها خروجا ميسورا، بمعنى أنه يجعلها مرحليات كي لا توجد فجوة ~~الانتقال. ويمكننا أن نشبه فجوة الانتقال: مثلما يكون هناك من يدخن ~~السجائر، ويصل معدل تدخينه في اليوم مائة سيجارة، فإذا قلنا له: اجعله ~~خمسين سيجارة، ثم ثلاثين، وهكذا، وبذلك نكون قد وزعنا عادته على بعض ~~الزمن، وبدلا من ms1818 أن تكون المسافة بين السيجارة والسيجارة عشر دقائق أو ~~نصف ساعة فلنجعلها ساعة فنكون قد كسرنا جزءا من الاعتياد، وكذلك مرحليات ~~الأمور الاجتماعية التي تنشأ من رتابة التعود. إن الحق سبحانه وتعالى ~~يقول: { يا أيهآ الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما ~~نزلنا مصدقا لما معكم } [النساء: 47]. فالحق يوضح: لم ~~نأت بحاجة جديدة، بل كلها مما عندكم. قد يقول قائل: ما دامت مما عندهم ~~فما الداعي لها؟. نقول: لأن هناك جديدا في أقضية العصر التي لم تكن ~~موجودة عندهم، والذي زاد هو معالجة تلك الأقضية الجديدة، ولكن أصل ~~الإيمان موجود بالقرآن المعجز الذي ينزل من السماء بالمعجزة بالتوحيد، ~~والقضايا العقدية، كل هذه لا يوجد فيها خلاف. { يا أيهآ الذين ~~أوتوا الكتاب آمنوا.. } [النساء: 47]، وكلمة { أوتوا ~~الكتاب.. } [النساء: 47] إلزام لهم بالحجة، وتعني: نحن لا نكلمكم ~~بكلام لا تعرفونه لأنه يقول: { مصدقا لما معكم } [النساء: ~~47] إنهم يعلمون ما معهم جيدا، فكان من الواجب أن يقارنوا ويوازنوا ما ~~جاء لهم من جديد على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عندهم، فإن ~~وجدوه مصدقا لما عندهم فقد انتهت المسألة. ثم انظر إلى التهديد { من ~~قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ أو ~~نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت وكان أمر الله ~~مفعولا } [النساء: 47]، سبحانه يناديهم: بادروا، كما نقول مثلا: " ~~الحق نفسك وآمن " ويقول الحق: { من قبل أن نطمس وجوها ~~فنردها على أدبارهآ.. } [النساء: 47]. والطمس هو: المحو. ~~فالشيء الذي طمس هو الذي محي بعدما كان شيئا مميزا، وكلمة " وجوه " ~~وردت في القرآن بمعان متعدددة، فتطلق مرة في البدن على ما يواجه وهو " ~~الوجه " كما في قوله: # يوم تبيض وجوه # [آل عمران: 106]. ونطلق الكلمة مرة على القصد والنية والوجهة، قال ~~تعالى: # بلى من أسلم وجهه لله # [البقرة: 112]. و " أسلم وجهه " تعني قصده ووجهته ونيته. إذن: فمرة يطلق ~~الوجه على الوجه الذي به المواجهة، ومرة يطلق على القصد، وما العلاقة بين ~~القصد، والنية، والوجه؟ لأن الإنسان إذا قصد شيئا اتجه إليه بوجهه، وسار ~~له، إذن فالوجه يطلق على ms1819 هذه الجارحة " الوجه " ، ويطلق على القصد ~~والنية، وما دام يطلق بإطلاقين فيطلق على الوجه المعروف فينا، ويطلق على ~~القصد والنية التي توجهنا فالاثنان يصحان. وقوله: { نطمس وجوها.. ~~} [النساء: 47] لأنه سبحانه أوضح: أنا مكرمكم وجعلت لكم سمات تميزكم، ~~بشكلها: حواجب، وعينين، وأنفا جميلا، وفما، بحيث إنك لو أردت أن تخلق ~~هذه الخلقة، لما استطعت، وسبحانه يعلن: أنا أقدر أن أطمس هذه الوجوه التي ~~تميزكم، بحيث أردها على الأدبار، فيكون الوجه مثل القفا، وتصبح كقطعة ~~اللحم، هذا إن أردنا بقوله: { نطمس وجوها.. } [النساء: 47]، ~~الوجه الذي في البدن. وإن أردنا بالوجه " القصد " نقول: الذين يشترون ~~الضلالة، والذين يريدون أن تضلوا السبيل، والذين يحرفون الكلام عن ~~مواضعه، والذين يقولون: " راعنا " ، والذين يقولون: " اسمع غير مسمع ". ~~أليس لهم وجهة؟ وما وجهتهم في هذا الموقف وما قصدهم؟ إن قصدهم هو صرف ~~أنفسهم وصرف الناس عن اتباع محمد، فكأنه يقول لهم: بادروا وآمنوا قبل أن ~~نطمس ونمحو قصدكم فلا يصل إلى منتهاه من صدكم عن الإيمان برسول الله، ~~الحقوا أنفسكم قبل أن يحدث ذلك ونلعنكم ونطردكم من رحمتنا، ولذلك نجد ~~سيدنا عبد الله بن سلام عندما سمع الآية، ذهب إلى رسول الله ويده على ~~وجهه وقال: والله لقد خفت قبل أن أسلم أن يطمس وجهي. وهذا دليل على أنه ~~آمن بأن الذي قال هذا الكلام قادر على الإنفاذ. وفي عهد سيدنا عمر - رضي ~~الله عنه - نجد كعب الأحبار يذهب له، ولم تكن الآية قد بلغته، فلما بلغته ~~ذهب إلى سيدنا عمر وهو واضع يده على وجهه خائفا أن يطمس وجهه قبل أن ~~يعلن إسلامه. وذلك دليل على يقينه من أن الذي قال هذا الكلام قادر على ~~الإنفاذ. وقد يقول قائل: ولكن منهم أناس لم يؤمنوا ولم يحدث لهم هذا ~~الطمس. نقول: أهو قال سنطمس الوجوه فقط؟ لا، بل قال أيضا: { أو ~~نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت.. } [النساء: 47] ويكفي ~~أن هناك أناسا اعتقدوا أن الطمس قد يجيء وهم من وجوه أهل الكتاب ومن ~~أحبارهم، فالذين آمنوا برسول الله ms1820 من هؤلاء كانوا يعلمون كيد اليهود، ~~فسيدنا عبد الله بن سلام قبل أن يسلم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أنا أحب أن أسلم، ولكني أخشى إن أسلمت أن يقول اليهود في شرا فقبل ~~أن أسلم أسألهم عني، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبار اليهود: ~~ماذا تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا ~~وحبرنا ومجدوه، فلما سمع ابن سلام منهم هذا الكلام قال: أشهد أن لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا رسول الله فقالوا: هو ابن كذا وابن كذا وسبوه، ~~فقال ابن سلام: يا رسول الله، ألم أقل لك: إنهم قوم بهت. # فقد روي # " أن عبد الله بن سلام لما سمع بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ~~فنظر إلى وجهه الكريم فعلم أنه ليس بوجه كذاب، وتأمله فتحقق أنه النبي ~~المنتظر، فقال له: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول شرائط ~~الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ ~~فقال عليه السلام: " أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى ~~المغرب، وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت، وأما الولد فإن سبق ~~ماء الرجل نزعه، وإن سبق ماء المرأة نزعته " فقال: أشهد أنك رسول الله ~~حقا فقام ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت فإن علموا بإسلامي ~~قبل أن تسألهم عني بهتوني عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم: أي رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا ~~وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا ~~أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا وانتقصوه، قال: هذا ما كنت ~~أخاف يا رسول الله وأحذر ". # قال سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول لأحد يمشي على الأرض: ms1821 إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، ~~وفيه نزل: # قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به ~~وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله.. # [الأحقاف: 10]. { من قبل أن نطمس وجوها فنردها ~~على أدبارهآ.. } [النساء: 47] فإن أردنا طمس الوجه حقيقة، فهو ~~الأمر الذي خاف منه عبد الله بن سلام وكعب الأحبار، هذا ذهب إلى رسول ~~الله وذاك ذهب إلى عمر، وكل منهما كان يمسك وجهه خشية أن يطمس، إذن ~~فقوله: { نطمس وجوها } [النساء: 47] أي نجعلها مثل " القفا " ~~مجرد قطعة لحم من غير تمييز، أو نحول بينهم وبين قصدهم أي لا نمكنهم من ~~الوصول إلى ما يريدون من صدهم الناس عن الإيمان برسول الله، { من ~~قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ أو ~~نلعنهم. # . } [النساء: 47] أو أن نطردهم من رحمتنا ومن ساحة إيماننا، فيقول الحق: # ختم الله على قلوبهم.. # [البقرة: 7]. ما داموا هم قد كفروا نقول لكل منهم: ألم تكن تريد أن ~~تكفر؟ والله سيزيد لك الختم على قلبك وسنعينك على هذه الحكاية أيضا، قال ~~تعالى: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا.. # [البقرة: 10]. فإذا كنت أنت تريد هذه فسنعطيك ما في نفسك { فنردها ~~على أدبارهآ أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب ~~السبت.. } [النساء: 47] وسبحانه يخاطب اليهود، واليهود يعرفون قصة ~~السبت ويعرفون أنها واقعة حدثت، وطردهم الله وأهلكهم ولعنهم وأعد لهم ~~عذابا عظيما. إذن فهو لا يأتيهم بمسألة وعيد بدون رصيد، لا، فهذا وعيد ~~يسبقه رصيد، أنتم - يا معشر يهود - تؤمنون به وتذكرونه وله تاريخ عندكم، ~~{ كما لعنآ أصحاب السبت.. } [النساء: 47]، وقصة أصحاب ~~السبت معروفة وإن كانت ستأتي في سورة أخرى، و " السبت " وهو السكون ~~والراحة، ومنه السبات أي النوم، فسبت يسبت يعني سكن واستقر وارتاح. { ~~أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت } [النساء: 47]، ~~واللعن قالوا فيه: إنه الطرد والإهانة، وقالوا في معناه: إنه الإهلاك. ~~والذين يحاولون أن يشككوا في مفهومات آيات القرآن يقولون: أنتم لا تقفون ~~عند معنى واحد للكلمة، إما أن يراد كذا، وإما أن يراد كذا. نقول لهم: ~~أنتم ms1822 ليست لكم ملكة في اللغة حتى وإن تعلمتم اللغة فتعلمكم للغة تعلم ~~صنعة لا تعلم ملكة. وتعلم الصنعة يعطيك القاعدة ولكن لا يعطيك قدرة وضع ~~اللفظ في معناه الحقيقي ولا بيان المراد منه - واللعن - إذا كان معناه ~~الطرد - كان يجب أن تفهموا أن الطرد يقتضي طاردا، ويقتضي مطرودا، ~~ويقتضي مطرودا منه. ومن الذي يطرد؟ ومن الذي يطرد؟ وعن أي شيء ~~يطرد؟ حين تأخذون المعنى على هذا الوضع لا تجدون غضاضة في أن تتعدد ~~معاني الطرد. فهب أنك تجلس للأكل ثم جاءك كلبك الذي تعتز به للحراسة ~~ليحوم حول مائدتك، ماذا تصنع له؟ تطرده عن المائدة، ذلك طرد، وهب أن ~~ابنك مثلا صنع شيئا وعندك ضيوف فأردت أن تخرجه من المجلس وقلت له: اذهب ~~عند أمك، هذا طرد. وإذا كان ذنب الابن كبيرا ولك سيطرة فأنت قد تخرجه من ~~البيت فلا يجلس فيه، وهذا طرد، وإذا كان ذنب الابن لا يحتمل فأنت تخرجه ~~من القرية، وهذا طرد، فإذا كان هناك إنسان قد أذنب ذنبا كبيرا وكنت ~~صاحب قوة نافذة فأنت تخرجه من الحياة كلها فتكون قد أبعدته من الحياة ~~كلها. # إذن: فكل ذلك طرد. فإن أردنا الخزي والهوان يتأتى اللعن، وإن أردنا ~~الإهلاك فقد هلك منهم الكثير في المعارك ونالوا الخزي والهوان لأننا ~~سبينا نساءهم وبناتهم، وقهرناهم، وأهلكناهم، وأخرجناهم من ديارهم إلى ~~بلاد الشام وإلى أذرعات، وأهلكهم الله بالموت. إذن: فكل معاني الطرد ~~تتأتى. فقد جاء يمس كل الذي حدث لهم، ولكنه يختلف باختلاف الطارد، ~~وباختلاف المطرود، وباختلاف المطرود منه. وحين يقول الحق: { كما ~~لعنآ أصحاب السبت } [النساء: 47] فهذا يدل على أن اللعن له ~~أشياء مختلفة، أنا سآخذ منها لعن أصحاب السبت، والسبت يوم من أيام ~~الأسبوع، أي وحدة زمنية في الأسبوع، ونلحظ أن بقية أيام الأسبوع السبعة ~~فيها إشارات إلى العدد، يوم الأحد يعني واحدا ويوم الاثنين تعني اثنين. ~~وهكذا في الثلاثاء والأربعاء والخميس، ففيه خمسة أيام بأعداد موجودة إلا ~~يومين اثنين لم يؤثر فيهما العدد: يوم " الجمعة " ، ويوم " السبت ms1823 " ، ~~وهذان اللفظان أخذا معاني غير العددية، ولكنهما يأخذان معنى العددية ~~بالبعدية أو القبلية. يعني: عندما نقول مثلا " الخميس " فيكون يوم ~~الجمعة يعني " ستة " ، إنما لم يقل " ستة " وقال " الجمعة " ويوم " السبت ~~" يكون سبعة، إذن فأنت تستطيع أن تضع العدد البعدي بعد الأعداد: واحد، ~~اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، لكننا نجد أن لهما اسمين مختلفين ~~لأن في كل واحد منهما حدثا غلب العددية. ف " الجمعة " للاجتماع، فتركنا ~~كلمة " ستة " وأخذنا بدلا منها " الجمعة " ، و " السبت " للسكون لأن ~~مادتها في اللغة: سبت يسبت، أي سكن وهدأ ولم يتحرك، مثل قول الحق: # وجعلنا نومكم سباتا # [النبأ: 9]. أي سكونا وهدوءا. والحق سبحانه وتعالى حين يريد ابتلاء ~~بعض خلقه ليعلم منازلهم من الإيمان واليقين والانصياع لأوامر الحق، ~~يأتي فيحرم حدثا في زمن وهو مباح في غير ذلك الزمن، فقد يحرم الصيد في ~~أحد الأيام وكان مسموحا بأن يصطادوا في كل يوم. وكانوا يأتون بالسمك ~~كرزق من البحر، فجاء في هذا اليوم خصوصا وقال لهم: لا تصطادوا في هذا ~~اليوم، أي أن يسكنوا عن الحركة، هذا هو " السبت " بمعنى السكون، و { ~~أصحاب السبت } [النساء: 47] هم الجماعة الذين اجتمعوا على حادثة ~~تتعلق بالسبت أو تتعلق بالسكون، أي تتعلق بعدم العمل وبعدم الحركة، وقضية ~~أصحاب السبت شرحها الحق وتكلم عنها إجماليا في سورة البقرة: # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت.. # [البقرة: 65]. وقوله هنا: { كما لعنآ أصحاب السبت } ~~[النساء: 47]، لكن القصة بالتفصيل ذكرها الحق سبحانه وتعالى وقال مخاطبا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله الآمر، والرسول هو الذي سأله الله ~~أن يسأل، والمسئولون هم أصحاب الحكاية وهم اليهود، وحين يطلب الحق خبرا ~~مؤكدا من الأخبار، قد يلقيه خبرا فيصدقه أهل اليقين الذين يثقون في ~~الله ويصدقونه، وقد لا يتركه خبرا، بل يأتي به في صيغة الاستفهام لأنه ~~واثق أن المستفهم منه لا يجد جوابا إلا الحق الذي يريده سبحانه وتعالى، ~~وعندما يقول ربنا لنبيه: # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ~~إذ يعدون في السبت إذ ms1824 تأتيهم حيتانهم يوم ~~سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك ~~نبلوهم بما كانوا يفسقون # [الأعراف: 163]. ذلك حدث لا يستطيعون إنكاره، وكان من الممكن أن يقص ~~الله الحدث من عنده، ولكنه يريد أن يوثق الحدث توثيقا لا يحتمل إنكار ~~منكر ولا مكابرة مكابر، فأوضح: أنا لا أقول عن الحدث، ولكن يا محمد ~~اسألهم أنت عن هذه الحادثة فسيكون جوابهم جوابا مطابقا لما حدث لأنها ~~مسألة واضحة لا تنكر. # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر.. # [الأعراف: 163] وكلمة " قرية " نأخذها من " القرى ". والقرى هو أن ~~تكرم واحدا مقبلا عليك كضيف مثلا، ولكن ليس عندك ما يعطيه " قرى ~~كاملا " أي ما يقيم حياته لأيام أو شهور، بل عندك " قرية واحدة " ، أي ~~أكلة واحدة تكفيه لوجبة واحدة، فما دام قد مر عليك فأنت تعطيه قرية واحدة ~~- وجبة واحدة - فإن كانت البلد " أم القرى ": فيكون فيها حاجات كثيرة أو ~~لأنها أعظم القرى شأنا والقرية التي جاء ذكرها في سورة الأعراف يتم ~~تعريفها بأنها: # حاضرة البحر.. # [الأعراف: 163] والحاضر هو القريب. فيقال: حضر فلان أي أصبح على مقربة ~~مني، و " الحاضرة " أيضا هي: التي إن طلبت فيها شيئا وجدته، كما قال ~~شوقي - رحمة الله عليه: # ليلى بجانبي كل شيء إذن حضر # فكذلك " الحضر " معناه: أن كل حاجة فيها موجودة، أما البادية فحاجاتها ~~تكون على قدر أهلها فقط، ولذلك ف " حضر " ضد " بادية " وأخذوا منها " ~~الحواضر " مثل العواصم الآن، إذن فقوله: # حاضرة البحر.. # [الأعراف: 163] تأخذها بمعنى قريبة من البحر، أو أنها هي البلد المتحضر ~~على البحر، أو الجامعة لأنواع الخير على البحر، وهي التي كانت بين " مدين ~~" و " الطور " واسمها " أيلة ". وقصتهم: أن الله أراد أن يبتليهم بشيء ~~وهو: تحريم الصيد في ذلك اليوم، وما دامت # حاضرة البحر.. # [الأعراف: 163]، فرزقهم على الصيد، فقال: لا تصطادوا في هذا اليوم، ولكن ~~الله حين يريد أن يحكم الابتلاء ليعلم علم إبراز لخلقه مدى تنفيذهم ~~للابتلاء، وإلا فهو عالم ماذا سيفعلون. فقال: لا تصطادوا في هذا اليوم. ~~قد يقول قائل: لماذا ms1825 حرم هذا الحدث في ذلك الزمن؟ نقول له: أنت تريد أن ~~تعلم من الله أن كل تحريم له مضارة، نقول لك: لا، فقد يكون تحريم ابتلاء ~~واختبار، ولذلك قال تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم.. # [النساء: 160]. " الطيبات " هي الحلال، لكنهم هم فعلوا ما يستحقون عليه ~~العقاب، فقلنا لهم: ما دمتم تجاوزتم حدودكم وأخذتم ما ليس حلا، فجعلتموه ~~حلا فلا بد أن أجعل من الحل الذي هو لكم حراما عليكم، هذه مقابل تلك، ~~فلماذا اجترأت على محرم فأحللته؟ وما دمت قد فعلت ذلك ولم ترتض تحليلي ~~وتحريمي فأنا سآخذ شيئا من الذي كان حلا لك وأحرمك منه. إذن: فلا يتطلب ~~من كل تحريم أن يكون فيه مضارة، إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يكون ~~الإيمان له أصول ثابتة، ولذلك يقول: # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ~~خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على ~~وجهه خسر الدنيا والأخرة ذلك هو الخسران ~~المبين # [الحج: 11]. إذن: فالحق لا يريد من الناس أن يعبدوه على حرف أي على طرف ~~من الدين بل في وسطه وقلبه أي أنهم على قلق واضطرابات في دينهم لا على ~~سكون وطمأنينة، كالذي على طرف العسكر والجيش، فإن أحس بظفر ونصر وغنيمة ~~سكن واطمأن، وإلا فر وطار على وجهه. هو يريد منك إيمانا حقا، ولذلك ~~فبعض الناس يقول: سأزكي لأزيد من مالي. نقول له: أخرج من بالك ظنك أن ~~مالك سيزيد، بل أنت تزكي لأن الله طلب منك أن تزكي. أما أن يزيد مالك ~~فهذا شيء آخر، فلعل الله يبتلي إيمانك ويريد أن يرى: أأنت مقبل على ~~الحكم لأن الله قاله، أم لأنه سيعطيك ربحا زائدا؟ وسبحانه حين يعطي ~~ربحا زائدا ستزكيه أيضا، لكن هو يريد من يقبل على الحكم لأنه سبحانه ~~قد قاله. وقد حرم الحق سبحانه وتعالى عليهم الصيد يوم السبت بظلم منهم، ~~وكان من الجائز جدا ألا يكون هناك مغريات على المخالفة، ولكنه أراد أن ~~يبلوهم بلاء حقا فيأتي في ms1826 اليوم المحرم فيه الصيد ويكثر من السمك، ~~ترى السمكة ظاهرة مثل شراع المركب، وهذا معناه إغراء بالمخالفة، فلو لم ~~يظهر السمك في هذا اليوم لكانت المسألة عادية، لكنهم حين ينظرون السمك ~~يجدونه قد " شرع " مثل المراكب سابحا في الماء، # إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم.. # [الأعراف: 163]. إذن: فالابتلاء جاء من أكثر من زاوية: يوم سبتهم تأتي ~~الحيتان شرعا، وفي غير يوم السبت لا تأتي، وهذا الأمر يجعلهم في حالة ~~قلق. فلو كانوا على اليقين والإيمان لالتزموا بالأمر. والله سبحانه ~~وتعالى يريد أن يمحصهم التمحيص الدقيق، فماذا هم فاعلون؟ هم يريدون أن ~~ينفذوا الأمر، إنما طمعهم المادي يصعب عليهم ألا يصطادوا هاذا السمك الذي ~~يأتيهم يوم السبت، ولو أنهم وثقوا بعطاء الله في المنع لنجحوا في ~~الاختبار. # ذلك أن الحق قد يجعل في المنع عطاء، لكن من الذي يتنبه لذلك؟ لم ~~يقولوا: ما عند الله خير من هذا السمك الشرع الذي يأتينا ويلفتنا. ~~لكنهم احتالوا حيلا، مثلا: صنعوا من الأسلاك والحبال " مصايد " و " ~~جبى ".و " ملاقف " يحجزون بها هذا السمك الشرع في الماء ثم يأتون في ~~اليوم التالي فيجدونه محبوسا، وظنوا أنهم بذلك احتالوا على الله ولم ~~يتفهموا معنى الصيد، فالصيد هو جعل السمك في حيازتك، وما دمت قد عملت ~~بحيث تتمكن من حيازة السمك في أي وقت تكون قد اصطدت. إذن: فهم يحتالون ~~على الله ولذلك قال سبحانه: # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر ~~إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم ~~سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك ~~نبلوهم بما كانوا يفسقون # [الأعراف: 163]. وما دام الواحد منهم يفسق ويحل لنفسه شيئا حرمه ربنا ~~عليه، فيوضح له ربنا: ما دمت قد فعلت ذلك فسوف أحرم عليك شيئا أحللته لك ~~لأنك أعطيت لنفسك حرية في أن تحل ما حرمت، فأنا سأحرم ما أحللت لك. # وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة ~~إلى ربكم ولعلهم يتقون # [الأعراف: ms1827 164]. وهذا دليل على وجود عناصر خير فيما بينهم، وقالت عناصر ~~الخير: اتقوا الله. فقال لهم آخرون: لم تعظون قوما الله مهلكهم، إذن ~~فهناك ثلاث جماعات: جماعة خالفوا، وجماعة أرادوا أن يعظوهم كي لا يقعوا ~~في المخالفة، وجماعة لاموا من يعظونهم وقالوا: دعوهم ليهلكهم الله أو ~~يعذبهم، # الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا.. # [الأعراف: 164]، فقالت الجماعة التي تعظ: نحن نريد بالوعظ أن يكون لنا ~~عذر أمام الله بأننا لم نسكت على المنكر ونحن نعمل لأنفسنا. # قالوا معذرة إلى ربكم.. # [الأعراف: 164] وأيضا فلعلهم يتقون ربهم بترك ما هم فيه من المعصية ~~والفسق. فماذا حدث؟ يقول الحق: # فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون ~~عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما ~~كانوا يفسقون # [الأعراف: 165]. وما دام قد قال: " أنجينا " ، فهناك مقابلها وهو " ~~أهلكنا " ، إذن فجاء هنا " اللعن " بمعنى الهلاك. ويختم الحق الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها: { وكان أمر الله مفعولا } [النساء: ~~47] نعم لأن الحق سبحانه وتعالى بقدرته الشاملة وصفات جلاله الكاملة، لا ~~يتخلف شيء في وجوده عن أمره، فإذا وعد بشيء فلا بد أن يحدث، فأمر الله ~~غير أوامر البشر، فأوامر البشر هي التي تتخلف أحيانا سواء أكانت وعدا ~~أم وعيدا، لأنك قد تعد إنسانا بخير، ولكنك ساعة آداء الخير لا تستطيعه، ~~فتكون قدرتك هي التي تحتاج إلى أداء الخير. # أو توعد إنسانا وتهدده بشر، وستعمل فيه كذا غدا، وقد يأتيك غدا مرض ~~يقعدك فلا تستطيع إنفاذ وعيدك. إذن: فأنت قد لا تستطيع إنفاذ شيء من وعدك ~~ولا شيء من وعيدك لأن قدرتك من الأغيار، وما دامت قدرتك من الأغيار فقد ~~توجد أو لا توجد. لكن الحق سبحانه وتعالى إذا قال بوعد أو قال بوعيد ~~أيوجد شيء يغير هذا؟ لا، إذن فساعة يقول ربنا بوعد أو بوعيد فاعرف أن هذا ~~سيحدث في الوعد، أما في الوعيد فإن الله قد يتجاوز عنه كرما وفضلا ما ~~عدا الشرك بالله. ونعرف أن الحق سبحانه وتعالى يوزع الأحداث على الزمن، ~~فلا زمن يقيده لأنه ms1828 يملك كل الزمن، أما أنت كواحد من البشر فتتكلم عن ~~الحدث حسب زمانه. فإن كان هناك حدث قد حصل قبل أن تتكلم أنت عنه، فتقول: ~~فعل " ماض ". أي أن الحدث قد وقع في زمن قبل زمن تكلمك، وإن كان الحدث ~~يقع في وقت تكلمك، كان الفعل " مضارعا " ، والمضارع صالح للحال ~~وللاستقبال، تقول: فلان يأكل. وذلك يعني أنه يأكل الآن. وإن قلت: " سيأكل ~~" أي: أنه سيأكل بعد قليل، فإذا قلت عن أمر مستقبل إن هذا الأمر سيحدث، ~~أتملك أنت أن يحدث؟ لا. إذن فالكلام منك على الاستقبال قد يكذب وقد يصدق، ~~لكن إذا قال الحق وأخبر عن أمر مستقبل وعبر عنه بالفعل الماضي فمعنى ذلك ~~أنه حادث لا محالة ولذلك فالزمن عند ربنا ملغى. وعندما نقرأ قول الحق ~~سبحانه وتعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى ~~عما يشركون # [النحل: 1]. و " أتى " هذه فعل ماض، وقوله: " أتى " يدل على أنه أمر قد ~~حدث قبل أن يتكلم، وقوله: " فلا تستعجلوه " دل على أنه لم يحدث، فالذي ~~يشكك في القرآن يقول: ما هذا الذي يقوله القرآن؟ يقول: " أتى أمر الله " ~~وهو لم يأت؟ نقول له: هذا الكلام عندك أنت. لكن إذا قال الله: إنه " أتى ~~" فهو آت لا محالة، فاحكم على الحدث المستقبل من الله على أنه أمر كائن ~~كما يكون كائنا ماضيا، ما دام قال فلا راد لأمره. " أتى أمر الله " ~~فهي تعني سيأتي. ولا توجد قدرة في خلقه تصرف مراده أو تعجزه عن أن يفعل. ~~وقوله سبحانه: { وكان أمر الله مفعولا } [النساء: 47] جاء ~~لأنه قال من قبل { أو نلعنهم.. } [النساء: 47] هذه مستقبل. وقد ~~يقول قائل: أن { نلعنهم.. } [النساء: 47] تعني أن اللعنة لم تأت ~~وقد لا تحدث، ونقول: لا لأن أمر الله كان مفعولا، فإياك أن تأخذ " نلعن ~~" هذه التي للمستقبل كي تطبقها عند ربنا، لأن الحق سبحانه وتعالى يوضح ~~لك: أنت الذي عندك المستقبل، والمستقبل قد يقع منك أو لا يقع لأنك لا ~~تملك أسباب نفسك، تقول: سأعمل الشيء الفلاني غدا. ms1829 # وقد يأتي غدا وتكون أنت غير موجود هذه واحدة، أو تقول: سأقابل فلانا. ~~وفلان هذا قد لا يكون موجودا فقد يموت، أو قد يتغير رأيك ويأتيك الشيء ~~الذي كنت تطلبه قبل أن تتكلم مع ذلك الإنسان، أو قد تقول: أنا سأنتقم من ~~فلان، وعندما يأتي وقت الانتقام يهدأ قلبك. إذن: فأنت لا تملك شيئا من ~~هذا، فلا يصح أن تجادل ولذلك يعلمنا الله الأدب مع الأحداث ومع الكون ومع ~~المكون، ويخرجنا عن أن نكون كذابين فيقول لرسوله: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24]. يعلمك الحق ذلك حتى لا تكون كذابا، فإن قلت: أنا فاعل ~~ذلك غدا ثم لا تفعله، وما دمت لا تفعله فتكون كذابا مجترئا لأنك ~~افترضت في نفسك القدرة على الوجود. وكل حدث من الأحداث مثلما قلنا: يحتاج ~~إلى " فاعل " ، ويحتاج إلى " مفعول " يقع عليه، ويحتاج إلى " زمن " ~~ويحتاج إلى " سبب " ، ويحتاج إلى " قدرة " تبرزه في المستقبل، قل لي ~~بالله عليك: ماذا تملكه من عناصر الفعل؟ أنت لا تملك وجود نفسك ولا تملك ~~وجود المفعول ولا تملك السبب، ولا تملك القدرة، ولا تملك شيئا، فأدبا ~~منك عليك أن تقول: " إن شاء الله " فإن لم يحدث تقول: أنا قلت إن شاء ~~الله وهو لم يشأ، فتكون قد خرجت من التبعة، ولم تكن كذابا. إذن: فقول ~~الحق: { وكان أمر الله مفعولا } [النساء: 47] لأنه قال: { ~~أو نلعنهم.. } [النساء: 47]. و " نلعن " هذا فعل مضارع ويأتي من ~~بعد ذلك، فواحد قد يقول: إنه سبحانه قال: سيلعن، فهل ستتحقق اللعنة؟ نقول ~~له: نعم لأنه قال: { وكان أمر الله مفعولا } [النساء: 47]. ~~وكذلك ساعة تقرأ أو تقول: # وكان الله عفوا غفورا # [النساء: 99]. فعليك أن تضيف: ولا يزال غفورا رحيما، لأن صفة الرحمة ~~لم توجد له ساعة وجد المرحوم، لا، بل معنى " رحيم " أنه سبحانه يرحم غيره ~~والذي وجد ليتلقى رحمته سبحانه إنما جاء بعد أزلية رحمة الله ومغفرته. ~~فسبحانه أزلي قديم. والصفة أزلية وقديمة بقدمه سبحانه قبل أن يوجد ms1830 من ~~يرحمه، وهو لا تأتيه أغيار. وما دام سبحانه رحيما قبل أن يوجد ~~مرحوما له فإذا أوجد مرحوما له، أتنحل الصفة أم تبقى؟ إنها باقية ~~دائما فكان الله ولا يزال غفورا رحيما، { وكان أمر الله ~~مفعولا } [النساء: 47] نعم، لأنه قد يفعله بأسبابه وقد يفعله بدون ~~أسباب فالأمر متروك لمشيئته فإما أن يوجد الشيء من غير سبب أو يوجده ~~بسبب، والشيء الموجود بالسبب مخلوق بالمسبب فسبحانه خلق الأسباب. وبعد ~~ذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى قضية عقدية أساسية في صلة الإنسان بالحق ~~سبحانه وتعالى. فيقول: { إن الله لا يغفر... }. ### || [4.48] # هذه من أرجى الآيات في كتاب الله، ولذلك فحينما سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ما موجبات الإيمان؟ أي: ما الذي يعطينا الإيمان؟ فقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة ". # وعن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ". # ونحن نقول إن من يشرك بالله فهو يرتكب الخيانة العقدية العظمى، وقد ~~أخذنا هذا المصطلح من القوانين الوضعية، وإن كانت القوانين الوضعية ليس ~~غرضها أن تؤكد قضايا دينية، لكن غفلتهم تجعلنا نلتقط منها أنها تؤكد ~~القضايا الدينية أيضا. هب أن جماعة قاموا بحركة، وبعد ذلك استغل واحد ~~منهم الحركة في نفع خاص له، وواحد آخر استغل الحركة في أن تكون له لا ~~للآخر، أي ينقلب عليه، فالأول القائم على النظام يسميها خيانة عظمى، أما ~~من لا يقاوم بغرض خلع الحاكم ولكنه يظلم الناس فقد يعاقبه الحاكم على ~~ما حدث منه وليس على الخيانة العظمى. إذن: ففي قانون البشر أيضا خيانة ~~عظمى، وفيه انحراف وهو الذي لا يتعرض للسيادة، لكن أي حركة تتعرض للسيادة ~~يكون فيها قطع رقاب، وكل أمر آخر إنما يؤخذ بدرجة من العقوبة تناسب ذنبه. ~~فالحق سبحانه وتعالى يوضح: أصل القضية الإيمانية أن الله سبحانه وتعالى ~~يريد منكم أن تعترفوا بأنه الإله الواحد الذي لا شريك له، وحين تعترف ms1831 ~~بأنه الإله الواحد الذي لا شريك له. فأنت تدخل حصن الأمان. ولذلك يقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: # " أشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير ~~شاك منهما إلا دخل الجنة ". # وأبو ذر عندما قال للنبي في محاورة بينهما حول هذه الآية، قال له: # " ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: ~~وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى وإن سرق، قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال وإن زنى ~~وإن سرق ثلاثا ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر ". # لقد كان أبو ذر غيورا على حدود الله، فهل ساعة قال رسول الله: على رغم ~~أنف أبي ذر هل هذه أحزنت أبا ذر؟ لا، لم تحزنه، ولذلك عندما كان يحكيها ~~ويقولها: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن رغم أنف أبي ذر وهو ~~مسرور، لماذا؟ لأنها فتحت باب رحمة الحق، لأنه إذا لم يكن هذا فما الفارق ~~بين من اعتقدها وقالها وبين من لم يقلها؟ فلا بد أن يكون لها تمييز. # وكل جريمة موجودة في الإسلام - والحق سبحانه قد جرمها - فهذا يعني ~~أنها قد تحدث. مثال ذلك، يقول الحق تبارك وتعالى: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما.. # [المائدة: 38]. وهذا يعني أنه من الجائز أن يسرق المؤمن، وكذلك قد يزني ~~في غفلة من الغفلات، وفي أسس الاستغفار يأتي البيان الواضح: من الصلاة ~~للصلاة كفارة ما بينهما، الجمعة للجمعة كفارة، الحج كفارة، الصوم كفارة. ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: # " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش ~~الكبائر ". # أي أن ربنا قد جعل أبوابا متعددة للمغفرة وللرحمة، وهو سبحانه يقول: { ~~إن الله لا يغفر أن يشرك به.. } [النساء: 48] وهذه ~~المسألة ليست لصالحه إنما لصالحكم أنتم حتى لا تتعدد آلهة البشر في البشر ~~ويرهق الإنسان ويشقى من كثرة الخضوع لكل من كان قويا ms1832 عنه، فأعفاك الله ~~من هذا وأوضح لك: لا، اخضع لواحد فقط يكفك كل الخضوع لغيره، واعمل لوجه ~~واحد يكفك كل الأوجه، وفي ذلك راحة للمؤمن. إن الإيمان إذن يعلمنا العزة ~~والكرامة، وبدلا من أن تنحني لكل مخلوق اسجد للذي خلق الكون كله بصفات ~~قدرته وكماله، فلم تنشأ له صفة لم تكن موجودة هل أنتم زدتم له صفة؟ لا. ~~فهو بصفات الكمال أوجدكم وبصفات الكمال كان قيوما عليكم، فأنتم لم ~~تضيفوا له شيئا، فكونك تشهد أن لا إله إلا الله. ما مصلحتها بالنسبة ~~لله؟ إن مصلحتها تكون للعبد فحسب. ولذلك قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى ~~يريد من عباده أن يجتمعوا كل أسبوع مرة لأنك قد تصلي فرضا فرضا في ~~مصنعك أو في مزرعتك أو في أي مكان، إنما يوم الجمعة لا بد أن تجتمع مع ~~غيرك، لماذا؟ لأنه من الجائز أنك تذل لله بينك وبينه، تخضع وتسجد وتبكي ~~بينك وبين الله، لكنه يريد هذه الحكاية أمام الناس، لترى كل من له ~~سيادة وجاه يسجد ويخشع معك لله. وفي الحج ترى كل من له جاه ورئاسة يؤدي ~~المناسك مثلك، فتقول بينك وبين نفسك أو تقول له: لقد استوينا في ~~العبودية، فلا يرتفع أحد على أحد ولا يذل له بل كلنا عبيد الله ونخضع له ~~وحده. إذن فالمسألة في مصلحة العبد، { إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به.. } [النساء: 48]، لأنه لو غفر أن يشرك به لتعدد الشركاء ~~في الأرض، وحين يتعدد الشركاء في الأرض يكون لكل واحد إله، وإذا صار لكل ~~واحد إله تفسد المسألة، لكن الخضوع لإله واحد نأتمر جميعا بأوامره يعزنا ~~جميعا.. فلا سيادة لأحد ولا عبودية لأحد عند أحد، فقوله: { إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به. # . } [النساء: 48] هذا لمصلحتنا. { ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشآء.. } [النساء: 48]. وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال # " أتى وحشي وهو قاتل سيدنا حمزة في غزوة أحد، أتى على النبي صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع ms1833 كلام الله. ~~فقال رسول الله: " قد كنت أحب أن أراك على غير جوار، فأما إذ أتيتني ~~مستجيرا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله قال: فإني أشركت بالله وقتلت ~~النفس التي حرم الله وزنيت هل يقبل الله مني توبة؟ فصمت رسول الله حتى ~~نزلت: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من ~~تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل ~~الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما }. ~~فتلاها عليه فقال: أرى شرطا فلعلي لا أعمل صالحا، أنا في جوارك حتى ~~أسمع كلام الله فنزلت: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله ~~فقد افترى إثما عظيما } [النساء: 48]. فدعا به فتلا عليه ~~قال: فلعلي ممن لا يشاء، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله فنزلت: { ~~قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم }. فقال نعم: الآن لا أرى ~~شرطا فأسلم ". # إذن فالمسألة كلها تلطف من الخالق بخلقه، واعتبار عمليات الغفلة عمليات ~~طارئة على البشر، وما دام الحق يقنن تقنينات فمن الجائز أنها تحدث، لكن ~~إذا حدثت معصية من واحد ثم استغفر عنها، إياك أن تأتي بسيرتها عنده مرة ~~أخرى وتذكره بها وافرض أن واحدا شهد زورا، افرض أن واحدا ارتكب ذنبا، ~~ثم استغفر الله منه وتاب. إياك أن تقول له: يا شاهد الزور لأنه استغفر ~~من يملك المغفرة، فلا تجعله مذنبا عندك لأن الذي يملكها انتهت عنده ~~المسألة. لماذا؟ لكيلا يذل الناس بمعصية فعلت، بل العكس إن أصحاب ~~المعاصي الذين أسرفوا على أنفسهم يكونون في نظر بعض الناس هينين ~~محقرين. ولذلك نقول: إن الواحد منهم كلما لذعته التوبة وندم على ما فعل ~~كتبت له حسنة، فعلى رغم أنه ذاق المعصية لكنه مع ذلك تاب عنها، وهذا هو ~~السبب ms1834 في أن الله يبدل سيئاتهم حسنات، وعندما نعلم أن ربنا يبدل سيئاتهم ~~حسنات فليس لنا أن نحتقر المسرفين على أنفسهم، بل علينا أن نفرح بأنهم ~~تابوا، ولا نجعل لهم أثرا رجعيا في الزلة والمعصية. { ومن يشرك ~~بالله فقد افترى إثما عظيما } [النساء: 48] و " ~~الافتراء " هو الكذب المتعمد. # لأن هناك من يقول لك قضية على حسب اعتقاده، وتكون هذه القضية كاذبة، ~~كأن يقول لك: فلان زار فلانا بالأمس. هو قال ذلك حسب اعتقاده بأن قالوا ~~له أو رأى أثر للزيارة، على الرغم من أن مثل هذه الزيارة لم تحدث فيكون ~~كذبا فقط، أما الشرك فهو تعمد الكذب على الله وهذا يطلق عليه: { ~~افترى إثما عظيما } [النساء: 48] لأنه مخالف لوجدانية الفطرة، ~~كأن وجدانية الفطرة تقول: لا تقل إلا ما تعرفه فعلا وأنت متأكد بل عليك ~~ألا تخالف فطرتك متعمدا وتجعل لله شريكا. والحق سبحانه وتعالى عندما ~~يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. إما أن تكون هذه الكلمة صادقة ~~فننتهي، وإما ألا تكون صادقة - والعياذ بالله - أي أن هناك أحدا آخر ~~معه، الآخر سمع أن هناك واحدا يقول: لا إله إلا أنا. أسكت أم لم يسمع؟ ~~إن لم يكن قد سمع فيكون إلها غافلا، وإن كان قد سمع فلماذا لم يعارض ~~ويقول: لا، لا إله إلا أنا، ويأتي بمعجزة أشد من معجزة الآخر ولم يحدث من ~~ذلك شيء. إذن: فهذه لا تنفع وتلك لا تنفع، ف " لا إله إلا الله " حين ~~يطلقها الله ويأتي بها رسول الله ويقول الله: أنا وحدي في الكون ولا شريك ~~لي، ولم ينازعه في ذلك أحد فالمسألة صادقة لله بالبداهة ولا جدال. { ~~ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما } [النساء: ~~48] والافتراء كما يكون في الفعل وفي الكلام ويكون في الاعتقاد أيضا. " ~~إثم عظيم " ، وهذا يعني أن هناك إثما غير عظيم، " الإثم العظيم " هو الذي ~~يخل قضية عقدية واحدة في الكون تشمل الوجود كله هي أنه لا إله إلا ~~الله. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى عودا ms1835 على هؤلاء اليهود: { ألم ~~تر إلى الذين... }. ### || [4.49] # وتقدم أن أشرنا إلى قول الحق: { ألم تر.. } [النساء: 49]، فإن كانت ~~الصورة التي يخاطب عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرئية أمامه تكن ~~الرؤية على حقيقتها، وإن لم تكن مرئية أمامه وكان مراد الحق سبحانه أن ~~يعلمه بها وهي غير معاصرة لرؤياه فالحق يقول: { ألم تر.. } [النساء: ~~49] يعني: ألم تعلم، وكأن العلم بالنسبة لخبر الله يجب أن يكون أصدق مما ~~تراه العين لأن العين قد تكذبه والبصر قد يخدعه، { ألم تر إلى ~~الذين يزكون أنفسهم.. } [النساء: 49] و " التزكية " هي ~~أولا: التطهير من المعايب وهذا يعني سلب النقيصة، وبعد ذلك إيجاب كمالات ~~زائدة فيها نماء، والتزكية التي زكوا بها أنفسهم أنهم قالوا: # نحن أبناء الله وأحباؤه.. # [المائدة: 18]. وجاء الرد عليهم في هذه القضية بقوله الحق: # قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن ~~خلق.. # [المائدة: 18]. يعني: إن كنتم أحباءه وأبناءه فلماذا يعذبكم؟ إذن فهذه ~~قضية باطلة، ثم ما فائدة أن تقولوها لنا؟ أنملك لكم شيئا؟ إذا كنتم ~~تكذبونها على من يملك لكم كل شيء وهو الله - سبحانه - فما لنا نحن بكم؟ ~~والتزكية التي فعلوها أنهم مدحوا أنفسهم بالباطل وبرأوا أنفسهم من العيوب ~~وادعوا أنهم أبناء الله وهم ليسوا أبناء الله وليسوا أحباءه، وقالوا ~~أيضا: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى.. # [البقرة: 111]. وتلك أيضا قضية باطلة، وهنا نسأل: هل إذا زكى الإنسان ~~نفسه بحق تكون تلك التزكية مقبولة؟. نقول: علينا أن نسأل: ما المراد ~~منها؟ إن كان المراد منها الفخر تكن باطلة، لكن تكون التزكية للنفس واجبة ~~في أمر يحتم ذلك. مثاله: عندما تركب جماعة زورقا ويكون القائد أو من ~~يجدف أو يمسك الشراع متوسط الموهبة، ثم قامت عاصفة ولا يقوي متوسط ~~الموهبة على قيادتها هنا يتقدم إنسان يفهم في قيادة الزوارق أثناء ~~العواصف ويقول لمتوسط الموهبة: ابتعد عن القيادة فأنا أكثر فهما وكفاءة ~~وقدرة منك على هذا الأمر ويزحزحه ويمسك القيادة بدلا منه، هذه تزكية ~~للنفس، وهي مطلوبة لأن ms1836 الوقت ليس وقت تجربة، وهو يزكي نفسه بحق، إذن: ~~فهناك فرق بين التزكية بالباطل وبين التزكية بالحق. ونحن نعلم قصة سيدنا ~~يوسف، ونعلم قصة رؤيا الملك حيث رأى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف!! ~~وكان المفروض العكس، انظر إلى الملحظية لأن سنين الجدب ستأكل سنين الخصب، ~~لكن من الذي يتنبه إلى رموز الرؤيا. فتعبير الرؤيا ليس علما. بل هبة ~~من الله يمنحها لأناس ويجعلهم خبراء في فك رموز - شفرة - الرؤيا، ودليل ~~ذلك أن الملك قال هذه الرؤيا للناس فقالوا له: # قالوا أضغاث أحلام.. # [يوسف: 44]، و " أضغاث " مفردها " ضغث " وهو الحشيش المخلوط والمختلف، ~~لكنهم أنصفوا فقالوا: # وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين # [يوسف: 44]. لقد أنصفوا في قولهم. لأن الذي يقول لك: لا أعلم فقد أفتى، ~~فما دام قد قال: لا أدري فسيضطرك إلى أن تسأل سواه، لكن إن قال لك أي ~~جواب فستكتفي به وتتورط، إذن فمن قال: لا أدري فقد أجاب. فهم عندما ~~قالوا: أضغاث أحلام فقد احتالوا واحتاطوا لأنفسهم أيضا وقالوا: # وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين # [يوسف: 44]، وكان الحق سبحانه وتعالى قد صنع التمهيد ليوسف وهو في السجن ~~عندما دخل عليه الفتيان: # ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إني ~~أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل ~~فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا ~~بتأويله.. # [يوسف: 36]. ما الذي جعل الفتيين يعرفان أن يوسف المسجون هذا يعرف تأويل ~~الأحلام؟ لقد قالا وأوضحا العلة: # إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36]. ومعنى ذلك أنهما شهدا سمته وسلوكه، وعرفا أنه إنسان ~~مسالم، فلما حزبهما واشتد عليهما أمر يتعلق بذاتهما قالا: لا يوجد ~~أحسن من هذا الإنسان نسأله، وقلت ولا أزال أكررها: إن القيم هي القيم، ~~والصادق محترم حتى عند الكذاب، والذي لا يشرب الخمر محترم عند من يشرب ~~بدليل أنهما عندما حزبهما أمر قالا: # إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36]. وهل يحكم واحد على آخر أنه محسن إلا إذا كان عنده مقياس ~~يعرف به الحسن ويميزه عن القبح؟ وعندما قالا ذلك الأمر لسيدنا يوسف، كان ~~من ms1837 الممكن أن يجيبهما إلى تأويل رؤياهما، ولكن هذه ليست مهمته، بل فكر: ~~لماذا لا يستغل هو حاجتهما إليه لأمر يتعلق بشخصيهما، وبعد ذلك ينفذ إلى ~~مراده هو منهما قبل أن ينفذا إلى مرادهما منه، فهو نبي ومن سلالة أنبياء ~~فأوضح لهما: وماذا رأيتما من إحساني؟ إن عندي أشياء كثيرة: # قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله قبل أن يأتيكما.. # [يوسف: 37]. فقد زكى نفسه، لكن انظروا لماذا زكى نفسه؟ هو يريد أن يأخذ ~~بيدهما إلى ربه هو، بدليل أنه قال: # ذلكما مما علمني ربي.. # [يوسف: 37]. إذن فالتزكية هنا مطلوبة، وقد ردها لله، وأعلن أن تلك ليست ~~خصوصية لي، بل كل واحد من خلق الله يستطيع أن يكون مثلي: # إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله.. # [يوسف: 37]. وبعد ذلك قال: # واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب.. # [يوسف: 38]. إذن: فمن الممكن أن تكونوا مثلي إذا ما اتبعتم هذا الطريق، ~~بعد ذلك قال لهم: # أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار # [يوسف: 39]. أي: أإله واحد أحسن أم آلهة متعددة؟ فأنتم يا أصحاب الآلهة ~~المتعددة جئتم لصاحب الإله الواحد مع أن التعدد - في الظاهر - يعطي ~~القوة، لكن هذا التعدد أعطى الضعف لأنكم يا أصحاب الآلهة المتعددة لجأتم ~~إلى صاحب الإله الواحد: # أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار # [يوسف: 39]. إذن فهو زكى نفسه أمامهما لكي يأخذهما إلى جانب من زكى، ~~وهو الحق سبحانه وتعالى، وبعد ذلك عندما علم الملك قال: ائتوني به ~~أستخلصه لنفسي، ويكون مقربا مني. ثم بعد ذلك جاءت سنون الجدب التي تنبأ ~~بها أولا في تفسير الرؤيا، وأشار عليهم بضرورة الادخار من سنين الخصب ~~لسنين الجدب، لقد كانت التجربة إخبارا لأشياء ستحدث، فلما وقعت علم أن ~~المسألة ليست تجارب بل هي مسألة دقيقة، فقال للملك: # اجعلني على خزآئن الأرض.. # [يوسف: 55]. إذن فقد زكى نفسه، وجاء بالحيثية: # إني حفيظ عليم # [يوسف: 55]. لأن هذه المسألة تحتاج حفظا وعلما، فهي أمر غير خاضع ~~للتجريب، فيجرب واحد فيخيب، ويجرب آخر فيخيب، لا، إنها تحتاج لحفظ ms1838 وعلم، ~~ومثال ذلك أيضا عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم الغنائم، قال ~~له المنافقون: اعدل يا محمد! فيقول لهم: والله إني لأمين في السماء أمين ~~في الأرض، فهو يزكي نفسه، إذن: فمتى تكون التزكية مطلوبة؟ أولا: أن تكون ~~بحق، وأن يكون لها هدف عند من يعلم التزكية وإلى من يعطيك التزكية ~~ويثني عليك بما فيك وما أنت أهل له فتكون هذه تزكية صحيحة ولذلك يقول ~~الحق: # فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى # [النجم: 32]. لأنك تزكي نفسك عند الذي سيعطي الجزاء وهو يعلم، إذن: فمن ~~الحمق أن يزكي الإنسان نفسه في غير المواقف التي يحتاج فيها الأمر إلى ~~تزكية تكون لفائدة المسلمين لا لفائدته الخاصة، والحق يقول: { ألم ~~تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من ~~يشآء ولا يظلمون فتيلا } [النساء: 49]. إن الحق سبحانه ~~وتعالى لا تخفى عليه خافية، فمن الممكن أن واحدا يتصنع ويتكلف في نفسه ~~مدة من الزمن أمامك، لكن هناك أشياء أنت لا تدركها، لكن ربنا عندما يزكي ~~تكون تزكيته عن علم وعن خبرة، ومع ذلك أحين يزكون أنفسهم، أهذه محت ~~حسناتهم؟ لا. فعل الرغم من أنهم زكوا أنفسهم فالحق لن يأخذهم هكذا، ويضيع ~~حسناتهم ولكنهم { ولا يظلمون فتيلا } [النساء: 49] وهذه مطلق ~~العدالة. ونعرف أن القرآن نزل بلسان عربي على نبي عربي، والذين باشروه ~~أولا عرب، ونعرف أن أغلب إيحاءاته كانت متوافقة مع البيئة، وكان عندهم " ~~النخل " وهي الشجرة المفضلة لأنها شجرة لا يسقط ورقها، وكل ما فيها له ~~فائدة، فلا يوجد شيء في النخلة إلا وفيه فائدة. عن عبد الله بن عمر - رضي ~~الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي مثل المسلم، حدثوني ما هي؟ ~~فوقع الناس في شجر البادية ووقع في نفسي أنها النخلة ". قال عبد الله ~~فاستحييت، فقالوا: يا رسول الله أخبرنا بها، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " هي النخلة " قال عبد الله: فحدثت أبي بما وقع في ms1839 نفسي، ~~فقال: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا ". # وللنخلة فوائد كثيرة، فكل ما نأخذه منها نجد له فائدة حتى الليف حولها ~~يحمل الجريد نأخذه ونصنع منه مكانس وليفا و " مقاطف " و " كراسي ". ~~وحينما يطلب سبحانه وتعالى مثالا على شيء معنوي فهو يأتي بالشيء المحس ~~في البيئة العربية. " ولا يظلمون فتيلا " و " الفتيل " من " الفتلة " ~~ومن معناها: الشيء بين الأصابع، فأنت حين تدلك أصابعك مهما كانت نظيفة ~~يخرج بعض " الوساخات مثل الفتلة " ، أو " الفتيل " هو: الخيط في شق نواة ~~البلحة ونواة التمرة، جاء سبحانه وتعالى في القرآن بثلاثة أشياء متصلة ~~بالنواة. ب " الفتيل " هنا، وجاء ب " النقير ": وهو النقرة الصغيرة في ~~ظهر النواة ومأخوذة من المنقار، كأنها منقورة، وجاء ب " قطمير ": وهي ~~القشرة التي تلف النواة، مثل قشرة البيض الداخلية وهي قشرة ناعمة، إذن: ~~ففي النواة ثلاثة أشياء استخدمها الله. الفتيل و " النقير " ، و " ~~القطمير ". والحق يقول: # فإذا لا يؤتون الناس نقيرا # [النساء: 53]. إذن: فالحق سبحانه وتعالى أخذ من النواة ثلاثة أشياء ~~ويعطينا من الشيء المحس أمامنا أمثالا يراها العربي في كل وقت أمامه ~~ويأخذ الحق أيضا أمثالا من السماء فيأتينا بمثل: " الهلال " ، يقول في ~~الهلال وهو صغير: # كالعرجون القديم # [يس: 39]. فسباطة البلح فيها شماريخ، وفيها يد تحمل الشماريخ، فهذا اسمه ~~" العرجون " ، والعرجون عندما يكون جديدا يكون مستقيما، لكنه كلما ~~قدم ينثني وينحني، فجاء لهم من الهلال في السماء وأعطاهم مثالا له في ~~الأرض # كالعرجون القديم # [يس: 39]، والعرب قد أخذوا أمثالا كثيرة، لكن هناك حاجات قد لا ينتبه ~~إليها مثل قول العربي: # وغاب ضوء قمير كنت أرقبه # مثل القلامة قد قدت من الظفر # فساعة تقص أظافرك تجدها مقوسة. لكن هذه المسألة لا يتنبه لها كل واحد، ~~فهو جاء بشيء واضح وقال: # كالعرجون القديم # [يس: 39] إذن: فالحق سبحانه وتعالى حين يعطي مثالا لأمر معنوي فهو يأتي ~~من الأمر المحس أمامك ليقرب لك المعنى، وعندما تأكل التمرة لا تلتفت إلى ~~الفتيلة مما يدل على أنها شيء تافه، والنقير ms1840 والقطمير كذلك. إذن: فربنا ~~أخذ من النواة أمثلة، وأخذ من النخلة أمثلة كي يقرب لنا المعاني. { ولا ~~يظلمون فتيلا } [النساء: 49]. ويقول الحق بعد ذلك: { انظر ~~كيف يفترون... }. ### || [4.50] # وقول الحق { انظر } [النساء: 50] هي أمر لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكل خطاب لرسول الله هو خطاب لأمته، وعرفنا من قبل أن " الافتراء ~~": كذب متعمد { يفترون على الله الكذب } [النساء: 50] في ~~قولهم عندما أرادوا أن يزكوا أنفسهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه.. # [المائدة: 18]. وقولهم: # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى.. # [البقرة: 111]. { انظر كيف يفترون على الله الكذب ~~وكفى به إثما مبينا } [النساء: 50]، لماذا؟ لأنك إن تكذب ~~على مثلك ممن قد يصدقك فهذا معقول، لكن إن تكذب على إله فهذه قحة لذلك ~~قال الحق: { وكفى به إثما مبينا } [النساء: 50]. إذن: ~~فالكذب مطلقا هو إثم والكذب المبين: هو الكذب على الله، والمهم أنه لم ~~يفدك. ثم يقول الحق بعد ذلك: { ألم تر إلى الذين... }. ### || [4.51] # قوله: { أوتوا نصيبا من الكتاب.. } [النساء: 51] يعني ~~عندهم صلة وعلاقة بالسماء وبالرسل، وبالكتب المنزلة من السماء على الرسل ~~التي تحمل مناهج الله، ولو كانوا أناسا ليس لهم مثل هذا الحظ لكان ~~كلامهم هذا معقولا لانقطاع أسباب السماء عنهم. إنما هؤلاء عندهم نصيب من ~~الكتاب، وأولى مهمات الكتب السماوية أن تربط المخلوق بالخالق، وربط ~~المخلوق بالخالق هو ترتيب لقدرات المخلوق وتنميتها لأن أسباب الله في ~~الكون قد تعز عليك، وقد تقفر يدك منها. فإذا لم يكن لك إله تلجأ إليه ~~عند عزوف الأسباب انهرت، وربما فارقت حياتك منتحرا، لكن المؤمن بالله ~~ساعة تمتنع عنه أسبابه يقول: لا تهمني الأسباب، لأن عندي المسبب. إذن: ~~فالإيمان بالله يعطيك قوة. والإيمان بالله يقف المؤمنين على أرض صلبة، ~~فمهما عزت أسبابك وانتهت فاذكر المسبب. وحين تذكر المسبب تجد آفاق حياتك ~~رحبة، فالذين ينتحرون إنما يفعلون ذلك لأن الأسباب ضاقت عليهم، وعلموا ~~أنه لا مناص من أنهم في عذاب. لكن المؤمن يقول: يا رب، ومجرد أنه يقول: ~~يا رب، فهذا قول ms1841 يريحه حتى قبل أن يجاب لأنه التفت إلى مسبب الأسباب حين ~~عزت عليه الأسباب. وساعة يلتفت إلى مسبب الأسباب عند امتناع الأسباب فهو ~~يأخذ قوة الإيمان من حيث لا يحتسب، إنك بمجرد أنك قلت: يا رب تجد نفسك قد ~~ارتاحت لأنك وصلت كل كيانك بالخالق، وكيانك منه ما هو مقهور لك، ومنه ما ~~هو غير مقهور لك. والكيان نفسه سيأتي في الآخرة ويشهد على الإنسان. ستشهد ~~الأرجل والجلود وغيرها من الأبعاض. لأنها في الدنيا كانت مقهورة لإرادتي، ~~أنا أقول ليدي: افعلي كذا، ولرجلي: اسعي لكذا، وللساني: سب فلانا، فالله ~~سخر الجوارح وأمرها: يا جوارح أنت خاضعة لإرادة صاحبك في الدنيا. لكن في ~~يوم القيامة أيكون لي إرادة على جوارحي؟ لا، ستتمرد علي جوارحي: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.. # [فصلت: 21]. وتقول الجوارح لنا: أنتم استخدمتمونا في الدنيا وحملتمونا ~~أن نفعل أشياء نحن نكرهها، فدعونا اليوم لنشهد، إنها تخرج أسرارها لأن ~~الملك الآن للواحد القهار: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. انتهت سيطرة الإنسان وليس لأحد غير الله إرادة على الأبعاض. ~~إذن: فالنصيب من الكتاب هو أول شيء يربط المخلوق بالخالق، فإذا ارتبط ~~المخلوق بالخالق قويت أسبابه، ويستقبل الأحداث بثبات، ويأتيه فرج ربنا، ~~وعندما نقرأ القرآن يجب أن نلتفت إلى اللقطات العقدية فيه، فقد عرفنا ~~مثلا: أن سيدنا موسى عندما أراد أن يأخذ بني إسرائيل من فرعون ويخرج ~~بهم، وقبل أن يصل بهم إلى البحر تنبه لهم قوم فرعون وجاءوا بجيوشهم، وكان ~~قوم فرعون من ورائهم والبحر من أمامهم، فقال قوم موسى إيمانا بالأسباب: # إنا لمدركون # [الشعراء: 61]. بالله أأحد يكذب هذه المقولة؟! لا، فماذا قال موسى ~~عليه السلام؟ لم يقل مثلما قال قومه، ولكنه نظر للمسبب الأعلى فقال بملء ~~فيه: # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. وهل تكذب مقولته؟ لا، لا تكذب لأنه لم يقل: " كلا ~~" اعتمادا على أسبابه. فليس من محيط أسبابه أن يخرج من مثل هذا الموقف، ~~بل قال: # إن معي ربي ms1842 سيهدين # [الشعراء: 62]، هذه ثمرة الإيمان، فلما قال: # إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]، ماذا قال له الله؟ قال له: # اضرب بعصاك البحر.. # [الشعراء: 63]. لم يقل له: اهجم عليهم واغلبهم، لا، بل قال: # اضرب بعصاك البحر.. # [الشعراء: 63] كي يعطي الشيء ونقيضه، ولتعرف أن مرادات الحق سبحانه ~~وتعالى تعطي الشيء ونقيضه، ولا أحد من البشر يقدر أن يصنع مثل ذلك، فلما ~~قال له: اضرب بعصاك البحر، ضرب موسى البحر بالعصا، وكان موسى يعلم قانون ~~الماء استطراقا وسيولة، لكن ها هي ذي المعجزة تتحقق: # فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # [الشعراء: 63]. و " الطود " هو الجبل، والجبل فيه صلابة، والماء فيه ~~رخاوة، فكيف انتقلت الرخاوة إلى صلابة؟ إن الماء مهمته الاستطراق، أي لا ~~يمكن أن توجد منطقة منخفضة والماء أعلاها، بل لا بد أن ينفذ منها، وعندما ~~أطاع موسى أمر الله أراد أن يطمئن بأسباب البشر، فأراد أن يضرب البحر كي ~~يعود البحر مثلما كان حتى لا يأتي قوم فرعون وراءه فقال له ربنا: # واترك البحر رهوا.. # [الدخان: 24]. أي: اتركه كما هو على هيئته قارا ساكنا لأنني أريد أن ~~يغريهم ما يرون من اليبس في البحر فينزلوا، فأعيد الماء إلى استطراقه ~~وأطبقه عليهم، فأكون قد أنجيت وأهلكت بالشيء الواحد. يقول الحق: { ~~ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب ~~يؤمنون بالجبت والطغوت.. } [النساء: 51] وكيف ذلك؟ بعد ~~موقعة أحد جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق، وأبو ~~رافع. هؤلاء هم صناديد اليهود، وأخذوا أيضا سبعين من اليهود معهم ونزلوا ~~على أهل مكة، ونقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله، وبعد ذلك نزل كعب ~~ابن الأشرف - زعيمهم - على أبي سفيان وقال له: نريد أن نتعاهد على أننا ~~نقف أمام محمد. فقال أبو سفيان: أنت صاحب كتاب، وعندك توراة، وعندك إيمان ~~بالسماء، وعندك رسول، ونحن ليس عندنا هذا، و " محمد " يقول: إنه صاحب ~~كتاب ورسول، إذن فبينكما علاقة الاتصال بالسماء، فما الذي يدرينا أنك ~~متفق معه علينا في هذه الحكاية؟ إننا لا نأمن مكرك، ولن ms1843 نصدق كلامك هذا ~~إلا إذا جئت لآلهتنا وأقمت مراسم العبادة عندها فسجدت لها. و " الجبت ~~والطاغوت " هما صنمان لقريش، وذهب إليهما اليهود أصحاب التوراة الذين ~~عندهم نصيب من الكتاب وخضعوا لهما، أو " الجبت " هو كل من يدعو لغير ~~الله سواء أكان شيطانا أم كاهنا أم ساحرا، فإذا كان هذا هو " الجبت " ~~ف " الطاغوت " من " طغى " وهو اسم مبالغة وليس " طاغيا " ، بل " طاغوت ~~" وهو الذي كلما أطعته في ظلم ارتقى إلى ظلم أكثر. # وسواء أكان الجبت والطاغوت صنمين أم إلهين من الآلهة التي يتبعونها، ~~المهم أن وفد اليهود خضعوا لهم وسجدوا، لكي تصدق قريش عداء اليهود لسيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد ذلك سأل كعب بن الأشرف أبا سفيان: ~~ماذا فعل محمد معكم؟ قال له: فارق دين آبائه، وقطع رحمه وتركهم وفر ~~إلى المدينة، ونحن على غير ذلك. نحن نسقي الحجيج، ونقري الضيف، ونفك ~~العاني - الأسير - ونصل الرحم، ونعمر البيت ونطوف به. وعظم أبو سفيان في ~~أفعال قريش!، فقال الذين أوتوا الكتاب - لعداوتهم لمحمد - قالوا لأبي ~~سفيان وقومه: أنتم أهدى من محمد سبيلا! ويوضح ربنا: يا محمد انظر ~~لعجائبهم إنهم أوتوا نصيبا من الكتاب، ومع ذلك فعداوتهم لك ووقوفهم أمام ~~دينك وأمام النور الذي جئت به، جعلهم ينسون نصيبهم من الكتاب، ويؤمنون ~~بالجبت والطاغوت وهم القوم أنفسهم الذين كانوا يقولون للعرب قديما: إنه ~~سيأتي نبي منكم نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. لكن ها هم أولاء يذهبون ~~ويؤمنون بالطاغوت والجبت، فهل عند مثل هؤلاء شيء من الدين؟ إن الحق ~~سبحانه يريد أن يطمئن رسول الله بأن هؤلاء انعزلوا عن مدد السماء، فإن ~~نشب بينك وبينهم حرب أو خلاف فاعلم أن الله قد تخلى عنهم لأنهم تركوا ~~النصيب من الكتاب الذي أوتوا. وإياك أن يأتي في بالك أن هؤلاء أصحاب ~~كتاب. إن الحق يطمئن رسوله أنه سبحانه قد تخلى عنهم وأن الله ناصرك - يا ~~محمد - فلا يغرنك أنهم أصحاب مال أو أصحاب علم أو أصحاب ثروات، فكل هذا ~~إلى زوال ms1844 لأن حظهم من السماء قد انقطع ولأن الشرك قد حازهم وملكهم وضمهم ~~إليه وقد جعلوا العداوة لك والانضمام إلى الكفار الذين كانوا يستفتحون ~~عليهم، ببعثك ورسالتك، ثمنا لأن يتركوا الإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~أولئك الذين... }. ### || [4.52] # وقوله: { أولئك.. } [النساء: 52] هي اسم إشارة مكون من " أولاء " ~~التي للجمع، ومن " الكاف " التي هي لخطاب رسول الله، ونحن - المسلمين - ~~في طي خطابه صلى الله عليه وسلم، { أولئك.. } [النساء: 52] هي ~~للذين أوتوا نصيبا من الكتاب ويؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين ~~كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا، أو { أولئك.. } ~~[النساء: 52] لكل من اليهود والمشركين، ولنأخذها إشارة لهم جميعا، في ~~قوله تعالى: { أولئك الذين لعنهم الله.. } [النساء: ~~52] و " اللعن " إما أن يكون " الطرد " ، وإما أن يكون " الخزي " ، وإما ~~أن يكون " الإهلاك ". وكيف يلحق الله الخزي بالكافرين؟ لأنك تجد المد ~~الإسلامي كل يوم يزداد، وهم تتناقص أرضهم: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها.. # [الرعد: 41]. { أولئك الذين لعنهم الله.. } [النساء: ~~52]، إذن: فالطارد هو الله، فحين يكون الطارد مساويا للمطرود، ربما صادف ~~من يعينه، لكن إذا كان الطارد هو الله فلا معين للمطرود، { ومن ~~يلعن الله.. } [النساء: 52] أي من يطرده ربنا { فلن تجد له ~~نصيرا } [النساء: 52] لأن الحق سبحانه وتعالى ما دام قد طرده، فسبحانه ~~يدخل في روع الناس كلهم أن يتخلوا عنه لأي سبب من الأسباب فلا ينصره ~~أحد { أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله ~~فلن تجد له نصيرا } [النساء: 52]. ويقول الحق بعد ذلك: { أم ~~لهم نصيب من... }. ### || [4.53] # وما هي حكاية قوله: { أم لهم نصيب من الملك فإذا لا ~~يؤتون الناس نقيرا } [النساء: 53]؟ إنه - سبحانه - يصفهم بفرط ~~البخل وشدة الشح، أي أنهم - في واقع الأمر - ليس لهم ملك الدنيا وليس لهم ~~- أيضا - ملك الله فالملك له وحده - جل شأنه - يؤتيه من يشاء وينزعه ~~ممن يشاء ولكنهم لو أعطوا ملك الدنيا وملك الله لبخلوا وضنوا بما في ~~أيديهم. كما جاء في قوله سبحانه: # قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم خشية ms1845 الإنفاق وكان الإنسان قتورا # [الإسراء: 100]. أي: أنكم تخشون الإنفاق حتى لا تقل الأموال عندكم، فلو ~~أخذتم خزائن ربنا فستقولون لو أخذنا منها وأعطينا الناس لقلت! وفحوى ~~العبارة: أن كل هؤلاء سواء أكانوا كفار قريش أم كبراء اليهود، كانوا ~~يحافظون على مكانتهم وأموالهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ~~ليسوي بين الناس، فمن الذي يحزن؟ الذي يحزن هم الذين كانت لهم السيادة ~~لأنهم لا يريدون أن تتساوى الرءوس، وياليتهم عندما أخذوا السيادة جعلوها ~~خيرا للناس، لكنهم لم يفعلوا. فلو كان لهم الملك والأموال لن يعطوا ~~للناس نقيرا لأن الإنسان بطبيعته لا ينزل عن جبروته لأن هذا الجبروت ~~يعطيه سلطانا، وما دام الجبروت أعطاه سلطانا فلا يلتفت إلى حقيقة ~~الإيمان، فإن خير الخير أن يدوم الخير، فليس فقط أن تكون في خير وسلطة ~~لكن اضمن أنه يدوم، وهذا الدوام ستأخذه بعمر الدنيا وأمدها قليل وعمرك ~~فيها غير مضمون، إذن فدوام الخير هناك في الآخرة: # لا مقطوعة ولا ممنوعة # [الواقعة: 33]. فأنتم إن كنتم تحرصون على هذا الجاه، وتريدون أن يكون ~~لكم هذا الملك والجاه والعظمة فهل أنتم تعطون الناس من خيركم هذا حتى ~~يكون هناك عذر لكم في الحرص على المال بأن الناس تستفيد منكم؟ فلماذا ~~تريدون أن يديم ربنا عليكم هذه وأنتم في قمة البخل والشح؟ لا يمكن أن ~~يديمها عليكم. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول في سورة الفجر يوضح هذه ~~العملية: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن # [الفجر: 15-16]. إذن فالذي عنده نعمة يقول: # ربي أكرمن # [الفجر: 15]، والذي ليس عنده نعمة يقول: # ربي أهانن # [الفجر: 16]، فيقول الحق تعقيبا على القضيتين # كلا.. # [الفجر: 17]. وما دام سبحانه يقول تعقيبا على القضيتين: # كلا.. # [الفجر: 17] فمعنى هذا أن كلا الطرفين كاذب فأنت تكذب يا من قلت: إن ~~النعمة التي أخذتها دليل الإكرام، وأنت كذاب أيضا يا من قلت: عدم المال ~~دليل الإهانة، فلا إعطاء المال دليل الإكرام، ولا ms1846 سلب المال دليل ~~الإهانة. وهي قضية غير صادقة وخاطئة من أساسها. # وقال الحق في حيثيات ذلك: # كلا بل لا تكرمون اليتيم # [الفجر: 17]. أي عندكم المال ولا تكرمون اليتيم، إذن فهذا المال هو حجة ~~عليكم، فهو ليس إكراما لكم بل سيعذبكم به. ويضيف سبحانه: # ولا تحآضون على طعام المسكين # [الفجر: 18]. فكيف يكون المال - إذن - إكراما وهو سيأتيك بمصيبة؟ فعدمه ~~أفضل فالمال الذي يوجد عند إنسان ولا يرعى حق الضعفاء فيه هو وبال وشر ~~لأن الحق يقول: # سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة.. # [آل عمران: 180]. فإن بخلت كثيرا فستطوق بغل أشد ولذلك عندما يشتد ~~عليه الغل يقول: يا ليتني خففت هذا الغل، والحق يتساءل في الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها لماذا يتفقون مع معسكر الشرك، ويتركون النصيب الذي ~~أعطوه من الكتاب، ويذهبون ليقولوا للذين كفروا: أنتم أهدى من محمد سبيلا ~~مع أنهم يعلمون بحكم ما عندهم من نصيب الكتاب أن محمدا على حق؟ لقد ~~كانوا يحافظون على سيادتهم، ومعسكر الشرك يحافظ على سيادته، ونعلم أن ~~اليهود كانوا في المدينة من أصحاب الثروات، وكانوا يعيشون على الربا، وهم ~~أصحاب الحصون، وأصحاب الزراعات وأصحاب العلم، إذن فقد أخذوا كل عناصر ~~السيادة. وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم تزلزلت كل هذه المسائل ~~من تحت أقدامهم، وحزنوا. وكذلك كفار قريش: كانت لهم السيادة على كل ~~الجزيرة، فلا يستطيع أحد من أي قبيلة في الجزيرة أن يتعرض لقافلة قريش ~~لأن القبائل تخاف من التعرض لهم، ففي موسم الحج تذهب كل القبائل في حضن ~~قريش. والمهابة المأخوذة لهم جاءت لهم من البيت الحرام الذي حفظه الله ~~ورعاه وهزم من أراده بسوء ورد كيده ودمره تدميرا تاما. كما جاء في ~~قول الحق سبحانه وتعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم ~~يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم ~~كعصف مأكول # [الفيل: 1-5]. وعلة هذه العملية تأتي في السورة التالية لها، وهي قوله ~~سبحانه: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف ms1847 # [قريش: 1-2]. فلولا أنه سبحانه جعل هذا البيت لعبادته لانتهى وانتهت ~~منهم السيادة فلا يقدرون أن يذهبوا إلى رحلة الشتاء ولا إلى رحلة الصيف ~~ولذلك يقول سبحانه: # فليعبدوا رب هذا البيت # [قريش: 3]. فسبحانه الذي جعل لهم السيادة والعز. وهو: # الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 4]. وجاء لهم بثمرات كل شيء، وآمنهم من خوف حين تسير قوافلهم في ~~الشمال وفي الجنوب. { أم لهم نصيب من الملك.. } [النساء: ~~53] فإذا كان لهم هذا النصيب، فلا يأتون الناس نقيرا أي لا يعطونهم الشيء ~~التافه. ويقول الحق بعد ذلك: { أم يحسدون الناس... }. ### || [4.54] # والحسد هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ربنا قد اصطفاه واختاره ~~للرسالة، ولذلك قال بعض منهم: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إذن: فالقرآن مقبول في نظرهم، لكن الذي يحزنهم أنه نزل ~~على محمد، وهذا من تغفيلهم، وهو مثل تغفيل من قالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. لقد تمنوا الموت والقتل رميا بالحجارة من السماء ولم ~~يتمنوا اتباع الحق، وهذا قمة التغفيل الدال على أنها عصبية مجنونة، ولذلك ~~يقول الحق: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم.. # [الزخرف: 32]. وسبحانه يؤكد لنا أنه يختص برحمته من يشاء، فلماذا ~~الحسد إذن؟ إنهم يحسدون الناس أن جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم، ولو ~~أنهم استقبلوا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم استقبالا عادلا بعين ~~الإنصاف لوجدوا أن كل ما جاء به هو كلام جميل. من يتبعه تتجمل به حياته. ~~وكان مقتضى من آتاهم الله من فضله علما من الكتاب أن يبشروا برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كما دعاهم إلى ذلك نزل عليهم في كتابهم وأن يكونوا ~~أول المصدقين به، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل كذبوا وصدوا عن سبيله ~~وفضلوا عليه الكافرين الوثنيين. فقالوا إنهم أهدى من محمد سبيلا. ~~والحق سبحانه وتعالى حين يتفضل على بعض خلقه بخصوصيات يحب سبحانه ms1848 أن ~~تتعدى الخصوصيات إلى خلق الله لأننا نعرف أن في كل خلق من خلق الله ~~خصوصية مواهب، فإذا ما تفضل المتفضل بموهبته على الخلق تفضل بقية الخلق ~~عليه بمواهبهم، إذن: فقد أخذ مواهب الجميع حين يعطي الجميع. وهؤلاء قوم ~~آتاهم الله نصيبا فبخلوا وضنوا، وليتهم ضنوا على أمر يتعلق بهم، بل ~~على الأمر الذي وصلهم بالإله، وهو أنهم أصحاب كتاب عرفوا عن الله منهجه، ~~وعرفوا عن الله ترتيب مواكب رسله، فيريد الحق سبحانه أن يقول لهم: أنتم ~~أوتيتم نصيبا من الكتاب فلم تؤدوا حقه، وأيضا أنكم لو ملكتم الملك ~~فإنكم لن تؤدوا حقه، ولن تعطوا أحدا مقدار نقير وهو النقرة على ظهر ~~النواة، ولذلك قال: # أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس ~~نقيرا # [النساء: 53]. إذن: فلا هم في المعنويات والقيم معطون، ولا هم في ~~الماديات معطون، فإذا كانوا قد بخلوا بما عندهم من القيم فهم أولى أن ~~يبلخوا بما عندهم من المادة، وبذلك صاروا قوما لا خير فيهم أبدا. ثم ~~يوضح الحق: إذا كان هؤلاء قد أوتوا نصيبا من الكتاب يعرفهم سمات ~~الرسول المقبل الخاتم فما الذي منعهم أن يؤمنوا به أولا ويؤيدوه؟. لا شك ~~أنه الحسد، على الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم جاء مصدقا لما معهم، ~~إنهم لا شك حسدوا الرسول صلى الله عليه وسلم، والحسد لا يتأتى إلا عن قلب ~~حاقد، قلب متمرد على قسمة الله في خلقه لأن الحسد كما قالوا: هو أن تتمنى ~~زوال نعمة غيرك، ويقابله " الغبطة " وهي أن تتمنى مثل ما لغيرك، فغيرك ~~يظل بنعمة الله عليه، ولكنك تريد مثلها. # وأنت إن أردت مثلها من الله فلا بد أن تغبطه، والحق يقول: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق.. # [النحل: 96]. ولذلك يجب أن يكون الناس في عطاء الله غير حاسدين وغير ~~حاقدين، لكن بعض الناس ربما حسدوا غيرهم من الذين يعطيهم الأغنياء رغبة ~~في أن يكون ذلك لهم وحدهم، فإنك إن كان عندك كم من المال ثم اتصل بك ~~قوم ms1849 في حاجة فأعطيتهم منه، ربما قال الآخرون ممن يرغبون في عطائك ويأملون ~~في خيرك: إنك ستنقص مما عندك بقدر ما تعطي هؤلاء لأن ما عندك محدود، ~~ولكن هنا العطاء ممن لا ينفد ما عنده، إذن: فيعطيك ويعطي الآخرين ولا ~~ينقص مما عنده شيء. إذن: فالغبطة أمر بديهي عند المؤمن لأنه يعلم أن عطاء ~~الله لواحد لا يمنع أن يعطي الآخر، ولو أعطى سبحانه كل واحد مسألته ما ~~نقص ذلك مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر، وذلك كما جاء ~~في الحديث القدسي: # " يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد ~~فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص ~~المخيط إذا أدخل البحر ". # { أم يحسدون الناس على مآ آتاهم.. } [النساء: 54]، ~~فالحسد - كما عرفنا - هو: أن يتمنى إنسان زوال نعمة غيره، هذا التمني ~~معناه أنك تكره أن تكون عند غيرك نعمة، ولا تكره أن يكون عند غيرك نعمة ~~إلا إذا كنت متمردا على من يعطي النعم. إن أول خطأ يقع فيه الحاسد هو: ~~رده لقدر الله في خلق الله، وثاني ما يصيبه أنه قبل أن ينال المحسود ~~بشر منه فقلبه يحترق حقدا. ولذلك قالوا: الحسد هو الذنب أو الجريمة ~~التي تسبقها عقوبتها لأن كل جريمة تتأخر عقوبتها عنها إلا الحسد، فقبل أن ~~يرتكب الحاسد الحسد تناله العقوبة لأن الحقد يحرق قلبه وربما قال قائل: ~~وما ذنب المحسود؟ ونقول: إن الله جعل في بعض خلقه داء يصيب الناس، والحسد ~~يصيبهم في نعمهم وفي عافيتهم. وما ذنب المقتول حين يوجه القاتل مسدسه ~~ليقتله به؟ هذه مثل تلك. فالمسدس نعمة من نعم الله عند إنسان ليحمي نفسه ~~به، وليس له أن يستعمله في باطل. وهب أن الله سبحانه وتعالى خلق في ~~الإنسان شيئا يكره النعمة عند غيره، فلماذا لا يتذكر الإنسان حين يستقبل ~~نعمة عند غيرك أن يقرنها بقوله: ما شاء الله لا قوة إلا الله. # فلو قارنت كل نعمة عند غيرك بما ms1850 شاء الله الذي لا قوة إلا به لرددت عن ~~قلبك سم حقدك. إنك ساعة ترى نعمة عند غيرك وتقول: ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله، فأنت تتذكر أن الإنسان لم يعط نفسه أي نعمة. إنما ربنا هو الذي ~~أعطاه، وسبحانه قادر على كل عطاء، ومن الممكن أن يحسد الإنسان. لكن الذي ~~يجد الحسد في نفسه ويريد أن يطفئه، عليه أن يرد كل شيء إلى الله، وما ~~دام قد رد كل شيء إلى الله فقد عمل وقاية لنفسه من أن يكون حاسدا. ~~ووقاية للنعمة عند غيره من أن تكون محسودة، والحق سبحانه وتعالى بين لنا ~~ذلك في قوله سبحانه: # ومن شر حاسد إذا حسد # [الفلق: 5]. إذن: فمن الممكن أن يمتلئ قلب أي واحد منا بالحقد على نعمة ~~وبعد ذلك يحدث منها حسد، وعلى كل واحد منا أن يمنع نفسه من أن يدخل تيار ~~الحقد على قلبه لأن تيار الحقد يحدث تغييرا كيماويا في تكوين الإنسان، ~~وهذا التغير الكيماوي هو الذي يسبب التعب للإنسان، وما يدرينا أن هذا ~~التوتر الكيماوي من عند غيره تجعل في نفس الإنسان وفي مادته تفاعلات، ~~وهذه التفاعلات يخرج منها إشعاع يذهب للمحسود فيقتله؟ لأن الحق سبحاه ~~وتعالى يقول: # ومن شر حاسد إذا حسد # [الفلق: 5]. وعندما تستعيذ بالله من شر الحاسد ألا يصيبك، قد يصيبك، ~~ولكن استعاذتك من شره تعني أنه إن أصابك فعليك أن تسترجع، فتقول: # إنا لله وإنآ إليه راجعون # [البقرة: 156] وتعلم أن ذلك خير لك فإن أصابك في نعمة فاعلم أن هذه ~~المصيبة فيها خير، فالحاسد إذا أصابك في شيء من نعم الله عليك، فالشر هو ~~أن تحرم الثواب عليها!! فالمصاب هو من حرم الثواب، فإذا جاءت مصيبة ~~لأي واحد وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم إنك ربي وإنك لا تحب لي ~~إلا الخير لأني صنعتك ولم تجر علي إلا الخير، لكنني قد لا أستطيع أن ~~أفهم ذلك الخير. إن المسلم إذا صنع ذلك فالله سبحانه وتعالى يبين له فيما ~~بعد أنها كانت ms1851 خيرا له، فإن أصابه في ولده وقال: من يدريني لعل ولدي ~~الذي أماته الله كان سيفتنني فأكفر أو أسرق له وآخذ رشوة من أجله. لكن ~~الله أخذه مني ومنع عني ذلك الشر، أو أن النعمة قد تطغيني، وقد تجعلني ~~أتجبر على الناس، وقد تجعلني أتطاول وأعتدي على الخلق، فيقول لي ربنا: ~~امرض قليلا واهدأ. وهكذا نرى أن المصاب لا بد أن يتوقع الخير وأن يسترجع ~~وأن يقول: لا بد أنه سيأتيني من الابتلاء خير، وقد يقول قائل: نحن نقول: # قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر ~~غاسق إذا وقب * ومن شر النفاثات في العقد * ~~ومن شر حاسد إذا حسد # [الفلق: 1-5]. نقرأ ونكرر هذه السورة ولم يعذنا الله من شر الحاسدين، ~~ويحسدنا الحاسدون أيضا! نقول له: أنت لم تفهم معنى قوله: # ومن شر حاسد إذا حسد # [الفلق: 5]. إنك تفهمه على أساس ألا يصيبك حسده، لا، إن حسده قد يصيبك، ~~لكن عليك أن تعرف قدر الله في تلك الإصابة وتقول: يا رب إنك أجريتها علي ~~لخير عندك لي. فإن فعلت ذلك فقد كفيت شرا. ونحن نعيش في عالم نرى فيه ~~أنه كلما ارتقت الدنيا في العلم بين لنا ربنا آيات في كونه وفي أسرار ~~الوجود تقرب لنا كثيرا من المعاني فالذين يصنعون الآن أسلحة الفتك ~~والتدمير، كلما يلطف السلاح ويدق ولا يكون داخلا تحت مرائي البصر كان ~~عنيفا، ويختلف عن أسلحة الأزمنة القديمة حيث كان الإنسان يرمي آخر بحجر، ~~ثم آخر يرمي بمسدس، ثم صار في قدرة دولة أن تصنع قنبلة ذرية لا ينوب أي ~~فرد منها إلا قدر رأس مسمار لكنها تقتل، إذن: فأسلحة الفتك كلما لطفت - ~~أي دقت - عنفت. ونرى الآن أن الأسلحة كلها بالإشعاع، والإشعاع ليس ~~جرما، وعمل الإشعاع نافذ لكن لا يوجد له جرم، وكما يقول الأطباء: نجري ~~العملية من غير أن نسيل دما بوساطة الأشعة، ومثال ذلك أشعة الليزر، إذن: ~~فكلما دق السلاح كان عنيفا وفتاكا. وهذا مثال يوضح ذلك: لنفرض أنك ~~أردت ms1852 أن تبني لك قصرا في خلاء، ثم مر عليك صديق فقال: لماذا لم تضع ~~لنوافذ الدور الأول حديدا؟ تقول له: لماذا؟. فيقول لك: هنا سباع وذئاب. ~~فتضع الحديد ليمنع الذئاب، وآخر يمر على قصرك فيقول: إن فتحات الحديد ~~واسعة وهنا توجد ثعابين كثيرة، فتضيق الحديد. وثالث يقول: هناك بعوض ~~يلسع ويحمل الميكروبات، فتضع سلكا على النوافذ. إذن: فكلما دق العدو ~~كان عنيفا فيحتاج احتياطا أكبر. ونحن نعلم أن الميكروب الذي لا يرى ~~يأتي فيفتك بالناس، فالآفة التي تصيب الناس كلما لطفت، - أي دقت وصغرت ~~- عنفت، فلو كانت ضخمة فمن الممكن أن يدفعها الإنسان قليلا قليلا، لكن ~~عندما تصل إلى مرتبة من الدقة والصغر، هنا لا يستطيع الإنسان أن يدفعها. ~~وأفتك الميكروبات هي التي تدق لدرجة أن الأطباء يقولون عن بعض الأمراض: ~~لا نعرف لها فيروسا بمعنى أن هذا الفيروس المسبب للمرض صار دقيقا ~~جدا حتى عن معايير المجاهر. إذن: فما الذي يجعلنا نضيق ذرعا بأن نقدر ~~أن هناك شرارة من ميكروب تخرج من كيماوية الإنسان الحاقد الحاسد الذي ~~تشقيه النعمة عند غيره، وشرارة الميكروب هذه مثل أشعة الليزر تتجه لشيء ~~فتفتك به!! ما المانع من هذا؟! إننا نفعل ذلك الآن ونسلط الأشعة على أي ~~شيء، والأشعة هي من أفتك الأسلحة في زماننا، ولماذا لا نصدق أن كيماوية ~~الحاسد عندما تهيج يتكون منها إشعاع يذهب إلى المحسود فيفتك به؟ ومثلها ~~مثل أي نعمة ينعمها ربنا عليك، وبعد ذلك تستعملها في الضرر. # ومثال ذلك الرجل الذي عنده بعض من المال ومع ذلك يغلي حقدا على خصومه. ~~فيشتري مسدسا أو بندقية ليقتلهم إنه يأخذ النعمة ويجعلها وسائل انتقام، ~~وهذا يأتي من هيجان الغريزة الداخلية المدبرة لانفعالات الإنسان. إذن: ~~فهؤلاء القوم عندما جاء رسول الله مصدقا بما عندهم، ما الذي منعهم أن ~~يصدقوه؟ لا شك أنهم حسدوه في أن يأخذ هذه النعمة، ونظروا إلى نعمة ~~الرسالة على أنها مزية للرسل، وهل كان ذلك صحيحا؟ حقا إنها مزية للرسل ~~ولكنها مع ذلك عملية شاقة عليهم، ms1853 والناس في كل الأمم - ما عدا الأنبياء - ~~يورثون أولادهم مالهم، أما الأنبياء فلا يورثون أولادهم. إنهم لم يأتوا ~~ليأخذوا جاها، أو ليستعلوا على الناس، بل كلفوا بمتاعب جمة. إذن: ~~فأنتم تنظرون إلى السلطة التي أعطاكم الله إياها في مسألة علم الدين. ~~وتجعلونها أداة للترف والرفاهية وللعنجهية وللعظمة، وحين يجيء رسول لكي ~~ينفض عنكم ويخلصكم من هذه السيطرة، ماذا تفعلون؟ أنتم تحزنون لأنكم أقمتم ~~لأنفسكم سلطة زمنية ولم تجعلوا أنفسكم في خدمة القيم، وأخذتم عظمة ~~السيطرة فقط، فلما جاء رسول الله يريد أن يزيل عنكم هذه السيطرة قلتم: ~~لا. لا نتبعه. فإذا كنتم تحسدون النبي عليه الصلاة والسلام على الرسالة ~~وجعلتموها مسألة يدلله الله بها أو أنها تعطية سيطرة، فلماذا الحسد ~~على سيدنا محمد وقد أعطى الله سيدنا إبراهيم الملك، وأعطى لداود الملك، ~~وأعطى لسليمان الملك، وأعطى ليوسف الملك، فلماذا الحسد إذن عندما أراد ~~الله سبحانه وتعالى أن يكرم الفرع الثاني من إبراهيم وهو إسماعيل عليه ~~السلام؟ لقد كرم الله سبحانه الفرع الأول في إسحاق وجاء من إسحاق يعقوب، ~~ومن يعقوب يوسف، ثم جاء موسى وهارون ثم داود وسليمان، كل هؤلاء قد ~~كرموا، وعندما يكرم سبحانه الفرع الثاني لإبراهيم وهو ذرية إسماعيل ~~ويرسل منهم رسولا، تحزنون وتقفون هذا الموقف؟ لماذا لا تنظرون إلى أن ~~إسماعيل وفرعه أتى من ذرية إبراهيم، ولماذا اعتبرتم الرسالة والنبوة نعمة ~~مدللة، ولم تنتبهوا إلى أنها عملية قاسية على الرسول؟ لأن عليه أن يكون ~~النموذج التطبيقي على نفسه وعلى آله، ولا أحد من أهله يتمتع بذلك بل ~~العكس فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إنا معشر الأنبياء لا نورث ". # ويحرم صلى الله عليه وسلم آل بيته من الزكاة. ويقول صلى الله عليه ~~وسلم أيضا: # " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس ". # وهكذا نرى أنه لم يكن يعمل لنفسه ولا لأولاده. ويتابع الحق: { فقد ~~آتينآ آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ~~ملكا عظيما } [النساء: 54] و " الكتاب " هو المنهج الذي ينزل من ~~السماء، و " الحكمة " هي الكلام ms1854 الذي يقوله الرسول مفسرا به منهج الله، ~~ومع ذلك آتاهم الله الملك أيضا. فسيدنا يوسف صار أمينا على خزائن ~~الأرض، وأصبح عزيز مصر، وسيدنا داود، وسيدنا سليمان آتاهما الله الملك مع ~~النبوة. إذن: ففيه نبوة وفيه ملك، ومحمد صلى الله عليه وسلم أعطاه ربنا ~~النبوة ولم يعطه الملك، فما وجه الحسد منكم له؟!. ثم ماذا كان موقفكم من ~~أنبيائكم الذين أعطاهم الله النبوة والملك؟ يجيب الحق: { فمنهم ~~من آمن به ومنهم... }. ### || [4.55] # وقوله سبحانه: { فمنهم من آمن به.. } [النساء: 55]. ~~والمقصود الإيمان بما جاء في منهج إبراهيم والرسل الذين جاءوا من بعده ~~الذين آتاهم الله النبوة والملك، أو { فمنهم.. } [النساء: 55] أي: ~~من أهل الكتاب الذين نتكلم عنهم من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار مثلا، { ومنهم من صد ~~عنه.. } [النساء: 55] أي: أن منهم من كفر بمنهج الله لذلك يقول سبحانه ~~بعدها: { وكفى بجهنم سعيرا } [النساء: 55] فكأن نتيجة الصد ~~عن المنهج أنه لا يأتي بعده إلا العذاب بجهنم ليصلوا بنارها، وتكون ~~مسعرة عليهم جزاء على ما فعلوا. وبعد أن بين الحق سبحانه وتعالى موكب ~~الرسل حينما أرسله الله على تتابع في كونه، جاء ليذكر الناس بالمنهج، ~~فالمنهج هو الأصل الأصيل في مهمة آدم وذريته لأنه سبحانه وتعالى قد قال: # فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى # [طه: 123]. وينقل آدم إلى ذريته معلوماته عن حركة الحياة وعن الحق وعن ~~المنهج. إلا أن الله قدر الغفلة في خلقه عن منهجه فهذه المناهج تأتي ~~دائما ضد شهوات النفس الحمقاء العاجلة، لكن لو نظرت إلى حقيقة المنهج ~~الإلهي فأنت تجده يعطي النفس شهوات لكنها معلاة. مثال ذلك عندما يقول: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. # [الحشر: 9]. وكل واحد عنده أشياء ويحتاج إليها، لكنه يجد أخاه المؤمن ~~يحتاج إليها أكثر منه فيؤثره على نفسه، أهو يفضله عن نفسه؟ لا لكنه يعطي ~~هذا الشيء القليل في الفانية كي يأخذه في الباقية، فأخذ شهوة نفسه لكن ~~بشهوة ms1855 معلاة، والذي قلنا له: غض طرفك عن محارم غيرك. ظاهر هذا الأمر أننا ~~نحجبه عن شهوة يشتهيها، لكننا ساعة نحجبك عن شهوة تشتهيها في حرام ~~الفانية، نريد أن نحقق لك شهوة في حلال الخالدة. فأيهما أعشق للجمال؟ ~~الذي ينظر بتفحص للمرأة الجميلة وهي تسير، أم الذي الذي يغض عينه عنها؟ ~~الأعشق للجمال هو الذي غض بصره. إن الدين لم يأت إلا ضد النفس الحمقاء ~~التي تريد عاجل الأمر وإن كان تافها. ويوضح له: كن للآجل ومعه لأنه يبقى ~~فلا يتركك ولا تتركه، أما أي شهوة تأخذها في هذه الدنيا فإما أن تتركها ~~وإما أن تتركك، لكن في الآخرة لا تتركها ولا تتركك. لقد عرف الصالحون ~~الورعون كيف يستفيدون، لكن الآخرين هم الحمقى الذين لم يستفيدوا، فالحق ~~سبحانه وتعالى يوضح لنا أن الحسرة تكون لمن أراح نفسه بشهوة عاجلة ثم ~~أعقبها العذاب الآجل المقيم، فهذه هي الخيبة الحقة، فالدنيا دار الأغيار، ~~يأتي للإنسان فيها ما يؤلمه وما يسره، وليس فيها دوام حال أبدا لأنها ~~دنيا الأغيار، وما دامت دنيا الأغيار فيكون كل شيء فيها متغيرا، وما دام ~~كل شيء فيها متغيرا. # إذن: فالذي في نعمة قد يصيبه شيء من الضر، والذي في قوة قد يصيبه شيء من ~~الضعف، والذي في ضعف قد تأتيه قوة، وإلا لو ظل الضعيف ضعيفا وظل القوي ~~قويا لما كانت الدنيا أغيارا. ولذلك يقولون: احذر أن تريد من الله أن ~~يتم عليك نعمته كلها لأنها لو تمت لك النعمة كلها وأنت في دار الأغيار ~~فانتظر الموت فتمام النعمة هو صعود لأعلى منطقة في الجبل وأنت في دار ~~الأغيار، هل تظل على القمة؟ لا، بل لا بد أن تنزل، فإياك أن تسر عندما ~~تبلغ المسألة ذروتها لأنه سبحانه وتعالى يوضح: إنكم لا بد أن تأخذوا هذه ~~الدنيا على أنها معبر، والذي يتعب الناس أنهم لا يحددون الغاية البعيدة، ~~بل إنهم يحددون الغايات القريبة. إن من حمق بعض الناس أن يحزن الواحد ~~منهم على فراق حبيب أو قريب له، ms1856 وخذها بالمنطق: ما غايتنا جميعا؟ إنها ~~الموت ونعود إلى خالقنا. وهل عندما نعود إلى خالقنا نحزن؟ لا، بل يجب أن ~~نسر لأننا في الدنيا مع الأسباب، أما بعد أن ننتقل إلى الآخرة فنكون مع ~~المسبب. ففي الدنيا تكون مع النعمة وستصبح بعد ذلك مع المنعم، فما يحزنك ~~في هذا؟ إن هذا يحزنك ساعة أن كنت مع النعمة ولم تراع المنعم، لكن لو ~~كنت مع النعمة وراعيت المنعم لسررت أنك ذاهب للمنعم. وإن كانت المسألة ~~هي أن نصل إلى المنعم الحق ونكون في حضانته، فلماذا الحزن إذن؟ ومن الحمق ~~أن بعض الناس لا تعامل الحق سبحانه وتعالى كما يعاملون أنفسهم. هب أن ~~إنسانا من غايته أن يخرج من أسوان إلى القاهرة، إذن فالقاهرة هي الغاية. ~~ثم جاء واحد وقال له: سنذهب سيرا على الأقدام، وقال الآخر: سآتي بمطايا ~~حسنة نركبها. وقال ثالث: سآتي بعربة، وقال رابع: سنسافر بطائرة وقال ~~خامس: سنسافر بصاروخ، إذن فكل وسيلة تقرب من الغاية تكون محمودة، وما ~~دامت غايتنا أن نعود إلى الحق فلماذا نحزن عندما يموت واحد منا؟ أنت - ~~إذن: - تحزن على نفسك ولا تحزن على من مات، إن الذي يموت بعد أن يرعى ~~حق الله في الدنيا يكون مسرورا لأنه في حضانة الحق ومع المنعم، وأنت مع ~~النعمة الموقوتة إنه يسخر منك لأنك حزنت، ويقول: انظر إلى الساذج ~~الغافل، كان يريدني أن أبقى مع الأسباب وأترك المسبب! إننا نجد الذين ~~يحزنون على أحبائهم لا يرونهم في المنام أبدا لأن الميت لا تأتي روحه ~~لزيارة من حزن لأنه ذهب إلى المنعم، وعلى الناس أن يدركوا الغاية من ~~الوجود بأن تكون مع أسباب الحق في الدنيا ثم تصير مع الحق، والموت هو ~~النقلة التي تنقلك من الأسباب إلى المسبب، فما الذي يحزنك في هذا؟ نحن ~~نقصر عليك المسافة، فبدلا من أن تقابلك عقبات الطريق، وقد تنجح أو لا ~~تنجح، وبعضهم يقول: مات وهو صغير ولم ير الدنيا، نقول لهم: وهل هذه تكون ~~خيرا له أو لا؟ أنت ms1857 مثلا كبرت وقد تكون مقترفا للمعاصي فلعل الله أخذ ~~الصغير حتى لا يعرضه للتجربة، ضع المسألة أمامك واجعلها حقيقة. # " عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟ فقال: أصبحت مؤمنا حقا. قال: " انظر ما ~~تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال: عزفت نفسي عن الدنيا ~~فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني انظر ~~إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. ~~فقال: " يا حارث عرفت فالزم، ثلاثا ". # ولنا العبرة في سيدنا حذيفة - رضي الله عنه - حينما سأله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال له: كيف أصبحت؟ أي: كيف حالك الإيماني؟ قال حذيفة: يا ~~رسول الله، عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها - أي أن الذهب ~~تساوي مع الحصى، هذه هي مسألة الدنيا - وأضاف حذيفة: وكأني أنظر أهل ~~الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون. وساعة لا تغيب ~~عن بال سيدنا الحارث صورة الآخرة، فهو يسير في الحياة مستقيما، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " عرفت فالزم ". # الحق سبحانه وتعالى حين يذكر لنا بعض الأحكام يذكر لنا أيضا خبر بعض ~~الناس الذين يتمردون على الأحكام، ثم يذكرنا بحكاية الجنة والنار ~~ولذلك يقول لنا: { إن الذين كفروا... }. ### || [4.56] # و { نصليهم.. } [النساء: 56] من الاصطلاء، قد يقول قائل: ما دام ~~يصلى النار وكلنا يعرف أن نار الدنيا حين تحرق شيئا ينتهي إلى عدم، وحين ~~ينتهي إلى عدم إذن: فلا يوجد ألم! ونقول: لتنتبه إلى أن الحق سبحانه ~~وتعالى يقول في هذا الأمر { كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب } [النساء: ~~56] إذن فالعذاب ليس كنار الدنيا، لأن نار الدنيا تحرق وتنتهي المسألة، ~~أما نار الآخرة فإنها عذاب سرمدي دائم مكرر { كلما نضجت ~~جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا ~~العذاب.. } [النساء: 56]، فإذا ما حرقت الجلود فإن جلودا أخرى ~~ستأتي، أهي عين الأولى أم غيرها؟ وحتى أوضح ذلك: أنت عندما ms1858 يكون عندك ~~خاتم مثلا، ثم تقول: أنا صنعت من الخاتم خاتما آخر، فالمادة واحدة ~~أيضا، فهل التعذيب للجلود أو للأعضاء؟ إن العذاب دائما للنفس الواعية، ~~بدليل أن الإنسان قد يصيبه ورم فيه بعض الصديد " دمل " يتعبه ولا يقدر ~~على ألمه، وبعد ذلك يغفل فينام، بمجرد أن ينام فلا ألم. لكن عندما يستيقظ ~~يتألم من جديد. إذن: فالألم ليس للعضو بل للنفس الواعية، بدليل أننا ~~عندما ارتقينا في الطب، قلنا إن النفس الواعية نستطيع أن نخدرها بحيث ~~يحدث الألم ولا تشعر به، ويفتح " الدمل " بالمشرط ولا يحس صاحبه بأي ~~ألم. وهكذا تجد أن الجلود والأعضاء ليس لها شأن بالعذاب، إنما هي موصلة ~~للمعذب، والمعذب هي النفس الواعية، بدليل أنها ستشهد علينا يوم ~~القيامة، تشهد الجلود والجوارح، وستكون آلة لتوصيل العذاب ومسرورة لأنها ~~توصل لهم العذاب. إنه نظام إلهي فلا تتعجبوا من القرآن، فإن العلم كلما ~~تقدم هدانا إلى شيء من آيات الله في الكون. أنتم الآن تخدرون النفس ~~الواعية وتشقون الجسد بالمشارط كما يحلو لكم فلا يحدث له ألم، وعرفتم ~~أن الألم ليس للعضو، إنما الألم للنفس الواعية، إذن فكل الجوارح هي آلات ~~توصل الألم للنفس الواعية، وتكون مسرورة لأن النفس الواعية تعذب، وهذه ~~يشبهونها - مثلا - بواحد عنده " حكة " في جلده، فيهرش، والهرش يسيل دمه ~~فيكون مستلذا. إذن: فقوله: { كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب.. } [النساء: ~~56] أي: أن الجلود تبدل وتنشأ جلود أخرى من نفس مادتها توصل العذاب للنفس ~~الواعية، وهكذا. { إن الذين كفروا بآيتنا سوف ~~نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلنهم ~~جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان ~~عزيزا حكيما } [النساء: 56]. نحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى أنزل ~~كتابا هو القرآن، وجعله معجزة ومنهجا، وهذه هي الميزة التي امتاز بها ~~الإسلام. فمنهج الإسلام هو عين المعجزة، وكل رسول من الرسل كان منهجه ~~شيئا ومعجزته كانت شيئا آخر. # إن سيدنا موسى منهجه التوراة ومعجزته: العصا، وسيدنا عيسى منهجه: ~~الإنجيل، ومعجزته: إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، لكن معجزة رسول الله ms1859 ~~صلى الله عليه وسلم كانت القرآن لأن دينه سيكون الامتداد النهائي لآخر ~~الدنيا، ولذلك جعل الله منهجه هو عين معجزته، لتكون المعجزة دليلا على ~~صدق المنهج في أي وقت، ولا يستطيع واحد من أتباع أي نبي سابق على رسول ~~الله أن يقول: إن معجزة الرسول الذي أتبعه هي منهجه لأن معجزات الرسل ~~السابقين على رسول الله كانت عمليات كونية انتهت مثل عود كبريت احترق، ~~فمن رآه رآه وانتهى، لكن المسلم يستطيع أن يقف ويعلن بملء فيه: إن ~~محمدا رسول الله وصادق، وتلك معجزته. فمعجزة محمد صلى الله عليه وسلم ~~باقية بقاء أبديا، ومتصلة به أبدا. أما معجزة كل رسول سبق رسول الله ~~فقد آدت مهمتها لمن رآها وانتهت، وانفصلت معجزة كل رسول سابق على رسول ~~الله عن منهجه. والمنهج القرآني فيه أحكام، والأحكام معناها افعل كذا، ~~ولا تفعل كذا. وهي واضحة كل الوضوح منذ أن أنزل الله القرآن على رسوله ~~وحتى تقوم الساعة. ومن فعل مطلوب الأحكام يثاب، ومن لم يفعله يعاقب. ~~وكل الناس سواسية في مطلوب الأحكام إلى أن تقوم الساعة. أما آيات الله ~~الكونية التي لا تتأثر، فأي فائدة للإنسان إن عرفها أو لم يعرفها: فقد ~~طمرها الله وسترها في القرآن مع إشارة إليها، لأن العقل المعاصر لنزول ~~الكتاب لم يكن قادرا على استيعابها في زمن الرسالة. ولو أن القرآن جاء ~~بآية واضحة تقول: إن الأرض كروية وتدور، بالله ماذا كان المعاصرون لرسول ~~الله يقولون؟ إن بعضا من البشر الآن يكذبون ذلك، فما بالنا بالبشر ~~المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لو قال لهم رسول الله ذلك ~~لانصرفوا عن اتباع ما جاء به. لقد كانوا يستفيدون من كروية الأرض، مثلما ~~يستفيد منها الفلاح أو البدوي، ومثلما يستفيد الناس الآن الذين لم يدرسوا ~~الكهرباء برؤية التليفزيون وضوء المصباح الكهربائي وغير ذلك من ~~الاستخدامات، دون معرفة علمية بتفاصيل ذلك، إن الشمس تسطع على الدنيا ~~فيتبخر الماء من الأنهار والمحيطات والبحار ليصير سحابا، ثم ينزل المطر ~~من السحاب. وكل ms1860 هذه الآيات الكونية لم يعط الله أسرارها إلا بقدر ما تتسع ~~العقول، وترك في كتابه ما يدل على ما يمكن أن تنتهي إليه العقول الطموحة ~~بالبحث العلمي. وعندما نتعرف نحن - المسلمين - على اكتشاف علمي جديد في ~~الكون، نقول: إن القرآن قد أشار له، لكن قبل ذلك لا يصح أن نقول ذلك حتى ~~لا يكذب الناس هذا الكتاب المعجز، فسبحانه القائل: # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم ~~تأويله.. # [يونس: 39]. لو أن القرآن قال: إن كل شيء في الوجود يتكاثر، وفيه موجب ~~وفيه سالب، ذكر وأنثى، أكانوا يصدقون ذلك؟ لا لأنهم كانوا لا يعرفون ~~الذكر والأنثى إلا في الرجل والمرأة، ويعرفون ذلك في الحيوانات وأيضا في ~~بعض النباتات مثل النخل، لكن هناك نباتات كثيرة لا يعرفون حكاية التكاثر ~~فيها، ومثال ذلك القمح الذي نزرعه ونأكله، وكذلك الذرة، لم يكونوا عارفين ~~بأن عنصر الذكورة يوجد في " الشواشي " العليا في كوز الذرة وأن الهواء ~~يضرب تلك الشواشي فتنزل منها حبوب اللقاح فيخرج الحب، ولذلك نجد الزارع ~~الذكي هو الذي يفتح " كوز الذرة " من أعلاه قليلا حتى يتيح لحبوب اللقاح ~~أن تصل إلى موقعها. وقد يفتح الفلاح أحد " كيزان الذرة " فيجد حبة ميتة ~~وسط الحبوب المتراصة ويكتشف أنها حبة ليس لها خيط أي: لم تتصل بحبوب ~~اللقاح وهو ما يقولون عنه في الريف " سنة عجوز ". إذن: فكل تكاثر له ~~ذكورة وأنوثة، ولذلك يقول ربنا: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36]. وكنا نعرف الأزواج في الأنفس، ثم عرفناها في النبات، وجاء ~~الحق ب # مما لا يعلمون # [يس: 36] لتدخل كل شيء، وتكشف الموجب والسالب في الكهرباء، وصرنا نعرف ~~أن كل كائن فيه ذكر وأنثى، وكلما تقدم العلم فهو يشرح الآيات الكونية. ~~ومن رحمة الحق سبحانه بعقول الأمة المكلفة برسالة محمد لم يشأ أن يجعل ~~نواميسه في الكون واضحة صريحة حتى لا تقف العقول فيها وتعجز عن فهمها، ~~وخاصة أن الكتاب واجه أمة أمية ليست لها ثقافة. وهب ms1861 أنه واجه العالم ~~المعاصر، إن هناك قضايا في الكون لا يعلمها العالم المعاصر، فلو أن ~~القرآن تعرض لها بصراحة لكانت سببا من الأسباب التي تصرف الناس عن ~~الكتاب. والقرآن جاء كتاب منهج، والمعجزة أمر جاء لتأييد المنهج، فلم يشأ ~~أن يجعل من المعجزة ما يعوق عن المنهج، لكنه ترك في الكون طموحات للعقل ~~المخلوق لله والمادة الكونية المخلوقة لله، وكل يوم يكتشف العقل البشري ~~أشياء، وهذا الاكتشاف لا يأتي من فراغ، بل يأتي من أشياء موجودة. إذن: ~~فلو رددت أدق أقضية العلم التي يصل إليها العقل المعاصر، ونسبتها في ~~الكون لرجعت إلى الأمر البديهي. فلا يوجد صاحب عقل ابتكر أو جاء بحاجة ~~جديدة، إنما هو أعمل عقله في موجود فاستنبط من مقدمات الموجود قضية ~~معدومة، ثم أصبحت القضية المعدومة مقدمة معلومة ليستنبط منها من يجيء بعد ~~ذلك. ولذلك فالعلماء عادة قوم يغلبهم طابع التهذيب عندما يقولون: اكتشفنا ~~الأمر الفلاني، يعني: كأنه كان موجودا. إن الحق سبحانه وتعالى يعطي لنا ~~فكرة تقرب لنا الفهم، فنحن عندما كنا نتعلم الهندسة مثلا عرفنا أن ~~الهندسة مكونة من نظريات، تبدأ من نظرية " واحد " ، وتنتهي إلى ما لا ~~نهاية، وحين جاء لنا مدرس ليبرهن لنا على نظرية " مائة " ، استخدم في ~~البرهان على ذلك النظرية التسع والتسعين، وعندما كان يبرهن على النظرية " ~~التسع والتسعين " استعمل ما قبلها. # إذن: فكل برهان على نظرية يستند إلى ما قبلها، والعقل الواعي المفكر ~~المستنبط هو الذي يرتب المقدمات ويستخلص منها النتائج. وكل شيء في الكون ~~يشترك فيه كل الناس. لكن العقل الذي يرتب ويستنبط يخيل إليه وإلى الناس ~~أنه جاء بجديد، وهو لم يأت بجديد. بل ولد من الموجود جديدا، مثال ذلك ~~الطفل عندما يولد من أبويه، هل هما جاءا به من عدم؟ لا، بل جاء الولد من ~~تزاوج، وعندما نسلسل الأمر نصل إلى آدم، فمن الذي جاء بآدم؟ إنه الله. ~~إذن: فالبديهيات التي في الكون هي خميرة كل علم تقدمي وهي من صنع الله ~~الذي أتقن كل شيء صنعا، ms1862 وكل نظرية مهما كانت معقدة في الكون منشؤها من ~~الأمر البديهي، مثال ذلك البخار عندما اكتشفوه وقبل أن يسيروا به الآلات ~~ماذا حدث؟. كان هناك من يجلس فالتفت فوجد الإناء الذي به الماء يغلي ثم ~~وجد غطاء الإناء يرتفع وينخفض، وعندما تعرف على السر، اكتشف أن كل ~~بخار يستطيع أن يعطي قوة دافعة، وبذلك بدأ عصر البخار. إذن فهو ذكي، وقد ~~أخذ اكتشافه من بديهية موجودة في الكون، فإياك أن تغتر وتقول: إن العقل ~~هو الذي اخترع، ولكن العقل عمل بالجهد في مطمورات الله في الوجود، ورتب ~~ورتب ثم أخرج الاكتشاف. لذلك فعندما يبتكر العقل البشري شيئا جديدا ~~نقول له: أنت لم تبتكر، بل اكتشفت فقط، والحق سبحانه وتعالى يترك هذه ~~العملية في الوجود. ويقول: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. والبشرية عندما تكتشف شيئا جديدا، نقول لهم: القرآن مسها ~~وجاء بها، فيقولون: عجبا هل فعل القرآن ذلك منذ أربعة عشر قرنا، على ~~الرغم من أنه نزل ليخاطب أمة أمية، وجاء على لسان رسول أمي. ونقول: نعم. ~~والآية التي نحن بصددها فيها هذا: { كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها.. } [النساء: 56]. والجلود والأحاسيس ~~شرحناها من قبل، ونظرية " الحس " - كما نعرف - شغلت العلماء الماديين، ~~وأرادوا أن يعرفوا كيف نحس؟ منهم من قال: نحن نحس بالمخ. نقول لهم: لكن ~~هناك مسائل لا تصل للمخ ونحس بها، بدليل أنه عندما يأتي واحد أمام عيني ~~ويوجه أصبعه ليفتحها ويثقبها فقبلما يصل أصبعه أغلق عيني أي: أن شيئا لم ~~يصل للمخ حتى أحس. وبعض العلماء قال: إن الإحساس يتم عن طريق النخاع ~~الشوكي والحركة العكسية، ثم انتهوا إلى أن الإحساس إنما ينشأ بشعيرات ~~حسية منبطحة مع الجلد بدليل أنك عندما تأخذ حقنة في العضل، فالحقنة فيها ~~إبرة، ويكون الألم مثل لدغة البرغوث يحدث بمجرد ما تنفذ الإبرة من الجلد، ~~وبعد ذلك لا تحس. # إذن: فمركز الإحساس في الإنسان هو الشعيرات الحسية المنبطحة على الجلد، ~~بدليل أن ربنا أوضح: أنه عندما ms1863 يحترق الجلد يمتنع الإحساس، فأنا أبدل لهم ~~الجلد ليستمر الإحساس: { كلما نضجت جلودهم.. } [النساء: 56] ~~أي: صارت محترقة احتراقا تاما وتعطلت عن الإحساس بالألم، آتيهم بجلد ~~آخر لأديم عليهم العذاب لأنه هو الذي سيوصل للنفس الواعية فتتألم، إذن ~~فالآية مست قضية علمية معملية، لو أن القرآن تعرض لها بصراحة وجاء بصورة ~~في الإحساس تقول: يا بني آدم محل الإحساس عندكم الجلد، لما فهموا شيئا. ~~لكنه تركها لتنضج في العقول على مهل. { كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب.. } [النساء: ~~56]. فتكون علة التبديل للجلود التي أحرقت بجلود جديدة كي يدوم العذاب ~~ويذيل الحق الآية: { إن الله كان عزيزا حكيما } [النساء: ~~56] والعزيز: هو الذي لا يغلب ولا تقدر أن تحتاط من أنه يهزمك أبدا، ~~فقد يقول كافر: لقد تلذذنا بالمعصية مرة لمدة خمس دقائق، ومرة لمدة ~~ساعتين فما يضيرني أن يحترق جلدي وتنتهي المسألة!! نقول له: لا إن الذي ~~يعذبك لا يغلب فسوف يديم عليك العذاب بأن يبدل لك الجلد بجلد آخر، ~~وسبحانه حكيم. فالمسألة ليست مسألة جبروت يستعمله، لا هو يستعمل جبروته ~~بعدالة. وبعد أن جاء بالعذاب أو بالجزاء المناسب لمن رفضوا الإيمان، لم ~~ينس المقابل لكي يكون البيان للغايتين: غاية الملتزم وغاية المنحرف. ~~ولذلك يقول الحق بعد ذلك: { والذين آمنوا... }. ### || [4.57] # وفي هذه الآية يصف الحق ثواب الفئة المقابلة للفئة السابقة وهم الذين ~~آمنوا، ونعلم أن آخر موكب من مواكب الرسالة هو رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. إذن فأمة سيدنا محمد هي أقرب الأمم إلى لقاء الله. فالأمم من أيام ~~آدم أخذت زمنا طويلا، لكننا نحن المسلمين قريبون، ولذلك يقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " بعثت أنا والساعة كهاتين ". # ولذلك لم يقل الحق في هذه الآية: سوف ندخلهم. بل قال: { ~~سندخلهم.. } [النساء: 57]، أما مع الآخرين فاستخدم سبحانه " سوف " ~~لأنها بعيدة، أو أن هذا كناية وإشارة من الله لإمهال الكفار ليتوبوا، ~~وعندما يقرب لنا سبحانه المسافة فإنه يغرينا بالطاعة، المسألة ليست ~~بعيدة، بل قريبة لذلك يعبر عنها: { سندخلهم جنات تجري ms1864 من ~~تحتها الأنهار.. } [النساء: 57]. إن كلمة " الجنة " مأخوذة من " ~~الجن " ، والستر، و " الجنة " هي البستان الذي به شجر إذا سار فيه ~~الإنسان يستره، وهو غير البساتين الزهرية التي تخرج زهرا قريبا من ~~الأرض تمثل ترفا للعيون فقط، أما الجنة ففيها أشجار عالية كثيفة بحيث لو ~~سار فيها أحد يستر، ففيها الاقتيات وفيها كل شيء، فهي تسترك عن أن تلتفت ~~إلى غيرها لأن فيها ما يكفيك، فالذي عنده حاجة لا تكفيه يتطلع إلى ما ~~يكفيه، لكن من عنده حاجة تكفيه فقد انستر عن بقية الوجود، والحق سبحانه ~~وتعالى يعطينا صورة عن شيء هو الآن عنا غيب، وسيصير بإذن الله وبمشيئته ~~مشهدا، ونحن نعرف أن الجنة بها كل ما تتمناه النفس، ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر " # مصداق ذلك في كتاب الله # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ~~جزآء بما كانوا يعملون # [السجدة: 17]. ونعلم أن الكائنات الوجودية يعرفها الإنسان بما يناسب ~~إدراكه.. فقال: # " ما لا عين رأت ولا أذن سمعت " # ، والعين حين ترى تكون محدودة، لكن السمع دائرته أوسع من الرؤية، لأنه ~~سيسمع ممن رأى، إنه سمع فوق ما رأى، إذن: فدائرة الإدراكات تأتي أولا: ~~بأن يرى الإنسان، ثم بأن يسمع، وهو يسمع أكثر مما يرى، وعلى سبيل المثال ~~قد أرى أسوان لكنني أسمع عن أمريكا، فدائرة السماع أوسع. وبعد ذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ولا خطر على قلب بشر " # أي أن ما في الجنة أكبر من التخيلات، إذن: فكم صفة هنا للجنة؟ الأولى ~~قوله: ما لا عين رأت. والعين مهما رأت فدائرتها محدودة، والثانية: قوله: ~~ولا أذن سمعت. # والأذن إن سمعت فدائرتها أوسع قليلا. والثالثة: قوله: ولا خطر على قلب ~~بشر، وهذا أوسع من التخيلات، فإذا كنت يا حق سبحانك ستعطينا في الجنة: ما ~~لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فبأي الألفاظ ms1865 يا ربي ~~تؤدي لنا هذه الأشياء، وألفاظ اللغة إنما وضعت لمعان معروفة، وما دمت ~~ستأتي بحاجة لم ترها عين، ولم تسمعها أذن ولم تخطر على قلب بشر، فأي ~~الألفاظ ستؤدي هذه المعاني؟ لقد أوضح صلى الله عليه وسلم: أنه لا توجد ~~ألفاظ لأن المعنى يعرف أولا ثم يوضع له اللفظ، فكل لفظ وضع في اللغة ~~معروف أن له معنى، لكن ما دامت الجنة هذه لم ترها عين، ولم تسمعها أذن، ~~ولم تخطر على قلب بشر، فلا توجد كلمات تعبر عنها، لذلك لم يقل صلى الله ~~عليه وسلم: إن الجنة هكذا بل قال: # مثل الجنة.. # [محمد: 15] أما الجنة نفسها، فليس في لغتنا ألفاظ تؤدي هذه المعاني، ~~وحيث إن هذه المعاني لا رأتها عين ولا سمعتها أذن ولا خطرت على قلب بشر ~~لذلك فليس في لغة البشر ما يعطينا صورة عن الجنة، وأوضح الحق سبحانه: ~~سأختار أمرا هو أحسن ما عندكم وأعطيكم به مثلا فقال: # مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من ~~مآء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار ~~من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ~~ومغفرة من ربهم.. # [محمد: 15]. ونحن نرى الأنهار، والحق يطمئننا هنا بأن أنهار الجنة ~~ستختلف فهو سبحانه سينزع منها الصفة التي قد تعكر نهريتها فقد تقف مياه ~~النهر وتصبح آسنة متغيرة، فيقول: # أنهار من مآء غير آسن.. # [محمد: 15]، إذن: فهو يعطيني اسما موجودا وهو النهر، وكلنا نعرفه، ~~لكنه يوضح: أنا سأنزع منه الأكدار التي تراها في النهر الحادث في الحياة ~~الدنيا، وأيضا فأنهار الدنيا تسير وتجري في شق بين شاطئين، لكن أنهار ~~الجنة سترى الماء فيها وليس لها شطوط تحجز الماء لأنها محجوزة بالقدرة، ~~وستجد أيضا أنهارا من لبن لم يتغير طعمه. إن العربي كان يأخذ اللبن من ~~الإبل ويخزنه في القرب، وبعد ذلك ترحل الإبل بعيدا إلى المراعي وإلى ~~حيث تسافر، وعندما كان الأعرابي يحتاج إلى اللبن فلم يكن أمامه غير اللبن ~~المخزن في القرب، ويجده ms1866 متغير الطعم لكن لا يجد غيره لذلك يوضح الحق: ~~سأعطيكم أنهارا من لبن في الجنة لم يتغير طعمه، ثم يقول: # وأنهار من خمر.. # [محمد: 15] وهم يعرفون الخمر ولنفهم أنها ليست كخمر الدنيا لأنه يقول: " ~~مثل ".. ولم يقل الحقيقة فقال: أنهار من خمر لكنها خمر # لذة للشاربين.. # [محمد: 15]، وخمر الدنيا لا يشربها الناس بلذة، بدليل أنك عندما ترى من ~~يشرب كأس خمر. # . فهو يسكبه في فمه مرة واحدة! ليس كما تشرب أنت كوبا من مانجو وتتلذذ ~~به، إنه يأخذه دفعة واحدة ليقلل سرعة مروره على مذاقاته لأنه لاذع ومحمض ~~وتغتال العقول وتفسدها. لكن خمر الآخرة لا اغتيال فيها للعقول. إذن: فحين ~~يعطيني الحق مثلا للجنة، فهو ينفي عن المثل الشوائب، ولذلك نجد الأمثال ~~تتنوع في هذا المجال فالعربي عندما كان يمشي في الهاجرة، ويجد شجرة " نبق ~~" ويقال لها: " سدر " كان يعتبرها واحة يستريح عندها، ويجد عليها النبق ~~الجميل، فهو يمد يده ليأكل منها لكنه قد يجد شوكا فيتفادى الشوك، وفي ~~بعض الأحيان تشكه شوكة، وعندما لا يجد في هذا الشجر شوكا يقول: هنا " ~~سدر مخضوض " أي: شجرة نبق لا شوك فيها، والحق يأتي بكل الآفات التي في ~~الدنيا وينفيها عن جنة الآخرة. # وأنهار من عسل مصفى.. # [محمد: 15] وكان العرب يأخذون العسل من الجبال فالنحل يصنع خلاياه داخل ~~شقوق الجبال، وعندما كانوا يخرجون العسل من الجبال يجدون فيه رملا ~~وحصى، فأوضح الحق: ما يعكر عليك العسل هنا في الدنيا أنا أصفيه لك هناك، ~~ومع أنه مثل لكنه يصفيه أيضا، ولماذا مثل؟ لأنه ما دام نعيم الجنة # " لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " # . فتكون لغة البشر كلها لا تؤدي ما فيها.. لكنه - سبحانه - يعطينا صورة ~~مقربة، ويضرب الله المثل بالصورة المقربة للأشياء التي تتعالى عن الفهم ~~ليقربها من العقل، ومثال ذلك عندما أراد سبحانه أن يعطينا صورة لتنوير ~~الله للكون، وليس لنور الله الذاتي، بل لتنوير الله للكون، فيقول: # مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في ~~زجاجة.. # [النور: ms1867 35]. إنه يعطينا مثلا مقربا لأن لغتك ليس فيها الألفاظ التي ~~تؤدي الحقيقة، ولذلك يقول: # وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100]. وما دامت جنات ففيها شجر ملتف وعال، ونحن نعرف أن الشجر ~~لا بد أن يكون في منطقة فيها مياه لذلك قال: { تجري من تحتها ~~الأنهار.. } [النساء: 57]، ومرة يقول: # تجري تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100] لأن ما يجري تحتها قد يكون آتيا من مكان آخر، ويكون ~~منبعها من مكان بعيد وتجري الأنهار تحت جنتك، وقد تظن أن بإمكان صاحب ~~النبع أن يسدها على جنتك، فيشرح الحق: لا، هي جاءت من تحتها مباشرة. ~~ويقول الحق عن أهل الجنة: { خالدين فيهآ.. } [النساء: 57] وهو ~~سبحانه وتعالى يخاطب قوما شهدوا بعض النعيم في دنياهم من آثار نعمه ~~عليهم، لكنهم شهدوا أيضا أن النعمة تزول عن الناس، أو شهدوا أناسا ~~يزولون عن النعمة، فقال سبحانه عن جنة الآخرة: { خالدين فيهآ ~~أبدا.. } [النساء: 57] فلا هي تزول عنهم ولا هم يزحزحون عنها. # ويعطينا سبحانه أيضا صورة من النعيم الذي يوجد عندنا في الدنيا لكنه ~~يزول أيضا أو نزول نحن عنه: { لهم فيهآ أزواج مطهرة.. ~~} [النساء: 57] وأزواج جمع " زوج " ، وعندما يصف الحق سبحانه وتعالى ~~جمعا فهو يأتي في الصفة بجمع أيضا مثل قوله: # وقدور راسيات.. # [سبأ: 13]. لأن { وقدور } جمع " قدر " ولم يقل هنا: وأزواج مطهرات ~~وجاء بها مفردة لأن الرجل في الدنيا قد يتزوج بأكثر من واحدة فينشأ بين ~~الزوجات المتعددات ظلال الشقاق فكأنهن متنافرات، فقال: إنهن كلهن سيكن ~~أزواجا على صورة واحدة من الطهر، وليس في أي منهن ما يعكر صفو الأزواج ~~كما يكون الأمر في الدنيا، ولا يقولن واحد: " كيف تقبل المرأة أن يكون ~~لها ضرة في الآخرة؟ " لأن الحق سبحانه نزع من الصدور كل ما كان يكدر صفو ~~النفوس في الدنيا فقال: # ونزعنا ما في صدورهم من غل.. # [الأعراف: 43]. إذن: فكأنهن - وإن تعددن - في سياق واحد من الطهر مما لا ~~يعكر صفو الزوج، إنه يعجبك شكلها، ستعجبك أخلاقها ليس فيها عيب ولا نقص ~~مما كان يوجد في ms1868 الدنيا إنها مطهرة من ذلك كله. إذن: فهو يعطيني خلاصة ما ~~يمكن أن يتصور من النعيم في الأزواج. ويكمل الحق: { وندخلهم ~~ظلا ظليلا } [النساء: 57]. ولغة العرب إذا أرادت أن تؤكد معنى فهي ~~تأتي بالتوكيد من اللفظ نفسه، فيقول العربي مثلا: " هذا ليل أليل " أي ~~ليل حالك، وعندما يبالغ في " الظل " يقول: " ظليل ". وما هو " الظل "؟. " ~~الظل " هو: انحسار الشمس عن مكان كانت فيه أو لم تدخله الشمس أصلا كأن ~~يكون الإنسان داخل كهف أو غار مثلا. إن كلمة ظل ظليل يعرفها الذين ~~يعيشون في الصحراء، فساعة يرى الإنسان هناك شجرة فهو يجلس تحتها ويتمتع ~~بظلها، والظل نفسه قد يكون ظليلا، مثال ذلك " الخيام المكيفة " التي ~~يصنعونها الآن، وتكون من طبقتين: الطبقة الأولى تتعرض للشمس فتتحمل ~~السخونة، والطبقة الثانية تحجز السخونة، ويسمون هذا السقف " السقف ~~المزدوج ". ويوجد خاصة في الأماكن العالية لأن الشقة على سبيل المثال ~~التي تعلوها أدوار تكون محمية، لكن الشقق الموجودة في آخر دور خصوصا في ~~البلاد الحارة تكون السخونة فيها صعبة وشديدة لذلك يصنعون سقفا فوق ~~السقف، وبذلك يكون الظل نفسه في ظل. ولماذا الإنسان يسعد بالظل تحت شجرة ~~أكثر من سعادته بالظل في جدار؟ لأن الظل في جدار مكون من طبقة واحدة، ~~صحيح أنه يمنع عنا الشمس لكنه أيضا يحجب الهواء، لكن الجلوس في ظل ~~الشجرة يتميز بأن كل ورقة من أوراق الشجرة فوقها ورقة، وأوراقها بعضها ~~فوق بعض، وكل ورقة في ظل الورقة الأعلى. # ولأن كل ورقة خفيفة لذلك يداعبها الهواء، فتحجب عن الجالس تحت الشجرة ~~حرارة الشمس، وتعطيه هواء أيضا، هذا هو معنى قوله: { ظلا ظليلا } ~~[النساء: 57]. ولذلك فعندما أراد الشاعر أن يصف الروضة قال: # وقانا لفحة الرمضاء واد # سقاه مضاعف الغيث العميم # نزلنا دوحه فحنا علينا # حنو المرضعات على الفطيم # وأرشفنا على ظمأ زلالا # ألذ من المدامة للنديم # يصد الشمس أنى واجهتنا # فيحجبها ويأذن للنسيم # والشاعر هنا يصف الموقف حين يسير الإنسان في صحراء ثم ينزل في واد به ~~دوح وهذا الدوح يحنو ms1869 على الإنسان حنو الأم على طفلها في سن الفطام. وأنه ~~قد سقاهم من مائه ما يلذ. وتصد الشمس عنهم الأشجار الكثيفة ولكن النسيم ~~يمر بين أوراق الشجر. وهكذا نفهم أن كلمة " ظل ظليل " ، أي: أن الظل في ~~ذاته مظلل. وبعد أن تكلم الحق عن الغايات التي تنتظر الصنفين من خلقه: ~~الصنف الذي يتأبى على منهج الله، والصنف الذي يتطامن لمنهج الله: الصنف ~~الأول أعد له الله النار التي تشوي جلوده ويبدله جلودا غيرها ليذوق ~~العذاب، والصنف المؤمن الذي أعد الله له الجنة ذات المواصفات المذكورة. ~~وبعدما يجعل الغاية واضحة في ذهننا من الكلام عن النار والكلام عن الجنة ~~يلفتنا إلى حكم جديد لأن النفس تكون كارهة للنار ومحبة للجنة، وعندما ~~يأتي حكم جديد تتعلق النفس به وتنفذه لأنها قريبة العهد، بالترهيب من ~~النار والترغيب في الجنة، فيجعل الحق هذا الأمر مرة تذييلا لما تقدم، ~~ومرة أخرى يجعله تمهيدا لما يأتي كي تستقبل الأحكام الجديدة في ذهنك ~~وتتضح لك الغاية التي تنتظر من التزم، والغاية التي تنتظر من انحرف. ~~وعندما يأتي الحكم والغاية متضحة في الذهن ومهيئة للإنسان فالتكليف يوضع ~~في بؤرة الشعور لأن هناك حاجات كثيرة تعلمها النفس البشرية، ورحمة الله ~~بالخلق أن هذا الرأس الذي فيه حافظة، وفيه ذاكرة، وفيه مخيلة، لا يقدر أن ~~يستوعب كل المعلومات في بؤرة الشعور مرة واحدة، ولا يمكن أن يجيء لك معنى ~~جديد إلا إذا تزحزح المعنى الذي كنت مشغولا به في ذهنك قليلا عن بؤرة ~~الشعور وذهب إلى حاشية الشعور، فإن بقي المعنى في مكانه فلن يأتي لك خاطر ~~جديد. إذن فبؤرة الشعور هي التي فيها ما أنت الآن بصدده فلا يمكن أن ~~تتداخل الأفكار في البؤرة الشعورية، ولذلك عندما تريد أن تستدعي حاجة في ~~بؤرة الشعور. فالمعاني تتداعى كي تأتي بما في حاشية الشعور إلى بؤرة ~~الشعور. وساعة يأتي ما تريده في بؤرة الشعور يذهب الخاطر الأول. إياك أن ~~تظن أن العقل البشري يستطيع أن يواجه في بؤرة الشعور كل المعلومات، ms1870 لا، ~~فمن رحمة الله أنه وضع لشعورك نظاما تخزن فيه معلوماتك، ولذلك فأنت قد ~~تتذكر حاجة من عشر سنوات، فإذا كانت قد ذهبت من فكرك فكيف تذكرتها؟. # إذن فهي موجودة لكنها موجودة في الحواشي البعيدة للشعور، وعندما تداعت ~~المعاني خرجت الخاطرة أو الحادثة إلى بؤرة الشعور ثم تؤدي مهمتها وتذهب ~~وتأتي أخرى في بؤرة الشعور. إن هذا الذهن البشري فيه قوة وطاقة يختزن ~~فيها الأحداث، وعلى الرغم من ذلك تختلف قدرات الناس، فهناك من يحفظ ~~قصيدة من عشر مرات، وهناك ذهن يحفظ من مرتين، وهناك من يحفظ من ثلاث ~~مرات. إن الذهن كآلة التصوير " الفوتوجرافي " يلتقط من مرة واحدة، والمهم ~~فقط أن تكون بؤرة شعورك خالية ساعة الالتقاط. فإن كانت بؤرة شعورك خالية ~~من غيرها تلتقطها. أنت تكرر القصيدة أو الآية أو الكلمة كي تحفظها لأنك ~~لو قدرت أن تجعل بؤرة شعورك مع النص لحفظت النص مباشرة، لكنك لا تحفظ ~~النص لأن هناك خواطر تأتيك فتخطف التركيز، وتكون بؤرة الشعور مشغولة ~~بسواها فلا تستطيع أن تحفظ المعلومة الجديدة، فتكرر الحفظ إلى أن تصادف ~~كل جزئية من جزئيات الشعر أو القصيدة أو الآية خلو بؤرة الشعور لذلك ~~يقولون: هناك طالب يحفظ ببطء، وآخر يحفظ بسرعة، إن الذي يقدر أن يركز ~~ذاكرته لما هو بصدده، فذهنه يلتقط ما يقرأ من مرة واحدة أما الذي لا يركز ~~فإن حفظه يكون بطيئا. واضرب هذا المثل، وقد يكون أغلبنا مر به، وخصوصا ~~من تعرض للعلم وللامتحانات: هب أنك طالب في امتحان، وبعد ذلك دق الجرس ~~لتدخل مكان الامتحان، ثم جاء زميل لك وقال لك: القطعة الفلانية سيأتي ~~منها سؤال، وأنت لم تكن قد ذاكرتها، هنا تخطف أي كتاب وتقرؤها بإمعان، ~~فهل وأنت في هذه الحالة تفكر في ماذا ستأكل على الغداء؟ أو تفكر في من ~~كان معك بالأمس؟ لا لأن الوقت ضيق ولن يتركز فكرك إلا في هذه القطعة التي ~~تقرؤها ثم تدخل الامتحان فتجد سؤالا في القطعة التي ذاكرتها من دقائق ~~ولمدة قصيرة فتضع ms1871 الإجابة الصحيحة، وقد لا يعرفها من ذاكرها لمدة شهر ~~لأنه ذاكرها وباله مشغول، أما أنت فتضع إجابة السؤال كما يجب لأنك ~~ذاكرتها وليس في ذهنك غيرها لأن الوقت ضيق وكانت بؤرة شعورك محصورة فيها. ~~ومثال آخر: نجد تلميذا من التلاميذ يشكو من عدم فهمه من أستاذه لكن هناك ~~تلميذ آخر يفهم، والتلميذ الذي لا يفهم هو من انصرف ذهنه عنه في أثناء ~~الشرح في مسألة بعيدة عن العلم الذي يدرسه، وعندما يجيء درس جديد، فهو ~~يفاجأ بمعلومات لا بد أن تستقر وتبني على معلومات سابقة كان ذهنه مشغولا ~~عنها، فلما شرح المدرس الدرس الجديد، قال التلميذ الذي لا يفهم: ماذا ~~يقول هذا المدرس؟. لكن التلميذ المنتبه له والذي يربط المعلومات بعضها ~~ببعض يفهم ما يقوله المدرس، ولذلك فالأستاذ الجيد لا بد أن يثير ~~الانتباهات دائما لطلابه، بمعنى أن يفاجئهم، يقول مثلا كم جملة ثم يقول ~~للتلميذ: قم، ماذا قلت الآن؟ فيجلس كل تلميذ وهو عرضة أن يسأل، فيخاف ~~أن يحرجه الأستاذ، فينتبه للدرس ويجعل بؤرة شعوره مع المدرس دائما. # فالحق سبحانه وتعالى بعدما تكلم عن النار وعن الجنة وجعل هذا الأمر ~~مستقرا في بؤرة شعورهم ينزل الأحكام بعد ذلك، ولذلك تجد دائما بعد أن ~~يذكر سبحانه الجنة والنار يأتي بعدها بأمهات الأحكام التي إذا نفذوها ~~نالوا الجنة وابتعدوا عن النار. فبعدما شحنت بؤرة الشعور بالجنة والنار ~~بالغاية المنفرة والغاية المرغبة، هنا يأتي الحكم، فيقول الله تعالى: { ~~إن الله يأمركم أن تؤدوا... }. ### || [4.58] # وقوله سبحانه: { أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها.. } ~~[النساء: 58]، أوجز الله فيها كل تكاليف السماء لأهل الأرض، لأن الأمانات ~~هي: الأمانة العليا وهي الإيمان بالله، والأمانة التي تتعلق ببني الجنس، ~~والأمانة التي على النفس لكل الأجناس. ومعنى الأمانة هو: ما يكون لغيرك ~~عندك من حقوق وأنت أمين عليها، إن شئت فعلتها، وإن شئت لم تفعلها، أنت ~~تقول: أنا أودعت عند فلان أمانة، هذه الأمانة لو كانت بإيصال لما كانت ~~أمانة لأن هناك دليلا، ولو كان ما أودعته عند ذلك ms1872 الإنسان عليه شهود لا ~~تكون أمانة فالأمانة: أن تودع عنده شيئا، وضميره هو الحكم، إن شاء أقر ~~بما عنده لك حين تطلبه، وإن شاء لم يقر به، قال الحق: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. فما هي الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال ~~فأبت أن تحملها ثم حملها الإنسان، وعلة تحمله لها أنه كان ظلوما جهولا؟ ~~إن الكون كما نعلم فيه أجناس، أدناها الجماد، وأوسطها النبات، وأعلى من ~~الأوسط الحيوان ثم الإنسان، والإنسان هو سيد هذه الأجناس لأنها تخدمه ~~جميعها، لكن الجماد والنبات والحيوان لا اختيار لأي منها في أن يفعل أو ~~لا يفعل، وإنما كل جنس منها قد خلق لشيء ليؤديه، ولا اختيار له في أن ~~يمتنع عن الأداء. الأرض والسماوات والجبال لم تقبل أن تكون مختاره أو أن ~~تحمل أمانة وتكون المسألة فيها راجعة إلى اختيارها إن شاءت فعلت وإن شاءت ~~لم تفعل. وأشفقت الأرض والسماوات والجبال من حمل الأمانة لعدم الثقة ~~بحالة النفس وقت أداء الأمانة. فيجوز أن يعقد الكائن العزم عند تحمل ~~الأمانة أن يؤديها، ولكن عند أدائها لا يملك نفسه، فربما خانته نفسه ~~وجعلته لا يقر بها. لقد احتاطت السماوات والأرض والجبال وقالوا: لا نريد ~~هذه الأمانة ولا نريد أن نكون مختارين بين أن نفعل أو نترك، نطيع أو ~~نعصي، وإنما يا رب نريد أن نكون مسخرين لما تحب دون اختيار لنا. فسلمت ~~الأرض والسماوات والجبال، لكن الإنسان بما فيه من فكر يرجح الاختيار بين ~~البديلات قال: أنا أقبلها وإن فكري سيخطط لأدائها. ولم يلتفت الإنسان ~~ساعة تحمله الأمانة إلى حالة أدائه لها. ومثال ذلك: من الجائز أن يعرض ~~عليك إنسان مبلغا من المال كأمانة عندك، فأخذته وأنت واثق أنك ستؤديه ~~حين يطلبه منك، ولكنك ساعة الأداء قد لا تملك نفسك، فقد تمر بك ظروف ~~فتصرف شيئا من المال، أو أن تكون - والعياذ بالله - قد خربت ذمتك. إذن ~~فالإنسان لا يملك ms1873 نفسه وقت الأداء وإن ملك نفسه وقت الأخذ، فالذين ~~يحتاطون يقولون: أبعد عنا تحمل الأمانة، فلا نريد أن نحمل لك شيئا ولكن ~~الإنسان قبل تحمل الأمانة لأنه # كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72] ظلم نفسه وجهل بحالته وقت الأداء، إذن فالأمانة التي عرضت ~~على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان هي أمانة ~~الاختيار التي يترتب عليها التكليف من الله. إن التكليف محصور في " افعل ~~" و " لا تفعل " ، فإن شئت فعلت في " افعل " ، وإن شئت لم تفعل في " لا ~~تفعل ". وإن شئت العكس، ومعنى ذلك أن الأمانة في هذا المعنى مقصورة على ~~ما طلبه الله من الإنسان وقت العرض، لكنها لم تتعرض للأمانات التي توجد ~~بيننا، والأمانة كذلك هي ما يتعلق بذمتك بحق غيرك لذلك فحين يعطي إنسان ~~إنسانا شيئا يصير الآخذ مؤتمنا فإن شاء أدى وإن شاء لم يؤد. لكن هناك ~~أمانات أخرى لم يعطها إنسان لإنسان، وإنما أعطاها رب الإنسان لكل إنسان، ~~فالعلم الذي أعطاه الله للناس أمانة. فهل الذي علمك علما وأعطاه لك وبعد ~~ذلك قال لك: أده لي، كمثل من يكون مأمونا على مال؟ نقول للعالم: العلم ~~ليس من عندك حتى تعطيه لغيرك وبعد ذلك يرده لك ولكن الله يجازيك عليه ~~ثوابا وكذلك في الحلم والشجاعة، ولا تتضح هذه المسائل بين العبد والعبد ~~إلا في المال، لكن في بقية الأشياء نقول لك: أنت أمين عليها أمام خالقك، ~~وقد أمنك ربنا على هذه الأشياء كي تؤديها إلا من لا يعلم، فأمنك على ~~قدرة وأمرك: أعطها لمن لا يقدر، وأمنك على علم وأوضح لك: أعطه لمن ~~لا علم له. إذن فمن الذي أعطاك هذه الأمانة؟ الله، فليس ضروريا أن ~~تكون الأمانة من صاحبها الذي أعطاها لك لتردها إليه، فالأمانة: ما تصير ~~مأمونا عليها ممن خلق أو من مخلوق، فأدها، والأمانة بهذا المعنى ~~أمرها واسع، فاستحقاق الله للتوحيد أمانة عندك، أهليتك للتكليف من الله ~~حين كلفك أمانة عندك، وأهليتك في المواهب المختلفة أمانة عندك، فكل إنسان ~~عنده موهبة هو أمين ms1874 عليها ولا بد أن يؤديها وينقل آثارها لم لا توجد عنده ~~هذه الموهبة. فربنا أعطى هذا الإنسان قوة عضل، وأعطى ذلك قوة فكر، وأعطى ~~ثالثا قوة حلم، وأعطى رابعا علما. كل هذه الأشياء أمانات أودعها الله ~~في خلقه ليتكامل الخلق، فحين يؤدي كل إنسان أمانته لكل إنسان يصبح كل ~~إنسان عنده مواهب كل الآخرين. والحق سبحانه وتعالى حينما يقول: { إن ~~الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها.. } ~~[النساء: 58] نتذكر على الفور قمة الأمانة أن تعبده ولا تشرك به أحدا، ~~والأمانة في التكاليف التي كلفك الله بها لأنها أمانة لغيرك عندك، وأمانة ~~عندك لغيرك، فحين يكلفك الله بألا تسرق، يكون قد كلف الناس كلهم ألا ~~يسرقوك. # إن كل أمانة عند غيرك تقابلها أمانة عندك، فإن أديت مطلوبات الأمانة ~~عندك أدى المجتمع الذي يحيط بك الأمانة التي عنده، وهكذا تكون الأمانة ~~هي: أداء حق في ذمتك لغيرك. وقوله تعالى: { إن الله يأمركم ~~أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها.. } [النساء: 58] قيل نزلت ~~في عثمان ابن طلحة ابن أبي طلحة وكان سادن - خادم - الكعبة وحين دخل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح أغلق عثمان باب الكعبة وصعد ~~السطح، وأبى أن يدفع المفتاح إليه وقال لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه ~~فلوى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يده وأخذه منه وفتح ودخل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وصلى ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه ~~المفتاح ويجتمع له السقاية والسدانة فنزلت هذه الآية فأمر أن يرده إلى ~~عثمان - رضي الله عنه - ويعتذر له فقال عثمان لعلي: أكرهت وآذيت ثم جئت ~~ترفق، فقال لقد أنزل الله فيك قرآنا وقرأ عليه الآية فأسلم عثمان وهبط ~~جبريل وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن السدانة في أولاد عثمان ~~أبدا. وهذا يقابل الأمانة شيء بعد ذلك اسمه العدل، فلو أدى كل واحد ما ~~لغيره عنده من حق لما احتجنا إلى عدل، فالعدل إنما ينشأ من خصومة وتقاض، ~~والتقاضي معناه: أن واحدا أنكر ms1875 حق غيره. فلو أدى كل واحد منا ما في ذمته ~~من حق لغيره لما وجد تقاض، ولما وجدت خصومة فلا ضرورة إلى العدل حينئذ. ~~ولكن الحق الذي خلق الخلق وعلم الأغيار فيهم قدر أن بعض الناس يغفل عن ~~هذه القضية وينشأ منها أن الإنسان قد لا يعطي الحق الذي في ذمته لغيره، ~~فقضى سبحانه بشيء آخر اسمه " العدل ". ولو أن المسألة الأولى انتهت لما ~~احتجنا للعدل. إذن فالعدل هو علاج للغفلة التي تصيب البشر من الأغيار ~~التي تطرأ على نفوسهم، فشاء الله أن يقول: { وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل.. } [النساء: 58]، في الأولى لم ~~يقل: إذا أئتمنتم فأدوا، لا، بل قال: { إن الله يأمركم أن ~~تؤدوا.. } [النساء: 58]. فإذا حدثت منكم غفلة عن هذه فما الذي يحمي ~~هذه المسألة؟ هنا يأتي العدل وهو أن تقضي بحق في ذمة غيرك لغيره، أي ليس ~~في ذمتك أنت لأنك تحكم كي ترجح مسألة وتضع الأمر في نصابه. وبذلك نعرف أن ~~مطلوبات أداء الأمانة تكون في شيء عندك تؤدية لغيرك، لكن مطلوبات العدل: ~~تكون في أشياء في ذمة غيرك لغيرك ولذلك قال الحق: { وإذا حكمتم ~~بين الناس أن تحكموا بالعدل. # . } [النساء: 58]، وكما أن آية أداء الأمانة عامة، كان لا بد أن تكون ~~آية العدل عامة أيضا. إن قوله تعالى: { وإذا حكمتم بين ~~الناس أن تحكموا بالعدل.. } [النساء: 58] ليست خاصة للحاكم ~~فقط، بل إن كل إنسان مطالب بالعدل، فلو كنت محكما من طرف قوم ورضوا ~~بك أن تحكم فاحكم بالعدل حتى ولو كان الحكم في الأمور التي يتعلق بها ~~التكريم والشرف والموهبة فليس ضروريا أن يكون الحكم بالعدل في أمر له ~~قيمة مادية، مثلا: سيدنا الإمام علي - رضوان الله عليه وكرم الله وجهه - ~~يرى غلامين يتحاكمان إلى ابنه الحسن ليحكم بينهما أي الخطين أجمل من ~~الآخر، وهذه المسألة قد ينظر لها الناس على أنها مسألة تافهة لكنها ما ~~دامت شغلت الطفلين وأراد كل واحد منهما أن يكون خطه أجمل، فلا بد أن يكون ~~الحكم بالعدل. ms1876 فقال الإمام علي لابنه الحسن: يا بني انظر كيف تقضي، فإن ~~هذا حكم والله سائلك عنه يوم القيامة. إن هذا يعطينا صورة في دقة العدل ~~حتى ولو كان الأمر صغيرا. وفي مباريات كرة القدم تجد الحكم الذي يقول ~~هذه اللعبة تحتسب هدفا أو لا تحتسب، هذا الحكم يحتاج إلى مهارة لأنه ~~سيترتب عليها فوز فريق أو هزيمته، بدليل أنك حتى وأنت تراقب الكرة ثم ~~وجدت الحكم لم يحتسب خطأ تثور عليه. وهنا أتساءل: لماذا طبقتم قانون الجد ~~في اللعب، ثم تركتم الجد بدون قانون؟ وهذا ما يحدث. نحن ننقل قوانين الجد ~~إلى اللعب، ونترك الجد في بعض الأحيان بدون قانون، ولو اعتنينا بهذه كما ~~اعتنينا بتلك. لتساوت الأمور، فالعدل إذن هو حق في ذمة غير لغير حتى ولو ~~كانت مباراة في اللعب، وما دام الأمر قد شغل طرفين، وجعل بينهما نزاعا ~~وخلافا وتسابقا فعليك أن تنهي هذا الخلاف بالعدل. ويتابع الحق: { إن ~~الله نعما يعظكم به.. } [النساء: 58] و { نعما.. } ~~[النساء: 58] يعني نعم ما يعظكم به الله، أي لا يوجد أفضل من هذه العظة ~~التي هي: أداء الأمانة والحكم بالعدل، فبهذا تستقيم حركة الحياة، فإذا ~~أدى الناس الأمانة فلا نزاع ولا خلاف، وإذا أدوا عدالة الحكم فإن كان ~~هناك خلاف ينتهي، وقال العلماء: إذا علم المجتمع أن عدلا يحرس حقوق ~~الناس عند الناس فلن يجرىء ذلك ظالما على أن يظلم بعد ذلك، فيقول ~~الظالم: فلان ظلم ولم يحاكم، فيغري ذلك الظالم أن يزيد في ظلمه، لكن ساعة ~~يرى الناس أحدا يأخذ حق غيره ثم جاء الحاكم فردعه، ورد الحق لصاحبه فلن ~~يظلم أحد أحدا. وسبحانه في أمره هذا لا حاجة له في أن تفعلوا ولا ~~تفعلوا، فهي أشياء لا تؤثر عنده في شيء، إنما هي في مصالحكم أنتم بعضكم ~~مع بعض، وأحسن ألوان الأمر هو ما لا يعود على الآمر بفائدة، لأن الأمر ~~إذا ما كان فيه عود بالفائدة على الآمر قد يشكك في الأمر. # لكن أن تأمر بأمر ليس لك ms1877 فيه فائدة فهذا قمة العدل. وقد يوجد إنسان يأمر ~~بما لا فائدة له فيه، لكنه قد لا يكون واسع العلم ولا واسع الحكمة، ~~والأمر هنا يختلف لأن الله سبحانه وتعالى ليس له مصلحة في الأمر، هذه ~~واحدة، وأيضا فهو - سبحانه - واسع العلم والحكمة لذلك كانت هذه العظة ~~مقبولة جدا، وهي نعمة من الله وأما ما عداها فبئست العظة لأن الله لا ~~ينتفع بأمره هذا وهو مأمون على العباد جميعا، والثانية: أنه قد يوجد غير ~~لا ينتفع بالأمر ولكنه قاصر العلم وقاصر الحكمة فلا نعمت العظة منه، ~~فقوله: { إن الله نعما.. } [النساء: 58] يعني: نعم ما يعظكم به ~~الله أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بالعدل. ونلحظ الأداء ~~البياني في القرآن في قوله: { تؤدوا.. } [النساء: 58] هذه للجماعة، ~~وهذا يعني أن كل واحد مطالب بهذا الحكم أولا، { وإذا حكمتم ~~بين الناس أن تحكموا بالعدل.. } [النساء: 58]، فيكون كل ~~واحد مطالبا بالحكم أيضا، كأن مهمتكم الأمانية ليست مقصورة على أن ~~تصونوا حقوقكم بينكم وبين أنفسكم، لا، فأنتم مكلفون بأن تصونوا الحقوق ~~بين الناس والناس ولو لم يكونوا مؤمنين. إن قوله: { وإذا حكمتم ~~بين الناس.. } [النساء: 58]. يفهم منها أيضا حماية حقوق من آمن ~~بالإسلام ومن لم يؤمن بدين الإسلام لأن الحق جل وعلا يريد منا أن نؤدي ~~الأمانة إلى " أهلها " ، ولم يقل { أهلها.. } [النساء: 58] المؤمنين ~~أو الكافرين. إن كلمة { الناس.. } [النساء: 58] هذه تدل على عدالة ~~الأمر من إله هو رب للجميع، فسبحانه هو الذي استدعى الإنسان للدنيا، ~~والإنسان منه مؤمن ومنه كافر. لكن أحدا لا يخرج عن نطاق الربوبية لله، ~~فربنا يرب ويرعى كل إنسان - مؤمنا كان أو كافرا - هو يرزق الجميع ~~ولذلك أمر الكون: يا كون أعط من فعل الأسباب الغاية من المسببات إن ~~كان مؤمنا أو كافرا، وهذا هو عطاء الربوبية، إنه - سبحانه - رزق ~~الإنسان وسخر الأشياء له، فهو لم يسخر الكون للمؤمن فقط وإنما سخره ~~للمؤمن وللكافر، فكذلك طلب منا أن نؤدي الأمانة للمؤمن والكافر، وطلب منا ~~أن نعدل بين المؤمن والكافر. ms1878 ولنا في الرسول صلى الله عليه وسلم الأسوة ~~الحسنة، فقد حدث أن " طعمة ابن أبيرق " أحد بني ظفر سرق درعا من جار ~~له اسمه " قتادة بن النعمان " ، في جراب دقيق والإثنان مسلمان، إلا أن ~~منافذ الحق لمرتكب الجريمة ضيقة مهما ظن اتساعها، مثلما نقول: " الجريمة ~~لا تفيد " ، فوضع الدرع المسروقة في جراب كان فيه دقيق، فجعل الدقيق ~~ينتثر من خرق في الجراب وهو يسير من بيت قتادة بن النعمان وخبأ الدرع عند ~~يهودي اسمه " زيد بن السمين " ، فلما فطن قتادة بن النعمان لضياع الدرع ~~قال: سرق الدرع. # سرق الدرع. فتتبعوا الأثر فوجدوه إلى بيت طعمة ابن أبيرق، فحلف ما أخذها ~~وما له بها علم فتركوه. فتتبعوا الأثر ثانية فوجدوا الدرع عند اليهودي " ~~زيد بن السمين " فقال اليهودي دفعها إلى طعمة وشهد له ناس من اليهود، ~~ورفع الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء بنو ظفر إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل ~~هلك صاحبنا وافتضح وبرىء اليهودي فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يفعل وأن يعاقب اليهودي فأنزل الله عليه حكمه الفصل: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما * ~~واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا ~~تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا ~~يحب من كان خوانا أثيما # [النساء: 105-107]. أي لا تكن يا محمد مدافعا عن الخائنين واستغفر الله ~~إن كان هذا الخاطر قد جال برأسك بأن ترفع رأس مسلم على يهودي لأن الحق ~~أولى من المسلم فما دام هو قبل أن يخون فلا تجادل عنه، ولماذا طلب بنو ~~ظفر التغاضي عن جريمة مسلم وإلصاقها بيهودي؟ أيستخفون من الناس ولا ~~يستخفون من الله؟ وافرض أن هذه برأتهم عند الناس. أتبرئهم عند الله؟ ~~ويقول في آية أخرى: # ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة ~~الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة.. # [النساء: 109]. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: ms1879 { وإذا حكمتم ~~بين الناس أن تحكموا بالعدل.. } [النساء: 58] لا بد أن ~~نأخذه على أنه مطلب تكليفي من الله للمسلمين حتى يشيع في كل الناس ولا ~~يخص المؤمنين يتعاملون به فيما بينهم، وإنما يشمل أيضا ما بين المؤمنين ~~والكافرين، وما بين الكافرين بعضهم مع بعض إن ارتضوا حكم رسول الله. { ~~إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا ~~بصيرا } [النساء: 58] وحين ترون تذييل آية بصفتين من صفات الحق أو ~~باسمين من أسماء الحق، فلا بد أن تعلموا أن بين الصفتين أو بين الاسمين ~~وبين متعلق الآية علاقة، وهنا يعلمنا الحق أنه سميع وبصير. بعد أداء ~~الأمانة، والحكم بالعدل بين الناس، لأن الرسول شرح ذلك حين أمر من يقضي ~~بين الناس أن يسوي بين الخصمين في لحظه ولفظه أي لا ينظر لواحد دون ~~الثاني، ولا يكرم واحدا دون الآخر، فيسوي بين الاثنين وما دام سيسوي بين ~~الاثنين، فلا بد أن تكون النظرة واحدة، والألفاظ واحدة. # روي أن يهوديا خاصم سيدنا عليا بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى أمير ~~المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فنادى أمير المؤمنين عليا فقال: " ~~قف يا أبا الحسن " فبدا الغضب على علي رضي الله عنه، فقال له عمر: " ~~أكرهت أن نسوي بينك وبين خصمك في مجلس القضاء؟ فقال علي رضي الله عنه: " ~~لا، لكني كرهت منك أن عظمتني في الخطاب فناديتني بكنيتي ولم تصنع مع ~~خصمي اليهودي ما صنعت معي ". إذن فحين يقول عمر رضي الله عنه لأبي موسى ~~الأشعري: " آس بين الناس في مجلسك ووجهك ". فلا بد أن يقوم بتلك التسوية ~~كل حاكم أو محكم بين خصمين فلا يميز ولا يرفع خصما على خصمه. و " اللحظ ~~" عمل العين. وهذا يحتاج إلى بصير، واللفظ يحتاج إلى أذن تسمع، أي إلى ~~سميع، فقال: { إن الله كان سميعا بصيرا } [النساء: 58]. ~~لماذا قدم سبحانه هنا سميعا على بصير؟ لأن ما يسمع فيه تعبير واضح، أما ~~النظرة فلا يعرفها إلا من يلاحظ أنه ينظر بحنان وإكبار، وهل وجدت ms1880 له ~~سبحانه صفة السمع بعد أن وجد ما يسمعه، وهل وجدت له صفة البصر بعد أن وجد ~~ما يبصره؟ أو أن صفة السمع أزلية قديمة قبل أن يخلق خلقا يسمع منه، وأن ~~صفة البصر أزلية قديمة قبل أن يخلق خلقا ليبصر أفعالهم؟ إنه سبحانه قديم ~~أزلا، موجود قبل كل موجود، وصفاته قديمة بقدمه. إذن ففيه فرق بين أن ~~تقول: سميع وبصير، وسامع ومبصر، فأنت تكون سامعا إذا وجد بالفعل من ~~يسمع، إذن فما معنى كلمة " سميع "؟ أن يكون المدرك على صفة يجب أن ~~تدرك المسموع إن وجد المسموع وإن لم يوجد المسموع فهو ليس سامعا فقط، ~~إنما هو سميع، وكذلك بصير. وأضرب المثل - ولله المثل الأعلى، وهو منزه عن ~~كل تشبيه - الشاعر الذي يقول القصيدة، إنه قبلما يقول القصيدة كان شاعرا ~~في ذاته وقال القصيدة بوجود ملكة الشعر في ذاته. والحق سبحانه وتعالى " ~~غفار " قبل أن يخلق الخلق، أي أنه على صفة تدرك الأمر إن وجد، وهو غفار ~~قبل أن يوجد الخلق ويرتكبوا ما يغفره، وهو " سميع بصير " أزلا. أي قبل ~~أن يخلق الخلق الذين سينشأ منهم ما يبصر وينشأ منهم ما يسمع. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { يا أيها الذين آمنوا... }. ### || [4.59] # هذه الآية كثر كلامنا فيها، وفي كل مناسبة من المناسبات جاء الكلام ~~عنها، ولكن علينا أيضا أن نعيد بشيء من الإيجاز ما سبق أن قلناه فيها، ~~الله سبحانه وتعالى يقول: { أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول.. } [النساء: 59]، ولماذا أطيع الله وأطيع الرسول؟ لأن فيه ~~الحيثيات المقدمة، فأنت عندما ترى حكما من القاضي تجد أن هناك حيثيات ~~الحكم أي التبرير القانوني للعقوبة أو للبراءة فيقول القاضي: بما أنه حدث ~~كذا فقانونه كذا حسب المادة كذا، هذه هي الحيثيات. و " الحيثيات " مأخوذة ~~من: حيث إنه حدث كذا فحكمنا بكذا. أو حيث إنه لم يحدث كذا فحكمنا بكذا، ~~إذن فحيثيات الحكم معناها: التبريرات التي تدل على سند الحكم لمن حكم. ~~هنا يقول سبحانه: { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.. } ~~[النساء: 59]. وهل الحق سبحانه وتعالى قال: ms1881 يا أيها الناس أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول؟ لا، لم يقل ذلك، لقد قال: { يا أيها الذين ~~آمنوا.. } [النساء: 59]. إذن فما دمت قد آمنت بالله إلها حكيما ~~خالقا عالما مكلفا فاسمع ما يريد أن يقوله لك، فلم يكلف الله مطلق ~~أناس بأن يطيعوه، إنما دعا مطلق الناس أن يؤمنوا به. ومن يؤمن يقول له: ~~أطعني ما دمت قد آمنت بي. إذن فحيثية الطاعة لله وللرسول صلى الله عليه ~~وسلم نشأت من الإيمان بالله وبالرسول. وهذه عدالة كاملة لأنه سبحانه لا ~~يكلف واحدا أن يفعل فعلا إلا إذا كان قد آمن به - سبحانه - مكلفا، ~~آمن به أمرا، أما الذي لا يؤمن به فهو لا يقول له: افعل كذا ولا تفعل ~~كذا، إنه سبحانه يطالبه أن يؤمن به أولا، فإذا ما آمن به يقول له: استمع ~~إلي، ولذلك تجد كل تكليف يصدر بقوله سبحانه: { يا أيها الذين ~~آمنوا.. } [النساء: 59]. إن حيثية إطاعة الله وإطاعة الرسول هي: ~~الإيمان به، هذه هي الحيثية الإيمانية الأولى، أما إن جال ذهنك لتدرك سر ~~الطاعة، فهذا موضوع آخر، ولذلك أوضح: إياكم أن تقبلوا على أحكام الله ~~بالبحث فيها أولا فإن اقتنعتم بها أخذتموها وإن لم تقتنعوا بها ~~تركتموها، لا. إن مثل هذا التصرف معناه أنك شككت في الحكم. بل عليك أن ~~تقبل على تنفيذ أحكامه لأنه سبحانه قالها وأنت مؤمن بأنه إله حكيم، لكن ~~هل ذلك يمنع عقلك من أن يجول ليفهم الحكمة؟ نقول لك: أنت قد تفهم بعض ~~الحكمة، ولكن ليست كل الحكمة لأن كمالات حكمة الله لا تتناهى، فقد تعرف ~~جزءا من الحكمة وغيرك يعرف جزءا آخر، ولذلك قالوا: إن الفرق بين أمر ~~البشر للبشر، وأمر الله للمؤمنين به شيء يسير جدا هو: أمر الله للبشر ~~تسبقه العلة وهي أنك آمنت به، أما أمر البشر للبشر فأنت تقول لمن يأمرك: ~~أقنعني لماذا أفعل هذه؟ لأن عقلك ليس أرقى من عقلي. # فأنت لا تصنع شيئا إلا إذا اقتنعت به. وتكون التجارب قد أثبتت لك أصالة ~~رأي من ms1882 تستمع له وأنه لن يغشك. وهكذا نرى أن طاعتنا لله تختلف عن ~~طاعتنا للمخلوق فنحن نطيع الله لأننا آمنا به وحينما يطلب سبحانه منا أن ~~نطيعه، ننظر هل هذه الطاعة لصالحنا أو لصالحه؟ فإذا وثقنا أنه بكل صفات ~~الكمال الموجودة له خلقنا إذن فسبحانه لا يريد صفة جديدة تكون له لأنه لم ~~يخلقنا إلا بصفات الكمال فيه، وسبحانه قد خلقك دون أن يكون لك حق الخلق ~~عنده، خلقك بقدرته، وأمدك لاستبقاء حياتك بقيوميته، فحين يطلب منك الإله ~~الذي يتصف بتلك الكمالات شيئا فهو يطلبه لصالحك، كما ترى أي إنسان من ~~البشر - ولله المثل الأعلى - يعنى بصنعته ويحب أن تكون صنعته متميزة، ~~فكذلك الحق سبحانه وتعالى يريد أن يباهي بهذا الخلق، ويباهي بهذا الخلق ~~ليس بالإكراه على أن يفعلوا ما يأمر به بالتسخير لا، بل بالمحبوبية لأمر ~~الله وأن نعلن بسلوكنا: نحن نحبك يا ربنا. وإلا فأنت - أيها الإنسان - قد ~~تختار أن تكون عاصيا. وما دمت مخيرا أن تكون عاصيا ثم أطعت، فهذه تثبت ~~لله صفة المحبوبية لأنه - كما نعرف - هناك فرق بين من يقهر بقدرته ومن ~~يعطيك الاختيار حتى تأتيه وأنت محب، على الرغم من أنه قادر على أن يقهرك. ~~فساعة قال الحق: { أطيعوا الله.. } [النساء: 59] معناها: أنه لم ~~يطلب منا شططا، وكيف نطيع الله؟ أن نطيعه في كل أمر، وهل أمر الله ~~خلقه منفردين؟. لا، بل أمرهم كأفراد وكجماعة، وأعطاهم الإيمان الفطري ~~الذي يثبت أن وراء الكون قوة أخرى خلقته، وهذه القوة لا يعرف أحد اسمها، ~~ولا مطلوباتها، أو ماذا ستعطي لمن يطيعها إذن فلا بد أن يوجد مبلغ. ~~ولذلك فأنا أرى أن بعض الفلاسفة قد جانبوا الصواب عندما قالوا: إن العقل ~~كاف في إدراك الدين، وأقول لهم: لا، العقل كاف في إدراك من ندين له، ~~ولكن العقل لا يأتي لنا بكيفية الدين ومنهجه. لذلك لا بد من بلاغ عنه ~~يقول: افعلوا كذا وكذا وكذا، نقول لهؤلاء الفلاسفة: إن العقل كاف في ~~استنباط وجود قوة وراء هذا الكون، أما ms1883 شكل هذه القوة، واسمها وماذا تريد ~~فلا أحد يعرف ذلك إلا أن يوجد مبلغ عن هذه القوة، ولا بد أن تكون القوة ~~التي آمنت بها بفطرتك قد أرسلت من يقول: اسمه كذا، ومطلوبه كذا، إذن ~~فقوله: { أطيعوا الله.. } [النساء: 59] يلزم منها إطاعة الرسول. # وبعد ذلك قال: { وأولي الأمر.. } [النساء: 59] و { وأولي ~~الأمر.. } [النساء: 59] هنا لم يتكرر لهم الفعل، فلم يقل: وأطيعوا ~~أولي الأمر لنفهم أن أولي الأمر لا طاعة لهم إلا من باطن الطاعتين: طاعة ~~الله وطاعة الرسول، ونعلم أن الطاعة تأتي في أساليب القرآن بثلاثة ~~أساليب: # أطيعوا الله والرسول.. # [آل عمران: 32] و { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول.. } ~~[النساء: 59]، # وأطيعوا الرسول.. # [النور: 56] فقط. إذن فثلاثة أساليب من الطاعة: الأسلوب الأول: أطيعوا ~~الله والرسول فأمر الطاعة واحد والمطاع هو الله والرسول. والأسلوب ~~الثاني: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول. والأسلوب الثالث: أطيعوا الرسول، ~~نعم، فالتكليفات يأمر بها الحق سبحانه وتتأكد بحديث من قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أو فعله أو تقريره، وهنا تكون الطاعة في الأمر لله ~~وللرسول، أو أن الحق قد أمر إجمالا والرسول عين تفصيلا فقد أطعنا الله ~~في الإجمال وأطعنا الرسول في التفصيل فتكون الطاعة لله، وتكون الطاعة ~~للرسول، أو إن كان هناك أمر لم يتكلم فيه الله وتكلم الرسول فقط. وثبت ~~ذلك بقول الحق: # من يطع الرسول فقد أطاع الله.. # [النساء: 80]. وقوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. إذن فهذه تثبت أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة ~~ملاحظ في التشريع: ملحظ يشرع فيه ما شرع الله تأكيدا له أو أن الله قد ~~شرع إجمالا، والرسول عين تفصيلا. والأمثلة على ذلك: أن الله فرض ~~علينا خمس صلوات، وفرض علينا الزكاة، وهذه تكليفات قالها ربنا والرسول ~~يوضحها: النصاب كذا، والسهم كذا، إذن فنحن نطيع ربنا في الأمر إجمالا، ~~ونطيع الرسول في الأمر التفصيلي، أو أن الأمر لم يتكلم فيه الله حكما، ~~وإنما جاء من الرسول بتفويض من الله، ولذلك فإن قال لك أي إنسان ms1884 عن أي ~~حكم من الأحكام: هات دليله من القرآن ولم تجد دليلا من القرآن فقل له: ~~دليل أي أمر قال به الرسول من القرآن هو قول الحق: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. هذا دليل كل أمر تكليفي صدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- وقد يقول قائل: هناك فارق بين الأمر الثابت بالسنة والفرض. نقول: لا ~~تخلط بين السنة وهي الأمر الذي إن فعلته تثاب وإن لم تفعله لا تعاقب، ~~والفرض الذي يجب على المكلف أن يفعله، فإن تركه أثم وعوقب على الترك، ~~وهذا الفرض جاء به الحق وأثبته بالدليل كالصلوات الخمس وعدد الركعات في ~~كل صلاة، فالدليل في الفرض هنا ثبت بالسنة وهذا ما يسمى سنية الدليل ~~وهناك فرق بين سنية الحكم كأن يصلي المسلم قبل الظهر ركعتين وقبل الصبح ~~ركعتين وفرضية الحكم كصلاة الصبح والظهر، إذن ففيه فرق بين الشيء الذي إن ~~فعلته تثاب عليه وإن لم تفعله لا تعاقب عليه والشيء الذي يفرض عليك ~~أداؤه، فإن تركته أثمت وعوقبت، وأما سنية الدليل فهي شرح ما جاءت به ~~الفروض شرحا تطبيقيا ليتبعه المسلمون. # أما الأمر بطاعة أولي الأمر فقد جاءت بالعطف على المطاع دون أمر ~~بالطاعة، مما يدل على أن طاعة ولي الأمر ملزمة إن كانت من باطن طاعة ~~الله وطاعة رسوله، وفي ذلك عصمة للمجتمع الإيماني من الحكام المتسلطين ~~الذين يحاولون أن يستذلوا الناس بقول الله: { وأولي الأمر.. } ~~[النساء: 59] ويدعون أن طاعتهم واجبة، يقول الواحد منهم: ألست ولي أمر؟. ~~فيرد العلماء: نعم أنت ولي أمر ولكنك معطوف على المطاع ولم يتكرر لك أمر ~~الطاعة، فدل ذلك على أن طاعتك واجبة إن كانت من باطن الطاعتين. فإن لم ~~تكن من باطن الطاعتين فلا طاعة لك، لأن القاعدة هي " لا طاعة لمخلوق في ~~معصية الخالق " ، هكذا قال أبو حازم لمسلمة بن عبد الملك حينما قال له: ~~ألسنا ولاة الأمر وقد قال الله: { وأولي الأمر.. } [النساء: 59]. ~~قال: ويجب أن نفطن أيضا إلى أنها نزعت في قوله ms1885 سبحانه: { فإن ~~تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول.. } ~~[النساء: 59]. إذن فالحاكم المسلم مطالب أولا بأداء الأمانة، ومطالب ~~بالعدل، ومطالب أيضا أن تكون طاعته من باطن طاعة الله وطاعة رسوله. فإن ~~لم تكن فيه هذه الشروط، فهو حاكم متسلط. { فإن تنازعتم في ~~شيء فردوه إلى الله والرسول.. } [النساء: 59] إذن ~~فالتنازع لا بد من أن يكون في قضية داخلة في نطاق مأمورات الطاعة، ويجب ~~أن يكون لها مرد ينهي هذا التنازع { فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر.. ~~} [النساء: 59]. والذين يعرفون هذه الأحكام هم العلماء، فإن تنازع ~~المحكوم مع الحاكم نذهب إلى العلماء ليبينوا لنا حكم الله في هذه ~~المسألة، إذن فإن أريد ب { وأولي الأمر.. } [النساء: 59] الحاكم، ~~نقول له: { فردوه إلى الله والرسول.. } [النساء: 59] أي ~~على الحاكم أن يتبع ما ثبت عن الله والرسول، والحجة في ذلك هم العلماء ~~المشتغلون بهذا الأمر، وهم الملاحظون لتنفيذ حكم الله بما يعرفونه عن ~~الدين. والحق سبحانه وتعالى حين يطلب منا ذلك، يريد أن ينهي مسألة ~~التنازع، لأن التنازع يجعل حركات الحياة متضاربة، هذا يقول بكذا وذلك ~~يقول بكذا، فلا بد أن نرده إلى مرد أعلى، والحق يقول: # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم.. # [النساء: 83]. إذن فقد يكون المراد بأولي الأمر " العلماء ". نقول: إن ~~الآية الأولى عامة وهي التي جاءت بها طاعة ولي الأمر ضمن طاعة الله ~~والرسول، والثانية التي تخص الاستنباط يكون المقصود بأولي الأمر هم ~~العلماء. # وأولوا الأمر في القضية الأولى التي عندما نتنازع معهم في أمر نرده إلى ~~الله والرسول هم الذين يشرفون على تنفيذ أحكام الله، وهذه سلطة تنفيذية، ~~أما سلطة العلماء فهي تشريعية إيمانية. { فردوه إلى الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر.. ~~} [النساء: 59] إذن فالذي لا يفعل ذلك يجازف بأن يدخل في دائرة من لا ~~يؤمن بالله واليوم الآخر، ونقول لكل منهم: راجع إيمانك بالله واليوم ~~الآخر - ابتداء في تلقي الحكم، وإيمانا باليوم الآخر - لتلقي الجزاء ~~على مخالفة ms1886 الحكم، فالحق لم يجعل الدنيا دار الجزاء. وينبهنا الحق في ~~ختام الآية: { ذلك خير وأحسن تأويلا } [النساء: 59] أي في ~~ذلك خير للحكام وللمحكومين معا لأن الخير هو أن يقدر الإنسان ما ينفعه ~~في الدنيا والآخرة، وكل شهوة من الشهوات إن قدرت نفعها فلن تنفعك سوى ~~لحظة ثم يأتي منها الشر. والتأويل هو: أن ترجع الأمر إلى حكمه الحقيقي، ~~من " آل " يئول إذا رجع { وأحسن تأويلا } [النساء: 59] تعني ~~أحسن مرجعا وأحمد مغبة وأجمل عاقبة لأنك إن حرصت بما تريد على مصالح ~~دنياك، فما ترجع إليه سيكون فيه شر لك. إذن فالأحسن لك أن تفعل ما يجعلك ~~من أهل الجنة، أو { وأحسن تأويلا } [النساء: 59] في الاستنباط، ~~لأن العلماء سيأخذونه من منطلق مفهوم قول الله وقول الرسول، وأنت ستأخذها ~~بهواك، وفهمك عن الله يمنعك من الشطط ومن الخطأ. فإن كنتم تريدون الخير ~~فلاحظوا الخير في كل أحيانه وأوقاته، ولا ينظر الإنسان إلى الخير ساعة ~~يؤدي له ما في هواه، ولكن لينظر إلى الخير الذي لا يأتي بعده شر. وإذا ما ~~نظرنا تاريخ الكثير من الحكام ووجدناهم قد أمنوا على انتقادهم في حياتهم ~~بما فرضوه من القهر والبطش، فلما ماتوا ظهرت العيوب، وظهرت الحملات، إن ~~الواجب على من يحكم أن يعتبر بما سمع عمن حكم قبله فالذي حكم قبله ~~كمم الأفواه وكسر الأقلام، وبعدما انتهى، طالت الألسنة وكتبت الأقلام، ~~فيجب أن نحسن التأويل وأن ننظر إلى المرجع النهائي، فمن استطاع أن يحمي ~~نفسه في حياته بسطوته وجبروته لا يستطيع أن يحمي تاريخه وسمعته، إنه بعد ~~أن انتهت السطوة والجبروت قيل فيه ما قيل، ونحن مازلنا في الدنيا ولم ~~نذهب إلى الآخرة بعد فإذا كان هذا هو جزاء الخلق. فما شكل جزاء الحق ~~إذن؟! { ذلك خير وأحسن تأويلا } [النساء: 59] أي مرجعا ~~وعاقبة. ويقول الحق بعد ذلك: { ألم تر إلى الذين ~~يزعمون... }. ### || [4.60] # نعرف أن { ألم تر.. } [النساء: 60] تعني: ألم تعلم، إن كان المعلوم ~~قد سبق الحديث عنه، أو إن كان المعلوم ظاهرا حادثا بحيث تراه، ms1887 ونعرف أن ~~الحق عبر ب { ألم تر.. } [النساء: 60] في كثير من القضايا التي لم ~~يدركها المخاطب وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليدلنا على أن ~~ما يقوله الله - وإن كان خبرا عما مضى - يجب أن تؤمن به إيمانك بالمريء ~~لك الآن، لأن الله أوثق في الصدق من عينك فعينك قد تخدعك، لكن حاشا أن ~~يخدعنا الله. { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ~~آمنوا بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك.. } ~~[النساء: 60] والمراد هم المنافقون وبعض من أهل الكتاب الذين زعموا ~~الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. و " الزعم ": مطية الكذب، فهم { ~~يزعمون أنهم آمنوا بمآ أنزل إليك.. } [النساء: ~~60] وهو القرآن { ومآ أنزل من قبلك.. } [النساء: 60]، وهو ~~التوراة والإنجيل و { يريدون.. } [النساء: 60] بعد ادعاء الإيمان { ~~أن يتحاكموا إلى الطاغوت.. } [النساء: 60]، والتحاكم إلى ~~شيء هو: الاستغاثة أو اللجوء إلى ذلك الشيء لينهي قضية الخلاف. فعندما ~~نقول: " تحاكمنا إلى فلان " ، فمعنى قولنا هذا: أننا سئمنا من آثار ~~الخلاف من شحناء وبغضاء، ونريد أن نتفق إلى أن نتحاكم، ولا يتفق الخصمان ~~أن يتحاكما إلى شيء إلا إذا كان الطرفان قد أجهدهما الخصام، فهما مختلفان ~~على قضية، وأصاب التعب كلا منهما. { يريدون أن يتحاكموا ~~إلى الطاغوت.. } [النساء: 60]. و { الطاغوت.. } [النساء: 60] - ~~كما عرفنا - هو الشخص الذي تزيده الطاعة طغيانا، فهناك طاغ أي ظالم، ~~ولما رأى الناس تخافه استمرأ واستساغ الظلم مصداقا لقول الحق: # فاستخف قومه فأطاعوه.. # [الزخرف: 54]. وهذا اسمه " طاغوت " مبالغة في الطغيان، والطاغوت يطلق ~~على المعتدي الكثير الطغيان سواء أكان أناسا يعبدون من دون الله، ولهم ~~تشريعات ويأمرون وينهون، أم كان الشيطان الذي يغري الناس، أم كان حاكما ~~جبارا يخاف الناس شره، وأي مظهر من تلك المظاهر يعتبر طاغوتا. ~~وقالوا: لفظ الطاغوت يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع فتقول رجل طاغوت، ~~ورجلان طاغوت، ورجال طاغوت، يأتي للجمع كقوله الحق: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت.. # [البقرة: 257]. ويأتي للمفرد كقوله الحق: { وقد أمروا أن ~~يكفروا به.. } [النساء: ms1888 60]. إذن فمرة يأتي للجمع ومرة يأتي ~~للمفرد، وفي كل حكم قرآني قد نجد سببا مخصوصا نزل من أجله الحكم، فلا ~~يصح أن نقول: إن حكما نزل لقضية معينة ولا يعدى إلى غيرها، هو ~~يعدى إلى غيرها إذا اشترك معها في الأسباب والظروف، فالعبرة بعموم ~~الموضوع لا بخصوص السبب. # لقد نزلت هذه الآية في قضية منافق اسمه " بشر ". حدث خلاف بينه وبين ~~يهودي، وأراد اليهودي أن يتحاكم إلى رسول الله، وأراد المنافق أن يتحاكم ~~إلى " كعب بن الأشرف " ، وكان اليهودي واثقا أن الحق له ولم يطلب ~~التحاكم إلى النبي حبا فيه، بل حبا في عدله، ولذلك آثر من يعدل، فطلب ~~حكم رسول الله، أما المنافق الذي يعلن إسلامه ويبطن ويخفي كفره فهو الذي ~~قال: نذهب إلى كعب بن الأشرف الطاغوت، وهذه تعطينا حيثية لصدق رسول الله ~~في البلاغ عن الله في قوله: # وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.. # [النساء: 58]. وكون اليهودي يريد أن يتحاكم إلى رسول الله، فهذه تدل على ~~ثقته في أن رسول الله لن يضيع عنده الحق، ولم يطلب التحاكم إلى كبير من ~~كبراء اليهود مثل " كعب بن الأشرف " لأنه يعرف أنه يرتشي. ويختم الحق ~~الآية: { ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } ~~[النساء: 60] فهما حين يتحاكمان إلى الطاغوت وهو " كعب بن الأشرف " وبعد ~~ذلك يقضي لمن ليس له حق، سيغري مثل هذا الحكم كل من له رغبة في الظلم ~~أن يظلم، ويذهب له ليتحاكم إليه! فالضلال البعيد جاء هنا لأن الظلم ~~سيتسلسل، فيكون على القاضي غير العادل وزر كل قضية يحكم فيها بالباطل، ~~هذا هو معنى " الضلال البعيد " ، وليت الضلال يقتصر عليهم، ولكن الضلال ~~سيكون ممتدا. ويقول الحق بعد ذلك: { وإذا قيل لهم تعالوا ~~إلى مآ أنزل... }. ### || [4.61] # وعندما نسمع قول الحق: { تعالوا.. } [النساء: 61]، فهذا يعني نداء ~~بمعنى: اقبلوا، ولكن كلمة " أقبلوا " تعني الإقبال على المساوي لك، أما ~~كلمة: { تعالوا.. } [النساء: 61] فهي تعني الإقبال على الأعلى. فكأن ~~لقضايا البشر تشريعا هابطا لأنه من صناعة العقل البشري، وصناعة العقل ms1889 ~~البشري في قوانين صيانة المجتمعات - على فرض أننا أثبتنا حسن نياتهم ~~وإخلاصهم - تكون على قدر مستوياتهم في الاستنباط واستقراء الأحداث. لكن ~~التشريع حينما يأتي من الله يكون عاليا لأنه - سبحانه - لا تغيب عنه ~~جزئية مهما صغرت، لكن التقنين البشري يوضع لحالة راهنة وتأتي أحداث بعدها ~~تستوجب تعديله، وتعديل القانون معناه أن الأحداث قد أثبتت قصور القانون ~~وأنه قانون غير مستوعب للجديد، وهذا ناشيء من أن أحداثا جدت لم تكن في ~~بال من قنن لصيانة المجتمع، وكان ذهن مشرع القانون الوضعي قاصرا عنها، ~~كما أن تعديل أي قانون لا يحدث إلا بعد أن يرى المشرع الآثار الضارة في ~~المجتمع، تلك الآثار التي نشأت من قانونه الأول، وضغطت أحداث الحياة ~~ضغطا كبيرا ليعدلوا في الأحكام والقوانين. أما تشريع الله فهو يحمي ~~المجتمع من أن تقع هذه الأحداث من البداية، هذا هو الفارق بين تشريع وضعي ~~بشري جاء لينقذنا من الأحداث، وتشريع رباني إلهي يقينا من تلك الأحداث. ~~فالتشريع البشري كمثل الطب العلاجي. أما التشريع السماوي فهو كالطب ~~الوقائي، والوقاية خير من العلاج. لذلك جاء الحق سبحانه وتعالى ~~بالتشريعات التي تقينا وتحمينا من شر الأحداث، أي أنه يمنع عن الإنسان ~~الضرر قبل أن يوجد وبذلك تتحقق رحمته سبحانه لطائفة من البشر عن أن ~~تعضهم الأحداث، بينما نجد للقانون الوضعي ضحايا، فيرق قلب المشرعين بعد ~~رؤية هؤلاء الضحايا ليضعوا التعديل لأحكام وضعوها من قبل، ففي القانون ~~الوضعي نجد بشرا يقع عليهم عبء الظلم لأنه قانون لا يستوعب صيانة ~~الإنسان صيانة شاملة، وبعد حين من الزمن يتدخل المشرعون لتعديل قوانينهم، ~~وإلى أن يتم التقنين يقع البشر في دائرة الغبن وعدم الحصول على العدل. ~~أما الخالق سبحانه فقد برأ وخلق صنعته وهو أعلم بها لذلك لم يغبن أحدا ~~على حساب أحد فوضع تشريعاته السماوية، ولذلك يقول الحق: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين.. # [الإسراء: 82]. " شفاء " إذا وجد الداء من غفلة تطرأ علينا، " ورحمة " ~~وذلك حتى لا يأتي الداء. الحق سبحانه وتعالى يقول: { وإذا قيل ms1890 ~~لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول ~~رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا } [النساء: 61]. إنه ~~- سبحانه - يضع من الأحداث ما يفضحهم فيتصرفون بما يكشف نفاقهم، وبعد ذلك ~~يخطرهم الرسول ويعرف عنهم المجتمع أنهم منافقون. # وهم { يصدون عنك صدودا } [النساء: 61] أي يعرضون عنك يا رسول ~~الله لأنهم منافقون، وكل منافق عنده قضيتان: قضية لسانية وقضية قلبية فهو ~~باللسان يعلن إيمانه بالله وبرسول الله، وفي القلب تتعارض ملكاته عكس ~~المؤمن أو الكافر، فالمؤمن ملكاته متساندة لأن قلبه انعقد على الإيمان ~~ويقود انسجام الملكات إلى الهدى، والكافر أيضا ملكاته متساندة لأنه قال: ~~إنه لم يؤمن ويقوده انسجام ملكاته إلى الضلال، لكن المنافق يبعثر ~~ملكاته!! ملكة هنا وملكة هناك، ولذلك سيكونون في الدرك الأسفل من النار، ~~الكافر منطقي مع نفسه، فلم يعلن الإيمان لأن قلبه لم يقتنع، وكان من ~~الممكن أن يقول كلمة الإيمان لكن لسانه لا يرضى أن ينطق عكس ما في القلب، ~~وعداوته للإسلام واضحة، أما المنافق فيقول: يا لساني، أعلن كلمة الإيمان ~~ظاهرا كي أنفذ من هذا الإعلان إلى أغراضي وأن تطبق علي أحكام الإسلام ~~فأنتفع بأحكام الإسلام، وأنا من صميم نفسي إن وجدت فرصة ضد الإسلام ~~فسأنتهزها. ولذلك يقول الحق: { فكيف إذآ أصابتهم ~~مصيبة... }. ### || [4.62] # والمنافقون يواجهون تساؤلا: لماذا ذهبتم للطاغوت ليحكم بينكم وتركتم ~~رسول الله؟. فقالوا: نحن أردنا إحسانا، وأن نرفق بك فلا تتعب نفسك ~~بمشكلاتنا، ونريد أن نوفق توفيقا بعيدا عنك كيلا تصلك المسائل فتشق ~~عليك، ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطا على حكمك وهم يقولون هذا بعد أن ~~انفضحوا أمام الناس. { فكيف إذآ أصابتهم مصيبة.. } ~~[النساء: 62] والمصيبة هي الأمر يطرأ على الإنسان بما يضره في عرفه ~~ولأنهم منافقون فهم يريدون أن يكون هذا النفاق مكتوما، فإذا جاءت حادثة ~~لتفضحهم صارت مصيبة. على الرغم من أن الحادثة في واقعها ليست مصيبة. ~~فعندما نعرف المنافقين ونظهرهم أمام أنفسهم وأمام الناس فنحن نكفي أنفسنا ~~شرهم. وهم يريدون بالنفاق أمورا لأنفسهم. وهكذا يكون الكشف لنفاقهم ~~مصيبة بالنسبة لهم، هم يرون النفاق ms1891 نفعا لهم، فبه يستفيدون من أحكام ~~الإسلام وإجرائها وتطبيقها عليهم، وعندما ينفضح نفاقهم يشعرون بالمصيبة، ~~مثلهم كمثل الذي ذهب ليسرق، ثم فوجئ وهو داخل المكان ليسرق أن الشرطة ~~موجودة لتقبض عليه، وهذا في الواقع نعمة لأنها تضرب على أيدي المجرم ~~العابث، لكنها بالنسبة له مصيبة. وعندما تحدث لهؤلاء المنافقين مصيبة فهم ~~يحلفون بالله كذبا لأنهم يريدون استدامة نفاقهم، ويحاولون أن يعتذروا ~~عما حدث، يحلفون بالله إنهم بالذهاب إلى الطاغوت وأرادوا الإحسان ~~والتوفيق بينهم وبين خصومهم، لكن الحق يعلم ما يخفون وما يعلنون. فيقول ~~سبحانه: { أولئك الذين... }. ### || [4.63] # وناهيك بعلم الله، ولذلك يقول ربنا: # ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول.. # [محمد: 30]. يعني: نحن لو شئنا أن نقول لك من هم لقلنا لك ودللناك عليهم ~~حتى تعرفهم بأعيانهم، ولكن الله ستر عليهم إبقاء عليهم لعلهم يتوبون، ~~ولتعرفنهم من فحوى كلامهم وأسلوبهم. { أولئك الذين يعلم ~~الله ما في قلوبهم.. } [النساء: 63] لقد ذهبوا ليتحاكموا إلى ~~الطاغوت، وقد ذهبوا إلى هناك لعلمهم أنهم ليسوا على حق، ولأنهم إن ذهبوا ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسيحكم بالحق، والحق يضارهم ~~ويضايقهم، فهل كانوا بالفعل يريدون إحسانا وتوفيقا، أو كانوا لا ~~يريدون الحق؟، لقد أرادوا الحكم المزور. لذلك يأتي الأمر من الحق لرسوله: ~~{ فأعرض عنهم.. } [النساء: 63] لأنك إن عاقبتهم فقد أخذت منهم ~~حقك، والله يريد أن يبقي حقك ليقتص - سبحانه - لك منهم، وأعرض أيضا عنهم ~~لأننا نريد أن يظهر منهم في كل فترة شيئا لنعلم المجتمع الإيماني ~~اليقظة إلى أن هناك أناسا مدسوسين بينهم، لذلك لا بد من الحذر والتدبر. ~~كما أنك إذا أعرضت عنهم أسقطتهم من حساب دعوتك. { وعظهم.. } ~~[النساء: 63] أي قل لهم: استحوا من أفعالكم. { وقل لهم في ~~أنفسهم قولا بليغا } [النساء: 63] أي قل لهم قولا يبلغ ~~الغاية من النفس البشرية ويبلغ الغاية من الوعظ، أي يوعدهم الوعيد الذي ~~يخيفهم كي يبلغ من أنفسهم مبلغا، أو { وقل لهم في ~~أنفسهم.. } [النساء: 63] أي افضح لهم ما يسترون كي يعرفوا أن الله ~~مطلعك ms1892 على ما في أنفسهم فيستحوا من فعلهم ولا يفعلوه، قل لهم ذلك بدون أن ~~تفضحهم أمام الناس لأن عدم فضحهم أمام الناس يجعل فيهم شيئا من الحياء، ~~وأيضا لأن العظة تكون ذات أثر طيب إذا كان الواعظ في خلوة مع الموعوظ ~~فيناجيه ولا يفضحه، ففضح الموعوظ أمام الناس ربما أثار فيه غريزة العناد، ~~لكن عندما تعظه في السر يعرف أنك لا تزال به رحيما، ولا تزال تعامله ~~بالرفق والحسنى. { وعظهم وقل لهم في أنفسهم.. } ~~[النساء: 63] وإنك لو فعلت ذلك علنا فستعطي الأسوة لغيرك أن يفعل. والله ~~قد أطلعك على ما في قلوب هؤلاء من الكفر أما غيرك فلا يطلعه الله على غيب ~~ولو رمى أحدا بذنب أو كفر فلعله لا يصادف الحق والواقع وتشريعنا يقول ~~لنا: " ادرأوا الحدود بالشبهات ". والتطبيق لهذا التشريع نجده عندما يتم ~~القبض على سارق، لكن هناك شبهة في الاتهام، هذه الشبهة يجب أن تفسر في ~~صالح المتهم، وندرأ الحد لوجود شبهة فليس من مصلحة المسلمين أن نقول كل ~~يوم: إننا قطعنا يد سارق أو رجمنا زانية. # لكن إذا افتضحت الجرائم وليس في ارتكابها شبهة والمسألة واضحة فلا بد أن ~~نضرب على أيدي المجرمين. فنحن ندرأ الحد بالشبهة حتى لا نلحق ضررا أو ~~ننال من بريء، ونطق الحد حتى يرتدع كل من تسول له نفسه أمرا محرما ~~حتى لا يرتكب الأمر المحرم. وعندما يقام الحد في أي بيئة، فإنه لا يقام ~~إلا لفترة قليلة وتتراجع بعدها الجرائم، ولا يرى أحد سارقا أو زانيا. ~~إذن فقول الله: { وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا ~~بليغا } [النساء: 63] يعني: قل لهم ما يهددهم تهديدا يصل إلى أعماق ~~نفوسهم، أو { وقل لهم في أنفسهم.. } [النساء: 63] بأن تكشف ~~مستورات عيوبهم أو قل لهم في أنفسهم بينك وبينهم لأن هذا أدعي إلى أن ~~يتقبلوه منك ولا يوغر صدورهم ويثير فيهم غريزة العناد. ويقول الحق بعد ~~ذلك: { ومآ أرسلنا من رسول إلا ليطاع... }. ### || [4.64] # الغرض من إرسال الحق للرسول هو أن يعلم الناس شرع الله ms1893 المتمثل في ~~المنهج، وأن يهديهم إلى دين الحق. والمنهج يحمل قواعد هي: افعل، ولا ~~تفعل، وما لا يرد فيه " افعل ولا تفعل " من أمور الحياة فالإنسان حر في ~~اختيار ما يلائمه. وأي رسول لا يأتي بتكليفات من ذاته، بل إن التكليفات ~~تجيء بإذن الله، وهو لا يطاع إلا بإذن من الله. الرسول صلى الله عليه ~~وسلم جاء بطاعة الله إلا إن يفوض من الله في أمور أخرى، وقد فوض الحق ~~سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله الحق: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. فالمؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم - إذن عليهم طاعة ~~الرسول في إطار ما فوضه الله والله أذن له أن يشرع. ويتابع الحق: { ~~ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا ~~الله توابا رحيما } [النساء: 64]. وظلم النفس: أن تحقق لها ~~شهوة عاجلة لتورثها شقاء دائما. وظلم النفس أشقى أنواع الظلم، فمن ~~المعقول أن يظلم الإنسان غيره، أما أن يظلم نفسه فليس معقولا، وأي عاص ~~يترك واجبا تكليفيا ويقبل على أمر منهي عنه، قد يظن في ظاهر الأمر أنه ~~يحقق لنفسه متعة، بينما هو يظلم نفسه ظلما قاسيا فالذي يترك الصلاة ~~ويتكاسل أو يشرب الخمر أو يرتكب أي معصية نقول له: أنت ظلمت نفسك لأنك ~~ظننت أنك تحقق لنفسك متعة بينما أورثتها شقاء أعنف وأبقى وأخلد، ولست ~~أمينا على نفسك. والنفس - كما نعلم - تطلق على اجتماع الروح بالمادة، ~~وهذا الاجتماع هو ما يعطي النفس الإنسانية صفة الاطمئنان أو صفة الأمارة ~~بالسوء، أو صفة النفس اللوامة. وساعة تأتي الروح مع المادة تنشأ النفس ~~البشرية. والروح قبلما تتصل بالمادة هي خيرة بطبيعتها، والمادة قبلما ~~تتصل بالروح خيرة بطبيعتها فالمادة مقهورة لإرادة قاهرة وتفعل كل ما ~~يطلبه منها. فإياك أن تقول: الحياة المادية والحياة الروحية، وهذه كذا ~~وكذا. لا. إن المادة على إطلاقها خيرة، طائعة، مسخرة، عابدة، ~~مسبحة. والروح على إطلاقها كذلك، فمتى يأتي الفساد؟. ساعة تلتقي الروح ~~بالمادة ويوجد هذا التفاعل نقول: ms1894 أنت يا مكلف ستطمئن إلى حكم الله وتنتهي ~~المسألة أم ستبقى نفسك لوامة أم ستستمرئ المعصية وتكون نفسك أمارة ~~بالسوء؟ فمن يظلم من إذن؟. إنه هواك في المخالفة الذي يظلم مجموع النفس ~~من روحها ومادتها. فأنت في ظاهر الأمر تحقق شهوة لنفسك بالمخالفة، لكن في ~~واقع الأمر أنك تتعب نفسك، { ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم.. } [النساء: 64]. ولنعلم أن هناك فرقا بين أن يأتي ~~الفاحشة إنسان ليحقق لنفسه شهوة. # وأن يظلم نفسه، فالحق يقول: # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر ~~الذنوب إلا الله.. # [آل عمران: 135]. إذن فارتكاب الفاحشة شيء وظلم النفس شيء آخر، " فعل ~~فاحشة " قد متع إنسان نفسه قليلا، لكن من ظلم نفسه لم يفعل ذلك. فهو ~~لم يمتعها ولم يتركها على حالها، إذن فقد ظلم نفسه لا أعطاها شهوة في ~~الدنيا ولم يرحمها من عذاب الآخرة، فمثلا شاهد الزور الذي يشهد ليأخذ ~~واحد حق آخر، هذا ظلم قاس للنفس، ولذلك قال الرسول: # " بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي ~~كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا ". # { ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك ~~فاستغفروا الله.. } [النساء: 64]. وظلم النفس أيضا بأن يرفع ~~الإنسان أمره إلى الطاغوت مثلا، لكن عندما يرفع الإنسان أمره للحاكم، لا ~~نعرف أيحكم لنا أم لا وقد يهديه الله ساعة الحكم. إن قوله: { ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك.. } [النساء: 64] ~~فالمسألة أنهم امتنعوا من المجيء إليك يا رسول الله فأول مرتبة أن يرجعوا ~~عما فعلوه، وبعد ذلك يستغفرون الله لأن الذنب بالنسبة لعدم مجيئهم للرسول ~~قبل أن يتعلق بالرسول تعلق بمن بعث الرسول، ولذلك يقولون: إهانة الرسول ~~تكون إهانة للمرسل فصحيح أن عدم ذهابهم للرسول هو أمر متعلق بالرسول ~~ولكن إذا صعدته تجده متعلقا بمن بعث الرسول وهو الله، لأن الرسول لم يأت ~~بشيء من عنده، وبعد أن تطيب نفس الرسول فيستغفر الله لهم، إذن فأولا: ~~يجيئون، وثانيا: يستغفرون الله وثالثا: يستغفر لهم الرسول. ms1895 وبعد ذلك ~~يقول سبحانه: { لوجدوا الله توابا رحيما } [النساء: 64] ~~إذن فوجدان الله توابا رحيما مشروط بعودتهم للرسول بدلا من الإعراض ~~عنه ثم أن يستغفروا الله لأن الله ما أرسل من رسول إلا ليطاع بإذنه، ~~فعندما تختلف معه لا تقل: إنني اختلفت مع الرسول لا، إنك إن اختلفت معه ~~تكون قد اختلفت مع من أرسله وعليك أن تستغفر الله. ولو أنك استغفرت الله ~~دون ترضية الرسول فلن يقبل الله ذلك منك. فلا يقدر أحد أبدا أن يصلح ما ~~بينه وبين الله من وراء محمد عليه الصلاة والسلام. وحين يفعلون ذلك من ~~المجيء إلى الرسول واستغفارهم الله واستغفار الرسول لهم سيجدون الله ~~توابا رحيما، وكلمة " تواب " مبالغة في التوبة فتشير إلى أن ذنبهم ~~كبير. إن الحق سبحانه وتعالى خلق خلقه ويعلم أن الأغيار تأتي في خواطرهم ~~وفي نفوسهم وأن شهواتهم قد تستيقظ في بعض الأوقات فتنفلت إلى بعض الذنوب، ~~ولأنه رب رحيم بين لنا ما يمحص كل هذه الغفلة، فإذا أذنب العبد ذنبا ~~أربه الرحيم يتركه هكذا للذنب؟ لا، إنه سبحانه شرع له العودة إليه ~~لأن الله يحب أن يئوب عبده ويرجع إليه وإن غفل بمعصيته. إن الحق سبحانه ~~وتعالى يعلمنا كيف نزيل عنا آثار المعاصي، فقال: { ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جآءوك.. } [النساء: 64] فالعلاج من هذه أن ~~يجيئوك لأنهم غفلوا عن أنك تنطق وتبلغ من قبل الحق في التشريع وفي ~~الحكم، وبعد المجيء يستغفرون الله ويستغفر لهم الرسول، تأييدا ~~لاستغفارهم لله، حينئذ يجدون الله توابا رحيما. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~فلا وربك لا يؤمنون... }. ### || [4.65] # إذن لا بد أن نستقبل الإيمان بالإقبال على كل ما جاء به رسول الله، ~~فساعة حكم المنافقون غيره برغم إعلانهم للإسلام جاء الحكم بخروجهم من ~~دائرة الإيمان، وعلى المؤمنين أن يتعظوا بذلك. ونلحظ في قوله الحق: { ~~فلا وربك.. } [النساء: 65] وجود " لا " نافية، وأنه - سبحانه - ~~أقسم بقوله: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك.. } ~~[النساء: 65] ونعلم أن المنافقين قد ذهبوا فحكموا غير رسول الله، مع ~~أنهم شاهدون بأنه ms1896 رسول الله فكيف يشهدون أنه رسول الله، ثم يحكمون غيره ~~ولا يرضون بقضائه؟ وتلك قضية يحكم الحق فيها فيقول: لا، هذه لا تكون ~~أبدا. إذن ف " لا " النافية جاءت هنا لتنفي إيمانهم وشهادتهم أنه رسول ~~الله لأنهم حكموا غيره. فإذا ثبت أنهم شهدوا أنه رسول الله ثم ذهبوا ~~لغيره ليقضي بينهم إذا حدث هذا. فحكمنا في القضية هو: لا يكون لهم أبدا ~~شرف شهادة أنه رسول الله. وبعد ذلك أقسم الحق فقال: { فلا وربك ~~لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم.. } ~~[النساء: 65] ونحن الخلق لا نقسم إلا بالله، لكنه سبحانه له أن يقسم بما ~~شاء على ما يشاء، يقسم بالمادة الجبلية: # والطور # [الطور: 1]. ويقسم بالذاريات: # والذاريات ذروا # [الذاريات: 1]. والذاريات هي الرياح، ويقسم بالنبات: # والتين والزيتون # [التين: 1]. ويقسم بالملائكة: # والصافات صفا # [الصافات: 1]. ولكنك إن نظرت إلى الإنس فلن تجده أقسم بأحد من سيد هذا ~~الكون وهو الإنسان إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقسم بحياته ~~فقال: # لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون # [الحجر: 72]. و # لعمرك.. # [الحجر: 72] يعني: وحياتك يا محمد إنهم في سكرتهم يعمهون، أي هم في ~~غوايتهم وضلالهم يتحيرون فلا يهتدون إلى الحق، وأقسم الله بعد ذلك بنفسه، ~~فقال: # فورب السمآء والأرض إنه لحق.. # [الذاريات: 23]. وساعة يقول: # فورب السمآء والأرض.. # [الذاريات: 23] فلا بد أن يأتي بربويته لخلق عظيم نراه نحن، ولذلك قال: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57]. يعني إذا فكرت أيها الإنسان في خلق السماوات والأرض لوجدته ~~أكبر من خلق الناس. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الله ~~تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم.. } [النساء: 65] وهذا تكريم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ودليل على أن محمدا عليه الصلاة والسلام ذو منزلة عالية، إياكم أن ~~تظنوا أنه حين قال: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57] أن محمدا قد دخل في الناس، إنه سبحانه يوضح: لا، سأقسم به ~~كما أقسمت بالسماء والأرض، # فوربك لنسألنهم.. # [الحجر: 92]، ولماذا يقسم برب السماء والأرض ms1897 لأن الرب له قدرة عظيمة ~~هائلة، فهو يخلق ويربي، ويتعهد ويؤدب. # إن خلق السماوات والأرض يكفي فيها الخلق وناموس الكون والتسخير. لكن ~~عندما يخلق محمدا فلا يريد الخلق والإيجاد فقط، بل يريد تربية فيها ~~ارتقاءات النبوة مكتملة فيقول له: فوربك الذي خلقك، والذي سواك، والذي ~~رباك، والذي أهلك لأن تكون خير خلق الله وأن تكون خاتم الرسل، ولأن ~~تكون رحمة الله للعالمين، يقسم بهذا كله فيقول: { فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم.. } [النساء: ~~65] أبعد ما يدخل سبحانه فينا هذه المهابة بالقسم برب رسول الله نقول: لا ~~نحكم محمدا ومنهجه في حياتنا؟. إذن فقوله: { فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم.. } [النساء: ~~65] وحكم كل مادتها مثل " الحكم " و " التحكيم " و " الحكمة " و " ~~التحكم " وكل هذا مأخوذ من الحكمة وهي حديدة اللجام الذي يوضع في فم ~~الفرس يمنعه به صاحبه أن يشرد، ويتحكم فيه يمينا ويسارا، فكذلك " ~~الحكمة " تعوق كل واحد عن شروده في أخذ حق غيره، فالتحكيم والحكم، ~~والحكمة، كلها توحي بأن تضع الشيء في موضعه الصحيح. وكلمة { شجر.. } ~~[النساء: 65] مأخوذة من مادة الشين والجيم والراء وإذا رأيتها فافهم أنها ~~مأخوذة من الشجر الذي تعرفه. وهناك لا تلتصق ببعضها، وهناك نباتات تكبر ~~فيلتصق بعضها ببعض فتتشابك، كما نرى مثلا شجرا متشابكا في بعضه، ~~وتداخلت الأفرع مع بعضها بحيث لا تستطيع أيها الناظر أن تقول: إن هذه ~~ورقة هذه الشجرة أو ورقة تلك الشجرة. وإذا ما أثمرتا وكانتا من نوع واحد ~~لا تقدر أن تقول: إن هذه الثمرة من هذه الشجرة، ولا هذه الثمرة من تلك ~~الشجرة، أي أن الأمر قد اختلط. { شجر بينهم.. } [النساء: 65] أي ~~قام نزاع واختلاط في أمر، فأنت تذهب لتفصل هذه الشجرة عن تلك، وهذه ~~الثمرة عن تلك الثمرة، وساعة ترى أشجارا من نوع واحد، وتداخلت مع بعضها ~~واختلطت، لا يعنيك إن كنت جاني الثمرة أن تكون هذه الثمرة التي قطفتها من ~~هنا أو من هناك، فأنت تأخذ الثمرة حيث وجدت، لا يعنيك ms1898 أن تكون من هذه أو ~~من تلك، وإن كنت تستظل تحت شجر لا يعنيك أن تعرف هل جاء هذا الظل من ورق ~~هذه الشجرة أو من تلك الشجرة، فهذه فائدة اختلاط المتساوي، لكن إذا أردت ~~ورقة شجرة من نوع معين فأنتقيها لأنني أريدها لأمر خاص. والخلق كلهم ~~متساوون فكان يجب إن اختلطوا أن تكون المسألة مشاعا بينهم، لكن طبيعة ~~النفس الشح، فتنازعوا، ولذلك فالقاضي الذكي يقول للمتخاصمين: ~~أتريدان أن أحكم بينكما بالعدل أم بما هو خير من العدل؟ فيفزعان ويقولان: ~~أهناك خير من العدل؟. يقول: نعم إنه الفضل، فما دامت المسألة أخوة واحدة، ~~والخير عندك كالخير عندي فلا نزاع، أما إذا حدث الشجار فلا بد من ~~الفصل. # ومن الذي يفصل؟. إنه سيدنا رسول الله بحكم قول الحق: { فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم.. } [النساء: 65]، فالإيمان ليس قولة تقال فحسب وإنما هو قولة ~~لها وظيفة، فأن تقول: لا إله إلا الله وتشهد أن محمدا رسول الله فلا بد ~~أن لهذا القول وظيفة، وأن تحكم حركة حياتك على ضوء هذا القول، فلا ~~معبود إلا الله، ولا آمر إلا الله، ولا نافع إلا الله، ولا ضار إلا الله، ~~ولا مشرع إلا الله، فهي ليست كلمة تقولها فقط! وينتهي الأمر، ثم عندما ~~يأتيك أمر يحتاج إلى تطبيقها تفر منه. { فلا وربك لا ~~يؤمنون.. } [النساء: 65] بمنهج الإسلام { حتى يحكموك.. } ~~[النساء: 65] فهذا هو التطبيق { فيما شجر بينهم.. } [النساء: ~~65] ولا يصح أن يحكموك صوريا، بل لا بد أن يحكموك برضا في التحكيم، { ~~ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا.. } [النساء: 65] أي ~~ضيقا { مما قضيت.. } [النساء: 65]. فعندما يحكم رسول الله لا ~~تتوانوا عن حكمه ولا تضيقوا به { ويسلموا تسليما } [النساء: ~~65] أي يذعنوا إذعانا. إذن فالإيمان لا يتمثل في قول يقال وإنما في ~~توظيف ذلك القول. بأن تلجأ إليه في العمليات الحركية في الحياة، { فلا ~~وربك لا يؤمنون.. } [النساء: 65] حتى يترجم الإيمان إلى قضية ~~واقعية اختار الحق لها أعنف ساعات الحرج في النفس البشرية وهي ساعة ~~الخصومة ms1899 التي تولد اللدد والميل عن الحق، { فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا.. } [النساء: 65] لأنه قد يجد حرجا ~~ولا يتكلم. وانظروا إلى الثلاثة: الأولى: # ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك.. # [النساء: 64]، هذه واحدة، # فاستغفروا الله.. # [النساء: 64] هذه هي الثانية، # واستغفر لهم الرسول.. # [النساء: 64] هذه هي الثالثة، هذه ممحصات الذنوب، والذي يدخلك في حظيرة ~~الإيمان ثلاثة أيضا: { فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم.. } [النساء: 65] هذه هي الأولى، ~~{ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت.. } ~~[النساء: 65] هذه هي الثانية، و { ويسلموا تسليما } [النساء: ~~65] هذه هي الثالثة. إذن فالقولان في رسول الله صلى الله عليه وسلم: دخول ~~حظيرة إيمان، وخروج من غل ذنب. وهنا وقفة لا أبالغ إذا قلت: إنها شغلتني ~~أكثر من عشر سنين، هذه الوقفة حول قول الله: # ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا ~~الله توابا رحيما # [النساء: 64] ذلك يا رب تمحيص من عاصر رسولك صلى الله عليه وسلم، فما ~~بال الذين لم يعاصروه؟ فأين الممحص الذي يقابل هذا لمن لم يعاصر حضرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، والرسول إنما جاء للناس جميعا، فكيف يوجد ~~ممحص لقوم عاصروا رسول الله ثم يحرم من جاءوا بعد رسول الله من هذا ~~التمحيص؟ هذه مسألة ظلت في ذهني ولا أجد لها جوابا، إلا أني قلت: لقد ~~ثبت عندي وعند بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~مطمئنا المؤمنين في كافة العصور: حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ~~فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم تعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيرا ~~حمدت الله وإن رأيت شرا استغفرت لكم. # انظر إلى التطمين في قوله صلى الله عليه وسلم: # " تعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله، وإن رأيت غير ذلك ~~استغفرت لكم ". # فاستغفار الرسول لنا موجود. إذن فما بقي منها إلا أن نستغفر الله، وما ~~بقي إلا # جآءوك.. # [النساء: 64] أي يجيئون لسنتك ولما تركت ms1900 منها فصلى الله عليه وسلم هو ~~القائل: # " تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا ~~علي الحوض ". # فكما كان الأحياء يجيئونه، فنحن نجيء إلى حكمه وسنته وتشريعه، وهو ~~يستغفر لنا جميعا، إذن فهذه منتهية، فبقي أن نستغفر الله قائلين: نستغفر ~~الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه، نفعل ذلك إن ~~شاء الله. وقوله سبحانه وتعالى: { ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } [النساء: 65] أي ~~لا يجدوا حرجا عندما يذعنون لأي حكم تكليفي أو حكم قضائي، والحكم ~~التكليفي نعرفه في: افعل ولا تفعل، أما الحكم القضائي فهو عندما يتنازع ~~اثنان في شيء وهذا يقتضي أن نقبل الحكم في النزاع إذا ما صدر عن رسول ~~الله أو عن منهجه. إذن فلا بد أن نسلم تسليما في الاثنين: في الحكم ~~التكليفي، وفي الحكم القضائي. ويقول الحق بعد ذلك: { ولو أنا ~~كتبنا عليهم... }. ### || [4.66] # وهنا يساوي الحق بين الأمر بقتل النفس والأمر بالإخراج من الديار، ~~فالقتل خروج الروح من الجسد بقوة قسرية غير الموت الطبيعي، والإخراج من ~~الديار هو الترحيل القسري بقوة قسرية خارج الأرض التي يعيش فيها الإنسان، ~~إذن فعملية القتل قرينة لعملية الإخراج من الديار، فساعة يقتل الإنسان ~~فهو يتألم، وساعة يخرج من وطنه فهو يتألم، وكلاهما شاق على الإنسان، ~~ويأتي الحق بهذين الحكمين اللذين سبقا في قوم موسى عليه السلام، فالحق ~~يقول: # وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم ~~أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم ~~فاقتلوا أنفسكم.. # [البقرة: 54]. ويقال: إن قوم موسى عندما سمعوا هذا الحكم قام سبعون ~~ألفا منهم بقتل أنفسهم، ونعلم أيضا أن قوم موسى أخرجوا من ديارهم ~~وذهبوا في التيه. يقول سبحانه وتعالى: # قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون ~~في الأرض.. # [المائدة: 26]. أي لا يدخلونها ولا يملكونها، والحق هنا يوضح: أن ~~الإسلام لم يأت بمثل ما جاءت به الشرائع السابقة التي كانت التوبة فيها ~~تقتضي قتل النفس، تلك الشرائع التي رأت أن النفس تغوي صاحبها ms1901 بمخالفة ~~المنهج فلا بد أن يضيعها. ومن لطف الله أنه سبحانه لم يصدر علينا مثل هذا ~~الحكم، ولذلك فسيدنا عبد الله ابن مسعود، وسيدنا عمار بن ياسر، وثابت بن ~~قيس كل هؤلاء قالوا: والله لو أمرنا بهذا لفعلنا، وقال سيدنا عمر: والله ~~لو أمرنا بهذا لفعلنا والحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك. إذن فهذا لطف، ~~إنه بين لهم: لو كتبنا عليهم أن يقتلوا أنفسهم أو يخرجوا من ديارهم كما ~~حدث لقوم موسى. ماذا كانوا يفعلون؟ لكن ربنا استجاب لدعائهم: # ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به # [البقرة: 286]. لقد استجاب الحق لهم، لكن ماذا كان يحدث منكم لو كتب ~~عليكم ذلك؟ وسبب هذه الحكاية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم له ابن عمة ~~اسمه " الزبير بن العوام " وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وهناك واحد ~~آخر اسمه " حاطب بن أبي بلتعة " كانا في المدينة، ومن زار المدينة ~~المنورة يجد هناك منطقة اسمها " الحرة " وأرضها من حجارة سوداء كأنها ~~محروقة، وفيها بعض " الحيطان " أي: البساتين لأنهم يسمون البستان " ~~حائطا " ، فقد كانوا يخافون من طغيان السيل فيبنون حول الأرض المزروعة ~~حائطا، يرد عنها عنف السيل ويحدد الحيازة فيها، فكان لحاطب بن أبي بلتعة ~~أرض زراعية منخفضة عن أرض الزبير بن العوام، فالسيل يأتي أولا من عند ~~أرض الزبير ثم ينزل إلى أرض حاطب، ونعلم أن الأمطار تنزل ومتفرقة في مكان ~~ثم يتجمع الماء في جدول صغير يسمونه " شراج " ومنه يروون بساتينهم. # فلما جاء السيل وأرادوا أن يرووا بساتينهم حدث خلاف بين الزبير بن ~~العوام وحاطب بن أبي بلتعة، فأرض الزبير تعلو أرض حاطب، وحاطب يريد أن ~~تمر المياه لأرضه أولا ثم يروي الزبير أرضه بعد ذلك. فلما تحاكما إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم للزبير فقد كان الحق معه، ولم يكن ~~الرسول ليلوي الحق لمجرد القرابة، فمن الناس من يحكم بالظلم ليشتهر بين ~~الناس بالعدل، فقد يتخاصم ابنه ms1902 مع واحد آخر والحق مع ابنه، فلكيلا يقول ~~الناس: إنه جامل ابنه. يحكم على ابنه! وهذا ليس عدلا فالعدل أن تحكم ~~بالحق ثم تطلب من ابنك أن يتنازل عن حقه ليصبح عطاؤه لغيره فضلا. ~~فالشجاعة هي أن تحكم بالحق، وهناك شجاعة أقوى وهي أن تحكم بالحق، وإن كان ~~على نفسك، لأن الحق أعز من نفسك. ونص هذه الواقعة كما أوردها الإمام ~~البخاري في صحيحه بسنده قال: # " حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير أن ~~الزبير كان يحدث أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة كان يسقيان به كلاهما فقال رسول ~~الله عليه وسلم للزبير: اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري، ~~فقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم قال: اسق ثم احبس حتى يبلغ الجدر " # فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ للزبير حقه وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي فيه سعة له وللأنصاري، ~~فلما أحفظ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى للزبير حقه في ~~صريح الحكم، قال عروة: قال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ~~ذلك # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم.. # [النساء: 65]. فلما حكم رسول الله للزبير بأن يسقي زرعه ثم يرسل الماء ~~إلى جاره لم يعجب ذلك حاطب بن أبي بلتعة، فقال: لأن كان ابن عمتك، ~~والعربي يقول الكلمة ويترك لنباهة السامع أن يستنبط الباقي، وكأنه يعني: ~~حكمت له لأنه ابن عمتك. ولوى شدقيه، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لحظة علمه أن ابن أبي بلتعة لم يقدر عدالة الحق والحكم.. وكان كثير ~~من الناس ممن كانوا يتصيدون للإسلام يقولون: هو قد حكم أولا أن يروي ~~الزبير ثم يطلق الماء لحاطب، فلما غضب حاطب بن أبي بلتعة قال له: اسق ms1903 يا ~~زبير واستوف حقك، وخذ من الماء ما يكفيك ثم أرسله لجارك، فقالوا: لماذا ~~حكم أولا بأن يسقي ثم يرسل الماء إلى جاره ثم عدل في الحكم؟ الناس لم ~~تفهم أن أرض الزبير عالية بينما أرض حاطب منخفضة، وأنتم إذا نظرتم إلى أي ~~واد تجدون الخضرة والخصب في بطن الوادي وليس في السفح لأن الماء وإن جاء ~~من الأرض العالية سينزل إلى الأرض المنخفضة، وإذا رويت المنخفض أولا ~~وأعطيته لا يصيب العالي شيء. # إذن فالحكم الأول كان مبنيا على التيسير والفضل من الزبير، والحكم ~~الثاني جاء مبنيا على العدل، ورسول الله بالحكم الثاني - وهو أن يستوفي ~~الزبير حقه ويأخذ من الماء ما يكفيه - كأنه قال له: سنعدل معك بعدما كنا ~~نجاملك، فقال الحق سبحانه وتعالى: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما # [النساء: 65]. وإذا كان هذا هو الأمر فكيف لو فعلنا بهم مثلما فعل ~~الرسول من الأمم السابقة؟ عندما أمروهم أن يقتلوا أنفسهم أو أن يخرجوا من ~~ديارهم، هذا الحكم لم ينفذه إلا عدد قليل منهم وهم الثابتون في الإيمان. ~~وهكذا نعلم أن الحق لم يخل الأمة من ممتثلين ملتزمين يؤدون أمر الله كما ~~يجب. { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به.. } [النساء: 66] ~~ولو فرضنا أن الله قال: اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ثم بعد ذلك ~~فعلوه لوجدوا في ذلك الخير عما كان في بالهم لأن الناس يجب أن تفطن إلى ~~أن تسأل نفسها ما غاية المؤمن حين يؤمن بإله؟ وما غاية هذا الإيمان؟ أنت ~~في دنياك تعيش مع أسباب الله المخلوقة لك، وحين تنتقل إلى الله تعيش مع ~~المسبب، فما الذي يحزنك عندما قال لك: اقتل نفسك؟ إنه قال لك: اقتل نفسك ~~لماذا؟ لأنك تنتقل للمسبب وتحيا دون تعب. إن الحكم من الله هو ارتقاء ~~بالإنسان، ونحن في حياتنا الدنيا نجد من يدق الجرس فيأتيه الطعام، ويدق ~~الجرس فيأتيه الشاي، ويدق الجرس فتأتيه الحلوى. لكن لا يمكن ms1904 أن ترتقي ~~الدنيا إلى أن يوجد ارتقاء بحيث إذا خطر الشيء ببال الإنسان وجد الشيء ~~أمامه، فلا يدق جرسا ولا يجهد نفسه، فبالله الذي يعيش في الأسباب ثم ~~نريد أن ننقله إلى أن يعيش مع المسبب، فهل هذه تحزنه؟ لا لأنهم سيجدون ~~خيرا أكثر. إنك: لو قارنت الأمر لوجدت الدنيا عمرها بالنسبة لك مظنون، ~~ومحدود، ونعيمك على قدر إمكاناتك. لكنك حين تنتقل إلى لقاء الله لا تكون ~~محدودا، لا بعمرك ولا بامكاناتك بل تعيش زمنا ليس له حدود، وتنعم فيه ~~على قدر سعة فضل الله. { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ~~لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا } [النساء: 66] وهذا الخير ~~أشد تثبيتا لغيرهم لأن من يرونهم ينفذون حكم الله. فلا بد أنهم وثقوا ~~أنهم سيذهبون إلى خير مما عندهم. إذن فهو يثبت من بعدهم. أو المعنى: لو ~~أنهم فعلوا ما أمروا به من اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وطاعته والانقياد لما يراه ويحكم به لأنه الذي لا ينطق عن الهوى لكان ذلك ~~خيرا لهم في دنياهم وأخراهم وأقوى وأشد تثبيتا واستقرارا للإيمان في ~~قلوبهم وأبعد عن الاضطراب فيه. ### || [4.67] # فهم إذا فعلوا ما يوعظون به، { وإذا لأتيناهم من لدنآ ~~أجرا عظيما } [النساء: 67] وساعة تسمع { من لدنآ.. } ~~[النساء: 67] اعرف أنها ليست من شأن ولا فعل الخلق، بل من تفضل الخالق. ~~فالحق سبحانه وتعالى يرسل لنا منهجه بوساطة الرسل، لكنه يوضح أن بعضا من ~~الناس منحهم عطفا وأعطاهم من لدنه علما، فهو القائل: # فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65]. أي أن العلم الذي أعطاه الله لذلك العبد لم يعلمه ~~موسى، وعطاء الله للعلم خاضع لمشيئته، ونعرف من قبل أن الحسنات والأعمال ~~لها نظام، فمن يعمل خيرا يأخذ مقابله كذا حسنة، ولكن هناك أعمال ~~حسناتها من غير حساب ويجازي عليها الحق بفضله هو. وأضرب هذا المثل - ولله ~~المثل الأعلى - نحن نجد ذلك متمثلا لنا في كثير من تصرفاتنا، تقول لابنك ~~مثلا: يا بني كم أجرك ms1905 عندي من هذا العمل؟ فيقول لك: مائة جنيه. فتقول ~~له: هذه مائة هي أجرك، وفوقها خمسون من عندي أنا، ماذا تعني " من عندي ~~أنا " هذه؟ إنها تعني أنه مبلغ ليس له دخل بأجر العمل. # ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم.. # [النساء: 66] لقد عرفنا من قبل أن هناك فرقا بين القتل والموت، صحيح أن ~~كليهما فيه إذهاب للحياة، لكن الموت: إذهاب للحياة بدون نقض البنية ~~للجسم، ولكن القتل: إذهاب للحياة بنقض البنية كأن يكسر إنسان رأس إنسان ~~آخر، أو يطلق رصاصة توقف قلبه، وهذا هدم للبنية، والروح لا تحل إلا في ~~بنية لها مواصفات، والروح لم تذهب أولا. بل إن البنية هدمت أولا. فلم ~~تعد صالحة لسكنى الروح، والمثل المعروف هو مصباح الكهرباء: إنك إن رميت ~~عليه حجرا صغيرا، ينكسر وينطفئ النور برغم أن الكهرباء موجودة لكنها لا ~~تعطي نورا إلا في وعاء له مواصفات خاصة، فإذا ذهبت هذه المواصفات الخاصة ~~يذهب النور، فتأتي بمصباح جديد له المواصفات الخاصة الصالحة فتجد النور ~~قد جاء. وكذلك الروح لا تسكن إلا في جسم له مواصفات خاصة، فإن جئت لهذه ~~المواصفات الخاصة وسيدها المخ، وضربته ضربة قاسية، فقد نقضت البنية، وفي ~~هذه الحالة تغادر الروح الجسد لأنه غير صالح لها، لكن الموت يأتي من غير ~~نقض للبنية، ومصداق ذلك هو قول الحق سبحانه وتعالى: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم.. # [آل عمران: 144]. أي أن هناك أمرين: هناك موت، وهناك قتل، فالموت هو سلب ~~الحياة، والقتل هو سلب الحياة، ولكن القتل سلب الحياة بعد نقض البنية ~~التي تسكن فيها الروح، ويختلف عن الموت لأن الموت هو خروج الروح دون قتل، ~~ولذلك يقولون: مات حتف أنفه. # أي مات على فراشه ولم يحدث له أي شيء. والذي يقتل في الشهادة يقول فيه ~~ربنا: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]. فإذا كان من يقاتل في سبيل الله قد ms1906 امتثل لأمر الله ~~فسوف يجد فضلا أكثر، فكيف يكون جزاء من يقتل نفسه امتثالا لأمر ربه؟ إن ~~امتحان النفس يكون بالنفس، وليس امتحان النفس بالعدو. وما الميزة في ~~سيدنا إبراهيم؟ هل قال له الحق: أنا سأميت ولدك؟ أقال له إن واحدا آخر ~~سيقتل ابنك؟ لا، بل قال له: اذبحه أنت. وهذه هي ارتقاء قتل النفس، فيفدي ~~الحق إسماعيل عليه السلام بكبش عظيم. إذن فإذا جاء الأمر بأن يقتل ~~الإنسان نفسه فلا بد أن هناك مرتبة أعلى. { ولو أنهم فعلوا ~~ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا * ~~وإذا لأتيناهم من لدنآ أجرا عظيما } [النساء: ~~66-67]. ويقول الحق بعد ذلك: { ولهديناهم صراطا... }. ### || [4.68] # ونحن أمام أمرين: إما أن يقتلوا، وإما أن يخرجوا من ديارهم، فقوله: { ~~ولهديناهم صراطا مستقيما } [النساء: 68] لمن؟ للذي ~~قتل أم لمن خرج؟ هو قول لمن أخرج من دياره لأنه ما زال على قيد ~~الحياة. ويقول الحق بعد ذلك: { ومن يطع الله... }. ### || [4.69] # والفعل هنا: { يطع.. } [النساء: 69] والمطاع هو: الله والرسول، أي أن ~~هذا الأمر تشريع الله مع تطبيق رسوله، أي بالكتاب والسنة، وساعة تجد ~~الرسول معطوفا على الحق بدون تكرير الفعل فاعلم أن المسألة واحدة.. أي ~~ليس لكل واحد منهما أمر، بل هو أمر واحد، قول من الله وتطبيق من الرسول ~~لأنه القدوة والأسوة ولذلك يقول الحق في الفعل الواحد: # وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا ~~وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله فإن يتوبوا يك.. # [التوبة: 74]. فما أغناهم الله غنى يناسبه وأغناهم الرسول غنى يناسبه ~~فالفعل هنا واحد. فالغنى هنا من الله ورسوله لأن الرسول لا يعمل إلا بإذن ~~ربه وامتثالا لأمره، فتكون المسألة واحدة. هناك قضية تعرض لها الكتاب ~~وهي قضية قد تشغل كثيرا من الناس الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، كان مجلسه صلى الله عليه وسلم لا يصد عنه قادم، يأتي فيجلس حيث ~~ينتهي به المجلس، فالذي يريد النبي دائما يستمر في جلوسه، والذي يريد أن ~~يراه كل فترة ms1907 يأتي كلما أراد ذلك فثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قليل الصبر عنه، ~~فأتاه يوما ووجهه متغير وقد نحل وهزل جسمه، وعرف الحزن في وجهه، فسأله ~~النبي قائلا: ما بك يا ثوبان؟ فقال والله ما بي مرض ولا علة، ولكني أحبك ~~وأشتاق إليك، وقد علمت أني في الدنيا أراك وقتما أريد، لكنك في الآخرة ~~ستذهب أنت في عليين مع النبيين، وإن دخلت الجنة كنت في منزل دون منزلك، ~~وإن لم أدخل فذاك حين لا أراك أبدا. ونص الحديث كما رواه ابن جرير - ~~بسنده - عن سعيد بن جبير قال: # " جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو محزون - ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " يا فلان مالي أراك محزونا "؟ فقال: ~~يا نبي الله شيء فكرت فيه فقال: " ما هو "؟ قال: نحن نغدو عليك ونروح ~~ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد ~~عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا فأتاه جبريل بهذه الآية: { ~~ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين.. } ، فبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم إليه فبشره ". # وكيف تأتي هذه على البال؟! إنه إنسان مشغول بمحبته لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفكر: هل ستدوم له هذه النعمة؟ وتفكر في الجنة ومنازلها وكيف ~~أن منزلة الرسول ستعلو كل المنازل. # وثوبان يريد أن يطمئن على أن نعمة مشاهدته للنبي صلى الله عليه وسلم لن ~~تنتهي ولن تزول منه، إنه يراه في الدنيا، وبعد ذلك ماذا يحدث في الآخرة: ~~فإما أن يدخل الجنة أو لا يدخلها، إن لم يدخل الجنة فلن يراه أبدا. وإن ~~دخل الجنة والنبي في مرتبة ومكانة عالية. فماذا يفعل؟ انظر كيف يكون الحب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله سبحانه وتعالى يلطف بمثل هذا المحب ~~الذي شغل ذهنه بأمر قد لا يطرأ على بال الكثيرين، فيقول الحق سبحانه ~~وتعالى تطمينا لهؤلاء: ms1908 { ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك.. } [النساء: 69] أي المطيعون لله والرسول { مع ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين ~~والصديقين والشهدآء والصالحين وحسن أولئك ~~رفيقا } [النساء: 69] والمسألة جاءت خاصة بثوبان، بعد أن نبه الأذهان ~~إلى قضية قد تشغل بال المحبين لرسول الله، فأنت مع من أحببت، ولكن الأمر ~~لا يقتصر على ثوبان. لقد كان كلام ثوبان سببا في الفتح والتطمين لكل ~~الصديقين والشهداء والصالحين. وهي أصناف تستوعب كل المؤمنين، فأبو بكر ~~الصديق صديق لماذا؟ لأنه هو: المبالغ في تصديق كل ما يقوله سيدنا ~~رسول الله، ولا يعرض هذا القول للنقاش أو للتساؤل: أي هذه تنفع أو لا ~~تنفع؟ فعندما قالوا لسيدنا أبي بكر: إن صاحبك يدعي أنه أتى بيت المقدس ~~وعاد في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل، ماذا قال أبو بكر؟ قال: إن ~~كان قال ذلك لقد صدق. لم يعلل صدقه إلا ب " إن كان قد قال ذلك " ، فهذا ~~هو الصديق الحق، فكلما قال محمد شيئا صدقه أبو بكر، وأبو بكر - رضوان ~~الله عليه - لم ينتظر حتى ينزل القرآن مصدقا للرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - بل بمجرد أن قال صلى الله عليه وسلم: إني رسول. قال أبو بكر: نعم. ~~إذن فهو صديق. لقد كانت هناك تمهيدات لأناس سبقوا إلى الإسلام لأن ~~أدلتهم على الإيمان سبقت بعثة الرسول، هم جربوا النبي عليه الصلاة ~~والسلام، وعرفوه، فلما تحدث بالرسالة، صدقوه على الفور لأن التجارب ~~السابقة والمقدمات دلت على أنه رسول، ومثال ذلك: سيدتنا خديجة - رضوان ~~الله عليها - ماذا قالت عندما قال لها النبي: إنه يأتيني كذا وكذا وأخاف ~~أن يكون هذا رئيا ومسا من الجن يصيبني. فقالت خديجة: " كلا والله ~~ما يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، ~~وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ". وهذا أول استنباط فقهي في الإسلام. ~~هذا هو معنى { من النبيين والصديقين.. } [النساء: 69]، { ~~والشهدآء.. } [النساء: 69] هم الذين قتلوا في سبيل الله، لكن على ~~المؤمن حين يقاتل في سبيل الله ألا يقول: أنا أريد أن أموت شهيدا. ms1909 # ويلقي بنفسه إلى التهلكة، إياك أن تفهمها هكذا، فأنت تدافع عن رسالة ولا ~~بد أن تقاتل عدوك بدون أنك تمكنه من أن يقتلك لأن تمكينه من قتلك، يفقد ~~المسلمين مقاتلا، فكما أن الشهداء لهم فضل فالذين بقوا بدون استشهاد لهم ~~فضل. فالإسلام يريد أدلة صدق على أن دعوته حق، وهذه لا يثبتها إلا ~~الشهداء. لكن هل يمكن أن نصبح جميعا شهداء؟ ومن يحمل منهج الله إلى ~~الباقين؟ إذن فنحن نريد من يبقى ومن يذهب للحرب، فهذا له مهمة وهذا له ~~مهمة، ولذلك كانت " التقية " وهي أن يظهر رغبته عن الإسلام ويوالي الكفار ~~ظاهرا وقلبه مطئمن بالعداوة لهم انتظارا لزوال المانع وذلك استبقاء ~~لحياته كي يدافع ويجاهد في سبيل الله. وسببها أن الإسلام يريد من يؤكد ~~صدق اليقين في أن الإنسان إذا قتل في سبيل الله ذهب إلى حياة أفضل وإلى ~~عيش خير، هذا يثبته الشهيد. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى عندما تأتيهم ~~غرغرة الشهادة يريهم ما هم مقبلون عليه، فيتلفظون بألفاظ يسمعها من لم ~~يقبل على الشهادة فهناك من يقول: هبي يا رياح الجنة، ويقول كلمة يتبين ~~منها أنه ينظر إلى الجنة كي يسمع من خلفه، ومفرد شهداء، إما شهيد وهو ~~الذي قتل في سبيل الله، وإما هي جمع شاهد، فيكون الشهداء هم الذين ~~يشهدون عند الله أنهم بلغوا من بعدهم كما شهد رسول الله أنه بلغهم. ~~والمعاني كلها تدور حول معنى أن يشهد شيئا يقول به وبذلك نعرف أننا ~~نحتاج إلى الاثنين: من يقتل في سبيل الله، ومن يبقى بدون قتل في سبيل ~~الله لأن الأول يؤكد صدق اليقين بما يصير إليه الشهيد، والثاني يعطينا ~~بقاء تبليغ الدعوة فهو شاهد أيضا: # لتكونوا شهدآء على الناس.. # [البقرة: 143]. و { والصالحين.. } [النساء: 69] والصالح هو المؤهل ~~لأن يتحمل لأن يتحمل مهمة الخلافة الإيمانية في الأرض. فكل شيء يؤدي ~~نفعا يتركه على حاله، وإن أراد أن يزيد في النافع فليرق النفع منه، ~~فمثلا: الماء ينزل من السماء، وبعد ذلك يكون جداول، ويسير في الوديان، ~~وتمتصه ms1910 الأرض فيخرج عيونا، فعندما يرى عينا للمياه فهو يتركها ولا ~~يردمها فيكون قد ترك الصالح على صلاحه، وهناك آخر يرقى النفع من تلك ~~النعمة فيبني حولها كي يحافظ عليها. إذن فهذا قد أصلح بأن زاد في صلاحه. ~~وهناك ثالث يقول: بدلا من أن يأتي الناس من أماكنهم متعبين بدوابهم ~~ليحملوا الماء في القرب أو على رءوس الحاملين، لماذا لا أستخدم العقل ~~البشري في الارتقاء بخدمة الناس لينتقل الماء إلى الناس في أماكنهم، وهنا ~~يصنع الصهاريج العالية ويصلها بمواسير وأنابيب إلى كل من يريد ماء فيفتح ~~الصنبور ليجد ما يريد. # ومن فعل ذلك يسر على الناس، فيكون مصلحا بأن جاء إلى الصالح في ذاته ~~فزاده صلاحا. ويختم الحق الآية بقوله: { وحسن أولئك رفيقا ~~} [النساء: 69]. و { أولئك.. } [النساء: 69] تعني النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين، ولا توجد رفقة أفضل من هذه، والرفيق هو: ~~المرافق لك دائما في الإقامة وفي السفر، ولذلك يقولون: خذ الرفيق قبل ~~الطريق، فقد تتعرض في الطريق لمتاعب وعراقيل لأنك خرجت عن رتابة عادتك ~~فخد الرفيق قبل الطريق. ونعرف أن الأصل في المسائل المعنوية: كلها منقولة ~~من الحسيات، وفي يد الإنسان يوجد المرفق.. يقول الحق: # فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق.. # [المائدة: 6]. وساعة يكون الواحد مرهقا ورأسه متعبا يتكئ على مرفقه ~~ليستريح، وساعة يريد أن ينام ولم يجد وسادة يتكئ على مرفقه أيضا. إذن ~~فالمادة كلها مأخوذة من الرفق، فالرفيق مأخوذ من الرفق و " المرافق " ~~مأخوذة من الرفق لأنها ترفق بالجسم وتريحه، وفي كل بيت توجد المرافق وهي ~~مكان إعداد الطعام وكذلك دورة المياه، وفي الريف تزيد المرافق ليوجد مكان ~~لمبيت الحيوانات التي تخدم الفلاح، وبيوت الفقراء قد تكون حجرة واحدة ~~فيها مكان للنوم، ومكان للأكل، وقد يربط الفقير حماره في زاوية من ~~الحجرة، لكن عندما يكون ميسور الحال فهو يمد بيته بالمرافق المكتملة. أي ~~يكون في المنزل مطبخ مستقل، ومحل لقضاء الحاجة، وحظيرة مستقلة للمواشي، ~~وكذلك يكون هناك مخزن مستقل، وهذه كلها اسمها " مرافق " لأنها تريح كل ~~الناس. إذن فقوله: { وحسن ms1911 أولئك رفيقا } [النساء: 69] ~~مأخوذة من الرفق وهو: إدخال اليسر، والأنس، والراحة، ويكون هذا الإنسان ~~الذي أطاع الله ورسوله بصحبة النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين. ~~قد يقول قائل: كيف يجتمع كل هؤلاء في منزلة واحدة على الرغم من اختلاف ~~أعمالهم في الدنيا، أليس الله هو القائل: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]. ونقول: ما دام المؤمن أطاع الله وأطاع الرسول، أليس ذلك في ~~سعيه؟ فهذه الطاعة والمحبة لله ولرسوله هي من سعي العبد وعلى ذلك فلا ~~تناقض بين الآيتين، لأن عمل الإنسان هو سعيه، ويصبح من حقه أن يكون في ~~معية الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. وقد تكون الصحبة تكريما ~~لهم جميعا ليأنسوا بالصحبة، وهذه المسألة ستشرح لنا قوله: # ونزعنا ما في صدورهم من غل.. # [الأعراف: 43]. فساعة يرى واحد منزلته في الآخرة أعلى من آخر، إياك أن ~~تظن أنه سيقول: منزلتي أعلى من هذا لأنه ما دام قد ترك الأسباب في الدنيا ~~وعاش مع مسبب الأسباب، فهو من حبه لله يحب كل من سمع كلام ربنا في ~~الدنيا فيقول لكل محب لله: أنت تستحق منزلتك، ويفرح لمن منزلته أعلى ~~منه. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - لنفرض أن هناك فصلا فيه ~~تلاميذ كثيرة، بعضهم يحب أن ينجح فقط، وبعضهم يحب العلم لذات العلم، ~~وعندما يجد عشاق العلم تلميذا نجيبا، أيكرهونه أم يحبونه؟ إنهم يحبونه ~~ويسألونه ويفرحون به ويقولون: هذا هو الأول علينا لأنه لا يحب نفسه بل ~~يحب الآخرين، فكذلك المؤمن الذي يكون في منزلة بالجنة ويرى غيره في منزلة ~~أعلى، إياك أن تقول إن نفسه تتحرك عليه بالغيرة، لا، لأنه من حبه لربه ~~وتقديره له يحب من كان طائعا لله ويفرح له، مثله مثل التلميذ الذي ينال ~~مرتبة عالية فيحب التفوق للآخرين من غير حقد. # وهكذا نجد أن الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لا تخدش قول الحق: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]. وهناك بحث آخر في قوله الحق: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]. ف " اللام " تفيد ms1912 الملك والحق، كقولنا: ليس لك عندي إلا ~~كذا، أي أن هذا حقك، فقوله: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39] أي هي حق للمؤمن وقد حددت العدل في الحق ولم تحدد الفضل، ~~ولذلك قال بعدها: { ذلك الفضل... }. ### || [4.70] # فالفضل من الله يستمد حيثيته من سعى الإنسان، فقوله: # " وأن ليس للإنسان إلا ما سعى " # [النجم: 39] حددت الحق الذي لك والذي توجبه عدالة التكليف، لكن ربنا لم ~~يقل: إن هذا العطاء لله من الحق والعدل. بل هو من الفضل، والفضل من الله ~~هو مناط فرح المؤمن لأنك مهما عملت في التكليف فلن تؤديه كما يجب بالنسبة ~~لله، ولذلك أوضح سبحانه لنا: تنبهوا، أنا كلفتكم وقد تعملون وتجتهدون، ~~لكن لا تفرحوا مما سيجمعه هذا العمل من حسنات، ولكن سيكون فرحكم بما ~~يعطيكم ربكم من فضله قال سبحانه: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. وذلك الفضل من الله يرد على من يقول: كيف يجيء " ثوبان " ~~أو من دون " ثوبان " ويكون في الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء ومع ~~الصالحين، ونقول: لو لم تكن منزلته أدنى لما كان في ذلك تفضل، إنه ينال ~~الفضل بأن كانت طاعته لله ولرسوله فوق كل طاعة، أما حبه لله وللرسول، ~~فهذا من سعيه وعمله بتوفيق الله له - وما توفيقي إلا بالله - والفضل هو ~~مناط فرح المؤمن، { ذلك الفضل من الله وكفى بالله ~~عليما } [النساء: 70]. ونحن نرضى ونفرح ونكتفي بعلم الله لأنه سبحانه ~~يرتب أحكامه على علم شامل ومحيط، ويعرف صدق الحب القلبي وصدق الودادة، ~~وصدق تقدير المؤمن لمن زاد عنه في المنزلة. وبعد أن أمن الحق لنا ~~داخلية وطننا الإيماني، وتجمعنا الإسلامي بالأصول التي ذكرها، وهي: أن ~~نؤدي الأمانات، وإذا أدينا الأمانات فلن نحتاج إلى أن نتقاضى، فإذا غفل ~~بعضنا ولم يؤد أمانة، وحدث نزاع فسيأتي الحكم بالعدل. وبعد ذلك نحتكم في ~~كل أمورنا إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نحتكم إلى ~~الطواغيت، وهات لي مجتمعا إيمانيا واحدا يؤدي الأمانة ولا ms1913 يشعر ~~بالاطمئنان. وعرفنا أن الأمانة هي: حق لغيرك في ذمتك أنت تؤديه، وكل ما ~~عداك غير. وأنت غير بالنسبة لكل ما عداك، فتكون كلها مسألة في الخير ~~المستطرق للناس جميعا، وإذا حدثت غفلة يأتي العدل. والعدل يحتاج حكما، ~~وعندما نأتي لنحكم نحتكم لله وللرسول، وإياك أن تتحاكم إلى الطاغوت. وكان ~~" كعب بن الأشرف " يمثل الطاغوت سابقا، والآن أيضا يوجد من هم مثل كعب ~~بن الأشرف. بل هناك طواغيت كثيرة. إنك إذا رأيت خللا في العالم الإسلامي ~~فاعلم أن هناك خللا في تطبيق التكليف الإسلامي، فكيف تستقيم لنا الأمور ~~ونحن بعيدون عن منهج تكاليف الإسلام المكتملة؟ ولو استقامت الأمور لكانت ~~شهادة بأن هذا المنهج لا ضرورة له. لكن إذا حدث شيء فهذا دليل صدق ~~التكليف. # وبعد أن طمأننا على المصير الأخروي مع النبيين والصديقين والشهداء أوضح ~~سبحانه: لاحظوا أن كل رسالة خير تأتي من السماء إلى الأرض ما جاءت إلا ~~لمحاربة فساد وقضاء على فساد طام في الأرض لأن النفس البشرية إما أن يكون ~~لها وازع من نفسها بحيث إنها قد تهم مرة بمعصية ثم توبخ نفسها وتعود إلى ~~المنهج، فتكون مناعتها ذاتية، وإما أن المناعة ليست ذاتية في النفس بل ~~ذاتية في البيئة، فمثلا نجد واحدا لا يقدر على نفسه. لكنه يجد واحدا ~~آخر يقول له: " هذا عيب ". وهذا يعني أن البيئة ما زال فيها خير، وكانت ~~الأمم السابقة قد خلت من المناعة وصارت على هيئة ومسلك واحد وهو ما يصوره ~~الحق بقوله: # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.. # [المائدة: 79]. إذن فقد فسدت مناعة الذات، ولا توجد مناعة في المجتمع، ~~فتتدخل - إذن - السماء. لكن الحق فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم وميزها ~~على غيرها من الأمم لأن مناعتها دائما في ذوات أفرادها. فإن لم تكن في ~~ذوات الأفراد ففي المجموع، فلا يمكن أن يخلو المجتمع الإيماني من فرد ~~يقول: لا، ولذلك لن يأتي رسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو ~~كانت ستحدث طامة وفسد بها المجتمع ولا ms1914 نجد فيه من يقول: لا، لكان ولا بد ~~أن يأتي رسول، لكن محمدا كان خاتم النبيين لأن الله سبحانه وتعالى فضل ~~أمة محمد بأن جعل وازعها دائما إما من ذاتها بحيث يرد كل فرد نفسه ~~وتكون نفسه لوامة، وإما مناعة في المجتمع وكل واحد فيه يوصي، وكل واحد ~~يوصى، واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3]. تواصوا لماذا؟ لأن النفس البشرية أغيار، فقد تهيج نفسي ~~لأخرج عن المنهج مرة فواحد آخر ينهاني، وأنا أردها له وأهديه وأرشده إلى ~~الصراط المستقيم، وواحد آخر أخطأ فأنا أقول له وأنهاه. إذن فقوله: { ~~وتواصوا.. } [العصر: 3] يعني: ليكن كل واحد منكم موصيا وموصى. ~~فكلنا ينظر بعضنا ويلاحظه من ضعف في شيء يجد من يقومه، فلا ينعدم أن ~~يوجد في الأمة المحمدية موص بالخير وموصى أيضا بالخير، وتوجد في النفس ~~الواحدة أنه موص في موقف وموصى في موقف آخر بحيث لا يتأبى إن وصاه ~~غيره لأنه كان يوصى بالأمس، وكما قالوا: " رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي ~~". وبعد أن استكمل الحق بناء البيئة الإيمانية برسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وصرتم أنتم آخر الأمم. فهو سبحانه يطمئننا على أن الشر لا يطم ~~عندنا وستبقى فينا مناعة إيمانية حتى وإن لم يلتزم قوم فسيلتزم آخرون. # وإن لم يلتزم الإنسان في كل تصرفاته، فسيلتزم في البعض ويترك البعض، ولو ~~لم تتدخل المساء بمنهج قويم لصار العالم متعبا. وكيف يتعب العالم؟ إن ~~العالم يتعب إذا تعطلت فيه مناهج الحق الذي استخلفنا في الأرض. فتطغى ~~مظاهر الجبروت والقوة على مظاهر الضعف. ويتحكم في كل إنسان هواه. وفي ~~عالمنا المعاصر نرى حتى في الأمم التي لا تؤمن بدين لا تترك شعوبها لهوى ~~أفرادها، بل ينظمون الحياة بتشريعات قد تتعبهم، ووضعت الأمم غير المتدينة ~~لنفسها نظاما يحجز هوى النفس، ونقول لهم: أنتم عملتم على قدر فكركم، ~~وعلى قدر علمكم بخصال البشر، وعلى قدر علمكم بالطبائع وأنتم تجنيتم في ms1915 ~~هذه لأنكم تقننون لشيء لم تخلقوه بشيء لم تصنعوه. وأصل التقنين: أن تقنن ~~لشيء صنعته، كما قلنا: إن الذي يضع برنامج الصيانة لأي آلة هو من صنع ~~الآلة، فالذي صنع التليفزيون أيترك الجزار يضع للتليفزيون برنامج ~~الصيانة؟ لا، فمن صنع التليفزيون هو الذي يضع قانون صيانته، فما بالنا ~~بالذي خلقنا؟ إنه هو الذي يضع قانون صيانتي: ب " افعل ولا تفعل " ، ~~فأنتم يا بشر تتحكمون في أشياء بأهواء بعض الناس وتقولون: افعل هذه ولا ~~تفعل هذه، فعلى أي أساس عرفتم شرور المخالفات؟ هل خلقتم أنتم النفس ~~وتعرفون ملكاتها؟ لا. بدليل أنكم تعدلون قوانينكم، ويحدث التعديل - كما ~~قلنا - لأن المشرع يتبين خطأ فيستدرك الخطأ، والمشرع البشرى يخطىء لأنه ~~يقنن لما لم يصنع، فإذا كنا لا نريد أن يظهر خطأ فلنترك التقنين لمن ~~صنع وهو الله. والتاريخ البشري يؤكد أن الفساد يطم عندما يتعطل منهج ~~السماء، والسماء تتدخل برسالة، وكل رسالة جاءت كان لها خصوم وهم ~~المنتفعون بالشر، وهؤلاء لن يتركوا منهج الله يسيطر ليسلبهم هذه الهيمنة ~~والسيطرة والقهر والجبروت والانتفاع بالشر، بل يحاربون رسالات السماء، ~~ويلفتنا الحق إلى أن أهل الشر والناس المنفلتين من مناهج السماء وغير ~~المتدينين، سيسببون لكم متاعب، فبعدما توطنون أنفسكم التوطين الإيماني ~~انتبهوا إلى خصومكم وإلى أعدائكم في الله لقد قال الحق سبحانه وتعالى في ~~هذه القضية: { يا أيها الذين آمنوا... }. ### || [4.71] # لا يقال لك: خذ حذرك إلا إذا كان هناك عدو يتربص بك فكلمة " خذ حذرك " ~~هذه دليل على أن هذا الحذر مثل السلاح، مثلما يقولون: خذ بندقيتك خذ ~~سيفك، خذ عصاك، فكأن هذه آلة تستعد بها في مواجهة خصومك وتحتاط لمكائدهم، ~~ولا تنتظر إلى أن تغير عليك المكائد، بل عليك أن تجهز نفسك قبل ذلك على ~~احتمال أن توجد غفلة منك، هذا هو معنى أخذ الحذر، ولذلك يقول الحق: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.. # [الأنفال: 60]. وهذا يعني: إياك أن تنتظر حتى يترجموا عداءهم لك إلى ~~عدوان لأنهم ms1916 سيعجلونك فلا توجد عندك فرصة زمنية كي تواجههم. فلا بد لكم ~~أيها المؤمنون من أخذ الحذر لأن لكم أعداء، وهؤلاء الأعداء هم الذين لا ~~يحبون لمنهج السماء أن يسيطر على الأرض. فحين يسيطر منهج السماء على ~~الأرض فلن يوجد أمام أهواء الناس فرصة للتلاعب بأقدار الناس. ومن ينتفعون ~~بسيطرتهم وبأهوائهم على البشر فلن يجدوا لهم فرصة سيادة. { فانفروا ~~ثبات أو انفروا جميعا } [النساء: 71] أي لتكن النفرة منكم ~~على مقدار ما لديكم من الحذر، و { ثبات.. } [النساء: 71] جمع ثبة ~~وهي الطائفة أي انفروا سرية بعد سرية و { جميعا } [النساء: 71] ~~أي اخرجوا كلكم لمواجهة العدو، وعلى ذلك يجب أن نكون على مستوى ما يهيج ~~من الشر. فإن هاجمتنا فصيلة أو سرية، نفعل كما كان يفعل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقد كان يرسل سرية على قدر المسألة التي تهددنا، وإن كان ~~الأمر أكبر من ذلك ويحتاج لتعبئة عامة فنحن ننفر جميعا، ولاحظوا أن الحق ~~يخاطب المؤمنين ويعلم أن لهم أغيارا قد تأتي في نفوسهم مع كونهم مؤمنين. ~~فقد تخور النفس عند مواجهة الواقع على الرغم من وجود الإيمان. ولذلك قال ~~الحق سبحانه وتعالى في سورة البقرة: # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى ~~إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في ~~سبيل الله.. # [البقرة: 246]. لقد كانوا هم الذين يطلبون القتال، وما داموا هم الذين ~~قد طلبوا القتال فلا بد أن يفرحوا حين يأتي لهم الأمر من الله بذلك ~~القتال لكن الله أعلم بعباده لذلك قال لهم: # هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا ~~تقاتلوا.. # [البقرة: 246]. فأوضح لهم الحق أن فكروا جيدا في أنكم طلبتم القتال ~~وإياكم ألا تقاتلوا عندما نكتب عليكم هذا القتال لأنني لم أفرضه ابتداء، ~~ولكنكم أنتم الذين طلبتم، ولأن الكلام ما زال نظريا فقد قالوا متسائلين: # وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا ~~من ديارنا وأبنآئنا.. # [البقرة: 246]. لقد تعجبوا واستنكروا ألا يقاتلوا في سبيل الله، خصوصا ~~أنهم يملكون السبب الذي يستوجب القتال ms1917 وهو الإخراج من الديار وترك ~~الأبناء، لكن ماذا حدث عندما كتب الحق عليهم القتال؟: # تولوا إلا قليلا منهم والله عليم ~~بالظالمين # [البقرة: 246]. لقد هربت الكثرة من القتال وبقيت القلة المؤمنة. وكانت ~~مقدمات هؤلاء المتهربين من القتال هي قولهم ردا على نبيهم عندما أخبرهم ~~أن الله قد بعث لكم طالوت ملكا فقالوا: # أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك ~~منه ولم يؤت سعة من المال.. # [البقرة: 247]. كانت تلك أول ذبذبة في استقبال الحكم، فأوضح لهم الحق ~~السر في اصطفاء طالوت، فهو قوي والحرب تحتاج إلى قوة، وهو عالم، والحرب ~~تحتاج إلى تخطيط دقيق فقال سبحانه: # إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم ~~والجسم.. # [البقرة: 247]. وعندما جاءوا للقتال أراد الحق أن يمحصهم ليختبر القوي ~~من الضعيف فقال لهم طالوت: # إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس ~~مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف ~~غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم ~~فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا ~~طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.. # [البقرة: 249]. والتمحيص هنا ليعرف من منهم يقدر على نفسه وليختبر قوة ~~التحمل عند كل فرد مقاتل، فليس مسموحا بالشرب من ذلك النهر إلا غرفة يد، ~~فشربوا من النهر إلا قليلا منهم، هكذا أراد الحق أن يصفيهم تصفية جديدة، ~~وعندما رأوا جيش جالوت # لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.. # [البقرة: 249]. وما الضرورة في كل هذه التصفيات؟ لقد أراد الله ألا ~~يحمل الدفاع عن منهجه إلا المؤمنون حقا، وهم من قالوا: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله.. # [البقرة: 249]. وقوله تعالى: # فهزموهم بإذن الله.. # [البقرة: 251]. لماذا أعطانا ربنا هذه الصورة من التصفيات؟ كي نفهم أن ~~النفس البشرية حين تواجه بالحكم نظريا لها موقف، وحين تواجه به تطبيقيا ~~لها موقف ولو بالكلام، وحين تواجه به فعلا يكون لها موقف، وعلى كل حال ~~فقليل من قليل من قليل هم الذين نصرهم الله. إذن فيريد سبحانه أن يربي في ~~نفسونا أنه جل وعلا هو الذي يهزم، وهو ms1918 الذي يغلب مصداقا لقوله الحق: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم.. # [التوبة: 14]. إذن فالحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: أنا قلت لكم انفروا ~~ثبات أو انفروا جميعا واعلموا أن النفس البشرية هي بعينها النفس ~~البشرية، وستتعرض للذبذبة حين تواجه الحكم للتطبيق، ولذلك يأتي هنا بقوله ~~الحق: { وإن منكم لمن ليبطئن... }. ### || [4.72] # فساعة ندعو إنسانا منكم للحرب قد يبطئ ويتخاذل، مثلما قال في آية أخرى: # ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الأرض.. # [التوبة: 38]. و # اثاقلتم.. # [التوبة: 38] تعني: أن هناك من يتثاقل أي ينزل إلى الأرض بنفسه، وعلينا ~~أن نفرق بين من ينزل بجاذبية الأرض فقط، وبين من يساعد الجاذبية في ~~إنزاله، فمعنى " اثاقل " أي تباطأ، وركن، وهذا دليل على أنه يريد أن ~~يتخاذل، وهؤلاء لا يتباطأوا فحسب بل إنهم أقسموا على ذلك. ومنهم من كان ~~يثبط ويبطئ غيره عن الغزو كالمنافق عبد الله بن أبي. { وإن ~~منكم لمن ليبطئن } [النساء: 72] فافهموا وخذوا هذه ~~المناعة ضد من يعوق زحف المنهج قبل أن تبدأ المعركة، حتى إذا وقعت ~~المعركة نكون قد عرفنا قوتنا وأعددنا أنفسنا على أساس المقاتلين الأشداء. ~~لا على من يتباطأون ويتثاقلون، فهناك من يفرح ببقائه حيا عندما يرى ~~هزيمة المسلمين أو قتل بعضهم لأنه لم يكن معهم، فيظهر الحق أمثال ذلك ~~ويقول: { فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله ~~علي إذ لم أكن معهم شهيدا } [النساء: 72]. لقد تراخى ~~وبقي، وعندما تأتيهم المصيبة من قتل، أو من هزيمة يقول لنفسه: الحمد لله ~~إنني لست معهم. إذن تثاقله وتخلفه وتأخره عن الجهاد، كان عن قصد وإصرار ~~في نفسه. وهذه قمة التبجح فهو مخالف لربنا وعلى الرغم من ذلك يقول: أنعم ~~الله علي، مثله كمثل الذي يسرق ويقول: ستر الله علي، وهذه لهجة من لم ~~يفهم المنهج الإيماني، فيقول: { قد أنعم الله علي إذ لم ~~أكن معهم شهيدا } [النساء: 72]. إنه لم يكن معهم ولم يكن ~~شهيدا ويعتبر هذا من النعمة، ولذلك قال بعض العارفين: إن من قال ذلك دخل ~~في الشرك، ms1919 فالمصيبة في نظره إما قتل وإما هزيمة. ثم ماذا يكون موقف ~~المتخاذل المتثاقل المتباطئ عند الغنيمة أو النصر؟ يقول الحق: { ولئن ~~أصابكم فضل من الله... }. ### || [4.73] # إذن فالعلة في قوله: يا ليتني كنت معهم ليست رجوعا عما كان في نفسه ~~أولا، بل هو تحسر أن فاتته الغنيمة، وجاء الحق سبحانه وتعالى هنا بجملة ~~اعتراضية في الآية تعطينا لقطة إيمانية، فيقول: { ولئن أصابكم ~~فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه ~~مودة يليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما } ~~[النساء: 73]. والجملة الاعتراضية هي قوله: كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ~~كأن المودة الإيمانية ليس لها ثمن عنده، فلو كان لها أدنى تقدير لكان ~~عليه ألا يقول في البداية: أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا، ولكان ~~مع المقاتلين المسلمين، لكنه يرغب في الفوز والغنيمة فقط، ويبتعد عن ~~المسلمين إذا ما أصابتهم الهزيمة أو استشهد عدد منهم. وبذلك يكشف لنا ~~الحق موقف المتخاذلين ويوضح لنا: إياكم أن تتأثروا بهؤلاء حين تنفرون ~~ثبات أو حين تنفرون جميعا. واعلموا أن فيكم مخذلين وفيكم مبطئين وفيكم ~~متثاقلين، لا يهمهم إلا أن يأخذوا حظا من الغنائم، ولذلك يحمدون الله أن ~~هزمتم ولم يكونوا معكم، ويحبون الغنائم ويتمنونها إن انتصرتم ولم يكونوا ~~معكم، إياكم أن تتأثروا بهذا وقد أعطيتم هذه المناعة حتى لا تفاجأوا ~~بموقفهم منكم وتكونوا على بصيرة منهم. والمناعات ما هي إلا تربية الجسم، ~~إن كانت مناعة مادية، أو تربية في المعاني، إن حدث مكروه فأنت تملك فكرة ~~عنه لتبني رد فعلك على أساس ذلك. ونحن عندما يهاجمنا مرض نأتي بميكروب ~~المرض نفسه على هيئة خامدة ونطعم به المريض، وبذلك يدرك ويشعر الجسم أن ~~فيه مناعة، فإذا ما جاء الميكروب مهاجما الجسم على هيئة نشيطة، فقوى ~~المقاومة في الجسم تتعارك معه وتحاصر الميكروب، فكأن إعطاء حقن المناعة ~~دربة وتنشيط لقوى المقاومة في الجسم، وقد أودعها الله في دمك كي تؤدي ~~مهمتها، كذلك في المعاني يوضح الحق لكم: سيكون منكم من يفعل كذا وكذا، ~~حتى ms1920 تعدوا أنفسكم لاستقبال هذه الأشياء إعدادا ولا تفاجأون به لأنكم ~~إن فوجئتم به فقد تنهارون. فإياكم أن تتأثروا بهذا. ويقول الحق بعد ذلك: ~~{ فليقاتل في سبيل الله الذين... }. ### || [4.74] # ومادة: " شرى " ومادة " اشترى " كلها تدل على التبادل والتقايض، فأنت ~~تقول: أنا اشتريت هذا الثوب بدرهم أي أنك أخذت الثوب ودفعت الدرهم، وشرى ~~تأتي أيضا بمعنى باع مثل قول الحق: # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه ~~من الزاهدين # [يوسف: 20]. فالجماعة الذين وجدوا سيدنا يوسف عليه السلام في الجب كانوا ~~فيه من الزاهدين. وبعد ذلك باعوه بثمن بخس، إذن ف " شرى " من الأفعال ~~التي تأتي بمعنى البيع وبمعنى الشراء لأن المبيع والمشترى يتماثلان في ~~القيمة، وكان الناس قديما يعتمدون على المقايضة في السلع، فلم يكن هناك ~~نقد متداول، كان هناك من يعطي بعض الحب ويأخذ بعض التمر، فواحد يشتري ~~التمر وآخر يشتري الحب، والذي جعل المسألة تأخذ صورة شراء وبيع هو وجود ~~سلع تباع بالمال. وما الفرق بين السلع والمال؟. السلعة هي رزق مباشر ~~والمال رزق غير مباشر. فأنت مثلا تأكل رغيف الخبز وثمنه خمسة قروش، لكنه ~~لو عندك جبل من ذهب وتحتاج رغيفا ولا تجده أينفعك جبل الذهب؟ لا. إذن ~~فالرغيف رزق مباشر لأنك ستأكله، أما الذهب فهو رزق غير مباشر لأنك تشتري ~~به ما تنتفع به. وبذلك نستطيع أن نحدد المسألة فالسلعة المستفادة منها ~~مباشرة هي رزق مباشر، ندفع ثمنها مما لا ننتفع به مباشرة، والحق سبحانه ~~وتعالى يريد أن يعقد مع المؤمن به صفقة فيها بيع وشراء. وأنتم تعلمون أن ~~البائع يعطي سلعة ويأخذ ثمنا، والشارى يعطي ثمنا ويأخذ سلعة، والحق ~~يقول هنا: { فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ~~الحياة الدنيا بالآخرة.. } [النساء: 74]. فالمؤمن هنا يعطي ~~الدنيا ليأخذ الآخرة التي تتمثل في الجنة والجزاء، ومنزلة الشهداء ولذلك ~~يقول الحق في آية أخرى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة.. # [التوبة: 111]. وقال بعدها: # فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به.. # [التوبة: 111]. تلك هي الصفقة التي يعقدها الحق مع ms1921 المؤمنين، وهو سبحانه ~~يريد أن يعطينا ما نتعرف به على الصفقات المربحة، فكل منا في حياته يحب ~~أن يعقد صفقة مربحة بأن يعطي شيئا ويأخذ شيئا أكبر منه، ولذلك يقول في ~~آية أخرى: # يرجون تجارة لن تبور # [فاطر: 29]. هنا أيضا تجارة، وأنت حين تريد أن تعقد صفقة عليك أن تقارن ~~الشيء الذي تعطيه بالشيء الذي تأخذه ثم افرق بينهما، ما الذي يجب أن يضحي ~~به في سبيل الآخر؟. والحق قد وصف الحياة بأنها { الدنيا.. } [النساء: ~~74] ولا يوجد وصف أدنى من هذا، فأوضح المسألة: إنك ستعطي الدنيا وتأخذ ~~الآخرة، فإذا كان الذي تأخذه فوق الذي تعطيه فالصفقة - إذن - رابحة، ~~فالدنيا مهما طالت فإلى نهاية، ولا تقل كم عمر الدنيا، لأنه لا يعنيك أن ~~يكون عمر الدنيا ألف قرن، وإنما عمر الدنيا بالنسبة لكل فرد: هو مقدار ~~حياته فيها، وإلا فإن دامت لغيري فما نفعي أنا؟. # إذن فقيمة الدنيا هي: مقدار عمرك فيها، ومقدار عمرك فيها مظنون، وعلى ~~الرغم من ارتفاع متوسطات الأعمار في القرن العشرين، فالبعض يقول: متوسط ~~الأعمار في أمريكا سبعون أو خمس وستون سنة، لكن ذلك لا يمنع الموت من أن ~~يأخذ طفلا، أو فتى، أو رجلا، أو شيخا. إن عمر الدنيا بالنسبة لكل ~~إنسان هو: مقدار حياته فيها، فلا تقارنها بوجودها مع الآخرين، إنما ~~قارنها بوجودها معك أنت، وهب أنه متيقن ولكنه محدود بسبعين عاما على ~~سبيل المثال، ستجد أن تنعمك خلالها مهما كبر وعظم فهو محدود. والإنسان ~~منا يظل يربى إلى أن يبلغ الحلم. فإذا ما بلغ الحلم وأصبحت له ~~حياة ذاتية، أي أن إرادته لم تعد تابعة للأب أو للأم، بينما في طفولته ~~كان كل اعتماده على أسرته، أبوه يأتي له بالملبس فيلبسه وبالمطعم فيأكله، ~~ويوجهه فيتوجه، لكن حينما توجد له ذاتية خاصة يقول لأبيه: هذا اللون لا ~~يعجبني! والأكل هذا لا يعجبني!! هذه الكلية لن أذهب إليها. ولا توجد ~~للإنسان ذاتية لا إذا وصل إلى مرحلة من العمر يستطيع أن ينسل مثله، فإذا ~~ما أصبح ms1922 كذلك نقول له: هذا هو النضج، وهو الذي يجعل لك قيمة ذاتية. إنك ~~إذا زرعت شجيرة بطيخ. فأنت ترعاها سقيا وتنظيما وتسميدا، وهي مازالت ~~صغيرة وتتعهدها كي لا تخرج مشوهة، حتى تنضج، وساعة تنضج يكون الشغل ~~الشاغل قد انتقل من الشجيرة إلى الثمرة " البطيخة " ، فيقال صار لها ~~ذاتية لأنك إن شققتها لتأكلها تجد " اللب " قد نضج، وإن زرعته تأتي منه ~~شجيرة أخرى. ولكن إذا ما قطفت الثمرة قبل النضج فأنت قد تجد " اللب " ~~أبيض لم ينضج بعد، فلا تصلح تلك البذور لأن تأتي وتثمر مثلها، وإن كان " ~~اللب " نصفه أبيض ونصفه أسود، فهي لم تنضج تماما، أما إذا وجدت " لبها ~~" أسمر اللون داكنا فهو صالح للزراعة والإثمار، وتجد الحلاوة متمشية مع ~~نضج البذرة. فلو كانت الثمار تنضج قبل البذور لتعجل الخلق أكل الثمرة قبل ~~أن تربى وتنضج البذور ولانقطع النوع لذلك لم يجعل ربنا حلاوة الثمرة ~~إلا بعد أن تنضج البذور، وكذلك الإنسان، والحق يقول: # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ~~كما استأذن الذين من قبلهم.. # [النور: 59]. وعندما يكون الإنسان طفلا فنحن نتركه يلهو ويرتع في البيت ~~ويرى هذه وهذه، لكن إذا كان قادرا على نسل مثله واكتملت رجولته فعليه أن ~~يستأذن، وحين يكون الإنسان بهذا الشكل تصير له ذاتية، ولنفترض أنه سيعيش ~~عددا من السنين تبلغ حوالي الخمسة والخمسين عاما بعدما صارت له ذاتية ~~ويستطيع النسل إنه سيقضي مراهقته في التعلم إلى أن يصبح صالحا لأنه ~~يكسب ويعيش ويتمتع، ثم لنسأل: كم سنة سيتمتع؟ سنجدها عددا قليلا من ~~السنوات. # إذن فالحياة محدودة، والمتعة فيها على قدر إمكاناته، فقد يسكن في شقة من ~~حجرتين أو في شقة مكونة من ثلاث حجرات، أو في منزل خاص صغير أو حتى في ~~قصر، وقد يركب سيارة أو يمشي على قدميه، باختصار على قدر إمكاناته، أما ~~في الأخرة فالموقف مختلف تماما، سيسلم نفسه إلى حياة عمرها غير محدود، ~~فإن قارنت المحدود بغير المحدود ستجد الغلبة للآخرة لأنها متيقنة والنعيم ~~فيها على قدر سعة فضل ms1923 الله وقدرته، فالأحسن لنا أن نبيع الدنيا ونأخذ ~~الآخرة، فتكون هذه هي الصفقة الرابحة التي لا تبور. ولماذا يدخل الله ~~العبد في عملية البيع هذه؟ لأن الحق سبحانه وتعالى قبل أن يعرض عليك ~~الصفقة لتدخل في عملية البيع التي تجهدك إن لم تقتل أو تقتل في ~~سبيل الله لا بد أن يوضح لك كيفية الغاية التي تأخذ بها الفوز في الآخرة، ~~ولن تأخذ هذا الفوز بالكلام فقط، ولكن انظر إلى المنهج الذي ستقاتل من ~~أجله، إنه تأسيس المجتمع الذي يؤدي كل امرىء فيه الأمانة، وهذا الأمر لا ~~يحزن منه إلا من يريد أن يأخذ عرق الناس ويبني جسمه من كدهم وتعبهم، وهات ~~مجتمعا لا يؤمن بالله وقل: يأيها الناس نريد أن يؤدي كل واحد منكم ~~الأمانة التي عنده، نريد أن نحكم بالعدل، فسيفرح أهل هذا المجتمع. إذن ~~فلكي نحمي المجتمع لابد أن نؤدي الأمانة وأن نقيم العدالة. ومن قبل ذلك ~~أمرنا أن نعبد إلها واحدا فلا نتشتت، ثم أوصانا بالوالدين والأقربين، ~~واليتامى والمساكين. قل لي بالله عليك: لو لم يكن هذا دينا من السماء، ~~وكان تشريعا من أهل الأرض، أهناك أعدل من هذا؟. إن مثل هذا المنهج الذي ~~يكفل أمان الجميع يستحق أن يدافع الإنسان عن تطبيقه، وقبل أن يفرض علينا ~~القتال أوضح سبحانه: هذا هو المجتمع الذي ستقاتلون من أجله، واعلم أنك ~~ساعة تذهب إلى القتال، أقصى ما فيها أن تقتل، فستأخذ صفقة الآخرة، وقصرت ~~مسافة غايتك لأن كل شيء إنما يقاس بزمن الغاية له، فإن قتلت فقد قصرت ~~المدة للوصول إلى الغاية، فتصل إلى الجنة، والحمق هو الذي يصيب الناس ~~عندما يموت عزيز أو حبيب فيغرقون في الحزن. نقول لهم: ألسنا جميعا ~~سائرين إلى هذه الغاية، فلماذا الغرق في الحزن إذن؟. والحق سبحانه وتعالى ~~يكافئ من يقتل في سبيل الله بحياة في عالم الغيب وفيها رزق أيضا. وبعض ~~من الناس يظنون أنهم إن فتحوا قبر الشهيد فسيجدونه حيا يرزق. # ونقول لهم: إن الحق لم يقل: إن الشهداء أحياء ms1924 عندكم، بل أحياء عنده في ~~غالم الغيب. والحق سبحانه يطلب من الذي اقتنع بالإسلام أن ينشره، وأن ~~يعدل المسلمون بين أنفسهم لتنصلح أمورهم، وأن يواجهوا أصحاب الشر الذين ~~لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة. ولم تأمر السماء بقتال قبل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقد كان الرسول من السابقين على محمد صلى الله عليه ~~وسلم يبلغ قومه برسالته، فإن آمنوا فبها ونعمت وإن لم يؤمنوا تتدخل ~~السماء بالعقاب، بريح صرصر، رجفة، صيحة، خسف الأرض بهم، إغراق، فالرسول ~~قبل محمد صلى الله عليه وسلم كان يبلغ، والسماء تعاقب من لم يؤمن. وما ~~وجد قتال إلا إذا اقترحوا هم القتال، مثل بني إسرائيل، قال الحق: # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى ~~إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في ~~سبيل الله.. # [البقرة: 246]. هم الذين اقترحوا، لكن القتال الذي يثبت المبدأ ~~وينشر المنهج لإعلاء كلمة الله، وسيطرة الخلافة الأمنية الإيمانية على ~~الأرض، لم يشرع إلا على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكأن الله لم ~~يأمن خلقا على خلق إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد جعلها أمينة. ~~فأنتم أمناء أن تتولوا عن السماء تأديب المخالف، وبذلك أخذتم المستوى ~~العالي في المنهج والمستوى العالي في الرسالة. وأكرم الله نبيه فقال: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم.. # [الأنفال: 33]. فجاء القتال وحارب المسلمون - وهم ضعاف - المجتمعات ~~الفاسدة القوية. والشاعر يقول: # فقوى على الضلال مقيم # وقطيع من الضعاف يجاري # هذا القتال لو لم يجيء به الدين، ألا تقوم به الأمم التي لا دين لها ~~لإصلاح أمرها؟ إنها تقاتل، فلماذا يكون مباحا منهم أن يقاتلوا كي يقرروا ~~مبادئهم، وعندما يأتي الدين ليشرع القتال يقولون: لا. هذا دين سيف. نقول ~~لهم: بالله لماذا إذن تحارب الشعوب؟ أنت تجد شعوبا تتحارب وتجد ظلما ~~يحارب ظلما آخر، فإذا ما وجد عدل ليزحزح ظلما نقف في طريقه؟ لا، وذلك ~~حتى نعرف أن المسألة مسألة رسالة من السماء لا طغيان ذوات اجتمعوا أو ~~بيتوا ms1925 مؤامرة لصنع انقلاب يسيطرون به على الناس. لقد جاء الإسلام وآمن به ~~الضعاف الذين لا يملكون أن يقاتلوا، فلم يكن باستطاعتهم أن يحموا حتى ~~أنفسهم ذلك حتى نعرف أن الحق ساعة يأتي، يأتي عادة لا من قوي بل يأتي من ~~ضعيف تعب كثيرا كي يثبت الإيمان، والإسلام نادى ودعا به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في مكة لكنه لم ينتصر كدين ولم يسطع إلا من المدينة. فمكة ~~بلد محمد وفيها قبيلته قريش التي ألفت السيادة على الجزيرة كلها ولا أحد ~~يستطيع أن يقرب منها بعدوان، ولم تكن هناك قوة تستطيع أن تعترض قوافلها ~~بالتجارة إلى الجنوب أو إلى الشمال. # إن أي قبيلة تخاف أن تتعرض لها في الطريق لأن القبائل ستأتي إلى قريش في ~~موسم الحج، وتخاف كل قبيلة من انتقام قريش، فلو أن الإسلام الذي صاح به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم انتصر في مكة ربما قالوا: قبيلة عشقت ~~السيادة، ودانت لها أمة العرب فما المانع من أن تطمح في أن يدين لها ~~العالم كله؟ وأراد الحق أن تكون قريش هي أول من يضطهد رسول الله ~~ويحاربه، والضعاف هم الذين يتبعونه، وبعد ذلك يأتي النصر لدين الله من ~~مكان بعيد عن مكة من " المدينة " لتشهد الدنيا كلها أن الإيمان بمحمد هو ~~الذي خلق العصبية لمحمد، ولم تخلق العصبية لمحمد الإيمان بمحمد، وها هوذا ~~سيدنا عمر كان يسمع قول الله سبحانه: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. فيقول: أي جمع هذا ونحن لا نقدر أن نحمي أنفسنا؟ ويقول ~~الحق: # سنسمه على الخرطوم # [القلم: 16]. فيقول عمر: كيف ونحن لا نقدر أن ندافع عن أنفسنا؟ وبعد ذلك ~~تأتي موقعة " بدر " فتثبت له صدق هذا، والعجيب أن الآية تنزل وهم لا ~~يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم، فلا يمكن أن يقال: إن هناك مقدمات لذلك ~~بحيث تستنتج النتيجة فالمقدمات لا توحي بأي نصر، لكن ربنا هو الذي قال، ~~ورأوا صحيحا أن الوليد بن المغيرة ضرب على أنفه وتركت الضربة علامة على ~~أنفه لأن ms1926 الذي قال ذلك من قبل قادر على إنفاذ ما يقول بدون قوة تحول دون ~~ذلك أبدا، وهذا يدلنا على اختبار المبادئ. إنك تجد أن الذي يؤمن ~~بالمبادئ هو الذي يضحي أولا، يدفع ماله وقد يدفع دياره، بأن يخرج منها، ~~وقد يدفع نفسه فيقتل، كل ذلك من أجل المبدأ، لكن الأمر يختلف مع المبادئ ~~الباطلة فقبل أن يدخلها واحد نجده يأخذ الثمن. ومن يروجون للمبادئ ~~الباطلة يقولون لمن يغررون به: خذا مالا وعش واستمتع، واشتر أحسن ~~الثياب. أما أصحاب مبدأ الحق فهم الفقراء الذين يدفعون الثمن، ولهم الحق ~~أن يدفعوا الثمن لأن المثمن غال، لكن في الباطل لا يعرفون مثمنا، والذي ~~ينظر لمبدأ من المبادئ الهدامة، يرى كيف يعيش قادتها، بينما الرعية تحيا ~~في بؤس، فيقول: أنا آخذ الثمن مقدما، والأمر يختلف مع المؤمنين، فهم ~~الذين يدفعون الثمن. لينعموا بالجزاء في الآخرة. والحق سبحانه وتعالى حين ~~يشرع القتال لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يشرعه أولا دفاعا، كانوا ~~يطلبون من رسول الله، يقولون: يا رسول الله، إئذن لنا نقاتل على قدر ~~جهدنا، فيقول: # " اصبروا فإني لم أومر بالقتال ". # وبعد ذلك يؤمر بالقتال كي يدافع عن الخلية الإيمانية بعدما ذهبوا إلى ~~المدينة، ونعلم أن القتال عملية ضرورية في الحياة. # فالحق سبحانه هو القائل: # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض.. # [البقرة: 251]. وهو القائل: # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت ~~صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم ~~الله كثيرا.. # [الحج: 40]. إذن فدفع الله بعض الخلق بالخلق أمر ضروري واقعي، وحين يعاب ~~على الإسلام أمر القتال، نقول لهم: إن الحق سبحانه وتعالى حينما شرع هذا ~~القتال فقد شرعه لأن قوى البغي هي التي تحول دون تطبيق منهج من مناهج ~~العدالة المعروفة، ولا يستطيع أحد أن يجادل فيها. ولو لم يكن العدل ~~قادما من السماء لما كان هناك منهج صالح يحكم الناس، فإذا أراد الله أن ~~يصنع العدل بمنهج أنزله هو، فلماذا يأتي من يقف في الطريق ويقول ~~للرسول: أنت جئت لكي ترغم ms1927 الناس أن يؤمنوا بمنهجك؟! ويوضح الحق مسيرة ~~الرسول أنه جاء لكي يثبت كرامة الإنسان فهو سيد الأجناس التي تحيط به، ~~فالجماد مسخر، والنبات مسخر، والحيوان مسخر، وليس لأي منهم حرية في أن ~~يقول: افعل ولا تفعل، فلا توجد إرادة ولا اختيار عند كل الأجناس إلا عند ~~الإنسان فالحق هو القائل عن أمانة الاختيار. # فأبين أن يحملنها.. # [الأحزاب: 72]. إذن فبأي شيء تميز الإنسان على هؤلاء الأجناس؟ تميز ~~عليهم بالعقل، ومهمة العقل أن يختار بين البديلات، أما إذا كان هناك أمر ~~ليس له بديل، فليس للعقل عمل فيه. ومثال ذلك: هناك مكان نريد أن نذهب ~~إليه، فيوضح لك إنسان: لا يوجد إلا هذا الطريق، فهل تفكر أن تذهب عن طريق ~~آخر؟ طبعا لا، إذن فالعقل لا عمل له إلا الاختيار بين البديلات، فإن لم ~~يكن هناك بديل فلا عمل له. وإذا أراد العقل أن يختار بين البديلات ألا ~~نضمن له حرية الاختيار أم نقيد حرية الاختيار لديه؟ إنك إن قيدت حرية ~~الاختيار بالإكراه فقد أخذت النعمة التي أعطيتها له، وجعلته مقهورا ~~مسخرا مكرها ولذلك فالمكره لا يكون له حكم على الأشياء بل هو مجبر ~~ومسخر. وما دمت تقول: إن العقل هو الذي يختار بين البديلات، فلا بد أن ~~يكون حق الاختيار موجودا، فإن كان في الإنسان عطب كأن يكون مجنونا، فلا ~~اختيار له، وإن كان العقل موجودا لكنه لم ينضج بعد نقول أيضا: لا ~~اختيار. إذن فلا بد أن يكون العقل موجودا وناضجا للاختيار بين ~~البديلات، ويكون للإنسان حرية أن يختار، فإن لم يكن العقل موجودا فهو ~~مجنون فلا تكليف له، والمجنون قد سلبه الله أعز ما أعطى للإنسان وهو ~~العقل، لكن أعفاه الله أن يسأله أحد عن شيء، فيفعل ما يفعل دون سؤال، فلا ~~تكليف لمجنون، فالتكليف إذن لصاحب العقل الناضج، وكذلك لا تكليف من قبل ~~البلوغ. إذن فالإسلام جاء ليحمي كرامة الإنسان في حرية الاختيار، ويعرض ~~عليك أمر الإيمان، فالذي حمل السيف، لم يحمله ليجبر أحدا على الإيمان، ~~إنما ليرد ms1928 كيد من أرادوا قهر الناس، والجزية إنما فرضت لإعفاء غير ~~المسلمين من مسئولية القتال، ولو كان الإسلام يفرض الإيمان على الناس في ~~البلاد التي فتحها لما وجدنا أتباع أي دين في البلاد التي دخلها الإسلام. # وهذه شهادة للمسلمين. إن الإسلام لم يجيء ليفرض دينا وإنما جاء ليحمي ~~حرية اختيار الدين والذين يقولون: إن الإسلام جاء بالسيف نقول لهم: ~~افهموا جيدا، لقد كان المؤمنون الأوائل ضعافا وظلوا على الضعف مدة ~~طويلة، والبلاد التي فتحت بالإسلام ما زال فيها أناس غير المسلمين، وهذا ~~دليل أن الإسلام جاء ليحمي حرية الاختيار: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29]. ثم نأتي لنقطة أخرى وهي أن الإسلام لم يأخذ الجزية إلا لأن ~~غير المسلم سيستمتع بكل خيرات بلاد الإسلام، والمسلم يدافع وأيضا يدفع ~~الزكاة والخراج. إذن فالمسألة عدالة منهج، وعلى ذلك يجب أن نفهم أن قول ~~الحق: { فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ~~الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله ~~فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما } [النساء: ~~74]. فالقتال إنما جاء حتى تسيطر مناهج السماء، وسبحانه حينما يقول: { ~~فليقاتل في سبيل الله.. } [النساء: 74] فهذا يدلنا على أن ~~هناك قتالا في غير سبيل الله، كأن يقاتل الرجل حمية، أو ليعلم مكانه من ~~الشجاعة، فقال الرجل دائما حسب نيته، ولذلك تساءل بعض الناس: من ~~الشهيد؟ قال العلماء: هو من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فيكون ~~شهيدا، إذن فالقتال مرة يكون في سبيل الله ومرة يكون في سبيل النفس، ~~ومرة يكون في سبيل الشيطان. يقول الحق: { فليقاتل في سبيل ~~الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة.. } ~~[النساء: 74] أي يبيعون الدنيا ليأخذوا الآخرة، { ومن يقاتل في ~~سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما } [النساء: 74]. إذن فالذي يدخل القتال هو أمام أمرين اثنين: ~~إما أن يقتل من الأعداء، وإما إن ينتصر، وهذه هي القضية الجدلية التي ~~تنشأ بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، والمقاتل من معسكر الإيمان يقول ~~لمعسكر الكفر: أنا أقاتل لإحدى الحسنين: إما أن أقتل فأصبح ms1929 شهيدا آخذ ~~حياة أفضل من هذه الحياة، وإما أن أنتصر عليك، فلماذا تتربصون بنا أيها ~~الكفار؟ إن المؤمن يثق أنه فائز بكل شيء فإن قتل ذهب إلى الجنة وإلى ~~حياة أفضل من حياتكم، وإما أن ينتصر، والحالتان على سواء من الخير. وهذا ~~للاستدلال بأن هذا المنهج يراق فيه الدم، وشهادة لهذا الدين بأنه صحيح، ~~وإلا فلن يذهب أحد للقتال إن لم يكن مقتنعا بالدين، فكل واحد يعمل ~~لحياته ونفسه، فكل الأمور بالنسبة للإنسان نفعيه حتى في الدين، ولذلك ~~يقولون: لا تكن أنانيا رخيصا بل عليك أن تكون أنانيا غاليا، والدين هو ~~ممارسة لأنانية عليا. # ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - الذي ليس معه إلا جنيه وهو يحتاج ~~إليه ثم رأى واحدا في حاجة ماسة، فيقول المؤمن لنفسه: لقد أكلت، وقد ~~يكون هذا الإنسان لم يأكل بعد فلأعطه الجنية. بالله أهو يحب الذي أخذ ~~الجنيه عن نفسه؟ لا، بل هو يحب نفسه، لكنها أنانية عليا أنانية معلاة. ~~وسبق أن قلنا: إن الذي يجلس ويرى امرأة جميلة فغض عينه أمره يختلف عن ~~واحد آخر " يبحلق " ويحدق وينظر إليها بشدة، فايهما يحب الجمال أكثر؟ ~~إن الذي غض بصره هو من يحب الجمال أكثر لأنه لا يريدها لحظة فقط، بل ~~يريدها مستديمة. فما بالنا بالذي يبيع الدنيا ويقتل في سبيل الله ويأخذ ~~الآخرة التي ليس فيها قتل أو أي شيء مكدر؟ إذن فهذه أنانية عليا، والحق ~~سبحانه وتعالى يعاملنا بقانون النفعية، لكنها نفعية عليا وليست نفعية ~~رخيصة أو قصيرة المدى، فيجعلنا نبيع الرخيص بالثمن الغالي. ولقد رأى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذين يقاتلون في سبيل الله وعرض عليه منظرهم ~~وهو في ليلة الإسراء والمعراج رأى صلى الله عليه وسلم جماعة يزرعون ~~ويحصدون بعد البذر مباشرة لأن الذي قتل في سبيل الله إنما فعل ذلك إعلاء ~~لكلمة الله، فلا ينتهي قطفه أبدا للخير الذي بذله، وحياته مستمرة في ~~حياة الملايين. { ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو ~~يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما } [النساء: ms1930 74] وعرفنا أن ~~كل مؤمن يقاتل في سبيل الله إنما يقول لمعسكر الكفر ما جاء به الحق في ~~قوله: # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون # [التوبة: 52]. فالمؤمن يعلم أنه إما أن يقتل ويكون شهيدا، وإما أن ~~يغلب معسكر الكفر. وهو يتربص بالكافرين أن يصيبهم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدي المؤمنين، إذن فالمؤمنون رابحون على كل حال، والكافرون خاسرون ~~على كل حال. و " المعرى " قبل أن يهديه الله وكان متشككا قال: # تحطمنا الأيام حتى كأننا # زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك # فقالوا: إنه ينكر البعث، فما دام قد جاء بمثل يقول فيه إن الإنسان ~~كالزجاج إن تحطم فلن يستطيع أحد أن يعيده إلى سيرته الأولى، قال ذلك أيام ~~تكبر الفكر، وهذه تأتي في أيام الغرور، ثم جاءت الأحداث لتلويه وتضرب في ~~فكره وينتهي إلى الإيمان، لكن أكان ضامنا أن يعيش حتى يؤمن؟ فلماذا لم ~~يخلص نفسه من مرارة تجربة الشك؟ ولكنه بعد أن آمن قال: " هأنذا أموت على ~~عقيدة عجائز أهل نيسابور. ربنا حق وربنا سميع وربنا بصير وقال: # زعم المنجم والطبيب كلاهما # لا تحشر الأجساد قلت إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر # أو صح قولي فالخسار عليكما # أي إن صح قولكما على أنه لا بعث وقمت أنا بالأعمال الطيبة في الدنيا، ~~فماذا أكون قد خسرت؟ إنني لن أخسر شيئا، وإن صح قولي وفوجئتم بالآخرة ~~والبعث فأنا الذي يكسب والخسران والبوار والعذاب عليكما، إذن فإيماني إن ~~لم ينفعني فلن يضرني، وكلامكما حتى لو صح - وهو غير صحيح ولا سديد - لن ~~يضرني. والحق يقول: { ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ~~أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما } [النساء: 74] ~~وسبحانه هنا يطيل أمد العطاء. انظروا دقة الأداء القرآني، لأن الذي يتكلم ~~هو الله، ولنر كيفية ترتيب فعل على فعل، فحين أقول لك: " احضر لي أكرمك " ~~، فبمجرد الحضور يحدث الإكرام، ولكن إن قلت لك: " إن حضرت إلي فسأكرمك " ~~، فهذا ms1931 يعني أن الزمن يمتد قليلا، فلن تكرم من فور أن تأتي بل أنت تحضر ~~عندي وبعد ذلك تأخذ تحيتك، ويأتيك الإكرام بعد قليل. وإن أردت أنا أن ~~أطيل الزمن أكثر فإني أقول: " إن حضرت إلي فسوف أكرمك ". إذن فنحن أمام ~~ثلاث مراحل لترتيب الجزاء على الفعل: جزاء يأتي من فور حصول الشرط، وجزاء ~~يأتي بعد زمن يسير تؤديه " السين " ، وجزاء يأتي بعد زمن أطول تؤديه. " ~~سوف ". ولم يقل الحق: من يقاتل في سبيل الله نؤتيه أجرا عظيما، ولم ~~يقل: فسنؤتيه أجرا عظيما، ولكنه قال: { فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما } [النساء: 74] وهذا القول سيبقى ليوم القيامة لذلك كان لا بد ~~أن تأتي " سوف " هنا، وهذا دليل على أنه جزاء موصول لا مقطوع ولا ممنوع. ~~وهكذا نرى إحكام الأداء القرآني، والحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن نفسه ~~وذاته، يأتي بأساليب كثيرة: فمرة يأتي بأسلوب الجمع، ونحن نقول، كما ~~علمونا في النحو: " النون للتعظيم " كما في قوله: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. لم يقل: أنا أنزلت، فكل شيء يكون نتيجة فعل من أفعال الله. ~~تأتيه " نون التعظيم " ، لأنه سبحانه حين يصنع شيئا لخلقه من متعة أو من ~~نعيم، يريد صفات كثيرة: قدرة للإبراز، وعلما لترتيب النعمة، وتدبيرا ~~وحكمة، وبسطا، فيقول هنا: { نؤتيه.. } [النساء: 74]، لأن الصفات ~~تتكاتف لتعمل الخير، لكنه حين يتكلم عن ذاته مجردا عن الفعل. فسبحانه ~~يتكلم بالوحدانية مثل قوله الحق: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني.. # [طه: 14]. وكذلك قوله الحق: # وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى # [طه: 13]. فساعة يتكلم سبحانه عن ذاته فهو يتكلم بالوحدانية، ولا تقل ~~بالإفراد تأدبا مع الله فليس له شريك أو مثيل، وحينما يتكلم سبحانه عن ~~فعله يأتي بالجمع فيقول: " نحن " وهذه حلت لنا إشكالات كثيرة، مثلما حدث ~~عند قراءة قول سبحانه وتعالى: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها.. # [فاطر: 27]. لقد جاء الحق سبحانه في صدر الآية: ب # أنزل # [فاطر: 27] وكان يناسبها أن يأتي بعدها " أخرج " ، لكنه ms1932 قال: # فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها.. # [فاطر: 27] فلماذا هذه " مفردة " وتلك " جمع "؟ لأنه ساعة قال: # وأنزلنا من السمآء مآء.. # [لقمان: 10] لم يكن لأحد من خلقه ولو بالأسباب فعل في إنزال المطر، لكن ~~ساعة أن أنزل المطر، نجد واحدا قد حرث الأرض، وثانيا بذر، وثالثا روى ~~الأرض، وكل ذلك من أسباب خلقه، فلم يهضم الله خلقه فقال: { أنزل من ~~السمآء مآء } ثم بعد ذلك: أنا وخلقي بما أمددتهم ومنحتهم # فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها.. # [فاطر: 27]. إذن فلا بد أن ننتبه إلى دلالة الكلمة حين تأتي بالمفرد ~~وحين تأتي بالجمع. وقوله سبحانه: { نؤتيه أجرا عظيما } ~~[النساء: 74] يلفتنا إلى أن كل فعل إنما هو حدث يتناسب مع فاعله أثرا ~~وقوة. فالطفل عندما يصفع آخر لا تكون صفعته في قوة الشاب أو قوة الرجل، ~~فإذا كان الذي يعطي الأجر مثيلا لك فسيعطيك أجرا على قدره، لكن إذا كان ~~من يعطي هو ربنا، فسيعطي الأجر على قدره، ولا بد أن يكون عظيما. والأجر ~~هو الشيء المقابل للمنفعة. وهناك فرق بين الأجر والثمن فالثمن مقابل ~~العين، أما الأجر فهو مقابل المنفعة، أنا اشتريت هذه، فهذا يعني أني دفعت ~~ثمنا، لكن إن استأجرت شيئا فهو لصاحبه ولكن أخذته لأنتفع به فقط، وجزاء ~~الحق لمن يقتل في سبيل الله أهو أجر أم ثمن؟، ونلتفت هنا أن الحق قد ~~أوضح: أنا لم أثمن من قتل، بل نظرت لعمله، فأخذت أثر عمله، وأعطيته { ~~أجرا عظيما } [النساء: 74]. وبعد ذلك يقول الحق: { وما لكم ~~لا تقاتلون في سبيل... }. ### || [4.75] # والآية تبدأ بالتعجيب، ذلك أنه بعد إيضاح لون الجزاء على القتال في سبيل ~~الله كان لابد أن يصير هذا القتال متسقا مع الفطرة الإنسانية، ونحن نقول ~~في حياتنا العادية: وما لك لا تفعل كذا؟ كأننا نتساءل عن سبب التوقف عن ~~فعل يوحي به الطبع، والعقل. فإن لم يفعله الإنسان صار عدم الفعل مستغربا ~~وعجيبا. فالقتال في سبيل الله بعد أن أوضح الله أنه يعطي نتائج رائعة، ~~فالذي لا يفعله يصبح مثارا للتعجب منه، ms1933 ولذلك يقول الحق: { وما لكم ~~لا تقاتلون في سبيل الله } [النساء: 75] أي لإعلاء كلمة ~~الله، ومرة يأتي القتال وذلك بأن يقف الإنسان المؤمن بجانب المستضعف الذي ~~أوذي بسبب دينه. ويكون ذلك أيضا لإعلاء كلمة الله. يقول سبحانه: { وما ~~لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين.. } ~~[النساء: 75] أي أن القتال يكون في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، وفي ~~ذلك استثارة للهمم الإنسانية حتى يقف المقاتل في سبيل رفع العذاب عن ~~المستضعفين، بل إننا نقاتل ولو من باب الإنسانية لأجل الناس المستضعفين ~~في سبيل تخليصهم من العذاب لأنهم ما داموا صابرين على الإيمان مع هذا ~~العذاب، فهذا دليل على قوة الإيمان، وهم أولى أن ندافع عنهم ونخلصهم من ~~العذاب. ويعطينا سبحانه ذلك في أسلوب تعجب: { وما لكم لا ~~تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين } [النساء: 75] ~~فكأن منطق العقل والعاطفة والدين يحكم أن نقاتل، فإذا لم نقاتل، فهذه ~~المسألة تحتاج إلى بحث. وساعة يطرح ربنا مثل هذه القضية يطرحها على أساس ~~أن كل الناس يستوون عند رؤيتها في أنها تكون مثارا للعجب لديهم، مثلها ~~مثل قوله الحق: # كيف تكفرون بالله.. # [البقرة: 28]. يعني كيف تكفرون بربنا أيها الكفار؟ إن هذه مسألة عجيبة ~~لا تدخل في العقل، فليقولوا لنا إذن: كيف يكفرون بربنا؟ { وما لكم ~~لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من ~~الرجال.. } [النساء: 75] وكلمة { والمستضعفين.. } [النساء: ~~75] يأتي بعدها " { من الرجال.. } [النساء: 75] والمفروض في الرجل ~~القوة، وهذا يلفتنا إلى الظرف الذي جعل الرجل مستضعفا، ومن يأتي بعده ~~أشد ضعفا. { والمستضعفين من الرجال والنسآء ~~والولدان الذين يقولون ربنآ أخرجنا من هذه ~~القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ~~وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا } [النساء: 75] فقد ~~بلغ من اضطهاد الكفار لهم أن يدعوا الله أن يخرجهم من هذه القرية الظالم ~~أهلها، والقرية هي " مكة ". وقصة هؤلاء تحكي عن أناس من المؤمنين كانوا ~~بمكة وليست لهم عصبية تمكنهم من الهجرة بعد أن هاجر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فهم ممنوعون من أن يهاجروا، وظلوا على دينهم، فصاروا ms1934 مسضعفين: ~~رجالا ونساء وولدانا، فالاضطهاد الذي أصابهم اضطهاد شرس لم يرحم حتى ~~الولدان، فيقول الحق للمؤمنين: { وما لكم لا تقاتلون في ~~سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنسآء ~~والولدان. # . } [النساء: 75]. وهؤلاء عندما استضعفوا ماذا قالوا؟. قالوا: { ~~ربنآ أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ~~واجعل لنا من لدنك وليا.. } [النساء: 75] وعبارة الدعاء ~~تدل على أنهم لن يخرجوا بل سيظل منهم أناس وثقوا في أنه سوف يأتيهم ولي ~~يلي أمرهم من المسلمين، فكأنها أوحت لنا بأنه سيوجد فتح لمكة. وقد كان. ~~لقد جعل الله لهم من لدنه خير ولي وخير ناصر وهو محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أقوى النصر. هذه الجماعة من ~~المستضعفين منه " سلمة بن هشام " لم يستطع الهجرة، ومنهم " الوليد بن ~~الوليد " و " عياش بن أبي ربيعة " ، و " أبو جندل بن سهيل بن عمرو ". ~~وسيدنا ابن عباس - رضي الله عنه - قال: لقد كنت أنا وأمي من هؤلاء ~~المستضعفين من النساء والولدان، وكانوا يضيقون علينا فلا نقدر أن نخرج، ~~فمثل هؤلاء كان يجب نصرتهم، لذلك يحنن الله عليهم قلوب إخوانهم المؤمنين ~~ويهيج الحمية فيهم ليقاتلوا في سبيلهم فظلم الكافرين لهم شرس لا يفرق بين ~~الرجال والنساء والولدان في العذاب. { الذين يقولون ربنآ ~~أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل ~~لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ~~} [النساء: 75] وكان رسول الله والمسلمون نصراء لهم. ويقول الحق بعد ذلك: ~~{ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل... }. ### || [4.76] # وعرفنا أن الطاغوت هو: المبالغ والمسرف في الطغيان، ويطلق على المفرد ~~وعلى المثنى، وعلى الجمع: فتقول: رجل طاغوت، رجلان طاغوت، رجال طاغوت، ~~والحق يقول: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت.. # [البقرة: 257]. إذن فالطاغوت يطلق على المفرد وعلى المثنى وعلى الجمع، ~~وهل الطاغوت هو الشيطان؟. يصح، أهو الظالم الجبار الذي يطغيه التسليم له ~~بالظلم؟ يصح، أهو الذي يفرض الشر على الناس فيتقوا شره؟ يصح، وكل تلك ~~الألوان اسمها " الطاغوت ". والأسلوب القرآني يتنوع فيأتي مرة ليقول: # قد كان ms1935 لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل ~~في سبيل الله وأخرى كافرة.. # [آل عمران: 13]. وانظر للمقابلة هنا: { الذين آمنوا يقاتلون ~~في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل ~~الطاغوت.. } [النساء: 76]، هنا { آمنوا.. } [النساء: 76] و { ~~كفروا.. } [النساء: 76] وهنا أيضا في { سبيل الله.. } ~~[النساء: 76] و { في سبيل الطاغوت.. } [النساء: 76] هذه مقابل ~~تلك. لكي نعرف العبارات التي ينثرها ربنا سبحانه وتعالى علينا أن ندرك ~~فيها الخطفة الإعجازية، قال في هذه الآية: { الذين آمنوا ~~يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا.. } [النساء: ~~76] مقابلات لأن الكافر مفهوم أنه طاغوت، ولكن: إذا ذكرت في الثانية ~~مقابلا لمحذوف من الأولى، أو حذفت من الأولى مقابلا من الثانية، هذا ~~يسمونه في الأسلوب البياني احتباكا كيف؟ ها هوذا قوله سبحانه وتعالى: # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل ~~في سبيل الله وأخرى كافرة.. # [آل عمران: 13] أي تقاتل في سبيل الطاغوت، ويقابلها الفئة التي تقاتل في ~~سبيل الله ولا بد أن تكون مؤمنة. إذن فالكلام كله منسجم، فقال: # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة.. # [آل عمران: 13] وترك صفتها كمؤمنة وقال: # تقاتل في سبيل الله.. # [آل عمران: 13] وسنعرف على الفور أنها مؤمنة، وربنا يحرك عقولنا كي لا ~~يعطينا المسائل بوضوح مطلق بل لنعمل فكرنا، كي لا يكون هناك تكرار، ولكي ~~تعرف أنه إذا قال: # في سبيل الله.. # [آل عمران: 13] يعني مؤمنا، وإذا قال: { في سبيل الطاغوت.. } ~~[النساء: 76] يكون كافرا. ويتابع الحق: { فقاتلوا أولياء ~~الشيطان.. } [النساء: 76]. أي نصراء الشيطان الذين ينفخون في ~~مبادئه، والذين ينصرون وسوسته في نفوسهم ليوزعوها على الناس، هؤلاء هم ~~أولياء الشيطان لأن الشيطان - كما نعرف - حينما حدث الحوار بينه وبين ~~خالقه. قال: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82]. لكنه عرف حدوده ولزمها فقال: # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83]. أي أن من تريده أنت يا رب لا أقدر أنا عليه. وهذه تدلنا على ~~أن المعركة ليست بين إبليس وبين الله، فتعالى الله أن يدخل معه أحد في ~~معركة، بل المعركة بين إبليس وبين الخائبين من الخلق، فعندما ms1936 قال: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] دل على أنه عرف كيف يقسم ويحلف لأن ربنا لو أراد الناس كلهم ~~مؤمنين لما قدر الشيطان أن يقرب من أحد، لكن ربنا عزيز عن خلقه، فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر. ومن هنا دخل الشيطان، فالشيطان قد دخل من عزتك ~~على خلقك سبحانك لأنك لو كنت تريدهم كلهم مؤمنين لما استطاع الشيطان ~~شيئا، بدليل قوله: # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83] أي أنا لا أقدر عليهم. ودل قسم الشيطان أنه دارس ومنتبه ~~لمسألة دخوله على العباد فقال: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]. إذن فالشيطان لن يأتي على الصراط المعوج لأن الذي يسير ~~على الصراط المعوج والطريق الخطأ لا يريد شيطانا فهو مريح للشيطان، ~~ويعينه على مهمته، فيكون وليه. فأولياء الشيطان هم كل المخالفين للمنهج، ~~وهم نصراء الشيطان. والحق يأمرنا: { فقاتلوا أولياء ~~الشيطان } [النساء: 76]. هؤلاء الذين بينهم وبين الشيطان ولاء، هذا ~~ينصر ذاك، وذاك ينصر هذا، ويطمئننا الحق على ذلك فيقول: { إن كيد ~~الشيطان كان ضعيفا } [النساء: 76] لأن الشيطان عندما يكيد سيكون ~~كيده في مقابل كيد ربه، فلا بد أن يكون كيده ضعيفا جدا بالقياس لكيد ~~الله، وليس للشيطان سلطان يقهر قالب الإنسان على فعل، ولا يستطيع أن ~~يرغمك على أن تفعل، وليس له حجة يقنعك بها. والفرق بين من يكره القالب ~~- قالبك -: أنك تفعل الفعل وأنت كاره، كأن يهددك ويتوعدك إنسان ويمسك لك ~~مسدسا ويقول لك: اسجد لي - مثلا - إذن فقد قهر قالبك. لكن هل يقدر أن ~~يقهر قلبك ليقول: " أحبني "؟. لا يمكن، إذن فالمتجبر يستطيع أن يكره ~~القالب لكنه لا يقدر أن يقهر القلب، فالذي يقهر القلب هو الحجة والبرهان، ~~بذلك يقتنع أن يفعل الفعل وليس مرغما عليه. إذن فالأول يكون قوة، ~~والثاني يكون حجة. والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: اعرفوا أن هذا الشيطان ~~ضعيف جدا، فهو لا يملك قوة أن يرغمك فإذا أغواك تستطيع أن تقول له: لن ~~أفعل، ولا يستطيع أن يأتي لقلبك ويقول لك: لا بد أن تفعل ويحملك على ~~الفعل ms1937 قهرا عنك. فليس عنده حجة يقنعك بها لتفعل، فهو ضعيف، فلماذا ~~تطيعونه إذن؟. إنكم تطيعونه من غفلتكم وحبكم للشهوة، والشيطان لا يقهر ~~قلبكم، ولا يقهر قالبكم. بل يكتفي أن يشير لكم!!، ولذلك سيقول الشيطان في ~~حجته يوم القيامة على الخلق: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي.. # [إبراهيم: 22]. أي لم يكن لي عليكم سلطان: لا سلطان قدرة أرغمكم على ~~فعلكم بالقالب، ولا سلطان حجة أرغمكم على أن تفعلوا بالقلب، أي أنتم ~~المخطئون وليس لي شأن، إذن فكيد الشيطان ضعيف. # و " الكيد " - كما نعرف - هو: محاولة إفساد الحال بالاحتيال، فهناك من ~~يفسد الحال لكن ليس بحيلة، وهناك من يريد أن يفسدها بحيث إذا أمسكت به ~~يقول لك: لم أفعل شيئا لأنه يفعل الخطأ في الخفاء. ويفسد الحال ~~بالاحتيال. والكيد لا يقبل عليه إلا الضعيف. إن القوي هو من يواجه من ~~يكيد له، فالذي يدس السم لإنسان آخر في القهوة - مثلا - هو من يرتكب ~~عملا لإفساد الحال باحتيال لأنه لا يقدر أن يواجه، أما القوى فهو يتأبى ~~على فعل ذلك، وحتى الذي يقتل واحدا ولو مواجهة نقول له: أنت خائف، أنت ~~أثبت بجرأتك على قتله أنك لا تطيق حياته، لكن الرجولة والشجاعة تقتضي أن ~~تقول: أبقيه وأنا أمامه لأرى ماذا يقدر أن يفعل. إذن فكيد الشيطان جاء ~~ضعيفا لأنه لا يملك قوة يقهر بها قالبا، ولا يملك حجة يقهر بها قلبا ~~ليقنعك، فهو يشير لك باحتيال وأنت تأتيه: ولا يحتال إلا الضعيف. وكلما ~~كان ضعيفا كان كيده أكثر، ولذلك كانوا يقولون مثلا: المرأة أقوى من ~~الرجل لأن ربنا يقول: # إن كيدكن عظيم # [يوسف: 28]. ونقول لهم: ما دام كيدهن عظيما إذن فضعفهن أعظم، وإلا ~~فلماذا تكيد؟. ولذلك يبرز الشاعر العربي هذا المعنى فيقول: # وضعيفة فإذا أصابت فرصة # قتلت كذلك قدرة الضعفاء # لأن الضعيف ساعة يمسك خصمة مرة. وتمكنه الظروف منه يقول: لن أتركه لأنني ~~لو تركته فسيفعل بي كذا وكذا. لكن القوي حينما يمسك بخصمه، يقول: أتركه ~~وإن فعل ms1938 شيئا آخر أمسكه وأضربه على رأسه، إذن فإن كان الكيد عظيما يكون ~~الضعف أعظم. ويقول الحق بعد ذلك: { ألم تر إلى الذين قيل ~~لهم كفوا أيديكم... }. ### || [4.77] # نعرف أن الحق ساعة يقول: { ألم تر.. } [النساء: 77] يعني: إن كانت ~~مرئية في زمنها، فلك أن تتأمل الواقعة على حقيقتها، وإن كانت غير مرئية ~~فمعناها: ألم تعلم، ولكن العلم بإخبار الله أصدق من العين. وحين يقول ~~الحق: { كفوا أيديكم.. } [النساء: 77] لا بد أن تكون بوادر ~~مد الأيدي موجودة، فلن يقال لواحد لم يمد يده: كيف يدك. والكلام هنا في ~~القتال، فيكون قد كفوا أيديهم عن القتال، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى ~~جاء في المقابل فقال: { فلما كتب عليهم القتال.. } ~~[النساء: 77] إذن فقد قيل لهم: { كفوا أيديكم.. } [النساء: ~~77] لأن بوادر مد الأيدي للقتال قد ظهرت منهم إما قولا بأن يقولوا: ~~دعنا يا رسول الله نقاتل، وإما فعلا بأن تهيأوا للقتال. وعندما يقول ~~القرآن: { فلما كتب عليهم القتال.. } [النساء: 77] دل ~~هذا القول على وجود زمنين بصدد هذه الآية: زمن قيل لهم: كفوا أيديكم، ~~وزمن كتب عليهم القتال، فنفهم من هذه أنه كانت هناك بوادر المد اليد ~~إلى القتال قبل أن يكتب عليهم القتال والذين قالوا: دعنا نقاتل هم: ابن ~~عوف وأصحاب له، ولو كان الأمر بالقتال متروكا للرسول لكان قد أمرهم ~~بمجرد أن قالوا ذلك. عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن عبد الرحمن بن ~~عوف وأصحابا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة. فقالوا: يا نبي ~~الله، كنا في عزة، ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال: " إني أمرت ~~بالعفو فلا تقاتلوا القوم " فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال، ~~فكفوا، فأنزل الله { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا ~~أيديكم.. } [النساء: 77]. وهذا دليل على أنه منتظر أمر السماء. ~~وبعد ذلك كتب الله عليهم القتال، فلما كتب عليهم القتال تملص البعض منه، ~~مصداقا لقول الحق: { فلما كتب عليهم القتال إذا ~~فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد ~~خشية.. } [النساء: 77] فلماذا هذه الخشية ms1939 وهم مؤمنون: هل هذا يعني ~~أنهم خافوا الناس أو رجعوا في الإيمان؟. كما طلب بعض من بني إسرائيل ~~القتال: # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى ~~إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في ~~سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ~~ألا تقاتلوا قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل ~~الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم ~~والله عليم بالظالمين # [البقرة: 246]. إذن فعندما تصل المسألة إلى الأمر التطبيقي، قد يدب في ~~نفوسهم الخور والخوف، والحق سبحانه لم يمنع الأغيار أن تأتي على ~~المؤمن، فما دام الإنسان ليس رسولا ولا معصوما فلا تقل: فلان عمل كذا ~~أو فلان عمل كذا لأن فلانا هذا لم يدع أنه معصوم، ولذلك يصح أن تأتي منه ~~الأخطاء، وتأتيه خواطر نفسه، وتأتيه هواجس في رأسه، ويقف أحيانا موقف ~~الضعف، ولذلك عندما يقول لك واحد: فلانة عملت كذا وفلان عمل كذا، قل له: ~~وهل قال أحد إن هؤلاء معصومون؟ وما داموا غير معصومين فقد يتأتى منهم ~~هذا. # والله يقول: { إذا فريق منهم } [النساء: 77] وهذا يعني أنهم ~~ليسوا سواء، ففريق منهم أصابه الضعف، وفريق آخر بقي على شدته وصلابته في ~~إيمانه لم تلن له قناة ولم ينله وهن ولا ضعف، ثم انظر أدب الأداء. لم ~~يقل: فلان أو فلان. بل قال: { إذا فريق منهم } [النساء: 77] ~~وهذا يستدعي أن يبحث كل إنسان في نفسه، وهذه عملية أراد بها الحق الستر ~~للعبد، وما دام الستر قد جاء من الرب، فلنعلم أن ربنا أغير على عبده من ~~نفسه، ولذلك نقول دائما: ساعة يستر ربنا غيب الناس على الناس فهذا ~~معناه: تكريم للناس جميعا. وهب أن الله أطلعك على غيب الناس أتحب أن ~~يطلع الناس على غيبك؟! لا، إذن فأنت عندما ترى أن ربنا قد ستر غيبك عن ~~الناس وستر غيب الناس عنك فاعرف أن هذه نعمة ورحمة لأن الإنسان ابن ~~أغيار، فيصح أن واحدا أساء إليك في نفسه ms1940 ولم يرغب أن تعرف ذلك، وأنت ~~أيضا تريد أن تتخلص منه وتكرهه، فلو أطلعه الله على ما في قلبك، أو ~~أطلعك على ما في قلبه لكانت معركة يجرح فيه كل منكما كرامة الآخر، لكن ~~ربنا ستر غيب خلقه عن خلقه رحمة بخلقه. وأنت أيضا أيها العبد قد تعصيه ~~ويحب أن يستر عليك، ويأمر الآخرين ألا يتقصوا أخبار معصيتك له. بالله ~~أيوجد رب مثل هذا الرب؟ شيء عجيب فقد تكون عاصيا له ويحب أن يستر عليك، ~~ويأمر غيرك: إياكم أن تتبعوا عورات الناس، فقد يكون عندهم بعض الحياء، ~~ويكونون مستترين في أسمالهم وملابسهم لماذا؟ حتى لا يفقدوا أنفسهم أو ~~يضلوا طريق التوبة لربهم. إذن فالحق يرحم المجتمع، ولكن الخيبة من الناس ~~أنهم يلحون على أن يعلموا الغيب ويبحثوا عمن يكشف لهم الطالع. ونقول لمن ~~يفعل ذلك: يا رجل لقد ستر الله الغيب عنك نعمة منه عليك، فاجعله مستورا ~~كما أراد الله. إن الحق سبحانه وتعالى يقول: { فلما كتب ~~عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس ~~كخشية الله أو أشد خشية.. } [النساء: 77] والواحد من ~~هذا الفريق يخشى القتال والقتل، ويخاف من الموت لأنه سيأخذه إلى جزاء ~~العمل الذي عمله في الدنيا، ولذلك نجد أحد الصحابة يقول: أكره الحق. ~~فتساءل صحابي آخر: كيف تكره الحق؟ قال: أكره الموت ومن منا يحبه! ~~ولماذا يخشى الناس القتال؟ لأن الله حين يميت يميت بدون هدم بنية، ولكن ~~الأعداء في القتال قد يقطعون جسد الإنسان ويمثلون به، لكن إن استحضر ~~العبد الجزاء على هذه المثلة تهون عليه المسألة. # { إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو ~~أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا ~~القتال.. } [النساء: 77] وكأنهم قد نسوا أنهم طلبوا القتال، كي نعرف ~~أن النفس البشرية حين تكون بمنأى عن الشيء تتمناه، وعندما يأتيها تعارضه. ~~{ وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا ~~أخرتنا إلى أجل قريب.. } [النساء: 77] فهل جاء هذا الكلام ~~منهم على سبيل الاستفهام؟ يوضح الله لنا ذلك: إنهم يقولون: يا رب لماذا ~~ابتليتنا هذا الابتلاء، ms1941 وقد لا نقدر عليه في ساعة الخوف من لقاء المعارك؟ ~~لذلك طلبوا أن يؤجل الله ذلك وأن يجعلهم يموتون حتف أنوفهم لا بيد العدو، ~~وكلمة { إلى أجل قريب.. } [النساء: 77] توضح أن كل واحد منهم ~~يعي تماما أنه سيموت حتما، لكن لا أحد منهم يريد أن تنتهي حياته ~~بالقتل. ولماذا لا تطلبون التأخير؟ أحبا في الدنيا ومتاعها؟ ويأتي جواب ~~الحق: { قل متاع الدنيا قليل.. } [النساء: 77] ولا يصح أن ~~تحرصوا عليه أيها المؤمنون حرصا يمنعكم أن تذهبوا لتقاتلوا، فكلكم ~~ستموتون، وكل منا يجازيه ربنا على عمله، أما الذي يقتل في سبيل الله ~~فسيجازيه على عمله فورا، ويعطيه حياة أخرى مقابل الموت. لأنه سيأخذ ~~الشهادة، ولذلك يأمر الحق رسوله بأن يقول: { قل متاع الدنيا ~~قليل والآخرة.. } [النساء: 77] إن قارنته بما يصل إليه المرء من ~~ثواب عظيم إن قتل في الحرب جهادا في سبيل الله. قال بعضهم: إذا كان لا ~~مفر من الموت، فلماذا لا نذهب لنقاتل في سبيل الله، فإن قتلنا فليكن ~~موتنا بثمن زائد عن عملنا، إذن فهذا تربيب وتنمية للفائدة، ولذلك قال ~~الحكيم: # ولو أن الحياة تبقى لحي # لعددنا أضلنا الشجعان # أي أن الحياة لو كانت تبقى لحي لكان أضل ناس فينا هم الشجعان الذين ~~يقتلون أنفسهم في الحرب، لكن المسألة ليست كذلك، والشاعر العربي يقول: # ألا أيها الزاجري أحضر الوغي # وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي # والمتنبي يقول: # أرى كلنا يبغى الحياة لنفسه # حريصا عليها مستهاما بها صبا # فحب الجبان النفس ورثه التقى # وحب الشجاع النفس أورده الحربا # إذن فالاثنان يحبان نفسيهما، لكن هناك فرقا بين الحب الأحمق والحب ~~الأعمق. وعندما ننظر إلى إجمالي السياق في الآية نجد أن الحق سبحانه يربي ~~- في صدر الإسلام - الفئة المؤمنة تربية إيمانية لا تخضع لعصبية الجاهلية ~~ولا لحمية النفس، ففريق من المؤمنين بمكة الذين ذاقوا الاضطهاد أحبوا أن ~~يقاتلوا، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغهم أنه لم يؤمر بالقتال بعد، ~~وأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن يصبروا على ما هم فيه حتى ms1942 يأذن ~~الله بالقتال، وتلك تربية أولى للفئة المؤمنة لأن الإسلام جاء وفي نفوس ~~العرب حمية وعصبية وعزة وأنفة، فكلما أهيج واحد منهم في شيء فزع إلى سيفه ~~وإلى قبيلته وشنها حربا، فيريد الله سبحانه أن يستل من الفئة المؤمنة ~~الغضب للنفس والغضب للعصبية والغضب للحمية، وأراد أن يجعل الغضب كله لله. # وحينما جاء الإذن بالقتال، جاء لا ليفرض على الناس عقيدة، ولا ليكرههم ~~على إسلام، وإنما جاء ليحمي النفس الإنسانية من أن يتسلط عليها الأقوى ~~الذي يريد أن يجعل الأضعف تبيعا له، فأراد سبحانه أن يحرر الاختيار في ~~الإنسان فكان القتال حفاظا على كرامة الإنسان أن يكون تبيعا في العقيدة ~~لغيره، وبعد ذلك يعرض قضية عرضا عقليا فمن استجاب له فمرحبا به، ومن ~~لم يستجب فله أن يظل على دينه. وهذا يدل على أن الإسلام دين منع التسلط ~~على عقائد الناس، وضمن لهم الحرية في أن يختاروا ما يحبون من العقائد بعد ~~أن بين لهم الرشد من الغي. وحينما شرع الله القتال فقد شرعه دون أن يكون ~~هناك أدنى تدخل لغضب النفس ولا لحميتها ولا لعزتها، ويشاء الحق سبحانه ~~وتعالى أن يصور العواطف الإنسانية التي تواجه الإسلام ويواجهها الإسلام ~~تصويرا طبيعيا. فبين لنا أن الطبع الإنساني يعالج بالتربية، ولهذا نجد ~~أن بعضا من الذين طلبوا القتال خافوا: { إذا فريق منهم ~~يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية.. } ~~[النساء: 77]. إذن فهناك فرق بين نظرية أن نقاتل، وأن نخوض القتال بالفعل ~~لذلك تجد أن منهم من خاف الذهاب إلى القتال خشية أن يقتلوا، والقتل كما ~~تعلمون: هدم بنية، ولكن الموت حتف الأنف هو الذي يسحب به الله الروح ~~الإنسانية، دون هدم بنية أو نقص لها. وأيضا فالقتال يكون مظنة القتل، ~~والخوف من القتال مظنة التراخي في الأجل، فالقتل موت مقرب أمام المقاتل، ~~لكن الموت حتف الأنف علمه عند الله لذلك قالوا: { ربنا لم كتبت ~~علينا القتال.. } [النساء: 77]. فهل كان طلبهم للقتال لقصد ~~الحمية، وسبحانه يريد أن يبرئ المؤمن أن يكون قتاله للحمية ms1943 لأنه جل وعلا ~~يريد أن تكون المعركة إيمانية لتكون كلمة الله هي العليا حتى ولو كان ~~المخالف له صلة نسب أو صلة عصب أو صلة عواطف. والحق سبحانه وتعالى يريد ~~أن يعلمنا ذلك لأن الأمة الإسلامية ستواجه عنفا شرسا في تثبيت قاعدة ~~الاختيار الإيماني في البشر، فقال الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم: إن ~~قالوا لك ذلك { قل متاع الدنيا قليل.. } [النساء: 77]، ~~فالحرص على أن يستبقي المؤمن نفسه من القتل ليموت بعد أجل قريب يعني أن ~~يريد أن يأخذ من الحياة فرصة أكبر، فأوضح الحق: لا، ضعوا مقياسا تقيسون ~~به الجدوى، فسبحانه قال: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة.. # [التوبة: 111]. إنه شراء وبيع. وأيضا قال سبحانه في الصفقة الإيمانية: # هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم # [الصف: 10]. إذن فالله يعاملنا بملحظ النفعية الإنسانية، واللبق، الفطن، ~~الذكي هو الذي يتاجر في الصفقة الرابحة أو المضمونة أو التي تكون جدواها ~~والفائدة منها أكثر من سواها. فلو أننا قارنا الدنيا، لعلمنا أنها مهما ~~طالت لا تؤثر ولا تزيد في عمر الفرد لأن الدنيا تطول في الزمن، لكنها ~~بالنسبة للأفراد تكون بمقدار عمر كل واحد فيها، لا بمقدار أعمار الآخرين، ~~فإن دامت للآخرين طويلا، فما دخل الفرد في ذلك؟ إذن فالدنيا بالنسبة ~~للفرد هي زمن محدد، والله يبشر المؤمن الذي يقتل في سبيله أنه يأخذ من ~~الصفقة زمنا غير محدود. وأيضا فالبقاء في الدنيا بدون قتل وإلى أن يموت ~~الواحد حتف أنفه، هو بقاء مظنون وغير متيقن. ونحن نرى من يموت طفلا أو ~~شابا أو كهلا. أما الآخرة فهي غير محدودة وهي متيقنة. إن النعيم في ~~الدنيا يكون على مقدار تصور الفرد للنعيم وإمكانات الفرد في تحقيق ~~النعيم. وأما النعيم في الآخرة فيكون على المقدار الذي أعده الله لعباده ~~بطلاقة قدرته وسعة رحمته. فإن قارنا صفقة الدنيا بالآخرة لوجدنا أن متاع ~~الدنيا على فرض أنه متاع هو قليل بالنسبة للآخرة. إذن فالحق ينمي فينا ~~قيمة الصفقة الإيمانية، ويعلم أن ms1944 كل إنسان يحب الخير لنفسه، فلا يظنن أحد ~~أن الدين جاء ليسلبه الحرية، أو ليستذله، فالدين إنما جاء ليربب للمؤمن ~~النفعية وينميها له. ومثال ذلك عندما منع الدين واحدا أن يسرق الآخرين ~~فهو قد منع أيضا كل الآخرين أن يسرقوا من أي واحد، وبذلك يكسب كل إنسان ~~حماية الدين له، فحين يمنع الواحد عن فعل خطأ في حق الآخرين فهو قد منع ~~الآخرين وهم ملايين أن يخطئوا في حقه. فإذا قال الدين لواحد: لا تمد ~~عينيك إلى محارم غيرك، ففي هذا القول ما يوصي كل غير في الدنيا: لا ~~تمدوا أعينكم إلى محارم فلان، فالكسب العظيم - إذن - يعود على الفرد. ~~وقول الحق: { قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير ~~لمن اتقى.. } [النساء: 77] يوضح لنا عظمة الصفقة الإيمانية، وبعد ~~ذلك يؤكد لنا العدل في قوله: " ولا تظلمون فتيلا " ونعرف أن الفتيل هو ~~ما فتل من الأقذار حينما يدعك الإنسان كفيه معا، فيخرج ناتجا كالفتلة، ~~أو الفتيل هو الفتلة في بطن النواة، أي لا نظلم حتى في الشيء التافه. ~~والعدالة هنا بمشروطها لأن الله أوضح أن من يصنع السيئة يجازي بسيئة ~~مثلها، ومن يصنع حسنة يجازي بعشرة أمثالها أو أكثر. # وهكذا لا ترهق العدالة مؤمنا لأنها تأتي بفضلها، فالحسنة بعشر أمثالها ~~أو أكثر، وتحسب الحسنة عند الله في ميزان العدالة بما أخذ من الفضل، فلا ~~يقولن واحد: إن هناك عدلا من الله بدون فضل. إذن فقول الحق: { ولا ~~تظلمون فتيلا } [النساء: 77] هو بضميمة الفضل إلى العدل. ولذلك ~~نحن ندعو الله قائلين: اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل لأن مجرد العدل قد ~~يتعبنا. وندعو الله: وبالإحسان لا بالميزان لأنه لو عاملنا بالميزان قد ~~نتعب. وندعو الله: وبالجبر لا بالحساب، والجبر هو أن يجبرنا الله، وهكذا ~~نرى أن قوله الحق: { ولا تظلمون فتيلا } [النساء: 77] بلاغ من ~~الحق لنا: أننا سنعدل معكم بالفضل فتكون السيئة بواحدة، وتكون الحسنة ~~بعشر أمثالها أو أكثر. وقوله الحق: { ولا تظلمون فتيلا } ~~[النساء: 77] يعني فيما قضى به سبحانه متفضلا بالفضل مع العدل. ms1945 وسبحانه ~~يريد أن يطمئننا على أن قضايا الإيمان يجب أن يحافظ عليها، فإياك أن تظن ~~أن عملك هو الذي سيعطيك الجزاء، إنما فضل الله هو الذي سيعطيك الجزاء. ~~يقول الحق: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. فالفضل هو الذي يفرح قلب المؤمن. ثم يأتي الحق سبحانه ليرد ~~من بعد ذلك على قضية قالها المنافقون حينما خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في أحد، ثم قتل من قتل من المسلمين فقال المنافقون: # لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.. # [آل عمران: 156] ففهموا أن العندية عندهم حصن لهم من الموت، وأن الذهاب ~~إلى القتال هو الذي يجلب الموت. ونعرف أن كل حدث من الأحداث له زمان وله ~~مكان ونسميه الظرف. إن الذين درسوا " الظرف " في النحو يقولون: " ظرف ~~زمان أو ظرف مكان " ، فكل حدث من الأحداث لا بد أن يوجد له زمان ومكان. ~~والزمان في الموت مبهم والمكان في الموت أيضا مبهم، فظرف حدث الموت ~~زمانا أو مكانا مبهم، وحين يبهم الله شيئا فلا تظنوا أنه يريد أن ~~يخفيه ويغمضه علينا، إن الحق يبهم الأمر ليوضحه أوضح بيان، فالإبهام من ~~عنده أوضح بيان، كيف؟. إنه سبحانه حين يجهلنا بزمن الموت ويخفيه علينا ~~فمعنى ذلك أن الإنسان قد يستقبل الموت في أي لحظة، وهل هناك بيان أوضح من ~~هذا؟. فحين جهلنا بزمن الموت فهو لم يمنع عنا معرفة زمنه، ولكنه أشاع ~~زمنه في كل زمن، فلا أحد بقادر على الاحتياط من زمن الموت، وكذلك الحال ~~في مكان الموت. وها هوذا الحق يقول: { أينما تكونوا ~~يدرككم... }. ### || [4.78] # والحق هنا يتعرض لقضية الموت مع المكان فقال: { أينما تكونوا ~~يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة.. } ~~[النساء: 78] فالعقل البشري الذي يتوهم أن بإمكانه الاحتياط من الموت - ~~مكانا - عليه أن يعي جيدا أنه لا يستطيع ذلك، فوجود الشخص عند ظرف ما ~~لا يدفع ولا يمنع عنه الموت، فالعندية سواء في معسكر الكفر أو في معسكر ~~الإيمان لن تمنع حدوث الموت. والعندية ms1946 - كما نعلم - تعطي ظرف المكان. ~~فلطافة تغلغل الموت تخترق أي مكان وزمان ما دام الحق قد قضى به. وأعداء ~~الإنسان في عافيته وفي حياته كثيرون، لكن إن نظرنا إليها في العنف نجدها ~~تتناسب مع اللطف. فكلما لطف عدو الإنسان ودق كان عنيفا، وكلما كان ضخما ~~كان أقل عنفا. فالذي له ضخامة قد يهول الإنسان ويفزعه، ولكن بإمكان ~~الإنسان أن يدفعه. لكن متى يكون العدو صعبا؟ يكون العدو صعبا كلما صغر ~~ولطف ولا يدخل تحت الإدراك. فيتسلل إلى الإنسان. ومثال ذلك: هب أن واحدا ~~يبني بيتا في خلاء ويمر عليه إنسان ليبارك له وضع أساس البيت فيقول ~~لصاحب البيت: إنك لم تحتط لمثل هذا المكان، فهو يمتلئ بالذئاب والثعالب ~~ويجب أن تضع حديدا على النوافذ التي في الدور الأول، وذلك حتى لا تدخل ~~إليك هذه الحيوانات المفترسة. ويضع صاحب البيت حديدا على نوافذ الدور ~~الأول. ويجيء واحد ثان ويقول له: لقد فاتك أن هذا المكان به ثعابين كثيرة ~~وعليك أن تضيق فتحات الحديد، ويفعل ذلك صاحب البيت ليرد الثعابين. ويجيء ~~ثالث لزيارة صاحب البيت فيقول: إنني أتعجب منك كيف تحترس من الذئاب ~~والثعابين ولا تحتاط من ذباب هذه المنطقة؟. إنه ذباب سام. وهنا يضع صاحب ~~البيت سلكا على النوافذ. ويجيء واحد رابع ليقول لصاحب البيت في هذه ~~المنطقة حشرات أقل حجما من الذباب وأكثر عنفا من البعوض ويمكنها أن ~~تتسلل من فتحات السلك الذي تضعه على نوافذك، فيخلع صاحب البيت السلك ~~المعلق على نوافذ البيت ويقوم بتركيب سلك آخر فتحاته أكثر ضيقا بحيث لا ~~تمر منه هذه الحشرات. إذن فعدوك كلما لطف ودق عن الإدراك كان عنيفا. ~~ولذلك فأخطر المكيروبات التي تتسلل إلى الإنسان، ولا يدري الإنسان كيف ~~دخلت إلى جسده ولا كيف طرقت جلده، ولا يعرف إصابته بها إلا بعد أن تمر ~~مدة التفريخ الخاصة بها وتظهر بجسده آلامها ومتاعبها. إنها تدخل جسم ~~الإنسان دون أن يدري، ولا يعرف لذلك زمانا أو مكانا. ويلفتنا سبحانه ~~إلى أن الشيء عندنا كلما ms1947 لطف ازداد عنفا، ولا تمنعه المداخل. فما بالكم ~~بالموت وهو ألطف من كل هذا، ولا أحد يستطيع أن يحتاط منه أبدا. # وما مقابل الموت؟. إنه الحياة حيث توجد الروح في الجسد. وما كنه الروح؟ ~~لا يعرف أحد كنه الروح على الرغم من أنه يحملها في نفسه، ولا أحد يعرف ~~أين تكون الروح أو ما شكلها، ولا أحد يعرف من رآها أو سمعها أو لمسها. ~~وعندما يقبضها الله فإن الحياة تنتهي. والحق هو الذي جعل للحي روحا، ~~وعندما ينفخها فيه تأتي الحياة. إن الحق - سبحانه - يلفتنا وينبهنا إلى ~~ذلك فيترك في بعض ماديتنا أشياء لا يستطيع العلماء بالطب ولا المجاهر أن ~~يعرفوا كنهها وحقيقتها، فنحن لا نعرف - مثلا - الفيروس المسبب لبعض ~~الأمراض. فإذا كان الله قد جعل للإنسان روحا يهبه بها الحياة، فلماذا لا ~~نتصور أن للموت حقيقة، فإذا ما تسلل للإنسان فإنه يسلب الروح منه، وبذلك ~~نستطيع أن نفهم قول الحق سبحانه وتعالى في سورة الملك: # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور # [الملك: 1-2]. إذن فالموت ليس عملية سلبية كما يتوهم بعض الناس، بل ~~عملية إيجابية، وهو مخلوق بسر دقيق للغاية يناسب دقة الصانع. ووصف الحق ~~أمر الموت والحياة في سورة الملك وقدم لنا الموت على الحياة مع أننا في ~~ظاهر الأمر نرى أن الحياة تأتي أولا ثم يأتي الموت. لا، إن الموت يكون ~~أولا، ومن بعده تكون الحياة. فالحياة تعطي للإنسان ذاتية ليستقبل بها ~~الأسباب المخلوقة، فيحرث الأرض أو يتاجر في الأشياء أو يصنع ما يلائم ~~حياته ويمتع به السمع والبصر، فيظن أن الحياة هي المخلوقة أولا. ينبهنا ~~ويوضح لنا الحق: لا تستقبل الحياة إلا إذا استقبلت قبلها ما يناقض ~~الحياة، فيقول لنا عن نفسه: # الذي خلق الموت والحياة.. # [الملك: 2] وهذا ما يسهل علينا فهم الحديث القدسي الشريف الذي يشرح لنا ~~كيف يكون الحال بعد أن يوجد أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار ms1948 ~~ويأتي الحق سبحانه بالموت في صورة كبش ويذبحه. عن أبي هريرة - رضي الله ~~عنه - قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف ~~على الصراط، فيقال: يا أهل الجنة فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من ~~مكانهم الذي هم فيه. فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا: نعم ربنا، هذا ~~الموت، ثم يقال: يا أهل النار، فيطلعون فرحين مستبشرين، أن يخرجوا من ~~مكانهم الذي هم فيه. فيقال: هل تعرفون هذا؟ قالوا: نعم هذا الموت، فيأمر ~~به فيذبح على الصراط، ثم يقال للفريقين " كلاهما ".: " خلود فيما تجدون ~~لا موت فيه أبدا ". # وتجسيد الموت في صورة كبش معناه أن للموت كينونة. ويعلمنا الله أنه يقضي ~~على الموت، فنحيا في خلود بلا موت. # وينبه الناس الذين كفروا وظنوا أن الذين قتلوا في سبيل الله لو كانوا ~~عندهم لما ماتوا. نقول لهم: العندية عندكم لا تمنع الموت. ولو كان من دنا ~~أجله وحان حينه يسكن في بروج مشيدة لأدركه الموت. أن الأداء القرآني ~~يتنوع فهناك من الأداء ما نفهمه من الألفاظ، وهناك ما نفهمه من الهدى ~~الأسلوبي للقرآن لأنه خطاب الرب. فالبشر فيما بينهم يتخاطبون بملكات ~~لغوية وملكات عقلية، لكن عندما يخاطب الحق الخلق فسبحانه يخاطب كل ~~ملكات النفس. ولذلك نجد طفلا صغيرا يحفظ القرآن ويمتلئ بالسرور، فيسأله ~~واحد من الكبار: ما الذي يسرك في حفظ القرآن؟. فيجيب الصغير: إنني أحس ~~بالانسجام وكفى. هو لا يعرف لماذا يحس بالانسجام من سماع القرآن أو حفظه، ~~فالمتحدث هو الله، وسبحانه بقدرته وجمال كماله يخاطب كل الملكات النفسية. ~~وسبحانه وتعالى يقول: { أينما تكونوا يدرككم الموت.. } ~~[النساء: 78] أي أينما توجدوا يدرككم الموت. وكلمة " يدرككم " دليل على ~~أن الإنسان عندما تدب فيه الروح ينطلق الموت مع الروح، إلى أن يدركها في ~~الزمن الذي قدره الله. وكلمة " يدرك " توضح لنا أن الموت يلاحق الروح حتى ~~إذا أدركها سلبها وكما قال الأثر الصالح عن ملاحقة الموت للحياة: " حتى ~~إذا أدركها جرت، فلا أحد منكم إلا هو مدرك " ، ولذلك يقول أهل ms1949 المعرفة ~~والإشراق: " الموت سهم أرسل إليك وإنما عمرك هو بقدر سفره إليك ". وهكذا ~~نعرف أن قوله الحق: { يدرككم.. } [النساء: 78] تدل على أن الموت ~~يلاحق حياة الإنسان ويجري وراء روحه حتى يدركها. ويقول الحق: { ولو ~~كنتم في بروج مشيدة.. } [النساء: 78]. وعندما نبحث في ~~الحروف الأصلية لمادة كلمة " البروج " نستطيع أن نرى المعنى العام لها. ~~والحروف الأصلية في هذه الكلمة هي " الباء " و " الراء " و " الجيم " ~~وكلها تدل على الارتفاع والظهور. فيقال: " هذه امرأة فيها برج " أي أن ~~عيونها واسعة وتحتل قدرا كبيرا من وجهها وتكون واضحة، فالبرج هو ~~الاتساع والظهور. والأبراج عادة كان بناؤها مرتفعا كحصون وقلاع نبنيها ~~نحن الآن من الأسمنت والحديد. والقصد من { مشيدة.. } [النساء: 78] ~~أي أنها بروج تم بناؤها بإحكام، فالشي قد يكون عاليا ولكنه قد يكون ~~هشا. أما الشيء المشيد فهو من " الشيد " وهو " الجص " ، ومن " ~~الشيد " وهو " الارتفاع " ، والمقصود أن لبنات البرج تلتحم أبعاضها ~~وأجزاؤها بالجص فهي مرتفعة متماسكة. إنك إذا رأيت جمعا وقوبل بجمع فمعنى ~~ذلك أن القسمة تعطينا آحادا. فساعة يدخل المدرس الفصل يقول لطلابه: ~~أخرجوا كتبكم. فمعنى هذا القول أن يخرج كل تلميذ كتابه. # وعلى ذلك يكون القياس. فلو بني كل إنسان لنفسه برجا مشيدا لجاءه ~~الموت. والجمع مقصود أيضا: أي لو كنتم جميعا معتصمين ببرج محاط ببرج آخر ~~وثالث ورابع، كأنه حصن محصن فالحصون في بعض الأحيان يتم بناؤها وكأنها ~~نقطة محاطة بدائرة صغيرة. وحول الدائرة دائرة أخرى أوسع. ولذلك تجد الحصن ~~نقطة محاطة بعدد من الحصون. والموت يدرك البشر ولو كانوا في برج محاط ~~ببروج. وكلا المعنيين يوضح قدرة الحق في إنفاذ أمره بالموت. وساعة يتكلم ~~سبحانه عن الموت وعن الحياة في الجهاد فهو يريد أن يخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور لأن الدين هو نور طارئ على ظلمة، والذين يعيشون في الظلام ~~يكونون قد ألفوا الظلمة والفوضى وكل منهم يعربد في الآخرين. وعندما جاء ~~الدين فر بعضهم من مجيء النور لأن النور يحرمهم من لذات الضلال ولأن ~~النور يوضح الرؤية. ms1950 لذلك يوضح سبحانه وتعالى أنه أتى بالموت ليؤدي ~~حاجتين: الحاجة الأولى: أن من يؤمن عليه أن يستحضر الموت لأن جزاءه لا ~~يكون له منفذ إلا أن يموت ويلقى ربه، ويعلم أن الحاجب بينه وبين جزاء ~~الخالق هو الموت، فساعة يسمع كلمة الموت فهو يستشرف للقاء الله لأنه ذاهب ~~إلى الجزاء. والحاجة الثانية: أن غير المؤمن يخاف الموت ويخشاه ولا يستعد ~~له ويخاف أن يلاقي ربه. إذن فكلمة { الموت.. } [النساء: 78] تعطي ~~الرغب والرهب. فصاحب الإيمان ساعة يسمع كلمة الموت يقول لنفسه: إن ~~متاعب الدنيا لن تدوم، أريد أن ألقى ربي. ولذلك يجب أن يستحضر المؤمنون ~~بالله تلك القضية. وحين يستحضرون هذه القضية يهون عليهم كل مصاب في عزيز ~~فالإنسان ما دام مؤمنا فهو يعرف أن العزيز الذي راح منه إما مؤمن ~~وإما غير مؤمن، فإن كان مؤمنا فليفرح له المؤمن الذي افتقده لأن الله ~~عجل به ليرى خيره، فإن حزنت لفقد قريب مؤمن فأنت تحزن على نفسك. وإن ~~كان الذي ذهب إلى ربه غير مؤمن، فالمؤمن يرتاح من شره. إذن الموت راحة، ~~والذي عمل صالحا يستشرف إليه، وهذا رغب، أما الكافر فهو خائف وهذا ~~رهب. ولذلك فمن الحمق أن يحزن الإنسان على ميت، وعليه أن يلتفت إلى ~~قول الحق: { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم ~~في بروج مشيدة.. } [النساء: 78]. ويتابع الحق: { وإن ~~تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن ~~تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من ~~عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا } [النساء: 78]. ومثل هذا الكلام أليق بمن؟ الذي يقول عن ~~الحسنة إنها من عند الله فهو يؤمن بالله وهذه الكلمة لها في ذهنه تصور. ~~والآية لا تريد هذا الصنف من الناس ولكن بعضهم يريد أن يفرق بين محمد ~~وربه. # فينسب الخير والحسنة لله، وينسب الشر والسيئة لمحمد، وعلى هذا فالذين ~~قالوا مثل هذا الكلام إما أن يكونوا من المنافقين الذين أعلنوا إسلامهم ~~وولاءهم لرسول الله وفي قلوبهم الكفر، وإما أن يكونوا من بعض أهل ms1951 ~~الكتاب لأنهم يؤمنون بالله ولكنهم لا يعترفون برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فهؤلاء وأولئك ينظرون إلى الأمر الذي فيه خير على أساس أنه من عند ~~الله، ويلقون اتهاما باطلا لرسول الله أنه مسئول عن الشرور التي تحدث ~~لهم. كأنهم يريدون أن يقيموا انعزالا بين محمد وربه. لا. فسبحانه لا ~~يتيح لهم ذلك فقد أنزل قرآنا يتلى إلى أبد الآبدين: # من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ ~~أرسلناك عليهم حفيظا # [النساء: 80]. والحق يقول: # إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله # [آل عمران: 31]. فلا أحد يملك أن يصنع مضارة بين محمد وربه لأن محمدا ~~رسول من عند الله مبلغ لقول الله ومنهجه، وسبحانه يقول: # وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله.. # [التوبة: 74]. والحق سبحانه وتعالى لا يرضى عن عبد يستغفر الله فقط، ~~ولكن لا بد أن يذهب العبد ويطلب من رسول الله أن يستغفر له الله، فلا أحد ~~يمكنه أن يقيم صلحا مع الله من وراء محمد رسول الله، فلا تفرقوا بين أمر ~~الله وأمر رسول الله، ومن يريد أن يصنع مضارة بين الله ورسوله بأن يقول ~~عن الحسنة إنها من عند الله، وأن السيئة من عند محمد، فهذا قول خاسر. ما ~~حكاية هذا القول؟ إنهم إن ذهبوا إلى حرب فغنموا قالوا: " إن الله أسعدنا ~~بالغنائم ". وإن هزموا قالوا: إن محمدا هو الذي أوقع بنا الهزيمة، ~~وكأن لمحمد تصرفا دون تصرف الله. فإياك أن تخدع بمن يحاول أن يعزل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن ربه. إن محمدا قد بعثه الله وأنزل عليه ~~القرآن. وكان رسول الله حين نزلت الدعوة يأمل أن يستجيب له القوم الذين ~~يؤمنون بالله وهم أهل الكتاب. وكانوا أقرب إلى قلبه من القوم الذين لا ~~يؤمنون بالله وهم المشركون، وكان هناك معسكران: معسكر الفرس، ومعسكر ~~الروم، وكان معسكر الفرس يعبد النار - معاذ الله - أما معسكر الروم فهو ~~يؤمن بالله وبالكتب السابقة على رسول الله ولكنه كافر بمحمد. والذي يؤمن ~~بالله كان قريبا إلى قلب ms1952 محمد ممن كفر بالله، وهذا دليل على أن عصبية ~~محمد قد أتت له من الله. وقد ينصرف المعنى إلى اليهود. فحينما جاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان من المصادفة أن تقل ثمارهم ~~ومزارعهم فقالوا: مزارعنا وثمارنا في نقص منذ قدم هذا الرجل. وهل كان ذلك ~~الأمر مصادفة أو أننا نجد له تعليلا ماديا؟ فحينما جاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة أنكروه بعد أن كانوا يستفتحون به على الذين ~~كفروا، وسلب مجيئه منهم السلطة الزمنية التي كانت لهم لأنهم كانوا أهل ~~مال، ويتعاملون بالربا ويثيرون العصبية، ويتاجرون من أجل أن تظل لهم ~~السيادة، وهم أهل علم بالكتاب وحاولوا التجارة بكلمات الله. # فكانت لهم السيادة من ثلاث جهات: علميا وماليا ومنهجيا. وعندما جاء ~~الإسلام ألف بين الأوس والخزرج فبارت أسلحتهم وضاعت منهم السلطة التي ~~صنعوها بالتفرقة، وضاعت منهم سيادة المال لأن الإسلام حرم الربا، وضاعت ~~منهم سيادة المنهج لأن الإسلام كشف تحريفهم للكتاب وأنزل الله كتابا - ~~وهو القرآن - غير قابل للتحريف. وهكذا انتهت وسائل السيطرة، لذلك وقعوا ~~في الحزن وانشغلوا بهذا الهم. وكان الواحد منهم لا يسارر الآخر من اليهود ~~ولا يناجيه إلا في أمر محمد. وما دامت هذه المسألة قد شغلتهم إلى هذه ~~الدرجة فلا بد أنها قد شغلتهم عن الزراعة والاهتمام بها. هم انشغلوا عن ~~الأسباب فكانت النتيجة هي ما حدث. ولكنهم حاولوا إلصاق ذلك برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان من الصعب عليهم أن يفهموا الأمر الحادث لهم، ~~وإما أن يكون تفسير ذلك هو أن السماء أرادت لهم عقابا لأنهم حاولوا ~~المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك شغل وقتهم عن الأخذ بالأسباب. ~~وإما أن يكون ذلك من آفة سماوية فلماذا لم يلتفتوا إلى أن دين محمد هو ~~المنقذ لهم مما هم فيه؟ لقد كانوا يستعزون به. لكنهم لم يؤمنوا به # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به.. # [البقرة: 89] فنزل بهم أكثر من عقاب. فالذين كانوا يتعاملون مع اليهود ~~بالربا امتنعوا ms1953 عن ذلك، وكذلك نقصت الزروع والثمار. إذن فالمسألة جاءتهم ~~بنقص من الأموال فقالوا ما قاله الله مما أورده الحق على ألسنتهم: { ~~وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن ~~تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من ~~عند الله.. } [النساء: 78]. أي كل من الحسنة والسيئة من عند الله ~~وما الحسنة وما السيئة؟ الحسنة هي الظفر والغنيمة والسراء والرخاء ~~والخصب. والسيئة هي الهزيمة والقتل والضراء والبؤس والجدب. هذا ما فهموه، ~~ونحن - المؤمنين - نفهم الحسنة فهما دقيقا فالحسنة في الشرع هي ما يأمر ~~به الله، والسيئة هي ما ينهى عنه الله بدليل أن المؤمن قد يصاب في عزيز ~~لديه ثم يقف موقفا إيمانيا في استقبال هذه المصيبة ويقول: " إن حزني لن ~~يرده فالأفضل أن أكسب به الجنة ". ويزيد على ذلك: " يكفيني عزاء الأجر ~~عليه، فأنا لم أكن سآخذ منه طيلة حياته مثل الأجر الذي سآخذه في صبري على ~~مصيبتي فيه ". إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبهنا بقوله: إياك أن ~~تظن أن الحسنة هي ما تستطيبه نفسك، أو أن السيئة هي ما تشمئز منها نفسك، ~~لا، فالمصاب في عرف الشرع هو من حرم الثواب. # ولذلك جاء القول: { قل كل من عند الله.. } [النساء: 78] أي ~~أن الحسنة والسيئة من عند الله. وهل يصنع الله سيئة؟ ونقول: نستغفر الله، ~~فالسيئة في نظر الإنسان والحسنة في نظر الإنسان، وكلها من عند الله، ولكن ~~إذا نسبنا الفعل إلى الله فكل ما يصدر عنه حسن، وافتقاد المقاييس الصحيحة ~~هو الذي يتعب. وعندما نحاول أن نحسب مثل تلك الأمور بحساب الكمبيوتر ~~تستقيم لنا النتائج. ومثال ذلك: تلميذ أهمل في المذاكرة وفي حضور الدرس ~~لذلك فهو يرسب آخر العام، ولكنه ينظر إلى الرسوب على أنه سيئة، ولكنها في ~~عرف الحق عموما حسنة. فنجاح مثل ذلك الخائب ضياع لمقاييس الاجتهاد ~~ولما ذاكر أحد ولا نطمس العلم. وحينما وضع الله قانون أن من لا يستذكر ~~يرسب، فهذا إحياء للحسنة في آلاف غيره، ويكون الراسب نموذجا واضحا ~~ووافيا وتطبيقيا، ms1954 وخاضعا لسنة الكون. وكذلك الذي لم يزرع أرضه أو ~~تكاسل عن الحرث أو أهمل الري، فهو يأتي يوم الحصاد ولا يؤتي ثمارا ~~وهذا أمر سيئ بالنسبة له، أما بالنسبة لقضية الحق الكونية في ذاتها فهي ~~حسنة لأن ذلك يدفع كل واحد إلى عدم إهمال أي سبب من الأسباب فالمصاب ~~بنتيجة عمله يفسر المصيبة على أنها سيئة لأن فيها مساءة وإضرارا به، ~~ولكن لو قاس مسها له بما فعله لوجد أن ذلك هو سنة الله ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا. وحين يضع الحق سبحانه وتعالى سننا في كونه فالذي يأخذ بالأسباب ~~يعطيه، ويحرم سبحانه من لا يأخذ بالأسباب. وعندما نقيس الأمور بهذا ~~المقياس نرى الناجح هو المجد، والمتكاسل هو الراسب، والنتيجة كلها من ~~عند الله تقنينا كونيا. والحق سبحانه وتعالى حينما يعرض أقوال طرف فإن ~~كان مقرا بما فيه يتركه من غير تعليق عليه، وإن كانت قضية باطلة يكر ~~عليها بالحجة ليبطلها ويدحضها. وهذا يلفتنا إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا ~~يريد أن نلف قضايا الخصوم لفا بحيث لا نعرفها، ولكنه يعرض قضية الخصوم ~~عرضا ثم يكر عليها بالنقد ليربى - كما قلنا - المناعة الإيمانية، حتى لا ~~تفاجئ قضية كفرية عقيدة إيمانية فسبحانه يعرض قضايا الكفار ويوضح لنا: ~~سيقولون كذا فقولوا لهم كذا. مثال ذلك: عندما قالوا: إن الله اتخذ ولدا ~~قال الحق: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا # [الكهف: 5]. فهو سبحانه يعرض قضايا الخصوم لأن الذي يحاول أن يلف قضية ~~الخصوم يكون مشفقا منها، لكن من يعرضها ينبه عقل السامع إليها ليبطلها ~~ويقول: " هاي هي ذي نقاط الضعف في هذه القضية ". # وحينما قالوا: { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من ~~عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من ~~عندك.. } [النساء: 78] أرادوا بهذا القول أن يصنعوا مضارة بين الله ~~ورسوله، فأوضح الحق سبحانه قل لهم يا محمد: { كل من عند ~~الله.. } [النساء: 78]، وتتجلى دقة الحق سبحانه في أنه جعل محمدا صلى ~~الله عليه وسلم وكيلا في البلاغ عنه، وكان من ms1955 الممكن أن يسوق الحق ~~القضية بدون " قل ". لكنه سبحانه أراد في هذه أن يوسط رسوله صلى الله ~~عليه وسلم في أنه يقول: { قل كل من عند الله.. } [النساء: ~~78]. و { كل.. } [النساء: 78] تعني: كلا من الحسنة ومن السيئة. ~~ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يبين لنا أن قضايا الوجود تتسق مع فطرة ~~الإيمان. ولقد وقع خلاف طويل بين العلماء في أفعال العباد، وتساءلوا: هل ~~يفعل العبد أي فعل بنفسه، أو أن الله هو الذي يجري على عباده الأفعال؟. ~~فإذا كان العبد هو الذي يفعل الفعل فمن العدالة أن يتلقى الثواب أو ~~العذاب جزاء ما قدم. وإذا كان الله هو الذي يجري كل الأفعال فلماذا يعذبه ~~الله؟. ودخل العلماء في متاهة كبيرة. وهنا نقول: يجب أن تفهم أن الحق ~~حينما خلق الكون جعل فيه سننا، ومن عجيب الأمر أن السنن تنتظم وتشمل ~~وتضم المؤمن والكافر مما يدل على أنه لا أحد في كون الله أولى بربوبية ~~الله من الآخر، فحتى الذين لا يؤمنون بالله أدخلهم الحق في ربوبيته فأمر ~~الأسباب التي خلقها استجيبي لمن يخدمك وأعطيه المسببات ولا تلتفتي إلى ~~أنه مؤمن أو كافر لأنني أنا الذي خلقته وأوجدته في الكون، وما دمت أنا ~~الذي أوجدته في الكون فلا بد أن أتكفل بكل ما يقيم حياته، وأنا سأعرض ~~منهجي، وأقول لعبادي: أنا أحب هذا الفعل وأنا أكره هذا الفعل فمن يؤمن بي ~~فسيكون له وضع آخر، سيكون عبدا لله. إذن فالله بالألوهية مناط التكليف ~~لمن يؤمن به، والرب بالربوبية مناط الخلق والرزق وقيومية الاقتيات للخلق ~~جميعا، لكل العباد فالسنن والنواميس الكونية تخدم الكل، بدليل أن بعض ~~السنن كانت تحب أن تتمرد لأنها عصبية إيمانية لله. عندما ترى الله يعطي ~~بعضا من عباده وهم غير مؤمنين به. فالسنن والنواميس كجنود لله نجدها ~~متأبية على ابن آدم من عدم شكره لله، لكن الحق يوضح للخلق المسخر: هم ~~خلقي وأنا الذي استدعيتهم للوجود. فصنع الحق نواميس للكون تؤدي مهمتها ~~للمؤمن وللكافر جميعا، ثم أنزل سبحانه تكليفا ms1956 بوساطة الرسل. ويوضح: أنا ~~أحب كذا وأكره فالذي يحبني يعمل بتكليفي. إذن فمناط الربوبية غير مناط ~~الألوهية. مناط الربوبية خلق من عدم وإمداد من عدم. ومناط الألوهية ~~طاعة، والطاعة تقتضي أمرا ونهيا. # فكل ما كان من مدلول الأمر والنهي - الذي هو التكليف - فهذه مطلوبات ~~الألوهية. وكل ما كان من مطلوبات السنن الكونية فهو من مناط الربوبية. ~~والسنن الكونية لا تتخلف أبدا. فمثلا الذي يريد أن ينجح في مادة من ~~المواد في مدرسة ما.. لا بد أن يحصل على خمسين بالمائة من مجموع الدرجات. ~~ومن يريد أن ينجح في مادة أخرى لا بد أن يحصل على أربعين بالمائة. وحين ~~تنطبق هذه الشروط على طالب ما. فهل هذا الطالب هو الذي أنجح نفسه أو أن ~~القانون هو الذي أعطاه النجاح؟ إن القانون هو الذي أعطاه النجاح. وصحيح ~~أن القانون لم يقل للطالب وهو يكتب الإجابة: إن مستوى إجابته سيحقق له ~~درجات النجاح، إنه قد بذل جهدا في التحصيل الدراسي، وحقق له هذا الجهد ~~النجاح في نطاق ما تم تقديره. فالقانون لا ينجح أحدا، ولا يتسبب في رسوب ~~أحد، ولكن الطالب الذي يبذل جهدا ينجح، والطالب الذي لا يبذل جهدا ~~يرسب. وعلى ذلك فكل شيء في الوجود له قانونه. إن اليد المخلوقة لله، لو ~~نظرنا إلى حركتها، لا نعرف كيف تزاول مهمتها. وعندما يرفع أحدنا شيئا من ~~الأرض لا أحد فينا - غالبا - يعرف العضلات التي تتحرك لتحمل هذا الشيء. ~~فالذي فعل حقيقة هو الله. واليد سواء أفعل الإنسان بها خيرا أم شرا، ~~فالفاعل الحقيقي لكل فعل هو الله. وقام الإنسان فقط بتوجيه الطاقة ~~الصالحة للسلام على واحد، أو لصفع واحد آخر، فاليد صالحة للمهتمين. ~~وعندما يوجه الإنسان يده للصفع فهو يأخذ عقابا، وعندما يوجهها للسلام ~~يأخذ ثوابا. صحيح أن الإنسان ليس له دخل في العمل ذاته ولكن له دخل في ~~توجيه الطاقة الصانعة للعمل فالثواب أو العقوبة ليست للفعل ولكن لتوجيه ~~الطاقة. والسكين - كمثال آخر - يذبح بها الإنسان الدجاجة، أو يطعن بها ~~إنسانا، ms1957 وهي لا تعصي توجيه الإنسان إن ذبح الدجاجة ولا تعصاه إن طعن ~~إنسانا. والحق قد خلق قانونا للسكين أن تذبح، والإنسان يقوم بتوجيه ~~الآله التي خلقها الله صالحة لأن تذبح إلى الذبح، سواء أكان الذبح فيما ~~حرم الله، أم فيما أحل، إذن فالله هو الفاعل لكل شيء. وما دام الفعل في ~~نطاق أوامر المكلف صاحب السنن فهو الذي يقوم بكل فعل. وعندما تدقق ~~النظر تجد أن كل فعل من عند الله، وليس للإنسان سوى توجيه الطاقة فالشاب ~~الذي يذاكر دروسه، لم يخلق عقله ولا خلق عينيه اللتين يقرأ بهما، ولكن ~~عقله صالح أن يفكر في الأمر الحسن الصالح، أو أن يفكر في الأمر الرديء، ~~وعيناه صالحتان لأن ينظر بهما في مجلة هزلية أو ينظر بهما في كتاب. إذن ~~فهو ساعة يفعل هذا أو يفعل ذلك هل يفعل ذلك من وراء ربه؟. # لا، إنه لم يفعل شيئا على الإطلاق سوى توجيه الطاقة التي خلقها الله ~~صالحة لأن تفعل هذا وتفعل ذاك. إذن فثوابك وعقابك يكونان على توجيه ~~الطاقة الفاعلة إلى الأمر الصالح أو الأمر السيء. فعندما يقول ربنا: { ~~كل من عند الله.. } [النساء: 78] نقول: هذا حق وصدق فالذي ~~أهمل في زراعة أرضه ولم يسمدها أو لم يروها وأصابه جدب فهذا نتيجة عدم ~~توجيه الطاقة المخلوقة لله في مجالها الصحيح. لكن عندما يمتنع المطر فلا ~~عمل في ذلك للإنسان. فالنواميس الكونية صنعها الله. ومن يأخذ بأسبابها ~~تعطه وإن أصابت الإنسان سيئة في إطار هذه فهي من عند الإنسان لأنه لم ~~يأخذ بالأسباب. وما ينطبق على الفرد ينطبق أيضا على الجماعة فالذي يلعب ~~الميسر ويأتي له الخراب والدمار، هذا من نفسه لأنه تلقى الأوامر من الحق ~~بألا يمارس تلك الألعاب. وأي أمة اشتكت من ضيق الأرض الزراعية وضيق الرزق ~~فهذا بسبب الأمة نفسها لأن القائمين بالأمر كان عليهم العمل لتنمية ~~الموارد بالنسبة لنمو السكان. والذي يتعبنا ويرهقنا أننا نتحمل غفلة ~~أجيال، فتجمعت المشكلات فوق رءوس جيل واحد. ولو أن كل جيل سبق قام ms1958 ~~بمسئوليته لكانت مهمة الأجيال الحالية أقل تعبا. فما دامت لدينا أرض ~~صالحة لأن تنبت كان علينا أن نعدها ونستغل المياه الجوفية في زراعتها. ~~فالمسألة إذن كسل من أجيال سابقة. وما دام هناك مخزون في المياه الجوفية ~~كان يجب أن نعمل العقل لنستنبط أسرار الله في الكون. فليس من الضروري أن ~~ينزل المطر، لأن الحق يقول: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ~~ينابيع في الأرض.. # [الزمر: 21]. وجعل الله للمياه مسارب في الأرض حتى تستطيع البلاد ذات ~~الحرارة الشديدة الوصول إلى المياه الجوفية ولا تتعرض المياه المنتشرة في ~~مسطحات كبيرة للتبخر. لقد أخفى الله جزءا من المياه في الأرض لصالح ~~الإنسان. وفي البلاد الحارة نجد الملح واضحا على سطح التربة دليل على أن ~~الحق وضع قانون تقطير المياه العذبة لتكون صالحة للشرب والزراعة. وكلنا ~~يعرف قانون التبخر، فعندما نأتي بكوب من المياه وننشره على مسطح حجرة ~~مساحتها خمسة وعشرون مترا مربعا فالمياه تتبخر بسرعة، لكن لو تركنا ~~كمية المياه نفسها في كوب الزجاج فلن تنقص إلا قدرا ضئيلا للغاية. إذن ~~فكلما زاد المسطح كان البخر أسرع. وأراد الحق أن تكون ثلاثة أرباع ~~اليابسة من المياه لأن الماء أصل كل شيء حي. وجعل بعضها من الماء المالح ~~حتى لا تأسن ولا تتغير، وتوجد هذه المياه في مساحة متسعة حتى تتبخر وتنزل ~~مطرا، فما يجري في الوديان يجري، والمتبقي من المياه يصنع له الحق مسارب ~~في الأرض لأنه ماء عذب، حتى يستخدم الإنسان ذكاءه الموهوب له من الله ~~فيستخرج المياه من الأرض، فالحق خلق لنا كل ما يمكن أن يحقق لنا استخراج ~~قوت الحياة. # وسبحانه القائل: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 9-10]. فإياكم أن تقولوا: إن السكان سيزيدون على القوت الذي في ~~الأرض، ولكن اعترفوا بخمول القدرات الإبداعية للاستنباط. فبعد أن يقول ~~الله: # وقدر فيهآ أقواتها ms1959 # [فصلت: 10] فلا قول يصدق من بعد قول الله. وهب أن موظفا - ولله المثل ~~الأعلى - جاء في أول الشهر بتموين الشهر كله ووضعه في مخزن البيت، وجاء ~~ظهر اليوم ولم يجد زوجته قد أعدت الغداء، فماذا يحدث؟ إنه يغضب. ولقد ~~وضع ربنا أقواتنا مخزونة في الأرض، ونحن لا نعمل بالقدر الكافي على ~~استنباط الخير منها. وسبحانه يوضح لنا: إن الإنسان إن لم يستفد بالنواميس ~~التي خلقها الله له، ولم ينفذ التكاليف أمرا ونهيا فلسوف يتعب الإنسان ~~نفسه فتكون معيشته ضنكا. فسبحانه يقول: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. هذه القرية كانت تتمتع بالأمن والاطمئنان لكنها كفرت ~~بأنعم الله. والكفر في المعنى العام هو: ألا تشكر النعمة لله. وعندما ~~نمعن النظر بدقة لنرى قانون ربط السبب بالمسببات، وربط السنن الكونية ~~بالكون والمكون والمكون له نجد أشياء عجيبة، فهذه القرية كانت آمنة ~~مطمئنة والرزق يأتيها رغدا من كل مكان. إذن فالقرية هي مكان السكن، وليس ~~مكان السكن فقط هو الذي فيه الرزق بل يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، ~~فكأن كل مكين في بقعة له بقع خالية في مكين آخر تخدمه. وتلك القرية كفرت ~~بأنعم الله. والكفر في معناه الواضح هو الستر، والقرية التي كفرت بأنعم ~~الله هي التي سترت نعمة الله، فنعمة الله موجودة ولكن البشر الذين في تلك ~~القرية هم الذين ستروا هذ النعمة بالكسل وعدم الاستنباط للنعمة وترك ~~استخراجها من الأرض. أو أن سكان هذه القرية استخرجوا نعمة الله ~~واستنبطوها وستروها عن الخلق، وفساد الكون إنما يأتي من هذين الأمرين: أي ~~أن هناك أمما متخلفة، كسل سكانها عن توجيه طاقاتهم لاستنباط النعم من ~~الأرض. أو أن هناك أمما أخرى تملك الثراء والخير وترميه في البحر حتى لا ~~يذهب إلى الأمم المتخلفة. والخراب الذي نلمسه في علاقات العالم ببعضه ~~البعض يقول لنا: إن العالم هو القرية التي ضرب الله بها المثل: # وضرب ms1960 الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. ولنر دقة الأداء القرآني، في قوله: # فأذاقها الله لباس الجوع.. # [النحل: 112]، ونعلم أن الذي يذاق هو الطعم. والطعم يكون باللسان وحده: ~~أما اللباس فيعم كل الجسم، والحق هنا يعطي الإذاقة ولا يكون الذائق هو ~~الفم فقط بل كل الجسم، فالفم إنما يتناول لصالح بقية الجسم، وعندما لا ~~تصل مادة الحياة إلى بقية الجسم فكل الجسم يذوق الجوع أيضا. والكون ~~المخلوق لله مصنوع على نظام دقيق من أجل أن تسير السنن الكونية في ~~مجالاتها التي حددها الله، وعندما تنتظم هذه السنن في حركتها فهي تعطي ~~النتائج للإنسان ولو بعد حين، حتى إن بعض المفسرين والمتكلمين بعمق ~~يقولون: إن الأمراض الوراثية التي تنتقل من أجيال سابقة إلى أجيال لاحقة ~~كان السبب فيها تقصير آباء واجتراءهم على أشياء مخالفة لمنهج السماء، ~~فإذا شرع الله سنة كونية للفرد ثم خالفها تصيبه نتيجتها السيئة من بعد ~~ذلك، وكذلك الأمة والجماعة. لكن المسائل التي يقف فيها العقل فقط هي ~~المصائب التي تصيب الناس بغير عملهم. وكان على الفلسفة أن تبحث هذا ~~المجال، أما الدين فهو يقول لنا أسباب تلك المسائل فالشيء الذي له مقدمات ~~من أسباب تكاسل الإنسان عنها، ثم أصابته كارثة فهذا من فعل الإنسان في ~~نفسه. أما الأشياء التي تأتي قدرية فهذا أمر مختلف. فإذا كان ديننا قد ~~وضع للإنسان أسبابا كونية وحكمة الإنسان الإيمانية قالت له: افعل ذلك ~~حتى يحدث كذا، ولا تفعل ذلك حتى لا يحدث كذا فعلى الإنسان أن يعرف أن ~~الله لم يعطه كل ما يستطيع به استيعاب كل حكمة المكون في الكون، ليلفت ~~سبحانه الإنسان دائما على أن طلاقة القدرة مازالت موجودة، فيحدث شيء من ~~الأشياء يتساءل فيه الإنسان: ما سبب ذلك؟ ولماذا؟ ومثال ذلك الزلزال أو ~~البركان أو السيل الجارف والريح العاصف، كل هذه الأحداث لا دخل للإنسان ~~فيها، وهي أحداث تقول للإنسان: لو ms1961 أن المسائل في الكون فيها رتابة أسباب ~~لما ارتبطنا بقوة غيبية خفية نضرع إليها دائما لنسلم. وجاءت بعض ~~مدارس الفلسفة في ألمانيا - مثلا - وقالت: إن وجود الشر في الكون دليل ~~على أنه لا يوجد إله، فلو كان هناك إله حكيم لما أفلتت منه هذه المسائل، ~~ولما خرج واحد بعين واحدة ولا خرج أعرج ولا مشوه. وقالت مدرسة أخرى في ~~العصر نفسه: لا، إن رتابة النظام في الكون دليل على أنه لا يوجد إله، فلو ~~كان هناك إله لخرق القانون والناموس ولأخرج بعض الأحداث عن هذا الناموس. ~~وهكذا نرى أنهم يريدون الكفر من أجل الكفر بدليل أن مدرسة أخذت النظام في ~~الكون كدليل للكفر، ومدرسة أخرى أخذت الشواذ في الكون كدليل على الكفر. ~~وكل من أقطاب المدرستين إنما يبحث عن سبب للكفر. # ونقول لهم: كلاكما غبي الذي يريد منكم النظام سببا لوجود إله حكيم، ~~والذي يريد الشذوذ سببا لوجود إله قادر، هذان الأمران موجودان في الكون، ~~وكلاهما دليل على وجود الإله الحكيم القادر لو كنتم منصفين. انظر إلى ~~النظام في الكون الأعلى فلو فسدت فيه مسألة صغيرة لانهدم الكون كله. ~~انظروا إلى الشمس والمطر والكواكب والنجوم، إنها خاضعة لنظام محكم. فيا ~~من تريد النظام دليلا على حكمة مكون، فالنظام موجود، ويا من تريد الشذوذ ~~دليلا على أن هناك إلها يسيطر على ميكانيكية الكون فهذه أمور موجودة. ~~والشذوذ إنما يتأتى من الأفراد، فإن شذ فرد فلن يفسد القضية العامة، ~~فالذي يولد بعين واحدة مبصرة سنجد مئات الملايين امتلكوا البصر كاملا. ~~لكن عندما يأتي الشذوذ في نظام الكون وحركة الأفلاك فالذي يحدث هو دمار ~~للعالم. فمن أراد أن يرى النظام السائد يدل على الحكمة نقول له: انظر ~~إلى الفلك الأعلى. ومن يريد الشذوذ دليلا على أن هناك قوة تتحكم في ~~ميكانيكية العالم نقول له: هذا موجود، ولكن الشذوذ موجود في الأفراد. فإن ~~شذ فرد فلا يعطب بقية الأفراد. ونعرف - أيضا - أن رتابة النعمة قد تلهي ~~الإنسان عن المنعم. فالإنسان منا يظل لمدة طويلة ms1962 وأسنانه سليمة فلا يتذكر ~~مسألة أسنانه، لكن إن آلمه ضرس واحد فهو يتذكر أن له ضرسا، وكذلك إن ~~آلمته إحدى عينيه، أو إذا آلمته كليته فهو يجري إلى الطبيب. وهذه أمور ~~لافتة حتى تخرج الإنسان من رتابة النعمة عليه ليتذكر المنعم بالنعمة. ~~وعندما نرى إنسانا أكرمه الله بفقدان البصر، فالواحد منا يقول: الحمد ~~لله ويمسك الإنسان منا عينيه مخافة أن تذهبا، وكذلك عندما نرى أبرص أو ~~أعرج، وهذه هي وسائل إيضاح في الكون حتى لا تغفل الناس عن المنعم ~~بالنعمة. فإذا ما نظرنا إلى الأشياء التي تصيب الإنسان فردا، أو تصيب ~~الأمة كمجموع فنحن نجدها بما قدمت يدها لأنها صنعت شيئا يخالف التوجيه. ~~فإن كان هناك شيء خارج عن قدرة الإنسان فنحن نقول: هذه هي حكمة المكون ~~حتى يلفتنا إلى أنه المنعم. ولهذا نرى الشواذ في الخلقة قلة ولا كثرة، ~~ويعوض الله من أصيب بشذوذ في شيء بدوام ملكة في شيء آخر. ولذلك يقول ~~الشاعر: # عميت جنينا والذكاء من العمى # فجئت عجيب الظن للعلم موئلا # وغاب ضياء العين للعقل رافدا # لعلم إذا ما ضيع الناس حصلا # وضربت المثل مرة ببيتهوفن الموسيقار العالمي الذي أطرب العالم ~~بسمفونياته، إنه كان أصم. ولذلك نحن نسمع في لغة العامة: كل ذي عاهة ~~جبار. فإذا كان الله قد جعله وسيلة إيضاح ليلفت الناس إلى نعم الله ~~سبحانه عليهم فهو يعوضه بموهبة أخرى ويلتفت الناس فيها إلى صاحب العاهة ~~فيرون فضل الله عليه أيضا. إذن فالمصائب التي تحدث وليس للإنسان دخل ~~فيها هي الملحظ الذي يجب أن نبحثه. # وهذه هي مكونات الحكمة كي يلتفت الإنسان دائما إلى أن الكون غير متروك ~~بلا قيادة. إن الله خلق الكون وخلق القانون والنواميس ليدلنا على أنه ~~موجود. ولا تزال يده في الكون. فإذا حدثت حادثة فلا بد أن نلتمس لها ~~حكمة. والحكمة خرق وخروج عن النواميس يلفت إلى أن فوق ميكانيكية العالم ~~وقوانينها قوة أخرى تقول لها: " تعطلي ". ولذلك فمعجزات بعض الرسل من هذا ~~اللون، فطبيعة النار أنها تحرق، ms1963 ولكنها لم تحرق سيدنا إبراهيم عليه ~~السلام. أكان مراد الحق سبحانه وتعالى أن ينجى إبراهيم من النار؟ لو ~~كان مراده هو نجاة إبراهيم من النار فحسب لما مكن خصومه من أن يمسكوه. ~~وبعد أن أمسك خصوم سيدنا إبراهيم به، وأشعلوا النار وأججوها. كان ~~باستطاعة الحق سبحانه أن يأتي بغمامة لا قدرة لخصوم إبراهيم عليها وتمطر ~~مطرا تطفئ النار. لا. فقد أراد الله النار نارا متأججة وأن يقدر خصوم ~~إبراهيم عليه ويمسكوا به ولا تنطفئ النار، وأن يلقوه في النار، وبعد ذلك ~~يوضح الحق: أنا أزاول سلطاني في الناموس لأني خالق الناموس وأعطله متى ~~شئت، # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. أما لو حدثت المسألة الأولى وانطفأت النار، لقالوا: آه ~~لو لم تنطفئ النار، وآه لو لم ينزل الماء على النار. إن الحق أراد أن ~~يدحض كل دعاوى الخصم. فعندما تحدث أحداث لا دخل للإنسان فيها نقول: دعها ~~لحكمة الخالق لأنه يريد أن يلفت الخلق إلى أنه صاحب اليد العليا في ~~الكون. فميكانيكية الكون تحير العقول لأنها مضبوطة بدقة، ولكنها لم تفلت ~~من يد ربنا. ولذلك نرى في بعض الأحيان رياحا عنيفة تثير الغبار فلا يرى ~~الإنسان شيئا على الإطلاق. ومعنى ذلك أن الذرات تراكمت وتراكبت حتى صارت ~~جدارا، ويحدث ذلك مهما حاولت الأجهزة العلمية التحكم في ذلك أو منعه. ~~ومن العجيب أن الحق يترك لنا لذعة تقول: لقد كرمتك بالعقل ولكني لم أدع ~~لك كل الفهم، فقد يوجد صاحب غريزة لا عقل له ويكون أقدر على فهم الأشياء ~~منك أيها الإنسان. وعندما يحدث زلزال في منطقة ما، فأول ما يخرج من ~~المكان هي الحمير. وهذا لفت للإنسان حتى لا يقع فريسة للغرور: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. فإذا ما رأيت حدثا في الكون ولا دخل للإنسان فيه ولا ~~للأمم دخل فيه فلتعلم أن لله فيه حكمة حتى يلفتنا إلى المكون الأعلى وحتى ~~لا يظن أحد أن لميكانيكية الكون رتابة، إنما هي نظام يجريه الله ms1964 على وفق ~~قدرته وإرادته وحكمته. ولذلك يقولون: إن العقل الإلكتروني لا يخطئ، وهم ~~لا يعرفون أن من الخيبة ألا يخطئ، لأنه كما تملؤه وتمده بالمعلومات سيخرج ~~لك هذه المعلومات. # ليس له خيار في شيء. أما العقل البشري فهو قادر على الاستنباط ~~والاستكشاف وعدم ذكر بعض المعلومات التي قد تضر. هذه هي العظمة. ويقول ~~بعضهم - كمثال آخر - إن الورد الصناعي لا يذبل، نقول: إن عيبه أنه لا ~~يذبل لأن الذبول حيوية، وعدم الذبول دليل على أنه لا حياة فيه، وأنه ~~جمود فقط. وساعة يجري الحق سبحانه وتعالى شيئا في كونه ولا دخل لأحد فيه ~~فهو يريد أن يلفت الكون إلى بقاء القيومية العليا والقدرة الإلهية في ~~الكون حتى لا تغتر بميكانيكية الكون. ولذلك يعرض القرآن بصيصا من هذه ~~الأشياء، إذا أخذتها بحكم العقل فهو لا يقبلها، لكن حين يفسرها من أجراها ~~نجدها في منتهى العقل. مثال ذلك: سيدنا موسى عندما ذهب إلى العبد الصالح، ~~ما الذي حدث؟. قال العبد الصالح: # إنك لن تستطيع معي صبرا # [الكهف: 67]. ويلتمس العبد الصالح لموسى العذر فيقول له: # وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا # [الكهف: 68]. فيقول سيدنا موسى وهو من أولي العزم من الرسل: # قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك ~~أمرا # [الكهف: 69]. فيخرق العبد الصالح السفينه. وخرق السفينة في السطحية ~~الفهمية شر، وعلى الرغم من أن سيدنا موسى وعد العبد الصالح بعدم عصيان ~~الأمر وأن يكون صابرا، على الرغم من ذلك لم يطق حادثة خرق السفينة، فقال ~~للعبد الصالح: # أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا # [الكهف: 71]. لقد شك سيدنا موسى في ظاهر الأمر، ولكن عندما يدرك الحكمة ~~يجدها عين الخير. فلو لم يخرق العبد الصالح السفينة لأخذها الملك الظالم ~~الذي يأخذ كل سفينة صالحة وسليمة غصبا: # أوكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # [الكهف: 79]. فلو لم يخرقها العبد الصالح لما استرد أصحاب السفينة ~~سفينتهم، وبالخرق للسفينة ستظل لأصحابها لأن بها عطبا يستطيعون إصلاحه ~~بعد ذلك. إذن، كل شيء يجري على ms1965 غير ما تشتهيه سطحية الفهم البشري فلنعلم ~~أنها ما دامت ليست من أحد، وهي من المكون الأعلى فوراءها حكمة. وهل ~~يوجد أكثر بشاعة من القتل؟ لقد قتل العبد الصالح غلاما. ما الحكمة في ~~ذلك؟. إن الواحد منا يولد له ابن فيكون قرة عين وسندا، وقد يكون هذا ~~الابن سببا في فساد دين أبيه ويحمله على الكذب والرشوة والسرقة فهذا ~~الابن يقود أباه إلى الجحيم، ومن الخير أن يبعد الله هذا الولد من طريق ~~الوالد فلا يطغى. ويقول قائل: وما ذنب الولد؟ نقول: أنت لا تفهم الأمور، ~~لقد ذهبت إلى الحق بدون تجربة في أن يطيع أو يعصي الله، ذهب إلى رحمة ~~الله مباشرة، وهذا أفضل له. وكان في ذلك القتل للولد رحمة لوالديه فالشيء ~~إن حدث للنفس إن كان من مخالفة الإنسان للناموس فيكون الإنسان هو الذي ~~فعل الضر بنفسه. # . وكذلك الأمة حين تخالف ناموسا شرعيا أو كونيا. لكن لو كانت الأمور ~~فوق طاقة البشر فلا بد أن لله فيها حكمة. وقصة العبد الصالح وموسى مليئة ~~بالحكم. فقد ذهب الاثنان إلى قرية واستطعما أهلها أي طلبا من أهلها ~~طعاما: # حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها ~~فأبوا أن يضيفوهما.. # [الكهف: 77]. ولم يطلب أي منهما نقودا، وذلك حتى لا تثار الظنون ~~السيئة، ولكن طلبا الطعام ليأكلاه. وهو أول الحاجات الضرورية للإنسان. ~~فقالوا لهما: لا لن نعطيكما لأن أهل تلك القرية كانوا لئاما. ولذلك اتجه ~~العبد الصالح إلى جدار يريد أن ينقض فأقامه، فقال سيدنا موسى للعبد ~~الصالح: لماذا لا تأخذ منهم أجرا؟ وأخيرا يوضح العبد الصالح لسيدنا ~~موسى: # وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما ~~صالحا فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا ~~كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك ~~تأويل ما لم تسطع عليه صبرا # [الكهف: 82]. فأهل القرية اللئام الذي طلب منهم الطعام لم يكونوا ~~قادرين على تحمل أمانة حفظ الكنز للغلامين. فأمر الله العبد الصالح بحجب ~~الكنز عن أهل تلك القرية. إذن، ms1966 فالمسائل إن جرت على الإنسان بسبب منه فهو ~~الذي فعل الضر بنفسه، أما إذا كان الأمر لا دخل للإنسان فيه فعليه أن يثق ~~بحكمة من يجريه وبذلك يستقبل الإنسان كل شيء يصيبه بالراحة. إن صاحب ~~الإيمان يلقى الأحداث بقلب قوي. فإن كانت من نفسه فهو يعدل سلوكه، وإن ~~كانت من ربه فهو يثق بحكمة ربه { قل كل من عند الله.. } ~~[النساء: 78] وهذا إيضاح لك حتى تفهم أن أي فعل هو من عند الله. فليس ~~للإنسان في الطاقة أي فاعلية ولكن للإنسان توجيه المخلوق من طاقات وجوارح ~~إلى الطاعة أو إلى المعصية. وما دام كل من عند الله فهو سبحانه يريد لنا ~~أن نتلو العجب من هؤلاء ونقرأه فيقول سبحانه: { فمال هؤلاء ~~القوم لا يكادون يفقهون حديثا } [النساء: 78] كأن منطق ~~العقل والفكر يقودان إلى ضرورة الفهم. وعندما لا يفهمون ذلك فنحن نستعجب ~~من عدم فهمهم. ولا نستعجب من عدم فهمهم إلا إذا كان الأمر المطروح أمامهم ~~أمرا يستوعبه العقل. والحق يقول: { لا يكادون يفقهون حديثا ~~} [النساء: 78] وساعة تقول فلان لا يفقه، فهذا معناه أن عقله ممنوع من ~~الفهم. أما عندما نقول: لا يكاد يفقه. فهو يعني: لا يقرب حتى من الفهم. ~~والقول الثاني هو الأكثر بلاغة. ومن بعد ذلك يقول الحق: { مآ أصابك ~~من حسنة... }. ### || [4.79] # فإن جرت عليك سنة كونية خيرا فهو من الله، أما إن أصابتك سيئة فيما لك ~~فيه دخل فهي من نفسك. كأن المسألة قسمان: شيء لك فيه دخل، وشيء لا دخل لك ~~فيه. ولا بد أن تعتبره حسنة لأنه يقيم قضية عقدية في الكون. فالمؤمن بين ~~لوم نفسه على مصيبة بما له فيه دخل، وثقة بحكمة من يجري ما لا دخل له ~~فيه وهو الله - سبحانه - { مآ أصابك من حسنة فمن الله ~~ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك ~~للناس رسولا وكفى بالله شهيدا } [النساء: 79]. ومن هو ~~الرسول؟ الرسول مبلغ عمن أرسله إلى من أرسل إليه. وما دام رسولا مبلغا ~~عن الله فأي شيء يحدث منه ms1967 فهو من الله. وعندما يقول الحق: { وكفى ~~بالله شهيدا } [النساء: 79] أي لا يضرك يا محمد أن يقولوا: إن ما ~~أصابهم من سيئة فمن عندك لأنه يكفيك أن يكون الله في صفك لأنهم لا يملكون ~~على ما يقولون جزاء، وربك هو الذي يملك الجزاء وهو يشهد لك بأنك صادق في ~~التبليغ عنه وأنك لم تحدث منك سيئة كما قالوا. ومن بعد ذلك يقول الحق: { ~~من يطع الرسول فقد أطاع... }. ### || [4.80] # والطاعة للرسول هي طاعة لله، وذلك أمر منطقي لأنه رسول، فمن أطاع ~~الرسول فطاعته طاعة لله لأن الرسول إنما يبلغ عمن أرسله. ولذلك ففي ~~المسائل الذاتية التي كان يفعلها سيدنا رسول الله كبشر وبعد ذلك يطرحها ~~قضية من عنده كبشر، وعندما يثبت عدم صحتها يعطينا رسول الله مثالا عن ~~أمانته. فعن أنس رضي الله عنه، # " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون، فقال: لو لم تفعلوا ~~لصلح، قال: فخرج شيصا، فمر بهم، فقال: مالنخلكم؟ قالوا: قلت: كذا ~~وكذا، قال: " أنتم أعلم بأمر دنياكم ". # أي في المسائل الخاضعة للتجربة في المعمل والتي لا دخل للسماء فيها. أما ~~الأمور الخاضعة لنواميس الكون فلا يتركها للعباد. ومن العجيب أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين يتصرف في شيء لم يكن لله فيه حكم مسبق ~~وبعدله له الله بينه وبين نفسه فمحمد هو الذي يبلغنا بهذا التعديل لنشهد ~~- واقعا - أنه صادق في البلاغ عن الله ولو كان على نفسه. وجاءت هذه الآية ~~الكريمة بعد قول الحق سبحانه: # وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا # [النساء: 79]. والرسول - كما نعلم - هو من بلغ عن الله شرعه الذي يريد ~~أن يحكم به حركة حياة الخليفة في الأرض وهو الإنسان. وإذا ما نظرنا إلى ~~المادة المأخوذة من الراء والسين واللام وجدنا الحق سبحانه وتعالى يقول ~~في آية أخرى. # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى.. # [الحج: 52]. إذن فالرسول قد يكون رسولا بالمعنى المفهوم لنا، وقد يكون ~~نبيا، كلاهما مرسل من الله. ولكن الفارق ms1968 أن الرسول يجيء بشرع يؤمر به ~~ويؤمر هو - أيضا - بتبليغه للناس ليعملوا به، ولكن النبي إنما يرسله ~~الله ليؤكد سلوكا نموذجيا للدين الذي سبقه فهو مرسل كأسوة سلوكية. ولكن ~~الرسول على إطلاقه الاصطلاحي يأتي بمنهج جديد قد يختلف في الفروع عن ~~المنهج الذي سبقه. وكلاهما رسول هذا يجيء بالمنهج والسلوك ويطبقه، والنبي ~~يأتي بالسلوك فقط يطبقه ليكون نموذجا لمنهج سبقه به رسول. وإذا كان الحق ~~سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل، وجعل خاتم الرسل سيدنا محمدا فمعنى ذلك أن ~~رسالته صلى الله عليه وسلم ستكون رسالة لا استدراك للسماء عليها، فكيف ~~يعقل أن تكون رسالته موضوعا لاستدراك البشر عليها؟ فما دام الله قد ختم ~~به الرسالة، وأنزل عليه قوله: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا # [المائدة: 3] إذن فلم يعد للسماء استدراك على هذه الرسالة، فكيف يأتي ~~بعد ذلك إنسان معاصر أو غير معاصر ليقول: لا، إننا نريد أن نستدرك كذا أو ~~نقول: الحكم كذا أو هذا الحكم لا يلائم العصر إذا كان الله لم يجعل ~~للسماء استداركا على الرسالة لأن الله أكملها وأتمها فكيف يسوغ للبشر أن ~~يكونوا مستدركين على الرسالة؟. # إن الرسول حين يضاف، يضاف مرة إلى الله، ويضاف مرة إلى المرسل إليهم ~~لأنه واسطة التعلق بين المرسل والمرسل إليه، فإن أردت الإضافة بمعنى ~~" من " الابتدائية تقول: رسول الله، أي رسول من الله. وإن أردت الغاية ~~من الرسالة تقول: رسول إلى الناس أو رسول للناس. إذن فالإضافة تأتي مرة ~~بمعنى " من " وتأتي مرة بمعنى " اللام " ، وتأتي مرة بمعنى " إلى ". وأمر ~~الرسالة ضروري بالنسبة للبشر لأن الإنسان إذا ما استقرى وتتبع الوجود كله ~~بفطرته وبعقله السليم من غير أن يجيء له رسول، فإنه يهتدي بفطرته إلى أن ~~ذلك الكون لا يمكن أن يكون إلا عن مكون له قدرة تناسب هذه الصفة ~~المحكمة البديعة. ولا بد أن يكون قيوما لأنه يمدنا دائما بالأشياء، لكن ~~أنعرف بالعقل ما تريد هذه القدرة؟ نحن ننتهي فقط إلى أن وراء الكون ms1969 قوة، ~~هذه القوة لها من القدرة والحكمة والعلم والإرادة وصفات الكمال ما يجعلها ~~تخلق هذا الكون العجيب على تلك الصورة البديعة ذات الهندسة الدقيقة، وهذا ~~الكون له غاية. أيمكن - إذن - للعقل أن يضع اسما لهذه القوة؟ فكونها قوة ~~يستلزم أن يكون لها قدرة وحكمة، لكنا لا نعرف اسمها، فكان ولا بد أن يجيء ~~رسول، هذا الرسول يعطي للناس جواب ما شغلهم وهو: ما القوة التي خلقت هذا ~~الكون وجعلته بهذه الصنعة العجيبة. ويقف العقل هنا وقفة، فعندما يأتي ~~الرسول ويقول: أنا أدلكم على هذه القوة اسما ومطلوبا، كان يجب على ~~الخلق أن يرهفوا آذانهم له لأنه سيحل لهم ذلك اللغز الذي رأوه بأنفسهم ~~وأوقعهم في الحيرة - المؤمن منهم والكافر يؤمن بهذا - لأنه يجد نفسه في ~~كون تخدمه فيه أجناس أقوى منه، ولا تتخلف عن خدمته أبدا، وأجناس لا تدخل ~~تحت طاقته ولا تحت قدرته وتصنع له أشياء لا يفهم عقله كيف تعمل، فكان ~~الواجب أن يؤمن. لقد ضربنا مثلا وقلنا: لو أن إنسانا وقعت به طائرة أو ~~انقطع به طريق في صحراء، وليس معه زاد ولا ماء، وبعد ذلك جلس فغلبه النوم ~~فنام، ثم استيقظ فوجد مائدة منصوبة فيها أطايب الطعام وفيها الشراب ~~السائغ. بالله قولوا لي: ألا يشتغل عقله بالفكر فيمن جاء بالأطعمة قبل ~~أن يتناول منها شيئا؟ لذلك كان من الواجب قبل أن ننتفع بهذه الأشياء أن ~~نلفت ذهننا: من صنع هذه الصنعة؟! ومع ذلك تركنا الله فترة حتى نفكر، ~~حتى إذا جاء رسول يقول: القوة التي تبحث عنها بعقلك هذه اسمها كذا ~~ومطلوبها منك كذا، وأنت كائن ومخلوق لها أولا وإليها تعود أخيرا. # وخلاصة المسألة أن الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلق أعد لهم مائدة ~~الكون، وفيها الأجناس التي تخدمه - كما قلنا -: سلسلة الأجناس وخدمتها ~~تجعلك تتعجب وتتساءل: كيف يخدمني الأقوى مني؟ الشمس التي لا تدخل تحت ~~قدرتي، والقمر الذي لا أستطيع أن أتناوله، والريح التي لا أملك السيطرة ~~عليها، والأرض التي لا أستطيع أن أتفاهم ms1970 معها، كيف تؤدي لي هذه الخدمات؟. ~~لا بد أن يكون هناك من هو أقوى مني ومنها هو الذي سخرها لخدمتي. وهل رأيت ~~شيئا من هذه الأشياء امتنع أن يؤدي لك الخدمة أو نقص منها شيئا؟. لم ~~يحدث لأنها مسخرة، فإذا جاء رسول من الله ليحل لنا لغز هذه الحياة ويدلنا ~~على موجدها، كان يجب أن نفتح له آذاننا ونسمعه، فإذا ما قال لي: الذي خلق ~~لك الكون هو الله، والذي خلقك هو الله وهو صانعك، وأرسلني بمنهج لك كي ~~تؤدي مهمتك كما ينبغي فافعل كذا ولا تفعل كذا، وأنت صائر إليه ليحاسبك ~~على ما فعلت، وهذا المنهج هو خلاصة الأديان كلها. ولذلك يكون مجيء الرسول ~~ضروريا وبعد ذلك يؤيده سبحانه بمعجزة تثبت صدقه، وما دام قد أرسله ~~بالمنهج الذي هو: افعل ولا تفعل، فهذا يعني أن تطيع هذا الرسول، ويقول ~~ربنا في آية أخرى: # ومآ أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله.. # [النساء: 64]. أي ليست الطاعة ذاتية له، إنما الطاعة صادرة من الله، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتميز عن سائر الرسل لأن معجزته التي تؤيد ~~صدقه في بلاغه عن الله هي عين كتاب منهجه في الأصول، وكل الرسل كانت على ~~غير ذلك. كان الرسول يأتي بمعجزة ويأتي بكتاب منهج، العصا واليد البيضاء ~~كانت لموسى هذه معجزته ولكن منهجه في " التوراة " ، إذن فالمعجزة منفصلة ~~عن المنهج. سيدنا عيسى معجزته - مثلا - أنه يبرئ الأكمه والأبرص، لكن ~~كتاب منهجه " الإنجيل " ، إلا سيدنا رسول الله فإن معجزته وهي القرآن هي ~~عين منهجه لأن الله أراد للدين الخاتم ألا تنفصل فيه المعجزة من المنهج. ~~إن معجزات الرسل السابقين على رسول الله من رآها يؤمن بها، والذي لم يرها ~~يسمع خبرا عنها، وإن كان واثقا ممن أخبره يصدقه، وإن لم يكن واثقا - ~~لأنها ليست أمامه - فلا يصدقه، ولولا أن الله أخبرنا بهذه المعجزات في ~~القرآن لكان من الممكن أن نقف فيها. أما معجزته صلى الله عليه وسلم ~~فباقية بقاء منهجه، ويستطيع كل مسلم أن ms1971 يقول في آخر عمر الدنيا: محمد ~~رسول الله وتلك معجزته، أما غيره من الرسل فلا يأتي أحد ويقول: فلان رسول ~~الله وتلك معجزته، لأنها حدثت وانتهت، أما القرآن فهو باق بقاء الرسالة ~~والكون. # والرسول صلى الله عليه وسلم حين يأتي بالبلاغ عن الله فالحق يبين لنا: ~~أنا أرسلت الرسول ليطاع. والمنطق أن يقول القرآن: { من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله.. } [النساء: 80] لأن الرسول جاء ~~مبلغا عن الله فالمباشر لنا هو رسول الله، وعرفنا من قبل أنه إذا ما ~~توارد أمر الطاعة من الله مع أمر مع رسوله نطيع الاثنين، وإذا كان الله ~~قد جاء بأمر إجمالي كالزكاة والحج، وجاء الرسول ففصل، فنطيع الله في ~~الأمر الإجمالي ونطيع الرسول في الأمر التفصيلي، وإذا كان الله لم يجيء ~~بحكم لا مجمل ولا مفصل، فقد جاء التشريع من الرسول بالتفويض الذي فوض ~~الله فيه رسوله بقوله: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. فالرسول الوحيد الذي أعطاه الله تفويضا في التشريع هو محمد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل الرسل بلغوا عن الله ولم يبلغ واحد ~~منهم عن نفسه شيئا إلا سيدنا رسول الله، فقد فوضه الله سبحانه وتعالى ~~بقوله: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7] - إذن فللرسول مهمة داخلة في إطار القرآن أيضا، ومثال ذلك ~~في حياتنا نجد من يقول لموظف: إن الموظف الذي يغيب خمسة عشر يوما في ~~قانون الدولة يفصلونه، فيأتي موظف ومعه دستور البلاد ليرد ويقول: هذا هو ~~الدستور وقد قرأته فلم أجد فيه هذا القانون، وهذا الكلام الذي تقوله عن ~~فصل الموظف غير دستوري. نقول له: إن الدستور قال في هذه المسألة: وتؤلف ~~هيئة تنظم أعمال العاملين في هذا المجال، إذن فبالتفويض توجد هيئة تضع ~~نظاما ليطبق على العاملين فتكون هذه من الدستور، فكل بنود قانون ~~العاملين تدخل في التفويض الذي نص عليه في الدستور للهيئات أو للجان التي ~~تضع التشريعات الفرعية، فكذلك إذا قيل لك: هات دليلا من القرآن على أن ms1972 ~~صلاة المغرب ثلاث ركعات وأن الفجر ركعتان، وأن الظهر أربع ركعات، وأن ~~العشاء أربع ركعات، هات دليلا من القرآن على هذه، تقول: دليلي من ~~القرآن: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]، والرسول صلى الله عليه وسلم كي يضمن سلامة المنهج من هذه ~~التحريفات التي يفترونها يقول: # " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه أمر مما أمرت به، أو ~~نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ". # وفي رواية أخرى: عن المقدام بن معد يكرب قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث ~~عني وهو متكئ على أريكته، فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه ~~حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله ". # أروى هذا الحديث عن الرسول كي تعرفوا غباء القائلين بهذا، ولنقل لهم: ~~قولكم هذا دليل على صدق الرسول، بالله فلو لم يأت واحد بمثل قولكم بأنه ~~لا يوجد إلا القرآن بالله ماذا كنا نقول للمحدثين الذين رووا حديث رسول ~~الله، ولو لم يقولوا هذا لقلنا: النبي قال: يتكئ رجل على أريكته ويتحدث، ~~ولم يتكلم أحد بما يخالف هذا الكلام. إذن فوجود هؤلاء دليل صدق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وما دام الله قد أرسله صلى الله عليه وسلم منه إلى ~~خلقه فيكون مع هذه الرسالة الطاعة والطاعة هي: الاستجابة للطلب. وأنواع ~~الطلب كما يقول الذين يشتغلون في البلاغة والنحو كثيرة، فمرة تتمنى شيئا ~~مستحيلا مثل قول القائل: ليت الكواكب تدنوا لي فأنظمها # ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها # عقود مدح فما أرضي لكم كلمي # والكواكب لن تنزل بطبيعة الحال، أو كقول الشاعر: # ألا ليت الشباب يعود يوما # فأخبره بما فعل المشيب # هذا لون من الطلب يدل على أن الطلب محبوب، لكنه لا يقع وقد يقع، وكذلك ~~الاستفهام طلب شيء لأنك تستفهم عن شيء كقولك لمن تزوره: من عندك؟. وأما ~~أن تطلب شيئا ليفعل فهذا ms1973 هو الأمر، أو تطلب شيئا ليجتنب فهذا هو النهي، ~~فتكون الطاعة هي: أن تجيب طالبا إلى ما طلب. والطالب إما أن يطالب بأمر ~~لتفعله وإما بنهي لتجتنبه. وإذا أطلقت الطاعة إطلاقا عاما فهي لا تنصرف ~~إلا لطاعة العبد لربه، وبعد ذلك تقول: الولد أطاع أباه، الطالب أطاع ~~أستاذه، العامل أطاع معلمه، فهذه طاعة مضافة إلى مطاع، لكن إن أطلقت كلمة ~~الطاعة فهي تنصرف إلى طاعة العبد لله، وهذه أسلم أنواع الطاعات، لماذا؟ ~~لأن أمر كل آمر، أو نهي كل ناه قد يشكك فيه أنه أمرك بكذا ليعود عليه ~~بالفائدة، أو نهاك عن كذا ليعود عليه بالفائدة، لكن إذا كان الذي طلب منك ~~هو في غني عن عملك وعن انتهائك، فهذه مسألة لا يكون فيها شبهة، فالذي ~~يشكك الإنسان في الطاعة هو المخافة أن يكون الطالب قد طلب أمرا يعود ~~عليه بالمنفعة، أو نهي عن أمر يعود على الناهي بالمنفعة أو يدفع عنه ~~مضرة. لكن إذا كان الطالب له كل صفات الكمال المطلق قبل أن توجد أنت، ~~فوجودك وعملك وعدم عملك لا يعود عليه بشيء، فتكون هذه هي أسلم أنواع ~~الطاعة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله.. ". # إن المنافقين هم الذين يتعبهم وجود نور لأنهم ألفوا الحياة في ظلام، ~~ويرهقهم وجود عدل لأنهم استمرأوا الحياة في المظالم، لذلك فهم يحاولون أن ~~يتصيدوا شيئا ليقفوا في أمر هذه الدعوة، فقالوا: أما سمعتم لصاحبكم. # إنه قارب الشرك.. يقول: لا تعبدوا إلا الله ومع ذلك يريد أن يجعل من ~~نفسه ربا له حب وله طاعة. وينزل الحق على رسوله قوله: { من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله.. } [النساء: 80]. إذن فالطاعة هنا ~~ليست ذاتية للرسول لأنها إما بلاغ عن الله في النص الجزئي، وإما بلاغ عن ~~الله في التفويض الكلي، وما دامت بلاغا من الله في التفويض الكلي فيكون ~~الله قد أمنه أن يشرع: { من يطع الرسول فقد ms1974 أطاع ~~الله.. } [النساء: 80]. ما هو مقابل الطاعة؟. إنه التولي والعصيان، ~~ورأينا الناس تنقسم تجاه الرسول إلى قسمين: قسم يطيعه في " افعل ولا تفعل ~~" ، وما لم يرد فيه: " افعل ولا تفعل " فهو داخل في حكم المباحات إن شئت ~~فعلته وإن شئت لم تفعله فالذين يستجيبون للرسول أي يطيعونه في " افعل ولا ~~تفعل " هم من أقبلوا على المنهج. والذين لا يطيعونه فقد " تولوا " أي ~~أعرضوا وصدوا. انظروا إلى الحق سبحانه وتعالى كيف يحمي نفسية الرسول ~~فيقول سبحانه: { ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم ~~حفيظا } [النساء: 80] فالذي يتولى ولا يطيع الرسول، فالحق لم يرسلك يا ~~محمد لترغمهم على الإيمان. وهناك فرق بين " أرسلناك لهم " أو " أرسلناك ~~إليهم " و " أرسلناك عليهم ". ف " أرسلناك لهم " تعني أنك تبلغ فقط، ~~إنما " عليهم " فهي تعني لتحملهم على كذا، أي يجب أن تنتبه يا محمد إنا ~~أرسلناك للناس - لا على الناس - لتبلغهم، فمن شاء فليطع ومن شاء ~~فليعص، فلا تجهد نفسك وتظن أننا أرسلناك عليهم لترغمهم على أن يؤمنوا، ~~فتكلف نفسك أمرا ما كلفك الله به: # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء.. # [البقرة: 272]. والحق يقول أيضا: # فذكر إنمآ أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر # [الغاشية: 21-22]. وفي آية أخرى يقول: # ومآ أنت عليهم بجبار.. # [ق: 45]. " جبار " يعني تجبرهم على أن يطيعوا. فالإجبار يتنافى مع ~~التكليف ويتنافى مع دخول الإيمان طواعية ويتنافى مع الاختيار. { فمآ ~~أرسلناك عليهم حفيظا } [النساء: 80] والحفيظ هو: الحافظ ~~بمبالغة، تقول مثلا: هذا حافظ مال فلان، وهذا حفيظ مال الناس جميعا ~~يعني عنده مبالغة في الحفظ، إذن فالمبالغة جاءت في تكرير الحدث فهو يحفظ ~~لذلك الإنسان ولغيره. والحق يؤكد ذلك لمصلحته صلى الله عليه وسلم لأنه ~~سبحانه بين لنا شغل رسول الله بأمته، وأنه يحب أن يكونوا جميعا مؤمنين ~~ملتزمين مطيعين، ولذلك يقول الحق: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. إنهم لا يؤمنون، فيوضح له سبحانه: أرح نفسك، فعليك البلاغ ~~فقط. # وهكذا يخفف الله مهمة الرسول. ونجد أغلب عتابات الله لرسول الله، لا ~~لأنه خالف، ms1975 ولكن لأنه حمل نفسه فوق ما تفرضه عليه الرسالة، مثل من ~~يثيرون قصة ابن أم مكتوم، فيقولون: النبي أخطأ ولذلك قرعه الله ووبخه. ~~نقول لهم: كان الرسول يرغب أن يؤمن به صناديد قريش العتاة الكافرون، ~~وجاءه ابن أم مكتوم مؤمنا ويريد أن يستفهم، وكان من الأسهل أن يتعرض ~~لابن أم مكتوم ولا يتعرض للصناديد الذين يخالفونه! لكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ترك السهل وذهب للصعب، فكأنه سبحانه يتساءل: لماذا أتعبت نفسك. # وما عليك ألا يزكى # [عبس: 7] أي ما الذي يجعلك تتعب، إذن فهو يلومه لصالحه لا لأنه خالف. ~~فكأن الحق سبحانه وتعالى حينما يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: { فمآ ~~أرسلناك عليهم حفيظا } [النساء: 80]، إنما قاله ليخفف عن ~~الرسول. إذن الحفيظ هو الذي يحافظ على من يبلغه أمر الله وأن يكون سائرا ~~على منهج الله. إن أراد أن ينحرف يعدله، فيوضح سبحانه: أنا لم أرسلك ~~حفيظا عليهم، أنا أرسلتك لتبلغهم، وهم أحرار يدخلون في التكليف أو لا ~~يدخلون. إذن فالحفيظ هو المهيمن والمسيطر، كما قال في الآيات الأخرى: ~~والمسيطر أو الجبار هو الذي يحملهم على الإيمان، والكلام في الطاعة ~~المقصودة لله. وأن تنفذ جوارحك ما يأمر به سبحانه فيما تسمعه أذنك وما ~~ينطق به لسانك، وليست الطاعة أن تقول: يا رسول الله نحن طائعون، وبعد ذلك ~~تحاول أن تخدش هذه الطاعة بأن تجعلها طاعة لسان وليست طاعة جوارح. فطاعة ~~اللسان دون الجوارح غير محسوبة من الإيمان. ولهذا يقول الحق بعد ذلك: { ~~ويقولون طاعة فإذا برزوا... }. ### || [4.81] # هنا يوضح الحق لرسوله: ستتعرض لطائفة من أمة الدعوة وهم الذين أمرك الله ~~أن تدعوهم إلى الدخول في الإسلام، - أما أمة الإجابة فهم الذين استجابوا ~~لله وللرسول وآمنوا فعلا - إن هؤلاء يقولون لك حين تأمرهم بشيء أو تطلب ~~منهم شيئا أمرا أو نهيا: " يقولون طاعة " يعني: أمرنا وشأننا طاعة، أي ~~أمرك مطاع، { فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة ~~منهم غير الذي تقول.. } [النساء: 81]، ويقال: برز أي خرج ~~للبراز، والبراز هي: الأرض الفضاء الواسعة، ms1976 ولذلك يقول المقاتل لمن ~~يتحداه: ابرز لي، أي اخرج من الكن أو الحصن، وكان العرب سابقا لا يقضون ~~حاجتهم في بيوتهم، فإذا أرادوا قضاء حاجتهم ذهبوا إلى الغائط البعيد، ~~وجاء من هذه الكلمة لفظ يؤدي قضاء الحاجة في الخلاء. { فإذا برزوا ~~من عندك } [النساء: 81] أي خرجوا، فهم يديرون أمر الطاعة التي أمروا ~~بها في رءوسهم فيجدونها شاقة، فيبيتون أن يخالفوا، ونعرف أن كلمة " بيت ~~" تعني المأوى الذي يؤوي الإنسان. وأحسن أوقات الإيواء هو الليل، فسموا ~~البيت الذي نسكنه " مبيتا " لأننا نبيت عادة في البيت المقام في مكان ~~والمكون من حجرات والمستور، ويقولون: هذا الأمر بيت بليل، أي دبروه في ~~الليل، وهل المراد ألا يبيتوا في النهار؟ لا، لكن الشائع أن يبيتوا في ~~ليل. يفعلون ذلك وهم بعيدون عن الأعين، فيدبرون جيدا وإن كان المقصود هو ~~التبييت في ظلام فهذا المعنى يصلح أيضا، وإن كان سرا فالمعنى يصح ~~أيضا. إذن فالأصل في التبييت إنما يكون في البيت. والأصل أن تكون ~~البيتوتة ليلا، ومدار المادة كلها الاستخفاء، فإذا بيت في ظلام نقول: ~~إنه بيت بليل، وإذا بيت سرا نقول: بيت بليل أيضا. { ~~ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة ~~منهم غير الذي تقول.. } [النساء: 81] أي إنهم إذا ما خرجوا ~~بيتوا أمرا غير الذي تقول، فهم يعلنون الطاعة باللسان بينما يكون سلوكهم ~~على العكس من ذلك، فسلوكهم هو العصيان أو { طاعة.. } [النساء: 81] غير ~~الذي تقولها. فإن قلت: افعلوا فلن يفعلوا، وإن قلت: لا تفعلوا فهم يفعلون ~~عكس ما تأمر به. إنهم يطيعون أهواءهم وشياطينهم. { ويقولون طاعة ~~فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير ~~الذي تقول.. } [النساء: 81] يعني قالت طائفة: أمرنا وشأننا طاعة ~~لما تقول: أو أطعناك طاعة ولكنهم يبيتون غير ما تقول فهم إذن على معصية. ~~{ والله يكتب ما يبيتون.. } [النساء: 81] وسبحانه يكتب ~~نتيجة علمه، وجاء بكلمة { يكتب.. } [النساء: 81] حتى يعلموا أن ~~أفعالهم مسجلة عليهم بحيث يستطيعون عند عرض كتابهم عليهم أن يقرأوا ما ~~كتب فيه، فلو لم يكن مكتوبا فقد ms1977 يقولون: لا لم يحدث، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحذر من هذه الطائفة، لأنها ستثبط أمر الدعوة، لذلك يوضح ~~الحق: إنك لن تنصر بمن أرسلت إليهم وإنما تنصر بمن أرسلك، فإياك أن ~~ينال ذلك من عزيمتك أو يثبطها نحو الدعوة. # فإذا حدث من طائفة منهم هذا ف " أعرض عنهم " أي لا تخاطبهم في أمر من ~~هذه الأمور ودعهم ودع الانتقام لي لأنني سأنصرك على الرغم من مخالفتهم ~~لك، واتجه إلى أمر الله الذي أرسلك. ونعلم أن المصلحة في كل الرسالات ~~إنما تكون عند من أرسل، ولكن المرسل إليه قد تتعبه الدعوة الجديدة لأنها ~~ستخرجه عن هوى نفسه، ومستلزمات طيشه، فالذي أرسلك يا محمد هو الضامن لك ~~في أن تنجح دعوتك. { فأعرض عنهم وتوكل على الله ~~وكفى بالله وكيلا } [النساء: 81] لماذا؟ لأن الذين يؤمنون بك ~~محدودو القدرة، ومحدودو الحيلة، ومحدودو العدة، ولكن الذي أرسلك يستطيع ~~أن يجعل من عدد خصومك ومن عدة خصومك جنودا لك، وينصرك من حيث لا ~~تحتسب. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى بدأ قضية الإسلام وكان المؤمنون بها ~~قلة، فلو جعلهم كثرة لقالوا: كثرة لو اجتمعت على ظلم لنجحت، ولكن عندما ~~تكون قلة وتنجح، فهذا فأل طيب ويشير على أنك لست منصورا بهؤلاء وإنما ~~أنت منصور بمدد الله. ويقول الحق بعد ذلك: { أفلا يتدبرون ~~القرآن ولو كان... }. ### || [4.82] # وإذا سمعت كلمة { أفلا.. } [النساء: 82] فاعلم أن الأسلوب يقرع من ~~لا يستعمل المادة التي بعده. { أفلا يتدبرون القرآن.. } ~~[النساء: 82] أي كان الواجب عليهم أن يتدبروا القرآن، فهناك شيء اسمه " ~~التدبر " ، وشيء اسمه " التفكر " ، ثالث اسمه " التذكر " ، ورابع اسمه " ~~العلم " ، وخامس اسمه " التعقل " ، ووردت كل هذه الأساليب في القرآن، # أولا يعلمون # [البقرة: 77]، # أفلا يعقلون # [يس: 68]، # لعلهم يتذكرون # [البقرة: 221]، # أفلا تتفكرون # [الأنعام: 50]. هي إذن تدبر، تفكر، تذكر، وتعقل، وعلم. وحين يأتي مخاطبك ~~ليطلب منك أن تستحضر كلمة " تدبر " فمعنى هذا أنه واثق من أنك لو أعملت ~~عقلك إعمالا قويا لوصلت إلى الحقيقة المطلوبة، لكن الذي يريد أن يغشك ~~لا ينبه فيك ms1978 وسائل التفتيش، مثل التاجر الذي تدخل عنده لتشتري قماشا، ~~فيعرض قماشه، ويريد أن يثبت لك أنه قماش طبيعي وقوي وليس صناعيا، فيبله ~~لك ويحاول أن يمزقه فلا يتمزق، إنه ينبه فيك الحواس الناقدة، فإذا نبه ~~فيك الحواس الناقدة فمعنى ذلك: أنه واثق من أن إعمال الحواس الناقدة في ~~صالح ما ادعاه، ولو كان قماشه ليس في صالح ما ادعاه لحاول خداعك، لكنه ~~يقول لك: انظر جيدا وجرب. والحق يقول: { أفلا يتدبرون ~~القرآن.. } [النساء: 82] والتدبر هو كل أمر يعرض على العقل له فيه ~~عمل فتفكر فيه لتنظر في دليل صدقه، هذه أول مرحلة، فإذا ما علمت دليل ~~صدقة فانظر النتيجة التي تعود عليك لو لم تعملها و " تتدبر " تعني أن ~~تنظر إلى أدبار الأشياء وأعقابها، فالرسول يبلغك: الإله واحد، ابحث في ~~الأدلة بفكرك، فإذا ما انتهيت إليها آمنت بأن هناك إلها واحدا. وإياك ~~أن تقول إنها مسألة رفاهية أو سفسطة لأنك عندما تنظر العاقبة ماذا ستكون ~~لو لم تؤمن بالإله الواحد. سيكون جزاؤك النار. إذن فتدبرت تعني: نظرت في ~~أدبار الأشياء وحاولت أن ترى العواقب التي تحدث منها، وهذه مرحلة بعد ~~التفكر. فالتفكر مطلوب أن تتذكر ما عرفته من قبل إن طرأ عليك نسيان. ~~فالتفكر يأتي أولا وبعد ذلك يأتي التدبر. وأنت تقول - مثلا - لابنك: ~~لكي يكون مستقبلك عاليا وتكون مهندسا أو طبيبا عليك أن تذاكر وتجتهد، ~~فيفكر الولد في أن يكون ذا مكانة مثل المتفوقين في المهن المختلفة في ~~المجتمع، ويبذل الجهد. إذن فأول مرحلة هي: التفكر، والثانية هي: التدبر، ~~فإذا غفلت نقول لك: تذكر ما فكرت فيه وانتهيت إليه وتدبر العاقبة، هذه ~~كلها عمليات عقلية: فالتفكير يبدأ بالعقل، والعقل ينظر أيضا في العاقبة ~~ثم تعمل الحافظة لتذكرك بما فات وبما كان في بؤرة الشعور ثم انتقل إلى ~~حاشية الشعور، فإذا فهمت ما عقله غيرك فقد علمت ما عقله فلان. # إذن فليس ضروريا أن تكون قد انتهيت إلى العلم بعقلك، بل أنت أخذت حصيلة ~~تعقل غيرك، ولذلك عندما ينفي ربنا ms1979 عن واحد العلم فإنه قد نفي عنه التعقل ~~من باب أولى ذلك أن العلم يعني قدرته على تعقل قدرات غيره، دون الوصول ~~إلى قوانينها وقواعدها وأصولها، إنه فحسب يعلم كيف يستفيد وينتفع بها، ~~وفي حياتنا اليومية نجد أن الأمي ينتفع بالتليفزيون وينتفع بالكهرباء، أي ~~انتفع بعلم غيره. لكنه لا يتعقل قدرات ذلك العالم. إذن فدائرة العلم ~~أوسع لأنك تعرف بعقلك أنت. أما في دائرة العلم فإنك تعلم وتفهم ما عقله ~~سواك. ولذلك فعندما يأتي ربنا ليعرض هذه القضية يقول: # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم ~~لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة: 170]. وفي المعنى نفسه يأتي في آية أخرى عندما يقول لهم: # وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ ~~أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # [المائدة: 104]. في الآية الأولى قال سبحانه: { لا يعقلون.. } ~~[البقرة: 170] لأنهم قالوا: # بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ.. # [البقرة: 170] بدون طرد لغيره، وفي الثانية قالوا: # حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ.. # [المائدة: 104] بإصرار على رفض غيره والخضوع لسواه، فقال: # أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # [المائدة: 104]، وسبحانه هنا نفي عن آبائهم العلم الذي هو أوسع من نفي ~~التعقل لأن نفي التعقل يعني نفي القدرة على الاستنباط. لكنه لا ينفي أن ~~ينتفع الإنسان بما استنبطه غيره. { أفلا يتدبرون القرآن ~~ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا } [النساء: 82] والحق سبحانه وتعالى حينما يحث المستمعين ~~للاستماع إلى كلامه وخاصة المخالفين لمنهجه أن يتدبروا القرآن، معناه أنه ~~يحب منهم أن يعملوا عقولهم فيما يسمعون لأن الحق يعلم أنهم لو أعملوا ~~عقولهم فيما يسمعون لانتهوا إلى قضية الحق بدون جدال، ولكن الذي يجعلهم ~~في مواقف يعلنون الطاعة # فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير ~~الذي تقول # [النساء: 81]، إن هذا دليل على أنهم لم يتدبروا القرآن، وقوله الحق: { ~~أفلا يتدبرون.. } [النساء: 82] تأتي بعد تلك الآية، كأنها ms1980 جاءت ~~ودليلها يسبقها، فهم لو تدبروا القرآن لعلموا أن الرسول صادق في البلاغ ~~عن الله وأن هذا كلام حق. وبالله حين يبيتون في نفوسهم أو يبيتون بليل ~~غير الذي قالوه لرسول الله، فمن الذي قال لرسول الله: إنهم بيتوا هذا؟! ~~إذن فلو تدبروا مثل هذه لعلموا أن الذي أخبر رسول الله بسرائرهم وتبييتهم ~~ومكرهم إنما هو الله، إذن فرسول الله صادق في التبليغ عن الله، وما دام ~~رسول الله صادقا في التبليغ عن الله، فتعود للآية الأولى # من يطع الرسول فقد أطاع الله # [النساء: 80]، وكل الآيات يخدم بعضها بعضا، فالقرآن حين نزل باللسان ~~العربي شاء الله ألا يجعل كل مستمع له من العرب يؤمن به أولا لأنهم لو ~~آمنوا به جميعا أولا لقالوا: إيمانهم بالقرآن جعلهم يتغاضون عن تحدي ~~القرآن لهم. لكن يظل قوم من المواجهين بالقرآن على كفرهم، والكافر في ~~حاجة إلى أن يعارض ويعارض. فإذا ما وجد القرآن قد تحداه أن يأتي ~~بمثله، وتحداه مرة أن يأتي بعشر سور من مثله، وتحداه بأن يأتي بأقصر سورة ~~من مثله، هذا هو التحدي للكافر.. ألا يهيج فيه هذا التحدي غريزة العناد؟ ~~ولم يقل منهم أحد كلمة، فما معنى ذلك؟ معناه: أنهم مقتنعون بأنه لا يمكن ~~أن يصلوا لذلك واستمروا على كفرهم وكانوا يجترئون ويقولون ما يقولون. ومع ~~ذلك فالقرآن يمر عليهم ولا يجدون فيه استدراكا. كان من الممكن أن ~~يقولوا: إن محمدا يقول القرآن معجز وبليغ وقد أخطأ في كذا وكذا. ولو ~~كانوا مؤمنين لأخفوا ذلك، لكنهم كافرون والكافر يهمه أن يشيع أي خطأ عن ~~القرآن، وبعد ذلك يأتي قوم ليست لهم ملكة العربية ولا فصاحة العربية، ~~ليقولوا إن القرآن فيه مخالفات! فكيف يتأتى لهم ذلك وليس عندهم ملكة ~~العربية، ولغتهم لغة مصنوعة، وليس لهم ملكة فصاحة، فكيف يقولون: إن ~~القرآن فيه مخالفات؟ لقد كان العرب الكافرون أولى بذلك، فقد كانت عندهم ~~ملكة وفصاحة وكانوا معاصرين لنزول القرآن، وهم كافرون بما جاء به محمد ~~ولم يقولوا: إن في القرآن اختلافا!! ms1981 هذا دليل على أن المستشرقين الذين ~~ادعوا ذلك يعانون من نقص في اللغة. ونقول لهم: لقد تعرض القرآن لأشياء ~~ليثبت فصاحته وبلاغته عند القوم الذين نزل لهم أولا. فمنهم من سيحملون ~~منهج الدعوة، ثم حمل القرآن معجزات أخرى لغير الأمم العربية، فمعجزة ~~القرآن ليست فصاحة فقط، وإلا لقال واحد: هو أعجز العرب، فما شأن العجم ~~والرومان؟ ونقول له: أكل الإعجاز كان في أسلوبه؟ لا، الإعجاز في أشياء ~~تتفق فيها جميع الألسنة في الدنيا لأنه يأتي ليثبت أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بشهادة خصومه لم يبارح الجزيرة إلا في رحلة التجارة للشام، ولم ~~يثبت أنه جلس إلى معلم، وكلهم يعرف هذا، حتى الغلطة التي أخطأوا فيها، ~~جاء ربنا بها ضدهم فقال: # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ~~لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. يقصدون ب # بشر.. # [النحل: 103] هذا غلاما كان لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه، ~~أو غلاما آخر روميا أو سلمان الفارسي، فأوضح الحق: تعقلوا جيدا، فمحمد ~~لم يجلس إلى معلم، ولم يذهب في رحلات. # وبعد ذلك جاء القرآن تحديا لا بالمنطق ولا باللغة ولا بالفصاحة ولا ~~بالبيان فحسب، بل بالأمر الشامل لكل العقول وهو كتاب الكون. ووقائعه ~~وأحداثه التي يشترك فيه كل الناس. والكون - كما نعرف - له حجب، فالأمر ~~الماضي حجابه الزمن الماضي والذي كان يعيش أيامه يعرفه، والذي لم يكن في ~~أيامه لا يعرفه، إذن فأحداث الماضي حجبها الزمن الماضي، وأحداث المستقبل ~~حجزها المستقبل لأنها لم تقع بعد. والحاضر أمامنا، فيجعل له حاجزا هو ~~المكان، فيأتي القرآن في أساليبه يخرق كل هذه الحجب، ثم يتحدى على سبيل ~~المثال ويقول: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر وما كنت من الشاهدين # [القصص: 44]. وسبحانه يقول: # وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم ~~آياتنا ولكنا كنا مرسلين # [القصص: 45]. وسبحانه يقول: # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون # [العنكبوت: 48]. وكل " ما كنت " في القرآن ms1982 تأتي بأخبار عن أشياء حدثت في ~~الماضي. بالله لو كانوا يعلمون أنه علم أو جلس إلى معلم، أكانوا يسكتون؟ ~~طبعا لا، لأن هناك كفارا أرادوا أي ثغرة لينفذوا منها، وبعد ذلك يأتي ~~القرآن لحجاب الزمن المستقبل ويخرقه، يحدث ذلك والمسلمون لا يقدرون أن ~~يحموا أنفسهم فيقول الحق: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. حتى أن عمر بن الخطاب يقول: أي جمع هذا؟ وينزل القرآن ~~بآيات تتلى وتسجل وتحفظ.. وتأتي غزوة " بدر " ويهزم الجمع فعلا. وتنزل ~~آية أخرى في الوليد ابن المغيرة الجبار المفتري: # سنسمه على الخرطوم # [القلم: 16]. ويتساءل بعضهم: هل نحن قادرون أن نصل إليه؟ وبعد ذلك تأتي ~~غزوة " بدر " فينظرون أنفه فيجدون السيف قد خرطه وترك سمة وعلامة عليه، ~~فمن الذي خرق حجاب الزمن المستقبل؟ إنه الله. وليس محمدا، فإذا تدبرتم ~~المسائل حق التدبر لعلمتم أن محمدا ما هو إلا مبلغ للقرآن، وأن الذي قال ~~القرآن هو الإله الذي ليس عنده ماض ولا حاضر ولا مستقبل، بل كل الزمن ~~له، ويأتي القرآن فيقول: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول.. # [المجادلة: 8]. هم قالوا في أنفسهم ولم يسمع لهم أحد، ثم ينزل القرآن ~~فيخبر بما قالوه في أنفسهم.. فماذا يقولون إذن؟ وهم لو تدبروا القرآن ~~لعلموا أن الحق سبحانه وتعالى هو الذي أخبر رسول الله بما قالوا في ~~أنفسهم، فهذه الآية { أفلا يتدبرون القرآن } [النساء: 82] ~~جاءت بعد # فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير ~~الذي تقول.. # [النساء: 81]، إذن فقد فضحوا، فلو كانوا يتدبرون لعلموا أن الله الذي ~~أرسله بالهدى ودين الحق هو الذي أخبره بما بيتوا، والذين لا يفهمون اللغة ~~يطيرون فرحا باختلاف توهموا أنه موجود بالقرآن، يقولون: إن الحدث الواحد ~~المنسوب إلى فاعل واحد لا ينفي مرة ويثبت مرة أخرى، فإن نفيته لا ثتبته، ~~وإن أثبته لا تنفه، لكن القرآن فيه هذا. # وهييء لهم ذلك في قول الحق: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.. # [الأنفال: 17]. و { وما رميت.. } [الأنفال: 17] هو نفى " الرمي ~~" ، و " إذ رميت " أثبت " الرمي ms1983 " وجاء القرآن بالفعل وهو { رميت } ~~، والفاعل هو " رسول الله صلى الله عليه وسلم " فكيف يثبت الفعل مرة ~~وينفيه مرة في آية واحدة؟ ونقول لهم: لأنكم ليس عندكم ملكة العربية قلتم ~~هذا الكلام، أما من عنده ملكة العربية وهي أصيلة وسليقة وطبيعة وسجية ~~فيه، فقد سمع الآية ولم يقل مثل هذا الكلام، مما يدل على أنه فهم مؤداها. ~~ثم لماذا نبتعد ونقول من أيام الجاهلية، لنأخذ من حياتنا اليومية مثلا، ~~أنت إذا ما جئت مثلا لولدك وقلت له: ذاكر لأن الامتحان قد قرب، وأنا ~~جالس معك لأرى هل ستذاكر أو لا. فيأخذ الولد كتابه ويجلس إلى مكتبه وبعد ~~ذلك يفتح الكتاب ويقلب الأوراق ويهز رأسه. وبعد مدة تقول له: تعال انظر ~~ماذا ذاكرت. فتمسك الكتاب وتسأله سؤالين فيما ذاكر، فلا يجيب، فتقول له: ~~ذاكرت وما ذاكرت. أي أنك فعلت شكلية المذاكرة، ولا حصيلة لك في موضوع ~~المذاكرة. قولك: " ذاكرت " هو إثبات للفعل، وقولك: " وما ذاكرت " هو نفي ~~للفعل. فإذا جاء فعل من فاعل واحد مثبت مرة ومنفي مرة من كلام البليغ. ~~فاعلم أن جهة الإثبات غير جهة النفي. وقوله الحق: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.. # [الأنفال: 17] فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما جاء إلى المعركة ~~أخذ حفنة من الحصى، وجاء ورمى بها جيش العدو. إذن فالعملية الشكلية قام ~~بها النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ألرسول الله قدرة أن يرسل الحصى ~~إلى كل جيش العدو؟ إن هذه ليست في طاقته، فقول الحق: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.. # [الأنفال: 17]. أنت أخذت شكلية الرمي، أما موضوعية الرمي فهي لله سبحانه ~~وتعالى. ويأتي مثلا في آية أخرى يقول: # ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [الروم: 6]. وهذا نفي. ثم يقول بعدها مباشرة: # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا.. # [الروم: 7]. وتتساءلون أيقول: { لا يعلمون } [الروم: 6].. ثم ~~يقول: { يعلمون } [الروم: 7] بعدها مباشرة؟ نعم فهم لا يعلمون العلم ~~المفيد، وقوله: # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا.. # [الروم: 7] أنهم لا يعلمون بواطن الأمور ولا عواقبها. فإذا ms1984 جاء فعل فثبت ~~مرة ونفى مرة أخرى فلا بد أن الجهة منفكة. مثال ذلك هو قول الحق: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]. ثم يقول القرآن في موقع آخر: # وقفوهم إنهم مسئولون # [الصافات: 24]. ومعناها أنهم سيسألون. ونقول: اجعلوا عندكم ملكة ~~العربية، ألا يسأل الأستاذ تلميذه. # إذن فالسؤال قد يقع من العالم ليعلم ما عند المسئول ويقر به، وليس ~~ليعلم العالم ما عند المسئول، وعندما يقول ربنا: # وقفوهم إنهم مسئولون # [الصافات: 24]. فإياكم أن يذهب ظنكم إلى أن الله يسأل لأنه لا يعلم، ~~وإنما يسأل ليقرركم لتكون حجة الإقرار أقوى من حجة الاختبار. إذن فإن ~~رأيت شيئا نفي، وأثبت في مرة أخرى فاعلم أن الجهة منفكة. وحينما نتكلم ~~عن إعجاز القرآن نجده يقول: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم.. # [الأنعام: 151]. وجاء في الآية الثانية وقال ربنا: # نحن نرزقهم وإياكم.. # [الإسراء: 31]. قد يقول من لا يملك ملكة اللغة: فأيهما بليغة؟ إن كانت ~~الأولى فالثانية ليست بليغة، وإن كانت الثانية فالأولى ليست بليغة. نقول ~~له: أنت أخذت عجز كل آية فقط. وعليك أن تأخذ عجز كل آية مع صدرها. صحيح ~~أن عجز الآية مختلف لأنه يقول في الأولى: # نحن نرزقكم وإياهم.. # [الأنعام: 151] وفي الثانية يقول: # نحن نرزقهم وإياكم.. # [الإسراء: 31]. ولكن هل صدر الآية متحد؟ لا، فصدر كل آية مختلف لأنه ~~قال: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم.. # [الأنعام: 151]. فكأن الإملاق موجود حاصل لذلك شغل المخاطب برزقه قبل أن ~~يشغل برزق ولده، ويخاف أن يأتي له الولد فلا يجد ما يطعمه. لأنه هو نفسه ~~فقير. فيطمئنه الله على رزقه أولا ثم بعد ذلك يطمئنه على رزق من ~~سيأتي: # نحن نرزقكم وإياهم.. # [الأنعام: 151] لكن في الآية الثانية لم يقل ذلك، بل قال: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق.. # [الإسراء: 31] كأنه يخاف أن يفقد ماله ويصير فقيرا عندما يأتي الولد، ~~وما دام قد قال: { خشية إملاق.. } [الإسراء: 31] فهذا يعني أن ~~الإملاق غير موجود، ولكنه يخاف الإملاق إن جاء الولد، يخاف أن ms1985 يأتيه ~~الولد فيأتيه الفقر معه، فأوضح الحق له: لا تخف فسيأتي الولد برزقه، # نحن نرزقهم وإياكم.. # [الإسراء: 31] إذن إن نظرت إلى الآية عجزها مع صدرها، تجد العلاقة ~~مكتملة، ويحاول بعضهم أن يجد منفذا للطعن في بلاغة القرآن فيتساءل لماذا ~~يقول الحق في آية في القرآن: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17]. وفي سورة ثانية يقول: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. ونقول لهم: أنتم لم تفهموا الآيات على حقيقتها. ففي الآية ~~الأولى يقول: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17] أي في المصائب التي لا غريم لك فيها. وما دام ليس لك غريم ~~فيها، فماذا تفعل؟ لكن إذا كان لك غريم وخصم فقد تتحرك نفسك بأن تنتقم ~~منه. ولذلك فانتبه لقوله الحق: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17] يناسب الموقف الذي لا يوجد فيه غريم، وفي الآية الثانية: # إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] فالآية تناسب الموقف الذي فيه غريم لأنك ستصبر على المصيبة ~~وعلى من عملها من غريم لأنك كلما رأيته تهيج نفسك وهذا يحتاج لتأكيد ~~الصبر بقوة، وتلك هي كلمات المستشرقين الذين يريدون الطعن في القرآن ~~ويقولون لنا: أنتم تنظرون للقرآن بقداسة لكنكم لو نظرتم إليه بتفحص ~~لوجدتم أن فيه اختلافات كثيرة، نقول لهم: قولوا لنا المخالفات، ونحن ~~رددنا على هذا في ثنايا خواطرنا عن القرآن، ومنهم من يقول لك مثلا: ~~القرآن عندما تعرض لقضية خلق السماوات والأرض جاءت كل الآيات لتؤكد أن ~~الله سبحانه خلقها في ستة أيام، لكنهم يقولون عندما نذهب إلى آيات ~~التفصيل في قوله: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين * ~~ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى ~~في كل سمآء أمرها وزينا ms1986 السمآء الدنيا ~~بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم # [فصلت: 9-12]. نجدها ثمانية أيام فقالوا: هذا خلاف. نقول لهم: أنتم لم ~~تفهموا. فسبحانه حين قال: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض # [فصلت: 9]، فهل تكلم عما تستقيم به الحياة على الأرض؟ إنه عندما تكلم عن ~~الأرض يقول: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها # [فصلت: 9-10]، فهذه تكون تتمة الأرض لأنه يتكلم عن الأرض، # وجعل فيها.. # [فصلت: 10] أي الأرض، # وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 10] وكل ذلك في الأرض، إذن فالمرحلة الثانية مرحلة تتمة خلق ~~الأرض فسبحانه خلق الأرض كجرم أولا، وبعد ذلك جعل فيها الرواسي وجعل ~~فيها الأقوات وبارك فيها. في كم يوما؟ في أربعة أيام فكأن اليومين ~~الأولين دخلا في الأربعة، لأن هذه تتمة خلق الأرض. ولله المثل الأعلى، ~~مثلما تقول: سرت من هنا إلى الإسماعيلية في ساعة، وإلى بورسعيد في ~~ساعتين، فقولك: إلى بورسعيد في ساعتين، يعني أن الساعة الأولى تم حسابها، ~~إذن فهؤلاء المستشرقون لم يفهموا معطيات القرآن لذلك يقول سبحانه: { ~~أفلا يتدبرون القرآن.. } [النساء: 82] فإن وجدت شيئا ~~ظاهريا يثير تساؤلا في القرآن فأعمل عقلك، وأعمل فكرك كي تعرف أن ~~التناقض في فهمك أنت وليس التناقض في القرآن لأنه من عند من إذا قص ~~واقعا قصه على حقيقته، وعند من لا يغيب شيء عنه، لا حجاب الزمن الماضي، ~~ولا حجاب الزمن المستقبل، ولا حجاب المكان، ولا حجاب المكين # أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا # [النساء: 82]، فالقرآن كتاب كبير به أربع عشرة ومائة سورة، بالله هاتوا ~~أي أديب من الأدباء كي يكتب هذا، ثم انظروا في فصاحته، إنكم ستجدونه ~~قويا في ناحية وضعيفا في ناحية أخرى، وبعد ذلك قد تجدونه أخل بالمعنى، ~~وقال كلمتين هنا ثم جاء بما يناقضهما بعد ذلك! مثلما فعل أبو العلاء ~~المعري عندما قال: # تحطمنا الأيام حتى كأننا # زجاج ولكن لا ms1987 يعاد لنا سبك # وكان أيام قوله هذا: ينكر البعث. وعندما رجع إلى صوابه بعد ذلك قال: # زعم المنجم والطبيب كلاهما # لا تحشر الأجساد قلت إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر # أو صح قولي فالخسار عليكما # إذن فالتناقض يأتي مع صاحب الأغيار الذي كان له رأي أولا ثم عدلته ~~التجربة أو الواقع إلى رأي آخر. لكن ربنا سبحانه وتعالى لا يتغير ومعلومه ~~لا يتغير فهو الحق، إذن فالتناقض يأتي إما من واحد يكذب لأن الواقع لم ~~يحكمه، وإما من واحد هو في ذاته متغير، فرأى رأيا ثم عدل عنه، فيكون ~~متغيرا. لكن الحق سبحانه وتعالى لا يتغير.. ويقول على الواقع الحق: { ~~أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } [النساء: 82]. والواقع ~~أيضا أننا نجد كل قضية قرآنية تعرض كنص من نصوص القرآن أنزله الله على ~~رسوله، هذه القضية القرآنية في كون له تغيرات، والتغيرات بعضها يكون من ~~مؤمن بالقرآن، وبعضها يكون من غير مؤمن بالقرآن، فهل رأيت قضية قرآنية ثم ~~جاءت قضية الكون حتى من غير المؤمنين فكذبتها؟. لا، هم في الغرب مثلا ~~بعد الحرب العالمية الأولى اخترعوا أسطوانة تحطيم الجوهر الفرد والجزء ~~الذي لا يتجزأ، وكانت تلك أول مرحلة في تفتيت الذرة، ونجد القرآن يضرب ~~المثل بالذرة، وأنها أصغر شيء في قوله سبحانه: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره # [الزلزلة: 7]. وضع العلماء أيديهم على قلوبهم لأن الذرة قد تفتت. فوجد ~~ما هو أصغر من الذرة!! ووجدنا من قرأ القرآن، وقال: إن القرآن نزل في ~~عصر كان أصغر شيء فيه " الذرة " عند العربي القديم، والله يعلم أزلا أن ~~العلم سيطمح ويرتقي ويفتت الذرة، فقال: # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السموت ولا في الأرض ولا أصغر ~~من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين # [سبأ: 3]. لقد تدبر صاحب هذا القول القرآن وفهم عن الله الذي تتساوى ~~عنده الأزمنة، فالمستقبل مثل الماضي، ليس عنده علم ms1988 مستقبل وعلم حاضر وعلم ~~ماض، وأوضح لنا: أن هناك ما هو أصغر من الذرة. فلو فتتوا المفتت منها ~~لوجدنا في القرآن له رصيدا. تعالوا للقضايا الاجتماعية مثلا. تجدوا أي ~~قضية قرآنية يجتمع لها خصوم القرآن ليجدوا مطعنا، فنجد من لم يفهموا ~~من المسلمين يجرون وراءهم ويقولون: هذه الأمور لم تعد ملائمة للعصر، ثم ~~نجد أعداء الإسلام يواجهون بظروف لا يجدون حلا لمشكلاتهم إلا ما جاء ~~في القرآن. # { أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } [النساء: 82]. مثال ~~آخر: بعض الناس يقولون: هناك اختلاف في القراءات، مثل قوله تعالى: # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4]. يقول: هناك من يقرؤها " ملك يوم الدين " ، لكن هناك ما ~~يسمى " تربيب الفائدة " لأن كلمة " مالك " وكلمة " ملك " معناهما ~~واحد، والقرآن كيف يكون من عند غير الله؟ { أفلا يتدبرون ~~القرآن ولو كان.. } [النساء: 82] - أي القرآن - { من عند ~~غير الله.. } [النساء: 82] أغير الله كان يأتي بقرآن؟! لا، إنما ~~القرآن لا يأتي إلا من الله سبحانه وتعالى، { ولو كان من عند ~~غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } [النساء: 82]. ~~إن قوله سبحانه: { أفلا يتدبرون القرآن.. } [النساء: 82] ~~تكريم للإنسان، فكأن الإنسان قد خلقه الله ليستقبل الأشياء بفكر لو ~~استعمله استعمالا حقيقيا لانتهى إلى مطلوبات الحق، وهذه شهادة للإنسان، ~~فكأن الإنسان مزود بآلة فكرية، هذه الآلة الفكرية لو استعملها لوصل إلى ~~حقائق الأشياء، ولاحق لا يريد منا إلا أن نعمل هذه الآلة: { أفلا ~~يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } [النساء: 82] فالقرآن كلام ~~الله، وكلام الله صفته، وصفة الكامل كاملة، والاختلاف يناقض الكمال. ~~فمعنى الاختلاف أنك تجد آية تختلف مع آية أخرى، فكأن الذي قال هذه نسي ~~أنه قالها!! وبعد ذلك جاء بأمر يناقضها، ولو كان عنده كمال لعرف ما قال ~~أولا كي لا يخالفه ثانيا. إذن فلا تضارب ولا اختلاف في القرآن لأنه من ~~عند الله. وبعد ذلك يقول الحق: { وإذا جآءهم أمر من ~~الأمن أو الخوف... }. ### || [4.83] # الحق سبحانه وتعالى يربي ms1989 الأمة الإيمانية على أسلوب يضمن ويؤمن لهم ~~سرية حركتهم خاصة أنهم قوم مقبلون على صراع عنيف ولهم خصوم أشداء، ~~فيريبهم على أن يعالجوا أمورهم بالحكمة لمواجهة الجواسيس. فيقول: { ~~وإذا جآءهم أمر.. } [النساء: 83]. أي إذا جاءهم خبر أمر من ~~الأمور يتعلق بالقوم المؤمنين أو بخصومهم، وعلى سبيل المثال: يسمعون أن ~~النبي عليه الصلاة والسلام سيخرج في سرية إلى المنطقة الفلانية، وقبيلة ~~فلان تنتظره كي تنضم إليه، وعندما يسمع الضعاف المنافقون هذا الخبر ~~يذيعونه، فيحتاط الخصوم بمحاصرة القبيلة التي وعدت الرسول أن تقاتل معه ~~كي لا تخرج، أو يقولون مثلا: إن النبي سيخرج ليفعل كذا فيذيعوا أيضا ~~هذا الخبر! فأوضح لهم الحق: لا تفعلوا ذلك في أي خبر يتعلق بكم كجماعة ~~ارتبطت بمنهج وتريد لهذا المنهج أن يسيطر لأن هذا المنهج له خصوم. إياكم ~~أن تسمعوا أمرا من الأمور فتذيعوه قبل أن تعرضوه على القائد وعلى من ~~رأى القائد أنهم أهل المشورة فيه، فقوله: { وإذا جآءهم أمر ~~من الأمن.. } [النساء: 83] يقصد به أن المسألة تكون في صالحهم { ~~أو الخوف.. } [النساء: 83] أي من عدوهم { أذاعوا به.. } ~~[النساء: 83]. كلمة " أذاعه " غير كلمة " أذاع به " ، ف " أذاعه " يعني ~~" قاله " ، أما " أذاع به " فهي دليل على أنه يقول الخبر لكل من ~~يقابله، وكأن الخبر بذاته هو الذي يذيع نفسه، فهناك أمر تحكيه وتنتهي ~~المسألة، أما " أذاع به " فكأن الإذاعة مصاحبة للخبر وملازمة له تنشره ~~وتخرجه من طي محدود إلى طي غير محدود، أو من آذان تحترم خصوصية الخبر ~~إلى آذان تتعقب الخبر، ثم يقول: { ولو ردوه إلى الرسول.. } ~~[النساء: 83] فالرسول أو من يحددهم الرسول صلى الله عليه وسلم هم الذين ~~لهم حق الفصل فيما يقال وما لا يقال: { لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم.. } [النساء: 83] والاستنباط مأخوذ من " ~~النبط " وهو ظهور الشيء بعد خفائه، واستنبط أي استخرج الماء مجتهدا في ~~ذلك والنبط هو أول مياه تخرج عند حفر البئر فنقلت الكلمة من المحسات في ~~الماء إلى المعنويات في الأخبار، وصرنا نستخدم الكلمة في المعاني، وكذلك ~~في العلوم. مثلما ms1990 تعطي الطالب مثلا تمرينا هندسيا، وتعطيه معطياته، ثم ~~يأخذ الطالب المعطيات ويقول بما أن كذا = كذا.. ينشأ منه كذا، فهو يستنبط ~~من موجود معدوما. وهنا يوضح الحق لهم: إذا سمعتم أمرا يتعلق بالأمن أو ~~أمرا يتعلق بالخوف، فإياكم أن تذيعوه قبل أن تعرضوه على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أو تعرضوه على أولياء الأمر الذين رأى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يعطيهم بعض السلطة فيه لأنهم هم الذين يستنبطون. # هذا يقال أو لا يقال. ويقول الحق: { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } ~~[النساء: 83] كأنهم أذاعوا بعض أحداث حدثت، لكنهم نجوا منها بفضل من الله ~~سبحانه وتعالى وبعض إلهاماته فكان مما أذاعوا به ما حدث عندما عقد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم - العزم على أن يذهب إلى مكة فاتحا، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيرها أي أنه لا يقول ~~الوجهة الحقيقية كي يأخذ الخصوم على غرة، وعندما يأخذ الخصوم على غرة ~~يكونون بغير إعداد، فيكون ذلك داعيا على فقدانهم قدرة المقاومة. وانظروا ~~إلى الرحمة فيما حدث في غزوة الفتح، فقد أمر رسول الله المسلمين بالتجهيز ~~لغزو مكة حتى إذا ما أبصر أهل مكة أن رسول الله جاء لهم بجنود لا قبل لهم ~~بها يستكينون ويستسلمون فلا يحاربون وذلك رحمة بهم. وكان " حاطب بن أبي ~~بلتعة " قد سمع بهذه الحكاية فكتب كتابا لقريش بمكة، وأخذته امرأة وركبت ~~بعيرها وسارت. وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلى ومن معه وقال ~~لهم: إن هناك امرأة في روضة خاخ معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش ~~يخبرهم بقدومنا إلى مكة، فذهبوا إلى الظعينة فأنكرت، فهددها سيدنا علي ~~وأخرج من عقاصها - أي من ضفائر شعرها - الكتاب، فإذا هو كتاب من حاطب ~~بن أبي بلتعة إلى قريش، فاستحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا ~~وقال له: أهذا كتابك؟. قال: نعم يا رسول الله، فقال: وما دعاك إلى هذا؟ ~~قال: والله ms1991 يا رسول الله لقد علمت أن الله ناصرك، وأن كتابي لن يقدم ولن ~~يؤخر. وأنا رجل ملصق في قريش ولم أكن من أنفسهم ليس لي بها عصبية ولي بين ~~أظهرهم ولد وأهل فأحببت أن أتقدم إلى قريش بيد تكون لي عندهم يحمون بها ~~قرابتي وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد ~~الإسلام فقال له النبي: قد صدقت. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يبني ~~القضايا الإيمانية وخاصة ما يتعلق بأمر المؤمنين مع أعدائهم على الصدق، ~~ولا يستقيم الأمر أن يفشي ويذيع كل واحد الكلام الذي يسمعه، بل يجب أن ~~يردوا هذا الكلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أولي الأمر ~~لأنهم هم الذين يستنبطون ما يناسب ظرفهم من الأشياء، ربما أذنوا لكم في ~~قولها، أو أذنوا بغيرها إذا كان أمر الحرب والخداع فيها يستدعي ذلك. وهذا ~~يدل على أن الحق سبحانه وتعالى وإن كان قد ضمن النصر والغلبة لهم وأوضح: ~~أنا الوكيل وأنا الذي أنصر ولا تهابوهم، إلا أنه سبحانه يريد أن يأخذ ~~المؤمنون بالأسباب، وبكفايتهم به على أنه هو الناصر. # { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم ~~الشيطان إلا قليلا } [النساء: 83] وهذا يدل على أن هذه ~~المسألة قد حدثت منهم ولكن فضل الله هو الذي سندهم وحفظهم فلم يجعل هذه ~~المسألة مغبة أو عاقبة فيما يسؤوهم { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } ~~[النساء: 83] ونعرف أنه كلما جاء فعل من الأفعال وجاء بعده استثناء. فنحن ~~ننظر: هل هذا الاستثناء من الفاعل أو من الفعل؟.. وهنا نجد قوله الحق: { ~~لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } [النساء: 83] فهل كان ~~اتباع الشيطان قليلا أي اتبع الشيطان قلة وكثيرون لم يتبعوا الشيطان. ~~فهل نظرت إلى القلة في الحدث أو في المحدث للحدث؟. فإن نظرت إلى القلة ~~في الحدث فيكون: لاتبعتم الشيطان إلا اتباعا قليلا تهتدون فيه بأمر ~~الفطرة، وإن أردت القلة في المحدث: { لاتبعتم الشيطان إلا ~~قليلا } [النساء: 83] أي إلا نفرا قليلا منكم سلمت فطرتهم فلا ~~يتبعون ms1992 الشيطان. فقد ثبت أن قوما قبل أن يرسل ويبعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم جلسوا ليفكروا فيما عليه أمر الجاهلية من عبادة الأوثان ~~والأصنام، فلم يرقهم ذلك، ولم يعجبهم، فمنهم من صد عن ذلك نهائيا، ~~ومنهم من ذهب ليلتمس هذا العلم من مصادره في البلاد الأخرى، فهذا " زيد ~~بن عمرو بن نفيل " ، وهذا " ورقة بن نوفل " الذي لم يصدق كل ما عرض عليه، ~~و " أمية بن أبي الصلت " ، و " قس بن ساعدة " ، كل هؤلاء بفطرتهم ~~اهتدوا إلى أن هذه الأشياء التي كانت عليها الجاهلية لا تصح ولا يستقيم ~~أن يكون عليها العرب فهؤلاء كانوا قلة وكانوا يسمون بالحنفاء والكثير ~~منهم كان يعبد الأصنام ثم أكرمهم الله ببعثة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. إذن فقول الحق: { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } [النساء: ~~83] أي لأن الحق سبحانه وتعالى بفضله ورحمته لن يدع مجالا للشيطان في ~~بعض الأشياء، بل يفضح أمر الشيطان مع المنافقين. فإذا ما فضح أمر الشيطان ~~مع المنافقين أخذكم إلى جانب الحق بعيدا عن الشيطان، فتكون هذه العملية ~~من فضل الله ورحمته. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه مخاطبا سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: { فقاتل في سبيل الله لا تكلف... ~~}. ### || [4.84] # وحين ترى جملة فيها الفاء فاعلم أنها مسببة عن شيء قبلها، وإذا سمعت ~~مثلا قول الحق سبحانه وتعالى: # ثم أماته فأقبره # [عبس: 21]. ومعنى ذلك أن القبر جاء بعد الموت، فإذا وجدت " الفاء " ~~فاعرف أن ما قبلها سبب فيما بعدها، ويسمونها " فاء السببية ". فما الذي ~~كان قبل هذه الآية لتترتب عليه السببية في قول الله سبحانه لسيدنا رسول ~~الله: { فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك.. ~~} [النساء: 84] نقول: ما دام الأمر جاء { فقاتل.. } [النساء: 84]، ~~فعلينا أن نبحث عن آيات القتال المتقدمة، ألم يقل قبل هذه الآية: # فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة ~~الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل ~~أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما # [النساء: 74]. والآية الثانية: # وما لكم ms1993 لا تقاتلون في سبيل الله ~~والمستضعفين من الرجال والنسآء.. # [النساء: 75]. إذن أمر القتال موجود من الله لمن؟ لرسول الله، والرسول ~~يبلغ هذا الأمر للمؤمنين به، والرسول يسمعه من الله مرة واحدة لذلك فإنه ~~صلى الله عليه وسلم أول من يصدق أمر الله في قوله: # فليقاتل في سبيل الله.. # [النساء: 74]. ثم ينقلها إلى المؤمنين، فمن آمن فهو مصدق لرسول الله في ~~هذا الأمر. فالرسول هو أول منفعل بالقرآن فإذا قال الحق: # فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة ~~الدنيا.. # [النساء: 74]. أو عندما يقول له الحق: # وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله.. # [النساء: 75]. وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم هو أول منفعل بأوامر ~~الله، فإذا جاءه الأمر فعليه أن يلزم نفسه أولا به، وإن لم يستمع إليه ~~أحد وإن لم يؤمن به أحد أو لم يتبعه أحد، وهذا دليل على أنه واثق من الذي ~~قال له: # وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله # [النساء: 75] وما دام صلى الله عليه وسلم هو أول منفعل فعليه أولا نفسه ~~لأنه صلى الله عليه وسلم بإقباله على القتال وحده، إنما يدل من سمع ~~القرآن على أن الرسول الذي نزل عليه هذا القرآن، أول مصدق، ومحمد لن يغش ~~نفسه. فقبل أن يأمر المؤمنين أن يقاتلوا، يقاتل هو وحده. ولذلك نجد أن ~~سيدنا أبا بكر الصديق - رضوان الله عليه - حينما انتقل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وحدثت الردة من بعض العرب، وأصر خليفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يقاتل المرتدين وقال: لو منعوني ~~عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لجالدتهم عليه ~~بالسيف. وحاول بعض الصحابة أن يثني أبا بكر الصديق عن عزمه فقال: والله ~~لو عصت يميني أن تقاتلهم لقاتلتهم بشمالي. # إذن فقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: { فقاتل في سبيل ~~الله.. } [النساء: 84] ينبهنا إلى أن هناك فرقا بين البلاغ وبين ~~تنفيذ المبلغ. وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد سمع من الله، ms1994 فهو ~~ملزم بتطبيق الفعل أولا، وبعد ذلك يبلغ الرسول المؤمنين، فمن استمع ~~إليه فعل فعله. وقول الحق: { لا تكلف إلا نفسك.. } هو تكليف ~~بالفعل لا بالبلاغ فقط، فالرسول يبلغ، لكن أن يفعل المؤمنون ما بلغهم به ~~عن الله أو لا يفعلوا فهذا ليس من شأنه ولا هو مكلف به. ولكن على الرسول ~~أن يلزم ويكلف نفسه ليقاتل في سبيل الله. { فقاتل في سبيل ~~الله لا تكلف إلا نفسك } [النساء: 84]. أمعنى ذلك أن ~~يترك الرسول الذين آمنوا به لنفوسهم؟. لا، فالحق قد أوضح: عليك أيضا أن ~~تحرضهم على القتال فلا تتركهم لنفوسهم: { وحرض المؤمنين عسى ~~الله أن يكف بأس الذين كفروا.. } [النساء: 84] ومعنى ~~" حرض " مأخوذ من " الحرض " وهو ما به إزالة العوائق وما ينطف الأيدي ~~والملابس مما يرين عليهم ويعلوها من الوسخ والدنس، فعليك يا رسول الله أن ~~تنظر في أمر صحابتك وأتباعك وتعرف لماذا لا يريدون أن يقاتلوا، وعليك أن ~~تنفض عنهم الموانع وتزيل العوائق التي تمنعهم أن يقاتلوا. { وحرض ~~المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا.. ~~} [النساء: 84]، وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقول لرسوله: إنك لا ~~تنصر بالكثرة المؤمنة بك، ولكن المؤمنين هم ستر ليد الله في النصر، ~~فالنصر منه سبحانه: # وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم # [آل عمران: 126]. وورود كلمة { بأس.. } [النساء: 84] في الآية التي ~~نحن بصددها، يراد بها القوة والشدة في الحرب، ويراد بها المكيدة، ويراد ~~بها هزيمة الأعداء. فكلمة { بأس.. } [النساء: 84] فيها معان متعددة. ~~والحق يبلغ رسوله: إنك يا محمد لا تكلف إلا نفسك وإياك أن يخطر على ~~بشريتك: كيف أقاتل هؤلاء وحدى فإن القوم المؤمنين معك وإذا ما دخلوا ~~القتال فهم لا ينصرونك ولكنهم يسترون يد الله في النصر: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم.. # [التوبة: 14]. ولماذا لا ينصر الله المؤمنين والرسول مباشرة دون قتال ~~لغيرهم من الكفار والمشركين؟. لأن النصر لو جاء بسبب غيبي من الحق ربما ~~قالوا ظاهرة طبيعية قد نشأت، ولكن الحق يريد أن يظهر أن القلة المؤمنة هي ~~التي ms1995 غلبت، فالمؤمن يقبل على الأسباب ولا ينسى المسبب، فحينما نظر ~~المسلمون إلى الأسباب فقط في " حنين " ، وقال بعضهم: لن نهزم عن قلة فنحن ~~كثير، هنا ذاق المسلمون طعم الهزيمة أولا، وبعد أن أعطاهم الحق الدرس ~~التأديبي أولا، نصرهم ثانيا. والحق يقول: # ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا.. # [التوبة: 25]. وهذا لفت للمؤمنين أن يكونوا مع الأسباب ويتذكروا المسبب ~~دائما لأن الأسباب إنما تأتي فقط لإثبات أن الله مع المؤمنين فلو أن ~~المؤمنين انتصروا بأي سبب غيبي آخر لقال الأعداء: إن هذا الذي حدث هو ~~ناتج ظاهرة طبيعية. والفرق بين الظاهرة الطبيعية والظاهرة المادية في ~~الخصوم ما حدث لسيدنا إبراهيم عليه السلام. فلم يرد الحق مجرد إنقاذ ~~سيدنا إبراهيم من النار لأن الأمر لو كان كذلك لما مكن أعداء إبراهيم ~~عليه السلام من القبض عليه، ولو فعل الحق ذلك لقال أعداء سيدنا إبراهيم: ~~آه لو كنا قد أمسكنا به، ولكان ذلك فرصة لكفرهم. ولكن الحق يجعلهم يمسكون ~~بإبراهيم عليه السلام: وترك النار تتأجج، ويقطع سبحانه الأسباب: # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. هذه هي النكاية، فلو جاء إنقاذ إبراهيم بطريق غير ذلك ~~من الأمور الغيبية غير المادة المحسة، لوجد خصوم إبراهيم المخارج لتبرير ~~هزيمتهم. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يوضح لرسوله: يا محمد أنا الذي ~~أرسلتك، ولم أكلك إلى نصرة من يؤمن بك، وإنني قادر على نصرك وحدك بدون ~~شيء، ولكن أردت لأمتك التي آمنت بك أن ينالها يمن الإيمان بك فيستشهد ~~بعضها، فتثاب الأمة، وتنتصر فتعلو وترتفع هامتها على العرب، فلو كان ~~الأمر مقصورا على نصر رسول الله لنصره الله دون حرب أو جهاد. وقول الحق ~~سبحانه: { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ~~والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } [النساء: 84] أي أنه ~~سبحانه قادر على أن يوقف ويمنع حرب وكيد الكافرين فيبطله ويهزمهم. وهذا ~~ما حدث، فبعد موقعة " أحد " التي ماعت نهايتها ولا يستطيع أحد أن يحدد ~~من المنتصر فيها ومن المهزوم لأن رسول الله قد انتصر ms1996 أولا، ثم خالف ~~الرماة أمر رسول الله، فحدث خلل في صفوف المقاتلين المسلمين، ولكن لم يبق ~~المحاربون من قريش في مكان المعركة، وأيضا لم يتجاوزوها إلى داخل ~~المدينة، ولذلك لم تنته معركة أحد بنصر أحد. وبعد ذلك هددوا بأن ~~الميعاد في بدر الصغرى في العام القادم. ومر العام، وجاء الميعاد، وأراد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج، فلما طالب بالخروج وجد كسلا من ~~القوم، ولم يطعه إلا سبعون رجلا، وخرجوا إلى المكان المحدد. وأثبتوا ~~أنهم لم يخافوا الموقف، وقذف الله الرعب في قلب أبي سفيان وقومه فلم ~~يخرجوا. إذن فربنا قادر أن يكف بأس الذين كفروا، فقد أقام رسول الله في ~~المكان، وجلس مع المقاتلين وكان معهم تجارة وباعوها وغنم المسلمون الكثير ~~من هذه التجارة. { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ~~والله أشد بأسا وأشد تنكيلا } [النساء: 84] وكلمة { ~~عسى.. } [النساء: 84] في اللغة تأخذ أوضاعا متعددة، ف { عسى. # . } [النساء: 84] معناها في اللغة الرجاء، كقول واحد: عسى أن يجيء فلان. ~~أي: أرجو أن يجيء فلان. أو قول واحد مخاطبا صاحبا له: عسى أن يأتيك ~~فلان بخير. وهذا رجاء أن يأتي فلان إلى فلان ببعض الخير، وقد يأتي فلان ~~بالخير وقد لا يأتي، لكن الرجاء قد حدث. وقد يقول واحد لصاحبه: عسى أن ~~آتيك أنا بخير. هنا يكون الرجاء أكثر قوة لأن الرجاء في الأولى في يد ~~واحد آخر غير المتحدث، أما الخير هنا فهو في يد المتحدث. لكن أيضمن ~~المتحدث أن توجد له القوة والوجود حتى يأتي بالخير لمن يتحدث إليه؟ إنه ~~صحيح ينوي ذلك ولكنه لا يضمن أن توجد عنده القدرة. وإذا قال قائل: عسى ~~الله أن يأتيك بالفرج. هذه هي الأوغل في الرجاء، لكن هل من يقول ذلك ~~واثق من أن الله يجيب هذا الرجاء؟. قد يجيب الله وقد لا يجيب وفقا ~~لإرادة الله لا لمعايير من يرجو أو المرجو له. أما عندما يقول الحق عن ~~نفسه: { عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا.. } ~~[النساء: 84] فهذا هو ms1997 القول البالغ لنهايات كل الرجاءات. ف { عسى.. } ~~[النساء: 84] بمراحلها المختلفة تبلغ قمتها عندما يقول الحق ذلك. وهكذا ~~نرى مراحل { عسى.. } [النساء: 84]. أن يقول قائل: عسى أن يفعل لك فلان ~~خيرا. هذه مرحلة أولى في الرجاء، وأن يقول قائل: عسى أن آتيك أنا بخير. ~~هذه مرحلة أقوى في الرجاء، فقد يحب الإنسان أن يأتي بالخير لكن قد تأتي ~~له ظروف تعوقه عن ذلك. وإن يقول قائل: عسى الله أن يفعل كذا، هذه مرحلة ~~أكثر قوة لأن الخير فيها منسوب إلى القوة العليا، لكن هذا الرجاء قد ~~يجيبه الله وقد لا يجيبه. والأقوى على الإطلاق هو أن يقول الله عن نفسه: ~~{ عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا.. } [النساء: ~~84] و { عسى.. } [النساء: 84] بالنسبة لله رجاء محقق لأنه إطماع من ~~الله عز وجل، والإطماع منه واجب تحققه لأنه - سبحانه - هو الذي يحثنا ~~ويدفعنا إلى الطمع في فضله لأنه كريم، وهو القائل سبحانه: { عسى ~~الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد ~~بأسا وأشد تنكيلا } [النساء: 84] لأن أصحاب البأس من الخلق هم ~~أهل أغيار، فالقوي منهم قد يضعف أو يصاب ببعض من الرعب فتخلخل عظامه. أما ~~واهب الفعل وواهب القوى لخلقه فهو القادر على أن يفعل فهو الأشد بأسا ~~وهو سبحانه أشد تنكيلا. وساعة يسمع الإنسان أي شيء من مادة " نكل " ~~فعليه أن يعرف أنها مأخوذة من " النكل " وهو القيد. وعندما يوقع الحاكم ~~- مثلا - العذاب على مرتكب لجريمة، والشخص الذي يرى هذا العذاب يخاف من ~~ارتكاب مثل هذه الجريمة، فكأن الحاكم قد قيدهم بالعذاب الذي أنزله بأول ~~مجرم أن يفعلوا مثل فعله. # ولذلك يقال على ألسنة الحكام: سأجعل من فلان نكالا. أي أن القائل ~~سيعذب فلانا، بحيث يكون عبرة لمن يراه فلا يرتكب جريمة مثلها أبدا خوفا ~~من أن تنزل به العقوبة التي نزلت ولحقت بمن فعل الجريمة. إذن فالتنكيل ~~والنكال والنكل كلها راجعة إلى القيد الذي يمنع إنسانا أن يتحرك نحو ~~الجريمة، أو قيد يمنع الإنسان أن يرجع إلى الجريمة التي فعلها أولا، ms1998 أو ~~أن هذا القيد وهو العذاب الذي عوقب به مرتكب الجريمة يكون ماثلا أمام ~~الناس يحذرهم من الوقوع فيها كي لا تنالهم عقوبتها ونكالها. إن الحق ~~سبحانه وتعالى حين خلق الخلق ووزع عليهم فضل المواهب فلا يوجد واحد قد ~~جمع كل المواهب لأن فكر الإنسان وطاقته وزمنه وظروفه شاء الله أن تختلف ~~وشاء سبحانه ألا يجعل الإنسان موهوبا في كل مجال، وحين يوزع الله على كل ~~عبد جزءا من المواهب ويعطي العبد الآخر جزءا آخر حتى يتكامل العباد ~~معا. فلو أن صاحب موهبة تجمعت لديه مواهب الآخرين لاستغنى كل إنسان عن ~~مواهب الآخرين، والله يريد منا مجتمعا متساندا متكافلا متكاملا، فما ~~أفقده أنا أجده عند غيري. فتجد بارعا في الهندسة وعندما يصاب هذا ~~المهندس البارع بألم فهو يطلب طبيبا، والطبيب الذي يريد بناء عيادة ~~يطلبها من المهندس. وكلاهما يطلب مشورة المحامي في كتابة العقود، وكل ~~هؤلاء في حاجة إلى من يقيم البناء، والذين يقيمون البناء من مهن متعددة ~~أخرى يحتاج بعضهم إلى بعض. إذن لا يوجد فرد واحد قادر على أن يقوم بكل ~~هذه العمليات بمفرده، ولو أن هناك واحدا يستطيع كل ذلك لما احتاج إلى ~~أحد، ولو حدث ذلك لكان التفكك في المجتمع. ولذلك جاء قول الحق: # ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا.. # [الزخرف: 32]. والناس حين تنظر لتفضيل الله لبعض الناس على بعض درجات ~~ينظرون إلى ذلك في مجال المال فقط، ونقول لمن يظن ذلك: - أنت مخطئ، فإن ~~فضلك الله في القوة والجسم فهذه رفعة، وإن فضلك في العلم فذلك رفعة ~~أيضا، وإن فضلك في الحلم فهذه رفعة، إن تفضيل الحق لك في أي مجال هو ~~رفعة لك، فأنت كعبد تكون مفضلا ومفضلا عليك. إذن فحين يقول الحق: # ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات.. # [الزخرف: 32]. قد يسأل إنسان: أي بعض مرفوع وأي بعض مرفوع عليه؟. ونقول: ~~كل واحد مرفوع بموهبته، وغيره مرفوع عليه بموهبته. ومن القصور أن ننظر ~~إلى التفضيل في مجال المال فقط، فلا يصح أن ms1999 ننظر إلى هذه الزاوية وحدها ~~ولكن لننظر من كل الزوايا. وعندما ننظر في الزوايا جميعها نجد الفرد ~~مرفوعا في شيء، ومرفوعا عليه في أشياء، وكل منا مسخر لغيره. # إذن فعندما خلق الله العباد جعل كلا منهم مسخرا للآخر، وما دام ~~الأمر كذلك، فيجب ألا يترك الفرد في البيئة الإيمانية فذا، بل على كل ~~ذي موهبة يفقدها غيره أن يمده بهذه الموهبة. فبعد أن كان فذا - أي فردا ~~- يصير شفعا. والشفع - كما نعلم - هو ضم شيء إلى مثله، فما ضم ~~إلى غيره ليصيرا زوجا فهو شفع بخلاف الوتر فإنه الواحد. فإذا كان ~~الواحد منا موهوبا فليضم موهبته للثاني، حتى يصبح الاثنان شفعا، ~~وبذلك ينطبق عليه قول الحق: { من يشفع شفاعة حسنة يكن ~~له نصيب... }. ### || [4.85] # وما هي الشفاعة الحسنة؟ الذين من الريف يعرفون مسألة " الشفعة " في ~~العرف. فيقال: فلان أخذ هذه الأرض بالشفعة. أي أنه بعد أن كان يملك قطعة ~~واحدة من الأرض، اشترى قطعة الأرض المجاورة لتنضم لأرضه، فبدلا من أن ~~تكون له أرض واحدة صارت له أرضان. وعندما يأتي واحد لشراء أرض ما، فالجار ~~صاحب الأرض المجاورة يقول: أنا أدخل بالشفعة، أي أنه الأولى بملكية ~~الأرض. إذن فمعنى يشفع، هو من يقوم بتعدية أثر الموهبة منه إلى غيره من ~~إخوانه المؤمنين ولهذا فإنه يكون له نصيب منها. فالشفاعة الحسنة هي ~~التوسط بالقول في وصول إنسان إلى منفعة دنيوية أو أخروية أو إلى الخلاص ~~من مضرة وتكون بلا مقابل. إذن فكل واحد عنده موهبة عليه أن يضم نفسه ~~لغير الموهوب، فبعد أن كان فردا في ذاته صار شفعا. ولذلك يقال: فلان ~~سيشفع لي عند فلان، أي أنه سيضم صوته لصوت المستعين به. والحق سبحانه ~~وتعالى فيما يرويه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله قال ~~لسيدنا داود: إن الرجل ليعمل العمل الواحد أحكمه به في الجنة. أي أن ~~رجلا واحدا يؤدي عملا ما، فيعطيه الله فضلا بأن يقوم بتوزيع الأماكن ~~على الأفراد في الجنة، وكأنه وكيل في الجنة، ms2000 أي أنه لا يأخذ منزلا له ~~فقط، ولكنه يتصرف في إعطاء المنازل أيضا، فتساءل داود: يا رب ومن ذلك؟ ~~قال سبحانه: مؤمن يسعى في حاجة أخيه يحب أن يقضيها قضيت أو لم تقض. قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيرا له من اعتكافه عشر سنين، ومن ~~اعتكف يوما ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق ~~أبعد مما بين الخافقين ". # ذلك لأن العبد الذي سعى في قضاء حاجة أخيه يكون قد أدى حق نعمة الله ~~فيما تفضل به عليه، ويكون من أثر ذلك أنه لا يسخط أو يحقد غير الواجد ~~للموهبة على ذي الموهبة. وبذلك فسبحانه يزيل الحقد من نفس غير الموهوب ~~على ذي الموهبة فغير الموهوب يقول: إن موهبة فلان تنفعني أنا كذلك، فيحب ~~بقاءها عنده ونماءها لديه. ويقول الحق: { من يشفع شفاعة ~~حسنة يكن له نصيب منها.. } [النساء: 85] ثم يأتي الحق ~~بالمقابل، فهو سبحانه لا يشرع للأخيار فقط، ولكنه يضع الترغيب للأخيار ~~ويضع الترهيب للأشرار، فيقول: " ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ". ~~ولنر المخالفة والفارق بين كلمة " النصيب " وكلمة " الكفل ". كلمة " ~~النصيب " تأتي بمعنى الخير كثيرا. فعندما يقول واحد: أنت لك في مالي ~~نصيب. # هذا القول يصلح لأي نسبة من المال. أما كلمة " كفل " فهي جزء على قدر ~~السيئة فقط. وهذا هو فضل من الله، فمن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وهذا ~~نصيب كبير. ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها. وهذه الآية قد جاءت بعد ~~تحريض الرسول للمؤمنين على القتال، أي أنك يا رسول الله مطالب بأن تضم ~~لك أناسا يقاتلون معك فتلك شفاعة حسنة سوف ينالون منها نصيبا كبيرا ~~وثوابا جزيلا. أما قول الحق: { ومن يشفع شفاعة سيئة ~~يكن له كفل منها.. } [النساء: 85] أي يكون له جزء منها، أي ~~يصيبه شؤم السيئة، أما الجزاء الكبير على الحسنة فيدفع إلى إشاعة مواهب ~~الناس لكل الناس. وما دامت مواهب الناس مشاعة لكل الناس فالمجتمع يكون ~~متساندا ms2001 لا متعاندا، ويصير الكل متعاونا صافي القلب، فساعة يرى واحد ~~النعمة عند أخيه يقول: " سيأتي يوم يسعى لي فيه خير هذه النعمة ". ولذلك ~~قلنا: إن الذي يحب أن تسرع إليه نعم غيره فليحب النعم عند أصحابها. فإنك ~~أيها المؤمن إن أحببت نعمة عند صاحبها جاءك خيرها وأنت جالس. وإذا ما ~~حرمت من آثار نعمة وهبها الله لغيرك عليك فراجع قلبك في مسألة حبك ~~للنعمة عنده، فقد تجد نفسك مصابا بشيء من الغيرة منها أو كارها للنعمة ~~عنده، فتصير النعمة وكأنها في غيرة على صاحبها، وتقول للكاره لها: " إنك ~~لن تقربني ولن تنال خيري ". ويختم الحق الآية: { وكان الله على ~~كل شيء مقيتا } [النساء: 85] جاء هذا القول بعد الشفاعة الحسنة ~~والشفاعة السيئة، وفي ذلك تنبيه لكل العباد: إياكم أن يظن أحدكم أن هناك ~~شيئا مهما صغر يفلت من حساب الله، فلا في الحسنة سيفلت شيء، ولا في ~~السيئة سيضيع شيء. وأخذت كلمة " مقيتا " من العلماء أبحاثا مستفيضة. ~~فعالم قال في معناها: إن الحق شهيد، وقال آخر: " إن الحق حسيب " ، وقال ~~ثالث: إن " مقيتا " معناها " مانح القوت " ورابع قال: " إنه حفيظ " ~~وخامس قال: " إنه رقيب ". ونقول لهم جميعا: لا داعي للخلاف في هذه ~~المسألة، فهناك فرق بين تفسير اللفظ بلازم من لوازمه وقد تتعدد اللوازم، ~~فكل معنى من هذه المعاني قد يكون صحيحا، ولكن المعنى الجامع هو الذي ~~يكون من مادة الكلمة ذاتها. و " مقيت " من " قاته " أي أعطاه القوت، ~~ولماذا يعطيهم القوت؟ ليحافظ على حياتهم، فهو مقيت بمعنى أنه يعطيهم ما ~~يحفظ حياتهم، ومعناها أيضا: المحافظ عليهم فهو الحفيظ. وبما أنه سبحانه ~~يعطي القوت ليظل الإنسان حيا، فهو مشاهد له فلا يغيب المخلوق عن خالقه ~~لحظة، وبما أنه يعطي القوت للإنسان على قدر حاجته فهو حسيب. # وبما أنه يرقب سلوك الإنسان فهو يجازيه. إذن كل هذه المعاني متداخلة ~~ومتلازمة لذلك لا نقول اختلف العلماء في هذا المعنى، ولكن لنقل إن كل ~~عالم لاحظ ملحظا في الكلمة، فالذي لاحظ القوت الأصلي على ms2002 صواب، فلا يعطي ~~القوت الأصلي إلا المراقب لعباده دائما، فهو شهيد، ولا يعطي أحدا قوتا ~~إلا إذا كان قائما على شأنه فهو حسيب. وسبحانه لا يقيت الإنسان فقط ~~ولكن يقيت كل خلقه، فهو يقيت الحيوان ويلهمه أن يأكل صنفا معينا من ~~الطعام ولا يأكل الصنف الآخر. إننا إذا رأينا العلماء ينظرون إلى " مقيت ~~" من زوايا مختلفة فهم جميعا على صواب، سواء من جعلها من القوت أو من ~~الحفظ أو من القدرة أو من المشاهدة أو من الحساب، وكل واحد إنما نظر إلى ~~لازم كلمة " مقيت " وسبحانه يقيت كل شيء، فهو يقيت الإنسان والحيوان ~~والجماد والنبات. ونجد علماء النبات يشرحون ذلك فنحن نزرع النبات، وتمتص ~~جذور النبات العناصر الغذائية من الأرض، وقبل أن يصبح للنبات جذور، فهو ~~يأخذ غذاءه من فلقتي الحبة التي تضم الغذاء إلى أن ينبت لها جذر، وبعد أن ~~يكبر جذر النبات فالفلقتان تصيران إلى ورقتين، وسبحانه على كل شيء مقيت، ~~ويقول العلماء من بعد ذلك: إن الغذاء قد امتصه النبات بخاصية الأنابيب ~~الشعرية. أي أن النبات يمتص الغذاء من التربة بواسطة الجذور الرفيعة التي ~~تمتص الماء المذاب فيه عناصر الغذاء. وفتحة الأنبوبة في الأنابيب الشعرية ~~لا تسع إلا مقدار الشعرة، وعندما توضع في الإناء فالسائل يصعد فيها ~~ويرتفع الماء عن مستوى الحوض، وعندما تتوازى ضغوط الهواء على مستويات ~~الماء فالماء لا يصعد. ومثال ذلك: عندما نأتي بماء ملون ونضعه في إناء، ~~ونضع في الإناء الأنابيب الشعرية، فالسائل الملون يصعد إلى الأنابيب ~~الشعرية، ولا تأخذ أنبوبة مادة من السائل، وتترك مادة بل كل الأنابيب ~~تأخذ المادة نفسها. لكن شعيرات النبات تأخذ من الأرض الشيء الصالح لها ~~وتترك الشيء غير الصالح. وهو ما يقول عنه علماء النبات " ذلك هو الانتخاب ~~الطبيعي ". ومعنى الانتخاب هو الاختيار، والاختيار يقتضي عقلا يفكر ~~ويرجح، والنبات لا عقل له، ولذلك كان يجب أن يقولوا إنه " الانتخاب ~~الإلهي " ، فالطبيعة لا عقل لها ولكن يديرها حكيم له مطلق العلم والحكمة ~~والقيومية. وسبحانه يقول عن ذلك: # يسقى ms2003 بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون # [الرعد: 4]. فالفلفل يأخذ المادة المناسبة للحريفية، والقصب يأخذ المادة ~~التي تصنع حلاوته، والرمان يأخذ المادة الحمضية. هذا هو الانتخاب الإلهي. ~~{ وكان الله على كل شيء مقيتا } [النساء: 85] وساعة ~~تسمع { كان الله. # . } [النساء: 85] فإياك أن تتصور أن ل " كان " هنا ملحظا في الزمن، ~~فعندما نقول بالنسبة للبشر " كان زيد غنيا " فزيد من الأغيار وقد يذهب ~~ثراؤه. لكن عندما نقول { كان الله.. } [النساء: 85] فإننا نقول: " ~~كان الله ومازال " ، لأن الذي كان ويتغير هو من تدركه الأغيار. وسبحانه ~~هو الذي يغير ولا يتغير، وموجود منذ الأزل وإلى الأبد. وحين ~~أوضح لنا سبحانه الشفاعة وأمرنا أن يعدي الواحد منا مواهبه إلى غيره فذلك ~~حتى تتساند قدرات المجتمع لأنه يربب الفائد للعبد المؤمن ويرببها للجميع. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن... }. ### || [4.86] # الحق هنا يريد أن يربب معنى الحياة. فما معنى: { حييتم.. } [النساء: ~~86]؟ الكلام السطحي الأولي فيها: إذا حياك واحد وقال لك: " السلام عليكم ~~" أن ترد السلام. وكان العرب قديما يقولون: حياك الله. وبعد أن جاء ~~الإسلام جعل التحية في اللقاء هي السلام: # تحيتهم يوم يلقونه سلام.. # [الأحزاب: 44]. أو كما قال الحق في موقع آخر: # فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله.. # [النور: 61]. ولنفهم معنى كلمة " حياك ". مادة الكلمة هي " الحاء " ، و ~~" الياءان " ، ومنها كلمة " حياة " ، التي منها حياتنا. والحياة إذا ~~نظرنا إليها قد تأخذ معنى سطحيا عند الناس وهو ما نشأ عنه الحس الحركي ~~وهي أول ظاهرة فينا، وبعد ذلك في الحيوان، وإن ارتقيت في الفهم تجد أن ~~كلمة " الحياة " تنتظم كل أجناس الوجود حتى الجماد، لكن الإنسان لا يتعرف ~~إلى الحياة إلا في المظهر الحسي والحركي، ولكن لكل كائن حياة تناسبه. ~~وعندما كانوا يعلموننا في المدارس علم المغناطيسية كنا نرى تجربة ~~المغناطيس ونأتي بقضيب مغناطيسي، ثم نأتي ببرادة الحديد، ونسير به في ~~اتجاه واحد وذلك حتى نرتب الجزئيات ترتيبا يتناسب مع اتجاه المغناطيسية ~~في القضيب الحديدي. ms2004 هذا القضيب الذي نراه مادة جامدة في نظرنا، ولكن توجد ~~فيها ذرات دون إدراك الإنسان تتكيف بحركة خاصة بها، ويعاد ترتيب السالب ~~منها والموجب ولا توجد قدرة عند المشاهد لها كي يدرك حركتها. وحتى يقربها ~~المدرسون إلى ذهن التلاميذ، جاءوا بأنبوبة زجاجية ووضعوا فيها برادة ~~الحديد وجاءوا بالقضيب الممغنط ومرروه بجانب البرادة، فرأى التلاميذ ~~البرادة وهي تتقافز إلى أن تستقر، وهنا يتعلم التلاميذ أن برادة الحديد ~~غير الممغنطة عندما يمر عليها القضيب الممغنط في اتجاه واحد فذراتها ~~تترتب على أساس واضح، حتى تصير ممغنطة. وهذا دليل الحس فقد انقلبت ~~السوالب في جهة والموجبات في جهة، فالقضيب المغناطيسي له حركة ولكننا لا ~~ندرك حسه ولا حركته لأننا لا نملك المقاييس اللازمة لذلك. ومثال آخر: ~~لنفترض أننا نتحرك وجاءت طائرة من أعلانا والتقطت صورة لنا. وعندما ~~يأخذون الصورة من قريب، فهم يرون الحركة، لكن كلما ابتعدت الطائرة فنحن ~~لا نرى الحركة حتى تصير نقطة بعيدة وكأنها ثابتة. وهي ليست ثابتة، وإنما ~~هي متحركة بصورة دقيقة جدا لدرجة أنها لا تدرك. فكل شيء - إذن فيه حياة ~~خاصة تناسبه، وكل شيء له الحس والحركة الخاصة به. وعندما نأتي للقرآن، ~~نرى كيف عالج هذه القضية فيقول: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88]. استثنى القول وجه الله. أي ذاته، فكل شيء ما عداه هالك. # ومعنى # هالك.. # [القصص: 88] أي ليس فيه حياة، وما دام كل شيء يهلك فهذا دليل أن في كل ~~شيء حياة، حتى يأتي الإذن من الحق أن تذهب الحياة من كل شيء إلا وجهه ~~سبحانه، وقد يتساءل إنسان ومن الذي قال: إن كلمة " هالك " تعني ليس فيه ~~حياة؟ نقول: إن القرآن حين يتعرض لقضية لا يقسم العلوم إلى أبواب ولكنه ~~يضع في كل آية جزئية تشرح لنا ما خفي علينا في جزئية أخرى كي نفهم القرآن ~~متكامل، فيقول الحق: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة.. # [الأنفال: 42]. فيكون الهلاك ضد الحياة. ونحن إذا ما نظرنا إلى الصناعات ~~التي نصنعها، وليكن البلاستيك ms2005 مثلا، إننا نصنع منه أواني للغسيل أو ~~لخلافه، وأول ما نشتريه للاستعمال نجده زاهي اللون، وبعد استعماله لفترة ~~يزول عنه البريق ويصبح شاحب اللون، فما الذي حدث له؟. لقد تغير. ما الذي ~~أحدث التغيير؟. يقال: الاستعمال وأشعة الشمس وغير ذلك. إذن ففيه حس لأنه ~~تأثر وحركة لأنه تغير، وكذلك الأحجار الكريمة والمرمر والرخام وغيرها ~~يقدرون عمرها بمئات السنين وأحيانا بآلاف السنين، وكلما طال عمرها تغير ~~لونها من الحياة والتفاعلات. وعندما نمسك ورقة ونضعها تحت المجهر فإننا ~~نرى عددا هائلا من الغرف الصغيرة، ولا حصر لهذه الغرف، ويقول المؤمن: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. فكل شيء في الوجود له حياة تناسبه، إذ استقريتها ~~وتتبعتها بدقة واستطعت أن توجد الآلات التي تستنبط والتي تساعد على ~~الإدراك فإنك ترى الحركة وتشاهدها بالحس. إلا أن الحياة بالنسبة لأرقى ~~الأجناس - وهو الإنسان - المنتفع بكل كائن حي في الكون، هذه حياة تنتهي ~~في ميعاد مجهول بالنسبة للإنسان معلوم بالنسبة لله. وأراد الله أن يكلفه ~~تكليفا إن استمع إليه ونفذه فهو سبحانه يعطيه حياة لا تنتهي. وعندما ~~نقيس الحياة التي لا تنتهي فالحياة التي تنتهي، فأي منهما جديرة بأن تسمى ~~حياة؟ إنها الحياة الأخرى التي لا تنتهي، ولذلك يقول الحق: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. هذه هي الحياة الحقة، وإلا فما قيمة هذه الحياة الدنيا ~~التي تهددك فيها الآفات والآلام والاضطرابات والأسقام والأمراض، وبعد ذلك ~~تنتهي، فيوضح الحق: خذ حياة لا مقطوعة ولا ممنوعة، فهذه هي الحياة حقا، ~~ولذلك فالحق عندما تعرض لهذه المسألة أوضح: إياكم أن تعتقدوا أن هذه ~~الحياة الدنيا هي التي أريدها لكم، أنا أريد لكم حياة أخلد من هذه، ولذلك ~~قال: # استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24]. هو يخاطبهم إذن فهم أحياء بالقانون المتعارف عليه، وأنهم ~~إن لم يستجيبوا إلى ما دعاهم إليه الحق والرسول لن يأخذوا لونا أرقى من ~~الحياة، وهي حياة لا تهددها الآفات ولا الأثقال ولا الأمراض ولا الفناء، ~~إنها الحياة الحقة، ولذلك يسميها ms2006 الحق " الروح " لأنها تحرك الجسم ~~وتعطيه حياة وإن كانت تنتهي فيقول: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي.. # [ص: 72]. هذه أولى مراحل الحياة الممنوحة للمؤمن والكافر. ويسمي سبحانه ~~الحياة الأكبر منها والتي لا تنتهي يسميها الحق روحا أيضا: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا.. # [الشورى: 52]. وهذه هي التي سوف تعطي الحياة الأرقى. الأولى اسمها " روح ~~" تعطي حياة فانية. والثانية هي " روح " أيضا، إنها ما أوحى الله به، ~~لأن الناس إذا عملوا به يحيون حياة دائمة خالية من الشقاء والكدر. إذن ~~فقوله: # إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24] هي دعوة إلى الحياة الخالدة، والحياة الأبدية السعيدة في ~~الآخرة مرهونة بأن يلتزم الإنسان منهج الله في حياته، وإن كانت منتهية. ~~والحياة الدنيا يرى الإنسان فيها الأغيار والأسقام والمهيجات، فإذا جاء ~~له من يطمئنه ومن ينفي عنه القلق والخوف فكأنه يحسن حياته. وكلمة " حياك ~~الله " أو " السلام عليكم " تعني: " كن آمنا مطمئنا " وإلا فما قيمة ~~الحياة بدون أمن واطمئنان؟. إذن فكلمة " حياك الله " أو " السلام عليكم " ~~أي الأمان والاطمئنان لك. فأنت لا تعرف هل يجيء القادم إليك بخير أو بشر، ~~لكن ساعة يقول: السلام عليكم، فقد يجعل بهذه التحية الأمان في قلب ~~المتلقى به ويشعر بقيمة حياته. إذن فقوله الحق: { وإذا حييتم ~~بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ.. } [النساء: ~~86] يعني: إذا رببتم حياتكم بالتحية التي هي السلام والتي تضمن الأمن ~~والاطمئنان عليكم رد التحية. فكلمة " تحية " إعطاء لقيمة الحياة، وكذلك ~~كلمة " حيوا " أي أعط من أمامك شيئا من الحياة المستقرة الآمنة ~~المطمئنة. فالحياة بدون أمن وبدون اطمئنان، كلا حياة. والشاعر العربي ~~يقول: # ليس من مات فاستراح بميت # إنما الميت ميت الأحياء # فقول الحق: { وإذا حييتم.. } [النساء: 86] أي أنه إذا رببتم ~~حياتكم وبوركتم بالأمن وبالسلام { فحيوا بأحسن منهآ أو ~~ردوهآ.. } [النساء: 86] أي عليكم أن تردوها إما بالتحية مثلها وإما ~~بأفضل منها. والعلماء عندما جاءوا ليتكلموا عن هذا، قصروا المسألة على ~~تحيات اللقاء. فمن قال لك: السلام عليكم، فقل له: وعليكم السلام ورحمة ~~الله. أي أنك تزيد ms2007 عليه. عن سلمان الفارسي قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول ~~الله، فقال: وعليك السلام ورحمة الله، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا ~~رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك ~~السلام ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ~~ورحمة الله وبركاته، فقال له: وعليك: فقال له الرجل: يا رسول الله - بأبي ~~أنت وأمي - أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت علي، ~~فقال: إنك لم تدع لنا شيئا قال الله تعالى: " وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منها أو ردوها " " فرددناها عليك " ". # وعندما تكلم العلماء في مسألة السلام، صنفوا لها فقالوا: الماشي يسلم ~~على القاعد. والراكب يسلم على الماشي، والصغير يسلم على الكبير. والمبصر ~~يسلم على الكفيف. والقليل يسلم على الكثير. وكل خطاب موجه للمؤمنين ينتظم ~~ويشمل ذكورهم وإناثهم إلا أن يكون الحكم مما يخص النساء. وهنا يقول الحق: ~~{ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ~~ردوهآ.. } [النساء: 86] أللنساء تحية؟ نعم، لهن تحية، المرأة تحيي ~~المرأة، والمرأة تحيي زوجها، والمرأة تحيي محارمها، والمرأة العجوز التي ~~لا إربة فيها تبدأ التحية وتردها، أما المرأة الشابة فهي لا تبدأ أحدا ~~بالسلام ولا ترد السلام. لا تبدأ بالسلام إلا إذا كان معها مثلها لأنهم ~~يقولون: المرأة على المرأة عين أكثر من ألف رجل، أي أن المرأة تحرس ~~المرأة أكثر من ألف رجل، فعندما تكون معها مثيلتها تحفظها، ولذلك يقال: ~~إن المرأة إن بدأت بالسلام أو ردت السلام فذلك حرام، وإذا بدأها واحد ~~بالسلام أو رد عليها السلام فذلك مكروه. لماذا؟ لأن بدءها له إثارة، ~~ولكنه إذا بدأ هو بالسلام فليس ضروريا أن تستجيب. فإن كان معها أحد أو ~~جماعة تؤمن عليها فلا حرج من أن ترد السلام. وقالوا: وإذا كان الذي يلقى ~~السلام ويبدأه به من غير مؤمن؟ النبي عليه الصلاة والسلام أوضح أنهم ~~يلوون في الكلام، فإذا قالوا لكم: " السلام " فقولوا: وعليكم. ms2008 وذلك يعني ~~إن قالوها كلمة طيبة لها معنى طيب فأهلا بها وعليهم مثلها، وإن كانت ~~كلمة خبيثة كقولهم: " السام عليكم " فقولوا: " وعليكم " لأن السام معناها ~~الموت، فلكيلا يستهزئوا بكم، قولوا: وعليكم. وبعض العلماء قال المقصود ب ~~" فحيوا بأحسن منها " أي بالنسبة للمؤمن، و " ردوها " بالنسبة للكافر. ~~لكن أتلك هي التحية فقط؟. إذا كان الذي حياك بقول وأمنك بقول، فكيف لا ~~تحذر من يؤمن بالقول نفاقا، يظهر لك الأمن ثم يقول: السلام عليكم، ومعه ~~الضر؟. كما أن الحق علمنا أن نرد التحية بمثلها لأن نقل القضايا من قولية ~~إلى فعلية هي المحك والأساس، فإذا حياك إنسان بخير عنده فعلى المسلم أن ~~يقدم التحية بخير منها، وإن لم يستطع فليرد على الأقل بمثلها، وعندما يرد ~~الإنسان بمثلها يصبح التكارم بين الناس إن لم يزد فهو لم ينقص، ويكون ~~الخير متناميا، فإذا قدم إنسان خيرا لإنسان آخر، ورد عليه بعمل أفضل ~~منه، ففي ذلك نماء للخير، وإن لم يستطع فليرد بمثل العمل وبذلك لا ينقص ~~من خيره، فيكون خير كل إنسان محجوزا على نفسه لأنه ما دام سيعطي التحية ~~ويأخذ على قدر ما يعطي، فكأنه لم ينقص من خيره شيئا. # والحق سبحانه وتعالى حين يسخى النفوس في أن تعطي أكثر مما حييت به، ~~فهذا يبين أن المؤمن في البيئة الإيمانية إنما يتكاثر خيره، لأنه كلما ~~فعل خصلة خير فهي تعود عليه بالخير. ولذلك فهناك أناس كثيرون إذا أرادت ~~خيرا من أحد، أعطته خيرا يناسب قدرها، ليعطي هو خيرا يناسب قدره، وهذه ~~تحدث كثيرا خصوصا مع الملوك، ومثال ذلك: كان المواطن السعودي يقول ~~للملك عبد العزيز آل سعود: أريد أن تشرب القهوة عندي، ويذهب الملك عبد ~~العزيز آل سعود ليشرب القهوة، ويؤدي لصاحب الدعوة خدمة تعادل القهوة ~~مليون مرة، فكل من يحيي الملك يرد عليه التحية بأكثر منها. إذن فقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منهآ أو ردوهآ.. } [النساء: 86] وجاءت كلمة { أو ~~ردوهآ.. } [النساء: 86] من أجل أن يطمئن من قدم تحية ms2009 أنه سيجد رد ~~تحيته أو أكثر منها. والحق سبحانه وتعالى عندما يرى خلقه المؤمنين به ~~يتكارمون، فهو يضعها في الحساب لذلك يقول سبحانه: { إن الله كان ~~على كل شيء حسيبا } [النساء: 86] فالحساب لا ينتهي عند أن ~~يرد المؤمن التحية أو يؤدي خيرا منها، ولكن هناك جزاء أعلى وأفضل عند ~~مليك مقتدر. وفي تناولنا لمسألة التحية علمنا أن كلمة التحية وهي " ~~السلام عليكم " معناها أمان واطمئنان، والأمان والاطمئنان كلاهما يعطي ~~الحياة بهجة، فالحياة بدون أمن أو اطمئنان ليس لها قيمة. فكأن إشاعة ~~السلام بقولنا: " السلام عليكم " أو " السلام عليكم ورحمة الله " أو " ~~السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " تجعل المجتمع مجتمعا صفائيا، وما ~~دام المجتمع كله مجتمعا صفائيا، فخير أي واحد يكون عند الآخر. ويتعدى ذلك ~~إلى أن يطلب المؤمن خير الله لأخيه المؤمن. إن الإنسان حين يصعد التحية ~~بعد قوله: السلام عليكم " بإضافة " ورحمة الله وبركاته " فهو يربط النفس ~~البشرية برباط إيماني بالحق سبحانه وتعالى. وبذلك تتذكر وتعي أن الخلق ~~عيال الله، وسبحانه يحب أن يكون خلقه منسجمين بالعلاقات الطيبة فيما ~~بينهم، وعندما يكون الخلق على علاقة طيبة بعضهم من بعض فسبحانه يعطيهم من ~~خيره أكثر وأكثر. { وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن ~~منهآ أو ردوهآ إن الله كان على كل شيء ~~حسيبا } [النساء: 86] ومن الطبيعي أن نفهم أن رد التحية يعني أن نقول: ~~تحية مثل التي قالها لنا، فالرد ليس مقصودا به أن نرد التحية نفسها، ~~ولكننا نقول مثلها. فالضمير مبهم ويوضحه مرجعه. مثال ذلك أن تقول: " لقيت ~~رجلا فأكرمته " هنا الضمير مبهم ويوضحه مرجعه، مثال آخر " تصدقت بدرهم ~~ونصفه " فهل معنى ذلك أنني تصدقت بدرهم ثم استرددته وقسمته قسمين وتصدقت ~~بنصفه؟ لا، إن معنى ذلك هو أنني تصدقت بدرهم، ونصف مثل الدرهم، فإذا قال ~~الحق: " فحيوا بأحسن منها أو ردوها " أي ردوا التحية بأفضل منها أو بمثل ~~التي تتلقاها، فإذا ما قيل: " السلام عليكم " فقل " وعليكم السلام ". # والحق سبحانه وتعالى يبلغ المؤمنين: لا تظنوا أيها المؤمنون أني بخلقي ~~لكم وإعطائي ms2010 لكم حرية الاختيار في الإيمان أو في الفعل أو في الترك إياكم ~~أن تظنوا أني لا أحاسبكم بل سأجازيكم بالثواب على الطاعة وبالعقاب على ~~المعصية، فحين آمركم بفعل، فمعناه أنني خلقتكم صالحين أن تفعلوا، وحين ~~أنهاكم عن فعل فمعناه أنني خلقتكم صالحين ألا تفعلوا. إذن فعندما يأتي ~~أمر فمعنى هذا أن الذي خلقني علم أزلا بصلاحيتي لتنفيذ هذا الفعل أو عدم ~~تنفيذه أي صلاحيتي أن أطيع وأن أعصى، إذن فهناك فعل يقول الحق للعبد فيه: ~~" افعله " ، وفعل يقول له فيه: " لا تفعله " ، والمخالفات والمعاصي إنما ~~تنشأ من نقل " افعل " في مجال " لا تفعل " ، ومن نقل " لا تفعل " في مجال ~~" افعل " ، هذا هو معنى المعصية. والحازم لا يأخذ الاختيار الممنوح له ~~ليحقق شهواته بوساطة هذا الاختيار، بل لا بد أن يضع بجانب الاختيار أنه ~~مردود إلى من أعطاه الاختيار. وحين تعلم أيها العبد أنك مردود وراجع ~~ومصيرك إلى من أعطاك الاختيار وأنه سوف يجازيك، فإنك لن تنقل أمرا من ~~مجال " لا تفعل " إلى مجال " افعل " أو من مجال افعل إلى مجال لا تفعل. ~~فلو أخذت الاختيار لتريح نفسك لحظة وهي فانية، فكيف تتعب نفسك في ~~الباقية؟ فإن أردت أن تكون حازما وعاقلا فلا تفعل ذلك فالمؤمن يمتلك ~~الكياسة والفطنة فلا يقدم على مثل هذا. وبعد ذلك يقول سبحانه: { ~~الله لا إله إلا هو ليجمعنكم... }. ### || [4.87] # وهذا يعني: أنه لا يوجد إله آخر سيأتي ليتدخل وينهى المسائل من خلف ظهر ~~الخالق الأعلى سبحانه: { الله لا إله إلا هو.. } [النساء: ~~87] فليس هناك إله سواي، لا تشريع يرسم صلاح البشر إلا تشريعي وسترجعون ~~إلي، وليس هناك واحد يقول: " افعل " " ولا تفعل " ، والآخر يقول بالعكس، ~~إنه إله واحد، والأمر منه ب " افعل " هو الأمر الوحيد الصالح للإنسان. ~~والنهي منه ب " لا تفعل " هو النهي الوحيد الذي يجب على العاقل أن ~~يتجنبه، ولذلك تجده يقول: # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم ~~* ولا أنتم عابدون مآ ms2011 أعبد * لكم دينكم ولي ~~دين # [الكافرون: 1-6]. إنه سبحانه يوضح: ليس هناك مضارة بين دينين، دين ~~للكافرين، ودين للمؤمنين، لا، بل هو دين ومنهج واحد صالح للإنسان هو منهج ~~التوحيد جاءت به الرسل جميعا وختم بالإسلام الذي لا دين بعده، ولذلك جاء ~~بعدها مباشرة: # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1]. ويأتي بعد ذلك بسورة المسد: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد # [المسد: 1-5]. أما كان أبو لهب يقدر أن يقول بعدها: أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله؟ كان يقدر، ولو قالها لشكك في هذه الآية، ~~ولقالوا: إنه لن يصلى نارا ذات لهب. إن هذا الأمر كان له فيه اختيار، ~~ولم يوفقه الله إلى أن يقولها ولو نفاقا، لماذا؟ لأن الحق قال بعد هذه ~~الآية مباشرة: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. أي فليس إله آخر يرد أمره سبحانه وتعالى: { الله لا ~~إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة.. } ~~[النساء: 87]. وكلمة " يجمع " تعني أنه يخرجنا مع بعضنا من قبورنا ~~جميعا، ويحشرنا جميعا أمامه، وقد تعني { ليجمعنكم.. } ~~[النساء: 87] أي ليحشرنكم من قبوركم لتلقي جزاء يوم القيامة. لماذا جاء ~~هذا القول؟ جاء لكي يتفحصه العاقل، فلا يأخذ انفلات نفسه من منهج الله ~~إلا بملاحظة الجزاء على الانفلات من المنهج، فلو أخذ نفسه منفلتا عن ~~منهج الله بدون أن يقدر الجزاء لكان أحمق وأخرق. ولذلك قلنا: إن الذين ~~يسرفون على أنفسهم في المعصية لا يستحضرون أمام عيونهم الجزاء على ~~المعصية. ولذلك يقولون: كل الجرائم إنما تتم في غفلة صاحبها عن الجزاء ~~فالمجرم يرتكب جريمته وهو مقدر السلامة لنفسه، والسارق يذهب إلى السرقة ~~وهو مقدر السلامة، لكن لو وضع في ذهنه أنه من الممكن أن يتم القبض عليه ~~لما فعلها أبدا. # والحق سبحانه وتعالى يوضح: إياك يا من تريد - بالاختيار الذي أعطيته ~~لك - الانحراف عن منهجي ألا تقدر الجزاء على هذه المخالفة. بل عليك أن ms2012 ~~تأخذها قضية واضحة، واسأل كم ستعطيك المعصية من نفع وكم سيعطيك الله من ~~خير على الطاعة، وضع الاثنين في كفتي ميزان فالذي يعطيك الخير الأبقى ~~افعله، وابتعد عما لا يعطيك الخير بل إنه يوقعك في الشقاء والشر. { ~~الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة.. } [النساء: 87] ويوم القيامة هو اليوم الذي قال فيه الحق: # يوم يقوم الناس لرب العالمين # [المطففين: 6]. ولماذا يوم القيامة؟ لأن آخر مظهر من مظاهر دنيا الناس ~~أنهم حين يموتون ينامون، وهذا ما نراه، وبعد ذلك ندخله إلى القبر ولا ~~نعرف كيف يأتي قائما من نومه إلا بقول الحق: { ليجمعنكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه.. } [النساء: 87]. أي يجب أن يكون ~~الإيمان بيوم القيامة لا شك فيه لأنك لو قدرت أن العالم الذي خلقه الله ~~مختارا، إن شاء فعل الخير وإن شاء فعل الشر، وهو - سبحانه - زود العباد ~~بالمنهج، وجعل لهم الاختيار، وأنه - سبحانه - هو القادر على الجمع يوم ~~القيامة لو قدرت هذا لالتزمت بما طلبه الله منك. ونضرب هذا المثل لا ~~للتشبيه، ولكن للتقريب - ولله المثل الأعلى - الوالد يعطي ابنه جنيها ~~ويقول له: اشتر ما تريد، ولكن لاحظ أنك إن اشتريت شيئا مفيدا فسأكافئك، ~~وإن اشتريت شيئا فاسدا كأوراق اللعب أو غيرها فسأعاقبك. ساعة أعطى ~~الوالد ابنه القوة الشرائية وقال له: انزل اشتر ما تريد، والابن ساعة ~~اشترى أوراق اللعب. هل هذا الشراء قد تم قهرا عن أبيه؟ لا لأن الأب هو ~~من أعطاه الاختيار، لكن الابن فعل فعلا غير محبوب لأبيه. فما بالنا ~~بالعبد عندما يعطيه الحق الاختيار؟ ولو أراد الله الناس جميعا على ~~هداية لجعلهم كالملائكة، ولما جرؤ ولا قدر أحد أن يفعل معصية. ~~فالعاصي عندما يرتكب المعصية إنما يفعلها لأن الله خلق له الاختيار. ~~ولذلك فعندما يقول واحد: كل فعل من الله، هو صادق. ولماذا يتعذب مرتكب ~~المعصية مع أنه يوجه آلة الاختيار إلى ما تصلح له؟ ونقول إنه وجهها ~~مخالفا لأمر الله، فالسكين للذبح، إن ذبحت بها دجاجة لما استحق الذابح ms2013 ~~على ذلك عقابا، لكن لو ذبحنا بها إنسانا لوقعنا في محظور يشبهه الحق ~~بقتل الناس جميعا. فالذي جاء بالسكين إلى المنزل هل نقول له: " أنت أتيت ~~بأداة الجريمة "؟ لا لأنه جاء بأداة صالحة لأن تكون أداة لذبح ما يحل ~~ذبحه أو أداة لجريمة. إذن فحتى المختار لم يفعل اختياره إلا من باطن أن ~~الله خلقه مختارا. # لكن هل ألزمه الحق سبحانه وتعالى يفعل المعصية؟ لا، فسبحانه أوضح لك: ~~هذا لا أحبه، وهذا أحبه. واختيارك له مجال، ولك أن تختار الشيء الذي يأتي ~~بالنفع ولا يأتي بالضرر أو أن تختار عكس ذلك. { الله لا إله ~~إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب ~~فيه.. } [النساء: 87] هذا خبر من الله. والكلام الخبري عندنا يحتمل ~~الصدق والكذب لذاته، لكن لأن الخبر من الله فهو صادق. أما الكلام في ذاته ~~فيحتمل الصدق ويحتمل الكذب، ولذلك يذيل الحق الآية بما يلي: { ومن ~~أصدق من الله حديثا } [النساء: 87] وهل الصدق فيه تفاضل؟. ~~ليس في الصدق تفاضل، فمعنى الصدق مطابقة الكلام للواقع، فالإنسان قبل أن ~~يتكلم وهو عاقل، يدير المسألة التي يريد الكلام فيها ليعمل العقل فيها، ~~وبعد هذا ينطق بالكلام. إذن ففي الكلام نسبة ذهنية، ونسبة كلامية، ونسبة ~~واقعية، فعندما يقول واحد: " زيد مجتهد " هو قبل أن يقول ذلك جاء في ذهنه ~~أنه مجتهد، وهذه هي " النسبة الذهنية " ، وعندما ينطقها صاحبها تكون " ~~نسبة كلامية " ، ولكن هل صحيح أن هناك واحدا اسمه " زيد " وأنه مجتهد؟. ~~إن طابقت النسبة الواقعية كلا من النسبة الذهنية والنسبة الكلامية ~~يكون الكلام صادقا. وإن لم يكن هناك أحد اسمه زيد ولا هو " مجتهد " لا ~~تتطابق النسبة الخارجية الواقعية مع النسبتين " الذهنية والكلامية " ~~فيكون الكلام كذبا. فالصدق يقتضي أن تتطابق النسبة الكلامية مع الواقع، ~~أي مع النسبة الخارجية الحاصلة. ولماذا يكذب الكذاب إذن؟. ليحقق لنفسه ~~نفعا يفوته ولا يحققه الصدق في نظره أو يدفع عنه ضرا. مثال ذلك: ~~يكسر الابن شيئا في المنزل كمنضدة. فالأب يقول لابنه: هل كسرت هذه ~~المنضدة؟. وينكر الابن: ms2014 لا لم أكسرها. هو يريد أن يحقق لنفسه نفعا أو ~~يدفع عنها ضررا وهو الإفلات من العقاب، لأنه يعلم أن الصدق قد يسبب له ~~عقابا. ولا يحمله على الكذب إلا تفويت مضرة قد تصيبه من الصدق فيلجأ إلى ~~الكذب. ويقول كلاما يخالف الواقع. إذن هو يريد أن يحقق لنفسه نفعا أو ~~يدفع عن نفسه ضررا. والذي ينفع الإنسان لا بد أن يكون أقوى منه، وكذلك ~~الذي يضره. لكن بالنسبة لله لا يوجد من يسبب له سبحانه نفعا ولا ضرا. ~~إذن فإذا قال الله فقوله الصدق لأن الأسباب التي تدفع إلى الكذب هو - ~~سبحانه - منزه عنها. وإذا كان الحق يعطينا الكلام الذي يوضح لنا واقع ~~الحياة ويعطينا الكلام الذي لا يدخل في واقع حياتنا ويصف لنا الغيب الذي ~~لا يدخل في نطاق ما نراه، إذن فهو يكلمنا كثيرا. فقوله الحق: { ومن ~~أصدق من الله حديثا } [النساء: 87] مؤكد بالنسبة لنا. # وأفعل التفضيل هنا لا تأتي للتمييز بين كلام صادق وكلام أصدق، ولكن ~~لنعرف أن كلام الله لنا كثير. فالتكثير هنا إنما يجيء من ناحية كثرة ~~الكلام، لا من ناحية أن هناك كلاما صادقا وكلاما أصدق. والتفاوت قد ~~يوجد في الصدق أيضا، كيف؟. لنفرض أن إنسانا رأي حادثة يقتل فيها إنسان ~~إنسانا آخر، فيشهد الشاهد بأنه رأى الدم ينزف من القتيل إثر التحام ~~القاتل به، ولكن هناك شاهد آخر يروي كل التفاصيل التي بدأت من قبل ~~المشاجرة بين القاتل والقتيل إلى أن صار هناك قاتل وقتيل. وهكذا نجد أن ~~الشاهد الثاني أشمل في الصدق من الشاهد الأول، صحيح أن الشاهد الأول قال ~~شهادة صادقة، لكن شهادة الشاهد الثاني أشمل في القضية نفسها. إذن فقوله ~~الحق: { ومن أصدق من الله حديثا } [النساء: 87] أي أن ~~الحق هو الأصدق بمعنى أن إخباره لنا جاء بالشمول الكامل، وهو صدق لا ~~تفاوت فيه، فالصدق هو مطابقة النسبة الكلامية للواقع، وما دام هو كذلك ~~فليس هناك صادق وأصدق، ولكن أفعل التفضيل تأتي في " أصدق " باعتبار أن ~~كمية الصدق الصادرة ms2015 لا حدود لها وأنه سبحانه يعلم الأشياء على وفق ما هي ~~عليه أي بشمول كامل. وخلقه إن حدث منهم صدق في شيء فقد يحدث منهم الكذب ~~في شيء آخر. فقد تقول قضية تعلم أنها صدق، ولكنها في الواقع لا تكون ~~صدقا. مثلا فقد يقول قائل: زار فلان فلانا بالأمس. هو اعتقد ذلك لأنه ~~رأى حجرة الاستقبال في بيت فلان مضاءة فسأل عن الزائر فقيل له: " فلان " ~~فهو يروي خبر هذه الزيارة على وفق ما يعتقد، ولا يقال: إن القائل قد كذب. ~~إننا يجب أن نفرق بين " الخبر " وبين " المخبر " ، كيف؟ إذا قلنا: " زيد ~~مجتهد " ، أيوجد واحد اسمه زيد ومجتهد بالفعل؟ هذا اسمه الواقع. وهل أنت ~~تعتقد هذا؟. إذن فالإنسان هنا يحتاج إلى أمرين: معرفة وجود الشيء، ~~واعتقاد الشيء، وبذلك يكون الخبر صادقا والمخبر صادقا أيضا. وافرض أنك ~~أخبرت أن زيدا مجتهد بناء على أن أحدا قد أخبرك بذلك ولكنه لم يكن ~~كذلك، أنت هنا صادق وفق اعتقادك. لكن الخبر غير صادق في الواقع. إذن ففيه ~~فرق بين صدق الخبر وصدق المخبر. فإذا التقى الاعتقاد بالواقع صدق الخبر ~~وصدق المخبر. وإذا كان الخبر موافقا للواقع ومخالفا للاعتقاد فالخبر ~~صادق كموقف المنافقين الذين قال الحق فيهم: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله.. # [المنافقون: 1] هذه القضية واقعة صادقة وأعلنوا هم ذلك، ولكن الحق أضاف: # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1]. فالقضية صادقة ولكنهم كاذبون لأنهم قالوها بلا اقتناع ~~فكانوا كاذبين. والدقة هنا توضح الفرق بين صدق الخبر وكذب الاعتقاد. # إذن فصدق المخبر أن يطابق الكلام الاعتقاد. والتكذيب واضح في قولهم: # نشهد.. # [المنافقون: 1] وليس في مقول القول وهو " إنك لرسول الله " فالشهادة ~~تقتضي أن يواطئ ويوافق اللسان القلب. ولذلك عندما يقرأ بعض الناس القرآن ~~دون فهم اللغة العربية فيفهم بالسطحية هذه الآية فهما خاطئا: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1]. فكيف يشهد الله أنهم كاذبون، على الرغم من أنه سبحانه ms2016 ~~يعلم مثلما شهد المنافقون؟. ونرد: إن الخبر هنا لم يكن كذبا، ولم يقل ~~الحق ما يكذب الخبر، لكنه أوضح صدق الخبر وكذب المنافقين في شهادتهم ~~لأنهم يظهرون غير ما يبطنون ويعتقدون، فالتكذيب منصب على شهادتهم لا على ~~خبر أن محمدا رسول الله. { الله لا إله إلا هو ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن ~~أصدق من الله حديثا } [النساء: 87]. إن المؤمن يعتقد أن يوم ~~القيامة لا شك فيه، فيوم القيامة يجب منطقيا ألا يوجد شك فيه لأنه لو ~~كان هناك ريب لكان الذين انحرفوا في الحياة الدنيا وولغوا في أعراض الناس ~~وأخذوا أموالهم وعاثوا في الأرض فسادا هم الذين كسبوا وفازوا، ويكون ~~الطيبون والأخيار قد عاشوا في سذاجة. فالمنطق يقتضي أنه ما دام قد وجد ~~أناس قد ظلموا واعتدوا، وأناس أعتدى عليهم، فلا بد أن يكون هناك حساب. ~~ولا يكون هناك حساب إلا إذا انتهت حكاية الموت، بالإحياء والحشر والخروج ~~إلى لقاء الله. ودليل هذا من الجاحدين أنفسهم، كيف؟. نحن نعرف أن ~~المجتمعات غير المتدينة يضع قادتها القوانين التي تكفل حماية حركة ~~المجتمع. هم يضعون مثل هذه القوانين، ومن يخالفها يتم حسابه وعقابه. فإذا ~~كان العقاب يمنع المجاهرة بالجريمة، فماذا يكون الموقف؟ إن الماهر إذن هو ~~من يفلح في المداراة عن عيون قادة هذا المجتمع، ويستر نفسه عنهم حتى لا ~~يناله العقاب. إن هذه المجتمعات الملحدة تضع التقنينات لحماية نفسها، ~~فماذا تفعل هذه المجتمعات في الذين ستروا أنفسهم؟. هم بقانون هذه ~~المجتمعات كان يجب أن يعاقبوا، وكان يجب أن تقولوا أنتم أن هناك مكانا ~~آخر ودارا أخرى يتم فيها عقاب من أفلت منا. فأنت أيها الملحد قد قننت ~~لمن خالف تقنينك عقوبة. وهذا إن وقعت عليه عينك، وقبضت عليه يدك، فما ~~قولك فيمن لم تقع عليه عينك ولم تقبض عليه يدك؟. إذن فنحن أهل الإيمان ~~عندما نقول للملحد: إننا نكمل لك تفكيرك الناقص ونقول لكل الخلق: إنكم إن ~~عميتم على قضاء الأرض فلن تعموا على قضاء السماء الذي لا ms2017 تخفى ~~عليه خافية. إذن فغير المؤمن بمنهج نأخذ منه الدليل على ضرورة المنهج. ~~وعلى غير المؤمن بالمنهج أن يشكر أهل الإيمان لأننا نحن أهل الإيمان قد ~~أكملنا له نقصا في تقنين البشر، وهذا لحماية المجتمع من الكيد بالجريمة ~~والستر بالمخالفة. # { ومن أصدق من الله حديثا } أي لا أحد أصدق من الله في ~~الحديث. و { أصدق.. } [النساء: 87] جاءت كأفعل تفضيل لا لأن هناك ~~صدقا يعلوه صدق أصدق، بل الصدق واحد لأنه مطابقة النسبة الكلامية ~~للواقع، ولكن " أصدق " هنا لكثرة الحديث الذي حدثنا الله به عما نشهد من ~~عالم الملك ومما لا نشهد من عالم الملكوت، فإن تحدث الناس فإنما يتحدثون ~~في عالم الملك الذي يدركونه بحواسهم، ولكن الله إذا حدثنا فسبحانه يحدثنا ~~عن عالم الملكوت أيضا، فالله أصدق حديثا لأنه أكثر من حدث. وبعد ذلك ~~يقول الحق سبحانه: { فما لكم في المنافقين فئتين... }. ### || [4.88] # كل جملة سبقتها " فاء " فمن اللازم أن يكون هناك سبب ومسبب، علة ومعلول، ~~مقدمة ونتيجة، وكل الأشياء التي تكلم الحق عنها سبحانه وتعالى فيما يتعلق ~~بمشروعية القتال للمؤمنين ليحملوا المنهج إلى الناس، ويكون الناس - بعد ~~سماعهم المنهج - أحرارا فيما يختارون. إذن فالقتال لم يشرع لفرض منهج، ~~إنما شرع ليفرض حرية اختيار المنهج، بدليل قول الحق: # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.. # [البقرة: 256]. وعلى ذلك فالإسلام لا يفرض الدين، ولكنه جاء ليفرض حرية ~~الاختيار في الدين، فالقوى التي تعوق اختيار الفرد لدينه، يقف الإسلام ~~أمامها لترفع تسلطها عن الذين تبسط سلطانها عليهم ثم يترك الناس أحرارا ~~يعتنقون ما يشاءون، بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام بالسيف، ظل فيها ~~بعض القوم على دياناتهم. فلو أن القتال شرع لفرض دين لما وجدنا في بلد ~~مفتوح بالسيف واحدا على غير دين الإسلام. وبعد أن تكلم الحق عن القتال ~~في مواقع متعددة من سورة النساء، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: # فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض ~~المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ~~والله ms2018 أشد بأسا وأشد تنكيلا # [النساء: 84]. شرع الحق سبحانه وتعالى قضية استفهامية هنا، فيها معنى ~~الإنكار وفيها معنى التوبيخ وذلك شائع في كل الأساليب التي تتفق معها في ~~القرآن الكريم. فإذا سمعت كلمة " فمالك لا تفعل كذا " ، فكأن قياس العقل ~~يقتضي أن تفعل، والعجيب ألا تفعل. ولا يمكن أن يأتي هذا الأسلوب إلا إذا ~~كان يستنكر أنك فعلت شيئا كان ينبغي ألا تفعله أو أنك تركت شيئا كان ~~عليك أن تأتي به. فالأب يقول للابن مثلا: " مالك لا تذاكر وقد قرب ~~الامتحان؟ " كأن منطق العقل يفرض على الابن إن كان قد أهمل فيما مضى من ~~العام، فما كان يصح للابن أن يهمل قبل الامتحان، وهذا أمر بدهي بالقياس ~~العقلي، فكأن التشريع والقرآن يخاطبان المؤمنين ألا يقبلوا على أي فعل ~~إلا بعد ترجيح الاختيار فيه بالحجة القائمة عليه، فلا يصح أن يقدم المؤمن ~~على أي عمل بدون تفكير، ولا يصح أن يترك المؤمن أي عمل دون أن يعرف لماذا ~~لم يعمله، فكأن أسلوب " فما لكم " ، و " فما لك " مثل قول أولاد سيدنا ~~يعقوب: # ما لك لا تأمنا على يوسف.. # [يوسف: 11]. ما معنى قولهم هذا؟ معناه: أي حجة لك يا أبانا في أن تحرمنا ~~من أن نكون مؤتمنين على يوسف نستصحبه في خروجنا. فكأن القياس عندهم أنهم ~~إخوة، وأنهم عصبة، ولا يصح أن يخاف أبوهم على يوسف لا منهم ولا من شيء ~~آخر يهدد يوسف لأنهم جماعة كثيرة قوية. # وكذلك قول الحق: # فما لهم لا يؤمنون # [الانشقاق: 20]. أي أن القياس يقتضي أن يؤمنوا. وقوله الحق: # فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر ~~مستنفرة * فرت من قسورة # [المدثر: 49-51]. كان القياس ألا يعرضوا عن التذكرة، إذن فأسلوب " فما ~~له " ، و " فما لك " و " فما لهم " ، و " فما لكم " كله يدل على أن عمل ~~المؤمن يجب أن يستقبل أولا بترجيح ما يصنع أو بترجيح ما لا يصنع. أما ~~أن يفعل الأفعال جزافا بدون تفكير في حيثيات فعلها، أو في حيثيات عدم ~~فعلها فهذا ليس عمل ms2019 العاقلين. إذن فعمل العاقل أنه قبل أن يقبل على ~~الفعل ينظر البديلات التي يختار منها الفعل فالتلميذ إن كان أمامه اللعب ~~وأمامه الاستذكار، ويعرف أنه بعد اللعب إلى رسوب، وبعد الرسوب إلى مستقبل ~~غير كريم، فإذا اختار الاجتهاد فهو يعرف أن بعد الاجتهاد نجاح، وبعد ~~النجاح مستقبل كريم. فواجب التلميذ - إذن - أن يبذل قدرا من الجهد ~~ليتفوق. وكل عمل من الأعمال يجب أن يقارنه الإنسان بالنتيجة التي يأتي ~~بها وبترجيح الفعل الذي له فائدة على الأفعال التي لا تحقق الهدف المرجو. ~~والآية هنا تقول: { فما لكم في المنافقين فئتين.. } ~~[النساء: 88] كأن القياس يقتضي ألا نكون في نظرتنا إلى المنافقين فئتين، ~~بل يجب أن نكون فئة واحدة. وكلمة " فئة " تعني جماعة، والجماعة تعني ~~أفرادا قد انضم بعضهم إلى بعض على رغم اختلاف الأهواء بين هؤلاء الأفراد ~~وعلى رغم اختلاف الآراء، إلا أنهم في الإيمان يجمعهم هوى واحد، هو هوى ~~الدين، ولذلك قال الرسول: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". # فالمسبب للاختلاف هو أن كل واحد له هوى مختلف ولا يجمعهم هوى الدين ~~والاعتصام بحبل الله المتين. وما حكاية المنافقين وكيف انقسم المؤمنون في ~~شأنهم ليكونوا فئتين؟ والفئة - كما عرفنا - هي الجماعة، ولكن ليس مطلق ~~جماعة، فلا نقول عن جماعة يسيرون في الطريق لا يجمعهم هدف ولا غاية: إنهم ~~فئة فالفئة أو الطائفة هم جماعة من البشر تجتمع لهدف لأن معنى " فئة " ~~أنه يرجع ويفيء بعضهم إلى بعض في الأمر الواحد الذي يجمعهم، وكذلك معنى " ~~الطائفة " فهم يطوفون حول شيء واحد. والحق يقول: { فما لكم في ~~المنافقين فئتين.. } [النساء: 88]. هذا لفت وتنبيه من الحق ~~بأن ننزه عقولنا أن نكون في الأمر الواحد منقسمين إلى رأيين، وخصوصا إذا ~~ما كنا مجتمعين على إيمان بإله واحد ومنهج واحد. والمنافقون - كما نعرف - ~~هم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر. # إننا نعرف أن كل المعنويات يؤخذ لها أسماء من الحسيات لأن الإدراك الحسي ~~هو أول وسيلة لإدراك القلب، وبعد ذلك تأتي المعاني. وعندما ms2020 نأتي لكلمة " ~~منافقين " نجد أنها مأخوذة من أمر حسي كان يشهده العرب في بيئتهم، حيث ~~يعيش حيوان اسمه " اليربوع " مثله مثل الفأر والضب. واليربوع مشهور ~~بالمكر والخداع، ولكي يأمن الحيوانات التي تهاجمه فإنه يبني لنفسه جحرين، ~~أو جحورا متعددة، ويفر من الحيوان المهاجم إلى جحر ما، ويحاول الحيوان ~~المهاجم أن ينتظره عند فوهة هذا الجحر، فيتركه اليربوع إلى فتحة أخرى، ~~كأن اليربوع قد خطط وأعد لنفسه منافذ حتى يخادع، فهو يصنع فوهة يدخل فيها ~~في الجحر، وفوهة ثانية وثالثة، وذلك حتى يخرج من أي فتحة منها، وكذلك ~~المنافق. ونعرف أن المسائل الإيمانية أو العقدية على ثلاثة أشكال: فهناك ~~المؤمن وهو الذي يقول بلسانه ويعتقد بقلبه وهو يحيا بملكات منسجمة ~~تماما. وهناك الكافر وهو الذي لا يعتقد ولا يدين بالإسلام ولا يقول ~~لسانه غير ما يعتقد، وملكاته منسجمة أيضا، وإن كان ينتظره جزاء كفره في ~~الآخرة فملكاته منسجمة - لكن - إلى غاية ضارة، وهي غاية الكفر. أما " ~~المنافق " فهو الذي يعتقد الكفر وينعقد عليه قلبه لكن لسانه يقول عكس ~~ذلك، وملكاته غير منسجمة فلسانه قد قال عكس ما في قلبه لذلك يحيا موزعا ~~وقلقا، يريد أن يأخذ خير الإيمان وخير الكفر، هذا هو المنافق. وهناك ~~جماعة - في تاريخ الإسلام - حينما رأوا انتصار المسلمين في غزوة بدر، ~~قالوا لأنفسهم: " الريح في جانب المسلمين، ولا نأمن أنهم بعد انتصار بدر ~~وقتل صناديد قريش وحصولهم على كل هذه الغنائم أن يأتوا إلينا " ، هذه ~~الجماعة حاولت النفاق وادعت الإسلام وهم بمكة، حتى إذا دخل المسلمون مكة ~~يكونون قد حصنوا أنفسهم. أو هم جماعة ذهبوا إلى المدينة مهاجرين، ولم ~~يصبروا على مرارة الهجرة والحياة بعيدا عن الوطن والأهل والمال، ففكروا ~~في هذه الأمور، وأرادوا العودة عن الدين والرجوع إلى مكة، وقالوا ~~للمؤمنين في المدينة: " نحن لنا أموال في مكة وسنذهب لاستردادها ونعود ". ~~وبلغ المسلمون الخبر وانقسم المسلمون إلى قسمين: قسم يقول: نقاتلهم، وقسم ~~يقول: لا نقاتلهم. الذين يقولون: " نقاتلهم " دفعهم إلى ذلك حمية ~~الإيمان. والذين يقولون: " لا ms2021 نقاتلهم " قالوا: هذه الجماعة أظهرت ~~الإيمان، ولم نشق عن قلوبهم، وربما قالوا ذلك عطفا عليهم لصلات أو ~~أواصر. فجاء القرآن ليحسم مسألة انقسام المسلمين إلى قسمين، ويحسم أمر ~~الاختلاف. وعندما يأتي القرآن ليحسم فهذا معناه أن رب القرآن صنع جمهور ~~الإيمان على عينه، وساعة يرى أي خلل فيهم فسبحانه يحسم المسألة، فقال: { ~~فما لكم في المنافقين فئتين. # . } [النساء: 88]. والخطاب موجه للجماعة المسلمة، فقوله: { فما ~~لكم.. } [النساء: 88] يعني أنهم متوحدون على هدف واحد، وقوله: { ~~فئتين.. } [النساء: 88] تفيد أنهم مختلفون. إذن ف { فئتين.. } ~~[النساء: 88] تناقض الخطاب الذي بدأه الحق ب { فما لكم.. } ~~[النساء: 88]، كأن المطلوب من المتلقي للقرآن أن يقدر المعنى كالآتي: فما ~~لكم افترقتم في المنافقين إلى فئتين؟ إذن فهذا أسلوب توبيخي وتهديدي ولا ~~يصح أن يحدث مثل هذا الأمر، فهل ينصب هذا الكلام على كل المخاطبين؟ ننظر، ~~هل القرآن مع من قال: " نقتل المنافقين " أو مع من قال بغير ذلك؟ فإن كان ~~مع الفئة الأولى فهو لا يؤنب هذه الفئة بل يكرمها، إن القرآن مع هذه ~~الفئة التي تدعو إلى قتال المنافقين وليس مع الفئة الثانية لذلك فهو ~~يؤنبها، ويوبخها. والأسلوب حين يكون توبيخا لمن يرى رأيا، فهو تكريم ~~لمن يرى الرأي المقابل، ويكون صاحب الرأي المكرم غير داخل في التوبيخ، ~~لأن الحق أعطاه الحيثية التي ترفع رأسه. والحق يقول: { فما لكم في ~~المنافقين.. } [النساء: 88] أي إن الحق يقول: أي حجة لكم في أن ~~تفترقوا في أمر المنافقين إلى فئتين، والقياس يقتضي أن تدرسوا المسألة ~~دراسة عقلية، دراسة إيمانية لتنتهوا إلى أنه يجب أن تكونوا على رأي واحد، ~~ومعنى الإنكار هو: لا حجة لكم أيها المؤمنون في أن تنقسموا إلى فئتين. ~~ويقول الحق: { والله أركسهم بما كسبوا.. } [النساء: 88] ~~وساعة تسمع كلمة { أركسهم.. } [النساء: 88] ماذا نستفيد منها حتى ~~ولو لم نعرف معنى الكلمة؟ نستفيد أن الحق قد وضعهم في منزلة غير لائقة. ~~ونشعر أن الأسلوب دل على نكسهم وجعل مقدمهم مؤخرهم أي أنهم انقلبوا حتى ~~ولو لم نفهم المادة المأخوذة منها ms2022 الكلمة، وهذا من إيحاءات الأسلوب ~~القرآني، إيحاءات اللفظ، وانسجامات حروفه. { والله أركسهم ~~بما كسبوا.. } [النساء: 88] و { أركسهم.. } [النساء: 88] ~~مأخوذة من " ركسهم " ومعناها " ردهم ". كأنهم كانوا على شيء ثم تركوه ثم ~~ردهم الله إلى الشيء الأول، وهم كانوا كفارا أولا، ثم آمنوا، ثم ~~أركسهم، لكن هل الله أركسهم تعنتا عليهم أو قهرا؟ لا فهذا حدث { بما ~~كسبوا.. } [النساء: 88]، وذلك حتى لا يدخل أحد بنا في متاهة السؤال ~~ولماذا يعاقبهم الله ويوبخهم ما دام هو سبحانه الذي فعل فيهم هذا لذلك ~~قال لنا الحق: إنه { أركسهم بما كسبوا.. } [النساء: 88]. و ~~{ أركسهم.. } [النساء: 88] مادته مأخوذة من شيء اسمه " الركس " - ~~بفتح الراء - وهو رد الشيء مقلوبا ومنه " الركس " بكسر الراء وهو ~~الرجيع الذي يرجع من معدة الإنسان قبل أن يتمثل الطعام. # مثلما نقول: " إن فلانا غمت نفسه عليه " أو " فلان يرجع ما في بطنه ". ~~وعندما ننظر إلى هذه العملية نجد أن الطعام الذي يشتهيه الإنسان ويحبه ~~ويقبل عليه ويأكله بلذة، وتنظر عيونه إليه باشتهاء، ويده تقطع الطعام ~~بلذة ويمضغ الطعام بلذة، هذا الطعام بمجرد مضغة مع بعضه ينزل في المعدة ~~وتضاف إليه العصارات المهضمه، فإذا رجع فإنه في هذه الحالة يكون غير ~~مقبول الرائحة، بل إن الإنسان لو هضم الطعام وأخذ منه المفيد وأخرج ~~البافي بعد ذلك، فرائحة الفضلات الطبيعية ليست أسوأ من رائحة الطعام لو ~~رجع بدون تمثيل. فلو رأيت إنسانا يقضي حاجة وآخر يتقيأ الطعام، فالنفس ~~تتقزز من الذي يتقيأ أكثر مما تتقزز من الذي يقضي حاجته لأن " الترجيع " ~~يخرج طعاما خرج من شهوة المضغ والاستمتاع. ولم يصل إلى مسألة التمثيل. ~~ولذلك نسمع المثل " كل ما فات اللسان صار نتان ". و " الركس " هو ~~الرجيع الذي يرجعه الإنسان بعد الطعام قبل أن يتمثله. فالطعام بعد أن ~~يتمثل ويخرج من المكان المخصص له يصبح روثا، وغائطا وبرازا. والحق ~~سبحانه وتعالى قد جاء بالكلمة التي تصفهم: { والله أركسهم.. } ~~[النساء: 88] أي أنهم ارتدوا من قبل أن ينتفعوا بأي شيء من الإيمان. هذا ~~هو التعبير القرآني الذي ms2023 جاء بالعبارة التي تؤدي هذا المعنى، وتؤدي إلى ~~نفرتنا منهم، فيكون الإركاس هو الرد، وهل هو مطلق الرد، أو رد له كيفية؟ ~~هو رد بإهانة أيضا، كيف؟ لأن الشيء إن كان قوامه أن يقف رأسيا، يكون ~~الركس أن تجعل رأسه في مكان قدمه وقدمه في مكان رأسه. وعلى ذلك فالرد ليس ~~ردا عاديا بل إنه رد جعل المردود هزوا. وإن كانت استقامة الأمر على ~~الامتداد الطولي، يكون الركس بأن تأتي بما في الخلف إلى الأمام، وبما في ~~الأمام إلى الخلف، فتقلب له كيانه، وتعكس حاله. والقرآن يصف الكافرين ~~والمنافقين: # ثم نكسوا على رءوسهم.. # [الأنبياء: 65]. لماذا، لأن الرأس مبني على القامة والهامة والارتفاع. ~~هذا الرأس يجعل مكان القدم، والقدم يكون محل الرأس. إذن فقوله: { ~~والله أركسهم.. } [النساء: 88] أي لم يردهم مطلق الرد، بل ~~ردهم ردا مهينا، ردا يقلب أوضاعهم. { والله أركسهم بما ~~كسبوا.. } [النساء: 88] إذن فلا يقولن أحد: ما دام الله قد أركسهم ~~فما ذنبهم؟ إن الله قد أركسهم { بما كسبوا.. } [النساء: 88]، فهم ~~كانوا فاعلين لا منفعلين. وإليكم هذا المثل - ولله المثل الأعلى - حين ~~تضع المدرسة أو الجامعة درجات للنجاح في كل مادة. تجد مادة يجب أن يحصل ~~الطالب فيها على نسبة ستين في المائة. وأخرى على سبعين في المائة، ويدخل ~~التلاميذ الامتحان، وعندما يرسب أحدهم لا يقال: إن المدرسة قد جعلته ~~يرسب، صحيح هي أرسبته ولكن وفق القوانين التي وضعتها المدرسة أو الجامعة ~~من قبل أن يدخل التلميذ الامتحان، ولأنه لم يبذل الجهد الكافي للنجاح، ~~فقد أرسب نفسه. # إذن، فالله لم يأت بالركس ورماه عليهم. بل هم الذين كسبوا كسبا جعل ~~قضية السنة الكونية هي التي تؤدي بهم إلى الركس، مثلهم مثل التلميذ الذي ~~لم يستذكر فلم يجب في الامتحان، فلا يقال عن هذا التلميذ: إن المدرسة ~~أرسبته. ولكنه هو الذي أرسب نفسه. ولذلك عندما يقال: الله هو الذي أضلهم، ~~فما ذنبهم؟ هذه هي القضية التي يقول بها المسرفون على أنفسهم. ولهؤلاء ~~نقول هذه الآية: { والله أركسهم بما كسبوا.. } [النساء: ms2024 ~~88] وكذلك أضل الله الضالين بفعلهم، كيف؟. نحن عرفنا أن الهداية تأتي ~~بمعنيين، هداية الدلالة وهداية المعونة، ويأتي المسرفون على أنفسهم الذين ~~يودون أن تكون قضية الدين كاذبة - والعياذ بالله - لأن قضية الدين عندما ~~تكون صدقا فإن الذين أسرفوا على أنفسهم يتيقنون أنهم ذاهبون إلى داهية ~~وأمر منكر شاق عليهم لذلك نجد الواحد منهم يتمحك في محاولة عدم التصديق، ~~والدخول إلى متاهات يصنعها الفهم السطحي للدين. ولذلك نجد المناقشات التي ~~يناقشونها تدل على أنها مناقشات المسرف على نفسه، فيقول الواحد منهم: ما ~~دام الله هو الذي كتب علي كل شيء فلماذا يعذبني وهو الذي كتب علي ~~المعاصي؟ نقول له: لماذا آمنت في هذا الموقف بالذات أن الله هو الذي كتب؟ ~~وما دمت قد آمنت بأن الله هو الذي كتب فلماذا لا تؤمن به وترتضي أحكام ~~منهجه؟. ولكن الواحد منهم يحاول أن يقف وقفة ليست عقلية، فالوقفة العقلية ~~الصحيحة تقتضي أن تأتي بالقضية المقابلة وهي أن الله إذا كان قد كتب على ~~العبد الطاعة فلماذا يثيبه؟. لماذا تناسى قضية الطاعة والثواب عليها؟ ~~لأنه يعرف أنها القضية التي تجلب الخير، ووقف في القضية المقابلة التي ~~تأتي بالشر، ولا يقول هذا القول إلا مسرف على نفسه. ولا نرى ملتزما ~~بمنهج الإيمان يقول مثل هذه القضية، فالمؤمن يحب أن تسير الأمور على ضوء ~~منهج الله، ولذلك أنا إلى الآن - وليسامحني الله وليغفر لي - أتعجب من ~~أن العلماء الذين سبقونا جعلوا من هذه المسألة محل خلاف. وقالوا: معتزلة ~~وأهل سنة !!. المسألة كلها يجب أن تفهم على أساس أن الإسلام دين فطرة ولم ~~يأت للفلاسفة فقط، إنه جاء للعقل الفطري، وراعى الشاة في الإسلام ~~كالفيلسوف، ومن يكنس الشارع أو يمسح الأحذية مساو لمن درس الفلسفة أو ~~الحقوق لأن الإيمان لم يأت لطائفة خاصة، ولكن المنهج قد جاء للجميع، ولا ~~بد أن تكون أدلته واضحة للجميع، فعندما يقال لنا: إن الله يعلم كل شيء ~~فيك، لا يدخل معك في متاهة، هو - سبحانه - يقول لك: # ألا يعلم من خلق ms2025 وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. فالذي صنع الكرسي - ولله المثل الأعلى - ألا يعرف أن ~~الكرسي مصنوع من الخشب، ونوع الخشب " زان " أو " أرو " أو " مجنة " ، وأن ~~المسمار الذي يربط الجزء بالجزء إما مسمار صلب وإما من معدن آخر، وكذلك ~~يعلم صانع الكرسي أي صنف من الغراء استعمل في لصق أجزاء الكرسي، وكذلك ~~مواد الدهان التي تم دهن الكرسي بها. إذن فقول الحق: { ألا يعلم ~~من خلق وهو اللطيف الخبير } لا يحتاج إلى جدال ولذلك نجد ~~النجار الذي يرغب أن تكون صنعته مكشوفة واضحة يقول للمشتري: سوف أصنع ~~كل الكرسي من خشب الزان وعليك أن تمر يوميا لترى مراحل فعله. ويبدأ ~~صناعة الكرسي مرحلة مرحلة تحت إشراف الزبون. وكذلك يعرف البدوي كيف ~~يتكون الرحل. وهو ما يوضع على ظهر البعير للركوب، العربي يعرف كيف يتكون ~~الفسطاط وهو بيت يتخذ من الشعر. وقد جاء سبحانه بما يدحض أي جدل، ~~وبدون الدخول في أية مهاترات أو مناقشات لها مقدمات ونتائج ومقدم وتال. ~~جاء الحق بهذا القول الفصل: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. هو يعلم وهذا أمر سهل عليه، ولذلك أتعجب كيف أدخل هؤلاء ~~العلماء هذه المسألة في متاهة فلسفية، فالإسلام دين الفطرة. ولذلك نجد ~~العلماء الذين ناقشوا هذه المسألة - جزاهم الله خيرا - جاءوا في آخر ~~مطافهم، وقالوا: # نهاية إقدام العقول عقال # وأكثر سعي العالمين ضلال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا # سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا # وأنا أريد أن أعرف ماذا قدمت الفلسفة النظرية للدنيا من خير؟. لقد ~~انفصلت عنها الفلسفة المادية ودخلت المعمل وأخرجوا لنا الابتكارات التي ~~انتفع بها الخلق، فماذا فعلت الفلسفة النظرية؟. لا شيء. ونقول: جاء ~~الإسلام بالعقيدة الفطرية، ومعنى العقيدة الفطرية أن الناس فيها سواء، ~~فالأدلة العقلية تقتضي الوضوح لمن تعلم ولمن لم يتعلم. والفلاسفة هم ~~الذين قالوا: بأدلة الغاية وأدلة العناية وأدلة القصد. لكن البدوي الذي ~~سار في الصحراء وجد بعر البعير ووجد الرمل وعليه أثر قدم، فقال: إذا كانت ~~البعرة تدل على البعير والقدم ms2026 تدل على المسير أفلا يدل كل ذلك على اللطيف ~~الخبير؟. هو لم يدخل في فلسفة أو متاهة مثلما دخل الفلاسفة مع بعضهم في ~~متاهات عقلية وحلها البدوي في جملة واحدة. وكذلك نجد واحدا من الناس ~~يسأل واحدا من أهل الإشراق: ألا تشتاق إلى الله؟. فيقول له: إنما ~~يشتاق إلى غائب، ومتى غاب الله حتى يشتاق إليه؟! لذلك نقول لمن اختلفوا ~~في أمر رد الله لهؤلاء: نريد أن نكرم عقولكم وننظر لماذا اختلفتم في هذه ~~الحكاية { أركسهم بما كسبوا.. } [النساء: 88]. # نقول مع حسن الظن بهم، إن كل واحد منهم تعصب لصفة من صفات الحق، فواحد ~~منهم يقول: { الله خالق كل شيء } فنقول له: أنت قد تعصبت ~~لصفة القدرة وطلاقتها في الحق. وجاء ثان وقال: ولكن الله عادل. ولا يمكن ~~أن يخلق في الكافر كفره ثم يعذبه عليه. إنه متعصب لصفة العدل. وكل منهما ~~ذاهب إلى صفة واحدة من صفات الحق. وتناسى الإثنان أن هذه الصفات إنما هي ~~لذاته - تعالى - فسبحانه قادر وعادل معا. فلا هذه تفلت منه ولا تلك. ~~ونقول لمن يقول: إنه الله خالق كل شيء وخالق كل فعل. ما الفعل؟. الفعل هو ~~توجيه جارحة لإحداث حدث، فالذي يمسح وجهه بيديه يوجه يديه لوجهه حتى ~~يمسحه، وهذ الفعل لا يفعله صاحب الفعل، ودليلنا على ذلك الإنسان الآلي ~~نضغط على أكثر من زر ليتحقق هذا الفعل، هذا الإنسان الآلي حتى يتحرك حركة ~~واحدة لا بد من ضغط وتحريك عدد آخر من القوى، لكن الإنسان حتى يمسح وجهه ~~بيديه اكتفى بأنه بمجرد أن أراد مسح الوجه باليد مسح الوجه. فهل أمسك من ~~يمسح وجهه بشيء وضغط عليه ليمسح وجهه؟. إنه بمجرد أن أراد فعل. وسائق ~~جرافة التراب يحرك عددا من الأذرع الحديدية حتى يحرك الجرافة إلى أسفل، ~~ثم حركة أخرى ليفتح كباشة التراب، وحركة تقبض أسنان الكباشة وحركة أخرى ~~ترفع التراب، كل ذلك من أجل أن يرفع التراب من مكان ما إلى مكان آخر، ~~والواحد منا بمجرد أن يريد أن يمسح وجهه ms2027 فهو يمسح وجهه ولا يعرف أي عضلات ~~تحركت، فمن الذي فعل كل ذلك؟. إنه الله. فيا من تتعصب لصفة القدرة. فالله ~~هو الذي فعل والعبد هو الذي وجه الطاقة التي تنفعل بالله. فإذا كانت إلى ~~غير مراد الله يصير العبد عاصيا، وإن وجهها إلى مراد الله فيكون طائعا، ~~ويكون له الكسب فقط، فالذي يقتل واحدا، هو لم يقتله لأنه لم يقل له: " ~~كن قتيلا " فيكون قتيلا، ولكن القاتل يأتي بسكين أو سيف أو مسدس ويرتكب ~~فعل القتل. فأداة القتل هي التي قامت بالفعل، والقاتل إنما أخذ الآلة ~~الصالحة لفعل ما ولغيره، فوجهها لذلك الفعل. فيا من تريد العدل، إن الله ~~يعذب على المعصية لأن الإنسان استعمل أداة مخلوقة للفعل ولعدمه، فجعلها ~~تؤدي فعلا غير مراد لله أي لا يرضى عنه الله ولا يحبه، ومع ذلك فالله ~~هو الفاعل لكل شيء. ونعود إلى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { فما ~~لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما ~~كسبوا.. } [النساء: 88] وما دام هو سبحانه الذي أركسهم بما كسبوا، ~~وأنتم مؤمنون بالله فلا بد أن يكون الرأي فيهم واحدا لذلك يتساءل الحق: ~~{ أتريدون أن تهدوا من أضل الله. # . } [النساء: 88]؟ وسبحانه لا يريد أن يقدم لهم العذر، إنما يريد أن ~~يظهر لهم هدايته سبحانه وهي هداية لا تتأتى لهم لأنه قد أضلهم فأنى لهم ~~الهداية. فلماذا يقف جانب من المؤمنين في صفهم؟. لأن الله حين يهدي فهو ~~يهدي من يشاء ويضل من يشاء بوضع القوانين الموضحة للهداية أو الضلال. ~~ونحن إن سمعنا " أن الله هدى " نفهمها على معنيين المعنى الأول أنه " دل ~~" ، والمعنى الثاني أنه " أعان ومكن ". ف " هدى " تكون بمعنى " دل " ، ~~وهدى تكون بمعنى " أعان ". وسبق أن قلنا: إذا كان هناك إنسان يمشي في ~~الطريق ويريد الاتجاه إلى الإسكندرية وهو لا يعرف الطريق الموصل. فيسأل ~~شرطي المرور فيشير الشرطي: هذا هو الطريق الموصل إلى الإسكندرية. إن ~~الشرطي هدى هذا الإنسان ودله على الطريق، لكنه لم يحمل الإنسان على أن ~~يسير في الطريق، فإذا ms2028 ما صدق المسافر قول الشرطي وقال له: إنني أشكرك ~~وأكثر الله من خيرك والحمد لله أنني وجدتك، فلولا وجودك لتعبت، هنا يقول ~~الشرطي: أنت رجل طيب والطريق إلى الإسكندرية به " مطب " وعقبة، سأركب معك ~~حتى أدلك على مكان هذه العقبة. وبذلك يتجاوز الشرطي مرحلة " الدلالة " ~~إلى مرحلة " المعونة " وسبحانه أوضح: سأهدي الناس جميعا وأرشدهم وأدلهم، ~~فالذي يقبل على الإيمان بي سأعاونه على ذلك. ولذلك يقول: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى.. # [فصلت: 17]. و " هديناهم " هنا بمعن " دللناهم " فقط، أما أن يسلكوا سبل ~~الهداية أو لا فالأمر متروك لهم. والهداية - إذن - ترد بمعنى الدلالة، ~~وترد بمعنى الإعانة. والحق يعين من؟. يعين من آمن به ولكن من يكفر ~~به لا يعينه: # والله لا يهدي القوم الكافرين # [التوبة: 37]. وكذلك: # والله لا يهدي القوم الفاسقين # [التوبة: 24]. إذن فلله هدايتان: هداية عم الناس بها جميعا وهي هداية ~~الدلالة، وأخرى خص بها من جاءه مؤمنا به، وهي هداية " المعونة ". ولذلك ~~قال الحق للرسول صلى الله عليه وسلم: # إنك لا تهدي من أحببت.. # [القصص: 56]. وهذا القول فيه نفي الهداية عن الرسول، وهو سبحانه القائل ~~أيضا: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52]. وليس من المعقول أن ينفي الحق الهداية عن الرسول ثم ~~يثبتها له. ونفهم من ذلك: إنك يا رسول الله تدل على الحق، ولكنك لا تعين ~~عليه. فالله هدى الناس جميعا فدلهم على طريق الخير. فمن آمن به وأقبل ~~عليه يسر له الأمر. وبذلك نكون قد عرفنا تماما معنى قوله الحق: { ~~والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا ~~من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ~~} [النساء: 88] فالذي يضله الله هو من اكتسب ما يوجب أن يضله فلا تجد له ~~سبيلا. # وكان من الممكن أن يقول الله: أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل ~~الله فلا تستطيعون أن تهدوه، ولكن الأبلغ هو ما يوضحه سبحانه لنا: أنتم ~~لا تستطيعون هداية هذا المكتسب للضلال ذلك أنه لا يوجد سبيل حتى تهدوه ~~إليه. فالسبيل هو الممتنع وليس ms2029 الهداية فقط. والسبيل هو الطريق الذي ~~يعطيك حقا في الهداية، فإذا ما امتنع السبيل فماذا تفعل؟ ومن يضلل الله ~~فلن تجد له سبيلا في أن ينقض هذا القرار، أي لا حجة له على الإطلاق. ~~ولذلك أخذنا المعنيين هنا، فالذين ينافقون يظهرون الإيمان مرة وينقلبون ~~إلى الكفر مرة، هم ينكرون الإيمان بقلوبهم والذي يقولون بألسنتهم هو ~~الإسلام، أما الإيمان فلما يدخل في قلوبهم. وما هو الأعز على النفس ~~البشرية؟ مكنونات القلب أم مقولة اللسان؟ الأعز هو مكنونات القلب. وما ~~داموا هم لا يؤمنون بقلوبهم ويقولون فقط بألسنتهم، فالعقيدة داخلهم ~~معقودة على الكفر، وما دامت العقيدة معقودة على الكفر فهم لا يريدون أن ~~يأتوا إلى صف الإيمان، ولكنهم يريدون جر المؤمنين إلى معسكر الكفر لذلك ~~يقول الحق بعد ذلك: { ودوا لو تكفرون كما كفروا ~~فتكونون... }. ### || [4.89] # و { ودوا.. } [النساء: 89] ضميرها يعود على المنافقين الذين اختلف ~~فيهم المسلمون إلى فئتين، وحكم الله في صالح الفئة التي أرادت أن تقف ~~منهم موقف القوة والبطش والجبروت، فقال سبحانه وتعالى تعليلا لنفاقهم: { ~~ودوا لو تكفرون كما كفروا.. } [النساء: 89] ثم إن ~~تفاقهم معناه قلق يصيبهم من مستوى حالهم مع مستقبل الإسلام أو حاضره ~~لأنهم كافرون بقلوبهم، ولكنهم يخافون أن يظهر الإسلام فيعاملهم معاملة ~~الكافرين به، فيحاولون أن يظهروا أنهم مسلمون ليحتاطوا لنصرة الإسلام ~~وذيوعه، فهم في كرب وتعب، وهذا التعب يجعلهم يديرون كثيرا من الأفكار في ~~رءوسهم: يقولون نعلن أمام المسلمين أننا مسلمون، ونعلن أمام الكافرين ~~أننا كافرون. وما الذي ألجأهم إلى هذا الحال، وقد كانوا قديما على وتيرة ~~واحدة، ألسنتهم مع قلوبهم قبل أن يجيء الإسلام؟ إذن فالذي يعيدهم إلى ~~حالة الاستقرار النفسي وينزعهم من القلق والاضطراب والخوف على حاضرهم ~~ومستقبلهم هو أن تنتهي قضية الإسلام، فلا يكون هناك مسلمون وكافرون ~~ومنافقون. بل يصير الكل كافرا. { ودوا لو تكفرون كما ~~كفروا.. } [النساء: 89] والودادة عمل القلب، وعمل القلب تخضع له جميع ~~الجوارح إن قدرت، فما داموا يودون أن يكون المسلمون كافرين، إذن سيقفون ~~في سبيل انتصار المسلمين، ms2030 وسيضعون العقبات التي تحقق مطلوبات قلوبهم. ~~لذلك فاحذروهم، سأفضح لكم أمرهم لتكونوا على بينة من كل تصرفاتهم وخائنات ~~أعينهم وخائنات ألسنتهم. { ودوا لو تكفرون.. } [النساء: 89] ~~ونعرف أن كلمة " الكفر " تعني " الستر " ، فالفعل " كفر " معناه " ستر ". ~~ومن عظمة الإيمان بالإسلام وعظمة الحق في ذاته هو أنه لا يمكن أبدا أن ~~يطمسه خصومه، فاللفظ الذي جاء ليحدد المضاد لله هو عينه دليل على الإيمان ~~بالله. فعندما نقول: " كفر بالله " أي " ستر وجوده " ، كأنه قبل أن يستر ~~الوجود فالوجود موجود، ولذلك نجد أن لفظ " الكفر " نفسه دليل على ~~الإيمان، فلفظ " الكفر " في ذاته تعني إيمانا موجودا يجاهد صاحبه نفسه ~~أن يغطيه ويستره. { ودوا لو تكفرون كما كفروا.. } ~~[النساء: 89]. وهذا القول جاء بعد أن قال الحق: # فما لكم في المنافقين فئتين.. # [النساء: 88]. ويدل على أنهم يوصفون مرة بالمنافقين ويوصفون مرة ~~بالكافرين. وسماهم الله في آية ب " المنافقين " ويصفهم الحق في هذه ~~الآية بأنهم كفروا { ودوا لو تكفرون كما كفروا.. } ~~[النساء: 89] والكفر الذي يجيء وصفه هنا يدل على مكنون القلب، فالنفاق لم ~~يعطهم إلا ظاهريات الإسلام، لكن الباطنيات لم يأخذوها، ولذلك سيكونون في ~~الدرك الأسفل من النار في الآخرة وإن كانوا في الدنيا يعاملون معاملة ~~المسلمين احتراما لكلمة " لا إله إلا الله محمد رسول الله ". # لكن الله يعاملهم في الآخرة معاملة الكافرين، ويزيد عليهم أنهم في الدرك ~~الأسفل من النار. إذن فأصحاب الباطل إن كانت لهم قوة يجعلون لسانهم مع ~~قلوبهم في الجهر بالباطل، وإن كان عندهم ضعف يجعلون قلوبهم للباطل ~~ولسانهم للحق. وهذه العملية ليست مريحة في كلا الموقعين. فالمريح لهم ~~ألا توجد للحق طائفة. لذلك يقول سبحانه وصفا لحقيقة مشاعرهم: { ~~ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء.. } ~~[النساء: 89]. فهم يتمنون إزالة طائفة الحق حتى لا يكون هناك أحد أفضل من ~~أحد، مثلما نقول: مفيش حد أحسن من حد. مثال ذلك: نجد مجموعة من الموظفين ~~في مصلحة حكومية، ويكون من بينهم واحد مختلس أو لا يؤدي عمله على الشكل ~~الراقي المطلوب، لذلك فهو لا ms2031 يحب أن يؤدي الآخرون أعمالهم بمنتهى ~~الإتقان، ويريدهم فاسدين، ويحاول أن يغريهم بالفساد حتى يكونوا مثله كي ~~لا يظهروه أمام نفسه بمظهر النقيصة. وحتى لا يكون مكسور العين أمامهم. ~~ومن العجيب أننا نجد الذي يسرق يحترم الأمين، وكثيرا ما نسمع عن لص من ~~فور ما يعلم أن هناك كمينا ينتظره ليقبض عليه فهو يبحث عن رجل أمين يضع ~~عنده المسروقات كأمانة. وقول الحق عن أمنية المنافقين الكافرين بقلوبهم ~~هو أن يكون المؤمنون مثلهم { فتكونون سوآء.. } [النساء: 89]. ~~وهذه شهادة في أن صاحب الباطل يحب من صاحب الحق أن يكون معه لأنه حين ~~يجده في الحق، فصاحب الباطل يحتقر نفسه، وقد حدثت العجائب مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، لقد كفروا به وعذبوا صحابته، ولكنه هو الأمين ~~باعترافهم جميعا. فها هو ذا الرسول صلى الله عليه وسلم يهاجر من مكة ~~وخلف " عليا " كرم الله وجهه ليرد الودائع والأمانات التي عنده. هم كذبوه ~~في الرسالة، ولكنه الأمين باعترافهم جميعا لذلك أودعوا عنده الأمانات. ~~إذن فصاحب الفضيلة محترم حتى عند صاحب الرذيلة. وحتى نتعرف تماما على ~~هذا المعنى، فلنفترض أن إنسانا وقع في مشكلة، سب أحدا من الناس ورفع ~~المعتدي عليه دعوى فضائية على هذا المعتدي الذي سبه، ولهذا المعتدي صديق ~~عزيز، استشهد به المعتدي عليه، فيقول المعتدي: أتشهد علي؟ ويذهب الصديق ~~إلى المحكمة ليقول: " لا يقول صديقي مثل هذا السباب ". وهنا شهد الصديق ~~لصديقه شهادة زور. ولنفترض أن هذا المعتدي قد تاب وأناب وصار من ~~الأتقياء، وجعله الناس حكما بينهم، وجاء له الصديق الذي شهد الزور من ~~أجله ليشهد أمامه، فهل يقبل شهادته؟ طبعا لا. إذن صاحب الفضيلة محترم ~~حتى عند صاحب الرذيلة، فإذا ما حاول أحد من أصحاب الرذيلة أن يشد صاحب ~~الفضيلة إلى خطأ، فهو يسعى إلى إضلاله، وينطبق على ذلك قول الحق: { ~~ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء. # . } [النساء: 89] وما دام هذا هو هدفهم وفكرتهم ألا يتركوا المؤمنين على ~~إيمانهم، لأجل أن يأخذوهم إلى صف الكفر. وهم بذلك ms2032 كمنافقين كفار قلوب غير ~~مخلصين لصف الإيمان. وهم لا يقفون من الإيمان موقف الحياد، ولكنهم يقفون ~~منه موقف العناد والعداوة. { ودوا لو تكفرون كما كفروا ~~فتكونون سوآء.. } [النساء: 89] وفي هذا تحذير واضح للمؤمنين هو: ~~إياكم أن تأمنوهم على شيء يتعلق بمصالحكم وإيمانكم. ويصدر الحق الحكم في ~~هذه القضية بمنتهى الوضوح: { فلا تتخذوا منهم أوليآء.. ~~} [النساء: 89] أي إياكم أن تتخذوا من المنافقين نصراء لكم أو أهل مشورة ~~لأن الله سبحانه فضح لكم دخائل نفوسهم، وهذه المسألة ليست ضربة لازب، فإن ~~آب الواحد منهم وأناب ورجع إلى حظيرة الإيمان فلن يرده الله، فسبحانه ~~وتعالى لا يضطهد أحدا لمجرد أنه ارتكب الذنب لأنه الحق غفور ورحيم، فما ~~دام قد عاد الإنسان إلى الصواب وبعد عن الخطأ، فعلى المؤمنين أن يقبلوا ~~من يعود إليهم بإخلاص، فالكراهية لا تنعقد ضد أحد لأنه أخطأ لأن الكراهية ~~تكون للعمل الخطأ، وليست موجهة ضد الإنسان المخلوق لله، فإن أقلعوا عن ~~الخطأ فهم مقبولون من المؤمنين. وها هو ذا قاتل زيد بن الخطاب يمر أمام ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال له بعض الناس ها هو ذا قاتل أخيك ~~زيد. فيقول عمر بن الخطاب: وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام؟! وهكذا ~~نرى أن الكراهية لم تتعد إلى ذات القاتل، ولكن الكره يكون للفعل، فإن ~~أقلعت الذات عن الفعل فالذات لها مكانتها. وهكذا يصدر الحكم الرباني: { ~~فلا تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا في ~~سبيل الله.. } [النساء: 89]. والهجرة في سبيل الله كانت تكلف ~~الإنسان أن يخرج من ماله ومن وطنه ومن أهله، ويذهب إلى حياة التقشف ~~والتعب والمشقة، وفي هذا ما يكفر عنه، ويتعرف المؤمنون هنا أنه قد تاب ~~إلى الله فتاب الله عليه وآن له الأوان أن يدخل في حوزة الإيمان. فإن فعل ~~ذلك فقد عاد إلى الإيمان. ولذلك يجب على الناس أن يفصلوا الذوات عن ~~الأفعال. لماذا؟ لأن الذوات في ذاتها لا تستحق أن تكره، وإنما يكره فعل ~~الذات إن كان قبيحا سيئا. وحين نقرأ القرآن نجده ms2033 يعرض مثل هذه المسألة، ~~فسيدنا نوح عليه السلام عندما تلقى وحي الله بأن يصنع السفينة، وجلس ~~يصنعها ويمر عليه الناس فيسخرون منه فيقول لهم سيدنا نوح: سنسخر منكم ~~غدا كما تسخرون منا. ويأتي له ابن ليس على منهجه، فيدعوه نوح إلى المنهج ~~فيقول الابن: " لا ". ويركب نوح السفينة ويقول لله: لقد وعدتني أن تنجيني ~~أنا وأهلي. # وهنا يوضح الحق: صحيح أنا أنجيك أنت وأهلك، ولكن ما الذي جعلك تعتبر ~~ابنك من أهلك، إن الذوات عند الأنبياء لا نسب لها، إنما نسب الأنبياء ~~الأعمال: # إنه عمل غير صالح.. # [هود: 46]. إن العمل هو الذي يتم تقييمه. ولذلك يقول الحق: { فلا ~~تتخذوا منهم أوليآء حتى يهاجروا في سبيل ~~الله.. } [النساء: 89] والهجرة من " هجر " ، و " هجر " يعني أن ~~الإنسان قد عدل من مكان إلى مكان، أو عن ود إلى ود، أو عن خصلة إلى خصلة، ~~والذي يهجر عادة يتجنى على من " هجر " ، لنلاحظ أن الله سبحانه وتعالى ~~في كتابه عندما يأتي بالحدث. يأتي ب " هاجر " ، ولم يأت بالحادث " هجر " ~~، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يهجر مكة. ولكنه هاجر منها، ويقول صلى ~~الله عليه وسلم: # " والله إنك لأحب أرض الله إلي وإنك لأحب أرض الله إلى الله ولولا أن ~~أهلك أخرجوني منك ما خرجت ". # فالهجرة جاءت لأن أهل مكة هجروه أولا، فاضطر أن يهاجر. و " هاجر " على ~~وزن " فاعل ". والمتنبي يقول: # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا # ألا تفارقهم فالراحلون همو # ولذلك جاء الحق بالهجرة على صيغة المفاعلة. لقد كرهوا دعوته. واستجاب ~~الرسول للكراهية فهاجر. ويوضح سبحانه أن الذي يخلص هؤلاء المنافقين من ~~حكمنا عليهم، ألا يتخذ المؤمنون منهم أولياء هو: أن يهاجروا في سبيل الله ~~لأن ذلك هو حيثية صدق الإيمان. فالمهاجر يحيا عيشة صعبة. وقد عاش ~~المهاجرون على فيض الله من خير الأنصار، ولم يؤسسوا حياتهم بشكل لائق. ~~إذن فمن ينضم إلى ذلك الموكب هو مؤمن اشترى الإيمان وقدر على أن يكفر ~~عما بدر منه. فليست الهجرة مجرد هجرة، ولكنها هجرة في ms2034 سبيل الله. ولذلك ~~نرى القاعدة الإيمانية في الحديث النبوي: # " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى ~~الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها ~~أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". # وهكذا يعامل المؤمنون المنافق إن عاد من كفره ونفاقه إلى الإيمان. لكن ~~ماذا لو تولى المنافقون؟. { فإن تولوا فخذوهم ~~واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ~~وليا ولا نصيرا } [النساء: 89] والأخذ إذا جاء في مقام النزاع ~~فمعناه الأسر. وقتلهم في ساحة أمر واجب، ولا يصح أن يتخذهم المؤمنون ~~أولياء أو نصراء لأن الواحد من المنافقين يكون دسيسة على المؤمنين، ~~ويحاول أن يعرف أمور وأحوال المسلمين، ويطلع خصوم الإسلام على ما يمكن أن ~~ينفذ منه العدو إلى المسلمين. ويستميت ليعرف ما يبيت المسلمون للكافرين. ~~واتخاذ الولي أو النصير ممن نعلم أنه لا يحب الإيمان وليس على مبدأ ~~الإسلام وعقيدته أمر يشكك في صدق بصيرة الإنسان الذي يتولى ويود غير ~~المسلمين المخلصين. # فحين يرى الواحد منا إنسانا آخر لا يحبه ويكيد المكائد، وعندما يراك ~~تثق فيه وتحسن إليه، يقول هذا الكاره: هذا إنسان فاقد البصيرة فلو عرف ما ~~في قلبي لما فعل ذلك. فإذا اتخذ المؤمنون من المنافقين أولياء أو نصراء ~~والمنافقون على ما هم عليه من نفاق لقال المنافقون: إن المسلمين فاقدوا ~~البصيرة وهم لا يعلمون ما في قلوبنا، لذلك ينير الحق بصيرة المؤمنين حتى ~~لا نأخذ رأيا من المنافقين ينال منا. وقد يقول المنافقون: إن هؤلاء ~~المسلمين ليس لهم رب يبصرهم، فلماذا يدعون أن لهم إلها؟ لو كان لهم ~~إله لبصرهم بما في نفوسنا. ونجد هذا الفضح لهم عندما يقول الحق: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول.. # [المجادلة: 8]. وعدم تعذيب الحق له وقت كفرهم له فائدة ورحمة سيدركونها ~~فيما بعد. فمن هؤلاء من سيكون سيفا للإسلام بعد أن كان سيفا على ~~الإسلام فقد ادخرهم الله ليكون بعض منهم سيفا للإسلام، فها هو ذا ابن ~~الوليد يهتدي، وها هو ms2035 ذا عمرو بن العاص، وها هو ذا عكرمة بن أبي جهل، ~~هؤلاء سيكونون سيوفا للإسلام، ولا يظنن منهم أحد أنه ستر مكنون نفسه ~~عن الله: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول.. # [المجادلة: 8]. هذا القول قد أدى أمرين: الأمر الأول: وضح أن هناك ربا ~~مطلعا على خائنة الأعين وخفايا الصدور. والأمر الثاني: أوضح أن الله لم ~~يعذبهم لأن منهم من سيمس الإيمان قلوبهم وسيكونون سيوفا للإسلام وسيخرج ~~من ذريتهم قادة يحملون الدعوة لله. ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقد جاءه جبريل وقال له: # " إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال ~~لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد: إن ~~الله قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك ليأمرني بأمرك ~~مما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به ~~شيئا ". # وقد حدث ذلك. إن أسلوب معاملة المنافقين يحدده الله في هذه الآية بما ~~يلي: هم قوم الكفر يسكن القلب منهم ومظهرهم يدعي الإسلام ويتمنون أن ~~يكون المؤمنون على شاكلتهم، فلذلك لا يتخذ المسلم وليا من المنافقين ولا ~~نصيرا. ولكن إن هاجر المنافق فرحابة الإيمان تتسع له، أما إن تولى ~~المنافق وأعرض عن ذلك. فأسلوب المعاملة يكون كما يحدده الله: { فإن ~~تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا ~~تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } [النساء: 89] لكن بعد ~~أن يطلق هذا الأمر توجد عقبة في تنفيذه، إنها عقبة الأحلاف والعهود ~~والمواثيق التي كان يعطيها رسول الله لبعض القبائل، وكانت هذه العهود ~~تتلخص في أن الرسول يعاهد بعض القبائل بعدم الإغارة على المسلمين وعدم ~~إغارة المسلمين عليهم. # ولذلك يحترم الحق هذه المواثيق والأحلاف. إن الحق يوضح لنا: لا تأخذوا ~~هذا الأمر أيها المسلمون على إطلاقه لأن الإسلام دين الوفاء بالعهود، وقد ~~أعطيتم بعض القبائل عهودا بأن من ms2036 لجأ إليهم يؤمنونه ويدخل في حمايتهم، ~~وكذلك الذي يصل ويلجأ إلى المسلمين فعليهم حفظه ومنع التسلط عليه. لذلك ~~قال الحق في هذا الاستثناء: { إلا الذين يصلون إلى قوم ~~بينكم... }. ### || [4.90] # والآية تبدأ باستدراك حتى لا تفتح مجالا لإغضاب من كان للإسلام تعاهد ~~معهم وتعاقد، فالذين يصلون ويلجأون إلى قوم بينهم وبين المسلمين تحالف أو ~~ميثاق لا ينطبق عليهم ما جاء في الآية السابقة وهو الأخذ والقتل. مثال ~~ذلك ما حدث من عهد بين المسلمين وهلال بن عويمر الأسلمي على ألا يعينوه ~~ولا يعينوا عليه وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله الجوار مثل ~~الذي لهلال. والاستثناء يشمل أيضا من جاءوا إلى المسلمين، فمن ذهب ~~من المنافقين إلى من عاهده المسلمون فهو يحصل على الأمان، وكذلك ~~يؤمن الرسول من جاءه من المنافقين وقال من الأسباب ما يجعله يطلب ~~حماية الرسول والإسلام: فعلى الرغم من نفاقة يؤمنه الإسلام. { أو ~~جآءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا ~~قومهم.. } [النساء: 90] كأن يقول الواحد منهم: أنا لا أقدر أن ~~أقاتلكم، ولا أقدر أن أقاتل قومي فاغفر لي هذا واقبلني معكم. هؤلاء ~~يقبلهم الرسول لأنهم أقروا بما هم فيه من ضيق، فهم لا يستطيعون التصرف لا ~~أمام المسلمين فيعلنون الإيمان، ولا أمام الكافرين فيعملون في معسكر ~~الكفر. ولا يستطيعون أن يتخذوا موقفا حاسما حازما بين المسلمين ~~والكافرين، فهم يقرون بضعفهم، ويعترفون به. { ولو شآء الله ~~لسلطهم عليكم.. } [النساء: 90] فما الذي يجعلهم يلوذون إلى ~~قوم يتحالفون مع المسلمين بميثاق حتى يحتموا فيهم؟ أو يقرون أن صدورهم ~~ضيقة وأنهم غير قادرين على التصرف، ويعلنون: لا نستطيع أن نقاتلكم ولا أن ~~نقاتل قومنا. ويوضح الحق: أنا فعلت هذا وألقيت الرعب في نفوسهم، ولو شئت ~~لسلطتهم وجرأتهم عليكم، وقاتلوكم، إذن فسبحانه ينصرنا بالرعب ويمنع ~~قتالهم لنا. { فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا ~~إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا } ~~[النساء: 90]. إن اعتزلوكم ولم يقاتلوكم وألقو السلم واعترفوا بأنهم لا ~~يملكون طاقة اختيار بين قتال المسلمين أو قتال قومهم، ms2037 فليس لكم أيها ~~المسلمون حجة أن تعتدوا عليهم فالاعتداء عليهم في مثل هذه الحالة ينهى ~~الله عنه. وعين الحق لا تقتصر على ما نعرف، ولكن تتعدى إلى أدق التفاصيل ~~فهي عين لا ترى ما عرفناه فقط ولكنها تكشف لنا الحجب التي لا نعرفها، ~~فيقول سبحانه: { ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم... ~~}. ### || [4.91] # تبدأ هذه الآية بفعل يتحدث عن المستقبل: { ستجدون آخرين ~~يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم.. } [النساء: ~~91]. معنى ذلك أن المسلمين لحظة نزول هذه الآية لم يكونوا قد وجدوا مثل ~~هؤلاء القوم الذين يتحدث عنهم الحق، ولو لم يحدث للمعاصرين لنزول القرآن ~~أن وجدوا مثل هؤلاء ماذا كانوا يقولون عن هذا الخبر؟. لو لم يجدوا مثل ~~هؤلاء القوم لتشككوا في القرآن. وسبحانه يوضح أني عين معكم، وعين لكم، ~~أخبرتكم بما حدث واختلفتم فيه، وأخبركم بما لم يصل إلى أذهانكم وعلمكم ~~فلا تختلفوا فيه، وهذا دليل على أنكم في رعايتي وفي عنايتي. { ~~ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم.. } [النساء: 91] ~~وهؤلاء القوم هم قوم من بني أسد وعطفان، وكانوا على مشارف المدينة، ~~وكانوا يقابلون المسلمين فيقولون: " نحن معكم " ، وكانوا أيضا يقابلون ~~الكفار فيقولون: " نحن معكم " ، والحقيقة أنهم عاجزون عن مواجهة أي ~~معسكر. ولذلك يصفهم القرآن: { ستجدون آخرين يريدون أن ~~يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى ~~الفتنة أركسوا فيها.. } [النساء: 91]. وهؤلاء كلما جاءهم ~~الاختبار { أركسوا فيها.. } [النساء: 91]. أي فشلوا في الاختبار، ~~فعناصرهم الإيمانية لم تقو بعد، وما زالوا في حيرة من أمرهم. وعندما ~~جاءتهم الفتنة لتصهرهم وتكشف ما في أعماقهم ازدادت حيرتهم، فالفتنة هي ~~اختبار، وليت الفتنة شيئا مذموما، وعندما يقال: إن فلانا في فتنة فعلى ~~المؤمن أن يدعو له بالنجاح فيها، فالفتنة ليست مصيبة تقع، ولكن المصيبة ~~تقع إذا رسب الإنسان في الفتنة. ونعلم أن الفتنة مأخوذة من الأمر الحسي، ~~فتنة الذهب وكذلك الحديد: فتنة الذهب هي صهر الذهب في البوتقة حتى ينصهر ~~فتطفو كالزبد كل العناصر الشائبة المختلطة بالذهب، وكذلك الحديد، يتم ~~صهره حتى تنفصل الذرات المتماسكة بعضها عن بعض. ويطفو الخبث. ms2038 ونعرف أن ~~الحديد أنواع: فالحديد الزهر شوائبه ظاهرة فيه وسهل الكسر. بينما نجد ~~الحديد الصلب بلا خبث فهو صلب. وفتنة الذهب والحديد تكشف عن المعادن ~~الغريبة المختلطة بها. ونقلت كلمة " الفتنة " من المحسات إلى المعاني، ~~وصارت الفتنة هي الاختبار الذي ينجح فيه الإنسان أو يرسب، فهي ليست ضارة ~~في ذاتها، ولكنها ضارة لمن يرسب فيها. وهكذا كان تنبؤ القرآن الذي يخبر ~~المسلمين بأمر قوم على حدودهم، تجعلهم الفتنة لا يقوون على الإيمان، أي ~~فكلما دعاهم قومهم إلى الشرك وقتال المسلمين ردوا على أعقابهم ~~وانقلبوا على رءوسهم أقبح قلب وأشنعه وكانوا شرا من كل عدو عليكم، ~~ويشرح القرآن كيفية سلوك المؤمنين تجاه هؤلاء المرتكسين والمنقلبين في ~~الفتنة: { فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم ~~السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ~~ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم ~~سلطانا مبينا } [النساء: 91] ونلحظ أن الحق أمر بتأمين من لجأوا ~~بضعفهم على الرغم من نفاقهم إما إلى المسلمين وإما إلى حلفاء المسلمين ~~حين قال في الآية السابقة: # فما جعل الله لكم عليهم سبيلا # [النساء: 90]. وهذا إنصاف وتنبيه إلهي من الحق ألا يسمع أحد صوت حفيظته ~~ويفترس قوما ضعفاء. أما الذين يحاولون التمرد والاستسلام لصوت الكفر ~~وإيقاع الأذى بالمسلمين، ولم يلقوا بالسلم للمسلمين ويكفوا أيديهم عنهم، ~~هؤلاء يأتي فيهم الأمر الإلهي: خذوهم واقتلوهم. وجعل الله للمسلمين على ~~هؤلاء السلطان المبين. والسلطان - كما نعرف - هو القوة، والقوة تأخذ ~~لونين: هناك قوة تقهر الإنسان على الفعل كأن يأتي واحد ويأمر إنسانا ~~بالوقوف فيقف، وكأن يأمر القوي الضعيف بالسجود فيسجد. وهذا سلطان ~~القوة الذي يقهر القالب، لكنه لا يقدر على قهر القلب أبدا. والسلطان ~~الثاني هو سلطان الحجة، وقوة المنطق وقوة الأداء والأدلة التي تقنع ~~الإنسان أن يفعل. والفارق بين سلطان القوة وسلطان الحجة أن سلطان القوة ~~قد يقهر الإنسان على السجود، لكن سلطان الحجة يجعل الإنسان يسجد ~~بالاقتناع. والسلطان المبين الذي جعله الله للمؤمنين على المنافقين الذين ~~يقاتلون المؤمنين، هذا السلطان يمكن لكم أيها المسلمون قوة تفعلون بها ما ~~تريدون من ms2039 هؤلاء ما داموا حاولوا القتال وإلحاق الأذى بالمسلمين، فالحزم ~~والعدل هو أخذهم بالعنف. وحتى نفهم معنى السلطان جيدا فلنتذكر الجدل ~~الذي سيحدث في الآخرة بين الشيطان والذين اتبعوا الشيطان، سنجد الشيطان ~~يقول: لقد أغويتكم، هذا صحيح، وأنتم اتبعتموني، فأنتم المسئولون عن ذلك، ~~فلم يكن لي عليكم من سلطان قوة أو سلطان إقناع: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي.. # [إبراهيم: 22]. وبعد أن تكلم الحق عن القتال ومشروعيته، وقتال ~~المنافقين، وقتال الآخرين. نجد الكلام يصل إلى موضوع القتل. فأوضح لهم: ~~المسألة أنني أنا الذي عملت البنيان الآدمي، والحياة أنا الذي أهبها، ~~وليس من السهل لباني البنيان أن يحرض على هدمه، إنما أنا أحرض على هدم ~~هؤلاء الذين يقاتلونكم لكي يسلم باقي البنيان لكم، وإياكم أن تجترئوا على ~~بنيانات الناس، فملعون من يهدم بنيان الله فالنفس التي خلقها الله، ~~إياك أن تقترب من ناحيتها إلا بحقها وذلك بأن اجترأت على حدود الله ~~لأنه سبحانه هو الذي خلق الحياة وهو الذي يأخذ الحياة، وحياة الناس ليست ~~ملكا لهم فحياة الإنسان نفسه ليست ملكا لنفسه، ولذلك فمن يقتل واحدا، ~~عدوانا دون حق نقتص منه، وأما إن كان ذلك قد قتل خطأ فنأخذ منه الدية، ~~وتنتهي المسألة. لكن قاتل نفسه تحرم عليه الجنة. إذن فقبل أن يقول لي: لا ~~تقتل غيرك قال لي: إياك وأن تقتل نفسك. إذن فسبحانه ليس بغيور فقط على ~~الناس منك، بل يغار عليك أيضا من نفسك، ولذلك فحين شرع سبحانه القصاص في ~~القتل شرعة ليحميك لا ليجرئك على أن تقتل، أما عندما يأمر سبحانه: أن من ~~قتل يقتل. # فهو يقسط ويعدل، والقصد من هذا الحفاظ على حياتين لأنك إن علمت أنك إن ~~قتلته قتلت لا تقتل. وما دمت لا تقتل فقد حميت حياتين حياة من ~~كنت ستقتله وحياتك من أن يقتص منك وهذا هو معنى قوله: # ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب.. # [البقرة: 179]. إذن فالذي يتفلسف ويقول: هذه بشاعة وكذا وكذا نقول له: ~~الذي يشرع القصاص ms2040 أيريد أن يقتل؟ لا، بل يريد أن يحمي حياتك لأن القاتل ~~عندما يعلم أنه إن قتل يقتل فلا يقتل، وما دام لا يقتل نكون قد ~~حافظنا على حياته وحياة الآخر. إذن فقوله: # ولكم في القصاص حياة.. # [البقرة: 179] قول صدق. وعندما تكلم الحق عن القتال والقتل ينبهنا: ~~إياكم وأن تجترئوا بسبب هذه المسائل على دماء الناس ولا على حياتهم لذلك ~~يتكلم سبحانه عن القتل المحظور في الإيمان والإسلام ويقول: { وما كان ~~لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا... }. ### || [4.92] # جاء هذا القول بعد أن تكلم سبحانه عن القتال لتثبيت أمر الدعوة، ولما ~~كان القتال يتطلب قتل نفس مؤمنة نفسا كافرة، ناسب ذلك أن يتكلم الحق ~~سبحانه عن القتل. والقتل - كما نعلم - محاولة إزهاق روح الحي بنقض بنيته. ~~والحي وإن لم ننقض بنيته حين يأتي أجله يموت. إذن فنقض البنية من الإنسان ~~الذي يريد أن يقضي على إنسان عمل غايته إنهاء الحياة، فلا يظنن ظان أن ~~القاتل الذي أراد أن ينقض بنية شخص يملك أن ينهي حياته، ولكنه يصادف ~~انقضاء الحياة، فالذي ينهي الحياة هو الحق سبحانه وتعالى. ولذلك قلنا: إن ~~الجزاء إنما وقع على القاتل لا لأنه أمات القتيل ولكن لأن القاتل تعجل في ~~أمر استأثر الله وحده به، والقتيل ميت بأجله، فالحق سبحانه وتعالى هو ~~الذي استخلف الإنسان في الكون، والاستخلاف شرحه الحق في قوله: # واستعمركم فيها.. # [هود: 61]. فالله هو الذي جعل الإنسان خليفة في الكون ليعمر هذا الكون، ~~وعمارة الكون تنشأ بالتفكير في الارتقاء والصالح في الكون، فالصالح نتركه ~~صالحا، وإن استطعنا أن نزيد في صلاحه فلنفعل. الأرض - على سبيل المثال - ~~تنبت الزرع، وإن لم يزرعها الإنسان فهو يجد زرعا خارجا منها، والحق ~~يريد من الإنسان أن ينمي في الأرض هذه الخاصية فيأتي الإنسان بالبذور ~~ويحرث الأرض ويزرعها. فهذا يزيد الأمر الصالح صلاحا. وهذا كله فرع وجود ~~الحياة. إذن فالاستخلاف في الأرض لإعمارها يتطلب حياة واستبقاء حياة ~~للخليفة. وما دام استبقاء الحياة أمرا ضروريا فلا تأتي أيها الخليفة ~~لخليفة آخر ms2041 مثلك لتنهي حياته فتعطل إحياءه للأرض واستعماره لها. فالقتال ~~إنما شرع للمؤمنين ضد الكافرين لأن حركة الكافرين في الحياة حركات ~~مفسدة، ودرء المفسدة دائما مقدم على جلب المصلحة. فالذي يفسد الحياة ~~يقاتله المؤمنون كي ننهي الحياة فيه، ونخلص الحياة من معوق فيها. إذن ~~فيريد الحق أن تكون الحياة لمن تصلح الأرض بحياته. والكافرون يعيثون في ~~الأرض فسادا، ويعيشون على غير منهج، ويأخذون خير الضعيف ليصيروا هم به ~~أقوياء، فشرع الله القتال إما ليؤمنوا فيخضعوا للمنهج، وإما ليخلص الحياة ~~من شرهم. فإذا ما وجه الإنسان القتل لمؤمن - وهو في ذاته صالح للاستعمار ~~في الحياة - يكون قد جنى على الحياة، وأيضا لو قتل الإنسان نفسه يكون قد ~~جنى على الحياة كذلك، لماذا؟ لأنه أفقد الحياة واحدا كان من الممكن أن ~~يعمر بحركته الأرض. فإن اجترأ على حياته أو على حياة سواه فلا بد أن ~~نؤدبه. كيف؟ قال سبحانه: # والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها.. # [يونس: 27]. والتشريع الإسلامي وضع للقاتل عن سبق إصرار وترصد عقابا هو ~~القتل. # وبذلك يحمي التشريع الحياة ولا ينمي القتل، بل يمنع القتل. إذن، فالحدود ~~والقصاصات إنما وضعت لتعطي الحياة سعة في مقوماتها لا تضييقا في هذه ~~المقومات، والحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن القتال المشروع أراد أن ~~يوضح لنا: إياكم أن تتعدوا بهذه المسألة، وتستعملوا القتال في غير الأمر ~~المشروع، فإذا ما اجترأ إنسان على إنسان لينهي حياته في غير حرب إيمانية ~~شرعية فماذا يكون الموقف؟ يقول التشريع: إنه يقتل، وكان يجب أن يكون في ~~بالك ألا تجترئ على إزهاق حياة أحد إلا أن يكون ذلك خطأ منك، ولكن إن أنت ~~فعلت خطأ نتج عنه الأثر وهو القتل. فماذا يكون الأمر؟ هناك منفعل لك وهو ~~القتيل وأنت القاتل ولكن لم تكن تقصده، هما - إذن - أمران: عدم القصد في ~~ارتكاب القتل الخطأ، والأمر الثاني هو حدوث القتل. يقول التشريع في هذه ~~المسألة: إن القاتل بدون قصد قد أزهق حياة إنسان، وحياة هذا الإنسان لها ~~ارتباطات شتى في بيئته الإيمانية ms2042 العامة، وله ارتباطاته ببيئته الأهلية ~~الخاصة كعائلته، العائلة له أو العائل لها أو الأسرة أو الأقرب من الأسرة ~~وهو الأصل والفرع، فكم دائرة إذن؟ دائرة إيمانية عامة، ودائرة الأهل في ~~عمومها الواسع، ودائرة الأسرة، ودائرة خصوصية الأسرة في الأصل والفرع. ~~وحين تنهي حياة إنسان في البيئة الإيمانية العامة فسوف تتأثر هذه البيئة ~~بنقصان واحد مؤمن خاضع لمنهج الله ومفيد في حركته لأن الدائرة الإيمانية ~~فيها نفع عام. لكن دائرة الأهلية يكون فيها نفع خاص قليلا والدائرة ~~الأسرية نجد أن نفعه فيها كان خاصا بشكل ما، وفي الأصل والفرع نجده نفعا ~~مهما وخاصا جدا. إذن فهذا القتل يشمل تفزيعا لبيئة عامة ولبيئة أسرة ~~ولبيئة أصل وفرع. ولذلك أريد أن تلاحظوا في أحداث الحياة شيئا يمر علينا ~~جميعا، ولعل كثيرا منا لا يلتفت إليه، مع أنه كثير الحدوث، مثلا: إذا ~~كنا جالسين في مجتمع وجاء واحد وقال: " فلان مات " ، وفي هذا المجتمع ~~أناس يعرفونه معرفة عامة. وآخرون يعرفونه معرفة خاصة ولهم به صلة، وأناس ~~من أهله، وفيه والد الميت أو ابنه، انظروا إلى أثر النعي أو الخبر في ~~وجوه القوم، فكل واحد سينفعل بالقدر الذي يصله ويربطه بمن مات. فواحد ~~يقول: " يرحمه الله " وثان يتساءل بفزع: " كيف حدث ذلك "؟ وثالث يبكي ~~بكاء مرا، ورابع يبكي جاريا ليرى الميت. والخبر واحد فلماذا يتعدد أثر ~~وصدى الانفعالات، ولماذا لم يكن الانفعال واحدا؟ نقول: إن الانفعال إنما ~~نشأ قهرا بعملية لا شعورية على مقدار نفع الفقيد لمن ينفعل لموته فالذي ~~كان يلتقي به لماما ويسيرا في أحايين متباعدة يقول: " رحمه الله ". ~~والذي كان يجالسه كل عيد يفكر في ذكرياته معه، وحتى نصل إلى أولاده فنجد ~~أن المتخرج الموظف وله أسرة يختلف انفعاله عن الخريج حديثا أو الذي ~~يدرس، أو البنت الصغيرة التي ما زالت تتلقى التعليم، هؤلاء الأولاد يختلف ~~تلقيهم للخبر بانفعالات شتى، فالابن الذي له أسرة وله سكن يتلقى الخبر ~~بانفعال مختلف عن الابن الذي ما زال في الدراسة، وانفعال الابنة التي ~~تزوجت ولها ms2043 أسرة يختلف عن انفعال الابنة التي ما زالت لم تجهز بعد. # إذن فالانفعال يحدث على مقدار النفعية، ولذلك قد نجدها على صديق أكثر ~~مما نجدها على شقيق. وقالوا: من أحب إليك، أخوك أم صديقك؟. قال: النافع. ~~إذن تلقى خبر انتهاء الحياة يكون مختلفا، فالحزن عليه والأسف لفراقه ~~إنما يكون على قدر إشاعة نفعه في المجتمع. وهناك واحد يكون وطنه أسرته ~~يعمل على قدر نفعها، وواحد يكون وطنه عائلته وقريته، وواحد وطنه أمته. ~~وواحد وطنه العالم كله. إذن فعندما يفجع المجتمع في واحد فالهزة تأتي على ~~قدر وطنه، وعندما يفاجأ الناس بواحد يقتل عن طريق الخطأ فالفاعل معذور. ~~ولكن عذره لم يمنع أن تعدى فعله وأن الآخر قد قتل؟. فالأثر قد حصل، وتحدث ~~الهزة للأقرب له في الانتفاع، ولأن القتل خطأ فلن يتم القصاص من القاتل، ~~ولكن عليه أن يدفع دية، وهذه الدية توزع على الناس الذين تأثروا بفقدان ~~حياته لأن هناك قاعدة تقول: " بسط النفع وقبض الضر ". إنك ساعة ترى شيئا ~~سينفعك فإن النفس تنبسط، وعندما ترى شيئا سيضرك فإن النفس تنقبض. وعندما ~~يأتي للإنسان خبر موت عزيز عليه فإن نفسه تنقبض، وساعة يأتيه من بعد ذلك ~~خير وهو حصوله على جزء من دية القتيل فالنفس تنبسط، وبذلك يتم علاج الأثر ~~الحادث عن القتل الخطأ. والدية بحكم الشرع تأتي من العاقلة، وبشرط ألا ~~تؤخذ من الأصول والفروع، فلا تجتمع عليهم مصيبة فقد إنسان على يد أحد من ~~أصولهم أو فروعهم وهم بذلك يفزعون فلا يجمع عليهم هذا الأمر مع المشاركة ~~في الدية. كأن التشريع أراد أن يعالج الهزة التي صنعها انحراف بعلاج هو ~~وقاية من رد الفعل فيحقق التوازن في المجتمع. فمن يقتل خطأ لا يقتص منه ~~المجتمع ولكن هناك الدية. ومن أجل إشاعة المسئولية فالقاتل لا يدفعها، ~~ولكن تدفعها العاقلة لأن العاقلة إذا ما علمت أن من يجني من أهلها جناية ~~وأنها ستتحمل معه فإنها تعلم أفرادها في صيانة حقوق غيرهم لأن كل واحد ~~منها سيدفع، وبذلك يحدث التوازن ms2044 في المجتمع. والحق سبحانه وتعالى يعلمنا ~~أن نستبعد أن يقتل مؤمن مؤمنا إلا عن خطأ، فلا يستقيم أن يحدث ذلك عمدا ~~فيقول: { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا ~~خطئا.. } [النساء: 92] ومعنى هذا أن مثل هذا القتل لا يصح أن يحدث عن ~~قصد لأن اللحمة - بضم اللام - الإيمانية تمنع هذا. # لكن إن حدث هذا فما العلاج؟ { وما كان لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير ~~رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله.. } ~~[النساء: 92]. ولا يذكر سبحانه هنا القصاص، فالقصاص قد تقدم في سورة ~~البقرة في قوله تعالى: # كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى.. # [البقرة: 178]. والقصاص حق الولي فله أن يعفو أو أن يأخذ الدية، كأن ~~يقول: عفوت عن القصاص إلى الدية. ويجب أن نفرق بين الحد وبين القصاص. ~~فالقصاص حق الولي، والحد حق الله. وللولي أن يتنازل في القصاص، أما ~~الحدود فلا يقدر أحد أن يتنازل عنها، لأنها ليست حقا لأحد ولكنها حق ~~الله. إذن فالقتل الخطأ قال فيه: { فتحرير رقبة مؤمنة.. } ~~[النساء: 92] وهنا قد نسأل: وماذا يستفيد أهل المجنى عليه بالقتل من ~~تحرير رقبة مؤمنة؟. هل يعود ذلك على أهل القتيل ببسط في النفعية؟. قد لا ~~تفيدهم في شيء، لكنها تفيد المجتمع لأن مملوك الرقبة وهو العبد أو الأمة ~~هو مملوك لسيده، والسيد يملك حركة العبد، ولكن عندما يكون العبد حرا ~~فهو حر الحركة فحركة العبد مع السيد محدودة، وفي حريته حركة مفيدة ~~للمجتمع. إذن فالقبض الذي حدث من قتل نفس مؤمنة يقابلها بسط في حرية واحد ~~كان محكوما في حركته فنقول له: انطلق في حركتك لتخدم كل مجتمعك. ويريد ~~الحق بذلك أن يفتح مصرفا لحرية الأرقاء ضمن المصارف الكثيرة التي جعلها ~~الإسلام لذلك. وبعد هذا القول { ودية مسلمة إلى أهله.. ~~} [النساء: 92] لكي تصنع البسط في نفوس أهله ليعقب القبض نتيجة خبر ~~القتل. ولذلك نجد أسرة قد فجعت في أحد أفرادها بحادثة وعاشوا الحزن ~~أياما ثم يأخذون الأوراق ويصرفون بها الدية ms2045 أو التعويض، مما يدل على أن ~~في ذلك شيئا من السلوى وشيئا من التعزية وشيئا من التعويض، ولو كانت ~~المسألة مزهودا فيها لقالوا: " نحن لا نريد ذلك " ، ولكن ذلك لا يحدث. ~~وبعد ذلك نجد الذي فقد حياة حبيب لا يظل في حالة حزن ليفقد حياة نفسه، ~~ففي الواقع يكون الحزن من الحزين على نفسه بمقدار ما فات عليه من نفع ~~عندما قتل له القتيل، والحزين إنما حزن لأن القتيل كان يثري حياته، فلما ~~مات صارت حياة النفع منه بلا إثراء. ولو رأينا إنسانا يحزن لفقد واحد ~~وقلنا له: احتفظ بجثمانه لمدة أسبوع لترتوي من أشواقك إليه، وبعد ذلك ~~نأخذه منك لندفنه أيرضى؟. لن يرضى أبدا بذلك. أو نقول للحزين: " لن نقدم ~~لك طعاما لمدة أسبوع لأنك في حالة حزن هنا لن يوافق الحزين " ، وزوجة ~~الفقيد تذرف عيناها الدمع وتبكي عليه لكنها تأكل وتشرب. # إذن فالمسألة يجب أن تكون واضحة لاستقبال أقضية الحق وهي أقضية لا تنقض ~~نواميس الله في الكون. وبعد ذلك يريد الحق أن يشيع التعاطف بين الناس، ~~فإذا قال أهل القتيل لأهل القاتل: نحن لا نريد دية، لأن مصيبتكم في ~~القتيل مثل مصيبتنا فيه، وكلنا إخوة فما الذي يجري في المجتمع؟. الذي ~~يحدث من النفع هو أضعاف أضعاف ما تؤدية الدية، إذن فهذا تربيب للدية، ~~فساعة يعرف الطفل في العائلة أنه كان مطلوبا منهم دية لأن أباه قد ~~قتل، وعفا أهل القتيل فلم يأخذوا الدية، هذا الطفل سيعرف عندما ~~يشب ويعقل الأمور أن كل خير عند أسرته ناتج من هذا العفو وهذه ~~العفة، فيحدث الود. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يربب إشاعة المودة ~~والصفاء والنفعية. فإذا ما حزن واحد لفقدان إنسان بالقتل الخطأ قد يأخذ ~~الدية فينتفع، وإن لم يأخذها فهو ينتفع أكثر لذلك يقول الحق: { ودية ~~مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا.. } [النساء: ~~92]. وهذا ما يحدث إذا ما قتل مؤمن مؤمنا خطأ في بيئة إيمانية، ولكن ما ~~الذي يحدث عندما يتم قتل مؤمن لواحد من قوم ms2046 أعداء والمقتول مؤمن ويعيش ~~بين الكفار؟. ها نحن أولاء نرى عدالة التشريع الإلهي، وحتى نزداد يقينا ~~بأن الله هو رب الجميع لذلك قال الحق: { فإن كان من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن.. } [النساء: 92] أي كان المقتول من قوم في حالة ~~عداء مع المسلمين فهو لا يستحق الدية لأنه يحيا في قوم كافرين. هكذا نجد ~~التشريع هنا قد شرع لثلاث حالات: شرع لواحد في البيئة الإيمانية، وشرع ~~لواحد مؤمن في قوم هم أعداء للمؤمنين، وشرع لواحد قد قتل وهو من قوم ~~متحالفين مع المسلمين. وكل واحدة لها حكم، والحكم في حالة أن يكون القتيل ~~من قوم بينهم وبين المسلمين عداء وهو مؤمن، فتحرير رقبة مؤمنة، وذلك ~~للتعويض الإيماني فينطلق عبد كان محدود الحركة لأن هناك من مات وانتهت ~~حركته، وفي هذا تعويض للمجتمع عندما تشيع حركة العبد. وماذا نفعل في ~~الدية؟ لا يأخذون الدية لأن الدية موروثة، وهم من الكفار وليس بين الكفار ~~والمسلمين توارث أي فليس هنا دية. وعندما ننظر إلى قول الحق: { فإن ~~كان من قوم عدو لكم.. } [النساء: 92] نجد أن كلمة " عدو " ~~مفردة في ذاتها، ولكنها تشمل كل القوم، وفي اللغة نقول: " هو عدو " و " ~~هما عدو " و " هم عدو " وإن تنوعت عداوتهم فهم أعداء، ولكن عندما يتحد ~~مصدر العداء فهم عدو واحد. والحق يقول: { فإن كان من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة. # . } [النساء: 92] ولم يورد سبحانه هنا الدية لأن القوم على عداء للإسلام ~~فلا دية لهم لأنه لا توارث. ويقول الحق: { وإن كان من قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى ~~أهله وتحرير رقبة مؤمنة.. } [النساء: 92] فإذا أعطى ~~المسلمون قوما عهدا من العهود فلا بد من الوفاء. هذا الوفاء يقتضي ~~تسليم دية لأهله لأن هذا احترام للعهد، وإلا فما الفارق بيننا وبينهم. ~~والدية - كما نعلم - تدفعها العاقلة، ويقول الحق في بيان حق الله في أمر ~~القتل الخطأ: { وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد ~~فصيام شهرين متتابعين توبة من الله.. } ~~[النساء: 92] أي فمن لم يجد ms2047 الرقبة أو لم يتسع ماله لشرائها فصيام ~~الشهرين، بكل أيامهما، فلا يفصل بينهما إلا فاصل معذر كأن يكون القاتل - ~~دون قصد - على مرض أو على سفر. وبمجرد أن ينتهي المرض أو السفر فعليه ~~استكمال الصوم. ولماذا هذا التتابع الحكمي؟. لأن الله سبحانه وتعالى يريد ~~أن يجعل هذه المسألة شاغلة لذهن القاتل، وما دامت تشغل ذهنه فالصيام لا ~~بد أن يكون متتابعا، فلو لم يكن الصيام متتابعا لأصابت القاتل غفلة. { ~~فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من ~~الله.. } [النساء: 92]. ولماذا قال الحق: { توبة من الله.. ~~} [النساء: 92]؟. والتوبة - كما نعرف - قد تكون من العبد فنقول: " تاب ~~العبد ". وقد تسند التوبة إلى الحق فيقال: " تاب الله عليه " ومراحل ~~التوبة ثلاث: حين يشرع الله التوبة نقول: تاب الله على العباد فشرع لهم ~~التوبة فلا أحد يتوب إلا من باطن أن الله شرع التوبة لأنه لو لم يشرع ~~الله التوبة لتراكمت على العباد الذنوب والخطايا. وتشريع التوبة هو تضييق ~~شديد لنوازع الشر، فلو لم يشرع الله التوبة لكان كل من ارتكب ذنبا يعيث ~~في الأرض بالفساد، فحين شرع الله التوبة عصم المجتمع من الأشرار. فلأنه ~~شرع التوبة، فهو - سبحانه - يتوب، هذه هي المرحلة الأولى. وما دام الله ~~قد شرع التوبة فالمذنب يتوب، هذه هي المرحلة الثانية، وساعة شرع الله ~~التوبة ويتوب المذنب فالله يقبل التوبة، هذه هي المرحلة الثالثة. وهكذا ~~نرى دقة القرآن حين قال: # ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب ~~الرحيم # [التوبة: 118]. وبعد أن يتوبوا فإن الله يقبل التوبة عن عباده. إذن ~~فالتوبة الأولى من الله تشريع. والتوبة الثانية من الله قبول، والوسط ~~بينهما هي توبة الإنسان. ويذيل الحق الآية: { توبة من الله ~~وكان الله عليما حكيما } [النساء: 92] فسبحانه يشرع التشريع ~~الذي يجعل النفوس تحيا في مناخ طبيعي وفي تكوينها الطبيعي، فلو تصورنا ~~أن إنسانا قد قتل خطأ وتركنا أهل المقتول بلا ترضية فلن يستفيد المجتمع ~~الإيماني من قتله. # إذن فالعلم من الله بالنفس البشرية جعل من قتل خطا يفيد المجتمع ms2048 ~~الإيماني بتحرير رقبة، فيزيد المجتمع إنسانا حرا يتحرك حركة إيمانية ~~لذلك اشترط الحق أن تكون الرقبة مؤمنة، حتى نضمن أن تكون الحركة في ~~الخير، فنحن لا نحرر رقبة كافرة لأن الرقبة الكافرة عندما تكون مملوكة ~~لسيد فشرها محصور، لكن لو أطلقناها لكان شرها عاما. وبعد تحرير الرقبة ~~هناك الدية لننثرها على كل مفزع في منفعته فيمن قتل، ولا نأخذها من أصول ~~القاتل وفروعه، فلا نجمع عليهم مصيبتين القتل الذي قام به أصلهم أو فرعهم ~~لأن ذلك - لا شك - سيصيبهم بالفزع والخوف والاشفاق على من جنى منهم. وأن ~~يشتركوا في تحمل الدية. وذلك العمل ناشىء عن حكمة. فإذا كان الذي يضع ~~الأشياء في موضعها هو خالقها، فلن يوجد أفضل من ذلك لتستقيم الأمور. وفي ~~المجال البشرى نجد أن أي آلة من الآلات - على سبيل المثال - مكونة من ~~خمسين قطعة، وكل قطعة ترتبط بالأخرى بمسامير أو غير ذلك، وما دامت كل ~~قطعة في مكانها فالآلة تسير سيرا حسنا، أما إذا توقفت الآلة فإننا ~~نستدعي المهندس ليضع كل قطعة في مكانها، وكل شيء حين يكون في موضعه ~~فالآلة تمشي باستقامة، وكل حركة في الوجود مبنية على الحكمة لا ينشأ فيها ~~فساد فالفساد إنما ينشأ من حركات تحدث بدون أن تكون على حكمة. والحكمة ~~مقولة بالتشكيك، فهناك حكيم وهناك أحكم. وقديما - على سبيل المثال - كنا ~~نرى الأسلاك الكهربائية دون عوازل فكان يحدث منها " ماس " كهربائي. ~~وعندما اكتشفنا العوازل استخدمناها وعدلنا من تصنيعنا للأشياء. وكنا نجد ~~الأسلاك في السيارة - مثلا - ذات لون وحجم واحد، فكان يحدث الارتباك عند ~~الإصلاح، لكن عندما تمت صناعة كل سلك بلون معين، فسهل هذا عملية الإصلاح. ~~فالحكمة هي وضع الشيء في موضعه، فما بالنا حين يكون من يضع الشيء في ~~موضعه هو خالقنا؟ لن نجد أفضل ولا أحسن من ذلك. فإذا ما رأينا خللا في ~~المجتمع فلنعلم أن هناك شيئا قد ناقض حكمة الله. وعندما نبحث عن العطب ~~سوف نجده، تماما مثلما تبحث عن العطب في أي آلة وتأتي لها ms2049 بالمهندس الذي ~~يصلحها. ويجب أن نرده إلى من خلق المجتمع، ونبحث عن علاج الخلل بحكم من ~~أحكام الله. ولذلك أرشدنا الحق إلى أننا إن اختلفنا في شيء فلنرده إلى ~~الله وإلى الرسول حتى لا نظل في تعب. وبعد ذلك يتكلم الحق عن القتل ~~العمد، وقد يقول قائل: أما كان يجب أن يحدثنا الله عن القتل العمد أولا؟ ~~ونقول: الحق لو تكلم عن القتل العمد أولا لكان ذلك موحيا أنه يحدث ~~أولا، ولكن الحق يوضح: لا يصح أن تأتي هذه على خيال المؤمن. ويسأل سائل: ~~لماذا لم يقل الحق: " وما كان لمسلم ". ونقول: يجب أن ننتبه إلى أن الحق ~~نادى المؤمن لأن الإيمان عمل قلبي، ولهذا كان النداء للمؤمنين ولم يكن ~~النداء للمسلمين لأن الإسلام أمر ظاهري، فقد يقتل إنسان يتظاهر بالإسلام ~~إنسانا مؤمنا. لهذا نادى الحق بالنداء الذي يشمل المظهر والجوهر وهو ~~الإيمان. وحين يشرع الحق فلا بد أن يأتي بالجزاء والعقاب للذي يقتل ~~عمدا. وهو يقول: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا... }. ### || [4.93] # والقتل هنا لمؤمن بعمد، فالأمر إذن مختلف عن القتل الخطأ الذي لا يدري ~~به القاتل إلا بعد أن يقع. وجزاء القاتل عمدا لمؤمن هو جهنم، وليس له ~~كفارة أبدا. هكذا يبشع الحق لنا جريمة القتل العمد. لأن التعمد يعني أن ~~القاتل قد عاش في فكرة أن يقتل، ولذلك يقال في القانون " قتل عمد مع سبق ~~الإصرار ". أي أن القاتل قد عاش القتل في تخيله ثم فعله، وكان المفروض في ~~الفترة التي يرتب فيها القتل أن يراجعه وازعه الديني، وهذا يعني أن الله ~~قد غاب عن باله مدة التحضير للجريمة، وما دام قد عاش ذلك فهو قد غاب عن ~~الله، فلو جاء الله في باله لتراجع، وما دام الإنسان قد غاب باله عن الله ~~فالله يغيبه عن رحمته. { ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزآؤه جهنم خالدا فيها.. } [النساء: 93] وقالوا في سبب ~~هذه الآية: إن واحدا اسمه مقيس بن ضبابة كان له أخ اسمه هشام، فوجد ~~أخاه مقتولا في بني النجار، ms2050 وهم قوم من الأنصار بالمدينة. فلما وجد ~~هشاما قتيلا ذهب مقيس إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأخبره بالخبر، فأرسل معه رجلا من بني فهر وكتب إليهم أن يدفعوا إلى ~~مقيس قاتل أخيه، فقال بنو النجار والله ما نعلم له قاتلا، ولكننا ~~نؤدي الدية فأعطوه مائة من الأبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة فعدا ~~مقيس على الفهري فقتله بأخيه وأخذ الإبل وانصرف إلى مكة مرتدا وجعل ~~ينشد: # قتلت به فهرا وحملت عقله # سراة بني النجار أرباب فارع # حللت به وترى وأدركت ثورتي # وكنت إلى الأوثان أول راجع # فلما بلغ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أهدر دمه. ومعنى " ~~أهدر دمه " أباح دمه، أي أن من يقتله لا عقاب عليه، إلى أن جاء يوم ~~الفتح فوجد " مقيس " متعلقا بأستار الكعبة ليحتمي بها، فأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بقتله، { ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ~~ولعنه وأعد له عذابا عظيما } [النساء: 93]. وهنا نجد ~~أكثر من مرحلة في العذاب: جزاء جهنم، خلود في النار، غضب من الله، لعنة ~~من الله، إعداد من الله لعذاب عظيم. فكأن جهنم ليست كل العذاب ففيه عذاب ~~وفيه خلود في النار وفيه غضب وفيه لعنة ثم إعداد لعذاب عظيم. وهذا ما ~~نستعيذ بالله منه. فبعضنا يتصور أن العذاب هو جهنم فحسب، وقد يغفل بعض عن ~~أن هناك ألوانا متعددة من العذاب. وفي الحياة نرى إنسانا يتم حبسه فنظن ~~أن الحبس هو كل شيء، ولكن عندما وصل إلى علمنا ما يحدث في الحبس عرفنا أن ~~فيه ما هو أشر من الحبس. # وهنا وقفة وقف العلماء فيها: هل لهذا القاتل توبة؟ واختلف العلماء في ~~ذلك، فعالم يقول: لا توبة لمثل هذا القاتل. وعالم آخر قال: لا، هناك ~~توبة. وجاء سيدنا ابن العباس وجلس في جماعة وجاء واحد وسأله: أللقاتل ~~عمدا توبة؟ قال ابن العباس: لا. وبعد ذلك بمدة جاء واحد وسأل ابن ~~العباس: أللقاتل عمدا توبة؟ فقال ابن العباس: ms2051 نعم. فقال جلساؤه: كيف ~~تقول ذلك وقد سبق أن قلت لا، واليوم تقول نعم. قال ابن العباس: سائلي ~~أولا كان يريد أن يقتل عمدا، أما سائلي ثانيا فقد قتل بالفعل، فالأول ~~أرهبته والثاني لم أقنطه من رحمة ربه. وكيف فرق ابن العباس بين ~~الحالتين؟ إنها الفطنة الإيمانية والبصيرة التي يبسطها الله على المفتي. ~~فساعة يوجد النبي صلى الله عليه وسلم في صحابته يسأله واحد قائلا: " أي ~~الإسلام خير "؟ فيقول صلوات الله وسلامه عليه: # " تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " # ويسأله آخر فيجيبه بقوله: # " من سلم المسلمون من لسانه ويده " # وهكذا كان عليه الصلاة والسلام يجيب كل سائل بما يراه أصلح لحاله أو حال ~~المستمع، ويجيب كل جماعة بما هو أنفع لهم.. ويسأله عبد الله ابن مسعود ~~رضي الله عنه: # " أي الأعمال أفضل؟ فيقول صلوات الله وسلامه عليه: " الصلاة على ~~ميقاتها. قلت: ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: أن يسلم الناس من لسانك ". # ونعرف أن آية القتل العمد تتطلب المزيد من التفكر حول نصها { ~~فجزآؤه جهنم خالدا فيها.. } [النساء: 93] وهل الخلود هو ~~المكث طويلا أو على طريقة التأبيد بمعنى أن زمن الخلود لا ينتهي؟ ولو أن ~~زمن الخلود لا ينتهي لما وصف الحق المكث في النار مرة بقوله: # خالدين فيها.. # [آل عمران: 88]. ومرة أخرى بقوله: # خالدين فيهآ أبدا.. # [النساء: 169]. هذا القول يدل على أن لفظ التأبيد في " أبدا " فيه ~~ملحظ يزيد على معنى الخلود دون تأبيد. وإذا اتحد القولان في أن الخلود ~~على إطلاقه يفيد التأبيد، وأن # خالدين فيهآ أبدا.. # [النساء: 169] تفيد التأبيد أيضا، فمعنى ذلك أن اللفظ " أبدا " لم يأت ~~بشيء زائد. والقرآن كلام الله، وكلام الله منزه عن العبث أو التكرار. إذن ~~لا بد من وقفة تفيدنا أن الخلود هو المكث طويلا، وأن الخلود أبدا هو ~~المكث طويلا طولا لا ينتهي، وعلى ذلك يكون لنا فهم. فكل لفظ من القرآن ~~محكم وله معنى. ثم إن كلمة " خالدين " حين وردت في القرآن فإننا نجد الحق ~~سبحانه ms2052 وتعالى يقول في خلود النار: # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم ~~شقي وسعيد * فأما الذين شقوا ففي النار لهم ~~فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السماوات ~~والأرض إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما ~~يريد # [هود: 105-107]. فكأن الحق سبحانه وتعالى استثنى من الخلود: # إلا ما شآء ربك.. # [هود: 107]. والاستثناءلا بد له من زمن، فلا نأخذ الخلود بمعنى التأبيد، ~~ولكن الخلود هو زمن طويل، وكذلك يقول في خلود الجنة: # وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما ~~دامت السموت والأرض إلا ما شآء ربك عطآء ~~غير مجذوذ # [هود: 108]. وقوله الحق: # إلا ما شآء ربك.. # [هود: 107] تفيد أن الخلود عندهم ينتهي. ما دام هناك استثناء فالاستثناء ~~لا بد له من زمن، والزمن مستثنى من الخلود وعلى ذلك لا يكون الخلود ~~تأبيديا. وعلينا أن نتناول الآيات بهذه الروح، وفي هذه المسألة نجد وقفة ~~لعالم من أعلام العقائد في العصر العباسي هو عمرو بن عبيد، وكان عمرو من ~~العلماء الذين اشتهروا بالمحافظة على كرامة العلم وعزة العلماء لدرجة أن ~~خليفة ذلك الزمان قال عنه وسط بعض المنتسبين إلى العلم: " كلهم طالب صيد ~~إلا عمرو بن عبيد " وقد كانت منزلته العلمية عالية ونفسه ذات عزة إيمانية ~~تعلو على صغائر الحياة. وكان عمرو بن عبيد دقيق الرأي، ويحكى عنه قيس بن ~~أنس هذه الحكاية: كنت في مجلس عمرو بن عبيد فإذا بعمرو بن عبيد يقول: " ~~يؤتى بي يوم القيامة فيقال لي: لم قلت بأن قاتل العمد لا توبة له. قال: ~~فقرأت الآية: { فجزآؤه جهنم خالدا فيها.. } [النساء: 93] ~~وكان يجب أن يلتفت عمرو بن عبيد إلى أن الإلهام الذي جاءه أو الرؤيا التي ~~أراها له الله بأنه سوف يؤتى به يوم القيامة ليسأل لماذا أفتى بألا توبة ~~لقاتل العمد، كان يجب أن يلتفت إلى أن ذلك يتضمن أن لقاتل العمد توبة لأن ~~سؤاله عن ذلك يوم القيامة يشير إلى عتاب في ذلك. نقول ذلك لنعرف أن ~~الحق سبحانه وتعالى جعل فوق كل ms2053 ذي علم عليما، ولكن عمرا ذكر ما جاء ~~في قول الحق: { فجزآؤه جهنم خالدا فيها.. } [النساء: 93]. ~~وقال قيس بن أنس: وكنت أصغر الجالسين سنا، فقلت له: لو كنت معك لقلت كما ~~قلت: { فجزآؤه جهنم خالدا فيها.. } [النساء: 93] وقلت ~~أيضا: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء.. # [النساء: 48]. قال قيس: فوالله ما رد علي عمرو بن عبيد ما قلت: ومعنى ~~ذلك موافقة عمرو بن عبيد. ماذا تفيد هذه؟. تفيد ألا نأخذ كلمة " خالدين ~~فيها " بمعنى التأبيد الذي لا نهاية له لأن الله قد استثنى من الخلود في ~~آية أخرى. والحق سبحانه وتعالى بعد أن شرح حكم القتل العمد والقتل الخطأ، ~~بحث العلماء ووجدوا أن هناك قتلا اسمه " شبه العمد " أي أنه لا عمد ولا ~~خطأ، كأن يأتي إنسان إنسانا آخر ويضربه بآلة لا تقتل عادة فيموت ~~مقتولا، وهنا يكون العمد موجودا، فالضارب يضرب، ويمسك بآلة ويضرب بها، ~~وصادف أن تقتل الآلة التي لا تقتل غالبا، وقال العلماء: القتل معه لا ~~به، فلا قصاص، ولكن فيه دية. # وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يوضح: بعد ما حدث وحدثتكم عن القتل بكل ~~صوره وألوانه سواء أكان القتل مباحا كقتل المسلمين الكافرين في الحرب ~~بينهما، أم القتل العمد، أم القتل الخطأ، أم القتل شبه العمد، لذلك ~~ينبهنا: يجب أن تحتاطوا في هذه المسألة احتياطا لتتبينوا أين تقع سيوفكم ~~من رقاب إخوانكم، فيقول: { يا أيها الذين آمنوا إذا ~~ضربتم... }. ### || [4.94] # فيأيها المؤمنون حين تضربون في سبيل الله فتبينوا وتثبتوا فلا تعمل ~~سيوفكم أو رماحكم أو سهامكم إلا بعد أن تتثبتوا: { ولا تقولوا ~~لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون ~~عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ~~كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ~~فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا } ~~[النساء: 94]. إذن فهذه آية تجمع بين كل المعاني، ففيها الحكم وحيثيته ~~والمراد منه، وسبحانه يبدأها بقوله: { يا أيها الذين آمنوا.. ~~} [النساء: 94]، والخطاب الإيماني حيثية الالتزام بالحكم، فلم يقل: " يا ~~أيها ms2054 الناس إذا ضربتم فتبينوا " ، ولكنه قال: { يا أيها الذين ~~آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا.. } ~~[النساء: 94]، فهو يطلب المؤمنين به بحكم لأنهم آمنوا به إلها، وما ~~داموا قد آمنوا فعليهم اتباع ما يطلبه الله فحيثية كل حكم من الأحكام أن ~~المؤمن قد آمن بمن أصدر الحكم، فإياك أيها المؤمن أن تقول: " ما العلة " ~~أو " ما الحكمة " وذلك حتى لا تدخل نفسك في متاهة. ولا نزال نكرر هذه ~~المسألة، لأن هذه المسألة تطفو في أذهان الناس كثيرا، ويسأل بعضهم عن ~~حكمة كل شيء، ولذلك نقول: الشيء إذا عرفت حكمته صرت إلى الحكمة لا إلى ~~الآمر بالحكم. ونرى الآن المسرفين على أنفسهم الذين لا يؤمنون بإله، أو ~~يؤمنون بالله ولكنهم ارتكبوا الكبائر من شهادة زور، إلى ربا، إلى شرب ~~خمر، وعندما يحلل الأطباء للكشف عن كبد شارب الخمر - على سبيل المثال - ~~نجده قد تليف، وأن أي جرعة خمر ستسبب الوفاة. هنا يمتنع عن شرب الخمر. ~~لماذا امتنع؟. لأنه عرف الحكمة. وقد يكون قائلها له مجوسيا، فهل كان ~~امتناعه عن الحكم تنفيذا لأمر إلهي؟. لا، ولكن المؤمن يمتنع عن الخمر ~~لأنها حرمت بحكم من الله والمؤمن ينفذ كل الأحكام حتى في الأشياء غير ~~الضارة، فمن الذي قال: إن الله لا يحرم إلا الشيء الضار؟ إنه قد يحرم ~~أمرا تأديبا للإنسان. ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نجد الزوج ~~يقول لزوجه: إياك أن تعطي ابننا بعضا من الحلوى التي أحضرتها. هو يحرم ~~على ابنه الحلوى لا لأنها ضارة، ولكنه يريد تأديب الابن والتزامه. والحق ~~يقول: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم.. # [النساء: 160]. فالذي يذهب إلى تنفيذ حكم الله إنما يذهب إليه لأن الله ~~قد قاله، لا لأن حكمة الحكم مفيدة له، فلو ذهب إنسان إلى الحكم من أجل ~~فائدته أو ضرره فإن الإيمان يكون ناقصا، والله يدير في كثير من الأوقات ~~حكمته في الأحكام حتى يرى الإنسان وجها من الوجوه اللا نهائية لحكمة ~~الله التي خفيت عليه، فيقول الإنسان: أنا ms2055 كنت أقف في حكمة كذا، ثم بينت ~~لي الأحداث والأيام صدق الله فيما قال. # وهذا يشجع الإنسان أن يأخذ أحكام الله وهو مسلم بها. والحق يقول: { ~~يا أيها الذين آمنوا.. } [النساء: 94] والإيمان هو الحيثية، ~~يا من آمنت بي إلها قادرا حكيما.. اسمع مني ما أريده منك: { يا ~~أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله.. } ~~[النساء: 94] والضرب - كما نعرف - هو انفعال الجارحة على شيء آخر بعنف ~~وقوة. وقوله: # وإذا ضربتم في الأرض.. # [النساء: 101]. معناها أن الحياة كلها حركة وانفعال، ولماذا الضرب في ~~الأرض؟. لأن الله أودع فيها كل أقوات الخلق، فحين يحبون أن يخرجوا ~~خيراتها يقومون بحرثها حتى يهيجوها، ويرموا البذور، وبعد ذلك الري. ومن ~~بعد ذلك تخرج الثمار، وهذه هي عملية إثارة الأرض. إذن كل حركة تحتاج إلى ~~شدة ومكافحة، والحق يقول: # وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله.. # [المزمل: 20]. وما دامت المسألة ضربا في الأرض فهي تحتاج إلى عزم من ~~الإنسان وإلى قوة. ولذلك يقال: الأرض تحب من يهينها بالعزق والحرث. وكلما ~~اشتدت حركة الإنسان في الأرض أخرجت له خيرا. والضرب في سبيل الله هو ~~الجهاد، أو لإعداد مقومات الجهاد. والحق سبحانه يقول لنا: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة.. # [الأنفال: 60]. فالإعداد هو أمر يسبق المعارك، وكيف يتم الإعداد؟ أن ~~نقوم بإعداد الأجسام، والأجسام تحتاج إلى مقومات الحياة. وأن نقوم بإعداد ~~العدد. والعدد تحتاج إلى بحث في عناصر الأرض، وبحث في الصناعات ~~المختلفة لنختار الأفضل منها. وكل عمليات الإعداد تطلب من الإنسان البحث ~~والصنعة. ولذلك يقال في الأثر الصالح: " إن السهم الواحد في سبيل الله ~~يغفر الله به لأربعة ". لماذا؟. لأن هناك إنسانا قام بقطع الخشب الذي ~~يتم منه صناعة السهم وصقله، وهناك إنسان وضع للسهم الريش حتى يطيره إلى ~~الإمام، وهناك واضع النبل، وهناك من يرمي السهم بالقوس. والحق يريد ~~منا أن نكون أقوياء حتى يكون الضرب منا قويا، فيقول: { إذا ضربتم ~~في سبيل الله فتبينوا.. } [النساء: 94] ونعرف أن الضرب في ~~سبيل الله لا يكون في ms2056 ساعة الجهاد فقط، ولكن في كل أحوال الحياة لأن كل ~~ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. و " تبينوا " تعني ألا تأخذوا الأمور ~~بظواهرها فلا تمضوا أمرا أو تعملوا عملا إلا إذا تثبتم وتأكدتم حتى لا ~~يصيب المؤمنون قوما بظلم. ولهذا الأمر قصة، # " كان هناك رجل اسمه " محلم بن جثامة " ، وكان بينه وبين آخر اسمه " ~~عامر بن الأضبط الأشجعي " إحن - أي شيء من البغضاء - وبعد ذلك كان " محلم ~~" في سرية، وهي بعض من الجند المحدود العدد وصادف " عامرا الأشجعي " ، ~~وكان " عامر " قد أسلم، لذلك ألقى السلام إلى " محلم " فقال " محلم ": ~~إن عامرا قد أسلم ليهرب مني. وقتل محلم عامرا. وذهب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وسأله الرسول: ولماذا لم تتبين؟. ألم يلق إليك السلام، ~~فكيف تقول إنه يقول: " السلام عليكم " لينقذ نفسه من القتل؟ فقال: " ~~محلم ": استغفر لي يا رسول الله. وإذا ما قال أحد لرسول الله: استغفر لي ~~يا رسول الله.. فرسول الله ببصيرته الإيمانية يعرف على الفور حال طالب ~~الاستغفار، فإن قال رسول الله: " غفر الله لك " فهو يعلم أنه كان ~~معذورا، وإن لم يقل رسول الله ذلك، فيعرف طالب الاستغفار أنه مذنب. ولأن ~~بين " محلم " و " عامر " إحنا وعداوات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لمحلم: " لا غفر الله لك " لأن الرسول صلى الله عليه وسلم علم أن الإحن ~~والبغضاء هي التي جعلته لا يدقق في أمر " عامر ". وقال الرواة: ومات ~~محلم بعد سبعة أيام من هذه الحادثة، ودفنوه فلفظته الأرض. فجاءوا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال: " إن الأرض تقبل من هو ~~شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم، ثم طرحوه بين صدفي جبل وألقوا ~~عليه الحجارة " ". # وعندما كانت تأتي آية مخالفة لنواميس الدنيا المفهومة للناس فالنبي يريد ~~ألا يفتتن الناس في هذه الآيات، ومثال ذلك عندما مات إبراهيم ابن النبي، ~~انكسفت الشمس، وقال الناس: انكسفت الشمس من أجل ابن رسول الله. ولكن لأن ~~المسألة مسألة عقائد ms2057 فقد وضحها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في ~~الحديث الشريف: عن المغيرة بن شعبة قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت ~~إبراهيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم فصلوا ~~وادعوا الله ". # لقد قالوا ذلك تكريما لرسول الله وابنه إبراهيم، ولكن الرسول يريد أن ~~يصحح للناس مفاهيمهم وعقائدهم. وكذلك عندما لفظت الأرض " محلم " حتى لا ~~يفتتن أحد ولا يقولن أحد. إن كل من لا تلفظه الأرض هو حسن العمل، فهناك ~~كفار كثيرون قد دفنوا ولم يلفظوا. لذلك قال رسول الله: إن الأرض قبلت من ~~هو شر من " محلم " ولكن الله أراد أن يعظ الناس حتى لا يعودوا لمثلها، ~~ولو لم يقل ذلك، فماذا كان يحدث؟. # قد تحدث هزة قليلة في جزئية ولظن الناس وقالوا: إن كل من لم تلفظه ~~الأرض فهو حسن العمل، ولكان أبو جهل في حال لا بأس به، وكذلك الوليد بن ~~المغيرة. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم يضع مثل هذه الأمور في وضعها ~~الصحيح لذلك قال: إن الأرض تقبل من هو شر من " محلم " ، ولكن الله أراد ~~أن يعظ القوم ألا يعودوا. { يا أيها الذين آمنوا إذا ~~ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ~~ألقى إليكم السلام لست مؤمنا.. } [النساء: 94]. وعلى ~~ذكر ذلك قال لي أخ كريم: كنت أسمع إحدى الإذاعات وأخطأوا وقالوا فتثبتوا ~~بدل من { فتبينوا.. } في قوله الحق: # إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا # [الحجرات: 6]. وأقول: هذه قراءة من القراءات، والمعاني دائما ملتقية، ~~ف " تبين " معناها " طلب البيان ليثبت ". ونعرف أن القرآن قد نزل على ~~سبعة أحرف، وكتابة القرآن كانت بغير نقط وبغير شكل، وهذا حال غير حالنا ~~حيث نجد الحروف قد تم تشكيلها بالفتحة والضمة والكسرة. ونحن نعرف أن هناك ~~حروفا مشتبهة الصورة. ف " الباء " تتشابه مع كل من " الياء " ، وال " ~~نون " وال " تاء " وال " ثاء " ، ولم ms2058 تكن هذه النقط موجودة، ولم تكن ~~هذه العلامات موجودة قبل الحجاج الثقفي، وكانوا يقرأون من ملكة العربية ~~ومن تلقين واتباع للوحي، ولذلك: " فتبينوا " ممن تتكون؟ تتكون من: " ال ~~" فاء " ولم يحدث فيها خلاف، وال " تاء " وبقية الحروف هي ال " باء " ~~وال " ياء " وال " نون ". وكل واحدة من هذه الأحرف تصلح أن تجعلها " ~~تثبتوا " بوضع النقاط أو تجعلها " تبينوا " ، إنه خلاف في النقط. ولو ~~حذفنا النقط لقرآناها على أكثر من صورة، والذي نتبعه في ذلك هو ما ورد عن ~~الوحي الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك عندما جاءوا ~~بشخص لم يكن يحفظ القرآن وأحضروا له مصحفا ليقرأ ما فيه فقال: صنعة الله ~~ومن أحسن من الله صنعة. ولم يحدث خلاف في ال " صاد " ولكن حدث خلاف في ~~ال " باء " فهي صالحة لتكون باء أو نونا، وكذلك " الغين " يمكن أن ~~تكون " عينا " وقراءة هذه الآية في قراءة " حفص ". # صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة.. # [البقرة: 138]. وعندما قرأها الإنسان الذي لا يجيد حفظ القرآن قال: صنعة ~~الله ومن أحسن من الله صنعة. والمعنى واحد. ولكن قراءة القرآن توقيفية، ~~واتباع للوحي الذي نزل به جبريل - عليه السلام - من عند الله على رسوله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولا يصح لأحد أن يقرأ القرآن حسب ما يراه وإن كانت ~~صورة الكلمة تقبل ذلك وتتسع له ولا تمنعه، ولذا قالوا: إن للقراءة ~~الصحيحة أركانا هي: 1 - أن تكون موافقة لوجه من وجوه اللغة العربية. # 2 - أن تكون موافقة لرسم أحد المصاحف العثمانية. 3 - أن يصح إسنادها إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بطريق يقيني متواتر لا يحتمل الشك. ~~وهذه الضوابط نظمها صاحب طيبة النشر فقال: # وكل ما وفق وجه نحو # وكان للرسم احتمالا يحوي # وصح إسنادا هو القرآن # فهذه الثلاثة الأركان # وقوله تعالى: # قال عذابي أصيب به من أشآء.. # [الأعراف: 156]. هذه هي قراءة " حفص " وقرأ الحسن: قال عذابي أصيب به من ~~أساء. صحيح أن كلمة " أساء " وهي من الإساءة فيها ملحظ ms2059 آخر للمعنى، لكن ~~القراءة الأخرى لم تبعد بالمعنى، وعلى ذلك فكلمة { فتبينوا.. } ~~تقرأ مرة " فتثبتوا " ومرة تقرأ { فتبينوا.. } ، سواء في هذه ~~الآية التي نحن بصددها، أو في الآية التي يقول فيها الحق: # إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا.. # [الحجرات: 6]. و " التبين " القصد منه التثبت، والتبين يقتضي الذكاء ~~والفطنة فيرى ملامح إيمان من ألقى إليه بالسلام: # ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام.. # [النساء: 94]. فالمسلم يجب أن يفطن كيلا يأخذ إنسانا بالشبهات، ولذلك ~~نجد النبي يحزم الأمر مع أسامة بن زيد الذي قتل واحدا بعد أن أعلن هذا ~~الواحد إسلامه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " فكيف بلا إله إلا الله. هل شققت عن قلبه؟ ". # ويقول أسامة للرسول: لقد قال الشهادة ليحمي نفسه من الموت. وتكون ~~الإجابة: هل شققت قلبه فعرفت، فكيف بلا إله إلا الله؟! فلقول: " لا إله ~~إلا الله " حرمة. وقد روي أن الذي نزلت فيه هذه الآية هو محلم بن جثامة، ~~وقال بعضهم: أسامة بن زيد، وقيل غير ذلك. عن ابن عباس رضي الله عنهما { ~~ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا.. } [النساء: 94] وقال: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون ~~فقال: السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك: { ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا.. } ~~[النساء: 94]. وأهل العلم بالله يقولون: نجاة ألف كافر خير من قتل مؤمن ~~واحد بغير حق. وجاء في بعض الروايات الأخرى أنه المقداد، وذلك فيما رواه ~~البزار بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا ~~وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال أشهد أن لا إله إلا الله، وأهوى إليه ~~المقداد فقتله فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا ~~الله؟ والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله: إن رجلا شهد أن لا ms2060 إله إلا ~~الله فقتله المقداد فقال: ادعوا لي المقداد. # يا مقداد أقتلت رجلا يقول: لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله إلا الله ~~غدا؟ قال: فأنزل الله { يا أيها الذين آمنوا إذا ~~ضربتم في سبيل الله.. } [النساء: 94]. { يا أيها ~~الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ~~ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست ~~مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا.. } [النساء: 94] و ~~{ ألقى إليكم السلام.. } [النساء: 94] يعني جاءكم مستسلما، ~~أو قال تحية المسلمين، وليس من حق أحد أن يلقي الاتهام بعدم الإيمان على ~~من جاء مسلما، أو يقول بتحية الإسلام. وكلمة " عرض " إذا ما سمعناها، ~~فلنعلم أنها في المعنى اللغوي: كل ما يعرض ويزول وليس له دوام أو استقرار ~~أو ثبات. ونحن البشر أعراض لأنه ليس لنا دوام أبدا، ويقال: إن الإنسان ~~عرض إذا ما قاس الواحد منا نفسه بالنسبة للكون لأن الكون لا يتم بناؤه ~~على الإنسان فالكون كله الذي نراه هو عرض وسيأتي يوم ويزول. والعرض ~~بالنسبة للإنسان أن الواحد منا قد يرى نفسه صحيحا أو سقيما، هنا تكون ~~الصحة عرضا وكذلك المرض، وكذلك السمنة والنحافة، ولون البشرة إذا ما ~~لوحته الشمس قد يتغير من أبيض إلى أسمر، وكذلك الغنى والفقر. وكل شيء ~~يمكن أن يذهب في الإنسان ويجيء هو عرض بالنسبة للإنسان، ويكون الإنسان ~~جوهرا بالنسبة له. فإذا قسنا الإنسان بالنسبة إلى ثابت عنه، فالإنسان ~~عرض، فهذا أمر نسبي، وإلا فكل شيء عرض، وكل شيء زائل # ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام # [الرحمن: 27]. { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم ~~السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا.. ~~} [النساء: 94] وعرض الحياة الدنيا هنا هو أن يطمع القاتل فيما يملكه ~~الذي يلقى السلام، وقد يكون عرض الحياة الدنيا - هنا - هو كبرياء نفس ~~الإنسان عندما ينتقم من إنسان بينه وبينه إحن أو بغضاء. وعندما نجد كلمة ~~" عرض " وهذا العرض في " الحياة الدنيا " نفهم - إذن - أنه عرض فيما لا ~~قيمة له. ولذلك نجد الشاعر يعبر عن مشاعر الإنسان حينما يحزن لفقدان شيء ~~كان ms2061 عنده، وينسى الإنسان أنه هو شخصيا معرض للموت، أي للذهاب عن الدنيا ~~فيقول: # نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة # فكيف آسى على شيء لها ذهبا # وكذلك عرض الحياة الدنيا. ونفهم كلمة " دنيا " على أساس الاشتقاق، فهي ~~من " الدنو " ومقابله " العلو " ومقابل " الدنيا " هو " العليا ". # ومن يقوم عرض الحياة الدنيا التقويم الصحيح فهو يملك الذكاء والحكمة ~~والفطنة لذلك لا يأخذ هذا العرض ممن سيقتله عندما يلقي إليه بالسلام لأنه ~~يستخدم البصيرة الإيمانية ويأخذ الحياة الدنيا ممن خلقها. والعاقل حتى لو ~~أراد الحياة الدنيا فهو يطلبها من صاحب الحياة كلها، ولا يأخذها من إنسان ~~مثله، فالحياة الدنيا لا تنفعه بدليل أنه معرض للقتل. { تبتغون ~~عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة.. } ~~[النساء: 94] والحق سبحانه وتعالى ساعة يخاطب النفس البشرية التي خلقها، ~~ويعلم تعلقها بالأشياء التي تنفعها أو تطيل نفعها، مثال ذلك: أن الإنسان ~~يكون سعيدا إذا ما ملك غداءه، وتكون سعادته أكثر إذا امتلك الغداء ~~والعشاء، ويكون أكثر سعادة واطمئنانا عندما يملك في مخزن طعامه ما يقيته ~~شهرا أو عاما، ويكون أكثر إشراقا عندما يمتلك أرضا يأخذ منها الرزق، ~~ويمتلكها أولاده من بعده. إذن فالإنسان يحب الحياة لنفسه، ويحب امتداد ~~حياته في غيره، ولذلك يحزن الإنسان عندما لا يكون له أولاد فهو يعرف أنه ~~ميت لا محالة، لذلك فهو يتمنى أن تكون حياته موصولة في ابنه، وإن جاء ~~لابنه ابن وصار للإنسان حفيد فهو يسعد أكثر لأن ذكره يوجد في جيلين. ~~ونقول لمثل هذا الإنسان: لنفرض أنك ستحيا ألف جيل، لكن ماذا عن حالتك في ~~الآخرة، ألا تنشئ ولدك على الصلاح حتى يدعو لك؟ ولذلك يفاجئ الحق ~~النفس البشرية التي تهفو إلى المغانم، ويكشفها أمام صاحبها، فيأتي بالحكم ~~الذي يظهر الخواطر التي تجول في النفس ساعة سماع الحكم. وعندما أراد ~~سبحانه أن يحرم دخول المشركين البيت الحرام، وسبحانه يعلم خفايا النفوس ~~لأن المشركين حين يدخلون البيت الحرام بتجاراتهم وأموالهم إنما يدخلون ~~مكة من أجل موسم اقتصادي يبيعون فيه البضائع التي يعيشون من ريعها ms2062 وربحها ~~طوال العام. وساعة يحرم سبحانه دخول المشركين إلى البيت الحرام، يعلم أن ~~أهل الحرم ساعة يسمعون هذا الحكم سيتذكرون مكاسبهم من التجارة، فقال: # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا.. # [التوبة: 28]. وقبل أن يقول أهل الحرم في أنفسهم: وكيف نعيش ونصرف ~~بضائعنا؟، يتابع سبحانه: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله.. # [التوبة: 28]. وبذلك يكشف الحق أمام النفوس خواطرها الدفينة فهو العليم ~~بأن الحكم ساعة ينزل ما الذي سيحدث في أذهان سامعيه فهو خالقهم، ولذلك ~~فلا أحد له من بعد ذلك تعليق! وقوله الحق: { تبتغون عرض ~~الحياة الدنيا.. } [النساء: 94] ينطبق في كل عصر وفي كل زمان. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { فعند الله مغانم كثيرة.. } ~~[النساء: 94]. فسبحانه الرزاق الوهاب. ولذلك أنا أحب أن يزين الناس ~~أماكنهم ومساكنهم بلوحات فنية مكتوب عليها: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله.. # [التوبة: 28]. وكذلك قول الحق: { تبتغون عرض الحياة ~~الدنيا فعند الله مغانم كثيرة } [النساء: 94]. لعل ~~ذلك يمس قلوب من بيدهم الأمر، فيلتفتوا إلى الله. وبعد ذلك يقول الحق: { ~~كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ~~فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا } ~~[النساء: 94] وفي هذا دعوة لأن يمر من نزل فيهم القرآن بتاريخهم القريب ~~ويسترجعوا ماضيهم، فلماذا يتهم المسلم أخاه الذي يلقي السلام بأنه ما زال ~~كافرا ولا يفكر أن الذي ألقى إليه السلام هو إنسان يستر إسلامه بين أهله ~~لأنهم كفار؟ وكان المسلم يمر بهذه الحالة عند بداية الإسلام كان المسلم ~~يستر إسلامه عن أهله الذين كانوا كافرين. وكان المسلمون الأوائل قلة ~~مستذلة تداري إيمانها، فهل سلط الله عليهم أحدا يجترئ على التفتيش على ~~النوايا؟ إذن فمثلما حدث لكم قدروه لإخوانكم. { كذلك كنتم من ~~قبل فمن الله عليكم.. } [النساء: 94] والحق يمن عليهم ~~بأنهم صاروا أهل رفعة بكلمة الإسلام، وصار المسلم منهم يمشي عزيز الجانب ~~ولا يجرؤ واحد أن يوجه إليه أي شيء. ويأتي سبحانه هنا بكلمة " فتبينوا " ~~مرة أخرى بعد أن قالها في صدر الآية. وكان مقصودا بها ms2063 ألا يقتل مسلم ~~إنسانا ألقى السلام لمجرد أن المسلم يفكر في المسألة الاقتصادية، وها ~~هوذا يعيد سبحانه كلمة " فتبينوا " ، لقد جاءت أولا كتمهيد للحيثية، وهي ~~قوله: { تبتغون عرض الحياة الدنيا.. } [النساء: 94] ~~وتأتي هاهنا نتيجة للحيثية { فتبينوا إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا } [النساء: 94]. وسبحانه حين يشرع لا يشرع عن خلاء، ~~لكنه خبير بكل ما يصلح النفس الإنسانية، ولا يعتقدن أحد أنه خلقنا ثم ~~هدانا إلى الإيمان ليخذلنا في نظام الحياة، بل خلقنا وأعطانا المنهج ~~لنكون نموذجا، وليرى الناس جميعا أن الذي يحيا في رحاب المنهج تدين له ~~الدنيا. { إن الله كان بما تعملون خبيرا } [النساء: ~~94]. كأن الحق يقول: إياك أن تستر بلباقتك شيئا وتخلع عليه أمرا غير ~~حقيقي لأن الذي تطلب جزاءه هو الرقيب عليك والحسب، ويعلم المسألة من ~~أولها إلى آخرها. فالذي قتل إنسانا ألقى إليه السلام، لم يقتله لأنه لم ~~يسلم، ولكن لأن بينهما إحنا وبغضاء، وعليه أن يعرف أن الله عليم بما في ~~النفوس. ويريد الحق أن يتثبت المؤمن من نفسه حين يوجهها إلى قتل أحد يشك ~~في إسلامه أو في إيمانه، وحسبه من التيقن أن يبدأه صاحبه بالسلام، ~~ويذكر الحق سبحانه المؤمنين بأنهم كانوا قبل ذلك يستخفون من الناس ~~بالإيمان وكانوا مستترين. فإذا كنتم أيها المؤمنون قد حدث لكم ذلك ~~فاحترموا من غيركم أن يحصل منه ذلك، وثقوا تمام الثقة أن الله عليم خبير، ~~لا يجوز عليه - سبحانه - ولا يخفي عليه أن يدس أحدكم الإحن النفسية ~~ليبرر قتل إنسان مسلم كانت بينه وبين ذلك المسلم عداوة. # وبعد أن تكلم الحق عن قتال المؤمنين للكافرين، وبعد أن تكلم عن تحريم ~~قتل المؤمن للمؤمن حتى لا يفقد المؤمنون خلية الإيمان، بل تكون حياة كل ~~مؤمن خيرا للحركة الإيمانية في الأرض، لذلك علينا أن نحافظ على حياة كل ~~فرد مؤمن لأنه سيساعدنا في اتساع الحركة الإيمانية، فإن حدث أن قتل مؤمن ~~مؤمنا خطأ، فقد بين سبحانه وتعالى الحكم في الآية رقم 92 من سورة ~~النساء. وبعد ذلك أراد الحق ms2064 سبحانه وتعالى أن يبين الفارق بين من قعد ~~عن الجهاد في سبيل الله ومن جاهد فقال سبحانه: { لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين... }. ### || [4.95] # ولهذه الآية قصة، واقتناص الخواطر من هذه القصة يتطلب يقظة تعلمنا كيف ~~يخاطب الحق خلقه. فقد حدثنا سيدنا زيد بن ثابت وهو المأمون على كتابه وحي ~~رسول الله. وهو المأمون على جمع كتاب الله من اللخاف ومن العظام ومن صدور ~~الصحابة، حدثنا فقال: - كنت إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فغشيته السكينة - وهذه كانت دائما تسبق نزول الوحي على رسول الله - ~~فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها. أي أن فخذ رسول الله كانت ~~ثقيلة. والوحي ساعة كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما كان ~~يصنع في كيماوية رسول الله تأثيرا ماديا بحيث إذا كان على دابة عرف ~~الناس أنه يوحى إليه لأن الدابة كانت تئط تحته فإذا كانت فخذ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على فخذ زيد بن ثابت، فلا بد أن يشعر سيدنا زيد بثقل ~~فخذ رسول الله وقد جاءه الوحي. قال زيد: خشيت أن ترض فخذه فخذي - أي ~~تصيبها بالدق الشديد أو الكسر. فلما سري عنه قال اكتب: " لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين والمجاهدون " ، فقال سيدنا ابن أم مكتوم، وكان - ~~كما نعلم - ضريرا مكفوف البصر قال: فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من ~~المؤمنين يا رسول الله؟ إنها اليقظة الإيمانية من ابن أم مكتوم، لأنه فهم ~~موقفه من هذا القول، ومن أنه لا يستطيع الجهاد، وعلم أنه إن كانت الآية ~~ستظل على هذا فلن يكون مستويا مع من جاهد، ولهذا قال قولته اليقظة: ~~فكيف بمن لا يستطيع ذلك يا رسول الله؟ فأخذت رسول الله السكينة ثانية، ~~ثم سرى عنه، فقال لزيد بن ثابت: اكتب: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله ". فكأنها نزلت جوابا مطمئنا ~~لمن لا يستطيع القتال مثل ابن أم مكتوم. ولقائل أن يقول: وهل كانت الآية ~~تنتظر أن يستدرك ابن أم ms2065 مكتوم ليقول هذا؟. ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى ~~أراد أن ينبه كل مؤمن أنه حين يتلقى كلمة من الله أن يتدبر ويتبين موقعه ~~من هذه الكلمة فإذا كان ذلك حال سيدنا ابن أم مكتوم فيما سمع رسول الله ~~عن ربه فهو يعلمنا كيف نستحضر دورنا من أية قضية نسمعها. وحينما سمع ابن ~~أم مكتوم الآية رأي موقفه من هذه الآية، وهذا ما يريده الحق من خلقه. ~~وقال زيد بن ثابت: فكتبتها. إنها الدقة في أداء زيد بن ثابت لتدلنا على ~~صدق الرواية، فحين يكتب أولا " لا يستوي القاعدون من المؤمنين ~~والمجاهدون " ألا تلتصق كلمة " والمجاهدون " بكلمة " المؤمنين " فإذا زاد ~~الحق سبحانه وتعالى " غير أولي الضرر " فأين تكتب؟ كأن زيد بن ثابت كان ~~عليه أن يقوم بتصغير الكتابة ليكتب " غير أولي الضرر " بين كلمة " من ~~المؤمنين " وكلمة " والمجاهدون ". # قال سيدنا زيد بن ثابت: لقد نزلت " غير أولي الضرر " وحدها وكأني أنظر ~~إلى ملحقها عند صدع الكتف - فقد كانوا يكتبون على أكتاف العظم - والكتف ~~التي كتب عليها سيدنا زيد بن ثابت كانت مشروخة وكانت هذه علامة بها. ~~ويريد الحق بذلك أن ينبه المؤمنين إلى أنهم حين يتلقون كتاب الله يجب أن ~~يتلقوه بيقظة إيمانية بحيث لا تسمع آذانهم إلا ما يمر على عقولهم أولا ~~ليفهم كل مؤمن موقفه منها، وتمر الآية على قلوبهم ثانية لتستقر في ذاتهم ~~عقيدة. كذلك كانت قصة زيد بن ثابت وابن أم مكتوم والوحي في هذه الآية: { ~~لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي ~~الضرر والمجاهدون.. } [النساء: 95]. وهناك حالات يأتي الفعل ~~فلا يصلح له فاعل واحد بل لا بد له من اثنين، مثال ذلك عندما نقول: تشارك ~~زيد وعمرو. وعندما نصف لاعبي الكرة، نجد من يتلقف الكرة واحدا بعد ~~الآخر، فنقول: تلقف اللاعبون الكرة رجلا بعد رجل. وعندما يقول الحق: { ~~لا يستوي.. } [النساء: 95] فهذا يدل على أن هناك شيئين لا ~~يتساويان، فأيهما غير المساوي للآخر؟. كلاهما لا يتساوى مع الآخر، ولذلك ~~يكون الاثنان في الإعراب " فاعلا " ، فلا يساوي ms2066 المجاهدون القاعدين ولا ~~يساوي القاعدون المجاهدين لأن كلا منهما فاعل ومفعول. وعندما يقول الحق: ~~{ لا يستوي القاعدون من المؤمنين.. } [النساء: 95] ~~فما هو مقابل " القاعدين " في الآية الكريمة؟ إنه " المجاهدون " ، لكن ~~المقابل في الحياة العادية لل " القاعدين " هو " القائمون " ، ومقابل " ~~المجاهدين " هو " غير المجاهدين ". وبذلك كان من الممكن القول. لا يستوي ~~القاعدون والقائمون، أو أن يقال: لا يستوي المجاهدون وغير المجاهدين. فما ~~الحكمة في مجيء القاعدين والمجاهدين؟ إن الحق يريد أن يبين أنه في بداية ~~الإسلام كان كل مؤمن حين يدخل الإسلام يعتبر نفسه جنديا في حالة تأهب، ~~وكانوا دائما على درجة استعداد قصوى ليلبوا النداء فورا فالمسلم لم يكن ~~في حالة استرخاء، بل في تأهب وكأنه واقف دائما ليلبي النداء، وكأن ~~القاعد هو الذي ليس من صفوف المؤمنين، ويبين لنا ذلك قول الرسول عليه ~~الصلاة والسلام: # " من خير معاش الناس لهم رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على ~~متنه، كلما سمع هيعة أو فزعه طار إليها يبتغي القتل والموت ~~مظانه، أو رجل في غنيمة في رأس شعفة من هذه الشعف، أو بطن واد من هذه ~~الأودية يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين، ليس من ~~الناس إلا في خير ". # فإن لم يكن المؤمن متأهبا فهو قاعد، والقاعد - كما نعرف - هو ضد ~~القائم. والحق يقول: # فاذكروا الله قياما وقعودا.. # [النساء: 103]. من هذا القول نعرف أن المقابل للقيام هو القعود. وعلينا ~~أن نعرف أن لكل لفظ معنى محددا، فبعضنا يتصور أن القعود كالجلوس، ولكن ~~الدقة تقتضي أن نعرف أن القعود يكون عن قيام، وأن الجلوس يكون عن ~~الاضطجاع، فيقال: كان مضطجعا فجلس، وكان قائما فقعد. وعندما يقول الحق ~~هنا: { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي ~~الضرر.. } [النساء: 95] فالقعود مقابل القيام، فكأن المجاهد حالته ~~القيام دائما، وهو لا ينتظر إلى أن يقوم، لكنه في انتباه واستعداد. ~~ويوسع الحديث الشريف الدائرة في مسئوليات المجاهد فيرسم صورة للمقاتل أنه ~~على أتم استعداد وعلى صهوة الفرس وممسك باللجام حتى لا تدهمه ms2067 أية مفاجأة. ~~وهل كانت هناك مظنة أن يستوي القاعد والمجاهد؟. لا، ولكن يريد الله أن ~~يبين قضية إيمانية مستورة، فيظهرها بشكل واضح لكل الأفهام. ونحن نقول ~~للطالب: " إن من يستذكر ينجح ومن لا يستذكر يرسب " وهذه مسألة ~~بديهية، لكننا نقولها حتى نجعلها واضحة في بؤرة شعور التلميذ فيلتفت ~~لمسئولياته. وعندما يقول الحق: { لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل ~~الله.. } [النساء: 95] هل معنى ذلك أن عقلا واحدا في زمن رسول الله ~~كان يظن المساواة بين القاعد والمجاهد؟ لا، ولكن الحق يريدها قضية ~~إيمانية في بلاغ إيماني من الله. وبعد ذلك يلفت الأنظار إلى صفة القاعدين ~~الذين لا يستوون مع المجاهدين فيقول: { غير أولي الضرر.. } ~~[النساء: 95]. والضرر هو الذي يفسد الشيء مثل المرض، وهذا ما يوضحه قول ~~الحق: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور ~~رحيم * ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم ~~قلت لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم ~~تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون # [التوبة: 91-92]. فالضعف ضرر أخرج الإنسان عن مقومات الصحة والعافية، ~~والمرض ضرر، والذين لا يجدون مالا ينفقون منه، ولا الذين يجيئون لرسول ~~الله فلا يكون بحوزة الرسول دواب تحملهم، فينصرفون وأعينهم تفيض من الدمع ~~حزنا لأنهم لا يجدون ما ينفقون. وكان المؤمن من هؤلاء يحزن لأن رسول ~~الله لم يجد له فرسا أو دابة تنقله إلى موقع القتال: # ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا ~~أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض ~~من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون # [التوبة: 92]. لقد تولوا وأعينهم تفيض من الدمع. وكلمة { تولوا.. } ~~هنا لها معنى كبير، فلم يقل الحق: إن أعينهم تفيض من الدمع من غير ~~التولي، وهم لا يدمعون أمام النبي، ولكنهم يدمعون في حالة توليهم، وهذا ~~انفعال نفسي من فرط التأثر لأنهم لا يشتركون في القتال. وكلمة " تفيض " ~~تدل على ms2068 أن الدمع قد غلب على العين كلها، فهم لا يصطنعون ذلك، لكن ~~الانفعال يغمرهم لأن الذي يتصنع ذلك يقوم بتعصير عينيه ويبذل جهدا ~~للمراءاة، ولكن انفعال المؤمنين الذين لا يقاتلون يغلبهم فتفيض أعينهم ~~من الدمع. وهناك آية أخرى حدد فيها الحق الحالات التي لا يطالب فيها ~~المؤمن بالقتال: # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار.. # [الفتح: 17]. هؤلاء - إذن - هم أولو الضرر. { لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.. ~~} [النساء: 95] وما داموا لا يستوون فمن الذي فيهم يكون هو الأفضل؟. ~~ذلك ما توضحه بقية الآية التي تحمل المقولة الإيمانية الواضحة: { فضل ~~الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى.. } ~~[النساء: 95]. وسبحانه وعد الاثنين بالحسنى الإيمانية لأن كلا منهما ~~مؤمن، ولكن للمجاهد درجة على القاعد. وإن تساءل أحد: ولماذا وعد الله ~~القاعد من أولى الضرر بالحسنى؟ وهنا أقول: علينا أن ننتبه وأن نحسن الفهم ~~والتدبير عندما نقرأ القرآن لأن الذي أصابته آفة فناله منها ضرر، فصبر ~~لحكم الله في نفسه، ألا يأخذ ثوابا على هذه؟. لقد أخذ الثواب ولا بد - ~~إذن - أن يعطي الحق من لم يأخذ ثوابا مثله فرصة ليأخذ ثوابا آخر حتى ~~يكون الجميع في الاستطراق الإيماني سواء. لذلك يقول سبحانه: { وكلا ~~وعد الله الحسنى.. } [النساء: 95]. والحسنى في أولي الضرر أنه ~~أخذ جزاء الصبر على المصيبة التي أصابته، والذي لم يصب بضرر سيأخذ ثواب ~~الجهاد، وبذلك يكون الجميع قد نالوا الحسنى من الله. { وكلا وعد ~~الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما } [النساء: 95]. وسبحانه يضع أجرا ~~جديدا للقائم مجاهدا على القاعد، ففي صدر الآية جاء ب " درجة " أعلى ~~للقائم مجاهدا، وهنا " أجر عظيم ". ما تفسير هذا الأجر العظيم؟. التفسير ~~يجيء في قوله: { درجات منه ومغفرة ورحمة... }. ### || [4.96] # فسبحانه قد أعطى لأولي الضرر درجة، وفضل المجاهد في سبيل الله على ~~القاعد من غير أولي ms2069 الضرر درجات عدة. وساعة نسمع كلمة " درجة " فهي ~~المنزلة، والمنزلة لا تكفي فقط للإيضاح الشامل للمعنى، ولكن هي المنزلة ~~الارتقائية. أما إن كان التغير إلى منازل أخرى أقل وأدنى، فنحن نقول: " ~~دركات " ولا نقول: " درجات ". ولكن هل الدرجات هي لكل المجاهدين؟. لا ~~لأننا لا بد أن نلحظ الفرق بين الخروج من الوطن وترك الأهل للجهاد وعملية ~~الجهاد في ذاتها فعملية الجهاد في ذاتها تحتاج إلى همة إيمانية، ولذلك ~~جاء الحق بنص في سورة التوبة: # ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ~~أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا ~~بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ~~ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون ~~موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ~~إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع ~~أجر المحسنين * ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا ~~كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ~~ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون # [التوبة: 120-121]. هنا يوضح الحق أنه لا يصح لأهل المدينة والأعراب ~~الذين حولهم أن يتخلفوا عن الجهاد مع رسول الله، ولا يرضوا لأنفسهم ~~بالسعة والدعة والراحة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الشدة والمشقة، ~~فكما ذهب إلى القتال يجب أن يذهبوا لأن الثواب كبير، فلا يصيبهم تعب إلا ~~ولهم عليه أجر العمل الصالح، ولا يعانون من جوع إلا ولهم أجر العمل ~~الصالح، ولا يسيرون في مكان يغيط الكفار إلا ولهم أجر العمل الصالح. ولا ~~ينالون من عدو نيلا إلا ويكتبه الله لهم عملا صالحا، فسبحانه يجزي ~~بأحسن ما كانوا يعملون. وقام العلماء بحصر تلك العطاءات الربانية بسبع ~~درجات، فواحد ينال الدرجات جميعا. وآخر أصابه ظمأ فقط فنال درجة الظمأ، ~~وآخر أصابه نصب فأخذ درجة النصب أي التعب، وثالث أصابته مخمصة، ورابع جمع ~~ثلاث درجات، وخامس جمع كل الدرجات. وعندما نقوم بحساب هذه الدرجات نجدها: ~~الإصابة بالظمأ، النصب - أي التعب - الجوع، ولا يطأون موطئا يغيط ~~الكفار أي لا ينزلون في مكان يتمكن فيه المسلمون منهم ويبسطون ms2070 سلطانهم ~~عليهم، والمقصود الحصن الحصين عند الكافر، النيل: التنكيل بالعدو، ~~النفقة الصغيرة أو الكبيرة، وقطع أي واد في سبيل الله، وهذه هي الدرجات ~~السبع التي يجزي الله عنها بأحسن مما عمل أصحابها، كما فسرها العلماء، ~~فمن نال الدرجات السبع فقد نال منزلة عظيمة، وكل مجاهد على حسب ما بذل من ~~جهد. فمن المجاهدين من ينال درجة أو اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس أو ~~ست أو سبع درجات. # وعندما نقرأ الآيتين معا: { لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل ~~الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين ~~بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا ~~وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما * درجات منه ومغفرة ~~ورحمة وكان الله غفورا رحيما } [النساء: 95-96]. نجد ~~أن الله يرغب المؤمنين في أن يكونوا مجاهدين، وأن يبذلوا الجهد لتكون ~~كلمة الله هي العليا. فإذا ما آمن الإنسان فليس له أن يتخلف عن الصف ~~الإيماني لأنه ما دام قد تقع نفسه بالإيمان فلم لا ينضم إلى ركب من ينفع ~~سواه بالإيمان؟. ويريد الله أن يعبئ كل من مس الإيمان قلبه، وحتى ولو ~~كان موجودا في مكان يسيطر عليه الكفار، فيدعوه لأن يتخلص من التفاف ~~الكفار حوله وليخرج منضما إلى إخوانه المؤمنين. وليشيع الإيمان لسواه ~~ويعبر عمليا عن حبه للناس مما أحبه لنفسه. ولكن هناك من قالوا: نحن ضعاف ~~غير قادرين على الهجرة أو القتال في سبيل الله. فيأتي القرآن بقطع العذر ~~لأي إنسان يتخلف عن ركب الجهاد في سبيل الله وسبيل نصرة دين الله فيقول ~~الحق: { إن الذين توفاهم الملائكة... }. ### || [4.97] # هؤلاء هم الذين يظلمون أنفسهم بعدم المشاركة في الجهاد وهذا ما يحدث لهم ~~عندما تقبض الملائكة أرواحهم. و " التوفي " معناه " القبض " فيقال: " ~~توفيت ديني " أي قبضته مستوفيا. ويقال: " توفى الله الإنسان " أي قبضه ~~إليه مستوفيا. والقبض له آمر أعلى، وهو الحق. ومن بعد ذلك هناك موكل ~~عام هو " عزرائيل " ملك الموت، وهناك معاونون لعزرائيل وهم الملائكة. ~~فإذا نسبت الوفاة فهي ms2071 تنسب مرة لله، فالله يتوفى: لأنه الآمر الأعلى، ~~وتنسب الوفاة للملائكة في قوله: # حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا.. # [الأنعام: 61]. وتنسب الوفاة إلى عزرائيل. # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم.. # [السجدة: 11]. وإذا ما أطلق الحق هذه الأساليب الثلاثة في وصف عملية ~~الوفاة فهل هذا اختلاف وتناقض وتضارب في أساليب القرآن؟ لا، بل هو إيضاح ~~لمراحل الولاية التي صنعها الله، فهو الآمر الأعلى يصدر الأمر إلى ~~عزرائيل، وعزرائيل يطلق الأمر لجنوده. وفي حياتنا ما يشرح لنا هذا المثل ~~- ولله المثل الأعلى - فالتلميذ قد يذهب إلى المدرسة بعد امتحان آخر ~~العام ويعود إلى بيته قائلا: لقد وجدت نفسي راسبا، والسبب في ذلك هم ~~المدرسون الذين قصدوا عدم إنجاحي. ويرد عليه والده: المدرسون لم يفعلوا ~~ذلك، ولكن اللوائح التي وضعتها الوزارة لتصحيح الامتحانات هي التي جعلتك ~~راسبا.. فيرد التلميذ: لقد جعلني الناظر راسبا. وهذا قول صحيح لأن ~~الناظر يطبق القوانين التي يحكم بمقتضاها على الطالب أن يكون ناجحا أو ~~راسبا. وقد يقول التلميذ: إن وزير التربية والتعليم هو من جعلني راسبا. ~~وهذا أيضا صحيح لأن الوزير يرسم مع معاونية الخطوط الأساسية التي يتم ~~حساب درجات كل تلميذ عليها، فإذا قال التلميذ: لقد جعلتني الدولة راسبا، ~~فهو قول صحيح لأنه فهم تسلسل التقنين إلى مراحل العلو المختلفة، وأي حلقة ~~من هذه الحلقات تصلح أن تكون فاعلا. ومن هنا نفهم أن الحق سبحانه حين ~~يقول: # الله يتوفى الأنفس حين موتها.. # [الزمر: 42]. فهذا قول صحيح، مثل قوله سبحانه: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم.. # [السجدة: 11]. ومثل قوله سبحانه: # توفته رسلنا.. # [الأنعام: 61]. كل هذه الأقوال صحيحة لأنها تتعلق بمدارج الأمر. { إن ~~الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم.. } ~~[النساء: 97] والظلم هو أن تأتي لغير ذي الحق وتعطيه ما تأخذ من ذي الحق، ~~والظلم يقتضي ظالما ومظلوما وأمرا وقع الظلم فيه. فكيف يكون الإنسان ~~ظالما لنفسه وتتوفاه الملائكة على ذلك؟. لا بد أنهم فعلوا ما يستحق ذلك. ~~فساعة تأتي للإنسان الشخصية المعنوية الإيمانية بعد أن آمن بالله ms2072 وآمن ~~بالمنهج، ثم تحدثه نفسه بالمخالفة، هنا يواجه صراعا بين أمرين: مسئولية ~~الشخصية الإيمانية التي تقبل بها المنهج من الله، ووازع النفس التي ~~تلح عليه بالانحراف. # ويدور ما هو أشبه بالحوار بين المسئولية الإيمانية ووازع النفس الملح ~~بالانحراف. وعندما تتغلب النفس الإيمانية يعرف الإنسان أن نفسه صارت ~~مطمئنة وسعيدة، ويقول لنفسه: إنك إن طاوعت وازع الانحراف تكن قد حققت ~~شهوة عاجلة ستكوى بها في آخر الأمر، وأنت برفضك للشهوة تكون قد أنصفت ~~نفسك. ولو طاوعت شهوتك العاجلة تكون قد ظلمت نفسك. ومثل ذلك يحدث في ~~حياتنا العادية: عندما تدلل الأم ابنها بينما يطلب منه والده الاستذكار ~~ويحاول أن يردعه ليقوم بمسئوليته الدراسية، إن هذه الأم تظلم ابنها، ~~وكذلك يعطينا الحق فكرة عن الصراع بين الشخصية الإيمانية والنفس ~~الانحرافية التي تريد الهوى فقط فيقول: # واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا ~~قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ~~قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من ~~المتقين # [المائدة: 27]. هنا يقول هابيل لقابيل: - ولماذا تقتلني؟. إنني لست أنا ~~الذي تقبل القربان ولكن الذي تقبله هو الله فما ذنبي؟. ويأتي بعد ذلك ~~الحوار: # لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط ~~يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العالمين # [المائدة: 28]. ولنلتفت إلى هذا القول الحكيم: # فطوعت له نفسه قتل أخيه.. # [المائدة: 30]. كأن هناك صراعا في نفس قابيل بين أمرين " اقتل " و " لا ~~تقتل " ، النفس الإيمانية تقول: " لا تقتل " والنفس الشهوانية تقول: " بل ~~عليك أن تقتل ". وتغلبت النفس الشهوانية عندما طوعت له قتل أخيه، ومهدت ~~له ذلك. وبعد أن قتل أخاه، وضاعت شرة الغضب صار من النادمين، ثم بدأت ~~الحيثيات تظهر وتتضح. ويبعث الله غرابا يبحث ويحفر في الأرض ليواري جثة ~~غراب آخر. هنا قال قابيل: # أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري ~~سوءة أخي.. # [المائدة: 31]. وهكذا نرى أن ظلم النفس هو أن نخالف ما شرع الله للنفس ~~لينفعها نفعا أبديا مستوفيا، ولكن النفس قد تندفع وراء حبها للشهوات ~~وتمنيها للنفع العاجل الذي ms2073 لا خلود له، وعندما يحقق الإنسان هذا النفع ~~العاجل لنفسه فهو يظلم نفسه. { إن الذين توفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم.. } ~~[النساء: 97] إذن فالملائكة تسأل ظالمي أنفسهم: { فيم كنتم.. } ~~[النساء: 97] أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ والاستفهام هنا للتوبيخ ~~والتقريع أي لماذا ظلمتم أنفسكم؟ ولماذا لم تفعلوا مثلما فعل إخوانكم ~~وهاجرتم وانضممتم لموكب الإيمان وموكب الجهاد؟.. ولماذا ظللتم في أماكنكم ~~محجوزين ومحاصرين ولا تستطيعون الحركة ولا تستيطعون الفكاك؟ وتكون إجابة ~~الذين ظلموا أنفسهم: { قالوا كنا مستضعفين في الأرض.. } ~~[النساء: 97]. وبالله عندما يحكي لنا الله هذه الصورة التي تحدث يوم ~~القيامة فهل سيكون عندنا وقت للاستفادة منها؟. # طبعا لا لأنه لن يكون لنا قدرة الاستدراك لنصحح الخطأ. والحق حين يقص ~~علينا هذا المشهد فذلك من لطفه بنا، وتنبيه لكل منا: احذروا أن يأتي موقف ~~ويحدث فيه ما أوضحته لكم ولن يستطيع أحد أن يستدرك الحياة ليصنع العمل ~~الطيب. وعلى كل منكم أن يبحث أمر نفسه الآن. { إن الذين ~~توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم ~~كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض.. } [النساء: 97] ~~وكلمة { كنا مستضعفين في الأرض.. } [النساء: 97] تفيد أن ~~قوما استضعفوهم، أي أنهم لم يكونوا قادرين على الخروج والهجرة ولا ~~يعرفون السبيل إليها، وخافوا على أموالهم وديارهم، والقوم الذين ~~استضعفوهم قالوا لهم: إن خرجتم لا تأخذوا شيئا من أموالكم. هذه هي بعض ~~مظاهر الاستضعاف. وهنا تقول الملائكة ما يفيد أن هذا الكلام لا يليق ولا ~~ينفع، تقول الملائكة: { ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها.. } [النساء: 97]. وكأن هذا تنبيه آخر، وإعلان أن ~~مثل هذا القول ومثل تلك الحجة لا قيمة لها لأن الذي يمسكه مكانه وماله ~~دون الله إنما هو من وضع وربط يقينه بالأسباب. أما الذي يضع منهج الله ~~فوق مكانه وولده وكل شيء فهذا هو الذي وثق بالله لأنه هو المسبب وهو مانح ~~ومعطي الأسباب. { ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها.. } [النساء: 97] وهذا القول على لسان الملائكة قادم من القانون ~~الأعلى، فقد خلق الحق الخلق ms2074 جميعا وأسكنهم في الأرض، وهذه الأرض ليست ~~لأحد دون أحد، فمن يضيق به مكان فليذهب إلى مكان آخر. وإذا كان الإنسان ~~من ظلمه وجبروته وعتوه قد صنع تحديدا للمكان، فلا ينتقل إنسان من مكان ~~إلى مكان إلا بعد سلسلة طويلة من التعقيدات التي تحول دون الانتقال من ~~مكان إلى مكان، فذلك مناقضة لقضية الخلافة في الأرض لأن الخلافة لم توزع ~~كل جماعة على أرض ما. ولكن الإنسان، كل إنسان خليفة في الأرض كل الأرض، ~~مصداقا لقول الحق: # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10]. فقد جعل الله الأرض متضعة مسخرة مذللة للإنسان، والأرض هي ~~أي أرض، والأنام هم كل الأنام. وإن لم ينتبه العالم إلى هذه القضية ~~ويجعلها قضية كونية اجتماعية، سيظل العالم في فساد وشقاء. فالذي يجعل ~~الحياة في الأرض فاسدة هو خروج بعض الآراء التي تقول: إن الكثافة ~~السكانية تمنع أن نجد الطعام لسكان بلد ما. يقولون ذلك في حين أن أرضا ~~أخرى تحتاج إلى أيد عاملة، ولذلك نجد أن البشرية أمام وضع مقلوب، فأرض في ~~بلاد تحتاج إلى أناس، وأناس في بلاد يحتاجون إلى الأرض. ومن الواجب أن ~~تسيح المسألة فتأخذ الأرض التي بلا رجال ما تحتاجه من الرجال من البلاد ~~التي لا أرض فيها. # وهذا الضجيج الذي يعلو في الكون سببه أنه يوجد في كون الله أرض بلا رجال ~~ورجال بلا أرض، فإذا ما ضاق مكان بإنسان فله أن يذهب إلى مكان آخر، ولو ~~كان الأمر كذلك لسعدت البشرية، ومن ينقض هذه القضية فعلية أن يعرف أنه ~~ياخذ الخلافة في الأرض بغير شروطها، فالذي يفسد الأمر في الأرض أن ~~الإنسان الخليفة في الأرض نسي أنه خليفة واعتبر نفسه أصيلا في الكون. ~~وما دام قد اعتبر نفسه أصيلا في الكون فهذا هو الفساد: { إن ~~الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا ~~فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ~~ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ~~فأولئك مأواهم جهنم وسآءت مصيرا } [النساء: ~~97]. إذن، فإن أقام الإنسان على ضيم ولم يعمل فكره ms2075 وعقله ولم يطرح قضية ~~الكون أمامه ليرى الأرض التي تسعه فيهاجر فيها فعليه أن يعرف أنه مهدد ~~بسوء المصير لأن الله قد جعل له الكون كله ليكون فيه خليفة، أما الذين ~~سوف ينجون من هذا العقاب ومن تعنيف الملائكة لهم ساعة الوفاة فهم من ~~يقول عنهم الحق في الآية التالية: { إلا المستضعفين من ~~الرجال... }. ### || [4.98] # وعلينا أن نعرف أن هناك فرقا بين " مستضعف دعوى ومستضعف حقيقي " ، ~~فهناك مستضعف قد قبل استضعاف غيره له وجعل من نفسه ضعيفا. هذا هو " ~~مستضعف دعوى ". أما " المستضعف الحقيقي " فهو من هؤلاء الذين يحددهم ~~الحق: { إلا المستضعفين من الرجال والنسآء ~~والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا } ~~[النساء: 98]. هؤلاء هم المستضعفون فعلا حسب طبيعة عجزهم من الرجال ~~والنساء والولدان. هل الولد من الولدان يكون مستضعفا؟ نعم لأن الاستضعاف ~~إما أن يكون طارئا وإما أن يكون ذاتيا فبعض من الرجال يكون مملوكا ~~لغيره ولا يقدر على التصرف أو الذهاب، وكذلك النساء فالمرأة لا تستطيع أن ~~تمشي وحدها وتحمي نفسها، بل لا بد أن يوجد معها من يحميها من زوج أو ~~محرم لها، وكذلك الولدان لأنهم بطيعتهم غير مكلفين وهم بذلك يخرجون عن ~~نطاق التعنيف من الملائكة لأنهم لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. ~~وهذه دقة في الأداء القرآني، فالإنسان مكلف بالخروج عن ظلم غيره له ولو ~~بالاحتيال، والاحتيال هو إعمال الفكر إعمالا يعطي للإنسان فرصة أكثر مما ~~هو متاح له بالفعل. فقد تكون القوة ضعيفة. ولكن بالاحتيال قد يوسع ~~الإنسان من فرص القوة. ومثال ذلك: الإنسان حين يريد أن يحمل صخرة، قد لا ~~يستطيع ذلك بيديه، لكنه يأتي بقضيب من الحديد ويصنع منه عتلة ويضع تحت ~~العتلة عجلة، ليدحرج الصخرة، هذه هي حيلة من الحيل، وكذلك السقالات ~~التي نبني عليها، إنها حيلة. والذي قام ببناء الهرم، كيف وضع الحجر ~~الأخير على القمة؟ لقد فعل ذلك بالحيلة، والذي جلس لينحت مسلة من ~~الجرانيت طولها يزيد على العشرة الأمتار، ثم نقلها وأقامها إنه فعل ذلك ~~بالحيلة. فالحيلة هو ms2076 فكر يعطي الإنسان قدرة فوق قدرته على المقدور عليه، ~~كذلك معرفة السبيل إلى الهجرة. وكانت معرفة الطرق إلى الهجرة من مكة إلى ~~المدينة في زمن رسول الله تحتاج إلى خبرة حتى يتجنب الواحد منهم المفازات ~~والمتاهات، وحينما قال الرسول بالهجرة أحضر دليلا للطريق، وكان دليله ~~كافرا، فلا يتأتى السير في مثل هذه الأرض بلا دليل. ولننظر إلى قول الحق ~~سبحانه: { فأولئك عسى... }. ### || [4.99] # { فأولئك.. } [النساء: 99] إشارة إلى من جاء ذكرهم في الآية ~~السابقة لهذه الآية: # إلا المستضعفين من الرجال والنسآء والولدان ~~لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا # [النساء: 98]. ومع ذلك فإن الله حين أشار إلى هؤلاء المستضعفين بحق قال: ~~{ فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم.. } [النساء: 99]. ~~وكان مقتضى الكلام أن يقول الحق: " فأولئك عفا الله عنهم " ، لكن الحق ~~جاء ب " عسى " ليحثهم على رجاء أن يعفو الله عنهم، والرجاء من الممكن أن ~~يحدث أو لا يحدث. ونعرف أن " عسى " للرجاء، وأنها تستخدم حين يأتي ~~بعدها أمر محبوب نحب أن يقع.. فقد ترجو شيئا من غيرك وتقول: عساك أن ~~تفعل كذا. وقد يقول الإنسان: عساي أن أفعل كذا، وهناك يكون القائل هو ~~الذي يملك الفعل وهذا أقوى قليلا، ولكن الإنسان قد تخونه قوته لذلك ~~فعليه أن يقول: عسى الله أن يفعل كذا، وفي هذا اعتماد على مطلق القوة. ~~وإذا كان الله هو الذي يقول: { عسى الله أن يعفو عنهم.. } ~~[النساء: 99]، فهذا إطماع من كريم قادر. وبعد أن يذكر لنا القصة التي ~~تحدث لكل من مات وتوفته الملائكة ظالما نفسه بأن ظل في أرض ومكث فيها، ~~وكان من الممكن أن يهاجر إلى أرض إيمانية إسلامية سواها ومع ذلك فالذي ~~يضع في نفسه شيئا يريد أن يحقق به قضية إيمانية فهو معان عليها لأن ~~الله سبحانه وتعالى يقول: { ومن يهاجر في سبيل الله... }. ### || [4.100] # فالذي يهاجر في سبيل الله سيجد السعة إن كان قد وضع في نفسه العملية ~~الإيمانية. وفي البداية كان المسلمون يهاجرون إلى الحبشة لأنهم لم يكونوا ~~آمنين في مكة على ms2077 دينهم. ولذلك قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط ~~الله له كونه واستعرض قضية العدالة في الكون، فلم يقبل النبي إلا أن يذهب ~~المهاجرون إلى الحبشة، ولا بد أن الحق قد أعلمه أن الحبشة في ذلك الزمان ~~هي أرض بلا فتنة. وقد يقول قائل: ولماذا لم يختر النبي أن يهاجر ~~المهاجرون الأوائل إلى قبيلة عربية في الجنوب أو في الشمال؟ لقد كانت ~~لقريش السيادة على كل الجزيرة العربية بقبائلها، فكل القبائل تحج عند ~~قريش ولم تكن هناك أي بيئة عربية قادرة على أن تقف أمام هوى قريش. ولذلك ~~استعرض سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاد جميعا إلى أن أمرهم ~~بالهجرة إلى الحبشة، والعلة في الذهاب إلى الحبشة أن هناك ملكا لا يظلم ~~عنده أحد. وكان العدل في ذاته وساما لذلك الملك وسماها المؤمنون دار ~~أمن، وإن لم تكن دار إيمان. وأما الهجرة إلى المدينة فقد كانت إلى دار ~~الإيمان. وعلينا أن نعرف نحن الذين نعيش في هذا الزمان أنه لا هجرة بعد ~~الفتح، إلا إن كانت هجرة يقصد بها صاحبها المعونة على طاعة الله. وهو ما ~~يوضحه قوله صلى الله عليه وسلم: # " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى ~~الله عنه ". # وهناك هجرة باقية لنا وهي الحج، أو الهجرة إلى طلب العلم، أو الهجرة لأن ~~هناك مجالا للطاعة أكثر، فلنفترض أن هناك مكانا يضيق الحكام فيه على ~~الذهاب إلى المسجد، فيترك أهل الإيمان هذا المكان إلى مكان فيه مجال يأخذ ~~فيه الإنسان حرية أداء الفروض الدينية، كل هذه هجرات إلى الله. والنية في ~~هذه الهجرات لا يمكن أن تكون محصورة فقط في طلب سعة العيش. ولذلك لا يصح ~~أن يكون الشغل الشاغل للناس ما يشغلهم في هذا الزمان هو سعة العيش. وها ~~هو ذا الإمام علي - كرم الله وجهه - يقول: عجبت للقوم يسعون فيما ~~ضمن - بالبناء للمجهول - لهم ويتركون ما طلب منهم. فكل سعي الناس إنما ~~هو للرزق والعيش وهو أمر ms2078 مضمون لهم من خالقهم جل وعلا: { ومن يهاجر ~~في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ~~ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم ~~يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان ~~الله غفورا رحيما } [النساء: 100]. ولن يجد المهاجر إلا السعة ~~من الله، والشاعر يقول: # لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها # ولكن أخلاق الرجال تضيق # وقد يقول الإنسان: إنني أطلب سعة الرزق بالهجرة، ونقول: أنت تبحث عن ~~وظيفة لها شكل العمل وباطنها هو الكسل لأنك في مجال حياتك تجد أعمالا ~~كثيرة. ونجد بعضا ممن يطلبون سعة الرزق يريد الواحد منهم أن يجلس على ~~مكتب ويقبض مرتبا، بينما يبحث المجتمع عن العامل الفني بصعوبة، كأن ~~الذين يبحثون عن سعة الرزق يريدون هذه السعة مع الكسل، لا مع بذل الجهد. ~~{ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما ~~كثيرا.. } [النساء: 100]. وساعة تقرأ كلمة " مراغم " تعرف أنها تفتح ~~المجال أمام المستضعفين الذين يستذلهم الجبارون. ومادة " مراغم " هي " ~~الراء والغين والميم " والأصل فيها " الرغام " أي " التراب ". ويقال: ~~سوف أفعل كذا وأنف فلان راغم، أي أنف فلان يذهب إلى التراب وسأفعل ما أنا ~~مصمم عليه. وما دام هناك إنسان سيفعل شيئا برغم أنف إنسان آخر، فمعناه ~~أن الثاني كان يريد أن يستذله وأراد أن يرغمه على شيء، لكنه رفض وفعل ما ~~يريد. وعندما يرى الإنسان جبارا يشمخ بأنفه ويتكبر، فهو يحاول أن يعانده ~~ويصنع غير ما يريد ويجعل مكانه هذا الأنف في التراب، ويقال في المثل ~~الشعبي: أريد أن أكسر أنف فلان. وعندما يهاجر من كان مستضعفا ويعاني من ~~الذلة في بلده، سيجد أرضا يعثر فيها على ما يرغم أنف عدوه. فيقول العدو: ~~برغم أنن ضيقت عليه راح إلى أحسن مما كنت أتوقع. ويرغم الإنسان بهجرته ~~أنف الجبارين. وكلمة " مراغم " هي اسم مفعول، وتعني مكانا إذا ما وصلت ~~إليه ترغم أنف خصمك الذي كان يستضعفك، فهل هناك أفضل من هذا؟ { ومن ~~يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا ~~} [النساء: 100] أي أنه ms2079 سبحانه يعطي المهاجر أشياء تجعل من كان يستضعفه ~~ويستذله يشعر بالخزي إلى درجة أن تكون أنفه في الرغام. والمستضعف في ~~أرض ما يجد من يضيق عليه حركته، لكنه عندما يهاجر في سبيل الله سيجد سعة ~~ورزقا. ويتابع الحق الآية: { ومن يخرج من بيته مهاجرا ~~إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع ~~أجره على الله وكان الله غفورا رحيما } [النساء: ~~100] ولا أحد يعرف ميعاد الموت. فإن هاجر إنسان في سبيل الله فقد لا يصل ~~إلى المراغم لأن الموت قد يأتيه، وهنا يقع أجره على الله. فإذا كان ~~سبحانه قد وعد المهاجر في سبيله بالمكان الذي يرغم أنف خصمه وذلك سبب، ~~ومن مات قبل أن يصل إلى ذلك السبب فهو قد ذهب إلى رب السبب، ومن المؤكد ~~أن الذهاب إلى رب السبب أكثر عطاء. وهكذا نجد أن المهاجر رابح حيا أو ~~ميتا. { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ~~ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على ~~الله وكان الله غفورا رحيما } [النساء: 100] وكلمة " وقع ~~أجره على الله " أي سقط أجره على الله. # كأن الحق سبحانه وتعالى يقول للعبد: أنت عندما تهاجر إلى أرض الله ~~الواسعة، إن أدركك الموت قبل أن تصل إلى السعة والمراغم، فأنت تذهب إلى ~~رحابي. والمراغم سبب من أسبابي وأنا المسبب. وحتى نفهم معنى: " وقع أجره ~~على الله " علينا أن نقرأ قوله الحق: # وإذا وقع القول عليهم # [النمل: 82] والوقوع هنا هو سقوط، ولكنه ليس كالسقوط الذي نعرفه، بل هو ~~الذهاب إلى الله. ولماذا يستخدم الحق هنا " وقع " بمعنى " سقط "؟ هو ~~سبحانه يلفتنا إلى ملحظ هام: حيث يكون الجزاء أحرص على العبد من حرص ~~العبد عليه، فإذا ما أدرك العبد الموت فالجزاء يسعى إليه وهو عند الله، ~~ويعرف الجزاء من يذهب إليه معرفة كاملة. وهكذا يجب أن نفهم قوله الحق: { ~~ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما ~~كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ~~ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على ~~الله وكان ms2080 الله غفورا رحيما } [النساء: 100]. والله غفور ~~رحيم حتى لمن توانى قليلا، وذلك حتى يلحق بالركب الإيماني ويتدارك ما ~~فاته لأن الله يغفر ما فات إن حاول العبد تداركه. والهجرة تقتضي ضربا في ~~الأرض، وتقتضي الجهاد. وبعد أن جعل الله الإسلام أركانا، جاء فحمل ~~المسلم ما يمكن أن يؤديه من هذه الأركان، فأركان الإسلام هي: الشهادة ~~والصلاة والصوم والزكاة والحج لمن استطاع إلى ذلك سبيلا، والمسلم ينطق ~~بالشهادة ويؤدي الصلاة، ولكنه قد لا يملك مالا لذلك يعفيه الحق من ~~الزكاة. وقد يكون صاحب مرض دائم فلا يستطيع الصوم، فيعفيه الله من الصوم. ~~وقد لا تكون عنده القدرة على الحج فيعفيه الحق من الحج. أما شهادة " لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " فقد لا يقولها المسلم في العمر إلا ~~مرة واحدة. ولم يبق إلا ركن الصلاة وهو لا يسقط عن الإنسان أبدا ما دامت ~~فيه الصلاحية لأدائها، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأس الأمر كله الإسلام وعموده الصلاة " # ولأن الصلاة هي الركن الذي لا يسقط أبدا فقد جمع الله فيها كل الأركان، ~~فعند إقامة الصلاة يشهد المسلم ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~وخلال الصلاة يصوم الإنسان عن الطعام والشراب، وإضافة إلى ذلك يصوم ~~ويمتنع عن الكلام أيضا، وهكذا نجد الصلاة أوسع في الإمساك عن ركن ~~الصيام. فالإنسان وهو يقيم الصلاة يحبس نفسه عن أشياء كثيرة قد يفعلها ~~وهو صائم، فالصوم - مثلا - لا يمنع الإنسان من الحركة إلى أي مكان لكن ~~الصلاة تمنع الإنسان إلا من الوقوف بين يدي الله. # إذن فالصلاة تأخذ إمساكا من نوع أوسع من إمساك المؤمن في الصيام. ~~والزكاة هي إخراج جزء من المال، والمال يأتي به الإنسان من الحركة ~~والعمل. والحركة والعمل تأخذ من الوقت. وحين يصلي المسلم فهو يزكي ~~بالأصل، إنه يزكي ببذل الوقت الذي هو وعاء الحركة، إذن ففي الصلاة زكاة ~~واسعة. والحج إلى البيت الحرام موجود في الصلاة لأن المسلم يتحرى الاتجاه ~~إلى البيت الحرام كقبلة في ms2081 كل صلاة، وهكذا. ولذلك اختلفت الصلاة عن بقية ~~الأركان. فلم تشرع بواسطة الوحي، وإنما شرعت بالمباشرة بين رب محمد ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم. ولأن هذه هي منزلة الصلاة نجد الحق يحذرنا من أن ~~يشغلنا الضرب في الأرض عنها، بل شرع سبحانه صلاة مخصوصة اسمها " صلاة ~~الحرب وصلاة الخوف " حتى لا يقولن أحد إن الحرب تمنعنا من الصلاة، ففي ~~الحرب يكون من الأولى بالمسلم أن يلتحم بمنهج ربه. كذلك في السفر يشرع ~~الحق قصر الصلوات: { وإذا ضربتم في الأرض... }. ### || [4.101] # والضرب في الأرض مقصود به أن يمشي المؤمن في الأرض بصلابة وعزم وقوة. ~~والقصر في الصلاة هو اختزال الكمية العددية لركعاتها. وفي اللغة " اختصار ~~" و " اقتصار ". " الاقتصار " أن تأخذ بعضا وتترك بعضا، و " الاختصار " ~~هو أخذ الكل بصفة موجزة. مثال ذلك عندما نختصر كتابا ما فنحن نوجز كل ~~المعاني التي فيه في عدد أقل من الكلمات. وقد يفكر إنسان في أن يكتب ~~خطابا، ثم يقول لنفسه: سأرسل برقية في الموضوع نفسه. وهنا لا بد أن ~~يختزل الكلمات لتحمل معاني كثيرة في ألفاظ موجزة. والإسهاب - كما نعلم - ~~لا يأخذ من الوقت مثلما يأخذ الإيجاز فعندما يريد الإنسان الإيجاز فهو ~~يقدح ذهنه - في وقت أطول - ليصل إلى المعاني في كلمات أقل. ويحكى عن سعد ~~زغلول - زعيم ثورة 1919 المصرية - أنه كتب رسالة لصديق فأطال، وأنهى ~~رسالته بهذه الكلمات: وإني أعتذر إليك عن التطويل فليس عندي الوقت الكافي ~~للإيجاز. ويحكي التاريخ عن الخليفة المسلم الذي أراد أن يهدد قائد ~~الروم.. فكتب إليه أما بعد: فسآتيك بجيش أوله عندك وآخره عندي. وهكذا ~~أوجز الخليفة حجم الخطر الداهم الذي سيواجه ملك الروم من جيش عرمرم سيملأ ~~الأرض إلخ. وينقل التاريخ عن أحد قادة العرب وموقفه القتالي الذي كان ~~صعبا في " دومة الجندل " أنه كتب إلى خالد بن الوليد كلمتين لا غيرهما " ~~إياك أريد " ولم يقل أكثر من ذلك ليتضح من هذا الإيجاز حجم المعاناة التي ~~يعانيها. وقد أوردنا هذا الكلام ونحن بصدد الحديث عن القصر ms2082 والإيجاز. ~~والقصر في الصلاة هو أن يؤدي المؤمن كلا من صلاة الظهر والعصر والعشاء ~~ركعتين بدلا من أربع ركعات، أما الصبح والمغرب فكلاهما على حاله، الصبح ~~ركعتان، والمغرب ثلاث ركعات. وحكمة مشروعية ذلك أن الصلاة في وقت الحرب ~~تقتضي ألا ينشغل المقاتلون عن العدو، ولا ينشغلوا أيضا عن قول الحق: # إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا # [النساء: 103]. فإذا شرع الله للخوف صلاة، وللحرب صلاة فمعنى ذلك أنه لا ~~سبيل أبدا لأن ينسى العبد المؤمن إقامة الصلاة. وإذا كانت الصلاة واجبة ~~في الحرب فلن تكون هناك مشاغل في الحياة أكثر من مشاغل الحرب والسيف. ~~وصلاة الحرب - أي صلاة الخوف - جاء بها القرآن، أما صلاة السفر فقد جاءت ~~بها السنة أيضا، وفيها يقصر المؤمن صلواته أيضا: { وإذا ضربتم ~~في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من ~~الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن ~~الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا } [النساء: 101]. ولو ~~رأى الكافرون المؤمنين مصفوفين جميعا في الصلاة فقد يهجمون عليهم هجمة ~~واحدة. ولذلك شرع الحق قصر الصلاة. ويكون الخطاب من بعد ذلك موجها ~~للرسول صلى الله عليه وسلم: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة... }. ### || [4.102] # وحين يقول الحق: { فلتقم طآئفة منهم } [النساء: 102] نفهم ~~أن ينقسم المؤمنون إلى طائفتين: طائفة تصلي مع رسول الله، وأخرى ترقب ~~العدو وتحمي المؤمنين. ولكن كيف تصلي طائفة خلف رسول الله ولا تصلي أخرى ~~وكلهم مؤمنون يطلبون شرف الصلاة مع رسول الله؟ ويأمر الحق أن يقسم النبي ~~صلى الله عليه وسلم الصلاة ليصلي بكل طائفة مرة، ليشرف كل مقاتل بالصلاة ~~خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقصر الصلاة - كما عرفنا - ينطبق على ~~الصلاة الرباعية وهي الظهر والعصر والعشاء أما صلاة الفجر وصلاة المغرب ~~فلا قصر فيهما، فليس من المتصور أن يصلي أحد ركعة ونصف ركعة، وفي علم ~~الحساب نحن نجبر الكسور إلى الرقم الأكبر. وقد صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الخوف بهيئات متعددة، ولا مانع من أن نلم بها إلماما ~~عاجلا لأن ms2083 تعليم هذه الصلاة عادة يكون واجبا على الأئمة والعلماء الذين ~~يصلون بالجيوش في حالة الحرب. ولصلاة الخوف طرق وكيفيات: كان الرسول صلى ~~الله عليه وسلم يقسم الجيش إلى قسمين قسم يصلي معه وقسم يرقب العدو، ~~ويصلي بكل فرقة ركعتين. وهناك طريقة أخرى وهي أن يصلي بطائفة وفرقة ركعة ~~واحدة، ثم ينصرفون وتأتي الطائفة التي حمت الطائفة الأولى في أثناء ~~الصلاة لتصلي هذه الطائفة الثانية ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وهنا يسلم رسول الله لأنه أنهى الصلاة. وبعد ذلك تصلي الطائفة الأولى ~~الركعة الثانية التي عليها في القصر وتسلم، ثم تصلي الطائفة الثانية التي ~~عليها في القصر وتسلم. وهناك كيفية ثالثة وهي أن تأتي الطائفة الأولى ~~تصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعة، ولا يصلي النبي صلى الله عليه ~~وسلم معها الركعة الثانية بل يظل واقفا قائما إلى أن تخرج من صلاتها ~~بالتسليم لتنادي الطائفة التي تقف في مواجهة العدو لتصلي خلف النبي صلى ~~الله عليه وسلم الركعة الثانية بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم بينما ~~هي الركعة الأولى بالنسبة إليها، ويظل النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا ~~إلى أن تأتي الطائفة الثانية بركعتها الثانية ويسلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم بها وتنال الطائفة الأولى بشرف بدء الصلاة مع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وتحظى الطائفة الثانية بشرف السلام معه صلى الله عليه وسلم. وهنا ~~نسأل: هل هذه الصلاة بهذا الأسلوب مقصورة على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإتماما به لأن الصلاة معه هي الشرف؟ فكيف يصلي المقاتلون الخوف ~~بعده صلى الله عليه وسلم؟ قال العلماء: إذا كنت تعتبر القائمين بأمر ~~القيادة هم خلفاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الولاية فتقام صلاة ~~الخوف على صورتها التي جاءت في القرآن، ولكن إذا كان لكل جماعة إمام ~~فلتصل كل جماعة صلاة القصر كاملة خلف الإمام. # { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم ~~طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم } [النساء: ~~102] وهذه الأسلحة المقصود بها الأسلحة الحقيقية مثل السيف ms2084 أو الرمح أو ~~النبلة أو البندقية فيأخذها المقاتل معه، أما من معه سلاح ثقيل فلن يأخذه ~~بطبيعة الحال إلى الصلاة. { فإذا سجدوا فليكونوا من ~~ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا ~~فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم } ~~[النساء: 102] والقول القرآني هنا ليس مجرد ألفاظ تقال ولكنها ألفاظ لها ~~مدلولات من رب العالمين، فمن قدموا إلى الصلاة أولا: تركوا خلفهم من ~~يحميهم. ولكن الطائفة الثانية التي سوف تترك المواقع من أجل الركعة ~~الثانية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فبالهم مشغول بذواتهم وبحماية ~~من يصلون، فلعلهم حين يذهبون إلى الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تلهيهم المسألة لذلك قال الله: { وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم } [النساء: 102] وهكذا نجد أن الطائفة الأولى ملزمة ~~بأخذ السلاح، والطائفة الثانية ملزمة بأخذ الحذر والسلاح. وقد يقول قائل: ~~صحيح إن الأسلحة تؤخذ، ولكن كيف يؤخذ الحذر وهو عملية معنوية؟ ونقول: إنه ~~سبحانه يصور المعنويات ويجسمها تجسيم الماديات حتى لا يغفل الإنسان عنها، ~~فكأن الحذر آلة من آلات القتال، وإياك أيها المقاتل أن تغفل عنها. وهذا ~~أمر يشيع في أساليب القرآن الكريم، فالحق سبحانه يقول: # والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم # [الحشر: 9]. والدار هي مكان باستطاعة الإنسان أن يتبوأه ويقيم به، فما ~~معنى أن يتبوأ الإنسان الإيمان وهو أمر معنوي؟. إنه سبحانه في هذا القول ~~يصف الأنصار الذين أكرموا وفادة المهاجرين، والدار - كما نعرف - هي ~~المكان الذي يرجع إليه الإنسان، والإيمان هو مرجع كل أمر من الأمور. إذن ~~فقد جعل الحق سبحانه الإيمان كأنه يتبوأ، أي جعله شيئا ينزل الإنسان ~~فيه، والإيمان كذلك حقا، والدار في هذا القول مقصود بها هنا المدينة ~~المنورة، حيث استقبل الأنصار المهاجرين. # والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ~~يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون # [الحشر: 9]. وهكذا يجسم الحق المعنويات لنفهم منها الأمر وكأنه أمر ~~حسي، تماما كما قال الحق: { فليصلوا معك وليأخذوا ~~حذرهم وأسلحتهم ms2085 ود الذين كفروا لو تغفلون ~~عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة ~~واحدة } [النساء: 102]. وهذا ما يوضح لنا لماذا أمر الله أن يأخذ ~~المسلمون الحذر والأسلحة لأن المقاتل يجب أن يخاف على سلاحه ومتاعه. فلو ~~فقدها المقاتل لفقد أداة القتال ولصارت أدوات قتاله قوة لعدوه. فحين يأخذ ~~المقاتل السلاح من عدوه، يتحول السلاح إلى قوة ضد العدو. # لذلك كان التحذير من فقد الأسلحة والأمتعة حتى لا تضاف قوة السلاح ~~والمتاع إلى قوة العدو لأن في ذلك إضعافا للمؤمن وقوة لخصمه. وعدو ~~الإسلام يود أن يغفل المسلمون عن الأسلحة والمتاع، والمؤمن ساعة الصلاة ~~يستغرق بيقظته مع الله، ولكن على الإنسان ألا يفقد يقظته إن كان يصلي ~~أثناء الحرب، فلا يصح أن ينسى الإنسان سلاحه أثناء القتال حتى وهو يصلي، ~~فالقتال موقف لله، فلا تفصل القتال في سبيل الله عن الصلاة لله. { ود ~~الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم } [النساء: 102] والغفلة هي نسيان طارئ على ما لا يصح ~~أن ينسى، وفي هذا تحذير واضح لأن الغفلة أثناء القتال هي حلم للكافرين ~~حتى يحققوا هدفهم المتمثل في قول الله: " فيميلون عليكم ميلة واحدة ". ~~فمعسكر الكفر يتمنى أن يهجم على المؤمنين في لحظة واحدة، هذا هو المقصود ~~بقوله: " فيميلون عليكم ميلة واحدة ". ولكن لنر من بعد ذلك قول الحق: { ~~ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو ~~كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم ~~إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا } [النساء: ~~102]. ونجد هنا أن كلمة " الحذر " تكررت، وسبحانه بجلال جبروته أعد ~~للكافرين عذابا مهينا، وفي ذلك بشارة منه أن الكافرين لن ينالوا من ~~المؤمنين شيئا، فلماذا جاء الأمر هنا بأخذ الحذر؟. إن أخذ الحذر لا يعني ~~أن الله تخلى عن المؤمنين، ولكن لتنبيه المؤمنين أن يأخذوا بالأسباب، ولا ~~يغفلوا عن المسبب لأنه سبحانه هيأ وأعد العذاب المهين للكافرين. " إن ~~الله أعد للكافرين عذابا مهينا ". وهذا ما يجب أن نفهمه حتى لا يتوهم ~~أحد أن الله عندما نبه كثيرا بضرورة الأخذ بالحذر ثم ms2086 أنه يتخلى عنا، لا. ~~إنه سبحانه يوضح لنا أن نأخذ بالأسباب ولا نهملها وهو القائل " إن الله ~~أعد للكافرين عذابا مهينا ". ومن بعد ذلك قال الحق: { فإذا ~~قضيتم الصلاة... }. ### || [4.103] # كأن المؤمن مطالب بألا يسوف ويؤخر الصلاة عن وقتها، وأن يذكر الله ~~قائما وقاعدا وعلى جنبه، وذلك لتكون الصلاة دائما في بؤرة شعور ~~الإنسان، بل إن المؤمن مطالب بذكر الله حتى وهو يسايف عدوه وينازله، فهو ~~يحمل السيف ولسانه رطب بذكر الله ويقول: " سبحان الله والحمد لله ولا إله ~~إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ". والإنسان ~~حين يسبح الله حتى وهو في حالة الاشتباك مع العدو لا ينساه الله. والمؤمن ~~قد يؤخر الصلاة في حالة الاشتباك مع العدو والالتحام به، ولكن عليه أن ~~يدفع قلبه ونفسه إلى ذكر الله، ففي وقت الصلاة يكون مع ربه فليذكره ~~قائما وقاعدا وفي كل حال، وبعد أن يطمئن المسلم لموقفه القتالي فليقض ~~الصلاة. وأنه لا يترك ربه أبدا بل وهو في الحرب يكون ذلك منه أولى لأنه ~~في حالة الاحتياج إليه سبحانه، والقتال يدفع المؤمن إلى الاستعانة بربه، ~~وإذا كان المسلم يعرف أن لله في أوقاته تجليات، فلا يحرمن واحد نفسه من ~~هذه التجليات في أي وقت، وذكر الله يقرب العبد من مولاه - فسبحانه - مع ~~عبده إذا ذكره، فإن كان الإنسان مشبعا بالاطمئنان وقت الخوف والقتال ~~فليذكر الله ليدعم موقفه بالقوة العليا. وقوله الحق: { فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلاة } [النساء: 103] أي إذا انتهى ~~الاشتباك القتالي فعلى المؤمن أن ينتقل من ذكر الله أثناء الاشتباك إلى ~~الصلاة التي حان ميقاتها أثناء القتال. فقد كان ذكر الله وقت الاشتباك من ~~أجل ألا يضيع وقت الصلاة بلا كرامة لهذا الوقت، وبلا كرامة للقاء العبد ~~مع الرب. ولماذا كل ذلك؟ ويأتي القول الفصل: { إن الصلاة كانت ~~على المؤمنين كتابا موقوتا } [النساء: 103]. وقد أوضح ~~لنا الحق صلاة الخوف، وشرع سبحانه لنا ذكره إذا ما جاء وقت الصلاة في ~~أثناء الاشتباك القتالي، وإذا ما اتفق ms2087 توقيته مع وقت الصلاة، وشرحت لنا ~~سنة النبي صلى الله عليه وسلم كيفية قصر الصلاة في أثناء السفر، لماذا كل ~~ذلك؟ لأن الصلاة فرض لا غنى عنه على الإطلاق { إن الصلاة كانت ~~على المؤمنين كتابا موقوتا } [النساء: 103]. أي أن ~~الصلاة لها وقت. ولا يصح أن يفهم أحد هذا المعنى - كما يفهمه البعض - بأن ~~صلاة الظهر - على سبيل المثال - وقتها ممتد من الظهر إلى العصر، وصحيح أن ~~الإنسان إذا عاش حتى يصلي الظهر قبيل العصر فإنها تسقط عنه، ولكن ماذا ~~يحدث لو مات العبد وقد فات عليه وقت يسعها؟ إذن فقد أثم العبد، ومن يضمن ~~حياته حتى يؤدي الصلاة مؤجلة عن موعد أدائها؟. # وقد يقول قائل: أحيانا أسمع أذان الصلاة وأكون في عمل لا أستطيع أن ~~أتركه فقد أكون في إجراء جراحة. أو راكبا طائرة. ونقول: أسألك بالله إذا ~~كنت في هذا العمل الذي تتخيل أنك غير قادر على تركه وأردت أن تقضي حاجة، ~~فماذا تصنع؟ إنك تذهب لقضاء حاجتك، فلماذا استقطعت جزءا من وقتك من أجل ~~أن تقضي حاجتك؟ وقد تجد قوما كافرين يسهلون لك سؤالك عن دورة المياه ~~لتقضي حاجتك. وساعة يراك هؤلاء وأنت تصلي فأنت ترى على وجوههم سمة ~~الاستبشار لأن فيهم العبودية الفطرية لله، وتجد منهم من يسهل ذلك ويحضر ~~لك ملاءة لتصلي فوقها، ويقف في ارتعاش سببه العبودية الفطرية لله، فلا ~~تقل أبدا: إن الوقت لا يتسع للصلاة لأن الله لا يكلف أبدا عبده شيئا ~~ليس في سعته، والحق كلف العبد بالصلاة ومعها الوقت الذي يسعها. ولله ~~المثل الأعلى، نحن نرى رئيس العمال في موقع ما يوزع العمل على عماله بما ~~يسع وقت كل منهم، فما بالنا بالرب الخالق، ولذلك يقول الحق: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3] والصلاة رزق عبودي يحررك من أي خوف، وفضلها لا حدود له ~~لأن فارضها هو الخالق المربي، فكيف تبخل على نفسك أن تكون موصولا بربك؟ ~~ويقول الحق من بعد ذلك: { ولا تهنوا ms2088 في ابتغآء القوم... ~~}. ### || [4.104] # وهذه الآية تذكرة لنا بكيفية الرد على من يدعون التحرر ويحاولون إظهار ~~الإسلام بأنه يصلح للعصر الذي نحياه عندما نؤوله ونطوعه لمرادات العصر، ~~ناسين مرادات الإسلام فهم يقولون: لقد شرع الحق الحرب في الإسلام لرد ~~العدوان. ونقول لهم: صحيح أن الحرب في الإسلام لرد العدوان، والحرب في ~~الإسلام أيضا هي لتوسيع المجال لحرية الاعتقاد للإنسان. إن الذي يخيف ~~هؤلاء أن يكون القتال في الإسلام فريضة، فيقاوم المسلمون الطغيان في أي ~~مكان. وهذه محاولة من أعداء الإسلام لصرف المسلمين حتى لا يقاوموا قهر ~~الناس والطغيان عليهم لأن أعداء الإسلام يعرفون تماما قوة الإسلام ~~الكامنة والتي يهبها لمن يؤمن به دينا، وينخدع بعض المسلمين بدعاوى ~~أعداء الإسلام الذين يقولون: إن الإسلام لم يشرع الحرب إلا لرد العدوان. ~~ولذلك نقول لهؤلاء وأولئك: لا إن الإسلام جاء بالقتال ليحرر حق الإنسان ~~في الاعتقاد. والمسلم مطلوب منه أن يعلن كلمة الله، وأن يقف في وجه من ~~يقاوم إعلانها، ولكن الإسلام لا يفرض العقيدة بالسيف، إنما يحمي بالسيف ~~حرية المعتقد، فالحق يقول: { ولا تهنوا في ابتغآء القوم } ~~[النساء: 104] أي لا تضعفوا في طلب القوم الذين يحاربون الإسلام، ~~والابتغاء هو أن يجعل الإنسان شيئا بغية له، أي هدفا وغاية، ويجند لها ~~كل تخطيطات الفكر ومتعلقات الطاقة، كأن الإنسان لا يرد القوم الكافرين ~~فقط ساعة يهاجمون دار الإسلام، ولكن على المسلم أن يبتغيهم أيضا ~~امتثالا لقول الله: { ولا تهنوا في ابتغآء القوم } ~~[النساء: 104]. فعلى المسلمين أن يعلوا كلمة الله، ويدعوا الناس كافة ~~إلى الإيمان بالله. وهم في هذه الدعوة لا يفرضون كلمة الله، لكنهم يرفعون ~~السيف في وجه الجبروت الذي يمنع الإنسان من حرية الاعتقاد. إن على ~~المسلمين رفع الجبروت عن البشر حتى ولو كان في ذلك مشقة عليهم لأن الحق ~~قال: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم # [البقرة: 216] وقد خلق الله في المؤمن القدرة على أن يبتغي عدو الإسلام ~~ليرفع الجبروت عن غيره من البشر، صحيح أن الحرب مسألة مكروهة من البشر ~~وليست ms2089 رحلة سهلة، ولكنها أحيانا تكون واجبة، والذين أدركوا الحرب ~~العالمية الثانية عرفوا أن " تشرشل " جاء رئيسا لوزراء بريطانيا بعد " ~~تشمبرلن " الذي عرف عنه أنه رجل سلام، وحاول " تشمبرلن " أن يماطل ويلوح ~~بالسلام مع ألمانيا حتى تستعد انجلترا بالحرب، وعندما استعدت انجلترا ~~أعلن " تشمبرلن " أن سياسته غير نافعة، وجاء " تشرشل " وقاد دفة الحرب، ~~وقال للإنجليز: - انتظروا أياما سوداء وانتظروا الجوع. لقد قال تشرشل ~~ذلك للإنجليز، حتى إذا ما جاء الواقع بأقل من قوله، فهم يستبشرون ~~ويفرحون. # والحق سبحانه يقول: { ولا تهنوا في ابتغآء القوم إن ~~تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون } ~~[النساء: 104]. إن الحرب ترهقهم أيضا كما ترهقكم، لكنكم أيها المؤمنون ~~تمتازون على الكافرين بما يلي: { وترجون من الله ما لا ~~يرجون وكان الله عليما حكيما } [النساء: 104]. فأنتم وهم ~~في الألم سواء، ولكن الاختلاف هو أن المؤمنين يرجون ما لا يرجوه ~~الكافرون، إن المؤمنين يعلمون لحظة دخولهم الحرب أن الله معهم وهو الذي ~~ينصرهم ومن يمت منهم يذهب إلى جنة عرضها السموات والأرض، وهذا ما لا ~~يرجوه الكفرة. والحق سبحانه وتعالى يطالب الفئة المؤمنة التي انتهت قضية ~~عقيدتها إلى الإيمان بإله واحد هو - سبحانه - أنشأهم وخلقهم وإليه ~~يعودون، وهذه القضية تحكم حركات حياتهم إنه - سبحانه - يطالبهم أن يؤدوا ~~مطلوبات هذه القضية، وأن يدافعوا عن هذه العقيدة التي تثبت للناس جميعا ~~أنه لا معبود - أي لا مطاع - في أمر إلا الحق سبحانه وتعالى. وحين تحكم ~~هذه القضية أناسا فهي توحد اتجاهاتهم ولا تتضارب مع حركاتهم، ويصبحون ~~جميعا متعاونين متساندين متعاضدين لذلك جعل الله الطائفة المؤمنة خير ~~أمة أخرجت للناس لأن رسولها صلى الله عليه وسلم خير رسول أرسل للناس، ~~وطلب الحق من أهل الإيمان أن يجاهدوا الكافرين والمنافقين لتصفو رقعة ~~الإيمان مما يكدر صفو حركة الحياة. والحق يعامل خلقه كبشر، إنه خلقهم ~~ويعلم طبائعهم وغرائزهم ولا يخاطبهم على أنهم ملائكة، وإنما يخاطبهم على ~~أنهم بشر، وهم أغيار، ومن الأغيار أن يصفو لهم أمر العقيدة مرة، وأن تعكر ~~عليهم شهواتهم صفو العقيدة مرة ms2090 أخرى لذلك يؤكد لهم أن طريق العقيدة ليس ~~مفروشا بالرياحين والورود، وإنما هو مفروش بالأشواك حتى لا يتحمل رسالة ~~الحق في الأرض إلا من صبر على هذه البلايا وهذه المحن. فلو كانت القضية ~~على طرف الثمام أي سهلة التناول لا مشقة في الحصول عليها وتدرك بدون آلام ~~وبدون متاعب فسيدعيها كل إنسان ويصبح غير مأمون على حمل العقيدة. من أجل ~~ذلك لم ينصر الله الإسلام أولا، إنما جعل الإسلام في أول أمره ضعيفا ~~مضطهدا، لا يستطيع أهله أن يحموا أنفسهم، حتى لا يصبر على هذا الإيذاء ~~إلا من ذاق حلاوة الإيمان مما يجعله لا يشعر بمرارة الاضطهاد ووطأة ~~التعذيب ومشقته. فقال الحق سبحانه وتعالى: { ولا تهنوا في ~~ابتغآء القوم } [النساء: 104] أي لا تضعفوا في طلب القوم. وكلمة ~~{ ولا تهنوا في ابتغآء القوم } [النساء: 104] أي في طلبهم ~~تدل على أن الأمة الإسلامية ليس مطلوبا منها فقط أن تدفع عن نفسها ~~عدوانا، بل عليها أن تطلب هؤلاء الذين يقفون في وجه الدعوة لتؤدبهم حتى ~~يتركوا الناس أحرارا في أن يختاروا العقيدة. إذن فالطلب منه سبحانه: ~~ألا تهنوا ولا تضعفوا في طلب القوم الذين يقفون في وجه الدعوة. # ثم قال سبحانه: { إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون ~~كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون } [النساء: ~~104] أي إنه إذا كان يصيبكم ألم الحرب والإعداد لها، فأنتم أيضا تحاربون ~~قوما يصيبهم ألم المواقع والحروب والإعداد لها فأنتم وهم متساوون في ~~إدراك الألم والمشقة والتعب، ولكن يجب ألا تغفلوا عن تقييم القوة فلا ~~تهملوها لأنها هي القوة المرجحة. فأنتم تزيدون عليهم أنكم ترجون من الله ~~ما لا يرجون. والأشياء يجب أن تقوم بغاياتها والثواب عليها. لا يقولن ~~أحد أبدا " هذا يساوي ذلك ".. فلا يهمل أحد قضية الثواب على العمل. ~~ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في شرح هذه المعادلة حتى تكون الأذهان على ~~بينة منها إعدادا وخوضا للحرب واحتمالا لآلامها: # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين # [التوبة: 52] عليكم أيها الكافرون أن تعلموا أن الذي ينتظرنا هو ms2091 إحدى ~~الحسنيين.. إما أن ننتصر ونقهركم، وإما أن نستشهد فنظفر بالحياة الأخرى. ~~وماذا عن تربص المؤمنين بالكافرين: # ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من ~~عنده أو بأيدينا # [التوبة: 52] كفة من - إذن - هي الراجحة في المعادلة؟ إنها كفة ~~المؤمنين لذلك قال الحق: { ولا تهنوا في ابتغآء القوم إن ~~تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ~~وترجون من الله ما لا يرجون } [النساء: 104] فلا تضعفوا ~~أيها المؤمنون في طلب القوم لأنهم يألمون كما تألمون، ولكن لكم مرجحا ~~أعلى وهو أنكم ترجون من الله ما لا يرجون. ويذيل الحق قضية حث المؤمنين ~~على طلب الكافرين وكيف يزيد المؤمنون على الكافرين بأنهم يرجون من الله ~~ما لا يرجوه الكافرون فيقول: { وكان الله عليما حكيما } ~~[النساء: 104] إنه عليم بكل ما يصيب المؤمن من ألم، فلا تعتقد أيها ~~المؤمن أن لك أجرا سيضيع منك فالشوكة التي تشاك بها في القتال محسوبة ~~لك، وهو سبحانه وتعالى حين يتركك تألم أمام الكافر كما يألم. فذلك لحكمة ~~هي أن تسير إلى القتال وأنت واثق من قدرة إيمانك على تحمل تبعات هذا ~~الدين. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة أو حط ~~عنه بها خطيئة ". # وبعد أن تكلم الحق عن القتال في سبيل نصرة دينه لم يحرم المؤمنين من ~~توجيه يصفي أيضا حركة الحياة، لماذا؟ لأنه علم أن قوما يؤمنون به ~~وينضوون تحت لوائه صلى الله عليه وسلم، فيوضح: أن انضواءكم أيها المؤمنون ~~تحت لواء الإسلام له تبعات، فأنتم أول من يطبق عليه حكم الله، وإياكم أن ~~تظنوا أنكم بإيمانكم وإعلان إسلامكم لله واتباعكم لرسول الله قد أخذتم ~~شيئا يميزكم عن بقية خلق الله، فكما قلنا لكم دافعوا الكفار ودافعوا ~~المنافقين نقول لكم أيضا: دافعوا أنفسكم لأن واحدا قد ينضم إلى الإسلام ~~وبعد ذلك يظن أن الإسلام سيعطيه فرصة ليكون له تميز على غيره، ولمثل هذا ~~الإنسان: نقول لا. ولذلك يخاطب رسوله ms2092 صلى الله عليه وسلم ويقول له: { ~~إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق... }. ### || [4.105] # والحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن نفسه يتكلم فيما يتعلق بالفعل بصفة ~~التعظيم والجمع. مثال ذلك قوله: { إنآ أنزلنا }. وهذه " نون ~~الجماعة " حيث يتطلب إنزال القرآن قوى متعددة لا تتوافر إلا لمن له الملك ~~في كل الكون. ولنضرب لذلك مثلا ولله المثل الأعلى.. إننا نجد أن رئيس ~~الدولة أو الملك في أي بلد يصدر قرارا فيقول: " نحن فلانا أصدرنا القرار ~~". والملك أو الرئيس يعرف أنه ليس وحده الذي يصدر القرار، ولكن يصدره معه ~~كل المتعاونين معه وكل العاملين تحت رئاسته، فما بالنا بالحق الأعلى ~~سبحانه وتعالى؟ لذلك فحين يتكلم سبحانه فيما يتعلق بالذات يكون الحديث ~~بواسطة ضمير الأفراد فيقول: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري # [طه: 14] ولا يأتي هنا ضمير الجمع أبدا، ولا تأتي " نون التعظيم ". ~~ولكن في هذه الآية نجد الحق يقول: { إنآ أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق }.. ونرى " نون التعظيم " واضحة، فالقرآن كلام ~~الله، ونزول القرآن يتطلب صفات متعاضدة. فسبحانه مرة يقول: # أنزلنآ إليك الكتاب # [العنكبوت: 47] ومرة يقول: # أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم # [العنكبوت: 51] ومرة ثالثة يقول: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا ~~تعقلون # [الأنبياء: 10] ما الغاية من الإنزال؟ الغاية من الإنزال أن يوجد على ~~الأرض منهج يحكم حركة الحياة. والقرآن قد أنزل إلى الرسول وإلى من آمن ~~بالرسالة. وحين يقول الحق: { أنزلنا عليك } فمعنى ذلك نزول ~~التكليف. وساعة نسمع كلمة { أنزلنا } فعلينا أن نعرف أن كل شيء يجيء ~~من الحق فهو ينزل إلينا منه سبحانه، وكلمة " أنزل " تشعر السامع أو ~~القارئ لها أن الجهة التي أنزلت هي جهة أعلى، وليست مساوية لمن أنزل ~~إليه، وليست أدنى منه أيضا. وكلمة { أنزلنا } تدل على أن جهة أنزلت، ~~وجهة أنزل إليها، وشيء أنزلته الجهة إلى المنزل إليه. والكتاب هو ~~المنزل. والذي أنزله هو الله. والمنزل إليه هو رسول الله وأمته. وهل ~~أنزل الحق سبحانه الكتاب فقط أو أنزل قبل ذلك كل ما يتعلق ms2093 بمقومات ~~الحياة؟ وعندما نقرأ هذا القول الكريم: # يابني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير # [الأعراف: 26] إنه لباس جاء من أعلى لذلك استخدم الحق كلمة { أنزلنا ~~} وهو ليس لباسا فقط ولكنه أيضا يزينكم مأخوذ من ريش الطائر لأنه لباسه ~~وزينته، فهو لا يواري العورة فحسب ولكنه جميل أيضا، والأجمل منه أنه ~~لباس التقوى. لقد جاء الحق بالمقوم للحياة سترا ورفاهية، وبعد ذلك أنزل ~~الحق لباس التقوى وهو الخير. فاللباس الأول يواري عورة مادية، ولباس ~~التقوى يواري العورات القيمية والمعنوية، وكل ذلك إنزال من أعلى. # وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد # [الحديد: 25] إذن فكلمة " الإنزال " تدل على أن كل ما جاء من قبل ~~الحق الأعلى إلينا، فهو نازل إلينا بشيء يعالج مادتنا وقوامنا، وبشيء ~~يعالج معنوياتنا وقيمنا. ويقول الحق في الآية التي نحن بصدد تناولها ~~الآن: { إنآ أنزلنا إليك الكتاب } وحين يطلق الكتاب ~~فالمعنى ينصرف إلى الكتاب الجامع المانع المهيمن على سائر الكتب وهو ~~القرآن، وإن كان { الكتاب } يطلق على المكتوب الذي نزل على أي رسول ~~من الله سبحانه وتعالى. { إنآ أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق } والحق هو الشيء الثابت الذي لا يأتي واقع آخر لينقضه. وعلى ~~سبيل المثال: أنت في حياتك العادية حين تقول قضية صدق تحكي بها واقعا حدث ~~مهما تكررت روايتك لهذه التفاصيل مدة عشرين سنة فهي لا تتغير لأنها ~~مطابقة للواقع. وأنت حين تقولها تستحضر الواقع الذي حدث أمامك. ولكن إذا ~~حدث إنسان بقضية كذب لا واقع له. فماذا يكون موقفه؟ سيحكي القضية مرة ~~بأسلوب، وإن مر عليه أسبوع فهو ينسى بعضا مما قاله في أول مرة فيحكي ~~وقائع أخرى، ذلك أن ما يرويه ليس له واقع لذلك يقول كلاما مغايرا لما ~~قاله في المرة الأولى، وهنا يعرف السامع أن هذه المسألة كاذبة. إذن فالحق ~~هو الشيء الثابت الذي لا ينقضه واقع أبدا. وأنزل الله الكتاب بالحق ms2094 أي ~~أنزله بالقضايا الثابتة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها، فهو ثابت لا ~~ينقضه واقع. ويقال في حياتنا للتلميذ الناجح من أساتذته: لقد أعطيناك ~~المرتبة الأولى على زملائك بالحق. أي أن هذا التلميذ قد أخذ حقه لأنه ~~يستحق هذه المكانة. وقوله الحق سبحانه: { إنآ أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق } أي إن إنزال الكتاب على سيدنا رسول الله ليبلغه ~~جاء ملتبسا ومرتبطا بالحق ولا ينفك عنه وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أهل لأن ينزل عليه الكتاب. ووجود معنى بجانب معنى في القرآن هو من أسرار ~~إشعاعات الكلمات القرآنية، فهي لا تتناقض ولكنها توضع بحكمة الخالق لتجلو ~~لنا المعاني. { إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~لتحكم بين الناس } وهذا يوضح لنا أن حكومة الدين الإسلامي ~~وعلى رأسها الحاكم الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جاء لا ليحكم ~~بين المؤمنين به فقط، بل ليحكم بين الناس. ومن شرط الحكم بين الناس ~~القيام بالعدل فيما يختصمون فيه، فلا يقولن واحد: هذا مسلم، وذاك كافر، ~~فإذا كان الحق مع الكافر فلا بد أن تعطيه له، وإذا كان الحق مع المسلم ~~فيجب أن تعطيه له لأنك لا تحكم بين المؤمنين فقط ولكنك تحكم بين الناس. ~~وأنت إن حكمت بين الناس حكما يتفق مع منطق الواقع والحق. # تجعل الذي حكم له يشهد أن دينك حق، فعندما يكون الحق مع الكافر، وتحكم ~~على المؤمن بالحكم الحق الذي لا حيف فيه حتى وإن كان عقابا، فالكافر يقرع ~~نفسه على أنه لم يكن من أهل هذا الدين الذي يعترف بالحق ويحكم به ولو كان ~~على مسلم. وأيضا يعرف المسلم ساعة يحكم عليه لصالح واحد غير مسلم أن ~~المسألة ليست نسبة شكلية إلى الإسلام، ولكنها نسبة موضوعية، فلا يظنن أحد ~~أن الإسلام قد جاء ليحابي مسلما على أي إنسان آخر، ولكن الإسلام قد جاء ~~ليأخذ الجميع بمنطق الحق، ويطبق على الجميع منهج الحق، وليكون المسلم ~~دائما في جانب الحق. وسبحانه وتعالى يعطي هذه القضية لواقعة حدثت معاصرة ~~لرسول ms2095 الله. والوقائع التي حدثت معاصرة لرسول الله بمثابة إستدرار السماء ~~للأحكام، فالقضية تحدث وينزل فيها الحكم، ولو جاءت الأحكام مبوبة وسقطت ~~ونزلت مرة واحدة، فقد تحدث الحادثة ويكون لدى المؤمنين الحكم ويحاولون ~~البحث عنه في الكتاب. لكن إذا ما جاء الحكم ساعة وقوع الحادثة فهو ينصب ~~عليها، ويكون الأمر أدعى للإذعان له لأنه ثبت وأيد ووثق بواقعة ~~تطبيقية. والحكم الذي نزل هو: { إنآ أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ولا ~~تكن للخآئنين خصيما }. وعندما يقول سبحانه " أراك " أو " ~~علمك " فلتعلم أن تعليم الله هو أكثر تصديقا من رؤيتك الإنسانية، ~~وكأنك تتمثل الشيء الذي يعلمه لك الله وكأنه مجسد أمامك، وليس مع العين ~~أين. والواقعة التي حدثت هي: كان في " بني ظفر " واحد اسمه " طعمة بن ~~أبيرق " وسرق " طعمة " درعا، وهذا الدرع كان " لقتادة بن النعمان ". وخاف ~~" طعمة " أن يحتفظ بالدرع في بيته فيعرف الناس أنه سرق الدرع. وكان " ~~طعمة " فيما يبدو مشهورا بأنه لص، فذهب إلى يهودي وأودع عنده الدرع، ~~وكان الدرع في جراب دقيق. وحينما خرج به " طعمة " وحمله صار الدقيق ينتثر ~~من خرق في الجراب وتكون من الدقيق أثرا في الأرض إلى بيت اليهودي ~~وكان اسمه " زيد بن السمين " وعندما تتبعوا أثر الدقيق وجدوه إلى بيت ~~طعمة، ولكنه حلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى ~~انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها وقالوا: " لقد سرق ابن السمين ". وهنا ~~قال ابن السمين: " أنا لم أسرق الدرع ولكن أودعه عندي " طعمة بن أبيرق ". ~~وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء " بنو ظفر " وهم مسلمون " ~~وطعمة بن أبيرق " منهم وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو حكمت ~~على المسلم ضد اليهودي فستكون المسألة ضد المسلمين وسيوجد العار بين ~~المسلمين. # ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى أرسل رسوله ليعدل منهج الغرائز ~~البشرية. والغريزة البشرية بحسب اندفاعها وقصر نظرتها قد تتصور أن الحكم ~~على المسلم وتبرئة اليهودي هو إضعاف للمسلمين. ويريد الحق سبحانه وتعالى ms2096 ~~أن يقيم الأمر بالقسط فينزل على رسوله: { إنآ أنزلنا إليك ~~الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ~~ولا تكن للخآئنين خصيما } [النساء: 105] أي إياك أن تقول: ~~إن هذا مسلم ولا يصح أن نلصق به الجريمة التي ارتكبها حتى لا تكون سبة ~~عليه، وإياك أن تخشى ارتفاع رأس اليهودي لأن هناك لصا قد ظهر من بين ~~المسلمين. ومن الشرف للإسلام أن يعاقب أي إنسان ارتكب خطأ لأنه مادام قد ~~انتسب للإسلام فعليه أن يصون هذا الانتساب. وعقاب المسلم على خطأ هو ~~شهادة للإسلام على أنه لم يأت ليجامل مسلما. وعلى كل مسلم أن يعرف أنه ~~دخل الإسلام بحق الإسلام. لقد نظر بعض السطحيين إلى قوله الحق: { ولا ~~تكن للخآئنين خصيما } قائلين: إن كان هناك لص أو خائن أو ~~مستغل لقوته فاتركه ولا تنظر إليه ولا تلتفت حتى لا يسبب لك تعبا. ~~ولهؤلاء نقول: لا، فسبحانه وتعالى يقول: { ولا تكن للخآئنين ~~خصيما } و " اللام " التي في أول " الخائنين " هي للملكية أي أن الحق ~~يأمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يقف موقفا لصالح الخائن، بل عليه أن ~~يخاصم لمصلحة الحق. وقد حاول العلماء أن يقربوا المسافة فقالوا: ربما لا ~~يتنبه أحد لمسألة اللام وأنها هنا للنفعية، فيكون المنهي عنه أن يقف مسلم ~~موقفا ينفع خائنا، بل لا بد أن يكون على الخائن وليس معه. فاللام هنا ~~تكون بمعنى " عن ". كأن الحق يقول: ولا تكن عن الخائنين خصيما. أي لا تكن ~~يا محمد مدافعا عن الخائنين. ولماذا لم يقل الحق " عن " بدلا من " ~~اللام "؟ نقول: إن الغاية من الدفاع عن الخصم أن ترجح أمره وتكون له لا ~~عليه، لذلك جاء الحق ب " اللام " هنا من أجل أن نعرف الغاية من " عن " ~~واضحة. فاللام تفيد ألا ينفع المسلم خائنا، فلا تكون المسالة له، ولذلك ~~جاء الحق بها إيضاحا واختصارا لنعرف أن رسوله لن يقف في جانب الخائن ~~ولن يأتي له بما ينفعه. ولذلك قال العلماء: إن اللام هنا بمعنى " عن ". ~~والقرآن فيه الكثير ms2097 من مثل هذا. وبعض الناس يقول: لماذا لا يأتي باللفظ ~~الواضح الذي يجعلنا نعرف المعنى مباشرة؟ ونقول: إن الملحظية هنا مفيدة ~~لنعرف في أي صف يقف القرآن والرسول المبلغ عن ربه، مثال ذلك قوله الحق: # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا ~~إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آبآؤكم ~~وقالوا ما هذآ إلا إفك مفترى وقال الذين ~~كفروا للحق لما جآءهم إن هذآ إلا سحر ~~مبين # [سبأ: 43] القائل هم الذين كفروا، والمقول له هو الحق. وبعض الناس كان ~~يفترض أن المنطق يقتضي أن يقول الكفار: إنك سحر مبين. وكأن الآية هي: وإذ ~~تتلى آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم أنت سحر مبين. ولنلحظ ~~أنهم لم يقولوا للحق، ولكنهم قالوا عن الحق. ولم يقولوا للحق ذلك، بل قال ~~بعضهم لبعض. و " الحق " هنا محدث عنه وليس مخاطبا. فقالوا عنه: إنه ~~سحر مبين. وهناك آية أخرى يقول الحق فيها: # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونآ إليه # [الأحقاف: 11] والقائل هنا هم الذين كفروا. والمقول لهم هم الذين آمنوا. ~~والمقصود هو: أن الذين كفروا قالوا للذين آمنوا لو كان الإسلام خيرا ما ~~سبقتمونا إليه. ولكن الحق سبحانه أوردها: " لو كان خيرا ما سبقونا إليه ~~" وذلك ليدلنا على أنهم قالوا ذلك في غير محضر المؤمنين، بل هم يتبادلون ~~هذا القول فيما بينهم. وإلا لو أن القول من الكافرين للمؤمنين لكان ~~السياق يقتضي أن يكون: لو كان خيرا ما سبقتمونا إليه. ومن بعد ذلك يقول ~~الحق: { واستغفر الله... }. ### || [4.106] # والأمر بالاستغفار يجيء على مجرد وجود خاطر التردد بين نصرة المسلم أو ~~نصرة اليهودي، فلم يكن الرسول قد نصر أحدا على أحد بعد، ولكن مجرد هذا ~~الخاطر يتطلب الاستغفار. والذي يصدر الأمر بذلك هو الحق سبحانه لرسوله، ~~ولا اعتراض ولا غضاضة أن يعدل لنا ربنا أمرا ما. أو أن كل خطاب من هذا ~~اللون موجه لمن جعل المسألة موضع مساومة عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، كقول ms2098 " بني ظفر " عندما أرادوا ألا يحكم الرسول على اللص الذي من ~~بينهم، وتمحكوا في الإسلام. لذلك يأمر الحق الذين حدثوا رسول الله عن هذا ~~الموضوع بالاستغفار، أو أن يستغفر الرسول لهم الله لأنهم لم يقولوا ذلك ~~إلا رغبة في ألا ينفضح أمر المسلمين. وبعد ذلك يقول الحق: { ولا ~~تجادل عن الذين يختانون أنفسهم... }. ### || [4.107] # وسبحانه يريد أن يشبع هذه القضية بحثا، فقد كان يكفي أن يقول لنا ما ~~سبق. لكنه يريد أن يحسم مثل هذه الأمور فلا مجادلة في الذين يختانون ~~أنفسهم. والجدل كما نعرف هو الفتل. وحين يفتل الإنسان شيئا، مثل أن يحضر ~~بعضا من الشعر أو الصوف أو الليف ويجدلها ليصنع حبلا، فهو يفتل هذا ~~الغزل ليقويه ويجعله غير هش وقابلا للشد والجذب، ولذلك يقال عن مثل هذه ~~العملية: إننا نجدل الحبل حتى نعطيه القوة. وكذلك شأن الخصمين كل واحد ~~منهما يريد تقوية حجته، فيحاول جاهدا أن يقويها بما يشاء من أساليب لي ~~القول ولحنه أو الفصاحة في الأسلوب. لذلك يأتي الأمر إلى الرسول: لا تقو ~~مركز أي إنسان يختان نفسه. والقرآن حين يعدل عن يخونون أنفسهم إلى " ~~يختانون أنفسهم " ، فلا بد أن لهذا معنى كبيرا لأن الخيانة هي أن تأخذ ~~غير الحق. ومن المحتمل أن يخون الإنسان غيره، لكن أمن المعقول أن يخون ~~الإنسان نفسه؟ إن مثل هذه العملية تحتاج إلى افتعال كبير، فقد يخون ~~الإنسان غيره من أجل مصلحة نفسه، أو ليعطي نفسه شهوة ومعصية عليها عقوبة، ~~وهذه خيانة للنفس لأن الإنسان في مثل هذه الحالة يغفل عن العقوبة الآجلة ~~بالشهوة العابرة العاجلة. وهكذا نرى أن الذي يخون الناس إنما يخون ~~ضمنا مصلحة نفسه. وإذا ما خان الإنسان نفسه فهذا ليس سهلا ويتطلب ~~افتعالا، ولذلك يقول الحق: { ولا تجادل عن الذين ~~يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان ~~خوانا أثيما }. والآية التي تحدثت من قبل ذلك عن هذا الموقف لم ~~تأت بكلمة " خوانين " ولكن جاءت بالخائنين، وهنا يأتي الحق بكلمة خوان. ~~وفيه فرق بين " خائن ms2099 " ، و " خوان " ، فالخائن تصدر منه الخيانة مرة ~~واحدة، أما الخوان فتصدر منه الخيانة مرارا. أو يكون المعنى هو: أن ~~الخائن تصدر منه الخيانة في أمر يسير صغير، أما الخوان فتصدر منه ~~الخيانة في أمر كبير. إذن. فمرة تأتي المبالغة في تكرير الفعل، وأخرى في ~~تضخيم الفعل. ومن لطف الله أنه لم يقل " خائن " لأن الخائن هو من خان ~~لمرة عابرة وانتهى الأمر، ولم يخرجه الله عن دائرة الستر إلا إذا أخذ ~~الخيانة طبعا وعادة وحرفة. وقد جاءت لسيدنا عمر - رضي الله عنه - امرأة ~~أخذ ولدها بسرقة، وأراد عمر - رضي الله عنه - أن يقيم على ذلك الولد ~~الحد، فبكت الأم قائلة: يا أمير المؤمنين والله ما فعل هذا إلا هذه ~~المرة. قال عمر: كذبت. والله ما كان الله ليأخذ عبدا بأول مرة. # ولذلك يقولون: إذا عرفت في رجل سيئة انكشفت وصارت واضحة. فلتعلم أن لها ~~أخوات فالله لا يمكن أن يفضح أول سيئة لأنه سبحانه يحب أن يستر عباده، ~~لذلك يستر العبد مرة وثانية، ثم يستمر العبد في السيئة فيفضحها الله: { ~~إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما } ، والإثم أفظع ~~المعاصي. والقوم الذين ذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستشفعوا ~~عنده لابن أبيرق لكي يحكم له الرسول ضد اليهودي، لماذا صنعوا ذلك؟. لأنهم ~~استفظعوا أن يفضح أمر مسلم ويبرأ يهودي، استحيوا أن يحدث هذا، وعالج ~~القرآن هذه القضية وذلك ليأتي بالحيثية التي دعتهم إلى أن يفعلوا هذا ~~ويقضي على مثل هذا الفعل من أساسه، فقال: { يستخفون من الناس ~~ولا يستخفون من الله... }. ### || [4.108] # إنهم يطلبون البراءة أمام الناس في أن " طعمة " لم يفعل السرقة، ولكن هل ~~يملك الناس ما يملكه الله عنهم؟. إنه سبحانه أحق بذلك من الناس. فإذا ~~كنتم تريدون التعمية في قضاء الأرض فلن تعموا على قضاء السماء. وهذه ~~القضية يجب أن تحكم حركة المؤمن، فإذا ما فكر إنسان منسوب إلى الإسلام أن ~~يفعل شيئا يغضب الله فعليه أن يفكر: أنا لو فعلت ذلك لفضحت نفسي ms2100 أو فضحت ~~ولدي أو فضحت أسرتي أو فضحت المسلمين، وعلى الإنسان المسلم ألا يخشى ~~الناس إن فعل أخ له شيئا يشين المسلمين، بل عليه أن يأخذ على يديه ~~ويرده عن فعله. ونقول لمن يستتر عن الناس: أنت استخفيت من الناس، ولم ~~تستخف من الله لذلك فأنت غير مأمون على ولاية. { يستخفون من ~~الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم } ، وكلمة " ~~معهم " هذه تريد أن تجعل المؤمن مصدقا أن الله لا تخفى عليه خافية، إنه ~~من الممكن أن يستتر الشخص عن الناس، ولكنه لا يستطيع أبدا أن يستتر عن ~~الله لأن الله مع كل إنسان في الخلوة والجلوة والسر والعلن. فإن قدر واحد ~~على الاستخفاء من الناس فهو لن يقدر على الاستخفاء من الله. { ~~يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو ~~معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول } و " يبيت ~~" أي أنه يفعل أمره في الليل لأن الناس كانت تلجأ إلى بيوتهم في الليل، ~~ومعنى " يبيت " أن يصنع مكيدة في البيت ليلا، وكل تدبير بخفاء اسمه " ~~تبييت " حتى ولو كان في وضح النهار، ولا يبيت إنسان في خفاء إلا رغبة منه ~~في أن ينفض عنه عيون الرائين. فنقول له: أنت تنفض العيون التي مثلك، لكن ~~العيون الأزلية وهي عيون الحق فلن تقدر عليها. { يستخفون من ~~الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ ~~يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما ~~يعملون محيطا } [النساء: 108] حين نسمع كلمة " محيط " فلنعلم أن ~~الإحاطة هي تطويق المحيط للمحاط، بحيث لا يستطيع أن يفلت منه علما بحاله ~~التي هو عليها ولا قدرة على أن يفلت منه مآلا وعاقبة، فهو سبحانه محيط ~~علما لأنه هو الذي لا تخفى عليه خافية، ومحيط قدرة فلا يستطيع أن يفلت ~~أحد منه إلى الخارج. وسبحانه محيط علما بكل جزئيات الكون وتفاصيله وهو ~~القادر فوق كل شيء. فإذا ما سمعنا كلمة " محيط " فمعناها أن الحق سبحانه ~~وتعالى يحيط ما يحيط به علما بكل جزئياته فلا تستطيع جزئية أن ms2101 تهرب من ~~علم الحق. وسبحانه محيط بكل شيء قدرة فلا يستطيع أن يفلت من مآله شيء من ~~الجزاء الحق. وبعد ذلك يقول الحق جل وعلا: { ها أنتم هؤلاء ~~جادلتم عنهم في الحياة الدنيا... }. ### || [4.109] # فالذي جادل عن ابن أبيرق كان يريد أن يبرئ ساحته أمام الناس ويدين ~~اليهودي، وفي أنه قد جادل أمام بشر عن بشر، فهل تنتهي المسألة بهذا ~~اليسر؟ لا لأن الدنيا ليست دار جزاء. وهب أنه أفلت من العقوبة البشرية، ~~أيفلت من عقوبة الله في الآخرة؟ لا، إذن فالذي يجادل يريد أن يعمى على ~~قضاء الأرض، ولن يستطيع أن يعمى على قضاء الحق، ولم يجد من يجادل عن مثل ~~هذا الخطأ يوم القيامة. وليس هذا فقط، ولكن الحق يذيل الآية: { أم من ~~يكون عليهم وكيلا } أي فمن إذن يستطيع أن يكون وكيلا عن ~~هؤلاء يوم القيامة؟. ونعرف أن الوكيل هو الشخص اللبق الذي يختاره بعض ~~الناس ليكون قادرا على إقناع من أمامه. فمن يستطيع أن يقوم بذلك العمل ~~أمام الله؟ لا أحد. ويقول الحق من بعد ذلك: { ومن يعمل سوءا ~~أو يظلم نفسه ثم يستغفر... }. ### || [4.110] # وسبحانه وتعالى حينما خلق الخلق جعلهم أهل أغيار لذلك لم يشأ أن يخرج ~~مذنبا بذنب عن دائرة قدرته ورحمته، بل إنه - سبحانه - شرع التوبة للمذنب ~~حماية للمجتمع من استشراء شره. فلو خرج كل من ارتكب ذنبا من رحمة الله، ~~فسوف يعاني المجتمع من شرور مثل هذا الإنسان، ويصبح كل عمله نقمة مستطيرة ~~الشر على المجتمع. إذن فالتوبة من الله، مشروعية وقبولا، إنما هي حماية ~~للبشر من شراسة من يصنع أول ذنب. وهكذا جاءت التوبة لتحمي الناس من شراسة ~~أهل المعصية الذين بدأوا بمعصية واحدة. إن الذين وقفوا في محاولة تبرئة " ~~ابن أبيرق " انقسموا إلى قسمين: قسم في باله أن يبرئ " ابن أبيرق " ، ~~وقسم في باله ألا يفضح مسلما. وكل من القسمين قد أذنب. ولكن هل يخرجهم ~~هذا الذنب من رحمة الله؟. لا، فسبحانه يقول: { يجد الله غفورا ~~رحيما } والحق يعفو عن ms2102 تلك المسألة. إن القسمين جميعا أصبحوا مطالبين ~~بعمل طيب بعد أن أوضح لهم الرسول، وفهموا مراد الحق. وسبحانه يبقيهم في ~~الصف الإيماني، وقد حكم رسول الله على " ابن أبيرق " لصالح اليهودي، وبعد ~~ذلك ارتد " ابن أبيرق " ، وذهب إلى مكة مصاحبا لعادة الخيانة، فنقب ~~حائطا على رجل ليسرق متاعه فوقع الحائط عليه فمات. والحق سبحانه يضع ~~المعايير، فمن يرتكب ذنبا أو يظلم نفسه بخطيئة ثم يستغفر الله يجد الله ~~غفورا رحيما. ونلاحظ أن بعض السطحيين لا يفهمون جيدا قول الحق: { ~~ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما } فيتساءلون: أليس الذي ارتكب ~~العمل السيئ قد ظلم نفسه؟ ونقول: إن دقة القرآن توضح لنا المعنى فمعنى ~~عمل سوءا أضر بهذا العمل آخرين، إنه غير الذي ارتكب شيئا يضر به ~~نفسه فقط فالذي سرق أو قتل أو اعتدى على آخر قذفا أو ضربا أو إهانة، ~~مثل هذه الأعمال هي ارتكاب للسوء فالسوء هو عمل يكرهه الناس، ويقال: فلان ~~رجل سوء، أي يلقى الناس بما يكرهون. لكن الذي يشرب الخمر قد يكون في عزلة ~~عن الناس لم يرتكب إساءة إلى أحد، لكنه ظلم نفسه لأن الإنسان المسلم ~~مطلوب منه الولاية على نفسه أيضا، والمنهج يحمي المسلم حتى من نفسه، ~~ويحمي النفس من صاحبها، بدليل أننا نأخذ من يقتل غيره بالعقوبة، وكذلك ~~يحرم الله من الجنة من قتل نفسه انتحارا. وهكذا نرى حماية المنهج ~~للإنسان وكيف تحيطه من كل الجهات لأن الإنسان فرد من كون الله، والحق ~~يطلب من كل فرد أن يحمي نفسه. فإن صنع سوءا أي أضر بغيره، فهذا اسمه " ~~سوء ". # أما حين يصنع فعلا يضر نفسه فهذا ظلم النفس: # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر ~~الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ~~وهم يعلمون # [آل عمران: 135] وهل فعل الفاحشة مخالف لظلم النفس؟. إنه إساءة لغيره ~~أيضا، لكن ظلم النفس هو الفعل الذي يسئ إلى النفس وحدها. أو أن الإنسان ms2103 ~~يصنع سيئة ويمتع نفسه بها لحظة من اللحظات ولا يستحضر عقوبتها الشديدة في ~~الآخرة. وقد تجد إنسانا يرتكب المعصية ليحقق لغيره متعة، مثال ذلك شاهد ~~الزور الذي يعطي حق إنسان لإنسان آخر ولم يأخذ شيئا لنفسه، بل باع دينه ~~بدنيا غيره، وينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " بادروا بالأعمال ستكون فتنة كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ~~ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض الدنيا ". # { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما } والله غفور ورحيم أزلا ~~ودائما، والعبد التائب يرى مغفرة الله ورحمته. ويقول الحق من بعد ذلك: { ~~ومن يكسب إثما فإنما يكسبه... }. ### || [4.111] # ويورد الحق كلمة " كسب " عندما يتناول أمرا خيرا فعله الإنسان، ~~ويصف ارتكاب الفعل السيئ ب " اكتسب " ، لماذا؟ لأن فعل الخير عملية ~~فطرية في الإنسان لا يستحيي منه، لكن الشر دائما هو عملية يستحيي منها ~~الإنسان لذلك يحب أن يقوم بها في خفية، وتحتاج إلى افتعال من الإنسان. ~~ولنضرب هذا المثل للإيضاح - ولله المثل الأعلى - نحن نجد الرجل ينظر إلى ~~وسامة زوجته بكل ملكاته، لكنه لو نظر إلى واحدة أخرى من غير محارمه فهو ~~يقوم بعملية لخداع ملكات النفس حتى يتلصص ليرى هذه المرأة. ويحاول ~~التحايل والافتعال ليتلصص على ما ليس له. ولذلك يقال عن الحلال: إنه " ~~كسب " ويقال عن الحرام: إنه " اكتساب ".. فإذا ما جاء القرآن للسيئة وقال ~~" كسب سيئة " فهذا أمر يستحق الالتفات، فالإنسان قد يعمل السيئة ويندم ~~عليها بمجرد الانتهاء منها إن كان من أهل الخير، ونجده يوبخ نفسه ويلومها ~~ويعزم على ألا يعود إليها. لكن لو ارتكب واحد سيئة وسعد بذلك وكأنها حققت ~~له كسبا ويفخر بها متناسيا الخطر الجسيم الذي سوف يواجهه يوم القيامة ~~والمصير الأسود، وهو حين يفخر بالمعصية ففي ذلك إعلان عن فساد الفطرة، ~~وسيادة الفجور في أعماقه، وهو يختلف عن ذلك الذي تقع عليه المعصية ولحظة ~~ما يتذكرها يقشعر بدنه ويستغفر الله. { ومن يكسب إثما ~~فإنما يكسبه على ms2104 نفسه } فإياك أيها الإنسان أن تظن أنك ~~حين تظلم أحدا بعمل سوء قد كسبت الدنيا فوالله لو علم الظالم ماذا أعد ~~الله للمظلوم لضن على عدوه أن يظلمه. وأضرب هذا المثل للإيضاح - ولله ~~المثل الأعلى دائما - هب أن رجلا له ولدان. وجاء ولد منهما وضرب أخاه ~~أو خطف منه شيئا يملكه، ورأى الأب هذا الحادث، فأين يكون قلب الأب ومع من ~~يكون؟ إن الأب يقف مع المظلوم، ويحاول أن يرضيه، فإن كان الأخ الظالم قد ~~أخذ منه شيئا يساوي عشرة قروش، فالأب يعوض الابن المظلوم بشيء يساوي ~~مائة قرش. ويعيش الظالم في حسرة، ولو علم أن والده سيكرم أخاه المظلوم ~~لما ظلمه أبدا. إذن فالظلم قمة من قمم الغباء. ومن ضمن المفارقات التي ~~تروى مفارقة تقول: إن كنت ولا بد مغتابا فاغتب أبويك. ولا بد أن يقول ~~السامع لذلك: وكيف أغتاب أبي وأمي؟ فيقول صاحب المفارقة: إن والديك أولى ~~بحسناتك، فبدلا من أن تعطي حسناتك لعدوك، ابحث عمن تحبهم وأعطهم حسناتك. ~~وحيثية ذلك هي: لا تكن أيها المغتاب أحمق لأنك لا تغتاب إلا عن عداوة، ~~وكيف تعطي لعدوك حسناتك وهي نتيجة أعمالك؟ ونعرف ما فعله سيدنا الحسن ~~البصري، عندما بلغه أن واحدا قد اغتابه. # فأرسل إلى المغتاب طبقا من البلح الرطب مع رسول، وقال للرسول: اذهب ~~بهذا الطبق إلى فلان وقل له: بلغ سيدي أنك اغتبته بالأمس فأهديت له ~~حسناتك، وحسناتك بلاشك أثمن من هذا الرطب. وفي هذا إيضاح كاف لذم الغيبة. ~~{ ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان ~~الله عليما حكيما } ونعلم أنه إذا جاءت أي صفة من صفات الحق ~~داخلة في صورة كينونة أي مسبوقة ب " كان " فإياكم أن تأخذوا " كان " على ~~أنها وصف لما حدث في زمن ماض، ولكن لنقل " كان ومازال ". لماذا؟ لأن ~~الله كان أزلا، فهو غفور رحيم قبل أن يوجد مغفور له أو مرحوم فالله ليس ~~من أهل الأغيار، والصفات ثابتة له لأن الزمن في الأحداث يتغير بالنسبة ~~للأغيار فقط، وعلى سبيل المثال ms2105 نجد الواحد من البشر صحيحا في زمن ~~ومريضا في زمن آخر. ولذلك لا يخرج الزمن المستقبل عن الزمن الماضي إلا ~~أصحاب الأغيار. وكذلك لا يخرج الزمن المستقبل عن الزمن الحاضر إلا في ~~أصحاب الأغيار. ومادام الله هو الذي يغير ولا يتغير فلن يغيره زمن ما، بل ~~كان في الأزل غفورا رحيما، ولايزال أيضا غفورا رحيما. وكذلك كان علم ~~الله أزليا وحكمته لا حدود لها. وبعد ذلك يقول الحق: { ومن يكسب ~~خطيئة أو إثما... }. ### || [4.112] # قالوا: إن الخطيئة هي الشيء غير المتعمد، مثال ذلك حين نعلم التلميذ ~~قاعدة من قواعد النحو، ثم نطلب منه أن يطالع نصا من النصوص، ونلتفت لنجد ~~التلميذ قد نصب الفاعل ورفع المفعول، ونصحح له الخطأ، إنه لم يتعمده، بل ~~نسي القاعدة ولم يستحضرها. ونظل نصحح له الخطأ إلى أن يتذكر القاعدة ~~النحوية، وبالتدريب يصبح الإعراب ملكة عند التلميذ فلا يخطئ. والخطيئة - ~~إذن - هي الخطأ غير المتعمد. أما الإثم فهو الأمر المتعمد. فكيف إذا ~~رمى واحد غيره بإثم ارتكبه أو خطيئة ارتكبها هو.. ما حكم الله في ذلك؟ { ~~ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا ~~فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا } [النساء: 112] لقد ~~ارتكب الخطيئة أو الإثم، ويا ليته اكتفى بهذا، لا، بل يريد أن يصعد ~~الجريمة بارتكاب جريمة ثانية وذلك بأن يرمي بالخطيئة أو الإثم بريئا، ~~إن إثمه مركب، ولذلك قال الحق: { فقد احتمل بهتانا ~~وإثما مبينا } واستخدام الحق هنا لكلمة " احتمل " وليس " حمل " ~~تؤكد لنا أن هناك علاجا ومكابدة وشدة ليحمل الإنسان هذا الشيء الثقيل ~~فالجريمة جريمتان وليست واحدة، لقد فعل الخطيئة ورمى بها بريئا، وفاعل ~~الخطيئة يندم على فعلها مرة، ويندم أيضا على إلصاقها ببريء. إذن فهي حمل ~~على أكتافه. ونعلم أن الإنسان ساعة يقع أسير سعار العداوة يهون عليه أن ~~يصنع المعصية، ولكن بعد أن يهدأ سعار العداوة فالندم يأتيه. قال الحق: # واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا ~~قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ~~قال لأقتلنك قال إنما ms2106 يتقبل الله من ~~المتقين # [المائدة: 27] هابيل - إذن - يسأل قابيل: وما ذنبي أنا في ذلك، إن الله ~~هو الذي يتقبل القربان وليس أنا فلماذا تقتلني؟ ويستمر القول الحكيم: # لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط ~~يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العالمين # [المائدة: 28] وماذا يقول الحق من بعد ذلك: # فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من ~~الخاسرين # [المائدة: 30] كأن مسألة القتل كانت عملية شاقة وليست سهلة، وأخذت ~~مغالبة. وعلى سبيل المثال: لن يقول أحد: " لقد طوعت الحبل " ولكن هناك من ~~يقول: " أنا طوعت الحديد ". وسعار الغضب جعل قابيل ينسى كل شيء وقت ~~الجريمة، وبعد أن وقعت، وهدأ سعار الغضب الذي ستر موازين القيم، هنا ظهرت ~~موازين القيم ناصعة في النفس. ولذلك نجد من يرتكب جريمة ما، ويتجه بعد ~~ذلك لتسليم نفسه إلى الشرطة، وهو يفعل ذلك لأن سعار الجريمة انتهى وظهر ~~ضوء موازين القيم ساطعا. وعلى ذلك نفهم قول الحق: { فقد احتمل ~~بهتانا وإثما مبينا }. # وهذا يدل على أن من يصنع جريمة ثم يرمي البريء بالإثم إنما يرتكب عملأ ~~يتطلب مشقة وتتنازعه نفسه مرة بالندم لأنه فعل الجريمة، وتنازعه نفسه مرة ~~ثانية لأنه رمى بريئا بالجريمة لذلك قال الحق: { فقد احتمل ~~بهتانا وإثما مبينا } وساعة نسمع كلمة " بهتان " فهي مأخوذة ~~من مادة " بهت ". والبهتان هو الأمر الذي يتعجب من صدوره من فاعله. مثال ~~ذلك قوله الحق في شرح قضية سيدنا إبراهيم مع النمرود، حيث يقول سبحانه ~~على لسان سيدنا إبراهيم: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب # [البقرة: 258] فماذا كان موقف الرجل؟ # فبهت الذي كفر # [البقرة: 258] أي أنه سمع شيئا عجيبا يخرسه عن أن يتكلم فقد جاء له ~~سيدنا إبراهيم بأمر عجيب لا يخطر على باله، ولا يستطيع أن يجد منه مفرا، ~~فكأن الأمور المخالفة لمنطق الحق ولمطلوب القيم أمور غريبة عن الناس ~~إنها هي البهتان، والدليل على ذلك أنها أمور يستتر فاعلها عن الناس. ~~وإذا ما نظرنا إلى القضية التي نزلت الآية بسببها. وجدنا ms2107 أن سارقا سرق ~~وأراد أن يبرئ نفسه وأن يدخل في الجريمة بريئا. ويلصقها به، وأن يرتكب ~~المجرم الجريمة فهذا يحمله إثما. أما أن ينقل الجريمة إلى سواه فهذا ~~يدل على وجود طاقة أخرى حتى يحتمل ما فعله، وهذا صعب على النفس، ولا ~~يتعجب أحد لسماع شيء إلا إذا كان هذا الشيء مخالفا لما هو مألوف ومعروف. ~~وإن في الحوار بين سيدنا إبراهيم والنمرود لدليلا واضحا وناصعا ~~فعندما قال النمرود: # أنا أحيي وأميت # [البقرة: 258] قصد بذلك قدرته على أن يقتل إنسانا، ويترك إنسانا آخر ~~لمسعاه. وهنا عاجله سيدنا إبراهيم بالقضية التي تبهته ولا يدخل فيها هذا ~~التماحك اللفظي. فقال: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب فبهت الذي كفر # [البقرة: 258] أي أن النمرود سمع قولا عجيبا وليس عنده من الذكاء ما ~~يحتاط به إلى دفعه، وكذلك الرجل الذي صنع الجريمة ثم رمى بها غيره احتاج ~~إلى طاقة تتحمل هذا، مما يدل على أن الفطرة السليمة كارهة لفعل القبيح. ~~فإذا ما فعل الإنسان ذنبا فقد حمل بهتانا، وإذا ما عدى ذلك إلى أن ~~يحمله إلى بريء، فذلك يعني أن الأمر يحتاج إلى طاقة أخرى. إذن فقوله ~~الحق: { فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا } أي أنه احتمل ~~أمرا عجيبا يبهت السامع ويتعجب كيف حدث ذلك. ويحتمل من يفعل ذلك الإثم ~~أيضا. والإثم - كما عرفنا - هو السيئة المتعمدة. ويوضح الحق سبحانه ~~وتعالى هذه القضية: إن الله سبحانه وتعالى يحوطك يا محمد بعنايته ~~وبرعايته وبفضله، وإن حاول بعض من قليلي الإيمان أن يخرجوك عن هذه ~~المسألة، وأن يزينوا لك أن تبرئ مذنبا لتجرم آخر بريئا وإن كان المذنب ~~مسلما وإن كان البريء غير مسلم، والله لم يرسل محمدا ليحكم بين ~~المؤمنين فقط، ولكن صدر هذه الآية يوضح لنا أن الله أرسل رسوله ليحكم ~~بالحق: " لتحكم بين الناس " أي ليحكم بين الناس على إطلاقهم. # فإياك حين تحكم أن تقول: هذا مسلم وذلك كافر. أو تقول: هذا مسلم وذلك من ~~أهل الكتاب، بل كل الناس ms2108 أمام قضايا الحق سواء. ولذلك أخذ الرسول صلى ~~الله عليه وسلم تلك الجرعة الإيمانية التي جاءت بها حادثة من الحوادث ~~ليقول بعد ذلك في قصة المخزومية حينما سرقت وأراد أن يقيم عليها الحد، ~~وكلمه حبيبه أسامة بن زيد في أن يرفع عنها الحد، فقال رسول الله: # " عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي ~~سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن ~~يجرؤ عليه إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله؟! ثم قام فاختطب ~~فقال: " أيها الناس: إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم ~~الشريف تركوه، وإن سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن ~~فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها ". # هذا القول مستخلص من القضية السابقة. ويقول سبحانه وتعالى: { ولولا ~~فضل الله عليك ورحمته... }. ### || [4.113] # وهنا نتساءل: هل هم أحد بإضلال رسول الله؟ علينا أن نفهم أن " الهم ~~" نوعان: هم إنفاذ، وهم تزيين. وقد رفض رسول الله هم الإنفاذ، ودفعه الله ~~عنه لأنه سبحانه وتعالى يحوط رسوله بفضله ورحمته ويأتي بالأحداث ليعلمه ~~حكما جديدا. وفضل الله على رسوله ورحمته جعل الهم منهم هم تزيين فقط ~~وحفظ الله رسوله منه أيضا. وعندما تعلم الرسول هذا الحكم الجديد، صار ~~يقضي به من بعد ذلك في كل قضايا الناس. فإذا ما جاء حدث من الأحداث وجاء ~~له حكم من السماء لم يكن يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالفضل لله ~~لأنه يزيد رسوله تعليما. { وعلمك ما لم تكن تعلم } ~~[النساء: 113] وكان قصد الذين دافعوا عن " ابن أبيرق " أن يزينوا لرسول ~~الله، وهذا هو هم التزيين لا هم الإنفاذ. وكان الهدف من التزيين أن يضروا ~~الرسول ويضلوه والعياذ بالله، ليأخذوه إلى غير طريق الحق وغير طريق ~~الهدى، وهذا أمر يضر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أن رسول الله ms2109 برأ ~~المذنب الذي يعلم أنه مذنب لاستقر في ذهن المذنب أن قضايا الدين ليست ~~جادة، أما البريء الذي كان مطلوبا أن يدينه رسول الله ماذا يكون موقفه؟ ~~لا بد أن يقول لنفسه: إن دين محمد لا صدق فيه لأنه يعاقب بريئا. إذن ~~فهم التزيين يضر بالرسول عند المبرأ وعند من يراد إلصاق الجريمة به. ~~لكن الله صان رسوله بالفضل وبالرحمة عن هذا أيضا. { لهمت طآئفة ~~منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما ~~يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب ~~والحكمة } [النساء: 113] لقد أنزل الحق كتابا ليفصل في القضية. ~~ونزول الحكم بعد وقوع تلك الحادثة إنما جاء ليبين ضمن ما يبين سر نزول ~~القرآن منجما لأن القرآن يعالج أحداثا واقعية، فيترك الأمر إلى أن يقع ~~الحدث ثم يصب على الحدث حكم الله الذي ينزل من السماء وقت حدوث الحدث، ~~وإلا كيف يعالج القرآن الأحداث لو نزل مرة واحدة بينما الأحداث لم تقع؟ ~~لذلك أراد الله أن تنزل الأحداث أولا ثم يأتي الحكم. وقد سبق أن قال ~~الكفار: # لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة # [الفرقان: 32] لا فقد أراد الله القرآن منجما ومتفرقا ومقسطا ~~لماذا؟ # كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا # [الفرقان: 32] فكلما حدثت هزة للفؤاد من اللدد والخصومة الشديدة ومن ~~العناد الذي كان عليه الكفار وردهم للحق - وهم يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم - ينزل نجم من القرآن، وفي شغب البشر مع الرسول تنزل رحمة السماء ~~تثبت الفؤاد فإن تعب الفؤاد من شغب الناس فآيات اتصال الرسول بالسماء ~~وبالوحي تنفي عنه هذه المتاعب. # ورسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الدعوة كانت تحدث له كل يوم هزات ~~لذلك كان في كل لحظة يحتاج إلى تثبيت. وعندما ينزل النجم القرآني بعد ~~العراك مع الخصوم فإن حلاوة النجم القرآني تهون عليه الأمر، وإذا ما ~~جاء للرسول صلى الله عليه وسلم أمر آخر يعكر صفوه، فهو ينتظر حلاوة الوحي ~~لتنزل عليه، وهذا معنى قوله تعالى: # كذلك لنثبت به فؤادك # [الفرقان: 32] أي أنزلناه منجما لنثبت به ms2110 فؤادك. ولو نزل القرآن جملة ~~واحدة لقلل من مرات اتصال السماء بمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو يريد ~~مداومة اتصال السماء به. بدليل أن الوحي عندما فتر جلس الرسول يتطلع إلى ~~السماء ويتشوق. لماذا؟ ففي بداية النزول أرهقه الوحي، لذلك قال الرسول: # " فضمني إليه حتى بلغ مني الجهد ". # ورأته خديجة - رضي الله عنها - " وإن جبينه ليتفصد عرقا " فاتصال جبريل ~~بملكيته ونورانيته برسول الله صلى الله عليه وسلم في بشريته لا بد أن ~~يحدث تغييرا كيميائيا في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم. # " عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن الحارث بن هشام رضي الله عنه ~~سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو ~~أشد علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا ~~فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه ~~الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا ". # إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يواجه المتاعب وأراد الله بفترة الوحي ~~أن يحس محمد حلاوة الوحي الذي نزل إليه، وأن يشتاق إليه، فالشوق يعين ~~الرسول على تحمل متاعب الوحي عندما يجيء، ولذلك نجد أن عملية تفصد العرق ~~لم تستمر كثيرا لأن الحق قال: # وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى: 4] أي أن الحق أوضح لرسوله: إنك ستجد شوقا وحلاوة ولذة في أن ~~تستقبل هذه الأشياء. # كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا # [الفرقان: 32] وهكذا كان القرآن ينزل منجما، على فترات، ويسمع الصحابة ~~عددا من آيات القرآن. ويحفظونها ويكتبها كتاب الوحي، وبعد ذلك تأتي ~~معجزة أخرى من معجزات القرآن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنزل ~~سورة كاملة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن يسرى عنه يقول ~~للكتبة: اكتبوا هذه. ويرتب رسول الله الآيات بمواقعها من السورة. ثم يقرأ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms2111 السورة في الصلاة ويسمع المصلون الترتيل ~~الذي تكون فيه كل آية في موقعها، وهذا دليل على أن المسألة مدروسة دراسة ~~دقيقة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يحكي إنما يحكي صدقا. # وإلا فقولوا لي: كيف ينزل الوحي على رسول الله بسورة بأكملها ويمليها ~~للكتبة، ثم يقرؤها في الصلاة كما نزلت وكما كتبها أصحابه، كيف يحدث ذلك ~~إن لم يكن ما نزل عليه صدقا كاملا من عند الله؟ ونحن قد نجد إنسانا ~~يتكلم لمدة ربع ساعة، لكن لو قلنا له: أعد ما تكلمت به فلن يعيد أبدا ~~الكلمات نفسها، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيد الآيات كما نزلت. ~~مما يدل على أنه يقرأ كتاب الله المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه إنه تنزيل من حكيم حميد. ولذلك يقول الحق: # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا # [الفرقان: 33] أي لا يأتونك بحادثة تحدث إلا جئناك بالحق فيها. إذن لم ~~يكن للقرآن أن ينزل منجما إلا ليثبت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من تتابع الهزات التي يتعرض لها، وأراد الله أن ينشر اتصال السماء برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على الثلاثة والعشرين عاما التي استغرقتها ~~الرسالة. والترتيل هو التنجيم والتفريق الذي ينزل به القرآن فيقرأه ~~الرسول في الصلاة مثلما نزل عليه قبل ذلك دون تحريف أو تبديل، والحق ~~يقول: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6] وكل حادثة تحدث ينزل لها ما يناسبها من القرآن. كما حدثت ~~حادثة سرقة ابن أبيرق فنزل فيها الحكم والحق يقول: { وعلمك ما ~~لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما }. فإذا ~~ما علمك الله - يا رسول الله - ما لم تكن تعلم بنزول الكتاب، فهل أنت يا ~~سيدي يا رسول الله مشرع فقط بما نزل من الكتاب؟ لا فالكتاب معجزة وفيه ~~أصول المنهج الإيماني، ولكن الله مع ذلك فوض رسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~يشرع وتلك ميزة لم تكن لرسول قبله، بدليل قوله الحق: # ومآ آتاكم الرسول ms2112 فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7] فالرسل من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم يتناولون ما أخذوه ~~عن الله، وميز سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم بتفويض التشريع. وأوضح ~~الحق أنه علم رسوله الكتاب والحكمة. والحكمة مقصود بها السنة، ~~فسبحانه القائل: # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله ~~والحكمة # [الأحزاب: 34] وسبحانه صاحب الفضل على كل الخلق وصاحب الفضل على رسوله: ~~{ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما ~~لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } ولنا ~~أن نلحظ أن { فضل الله } تكرر في هذه الآية مرتين. ففضل الله الأول ~~في هذه الآية أنه عصمه من أن تضله طائفة وتنأى به عن الحق، ثم كان فضل ~~الله عليه ثانيا أنه أنزل عليه الكتاب بكل أحكامه وأعطاه الحكمة وهي ~~التفويض من الله لرسوله أن يشرع. # إذن فالحق سبحانه وتعالى جعل من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم امتدادا ~~لوحيه. ولذلك إذا قيل من قوم يحاولون التشكيك في حديث رسول الله: إن ~~الصلاة لم تأت في القرآن. نقول سائلين الواحد منهم: هل تؤدي الصلاة أم ~~لا.؟ فيقول: إنني أصلي.. فنقول له: كم فرضا تصلي؟. فيقول: خمسة فروض. ~~فنقول: هات هذه الفروض الخمسة من القرآن. ولسوف يصيبه البهت، وسيلتبس ~~عليه أمر تحديد الصبح بركعتين والظهر بأربع ركعات، والعصر بمثلها، ~~والمغرب بثلاث، والعشاء بأربع ركعات. وسيعترف أخيرا أنه يصلي على ضوء ~~قول الرسول: # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # وهذه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. { وعلمك ما لم ~~تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما } وقد نجد ~~واحدا من أهل السطحية واللجاجة يقول: القرآن يكرر الكلمات في أكثر من ~~موقع، ولماذا يذكر فضل الله في صدر هذه الآية، ويذكره مرة أخرى في ذيل ~~نفس الآية؟. نقول: أنت لم تلحظ فضل الله في الجزئية الأولى لأنه أنقذ ~~رسوله من هم التزيين بالحكم على واحد من أهل الكتاب ظلما، وفي الجزئية ~~الثانية هو فضل في الإتمام بأنه علم رسوله الكتاب والحكمة وكان هذا الفضل ~~عظيما ms2113 حقا. وساعة يذهب هؤلاء الناس ليحدثوا الرسول في أمر طعمة ابن ~~أبيرق، ألم يجلسوا معا ليتدارسوا كيف يفلت طعمة بن أبيرق من الجريمة؟. ~~لقد قاموا بالتداول فيما بينهم لأمر طعمة واتفقوا على أن يذهبوا للرسول ~~فكانت الصلة قريبة من النجوى. ولذلك حرص أدب الإسلام على أن يحترم كرامة ~~أي جليس ثالث مع اثنين فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما لأن ذلك يحزنه. وقد ~~يكون الأمر جائزا لو كان الجلوس أربعة، فواحد يتحدث مع آخر، وهناك ~~يستطيع اثنان أن يتناجيا. إذن فالنجوى معناها المسارة، والمسارة لا ~~تكون إلا عن أمر لا يحبون أن يشيع، وقد فعل القوم ذلك قبل أن يذهبوا إلى ~~الرسول ليتكلموا عن حادثة طعمة بن أبيرق، ولذلك يفضح الحق أمر هذه ~~النجوى، فينزل القول الحق: { لا خير في كثير من ~~نجواهم... }. ### || [4.114] # وسبحانه يوضح أمر هذه النجوى التي تحمل التبييت للإضلال، ولكن ماذا إن ~~كانت النجوى لتعين على حق؟ إنه سبحانه يستثنيها هنا لذلك لم يصدر حكما ~~جازما ضد كل نجوى، واستثنى منها نجوى من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح ~~بين الناس، بل ويجزى عليها حسن الثواب. لذلك قال: { ومن يفعل ~~ذلك ابتغآء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما }. ويستخدم الحق هنا كلمة " سوف " ، وكان من الممكن أن يأتي ~~القول " فسنؤتيه أجرا عظيما " لكن لدقة الأداء القرآني البالغة جاءت ~~بأبعد المسافات وهي " سوف ". ونعرف أن جواب شرط الفعل إذا ما جاء على ~~مسافة قريبة فنحن نستخدم " السين " ، وإذا ما جاء جواب الشرط على مسافة ~~بعيدة فنحن نستخدم " سوف ". وجاء الحق هنا ب " سوف " لأن مناط الجزاء هو ~~الآخرة، فإياك أيها العبد المؤمن أن تقول: لماذا لم يعطني الله الجزاء ~~على الطيب في الدنيا؟ لأن الحق سبحانه وتعالى لم يقل: " فسنؤتيه " ولكنه ~~قال: { فسوف نؤتيه أجرا عظيما } مما يدل على أن الفضل ~~والإكرام من الله وإن كان عاجلا ليس هو الجزاء على هذا العمل لأن جزاء ~~الحق لعبادة المؤمنين سيكون كبيرا، ولا يدل على هذا الجزاء في الآخرة ~~إلا ms2114 " فسوف ". ونعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين يمني أمته ~~الإيمانية بشيء فهو يمنيها بالآخرة، ولننظر إلى بيعة العقبة عندما جاء ~~الأنصار من المدينة لمبايعة رسول الله: فقال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وحوله عصابة من أصحابه: # " بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا ~~أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في ~~معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في ~~الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله إن شاء عفا عنه ~~وإن شاء عاقبه ". # لقد أخذت لنفسك يا رسول الله ونحن نريد أن نأخذ لأنفسنا، ماذا لنا إن ~~نحن وفينا بهذا؟ ولنر عظمة الجواب وإلهامية الرد، قال الرسول صلى الله ~~عليه وسلم: # " لكم الجنة " # كان في استطاعة رسول الله أن يقول لهم: إنكم ستنتصرون وإنكم ستأخذون ~~مشارق الأرض ومغاربها وسيأتي لكم خير البلاد الإسلامية كلها. لكنه بحكمته ~~لم يقل ذلك أبدا فقد يستشهد واحد منهم في قتال من أجل نصرة دين الله، ~~فماذا سيأخذ في الدنيا؟. إنه لن يأخذ حظه من التكريم في الدنيا، ولكنه ~~سينال الجزاء في الآخرة. # لذلك جاء بالجزاء الذي سيشمل الكل، وهو الجنة ليدلهم على أن الدنيا أتفه ~~من أن يكون جزاء الله محصورا فيها، ويحض كل المؤمنين على أن يطلبوا جزاء ~~الآخرة ونعلم جميعا هذه الحكاية، ونجد رجلا يقول لصاحبه: أتحبني؟ فأجاب ~~الصاحب: نعم أحبك. فسأل السائل: على أي قدر تحبني؟ قال الصاحب: قدر ~~الدنيا. أجاب الرجل: ما أتفهني عندك!!. يقول الحق: { ومن يفعل ~~ذلك ابتغآء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا ~~عظيما } ومن صاحب " نؤتيه " والفاعل لهذا العطاء؟ إنه الحق سبحانه ~~وتعالى الذي وصف الأجر بأنه أجر عظيم. وكأن الحق يبلغنا: - يا معشر الأمة ~~الإيمانية التحموا بمنهج رسول الله وامتزجوا به لتكونوا معه شيئا ~~واحدا. وإياكم أن يكون لكم رأي منفصل عن المنهج فهو مبلغ عن الله، فمن ~~آمن به فليلتحم به. ms2115 ولذلك نجد سيدنا أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~ساعة حدثوه في حكاية الإسراء والمعراج نجده يسأل محدثه: أقال رسول الله ~~ما قلتموه..؟ فيقولون: بلى، لقد قال. فيرد عليهم الصديق: إن كان قال فقد ~~صدق فالصديق أبو بكر لا يحتاج إلى دليل على صدق ما قال رسول الله. ويأتي ~~الحق بالمقابل فيقول: { ومن يشاقق الرسول من بعد... }. ### || [4.115] # وكلمة " يشاقق " تدل على أن شقا قد حدث في أمر كان ملتحما، مثلما نشق ~~قطعة الخشب فنجعلها جزئين بعد أن كانت كتلة واحدة. وأنتم أيها المؤمنون ~~قد التحمتم بمنهج رسول الله إيمانا، واعترفتم به رسولا ومبلغ صدق عن ~~الله، فإياكم أن تشرخوا هذا الالتحام. فإن جاء حكم وحاول أحد المؤمنين أن ~~يخرج عنه، فهذا شقاق للرسول والعياذ بالله. أو المعنى ومن سلك غير ~~الطريقة التي جاء بها الرسول بأن صار في شق وشرع الله في شق آخر. { ومن ~~يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى } نعم فقد ~~تبين الهدى للمسلم حينما آمن بالله خالقا وربا. وآمن بالرسول مبلغا ~~وهو بذلك قد أسلم زمامه إلى الله. ولذلك قلنا: إن عمل العقل هو أن ينظر ~~في أدلة الوجود الأعلى لله، فإذا ما آمن الإنسان بالوجود الأعلى لله، ~~بقيت مرتبة، وهي أن يؤمن الإنسان بالرسول المبلغ عن الله لأن قصارى ما ~~يطلبه العقل من الدليل الإيماني على وجود الله أن وراء الإنسان ووراء ~~الكون قوة قادرة حكيمة عالمة فيها كل صفات الكمال. إن العقل لا يستطيع ~~معرفة اسم هذه القوة. ولا يستطيع العقل أن يتعرف على مطلوباتها لذلك لابد ~~من البلاغ عن هذه القوة، وإذا تبين للإنسان الهدى في الوجود الأعلى وفي ~~البلاغ عن الله فلا بد للإنسان أن يلتحم بالمنهج الذي جاء به المبلغ عن ~~الله. ويفعل الإنسان مطلوب القوة العليا لأن الله قد أمر به ولأن رسول ~~الله قد بلغ الأمر أو فعله أو أقره. أما إذا دخل الإنسان في مماحكات ~~فإننا نقول له راجع إيمانك بالله أولا وإيمانك برسول الله ثانيا. ms2116 لذلك ~~يقول الحق: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له ~~الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا } [النساء: 115] ~~والهدى - كما نعرف - هو الطريق الموصل إلى الغاية. فكل فعل من أفعال ~~الخلق لا بد له من هدف. ومن فعل فعلا بلا هدف يعتبره المجتمع فاقدا ~~للتمييز. أما إذا كان الإنسان صاحب هدف فهو يتعرف على جدية هدفه ~~وأهميته. ويبحث له عن أقصر طريق، هذا الطريق هو ما نسميه الهدى. ومن يعرف ~~الطريق الموصل إلى الهدى ثم يتبع غير سبيل المؤمنين فهو يشاقق الرسول، ~~ولا يلتحم بمنهج الإيمان ولا يلتزم به، ومن يشاقق إنما يرجع عن إيمانه. ~~وهكذا نعرف أن هناك سبيلا وطريقا للرسول، ومؤمنين اتبعوا الرسول بالتحام ~~بالمنهج، ومن يشاقق الرسول يخالف المنهج الذي جاء به الرسول، ويخالف ~~المؤمنين أيضا. والحق هو القائل: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل # [الأنعام: 153] فليس للحق إلا سبيل واحد. # ومن يخرج عن هذا السبيل فما الذي يحدث له؟. ها هي ذي إجابة الحق: { ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا }. وقد ~~يأتي لفظ من المحتمل أن يكون أداة شرط ويحتمل أن يكون اسما موصولا مثل ~~قولنا: من يذاكر ينجح. بالضم فيهما، و " من " هنا هي اسم موصول فالذي ~~يذاكر هو من ينجح. وقد نقول: من يذاكر ينجح. بالسكون وهنا " من " ~~شرطية. وفي الاسم الموصول نجد الجملة تسير على ما هي، أما إذا كانت ~~شرطية، فهناك الجزم الذي يقتضي سكون الفعل ويقتضي - أيضا - جوابا للشرط. ~~و " من " تصلح أن تكون اسما موصولا، وتصلح أن تكون أداة شرط، ونتعرف - ~~عادة - على وضعها مما يأتي بعدها. مثال ذلك قوله الحق: { ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع } ونجد ~~" يتبع " هنا عليها سكون الجزم، وهذا يدل على أن " من " شرطية. وتختلف ~~القراءة لو اعتبرنا " من " اسم موصول لأن هذا يستدعي ترك الفعل " يشاقق ~~" في وضعه كفعل مضارع مرفوع بالضمة، وكذلك يكون " يتبع " فعلا مضارعا ~~مرفوعا بالضمة عند ذلك ms2117 نقول: " نوليه ما تولى ونصليه ". ولكن إن اعتبرنا ~~" من " أداة شرط - وهي في هذه الآية شرطية - فلا بد من جزم الفعل ~~فنقرأها " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ". وكذلك نجزم ~~الفعل المعطوف وهو قوله: ويتبع ويجزم جواب الشرط وما عطف عليه وهو قوله: ~~نوله ونصله والجواب وما عطف عليه مجزومان بحذف حرف العلة وهي الياء ~~من آخره { ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما ~~تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا }. ومعنى " تولى ~~" أي قرب، ويقال: فلان ولي فلان أي صار قريبا له. ومن يتبع غير سبيل ~~المؤمنين، فالحق لا يريده بل ويقربه من غير المؤمنين ويكله إلى أصحاب ~~الكفر. وها هو ذا الحق سبحانه يقول: # " أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته ~~وشركه ". # فالذي يحتاج إلى الشرك هو من به زاوية من ضعف، ويريد شريكا ليقويه ~~فيها. وعلى سبيل المثال - ولله المثل الأعلى - لا نجد أحدا يشارك واحدا ~~على تجارة إلا إذا كان يملك المال الكافي لإدارة التجارة أو لا يستطيع أن ~~يقوم على شأنها. وسبحانه حين يعلمنا: # " أنا أغنى الشركاء عن الشرك. من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته ~~وشركه ". # أي أن له مطلق القوة الفاعلة التي لا تحتاج إلى معونة، ولا تحتاج إلى ~~شريك لأن الشركة أول ما تشهد فإنها تشهد ضعفا من شريك واحتياجا لغريب. # ولذلك فمن يشاقق الرسول في أمر إيماني فالحق يوليه مع الذي كفر ويقربه ~~من مراده. وسبحانه يعلم أن الإنسان لن ينتفع بالشيء المشاقق لرسول الله، ~~بل يكون جزاء المشاقق لرسول الله والمتبع لغير سبيل المؤمنين أن يقربه ~~الله ويدنيه من أهل الكفر والمعاصي، ويلحقه بهم ويحشره في زمرتهم. ولا ~~يعني هذا أن الله يمنع عن العبد الرزق، لا، فالرزق للمؤمن وللكافر، وقد ~~أمر الله الأسباب أن تخدم العبد إن فعلها. ومن رحمة الله وفضله أنه لا ~~يقبض النعمة عن مثل هذا العبد، فالشمس تعطيه الضوء والحرارة، والهواء يهب ~~عليه، والأرض تعطيه من عناصرها الخير: ms2118 # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20] ويقول سبحانه: # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك وما ~~كان عطآء ربك محظورا # [الإسراء: 20] وهكذا نجد العطاء الرباني غير مقصور على المؤمنين فقط ~~ولكنه للمؤمن وللكافر، ولو لم يكن لله إلا هذه المسألة لكانت كافية في أن ~~نلتحم بمنهجه ونحبه. { ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا } ولا ~~بد أن يكون المصير المؤدي إلى جهنم غاية في السوء. وبعد ذلك تأتي سيرة ~~الخيانة العظمى للإيمان، إنها قول الحق سبحانه: { إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به... }. ### || [4.116] # والحق هنا يتكلم عن إنسان لم تحدث له توبة عن الشرك فيؤمن لأن الإيمان ~~يجب ما قبله أي يقطع ما كان قبله من الكفر والذنوب التي لا تتعلق ~~بحقوق الآخرين كظلم العباد بعضهم بعضا. ومن عظمة الإيمان أن الإنسان حين ~~يؤمن بالله وتخلص النية بهذا الإيمان، وبعد ذلك جاءه قدر الله بالموت، ~~فقد يعطيه سبحانه نعيما يفوق من عاش مؤمنا لفترة طويلة قد يكون مرتكبا ~~فيها لبعض السيئات فينال عقابها. مثال ذلك " مخيريق " فحينما خرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى أحد قال مخيريق لليهود: ألا تنصرون محمدا والله ~~إنكم لتعلمون أن نصرته حق عليكم فقالوا: اليوم يوم سبت فقال: لا سبت. ~~وأخذ سيفه ومضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتل حتى أثبتته ~~الجراحة أي لا يستطيع أن يقوم معها فلما حضره الموت قال: أموالي إلى محمد ~~يضعها حيث شاء. فلم يصل في حياته ركعة واحدة ومع ذلك نال مرتبة الشهيد، ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مخيريق سائق يهود وسلمان سائق فارس ~~وبلال سائق الحبشة ". وسبحانه يبلغنا هنا: { إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } ولله ~~المثل الأعلى نرى في حياتنا مجتمعا قد تقوم فيه ثورة أو انقلاب، ونجد ~~قادة الثورة أو الانقلاب يرون واحدا ms2119 يفعل ما شاء له فلا يقتربون منه إلى ~~أن يتعرض للثورة بالنقد أو يحاول أن يصنع انقلابا، هنا تتم محاكمته بتهمة ~~الخيانة العظمى، فما بالنا بالذي يخرج عن نطاق الإيمان كلية ويشرك بالله؟ ~~سبحانه لا يغفر ذلك أبدا، ولكنه يغفر ما دون ذلك، ومن رحمة الله بالخلق ~~أن احتفظ هو بإرادة الغفران حتى لا يصير الناس إلى ارتكاب كل المعاصي. ~~ولكن لا بد من توبة العبد عن الذنب. ونعلم أن العبد لا يتم طرده من رحمة ~~الله لمجرد ارتكاب الذنب. ونعلم أن هناك فرقا بين من يأتي الذنب ويفعله ~~ويقترفه وهو يعلم أنه مذنب وأن حكم الله صحيح وصادق، لكن نفسه ضعفت، ~~والذي يرد الحكم على الله. وقد نجد عبدا يريد أن يرتكب الذنب فيلتمس له ~~وجه حل، كقول بعضهم: إن الربا ليس حراما. هذا هو رد الحكم على الله. أما ~~العبد الذي يقول: إنني أعرف أن الربا حرام ولكن ظروفي قاسية وضروراتي ~~ملحة. فهو عبد عاص فقط لا يرد الحكم على الله، ومن يرد الحكم على الله ~~هو - والعياذ بالله - كافر. { إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } ولننتبه إلى أن بعض ~~المستشرقين الذين يريدون أن يعيثوا في الأرض فسادا. # ولكنهم بدون أن يدروا ينشرون فضيلة الإسلام، وهم كما يقول الشاعر: # وإذا أراد الله نشر فضيلة # طويت أتاح لها لسان حسود # وحين يتكلمون في مثل هذه الأمور يدفعون أهل الإيمان لتلمس وجه الإعجاز ~~القرآني وبلاغته. إنهم يقولون: بلغ محمد قومه { إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } ~~لكن يبدو أن السهو قد غلبه فقال في آية أخرى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا # [الزمر: 53] هم يحاولون نسبة القرآن إلى محمد لا إلى الله. ويحاولون ~~إيجاد تضارب بين الآيتين الكريمتين. ونقول ردا عليهم: إن الواحد منكم ~~أمي ويجهل ملكة اللغة، فلو كانت اللغة عندكم ملكة وسليقة وطبيعة لفهم ms2120 ~~الواحد منكم قوله الحق: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا # [الزمر: 53] وكان الواجب أن يفهم الواحد منكم أن الشرك مسألة أكبر من ~~الذنب فالذنب هو أن يعرف الإنسان قضية إيمانية ثم يخالفها، ولكن المشرك ~~لا يدخل في هذا الأمر كله لأنه كافر في القمة. ولذلك فلا تناقض ولا تعارض ~~ولا تخالف بين الآيتين الكريمتين. والمستشرقون إنما هم قوم لا يفقهون ~~حقيقة المعاني القرآنية. { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله ~~فقد ضل ضلالا بعيدا }. والمشرك مهما أخذ من متع لحياته ~~فحياته محدودة، فإن بقيت له المتع فلسوف يتركها، وإن لم تبق له المتع فهي ~~تخرج منه. إذن، هو إما تارك للمتع بالموت، أو المتع تاركة له بحكم ~~الأغيار، فهو بين أمرين: إما أن يفوتها وإما أن تفوته. وهو راجع إلى ~~الله، فإذا ما ذهب إلى الله في الآخرة والحساب، فالآخرة لا زمن لها، ~~ولذلك ما أطول شقاءه بجريمته، وهذا ضلال بعيد جدا. أما الذي يضل قليلا ~~فهو يعود مرة أخرى إلى رشده. ومن المشركين بالله هؤلاء الذين لا يجادلون ~~في ألوهية الحق ولكنهم يجعلون لله شركاء. وهناك بعض المشركين ينكرون ~~الألوهية كلها وهذا هو الكفر. فهناك إذن مشرك يؤمن بالله ولكن يجعل له ~~شركاء. ولذلك نجد أن المشركين على عهد رسول الله يقولون عن الأصنام: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] ولو قالوا: لا نذبح لهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، مثلا، ~~لكان من الجائز أن يدخلوا في عبادة الله، ولكنهم يثبتون العبادة للأصنام ~~لذلك لا مفر من دخولهم في الشرك. ويقول سيدنا إبراهيم عن الأصنام: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77] إنه يضع الاستثناء ليحدد بوضوح قاطع ويقول لقومه: إن ما ~~تعبدونه من الأصنام، كلهم عدو لي، إلا رب العالمين. كأن قوم إبراهيم ~~كانوا يؤمنون بالله ولكن وضعوا معه بعض الشركاء. ولذلك قال إبراهيم عليه ~~السلام عن ms2121 الله: # الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ~~ويسقين # [الشعراء: 78-79] إذن الشرك ليس فقط إنكار الوجود لله بل قد يكون ~~إشراكا لغير الله مع الله. ولنر من يعبدونه ويدعونه في مصائبهم: { إن ~~يدعون من دونه إلا إناثا... }. ### || [4.117] # و " إن " هنا بمعنى ما، ف " إن " مرة تكون شرطية، ومرة تكون نافية. مثل ~~قوله في موقع آخر: # إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم # [المجادلة: 2] أي إن الحق يقول: " إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ". ~~وكذلك " إن " في قوله: { إن يدعون من دونه إلا إناثا } ، ~~وكان العرب ينسبون إلى المرأة كل ما هو هين وضعيف ولذلك قال الحق: # أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير ~~مبين # [الزخرف: 18] فالإناث في عرف العرب لا تستطيع النصر أو الدفاع، ولذلك ~~يقول الشاعر: # وما أدرى ولست أخال أدرى # أقوم آل حصن أم نساء # والقوم هنا مقصود بهم الرجال لأنهم يقومون لمواجهة المشكلات فلماذا ~~تدعون مع الله إناثا؟. هل تفعلون ذلك لأنها ضعيفة، أو لأنكم تقولون: إن ~~الملائكة بنات الله؟. وكانوا يعبدون الملائكة. وعندما تريدون القسمة ~~لماذا تجعلون لله البنات؟. على الرغم من أنه سبحانه خلق البنين والبنات. ~~ولذلك قال الحق: # تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 22] أي قسمة جائرة لم يراع فيها العدل. وعندما ننظر إلى الأصنام ~~كلها نجد أن أسماءها أسماء مؤنثة: # أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى # [النجم: 19-20] وكذلك كان هناك صنم اسمه " إساف " و " نائلة " ، فهل هذه ~~الأصنام إناث؟ وكيف تدعون النساء والنساء لا ينصرن ولا ينفعن؟. وهل ما ~~تعبدون من دون الله أصنام بأسماء إناث، أو هي نساء، أو هي ملائكة؟ والحق ~~يقول: { إن يدعون من دونه إلا إناثا } والأسلوب هنا أسلوب ~~قطع. أي ما يدعون إلا إناثا، تماما مثلما نقول " ما أكرم إلا زيدا " ~~وهذا نفي الإكرام لغير زيد، وإثبات للإكرام لزيد. فساعة يقول الحق: { إن ~~يدعون من دونه إلا إناثا } فغير الإناث لا يدعونهم، ولذلك ~~يعطف عليها الحق: { وإن يدعون إلا شيطانا مريدا }. ~~واستخدم الحق في صدر الآية أسلوب القصر، ms2122 وأسلوب القصر معناه أن يقصر ~~الفعل على المقصور عليه لا يتعداه إلى غيره فهم يعبدون الإناث، هذا قصر ~~أول، ثم قصر ثان هو قوله الحق: { وإن يدعون إلا شيطانا ~~مريدا }. وكان خدم الأصنام يدعون أن في جوف كل صنم شيئا يتكلم إليهم ~~لذلك كان لا بد أن يكون في جوف كل صنم شيطان يكلمهم.. وكان ذلك لونا من ~~الخداع، فالشياطين ليست جنا فقط ولكن من الإنس أيضا. فهناك سدنة وخدم ~~يقومون على خدمة الآلهة ويريدون أن يجعلوا للآلهة سلطانا ونفوذا حتى ~~يأتي الخير للآلهة كالقرابين والنذور ويسعد السدنة بذلك لذلك كانوا ~~يستأجرون واحدا له صوت أجش يتكلم من وراء الصنم ويقول: اذبحوا لي كذا. ~~أو هاتوا لي كذا. تماما كما يحدث من الدجالين حتى يثبتوا لأنفسهم ~~سلطانا. # وهكذا كان الذي يتكلم في جوف هذه الأصنام إما شيطان من الجن، وإما ~~شيطان من الإنس. والشيطان من " الشطن " وهو " البعد ". ووصف الشيطان بأنه ~~مريد يتطلب منا أن نعرف أن هناك كلمة " مارد " وكلمة " مريد ". وكل ~~الأمور التي تغيب عن الحس مأخوذة من الأمور الحسية. وعندما نمسك مادة " ~~الميم والراء والدال " نجد كلمات مثل " أمرد " و " امرأة مرداء " و " ~~شجرة مرداء " ، و " صرح ممرد ". إن المادة كلها تدور حول الملمس الأملس. ~~فأمرد تعني أملس أي أن منابت الشعر فيه ناعمة. وصرح ممرد كصرح بلقيس أي ~~صرح مصقول صقلا ناعما لدرجة أنها اشتبهت في أنه ماء، ولذلك كشفت عن ~~ساقيها خوفا أن يبتل ثوبها. والشجرة المرداء هي التي لا يمكن الصعود ~~عليها من فرط نعومة ساقها تماما كالنخلة فإنه لا تبقى عليها الفروع، ~~ولذلك يدقون في ساق هذه النخلة بعض المسامير الكبيرة حتى يصعدوا عليها. ~~والشيطان المريد هو المتمرد الذي لا تستطيع الإمساك به. إذن. ف " مارد " ~~و " مريد " و " ممرد " و " مرداء " و " أمرد " ، كلها من نعومة الملمس. { ~~وإن يدعون إلا شيطانا مريدا }. وعندما يحاول العصاة ~~الإمساك بالشيطان في الآخرة يقول لهم: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي ms2123 # [إبراهيم: 22] وهو بذلك يتملص من الذين اتبعوه لأنه لم يكن يملك قوة ~~إقناع أو قوة قهر، فقط نادى بعضا من الخلق فزاغت أبصارهم واتبعوه من فرط ~~غبائهم. والشيطان موصوف بأن الله طرده من رحمته. فالحق يقول: { لعنه ~~الله وقال لأتخذن... }. ### || [4.118] # لماذا هذا اللعن؟ لقد أذنب الشيطان وعصى الله. وآدم أذنب أيضا وعصى ~~الله. فلماذا لعن الله الشيطان، ولماذا عفا الله عن آدم؟ نجد الإجابة في ~~القرآن: # فتلقى ءادم من ربه كلمات فتاب عليه إنه ~~هو التواب الرحيم # [البقرة: 37] ونعرف بهذا القول: أن هناك فرقا بين أن يرد المخلوق على ~~الله حكما، وفعل المعصية للغفلة. فحين أمر الحق إبليس بالسجود لآدم قال ~~إبليس: # قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين # [الأعراف: 12] وهذا رد للحكم على الله، ويختلف هذا القول عن قول آدم ~~وحواء، قالا: # ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23] وهكذا نجد أن آدم قد اعترف بحكم الله واعترف بأنه لم يقدر ~~على نفسه. ولذلك فليحذر كل واحد أن يأتي إلى ما حرم الله ويقول: لا، ليس ~~هذا الأمر حراما لكن إن كان لا يقدر على نفسه فليعترف ويقول: إن ما حرم ~~الله حرام. لكني غير قادر على نفسي. وبذلك يستبعد الكفر عن نفسه، ويكون ~~عاصيا فقط ولعل التوبة أو الاستغفار يذهبان عنه سيئات فعله. أما من يحلل ~~ما حرم الله فهو يصر على الكفر، وطمس الله على بصيرته نتيجة لذلك. ~~وسبحانه وتعالى يصف الشيطان بقوله - سبحانه -: " لعنه الله " أي طرده من ~~رحمته. وليتيقظ ابن آدم لحبائل الشيطان وليحذره لأنه مطرود من رحمة الله. ~~ولو أن سيدنا آدم أعمل فكره لفند قول الشيطان وكيده، ذلك أن كيد الشيطان ~~ضعيف. ولكن آدم عليه السلام لم يتصور أن هناك من يقسم بالله كذبا. فقد ~~أقسم الشيطان: # وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين # [الأعراف: 21] وكانت غفلة آدم - عليه السلام - لأمر أراده الله وهو أن ~~يكون آدم خليفة في هذه الدنيا لذلك كان من السهل أن يوسوس الشيطان لآدم ~~ولزوجه: # فوسوس لهما الشيطان ليبدي ms2124 لهما ما ووري ~~عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن ~~هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين # [الأعراف: 20] وأغوى الشيطان آدم وحواء بأن الله قد نهاهما عن الأكل من ~~تلك الشجرة حتى لا يكونا ملكين، وحتى لا يستمرا في الخلود. ولو أن آدم ~~أعمل فكره في المسألة لقال للشيطان: كل أنت من الشجرة لتكون ملكا وتكون ~~من الخالدين، فأنت أيها الشيطان الذي قلت بخوف شديد لله: # قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون # [الحجر: 36] والحق يريد لنا أن نتعلم من غفلة آدم لذلك لا بد للمؤمن أن ~~يكون يقظا. فسبحانه يقول عن الشيطان: { لعنه الله وقال ~~لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا }. والقرآن الكريم ~~حين يعالج قضية ما فهذه القضية تحتاج إلى تدبر. ونلحظ أن إبليس قد تكلم ~~بذلك ولم يكن موجودا من البشر إلا آدم وحواء، فكيف علم ما يكون في ~~المستقبل من أنه سيكون له أتباع من البشر؟ وكيف قال: { لأتخذن ~~من عبادك نصيبا مفروضا }؟. # لقد عرف أنه مادام قد قدر على أبيهم آدم وأمهم حواء فلسوف يقدر على ~~أولادهما ويأخذ بعضا من هؤلاء الأولاد إلى جانبه، قال ذلك ظنا من واقع ~~أنه قدر على آدم وعلى حواء. والذين اتبعوا إبليس من البشر صدقوا إبليس في ~~ظنه. وكان هذا الظن ساعة قال: { لأتخذن من عبادك نصيبا ~~مفروضا }. وأخذ إبليس هذا الظن لأنه قدر على آدم وحواء مع أن آدم ~~وحواء قد أخذا التكليف من الله مباشرة، فما بالك بالأولاد الذين لم ~~يأخذوا التكليف مباشرة بل عن طريق الرسل. إذن كان ظن إبليس مبنيا على ~~الدليل فالظن - كما نعلم - هو نسبة راجحة وغير متيقنة، ويقابلها الوهم ~~وهو نسبة مرجوحة: # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه # [سبأ: 20] ولذلك قال إبليس أيضا: # لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا # [الإسراء: 62] وقال كذلك: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] مادام إبليس قد قال: { لأتخذن من عبادك نصيبا ~~مفروضا }. فهذا اعتراف بأنه لن يستطيع أن يأخذ كل أولاد آدم. والفرض ~~- كما ms2125 نعلم - هو القطع. ويقال عن الشيء المفروض: إنه المقطوع الذي لا ~~كلام فيه أبدا. وما وسيلة إبليس - إذن - لأخذ نصيب مفروض من بني آدم؟ ~~ويوضح الحق لنا وسائل إبليس، على لسان إبليس: { ولأضلنهم ~~ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن... }. ### || [4.119] # في هذه الآية تفصيل لطرق أخذ إبليس لنصيب مفروض من بني آدم. فإبليس هو ~~القائل كما يحكى القرآن: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] وعرفنا من قبل أنه لن يقعد إلا على الطريق الطيب لأن طريق ~~من اختار السلوك السيئ لا يحتاج إلى شيطان لأنه هو نفسه شيطان لذلك لا ~~يذهب إبليس إلى الخمارة، ولكنه يقف على باب المسجد ليرى الناس وهي تفعل ~~الخير فيوسوس لهم، وفي هذا إجابة لمن يقولون: إن الوساوس تأتيني لحظة ~~الصلاة. والصلاة - كما نعلم - هي أشرف موقف للعبد لأنه يقف بين يدي الرب ~~لذلك يحاول الشيطان أن يلهي الإنسان عنها حتى يحبس عنه الثواب. وهذه ~~الوساوس ظاهرة صحية في الإيمان، ولكنها تحتاج إلى اليقظة، فساعة ينزغ ~~الشيطان الإنسان نزغة فليتذكر قول الحق: # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله # [الأعراف: 200] وعندما نستعيذ بالله فورأ يعرف الشيطان أنك منتبه له، ~~حتى ولو كنت تقرأ القرآن في أثناء الصلاة ووسوس لك الشيطان، اقطع القراءة ~~واستعذ بالله، ثم واصل القراءة والصلاة، وحين يعرف الشيطان أنك منتبه له ~~مرة واثنتين وثلاثا فهو يبتعد عنك فلا يأتي لك من بعد ذلك إلا إذا ~~أحس منك غفلة. ويبين لنا الحق طريقة الشيطان في أخذ النصيب المفروض من ~~عباد الله فقال عن إبليس: " ولأضلنهم ". والإضلال معناه أن يسلك الشيطان ~~بالإنسان سبيلا غير مؤد للغاية الحميدة لأنه حين يسلك الشخص أقصر الطرق ~~الموصلة إلى الغاية المنصوبة، فمعنى ذلك أنه اهتدى، وأما إذا ذهب بعيدا ~~عن الغاية، فهذا هو الضلال. والحق سبحانه وتعالى بوضعه منهج الهداية ~~أعطانا أقصر طريق مستقيم إلى الغاية فإذا ما انحرفنا هنا أو هناك، ~~فالانحراف في البداية يتسع حتى ننتهي إلى غير غاية. وضربنا قديما هذا ~~المثل وقلنا: إن هناك نقطة في منتصف كل ms2126 دائرة تسمى مركز الدائرة، فإذا ما ~~انحرف المتجه إليها بنسبة واحد على الألف من الملليمتر فتتسع مسافة ~~ابتعاده عنها كلما سار على نسبة الانحراف نفسها، برغم أنه يفترض في أن كل ~~خطوة يخطوها تهيئ له القرب إلى الغاية. لقد ضربنا مثلا توضيحيا ب " ~~الكشك " الذي يوجد قبل محطات السكك الحديدية، حيث ينظم عامل " الكشك " ~~اتجاهات القطارات على القضبان المختلفة ويتيح لكل قطار أن يتوقف عند رصيف ~~معين حتى لا تتصادم القطارات، ومن أجل إنجاح تلك المهمة نجد عامل ~~التحويلات في هذا " الكشك " يحرك قضيبا يكون سمكه في بعض الأحيان عددا ~~من الملليمترات، ليلتصق هذا القضيب بقضيب آخر وبذلك يسمح لعجلات القطار ~~أن تنتقل من قضيب إلى آخر. الضلال - إذن - أن يسلك الإنسان سبيلا غير ~~موصل للغاية، وكلما خطا الإنسان خطوة في هذا السبيل ابتعد عنها، وهذا ~~الابتعاد عن الغاية هو الضلال البعيد، والإضلال من الشيطان يكون بتزيينه ~~الشر والقبح للإنسان ليبعده عن مسالك الخير والفضيلة. # ومن بعد ذلك يأتي على لسان الشيطان ما قاله الحق في هذه الآية: " ~~ولأمنينهم " والأماني هي أن ينصب الإنسان في خياله شيئا يستمتع به من ~~غير أن يخطو له خطوة عمل تقربه من ذلك، ومثال ذلك الإنسان الذي نراه ~~جالسا ويمني نفسه قائلا: سيكون عندي كذا.. وكذا وكذا ولا يتقدم خطوة ~~واحدة لتحقيق ذلك. ولذلك يقول الشاعر تسلية لنفسه: # منى.. إن تكن حقا.. تكن أحسن المنى # وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا # أي أنه استمتع بهذه الأماني في أحلام اليقظة سواء أكانت هذه الأحلام ~~امتلاك قصر أم سيارة أم غير ذلك. وكل أمنية لا تحفز الإنسان إلى عمل ~~يقربه منها هي أمنية كاذبة، ولذلك يقال: " إن الأماني بضاعة الحمقى " ~~والشيطان يمني الإنسان بأنه لا يوجد بعث ولا جزاء. ومن بعد ذلك يقول ~~الشيطان: { ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام } ~~والبتك هو: القطع. والأنعام: هي الإبل والبقر والغنم، أي قطع آذان ~~الأنعام. والقرآن قال في الأنعام: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم ms2127 الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين # [الأنعام: 143-144] لو كان الزوج يطلق على " الاثنين " لكان العدد أربعة ~~فقط، ويعلمنا التعبير القرآني ويوضح لنا ان نفرق جيدا لنفهم أن معنى ~~كلمة " زوج " ليس أبدا " اثنين " ، ولكن معناها: واحد معه غيره من نوعه ~~أو جنسه. فيقال عن فردة الحذاء " زوج " لأن معها فردة أخرى، ومثال آخر ~~أيضا: كلمة " توأم " التي نظن أنها تعني " اثنين " ، لكن المعنى الحقيقي ~~أن التوأم هو واحد له توأم آخر، فإذا ما أردنا التعبير عن الاثنين قلنا: ~~" توأمان ". وحين أورد من خطط الشيطان { ولأمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام } فلهذا قصة. ونحن نعرف أن ~~المنتفعين بالضلالات يصنعون لهم سلطة زمنية حتى يربطوا الناس بأشخاصهم ~~هم. وكان المشرفون على الأصنام يقومون على خدمتها، ولم يلحظ أحد أنه من ~~الغباء تقبل فكرة أن يخدم البشر الآلهة، فالإله هو القيوم على خلقة ~~يرعاهم ويقوم بأسبابهم، وكان هؤلاء الناس هم المنتفعين بخيبة الغفلة عند ~~البشر، وكانوا يعيشون سدنة ليأخذوا الخير، وبطبيعة الحال فالشيطان من ~~البشر أو الجن يجدها وسيلة، فيجلس في جوف الصنم ويتكلم فيأخذ السدنة ~~والخدم هذه المسألة لترويج الدعايات للصنم، فيأتي الأغبياء له بالأنعام ~~من الإبل والبقر والغنم فيذبحونها ويأكلونها. # ولذلك كان السدنة دائما وفي أغلب الحالات أهل سمنة لأنهم أهل بطنة، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الله يبغض الحبر السمين ". # فمثل هذا الحبر يستسهل أكل خير الناس والانتفاع به، فهو ينتفع ~~بضلالات الناس، ومن ينتفع بالضلالة يرى أن حظه في أن تستمر الضلالة، مثله ~~في ذلك مثل المنتفع من تجارة المخدرات إنه يتمنى أن يتعاطى الناس جميعهم ~~المخدرات.. وعندما تقوم حملات لمقاومة المخدرات يغضب ويحزن. ومثل ذلك ~~أيضا تاجر السوق السوداء الذي يصيبه الغم عندما تأتي البضائع على قدر ~~حاجات الناس وتكفيهم. فكل فساد مستتر وراءه أناس ينتفعون به. وعندما يرى ~~المنتفع بالفساد هبة إصلاح يغضب ويحاول أن ms2128 يجد وسيلة لاستمرار الفساد، ~~ولهذا كان السدنة ينفخون في الأصنام لتصدر أصواتا ليطلبوا من وراء ذلك ~~مطالب من الأغبياء المصدقين لهم، مثلهم مثل الدجالين الذين نسمع عنهم حيث ~~يقول الواحد منهم لأهل المريض: إن على المريض عفريتا، والعفريت يطلب ~~ناقة أو ذبيحة أو دما. هكذا كان يفعل السدنة، ويحاولون بشتى الطرق من ~~الحيل والخدع حتى يأخذوا من الغافلين السذج الإبل والبقر والغنم. وعندما ~~يقطع صاحب الإبل أو البقر أو الغنم أذن أي واحدة منها، فهذا يعني أنها ~~منذورة للأصنام، والأصنام بطبيعتها لا تأكل ولكن السدنة يأكلون. وفي آية ~~أخرى يقول فيها الحق: # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا # [يونس: 59] ويورد الحق أيضا في هذا الأمر: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء ~~إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين # [الأنعام: 143-144] فهل المحرم هو " الذكران " أو الأنثيان أو الذي ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟. لا شيء من هذه كلها محرم فقد خلقها الله ~~كلها رزقا حلالا. والنعمة نفسها تعرف وظيفتها، ونلحظ في الريف المصري ~~عندما تختنق جاموسة أو بقرة أو خروف بالحبل. أو يصاب بأذى أو مرض فإنه ~~ينام ويمد عنقه فيقال: " لقد طلب الحلال " ، كأن البهيمة تقول لصاحبها: ~~الحقني بالذبح لتستفيد من لحمي ونتعجب لأن الحمار مثلا لا يفعل ذلك لأن ~~لحمه غير محلل. لكن البهيمة تعرف فائدتها بالنسبة للإنسان فتمد رقبتها ~~طالبة الذبح، كما نعرف أنها في أثناء حياتها تخدم الإنسان إما في أن تحمل ~~الأثقال، وإما أن يأخذ منها الألبان أو الوبر أو الصوف أو الشعر، ولحظة ~~ما يدهمها ويغشاها ويصيبها خطر فهي تمد رقبتها كأنها تطلب الذبح ليستفيد ~~الإنسان من لحمها، فهي ms2129 مسخرة للإنسان وتعرف ذلك إلهاما وتسخيرا. # ومادام الله قد جعل لنا كل هذا.. فلم نقبل تحريم غير المحرم وتحليل غير ~~الحلال؟ لكن السدنة كانوا يفعلون الأعاجيب للسيطرة على الناس، فإذا ما ~~ولدت الناقة أربعة أبطن وجاءت بالمولود الخامس ذكرا يقول السدنة: يكفي ~~أنها جاءت بأربعة بطون وأتت بالخامس فحلا ذكرا ويشقون أذن الناقة ~~ويتركونها وعندما يراها أحد ويجد أذنها مشقوقة فالعرف يقضي بألا تستخدم ~~في أي شيء، لا في الرضاعة، ولا في الحمل ولا يحلب لبنها ولا تمنع من ~~المياه أو الكلأ وتسمى " البحيرة " ويأخذها السدنة في أي وقت لأنهم لا ~~يرديون تخزين اللحوم، يريدونها حية ليذبحوها في الوقت الذي يتراءى لهم، ~~ولذلك قال الحق: # ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ~~ولا حام # [المائدة: 103] والبحيرة - إذن - هي الناقة التي تبحر آذاتها - أي تشق - ~~فذلك يعني أنها جاءت بأربعة أبطن تباعا ثم جاءت بالذكر في البطن الخامسة ~~ويهبها صاحبها للأصنام. والبحيرة سائبة مع وجود سائبة أخرى، وهي وإن لم ~~تأت بأربعة أبطن ولا بالذكر في البطن الخامسة ولكن صاحبها يقدمها نذرا ~~أو هدية لأحد الأصنام. وتسمى " سائبة " لأن أحدا لا يقوم على شأنها، ~~ولكنها ترعى في أي أرض وتشرب من أي ماء ولا أحد يأخذ من لبنها أو يركبها، ~~ويأخذها السدنة وقت احتياجهم للحم الطازج الغض. وإذا ولدت الشاة أنثى ~~جعلوها لهم، وإن ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم، وإن ولدت ذكرا وأنثى لم يذبحوا ~~الذكر لآلهتهم وقالوا عن الشاة: وصلت أخاها فهذه هي الوصيلة لأن الناس ~~كانت تحتفظ بالإناث من البهائم فهي وعاء النسل لذلك فهبة الفحل للسدنة ~~كان أمرا مقدورا عليه. ويقول الشاعر: # وإنما أمهات القوم أوعية # مستحدثات وللأحساب آباء # ونرى في المزارع أن إناث المواشي تحتاج إلى فحل واحد وقد يكون في البلدة ~~كلها فحل واحد أو اثنان لإناث الماشية من النوع نفسه، ويفرح الأطفال في ~~الريف حين تلد الماشية ذكرا لأنه سيتغذى قليلا ثم يتم ذبحه ويأكلون ~~منه. ويغضب الأطفال حين تلد الماشية أنثى لأنه سيتم ms2130 تربيتها، ولن يأكلوا ~~منها. أي أنهم قديما عندما كانت الماشية تلد في بطن واحد أنثى وذكرا لا ~~يذبحون الذكر ويقولون: الأنثى وصلت أخاها ويضمن الذكر حياته ويستخدم كفحل ~~ليلقح بقية الإناث، ويقال عنها: الوصيلة. هكذا نجد البحيرة هي الناقة ~~التي أنجبت خمسة أبطن آخرها ذكر، والسائبة وهي النذر من أول الأمر، ~~والوصيلة وهي التي ولدت أنثى ومعها ذكر، فيقال وصلت الأنثى أخاها، أي ~~قدمت له الحماية. والحام هو الذكر الذي نتجت من صلبه عشرة أبطن فلا يركب ~~ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى وقالوا: حمى ظهره. # وهناك من يتحذلق في عصرنا قائلا: أنا نباتي، لا آكل اللحم، على الرغم ~~من أن الواحد منهم قد يذبح إنسانا ويدعي الحزن عند ذبح دجاجة، ونقول ~~لهؤلاء: انتبهوا إن الله قد سخر لنا هذه الأنعام وهي نفسها تحب أن ينتفع ~~بها. ومن وسائل الشيطان ما يقوله الحق: { ولأمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام } وعرفنا أنهم كانوا يفعلون ذلك من ~~أجل إرضاء سدنة الأصنام، هؤلاء السدنة الذين أحبوا أن تظل هذه الأصنام ~~وهذه الأنعام المرصودة من أجلها. ولذلك أقول دائما: آه من أن يرتبط رجل ~~دين بمسائل دنيا فهذا مصدر للخوف من أن يزيف الدين لمصلحة الأهواء. ومن ~~وسائل الشيطان ما يقوله الحق على لسان الشيطان: { ولأمرنهم ~~فليغيرن خلق الله }. وكشف لنا الحق كيف صار للشيطان أمر ~~على هؤلاء الناس، مع ان الأمر يجب أن يكون لله وحده، ونتساءل: كيف يغيرون ~~من خلق الله؟ وكل شيء هو من خلق الله. والخلق - كما نعلم - إيجاد من ~~عدم، وسبحانه خلق كل شيء وجعل لكل كائن وظيفة ما، فهو خلق عن حكمه ~~لغاية، وهذه الغاية موجودة في علم الخالق أزلا - ولله المثل الأعلى - ~~نجد المستحدث الصناعي في الأسواق كغسالة الملابس مثلا ونعرف أن الذي ~~صممها إنما صممها من أجل راحة الناس، وقد فكر في هذا الهدف قبل أن يصنع ~~ويصمم الآلة التي تؤدي هذا العمل لتريح الناس من تعب غسل الملابس ~~بأيديهم، وكذلك من صمم " الميكروفون " أراد ms2131 في البداية هدفا هو أن يصل ~~الصوت لمن هو بعيد، ثم بدأ البحوث والتطبيقات من أجل أن يصل إلى الغاية ~~والقصد. والحق سبحانه وتعالى خلق كل خلق من خلقه لغاية، فإن استعملنا ~~مخلوقه لغايته فلن نقع في محظور تغيير خلق الله، ولكن لو استعملنا ~~المخلوق لغير الغاية فهذا هو التغيير لخلق الله، وساعة نريد فهم لفظ من ~~الألفاظ فلنبحث في القرآن عن نظائره، وقد نجد في القرآن نفسه ما يفسر ~~القرآن نفسه، فالحق يقول هنا: { فليغيرن خلق الله } ، وفي ~~موقع آخر يقول: # ألا له الخلق والأمر # [الأعراف: 54] والخلق المعروف نراه في الكائنات، وهناك ما لا نراه ~~أيضا، والأمر مقصود به قوله الحق: # كن فيكون # [يس: 82] وآية أخرى تقربنا أكثر من هذا الموضوع: # فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل ~~لخلق الله # [الروم: 30] وهذا يعني أن الخلق كله على أصل الفطرة. فإذا ما حاول أحد ~~أن يغير الفطرة فهذا تغيير لخلق الله. ما الفطرة إذن؟. إنها الصفاء ~~الأولي في النفس والطبيعة. ومثال ذلك حين يوجد الإنسان في بيئة لا تكذب ~~فلن يعرف في حياته الكذب. وعندما يوجد الإنسان في بيئة لا تسرق فلن يعرف ~~ما السرقة فالإنسان إنما يتعرف على الموبقات من النقص المجتمعي، بدليل أن ~~البلدان التي طبقت الشريعة الإسلامية وتم قطع عدد قليل من الأيدي عقوبة ~~وحدا في السرقة انتهت فيها السرقة. # ونشأ جيل لم ير سارقا. ومن يترك شيئا في مكان ما يظل في مكانه إلى أن ~~يعود صاحبه ليجده، هذه هي الفطرة السليمة، ودليلنا على أن الفطرة سليمة ~~بطبيعتها هو أننا نجد أن الذي يحاول صنع أمر ما يخالف الفطرة إنما يتلصص ~~ويستتر لأنه يعرف أن هذا الأمر غير سليم. لقد ضربت المثل على ذلك بالرجل ~~حين ينظر إلى زوجته، إنه ينظر بكل ملكاته، أما إن نظر - والعياذ بالله - ~~إلى محارم غيره فهو يتلصص ليختلس النظر بعيدا عن الآخرين. فالإنسان حين ~~يرتكب إثما يتكلف شيئا متنافرا ومغايرا لطبيعته. والتكلف هو الإتيان ~~بشيء خارج عن الفطرة الإنسانية. ms2132 وتغيير كل ما يتعلق بالفطرة هو تغيير ~~لخلق الله. وصور الفساد لا تأتي إلا من هذه الناحية. كيف؟. إننا نرى الحق ~~قد خلق الزوجين الذكر والأنثى. ونجد من الرجال من يستأنث - أي أنه يحاول ~~أن يكون أنثى - وقد يتصرف كما تسلك المرأة وتتصرف ويتزين بزينتها ويتخنث، ~~هذا إنسان يريد أن يغير خلق الله. وكذلك قد نجد امرأة تريد أن تسترجل، ~~فهي تريد أن تغير خلق الله. ولذلك فإننا نرى أستاذا عالما هو الدكتور ~~حسن جاد - أمده الله بالعافية - وهو شاعر وزميل لي ونشأنا معا، رأى هذه ~~الظاهرة، ظاهرة محاولة البعض تغيير خلق الله فقال قصيدة مشهورة جاء فيها: # من حيرتي من الذين اللاتي # حرت بين الفتى وبين الفتاة # الشاعر يعلن حيرته لأنه لا يتعرف على الفارق بين الفتى والفتاة، ففي بعض ~~الأحيان صارا من " الذين واللاتي معا " لأن الفتى يتشبه بالفتاة، ~~والفتاة تتشبه بالفتى. على الرغم من احتفاظ كل منهما بخصائص نوعه، وبما ~~يميزه عن النوع الآخر. وبعض النساء يقمن بإجراءات لتغيير الخلقة، كنزع ~~شعر الحواجب من منابته وإعادة رسم مكانه بوضع خط بالقلم الملون، ويفضح ~~ذلك نبت الشعر من جديد، فتتحول إلى شكل قبيح وتنسى أن الجمال إبداع ~~تقاسيم، فقد يكون سر جمال واحدة أن يكون شعر الحاجبين كثيفا، وقد يكون ~~سر الجمال للمرأة اتساع الفم، أو طول الأنف. لقد سمعنا أن أنف كليوباترا ~~لو كان قصيرا بعض الشيء لتغير وجه التاريخ. والحق سبحانه وتعالى كما وزع ~~الأمزجة على العباد وزع أيضا أسلوب الخلق بما يغطي هذه الأمزجة. ألا ترى ~~في الحياة اليومية شابا يتقدم لخطبة فتاة لا تعجبه، أو لا يعجبها، ويأتي ~~آخر فيعجب بالفتاه وتعجب الفتاة به. هو سبحانه الذي أنشأ السيال العاطفي ~~ليتواءم الخلق بهذا السيال. وقد تحاول فتاة أن تغير من خلق الله فتسبب ~~بذلك فسادا للسيال العاطفي. # وقد تريد المرأة أن تجعل حمرة خديها في لون الورد فتضع عليهما بعضا من ~~المساحيق، ألا تعلم هذه المرأة أن زوجها وأقاربها يعرفون أنها قد صنعت ~~ذلك ms2133 بمواد خارجية، وماذا يكون موقفها عندما يراها زوجها في الصباح وقد ~~أفسدت الألوان بشرتها، وماذا يكون موقفها عندما تتقدم بها السن وتكون ~~المساحيق قد خنقت مسام جلدها ومنعت الجلد من التنفس، ويتحول شكلها ~~باستمرار سوء فعلها إلى كائن أقرب إلى وجه القرد والعياذ بالله؟ لقد غيرت ~~بسوء الفعل خلق الله. وكذلك الأظافر التي يتم خنقها بطبقات من " ~~البلاستيك " الملون. هل تظن واحدة أن هناك رجلا قد يتصور أن هذا هو لون ~~أظافرها الطبيعي؟. إن الأظافر ذات لون أراده الله بحكمه، لها نظام، ~~فلماذا تحرم المرأة أظافرها من الحياة الطبيعية ومن نعمة تنفس الهواء، ~~فالأظافر تتنفس أيضا. وقد يفتي واحد بأنه يصح للمرأة أن تتوضأ بعد أن تضع ~~هذا الطلاء، وأقول: اتق الله فهذه ليست أصباغا لأن الأصباغ تتخلل الجلد ~~أو الظفر ولا يذهب لون الصبغة إلا بذهاب الجلد أو الظفر - مثل الحنة - ~~وفي هذه الحالة يصل الماء في الطهارة إلى الجلد، أما طبقة البلاستيك التي ~~على الظفر فلا تزال إلا بمادة كيماوية ويمكن إزالتها وهي لون من الطلاء ~~وليست صبغة ولا يصل الماء معها في الغسل أو الوضوء إلى البشرة. ومن تفعل ~~ذلك إنما تخدع نفسها ومن يعجب بها. ولنا أن نعرف أن الحق سبحانه وتعالى ~~يريد أن يعدل من مزاج الكون فيعطي للإنسان سكنا ومتعة ولكن بتوازن عاطفي ~~وعقلي، فلو أراد الله لخد المرأة التوهج لتثير غرائز الرجل لخلق الله ~~الخدين على هذا الأسلوب، لكنه أراد للخدود أن تكون بألوانها الطبيعية حتى ~~تهيج الغرائز على قدر القوة التي في الرجل، وعندما تكبر المرأة نجد ~~جمالها قد ذبل قليلا على قدر نسبة ذبول قدرة الرجل، فسبحانه يعطي على ~~قدر الطاقة حتى لا تتحول المسألة إلى إهاجة للغرائز فقط. إن هناك فرقا ~~بين تصريف الغرائز وإهاجة الغرائز وإلهابها، وما يحدث من وسائل التجميل ~~هو تغيير لخلق الله. وكذلك المرأة التي تحدث وشما، أو الرجل الذي يفعل ~~ذلك إنما يغيران من خلق الله، ولو كان الحق يرى أن مثل هذه الأعمال تزيد ms2134 ~~من الجمال لفعلها { فليغيرن خلق الله }. ويقول الحق من ~~بعد ذلك: { ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله ~~فقد خسر خسرانا مبينا } والولي للشيطان هو الذي يليه ويقرب ~~منه. ومن فعل ذلك فقد ترك الأفضل وذهب إلى الأضعف الذي يورده مهاوي ~~وموارد الهلاك، ويخسر الخسران الواضح والمحيط من كل الجهات، ولا انفلات ~~من مثل هذا الخسران. ويقول الحق من بعد ذلك: { يعدهم ~~ويمنيهم... }. ### || [4.120] # وهذا يعني أن الشيطان يقدم الوعود الكاذبة لمواليه ويخبرهم بشيء يسرهم، ~~فالوعد هو أن يخبر أحد آخر بشيء يسره أن يوجد. والمثال على ذلك نراه في ~~الحياة العادية فالإنسان منا يحب ماله الذي قد جاء بالتعب، والصدقة في ~~ظاهر الأمر تنقص المال، فيقول الحق: # الشيطان يعدكم الفقر # [البقرة: 268] لماذا؟. لأن الشيطان يوسوس في صدر صاحب المال قائلا: إنك ~~عندما تتصدق ببعض المال فمالك ينقص. وويل لمن يرضخ لوساوس الشيطان لأنه ~~يورده موارد التهلكة، والشيطان أيضا يقدم الأماني الكاذبة في الوساوس: " ~~ويمنيهم ". ومثال ذلك ما جاء على لسان المتفاخر على أخيه بلون من ~~الاستهزاء والعياذ بالله: # ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي ~~لأجدن خيرا منها منقلبا # [الكهف: 36] المتفاخر يقول: مادام الله قد أعطاني في الدنيا، وما دامت ~~مهمة الله هي العطاء الدائم فلا بد أن يعطيني ربي في الآخرة أضعاف ما في ~~الدنيا ذلك أن سعيد الدنيا هو سعيد في الآخرة، فماذا كان جزاؤه؟. لقد رأى ~~انهيار زراعته وعرف سوء مصير الغرور لأنه استجاب لوعود الشيطان، ووعود ~~الشيطان ليست إلا غرورا { وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا }. فما هو الغرور؟. هناك " غرور " - بضم الغين -، و " غرور " ~~- بفتح الغين -. والغرور - بضم الغين - هو الشيء يصور لك على أنه ~~حقيقة وهو في الواقع وهم. والغرور - بفتح الغين - هو من يفعل هذه ~~العملية، ولذلك فالغرور - بفتح الغين - هو الشيطان لأنه يزين للإنسان ~~الأمر الوهمي، ويؤثر مثلما يؤثر السراب فالإنسان حين يرى انكسار الأشعة ~~يخيل إليه أنه يرى ماء، ويقول الحق عن ذلك: # كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا ms2135 جآءه ~~لم يجده شيئا # [النور: 39] وكذلك الغرور، حيث يزين الشيطان شيئا للإنسان ويوهمه أنه ~~سيستمع به. فإذا ما ذهب الإنسان إليه فلن يجد له حقيقة، بل العكس، ولذلك ~~يفصل لنا الحق أعمال الكفار فيقول عنها: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39] ويفاجأ الكافر بوجود الله الذي كان كافرا به، ويصير أمام ~~نكبتين: نكبة أنه كان ذاهبا إلى ماء فلا يجده فيخيب أمله، والنكبة ~~الثانية أن يجد الله الذي يحاسبه على الإنكار والكفر. ويقول الحق: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23] وقد يأتي واحد ويدعي لنفسه الإنسانية ويظن أنه يتكلم ~~بالمنطق فيقول: - هل هؤلاء الناس الذين قدموا للبشرية كل هذه المخترعات ~~التي أفادت الناس كالمواصلات وغيرها، أيصيرون إلى عذاب؟. ونقول: هؤلاء ~~سيأخذون جزاء الكفر لأن الواحد منهم قد عمل أعماله وليس في باله الله. # بل قام بتلك الأعمال وفي باله عبقرية الابتكار والإنسانية وهو يأخذ من ~~الإنسانية التكريم، وعليه أن يطلب أجره ممن عمل له وليس ممن لم يعمل به، ~~وينطبق عليه قول الرسول: عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه ~~فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت ~~ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي ~~في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه ~~فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك ~~القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو ~~قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله ~~عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها قال فما عملت ~~فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق ms2136 فيها إلا أنفقت فيها لك. قال: ~~كذبت ولكنك فعلت ليقال هو جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقى ~~في النار " # ولم يغمطهم الله جزاء أعمالهم في الدنيا. فقد أخذوا من الدنيا كل ~~التكريم. ووزع سبحانه فضل هذه المواهب على الناس الذين في بالهم الله ~~لذلك ترى المسلم غير المتعلم يركب الطائرة ليحج بيت الله ويسجل أحاديث ~~الإيمان على شرائط ليسمعها من لم يحضر ويشاهد هذه الشعيرة، إذن فهؤلاء ~~الكافرون مسخرون للمؤمنين لأنهم أتاحوا لهم الانتفاع بعلمهم واكتشافاتهم، ~~والمؤمنون أيضا مطالبون بأن يأخذوا بأسباب الله لينالوا كرم الله في ~~عطاء العلم، بل إن ذلك واجب عليهم يأثمون إذا لم يقوموا به حتى لا يكونوا ~~عالة على سواهم، فلا يستذلون. { وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا } وماذا يكون نصيب هؤلاء في الآخرة؟ يقول سبحانه: { ~~أولئك مأواهم جهنم... }. ### || [4.121] # وكلمة " مأوى " معناها المكان الذي يضطر الإنسان إلى أن يأوى إليه، فهل ~~هذا الاضطرار يكون اندفاعا أو جذبا؟ سبحانه يقول عن النار إنها ستنطق ~~قائلة: # هل من مزيد # [ق: 30] كأن النار ستجذب أصحابها. وهم لن يجدوا عنها محيصا، أي لا مهرب ~~ولا مفر ولا معدى، وكان باستطاعة الواحد منهم أن يفر من مخلوق مثله في ~~دنيا الأغيار، ولكن حين يكون الأمر لله وحده فلا مفر. # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] والمقابل لذلك يورده الحق: { والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات... }. ### || [4.122] # وحين يأتي سبحانه بأمر يتعلق بالكفار وعقابهم فالنفوس مهيأة ومستعدة ~~لتسمع عن المقابل، فإذا كان جزاء الكفار ينفر الإنسان من أن يكون منهم، ~~فالنفس السامعة تنجذب إلى المقابل وهو الحديث عن جزاء المؤمنين أصحاب ~~العمل الصالح. وسبحانه قال من قبل: # فسوف نؤتيه أجرا عظيما # [النساء: 114] وهنا يقول: { سندخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار }. والمتيقن من الله والواثق به يعلم أنه لا توجد ~~مسافة تبعده عن عطاء الله، مثال ذلك # " حينما سأل النبي أحد الصحابة وكان اسمه الحارث بن مالك الأنصاري: ~~كيف أصبحت يا حارث؟. قال: أصبحت مؤمنا حقا. لقد أجاب ms2137 الصحابي بكلمة ~~كبيرة المعاني وهي الإيمان حقا لذلك قال الرسول: انظر ما تقول فإن لكل ~~شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك "؟ أجاب الصحابي: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ~~لذلك ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا وكأني أنظر إلى ~~أهل الجنة يتزاورون وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها يتصايحون ~~فيها. فقال: " يا حارث: عرفت فالزم ثلاثا ". # والحق ساعة يقول: " س " وساعة يقول: " سوف " فلكل حرف من الحروف ~~الداخلة على الفعل ملحظ ومغزى وكل عطاء من الله جميل. { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار }. والجنة - كما قلنا من قبل - على إطلاقها تنصرف ~~إلى جنة الآخرة فهي الجنة بحق، أما جنة الدنيا فمن الممكن أن يتصوح ~~نباتها وشجرها وييبس ويتناثر، أو يصيبها الجدب، أما جنة الآخرة فهي ذات ~~الأكل الدائم، وإن لم تطلق كلمة " الجنة " من أي قيد أو وصف بل قيدت، ~~فالقصد منها معنى آخر كقول الحق: # إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين # [القلم: 17] وقوله سبحانه: # كمثل جنة بربوة أصابها وابل # [البقرة: 265] والجنة بربوة هي البستان على مكان عال، وهي ذات مواصفات ~~أعلى مما وصل إليه العلم الحديث لأن الأرض إذا كانت عالية لا تستطيع ~~المياه الجوفية أن تفسد جذور النبات المزروع في هذه الأرض، فيظل النبات ~~أخضر اللون، ويقول الحق عن مثل هذه الجنة: # فآتت أكلها ضعفين # [البقرة: 265] ويزيد على ذلك أنها بربوة، وأنها تروى بالمطر من أعلى، ~~ومن الطل، فتأخذ الري من المطر للجذور، والطل لغسل الأوراق. كل ذلك يطلق ~~على الجنة. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: { جنات تجري من ~~تحتها الأنهار } ويطمئننا سبحانه على احتفاظها بنضرتها وخضرتها، ~~وأول شيء يمنع الخضرة هو أن يقل الماء فتذبل الخضرة. ونجد القرآن مرة ~~يقول: { جنات تجري تحتها الأنهار } وهذا يعني أن منبع ~~المياه بعيد. ومرة أخرى يقول: { جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } ويعني أن منبع المياه لن يحجزه أحد لأن الأنهار تجري وتنبع ~~من تحتها. # ويعد الحق المؤمنين أصحاب العمل الصالح ms2138 بالخلود في الجنة، والخلود هو ~~المكث طويلا، فإذا قال الحق: { خالدين فيهآ أبدا } أي أن المكث ~~في الجنة ينتقل من المكث طويلا إلى المكث الدائم. وهذا وعد من؟ { ~~وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا }. وحين يعدك ~~من لا يخرجه شيء عن إنفاذ وعده، فهذا هو وعد الحق - سبحانه -. أما وعد ~~المساوي لك في البشرية فقد لا يتحقق، لعله ساعة إنفاذ الوعد يغير رأيه، ~~أو لا يجد الوجد واليسار والسعة والغنى فلا يستطيع أن يوفي بما وعد ~~به، أو قد يتغير قلبه من ناحيتك، لكن الله سبحانه وتعالى لا تتناوله ~~الأغيار، ولا يعجزه شيء، وليس معه إله آخر يقول له لا. إن وعده سبحانه لا ~~رجوع فيه ولا محيص عن تحقيقه. قول الله هنا { وعد الله حقا ~~ومن أصدق من الله قيلا } هو كلام منه ليوضح لكل واحد منا: ~~أنا لا أريد أن أستفهم منك، لكنه جاء على صورة الاستفهام لتكون الإجابة ~~من الخلق إقرارا منهم بصدق ما يقوله الله، أيوجد أصدق من الله؟ وتكون ~~الإجابة: لا يمكن، حاشا لله لأن الكذب إنما يأتي من الكذاب ليحقق لنفسه ~~أمرا لم يكن الصدق ليحققه، أو لخوف ممن يكذب عنده، والله منزه عن ذلك، ~~فإذا قال قولا فهو صدق. ومن بعد ذلك يقول الحق: { ليس ~~بأمانيكم ولا أماني... }. ### || [4.123] # والأمنية - كما عرفنا - هي أن يطمح الإنسان إلى شيء ممتع مسعد بدون رصيد ~~من عمل، إن الحق سبحانه وتعالى حينما استخلف الإنسان في الأرض طلب منه ~~أن يستقبل كل شيء صالح في الوجود استقبال المحافظ عليه، فلا يفسد الصالح ~~بالفعل، وإن أراد الإنسان طموحا إلى ما يسعد، فعليه أن يزيد الصالح ~~صلاحا. والمثل الذي نضربه لذلك، عندما يوجد بئر يشرب منها الناس، فهذه ~~البئر لها حواف وجوانب وأطراف، وتفسد البئر إذا جاء أحد لهذه الحوافي ~~وأزاح ما فيها من الأتربة ليطمر البئر. ومن يرد استمرار صلاح البئر فهو ~~يتركها كما هي وبذلك يترك الصالح على صلاحه. وإن شاء إنسان أن يطمح إلى ms2139 ~~عمل مسعد ممتع له ولغيره فهو يعمل ليزيد الصالح صلاحا.. كأن يأتي إلى ~~جوانب البئر ويبني حولها جدارا من الطوب كي لا يتسلل التراب إلى الماء ~~أو على الأقل يصنع غطاء للبئر، فإن طمح الإنسان اكثر فهو يفكر في راحة ~~الناس ويحاول أن يوفر عليهم الذهاب إلى البئر ليملأوا جرارهم وقربهم ~~فيفكر في رفع المياه بمضخة ماصة كابسة إلى صهريج عال، ثم يخرج من هذا ~~الصهريج الأنابيب لتصل إلى البيوت، فيأخذ كل واحد المياه وهو مرتاح، إنه ~~بذلك يزيد الصالح صلاحا. أما إن أراد الإنسان أن يطمح إلى ممتع دون ~~عمل.. فهذه هي الأماني الكاذبة. ولو ظل إنسان يحلم بالأمنيات ولا ينفذها ~~بخطة من عمل.. فهذه هي الأماني التي لا ثمرة لها سوى الخيبة والتخلف. إذن ~~فالأمنية هي أن يطمح إنسان إلى أمر ممتع مسعد بدون رصيد من عمل. ونعلم أن ~~الحق سبحانه وتعالى أعطانا من كل شيء سببا، ولنلحظ أن الحق قد قال: # فأتبع سببا # [الكهف: 85] أي أن الإنسان مطالب بأن يصنع أشياء ترقي أساليب الحياة ~~في الأرض، فالله ضمن للإنسان الخليفة مقومات الحياة الضرورية، وعندما ~~يريد الإنسان الترف والتنعم فلا بد أن يكدح. ومثال ذلك: لقد أعطى الحق ~~الإنسان المطر فينزل الماء من السماء، وينزل ماء المطر في مجار محددة، ~~حفرها المطر لنفسه، وقد يكون في كل مجرى تراب من صخور أو طمي لذلك يقوم ~~الإنسان بترويق المياه، ويرفعها في صهاريج لتأتيه إلى المنزل، وبدلا من ~~أن يشربها بيده من النهر مباشرة، يصنع كوبا جميلا. وصنع الإنسان ~~الكوب في البداية من الفخار، ثم من مواد مختلفة كالنحاس ثم البللور. ~~وهكذا نجد أن كل ترف يحتاج إلى عمل يوصل إليه، فليست المسألة بالأماني. ~~وكذلك الانتساب إلى الدين، ليست المسألة أن يمتثل الإنسان وينتسب إلى ~~الدين شكلا، فالرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليحكم بين الناس جميعا، ~~ولا يمكن لواحد أن ينتسب شكلا إلى الإسلام ليأخذ المميزات ويتميز بها عن ~~بقية خلق الله من الديانات الأخرى، لا فالإنسان محكوم بما ms2140 يدين به. # والمسلم أول محكوم بما دان به. كذلك قال الحق: { ليس ~~بأمانيكم } والخطاب هنا لمن؟. إن كان الخطاب للمؤمنين فالحق يوضح ~~لهم: يا أيها المؤمنون ليست المسألة مسألة أماني، ولكنها مسألة عمل لأن ~~انتسابكم للإسلام لا يعفيكم من العمل فكم من أناس يعبرون الدنيا وتنقضي ~~حياتهم فيها ولا يصنعون حسنة، فإذا قيل لهم: ولماذا تعيشون الحياة بلا ~~عمل؟ يقولون: أحسنا الظن بالله. ونسمع الحسن البصري يقول لهؤلاء: ليس ~~الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، إن قوما ألهتهم ~~أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا: نحسن الظن ~~بالله وكذبوا، لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل به. وسبحانه يقول ~~لهؤلاء: { ليس بأمانيكم }. أما إن كان الخطاب موجها لغير ~~المؤمنين فالحق لم يمنع عطاء الدنيا لمن أخذ بالأسباب حتى ولو لم يؤمن. ~~أما جزاء الآخرة فهو وعد منه سبحانه للمؤمنين الذين عملوا صالحا، وهو ~~الوعد الحق بالجنة، هذا الوعد الحق ليس بالأماني بل إن الوصول إلى هذا ~~الوعد يكون بالعمل. إذن فقد يصح أن يكون الخطاب ب { ليس ~~بأمانيكم } شاملا أيضا الكفار والمنافقين وأهل الكتاب. وكان ~~للكفار بعض من الأماني كقول المنكر للبعث: # ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي ~~لأجدن خيرا منها منقلبا # [الكهف: 36] هذه هي أماني الكفار. ولن يتحقق هذا الوعد بالجنة لأهل ~~الكتاب، فقد قال الحق عن أمانيهم: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة: 111] وقالوا: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80] كل هذه أماني خادعة لأن منهج الله واحد على الناس أجمعين، ~~من انتسب للإسلام الذي جاء خاتما فليعمل لأن القضية الواضحة التي يحكم ~~بها الله خلقه هي قوله سبحانه: { من يعمل سوءا يجز به ولا ~~يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا }. وأبو هريرة ~~رضي الله عنه يقول: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين فقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سددوا وقاربوا فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى ms2141 الشوكة يشاكها ~~والنكبة ينكبها ". # وقال بعض العلماء: المراد بالسوء في هذه الآية هو الشرك بالله لأن الله ~~وعد أن يغفر بعض الذنوب. واستند في ذلك إلى قوله الحق: # كذلك نجزي كل كفور # [فاطر: 36] كأن الجزاء المؤلم يكون للكفار، أما الذين آمنوا فالإيمان ~~يرفعهم إلى شرف المنزلة ليقبل الله توبتهم ويغفر لهم، فسبحانه الحق جعل ~~الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما، وجعل صلاة الجمعة إلى صلاة الجمعة ~~كفارة لما بينهما، وجعل الحج كفارة لما سبقه، وكل ذلك امتيازات إيمانية. ~~أما جزاء الكفار فهو: { من يعمل سوءا يجز به ولا يجد ~~له من دون الله وليا ولا نصيرا }. # ولا يقال فلان لا يجد إلا إذا بحث هذا الشخص عن شيء فلم يجده، فالإنسان ~~بذاته لا يستغنى، ولكن من يعمل سوءا فليبحث لنفسه عن ولي أو نصير ولن ~~يجد. والولي هو الذي يلي الإنسان، أي يقرب منه، ومثلها النصير والمعاون، ~~ولا يلي الإنسان ولا يقرب منه إلا من أحبه. ومادام قد أحب قوي ضعيفا، ~~فهو قادر على الدفاع عنه ومعاونته. ولماذا أورد الحق هنا " الولي " ، و " ~~النصير "؟. والولي - كما عرفنا - هو القريب الذي يلي الإنسان، أما كلمة " ~~نصير " فتوحي أن هناك معارك وخصومة بين المؤمن وغيره، وهناك قوة كبرى قد ~~يظهر للإنسان أنها لا تسأل عنه لأنه في سلام ورخاء، إن هذه القوة عندما ~~تعلم أن هناك خصوما للمؤمن تأتي لنصرته، بينما لا يجد الكافر وليا ولا ~~نصيرا، ولن يجد من يقرب منه ولن يجد من ينصره إن عضته الأحداث، وعض ~~الأحداث هو الذي يجعل الناس تتعاطف مع المصاب حتى إن البعيد عن الإنسان ~~يفزع إليه لينصره، لكن أحدا لا ينصر على الله. ومن بعد ذلك يقول الحق: { ~~ومن يعمل من الصالحات... }. ### || [4.124] # وجاءت كلمتا " ذكر " و " أنثى " هنا حتى لا يفهم أحد أن مجيء الفعل ~~بصيغة التذكير في قوله يعمل أن المرأة معفية منه لأن المرأة في كثير من ~~الأحكام نجد حكمها مطمورا في مسألة الرجل، وفي ذلك إيحاء بأن أمرها مبني ms2142 ~~على الستر. لكن الأشياء التي تحتاج إلى النص فيها فسبحانه ينص عليها. { ~~ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى }. وجاء ~~سبحانه هنا بلفظة من التي تدل على التبعيض.. أي على جزء من كل فيقول: ~~{ ومن يعمل من الصالحات } ولم يقل: " ومن يعمل الصالحات " ~~لأنه يعلم خلقه. فلا يوجد إنسان يعمل كل الصالحات، هناك من يحاول عمل ~~بعض من الصالحات حسب قدرته. والمطلوب من المؤمن أن يعمل من الصالحات على ~~قدر إمكاناته ومواهبه. وتبدأ الأعمال الصالحة من أن يترك الإنسان الأمور ~~الصالحة على صلاحها، فإبقاء الصالح على صلاحه معناه أن المؤمن لن يعمل ~~الفساد، هذه هي أول مرتبة، ومن بعد ذلك يترقى الإنسان في الأعمال الصالحة ~~التي تتفق مع خلافته في الأرض، وكل عمل تصلح به خلافة الإنسان في الأرض ~~هو عمل صالح فالذي يرصف طريقا حتى يستريح الناس من التعب عمل صالح، ~~وتهيئة المواصلات للبشر حتى يصلوا إلى غايتهم عمل صالح، ومن يعمل على ~~ألا ينشغل بال البشر بأشياء من ضروريات الحياة فهذا عمل صالح. كل ما ~~يعين على حركة الحياة هو عمل صالح. وقد يصنع الإنسان الأعمال الصالحة ~~وليس في باله إله كعلماء الدول المتقدمة غير المؤمنة بإله واحد. كذلك ~~العلماء الملاحدة قد يصنعون أعمالا صالحة للإنسان، كرصف طرق وصناعة بعض ~~الآلات التي ينتفع بها الناس، وقاموا بها للطموح الكشفي، والواحد من تلك ~~الفئة يريد أن يثبت أنه اخترع واكتشف وخدم الإنسانية ونطبق عليه أنه عمل ~~صالحا، لكنه غير مؤمن لذلك سيأخذ هؤلاء العلماء جزاءهم من الإنسانية ~~التي عملوا لها، وليس لهم جزاء عند الله. أما من يعمل الصالحات وهو مؤمن ~~فله جزاء واضح هو: { ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا ~~يظلمون نقيرا } [النساء: 124] قد يقول البعض: إن عدم الظلم يشمل ~~من عمل صالحا أو سوءا ونجد من يقول: من يعمل السوء هو الذي يجب أن يتلقى ~~العقاب، وتلقيه العقاب أمر ليس فيه ظلم،والحق هو القائل: # جزآء سيئة بمثلها # [يونس: ms2143 27] ومن يصنع الحسنة يأخذ عشرة أمثالها. وقد يكون الجزاء سبعمائة ~~ضعف ويأتيه ذلك فضلا من الله، والفضل من الله غير مقيد وهو فضل بلا حدود، ~~فكيف يأتي في هذا المقام قوله تعالى: { ولا يظلمون نقيرا } وهم ~~قد أعطوا أضعافا مضاعفة من الجزاء الحسن، ونقول: إن الفضل من الخلق غير ~~ملزم لهم، مثل من يستأجر عاملا ويعطيه مائة جنيه كأجر شهري، وفي آخر ~~الشهر يعطيه فوق الأجر خمسين جنيها أو مائة، وفي شهر آخر لا يعطيه سوى ~~أجره، وهذه الزيادة إعطاؤها ومنحها فضل من صاحب العمل. # أما الفضل بالنسبة لله فأمره مختلف. إنه غير محدود ولا رجوع فيه. وهذا ~~هو معنى { ولا يظلمون نقيرا } ، فسبحانه لا يكتفي بجزاء صاحب ~~الحسنة بحسنة، بل يعطي جزاء الحسنة عشر أمثالها وإلى سبعمائة ضعف، ولا ~~يتراجع عن الفضل فالتراجع في الفضل - بالنسبة لله - هو ظلم للعبد. ولا ~~يقارن الفضل من الله بالفضل من البشر. فالبشر يمكن أن يتراجعوا في الفضل ~~أما الله فلا رجوع عنده عن الفضل. وهو القائل: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58] وأصحاب العمل الصالح مع الإيمان يدخلون الجنة مصداقا لقوله ~~تعالى: { فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون ~~نقيرا } والنقير هو: النقرة في ظهره النواة، وهي أمر ضئيل للغاية. ~~وهناك شيء آخر يسمى " الفتيل " وهو المادة التي تشبه الخيط في بطن نواة ~~التمر، وشيء ثالث يشبه الورقة ويغلف النواة واسمه " القطمير ". وضرب الله ~~الأمثال بهذه الأشياء القليلة لنعرف مدى فضله سبحانه وتعالى في عطائه ~~للمؤمنين. ومن بعد ذلك يقول الحق: { ومن أحسن دينا ممن... ~~}. ### || [4.125] # وساعة نسمع استفهاما مثل قوله الحق: { ومن أحسن دينا ممن ~~أسلم وجهه لله } فحسن الاستنباط يقتضي أن نفهم أن الذي أسلم وجهه ~~لله هو الأحسن دينا، وفي حديثنا اليومي نقول: ومن أكرم من زيد؟. معنى ~~ذلك أن القائل لا يريد أن يصرح بأن زيدا هو أكرم الناس لكنه يترك ذلك ~~للاستنباط الحسن. ولا يقال مثل هذا على صورة الاستفهام إلا إذا كان ~~المخبر ms2144 عنه محددا ومعينا، والقائل مطمئن إلى أن من يسمع سؤاله لن يجد ~~جوابا إلا الأمر المحدد المعين لمسئول عنه. وكأن الناس ساعة تدير رأسها ~~بحثا عن جواب للسؤال لن تجد إلا ما حدده السائل. { ومن أحسن ~~دينا ممن أسلم وجهه لله } والإجابة على مثل هذا التساؤل: ~~لا أحد أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله. وهكذا نرى أن الله يلقى خبرا ~~مؤكدا في صيغة تساؤل مع أنه لو تكلم بالخبر لكان هو الصدق كله: # ومن أصدق من الله قيلا # [لنساء: 122] وسبحانه يلقي إلينا بالسؤال ليترك لنا حرية الجواب في ~~الكلام، كأنه سبحانه يقول: - أنا أطرح السؤال عليك أيها الإنسان وأترك لك ~~الإجابة في إطار ذمتك وحكمك فقل لي من أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله؟ ~~وتبحث أنت عن الجواب فلا تجد أحسن ممن أسلم وجهه لله فتقول: - لا أحد ~~أحسن ممن أسلم وجهه لله. وبذلك تكون الإجابة من المخاطب إقرارا، ~~والإقرار - كما نعلم - سيد الأدلة. { ومن أحسن دينا ممن ~~أسلم وجهه لله } ونعلم أن الكلمة إذا أطلقت في عدة مواضع فهي لا ~~تأخذ معنى واحدا. بل يتطلب كل موضع معنى يفرضه سياق الكلام، فإذا قال ~~الله تعالى: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران: 106] فذلك لأن الوجه هو العضو المواجه الذي توجد به تميزات ~~تبين وتوضح ملامح الأشخاص. لأننا لن نتعرف على واحد من كتفه أو من رجله، ~~بل تعرف الأشخاص من سمات الوجوه. وعندما نسمع قول الحق: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] فإننا نتساءل: ما المراد بالوجه هنا؟ إن أردنا الوجه الذي ~~يشبه وجوهنا فهذا وقوع في المحظور، لأن كل شيء متعلق بالله سبحانه وتعالى ~~نأخذه على ضوء " ليس كمثله شيء " نقول ذلك حتى لا يقولن قائل: مادام وجه ~~الله هو الذي لن يهلك يوم القيامة فهل تهلك يده أو غير ذلك؟. لا إن الحق ~~حين قال: { كل شيء هالك إلا وجهه } فالمقصود بذلك ذاته ~~فهو سبحانه وتعالى منزه عن التشبيه وسبحانه القائل: # فأينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة: ms2145 115] إذن فوجه الله - هنا - هو الجهة التي يرتضيها، والإنسان ~~يتجه بوجهه إلى الكعبة في أثناء الصلاة. # وإياك أن تظن أنك حينما تولي وجهك صوب الكعبة أنها وجه الله لأن الله ~~موجود في كل الوجود، فأي متجه للإنسان سيجد فيه الله، بدليل أننا نصلي ~~حول الكعبة، وتكون شرق واحد وغرب آخر، وشمال ثالث، وجنوب رابع، فكل ~~الجهات موجودة في أثناء الطواف حول الكعبة وفي أثناء الصلاة، والكعبة ~~موجودة هكذا لنطوف حولها، ولتكون متجهنا إلى الله في جميع الاتجاهات. # فأينما تولوا فثم وجه الله # [البقرة: 115] أي الجهة التي ارتضاها سبحانه وتعالى. ونحن هنا في هذه ~~الآية نرى قول الله: { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه ~~لله }. وأسلم وجهه أي أسلم اتجاهه لأن الإنسان حين يكون ذاهبا إلى قصد ~~أو هدف أو غرض، فيكون وجهه هو المتجه لأن الإنسان لا يسير بظهره. والوجه ~~هنا - إذن - هو الاتجاه. ولماذا جاء الحق بالوجه فقط، برغم أن المؤمن ~~يسلم مع الوجه كل الجوارح؟ لأن الوجه أشرف الأعضاء، ولذلك جعل سبحانه ~~السجود أشرف موقع للعبد لأن القامة العالية والوجه الذي يحرص الإنسان على ~~نظافته يسجد لله. إذن أسلم وجهه لله، أي أسلم وجهته واتجاهه للهن ومعنى " ~~أسلم " من الإسلام، ف " أسلم " تعني: سلم زمام أموره لواحد. حين يسلم ~~الإنسان زمامه إلى مساو له فهذه شهادة لهذا المساوي أنه يعرف في هذا ~~الأمر أفضل منه. ولا يسلم لمساو إلا إن شهد له قبل أن يلقي إليه بزمامه ~~أنه صاحب حكمة وعلم ودراية عنه. فإن لم يلمس الإنسان ذلك فلن يسلم له. ~~وما أجدر الإنسان أن يسلم نفسه لمن خلقه، أليس هذا هو أفضل الأمور؟. إن ~~الإنسان قد يسلم زمامه لإنسان آخر لأنه يظن فيه الحكمة، ولكن أيضمن أن ~~يبقى هذا الإنسان حكيما؟ إنه كإنسان هو ابن أغيار، وقد يتغير قلبه أو ~~أن المسألة المسلم له لها تكون مستعصية عليه، لكن عندما أسلم زمامي لمن ~~خلقني فهذا منتهى الحكمة. ولذلك قلنا: إن الإسلام هو أن تسلم زمامك لمن ~~آمنت ms2146 به إلها قويا وقادرا وحكيما وعليما وله القيومية في كل زمان ~~ومكان. وحين يسلم الإنسان وجهه لله فلن يصنع عملا إلا كانت وجهته إلى ~~الله. { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو ~~محسن } [النساء: 125] ولماذا جاءت كلمة " محسن " هنا؟ وقد تكلم صلى ~~الله عليه وسلم عن الإحسان، ونعرف أننا آمنا بالله غيبا، لكن عندما ندخل ~~بالإيمان إلى مقام الإحسان، فإننا نعبد الله كأننا نراه فإن لم نكن نراه ~~فهو يرانا. # " والحوار الذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد صحابته وكان ~~اسمه الحارث فقال له: " كيف أصبحت يا حارث؟ " فقال: أصبحت مؤمنا حقا. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة ~~فما حقيقة إيمانك؟ " قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت لذلك ليلي وأظمأت ~~نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون ~~فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها يتصايحون فيها فقال: " يا ~~حارث عرفت فالتزم ثلاثا " ". # ويعرف الإنسان من أهل الصلاح أنه في لقاء دائم مع الله، لذلك يضع ~~برنامجا لنفسه موجزة أنه يعلم أنه لا يخلو من نظر الله إليه وهو معكم ~~أينما كنتم إنه يستحضر أنه لا يغيب عن الله طرفة عين فيستحيي أن يعصيه. ~~ويوضح الحديث ما رواه سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما سأل ~~جبريل - عليه السلام - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له: ~~فأخبرني عن الإحسان؟ قال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك ". وعندما تتيقن أن الله ينظر إليك فكيف تعصيه؟ أنت لا تجرؤ أن تفعل ~~ذلك مع عبد مساو لك.. فكيف تفعله مع الله؟!! وتتجلى العظمة في قوله ~~الحق: { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو ~~محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا } لماذا إذن " ملة ~~إبراهيم "؟ لأن القرآن يقول عن إبراهيم: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا # [النحل: 120] ومعنى كونه " أمة ": أنه الجامع لكل خصال الخير التي ~~لا تكاد تجتمع ms2147 في فرد إلا إن وزعنا الخصال في أمة بأكملها فهذا شجاع وذلك ~~حليم والثالث عالم والرابع قوي، وهذه الصفات الخيرة كلها لا تجتمع في ~~فرد واحد إلا إذا جمعناها من أمة. وأراد الحق سبحانه لإبراهيم عليه ~~السلام أن يكون جامعا لخير كثير فوصفه بقوله: # إن إبراهيم كان أمة # [النحل: 120] ويقول هنا عن ملة إبراهيم: { واتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا }. والملة هي الديانة و " حنيفا " أي " مائلا عن ~~الباطل إلى الحق ". والمعنى اللغوي لكلمة " حنيف " أنه هو " المائل ". ~~وكان إبراهيم حنيفا عن الباطل. ومتى ترسل الرسل إلى الأقوام نعرف أن ~~الرسل تأتي إذا طم الفساد وعم، وحين تكون المجتمعات قادرة على إصلاح ~~الفساد الذي فيها.. فالحق سبحانه يمهل الناس وينظرهم، لكن إذا ما بلغ ~~الفساد أوجه، فالحق يرسل رسولا. وحين يأتي الرسول إلى قوم ينتشر ~~فيهم الفساد، فالرسول يميل عن الفساد، بهذا يكون الميل عن الاعوجاج ~~اعتدالا. { واتبع ملة إبراهيم حنيفا }. ويأتي الحق من ~~بعد ذلك بالغاية الواضحة { واتخذ الله إبراهيم خليلا } ~~فما هي حيثيات الخلة؟ لأنه يتبع أفضل دين، ويسلم لله وجهه، وكان ~~محسنا، واتبع الملة، وكان حنيفا، هذه هي حيثيات الخلة. وكلها كانت ~~صفات سيدنا إبراهيم عليه السلام. # لقد حدثونا أن جبريل عليه السلام قد جاء لسيدنا إبراهيم عندما ألقاه ~~أهله في النار، فقال جبريل يا إبراهيم: ألك حاجة؟. فقال إبراهيم: " أما ~~إليك فلا " ، فقال جبريل فاسأل ربك فقال: " حسبي من سؤالي علمه بحالي " ~~فقال الله: " يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم " أي أنه لا يطلب من ~~جبريل بذاته شيئا. وتلك قمة الإسلام لله. كما أننا نعرف مدى أنس الناس ~~بأبنائها ونعلم إن إسماعيل قد جاءه ولدا في آخر حياته، وأوضح له الحق ~~أنه مبتليه، وكان الابتلاء غاية في الصعوبة فالابن لا يموت ولا يقتله أحد ~~ولكن يقوم الأب بذبحه، فكم درجة من الابتلاء مر بها إبراهيم عليه ~~السلام؟! وسار إبراهيم لتنفيذ أمر ربه، ولذلك نقرأ على لسان إبراهيم عليه ~~السلام: # يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ms2148 ~~ماذا ترى # [الصافات: 102] ويجعل الحق ذلك برؤيا في المنام لا بالوحي المباشر. ~~ولننظر إلى ما قاله إسماعيل عليه السلام. لم يقل: " افعل ما بدا لك يا ~~أبي " ولكنه قال: # يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من ~~الصابرين # [الصافات: 102] أي أن إسماعيل وإبراهيم أسلما معا لأمر الله. فماذا فعل ~~الله؟: # وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا ~~كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء ~~المبين * وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه في ~~الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزي ~~المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * ~~وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # [الصافات: 104-112] ولا يكتفي الحق بإعطاء إبراهيم إسماعيل ابنا، وله ~~فداء، ولكن رزق الله إبراهيم بابن آخر هو إسحاق. { واتخذ الله ~~إبراهيم خليلا }. وجلس العلماء ليبحثوا معنى كلمة " خليلا " ، ~~ويبحثوا ما فيها من صفات، وكل الأساليب التي وردت فيها. والكلمة مأخوذة ~~من " الخاء ولام ولام ". و " الخل " - بفتح الخاء - هو الطريق في الرمل، ~~وهو ما نسميه في عرفنا " مدقا " ، وعادة يكون ضيقا. وحينما يسير فيه ~~اثنان فهما يتكاتفان إن كان بينهما ود عال، وإن لم يكن بينهما ود ~~فواحد يمشي خلف الآخر. ولذلك سموا الاثنين الذين يسيران متكاتفين " خليل ~~" فكلاهما متخلل في الآخر أي متداخل فيه. والخليل أيضا هو من يسد خلل ~~صاحبه. والخليل هو الذي يتحد ويتوافق مع صديقه في الخلال والصفات ~~والأخلاق. أو هو من يتخلل إليه الإنسان في مساتره، ويتخلل هو أيضا في ~~مساتر الإنسان. والإنسان قد يستقبل واحدا من أصحابه في أي مكان سواء في ~~الصالون أو في غرفة المكتب أو في غرفة النوم. لكن هناك من لا يستقبله إلا ~~في الصالون أو في غرفة المكتب. { واتخذ الله إبراهيم ~~خليلا } أي اصطفاه الحق اصطفاء خاصا، والحب قد يشارك فيه، فهو ~~سبحانه يحب واحدا وآخر وثالثا ورابعا وكل المؤمنين، فهو القائل: # إن الله يحب التوابين # [البقرة: 222] وسبحانه القائل: # فإن الله يحب المتقين # [آل عمران: 76] وهو يعلمنا: # والله يحب الصابرين # [آل عمران: 146] ويقول لنا: # والله يحب المحسنين # [آل عمران: 148] ويقول ms2149 أيضا: # إن الله يحب المقسطين # [الممتحنة: 8] لكنه اصطفى إبراهيم خليلا، أي لا مشاركة لأحد في مكانته، ~~أما الحب فيعم، ولكن الخلة لا مشاركة فيها. ولذلك نرى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يخرج إلى قومه قائلا: # " أما بعد أيها الناس فلو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر ~~بن أبي قحافة خليلا وإن صاحبكم خليل الله تعالى يعني نفسه ". # وإسماعيل صبري الشاعر المصري الذي كان أسبق من أحمد شوقي وكان شيخا ~~للقضاة. التقط هذا المعنى من القرآن ومن الألفاظ التي دارت عليه في ~~القرآن، ويقول: # ولما التقينا قرب الشوق جهده # خليلين زادا لوعة وعتابا # كأن خليلا في خلال خليله # تسرب أثناء العناق وغابا # وشاعر آخر يقول: # فضمنا ضمة نبقى بها واحدا # ولكن إسماعيل صبري قال ما يفوق هذا المعنى: لقد تخللنا كأن بعضنا قد غاب ~~في البعض الآخر. ويقول الحق بعد ذلك: { ولله ما في ~~السماوات... }. ### || [4.126] # وسبحانه أوضح في آية سابقة أنه لا ولي ولا نصير للكافرين أو للمنافقين. ~~ويؤكد لنا المعنى هنا: إياكم أن تظنوا أن هناك مهربا أو محيصا أو ~~معزلا أو مفرا فلله ما في السماوات وما في الأرض، فلا السماوات تؤوي ~~هاربا منه، ولا من في السماوات يعاون هاربا منه، وسبحانه المحيط علما ~~بكل شيء والقادر على كل شيء. ويقول الحق بعد ذلك: { ويستفتونك ~~في النسآء قل الله... }. ### || [4.127] # " ويستفتونك " أي يطلبون الفتيا، ونعرف أن الدين قد مر بمراحل منها قول ~~الحق: يسألونك. وهي تعبير عن سؤال المؤمنين في مواضع كثيرة. ومرحلة ثانية ~~هي: " ويستفتونك ". وما الفارق بين الاثنين؟ لقد سألوا عن الخمر ~~والأهلة والمحيض والإنفاق. والسؤال هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مع أنه قال: # " ذروني ما تركتكم فإنما هلك من قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء ~~فدعوه ". # أي أنه طلب منهم ألا ينبشوا وألا يفتشوا في أشياء قد يجلبون بها على ~~أنفسهم تكاليف جديدة، ومع ذلك سألوه عن رغبة ms2150 في معرفة أي حكم يحدد حركة ~~الإنسان في الحياة. ولو كانوا لا يريدون تحديد حركة حياتهم فلماذا ~~يسألونه؟. كان السؤال دليلا على أن السائل قد عشق منهج الله فأحب أن ~~يجعل منهج الله مسيطرا على كل أفعاله، فالشيء الذي أجمله وأوجزه الله يحب ~~أن يسأل عنه. وأيضا فالإسلام جاء ليجد عادات للجاهلية وللعرب ولهم ~~أحكام يسيرون عليها صنعوها لأنفسهم فلم يغير الإسلام فيها شيئا، فما ~~أحبوا أن يستمروا في ذلك لمجرد أنه من عمل آبائهم، ولكن أحبوا أن يكون كل ~~سلوك لهم من صميم أمر الإسلام لذلك سألوه في أشياء كثيرة. أما الاستفتاء ~~فهو عن أمر قد يوجد فيه حكم ملتبس، ولذلك يقول الواحد في أمر ما: فلنستفت ~~عالما في هذا الأمر لأن معنى الاستفتاء عدم قدرة واحد من الناس أو جماعة ~~منهم في استنباط حكم أو معرفة هذا الحكم، ولذلك يردون هذا الأمر إلى ~~أهله. والحق يقول: # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم # [النساء: 83] الاستفتاء - إذن - يكون لحكم موجود، ولكن المستفتي لا يملك ~~القدرة على استنباطه. ولذلك نجد المجتمعات الإسلامية تخصص دارا للإفتاء ~~لأن المؤمن قد لا يعلم كل الجزئيات في الدين. وقد يعيش حياته ولا تمر به ~~هذه الجزئيات، مثل أبواب الوقف أو المضاربة أو الميراث، فإن حدثت له ~~مسألة فهو يستفتي فيها أهل الذكر. فالسؤال يكون محل العمل الرتيب، أما ~~الفتوى فهي في أمر ليس المطلوب أن تكون المعرفة به عامة. ولذلك يتجه ~~المستفتي إلى أهل الذكر طالبا الفتيا. والحق يقول: { ويستفتونك ~~في النسآء } كأنهم قالوا للرسول: نريد حكم الله فيما يتعلق بالنساء ~~حلا وحرمة وتصرفا. فكيف يكون الجواب؟: { قل الله يفتيكم ~~فيهن } ولم يؤجل الله الفتوى لاستفتائهم بل سبق أن قاله، وعلى الرغم ~~من ذلك فإنه - سبحانه - يفتيهم من جديد. فلعل الحكم الذي نزل أولا ليس ~~على بالهم أو ليسوا على ذكر منه. # فقال الحق: { ويستفتونك في النسآء قل الله ~~يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النسآء ms2151 } [النساء: 127] أي أن الحق يفتيكم في أمرهن، وسبق ~~أن نزل في الكتاب، آية من سورة النساء. قال الحق فيها: # وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما ~~طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ورباع # [النساء: 3] وتوالت آيات من بعد ذلك في أمر النساء. فقوله الحق: { قل ~~الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ~~}. إنما يعلمنا أن الإنسان لا يصح أن يتعجل الاستفتاء في شيء إلا إذا ~~استعرض قبل ذلك ما عنده من علم لعله يجد فيه الجواب الذي يغنيه عن أن ~~يستفتي. ومع أن الاستفتاء في أمر النساء جملة: صغيرات وكبيرات، يتيمات ~~وغير يتيمات فلماذا جاء الجواب في يتامى النساء لأن النساء الكبيرات لهن ~~القدرة على أن يبحثن أمورهن، ولسن ضعيفات، أما اليتيمة فهي ضعيفة ~~الضعيفات، وعرفنا معنى اليتيم، واليتيم حيث لا يبلغ الإنسان المبلغ الذي ~~يصبح فيه مستقلا، فلا يقال لمن بلغ حد البلوغ سواء أكان رجلا أم ~~امرأة أنه يتيم لذلك جاء الجواب خاصا بيتامى النساء لأن يتامى النساء ~~هن دائما تحت أولياء، هؤلاء الأولياء الذين نسميهم في عصرنا ب " ~~الأوصياء " وكان للأوصياء حالتان: فإن كانت البنت جميلة وذات مال فالوصي ~~يحب أن ينكحها ليستمتع بجمالها ويستولي على مالها. وإن كانت دميمة فالوصي ~~لا يرغب في زواجها لذلك يعضلها، أي يمنعها من أن تتزوج لأنها إن تزوجت ~~فسيكون الزوج هو الأولى بالمال. فاحتاجت هذه المسألة إلى تشريع واضح. وها ~~نحن أولاء نجد سيدنا عمر - رضي الله عنه - وكانت له الفراسات التي تسمى ~~الفراسات الفاروقية جاءه واحد يسأله عن أمر يتيمة تحت وصايته، فقال سيدنا ~~عمر: - إن كانت جميلة فدعها تأخذ خيرا منك، وإن كانت دميمة فخذها زوجة ~~وليكن مالها شفيعا لدمامتها. ويقول الحق: { وما يتلى عليكم ~~في الكتاب في يتامى النسآء اللاتي لا تؤتونهن ~~ما كتب لهن } [النساء: 127] والذي كتب لهن إما أن يكون مهورا. ~~وإما أن يكون تركة، وجاء القول الحكيم ليرفع عن المرأة عسف الولي. وجاء ~~الأمر بهذا الأسلوب العالي الذي لا يمكن أن يقوله ms2152 غير رب كريم، ونجد مادة ~~" رغب " تعني " أحب ". فإذا ما كان الحال " أحب أن يكون " يقال: " رغب ~~فيه " ، وإذا " أحب ألا يكون " فيقال: " رغب عنه ". ولذلك قال الحق: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم # [البقرة: 130] ومادامت " عن " جاءت كما في الآية فما بعدها هو المتروك. ~~لكن لو كان القول " رغب في " فهو لأمر محبوب. وكلمة " ترغبون " في هذه ~~الآية نجدها محذوفة الحرف الذي يقوم بالتعدية حبا أو كرها لأنها تقصد ~~المعنيين. # فإن كانت الرغبة في المرأة.. تصير " ترغبون في " وإن كانت المرأة دميمة ~~وزهد فيها القول يكون: " ترغبون عن " ولا يقدر أحد غير الله على أن يأتي ~~بأسلوب يجمع بين الموقفين المتناقضين. وجاء الحق ليقنن للأمرين معا. ~~ويأتي الحق من بعد ذلك بالقول: { والمستضعفين من الولدان ~~} بجانب اليتيمات وهو الصنف المستضعف الاخر، أي اليتيم الذي لم يبلغ مبلغ ~~الرجال وحينما يتكلم سبحانه عن الولاية والوصاية على مثل هؤلاء فهو يتكلم ~~بأسلوبين اثنين، وإن لم يكن للإنسان ملكة استقبال الأسلوب البليغ فقد ~~يقول: هذا كلام متناقض، لكن لو تمتع الإنسان بملكة استقبال الأسلوب ~~البليغ فقد يقول: إن عظمة هذا الأسلوب لا يمكن أن يأتي به إلا رب كريم. ~~فالحق قال: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم # [النساء: 5] قال الله ذلك على الرغم من أن الأموال هي في الأصل ملك ~~للسفهاء فالمال ليس ماله إلى أن يعود إليه رشده، وقد جعل الإسلام الأخوة ~~الإيمانية للتكاتف والتكافل، وساعة يرى المسلمون واحدا من السفهاء فهم ~~يحجرون على سلوكه حماية لماله من سفهه، والمال يصان ويحفظ ومطلوب من ~~الوصي والولي أن يحميه، هذا ما قاله الحق في السفهاء. والحق يتكلم في ~~اليتامى. فيقول سبحانه: # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم # [النساء: 6] لأن السفيه أو المبذر ليس لأي منهما سلطة التصرف في المال ~~بل سلطة التصرف تكون للوصي، وينتسب المال في هذه الحالة للوصي لأنه ~~القائم عليه والحافظ له، لكن ما إن يبلغ القاصر الرشد فعلى الوصي أن يرد ~~له المال. ونحن ms2153 أمام آية تضع القواعد لليتامى من النساء والمستضعفين من ~~الولدان: { وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى ~~النسآء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ~~وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان ~~وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من ~~خير فإن الله كان به عليما } [النساء: 127] ما معنى ~~القيامة لليتامى بالقسط؟ والقسط - بالكسر - تعني العدل. وتختلف عن " ~~القسط " - بفتح القاف - وهو يعني الجور، قسط - يقسط أي عدل، وقسط ~~يقسط، أي جار، فالعدل مصدره " القسط " بالكسر للقاف، والجور مصدره " ~~القسط " بالفتح للقاف. وبعض من الذين يريدون الاستدراك على كلام الله ~~سفها بغير علم - قالوا: - يأتي القرآن بالقسط بمعنى العدل في آيات ~~متعددة، ثم يأتي في موقع آخر ليقول: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15] و " القاسطون " هي اسم فاعل من قسط، ونقول: ومن قال لكم: إن ~~" قسط " تستخدم فقط في معنى " عدل " ، إنها تستعمل في " عدل " وفي " جار ~~". # وسبحانه يقول عن العادلين: # إن الله يحب المقسطين # [المائدة: 42] القاسط يذهب إلى النار، وهي مأخوذة من " قسط يقسط ". ~~والمقسط يذهب إلى الجنة، ومقسط مأخوذة من أقسط. وعندما نرى " أقسط " ~~نراها تبدأ بهمزة الإزالة، أي كان هناك جور فأزلناه. أما القسط - بالكسر ~~- فهو العدل من البداية والمقسط هو الذي وجد جورا فأزاله، والذي يفصل ~~بين الإثنين هو الفعل المضارع ففي العدل هو " يقسط ". بكسر السين في ~~المضارع، أما يقسط - بضم السين في المضارع - تعني " يجور ويظلم ". ومن ~~محاسن اللغة نجد اللفظ الواحد يستعمل لأكثر من معنى ليتعلم الإنسان ~~لباقة الاستقبال، وليفهم الكلمات في ضوء السياق. وقديما كانت اللغة ملكة ~~لا صناعة كما هي الآن في عصرنا. كانت اللغة ملكة إلى درجة أنهم إذا شكلوا ~~الكتاب إلى المرسل إليه يغضب، ويرد الكتاب إلى مرسله ويقول لمن أرسله: ~~أتشك في قدرتي على قراءة كتابك دون تشكيل؟. فتشكيل الكتاب سوء ظن ~~بالمكتوب إليه، وفي عصرنا نجد من يلقي خطابا يطلب تشكيل الخطاب حتى ينطق ~~النطق السليم. والحق سبحانه وتعالى يقول: { وأن تقوموا ~~لليتامى بالقسط } وجاء الحكم في قوله الحق: ms2154 # وآتوا اليتامى أموالهم # [النساء: 2] وسبحانه يتكلم في المهور والأموال ويرتفع بالأمر إلى مرتبة ~~اعتبار حسن التصرف في أمور اليتامى من المسئولية الإيمانية فقد تكون ~~اليتيمة لا مال لها وليست جميلة حتى يطمع فيها أو في مالها، وفي هذه ~~الحالة يجب على الولي أن يرعاها ويرعى حق الله فيها. وقوله الحق: { وأن ~~تقوموا لليتامى بالقسط } هو أمر بأن يقوم المؤمن على أمر ~~اليتامى بالعدل لأن اليتيمة قد تكون مع الولي ومع أهله، وقد يكون لليتيمة ~~شيء من الوسامة، فيسرع إليها الولي بعطف وحنان زائد عن أولاده، وينبه ~~الحق أن رعاية اليتيمة يجب أن تتسم بالعدل، ولا تزيد. ويقول سبحانه: { ~~وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما } ~~ليدلنا على أن أمر الفعل والقيام به ليس مناط الجزاء، ولكن أمر النية في ~~الفعل هو مناط الجزاء، فإياك أيها المؤمن أن تقول: فعلت، ولكن قل: فعلت ~~بنية كذا. إن الذي يمسح على رأس اليتيم يكون صاحب حظ عظيم في الثواب، ~~ومن يكفل اليتيم فهو مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. والذي يقدر ~~ذلك هو الله - سبحانه - العليم بالخفايا حسب نية الشخص الذي يقوم بهذا ~~العمل فقد يتقرب واحد من يتيم ويتكلف العطف والحنان بينما يقصد التقرب ~~إلى أم اليتيم لذلك فمناط الجزاء ومناط الثواب هو في النية الدافعة ~~والباعثة على العمل. ولا يكفي أن يقول الإنسان: إن نيتي طيبة، ولا يعمل ~~فالحديث الشريف يقول: # " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى ~~الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو ~~امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه " # أي لا بد من ارتباط واقتران النية بالعمل لأن الله يريد منا أن نعمل ~~الخير وبذلك يعدي الإنسان الخير من نفسه إلى غيره وهذا هو المطلوب، فوجود ~~النية للخير وحدها لا يكفي، وإن افتقد الإنسان النية وأدى العمل فغيره ~~يأخذ خيره ولا يأخذ هو شيئا سوى التعب. فإن أراد الإنسان أن يكون له ~~ثواب ms2155 فلا بد من وجود نية طيبة، وعمل صالح. ولم يقل الحق: " وما تفعلوا ~~من خير فإن الله به عليم " لأنه سبحانه عليم لا بعد أن نصنع العمل بل ~~بكمال قدرته يعلم قبل أن نصنع الخير، وكل شيء كان معلوما لله قبل أن ~~يخلق الوجود، ولا ينتظر سبحانه إلى أن يقوم الإنسان بالعمل حتى يحصل ~~ويحدث منه العلم. بل إنه - جل شأنه - يعلم كل شيء علما أزليا لذلك قال: ~~{ فإن الله كان به عليما } لأن كل أمر برز في الوجود إنما ~~كان على وفق ما علمه الله أزلا قبل أن يوجد الوجود. وفي المجال البشري ~~نرى المهندس يتلقى التعليمات من صاحب الأرض الخلاء ويقول له: صمم لي ~~قصرا صغيرا على مساحة كذا ومكونا من كذا حجرة. وعدد محدود من دورات ~~المياه، وبعد ذلك يصمم المهندس الرسم الهندسي على الورق حسب أوامر صاحب ~~الأرض. وقد يكون صاحب الأرض دقيقا فطنا غاية في الدقة فيقول للمهندس: ~~إنني أريد أن تصنع لي نموذجا صغيرا قبل البناء بحيث أرى تطبيقا واقعيا ~~بمقياس هندسي مصغر، وأن تبنى الحجرات بقطاعات واضحة حتى أرى ألوانها ~~وكيفيتها. هكذا العالم قبل أن يوجد، كان معلوما علما تفصيليا بكل دقائقه ~~وأبعاده عند خالقه، والنماذج المصغرة التي يصنعها البشر قد يقصر البشر ~~فيها عن صناعة شيء لعدم توافر المواد، كالنجار الذي يقصر في صنع حجرة نوم ~~من خشب الورد لندرته، فيستعيض بخشب من نوع آخر، وذلك خلل في علم وقدرة ~~المنفذ. أما خلق الله فهو يبلغ تمام الدقة لأنه - سبحانه - هو الصانع ~~الأول. هذا ما يجب أن نفهمه عندما نقرأ: { فإن الله كان به ~~عليما }. وبعد ذلك يتكلم الحق عما يتعلق بالنساء فيقول: { وإن ~~امرأة خافت من بعلها نشوزا... }. ### || [4.128] # وساعة نرى " إن " وبعدها اسم مرفوع كما في قوله: # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره # [التوبة: 6] فلنعرف أن " إن " هذه داخلة على فعل، أي أن ترتيبها ~~الأساسي هو: وإن استجارك أحد من المشركين فأجره. وهنا في هذه الآية: يكون ~~التقدير: وإن خافت ms2156 إمرأة من بعلها نشوزا، وما الخوف؟. هو توقع أمر محزن ~~أو مسيء لم يحدث بعد ولكن الإنسان ينتظره، وحين يخاف الإنسان فهو يتوقع ~~حدوث الأمر السيء. وهكذا نجد أن الخوف هو توقع ما يمكن أن يكون متعبا. ~~وقوله الحق: { وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو ~~إعراضا } أي أن النشوز لم يحدث ولكن المرأة تخاف أن يحدث. ورتب الحق ~~الحكم على مجرد الخوف من النشوز لا حدوث النشوز بالفعل، وهذه لفتة لكل ~~منا ألا يترك المسائل حتى تقع، بل عليه أن يتلافى أسبابها قبل أن تقع ~~لأنها إن وقعت ربما استعصى عليه تداركها وإن رأت المرأة بعضا من ملامح ~~نشوز الزوج فعليها أن تعالج الأمر. ونلحظ أن الحق يتكلم هنا عن نشوز ~~الرجل، وسبق أن تكلم سبحانه عن نشوز المرأة: # واللاتي تخافون نشوزهن # [النساء: 34] ما النشوز؟ عندما نسمع عن الموسيقى نجد من يقول: " هذه ~~نغمة نشاز " أي أنها نغمة خرجت عن تسلسل النغم وإيقاعه. والأصل فيها ~~مأخوذ من النشز، وهو ما ارتفع وظهر من الأرض، والمفروض في الأرض أن تكون ~~مبسوطة، فإن وجدنا فيها نتوءا فهذا اسمه نشوز. والأصل في علاقة الرجل ~~بزوجته، أن الرجل قد أخذ المرأة سكنا له ومودة ورحمة وأفضى إليها وأفضت ~~إليه، واشترط الفقهاء في الزواج التكافؤ أي أن يكون الزوجان متقاربين ~~ولذلك قال الحق: # الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ~~والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات # [النور: 26] حتى الكفاءة تكون في الطيبة أوالخبث، فلا يأتي واحد بامرأة ~~خبيثة ويزوجها لرجل طيب كي لا تتعبه، ولا يأتي واحد برجل خبيث ويزوجه ~~بامرأة طيبة كي لا يتعبها لأن الطيب عندما يتزوج طيبة تريحه وتقدره. ~~وكذلك الخبيث عندما يتزوج خبيثة فإنهما يتوافقان في الطباع والسلوك، وفي ~~هذا توازن، والخبيث إن لم يخجل من الفضيحة، فالخبيثة لا تخجل منها أيضا، ~~أما الطيب والطيبة فكلاهما يخشى على مشاعر الآخر ويحافظ على كرامته، فإن ~~خافت امرأة من بعلها نشوزا أي ارتفاعا عن المستوى المفترض في المعاملة، ~~في السكن والمودة والرحمة التي ينبغي أن تكون موجودة ms2157 بين الزوجين، وهي قد ~~أفضت إليه وأفضى إليها، فإن خافت أن يستعلي عليها بنفسه أو بالنفقة أو ~~ينالها بالاحتقار، أو ضاعت منه مودته أو رحمته، هذا كله نشوز. وقبل حدوث ~~ذلك على الزوجة الذكية أن تنتبه لنفسها وترى ملامح ذلك النشوز في الزوج ~~قبل أن يقع، فإن كانت الأسباب من جهتها فعليها أن تعالج هذه الأسباب، ~~وترجع إلى نفسها وتصلح من الأمر. # وإن كانت منه تحاول كسب مودته مرة أخرى. { وإن امرأة خافت من ~~بعلها نشوزا أو إعراضا } والإعراض يعني أنه لم ينشز بعد ~~ولكنه لا يؤانس الزوجة ولا يحدثها ولا يلاطفها على الرغم من أنه يعطيها ~~كل حقوقها. وعلى المرأة أن تعالج هذه المسألة أيضا. والقضية التي بين ~~اثنين - كما قلنا - وقال الله عنهما: # وقد أفضى بعضكم إلى بعض # [النساء: 21] وقال في ذلك أيضا: # هن لباس لكم وأنتم لباس لهن # [البقرة: 187] أي أن يغطي الرجل المرأة وتغطي المرأة الرجل فهي ستر له ~~وهو ستر لها وحماية. ونعرف أن المرأة إن دخل عليها أبوها أو أخوها فهي ~~تداري أي جزء ظاهر من جسمها، أما عندما يدخل عليها زوجها فلا تستر ولا ~~تخفي شيئا. ويعرف كل زوج متزوج وكل امرأة متزوجة أن بينهما إفضاء ~~متبادلا، فقد أباح الله للرجل من زوجته ما لا يبيحه لأحد، وكذلك المرأة، ~~فلا يقول الرجل أي نعت أو وصف جارح للمرأة، وعلى المرأة أن تحافظ كذلك ~~على زوجها. ولها أن تتذكر أنها اطلعت على عورته بحق الله، واطلع على ~~عورتها بحق الله. والحق سبحانه وتعالى يريد أن ينهي هذا الخلاف قبل أن ~~يقع لذلك أوجب على المرأة أن تبحث عن سبب النشوز وسبب الإعراض فقد تكون ~~قد كبرت في العمر أو نزلت بها علة ومرض وما زال في الرجل بقية من فتوة. ~~وقد يصح أن امرأة أخرى قد استمالته أو يرغب في الزواج بأخرى لأي سبب من ~~الأسباب، هنا على المرأة أن تعالج المسألة علاج العقلاء وتتنازل عن ~~قسمها، فقد تكون غير مليحة وأراد هو الزواج ms2158 فلتسمح له بذلك، أو ~~تتنازل له عن شيء من المهر، المهم أن يدور الصلح بين الرجل وزوجته، وهي ~~مهمة الرجل كما أنها مهمة المرأة. { فلا جناح عليهمآ أن ~~يصلحا بينهما صلحا } والصلح هنا مهمة الاثنين معا لأن كل ~~مشكلة لا تتعدى الرجل والمرأة يكون حلها يسيرا، والذي يجعل المشكلات ~~صعبة هم هؤلاء الذين يتدخلون في العلاقة بين الرجل والمرأة، وليس بينهما ~~ما بين الرجل والمرأة، والرجل قد يختلف مع المرأة ويخرج من المنزل ويهدأ ~~ويعود، فتقول له الزوجة كلمة تنهي الخلاف لكن إن تدخل أحد الأقارب ~~فالمشكلة قد تتعقد من تدخل من لا يملك سببا أو دافعا لحل المشكلة. ~~لذلك يجب أن ننتبه إلى قول الحق هنا: { فلا جناح عليهمآ أن ~~يصلحا بينهما }. وأولى درجات الصلح بين الرجل والمرأة هو أن ~~يقوم كل منهما بمسئوليته وليتذكر الاثنان قول الحق: # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم # [البقرة: 216] وكذلك قول الحق سبحانه: # فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل ~~الله فيه خيرا كثيرا # [النساء: 19] ولايظنن رجل أن هناك امرأة هي مجمع كل الجمال والخيرات لأن ~~كل خصال الخير التي تتطلبها الحياة، قد لا تتوافر في المرأة الجميلة. بل ~~قد توجد في المرأة التي ليست على حظ من الحسن لأن ذات الحسن قد تستند إلى ~~رصيد حسنها. أما التي ليس لها حظ من الحسن فهي تحاول أن تكون أمينة ~~ومطيعة ومدبرة وحسنة التصرف مع أهل الزوج لأنها تريد أن تستبقي لنفسها ~~رصيد استبقاء. ولذلك نجد اللاتي ليس لهن حظ من الحسن هن الغالبية الكبيرة ~~في حمل أعباء تكوين الأسرة، فلا يصح أن يأخذ الرجل الزاوية الوحيدة ~~للجمال الحسي، بل عليه أن يأخذ الجمال بكل جوانبه وزواياه لأن الجمال ~~الحسي قد يأخذ بعقل الرجال، لكن عمره قصير. وهناك زوايا من الجمال لا ~~نهاية إلا بنهاية العمر. وقد حدثونا عن واحد من الصالحين كانت له امرأة ~~شديدة المراس والتسلط عليه، وهو رجل طيب فقال لها: آه لو رأيتني وأنا في ~~دروس العلم والناس يستشرفون ms2159 إلى سماعي. لقد ظن أنها عندما تراه في مجلس ~~العلم سترتدع، وتكون حنونة عليه. وذهبت لحضور درس العلم، ورآها، وظن أن ~~ذلك سيزرع هيبة له في قلبها، وعاد إليها آخر النهار وقال لها: لقد رأيتني ~~اليوم. فقالت: رأيتك ويا حسرة ما رأيت، رأيت كل الناس تجلس باتزان إلا ~~أنت فقد كنت تصرخ. وحدثونا عن هذا الرجل أن الله كان يكرمه بالمدد جزاء ~~صبره على امرأته، وكان المريدون يرون إشراقات الله في تصرفاته، وماتت ~~امرأته. وذهب المريدون ولم يجدوا عنده الإشراقات التي كانت عنده من قبل. ~~فسألوه: لماذا؟ فقال: ماتت التي كان يكرمني الله من أجلها. فكما أن ~~المطلوب من المرأة أن تصبر على الرجل، فالرجل مطلوب منه أن يصبر على ~~المرأة. والذي يصبر عليها يؤتيه الله خيرها ولذلك قالوا: " إن عمران بن ~~حطان كان من الخوارج وكان له امرأة جميلة وكان هو دميم الملامح، فنظرت ~~إليه زوجته مرة وقالت: الحمد لله فقال لها: على أي شيء تحمدين الله؟ ~~قالت: على أني وأنك في الجنة. قال: لم؟. قالت: لأنك رزقت بي فشكرت، ورزقت ~~بك فصبرت، والشاكر والصابر كلاهما في الجنة. ولا يظنن واحد أنه سيجد ~~امرأة هي مجمع الجمال والحسن في كل شيء، فإن كانت متدنية المستوى في جانب ~~فهي متميزة في جانب آخر، فلا تضيع الامتياز الذي فيها من أجل قصورها في ~~جانب ما. وزوايا الحياة كثيرة. وقلنا سابقا: إنه لا يوجد أحد ابنا لله، ~~بل كلنا بالنسبة لله عبيد. ومادمنا جميعا بالنسبة لله عبيدا وليس فينا ~~ابن له. وسبحانه أعطانا أسباب الفضل على سواء، فهناك فرد قد أخذ الامتياز ~~في جانب، والآخر قد نال الامتياز في جانب آخر - هذا النقص في زاوية ما، ~~والامتياز في زاوية أخرى، أراد به الله أن يجعل مجموع صفات ومزايا أي ~~إنسان يساوي مجموع إنسان آخر حتى يتوازن العالم. # فإن وجد الإنسان شيئا لا يعجبه في المرأة، ووجدت المرأة شيئا لا ~~يعجبها في الرجل، فعلى الرجل أن يضم الزوايا كلها ليرى الصورة المكتملة ~~للمرأة، ms2160 وأن تضم المرأة كل الزوايا حتى ترى الصورة المكتملة للرجل. ~~والرجل الذي ينظر إلى كل الزوايا يحيا مرتاح البال لأنه يرى من الزوايا ~~الحسنة أضعاف الزوايا التي ليست كذلك، والذي يرضى هو من ينظر إلى ~~المحاسن. والذي يغضب هو من ينظر إلى المقابح. والعادل في الغضب والرضا هو ~~من ينظر إلى مجموع هذا ومجموع هذا، إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن ~~تبنى الأسرة على السلامة فيوضح لنا: - لا تنتظر أيها الرجل ولا تنتظري ~~أيتها المرأة إلى أن يقع الخلاف، فما أن تبدو البوادر فعليكما بحل ~~المشكلات، فليس هناك أحد قادر على حل المشكلات مثلكما لأنه لا يوجد أحد ~~بينه وبين غيره من الروابط والوشائج مثل ما بين الرجل وزوجته لذلك قال ~~سبحانه: { فلا جناح عليهمآ أن يصلحا بينهما صلحا ~~}. إننا في بعض الأحيان نجد الصلح يأخذ شكلية الصلح، أما موضوع الصلح وهو ~~إنهاء الجفوة والمواجيد النفسية فقد لا يوجد، والذي يعرقل الصلح هو أننا ~~نقوم بالشكلية ولا نعالج الأسباب الحقيقية المدفونة في النفوس، والتي ~~تتسرب إلى موضوعات أخرى لذلك يجب أن يكون الصلح، ويتم بحقيقته كقول الله ~~تعالى: { أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير } وعندما ~~تتراضى النفوس يعم الخير على الزوجين وعلى المجتمع. وبعد ذلك يتابع الحق: ~~{ وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا ~~فإن الله كان بما تعملون خبيرا }. يوضح لنا سبحانه: ~~أنا خالقكم وأعلم طبائعكم وسجاياكم وأعلم أنني عندما أطلب من المرأة أن ~~تتنازل عن شيء من نفقتها كمهرها أو هدية الخطبة الأولى " الشبكة " ، أو ~~أن تتنازل له عن ليلتها لينام عند الزوجة الأخرى. وأعلم أن هذا قد يصعب ~~على النفس، وكذلك يصعب على الرجل أن يتنازل عن مقاييسه، إياكم أن يستولي ~~الشح على تصرفاتكم بالنسبة لبعضكم البعض. وجاء الحق في آية وقال: # وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ~~وأخذن منكم ميثاقا غليظا # [النساء: 21] وهنا يقول: { وأحضرت الأنفس الشح وإن ~~تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا } وهناك فرق بين الحقوق التي قد يتمسك بها أحد الزوجين، ms2161 ~~والإحسان الذي يتطوع به. ونعرف ما فعله قاض فاضل عندما قال لخصمين: ~~أأحكم بينكما بالعدل أو بما هو خير من العدل؟ فسأل واحد: وهل هناك خير من ~~العدل؟ فقال القاضي: نعم إنه الفضل. فالعدل إعطاء الحق فقط، والفضل ان ~~يتنازل الإنسان عن حقه بالتراضي لأخيه. # ويذيل الحق الآية: { وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله ~~كان بما تعملون خبيرا } وسبحانه وتعالى يريد أن يحل مشكلة ~~نفسية قد تتعرض لها الأسر التي لا توجد فيها خميرة عقدية إيمانية، لا عند ~~الرجل ولا عند المرأة، ولو كانت هذه الأسر تملك الخميرة الإيمانية ~~المسبقة وأخذت أحكام الله بحقها لما وجدت هذه المشكلة، إنها مشكلة ~~التعدد. ظاهر الأمر أن الرجل حين يعدد زوجاته يكون محظوظا لأنه غير مقيد ~~بواحدة بل له إلى أربع، والمغبون هي المرأة لأنها مقيدة بزوج واحد، فليست ~~كل امرأة مهضومة، لأن الزوجة الجديدة تشعر بالسعادة. وقد نجد امرأة قال ~~لها زوجها: سأتزوج بثانية، ورضيت هي بذلك، بعد أن وازنت بين أمورها ~~فاختارت خير الأمور. روى أن امرأة أراد زوجها أن يطلقها لرغبته عنها، ~~وكان لها منه ولد فقالت لا تطلقني ودعني أقوم على ولدي وتقسم لي فقال: إن ~~كان هذا يصلح فهو أحب إلي فأقرها. إذن فالغمة في زواج الرجل من زوجة ~~أخرى لا تعم كل النساء، فإن أحدث الزواج الغم والحزن عند الزوجة الأولى ~~فهو يحدث سرورا عند الزوجة الثانية. والمرأة معذورة في ذلك لأن الرجل ~~أخذ حكم الله في أن يعدد ولم يأخذ مع هذا الحكم أن يعدل. والرجل يظلم ~~المرأة حين يأخذ الحكم الذي في صالحه وهو إباحة التعدد ولا يأخذ من مبيح ~~التعدد وهو المشرع الأعلى - وهو الله - الأمر بأن يعدل بين زوجاته. لقد ~~جنحت المجتمعات لأنهم رأوا الرجل حين يتزوج بأخرى لا يلتفت إلا للزوجة ~~الجديدة، ويهمل القديمة وأولاده منها لذلك فالنساء معذورات في أن يغضبن ~~من هذه المسألة. ولو أن الرجل أخذ حكم الله بالعدل كما أخذ إباحة الله في ~~التعدد لحدث التوازن. وحين تعرف المرأة ms2162 الأولى أن حقها لن يضيع لا في ~~نفسها ولا في بيتها ولا في رعاية أولادها. فهي تقول: " من الأفضل أن يكون ~~متزوجا أمام عيني بدلا من أن يدس نفسه في أعراض الناس ". إذن فالذي ~~يثير المسألة كإشكال أن الرجل يأخذ بعض الكتاب فيعمل به ويترك بعضه فلا ~~يطبقه ولا يعمل به. والذين يأخذون إباحة الله في التعدد لا بد أن يأخذوه ~~بأصوله التي وضعها الله في إطار العدالة. وحين يكون للرجل امرأتان مثل ~~سيدنا معاذ بن جبل، فكل امرأة لها حق في البيتوتة، ليلة لزوجة وليلة ~~لأخرى مثلا، وكان - رضي الله عنه - لا يتوضأ عند واحدة في ليلة الأخرى مع ~~أن الوضوء قربة لله. والأعجب من ذلك عندما ماتت الزوجتان في الطاعون، أمر ~~بدفن الاثنتين في قبر واحد. والحق سبحانه وتعالى هو الذي خلق الخلق وأمر ~~بالعدالة في المستطاع، وعلى الرجل أن يعدل زمنا، ويعدل نفقة، ويعدل ~~ابتسامة، ويعدل مؤانسة ومواساة، والرجل في كل ذلك يستطيع، لكنه لا يستطيع ~~أن يعدل في ميل القلب، وهو أمر مكتوم لذلك قال الحق: { ولن ~~تستطيعوا أن تعدلوا... }. ### || [4.129] # أي أن العدل الحبي مستحيل. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: # " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " # - يعني القلب -. إذن ففيه فرق بين ميل القلب وهو مواجيد نفسية والنزوع ~~النفسي. والعملية الوجدانية لا يقدر عليها أحد، ولا يوجد تقنين يقول ~~للرجل: " أحب فلانة ".. إلا إذا أراد الحب العقلي، أما الحب العاطفي فلا. ~~والذي يأمر به الشرع هو أن يحب الإنسان بالعقل، أما حب العاطفة فلا تقنين ~~له أبدا. وقد يحب الإنسان الدواء المر بعقله لا بعاطفته ويسر الإنسان ~~من صديق جاء بهذا الدواء من الخارج لأن الدواء سيشفيه بإذن الله. إذن { ~~ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو ~~حرصتم فلا تميلوا كل الميل } ، ما هو كل الميل؟ ويوضحه ~~- سبحانه - بقوله: { فتذروها كالمعلقة } وهي المرأة التي لا ~~هي أيم أي لا زوج لها فتطلب الزواج، ولا هي متزوجة فتستمتع بوجود زوج، ~~ويحجزها ms2163 الرجل دون أن يمارس مسئوليته عنها، فيوضح الحق: أنا لا أطلب منك ~~أن تميل بقلبك هنا، أو هناك لأن هذه المسألة ليست ملكا لك، ولكني أريد ~~العدالة في الموضوعات الأخرى كأن تسوي في البيتوتة والنفقة، ومطلوبات ~~أولادك، وأن تعدل بين أزواجك في المؤانسة. أما المعنى الآخر وهو ميل ~~القلب فأنا لا أكلف به. وسبحانه حين يشرع لخلقه أعلم بمن خلق، وقد جعل ~~لكل مخلوق منا عواطف ينشأ عنها ميل، وجعل له غرائز، وخيارات في ~~الانفعالات ولو أراد سبحانه أن يحجر على الميل لما خلقه، ولكنه - جل وعلا ~~- يطلق الميول لتتم بالميول مصالح الكون مجتمعة، فحين يمنح القلب أن يحب، ~~يعلم سبحانه أن عمارة الكون تنشأ بالحب. فلو لم يحب العالم أن يكتشف ~~أسرار الله في خلقه لما حمل نفسه متاعب البحث والاطلاع والتجربة، وكل ~~ما يترتب على ذلك من مشقات. ولو لم يحب الإنسان إتقان عمله لما رأيت ~~عملا مجودا. ولو لم يحب الإنسان أولاده لما تحمل المشقة في تبعات ~~تربيتهم. إذن فالحب له مهمة. والله لا يريد منا أن نمنع الحب. لكنه يريد ~~منا أن نعلي مطالب الحب، فنجعل للحب مجالاته المشروعة لا أن ينطلق الحب ~~في الكون ليعربد في أعراض الناس. إنك حين تجعل الحب موجها إلى خير لا ~~يأتيك منه أو للناس شر. وعندما ننظر - مثلا - إلى دافع وغريزة حب ~~الاستطلاع نجد أن الله قد خلقها في الإنسان ليصعد ابتكاراته المسعدة في ~~الحياة. ولو لم توجد غرائز حب الاستطلاع لما تعب المكتشف في أن يبتكر ~~شيئا أو يخترعه ويكتشفه حتى يريحنا نحن البشر، ولما فكر الإنسان في أن ~~يستعمل البخار ليحمل عن الناس مشقات السفر ومشقات حمل الثقيل. # إن هذا الاكتشاف أراحنا باختراع الباخرة أو القطار. ولكن الله سبحانه ~~وتعالى يريد أن يعلي غريزة حب الاستطلاع فينبغي أن نجعلها في مجالها ~~المشروع فلا نجعلها تجسسا على عورات الناس مثلا، وكذلك جعل الله غريزة ~~حب المال في الإنسان لأن حب المال يدفع الإنسان إلى أن يعمل، ويستفيد ~~الناس ms2164 من عمله أراد أو لم يرد. كذلك غريزة الجنس جعلها الله في الإنسان ~~ولها سعار ليحفظ بها النوع الإنساني. إنه سبحانه لا يريد منها أن تنطلق ~~انطلاقا يلغ في أعراض الناس. إذن فالغرائز خلقها الله لمهمة. والشرائع ~~جاءت لتحفظ الغرائز في مجال مهمتها وتمنع عنها انطلاقاتها المسعورة في ~~غير المجالات التي حددها لها المنهج. إذن فالميل أمر فطري في النفس ~~البشرية وقد أوضح الحق سبحانه: أنا خلقت الميل ليخدم في عمارة الكون، ~~ولكن أريد منكم أن تصعدوا الهوى وتعلوه في هذا الميل، وحين تعددون ~~الزوجات. لا أطلب منكم البعد عن كل الميل لأن ذلك أمر لا يحكمه منطق ~~عقلي، ولكن أحب أن تحددوا الميل وتجعلوه في مجاله القلبي فقط، ولا يصح أن ~~يتعدى الميل عند أحدكم إلى ميله القالبي. أحب أيها العبد المؤمن من شئت ~~وأبغض من شئت، لكن لا تجعل هذا الحب يقود قالبك لتعطي من تحب خير غيره ~~ظلما، وأبغض أيها العبد من شئت، فلا يستطيع مقنن أن يقنن للقلب أن يبغض ~~أو يحب، لكن بغضك لا تعديه عن قلبك إلى جوارحك لتظلم من تبغض. ولنا ~~الأسوة في سيدنا عمر بن الخطاب - رضوان الله عليه - حينما مر عليه قاتل ~~أخيه، ولفت نظره جليس له: هذا قاتل أخيك. هنا قال عمر - رضي الله عنه -: ~~وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام؟ كأن إسلام هذا القاتل قد أنهى ~~المسألة عند عمر - رضي الله عنه. وعندما جاء هذا القاتل لمجلس عمر، قال ~~له سيدنا عمر: إذا أقبلت علي إلو وجهك عني، لأن قلبي لا يرتاح لك. فسأل ~~الرجل: أو عدم حبك لي يمنعني حقا من حقوقي؟. قال عمر: لا. قال الرجل: ~~إنما يبكي على الحب النساء. هذا عمر وهو الخليفة، والرجل من الرعية. لكن ~~عمر الخليفة يخاف من الظلم، ويملك هذا الشخص وهو تحت إمرة وحكم الخليفة ~~عمر - رضي الله عنه - قدرة الرفض لمشاعر الحب أو الكراهية ما دامت لا ~~تمنع حقوقه كمواطن. إن الحق سبحانه وتعالى حينما يخلق ميول القلوب ms2165 يضع ~~أيضا القاعدة: إياك أيها المؤمن أن تعدي ميل القلب إلى القالب، وليكن ~~ميل القلب كما تحب. كذلك إن أنت أيها المؤمن تزوجت وبعد ذلك تزوجت امرأة ~~أخرى فالمنهج لا يطلب منك أن تعدل العدل المطلق الذي ينصب على شيء لا ~~تملكه وهو ميل قلبك. # ولكن المنهج يضع لك القواعد التي يسير عليها سلوك قالبك. وعليك أن تعدل ~~في قسمة الزمن والنفقة والكسوة وبشاشة الوجه وحسن الحديث. ولا تخضع ذلك ~~لميل القلب، وبعد ذلك أنت وقلبك أحرار. ونرى بعضا من الذين يحبون أن ~~يظهروا بين الناس كفاهمين للقرآن أو دعاة تجديد، يركبون الموجة ضد ~~التعدد. ونقول: قبل أن يركب الواحد منكم الموجة ضد التعدد، ويقف منه موقف ~~الرافض له مدعيا أنه يفهم النص القرآني، إننا نقول له: عليك أن تبحث عن ~~أسباب السخط على التعدد، هي ليست من التعدد في ذاته، ولكنها تأتي من أن ~~المسلم يأخذ إباحة الله للتعدد. ولا يأخذ حكم الله في العدالة. فلو أن ~~المسلم أخذ بالعدالة مع التعدد لما وجدنا مثل هذه الأزمة. ولذلك يقول ~~الواحد من هؤلاء: إن الحق سبحانه وتعالى أمر بلزوم واحدة والاقتصار عليها ~~عند خوف ترك العدل في التعدد فقال: # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة # [النساء: 3] ثم جاء في آية أخرى وقال: { ولن تستطيعوا أن ~~تعدلوا بين النسآء ولو حرصتم }. ونقول: إن الواحد ~~منكم إن أراد أن يفهم القرآن، فعليه أن يعلم أن الحق سبحانه لم يقف في ~~هذه الآية عند قوله: ولو حرصتم إنما فرع على عدم الاستطاعة في العدل ~~فقال: { فلا تميلوا كل الميل } إنه - سبحانه - فرع على عدم ~~الاستطاعة في العدل فأمر بعدم الميل كل الميل. وتلك حكمة المشرع الأول ~~الذي يعلم من خلق وكيف خلق. ولو أن الحق لم يفرع على " ولن تستطيعوا " ~~لجاز لهؤلاء الذين يركبون الموجة المطالبة بعدم التعدد أن يقولوا ما ~~يقولون لذلك نقول لهم: انتبهوا إلى أن الحق سبحانه أوضح: عدم استطاعتكم ~~للعدل هو أمر أنا أعلمه، ولذلك أطلب منكم ألا تميلوا كل ms2166 الميل وذلك ~~باستطاعتكم. ومعنى هذا أنه سبحانه قد أبقى الحكم ولم يسلبه. { فلا ~~تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة }. وفي هذا ~~القول أمر بألا يترك الرجل زوجته الأولى كالمعلقة وهي المرأة التي لم ~~يتحدد مصيرها ومسارها في الحياة، فلا هي بغير زوج فتتزوج، ولا هي متزوجة ~~فتأخذ قسمها وحظها من زوجها، بل عليه أن يعطيها حظها في البيتوتة والنفقة ~~والملبس وحسن الاستقبال والبشاشة والمؤانسة والمواساة. ويقول الحق من بعد ~~ذلك: { وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا ~~رحيما }. وقوله: " تصلحوا " دليل على أنه كان هناك إفساد موجود ~~والمطلوب أن نقوم بالبحث عن الأسباب التي جعلت الرجل يفسد في علاقته ~~الزوجية ليقضي عليها. وبعد ذلك على المسلم أن يستأنف تقوى جديدة في ~~المعاملة على ضوء ما شرع الله. وحين يصلح المسلم ما أفسد من جعل الزوجة ~~الأولى كالمعلقة ويعطيها حقها في البيتوتة والنفقة ورعاية أولادها ~~والإقبال عليها وعلى الأولاد بصورة طيبة فالله سبحانه يغفر ويرحم، ولا ~~يصلح المسلم ما أفسد إلا وهو ينوي ألا يستأنف عملا إلا إذا كان على منهج ~~التقى، ويجد الحق غفورا لما سبق ورحيما به. # وإن لم يستطع الرجل هذا، ولا قبلت المرأة أن تتنازل عن شيء من قسمها ~~ترضية له تكن التفرقة - هنا - أمرا واجبا. فليس من المعقول أن نحكم ~~الحياة الزوجية والحياة الأسرية بسلاسل من حديد، ولا يمكن أن نربط ~~الزوجين بعدم الافتراق إن كانت القلوب متنافرة وكذلك لا نأمن على المرأة ~~أن تعيش هكذا. إن الذي يقول: لا يصح أن نفرق بين الزوجين، نقول له: كيف ~~تريد أن تحكم الحياة الزوجية بالسلاسل؟ والزواج صلة مبناها السكن والمودة ~~والرحمة، فإن انعدمت هذه العناصر فكيف يستمر الزواج وكيف ترغم زوجا على ~~أن يعايش زوجة لا يحبها ولا يقبلها وترغم زوجة أن تعيش مع زوج لا تحبه؟ ~~إن التفريق بينهما في مثل هذه الحالة قد يكون وسيلة أرادها الله سبحانه ~~وتعالى ليرزق الزوج خيرا منها ويرزق الزوجة خيرا منه. وكثيرا ما شهدنا ~~هذا في واقع الحياة، وعاش الزوج ms2167 مع الزوجة الجديدة سعيدا، وعاشت الزوجة ~~مع الزوج الجديد سعيدة، أما الذين تشدقوا بمسألة عدم التفريق مع استحالة ~~الحياة الزوجية وهاجموا الإسلام في هذا المجال. فهم يرددون ما كان عند ~~أهل الغرب: من أن الزواج لا انفصال فيه. إننا نرى العالم كله الآن بكل ~~النصارى واليهود وغيرهم من الملل والنحل يلجأون إلى الطلاق لأن ~~الأحداث اضطرتهم إلى أن يشرعوا الطلاق، فكأنهم ذهبوا إلى الإسلام لا على ~~أنه إسلام، ولكن على أنه الحل الوحيد لمشكلاتهم. فإذا ثبت أن الذين ~~يهاجمون جزئية من جزئيات الدين يضطرون إلهيا تحت ضغط الأحداث فيجب أن ~~ننبههم إلى عدم التسرع والعجلة والحكم على قضايا الدين الإسلامي بأنها ~~غير صالحة لأن الحق أرغم من لم يكن مسلما على أن ينفذ قضية إسلامية. فهو ~~القائل: { وإن يتفرقا... }. ### || [4.130] # وسبحانه عنده الفضل الواسع، وهو القادر أن يرزق الزوج زوجة صالحة تشبع ~~كل مطالبه، ويرزق الزوجة زوجا آخر يشبع كل احتياجاتها ويقبل دمامتها لو ~~كانت دميمة، ويجعله الله صاحب عيون ترى نواحي الخير والجمال فيها. وقد ~~نجد رجلا قد عضته الأحداث بجمال امرأة كان متزوجا بها وخبلته وجعلت ~~أفكاره مشوشة مضطربة وبعد ذلك يرزقه الله بمن تشتاق إليه، بامرأة أمينة ~~عليه، ويطمئن عندما يغترب عنها في عمله. ولا تملأ الهواجس صدره لأن قلبه ~~قد امتلأ ثقة بها وإن كانت قليلة الحظ من الجمال. { وإن يتفرقا ~~يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ~~} فإياك أن تظن بأن الله ليس عنده ما يريح كل إنسان. فسبحانه عنده كل ما ~~يريح كل الناس. وصيدلية منهج الله مليئة بالأدوية، وبعض الخلق لا يفقهون ~~في استخدام هذه الأدوية لعلاج أمراضهم. ومن الحكمة أنه سبحانه لا يرغم ~~اثنين على أن يعيشا معا وهما كارهان لأنهما افتقدا المودة والرحمة فيما ~~بينهما. ومن بعد ذلك يعقب الحق بآية: { ولله ما في ~~السماوات... }. ### || [4.131] # وسبحانه هو الذي يرضي الزوج إن افترق عن زوجته، ويرضي الزوجة إذا ~~افترقت عن زوجها لأنه - جل وعلا - خلق الدنيا التي لن تضيق ms2168 بمطلوب الرجل ~~أو المرأة بعد الانفصال بالطلاق، فله ملك السماوات والأرض وهو القادر على ~~أن يرزق الرجل امرأة هي خير ممن فارق، ويرزق المرأة رجلا هو خير ممن ~~فارقت، فلا شيء خرج عن ملك الله وهو الواسع العطاء. إننا كثيرا ما نجد ~~رجلا كان يتزوج امرأة ولا تلد ويشاع عنها أنها عقيم، ويذهب الإثنان إلى ~~معامل التحليل، ويقال أحيانا: المرأة هي السبب في عدم النسل، أو: الرجل ~~هو السبب في عدم النسل، ويفترق الاثنان ويتزوج كل منهما بآخر، فتلد ~~المرأة من الزوج الجديد، ويولد للرجل من الزوجة الجديدة لأن المسألة كلها ~~مرادات الله، وليست أمور الحياة مجرد اكتمال أسباب تفرض على الله بل هو ~~المسبب دائما فهو القائل: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما ~~إنه عليم قدير # [الشورى: 49-50] كم صورة إذن عندنا لمثل هذا الموقف؟. يهب لمن يشاء ~~إناثا، ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا، ويجعل من يشاء ~~عقيما، هي بأربعة مقادير تجري على الرجل والمرأة. وعندما يهب الله ~~المؤمن الإناث يكون سعيدا. وكذلك عندما يهبه الذكور، وعندما يهب الله ~~لأسرة أبناء من الذكور فقط. فالزوجة تحن أن يكون لها ابنة. وإن وهب الحق ~~لأسرة ذرية من الإناث فقط، فالمرأة والرجل يتمنيان الابن، وإن أعطاهما ~~الله الذكور والإناث نجدهما قد وصلا إلى الحالة التي تقر بها العيون ~~عادة. والحالة التي تقر به العيون عادة مؤخرة. إن الحالة التي تزهد النفس ~~فيها فالحق يقربها إلى أوليات الهبة، فقال أولا: { يخلق ما يشآء ~~} ، وبعد ذلك: { يهب لمن يشآء إناثا } ثم ذكر عطاء الذكور، ثم ~~يأتي بالحالة التي يكون العطاء فيها في القمة: { أو يزوجهم ~~ذكرانا وإناثا }. وأخيرا يأتي بالقدر الرابع الذي يجريه على ~~بعض خلقه وهو: { ويجعل من يشآء عقيما }. ولماذا يسر الإنسان ~~بقدر الله حينما يهبه الله الإناث أو الذكور، ويزداد السرور بقدر الله ~~حينما يهبه - سبحانه - الذكور والإناث. ولماذا لا ms2169 تسر إذن أيها الإنسان ~~بقدر الله حينما يجعلك عقيما؟ أتعتقد أنك تأخذ القدر الذي تهواه، وترد ~~القدر الذي ليس على هواك؟ إن المواقف الأربعة هي قدر من الله. ولو نظر ~~الإنسان إلى كل أمر من الأمور الأربعة لرضي بها. إنه سبحانه يخلق ما ~~يشاء ويجعل من يشاء عقيما، إن قالها الإنسان باستقبال مطمئن لقدر الله ~~فالله قد يقر عينه كما أقر عيون الآخرين بالإناث أو بالذكور، أو بالذكور ~~والإناث معا. # وأقسم لكم لو أن إنسانا - أو زوجين - أخذا قدر الله في العقم كما أخذاه ~~في غيره من المواقف السابقة برضا إلا رزقهم الله، لا أقول ببنين وبنات ~~يرهقونهم في الحمل والتربية وغيرها، بل يرزقهم بأناس يخدمونهم، وقد ~~رباهم غيرهم، والذي يجعل الأزواج المفتقدين للإنجاب يعيشون في ضيق، هو ~~أنهم في حياتهم ساخطون على قدر الله - والعياذ بالله - فيجعل الله حياتهم ~~سخطا. فهو القائل في حديثه القدسي: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يقول الله تعالى: # " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في ~~نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر ~~تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا وإن أتاني ~~يمشي، أتيته هرولة " # إذن فالحق سبحانه وتعالى يقول: { ولله ما في السماوات وما ~~في الأرض } فإياك أن تقول كون الله سيضيق عن رزق الرجل المفارق ~~لزوجته أو المرأة المفارقة لزوجها من عطاء الله لهما فما دام سبحانه قد ~~قرر الفراق كحل لعدم توافق في حياتهما معا.. فهو سبحانه سيعطي عن سعة ~~للزوج وعن سعة للزوجة. وعليك أيها المسلم أن تطيع منهج الحق كما أطاع كل ~~ما في السماوات وكل ما في الأرض، ثم اسأل نفسك هذا السؤال: من يقضي ~~مصالحك كلها؟. إنه الحق سبحانه الذي سخر أشياء ليست في طوق قدرتك، أأرغمت ~~الشمس أن تشرق لك بالضوء والحرارة؟. أأرغمت الماء أن يتبخر وينزل مطرا ~~نقيا؟ أأرغمت الريح ms2170 أن تهب؟ أضربت الأرض لتقول لها: غذي ما أضعه فيك ~~من بذر بالعناصر اللازمة له والمحتاج إليها لينتج النبات؟. كل هذا ليس في ~~طوق إرادتك بل هو مسخر لك بأمر الله. وإن أردت الاستقامة في أمرك، لكنت ~~كالمسخر فيما جعل الله لك فيه اختيار ولقلت لله: أنا أحب منهجك يا رب وما ~~يطلبه مني سأنفذه قدر استطاعتي. فتكون بقلبك وقالبك مع أوامر المنهج ~~ونواهيه، فينسجم ويتوافق الكون معك كما انسجم الكون المسخر المقهور ~~المسير. { ولله ما في السماوات وما في الأرض } ، وهذا ~~تذكير بأن كل شيء مملوك لله وفي طاعته، فلا تشذ أيها الخليفة لله عن ~~الكون، فكل ما فيه يخدمك. ولتسأل نفسك: أتعيش في ضوء منهج الله أم لا؟ ~~لأن الكون قد انسجم وهو مسخر لله، ولم يحدث أي خلل في القوانين الكلية، ~~وسبحانه القائل: # والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في ~~الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان # [الرحمن: 7-9] وهذا إيضاح من الحق تبارك وتعالى: إن أردتم أن تستقيم لكم ~~أموركم الاختيارية فانظروا إلى الكون، فالأشياء المسخرة لا يحدث منها خلل ~~على الإطلاق، ولكن الخلل إنما يأتي من اختيارات الإنسان لغير منهج الله. # { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~وإياكم أن اتقوا الله } يوضح سبحانه: لقد وصينا الذين ~~أنزلنا إليهم المنهج من قبلكم، ووصيناكم أنتم أهل الأمة الخاتمة أن ~~التزموا المنهج بالأوامر والنواهي لتجعلوا اختياراتكم خاضعة لمرادات الله ~~منكم حتى تكونوا منسجمين كالكون الذي تعيشون فيه، ويصبح كل شيء يسير ~~منتظما في حياتكم، ولم يقل الحق هذه القضية للمسلمين فقط لكنها قضية ~~كونية عامة جاء بها كل رسول: { ولقد وصينا الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم }. ولم يقل: شرعنا للذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم، ولم يقل: فرضنا، إنما قال: " ولقد وصينا ". وكلمة " وصية " تشعر ~~المتلقي لها بحب الموصي للموصى. { ولقد وصينا الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ~~} وتقوى الله تعني أن نفعل أوامر الله وأن نتجنب نواهيه لنحكم حركة ~~اختياراتنا بمنهج ربنا، فإن حكمنا ms2171 حركة اختياراتنا بمنهج الله صرنا مع ~~الكون كأننا مسخرون لقضايا المصلحة والخير. ومن بعد ذلك يقول الحق: { ~~وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله غنيا حميدا } ومقابل الكفر هو الإيمان، ~~ومن يخرج عن الإيمان فالله غني عنه، فلا تعتقدوا أيها المخاطبون بمنهج ~~الله أنني أستميلكم إلى الإيمان لأني في حاجة إلى إيمانكم، لا، لكني أريد ~~منكم فقط أن تكونوا مجتمعا سليما، مجتمعا سعيدا، وإن تكفروا فسيظل ~~الملك كله لله، وستظل حتى - ولو كنت متمردا - في قبضة مرادات ربك. فلن ~~تتحكم في مولد أو في ممات أو في مقدورات. فالكون ثابت وسليم. وجاء القرآن ~~باللفت إلى انتظام الكون يقول الحق: # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج * والأرض مددناها ~~وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج ~~بهيج * تبصرة وذكرى لكل عبد منيب * ونزلنا ~~من السمآء مآء مباركا فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد * والنخل باسقات لها طلع نضيد * رزقا ~~للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج # [ق: 6-11] وفي لحظة من اللحظات يأمر الحق كونا من كونه فيختل نظامه ~~فترى الأرض المستقرة وقد تزلزلت، والتي قال عنها سبحانه: # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم # [النحل: 15] وسبحانه هو الذي يملكها فيجعلها تضطرب ويحدث في موقع منها ~~زلزالا، فتندثر المباني التي عليه حتى تفهم أن الدنيا ليست محكومة حكما ~~أليا، بل محكومة بالأسباب، وزمامها مازال في قيومية المسبب، ونلتفت مرة ~~إلى بعض من الزوابع من التراب وهي تغلق المجال الجوي كله بحيث لا يستطيع ~~واحد أن ينظر من خلاله، وهذا لفت من الله لنا يوضح: لقد صنعت هذه ~~القوانين بقدرتي، ولن تخرج هذه القوانين عن طلاقة قدرتي. # ونرى بلادا تحيا على أمطار دائمة تغذي الأرض، فنجد الخضرة تكسو الجبال ~~ولا نجد شبرا واحدا دون خصوبة أو خضرة أو شجر، وقد يظن ظان أن هذه ~~المسألة أمر آلي، ويأتي الحق ليجري على هذه المنطقة قدر الجفاف فيمنع ~~المطر وتصير الأرض الخصبة إلى جدب، ms2172 وتنفق وتهلك الماشية ويموت البشر ~~عطشا، وذلك ليلفتنا الحق إلى أن المسألة غير آلية ولكنها مرادات مريد. ~~وفي موقع آخر من الكرة الأرضية نجد أرضا منبسطة هادئة يعلوها جبل جميل، ~~وفجأة تتحول قمة الجبل إلى فوهة بركان تلقي الحمم وتقذف بالنار وتجري ~~الناس لتنقذ نفسها، ولذلك علينا أن نعرف أن عقل العاقل إنما يتجلى في أن ~~يختار مراداته بما يتفق مع مرادات الله، وعلى سبيل المثال.. لم يؤت العقل ~~البشري القدرة الذاتية على التنبؤ بالزلازل، لكن الحمار يملك هذه القدرة. ~~{ وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله غنيا حميدا } وصدر الآية بالمقولة ~~نفسها: { ولله ما في السماوات وما في الأرض } وذلك ~~لتثبيت وتأكيد ضرورة الطاعة لمنهج الله حتى ينسجم الإنسان مع الكون. ~~وتجيء المقولة مرة ثانية في الآية نفسها ليثبت الحق أنه غني، ولا تقل إن ~~المقولة تكررت أكثر من مرة في الآية الواحدة، ولكن قل: إن الحق جاء بها ~~في صدر الآية لتثبت المعنى، وجاءت في ذيل الآية لتثبت معنى آخر، فسبحانه ~~هو الغني عن العباد: # وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر # [الكهف: 29] ومجيء { ولله ما في السماوات وما في الأرض ~~} لإثبات حيثية أن يطيع العبد خالقه. ومجيء { ولله ما في ~~السماوات وما في الأرض } في ذيل الآية لإثبات حيثية غنى الله ~~عن كل العباد. والمقولة نفسها تأتي في الآية التالية حيث يقول سبحانه: { ~~ولله ما في السماوات... }. ### || [4.132] # ومجيء المقولة لثالث مرة لطمأنة الإنسان أن الله يضمن ويحفظ مقومات ~~الحياة. فلن تتمرد الشمس يوما ولا تشرق. أو يتمرد الهواء ولا يهب. أو ~~تضن الأرض عليك عناصرها لأن كل هذه الأمور مسخرة بأمر الله الذي خلقك ~~وقد خلقها وقدر فيها قوتك. ولذلك يوضح ربنا: أنا الوكيل الذي أكفلكم ~~وأكفيكم وأغنيكم عن كل وكيل. والوكيل هو الذي يقوم لك بمهامك وتجلس أنت ~~مرتاح البال. والإنسان منا عندما يوكل عنه وكيلا ليقوم ببعض الأعمال ~~يحس بالسعادة على الرغم من أن هذا الوكيل ms2173 الذي من البشر قد يخطئ أو ~~يضطرب أو يخون أو يفقد حكمته أو يرتشي، لكن الحق بكامل قدرته يطمئن العبد ~~أنه الوكيل القادر، فلتطمئن إلى أن مقومات وجودك ثابتة فسبحانه مالك ~~الشمس فلن تخرج عن تسخيرها، ومالك المياه ومالك الريح ومالك عناصر الأرض ~~كلها. ومادام الله هو المليك فهو الحفيظ على كل هذه الأشياء. وهو نعم ~~الوكيل لأنه وكيل قادر وليس له مصلحة. وتعالوا نقرأ هذا الحديث: فقد ورد ~~أن أعرابيا جاء فأناخ راحلته ثم عقلها ثم صلى خلف رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أتى راحلته فأطلق ~~عقالها ثم ركبها ثم نادى اللهم ارحمني ومحمدا ولا تشرك في رحمتنا ~~أحدا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # " أتقولون هذا أضل أم بعيره ألم تسمعوا ما قال؟ " قالوا: بلى، قال: " ~~لقد حظرت رحمة واسعة. إن الله - عز وجل - خلق مائة رحمة فأنزل رحمة ~~يتعاطف بها الخلق جنها وإنسها وبهائمها وأخر عنده تسعا وتسعين ~~رحمة أتقولون هو أضل أم بعيره ". # هو إذن كفى بالله وكيلا وهو نعم الوكيل، وهو يطمئن عباده ويبين أنه - ~~سبحانه - هو القيوم، وتعني المبالغة في القيام، إذن كل شيء في الكون ~~يحتاج إلى قائم لذلك فهو قيوم. ويوضح الحق لكل إنسان: أن اجتهد في ~~العمل وبعد أن تتعب نم ملء جفونك لأني أنا الحق لا تأخذني سنة ولا نوم. ~~فهل هناك وكيل أفضل من هذا؟. { وكفى بالله وكيلا }. ثم يأتي ~~الحق بحيثية أخرى تؤكد لنا أنه غني عن العالمين، فلا يكفي أن يقول: إنه ~~غني وإنه خلق كل ما في السماوات وما في الأرض، وإن كفرت أيها الإنسان ~~فالذنب عليك، وإن آمنت فالإيمان أمان لك، وأوضح: إياكم أيها البشر أن ~~تعتقدوا أنكم خلقتم وشردتم وأصبحتم لا سلطان لله عليكم. لا. فالله ~~سبحانه يقول: { إن يشأ يذهبكم... }. ### || [4.133] # وبعض الفاقدين للبصيرة من الفلاسفة قالوا: صحيح أن الله قد خلقنا ولكنا ~~خرجنا من دائرة نفوذه. لا، بل سبحانه إن شاء لذهب ms2174 بكم جميعا وأتى ~~بآخرين، وما ذلك على الله بعزيز، وهو القائل: { وكان الله على ~~ذلك قديرا }. حين نقرأ " كان " بجانب كلمة " الله " فهي لا تحمل ~~معنى الزمن فالله قدير حتى قبل أن يوجد مقدور عليه، فلم يكن قديرا فقط ~~عندما خلق الإنسان، بل بصفة القدرة خلق الإنسان لأن الله سبحانه وتعالى ~~ليس أغيار لذلك يظل قديرا وموجودا في كل لحظة، وهو كان ولا يزال. ومن ~~بعد ذلك يقول الحق: { من كان يريد ثواب الدنيا فعند ~~الله ثواب الدنيا... }. ### || [4.134] # ومادام الرسل قد أبلغوا الإنسان أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة فلم ~~الغفلة؟ ولم لا تأخذ الزيادة؟، ولماذا نذهب إلى صفقة الدنيا فقط مادام ~~الحق يملك ثواب الدنيا من صحة ومال وكل شيء، وإن اجتهد الإنسان في ~~الأسباب يأخذ نتيجة أسبابه. فالحق يقول: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20] ولم يقل الحق: إن " الآخرة " في مقابلة للدنيا وأن من يأخذ ~~الدنيا لن يأخذ الآخرة أو العكس، بل يريد - سبحانه - للإنسان أن يأخذ ~~الدنيا والآخرة معا، فيا من تريد ثواب الدنيا لا تحرم نفسك بالحمق من ~~ثواب الآخرة. وكلمة " ثواب " فيها ملحظ فهناك أشياء تفعل لك وإن لم تطلب ~~منها أن تفعل، وتنتفع بعملها وإن لم تطلب من الأشياء أن تفعل. وهناك ~~أشياء أخرى تنفعل بحركتك، فإن تحركت وسعيت وعملت فيها تعطك. مثال ذلك ~~الأرض، فإن بذرت فيها تخرج الزرع، واختلافات الناس في الدنيا تقدما ~~وتأخرا وحضارة وبداوة وقوة وضعفا إنما تأتي من القسم الذي ينفعل ~~للإنسان، لا من القسم الذي يفعل للإنسان. ويسخر له، وتقدم بعض البشر ~~في الحضارة إنما جاء لأنهم بحثوا في المادة والعناصر، وأنجزوا إنجازات ~~علمية هائلة في المعامل، فإن أردت أن تكون متقدما فعليك أن تتعامل مع ~~العناصر التي تنفعل لك، والأمم كلها إنما تأخذ حضارتها من قسم ما ينفعل ~~لها، وهم والمتأخرون شركاء فقط فيما يفعل لهم ويسخر لصالحهم. ms2175 وإن ~~أردنا الارتقاء أكثر في التحضر.. فعلينا أن نذهب إلى ما يفعل ويسخر ~~لنا ونتعامل نعه حتى ينفعل لنا.. كيف؟. الشمس تمدنا بالضوء والحرارة، ~~ونستطيع أن نتعامل مع الشمس تعاملا آخر يجعلها تنفعل لنا، مثلما جئنا ~~بعدسة اسمها " العدسة اللامة " التي تستقبل أشعة الشمس وتتجمع الأشعة في ~~بؤرة العدسة فتحدث حرارة تشعل النار، أي أننا جعلنا ما يفعل لنا يتحول ~~إلى منفعل لنا أيضا. ويسمون ذلك الطموح الانبعاثي. والمطر يفعل للإنسان ~~عندما ينزل من السماء في وديان، ويستطيع الإنسان أن يحوله إلى منفعل ~~عندما يضع توربينات ضخمة في مسارات نزوله فينتج الكهرباء. إذن فحضارات ~~الأمم إنما تنشأ من مراحل. المرحلة الأولى: تستخدم ما ينفعل لها، ~~والمرحلة الثانية: ترتقي فتستخدم ما ينفعل معها. والمرحلة الثالثة: ~~تستخدم ما يفعل لها كمنفعل لها مثال ذلك استخدام الطاقة الشمسية بوساطة ~~أجهزة تجمع هذه الطاقة ارتقاء مع استخدام ما يفعل للإنسان لينفعل مع ~~الإنسان. وأسمى شيء في الحضارة الآن هو أشعة الليزر التي تصنع شبه ~~المعجزات في دنيا الطب. وكلمة " ليزر " مأخوذة كحروف من كلمات تؤدي معنى ~~تضخيم الطاقة بواسطة الانبعاث الاستحثائي، فكلمة " ليزر " - إذن - مثلها ~~كلمة " ليمتد " فاللام من كلمة. # والياء من كلمة، والتاء من كلمة، والدال من كلمة، وذلك لتدل على مسمى. ~~وترجمة مسمى " ليزر " هو تضخيم الطاقة عن طريق الانبعاث الاستحثائي. ~~ففيه انبعاث تلقائي هو مصدر الطاقة الذي يفعل للإنسان وإن لم يطلبه، أما ~~الانبعاث الاستحثائي فينتج عندما يحث الإنسان الطاقة لتفعل له شيئا آخر. ~~والانبعاث التلقائي متمثل في الشمس فتعطي ضوءا وحرارة. وعندما جلس ~~العلماء في المعامل وصمموا العدسة التي تنتج هذه الأشعة أهاجوها وأثاروها ~~وأخذوا ليصنعوا منها طاقة كبيرة. وهكذا أنتجوا أشعة الليزر التي هي تضخيم ~~للطاقة عن طريق الانبعاث الاستحثائي، ولأن العنوان طويل فقد أخذوا من كل ~~كلمة حرفا وكونوا كلمة " ليزر ". إذن فالارتقاءات الحضارية تأتي عن ~~طريق تعامل الإنسان مع القسم الذي ينفعل للإنسان، واستحثاث واستخدام ما ~~يفعل له بطريقته التلقائية لينفعل معه كأشعة الشمس مثلا. وجئنا بذكر ms2176 كل ~~ذلك من أجل أن نستوضح آفاق قول الحق: { من كان يريد ثواب ~~الدنيا }. وكلمة " ثواب " إذن توحي بأن هناك عملا، فالثواب جزاء على ~~عمل. فإن أردت ثواب الدنيا، فلا بد أن تعمل من أجل ذلك. فلا أحد يأخذ ~~ثواب الدنيا بدون عمل. ومن عظمة الحق ولطفه وفضله ورحمته أن جعل ثواب ~~الدنيا جائزة لمن يعمل، سواء آمن أم كفر، ولكنه خص المؤمنين بثواب باق في ~~الآخرة. ولذلك يقال: " الدنيا متاع ". ويزيد الحق على ذلك: { فعند ~~الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا ~~بصيرا }. ومن الحمق أن يوجد طريق يعطي الإنسان جزاءين ثم يقصر همته ~~على جزاء واحد. وهنا ملحظ آخر فحينما تكلم الحق عن ثواب الدنيا، دل على ~~أنه لا بد من العمل لنأخذ الدنيا، ولم يذكر الحق ثوابا للآخرة، بل جعل ~~سبحانه الثواب للاثنين.. الدنيا والآخرة، إذن فالذي يعمل للدنيا من ~~المؤمنين إنما يأخذ الآخرة أيضا لأن الآخرة هي دار جزاء، والدنيا هي ~~مطية وطريق وسبيل. فكأن كل عمل يفعله المسلم ويجعل الله في باله.. فالله ~~يعطيه ثوابا في الدنيا، ويعطيه ثوابا في الآخرة. ويذيل الحق الآية: { ~~وكان الله سميعا بصيرا } - إذن - فثواب الدنيا والآخرة لا ~~يتأتى إلا بالعمل، والعمل هو كل حدث يحدث من جوارح الإنسان، القول - ~~مثلا - حدث من اللسان، وهو عمل أيضا، والمقابل للقول هو الفعل. ~~فالأعمال تنقسم إلى قسمين: إلى الأقوال وإلى الأفعال. ولتوضيح هذا الأمر ~~نقرأ قول الحق: # كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحآضون على ~~طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلا لما # [الفجر: 17-19] وعندما سمع الأغنياء هذا القول عرفوا سلوكهم، ولما سمع ~~الفقراء هذا القول، كأنهم قالوا: نحن لا نملك ما نطعم به المسكين، فكان ~~في قوله تعالى: { ولا تحآضون على طعام المسكين } ما ~~يوضح لهم الطريق إلى العطاء: أي حضوا غيركم على العطاء. # أي أن الذي لا يملك يمكنه أن يكلم الغني ليعطي المسكين، والحض هو ~~كلام. والكلام نوع من العمل. والحق سبحانه وتعالى يستنفر المؤمنين ~~لينصروا دين الله فيقول: # ليس ms2177 على الضعفآء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور ~~رحيم # [التوبة: 91] هو سبحانه أعفى الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون ~~في القتال وأسقطه عنهم ولم يحاسبهم عليه، ولكن في الآية نفسها ما يحدد ~~المطلوب من هؤلاء، وهو أن ينصحوا لله ورسوله. إذن فغير القادر يمكنه أن ~~يتكلم بفعل الخير ويذكر به الآخرين وينصح به، هذا هو معنى قول الحق: { ~~وكان الله سميعا بصيرا } فسبحانه يسمع قول من لا يستطيع ولا ~~يملك القدرة على سلوك ما، وسبحانه بصير يرى صاحب كل سلوك. إذن فثواب ~~الدنيا يحتاج إلى عمل، والعمل هو انفعال كل جارحة بمطلوبها، فاللسان ~~جارحة تتكلم، واليد تعمل، وكل جوارح الإنسان تعمل، لكن ما عمل القلوب؟ ~~عمل القلوب لا يسمع ولا يرى، ولذلك قال الحق عن إخلاص القلب في حديث ~~قدسي: # " الإخلاص سر من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي " # وهكذا نعرف أن نية القلوب خاصة بالله مباشرة ولا تدخل في اختصاص رقيب ~~وعتيد وهما الملكان المختصان برقابة وكتابة سلوك وعمل الإنسان، ولذلك نجد ~~الحق يصف ذاته في مواقع كثيرة من القرآن بأنه لطيف خبير، لطيف بعلم ما ~~يدخل ويتغلغل في الأشياء، وخبير بكل شيء وقدير على كل شيء. ونجد الحديث ~~الشريف يقول لنا: # " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ~~ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". # فالعمل يكون بالجوارح، ومن الجوارح اللسان، وحتى نضبط هذه المسألة لنفرق ~~ما بين الفعل والعمل. نقرأ ونفهم هذه الآية: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2] ونجد المقابل للقول هو الفعل. والكل عمل. ويأتي نوع آخر من ~~الأعمال، لا هو قول ولا هو فعل، وهو " النية القلبية ". وعندما يقول ~~الحق: إنه كان سميعا بصيرا، فالمعنى سميع للقول، وبصير بالفعل. ويقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك: { يا ms2178 أيها الذين آمنوا... }. ### || [4.135] # وساعة ينادي الحق عباده المؤمنين قائلا: يا أيها الذين آمنوا، فكأنه ~~يقدم حيثية الحكم الذي يأتي بعده، ونحن نرى القضاء البشري قبل أن ينطق ~~بمنطوق الحكم، يورد حيثيته، فيقول: " بما أن المادة القانونية رقم كذا ~~تنص على كذا، حكمنا بكذا ". إذن: فالحيثيات تتقدم الحكم. وحيثيات الحكم ~~الذي يحكم به الله هي الإيمان به، مثل قول الحق: # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام # [البقرة: 183] حيثية الكتابة هنا وفي أي حكم آخر هي إيمان العبد بالله ~~ربا، فليسمع العبد من ربه. وسبحانه لا يكلف كل الناس بالتكاليف ~~الإيمانية، ولكنه يكلف المؤمنين فقط. وهو يقول: { يا أيها الذين ~~آمنوا كونوا قوامين بالقسط } فالمؤمن يدخل على الإيمان ~~بقمة القسط، فالقسط هو العدل، والعدل أن يعطي العادل كل ذي حق حقه. وحق ~~الإله الواحد أن يؤمن به الإنسان ويعترف أنه إله واحد. إن قمة القسط - ~~إذن - هي الإيمان. ومادام المؤمن قد بدأ إيمانه بقمة القسط وهو الإيمان، ~~فليجعل القسط سائدا في كل تصرفاته. وإياك أن تجعل القسط أمرا أو حدثا ~~يقع مرة وينتهي، وإلا لما قال الحق مع إخوانك المؤمنين: { يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط }. ولم يقل الحق لك ~~مع إخوانك المؤمنين: كونوا قائمين بالقسط، بل قال { كونوا قوامين ~~بالقسط } أي أن المطلوب هو الاستمرارية للسلوك العادل. فنحن نقول: " ~~فلان قائم " و " فلان قوام ". ونعرف أن كلمة " قوام " هي صيغة ~~مبالغة. وعلى ذلك يكون الأمر الألهي لكل مؤمن: لا تقم بالقسط مرة واحدة ~~فقط، بل اجعله خصلة لازمة فيك، ولتفعل القسط في كل أمور حياتك. والقسط ~~كما علمنا من قبل في ظاهر أمره هو العدل، وأيضا الأقساط هي العدل. وقد ~~أحدثت كلمة " القسط " ضجة عند العلماء، وقلنا تعليقا على ذلك: إن المسألة ~~بسيرة.. فقسط يقسط قسوطا أي جار وظلم، فإذا أذهب الإنسان الجور والظلم ~~يقال: " أقسط فلان " أي أذهب الجور. إذن: " القسط - بكسر القاف - هو ~~العدل الابتدائي، لكن الإقساط هو عدل أزال جورا كان قد وقع. وهب أن ~~أناسا ms2179 جاءوا لقاض فحكم بينهم بالعدل، فهذا هو القسط، وقد يستأنف أحد ~~الطرفين حكم المحكمة الابتدائية ووجدت محكمة الاستئناف خطأ في التطبيق ~~فأصدرت حكما بإزالة الجور، وهذا الحكم الذي من الدرجة الثانية اسمه ~~إقساط. وهكذا ينتهي جدل العلماء حول هذه المسألة، فالقسط عدل من أول ~~درجة، والإقساط يعني أنه كان هناك جور فرفع، لأنه مسبوق بهمزة اسمها " ~~همزة الإزالة " ، فيقال: أعجم الكتاب. أي أن الكتاب كان فيه عجمة، أي كان ~~بالكتاب شيء مستتر وخفي عليهم فأزال ما به من عجمة. # وتسمى قواميس اللغة " المعاجم " والواحد معجم أي يعطي معاني الألفاظ ~~فيزيل خفاءها. وكذلك معنى " أقسط " أي أزال الجور. والحق يقول: { يا ~~أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط } فأنت ~~أيها المؤمن قد فعلت بالعقل أول مرتبة في القسط ورددت الإيمان إلى الرب ~~فهو المستحق له وعليك إشاعة كل القسط في كل سلوكك. { كونوا ~~قوامين بالقسط شهدآء لله } ولا يكفي أن يكون المؤمن ~~قائما بالقسط فقط، بل لابد أن تكون الشهادة لله. لماذا؟. هب أن رجلا ~~كافرا بالله - والعياذ بالله - ويقيم العدل بين الناس لكنه لا يدخل بذلك ~~العدل في حيثية الإيمان، فالذي يدخل في حيثية الإيمان يكون قائما بالقسط ~~وفي باله الله وبذلك تكون الشهادة وإقامة حقوق الله لا لمنفعة ولا ~~لغاية ولا لهوى ولا لغرض، وإنما ليستقيم كون الله كما أراد الله، وإلا ~~لو حكم أحد بهوى لفسدت الأرض، والحق يقول: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ومن فيهن # [المؤمنون: 71] لذك لا بد أن يكون المؤمن قواما بالقسط وفي باله الله، ~~ولذلك فالقيام بالقسط وحده لا يكفي، ونحن نسمع: فلان عادل ولو أنه من ~~ديانة أخرى غير الإسلام أو كان ملحدا. ونقول: هذا العادل من أي دين أو ~~عقيدة غير الإسلام يأخذ ثناء البشر لكنه لا يأخذ ثناء الله ولا ثوابه، ~~ولذلك فالقوام بالقسط يجب أن يفعل بقصد امتثال أمر الله لينال الثواب من ~~الله. { كونوا قوامين بالقسط شهدآء لله ولو ~~على أنفسكم } والشاهد في العادة هو من يشهد لمصلحة ms2180 واحد ضد آخر، ~~وعندما يقر الشاهد بذنب فهو قد شهد على نفسه، والشاهد لمصلحة واحد إنما ~~يفعل ذلك ليرجح الحكم، والشاهد على نفسه يقر بما فعل، والإقرار سيد ~~الأدلة. وشهادة الشاهد تقدم للقاضي الدليل الذي يرتب عليه الحكم. وهكذا ~~يشهد المؤمن على نفسه. وهناك معنى آخر: أنه يشهد على نفسه ولو كانت ~~الشهادة تجر وبالا عليه، وهذه المعاني من معطيات الإشعاعات القرآنية ~~فالمؤمن يشهد على نفسه للإقرار، وقد لا تكون الشهادة على النفس بل قد ~~تكون الشهادة واجبة عليه يؤديها لمصلحة غيره ولا يخاف فيها الشاهد من ~~السلطان حتى وإن جار السلطان على المؤمن وأصابه بوبال في نفسه أو ماله، ~~ومن الناس من أصابه وبال في نفسه أو أهله من السلطان لمجرد كلمة حق قيلت. ~~فالسلطان قد لا يأخذ الإنسان بذنبه، بل قد يأخذ أهل الإنسان بهذا الذنب. ~~والحق يوضح للعبد: لا تهتم بذلك ولا تقولن سيعذبون العيال أو سيأخذون كل ~~شيء، إنني أنا الموجود المتكفل بعبادي. ويطلب الحق من المؤمنين: { ~~كونوا قوامين بالقسط شهدآء لله ولو على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين }. # وحين يشهد الإنسان على نفسه فلن يكون أبوه أو أمه أو أحد أقاربه أعز ~~منه. ثم يدخل بنا الحق إلى أن استحثاثات مخالفة العدالة تدخل فيها ~~الأهواء، وحين يرجح إنسان الباطل غير الواقع على حق واقع، فالمرجح هو هوى ~~النفس، ومنشأ الهوى أن يكون المشهود عليه غنيا فيخاف الإنسان أن يشهد ~~عليه، فيمنعه من خير ما. ولذلك حدد الحق قوامة المؤمنين بالقسط والشهادة ~~لله ولو على النفس أو الأب أو الأم أو الأقارب، ولا يصح أن يضع أحد من ~~المؤمنين ثراء أو فقر المشهود له أو عليه في البال، بل يجب أن يكون البال ~~مع الله فقط لذلك قال: { إن يكن غنيا أو فقيرا فالله ~~أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا }. وقد ~~يقول قائل: إن الهوى قد ينحاز إلى الغني طمعا في ثرائه فلماذا يذكر ~~الله الفقير أيضا؟ ونقول: قد ينحاز الهوى إلى الفقير رحمة بالفقير ~~فيحدث ms2181 الشاهد نفسه " أنه فقير ويستحق الرحمة " لذلك يحذرنا الحق من ~~الانحياز إلى الغني أو إلى الفقير. ولا دخل للشهادة بثراء الثري أو بفقر ~~الفقير لأن العبد المؤمن ليس أولى او أحق برعاية مصالح الناس من خالقهم - ~~جل شأنه - ولذلك جاء بالحيثية الملجمة { فالله أولى بهما ~~فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } أي أنك أيها العبد لم ~~تخلق أحدا منهما ولكن الله خالق الاثنين وهو أولى بهما فليس لك أن تقيم ~~شهادتك على الثراء أو على الفقر لأنك لست القيم على الوجود. والذي يفسد ~~ويشوش على العدل هو الهوى، والمثل العربي يقول: " آفة الرأي الهوى ". ~~وإياكم أيها المؤمنون واتباع الهوى حتى لا تفسد قدرتكم على العدل وتجنحوا ~~بعيدا عنه. والتاريخ العربي يحتفظ لنا في ذاكرته حكاية رجل فاضل ذهب إلى ~~الخليفة وقال له: أعفني من القضاء! فقال الخليفة: فمن يكون للقضاء إذن ~~وأنت العادل الذي شهد له كل الناس بذلك؟ فقال القاضي: والله يا أمير ~~المؤمنين لقد عرف الناس عني أني أحب الرطب - أي البلح - وبينما أنا في ~~بيتي وإذا بالخادم قد دخل ومعه طبق من رطب وكنا في بواكير الرطب، ومن ~~الطبيعي أن تكون النفس في لهفة عليه مادامت تحبه، ويتابع القاضي حكايته ~~للخليفة: فقلت للخدام من جاء به؟ فأجاب الخادم: إنه واحد صفته كذا وكذا ~~فتذكرت أن من أرسل الرطب هو واحد من المتقاضين أمامي، فرددت عليه الرطب، ~~ولما كان يوم الفصل في قضية صاحب الرطب، دخل الرجل علي فعرفته فوالله يا ~~أمير المؤمنين ما استويا في نظري هو وخصمه على الرغم من أني رددت الطبق. ~~وهكذا استقال القاضي العربي المسلم من منصب القضاء. ويتابع الحق سبحانه: ~~{ وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا }. # أن تلووا في الشهادة واللي هو التحريف.. أي تحرفوا الشهادة وتغيروها، ~~فإن الله بما تعملون خبير، أو أن يعرض الشخص عن أداء الشهادة لأنه ~~يخاف من المشهود عليه لذلك يقال: إنه خائف من المشهود عليه لأن الشهادة ~~ترجح حكم المشهود له لهذا فهو ms2182 يعرض عن الشهادة، وإن جاء للشهادة فهو يلف ~~الكلمات ويلوي لسانه بها لذلك يقول الحق: { وإن تلووا أو ~~تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا }. إذن ~~فالذي يفسد العدل هو الهوى، والهوى عمل القلب لذلك نحتاج إلى خبرة الخبير ~~اللطيف. فعلينا أن نعلم أن النيات عمل القلوب، وبذلك صار العمل ينقسم ~~الآن أمامنا إلى ثلاثة أقسام: قول لسان، وفعل بجوارح غير اللسان، ونيات ~~قلوب وهوى. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: { يا أيها الذين ~~آمنوا... }. ### || [4.136] # وقد يقول إنسان ما: كيف يقول الحق في صدر هذه الآية مناديا المؤمنين ~~بالإيمان فقال: أمنوا، وبعد ذلك يطالبهم بأن يؤمنوا؟ ونقول: نرى في بعض ~~الأحيان رجلا يجري كلمة الإيمان على لسانه ويعلم الله أن قلبه غير مصدق ~~لما يقول، فتكون كلمة الإيمان هي حق صحيح، ولكن بالنسبة لمطابقتها لقلبه ~~ليست حقا. وتعرضنا من قبل لقول الحق: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1] لقد شهد المنافقون أن رسول الله مرسل من عند الله، هذه ~~قضية صدق، لكن الله العليم بما في القلوب يكشف أمرهم إلى الرسول فيقول: # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1] لقد وافقت شهادتهم بألسنتهم ما علمه الله. لكن القول ~~منهم يخالف ما في قلوبهم، فشهد الحق إنهم لكاذبون. ويعلم سبحانه كذبهم في ~~شهادتهم لأن المنافق منهم لم يشهد صحيح الشهادة لأن الشهادة الحقة هي أن ~~يواطئ اللسان القلب. وبعض من الأغبياء الذين يحاولون الاستدراك على ~~القرآن قد عميت بصيرتهم عن الإحساس باللغة والفهم لأسرارها لذلك يتخبطون ~~في الفهم. فهم لا يعرفون صفاء التلقي عن الله. وقالوا: إن بالقرآن ~~تضاربا، ولم يعرفوا أن كذب المنافقين لم يكن في مقولة: إن محمدا رسول ~~الله، ولكن في شهادتهم بذلك، وكذبهم الله في قولهم: " نشهد " فقط، فقد ~~أعلنوا الإيمان بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم. وإن أردنا أن نفهم أن الخطاب ~~للمؤمنين عامة، بأن يؤمنوا، فهذا طلب للارتقاء بمزيد من الإيمان، ولنا في ~~قول الحق ms2183 المثل الواضح في حديثه للنبي قال الحق: # يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين إن الله كان عليما حكيما # [الأحزاب: 1] الحق هنا يقول للمتقي الأول محمد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " اتق الله " ، أي يأمره بالقيام دائما على التقوى. إذن فمعنى قول ~~الحق: { يا أيها الذين آمنوا آمنوا } أن الحق يخاطبكم ~~بلفظ الإيمان. ويريد أن يتصل إيمانكم بعد كلامه الحق مع إيمانكم قبل ~~كلامه، فلا ينقطع ولا ينفصم خيط الإيمان أبدا. بل لا بد من المداومة على ~~الإيمان، وألا يترك مؤمن هذا الشرف. فإن رأى واحد منكم منادى بوصف طلب ~~منه الوصف بعده فليعلم أن المراد هو المداومة. ونعلم أن الحق هنا يخاطب ~~مؤمنين ومنافقين وأهل كتاب لذلك فلا بد أن تشملهم الآية: { يا أيها ~~الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله } لأن الإنسان إن آمن ~~بالله فقط، فهذا يقتضي أن يبحث المؤمن بالله عن مطلوب الله، ومطلوب الله ~~إنما جاء به رسول لذلك فالإيمان بالله يقتضي أن يؤمن الإنسان برسول، لأن ~~قصارى ما يعطيك العقل أيها الإنسان أن تؤمن بأن وراء الكون إلها خلقه ~~ويدبره. # ولكن ما اسم هذا الإله؟ لا يعرف الإنسان ذلك إلا عن طريق الرسول. إن هذه ~~أمور لا تعرف بالعقل ولكن لا بد من الإخبار بها، وكذلك مطلوبات الله، ~~وكذلك جزاء المؤمنين على حسن إيمانهم، ولذلك لا بد من مجيء رسول للبلاغ. ~~إذن فلا بد مع الإيمان بالله أن تؤمن بالرسول. ومادمت أيها المؤمن قد ~~آمنت برسوله فلا بد أن تؤمن بالكتب التي جاءت على لسان الرسول. وهذه ~~الكتب تقول لك: إن هناك خلقا لله لا تراهم وهم الملائكة، والملك يأتي ~~بالوحي وينزل به على الرسول، على الرغم من أنك لم تر الملك فأنت تؤمن ~~بوجوده. إذن فالقمة الإيمانية هي أن تؤمن بالله، ولازمها أن تؤمن برسول ~~الله، وأن تؤمن بكتاب مع الرسول، وأن تؤمن بما يقوله الله عن خلق لا ~~تستطيع أن تدركهم كالملائكة. وهذا الأمر بالإيمان هو مطلوب من أهل الكتاب ~~لأنهم آمنوا ms2184 برسلهم، ويطلب منهم أن يؤمنوا برسول الله وبما أنزل عليه. ~~ويترك الحق سبحانه وتعالى لخلقه أن يكتشفوا وجودا لكائنات لم تكن معلومة ~~لأنهم حدثوا بأن في الكون كائنات أبلغنا الله بوجودها ولا ندركها وهم ~~الملائكة. - إذن - فالدليل عندهم يحثهم ويدفعهم إلى الكشف والبحث. ~~والمثال على ذلك الميكروب الذي لم تعرفه البشرية إلا في القرن السابع عشر ~~الميلادي، وكان الميكروب موجودا من البداية، لكننا لم نكن ندركه، وبعد ~~أن توصلت البشرية إلى صناعة المجاهر أدركناه وعرفنا خصائصه وفصائله ~~وأنواعه، ومازالت الاكتشافات تسعى إلى معرفة الجديد فيه، هو جديد بالنسبة ~~لنا، لكنه قديم في وجوده. ومعنى ذلك أن الله يوضح لنا: إذا حدثت أيها ~~الإنسان من صادق على أن في الكون خلقا لا تدركه أنت الآن فعليك بالتصديق ~~فقبل اكتشاف الميكروب لو حدث الناس أحد بوجود الميكروب في أثناء ظلام ~~العصور الوسطى لما صدقوا ذلك، على الرغم من أن الميكروب مادة من مادة ~~الإنسان نفسها لكنه صغير الحجم بحيث لا توجد آلة إدراك تدركه. وعندما ~~اخترعنا واكتشفنا الأشياء التي تضاعف صورة الشيء مئات المرات استطعنا ~~رؤيته، فعدم رؤية الشيء لا يعني أنه غير موجود. فإذا ما حدثنا الله عن ~~خلق الملائكة والجن والشيطان الذي يجري في الإنسان مجرى الدم، فهنا يجب ~~أن يصدق ويؤمن الكافر والملحد بذلك، لأنه يصدق أن الميكروب يدخل الجسم ~~دون أن يشعر الإنسان، وبعد ذلك يتفاعل مع الدم ثم تظهر أعراض المرض من ~~بعد ذلك، وقد علم ذلك بعد أن تهيأت أسباب الرؤية والعلم. فإذا كان الله ~~قد خلق أجناسا من غير جنس مادة الإنسان فلنصدق الحق: { يا أيها ~~الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي ~~نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل } ~~[النساء: 136] والمعروف أن الكتاب هو القرآن وهو علم عليه، أما الكتاب ~~الذي أنزل من قبل فلنعرف أن المراد به هو جنس الكتاب. # . أي كل الكتب التي نزلت على الرسل السابقين على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ولذلك يقال على " ال " السابقة لكلمة الكتاب ms2185 الثانية: " هي " ~~" ال " الجنسية. والجنس كما نعلم - تحته أفراد كثيرة بدليل أن الحق ~~سبحانه وتعالى يأتي بالمفرد ويدخل عليه الألف واللام ويستثنى منه جماعة، ~~مثال ذلك: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات # [العصر: 1-3] نجد " الإنسان " هنا مفرد، ودخلت عليه " ال " ، واستثنى ~~من الإنسان جماعة هم الذين آمنوا، وهذا دليل على أن " الإنسان " أكثر من ~~جماعة. ولذلك يقولون: إن الاستثناء معيار العموم.. أي أن اللفظ الذي ~~استثنينا وأخذنا وأخرجنا منه لفظ عام. ويطالبنا الحق بالإيمان بالكتاب أي ~~القرآن فإذا أطلقت كلمة " الكتاب " انصرفت إلى القرآن لأن " ال " هنا ~~للغلبة، مثال ذلك: يقال: " هو الرجل " ، وهذا يعني أنه رجل متفرد بمزايا ~~الرجولة وشهامتها وقوتها، فإذا أطلقنا الكتاب فهي تعني القرآن لأن كلمة ~~الكتاب غلب إطلاقها على القرآن فلا تنصرف إلا إليه، أو أنه هو الكتاب ~~الكامل الذي لا نسخ ولا تبديل له، ف " ال " هنا للكمال أما الكتاب الذي ~~أنزل من قبل فهو يشمل التوراة والإنجيل وسائر الكتب، والصحف المنزلة على ~~الأنبياء السابقين. { ومن يكفر بالله وملآئكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا ~~بعيدا } أي إن آمن بالله وكفر ببقية ما ذكر في الآية فهو كافر أيضا. ~~وكان بعض اليهود كعبدالله بن سلام، وسلام بن أخته، وسلمة بن أخيه، وأسد ~~وأسيد ابني كعب، وثعلبة بن قيس، ويامين بن يامين قد ذهبوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا: # " نحن نؤمن بك وبكتابك وموسى والتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب ~~والرسل، فقال عليه الصلاة والسلام: " بل آمنوا بالله ورسوله محمد وكتابه ~~القرآن وبكل كتاب كان قبله " فقالوا: لا نفعل ". # فنزلت فآمنوا كلهم. والخطاب والنداء يشمل أيضا المنافقين. أي يأيها ~~الذين آمنوا في الظاهر نفاقا، أخلصوا لله واجعلوا قلوبكم مطابقة ~~لألسنتكم، فالنداء - إذن - يشمل المؤمنين ليستديموا ويستمروا على ~~إيمانهم، ويضم الكافرين من أهل الكتاب ليؤمنوا بكل رسول وبكل كتاب، وهو ~~أيضا للمنافقين ليخلصوا في إيمانهم حتى تطابق وتوافق قلوبهم ألسنتهم. إذن ~~فمن يكفر بأي شيء ذكره ms2186 الله في هذه الآية فقد كفر بالله. { ومن ~~يكفر بالله وملآئكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا } و " ضل " أي سار على غير هدى، ~~فعندما يتوه الإنسان عن هدفه المقصود يقال: ضل الطريق، والذي " ضل ~~ضلالا بعيدا " هو من يذهب إلى متاهة بعيدة، والمقصود بها متاهة ~~الكفر. وهناك ضلال عن الهدى يمكن استدراكه، أما الضلال البعيد والغرق في ~~متاهة الكفر فمن الصعب استدراكه، والضلال متحدون في نقطة البداية، ~~لكنهم فريقان يختلفان، فأحدهما يسير في طريق الإيمان وهو منتبه دائما ~~إلى غايته وهي رضاء الله بتطبيق مطلوباته، ويحذر أن يخالف عن أمره، ~~والآخر انحرف من البداية فوصل إلى متاهة الكفر. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~إن الذين آمنوا... }. ### || [4.137] # وهؤلاء هم المنافقون الذين أعلنوا الإيمان وأبطنوا الكفر وقال الله ~~عنهم: # وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي ~~أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا ~~آخره لعلهم يرجعون # [آل عمران: 72] إذن، هم حولوا الإيمان من عقيدة إلى مجرد كلمة تقال، ~~وكانوا في غاية الحرص على تأدية مطلوبات الإسلام بالأعمال الظاهرية حتى ~~يدفعوا عن إسلامهم الريبة. أما قلوبهم فهي مع الكفر لذلك أرادوا أن ~~يلبسوا في المنطق ويدلسوا فيه. # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات: 14] ويفضحهم الحق أمام أنفسهم. وبالله عندما يعرفون أنهم مجرد ~~مسلمين باللسان ولكن قلوبهم لم تؤمن ويخبرهم الرسول بذلك ويقول لهم ~~بلاغا عن الله: { قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم }. وكانوا ~~أسبق الناس إلى صفوف الصلاة، وعندما فضحهم الرسول وأوضح لهم: أنتم لو ~~تؤمنوا ولكنكم أسلمتم فقط. هنا عرفوا أن محمدا قد عرف خبايا قلوبهم ~~بلاغا عن الله. ولو قالوا: إن محمدا هو الذي عرف هذه الخبايا لما اقتصر ~~اعترافهم به كرسول، بل ربما تمادوا في الغي وأرادوا أن يجعلوه ~~إلها. ولكن رسول الله يحسم الأمر: ويبين لهم أن الله هو الذي أبلغني، ~~بدليل أنه أمر أن يقول لهم: { قل لم تؤمنوا }. ورسول الله ms2187 صلى ~~الله عليه وسلم يقر بأن هذا الأمر ليس فيه شيء من عنده بل هو مأمور ~~بالبلاغ عن الله ربه. وفي عصرنا قال برناردشو: إن الذين يكذبون أن ~~محمدا رسول من عند الله يريدون أن يجعلوه إلها، فمن أين أتى بهذه ~~الأشياء التي لم تكن معلومة في عصره؟.. إن الناس جميعا مطالبون بالتصديق ~~بمحمد رسولا من عند الله لأنه قال عن أشياء لا يمكن أن يقولها واحد من ~~البشر. والرسول صلى الله عليه وسلم بذاته يوضح بحسم هذا الكلام ويبين أن ~~هذا ليس من عندي، لكنه من عند الله. { قالت الأعراب آمنا قل ~~لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم }. وهذا كشف محرج ومنطقي لما في قلوبهم لهذا ~~قال السامعون للآية: الحمد لله أن هناك أملا في أن يدخل الإيمان قلوبنا. ~~وقد دخل الإيمان في قلوبهم بالفعل لأن كلمة لما تفيد نفي الإيمان عنهم ~~في الزمن الماضي ولكنها تفيد أيضا توقع وحصول الإيمان منهم وقد حصل. { ~~إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم ~~كفروا ثم ازدادوا كفرا } أي ماتوا على الكفر، أو آمنوا ~~بموسى، ثم كفروا بعيسى، وجاء أناس آخرون آمنوا بعيسى، وازدادوا كفرا ~~بعدم الإيمان بمحمد، فليس من بعد محمد صلى الله عليه وسلم استدراك. ~~ويخبرنا سبحانه بمصيرهم: { لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم سبيلا } لأنهم دخلوا في الإيمان مرة ثم خرجوا من ~~الإيمان. # ومعنى سلوكهم أنهم قصدوا الفتنة لأن الآخرين سيشاهدونهم وقد آمنوا، ~~وسيشاهدونهم وهم يكفرون، وسيعللون ذلك بأنهم عندما تعمقوا في المسائل ~~العقدية كفروا وهم يفعلون ذلك ليهونوا من شأن الإسلام، ولذلك يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: # وقالت طآئفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي ~~أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا ~~آخره لعلهم يرجعون # [آل عمران: 72] هم إذن يقصدون الفتنة بإظهار الإيمان ثم إعلانهم الكفر ~~وفي ذلك تشكيك للمسلمين، ويكون مصير من تردد بين الإيمان والكفر، ~~وكان عاقبة أمرهم أنهم ازدادوا كفرا يكون مصيرهم ما جاء في قوله: { لم ~~يكن الله ليغفر لهم ms2188 ولا ليهديهم سبيلا } فهم ~~قد دخلوا في الخيانة العظمى الإيمانية التي يحكمها قوله الحق: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48] ويقول الحق عنهم هنا: { لم يكن الله ليغفر ~~لهم ولا ليهديهم سبيلا }. والهداية - كما نعلم - ترد ~~بمعان متعددة.. فقد يكون المقصود منها الدلالة، فإن شئت تدخل الإيمان ~~وإن شئت لا، ولا شأن لأحد بك. والمعنى الثاني هو المعونة، أي يقدم لك ~~الله ما يهديك بالفعل. وعندما تعرض القرآن لهذه المسألة قال: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا ~~يكسبون # [فصلت: 17] فسبحانه هنا قد دلهم على الهداية، ولم يقدم لهم الهداية ~~الفعلية لأنهم استحبوا العمى على الهدى، فكأن الله قد دل على المنهج الذي ~~يوصل الخير والبر لكل الناس، فمن أقبل بإيمان فالحق يمده بهداية المعونة ~~ويعاونه على ازدياد الهدى، مصداقا لقوله: # إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى # [الكهف: 13] ولا نريد لهذا المثل أن يغيب عن الأذهان لذلك أؤكده دائما: ~~شرطي المرور الواقف في بداية الطريق الصحراوي. يسأله سائل: ذاهب إلى ~~الاسكندرية عن الطريق فيدله على الطريق الموصل للإسكندرية، هنا قام ~~الشرطي بالدلالة، ثم شكر الرجل الشرطي وحمد الله على حسن شرح الشرطي ~~ويحس ويشعر رجل المرور بالسعادة، ويحذر الرجل المسافر من عقبات الطريق، ~~ويركب معه ليشير له على تلك العقبات حتى يتفاداها. أي أنه من بعد الدلالة ~~قد حدثت المعونة. كذلك الحق يدل الناس على الإيمان وعلى المنهج، فالذي ~~يؤمن به يساعده ويخفف عليه الطاعة، قال الحق سبحانه في شأن الصلاة: # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # [البقرة: 45] إذن نحن نجد الهداية على مرحلتين: هداية الدلالة، وهداية ~~المعونة. ويريد الحق لقضية الإيمان أن تكون قضية ثابتة متأصلة بحيث لا ~~تطفو إلى العقل لتناقش من جديد. فمبدأ الإيمان لا يتغير في مواكب ~~الرسالات من سيدنا آدم إلى أن ختمها بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وقال سبحانه: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ~~والكتاب الذي نزل على ms2189 رسوله والكتاب الذي ~~أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملآئكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا # [النساء: 136] إذن سبحانه يريد من المؤمن أن يؤمن بالقمة العليا، وهي ~~الإيمان بالله واجب الوجود الأعلى، وأن يؤمن بالبلاغ عنه كتابا، وأن ~~يؤمن بالبلاغ عنه رسالة على لسان أي رسول. والذين يؤمنون مرة برسول ثم ~~يكفرون برسول آخر، أو الذين يؤمنون برسول ثم يكفرون بنسبة الصاحبة أو ~~الولد لله ثم يزدادون كفرا بالخاتم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليس لهم مجال مع الهداية إلى الله لأن الإسلام جاء بالنهاية الخاتمة وليس ~~للسماء من بعد ذلك استدراك، وليس لأحد من بعد ذلك استدراك، ولذلك قال في ~~أول الآية: { آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ~~}. وقال في آخر الآية: { ثم ازدادوا كفرا } أي أنهم لم يؤمنوا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وليس هناك مجال أن ينتظروا رسولا آخر لينسخوا ~~كفرهم بمحمد ويؤمنوا بالرسول الجديد. ويوضح سبحانه: لم يكن الله ليهديهم ~~لأنهم هم الذين صرفوا أنفسهم عنه، فالله لا يمنع الهداية عمن قدم يده ~~ومدها إليه، بل يعاونه في هدايته، أما من ينفض يده من يد الله فلا ~~يبايعه على الإيمان فالله غني عنه، ومادام الله غنيا عنه فسيظل في ضلاله ~~لأن الهداية لا تكون إلا من الله. ولم يكن الله ليهديهم سبيلا إلى هداية ~~أخرى ولا هادي إلا هو. ولم يكن الله ليهديهم سبيلا إلى الجنة لأنهم لم ~~يقدموا الأسباب التي تؤهلهم للدخول إلى الجنة. ولذلك يشرحها الله في آية ~~أخرى: # لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا * ~~إلا طريق جهنم خالدين فيهآ أبدا # [النساء: 168-169] وهكذا نجد طريق جهنم معبدا مذللا بالنسبة لهم. ~~وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { بشر المنافقين... }. ### || [4.138] # سمة التردد والتذبذب بين الإيمان والكفر لا تأتي من أصيل في الإيمان، بل ~~تأتي من متلون في الإيمان، تبدو له أسباب فيؤمن، وبعد هذا تبدو له أغيار ~~فيكفر. وذلك شأن المنافقين المذبذبين بين هؤلاء وهؤلاء. فيقول الحق: { ~~بشر ms2190 المنافقين بأن لهم عذابا أليما }. ونحن نعلم ~~أن المنافق هو الذي جمع بين أمرين: إعلان إسلام، وإبطان كفر. والنفاق ~~مأخوذ من نافقاء اليربوع، وهي إحدى جحوره التي يستتر ويختفي فيها، ~~واليربوع حيوان صحراوي يخادع من يريد به شرا فيفتح لنفسه بابين يدخل ~~أمام الرجل من باب ثم يخرج من باب آخر. فإن انتظره الرجل على باب ~~فاليربوع يخرج من الآخر. { بشر المنافقين } والبشارة هي ~~الإخبار بشيء يسر سيأتي زمنه بعد. وهل المنافقون يبشرون؟ لا. إن البشارة ~~تكون بخير لذلك نتوقع أن ينذر المنافقون ولا يبشرون، ولكن لله في أساليبه ~~البلاغية تعبيرات لتصعيد العذاب. فلو قال: أنذرهم بعذاب أليم، لكان ~~الكلام محتملا، فهم - كمنافقين - مستعدون لسماع الشر. ولكن الحق يقول: { ~~بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما } وذلك هو ~~التهكم والاستهزاء والسخرية، وهي من معينات البليغ على أداء مهمته ~~البلاغية. ونسمع المفارقات أحيانا لتعطينا صورة أصدق من الحقيقة. فإذا ~~جئت إلى بخيل مثلا، وقلت له: مرحبا بك يا حاتم. ماذا يكون موقف من يحضر ~~هذا اللقاء؟ أنت تنقله من واقع البخيل إلى تصور حاتم الطائي أصل الكرم. ~~وبذلك نقلت البخيل نقلتين: نقلة من وضعه كبخيل ثم السخرية منه لأن قولك ~~لبخيل ما: يا حاتم هو تقريع وتهكم وسخرية واستهزاء، لأنك نقلته من وصف ~~خسيس وحقير إلى وصف مقابل هو سام ورفيع وعظيم تحقيرا له واستهزاء به، ~~ومن المقارنة يبدو الفارق الكبير. وإذا ما جئت مثلا لرجل طويل جدا، ~~وقلت: مرحبا بك يا قزم. هذه هي المفارقة، كما تقول لقصير: مرحبا يا مارد. ~~أو إذا جئت لطويل لتصافحه، فيجلس على الأرض ليسلم عليك.. هذه أيضا ~~مفارقة. وإن جئت لرجل قصير لتصافحه فتجلس على الأرض لتسلم عليه فهذه هي ~~السخرية والتهكم. وهذه المفارقات إنما تأتي للأداء البلاغي للمعنى الذي ~~يريده المتكلم، فقول الحق: { بشر المنافقين } معناه: أنكم أيها ~~المنافقون قد صنعتم لأنفسكم بالنفاق ما كنتم تحبون، وكأنكم نافقتم لأنكم ~~تحبون العذاب. ومادمتم قد نافقتم لأنكم تحبون العذاب، فأنا أبشركم بأنكم ~~ستتعذبون. والذي ينافق ألا ms2191 يريد من ذلك غاية؟ لذلك يصور له الحق أن غايته ~~هي العذاب، فقال الحق: { بشر المنافقين بأن لهم ~~عذابا أليما }. إنك حين تريد تصعيد أمر ما، فأنت تنقل مخاطبك من ~~شيء إلى الشيء المقابل وهو النقيض، مثال ذلك: إنسان عطشان لأنه محجوز أو ~~مسجون وأراد أن يشرب شربة ماء، من الممكن أن يقول له الحارس: لا. # ويجعله ييأس من أن يأتي له بكوب ماء، أما إذا أراد الحارس تصعيد العذاب ~~له فهو يذهب ويأتي بكوب ماء ويقربه منه، فإذا مد السجين يده ليأخذ كوب ~~الماء فيسكب الحارس كوب الماء على الأرض هذا هو تصعيد العذاب. وحين يقال: ~~" بشر " فالمستمع يفهم أن هناك شيئا يسر، فإذا قال الحق: { بأن ~~لهم عذابا أليما } فمعنى ذلك أن الغم يأتي مركبا. فقد بسط الحق ~~أنفسهم بالبشارة أولا، ثم أنهاها بالنذارة. وعلى سبيل المثال - ولله ~~المثل الأعلى - يقول الأب لابنه: استذكر يا بني حتى لا ترسب، لكن الابن ~~يستمر في اللعب ثم يقول الأب: يا بني لقد اقترب الامتحان ولا بد أن ~~تذاكر. ولا يأبه الابن لكلام الأب، ثم يأتي الامتحان ويذهب الأب يوم ~~اعلان النتيجة، فيكون الابن راسبا فيقول الأب لابنه: أهنئك لقد رسبت في ~~الامتحان! فقوله أهنئك تبسط نفس الابن لأنه يتوقع سماع خبر سار، ويسمع ~~بعدها لقد رسبت تعطيه الشعور بالقبض. والحق سبحانه وتعالى يبلغ رسوله: { ~~بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما } " بشر " لها ~~علاقة بالمدلول الاشتقاقي لأن الانفعالات يظهر أثرها على بشرة وجهه فإن ~~كان الانفعال حزنا فالوجه يظهر عليه الحزن بالانقباض، وإن كان الانفعال ~~سرورا فالوجه يظهر عليه السرور بالانبساط. وتعكس البشرة انفعالات النفس ~~البشرية من سرور وبشاشة وإشراق أو عبوس وتجهم، فالبشارة تصلح للإخبار ~~بخبر يسر، أو بخبر يحزن ويسيء، ولكنها غلبت على الخبر السار، وخصت ~~النذارة بالخبر الذي يحزن وتنقبض النفس له. { بشر المنافقين ~~بأن لهم عذابا أليما }. والبشارة - كما قلنا - توحي بأن ~~هناك خبرا سارا، فيأتي الخبر غير سار. وكما يقول الحق في آية أخرى يصور ~~بها ms2192 عذاب الكافرين يوم القيامة وكيف أنه يصعد العذاب معهم: # وإن يستغيثوا يغاثوا # [الكهف: 29] ساعة نسمع { وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء } ~~نفهم أن بردا يأتي لهم أو رحمة تهب عليهم، ولكن الإغاثة التي تأتي لهم ~~هي: # كالمهل # [الكهف: 29] ويتساءل السامع أو القارئ: هل هذه إغاثة أو تعذيب؟ وهذا ~~تصوير لتصعيد العذاب فالماء الذي يعطى لهم كالمهل يصعد الألم في ~~نفوسهم. والعذاب - كما نعلم - يأخذ قوته من المعذب، فإن كان المعذب ~~ذا قوة محدودة، كان العذاب محدودا. وإن كان المعذب غير محدود القوة ~~فالعذاب غير محدود، فإذا ما نسب العذاب إلى قوة القوى وهو الله فكيف ~~يكون؟ والعذاب يوصف مرة بأنه أليم، ومرة بأنه مهين، ومرة بأنه عظيم، هذه ~~الأوصاف كلها تتجمع ولكل وصف منها جهة فالألم هو إحساس النفس بما يتعبها، ~~والعذاب العظيم هو العذاب الذي يبلغ القمة، وقد يبلغ العذاب القمة ولكن ~~المعذب يتجلد، وعذاب الحق يفوق قدرة متلقي العذاب فلا يقدر أن يكتم ~~الألم لأن درجة تحمل أي إنسان مهما تجلد لا تستطيع أن تدفع الألم، ومع ~~العذاب العظيم، نجده أليما أيضا، فيكون العذاب الأليم العظيم مؤلما ~~للمادة، لكن النفس قد تكون متجلدة متأبية، ثم تنهار، حينئذ يكون العذاب ~~مهينا. ولأن المنافقين والكفار غارقون في المادية آثر الله وصف العذاب ~~بأنه أليم لأن الإيلام يكون للمادة، ثم يذكر الحق سبحانه وتعالى بعض ~~الأوصاف للمنافقين فيقول: { الذين يتخذون الكافرين... }. ### || [4.139] # وأول مظهر من مظاهر النفاق أن يتخذ المنافق الكافر وليا له يقرب منه ~~ويوده، ويستمد منه النصرة والمعونة، والمؤانسة والمجالسة، ويترك ~~المؤمنين. وعرفنا أن كل فعل من الأفعال البشرية لا بد أن يحدث لغاية ~~تطلب منه، ولا يتجرد الفعل عن الغاية إلا في المجنون الذي يفعل ~~الأفعال بدون أي غاية، لكن العاقل يفعل الفعل لغاية، ولهدف يرجوه. ~~والمنافقون يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين لأي غاية ولأي هدف؟ ~~ويكشف الحق هذه المسألة فيوضح: أنهم يبتغون العزة من الكافرين، ولذلك ~~اتخذوهم أولياء من دون المؤمنين. ويلفتهم - جل شأنه - إلى جهلهم لأنهم ~~أخذوا ms2193 طريقا يوصلهم إلى ما هو ضد الغاية. فماداموا يبتغون العزة ~~فليعرفوا أولا: ما العزة؟. العزة مأخوذة من معنى مادي وهو الصلابة ~~والشدة. فالأرض العزاز أي الصلبة التي لا ينال منها المعول، ثم نقلت ~~إلى كل شديد، فكل شيء شديد فيه عزة. والمراد بها هنا: الغلبة والنصر، ~~وكل هذه المعاني تتضمنها العزة. فإذا قيل: الله عزيز.. أي أنه سبحانه ~~وتعالى غالب على أمره شديد لا يمكن أن يقدر على محاله أو مكره أو قوته ~~أو عقابه أحد. وإذا قيل: فلان عزيز أي لا يغلب، وإذا قيل: هذا الشيء ~~عزيز أي نادر، ومادام الشيء نادرا فهو نفيس، والمعادن النفيسة كلها أخذت ~~حظها من ندرتها وقلتها. وما دمتم أيها المنافقون تطلبون العزة، ألا ~~تطلبونها ممن عنده؟. أتطلبونها من نظائركم؟. وعندما تطلبون العزة فذلك ~~لأنكم لا تملكون عزة ذاتية، فلو كانت عندكم عزة ذاتية لما طلبتم العزة من ~~عند الكافرين. وهذا دليل على فقدانهم العزة لأنهم طلبوها من مساو لهم من ~~الأغيار، فالمنافقون بشر، والكفار بشر، وبما أن كل البشر أغيار، فمن ~~الممكن أن يكونوا أعزاء اليوم وأذلاء غدا لأن أسباب العزة هي غنى أو ~~قوة أو جاه، وكل هذه من الأغيار. فأنتم أيها المنافقون قد طلبتم العزة ~~ممن لم يزد عليكم، وهو من الأغيار مثلكم، ولم تطلبوها من صاحب العزة ~~الذاتية الأزلية الأبدية وهو الحق سبحانه وتعالى، ولو أردتم العزة ~~الحقيقية التي تغنيكم عن الطلب من الأغيار مثلكم فلتذهبوا إلى مصدر العزة ~~الذي لا تناله الأغيار وهو الحق سبحانه وتعالى. لذلك أوضح لهم الحق: إن ~~أردتم أن تتعلموا طلب العزة فعليكم أن تغيروا من أسلوبكم في طلبها، فأنتم ~~تتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وتبتغون عندهم العزة وهم من أهل ~~الأغيار، والأغيار تتبدل من يوم إلى يوم، فإن كان الكفار أغنياء اليوم، ~~فغدا لن يكونوا كذلك، ولقد رأيتم كبشر ان الغني يفتقر، ورأيتم قويا ~~قد ضعف، وطلب العزة من الأغيار يعني أنكم غير أعزاء، ومع ذلك فأنتم ~~تطلبون العزة من غير موضعها. # فإن ms2194 أردتم عزة حقيقية فاطلبوها ممن لا تتغير عزته وهو الحق سبحانه ~~وتعالى: { فإن العزة لله جميعا }. وفي هذا القول تصويب ~~لطلب العزة. وليطلب كل إنسان العزة إيمانا بالله فسبحانه الذي يهب العزة ~~ولا تتغير عزته: { فإن العزة لله جميعا }. وكلمة " جميعا ~~" هذه دلت على أن العزة لها أفراد شتى: عزة غني، عزة سلطان، عزة جاه، فإن ~~أراد واحد أن يعرفها ويعلمها فهي - جميعا - في الحق سبحانه وتعالى. ~~والمؤمنون في عبوديتهم لله عبيد لإله واحد وقد أغنانا الله بالعبودبة له ~~عن أن نذل لأناس كثيرين. وسبحانه قد أنقذ المؤمن بالإيمان من أن يذل نفسه ~~لأي مصدر من مصادر القوة، أنقذ الضعيف من أن يذل نفسه لقوي، وأنقذ الفقير ~~من أن يذل نفسه لغني، وأنقذ المريض من أن يذل نفسه لصحيح. إذن ساعة يقول ~~الحق: { فإن العزة لله جميعا } فمعناها: إن أردت أيها ~~الإنسان عزا ينتظم ويفوق كل عز فاذهب إلى الله لأنه سبحانه أعزنا فنحن ~~خلقه، وعلى سبيل المثال نجد أن الحق لم يجعل الفقير يقترض، بل قال: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له # [البقرة: 245] وهنا يرفع الله عبده الفقير إلى أعلى درجات العزة. العبد ~~الفقير لا يقترض، ولكن القرض مطلوب لله، ولذلك قال أحدهم لأحد الضعفاء: ~~إنك تسأل الناس، ألا تعف ولا تسأل؟. فقال: أنا سألت الناس بأمر الله، ~~فالسائل يسأل بالله، أي أن يتخذ الله شفيعا ويسأل به. وعندما يطلب ~~الإنسان العزة من مثيل له، فهو يعتز بقوة هذا الكائن وهي قوة ممنوحة له ~~من الله وقد يستردها - سبحانه - منه. فما بالنا بالقوة اللانهائية لله، ~~وكل قوة في الدنيا موهوبة من الله، المال موهوب منه، والجاه موهوب منه، ~~وكل عزة هي لله. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { وقد نزل عليكم ~~في الكتاب... }. ### || [4.140] # يأمر الحق المؤمنين أنهم إذا سمعوا بعضا من الكافرين يهزأ بآيات الله ~~أو يكفر بها فلا يقعدوا معهم إلا أن يتحولوا إلى حديث آخر، وذلك حتى لا ~~يكونوا مثل الكافرين لأنه سبحانه سيجمع ms2195 المنافقين والكافرين في جهنم، ~~وبذلك يحمي الله وحده أهل الإيمان، ويصونهم من أي تهجم عليهم، فالذين ~~يغارون على الإيمان هم الذين آمنوا، فمادمت قد آمنت وارتضيت لنفسك ~~الإسلام فإياك أن تهادن من يتهجم على الدين لأنك إن هادنته كان أعز في ~~نفسك من الإيمان، ومادمت أيها المؤمن قد ارتضيت الإيمان طريقا لك وعقيدة ~~فلتحم هذا الإيمان من أن يتهجم عليه أحد، فإن اجترأ أحد على الإيمان ~~بشيء من النقد أو السخرية أو الرمي بالباطل.. فالغيرة الإيمانية للمسلم ~~تحتم عليه أن يرفض هذا المجلس. وكان المؤمنون في البداية قلة مستضعفة لا ~~تستطيع الوقوف في وجه الكافرين أو المنافقين، فساعة يترك المؤمنون ~~الكافرين أو المنافقين لحظة اللغو في آيات الله، فالكافرون والمنافقون ~~يعلمون بذلك السلوك أن عرض الإيمان أعز على المسلمين من مجالسة هؤلاء. ~~أما إذا جالسهم مسلم وهم يخوضون في الإيمان.. فهذا يعني أنهم أعز من ~~الإيمان، والكافرون قد يجعلونها حديثا مستمرا لسبر غور الإيمان في قلوب ~~المسلمين. أما حين يرى الكافر مؤمنا يهب وينفر من أي حديث فيه سخرية من ~~الإسلام، هنا يعرف الكافر أن إيمان المسلم عزيز عليه. وهذه الآية ليست ~~آية ابتدائية إنما هي إشارة إلى حكم سبق، ونعرف أنها نزلت في المدينة ~~فالحق يقول: { وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا ~~سمعتم آيات الله يكفر بها } ومعنى هذا أن هناك آية قد ~~نزلت من قبل في مكة ويقول فيها الحق: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك ~~الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين # [الأنعام: 68] ويشير الحق هنا إلى أنه قد أنزل حكما في البداية، وهو ~~الحكم الذي نزل مع الكافرين في مكة حيث استضعف الكافرون المؤمنين، ولم ~~يكن المنهج الإيماني قد جاء بمنع المؤمنين أن يجالسوا الكافرين، فقد كان ~~بعض المؤمنين عبيدا للكافرين، وبعض المسلمين الأوائل كان لهم مصالح ~~مشتركة قائمة مع الكافرين وجاء الحكم: إن ولغ هؤلاء الكافرون في الدين ~~بالباطل فاتركوا لهم المكان. وسبحانه هنا ms2196 في سورة النساء يذكر المؤمنين ~~بأن حكم ترك الكافرين لحظة اللغو في الإيمان هو حكم ممتد منقول للمؤمنين ~~من البيئة الأولى حيث كنتم أيها المؤمنون مع المشركين عبدة الأصنام، ~~والحكم مستمر أيضا في المدينة حيث يوجد بعض أهل الكتاب. والتكليف من ~~الله، هو تكليف بما يطيقه الجنس البشري فالإنسان عرضة لأن ينسى، وعليه ~~بمجرد ان يتذكر فليقم تاركا هؤلاء الذين يخوضون في آيات الله. # وقد نزل في القرآن أن إذا سمع المؤمنون من يكفر بآيات لله ويستهزئ بها ~~فليغادروا المكان، ونلحظ أن الذي نزل في الآية الأولى ليس سماعا بل ~~رؤية: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم # [الأنعام: 68] ويأتي السماع في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { ~~وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات ~~الله يكفر بها } والمهم هو مجرد العلم سواء كان رؤية أو سماعا ~~بأنهم يخوضون في دين الله فقد يخوض أهل الشرك أو غيرهم من أعداء الإسلام ~~بما يرى، وقد يخوضون بما يسمع، وقد يخوض بعض المشركين بالغمز أو اللمز ~~من فور رؤيتهم لمسلم. وقوله الحق: { فلا تقعدوا معهم حتى ~~يخوضوا في حديث غيره } يوحي أنهم إذا ما خاضوا في حديث غير ~~الخوض في آيات الله فليقعد المؤمنون معهم. وكان ذلك في صدر الإسلام، ~~والمؤمنون لهم مصالح مشتركة مع المشركين وأهل الكتاب، ولا يستطيع المجتمع ~~الإسلامي آنئذ أن يتميز بوحدته، فلو قال لهم الحق على لسان رسوله: لا ~~تقعدوا مع الكافرين أو المشركين فورا. لكان في ذلك قطع لمصالح المؤمنين. ~~وكلمة " يخوضون " تعطي معنى واضحا مجسما لأن الأصل في الخوض أن تدخل في ~~مائع.. أي سائل، مثل الخوض في المياه أو الطين، والقصد في الدخول في سائل ~~أو مائع هو إيجاد منفذ إلى غاية. وساعة تخوض في مائع فالمائع لا ينفصل ~~حتى يصير جزءا هنا وجزءا هناك ويفسح لك طريقا، بل مجرد أن يمشي ~~الإنسان ويترك المائع يختلط المائع مرة أخرى، ولذلك يستحيل أن تصنع في ~~المائع طريقا لك. أما إذا دخل الإنسان ms2197 في طريق رملي فهو يزيح الرمال ~~أولا ويفسح لنفسه طريقا. ولا تعود الرمال إلى سد الطريق إلا بفعل ~~فاعل، وأخذوا من هذا المعنى وصف الأمر الباطل بأنه خوض ذلك أن الباطل لا ~~هدف له وهو مختلط ومرتبك، والجدال في الباطل لا ينتهي إلى نتيجة. إذن " ~~الخوض " هو الدخول في باطل، أو الدخول إلى ما لا ينتهي الكلام فيه إلى ~~غاية. ويقرر العلماء: لا تخوضوا في مسألة الصفات العلية لأنه لا يصح ~~الخوض فيها، والكلام فيها لن ينتهي إلى غاية. ولذلك يقول الحق في موقع ~~آخر بالقرآن الكريم: # وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا مآ أنزل ~~الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي ~~جآء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس ~~تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا ~~أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم ~~يلعبون # [الأنعام: 91] لقد أبلغتهم يا محمد أن الذي أنزل الكتاب عليك هو الحق ~~سبحانه وتعالى الذي أنزل من قبل التوراة فأخفيتم بعضها وأظهرتم البعض ~~الآخر، ثم بعد البلاغ اتركهم يخوضون في باطلهم. # وفي موقع آخر يتكلم الحق من الخوض: # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ~~تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله ~~مخرج ما تحذرون * ولئن سألتهم ليقولن إنما ~~كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله ~~كنتم تستهزءون # [التوبة: 64-65] إذن الخوض هو الدخول في مائع، ومادمت قد دخلت في مائع ~~فلن تجد فيه طريقا محددا بل يختلط المدخول فيه بالمدخول عليه فلا تتميز ~~الأشياء، وأخذ منه الخوض بالباطل أو الخوض باللعب الذي ليس فيه غاية. { ~~وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات ~~الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره }. وتأتي الكلمة التي ترهب ~~المؤمن وترعبه: { إنكم إذا مثلهم } أي إنكم إذا قعدتم معهم ~~وهو يخوضون في آيات الله تكفرون مثلهم لأنكم تسمعون الخوض في الدين ~~بالباطل، ومن يرض بالكفر يكفر. لقد أعطتنا الآية مرحلية أولية، فإذا ما ~~كانت البيئة الإيمانية ms2198 مجتمعا ذاتيا متكافلا فليس لأحد من المؤمنين أن ~~يجالس الكافرين، ولا نواليهم إلا إذا والونا لأن الجلوس معهم في أثناء ~~الخوض في الدين يجرئهم على مناهج الله، وعلى المؤمن أن ينهر أي ساخر من ~~الدين. وعلى المؤمنين أن يعرضوا عمن ينحرف عن منهج الله أو يتعرض له. ~~ولكن المجتمعات المعاصرة تكرم من يخوض بالباطل وفي ذلك إغراء للناس على ~~أن يخوضوا في الدين بالباطل. وقوله الحق: { فلا تقعدوا معهم } ~~هو إيذان بالمقاطعة فلو أن إنسانا بهذا الشكل يسكن في منزل، ويذهب إلى ~~البقال ليشتري منه شيئا ليأكله فيرفض البيع له، وكذلك الجزار، وكذلك أي ~~إنسان في يده مصلحة لمثل هذا الخارج عن المنهج، وبذلك تكون المقاطعة حتى ~~يتأدب، ويعلم كل إنسان أن المجتمع غيور على دينه الذي آمن به، وأن الله ~~أعز عليهم من كل تكريم يرونه في مجتمعهم، ولو أن كل واحد من هؤلاء ~~المنحرفين والموغلين في الباطل لو رأوا المجتمع وقد قاطعهم ووضع لهم ~~حدودا لذهبوا إلى الصواب ولبحثوا عن شيء آخر ومجال آخر يأكلون العيش منه ~~ويطعمون أولادهم اللقمة الحلال من هذا العمل المشروع. ويقول الحق: { ~~إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم ~~جميعا } ولا تستبطئوا هذه الحياة لأن المسلم لا يأخذ الأمور بعمر ~~الدنيا كقرن أو اثنين أو حتى عشرة قرون، بل عليه أن يعرف أن الدنيا ~~بالنسبة له هي عمره فيها، والعمر يمكن أن ينتهي فجأة، ويعمل المسلم لا من ~~أجل الدنيا فقط، ولكن من أجل أن يلقى الله مسلما في الآخرة، والمؤمن ~~يخشى أن يحشره الله مع المنافقين والكافرين في جهنم، وهذا مصير من يقبل ~~السخرية أو الاستهزاء بدينه. وبعد ذلك يقول الحق: { الذين ~~يتربصون بكم... }. ### || [4.141] # وقوله الحق: { الذين يتربصون بكم } وصف للمنافقين، ويتربص ~~فلان بفلان. أي أن واحدا يتحفز ليتحسس أخبار آخر، ويرتب حاجته منه على ~~قدر ما يرى من أخبار، وعرفنا هذا المعنى من قوله الحق: # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين # [التوبة: 52] ويتربص المنافقون بالمؤمنين لأنهم إن وجدوا خيرا ms2199 قد أتى ~~لهم فهم يريدون الاستفادة منه، وإن جاء شر فالمنافقون يتجهون للاستفادة ~~من الخصوم، فظاهرا هم يعلنون الإيمان وهم في باطنهم كفار. وهم يتربصون ~~بالمؤمنين انتظارا لما يحدث وليرتبوا أمورهم على ما يجيء. { الذين ~~يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله ~~قالوا ألم نكن معكم } فإن فتح الله بنصره على المؤمنين في ~~معركة وأخذوا مغانم قال المنافقون: { ألم نكن معكم } ، فلابد ~~لنا من سهم في هذه الغنيمة. وإذا انتصر الكفار يذهبون إلى الكافرين ~~مصداقا لقول الحق: { وإن كان للكافرين نصيب قالوا ~~ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين }. ~~هم يحاولون إذن الاستفادة من الكفار بقولهم: لقد تربصنا بالمؤمنين ~~وانتظرنا ما يحدث لهم، ولا بد لنا من نصيب. ويقول الحق على ألسنتهم: { ~~قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من ~~المؤمنين } واستحوذ على الشيء أي حازه وجعله في حيزه وملكه ~~وسلطانه. والحق هو القائل: # استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله # [المجادلة: 19] أي جعلهم الشيطان في حيزه، وقول المنافقين للكافرين: { ~~ألم نستحوذ عليكم } يكشف موقفهم عندما تقوم معركة بين ~~معسكري الكفر والإيمان فيحاول المنافقون معرفة تفاصيل ما ينويه المؤمنون، ~~ولحظة أن يدخل المنافقون أرض المعركة فهم يمثلون دور من يأسر الكافرين ~~حماية لهم من سيوف المؤمنين. ثم يقولون للكافرين: نحن استحوذنا عليكم أي ~~منعناكم أن يقتلكم المؤمنون، ويطلبون منهم الثمن. ولنر الأداء البياني ~~للقرآن حين يقول عن انتصار المؤمنين: { فإن كان لكم فتح } أما ~~تعبير القرآن عن انتصار الكافرين فيأتي بكلمة " نصيب " أي مجرد شيء من ~~الغلبة المؤقتة. ثم يأتي القول الفصل من الحق: { فالله يحكم ~~بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين ~~على المؤمنين سبيلا }. وحين يرد الله أمر الكافرين والمؤمنين ~~لا يرده دائما إلى أمد قد لا يطول أجل السامع وعمره ليراه في الدنيا، ~~فيأتي له بالمسألة المقطوع بها لذلك لا يقول للمؤمن: إنك سوف تنتصر. ~~فالمؤمن قد يموت قبل أن يرى الانتصار. ولذلك يأتي بالأمر المقطوع وهو يوم ~~القيامة حين تكون الجنة مصيرا مؤكدا لكل مؤمن لأن الحياة أتفه من ms2200 أن ~~تكون ثمنا للإيمان. ويعلمنا الرسول صلى الله عليه وسلم ألا نطلب الثمن ~~في الدنيا لأن الغايات تأتي لها الأغيار في هذه الدنيا، فنعيم الحياة إما ~~أن يفوت الإنسان وإما أن يفوته الإنسان. وثمن الإيمان باق ببقاء من آمنت ~~به. # إن القاعدة الإيمانية تقول: من يعمل صالحا يدخل الجنة، والحق يقول عن ~~هؤلاء الصالحين: # ففي رحمة الله هم فيها خالدون # [آل عمران: 107] أي أن الجنة باقية بإبقاء الله لها، وهو قادر على ~~إفنائها، أما رحمة الله فلا فناء لها لأنها صفة من صفاته وهو الدائم ~~أبدا. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: { فالله يحكم بينكم ~~يوم القيامة } أي لن يوجد نقض لهذا الحكم لأنه لا إله إلا هو ~~وتكون المسألة منتهية. وقد حكم الحق سبحانه وتعالى على قوم من أقارب محمد ~~صلى الله عليه وسلم، لقد حكم الله على عم الرسول، فقال فيه: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد # [المسد: 1-5] قول الحق سبحانه: { سيصلى نارا ذات لهب } يدل ~~على أن أبا لهب سيموت على الكفر ولن يهديه الله للإيمان، مع أن كثيرا من ~~الذين وقفوا من رسول الله مواقف العداء آمنوا برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ويشهد معسكر الكفر فقدان عدد من صناديده، ذهبوا إلى معسكر ~~الإيمان، فها هوذا عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل ~~وغيرهم كل هؤلاء آمنوا. فما الذي كان يدري محمدا صلى الله عليه وسلم أن ~~أبا لهب لن يكون من هؤلاء؟ ولماذا لم يقل أبو لهب: قال ابن أخي: إنني ~~سأصلى نارا ذات لهب، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~وقلت كلمة الإيمان. لكنه لم يقل ذلك وعلم الله الذي حكم عليه أنه لن يقول ~~كلمة الإيمان. ألم يكن باستطاعة أبي لهب وزوجه أن يقولا في جمع: نشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويتم انتهاء ms2201 المسألة؟ ولكن الله ~~الذي لا معقب لحكمه قد قضى بكفرهم، وبعد أن ينزل الحق هذا القول الفصل في ~~أبي لهب وزوجه يأتي قول الحق في ترتيبه المصحفي ليقول ما يوضح: إياكم أن ~~تفهموا أن هذه القضية تنقض، فسيصلى أبو لهب نارا ذات لهب وامرأته حمالة ~~الحطب، وقال الحق بعدها مباشرة: # قل هو الله أحد * الله الصمد # [الإخلاص: 1-2] فلا أحد سيغير حكم الله.. إذن فقوله الحق: { فالله ~~يحكم بينكم يوم القيامة } أي لا معقب لحكم الله، فلا ~~إله غيره يعقب عليه. { ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا } وهذه نتيجة لحكم الله، فلا يمكن أن يحكم الله ~~للكافرين على المؤمنين. ولن يكون للكافرين حجة أو قوة أو طريق على ~~المؤمنين. وهل هذه القضية تتحقق في الدنيا أو في الآخرة؟ ونعلم أن الحق ~~يحكم في الآخرة التي تعطلت فيها الأسباب، ولكنه جعل الأسباب في الدنيا، ~~فمن أخذ بالأسباب فنتائج الأسباب تعطيه لأن مناط الربوبية يعطي المؤمن ~~والكافر، فإن أخذ الكافرون بالأسباب ولم يأخذ المؤمنون بها، فالله يجعل ~~لهم على المؤمنين سبيلا، وقد ينهزم المؤمنون أمام الكافرين. # والحكمة العربية تعلمنا: إياك أن تعتبر أن الخطأ ليس من جند الصواب. ~~لأن الإنسان عندما يخطئ يصحح له الخطأ، فعندما يعلم المدرس تلميذه ~~أن الفاعل مرفوع، وأخطأ التلميذ مرة ونصب الفاعل فهذا يعني أنه أخذ ~~القاعدة أولأ ثم سها عنها، والمدرس يصحح له الخطأ، فتلتصق القاعدة في ~~رأس التلميذ بأن الفاعل مرفوع. وهكذا يكون الخطأ من جنود الصواب. والباطل ~~أيضا من جنود الحق. فعندما يستشرى الباطل في الناس يبرز بينهم هاتف ~~الحق. وهكذا نرى الباطل نفسه من جند الحق، فالباطل هو الذي يظهر اللذعة ~~من استشراء الفساد، ويجعل البشر تصرخ، وكذلك الألم الذي يصيب الإنسان هو ~~من جنود الشفاء لأن الألم يقول للإنسان: يا هذا هناك شيء غير طبيعي في ~~هذا المكان. ولولا الألم لما ذهب الإنسان إلى الطبيب. علينا - إذن - أن ~~نعرف ذلك كقاعدة: الخطأ من جنود الصواب، والباطل من جنود الحق، والألم من ms2202 ~~جنود الشفاء، وكل خطأ يقود إلى صواب، ولكن بلذعة، وذلك حتى لا ينساه ~~الإنسان. وتاريخ اللغة العربية يحكي عن العلامة سيبويه، وهو من نذكره ~~عندما يلحن أحد بخطأ في اللغة فنقول: " أغضب المخطئ سيبويه " لأن سيبويه ~~هو الذي وضع النحو والقواعد حتى إننا إذا أطلقنا كلمة الكتاب في عرف ~~اللغة فالمعنى ينصرف إلى كتاب سيبويه فهو مؤلف الكتاب. وسيبوبه لم يكن ~~أصلا عالم نحو، بل كان عالم قراءات للقرآن، حدث له أن كان جالسا وعيبت ~~عليه لحنة في مجلس، أي أنه أخطأ في النحو وعاب عليه من حوله ذلك، فغضب من ~~نفسه وحزن، وقال: والله لأجيدن العربية حتى لا ألحن فيها. وأصبح مؤلفا ~~في النحو. ومثال آخر: الإمام الشاطبي - رضي الله عنه - لم يكن عالم ~~قراءات بل كان عالما في النحو، وبعد ذلك جاءت له مشكلة في القراءات فلم ~~يتعرف عليها، فأقسم أن يجلس للقراءات ويدرسها جيدا. وصار من بعد ذلك ~~شيخا للقراء. فلحنة - أي غلطة - هي التي صنعت من سيبويه عالما في ~~النحو، ومشكلة وعدم اهتداء في القراءات جعل من الإمام الشاطبي شيخا ~~للقراء على الرغم من أن سيبويه كان عالم قراءات، والشاطبي كان رجل نحو. ~~ولذلك أكررها حتى نفهمها جيدا: الخطأ من جنود الصواب، والباطل من جنود ~~الحق، والألم من جنود الشفاء والعافية. وقد نجد الكافرين قد انتصروا في ~~ظاهر الأمر على المؤمنين في بعض المواقع مثل أحد، وكان ذلك للتربية ففي ~~" أحد " خالف بعض المقاتلين من المؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكانت الهزيمة مقدمة للتصويب، وكذلك كانت موقعة حنين حينما أعجبتهم ~~الكثرة: # ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم ~~وليتم مدبرين # [التوبة: 25] والشاعر العربي الذي تعرض لهذه المسألة قال: # إن الهزيمة لا تكون هزيمة # إلا إذا لم تقتلع أسبابها # لكن إذا جهدت لتطرد شائبا # فالحمق كل الحمق فيمن عابها # فعندما يقتلع الإنسان أسباب الهزيمة تصبح نصرا، وقد حدث ذلك في أحد، هم ~~خالفوا في البداية فغلبهم الأعداء، ms2203 ثم كانت درسا مستفادا أفسح الطريق ~~للنصر. فإن رأيت أيها المسلم للكافرين سبيلا على المؤمنين فلتعلم أن ~~الإيمان قد تخلخل في نفوس المسلمين فلا نتيجة دون أسباب، وإن أخذ ~~المؤمنون بالأسباب أعطاهم النتائج. فهو القائل: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # [الأنفال: 60] فإن لم يعد المؤمنون ما استطاعوا، أو غرتهم الكثرة ~~فالنتيجة هي الهزيمة عن استحقاق، وعلى كل مؤمن أن يضع في يقينه هذا القول ~~الرباني: # فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت ~~الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا # [فاطر: 43] إن إعلان الإيمان بالله ليس هو نهاية أي شيء بل هو البداية، ~~والمؤمن بالله يأخذ جزاءه على قدر عمله. ويغار الله على عبده المؤمن ~~عندما يخطئ، لذلك يؤدبه ويربيه - ولله المثل الأعلى - نجد أن الإنسان منا ~~قد لا يصبر على مراجعة الدروس مع أولاده فيأتي بمدرس ليفعل ذلك لأن حب ~~الأب لأولاده يدفع الأب للانفعال إذا ما أخطأ الولد، وقد يضربه. أما ~~المدرس الخارجي فلا ينفعل بل يأخذ الأمور بحجمها العادي. إذن فكلما أحب ~~الإنسان فهو يتدخل بمقياس الود ويقسو أحيانا على من يرحم. والشاعر ~~العربي يقول: # فقسى ليزدجروا ومن يك حازما # فليقس أحيانا على من يرحم # ومثال آخر - ولله المثل الأعلى - الإنسان إذا ما دخل منزله ووجد في صحن ~~المنزل أطفالا يلعبون الميسر منهم ابنه وابن الجار، وطفل آخر لا يعرفه، ~~فيتجه فورا إلى ابنه ليصفعه، ويأمره بالعودة فورا إلى الشقة، أما ~~الأولاد الآخرون فلن يأخذ ابن الجار إلا كلمة تأنيب، أما الطفل الذي لا ~~يعرفه فلن يتكلم معه. وهكذا نجد العقاب على قدر المحبة والود، والتأديب ~~على قدر المنزلة في النفس. ومن لا نهتم بأمره لا نعطي لسلوكه السيئ ~~بالا. وساعة نرى لأن للكافرين سبيلا على المؤمنين فلنعلم أن قضية من ~~قضايا الإيمان قد اختلت في نفوسهم، ولا يريد الله أن يظلوا هكذا بل ~~يصفيهم الحق من هذه الأخطاء بأن تعضهم الأحداث. فينتبهوا إلى أنهم لا ~~يأخذون بأسباب الله. ويقول الحق بعد ذلك: { إن المنافقين ~~يخادعون... ms2204 }. ### || [4.142] # نعرف واقع المنافقين أنهم يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر ويوضح الحق: ~~إياكم أن تظنوا أن في قدرة مخلوق أن يفعل شيئا بدون علم الله، وقد يمكر ~~إنسان بك، وهو يعلم أنك تعلم بمكره، فهل هذا مكر؟ لا لأن المكر هو الأمر ~~الذي يتم خفية بتدبير لا تعلمه، والأصول في المكر ألا يعلم الممكور به ~~شيئا. والمنافقون حين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر يخادعون من يعلم ~~خافية الصدور. وكان يجب أن يأخذوا درسا من معاملة الله بوساطة المؤمنين ~~لهم، فقد صان المؤمنون دم المنافقين ومالهم. وأجرى المسلمون على ~~المنافقين أحكام الإسلام، لكن ما الذي يبيته الله لهؤلاء المنافقين؟ لقد ~~بيت لهم الدرك الأسفل من النار. فمن الأقدر - إذن - على الخداع؟ إن الذكي ~~حقا هو من لا يخدع من يعلم أنه قادر على كشف الخداع. وكلمة " خدع " تعني ~~مكر به مكرا فيبدي له قولا وفعلا ويخفى سواهما حتى يثق فيه. وبعد ذلك ~~ينفذ المكر. وهناك كلمة " خدع " وكلمة " خادع ". والحق في هذه الآية لم ~~يقل إن الله يخدعهم، بل قال: { يخادعون الله وهو خادعهم ~~}. و " خادع " تعني حدوث عمليتين، مثل قولنا: قاتل فلان فلانا. فالقتال ~~يحدث بين طرفين. وكذلك نقول: شارك فلان فلانا لأن مادة " فاعل " تحتاج ~~إلى طرفين. لكن عندما نقول " قتل " ، فالفعل يحدث من جانب واحد. والخداع ~~يبدأ من واحد، وعندما يرى الشخص الذي يراد خداعه أن خصمه أقوى منه فإنه ~~يبيت له خداعا آخر، وتسمى العملية كلها " مخادعة " ، ويقال: خادعه فخدعه ~~إذا غلبه وكان أخدع منه. ومن إذن الذي غلب؟ إن الذي بيت الخداع ردا ~~على خداع خصمه هو الغالب. ولأن الخداع يحدث أولا، وبعد ذلك يتلقى " ~~المخدوع " الأمر بتبييت أكبر فهو " خادع " ، والذي يغلب نقول عنه: " ~~أخدعه " أي أزال خداعه. والله سبحانه وتعالى عاملهم بمثل ما أرادوا أن ~~يعاملوا به المؤمنين، فالمنافقون أظهروا الإيمان أولا وأضمروا الكفر، ~~وأعطاهم الله في ظاهر الأمر أحكام المسلمين، وفي الباطن قرر أن يعذبهم ~~عذاب الكافرين بل وأشد من ذلك لأنهم سيكونون في الدرك ms2205 الأسفل من النار. { ~~إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم } وإياك ~~أيها المسلم أن تشتق من هذه العملية اسما لله وتقول " المخادع " لأن ~~أسماء الله توقيفية أي لا نسمي الله إلا بالأسماء التي سمى بها نفسه. ~~وسبحانه يفعل الفعل، لكن لا تأخذ من هذا الفعل اسما، والحق يعطينا هنا " ~~مشاكلة " ليوضح لنا أن المنافقين يمكرون ويبيتون شرا للمؤمنين، وأنت ~~أيها المسلم تعرف أن الإنسان إنما يبيت الشر على قدر طاقته التي مهما ~~كبرت فهي محدودة بجانب طلاقة قدرة الله. # ولذلك يفضح الله هذا الشر المبيت من هؤلاء المنافقين، وهم حين يمكرون ~~فالله بطلاقة قدرته يمكر بهم أي يبطل مكرهم ويجازيهم على سوء فعلتهم، ولا ~~نقول: " الله ماكر ". ولله أن يقول في الفعل المشاكل ما يشاء. { إن ~~المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا ~~قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى }. إن الغايات من الأحداث ~~هي التي تضفي على الجوارح الإقبال على الأحداث، فإذا كنت تحب الحدث الذي ~~تقبل عليه فأنت تقبل عليه بكل اشتياق ولهفة. ويقيسون لهفة اللقاء لأنها ~~تحدد درجة المحبة. والشاعر العربي يصف لقاء حبيب بحبيبته: # لقاء الاثنين يبين حده # تلهف كيف واستطالة مده # فلحظة اللقاء تبين ما بين الحبيبين من مودة، فإن كانت المسألة بينهما ~~عشر خطوات فهما يسرعان باللهفة فيقطعان العشر خطوات في ثلاث خطوات، وهذا ~~معناه تقصير زمن الابتعاد، وكذلك تظهر الكيفية التي يتم بها السلام درجة ~~المودة، فقد يسلم أحدهما على الآخر ببرود أو بنصف ود، أو بود كبير، أو ~~بود مصحوب بلهفة وأخذ متبادل بالأحضان وكذلك المدة التي يحتضن كلاهما ~~الآخر، هل هي دقيقة أو دقيقتان أو ثلاث؟ إذن فالذي يبين قيمة الود: ~~التلهف، الكيفية، المدة. وهذه العناصر الثلاثة أخذها الشعراء للتعبير عن ~~المودة والحب بين البشر، وقديما كان الذين يتيمون بالنساء يسترون في ~~السلام مودتهم. وفي الحضارة الغربية التي سقطت فيها قيم الأديان نجد أن ~~الرجل يتلقى المرأة بالقبلات. وفي بعض البلاد نجد الرجل يصافح المرأة، ~~فهل يصافحها بتلهف، وهل تبادله هذه اللهفة؟ فإن وجدت الكف ms2206 مفردة ومبسوطة ~~للمصافحة فقط فهذا سلام عادي. أما إذا ثنى أحدهما إصبعه البنصر على كف ~~الآخر فعليك أن ترى أي طرف هو الذي قام بثني أصبعه ليحتضن اليد كلها في ~~يده، فإن كان ذلك من الرجل فاللهفة منه، وإن كان من المرأة فاللهفة منها، ~~وإن كان من الاثنين فاللهفة منهما معا، ثم ما المدة التي يستغرقها بقاء ~~اليد في اليد؟ وقد يحلو لكليهما معا - رجل وامرأة - وكأن الكلام قد ~~أخذهما فنسي كل منهما يده في يد الآخر. # سلام نوعين يبين حده # تلهف كيف واستطالة مده # هكذا يقابل الإنسان الأحداث، فإن كان الحدث سارا فالإنسان يقبل عليه ~~بلهفة. وإن كان غير ذلك فالإنسان يقوم إليه متثاقلا. وكان المنافقون ~~يقومون إلى الصلاة بتثاقل وتكاسل: { وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى } كأنهم يؤدون الصلاة كستار يخفون به نفاقهم، ~~ويستترون بها عن أعين المسلمين. ولم يكن قيامهم للصلاة شوقا إلى لقاء ~~الله مثلما كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال - رضي الله عنه ~~- طالبا منه أن يؤذن للصلاة: # " يا بلال أرحنا بالصلاة ". # لأن المؤمن يرتاح عندما يؤدي الصلاة، أما المنافق فهي عملية شاقة ~~بالنسبة إليه لأنه يؤديها ليستتر بها عن أعين المسلمين ولذلك يقوم إليها ~~بتكاسل. { وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ~~يرآءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا }. هم ~~يقيمون الصلاة ظاهريا أمام الناس ليخدعوا المسلمين وليشاهدهم غيرهم وهم ~~يصلون. وفي الصلاة التي يراءون بها الناس لا يقولون كل المطلوب منهم ~~لتمامها، يقولون فقط المطلوب قوله جهرا. كأن يقرأوا الفاتحة وبعض القرآن ~~ولكنهم في أثناء الركوع لا يسبحون باسم الله العظيم وكذلك في السجود ~~لايسبحون باسم الله الأعلى. ففي داخل كل منافق تياران متعارضان.. تيار ~~يظهر به مع المؤمنين وآخر مع الكافرين. والتيار الذي مع المؤمنين يجبر ~~المنافق على أن يقوم إلى الصلاة ويذكر الله قليلا، والتيار الذي مع ~~الكافرين يجعله كسولا عن ذلك، ولا يذكر الله كثيرا. وإذا ما حسبنا كم ~~شيئا يجهر به المصلي وكم شيئا يجريه سرا فسنجد ms2207 أن ما يجريه المصلي سرا ~~في أثناء الصلاة أكثر من الجهر. ففي الركوع يقول: سبحان ربي العظيم ثلاث ~~مرات، ويقول: سبحان ربي الأعلى، في كل سجود ثلاث مرات، أما المنافق فلا ~~يذكر الله إلا جهرا، وهو ذكر قليل. ونجد المنافق لا يفعل فعلا إلا إذا ~~كان مرئيا ومسموعا من غيره، هذا هو معنى المراءاة. أما الأعمال ~~والأقوال التي لا ترى من الناس ولا تسمع فلا يؤديها. ولا يهز ~~المجتمعات ولا يزلزلها ويهدها إلا هذه المراءاة لأن الحق سبحانه يحب أن ~~يؤدي المسلم كل عمل جاعلا الله في باله، وهو الذي لا تخفى عليه خافية. ~~ويلفتنا إلى هذه القضية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث يقول عن ~~الإحسان: # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". # وإذا كان الإنسان يخجل من أن يغش واحدا مثله من البشر غشا ظاهريا فما ~~بالنا بالذي يحاول غش الله وهو يعلم أن الله يراه؟ ولماذا يجعل ذلك العبد ~~ربه أهون الناظرين إليه؟ وعندما يغش واحدا آخر واكتشف الآخر غشه فهو ~~يعاقبه فما بالنا بغش الله؟! ولذلك تجد الرسول صلى الله عليه وسلم ينقل ~~لنا حال المرائي للناس فيقول: # " إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا وما الشرك الأصغر يا ~~رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله - عز وجل - يوم القيامة إذا جازى ~~العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل ~~تجدون عندهم الجزاء؟ ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن المرائي ينادى عليه يوم القيامة " يا فاجر " " يا غادر " " يا ~~مرائي " ضل عملك وحبط أجرك فخذ أجرك ممن كنت تعمل له ". # إذن فالمنافق إنما يخدع نفسه، هو يتظاهر بالصلاة ليراه الناس. ويزكي ~~ليراه الناس، ويحج ليراه الناس، هو يعمل ما أمر الله به، لكنه لا يعلمه ~~الله، ولذلك قال القرآن: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39] وقال عن لون ثان من نفاقهم: ms2208 # كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ~~فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء ~~مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264] والصفوان هو الحجر الأملس تماما وهو الذي ليس فيه خشونة، ~~لأن الحجر إن كان به جزء من خشونة وعليه تراب ثم سقط عليه المطر، فالتراب ~~يتخلل الخشونة. أما الحجر الأملس فمن فور نزول المطر ينزلق من عليه ~~التراب. ومن يرائي المؤمنين عليه أن يأخذ أجره ممن عمل له. ويستكمل الحق ~~وصف الحالة النفسية للمنافقين فيقول: { مذبذبين بين ذلك... ~~}. ### || [4.143] # والشيء المذبذب مثل المعلق في خيط فيأخذه الريح إلى ناحية ليقذفه في ~~ناحية أخرى لأنه غير ثابت، مأخوذ من " المذبة " ومنه جاءت تسمية " الذباب ~~" الذي يذبه الإنسان فيعود مرة أخرى، فمن سلوك الذباب أنه إذا ذب عن ~~مكان لا بد أن يعود إليه. { مذبذبين بين ذلك لا إلى ~~هؤلاء ولا إلى هؤلاء } فهل هم الذين ذبذبوا أنفسهم أم ~~تلك هي طبيعتهم؟ ولنتأمل عظمة الحق الذي سوى النفس البشرية ففي الذات ~~الواحدة آمر ومأمور، والحق يقول: # يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا # [التحريم: 6] أي أن الإنسان يقي نفسه بأن يجعل الآمر يوجه الأمر ~~للمأمور، ويجعل المأمور يطيع الآمر، ودليل ذلك قول الحق عن قابيل: # فطوعت له نفسه قتل أخيه # [المائدة: 30] أي أن جزءا من الذات هو الذي طوع بقية ذات قابيل لتقتل ~~هابيل. فقد خلق الله النفس البشرية كملكات متعددة، ملكة تحب الأريحية ~~وأخرى تحب الشح، والملكة التي تحب الأريحية إنما تطلب ثناء الناس، والتي ~~تحب الشح إنما تفعل ذلك ليطمئن صاحبها أنه يملك ما يغنيه. وكلتا الملكتين ~~تتصارع في النفس الواحدة لذلك يقول الحق: { قوا أنفسكم } فالنفس ~~تقي النفس لأن الملكات فيها متعددة. وبعض الملكات تحب تحقيق المتعة ~~والشهوة، لكن هناك ملكة إيمانية تقول: تذكر أن هذه الشهوات عاجلة ولكنها ~~عظيمة المتاعب فيما بعد. إذن فهناك صراع داخل ملكات الإنسان، ويوضح لنا ~~الحق هذا الصراع في قوله: { فطوعت له ms2209 نفسه قتل أخيه }. ~~لأن قابيل أراد أن يقتل هابيل بغريزة الاستعلاء، ونازعته نفسه بالخوف من ~~الإثم. لقد دارت المراودة في نفس قابيل إلى أن سيطرت غريزة الاستعلاء ~~فأمرت بالقتل وطوعت بقية النفس. وهذا يكشف لنا أن النفس البشرية فيها ~~ملكات متعددة، كل ملكة لها مطلوب. والدين هو الذي يقيم التعايش السلمي ~~بين الملكات. مثال آخر: الغريزة الجنسية تقيم السعار في النفس، فيقوم ~~الوعي الإيماني بردع ذلك بأن تقول النفس الإيمانية: إياك أن تلغ في أعراض ~~الناس حتى لا تلغ الناس في أعراضك، ولماذا لا تذهب وتتزوج كما شرع الله، ~~ولا ترم أبنائك في فراش غيرك لأن الغريزة مخلوقة لله فلا تجعل سلطان ~~الغريزة يأمر وينهى. وهكذا نرى أن النفس تضم وتشمل الملكات والغرائز، ولا ~~يصح أن يعدي الإنسان غريزة إلى أمر آخر لأنه إن عدى الشهوات فسدت الدنيا. ~~وعلى سبيل المثال نحن نستخدم الكهرباء التي تعطي لنا النور في حدود ما ~~يرسم لنا مهندس الكهرباء، الذي وضع القطب الموجب في مجاله وكذلك القطب ~~السالب، بحيث نأخذ الضوء الذي نريده أو تعطينا شرارة لنستخدمها كقوة ~~لإدارة آلة، لكن لو التقى القطب الموجب بالقطب السالب على غير ما صنع ~~المهندس لحدثت قفلة كهربائية تسبب حريقا أو فسادا. # وكذلك النفس البشرية، إن التقى الذكر مع الأنثى كما شرع الله فإن ~~البشرية تسعد، وإن حدث غير ذلك فالذي يحدث في المجتمع يصير حريقا نفسيا ~~واجتماعيا لا حدود لآثاره الضارة، وهكذا نرى أن النفس ليس فيها دافع ~~واحد بل فيها دوافع متعددة. ونجد غريزة الجوع تحرك النفس إلى الطعام، ~~ويستجيب الدين لذلك لكنه يوصي أن يأكل الإنسان بشرط ألا يتحول تناول ~~الطعام إلى شره، كما جاء في الحديث: " بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ". ~~فالطعام لبقاء النوع. والإنسان محب للاستطلاع، فيأمر الإسلام الإنسان بأن ~~يستطلع أسباب الله في الكون ليزيد من صلاح الكون، وينهى الإسلام عن ~~استخدام حب الاستطلاع في التجسس على الناس، وهكذا تتوازن الملكات بمنهج ~~الإسلام، وعلى المسلم أن يعايش ملكاته في ضوء ms2210 منهج الله معايشة سليمة حتى ~~تكون النفس الإنسانية متساندة لا متعاندة، لتعيش كل الملكات في سلام، ~~ويؤدي كل جهاز مهمته كما أراد الله. لكن المنافق يحيا مذبذبا وقد صنع ~~بنفسه، فقد أرخى لبعض ملكاته العنان على حساب ملكات أخرى { ~~مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء } إن الكافر يمتاز عن المنافق - ظاهرا - بأنه منسجم مع نفسه، ~~هو غير مؤمن بالإسلام ويعلن ذلك ولكنه في حقيقة الأمر يتصارع مع فطرته ~~التي تدعوه إلى الإيمان. قد يقول قائل: وكيف يتساوى الذي أظهر الإيمان ~~وأبطن الكفر مع الذي أعلن الكفر؟ ونقول: الكافر لم يخدع الطائفة المؤمنة ~~ولم يقل كالمنافق إنه مع الفئة المؤمنة وهو ليس معها بل يعلن الكافر كفره ~~منسجما مع نفسه، لكن المنافق مذبذب خسيس في وضعه الإنساني والرجولي. { ~~مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا }. والله ~~لا يضل عبدا بشكل مباشر فسبحانه يعلم خلقه أولا بالرسل والمنهج، لكنه ~~يضل من يصر على عدم الإيمان، لذلك يتركه على ضلاله وعماه. صحيح أن في ~~قدرة الله أن يأخذه إلى الإيمان قهرا، لكنه سبحانه يترك الإنسان ~~لاختياره. فإن أقبل الإنسان على الله فسبحانه يعينه على الهداية، أما إن ~~لم يقبل فليذهب إلى تيه الضلال. ويزين له الدنيا ويعطيه منها لكنه لن يجد ~~سبيلا فسبيل الله واحد. وليس هناك سبيلان. ونذكر هذه الحكاية لنعرف قيمة ~~سبيل الله. كان الأصمعي - وهو مؤلف عربي له قيمة كبيرة - يملك أذنا ~~أدبية تميل إلى الأساليب الجميلة من الشعر والنثر، ووجد الأصمعي إنسانا ~~يقف أمام باب الملتزم بالكعبة المشرفة، وكان الرجل يدعو الله دعاء حارا ~~" يا رب: أنا عاصيك، ولولا أنني عاصيك لما جئت أطلب منك المغفرة، فلا إله ~~إلا أنت، كان يجب أن أخجل من معصيتك ولكن ماذا أفعل ". وأعجب الأصمعي ~~بالدعاء، فقال: يا هذا إن الله يغفر لك لحسن مسألتك. ومن بعد ذلك يقول ~~الحق: { يا أيها الذين آمنوا... }. ### || [4.144] # لقد أخذ الحق على المنافقين أنهم ms2211 يتخذون الكافرين أولياء من دون الله ~~وكذلك أخذ المؤمنون على المنافقين أنهم اتخذوا من معسكر الكفر وليا لهم ~~من دون الله ومن دون المؤمنين، ولهذا فأولى بالمؤمنين ألا يصنعوا ذلك، ~~ويوضح سبحانه: لقد أخذنا على المنافقين أنهم اتخذوا الكافرين أولياء من ~~دون الله، فإياكم أن تفعلوا مثلهم. { يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا الكافرين أوليآء من دون المؤمنين ~~أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا }. ~~وهذا أمر منطقي يستقيم مع منهج الإيمان لأنكم إن فعلتم ذلك. فإنما تقدمون ~~الحجة ليعذبكم الله، وتعلمون أن المنافق يعلن الإيمان بلسانه ويخفي الكفر ~~في قلبه، فكيف يكون وضع المؤمن مع الكافر مثل وضع المنافق مع الكافر؟ ذلك ~~أمر لا يستقيم. ومن يفعل ذلك إنما يقدم حجة لله ليعذبه. الحق سبحانه في ~~إرساله للرسل وفي تأييد الرسل بالمعجزات وفي إرساله المناهج المستوفية ~~لتنظيم حركة الإنسان في الحياة، كل ذلك ليقطع الحجة على الناس حتى لا ~~يقولن واحد: أنت لم تقل لنا يارب كيف نسير على منهج ما لذلك لم يترك - ~~سبحانه - الإنسان ليفكر بعقله ليصل بفكره إلى وجود الله، ويكتشف أن هناك ~~خالقا للكون. لم يتركنا سبحانه لهذه الظنون، ولكنه أرسل لنا الرسل بمنهج ~~واضح، من أجل ألا يكون للناس على الله حجة من بعد الرسل، فلا يقولن واحد: ~~أنت لم تنبهني يارب، والجهل بالقانون في الشرع البشري لا يعفي الإنسان من ~~العقوبة إن ارتكب جرما، لكن الله لا يفعل ذلك فهو أكرم على عباده من ~~أنفسهم، لذلك يرسل الرسول ليحمل المنهج الذي يبين الحلال من الحرام: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42] فلا يقولن واحد: لقد أخذنا الله على غرة. وأنتم أيها ~~المؤمنون إن اتخذتم الكافرين أولياء من دون المؤمنين وتقربتم إليهم ~~ونصرتموهم فأنتم أكثر شرا من المنافقين لأن المنافق له أسبابه، وفي ~~أعماقه خيط من الكفر وخيط من الإيمان، والحجة واضحة عليكم أيها المؤمنون ~~فقد أبلغكم الحق المنهج وأعلنتم الإيمان به. فإن صنعتم غير ذلك تعطون ~~الحق الحجة ms2212 في أن يعذبكم. { أتريدون أن تجعلوا لله ~~عليكم سلطانا مبينا } والسلطان المبين هو السلطان الواضح ~~المحيط الذي لا يستطيع أن يدفعه أحد، فإذا ما كانت هناك حجة، قد يستطيع ~~الإنسان أن ينقضها، كالمحامي أمام المحاكم. لكن حجة الله هي سلطان مبين. ~~أي لا تنقض أبدا. ومن بعد ذلك يقول الحق: { إن المنافقين ~~في... }. ### || [4.145] # ولنر دقة التربية الإيمانية. فلم يأت الحق بفصل في كتابه عن المنافقين ~~يورد فيه كل ما يتعلق بالمنافقين، لا، بل يأتي بلمحة عن المنافقين ثم ~~يأتي بلقطة أخرى عن المؤمنين، حتى ينفر السامع من وضع المنافق ويحببه ~~في صفات المؤمن، وهنا يقول: { إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا }. والدرك دائما ~~في نزول. والأثر الصالح يميز لنا ذلك بالقول: " النار دركات كما أن الجنة ~~درجات ". فالنزول إلى أسفل هو الدرك، والصعود إلى أعلى هو صعود الدرج. ~~وفي عصرنا نضع مستوى سطح البحر كمقياس لأن اليابسة متعرجة، أما البحر فهو ~~مستطرق. ونستخدم في الأمر الدقيق - أيضا - ميزان المياه، وعندما تسقط ~~الأمطار على الطرق تكشف لنا عمل المقاول الذي رصف الطرق، هل أتقن هذا ~~العمل أو لا؟ ونحن نلقي دلوا من المياه في الحمام بعد تبليطه حتى ينكشف ~~جودة أو رداءة عمل العامل، إذن هناك شيء يفضح شيئا آخر. والقول المصري ~~الشائع: " إن الذي يقوم بعمل المحارة هو الذي يكشف عامل البناء ". فلو أن ~~الحائط غير مستو فعامل المحارة مضطر أن يسد الفجوات والميول حتى يستوي ~~سطح الحائط.. والذي يكشف جودة عامل المحارة هو عامل طلاء الحائط لأنه إما ~~أن يستخدم المعجون بكثرة ليملأ المناطق غير المستوية في الحائط، وإما أن ~~يجد الأمر سهلا. والذي يكشف جودة أو رداءة عمل عامل الطلاء هي أشياء ~~طبيعية مثل الغبار. والعامل الذي يريد أن يغش هو الذي يسرع بتسليم البناء ~~لأن الغبار الذي يوجد في الجو يمشي في خط مستقيم، وعندما يوجد جدار تم ~~طلاؤه بمادة غير جيدة فالغبار يلتصق به، وكأن الله قد أراد بذلك أن ms2213 يفضح ~~من لا يتقن عمله، وكل شيء مرده إلى الله حتى يصل الخلق جميعا إلى الحق ~~سبحانه مفضوحين، إلا المؤمنين الذين يعملون صالحا، فهؤلاء يسترهم بعملهم ~~الصالح. { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ~~ولن تجد لهم نصيرا }. وسبحانه وتعالى سبق أن عرض لنا صورة ~~المنافقين المهزوزة التي لا ثبات لها على رأي، ولا وجود لها على لون ~~يحترمه المجتمع الذي يعيشون فيه فقال عنهم: # مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى ~~هؤلاء # [النساء: 143] والذبذبة لون من أرجحة الشخصية التي لا يوجد لها مقوم ~~ذاتي. وسبحانه وتعالى حين عرضهم هذا العرض المشوه، يوضح: أن جزائي لهم حق ~~يناسب ما فعلوه. وقد هيأ الحق الأذهان ليجعلها مستعدة لقبول الحكم الذي ~~أنزله عليهم حتى لا تأخذ الناس شفقة عليهم أو رحمة بهم، وسبحانه حين يحكم ~~حكما فهو يضمن بقيوميته ووحدانيته ألا يوجد منازع له في الحكم. # وكان من الممكن أن يقول سأجعله في الدرك الأسفل من النار. ولن توجد قوة ~~أخرى تنتشل المنافق لذلك أتبع الحق الحكم بقوله: { ولن تجد لهم ~~نصيرا } أي أنه حكم مشمول بالنفاذ، ولن يعدله أحد من خلق الله، ~~فسبحانه له الملك وحده، وقد جعل سبحانه الملك في الدنيا لأسباب الناس ~~أيضا، أما في الآخرة فلا ملك لأحد ولا ملك لأحد. # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] وبعد ذلك يتيح الحق لأقوام من المنافقين أن يعدلوا رأيهم في ~~المسألة وأن يعلنوا إيمانهم وأن يتوبوا عما فعلوه - سبحانه - أتاح لهم أن ~~يراجعوا أنفسهم ويحاسبوها فلم يغلق الباب دونهم بل قال: { إلا ~~الذين تابوا... }. ### || [4.146] # إذن فمن الممكن أن توجد فتحة خير قد تدفع الإنسان إلى التوبة، وحتى لا ~~يظن أحد أن الحكم هنا نهائي، وذلك حتى لا يفقد الإنسان نفسه ويتورط في ~~مزيد من الشرور لذلك قال: { إلا الذين تابوا } أي تاب عن نفاقه ~~الأول، وإذا ما كان قد ترتب على نفاقه السابق إفساد فلا بد أن يصلح ما ~~أفسده ويعتصم بالله ويخلص لله نية وعملا. { إلا ms2214 الذين ~~تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا ~~دينهم لله }. إذن فشروط النجاة من الدرك الأسفل من النار هي ~~التوبة، وإصلاح ما أفسد، والاعتصام بالله، وإخلاص دينه لله. والتوبة هنا ~~إقلاع عن النفاق، وألا يترك المنافق الفساد الذي صنعه نفاقه بل عليه أن ~~يحاول جاهدا أن يصلح ما أفسده بهذا النفاق. والاعتصام بالله كيف يكون؟ ~~لقد عرفنا من قبل أنهم كانوا يفعلون ذلك لابتغاء العزة عند الكافرين.. أي ~~أن نفس المنافق تطمئن إلى هؤلاء الكافرين فيفزع إليهم ويعتز بشدتهم ~~وبصلابتهم لذلك يوضح الله: انزعوا هذه الفكرة من رءوسكم وليكن اعتصامكم ~~بالله وحده لأنه لا يجير أحد على الله، واجعلوا العزة لله والمرجع إليه ~~وحده. والملاحظ أن الذي يتوب ويصلح ويعتصم بالله يكون قد استوفى أركان ~~اليقين الإيماني بالله، لكن الحق يقول: { وأخلصوا دينهم لله ~~} فلماذا أكد على الإخلاص هنا؟ لأن تدبير النفاق كان ينبع من قلوبهم ~~أولا. ونعلم أن القلب قد يذنب، فذنب الجارحة أن تعتدي، مثال ذلك العين ~~تذنب حين تعتدي على محارم الآخرين، واللسان يذنب إن تعرض بالسب أو الشتم ~~للناس. إذن. فكل جارحة لها مجال معصية، وهنا مجال معصية القلب هو النفاق ~~وهو الأمر المستور. إذن فقوله الحق: { وأخلصوا دينهم لله } ~~جاء ليؤكد ضرورة الإخلاص في التوبة عن النفاق، والإخلاص محله القلب. فكأن ~~توبة القلوب غير توبة الجوارح، فتوبة الجوارح تكون بأن تكف الجوارح عن ~~مجال معاصيها. أما توبة القلب فهو أن يكف عن مجال نفاقه بأن يخلص. وبذلك ~~أثبت الحق مزية المؤمنين الذين لم ينغمسوا في النفاق. وجعل التائبين من ~~المنافقين مع المؤمنين، فكأن الأصل في التنعيم وفي نيل الجزاء العظيم هو ~~الوجود مع المؤمنين. { فأولئك مع المؤمنين وسوف ~~يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما }. ومن هنا نعلم أن ~~الأجر العظيم يكون للمؤمنين. ومن يوجد مع المؤمنين ينال الأجر نفسه. وقد ~~جعل الحق الجزاء من جنس العمل. وكان المنافقون ينافقون ليأخذوا من ~~المؤمنين ظواهر الإسلام كصون المال والدماء وليعتبرهم الجميع ظاهريا ~~وشكليا من المسلمين، وهم حين نافقوا المسلمين أعطاهم ms2215 المسلمون ما عندهم. ~~وعندما تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا الدين لله جعلهم الله مع ~~المؤمنين، ويعطي سبحانه لأهل الإيمان أجرا عظيما. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ ما يفعل الله... }. ### || [4.147] # وسبحانه قد أوضح من قبل أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، واستثنى ~~منهم من تاب وأصلح واعتصم بالله وأخلص، ويتحدث هنا عن فكرة العذاب نفسها، ~~ليجليها فيقول: { ما يفعل الله بعذابكم } وهذا استفهام، ~~والاستفهام أصلا سؤال من سائل يتطلب جوابا من مجيب. وسبحانه وتعالى ~~يريد أن يعرض قضية موثوقا بها فهو لا يأتي بها خبرا، فهو القادر على أن ~~يقول: أنا لا أفعل بعذابي لكم ولا أحقق لذاتي من ورائه شيئا، فلا استجلب ~~به لي نفعا ولا أدفع به عني ضرا. لكنه هنا لا يأتي بهذه القضية كخبر من ~~عنده، بل يجعل المنافقين يقولونها. مثال ذلك - ولله المثل الأعلى - يقول ~~واحد لآخر: أنت أهنتني. ومن الجائز أن يرد الآخر: أنا لم أهنك. وأقسم لك ~~أنني ما أهنتك. وقد يضيف: ابغني شاهدا. وهنا نجد مراحل المسألة تبدأ ~~بالإبلاغ عن عدم الإهانة، ثم القسم بأن الإهانة لم تحدث، ومن بعد ذلك طلب ~~شاهدا على أن الإهانة المزعومة قد حدثت. وقد يقول الإنسان ردا على من ~~يتهمه بالإهانة: أنا أترك لك هذه المسألة، فماذا قلت لك حتى تعتبره ~~إهانة؟ ومن يقول ذلك واثق أن من شعر بالإهانة لو أدار رأسه وفكره فلن يجد ~~كلمة واحدة تحمل في طياتها شبهة الإهانة. ولو كان الإنسان واثقا من أنه ~~أهان الآخر، فهو يخاف أن يقيم الآخر دليلا على صحة اتهامه له، ولكن حين ~~يقول له: وماذا قلت لك حتى تعتبر ذلك إهانة؟. فعليه أن يبحث ولن يجد. ~~وبذلك يكون الحكم قد صدر منه هو. وإذا كان الله يقول: { ما يفعل ~~الله بعذابكم } فهذا خطاب لجماعة كانت ستتعذب. وكانت فيهم محادة ~~لله. ورضي الله شهادتهم، فكأن هذه لفتة على أن العاصي يستحق العذاب بنص ~~الآية: { ما يفعل الله بعذابكم } ، ومستعد لهذا العذاب ~~لأنه محاد لله. ولكن الله ms2216 يقبل منه ومن أمثاله أن يشهدوا. وهذا دليل على ~~أن الإيمان الفطري في النفس البشرية، فإذا ما حزبها واشتد عليها الأمر لم ~~تجد إلا منطق الإيمان. ويوضح الحق للمنافقين: ماذا أفعل أنا بعذابكم؟ فلن ~~يجدوا سببا خاصا بالله ليعذبهم، فكأن الفطرة الطبيعية قد استيقظت فيهم ~~لأنهم سيديرون المسألة في نفوسهم. وعلى مستوانا نحن البشر نرى أن الذي ~~يدفع الإنسان ليعذب إنسانا آخر إنما يحدث ذلك ليشفي غيظ قلبه، أو ليثأر ~~منه لأنه قد آلمه فيريد أن يرد هذا الإيلام. أو ليمنع ضرره عنه. والله ~~سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون في أي موقع من هذه المواقع. فإذا أدار ~~المنافقون هذه المسألة فطريا بدون إيمان فلن يكون جوابهم إلا الآتي: لن ~~يفعل الله بعذابنا شيئا، إن شكرنا وآمنا. # ونستخلص من ذلك أن الحق سبحانه وتعالى حين يريد عرض قضية يثبت فيها ~~الحكم من الخصم نفسه، يلقيها على هيئة سؤال. وكان من الممكن أن يجري هذه ~~المسألة خبرا، إلا أن الخبر هو شهادة من الله لنفسه، أما السؤال فستكون ~~إجابته اقرارا من المقابل. وهذا يعمي أنهم كانوا عاصين ومخالفين. وكأنه ~~سبحانه قد ائتمنهم على هذا الجواب لأن الجواب أمر فطري لا مندوحة عنه. ~~وحين يدير الكافر رأسه ليظن بالله ما لا يليق، فلن يجد مثل هذا الظن ~~أبدا. { ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ~~وكان الله شاكرا عليما }. وإن لم يشكروا ولم يؤمنوا فما الذي ~~يناله الحق من عذابهم؟ ونعلم أن عظمة الحق أنه لا يوجد شي من طاعة يعود ~~إلى الله بنفع، ولا يوجد شيء من معصية يعود إلى الله بالضرر. ولكنه ~~يعتبر النفع والضرر عائدين على خلق الله لا على الله - سبحانه -. وسبحانه ~~يريدنا طائعين حتى نحقق السلامة في المجتمع، سلامة البشر بعضهم من بعض. ~~إذن فالمسألة التي يريدها الحق، لا يريدها لنفسه، فهو قبل أن يخلق الخلق ~~موجود وبكل صفات الكمال له، وبصفات الكمال أوجد الخلق. وإيجاد الخلق لن ~~يزيد معه شيئا، ولذلك قال في الحديث القدسي: # " يا ms2217 عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل ~~واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم ~~وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا ~~عبادي لو أن أولكم وآخركم وانسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ~~فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئا إلا كما ينقص المخيط ~~إذا أدخل البحر.. ". # إذن فالطاعة بالنسبة لله والمعصية بالنسبة لله، إنما لشيء يعود على خلق ~~الله. ولننظر إلى الرحمة من الحق سبحانه وتعالى الذي خلق خلقا ثم حمى ~~الخلق من الخلق، واعتبر سبحانه أن من يحسن معاملة المخلوق مثله فهو طائع ~~لله، ويحبه الله لأنه أحسن إلى صنعة الله. { ما يفعل الله ~~بعذابكم إن شكرتم وآمنتم } فإن تشكروا وتؤمنوا فلن يفعل ~~الله بعذابكم شيئا.. أي فقد أبعدتم أنفسكم عن استحقاق العذاب. وسبحانه ~~يريد أن يعدل مزاج المجتمع وتفاعلات أفراده مع بعضهم بعضا، وذلك حتى ~~يكون المجتمع ذا بقاء ونماء وتعايش. ونعلم أن لكل إنسان سمة وموهبة، وهذه ~~الموهبة يريدها المجتمع. فمن الجائز أن يكون لإنسان ما أرض ويريد أن يقيم ~~عليها بناء، وصاحب الأرض ليس مفترضا فيه أن يدرس الهندسة أولا حتى يصمم ~~البناء ورسومه، وليس مفترضا فيه أن يتقن حرفة البناء ليبني البيت، وكذلك ~~ليس مفروضا فيه أن يتعلم حرفة الطلاء والكهرباء وغيرهما. # وكذلك ليس من المفروض فيمن يريد ارتداء جلباب أن يتعلم جز الصوف من ~~الغنم أو غزل القطن وكيف ينسجه وكيف يقوم بتفصيله وحياكته من بعد ذلك، ~~لا، لا بد أن يكون لكل إنسان عمل ما ينفع الناس. إذن فلكل إنسان عمل ينفع ~~الناس به حتى يتحقق الاستطراق النفعي، ولأن كلا منا يحتاج إلى الآخر ~~فلا بد من إطار التعايش السلمي في الحياة. لا أن يكون العراك هو أساس كل ~~شيء لأن العراك يضعف القوة ويذهب بها سدى، وسبحانه يريد كل قوى المجتمع ~~متساندة لا متعاندة، ولذلك قال: { ما ms2218 يفعل الله بعذابكم ~~إن شكرتم وآمنتم }. أما إن لم تشكروا وتؤمنوا، فعذابكم تأديب ~~لكم، لا يعود على الله بشيء. ولماذا وضع الحق الشكر مع الإيمان؟ لنعرف ~~أولا ما الشكر؟ الشكر: هو إسداء ثناء إلى المنعم ممن نالته نعمته، ~~فتوجيه الشكر يعني أن تقول لمن أسدى لك معروفا: " كثر خيرك " ، وما ~~الإيمان؟ إنه اليقين بأن الله واحد. لكن ما الذي يسبق الآخر. الشكر أو ~~الإيمان؟ إن الإيمان بالذات جاء بعد الانتفاع بالنعمة، فعندما جاء ~~الإنسان إلى الكون وجد الكون منظما، ولم يقل له أحد أي شيء عن أي دين أو ~~خالق. ألا تهفو نفس هذا الإنسان إلى الاستشراف إلى معرفة من صنع له هذا ~~الكون؟ وعندما يأتي رسول، فالرسول يقول للإنسان: أنت تبحث عن القوة التي ~~صنعت لك كل هذا الكون الذي يحيط بك، إن اسمها الله، ومطلوبها أن تسير على ~~هذا المنهج. هنا يكون الإيمان قد وقع موقعه من النعمة. فالشكر يكون ~~أولا، وبعد ذلك يوجد الإيمان، فالشكر عرفان إجمالي، والإيمان عرفان ~~تفصيلي. والشكر متعلق بالنعمة. والإيمان متعلق بالذات التي وهبت النعمة. ~~{ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ~~وكان الله شاكرا عليما } والحق سبحانه يوضح لنا: أنا الإله ~~واهب النعمة أشكركم. كيف يكون ذلك؟ لنضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى ~~- أنت اشتريت لابنك بعضا من اللعب، ولم تفعل ذلك إلا بعد ان استوفيت ~~ضرورات الحياة، فلا أحد يأتي باللعب لابنه وهو لم يأت له بطعام أو ملابس. ~~إذن فأنت تأتي لابنك باللعب بعد الطعام والملبس ليملأ وقت فراغه، وهذا ~~يعني أن الضرورات قد اكتملت. وحين تقول لابنك: إن هذه اللعبة للعب فقط، ~~ستأخذها ساعة تحب أن تلعب، وتضعها في مكانها وقت أن تذاكر، فكل شيء هنا ~~في هذا المنزل له مهمة يجب أن يؤديها. وهذا يعني إنك كوالد تريد أن تؤدب ~~ابنك حتى يلعب بلعبته وقت اللعب ولا يلعب بأي شيء غيرها في المنزل لأنه ~~لو لعب بكل شيء في المنزل فلا بد من أن يكسر شيئا، فلا مجال ms2219 للعب في ~~التليفزيون أو في الساعة أو الثلاجة أو الغسالة حتى لا تتعطل تلك ~~الأجهزة. # وأنت كوالد تريد أن تفرق بين شيء يلعب به وشيء يجد به. وأشياء الجد لا ~~توجد إلا عند طلبها فقط فالغسالة لا تستخدم إلا ساعة غسل الملابس، ~~والساعة لا نستخدمها إلا لحظة أن نرغب في معرفة الوقت. والثلاجة لا ~~تفتحها إلا ساعة تريد أن تستخرج شيئا تأكله أو تشربه، والوالد يأتي للابن ~~بقليل اللعب ليضع له حدا بين الأشياء التي يمكنه أن يلعب بها وبين ~~الأشياء التي لا يصح أن يلعب بها، فأشياء المنزل يجب ألا يقرب منها الابن ~~إلا وقت استعمالها. لكن بالنسبة للعبة فالابن يلعب بها عندما يحين وقت ~~اللعب، لكن عليه أن يحافظ عليها. وعندما يرقب الوالد ابنه، ويجده منفذا ~~للتعليمات، ويحافظ على حاجات المنزل، ويلعب بلعبه محافظا عليها. وإن لم ~~يعلم الأب ابنه ذلك فقد يفسد الابن لعبه. وحين يقوم الابن بتنفيذ ~~تعليمات أبيه فالأب يرضى عنه ويسعد به. وعندما تخرج لعبة جديدة في السوق ~~فالأب الراضي عن ابنه يشتري له هذه اللعبة الجديدة لأن الولد صار مأمونا ~~لأنه يعرف قواعد اللعب مع المحافظة على أداة اللعب. ويعرف أيضا كيف يحافظ ~~على حاجات المنزل. ويزداد رضاء الأب عن تصرفات الابن. وينشأ عن هذا ~~الرضاء أن يشتري الأب لعبا جديدة. فإذا كان ذلك هو ما يحدث في العلاقة ما ~~بين الأب والابن، وهما مخلوقان لله، فما بالنا بالخالق الأعلى سبحانه ~~وتعالى الذي أوجد كل المخلوقات؟ إن الإنسان حين يضع كل المسائل في ضوء ~~منهج الله، فالله شاكر وعليم لأن الله يرضى عن العبد الذي يسير على ~~منهجه، وعندما يرضى الرب عن العبد فهو يعطي له زيادة. فالله شاكر بمعنى ~~أن البشر إن أحسنوا استقبال النعمة بوضع كل نعمة في مجالها فلا تتعدى ~~نعمة جادة، على نعمة هازلة، ولا نعمة هازلة على نعمة جادة، فالله يرضى عن ~~العباد. ومعنى رضاء الله أن يعطي البشر أشياء ليست من الضرورات فقط ولكن ~~ما فوق ذلك. ms2220 فسبحانه يعطي الضرورات للكل حتى الكافر. ويعطي سبحانه ما فوق ~~الضرورات وهي أشياء تسعد البشر. إذن فمعنى أن الله شاكر.. أي أنه سبحانه ~~وتعالى راض. ويثيب نتيجة لذلك ويعطي الإنسان من جنس الأشياء ويسمو عطاؤه، ~~مصداقا لقوله الحق: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7] فالشكر هنا موجه من العبد للرب، والزيادة من الرب إلى ~~العبد. وإياك أيها الإنسان أن تصنع الأشياء شكليا، مثل الطفل الذي يصون ~~لعبته لحظة أن يرى الأب. ومن فور أن يختفي الأب من أمام عيني الطفل فهو ~~يفسد اللعبة، والله ليس كالأب أبدا، فالأب قدراته محدودة، ولكن الله هو ~~الخالق الأعلى الذي لا تخفى عليه خافية أبدا وسبحانه شاكر، وهو أيضا ~~عليم. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: { لا يحب الله ~~الجهر... }. ### || [4.148] # إنه سبحانه وتعالى يريد أن يحمي آذان المجتمع الإيماني من " قالات السوء ~~".. أي من الألفاظ الرديئة لأننا نعلم أن الناس إنما تتكلم بما تسمع، ~~فاللفظ الذي لا تسمعه الأذن لا تجد لسانا يتكلم به، ونجد الطفل الذي نشأ ~~في بيت مهذب لا ينطق ألفاظا قبيحة، وبعد ذلك تجيء على لسانه ألفاظ قبيحة ~~وحينئذ نتساءل: من أين جاءت هذه الألفاظ على لسان هذا الابن؟ ونعرف أنها ~~جاءت من الشارع لأن البيئة الدائمة للطفل ليس بها ألفاظ رديئة، وعندما ~~يتقصى الإنسان عن مصدر هذه الألفاظ، يعرف أن الطفل المهذب قضى بعضا من ~~الوقت في بيئة أخرى تسربت إليه منها بعض الألفاظ الرديئة. إذن فاللغة هي ~~بنت المحاكاة. وما تسمعه الأذن يحكيه اللسان. ونعلم أن اللغة ليست جنسا ~~وليست دما، بمعنى أن الطفل الإنجليزي لو نشأ في بيئة عربية، فهو يتحدث ~~العربية. ولو أخذنا طفلا عربيا ووضعناه في بيئة إنجليزية فسيتكلم ~~الإنجليزية. واللغة الواحدة فيها ألفاظ لا يتكلم بها لسان إلا إن سمعها، ~~وإن لم يسمعها الإنسان فلن ينطق بها. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي ~~المجتمع الإيماني من قالات السوء التي تطرق آذان الناس لأنها ستعطيهم لغة ~~رديئة لأن الناس إن تكلمت بقالات السوء، فسيكون شكل المجتمع ms2221 غريبا، ~~وتتردد فيه قالات سوء في آذان السوء، فكأن الحق سبحانه يوضح: إياكم أن ~~تنطق ألسنتكم بأشياء لا يحبها الله، فليست المسألة أن يريد الإنسان نفسه ~~فقط بنطق كلمة، ولكن نطق هذه الكلمة سيرهق أجيالا لأن من يسمع الكلمة ~~الرديئة سيرددها، وسيسمعها غيره فيرددها، وتتوالى القدوة السيئة. ويتحمل ~~الوزر الإنسان الذي نطق بكلمة السوء أولا. وقالات السوء هذه قد تكون ~~بالحق وقد تكون بالباطل، فإن كانت في الحق مثلا فلن نستطيع أن نقول: إن ~~كل الناس أهل سوء. وقد يبتدئ إنسان آخر بسباب، ويجوز أن يدعي إنسان على ~~آخر سبابا. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي الآذان الإيمانية من ~~ألسنة السوء، لذلك يقول: { لا يحب الله الجهر بالسوء ~~من القول } ومقابلها بالطبع هو: أن الله يحب الجهر بالحسن من القول. ~~وساعة يحبك الحق المجتمع هذه الحبكة الإيمانية، أيعالج ملكة على حساب ~~ملكة أخرى؟. لا. ونعلم أن النفس فيها حب الانتقام وحب الدفاع عن النفس ~~وحب الثأر وما يروح به عن نفسه ويخفف ما يجده من الغيظ. والمثل العربي ~~يقول: " من استغضب ولم يغضب فهو حمار " لأن الذي يستغضب ولا يغضب ~~يكون ناقص التكوين، فهل معنى ذلك أن الله يمنع الناس من قول كلمة سوء ~~ينفث بها الإنسان عن صدره ويريح بها نفسه؟ لا، لكنه - سبحانه - يضع شرطا ~~لكلمة السوء هو: { إلا من ظلم } لأن الظلم هو أخذ حق من إنسان ~~لغيره. # وكل إنسان حريص على نفسه وعلى حقوقه. فإن وقع ظلم على إنسان فملكات نفسه ~~تغضب وتفور، فإما أن ينفث بما يقول عن نفسه، وإما أن يكبت ويكتم ذلك. فإن ~~قال الله: { لا يحب الله الجهر بالسوء من القول ~~} واكتفى بذلك، لكان كبتا للنفس البشرية. وعملية الكبت هذه وإن كانت ~~طاعة لأمر الله لأنه لا يحب الجهر بالسوء من القول، ولكن قد ينفلت الكبت ~~عند الانفعال، وينفجر لذلك يضع الحق الشرط وهو وقوع ظلم. فيوضح سبحانه: ~~أنا لأ أحب الجهر بالسوء من القول، وأسمح به في حدوده المنفثة عن ms2222 غيظ ~~القلوب لأني لا أحب أن أصلح ملكة على حساب ملكة أخرى. ولذلك كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الغضب جمرة توقد في القلب ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه ~~فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئا فإن كان قائما فليجلس، وإن كان جالسا فلينم ~~فإن لم يزل ذلك فليتوضأ بالماء البارد أو يغتسل فإن النار لا يطفئها إلا ~~الماء ". # أي أن يتحرك الإنسان من فور إحساسه بالغضب فيغير من وضعه أو يقوم إلى ~~الصلاة بعد أن يتوضأ أو يغتسل لأنه بذلك ينفث تنفيثا حركيا ليخفف من ~~ضغط المواجيد على النفس الفاعلة تماما كما يفك إنسان صماما عن آلة بها ~~بخار ليخرج بعض البخار. إذن فمن وقع عليه ظلم له أن يجهر بالسوء. والجهر ~~له فائدتان: الأولى: أن ينفث الإنسان عن نفسه فلا يكبت، وثانيا: أنه ~~أشاع وأعلن أن: هذا إنسان ظالم، وبذلك يحتاط الناس في تعاملهم معه. وحتى ~~لا يخدع إنسان نفسه ويظن بمنجاة عن سيئاته، فلو ستر كل إنسان الظلم الذي ~~وقع عليه لاستشرى الظلم في عمل السيئات. ولكن إياك أن تتوسع أيها العبد ~~في فهم معنى كلمة " ظلم " هذه لأن الذي ينالك ممن ظلمك إما فعل وإما قول. ~~وعليك أيها المسلم أن تقيس الأمر بمقياس دقيق على قدر ما وقع عليك من ~~ظلم. # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194] إذن فالحق سبحانه وتعالى لا يعطينا في الاستثناء إلا على ~~قدر الضرورة. ويوضح: إياكم أن تزيدوا على هذه الضرورة، فإن كان ظلمكم ~~بقول فأنا السميع. وإن كان ظلمكم بفعل فأنا العليم، فلا يتزيد واحد عن ~~حدود اللياقة. وبذلك يضع الحق الضوابط الإيمانية والنفسية فأزاح الكبت ~~وفي الوقت نفسه لم يقفل باب الطموح الإيماني. لقد سمح للعبد أن يجهر إن ~~وقع عليه ظلم. لكن إن امتلك الإنسان الطموح الإيماني فيمكنه ألا يجهر ~~وأن يعفو. إذن فهناك فارق بين أمر يضعه الحق في يد الإنسان، وأمر يلزمه ~~به قسرا وإكراها عليه فمن ناحية ms2223 الجهر، جعل سبحانه المسألة في يد ~~الإنسان، ويحب سبحانه أن يعفو الإنسان لأن المبادئ القرآنية يتساند بعضها ~~مع بعض. # وسبحانه يقول: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34] فإن أباح الله لك أن تجهر بالسوء من القول إذا ظلمك أحد، ~~فقد جعل لك ألا تجهر بل تعفو عنه، وغالب الظن أن صاحب السوء يستخزى ~~ويعرف أن هناك أناسا أكرم منه في الخلق، ولا يتعب إنسان إلا أن يرى ~~إنسانا خيرا منه في شيء. وعندما يرى الظالم أن المظلوم قد عفا فقد ~~تنفجر في نفسه الرغبة أن يكون أفضل منه. إذن فالمبدأ الإيماني: { ادفع ~~بالتي هي أحسن } جعله الله مجالا محبوبا ولم يجعله قسرا ~~لأنك إن أعطيت الإنسان حقه، ثم جعلت لأريحيته أن يتنازل عن الحق فهذا ~~إرضاء للكل. وهكذا ينمي الحق الأريحية الإيمانية في النفس البشرية لأنه ~~لو جعلها قسرا لأصلح ملكة على حساب ملكة أخرى. ولذلك إذا رأيت إنسانا ~~قد اعتدى على إنسان آخر، فدفع الإنسان المعتدى عليه بالتي هي أحسن وعفا ~~وأصلح فقد ينصلح حال المعتدي، وسبحانه القائل: { ادفع بالتي هي ~~أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم }. فإذا تمادى من بعد ذلك فعلى الإنسان أن يعرف أن الله ~~لا يكذب أبدا، ولا بد أن الخلل في سلوكك يا من تظن أنك دفعت بالتي هي ~~أحسن. قد يكون الذي دفع بالتي هي أحسن قد قال بلهجة من التعالي: سأعفو ~~عنك، ومثل هذا السلوك المتكبر لا يجعل أحدا وليا حميما. لكن إن دفع ~~حقيقة بالتي هي أحسن تواضعا وسماحة، فلا بد أن يصير الأمر إلى ما قاله ~~الله: { فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم }. والتفاعلات النفسية المتقابلة يضعها الله في إطارات ~~واضحة وسبحانه القائل: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194] وذلك حتى لا يستشرى المعتدي أيضا، فهناك إنسان إذا ~~تركناه مرة ومرة. يستشرى، لكن إذا ما أوقفناه عند حده فهو يسكت، وبذلك ~~نرحم المجتمع من ms2224 استشراء الفساد. ويصعب الحق المسألة في رد الاعتداء. ~~ويثور سؤال: من القادر على تحقيق المثلية بعدالة؟. ونجد على سبيل المثال ~~إنسانا ضرب إنسانا آخر صفعة على الوجه، فبأية قوة دفع قد ضرب؟ وفي أي ~~مكان ضرب؟ ولذلك نجد أن رد العدوان على درجة المثلية المتساوية أمر صعب. ~~ومادام المأمور به أن أعتدى بمثل ما اعتدى به علي ولن أستطيع تحقيق ~~المثلية، ولربما زاد الأمر على المثلية وبعد أن كنت المعتدى عليه صرت ~~المعتدي، بذلك يكون العفو أقرب وأسلم. والعمليات الشعورية التي تنتاب ~~الإنسان في التفاعلات المتقابلة يكون لها مواجيد في النفس تدفع إلى ~~النزوع. # والعملية النزوعية هي رد الفعل لما تدركه، فإن آذاك إنسان وأتعبك واعتدى ~~عليك فأنت تبذل جهدا لتكظم الغيظ، أي أن تحبس الغيظ على شدة. فالغيظ ~~يكون موجودا، ولكن المطلوب أن يمنع الإنسان الحركة النزوعية فقط. وعلى ~~المغتاظ أن يمنع نفسه من النزوع، وإن بقي الغيظ في القلب. # والكاظمين الغيظ # [آل عمران: 134] هذه مرحلة أولى تتبعها مرحلة ثانية هي: # والعافين عن الناس # [آل عمران: 134] فإذا كان المطلوب في المرحلة الأولى منع العمل النزوعي، ~~فالأرقى من ذلك أن تعفو، والعفو هو أن تخرج المسألة التي تغيظك من قلبك. ~~وإن كنت تطلب مرحلة أرقى في كظم الغيظ والعفو فأحسن إليه لأن من يرتكب ~~الأعمال المخالفة هو المريض إيمانيا. وعندما ترى مريضا في بدنه فأنت ~~تعاونه وتساعده وإن كان عدوا لك. وتتناسى عدواته فما بالنا بالمصاب في ~~قيمه؟ إنه يحتاج منا إلى كظم الغيظ، أو العفو كدرجة أرقى، أو الاحسان ~~إليه كمرحلة أكثر علوا في الارتقاء. إذن فالحق سبحانه وتعالى يبيح أن ~~تعتدي بالمثل، ثم يفسح المجال لنكظم الغيظ فلا نعتدي ولكن يظل السبب في ~~القلب، ثم يرتقي بنا مرحلة أخرى إلى العفو وأن نخرج المسألة من قلوبنا، ~~ثم يترقى ارتقاء آخر، فيقول سبحانه: { والله يحب المحسنين ~~} ، ومن فينا غير راغب في حب الله؟ وهكذا نرى أن الدين الإسلامي يأمر بأن ~~يحسن المؤمن إلى من أساء إليه. وقد يتساءل إنسان: ms2225 كيف تطلب مني أن أحسن ~~إلى من أساء إلي؟ والرد: أنت وهو لستما بمعزل عن القيوم فهو قيوم ولا ~~تأخذه سنة ولا نوم، وكل شيء مرئي له وكلاكما صنعة الله، وعندما يرى الله ~~واحدا من صنعته يعتدي عليك أو يسيء إليك فسبحانه يكون معك ويجيرك، ويقف ~~إلى جانبك لأنك المعتدى عليه. إذن فالإساءة من الآخر تجعل الحق سبحانه ~~في جانبك، وتكون تلك الإساءة في جوهرها هدية لك. وعندما نفلسف كل المسائل ~~نجد أن الذي عفا قد أخذ أكثر مما لو كان قد انتقم وثأر لنفسه لأنه إن ~~انتقم سيفعل ذلك بقدرته المحدودة، وحين يعفو فهو يجعل المسألة لله وقدرته ~~سبحانه غير محدودة، إن أراد أن يرد عليه، وبعطاء غير محدود إن أراد أن ~~يرضى المعتدي عليه. هذا هو الحق سبحانه وتعالى عندما يلجأ إليه المظلوم ~~العافي المحسن. وهو السميع العليم بكل شيء. ويقول الحق من بعد ذلك: { إن ~~تبدوا خيرا... }. ### || [4.149] # لقد عرفنا أن الحق لا يسمح لك بالجهر بالسوء من القول إلا إذا كنت ~~مظلوما. وهذا يعني أن المسألة تحتمل الجهر وتحتمل الإخفاء، فقال: { إن ~~تبدوا خيرا } أي إن تظهر الخير، أو تخفي ذلك، أو تعفو عن السوء. ~~وكل هذه الأمور من ظاهر وخفي من الأغيار البشرية، لكن شيئا لا يخفى على ~~الله. ولا يمكن أن يكون للعفو مزية إيمانية إلا إذا كان مصحوبا بقدرة، ~~فإن كان عاجزا لما قال: عفوت. وسبحانه يعفو مع القدرة. فإن أردت أن تعفو ~~فلتتخلق بأخلاق منهج الله، فيكون لك العفو مع القدرة. ولنا أن نعلم أن ~~الحق لا يريد منا أن نستخزي أو نستذل ولكن يريد منا أن نكون قادرين، ~~ومادمنا قادرين فالعفو يكون عن قدرة وهذه هي المزية الإيمانية لأن عفو ~~العاجز لا يعتبر عفوا. والناس تنظر إلى العاجز الذي يقول: إنه عفا - وهو ~~على غير قدرة - تراه أنه استخزى. أما من أراد أن يتخلق بأخلاق منهج الله ~~فليأخذ من عطاءات الله في الكون، ليكون قادرا وعزيزا بحيث إن ناله سوء، ~~فهو ms2226 يعفو عن قدرة { فإن الله كان عفوا قديرا }. وقلنا من ~~قبل: إنك إذا لمحت كلمة " كان " على نسبة لله سبحانه وتعالى كنسبة ~~الغفران له أو الرحمة، فعلينا أن نقول: كان ولا يزال لأن الفعل مع الله ~~ينحل عن الزمان الماضي وعن الحاضر وعن المستقبل فهو سبحانه مادام قد كان، ~~وهو لا تناله الأغيار، فهو يظل إلى الأبد. ويقول الحق بعد ذلك: { إن ~~الذين يكفرون... }. ### || [4.150] # وسبحانه يريد أن يجعل من قضية الإيمان قضية كلية واحدة لا أبعاض فيها، ~~فليس إعلان الإيمان بالله وحده كافيا لأن يكون الإنسان مؤمنا لأن مقتضى ~~أن تؤمن بالله يحتاج إلى رسول يعرفك أن الخالق هو الذي سخر لك قوى الكون ~~واسمه الله. وأنت لا تهتدي إلى معرفة اسم القوة الخالقة لك إلا بوساطة ~~رسول منزل من عند الله. ونعرف أن عمل العقل في الاستنباط العقدي عاجز عن ~~معرفة اسم خالق الكون لأن الإنسان قد طرأ على كون منظم، وكان من الواجب ~~عليه أن يلتفت لفتة ليعلم القوة التي سبقت هذا الوجود وخلقته وأن الإنسان ~~قد طرأ على وجود متكامل. وقد يسمع الإنسان من أبيه - مثلا - أن هذا ~~البيت بناه الأب أو الجد، وذلك الشيء فعله فلان ابن فلان. لكن لم يسمع ~~أحدا يقول له: " ومن بنى السماء؟ " ولم يسمع أحدا يقول: " ومن خلق ~~الشمس؟ " ، مع أن الناس تدعي ما ليس لها، فكيف يترك أعظم ما في كون الله ~~بدون أن نعرف من أوجده؟. إننا نجد الناس تؤرخ للشيء التافه أو المهم ~~نسبيا في حياتهم، نجد دراسات عن تاريخ أحجار، ودراسات عن تاريخ صناعة ~~الأشياء تاريخ المصباح الكهربي الذي اخترعه اديسون وقام بتوليد الكهرباء ~~من مصادر ضئيلة ويسيره، باختصار، نجد أن كل شيء في هذا الوجود له تاريخ، ~~وهذا التاريخ يرجع بالشيء إلى أصل وجوده. وأنت إن نسبت أي صنعة مهما كانت ~~مهمة أو تافهة نكتشف أن واحدا تلقاها عن واحد، ولم يبتكرها هو دفعة ~~واحدة. إن كل مبتكر أخذ ما انتهى إليه سابقه وبدأ عملا ms2227 جديدا إلى أن ~~وصلت المخترعات بميلادها، ومن يصدق أن مصباحا يضيء وينطفئ ويحترق يصنعه ~~إنسان ونعرف له تاريخا، وبعد ذلك ننظر إلى الشمس التي لم تخفت ولم تضعف ~~ولم تنطفئ ولم تحترق، والمصباح ينير حيزا قليلا يسيرا، والشمس تنير ~~كونا ووجودا، ألا تحتاج الشمس إلى من يفكر في تاريخها؟ لقد سبق لنا أن ~~قلنا: إن الإنسان حينما ينظر إلى الكون نظرة بعيدة عن فكرة الدين وبعيدا ~~عن بلاغ الرسل عن الخالق وكيفية الخلق ومنهج الهداية، فهو يقول لنفسه: ~~تختلف مقادير الناس باختلاف مراكزها وقوتها فيما يفعلون، هناك من يجلس ~~على كرسي من شجر الجميز. وآخر على كرسي مصنوع من شجر الورد، وثالث يجلس ~~على حصيرة. إن الإنسان يعيش بصناعات غيره من البشر حسب قدره ومكانته ~~فالريفي أو البدوي يشعل النار بصك حديدة بحجر الصوان ويحتفظ بالنار لمدة ~~يستخدمها لأكثر من مرة، وعندما يرتقي في استخدام النار يستخدم " مسرجة " ~~، ولما ازداد تحضرا استخدم " مصباح جاز " بزجاج ولها أرقام تدل على ~~قدرتها على الإضاءة. # فهناك مصباح رقم خمسة، ورقمها دليل على قوتها الخافتة، وتتضاعف قوة " ~~المصباح " من بعد ذلك حسب المساحة المطلوب إنارتها. ولما ارتقى الإنسان ~~أكثر استخدم " الكلوب ". ولما ارتقى أكثر استخدم الكهرباء أو النيون أو ~~الطاقة الشمسية، فإذا ما أشرقت الشمس فكل إنسان يطفئ الضوء الذي يستخدمه، ~~فنورها يغني عن أي نور. وفي الليل يحاول الإنسان أن تكون حالة الكهرباء ~~في منزله جيدة خشية أن ينقطع سلك ما فيظلم المكان. فما بالنا بالشمس التي ~~لا يحدث لها مثل ذلك. إننا نجد الإنسان على مر التاريخ يحاول أن يرقى إلى ~~فهم طلاقة قدرة الحق، وإن لم يأت رسول، أما أسماء القدرة الخالقة فلا ~~يعرفها أحد بالعقل بل بوساطة الرسل. فاسم " الله " اسم توقيفي. فكيف ~~يتأتى - إذن - مثل قول هؤلاء: سنؤمن بالله ونكفر برسله؟ كيف عرفوا - إذن ~~- أن القوة التي سيؤمنون بها اسمها الله؟ لا بد أنهم قد عرفوا ذلك من ~~خلال رسول لأن الإيمان بالله إنما يأتي بعد بلاغ عن الله ms2228 لرسول ليقول ~~اسمه لمن يؤمن به. وهل الإيمان بالله كقوة خفية قوية مبهمة وعظيمة يكفي؟ ~~أو أن الإنسان لا بد له أن يفكر فيما تطلبه منه هذه القوة؟ وإذا كانت هذه ~~القوة تطلب من الإنسان أن يسير على منهج معين، فمن الذي يبلغ هذا المنهج؟ ~~لا بد إذن من الرسول يبلغنا اسم القوة الخالقة ومطلوبها من الإنسان للسير ~~على المنهج، ويشرح لنا كيفية طاعة هذه القوة. فلا أحد - إذن - يستطيع أن ~~يفصل الإيمان بالله عن الرسول، وإلا كان إيمانا بقوة مبهمة. ولا يجترئ ~~صاحب هذا اللون من الإيمان أن يقول: إن اسم هذه القوة " الله " لأن هذا ~~الاسم يحتاج إلى بلاغ من رسول. إذن فعندما يسمع أحدنا إنسانا يقول: أنا ~~أؤمن بالله ولكن لا أؤمن بالرسل: علينا أن نقول له: هذا أول الزلل العقلي ~~لأن الإيمان بالله يقتضي الإيمان ببلاغ جاء به رسول لأن الإيمان بالله لا ~~ينفصل عن الإيمان بالرسول. والحق سبحانه وتعالى خلق آدم بعد أن خلق الكون ~~وبقية المخلوقات، ولا نجد من يدعي أن آدم هو أول من عمر هذا الوجود. # وما آدم في منطق العقل واحد # ولكنه عند القياس أوادم # ومن الممكن أن نقول: إن هناك خلقا كثيرا قد سبقوا آدم في الوجود، ولكن ~~آدم هو أول الجنس البشري. وعندما خلقه الله علمه الأسماء كلها حتى يستطيع ~~أن يسير في الوجود، فلو لم يكن قد تعلم الأسماء لما استطاع أن يتحدث مع ~~ولد من أولاده، ولما استطاع - على سبيل المثال - أن يقول لابن من أبنائه: ~~انظر أاشرقت الشمس أم لا؟ إذن كان لا بد لآدم من معرفة الأسماء كلها من ~~خلال معلم لأن اللغة بنت المحاكاة لأن أحدا لا يستطيع أن يتكلم كلمة إلا ~~بعد أن يكون قد سمعها. # والواحد منا سمع من أبيه، والآباء سمعوا من الأجداد، وتتوالى المسألة ~~إلى أن تصل إلى آدم، فممن سمع آدم حتى يتكلم أول كلمة؟ لا بد أنه الله، ~~وهذه مسألة يجب أن يعترف بها كل إنسان عاقل. إذن ms2229 قول الحق في قرآنه: # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31] هو كلام منطقي بالإحصاء الاستقرائي، وهو قول يتميز بمنتهى ~~الصدق. والإنسان منا عندما يعلم ابنه الكلام يعلمه الأسماء. أما الأفعال ~~فلا أحد يعرف كيف تعلمها. الإنسان يقول لابنه: هذا كوب، وهذه منضدة، وذلك ~~طبق، وهذا طعام، لكن لا أحد يقول لابنه: " شرب " معناها كذا، و " أكل " ~~معناها كذا. إذن فالخميرة الأولى للكلام هي الأسماء، وبعد ذلك تأتي ~~المزاولات والممارسات ليتعلم الإنسان الأفعال. لقد ترك الحق لنا في كونه ~~أدلة عظيمة تناسب عظمته كخالق لهذا الكون. والرسول هو الذي يأتي بالبلاغ ~~عنه سبحانه، فيقول لنا اسم القوة: " الله " ، وصفاتها هي " كذا " ، ومن ~~يطعها يدخل الجنة، ومن يعصها يدخل النار، ولو لم يوجد رسول نظل تائهين ~~ولا نعرف اسم القوة الخالقة ولا نعرف مطلوبها، وهذا ما يرد به على ~~الجماعة التي تعبد الشمس أو تعبد القمر أو النجوم ونقول لهم: هل أنتم ~~تعبدون الشمس؟ لعلكم فعلتم ذلك لأنها أكبر قوة في نظركم. لكن هناك سؤال ~~هو: " ما العبادة "؟ الإجابة هي: العبادة طاعة عابد لمعبود، فماذا طلبت ~~منكم الشمس أن تفعلوه وماذا نهتكم ومنعتكم الشمس ألا تفعلوه؟ ويعترف عبدة ~~الشمس: لم تطلب الشمس منا شيئا. وعلى ذلك فعبادتهم للشمس لا أساس لها ~~لأنها لم تحدد منهجا لعبادتها، ولا تستطيع أن تعد شيئا لمن عبدها، فإله ~~بلا منهج لا قيمة له. وهكذا نرى أن عبادة أي قوة غير الله هي عبادة تحمل ~~تكذيبها، والإيمان بالله لا ينفصل أبدا عن الإيمان بالقوة المبلغة عن ~~الله إنها الرسل. ويشرح الرسول لنا كيف يتصل بهذه القوة الإلهية، وتشرح ~~القوة الإلهية لنا كيفية اتصاله بالرسول البشري بوساطة خلق آخر خلقته هذه ~~القوة المطلقة لأن الرسول من البشر، والبشر لا يستطيع أن يتلقى عن القوة ~~الفاعلة الكبرى. ونحن نفعل مثل هذه الأشياء في صناعتنا. ونعلم أن الإنسان ~~عندما يريد أن ينام لا يرغب في وجود ضوء في أثناء نومه، فيتخذ الليل سكنا ~~ويتمتع بالظلمة، لكن إن استيقظ في الليل فهو ms2230 يخاف أن يسير في منزله بدون ~~ضوء حتى لا يصطدم بشيء، لذلك يوقد مصباحا صغيرا في قوة الشمعة الصغيرة ~~ليعطي نفسه الضوء، ونسميها " الوناسة ". # ولا نستطيع توصيل هذا المصباح الصغير بالكهرباء مباشرة، وإنما نقوم ~~بتركيب محول صغير يأخذ من القوة الكهربية العالية ويعطى للمصباح الصغير، ~~فما بالنا بقوة القوى؟ إن الله جعل خلقا آخر هم الملائكة ليكونوا واسطة ~~بينه وبين رسله. وهؤلاء الرسل أعدهم سبحانه إعدادا خاصا لتلقي هذه ~~المهمة. إذن فالذين يريدون أن يؤمنوا بالله ثم يكفروا برسله نقول لهم: ~~لا، هذا إيمان ناقص. ووضع الحق سبحانه وتعالى الإيمان بالرسل كلهم في ~~صيغة جمع حتى لا تفهم كل أمة أن رسولها فقط هو الرسول المنزل من عند ~~الله، بل لا بد أن تؤمن كل أمة بالرسل كلهم لأن كل رسول إنما جاء على ~~ميعاده من متطلبات المجتمع الذي يعاصره، وكلهم جاءوا بعقائد واحدة، فلم ~~يأت رسول بعقيدة مخالفة لعقيدة الرسول الآخر وإن اختلفوا في الوسائل ~~والمسائل التي تترتب عليها الارتقاءات الحياتية. وقد خلق الحق أولا ~~سيدنا آدم وخلق منه زوجته حواء، اثنين فقط ثم قال سبحانه: # وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء # [النساء: 1] كان الاثنان يعيشان معا وأنجبا عددا من الأبناء، وتناسل ~~الأبناء فصار مطلوبا لكل أسرة من الأبناء بيتا، وكل بيت فيه أسرة يحتاج ~~إلى رقعة من الأرض ليستخرج منها أفراد الأسرة خيرات تكفي الطعام. وكل فرد ~~يحتاج على الأقل إلى نصف فدان ليستخرج منه حاجته للطعام. وكلما كثر النسل ~~اتسعت رقعة الوجود بالمواصلات البدائية، فهذا إنسان ضاقت به منطقته فرحل ~~إلى منطقة أخرى فيها مطر أكثر ليستفيد منه أو خير أكثر يستخرجه. وتنتشر ~~الجماعات وتنعزل. وصارت لكل جماعة عادات وتقاليد وأمراض ومعايب غير ~~موجودة في الجماعة الأخرى. ولذلك ينزل الحق سبحانه وتعالى رسولا إلى كل ~~جماعة ليعالج الداءات في كل بيئة على حدة. وسخر الحق سبحانه وتعالى بعض ~~العقول لاكتشافات الكون، وبعد ذلك يصبح الكون قطعة واحدة، فالحدث يحدث في ~~أمريكا لنراه في اللحظة نفسها في مصر. وزادت ms2231 الارتقاءات. ولذلك كادت ~~العادات السيئة تكون واحدة في المجتمع الإنساني كله، فتظهر السيئة في ~~أمريكا أو ألمانيا لنجدها في مجتمعنا. إذن فالارتقاءات الطموحية جعلت ~~العالم وحدة واحدة: آفاته واحدة، وعاداته واحدة. وعندما يأتي الرسول ~~الواحد يشملهم كلهم. ولذلك كان لا بد أن يأتي الرسول الخاتم الجامع صلى ~~الله عليه وسلم لأن العالم لم يعد منعزلا، ليخاطب الجمع كله، وهو خير ~~الرسل، وأمته خير الأمم إن اتبعت تعاليمه. ومن ضرورة إيمان رسول الله ~~والذين معه أن يؤمنوا بمن سبق من الرسل. والذين يحاولون أن يفرقوا بين ~~الرسل هم قوم لا يفقهون،. فاليهود آمنوا بموسى عليه السلام وأرهقوه ~~وكفروا بعيسى. وعندما جاء عيسى عليه السلام آمن به بعض، وعندما جاء محمد ~~صلى الله عليه وسلم آمن به بعض وكفر به بعض. # ولذلك سمى الحق كفرهم بالنبي الخاتم: ثم ازدادوا كفرا. أي أنه كفر في ~~القمة، فلن يأتي نبي من بعد ذلك. واكتمل به صلى الله عليه وسلم موكب ~~الرسالات. إذن فالمراد من الآية أن الإيمان فيه إيمان قمة، تؤمن بقوة ~~لكنك لا تعرف اسم هذه القوة ولا مطلوبات هذه القوة ولا ما أعدته القوة من ~~ثواب للمطيع ولا من عقاب للعاصي. ولذلك كان ولا بد أن يوجد رسول لأن ~~العقل يقود إلى ضرورة الإيمان بالله والرسل. وجاء الرسل في موكب واحد ~~لتصفية العقيدة الإيمانية لإله واحد، فلا يقولن واحد: لقد آمنت بهذا ~~الرسول وكفرت ببقية الرسل. والآية التي نحن بصددها الآن تتعرض لذلك ~~فتقول: # إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ~~سبيلا # [النساء: 150] ونحن نعلم أن " كفر " معناها " ستر ". والستر - كما نعلم ~~- يقتضي شيئا تستره، والشيء الذي يتم ستره موجود قبل الستر لا بعد الستر. ~~والذي يكفر بوجود الله هو من يستر وجود الله فكأن وجود الله قد سبق الكفر ~~به. إذن فكلمة الكفر بالله دليل على وجود الله. ونقول للكافر: ماذا سترت ~~بكفرك؟ وستكون إجابته هي: " الله ms2232 ". أي أنه آمن بالله أولا. { إن ~~الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله } هم الحمقى لأن هذا أمر غير ~~ممكن، وكل رسول إنما جاء ليصل المرسل إليهم بمن أرسله. ولذلك نجد قوله ~~الحق: # وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله # [التوبة: 74] إنه حدث واحد من الله ورسوله. لذلك نجد أن الحمقى هم من ~~يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله: { ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض } لهؤلاء نقول: إن الإيمان قضية كلية، فموكب الرسالة ~~من الحق سبحانه وتعالى يتضمن عقائد واحدة ثابتة لا تتغير. والحق يقول: # إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح # [النساء: 163] وهذا يؤكد أن قضايا العقائد إنما جاءت من نبع واحد لعقيدة ~~واحدة. فماذا - إذن - يريدون بمسألة الإيمان ببعض الرسل والكفر بالبعض ~~الآخر؟ يريدون السلطة الزمنية. وكان القائمون على أمر الدين قديما هم ~~الذين يتصرفون في كل أمر، في القضاء وفي الهندسة وفي كل شيء، لذلك وثق ~~فيهم الناس على أساس أنهم المبلغون عن الله الذين ورثوا النبوات وعرفوا ~~العلم عن الله. ونجد العلوم الارتقائية في الحضارات القديمة كحضارة قدماء ~~المصريين كالتحنيط وغيرها تلك التي مازالت إلى الآن لغزا، إنما قام ~~بأمرها الكهنة، وهم - كما نعلم - المنسوبون إلى الدين. كأن الأصل في كل ~~معلومات الأرض هي من هبة السماء. # لماذا إذن أخرج البشر وسنوا قوانين من وضعهم؟ لقد فعل البشر ذلك لأن ~~السلطة الزمنية استولى عليها رجال الدين. ما معنى كلمة " سلطة زمنية ". ~~كان الناس يلجأون إلى رجل الدين في كل أمورهم، ويفاجأ رجل الدين بأنه ~~المقصود من كل البشر، ويغمره الناس بأفضالهم ويعطونه مثل القرابين التي ~~كانت تعطى للآلهة، فيعيش في وضع مرفه هو وأهله ويزداد سمنة من كثرة ~~الطعام والمتعة. وعندما يأتي إليه أحد في مسألة فهو يحاول أن يقول الرأي ~~الذي يؤكد به سلطته الزمنية، فإذا ما جاء رسول ليلغي هذه الامتيازات، ~~يسرع بتكذيبه ليظل - كرجل كهنوت - على قمة السلطة. ولذلك قال فيهم الحق: # اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا # [التوبة: 9] أي ms2233 استبدلوا بآيات الله ثمنا قليلا من متاع الدنيا. فأخذوا ~~الشيء الحقير من متاع الدنيا وتركوا آيات الله دون أن يعملوا بها. وعندما ~~نبحث في تاريخ القانون. نجد قانونا إنجليزيا وآخر فرنسيا أو رومانيا، ~~ونجد أن المصادر الأولى لهذه القوانين هي ما كان يحكم به الكهنة. والذي ~~جعل الناس تنعزل عن الكهنة هو استغلالهم للسلطة الزمنية. والتفت البشر ~~الذين عاصروا هؤلاء الكهنة أن الواحد منهم يقضي في قضية بحكم، ثم يقضي في ~~مثيلاتها بحكم مخالف، ويغير من حكمه لقاء ما يأخذ من أجر، فتشكك فيهم ~~الناس، وعرفوا أنهم يلوون الأحكام حسب أهوائهم لذلك ترك الناس حكم ~~الكهنة، ووضعوا هم القوانين المناسبة لهم. إذن فالسلطة الزمنية هي التي ~~جعلت من أتباع بعض الرسل يتعصبون لرسلهم. فإذا ما جاء رسول آخر، فإن ~~أصحاب السلطة الزمنية يقاومون الإيمان برسالته حتى لا يأخذ منهم السلطة ~~الزمنية. ولذلك يعادونه لأن الأصل في كل رسول أن يبلغ أتباعه والذين ~~آمنوا به، أنه إذا جاء رسول من عند الله فعليكم أن تسارعوا أنتم إلى ~~الإيمان به. # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران: 81] وهكذا أخذ الله الميثاق من النبيين بضرورة البلاغ عن ~~موكب الرسالة حتى النبي الخاتم. # إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ~~ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ~~سبيلا # [النساء: 150] أي أنهم يحاولون أن يفرقوا بين الله ورسله بأحكامهم التي ~~كانوا يتبعون فيها أهواءهم للإبقاء على السلطة الزمنية، من أجل أن يقيموا ~~أمرا هو بين بين، وليس في الإيمان " بين بين " فإما الإيمان وإما الكفر. ~~والنظرة إلى كل هذه الآية نجدها في معظمها معطوفات، ولم يتم فيها الكلام ~~وهي في كليتها مبتدأ، لا بد لها من خبر، ويأتي الخبر في الآية التالية: { ~~أولئك هم الكافرون حقا... }. ### || [4.151] # و " الكافرون حقا ms2234 " مقصود بها أن حقيقة الكفر موجودة فيهم لأننا قد نجد ~~من يقول: وهل هناك كافر حق، وكافر غير ذلك؟ نعم. فالذي لا يؤمن بكل ~~رسالات السماء قد يملك بعضا من العذر، لأنه لم يجد الرسول الذي يبلغه. ~~أما الذي جاءه رسول وله صلة إيمانية به وهذه الصلة الإيمانية لحمته ~~بالسماء بوساطة الوحي، فإن كفر هذا الإنسان فكفره فظيع مؤكد. { ~~أولئك هم الكافرون حقا }. ونلحظ أن الحق ساعة يتكلم عن ~~الكافرين لا يعزلهم عن الحكم والجزاء الذي ينتظرهم، بل يوجد الحكم معهم ~~في النص الواحد. ولا يحيل الحق الحكم إلى آية أخرى: { أولئك هم ~~الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } ~~وقد جاء هنا بالجزاء على الكفر ملتصقا بالكفر، فسبحانه قد جهز بالفعل ~~العذاب المهين وأعده للكافرين ولم يؤجل أمرهم أو يسوفه. ويقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الجنة عرضت علي ولو شئت أن آتيكم بقطاف منها لفعلت " # لقد أعد الحق الجنة والنار فعلا وعرضها على الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~ولو شاء الرسول أن يأتي المؤمنين بقطاف من ثمار الجنة لفعل. فإياكم أن ~~تعتقدوا أن الله سيظل إلى أن تقوم الساعة، ثم يرى كم واحدا قد كفر فيعد ~~لهم عذابا على حسب عددهم، أو كم واحدا قد آمن فيعد لهم جنة ونعيما على ~~قدر عددهم، بل أعد الحق الجنة على أن كل الناس مؤمنون ولهم مكان في ~~الجنة، وأعد النار على أن كل الناس كافرون ولهم أماكن في النار. فيأتي ~~المؤمن للآخرة ويأخذ المكان المعد له، ويأخذ أيضا بعضا من الأماكن في ~~الجنة التي سبق إعدادها لمن كفر. مصداقا لقوله الحق: # أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس ~~هم فيها خالدون # [المؤمنون: 10-11] فسبحانه لم ينتظر ولم يؤجل المسألة إلى حد عمل ~~الإحصائية ليسأل من الذي آمن ومن الذي كفر، ليعد لكل جماعة حسب تعدادها ~~نارا أو جنة، بل عامل خلقه على أساس أن كل الذي يأتي إليه من البشر قد ~~يكون مؤمنا، لذلك أعد لكل منهم مكانا في الجنة، ms2235 أو أن يكون كافرا، ~~فأعد لكل منهم مكانا في النار. ونجد السؤال في الآخرة للنار: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30] فالنار تطلب المزيد للأماكن التي كانت معدة لمن لم يدخلها أنه ~~آمن بالله. ويرث الذين آمنوا الأماكن التي كانت معدة لمن لم يدخل الجنة ~~لأنه كفر بالله وبرسله وفرق بين الله ورسله وقال نؤمن ببعض ونكفر ببعض. ~~ويأتي من بعد ذلك المقابل للذين كفروا بالله ورسله وهم المؤمنون، هذا هو ~~المقابل المنطقي. والمجيء بالمقابلات أدعى لرسوخها في الذهن. مثال ذلك ~~عندما ينظر مدير المدرسة إلى شابين، كل منهما في الثانوية العامة، فيقول: ~~فلان قد نجح لأنه اجتهد، والثاني قد خاب وفشل. هذه المفارقة تحدث لدى ~~السامع لها المقارنة بين سلوك الاثنين. وهاهو ذا الحق يأتي بالمقابل ~~للكافرين بالله ورسله: { والذين آمنوا بالله ورسله ~~ولم يفرقوا بين أحد منهم... }. ### || [4.152] # ويؤكد الحق هنا على أمر واضح: هو: { ولم يفرقوا بين أحد ~~منهم } وكلمة " أحد " في اللغة تطلق مرة ويراد بها المفرد، ومرة ~~يراد بها المفردة، ومرة يراد بها المثنى مذكرا أو المثنى مؤنثا أو جمع ~~الإناث وجمع التذكير. وهكذا تكون " أحد " في هذه الآية تشمل كل الرسل، ~~بدليل قول الحق سبحانه وتعالى: # ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء # [الأحزاب: 32] فكلمة أحد يستوي فيها المذكر والمؤنث والمثنى والمفرد ~~والجمع. وكما قال الحق عن الذين يكفرون بالله ورسله أو يفرقون بين الرسل: ~~{ أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين ~~عذابا مهينا }. يقول الحق في هذه الآية عن الذين آمنوا بالله ~~ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم: { أولئك سوف يؤتيهم ~~أجورهم وكان الله غفورا رحيما } فكل مقابل قد جاء معه ~~حكمه. ومن بعد ذلك يقول الحق: { يسألك أهل الكتاب... }. ### || [4.153] # هذا خطأ منهم في السؤال، وكان المفروض أن يكون: يسألك أهل الكتاب أن ~~تسأل الله أن ينزل عليهم كتابا. وقد حاول المشركون في مكة أن يجدوا في ~~القرآن ثغرة فلم يجدوا وهم أمة فصاحة وبلاغة ولسان، واعترفوا بأن القرآن ~~عظيم ms2236 ولكن الآفة بالنسبة إليهم أنه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] هم اعترفوا بعظمة القرآن، واعترافهم بعظمة القرآن مع غيظهم ~~من نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلهم مضطربين فكريا، لقد ~~اعترفوا بعظمة القرآن بعد أن نظروا إليه.. فمرة قالوا: إنه سحر، ومرة ~~قالوا: إنه من تلقين بعض البشر، وقالوا: إنه شعر، وقالوا: إنه من أساطير ~~الأولين. وكل ذلك رهبة أمام عظمة القرآن. ثم أخيرا قالوا: { لولا ~~نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ~~}. ولكن ألم يكن هو القرآن نفسه الذي نزل؟ إذن. فالآفة - عندهم - أنه نزل ~~على محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك من الحسد: # أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله # [النساء: 54] لأن قولهم لا يتسم أبدا بالموضوعية، بل كل كلامهم بعد ~~عن الحق وتخبط. لقد قالوا مرة عن القرآن: إنه سحر، وعندما سألهم الناس: ~~لماذا لم يسحركم القرآن إذن؟ فليس للمسحور إرادة مع الساحر. ولم يجدوا ~~إجابة. وقالوا مرة عن القرآن: إنه شعر، فتعجب منهم القوم لأنهم أمة ~~الشعر، وقد سبق لهم أن علقوا المعلقات على جدار الكعبة، لكنه كلام ~~التخبط. إذن فالمسألة كلها تنحصر في رفضهم الإيمان، فإذا أمسكتهم الحجة ~~من تلابيبهم في شيء، انتقلوا إلى شيء آخر. ويوضح سبحانه: إن كانوا يطلبون ~~كتابا فالكتاب قد نزل، تماما كما نزل كتاب من قبل على موسى. وماداموا ~~قد صدقوا نزول الكتاب على موسى، فلماذا لا يصدقون نزول الكتاب على محمد؟ ~~ولا بد أن هناك معنى خاصا وراء قوله الحق: { يسألك أهل ~~الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء }. ونعلم ~~أن الكتاب نزل على موسى مكتوبا جملة واحدة، وهم كأهل كتاب يطلبون نزول ~~القرآن بالطريقة نفسها، وعندما ندقق في الآية نجدهم يسألون أن ينزل عليهم ~~الكتاب من السماء وكأنهم يريدون أن يعزلوا رسول الله وأن يكون الكلام ~~مباشرة من الله لهم لذلك يقول الحق في موقع آخر: # أهم يقسمون رحمت ربك ms2237 نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات # [الزخرف: 32] الحق - إذن - قسم الأمور في الحياة الدنيا، فكيف يتدخلون ~~في مسألة الوحي وهو من رحمة الله: { يسألك أهل الكتاب أن ~~تنزل عليهم كتابا من السمآء }. وهم قد نسبوا التنزيل ~~إلى رسول الله، ورسول الله ما قال إني نزلت، بل قال: " أنزل علي ". # ويقال في رواية من الروايات أن كعب بن الأشرف والجماعة الذين كانوا حوله ~~أرادوا أن ينزل الوحي على كل واحد منهم بكتاب، فيقول الوحي لكعب: " يا ~~كعب آمن بمحمد ". وينزل إلى كل واحد كتابا بهذا الشكل الخصوصي. أو ~~أن ينزل الله لهم كتابا مخصوصا مع القرآن. وكيف يطلبون ذلك وعندهم ~~التوراة، ويوضح الله تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم: لا تستكثر منهم يا ~~محمد أن يسألوك كتابا ينزل عليهم لأنهم سألوا موسى أكبر من ذلك، وطلبهم ~~تنزيل الكتاب، هو طلب لفعل من الله، وقد سبق لهم الغلو أكثر من ذلك عندما ~~قالوا لموسى: { أرنا الله جهرة }. وهم بمثل هذا القول تعدوا من ~~فعل الله إلى ذات الحق سبحانه وتعالى، لذلك لا تستكثر عليهم مسألة طلبهم ~~لنزول كتاب إليهم، فقد سألوا موسى وهو رسولهم رؤية الله جهرة: { ~~يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم }. ~~ولحظة أن ترى كلمة " الصاعقة " تفهم أنها شيء يأتي من أعلى، يبدأ بصوت ~~مزعج. وقلنا من قبل أثناء خواطرنا حول آية في سورة البقرة: # يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق # [البقرة: 19] أي أنهم يضعون أصابعهم في آذانهم من الصواعق، وهذا دليل ~~على أن صوت الصاعقة مزعج قد يخرق طبلة الأذن، ودليل على أن ازعاج الصاعقة ~~فوق طاقة الانسداد بأصبع واحدة لأن الإنسان ساعة يسد أذنيه يسدها بطرف ~~الأصبع لا بكل الأصابع. وبلغ من شدة ازعاج الصوت أنهم كلما وضعوا أناملهم ~~في آذانهم لم يمتنع الصوت المزعج. إذن فالصاعفة صوت مزعج يأتي من أعلى، ~~وبعد ذلك ينزل قضاء ms2238 الله إما بأمر مهلك وإما بنار تحرق وإما بريح تدمر { ~~فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } والظلم هو أن تجعل حقا لغير ~~صاحبه ولا تجعل حقا لغير صاحبه إلا أن تكون قد أخذت حقا من صاحبه. ~~وسؤالهم هذا لون من الظلم لأن الإدراك للأشياء هو إحاطة المدرك ~~بالمدرك. وحين تدرك شيئا بعينك فمعنى ذلك أن عينك أحاطت بالشيء ~~المدرك وحيزته بالتفصيل، وكذلك الأذن عندما تسمع الصوت، وكذلك الأنف ~~عندما تشم الرائحة، وكذلك اللمس لمعرفة النعومة أو الخشونة، وكذلك الذوق ~~ليحس الإنسان الطعم. إذن فمعنى الإدراك بوسيلة من الوسائل أن تحيط بالشيء ~~المدرك إحاطة شاملة جامعة. فإذا كانوا قد طلبوا أن يروا الله جهرة، ~~فمعنى ذلك أنهم طلبوا أن تكون آلة الإدراك وهي العين محيطة بالله. وحين ~~يحيط المدرك بالمدرك، يقال قدر عليه. وهل ينقلب القادر الأعلى ~~مقدورا عليه؟ حاشا لله. وذلك مطلق الظلم ونهايته، فمن الجائز أن يرى ~~الإنسان إنسانا، ولكن لا يستقيم أبدا ولا يصح أن ينقل الإنسان هذه ~~المسألة إلى الله، لماذا؟ لأنه سبحانه القائل: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار # [الأنعام: 103] ومادام الله إلها قادرا فلن ينقلب إلى مقدور. ونحن إن ~~أعطينا لواحد مسألة ليحلها، فهذا معناه أن فكره قد قدر عليها. وأما إذا ~~أعطيناه مسألة ولم يقدر على حلها ففكره لم يقدر عليها. إذن فكل شيء يقع ~~تحت دائرة الإدراك، يقول لنا: إن الآلة المدركة قد قدرت عليه. والحق ~~سبحانه وتعالى قادر أعلى لا ينقلب مقدورا لما خلق. { فأخذتهم ~~الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما ~~جآءتهم البينات }. وكان يكفي بعد أن أخذتهم الصاعقة أن ~~يتأدبوا ولا يجترئوا على الله، ولكنهم اتخذوا العجل من بعد أن جاوز الحق ~~بهم البحر وعبره بهم تيسيرا عليهم وتأييدا لهم وأراهم معجزة حقيقية، ~~بعد أن قالوا: # إنا لمدركون # [الشعراء: 61] فقد كان البحر أمامهم وفرعون من خلفهم ولا مفر من هلاكهم ~~لأن المنطق الطبيعي أن يدركهم فرعون، وآتى الله سيدنا موسى إلهامات ~~الوحي، فقال: # قال كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62] لقد لجأ ms2239 موسى إلى القانون الأعلى، قانون الله، فأمره الله ~~أن يضرب بعصاه البحر، ويتفرق البحر وتصير كل فرقة كالطود والجبل العظيم، ~~وبعد أن ساروا في البحر، وأغرق فرعون أمامهم، وأنجاهم سبحانه، لكنهم من ~~بعد ذلك كله يتخذون العجل إلها!! هكذا قابلوا جميل الله بالنكران ~~والكفران. { ثم اتخذوا العجل من بعد ما جآءتهم ~~البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا ~~مبينا } والسلطان المبين الذي آتاه الله لموسى عليه السلام هو التسلط ~~والاستيلاء الظاهر عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم، وجاءوا بالسيوف ~~لأن الله قد أعطى سيدنا موسى قوة فلا يخرج أحد عن أمره، والقوة سلطان ~~قاهر. ومن بعد ذلك يقول الحق: { ورفعنا فوقهم الطور... }. ### || [4.154] # إذن اجتراؤهم في البداية كان في طلب رؤية الله جهرة، ثم العملية الثانية ~~وهي اتخاذهم العجل إلها. ويعالج الله هؤلاء بالأوامر الحسية، لذلك نتق ~~الجبل فوقهم: # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا ~~أنه واقع بهم # [الأعراف: 171] مثل هؤلاء لا يرضخون إلا بالآيات المادية، لذلك رفع الله ~~فوقهم الجبل، فإما أن يأخذوا ما آتاهم الله بقوة وينفذوا المطلوب منهم، ~~وإما أن ينطبق عليهم الجبل، وهكذا نرى أن كل اقتناعاتهم نتيجة للأمر ~~المادي، فجاءت كل الأمور إليهم من جهة المادة. { وقلنا لهم ~~ادخلوا الباب سجدا }. أي أن يدخلوا ساجدين، وهذا إخضاع مادي ~~أيضا. وكان هذا الباب الذي أمرهم موسى أن يدخلوه ساجدين هو باب قرية ~~أريحا في الشام. { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } ~~وسبحانه قال عنهم: # إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم # [الأعراف: 163] وكلمة " السبت " لها اشتقاق لغوي من " سبت " و " يسبت " ~~أي سكن وهدأ. ويقول الحق سبحانه: # وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا # [الفرقان: 47] أي جعل النوم سكنا لكم وقطعا لأعمالكم وراحة لأبدانكم. { ~~وقلنا لهم لا تعدوا في السبت } أي نهاهم الله أن ~~يصطادوا في يوم السبت. ويأتي يوم السبت فتأتيهم الحيتان مغرية تخرج ~~أشرعتها من زعانفها وهي تعوم فوق الماء، أو تظهر على وجه الماء من كل ~~ناحية، ms2240 وهذا من الابتلاءات. { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم ~~} أي أن الأيام التي يكون مسموحا لهم فيها بالصيد لا تأتي لهم الأسماك، ~~ولذلك يحتالون ويصنعون الحظائر الثابتة من السلك ليدخلها السمك يوم السبت ~~ولا يستطيع الخروج منها. لقد احتالوا على أمر الله. هكذا يبين الحق ~~سبحانه وتعالى مراوغة بني إسرائيل. وفعل الله بهم كل ذلك ولكنهم احتالوا ~~وتمردوا وردوه، وحين يهادن الحق القوم الذين يدعوهم إلى الإيمان فسبحانه ~~يقدر أنه خلقهم ويقدر الغريزة البشرية التي قد يكون من الصعب أن تلين ~~لأول داع، فهو يدعوها مرة فلا تستقبل، فيعفو. ثم يدعوها مرة فلا تستقبل ~~فيعفو، ثم يدعوها مرة فلا تستقبل فيعفو. وأخذ الله عليهم العهد الوثيق ~~المؤكد بأن يطيعوه ولكنهم عصوا ونقضوا العهد، وبعد ذلك يقول لنا الخبر ~~لنتعلم أن الله لا يمل حتى تملوا أيها البشر. فسبحانه يقول من بعد ذلك: { ~~فبما نقضهم ميثاقهم... }. ### || [4.155] # لقد نقضوا كل المواثيق والأشياء التي تقدمت. ومعنى الميثاق هو العهد ~~المؤكد الموثق. ونقض الميثاق هو حله، وهذا ما يستوجب ما يهددهم الله به، ~~وكفروا بآيات الله التي أنزلها لتؤيد موسى عليه السلام، وقتلوا أنبياء ~~الله بغير حق. وادعوا - تعليلا لذلك - أن قلوبهم غلف لا تسمع للدعوى ~~الإيمانية، أي أن قلوبهم مغلفة مغطاة أي جعل عليها غلاف، بحيث لا يخرج ~~منها ما فيها ولا يدخل فيها ما هو خارج عنها. وأرادوا بذلك الاستدراك على ~~الله، فقالوا: قلوبنا لا يخرج منها ضلال ولا يدخل فيها إيمان. وسبق أن ~~تقدم مثل هذا في قول الحق: # إن الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم ~~وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب ~~عظيم # [البقرة: 6-7] ونقول: أهي القلوب خلقت غلفا.. أي أن القلوب خلقت ~~مختوما عليها بحيث لا يدخلها هدى ولا يخرج منها ضلال، أم أنتم الذين ~~فعلتم الختم وأنتم الذين صنعتم الغلاف؟ وسبحانه أوضح في آيتي سورة البقرة ~~أنه جل وعلا الذي ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة. فالختم ms2241 ~~على القلب حتى لا يتعرفوا إلى الدليل لأن القلب محل الأدلة واليقين ~~والعقائد. والختم على الأسماع والأبصار هو الختم على آلات إدراك الدلائل ~~البينات على وجود الحق الأعلى فمقر العقائد مختوم عليه وهو القلب، ومضروب ~~على الآذان وعلى البصر غشاوة، فهل هذا كائن بطبيعة تكوين هؤلاء؟ لا لأنه ~~إذا كان هذا بطبيعة التكوين فلماذا خصهم الله بذلك التكوين؟ ولماذا لم ~~يكن الذين اهتدوا مختوما لا على قلوبهم ولا على أسماعهم ولا على ~~أبصارهم؟ غير أن الواحد منهم يبرر لنفسه وللآخرين انحرافه وإسرافه على ~~نفسه بالقول: " خلقني الله هكذا " وهذا قول مزيف وكاذب لأن صاحبه إنما ~~يكفر أولا، فلما كفر وانصرف عن الحق تركه الله على حاله لأن الله أغنى ~~الشركاء عن الشرك، فمن اتخذ مع الله شريكا فهو للشريك وليس لله. إذن ~~فالختم جاء كنتيجة للكفر. وقدمت آيات سورة البقرة الحيثية: أن الكفر يحدث ~~أولا، ثم يأتي الختم على القلب والسمع والبصر نتيجة لذلك. وهنا في آية ~~سورة النساء: { وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله ~~عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا }. فالكفر جاء ~~أولا، وفي ذلك رد على أي إنسان يقول: " إن الله لا يهديني ". ولا يلتفت ~~إلى أن الله لا يهدي من كفر به، وكذلك الفاسق أو الظالم، والمثال الأكبر ~~على ذلك إبليس الذي كفر أولا. وبعد ذلك تركه الله لنفسه واستغنى عنه. ~~ولنا هنا وقفة لفظية مع قوله الحق: { فبما نقضهم } لأن الفهم ~~السطحي لأصول الأسلوب قد يتساءل: لماذا جاءت " ما " هنا؟ وبعضهم قال: إن ~~" ما " هنا زائدة. # ونقول: إياك أن تقول إن في كلام الله حرفا زائدا لأن معنى ذلك أن ~~المعنى يتم بغير وجوده ويكون فضولا وزائدا على الحاجة ولا فائدة فيه، ~~ولكن عليك أن تقول: " أنا لا أفهم لماذا جاء هذا الحرف " ، خصوصا ونحن ~~في هذا العصر نعيش كأمة بلاغتها مصنوعة، ولا نملك اللسان العربي المطبوع. ~~ولولا أننا تعلمنا العربية لما استطعنا أن نتكلمها. أما العربي الفصيح ~~الذي نزل عليه القرآن فقد كان يتكلم اللغة ms2242 العربية دون أن يجلس إلى معلم، ~~ولم يتلق العلم بأن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب بل تكلم اللغة بطبيعته ~~وملكته. أما نحن فنعيش في زمن مختلف. وطغت علينا العجمة وامتلأت آذاننا ~~باللحن، وصرنا نعلم أنفسنا قواعد اللغة العربية حتى نتكلم بأسلوب صحيح. ~~وقد جاءت القواعد في النحو من الاستنباط من السليقة العربية الأولى التي ~~كانت بغير تعليم. واستقرأ العلماء الأساليب العربية فوجدوا أن الفاعل ~~مرفوع والمثنى يرفع بالألف، وجمع المذكر السالم يرفع ب " الواو " ~~وهكذا أخذنا القواعد من الذين لا قواعد لهم بل كانوا يتكلمون بالسليقة ~~وبالطبيعة والملكة. لقد سمع العربي قديما ساعة نزل القرآن قوله الحق: { ~~فبما نقضهم } ولم يتنبه واحد منهم إلى أن شيئا قد خرج عن الأسلوب ~~الصحيح، ونعلم أن بعضا من العرب كانوا كافرين برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولا يصدقون القرآن، ولو كانت هناك كلمة واحدة تخرج عن المألوف في ~~اللغة لصرخوا بها وأعلنوها. ولكن القرآن جاء بالكلام المعجز على لسان ~~محمد صلى الله عليه وسلم ليبلغهم به، موضحا: جئت بالقرآن معجزة تعجزون ~~عن محاكاته مع أنكم عرب وفصحاء. والمتحدى يحاول دائما أن يتصيد خطأ ~~ما، ولم يقل واحد من العرب إن في القرآن لحنا، وهذا دليل على أن الأسلوب ~~القرآني يتفق مع الملكة العربية. وقوله الحق: { فبما نقضهم } هي ~~في الأصل: بنقضهم الميثاق فعلنا بهم ما صاروا إليه، و " ما " جاءت هنا ~~لماذا؟ قال بعض العلماء: إنها " ما " زائدة، وهي زائدة للتأكيد. ونكرر: ~~إياك أن تقول إن في كلام الله حرفا زائدا، لقد جاءت " ما " هنا لمعنى ~~واضح. والحق في موقع آخر من القرآن يقول: # ما جآءنا من بشير ولا نذير # [المائدة: 19] وقالوا: إن أصل العبارة " ما جاءنا بشير " ، وإن " من " ~~جاءت زائدة حتى يتسق اللفظ. ونقول: لو أن العبارة جاءت كما قالوا لما ~~استقام المعنى، ولإيضاح ذلك أضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - عندما ~~يقول واحد: " ما عندي مال " فهذا نفى أن يكون عند القائل مال، ولعل لديه ~~قدرا من المال القليل الذي ms2243 لا يستأهل أن يسميه مالا. # ولكن إذا قال واحد: " ما عندي من مال " فالمعنى أنه لا يملك المال على ~~إطلاقه أي أنه مفلس تماما، ولا يملك أي شيء من بداية ما يقال إنه مال. ~~إذن " ما جاءنا بشير " ليست مثل قوله: " ما جاءنا من بشير ". فالمعنى أنه ~~لم يأتهم أي رسول بشير أو نذير من بداية ما يقال إنه رسول. إذن فقوله ~~الحق: { فبما نقضهم ميثاقهم } أي بسبب نقض الميثاق فعلنا ~~بهم كذا. لماذا إذن أثار العلماء هذه الضجة؟ السبب في ذلك هو وجود ما بعد ~~" الباء " وقبل المصدر، أي أنهم نقضوا العهد بكل صورة من صوره، فنقض ~~العهد والميثاق له صور متعددة ف ما هنا استفهامية جاءت للتعجيب أي على ~~أية صورة من صور نقض ونكث العهد لعناهم؟ لعناهم لكثرة ما نقضوا من ~~العهود والمواثيق. والحق قد قال: # فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله ~~وقتلهم الأنبيآء بغير حق وقولهم قلوبنا ~~غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون ~~إلا قليلا # [النساء: 155] ولم يقل: فبما نقضتم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم ~~الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف، طبع الله على قلوبهم. فوجود " بل " ~~يدلنا على أن هناك أمرا أضربنا عنه. فنحن نقول: جاءني زيد بل عمرو. أي ~~أن القائل قد أخطأ، فقال: " جاءني زيد " واستدرك لنفسه فقال: " بل عمرو ~~". وبذلك نفى مجيء زيد وأكد مجيء عمرو. والحق قال: { بل طبع الله ~~عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا }. كان ~~المقتضي في الأسلوب العادي أن يقول: " بكفرهم وبقتلهم الأنبياء طبع الله ~~على قلوبهم ". ولكن سبحانه لم يقل ذلك لحكمة بالغة. وحتى نعرف تلك الحكمة ~~فلنبحث عن المقابل ل " طبع الله على قلوبهم " ، المقابل هو " فتح الله ~~على قلوبهم بالهدى ". وجاء قول الحق معبرا تمام التعبير عن موقفهم: { ~~فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله ~~وقتلهم الأنبيآء بغير حق وقولهم قلوبنا ~~غلف بل طبع الله عليها }. وهكذا نرى عظمة القرآن الذي ~~يأتي بالمعنى الدقيق ويجب أن نفكر فيه ونتدبر كل كلمة منه. الحق - إذن ms2244 - ~~يقدم الأسباب لما صنعه بهم بالحيثيات، من نقضهم للميثاق، وكفرهم بآيات ~~الله، وبقتلهم للأنبياء بغير حق لذلك لم يفتح الله عليهم بالهدى، بل طبع ~~الله على قلوبهم بالكفر. فوجود " بل " دليل على أن هناك أمرا قد نفي ~~وأمرا قد تأكد. والأمر الذي نفاه الله عنهم أنه لم يفتح عليهم بالهدى ~~والإيمان، والأمر الذي تأكد أنه سبحانه قد طبع على قلوبهم بالكفر. # وفي آية أخرى قال عنهم: # وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم ~~فقليلا ما يؤمنون # [البقرة: 88] فقلوبهم ليست غلفا، ولكن هي لعنة الله لهم وإبعاده لهم ~~وطردهم واستغناؤه عنهم لذلك تركهم لأنفسهم فغلبت عليهم الشهوات. ولماذا ~~ذيل الحق الآية بقوله: { فلا يؤمنون إلا قليلا }؟ لأن ~~المقصود به عدم إغلاق باب الإيمان على إطلاقه أمام هؤلاء الناس، وهو - ~~كما عرفنا من قبل - " صيانة الاحتمال ". فقد يعلن واحد من هؤلاء إيمانه ~~الذي خبأه في نفسه، فكيف يجد الفرصة لذلك إن كان الله قد قال عنهم جميعا ~~{ وطبع الله على قلوبهم }؟ إن الذي يرغب في إعلان ~~الإيمان منهم لا يجد الباب مفتوحا، ولكن عندما يجد الحق قد قال: { فلا ~~يؤمنون إلا قليلا } فهو يعلم أن باب الإيمان مفتوح للجميع. ~~وبعد ذلك يقول الحق: { وبكفرهم وقولهم... }. ### || [4.156] # ويقول قائل: ألم يقل الحق من قبل إن " كفرهم " هو سبب من أسباب طبع الله ~~على قلوبهم؟ وأقول: إياك أن تقول إن هناك كلمة في القرآن مكررة لأن الذي ~~يتكلم هو الله سبحانه وتعالى الذي لا ينسى شيئا، ولا يكرر من غير داع، ~~والكفر أيضا على درجات، مرة يكون الكفر بالله، ومرة يكون الكفر بآيات ~~الله، وثالثة يكون الكفر بالرسل، ورابعة يكون الكفر ببعض النبيين، وخامسة ~~يكون الكفر ببعض الكتب السماوية. إذن فألوان الكفر شتى. والكفر في الآية ~~السابقة كان كفرا بآيات الله، أما كفرهم في هذه الآية فالحق يشرحه: { ~~وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما }. لقد ~~كفروا بعيسى عليه السلام، وقالوا البهتان العظيم على مريم، هذا كفر بآيات ~~الله وبرسول من عند الله. وقوله الحق: ms2245 " وبكفرهم " هو عطف على " نقضهم " ~~وعلى " كفرهم بآيات الله " وعلى " قتلهم الأنبياء " وعلى " قولهم قلوبنا ~~غلف ". ونلاحظ هنا أن الحق لم يذكر الباء التي جاءت في أول الآية السابقة ~~حين قال: { فبما نقضهم ميثاقهم }. وهذا يدل على أننا أمام ~~مناط الرحمة من ربنا سبحانه وتعالى. فقد كان يكفي ارتكابهم لأي واحدة من ~~هذه الأعمال المذكورة لكي يطبع الله على قلوبهم، ولكنهم ارتكبوا كل ~~الأعمال المذكورة مجتمعة، ولم يرتكبوا فعلا واحدا منها. وهذا دليل على ~~أن الله لا يترصد لعبيده، ولا يتصيد ويحتال ليوقعهم في الكفر ولكن يحنن ~~العباد إلى الإيمان. لقد ارتكبوا أربعة أفعال جسيمة: نقضوا الميثاق، ~~وكفروا بآيات الله، وقتلوا الأنبياء بغير حق، وادعوا أن الله طبع على ~~قلوبهم. وحين جعل هذا الأفعال الأربعة جريمة واحدة فهذا فضل ورحمة منه. ~~وبعد ذلك يذكر لهم جريمة أخرى: { وبكفرهم وقولهم على ~~مريم بهتانا عظيما } وهنا نجد أنه سبحانه قد ساوى بين قولهم ~~البهتان على مريم وبين كل الأفعال السابقة لأنهم اعترضوا على رسالة ونبوة ~~عيسى عليه السلام وهو نبي من أولي العزم من الرسل بأشياء قد تكون ضمن ~~الأسباب التي فتنت بعض الناس فيه، لقد خلقه الله خلقا خاصا. فسبحانه ~~خلق الناس جميعا من آدم عليه السلام الذي صوره الله من طين ثم نفخ فيه ~~الروح، وجاء الخلق من التزاوج. أما عيسى عليه السلام فقد خلقه الله ~~بطريقة خاصة، فكيف كفروا به وكيف يتهمون أمه مريم عليها السلام وهي ~~البتول؟. ومن الجائز أن تتهم المرأة وترمى وتوصف بكل شيء: كاذبة، سارقة، ~~أو دميمة، لكن الاتهام في العرض: لا. والحق هنا يحدد موضوعين للكفر: ~~قولهم البهتان على مريم وهو كفر بالله، وكفرهم بعيسى الذي جاء بميلاد على ~~غير طريقة الميلاد العادية على الرغم من أن هذا تكريم له ولذع لليهود ~~الذين غرقوا في المادية حتى إنهم قالوا: أرنا الله جهرة. # بل إن الحق رزقهم برزق غيبي لا يعرفون أسبابه: في التيه رزقهم بالمن ~~والسلوى، والمن في لون القشدة وطعم العسل الأبيض وهو ms2246 شيء يقع على أوراق ~~الشجر في بعض البيئات، والسلوى طائر يشبه السماني، وكانوا يأخذون المن ~~من الأشجار ويجمعونه ويأكلونه رزقا يأتيهم ولا يزرعونه ولا يتعبون فيه. ~~لكنهم قالوا: لا، نحن نريد أن نزرع نباتا ينمو من الأرض ولا ننتظر ~~الغيب، لأن الغيب قد يضن علينا. # فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من ~~بقلها # [البقرة: 61] هم - إذن - لا يثقون بما في يد الله، ويريدون الأمر ~~المادي، ولذلك يلفتهم الحق سبحانه وتعالى لفتة قسرية، ويأتي بأمر يناقض ~~قانون المادة من أساسه وهو ميلاد عيسى عليه السلام بأسلوب غير تقليدي، ~~والإنسان يأتي إلى الدنيا من أب وأم، ويأتي الحق بعيسى مخلوقا من أم دون ~~أب، فانتقضت المادية، وهم كماديين غفلوا عن الخلق الأول: # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد # [ق: 15] إذن فلماذا الفتنة في عيسى عليه السلام؟. لقد نقض أمامهم الأساس ~~التقليدي المادي لمجيء الإنسان إلى الدنيا من ذكر وأنثى، وجاء عيسى عليه ~~السلام من أم دون أب. ليثبت سبحانه طلاقة القدرة وأنه جعل الأسباب للبشر، ~~فإن أراد البشر مسببا فعليهم أن يأخذوا الأسباب، أما سبحانه وتعالى ~~فهو مسبب الأسباب وخالقها وهو القادر - وحده - على إيجاد الشيء بتنحية ~~كل الأسباب. ونعلم أن قضية الخلق دارت على أربعة أنحاء، إما أن ينشأ ~~الشيء من وجود الشيئين، هذه هي الصورة الأولى. وإما أن ينشأ الشيء من عدم ~~وجود الشيئين وهذه هي الصورة الثانية. وإما أن ينشأ الشيء من وجود الشيء ~~الأول وعدم وجود الشيء الثاني، وهذه هي الصورة الثالثة، وإما أن ينشأ ~~الشيء من وجود الشيء الثاني مع عدم وجود الشيء الأول، وهذه هي الصورة ~~الرابعة. تلك هي الصور الأربع لوجود شيء ما. ولم يشأ الله أن يجعل الخلق ~~- وهو الإنسان المكرم الذي سخر له الحق كل ما في الكون - على نحو واحد ~~حتى لا يقولن أحد: إن السببية مشروطة للوجود. بل المسبب هو المشروط في ~~الوجود بدليل أنه سبحانه خلق آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، ms2247 وخلقنا ~~جميعا نحن من أب وأم، وخلق عيسى عليه السلام من أم دون أب، وخلق حواء من ~~أب دون أم. هذه هي القسمة العقلية الواضحة، فليست المسألة عنصرية موجودة، ~~ولكن قيمة واقتدار واجد. وقدرة الحق تتجلى أيضا أمامنا حينما تكون ~~الأسباب موجودة كالأب والأم. لكن يشاء سبحانه أن يكون الاثنان عقيمين فهو ~~القائل: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما # [الشورى: 49-50] إذن فليست المسألة مدار أسباب توجد، بل مسبب يريد ~~أن يوجد، وأراد الحق أن يكون مجيء عيسى عليه السلام بهذه الصورة ليلفت ~~بني إسرائيل لعلهم يخرجون من ضلالات المادية، فأوجده من أم دون أب، فكان ~~هذا آية على طلاقة قدرته، ولكن اليهود استقبلوا هذه المسألة استقبالا ~~على غير مراد الله، فكذبوا عيسى، وقد حدث التكذيب من قبل أن يتكلم عيسى ~~بالإنجيل. ووقفوا أمام رسالته بعنف، والذي يدلنا على أنهم قوم كذابون، هو ~~رغبتهم في استمرار السيطرة الدينية لهم، وكان عندهم شريعة تقتضي الرجم ~~للزانية، فلماذا إذن لم يتهموا مريم بالزنا عندما ولدت عيسى؟ ولماذا لم ~~يعاقبوها حسب سريعة التوراة؟ ولماذا انتظروا إلى أن يجيء عيسى عليه ~~السلام بالإنجيل ليقولوا: يا فاعل يا ابن الفاعلة. كان انتظارهم دليلا ~~على أن ميلاد عيسى عليه السلام كان آية بينة صدعتهم وصدتهم عن ذلك، فقد ~~نطق عيسى عليه السلام بعد ميلاده ولم تتكلم مريم قط لأن ما حدث أمر فوق ~~منطقها، وجهزها الله لهذا الموقف، وأمرها بالصمت عندما يسألونها، وأن ~~تشير إلى المولود الذي في المهد: # فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في ~~المهد صبيا * قال إني عبد الله آتاني الكتاب ~~وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا # [مريم: 29-31] وانبهروا انبهارا فتت فيهم القوى، فقوى الخصومة ساعة ترى ~~هذا لا تجد إلا الانهيار، فألحق أبلج، والباطل لجلج. إذن كان الأمر بيدهم ~~وفي توراتهم أن من يزن يرجم، فلماذا ms2248 لم يرجموا أم عيسى إذن؟. لا بد أنهم ~~صدموا بقوة جعلت موازين حقدهم تختل، المعجزة الباهرة هي كلام عيسى ابن ~~مريم في المهد: { إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني ~~نبيا } وجعلت المفاجأة أقوى الأقوياء فيهم ينهار، وتخور قواه. هذا من ~~ناحية اليهود، فماذا عن ناحية بعض أتباع عيسى عليه السلام؟. إن صبيا ~~يتكلم في المهد هو معجزة بكل المقاييس، فكيف تخلو كتبهم من قول عيسى في ~~المهد: { إني عبد الله } وكان لابد أن تكون الكلمة مدروسة ~~بعناية، وألا تنسى. وحفظ جنود الله سبحانه وتعالى الكلمة، التي تؤكد ~~بشرية عيسى عليه السلام. وعندما نقول هذا الكلام فليس الهدف منه تصحيح ~~عقائد أحد، ولكننا فقط نريد أن يتضح منطق الإيمان في عقول المسلمين، أما ~~أبناء الديانات الأخرى فهم أحرار فيما يعتقدون، والمهم بالنسبة لنا أن ~~يكون ديننا وقرآننا متضحا أمام أعيننا، ولا يجرؤ أحد أن يميل به. { ~~وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما } ونحن ~~كمسلمين نستنكف أن نقول ما قالوه من بهتان على مريم البتول، والبهتان هو ~~الكذب الشرس. # فهناك لون من الكذب قد يكون مقبولا، ولون من الكذب غير مقبول: فأن يقول ~~قائل عن رجل ورع: إنه شرب الخمر، والقائل يعلم أنه كاذب، فهذا كذب ثقيل ~~شرس، يتحير ويتعجب من يسمعه وهذا هو البهتان. ولم يستح ويمتنع اليهود ~~حينما رموا مريم - الطاهرة بأمر الله - بالبهتان مع أنهم علموا أن لمريم ~~سابقة خير واستقامة. لقد كان ماضي مريم ناصعا عاشت في المحراب متبتلة ~~لمن خلقها، لذلك يصف الحق هذا البهتان بأنه عظيم لأنه جرح مريم في عرضها، ~~ولو رجعوا إلى تاريخهم قبل ميلاد عيسى من مريم لوجدوا أن كل واحدة من ~~بنات بني إسرائيل كانت تستشرف أن يكون النبي المولود بعد موسى من بطنها. ~~وكانوا يعرفون أن النبي القادم من بعد موسى ستلده عذراء، وأبلغ بنو ~~إسرائيل بناتهم بكيفية مجيء النبي القادم عيسى ابن مريم، تماما مثل قضية ~~البشارة برسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به ms2249 فلعنة الله ~~على الكافرين # [البقرة: 89] ومن رحمة الله بمريم نفسها أن الله جعل لها التمهيدات التي ~~تثبت لها أمام نفسها أنها بريئة، وأن العملية كلها قد تمت ب " كن " من ~~الله، ولم يجعل الله المسألة سرا عن مريم فتحمل بأمر قوله: " كن " دون ~~أن تدري، لا. بل أراد سبحانه أن تكون عملية مادية. وجاء الملك لمريم ونفخ ~~فيها بالحمل. وعرفت هي السبب ماديا بالملك والنفخ حتى لا تتهم نفسها أو ~~تشك بأن شيئا قد حدث لها وهي نائمة أو غير ذلك. لقد أراد الله المسألة ~~على تلك الصورة ليجعلها أمرا يقطع الشك لديها، وهي التي بشرت به - ~~إيناسا لها - عندما كانت صغيرة قبل البلوغ وجاءها زكريا وهو الكفيل لها ~~والذي يأتيها بالطعام ودخل عليها المحراب فوجد عندها الرزق وسألها: { ~~أنى لك هذا } أجابت: # هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير ~~حساب # [آل عمران: 37] لقد نطقت مريم البتول من قبل: { إن الله يرزق ~~من يشآء بغير حساب } ومن الحساب أن يكون للمرأة زوج لترزق ~~بالولد، ولكن الله يرزق من يشاء بغير حساب. ومن العجيب أنها في هذا القول ~~نبهت زكريا إلى قضية كانت في بؤرة شعوره ولذلك يقول الحق: # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ~~ذرية طيبة إنك سميع الدعآء * فنادته ~~الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله ~~يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا ~~وحصورا ونبيا من الصالحين * قال رب أنى ~~يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ~~قال كذلك الله يفعل ما يشآء # [آل عمران: 38-40] إذن فقد شجعت مريم زكريا على أن يدعو ربه، وتلك سلسلة ~~تمهيدية ليطمئن إحساس مريم أن ولادتها لعيسى عليه السلام إنما جاءت ب " ~~كن " وجاء لها الحق بفاكهة الصيف في الشتاء، وعندما قالت لسيدنا زكريا: { ~~إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } تنبه ودخل من هذا ~~الباب، فدعا ربه على الرغم من علمه أن امرأته عاقر، وأنه بلغ من الكبر ~~عتيا، ومفهوم لنا معنى ms2250 قول الرجل عن نفسه إنه بلغ من الكبر عتيا أي أنه ~~لم يعد يملك القدرة على الإنجاب. # وهذه القضية تعطينا سبقا قرآنيا لكثير من قضايا العلم: # قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس ~~شيبا # [مريم: 4] هذا القول هو أشبه بمذكرة تفسيرية لبلوغه من الكبر عتيا. ~~ويثبت العلم الحديث أن العظام هي آخر وعاء لتغذية الإنسان، فإن امتنع ~~الإنسان عن الطعام فالدهون التي في جسده تغذية. وإن امتنع الماء عن ~~الإنسان وهو المكون لتسعين في المائة من وزنه يمتص الإنسان الماء من ~~خلايا الجسم والعضلات واللحم. ولذلك يقال في المثل العربي: سنة اذابت ~~الشحم، وسنة أفنت اللحم، وسنة محت العظم. فكأن البداية تكون التغذية من ~~الشحم ومن بعد ذلك من اللحم ومن بعد الشحم واللحم يأخذ الجسم غذاءه من ~~العظم. وهذه هي التي جاءت على لسان سيدنا زكريا: { قال رب إني ~~وهن العظم مني }. فآخر مخزن للتغذية لم يعد به ما يمكن أن ~~يستمد منه زكريا طاقة الإنجاب. وما الذي يغذيه العظم من الجسم؟ إنه يغذي ~~المخ، وهو السيد الأعلى الذي يدير كل جارحة في الجسم، وتعمل كل جارحة في ~~خدمته، ويعيش المخ بطبيعة الحال كل عمره في خدمة الجوارح، يرتب لها قدرات ~~العمل والتفكير والإحساس والسلوك، وما دام المخ موجودا، فكل شيء يتم ~~تعويضه. ولذلك يحاولون - الآن - تعريف الموت طبيا، فيقولون: لا يحدث ~~الموت مادامت خلايا المخ حية فإذا ماتت خلايا المخ فهذا هو الموت. ومن ~~عجيب الأمر أن سيد الإنسان له مكان في أعلى الجسم إنه هو المخ، داخل ~~الجمجمة، أما النبات فسيده في الجذور. وإن لم تجد الجذور مياها تذيب بها ~~العناصر في الأرض فالنبات يأخذ غذاءه من الورق، وبعد أن يذبل الورق يأخذ ~~النبات غذاءه من الفروع الصغيرة. وعندما تذبل تلك القروع وتجف ولا ينقذ ~~النبات إلا مجيء بعض الماء للجذور. وكذلك المخ بالنسبة للإنسان. فكأن ~~مريم شجعت سيدنا زكريا عندما قالت أمامه: { إن الله يرزق من ~~يشآء بغير حساب } فدعا سيدنا زكريا الله أن يرزقه ms2251 بالولد، ~~فجاءه الولد. وهذه القضية نطقت بها مريم وتمت تجربتها في سيدنا زكريا. ~~وبعد ذلك جاءها البشير بميلاد المسيح عيسى ابن مريم: # إذ قالت الملائكة يمريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها ~~في الدنيا والآخرة ومن المقربين * ويكلم ~~الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين # [آل عمران: 45-46] كيف يصوغ القرآن هذه الصياغة، وكيف تقول هي: # قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر # [آل عمران: 47] لقد كانت سيدتنا مريم البتول تحسن الاستقبال عن الله، ~~فساعة سمعت أن اسمه المسيح عيسى ابن مريم، عرفت أن نسبه لها يعني أنه بلا ~~أب. وعرفت أن الحق سبحانه ما نسبه إليها إلا لأنه لا أب له. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { وقولهم إنا قتلنا المسيح... }. ### || [4.157] # ونلاحظ أن الآية تبدأ بواو العطف على ما قبلها، وهو قوله الحق: # فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله ~~وقتلهم الأنبيآء بغير حق وقولهم قلوبنا ~~غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون ~~إلا قليلا * وبكفرهم وقولهم على مريم ~~بهتانا عظيما # [النساء: 155-156] ويعطف سبحانه على جرائمهم هذه الجريمة الجديدة: { ~~وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول ~~الله } وأكثر ما يدهش في هذا القول هو كلمة { رسول الله } ، فهل ~~هي هنا من قولهم؟ إن كانوا قد قالوها فهذا دليل اللجاجة المطلقة، ولو ~~قالوا: إنهم قتلوه فقط لكان الجرم أقل وطأة، ولكن إن كانوا قد عرفوا أنه ~~رسول الله وقتلوه فهذا جرم صعب للغاية. أو أن كلمة { رسول الله } ~~هنا في هذه الآية ليست من مقولهم الحقيقي وإنما من مقولهم التهكمي. وأضرب ~~المثل لأوضح هذا الأمر.. كأن يأتي شخص ذو قوة هائلة ومشهور بقوته ويأتي ~~له شخص آخر ويضربه ويهزمه ويقول لجماعته: لقد ضربت الفتى القوي فيكم. إذن ~~قد يكون قولهم: { رسول الله } هو من قبيل التهكم، أو أن كلمة { ~~رسول الله } هنا هي من قول الحق سبحانه وتعالى مضافا إلى قولهم ~~ليبشع عملهم. " وقولهم: { إنا قتلنا المسيح عيسى ابن ~~مريم رسول الله } فكأن ms2252 الحق لم يشأ أن يذكر عيسى ابن مريم إلا ~~مرتبطا أو موصوفا بقوله: { رسول الله } لنعلم بشاعة ما فعلوه، ~~فعيسى ابن مريم رسول الله على رغم أنوفهم، وخاصة أن الكلام في مجال ~~انكارهم وجحودهم لنعم الله، وكفرهم بآيات الله، وكأن الحق يسخر منهم لأنه ~~ما كان الله ليرسل رسولا ليبين منهجه للناس ثم يسلط الناس على قتله قبل ~~أن يؤدي مهمته. وجاء بكلمة { رسول الله } هنا كمقدمة ليلتفت الذهن ~~إلى أن ما قالوه هو الكذب. وبعد ذلك يقول لنا سبحانه: { وما قتلوه ~~وما صلبوه }. وكلمة " وما صلبوه " هنا هي لتوضيح أن مجرد ظنهم أنهم ~~قتلوا المسيح جعلهم يشيعون ذلك ويعلنونه للناس، وهم قد فعلوا ذلك قبل أن ~~يتوجهوا إلى فكرة الصلب، فقد قتلوا شخصا شبهه الله لهم ولم يكن هو ~~المسيح وصلبوه من بعد ذلك، وبمجرد قتل هذا الشخص طاروا بخبر القتل قبل أن ~~تبدأ فكرة الصلب. ويقطع الله عليهم هذا الأمر، فيقول: { وما قتلوه ~~وما صلبوه ولكن شبه لهم }. وقد لفتنا سبحانه من قبل ~~إلى أن عملية ميلاد المسيح تم استقبالها من بني إسرائيل بضجة، فعلى رغم ~~علمهم خبر مجيء المسيح بالميلاد من غير أب، وعلى رغم أنهم علموا بناتهم ~~الاستشراف أن يكون لأية واحدة منهن شرف حمل المسيح، وعلى رغم ذلك قالوا ~~البهتان في مريم التي اصطفاها الله. # وكذلك كان لمسألة الوفاة ضجة. واقتران الضجتين: ضجة الميلاد وضجة الوفاة ~~معا في رسالة السيد المسيح يدلنا على أن العقل يجب أن تكون له وحدة ~~تفسيرية، فساعة يتكلم العقل عن قضية الميلاد بالنسبة لعيسى ابن مريم لا ~~بد أن يستشعر الإنسان أن الأمر قد جاء على غير سنة موجودة، وساعة يبلغنا ~~الحق أن بني إسرائيل بيتوا النية لقتل عيسى ابن مريم، وأن الله رفعه إليه ~~تكون المسألة قد جاءت أيضا بقضية مخالفة، ولا بد أن نصدق ما بلغنا الله ~~به، وأن يتذكر العقل أن الميلاد كان مخالفا، فلماذا لا تكون النهاية ~~مخالفة أيضا؟ وكما صدقنا أن عيسى ابن مريم جاء ms2253 من غير أب، لا بد أن نصدق ~~أن الحق قد رفعه في النهاية وأخذه، فلم يكن الميلاد في حدود تصور العقل ~~لولا بلاغ الحق لنا. وكذلك الوفاة لا بد أن تكون مقبولة في حدود بلاغ ~~الحق لنا. والميلاد والنهاية بالنسبة لعيسى ابن مريم كل منهما عجيبة. وإن ~~فهمنا العجيبة الأولى في الميلاد فنحن نعتبرها تمهيدا إلى أن عيسى ابن ~~مريم دخل الوجود ودخل الحياة بأمر عجيب، فلماذا لا يخرج منها بأمر عجيب؟ ~~وإن حدثنا الحق أن عيسى ابن مريم خرج من الحياة بأمر عجيب فنحن لا نستعجب ~~ذلك لأن من بدأ بعجيب لا عجب أن ينتهي بعجيب. وسبحانه وتعالى حكم وقال: { ~~وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } وكلمة { ~~شبه لهم } هذه هي دليل على هوج المحاولة للقتل، فقد ألقى شبهه على ~~شخص آخر. وذلك دليل على أن المسألة كانت غير طبيعية، ليس فيها حزم ~~التبين من المتربصين القتلة. ونعلم أن الحواريين وأتباع سيدنا عيسى ~~كانوا يلفون رءوسهم ويدارون سماتهم، ولذلك قال الحق لنا: { ولكن ~~شبه لهم } أي أنهم قد شبه لهم أنهم قتلوه. واختلفت الروايات في ~~كلمة " شبه لهم " ، فمن قائل: إنهم حينما طلبوا عيسى ابن مريم ليقتلوه ~~دخل خوخة، والخوخة هي باب في باب، وفي البيوت القديمة كان يوجد للبيت باب ~~كبير لإدخال الأشياء الكبيرة، وفي هذا الباب الكبير يوجد باب صغير يسمح ~~بمرور الأفراد، وفي سقف البيت توجد فتحة وكوة اسمها روزنة أو ناروظة. ~~فلما طلبوا عيسى دخل الخوخة، ودخل خلفه رجل اسمه " تطيانوس " وعندما رأى ~~سيدنا عيسى هذا الأمر ألهمه الله أن ينظر إلى أعلى فوجد شيئا يرفعه، ~~فلما استبطأ القوم " تطيانوس " خرج عليهم فتساءلوا: إن كان هذا تطيانوس ~~فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى فأين تطيانوس؟ إذن فقد اختلط عليهم الشبه ~~بين " تطيانوس " وعيسى، وألقى الله شبه عيسى على " تطيانوس " فقتلوه. أو ~~أن عيسى عليه السلام حينما دخلوا عليه كان معه الحواريون وقال لهم عيسى: ~~أيكم يلقي عليه شبهي وله الجنة؟ فماذا إذن يريد الحواري ms2254 لنفسه أكثر من ~~الجنة؟ وقدم عيسى عليه السلام الجائزة الكبرى لأي مؤمن، وقبل واحد من ~~الحواريين هذه المهمة، ويقال له " سرخس ". # فألقى شبه المسيح عيسى عليه، فقتل اليهود " سرخس ". وقالوا: إنه حينما ~~عرف بعض الذين ذهبوا لقتل عيسى أنه رفع، خافوا أن تنتشر حكاية رفع عيسى ~~بين الناس فيؤمنوا برسالة عيسى، وقد ينتقم الناس من الذين أرادوا قتله. ~~ولذلك جاء القتلة بشخص وقتلوه وألقى على هذا القتيل شبه عيسى وأعلن ~~القتلة أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم. أو أن القتيل هو واحد ممن باعوا ~~نبي الله عيسى لليهود، ولما رأى المشهد ووجد المتربصين بعيسى يدخلون على ~~الحواريين وفيهم عيسى وسأل المتربصون الحواريين: أيكم عيسى؟ فتيقظت ملكة ~~التوبة في نفس الذي وشى بعيسى وقادة تأنيب الضمير على خيانة الرسول إلى ~~أن يقول: " أنا عيسى ". ولم يتصور المتربصون أن يجيب إنسان على قولهم: " ~~أيكم عيسى ". إلا وهو عيسى بالفعل لأن مشهد المتربصين يوحي أنهم سيقتلون ~~عيسى. وقتلوا الذي اعترف على نفسه دون تثبت. أو أن واحدا باع عيسى لقاء ~~ثلاثين دينارأ وتشابه عليهم فقتلوا الواشي، ولم يظفروا بعيسى ابن مريم. ~~ونحن كمسلمين لا نهتم اهتماما كبيرا بتلك الروايات. فالمهم أنهم قالوا ~~قتلنا عيسى. وصلبناه. وقرآننا الذي نزل على رسولنا صلى الله عليه وسلم ~~قال: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم }. ~~وقال الحق لنا: إنه رفع عيسى إليه، وانتهت المسألة بالنسبة لنا لأننا ~~كمؤمنين لا نأخذ الجزئيات الدينية أولا فإن صدقناها آمنا، لا. نحن نؤمن ~~أولا بمنزل هذه الجزئيات ونصدق من بعد ذلك كل ما جاء منه سبحانه، ~~وهو قال ذلك فآمنا به وانتهت المسألة. إن البحث في هذا الأمر لا يعنينا ~~في شيء، ويكفينا أن الحق سبحانه وتعالى قال: { وما قتلوه وما ~~صلبوه ولكن شبه لهم }. ويدلنا هذا القول على عدم تثبت ~~القتلة من شخصية القتيل، وهو أمر متوقع في مسألة مثل هذه، حيث يمكن أن ~~تختلط الأمور. إننا نرى ذلك في أية حادثة تحدث مع وجود أعداد كبيرة من ~~البشر ms2255 وأعينهم مفتوحة، وعلى الرغم من ذلك تختلف فيها الروايات. بل وقد ~~تكون الحادثة مصورة ومسجلة ومع ذلك تختلف الروايات، فما بالنا بوجود ~~حادثة مثل هذه في زمن قديم لا توجد به كل الاحتياطات التي نراها في ~~زماننا؟ إذن فاضطراب الآراء والروايات في تلك الحادثة أمر وارد، ويكفينا ~~أن الحق سبحانه وتعالى قال: { وما قتلوه وما صلبوه }. فعيسى ~~باق لأن الحق لم يأت لنا بخبر موت عيسى. ويبقى الأمر على أصل ما وردت به ~~الآيات من أن الله سبحانه وتعالى رفع عيسى ابن مريم. # وكمسلمين لا نستبعد أن يكون الحق سبحانه وتعالى قد رفعه إلى السماء لأن ~~المبدأ - مبدأ وجود بشر في السماء - قد ثبت لرسولنا صلى الله عليه وسلم، ~~فقد حدثنا صلى الله عليه وسلم أنه عرج به إلى السماء، وأنه صعد وقابل ~~الأنبياء ورأى الكثير من الرؤى، إذن فمبدأ صعود واحد من البشر من الأرض ~~وهو لا يزال على قيد الحياة البشرية المادية إلى السماء أمر وارد. ~~والخلاف يكون في المدة الزمنية، لكنه خلاف لا ينقض مبدأ، سواء صعد وبقي ~~في السماء دقائق أو ساعات أو شهورا. فإن حاول أحد أن يشكك في هذه ~~المسألة نقول له: كل أمر قد يقف العقل فيه يتناوله الحق سبحانه وتعالى ~~تناولا موسعا. فسبحانه خالق رحيم لا يورد نصا بحيث يتوقف العقل أمامه، ~~فإن قبل العقل النص كان بها، وإن لم يقبله وجدت له مندوحة، لأنه أمر لا ~~يتعلق بصلب العقيدة. فهب أن إنسانا قال إن عيسى لم يرفع بل مات، فما ~~الذي زاد من العقائد وما الذي نقص؟ ذلك أمر لا يضر ولا ينفع. ومثل ذلك ~~الإسراء، جاء فيه الحق بالقول القرآني: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ~~لنريه من آياتنآ إنه هو السميع البصير # [الإسراء: 1] ولم يقل الحق أي قول في أمر المعراج، لأن الإسراء آية ~~أرضية، انتقل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس. ~~ونعلم أن رسول الله ms2256 لم يذهب إلى بيت المقدس قبل الإسراء، بدليل أن كفار ~~مكة أرادوا إحراج الرسول فقالوا له: صف لنا بيت المقدس. وهم واثقون من ~~عدم ذهابه إليه من قبل. وكان في الطريق قوافل لهم رآها صلى الله عليه ~~وسلم، ووصف صلى الله عليه وسلم بيت المقدس وقال لهم عن أخبار قوافلهم. ~~وجاءت القوافل مثبتة لصدق محمد صلى الله عليه وسلم. إذن كان الإسراء ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم آية أرضية يمكن أن يقام عليها الدليل. ~~ولذلك جاء بها الحق صريحة فقال: { سبحان الذي أسرى بعبده ~~ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى }. ~~لكن المعراج لم يذكره الحق صراحة، فلم يكن من قريش ولا من أهل الأرض من ~~رأي سدرة المنتهى، ولم يكن لأحد من أهل الأرض القدرة على أن يصف طريق ~~المعراج. إذن فالآيات التي يقف فيها العقل يتناولها القرآن تناولا ~~موسعا رحمة بالعقول لأن الإنسان إن اعتقد بها فهذا أمر جائز، وعدم ~~الاعتقاد بها لا يؤثر في أصل العقيدة، ولأ في أصول التكليفات، ومدارها ~~التصديق. ومادام الحق سبحانه وتعالى قد فوض رسوله أن يعطينا أحكاما. إن ~~عملنا بها جزانا الله الثواب، وإن لم نعمل بها نالنا العقاب { ومآ ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا } ، ~~فكيف لا يفوضه في أن يقول لنا بعضا من الأخبار؟! ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيما روي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وذكره البخاري في ~~صحيحه أنه قال: # " والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر ~~الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى ~~تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها " # ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا # [النساء: 159]. هذه أخبار أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن ~~لا توجد قضية عقدية تقف مستعصية أمام عقول المسلمين خاصة. أن البعض قد ~~يقول: إن الحق سبحانه قد قال: ms2257 # إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي ~~ومطهرك من الذين كفروا # [آل عمران: 55] وقد شرحنا من قبل في خواطرنا عن سورة آل عمران كل الشرح ~~لهذه المسألة. قلنا: إن علينا أن ننتبه إلى " واو العطف " بين " متوفيك " ~~و " رافعك ". ومن قال إن " واو العطف " تقتضي الترتيب؟ إن " واو العطف " ~~تقتضي الجمع فقط كقولنا: " جاءني زيد وعمرو " ، هذا يعني أن زيدا جاء مع ~~عمرو. أو ان زيدا جاء أولا، أو أن عمرا جاء أولا وتبعه زيد، ف " ~~الواو " لا تقتضي الترتيب، وإنما مقتضاها الجمع فقط لكن إن قلنا " جاءني ~~زيد فعمرو " فزيد هو الذي جاء أولا وتبعه عمرو لأن " الفاء " تقتضي ~~الترتيب، أما " الواو " فتأتي لمطلق الجمع ولا تتعلق بكيفية الجمع، ~~وسبحانه قال: { إني متوفيك ورافعك إلي } هذا الضرب من ~~الجمع لا يدل على أن التوفي قد تم قبل الرفع، ودليلنا أن الحق سبحانه ~~أنزل في القرآن آيات تدل على مثل هذا، كقوله الحق: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم # [الأحزاب: 7] فسبحانه أخذ الميثاق من محمد صلى الله عليه وسلم وجمع معه ~~سيدنا نوحا وإبراهيم، فهل هذا الجمع كان قائما على الترتيب؟ لا لأن ~~نوحا متقدم جدا في الموكب الرسالي وسبق سيدنا رسول الله بسنوات طويلة ~~ويفصل بينهما رسل كثيرون. إذن ف " الواو " لا تقتضي الترتيب في الجمع. ~~ولماذا جاء الحق بأمر الوفاة مع أمر الرفع؟ جاء الحق بذلك ليشعر عيسى أن ~~الوفاة أمر مقطوع به، لكن الرفع مجرد عملية مرحلية. أو جاء قوله الحق: { ~~إني متوفيك ورافعك إلي } لأن الإنسان المخلوق لله مكون ~~ومركب من مادة وفي داخلها الروح، وعندما يريد الحق أن ينهي حياة إنسان ~~ما، فهو يقبضه بدون سبب وبدون نقض في البنية، ويموت حتف أنفه، أما إذا ما ~~ضرب إنسان إنسانا ضربة عنيفة على رأسه فالمضروب أيضا يموت، لأن الروح ~~لا تحل في جسم به عطب شديد. # إذن فالحق أوضح لعيسى: أنا آخذك إلي وأرفعك متوفيا وليس بجسدك أي ~~نقض لبنيتك أو هدم ms2258 لها أو لبعضها، بل آخذك كاملا. ف " متوفيك " تعني ~~الأخذ كاملا دون نقض للبنية بالقتل. ونحن - كما عرفنا من قبل - نفرق بين ~~القتل والموت. فالموت هو أن تقبض الروح حتف الأنف، أما القتل فهو هدم ~~للبنية فتزهق الروح، والدليل على ذلك أن الحق في كتابه الكريم قال: # أفإن مات أو قتل # [آل عمران: 144] إذن فحين قال بنو إسرائيل: إنهم قتلوا عيسى ابن مريم ~~كذبهم الحق وقال: { وما قتلوه وما صلبوه }. ورفعه الله إليه ~~كاملا، وسبحانه وتعالى يقول: { وما قتلوه وما صلبوه ~~ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي ~~شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن ~~وما قتلوه يقينا }. ويوضح الحق سبحانه وتعالى: لم يتيقنوا أنهم ~~قتلوا عيسى ابن مريم، لكنهم شكوا فيمن قتل، فلم يعرف المتربصون لقتله ~~أقتلوا عيسى أو تطيانوس أو سرخس؟ والحق سبحانه جاء هنا بنسبتين ~~متقابلتين، فبعد أن نفى سبحانه نبأ مقتل عيسى ابن مريم قال: { وإن ~~الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من ~~علم إلا اتباع الظن }. والنسبة الأولى المذكورة هنا هي ~~الشك، وهو نسبة يتساوى فيها الأمران. والنسبة الثانية هي اتباعهم للظن، ~~وهو نسبة راجحة. لقد بدأ الأمر بالنسبة إليهم شكا ثم انقلب ظنا. وينهي ~~الحق ذلك بعلم يقيني { وما قتلوه يقينا } وسبحانه ينفي بذلك ~~انهم قتلوه يقينا، واليقين - كما نعلم - هو الأمر الثابت المعقود في ~~الواقع والأعماق بحيث لا يطفو إلى الذهن ليناقش من جديد أو يتغير، وله ~~مراحل هي: مرحلة العلم، واسمها علم اليقين، ومرحلة العين، واسمها عين ~~اليقين، ومرحلة الحقيقة، واسمها حق اليقين. وعندما يخبرنا واحد من الناس ~~أن جزءا من نيويورك اسمه " مانهاتن ". وأن مانهاتن هذه هي جزيرة يصل ~~تعداد سكانها إلى عشرة ملايين نسمة، وفيها ناطحات سحاب، وجاء هذا الخبر ~~ممن لا نعرف عنه الكذب فيسمعه من لم ير نيويورك، فيصير مضمون الخبر عنده ~~علما متيقنا لأن الذي أخبر به موثوق به. وإن جاء آخر ووجه للسامع عن ~~نيويورك دعوة لزيارتها ولبى السامع ms2259 الدعوة وذهب إلى نيويورك، هنا تحول ~~الخبر من " علم يقين " إلى " عين اليقين ". وإن جاء ثالث وصحب السامع إلى ~~قلب نيويورك وطاف به في كل شوارعها ومبانيها، فهذا هو " حق اليقين ". ~~وأسمى أنواع اليقين هو " حق اليقين " ، وقبلها " عين اليقين " ، وقبل " ~~عين اليقين " " علم اليقين ". # وحينما عرض سبحانه المسألة قال: # كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا ~~لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم ~~لترونها عين اليقين # [التكاثر: 3-7] هو سبحانه يعطينا علم اليقين، ويصدقه المؤمنون بهذا ~~العلم قبل أن يروه، وسيرى المؤمنون وهم على الصراط النار وذلك عين ~~اليقين. أما مسألة دخول الذين يرون الجحيم إليها فأمر سكت عنه الحق لأن ~~هناك من يدخل الجنة ولا يدخل النار، وهناك من يدخل النار ولا يدخل الجنة. ~~والكافرون بالله هم الذين سيرون الجحيم حق اليقين. ويأتي " حق اليقين " ~~في موضع آخر من القرآن الكريم: # وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من ~~حميم * وتصلية جحيم * إن هذا لهو حق اليقين # [الواقعة: 92-95] فكل مكذب ضال سينزل إلى الحميم ويصلى الجحيم ويعاني من ~~عذابها حق اليقين. إذن فقوله الحق عن مسألة قتل عيسى ابن مريم: { وما ~~قتلوه يقينا } يصدقه الذين لم يشاهدوا الحادث، تصديق علم يقين لأن ~~الله هو القائل. والذين رأوا الحادث عرفوا أنهم لم يقتلوه ولكنهم شكوا في ~~ذلك. وأما من باشر عملية القتل لإنسان غير عيسى عليه السلام فهو الذي عرف ~~حقيقة اليقين. والذي حدث هو ما يلي: { بل رفعه الله... }. ### || [4.158] # لقد رفعه العزيز الذي لا يغلبه أحد على الإطلاق، فهو القوي الشديد الذي ~~لا ينال منه أحد، فإذا كانوا قد أرادوا قتل رسوله عيسى ابن مريم، فالله ~~غالب على أمره، وهو العزيز بحكمة. ويقول الحق من بعد ذلك: { وإن من ~~أهل الكتاب... }. ### || [4.159] # و " إن " هنا هي " إن " النافية، وهي غير " إن " الشرطية. وإليكم هذا ~~المثال عن " إن " النافية من موضع آخر من القرآن حين قال الحق: # الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن ~~أمهاتهم إن ms2260 أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم # [المجادلة: 2] يصحح الحق هنا الخطأ الذي وقع فيه هؤلاء الذين يظاهرون من ~~نسائهم بقول الواحد منهم لزوجته: " أنت علي كظهر أمي " ، فيقول سبحانه: # إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ~~ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله ~~لعفو غفور # [المجادلة: 2] فيوضح سبحانه: ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم. و " إن " في ~~هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا الآن عنها هي " إن " النافية. كأن الحق ~~يقول: ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمن به قبل موته. وهذا شرح لمعنى " إن ~~النافية ". وقد يقول قائل: ما حكاية الضمائر في هذه الآية؟ فالآية بها ~~أكثر من ضمير، مثل قوله الحق: { وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به قبل موته } وعلى من تعود " به "؟ وعلى من تعود ~~الهاء في آخر قوله " موته "؟ هل هو موت عيسى أو موت أي واحد من أهل ~~الكتاب، فالمذكور عيسى، ومذكور أيضا أهل الكتاب، فيصح أن يكون القول ~~كالآتي: لن يموت واحد من أهل الكتاب إلا بعد أن يؤمن بعيسى، ويصح أيضا: ~~لن يموت عيسى إلا بعد أن يؤمن به كل واحد من أهل الكتاب، ولأن الضمير لا ~~يعرف إلا بمرجعه، والمرجع يبين الضمير. فإن كانت هناك ألفاظ سبقت.. فكل ~~منها يصح أن يكون مرجعا، أو أن يعود الضمير على بعض مرجعه كقول الحق: # وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب # [فاطر: 11] والمعمر هو الإنسان الذي طعن في السن، ولا ينقص من عمر هذا ~~المعمر إلا كما أراد الله، والهاء في " عمره " تعود إلى بعض من ~~المعمر. ذلك أن كلمة " معمر " مكونة من عنصرين هما " ذات الرجل " و " ~~عمر الرجل " ، فلما عاد الضمير عاد على الذات دون التعمير، فيكون المعنى ~~هو: وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمر ذات لم يثبت لها التعمير. ~~وماذا يكون الحال حين يوجد مرجعان؟ مثل قوله الحق: # رفع السماوات بغير عمد ترونها # [الرعد: 2] هنا نجد مرجعين: " السماء " و " العمد " فعلى أي منهما تعود ~~الهاء الموجودة في كلمة ms2261 " ترونها " ، هل تعود " الهاء " إلى المرجع الأول ~~وهو السماوات، أو للمرجع الثاني وهو " العمد "؟ يصح أن تعود " الهاء " ~~إلى السماوات. # . أي خلق السماوات مرتفعة قائمة بقدرته لا تستند على شيء وأنتم تنظرون ~~إليها وتشاهدونها بغير دعائم، ويصح أيضا أن تعود إلى العمد. أي بغير ~~العمد التي نعرفها ولكن رفعها الحق بقوانين الجاذبية. أو رفع السماوات { ~~بغير عمد ترونها } أي أن العمد مختفية عن رؤية البشر. وهكذا ~~يصح أن ينسب الضمير ويعود إلى أحد المرجعين. والآية التي نحن بصددها، ~~نجد أنه قد تقدم فيها شيئان هما المسيح وأهل الكتاب، وفيهما ضميران ~~اثنان. فهل يعود الضميران على عيسى، أو يعودان على أهل الكتاب؟ أو يعود ~~ضمير منهما على عيسى والآخر على أهل الكتاب؟ وأي منهما الذي يرجع على ~~عيسى، وأي منهما الذي يرجع على أهل الكتاب؟ أو أن هناك مرجعا ثالثا لم ~~يذكر ويعلم من السياق هو محمد صلى الله عليه وسلم، ونجد أن الضميرين قد ~~يرجعان إلى المرجع الثالث، أي إلى محمد صلى الله عليه وسلم الذي بشر ~~بمجيئه عيسى ابن مريم، وتواتر الأحاديث عن أن عيسى يوشك أن ينزل فيكسر ~~الصليب ويقتل الخنزير، ولسوف يصلي عيسى ابن مريم خلف واحد من أمة رسول ~~الله محمد صلى الله عليه وسلم. ولماذا التقى النصارى مع اليهود في مسألة ~~القتل والصلب؟ هم معذورون في ذلك لأن الحق لم يأت ببيان فيها آنئذ. ~~وقوله: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } ~~يدل على أنهم معذورون إن قالوا ذلك. ولكن كان الواجب أن يتمردوا على ~~مسألة الصلب هذه، إن كان فيه ألوهية أو جزء من ألوهية، وكان من الواجب أن ~~يخفوا مسألة الصلب. ويأتي الإسلام ليبرئ عيسى عليه السلام من هذه المسألة ~~ويعين أتباع عيسى على تبرئته منها. ولكن لم يلتفت أتباع عيسى إلى قول ~~الإسلام في هذه القضية { ولكن شبه لهم } وكان يجب أن يلتفت ~~إليها أتباع المسيح. وحين يقص الحق كل ذلك فهو يحكم من بعد ذلك حكما ~~إلهيا: { بل رفعه الله إليه ms2262 } النصارى يقولون بالرفع، ولكن ~~بعد الصلب. ونحن المسلمين نقول بالرفع ولا صلب، رفعه الله إليه وسينزل. ~~وحكمة ذلك أنه لم يوجد رسول من الرسل السابقين فتن فيه قومه فجعلوه ~~بعضا من إله أو إلها فلم تسكت السماء عن ذلك، فرفعه سبحانه وسينزله ~~ليسفه هذه القضية، وبعد ذلك يجري عليه قدر الله في خلقه وهو الموت. إن ~~الذين يقفون في هذه المسألة يجب ألا يقفوا، لأن مسألة سيدنا عيسى عليه ~~السلام بدأها الله بعجيبة خرقت النواميس لأنه ولد من أم دون أب. فإن ~~كنتم قد صدقتم العجيبة في الميلاد، فلماذا لا تصدقون العجيبة في مسألة ~~الرفع؟ وإن قال واحد منا: لقد مات عيسى عليه السلام. نقول: ماذا تقولون ~~في نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام؟ أصعد إلى السماء معروجا به إليها؟ ~~ألم يكن رسول الله حيا بقانون الأحياء؟ نعم كان حيا بقانون الأحياء. # وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة وجيزة في السماء ثم نزل إلينا، ~~إذن فالمسألة في أن يذهب خلق من خلق الله بإرادة الحق وقدرته إلى السماء ~~وهو حي ثم ينزل إلى الأرض وهو حي ليس عجيبة. والخلاف بين رفع عيسى ~~وصعود محمد صلى الله عليه وسلم بالمعراج خلاف في المدة. وهذا لا ينقض ~~المبدأ فالمهم أنه صعد بحياته ونزل بحياته، وظل فترة من الزمن بحياته، ~~إذن فمسألة الصعود إلى السماء والبقاء فيها لمدة أمر وارد في شريعتنا ~~الإسلامية. ولتأكيد هذه المسألة يقول الحق: # وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل ~~موته # [النساء: 159] السامع السطحي لهذه الآية قد يقول: إنهم أهل كتاب ولا بد ~~أن يكونوا قد آمنوا به، وأقول: لا، لقد آمنوا به إيمانا مرادا لأنفسهم، ~~وليس الإيمان المراد لله، آمنوا به إلها أو جزءا من إله وهو ما يسمى ~~لديهم بالثالوث - الأب والابن وروح القدس - ولكن الله يريد أن يؤمنوا به ~~رسولا وبشرا وعبدا. وإذا قال الحق: { وإن من أهل الكتاب ~~إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة ~~يكون عليهم شهيدا } فمعنى هذا: ما أحد ms2263 من أهل الكتاب إلا ~~ويؤمن بعيسى عليه السلام رسولا وعبدا وبشرا قبل أن يموت. والضمير في ~~قوله: { إلا ليؤمنن به } يرجع إلى عيسى. والضمير الآخر ~~الموجود في { قبل موته } قد يرجع إلى عيسى أي قبل موت عيسى ولن ~~يموت عليه السلام الموتة الحقيقية التي تنهي أجله في الحياة إلا بعد أن ~~يؤمنوا به عبدا ورسولا وبشرا، ولن يتحقق ذلك إلا إذا جاء بشحمه ولحمه ~~ودمه ليقول لهم: أنتم مخطئون في أنكم أنكرتم بشارتي بمحمد الخاتم، وأنتم ~~مخطئون في اتهامكم لأمي، والدليل على خطئكم هو أنني جئت مبشرا برسول ~~للناس كافة هو محمد بن عبدالله، وهأنذا أصلي خلف واحد من أمة ذلك الرسول. ~~فلن يأتي عيسى - عليه السلام - بتشريع جديد بل ليصلي خلف واحد من ~~المؤمنين بمحمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم. وحين يصنع عيسى ابن مريم ~~ذلك، ماذا سيقول الذين فتنوا فيه؟. لاشك أنهم سيعلنون الإيمان برسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، أو أن كل كتابي من الذين عاشوا في المسافة ~~الزمنية من بعد رفعه وحتى نزوله مرة أخرى سيعلن الإيمان بعيسى كبشر ورسول ~~وعبد قبل أن يموت ولو في غيبوبة النهاية عندما تبلغ الروح الحلقوم وتتردد ~~في الحلق عند الموت. فقد يصح أن تكون الآية عامة { وإن من أهل ~~الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } ويعود الضمير ~~فيها إلى كل كتابي قبل أن يموت. # إن النفس البشرية لها هوى قد يستر عنها الحقائق ويغلق دونها باب اليقين ~~ويدفعها إلى ذلك غرور الحياة، فإذا ما جاءت سكرة الموت بالحق، انتهى كل ~~شيء يبعد الإنسان عن منهج الحق واليقين ولا تبقى إلا القضايا بحقها ~~وصدقها ويقينها، وتستيقظ النفس البشرية لحظة تظن أنها ستلقى الله فيها ~~ويسقط غرور الحياة، ويراجع الإنسان منهم نفسه في هذه اللحظة، ويقول: أنا ~~اتبعت هوى نفسي. ولكن أينفع مثل هذا اللون من الإيمان صاحبه؟ لا لأن ~~مثله في ذلك مثل إيمان فرعون، فقد قال حين أدركه الغرق: # حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله ms2264 ~~إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من ~~المسلمين # [يونس: 90] فيسمع صوت الحق في تلك اللحظة: # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين # [يونس: 91] فلم ينتفع فرعون لحظة الغرق بالإيمان. ويقول - سبحانه -: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم ~~عذابا أليما # [النساء: 18] ويذيل الحق الآية: { ويوم القيامة يكون ~~عليهم شهيدا } وهذا يؤكد أن عيسى عليه السلام سيشهد على من ~~عاصروا نزوله في الدنيا، وسوف يشهد يوم القيامة على الذين ادعوا له ~~بالألوهية: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب # [المائدة: 116] ويعاود الحق سبحانه الكلام عن فظائع اليهود فيقول: { ~~فبظلم من الذين... }. ### || [4.160] # هو سبحانه يوضح أن تحريم بعض الطيبات على بني إسرائيل جاء نتيجة لمواقف ~~يعددها الله، لقد ارتكبوا ما ارتكبوا من ذنوب كبيرة وظلموا أنفسهم وظلموا ~~غيرهم، وصدوا عن دين الله، بمعنى أنهم لم يدخلوا في الإسلام. وتستمر ~~الحيثيات للتحريم لبعض الطيبات لتزيد على هذين الموقفين: { وأخذهم ~~الربا... }. ### || [4.161] # وأي ظلم يتحدث عنه الحق في قوله: { فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم }؟. الظلم معناه أن ~~يحكم واحد لغير ذي الحق بحق، وقمة الظلم أن يحكم واحد بأن لله شريكا، ~~ولذلك قال سبحانه: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] وحيثيات حكم الله بتحريم أشياء كانت حلالا لبني إسرائيل ~~متعددة. وحين يحرم الله شيئا فمن المؤكد أنه محدود بالنسبة للمحلل ~~فالمحرم قليل، وبقية ما لم يذكره الله إنما يدخل في نطاق الحلال. مثال ~~ذلك قوله الحق: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا ~~تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن ولا تقتلوا ms2265 النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون * ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى ~~يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ~~ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تذكرون # [الأنعام: 151-152] يورد الحق هنا المحرمات وهي أشياء محددة محدودة، أما ~~النعم كلها فحلال. ومن هذا الأمر نفهم اتساع مدى رحمانية الحق بالخلق، ~~فقد وهبنا الكثير والكثير من النعم التي لا تعد ولا تحصى ولم يحرم إلا ~~القليل. وتحريم القليل جاء لتبقى كل نعمة في مجالها. فإذا قال إنسان: حرم ~~الله هذا الشيء لأنه ضار نقول: ما تقوله جائز، ولكن ليس الضرر هو سبب ~~الحكم لكل المحرمات، فقد يحرم سبحانه أمرا لتأديب قوم ما. - ولله المثل ~~الأعلى - نرى المسئول عن تربية أسرة قد يحرم على ولد فيها لونا من ~~الطعام أو جزءا من مصروف اليد ويكون القصد من ذلك هو العقوبة. ولماذا ~~استحق بنو إسرائيل عقوبة التحريم؟. لقد جاءوا من خلف منهج الله وأحلوا ~~لأنفسهم ما حرم الله. وماداموا قد زاغوا فأحلوا ما حرم الله فالحق يرد ~~عليهم: لقد اجترأتم على ما حرمت فحللتموه، ومن حقي أن أحرم عليكم ما ~~أحللت لكم من قبل ذلك، حتى لا يفهم الإنسان أنه بتحليله لنفسه ما حرم ~~الله قد أخذ شيئا من وراء الله فلا أحد يمكنه أن يغلب الله. ولذلك يحرم ~~سبحانه عليه شيئا من حلاله. والتحريم إما أن يكون تحريم تشريع، وإما ~~تحريم طبع أو فطرة أو ضرورة. نجد الرجل الذي أسرف على نفسه في تناول ~~محرمات كالخمر - مثلا - يحرم الله عليه أشياء كانت حلالا له، ويقول له ~~الطبيب: تهرأ كبدك وصار من الممنوع عليك أن تأكل صنوفا كثيرة من الطعام ~~والشراب. وهكذا نرى ظلم الإنسان لنفسه، وكيف نتج عنه تحريم أشياء كانت ~~حلالا له. # ومن أسرف على نفسه في تناول صنف معين من الطعام كالسكر مثلا فأكله فوق ~~ما تدعو به الحاجة، نجد سنة ms2266 الله الكونية تقول له: لقد أخذت أكثر من حقك. ~~وعطلت في جسدك القدرة على حسن استخدام السكر فصرت مريضا، إياك أن تتناول ~~السكريات مرة أخرى. ويشتهي المريض السكر والحلوى ويملك القدرة على ~~شرائهما، ولكنها محرمة عليه، وكأن الحق سبحانه وتعالى يقول له: بظلم منك ~~لنفسك حرمت ما أحللته لك. وآخر يملك الثروات والخدم والمزارع الشاسعة، ~~ويقوم له الآخرون بطحن الغلال، ويأمر بأن يصنعوا له الخبز من أنقى أصناف ~~الدقيق الخالي من أية قدر من " النخالة " ، ويصنعون له الخبز الأبيض، ~~ويأكله بينما الاتباع يصنعون لأنفسهم الخبز من الدقيق الأقل نقاوة، فتقول ~~له سنة الله: ستأكل الخبز المصنوع من النخالة بأمر الطبيب علاجا لأمعائك ~~لأنك أسرفت على نفسك في أكل الخبز المصنوع من أنقى أنواع الدقيق وليأكل ~~رعاياك وعمالك الخبز المصنوع من أفخر ألوان الدقيق، فبظلم منك حرمنا ما ~~أحل لك. وعندما نرى إنسانا قد حرم من نعمة من نعم الله التي هي حلال ~~له، نعلم أنه قد حلل لنفسه شيئا حرمه الله عليه، أو أسرف في استعمال حق ~~أحله الله له، ولا أحد منا يفلت من رقابة الله. إذن فالتحريم قد يكون ~~بالتشريع، إذا كانت العقوبة التحريم من المشرع، وقد يكون تحريما بالطبع ~~والفطرة إن كان في الأمر إسراف من النفس. ولنقرأ دائما هذه الآية: { ~~فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا } وكذلك ~~الذين يأخذون مالا بالربا، لقد أخذوا الربا ليزيد مالهم، لماذا تريدون ~~المال؟. أتريدون المال لذات المال أم لهدف آخر؟. صحيح أن المال رزق، لكنه ~~رزق غير مباشر لأنه يشتري به الأشياء التي ينتفع بها الإنسان، وهي ~~الرزق المباشر. وقلنا قديما: هب أن إنسانا في صحراء ومعه جبل من ذهب ~~لكن الطعام انقطع منه، وجبل الذهب في مثل هذه الحالة لا ينفع، بل يصبح ~~رغيف الخبز وكوب الماء في تلك الحالة أغلى من الذهب. والذي يزيد ماله ~~بالربا، أيريد تلك الزيادة من أجل المتع؟. سبحانه يمحق ذلك المال ويذهبه ~~في كوارث. ومن ms2267 أراد أن يبقي له ما أحل الله إلى أن يأتي أجله فعليه ألا ~~يبيح لنفسه أي شيء حرمه الله. وبذلك يظل متمتعا بنعم الله عليه. فالحق ~~هو القائل: { وما ربك بظلام للعبيد }. الإنسان - إذن - ~~هو الذي يظلم نفسه مصداقا لقوله الحق: # إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس ~~أنفسهم يظلمون # [يونس: 44] وهكذا ظلم اليهود أنفسهم فحرم الله عليهم طيبات أحلت لهم. ~~ومن الذي نقل الأمر الطيب إلى أمر غير طيب؟. # إنه الإنسان. ولكن هل نقل ذات الشيء أو حكم الشيء؟. لقد نقل حكم الشيء، ~~فجعل الشيء الحرام شيئا حلالا. { فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن ~~سبيل الله كثيرا }. كيف يكون باستطاعتهم الصد عن سبيل الله؟. ~~لقد ظلموا أنفسهم وأخذوا الربا وتلك أمور تجعلهم في ناحية الضلال وفي ~~جانب الباطل، وليت الأمر وقف عند هذا. بل أرادوا أيضا إضلال غيرهم، وهذا ~~هو مضمون الصد عن سبيل الله. وجعلهم هذا الأمر أصحاب وزر آخر فوق ~~أوزارهم، فلم يكتفوا بضلالهم بل تحملوا أوزار إضلال غيرهم. # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون # [النحل: 25] وقد يسمع متشكك هذا القول. فيتساءل: كيف يناقض القرآن بعضه ~~فيقول: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164] ونقول: إن لكل وزر طريقا وحسابا، فالإنسان يحمل وزر ~~ضلاله وحده إن لم يضل به أحدا غيره، ولكن إن حاول إضلال غيره فهو يتحمل ~~وزر هذا الإضلال. ويقول الحق في تكملة ظلمهم لأنفسهم: { وأخذهم ~~الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس ~~بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما } ~~، وقد تعرضنا للربا من قبل. وقد أخذوا الرشوة، وهو أكل لمال الناس ~~بالباطل وكذلك السرقة، والغش في السلع، كل ذلك أخذ مال من الناس بغير حق، ~~وما أخذ بغير الحق فهو باطل، وأعد سبحانه لهم مسبقا عذابا اليما. ولكل ~~إنسان مقعدان: مقعد من الجنة إن قدر إيمانه، ومقعد من النار إن قدر ~~كفره، ولا مجال للظن بإمكان ازدحام الجنة أو ازدحام النار، ms2268 فقد خلق الله ~~مقاعد الجنة على أساس أن كل الناس مؤمنون، وجعل مقاعد النار على أساس أن ~~كل الناس كافرون. ولذلك يقول الحق: # الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون # [المؤمنون: 11] وحين يتبوأ المؤمن مقعده في الجنة يورثه الله المقعد ~~الآخر الذي أعده للكافر فقد كان للكافر قبل أن يكفر مقعد في الجنة لو ~~اختار الإيمان. وقد أعد الحق العذاب الأليم لهم أي الشديد إيلامه، وهو ~~مهين أيضا أي أن في قدرته قهر أي إنسان يتجلد للشدة، فلا أحد يقدر على ~~الجلد أمام عذاب الله. وهل هذا هو كل ما كان من أهل الكتاب؟. ألم يوجد ~~في أهل الكتاب من كان يدير مسألة الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في عقله، ويبحث في القضايا والسمات التي جاءت مبشرة به صلى الله عليه ~~وسلم في التوراة والإنجيل؟. كان من بينهم من فعل ذلك، ويورد الحق سبحانه ~~وتعالى التاريخ الصادق، فيستثنى من أهل الكتاب الراسخين في العلم فيقول: ~~{ لكن الراسخون... }. ### || [4.162] # إذن لم يعمم الله الحكم على أهل الكتاب، الذي سبق بكفرهم وظلمهم لأنفسهم ~~وأخذهم الربا وغير ذلك، بل وضع الاستثناء، ومثال لذلك " عبدالله بن سلام ~~" الذي أدار مسألة الإيمان برسول الله في رأسه وكان يعلم أن اليهود قوم ~~بهت. فقال لرسول الله: إني أومن بك رسولا، والله لقد عرفتك حين رأيتك ~~كمعرفتي لابني ومعرفتي لمحمد أشد. ويقول الحق عن مثل هذا الموقف: { ~~الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم }. ولا أحد يتوه عن معرفة ابنه كذلك الراسخون في العلم ~~يعرفون محمدا رسولا من الله ومبلغا عنه، والراسخ في العلم هو الثابت ~~على إيمانه لا يتزحزح عنه ولا تأخذه الأهواء والنزوات. بل هو صاحب ارتقاء ~~صفائي في اليقين لا تشوبه شائبة أو شبهة. { لكن الراسخون في ~~العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بمآ أنزل إليك ~~ومآ أنزل من قبلك } ، وقوله الحق: { بمآ أنزل إليك } ~~هو القرآن، وهو أصل يرد إليه كل كتاب سابق عليه، فحين يؤمنون بما أنزل ~~إلى سيدنا رسول الله، لابد أن ms2269 يؤمنوا بما جاء من كتب سابقة. والملاحظ ~~للنسق الأسلوبي سيجد أن هناك اختلافا فيما يأتي من قول الحق: { ~~والمقيمين الصلاة } فقد بدأ الحق الآية: { لكن ~~الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون ~~بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك والمقيمين ~~الصلاة }. ونحن نعلم أن جمع المذكر السالم يرفع بالواو وينصب ويجر ~~بالياء، ونجد هنا " المقيمين " جاءت بالياء، على الرغم من أنها معطوفة ~~على مرفوع، ويسمي علماء اللغة هذا الأمر ب " كسر الإعراب " لأن الإعراب ~~يقتضي حكما، وهنا نلتفت لكسر الحكم. والأذن العربية التي نزل فيها ~~القرآن طبعت على الفصاحة تنتبه لحظة كسر الإعراب. لذلك فساعة يسمع ~~العربي لحنا في اللغة فهو يفزع. وكلنا يعرف قصة العربي الذي سمع خليفة ~~من الخلفاء يخطب، فلحن الخليفة لحنة فصر الأعرابي أذنيه، أي جعل أصابعه ~~خلف أذنيه يديرهما وينصبهما ليسمع جيدا ما يقول الخليفة، ثم لحن الخليفة ~~لحنة أخرى، فهب الأعرابي واقفا، ثم لحن الثالثة فقال الأعرابي: أشهد أنك ~~وليت هذا الأمر بقضاء وقدر. وكأنه يريد أن يقول: " أنت لا تستحق أن ~~تكون في هذه المكانة ". وعندما تأتي آية في الكتاب الذي يتحدى الفصحاء ~~وفيها كسر في الإعراب، كان على أهل الفصاحة أن يقولوا: كيف يقول محمد إنه ~~يتحدى بالفصاحة ولم يستقم له الإعراب لكن أحدا لم يقلها، مما يدل على ~~أنهم تنبهوا إلى السر في كسر الإعراب الذي يلفت به الحق كل نفس إلى ~~استحضار الوعي بهذه القضية التي يجب أن يقف الذهن عندها: { ~~والمقيمين الصلاة }. # لماذا؟ لأن الصلاة تضم وتشمل العماد الأساسي في أركان الإسلام لأن كل ~~ركن من الأركان له مدة وله زمن وله مناط تكليف. فالشهادة بأن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله يكفي أن يقولها المسلم مرة واحدة في العمر، ~~والصوم شهر في العام وقد لا يصوم الإنسان ويأخذ برخص الإفطار إن كانت له ~~من واقع حياته أسباب للأخذ برخص الإفطار. والزكاة يؤديها المرء كل عام أو ~~كل زراعة إن كان لديه وعاء للزكاة. والحج قد يستطيعه الإنسان ms2270 وقد لا ~~يستطيعه. وتبقى الصلاة كركن أساسي للدين. ولذلك نجد هذا القول الكريم: # ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين # [المدثر: 42-43] وأركان الإسلام - كما نعلم - خمسة وهي واضحة، ومن ~~الجائز ألا يستطيع المسلم إقامتها كلها بل يقيم فقط ركنين اثنين، ~~كالشهادة وإقامة الصلاة. وحين يقول الحق: { والمقيمين الصلاة ~~}. يلفت كل مؤمن إلى استمرارية الودادة مع الله فهم قد يودون الله ~~شهرا في السنة بالصيام، أو يؤدون بإيتاء الزكاة كلما جاء لهم عطاء من ~~أرض أو من مال، أو يودون الله فقط إن استطاعوا الذهاب إلى الحج. وبالصلاة ~~يود المؤمن ربه كل يوم خمس مرات، هي - إذن - إعلان دائم للولاء. لقد ~~قلنا: إن الصلاة جمعت كل أركان الدين، ففيها نقول: " أشهد أن لاإله إلا ~~الله وأن محمدا عبده ورسوله " ، ونعلم أننا نزكي بالمال، والمال فرع ~~العمل، والعمل يحتاج إلى وقت والإنسان حين يصلي يزكي بالوقت. والإنسان ~~حين يصلي يصوم عن كل المحللات له ففي الصلاة صيام، ويستقبل المسلم البيت ~~الحرام في كل صلاة فكأنه في حج. إذن فحين يكسر الحق الإعراب عند قوله: { ~~والمقيمين الصلاة } إنما جاء ليلفتنا إلى أهمية هذه العبادة. ~~ولذلك يقولون: هذا كسر إعراب بقصد المدح. - فهي منصوبة على الاختصاص - ~~ويخص به الحق المقيمين الصلاة لأن إقامة الصلاة فيها دوام إعلان الولاء ~~لله. ولا ينقطع هذا الولاء في أي حال من أحوال المسلم ولا في أي زمن من ~~أزمان المسلم مادام فيه عقل. ويقول الحق من بعد ذلك: { والمؤتون ~~الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر } كأن كل ~~الأعمال العبادية من أجل أن يستديم إعلان الولاء من العبد للإيمان بالله. ~~والإيمان - كما نعلم - بين قوسين: القوس الأول: أن يؤمن الإنسان بقمة ~~الإيمان وهو الإيمان بالله. والقوس الثاني: أن يؤمن الإنسان بالنهاية ~~التي نصير إليها وهي اليوم الآخر. ويقول سبحانه جزاء لهؤلاء: { ~~أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } هو أجر عظيم لأن كل واحد ~~منهم قد شذ عن جماعته من بقية أهل الكتاب ووقف الموقف المتأبي والرافض ~~المتمرد على تدليس ms2271 غيره، ولأنه فعل ذلك ليبين صدق القرآن في أن الإعلام ~~بالرسول قد سبق وجاء في التوراة. ومن بعد ذلك يقول الحق: { إنآ ~~أوحينآ إليك كمآ أوحينآ... }. ### || [4.163] # ونعلم أن الحق حينما يتكلم، يأتي بضمير التكلم. وضمير التكلم له ثلاثة ~~أوجه، فهو يقول مرة: " إنا " ومرة ثانية: " إنني " وثالثة يخاطب خلقه ~~بقوله: " نحن ". وهنا يقول: { إنآ أوحينآ إليك كمآ ~~أوحينآ }. ونشاهد في موقع آخر من القرآن الكريم قوله الحق: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا # [طه: 14] وفي موضع ثالث يقول: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] لأن الذكر يحتاج إلى صفات كثيرة ومتنوعة تتكاتف لتنزيل الذكر ~~وحفظه. وحين يخاطب الله خلقه يخاطبهم بما يجلي مواقع الصفات من الكون ~~الذي نعيش فيه. والكون الذي نعيش فيه يمتلئ بالكائنات التي تخدم الإنسان، ~~وهذه الكائنات قد احتاجت إلى الكثير لتهيئ للإنسان الكون قبل أن يوجد ~~الإنسان، وذلك حتى يأتي إلى الكون ليجد نعم الله له فالإنسان هو الذي طرأ ~~على كون الله. هذا الكون الذي صار إلى إبداع كبير احتاج إلى صفات كثيرة ~~لإعداده، احتاج إلى علم عن الأشياء، وإلى حكمة لوضع كل شيء في مكانه، ~~ولقدرة تبرزه، وإلى غنى بخزائنه حتى يفيض على هذا الموقع بخير يختلف عن ~~خير الموقع الآخر، وساعة يكون العمل متطلبا لمجالات صفات متعددة من ~~صفات الحق، يقول سبحانه: " إنا " أو " نحن ". وعندما يأتي الحديث عن ~~ذات الحق سبحانه وتعالى يقول: " إني أنا الله ". ولا تأتي في هذه الحالة ~~" إنا " ولا تأتي " نحن ". والحق هنا يقول: { إنآ أوحينآ ~~إليك } أي أنه أوحى بمنهج ليصير الإنسان سيدا في الكون، يصون نفسه ~~والكون معا، وصيانة الكائن والكون تقتضي علما وحكمة وقدرة ورحمة لذلك ~~فالوحي يحتاج إلى صفات كثيرة متآزرة صنعت الكون. ورحمة من الله بخلقه أن ~~جعل لهم مدخلا فيقول على سبيل المثال: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها # [فاطر: 27] هو الذي أنزل من السماء ماء، وليس لأحد من خلقه أي ms2272 دخل في ~~هذا لأن الماء إنما يتبخر دون أن يدري الإنسان، ولم يعرف ذلك إلا منذ ~~قرون قليلة. وعرفنا كيف يتكون السحاب من البخار، ثم ينزل المطر من بعد ~~ذلك. إذن لا دخل للإنسان بهذا الأمر لذلك يقول الحق: { ألم تر أن ~~الله أنزل من السمآء مآء }. ويأتي من بعد ذلك إنصاف الحق ~~للخلق، فيقول: { فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ~~}. ولم يقل: " فأخرجت ". بل أنصف الحق خلقه وهم المتحركون في نعمه ~~بالعقول التي خلقها لهم، فسبحانه يقدر عمل الخلق من حرث وبذر ورى وذلك ~~حتى يخرج الثمر. إذن الأسلوب القرآني حين يأتي ب " إني " يشير إلى وحدة ~~الذات، وحين يأتي ب " إنا " يشير إلى تجمع صفات الكمال لأن كل فعل من ~~أفعال الله يقتضي حشدا من الصفات علما وإرادة وقدرة وحكمة وقبضا ~~وبسطا وإعزازا وإذلالا وقهارية ورحمانية لذلك لا بد من ضمير التعظيم ~~الذي يقول فيه النحويون: إن " نحن " و " نا " للمعظم نفسه. # وقد عظم الحق نفسه لأن الأمر هنا حشد صفات يتطلبها إيجاد الكون والقيام ~~على أمر الكون. ولذلك نجد بعض العارفين الذي لمحوا جلال الله في ذاته ~~وجماله في صفاته يقولون: # فسبحان رب فوق كل مظنة # تعالى جلالا أن يحاط بذاته # إذا قال " إني " ذاك وحدة قدسه # وإن قال " إنا " ذاك حشد صفاته # وعندما ننظر إلى هذه المسألة، نجد أن الحق سبحانه وتعالى أنصف خلقه ~~لعلهم يعرفونه، فجعل لهم إيجاد أشياء وخلق أشياء. وحين يتعرض سبحانه لأمر ~~يكون له فيه فعل ويكون لمن أقدره سبحانه من خلقه فيه فعل، فهو يأتي بنون ~~التعظيم لأنه - سبحانه - هو الذي أمدهم بهذه القدرات. وحين أوجد الحق ~~خلقه من عدم، جعل لخلق من خلقه إيجادا ولكن هناك فرق بين إيجاد المادة، ~~وإيجاد ما يتركب من المادة. فقد خلق سبحانه كل شيء من عدم، ولكن جعل ~~لخلقه أن يخلقوا أشياء لكن ليست من عدم. وما ضن سبحانه وتعالى عليهم ~~بأن يذكرهم بلفظ الخلق فقال: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] فكأنه سبحانه وتعالى جعل ms2273 من خلقه خالقين، لكن الخالقين ~~من خلقه لم يخلقوا من عدم محض، وإنما كونوا مركبا من موجود في مواده. ~~فأخذوا من مواد خلقها الله فركبوا وأوجدوا. والإنسان الذي صنع كوب الماء ~~لم ينشئ الكوب من عدم محض وإن كانت " الكلية " في الكوب غير موجودة ~~فجزئيات إيجاد الكوب موجودة، فالرمل موجود في بيئات متعددة، وموجود أيضا ~~ما يصهر الرمل، والعقل الذي يأخذ تلك العناصر، والفكر الذي يصنع من الرمل ~~عجينة، ومصمم الآلات التي تصنع هذا الكوب موجود. إذن فقد أوجد الإنسان ~~كوبا من جزئيات موجودة. فالفارق - إذن - بين خلق الله وخلق خلق الله أن ~~الله خلق من عدم محض، لذلك وصف ذاته بقوله: { فتبارك الله ~~أحسن الخالقين }. فأنتم أيها البشر إنما تخلقون من مخلوقات الله ~~ولم تخلقوا من غير مخلوق لله فهو سبحانه وتعالى أحسن الخالقين. وكما أنصف ~~الحق خلقه بأن نسب لهم خلقا، فلا بد من أن يصف نفسه بأنه أحسن ~~الخالقين. وأيضا إن خلق الخلق - كما قلنا وأنا لا أزال أكررها لتستقر ~~ثابتة في الأذهان - يجمد الشيء على ما أوجدوه عليه، فيخلقون الكوب ليظل ~~كوبا في حجمه وشكله ولونه، ولكنهم لم يخلقوا كوبا ذكرا وكوبا أنثى ~~ليجتمعا معا وينشئا أكوابا صغيرة تنمو وتكبر، ولكن الله ينفخ بسر ~~الحياة في كل شيء فيوجده، لذلك هو أحسن الخالقين. # ولو نظرت إلى كل شيء في الوجود لوجدت فيه سر الذات الفاعلة، فلو نظرت ~~إلى ذات نفسك، لوجدت لك وسائل إدراك، لوجدت لك سمعا، ولوجدت لك عينا، ~~ولوجدت لك أنفا ولمسا وذوقا ولكن لبعض الآلات تحكم في اختيارك، فأنت ~~حين تفتح عينيك ترى وإن لم ترد أن ترى تغمض عينيك. ولكن إذا أردت الا ~~تسمع، أتستطيع أن تجعل في أذنك آلة تقول " لا أسمع "؟ وأنت تفتح فمك ~~لتأكل وتتذوق، ولكن أنت لا تفتح أنفك لتشم. أنت تمد يدك لتلمس. وقل لي ~~بالله أي انفعال لك أن أردت أن تضحك؟ ما الآلة التي في بدنك تحركها ~~لتضحك؟ أنت لا تعرف شيئا إلا سببا مثيرا ms2274 يضحك، لكنك لا تعرف ما هي ~~الآلات التي تعمل في جسمك لتضحك. وكذلك حينما تبكي ما هي الآلات التي ~~تعمل في ذاتك لتجعلك باكيا؟ أنت لا تعرف. ولذلك جعل الله الإضحاك ~~والإبكاء مع الإيجاد بالحياة، والعدم بالموت جعل ذلك له سبحانه وتعالى. # وأنه هو أضحك وأبكى * وأنه هو أمات وأحيا # [النجم: 43-44] جعل الحق في ذاتك الإنسانية أشياء تفعل ولكنك لا تعرف ~~بأي شيء تفعل ولا بأي شيء تنفعل. والأذن ليس لها ما يسدها عن السمع لذلك ~~لا يأمرك الحق بألا تسمع أي شيء، ولكن الأثر الصالح يأمر: لا تتسمع إلى ~~القيلة. لم يقل الأثر الصالح " لا تسمع إلا قيلة " لأن الإنسان لا يستطيع ~~أن يصم أذنيه عما يدور حوله، لكنه يستطيع ألا يتسمع بألا يلقي بأذنيه ~~إلى ما يقال. إذن فقد جعل الحق التكليف في مقدور اختيارات المسلم ولذلك ~~قال: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره # [الأنعام: 68] واستخدم هنا كلمة " رأيت " لأن المسلم لا يملك شيئا يسد ~~به أذنيه حتى لا يسمع حديث الذين يخوضون في آيات الله، لكن أمر الله ~~الذين يسمعون ذلك أن يسيروا بعيدا معرضين عن هؤلاء الخائضين. وسبحانه ~~يوضح لنا ما خفي عنا، وكل شيء في الكون وإن كان ظاهره أنه " يفعل " ، ~~لكنه في الحقيقة هو مقهور لما ينفعل لمرادات الله بأمر الله. ولذلك يقول ~~العارفون بالله: من جميل إحسانه إليك أن فعل ونسب إليك. فسبحانه وتعالى ~~الذي يفعل كل شيء، وليس على الإنسان إلا توجيه الآلة الفاعلة. ومن عظمة ~~الحق سبحانه وتعالى أن الإنسان حين يكون قويا لا يمكنه أن يعطي قوته ~~لضعيف، فلا أحد منا يقول لضعيف: خذ قدرا من قوتي لتساعدك على التحمل، ~~بينما يوضح الله للضعيف عمليا: تعال إلي أعطك من مطلق قدرتي قدرا من ~~القوة لتفعل. # إذن القوة في المخلوق لا يعطيها أبدا لمثله، بل يعطي أثرها. مثال ذلك ~~عندما لا يستطيع شخص أن يحمل شيئا ثقيلا، فيأتي آخر قوي ليحمله عنه، ~~والقوي ms2275 بفعله إنما يعدي أثر قوته للضعيف، لكنه لا يستطيع أن ينقل قوته ~~إلى ذات الضعيف ليحمل الشيء الثقيل. والله لا يعدي أثر قوته فحسب ولكنه ~~يمنح ويعطي قوة إلى كل ضعيف يلجأ إليه وإلى كل قوي أيضا. وسبحانه يتفضل ~~بالغنى والسعة لكل غني وفقير وبرحمته إلى كل رحيم، وبقدرته لكل قادر، ~~وبحكمته لكل حكيم. إذن فكل هذه مستمدات من الحق سبحانه وتعالى. هذا هو ~~كلامنا في " إنا ". وحين يتكلم الحق قائلا: " أوحينا " فهو سبحانه ~~يأتي بصيغة الجمع. وما الوحي؟ قال العلماء الوحي: إعلام بخفاء لأن وسائل ~~الإعلام شتى، وسائل الإعلام هي التي تنقل قولا يقوله المبلغ فيعلم ~~السامع، أو هو إشارة يشير بها فيفهم معناها الرائي. وهذه إعلامات ليست ~~بخفاء. بل بوضوح، وعندما يقول: " أوحينا " فهو يعني أنه قد أعلم، ولكن ~~بطريق خفي. وحين تطلق كلمة " وحي " يكون لها معان شتى، فكل إعلام بخفاء ~~وحي. لكن من الذي أوحى في خفاء؟ ومن الذي أوحي إليه في خفاء؟ وما الذي ~~أوحي به في خفاء؟ نجد أن الحق سبحانه وتعالى جاء في أجناس الوجود، وقال ~~عن الأرض وهي الجماد: # إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض ~~أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث ~~أخبارها * بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 1-5] أي أن الحق قد ضبط الأرض على مسافة زمن قيام القيامة، ~~فتتحدث عندئذ - ولله المثل الأعلى - نحن نقدر العمر الافتراضي لما نصنع ~~لينتهي في وقت محدد. إذن فقد أوحى الله للجماد وهي الأرض. ويترك لنا ~~سبحانه في صناعة المخلوقين ما يقرب لنا صنعة الخالق، فعندما يريد الإنسان ~~أن يستيقظ في الثالثة صباحا، وهو وقت لم يعتد فيه هذا الإنسان على ~~الاستيقاظ، فهو يضبط المنبه ليصدر عنه الجرس في الوقت المحدد، كأن ~~الإنسان بهذا الفعل قد أوحى للمنبه، كذلك الحق صنع الأرض وأوحى لها: في ~~الوقت المحدد ستنفجرين بحكم تكويني لك. ويوحي الحق إلى جنس الحيوان: # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون # [النحل: 68] هذا إعلام بخفاء من ms2276 الله للنحل. فقد جعل الله في تكوينها ~~الغرزي ما يؤدي إلى ذلك. وهناك فرق بين التكوين الغرزي والتكوين ~~الاختياري فالتكوين الغرزي يسير بنظام آلي لا يعدل عنه، أما التكوين ~~الاختياري فيصح أن يعدل عنه. ومثال آخر على الآلية نجد الحاسب الآلي ~~المسمى العقلي الإلكتروني ويقوم الإنسان بتخزين المعلومات فيه، وهذا ~~الحاسب الآلي لا يستطيع أن يقول لواضع المعلومات فيه: لا تقل هذه ~~الحقيقة، ولا يستطيع أن يمتنع عن إعطاء ما فيه لمن يطلب هذه المعلومات إن ~~كان يعرف كيفية استدعائها. # فلا اختيار للحاسب الآلي. ويختلف الوضع في العقل البشري الذي يتميز ~~بالقدرة على انتقاء المعلومات ويعرف كيف يدلي بهذه المعلومات حسب المواقف ~~المختلفة، ويتحكم بوعي فيما يجب أن يستر وفيما لا يجب ستره، بل إن العقل ~~البشري قد يكذب ويلون المعلومات. وهو قادر على تغيير الحقائق والتحكم ~~فيها، بينما الحاسب الآلي المسمى بعقل إليكتروني لا يقدر على ذلك لأنه ~~يدلي بالمعلومات حسب ما تم " برمجته " به وتخزينه ووضعه فيه، وهكذا يرتقي ~~الإنسان في الفكر. والحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق، أعطى لكل كائن ~~الغرائز التكوينية التي تناسبه أعطى الإنسان القدرة على الاختيار بين ~~البديلات، أما بقية الكائنات فقد أخذت حكم الغريزة. والكائن الذي يسير ~~بحكم الغريزة لا اختيار له، ولذلك تسير كل أموره مستقيمة بناموس ثابت. ~~ونرى هذا الأمر بوضوح في حكم قهر السماوات والأرض والكواكب التي لا ~~اختيار لها فهي تسير حسب القوانين التي وضعها الله لها، وكذلك النبات. ~~فالإنسان قد يزرع شجرة فتنمو بالتسخير الغرسي الذي وضعه الله فيها، وتمتد ~~الشعيرات من الجذور في باطن الأرض لتمتص - بتسخير الله لها - بعض العناصر ~~المحددة في التربة، وينتفع نبات ما بمادة معينة قد لا تصلح لنبات آخر. ~~ويأتي علماء النبات ليعملوا في حقل دراسات نمو النباتات، وقد يكون بعضهم ~~ضعيف الإيمان بالله، أو أن قدرات الخالق لا توجد في بؤرة شعوره دائما. ~~فيقول: إن النبات يتغذى حسب خاصية الأنابيب الشعرية. وخاصية الأنابيب ~~الشعرية - كما نعرفها - هي صعود السائل إلى الأنابيب ms2277 التي تكون الواحدة ~~منها لا يزيد قطرها واتساعها على قطر الشعرة. ويصعد فيها السائل إلى ما ~~فوق سطح الإناء. وكل سائل في أي إناء إنما يأخذ استطراقا واحدا. وعندما ~~نضع الأنابيب الشعرية في قلب هذا الإناء، فالسائل يصعد داخل هذه الأنابيب ~~فوق مستوى الإناء لأن الضغط الجوي داخل الأنابيب يختلف بالنسبة لحجم ~~المياه عنها في داخل الإناء. وظن العلماء أن النبات يتغذى بهذه الطريقة. ~~ونقول لهؤلاء: كيف هذا والنبات يختار عناصر معينة من السائل بينما ~~الأنابيب الشعرية يصعد فيها الماء بكل العناصر الموجودة في الماء؟. إنك ~~أيها العالم الذي غاب الله عن بؤرة شعورك قد تدعي أن الطبيعة هي التي ~~تفعل ذلك، ولا تلتفت إلى حقيقة واضحة وهي أن النبات ينتقي بالتسخير ~~الرباني الخاص بعضا من العناصر الموجودة في التربة، لا بخاصية الأنابيب ~~الشعرية. وصدق القول الحق: # سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * ~~والذي قدر فهدى # [الأعلى: 1-3] فسبحانه الذي قدر فهدى كل شيء إلى احتياجاته. # ويقول الحق أيضا: # يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون # [الرعد: 4] إذن فسبحانه يوحي لكل نبات بخاصية تكوين غريزي تختلف عن ~~النبات الآخر لذلك نجد الفلاح يضع شجرة الفلفل بجانب عود القصب، بجانب ~~شجرة الرمان، فنجد الفلفل يخرج وله مذاق حريف، والقصب له مذاق حلو، ~~والرمان له مذاق فيه الحلاوة والحموضة، إنه مختلف عن القصب وعن الفلفل، ~~وهذا الاختلاف لم يتم بخاصية الأنابيب الشعرية. ويقول آخر: هذا الاختلاف ~~إنما حدث بظاهرة الانتخاب الطبيعي. ونقول: لماذا لا تقول الانتخاب الإلهي ~~وتستريح؟. إذن فالوحي هو إعلام بخفاء، وقد يكون مطمورا في تكوين الشيء ~~بحيث إذا جاء وقته ينفعل، تماما مثلما يدق جرس المنبه في الميعاد ~~المحدد. والوحي إلى الحيوان يتحدد في قوله الحق: # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون # [النحل: 68] ومن العجيب أن العالم الأمريكي الذي رصد حياته لدراسة النحل ~~في أطواره وأصنافه وأجناسه وبيئاته، قال: أول إنتاج للنحل كان ms2278 في الجبال ~~وأقدم عسل وجده الإنسان للنحل كان في الخلايا التي عثر عليها في الجبال. ~~وبعد ذلك وجد الإنسان النحل وعسله في الشجر العالي الذي لا يملكه، ثم ~~استأنس الإنسان النحل وأقام له البساتين والبيوت والخلايا ومما يعرشون. ~~ولم يقرأ هذا العالم القرآن ليعرف المراحل الثلاث التي جاءت به، لكنه درس ~~بصدق البحث التجريبي، وخرج بالنتيجة نفسها التي جاء بها القرآن. وفي كل ~~وقت وزمان نجد عالما من الكافرين يكتشف أشياء تؤيد وتؤكد قضية الإيمان ~~عند المؤمنين. أما الوحي بالنسبة للإنسان فيأخذ أشكالا أخرى، يقول الحق: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم # [القصص: 7] ولم يأت إلى أم موسى رسول يوحى إليها. لكن الأمر قد استقر ~~في ذهنها، وقد تعب العلماء كثيرا ليقربوا معنى الوحي لأذهاننا، فقالوا ~~عنه: إنه عرفان يجده الإنسان في نفسه ولا يعرف مصدره، ومع هذا العرفان ~~دليل أنه من الله. ولذلك لا يطلب العقل عليه دليلا. والذي يصدق على هذا ~~هو أننا سمعنا قول الحق: { وأوحينآ إلى أم موسى أن ~~أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم }. وبالله ~~عليكم، اجمعوا الدنيا كلها وقولوا لامرأة: إن خفت على ابنك فألقيه في ~~البحر، هل تصدق الأم ذلك؟! لا يمكن، لكن أم موسى أخذت هذا الأمر كقضية ~~مسلم بها، فساعة دخل الإيحاء من الله إلى قلبها، أو الإعلام بخفاء إلى ~~وجدانها آمنت به، ومادام الإعلام من الله فلا شيطان يزاحمه، بل يدخل إلى ~~النفس فتستقبله استقبال اليقين والإيمان بلا مناقشة. وألقت أم موسى ~~بابنها بعد أن أرضعته. وأراد الله أن يطمئنها. فأوضح لها: أنا أصدرت ~~الأمر إلى البحر ليلقي الرضيع إلى الساحل. وأصدرت الأوامر ليلتقطه العدو ~~فرعون. # وأصدرت الأوامر أن يقوم بيت فرعون بتربيته. وبعد ذلك هناك وحي ~~للحواريين. يقول الله: # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون # [المائدة: 111] وهناك وحي للملائكة كقول الحق: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين ms2279 كفروا الرعب # [الأنفال: 12] الوحي ينتظم ويشمل - إذن - كل أجناس الوجود بطريقة خفية ~~عند عالم خفي عنا، وهم الملائكة، وعالم ملحوظ لنا ولأمثالنا مثل ~~الحواريين، ومثل أم موسى. وساعة يقول: " أوحينا " ينبهنا إلى أن الإعلام ~~بخفاء أمر غير مقصور على الله ذلك أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # [الأنعام: 121] ويقول أيضا عن الشياطين: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ~~ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون # [الأنعام: 112] إذن الوحي هو إعلام بخفاء، وليس الأمر مقصورا على الحق ~~سبحانه وتعالى، بل يصح أن يكون الوحي من الله، أو من الشياطين، أو من ~~جنود الشياطين. وقد يكون الوحي إلى الجماد وإلى الحيوان وإلى الملائكة ~~وإلى الإنسان. وعندما نحدد معنى الوحي فإننا نقول: الوحي في اللغة إعلام ~~بخفاء من أي - سواء أكان من الله أم من الشياطين - ولأي ما - سواء ~~للأرض أو للحيوان أو للإنسان - وفي أي - سواء في خير أو شر-. وكلمة " ~~وحي " تصلح لأي معنى من هذه المعاني بحيث إذا أطلقت انصرفت إليه. ولكن هي ~~بالمعنى الشرعي لا تطلق إلا على الإعلام بخفاء من الله لرسوله، ومثل ذلك ~~حدث لمعنى الصلاة، فالصلاة معناها اللغوي الدعاء، وهناك الصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم، والصلاة المكتوبة هي الأقوال والأفعال، وأخذ الشرع ~~معنى الصلاة واصطلح على أن كلمة الصلاة حين يطلقها الفقيه تنصرف إلى ~~الأقوال والأفعال المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم. وفي ~~هذا المعنى الشامل للصلاة نجد سيدنا عمر - رضي الله عنه - وقد دخل عليه ~~حذيفة فسأله: كيف أصبحت؟. أجاب حذيفة: أصبحت أحب الفتنة وأكره الحق وأصلي ~~بغير وضوء ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. وغضب سيدنا عمر، ولولا ~~دخول سيدنا علي بن أبي طالب لكان لسيدنا عمر شأن آخر مع حذيفة. وسأل ~~علي عمر: ما يغضبك يا أمير المؤمنين؟. قال عمر: سألت حذيفة كيف أصبحت ~~فقال كذا وكذا. فقال علي - كرم الله ms2280 وجهه -: نعم يا أمير المؤمنين، أصبح ~~يحب الفتنة، أي يحب ماله وولده، فالحق قال: { إنمآ أموالكم ~~وأولادكم فتنة } ، وهو يكره الموت والموت حق ومن فينا يحبه يا ~~أمير المؤمنين؟ وهو يصلي بغير وضوء على النبي صلى الله عليه وسلم، وله في ~~الأرض زوجة وله ولد وهو ما ليس لله في السماء. # إذن فقد أخذ حذيفة الفتنة على معنى مخصوص، وكذلك الموت، والصلاة. وضربت ~~هذاالمثل لأفرق بين المعاني الشرعية والمعاني اللغوية. ونوضح الفارق بين ~~معنى الوحي الاصطلاحي والمعنى اللغوي، المعنى اللغوي للوحي هو: إعلام ~~بخفاء من أي لأي بأي. والوحي بمعناه الشرعي: إعلام بخفاء من الله ~~لرسوله. وكل الألوان الأخرى من الوحي نأخذها بالمعنى اللغوي. وقوله الحق ~~هنا في الآية التي نحن بصددها: { إنآ أوحينآ إليك كمآ ~~أوحينآ إلى نوح }. و " أوحينا " هنا قد جاءت للإعلام بخفاء من ~~الله لرسول من رسله. ونعلم أن صفات الكمال للحق سبحانه وتعالى هي صفات ~~الكمال المطلق. وكل الخلق مقدورون لقدرته سبحانه. ولا يمكن لأحد أن يتصل ~~اتصالا مباشرا بالأعلى المطلق. ولا يستطيع أحد أن يتحمل ذلك حتى ~~الرسول. ولذلك يأتي الحق بنورانيين من الملائكة ليأخذوا منه ليعطوا ~~للرسول. ويسبق ذلك إعداد الرسول لهذه المهمة. إذن فالمسألة تمر بمراحل ~~تصفية، الأعلى يعطى للملائكة، والملائكة يعطون للمصطفى من الخلق، ~~والمصطفى مصنوع على عين الله ليتلقى الوحي، ومن بعد ذلك يعطي الرسول ~~لغيره من البشر. وكل ذلك لتقريب مسافات الالتقاء. وعلى رغم تقريب مسافات ~~الالتقاء تحصل الهزة من آخر مرحلة حين يستقبل من أدنى مرحلة، فحين يستقبل ~~الرسول الوحي من ملك تحدث له هزة. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول عن ~~أول لقاء له مع الوحي: حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: ~~اقرأ. قال: ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني. ~~فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ~~ثم أرسلني. فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم ~~أرسلني. فقال: ms2281 اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق اقرأ وربك ~~الأكرم. وكان جبينه يتصفد عرقا، ورجف فؤاده ودخل على زوجه خديجة بنت ~~خويلد فقال: " زملوني زملوني " فزملوه حتى ذهب عنه الروع. وكان ذلك ~~أمرا طبيعيا فهذا الملك جبريل متصل ببشر هو محمد بن عبدالله ولا بد أن ~~يحدث ذلك للرسول، وذلك حتى يتكيف ليستقبل من الملك. لكن أتظل هذه ~~الرجفة المتعبة؟. لا، إن الوحي يفتر لفترة وتذهب عنه متاعبه فيشتاق ~~الرسول إليه ويصير قادرا على تحمل متاعبه، مثل تفصد الجبين بالعرق، ومثل ~~الثقل في الحركة حتى إذا جاءه الوحي وهو على دابة فهي تئط وتئن، وإن جاءه ~~الوحي وهو جالس وفخذه على فخذ واحد من الصحابة، فيكاد ثقل الرسول يرض ~~عظام الرجل ويكسرها، كل ذلك من المتاعب تحدث للرسول في أثناء الوحي لأن ~~تغييرا كيماويا يحدث في بدنه صلى الله عليه وسلم ليتأكد أن الكلام الذي ~~يتلقاه ليس كلاما عاديا، لكنه كلام قد جاء بإعجاز، وأنه من عند الله. # لقد كان للوحي صلصلة كصلصلة الجرس. وكأن هذا الصوت إعلان أن زمن وساعة ~~الوحي قد جاءت فاستعد لها يا رسول الله. وعندما تعب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في البداية، كان من رحمة الله به أن جعل الوحي يفتر عنه، ~~فيشتاق صلى الله عليه وسلم للوحي بسبب حلاوة ما أوحي إليه، ويجعله هذا ~~الشوق مستشرفا للمتاعب. وعندما فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال خصومه: رب محمد ودعه وجفاه. ولم يتذكروا أن لمحمد ربا إلا في ~~هذه المسألة بعد أن اتهموه بالكذب ولم يمتلكوا الذكاء حتى يعبروا عن هذا ~~الأمر بتعبير لا يتناقض مع موقفهم السابق منه. وحين رأى الحق الإجهاد ~~الحاصل لرسوله جعل الوحي يفتر حتى تبقى حلاوة ما يوحى به ويذهب التعب ~~ويشتاق رسول الله إلى ما يوحى إليه. إن الشوق وتلك المحبة يجعلان رسول ~~الله لا يشعر بوطأة الألم المادي البشري، والإنسان منا حين يذهب إلى حبيب ~~له يسير في الشوك والوحل ولا ms2282 يبالي. إذن ففتور الوحي كان لتربية الشوق في ~~نفسه صلى الله عليه وسلم ليستقبل الوحي، ولينتبه كل منا حين يقرأ قول ~~الله سبحانه وتعالى: # وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى: 4] أي أن ما سيأتي لك من بعد ذلك سيسرك. ويقول الحق بعدها: # ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 1-4] وحين عرض الحق هذه المسألة بهذه الكيفية أراد أن يبلغنا: ~~لا تظنوا أن رب محمد - كما يقولون - قد جفاه، لا، بل يعده ليستقبل أكثر ~~مما جاء من قبل، فسنن الكون أمامكم، لكن كفرهم أعمى أبصارهم وبصيرتهم، ~~ويقول سبحانه: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى # [الضحى: 1-3] وسبحانه يقسم بما شاء على ما شاء. والضحى هو ضحوة النهار ~~وهي محل الحركة والكدح والجهد والجد والتعب، والليل محل الراحة والسكون. ~~كأن الحق يوضح: إنكم إن نظرتم في آية الكون لوجدتم أن الله قد جعل الضحى ~~للكدح والليل لنسكن فيه وفتور الوحي هو سكون ليعاود محمد نشاطه في حركة ~~الوحي الجديدة، هو الحق - سبحانه - يقسم: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى # [الضحى: 1-3] أمجيء الليل بعد النهار ضن من الله على الناس بالنهار؟ لا، ~~إنما الليل عطاء من الله ليسكنوا وليستقبلوا النهار الجديد. وأنزل سبحانه ~~الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها حينما سأل اليهود النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء: # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة # [النساء: 153]. فيأمره الحق أن يوضح: أنا قد أوحى الله إلي كما أوحى ~~إلى الرسل السابقين، فهل أنتم شككتم في وحي الله لموسى؟ أشككتم في وحي ~~الله لمن سبق موسى؟ صحيح أنكم شككتم في مسألة عيسى، لكن لنضع الأمر الذي ~~تكذبون فيه جانبا ولنأخذ ما أنتم مصدقون به، فيقول سبحانه: { إنآ ~~أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين ~~من بعده }. إذن فأنت يا محمد لست بدعا في ms2283 هذه المسألة: { إنآ ~~أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح والنبيين ~~من بعده } ويمر العلماء على هذه المسألة مرورا سريعا، لكننا نقف ~~عندها ونقول: قد يوحي هذا القول أن أول وحي كان لنوح. والحقيقة أن الوحي ~~الأول كان لآدم من قبل، لكن هناك فارق بين الوحي لآدم والوحي للأنبياء ~~من بعده. ومثال ذلك نوح، فنوح طرأ على أمته وكانت أمته موجودة ثم جاء هو ~~إلى هذه الأمة مبشرا ونذيرا. أما آدم عليه السلام فقد طرأت عليه أمته ~~لذلك لم يرسله الله بمعجزة، فهو أب للجميع. والأبناء يقلدون الآباء، بل ~~حتى أبناء الملاحدة يقلدون آباءهم. وقد أوحى الله لآدم وقال له: { ~~فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } وإرسال الهدى لآدم هو مجيء ~~الوحي إليه. ولماذا جاء نوح في هذه الآية أولا؟ لأن نوحا عليه وعلى ~~نبينا الصلاة والسلام قد طرأ على أمته لذلك احتاج إلى وحي وإلى معجزة. ~~وأرسل الله نوحا إلى الناس كافة لعموم الموضوع، فلم يكن هناك من البشر ~~غيرهم. لكن محمدا صلى الله عليه وسلم أرسله الله للناس كافة لأن ~~الإسلام هو الدين الخاتم. وكان قوم محمد موجودين. وكذلك كان غيرهم ~~موجودا. { إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح ~~والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم }. ~~لماذا قال الحق: { والنبيين من بعده } أي من بعد نوح؟، ~~ولماذا قال: { وأوحينآ إلى إبراهيم } وذكر أسماء الأنبياء ~~من بعد إبراهيم؟ يقول العلماء: هنا عطف خاص على عام لزيادة التنبيه على ~~شرف هؤلاء، { وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس ~~وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا } ، وكأن الحق ~~يقول: حين يسألك اليهود - يا محمد - أن تنزل عليهم كتابا من السماء قل ~~لهم: إن الله أوحى إلي كما أوحى إلى ألأنبياء السابقين فلست بدعا من ~~الرسل. وحتى لو أنزل إليهم محمد كتابا في قرطاس ولمسوه بأيديهم لقالوا: ~~هذا سحر مبين، كما قال: # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذآ إلا ms2284 سحر ~~مبين # [الأنعام: 7] فالمنكر يريد الإصرار على الإنكار فقط. وليست المسألة ~~جدلا في حق وإنما هي لجاج في باطل. ويتابع سبحانه وتعالى أسماء ~~الأنبياء الذين أوحى الله إليهم: { وأوحينآ إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى ~~وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود ~~زبورا } ونلحظ أنه جل وعلا ذكر الوحي عاما لكنه حينما جاء لداود ذكر ~~اسم كتابه " الزبور " ولم يأت في الآية بأسماء الكتب المنزلة على الرسل ~~السابقين مثل نزول التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى لأن ما جاء به ~~داود في الزبور أمر تجمع عليه كل الشرائع، وهو تحميد الله والثناء عليه ~~فلم توجد في الزبور أية أحكام. # وقد يقول قائل: إن عيسى أيضا لم تنزل عليه أحكام في الإنجيل. ونقول: ~~لأن الإنجيل يلتحم بالتوراة وجاء بالوجدانيات الدينية وكانت التوراة ~~موجودة قبله وفيها الأحكام. ولذلك فمن عجيب أمر أهل الكتاب من يهود ~~ونصارى، أنهم على رغم اختلافهم في قمة الأمور وهي مسألة عيسى وأم عيسى، ~~جاءوا آخر الأمر ليلتقوا ويسموا الكتابين " العهد القديم والعهد الجديد " ~~ويعتبروهما كتابا واحدا يسمونه الكتاب المقدس. وما معنى " الزبور "؟ ~~المادة كلها مأخوذة من " زبر البئر " ، فعندما يقوم الناس بحفر بئر ~~ليأخذوا منها الماء، يخافون أن ينهال التراب من جوانبها عليه فتطمر البئر ~~لذلك يصنعون لجدران البئر بطانة من الحجارة، وفي الريف المصري نجد أنهم ~~يصنعون تلك البطانة من الأسمنت. وكلمة " زبر البئر " تؤدي معنى كل ~~عملية لإصلاح البئر ثم أخذ الناس هذه الكلمة في معان مختلفة، فسموا ~~العقل " زبرا " لأنه يعقل الأمور. وإذا كان السياج من الحجارة يعقل ~~التراب عن البئر ويمنعه، فكذلك العقل يحمي الإنسان من الشطط وليضبط ~~الإنسان حريته في إطار مسئوليته ليفكر، ويعقل الغرائز عن الفكاك بالإنسان ~~إلى الشتات والضلال. ويخطئ الناس في بعض الأحيان في فهم معنى " العقل " ~~ويظنون أن العقل هو إطلاق الحبل على الغارب للأفكار دون انتظام أو ~~مسئولية، ونقول: افهموا أولا معنى كلمة العقل حتى تعرفوا مهمته. ويقول ~~الحق من بعد ذلك: { ورسلا قد قصصناهم... }. ### || [4.164] # والرسل ms2285 الذين ذكرهم الله في الآية السابقة ليسوا كل الرسل الذين يجب ~~الإيمان بهم تفصيلا فحسب، فكما علمونا في الأزهر الشريف يجب أن نؤمن ~~بخمسة وعشرين رسولا وقد نظمهم بعض الشعراء في قوله: # في تلك حجتنا منهم ثمانية # من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو # إدريس، هود، شعيب، صالح، وكذا # ذو الكفل، آدم، بالمختار قد ختموا # وفي سورة الأنعام نجد قوله الحق: # وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه نرفع ~~درجات من نشآء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا ~~له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من ~~قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف ~~وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ~~ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * ~~وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا ~~على العالمين # [الأنعام: 83-86] وفي هذه الآيات ثمانية عشر رسولا، وبالإضافة إلى سبعة ~~هم إدريس وهود وشعيب وصالح وذو الكفل وآدم ومحمد صلى الله عليه وسلم، هم ~~إذن خمسة وعشرون رسولا ذكرهم الله، لكن الآية التي تسبق الآية التي نحن ~~بصددها لم يذكر الله كل أسماء الرسل. وذكر أسماء بعض الرسل في سورة ~~الأنعام وبعضهم في سورة هود وبعضهم في سورة الشعراء. ويقول الحق: { ~~ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما } [النساء: ~~164] أي أن الخمسة والعشرين رسولا ليسوا كل الرسل الذين أرسلهم الحق إلى ~~الخلق، فقد قال: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24] أي أنه قد قص علينا أعلام الرسل الذين كانت أممهم لها كثافة ~~أو حيز واسع أو لرسلهم معهم عمل كثيف، ولكن هناك بعض الرسل أرسلهم ~~سبحانه إلى مائة ألف أو يزيدون مثل يونس عليه السلام: # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147] وكان العالم قديما في انعزالية. ولم يكن يملك من وسائل ~~الالتقاء ما يجعل الأمم تندمج. وكان لكل بيئة داءاتها، ولكل بيئة طابع ~~مميز في السلوك، ولذلك أرسل الله رسولا إلى كل بيئة ليعالج هذه الداءات، ~~ولا يذكر الداءات الأخرى حتى لا تنتقل من مجتمع إلى مجتمع آخر بالأسوة. ms2286 ~~وحين علم الحق بعلمه الأزلي أن خلقه بما أقدرهم هو سبحانه على الفكر ~~والإنتاج والبحث في أسرار الكون سيبتكرون وسائل الالتقاء ليصير العالم ~~وحدة واحدة، وأن الشيء يحدث في الشرق فيعلمه الغرب في اللحظة نفسها، وأن ~~الداءات ستصبح في العالم كله داءات واحدة لذلك كان ولابد أن يوجد الرسول ~~الذي يعالج الداءات المجتمعة، فكان صلى الله عليه وسلم الرسول الخاتم ~~والرسول الجامع والرسول المانع. { ورسلا قد قصصناهم عليك ~~من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله ~~موسى تكليما } [النساء: 164] ويتكلم الحق سبحانه عن تاريخ النبوات ~~مع قومهم بكلمة " قصصنا " ولذلك حكمة، فالقصص معناه أنه لا عمل في ~~الأحداث للرسول، بل تأتي الأحداث في السياق كما وقعت. # وسبحانه يعلم أزلا أن خلقه سيبتكرون فنا اسمه " فن القصص ". ومن ~~العجيب أنهم يسمونه فن القصص، وينسج المؤلفون حكايات خيالية أو حكايات ~~ليس لها واقع. وعندما يأتون إلى التاريخ الواقع يزيد المؤلف جزءا من ~~الأحداث أو يضيف من خياله أشياء، ويقولون هذه متطلبات إتقان فن القصص، ~~ويحرمون أنفسهم من أمانة النقل. ولذلك يأتي الحق ليوضح لنا أن القص الخاص ~~بالرسل وبغيرهم في القرآن قصص واقعي، حقيقي، حدث فعلا. وكلمة " القصص " ~~مأخوذة من قص الأثر أي أن نسير مع القدم كما تذهب، فلا نذهب هنا ولا ~~نذهب هناك. وحكايات الأنبياء في القرآن واقعية. ومن رواية الحق لا من ~~رواية الخلق، وثمة فارق بين ما يرويه الحق لخلقه ليسيروا على المنهج. وما ~~يرويه الخلق بعضهم لبعض للتسلية أو غير ذلك. ونجد روايات الخلق تزدحم في ~~بعض الأحيان بخيال البشر، مثل روايات جورجي زيدان عن الإسلام والأنبياء، ~~وعندما سألوه لماذا أضاف من عنده إلى الواقع، أجاب الإجابة التقليدية: ~~فعلت ذلك من أجل الحبكة القصصية. ويجب أن نميز ونفرق بين روايات الخلق ~~وقصص الحق ونضعه في بؤرة الشعور حتى لا يدخل أحد من خياله على قصص ~~القرآن ما ليس فيه، وحتى لا يأتي واحد ذات يوم ويقول: إن كل القصص واحد. ~~فنحن في القرآن لسنا أمام مؤلف، بل ms2287 أمام الخالق الأعلى الذي يروي لنا ما ~~يعلمنا. وسبحانه علم أزلا ما سيدور في كونه، لذلك قال: # نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك ~~هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين # [يوسف: 3] وسبحانه قد قص على الرسول صلى الله عليه وسلم في القرآن أحسن ~~القصص لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيعالج أجناس العالم التي توزعت ~~على جميع الرسل من إخوانه، ومادام عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سيكون مع كل الأجناس البشرية الذين تفرقوا من قبل على الرسل من إخوانه، ~~فلا بد أن يوضح سبحانه للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده: أنه ~~حدث مع الرسول فلان كذا، وكان مبعوثا إلى قوم كان موقفهم منه كذا، وكانت ~~داءات ذلك المجتمع هي كذا وكذا. ومحمد صلى الله عليه وسلم - كما نعلم - ~~موكول إليه علاج كل أجناس البشر وكذلك أمته من بعده، ولابد أن يعرفوا ~~أخبار كل المجتمعات والرسل: نحن نقص عليك أحسن ~~القصص بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن وإن كنت ~~من قبله لمن الغافلين }. إذن فكلمة " قصص " تدل على أنها ~~حكايات لحركة العقيدة التي كانت مع كل الرسل. # والتاريخ - كما نعلم - هو ربط الأحداث بأزمانها، فمرة نجعل الحدث هو ~~المؤرخ له، ثم نأتي بأشخاص كثيرين يدورون حول الحدث. ومرة نجعل الشخص ~~هو الأصل والأحداث تدور حوله، فإذا قلنا كلمة " سيرة " فنعني أننا جعلنا ~~الشخص هو محور الكلام ثم تدور الأحداث حوله. وإن أرخنا للحدث، نجعل الحدث ~~هو الأصل، والأشخاص تدور حوله. مثال ذلك: عندما نأتي لنتكلم عن حدث ~~الهجرة نجعل هذا الحدث هو المحور، ونروي كيف هاجر رسول الله ومعه أبو ~~بكر/ وكيف هاجر عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة، وبذلك تكون الهجرة هي ~~المحور وكيف دار الأشخاص حول هذا الحدث الجليل. ومثال آخر: عندما نروي ~~سيرة من السير، مثل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، نجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم محور الحديث والتاريخ، ونروي كيف دارت الأحداث في حياته. إذن ~~فأخبار وقصص الرسل ms2288 تكون هي المحور ونلتقط الأحداث التي مرت عليهم لأن ~~الرسالات حين تأتي الناس بمنهج السماء تنقسم إلى قسمين: قسم نظري يريد ~~الحق أن يعلمه لخلقه بواسطة الرسول، وهو القسم العلمي، فتلك قضايا يجب أن ~~يعلموها. وقسم عملي لأن الحق يريد من خلقه أن يعلموا ويريد منهم - أيضا - ~~بعد أن يعلموا أن يطوعوا حركة حياتهم على ضوء ما علموا. فليست المسألة ~~رفاهية علم، ولكنها مسئولية تطبيق ما علموا في محور " افعل " و " لا تفعل ~~". ولو كانت المسألة أن يعلم الخلق فقط، لكان من الممكن أن نقول: ما ~~أيسرها من رحلة. لقد وجدنا كفار قريش عندما طلب الرسول منهم أن يشهدوا أن ~~لا إله إلا الله، قاوموا ذلك. ولو كانوا يعلمون أنها مجرد كلمة تقال ~~لقالوها. لكنهم عرفوا مطلوب الكلمة، وعرفوا أنه لن توجد سيادة ولا عبودية ~~ولا أوامر لأحد غير الله، ومعنى ذلك المساواة المطلقة بين العباد. إذن ~~فكل تكليف من السماء إنما نزل، والقصد من العلم به هو العمل به، أي توظيف ~~العلم تطبيقا، فلا قيمة لعلم دون عمل. وعندما يبلغ الرسول القوم: هذا هو ~~الحكم، ومطلوب من كل واحد منكم أن يطوع حركة حياته على ضوء هذا الحكم. ~~وتجيء الأحكام دائما في طاقة البشر. وهناك أناس قد علموا وعملوا وهذه هي ~~قصصهم، هذه قصة فلان وقصة فلان. فالقصص يعطينا الجانب العملي المطلوب ~~للمنهج، ولذلك قص لنا الحق قصص الرسل في القرآن. ويبلغنا الحق بالنسب ~~الإيماني، ويعلمنا النسب المعترف به عند الأنبياء، فيحكي قصة نوح عليه ~~السلام، عندما أوحى إليه بضرورة أن يصنع السفينة، وسخر قومه منه، ~~وبعد أن صنعها جاءه الأمر الإلهي بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين. ويقول ~~الحق: # ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه ~~سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر ~~منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه عذاب ~~يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم * حتى إذا جآء ~~أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل ~~زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ms2289 ~~ومن آمن ومآ آمن معه إلا قليل # [هود: 38-40] قوله الحق { إلا من سبق عليه القول } كان ~~يجب ألا تمر على فطنة نوح ذلك لأنها تتضمن أن هناك أناسا من أهله لن ~~يؤمنوا، فيقول لابنه: # ونادى نوح ابنه وكان في معزل يبني اركب ~~معنا ولا تكن مع الكافرين # [هود: 42] وكان الرد: # قال سآوي إلى جبل يعصمني من المآء # [هود: 43] فقال نوح: # قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم # [هود: 43] وبعد أن غرق ابن نوح وابتلعت الأرض ماءها، نادى نوح ربه فقال: # رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت ~~أحكم الحاكمين # [هود: 45] نحن - إذن - أمام لقطة قصصية في قصة نوح. يلفتنا بها الحق إلى ~~مسألة بنوة الرسالات، فالبنوة هنا منهجية. ومن يتبع النبي هو الذي يكون ~~من نسبه. ومن لا يتبع النبي فليس من نسبة، لذلك قال الحق: { قال ~~ينوح إنه ليس من أهلك }. فأهل النبوة هم الذين اتبعوا ~~منهج النبي. ويشرحها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال عن ~~سلمان الفارسي: # " سلمان منا أهل البيت " # ولم يقل: إن سلمان عربي، أو إنه من المسلمين، لكنه قال: إنه من أهل ~~البيت. وقد أوضح الحق ذلك في قصة ابن نوح: { إنه ليس من ~~أهلك إنه عمل غير صالح }. وخاض في معنى { ليس من ~~أهلك } بعض الخائضين باللغو وقالوا: إن أم ابن نوح قد فعلت السوء، ~~ولهؤلاء نقول: استغفروا ربكم وانظروا إلى حيثية الحكم: # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا ~~تسئلن ما ليس لك به علم # [هود: 46] إذن فنسبة الأبناء للآباء من الأنبياء نسبة عمل لا نسبة دم ~~ولا نسبة عن زواج أو إنجاب، أما الذين قالوا السوء في امرأة نوح فعليهم ~~أن يستغفروا الله، فالحق سبحانه منزه عن التدليس على رسوله. وهب أن أم ~~الولد قد فعلت ذلك - معاذ الله - فما ذنب الولد تصير أمه إلى هذا؟ لا دخل ~~للولد بذلك، لكن قول الله: { إنه عمل غير صالح } يدل على أن ~~ثبوت ms2290 النبوة الإيمانية يكون بالعمل فقط. ولننظر إلى قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأهله وعشيرته.. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: # " لما نزلت وأنذر عشيرتك الأقربين، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ~~بطون قريش بطنا بطنا: يا بني فلان أنقذوا أنفسكم من النار حتى انتهى إلى ~~فاطمة فقال: يا فاطمة ابنة محمد انقذي نفسك من النار لا أملك لكم من الله ~~شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها " # ويضرب الله المثل في الزوجات فيقول: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين # [التحريم: 10] وليس المقصود بالخيانة هنا الخيانة الجنسية لكن لنستدل ~~على أن الرسول وإن كان رسولا ليس له من القدرة على أن يقهر زوجه وامرأته ~~على عقيدة فهي تملك حرية الاعتقاد فلا ولاية هنا للرجل على المرأة في ~~العقيدة حتى إن ادعى الألوهية كفرعون مثلا يقول الحق عن امرأته: # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون ~~إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني ~~من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين # [التحريم: 11] هذه اللقطات تدلنا على أن قضية الإيمان لا ينفع فيها ~~النسب أو الزواج. فالابن هو العمل الصالح، والحيثية في ذلك قول الحق عن ~~ابن نوح: { إنه عمل غير صالح } فلم يذكر ذات الابن ولكنه ~~ذكر العمل. ولكل نبي قصة يذكرها الحق ليتضح المنهج في أذهان الناس. ويأتي ~~الله بالمثل في المصطفين الأخيار الذين اصطفاهم الله لهداية الناس مثل ~~قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام. الذي يبتليه - سبحانه - في أول حياته ~~بالإحراق في النار. كان إبراهيم شابا يمتلئ بالأمل في الحياة، فماذا كان ~~من إبراهيم؟ أراد الحق نجاة إبراهيم من النار. وتركهم يتمكنون منه ~~ويضعونه في قلب النار. ولم تمطر السماء لتطفئ النار، وكل ذلك لتكون حجة ~~الحق واضحة، وحتى يكون كيد الله كاملا لهؤلاء الكافرين. إن إبراهيم عليه ~~السلام لم يهرب منهم، ولم ms2291 تمطر السماء، بل ظلت النار نارا ويعطل سبحانه ~~ناموس النار حين دخول إبراهيم إليها. # " روي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم حين قيدوه ~~ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك ~~الملك لا شريك لك. قال: ثم رموا به في المنجنيق من مضرب شاسع فاستقبله ~~جبريل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا. فقال جبريل فاسأل ~~ربك. فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. فقال الله: يا نار كوني بردا ~~وسلاما على إبراهيم " # وفي هذا غيظ ودحض لمكر الذين مكروا بإبراهيم. إذن يعطينا الحق في القصص ~~القرآني المثل لنجمع من حياة كل رسول العبر ونستفيد منها، لنكون بحق خير ~~أمة أخرجت للناس لأننا أخذنا تجارب كل رسول وجعلناها منهجا لنا في ~~حياتنا. وقد ابتلى الحق إبراهيم في أول حياته في نفسه، وابتلاه في أخريات ~~حياته في ابنه، ونجح إبراهيم في الابتلاء الأول حين كانت حياته أهم ~~بالنسبة إليه من كل شيء، وحين يتقدم في السن، فمن المفروض أن تكون كل ~~حياته لمن بعده من الأبناء فيبتليه الله في ابنه. # لم يقل له: إن ابنك سيموت وعليك بالصبر. ولم يقل له: إن واحدا سيقتل ~~ابنك وعليك بالصبر بل يأمره بذبح ابنه، تلك قمة الابتلاء. لأنه لم يأت ~~بوحي مباشر كالنفث في القلب أو الكلام من وراء حجاب أو يرسل له الله ملكا ~~يبلغه ما يريد، بل برؤيا منامية: { قال يبني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك }. ويقول إبراهيم لابنه المسألة كما رآها ~~في المنام. والرؤيا عند الأنبياء حق. وقد يقول قائل: ولماذا لم يرد ~~إسماعيل على أبيه بأن هذه المسألة هي مجرد رؤيا؟ ولماذا لم يأخذ إبراهيم ~~ولده على غرة دون أن يقول له؟. ونقول: إن إبراهيم من فرط وشدة حنانه وحبه ~~لابنه آثر أن ينال الابن الثواب العظيم والجزاء الجليل بأن يقتل ويقدم ~~حياته امتثالا لأمر الله، فقال إبراهيم: # يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ms2292 ~~ماذا ترى # [الصافات: 102] وها هوذا قول إسماعيل: # قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله ~~من الصابرين # [الصافات: 102] ولم يقل إسماعيل لأبيه: " افعل الذبح " ولكنه قال: { ~~افعل ما تؤمر } أي أن إسماعيل لم يأخذ الكلام على أنه كلام من ~~أبيه، بل أخذه كأمر من الله. ولو أخذه أبوه على غرة قد يتحرك قلب الابن ~~غيظا على أبيه وحقدا عليه فيعتدي على الأب، وهنا نجد حنان الأب على ~~الابن جعله يخبره بالأمر الآتي من السماء والشأن في حنان الأب على الابن ~~أن ييسر له كل أمور حياته. أما حنان الحنان فهو تيسير كل خير بعد مماته ~~لذلك لم يشأ إبراهيم أن يحرم إسماعيل من الامتثال لأمر الله فينال ~~الاثنان معا شرف الامتثال لله. وأعطاه كل الحنان في الزمان الأبقى ~~والزمان الأخلد في الدار الآخرة حتى نعلم أن الحق سبحانه وتعالى لا يريد ~~منا إلا الامتثال لقضائه وقدره، ويقول الحق: # فلما أسلما وتله للجبين # [الصافات: 103] هذا شرف الامتثال في التسليم لله.. ففي البداية أسلم ~~إبراهيم أمره لله، وعندما عرض الأمر على ابنه سلم الابن أمره لله، فنال ~~الاثنان منزلة الشرف في التسليم لأمر الله. ونجح الاثنان في الاختبار، ~~فقال الحق: # وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا ~~كذلك نجزي المحسنين # [الصافات: 104-105] لقد أنقذ الحق إبراهيم وابنه من مسألة الذبح، ولهذا ~~نقول دائما: لا يرفع قضاء من الله على خلقه إلا أن يستسلم الخلق ~~للقضاء، والذين يطيلون أمد القضاء على نفوسهم هم الذين لا يرضون به. ~~وأتحدى أي إنسان أن يكون الله قد أجرى عليه قضاء مرض فيرضى به ويعتبر أن ~~ذلك صحة اليقين، ولا يرفع الله عنه المرض. فالإنسان بالصحة يكون مع نعمة ~~الله، ولكنه بالمرض يكون مع الله. # فقد حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا بن آدم مرضت فلم تعدني. قال: ~~يارب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم ~~تعده!! ms2293 أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ " # من إذن يجرؤ على الزهد في معية الله؟ وعندما يعرف المريض أنه في مرضه ~~الذي يتأوه منه هو في معية الله لاستحى أن يقول: " آه " ، ولكننا لا نطلب ~~من المريض ألا يقول " آه " ، ولكن نطلب منه أن يتوجه إلى الله ويقول: " ~~ولكن عافيتك أوسع لي ". وقول الحق: { فلما أسلما وتله ~~للجبين } هذا القول يدلنا على أن القضاء لا يرفع إلا بالرضا به، ~~فإن رأينا واحدا قد استمر معه القضاء فلنعلم أنه لم تحن ولن تأت عليه ~~لحظة لرضي فيها بالقضاء. ولم يرفع الله القضاء فقط عن إبراهيم، ولم يفد ~~إسماعيل فقط بذبح عظيم، بل بشر الله إبراهيم بولد آخر هو إسحاق: # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # [الصافات: 112] وها هي ذي لقطة أخرى نأخذها من القصص القرآني مع سيدنا ~~موسى لنتبين ماذا يصنع المنهج الإيماني فيمن اقتنع به، وحدثت هذه القصة ~~في وقت تهيئة سيدنا موسى للرسالة، حدثت هذه الواقعة وهو ذاهب إلى شعيب، ~~ولم يكن رسولا بعد، مما يدل على أن فطرية الإيمان كانت موجودة عنده، وأن ~~الله قد صنعه على عينه، لقد ورد ماء مدين ووجد الفتاتين تذودان وتطردان ~~الماشية عن الماء، فماذا دار بينه وبينهما من حوار؟. وكيف كانت رؤيته ~~لهما أولا: # ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما ~~خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء ~~وأبونا شيخ كبير # [القصص: 23] وفي قول المرأتين: { لا نسقي حتى يصدر ~~الرعآء وأبونا شيخ كبير } قدر من المبادئ فخروجهما من ~~البيت سببه أن الأب شيخ كبير، ومع أنهما في ضرورة وخرجتا للعمل فلم تنس ~~واحدة منهما أنها أنثى يجب أن تحترم أنوثتها فقالتا: { لا نسقي ~~حتى يصدر الرعآء } أي أنهما ستسقيان من بعد أن يذهب الزحام ~~من الرجال حول البئر. إذن فقد أخذت بنتا شعيب الضرورة في حجمها ولم تتخذ ~~إحداهما من الضرورة حجة لإهدار الأنوثة والتزاحم للوصول إلى البئر. فماذا ~~حدث من موسى؟. { فسقى ms2294 لهما }. تلك الهمة الإيمانية التي وجدت في ~~موسى قبل أن يصير رسولا، وذلك ما يوضحه لنا الحق حتى لا يقول إنسان: كيف ~~أكون مثل رسول من عند الله؟. كأن الهمة الإيمانية التي وصفتها تلك ~~اللقطة القصصية توقظ مسئولية كل مؤمن ليسلك مثل هذه السلوك. # فعندما يرى امرأة قد خرجت عن محيط بيتها لأي عمل، فعليه أن يقضي لها ~~حاجتها حتى ترجع إلى بيتها وذلك دون أن يتخذ من ذلك ذريعة ووسيلة إلى أمر ~~ينزل بهمته وينال من مروءته. ولو انتشرت بيننا تلك الهمة الإيمانية لما ~~وجدنا امرأة في الطريق إلا للضرورة. لقد أوضحت لنا تلك اللقطة القصصية ~~حرص المرأة على موضعها وموقعها من الستر، فتقول واحدة من المرأتين لأبيها ~~شعيب بعد أن استقدمه ليجزيه أجر ما سقى لهما: # يأبت استأجره إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين # [القصص: 26] كأن المرأة لا يحل لها أن تتحرك في الكون هذا اللون من ~~الحركة الواسعة، ويسمع شعيب وهو الرجل العاقل لابنته فكيف يستأجر رجلا ~~وعنده ابنتان، فيفكر شعيب ويعثر على الحل الصحيح بفطنة إيمانية، فيستدعي ~~موسى ويقول له: # قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ~~على أن تأجرني ثماني حجج # [القصص: 27] وفي مثل هذه الحالة سيكون موسى متزوجا بواحدة ومحرما ~~على الأخرى. وهذه اللقطات القصصية نلتفت إليها لنتعلم منها الفطنة ~~الإيمانية. وها نحن أولاء مع موسى وقد ناداه الحق ليجعله رسولا، ولنر ~~صفاء النفس الإيمانية وهي تتلقى مهمة الرسالة إن موسى يرغب في أن يكون ~~أداؤه للرسالة كاملا لذلك يطلب من الحق أن يرسل معه أخاه هارون: # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ~~ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون # [القصص: 34] هو يرشح معه هارون للرسالة لأنه حريص على النجاح في دعوته ~~لأن لسانه ثقيل لرتة ولثغة وتردد في النطق من أثر الجمرة التي أصاب ~~بها لسانه وهو صغير، والرسالة تحتاج إلى بيان وبلاغة فيطلب مساعدة أخيه ~~ولم يستنكف ذلك. فما بالنا بما هو حادث وحاصل في أيامنا، حين يختار ~~الحاكم رئيسا ms2295 للوزراء فلا يطلب معاونة الأكفاء، بل قد يخشى أن يكون له ~~نائب له كفاية عالية فوق كفاءته. واللقطات القصصية في القرآن تعلمنا ~~الكثير، وأراد الحق أن يثبت بها للأمة المحمدية دقة المنهج الإيماني، ~~فمادام قد أرسل لنا منهجا لنعلمه، فهو يطلب منا أن نطبق هذا المنهج ~~ونوظفه في حياتنا. وليس ذلك بدعا، بل هو موجود في قصص الرسل الذين ~~علموا المنهج فطبقوه في ذواتهم أولا لأن الآفة أن نعلم العلم ولا ~~نطبقه. وفي زماننا يقال ويشاع: إن التعليم الديني في المدارس لا يأتي ~~بثمار طيبة في سلوك الطلاب. ونقول لمن يرددون ذلك: أنتم لا تفهمون طبيعة ~~التعليم الديني فتعليم الدين لا يمكن أن يتساوى مع تعليم الجغرافيا أو ~~الهندسة وغيرهما من العلوم لأننا عندما نعلم طالبا الهندسة فهو يستطيع ~~أن يكون عالما متفوقا فيها ويأخذ المعطيات والنظريات ويتفوق في المجال ~~الهندسي، ولكن لم تطلب منه أية نظرية هندسية أن يعدل سلوكه في الحياة بأن ~~ترشده في السلوك اليومي: افعل كذا ولا تفعل كذا. # فالنظريات الهندسية لا تتدخل في حياة الطلاب، لكن الطالب عندما يتعلم ~~الدين إنما يتعلم أن يفعل الأمر الديني، ولا يفعل الأشياء المنهي عنها. ~~والصعب في التعليم الديني هو التطبيق العملي. وعندما لا يرى التلميذ ~~التطبيق العملي من الذين يعلمونه الدين أو من الأسرة، فإنه لا يتعلم ~~الدين، فيقال للطالب: الدين ينهى عن الكذب، لكن الطالب يجد الكذب سلعة ~~رائجة في المجتمع. ويقول الدين له: الصلاة عماد الدين وتنهى عن الفحشاء ~~والمنكر، ولا يجد الطالب من يصلي أمامه أو يجد من يصلي ولا يقيم عمارة ~~الدين باتباع ما تأمر به الصلاة من نهي عن المنكر، إذن ففشل التعليم ~~الديني لا يأتي من ناحية غياب المعلم ولكن من عدم وجود التطبيق العملي ~~للسلوك الديني. ونعود للقص القرآني. جاء القصص ليوضح لنا التطبيق للجانب ~~النظري من الدين، وطبقه الرسل على أنفسهم. وأنتم يا أمة الإسلام لستم ~~أقل من أحد، بل أنتم خير أمة أخرجت للناس، وعليكم أن تأخذوا الخير الذي ms2296 ~~حدث في موكب الرسالات كلها وتطبقوه في ذواتكم. هذا هو معنى قوله الحق: { ~~ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم ~~نقصصهم عليك }. وقد جاء لنا القرآن بعيون القصص حتى نأخذ منها ~~لقطات العبرة. ويقول قائل: ومن هو الرسول؟ يقول العلماء: هناك رسول وهناك ~~نبي. وأقام بعضهم مشكلة حول هذا الأمر، فقال بعضهم: كل رسول نبي ولا عكس. ~~ونقول لأصحاب هذا الرأي: لو نظرنا إلى المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي ~~لأرحنا أنفسنا جميعا، فالقرآن يقول: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي # [الحج: 52] إذن فالنبي أيضا مرسل من الله، وعلى ذلك فكلاهما - النبي ~~والرسول - مرسل من عند الله، لكن يوجد فرق بين أن يرسل الحق تشريعا مع ~~رسول، ويكون هذا التشريع مستوعبا لأشياء وأحكام لم تكن موجودة في ~~الرسالة السابقة عليه، وبين أن يأتي إنسان مصطفى من الله ليطبق فقط ما ~~جاء في الرسالات السابقة، فالأنبياء قد أرسلهم الله ليكونوا نموذجا ~~تطبيقيا للشرع السابق عليهم ولم يأتوا بشرع جديد، لكن الرسول هو من ~~أرسله الله بشرع جديد ليعمل به وأمره الحق بتطبيقه. هذا هو الزائد في ~~مهمة الرسول. إن الحق أرسل الرسل بالشرع والتبليغ والتطبيق، وأرسل الحق ~~الأنبياء ليكونوا الأسوة السلوكية فيطبقوا ما أرسل به الرسل السابقون ~~عليهم، وهذا أمر لا يأتي إلا في الأمم التي لها سجل في المكابرة مع ~~الرسل. ولذلك نجد أن اللجاجة دفعت بني إسرائيل إلى التفاخر بأنهم أكثر ~~الأمم أنبياء، صحيح أنهم أكثر الأمم أنبياء. لكن علينا أن نعرف أن ~~النبوات والرسالات إنما تأتي لتشفي الناس مما بهم من داءات فعندما نقول ~~عن إنسان إنه أكثر الناس ترددا على الأطباء، فمعنى ذلك أن أمراضه ~~كثيرة، وكذلك بنو إسرائيل كانت داءاتهم كثيرة. # وكثرة الرسل إليهم لا ترفع من منزلتهم. بل تدل على كثرة أمراضهم. إذن ~~فالرسول والنبي كلاهما مرسل. والفارق أن الرسول معه تشريع سماوي ليبلغه ~~ويطبقه، والنبي مرسل للتطبيق، فإن جئنا لمعنى الرسول اصطلاحيا فهو ~~الموحى إليه بشرع يعمل به وأمره الله بتبليغه. ويذيل الحق ms2297 الآية: { ~~وكلم الله موسى تكليما } ولا شك أن موسى كان من هؤلاء ~~النبيين الذين شملهم قوله الحق: # إنآ أوحينآ # [النساء: 163]. ولسائل أن يسأل فيقول: ولماذا خص الله موسى بقوله: { ~~وكلم الله موسى تكليما }؟. ونقول: الوحي الذي يوحي الله ~~به لأنبيائه هو الوحي الاصطلاحي الشرعي الذي نتكلم عنه دون الوحي اللغوي ~~الذي سبق أن أفضنا فيه. والحق سبحانه وتعالى قد بين الطريقة التي يخاطب ~~بها أنبياءه المصطفين لأداء رسالتهم إلى خلقه، فقال: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشآء إنه علي حكيم # [الشورى: 51] إذن، فطريقة التقاء الحق بالأنبياء إما أن تكون بالوحي، ~~وإما أن تكون من وراء حجاب، وإما أن تكون بإرسال رسول كجبريل عليه ~~السلام. فإذا ما نظرنا إلى الآية وجدنا أن الوحي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ~~وحي خاص، وكلام من وراء حجاب، وإرسال رسول، وكل هذه الأقسام الثلاثة تدخل ~~في إطار الوحي { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا ~~وحيا }. أي ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا إلهاما وقذفا في القلب، أو ~~يكلمه { من ورآء حجاب } وهو كلام من الله يسمعه الرسول، لكنه لا ~~يرى المتكلم وهو الله. أما الوحي بواسطة الرسول، فهو نزول جبريل إلى ~~الرسول بما أوحى به الله. فإذا ما نظرنا إلى قوله الحق: { وكلم ~~الله موسى تكليما } فكأنه سبحانه قد خصه بهذه العبارة ليدل على ~~أنه أوحى لموسى بطريقتين، أولا: بالطريق الذي أوحى به إلى غيره من ~~الأنبياء، ثانيا: بالطريق الخاص وهو كلام الله الذي بدأ به موسى بالوادي ~~المقدس. وقوله الحق: " تكليما " يدفعنا إلى التساؤل: لماذا جاء الحق ~~بالمصدر هنا؟. لأن مطلق الوحي بأي وسيلة سماه الله كلاما. إذن فالنفخ في ~~الروع كلام، والكلام من وراء حجاب كلام، وإرسال الرسول بالوحي كلام. ~~والكلام هو ما يدل على مراد المتكلم من المخاطب، بدليل أن الله سمى الوحي ~~في صوره الثلاث كلاما { وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من ورآء ms2298 حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشآء }. والخفاء في الوحي إما أن يكون خفاء ~~في الأسلوب، أي لا يسمعه أحد غير الرسول، وقد لا يسمعه الرسول ويكون بقذف ~~الكلام في روع الرسول وقلبه وهو يؤدي مؤدي الكلام أي الدلالة على ما في ~~نفس المتكلم الذي يريد نقله للمخاطب. # أما أن يقول الحق: إنه " تكلم " مع موسى، فهذا نقل من الخفاء إلى العلن، ~~أو يرسل الحق رسولا بالكلام الموحى به. وحين قال سبحانه: { وكلم ~~الله موسى تكليما } إنما ينبهنا إلى أن الوحي لموسى ليس من ~~الكلام الذي قسمه الحق في قوله: { وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا وحيا أو من ورآء حجاب أو يرسل رسولا ~~} لأن الله قال في كلامه لموسى: { وكلم الله موسى تكليما ~~}. ووقف العلماء هنا وقفة عقلية وقالوا: كيف يتكلم الله إذن؟. ونقول: إن ~~كل وصف لله ويوجد مثله لخلقه إنما نأخذه بالنسبة لله في إطار: { ليس ~~كمثله شيء } فإن قلت: إن لله وجودا وللإنسان وجودا، فوجود ~~الإنسان ليس كوجود الله، وإن قلنا: إن لله علما، وللإنسان علما، فعلم ~~الإنسان ليس كعلم الله، وإن قلنا: إن لله قدرة، وللإنسان قدرة، فقدرة ~~الإنسان ليست كقدرة الله، وإن قلنا: إن لله استواء على العرش وللإنسان ~~استواء على الكرسي، فاستواء الله ليس كاستواء الإنسان. إذن فلا بد أن ~~تؤخذ كل صفة من صفات الله التي يوجد مثلها في البشر في إطار قوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] وبذلك ينتهي الخلاف كله في كل ما يتعلق بصفات الحق. فالحق ~~له يدان وله وجه، ولكن لا يمكن للإنسان أن يصور يد الله كيد البشر، بل ~~نأخذها في إطار { ليس كمثله شيء } وكذلك وجه الله. ومادمنا ~~نأخذ صفات الله في إطار { ليس كمثله شيء } فلا داعي للمعركة ~~الطاحنة بين العلماء في الصفات وفي تأويل الصفات، ولا داعي أن ينقسم ~~العلماء إلى عالم يؤول الصفات وعالم لا يؤول لاداعي أن يقول عالم: إن يد ~~الله هي قدرته فيؤول، وعالم آخر لا يؤول ويقول: لا. ms2299 إن لله يدا ويسكت. ~~ونقول للعالم الذي لا يؤول: قل: إن لله يدا وهي تناسب قوله: { ليس ~~كمثله شيء }. وإذا كنا نحن قد عرفنا في عالمنا أن الأشياء تختلف ~~مواجيدها في الناس باختلاف الناس، فلا بد من أن نعرف أن الله لا مثيل له. ~~وعلى سبيل المثال: يتلقى الإنسان دعوة لمائدة عمدة قرية ما، فيقدم له ~~ألوان طعام تناسب مقام القرية ومنصب القيادة فيها، ويتلقى الإنسان دعوة ~~لمائدة محافظ مدينة فيقدم له طعاما يناسب مقام المدينة ومنصب القيادة ~~فيها. ويتلقى الإنسان دعوة رئيس الدولة فيقدم له طعاما يناسب مقام ~~الدولة وهيبة منصب القيادة فيها، إذن لا تتساوى مائدة طعام العمدة في ~~قرية مع مائدة طعام المحافظ مع مائدة طعام رئيس الدولة، فإذا كان البشر ~~يوجد الشيء الواحد وهو ملون بألوان مقامات المخلوقين فكيف لنا بمقامات ~~الخالق؟! { ليس كمثله شيء }. فإذا كان الحق قد أخبرنا أنه كلم ~~موسى تكليما في قصة الوادي عندما آنس موسى نارا وذهب إلى النار. # فقال الحق: # إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد ~~المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * ~~إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري * إن الساعة آتية أكاد ~~أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى * فلا يصدنك ~~عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى # [طه: 12-16] قال له الحق كل ذلك، وبدأه سبحانه بالكلام. وبعد ذلك جاء ~~لموسى الوحي على طريقة مجيء الوحي للأنبياء. والحق سبحانه وتعالى أوحى ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم على شتى ألوان الوحي. فقد جاء الوحي لرسول الله ~~إلهاما، وجاء الوحي لرسول الله من وراء حجاب، وجاء الوحي لرسول الله من ~~خلال رسول. ومثال الوحي إلهاما هو الحديث القدسي، وكذلك التشريع النبوي ~~الذي تركه لنا الرسول صلى الله عليه وسلم، ومثال الوحي من وراء حجاب هو ~~التكليف بالصلاة، فلم تفرض الصلاة بواسطة جبريل، بل فرضت من الله مباشرة. ~~ولا أدخل في نقاش لا جدوى منه حول: أحين فرض الحق على رسوله الصلاة كلمه ~~وسمع منه ms2300 رسول الله، أم أن رسول الله قد رأى الله وهو يتكلم معه. لا داعي ~~للخوض في أمر لم يخبرنا الله عن كيفيته، والأدب مع الله يقتضي ذلك. قال ~~تعالى: { ولا تقف ما ليس لك به علم }. وإن القرآن لم ~~يثبت بأية طريقة من طرق الوحي إلا بإرسال رسول، فكل وحي القرآن جاء ~~بواسطة جبريل، فلم تأت آية بالنفخ في الروع. إنما جاء بالنفخ في الروع ~~الحديث القدسي لأن النفخ في الروع قد يتصور واحد أنه خاطر من الجن أو ~~أمثال ذلك. وجاءت كل الآيات القرآنية بواسطة جبريل بمقدمات بدنية، ويحدث ~~تغير كيماوي في نفس رسول الله فلا يشك أبدا في أنه جبريل. وأراد الحق أن ~~يكون الوحي بالقرآن بطريقة لا شك فيها. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~يسمع صوتا كصلصلة الجرس وبعد ذلك يتفصد جبين الرسول عرقا، ويثقل جسم ~~رسول الله حتى إن كان على دابة فهي تئط وتئن ويثقل عليها وتكاد أن يمس ~~بطنها الأرض. وإن كان رسول الله يلاصق فخذه فخذ أحد الصحابة، فيكاد أن ~~يرض فخذ الصحابي، وتلك علامات مادية كونية، لا يمكن أن يحدث فيها لبس. ~~ولقد قالوا من قبل استنادا إلى ظاهر قوله: # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ~~من قبل أن نذل ونخزى # [طه: 134] لو لم يرسل الحق الرسول لكان لهم حجة. ونقول للعلماء: لنفهم ~~هذه المسألة حتى نوضح لكم أنكم تختلفون في أمر كان يجب عليكم ألا تختلفوا ~~فيه. أبالعقل يعلم الإنسان مطلوب الله منه؟ أم أن العقل يهديني إلى وجود ~~قوة أعلى خلقت هذا الكون وتدبره؟. # وما اسم هذه القوة؟. وما مطلوب هذه القوة؟. أيعرف العقل ثواب من يتبع ~~المنهج وعقاب من يخرج عن المنهج؟. كل هذه أمور لا يعرفها العقل، فالعقل ~~حجة في الإيمان بقوة عليا فوق ذلك الكون وهي التي خلقته وتدبره وتديره، ~~أما الرسول فهو مبلغ بمطلوبات المنهج واسم القوة التي أرسلت والشرائع ~~التي يجب أن يسير على هداها الإنسان، ms2301 إذن فليس هناك خلاف بين الرأيين. ~~واسأل: من الذي اكتشف الكهرباء؟. إنه العقل البشري الباحث وراء أسرار ~~الله في الكون، ولا أحد يجهل هذه المسألة. وكذلك أسأل: من أول من تكلم في ~~النسبية؟ إنه أينشتين. وإن سألنا: من أول من تكلم في الجاذبية الأرضية؟. ~~إسحاق نيوتن، وكل واحد اكتشف شيئا في الكون صرنا نعرفه. والذي صمم توليد ~~الكهرباء التي تنير وتضيء وندير بها المصانع، وجعل من سوق الكهرباء صناعة ~~رائجة تعمل فيها القدرات المالية ليشتري الإنسان مصابيح تنير حيزا ~~محدودا، ومصانع تعمل في خدمة الإنسان. أبالله عليكم تعرفون اسم مصمم ~~مولدات الكهرباء ومصصم ومكتشف المصباح الكهربائي، ولا تدرون اسم من خلق ~~الشمس التي تنير نصف الكرة الأرضية كل نصف يوم. ولم يدع أحد لنفسه ~~صناعة الشمس، ولا يوجد ابتكار في الكون إلا ومعلوم من أبدع هذا ~~الابتكار. فالذي صنع المصباح إنما ينير به حيزا محدودا مهما كبر ضوء ~~المصباح، وبعد محيط دائري معلوم يتلاشى الضوء ويصير الأمر إلى ظلمة، فما ~~بالنا بالشمس التي تنير نصف الكرة الأرضية كل نصف نهار. إن خلق الشمس ~~يحتاج إلى قدرة تناسب خلقها، وتحتاج إلى حكمة تناسبها، وليس لهذه الشمس ~~محيط من الزجاج ينكسر ونغيره مثلما نفعل مع المصابيح. كان لابد للعقل ~~البشري أن يفهم أن هذه الكائنات التي في الكون لها صانع يناسبها. ولا ~~يمكن أن يكون صانعها من الخلق ويسكت عن حقه في صناعة هذه المعجزات، ونحن ~~نرى بعضا من الناس في بعض الأحيان تدعي ملكية ما ليس لها، فإذا ما جاء ~~الخالق وأبلغنا بواسطة الرسل بصناعته للكون ولم يوجد له معارض، فهل هذه ~~الأشياء والكائنات من خلقه أو لا؟. إنها من خلقه إلى أن يوجد له معارض. ~~هذه هي مهمة العقل أي أنه يهتدي إلى القوة التي تخلق وتدبر أمر هذا ~~الكون ولا يغني العقل عن الرسل، ولكن العقل يؤمن في القمة الإيمانية بأن ~~هناك قوة مبهمة عالية تناسب عظمة هذا الكون الذي طرأ عليه الإنسان، ولا ~~يعرف اسم القوة ولا يعرف ms2302 مطلوب القوة في " افعل " ، و " لا تفعل " ، ولا ~~يعرف العقل ماذا ادخرت القوة من ثواب للمحسن وعقاب للمسيء. لذلك لابد من ~~وجود رسول. إن الحجة - إذن - تكون من شقين: الشق الأول الخاص بالعقل هو ~~في الإيمان بالقوة العليا المبهمة، والشق الثاني الخاص بالرسل هو الإيمان ~~بالبلاغ عن الله اسما وصفة ومطلوبا وجزاء، وهكذا نرى فاتفقوا أيها ~~العلماء ولا ضرورة للخلاف. # أقول ذلك حتى لا يتمادى الذي يتصيدون لدين الله وأضيف: اتفقوا أيها ~~العلماء على أشياء محددة لأنكم تشتتون الناس بهذه الخلافات فالرسول هو ~~الحجة في الأشياء التي لا دخل للعقل فيها. ونعرف تاريخيا أن آفة الفلسفة ~~أنها تضع وتتخذ عددا ضيقا من المجالات لتبحث فيها، وكانت الفلسفة ~~قديما هي أم العلوم مجتمعة، فالهندسة كانت فرعا منها، وكذلك كل ~~الرياضيات، وأيضا المواد العلمية كالكيمياء والفيزياء وكذلك أصول ~~اللغات. لكن عندما رأى العلماء أصحاب التجارب المعملية أن الفلاسفة ~~يدخلون في متاهات نظرية ولا يدخلون إلى مجال التجارب العلمية التطبيقية، ~~تركوا الفلاسفة وأسسوا العلوم التجريبية منفصلة عن الفلسفة. وأنتج العلم ~~التجريبي لنا كل هذه الاختراعات والاكتشافات المعاصرة التي تسهل علينا ~~الحياة ونستفيد منها. لقد ظل الفلاسفة على حالهم يبحثون في النظريات ~~بعيدين عن مجال التجارب العلمية التطبيقية. ولا تلتقي مدرسة فلسفية ~~بمدرسة أخرى لأنهم يختلفون حيث الجهل طبيعة مسيطرة على الغيب الذي يبحثون ~~عنه ولا يمكن الاهتداء أبدا إلى أسرار الغيب، إنما الغيب يبلغ به الرسل. ~~والمثال الذي أضربه دائما واكرره حتى يستقر في الأذهان: لنفترض أننا ~~نجلس في حجرة ثم دق الجرس، هنا تستوي عقولنا جميعا في أن طارقا بالباب، ~~ولا نختلف في هذا الأمر. لكن عندما ندخل في تصور من الطارق؟ يقول واحد: " ~~الطارق رجل " وثان يقول: " الطارق امرأة " وثالث يقول: " الطارق رجل ~~شرطة " ورابع يقول: " صديق لنا " وخامس يقول: " بشير " وسادس يقول: " ~~نذير " ، يحدث ذلك لأننا دخلنا إلى متاهات التصور. وأقول: هذه الأمور لا ~~تترك للعقل، فلو أردتم راحة أنفسكم لآمنتم بالتعقل، تعقل أن هناك طارقا ~~بالباب، ثم تتركون للطارق ms2303 أن يعلن عن نفسه ويقول لكم: أنا فلان وأسمي كذا ~~وصفتي كذا وجئت إليكم من أجل كذا، وبذلك نتفق جميعا. لكن الفلاسفة ~~أدخلوا التصور في التعقل. ولا يمكننا أن نعرف اسم الخالق بالعقل أبدا ~~ولا مطلوبه. بل لأ بد أن يبلغ عن نفسه، فإذا انشغل العقل بأن هذا الكون ~~العظيم لا بد له من قوة خالقة، فلماذا لا تبلغنا عن نفسها؟. وإذا ما جاء ~~رسول من أجل أن يحل اللغز الوجودي الذي يعيشه البشر فيبلغنا أن القوة ~~الخالقة اسمها الله. هنا أراح الحق النفس البشرية بما كانت تتمنى أن ~~تعرفه، ومن عقل العاقل أن يفرح بمجيء الرسول ويستشرف إلى السماع عنه لأن ~~الرسول إنما جاء يحل اللغز الشاغل للنفس البشرية من تفسير من خلق الكون ~~بهذه الدقة، وما هي مطلوبات هذه القوة؟ ويحسم الرسول الخلاف عندهم ويحل ~~اللغز الشاغل للبال. # ولذلك نرى الإمام عليا - كرم الله وجهه - أمام سؤال من أحدهم: - أعرفت ~~محمدا بربك؟ أم عرفت ربك بمحمد؟. فأجاب الإمام علي وكان باب العلم: لو ~~عرفت ربي بمحمد لكان محمد أوثق عندي من ربي، ولو عرفت محمدا بربي لما ~~احتجت إلى رسول، ولكني عرفت ربي بربي وجاء محمد فبلغني مراد ربي مني. ~~هكذا حدد لنا سيدنا علي المسألة.. فالعقل الفطري يؤمن بقوة مبهمة وراء ~~هذا الكون هي التي خلقت وهي التي رزقت وهي التي أمدت بقيوميتها وقدرتها، ~~وبعد ذلك تجيء الرسل من أجل تعريفنا باسم القوة ومطلوبها منا. والذين ~~يختلفون حول دور العقل في الحجة ودور الرسول في الحجة، عليهم ألا يتوهوا ~~في متاهات نحن في غنى عنها لأن العقل لا يمكن أن يكون الحجة بمفرده، ~~والرسول إنما هو مبلغ عن القوة، وقد يقول قائل: إذن لابد لكل رسول من ~~رسول، وقد يبلغ التفلسف الطريق المسدود. لكن عندما نعلم أن الحق قد صنع ~~كل رسول على عينه معصوما ليبلغ، وعلى سبيل المثال نجد سيدنا محمد بن ~~عبدالله استطاع أن يصنع أمة في ثلاث وعشرين سنة ليمتد خيرها إلى يوم ~~القيامة، ms2304 فعل صلى الله عليه وسلم ذلك مبلغا عن الله ليهدي أمته إلى ~~كيفية عمل الطيب والابتعاد عن العمل الخبيث. وخلق الله محمدا على خلق ~~عظيم. وهكذا نعرف أن الحق قد أراح العقل من ضرورة البحث عن اسم القوة ~~الخالقة ومطلوبها فأرسل الرسل. ويقول الحق من بعد ذلك: { رسلا ~~مبشرين ومنذرين... }. ### || [4.165] # نعرف أن البشارة تكون بأمر سار يأتي من بعد. والنذارة هي إخبار بأمر ~~مسيء يأتي من بعد. والعزيز سبحانه لا يغلب. والحكيم سبحانه وضع كل شيء ~~في موضعه، لماذا؟. لأن الرسل يبشرون وينذرون بأن هناك جنة ونارا ~~وحسابا، فإياكم أن تظنوا أن الذي كفر بقادر على أن يصنع شيئا لنفسه ~~والله عزيز وغني عن خلقه جميعا. ونعلم أن الحق لا يجرم سلوكا إلا ~~بنص، وقبل أن يعاقب فهو يضع القواعد التي لا يصح الخروج عنها. وحين يقول ~~الحق: { وكان الله عزيزا حكيما } فعزته وحكمته هي التي أتاحت ~~لنا أن نعرف منهجه. ويقول الحق من بعد ذلك: { لكن الله ~~يشهد... }. ### || [4.166] # وساعة نسمع " لكن " فمعنى ذلك أن هناك استدراكا. وقوله الحق: { ~~لكن الله يشهد } نأخذ منها بلاغا من الحق. خصومك يا محمد ~~لا يشهدون أنك أهل لهذه الرسالة، ويستدرك الله عليهم ويوضح لهم أنه ~~سبحانه هو الذي خلق الإنسان وهو أعلم بقانون صيانته. ومنهج الله إلى ~~البشر بواسطة الرسل هو قانون صيانة ذلك الإنسان. وإذا كان أهل الكتاب لا ~~يشهدون بما أنزل الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وينكرون ما في كتبهم ~~من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم كرسول خاتم، فإن الله يشهد وكفى ~~بالله شهيدا. لقد أنزل القرآن بعلمه، وهو الذي لا تخفى عليه خافية، وهو ~~الذي خلق كل الخلق ويعلم - وهو العليم - ما يصلح للبشر من قوانين. وفي ~~أعرافنا البشرية نجد أن الذي يصنع الصنعة يضع قانون صيانتها لتؤدي مهمتها ~~كما ينبغي، كذلك الله الذي خلق الإنسان، هو سبحانه الذي وضع له قانون ~~صيانته ب " افعل " و " لا تفعل ". ولذلك يقول الحق: # ألا يعلم من خلق ms2305 وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14] ونجد الإنسان منا يذهب بساعته إلى عامل إصلاح الساعات فيكشف ~~عليها ويقرر ما فيها من فساد، فما بالنا بخالق الإنسان. إن العبث الذي ~~يوجد في العالم سببه أن الناس قد استقبلوا خلق الله لهم، ولم يدع أحد أنه ~~خلق نفسه أو خلق غيره، ومع ذلك يحاولون أن يقننوا قوانين صيانة للإنسان ~~خارجة عن منهج الله. ونقول: دعوا خالق الإنسان، يضع لكم قانون صيانة ~~الإنسان ب " افعل " ولا " تفعل " وإن أردتم أن تشرعوا، فلتشرعوا في ~~ضوء منهج الله، وإن حدث أي عطب في الإنسان فلنرده إلى قانون صيانة الصانع ~~الأول وهو القرآن لأن المتاعب إنما تنبع من أن الإنسان يتناسى في بعض ~~الأحيان أنه من صنعة الله، ويحاول أن يصنع لنفسه قانون صيانة بعيدا عن ~~منهج الله، والذي يزيل متاعب الإنسانية هو أن تعود إلى قانون صيانتها ~~الذي وضعه الخالق تبارك وتعالى. { لكن الله يشهد بمآ ~~أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون } ~~والملائكة تشهد لأنها نالت شرف أن يكون المبلغ لرسول الله منهم وهو جبريل ~~عليه السلام، وهم أيضا الذين يحسبون حسابات العمل الصالح أو الفاسد ~~للإنسان ويكتبونها في صحيفته، وهم كذلك الذين حملوا ما في اللوح المحفوظ ~~وبلغوا ما أمروا بتبليغه وهم يعرفون الكثير { وكفى بالله ~~شهيدا } لماذا لم يقل الله هنا وكفى بالله وبالملائكة شهودا؟. لأن ~~الحق سبحانه وتعالى لا يأخذ شهادة الملائكة تعزيزا لشهادته. ونحن لا ~~نأخذ شهادة الملائكة تعزيزا لشهادة الله وإلا كانت الملائكة أوثق عندنا ~~من الله. وسبحانه يؤرخ شهادة الناس وشهادة الملائكة، لكنك يا رسول الله ~~تكفيك شهادة الله. ومن بعد ذلك يقول الحق: { إن الذين ~~كفروا... }. ### || [4.167] # إن كفر الكافر إنما يعود عليه، وهو يملك الاختيار بين الكفر ~~والإيمان، لكن أن يصد الكافر غيره عن الإيمان فهذا ضلال متعد لقد ضل في ~~نفسه، وهو يحاول أن يضل غيره لذلك لا يحمل وزره فقط ولكن يحمل أوزار من ~~يضلهم. وكيف يكون الصد عن سبيل الله؟. بمحاولة أهل الضلال أن يمنعوا ~~آيات ms2306 الهدى من أن تصل إلى آذان الناس، فيقولوا ما رواه الحق عنهم: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون # [فصلت: 26] ولو فهموا معنى هذه الآية لما قالوا ما جاء فيها، فقولهم: { ~~لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه } أي اصنعوا ضجة ~~تشوش على سماع القرآن، وهم قد علموا أن هذا القرآن عندما يصل إلى ~~الأسماع فإنه يبلغ الهداية، ولو كان القرآن غير مؤثر لما قالوا ذلك، إذن ~~هم يعترفون بأنهم يغلبون عندما يصل صوت القرآن إلى آذان البشر ~~المدعوين إلى الهداية. { إن الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله قد ضلوا ضللا بعيدا }. كان يكفي أن يقول ~~الحق { قد ضلوا } ، لكنه جاء بالمصدر التأكيدي { قد ضلوا ~~ضللا بعيدا } أي إنه الضلال بعينه، وهو فوق ذلك ضلال بعيد. وعندما ~~ننظر في كلمة " بعيد " ، نعرف أن الشيء البعيد هو الذي بينه وبين مصدره ~~مسافة زمنية طويلة. والذي يضل قصارى ضلاله أن ينتهي بانتهاء حياته، لكن ~~الذي يعمل على إضلال غيره فهو يجعل الضلال يمتد، أي أن الضلال سيأخذ في ~~هذه الحالة زمنا أكبر من حياة المضل، ويتوالى الضلال عن المضلين ~~أجيالا، وهكذا يصبح الضلال ممتدا. والضلال المعروف في الماديات البشرية ~~هو - على سبيل المثال - أن يسير الإنسان إلى طريق فيضل إلى طريق آخر. ~~وقصارى ما يضل فيه هو أن يذهب إلى مفازه - أي صحراء - ولا يجد ماء ولا ~~طعاما فيموت. لكن الضال المضل يجعل ضلاله يأخذ زمن الدنيا والآخرة وبذلك ~~يكون ضلاله ممتدا. ومن بعد ذلك يقول الحق: { إن الذين ~~كفروا... }. ### || [4.168-169] # والحديث هنا يبدأ عن الكفر والظلم { إن الذين كفروا ~~وظلموا }. والكفر هو ستر الوجود الأعلى، والظلم معناه أنهم عاشوا ~~بمنهج بشري لا يؤدي لهم متاعا ولا سعادة في حياتهم الدنيا، وبذلك يكونون ~~قد ظلموا أنفسهم. ومن بعد ذلك يقودهم هذا المنهج إلى عذاب الآخرة. والذي ~~كفر ستر وجود الله وحرم نفسه بستر الوجود الأعلى من المنهج الذي يأتي به ~~الله إنه بذلك قد ضل ضلالا بعيدا. وسبحانه القائل: # فإما يأتينكم مني ms2307 هدى فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى # [طه: 123] وهناك آية أخرى يقول فيها الحق: # فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 38] والذي يأخذ بهوى نفسه وبمنهج البشر فإن له معيشة ضنكا ضيقة ~~شديدة. ولا يظنن ظان أن الذي يأخذ ويتناول الأمور بهواه قد أخذ انطلاقا ~~بلا حدود وراحة لا نهاية لها، لا لأن الذي يفعل ذلك قد يرتاح مرة لكنه ~~يقابل التعب ويعيش فيه ولا ينفك عنه من بعد ذلك، وهكذا يظلم نفسه. وقد ~~يقول قائل: لقد ظلموا أنفسهم، ومعنى ذلك أنه لا بد من وجود ظالم ومظلوم. ~~فمن هو الظالم ومن هو المظلوم؟. كل واحد منهم الظالم. وكل واحد منهم ~~المظلوم لأن الإنسان مركب من ملكات متعددة، ملكة شهوات تريد أن تنطلق إلى ~~الشهوات، وملكة قيم تريد أن يحفظ الإنسان نفسه ويسير على صراط القيم ~~المستقيم. وفي حالة من يكفر ولا يتبع منهج الله إنما يترك الفرصة لملكة ~~الشهوات أن تظلم ملكة القيم. والإسلام إنما جاء ليوازي بين الملكات ~~لتتساند في النفس البشرية، فلا يطغى سيال ملكة على سيال ملكة أخرى. { ~~إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر ~~لهم ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنم ~~خالدين فيهآ أبدا وكان ذلك على الله يسيرا } ~~[النساء: 168-169] هذا هو حكم الحق في الذين يكفرون ويظلمون أنفسهم، لن ~~ينالوا مغفرة الله وليس أمامهم إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { يأيها الناس... }. ### || [4.170] # فبعد أن وصف لنا - بإيجاز محكم - سلسلة المعارك التي نشأت بين الرسول ~~واليهود مرة، ومرة أخرى بينه وبين المشركين، وها هوذا سبحانه يخاطب الناس ~~جميعا، ليصفي مركز منهج الله في الأرض، فيقول منبها كل الناس: لقد جاءت ~~رسالة محمد عليه الصلاة والسلام تصفية لكل الرسالات التي سبقت، وعلى ~~الناس جميعا أن يميزوا، ليختاروا الحياة الإيمانية الجديدة لأن الرسول ~~قد جاء بالنور والبرهان، البرهان الذي يرجح ما هو عليه صلى الله عليه ~~وسلم على ما هم عليه، والنور الذي يهديهم سواء السبيل. ms2308 لقد كان الناس قبل ~~رسول الله على ملل وعلى أديان ونحل شتى، فجاء البرهان بأن الإسلام قد ~~جاء ناسخا وخاتما. والبرهان هو تعاليم هذا الدين وأدلته، فلا حجة لأحد ~~أن يتمسك بشيء مما كان عليه. وجاء محمد بالنور الذي يهدي الإنسان إلى ~~سواء السبيل، وهذه تصفية عقدية شاملة، أو كما نقول بالعامية " أوكازيون ~~إيماني " تتخلص به البشرية من كل ما يشوب عقائدها، ولتبدأ مرحلة جديدة. { ~~يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ~~ربكم } والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير مهما تغيرت عليه ~~الظروف لأن الحق صدق له لون واحد، فإذا ما رأيتم جميعا حادثة واحدة، ثم ~~جاء كل واحد منكم فأخبر بها إخبار صدق فلن تختلف رواية الحادثة من واحد ~~لآخر. أما إن سولت نفس بعض الناس لهم أن يتزيدوا في الحادثة فكل واحد ~~سيحكي الحادثة على لون مختلف عن بقية الألوان، وقد يسافر خيال أحدهم في ~~شطحة الكذب ويسترسل فيه. إذن فالذي لا يتغير في الحق هو أن يحكوا جميعا ~~الرواية الواحدة بصدق ولو كانوا ملايين الناس، لكن إن سولت نفوس بعضهم ~~الكذب وحسنته له وأغرته به لاختلفت الرواية لأن الكذب مشاع أوهام ولا ~~حقيقة له. والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: لقد جاءكم الرسول بالحق مهما ~~تغيرت الظروف والأحوال، ومهما جئتم إليه من أي لون، سواء في العقديات أو ~~في العباديات أو في الأخلاق أو في السلوك. وستجدون كل شيء ثابتا لأنه ~~الحق. ويضرب الحق سبحانه وتعالى لنا مثلا في هذا الحق: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل # [الرعد: 17] كل واد يأخذ ماء على قدر حجمه، وساعة ينزل السيل من الجبال ~~يحمل معه التراب والقش والأشياء التي لا لزوم لها، وهو ما نسميه " الريم ~~" وهو الزبد الرابي. وكذلك الحديد أو النحاس أو الذهب الذي نصنع منه ~~الحلي أو أدوات المتاع، وعندما نضع هذه المعادن في النار، نجد ms2309 الزبد ~~يفور على سطح هذه المعادن عندما تنصهر، وتسمى هذه الأشياء الخبث. # ويوضح الحق لنا كيف يضرب الحق والباطل. # فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض # [الرعد: 17] ومهما اختلطت بالحق أشياء فهو كحق يبعد ويطرد هذه الفقاقيع ~~والخبث وينحيها عنه. فإن علا الباطل يوما على الحق فلنعلم أنه علو ~~الزبد الذي يذهب جفاء مرميا به ومطروحا، وسيظل الحق هو الحق. وسبحانه ~~يقول: { يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ~~ربكم فآمنوا خيرا لكم }. والإيمان هو اعتناق العقيدة ~~بوجود الإله الأعلى، والبلاغ عنه بواسطة الرسل، وأن للحق ملائكة، وأن ~~هناك بعثا بعد الموت، وحسابا. ويقتضي الإيمان أن نعمل العمل وفق ~~مقتضياته وذلك هو اختيار الخير، ولنعلم جيدا أن الإيمان لا ينفصل عن ~~العمل. وماذا يحدث لو لم يؤمن الناس؟ ها هوذا الحق يقول: { وإن ~~تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان ~~الله عليما حكيما } وسبحانه غني، وسيظل كونه الثابت - بنظرية ~~القهر والتسخير - هو كونه، ولن يتغير شيء في الكون بكفر الكافرين، سوى ~~سخط الكون عليهم لأنه مسخر لهم لأن الكون ملك لله، ولن تتغير السماء ولا ~~النجوم ولا القمر ولا المطر ولا أي شيء. ونقول لك: لو نظرت إلى الدنيا ~~لوجدت الفساد فيها ناشئا مما فعلته وأحدثته يد الإنسان على غير منهج ~~الله، أما الشيء الذي لم تدخل فيه يد الإنسان فهو لا يفسد، ولم نر يوما ~~الشمس وقد عصيت عن الشروق أو الغروب، وكذلك القمر لم تختل حركته، وكذلك ~~النجوم في الأفلاك، وتسير الرياح بأمر خالقها، وكل شيء في الكون منتظم ~~الحركة، اللهم إلا الأشياء التي يتدخل فيها الإنسان، فإذا كان قد دخلها ~~بمواصفات منهج الله فهي منسجمة مع نفسها ومع الكون، وإن دخلها بغير ~~مواصفات منهج الله فلن تستقيم، بل تفسد. ولذلك قال الحق: # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم # [الرعد: 11] إن الأمر الفاسد إنما يأتي من داخل نفوس البشر عندما يضلون ~~عن منهج الله، ولذلك نقول: أشكى الناس أزمة ms2310 ضوء؟. لا لأن الشمس ليست في ~~متناولنا، وكذلك لم يشك الناس أزمة هواء، لكنهم يشكون أزمة طعام لأن ~~الطعام ينبت من الأرض، فإما أن يكسل الإنسان مثلا فلا يعمل، وإما أن ~~يعمل ويخرج ثمرا فيأخذه بعضهم ويضنوا ويبخلوا ولا يعطوه لغيرهم، وهذا ~~سبب من أسباب الفساد الناشئ في الكون. وجاء الحق لهم بما يمكن أن يكون ~~فتحا يدخلون فيه بالإيمان بمنهج الرسول الخاتم، ويكفرون عن أخطائهم مع ~~أنبيائهم ومع محمد صلى الله عليه وسلم، يقول سبحانه: { يأهل ~~الكتاب لا تغلوا في دينكم... }. ### || [4.171] # يبدأ الحق بأمر موجه لأهل الكتاب: { لا تغلوا في دينكم } ~~والغلو هو الخروج عن حد الاعتدال في الحكم، لأن كل شيء له وسط وله طرفان، ~~وعندما يمسك شخص طرفا نطلب منه ألا يكون هناك إفراط أو تفريط. وقد وقع ~~أهل الكتاب في هذا المأزق، فلم يأخذوا الأمر بالاعتدال دون إفراط أو ~~تفريط، لقد كفر اليهود بعيسى واتهموا مريم بالزنا، وهذا غلو في الكره، ~~وغالى النصارى في الحب لعيسى فقالوا: إنه إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة ~~وهذا غلو، ويطلب الحق منهم أن يقفوا من أمر الدين موقف الاعتدال: { لا ~~تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ~~}. إن أمر المنهج لا يحتاج إلى غلو، ولذلك جاء محمد صلى الله عليه وسلم ~~من عند الله بالدين الوسط الذي يضع كل أمر في نصابه. وشرح لنا بإخبارات ~~النبوة وإلهامها ما سوف يحدث للإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، ~~وقد حدث ما تنبأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالخوارج كفروا ~~عليا، والمسرفون بالتشيع قالوا: إنه نبي، وبعضهم زاد في الإسراف فجعله ~~إلها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي - كرم الله وجهه -: # " إن فيك من عيسى مثلا. أبغضته اليهود حتى بهتوا أمه، وأحبته ~~النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس له ". # وكما قال سيدنا علي - كرم الله وجهه -: " ألا وإنه يهلك في اثنان: محب ~~يقرظني بما ليس في، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني، ms2311 ألا إني لست بنبي ~~ولا يوحى إلي، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ~~ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله فحق عليكم طاعتي فيما أحببتم وكرهتم ~~". وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عليا أن المحب الذي يغالي في ~~حبه ليس مع علي وكذلك الكاره المبغض فالذي يحب عليا بغلو جعل منه إلها ~~أو رسولا، والذي أبغض عليا جعله كافرا. وكذلك النصارى من أهل الكتاب ~~جاءوا إلى عيسى فأحبوه بغلو وجعلوه إلها أو ابن إله أو ثالث ثلاثة، ~~فيقول لهم الحق: { لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على ~~الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله }. وقوله الحق: { عيسى ابن مريم رسول الله ~~} رد على غلو اليهود الذين رفضوا الإيمان بعيسى، وقالوا في عيسى وأمه ~~البهتان العظيم. وقوله الحق عن عيسى ابن مريم: { رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } رد على غلو ~~النصارى الذين نصبوه إلها أو جعلوه ابنا لله أو ثالث ثلاثة، فعيسى عليه ~~السلام هو ابن مريم وعندما بشرها به الحق وقالت: # أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر # [آل عمران: 47] قالت ذلك بفطنة الصديقية التي جعلتها تنبه إلى أنها لم ~~يمسسها بشر، ومادام الحق قد نسبه إليها فليس له أب، سيولد عيسى دون أن ~~يمسسها بشر، ويوضح سبحانه ذلك عندما يقول: { إنما المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه }. فعيسى روح من الحق لأنه سبحانه قال: # فنفخنا فيها من روحنا # [الأنبياء: 91] وما معنى " كلمته "؟. هذا القول يدل على أن الروح نفخت ~~ثم جاءت كلمة " كن " التي قال عنها سبحانه: # إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون # [آل عمران: 47] لقد احتاج وجود عيسى إلى أمرين: " روح " و " كن ". ~~والشبهة عند النصارى مردها إلى أن عنصر الذكورة لم يلمس مريم وقالوا: ~~مادام الله قد قال: إن عيسى روح منه فهو جزء من الله، ونسوا أن كل شيء من ~~الله، وسبحانه القائل: # وسخر لكم ما في ms2312 السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13] فهل هذا يعني أن " الأرض " قطعة من الله وكذلك الشمس؟. ~~لا. فإذا كانت الشبهة قد جاءت من غياب عنصر الذكورة مع وجود عنصر الأنوثة ~~لكان من الواجب منطقيا أن تكون الشبهة في آدم قبل أن تكون الشبهة في ~~عيسى لأن آدم جاء من غير ذكورة ولا أنوثة فلا أب ولا أم له لقد قال ~~القرآن بمنتهى البساطة ومنتهى الوسع: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59] ولا يملك أحد القيد على فضل الله ووسعه، ومسألة آدم كانت ~~أدق، لكن الله بتفضله يساوي بين خلق عيسى وخلق آدم، وهذا هو التلطف في ~~الجدل. وأخبرنا سبحانه عن عيسى أنه جاء بأمر منه، وقال في آدم: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29] إذن فآدم قد احتاج إلى الأمرين نفسيهما: " كن " ، و " النفخ ~~فيه من الروح " ، وعندما ننظر إلى هذه المسألة نجد أننا لا بد أن نتعرض ~~لقضية خلق آدم، حتى نعرف كيف تسلسلت مسألة الخلق، سواء أكان الخلق ملائكة ~~أم خلق آدم أم خلق حواء أم غيرهم من الخلق، كذلك خلق عيسى. لقد كان خلق ~~آدم غيبا عن آدم، وليس لآدم نفسه ولا لمن جاء بعده أن يتكلم كيف خلق ~~لأن هذه المسألة لا دخل لأحد بها، ويقول لنا الخلق محذرا من أن نستمع إلى ~~قوم يقولون بغير ذلك عن الخلق فقال: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51] ولا يمكن - إذن - أن نستمع إلى هؤلاء الذين افترضوا أن أصل ~~الإنسان قرد أو غير ذلك لأن الذي يتكلم عن الخلق بغير علم من عند الله، ~~فهو يتكلم في أمر لم يشهده. # والخلق الأول أمر لا يمكن أن يدخل المعمل التجريبي لأن المعمل التجريبي ~~إنما يحلل مواد موجودة بالفعل. إذن فالحكم على أمور بغير ما أخبرنا بها ~~الله أمر باطل. ولم يكن هناك أحد مع الله ساعة خلق الخلق ms2313 ليقول لنا كيف ~~تم ذلك. وعلمنا هذه المسائل بإخبار الخالق لنا فهو الأعلم بنا، ~~والخالق أخبرنا أنه خلقنا من ماء وتراب وطين وحمأ مسنون وصلصال كالفخار، ~~وحدثنا بذلك في آيات متعددة. والذين يريدون أن يكذبوا القرآن يقولون: إن ~~القرآن لم يأت بخبر واحد عن خلق الخلق، فمرة يقول إن الخلق كان من ماء ~~ومرة كان من تراب، ومرة كان من طين، ومرة كان من صلصال. ونقول: أحين ~~يتكلم الحق عن مراحل الخلق فهل في هذا تضاد؟. أصل الخلق ماء، خلطه الحق ~~بتراب، وبعد وضع الماء على التراب صار الإثنان طينا، ثم إذا تركنا الطين ~~إلى أن يختمر، يصير حمأ مسنونا، وبعد ذلك يصير صلصالا، ومن بعد ذلك خلق ~~منه الحق آدم. إذن فكل شيء تكلم عنه سبحانه في خلق آدم إنما يتفق مع كل ~~الآيات التي جاءت عن هذا الخلق. وهو القائل عن آدم: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29] وبعد صنع الله القالب الذي يشبه التمثال الذي نراه، ولكن ~~تنقصه الحركة والحياة، فيأتي النفخ في الروح بكلمة " كن ". إذن نحن نحتاج ~~إلى روح وإلى كلمة. والروح عنصر وجودي. وعندما تختلط بالقالب تحدث ~~الحياة، ولا بد من بعد ذلك من الإرادة بكلمة " كن ". ولذلك نجد الإنسان ~~قد يصنع نفس خلطة الإنسان الكيماوية لكنها لا تصير إنسانا لأن الأمر ~~ينقص الإذن بميلاد الإنسان. وساعة يتكلم الحق عن خلق آدم وهو أمر لم ~~نشهده، فذلك من رحمته بنا، ويترك لنا سبحانه في الكون دليلا على صدقه عن ~~خلق آدم، فإذا كنا لم نشهد خلق الحياة فنحن نشهد نقيض الحياة وهو الموت، ~~الذي يحدث فيه أولا خروج الروح، ومن بعد ذلك ينتفخ الجسم كأنه الحمأ ~~المسنون، ثم يتبخر الماء، وبعد ذلك يتحلل إلى تراب. هذه هي مراحل الموت ~~التي تبدأ من خروج الروح ويتصلب الجسم إلى أن يرم ثم يتبخر الماء، ~~وتبقى العناصر في الأرض. وإذا كنا لم نعرف كيف بدأت الحياة، فنحن نعرف ~~كيف انتهت الحياة أمامنا بالأمر المشهدي، وجعل سبحانه ms2314 أمر انتهاء الحياة ~~أمامنا دليلا على صدقة في إخبارنا بالحياة وكيف بدأت لأن نقض الحياة ~~يكون بالموت، ونقض أي شيء إنما يتم على عكس طريقة بنائه. وآخر أمر دخل في ~~الإنسان هو الروح، ولذلك فهي أول ما يخرج من الإنسان عند الموت. # وبعد ذلك يتصلب الجسم، وبعد ذلك يصير رمة وهي الحمأ المسنون. وبعد ذلك ~~يتبخر الماء ويبقى أخيرا التراب. وقد حللوا الإنسان حديثا. فوجدوا فيه ~~عناصر كثيرة، ثم حللوا طينة الأرض الخصبة التي يخرج منها الزرع الذي ~~يقتات منه الإنسان، فوجدوا هذه الطينة مكونة من هذه العناصر. ومن العجيب ~~أن العناصر المكونة للإنسان هي نفسها المكونة لطين التربة الخصبة، مما ~~يدل على تأكيد الصدق في أن الله خلقنا من طين، وجعل استبقاء حياتنا مما ~~يخرج من هذا الطين بعناصره المختلفة، حتى يمد كل عنصر من الطين كل عنصر ~~من الوجود الإنساني. ولما قاموا بتحليل الإنسان مقارنا بتحليل التربة ~~وجدوا أن أضخم عنصر في تكوين الإنسان هو الأوكسجين ونسبته على ما أذكر ~~سبع وستون بالمائة، وبعده عنصر الكربون، ونسبته على ما أذكر تسع عشرة ~~بالمائة، إلى أن تنتهي العناصر المكونة للإنسان والتربة إلى المنجنيز ~~ونسبته تقل عن واحدة بالمائة، وأهم هذه العناصر هو: الأوكسجين، الكربون، ~~الهيدروجين، النتروجين، الكلور، الكبريت، الكالسيوم، والفوسفور، ~~والبوتاسيوم، الصوديوم، الحديد، اليود، والسيلوز، والمنجنيز. هذه هي أهم ~~وأكثر العناصر المكونة لتركيب الإنسان وهي العناصر نفسها الموجودة في ~~تركيبة الطين وبعضها عناصر مكونة للمركبات العضوية وبعضها عناصر غير ~~عضوية وبعضها عناصر وظائفها ثابتة ومعروفة، ويسأل أهل الذكر في تفاصيل ~~ذلك. وبطبيعة الحال فالذين قاموا بتحليل التربة وعناصر الإنسان لم يكونوا ~~علماء دين، ولم يكن في بالهم إقامة الدليل على صدق الله في القرآن، ذلك ~~أن بعضهم يجهل مسألة القرآن كلها، ولكن الحق سبحانه وتعالى أجرى على لسان ~~رسوله حديثا يشرح لنا حقيقة إثبات صحة كل ما فيه ولو جاء على لسان رجل ~~فاجر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ms2315 " # فسبحانه - إذن - أراد أن ينصر الدين بالكافرين، وجعل بعضا منهم يصلون ~~إلى أشياء لو أنهم علموا أنها ستخدم قضايا الهدى لما أعلنوها. ومن حكمة ~~الله أن جعل الكافرين غير قادرين على إغفال نصرة الدين، وجعل سبحانه ~~بعضا منهم يخدمون الدين على رغم أنوفهم. ونريد أن نأخذ من هذه المسألة ~~فهما عميقا، يتسم باللطف والسماحة، فإذا كان الله قد خلق الإنسان الأول ~~من طين، وهناك آية أخرى قال عنها الحق: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي # [الحجر: 29] وآية ثالثة قال فيها سبحانه: # كن فيكون # [آل عمران: 47] إذن فخلق آدم احتاج إلى أمرين: النفخ من روح الحق، ~~والأمر " كن " ، وهما الأمران أنفسهما في مسألة خلق عيسى، روح من الحق، ~~وكلمته التي ألقاها إلى مريم، وهذه دليل صدق لقوله الحق: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم # [آل عمران: 59] والحق قد قص لنا أنه خلق آدم من طين وصنع القالب وسواه ~~بيديه: # قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ~~أستكبرت أم كنت من العالين * قال أنا خير ~~منه خلقتني من نار وخلقته من طين # [ص: 75-76] فإذا كان الهيكل الذي خلقه الله ونفخ فيه الروح، ودبت فيه ~~الحياة ثم تناسل النسل من آدم إلى أن تقوم الساعة، فهل مجيء عيسى على ~~الصورة التي جاء بها يكون أمرا عسيرا على الله؟. لا. وساعة أنجب آدم ~~أول ذرية له ألم يخرج لحظتها حيوان منوي من آدم إلى البويضة في رحم حواء ~~وأراد به الله ميلاد أول نسل من آدم وهو جزء من آدم، وهذا الحيوان المنوي ~~له مادة وله حياة، ومادته معروفة، وحياة هذا الحيوان المنوي هي التي تسمح ~~له بالحركة لتلقيح البويضة، هذه المادة مخلوقة من آدم، والحياة التي فيه ~~من روح آدم، وآدم نفسه خلقه الله بيديه، وهذا إثبات أن الحيوان المنوي هو ~~جزء مما خلقه الله بيديه وهو آدم، وفي الحيوان المنوي حياة مما نفخه الله ~~من روحه، وانتقل إلى رحم حواء وأخصب البويضة وولدته حواء، واستمر ميلاد ~~حيوانات منوية ms2316 حية تخصب بويضات حية ليستمر الخصب والنسل والأحفاد. إننا ~~إذا سلسلنا نسل آدم إلى أن تقوم الساعة، فكل ذرة من ذرات من يوجد آخر ~~الدنيا مكونة من شيء به خلق من خلق الله في القالب، وفيه شيء من نفخ الله ~~في الروح ولم يطرأ عليه موت أبدا فلو طرأ عليه موت أو فناء لما صلح أن ~~ينجب مثله. وهكذا نعلم أن كل واحد فينا به جزء من القالب الذي صنعه الله ~~بيديه، وفيه جزء من نفخ الروح. وأكرر المثل الذي أضر به دائما ليستقر في ~~أذهان الناشئة لو جئنا بسنتيمتر مكعب من سائل ملون مركز، وأضفناه إلى لتر ~~من الماء، ثم أخذنا قطرة من لتر الماء سنجد بها جزءا ضئيلا من السنتيمتر ~~المكعب الملون. وإذا أخذنا هذه القطرة وأضفناها إلى برميل من المياه ~~فيصير في البرميل جزء من السنتيمتر المكعب الملون. وإذا أخذنا من البرميل ~~قطرة من المياه، وأضفناها إلى البحر فإن جزءا من السنتيمتر الملون يصير ~~بالبحر. إذن فكل نسل آدم - إلى أن تقوم الساعة - فيه جزيء - من آدم ~~عليه السلام. ونلحظ أن كثيرا من المفكرين والمثقفين في الغرب صاروا ~~يبتعدون عن فكرة بنوة عيسى لله. وعندما يدخلون في نقاش حول هذه المسألة ~~يقولون: إنها بنوة حب. وإذا كانت المسألة بنوة حب، فالله يحب جميع عباده ~~ونصير نحن مثل المسيح ويصير المسيح مثلنا. فالخلق كلهم عيال الله، ~~والحديث القدسي يقول: # " الناس كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم بعياله " # ولو أخذنا هذا القول بالدقة التجريبية المعملية نجد أن هذا القول صدق ~~وحق لأننا جميعا قد صدرنا عن قدرة الله وإرادته وكل منا فيه شيء من صنع ~~الله منذ بداية خلق آدم، إذن هو بشر مثلنا ويتميز عنا بأن السماء اختارته ~~رسولا. # أما القول بالثالوث. فبعضهم يقول: نقصد بالثالوث ثالوث الصفات. وهل ~~ثالوث الصفات تأتي فيه إضافيات؟. كالقول " بالأب والابن والروح القدس "؟ ~~لن يوجد أب إلا إذا وجد ابن، ولن يوجد ابن إلا إذا وجد أب. إننا نعلم أن ~~هناك ms2317 حقائق ثابتة وهناك حقائق إضافية فالإنسان يكون ابنا وأبا، فهو ابن ~~بالنسبة لوالده، وهو أب بالنسبة لابنه، وكل هذه صفات إضافية، وصفات الحق ~~يفترض فيها أنها تجتمع لا أن تكون إضافية، وعندما يقال: " الأب والابن ~~والروح القدس " فهذا القول لا يحمل صفات إلهية، بل صفات إضافية، وحاول ~~بعضهم أن يقول: " إن فاتحة الكتاب يوجد فيها التثليث لأنكم تقولون بسم ~~الله الرحمن الرحيم، أنتم تفتتحون القرآن بثلاث صفات هي الله والرحمن ~~والرحيم " وقلت لهم: نحن نقول " بسم الله الرحمن الرحيم " ولا نقول " بسم ~~الله والرحمن والرحيم ". وما الذي يجعل الحق ينجب ابنا منذ أكثر من ألف ~~وتسعمائة سنة؟. ثم يترك سبحانه الأزمان السابقة على ميلاد المسيح محرومة ~~من ميلاد ابن له؟. لماذا يترك الله الأزمان كلها بدون ابن لله، ويختص ~~البشرية بابن له منذ حوالي عشرين قرنا فقط؟. ثم ما المدة الزمنية التي ~~شرفها الله بابنه بأن أوجده فيها؟ أتكفي ثلاثة وثلاثون عاما فقط - وهي ~~عمر المسيح - لتشريف البشرية بوجود ابن الله؟. ولماذا يحرم الله - إذن - ~~بقية الأزمان من بدء الخليقة إلى يوم القيامة من هذا الشرف؟. ونسأل أيضا ~~لماذا يريد أي كائن إنجاب ابن؟. إنه يرغب ذلك ليضمن استبقاء الحياة لأن ~~الإنسان يعرف أنه سيموت، والحق سبحانه وتعالى هو الذي خلق الموت والحياة ~~وهو الباقي أبدا، وليس في حاجة لاستبقاء حياته في أحد من البشر. ويؤكد ~~لنا ذلك في سورة الإخلاص. # قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم ~~يولد * ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 1-4] وهم يقولون: " إله واحد " ، ومرة أخرى يقولون: " إله أحد ~~". وواحد لا تساوي " أحد " والدارسون للغة والمنطق يعرفون أن هناك شيئا ~~اسمه " الكل " وشيئا اسمه " الجزء " وشيئا اسمه " الكلي " وشيئا اسمه ~~" الجزئي ". " فالكلي " يطلق على ماله أفراد مثل الإنسان: كخالد ومحمد ~~وعلي، و " الكل " يطلق على ماله أجزاء، مثال ذلك الكرسي نجده مكونا من ~~أشياء كالخشب والغراء والمسامير وغير ذلك من مواد. # فالكرسي - إذن - " كل " لأنه مصنوع من مواد كثيرة. وحقيقة الخشب ~~تختلف ms2318 عن حقيقة المسمار لذلك فالكرسي " كل " لأنه مكون من أشياء كثيرة ~~مختلفة الحقائق. ولا يصح أن نطلق على أي شيء من مكونات الكرسي اسم " كل ~~". فلا نقول: " المسمار كرسي " أو " الخشب كرسي " لأن الكرسي يطلق على ~~مجموع الخشب والمسامير والغراء والطلاء في شكل وترتيب معين. ومثال آخر، ~~كلمة " إنسان " وهي كلمة تطلق على كثيرين، ولأن الحقائق متفقة نطلق على ~~الإنسان كلمة " كلي ". ويصح أن نطلق على أي كائن يتمتع بالصفات المتفق ~~عليها للإنسان لقب إنسان، فنقول محمد إنسان وزيد إنسان، وعلي إنسان. " ~~فالكل " له أجزاء، ولل " كلي " جزئيات، ويكون الكل شيئا واحدا ولكنه ذو ~~أجزاء، فقد يكون عندنا كرسي واحد. ولكن لهذا الكرسي أجزاء. وهل نقول على ~~الحق سبحانه وتعالى: انه " كل " أو " كلي "؟. لا نقول على اسم الحق " كل ~~" أو " كلي " لأنه اسم لا يطلق على كثيرين فليس كليا لأنه واحد، وليس له ~~أجزاء لأنه أحد، وليس له أفراد لأنه واحد. فلا يقال لله سبحانه وتعالى " ~~كل " أو " جزء " أو " كلي " أو " جزئي " ، فلو كان كليا لكان - كما ~~قلنا - له أفراد ولو كان " كلا " لكان له أجزاء، ولكن الله واحد لا ~~أفراد له، وأحد لا أجزاء له. ولذلك يرد القرآن على أي قائل بغير هذا، ~~فيقول: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] ويقول أيضا: # وإلهكم إله واحد # [البقرة: 163] وقد قلت كل ذلك لنفهم قوله الحق: # يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن ~~مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ~~ثلاثة انتهوا خيرا # [النساء: 171] وقوله الحق: " انتهوا " أي اقضوا على كلمات الباطل، و " ~~خيرا لكم " أي تمسكوا بكلمات الحق، وفي قوله: { انتهوا خيرا ~~لكم } تخلية وإبعاد لكلمات الباطل، نأخذ ذلك من قوله: انتهوا وتحلية ~~لكلمات الحق ونأخذها من قوله - سبحانه -: { خيرا لكم }. ويقول ~~الحق: { إنما الله إله واحد } أي أنه سبحانه لا أفراد له، ~~ويضيف: { سبحانه أن يكون له ولد } ، وساعة نسمع كلمة " ~~سبحانه " فلنفهم ms2319 أنها تنزيه للذات الخالقة. ولذلك نجد كلمة " سبحانه " ~~تأتي في الأمور العجيبة التي يقف فيها العقل، وعلى الرغم من وجود كفار في ~~هذا الوجود، وعلى الرغم من وجود مجترئين على الله في هذا العالم، وعلى ~~الرغم من وجود من ينعتون البشر بألفاظ الألوهية، إلا أن إنسانا واحدا ~~لم يجترئ على أن يقول لمخلوق كلمة: " سبحانك " ، ولذلك نقول لله عز وجل " ~~سبحانك أيضا في سبحانك ". # كذلك لم نجد أحدا من أي ملة أو عقيدة أو دين قد سمى نفسه باسم " الله " ~~، وهو سبحانه يتحدى به حتى الكفرة والملاحدة أن يسمى هذا الاسم لمسمى أي ~~مسمى. وبالله هل يوجد واحد من المتبجحين الكافرين يسمي ابنا له " الله ~~"؟. حتى هذه لم توجد لأن هذا الكافر غير واثق أنه على حق. ومن الجائز أن ~~يفعل ذلك فتحدث له كارثة. ولو كان هناك كافر واحد مؤمن بما يقول بأنه لا ~~إله لهذا الكون لسمى ابنا له " الله ". لكن أحدا لا يجترئ على هذه: # هل تعلم له سميا # [مريم: 65] وكان هذا التحدي موجودا من قبل أن تنزل هذه الآية. فماذا عن ~~الذي جاء بعدها بزمن؟ وهل اجترأ أحد على أن يسمي ابنا له " الله "؟ لم ~~يجترئ أحد على هذه أيضا على الرغم من أنهم يسمون بكل شيء وكان عندنا في ~~القرية واحد أطلق على ابنته اسما طويلا عجيبا. لقد سماها " ورد انتشي ~~في دندشة روح الفؤاد والملك وفا " وهو حر في ذلك، لكن لم يجرؤ أحد على ~~الإطلاق أن يسمي ابنه " الله " ، وهذا دليل على أن الملاحدة والكفار على ~~باطل. ويخاف أي منهم أن يجترئ على هذه المسألة، ويتحدى الحق بسبحانك ~~ويتحدى بالذات " الله " ، ولذلك فليقل كل واحد " سبحانك " وهو مطمئن، " ~~ولا تقال إلا لك " ، واستقرئوا وتتبعوا المدائح التي قيلت للناس جميعا، ~~أقال واحد من البشر لواحد من البشر " سبحانك "؟ ما قالها أحد قط. وهكذا ~~يتحكم الله في أمر للإنسان اختيار فيه، ولا يجرؤ إنسان على إطلاق هذه ~~الأسماء على أحد من البشر. { إنما الله إله ms2320 واحد ~~سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما ~~في الأرض } و " الولد " كما نعلم يكون مما في السماوات أو مما في ~~الأرض فكيف يكون له وملكه، وهو ابنه؟ إن هذا الادعاء لا يستقيم أبدا، ~~ولذلك يذيل الحق الآية: { وكفى بالله وكيلا }. ويقول الحق بعد ~~ذلك: { لن يستنكف المسيح... }. ### || [4.172] # مصدر الشرف للإنسان أن يحس ويشعر بتجلي الله عليه بعبوديته له، وسبحانه ~~عندما أراد أن يتجلى على نبينا الخاتم صلى الله عليه وسلم ويسري به إلى ~~المسجد الأقصى قال: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله # [الإسراء: 1] ولم يقل: " سبحان الذي أسرى برسوله " ولكنه قال: { ~~سبحان الذي أسرى بعبده } لأن " العبودية " عطاء علوي من ~~الله، فكأن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم عندما تناهى في العبودية لله ~~نال تناهي الخير، فمن إذن يستنكف أن يكون عبدا لله؟ لا يستنكف المسيح ~~ذلك، وكذلك الملائكة لا تستنكف أن تكون عبيدا لله. { ولا ~~الملائكة المقربون } ويسمون ذلك ارتقاء في النفي، مثلما ~~يقول فلاح: لا يستطيع شيخ الخفر أن يقف أمامي ولا العمدة. إذن فالملائكة ~~في الخلق أحسن من البشر. ولذلك قال الحق: { لن يستنكف المسيح ~~أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون } وقال ~~بعض العلماء: إن خواص البشر أفضل من خواص الملائكة، وعوام الملائكة أفضل ~~من عوام البشر والأصل في اللغات أن توضع الألفاظ أولا لمحسات، ثم تنتقل ~~من المحسات إلى المعنويات لأن إلف الإنسان في أول تكوين المدركات له ~~إنما يكون بالحس، كما قال الحق: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78] إذن مادام سبحانه قد قال: { لا تعلمون شيئا } ~~فالذي يأتي من بعدها إنما يأتي كوسيلة للعلم، وهي حواس السمع والإبصار ~~والقدرة على تكوين الخبرة. ومثال ذلك عندما ندرس في الفقه موضوع الغصب. ~~والغصب هو أن يأخذ أحد حق غيره قهرا وعلانية، وهو غير السرقة التي ~~يأخذها السارق خفية. وغير الخطف لأن الخطف ms2321 هو أن تمتد يد لتشد شيئا من ~~أمام صاحبه ويجري الخاطف بعيدا، أما الغصب فهو الأخذ عنوة. وكلها - ~~الغصب، والسرقة، والخطف - هي أخذ لغير الحق، والغصب مأخوذ من أمر حسي هو ~~سلخ الجلد عن الشاة. وسمي أخذ الحق من صاحبه غصبا، كأنه أخذ للجلد. ~~ونقل المعنى من المحسات إلى المعنويات. وفي الآية التي نحن بصددها ~~يقول الحق: { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون }. و " يستنكف " مثلها مثل " ~~يستفهم " ، ومثل " يستخرج ". إذن فهناك مادة اسمها " نكف " ، و " ~~النكف " عملية حسية تتمثل في أن يزيل الإنسان دمعة العين بأصبعه. ~~ولنفرض أن إنسانا يعلم أن له كرامة في البيت وجاء له ظرف نفسي جعله ~~يبكي، فدخل عليه ابنه أو زوجته، فهو يحاول إزالة الدمع بأصبعه. " واستنكف ~~" معناها أزال " النكف ". # والنكف معناه أن يزيل الدمع بأصبعه. وإزالة الدمع بالأصبع تعني أن صاحب ~~الدمع يستكبر أن يراه أحد باكيا لأنه مقهور على أمر قد كان، وهذه ~~العملية لا تحدث إلا عندما يريد الإنسان أن يستر بكاءه عن أحد. وانتقلت ~~هذه الكلمة من المعنى الحسي إلى أي مجال فيه استعلاء، مثلما يستنكف ~~إنسان أن يسير في طريق إنسان آخر، أو أن يجلس مع آخر، أو يجلس في مقعد ~~أقل من مقعد آخر. ويشرح ذلك المعنى الدارج بأن المسيح لا يجد غضاضة أن ~~كان عبدا لله، ولا يستكبر على ذلك بل هو يشرف به. والملائكة المقربون ~~أيضا تشرف بهذا الأمر، والملائكة المقربون هم الذين لا يعلمون شيئا عن ~~هذا العالم وليس لهم عمل إلا التسبيح لله لأنهم عرفوا العبودية لله. وهي ~~عبودية ليست لمن يستذل، لكنها لمن يعز، وليست عبودية للذي يأخذ ~~ولكنها للذي يعطي. والذي يستنكف من ذلك لا يعرف قيمة العبودية لله لذلك ~~لا يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله، ولا الملائكة المقربون. ويضيف الحق: ~~{ ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم ~~إليه جميعا } المستنكفون أو الذين على طريقة الاستنكاف، ومن يشجعهم ~~على ذلك، كل هؤلاء يصيرون إلى جهنم. ويقول الحق بعد ms2322 ذلك: { فأما ~~الذين آمنوا... }. ### || [4.173] # لماذا لم يأت الله بشرط الآية الثاني الذي يتحدث عن المستنكفين ~~والمستكبرين مقدما على شطر الآية الأول؟. ولماذا لم يواصل الحديث عن ~~الذين استنكفوا واستكبروا ليستكمل ما جاء بشأنهم في الآية السابقة ويبين ~~كيف أن مصيرهم إلى العذاب حيث لا يجدون من دون الله وليا ولا نصيرا، ثم ~~بعد ذلك يحدثنا عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات؟. ذلك أن الحق ساعة يتكلم ~~عن جماعة خرجت عن المنهج فهو لا يمنحهم ثواب هؤلاء الذين لم يخرجوا عن ~~المنهج، فيأتي أولا بثواب الطائعين ليستشرف إليه الخارجون عن طاعة ~~الله، ثم يحرمهم من هذا الثواب لتكون حسرة الخارجين عن المنهج أشد. " ~~والضد يظهر حسنه الضد ". لقد قال الحق: { فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله } ونعلم أن الأجر على العمل. لماذا الفضل إذن؟. لقد عرفنا من ~~قبل أن العمل جاء فيه حديث شريف: # " لن يدخل أحدا عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: لا، ~~ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة، فسددوا وقاربوا ولا يتمنين ~~أحدكم الموت، إما محسنا فلعله أن يزداد خيرا، وإما مسيئا فلعله أن يستعتب ~~" # والحق قد قال: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا # [يونس: 58] وفطن الناس إلى ذلك فقالوا: " اللهم بالفضل لا بالعدل " لأن ~~الفضل هو الذي يعطينا المنازل المتميزة، وقد يضيعنا العدل. ويقول الحق ~~مرة أخرى عن هؤلاء الذين استنكفوا واستكبروا: { فأما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ~~ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا ~~واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون ~~لهم من دون الله وليا ولا نصيرا } أي أنهم لن يجدوا ~~من يشفع لهم عند الله، ولا من ينصرهم ولا أحد بقادر أن يرد عنهم العذاب. ~~وبعد ذلك يقول الحق: { يا أيها الناس... }. ### || [4.174] # والبرهان هو الإعجاز الدال على صدق المبلغ الأخير عن الله، وهو الحجة ~~الدامغة. وقد يقول قائل: ما هو البرهان وما هو النور؟. ونعلم أن كل رسول ~~يأتي بمعجزة تثبت صدق بلاغه عن ربه قد ms2323 تكون المعجزة بعيدة عن المنهج، ثم ~~يعطيهم الرسول المنهج ببلاغ من الله مثال ذلك أن معجزة سيدنا موسى كانت ~~العصا لكن منهجه هو التوراة. إذن فالمعجزة هي البرهان على صدق الرسول ~~فيما بلغ عن ربه، وقد لا يكون للمعجزة صلة بالمنهج، فعيسى عليه السلام ~~كانت معجزته إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ومنهجه ~~الإنجيل. اما رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وهو النبي الخاتم فقد تجلت ~~معجزته في أنها عين منهجه، إنها القرآن ولم تنفصل المعجزة عن المنهج ~~لأنه رسول عام إلى الناس كافة وإلى أن تقوم الساعة. هذا هو البرهان. أما ~~" النور " فقد جاء أيضا من أمر حسي لأن النور يمنع الإنسان من أن يتعثر ~~في مشيته أو أن يخطئ الطريق أو أن يصطدم بالأشياء فيؤذيها أو تؤذيه. إذن ~~النور الموجود في القرآن هو حقائق القيم، أما نور الله في الماديات فهو ~~أمر معروف للكافة. ومن بعد ذلك يقول الحق: { فأما الذين ~~آمنوا... }. ### || [4.175] # لقد آمنوا بالله واعتصموا به، ما معنى الاعتصام؟. قديما كان الرجل ~~عندما يقع في هوة يصرخ ليحذبه إنسان خارج الهوة بيده، وهذا هو الأصل في ~~الاعتصام، أي يستمسك الإنسان بمن ينقذه من هاوية أو كارثة، والحق يعطي ~~الأسباب، فإذا جاءت الشمس وسار فيها إنسان فقد أعطاه الله الشجرة ليستظل ~~بها. وإذا ما نزل المطر فيمكن أن نستتر منه بمظلة، وإذا عطش إنسان فالله ~~يعطيه سببا ليأخذ كوب ماء، والعاقل هو الذي يذكر عند كل سبب من أوجد ~~السبب. فإياك أيها المؤمن أن تغتر بالأسباب لأن عدم الاغترار بالأسباب ~~يحمي الإنسان. فعندما تأتيه أمور في ظاهرها شر، فمادام مجريها عليك هو ~~الله فهي خير بالتأكيد، لكنك لا تعلم. وما أضل علم الإنسان في كثير من ~~المسائل فالإنسان قد يحسب أمرا أنه هو الحسن، فيظهر له بعد حين أنه ~~السوء، وقد يعتبر إنسان أمرا هو السيئ، فيظهر له بعد حين أنه الحسن، ولا ~~يوجد واحد منا إلا وفي حياته أشياء كان يظنها خيرا فإذا بها شر، ms2324 أو كان ~~يظنها شرا فإذا بها خير. والشر هو ما يأتيه الإنسان لنفسه بعمله، أما ~~الأمور التي تقع على الإنسان فحكمتها تمشي على مقتضى علم الله لا على ~~مقتضى هوى البشر. إننا نجد من يقول: إنني أدعو الله بكذا ولا يستجيب لي. ~~ونقول: إنك تدعو بأشياء تظنها الخير لك لكن الله يعلم أن هذه الأشياء ~~ليست هي الخير لذلك لا يعطيها لك، فإن كنت مؤمنا بالله ومعتصما به فأنت ~~تهمس لنفسك: ألي في هذا الأمر مدخل أم لا مدخل لي فيه؟. فإذا كان لك ~~فيه مدخل فاللوم على نفسك. وإن كان الله قد أجراه عليك فهو خير لك ولله ~~حكمة في ذلك. # وحظي من الدنيا سواء لأنني # رضيت بحكم الله في العسر واليسر # فإن أقبلت كان الجزاء على النجا # وإن أدبرت كان الجزاء على الصبر # { فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ~~فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه ~~صراطا مستقيما }. وماداموا قد آمنوا بالله واعتصموا بالله ~~واعتصموا به فسيهديهم صراطه المستقيم، وعاقبة الهداية وثمرتها فسرها ~~وبينها قوله الحق: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17] وقال لنا الرسول صلى الله عليه وسلم: # " من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم " # أي يصير مأمونا على العلم لأن العلم الذي أخذه عن الله وظفه في خدمة ~~غيره، ولم يدخره أو يعطله. ويختتم الحق سبحانه وتعالى سورة النساء بقوله: ~~{ يستفتونك قل الله يفتيكم... }. ### || [4.176] # والاستفتاء هو طلب الفتيا. ومعناها إرادة معرفة حكم شرعي لله في أمر لا ~~يجد السائل علما له فيه. وكان الصحابة يستفتون رسول الله، مع أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال لهم: # " ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء ~~فدعوه " # وجاء القرآن في كثير من الآيات ب " يسألونك ". كأن الحق يعلمنا أن ~~الصحابة أرادوا أن يثبتوا أنهم أحبوا منهج الله فأرادوا أن يبنوا حياتهم ~~كلها على منهج الله، ولو كانوا قد ms2325 كرهوا منهج الله لما سألوا، لقد وجدوا ~~أن الإسلام قد جاء، ووجد أشياء في الجاهلية وأقرها، ووجد أشياء قام ~~بتغييرها ولم يرد الصحابة أن يصنعوا الأشياء على أنها امتداد لصنع ~~الجاهلية، بل أرادوا أن يصنعوها على أنها حكم للإسلام لذلك جاءت أسئلتهم ~~الكثيرة. والفتوى تكون في حكم. والسؤال يكون في حكم وفي غير حكم. وهم ~~يطلبون الفتوى في الكلالة، ودقة القرآن في إيجاز السؤال: { ~~يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } وقد تقدم ~~من قبل الحديث عن الكلالة: # وإن كان رجل يورث كلالة # [النساء: 12] إلا أن الذي تقدم هناك كان عن الصلة من ناحية الأم، وسؤال ~~جابر بن عبدالله كان عن الصلة من ناحية الأب. فعن جابر بن عبدالله - رضي ~~الله عنه - قال: " مرضت مرضا فأتاني النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو ~~بكر وهما ماشيان فوجداني أغمي علي، فتوضا النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ثم صب وضوءه علي فأفقت فإذا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت يا ~~رسول الله كيف أصنع في مالي؟ كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت ~~آية الميراث ". وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد فقلت: إنه لا يرثني إلا ~~كلالة، فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض. وبعض العلماء قال: إن كلمة ~~" كلالة " مأخوذة من كلال التعب لأن الكلالة في الشرع هو من ليس له ولد ~~ولا والد، والإنسان بين حياتين حياة يعولها والد، وعندما يكبر ويضعف تصير ~~حياته يعولها ولد لذلك فالذي ليس له والد ولا ولد يعيش مرهقا فليس له ~~والد سبق بالرعاية، وليس له ولد يحمله في الكبر لذا سمي بالكلالة. وبعضهم ~~قال: إنها من الإكليل أي التاج. وهو محيط بالرأس من جوانبه والمقصود به ~~الأقارب المحيطون بالإنسان وليس لهم به صلة أعلى أي من الآباء، أو من ~~أدنى أي من الأبناء. { إن امرؤ هلك ليس له ولد وله ~~أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن ~~لهآ ولد } أي أن الكلالة هي أن يموت أحد وله أخت شقيقة أو أخت ms2326 من ~~أب فهي ترث النصف وإذا ماتت هذه الأخت فالأخ يرثها سواء أكان شقيقا أم ~~أخا لأب. # وإن ترك الرجل الكلال أختين أو أكثر فلهما الثلثان مما ترك ذلك الأخ. ~~وإن كان له إخوة من رجال ونساء، فها هوذا قول الحق: { وإن كانوا ~~إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل حظ الأنثيين ~~}. أي أن للذكر من الإخوة مثل حظ الأنثيين. ويختم الحق الآية: { ~~يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء ~~عليم }. أي أنه الحق يبين أحكامه خشية أن يصيب القوم الضلال. وقد علم ~~سبحانه أزلا بكل سلوك، وكل خافية، وهو العليم أبدا بما ينفع الناس ~~جميعا. وبذلك انتهينا بعون الله من خواطرنا في سورة النساء. ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # البداية - إذن - عن ضرورة الوفاء بالعقود وتحليل تناول بهيمة الأنعام ~~كطعام. وسورة المائدة - كما نعلم - جاءت في الترتيب المصحفي بعد سورة ~~النساء التي تتضمن الكثير من العقود الإيمانية فقد تضمنت سورة النساء ~~عقود الإنكاح والصداق والوصية والدين والميراث، وكلها أحكام لعقود، ~~فكأن الحق سبحانه وتعالى من بعد سورة النساء يقول لنا: لقد عرفتم ما في ~~سورة النساء من عقود، فحافظوا عليها وأوفوا بها. ونلحظ أن سورة البقرة ~~جاءت بعدها سورة آل عمران، وفي كلتيهما حديث عن الماديين من اليهود، ~~وسورة النساء والمائدة تواجه أيضا المجتمع المدني بالمدينة بعد أن كان ~~القرآن بمكة يواجه مسألة تربية وغرس العقيدة الإلهية الواحدة والنبوات. ~~وقد خدمت سورة البقرة وسورة آل عمران مسألة العقيدة المنهجية والأنبياء، ~~وسورة النساء تتضمن حسم العقيدة الحكمية. وها نحن أولاء أمام سورة ~~المائدة التي يقول فيها الحق: { يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود } والحق يخاطب المؤمنين بالاسم الموصول، ولم يقل: ~~" يا أيها المؤمنون " ، وهذا يدل على أن الإيمان ليس أمرا عابرا يمر ~~بالإنسان فترة من الزمن ولكن الإيمان يتجدد بتجدد الفعل حتى ينفذ المؤمن ~~الأحكام التي جاء بها العقد الإيماني. وحين يتوجه الحق بخطابه للذين ~~آمنوا، إنما يؤكد لنا أنه لا يقتحم على أحد حياته ليكلفه، وإن كان سبحانه ~~كرب للعالمين قد ms2327 خلق الخلق وأوجد الوجود وسخره للخلق. الله - سبحانه ~~وتعالى - لم يستخدم هذا الحق ليأمر البشر بالإيمان، بل دعا الناس جميعا ~~أولا إلى الإيمان، فمن آمن ينزل إليه التشريف بالتكليف ويكون القول ~~الحق: { يا أيها الذين آمنوا } أي يا من آمنتم بالله إلها. ~~والإله لابد له من صفات تناسب الألوهية، كطلاقة القدرة والجاه والحكمة ~~والقهر. وسبحانه لا يكلف من لم يؤمن به، بل يدعو من لم يؤمن إلى ~~الإيمان، ولذلك نجد أن كل آيات الأحكام تبدأ بالقول الحق: { يأيها ~~الذين آمنوا كتب عليكم } لأن لكل إيمان تبعة. { يا ~~أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } ونعرف أن اللغة ~~بها أسرة ألفاظ ف " أوفوا " على سبيل المثال فيها " وفى ". والمصارع هو ~~" يفي " ، وفي أفعالها " أوفى " و " وفى " ، حسب المراحل المختلفة قوة ~~وضعفا وكثرة وقلة، مثال ذلك قوله الحق: # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37] وقد قام سيدنا إبراهيم عليه السلام بالكثير من الإنجاز: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124] ولا بد أن يكون قوله الحق: { وإبراهيم الذي ~~وفى } شرحا لما قام به إبراهيم من مواجهة الابتلاء، فالتوفية هي ~~الإتمام. والحق يقول: { يا أيها الذين آمنوا أوفوا ~~بالعقود } أي عليكم يا من آمنتم بالله أن تتموا العقود. # والتمام إما أن ينطلق إلى الأفراد ويشملها فلا ينقص فرد، وإما أن يلتفت ~~إلى الكيفيات فلا تختل كيفية، هذا هو التمام. وقد يأتي إنسان بكل فصول ~~الكتاب ويقرأها، فيكون قد وفى قراءة كل الأجزاء، ولكن الحق يريد أن يتقن ~~الإنسان تنفيذ كل جزئية في كتاب التكليف. وسبحانه طلب منا أن نشهد أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن نقيم الصلاة وأن نؤتي الزكاة وأن ~~نصوم رمضان وأن نحج البيت إن استطعنا إلى ذلك سبيلا، وقد يؤدي شخص كل هذه ~~الأعمال وبذلك يكون قد قام بآداء التكليف، لكن هناك إنسان آخر يؤدي كل ~~جزئية بتمامها فلا يختصر شيئا منها بل إنه يوفيها بلا تدليس. والحق هنا ~~يخاطب المؤمنين: { يا أيها الذين آمنوا أوفوا ~~بالعقود } أي أننا أمام ms2328 " إيمان " و " عقد ". وشرحنا معنى الإيمان، ~~أما العقد فهو العلاقة الموثقة بين طرفين، وعلى كل طرف أن يلتزم بما عليه ~~وأن يأخذ ما له. وسمي العقد عقدا لأن العقد هو الربط، أي شيء لا ينحل من ~~بعد ذلك. ولذلك نسمي ما يستقر في مواجيد الناس ونفوسهم " عقيدة ". لأنها ~~الأمر المعقود، وليس الأمر الطارئ الذي يأتي اليوم وينتهي غدا. والشيء ~~المعقود في نظر الفقه هو الأمر الذي لا يطفو إلى العقل ليبحث من جديد، ~~بل إنه مستقر وثابت في القلب. ويأمر سبحانه بالوفاء بالعقود. والعقود - ~~كما نعلم - هي جمع ل " عقد " وبالإسلام عقود كثيرة، تبدأ بالعقد الأول ~~وهو عقد الذر: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى # [الأعراف: 172] ويريد سبحانه الوفاء بهذا العهد الأول فلا يأتي الإنسان ~~ساعة التطبيق ويفر منها، ثم نأتي إلى عهد الاستخلاف في الأرض وبه استخلف ~~فيها آدم وذريته من بعده، وإياك أن تظن أنك الأصيل في الكون حين تدوم لك ~~الأسباب وتدين لك بعض الوقت. لا تظن أن الأشياء قد دانت لك بمهارتك أنت ~~فقط، وحين تبذر البذور في الأرض وتروي الأرض فاعلم أن الزرع ينبت بتسخير ~~الله أرضه لك. وإياك من الظن لحظة تركب المهر أنك الخيال الفارس الذي ~~روض المهر، لا، إنه تسخير الحق للفرس. ونجد الفرس في بعض الأحايين يجمح ~~ليقع الفارس من فوق ظهره، لعلنا ننتبه إلى الجزئية التي لا يصح أن تغيب ~~عنا، فلو لم يذلل الله الخيل لنا لما استطعنا أن نركبها. # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 71-72] وعلى المؤمن أن يتذكر أيضا أن الحق سبحانه ذلل الجمل ~~لصاحبه، وجعل الطفل الصغير يأمر الجمل فيرقد على الأرض ليضع عليه الأحمال ~~الثقيلة، ويأمره فيقوم. # أما إن واجه الثعبان أو الحية فهو لا يجرؤ على تذليلهما، وهذا لفت من ~~الحق للخلق لقدرته المطلقة فقد ذلل لهم الكبير، وأفزعهم أضعاف ms2329 ذلك من ~~الثعبان ذي الجسم الصغير. # وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 72] ومن التذليل يأتي رضوخ بقية الكائنات للإنسان فالحمار عند ~~الفلاح يحمل السماد للأرض من بقايا فضلات الإنسان والحيوان، ولا ينطق ~~الحمار معترضا، ويأتي الفلاح ليرتقي في حياته ويصير شيخا للخفر، فيأمر ~~أن يستحم الحمار، ويشتري له السرج ليركبه وهو ذاهب للقاء المأمور في ~~المركز، ولم يعص الحمار في الحالتين. إنه التذليل. إياك أن تظن أن مهارتك ~~وحدها أيها الإنسان هي التي ذللت لك الكائنات، فلو اعتمد الأمر على ~~المهارة وحدها، لذلل الإنسان البرغوث الصغير الذي يهاجمه في أي وقت، وقد ~~يفزعك ذلك البرغوث الصغير طوال الليل. وقد تسهر أسرة بأكملها من أجل قتل ~~برغوث واحد. # ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73] ولذلك أمرنا الحق أن نقول قبل البدء في أي عمل " بسم الله ~~الرحمن الرحيم ". وإياك أن تقبل على العمل بقوتك وحدها. فالعمل إنما ~~ينفعل لك لأنه سبحانه قد أخضعه لك. وأنت تبدأ العمل باسم الله لأنه ~~سبحانه الذي استخلفك وأخضع لك الكائنات المذللة. ثم هناك ذلك العهد الذي ~~قال فيه الحق لآدم: # فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى # [طه: 123] والعهد الذي قال فيه الحق: # فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 38] وهذا عهد لكل البشر، والمسلمون عاهدوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في العقبة بأن ينصروه ويمنعوا عنه ما يمنعون عن أنفسهم. ~~وعاهدوا الرسول في الحديبية. إن الحق سبحانه يأمر بالوفاء بكل العقود، ~~وكل ما نتج عن قمة العقائد وهو الإيمان بالله فما جاء من الله الذي آمنت ~~به يعتبر عقدا أنت شريك فيه، لأن العقد يكون دائما بين طرفين، ولم ~~يرغم الله أحدا على الإيمان به، ولكن الإنسان يؤمن بالله اختيارا. ~~ومادام المؤمن قد آمن بالله من طوع اختياره، فلا بد أن يتبع منهجه. ومن ~~آمن هو الذي يذهب إلى الحق قائلا: يارب إن ما تأمر به سأفعله. وهذا ~~اعتراف بالعقد. وكتابة أي عقد إيماني هو تنفيذ لهذا العقد والتوقيع مع ~~الله، ms2330 وبذلك يشترك العبد مع الله في هذا التعاقد لأن إيمان العبد بالله ~~يجعله طرفا في العقد. والإله يشرع له، وينفذ العبد التشريع ليتلقى ~~الجزاء الأوفى. العقد إذن قد يكون بين العبد وربه، أو بين العبد وخلق ~~الله المساوين له، أو بين العبد ونفسه، لكنهم أطلقوا على العقد الذي بين ~~الإنسان ونفسه اسما هو " العهد " وهو النذر، كأن ينذر العبد الصيام أو ~~الصلاة، ويجب على العبد تنفيذ ما نذر به مادام عاهد الله على ذلك. # والعقد الذي بين العبد وغيره من البشر وكذلك العقد بينه وبين نفسه إنما ~~ينبعان من العقد الأساسي وهو العقد الأول.. إنه الإيمان بالله. إذن فقول ~~الحق: { أوفوا بالعقود } أي نفذوا ما أمر الله به حلالا، ~~وامتنعوا عن الشيء الذي جعله الحق حراما. ولا داعي - إذن - للاختلاف في ~~معنى " العقود " والتساؤل: هل هي العقود التي بين العبد وربه، أو بين ~~العبد والناس، أو بين العبد ونفسه، فكل ما نبع من العقد القمة هو عقد على ~~المؤمن وإلزام عليه أن يوفي به. { يا أيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام } سبحانه ~~يستهل السورة بالوفاء بالعقود، ثم إعلان تحليل بهيمة الأنعام. ونعرف أن ~~الإنسان قد طرأ على الكون، وأنه سبحانه قد خلق الكون أولا. ثم خلق ~~الإنسان فيه، وهذا من رحمة الله بالإنسان فلم يخلق الإنسان أولا، بل خلق ~~له الشمس وأعد الكون قبل أن يخلق الإنسان، وحين طرأ الإنسان على الكون ~~وجد فيه قوام الحياة من الجماد ومن النبات ومن الحيوان. وقمة المسخرات ~~للإنسان هي الحيوان لأن الجماد والنبات يخدمان الحيوان، ويشترك الحيوان ~~مع الإنسان في أن له حياة ودماء وجوارح. وجاء الحق هنا بالإعلان عن أعلى ~~المنزلة في خدمة الإنسان وهو بهيمة الأنعام { أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام } ويأمرنا بأن نوفي بالعقود، وله سبحانه وتعالى كل الحق فقد ~~قدم لنا الثمن بخلق الكون مسخرا لنا وقمة المخلوقات المسخرة هي الأنعام. ~~كأن { أحلت لكم بهيمة الأنعام } حيثية مقدمة من الحق. ~~ونلحظ أنه جاء هنا بصيغة المبنى للمجهول ms2331 في " أحلت " لأن الإيمان جعلنا ~~طرفا في أن تكون بهيمة الأنعام حلا لنا. ووقف العلماء عند " بهيمة ~~الأنعام ". وفي اللغة العربية نجد صيغة " فعيل " التي تأتي بمعنى " فاعل ~~" وتأتي بمعنى " مفعول " ، مثلما نقول " الله رحيم " أي أنه راحم هو " ~~فاعل " ، ونقول " فلان قتيل " أي مقتول أي مفعول به. و " بهيمة الأنعام " ~~هنا تأتي بأي معنى، أهي بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول؟، و " بهيمة " إن ~~نظرنا إلى أنها مبهمة لأن أمورها مجهولة يصعب إدراكها علينا ولا نعرف ~~حركتها أو إشارتها أو لغاتها التي تتفاهم بها فتكون فعيلة بمعنى مفعولة. ~~وتصلح أن تكون فعيلة بمعنى فاعل لأنها لا تفهم، ونحن المبهمون عليها. ~~ونقول: هي محكومة بالتسخير. ولم يصنف الإنسان طعامها وهو العلف إلا بعد ~~أن رآها وهي سائبة حرة تتجه إلى العلف لتأكله، إذن فهي التي علمت الإنسان ~~صنف طعامها. فلا يقولن إنسان: إنها بهيمة لا تفهم، وليعرف أنها لم تخلق ~~لتفهم مسائل الإنسان، لأنها مسخرة له وقد يتعلم هو منها. # ودليلنا أن الله امتن على بعض المصطفين من خلقه بأن علمهم منطق الطير، ~~فقد حز في نفس الهدهد أن رأى ملكة سبأ وقومها يسجدون للشمس من دون الله، ~~وهو الطائر فقد فهم أن السجود لا يكون إلا لله الواحد القهار لا للشمس، ~~وهكذا نرى الإنسان يتعلم الكثير من أخلاق الحيوانات وعاداتها ولذلك نجد ~~هواة تربية الحيوانات يتعرفون على طعام هذه الحيوانات بعد أن يتتبعوها ~~ويعرفوا ماذا تأكل، وعن أي شي تبتعد، والفلاح يقدم البرسيم للجاموس ولا ~~يقدم له النعناع لأنه رأى الجاموس وهو حر لا يأكل النعناع بل يأكل ~~البرسيم، وقال الحق على لسان النمل: # ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده # [النمل: 18] نحن إذن الذين لا نفهم لغة النمل، ونجد البهيمة محكومة ~~بالغريزة، لكن الإنسان يملك العقل، لكنه يغطي عقله بالهوى. وقول الله: { ~~أحلت لكم } دليل على أن الذي أحلها، جعل التحليل لها في التسخير ~~بدليل أن الحبل إن التف حول رقبة جاموسة أو رقبة خروف وقبل أن يختنق نجد ~~الحيوان ms2332 يمد رقبته، فيقول الناس: لقد طلب الحلال، فنادوا الجزار. وكأنه - ~~وهو الحيوان - يطلب الذبح لينتفع الناس به، وكأنه يحس بالخسارة إن ضاع ~~لحمه بلا فائدة، وهذا دليل على أنه مذلل، أما الحيوان غير المحلل فمن ~~العجيب أنه لو حدث معه ذلك لما مد رقبته. والأنعام هي المذكورة في قوله ~~الحق: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين # [الأنعام: 143] وكذلك قول الرحمن: # ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين # [الأنعام: 144] إنها ثمانية أزواج ثم ألحق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الظباء وحمر الوحش، ولم يحرم إلا كل ذي ذنب كالسباع وكل ذي مخلب من ~~الطير، ولو لم يقيد الله هذا التحليل لانصرف بدون قيد، ولأسأنا إلى ~~أنفسنا بأكل الميتة والموقوذة والمتردية، ولكن الحق أنقذنا من ذلك وحرم ~~علينا تلك الأشياء الضارة. { يا أيها الذين آمنوا أوفوا ~~بالعقود } إذن فمن حق الله عليكم أيها المؤمنون أن توفوا بالعقود ~~لأنه قدم لكم الكون بكل أجناسه وكل عناصره لخدمتكم. وأحل أقرب الأجناس ~~إلى الإنسان لما فيه من حياة وحس وحركة، فيقول: { غير محلي ~~الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد } ولو ~~لم يضع الحق ذلك التشريع لأكل الإنسان - وهو محرم - بهيمة الأنعام، ~~وقد حرم سبحانه الصيد في اثناء الإحرام، وكذلك في حمى الحرم. والحرم - ~~كما نعلم - مركزه الكعبة، وحول الكعبة المسجد. وتختلف مناطق الإحرام ~~وتسمى الميقات المكاني، فالميقات المكاني للحج والعمرة لمن كان خارج ~~الحرم ذو الحليفة وذلك للمتوجه من المدينة وهي آبار علي، والجحفة وهي ~~الآن رابغ للمتوجه من مصر والشام المغرب، ويلملم للمتوجه من تهامة، ~~وقرن المنازل للمتوجه من نجد اليمن ونجد الحجاز، وذات عرق للمتوجه من ~~المشرق والعراق وغيره. # أما الميقات المكاني للحج لمن بمكة فهو مكة نفسها، أما ميقات العمرة ~~المكاني لمن بالحرم فهو الخروج لأدنى الحل وهي الجعرانة ثم التنعيم مسجد ~~عائشة ثم الحديبية. والميقات الزماني للحج شوال وذو القعدة وعشر ليال من ~~ذي الحجة، أما ميقات العمرة الزماني فهو جميع السنة إلا إذا كان محرما ~~بحج ms2333 أو بعمرة أخرى أو كان ذلك قبل النفر لانشغاله بالرمي والمبيت فيمتنع ~~الإحرام بها. والتنعيم والجعرانة والحديبية، تلك هي حدود الحرم. والصيد ~~في حدود الحرم حرام، وفي كل زمان وعلى كل إنسان، أما في غير الحرم، ~~فالصيد حرام لمن كان محرما فقط، وغير المحرم من حقه الصيد. وبذلك يؤدب ~~الحق سبحانه وتعالى خلقه ويجعلهم على ذكر دائم للمنهج فيأتي لهم في مكان ~~ويقول لهم: الصيد محرم في هذا المكان، والطعام والشراب محرم في هذا ~~الزمان كصوم رمضان. وعدة الشهور عندنا كمسلمين اثنا عشر شهرا. أربعة منها ~~حرم. ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب. وفي الميقات يحرم الصيد على ~~الحاج فقط، وهذا انضباط إيماني. وعندما يأتي الإنسان إلى الميقات فهو ~~يحرم، أي يغير وضعه ويلبس لباسا خاصا بالحج، يلبسه كل الناس ليكون الكل ~~سواسية لأن الناس إنما يميزون بهندامهم وهيئاتهم، فيأمر سبحانه أن يطرح ~~الإنسان هذا التمايز من فور الإحرام. وما كان من الحلال أن يفعله المسلم ~~قبل الميقات وقد منعه الإسلام منه لا يجرؤ على أن يفعله بعد الميقات ~~والإحرام. ويستطيع المسلم قبل الميقات أن يحلق ويتطيب ويصطاد ويقطع من ~~النبات لكنه ما إن يبدأ الإحرام يمتنع عن ذلك حتى يستعد لما يشحن أعماقه ~~بالوجود مع المنعم لا مع النعمة، هذا هو التهيؤ للدخول إلى بيت المنعم، ~~ولذلك يضع المسلم النعمة على جانب ليبقى مع المنعم. ويمنع الإنسان أن ~~يصيد في الحرم محرما كان أو غير محرم ليشعر الكل أن الحرم لله فقط. ~~وتستعد كل النفوس للقاء المهابة. ويمتنع الإنسان من أول الميقات عن أشياء ~~كثيرة بداية من الصيد والاستمتاع بالحقوق الزوجية ثم يدخل منطقة يحرم ~~فيها الصيد على كل الناس كرمز للمهابة. ويحج المسلم في حياته مرة واحدة ~~كأداء للفريضة وفي كل مرة تحج وتقصد بيت ربك يوضح الله لك فيها: لا ~~تنشغل بالنعم لأنك ذاهب إلى المنعم، ويمحو سبحانه بالحج كل الذنوب. { ~~غير محلي الصيد وأنتم حرم } فإن أردناها محرمين فهي ~~صحيحة، وإن أردناها للحرم فهي صحيحة لأن ms2334 الصيد محرم في منطقة الحرم للحاج ~~أو لغيره. ويذيل الحق الآية: { إن الله يحكم ما يريد } ~~وسبحانه بدأ الآية بقوله: { يا أيها الذين آمنوا } هكذا نرى ~~أن التذييل منطقي يتفق فيه آخر الآية مع صدرها لأن الله حين يخاطب ~~المؤمنين الذين آمنوا به، فمن لوازم الإيمان أن ينفذوا حكم الله الذي ~~آمنوا به ومادام المؤمن قد آمن بالله إلها فليتجه إلى ما يريده الله من ~~أحكام ليفعلها لكن عمومية الآية قد تجعل واحدا يعزل عجز الآية عن صدرها، ~~رغبة في التشكيك في الإسلام، فيقول: إن الله يقول إنه يحكم ما يريد، وقد ~~أراد من الناس من يؤمن ومن لا يؤمن، فكيف يقول: { يحكم ما يريد } ~~، بينما لا يؤمن الكل؟. # ونقول: لا تعزل عجز الآية عن صدرها لأن الله إنما يخاطب في هذه الآية من ~~آمن به ربا، ومن آمن بالإله يعمد ويقصد ويتجه إلى ما يريده الله من حكم ~~ليطبقه. ولا يعتقدن أحد أن الكافرين خارجون عن إرادته سبحانه في ~~قوله: { إن الله يحكم ما يريد } فالذي تمرد على حكم الله ~~يقتضيه المنطق أن يظل متمردا على حكم الإله. لكن المتمرد على حكم الله ~~التكليفي الشرعي لا يجرؤ ولا يملك أن يكون منطقيا مع نفسه، فإن حكم الله ~~عليه بالضعف. فليقل للضعف: لا، أنا لن أضعف وأنا قوي. لا أحد يملك من مثل ~~هذا الأمر شيئا. المتمرد يأخذه ملك الموت وهو غير مريض، فماذا إذن يصنع ~~تمرد المتمرد إزاء الموت؟ إذن هناك أمور يخضع فيها الإنسان - كل إنسان - ~~لحكم الله. وخضوع الإنسان لحكم الله في بعض الأمور أقوى من خضوع المؤمن ~~لها لأن المؤمن حين آمن بالله يستقبل الموت - على سبيل المثال - كحكم من ~~الله، أما المتمرد الذي لا يصلي ولا يؤدي أي أمر تكليفي، ويتعرض للأغيار ~~بما فيها الموت، فهو يعاني من كل ذلك مشقة وحدة تفوق حدة استقبال ~~المؤمن للأغيار أو الموت. إذن فقوله الحق: { إن الله يحكم ما ~~يريد } هو قضية عامة لأن الذي تمرد على حكمه ms2335 سبحانه فيما له فيه ~~اختيار، كان من الواجب أن يكون منطقيا مع نفسه، فيتمرد على حكم يجريه ~~الله عليه، وذلك بعكس كثير من الأحكام الوضعية فإنها لا تقوى على هذا ~~التمرد، ويكون هنا حكم الله أقوى لأن المتمرد لن يجرؤ على الرد على أمر ~~الله. فلا يظنن ظان أن الله جعل للاختيار في العبد طلاقة، لكنه جعل ~~للاختيار في العبد تقييدا، وللقدرة القادرة طلاقة، فإن تمرد متمرد على ~~الإيمان فلن يجرؤ على التمرد في أشياء أخرى. إذن فالله يحكم ما يريد. ومن ~~بعد ذلك يقول الحق: { يا أيها الذين آمنوا... }. ### || [5.2] # بداية هذه الآية تقول: { يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحلوا شعآئر الله } وهي تأتي بعد آية أحلت أشياء، كأن ~~الحق يقول للعبد: مادمت قد أعطيت فأنا أمنع عنك أعطيتك أشياء وأمنعك ~~أشياء. وسبحانه حين يخطر على الإنسان شيئا ويمنعه منه فهو يعطي هذا ~~الشيء لأخ مؤمن، ومادام الأمر كذلك فلا يستطيع ولا يصح أن تنظر إلى الشيء ~~المسلوب منك فقط بل انظر إلى المسلوب من غيرك بالنسبة لك. وعلى سبيل ~~المثال حين يأمرك الحق: " لا تسرق " ، فأنت شخص واحد، ويقيد سبحانه حريتك ~~بهذا الأمر، وقيد في الوقت نفسه حرية كل الناس بالنسبة إليك. وعندما ~~تقارن الأمر بالنسبة لنفسك تجد أنك المستفيد أساسا لأن كل الناس ستطبق ~~حكم الله بألا يسرقوا منك شيئا، وفي هذا خدمة لكل عبد. وهب أن واحدا ~~سرق، إنه لن يستطيع أن يسرق من كل الناس. ولو سرق ألف من الناس شخصا ~~واحدا فما الذي يبقى له؟! وحين يأمر الحق العبد ألا ينظر إلى محارم ~~غيره، فظاهر الأمر أنه تقييد لحركة العبد، لكن الواقع أنه سبحانه قيد ~~حركة الناس كلها من أجل هذا العبد، وأمرهم ألا ينظروا إلى محارم غيرهم. ~~إذن ساعة ترى أيها المسلم نهيا أمر به الله، فلا تصب النهي عليك. ولكن ~~صب النهي أيضا على كل الناس بالنسبة لك. وساعة يقول الحق: { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله } أي لا تجعلوا ms2336 ~~شعائر الله حلالا. والشعائر هي معالم الدين كلها. ونقول " هذه الدولة ~~شعارها النسر " معنى ذلك أننا إذا رأينا الشعار نعرف البلد. وكذلك أعلام ~~الدول، فهذا علم لمصر، وذاك علم لانجلترا، وثالث علم لفرنسا، وكل محافظة ~~في مصر - على سبيل المثال - تضع لنفسها شعارا وعلما، إذن فالشعار هو ~~المعلم الذي يدل على الشيء. وشعائر الله هي معالم دين الله المتركزة ~~في " افعل " و " لا تفعل " زمانا ومكانا، عقائد وأحكاما. لكن الشعائر ~~غلبت على ما نسميه مناسك الحج، وأول عملية في مناسك الحج هي الإحرام، أي ~~لا نهمل الإحرام. ومن شعائر الحج الطواف، فلا تحل شعائر الله، ووجب عليك ~~أن تطوف حول البيت، وكذلك السعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات، ورمي ~~الجمار، كل هذه شعائر الله التي أمر ألا يحلها المؤمنون، أي أمر - سبحانه ~~- ألا يتهاونوا فيها لأن هذه الشعائر هي الضابط الإيماني. وأن ننظر إلى ~~أن أمر الله لكل حاج أو معتمر بالإحرام هو أمر بالعزلة لبعض الوقت عن ~~النعمة لأن الإنسان يذهب للحج في رحلة إلى المنعم. وأن الإنسان يغير ~~ملابسه بملابس موحدة ولا يتفاضل فيها أحد على أحد لأن الناس في الحياة ~~اليومية تتفاضل بهندامهم، وتدل الملابس على مواقعهم الاجتماعية. # وعندما يخلعون جميعا ملابسهم ويرتدون لباسا موحدا، تكون السمة ~~المميزة هي إعلان الولاء لله. وكذلك عندما يأتي الأمر بألا يقص الإنسان ~~شعرة منه سواء أكان عظيما في مجتمعه أم فقيرا ويتراءى الناس جميعا ~~وينظر بعضهم إلى بعض فيجدون أنهم على سواء على الرغم من اختلاف منازلهم ~~وأقدارهم وتكون ذلة الكبير مساوية لذلة الصغير. وذلك انضباط إيماني لا ~~بين الإنسان والمساوي له، ولكنه الانضباط مع الكون كله، بكل أجناسه. ~~فالشجرة بجانب الحرم محرم على كل إنسان أن يقطعها أو يقطع جزءا منها. ~~وبذلك يأمن النبات في الحرم، وكذلك الحمام والحيوانات وأيضا يأمن لإنسان ~~لأن الجميع في حرم رب الجميع، وتلك مسألة تصنع رعشة ورهبة إيمانية في ~~النفس البشرية. وتكون فترة الحج هي فترة الانضباط الإيماني. وتتوافق فيها ~~كل أجناس الوجود. ms2337 فالإنسان يتساوى مع الإنسان ولا يلمس الحيوان وكذلك ~~النبات، ويبقى الجماد وهو خادم الجميع من أجناس الكون لأن الحيوان يخدم ~~الإنسان، والنبات يخدم الحيوان، والجماد يخدم الكل، وهو خادم غير مخدوم. ~~ويصنع الحق حماية للجماد في الكعبة نفسها، فيأمر الناس باستلام الحجر ~~الأسود أو بتقبيله إذا تيسر ذلك أو بالإشارة إليه. فهذا السيد العالي - ~~الإنسان - على النبات والحيوان يأتي إلى جماد فيعظمه ويوقره، فالذي لا ~~يستطيع تقبيل الحجر الأسود عليه تحيته بأن يشير إليه بيده، حتى يكون الحج ~~مقبولا منه لذلك يتزاحم الناس للذهاب إلى الحجر الأسود، وهكذا يكون ~~الجماد مصونا في بيت الله الحرام. ويعوضه الله بأن جعله منسكا، وجعله ~~شعيرة وجعل الناس تزدحم عليه وتقبله بينما لا يقبل الإنسان الحيوان أو ~~النبات، لكنه يقبل الجماد أدنى الأجناس. وهذه قمة التوازن الوجودي. ~~فالإنسان المختار المتعالي على الأجناس يذهب صاغرا لتقبيل أو استلام ~~الحجر الأسود بأمر الله. ويرجم الإنسان حجرا آخر هو رمز إبليس، وذلك حتى ~~يعرف الإنسان أن الحجرية ليست قيمة في حد ذاتها، ولكنها أوامر الآمر ~~الأعلى، حتى لا يستقر في ذهن الإنسان تعظيم الحجر، فالحاج يقبل حجرا ~~ويرجم ويرمي حجرا آخر. { يا أيها الذين آمنوا لا ~~تحلوا شعآئر الله } لأن الله جعل الشعائر لتحقق الانضباط ~~الإيماني، وبقاء ذكر الاستخلاف لله فلا يدعي أحد أنه أصيل في الكون، بل ~~الكل عبيد لله. والوجود كله هو سلسلة من الخدمة فالإنسان يخدم الإنسان، ~~والحيوان يخدم الإنسان، والنبات يخدم الإنسان والحيوان، والجماد يخدم ~~الكل لكن لا أحد أفضل من أحد، بل الجماد نفسه مسبح بحمد الله، وقد لا ~~يسبح الإنسان. # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72] وهذا الأمر بعدم الحل لشعائر الله جعل كل شعيرة تأخذ حقا ~~من التقدير والاحترام، ولا يظنن ظان أن شعيرة من الشعائر ستأخذ لذاتها ~~تقديسا ذاتيا، بل كله تقديس موهوب من الله ويسلبه الله. # { لا تحلوا شعآئر الله ولا الشهر الحرام } أي لا ms2338 ~~تحلوا الشهر الحرام، أي عليكم أن تحرموا هذا الشهر الحرام، فقد جعله الله ~~شهرا حراما لمصلحة الإنسان، ويحمي به سبحانه عزة وذلة الإنسان أمام ~~عدوه، يحمي انكسار نفس الضعيف أمام القوي. فالقوي القادر على القتال قد ~~تهفو نفسه إلى أن يتوقف عن الحرب فترة يلتقط فيها الأنفاس، ولو فعل ذلك ~~لكان إعلانا للتخاذل أمام الخصم، ولذلك يأتي الحق بزمان يقول فيه: أنا ~~حرمت الحرب في الأشهر الحرم. هنا يقول المقاتل: لقد حرم الله القتال في ~~الأشهر الحرم، وتلك حماية للإنسان، وليذوق لذة الأمن والسلام والطمأنينة ~~فقد يعشق الإنسان القوي السلام من بعد ذلك. لماذا إذن جاء الحق هنا ~~بالشهر الحرام بينما نحن نعرف أن الأشهر الحرم أربعة؟ إن نظرنا إلى ~~الأشهر الحرم كجنس فهي تطلق على كل شهر من الشهور الأربعة، وإذا اعتبرنا ~~الشهر الحرام أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، ~~فالمعنى صحيح ونعرف أن الأشهر الحرم أربعة، ثلاثة متصلة، وهي ذو القعدة ~~وذو الحجة والمحرم وواحد منفصل هو رجب، وسبحانه وتعالى يعلم أن كل فعل من ~~الأفعال لابد له من زمان ولابد له من مكان. فحين لا يوجد حدث، لا يوجد ~~زمان ولا مكان، ولم يأت الزمان والمكان إلا بعد أن أحدث الله في كونه ~~شيئا. ولا يقولن واحد: متى كان الله ولا أين كان الله لأن " متى " و " ~~أين " من مخلوقات الله. وجعل سبحانه لكل حدث زمانا ومكانا. ولذلك يأتي ~~الحق سبحانه وتعالى ليحمي عزة الناس وليجعل لهم من تشريعه الرحيم ستارا ~~يستتر فيه ضعيفهم، ويراجع فيه قويهم لعله يرعوى ويرجع عن غيه وظلمه ~~فأوجد أماكن محرمة، وأزمنة محرمة، والأماكن المحرمة هي التي عند الحرم: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97] حيث يؤمن الإنسان أخاه الإنسان إذا ما دخل الحرم. ~~وكذلك في الزمان جعل سبحانه الأشهر الحرم. لقد أخذ الحق الحدث للزمان ~~والمكان. وكان القوي قديما يحارب ويقترب من النصر. وعندما يهل الشهر ~~الحرام يستمر في الحرب، ثم يعلن أن الشهر الحرام هو ms2339 الذي سيأتي بعد ~~الحرب، ولذلك يأمر سبحانه بعدم تغيير زمان الشهر الحرام لأن الله يريد ~~بالشهر الحرام أن ينهي سعار الحرب. وبعد ذلك يقول الحق: { ولا ~~الهدي } والهدي هو ما يهدي إلى الحرم وهو جمع هدية، وهناك من يقدم ~~للكعبة هدية، ومجموع الهدايا تسمى هديا. وهدي الحرم إنما جعله الله ~~للحرم فالحرم قديما كان بواد غير ذي زرع، ولم تكن به حيوانات كثيرة. # وكانوا يأتون بالهدي معهم عندما يحجون، لذلك حرم الله الاقتراب من الهدي ~~لأنها هدايا إلى الحرم. والحجيج أفواج كثيرة، وعندما يأتي أناس كثيرون في ~~واد غير ذي زرع يحتاجون إلى الطعام، ولا يصح أن يجعل المؤمن الهدي لغير ~~ما أهدي إليه، فقد يشتاق إنسان صحب معه الهدي إلى أكل اللحم وهو في ~~الطريق إلى الكعبة فيذبحه ليأكل منه وهذا الفعل حرام لأن الهدي إنما جاء ~~إلى الحرم ويجب أن يهدى ويقدم إلى الحرم. وعلى الإنسان أن يصون هدي غيره ~~أيضا. { ولا القلائد } وهي جمع " قلادة " والقلادة هي ما تعلق ~~بالرقبة. وقديما كان الذاهب إلى الحج يخاف على الهدي أن يشرد منه لذلك ~~كانوا يضعون حول عنق الهدي قلادة حتى يعرف من يراه أنه " هدي " ذاهب إلى ~~الحرم. والهدي الأول هو الهدي العام الذي لا قلائد حول عنقه، والقلائد ~~تعبر عن الهدي الذي توجد حول رقابه قلائد وتدل عليه وتكون علامة على أنه ~~مهدي إلى الحرم، وقد يكون النهي هنا حتى عن استحلال القلادة التي حول ~~رقبة الهدي حتى لا تضيع الحكمة. والحق سبحانه وتعالى حين يعبر بعبارة ما ~~فهو يعبر بعبارة تؤدي المعنى ببلاغة. وكانوا قديما عندما لا يجدون قلادة ~~يأخذون لحاء الشجر وقشره ويقطعون منه قطعة ويربطونها حول رقبة الهدي، ~~وذلك حتى يعرف الناس أن هذا هدي ذاهب إلى الحرم. ويضمن سبحانه اقتيات ~~الوافد إليه. لا من القوت العادي ولكن يطعمه من اللحم أيضا، ويجعل ذلك ~~من ضمن المناسك. أليس هو من دعا هؤلاء الناس إلى الحج؟ أليس هؤلاء هم ~~ضيوف الرحمن؟! إن الإنسان منا يقوم ms2340 بذبح الذبائح لضيوفه، فما بالنا بالحق ~~الأعلى سبحانه وتعالى؟ لذلك جعل الهدي طعاما لضيوفه. وتزدحم الناس في ~~منى وعرفات بكثرة لا حدود لها، ولابد أن يكرمهم الله بألذ وأطيب الطعام، ~~والفقير يذهب إلى المذبح ويأخذ من اللحم أطيبه ويقوم بتجفيفه في الهواء ~~والشمس ويخزنه ليطعم منه طويلا وهو ما يعرف ويسمى بالقديد. والحق سبحانه ~~وتعالى يأتي بالحكم بطريقة لها منتهى البلاغة، فهو يحرم حتى قلادة الهدي ~~أن يلمسها أحد. ويقول سبحانه: { ولا الشهر الحرام ولا ~~الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام ~~يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } أي لا تمنعوا أناسا ~~ذاهبين إلى بيت الله الحرام ولا تصدوهم عن السبيل، فهم وفد الله. وقد جاء ~~هذا القول قبل أن ينزل الحق قوله: # إنما المشركون نجس # [التوبة: 28] وكان غير المسلمين يحجون بيت الله الحرام من قبل نزول هذه ~~الآية، فلم يكن الحكم قد صدر. ونتساءل: هل الكافرون بالله يبتغون فضلا ~~من الله؟. نعم ففضل الله يغمر الجميع حتى الكافر، لكن رضوان الله لا يكون ~~على الكافر. # والفضل من التجارة التي كانوا يتاجرون بها، وفضل الله موجود حتى في ~~أيامنا هذه على الكفار أيضا. لكن كيف يتأتى رضوان الله على الكافر؟. إنه ~~رضوان الله المتوهم في معتقدهم. فهم يعتقدون أنهم يفعلون ذلك إرضاء لله. ~~وتتجلى دقة القرآن حين يقول: { فضلا من ربهم ورضوانا } ، ~~فلم يقل: فضلا من الله ورضوانا لأن العبد المؤمن هو من يختص بتنفيذ ~~التكاليف الإيمانية. ولله عطاءان: عطاء الربوبية، فهو المربي الذي استدعى ~~إلى الكون المؤمن والكافر - وسبحانه - سخر الأسباب للكل هذا هو عطاء ~~الربوبية، فالشمس تشرق على المؤمن والكافر، والأسباب قد تعطي المؤمن ~~والكافر، أما عطاء الألوهية فيتمثل في " افعل " و " لا تفعل ". ويقول ~~الحق هنا: { يبتغون فضلا من ربهم }. إذن فجناحا المنهج ~~الإيماني - افعل ولا تفعل - ليست في بالهم. ومن بعد ذلك يقول الحق: { ~~وإذا حللتم فاصطادوا } أي إذا انتهى الإحرام، وبعد أن يخرج ~~الحاج من الحرم ويتحلل من إحرامه فمن حقه أن يصطاد. { ولا ~~يجرمنكم شنآن ms2341 قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام } وقبل أن ينزل تحريم زيارة المشركين للبيت الحرام كان من حسن ~~المعاملة ألا يأخذ المؤمنون الكفار الذين يزورون البيت الحرام فيعتدوا ~~عليهم انتقاما لما فعله الكفار من قبل لذلك أمر الحق المؤمنين ألا ~~يقولوا: ها هم أولاء قد جاءوا لنا فلنرد لهم الصاع صاعين مثلما فعلوا ~~معنا في صلح الحديبية عندما منعونا من البيت الحرام. لأنكم أيها المؤمنون ~~قد أخذتم من الله القوامة على منهجه في الأرض، والقائم على منهج الله في ~~الأرض يجب ألا تكون له ذاتية ولا عصبية أسرية، ولا عصبية قبلية لأنه جاء ~~ليهيمن على الدنيا كلها، ومن الصغار أن ينتقم المؤمن من الكافر عندما ~~يأتي إلى بيت الله. ولا يليق ذلك بمهمة القوامة على منهج الله. ولذلك قال ~~الحق لرسوله: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105] وحينما أمر الحق رسوله أن يحكم بين الناس فذلك الحكم ~~يقتضي عدم تمييز المؤمن على الكافر لأن المسلمين هم القوام، وهم خير ~~أمة أخرجها الله للناس كافة. ولو فهم الناس أن خير الأمة الإسلامية عائد ~~عليهم لما حاربوها. فنحن - المسلمين - لسنا خيرا لأنفسنا فقط، ولكننا ~~أمة لخير الناس جميعا. ولذلك قال الحق: { لا يجرمنكم شنآن ~~قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا } أي ~~لا يصح أن يحملكم الغضب على قوم أن تعتدوا عليهم لأنهم صدوكم عن المسجد ~~الحرام عام الحديبية. وعندما يسمع الكافر أن الله سبحانه وتعالى يوصي من ~~آمن به على من كفر به ماذا يكون موقفه؟ إنه يلمس رحمة الرب. وفي ذلك لذع ~~للكافر لأنه لم يؤمن، لكن لو اعتدى المؤمن على الكافر ردا على العدوان ~~السابق، لقال الكافر لنفسه: لقد رد العدوان. # أما حين يرى الكافر أن المؤمن لم يعتد امتثالا لأمر الله بذلك، عندئذ ~~يرى أن الإسلام أعاد صياغة أهله بما يحقق لهم السمو النفسي الذي يتعالى ~~عن الضغن والحقد والعصبية، ويعبر الأداء القرآني عن ذلك بدقة، فلم يأت ms2342 ~~الدين ليكبت عواطف أو غرائز ولا يجعل الإنسان أفلاطونيا كما يدعون. ولم ~~يقل: اكتموا بغضكم، ولكنه أوضح لنا أي: لا يحملكم كرههم وبغضهم على أن ~~تعتدوا عليهم. فسبحانه لا يمنع الشنآن، وهو البغض، لأنه مسألة عاطفية. ~~فسبحانه يعلم أن منع ذلك إنما يكبت المؤمنين وكأنه يطلب منهم الأمر ~~المحال. لذلك فالبغض من حرية الإنسان. ولكن إياك أن يحملك البغض أو الكره ~~على أن تعتدي عليهم. ونرى سيدنا عمر يمر عليه قاتل أخيه زيد بن الخطاب، ~~يقول له أحدهم: هذا قاتل زيد، فيقول عمر: وماذا أصنع به وقد هداه الله ~~إلى الإسلام، فإذا كان الإسلام جب الكفر ألا يجب دم أخ لعمر؟ ولكن عمر ~~- رضي الله عنه - يقول لقاتل أخيه: عندما تراني نح وجهك عني. قال ذلك ~~لأنه يعرف دور العاطفة ويعرف أنه لا يحب قاتل أخيه، فقال قاتل أخي عمر: ~~وهل عدم حبك لي يمنعني حقا من حقوقي؟ فقال عمر: لا. بل تأخذ حقوقك كلها. ~~فقال قاتل أخي عمر: لا ضير إنما يبكي على الحب النساء. فالإيمان هو الذي ~~منع عمر من أن ينتقم من قاتل أخيه. { ولا يجرمنكم شنآن ~~قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا } أي ~~أنه سبحانه لا يمنع مواجيد المؤمنين ووجدانهم وضمائرهم وقلوبهم التي ~~تنفعل بالبغض والكره لأنه يعلم أن ذلك لا يطيقه الإنسان لأنها أمور ~~عاطفية. والعواطف لا يقنن لها بتشريع. ولكن اعلموا أن هذه العواطف لا ~~تبيح لكم الاعتداء. وهكذا يتدخل الإسلام في الحركة الإنسانية ليفعل ~~الإنسان أمرا أو يتجنب فعل أمر ما فالإسلام لا يتدخل إلا في النزوع وهي ~~تعبير عن مرحلة لاحقة للإدراك الذي يسبب للإنسان العاطفة محبة أو كراهية، ~~ثم يعبر الإنسان عن هذه العاطفة بالنزوع لأن مظاهر الشعور ثلاثة: إدراك، ~~ووجدان، ونزوع، فحين يمشي إنسان في بستان فيه أزهار ويرى الوردة فهذا ~~إدراك، ولا يمنع الإسلام هذا الإدراك. وعندما يعجب الإنسان بالوردة ~~ويحبها فهذه حرية، لكن أن تمتد اليد لتقطف الوردة فهذا ممنوع. إن التشريع ~~لا يتدخل في العملية ms2343 النزوعية فقط إلا في مجال واحد وهو ما يتعلق ~~بالمرأة. إن الإسلام يتدخل من أولى المراحل من مرحلة الإدراك. فالرجل حين ~~يرى امرأة جميلة فهذا إدراك، وعندما ينشغل قلبه بحبها فهذا وجدان، لكن أن ~~يقترب منها الإنسان فهذا نزوع. لقد رأف الحق بالرجل ان أمره أن يغض البصر ~~من البداية لأن الإنسان لن يستطيع مطلقا أن يفصل بين الإدراك والوجدان ~~والنزوع. # فكل من الإدراك والوجدان يصنعان تفاعلا في التركيب الكيماوي للرجل. ~~فإما أن يعف الإنسان نفسه ويكبت أحاسيسه، وإما ألا يعف فيلغ في أعراض ~~الناس لذلك يخدم الشرع الإنسان من أول الأمر حين يأمره بغض البصر: # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا ~~فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما ~~يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ~~ويحفظن فروجهن # [النور: 30-31] هنا يتدخل الشرع من أول مرحلة الإدراك، فبعدها لا يمكن ~~فصل النزوع عن المواجيد لأن رؤية المرأة تحدث تفاعلا كيماويا في نفس ~~الرجل، وكذلك الرجل يحدث تفاعلا كيماويا في نفس المرأة. أما الوردة فلا ~~تحدث مثل هذا التفاعل. ويستطيع الإنسان اقتناء زهرية للورود. إذن فالمراد ~~أن الحق سبحانه وتعالى لم يمنع المؤمن أن تجيش عواطفه البشرية بالبغض ~~وبالكره لأن ذلك انفعال مطلوب للإيمان. وبعض من أعداء الإسلام يقول: آيات ~~القرآن تتعارض لأنه يقول: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم # [المجادلة: 22] والنسب الإيماني يمنع ذلك. ويقول القرآن في موضع آخر # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا # [لقمان: 15] والذي يتعمق جيدا يعرف أن المعروف يصنعه الإنسان مع من يحب ~~ومن لا يحب. أما الود فهو عمل القلب، وهذا ما نهى عنه الله بالنسبة ~~للمشركين به، أما المعروف فالمسلم مطالب أن يفعله حتى بالنسبة لمن يكرهه. ~~{ ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام } إذن فالحق لم يمنع البغض. ولكنه منع النزوع المترتب على ~~الشنآن ولو وجد سبب من الأسباب ms2344 كما حدث في صلح الحديبية. وبعد ذلك يأمر: ~~{ وتعاونوا على البر والتقوى }. وهذه الآية هي التي ~~تجعل مسألة الإيمان قضية عالمية، وكلمة " تعاون " على وزن " تفاعل " ، ~~والتفاعل يأتي من اثنين مثلما نقول " تشارك " فهي تقتضي اثنين كأن نقول: ~~تشارك زيد وعمرو أو: شارك زيد عمرا أو شارك عمرو زيدا. وكلاهما متساو.. ~~اللهم إلا تغليب واحد بأن يأتي فاعلا مرة ومفعولا مرة ثانية، والفاعل في ~~هذه الحالة فاعل ومفعول في آن واحد، والمفعول أيضا فاعل في الوقت نفسه. ~~ومثال ذلك قولنا " قاتل فلان فلانا " أي أن الاثنين اشتبكا في قتال أي ~~مفاعلة. وساعة يأتي اثنان في فعل واحد، فهناك فاعل ومفعول. وهناك فرق بين ~~أن تقول: أعن فلانا، فالمطلوب هنا أمر لواحد بالمعاونة لآخر. وهذا يختلف ~~عن القول: تعاون مع فلان، أي أن تتشاركا معا في المعاونة. ومسائل الحياة ~~أكثر من أن تستوعبها موهبة واحدة. فأنت حين تبني بيتا تحتاج إلى من يحفر ~~الأساس ويبني الجدران. # ومن يصنع الطوب ومن يصنع الأسمنت ومن يصنع الحديد، ولا يستطيع إنسان ~~واحد أن يتعلم كل هذه الحرف ليبني بيتا. لكن التعاون خصص لكل إنسان عملا ~~يقوم به، فهناك متخصص في كل جزئية يحتاج إليها الإنسان في حياكة الملابس، ~~والطب، والصيدلة وغيرها من أوجه احتياجات الحياة، والحق يأمر: " وتعاونوا ~~" ليسير دولاب الحياة ويستفيد الإنسان من كل المواهب لقاء إخلاصه في أداء ~~عمله، و " تعاونوا " هي أن تأتي بشيء فيه تفاعل ما، ومعنى الشيء الذي فيه ~~تفاعل أنه يوجد " معين " و " معان ". ولكن المعين لا يظل دائما معينا، ~~بل سينقلب في يوم ما إلى أن يكون معانا، والمعان لا يظل معانا، بل ~~سيأتي وقت يصير فيه معينا، وهذا هو التفاعل الذي تحتاج إليه أقضية ~~الحياة التي شاءها الله للإنسان الخليفة في الأرض والمطالب أن يعبد الله ~~الذي لا شريك له، وأن يعمر هذه الأرض. ولا تتأتى عمارة الأرض إلا بالحركة ~~فيها، والحركة في الأرض أوسع من أن تتحملها الطاقة النفسية لفرد واحد، بل ~~لا بد أن ms2345 تتكاتف الطاقات كلها لإنشاء هذه العمارة. إننا حين نبني عمارة ~~واحدة نستخدم أجهزة كثيرة لطاقات كثيرة بداية من المهندس الذي يرفع مساحة ~~القطعة من الأرض ويرسمها، وإن شاء الترقي في صنعته يصنع نموذجا مجسدا لما ~~يرغب في بنائه، وبعد ذلك يأتي الحافر ليحفر في الأرض ثم من يضع الأساس، ~~ومن يضع الحديد. ومن يصنع " الخرسانة " المسلحة. ثم يأتي من يرفع البناء، ~~ومن يقوم بالأعمال الصحية من توصيلات للمياه والمجاري، ثم يأتي من يصمم ~~التوصيلات الكهربائية، وهكذا تتعاون طاقات كثيرة لبناء واحد، ولا تتحمله ~~طاقة إنسان واحد. إذن فالتعاون أمر ضروري للاستخلاف في الحياة. ومادام ~~الإستخلاف في الحياة يقتضي من الإنسان عمارة هذه الحياة، وعمارة الحياة ~~تقتضي ألا نفسد الشيء الصالح بل نزيده صلاحا، وحين يقول الحق: { ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان } أي انه يريد كونا عامرا لا كونا خربا. ~~والشيء الصالح في ذاته يبقيه على صلاحه. إذن فعمارة الحياة تتطلب منا أن ~~نتعاون على الخير لا على الإثم. والبر، ما هو؟ البر هو ما اطمأنت إليه ~~نفسك والإثم ما حاك في صدرك وخشيت أن يطلع عليه أحد، فساعة يأتي إليك أمر ~~تريد أن تفعله وتخاف أن يراك غيرك وأنت ترتكبه فهذا هو الإثم لأنه لو لم ~~يكن إثما لأحببت أن يراك الناس وأنت تفعل ذلك. إذن قوله الحق: { ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان } هو أمر لكل جماعة أن تتعاون على الخير، وهذه ~~مناسبة لأقول لكل جماعة: تعاونوا معا بشرط ألا تجعلوا لجمعياتكم نشاطا ~~ينسب إلى غير دينكم. # مثال ذلك الجمعيات المسماة ب " الروتارى " أو " الماسونية " ويقال: إن ~~نشاطها خيري. ونقول: كل جمعية خيرية على العين والرأس ولكن لماذا ~~تكونونها وأنتم تقلدون فيها الغرب؟ لماذا لا تصنعون الخير باسم دينكم ~~فيعرف العالم أن هذا خير قادم من بلاد مسلمة. والخير كل الخير ألا نأخذ ~~هذه الأسماء الأجنبية ونطلقها على جمعياتنا حتى لا يظنن ظان أن الخير ~~يصنعه غيرنا. وإن كان للواحد منا طاقة ms2346 على العمل الخيري فليعمل من خلال ~~الدين الإسلامي. وليعلم كل إنسان أن الدين طلب منا أن تكون كل حياتنا ~~للخير. وهذا ما يجب أن يستقر في الأذهان حتى لا يأخذ الظن الخاطئ كل من ~~يصيبه خير من هذه الجمعيات بأن الخير قادم من غير دين الإسلام. إننا ~~مكلفون بنسبة الخير الذي يقوم به إلى ديننا لأن ديننا أمرنا به وحثنا ~~عليه، وليعلم كل مسلم أنه ليس فقيرا إلى القيم حتى يتسولها من الخارج، ~~بل في دين الإسلام ما يغنينا جميعا عن كل هؤلاء. وإذا كنا نفعل الخير ~~ونقدم الخدمة الاجتماعية للناس فلماذا نسميها هذا الاسم وننسبها إلى قوم ~~آخرين، ولنقرأ جميعا قول الحق سبحانه وتعالى: # ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صالحا ~~وقال إنني من المسلمين # [فصلت: 33] فعلى الإنسان منا أن يعمل الخير وهو يعلن أن الإسلام يأمره ~~بذلك، ولا ينسب عمل الخير إلى " الروتارى " أو غير ذلك من الجمعيات. ~~فنسبة الخير من المسلم إلى جمعيات خارجة عن الإسلام حرام على المسلم لأنه ~~تعاون ليس لله، والحق يقول: { وتعاونوا على البر ~~والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } هو ~~يريد منا أن نبني الخير وأن نمنع الهدم، وعلى كل منا أن يعرف أنه لا ~~يستطيع وحده أن يقيم كل أبنية الخير. وقد نسأل الفقير صاحب الثوب الواحد ~~من أين أتى برغيف الخبز، فيشير إلى بقال أعطاه هذا الرغيف. ونلتفت إلى أن ~~الله قد سخر هذا البقال أن يأتي بالخبز ليشتري منه كل الناس، ويتصدق ~~ببعضه على الفقير. وهذا تيسير أراده الله. وعندما نذهب إلى المخبز، نجد ~~أن الدقيق جاء إلى المخبز من المطحن، وفي المطحن نجد عشرات العمال ~~والمهندسين يعملون من أجل طحن الدقيق الذاهب للمخبز ليعجنه واحد، ويخبزه ~~آخر، ويبيعه ثالث. ويجب أن نلتفت هنا إلى قدرة الله الذي سخر بعضا من ~~الممولين الذين فكروا في خير أنفسهم واشتروا هذه الآلات الضخمة للطحين ~~وإنضاج الخبز، وهي آلات لا يستطيع الفرد أن يشتريها بمفرده، لارتفاع ~~ثمنها وتأتي من الدول ms2347 الأجنبية، وتلك الدول فيها من المعامل والعلماء ~~الذين يدرسون الحركة والطاقة من أجل تصميم هذه الأجهزة، ليأكل الإنسان ~~رغيفا واحدا. # هذه هي مشيئة الحق من أجل أن تنتظم كل حركة الحياة فالرغيف يعرضه ~~البقال، وعمل فيه الخباز ومن قبله الطحان، والعجان ومن استورد الآلة ومن ~~صممها، وشاركت فيه المدرسة التي علمت المهندس الذي صمم الآلة كل ذلك عمل ~~فيه تعاون من أجل خدمة رغيف الخبز، على الرغم من أن الإنسان منا لا يفكر ~~في رغيف الخبز إلا ساعة أن يجوع. إذن فحركة الحياة كلها تم بناؤها على ~~التعاون. لكن ماذا إن تعاون الناس على الإثم؟ إنهم إن فعلوا ذلك يهدمون ~~الخير لأن التعاون على الإثم إنما يبدأ من كل من يعين على أمر يخالف أمر ~~الله، وأوامر الله تنحصر في " افعل " و " لا تفعل " ، ما ليس فيه " افعل ~~" و " لا تفعل " فهو مباح، إن شئت فعلته وإن شئت لا تفعله. والذي يأمر ~~بتطبيق " افعل " ويحزم الأمر مع " لا تفعل " وينهى عنه ويجرم من يفعله ~~هو متعاون على البر والتقوى. ومن يعمل ضد ذلك يتعاون على الإثم والعدوان ~~لأنه ينقل الأفعال من دائرة " افعل " إلى دائرة " لا تفعل ". وينقل ~~النواهي من " لا تفعل " إلى دائرة " افعل " هذا هو التعاون على الإثم. ~~وقوله الحق: { وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان } ضمن عمارة الكون وضمن ~~منع الفساد في الكون. فالذي يرتشي والذي يسهل عملية الرشوة، وهو الوسيط ~~والسفير بين الراشي والمرتشي ويسمى الرائش والذي يحمل الخمر والذي ~~يدلس، كل هؤلاء متعاونون على الإثم والعدوان، حتى البواب الذي يجلس على ~~باب عمارة ويعلم أن بها شقة تدار لأعمال مشبوهة ويأخذ ثمن ذلك هو متعاون ~~على الإثم. نقول لكل هؤلاء: إياكم أن تفتنوا بما يدره عليكم فعل الإثم ~~لكن لننظر مصير كل منكم فلن يترك الله أمثالكم دون أن ينهي الواحد منكم ~~حياته بمأساة، حتى المرأة التي استنزفت الناس بجمالها، تنتهي حياتها ~~بالضنك من العيش ثم لا تجد مأوى إلا القلوب الرحيمة ms2348 التي لم تفتتن بهذا ~~الجمال ولم تتمتع به في الحرام لأن الرجل إن نظر إلى امرأة أعانته على ~~ألإثم سيتذكر كل المصائب التي جاءته منها فيكرهها. لقد أراد الحق بهذا ~~عدالة في الكون ليستقيم، وكل من يأخذ شيئا من إثم يكتوي بنار هذا الإثم ~~في الحياة، وكل فرد فيكم مطالب بعمل حصر وإحصاء للمال الذي جاءه من عرقه ~~وحلاله ويكتبه، والقرش الذي جاءه من حرام. وبعد ذلك يقوم بعمل حصر وإحصاء ~~للكوارث التي أصابته. وكم كلفته من مصاريف. إنه لو فعل ذلك لوجد أن ~~الكوارث تأخذ كل الحرام وتجور على المال الذي كسبه من حلال. ولا تختلف ~~هذه المسألة أبدا ولا يتركها الله للآخرة فسبحانه يريد أن يعدل نظام ~~الكون، وإلا كيف يشهد من لا يؤمن بيوم الحساب قدرة الله على إجراء ~~التوازن في كونه؟ إن الحق أراد الحساب في الدنيا حتى لا يعربد من لا يؤمن ~~بيوم الحساب في كون الله. # إن كل معربد سوف يرى مصير معربد سبقه. كذلك الذين يتمتعون بثمرات الإثم ~~في هذه الدنيا يجب أن يفطنوا إلى نفوسهم قبل أن يفوتهم الأوان، المعذور ~~فقط هم الأطفال الذين لا نضج لهم ولا دراية لأنهم يعيشون من أموال الإثم. ~~لكن ما إن يبلغ الولد الرشد وكذلك البنت ثم ترى مالا يتدفق عليها من ~~مصادر غير حل، عليها أن تستحي من شراء " فستان " من هذا المال أو أن تأكل ~~منه لقمة خبز، وليفطن الإنسان أن الله قد أباح للإنسان أن يسأل عن مصدر ~~المال حتى لا يأخذ لنفسه من المال الموبوء الخبيث. وأن يسأل الإنسان ~~الصدقة خير من أن يصرف على نفسه مالا موبوءا. ولن يترك الحق مثل هذا ~~الإنسان سائلا أبدا. وليكتب كل واحد منكم هذا القول الكريم أمامه: { ~~وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان }. وليجعلها ميزانا يزن بها صور الذين يراهم في ~~الكون حتى ولو كانت صورة سائق التاكسي الذي يدلس على رجل وامرأة في طريق ~~مظلم ويأخذ أجرا على هذا، ليحسب هذا ms2349 الرجل النقود التي ستأتي من هذا ~~الباب، وليحسب النقود التي ستخرج على ألم فيه، أو ألم فيمن يرعى من ولد ~~أو بنت. { وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان } وصور العدوان شتى يعاني ~~منها المجتمع وتهزه بعنف، عدوان على الوقت لأن الإنسان يأخذ أجرا على ~~العمل ولا يقوم به، وعدوان يضر به إنسانا بأن يأخذ حقه أو أن يرتشي، كل ~~ذلك عدوان. وحتى يصير المجتمع مجتمعا إيمانيا سليما لا بد أن يحافظ على ~~قضية الاستخلاف في الأرض، وأن يعلم أن هذا يقتضي عمارة الكون وعدم ~~الإفساد فيه. { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ~~واتقوا الله إن الله شديد العقاب } فكأن هذه ~~المخالفات السابقة التي تحدث هي نتيجة عدم التعاون على البر، ونتيجة ~~التعاون على الإثم والعدوان، ولهذه المخالفة عقاب شديد، أما التقوى ~~فمعناها أن نفعل ما أمر به الله أن نفعله، وأن ننتهي عما نهى الله عنه، ~~فلا ننقل فعلا من دائرة " لا تفعل " إلى دائرة " افعل " وكذلك العكس. ~~وبذلك نجعل بيننا وبين الجبار وقاية. وبعض السطحيين قد ينظر إلى بعض من ~~آيات القرآن ويقول: إن بها تناقضا فيقولون: بعض من آيات القرآن تقول: { ~~اتقوا النار } ، وبعض الآيات تقول: { اتقوا الله } فهل ~~للنار وقاية؟ وهل لله وقاية؟ وهؤلاء لا يفهمون أن " اتقوا " تعني: اجعل ~~وقاية بينك وبين ما يؤذيك ويتعبك، ف { اتقوا الله } تعني اجعل ~~بينك وبين عقاب الله وقاية وهي الدرع التي يقيمها الإنسان بتنفيذ أوامر ~~الله ب " افعل " والامتثال لنواهي الله ب " لا تفعل ". # وعندما تجعل بينك وبين الله وقاية، فأنت تجعل بينك وبين غضب الله وقاية، ~~وهكذا تتساوى " تقوى الله " مع " اتقاء النار ". ويذيل الحق الآية { ~~إن الله شديد العقاب }. إن ما يجعل الناس تتهاون في ~~التعاون على البر ويجترئون على الإثم أنهم لا يجدون من مجتمعاتهم رادعا، ~~ولو وجدوا الردع من المجتمع لحمى المجتمع أفراده من الإثم. وإن صار ~~للمجتمع وعي إيماني لقاطع المخالفين وأشعرهم بأنهم منبوذون، وساعة يرى ~~أمثال هؤلاء الناس أنهم منبوذون من ms2350 المجتمع الإيماني فهم يرجعون إلى ~~المنهج الحق. فما يغري الناس على الجرائم الكبيرة إلا تهاون المجتمع في ~~الجرائم الصغيرة. ولذلك يلفتنا الحق أنه لن يترك الأمر كما تركه بعض من ~~خلقه لأن الخلق قد يجاملون وقد لا يقفون أمام ما يفعله بعضهم من آثام، ~~لكن الله شديد العقاب، سيأتي العقاب في وقت ليس للفرد فيه جاه من مال أو ~~حسب أو نسب يحميه من الله، فإن أطمعك ضعف المجتمع في أن تتعاون على الإثم ~~فعليك أن تخاف الله لأن عقابه شديد. وكيف يأتي العقاب إلى المذنب؟ لا ~~نعرف لأننا لسنا آلهة، ونجد العقاب يتسلل إلى المذنب في نفسه كمرض مؤلم ~~لا يصرف المذنب فيه ما عنده من مال فقط، لكنه قد يسأل الناس ليعالج نفسه، ~~أو يعالج من يحب. وجنود عقاب الله قد لا تتأخر للآخرة بل تتسلل إلى حياة ~~المذنب دون أن يعرفها وهذه هي شدة العقاب. وبعد ذلك يأتي الحق بأمر تحريم ~~أشياء بعد أن حلل الله أشياء في قوله: { أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام }. لقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين تخصيصا لما أحل من ~~الأنعام.. فقد حلل الله من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ~~ومن البقر اثنين. وألحق الرسول بها الظباء وبقر الوحش، وكل ذات أربع من ~~حيوان البحر، وكان قول الله: { إلا ما يتلى عليكم } مؤذنا ~~بأن هناك تحريما قادما سيأتي، ويبين الحق بالقرآن ما يحرمه الله: { ~~حرمت عليكم الميتة... }. ### || [5.3] # الآية تبدأ بقوله: { حرمت عليكم الميتة } ونلحظ أن ~~البداية فعل مبني للمجهول. على الرغم من أن الفاعل في التحريم واضح وهو ~~الله. ولم يقتحم سبحانه على أحد، فالإنسان نفسه اشترك في العقد الإيماني ~~مع ربه فألزمه - سبحانه - والعبد من جانبه التزم لذلك يقول الحق: " ~~حرمت " ، حرمها سبحانه كإله وشاركه في ذلك العبد الذي آمن بالله إلها. ~~والميتة هي التي ذهبت منها الحياة أو خرجت منها الروح بدون نقض للبنية، ~~أي ماتت حتف أنفها، فذهاب الحياة له طريقان: طريق هو الموت أي بدون ms2351 نقض ~~بنية، وطريق بنقض البنية فعندما يخنق الإنسان كائنا آخر يمنع عنه النفس ~~وفي هذا إزهاق للروح بنقض شيء في البنية لأن التنفس أمر ضروري، وقد يزهق ~~الإنسان روحا آخر يضربه بالرصاص لأن الروح لا تحل إلا في جسد له مواصفات ~~خاصة. لكن هناك جوارح يمكن أن تبقى الروح في الجسم دونها، والمثال على ~~ذلك اليد إن قطعت، أما إن توقف قلب الإنسان فقد يشقون صدره ويدلكون هذا ~~القلب فينبض مرة أخرى بشرط أن يكون المخ مازال حيا، وأقصى مدة لحياة المخ ~~دون هواء سبع دقائق في حالات نادرة. فما أن يصاب المخ بالعطب حتى يحدث ~~الموت. ولذلك عرف الأطباء الموت الإكلينيكي بأنه توقف المخ. إذن فهناك ~~موت، وهناك قتل، وفي كليهما ذهاب للروح. وفي الموت تذهب الروح أولا، وفي ~~القتل تذهب الروح بسبب نقض البنية. والميتة هي التي ذهبت منها الحياة ~~بدون نقض البنية، ومن رحمة الله أن حرم الميتة لأنها ماتت بسبب لا نراه ~~في عضو من أعضائها، حتى لا نأكلها بدائها. وكذلك حرم الدم، وهو السائل ~~الذي يجري في الأوردة والشرايين ويعطي الجسم الدفء والحرارة وينقل ~~الغذاء، وللدم مجالان في الجريان فهو يحمل الفضلات من الكلى والرئة، ~~وهناك دم نقي يحمل الغذاء، والأوعية الدموية بها لونان من الدم: دم فاسد ~~ودم صالح. وعندما نأخذ هذا الدم قد يكون فيه النوع الصالح ويكون فيه ~~أيضا النوع الذي لم تخرج منه الشوائب التي في الكلى والرئة، ولذلك ~~يسمونه الدم المسفوح، أي الجاري وكانوا يأخذونه قديما ويملأون به أمعاء ~~الذبائح ويقومون بشيه ويأكلونه. وهناك دم غير فاسد، مثال ذلك الكبد، فهو ~~قطعة متوحدة، وكذلك الطحال، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أحلت لكم ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: ~~فالكبد والطحال " # إذن فالكبد والطحال مستثنيان من الدم، لكن إذا جئنا للدم المسفوح فهو ~~حرام. والحكمة في تحليل السمك والجراد هي عدم وجود نفس سائلة بهما، فليس ~~في لحمها دم سائل، وعندما نقطع سمكة كبيرة لا ينزل منها دم. ms2352 # بل يوجد فقط عند الأغشية التي في الرأس ولا يوجد في شعيراته. وعندما ~~يموت السمك ويؤكل فلا خطر منه، وكذلك الجراد. ويأتي بعد ذلك في سلسلة ~~المحرمات { ولحم الخنزير }. ولا يقولن مؤمن: لماذا حرم الله لحم ~~الخنزير؟ لقد ذهب العلم إلى كل مبحث ليعرف لماذا حرم الله الميتة وكذلك ~~الدم حتى عرف العلماء أن الله لا يريد أن ينقل داء من حيوان ميت إلى ~~الإنسان، وكذلك حرم الله الدم لأن به فضلات سامة " كالبولينا " وغيرها. ~~ولكل تحريم حكمة قد تكون ظاهرة، وقد تكون خافية. والقرآن قد نزل على رسول ~~أمي في أمة أمية لا تعرف المسائل العلمية الشديدة التعقيد، وطبق المؤمنون ~~الأوائل تعاليم القرآن لأن الله الذي آمنا به إلها حكيما هو قائلها، وهو ~~يريد صيانة صنعته وكل صانع من البشر يضع قواعد صيانة ما صنع. ولم نجد ~~صانع أثاث - مثلا - يحطم دولاب ملابس، بل نجده باذلا الجهد ليجمل الصنعة، ~~ومادام الله هو الذي خلقنا وآمنا به إلها فلا بد لنا أن ننفذ ما يأمرنا ~~به، وأن نتجنب ما نهانا عنه، ولا يمنع ذلك أن نتلمس أسباب العلم، رغبة في ~~ازدياد أسباب الإيمان بالله ومن أجل أن نرد على أي فضولي مجادل، على ~~الرغم من أنه ليس من حق أحد أن يجادل في دين الله لأن الذي يرغب في ~~الجدال فليجادل في القمة أولا وهي وجود الله، وفي البلاغ عن الله بواسطة ~~الرسول فإن اقتنع، فعليه أن يطبق ما قاله الله. فالدين لا يمكن أن نبحثه ~~من أذنابه، ولكن يبحث الدين من قمته. ونحن ننفذ أوامر الله. ولذلك نجد ~~أول حكم يأتي لم يقل الحق فيه: يا أيها الناس كتب عليكم كذا، ولكن سبحانه ~~يقول: { يا أيها الذين آمنوا } أي يا من آمنت بي خذ الحكم ~~مني. وأكرر المثل الذي ضربته سابقا: أثمن ما عند الإنسان صحته، فإذا ~~تعرضت صحته للاختلال فهو يدرس الأسباب إن كان يرهقه الطعام يختار طبيبا ~~على درجة علم عالية في الجهاز الهضمي، ويكتب الطبيب الدواء، ms2353 ولا يقول ~~المريض للطبيب: أنا لن أتناول هذا الدواء إلا إذا قلت لي لماذا وماذا ~~سيفعل هذا الدواء. إذن فالعقل مهمته أن ينتهي إلى الطبيب الذي اقتنع به، ~~وما كتبه الطبيب من تعاليم فعليك تنفيذها، وكذلك الإيمان بالله، فمادام ~~الإنسان قد آمن بالله إلها فعليه أن ينفذ الأوامر في حركة الحياة ب " ~~افعل " و " لا تفعل " ، والمريض لا يناقش طبيبا، فكيف يناقش أي إنسان ~~ربه: " لم كتبت علي هذا "؟ والطبيب من البشر قد يخطئ وقد يتسبب في موت ~~مريض، وعندما نشك في قدرة طبيب ما نستدعي عددا من الأطباء لاستشارة ~~كبيرة. # وننفذ أوامر الأطباء، ولا يجرؤ أحد أن يناقش الله سبحانه وتعالى بل ~~نقول: كل أوامرك مطاعة. إننا ننفذ أوامر الأطباء فكيف لا ننفذ أوامر ~~الله؟ إن الإنسان يضع ثقته في البشر الخطائين، ولا يمكن - إذن - أن تعلو ~~على الثقة في رب السماء لذلك فالعاقلون هم الذين أخذوا أوامر الله ~~وطبقوها دون مناقشة لأن العقل كالمطية يوصل الإنسان إلى عتبة السلطان، ~~ولكن لا يدخل معك عليه، وحين تسمع من الله فأنت تنفذ ما أمر به. { ~~حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير } ~~وقد أثبتت التحليلات أن بلحم الخنزير دودة شريطية ودودة حلزونية وعددا ~~آخر من الديدان التي لا يقهرها علاج. والمحرمات من بعد ذلك { ومآ ~~أهل لغير الله به } أي رفع الصوت به لغير الله كقولهم: باسم ~~اللات والعزى عند ذبحه، ولا يقال عند ذبحه: " الله أكبر بسم الله " لأن ~~الإنسان منتفع في الكون الذي يعيش فيه بالأجناس التي طرأ عليها، لقد وجد ~~الإنسان هذه الأجناس في انتظاره لتخدمه لأنه خليفة الله في الأرض، ~~والحيوان له روح ولكنه يقل عن الإنسان بالتفكير، والنبات تحت الحيوان، ~~والجماد أقل من النبات. وساعة يأخذ الإنسان خدمة هذه المسخرات، فعليه أن ~~يذكر الخالق المنعم، وعندما يذبح الإنسان حيوانا، فهو يذبحه بإذن الأكبر ~~من الإنسان والحيوان والكون كله، يذبحه باسم الخالق. إن هناك من ينظر إلى ~~اللحم قائلا: أنا لا آكل لحم الحيوانات لأني لا أحب ms2354 الذبح للحيوان شفقة ~~ورحمة، لكن آكل النبات. ونقول: لو أدركت ما في النبات من حياة أكنت تمتنع ~~عن أكله؟ لقد ثبت في عصرنا أن للنبات حياة، بل وللجماد حياة أيضا لأنك ~~عندما تفتت حصوة من الصوان أو أي نوع من الأحجار، فأنت تعاند بدقات ~~المطرقة ما في تلك الحصوة من تعانق الجزيئات المتماسكة، وقد تفعل ذلك ~~وأنت لا تدري أن فيها حياة. # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44] والصالحون من عباد الله يعرفون ذلك ويديرون لأعمالهم ~~وتعاملهم مع ما سواهم من المخلوقات جميعا - حيوان أو جماد - على أنها ~~مسبحة لذلك لا يمتهنون الأشياء ولا يحتقرونها مهما دقت وحقرت وإنما ~~يتلطفون معها حتى لو ذبحوا حيوانا فإنهم يرحمون ذلك الحيوان فلا يشحذون ~~ولا يسنون السكين أمامه ولا يذبحون حيوانا أمام حيوان آخر فضلا على أنهم ~~يطعمون ويسقون ما يريدون ذبحه لأنهم يعلمون أنه مسبح ولكنهم فعلوا فيه ما ~~فعلوا لأن الله أباح لهم ذلك ليستديموا حياتهم بأكله فهم أهل تكليف من ~~الله، أما ما عداهم فهم أهل تسخير. { ومآ أهل لغير الله ~~به } تشرح لنا أن الحق هو الذي حلل لنا أن نأكل من الذي له حس وحركة، ~~كالحيوان الذي يتطامن للإنسان فيذبحه، ولا بد للإنسان أن يعرف الشكر ~~لواهب النعمة، ف " بسم الله الله أكبر " تؤكد أنك لم تذبحه إلا باسم من ~~أحله لك. # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 71-72] إذن فالأكل من ضمن التذليل، وعندما تذبح الحيوان لا بد أن ~~تذكر من ذلل لك ذلك. ويحرم الحق أكل المنخنقة، أي الحيوان الذي مات خنقا ~~لأن قوام الحياة ثلاثة طعام، شراب، هواء، وهذا من حكمة الخالق الذي خلق ~~الصنعة ورتب الأمر حسب الأهم والمهم، فالإنسان قد يصبر على الجوع إلى ~~ثلاثين يوما لأن ربنا سبحانه وتعالى قدر لك - أيها الإنسان - ظروف ~~الأغيار، فجعل في جسمك مخزونا لزمن قد تجوع فيه، وجعل للإنسان شهوة إلى ~~الطعام، ms2355 وغالبا لا يأكل الإنسان ليسد الرمق فقط، ولكن بشهوة في الأكل. إن ~~ربنا يوضح لنا: أنا أحترم شهوتك للطعام، ولتأخذ حركتك الضروري لها من ~~الطاقة، والزائد سيخزن في الجسم كدهون ولحم، فإن جاء يوم لا تجد فيه ~~طعاما أخذت من الدهون المخزونة طاقة لك. وهذه من دقة الصنعة، وإن ~~قارنتها بسيارة صنعها الإنسان إذا ما فرغ منها الوقود فإنها تقف ولا ~~تسير، أما صنعة الخالق فهي لا تقف إن توقف الطعام بل تستمر إلى ثلاثين ~~يوما، وربما حن على الإنسان قلب إنسان آخر فأحضر له الطعام، وربما احتال ~~الإنسان ليخرج من مأزق عدم وجود الطعام. إن المرأة العربية وصفت الشدة ~~والعوز فقالت: " سنة أذابت الشحم، وسنة أذهبت اللحم، وسنة محت العظم " أي ~~أن الأمر درجات، فالإنسان يتغذى من دهنه ثم من لحمه ثم من عظامه، ويصبر ~~الإنسان على الماء مدة تترواح ما بين ثلاثة، وعشرة أيام، حسب كمية المياه ~~المخزونة في الجسم. أما الهواء فلا يصبر عنه الإنسان إلا بمقدار الشهيق ~~والزفير، فإن حبس الهواء عن الإنسان مات. فالنفس هو أهم ضرورة للحياة، ~~ولذلك نجد من حكمة الحق سبحانه أنه لم يملك الهواء لأحد لأن أحدا لو ~~امتلك الهواء بالنسبة لإنسان آخر فقد يمنع عنه الهواء لحظة غضب فتنتهي ~~منه الحياة. واللغة العربية فيها من السعة ومن دقة الأداء ما يدل على أن ~~هناك أسرارا للمعاني، تلتقي عند شيء ما، فمثلا إذا قلت: نفس، أو نفيس، ~~أو نفس، نجد أنها ثلاث كلمات مكونة من مادة واحدة هي " النون والفاء ~~والسين " ، النفس هي اتصال الروح بالمادة فتنشأ الحياة بها، ويلهم ربنا ~~النفس فجورها وتقواها، والنفس: وهو الريح تدخل وتخرج من فم وأنف الحي ~~ذي الرئة حال التنفس ولا تدوم الحياة إلا به، ومادام أساس الحياة هو ~~النفس فيجب ألا تكون حياتك إلا من أجل نفيس، ويجب أن تحترم خلق الله لك ~~وألا يكون سعيك في الدنيا إلا من أجل نفيس، ولا نفيس إلا الإيمان. # وفي اللغة العربية أمثلة كثيرة لما يسمى ms2356 بالجناس، فنحن نسمي الأكل في ~~الميعاد " وجبة " ، ونسمي المسئولية " واجبا " ونسمي دقة القلب " الوجيب ~~". ولذلك عندما أراد الشعراء أن يتفننوا جاء واحد منهم بلفظين متماثلين ~~ولكل منهما معنى مختلف فقال: # رحلت عن الديار لكم أسير # وقلبي في محبتكم أسير # فأسير في الشطر الأول بمعنى أمشي، وأسير في الشطر الثاني من البيت بمعنى ~~مأسور ومقيد. فالمنخنقة إذن هي التي منع عنها النفس، ومادام منع النفس ~~أوصلها إلى الخنق فهي إلى الموت، فلماذا جاء ذكرها مرة أخرى بعد الميتة؟ ~~لقد جاء ذكر المنخنقة لأن الإنسان قد يلحقها بالذبح، فإن سال منها دم، ~~وطرفت فيها عين أو تحرك الذيل فهي حلال. أما إن لم يلحقها الإنسان وذبحها ~~ولم يسل منها دم فهي حرام، ويحرم الحق الموقوذة، وهي البهيمة التي يتم ~~ضربها بأي شيء إلى أن تصل للموت، فهي قد ماتت، بنقض بنية وكذلك المتردية ~~التي وقعت من ارتفاع حتى ماتت، وكذلك { والنطيحة } أي التي نطحها ~~حيوان آخر إلى أن ماتت. { ومآ أكل السبع } وهو ما يبقى من أكل ~~السبع من لحم ما افترسه من حيوان مأكول، { إلا ما ذكيتم } ، ~~والذكاة هي الذبح الذي يسيل منه الدم وتأتي بعده حركة من المذبوح. ~~والمقصود بقوله: { إلا ما ذكيتم } هو المنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة، فإن أدركها الإنسان وذبحها وسال منها دم وصدرت منها ~~حركة فهي حلال. هذا هو رأي علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - وهو مفتي ~~الإيمان. وابن عباس - رضي الله عنه - وهو حبر الأمة قال - أيضا - في ~~قوله الحق: { إلا ما ذكيتم } هو استثناء لغير الميتة والدم ~~ولحم الخنزير ومقصود به المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة. وهذا ~~يوضح لنا أن هناك حيوانات شرسة قد لا يقوى الإنسان عليها. وأحيانا قد ~~يقدر الإنسان عليها فيقوم بتكتيفها بالحبال، وأحيانا يضربها بآلة لتختل ~~وتضعف قليلا ويتملكها الجزار ليذبحها. ونلاحظ أن الحق لم يحدد الحيز من ~~الجسم الذي أصيبت فيه الموقوذة سواء أكان البطن أم الرأس أم الظهر، ~~فالحيوان المضروب رميا بالحجارة قد تأتي الأحجار في الرأس أو ms2357 البطن أو ~~الظهر، فمن الجائز أن يضرب الإنسان الحيوان الشرس ليستطيع أن يذبحه. ~~والحجة عندنا في التحليل أو التحريم هي: أيسيل منها الدم ساعة الذبح أم ~~لا؟ وهل يصدر عن جسمها حركة ولو طرفة عين؟ فإن توافر ذلك في الذبيحة فهي ~~حلال، وهكذا نعرف أن قوله الحق: { إلا ما ذكيتم } هو استثناء ~~لغير الثلاثة الأول وهي: الميتة والدم ولحم الخنزير ومعها ما أهل لغير ~~الله به لأنه محرم بطبيعة الإيمان العقدي. # { ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على ~~النصب } ويحرم الحق ما أكله السبع إلا إذا كان الحيوان الذي أكله ~~السبع لم يمت واستطاع واحد أن يذبحه الذبح الشرعي. وسبحانه يحرم ما لم ~~يذبح بالأسلوب الشرعي، فلا يحل ذبح بعظم أو بسن والذي ذبح على ~~النصب، أي المذبوح على الأحجار المنصوبة كالأصنام فهو حرام، والكلام هنا ~~عقدي، والتحريم هنا بعارض عقدي. و " النصب " من الألفاظ التي وردت ~~مفردا ووردت جمعا. ف " نصب " هي جمع، مثلما نجمع كلمة " حمار " ونقول ~~" حمر " ، وفي هذه الحالة يكون مفردها " نصاب " ، ومرة تكون " نصب " ~~مفردا، مثلها مثل " طنب " وهو الحبل وجمعها " أطناب " أي حبال، وفي ~~هذه الحالة يكون جمع " نصب " هو " أنصاب ". والنصب هي حجارة كانت ~~منصوبة حول الكعبة يذبح عليها المشركون الذبائح تقربا للآلهة. والتحريم ~~هنا بسبب عقدي مثله مثل تحريم ما أهل لغير الله به، فما أهل لغير الله ~~فيه شرك بالله فافتقد ذكر الله الذي ذلل للإنسان هذا الحيوان القريب من ~~الإنسان في الحس والحركة وغير ذلك. وكذلك أيضا ما ذبح على النصب محرم ~~لأن النصب غير واهب ولا معط، والواجب أن نتقرب إلى الواجد الواهب. { ~~وأن تستقسموا بالأزلام } واستسقم أي طلب القسمة، وكانت ~~القسمة في بعض الأحيان عملية محرجة فيريدون إلصاقها بغيرهم، وهنا يقال: " ~~إن الأزلام هي التي أمرتني ". والأزلام هي قداح من الخشب مكتوب على ~~بعضها: " أمرني ربي " ومكتوب على البعض الآخر: " نهاني ربي " وبعض من هذه ~~القداح غفل بغير كتابة. وكان المشرك إذا أراد السفر فهو يذهب ms2358 إلى سادن ~~الكعبة أو الكاهن، ويخرج السادن أو الكاهن الأزلام من الكيس، ويحرك ~~القداح ويختار المشرك قدحا، فإن قرأ عليه " أمرني ربي " يسافر إلى ~~المهمة التي يريدها، وإن لم يقرأ عليه ووجده غفلا فهو يعيد الكرة فإن ~~وجد " نهاني ربي " لا يسافر. ونسأل: من هو الرب الذي أمر؟ هل هو الرب ~~الأعلى، أو الرب الذي كانوا يعبدونه؟ أي إله كانوا يقصدون؟ إن كان ~~المقصود به الإله الأعلى، فمن أدراهم أن الله أمر بهذا السفر أو نهى عن ~~ذلك السفر؟ إن ذلك كذب على الله. وإن كان الذي أمر هو الرب الذي يعبدونه، ~~فهذا أمر باطل من أساسه، إذن ف " استقسم " أي أنه طلب حظه وقسمته ~~بواسطة القداح. وكان الاستقسام يتم في مسائل الزواج أو عدم الزواج، ~~والكلام هنا في هذه الآية عن الأكل فالسياق عن تحليل ألوان الطعام فلماذا ~~هذا الاستقسام؟ من هذا نعرف أنهم كانوا في الجاهلية يخضعون للون من ~~الاستقسام بالأزلام، كانت عندهم عشرة قداح وكان مكتوبا عليها أسماء، ~~فواحد على سبيل المثال مكتوب عليه " الفذ " وعليه علامة واحدة. # أي أن الذي يسحب هذا القدح يأخذ نصيبا واحدا أما المكتوب عليه " التوأم ~~" فيأخذ نصيبين، والمكتوب عليه " الرقيب " يأخذ ثلاثة أنصباء، والمكتوب ~~عليه " الحلس " يأخذ أربعة أنصباء، والمكتوب عليه " النافر " يأخذ خمسة ~~أنصباء والمكتوب عليه " المسبل " يأخذ ستة أنصبة، ووالمكتوب عليه " ~~المعلي " يأخذ سبعة أنصبة، والباقي ثلاثة أنواع مكتوب على كل واحد منها ~~إما " المنيح " وإما " السفيح " وإما " الوغد ". وعندما يقومون بذبح ~~الجمل كانوا يقسمونه إلى ثمانية وعشرين نصيبا بعدد الأنصبة التي ينالها ~~الأشخاص السبعة الأوائل، أما من خرج لهم " المنيح " أو " السفيح " أو " ~~الوغد " فلا نصيب لهم ويدفعون ثمن الذبيحة. إذن فقوله الحق: { وأن ~~تستقسموا بالأزلام } أي أن مسألة طلب القسمة بواسطة الأزلام ~~هو أسلوب مجحف وحرام، وهو لون من الميسر، والاستقسام بالأزلام خلاف ~~القرعة، فالقرعة تكون بين اثنين متساويين ولا يريد أحدهما أن يظلم الآخر، ~~فيخرجا الهوى من الاختيار. مثال ذلك: اثنان من البشر يملكان بيتا، وتحري ms2359 ~~كل منهما العدل في القسمة ويلجآن إلى القرعة بأن يكتب كل منهما اسمه في ~~ورقة ثم يضعا الورقتين في إناء ضيق ويحضر طفل صغير لا يعرف المسألة ويغمض ~~عينيه ويشد ورقة من الاثنتين، فيأخذ كل واحد النصيب الذي حددته القرعة. ~~ومثال آخر: الرجل المتزوج بأكثر من واحدة، عليه أن يقرع بين النساء إن ~~أراد صحبة إحداهن في سفر، والقرعة هنا حتى لا تغضب واحدة من الزوجات، ~~وحتى لا يكون الهوى هو الحكم، وبذلك يخرج من دائرة لوم من لا تخرج ~~قرعتها. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فعندما ~~أراد صلى الله عليه وسلم ألا يكسر خاطر أي واحد من الأنصار عندما هاجر ~~إلى المدينة، وتطلع كل واحد من الأنصار إلى أن ينزل رسول الله في بيته، ~~وحاول كل واحد أن يمسك بزمام الناقة وأن يجعلها تقف أمام بيته، فقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خلوا سبيلها فإنها مأمورة " # فعندما تميل الناقة وتقف عند أي بيت لن يقول أحد: إن النبي آثر فلانا ~~على فلان. جعلها الرسول في يد من لا يقدر أحد على ان يخالفه عليه، وكذلك ~~فالاستخارة غير الاستقسام. إذن فالاستقسام بالأزلام هو المحرم شرعا ~~لأنها عملية غير مناسبة وهي ظالمة، ووردت هنا في سياق ألوان الطعام. # ويقول سبحانه عن كل تلك الألوان من المحرمات إن ارتكابها فسق. { ~~ذلكم فسق } والفسق هو الخروج عن الطاعة. والمعاني - كما علمنا من ~~قبل - مأخوذة من المحسات لأن إلف الإنسان في أول إدراكاته بالمحسات، فهو ~~يرى ويسمع ويشم، وبعد ذلك تأتي الأمور العقلية. وأصل الفسق هو خروج ~~الرطبة عن قشرتها فالبلحة عندما تترطب تنكمش الثمرة داخل القشرة وتخرج ~~منها عندئذ يقال: " فسقت الرطبة " أي خرجت من قشرتها، وكذلك من يخرج عن ~~منهج الله يسمونه فاسقا تماما مثل الرطبة، وفي هذا رمزية تدل على أن ~~شرع الله سياج يحيط بالإنسان فالذي يخرج عن منهج الله يكون فاسقا. وإياك ~~أيها المسلم أن تخرج عن شرع الله لأن الرطبة عندما ms2360 تخرج عن القشرة ~~فالذباب يحوم حولها ويصيبها التراب وتعافها النفس، فكان دين الله كإطار ~~يحمي الإنسان بالإيمان. وهذه الأحكام كلها تبني قضية الدين، قضية عقدية ~~في الألوهية، قضية البلاغ عن الألوهية بواسطة الرسالة. وأحكام تنظم حركة ~~المجتمع بالعقود والأمانات والأنكحة وغيرها، كل هذه الأحكام تصنع هيكل ~~الدين العام. وقد مر هيكل الدين العام بمرحلتين: المرحلة المكية وكان كل ~~هدفها التركيز على العقيدة والإيمان بوحدانية الله والنبوات والبلاغ عن ~~الله، وبعد ذلك في المرحلة المدنية جاءت سورة النساء وسورة المائدة ~~لتتكلما عن الأحكام. وبالعقيدة وبالبلاغ عن الله وبالأحكام يكتمل الدين ~~لذلك يقول الحق: { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } ~~كأن الكافرين كان لهم أمل في أن يحبطوا هذا الدين وأن يبطلوه وأن ينقضوه، ~~وكذلك المؤمنون بأديان سابقة أو بكتب سابقة كانوا يحبون أن يطرأ على ~~القرآن الأفعال التي مارسوها مع كتابهم من النسيان والترك والتحريف، ~~وسبحانه هو القائل عن أصحاب الكتب السابقة: # ونسوا حظا مما ذكروا به # [المائدة: 13] إذن فقد أرادوا أن ينسى المسلمون - أيضا - حظا من ~~القرآن، لكن الحق يخبر بأنهم يئسوا أن ينسى المسلمون حظا مما ذكروا به ~~لأن الصحابة حفظوا القرآن في الصدور وكتبوه في السطور ومن لسان الرسول ~~مباشرة. ولم يحدث مثلما حدث مع الرسل السابقين. فقد تم تسجيل هذه الكتب ~~المنزلة عليهم بعد ثلاثة أو أربعة قرون، بل أمر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بكتابة القرآن من فور نزول كل نجم من الآيات، وكان يأمر بوضع الآيات ~~بترتيب معين. إن على الذين كفروا أن ييأسوا من أن ينسى المسلمون حظا مما ~~ذكروا به. وهؤلاء القوم من أهل الكتاب لم ينسوا حظا مما ذكروا به فقط، ~~بل أيضا حرفوا الكتاب عن مواضعه وكتموا ما أنزل الله: # إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب ~~ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في ~~بطونهم إلا النار # [البقرة: 174] وهم يئسوا من أن يكتم المسلمون ما أنزل الله، بدليل أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي بحكم في ms2361 شيء، ثم يغير الله ذلك ~~الحكم، فلا يستحي رسول الله أن يبلغ: أن الحكم الذي قلته لكم قد غيره ~~الله لي. # وهل يستنكف أن يعدل الله له؟ وهذا دليل على أمانة البلاغ عن الله لذلك ~~يئس الكافرون بألوانهم المختلفة من أن ينسى المؤمنون حظا مما ذكروا به ~~لأن تسجيل القرآن كان أمينا بصورة لا نهاية لها، وظل القرآن مكتوبا في ~~السطور ومحفوظا في الصدور. والحق يعلن عن يأس الكفار من مشركين وأهل ~~كتاب بقوله: { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم } ~~يئسوا لأن المراحل التي مرت بالكتب السابقة لن تمر بهذا الدين. وقد توهم ~~أهل الكتاب أن الإسلام سيمر بما طرأ عليهم، وظن بعضهم أن المسلمين ~~سيصيرون إلى ما صار إليه أهل الكتاب من ترك لدينهم وإهدار له. وكذلك ظن ~~بعض كفار قريش أن المسلمين سيصيرون إلى ما صار إليه أهل الكتاب، فقد كانت ~~عندهم التوراة وهم مع ذلك لا يتبعون كتابهم، فيرد الحق على كل هؤلاء: { ~~اليوم يئس الذين كفروا من دينكم }. وقوله: " اليوم " ~~يعني الزمان الذي مضى والزمان المستبقل، فقد أتم الله دين الإسلام ورضيه ~~لنا وفتحت مكة للمسلمين ودخل الناس في دين الله أفواجا. وصار القرآن ~~مكتوبا ومحفوظا. وبذلك تأكد يأس الكافرين والمشركين أن ينسى القرآن أو ~~أن يكتم القرآن لأن من أنزل عليه الكتاب، كان إذا جاء أمر يتعلق به فهو ~~يقوله. وعندما مال قلب المسلمين ذات مرة إلى تبرئة المسلم الذي سرق وأن ~~تلصق التهمة باليهودي البريء، هنا نزل من القرآن قوله: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105] لقد أمر الحق أن يكون النبي هو الحكم العدل حتى ولو كان ~~حكما ضد مسلم. ويأمر الحق رسوله أن يستغفر الله إن كان قد ألم به خاطر ~~أن ينصر المسلم الخائن على اليهودي الذي لم يسرق، إنها سماحة دين ~~الإسلام. { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم }. ولقد ~~تم دين الله. ودخل الناس إلى الإسلام أفواجا. ولن ينسى القرآن. ms2362 ولن يكتم ~~القرآن أحد. ولن يحرف القرآن أحد. ولن يحدث للقرآن ما حدث للكتب السابقة ~~من نسيان وكتمان وتحريف، أو الإتيان بأشياء أخرى والقول والزعم بأنها من ~~عند الله، وهي ليست من عند الله. إذن فقد يئس الذين كفروا من أن يتزيد ~~المسلمون في دينهم. ولن توجد بين المسلمين تلك المثالب والعيوب التي ظهرت ~~في الأقوام السابقة. { اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم } لقد يئسوا من أن يغلب الإسلام، بل إن الإسلام سيغلب. ~~وأرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره. # { اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا ~~تخشوهم } وقد حكم سبحانه ألا يأتي أمر يحقق لأعداء الإسلام الشماتة ~~به، أو أن تتحقق لهم الفرصة في انكسار الإسلام، فلا تخشوهم أيها المسلمون ~~لأنكم منصورون عليهم، ولن تدخلوا في أسباب الخيبة التي دخلوا فيها. ~~وعليكم أيها المؤمنون بخشية الله. ولو أراد أحد تغيير شيء من منهجه ~~سبحانه فسيلقى العقاب، وسبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ~~فكتاب الله معكم وترك فيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجه، فإن ~~خالفتم المنهج فستتلقون العقاب، كما هزم الله المسلمين في أحد أمام ~~المشركين لأنهم خالفوا المنهج. فما نفعهم أنهم كانوا مسلمين منسوبين ~~للإسلام بينما هم يخالفون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن فلا ~~خشية من المسلمين لأعدائهم. ولكن الخشية تكون لله، فإن خفتم فخافوا الله ~~وحافظوا على تنفيذ منهج الله. ومادام سبحانه هو الآمر: لا تخش أعداء الله ~~لأنه زرع في قلوبهم اليأس من أن ينسى المسلمون المنهج، او أن يتزيدوا في ~~الدين، أو يكتموا الدين، فهم لا يحرفونه ولا يزيدون فيه. إذن فالعيب كل ~~العيب ألا تطبقوا منهج الله. { اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا ~~فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن ~~الله غفور رحيم } والإكمال هو أن يأتي الشيء على كماله، وكمال ~~الشيء باستيفاء أجزائه، واستيفاء كل جزء للمراد منه. وقد أتم الله ~~استمرار النعمة بتمام ms2363 المنهج. لقد رضي الحق الإسلام دينا للمسلمين. ~~ومادام رضي سبحانه الإسلام منهجا، فإياكم أن يرتفع رأس ليقول: لنستدرك ~~على الله لأن الله قال: " أكملت " فلا نقص. وقال: " أتممت " فلا زيادة. ~~وعندما يأتي من يقول: إن التشريع الإسلامي لا يناسب العصر. نرد: إن ~~الإسلام يناسب كل عصر، وإياك أن تستدرك على الله لأنك بمثل هذا القول ~~تريد أن تقول: إن الله قد غفل عن كذا وأريد أو أصوب لله، وسبحانه قال: " ~~أكملت " فلا تزيد، وقال: " أتممت " فلا استدراك، وقال: " ورضيت " فمن ~~خالف ذلك فقد غلب رضاه على رضا ربه. إن الخالق سبحانه هو أعلم بخلقه ~~تمام العلم، ويعلم جل وعلا أن الخلق ذو أغيار، وقد تطرأ عليهم ظروف تجعل ~~تطبيق المنهج بحذافيره عسيرا عليهم أو معتذرا فلا يترك لهم أن يترخصوا ~~هم، بل هو الذي يرخص، فلا يقولن أحد: إن هذه مسألة ليست في طاقتنا. فساعة ~~علم الحق أن هناك أمرا ليس في طاقة المسلم فقد خففه من البداية. وما ~~دمنا ذوي أغيار، وصاحب الأغيار ينتقل مرة من قوة إلى ضعف، ومن وجود إلى ~~عدم، ومن عزة إلى ذلة لذلك قدر سبحانه أن يكون من المؤمنين بهذا المنهج ~~الكامل من لا يستطيع القيام لمرض أو مخمصة، فرخص لنا سبحانه وتعالى: { ~~فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن ~~الله غفور رحيم }. # إذن فالحق قد ذكر أن شيئا من الأغيار قد يطرأ على النفس البشرية، وما ~~دام استبقاء الحياة يتطلب القوت، والإنسان قد يمر بمخمصة وهي المجاعة ~~التي تسبب الضمور في البطن، هنا يرخص الحق للجائع في مخمصة أن يأكل ~~الميتة أو ما في حكمها بشرط الاضطرار لاستبقاء الحياة، فلا يقول واحد على ~~سبيل المثال: أنا مضطر لأن أتعامل مع البنك بالربا لأني أريد أن أتاجر في ~~مائة ألف جنيه وليس معي إلا ألف جنيه. وهذا ما هو حادث في كل الناس. هنا ~~أقول: لا. عليك بالتجارة في الألف التي تملكها ولا تقل أنا مضطر للتعامل ~~في الربا. فالمضطر هو الذي يعيش ms2364 في مجاعة وإن لم يفعل ذلك يموت أو يموت ~~من يعول. وقد رخص الشرع للإنسان الذي لا يملك مالا أن يقترض من المرابي ~~إن لم يجد من يقرضه ليشتري دواء أو طعاما أو شيئا يضطر إليه لنفسه أو ~~لمن يعول. والإثم هنا يكون على المرابي، لا على المقترض لأنه مضطر. ولذلك ~~قال الحق: { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم ~~} ، أي أنه كاره للإثم وإن ذهب إليه. ولذلك يباح للمضطر على قدر دفع ~~الضرورة. لدرجة أن رجال الشريعة قالوا: إن على الإنسان المضطر ألا يأكل ~~من الميتة أو ما في حكمها بالقدر الذي يشبع، بل يأخذ أقل الطعام الذي ~~يمسك عليه رمقه ويبقى حياته فقط. فإذا كان يسير في الصحراء فعليه ألا ~~يأخذ من الميتة أو ما في حكمها إلا قدرا يسيرا لأنه لا يجد شيئا ~~يتقوت به. إذن فمعنى اضطر في مخمصة شرط أن يكون غير متجانف لإثم، أي لا ~~يكون مائلا إلى الإثم فرحا به، فعليه ألا يأخذ إلا على قدر الضرورة. ~~ومادام على قدر الضرورة فهو لن يحمل معه من هذه الأشياء المحرمة إلا ما ~~يقيم أوده ويمسك روحه. والمضطر هو من فقد الأسباب البشرية. وسبحانه ~~وتعالى قد بسط أسبابه في الكون ومد بها يديه إلى خلقه، وأمر الأسباب: ~~استجيبي لهم مؤمنين كانوا أو كافرين، فالذي يزرع ويحسن الزراعة والري ~~والبذر والحرث فالله يعطيه، والذي يتقن عمله كتاجر تتسع تجارته وتزيد ~~أرباحه. # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها # [الشورى: 20] إن عطاء الأسباب هو عطاء الربوبية. والمضطر هو من فقد ~~أسبابه. ولذلك فالحق يجيب المضطر إذا دعاه. وقد يقول قائل: إنني أدعو ~~الله ولا يجيبني. ونقول: إنك غير مضطر لأنك تدعو - على سبيل المثال - بأن ~~تسكن في قصر بدلا من الشقة التي تسكنها، وأنت تدعو بأن يعطيك الله سيارة ~~فارهة وأنت تملك وسيلة مواصلات عادية. # فالمضطر - إذن - هو الذي فقد الأسباب ومقومات الحياة. # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ms2365 ويكشف السوء # [النمل: 62] وقد ضربنا من قبل المثل - ولله المثل الأعلى - بتاجر يستورد ~~بضائع تصله من الخارج في صناديق ثقيلة. تحملها السيارات الضخمة، ويقوم ~~أحد العمال أمامه بحمل صندوق ضخم، فغلب الصندوق العامل. وهنا يقفز ~~التاجر ليسند العامل. وهذه هي المساندة في المجال البشري، إذن فلا يرد ~~واحد أسباب الله من يده ويقول من بعد ذلك: يارب أعني لأن الله في تلك ~~اللحظة يوضح للعبد: إن عندك أسبابي ومادامت أسبابي موجودة، فلا تطلب من ~~ذاتي إلا بعد أن تنفذ أسبابي من عندك لذلك يباح للمضطر أن يأخذ القدر ~~الذي يرد به السوء عن نفسه. { فمن اضطر في مخمصة غير ~~متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } ومادام سبحانه ~~قد رخص لنا ذلك، فما الداعي أن يذيل الآية بمغفرته ورحمته؟ ولنفهم أن ~~الإنسان يأخذ الغفر مرة على أنه ستر العقاب عنه، وقد يكون الغفر ستر ~~الذنب عن العبد لأن الله رحيم. وهذا ما يشرح لنا ما قاله الحق لرسوله: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك # [الفتح: 2] فسبحانه يغفر بستر العقاب، ويقدم الغفر لستر الذنب فلا ~~يقارفه الإنسان ويقول الحق بعد ذلك: { يسألونك ماذآ أحل... ~~}. ### || [5.4] # فبعد أن بين الحق ما حرم وما أحل، نجد أن المحلل غير محصور، بل ~~المحصور هو المحرم لأن الحق حرم عشرة أشياء، فإن هذه الأشياء العشرة ليست ~~هي كل الموجودات في الكون، فالموجودات في الكون كثيرة. وسبحانه وتعالى ~~حين خلق آدم وجعله يتناسل ويتكاثر للخلافة في الأرض قدر في هذه الأرض ~~مقومات استبقاء الحياة لذلك النوع. والاستبقاء نوعان: استبقاء حياة الذات ~~للإنسان، واستبقاء حياة نوع الإنسان، واستبقاء حياة الذات تكون بالتنفس ~~والشراب والطعام، واستبقاء حياة النوع تكون بالإنكاح والتناسل. إذن يوجد ~~بقاءان لاستمرار الخلافة: البقاء الأول: أن تبقى الحياة وذلك بمقوماتها، ~~والبقاء الثاني: أن يبقى نوع الحي وذلك بالتكاثر. وحتى تبقى الحياة ~~ويتكاثر الإنسان لا بد من وجود أشياء وأجناس تخدم الإنسان وتعطيه الطاقة. ~~وطمأننا سبحانه وتعالى على الرزق حينما قال: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق ms2366 الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين * ~~ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين # [فصلت: 9-11] وهو بذلك يخبرنا بأنه قدر في الأرض أقواتها، وقدر هذه ~~الأقوات للإنسان الخليفة في الأرض، لتقيت الإنسان لهذه الحياة، ويبقي ~~الإنسان نوعه بالإنكاح. وحين يعد العبد النعم التي وفرها له الحق يجدها ~~لا تحصى. ولم يحاول الإنسان على طول تاريخه أن يحسب ويحصي نعم الله في ~~الأرض لأن الإقبال على الإحصاء يكون نتيجة المظنة بالقدرة على الإحاطة ~~بالنعم. وقد عرف الإنسان بداية أنه لا يقدر على الإحاطة بنعم الله فلم ~~يجرؤ أحد على أن يعدها. ولذلك قال الحق سبحانه: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] وقد استخدم " إن " وهي للأمر المشكوك فيه. إذن فهي نعم ~~كثيرة لا نقدر على إحصائها. ونسأل: أيقول الحق لنا النعم المحللة أو ~~الأشياء المحرمة؟ وبما أن المحلل كثير لا نهاية له، وبما أن المحرم محصور ~~لذلك يورد لنا الأشياء المحرمة. وقد بين لنا الحق عشرة أشياء محرمة من ~~النعم. ونلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن عدم قدرة الإنسان على ~~إحصاء نعمه سبحانه وتعالى قال في آية: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان ~~لظلوم كفار # [إبراهيم: 34] وقال في آية أخرى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله ~~لغفور رحيم # [النحل: 18] وظاهر كلام الناس يقول: إنها عبارات تقال وتتكرر، ولكننا ~~نقول: يجب أن ننتبه إلى أن النعمة تحتاج إلى من يعطيها وهو المنعم، ومن ~~تعطى له وهو المنعم عليه. إذن فنحن أمام ثلاثة عناصر: نعمة، ومنعم، ~~ومنعم عليه. # أما من جهة النعمة وأفرادها فلن يقدر البشر على إحصائها لأنها فوق ~~الحصر. ومن جهة المنعم فهو غفور رحيم. ومن جهة المنعم عليه فهو ظلوم ~~كفار. لماذا يأتي الله لنا بمثل هذه الحقائق؟ إنه سبحانه لو عاملنا ~~بكفرنا وجحودنا وظلمنا لمنع ms2367 النعمة، ولكن استدامة نعمة الله علينا فضل ~~منه ورحمة لأنها تشملنا حتى ولو كنا ظالمين وكنا كفارا لذلك كان من ~~اللازم أن يأتي بهاتين الآيتين، فمن ناحية النعمة لن نقدر على حصرها. ومن ~~ناحية المنعم فهو غفور رحيم. ومن ناحية المنعم عليه فهو ظلوم كفار. ولذلك ~~فعندما يرتكب الإنسان ذنبا فإن أهل الإيمان يقولون له: لا تيأس فربك هو، ~~هو، إنه غفور رحيم. ولذلك لا تستحي أيها العبد أن تطلب من ربك شيئا على ~~الرغم من معصيتك، فالله غفور رحيم. وعندما ننظر إلى مقومات الأشياء، ~~فإننا نعرف المقوم الأساسي. لكن هناك مقومات تخدم المقوم الأساسي. ومثال ~~ذلك نحن نأخذ القمح وندرسه، ونصنع من حبوب القمح دقيقا لنصنع منه خبزا. ~~ويحتاج القمح إلى مقومات كثيرة حتى يخرج من الأرض - وهو مقوم أساسي - إن ~~القمح يحتاج إلى ري منتظم وحرث وخلاف ذلك، إذن فالذي خلقنا قدر لنا هذه ~~الأشياء، ومادام قد قدر لنا كل هذه الأشياء، فعلينا أن نسمع تعاليمه. وهو ~~قد أوضح: إياك أن تظن أن كل ما خلقت من خلق فأنا محله لك لأني قد أخلق ~~خلقا ليس من طبيعته أن تتناوله، وليس من طبيعتك أن تتناوله، ولكن لهذا ~~المخلوق عمل فيما تتناوله كالحرث والري والتسميد للقمح، إنها وسائل ~~وأسباب للحصول عليه. فإذا ما قال قائل: مادام هو سبحانه قد خلق هذه ~~المحرمات فلماذا حرمها؟ ونقول: هذه الأشياء ليس لها عمل مباشر فيك ولكن ~~لها عمل آخر في الكون. وإذا كنا نحن البشر نصنع آلة ما، ويقول المخترع ~~لنا: قد صممت هذه الآلة - على سبيل المثال - لتدار بالديزل، وآلة أخرى ~~تدار البنزين، والبنزين أنواع، ولو جئنا للآلة التي تدار ببنزين ووضعنا ~~لها سولارا، ما الذي يحدث لها؟ إنها تفسد، هذا في المجال البشري فما ~~بالنا بخالق البشر؟ لقد صنع الحق صنعته وهي الإنسان ووضع المواصفات التي ~~تسير هذه الآلة، وعلينا أن نخضع لتعاليمه حتى لا تفسد حياتنا فلا نخرج عن ~~تلك التعاليم لأنك عندما تخالف وتخرج عما وضعته لصنعتك من ms2368 نظام، فالآلة ~~التي من صناعتك تفسد. وفي حياتنا آلاف الأمثلة.. فالذي صنع الكهرباء ووضع ~~العلامات للأسلاك السالبة والأسلاك الموجبة، لنأخذ الضوء أو الحركة. وإذا ~~ما حدث خطأ في هذه التوصيلات الكهربية نفاجأ بحدوث قطع في الكهرباء، وقد ~~تحدث حرائق نتيجة شرارة من الاتصال الخاطئ. إذن فكل تكاثر وإنجاب من كل ~~سالب وموجب أي ذكر وأنثى لا بد أن يكون على مواصفات من صنعه وإلا يحدث ~~قطع ودمار، فإن تزوجنا بشرع الله ورسوله، استقامت الحياة، وإن حدث شيء ~~على غير شرع الله، تشتعل الحرائق في الكون. # ولذلك تجد العجب أمامك عندما تشهد عقد قران، تجد ولي الزوجة وهو مبتسم ~~منشرح يوجه الدعوات للناس لأن شابا جاء يتزوج ابنته ويقدم الحلوى، لكن لو ~~كانت هذه العروس تجلس في المنزل وحاول شاب أن يتلصص لرؤيتها، فما الذي ~~يحدث في قلب والدها؟ إنه يغلي من الضيق والغضب والتوتر ومن الذي يتلصص ~~لأنه ذهب إلى الفتاة بغير ما أحل الخالق. لكن عندما يدق الباب ويخطبها من ~~أبيها فالأب يفرح، فقد جاء في الأثر: جدع الحلال أنف الغيرة. ونجد الأب ~~ينتقل من موقف الغيرة إلى موقف الفرح يوم زفاف ابنته، وتذهب الأم صباح ~~اليوم التالي للزفاف لترى حالة ابنتها ولتطمئن، هل الابنة سعيدة أو لا؟ ~~إذن. فلا يقولن أحد: إن الله خلق أشياء فلماذا حرمها؟، لأن الله خلق تلك ~~الأشياء ولها عمل فيما أحل، ومادام سبحانه قد جعل لهذه الأشياء عملا ~~فيما أحل. فليس لك دخل إلا بالحلال. ولذلك يقول الحق ردا على تساؤل ~~المؤمنين: { يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم ~~الطيبات } أي أن كل طيب قد حلله الله، وكل خبيث حرمه الله، فلا ~~تقولن: هذا طيب فيجب أن يكون حلالا، وهذا خبيث فيجب أن يكون حراما، ولكن ~~قل: هذا حلال فيجب أن يكون طيبا، وهذا حرام فيجب أن يكون خبيثا. وإياك أن ~~تحكم أولا بأن هذا طيب وهذا خبيث ثم تبنى على ذلك التحريم والتحليل، فأنت ~~لا تعرف مثلما يعرف خالقك عن كيفية وجدوى ms2369 ترتيب الأشياء بالنسبة لك، حتى ~~لا تقع في دائرة الذين يستطيبون المسائل الضارة كهؤلاء الذين يتناولون ~~المخدرات والسموم والخمور، بل يجب أن تحرص على فهم ما أحل الله فستراه ~~طيبا، وترفض ما حرم الله لأنه خبيث، فلا تظن أبدا أن كل طيب ظاهريا محلل ~~لك لأن هذا الشيء الطيب في ظاهره قد يكون خبيثا. وعليك أن تترك تحديد ~~الطيب والخبيث لخالقك، فهو أدرى بك وبالمناسب لك. أما أنت فتعرف الشيء ~~الطيب من تحليل الله له. وتعرف الخبيث من تحريم الله له. والحكم هنا يكون ~~للتكليف، فالله هو الذي خلق، والله هو الذي يعلم الصالح للإنسان. ~~فالمسألة إذن ليست العناصر ولكنها إرادة الخالق لتلك العناصر، فهو الذي ~~قدر فهدى. الخلاصة إذن في هذا الموضوع هي: أن الحق أحل للمؤمنين الطيبات ~~وكل شيء أحله الله يكون طيبا، وكل شيء حرمه الله يكون خبيثا، فلا تنظر ~~أنت إلى الآراء البشرية التي يقول بعضها على شيء إنه طيب فيكون حلالا، ~~وإن ذلك الشيء خبيث فيكون حراما، فأنت وغيرك من البشر لا يعرفون ترتيب ~~الأشياء ولا فائدتها ولا مضرتها بالنسبة لك. # والدليل: أن البشر يتدخلون في بعض الأحيان في تحريم أشياء بالنسبة ~~لبعضهم البعض، فنجد الطبيب يقول للمريض: أنت مريض بالسكر فلا يصح أن ~~تتناول النشويات والسكريات. فإذا كنا نسمع كلام الطبيب وهو من البشر، ~~أفلا يجدر بنا أن نستحي ونستمع لأمر الخالق؟! بل نتجاسر ونسأل: لماذا ~~حرمت علينا يا رب الشيء الفلاني؟ وقد يخطئ الطبيب لكن الله لا يمكن أن ~~يخطئ. فهو ربنا المأمون علينا، فما أحله الله يكون الطيب وما حرمه يكون ~~الخبيث، وهذه قضية يتعرض لها أناس كثيرون، فعلى سبيل المثال نسمع من ~~يستشهد الاستشهاد الخاطئ وفي غير موضوعه بقول الحق: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286] ويقول: إن عملي يأخذ كل وقتي. ولا فسحة عندي لإقامة ~~الصلاة، والله لم يكلفنا إلا ما في الوسع. ونقول: وهل أنت تقدر الوسع ~~وتبني التكليف عليه؟ لا. عليك أن تسأل نفسك: أكلفك الله بالصلاة ms2370 أم لا؟. ~~فإذا كان الحق قد كلفك بالصلاة، وغيرها من أركان الإسلام فهو الذي علم ~~وسع الإنسان في العمل. ويجب أن تقدم التكليف أولا لتعرف طاقة الوسع من ~~بعد ذلك. وكذلك أسأل نفسك عما حلله الله واعرف أنه طيب وما حرمه الله فهو ~~خبيث. { يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم ~~الطيبات } وإذا سألنا ما تلك الطيبات؟ عرفنا أنها غير ما حرم الله، ~~فكل غير محرم طيب، أو أنهم سألوا عن أشياء سيكون الجواب السابق هو ~~الإجابة الطبيعية لها، وقدم الله الإجمال الذي سبق أن شرحناه. وبعد ذلك ~~يكون المسئول عنه في مسألة الصيد بالكلاب، فجاء لهم بالبيان في مسألة ~~الصيد بالكلاب، وكانت تلك مسألة مشهورة عند العرب بالجاهلية، وكذلك صيد ~~الطيور. فقال: { قل أحل لكم الطيبات وما علمتم ~~من الجوارح } فقد وضع الحق القضية العامة أولا، ثم خصص بعد ذلك. ~~لقد كانت مسألة صيد الجوارح موضوع سؤال من عدي بن حاتم - رضي الله عنه - ~~عن الصيد بالكلاب وبالطيور. وعلينا أن نحسن الفهم عن القرآن بحسن الفهم ~~عن النص، فالحق يقول هنا: { أحل لكم الطيبات وما ~~علمتم من الجوارح } فهل الكلاب والفهود والنمور التي تصطاد ~~بواسطتها هي المحللة لنا لأننا علمناها الصيد؟ لا. { قل أحل لكم ~~الطيبات } هي قضية منتهية. وبعد ذلك فهنا كلام جديد هو: { وما ~~علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما ~~علمكم الله فكلوا ممآ أمسكن عليكم }. إذن ~~فالذي أحل هو ما أمسكت ما علمت من الجوارح، وليست الجوارح التي يعلمها ~~الإنسان، أي أن الحق أحل لنا الطيبات وأكل ما أمسكت علينا الكلاب التي ~~علمناها الصيد. و " الجوارح " مفردها " جارح " ومعناها " كاسب " ، ولذلك ~~تسمى أيدينا جوارح، وعيوننا جوارح، وآذاننا جوارح لأننا نكسب بها ~~المدركات. # فالعين جارحة تكسب المرئي، والأذن جارحة تكسب المسموع. والأنف جارحة ~~تكسب المشموم. واللمس جارحة لأننا نكسب بها الملموس. ويقول الحق سبحانه ~~وتعالى: # وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار # [الأنعام: 60] و " ما جرحتم " أي ما كسبتم، إذن فالجارحة هي الكاسبة. ~~وقوله الحق: { وما ms2371 علمتم من الجوارح } مقصود به ~~الحيوانات التي نعلمها كيف تصطاد لنا، وسميت جوارح، لأنها كاسبة لأصحابها ~~الصيد، فالإنسان يطلقها لتكسب له الصيد، أو أنها في الغالب تجرح ما ~~اصطادته. وكلا المعنيين يصح ويعبر. والأصل في ما علم الإنسان من ~~الجوارح هو الكلاب، وألحق بالكلاب غيرها مثل الفهود والنمور والصقور. ~~والحق قال: { وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله } أي ما بذلتم من جهد في ~~تدريب هذه الجوارح للصيد، فالإنسان لا يطلق الكلب أو الصقر ليصطاد، لكنه ~~يقوم - أولا - بتدريب الحيوان على ذلك. ومثال ذلك: عندما يقوم مدرب ~~القرود بتدريب كل قرد على الألعاب المختلفة، وكذلك مدرب " السيرك " الذي ~~يقوم بتدريب الأسود والفيلة، فهذا الفيل الضخم يقف بأربعة أرجل على ~~اسطوانة قطرها متر واحد، وذلك كله ممكن بالتدريب بما علمكم الله وألهمكم ~~أيها البشر وبما أعطاكم من طول البال وسعة الحيلة. وننتبه هنا إلى نقطة ~~هامة: إن الإنسان يقوم بتدريب الحيوان على ألعاب ومهام مختلفة ولكن الفيل ~~- على سبيل المثال - لا يقدر على تدريب ابنه الفيل الصغير على الألعاب ~~نفسها. وهذا هو الفارق بين الإنسان والفيل، فابن الإنسان يتعلم من والده ~~وقد يتفوق عليه، لكن تدريب الحيوان مقصور على الحيوان نفسه ولا يتعداه ~~إلى غيره من الحيوانات من الجنس نفسه أو الذرية فلا يستطيع الحيوان الذي ~~دربته وروضته وعلمته أن ينقل ذلك إلى ذريته ونسله فلا يستطيع أن يعلم ~~ابنه. وكلمة " مكلب " تعني الإنسان الذي يعلم الكلاب ويدربها على عملية ~~الصيد. وقال البعض: إن " مكلب " أي الرجل الذي يقتني الكلاب لكنا نقول: ~~إن الإنسان قد يقتني الكلاب لكنه لا يقوم بتدريبها، إذن المكلب هو الذي ~~يحترف تدريب الكلاب، ومثله مثل سائس الخيل الذي يدرب الخيل فالحصان يحتاج ~~إلى تدريب قبل أن يمتطيه الإنسان أو قبل أن يستخدمه في جر العربات. ~~ولماذا ذكر الله " المكلبين " ولم يذكر مدربي الفهود؟. لأن الغالب أن ~~الكلب شبه مستأنس، أما استئناس الفهد فأمر صعب بعض الشيء. و " مكلبين " ~~تعني المنقطعين لتعليم الكلاب عملية الصيد. ms2372 ويعرف معلم الكلاب أن الكلب ~~قد تعلم الصيد بأنه إذا ما أغراه بالصيد فإن الكلب يذهب إليه. وإذا ما ~~زجره المدرب فهو يرجع من الطريق. وإذا ما ذهب الكلب إلى الصيد بعد تعليمه ~~وتدريبه وأمره المدرب أن يحمل الصيد ويأتي فالكلب يطيع الأمر. # ويأتي بالصيد سليما ولا يأكل منه. فهذه أمارة وعلامة على أن الكلب تعلم ~~الصيد ويمكن تلخيصها في هذه الخطوات: إذا أرسلته للصيد ذهب، وإذا زجرته ~~انزجر، وإذا استدعيته جاء ويأتي بالصيد سليما لا يأكل منه. فإن أكل ~~الكلب من الصيد فهو غير معلم لأنه أمسك الصيد على نفسه، ولم يمسكه على ~~صاحبه. ولذلك حدد الحق عملية الصيد بقوله عن الحيوانات التي تؤدي هذه ~~المهمة: { ممآ أمسكن عليكم }. ومن ضمن عملية التدريب هناك ~~إطار إيماني، فالتدريب العضلي هو عملية يعلمها المكلب للكلب، أما ~~الإطار الإيماني فهو ذكر اسم الله على الصيد: { واذكروا اسم ~~الله عليه } وذلك حتى يكون الصيد حلالا، ولا يقع في دائرة { ~~ومآ أهل لغير الله به }. وإذا ما هجم الكلب على الصيد ~~وقتله، يكون الصيد حلالا، إن كان صاحب الكلب قد قال: " بسم الله والله ~~أكبر " قبل أن يرسل الكلب إلى الصيد. وإن لم يذكر اسم الله فعليه أن ~~ينتظر إلى أن يعود الكلب بالصيد، فإن كان في الصيد الحياة فليذكه أي ~~يذبحه، ويذكر اسم الله، وإن مات الصيد قبل ذلك فلا يأكل منه. وكذلك إذا ~~ما اصطاد الإنسان بالبندقية.. إن ذكر اسم الله أولا وقبل أن يطلق ~~الرصاصة فليأكل من الصيد. { يسألونك ماذآ أحل لهم قل ~~أحل لكم الطيبات } هذه هي القضية العامة، ومن بعد ذلك يحدد ~~لنا الحق ألا نأكل الكلاب، ولكن هذه الكلاب التي نعلمها الصيد وتصطاد لنا ~~ما نأكله بشرط أن تذكر اسم الله على الصيد قبل إطلاق الكلب للصيد، أو بعد ~~أن تذبح الصيد الذي اصطاده الكلب، فذكر اسم الله مسألة أساسية في تناول ~~النعم، لأننا نذكر المذلل والمسخر، ولا يصح أن نأخذ النعمة من وراء ~~صاحبها دون أن نتذكره ms2373 بكلمة. ويذيل الحق الآية بقوله: { واتقوا ~~الله إن الله سريع الحساب } وتقوى الله في هذا المجال ~~تعني ألا يؤدي الإنسان هذه الأمور شكليا، وعلى المؤمن أن يتقي الله في ~~تنفيذ أوامره بنية خالصة ودقة سلوك لأنه سبحانه سريع الحساب بأكثر من ~~معنى، فمهما طالت دنياك فهي منتهية. ومادام الموت هو نهاية الحياة ~~فالحياة قصيرة بالنسبة للفرد. وإياك أن تستطيل عمر الدنيا لأن عمر الدنيا ~~لك ولغيرك فلا تحسب الأمر بالنسبة إليك على أساس عمر غيرك الذي قد يطول ~~عن عمرك. إذن مدة الحياة محدودة، ومادام الموت قد جاء، فعلى المؤمن أن ~~يتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته ". # والإنسان منا يعرف من خبر القرآن أن الموت مثل النوم. لا يعرف الإنسان ~~منا كم ساعة قد نامها، ونعرف من خبر أهل الكهف أنهم تساءلوا فيما بينهم: # وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم قال قائل ~~منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ~~قالوا ربكم أعلم بما لبثتم # [الكهف: 19] إذن هم لم يتبينوا أنهم ناموا ثلاثمائة عام وتسعة أعوام إلا ~~بعد أن سألوا، وكذلك من يموت فهو لن يدري كم مات إلا يوم البعث. أو أنه ~~سبحانه سريع الحساب أي أن له حسابا قبل حساب الآخرة، وهو حساب الدنيا. ~~فعندما يرتكب العبد المخالفات التي نهى عنها الله، ويأكل غير ما حلل ~~الله، فهو سبحانه قادر على أن يجازي العبد في الدنيا في نفسه بالأمراض أو ~~التعب أو المرض النفسي، ويقف الأطباء أمام حالته حائرين. وقوله الحق: { ~~إن الله سريع الحساب } يصح ان تكون السرعة في الحساب في ~~الدنيا ويصح أن تكون في الآخرة. أو أنه سبحانه سريع الحساب بمعنى أنه ~~يحاسب الجميع في أقل من لمح البصر، فالبعض يظن ظنا خاطئا أنهم سيقفون ~~يوم القيامة في طابور طويل ليتلقى كل واحد حسابه. لا، هو سبحانه يحاسب ~~الجميع بسرعة تناسب طلاقة قدرته. ولذلك عندما سئل الإمام علي - كرم الله ~~وجهه -: كيف سيحاسب الله كل الناس في وقت ms2374 واحد ويقال إن مقداره كنصف يوم ~~من أيام البشر؟. فقال الإمام علي: فكما يرزقهم جميعا في وقت واحد هو ~~قادر على حسابهم في وقت واحد. فسبحانه لم يجعل البشر تقف طابورا في ~~الرزق، بل كل واحد يتنفس وكل واحد يأكل، وكل إنسان يسعى في أرض الله ~~لينال من فضله. ولا أحد بقادر على أن يحسب الزمن على الله لأن الزمن إنما ~~يحسب على الذي يحدث الحدث وقدرته عاجزة، لذلك يحتاج إلى زمن. إننا عندما ~~ننقل حجرا متوسط الحجم من مكانه فإن ذلك لا يكلف الرجل القوي إلا بعضا ~~من قوته، لكن هذا العمل بالنسبة لطفل صغير يحتاج إلى وقت طويل، فما ~~بالنا بخالق الإنسان والكون؟ وما بالنا بالفاعل الذي هو قوة القوى؟ هو لا ~~يحتاج إلى زمن، وهو سريع الحساب بكل المعاني. ومن بعد ذلك يقول الحق: { ~~اليوم أحل لكم الطيبات... }. ### || [5.5] # سبحانه يبدأ الآية بتكرار الأمر السابق: { اليوم أحل لكم ~~الطيبات }. وأعادها حتى يؤكد على أن الإنسان لا يصح أن ينظر إلى ~~الأمر الطيب إلا من زاوية أنه محلل من الله. وبعد أن تكلم الحق سبحانه عن ~~كيفية تناول المحللات، وأسلوب التعامل مع الصيد. نأتي هنا لوقفة، فسبحانه ~~يقول: { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم } فهل كل طعام أهل الكتاب حل لنا؟ إن بعضهم ~~يأكل الخنزير. لا، بل الحلال من طعام أهل الكتاب هو الطعام الذي يكون من ~~جنس ما حلل الله لكم، ولا يستقيم أن يستنكف الإنسان من أنه طعام أهل كتاب ~~لأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يجعل من الإنسان الذي ارتبط بالسماء ~~ارتباطا حقيقيا كالمسلمين، ومن ارتبطوا بالسماء وإن اختلف تصورهم لله، ~~يريد سبحانه أن يكون بينهم نوع من الاتصال لأنهم ارتبطوا جميعا بالسماء، ~~ويجب أن يعاملوا على قدر ما دخلهم من إيمان باتصال الأرض بالسماء. إياك ~~أن تقول بمقاطعة أهل الكتاب لا، ولكن انظر إلى طعامهم فإن كان من جنس ~~الطعام المحلل في الإسلام فهو حلال. ولا يصح أن تمنع واحدا من ms2375 أهل ~~الكتاب من طعامك لأن الله يريد أن ينشئ شيئا من الألفة يتناسب مع الناس ~~الذين سبق أن السماء لها تشريع فيهم ويعترفون بالإله وإن اختلفوا في ~~تصوره. وضرب لنا - سبحانه - المثل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي ~~أول مجيء الدعوة الإسلامية، واجهت معسكرا ملحدا يعبد النار، ولا يؤمن ~~بالإله وهو معسكر فارس ومعسكرا يؤمن بالإله وهو معسكر الروم كانت هناك ~~قوتان في العالم: قوة شرقية وقوة غربية. وعندما يأتي رسول ليأخذ الناس ~~إلى طريق الله، فلا بد أن يكون قلبه وقلوب المؤمنين معه مع الذين آمنوا ~~بإله وبنمهج ورسالة، ولا يكون قلبه مع الملاحدة الذين يعبدون غير الله. ~~ولنر العظمة الإيمانية في الرسول عليه الصلاة والسلام. نجد الذين يؤمنون ~~بالله ويكفرون به كرسول أولى عنده ممن يكفرون بالله. ولذلك عندما قامت ~~الحرب بين فارس والروم كانت الغلبة أولا لفارس. وكانت عواطف الرسول ~~والذين آمنوا معه مع الروم لأنهم أقرب إلى معسكر الإيمان الوليد وإن ~~كانوا يكفرون بمحمد فقد كانوا يؤمنون بالله، وأن هناك منهجا وهناك يوم ~~بعث، ولذلك يضربها الحق مثلا في القرآن ليعطينا عدة لقطات، وأولى هذه ~~اللقطات هي أن المسلمين في جانب من عنده رائحة الإيمان، فيقول سبحانه: # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من ~~قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر ~~الله ينصر من يشآء وهو العزيز الرحيم # [الروم: 1-5] وتبدأ هذه الآيات بخبر عن هزيمة الروم، ثم نبوءة من الحق ~~بأنهم سيغلبون في بضع سنين. ويوم نصرهم سيفرح المؤمنون بنصر الله. وتنظر ~~القوة الإسلامية التي جاءت لتؤسس دينا واسعا جامعا مانعا إلى معركة بين ~~دولتين عظميين كلتيهما على أقصى ما يكون من الرقي الحضاري، هذه القوة ~~الإسلامية تتعاطف مع الروم وتحزن - القوة الإسلامية - لأن الفرس قد ~~غلبت. فيأتي الحق بالخبر اليقين وهو ستغلب الروم. وبالله من الذي ~~يستطيع أن يحكم في نهاية معركة بين قوتين عظميين؟ إنه حكم لا يستغرق ~~يوما، حتى ولو ms2376 كان قائله عرف أن هناك مددا قادما للقوة التي ستنتصر، إنه ~~حكم يستغرق بضع سنين. فمن الذي يستطيع أن يتحكم في معركة ستحدث بعد بضع ~~سنين؟ لا يستطيع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجازف بهذا الحكم، وهو لا ~~يعرف استعدادات كل قوة وحجم قواتها وأسلحتها، لكن الأمر يأتي كخبر موثق ~~من الله: # وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين # [الروم: 3-4] وهذا كلام موثق، لأنه قرآن مسطور يقرأه المؤمنون تعبدا. ~~وعندما سمع أبو بكر الصديق هذه الآية، قال لقد أقمت رهانا بأن الروم ~~ستنتصر بعد ثلاث سنين، وطالبه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمد مدة ~~الرهان لأن الله قال: { في بضع سنين } والبضع ما بين الثلاث إلى ~~التسع، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا أبي بكر - رضي الله ~~عنه - فزايده في الخطر وماده في الأجل فجعلت مائة قلوص ناقة إلى تسع ~~سنين. كأن هذا الأمر قد لقي الوثوق الكامل من المؤمنين لأن الله سبحانه ~~وتعالى قد أخبر بالنصر. لقد أوردنا ذلك هنا حتى نفهم أن عواطف الرسول صلى ~~الله عليه وسلم كانت مع الذين يؤمنون بكتاب وبرسول. ونحن هنا نجد الحق ~~يحلل لنا مطاعمة أهل الكتاب حتى تكون هناك صلة بيننا وبين من يؤمن بإله ~~وبمنهج السماء: { وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ~~وطعامكم حل لهم }. وأوضح الحق سبحانه ذلك في آيات أخرى ~~حينما قال: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ~~وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * ~~إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين ~~وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن ~~تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون # [الممتحنة: 8-9] فسبحانه يريد أن نوازن في أسلوب تعاملنا فلا نساوي بين ~~ملحد مشرك ومؤمن بصلة السماء بالأرض وإن كفر برسول الله. وأن يكون هناك ~~قدر محدود من التواصل الإنساني. فالذي يحل للمؤمنين من طعام أهل الكتاب ~~هو الذي يكون حلالا في منهج الإسلام. ويجب أن ينتبه المسلم ms2377 إلى أن بعض ~~أطعمة أهل الكتاب تدخلها الخمور وعليه الامتناع عن كل ما هو محرم في ~~ديننا ولياكل من طعامهم ما هو حلال لدينا. # فلا يشرب المسلم خمرا، ولا يأكل المؤمن لحم الخنزير. والطعام كما نعلم ~~وسيلة لاستبقاء الحياة. وها هوذا ينتقل إلى استبقاء النوع وهو التناسل ~~فقد أحل الله لنا أن نتزوج من بناتهم { والمحصنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم إذآ آتيتموهن أجورهن ~~محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان }. ~~والمحصنة لها معنيان: وهي إما أن تكون الحرة في مقابل الأمة، وإما أن ~~تكون المتزوجة لأن الإحصان يعني الوقاية من أن تختلط اختلاطا غير شريف. ~~وكانت الحرة قديما لا تفعل الفعل القبيح. وكان البغاء مقصورا على الإماء ~~لأن الأمة لا أب لها ولا أخ ولا عائل، وهي مهدرة الكرامة. ولذلك نجد ~~أن هندا زوجة أبي سفيان عندما سمعت عن الزنا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تساءلت: يا رسول الله أو تزني الحرة؟! كأن الحرة لم تكن لتزني في ~~الجاهلية لأن الحرة تستطيع أن تمتنع عكس غيرها. والمحصنة أيضا هي ~~المتزوجة. ويساوي الحق بين المحصنة من المؤمنات والمحصنة من أهل الكتاب، ~~والمراد هنا الحرة العفيفة ويشترط وضع المهر لكل واحدة منهن. وبعض ~~العلماء يقول: عندما تتزوج مسلمة يكفي أن تسمي لها المهر، لأن الدين ~~الواحد يعطي الأمان العهدي، أما الزواج من كتابية فيجب أن يحدد الإنسان ~~المهر وأن يقرره وأن يوفي بذلك. فالإيتاء هو أن يسمي الإنسان المهر ~~ويقرره ويشهد عليه الشهود. ويستطيع أن يجعل الإنسان المهر كله مؤخرا. ~~والشرط أن يكون الرجل محصنا أي متعففا. ويحدد الحق: { غير ~~مسافحين ولا متخذي أخدان } أي صدائق لهم دون زواج، ~~والسفح هو الصب. والمرأة البغي هي من يسفح معها أي رجل، والخدن هي ~~الخليلة أو العشيقة دون زواج، والخدن كذلك يطلق على الذكر كما يطلق على ~~الأنثى. وإياك أن تفكر في أمر إقامة علاقة زواج متعة، بل لا بد أن يكون ~~الإقبال على الزواج بنية الزواج التأبيدي لا الزواج الاستمتاعي. ms2378 ويقول ~~الحق من بعد ذلك: { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ~~وهو في الآخرة من الخاسرين } لأن فائدة الإيمان أن يستقبل ~~المؤمن الأحكام ممن آمن به إلها وينفذها. فإن سترت شيئا من أحكام الله ~~التي آمنت بها فقد كفرت بالإيمان. والحق لا يضره أن يكفر الناس جميعا ~~لأنه هو الذي خلق الخلق بداية وهو متصف بكل صفات القدرة والكمال. إذن ~~فالعالم كله لا يضيف إلى الله شيئا، فقبل أن يخلق الله الإنسان كانت كل ~~صفات الكمال موجودة لله. وكل ثمار الطاعة والعبادة والإيمان إنما تعود ~~على الإنسان. فإن جاء الإنسان إلى الأحكام التي شرعها الله له، وستر حكما ~~منها فكأنه كفر بقضية الإيمان. وإن أنكر جزئية من جزئيات الإيمان، فهذا ~~لون من الكفر، ويا ليت من يفعل ذلك أن يقول: " إن هذه الجزئية صحيحة ولكن ~~لا أقدر على نفسي ". # ففي هذه الحالة يكون الإنسان مؤمنا عاصيا يستغفر الله أو يتوب، أما ~~الكفر فلا: والكفر بالإيمان يؤدي إلى حبط العمل. وهذا دليل على أن الحق ~~يخاطب إنسانا يلتزم في بعض الأشياء ولا يلتزم في البعض الآخر. وهنا يوضح ~~الحق للإنسان: إن ما أديت من خير في أعمالك سيذهب بثوابه ويحبط جزاءه ما ~~منعت تنفيذه من أحكام الله، وجاء الحق بكلمة " حبط " التي تدل على أن ~~العمل بطل وذهب ذهابا لا يعود. فالماشية حين تأكل طعاما لم ينضج بعد وإن ~~كان من جنس ما تطعم مثل البرسيم في بدايته ويسمى " الربة " ، هذا اللون ~~من الطعام عندما ترعى فيه البهائم يحدث لها انتفاخ في البطن وتموت. ~~والعرب تسمي هذا الداء الحباط. فالحبط إذن هو انتفاخ البطن في الماشية ~~التي تأكل أكلا غير مناسب لها. ويظن صاحبها أنها قد سمنت بينما هي تموت ~~في الواقع. وكذلك يكون العمل على غير ما شرع الله. والحق بدأ قضايا ~~الإيمان في هذه السورة بقوله: # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود # [المائدة: 1] فكل عقد إيماني يتعلق بالوحدانية لله وبالبلاغ عن الله، ~~وكل عقد عقد بين المؤمنين بعضهم بعضا، ms2379 وكل عقد عقده الإنسان بينه وبين ~~نفسه هذه العقود مطلوب الوفاء بها، ومن يكفر بهذه الأشياء فقد حبط عمله. ~~وحبط العمل يأتي نتيجة أن الإنسان أنهى عمله وختمه بهذا اللون من الكفر ~~وظن أنه عمل عملا صالحا. لكن العمل يحبط تماما كما تذهب البهيمة لترعى ~~شيئا لا يتناسب معها فينتفخ بطنها. فيخيل للرائي أن ذلك شبع وأن ذلك ~~عافية، ثم لا تلبث أن تنفق وتموت. كذلك عمل الذي يكفر بالإيمان، يظن أنه ~~عمل شيئا ولكن ذلك الشيء متلف له. والآيات القرآنية تكلمت عن هذا المعنى ~~كثيرا فالحق يقول عن الكافرين بالله: # أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى ~~إذا جآءه لم يجده شيئا # [النور: 39] ونعلم أن السراب هو شيء من انعكاسات الضوء يخدع الرائي ~~السائر في الصحراء فيظن أنه ماء، ويسير إليه الإنسان فلا يجده ماء، هكذا ~~يكون عمل الذي يكفر بآيات الله. إنها أعمال تبدو متوهمة النفع. وقول الحق ~~سبحانه: { ووجد الله عنده } أي أن مثل هذا الإنسان يفاجأ بوجود ~~الله، كأن مسألة وجود الإله لم تكن بخياله من قبل، والإنسان لا يأخذ أجره ~~إلا لمن عمل به. فهل عمل الواحد من هؤلاء لله حتى يأخذ منه أجرا؟. لا. ~~لم يعمل لله، ولذلك نجد أن بعض السطحيين في الفهم يقولون: كيف لا يجزي ~~الله الجزاء الحسن هؤلاء العلماء الذين اخترعوا العلاجات للأمراض، ~~والعلماء الذين ابتكروا الأشياء التي تنفع الناس؟ كيف لا يحسن الله ~~جزاءهم في الآخرة؟ ونقول: لقد فعلوا ذلك ولم يكن الله في بالهم، كان في ~~بالهم الإنسانية، وقد أعطتهم الخلود في الذكرى وأقامت لهم التماثيل ~~ومنحتهم أوسمة ووضعت فيهم المؤلفات لتمدحهم. # هم قد عملوا للناس فأعطاهم الناس. وهؤلاء الكافرون بتقدمهم في العلوم ~~مسخرون للإنسان المؤمن فالمؤمن يستفيد من الكهرباء، وينتفع بها المسلمون ~~ليقرأوا القرآن والعلم والذكر. ويستفيد المسلم من الطائرات فيذهب بها إلى ~~الحج وزيارة المدينة المنورة، وينتفع بها كذلك في شئون دنياه، وعلى ~~المؤمنين أن يأخذوا بالأسباب حتى لا يكونوا أذلة وعالة على غيرهم. والحق ~~يسخر ms2380 علم الكفار للمؤمنين، ولا يثاب الكفار على هذا العمل من الله. ولذلك ~~يقول الحق عن أعمالهم مرة: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39] ومرة أخرى يقول الحق: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما ~~كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد # [إبراهيم: 18] وها هوذا سبحانه وتعالى يقول: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا * أولئك الذين كفروا بآيات ~~ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم ~~يوم القيامة وزنا # [الكهف: 103-105] إذن فالإنسان الذي يستر الإيمان بعضه أو كله، هو إنسان ~~حابط العمل، وهو في الآخرة من الخاسرين لأن النجاح في الآخرة نتيجة لعمل ~~الدنيا. ومادام قد عمل لغير الله في الدنيا فلا بد أن يكون من الخاسرين ~~في الآخرة. وقوله الحق: { وهو في الآخرة من الخاسرين } ~~يوضح لنا ضرورة ألا نخدع ويغرر بنا لأن بعضا من الكافرين يكسب بعضا من ~~الشهرة والجاه والثروة نتيجة اختراعاتهم فكل ذلك أمور فانية، وهم ~~مستسلمون لسنة الله، فإما أن يفوتهم النعيم وإما أن يفوتوا النعيم. ~~والحساب الختامي يكون في الآخرة، فالكافر وإن أخذ شيئا من الكسب في ظاهر ~~هذه الحياة الدنيا فهو خاسر في الآخرة. وبعد ذلك ينتقل الحق ليربط لنا كل ~~قضايا الدنيا رباطا وافيا. فبعد أن يتكلم عن مقومات الحياة وعن مقومات ~~النوع بالإنكاح وغيره، يوضح: كل هذه نعم أعطيتها لكم وأريد أن آخذ ~~بأيديكم بعد أن بينت لكم فضل هذه النعم عليكم لتلتقوا بصاحب كل هذه ~~النعم. هو سبحانه يريد أن يأخذنا من مشاغل الدنيا لنلقى المنعم. وحتى ~~تلقى أيها المسلم الإله المنعم - سبحانه - فلا بد أن تعد نفسك لهذا ~~اللقاء لأنها ليست مسألة طارئة فلا بد من الإعداد الروحي والإعداد البدني ~~والإعداد المكاني والإعداد الزماني. إن الإعداد البدني يكون بالطهارة. ~~والإعداد الزماني هو مواقيت الصلاة. والإعداد ms2381 المكاني هو وجود مكان طاهر ~~لإقامة الصلاة وإعداد اتجاهي بتحديد وجهة الصلاة إلى القبلة. # وهذه كلها مواصفات تهيئ النفس البشرية للوقوف بين يدي من أنعم على ~~الإنسان بكل النعم. ولذلك نقول: إن الصلاة إعلان استدامة الولاء الإيماني ~~للخالق الممد المنعم فهو الذي خلق من عدم وأمد من عدم. وقد فرض الحق ~~سبحانه وتعالى الصلاة خمس مرات في اليوم ليقطع على الإنسان سبيل الغفلة ~~عنه. وإذا ما أراد الإنسان أن يلقى الله في الأوقات التي بين الصلوات ~~وأراد أن يعلن استدامة الإيمان وهو يقوم بأي عمل غير الصلاة فليذكر الله ~~لأننا نعرف القاعدة الشرعية القائلة: [ما لا يتم الواجب إلا به فهو ~~واجب]. مثال ذلك أن الإنسان حين يصلي فهو يحتاج إلى قوة. والقوة تتولد في ~~الجسم نتيجة تناول الطعام. إذن عملية صناعة الطعام أمر واجب وكل ما يترتب ~~على ذلك عملية واجبة. ولذلك عندما يأتي واحد ويقول: أريد أن أنقطع ~~للعبادة وأعتزل حركة الحياة. لنقل له: افعل ذلك بشرط واحد هو ألا تنتفع ~~بحركة متحرك واحد في الحياة، ولا تتناول أي طعام، ذلك أن الرغيف الذي ~~يقدمه لك إنسان هو من عمل بشر كثيرين لم ينقطعوا عن الحياة. ولنقل أيضا: ~~لماذا ترتدي هذا الجلباب؟. إنه نتيجة حركة حياة بشر آخرين، فهناك من زرع ~~القطن وآخر حلج هذا القطن وثالث حوله إلى غزل ورابع نسجه وخامس قام ~~بتفصيل هذا الجلباب. ولتنظر إلى ما خلف كل واحد من آلات. وإياك أن ~~تنتفع بحركة واحد مشغول بالأسباب مادمت قد قررت الانقطاع عن حركة الحياة. ~~إن الشغل بالأسباب عبادة لأن العبادة لا تتم إلا به. وما لا يتم الواجب ~~إلا به فهو واجب. ولذلك فتعلم المهارات المفيدة للحياة هو فرض كفاية ~~والفرض الواجب على الإنسان: احد اثنين: إما فرض عين وهو الأمر المكلف به ~~الفرد ولابد أن يؤديه ولا يجوز أن يؤديه أحد نيابة عنه كالصلاة، وإما ~~فرض كفاية: وهو ما لا يتم الواجب إلا به لذلك كان واجبا، فكل منا يريد ~~الطعام. لذلك ms2382 لا بد من تقسيم العمل، فهذا يزرع وهذا يصنع، فلا بد من ~~زراعة القمح ولا بد من إقامة المطاحن ولا بد من إقامة الأفران. ولا بد من ~~مهندسين يصممون هذه الآلات. وكل ذلك أمور تسهل للإنسان أن يمتلك القوة ~~لأداء الصلاة وأن يقف بين يدي الحق ليؤدي الصلاة. إذن فكل ذلك أمر واجب، ~~وهو فرض كفاية. أي أنه فرض إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإن لم يقم ~~به بعضنا يكون الإثم على الجميع. ومثال آخر هو الصلاة على الميت هي فرض ~~كفاية، فمن يصلي على الميت فهو يؤدي عنا، وإن لم يصل أحد على الميت يكون ~~الإثم على كل مسلم، هكذا تتسع رقعة الإثم. # وكل الأعمال التي لا يتم الواجب إلا بها فهي واجب، ولذلك فهي فرض كفاية، ~~إن قام به البعض سقط الطلب عن الباقين، وإن لم يقم به البعض فالإثم على ~~الجميع. وما موقف ولي الأمر في هذا؟. على ولي الأمر أن يفرض القيام بفرض ~~الكفاية على أحد الناس، وإلا تعطلت الواجبات التي نقول عنها: إنها واجبات ~~دينية. فحين يذهب المسلم إلى السوق فلا يجد خبزا يضعف ولا يملك الفكاك ~~من المجاعة ولن يقدر على الصلاة أو العمل لينتج أو يجد ادخارا يكفيه أن ~~يحج إذن: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى ~~حينما حثنا على أداء الصلاة في يوم الجمعة يقول: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون # [الجمعة: 9] هو سبحانه يخرجنا من العمل إلى الصلاة، ولم يخرجنا إلى ~~الصلاة من فراغ، لنلتفت إلى دقة الأداء القرآني حين يقول الحق: { ~~وذروا البيع } وحين يذر الإنسان البيع، فهو يذر الشراء من باب ~~أولى لأن البيع والشراء وجهان لعملية واحدة. والخلاف فقط أن المشتري قد ~~يشتري السلعة وهو كاره لأن يشتري لأنه يستهلك نقوده فيما يشتريه، أما ~~البائع فيريد أن يحصل على ثمن البيع فورا، وغالبا ما ms2383 يحصل على ربح من ~~وراء ذلك، وتلك هي قمة الكسب. فكسب الزارع - على سبيل المثال - يأتيه بعد ~~شهور من الزراعة. وكسب الموظف يأتيه أول الشهر. لكن البائع يحصل على ~~الكسب فورا. ولذلك يأمرنا الحق أن نذر البيع إذا سمعنا نداء الصلاة يوم ~~الجمعة، وماذا بعد انتهاء الصلاة؟. ها هوذا الحق يقول: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون # [الجمعة: 10] إذن فلا يقولن أحد أنا منقطع طوال حياتي للصلاة. فلن ~~يستطيع أحد أن يذهب إلى الصلاة ما لم يكن يملك مقومات حياته. ومقومات ~~الحياة تقتضي أن يضرب الإنسان في الأرض. ولا بد أن يبتغي الإنسان من فضل ~~الله. إذن، فالسعي في الأرض هو عبادة لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو ~~واجب. ويريد الحق سبحانه وتعالى ألا يعزل قضية تتعلق بمقومات الحياة ~~طعاما وإنكاحا عن الصلاة. فيأتي الحق سبحانه وتعالى بشروط الوضوء ~~استعدادا للصلاة بعد أن يتحدث عن أحكام تحليل الأطعمة وتحريم بعضها، ~~وبعض من أحكام النكاح، وذلك لنعرف أن مسئوليات الإيمان كلها مترابطة، فلا ~~يصح أن نعزل عملا ونقول: هذا عمل تعبدي وذاك عمل غير تعبدي. والمؤلفون ~~عندما يضعون الكتب في الفقه ويخصصون أقساما في هذه الكتب للعبادات ~~وأقساما للمعاملات، فهذا التقسيم تقسيم تصنيفي تأليفي، لكن كل ما يطلبه ~~الكون لينصلح فهو عبادة لخالق هذا الكون، بدليل أنه قال: { فاسعوا ~~إلى ذكر الله وذروا البيع } وهذا أمر. # ويتلوه أمر آخر: { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض }. إن الإنسان لا ينفذ أمرا ويهمل أمرا آخر، ولكن عليه بمقتضى ~~الإيمان أن ينفذ الأمرين معا، فإن تأخر الإنسان في أي من الأمرين فهو ~~مذنب لذلك يخبرنا سبحانه - من بعد الحديث عن النعم التي أنعم بها علينا - ~~بما أحل لنا من بهيمة الأنعام، وبما قص علينا من الزواج من المحصنات ها ~~هوذا يدخلنا إلى رحابه بالاستعداد للصلاة لأنه واهب كل النعم. ويأمرنا ~~بالاستعداد للصلاة وأن يعد كل واحد منا نفسه لها. وهذا الإعداد يؤهل ~~المسلم ms2384 ليلقى الحق فقال: { يا أيها الذين آمنوا... }. ### || [5.6] # سبحانه يأمرنا بوضوح محدد: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فلا بد لكم من ~~تنفيذ عملية الوضوء. وتتعرض الآية إلى الأركان الأساسية في الوضوء. وقد ~~يلتبس الأمر على بعض الناس ولا يستطيع أن يميز بين سنن الوضوء وأركان ~~الوضوء لأن السنن تقتضي أن يغسل الإنسان يديه ثم يتمضمض، ثم يستنشق الماء ~~وهكذا. هذه هي السنن التي تمتزج بالأركان الأساسية للوضوء. ويبدأ الحق ~~أركان الوضوء الأساسية بقوله: { فاغسلوا وجوهكم } والغسل يتطلب ~~إسالة الماء على العضو وأن يقطر منه الماء بعد ذلك. والمسح هو اللمس ~~بالماء ليصيب العضو ولا يتقطر منه الماء إنه مجرد بلولة بالماء. والحق ~~سبحانه وتعالى حينما تكلم في هذه الآية عن الوضوء، تكلم عن أشياء تغسل ~~وعن شيء يمسح. فالأمر بالغسل يشمل الوجه واليدين إلى المرافق والرجلين ~~إلى الكعبين. والأمر بالمسح يشمل بعض الرأس. والغسل قد يكفي مرة أو ~~اثنتين أو ثلاثا ليتأكد الإنسان تماما من الغسل، ولكن إذا كانت المياه ~~قليلة فيكفي أن يغسل الأجزاء المطلوبة مرة وأن يتأكد أنه قد غسل المساحات ~~المطلوبة. إن الزيادة على المرة الواحدة إلا ثلاث مرات أمر مسنون لا واجب ~~وغسل الوجه معروف تماما للجميع، فالوجه هو ما به المواجهة. والمواجهة ~~تكون من منبت الشعر إلى الذقن، وتحت منتهى لحييه وهما العظمان اللذان ~~تنبت عليهما الأسنان السفلى، هذا في الطول، وفي العرض يشمل الوجه ما بين ~~شحمتي الأذنين. ولا أحد يختلف في تحديد الوجه، ولذلك أطلق الحق الوجه ولم ~~يعينه بغاية، فلم يقل: اغسل وجهك من كذا إلى كذا ولكنه أمر بغسل الوجه، ~~فلا اختلاف في مدلول الوجه لدى الجميع. والكل متفق عليه، هذا إذا ما ~~بدأنا بالفروض الأساسية. لكن إذا ما بدأنا بالسنن فنحن نغسل الكفين إلى ~~الرسغين أولا ثم نتمضمض ونستنشق. وبعض العارفين بالله يقول عن هذه ~~المقدمات التي هي من السنن: إنها لم تأت اعتباطا لأن تعريف الماء هو: ~~السائل الذي لا لون له ولا طعم ولا رائحة، وإن تغير أي ms2385 وصف من هذه ~~الأوصاف يكون السائل قد خرج عن المائية. فساعة تأخذ الماء بيديك ستطمئن ~~على لون الماء، وتعرف أنه لا لون له، وعندما تتمضمض فأنت تطمئن إلى أنه ~~لا طعم له وعندما تستنشق فأنت تطمئن على أن الماء لا رائحة له، وبذلك ~~تطمئن إلى أن الماء الذي تستعمله في الوضوء يكون قد استوفى الأوصاف قبل ~~أن تبدأ في عمل المطلوب من أركان الوضوء التي يطلبها الله، والسنة تقدمت ~~هنا على الأركان لحكمة هي أن توفر للإنسان الثقة في الماء الذي يتوضأ ~~منه. وبعد ذلك يغسل الإنسان الوجه من منابت شعر الرأس وتحت منتهى لحييه ~~وذلك طولا وما بين شحمتي الأذنين عرضا. # وبعد غسل الوجه قال الحق: { وأيديكم إلى المرافق } وميز ~~الحق هنا الأيدي بتحديد المساحة المطلوب غسلها بأنها إلى المرافق، أي أنه ~~زاد غاية لم توجد في الوجه، ولكن جاء الأمر بغسل اليدين إلى المرافق لأن ~~اليد تطلق في اللغة ويراد بها الكف، مثال ذلك في حكم الحق على السارق ~~والسارقة: # فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38] وتطلق اليد أيضا ويراد بها الكف والساعد إلى المرفق. ~~وتطلق اليد أيضا ويراد بها إلى الكتف. فلليد ثلاث إطلاقات. ولو أن الحق ~~قد أمر بغسل اليد ولم يحدد الغسل ب " إلى المرافق " لغسل البعض كفيه ~~فقط، وغسل البعض يديه إلى المرافق، ولغسل البعض يديه إلى الكتفين ولأن ~~الحق يريد غسل اليد على وجه واحد محدد لذلك قال: { وأيديكم إلى ~~المرافق }. إذن فساعة يريد الحق شيئا محددا، فهو يأتي بالأسلوب الذي ~~يحدده تحديدا يقطع الاجتهاد في هذا الشيء. وكلمة " إلى " تحدد لنا ~~الغاية، كما أن " من " تحدد الابتداء، ولكن هل تدخل الغاية هنا أم لا؟ ~~هل تدخل المرافق في الغسل أم لا؟ إن " إلى " قد تدخل الغاية ومرة أخرى لا ~~تدخل الغاية. فمثال إدخالها الغاية قوله تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله # [الإسراء: 1] هل أسرى الحق برسوله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى ~~ولم يدخله؟ لا ms2386 أحد يعقل ذلك. إن " إلى " هنا تقتضي أن تدخل الغاية لأن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد ذهب إلى المسجد الأقصى بمراد الإسراء ~~إليه والدخول والصلاة فيه. ويقول سبحانه: # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187] فهل يدخل الليل في الصيام؟ لا، لأننا لو أدخلنا الليل في ~~الصوم لصار في الصيام وصال أي نصل الليل بالنهار صائمين. إذن فمع " إلى ~~" تجد الغاية تدخل مرة، وتجدها لا تدخل مرة أخرى. واختلف بعض العلماء حول ~~المرفق هل يدخل في الغسل أو لا؟ وصار في عموم الاتفاق أن يدخل المرفق في ~~الغسل احتياطيا لأن أحدا لا يستطيع تحديد المرفق من أين وإلى أين. ونعرف ~~أن هناك احتياطات للتعقل، فمرة نحتاط بالاتساع ومرة نحتاط بالتضييق. مثال ~~ذلك عندما نصلي في البيت الحرام. ونحن نعرف أن الكعبة بناء واضح الجدران، ~~وبجانب جدار من جدران الكعبة يوجد الحطيم وهو حجر إسماعيل وهو جزء من ~~الكعبة يحيطه قوس. وعندما يصلي إنسان حول الكعبة، هل يتجه إلى الحطيم أم ~~إلى بناء الكعبة لأنه مقطوع بكعبيته، والاحتياط هنا احتياط بالنقص، ~~فنتوجه إلى الكعبة وهي البناء العالي فقط، ولكن عند الطواف. فإننا نطوف ~~حول الكعبة والحطيم، أي أن الاحتياط هنا يكون بالزيادة لأننا إذا ما طفنا ~~حتى من وراء المسجد فهو طواف حول البيت الحرام. # إذن فالاحتياط يكون مرة بالنقص ومرة يكون بالزيادة. وفي مجال الوضوء ~~يكون غسل المرافق هو احتياط بالزيادة ذلك أن " إلى " تكون الغاية بها مرة ~~داخلة، ومرة تكون الغاية بها غير داخلة. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى من ~~بعد ذلك: { وامسحوا برؤوسكم } الأسلوب هنا يختلف فالمطلوب هو ~~المسح. كان المطلوب أولا هو الغسل للوجه على اطلاقه لأنه لا خلاف على ~~الوجه، ثم غسل اليدين إلى المرافق، وتم تحديد الغاية لأن الحق يريد الغسل ~~لليدين على لون يقطع الجدل والاجتهاد فيه. ولو قال الحق: " امسحوا رءوسكم ~~" مثلما قال: " اغسلوا وجوهكم " لما كان هناك خلاف. لكن لو قال: " امسحوا ~~بعض رؤوسكم " فهل يوجد خلاف؟ نعم فذلك البعض لم ms2387 يحدد. ولو قال: " امسحوا ~~ربع رءوسكم " فهل يوجد خلاف؟ نعم قد يوجد خلاف لأن تحديد الربع عسير ~~وشاق. لماذا إذن اختار الحق هنا هذا الأسلوب { امسحوا برؤوسكم ~~} مع أن في الآية أساليب كثيرة، منها أسلوب مجرد عن الغاية، وأسلوب موجود ~~به الغاية، وهذا الأسلوب لا هو مجرد ولا هو موجود به الغاية؟ وقال الحق: ~~{ امسحوا برؤوسكم } ولنا أن نبحث عن كيفية استعمال حرف الباء ~~التي تسبق " رءوسكم ". إن " الباء " في اللغة تأتي بمعان كثيرة. قال ابن ~~مالك في الألفية: # بالباء استعن وعد عوض الصق # ومثل " مع " و " من " و " عن " بها انطق # ومقصود بها أن تعطي الحرية للمشرع لأن الباء تأتي لمعان كثيرة، ~~للاستعانة مثل: كتبت بالقلم، ولتعدية الفعل اللازم نحو: ذهبت بالمريض إلى ~~الطبيب، وللتعويض مثل: اشتريت القلم بعشرين جنيها، والالتصاق نحو: مررت ~~بخالد، وتأتي بمعنى " مع " مثل: بعتك البيت بأثاثه أي مع أثاثه، وبمعنى " ~~من " مثل: شرب بماء النيل أي من ماء النيل، وبمعنى " عن " مثل قوله تعالى # سأل سآئل بعذاب واقع # [المعارج: 1]، أي عن عذاب واقع، وتأتي أيضا للظرفية نحو: ذهبت إلى فلان ~~بالليل أي في الليل، وتكون للسببية نحو: باجتهاد محمد منح الجائزة أي ~~بسبب اجتهاده، إلى غير ذلك من المصاحبة نحو: # فسبح بحمد ربك # [الحجر: 98، النصر: 3] أي سبح مصاحبا حمد ربك. إن الذي يقول: امسحوا بعض ~~رءوسكم ولو شعرة، فهذا أمر يصلح ويكفي وتسعفه الباء لغة، والمسح يقتضي ~~الإلصاق، والآلة الماسحة هي اليد. وهناك من يقول: نأخذ على قدر الأداة ~~الماسحة وهي اليد أي مسح مقدار ربع الرأس. إذن كل حكم من هذه الأحكام ~~يصلح لتمام تنفيذ حكم مسح الرأس، ولو أن الله يريدها على لون واحد لأوضح ~~ما أراد، فإن أراد كل الرأس لقال: " امسحوا رءوسكم " كما قال: { ~~فاغسلوا وجوهكم } ، وإن كان يريد غاية محددة، لحدد كما حدد غسل ~~اليدين إلى المرفقين. # ومادام سبحانه قد جاء بالباء، والباء في اللغة تحتمل معاني كثيرة لذلك ~~فمن ذهب إلى واحدة منها تكفي، لأن أي غاية محتملة ms2388 بالباء أمر صحيح. ~~والأمر هنا أن يتفهم كل منفذ لحكم محتمل ألا يخطئ الحكم الآخر. بل ~~عليه أن يقول: هذا هو مقدار فهمي لحكم الله. والله ترك لنا أن نفهم ~~بمدلول الباء كما أرادها في اللغة. وقد خلقك الحق أيها الإنسان مقهورا ~~لأشياء لا قدرة لك فيها كحركة الجوارح، وكالأشياء التي تصيب الإنسان ~~كالموت. إن هناك أشياء أنت مخير فيها، ولذلك كان تكليف الحق لك مبنيا على ~~هذا ففي أشياء يقول لك: " افعل كذا " أو " لا تفعل كذا " وفي أشياء أخرى ~~يترك لك حرية التصرف في أدائها. وذلك حتى يتسق التكليف مع طبيعة التكوين ~~الإنساني. فلم يصب الله الإنسان في قالب حديدي. ولنا في سلوك الرسول ~~صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة هذا الرسول الذي أوكل إليه الحق إيضاح ~~كل ما غمض من أمور الدين فقال له الحق: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم ولعلهم يتفكرون # [النحل: 44] وحينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين في غزوة ~~الأحزاب التي قال عنها الحق: # هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا # [الأحزاب: 11] هذه المعركة كانت قاسية، حرك الحق فيها الريح وتفرق فيها ~~أعداء الإسلام، وصرف الحق الأحزاب ورجع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة. وكان من المفروض أن يرتاح المؤمنون المقاتلون. لكن قبل أن ~~يخلعوا ملابس الحرب جاء جبريل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: أو ~~قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم: فقال جبريل: فما وضعت الملائكة ~~السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله عز وجل يأمرك يا ~~محمد بالمسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. ف أمر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - مؤذنا فأذن في الناس: " لا يصلين أحد ~~العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم ~~لا نصلي العصر حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي لم يرد منا ذلك فذكر ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف أحدا منهم ". هي مسألة كبرى إذن. ms2389 ~~والتزاما بأمر النبوة خرج الصحابة إلى مواقع بني قريظة. وكادت الشمس تغرب ~~وهم في الطريق وانقسموا إلى قسمين قسم قال: ستغيب الشمس ولم نصل العصر ~~فلنصله قبل أن تغيب الشمس. وقال القسم الثاني: لقد أمرنا النبي ألا نصلي ~~العصر إلا في بني قريظة، ولن نصليه إلا هناك وإن غابت الشمس. # وصلى القسم الأول ولم يصل القسم الثاني. وعندما ذهبوا إلى المشرع وهو ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا له الأمر لم يعب على أي جانب منهم ~~شيئا، وأقر هذا وأقر ذاك. وتلك فطنة النبوة، فالنبي صلى الله عليه وسلم ~~يعلم أن كل حدث من الأحداث يتطلب زمانا ويتطلب مكانا، والذين صلوا نظروا ~~إلى عنصرية الزمن، وخافوا أن تغيب الشمس قبل ذلك. والذين لم يصلوا نظروا ~~إلى عنصرية المكان فلم يصلوا العصر إلا في مواقع بني قريظة. وأقر رسول ~~الله الأمرين معا. إن هذا يدلنا على أن هناك أشياء يتركها الحق قصدا دون ~~تحديد قاطع لأنه يحبها على أي لون، مثال ذلك أن فعل من يمسح ربع رأسه في ~~الوضوء جائز، وفعل من يمسح رأسه كلها جائز، وجاء الحق بالباء الصالحة لأي ~~وجه من وجوه مسح الرأس، وكذلك شأن الخلافات في الأمور الاجتهادية. وإذا ~~كانت القاعدة الشرعية تقول: " لا اجتهاد مع النص " فهذا لا يكون إلا مع ~~النص الذي لا يحتمل الاجتهاد. وليس كل التشريع هكذا لأنه سبحانه أوضح ما ~~لا يحتمل الاجتهاد، وأوضح ما يحتمل الاجتهاد وحينما كلف الله عبده ~~الإنسان بتكليفات، إنما كلفه بما يتناسب وتكوينه، وكما أن تكوين الإنسان ~~فيه أشياء هو مقهور عليها. فهناك الأحكام التي لا اختيار له فيها، وهناك ~~أمور اختيارية، وما وصل إليه المجتهد هو حق وصواب يحتمل الخطأ، وما وصل ~~إليه غيره خطأ يحتمل الحق والصواب. وكل ما وصل إليه طرف من الاجتهاد حق ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم صوب من صلى العصر قبل أن يصل إلى أرض بني ~~قريظة، وصوب كذلك من صلى العصر بعد أن وصل إلى مواقع بني ms2390 قريظة. فالرسول ~~- صلى الله عليه وسلم - اعتبر فعل كل فريق منهما صوابا. ويقول الحق من ~~بعد الأمر بمسح الرأس: " وأرجلكم ". وكان سياق النص يقتضي كسر اللام في " ~~أرجلكم " ولكن الحق جاء بالأرجل معطوفة على غسل الوجه واليدين. وغير ~~معطوفة على " برءوسكم " وهذا يعني أن الرجلين لا تدخلان في حيز المسح ~~إنما تدخلان في حيز الغسل. ونبه الحق بالحركة الإعرابية على أنها ليست ~~معطوفة على الجزء المصرح بمسحه، ولكنها معطوفة على الأعضاء المطلوب ~~غسلها. ولم يأت الحق بالممسوح في جانب والمغسول في جانب ليدل على أن ~~الترتيب في هذه الأركان أمر تعبدي وإلا لجاء بالمغسول معا والممسوح معا، ~~ويحدد الحق أيضا غسل الرجلين إلى الكعبين: { وأرجلكم إلى ~~الكعبين }. والرجل تطلق على القدم، وتطلق على القدم والساق إلى أصل ~~الفخذ. ويريد سبحانه غسل الرجلين محدودا إلى الكعبين. وحتى نعلم أن هذه ~~مسائل تعبدية عرفنا أن اليد تطلق على الكف، ومن أطراف الأصابع إلى الكتف ~~يطلق عليه " يد " أيضا، والمرفق في اليد هو الحد الوسط، و " الكعبين " هو ~~الحد الأول في الساق لأن الوسط بعد الساق هو الركبة. # إذن. ترتيب المسألة في اليدين كف وساعد وعضد والمرفق في وسط اليد، وفي ~~الرجلين يقف الأمر عند الحد الأول وهو الكعبان. هي - إذن - مسألة تعبدية ~~وليست مسألة قياسية. ويبين الحق لنا أنه إذا أراد أمرا بدقة فهو يحدده ~~بلا تدخل أو خلاف. أما إذا جاء بأمر غير واضح فهو إذن منه سبحانه أن ~~نجتهد فيه لنشعر أن لنا بعض الاختيار في بعض ما تعبدنا الله به، وكله ~~داخل في مرادات الله لأن إيراد النص - شاملا - لكل المفهومات هو إذن ~~بهذا المفهوم وإذن بذلك المفهوم. { فاغسلوا وجوهكم ~~وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم ~~وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا ~~}. إن الوضوء شرع لغير الجنب. أي أنه لمن يحدث حدثا أصغر. وهناك فرق ~~بين إخراج ما ينقض الوضوء وهو ما يؤذي، وبين إخراج ما يمتع، فإنزال ~~المني أو حدوث الجماع يقتضي الطهارة بالاغتسال. ونعلم أن الإنسان حين ms2391 ~~يستمتع بطعام أو يستمتع برائحة، أو بأي شيء هو محدود بوسيلة الاستمتاع ~~به، أما الاستمتاع بالجماع فلا يعرف أحد بأي عضو أدرك لذته. وهي مسألة ~~معقدة إلى الآن. ولا يعرف أحد كيف تحدث، مما يدل على أن جميع ذرات ~~التكوين الإنساني مشتركة فيها. ومادام الأمر كذلك فالطهور يقتضي أن يغسل ~~الإنسان كل جسمه: { وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم ~~مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم من ~~الغائط أو لامستم النسآء فلم تجدوا مآء ~~فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم }. وقد يقول قائل: أليست " لامستم النساء " كالجنابة؟ ~~ونقول: إن الذي يجيء هنا هو حكم ثان يوضح لنا ما ينوب عن المياه، لأن ~~الحق يرتب لعبادة لا تسقط عن المكلف أبدا لذلك لن يكلفه بشيء قد لا ~~يجده، فقد لا يجد الإنسان المياه، وعليه إذن بالتيمم لأن الصلاة عبادة لا ~~تسقط أبدا عن المكلف حتى في حالة مرضه الذي لا يستطيع أن يحرك معه أي عضو ~~من جسمه، هنا يسمح سبحانه للمريض أن يصلي جالسا، أو مستلقيا أو يصلي ~~بالإيماء برأسه، أو يصلي بأهداب عينيه، وحتى مريض الشلل عليه إجراء ~~خواطر الصلاة وأركانها على قلبه لأن فرض الصلاة عبادة لا تسقط أبدا عن ~~الإنسان مادام فيه عقل. إننا نعرف أن الصلاة هي الركن الوحيد من أركان ~~الإسلام الذي يتطلب الاستدامة، فيكفي المرء أن يقول الشهادة مرة واحدة في ~~العمر، ويسقط الصوم عن الإنسان إن كان مريضا، ويطعم غيره، أو يؤديه في ~~أوقات أخرى إن كان مريضا مرضا مؤقتا أو على سفر. # وقد لا يؤدي الإنسان الزكاة لأنه فقير، وكذلك الحج لا يجب على من لم ~~يملك الاستطاعة من مال أو عافية، ولا تبقى من أركان الإسلام غير الصلاة ~~فإنها لا تسقط أبدا. إن عظمة الصلاة توضحها كيفية تشريعها لأن تشريعات ~~أركان الإسلام كانت بالوحي، أما تشريع الصلاة فقد جاء وحده بالمباشرة ولم ~~يقل الله لجبريل: " قل للنبي التكليف بالصلاة ". بل استدعى الله النبي ~~صلى الله عليه وسلم إليه وكلفه بالصلاة. ms2392 وقلنا من قبل - ولله المثل ~~الأعلى - حين يريد الإنسان أن يقدم أمرا لمرءوسيه، فالموضوع قد يأخذ ~~دوره في الأوراق اليومية التي تنزل منه إليهم. أما إذا كان الموضوع ~~مهما فهو يتصل بالقائد التنفيذي للمرءوسين ويوضح مدى أهمية الموضوع، ~~أما إذا كان الموضوع غاية في الأهمية فالرئيس يستدعي القائد التنفيذي ~~للمرءوسين ويبلغه أهمية الموضوع. إذن فكيفية إنزال التكليف تكون على قدر ~~أهمية الموضوعات فما بالنا - إذن - بركن استدعى الله فيه محمدا إلى ~~السماء ليكلفه به؟ وقد رأينا أن بعض التكليفات تجيء إلى رسول الله ~~بالإلهام أن يفعله، وبعضها جاء بالوحي من جبريل أن يفعله، أما الصلاة فقد ~~فرضها الله عندما استدعى محمدا إلى السماء إلى الرفيق الأعلى وفرض الله ~~عليه الصلاة بالمباشرة، وعلى أمة محمد أن تؤدي هذا الفرض خمس مرات في ~~اليوم، ولا تسقط أبدا. ولذلك جعلها الحق فارقة بين المسلم والكافر، إن ~~المسلم ساعة أذان الصلاة يقوم إلى الصلاة، وهي استدعاء من الخالق لمن ~~خلقه ليحضر في حضرته كل يوم خمس مرات. وأنت حر بعد ذلك ألا تبرح لقاء ربك ~~ولا يمل الله حتى يمل العبد. وإياكم أن تجعلوا للزمان مع الله تخطيطا ~~فتقولوا: هذا للعمل والضرب في الأرض، وذلك لذكر الله فمع ضربكم في الأرض ~~لتبتغوا من فضل الله، إياكم أن تنسوا الله لأن ذكر الله أمر دائم في كل ~~حركة يقصدها الإنسان لعمارة هذا الوجود، وقد أراد الحق منا بوجودنا أن ~~نعبده وحده لا شريك له: # وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يقوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض ~~واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه ~~إن ربي قريب مجيب # [هود: 61] إذن فكل ما يؤدي إلى عمارة الكون والارتقاء به هو أمر عبادي، ~~والحق سبحانه وتعالى يربط " العبادة " الاصطلاحية في الفقه بحركة الحياة ~~كلها. ونجد مثالا لذلك حيما تكلمنا في سورة البقرة عن الأسرة كما جاء في ~~قوله تعالى: # لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم ~~تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على ms2393 ~~الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا ~~بالمعروف حقا على المحسنين * وإن طلقتموهن ~~من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ~~فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي ~~بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ~~ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون ~~بصير # [البقرة: 236-237] ذلك أمر الدنيا ومصالح الأسرة، وهو كلام في شئون ~~تنظيم الأسرة، ثم ينقلنا من بعد الكلام في تنظيم الأسرة إلى أمر نقول عنه ~~إنه العبادة وهو قوله الحق: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا ~~لله قانتين * فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذآ ~~أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون # [البقرة: 238-239] ثم يعود بعد ذلك إلى شئون تنظيم الأسرة فيقول سبحانه: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج # [البقرة: 240] إذن فقد أخرجنا من كلام في نظام الأسرة إلى الصلاة، ثم ~~عاد بنا مرة أخرى إلى نظام الأسرة حتى تتداخل كل الأمور لتكون عبادة ~~متماسكة متحدة فلا تقول: " هذه عبادة وتلك ليست عبادة " ، وأيضا لأن ~~الكلام في الصلاة وسط كلامه عن أمور الأسرة ينبهنا: إذا ذهبت إلى الصلاة ~~فربما هدأت الصلاة من شرة غضبك وحماسك ونزلت عليك سكينة تعينك ألا ~~تنسى الفضل بينك وبين زوجك. في هذه السورة - سورة المائدة - صنع الحق ~~معنا مثلما صنع في سورة البقرة فبعد أن تكلم في أشياء وقص علينا أمر ~~النعمة، ها هوذا يدخل بنا إلى رحاب المنعم، إلا إنه سبحانه لم يدخلنا على ~~المنعم إلا بتهيئة طهورية. طهارة أبعاض كالوضوء بأن نغسل الوجه ونغسل ~~اليدين إلى المرفقين ونمسح على الرأس ونغسل الرجلين إلى الكعبين. وأحكم ~~في أشياء وترك للاجتهاد مدخلا في أشياء، أحكمها في ثلاثة غسل الوجه، وغسل ~~اليدين إلى المرفقين، وغسل الرجلين إلى الكعبين، لكنه حينما تكلم عن ~~الرءوس لم يقل: " امسحوا رءوسكم " ولا: " امسحوا ربع رءوسكم " ، ولا " ~~امسحوا بعض رءوسكم " مما يدل على أن للمجتهد أن يفهم في " الباء " ما ~~تتيحه اللغة من " الباء ". إذن أعطانا الحق أشياء ms2394 محكمة وأشياء ~~للاجتهاد. وبعد طهارة الأبعاض يذكرنا بطهارة البدن من الجنابة. ونلتفت ~~إلى الكلام الذي تقدم حيث أورد الحق فيه ما أحل لنا من بهيمة الأنعام من ~~طعام وشراب، ثم تكلم في النكاح حتى أنه وسع لنا دائرة الاستمتاع ودائرة ~~الإنسال بأن أباح لنا أن نتزوج الكتابيات، وفي هذا توسيع لرقعة الزواج ~~فلم يقصر الزواج على المسلمات. ولما كان الطعام الذي أحله الله ينشأ عنه ~~ما يخرج منا من بول وغائط، والنكاح الذي أحله الله يغير كيماوية الجسد ~~لذلك جعل الله الوضوء لشيء، والجنابة لها شيء آخر فعن الطعام ينشأ ~~الأخبثان، وعن الجماع أو خروج المني ينشأ الحدث الأكبر فكان ولا بد بعد ~~أن يتكلم عن طهارة الأبعاض في الحدث الأصغر أن يتكلم عن التطهير الكلي في ~~الحدث الأكبر فقال: { وإن كنتم جنبا فاطهروا }. # الله سبحانه وتعالى يريد لنا أن نستديم اتصالاتنا به ولم يشأ أن يجعل ~~الوسيلة للصلاة بأمر الماء فقط لأننا قد نفقد الماء وقد يوجد الماء ولا ~~نقدر على استعماله فلم يشأ الحق أن يقطع الصلة بأن يجعل الوسيلة الوحيدة ~~للتطهر هي الماء، فأوجد وسيلة أخرى. فإن فقدت الماء أيها الإنسان فلا بد ~~ان تدخل إلى لقاء الله بنية تطهير آخر وهو التيمم. هذا أمر لا يفقده من ~~عاش على الأرض. إذن فعندنا تطهر بالماء وعندنا تطهر بالتراب. ~~لذلك يقول سبحانه: { وإن كنتم مرضى أو على سفر أو ~~جآء أحد منكم من الغائط أو لامستم النسآء ~~فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا } فإن كان ~~الإنسان مريضا لا يقدر على استعمال الماء، أو كان على سفر ولا يجد الماء ~~أو جاء أحد من الغائط، أي من قضاء الحاجة في مكان غويط وهو الوطئ المنخفض ~~من الأرض، وكانت العرب قديما تفعل ذلك حتى لا يراهم أحد ويكونوا في ستر، ~~رجالا أو نساء، وحتى بعد ملامسة النساء. إن لم يجد الإنسان بعدها ماء ~~فالتيمم هو البديل، وإياكم أن تقولوا إن الماء هو الوسيلة الوحيدة ~~للتطهر، فقد جعل للماء أيضا خليفة ms2395 وهو التراب. والتراب أوسع دائرة من ~~الماء. فكأنه سبحانه وتعالى يريد أن يديم علينا نعمة اللقاء به. ولكي ~~يديم علينا نعمة اللقاء به جعل للماء - الذي يكون محصورا - خليفة وهو ~~التراب وهو غير محصور. ولا نريد أن ندخل في متاهات الخلاف عن الطهارة من ~~ملامسة النساء، بين اللمس والملامسة فاللمس لا يقتضي المفاعلة، أما ~~الملامسة فتقتضي المفاعلة. واقتضاء المفاعلة ينقل المسألة من مجرد اللمس ~~إلى معنى آخر هو الجماع. وفي حالة الجنابة وعدم وجود الماء فالتيمم هو ~~البديل { فتيمموا صعيدا } و " الصعيد " هو ما صعد على وجه ~~الأرض من جنس الأرض بحيث لا تدخله صناعة الإنسان كالتراب والحجر، لكن ~~الطوب الأحمر الآجر الذي نصنعه نحن فليس من الصعيد الصالح للتيمم لأن ~~صنعة الإنسان قد دخلته. والأركان المفروضة في طهارة الأبعاض أربعة، أما ~~طهارة الجسم فهي طهارة واحدة تشمل كل الجسم. وفي حالة التيمم جعل الحق ~~الطهارة استعدادا للصلاة عوضا عن الوضوء بمسح الوجه واليدين، وكذلك في ~~الطهارة من الجنابة. ونلحظ أنه سبحانه جاء بالمسح في الوضوء على بعض من ~~الرأس كإيناس متقدم، وذلك حتى يكون لنا إلف بالمسح حينما نتيمم. { ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج } وجعل الحق الطهارة بالماء أو التراب ~~إزالة للحرج فالإنسان الذي لن يجد ماء سيقع في الحرج بالتأكيد لأنه يريد ~~أن يصلي ولا يجد وسيلة للطهارة. # وإذا كان عنده القليل من الماء ليشرب فهل يتوضأ أو يستديم الحياة ويبقي ~~على نفسه بشرب الماء؟. ولا يريد الله أن يعنت خلقه ولا أن يوقعهم في ~~الحرج، بل خفف عليهم وجعل عنصر التراب يكفي كبديل للماء. { ولكن ~~يريد ليطهركم }. وإياك أن تفهم أن الطهارة هي للتنظيف لأن ~~معنى الطهارة لو اقتصر على التنظيف لكانت الطهارة بالماء فقط، فلماذا إذن ~~نمسح وجوهنا بالتراب؟ إن هذا يوضح أن الطهارة غير النظافة، فلو قال قائل: ~~سأنظف نفسي ب " الكولونيا ". نقول له: لا. ليس هذا هو المطلوب. والله لا ~~يطلب نظافة بهذا المعنى، ولكن يطلب التطهير. والتطهير ms2396 يكون بشرط من تدخل ~~عليه - وهو الله سبحانه - وقد وضع الحق لذلك أمرين: إما بالماء وإما ~~بالتيمم بالتراب. فالطهارة تجعل المرء صالحا ليستقبل ربه على ضوء ما شرع ~~به. والذي يضع الشرط لذلك هو الله وليس أنت أيها العبد. وسبحانه قد أوضح ~~أو العبد يكون طاهرا بالماء أو بالتراب، وبهذه الطهارة يكون صالحا ~~لاستقبال الله له. وأعاد الله الإنسان في قربه منه إلى أصل إيجاده وهو ~~الماء والتراب. { وليتم نعمته عليكم } والإنسان مغمور ~~بنعم كثيرة. فهب أن إنسانا غاب عنه أبوه لكن خير الأب يصله كل يوم من ~~مال وطعام وشراب ووسائل ترفيه، وبذلك يأخذ الإنسان نعمة الغاية من وجود ~~أب له. ومع ذلك يشتاق هذا الإنسان المستمتع بنعمة والده الغائب إلى أن ~~يكون مع والده، هذا هو تمام النعمة بين الأب والابن وكلاهما مخلوق لله، ~~فما بالنا بتمام النعمة من الخالق لعباده؟ إن العبد الصالح يتمنى أن يرى ~~من أنعم عليه لذلك وضع الحق شرط الطهارة للقائه. وعندما يحضر الإنسان ~~لحضرة ربه بالصلاة ويكبر: " الله أكبر " فهو منذ تلك اللحظة يوجد في حضرة ~~الله. وإذا كانت الفيوضات تتجلى على الإنسان من نعمة مخلوق مثله سواء ~~أكان أخا أم أبا أم قريبا وهي نعمة مادية يراها الإنسان سواء أكانت ~~طعاما أم شرابا أم لباسا. فما بالنا بفيوضات المنعم الخالق الذي أنعم ~~على الإنسان، إنها فيوضات من غيب فكرمه لك غيب كالاعتدال في المزاج ~~والعافية ورضا النفس وسمو الفكر. إذن فقوله الحق: { وليتم ~~نعمته عليكم } أي أنكم عشتم قبل ذلك مع نعمة المنعم، وسبحانه ~~يدعوكم إلى لقاء المنعم، ذلك تمام النعمة. وأضرب هذا المثل - ولله المثل ~~الأعلى - إننا نجد الابن ينظر إلى هدايا الأب الغائب ويقول: أنا لا أريد ~~هذه الأشياء ولكني أريد أبي. إن تمام النعمة - في المستوى البشري - أن ~~يرى الإنسان المنعم عليه وهو إنسان مثله، أما تمام النعمة على المخلوق ~~من الخالق فيستدعي أن يتطهر الإنسان بما حدده له الله وأن يصلي فيلقى ~~الله. # { وليتم نعمته عليكم لعلكم ms2397 تشكرون } ساعة ~~نسمع: أنا فعلت ذلك وذلك لعلك تشكر، فهذا يعني أنك إن فعلت ما آمرك به ~~فستجد أمرا عظيما. والأمر الطبيعي يقتضي أن تشكر عليه كأن ما فعله ~~الله للإنسان يوجب عند الإنسان نعمة أخرى لا يمكن أن يستقبلها إلا ~~بالشكر، مثلما قال الله: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78] إن السمع والأبصار والأفئدة هي منافذ الإدراك. ومادام الحق ~~قد خلقنا ولا نعلم شيئا، وجعل لنا أدوات الإدراك. وأوضح: أنا خلقت لك ~~هذه الأدوات للإدراك لعلك تشكر، أي تلمح آثارها في نفسك مما يربي عندك ~~ملكة الإدراك للمدركات. ويقول الحق بعد ذلك: { واذكروا نعمة... ~~}. ### || [5.7] # وللإنسان أن يسأل: وما هو الذكر؟. الذكر هو حفظ الشيء أو استحضاره، فإذا ~~كان حفظ الشيء فهو حفظ لذاته، لكن الاستحضار يكون لمعنى الشيء. إذن فهناك ~~فرق بين حفظ الشيء واستحضار الشيء، هذا هو معنى الذكر. وقد يكون الذكر ~~بمعنى القول لأنك لا تقول الشيء إلا بعد أن تستحضره. ولذلك نجد في تكوين ~~الجهاز العصبي الأعلى ذاكرة، وحافظة، ومخيلة. ومن عجيب أمر التكوين ~~الخلقي أن تمر أحداث على الإنسان في زمن مضى ولا يذكرها الإنسان لمدة ~~طويلة تصل إلى سنوات، ثم يأتي للإنسان ظرف من تداعي المعاني فيذكر ~~الإنسان هذا الشيء الذي حدث منذ عشرين عاما. إذن فالشيء الذي أدركه ~~الإنسان منذ عشرين سنة على سبيل المثال لم يذهب، ولو ذهب ما ذكره ~~الإنسان، لكنه غاب فقط عن الذهن عشرين عاما أو أكثر فلما تداعت المعاني ~~تذكره الإنسان. ومعنى ذلك أن هذا الشيء كان محفوظا عند الإنسان وإن ~~توارى عنه مدة طويلة. فالذاكرة - إذن - معناها أن يستدعي الإنسان المحفوظ ~~ليصير في بؤرة شعوره. مثال ذلك: حادث وقع بين إنسان وآخر منذ أكثر من ~~عشرين عاما. ونسي الإنسان هذا الحادث. فلما التقى بصديقه، وجلسا ~~يتذاكران الماضي تذكر الصديق الحادث الذي حدث له منذ أكثر من عشرين ~~عاما. إذن فالحادثة لم تذهب من الذاكرة، ولكنها محفوظة ms2398 موجودة في حواشي ~~الشعور البعيدة، وكلما بعد الإنسان في الزمن يبدو وكأنه نسي الحادثة، لكن ~~عندما يأتي تداعي المعاني فالحادثة تأتي في بؤرة الشعور. فإذا ما جاءت في ~~بؤرة الشعور من حواشي الشعور حيث مخزن الحافظة، يتذكرها الإنسان. وهذه هي ~~قوة الخالق جل وعلا. وقد يسجل أحدنا على شريط تسجيل بعضا من الكلام. ومن ~~بعد ذلك يجب أن يسجل كلاما آخر على الشريط نفسه فيمسح الكلام الذي سجله ~~أولا، ولكن ذاكرة الإنسان تختلف، فساعة تأتي المسائل في بؤرة شعوره ~~فالإنسان يتذكرها. وإذا ما جاءت مسألة أخرى بعدها فلا بد أن تتزحزح ~~المسألة الأولى من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور لأن بؤرة الشعور لا ~~تستقبل إلا خاطرا واحدا، فإن شغلت بؤرة الشعور بخاطر آخر فهي تحفظ ~~الخاطر الأول في حواشي الحافظة. ولا يمسح خاطر خاطرا آخر. فإن أراد ~~الإنسان أن يستدعي الخاطر القديم، كان ذلك في مقدوره، وهذا هو الفارق بين ~~تسجيل الخالق وتسجيل المخلوق. وبعد ذلك نجد ان التذكر يكون للمعاني، ~~فالذي يخزن في ذاكرة الإنسان ليس أجراما، فلو كانت أجراما لما وسعها ~~المخ. ولهذا فالمعاني لا تتزاحم فيه، بل تتراكم بحيث إذا ما جاء تداعي ~~المعاني فالإنسان يتذكر ما يريد أن يذكره، وذلك لا يمكن أن يحدث إلا إذا ~~كان المخ من صنع الخالق الأعلى. # ومادامت المعاني ليس لها حيز فالإنسان يقدر على حفظها في الذاكرة. ~~الإنسان قد يجلس ليتذكر أسماء الجبال في العالم فيقول: من جبال العالم ~~قمة " إفريست " ، وجبال " الهمالايا " ، وجبل " أحد " وجبل " ثور ". ~~وساعة يتذكر هذه الأسماء فهو يتصور معانيها، فالموجود في ذهن الإنسان ~~معاني هذا الكلمات وليس أجرام هذه الكائنات لذلك فلا تزاحم أبدا في ~~المعاني بل تظل موجودة ومختزنة في الذاكرة وحاشية الشعور. وإياكم أن ~~تفهموا أن إنسانا يملك من الذكاء ما يحفظ به الشيء من مرة واحدة: وآخر ~~أقل ذكاء يحفظ بعد قراءة الشيء مرتين، وثالثا يحفظ عن ثلاث مرات لا، لأن ~~الإنسان يملك ذهنا كآلة التصوير يلتقط من مرة واحدة، لكن لو ms2399 أخذ الإنسان ~~صورة لمكان وجاء شيء يضبب عدسة الصورة فهو يعيد التصوير، وكذلك الذهن إن ~~أراد الإنسان أن يأخذ لقطة لشيء ما لتستقر في بؤرة الشعور وفي بؤرة ~~الشعور شيء آخر، فالشيء لا يستقر في الذهن، بل لا بد من قراءة مضمون ~~اللقطة مرة ثانية ليؤكد الإنسان المعلومات لتنطبع في بؤرة الشعور. ومثال ~~ذلك الطالب الذي يدخل ساحة المدرسة التي يعقد بها الامتحان. وقبل أن يدق ~~جرس الامتحان بخمس دقائق يأتي له واحد من زملائه ويقول له: هل ذاكرت ~~الموضوع الفلاني. فيقول الطالب: لا لم استذكره. فيقول الصاحب: هذا ~~الموضوع سيأتي منه سؤال في الامتحان. فيخطف الطالب كتابا ويقرأ فيه هذا ~~الموضوع لمرة واحدة. هذا الطالب في هذه اللحظة لا يتذكر ماذا سيأكل على ~~الغداء هذا اليوم، أو من سيقابل. بل يعرف أنه بصدد أمر فرصته ضيقة، ويركز ~~كل ذهنه ليستقبل ما يقرأه. وفي لحظة واحدة يحفظ هذا الموضوع. وإذا جاء ~~الامتحان ووجد السؤال فهو يجيب عليه بأدق التفاصيل. وقد نجد طالبا آخر ~~جلس لأيام يحاول استذكار هذا الدرس بلا طائل. إذن فالذهن يلتقط مرة ~~واحدة، شريطة ألا يستقبل الإنسان ما يقرأه أو يسمعه من معلومات والذهن ~~مشغول بأشياء أخرى. والدليل على ذلك: أن الإنسان قد يسمع القصيدة مرة ~~واحدة أو يسمع الخطبة مرة واحدة فيحفظ من القصيدة أكثر من بيت، أو يحفظ ~~من الخطبة أكثر من مقطع لأن ذهن الإنسان في تلك اللحظة كان خاليا فالتقط ~~الأبيات التي حفظها، وكذلك الخطبة، أما بقية أجزاء القصيدة أو الخطبة فقد ~~يكون الذهن شرد إلى أشياء أخرى. ولذلك يحاول الإنسان أن يكرر الاستماع ~~والإصغاء والقراءة أكثر من مرة ليهيئ ويعد بؤرة الشعور، فيحفظ الإنسان ما ~~يريد. إذن فالذهن يلتقط مرة واحدة، أما الذاكرة فهي تتذكر أي تستحضر ~~المعاني التي قد تختفي في الحافظة، ولا شيء يضيع في الحافظة أبدا، بحيث ~~إذا جاء الاستدعاء طفت المعاني على السطح. # كأن انطباعات الإنسان في نعم الله لا تنسى أبدا. وهي موجودة عند ~~الإنسان، ولكنها تريد ms2400 من الإنسان أن يستدعيها من الحافظة ويطلبها. ولنر ~~دقة الأداء القرآني: { واذكروا نعمة الله عليكم } ~~سبحانه يقول هنا " نعمة " مع ان نعم الله كثيرة، ولكن الله قد آثر أن ~~يأتي بالمفرد ولم يأت بالجمع. وذلك ليبين للإنسان أن أية نعمة في أية ~~زاوية من حياة الإنسان تستحق أن يذكرها الإنسان فنعم الله كثيرة، ولكن ~~ليتذكر الإنسان ولو نعمة واحدة هي نعمة الإيجاد من عدم، أو نعمة البصر، ~~أو السمع. وكل نعمة من هذه النعم تستحق من الإنسان أن يتذكرها دائما، ولا ~~تطرد نعمة نعمة أخرى، فما بالنا إذا كانت النعم كثيرة؟ ولو تمعن الإنسان ~~في كل نعمة لاحتاجت إلى أن يتذكرها دائما، أو أن النعمة اسم للجنس كله ~~لأن المفرد يطلق على كل الجنس، مثل الإنسان فإنها تطلق على كل فرد من ~~أفراده مثل محمد وعلي وخالد. وكلمة " النعمة " قد تنسب إلى سببها كنعمة ~~سببها مروءة واحد من البشر، وهي محدودة بمقدار الأثر الذي أحدثته. لكن ~~نحن هنا أمام نعمة المسبب وهو الله، ولا بد أن تناسب نعمة الله جلال ~~وجمال عظمته وعطائه. { واذكروا نعمة الله عليكم ~~وميثاقه الذي واثقكم به } و " واثق " تقتضي امرين: ~~فالإنسان طرف الاحتياج والفقر والأخذ، والرب صاحب الفضل والعطاء والغنى، ~~إنه هو الربوبية وأنت العبودية، وهو الحق القائل: # وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم # [البقرة: 40] إذن ف " واثقكم " تعني التأكيد من طرفين لأن " واثق " على ~~وزن " فاعل " ، ولا بد في " فاعل " أن تكون من اثنين. ومثال ذلك " ~~شارك " تقولها لاثنين أو أكثر فنقول: " شارك زيد عمرا " وكذلك " قاتل ~~زيد عمرا ". وحين يقول الحق: إنه " واثق عباده " أي أنه شاركهم في هذا ~~الميثاق وقبله منهم. لكن أي ميثاق هذا؟ ونحن نعرف الميثاق الأول الذي هو ~~ميثاق الذر: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين # [الأعراف: 172] وهو ميثاق الفطرة قبل أن توجد النفس وشهواتها. وبعد ذلك ~~هناك ميثاق العقل الذي ms2401 نظر به الإنسان إلى الوجود واستطاع أن يخرج من تلك ~~الرؤية بأن الوجود محكم ومنظم وواسع، ولا بد لهذا الوجود من واجد وهو ~~الله. وبعد ذلك ميثاق الإيمان بالله، فالرسول صلى الله عليه وسلم حينما ~~عرض منهج الإسلام آمن به بعض الناس، أي أخذ منهم عهدا على أن ينفذوا ~~مطلوبات الله، ألم يأخذ الرسول عهدا في العقبة حين قالوا له: خذ لنفسك ~~ولربك ما أحببت. # فتكلم - رسول الله صلى الله عليه وسلم - فتلا القرآن ودعا إلى الله ~~ورغب في الإسلام ثم قال: # " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم " # فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما ~~نمنع منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله فنحن أبناء الحرب وأهل الحلقة ~~السلاح ورثناها كابرا عن كابر. وحدث هذا - أيضا - عند بيعة الرضوان تحت ~~الشجرة. إذن فمعنى " واثقكم به " إما أن يكون العهد العام الإيماني في ~~عالم الذر، وإما أن يكون العهد الإيماني الذي جاء بواسطة الرسل. { ~~وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا ~~وأطعنا } وحين يؤمن الإنسان يقول: سمعت وأطعت، وهكذا تنتهي مسألة ~~التعاقد. ويتبع الحق ذلك بقوله: { واتقوا الله إن الله ~~عليم بذات الصدور }. واتقوا أي اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال ~~من الله وقاية، فالمطلوب منا أن نلتحم بمنهج الله إلتحاما كاملا، وعلينا ~~كذلك أن نجعل بيننا وبين صفات غضب الله وقاية. وعرفنا أن قوله الحق: " ~~اتقوا الله " متساو مع قوله: " اتقوا النار " ، وقد يقول قائل: وهل ~~للنار أوامر ونواه؟ ونقول: أحسن الفهم عن ربك واجعل بينك وبين غضب الله ~~وقاية، فالنار جند من جنود الله. وسبحانه يوضح: اجعلوا بينكم وبين صفات ~~الجلال وقاية لأن الحق له صفات جلال هي الجبروت والانتقام والقهر، وللحق ~~صفات جمال فهو الغفور الرحيم المغني، الحكيم إلى غير ذلك من صفات الجمال، ~~إذن فلنجعل بيننا وبين صفات الجلال وقاية تقينا من جنود صفات الجلال ~~ومنها النار. وقلنا من قبل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أبلغنا أنه في ~~الليلة ms2402 الأخيرة من رمضان يتجلى الجبار بالمغفرة. والنظرة السطحية تتساءل: ~~ولماذا لم يقل: يتجلى الغفار بالمغفرة؟ ذلك أن الجبار صفة من صفات الجلال ~~التي تقتضي معاقبة المذنب، والذنب متعلق بصفات الجلال لا بصفات الجمال، ~~إذن فالمنطق يقتضي أن يقف المذنب أمام شديد الانتقام لأن المقام يناسب ~~صفات الجلال، ولكن علينا أن نتذكر جيدا أن الله يرخي العنان للمذنب لعله ~~يتوب، وأن الله يفرح بتوبة عبده وأن رحمته تغلب غضبه. ويذيل الحق ~~الآية: { إن الله عليم بذات الصدور } والتقوى - كما نعلم ~~- لا تنشأ من الأفعال المحسة المدركة فقط، بل تنشأ أيضا في الأحوال ~~الدخيلة المضمرة. ومثال ذلك نية سيئة ونية حسنة. فالحقد، الحسد، التبييت، ~~المكر، كل ذلك صفات سيئة فإياكم أن تقولوا إن التقوى للمدركات فقط بل ~~للمحسات أيضا. وعمل القلوب له دخل في تقوى الله. ومن بعد ذلك يقول الحق: ~~{ يا أيهآ الذين آمنوا... }. ### || [5.8] # إن الحق - كما علمنا - حين ينادي المؤمنين بقوله: { يا أيهآ ~~الذين آمنوا } إنه سبحانه لم يقتحم على الناس تصرفاتهم الاختيارية ~~لمنهجه، بل يلزم ويأمر من آمن به ويوجب عليه فيوضح: يا من آمنت بي إلها ~~حكيما قادرا خذ منهجي. ولكن الحق يقول: { يا أيها الناس } حين يريد أن ~~يلفت كل الخلق إلى الاعتقاد بوجوده، أما من يؤمن به فهو يدخل في دائرة ~~قوله الحق: { يا أيهآ الذين آمنوا } وهذا النداء يقتضي بأن ~~يسمع المؤمن التكليف ممن آمن بوجوده. ونعلم أننا جميعا عبيد الله، لكن ~~لسنا جميعا عباد الله. وهناك فرق بين " عبيد " و " عباد ". فالعبيد هم ~~المرغمون على القهر في أي لون من ألوان حياتهم، ولا يستطيعون أن يدخلوا ~~اختيارهم فيه. قد نجد متمردا يقول: " أنا لا أؤمن بإله " ولكن هل يستطيع ~~أن يتمرد على ما يقضيه الله فيما يجريه الله عليه قهرا؟ فإذا مرض وادعى ~~أنه غير مريض فما الذي يحدث له؟ أيجرؤ واحد من هؤلاء المتمردين على ألا ~~يموت؟!! لا أحد يقدر على ذلك. إذن فكل عبد مقهور لله، وكلنا عبيد الله ~~يستدعينا وقتما ms2403 يريد ويجري علينا ما يريد بما فوق الاختيارات. أما " ~~العباد " فهم الذين يأتون إلى ما فيه اختيار لهم ويقولون لله: لقد نزعنا ~~من أنفسنا صفة الاختيار هذه ورضينا بما تقوله لنا " افعل كذا " و " لا ~~تفعل كذا ". إذن فالعبيد مقهورون بما يجريه عليهم الحق بما يريد، والعباد ~~هم الذين يرضون ويكون اختيارهم وفق ما يحبه الله ويرضاه إنهم أسلموا ~~الوجه لله. فهم مقهورون بالاختيار، أما العبيد فمقهورون بالإجبار. { يا ~~أيهآ الذين آمنوا كونوا قوامين لله }. و " قوام " ~~صفة مبالغة والأصل فيها قائم، فإن أكثر القيام نطلق عليه كلمة " قوام ". ~~ومثال ذلك رجل لا يحترف النجارة وجاء بقطعة من الخشب وأراد أن يسد بها ~~ثقبا في باب بيته هذا الرجل يقال له: " ناجر " ولا يقال له: " نجار " ، ~~ذلك أن تخصصه في الحياة ليس في النجارة. وكذلك الهاوي الذي يخرج بالسنارة ~~إلى البحر واصطاد سمكتين يقال له: " صائد " لكنه ليس صيادا لأن الصيد ~~ليس حرفته. إن الحق يطلب من كل مؤمن ألا يكون قائما لله فقط، ولكن يطلب ~~من كل مؤمن أن يكون قواما أي مبالغ في القيام بأمر الله. والقيام يقابله ~~القعود. وبعد القعود الاضطجاع وهو وضع الجنب على الأرض ثم الاستلقاء، ~~وبعد ذلك ينام الإنسان. ونحن أمام أكثر من مرحلة: قائم وقاعد ومستلق، ~~ونائم. # والنائم ليس عليه تكليف. والمستلقي هو المستريح على ظهره والحق يقول: # فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم # [النساء: 103] أي اجعلوا الله دائما على بالكم فالإنسان يملك في حالته ~~الطبيعية نشاطا يمكنه أن يقوم ويقعد فإن قيل: " قام فلان بأمر القوم " أي ~~أنه بذل كل جهد لإدارة أمور الناس، والقيام في حركات الناس أصعب شيء. ~~وسبحانه لا يريد منا أن نكون قائمين فقط بل يريد أن نكون قوامين. ومادمنا ~~قوامين فلن تخلو لحظة من قيامنا أن نكون لله لله توجها. لا نفعا لأن أية ~~حركة من أي عبد لا تفيد الله في شيء فالله خلق خلقه بمجموع صفات الكمال ~~فيه، ولم ينشئ خلقه له صفة جمال أو ms2404 كمال جديدة. وعندما يؤدي الإنسان أي ~~عمل لله فهو يؤديه طاعة وتقربا لله. وإذا أراد الله من المؤمنين أن ~~يكونوا قوامين لله، عندئذ تكون كل حركات المجتمع الإيماني حركات ربانية ~~متساندة متصاعدة. وإذا كانت حركات المجموع الإيماني متساندة فسوف تكون ~~النتيجة لهذه الحركة سعادة البشرية فالإنسان إذا ما كان قواما فهو قوام ~~لنفسه وللآخرين. والمراد أن نكون مداومين على قيامنا في كل أمر لله. ولا ~~تعتقد أيها المؤمن أنك تعامل خلق الله، إنما تعامل الله الذي شرع لك ~~ليضمن لك ويضمن منك، فأنت إن طولبت بالأمانة، فقد طولب كل الناس بالأمانة ~~فيما هو خاص بك لا بغيرك، وحين ينهاك الله عن الخيانة فقد أمر الحق الناس ~~جميعا بالانتهاء عن الخيانة لك. إذن إن نظرت إلى تكليفات الله لوجدتها ~~لصالحك أنت فلا يظنن ظان أن الدين إنما جاء ليقف أمام نفسه هو، فالدين ~~وقف أمام النفس لدى الناس جميعا، فحين يأمرك: ألا تمد يدك إلى مال غيرك ~~فأنت واحد من الناس، وفي هذا القول أمر موجه لكل الناس: لا تمدوا أيديكم ~~إلى مال فلان لتسرقوه. فانظر إلى أن الحق حين شرع عليك شرع لك. ولذلك يجب ~~أن يكون كل قيامك لله سبحانه. ولذلك يظهر الحق سبحانه وتعالى في بعض خلقه ~~أشياء وأحداثا تفهم الناس أن الذي يعمل لخلق الله مسلوب النعيم، والذي ~~يعمل لله يكون موصول النعيم فنجد الواحد من الناس يقول: " لقد فعلت لفلان ~~كذا وكذا وكذا وأنكرني ". نقول له: أنت تستحق لأنك صنعت له، ولكنك لو ~~صنعت لله لكفاك الله كل أمر. ولذلك يقول الحق عن هؤلاء الذين صنعوا لله: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا # [آل عمران: 30] إذن فالمؤمن يجب أن يوضح حركة قيامه وينميها، بمعنى أن ~~يجعل كل حركته لله فإن كانت كل حركته لله، فالله سبحانه لا يضيع أجر من ~~أحسن عملا. والخاسرون هم الذين يعملون للناس لأن الناس لا يملكون لهم ~~نفعا وربما تخلوا عنهم وربما أضمرت وحملت قلوبهم الضغن والحقد لمن ms2405 أحسن ~~إليهم، وربما تحولوا إلى أعداء لهم، فالمصنوع له الجميل قد يعطيه الله ~~بعضا من الجاه، وحين يلقى صانع الجميل بعد ذلك قد تتخاذل نفسه وتذل، ~~ونرى في بعض الأحيان واحدا يجلس بين الناس وقد أخذته العزة، ثم يدخل ~~عليه إنسان كان له فضل عليه، وساعة يراه يكره وجوده في مجلسه، ويتمنى ألا ~~يحدث هذا اللقاء وإذا ما لقيه بعد ذلك في طريق فهو يشيح بوجهه لأن الذي ~~صنع الجميل يسبب حرجا له، ويجعل نفسه تتضعضع، وهو يريد أن يستكبر على ~~الناس. # إذن فالله يوضح: اعملوا لله لإنه لا يضيع عنده شيء. واعلموا أن الله ~~رقيب عليكم ولن يضيع عمل عنده. وعندما سئل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الإحسان قال: # " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # أتستطيع أنت أيها الإنسان أن تصنع في إنسان آخر ما يسوؤه أمامه؟. أنت ~~تسيء إلى الآخر من وراء ظهره. فلماذا إذن يسيء الواحد منكم إلى الله ~~بالعصيان، وهو الناظر إليكم جميعا؟ إذن حين يريد الحق سبحانه وتعالى أن ~~تحسن معاملة نفسك وغيرك فعليك أن تحتسب كل عمل لك عند الله. فقد سخر لنا ~~الحق كل الوجود وأعطانا كل مقومات الحياة، ويوضح لكل واحد منا: يا عبدي ~~اجعل كل قيامك لله ولا تكن قائما فقط ولكن كن قواما.. بمعنى أنه ~~مادامت فيك بقية من العافية للعمل فاعمل، ولا تعمل على قدر حاجتك فقط، ~~ولكن اعمل على قدر طاقتك لأنك لو عملت على قدر حاجتك فإن الذي لا يقدر ~~على العمل لن يجد ما يعيش به. إذن فاعمل على قدر طاقتك لتتسع حركتك للناس ~~جميعا. ويكون الفائض من عملك لغيرك. وحين يقول سبحانه: { كونوا ~~قوامين لله شهدآء بالقسط } يعلمنا ألا نضيع مجهودنا ~~هباء، بل نوجه المجهود للعمل ونقوم به لوجه الله، لأنه سبحانه لا ينسى ~~أبدا جزاء عبده، وهو الذي يرد كل جميل. إنه - سبحانه - يقول: # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60]. ويقول أيضا: # إن الله لا يضيع أجر ms2406 المحسنين # [التوبة: 120] وحين يكون الواحد منا قواما لله يكون قد استغل حركة ~~وجوده لخير خلق الله، وهذا العمل مطلوب منك. ولا يكفي أن تكون حركتك ~~محصورة في ذلك، بل يجب أن تمتد أيضا حركة حياتك لتكون شاهدا بالعدل. ~~وكذلك توجه للعدل من تحدثه نفسه أن ينحرف. وحين تكون قواما لله فهذا ~~أمر حسن، وعليك أن تحاول إقناع غيرك بأن يكون قيامه لله بأن تكون شاهدا ~~بالقسط والعدل. وحين تكون شاهدا بالقسط والعدل لا يتمادى ظالم في ظلمه. ~~فالذي يجعل الظالم يشتد ويستشري ظلمه ويتفاقم شره هو أنه يجد من يدلسون ~~على العدالة ويسترون ويخفون العيوب ويخادعون الناس. # لكن لو وجد الإنسان الذي ينير الطريق أمام العدالة لما وجد ظلم. لكن ~~الظالم يحب من يدلس عليه فيقول لنفسه: إن فلانا ارتكب جريمة مثل جريمتي ~~ونال البراءة. وتدليس الشهادة يقود إلى خراب المجتمعات. ولو أن المجتمع ~~حينما يرى أن شهادة أفراده هي شهادة بالقسط وشهادة بالعدل، فإن كل فرد في ~~المجتمع إذا هم بظلم يرتدع قبل أن يفعل الظلم، ولكان الظالم ينال ~~عقابه ويصير مثالا لارتداع غيره. والمؤمن مطالب بالقيام لله بإصلاح ~~ذاته، ومطالب ثانيا أن يشهد بالقسط والعدل لإصلاح غيره. وكلمة " القسط " ~~تأتي منها اشتقاقات كثيرة، وهي من الألفاظ التي قد تدل على العدل وقد تدل ~~على الجور، وهي من الألفاظ التي تستعمل في الأمر وفي نقيضه. وهذا من ~~محاسن اللغة. ويتطلب ذلك أن يمحص السامع الكلمة ويتعرف على معناها بما ~~يتطلبه السياق. " وقسط " معناها " عدل ". والفعل المضارع لها هو يقسط. ~~والمصدر " قسطا " ، ومرة يكون المصدر " قسوطا ". والمصدر هو الذي قد ~~يحول المعنى من العدل إلى الجور. فالقسط بمعنى العدل. وقسط يقسط ~~قسوطا. أي جار وظلم. هنا نجد الفعل يأتي بالمعنى وضده حتى يمتلك ~~السامع اليقظة والفطنة التي تجعله يعرف التمييز بين معنى العدل ومعنى ~~الجور. وحين نقول " أقسط " فإنها بمعنى عدل، وهنا ننتبه إلى ما يلي: أن ~~هناك فرقا بين عدل يأتي من أول الأمر وذلك هو القسط، وهناك حكم ms2407 ظالم ~~يحتاج إلى حكم آخر يزيل الظلم. وذلك الذي نستعمل له " أقسط " أي أزال ~~الظلم. فكأن جورا كان موجودا وأزاله الحكم. فالقسط - إذن - هو العدل ~~الابتدائي. ولذلك نسمع قول الحق سبحانه وتعالى: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15] والقاسطون هنا هم الظالمون، فالقسط هنا من قسط يقسط قسوطا. ~~وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق: { شهدآء ~~بالقسط } أي شهداء بالعدل. واللباقة في السامع هي التي توجه اللفظ ~~إلى معناه المراد من خلال السياق، فالسامع للقرآن يفترض فيه الأريحية ~~اللغوية بحيث يستطيع أن يفرق بين الشيء والمشابه له من شيء آخر. إذن ~~فهناك قسط وأقسط، قسط بمعنى عدل، وأقسط بمعنى أقام القسط بإزالة الجور. ~~والقسوط معناه الجور. والحق يقول: { إن الله يحب ~~المقسطين } و " المقسطين " هي جمع " مقسط " من: أقسط أي أزال ~~الظلم والجور، إذن فالذي يرجح المعنى هنا سياق الكلمة ومصدرها. وقد يراد ~~بالكلمة المعنى المصدري. والمعنى المصدري لا يختلف باختلاف منطوقه، ~~فيقال: " رجل عدل " ويقال: " امرأة عدل ". ويقال: " رجلان عدل " ، ويقال: ~~" امرأتان عدل " ، و " رجال عدل " ، و " نساء عدل ". # إذن فإن أردنا بالكلمة المصدر فهي لا تتغير في المفرد والمثنى وجمع ~~المذكر وجمع المؤنث. والقرآن الكريم يقول: # ونضع الموازين القسط # [الأنبياء: 47] وهنا قول آخر: # وزنوا بالقسطاس المستقيم # [الشعراء: 182] وفي الريف المصري نجد أن التاجر يصنع لنفسه الموازين من ~~الأحجار، فيعاير قطعة من الحجر بوزن الكيلو جرام، ويعاير قطعا أخرى ~~لأجزاء الكيلو جرام ومن كثرة الاستعمال وملامسة الحجر يعرف التاجر أن ~~الحجر يتآكل، لذلك يعيد وزن الأحجار التي يستعملها في الميزان كل فترة ~~متقاربة من الزمن. ويقال: إنه يعاير الأوزان. وسمي القسطاس فالقسطاس هو ~~الذي تعاير به الموازين، فإذا صنع الإنسان شيئا للميزان مما يتآكل أو ~~يتأثر باللمس فيجب عليه أن يعايره كل فترة حتى لا يظلم أحدا ولو بمقدار ~~اللمسة الواحدة. ولذلك يقول الحق: { ذلكم أقسط عند الله } " ~~أقسط " هنا معناها " أعدل ". فموازين الله غير موازين البشر، فموازين ~~البشر قد يحدث فيها اختلاف. ونرى بعض التجار ينقضون ms2408 الميزان بأن يضعوا ~~شيئا تحت كفة الميزان أو غير ذلك من الخدع، لكن الحق هو العادل الحق. ~~وهو صاحب الميزان الأعدل وهو القائل: { ذلكم أقسط عند الله ~~}. جاءت هذه الآية لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدر حكما وهو حكم ~~صحيح وعادل بقواعد البشر، فأوضح الحق له الحكم الأقسط، صحيح أن عدلك يا ~~رسول الله لا يدخله هوى ولا يميل به غرض أو شهوة. ولكن العدل عند الله ~~أكثر دقة وله مطلق الدقة. وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحكم ~~بمنطق القسط البشري في أمر زيد بن حارثة وكان مولى لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، كان عبدا لخديجة - رضي الله عنها - وهبته لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وبعد فترة علم أهل زيد بخبر اختطافه وبيعه كعبد وكيف آل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء أهل زيد إلى رسول الله وطالبوا ~~بابنهم. ورفض زيد أن يعود معهم وأراد أن يبقى مع رسول الله، وأراد رسول ~~الله أن يكرم زيدا الذي فضله على أبيه وأهله مصداقا لقول الله: # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم # [الأحزاب: 6] لذلك كان لا بد للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقدر زيد بن ~~حارثة فأعتقه ودعاه " زيد بن محمد " تكريما له، على عادة العرب في تلك ~~الأيام. لكن الله يريد أن يلغي مسألة التبني: # وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم # [الأحزاب: 4] وأجرى الله الأحداث ليصحح مسألة التبني لكل العرب، وكان ~~بداية تطبيق ذلك على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينزل القول ~~الحق: # ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله # [الأحزاب: 5] لم ينف الله القسط عن محمد، ولكن الأقسط يأتي من عند الله. ~~ويطيب الله خاطر زيد بعد أن عاد إليه اسمه الفعلي منسوبا لأبيه لا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكافئ الله زيدا بأن يجعل اسمه هو الاسم ~~الوحيد في الإسلام الذي يذكر في القرآن ويتعبد المؤمنون بتلاوته إلى أن ~~تقوم الساعة: # فلما قضى زيد منها وطرا # [الأحزاب: 37] لقد صار ms2409 اسمه في القرآن يتلوه المسلمون إلى قيام الساعة. ~~وفي ذلك كل السلوى. إذن ف { أقسط عند الله } جاءت في محلها، ~~وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد طلب منا أن يكون قيامنا مبالغا فيه أي ~~ألا نترك فرصة لعمل الخير وأن نبالغ في الدقة في أداء العمل، وأن نعدل ~~في المجتمع بأن نكون شهداء بالقسط. وبذلك يأخذ كل إنسان حقه فلا يقدر قوي ~~أن يظلم ضعيفا لأن الضعيف سيجد أناسا يشهدون معه بالحق. وإياكم أن ~~تأخذوا الهوى في مقاييس العدل. وهب أن المسألة تتعلق بعدوكم أو بخصومكم ~~فالعدل هنا أكثر أهمية وأكثر وجوبا. { ولا يجرمنكم شنآن ~~قوم على ألا تعدلوا }. أي لا يحملنكم بغض قوم على ألا ~~تعدلوا فتعتدوا عليهم، فمن له حق يجب أن يأخذه. ونعرف القصة التي حدثت، ~~عندما سرق مسلم درع مسلم آخر وأراد السارق وأهله أن يلصقوا التهمة بيهودي ~~وأن يبرئ نفسه، ولكن الله أنزل قرآنا: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105] أي لا تكن يا محمد لصالح الخائنين مخاصما للبرآء. وقوله ~~الحق هنا: { ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا ~~تعدلوا } أي لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا، وإلا سيكون البغض ~~لصالح عدوكم، وبغض المؤمن إذا حمله على اتباع هواه سيكون لصالح العدو لأن ~~الله سيعاقب المؤمن لو أدخل الهوى والبغض في إقامة الميزان العادل. ~~فتحكيم البغض والعداء والهوى يكون لصالح الخصوم لذلك لا يحملنكم أيها ~~المؤمنون شنآن - أي بغض - قوم على ألا تعدلوا. ويضيف الحق: { اعدلوا ~~هو أقرب للتقوى } والعدالة حين تطلب مع الخصم هي تقريع لذلك ~~الخصم لأنه خالف الإيمان. ومن المؤكد أن الخصم يقول لنفسه: إن عدالة هذا ~~المسلم لم تمنعه من أن يقول الحق ولا بد أن عقيدته تجعل منه إنسانا ~~قويا، وأن دينه الذي أمره بذلك هو نعم الدين. إذن ساعة تحكم أيها المؤمن ~~بالعدل لخصمك فأنت تقرعه لأنه ليس مؤمنا، لكن لو رأى خصمك أنك قد جرت ~~ولم تذهب إلى ms2410 الحق، فأنت بذلك تشجعه على أن يبقى كافرا لأنه سيعرف أنك ~~تتبع الهوى. أما إذا رآك وأنت تقف موقفا يرضي الله مع أنه خصم لك، فهو ~~يستدل من ذلك على أن العقيدة التي آمنت بها هي الحق، وأنك تقيم الحق حتى ~~في أعدائك. # وهكذا يقرع الخصم العقدي نفسه، وقد يلفته ذلك إلى الإيمان. { ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى } أقرب إلى أي تقوى؟ أأقرب إلى ~~تقوى المؤمن؟ أم أن الخصم يكون أقرب إلى التقوى حين يرى المؤمن مقيما ~~للعدل والحق، فلعله يرتدع ويعاود نفسه ويقول: إن الإيمان قد جعل هذا ~~المسلم يتغلب على البغض وحكم بالحق على الرغم من أنه يعلم أنني عدو له. ~~ولنا في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام الأسوة الحسنة، فقد جاءه رجل غريب ~~يسأله طعاما أو مبيتا، فسأله إبراهيم عن دينه. فوجده كافرا، فلم يجب ~~مسألته.وسار الرجل بعيدا، فأنزل الله سبحانه على إبراهيم وحيا: أنا ~~قبلته كافرا بي ومع ذلك ما قبضت نعمتي عنه. وسألك الرجل لقمة أو مبيت ~~ليلة فلم تجبه. وجرى سيدنا إبراهيم خلف الرجل واستوقفه، فسأل الرجل ~~سيدنا إبراهيم ما الذي حدث لتغير موقفك، فقال سيدنا إبراهيم: إن ربي ~~عاتبني في ذلك. فقال الرجل: نعم الرب إله يعاتب أحبابه في أعدائه، وآمن ~~الرجل. وهذا يوضح لنا معنى { أقرب للتقوى } فقد صار الرجل ~~الكافر أقرب للتقوى. إذن: فالمعنى النفسي الذي يصيب خصمك أو من يغضبك أو ~~من بينك وبينه شنآن، حين يراك آثرت الحق على بغضك له، يجعله يلتفت إلى ~~الإيمان الذي جعل الحق يعلو الهوى ويغلبه ويقهره، ويصير أقرب للتقوى. ~~وأيضا من يشهد بالقسط هو أقرب للتقوى. ويذيل الحق الآية بقوله: { ~~واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون } فهو - ~~سبحانه - الخبير بما نعمل. وإياك أيها المؤمن أن تصنع ذلك لشهرة أن يقال ~~عنك إنك رجل حكمت على نفسك. ولكن اعمل من أجل الله حتى وإن كان الموقف ~~يستحق منك الفخر. إن كثيرا من الناس يحكمون بالظلم ليشتهروا بين الناس ~~بالعدل، كيف؟ لنفرض أنه قد عرضت ms2411 عليك قضية هي خصومة بين ابنك وابن جارك ~~الشجاعة الأولى تفرض أن تحكم لابن جارك وهو غير محق على ابنك، لكن ~~الشجاعة الأقوى أن يكون الحق لابنك وتحكم له، أما إن حكمت لابن جارك - ~~وهو غير محق - ففي هذه الحالة تكون قد حكمت بالظلم لتشتهر بين الناس ~~بالعدل! يجب أن يكون الحق أعز عليك من ابنك وابن جارك، وإياكم أن تعملوا ~~أعمالا ظاهرها عدل وباطنها رياء لأننا نعلم أن لكل جارحة من الجوارح ~~مجالا تؤدي فيه وظيفتها فاللسان أداؤه ووظيفته القول، والأذن فعلها أن ~~تسمع، والأنف أداؤه أن يشم، ويجمع الجميع العمل. فالعمل إما أن يكون ~~قولا وإما أن يكون فعلا. قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2-3] إذن فالقول محله اللسان، والفعل محله بقية الجوارح، ~~والاثنان يجمعهما العمل. ومن بعد ذلك يقول الحق: { وعد الله ~~الذين آمنوا... }. ### || [5.9] # وعندما نتأمل كلمة " وعد " نجدها تأتي، وتأتي أيضا كلمة " أوعد " و " ~~وعد " وكذلك أوعد إذا لم تقترن بالموعود به، تكون وعد للخير، و " ~~أوعد " للشر. ولكن لو حدث غير ذلك وجئت بالموعود به، فالاثنان ~~متساويان، فيصح أن تقول " وعدته بالخير " ويصح أيضا أن تقول: " وعدته ~~بالشر ". لكن إن لم تذكر المتعلق، فإن " وعد " تستعمل في الخير. و " أوعد ~~" تستعمل في الشر. والشاعر يقول: # وإني إن أوعدته أو وعدته # لمخلف إبعادي ومنجز موعدي # وحين يقول: " وعد الله " فهذا وعد مطلق لا إخلال به لأن الذي يخل بالوعد ~~هو الإنسان الذي تعتريه الأغيار فقد يأتي ميعاد الوفاء بالوعد ويجد ~~الإنسان نفسه في موقف العاجز أو موقف المتغير قلبيا، لكن ساعة يكون الله ~~هو الذي وعد فسبحانه الذي لا تداخله الأغيار، بل هو الذي يجري الأغيار، ~~لذلك يكون وعده هو الوعد الخالص الذي لا توجد قوة أخرى تحول دون أن ينفذ ~~الله وعده. أما وعد البشر فقد تأتي قوة أخرى تعطل الوعد. { وعد ~~الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ms2412 ~~} سبحانه وتعالى يوضح أن مغفرته لكل عباده ولا يختص فقط الصالحين الورعين ~~بل إنه يوجه حديثه إلى هؤلاء الذين ارتكبوا المعاصي فإن تابوا، فلهم ~~مغفرة لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة فأنت قد تكون جالسا ويأتي ~~واحد جهة اليمين ليقدم لك تفاحة، وفي اللحظة نفسها التي تمتد يدك لتأخذ ~~التفاحة تلتفت لتجد إنسانا آخر يريد أن يصفعك، أي اتجاهات سلوكك تغلب؟. ~~لا بد أنك سترد على من يضربك أولا. والحق يزيل الذنوب أولا بالمغفرة. ~~ونجده سبحانه وتعالى يأتي بأشياء تلفت القلب فهو يقول: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز # [آل عمران: 185] فالخطوة الأولى للفوز هي الزحزحة عن النار، والخطوة ~~التالية بعد ذلك هي دخول الجنة. فسبحانه يمنع المفسدة ويقدم دفعها ودرأها ~~على جلب المنفعة لذلك يقول الحق بداية: { لهم مغفرة }. والإنسان ~~منا ساعة تأتي له الخواطر يفكر في أشياء يطمح إليها، وهناك أشياء يخاف ~~منها. وينشغل الذهن أولا بما يخاف منه، يخاف من المفسدة، يخاف من عدم ~~تحقيق الآمال. إذن فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. { لهم ~~مغفرة وأجر عظيم }. وكل أجر على عمل يأخذ عمره بقدر حيزه ~~الزمني، فأجر الإنسان على عمله في الدنيا يذهب ويزول لأن الإنسان نفسه ~~يذهب إلى الموت، أما أجر الآخرة فهو الباقي أبدا، وهو أجر لا يفوت ~~الإنسان ولا يفوته الإنسان، ذلك هو الأجر العظيم. وحين يتكلم الحق عن ~~معنى من المعاني يتعلق بالإيمان والعمل الصالح تكون النفس مستعدة لأن ~~هناك تأميلا في الخير وترهيبا من الشر لذلك يتبع الحق هذه الآية بآية ~~أخرى فيقول: { والذين كفروا... }. ### || [5.10] # وحين نسمع قوله: { أصحاب الجحيم } تتزلزل النفوس رهبة من تلك ~~الصحبة التي نبرأ منها، فالصحبة تدل على التلازم وتعني الارتباط معا، ~~وألا يترك أحدهما الآخر كأن الجحيم لا تتركهم، وهم لا يتركون الجحيم، بل ~~تكون الجحيم نفسها في اشتياق لهم. وللجحيم يوم القيامة عملان العمل ~~الأول: الصحبة التي لا يقدر الكافر على الفكاك منها، والثاني: لا تترك ~~الجحيم فرصة للكافر ليفك منها. ويقول ms2413 الحق عن النار: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30] ويقول الحق بعد ذلك: { يا أيهآ الذين آمنوا... }. ### || [5.11] # والذكر - كما عرفنا - يعني استحضار الشيء إلى الذهن لأن الغفلة تطرأ على ~~الإنسان وعليه ألا يستمر فيها. وبعض أهل الإشراق والشطح يتلاعبون ~~بالمواجيد النفسية فيقول واحد منهم: يعلم الله أني لست أذكره. وحين يسمع ~~الإنسان مثل هذا القول قد يوجه لصاحبه التأنيب والنقد العنيف، لكن القائل ~~يحلل الأمر التحليل العرفاني فيكمل بيت الشعر بالشطر الثاني: # " إذ كيف أذكره إذ لست أنساه ". # وهنا ترتاح النفس، ويقول الحق هنا أيضا: { نعمت الله } ولم يقل: ~~" نعم " لأن كل نعمة على انفراد تستحق أن نشكر الله عليها فكل نعمة مفردة ~~في عظم وضخامة تستحق الشكر عليها، أو أن نعمة الله هي كل فيضه على خلقه، ~~فأفضل النعمة أنه ربنا، وسبحانه يقول: { اذكروا نعمت الله ~~عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ~~فكف أيديهم عنكم }. ومادام قد جاء ب " إذ " فالمراد نعمة ~~بخصوصها لأن " إذ " تعني " حين " فالحق يوضح: اذكروا نعمة الله عليكم في ~~ذلك الوقت الذي حدثت فيه هذه المسألة لأنه جاء بزمن ويطلب أن نذكر نعمته ~~في هذا الموقف، إنه يذكرنا بالنعمة التي حدثت عندما هم قوم ببسط أيديهم ~~إليكم. وهناك " قبض " لليد و " بسط " لليد. والبسط المنظور أن ترى ~~النعمة. وفي الآية تكون النعمة هي كف أيدي الكافرين، ذلك أن أيديهم كانت ~~ممدودة بالسوء والشر. ولو وقفنا عند بسط اليد لظننا أنه سبحانه قد جعل من ~~أسباب خلقه معبرا للنعم علينا أي أن نعم الله تعبر وتصل إلينا عن طريقهم ~~وبأيديهم، لكن هذا ليس مرادا من النص الكريم لأننا حين نتابع قراءة ~~الآية، نعرف أن كف أيديهم هو النعمة، فهؤلاء القوم أرادوا أن يبسطوا ~~أيديهم بالإيذاء. ويقولون عن بذاءة اللسان: " بسط لسانه " ويقولون أيضا: ~~" بسط يده بالإيذاء ". ونعرف أن الحق جاء ب " إليكم " أو " عنكم " ~~وكلاهما فيه ضمير يعود على المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فالمؤمنون ملتحمون ms2414 بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا هم قوم أن ~~يبسطوا أيديهم إلى رسول الله، ففي ذلك إساءة للمؤمنين برسول الله لأن كل ~~شيء يصيب رسول الله، يصيب المؤمنين أيضا. وكانت هناك واقعة حال في زمن ~~مقطوع وسابق، فهل يعني الحق سبحانه وتعالى بحادثة بني النضير، وكان بين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وبني النضير معاهدة ألا يعينوا عليه خصوم ~~الإسلام وإذا حدث قتل من جهة المسلمين فعلى بني النضير المعاونة في ~~الدية، وكان النبي قد أرسل مسلما في سرية فقتل اثنين من المعاهدين خطأ، ~~فطالبوا بدية للقتيلين. # ولم يكن عند النبي مال فذهب إلى بني النضير كي يساعدوه بدية القتيلين، ~~فقالوا له: " مرحبا " نطعمك ونسقيك وبعد ذلك نعطيك ما تريد، ثم سلطوا ~~واحدا ليرمي الرسول بحجر. فصعد الرجل ليلقي على الرسول صخرة ورسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قاعد إلى جانب جدار من بيوتهم فأخبر الحق رسوله ~~فقام خارجا، ولم ينتظر شيئا. { إذ هم قوم أن يبسطوا ~~إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم } لقد أخبر الحق ~~نبيه بما يبيتون قبل أن يتمكنوا من الفعل. و " الهم " هو حديث النفس، ~~فإذا ما خرج إلى أول خطا النزوع فذلك هو القصد، و " الهم " هو الشيء الذي ~~يغلب على فكر الإنسان في نفسه ويكون مصحوبا بغم. وفي اللغة الدارجة نسمع ~~من يقول: " أنا في هم وغم " لأن " الهم " هو الأمر الذي لا يبارح النفس ~~حديثا ويسبب الغم. فالهم هو العدو الذي لا يقدر أن يقهره أحد لأنه يتسرب ~~إلى القلب، أما أي عدو آخر فالإنسان قد يدفعه، ونعرف عن سيدنا الإمام علي ~~- رضوان الله عليه وكرم الله وجهه - أنه كان مشهورا بأنه المفتي فهو ~~يستفتى في الشيء فيجيب عليه، لدرجة أن سيدنا عمر نفسه يقول: " قضية ولا ~~أبا حسن لها " أي أنها تكون قضية معضلة إذ لم يوجد أبو حسن لها فيحلها، ~~وكان سيدنا عمر يستعيذ من أن يوجد في مكان لا يوجد به سيدنا علي. وعندما ~~عرف الناس عنه ذلك تساءلوا: ms2415 من أين يأتي بهذا الكلام؟. فجاءوا بلغز ~~وانتظروا كيف يخرج منه. فقالوا: إن الكون متسع وفيه أشياء أقوى من كل ~~الأشياء، وقوى تتسلط على قوى، وحاولوا الاتفاق على شيء أقوى من كل ~~الأشياء فقال واحد: الجبل هو أقوى الأشياء. وقال الآخر: لكنا نقطع منه ~~الأحجار بالحديد. وبينما هم يسلسلون هذه السلسلة جاء سيدنا علي فقالوا ~~له: يا أبا الحسن ما أشد جنود الله؟. فأجاب سيدنا علي - كرم الله وجهه - ~~كأنه يقرأ من كتاب بدليل أنه عرف جنود الله وعرف الأقوى وحصر عددهم، وقال ~~سيدنا علي: أشد جنود الله عشرة. وكأنه انشغل بهذه المسألة من قبل، ~~ودرسها. قال: الجبال الرواسي والحديد يقطع الجبال، والنار تذيب الحديد، ~~والماء يطفئ النار، والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل الماء، والريح ~~يقطع السحاب، وابن آدم يغلب الريح يستتر بالثوب أو الشيء ويمضي لحاجته ~~والسكر يغلب ابن آدم، والنوم يغلب السكر، والهم يغلب النوم، فأشد جنود ~~الله الهم. ولا يمكننا أن نمر على كلمة " الهم " في القرآن إلا أن نستعرض ~~مواقعها في كتاب الله. # وأهم موقع من مواقعها نتعرض له من أسئلة الكثيرين في رسائلهم وفي ~~لقاءاتنا معهم هو مسألة يوسف عليه السلام حينما قال الحق سبحانه وتعالى ~~بخصوص مراودة امرأة العزيز له: # ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ~~ربه # [يوسف: 24] ولنحقق هذه المسألة، فالذين يستبعدون على سيدنا يوسف عليه ~~السلام هذا الأمر، يستبعدون على صاحب العصمة أن يفكر في نفسه، وإن كان ~~التفكير في النفس لم يبلغ العمل النزوعي فهو محتمل. بل قد يكون التفكير ~~في الشيء ثم عدول النفس عنه أقوى من عدم التفكير فيه لأن شغل النفس بهذا ~~الأمر ثم الكف يعني مقاومة النفس مقاومة شديدة. ولكنهم يجلون ويعظمون ~~- أيضا - سيدنا يوسف عن أن يكون قد مر بخاطره هذا الأمر فضلا على أن ~~يوسف - عليه السلام - لم يكن قد أرسل إليه، أي أنه لم يكن رسولا آنذاك. ~~الآية تقول: # ولقد همت به وهم بها # [يوسف: 24] أي أن امرأة العزيز هي ms2416 التي بدأت المراودة ليوسف عليه السلام ~~فهل تم نزوع إلى العمل؟. لا، لأن النزوع إلى العمل يقتضي أن يشارك فيه ~~سيدنا يوسف. إذن ف " همت به " أي صارت تحب أن تصنع العملية النزوعية ~~وجاء المانع من سيدنا يوسف. وبالنسبة للمراود وهو سيدنا يوسف، قال ~~الحق: # وهم بها لولا أن رأى برهان ربه # [يوسف: 24] ونصرب لذلك مثلا حتى نفهم هذا إذ قال لك قائل: أزورك لولا ~~وجود فلان عندك، هذا يعني أن القائل لم يزرك، وبالقياس نجد أن يوسف عليه ~~السلام رأى البرهان فلم يهم. فمن أراد أن ينزه يوسف حتى عن حديث نفسه ~~نقول: الأمر بالنسبة لها أنها همت به، وحتى يتحقق الفعل كان لا بد من ~~قبول لهذا الأمر، وصار الامتناع لكنه ليس من جهتها بل جاء الامتناع من ~~جهته. وهو قد هم بها لولا أن رأى برهان ربه. لماذا جاء الحق: بأنه هم ~~بها لو أن رأى برهان ربه؟ جاء الحق بتلك الحكاية ليدلنا على الحكمة في ~~امتناع يوسف عن موافقته على المراودة، فلم يكن ذلك عن وجود نقص طبعي جسدي ~~فيه، ولولا برهان ربه لكان من الممكن أن يحدث بينهما كل شيء. وأراد الحق ~~أن يخبرنا أن رجولته كاملة وفحولته غير ناقصة واستعداده الجنسي موجود ~~تماما، والذي منعه من الإتيان لها هو برهان ربه، إنه امتناع ديني. لا ~~امتناع طبيعي. وبذلك يكون إشكال الفهم لمسألة الهم عند امرأة العزيز ~~ويوسف قد وضح تماما. ونعود إلى الآية التي نحن بصددها: { إذ هم ~~قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم } ~~وكلمة " قوم " إذا سمعتها ففيها معنى القيام، والقيام هو أنشط حالات ~~الإنسان. وكما أوضحنا من قبل نجد أن الإنسان إما أن يكون قائما وإما أن ~~يكون قاعدا وإما مضطجعا وإما مستلقيا وإما نائما. # ونجد أن الراحات على مقدار هذه المسألة، فالقائم هو الذي يتعب أكثر من ~~الآخرين لأن ثقل جسمه كله على قدميه الصغيرتين، وعندما يقعد فإن الثقل ~~يتوزع على المقعدة. وإذا اضطجع فرقعة الاحتمال تتسع. ولذلك يطلقونها على ms2417 ~~الرجال فقط لأن من طبيعة الرجل أن يكون قواما، ومن طبيعة المرأة أن تكون ~~هادئة وديعة ساكنة مكنونة. فالقوم هم الرجال. ومقابل القوم هنا " النساء ~~". إذن فالنساء ليس من طبيعتهن القيام. والشاعر يقول: # وما أدري ولست إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # وحين يقول الحق: { إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم ~~أيديهم } فمعنى ذلك أنه لم يكن هناك نساء قد فكرن في أن يؤذين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ونجد هنا أيضا أن البسط مجال تساؤل، هل البسط ~~يعني الأذى أو الكرم؟. والحق يقول: # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض # [الشورى: 27] هذا في مجال العطاء أما في مجال الأذى فالحق يقول على لسان ~~ابن آدم لأخيه: # لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط ~~يدي إليك لأقتلك # [المائدة: 28] والأيدي لاتطلق إلا إذا أردنا حركة نزوعية تترجم معنى ~~النفس سبق أن مر على العقل من قبل، فمد الأيدي يقتضي التبييت بالفكر، ~~وهكذا نعرف أن القوم قد بسطوا أيديهم إلى رسول الله والمؤمنين. وعندما ~~ننظر في التاريخ المحمدي مع أعدائه، نجد الحق سبحانه وتعالى يقول: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين # [الأنفال: 30] أي أنهم قعدوا للتبييت. ونحن لا نعرف ذلك التبييت إلا إذا ~~امتدت الأيدي للعمل، فقد مكروا وبيتوا للشر وأرادوا أن يثبتوا رسول الله ~~أي أرادوا تحديد إقامته بحبسه أو تقييده أو إثخانه بالجراح حتى يوهنوه ~~ويعجزوه فلا يستطيع النهوض والقيام أو يقتلوه أو يخرجوه من بلده. بإثباته ~~ومنعه فلا يبرح، أو يخرجوه من المكان كله أو يقتلوه، فماذا كان الموقف؟ ~~لقد هموا أن يبسطوا إليه أيديهم. وبسط اليد إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يؤذي المؤمنين كلهم، لأنه لا يستقيم أمر المؤمنين إلا برسول الله، ~~فلو بسط الكفار أيديهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكان معنى ذلك بسط ~~أيديهم على الكل. ويأتي التاريخ المحمدي بأمور يبسط فيها الكافرون أيديهم ~~بالأذى إلى رسول الله وإلى ms2418 المؤمنين ويكف الله أيديهم ويمكر بهم أي ~~يجازيهم على ذلك بالعقاب. والمكر - كما نعلم - هو الشجر الملتف بعضه على ~~بعضه الآخر حيث لا نعرف أي ورقة تنمو من أي جذع أو فرع. والمكر في ~~المعاني هو التبييت في خفاء. وهو دليل ضعف لا دليل قوة. فالأقوياء ~~يواجهون ولا يبيتون ولذلك يقال: إن الذي يكيد لغيره إنما هو الضعيف لأن ~~الإنسان الواضح الصريح القادر على المواجهة هو القوي. # ونجد البعض يجعل ضعف النساء دافعا لهن على قوة المكر استنادا لقول الحق: # إن كيد الشيطان كان ضعيفا # [النساء: 76] وإلى قول الحق: # إن كيدكن عظيم # [يوسف: 28] فلا يكيد إلا الضعيف. ومن لا يقدر على المواجهة فهو يبيت، ~~ولو كان قادرا على المواجهة لما احتاج إلى ذلك. وقد يمكر البشر ويبيتون ~~بخفاء عن غيرهم. لكنهم لا يقدرون على التبييت بخفاء عن الله، لأنه عليم ~~بخفايا الصدور. وأمر الحق في التبييت أقوى من أمر الخلق لذلك نجد قوله ~~سبحانه: # ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين # [الأنفال: 30] ولنلحظ أن تبييت الله خير. وقد أراد الحق سبحانه وتعالى ~~أن يعلم أعداء الإسلام أنه بعد هذا التبييت لن تنالوا من رسولي، لن ~~تنالوا منه بكل وسائلكم سواء أكانت تعذيبا لقومه أم تبييتا له. وعلى ~~الرغم من أنهم بيتوا كثيرا إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من ~~بيته في مكة إلى المدينة وهم نائمون: # فأغشيناهم فهم لا يبصرون # [يس: 9] ونجد العجب في كف أيدي الكافرين عن رسول الله. فكل أجناس الوجود ~~قد اشتركت في عملية كف أيدي الكافرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سواء أكانت تلك الأجناس جمادا أم نباتا أم حيوانا أم إنسانا، نثر ~~رسول الله التراب وهو جماد فأغشي به الكافرين، وصار التراب من جنود الله. ~~وها هي ذي أسماء بنت أبي بكر تحمل الطعام لهم في الغار وهي ترعى الغنم، ~~والأغنام تجد الحشائش فترعاها وتزيل الأثر الذي أحدثه ركب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. لقد اشترك النبات في كف أيدي ms2419 الكافرين عن رسول الله، ~~وكذلك الأغنام وهي من الحيوان، وكذلك فرس سراقة التي ساخت وغاصت قوائمها ~~في الأرض، ثم الحمامة التي بنت عشها على الغار، وكذلك العنكبوت الذي بنى ~~بيته على الغار، ورضخت كل جنود الله لأمر الله فشاركت في عملية كف أيدي ~~الكافرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأعجب من ذلك أن الحق ~~سبحانه وتعالى قد كف أيدي الكافرين بالكافرين، فالرسول الذي جاء ليهدي ~~الخلق ويسير بهم إلى النور من الظلمات، نجد الذي يهديه في طريقه إلى ~~المدينة هو أحد الكفار. وهكذا نرى أن هداية المعاني تستخدم هداية المادة، ~~والرسول هو الحامل لهداية المعاني يستخدم هداية المادة ممثلة في ذلك ~~الكافر. ونعرف أن من جنود الإسلام في دار الهجرة كان اليهود - برغم ~~أنوفهم - ألم يقولوا للأوس والخزرج: سيأتي من بينكم نبي نتبعه ونقتلكم ~~معه قتل عاد وإرم؟ فلما سمع الأوس والخزرج أن نبيا ظهر في مكة، قالوا: ~~هذا هو النبي الذي توعدتنا به اليهود، فلا يسبقنكم إليه، فسبقوا إليه ~~وأسلموا وبايعوه، فقد ورد أن يهودا كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب ~~كفروا به وجحدوا ما كانوا يقولون فيه. # فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور وداود بن سلمة: يا معشر ~~يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم ونحن أهل شرك وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته، فقال سلام بن ~~مشكم أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه وما هو بالذي كنا نذكر لكم. ثم ~~كانت المدينة دارا للهجرة. هكذا نرى أن الباطل يخدم الحق، والكفر يخدم ~~الإيمان، فها هوذا عبدالله بن أريقط - وكان كافرا - يضع نفسه كدليل ~~للرسول وصاحبه أثناء الهجرة ولا ينظر إلى الجعل الذي رصدته قريش لمن ~~يأتيها بمحمد. هكذا نجد أن كف الأيدي كانت له صور كثيرة. وقد تعرض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأشياء ومواقف رآها الصحابة، ونشأت له خوارق من ~~الحق ms2420 سبحانه وتعالى تؤيد صدقه، وشاهد تلك الخوارق بعض الصحابة ولا نقول ~~عنها معجزات لأن معجزة الإسلام إلى قيام الساعة هي القرآن. ولكن رسول ~~الله لم تخل حياته من بعض المعجزات الكونية مثل التي حدثت لغيره من ~~الرسل. وأرادها الحق لا للمسلمين عموما ولكن شاهدها بعضهم كما شاهدها ~~بعض الكفار لأن رسول الله كان في حاجة إلى أن يؤكد له الله أنه رسول ~~الله. فها هوذا سيدنا جابر بن عبدالله يقول: # " كان بالمدينة يهودي وكان يسلفني في تمري إلى الجذاذ، وكان لجابر الأرض ~~التي بطريق رومة فجلست فخلا عاما فجاءني اليهودي عند الجذاذ ولم أجذ منها ~~شيئا، فجعلت استنظره إلى قابل فيأبى فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال لأصحابه: امشوا نستنظر لجابر من اليهودي، فجاءوني في نخلي فجعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يكلم اليهودي فيقول: أبا القاسم لا أنظره، ~~فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قام فطاف في النخل ثم جاءه فكلمه فأبى ~~فقمت فجئت بقليل رطب فوضعته بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - فأكل ~~ثم قال: أين عريشك يا جابر، فأخبرته فقال: افرش لي فيه ففرشته، فدخل فرقد ~~ثم استيقظ فجئته بقبضة أخرى فأكل منها ثم قام فكلم اليهودي فأبى عليه، ~~فقام في الرطاب في النحل الثانية ثم قال: يا جابر، جذ واقض فوقف في ~~الجذاذ فجذذت منها ما قضيته وفضل منه فخرجت حتى جئت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فبشرته فقال: أشهد أني رسول الله ". # مثال آخر: كان الماء قليلا عند قوم من الصحابة فيغمس رسول الله يده في ~~الماء ويشرب كل الناس. وهل يجرؤ أحد من الذين رأوا تلك المعجزة أن يجادل ~~فيها؟ طبعا لا، لكن هل هذه المعجزة لنا؟ إن وثقنا فيمن أخبر فلن نستكثر ~~على الله أن يكثر الماء لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن نحن نعلم ~~أن الله قد تكفل بحفظ القرآن ليكون هو المعجزة الباقية فقال تعالى: { ~~إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } وقال: ~~{ لا يأتيه الباطل ms2421 من بين يديه ولا من خلفه ~~تنزيل من حكيم حميد }. # وقد ثبت أن رسول الله جمع قليلا من الزاد ودعا ما شاء الله أن يدعو ~~وأطعم به جيشا. والذي عاش بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم له أن يصدق ~~تلك المعجزات أو لا يصدقها، ولكن على المؤمن الذي علم مقام ومكانة الرسول ~~عند ربه، أن يصدق تلك الخوارق متى ثبت ذلك بطريق يقيني قطعي، ولذلك لا ~~ضرورة لإقامة الجدل مع هؤلاء الذين ينكرون المعجزات الكونية. ونقول لهم: ~~ليس أحدكم مسئولا بهذه المعجزات، أنت مسئول بمعجزة القرآن فقط. والخوارق ~~التي وقعت إما أن تكون بغرض تثبيت رسول الله مصداقا لقوله الحق: # لنثبت به فؤادك # [الفرقان: 32] وإما أن تكون لتثبيت أصحاب رسول الله فقد كانت الأهوال ~~تمر عليهم وتزلزلهم: # هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا # [الأحزاب: 11] وكان لا بد أن ترسل السماء لهم أيات لتثبت أقدامهم في ~~الإيمان. والخلاصة أن كل الخوارق الكونية التي حدثت لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليس المقصود بها عامة المسلمين، ولكن المقصود بها من وقعت له ~~أو وقعت أمامه، ونفض بذلك أي نزاع حول تلك الخوارق لأن المعجزة الملزمة ~~للجميع هي كتاب الله سبحانه وتعالى. وقد هم بالأذى كثير من أعداء الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. ألم ترد امرأة من اليهود أن تسمه وكف الله يديها؟ ~~وحكاية بني النضير الذين أرادوا أن يلقوا عليه الحجر، فقام قبل أن يلقى ~~مندوب بني النضير الحجر عليه صلى الله عليه وسلم. # " وها هوذا صفوان بن أمية له ثأر عند رسول الله من غزوة بدر يستأجر عمير ~~ابن وهب الجمحي ويقول له: اذهب إلى المدينة واقتل محمدا وعلي دينك، أنا ~~أقضيه عنك وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا. ويذهب عمير إلى المدينة ~~ويدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " ما جاء بك يا عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا ~~إليه - وكان له ابن أسير لدى المسلمين - قال: فما ms2422 بال السيف في عنقك؟ ~~فقال: قبحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئا؟ قال: أصدقني ما الذي جئت ~~له؟ قال: ما جئت إلا لذلك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: بل قعدت ~~أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت لولا ~~دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا فتحمل صفوان بدينك وعيالك على ~~أن تقتلني له، والله حائل بينك وبيني فقال عمير. أشهد أنك رسول الله. قد ~~كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء وما ينزل عليك ~~من الوحي. وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما آتاك ~~به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام ". # ومثال آخر: ما رواه سيدنا جابر - رضي الله عنه - في غزوة ذات الرقاع. # " قال: جاء رجل يقال له غورث بن الحارث فقام على رأس رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله. فسقط السيف من يده فأخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف وقال: ومن يمنعك مني؟ فقال: كن خير ~~آخذ. قال: تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا، ولكن أعاهدك على ألا أقاتلك ~~ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله فأتى أصحابه وقال: جئتكم من عند ~~خير الناس ". # وعندما سمع الرجل لأول مرة أن الله هو الذي يمنع الرسول منه وقع السيف ~~من يده، ذلك أن ذرات الكفر في الرجل تزلزلت وعاد إلى إيمان الفطرة، ~~وعندما أمسك النبي بالسيف وسأل الرجل: من يمنعك مني؟ لم يقل الرجل: " هبل ~~" أو " اللات " أو " العزى " فالرجل يعلم أن مسألة الأصنام كذب في كذب، ~~ولو كان مؤمنا بآلهته لقال أحد أسمائها. وعندما تزلزلت ذرات الكفر في ~~كيانه عاد إلى الفطرة الأولى التي لا تكذب أبدا. وإن كذب الإنسان على ~~الناس جميعا لا يكذب على نفسه. وكلمة " الله " هي التي زلزلت كفر الرجل ~~وأعادته إلى الحق. وفي معركة بدر نجد أن سيدنا أبا بكر الصديق كان ms2423 مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما ابنه عبد الرحمن كان مع الكفار، وبعد ~~أن أسلم ابنه بفترة جلس الولد مع أبيه يتسامران، فقال الابن: لقد رأيتك ~~يوم أحد فصدفت عنك فقال أبو بكر: لكني لو رأيتك ما صدفت عنك. فقد رأى ابن ~~أبي بكر والده ولم يقتله، ولاشك أن مقارنة نفسية باطنية فكرية قد حدثت ~~بين معزة أبيه وبين مكانة هبل أو تلك الحجارة، وعرف ابن أبي بكر أن والده ~~أفضل بكثير من تلك الأحجار. ولكن أبا بكر حينما يقول: ولو كنت رأيتك ~~لقتلتك، فالمقارنة النفسية هنا تكون بين الإيمان بالله وبين الابن، ومن ~~المؤكد أن الإيمان يغلب في نفس أبي بكر. وكل من أبي بكر وابنه كان منطقيا ~~مع نفسه. ومثال آخر: # " عن جابر بن عبدالله أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - قبل ~~نجد فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم - قفل معه فأدركتهم القائلة - ~~شدة الحر في وسط النهار - في واد كثير العضاه - شجر عظيم له شوك - فنزل ~~رسول الله، وتفرق الناس في العضاه يستظلون بالشجر ونزل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - تحت سمرة فعلق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة فإذا ~~رسول الله يدعونا فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا ~~فقال لي: من يمنعك مني؟ فقلت له: الله. فها هوذا جالس ثم لم يعاقبه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ". # ولماذا حدث ذلك؟ لأن الفطرة المستلهمة بدون تدخل من أحد تنضح بالإيمان. ~~وها نحن أولاء نرى الصحابة في العهد الأول حينما اضطهدوا في مكة وهاجروا ~~هجرتهم الأولى إلى الحبشة هل ذهبوا إليها خبط عشواء؟ أو ذهبوا بتخطيط ~~نبوي كريم؟ لقد درس النبي أولا الأرض التي تصلح لاستقبالهم ويقبلهم فيها ~~أهلها كمهاجرين. ودرس النبي أوضاع الجزيرة العربية ووجد أن قريشا تتمكن ~~من كل قبيلة في الجزيرة العربية عندما يأتي موسم الحج لذلك لن توجد ms2424 ~~القبيلة التي تحمي المهاجرين فيقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق، ~~حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه ". # وبالفعل ذهب المسلمون إلى الحبشة مهاجرين. وحاولت قريش أن تسترد ~~المسلمين من أرض النجاشي. وأرسلت قريش بعثة لاستردادهم ورفض النجاشي. ~~وسمع النجاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلم أنه النبي الذي بشر به ~~الإنجيل. ولاشك أن النجاشي قد أسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ~~النجاشي عندما مات. وكان إسلام النجاشي مكافأة له من الله لأنه حمى ~~المؤمنين بالله وبرسوله عنده. وما أعظم المكافأة التي نالها النجاشي أن ~~يموت على الإسلام وأن يصلي عليه سيدنا رسول الله صلاة الغائب. إن كل هذا ~~من كف أيدي الكافرين عن المؤمنين وعن رسول الله، ومن أجل أن يثبت الحق ~~للجميع أن المؤمنين على حق وأن الله لن يخذلهم، فلا يخطر ببال المؤمنين ~~أن عدوهم أقوى منهم فالله أقوى من خلقه: { فكف أيديهم عنكم ~~} وكف أيدي الكافرين عن المؤمنين لأنه - سبحانه - يعد المؤمنين ليكونوا ~~حملة منهجه إلى الخلق. ولذلك يجب أن يداوم المؤمنون على تكاليف الإيمان ~~وتقوى الله ليكف الله أيدي الكافرين عنهم، فلا يتغلب كافر على مؤمن في ~~لحظة من اللحظات إلا إذا كان المؤمن قد تخلى عن شيء في منهج الله لأن ~~الحق لا يقول قضية قرآنية ثم يترك القضايا الكونية التي تحدث في الحياة ~~لتنسخ هذه القضية القرآنية. # لقد قال: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173] إذن فعندما ترى جندا من المسلمين قد انهزموا فلتعلم ~~أنهم قد تخلوا عن منهج الله فتخلى الله عنهم، بدليل أن بعضا من المسلمين ~~ساعة لم ينفذوا ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم غلبهم الكفار، ~~فالله لا يغير سنته من أجل أناس نسبوا إليه ولم ينفذوا تعاليم منهجه. ~~والحق يقول: # إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم # [محمد: 7] ويقول سبحانه: # فاذكروني أذكركم # [البقرة: 152] إنك إن انتسبت إلى ms2425 الإسلام فيجب أن تنتسب إلى الإسلام ~~بحق، وإن رأيت المؤمنين قد دخلوا معركة وانهزموا فلتبحث مصادر تخليهم عن ~~منهج الحق، فسبحانه يقول: # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا والله يحب الصابرين * وما كان قولهم ~~إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا ~~في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين * فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب ~~الآخرة والله يحب المحسنين # [آل عمران: 146-148] لقد أصاب المقاتلين مع النبي شيء، فلم يضعفوا ~~ولكنهم صبروا وطلبوا من الحق أن يغفر لهم ذنوبهم، لقد عرفوا مصادر ضعفهم ~~واستعانوا بالله على هذا الضعف، فماذا فعل الله لهم؟. نصرهم سبحانه بأن ~~آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين. وكل ذلك السلوك ~~الإيماني الذي يقي من الهزيمة وكيد العدو، هو من تقوى الله، حتى يظل ~~المؤمنون في معية الله. وعندما يكون المسلم في معية الله لا يجرؤ خلق من ~~خلق الله أن ينال منه. وننظر إلى الهجرة كمثال لذلك لنجد أن سيدنا أبا ~~بكر كان حريصا على حماية النبي صلى الله عليه وسلم. فعن أنس بن مالك ~~قال: # " لما كان ليلة الغار، قال أبو بكر: يا رسول الله دعني فلادخل قبلك ~~فإن كانت حية أو شيء كانت لي قبلك. قال: ادخل، فدخل أبو بكر فجعل يلتمس ~~بيديه فكلما رأى جحرا جاء بثوبه فشقه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه ~~أجمع، قال: فبقي جحر فوضع عقبه عليه ثم أدخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، قال: فلما أصبح قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فأين ثوبك يا أبا ~~بكر؟ " فأخبره بالذي صنع فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يده فقال: " ~~اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم القيامة " فأوحى الله تعالى إليه " ~~إن الله قد استجاب لك ". # ويرى أبو بكر الكفار وهم يمرون أمام الغار فيقول لرسول الله: # " لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ms2426 " ~~ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما " ". # وفي ذلك رد كامل لأن الاثنين في معية الله، ومادام المؤمن في معية من لا ~~تدركه الأبصار فلن تدركه الأبصار، كيف؟. نحن لا نعرف كل أسرار الله ولكنه ~~القادر الأعلى. وفي حياة البشر نجد الطفل الصغير قد يخرج بمفرده فيصيبه ~~غيره من الأطفال بالضرر ولكن إذا خرج الطفل مع عائله، مع أبيه مثلا أو ~~مع أخيه الأكبر، فالأطفال لا يقتربون منه فما بالنا ونحن جميعا عيال ~~الله وماذا يحدث عندما نتشبث بمعية الله؟. إذن فتقوى الله هي التي تجعل ~~المؤمن في معية ربه طوال الوقت. ومن يرد المؤمن بسوء فإن جنود الله ~~تحمي المؤمن. ويذيل الحق الآية: { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون }. وإياكم أن تقولوا: إننا بلا عدد أو عدة. إنك ~~مسئول أن تعد ما تقدر عليه وتستطيعه وأترك الباقي لله: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل # [الأنفال: 60] ويقول التاريخ الإيماني لنا إنه كم من فئة قليلة غلبت فئة ~~كثيرة بإذن الله. وقد يقول قائل: هذه المسألة مادية تحتاج إلى عدد وعدد. ~~ونرد: إن الحق قد طالب بأن نعد ما نستطيعه لا فوق ما نستطيعه. وهو سبحانه ~~عنده من الجند اللطيف الخفي الدقيق الذي لا يرى: # سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب # [الأنفال: 12] ومادام الله قد ألقى الرعب في قلوب الأعداء فالمسألة ~~تنتهي ولا تفلح عدد أو عدد. ويكون التوكل على الله بعد أن يعد الإنسان ~~ما يستطيعه وهو الاستكمال الفعال للنصر، ولنعلم أن التوكل غير ~~التواكل. إن المتوكل على الله يقتضي أن يعلم الإنسان أن لكل جارحة في ~~الإنسان مهمة إيمانية، أن تطبق ما شرع الله فالأذن تسمع، فإن سمعت أمرا ~~من الحق فأنت تنفذه، وإن سمعت الذين يلحدون في آيات الله فأنت تعرض عنهم. ~~واللسان يتكلم، لذلك لا تقل به إلا الكلمة الطيبة فلكل جارحة عمل، وعمل ~~جارحة القلب هو اليقين والتوكل، ولنتذكر أن السعي للقدم، والعمل لليد ~~والتوكل للقلب، فلا تنقل عمل القلب إلى القدم أو اليد ms2427 لأن التوكل الحقيقي ~~أن تعمل الجوارح وتتوكل القلوب، وكم من عامل بلا توكل فتكون نتيجة عمله ~~إحباطا. إننا نجد الزارع الذي لا يتوكل على الله ينمو زرعه بشكل جيد ~~ومتميز ثم تهب عليه عاصفة أو يتغير الجو فيصيبه الهلاك وتكون النتيجة ~~الإحباط. واحذر إهمال الأسباب أو أن تفتنك الأسباب لأنك إن أهملت الأسباب ~~فأنت غير متوكل بل متواكل. تنقل عمل القلب إلى الجوارح. وإذا قال لك ~~واحد: أنا لا أعمل بل أتوكل على الله، قل له: هيا نر كيف يكون التوكل. ~~وأحضر له طبق طعام يحبه. وعندما يمد يده إلى الطعام، قل له: اترك الطعام ~~يقفز من الطبق إلى فمك. ويجعل الحق سبحانه وتعالى من قصص الرسل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تثبيتا للإيمان وتربية للأسوة وإنماء لها، حتى ~~لا يضيق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم بما يفعله اليهود أو المشركون، ~~فإن كان قد حدث معك - يا محمد - شيء من هذا الإنكار والإيلام، فقد حدث ~~الكثير من تلك الأحداث مع الرسل من قبلك، فيقول سبحانه: { ولقد ~~أخذ الله... }. ### || [5.12] # يذكر الحق هنا رسوله بالميثاق الذي أخذه من بني إسرائيل. وقد يكون ~~المقصود هو ميثاق الذر أو يكون المراد بالميثاق ما جاء في قوله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين # [آل عمران: 81] أو أن يكون المراد بالميثاق هو ما بينه بقوله سبحانه: # خذوا مآ ءاتينكم بقوة # [البقرة: 63] ويقول سبحانه: { وبعثنا منهم اثني عشر ~~نقيبا } ولنر " التكتيك " الديني الذي أراده الحق، فهو لا يجمع أجناس ~~الخلق المختلفة على واحد من نوع منها لأن ذلك قد يعرض الدعوة لعصبية ~~فاختار سبحانه اثني عشر نقيبا على عدد الأسباط حتى لا يقولن سبط: كيف لا ~~يكون لي نقيب؟. وحسم الله الأمر، ولم يجعله محلا للنزاع فجعل لكل سبط ~~نقيبا منهم. والنقيب هو الذي يدير حركتهم العقدية والدينية. وساعة نسمع ~~كلمة " نقيب " نعرف أنها من مادة " النون والقاف والباء " ، " والنقب " ~~هو إحداث فجوة لها عمق في أي جسم صلب. إن اختيار الحق لكلمة ms2428 نقيب، يدل ~~على أن النقيب الصادق ينبغي أن يكون صاحب عينين في منتهى اليقظة حتى ~~يختار لكل فرد المهمة التي تناسبه ويركز على كل فرد بما يجعله يؤدي عمله ~~بما ينفع الحركة الكاملة. وبذلك يكون كل فرد في السبط له عمله ومكانه ~~المناسب. ولا يتأتى ذلك إلا بالتنقيب، أي معرفة حالة كل واحد وميوله ~~فيضعه في المكان المناسب. إذن فالنقيب هو المنقب الذي لا يكتفي بظواهر ~~الأمور بل ينقبها ليعرف ظروف وأسباب كل واحد. واختار الحق من كل سبط ~~نقيبا، ولم يجعل لسبط نقيبا من سبط آخر حتى يمنع السيطرة من سبط على ~~سبط، ويمنع أن يكون النقيب على جهالة بمن يريد حركتهم من الأسباط ~~الآخرين. ونحن نسمع في حياتنا اليومية وصفا لإنسان: فلان له مناقب ~~كثيرة، أي أن له فضائل يذكرها الناس، كأن على صاحب الفضائل ألا يتباهى ~~بها بنفسه بل عليه أن يترك الناس لينقبوا عن فضائله، ولذلك كانت كنوز ~~الأرض وكنوز الحضارات مدفونة ننقب عليها، أما ما يظهر على سطح الأرض ~~فتذروه الرياح وعوامل التعرية ولا يبقى منه شيء. إذن فكلمة " نقيب " في ~~كل مادتها تدور حول الدخول إلى العمق، لذلك تصف الرجل الفاضل: فلان له ~~مناقب أي أن نقبت وجدت له فضائل تذكر، وقد أعطاه الله موهبة الخير ولا ~~يتعالم بها، بل يدع الناس هم الذين يحكمون ويذكرون هذه الصفات. ومن نفس ~~المادة " النقاب " أي أن تغطي المرأة وجهها. وقوله الحق: { إني ~~معكم } يعطيهم خصلة إيمانية، فلا يظنن أحد أنه يواجه أعداء منهج الله ~~بذاته الخاصة بل بمعونة الله فلا يضعف أحد أو يهن مادام مؤمنا، وكما قال ~~الحق: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # [الأنفال: 60] وبعد أن يعد المؤمنون ما استطاعوا فليتركوا الباقي على ~~الله.. وجاء أيضا قوله: { وقال الله إني معكم } أي أن كل ~~نقيب على سبط ليس له مطلق التصرف، ولكن الله يوضح: " أنا معكم وسأنظر كيف ~~يدير كل نقيب هذه المسائل " أي أنه سبحانه وتعالى مطلع على واقعكم، فليس ~~معنى الولاية أن ms2429 يكون للوالي مطلق التصرف في جماعته لا لأن الله رقيب. ~~وقوله الحق: { إني معكم } تدل على أن من ولي أمرا فلا بد أن ~~يتابعه ويراه. وبعد ذلك قال: { لئن أقمتم الصلاة وآتيتم ~~الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم ~~الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم }. و " ~~لئن " تضم شرطا وقسما، كأن الحق يقول: وعزتي لئن أقمتم الصلاة وفعلتم ~~كذا وكذا ليكونن الجزاء أن أكفر عنكم السيئات. ودلت " اللام " على القسم، ~~ودلت " إن " على الشرط فيه " إن " الشرطية. والقسم - كما نعلم - يحتاج ~~إلى جواب، والشرط يحتاج إلى جواب أيضا، فالواحد منا يقول للطالب: إن ~~تذاكر تنجح. والواحد منا يقول: " والله لأفعلن كذا " ، و " الله " هي ~~القسم. و " لأفعلن " جواب القسم المؤكد باللام. وحين يأتي القسم في جملة ~~بمفرده فجوابه يأتي، وحين يأتي الشرط بمفرده في جملة فجوابه يأتي أيضا. ~~ولكن ماذا عندما يأتي القسم مع الشرط؟ هل يأتي جوابان: جواب للشرط وجواب ~~للقسم؟. عندما تجد هذه الحالة فانظر إلى المقدم منهما، هل هو القسم أو ~~الشرط؟ لأن المقدم منهما هو الأهم فيأتي جوابه، ويغني عن جواب الثاني. ~~والمتقدم هنا هو القسم، تماما مثل قولنا: - لئن قام زيد لأقومن، وهنا ~~يكون الجواب جواب القسم، أما إن قلنا: إن قام زيد والله أكرمه، فالجواب ~~جواب الشرط فقدم الشرط على القسم. هذا إن لم يكن قد تقدم ما يحتاج إلى ~~خبر كالمبتدأ أو ما في حكمه، فإن جاء والخبر أي المحتاج إلى الخبر فالشرط ~~هو الراجح، أي فالراجح أن نأتي بجواب الشرط ونحذف جواب القسم لأن الشرط ~~تأسيس والقسم توكيد. وابن مالك في الألفية يوضح هذه القاعدة: # واحذف لدى اجتماع شرط وقسم # جواب ما أخرت فهو ملتزم # وإن تواليا وقبل ذو خبر # فالشرط رجح مطلقا بلا حذر # والقسم قد تقدم في هذا الآية، لذا نجد الجواب هنا جواب القسم، وهو { ~~لأكفرن عنكم سيئاتكم }. وقوله الحق: { أقمتم ~~الصلاة } يوضح أن الإقامة تحتاج إلى أمرين فروض تؤدى، وكل فرض فيها ~~يأخذ حقه في القيام به. وبعد ذلك { وآتيتم ms2430 الزكاة } وفي كتب ~~الفقه نضع الصلاة، والزكاة في باب العبادات. وجاء التقسيم الفقهي لتسهيل ~~إيضاح الواجبات، لكن كل مأمور به من الله عبادة لأن العبادة هي أن تطيع ~~من تعبد في كل ما أمر به، وأن تجتنب ما نهى عنه، فكل أمر إلهي هو عبادة. # وقلنا من قبل: إن الحق سبحانه قال: # إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله وذروا البيع # [الجمعة: 9] وقوله تعالى: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله # [الجمعة: 10] هنا نجد أمرا تعبديا أن نترك البيع إلى الصلاة، وأمرا ~~تعبديا ثانيا أن ننتشر في الأرض ابتغاء لفضل الله بعد انقضاء الصلاة، ~~وأي إخلال بالأمرين، إخلال بأمر تعبدي فأنت مأمور أن تتحرك في الأرض على ~~قدر قوتك حركة تكفيك وتفيض عن حاجتك ليعم هذا الفائض على غيرك. وقوله ~~الحق: { وآمنتم برسلي وعزرتموهم } أي أن ينعقد الإيمان ~~في القلب فلا يطفو الأمر بعدذ لك لمناقشته، وأن تعزروا الرسل، أي ~~وقرتموهم ونصرتموهم، والعزر في اللغة معناه المنع، ولكن المنع هنا مراد ~~به أن يمنع الناس عن رسول الله من يريده بسوء فإن أراد أحد من الأعداء ~~السوء برسول من الله فليمنع المؤمنون هذا العدو عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. وأنت في حياتك إن كان لك حبيب أراده إنسان بسوء، وكنت لا تدركه ~~لأنه بعيد عنك فأنت تتمنى أن تأخذ صاحبك وتحميه من أن يناله العدو. لكن ~~إن كان العدو أمامك فأنت تصده عن حبيبك. فالعزر هو المنع، أي أن تمنعه من ~~عدوه وتحول بينه وبينه، أو تمنع عدوه من أن يناله بشر. والرسول بالنسبة ~~للمؤمنين به تكون حياته أغلى من حياتهم، ففي أثناء المنع قد يصاب أحد ~~المؤمنين، وفي ذلك تعظيم للرسول ونصرة له وتوقير. نقول ذلك حتى نرد على ~~الذين يتصيدون ويقولون: علماء المسلمين لا يتفقون على شيء، فمرة يقولون: ~~إن " عزرتموهم " معناها " نصرتموهم " ، ومرة أخرى يقولون: إن " عزرتموهم ~~" معناها " منعتموهم ". ونقول: كل المعاني هنا ملتقية، فالعزر هو الرد ~~والمنع، إما بمنع ms2431 العدو عن الرسول، وإما أن يمنع الناس الرسول من أن ~~يناله العدو، أو الاثنان معا، ويجوز أيضا أن يكون معنى " عزرتموهم " هو ~~نصرتموهم. وكذلك يجوز أن يكون معناها " وقرتموهم " لأن التعظيم والتوقير ~~هما السبب في نصرة الإنسان للرسول. وبعد ذلك يقول الحق: { وأقرضتم ~~الله قرضا حسنا }. ويدبر الحق لنا سياسة المال، سواء للواجد أو ~~لغير القادر، فالواجد يوضح له الحق: لا تجعل حركة حياتك على قدر حاجتك، ~~بل اجعل حركة حياتك على قدر طاقتك، وخذ منها ما يكفيك ويكفي من تعول، ~~والباقي رده على من لم يقدر. ولو جعل كل إنسان حركة حياته على قدر ~~حاجته، فلن يجد من لا يقدر على الحركة ما يعيش به. # ولنذكر جيدا أن الحق سبحانه وتعالى قد قال: # قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * ~~والذين هم للزكاة فاعلون # [المؤمنون: 1-4] وحين قال سبحانه: والذين هم للزكاة فاعلون، ليس معناها ~~مجرد أداء زكاة، بل تعني أن يتحركوا في الحياة بغرض أن يتحقق لهم فائض ~~يخرجون منه الزكاة، وإلا فما الفارق بين المؤمن والكافر؟ الكافر يعمل ~~ليقوت نفسه ويقوت من يعول وليس في باله الله، أما مزية المؤمن فهو يعمل ~~ليقوت نفسه، ويقوت من يعول ويبقى لديه فائض يعطيه للضعيف فكأن إعطاء ~~الضعيف كان في باله ساعة الفعل. وهذا هو المقصود بقوله الحق: # والذين هم للزكاة فاعلون # [المؤمنون: 4] أي أن كل فعل للمؤمن يقصد منه أن يكفيه ويكفي أن يزكي ~~منه. وهناك حق آخر في المال غير الزكاة بأن يسد به ولي الأمر ما يحتاج ~~إليه المجتمع الإيماني بشرط أن يقيم ولي الأمر كل شرع الله. والزكاة هي ~~إخراج المال على نحو مخصوص، أما الصدقة فهي غير محسوبة من الزكاة لكنها ~~فوق الزكاة. وهناك القرض، وهو المال الذي تتعلق به النفس، لأن الإنسان ~~يقدمه لغيره شريطة أن يرده، ولذلك قيل إن القرض أحسن من الصدقة، ذلك أن ~~المقترض لا يقترض إلا عن حاجة، أما الذي تتصدق عليه فقد يكون ms2432 غير محتاج، ~~ويسأل دون حاجة، وأيضا لأن نفس المتصدق تخرج من الشيء المتصدق به ولا ~~تتعلق به، أما الذي يقدم القرض فنفسه متعلقة بالقرض وكلما صبر عليه نال ~~حسنة، وكلما قدم نظرة إلى ميسرة فهذا له أجر كبير، هكذا يكون القرض ~~أحسن من الصدقة. فالحق يريد أن تفيض حركة الحياة بالكثير. وكيف يقول ~~سبحانه: { وأقرضتم الله قرضا حسنا } وهو الواهب لكل ~~النعم وهو الولي لكل النعم؟ وكيف يهب الحق للإنسان النعم، ثم يقول له: ~~أقرضني؟ هو سبحانه وتعالى يحترم حركة الإنسان وعرقه مادام قد ضرب في ~~الأرض وسعى فيها، فالمال مال الإنسان، ولكن أخا الإنسان قد يحتاج إليه، ~~ولذلك فليقرضه ويعتبر سبحانه هذا قرضا من الإنسان لله. ونحن نجد عائل ~~الأسرة يقول لأحد أبنائه: بما أنك تدخر من مصروف يدك فأعط أخاك ما يحتاج ~~إليه واعتبر ذلك قرضا عندي، صحيح أن العائل هو الذي أعطى المال لكل من ~~يعول، فما بالنا بالذي أوجدنا جميعا، وهو الحق سبحانه وتعالى؟ لقد وهب ~~كلا منا ثمرة عمله واعتبر تلك الثمرة ملكا لصاحبها. ويعتبر فوق ذلك ~~إقراض المحتاج إقراضا له. ويصف الحق القرض بأنه حسن حتى لا يكون فيه ~~من، أو منفعة تعود على المقرض وإلا صار في القرض ربا. ولنا الأسوة ~~الحسنة في أبي حنيفة عندما يجلس في ظل بيت صاحب له. واقترض صاحب هذا ~~البيت من أبي حنيفة بعض المال. # وجاء اليوم التالي للقرض وجلس ابو حنيفة بعيدا عن ظل البيت، فسأله صاحب ~~البيت لماذا؟ أجاب أبو حنيفة: خفت أن يكون ذلك لونا من الربا. فقال صاحب ~~البيت: لكنك كنت تقعد قبل أن تقرضني. فقال أبو حنيفة: كنت أقعد وأنت ~~المتفضل علي بظل بيتك فأخاف أن أقعد وأنا المتفضل عليك بالمال. والقرض ~~الحسن هو الذي لا يشوبه من أو أذى أو منفعة ولأن القرض دين، وضع ~~الحق القواعد: # إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه # [البقرة: 282] فالحق يحمي المقترض من نفسه لأنه إذا علم أن الدين مكتوب، ~~يحاول جاهدا أن يتحرك في ms2433 الحياة ليسد هذا الدين، ويستفيد المجتمع من ~~حركته أيضا. وعندما يكتب القرض فهذا أمر دافع للسداد وحاث عليه. ~~لكن إن لم يكتب القرض فقد يأتي ظرف من الظروف ويتناسى القرض. ولو حدث ذلك ~~من شخص فلن تمتد له يد من بعد ذلك بالمعاونة في أي أزمة، فيريد الحق أن ~~يديم الأسباب التي تتداول فيها الحركة، ولذلك يقال في الأمثلة العامية: ~~من يأخذ ويعطي يصير المال ماله. ويكون مال الدنيا كلها معه، ولذلك يقول ~~الحق: # ولا تسأموا أن تكتبوه # [البقرة: 282] وفي ذلك حماية للنفس من الأغيار، ولم يمنع الحق الأريحية ~~الإيمانية فقال: # فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته # [البقرة: 283] وهكذا يحمي الله الحركة الاقتصادية. ونجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو الرحيم بالمؤمنين، وقد بلغه أن واحدا قد مات وعليه ~~دين، فقال للصحابة: صلوا على أخيكم. لكنه لم يصل على الميت. وتساءل الناس ~~لماذا لم يصل رسول الله على هذا الميت وما ذنبه؟ كأن رسول الله أراد أن ~~يعلم المؤمنين عن دين المدين فلم يمنع الصلاة، ولكنه لم يصل عليه حفزا ~~للناس ودفعا لهم إلى أن يبرئوا ذمتهم بسداد وأداء ما عليهم من دين. ~~وقال: # " من أخذ أموال الناس يريد أداءها، أدى الله عنه. ومن أخذها يريد ~~إتلافها أتلفه الله ". # فمادام قد مات وهو مدين وليس عنده ما يسد الدين فربما كان لا ينوي رد ~~الدين، وأن نفسه قد حدثته بألا يرد الدين. وفي فلسفة هذا الأمر نفسيا ~~نجد أن المقترض عندما يقترض شيئا كبيرا لا يستطيع أن يتجاهله أو ينساه، ~~ثم لا يمر بذهن الذي أقرض أن فلانا مدين، بل وقد تبلغ الحساسية بالذي ~~قدم القرض ألا يمر على المقترض حتى لا يحرجه. ونثق أن الله قد قذف هذا ~~الخاطر في نفس المقرض لأن المقترض يريد أن يسدد القرض. أما إن تحرك قلب ~~الدائن على المدين، وجلس يفكر في قيمة الدين، فليفهم أن عند الذي اقترض ~~بعض ما يسدد به الدين، أي أن المدين عنده القدرة على ms2434 الوفاء بالدين أو ~~ببعضه، ذلك أن الله لا يحرج من يجد ويجتهد في السعي لسداد دينه. # { وأقرضتم الله قرضا حسنا }. وقد يقول قائل: كان السياق ~~اللفظي يقتضي أن يقول: " أقرضتم الله إقراضا " لكن الحق جاء بالقرض الحسن ~~لأن الإقراض هو العملية الحادثة بين الطالب للقرض والذي يقرض. وسبحانه ~~يضع القرض الحسن في يده، ولنا أن نتصور ما في يد الله من قدرة على ~~العطاء. ومثل ذلك قوله الحق: # والله أنبتكم من الأرض نباتا # [نوح: 17] و " أنبتكم " تعبر عن عملية الإنبات، والأرض تخرج نباتا لا ~~إنباتا. فمرة يأتي الله بالفعل ويأتي من بعد ذلك بالمصدر من الفعل لأنه ~~يريد به الاسم. و " أنبت " يدل على معنى وينشئ الله لكم منها نباتا. ~~وهكذا قال الله عن القرض: { وأقرضتم الله قرضا حسنا ~~لأكفرن عنكم سيئاتكم } وفي ذلك جواب للقسم، ومن بعد ~~ذلك يقول سبحانه: { ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } وقد تكلمنا من قبل كثيرا عن الجنات. ويذيل الحق الآية ~~الكريمة بقوله: { فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل ~~سوآء السبيل } ألم يكن الذي كفر من قبل ذلك قد ضل سواء السبيل؟ ~~بلى، إنه قد ضل فعلا، ولكن الذي ضل بعد أن جاء ذكر تلك النعم والثواب ~~فيها فالضلال أكثر. وكلمة " سواء " نقرأها في القرآن ونراها في ~~الاستعمالات اللغوية كمثل قوله الحق: # ليسوا سوآء # [آل عمران: 113] وسواء معناها وسط، ومتساوون. والمعاني ملتقية لأنه ~~عندما يكون هناك وسط فمعنى ذلك أن هناك طرفين. ومادام الشيء في الوسط ~~فالطرفان متساويان، وعندما نقول: وسط، فهذا يقتضي أن نجعل المسافة بينه ~~وبين كل طرف متساوية. ولذلك يجب أن ننتبه إلى أن كثيرا من الألفاظ ~~تستعمل في شيء وفي شيء آخر، وهذا ما يسمى بالمشترك اللفظي.. أي اللفظ ~~واحد والمعنى متعدد، مثال ذلك قوله الحق: # فولوا وجوهكم شطره # [البقرة: 144] والشطر هو الجهة. والشطر هو النصف. النصف هو الجهة بمعنى ~~أن توجه إنسان ما إلى الكعبة يقتضي أن يكون الإنسان واقفا في نقطة هي ~~مركز بالنسبة لدائرة الأفق. وهذه ms2435 النقطة بالنسبة لمحيط الأفق تقطع كل قطر ~~من أقطارها في المنتصف تماما. إذن. فعندما يقول: الجهة، نقول: صدقت، ~~وعندما يقول النصف. نقول: صدقت. { فقد ضل سوآء السبيل } ~~والقرآن قد نزل على أمة تعيش في البادية وطرقها بين الجبال، وقد يكون ~~الطريق معبدا من ناحية، وقد يكون الطريق بين هاويتين. وقد يكون الطريق ~~بين جبلين، ومن يأخذ بالأحوط فهو يمشي في الوسط. ولذلك قال الإمام علي - ~~كرم الله وجهه -: اليمين والشمال مضلة وخير الأمور الوسط لأن الإنسان قد ~~يتجه يمينا فيقع. أو يتجه شمالا فيقع أو تقع عليه صخرة. ونجد الوالد ~~ينصح ابنه فيقول له: امش ولا تلتفت يمينا أو يسارا واتجه إلى مقصدك. ~~ونجد الحق يصف الطريق الذي يمشي عليه المؤمن يوم القيامة: # فاطلع فرآه في سوآء الجحيم # [الصافات: 55] وسواء الجحيم هو نقطة المنتصف في النار أي أنه لا يستطيع ~~الذهاب يمينا أو شمالا. ويقول الحق من بعد ذلك: { فبما نقضهم ~~ميثاقهم... }. ### || [5.13] # وساعة يقول الحق: " ميثاقا " فالميثاق يتطلب الوفاء. فهل وفوا بهذا ~~الميثاق؟. لا، لقد نقضوا المواثيق فلعنهم الله. واللعن هو الطرد ~~والإبعاد، والحق في ذلك يقول: { فبما نقضهم ميثاقهم ~~لعناهم } أي بسبب نقضهم الميثاق لعنهم الله. لقد أثار وجود " ما " ~~هنا بعض التفسيرات، فهناك من العلماء من قال: إنها زائدة، وهناك آخرون ~~قالوا: إنها " صلة ". ولكن الزيادة تكون عند البشر لا عند الله. ولا يمكن ~~أن يكون بالقرآن شيء زائد لأن كل كلمة في القرآن جاءت لمقتضى حال يحتم أن ~~تكون في هذا الموضع. فها هوذا الحق يخبرنا بما وصى به لقمان ابنه: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17] وفي آية أخرى يقول سبحانه: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] في الآية الأولى لم يورد " اللام " لتسبق " من " ، وفي ~~الآية الثانية أورد " اللام " لتسبق " من " ، وليس ذلك من قبيل التفنن ~~في العبارات، فقوله: { واصبر على مآ أصابك إن ذلك من ~~عزم الأمور } دعوة للصبر على مصيبة ليس للإنسان غريم فيها، كالمرض، ms2436 ~~أو موت أحد الأقارب، وهذه الدعوة للصبر تأتي هنا كعزاء وتسلية، أما قوله ~~الحق: { ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور } ~~فالدعوة للصبر هنا مع الغفران تقتضي وجود غريم يسبب للإنسان كارثة. هنا ~~يطلب الله من المؤمن أن يغفر لمن أصابه وأن يصبر. ومادام هناك غريم ~~فالنفس تكون متعلقة بالانتقام، وهذا موقف يحتاج إلى جرعة تأكيدية أكثر من ~~الأولى فليس في الموقف الأول غريم واضح يطلب منه الانتقام، أما وجود ~~غريم فهو يحرك في النفس شهوة الانتقام، ولذلك يؤكدها الحق سبحانه وتعالى: ~~{ إن ذلك لمن عزم الأمور }. ويقول سبحانه في موقع آخر: # ما جآءنا من بشير # [المائدة: 19] وعندما يقوم النحاة بإعراب " بشير " فهم يقولون: " إنها ~~فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخرة منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد. إنه ~~التفاف طويل، ولا يوجد حرف زائد، فالإنسان يقول: ما عندي مال. وهذا ~~القائل قد يقصد أنه لا يملك إلا القليل من المال لا يعتد به. وعندما يقول ~~الإنسان " ما عندي من مال " ف " من " هنا تعني أنه لا يملك أي مال من ~~بداية ما يقال له مال. ولذلك ف " من " هنا ليست زائدة، ولكنها جاءت ~~تعني لمعنى. إذن " ما جاءنا من بشير " أي لم يأت لنا بداية من يقال له ~~بشير. وها هوذا قول الحق: # فبما رحمة من الله لنت لهم # [آل عمران: 159] وقد يحسب البعض أن " ما " هنا حرف زائد، ولكنا نقول: ما ~~الأصل في الاشتقاق؟. # إن الأصل الذي نشتق منه هو المصدر. ومرة يأتي المصدر ويراد به الفعل، ~~كقول القائل: " ضربا زيدا " أي " اضرب زيدا ". ومجيء المصدر هنا قول ~~مقصود به الفعل، وكذلك قوله الحق: { فبما نقضهم ميثاقهم ~~لعناهم }. مادام النقض مصدرا فمن الممكن أن يقوم مقام الفعل. ~~ومادام المصدر قد قام مقام الفعل فمن الجائز أن يأتي فعل آخر، فيصبح معنى ~~القول: { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم }. إذن " ما " تدل ~~هنا على أن المصدر قد جاء نيابة عن فعل. وبقيت " ما " لتدل على أن المصدر ~~من الفعل المحذوف، ms2437 أو أن " ما " جاءت استفهامية للتعجيب.. أي فبأي نقض من ~~ألوان وصور نقضهم للعهد لعناهم؟ وذلك لكثرة ما نقضوا من العهود على صور ~~وألوان شتى من النقض للعهد. وقوله الحق: { فبما نقضهم ~~ميثاقهم لعناهم }. والنقض هو ضد الإبرام لأن الإبرام هو إحكام ~~الحكم بالأدلة. والنقض هو حل عناصر القضية، كأن العهد الموثق الذي أخذه ~~الله عليهم قد نقضوه. ونحن نسمي العقيدة الإيمانية عقيدة، لماذا؟ لأنها ~~مأخوذة من عقد الشيء بحيث لا يطفو ليناقش من جديد في الذهن. كذلك الميثاق ~~إنه عهد مثبت ومؤكد. وعندما ينقضونه فهم يقومون بحله، أي أنهم أخرجوا ~~أنفسهم عن متطلبات ذلك العقد. وجاء اللعن لأنهم نقضوا الميثاق. { ~~وجعلنا قلوبهم قاسية } وهم عندما نقضوا المواثيق، طبع الله ~~على قلوبهم لأنه لم يطبع على قلوبهم بداية فقد كفروا أولا، وبعد ذلك ~~تركهم الله في غيهم وضلالهم وطبع على القلوب فما فيها من كفر لا يخرج، ~~والخارج عنها لا يدخل إليها. و " قاسية " تعني صلبة. وفيها شدة. ~~والصلابة مذمومة في القلوب وليست مذمومة في الدفاع عن الحق لأننا نقيس كل ~~موجود على مهمته. فعندما يكون كل موجود على مهمته يكون كل الكون جميلا. ~~مثال ذلك نحن لا نقول عن الخطاف ذما فيه إنه أعوج. فالخطاف لا بد ~~له من العوج لأن ذلك العوج مناسب لمهمته، إذن فعوج الخطاف استقامة له. ~~وكذلك القسوة غير مذمومة شريطة أن تكون في محلها، أما إن جاءت في غير ~~محلها فهي مذمومة. إن القلوب القاسية مذمومة لأن الحق يريد للقلوب أن ~~تكون لينة: # ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # [الزمر: 23] والقسوة مأخوذة من القسي وهو الصلب الشديد، ونعرف أن ~~الدنانير كانت تضرب من الذهب والدراهم تضرب من الفضة. وعندما يفحصها ~~الصيرفي قد يخرج واحدا منها ويقول: هذا زيف أو زائف لأنه قد سمع ~~رنينها، أهي صلبة في الواقع أم لا؟. وعندما تكون صلبة يقال لها: دراهم ~~قاسية. إن الذهب لين. والفضة لينة. # فعندما نقول: إن هذا ذهب عيار أربعة وعشرين أي ذهب ليس ms2438 به نسبة من ~~المواد الأخرى التي تجعله قابلا للتشكيل لأنه عندما يكون ذهبا صافيا ~~على إطلاقه فلن يستطيع الصائغ أن يصوغ منه الحلي لذلك يخلطه الصائغ بمعدن ~~صلب، حتى يعطيه المعدن درجة الصلابة التي تتيح له تشكيل الحلي منه. ~~وتختلف نسبة الصلابة من عيار إلى عيار في الذهب وكذلك الفضة. والمصوغات ~~المصنوعة من عيار مرتفع من الذهب ليست عرضة للتداول، كالسبائك الذهبية. ~~وإذا ما دخل المعدن الصلب إلى الذهب أو الفضة جعلها قاسية أي صلبة. ~~الصلابة - إذن - فيما يناسبها محمودة. وفيما لا يناسبها مذمومة كصلابة ~~القلوب وقسوتها. ويقول الحق: { يحرفون الكلم عن مواضعه ~~} مثل ذلك نقلهم أمر الله الذي طلب منهم أن يقولوا: " حطة " فقالوا: " ~~حنطة " { ونسوا حظا مما ذكروا به } وكانت وسائل النسخ ~~في الكتب التي سبقت القرآن هي نسيان حظ مما ذكروا به، والنسيان قد يكون ~~عدم قدرة على الاستيعاب، لكنه أيضا دليل على أن المنهج لم يكن على ~~بالهم. فلو كانت كتب المنهج على بالهم لظلوا على ذكر منه، كما أنهم كتموا ~~ما لم ينسوه، والذي لم ينسوه ولم يكتموه حرفوه ولووا ألسنتهم به. وياليت ~~الأمر اقتصر على ذلك، ولكنهم جاءوا بأشياء وأقاويل وقالوا إنها من عند ~~الله وهي ليست من عند الله: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل ~~لهم مما يكسبون # [البقرة: 79] هي أربعة ألوان من التغيير، النسيان، والكتم، والتحريف، ~~ودس أشياء على أنها من عند الله وهي ليست من عند الله. ولنا أن نتأمل ~~جمال القول الحكيم: { ونسوا حظا مما ذكروا به } فهم على ~~قدر كبير من السوء بدرجة أنستهم الشيء الذي يأتي لهم بالحظ الكبير، مثل ~~نسيانهم البشارات بمحمد عليه الصلاة والسلام وكتمانها، ولو كانوا قد ~~آمنوا بها، لكان حظهم كبيرا ذلك أنهم نسوا أمرا كان يعطيهم جزاء حسنا، ~~إذن فقد جنوا على أنفسهم لأن الإسلام لن يستفيد لو كانوا مهتدين أو ~~مؤمنين والخسار عليهم هم، ولم يدعهم الله ms2439 ويتركهم على نسيانهم ليكون لهم ~~بذلك حجة، بل أراد أن يذكرهم بما نسوه. وكان مقتضى ذلك أن ينصفوا أنفسهم ~~بأن يعودوا إلى الإيمان لأن الحق ذكرهم بما نسوا ليحققوا لأنفسهم الحظ ~~الجميل. وقد يراد أنهم تركوا ذلك عامدين معرضين عنه مغفلين له عن ~~قصد. ويقول الحق من بعد ذلك: # ولا تزال تطلع على خآئنة منهم إلا قليلا ~~منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب ~~المحسنين # [المائدة: 13] أي أن خيانتهم لك يا رسول الله ولأتباعك ولمنهج الله الحق ~~في الأرض ستتوالى، ولا أدل على ذلك مما حدث منهم ضد رسلهم أنفسهم مع أنهم ~~من بني جلدتهم ومن عشيرتهم، إنهم من بني إسرائيل مثلهم، فما بالك بنبي ~~جاء من جنس آخر ليقتحم عليهم سلطتهم الزمنية؟ إذن فخيانتهم لله متصورة. # و " خائنة " بمعنى " خيانة " مثلها مثل " قائلة " وهي القيلولة أي ~~المسافة الزمنية بعد الظهر، وفعلها: قال يقيل أي نام وسط النهار أو " ~~خائنة " أي " نفس خائنة ". أو " خائنة " مثل امرأة خائنة " أو " خائنة " ~~مبالغة كما نقول " راو " و " راوية " ونحن نعني رجلا، أو نقول " جماعة ~~خائنة ". إذن فالكلمة الواحدة هنا مستوعبة لكل مصادر الخيانة منهم، رجل ~~أو امرأة أو جماعة أو كل هؤلاء. والذي يتكلم هنا هو رب العالمين، ويتكلم ~~للعرب وهم أهل فصاحة، إنه أداء لغوي عال. ومن فرط دقة القرآن وصدقه يأتي ~~الحق بقوله: { إلا قليلا منهم } طبقا لقانون صيانة الاحتمال. ~~فحين يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم ليبين له موقف اليهود منه، ألا ~~يحتمل أن يوجد قوم من اليهود يغلبهم الفهم العميق فيفكروا في أن يؤمنوا ~~بهذا الرسول، ويهدئوا من شراسة ظنهم به؟ وقد فكر بعضهم وأعلن الإسلام. ~~وهؤلاء القوم عندما يسمعون أحكام الله على اليهود أجمعين، ألا يقولون: ~~وما لنا ندخل في هذه الزمرة ونفكر في أن ننطق بالإيمان؟ فكأن قوله: { ~~إلا قليلا منهم } صان قانون الاحتمال أن يكون إنسان منهم فكر ~~في الإيمان. ومن فكر في الإيمان فسوف يجد قوله الحق: { إلا قليلا ~~منهم } وسيرى هذا الإنسان ms2440 في نفسه أن القرآن دليل نزل على نور. وقد ~~كان وأعلن قليل منهم إسلامه، وماذا يكون موقفه صلى الله عليه وسلم بعد أن ~~يخبره الحق: بأنك ستتعرض مستقبلا لخيانتهم؟ ألا يحرك ذلك نفسية رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عليهم، فإذا فعل اليهود خائنة فلا بد أن ~~ينتقموا منهم، وتطبيقا للقاعدة الأساسية في رد العدوان بأن من يعتدي عليك ~~فاعتد عليه. لم يشأ - سبحانه - أن يترك الموقف لعواطف البشر مع البشر بل ~~قال: { فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين ~~} والعفو هو كما نقول: فلان عفى على آثاري، أي أن آثارك تكون واضحة على ~~الأرض وتأتي الريح لتمسحها فتعفي على الأثر. والأمر بالعفو أي امسح الأثر ~~لذنب فعلوه. والخطيئة التي ارتكبوها عليك أن تعتبرها كأنها لم تحدث، ولكن ~~أيظل أثرها باقيا عند رسول الله؟ لا، فالأمر بالصفح يأتي وهناك فرق بين ~~أن تمحو الخطيئة وتبقى أثرها في نفسك وتظل في حالة من الغيظ والحقد. ~~والحق هنا يأمر بالعفو أي إزالة أثرها ويأمر بالصفح أي أن تخرج أثر ~~الخطيئة من بالك لأن الإنسان منا له مراحل المرحلة الأولى بعد أن يرتكب ~~أحدهم ذنبا في حقه، فلا يقابل العدوان بمثله، وهذا هو العفو، والمرحلة ~~الثانية: ألا يترك أثر هذا الذنب يعمل في قلبه بل يأتي الصفح حتى لا ~~ينشغل قلب المؤمن بشيء قد عفا عنه، والمرحلة الثالثة: فرصة مفتوحة لمن ~~يريد أن يتمادى في مرتبة الإحسان وترقي اليقين والإيمان بأن يحسن ~~الإنسان إلى من أساء إليه. # وهذه المراحل الثلاث يوضحها قوله الحق: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # [آل عمران: 134] وعملية الإحسان مع المسيء أو المعتدي: أهي عملية منطقية ~~مع النفس الإنسانية؟ قد تكون غير منطقية مع النفس الإنسانية، ولكنك أيها ~~الإنسان لا تشرع لنفسك، إنما الذي يشرع لك هو الأعلى من النفس الإنسانية. ~~والخالق يقول لك: لو علمت ما قدمه لك من أساء إليك لأحسنت إليه. لأنك ~~إن أسأت إلى خلق من خلق الله فالذي يثأر ويأخذ الحق ms2441 لمن أسيء إليه هو رب ~~هذا المخلوق. ويأتي الله في صف الذي تحمل الإساءة. إذن فإساءة العدو لك ~~جعلت الله في صفك وفي جانبك، ألا يستحق ذلك المسيء أن نشكره؟ ألا تقول ~~لنفسك القول المأثور: ألا تحسن إلى من جعل الله في جانبك. إذن هذا هو ~~التشريع: { إن الله يحب المحسنين } والإحسان هنا خرج ~~بالترقي الإيماني عن مرحلة: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194] والإحسان أن تفعل شيئا فوق ما افترضه الله، ولكن من جنس ~~ما افترضه الله والمحسن الذي يدخل في مقام الإحسان هو من يعبد الله كأنه ~~يراه فإن لم يكن يراه فهو سبحانه وتعالى يرى كل خلقه. ونعرف قول الحق ~~سبحانه وتعالى: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين # [الذاريات: 15-16] ما الذي جاء بالإحسان هنا؟ وتكون الإجابة: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون # [الذاريات: 17] وهل يكلف الله خلقه ألا يهجعوا إلا قليلا من الليل؟ لا. ~~فقد كلف الله المسلم بالصلاة، وأعلمه بأنه حر بعد صلاة العشاء، وله الحق ~~أن ينام إلى الفجر، فإن سمع أذان الفجر فليقم إلى صلاة الفجر. لكن المحسن ~~يريد الارتقاء بإيمانه فيزيد من صلواته في الليل. ويضيف الحق مذكرا لنا ~~بصفات المحسنين: # وبالأسحار هم يستغفرون # [الذاريات: 18] أكلف الله الخلق بأن يستغفروا بالأسحار؟ لا. بل إن ~~الرسول يجيب على رجل سأله عن الفروض الأساسية المطلوبة منه، فذكر له ~~أركان الإسلام ومن بينها الصلوات الخمس المكتوبة، فقال الرجل: والله لا ~~أزيد على هذا ولا أنقص فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: # " أفلح إن صدق ". # ويضيف الحق في استكمال صفات المحسنين: # وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 19] ونلحظ أن الحق هنا لم يقل: " حق معلوم " إنما قال: { ~~حق للسآئل والمحروم } فالحق المعلوم هو الزكاة، أما ~~المحسن فللسائل والمحروم في ماله حق غير معلوم، وذلك ليفسح سبحانه المجال ~~للطموحات الإيمانية، فمن يزد في العطاء فله رصيد عند الله. # والحق يقول: { فاعف عنهم واصفح إن الله ms2442 يحب ~~المحسنين } لأن الإحسان إليهم يهيج فيهم غريزة العرفان بالجميل، ~~فيستل ذلك الإحسان الحقد من قلوبهم، ويفتحون آذانهم وقلوبهم لكلمة الحق: # فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم # [فصلت: 34] لأن العداوة لا تشتد إلا إذا وجد مؤجج لها من عداوة في ~~المقابل. فعندما تعامل عدوك بالحسنى ولا ترد على عدائه بالعدوان فكم من ~~الزمن يصير عدوا لك؟ إنه اعتدى مرة وسكت أنت عليه، واعتدى ثانية ~~وسكت أنت عليه. لا بد أنه يهدئ من نفسه. إذن فالعداوة لا تتأجج إلا إذا ~~قابلتها عداوة أخرى. ولذلك نرى ما حدث في المعركة التي قامت بين فرعون ~~وسيدنا موسى عليه السلام حين أراد الله أن يجعل العداوة لا من جهة واحدة ~~ولكن من جهتين اثنتين لتكون معركة حامية لأن العداوة لو كانت من جهة ~~واحدة لهدأ الطرف المعتدي: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] فهل هم التقطوه ليكون عدوا؟ لا. لقد التقطوه ليكون قرة عين. ~~ولكن قدر الله سبق. كان الأمل في أن يصير موسى قرة عين آل فرعون، ولكن ~~الله أراد أن يقوموا بتربيته، ثم يصير من بعد ذلك عدوا لهم. وهكذا يتضح ~~لنا أن تدبير السماء فوق تدبير الأرض. وموسى السامري مثلا ربته السماء ~~بواسطة جبريل، وولدته أمه منقطعا في الصحراء، فكان جبريل ينزل عليه بما ~~يطعمه إلى أن كبر، وموسى ابن عمران ذهب إلى فرعون ليربيه، لكن موسى ~~السامري - الذي رباه جبريل - صار كافرا، وموسى بن عمران الذي رباه فرعون ~~أصبح رسولا إلى بني إسرائيل. وكلا القدرين أرادهما الله، ولذلك يقول ~~الشاعر: # إذا لم تصادف في بريق عناية # فقد كذب الراجي وخاب المؤمل # فموسى الذي رباه جبريل كافر # وموسى الذي رباه فرعون مرسل # كأن آل فرعون قد قاموا بتربية موسى بن عمران ليكون عدوا لهم لا قرة ~~عين. والعداوة تكون من جهة موسى لفرعون، وتجيء العداوة من فرعون لموسى، ~~فيقول الحق: # فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل ~~يأخذه عدو لي وعدو له # [طه: 39] هكذا صارت العداوة من طرفين. ms2443 والحق سبحانه وتعالى أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يصفح عن الخيانات التي تحدث منهم، لعل الوعي ~~الإيماني يستيقظ فيهم، ويقولون: لم يعاملنا بمثل ما عاملناه به، ويعترفون ~~به نبيا رحيما رءوفا كريما، ولا يقفون في وجه دعوته. لكن أيظل العفو ~~والصفح هما كل التعليمات الصادرة من الحق إلى نبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم؟ لا. فقد مر الأمر الإلهي بمرحليات متعددة فالرسول يستقطب النفس ~~الإنسانية بأن يستعبدها بالإحسان، فإن لم يستعبدها الإحسان فلا بد أن ~~يشمر النبي عن الساعد ويفعل ما يأمره به الله، ولنقرأ قوله الحق: # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ~~ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي ~~الله بأمره # [لبقرة: 109] إذن فهناك أمر خفي هو: # حتى يأتي الله بأمره # [البقرة: 109] وسبحانه قد أمر بأن يتركهم الرسول مع الصفح والعفو لمرحلة ~~قادمة يأتي فيها الأمر بتأديبهم. وهذه عملية إنسانية فطرية عرفها العربي ~~الجاهلي وخبرها قبل أن يأتي الإسلام فقد كان العربي يحسن إلى عدوه مرة ~~وثانية وثالثة، وعندما يجد أن الإحسان لم يثمر ثمرته يقاتل العدو، وكما ~~قال الشاعر: # أناة فإن لم تغن قدم بعدها # وعيدا فإن لم يغن أغنت عزائمه # من الحلم أن تستعمل الحزم دونه # إذا لم يسع بالحلم ما أنت عازمه # وقال الشاعر: # صفحنا عن بني ذهل # وقلنا القوم إخوان # عسى الأيام أن يرجع # ن قوما كالذي كانوا # فلما صرح الشر # وأضحى وهو عريان # مشينا مشية الليث # غدا والليث غضبان # بضرب فيه تأييم # وتفجيع وإرنان # وطعن كفم الزق # غدا والزق ملآن # وفي الشر نجاة حي # ن لا ينجيك إحسان # وبعض الحلم عند الجه # ل للذلة إذعان # ومثل ما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود، حدث مع النصارى وأورد ~~الحق سبحانه وتعالى هذا فقال: { ومن الذين قالوا... }. ### || [5.14] # لقد قالوا إنهم نصارى. وأخذ الحق الميثاق منهم، إما ميثاق الذر وإما ~~ميثاقهم لنبيهم عيسى ابن مريم، فنسوا حظا مما ذكروا ms2444 به وتركوا ما أمرهم ~~به الإنجيل ونقضوا الميثاق، فتفرقوا في عداء ملحوظ فرقا شتى، وجاء أمر ~~الله كما وعد: { يا أهل الكتاب... }. ### || [5.15] # كأن الحق سبحانه وتعالى يعطيهم الفرصة والعذر حتى لا يقولن واحد منهم: ~~لم يبلغني عن رسولي شيء. وهناك فترة لم يأت فيها رسول. وها هوذا رسول من ~~الله يأتي حاملا لمنهج متكامل. ومجيء الرسول يمنحهم ويعطيهم فرصة لتجديد ~~ميثاق الإيمان. وهم قد أخفوا من كتبهم بعض الأحكام. مثل الرجم والربا، ~~وقال بعض من بني إسرائيل في الربا ما ذكره القرآن عنهم: # ليس علينا في الأميين سبيل # [آل عمران: 75] أي أنهم أقروا الإقراض بالربا لمن هم على غير دينهم، ~~ولكن لا ربا في تعاملهم مع أبناء دينهم. وأراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يلم الشمل وأن يجمع أيديهم مع يده لأنه نبي انتظروه ولهم في ~~كتبهم البشارة به. وأن يقف الجمع المؤمن أمام موجة الإلحاد في الأرض حتى ~~يسيطر نظام السماء على حركة الأرض لذلك قال الحق: { قد جآءكم من ~~الله نور }. ومعنى ذلك ان كتمانهم لبعض منهج الله قد صنع ظلمة في ~~الكون. ومادامت قد حدثت ظلمانية في الكون، وخاصة ظلمانية القيم، إذن ~~فالكون صار في حاجة إلى من ينير له الطريق. ونعرف أن النور هو ما نتبين ~~به الأشياء. وحين يعرض الحق لنا قضية النور الحسي يريد أن يأخذ بيدنا من ~~النور الحسي إلى النور المعنوي فالنور الحسي يبدد ظلام الطريق حتى لا ~~نصطدم بالأشياء أو نقع في هوة أو نكسر شيئا، لكن عندما يحمل الإنسان ~~نورا فهو يمشي على بينة من أمره. والنور الحسي يمنع من تصادم الحركات في ~~المخلوقات، حتى لا تبدد الطاقة، فتبديد الطاقة يرهق الكون ولا يتم إنجاز ~~ما. إن الشمس في أثناء النهار تضيء الكون، ثم يأتي القمر من بعد الشمس ~~ليلقي بعضا من الضوء، وكذلك النجوم بمواقعها تهدي الناس في ظلمات البر ~~والبحر. وجعل الله هذه الكائنات من أجل ألا تتصادم الحركة المادية ~~للموجودات، فإذا كان الله قد ms2445 صنع نورا ماديا حتى لا يصطدم مخلوق ~~بمخلوق، فهو القادر على ألا يترك القيم والمعاني والموازين بدون نور، ~~لذلك خلق الحق نور القيم ليهدي الإنسان سواء السبيل، فإذا كان الكافر أو ~~الملحد يتساوى مع المؤمن في الاستفادة بالنور المادي لحماية الحركة ~~المادية في الأرض، ولم نجد أحدا يقول: أنا في غير حاجة للانتفاع بالنور ~~المادي، ونقول للكافرين والملاحدة: مادمتم قد انتفعتم بهذا النور فكان ~~يجب أن تقولوا: إن لله نورا في القيم يجب أن نتبعه. ويلخص المنهج هذا ~~النور ب " افعل ولا تفعل ". فالمنهج - إذن - نور من الله. ولنقرأ: # الله نور السماوات والأرض # [النور: 35] إنه يأخذ بيدنا في الطريق بالنور المادي الذي يستفيد منه ~~الكل، سواء من كان مؤمنا أو غير ذلك، ويضرب سبحانه لنا مثل النور. # مثل نوره كمشكاة فيها مصباح # [النور: 35] والمشكاة هي الطاقة التي توجد في الجدار وهي غير النافذة، ~~إنها كوة في الجدار يوضع فيها المصباح الزيتي أو " الكيروسيني " وتوجد ~~في المباني البدائية قبل أن يخترع الإنسان المصابيح الكهربية والثريات. ~~ولا تتجاوز مساحة الكوة ثلاثين سنتيمترا، وطولها أربعون سنتيمترا ولا ~~يزيد عمقها على خمسة عشر سنتيمترا أما الحجرة فمساحتها تزيد أحيانا على ~~ثلاثة أمتار في الطول والعرض والارتفاع. ويتحدث الحق عن الكوة فقط ولا ~~يتحدث عن الحجرة. وأي مصباح في الكوة قادر على إنارة الحجرة. ولننتبه إلى ~~أن هذا المصباح غير عادي، فهو مصباح في زجاجة. ونعرف أن المصباح الذي في ~~زجاجة هو من الارتقاءات الفكرية للبشر. فالمصابيح قديما كانت بدون زجاجة ~~وكان يخرج منها ألسنة من السناج " الهباب " الذي يسود ما حولها، ~~فالسناج أثر دخان السراج في الحائط وغيره. وقد ينطفئ المصباح لأن ~~الهواء يهب من كل ناحية، ثم وضع الإنسان حول شعلة المصباح زجاجة تحمي ~~النار وتركز النور وتعكس الأشعة ويأخذ المصباح من الهواء من خلال الزجاجة ~~على قدر احتياج الاشتعال. # كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة # [النور: 35] أي أن النور من هذا المصباح أشد قوة لأن الزجاجة تعكس أشعة ~~المصباح وتنشر الضوء في ms2446 كل المكان. والزجاجة التي يوجد فيها هذا المصباح ~~ليست عادية: # الزجاجة كأنها كوكب دري # [النور: 35] والكوكب نفسه مضيء، وتكون الزجاجة كأنها هذا الكوكب الدري ~~في ضيائه ولمعانه. والمصباح يوقد من ماذا؟. # يوقد من شجرة مباركة زيتونة # [النور: 35] وهذا ارتقاء في إضاءة المصباح من زيت شجرة زيتون، والشجرة ~~غير عادية: # لا شرقية ولا غربية # [النور: 35] فهي شجرة يتوافر لها أدق أنواع الاعتدال: # نور على نور # [النور: 35] ذلك هو من قدرة الله في نور الكونيات المادية، ولذلك فليس ~~من المعقول أن يترك القيم والمعنويات بدون نور. فكما اهتدى الإنسان في ~~الماديات فينبغي أن يفطن إلى قدرة الحق في هداية المعنويات، بدليل أن ~~الله قال: # يهدي الله لنوره من يشآء # [النور: 35] يهدي الله بنور القيم والمنهج والمعاني من يريد. وقد يهتدي ~~الملحد بنور الشمس المادي إلى الماديات ولكن بصره أعمى عن رؤية نور ~~المنهج والقيم لذلك يوضح سبحانه أن هناك نورا إلهيا هو المنهج. وضرب ~~هذا المثل ليوضح المعاني الغيبية المعنوية بالمعاني الحسية. ونحن على ~~مقاديرنا نستضيء، فالفقير أو البدائي يستضيء بمصباح غازي صغير، والذي في ~~سعة من العيش قد يشتري مولدا كهربيا. وكل إنسان يستضيء بحسب قدرته. ~~ولكن عندما تشرق الشمس في الصباح ما الذي يحدث؟. يطفئ الإنسان تلك ~~المصابيح، فالشمس هي نور أهداه الله لكل بني الإنسان، ولكل الكون. كذلك ~~إذا فكرنا بعقولنا فيما ينير حياتنا فكل منا يفكر بقدرة عقله. # ولكن إذا ما نزل من عند الله نور فهو يغني عن كل نور أخر. وكما نفعل في ~~الماديات نفعل في المعنويات: # نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء ويضرب ~~الله الأمثال للناس # [النور: 35] والذي يدلنا على أن النور الثاني هو نور القيم الذي يكشف ~~لنا بضوء " افعل ولا تفعل " أن الله قال بعد ذلك: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه # [النور: 36] ولوبحثت عن متعلق الجار والمجرور لم تجده إلا في قوله: في ~~بيوت أذن الله أن ترفع كأن النور على النور يأتي من مطالع الهدى في ms2447 ~~مساجده. فهي بيوت الله نقبل عليها ليفيض منها نور الحق على الخلق. # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 36-37] وكلمة { لا تلهيهم تجارة } لا تعني تحريم ~~التجارة، فالإنسان الصادق لا تلهيه التجارة عن ذكر الله. وليكن الله على ~~بال المؤمن دائما، فعندما يكون الإنسان على ذكر لله فالله يعطيه من مدده. ~~إذن يا أهل الكتاب قد جاءكم النور، وبين لكم الرسول كثيرا مما تختلفون ~~فيه. وتسامح عن كثير من خطاياكم، ويريد أن يجري معكم تصفية شاملة. فعليكم ~~أن تلتفتوا وتنتبهوا وتعدلوا من موقفكم من هذا الدين الجديد. ~~ولتبحثوا ماذا يريد الله بهذا المنهج. والله قد ضرب المثل بالنور، وهذا ~~النور يهدي إلى " افعل ولا تفعل ". ومن الذي يقول لنا إن هذا النور قادم ~~من الله؟ إنه الرسول، ومن الذي يدلنا على أن الرسول صادق في البلاغ عن ~~الله؟ الذي يدل على صدقه هو قول الله: # يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم ~~وأنزلنآ إليكم نورا مبينا # [النساء: 174] فالذي جاء أولا من ربكم هو البرهان على أن رسول الله صادق ~~في البلاغ عن الله، وليبلغنا أن الكتاب قد جاء بالمنهج. والقرآن يتميز ~~بأنه البرهان على صدق النبي وهو المنهج النوراني لأن البرهان هو الحجة ~~على صدق الرسول في البلاغ عن الله. ونعرف البرهان في حياتنا التعليمية ~~أثناء دراسة مادة الهندسة عندما نقابل تمرينا هندسيا فنأخذ المعطيات وبعد ~~ذلك ننظر إلى المطلوب إثباته. ونعيد النظر في المعطيات لنأخذ منها قوة ~~للبرهنة على إثبات المطلوب. وإن كانت المعطيات لا تعطي ذلك فإننا نتجه ~~إلى خطوة أخرى هي العمل على إثبات المطلوب. وهذا الكون فيه معطيات، وهو ~~كون محكم، ونلمس إحكامه فيما لا دخل لحركتنا فيه: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا الليل ~~سابق النهار # [يس: 40] كون موزون بالسماء والأرض وحركة الرياح وغير ذلك، وتلك الأمور ~~التي لا دخل للإنسان فيها نجد القوانين ms2448 فيها مستقيمة تمام الاستقامة ~~وكمالها. فإن أراد الإنسان أن يأخذ المعطيات من الكون، فليأخذ في اعتباره ~~النظر إلى الأمور التي للإنسان دخل فيها ولسوف يجدها تتعرض للفساد لأن ~~الهوى في البشر له مدخل على هذه الأشياء. # لكن الخالق الأعلى لا تطوله ولا تتناوله أمور الهوى. ولذلك يقول سبحانه: # والسمآء رفعها ووضع الميزان # [الرحمن: 7] فلا السماء تنطبق على الأرض، ولا كوكب يزاحم كوكبا آخر. ~~ويبين لنا الحق كيفية السير بنظام الكون: # ألا تطغوا في الميزان # [الرحمن: 8] فإن أردتم أن تكون حركتكم منتظمة فانظروا إلى ما لأيديكم ~~دخل فيه واصنعوه كصنع الله فيما ليس لأيديكم مدخل فيه. # وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان # [الرحمن: 9] فإن كنتم معجبين باتزان الكون الأعلى فذلك لأنه مصنوع بنظام ~~دقيق. وإذا كان الحق قد وضع لنا نظاما دقيقا هو المنهج ب " افعل كذا ولا ~~تفعل كذا " فذلك حتى لا تفسد حركتك الاختيارية إن اتبعت المنهج، وتصرفت ~~في حياتك بمنهج الله ويكون الميزان معتدلا. إذن فقد أعطانا الحق معطيات ~~عندما ينظر الإنسان فيها نظرا فطريا بدون هوى فإنها تأخذ بيده إلى ~~الإيمان. وهذه الكائنات الموزونة لا بد لها من خالق لأن الإنسان طرأ ~~عليها ولم تأت هي من بعد خلق الإنسان. ولا أحد من البشر يدعي أنه صنع هذا ~~الكون. إذن لا بد من البحث عمن صنع هذا الكون الدقيق، والدعوى حين تسلم ~~من الضعف، أتكون صادقة أم غير صادقة؟ تكون صادقة تماما. والله هو الذي ~~قال إنه خلق السماء والأرض والكون. ولم يأت مدع آخر يقول لنا: إنه الذي ~~خلق. إذن يثبت الأمر لله إلى أن يوجد مدع. ومع توالي الأزمنة وتطاولها ~~لم يدع ذلك أحد. وكان لا بد أن تكون مهمة العقل البشري أن يفكر ويقدح ~~الذهن ليتعرف على صانع هذا الكون، وكان لا بد أن يتوجه بالشكر لمن جاء ~~ليحل له هذا اللغز. وقد جاءت الرسل لتحل هذا اللغز ولتدلنا على مطلوب ~~عقلي فطري، ولو أننا سلسلنا الوجود لوجدنا أن الإنسان هو سيد هذا الوجود ms2449 ~~لأن كل الكائنات تعمل وتجهد في خدمته. وأجناس الوجود كما نعرفها التي ~~تخدم الإنسان هي الحيوان ويتميز عنه الإنسان بالعقل، وهناك جنس تحت ~~الحيوان هو النبات فيه النمو، وهناك جنس أدنى وهو الجماد. وكل هذه ~~الأجناس مهمتها خدمة الإنسان. والجماد ليس هو الشيء الجامد، بل الهواء ~~جماد والشمس جماد والتربة جماد، وكل ذلك يمارس مهمته في الوجود لخدمة ~~الأجناس الأعلى منها ويستفيد الإنسان منها جميعا والحيوان يستفيد من ~~الجماد وكذلك النبات يستفيد من الجماد، والحيوان يستفيد من النبات ~~والجماد، والمحصلة النهائية لخدمة الإنسان. أليس من اللائق والواجب - إذن ~~- أن يسأل الإنسان نفسه من الذي وهبه هذه المكانة؟ فإذا جاء الرسول ليحل ~~هذا اللغز ويبلغنا أن الذي خلق الكون هو الله وهذه صفاته، ويبلغنا أن هذا ~~المنهج جاء من الله ويحمل معه معجزة هي دليل صدق البلاغ عن الله، وهي ~~معجزة لا يقدر عليها البشر، ويتحدى الرسول البشر أن يأتوا بمثل معجزته. # إذن فلا بد أن يؤمن كل البشر لو صدقوا الفهم وأخلصوا النية. ما هو ~~البرهان إذن؟ البرهان هو المعجزة الدالة على صدق الرسول في البلاغ عن ~~الله. هذا البلاغ عن الله الذي بحث عنه العقل الفطري وآمن أنه لا بد أن ~~يكون موجودا، لكنه لم يتعرف على أنه " الله ". إن الرسول هو الذي يبلغنا ~~عن اسم الخالق، وهو الذي يقدم لنا المنهج. إذن فمجيء الرسل أمر منطقي ~~تحتمه الفطرة ويحتمه العقل. ولذلك أنزل الحق النور العقدي، أنزل - سبحانه ~~- المنهج ليحمي المجتمع من الاضطراب، ولذلك يقول الحق: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض # [المؤمنون: 71] إذن فالدين جاء من الله ليتدخل في الأمور التي تختلف ~~فيها الأهواء، فحسم الله النزاع بين الأهواء بأن انفرد سبحانه أن يشرع ~~لنا تشريعا تلتقي فيه أهواؤنا، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". # أي أن تتحد الأهواء تحت مظلة تشريع واحد لأن كل إنسان إن انفرد بهواه، ~~لا بد أن نصطدم، ولا نزال نكرر ونقول: ms2450 إن خلافات البشر سواء أكانت على ~~مستوى الأسرة أم الجماعة أم الأمة أم العالم، جاءت من اختلاف الأهواء، ~~ولكن الأشياء التي لا دخل للأهواء فيها فالعالم متفق فيها تماما، بدليل ~~أننا قلنا: إن المعسكر الشرقي السابق والمعسكر الغربي الحالي اختلفا ~~بسياستين نظريتين، هذا يقول: " شيوعية " وهذا يقول: " رأس مالية ". إنه ~~لا يوجد معمل مادي كي ندخل فيه الشيوعية أو الرأسمالية ونرى ما ينفعنا. ~~أنها أهواء، لذلك تصادما في أكثر من موقع، وانهزمت الشيوعية وبقيت ~~آثارها تدل عليها. لكن الأمور المادية المعملية. لم يختلفوا فيها. ونقول ~~الكلمة المشهورة: " لا توجد كهرباء روسي ولا كهرباء أمريكاني ". " ولا ~~توجد كيمياء روسي ولا كيمياء أمريكاني " فكل الأمور الخاضعة للتجربة ~~والمعمل فيها اتفاق، والخلاف فقط فيما تختلف وتصطدم فيه الأهواء. فكأن ~~الله ترك لنا ما في الأرض لنتفاعل معه بعقولنا المخلوقة له، وطاقاتنا ~~وجوارحنا المخلوقة له، ويوضح: إن التجرية المعملية المادية لن تفرقكم بل ~~ستجتمعون عليها. وسيحاول كل فريق منكم أن يأخذ ما انتهى إليه الفريق ~~الآخر من التجارب المادية ولو تلصصها، ولو سرقها، أما الذي يضركم ويضر ~~مجتمعكم فهو الاختلاف في الأهواء. وليت الأمر اقتصر على الاتفاق في ~~الماديات والاختلاف في الأهواء، لا، بل جعلوا مما اتفقوا عليه من التجارب ~~المادية والاختراعات والابتكارات وسيلة قهرية لفرض النظرية التي خضعت ~~لأهوائهم. # فكأننا أفسدنا المسألة.. أخذنا ما اتفقنا فيه لنفرض ما اختلفنا عليه. إن ~~الحق سبحانه وتعالى أعطانا كل هذه المسائل كي تستقيم الحياة، ولا تستقيم ~~الحياة إلا إن كان الحق سبحانه وتعالى هو الذي يحسم في مسائل الهوى، ~~ولذلك حتى في الريف يقولون: " من يقطع إصبعه الشرع لن يسيل منه دم " لأن ~~الذي يقول ذلك مؤمن، أي أن الحكم حين يأتي من أعلى فلا غضاضة في أن نكون ~~محكومين بمن خلقنا وخلق لنا الكون، وتدخلت السماء في مسألة الأهواء ~~بالمنهج: افعل هذا ولا تفعل هذا، لكن ما ليس فيه أهواء أوضح سبحانه: أنتم ~~ستتفقون فيها غصبا عنكم، بل ستسرقونها من بعضكم، إذن فلا خطر منها. ms2451 إن ~~الخطر في أهوائكم. ولذلك اذكروا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~أمهات المسائل التي يترتب عليها حسن نظام المجتمع كما يريده الله كان - ~~عليه الصلاة والسلام - يتحمل هو التجربة في نفسه، ولا يجعل واحدا من ~~المؤمنين به يتحمل التجربة، فمسألة التبني حين أراد ربنا أن ينهيها حتى ~~لا يدعي واحد آخر أنه ابنه وهو ليس أباه، أنهاها الله في رسوله صلى الله ~~عليه وسلم: # لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيآئهم # [الأحزاب: 37] وفي مسألة الماديات والأهواء يقول أنس بن مالك رضي الله ~~عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال: # " " لو لم تفعلوا لصلح " قال: فخرج شيصا، فمر عليهم فقال: " ما لنخلكم " ~~قالوا: قلت كذا وكذا قال: " أنتم أعلم بأمر دنياكم " " # إنه - صلى الله عليه وسلم - تركهم لتجربتهم. السماء - إذن - لا تتدخل في ~~المسائل التجريبية لأنه سبحانه وهب العقل ووهب المادة ووهب التجربة، ~~ورأينا رسول الله يتراجع عما اجتهد فيه بعد أن رأى غيره خيرا منه كي يثبت ~~قضية هامة هي أن المسائل المادية المعملية الخاضعة للتجربة ليس للدين شأن ~~بها فلا ندخلها في شئوننا، فلا نقول مثلا: الأرض ليست كروية، أو أن ~~الأرض لا تدور. فما لهذا بهذا لأن الدين ليس له شأن بها أبدا، وهذه ~~مسائل خاضعة للتجربة وللمعمل وللبرهان وللنظرية، بل دخل الدين ليحمينا من ~~اختلاف أهوائنا فالأمر الذي نختلف فيه يقول فيه: افعل كذا ولا تفعل كذا ~~بحسم، والأمر الذي لم يتدخل فيه ب " افعل ولا تفعل " أوضح لك: سواء ~~فعلته أم لم تفعله لا يترتب عليه فساد في الكون، وخذوا راحتكم فيما لم ~~يرد فيه " افعل ولا تفعل " ، وأريحوا أنفسكم واختلفوا فيه لأن الخلاف ~~البشري مسألة في الفطرة والجبلة والخلقة. وهنا يقول: " قد جاءكم من الله ~~نور وكتاب مبين " و " النور " أهو الكتاب أم غيره؟. # وفي آية أخرى يقول: # يا أيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم ~~وأنزلنآ إليكم نورا مبينا # [النساء: 174] وهذا القول يدل على أن ms2452 النور هنا هو " القرآن " وجمع بين ~~أمرين برهان.. أي معجزة، ونور ينير لنا سبيلنا. { فآمنوا بالله ~~ورسوله والنور الذي أنزلنا } والإيمان بالله مسألة ~~تطبيقية مرحلية. " الله " هو قمة الإيمان و " رسوله " هو المبلغ عن الله ~~لأنه جاء لنا بالنور. إلا أن أهل الشطح يقولون: النور مقصود به النبي ~~صلى الله عليه وسلم، ونقول: نحن لا نمانع أنه نور، وإن كان النص يحتمل أن ~~يكون عطف تفسير، وحتى لا ندخل في متاهة مع بعض من يقولون: لا ليس الرسول ~~نورا لأنه مأخوذ من المادة وسنجد من يرد عليهم بحديث جابر: ما أول ما ~~خلق الله يا رسول الله؟ قال له: نور نبيك يا جابر. فعن جابر بن عبدالله ~~قال: قلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى ~~قبل الأشياء. قال: # " يا جابر إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره فجعل ذلك النور ~~يدور بالقدرة حيث شاء الله ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ~~ولا نار ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا جني ولا إنسي ". # وحتى لا ندخل في مسألة غيبية لا تستوي الأذهان في استقبالها ونفتن ~~بعضنا. ويقول فلان كذا ويقول علان كذا. هنا نقول: من تجلى له أن رسول ~~الله نور، نور، نور، فليعرفها هو ويلزمها. وليس من المفروض أن يقنع بها ~~أحدا كي لا ندخل في متاهة، وعندما يتعرض أحد لحديث جابر - رضي الله عنه ~~- نسأل: أهو قال: أول خلق الله نبيك يا جابر أم نور نبيك يا جابر؟. قال ~~الحديث: نور نبيك ولم يقل النبي نفسه الذي هو من لحم ودم، فمحمد صلى الله ~~عليه وسلم من آدم وآدم من تراب لذلك ليس علينا أن نتناول المسائل التي لا ~~يصل إليها إلا أهل الرياضيات المتفوقة، حتى لا تكون فتنة لأن من يقول لك: ~~أنت تقول: النور هو رسول الله، ونقول: على العين والرأس، فرسول الله نور ~~ولاشك لأن النور يعني ألا ms2453 نصطدم، وجاء محمد صلى الله عليه وسلم بالمنهج ~~كي ينير لنا الطريق، والقرآن منهج نظامي، والرسول منهج تطبيقي، فإن أخذت ~~النور كي لا نصطدم، فالحق يقول: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] إذن فسنأخذ بالمنهج النظري الذي هو القرآن، ونأخذ بالمنهج ~~التطبيقي. { قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين } و ~~" مبين " أي محيط بكل أمر وكل شيء مصداقا لقوله الحق: # ما فرطنا في الكتاب من شيء # [الأنعام: 38] أي مما تختلف فيه أهواؤكم. وسئل الإمام محمد عبده، وهو ~~في باريس: أنتم تقولون { ما فرطنا في الكتاب من شيء } فكم ~~رغيفا في أردب الدقيق؟. فقال: انتظروا: واستدعى خبازا وسأله: كم رغيفا ~~في أردب القمح؟. فقال له: كذا رغيف. فقالوا له: أنت تقول إنه في الكتاب. ~~فقال لهم: الكتاب هو الذي قال لي: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43] إن قوله: { ما فرطنا في الكتاب من شيء } أي ~~مما تختلف فيه الأهواء أو تفسد فيه حركة الحياة في الأرض. فربنا هو - ~~سبحانه - جعل أناسا تتخصص في الموضوعات المختلفة. { قد جآءكم ~~من الله نور وكتاب مبين } يعني: يا أهل الكتاب انتبهوا ~~إلى أن هذه فرصتكم لنصفي مسألة العقيدة في الأرض وننهي الخلاف الذي بين ~~الدينين السابقين ونرجع إلى دين عام للناس جميعا، ولا تبقى في الأرض هذه ~~العصبية حتى تتساند الحركات الإنسانية ولا تتعاند، ولذلك يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29] انظر كيف يجمع الإسلام بين أمرين متناقضين: فلم يجيء ~~الإسلام كي يطبع الإنسان ليكون شديدا لأن هناك مواقف شتى تتطلب الرحمة، ~~ولم يطبعه على الرحمة المطلقة لأن هناك مواقف تتطلب الشدة، فلم يطبع ~~الإنسان في قالب، ولكنه جعل المؤمن ينفعل للحدث. ويقول الحق: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة: 54] أي لا تقل إنه طبع المؤمن على أن يكون ذليلا ولا طبعه ~~ليكون عزيزا، بل طبعه ليكيف نفسه التكييف الذي يتطلبه المقام، فيكون ~~مرة ذليلا للمؤمن وعزيزا على الكافر. ms2454 وقال الإسلام لنا: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا # [البقرة: 143] أي لا بد أن تعرف الطرفين أولا، ثم تحدد، لأن الوسط لا ~~يعرف إلا بتحديد الطرفين فاليهودية بالغت في المادية، والنصرانية بالغت ~~في الروحانية والبرهانية: # ورهبانية ابتدعوها # [الحديد: 27] وعندما سئل سيدنا عيسى عن مسألة ميراث قال: " أنا لم أبعث ~~مورثا " لأنه جاء ليجدد الشحنة للطاقة الدينية، وبرغم الخلاف العميق بين ~~اليهودية والنصرانية جاء أهل الفكر عندهم ليضعوا العهد القديم والعهد ~~الجديد في كتاب واحد، ومع ذلك فقد جاء من اعتبر الإسلام خصما عنيفا ~~عليهم على رغم أن الإسلام ليس خصما إنما جاء ليمنح الناس حرية الاختيار، ~~وعندما ننظر إلى المنهج المادي والمنهج الروحاني تجد أن اليهود أسرفوا في ~~المادية وقالوا: # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة # [البقرة: 55] لقد أسرفوا في المادية لدرجة أن المسألة المتعلقة بقوتهم ~~حينما كانوا في التيه وأنزل ربنا عليهم المن والسلوى، و " المن " كما ~~نعرف طعام مثل كرات بيضاء ينزل من السماء على شجر أو حجر ينعقد ويجف جفاف ~~الصمغ وهو حلو يؤكل وطعمه يقرب من عسل النحل، وجاء لهم الحق بالسلوى وهو ~~طائر يشبه الدجاج وهو السماني فقالوا: # لن نصبر على طعام واحد # [البقرة: 61] إننا نريد مما تخرجه الأرض من بقلها، والذي دعاهم إلى ~~غلوهم في الأمر المادي أنهم قالوا: قد لا يأتي المن، وقد لا نستطيع صيد ~~الطير، نحن نريد أن نضمن الطعام. إذن فالغيبيات بعيدة عنهم فهم قد أسرفوا ~~في هذه المادية وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يعدل هذا النظام المادي ~~المتطرف فأنزل منهجية روحانية متمثلة في منهج عيسى عليه السلام، وشحنهم ~~بمواجيد دينية ليس فيها حكم مادي، كي تلتحم هذه بتلك ويصير المنهج ~~مستقيما، لكن الخلاف دب بينهم، فكان ولا بد أن يأتي دين جديد يجمع ~~المادية المتعقلة الرزينة المتأنية، والروحانية المقسطة التي لا تفريط ~~فيها ولا إفراط، إنها الروحانية المتلقاة من السماء دون ابتداع دين يأتي ~~بالاثنتين في صلب دين واحد. فقال لنا: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء ms2455 بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود # [الفتح: 29] وهذه كلها قيم تعبدية. فيكون هؤلاء ماديين وروحانيين في آن ~~واحد. ويتابع الحق: # ذلك مثلهم في التوراة # [الفتح: 29] كأن الله ضرب في التوراة مثلا لأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم: يا من أسرفتم في المادية سيأتي رسول ليعدل ميزان العقائد والتشريع، ~~فتكون أمته مخالفة لكم تماما. فأنتم ماديون وقوم محمد ركع سجد، يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود. أي: ما فقدتموه ~~أنتم في منهجكم سيوجد في أمة محمد. ويقول الحق: # ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ~~ليغيظ بهم الكفار # [الفتح: 29] فمثلهم في التوراة ما فقد عند اليهود ومثلهم في الإنجيل ما ~~فقد عند النصارى. إذن فدين محمد صلى الله عليه وسلم جمع بين القيم ~~المادية والقيم الروحية فكان دينا وسطا بين الاثنين. فقال: { قد ~~جآءكم من الله نور وكتاب مبين } أي انتهزوا الفرصة ~~لتصححوا أخطاءكم ولتستأنفوا حياة صافية تربطكم بالسماء رباطا يجمع بين ~~دين قيمي يتطلب حركة الدنيا ويتطلب حركة الآخرة. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~يهدي به الله... }. ### || [5.16] # ومادام الله هو الذي يهدي فسبحانه منزه عن الأهواء المتعلقة بهم، وهكذا ~~نضمن أن الإسلام ليس له هوى. لأن آفة من يشرع أن يذكر نفسه أو ما يحب في ~~ما يشرع، فالمشرع يشترط فيه ألا ينتفع بما يشرع، ولا يوجد هذا الوصف إلا ~~في الله لأنه يشرع للجميع وهو فوق الجميع. { قد جآءكم من ~~الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه } إن من اتبع رضوانه يهديه الله لسبل السلام، إذن ففيه ~~رضوان متبع، وفيه سبل سلام كمكافأة. وهل السلام طرق وسبل؟. نعم لأن هناك ~~سلام نفس مع نفسها، وهناك سلام نفس مع أسرتها، هناك سلام نفس مع جماعتها، ~~هناك سلام نفس مع أمتها وهناك سلام نفس مع العالم، وسلام نفس مع الكون ~~كله، وهناك سلام نفس مع الله، كل هذا ms2456 يجمع السلام. إذن فسبل السلام ~~متعددة، والسلام مع الله بأن تنزه ربك أيها العبد فلا تعبد معه إلها ~~آخر، ولا تلصق به أحدا آخر.. أي لا تشرك به شيئا، أو لا تقل: لا يوجد ~~إله. ولذلك نجد الإسلام جاء بالوسط حتى في العقيدة جاء بين ناس تقول: لا ~~يوجد إله، وهذا نفي وناس تقول: آلهة متعدة الشر له إله، والخير له إله، ~~والظلمة لها إله، والنور له إله، والهواء له إله، والأرض لها إله!! إن ~~الذين قالوا بالآلهة المتعددة: استندوا على الحس المادي ونسي كل منهم أن ~~الإنسان مكون من مادة وروح، وحين تخرج الروح يصبح الجثمان رمة ولم يسأل ~~أحدهم: نفسه ويقول: أين روحك التي تدير نفسك وجسمك كله هل تراها؟، وأين ~~هي؟. أهي في أنفك أم في أذنك أم في بطنك أين هي؟، وما شكلها؟. وما ~~لونها؟. وما طعمها؟. أنت لم تدركها وهي موجودة. إذن فمخلوق لله فيك لا ~~تدركه فهل في إمكانك أن تدرك خالقه؟. إن هذا هو الضلال. فلو أدرك ~~إله لما صار إلها لأنك إن أدركت شيئا قدرت على تحديده ببصرك، ومادام ~~قد قدرت على تحديده يكون بصرك قد قدر عليه، ولا ينقلب القادر الأعلى ~~مقدورا للأدنى أبدا. وحينما أراد الله أن يذلل على هذه الحكاية قال: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21] انظر في نفسك تجد روحك التي تدير جسدك لا تراها ولا ~~تسمعها ومع ذلك فهي موجودة فيك، فإن تخلت عنك صرت رمة وجيفة، فمخلوق لله ~~فيك لا تقدر أن تدركه، أبعد ذلك تريد أن تدرك من خلق؟ إن هذا كلام ~~ليس له طعم! والاتجاه الآخر يقول بآلهة متعددة لأن هذاالكون واسع، وكل ~~شيء فيه يحتاج إلى إله بمفرده، فيأتي الإسلام بالأمر الحق ويقول: هناك ~~إله واحد لأنه إن كان هناك آلهة متعددة كما تقولون، فيكون هناك مثلا. # إله للشمس وإله للسماء وإله للأرض وإله للماء وإله للهواء، حينئذ يكون ~~كل إله من هذه الآلهة عاجزا عن أن يدير ويقوم على أمر آخر غير ms2457 ما هو إله ~~وقائم عليه ولنشأ بينهم خلاف وشقاق يوضح ذلك قوله تعالى: # لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض # [المؤمنون: 91] فإله الشمس قد يفصلها عن الكون، وإله الماء قد يمنعه عن ~~بقية الكائنات، ويحسم الحق الأمر فيقول: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42] ويقول سبحانه: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. إذن ~~فالنواميس التي تراها أيضا محكومة بالإله الواحد، ويأتي الرسول ليقول ~~لك: هناك إله واحد، ويبلغنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إله إلا ~~الله، و " لا إله " نفت أنه لا آلهة أبدا. وبعدها قال: إلا الله، وهذه ~~من مصلحة الإنسان حتى لا يكون ذليلا وخاضعا وعبدا لإله الشمس أو لإله ~~الهواء أو لإله الماء. وقال الحق: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا # [الزمر: 29] فربنا يريد أن يريحنا من " الخيلة " ، والوهم والاضطراب ~~والتردد.. إنه إله واحد، وعندما يحكم الله حكما فلا أحد يناقضه، وسبحانه ~~يهدينا بما يشرعه لنا لأنه سبحانه ليس له هوى فيما يشرع لأن معنى الهوى ~~أن تجعل الحركة التي تريدها خادمة لك في شيء، والله لا يحتاج إلى أحد ~~لأنه خلق الوجود كله قبل أن يخلق الخلق، وليس لأحد ممن خلق - مهما أوتي ~~من العلم ورجاحة العقل أن تكون له قدرة أو أي دخل في عملية الخلق أو ~~تنظيمه. { يهدي به الله من اتبع رضوانه } ، مادام قد ~~اتبع رضوانه فيهديه إلى سبل السلام، إذن فإن هناك هدايتين اثنتين: يهدي ~~به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، وقال في آية أخرى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17] فإياك أن تظن أن التقوى لن تنال ثوابها وجزاءها إلا في ~~الآخرة لأنه كلما فعلت أمرا وتلتفت وجدت آثاره في نفسك، تصلي تجد أمورك ~~خفت عن نفسك، فلا ترتكب السيئة في غفلة من الناس، قلبك لا يكون ~~مشغولا بأي شيء، ويحيا المؤمن في سلام مع نفسه أبدا. إذن فسبل ms2458 السلام ~~متعددة: سبل السلام مع الله، سبل السلام مع الكون كله، سبل السلام مع ~~مجتمعه، سبل السلام مع أسرته، سبل السلام مع نفسه. ويقول الحق: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام: 153] إذن فهناك سبل سلام وسبل ضلال. وفي هذه الآية يقول الحق: ~~{ ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ~~ويهديهم إلى صراط مستقيم } ، والظلمات هي محل ~~الاصطدام، وعندما يخرجهم من الظلمات إلى النور يرون الطريق الصحيح الموصل ~~إلى الخير، والطريق الموصل إلى غير الخير. وبعدما يخرجون من الظلمات إلى ~~النور تكون حركاتهم متساندة وليست متعاندة، ولا يوجد صدام ولا شيء يورثهم ~~بغضاء وشحناء، أو المراد أنه يهديهم إلى الصراط المستقيم وهو الجنة. ~~ويقول الحق من بعد ذلك: { لقد كفر الذين... }. ### || [5.17] # وقال سبحانه من قبل: # فأغرينا بينهم العداوة # [المائدة: 14] فمن اتبعوا اليعقوبية قالوا شيئا، والنصرانية قالت ~~شيئا، والملكانية قالت شيئا ثالثا فجاء بالقمة: { لقد كفر ~~الذين قآلوا إن الله هو المسيح ابن مريم }. ~~ويأتي قوله سبحانه: " قل " ، ردا عليهم: { فمن يملك من الله ~~شيئا } أي من يمنع قدر الله أن ينزل بمن جعلتموه إلها { إن أراد ~~أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض ~~جميعا }. لقد زعموا أن الله هو المسيح عيسى ابن مريم وفي هذا اجتراء ~~على مقام الألوهية المنزهة عن التشبيه وعن الحلول في أي شيء. وفي هذا ~~القول الكريم بلاغ لهؤلاء أن أحدا لا يستطيع أن يمنع إهلاك الله لعيسى ~~وأمه وجميع من في الأرض. فهو الحق الملك الخالق للسماوات والأرض. وما ~~بينهما يخلق ما يشاء كما يريد. فإن كان قد خلق المسيح دون أب فقد جاءنا ~~البلاغ من قبل بأنه سبحانه خلق آدم بدون أب ولا أم، وخلق حواء دون أم، ~~جلت عظمته وقدرته لا يعجزه شيء. إن عيسى عليه السلام من البشر قابل ~~للفناء ككل البشر. { ولله ملك السماوات والأرض وما ~~بينهما يخلق ما يشآء } جاء الحق هنا بالسماء كنوع علوي ~~والأرض كنوع سفلي، وقوله: { يخلق ما يشآء ms2459 } يرد على الشبهة ~~بإيجاز دقيق: { يخلق ما يشآء } لأن الفتنة جاءت من ناحية أن عيسى ~~عليه السلام ميز في طريقة خلقه بشيء لم يكن في عامة الناس فأوضح الحق: ~~لا تظنوا أن الخلق الذي أخلقه يشترط علي أن تكون هناك ذكورة وأنوثة ~~ولقاح، هذا في العرف العام الذي يفترض وجود ذكورة وأنوثة، وإلا لكان يجب ~~أن تكون الفتنة قبل عيسى في آدم لأنه خلق من غير أب ولا أم. إذن فالذي ~~يريد أن يفتتن بأنه من أم دون أب، كان يجب أن يفتتن في آدم لأنه لا أب ~~ولا أم. ويوضح لهم: الله يخلق ما يشاء فلا يتحتم أو يلزم أن يكون من ~~زوجين أو من ذكر فقط أو من أنثى فقط. إن ربنا سبحانه وتعالى له طلاقة ~~القدرة في أن يخلق ما يشاء، وقد أدار خلقه على القسمة العقلية المنطقية ~~الأربعة: إما أن يكون من أب وأم مثلنا جميعا، وإما أن يكون بعدمهما مثل ~~آدم، وإما أن يكون بالذكر دون الأنثى كحواء، وإما أن يكون بالأنثى دون ~~الذكر كعيسى عليه السلام، فأدار الله الخلق على القواعد المنطقية الأربعة ~~كي لا تفهم أن ربنا يريد مواصفات خاصة كي يخلق بل هو يخلق ما يشاء. ~~والدليل على ذلك أن الزوجين يكونان موجودين مع بعضهما ومع ذلك لا ~~ينجب منهما، فهل هناك اكتمال أكثر من هذا؟! # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما # [الشورى: 49-50] إذن فالمسألة ألا يفرض على ربنا عناصر تكوين، لا، بل ~~هي إرادة مكون لا عنصرية مكون. إنه { يخلق ما يشآء } ، ~~ومشيئته مطلقة وقدرته عامة. ولذلك لا بد أن يأتي القول: { والله ~~على كل شيء قدير }. ويقول الحق بعد ذلك: { وقالت ~~اليهود والنصارى... }. ### || [5.18] # وهل كل اليهود قالوا: نحن أبناء الله؟ هل كل النصارى قالوا: نحن أبناء ~~الله؟ لا. فبعض من اليهود قال: إن عزيرا ابن الله وبعض النصارى قالوا: ~~إن عيسى ms2460 ابن الله، وجاء مسيلمة الكذاب وادعى النبوة، وكان كل أهل مسيلمة ~~يقولون: نحن الأنبياء، أي منا الأنبياء حتى أنصار سيدنا عبد الله بن ~~الزبير أبي خبيب، قال أنصاره: نحن الخبيبيون أي نحن أتباع ابن الزبير ~~الذي هو أبو خبيب، فكانوا ينسبون لأنفسهم ما لغيرهم. فمعنى { نحن ~~أبناء الله } يعني: نحن أشياع العزير، الذي هو ابن الله ونحن ~~أشياع عيسى الذي هو ابن الله. هذه نأخذ لها دليلا من القرآن، نعرف قصة ~~مؤمن آل فرعون: # وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ~~أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جآءكم ~~بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه ~~وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله ~~لا يهدي من هو مسرف كذاب * يقوم لكم الملك ~~اليوم ظاهرين في الأرض # [غافر: 28-29] والقوم جماعة. بالله أكان القوم كلهم ملوكا؟. لا، فالذي ~~كان ملكا هو فرعون فقط. لكن مادام فرعون هو الملك، فيكون كل الذين كانوا ~~أتباعا وأنصارا له ومن شيعته ملوكا لأنهم يعيشون في كنف ورعاية الملك. ~~وأيضا قال اليهود: { وجعلكم ملوكا } ، ولذلك عندما أرادوا أن ~~يحددوا معنى " ملك " قالوا: إن " الملك " هو الرجل الذي عنده دار واسعة ~~وفيها ماء يجري، وواحد آخر قال: " الملك " هو الذي يكون عنده حياة رتيبة ~~وعنده من يخدمه ولا ينشغل بخدمة نفسه في بيته، وفي الخارج يخدم نفسه. ~~وقال آخر: من عنده مال لا يحوجه للعمل الشاق، فهو ملك، ولذلك قال سيدنا ~~الشيخ عبد الجليل عيسى في هذه المسألة: لا تستعجبوا ذلك فالأميون ينطقون ~~وبلسانهم يقولون: هذا ملك زمانه، أي رجل مرتاح لا يعمل أعمالا شاقة وعنده ~~النقود يصرفها كما يريد. إذن فأبناء الله يعني ليس كلهم أبناءه، ولذلك ~~قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: " قل " ردا عليهم: { فلم ~~يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق } ، ~~وستدخلون في مشيئة المغفرة. { يغفر لمن يشآء ويعذب من ~~يشآء } ، ولن تخرجوا عن المشيئة الغافرة أو المشيئة المعذبة، { ~~ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه ~~المصير }. ويقول ms2461 الحق تصفية للمسألة العقدية في الأرض: { يا أهل ~~الكتاب... }. ### || [5.19] # ورسولنا هو محمد صلى الله عليه وسلم ويبين لكم - يا أهل الكتاب - ما ~~اختلفتم فيه أولا وما يجب أن تلتقوا عليه ثانيا، وما زاده الإسلام من ~~منهج فإنما جاء به ليناسب أقضية الحياة التي يواجهها إلى أن تقوم ~~الساعة. وقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل، ومعنى ~~الفترة: الانقطاع. وفترة من الرسل أي على زمن انقطعت فيه الرسالات، وهي ~~الفترة التي بينه صلى الله عليه وسلم وبين أخيه عيسى عليه السلام، وقام ~~الناس بحسابها فقال بعضهم: إنها ستمائة سنة وقال البعض: خمسمائة وستون ~~سنة عاما. ولا يهمنا عدد السنين، إنما الذي يهمنا هو وجود فترة انقطعت ~~فيها الرسل، اللهم إلا ما كان من قول الحق سبحانه: # واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جآءها ~~المرسلون * إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما ~~فعززنا بثالث فقالوا إنآ إليكم مرسلون * ~~قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا ومآ أنزل ~~الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون * قالوا ~~ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون # [يس: 13-16] هؤلاء المرسلون أهم مرسلون من قبل الله بين عيسى وبين محمد ~~صلى الله عليه وسلم؟. أم هم مرسلون من قبل عيسى عليه السلام إلى أهل ~~أنطاكية؟. وقد كفر الناس أولا بهذين الرسولين، فعززهم الحق بثالث. وقال ~~الناس لهم: # قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا ومآ أنزل ~~الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون # [يس: 15] وهنا قال الرسل: # قالوا ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون # [يس: 16] فما الفرق بين { إنآ إليكم لمرسلون } وبين { ~~ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون }؟. إن الأخبار ~~دائما تلقى من المتكلم للسامع لتعطيه خبرا، فإن كان السامع خالي الذهن ~~من الخبر، ألقي إليه الكلام بدون تأكيد. وأما إن كان عنده شبه إنكار، ~~ألقى إليه الكلام بتأكيد على قدر إنكاره. فإن زاد في لجاج الإنكار يزيد ~~له التأكيد. فأصحاب القرية أرسل الله إليهم اثنين فكذبوهما، فعززهما ~~بثالث، وهذا تعزيز رسالي، فبعد أن كانا رسولين زادهما الله ثالثا، ms2462 وقال ~~الثلاثة: # إنآ إليكم مرسلون # [يس: 14] صحيح ثمة تأكيد هنا. لأن الجملة إسمية، وسبقتها " إن " ~~المؤكدة فلما كذبوهم وقالوا لهم: { مآ أنتم إلا بشر مثلنا ~~ومآ أنزل الرحمن من شيء } وكان هذا لجاجا منهم في ~~الإنكار فماذا يكون موقف الرسل؟ أيقولون: { إنآ إليكم ~~مرسلون } كما قيل أولا؟. لا. إن الإنكار هنا ممعن في اللجاجة ~~والشدة، فيأتي الحق بتأكيد أقوى على ألسنة الرسل: { ربنا يعلم }. ~~وذلك القول في حكم القسم هذا هو التأكيد الأول، والتأكيد الثاني: { ~~إنآ إليكم لمرسلون }. وكما نعلم ف " إن " هنا مؤكدة، ~~واللام التي في أول قوله: " لمرسلون " لزيادة التأكيد. # وحين تأتي كلمة تدور على معان متعددة، فالمعنى الجامع هو المعنى ~~الأصلي، وكذلك كلمة " فترة " ، فالفترة هي الانقطاع. فإن قلت مثلا: ماء ~~فاتر، أي ماء انقطعت برودته، فالماء مشروط فيه البرودة حتى يروي العطش. ~~وعندما يقال: ماء فاتر أي ماء فتر عن برودته، ولذلك يكون قولنا: " ماء ~~فاتر " أي ماء دافئ قليلا أي ماء انقطعت عنه البرودة المرغبة فيه. ويقال ~~أيضا في وصف المرأة: في جفنها فتور أي أنها تغض الطرف ولا تحملق بعينيها ~~باجتراء. بل منخفضة النظرة. إذن فالفترة هي الانقطاع. ولقد انقطعت مدة من ~~الزمن وخلت من الوحي ومن الرسل. وكان مقتضى هذا أن يطول عهد الغفلة، ~~ويطول عهد انطماس المنهج، ويعيش أهل الخير في ظمأ وشوق لمجيء منهج جديد، ~~فكان من الواجب - مادام قد جاء رسول - أن يرهف الناس آذانهم لما جاء به، ~~فيوضح الحق أنه أرسل رسولا جاء على فترة، فإن كنتم أهل خير فمن الواجب ~~أن تلتمسوا ما جاء به من منهج، وأن ترهفوا آذانكم إلى ما يجيء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لسماع مهمته ورسالته. وقد أرسل الله إليهم الرسول على ~~فترة حتى يقطع عنهم الحجة والعذر فلا يقولوا: { ما جآءنا من بشير ~~ولا نذير } فقد جاءهم - إذن - بشير وجاءهم نذير. والبشير هو المعلم ~~أو المخبر بخير يأتي زمانه بعد الإخبار. ومادام القادم بشيرا فهو يشجع ~~الناس على أن يرغبوا في ms2463 منهج الله ليأخذوا الخير. ولا بد من وجود فترة ~~زمنية يمارس فيها الناس المنهج، ولا بد أيضا أن توجد فترة ليمارس من لم ~~يأخذ المنهج كل ما هو خارج عن المنهج ليأتي لهم الشر. مثال ذلك قول ~~الأستاذ: بشر الذي يذاكر بأنه ينجح. وعند ذلك يذاكر من الطلاب من ~~يرغب في النجاح، أي لابد من وجود فترة حتى يحقق ما يوصله إلى ما يبشر به. ~~وكذلك النذارة لا بد لها من فترة حتى يتجنب الإنسان ما يأتي بالشر. { ~~قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من ~~الرسل أن تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد ~~جاءكم بشير ونذير }. ومجيء " أن تقولوا " إيضاح بأنه لا توجد ~~فرصة للتعلل بقول " { ما جآءنا من بشير ولا نذير }. ويقول ~~الحق: { فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل ~~شيء قدير } وسبحانه وتعالى القدير أبدا. فقد جعل الخلق يطرأون على ~~كون منظم بحكمة وبكل وسائل الخير والحياة على أحسن نظام قبل أن يطرأ ~~هؤلاء الخلق على هذا الكون، فإذا ما طرأ الخلق على هذا الخير، أيتركهم ~~الخالق بدون هداية؟. لا. فسبحانه قد قدر على أن يوجد خلقه كلهم، ويعطي ~~لهم ما يحفظ لهم حياتهم ويحفظ لهم نوعهم. ألا يعطي الحق الخلق إذن ما ~~يحفظ لهم قيمهم؟. إنه قادر على أن يعطي رزق القوت ورزق المبادئ والقيم ~~وأن يوفي خلقه رزقهم في كل عطاء. وإرسال الرسل من جملة عطاءات الحق لعلاج ~~القيم. ثم يرجع ثانية إلى قوم موسى ولكنه في هذه المرة يجعل المتكلم ~~رسولهم: { وإذ قال موسى لقومه... }. ### || [5.20] # وساعة تسمع " إذ " فاعلم أنها ظرفية تعني " حين " كأن الحق يقول: اذكر ~~حين قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم. ويقول الحق لرسوله ذلك لأن ~~هذا اللون من الذكر يعين الرسول صلى الله عليه وسلم على تحمل ما يتعرض له ~~في أمر الدعوة والرسالة سواء من ملاحدة أو من أهل كتاب. إن الحق حينما ~~قال: { وإذ قال موسى لقومه } أي اذكر يا محمد، أو أذكر يا ms2464 ~~من تتبع محمدا، أو اذكر يا من تقرأ القرآن إذ قال موسى لقومه: يا قوم ~~اذكروا نعمة الله عليكم. ولا يقول موسى لقومه: { ياقوم اذكروا ~~نعمة الله عليكم } إلا إذا كان قد رأى منهم عملا لا يتناسب ~~مع النعم التي أنعم الله بها عليهم، وذلك - ولله المثل الأعلى - كما يقول ~~الواحد منا لولد عاق: اذكر ما فعله والدك معك. ولا يقولن الواحد منا ذلك ~~إلا وقد بدرت من الابن بوادر لا تتناسب مع مقدمات النعم ومقدمات الفضل ~~عليه. فكأن قوم موسى قد أرهقوه وتحمل منهم الكثير لدرجة أنه قال لهم على ~~سبيل الزجر ما قد يجعلهم يفيقون وينتبهون ويفطنون إلى ذكر نعمة الله ~~عليهم، ومعنى ذكر النعمة هو الاستماع إلى منهج الله وتنفيذ أوامر الحق ~~واجتناب النواهي. { وإذ قال موسى لقومه ياقوم ~~اذكروا نعمة الله عليكم } وعرفنا أن " النعمة " يقصد بها ~~الجنس والمراد بها النعم كلها، أو كأن كل نعمة على انفرادها خليقة وجديرة ~~أن تذكر وتشكر، والدليل على أن النعمة يراد بها كل النعم أن الله قال: ~~{ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها } [إبراهيم: 34] ~~ومادام عد النعمة لا نستطيع معه أن نعرف إحصاءها فهي نعم متعددة. إذن ~~فالمراد بالنعمة كل النعم لأنها اسم جنس. { وإذ قال موسى ~~لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم } وذكر ~~النعمة يؤدي إلى شكر المنعم ويؤدي أيضا إلى الاستحياء من أن نعصي من ~~أنعم، ويجعلنا نستحي أن نأخذ نعمته لتكون معينا لنا على معصيته. { ~~اذكروا نعمة الله عليكم } وهي نعم كثيرة تمتعوا بها، ألم ~~يفلق الحق لهم البحر: # اضرب بعصاك البحر # [الشعراء: 63] وبعد أن ضرب الماء بالعصا: # فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # [الشعراء: 63] فقد صار الماء السائل جبالا. وضرب لهم الحجر بأمر الله ~~فانفجرت منه المياه: # اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة ~~عينا # [البقرة: 60] إنها عجائب كثيرة تتجلى فيها قدرة الخالق الأعظم، وتبين ~~القدرة مجالات تصرفها، فقد ضرب موسى البحر فصار كل فرق كالطود العظيم، ~~وكأن الماء صار صخرا. وضرب موسى الصخر فتفجرت ms2465 المياه. إنها عجائب ~~القدرة. ألم يظللكم بالغمام؟ ألم ينزل عليكم في التيه المن والسلوى؟ وكل ~~هذه النعم ألا تستحق الذكر لله والشكر لله والاستحياء من أن تعصوه أو أن ~~ترهقوا الرسول الذي جاء لهدايتكم؟ إن كل هذه النعم تستحق الشكر، والشكر ~~ذكر. # { اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم ~~أنبيآء وجعلكم ملوكا } وكلما أدركتهم غفلة فإن الحق يرسل ~~لهم نبيا كأسوة سلوكية. ولم يغضب عليهم ولم يقل: أرسلت لهم رسولا واثنين ~~وثلاثة وأربعة. ولم يهتدوا، بل كلما عصوا الله واستعصت داءاتهم أرسل لهم ~~رسولا، مثلهم في ذلك كمثل المريض الذي لا يضن عليه عائله بطبيب أو ~~بطبيبين أو ثلاثة أو أربعة، بل كلما لاحظ عائله شيئا فإنه يرسل له ~~طبيبا. وفي ذلك امتنان لأن الله أرسل إليهم كثيرا من الرسل. وكان عليهم ~~أن يعلموا أن داءاتهم قد كثرت وصار مرضهم مستعصيا لأنه لو لم يكن المرض ~~مستعصيا لما كانوا في حاجة إلى هذه الكثرة من الأطباء والأنبياء، ومع ذلك ~~رحمهم الله وكلما زاد داؤهم أرسل لهم نبيا. ولم يكتف الحق بأن جعل فيهم ~~أنبياء بل قال: { وجعلكم ملوكا } وليس معنى ذلك أنهم كلهم ~~صاروا ملوكا ولكن كان منهم الملوك. " والملك " كلمة أخذت اصطلاحا ~~سياسيا، فكل إنسان مالك ما في حوزته مالك لثوبه، أو مالك اللقمة التي ~~يأكلها، أو مالك البيت الذي ينام فيه، لكن الملك هو الذي يملك ويملك ~~من ملك. إذن فكل واحد عنده القدرة أن يملك شيئا ويملك من ملك يكون ~~ملكا، فرجل عنده رعيان يقومون برعي القطعان من الماشية التي يملكها، ~~وعنده أناس يخدمون في المنزل وأناس يعملون في المزرعة، وعنده أكثر من ~~سائق، وعنده أناس كثيرون يأتمرون بأمره ولا يدخلون عليه إلا بإذنه ولا ~~يتكلف في لقائهم أي حرج أو مشقة، هذا الرجل لا بد أن يكون ملكا. إذن فقد ~~أعطاهم الحق نعمة وفيرة. والنبي صلى الله عليه وسلم يحدد الملكية الواسعة ~~التي تحدد الفرد تحديدا إيمانيا فقال: # " من أصبح منكم آمنا في سربه معافى في ms2466 جسده، عنده قوت يومه فكأنما حيزت ~~له الدنيا بحذافيرها ". # ومادام قد حيزت له الدنيا بحذافيرها بهذه الأشياء فهو ملك. وقد أعطاهم ~~هذه المسائل أي جعلهم ملوكا. { وآتاكم ما لم يؤت أحدا ~~من العالمين } أي أنه سبحانه أعطاهم ما لم يعطه لأحد ممن حولهم ~~ووالى عليهم ذلك العطاء، ألم يعط - سبحانه - نبي الله سيدنا سليمان وهو ~~من بني إسرائيل ملكا لا ينبغي لأحد من بعده؟ تلك الواقعة لم يقلها ~~موسى عليه السلام لأنها حدثت من بعد موسى بأحد عشر جيلا. ويقول الحق بعد ~~ذلك: { ياقوم ادخلوا الأرض... }. ### || [5.21] # وهذا بلاغ من موسى بما أوحى الله به إليه، ومتى حدث ذلك؟ نعرف أن صلة ~~بني إسرائيل بمصر كانت منذ أيام يوسف عليه السلام، وعندما جاء يوسف بأبيه ~~وإخوته وعاشوا بمصر وكونوا شيعة بني إسرائيل، ومكن الله ليوسف في الأرض ~~وعاشوا في تلك الفترة. والعجيب أن المس القرآني للأحداث التاريخية فيه ~~دقة متناهية، ولم نعرف نحن تلك الأحداث إلا بعد مجيء الحملة الفرنسية إلى ~~مصر. فعندما جاءت تلك الحملة صحبت معها بعثة علمية. وكانت تلك البعثة ~~تنقب عن المعلومات الأثرية ليتعرفوا على سر حضارة المصريين، وسر تقدم ~~العرب القديم، الذي سبق أوربا بقرون، وأخذت منه أوربا العلوم والفنون، في ~~حين صار هذا العالم العربي إلى غفلة. إن العرب المسلمين هم الذين اخترعوا ~~أشياء ذهل لها العالم الغربي، ويحكي لنا التاريخ عن هدية من أحد ملوك ~~العرب إلى شارلمان ملك فرنسا وكانت الساعة دقاقة، وظن الناس من أهل فرنسا ~~أن بهذه الساعة الدقاقة شيطانا. وفكرة تلك الساعة أن العالم الذي صممها ~~وضع فيها إناء من الماء به ثقب صغير تنزل منه القطرة بثقلها على شيء يشبه ~~عقرب الساعة، فتتحرك الساعة دقيقة واحدة من الزمن. وكانت الساعة تسير ~~بنقطة الماء. وكان ضبطها في منتهى الدقة. وحين رآها الناس في بلاط ~~شارلمان ملك فرنسا ظنوا أن بداخلها شياطين. وهذا نموذج من نماذج كثيرة لا ~~حصر لها ولا عدد تدخل في نطاق قوله الحق: # سنريهم آياتنا في ms2467 الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53] وحينما جاء الفرنسيون إلى القاهرة كان معهم تلك البعثة ~~العلمية ومعهم مطبعة، وعرض هؤلاء العلماء الفانوس السحري، وجعلوا الناس ~~البسطاء يذهلون من تقدمهم العلمي. واستترت تلك الحملة بعروض أقرب إلى " ~~الأكروبات ". وكان عمل العلماء هو البحث عن سر حضارة المصريين والمسلمين ~~لأنهم يعلمون أن الحضارة الإسلامية انتقلت إلى مصر بالإضافة إلى حضارة ~~المصريين القدماء. لقد كانوا يعرضون ألعابهم السحرية العلمية بدرب ~~الجماميز، وذلك حتى ينبهر الناس بالحضارة الفرنسية. وكان علماؤهم في ~~الوقت نفسه يكتشفون ما نقش على حجر رشيد، وهو الحجر الذي اكتشفه ضابط ~~فرنسي شاب اسمه شامبليون، وعلى هذا الحجر كتبت الكلمات الهيروغليفية. ~~واستطاع شامبليون أن يفصل أسماء الأعلام الهيروغليفية ومن خلال ذلك ~~استطاع أن يصل إلى أبجدية تلك اللغة. وكأن الله أراد أن يسخر الكافرين ~~بمنهج الله ليؤيدوا منهج الله. إن في كل لغة شيئا اسمه " منطق الأعلام " ~~ومثال ذلك أن يوجد اسم رجل أو أمير أو إنسان، فهذا الاسم مكون من حروف لا ~~تتغير، مثال ذلك نأخذه من اللغة الإنجليزية كان اسم رئيس وزراء انجلترا ~~في وقت من الأوقات هو " تشرشل " هي كلمة إذا ترجمناها ترجمة حرفية لم تدل ~~على صاحبها ولم تعرفنا به لأننا عندما نترجمها نكتفي بكتابة الاسم ~~بالحروف العربية بدلا من اللاتينية. # إذن فالأعلام لا يتغير نطقها. وكشف شامبليون عن الحروف التي لم تتغير. ~~واهتدى إلى فك طلاسم حروف اللغة الهيروغليفية فعرف كيف يقرأ المكتوب على ~~حجر رشيد، واستطاع أن يقدم لنا بدايات اكتشاف تاريخ مصر القديمة. واستطاع ~~أن يقرأ اللغة المرسومة على ذلك الحجر. ولنا أن نرى عظمة القرآن حينما ~~تعرض للأقدمين.. تعرض لعاد وتعرض لثمود وتعرض لفرعون. تعرض لتلك ~~الحضارات كلها في سورة الفجر، فقال سبحانه وتعالى: # والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * والليل ~~إذا يسر * هل في ذلك قسم لذى حجر * ألم تر ~~كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد # [الفجر: 1-7] وإرم ذات العماد هي التي في الأحقاف - في الجزيرة العربية ~~- ولم ms2468 نكتشفها بعد، ولم نعرف عنها حتى الآن شيئا، وهي التي يقول عنها ~~الحق: # التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 8] ثم يتكلم بعدها عن فرعون: # وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 10] والأهرام أقيمت بالفعل على أوتاد، وكذلك المسلات المصرية ~~القديمة والمعابد. وغيرها من العجائب التي بهرت الناس في مختلف العصور. # التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 8] ثم جاء بحضارة ثمود. # وثمود الذين جابوا الصخر بالواد # [الفجر: 9] وقد رأينا هذه الحضارة التي كان الناس أثناءها ينحتون البيوت ~~في الصخر، كما رأينا حضارة مصر. وحضارة عاد هي التي لم نرها حتى الآن ولا ~~بد أن تكون مطمورة تحت الأرض. ونعرف أن الهبة الرملية الواحدة عندما تهب ~~في تلك المناطق تطمر القافلة كلها، فما بالنا بالقرون الطويلة التي مرت ~~وهبت فيها آلاف العواصف الرملية، إذن لا بد أن ننقب كثيرا لنكتشف حضارة ~~عاد. والحق تكلم عن موسى عليه السلام، تكلم - أيضا - عن المعاصرين له ~~وكان أحد هؤلاء الفراعنة، فقال سبحانه لموسى ولأخيه هارون عليهما السلام: # اذهبآ إلى فرعون إنه طغى # [طه: 43] ويذهب موسى إلى فرعون حتى يخلص بني إسرائيل من ظلم فرعون. ~~ولماذا ظلمهم فرعون؟ نحن نعرف أن كل سياسة تعقب سياسة سابقة عليها تحاول ~~أن تطمس السياسة الأولى، وتعذب من نصروا السياسة الأولى، وتلك قضية واضحة ~~في الكون. وهذا ما يتضح لنا من سيرة سيدنا يوسف الذي صار وزيرا للعزيز ~~ودعا أباه وأمه وشيعته إلى مصر، ولم تأت سيرة فرعون في سورة يوسف. وعندما ~~تكلم القرآن على رأس الدولة في أيام يوسف قال: # وقال الملك ائتوني به # [يوسف: 54] لم يقل الحق: " فرعون " على الرغم من أنه قال قبل ذلك عنه ~~إنه: " فرعون " وأيام موسى ذكر فرعون، لكن في أيام يوسف لم يأت بسيرة ~~فرعون إنما جاء بسيرة ملك. # وعندما جاء اكتشاف حجر رشيد، ظهر لنا أن فترة وجود يوسف عليه السلام في ~~مصر هي فترة ملوك الرعاة أي الهكسوس الذين غزوا مصر وأخذوا الملك ~~من المصريين وحكموهم وصاروا ملوكا، وسمي عصرهم بعصر الملوك. ms2469 وقال ~~القرآن: { وقال الملك ائتوني به }. ولم يأت بذكر لفرعون. ~~وعندما استرد الفراعنة ملكهم وطردوا الرعاة، استبد الفراعنة بمن كانوا ~~يخدمون الملوك وهم بنو إسرائيل. هكذا تتأكد دقة القرآن عندما ذكر فرعون ~~لأنه كان الحاكم أيام موسى، لكن في زمن يوسف سمي حاكم مصر باسم الملك. ~~وتلك أمور لم نعرفها إلا حديثا. ولكن القرآن عرفنا ذلك. وكانت تحتاج إلى ~~استنباط. وهي تدخل ضمن الآيات التي لا حصر لها في قوله الحق: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53] فسبحانه وتعالى بعد أن أيد موسى بالآيات وأغرق فرعون، هنا ~~قال لهم موسى: { ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي ~~كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين } [المائدة: 21] فقد انتهت المهمة بتخليص بني ~~إسرائيل من فرعون، وخلصوا أهل مصر من فرعون. وكانت الدعوة لدخول الأرض ~~المقدسة. وكلمة الأرض إذا أطلقت صارت علما على الكرة الجامعة. ووردت ~~كلمة " الأرض " في قصة بني إسرائيل في مواضع متعددة لمواقع متعددة. فها ~~هوذا قول الله في آخر سورة الإسراء: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض # [الإسراء: 104] فهل هناك سكن إلا الأرض؟ إن أحدا لا يقول: اسكن كذا إلا ~~إذا حدد مكانا من الأرض لأن السكن بالقطع سيكون في الأرض، فكيف يأتي ~~القول: { اسكنوا الأرض }؟ والشائع أن يقال: اسكن المكان الفلاني ~~من المدن، مثل: المنصورة أو أريحا، أو القدس. وقوله الحق: { اسكنوا ~~الأرض } هو لفتة قرآنية، ومادام الحق لم يحدد من الأرض مسكونا خاصا، ~~فكأنه قال: ذوبوا في الأرض فليس لكم وطن، وانساحوا في الأرض فليس لكم ~~وطن، أي لا توطن لكم أبدا، وستسيحون في الأرض مقطعين، وقال سبحانه: # وقطعناهم في الأرض أمما # [الأعراف: 168] وحين يأتي القرآن بقضية قرآنية فلنبحث أأيدتها القضايا ~~الكونية أم عارضتها؟ القضية القرآنية هنا هي تقطيع بني إسرائيل في الأرض ~~أمما، أي تفريقهم وتشتيتهم ولم يقل القرآن: " أذبناهم " بل قال: " ~~قطعناهم " وتفيد أنه جعل بينهم أوصالا ولكنهم مفرقون في البلاد. وعندما ~~نراهم في أي بلد نزلوا فيها نجد أن لهم حيا مخصوصا، ms2470 ولا يذوبون في ~~المواطنين أبدا، ويكون لهم كل ما يخصهم من حاجات يستلقون بها، فكأنهم ~~شائعون في الأرض وهم مقطعون في الأرض ولكنهم أمم، فهناك " حارات " وأماكن ~~خاصة لليهود في كل بلد. حدث ذلك من بعد موسى عليه السلام، لكن ماذا كان ~~الأمر في أيام موسى؟ قال لهم الحق: { ادخلوا الأرض المقدسة ~~التي كتب الله لكم } أي بعد رحلتكم مع فرعون اذهبوا إلى ~~الأرض التي كتبها الله لكم. # ونلحظ هنا أن كلمة " الأرض المقدسة " فيها تحييز وتحديد للأرض. ولكن ما ~~معنى " مقدسة "؟ المادة كلها تدل على الطهر والتطهير. ف " قدس " أي ~~طهر ونزه، ومقدسة يعني مطهرة. والألفاظ حين تأتي تتوارد جميع المادة ~~على معان متلاقية. ففي الريف المصري نجد ما نسميه " القدس " أو " ~~القادوس " وهو الإناء الذي يرفع به الماء من الساقية، وكانوا يستعملونه ~~للتطهير، فالقادوس في الريف المصري هو وعاء الماء النظيف. وعندما يقال: " ~~مقدسة " أي مطهرة. إن من أسماء الحق " القدوس " ، ويقال: " قدس ~~الله " أي نزه " ، فالله ذات وليست كذات الإنسان، وله سبحانه صفات منزهة ~~أن تكون كصفاتك، وهو سبحانه له أفعال، ولكن قدسه وطهره منزهة أن تكون ~~كأفعالك. فذات الحق واجبة الوجود وذات الإنسان ممكنة الوجود لأن ذات ~~الإنسان طرأ عليها عدم أول، ويطرأ عليها عدم ثان، وهو سبحانه واجب ~~الوجود لذاته، والإنسان واجب لغيره وهو قادر سبحانه أن ينهي وجود العبد. ~~ولله حياة وللإنسان حياة، لكن أحياتك أيها الإنسان كحياة الله؟ لا. إن ~~حياته سبحانه منزهة وذاته ليست كذاتك، وصفاته ليست كصفاتك، فأنت قادر ~~قدرة محدودة وله سبحانه طلاقة القدرة، وهو سبحانه سميع والعبد سميع لكن ~~سمع البشر محدود وسمعه سبحانه لا حدود له. إذن فصفاته مقدسة، ولذلك ~~فعندما تسمع أنه سبحانه سميع عليم فليس سمعه كسمعنا، وله فعل غير فعلنا. ~~وعندما يقول الحق: إنه فعل، ففعله منزه عن التشبيه بفعل البشر لأن البشر ~~من خلق الله، وفعل البشر معالجة، ويكون للفعل بداية ووسط ونهاية ويفرغ من ~~الأحداث على قدر الزمن. ونحن نحمل الأشياء في أزمان ms2471 متعددة ويحتاج من ~~يحمل الأشياء إلى قوة. ولكن فعل الحق مختلف، إنه فعل ب " كن " لذلك قال: # ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب # [ق: 38] أي أنه سبحانه وتعالى منزه عن التعب، فهو يقول: { كن ~~فيكون } ولذلك قلنا في مسألة الإسراء: إننا يجب أن ننسب الحدث إلى ~~الله لا إلى محمد صلى الله عليه وسلم، حتى نعرف أن الذين عارضوا رسول ~~الله في مسألة الإسراء كانوا على خطأ فقد قالوا: أنضرب لها أكباد الإبل ~~شهرا وتدعي أنك أتيتها في ليلة؟! إن رسول الله لم يدع لنفسه هذا الأمر، ~~لأنه لم يقل: " سريت من مكة إلى بيت المقدس " حتى تقولوا: " أنضرب لها ~~أكباد الإبل شهرا وتدعي أنك أتيتها في ليلة ". لكن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قال: أسري بي. أي أنه صلى الله عليه وسلم ليس له فعل في الحدث. # والفعل إذن لله. ومادام هو من فعل الله فهو لا يحتاج إلى زمن لذلك كان ~~يجب أن يفهموا على أي شيء يعترضون. ولكنا نعرف أن الله سبحانه وتعالى ~~أراد لهم أن يفهموا على تلك الطريقة لأنه سيأتي أناس من المتحذلقين ~~المعاصرين ويقولون: " إن الإسراء كان بالروح " نقول لهم: بالله لو قال ~~محمد للعرب: أنا سريت بروحي أكانوا يكذبونه؟ تماما مثلما يقول لنا قائل: ~~" أنا كنت في نيويورك الليلة ورأيتها في المنام " فهل سيكذبه أحد؟ لا. ~~إذن لقد كذب العرب لأنهم فهموا أنه أسري به بمعنى كامل.. أي كان ~~الإسراء بالجسد والروح معا، بدليل أنهم قارنوا فعلا بفعل، وحدثا بحدث، ~~ونقلة بنقلة، وقالوا قولهم السابق. لقد جاءت هذه المسألة لتخدم الإسلام. ~~إذن ف " قدوس " يعني مطهر ومنزه. وساعة ترى شيئا مخالفا لقضية العقل ~~اقرنه بفعل الله، ولا تقرنه بفعلك أنت أيها العبد لأن الفعل يتناسب مع ~~قوة الفاعل طردا أو عكسا. فإن كان الفاعل صاحب قدرة قوية. فزمنه أقل. ~~مثال ذلك: نقل أردب من القمح من مكان إلى مكان، فإن كان الذي يحمل الأردب ~~طفلا فلن ms2472 ينقل الأردب إلا قدحا بقدح وإن كان رجلا ناضجا سينقل الأردب " ~~كيلة بكيلة ". وإن كان صاحب قوة كبيرة قد ينقل الأردب كله مرة واحدة. إذن ~~فالزمن يتناسب مع القوة تناسبا عكسيا. فإن كثرت القوة قل الزمن. وهات أي ~~فعل بقدرة الله فلن يستغرق أي زمن. إذن قدس الله في كل شيء. والأرض ~~المقدسة هي المطهرة، وذلك بإرادة الحق سبحانه، تماما كما أراد سبحانه أن ~~تكون بقعة من الأرض هي الحرم، لا يتم فيها الاعتداء على صيد أو نبات أو ~~اعتداء بعضكم على بعض، وهل ذلك كلام كوني أو كلام تشريعي؟ # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا # [العنكبوت: 67] لو كانت المسألة إرادة كونية، فكان لا بد ألا يحدث خلل ~~أبدا وألا يعتدي أحد على أحد. وما الفرق بين الكوني والتشريعي؟ إن ~~الكوني يقع لأنه لا معارض في الأمور القهرية، فالحق يريد أن يكون عبدا ~~طويل القامة، فتلك إرادة كونية تحدث ولا دخل للعبد بها. ولكن إن أراد ~~الحق أن تكون طائعا مصليا، فتلك إرادة تشريعية. والإرادة تكون تشريعية ~~فيما إذا كان للمريد اختيار، يصح أن يفعلها ويصح ألا يفعلها لكن الإرادة ~~الكونية هي فيما لا إرادة للإنسان فيه وواقع على رغم أنف الإنسان. والله ~~سبحانه وتعالى يريد الحرم آمنا. وتلك إرادة تشريعية لأنه حدث أن أهيج فيه ~~أناس ولم يأمنوا. ولو كانت إرادة كونية لما حدثت أبدا. لذلك فهي إرادة ~~تشريعية، فإن أطعنا ربنا جعلنا الحرم آمنا، وإن لم نطعه فالذي لا يطيع ~~يهيج فيه الناس ويفزعهم ويخيفهم. # فمراد الله عز ومطلوبه شرعا " أن يكون الحرم آمنا ". { ادخلوا ~~الأرض المقدسة التي كتب الله لكم } فهل هذه الأرض ~~المقدسة كتبها الله لهم كتابة كونية أو كتابة تشريعية؟ إن كانت كتابة ~~كونية لكان من اللازم أن يدخلوها ولكنه قال: # فإنها محرمة عليهم # [المائدة: 26] إذن هي إرادة تشريعية وليست إرادة كونية. فإن أطاعوا أمر ~~الله وتشجعوا ودخلوا الأرض المقدسة فإنهم يأخذونها، وإن لم يطيعوه فهي ~~محرمة عليهم. إذن فلا تناقض بين أن يقول سبحانه: ms2473 إنه كتبها لهم، ثم قوله ~~من بعد ذلك: إنها محرمة عليهم، لقد كتبها سبحانه كتابة تشريعية. فإن ~~دخلوها بشجاعة ولم يخافوا ممن فيها واستبسلوا ووثقوا أن وراءهم إلها ~~قويا سيساندهم فإنهم سيدخلونها، أما إن لم يفعلوا ذلك فهي محرمة عليهم. ~~{ ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا ~~خاسرين } [المائدة: 21] وجاءت الأرض هنا أكثر من مرة: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض # [الإسراء: 104] وعرفنا مراد ذلك القول. والدقة هنا أنه سبحانه جاء بأمر ~~السكن في الأرض لبني إسرائيل أي في الأرض عموما ومحكوم عليهم أن يكونوا ~~قطعا ومشردين. # فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا # [الإسراء: 104] أي أنه سبحانه يجمعهم من كل بلد ويجيء بعد ذلك وعد ~~الآخرة الذي جاء في أول سورة الإسراء: # وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن ~~في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا # [الإسراء: 4] لأن الحق حينما قال: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله # [الإسراء: 1] أي أنه سبحانه وتعالى يدخل بهذه الآية المسجد الأقصى في ~~مقدسات الإسلام. وأوضح الحق لهم: يا أيها اليهود أنتم ستعيشون في مكان ~~بعهد من رسولي، ولكنكم ستفسدون في المكان الذي تعيشون فيه وسيتحملكم ~~القوم مرة أو اثنتين وبعد ذلك يسلط الله عبادا له يجوسون خلال دياركم ~~ويشردونكم من هذه البلاد. والحق يبلغنا: نحن أعلمنا بني إسرائيل في ~~كتابهم ما سيحدث لهم مع الإسلام: # وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن ~~في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا ~~جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي ~~بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا ~~مفعولا # [الإسراء: 4-5] وبعض الناس يقولون: إن هذا كان أيام بختنصر ونقول لهم: ~~افهموا قول الحق: { فإذا جآء وعد أولاهما } وكلمة " وعد " لا ~~تأتي لشيء يسبق الكلام بل الشيء يأتي من بعد ذلك. إذن فلم يكن ذلك في ~~زمان بختنصر. ف " إذا " الموجودة أولا هي ظرف لما يستقبل من الزمان، ~~أي بعد أن جاء هذا ms2474 الكلام. ثم هل كان بختنصر يدخل ضمن عباد الله؟. إن ~~قوله الحق: { عبادا لنآ } مقصود به الجنود الإيمانيون، وبختنصر هذا ~~كان فارسيا مجوسيا. # وهذا القول الحكيم يشير إلى الفساد الأول مع رسول الله بعد العهد الذي ~~أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أجلاهم. وهل هي تقتصر على هذه؟ ~~يقول سبحانه: # فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ ~~أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا ~~مفعولا # [الإسراء: 5] ولنا أن نسأل: وهل لم يفسد بنو إسرائيل في الأرض إلا ~~مرتين؟. لا، لولا أنهم لم يفسدوا في الأرض سوى مرتين، لكان ذلك بالقياس ~~إلى مافعلوه أمرا طيبا فقد أفسدوا أكثر من ذلك بكثير. ولابد أن يكون ~~إفسادهم في الأرض المقصودة هو الفساد الذي صنعوه بالأرض التي كانت في ~~حضانة الإسلام، وسبحانه قد قال: { بعثنا عليكم عبادا لنآ ~~أولي بأس شديد } فمادام يوجد " عباد الله " خالصوا الإيمان ~~وأعدوا العدة فلا بد أن يتحقق وعد الله، لكن إذا ما تخلى الناس عن هذا ~~الوصف فعلى الناس الذين يعانون من إفساد بني إسرائيل أن يتلقوا ما قاله ~~الله: # ثم رددنا لكم الكرة عليهم # [الإسراء: 6] فكأن الكرة لا ترد إلا إذا كان القوم المؤمنون على غير ~~مطلوب الإيمان. فإذا ما تساءل بعض المؤمنين: ولماذا تجعل يا الله ~~الكرة لبني إسرائيل؟. تكون الإجابة: لأنكم أيها الناس قد تخلفتم عن ~~مطلوب العبودية الخالصة لله. ومادمنا قد تخلفنا عن مفهوم " عباد الله " ~~فلا بد أن تحدث لنا تلك السلسلة الطويلة التي نعرفها من عدوان بني ~~إسرائيل. ونحن الآن في مواجهة اليهود في مرحلة قوله الحق: # ثم رددنا لكم الكرة عليهم # [الإسراء: 6] فإذا كنا عبادا لله فلن يتمكنوا منا. والله سبحانه وتعالى ~~حينما يتكلم بقضية قرآنية فلا بد أن تأتي القضية الكونية مصدقة لها. ولو ~~استمر الأمر دون كرة من اليهود علينا، بينما نحن قد ابتعدنا عن منهجنا ~~وأصبح كل يتبع هواه، لكانت القضية القرآنية غير ثابتة. ولكن لا بد من أن ~~تأتي أحداث الكون مطابقة للقضية ms2475 القرآنية. ولذلك رأينا أن بعض العارفين ~~الذين نعتقد قربهم من الله حينما جاء أحدهم خبر دخول اليهود بيت المقدس ~~سجد لله. فقلنا: " أتسجد لله على دخول اليهود بيت المقدس ". فقال: نعم. ~~صدق ربنا لأنه قد قال: { وليدخلوا المسجد كما دخلوه ~~أول مرة } هكذا قال الحق، وهل يكون دخول لثاني مرة إلا إذا كان ~~هناك خروج من أول مرة؟. لقد حمد ذلك العارف بالله ربنا لأن قضايا القرآن ~~تتأكد بالكونيات، فإذا ما قال الحق: # رددنا لكم الكرة # [الإسراء: 6] فليست المسألة أنهم لكونهم يهودا لا يعطيهم الله ~~الكرة. ولكن القضية هي أننا عندما نكون عبادا لله حقيقة.. اعتقادا ~~وسلوكا.. قولا وعملا ننتصر عليهم. # ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم ~~بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا # [الإسراء: 6] وهم أغنياء لأنهم يديرون معظم حركة المال في العالم ~~المعاصر. # ولأنهم جميعا في الجيش المدافع عن دولتهم. وذلك معنى بنين وأكثر نفيرا. ~~النفير هو ما يستنفره الإنسان لنجدته لأن قوة ذاته قاصرة عن الفعل. ~~واليهود ليسوا قوة ذاتية بمفرد دولتهم، ولكن وراءهم أهم قوى في العالم ~~المعاصر. إذن فقوله الحق: # وأمددناكم بأموال # [الإسراء: 6] قول صدق وحق. وقوله الحق: # وبنين # [الإسراء: 6] قول صدق وحق. وقوله الحق: # وجعلناكم أكثر نفيرا # [الإسراء: 6] قول صدق وحق. ثم بعد ذلك يحسم الله قضيته ويقول لليهود: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها # [الإسراء: 7] وهل تستمر الكرة يا رب؟. لا. فها هوذا الحق سبحانه يقول: # فإذا جآء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم # [الإسراء: 7] كأن الحق يعطينا البشارة بأننا سننتصر ويكون الانتصار ~~مرهونا بتنفيذ القاعدة التي شرعها الله بأن نكون عبادا لله حقا، عندئذ ~~سيكل الله لنا تنفيذ وعده لليهود: # ليسوءوا وجوهكم # [الإسراء: 7] وأشرف ما في الإنسان هو الوجه، وعندما نكون عبادا لله ~~سنسوء وجوههم، وفوق ذلك: # وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ~~وليتبروا ما علوا تتبيرا # [الإسراء: 7] ولم يأت الحق بذكر المسجد من قبل، فها هوذا قوله الكريم: # وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن ~~في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا ~~جآء وعد ms2476 أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي ~~بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا ~~مفعولا # [الإسراء: 4-5] إذن فالحق هنا لم يأت بذكر المسجد في أول مرة. فكيف يكون ~~دخولنا المسجد إذن؟. لقد دخلنا المسجد الأقصى أول مرة في الامتداد ~~الإسلامي في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه. والمسجد الأقصى أيام عمر ~~بن الخطاب لم يكن في نطاق بني إسرائيل، ولكن كان في نطاق الدولة ~~الرومانية، فدخولنا المسجد أول مرة لم يكن نكاية فيهم. ولكن الحق جاء ~~بالمرة الثانية هنا والمسجد في نطاق سيطرة بني إسرائيل. # وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة # [الإسراء: 7] سنكون نحن إذن عبادا لله ذوي البأس الشديد الذين ~~سندخل المسجد الأقصى كما دخلناه أول مرة، وجاء الحق سبحانه بالمسجد هنا ~~لأن دخول المسجد أول مرة لم يكن إذلالا لليهود، فقد كانت السلطة ~~السياسية في ذلك الزمن تتبع - كما قلنا - الدولة الرومانية. ويضيف الحق ~~من بعد ذلك: # وليتبروا ما علوا تتبيرا # [الإسراء: 7] وحتى نتبر ما يعلونه - أي نجعله خرابا - لابد أن تمر ~~مدة ليعلوا في البنيان. وعلينا أن نعد أنفسنا لنكون عبادا لله لنعيش وعد ~~الآخرة وقد جعلها الله وعدا تشريعيا، فإذا عدنا عبادا لله فسندخل ~~المسجد ونتبر ما علوا تتبيرا، والحق سبحانه وتعالى في آيات سورة المائدة ~~التي نحن بصدد خواطرنا عنها يأتي بلقطة عن بلاغه لسيدنا موسى بعد خروجه ~~مع قومه من مصر، فقال: { ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة ~~التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين } [المائدة: 21] وقلنا إن الكتابة هنا تشريعية ~~وليست كونية، فلو كان الأمر كونيا لدخلوا الأرض المقدسة بدون عقبات ~~وبدون صراع وبدون قتال. # والدليل على أن الكتابة تشريعية هو قوله الحق: { ولا ترتدوا ~~على أدباركم فتنقلبوا خاسرين } أي أنكم إن ارتددتم ~~على أدباركم انقلبتم خاسرين. فإن أطعتم الله ودخلتم الأرض دون إدبار، ~~فستدخلون الأرض، وإن لم تفعلوا فلن تدخلوها. إذن ليست كتابة الأرض هنا ~~كونية، ولكنها تشريعية. وقوله الحق: { ولا ترتدوا على ~~أدباركم } يشرح لنا طبيعة مواجهة الخصم فالإنسان ms2477 حين يواجه خصمه ~~فهو يواجهه بوجهه. فإن فر الخصم من أمامه فهو يولي أدباره. والتولي على ~~الأدبار يكون على لونين: لون هو الإدبار من أجل أن ينحرف الإنسان إلى ~~جماعة وفئة لتشتد قوتهم ويقووا على هزيمة العدو أو يصنع مكيدة ليعيد ~~مواجهة الخصم، ولون آخر وهو الفرار وذلك مذموم، ومن المعاصي الموبقات ~~المهلكات. وفي ذلك يقول الحق سبحانه: # ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ~~أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله # [الأنفال: 16] فالارتداد على الأدبار ليس مذموما إن كان من أجل حيلة أو ~~صنع كمين للعدو. وفي هذه الحالة لا بأس أن يرتد الإنسان، أما خلاف ذلك ~~فهو مذموم. وهل الارتداد على الأدبار رجوع بالظهر إلى الوراء مع الاحتفاظ ~~بالوجه في مواجهة الخصم؟. أو هو التفات بالوجه ناحية الدبر وفرار من ~~العدو؟. كلا الأمرين يصح. وقد جاء الأمر إلى بني إسرائيل بعدم الفرار ~~ليدخلوا الأرض فماذا كان موقفهم مادامت الكتابة لهذا الأمر تشريعية؟. ### || [5.22] # كيف إذن يعلنون هذا التمرد على أمر الحق؟. وكيف علموا أن فيها قوما ~~جبارين؟. ولنا أن ننتبه إلى أن الحق قد قال من قبل: # وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا # [المائدة: 12] فقد ذهب النقباء أولا وتجسسوا ونقبوا وعرفوا قصة هذه ~~الأرض المقدسة، وأن فيها جماعة من العمالقة الكنعانيين. وساعة رأوا هؤلاء ~~القوم، قالوا لأنفسهم: هل سنستطيع أن نقاوم هؤلاء الناس؟ إن ذلك أمر لا ~~يصدق لذلك لن ندخلها ما داموا فيها. إذن فقد تخاذلوا وارتدوا على ~~أدبارهم. { قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين }. ~~وساعة أن تسمع كلمة " جبار " تجدها أمرا معنويا أخذ من المحسات ~~فالجبارة هي النخلة التي لا تطولها يد الإنسان إذا أراد أن يجني ثمارها. ~~وعندما تكون ثمار النخلة في متناول يد الإنسان حين يجني ثمارها فهي دانية ~~القطوف، أما التي لا تطولها يد الإنسان لحظة الجني للثمار فهي جبارة ~~لذلك أخذ هذا المعنى ليعبر عن الذي لا يقهر فسمي جبارا، وقد يكون الجبار ~~مكرها ولكن على الإصلاح، وفي بلادنا نطلق على ms2478 من يصلح كسور العظام " ~~المجبراتي ". أي أنه يجبر العظام على أن تعود إلى مكانها الطبيعي. وقد ~~يتألم الإنسان من ذلك، ولكن في هذا إصلاح لحياة الإنسان. و " الجبار " ~~اسم من أسماء الله لأنه سبحانه يقهر ولا يقهر. وقد يكرهنا سبحانه ~~وتعالى حتى يصلحنا. ويختبرنا بالابتلاءات حتى يمحصنا وتستوي حياتنا. إذن ~~ف " الجبار " صفة كمال في الحق لأنه يستعمل جبروته في الخير ويقهر ~~الظالمين والمعاندين والمكابرين، وذلك لمصلحة الأخيار الطيبين. وهو ~~سبحانه وتعالى لا يقهر. فعندما يكون في صف جماعة فإن أحدا لا يغلبهم، ~~أما الجبار كصفة في الخلق فهي مذمومة لأن التجبر هنا بدون أصالة كالبناء ~~الأجوف. فالمتجبر قد يصيبه قليل من الصداع فيرقد متوجعا. إننا نرى أمثلة ~~لذلك في حياتنا، نجد المتجبر يصاب بأزمة قلبية فيحمل على نقالة إلى ~~المستشفى، ونجد جبارا آخر يصاب بقليل من المغص، فيجري وهو ممسك ببطنه ~~فيضحك عليه الأطفال. ويقولون له ما معناه: العب بعيدا فلست جبارا ولا ~~فتوة ولا أي شيء. والجبار إن أراد أن يكون كذلك فعليه أن يكون صاحب رصيد ~~مستمر، فلا تراه يوما غير جبار. ولا يكون التجبر صفة ذاتية إلا لله ~~سبحانه وتعالى. ويقول الحق: { وإنا لن ندخلها حتى ~~يخرجوا منها } وساعة نسمع " لن " تسبق الفعل فلنعرف أنها للنفي. ~~والنفي قد يأخذ زمنا طويلا، وقد يأخذ زمنا تأبيديا. والفرق بين ~~الدخول فقط والدخول التأبيدي، أن الدخول الأول له زمن ينهيه، والدخول ~~الثاني لا زمن له لينهيه كدخول المؤمنين الجنة. وإذا عين الدخول بغاية ~~كقولهم: { وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها } أي ~~أن النفي التأبيدي مرتبط بغاية وهي خروج القوم الجبارين. والتأبيد هنا ~~إضافي لأنهم قالوا: إنهم لن يدخلوا الأرض في مدة وجود الجبارين. { فإن ~~يخرجوا منها فإنا داخلون } ونقول: وهل الأمم التي تخطو ~~إلى الشر وتمارسه يمتنع فيها وجود عناصر الخير؟. لا لأن الحق يبقي بعضا ~~من عناصر الخير حتى لا ينطمس الخير، وهذا ما يوضحه الحق في بني إسرائيل ~~عندما قالوا لموسى هذا القول، فقد خالفهم رجلان منهم: ms2479 { قال رجلان ~~من الذين... }. ### || [5.23] # وهما رجلان يخالفان النكوص عن أمر الله، بينما بنو إسرائيل - كمجموع - ~~لم يفهموا عن الله حق الفهم لأنهم لو نفذوا أمر الله لهم بالدخول إلى ~~الأرض المقدسة ولم ينكصوا لمكنهم الله من ذلك. لكن لم يفهم عن الله فيها ~~إلا رجلان. وهما كالب، ويوشع بن نون، أحدهما من سبط يهوذا والآخر من سبط ~~افرايم، وهما ابنا يوسف عليه السلام، فقد قالا: مادام الله قد كتب لكم ~~الدخول، فهو لا يطلب منا إلا قليلا من الجهاد. فحين يأمر الله الإنسان ~~بعمل من الأعمال، فيكفيه أن يتوجه إلى العمل اتجاها والمعونة من الله. ~~وسبحانه يقول للعبد: # " أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في ~~نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر ~~تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني ~~يمشي أتيته هرولة ". # فإذا كان الشأن في المشي أن يتعب الذاهب والسائر، فالله لا يريد أن يرهق ~~بالمشي من يقصده ويطلبه لذلك يهرول فضله ورحمته - سبحانه - إلى العبد. ~~فالرغبة الأولى أن يكون العمل لك أنت أيها العبد. ومن عظائم فضل الله أنه ~~فعل ونسب إليك. وسبحانه يسعد بالعبد الساعي إليه. وأضرب هذا المثل - ولله ~~المثل الأعلى - لنفترض أنك أردت أن تمسك سيفا، لماذا لا تحلل المسألة؟. ~~السيف الذي تمسكه، صنعته من الحديد، والحديد استخرجته من الأرض. والحق ~~قال: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس # [الحديد: 25] إن الحق هو الذي أنزل الحديد، وهو الذي علمنا كيف نصقل ~~الحديد ونشكله بالنار: # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم # [الأنبياء: 80] وأنا أريد من علماء وظائف الأعضاء أن يحددوا لنا ساعة أن ~~يمسك الإنسان بشيء وليكن السيف. فبأي عضلة يمسك الإنسان السيف؟. وكيف ~~يأمرها الإنسان بذلك؟. وكم عضلة وكم خلية عصبية تحركت من أجل أداء هذا ~~الفعل؟. على الرغم من أن الإنسان بمجرد إرادته أن يمسك شيئا. فهو يمسك ~~به. والإنسان إذا ما ms2480 مشى خطوة واحدة، فبأي العضلات بدأ المشي. إن الإنسان ~~عندما يحرك ذراعا آليا في جهاز آلي يصمم عشرات الوصلات والأدوات ~~والدورات الكهربية من أجل تحريك ذراع آلي، فكم إذن من عضلات في الإنسان ~~تتحرك بالسير لخطوة واحدة؟ إن الكثير جدا من أجهزة الإنسان تتحرك بالسير ~~لخطوة واحدة. إن الكثير جدا من أجهزة الإنسان تتحرك لمجرد الإرادة ~~منه!!. فإذا كانت إرادة الإنسان تفعل لمجرد أن يريد سواء أكانت هذه ~~الإرادة هي الإمساك بالسيف أم حتى المشي لخطوة واحدة، أم حتى الإمساك ~~بالقلم بين الأصابع للكتابة. # فليعلم الإنسان أن الإرادة عطاء من الله والإنسان لا يستطيع تحديد مواقع ~~إرادته من جسده فما بالنا بالحق حين يريد أمرا؟ ولنعد إلى الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها الآن: { قال رجلان من الذين ~~يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب ~~فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } [المائدة: 23] لقد أنعم الله ~~على هذين الرجلين بحسن الفهم عن الله، فقالا لبني إسرائيل: ساعدوا أنفسكم ~~بدخول هذه الأرض وسينصركم الله. ومثل الرجلين كمثل الأم التي طلب منها ~~ابنها أن تدعو له بالنجاح، فقالت الأم لابنها: سأدعو لك ولكن عليك فقط أن ~~تساعد الدعاء بالإقبال على الاستذكار. وكأن الخوف من مخالفة أمر الله ~~نعمة على هذين الرجلين، وكأن الفهم عن الله لعباراته نعمة. { ادخلوا ~~عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون } ~~كأنهم بمجرد الدخول سيغلبون هؤلاء العمالقة. فلم يطلب منهم قتال هؤلاء ~~العمالقة. بل ساعة يراهم القوم الجبارون يدخلون عليهم فجأة فسوف يذهلهم ~~الرعب. وهم عندما نسجوا الأساطير حول هذه القصة قالوا: إن أحد هؤلاء ~~العمالقة واسمه عوج بن عناق خرج إلى بستان خارج المدينة ليقطف بعض الثمار ~~لرئيسه فخطف اثنين من هؤلاء الناس وخبأهما في كمه، وألقاهما أمام رئيسه ~~وهو يقدم الفاكهة إليه وقال الرجل العملاق لرئيسه: هذان من الجماعة التي ~~تريد أن تدخل مدينتنا. هذه هي المبالغة التي صنعها خوفهم من هؤلاء ~~العمالقة، برغم أن رجلين منهما أحسنا الفهم عن الله بقولهما: { ~~ادخلوا عليهم ms2481 الباب } لأن هذا هو مراد الله، وهو الذي يحقق ~~لهم النصر. وبعض المفسرين قالوا في شرح هذه الآية: إن الرجلين اللذين ~~قالا ذلك ليسا من بني إسرائيل لأن هؤلاء المفسرين فهموا القول الحكيم: { ~~قال رجلان من الذين يخافون } قالوا هما رجلان من الذين ~~يخاف منهم بنو إسرائيل، وقالا لبني إسرائيل: لا يخيفكم ولا يرهبكم عظم ~~أجسام هؤلاء فإن جنود الله ستنصركم: # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31] ويختتم الحق الآية بهذا التذييل: { وعلى الله ~~فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } أي لا تتوقفوا عند حساب العدد ~~في مواجهة العدد، والعدة في مواجهة العدة، ولكن احسبوا الأمر إيمانيا ~~لأن الله معكم { إن تنصروا الله ينصركم }. وهو سبحانه ~~القائل: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173] وعلى المؤمن بالله أن يضع هذا الإيمان في كف قوته. فإن ~~كان هؤلاء الناس من بني إسرائيل المأمورين بدخول تلك الأرض مؤمنين بحق ~~فليتوكلوا على الله. فماذا قال هؤلاء القوم: { قالوا ياموسى... ~~}. ### || [5.24] # كأن خلاصة قولهم لموسى عليه السلام: لا ترهق نفسك معنا ووفر عليك جهدك ~~فنحن لن ندخل هذه الأرض، مادام هؤلاء العمالقة فيها. وإن كنت مصرا على ~~دخولنا هذه الأرض فاذهب أنت وربك فقاتلا ونحن بانتظاركما هنا قاعدون. ~~هكذا بلغ بهم الخوف أن سخروا من موسى ورب موسى. وهكذا وصل بهم الاستهزاء ~~إلى تلك الدرجة المزرية. ولم يكن ذلك بالأمر الجديد عليهم فقد قالوا من ~~قبل: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153] ومن قبل ذلك أيضا عبدوا العجل. فماذا يقول موسى: { قال ~~رب إني لا... }. ### || [5.25] # وكان هارون أخا لموسى عليه السلام ومرسلا مثله فكأن موسى عليه السلام ~~قد أعلن عدم ثقته في هؤلاء القوم الذين أرسله الله إليهم حتى ولا يوشع ~~بن نون ولا كالب، وهما الرجلان اللذان قالا لبني إسرائيل: إنه يكفي دخول ~~الباب لتهزموا هؤلاء الناس العمالقة. لكن أكانت نفس أخيه مملوكة له؟ أم ~~أنه قال ما فحواه: إني لا أملك إلا نفسي وكذلك أخي لا يملك إلا نفسه، أما ~~بقية القوم فقد سمعت منهم يارب ms2482 أنهم لم يدخلوا هذه الأرض مادام بها هؤلاء ~~العمالقة. إذن فأنا وأخي في طرف وبقية القوم في طرف آخر لذلك افصل بيننا ~~وبين هؤلاء القوم الفاسقين. والحق سبحانه وتعالى في هذا التعبير القرآني ~~يأتي بهذه الكلمات على لسان سيدنا موسى والتي تحتمل أن يرق لها قلب واحد ~~من أتباع موسى عليه السلام فيقول لموسى: إنني معك. ولذلك جاء قول موسى: { ~~فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين }. ومعنى الفاسقين ~~- كما عرفنا - هم من خرجوا عن الإيمان، كما تفسق الرطبة فالبلحة عندما ~~ترطب فإن قشرتها تتسع عن حجمها فتخرج الرطبة من قشرتها ويقال فسقت ~~الرطبة فكأن الإيمان كالجلد والجلد كالقشرة. وهو كغلاف يحيط بالإنسان. ~~وعندما يفسق الإنسان عن الإيمان فهو يخرج عن قانون الصيانة، وكذلك كان ~~فسق بني إسرائيل لذلك قال الحق: { قال فإنها محرمة... }. ### || [5.26] # فهل كان التحريم مدته أربعون عاما؟ أو أنه قال: " إنها محرمة عليهم " ~~وانتهى الأمر لأنهم تأبوا على أن يدخلوها؟. ولذلك فكل الذين قالوا: " ~~لن ندخلها أبدا ماداموا فيها " لم يعش منهم أحد ليدخل هذه الأرض. وبعد ~~ذلك صدر الحكم الآتي: { أربعين سنة يتيهون في الأرض } ~~فهل هذا القول هو استئناف للقول السابق فيكون ظرفا ل " محرمة ". أو ~~هو حكم منفصل؟. تصح هذه، وتصح تلك. والتيه هو كما نقول: فلان تاه أي سار ~~على غير هدى ولا يعرف لنفسه مدخلا ولا مخرجا، والواحد عندما يدخل في ~~مجال متشعب المسالك ومتعرج الطرقات، فهو لا يعرف كيفية الخروج منه، هذا ~~هو التيه. ولكن كم فرسخا هي مساحة التيه؟. حددها العلماء بستة فراسخ ~~[والفرسخ قدر ثلاثة أميال]. كيف يتيهون في تلك المساحة الضيقة من الأرض؟ ~~لقد أراد الله ذلك لأنهم ساعة يمشون ويرهقون فينامون ويأتي عليهم الصباح ~~ليجدوا أنفسهم عند النقطة التي بدأوا منها، وكانوا يضعون العلامات لإيضاح ~~الطريق، لكنهم كل صباح كانوا يجدون العلامات قد انتقلت من مكانها. وظلوا ~~على هذا الوضع وفي هذا التيه إلى الأمد والوقت الذي حدده الله وهو أربعون ~~سنة يتيهون في الأرض. وحين يؤدب الله ms2483 عاصيا يحفظ له من القوت والرزق ما ~~يبقى به حياته ولو كان كافرا لأنه سبحانه هو الذي استدعاهم إلى الوجود، ~~ولهذا لم يضن عليهم في التيه بما لم يضن به على الكافرين به سبحانه. ~~إذن حفظ الحياة أمر ضروري. وعنما يرتكب إنسان ما ذنبا كبيرا في حق ~~المجتمع فإننا نضعه في السجن، ولكننا نطعمه ونسقيه، وعندما يرتقي المجتمع ~~الإنساني، فهو يوفر للسجين عملا يتناسب مع مواهبه ويحبس عنه حرية ~~الحركة في المجتمع، والسجين المذنب يظل في السجن، ولكنه يأكل ويشرب وينام ~~ويعمل، فقط تختلف المسألة في النقطة المهمة في الحياة وهي أن يتحرك ~~المتحرك وفق حريته، فما بالنا بالحق الأعظم عندما سجنهم في التيه؟. لقد ~~أطعمهم الله وسقاهم وأنزل عليهم المن والسلوى. وقد يقول قائل: إن ~~الله قد أنزل عليهم المن والسلوى ليعيشوا كسالى وغرقى في التكبر ~~والغرور. ونقول: لا. فذلك الإجراء الإلهي من ضمن حكمه البالغة أن يطيل ~~عليهم الوقت. فلو أنه سبحانه وتعالى قد جعلهم يزرعون ويحرثون لانشغلوا ~~بأمور الحياة اليومية، لكن الحق أراد أن يطيل عليهم الإحساس بالزمن. ~~فالمسألة ليست طعاما وشرابا. ولكن هناك كرامة فوق الطعام وفوق الشراب. ~~إننا نرى ذلك عندما نسمع عن اعتقالات لبعض الأفراد الذين أساءوا للمجتمع. ~~وتسمح لهم السلطات بالطعام الذي يأتيهم من منازلهم. ولكن هؤلاء ~~المعتقلين يشعرون بالضيق من تقييد الحركة. # إذن أراد الحق لهم عقابا صارما في فترة التيه. ولذلك نجد بعضهم يحسب ~~المسألة والزمن في فترة التيه، فيقول الواحد منهم ما ذكره الحق: # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ~~فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه ~~هارون اخلفني في قومي # [الأعراف: 142] وبعد أن رحل موسى عن القوم عبدوا العجل الذي صنعه لهم ~~موسى السامري، وعاد إليهم موسى وعاتب أخاه هارون العتاب القاسي، وعاقبهم ~~ربهم على كفرهم أربعين سنة. كأن كل يوم من عبادة العجل صار سنة من العقاب ~~في التيه. ولأنه رب ورحيم لم يتركهم دون أن يحفظ لهم حياتهم بالقوت، ~~فكان القوت هو المن والسلوى. هل كان ms2484 موسى عليه السلام معهم في التيه ~~أم لا؟ وهل مات معهم في التيه أم لا.؟ تلك أسئلة لا تهمنا الإجابة عنها ~~بالرغم من أن بعض العلماء قد شغلوا أنفسهم بها فتلك أمور لا تنفع ولا ~~تضر. المهم أن بني إسرائيل لم يدخلوا أريحا إلا على يد يوشع بن نون بعد ~~الأربعين سنة: # قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق ~~بيننا وبين القوم الفاسقين * قال فإنها ~~محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ~~فلا تأس على القوم الفاسقين # [المائدة: 25-26] ولنا أن نقرأ هذا القول الحكيم كما يلي: { قال رب ~~إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا ~~وبين القوم الفاسقين * قال فإنها محرمة ~~عليهم }. وهذا الوقف يعطينا الفهم بأن الأرض المقدسة صارت محرمة ~~عليهم إلى الأبد. وبعد ذلك يأتي أمر الله بعقابهم في التيه أربعين سنة: { ~~أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على ~~القوم الفاسقين }. أما لو قرأنا هذا القول الحكيم كما يلي: { ~~قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق ~~بيننا وبين القوم الفاسقين * قال فإنها ~~محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض ~~فلا تأس على القوم الفاسقين } فهذه القراءة تتيح لنا ~~الفهم بأن مدة العقوبة لهؤلاء القوم الفاسقين أربعون سنة في التيه. ~~ودخلوا بعدها مدينة أريحا. ويأمر الحق موسى ألا يحزن على هؤلاء القوم ~~الفاسقين، ذلك أن موسى عليه السلام عندما دعا الله بقوله: { فافرق ~~بيننا } انتابه قدر من الضيق من هذا الدعاء وقال لنفسه: لماذا لم ~~أدع لهم بالهداية بدلا من أن أدعو بالفراق؟، ولذلك قال له الحق: { ~~فلا تأس على القوم الفاسقين } أي فلا تحزن عليهم لأنهم ~~أولى بالعذاب لفسقهم ومخالفاتهم. ومن بعد ذلك يقول الحق: { واتل ~~عليهم نبأ... }. ### || [5.27] # وساعة يتلو الإنسان - أي يقرأ - فهو يتكلم بترتيب ما رآه من صور ذلك أن ~~الإنسان عندما يرى أمرا أو حادثة فهو يرى المجموع مرة واحدة، أو يرى كل ~~صورة مكونة للحدث منفصلة عن غيرها. وعندما يتكلم الإنسان فهو يرتب ~~الكلمات، كلمة من ms2485 بعد كلمة، وحرفا من بعد حرف إذن فالمتابعة والتلاوة ~~أمر خاص بالكلام. { واتل عليهم نبأ ابني ءادم ~~بالحق } والنبأ هو الخبر المهم، فنحن لا نطلق النبأ على مطلق الخبر. ~~ولكن النبأ هو الخبر اللافت للنظر. مثال ذلك قوله الحق: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم # [النبأ: 1-2] إذن فكلمة " نبأ " هي الخبر المهم الشديد الذي له وقع وأثر ~~عظيم. { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق } وساعة ~~نسمع قوله الحق: " بالحق " فلنعلم أن ذلك أمر نزل من الحق فلا تغيير فيه ~~ولا تبديل. ولذلك قال سبحانه: # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل # [الإسراء: 105] أي أن ما أنزل من عند الله لم يلتبس بغيره من الكلام، ~~وبالحق الجامع لكل أوامر الخير والنواهي عن الشر نزل. وعندما يقول ~~سبحانه: { واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق } ~~فسبحانه يحكي قصة قرآنية تحكي واقعة كونية. ومادام الله هو الذي يقص فهو ~~سيأتي بها على النموذج الكامل من الصدق والفائدة. ولذلك يسميه سبحانه " ~~القصص الحق ": # إن هذا لهو القصص الحق # [آل عمران: 62] ويسميه سبحانه: # نحن نقص عليك أحسن القصص # [يوسف: 3] وسبحانه يقول: { واتل عليهم نبأ ابني ءادم ~~بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم ~~يتقبل من الآخر } ونعرف أن آدم هو أول الخلق البشري، وأن ابني ~~آدم هما هابيل وقابيل، كما قال المفسرون. وقد قرب كل منهما قربانا. ~~والقربان هو ما يتقرب به العبد إلى الله، و " قربان " على وزن " فعلان ~~". فيقال: " كفر كفرانا " و " غفر غفرانا ". وهي صيغة مبالغة في ~~الحدث. وهل قدم الاثنان قربانا واحدا أم أن كلا منهما قدم قربانا ~~خاصا به؟ مادام الحق قد قبل من واحد منهما ولم يتقبل من الآخر فمعنى ~~ذلك أن كلا منهما قدم قربانا منفصلا عن الآخر لأن الله قبل قربان ~~واحد منهما ولم يتقبل قربان الآخر. و " القربان " مصدر. والمصادر في ~~التثنية وفي الجمع وفي التذكير والتأنيث لا يتغير نطقها أو كتابتها. فنحن ~~نصف الرجل بقولنا: " رجل عدل " وكذلك " امرأة عدل " و " رجلان عدل " و " ~~امرأتان عدل " و " رجال ms2486 عدل " و " نساء عدل ". إذن فالمصدر يستوي فيه ~~المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث. # ونعلم أن آدم هو أول الخلق الآدمي، وجاءت له حواء وذلك من أجل اكتمال ~~زوجية التكاثر لأن التكاثر لا يأتي إلا من ذكر وأنثى: # ومن كل شيء خلقنا زوجين # [الذاريات: 49] فكل موجود أراد له الحق التكاثر فهو يخلق منه زوجين. # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم # [يس: 36] ونرى ذلك حين نقوم بتلقيح النخلة من طلع ذكر النخل. وهناك بعض ~~الكائنات لا نعرف لها ذكرا وأنثى إما لأن الذكر غير موجود تحت أعيننا، ~~ولكن يوجد على بعد والريح هي التي تحمل حبوب التلقيح: # وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السمآء ماء # [الحجر: 22] فتأتي الريح بحبوب التلقيح من أي مكان لتخصب النبات، وإما ~~أن الذكورة والأنوثة يوجدان معا في شيء واحد أو حيز واحد، مثال ذلك عود ~~الذرة حيث نجد ذكورته وأنوثته في شيء واحد فقمة العود فيها الذكورة ~~ويخرج من كل " كوز " ذرة قدرا من الخيوط الرفيعة التي نسميها " الشوشة ~~". وهذه هي حبال الأنوثة. وينقل الهواء طلع الذكورة من سنبلة الذرة إلى " ~~الشوشة " ، وكل شعرة تأخذ من حبوب اللقاح كفايتها لتنضج الحبوب، وعندما ~~تلتصق أوراق كوز الذرة ولا تسمح بخروج الخيوط الرفيعة لحبال الأنوثة، ولا ~~تصلها حبوب اللقاح، فيخرج كوز الذرة بلا نضج وبلا حبوب ذرة. وعندما نمسك ~~بكوز الذرة ونفتحه قد نجد بعضا من حبوبه ميتة وهي تلك التي لم تصلها حبوب ~~اللقاح لأنها لم تملك خيطا من الحبال الرفيعة لتلتقط به حبوب اللقاح. ~~وحبة الذرة التي لم يخرج لها خيط رفيع لالتقاط حبوب اللقاح لا تنضج. ~~إذن فكل شيء فيه الذكورة والأنوثة. # سبحان الذي خلق الأزواج كلها # [يس: 36] وكذلك قوله: { وأنه خلق الزوجين الذكر ~~والأنثى }. وكل ما يقال له شيء لا بد له من ذكر وأنثى، حتى المطر لا ~~بد أن يلقح فلو لم يتم تلقيح المطر بالذرات لما نزل المطر، وحتى الحصى ~~فيه ذرات موجبة وذرات سالبة. وعندما اخترعنا الكهرباء واكتشفنا الموجب ms2487 ~~والسالب ارتحنا. إذن فعندما يقول الحق: # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون # [الذاريات: 49] وقوله سبحانه: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36] وهذا أول علم للعرب، فلم يكونوا من قبل القرآن أمة علم. وقد ~~أوصل القرآن كل العلم للعرب حتى فاقوا غيرهم، عندما أخذوا بأسباب الله، ~~لكن عندما تراخوا وواصل غيرهم الأخذ بالأسباب تقدمت الاكتشافات، وهذه ~~الاكتشافات نجدها مطمورة في القرآن: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36] إذن فكل ما يجد ويحدث ويكتشف من شيء فيه موجب وسالب أي ذكورة ~~وأنوثة يدخل في نطاق: # ومما لا يعلمون # [يس: 36] والإنسان سيد الوجود لا بد له من زوجين ذكر وأنثى للتكاثر لا ~~للإيجاد، أما الإيجاد فهو لله سبحانه وتعالى الذي أوجد كل شيء من لا ~~شيء. # وعندما جاء آدم وحواء وبدأ اللقاح والتكاثر أخذ عدد سكان الأرض في ~~النمو. ولو أننا رجعنا بالأنسال في العالم كله رجعة متأخرة نجد العدد يقل ~~إلى أن يصل إلى آدم وحواء. مثال ذلك لو عدنا إلى الوراء مائة عام لوجدنا ~~تعداد مصر لا يتجاوز خمسة ملايين نسمة على الأكثر، ولو عدنا إلى الوراء ~~قرونا أكثر فإن التعداد يقل، إلى أن نصل إلى الخلق الأول الذي خلقه الله ~~وهو آدم وخلق له حواء. فالإنسان بمفرده لا يأتي بنسل. إذن عندما نجري ~~عملية الإحصاء الإنسالي في العالم ونرجع بها إلى الوراء، نعود إلى الخلق ~~الأول. وكذلك كل شيء متكاثر سواء أكان حيوانا أم نباتا. وعندما نسير ~~بالإحصاء إلى الأمام سنجد الأعداد تتزايد، وتكون القفزة كبيرة. وعندما ~~يبلغنا الحق أنه خلقنا من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونساء، فإن علم الإحصاء إنما يؤكد ذلك. والتكاثر إنا يأتي ~~بالتزاوج. والتزاوج جاء من آدم وحواء. وأراد الحق أن يرزق آدم بتوائم ~~ليتزوج كل توأم بالتوأم المخالف له في النوع من الحمل المختلف. أي يتزوج ~~الذكر من الأنثى التي لم تولد معه ms2488 في بطن واحدة. وجاء ربنا لنا بهذه ~~القصة كي يبين لنا أصل التكاثر بيانا رمزيا. أوضح سبحانه: أن التباعد ~~الزوجي كان موجودا، ولكنه التباعد الإضافي، صحيح سيكون هذا الولد أخا ~~للبنت هذه، وهذه البنت أخته لكن حين تكون مولودة مع هذا، وتأتي بطن ثان ~~فيها ذكر وأنثى، فسيكون فيها بعد إضافي، فتتزوج البنت لهذا البطن بالذكر ~~في البطن الثاني. والذكر للبطن الثاني للبنت في البطن الآخر، وهذا هو ~~البعد الإضافي الذي كان متاحا في ذلك الوقت لأن العالم كان لا يزال في ~~بداية طفولته الواهية. ونلحظ مثل هذا الأمر في الريف، حين يقول فلاح آخر: ~~" الذرة بتاعك خايب " ، يقول الفلاح الثاني: إني آخذ من الأرض التي أخذت ~~منها الذرة وأعطيها تقاوى منها، فأنا قد زرعت فدانا من ذرة، وأحجز ~~كيلتين أو ثلاثا أستخدمها تقاوى لأزرعها، فتخرج الذرة ضعيفة، فيقول ~~الفلاح الناضج: يا شيخ هات من ذرة جارك. فيكون ذرة جاري فيه شيء من ~~البعد. وبعد ذلك تصير النوعية واحدة، فيقول الفلاح الناضج: هات من بلد ~~أخرى. وبعد ذلك من بلد ثالثة، ولذلك فالتهجين والتكاثر كيف نشأ؟ من أين ~~نأتي بالتقاوى؟ كلما جئنا بها من الخارج يكون الناتج قويا. كذلك التزاوج ~~ليكون في هذه الزوجية مواهب، ولذلك فطن العربي قديما لها، ومن العجيب أن ~~هذا العربي البدوي الذي لم يشتغل بثقافة ولم نعرف له تعليما ولا علما، ~~يهتدي إلى مثل هذه الحقيقة اهتداء يجعلها قضية عامة فطرية. # ويريد أن يمدح رجلا بالفتوة، فيقول عنه: # فتى لم تلده بنت عم فيضوي # وقد يضوي سليل الأقارب # كيف اهتدى هذا الشاعر لهذه؟! وبعد ذلك يقول: # تجاوزت بنت العم وهي حبيبة إلي # مخافة أن يضوي على سليلها # أي هو يحبها، لكنه تجاوزها، حتى لا يضوي سليلها. ولذلك يقول الشاعر في ~~هذه القضية: # أنصح من كان بعيد الهم # تزويج أولاد بنات العم # فليس ينجو من ضوى وسقم # الشاعر العربي الذي ليس في أمة مثقفة ولا تعرف التهجين ولا تعرف هذه ~~الأشياء، انتبه إلى هذه المسألة، كيف؟ ms2489 إما أن يكون قد اهتدى إليها في ~~واقع الكون فوجد أن زواج القريبات ينشئ نسلا ضعيفا، وإما أن يكون ذلك ~~من رواسب الديانات السابقة القديمة والعظات الأولى التي ظل الإنسان ~~محتفظا بها، فإذا أراد الله أن يبدأ تكاثر فلا بد أن يتزوج أخ بأخته، ~~ولكن سبحانه يريد أن نتباعد، نعم أخ وأخت لكن نتباعد فنأخذ البطن ~~المختلف، ولذلك حينما جاءوا لينسبوا قصة ابني آدم قابيل وهابيل، صحيح ~~اختلفوا. مثلا " سفر التكوين " تكلم، ونحن نأخذ من " سفر التكوين " لأن ~~التغيير فيه لا يهمهم. فقد كان التغيير في المسائل التي تهمهم، كمسألة ~~نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، إنما المسائل الأخرى لا تهم، ومع ذلك ~~ففيها أيضا الكثير. إنهم يقولون: إن هابيل هو أول قتيل في الإنسانية ~~وقتله " قابيل " وبعض القصص تقول: لم يكن يعرف كيف يميته أو يقتله، ~~فالشيطان مثل له بأنه جاء بطير ووضع رأسه على حجر ثم أخذ حجرا آخر ~~فضرب به رأسه حتى قتله، فعلمه كيف يقتل، مثلما سيأتي الغراب ويعلمه كيف ~~يدفن، أما مسألة كيف يقتل هذه لم تأت عندنا، إنما كيف يدفن فقد جاءت ~~عندنا. # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ~~يواري سوءة أخيه # [المائدة: 31] فهذا هو أول من توفى وقتل، لكن كيف تقولون: إنه لم يكن ~~يعرف القتل حتى جاءه الشيطان وعلمه كيف يقتل أخاه؟ نقول: أنتم لم ~~تنتبهوا. فالحق قال: { لئن بسطت إلي يدك... }. ### || [5.28] # فقابيل - إذن - فاهم للقتل، فلا تقل إنه تعلم القتل، صحيح مسألة الدفن ~~هذه جديدة، والقصة جاءت لتثبت لنا كيف بدأ التكاثر، ليجمع الله فيه بين ~~الزوجين البعد الإضافي لأن البعد غير الإضافي غير ممكن في هذا الوقت ~~فتكون هذه بالنسبة لهذا أجنبية، وهذا بالنسبة لهذه أجنبي إلى أن يتوسع ~~الأمر، وبعد ذلك يعاد التشريع بأن الأخت من أي بطن محرمة على أخيها ~~تحريما أبديا، وبعد ذلك نتوسع في الأمر وننقله إلى المحرمات الأخريات ~~من النسب والرضاع فلا بد أن لهذه القصة أصلا. هم قالوا نقرب قربانا.. ~~لماذا؟ ms2490 " إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ". لماذا ~~يريدان أن يقربا قربانا؟ قالوا: إن أخت قابيل التي كانت في بطن معه ~~كانت حلوة وجميلة، وأخت هابيل لم تكن جميلة، فطبقا لقواعد التباعد في ~~الزوجية كان على هابيل أن يأخذ أخت قابيل، وقابيل يأخذ أخت هابيل، فحسد ~~قابيل أخاه وقال: كيف يأخذ الحلوة، أنا أولى بأختي هذه. وكان سيدنا آدم ~~مازال قريب العهد بالوحي، فقال: قربوا قربانا وانظروا. لأنه يعلم جيدا ~~أن القربان سيكون في صف التباعد. { إذ قربا قربانا فتقبل ~~من أحدهما ولم يتقبل من الآخر }. وبعض المفسرين يقول: ~~والله نحن لم نعرف طريقة التقبل هذه. نقول له: فلنبحث عن " قربان " في ~~القرأن. ننظر ما هو القربان؟ قد وردت هذه الكلمة في القرآن في أكثر من ~~موضع. قال: # الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن ~~لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار # [آل عمران: 183] والحق يقول لهم ردا عليهم: # قل قد جآءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي ~~قلتم # [آل عمران: 183] { وبالذي قلتم } ما هو؟ إنه القربان الذي ~~تأكله النار. إذن كان القربان معروفا والاحتكام إلى قربان وتأكله النار ~~علامة التقبل من السماء ويكون صاحبه هو المقرب، والقربان في مسألة ~~هابيل وقابيل لكي يعرف كل منهما من يتزوج الحلوة ومن يتزوج الأخرى، وتقبل ~~الله قربان هابيل. لكن أرضي المهزوم؟ لا، بل حسده، وهذا أول تأب على ~~مرادات الحق في تكليفه. { فتقبل من أحدهما ولم ~~يتقبل من الآخر }. وقالت لنا القصص: إن هابيل كان صاحب ضرع أي ~~ماشية وبذلك يكون عنده زبد ولبن وجبن، وحيوانات للحم، والثاني صاحب زرع ~~وقالوا: إن قابيل قدم شرار زرعه، وهابيل قدم خيار ماشيته. { ~~فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر }. { قال ~~لأقتلنك } وسبحانه قال: { أحدهما } ولم يقل قابيل أو هابيل، ~~{ إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم ~~يتقبل من الآخر }. فقوله: { قال لأقتلنك } من الذي ~~قال؟ الذي قال هو من لم يتقبل قربانه لأنه لم يحقق مراده وغرضه. # { قال لأقتلنك قال إنما يتقبل ms2491 الله من ~~المتقين }. وهل هذا الرد مناسب لقوله: " لأقتلنك "؟ نعم لأن " ~~لأقتلنك " بسبب أن قربانك قبل وقرباني لم يقبل. قال: فما دخلي أنا ~~بهذه العملية؟ الدخل في العملية للقابل للقربان، فأنا ليس لي دخل فيها، ~~وربنا لم يتقبله لأن الله لا يتقبل إلا من المتقين. وهو يعلم أنك لست ~~بمتق فلن يتقبل منك لأنك تأبيت عن حكاية الزواج بابنة البطن المخالف، ~~وهذا أول تمرد على منهج الله وعلى أمره لذلك قال هابيل: لا تلمني فأنا ~~لا دخل لي في القربان المتقبل لأن هذا من عند الله. والله لم يظلمك لأن ~~ربنا يتقبل من المتقين. وأنت لست بمتق لأنك لم ترض بالحكم الأول في ~~أن تبتعد البطون { إنما يتقبل الله من المتقين }. { ~~لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي ~~إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين } ~~[المائدة: 28] وكلمة " البسط " ضد " القبض " ، وهناك: " بسط له " ، و " ~~بسط إليه ". وتجد " بسط له كأن البسط لصالح المبسوط له. # ولو بسط الله الرزق لعباده # [الشورى: 27] ولم يقل: " إلى عباده " بل قال: " لعباده " ، إذن فالبسط ~~لصالح المبسوط له ولذلك لا يكون بإلى إلا في الشر، وشرحنا من قبل هذه ~~المسألة في قوله الحق: # إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم # [المائدة: 11] إذن فالذي يبسط لك يعطيك نفعا والذي يبسط إليك يكون النفع ~~له هو. { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا ~~بباسط يدي إليك لأقتلك }. وبينت " لتقتلني " مدلول " ~~إلي ". والعلة لا عجز عن مقابلة قوتك بقوة، لا، وإنما لأنني أخاف الله، ~~فليس في هذا تقصير في الدفاع عن نفسي لأنني أريد أن أحننك تحنينا ~~يرجعك إلى صوابك. وساعة يأتي واحد يريد أن يقتل واحدا يقول له: والله ~~لن أقاتلك لأنني أخاف ربنا. إذن فبين له أن خوفه من الله مسألة ~~مستقرة في الذهن حتى ولو كانت ضد استبقاء الحياة، وقد يعرفها في نفسه ~~لأن أخاه كان يستطيع أن يقدم دفاعا قويا، لقد رد الأمر إلى الحق ~~الأعلى. فلا تقل كان هابيل سلبيا لا. إنه ms2492 صعد الأمر إلى الأقوى ويقول ~~الحق: { إني أريد... }. ### || [5.29] # و " تبوء " أي ترجع من صفقة قتلى بأن تحمل إثم تلك الفعلة وتنال عقوبتها ~~و " إثمك " وكذلك الإثم الذي كان من أجله أنك أردت أن تقتلني لأنك تأبيت ~~على المنهج، حين لم يتقبل ربنا قربانك. فقد أثمت في عدم قبولك التباعد ~~المطلوب في الزوجية. إذن فأنت عندك إثمان: الإثم الأول: وهو رفضك وعدم ~~قبولك حكم الله ومنهجه وهو الذي من أجله لم يقبل الله قربانك، والإثم ~~الثاني: هو قتلي وأنا لا دخل لي في هذه المسألة لأن الظالم لا بد أن يأخذ ~~جزاءه. إن هابيل يقول: { إني أريد أن تبوء بإثمي ~~وإثمك } لم يتمن أن يكون أخوه عاصيا. بل قال: إن كان يعصي بهذه ~~يبوء بإثمي ويأخذ جزاءه فيكون قد تمنى وأراد له أن يعود إلى العقاب ~~ويناله إن فعل وهو لا يريده أن يفعل. { إني أريد أن تبوء ~~بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك ~~جزآء الظالمين } وجزاء الظالمين تربية عاجلة للوقوف أمام سعارات ~~الظلم من الظالمين لأن الحق لو تركها للآخرة لاستشرى الظلم، والذي لا ~~يؤمن بالآخرة يصبح محترفا للظلم، ولذلك قلنا من قبل: إن الحق سبحانه ~~وتعالى ضرب لنا ذلك المثل في سورة " الكهف " حينما ذكر لنا قصة ذي ~~القرنين: الذي آتاه الله من كل شيء سببا فأتبع سببا، وبعد ذلك بين لنا ~~مهمة من أوتي الأسباب واتبع الأسباب، وجعل قضيته في الأرض لعمارة الكون ~~وصلاحه، وتأمين المجتمع. ماذا قال: # حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين ~~حمئة # [الكهف: 86] هذا في رأي العين، فحين تكون راكبا البحر. ترى الشمس تغرب ~~في الماء، هي لا تغرب في الماء لأن الماء هو نهاية امتداد أفقك. # حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين ~~حمئة ووجد عندها قوما قلنا يذا القرنين إمآ ~~أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا # [الكهف: 86] إذن فقد خيره: إمأ ان تعمل هذا وإما أن تعمل ذاك. # قال أما من ظلم فسوف نعذبه # [الكهف: ms2493 87] ذلك هو القانون الذي يجب أن يسير في المجتمع. حتى لا أترك ~~لمن لا يؤمن بإله ولا يؤمن بآخرة أن يستشري في الظلم. فليأخذ عقابه في ~~الدنيا. # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك # [الطور: 47] أي قبل الآخرة لهم عذاب. ولذلك حين يرى الناس مصرع الظالم، ~~أو ترى الخيبة التي حدثت لهم فهم يأخذون من ذلك العظة، وجيلنا نحن عاصر ~~ظالمين كثيرين نكل بعضهم ببعض ولو مكن المظلومون منهم ما فعلوا بهم ما ~~فعله بعضهم ببعض، وأراد الحق أن يجري عذابهم أمامنا لتتضح المسألة. # قال أما من ظلم فسوف نعذبه # [الكهف: 87] ولا ينتهي أمره بذلك، وبعد ذلك يرد لمن؟ يرد لله: # ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا # [الكهف: 87] يعني عذاب الدنيا إن عذابها سيكون محتملا لأنه عذاب منوط ~~بقدرة العاجزين، إنما العذاب في الآخرة فهو بقوة القادر الأعلى: # وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى ~~وسنقول له من أمرنا يسرا # [الكهف: 88] تلك هي مهمة الله القوي المتين: إن الذي يظلم يضربه على ~~يده، والذي يحسن عمله يعطيه الحوافز. والحق يقول هنا في الآية التي نحن ~~بصدد خواطرنا عنها: { فطوعت له نفسه... }. ### || [5.30] # ولا يقال: طوعت الشيء إلا إذا كان الشيء متأبيا على الفعل، فلا تقل: أنا ~~طوعت الماء، وإنما تقول: طوعت الحديد، وقوله: { فطوعت له ~~نفسه قتل أخيه } فهل نفسه هي التي ستقتل وهي نفسه التي ~~طوعت؟ ولننتبه هنا أن الإنسان فيه ملكتان اثنتان ملكة فطرية تحب ~~الحق وتحب الخير، وملكة أهوائية خاضعة للهوى، فالملكتان تتصارعان. { ~~فطوعت له نفسه قتل أخيه } كأن النفس الشريرة الأهوائية ~~تغلبت على الخيرة، فكأن هناك تجاذبا وتصارعا وتدافعا لأن الإنسان لا ~~يحب الظلم إن وقع عليه. لكن ساعة يتصور أنه هو الذي يظلم غيره فقد يقبل ~~على ذلك. { فطوعت له نفسه } إنه لا يزال فيه بقية من آثار ~~النبوة لأنه قريب من آدم، ولاتزال المسألة تتأرجح معه، والشر من ~~الأخيار ينحدر، والشر في الأشرار يصعد. فقد تأتي لرجل طيب وتثير أعصابه ~~فيقول: إن رأيته ms2494 لأضربنه رصاصة أو أصفعه صفعتين، أو أوبخه، والشرير ~~يقول: والله إن قابلته أبصق في وجهه، أو أضربه صفعتين، أو أضربه رصاصة. ~~إذن فالشر عند الشرير يتصاعد، ويجد العملية لا تكفي للغضب عنده ~~فيصعدها. إنما نفس الخير تنفس عن غضبها وبعد ذلك ينزل عنها بكلمة، ~~ولذلك نلاحظ في سورة سيدنا " يوسف ": # إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ~~ونحن عصبة # [يوسف: 8] والعجيب أنهم جاءوا بالتعليل الذي ضدهم كي يعرفك أن الهوى ~~والغضب والحسد والحقد تقلب الموازين، { ونحن عصبة } هذه تدل على ~~أنهم أقوياء. وهي التي جعلت أباه يعقوب يعطف على الضمير. أنتم تقولون: { ~~ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا } نعم لأنه صغير، ~~وسألوا العربي: مالك تحب الولد الصغير، قال: لأن أيامه أقصر الأيام معي، ~~البكر مكث معي طويلا، فأنا أعوض للصغير الأيام التي فاتته ببعض الحب ~~وأعطيه بعض الحنان، قولهم: { نحن عصبة } هذه ضدهم، مما يدل على أن ~~الرجل ساعة تختلط عليه موازين القيم، يأتي بالحجة التي ضده ويظن أنها ~~معه! وبعد ذلك يقولون: # إن أبانا لفي ضلال مبين # [يوسف: 8] واتفقوا. فبدأوا بقولهم: # اقتلوا يوسف # [يوسف: 9] وقالوا: # أو اطرحوه أرضا # [يوسف: 9] ولأنهم أسباط وأولاد يعقوب تنازلوا عن القتل والطرح في الأرض ~~وقال قائل منهم: # لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب ~~يلتقطه بعض السيارة # [يوسف: 10] وهل يرتب أحد النجاة لمن يكرهه؟ كأن النفس مازال فيها خير، ~~فأولا قالوا: { اقتلوا يوسف } هذه شدة الغضب. أو { اطرحوه ~~أرضا } يطرحونه أرضا فقد يأكله حيوان مفترس، فقال واحد: نلقيه في ~~غيابة الجب ويلتقطه بعض السيارة، إذن فالأخيار تتنازل. { فطوعت ~~له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين ~~}. ونعرف الخسران قضية التجارة أن هناك مكسبا وهناك خسارة، و " مكسب " ~~أي جاء رأس المال بزيادة عليه، و " الخسارة " أي أن رأس المال قد قل، ~~فلماذا قتل أخاه وكان أخوه الوحيد وكان يأنس به في الدنيا؟ إن هذا حدث من ~~حكاية البنت. فقد أراد أن يأخذ أخته الحلوة ويترك الأخرى، ولما قدما ~~القربان ولم يقبل منه تصاعد ms2495 الخلاف وقتل أخاه، إذن ففقد رأس المال، ~~بينما كان يريد أن يكسب { فأصبح من الخاسرين }. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { فبعث الله غرابا... }. ### || [5.31] # ونعرف السوءة وهي ما تتكرهه النفس. وهي من " ساء، يسوء، سوءا " أي ~~يتكره، وسمينا " العورة " سوءة لأنها تتكره. { فبعث الله ~~غرابا يبحث في الأرض }. هل بعثه الله حتى يري قابيل كيف ~~يواري سوءة هابيل، أم أن الغراب هو الذي سيقول له؟ كلا الأمرين متساو ~~لأن ربنا هو الذي بعث، فإن كنت ستنظر للوسيلة القريبة فيكون الغراب، وإن ~~كنت ستنظر لوسيلة الباعث يكون هو الله فالمسألة كلها واصلة لله، وأنت حين ~~تنسب الأسباب تجدها كلها من الله. { قال ياويلتا }. ساعة تسمع ~~كلمة " يا ويلتى " يكون لها معنيان في الاستعمال: المعنى الأول للويل: هو ~~الهلاك، وإن أردنا المبالغة في الهلاك نأتي بتاء التأنيث ونقول: ويلة، ~~ولذلك عندما نحب أن نبالغ في وصف عالم نقول: فلان عالم وفلان علام وفلان ~~علامة، وتأتي التاء هنا لتؤكد المعنى، إذن فالويل: الهلاك، و " ويلة " ~~تعني أيضا الهلاك، وماذا تعني " يا ويلتى "؟ إننا نعرف أن النداء يكون ب ~~" يا " فكيف ننادي الويل والهلاك؟ وهل ينادي غير العاقل؟ نعم، ينادي ~~لأنه مادام " الويل " و " الويلة ": الهلاك. كأنك تقول: أنا لم أعد أطيق ~~ما أنا فيه من الهم والغم، ولا يخلصني فيه إلا الهلاك، يا هلاكي تعال ~~فهذا وقتك! إذن فقوله: " يا ويلتى " يعني يا هلاك تعال، والمتنبي فطن ~~لهذه المسألة وقال: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا # وحسب المنايا أن يكن أمانيا # فأي داء هذا الذي تقول فيه: يارب أرحني بالموت!! إذن فالذي يراه من ~~ينادي الهلاك هو أكثر من الموت. المعنى الأول: أنك تنادي الهلاك أن يحضر ~~ولذلك يقول الحق: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها # [الكهف: 49] إنهم يتمنون الموت وكذلك قال قابيل " يا ويلتى ". وهل ~~تأتيه الويلة عندما يطلبها؟ لا، فقد انتهت المسألة وصار قاتلا لأخيه. ~~والمعنى الثاني: أن ms2496 تأتي " يا ويلتنا " بمعنى التعجب من أمر لا تعطيه ~~الأسباب، وهناك فرق بين عطاء الأسباب وبين عطاء المسبب. فلو ظل عطاء ~~الأسباب هو المتحكم في نواميس الكون، لكان معنى هذا أن الحق سبحانه قد ~~زاول سلطانه في ملكه مرة واحدة، وكأنه خلق الأسباب والنواميس وتركها ~~تتحكم ونقول: لا. فبطلاقة القدرة خلقت الأسباب، وهي تأتي لتثبيت ذاتية ~~القدرة وقيوميتها، فيقول الحق حينما يشاء: توقفي يا أسباب. إذن فهناك ~~أسباب وهناك مسبب. والأمر العجيب لا تعطيه الأسباب. وحين لا يعطى السبب ~~يتعجب الإنسان، ولذلك يرد الأمر إلى الأصل الذي لا يتعجب منه. # وها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما جاءه الضيوف وقدم لهم الطعام ~~ورأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم ونفر منهم ولم يأنس إليهم وأوجس منهم ~~خيفة. ويقول الحق عن هذا الموقف: # فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه ~~بغلام عليم * فأقبلت امرأته في صرة فصكت ~~وجهها وقالت عجوز عقيم # [الذاريات: 28-29] وقال الحق أيضا في هذا الموقف: # وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن ~~ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71] وهنا قالت امرأة سيدنا إبراهيم: # يويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ~~إن هذا لشيء عجيب # [هود: 72] أي أن الأسباب لا تعطى، وردت إلى المسبب. أتعجبين من أمر ~~الله؟ كان لك أن تتعجبي من الأسباب لأنها تعطلت، أما حين تصل الأسباب إلى ~~الله، فلا عجب. وقال سيدنا زكريا عليه السلام مثل قولها فحين رأى السيدة ~~مريم وهو الذي كفلها، وكان يجيء لها بمطلوبات مقومات حياتها، وفوجئ بأن ~~عندها رزقا من طعام وفاكهة. فسألها: # يمريم أنى لك هذا # [آل عمران: 37] كيف يقول لها ذلك؟ لا بد أنه رأى شيئا عندها لم يأت هو ~~به، وهنا ردت عجبه لتنبهه بالحقيقة الخالدة: # هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير ~~حساب # [آل عمران: 37] ويشاء الحق أن تقولها سيدتنا مريم وهي صغيرة السن، ~~وكأنها تقول ذلك كتمهيد لأنها - كما قلنا سابقا - ستتعرض لمسألة لا يمكن ~~أن يحلها إلا المسبب، فسوف تلد بدون رجولة، وهي ms2497 مسألة عجيبة، لذلك ~~كان لا بد أن تفهم هي وأن تنطق: # هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير ~~حساب # [آل عمران: 37] وكأن الحق ينبئها ضمنا بأن عليها أن تتذكر أنها هي ~~التي قالت هذه الكلمة لأن المستقبل سوف يأتي لك بأحداث تحتاج إلى تذكر ~~هذا القول. وهي التي تذكر سيدنا زكريا عليه السلام بهذه الحقيقية. ~~ولنر دقة إشارة القرآن إلى الموقع الذي ذكرت له مريم فيه تلك الحقيقة: # هنالك دعا زكريا ربه # [آل عمران: 38] كأن ساعة سمع هذه المسألة قرر أن يدعو الله بأمنيته في ~~المحراب نفسه. وهل كان سيدنا زكريا لا يعرف تلك الحقيقة؟ كان يعرفها، ~~ولكن هناك فرق بين حكم يكون في حاشية الشعور، وبين حكم يكون في بؤرة ~~الشعور. وقول مريم لزكريا: { هو من عند الله إن الله ~~يرزق من يشآء بغير حساب } جعل القضية تنتقل من حاشية ~~الشعور إلى بؤرة الشعور. # هنالك دعا زكريا ربه # [آل عمران: 38] لماذا لم يدع ربه من البداية؟. كان سيدنا زكريا ~~سائرا مع الأسباب ورتابة الأسباب قد تذهل وتشغل عن المسبب، وعندما ~~سمع من مريم: { يرزق من يشآء بغير حساب } أراد أن يدخل من ~~هذا الباب، فدعا ربه وبشره الحق بأنه سيأتي له بذرية، وتعجب زكريا ~~مرة أخرى من هذا الأمر شارحا حالته: # وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر # [آل عمران: 40] ومادمت يا زكريا قد دعوت الله أن يهبك الذرية وقفزت ~~قضية رزق الله لمن يشاء من حاشية شعورك إلى بؤرة شعورك. فقد جاء أمر ~~الله: # كذلك قال ربك # [مريم: 9] إذن فلا بحث في الأسباب والمسببات. فهي إرادة الله. ويوضح ~~الحق حيثيات { إن الله يرزق من يشآء بغير حساب } ~~ويأتيك بالولد فيقول سبحانه: # هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 9] وكل هذه مقدمات من مريم ومن سيدنا زكريا الكفيل لها ذلك أن ~~سيدنا زكريا سوف يكون عنصرا شاهدا عندما يأتيها الولد من غير أب وتلد، ~~وهو كفيل لها، وهو الذي سيتعرض لهذا الأمر. ولماذا كل ms2498 هذا التمهيد؟ لأن ~~خرق الأسباب وخرق النواميس وخرق السنن إنما حدث في أمور أخرى غير ~~العرض، لكن عند مريم سيكون ذلك في العرض وهو أقدس شيء بالنسبة للمرأة، ~~لذلك لابد من كل هذه التمهيدات. إذن، هو أمر عجيب لكنه ليس بعجيب على ~~الله. وها هوذا قابيل يقول: { ياويلتا أعجزت أن أكون ~~مثل هذا الغراب } كأن عملية الغراب أظهرت لقابيل أنه لم يعرف ~~شيئا يفعله الطائر الذي أمامه، فها هي ذي مسألة يفعلها غراب ولا تفعلها ~~أنت يا قابيل، لقد امتلكت قدرة لتقتل بها أخاك، لكنك عاجز أن تفعل مثل ~~هذا الغراب. فقابيل لا يقولها - إذن - إلا بعد أن مر بمعنى نفسي شديد ~~قاس على وجدانه. لقد قدر على أخيه وقتله وهو لم يعرف كيف يواريه، بينما ~~عرف الغراب كيف يواري جثة غراب آخر. وهكذا أصبح قابيل من النادمين { ~~فأصبح من النادمين }. إن علينا أن ننتبه إلى الفارق بين " ~~ندم " و " ندم ". وعلى سبيل المثال: هناك إنسان قد جرؤ على حدود ~~الله وشرب الخمر بالنقود التي كان عليه أن يشتري بها طعام الأسرة. وعندما ~~عاد إلى منزله ووجد أهله في انتظار الطعام، ندم لأنه شرب الخمر، فهل كان ~~ندم الرجل على أنه عصى الله، أو ندم لأنه لم يشتر الطعام لأهله؟. لقد ندم ~~على عدم شراء الطعام وذلك ندم مرفوض، ليس من التوبة. وقد يكون هذا الشارب ~~للخمر قد ارتدى أفخر ثيابه وخرج فشرب الخمر ووقع على الأرض، وهنا ندم لأن ~~شرب الخمر أوصله إلى هذا الحال فهل ندم لأنه عصى ربه؟. أو ندم لأنه صار ~~هزأة بين الناس؟. وكذلك كان ندم قابيل، لقد ندم على خيبته لأنه لم يعرف ~~ما عرفه الغراب. ويقول الحق من بعد ذلك: { من أجل ذلك... }. ### || [5.32] # نجد الحق قال: إنه قد كتب على بني إسرائيل ما جاء بهذه الآية من قانون ~~واضح لأن معنى كلمة " من أجل " هو " بسبب " و " أجل " من أجل شرا ~~عليهم يأجله، أي جنى جناية أي من جريرة ذلك. أو من ms2499 هذه الجناية شرعنا ~~هذا التشريع: { من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض فكأنما قتل الناس جميعا }. إذن فساعة تسمع " من ~~أجل " فاعرف أنها تعني " بسبب ذلك " أو " بوقوع ذلك " أو " بجريرة ذلك " ~~أو " بهذه الجناية كان ذلك ". ولكن هل هذا الكتب خاص ببني إسرائيل؟. ~~بعض العلماء قال: إن ابني آدم ليس ابني آدم مباشرة ولكنهما من ذرية آدم ~~وهما من بني إسرائيل. ونرد: من هو إسرائيل أولا الذي نسب إليه أبناء ~~إسرائيل؟. إنه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وإبراهيم يصل إلى نوح بأحد عشر ~~أبا ويصل نوح إلى شيث، وبعد ذلك إلى آدم فهل كانت كل هذه السلسلة لا ~~تعرف كيف تدفن الميت إلى أن جاء بنو إسرائيل؟ طبعا لا ومادام الحق أوضح ~~أنه سبحانه قد بعث غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة ~~أخيه، فهذا دليل على أن هابيل هو أول إنسان تم دفنه، ومن غير المقبول ~~- إذن - أن نقول: إن الإنسان لم يعرف كيف يواري جثمان الميت إلى أن وصلت ~~البشرية إلى زمن بني إسرائيل، وأنهم هم الذين علموا البشرية ذلك! ~~ولماذا جاء الحق هنا ببني إسرائيل؟. سبب ذلك أن بني إسرائيل اجترأوا لا ~~على قتل النفس فقط بل اجترأوا على قتل النفس الهادية، وهي النفس التي ~~تحمل رسالة النبوة، ولذلك كان التخصيص، فقد قتلوا أنبيائهم الذين حملوا ~~لهم المنهج التطبيقي لأن الأنبياء يأتون كنماذج تطبيقية للمناهج حتى ~~يلفتوا الناس إلى حقيقة تطبيق منهج الله. الأنبياء - إذن - لا يأتون ~~بشرع جديد، ولكنهم يسيرون على شرع من قبلهم. فلماذا قتل بنو إسرائيل ~~بعضا من الأنبياء؟ لقد تولدت لدى بني إسرائيل حفيظة ضد هؤلاء الأنبياء. ~~ونعلم أن الإنسان الخير حين يصنع الخير ويراه الشرير الذي لا يقدر على ~~صناعة الخير فتتولد في نفس الشرير حفيظة وحقد وغضب على فاعل الخير. ~~ففاعل الخير كلما فعل خيرا إنما يلدغ الشرير، ولذلك يحاول الشرير أن ~~يزيح فاعل الخير من أمامه. وكان الأنبياء هم القدوة السلوكية، وقد قال ~~الحق عن بني ms2500 إسرائيل: # فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل # [البقرة: 91] وجاء الحق هنا ب " من قبل " هذه لحكمة لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان في عداء مع اليهود، وقد تهب عليهم الخواطر ~~الشريرة فيحاولون قتل النبي. # وقد حاولوا ذلك. مثلما أرادوا أن يلقوا عليه حجرا، ودسوا له السم، ~~ولذلك قال الله: " من قبل " أي إن قدرتكم على قتل الأنبياء كانت في ~~الماضي أما مع محمد المصطفى فلن تمكنوا منه. ويقول سبحانه: { من ~~أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل ~~نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل ~~الناس جميعا }. وهذا توضيح لإرادة الحق في تأسيس الوحدة الإيمانية ~~ليجعل من المجتمع الإيماني رابطة يوضحها قول رسول الله فيما رواه أبو ~~موسى الأشعري عنه: # " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " # وإياك أن تنظر إلى مجترئ على غيرك، بالباطل، وتقف مكتوف اليدين لأن ~~الوحدة الإيمانية تجعل المؤمنين جميعا كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو ~~تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى. فإن قتل إنسان إنسانا آخر ووقف ~~المجتمع الإيماني موقف العاجز. فهذا إفساد في الأرض، ولذلك يجب أن يقابل ~~المجتمع مثل هذا الفعل لا على أساس أنه قتل نفسا واحدة، بل كأنه قتل ~~للناس جميعا ما لم يكن قتل النفس لقصاص أو إفساد في الأرض. ويكمل الحق ~~سبحانه الشق الثاني من تلك القضية الإيمانية: { ومن أحياها ~~فكأنما أحيا الناس جميعا } ، وهذه هي الوحدة الإيمانية، ~~فمن يعتدي على نفس واحدة بريئة، كمن يعتدي على كل الناس، والذي يسعف ~~إنسانا في مهلكه كأنه أنقذ الناس جميعا. وفي التوقيع التكليفي يكون ~~التطبيق العملي لتلك القاعدة، فالذي يقتل بريئا عليه لعنة الله وغضبه ~~ويعذبه الله، وكأنه قتل الناس أجمعين، وإن نظرنا إليها من ناحية الجزاء ~~فالجزاء واحد. { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا }. وسبحانه وتعالى يريد ألا يستقبل المجتمع الإيماني مجترئا ~~بباطل على حق إلا أن يقف كل المجتمع أمامه، فلا يقف المعتدى عليه بمفرده ~~لأن الذي يجرئ أصحاب الشر هو أن يقول بعض الناس ms2501 كلمة " وأنا مالي ~~". و " الأنا مالية " هي التي تجرئ أصحاب الشرور، ولذلك اقرأوا قصة ~~الثيران الثلاثة: الثور الأسود والثور الأحمر والثور الأبيض، فقد احتال ~~أسد على الثورين الأحمر والأسود، فسمحا له بأكل الثور الأبيض. واحتال على ~~الثور الأسود فسمح الثور الأسود للأسد بأكل الثور الأحمر وجاء الدور على ~~الثور الأسود فقال للأسد: - أكلت يوم أكل الثور الأبيض. كأن الثور ~~التفت إلى أن " أنا ماليته " جعلته ينال مصرعه. لكن لو كان الثيران ~~الثلاثة اجتمعوا على الأسد لقتلوه. وهاهوذا الحديث النبوي الشريف الذي ~~يمثل القائم على حدود الله والواقع فيها: عن النعمان بن بشير رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة ~~فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من ~~الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ ~~من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم ~~نجوا ونجوا جميعا " # كذلك مثل القائم على حدود الله ومثل الواقع فيها، فكأن الحق سبحانه ~~وتعالى يقول لنا: لا تنظر إلى أن نفسا قتلت نفسا بغير حق، ولكن انظر ~~إليها كأن القاتل قتل الناس جميعا لأن الناس جميعا متساوون في حق ~~الحياة. ومادام القاتل قد اجترأ على واحد فمن الممكن أن يجترئ على ~~الباقين. أو أن يكون فعله أسوة لغيره، ومادام قد استن مثل هذه ~~السنة، سنجد كل من يغضب من آخر يقتله، وتظل السلسلة من القتلة والقتلى ~~تتوالى. والحديث النبوي يقول: # " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير ~~أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر ~~من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ". # إنه الاحتياط والدقة والقيد: { من قتل نفسا بغير نفس أو ~~فساد في الأرض } ولو كان التشريع تشريعا بشريا فمرت عليه هذه ~~المسألة يمكن ms2502 أن يستدركها بعد ذلك بشرح أو تعديل، ولكن المشرع الأعلى ~~لا يستدرك. { من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في ~~الأرض }. فكأن من قتل نفسا بنفس أو بفساد في الأرض، لا يقال عليه: ~~إنه قتل الناس جميعا، بل أحيا الناس جميعا لأن التجريم لأي فعل يعني ~~مجيء النص الموضح أن هذا الفعل جريمة، وبعد ذلك نضع لهذه الجريمة عقوبة. ~~ولا يمكن أن تأتي لواحد ارتكب فعلا وتقول له: أنا أؤاخذك به وأعاقبك ~~عليه بغير أن يوجد نص بتجريم هذا الفعل. وهناك توجد قاعدة شرعية قانونية ~~تقول: " لا تجريم إلا بنص ولا عقوبة إلا بتجريم ". أي أننا نرتب ~~العقوبة على الجريمة، أو ساعة يجرم فعل يذكر بجانب التجريم العقوبة، ~~فهل القصد هو عقاب مرتكب الجرم. لا إنما القصد هو تفظيع العقاب حتى ~~يراه كل إنسان قبل أن يرتكب الجريمة، والهدف هو منع الجريمة، ولذلك تجد ~~الحكمة البشرية القائلة: " القتل أنفى للقتل " ، وبطبيعة الحال لا يمكن ~~أن ترقى تلك الحكمة إلى قول الحق: # ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب # [البقرة: 179] لأننا يمكن أن نتساءل: أي قتل أنفى للقتل؟. وسنجد أن ~~المقصود بالحكمة ليس القتل الابتدائي ولكن قتل الاقتصاص. وهكذا نجد ~~الأسلوب البشري قد فاتته اللمحة الفعالة في منع القتل الموجودة في قوله ~~الحق: { من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ~~فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا }. # وكلمة " أحياها " لها أكثر من معنى. وبالتحديد لها معنيان: المعنى ~~الأول: أنه أبقى فيها الروح التي تحرك المادة، والمعنى الثاني: إحياء ~~الروح الإيمانية، مصداقا لقول الحق: # استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال: 24] ولنا أن نلتفت إلى أن الحق وضع الفساد في الأرض مستحقا ~~لعقوبة القتل. والفساد هو إخراج الصالح عن صلاحيته، والمطلوب منا ~~إيمانيا أن الأمر الصالح في ذاته علينا أن نبقيه صالحا، فإن استطعنا ~~أن نزيده صلاحا فلنفعل وإن لم نستطع فلنتركه على صلاحه. ولماذا جاء الحق ~~بعقاب للفساد في الأرض؟. مدلول الأرض: أنها المنطقة التي استخلف ms2503 الحق ~~فيها البشر، وساعة يقول الحق: { أو فساد في الأرض } فمعنى ذلك ~~أن كل فساد عائد على كل مظروف في الأرض. وأول مظروف في الأرض أو السيد ~~لها هو الإنسان. وعندما نفسد في الإنسان، فهذا معناه قتل الإنسان. إذن لا ~~بد أن يكون الفساد في أشياء أخرى: هي الأكوان أو الأجناس الأخرى ~~الحيوانات والنباتات والجمادات. والفساد في هذه الكائنات بكون بإخراجها ~~عن مستحوزها ملكية، كأن تسطو جماعة على بضاعة إنسان آخر، أو أن يأخذ ~~واحد ثمار زرع لأحد، أو أن يأخذ بعضا من إنتاج منجم منجنيز أو حديد أو ~~خلافه. إن الفساد نوعان: فساد في الأرض وهو متعلق بالمظروف في الأرض، ~~والمظروف في الأرض سيد وهو الإنسان، والفساد فيه قتله أو أن تسبب له ~~اختلالا في أمنه النفسي كالقلق والاضطراب والخوف. ونلحظ أن الحق سبحانه ~~قد امتن على قريش بأنه أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. إذن فمن الفساد ~~تفزيع الناس وترويعهم وهو قسمان: قسم تفزع فيه من لك عنده ثأر أو ~~بينك وبينه ضغينة أو بغض، أو أن تفزع قوما لا علاقة بينك وبينهم ~~ولم يصنعوا معك شيئا. فمن يعتدي على إنسان بينه وبينه مشكله أو عداوة أو ~~بغضاء، لا نسميه خارجا على الشريعة بأخذ حقه، ولكنه لا يستوفي في حقه ~~بيده بل لا بد من حاكم يقوم بذلك كي ينضبط الأمر ويستقيم، إنه يخرج على ~~الشريعة فقط في حالة العدوان. أما الذي يذهب للاعتداء على الناس ولم يكن ~~بينه وبينهم عداء فهذه هي الحرابة. كأن يخرج ليقطع الطريق على الناس ~~ويخيف كل من يلقاه ويسبب له القلق والرعب والخوف على نفسه وماله، ~~والمال قد يكون من جنس الحيوان أو جنس النبات أو جنس الجماد. وذلك ما ~~يسميه الشرع حرابة وستأتي لها آية مخصوصة. إذن. فالفساد في الأرض معناه ~~إخراج صالح عن صلاحه مظروف في الأرض، والمظروف في الأرض سيده الإنسان، ~~والإفساد فيه إما بقتله أو إهاجته وإشاعة الرعب فيه، وإما بشيء مملوك له ~~من الأشياء التي دونه في ms2504 الجنسية مثل الزروع أو النباتات أو الحيوانات. # فكأن الفساد في الأرض - أيضا - يؤهل لقتل النفس: { من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا }. أي أن القتل بغير إفساد في الأرض هو القتل الذي يستحق ~~العقاب. أما القتل بإفساد في الأرض فذلك أمر آخر لأن هناك فارقا بين أن ~~يقتل قصاصا أو أن يقتل حدا من المشرع وحتى عفو صاحب الدم عن ~~القاتل في الحرابة وقطع الطريق لا يشفع في ذلك ولا يسقط الحد عن الذي فعل ~~ذلك لأنها جريمة ضد المجتمع كله. ويتابع سبحانه: { ولقد جآءتهم ~~رسلنا بالبينت ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك ~~في الأرض لمسرفون } والمسرف هو المتجاوز للحد، وهو من لا ~~يأخذ قدر تكوينه وموقعه في الوجود، بل يحاول أن يخرج عن قدر إمكاناته في ~~الوجود. مثال ذلك: رجل حاول أن يسطو على حق غيره في الوجود متخطيا منزلة ~~الاعتدال فلا يأخذ حقه فقط. مثل قطاع الطريق أو النهابين يأخذون عرق ~~غيرهم وتعودوا أن يعيشوا كذلك وبراحة. والمصيبة لا تكون في قاطع الطريق ~~وحده، ولكن تتعداه إلى المجتمع. فيقال: إن فلانا يجلس في منزله براحة ~~وتكفيه ساعة بالليل ليسرق الناس. إن الأمر لا يقف عند حدود ذلك الإنسان ~~إنما يتعداه إلى غيره. ويحيا من يملك مالا في رعب، وعندما يفجع في ~~زائد ماله، يفقد الرغبة في أن يتحرك في الحياة حركة زائدة تنتج فائضا ~~لأنه لا يشعر بالأمن والأمان. وعندئذ يفقد العاجز عن الحركة في المجتمع ~~السند والعون من الذي كان يتحرك حركة أوسع. إذن من رحمة الله أنه فتح ~~أمام البشر أبواب الآمال في التملك، مادام السعي إلى ذلك يتم بطرق ~~مشروعة. ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى -: الرجل المرابي الذي ~~يقرض محتاجا مائة جنيه، كيف يطلب المرابي زيادة ممن لا يجد شيئا ~~يقيم به حياته؟ إنه بذلك يكون قد أعطى من وجد أزيد مما أخذ منه مع فقره ~~وعجزه. إن ذلك هو الإسراف عينه. ويقول الحق من بعد ذلك: { إنما ms2505 ~~جزآء الذين... }. ### || [5.33] # أول شيء في الحرب هو الاستيلاء فمعنى أن يحارب قوم قوما غيرهم أي ~~يرغبون في الاستيلاء على خيرات أو ممتلكات الطرف الآخر. فكيف يحارب قوم ~~الله وهو غيب؟. وأول حرب لله هي محاولة الاستيلاء على سلطانه، وهو ~~تشريعه. فإن حاولت أيها الإنسان أن تشرع أنت على غير منهج الله فأنت تريد ~~أن تستولي على حق الله في التشريع. وهذه أول حرب لله. والذين يحاربون ~~الله أهم الذين يريدون أن يستولوا على ملك الله؟ لا لأن يد الله في ~~ملكه أزلا، وستبقى أبدا وسبحانه لن يسلمه لأحد من عباده. فعلى ماذا - ~~إذن - يريدون الاستيلاء؟. إنهم يريدون تزييف تشريعات الله، بينما سبحانه ~~هو المشرع وحده. والتشريع - كما قلنا - هو قانون صيانة للصنعة. إذن ~~لماذا لا نترك خالق الإنسان ليضع القواعد التي تصون البشر لذلك فأول ~~افتيات يفعله الناس أنهم يشرعون لأنفسهم لأن قانون صيانة الإنسان يضعه ~~خالق الإنسان، فإذا ما جاء شخص وأراد أن يضع للإنسان - الذي هو منه - ~~قانون صيانة نقول له: إنك تستولي على حق الله. وكيف يحاربون الرسول؟. ~~نعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم له وضعان فالله غيب لكن الرسول كان ~~مشهدا من مشاهدنا في يوم من الأيام، وقد حورب بالسيف، وعندما انتقل ~~الرسول إلى الرفيق الأعلى أصبحت حربه كحرب الله، فنأخذ سلطته في التشريع، ~~وهي السلطة الثانية ونقول لها: نحن سنشرع لأنفسنا ولا ضرورة لهذا الرسول، ~~أو أن يقول نظام ما: سنأخذ من كلام الله فقط وذلك ما ينتشر في بعض ~~البلدان. ونقول لكل واحد من هؤلاء: أتؤدي الصلاة؟. فيقول: نعم. نسأله: كم ~~ركعة صليت المغرب؟. فيجيب ثلاث ركعات. نسأله: من أين أتيت بذلك؟. ومن أين ~~عرفت أن صلاة المغرب ثلاث ركعات وهي لم تذكر في القرآن الكريم؟. هنا ~~سيصمت. ونسأله: كيف تخرج الزكاة وبأي حساب تحسبها؟ فيقول: اخرج الزكاة ~~بقدر اثنين ونصف بالمائة في النقدين والتجارة مثلا. نقول له: كيف - إذن - ~~عرفت ذلك؟. وأيضا كيف عرفت الحج؟. إذن فللرسول صلى الله عليه وسلم ms2506 مهمة، ~~وحرب النبي تكون في ترك قول أو فعل أو تقرير له عليه الصلاة والسلام. ~~ومثال ذلك هؤلاء الذين يقولون: إن أحاديث رسول الله كثيرة. ونقول لهم: ~~كانت مدة رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وعشرين عاما وكل ~~كلامه حديث، فكل كلمة خرجت من فمه حديث شريف، ولو كنا سنحسب الكلام فقط ~~لكان مجلدات لا يمكن حصرها، وكل كلام سمعه وأقره من غيره حديث، وكل ~~فعل فعله غيره أمامه وأقره ولم يعترض عليه حديث، فكم تكون أحاديث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟. # وكيف يستكثر بعض الناس قدرا من الأحاديث التي وصلتنا بعد قدر هائل من ~~التنقية البالغة؟ لأنهم قالوا: لأن نبعد عن رسول الله ما قاله خير من أن ~~ندخل على رسول الله ما لم يفعله. إنهم يدعون أن هذا حفظ للإسلام ولكن ~~فاتهم أن الله حافظ دينه، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وضع ~~القواعد لغربلة الأحاديث فقال: # " من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". # وها هوذا البخاري ينقل عن المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والذين قابلوه، وسيدنا مسلم يعتبر المعاصرة كافية لأنها مظنة ~~المقابلة وتحري كل منهما الدقة الفائقة. وأي شخص كان به خدشة سلوكية لا ~~يؤخذ بقوله، ولذلك عندما حاول البعض أن ينال من الأحاديث وقال أحدهم: " ~~أنا يكفيني أو أقول لا إله إلا الله " ، تساءلت: كيف لا يذكر أن محمدا ~~رسول الله؟ وكيف يمكن أن يؤدي الأذان للصلاة؟ وكيف يؤدي الصلاة؟ وكيف ~~يمكن أن يفهم قول الحق: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه # [الحشر: 7] وهذا تفويض من الله في أن يكون لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~تشريع. وكذلك الاجتراءات على الأئمة، هم يجترئون أولا على النبي ثم ~~يزحفون على الدين كله. وجاء فيهم قول الحق: { إنما جزآء الذين ~~يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا } ~~أي يخرجون الصالح بذاته عن صلاحه ليكون فاسدا. الجزاء أن يقتلوا أو ~~يصلبوا، وهذا التفعيل في قوله: { أن يقتلوا أو ~~يصلبوا } جاء للشدة والتقوية حتى ms2507 يقف منهم المجتمع الإيماني العام ~~موقف القائم على هذا الأمر، والسلطة الشرعية قامت عن الجميع في هذا ~~الأمر، كما يقال: إن النائب العام نائب عن الشعب في أن يرفع الدعوى، حتى ~~لا ينتشر التقتيل بين الناس، دون أن يفهموا حكمة كل أمر. { أن ~~يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض }. وهل " أو " ~~هنا تخييرية، أو أن هنا - كما يقال - " لف ونشر "؟ واللف هو الطي. ~~والنشر هو أن تبسط الشيء وتفرقه. فما اللف، وما النشر - إذن -؟ مثل ذلك ~~ما يقوله الشاعر: # قلبي وجفني واللسان وخالقي.. # لقد ذكر متعدد ولكن الأحكام غير مذكورة، هذا هو اللف فجمع المبتداءت ~~دون أن يذكر لكل واحد منها خبره ثم جاء بالأحكام على وفق المحكوم عليه. ~~فأكمل بيت الشعر بقوله: # راض وباك شاكر وغفور # ولنقرأ البيت كاملا: # قلبي وجفني واللسان وخالقي # راض وباك شاكر وغفور # والحق يقول: # ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله # [القصص: 73] فقوله: { لتسكنوا فيه } راجع إلى الليل، وقوله: { ~~ولتبتغوا من فضله } راجع إلى النهار. وهنا جاء باللف. ثم جاء ~~بالنشر. والفساد - كما نعلم - له صور متعددة، فالفساد في الإنسان قد ~~يعني قتله. # أو قتله وأخذ ماله. أو الاستيلاء على ماله دون قتله. أو إثارة الرعب في ~~نفس الإنسان دون أخذ ماله أو قتله. فكأن كلمة الفساد طوي فيها ألوان ~~الفساد، نفس القتل، أو نفس تقتل مع مال يسلب ويؤخذ، أو مال يؤخذ دون ~~نفس تقتل، أو تخويف وتفزيع. ويقول الحق: { أو ينفوا من الأرض ~~} ، والنفي معناه الطرد والإبعاد، والطرد لا يتأتى إلا لثابت مستقر، ~~والإبعاد لا يتأتى إلا لمتمكن. إذن، فقبل أن ينفى لا بد أن يكون له ~~ثبوت وتمكن في موضع ما، وهو ما نسميه اصطلاحا السكن، أو الوطن، أو ~~المكان الذي يقيم به الإنسان لأنه ثابت فيه. ومعنى ثابت فيه. أي له حركة ~~في دائرته، إلا أنه يأوي إلى مكان مستقر ثابت، ولذلك سمي سكنا أي ~~يسكن فيه من بعد ms2508 تحركه في مجالاته المختلفة. ومعنى النفي على هذا هو ~~إخراجه من مسكنه ومن وطنه الذي اتخذه موطنا له وكان مجالا للإفساد فيه. ~~ولكن إلى أي مكان نخرج إليه هذا الذي نحكم عليه بالنفي؟ قد يقول قائل: ~~أنت إن أخرجته من مكان أفسد فيه وذهبت به إلى مكان آخر فقد تشيع فساده! ~~لا لأن النفي لا يتيح له ذلك الإفساد، ذلك أن التوطن الأول يجعل له إلفا ~~بجغرافية المكان، وإلفا بمن يخيفهم فهو يعرف سلوك جيرانه ويعرف كيف يخيف ~~فلانا وكيف يغتصب بضاعة آخر وهكذا. ولكنه إن خرج إلى مكان غير مستوطن فيه ~~فسوف يحتاج إلى وقت طويل حتى يتعرف إلى جغرافية المكان ومواقع الناس فيه، ~~ومواطن الضعف فيهم. وعلى ذلك يكون النفي هو منع لإفساد الفاسد. وحين ~~يقول سبحانه: { أو ينفوا من الأرض } نعرف أن كلمة " الأرض " ~~لها مدلول ونسمي الأرض الآن: الكرة الأرضية. وكانوا قديما يفهمونها على ~~أنها اليابسة وما فيها من مياه، وبعد أن عرفنا أن جو الأرض منها صار ~~جو الأرض جزءا من الأرض. ولذلك قلنا في المقدسات المكانية: إن كل جو يأخذ ~~التقديس من مكانه فجو الكعبة كعبة بدليل أن الذي يصلي في الدور الثالث من ~~الحرم ويتجه إلى الكعبة. يصلي متجها إلى جو الكعبة. ومن يستقل طائرة ~~ويرغب في إقامة الصلاة يتجه إلى جو الكعبة، وعندما ازدحم الحجيج وصار ~~المسعى لا يتسع لكل الحجيج أقاموا دورا ثانيا حتى يسعى الناس فيه. إذن ~~فالمسعى ليس هو المكان المحدد فقط، ولكن جوه أيضا له قدسية فإن بنينا كذا ~~طابقا فهي تصلح أيضا كمسعى. إذن فجو الأرض ينطبق عليه ما ينطبق على ~~الأرض. ولذلك كانوا يحرمون - قبل أن يوجد طيارون مسلمون - أن يحوم ~~في جو الحرم طيار غير مسلم لأن الطيار غير المسلم محرم عليه أن يدخل ~~الكعبة والحرم. # ومادام هناك إنسان ممنوع من دخول الكعبة فهو أيضا ممنوع من الطيران في ~~جو الكعبة. لأن جو المكان يأخذ قدسية المكان أو حكمه فالجو من ~~الأرض، ونعرف أن الغلاف ms2509 الجوي يدور مع الأرض. ومن هذا نعرف العطاءات ~~القرآنية من القائل لكلامه وهو سبحانه الخالق لكونه. ومادام القائل ~~للقرآن هو الخالق للكون، إذن لا يوجد تضارب بين حقيقة كونية وحقيقة ~~قرآنية. وإنما يوجد التضارب من أحد أمرين: إما أن نعتبر الأمر الذي لا ~~يزال في طور النظرية حقيقة في حين أنها لم تصبح حقيقة بعد وإما أن نفهم ~~أن هذا حقيقة قرآنية، على الرغم من أنه ليس كذلك، فإذا كان الأمر هو ~~حقيقة كونية بحق وحقيقة قرآنية بحق، فلا تضارب على الإطلاق. ودليل ذلك ~~على سبيل المثال قول الحق سبحانه: # ويعلم ما في الأرحام # [لقمان: 34] ويأتي العلم الحديث بالبحث والتحليل، ويقول بعض السطحيين: ~~لا، إن العلم يعرف ما في الرحم من ذكر أو أنثى. ونقول: نحن لا نناقش ذلك ~~لأنها حقيقة كونية وهي لا تتصادم مع الفهم الصحيح للحقيقة القرآنية لكننا ~~نسأل: متى يعرف العلماء ذلك؟ هم لا يعرفون هذا الأمر إلا بعد مضي مدة ~~زمنية، ولكن الحق يعلمه قبل مرور أية مدة زمنية. ثم من قال: إن الحق ~~يقصد ب { ويعلم ما في الأرحام } ذكرا أو أنثى فحسب؟ وهل ~~لمدلولها وجه واحد؟ لا، بل له وجوه متعددة فلن يعرف أحد أن ما في الرحم ~~سيكون من بعد إنسانا طويلا أو قصيرا ذكيا أو غبيا شقيا أو سعيدا ~~طويل العمر أو قصير العمر حليما أو غضوبا. فلماذا نحصر " ما " في مسألة ~~الذكر والأنثى فقط؟ إنه هو سبحانه يعلم المستقبل أزلا قبل أن يعلم أي ~~عالم وقبل أن يحصل العالم على أية عينة. ثم هل تذهب كل حامل إلى الطبيب ~~ليفحص معمليا ما الذي تحمله في بطنها؟ طبعا لا، ونحن لا نعلم ماذا في ~~بطنها ولكن الخالق الأعظم يعلم. ثم هل تذهب كل النساء الحوامل في العالم ~~لطبيب واحد؟ بالطبع لا، ولكن الخالق الأعظم يعلم ما في كل الأرحام. إذن ~~فالحقيقة القرآنية لم تصطدم بأية حقيقة كونية، لكن الصدام يحدث عندما ~~نفهم فهما خطأ أن الحقيقة القرآنية في قوله الحق: { ويعلم ms2510 ما في ~~الأرحام } مقصود به العلم بالذكر والأنثى فقط. ومثال آخر، يقول الحق: # والأرض مددناها # [الحجر: 19] ويخطئ البعض الفهم عن الله فيظن أن المقصود بذلك أن الأرض ~~بساط أمام الإنسان. وقد ثبتت للبشر حقيقة كونية هي أن الأرض كروية ~~بالأدلة خلال رحلة ماجلان ثم بالقواعد الخاصة بوضع الأعمدة وظهور أعالي ~~الأشياء قبل أسافلها وغير ذلك، ثم صارت في عصرنا مشاهدة من الأقمار ~~الصناعية. إذن هذه الحقيقة الكونية لا كلام فيها، وكان الخطأ هو فهم ~~مدلول الحقيقة القرآنية والفهم الصواب في مدلول الحقيقة القرآنية الخاصة ~~بقوله تعالى: { والأرض مددناها }إننا كلما وقفنا في مكان نجد ~~أرضا، أي أن الأرض لا نهاية لها وليس لها حافة. # إذن فسبحانه قد مد الأرض أمام الإنسان بحيث إذا سار الإنسان في أي ~~اتجاه يجد أرضا. ولا يتأتى ذلك إلا إذا كانت الأرض كروية. لهذا كان ~~الخطأ في فهم مدلول الحقيقة القرآنية لأن التضارب إنما ينشأ من فهم أنها ~~حقيقة كونية وهي ليست كذلك، أو من فهم أنها حقيقة قرآنية على نحو خاطئ، ~~إنهما لا تتعارضان، فالقائل هو الخالق عينه. ولهذا عرفنا متأخرا أن الجو ~~من الأرض وأن الغلاف الجوي يدور مع الأرض، وكنا نقول: سرنا على الأرض، ~~لكنه سبحانه قال وهو العليم: # سيروا في الأرض # [الأنعام: 11] وهو سبحانه علم أزلا أن الجو جزء من الأرض. فمهما سار ~~الإنسان على اليابسة ففوقه الغلاف الجوي. إذن فالإنسان إنما يمشي في ~~الأرض وليس على الأرض. أما إن سار الإنسان فوق الغلاف الجوي فهو يسير فوق ~~الأرض. ونعود إلى قوله الحق: { أو ينفوا من الأرض } وقد عرفنا ~~أن النفي هو الطرد والإبعاد، فأي أرض ينفون منها وإلى أي أرض؟ ولا يكون ~~الطرد إلا لمستقر ولا الإبعاد إلا لثابت. وحتى في اللغة نعرف ما يسمى ~~النفي والإثبات. وكل ذلك مأخوذ من شيء حسي فعندما نأخذ الماء من البئر ~~ننزل إلى قاع البئر دلوا، وكل دلو ينزل إلى البئر له " رشاء " وهو ~~الحبل الذي ننزل بواسطته الدلو. إننا ساعة نخرج الدلو ms2511 من البئر، يكون ~~قد أخذ من الماء على قدر سعته وحجمه. فهل لدينا حركة ثابتة نستطيع بها ~~المحافظة على استطراق الماء إلى تمام حافة الدلو؟ طبعا هذا أمر غير ممكن ~~بل نجد قليلا من الماء يتساقط من حوافي الدلو، وهذا الماء المتساقط يسمى ~~" النفي " لأننا لا نستطيع استخراج الدلو وهو ملآن لآخره بحركة ثابتة ~~مستقرة بحيث تحافظ على استطراق الماء. إن الماء - كما نعلم - له استطراق ~~دقيق إلى الدرجة التي جعلت البشر يصنعون منه ميزانا للاستواء. ومن " ~~النفي " تؤخذ معان كثيرة، فهناك " النفاية " وهي الشيء الزائد. إذن كيف ~~يكون النفي من الأرض؟ وهل نأخذ الأرض بمفهومها العام أو بمعناها الخاص؟ ~~أي الأرض التي حدث فيها قطع الطريق؟ إن أخذناها بالمعنى الخاص فالنفي ~~يكون لأي أرض أخرى. وإن أخذنا الأرض بالمعنى العام فكيف يكون النفي؟ ونرى ~~أن الحق سبحانه قد قال في موضع آخر من القرآن: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض # [الإسراء: 104] هم بلا جدال يسكنون في الأرض. وجاء هذا القول لمعنى ~~مقصود، ونعرف أننا لا نذكر السكن إلا ويكون المقصود تحييز مكان في الأرض، ~~كأن يقول قائل: " اسكن ميت غمر " أو " اسكن الدقهلية " أو " اسكن طنطا " ~~، وهذا تحديد لموقع من الأرض للاستقرار، والمعنى المقصود إذن أن الحق ~~يبلغنا أنه سيقطعهم في الأرض تقطيعا بحيث لا يستقرون في مكان أبدا. # وذلك مصداقا لقول الله: # وقطعناهم في الأرض أمما # [الأعراف: 168] فليس لهم وطن خاص. وتمت بعثرتهم في كل الأرض، وهذا ~~هو الواقع الذي حدث في الكون. أوجد لبني إسرائيل استقرار في أي وطن؟. ~~لا. وحتى الوطن الذي أقاموه بسبب وعد بلفور لم يترك الحق أمره. بل أعطى ~~وعده للمؤمنين بأن يدخلوا المسجد إذا ما أحسنوا العمل لاسترداده. ومازال ~~اليهود بطبيعتهم شتاتا في أنحاء الأرض. ولهم في كل وطن حي خاص بهم. ~~وتحتفظ كل جماعة منهم في أي بلد بذاتيتهم ولا يذوبون في غيرهم: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ~~فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا # [الإسراء: 104] وحين يأتي ms2512 بهم الحق في الجولة الآخرة سيأتون لفيفا أي ~~مجتمعين لأن الأمة المؤمنة حين يقويها الله لتضرب على هؤلاء القوم ~~ضربة لا بد أن يكونوا مجتمعين. وكأن الله قد أراد أن يكون هذا " الوطن ~~القومي " حتى يتجمعوا فيه وبعد ذلك يرسل الضربة عليهم لأنه جاء بهم ~~لفيفا لذلك لا نحزن لأنه قد صار لهم وطن، فقد جاء بهم لفيفا. ونعود إلى ~~الآية التي نحن بصددها. كيف يكون النفي من الأرض؟ حين يرد الله تحييز ~~مكان فهو يقول على سبيل المثال: # ادخلوا الأرض المقدسة # [المائدة: 21] إذن فقد نفى غيرها. وهو يقول أيضا: # يريد أن يخرجكم من أرضكم # [الأعراف: 110] وكان المقصود بها مصر. فإذا أخذنا الأرض بالمعنى العام ~~فحكمها حكم " اسكنوا الأرض ". والنفي هو صورة من صور العقوبات للإفساد، ~~والإفساد في الأرض ينقسم إلى أربعة أقسام قتل، قتل وأخذ مال، أخذ مال ~~فقط، ترويع. وقد زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وفعله في ~~سيرته، فقد جاء لنا بأمر جديد في أمر الإفساد. وكان على العلماء أن ~~يتنبهوا له، فأول نفي حصل في الإسلام كان نفي رسول الله الحكم بن أبي ~~العاص من المدينة إلى الطائف لأن الحكم - والعياذ بالله - كان يقلد ~~مشية النبي باستهزاء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مشى تكفأ ~~تكفؤا كأنما يتحدر من صبب. فقد كانت مشية النبي مشية خاصة. وعلم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحكم يقلد مشيته في استهزاء والتفت ~~النبي - ذات مرة - فجأة، فوجد الحكم يقلده في مشيته فنفاه من المدينة ~~إلى الطائف، وظل الحكم في الطائف طوال حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فلما جاءت خلافة أبي بكر الصديق، ذهب أهل الحكم إلى أبي بكر، ~~فقال: - ما كنت لأحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وذهبوا إلى عمر بن الخطاب فلم يوافق. وعندما جاءت خلافة عثمان وكان رضي ~~الله عنه حييا وخجولا فقال: لقد أخذت كلمة من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تحمل شبهة الإفراج عنه. ويفرج ms2513 عنه عثمان بن عفان رضي الله عنه. ~~وأثناء حياة الحكم في الطائف كان يربي بعض شويهات وبعض غنيمات وكان ~~يرعاها عند جبيلات الطائف. وكان لهذه المسألة آثار من بعد ذلك. فأنتم ~~تعلمون أن معاوية رضي الله عنه أنجب يزيد الذي تولى الخلافة من بعده. ~~وانتقلت الخلافة بعد يزيد لآل مروان بن الحكم. وكان خالد بن يزيد الذي ~~ترك الخلافة لمروان عالما كبيرا في الكيمياء وله أخ اسمه عبد الله، ~~وكان لعبد الله جياد يتسابق بها. وكان لولد من أولاد عبد الملك بن مروان ~~جياد أيضا، وجرت جياد عبد الله مع جياد ابن عبد الملك في مضمار سباق، ~~فلما جاءت خيل عبد الله لتسبق.. حدث خلاف بين عبد الله وابن عبد الملك ~~فنهر ابن عبد الملك عبد الله، فذهب عبد الله واشتكى لأخيه خالد. وهنا ذهب ~~خالد لعبد الملك بن مروان، وقال له: - لقد حدث من ابنك لأخي كذا وكذا. ~~وكان عبد الملك فصيحا في العرب وما جربوا عليه لحنا أبدا. وربى ~~أولاده على ألا يلحنوا في اللغة. وكان له ولد اسمه الوليد غير قادر على ~~استيعاب النطق الصحيح للغة دون لحن. فلما دخل خالد إلى عبد الملك أراد أن ~~يجد فيه شيئا يعيبه به، قال عبد الملك لخالد: أتكلمني في عبد الله وقد ~~دخل علي آنفا فلم يخل لسانه من اللحن؟ وقال خالد - معرضا بالوليد -: ~~والله يا عبد الملك لقد أعجبتني فصاحة الوليد. فقال عبد الملك: إن يكن ~~الوليد يلحن فإن أخاه سليمان لا يلحن. فقال خالد: وإن كان عبد الله يلحن ~~فإن أخاه خالدا لا يلحن. فقال عبد الملك: اسكت يا هذا فلست في العير ~~ولا في النفير. وأظن أن قصة العير والنفير معروفة. فالعير هي التي كانت ~~مع أبي سفيان وعليها البضائع من الشام وتعرض لها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم نجا بها أبو سفبان. والنفير هم الجماعة التي استنفزها أبو سفيان ~~من مكة لأنه خاف من المسلمين وكانت زعامتهم لعتبة. فالعير كانت زعامته ~~لأبي سفيان ms2514 والنفير كانت زعامته لعتبة بن ربيعة، وكان عتبة هو جد خالد ~~لأمه، وأبو سفيان هو جده لأبيه. فقال خالد: ومن أولى بالعير وبالنفير ~~مني، جدي أبو سفيان صاحب العير، وجدي عتبة صاحب النفير، ولكن لو قلت ~~غنيمات وشويهات وجبيلات وذكرت الطائف ورحم الله عثمان لكان أولى. # وأسكته. إذن. فالنفي كان أول عقاب أنزله الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~فهل ما فعله " الحكم " يعتبر فسادا؟. ونقول: إن كل فساد إنما يترتب ~~على الفساد الذي يمس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الحكم يستهزئ ~~بمشية رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يقول مشرع ما: إن السجن يقوم ~~مقام النفي ونقول: لا، إن السجن الآن فيه الكثير من الرفاهية. فقد كان ~~السجن قديما أكثر قسوة. والهدف من السجن الإبعاد لتخفيف شرور المفسد ~~وإن كان لا يبعده عن مستقره ووطنه. وذلك أمر متروك للحاكم يفعله كيف يشاء ~~وخاصة إذا لم يكن هناك أرض إسلامية متعددة. بحيث يستطيع أن ينفيه من أرض ~~إلى أرض أخرى. ويتبع الحق هذا بقوله: { ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم } وهذا القول لاحق ~~لعقاب محدد للمفسدين في الأرض المحاربين لله ورسوله وهو: { أن ~~يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض }. وهذه ~~العقوبات خزي لهم. إن كلمة " خزي " ترد في اللغة بمعنيين مرة بمعنى ~~الفضيحة، " خزي، يخزي، خزيا " ، أي انفضح، ومرة ثانية هي " ~~خزي، يخزي، خزاية وخزي " بمعنى استحى. والمعنيان يلتقيان، ~~فمادام قد افتضح أمر عبد فهو يستحي مما فعل. وتلك الأفعال خزي، كالذي ~~قطع طريقا على أناس آمنين، ونقول لمثل صاحب هذا الفعل: إن قوتك ليست ~~ذاتية بل قوة اختلاسية فلو كانت قوتك ذاتية لاستطعت أن تتأبى لحظة أن ~~يأخذوك ليقتلوك أو يصلبوك أو يقطعوا يدك ورجلك. فقد اجترأت على العزل ~~الذين ليست لهم استطاعة الدفاع عن أنفسهم، وفي هذا خزي لك. خصوصا وأنت ~~ترى من كانوا يخافونك وأنت تنال العقاب. وخزيك الآن هو مقدمة لعذاب آخر ~~في ms2515 الآخرة، فسوف تنال عذابا عظيما. { ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم }. وكل جزاء في ~~الدنيا إنما يأتي على قدر طاقات البشر في العقاب، ولكن ماذا إذا ~~وكلوا إلى طاقة الطاقات؟. ها هي ذي عدالة الحق تتجلى فهو سبحانه ~~وتعالى يفسح المجال للمسرفين على أنفسهم أولا بالتوبة لأن الله الرحيم ~~بعباده لو أخذ كل إنسان بجريرة فعلها أو عاقب كل صاحب ذنب بذنبه لاستشرى ~~في الأرض فساد كل من ارتكب ذنبا لأنه يئس من رحمة الله فتشتد ضراوته ~~وقسوته. وسبحانه فتح باب التوبة لكل من أسرف على نفسه. وإن لم توجد ~~التوبة لصار المسرف فاقدا. وهب أن واحدا من الذين فعلوا ذلك استيقظ ~~ضميره، فإن تاب قبل أن تقدروا عليه فهناك حكم، أما إن تاب بعد أن يقدر ~~عليه المجتمع فلا توبة له. ويقول الحق: { إلا الذين تابوا... ~~}. ### || [5.34] # ومادام الإنسان قد تاب وقام بتسليم نفسه دون أن يقدر عليه المجتمع فقبول ~~التوبة حق له، ويجب أن نأخذ { أن الله غفور رحيم } في ~~نطاق ما جعله الله لنفسه، أما ما جعله الله لأولياء المعتدى عليهم فلا ~~بد من العقاب للمعتدي إن طلبه أصحابه. { إلا الذين تابوا من ~~قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور ~~رحيم }. والقرآن يجعل من المنهج الإيماني عجينة واحدة. لذلك يقسم ~~المسائل إلى فصول كالتقنينات البشرية التي تبوب لذلك نجد القرآن يعامل ~~الأقضية وكأنها فرص استيقاظ للنفس لذلك يأخذ النفس إلى أمر توجيهي ~~بالطاعة. وضربنا من قبل المثل حينما تكلم القرآن عن مسائل الأسرة في سورة ~~البقرة: # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن ~~يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن ~~تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم ~~إن الله بما تعملون بصير # [البقرة: 237] ومن بعد ذلك يأتي إلى أمر الصلاة: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا ~~لله قانتين * فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذآ ~~أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا ~~تعلمون ms2516 # [البقرة: 238 - 239] وضع الله - إذن - الصلاة بين أمرين من أمور الأسرة، ~~حيث قال من بعد أمره بالحفاظ على الصلاة حتى أثناء القتال: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن ~~خرجن فلا جناح عليكم # [البقرة: 240] وجاء بأمر الحفاظ على الصلاة بين المشكلات الأسرية، وذلك ~~ليجعل الدين لبنة واحدة، وأيضا لأن النفس المشحونة بالبغضاء وزحام أمور ~~الزواج والوصية والطلاق هذه النفس عندما تقوم إلى الصلاة لله فهي تهدأ. ~~ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. فقد كان إذا حزبه ~~أمر واشتد عليه قام إلى الصلاة. إذن فالحق سبحانه وتعالى لا يأتي بأمور ~~الدين كأبواب منفصلة، باب للصلاة، وآخر للصوم، وثالث للزكاة، لا. بل يمزج ~~كل ذلك في عجينة واحدة. ولذلك فعندما أنزل بالمفسدين المحاربين لله عقاب ~~التقتيل والتصليب والتقطيع والنفي. كان ذلك لتربية مهابة الرعب في ~~النفس البشرية. وساعة يستيقظ الرعب في النفس البشرية يقول الحق: { يا ~~أيها الذين آمنوا... }. ### || [5.35] # لقد أخرجنا من جو صارم وحديث في عقوبات إلى تقوى الله. والتقوى - ~~كما نعرف - أن يجعل الإنسان بينه وبين ما يؤذيه وقاية. وعرفنا أن الحق ~~سبحانه الذي يقول { اتقوا الله } هو بعينه الذي يقول " اتقوا ~~النار " ، وعرفنا كيف نفهم تقوى الله. بأن نجعل بيننا وبين الله وقاية. ~~وإن قال قائل: إن الحق سبحانه يطلب منا أن نلتحم بمنهجه وأن نكون دائما ~~في معيته. فلنجعل الوقاية بيننا وبين عقابه. ومن عقابه النار. إذن ~~فقوله الحق: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } أي ~~أن نتقي صفات الجلال، والنار من خلق الله وجنده. وقوله سبحانه: { ~~وابتغوا إليه الوسيلة } أي نبحث عن الوصلة التي توصلنا ~~إلى طاعته ورضوانه وإلى محبته. وها هناك وسيلة إلا ما شرعه الله ~~سبحانه وتعالى؟ وهل يتقرب إنسان إلى أي كائن إلا بما يعلم أنه يحبه؟. ~~وعلى المستوى البشري نحن نجد من يتساءل: ماذا يحب فلان؟. فيقال له: فلان ~~يحب ربطات العنق فيهديه عددا من ربطات العنق. ويقال أيضا: فلان يحب ~~المسبحة ms2517 الجيدة، فيحضر له مسبحة رائعة. إذن كل إنسان يتقرب إلى أي كائن ~~بما يحب، فما بالنا بالتقرب إلى الله؟. وما يحبه سبحانه أوضحه لنا في ~~حديثه القدسي: # " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء ~~أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي ~~يبطش بها ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ~~" # فالحق سبحانه وتعالى يفسح الطريق أمام العبد، فيقول سبحانه في الحديث ~~القدسي: # " ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل " # أي أن العبد يتقرب إلى الله بالأمور التي لم يلزمه الحق بها ولكنها من ~~جنس ما افترضه سبحانه، فلا ابتكار في العبادات. إذن فابتغاء الوسيلة من ~~الله هي طاعته والقيام على المنهج في " افعل " و " لاتفعل ". والوسيلة ~~عندنا أيضا هي منزلة من منازل الجنة. والرسول صلى الله عليه وسلم طلب ~~منا أن نسأل الله له الوسيلة فقال: # " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى ~~علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة ~~في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل ~~الله لي الوسيلة حلت له الشفاعة " # ولا نريد أن ندخل هنا في مجال التوسل بالنبي أو الأولياء لأنها مسألة لا ~~يصح أن تكون مثار خلاف من أحد. # فبعضهم يحكم بكفر هؤلاء. ونقول لمن يكفر المتوسلين بالنبي أو الولي: ~~هذبوا هذا القول قليلا إن حدوث مثل هذا القول هو نتيجة عدم الفهم، ~~فالذي يتوسل إلى النبي أو الولي هو يعتقد أن له منزلة عند الله. وهل ~~يعتقد أحد أن الولي يجامله ليعطيه ما ليس له عند الله؟. طبعا لا. وهناك ~~من قال: إن الوسيلة بالأحياء ممكنة، وأن الوسيلة بالأموات ممنوعة. ونقول ~~له: أنت تضيق أمرا متسعا لأن حياة الحي لا مدخل لها بالتوسل، فإن جاء ~~التوسل ms2518 بحضرته صلى الله عليه وسلم إلى الله، فإنك قد جعلت التوسل بحبك ~~لمن علمت أنه أقرب منك إلى الله فحبك له هو الذي يشفع. وإياك أن تظن أنه ~~سيأتي لك بما لا تستحق. والجماعة التي تقول: لا يصح أن نتوسل بالنبي لأن ~~النبي انتقل إلى الرفيق الأعلى، نقول لهم: انتظروا قليلا وانتبهوا إلى ~~ما قال سيدنا عمر - رضوان الله عليه - قال: كنا في عهد رسول الله إذا ~~امتنع المطر نتوسل برسول الله ونستسقي به. ولما انتقل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، توسل بعمه العباس. وقالوا: لو كان التوسل برسول الله ~~جائزا بعد انتقاله لما عدل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عن التوسل ~~بالنبي بعد انتقاله، وذهب إلى التوسل بعم النبي. ونسأل: أقال عمر " كنا ~~نتوسل بنبيك والآن نتوسل إليك بالعباس؟ أم قال: والآن نتوسل إليك بعم ~~نبيك "؟. ولذلك فالذين يمنعون ذلك يوسعون الشقة على أنفسهم لأن التوسل ~~لا يكون بالنبي فقط ولكن التوسل أيضا بمن يمت بصلة إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم. فساعة يتوسل واحد إلى غيره يعني أنه يعتقد أن الذي توسل به لا ~~يقدر على شيء، إنني أتوسل به إلى الغير لأني أعرف أنه لا يستطيع أن ينفذ ~~لي مطلوبي. إذن فلنبعد مسألة الشرك بالله عن هذا المجال، ونقول: نحن ~~نتوسل به إلى غيره لأننا نعلم أن المتوسل إليه هو القادر وأن المتوسل به ~~عاجز. وهذا هو منتهى اليقين ومنتهى الإيمان. ولكن المتوسل به قد ينتفع ~~وقد لا ينتفع، وعندما توسل سيدنا عمر بالعباس عم النبي كان يفعل ذلك ~~من أجل المطر. والمطر في هذه الحالة لا ينتفع به رسول الله لذلك جاء ~~بواحد من آل البيت وكأنه قال: " يا رب عم نبيك عطشان فمن أجله نريد ~~المطر ". إذن فتوسل عمر بن الخطاب بعم النبي دليل ضد الذين يمنعون ~~التوسل بالنبي بعد الانتقال إلى الرفيق الأعلى. وحتى نخرج من الخلاف. ~~نقول: إن العمل الصالح المتمثل في " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " هو ~~الوسيلة الخالصة. ms2519 # وبذلك نخلص من الخلاف ولا ندخل في متاهات. { يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة ~~وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون } ولنر الإيثار ~~الإيماني الذي يريد الحق أن يربيه في النفس المؤمنة بتقوى الله التي ~~تتمثل في الابتعاد عن محارمه، وابتغاء الوسيلة إلى الله في اتباع ~~أوامره. إن الدين لم يأتك من أجل نفسك فحسب، ولكن إيمانك لن يصبح ~~كاملا إلا أن تحب لأخيك ما تحبه لنفسك، فإن كنت قد أحببت لنفسك أن تكون ~~على المنهج فاحرص جيدا على أن يكون ذلك لإخوانك أيضا. وإخوانك المؤمنون ~~ليسوا هم فقط الذين يعيشون معك، ولكن هم المقدر لهم أن يوجدوا من بعد ~~ذلك. ولذلك عليك أن تجاهد في سبيل الله لتعلو كلمة الله. وهكذا تتسع ~~الهمة الإيمانية، فلا تنحصر في النفس أو المعاصرين للإنسان المؤمن. ~~ولذلك يضع لنا الحق الطريق المستقيم ويوضحه ويبينه لنا. وكانت بداية ~~الطريق أن المؤمن بالله حينما وثق بأن لله نعيما وجزاء في الآخرة هو ~~خير مما يعيشه قدم دمه واستشهد لذلك قال صحابي جليل: أليس بيني وبين ~~الجنة إلا أن أدخل هذه المعركة فإما أن أقتلهم وإما أن يقتلوني. فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. وألقى الصحابي تمرات كان يأكلها ودخل ~~المعركة. لا بد إذن أنه قد عرف أن الحياة التي تنتظره خير من الحياة التي ~~يعيشها ومع ذلك لم يضع الله الجهاد كوسيلة في أول الأمر، بل ظل يأمرهم ~~بالانتظار والصبر حتى يربي من يحملون الدعوة. فلن يجعلها سبحانه ~~عملية انتحارية. وبعد ذلك نرى أثناء رحلة الدعوة للإسلام أن صحابيا يحزن ~~لأنه في أثناء القتال قد أفلت منه عمرو بن العاص، وأن خالد بن الوليد قد ~~هرب. وتثبت الأيام أن البشر لا يعرفون أن علم الله قد ادخر خالدا ~~وأنجاه من سيف ذلك الصحابي من أجل أن ينصر الإسلام بخالد. وكذلك عمرو بن ~~العاص قد ادخره الله إلى نصر آخر للإسلام. إذن فالجهاد في سبيل الله ~~ضمان للمؤمن أن يظل المنهج الذي آمن ms2520 به موصولا إلى أن تقوم الساعة، ~~وذلك لا يتأتى إلا بإشاعة المنهج في العالم كله. والنفس المؤمنة إذا ~~وقفت نفسها على أن تجاهد في سبيل الله كان عندها شيء من الإيثار ~~الإيماني. وتعرف أنها أخذت خير الإيمان وتحب أن توصله إلى غيرها، ولا ~~تقبل أن تأخذ خير الإيمان وتحرم منه المعاصرين لها في غير ديار الإسلام، ~~وتحرص على أن يكون العالم كله مؤمنا، وإذا نظرنا إلى هذه المسألة نجدها ~~تمثل الفهم العميق لمعنى الحياة، فالناس إذا كانوا أخيارا استفاد ~~الإنسان من خيرهم كله، وإذا كانوا أشرارا يناله من شرهم شيء. إذن فمن ~~مصلحة الخير أن يشيع خيره في الناس لأنه إن أشاع خيره فهو يتوقع أن ~~ينتفع بجدوى هذا الخير وأن يعود عليه خيره لأن الناس تأمن جانب الرجل ~~الطيب ولا ينالهم منه شر. # لأنه يحب أن يكون كل الناس طيبين وعلى ميزان الإيمان لأنهم إن كانوا على ~~ميزان الإيمان فالطيب يستفيد من خيرهم. أما إن بقي الناس على شرهم وبقي ~~الإنسان الطيب على خيره، فسيظل خير الطيب مبذولا لهم ويظل شرهم ~~مبذولا للطيب. إذن من حكمة الإيمان أن " يعدي " الإنسان الخير للغير. ~~وإن دعوة المؤمن إلى سبيل الله، ومن أجل انتشار منهج الله لا بد من ~~الإعداد لذلك قبل اللقاء في ساحات المعارك فقبل اللقاء مع الخصم في ساحة ~~المعركة لا بد من حسن الإعداد. وعندما يعد المؤمن نفسه يجد أن حركة ~~الحياة كلها تكون معه لأن الدعوة إلى الله تقتضي سلوكا طيبا، والسلوك ~~الطيب ينتشر بين البشر، وهنا يقوى معسكر الإيمان، فيرتقي سلوكا وعملا، ~~وعندما يقوى معسكر الإيمان يمكنه أن يستخرج كنوز الأرض ويحمي أرض الإيمان ~~بالتقدم الصناعي والعلمي والعسكري. والحق يقول: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس # [الحديد: 25] سبحانه أنزل القرآن وأنزل الحديد، ويتبع ذلك: # وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب # [الحديد: 25] وجاء معنى البأس من أجل ذلك، وهذا هو السبب الثاني الذي ~~أوصانا به الحق: إياكم أن تأخذوا منهج الله فقط الذي ينحصر في " افعل ms2521 ولا ~~تفعل " ولكن خذوا منهج الله بما يحمي منهج الله وهو التقدم العلمي ~~باستخراج كنوز الأرض وتصنيعها كالحديد مثلا، فسبحانه كما أنزل القرآن ~~يحمل المنهج، فقد أنزل الحديد وعلى الإنسان مهمة استنباط الحديد والمواد ~~الخام التي تسهل لنا صناعة الأجهزة العلمية ونقيم المصانع التي تنتج ~~لنا من الحديد فولاذا، ونحول الفولاذ إلى دروع، ونصنع أدق الأجهزة ~~التي تهيئ للمقاتل فرصة النصر. وكذلك ندخر المواد الغذائية لتكفي ~~في أيام الحرب. إذن حركة الحياة كلها جهاد، وإياك أن تقصر فكرة الجهاد ~~عندك على ساحة المعركة، ولكن أعد نفسك للمعركة لأنك إن أعددت نفسك ~~جيدا وعلم خصمك أنك أعددت له، ربما امتنع عن أن يحاربك. والذي يمنع ~~العالم الآن من معركة ساخنة تدمره هو الخوف من قبل الكتل المتوازنة لأن ~~كل دولة تعد نفسها للحرب. ولو أن قوة واحدة في الكون لهدمت الدنيا. ~~وقول الحق: { وجاهدوا في سبيله } نأخذه على أنه جهاد في سبيل ~~منهج الله وندرس هذا المنهج ونفهمه وبعد ذلك نجاهد فيه باللسان ~~وبالسنان، ونجاهد فيه بالكتاب ونجاهد فيه بالكتيبة. إذن فقوله الحق: { ~~وجاهدوا في سبيله } يصنع أمة إيمانية متحضرة، حتى لا تترك ~~الفرصة للكافر بالله ليأخذ أسباب الله وأسراره في الكون. فمن يعبد الإله ~~الواحد أولى بسر الله في الوجود، ولو فرضنا أنه لن تقوم حرب، لكننا نملك ~~المصانع التي تنتج، وعندنا الزراعة التي تكفي حاجات الناس، عندئذ سنحقق ~~الكفاية. وما لا تستعمله في الحرب سيعود على السلام. ويجب أن تفهموا أن ~~كل اختراعات الحياة التقدمية تنشأ أولا لقصد الحرب، وبعد ذلك تهدأ ~~النفوس وتأخذ البشرية هذه الإنجازات لصالح السلام. ومن بعد ذلك يقول الحق ~~سبحانه: { إن الذين كفروا... }. ### || [5.36] # الحق سبحانه تحدث من قبل عن العقوبات والقصاص والتقتيل والتقطيع، ثم ~~ينقلنا من هذا الجو إلى أن نتقي الله ونبتغي إليه الوسيلة ونجاهد في ~~سبيله حتى نفلح، وكان لا بد أن يأتي لنا الحق بالمقابل، فالعقاب الذي جاء ~~من قبل كقصاص وقتل هو عقاب دنيوي. ولكن ما سيأتي في الآخرة ms2522 أدهى وأمر. { ~~إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ~~ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم } [المائدة: 36] ولنا ~~أن نتصور الجماعة الكافرة التي تتكبر في الدنيا ويعتلون ويرتفعون ~~بالجبروت، فماذا عن موقفهم يوم القيامة؟. لقد أقمتم الجبروت بقوتكم على ~~غيركم، وها هي ذي القوة تضيع وتفلت. لقد كانت القوة تعيش معكم في ~~الدنيا بالأسباب الممنوحة من الله لكم. ولم تضن عليكم سنن الله أن ~~ترتقوا، وسبحانه قد خلق السنن ومن يبحث في أسباب الله، ينل نتيجة ما ~~بذل من جهد، لكن ها هوذا يوم القيامة، وها أنتم أولاء تعرفون أن الأسباب ~~ليست ذاتية. وأن قوتكم لم تكن إلا عطاء من الله. ها أنتم أولاء أمام ~~المشهد الحي، فلو أن ما في الدنيا جميعا معكم وحتى ولو كان ضعف ما في ~~الدنيا وتريدون أن تقدموه فدية لكم من عذاب جهنم فالله لا يتقبله، ~~وتلك قمة الخزي، ولن يستطيعوا تخليص أنفسهم من عذاب جهنم. وهذا ~~المشهد يجعل النفس تستشعر أن المسألة ليست لعبا ولا هزلا، ولكن هي جد ~~في منتهى الجد. وعلى الإنسان أن يقدر العقوبة قبل أن يستلذ ~~بالجريمة. والذي يجعل الناس تستشري في الإسراف على أنفسهم، أن الواحد ~~منهم يعزل الجريمة عن عقوبة الجريمة. ولو قارن الإنسان قبل أن يسرف على ~~نفسه العقوبة بالجريمة لما ارتكبها. وكذلك الذي يكسل عن الطاعة لو يقارن ~~الطاعة بجزائها لأسرع إليها. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - ~~نفترض أن إنسانا في صحراء نظر إلى أعلى الجيل ورأى شجرة تفاح، ~~واستدل على التفاح بأن رأى تفاحة عطبة واقعة على الأرض، وقال الرجل ~~لنفسه: هأنذا أرى مصارع الناس فهذا يصعد إلى الجبل فيقع من على حافته. ~~وذلك تهاجمه الذئاب. وثالث يتوه عن الطريق. كل ذلك على أمل أن في الشجرة ~~ثمارا. ولا بد لي من أن أختار الطريق السليم إلى الثمار. والطريق إلى ~~ثمار الدنيا الطاعة لمنهج الله، وهو الطريق إلى ثمار الآخرة. وأيضا: ~~الطالب المجتهد ms2523 الذي يتغلب على النعاس ويتوضأ ويصلي ويخرج إلى مدرسته ~~في برد الشتاء ليحصل الدروس. ويعود إلى المنزل لتقدم له أمه الطعام، ~~ولكنه مشغول بالدرس. إن هذا الشاب يستحضر نتيجة هذا الجهد لذلك فكل تعب ~~في سبيل التعلم صار سهلا عليه، ولو أهمل ونام ولم يقم مبكرا إلى ~~المدرسة، وإن استيقظ وخرج من المنزل ليتسكع في الطرقات مع أمثاله يكون في ~~مثل هذه الحالة غير مقدر للنتيجة التي تقوده إليها الصعلكة. # والعيب في البشر أنهم يعزلون العمل عن نتيجته، ويفصلون بين الجريمة ~~وعقوبتها، والطاعة عن ثوابها. إننا لو وضعنا النتيجة مقابل العمل لما ~~ارتكب أحد معصية ولا أهمل أحد في طاعة. ولنا أن نتصور مشهد الجبارين في ~~الدنيا وهم في نار الآخرة، عم بطشوا في الدنيا ونهبوا، ولنفترض أن الواحد ~~منهم قد امتلك كل ما في الدنيا - على الرغم من أن هذا مستحيل - وفوق ذلك ~~أخذ مثل ما في الدنيا معه ويريد أن يقدمه افتداء لنفسه من عذاب جهنم ~~فيرفضه الحق منه { ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم } ~~وتلك هي قمة الخزي التي يجب أن يبتعد عنها الإنسان. وبعد ذلك يقول الحق: ~~{ يريدون أن يخرجوا... }. ### || [5.37] # وكلما مسهم لفح النار يريدون أن يخرجوا منها، لكن كيف تأتي لهم ~~إرادة الخروج من النار. لا بد - إذن - أن لحظة لفحها عليهم وتقبلهم هنا ~~وهناك تدفعهم ألسنة اللهب إلى القرب من الخارج فيظنون أن العذاب قد ~~انتهى. ألم يقل الحق سبحانه من أجل أن يضع أمامنا التجسيد الكامل لبشاعة ~~الجحيم: # وإن يستغيثوا يغاثوا # [الكهف: 29] هذا القول يوحى أولا بأن رحمة ما ستصل إليهم، ولكن ما ~~يأتي بعد هذا القول يرسم الهول الكامل ويجسده: # يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه # [الكهف: 29] وهذه قمة الهول. وهناك فرق بين الابتداء المطمع والانتهاء ~~الموئس. مثال ذلك السجين العطشان الذي يطلب كوب ماء. ويستطيع السجان ~~أن يقول له: لا. ليس هناك ماء. أما إذا أراد السجان تعذيبه بأكثر من ذلك ~~فهو يقول له: سآتي لك بالماء ويحضر له كوبا من ms2524 ماء زلال، ويمد السجين ~~يده لكوب الماء، لكن السجان يسكب كوب الماء أرضا. هذا هو الابتداء ~~المطمع والانتهاء الموئس. وكذلك رغبتهم في الخروج من النار فلا إرادة ~~لهم في الخروج إلا إذا كانت هناك مظنة أن يخرجوا نتيجة تقليب ألسنة ~~اللهب لهم، ولذلك يقول الحق أيضا عن هؤلاء: # فبشرهم # [آل عمران: 21] وتثير البشرى في النفس الأمل في العفو، فيفرحون ولكن ~~تكون النتيجة هي: # بعذاب أليم # [آل عمران: 21] وهكذا يريد لهم الحق صدمة الألم الموئس بعد الرجاء ~~المطمع. { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم ~~بخارجين منها ولهم عذاب مقيم } [المائدة: 37] وبعد ~~ذلك ينقلنا الحق إلى قوله سبحانه: { والسارق والسارقة... }. ### || [5.38] # جاء الحق من قبل بعقاب قطاع الطريق والمفسدين في الأرض، وهنا يأتي بقضية ~~أخرى يريد أن يصون بها ثمرة حركة المؤمن في مجتمعه لأن الإيمان يحب من ~~المؤمن أن يتحرك، وحتى يتحرك الإنسان لا بد أن يضمن الإنسان ثمرة حركته. ~~أما إن تحرك الإنسان وجاءت الثمرة ثم جاء من يأخذها فلا بد أن يزهد ~~المتحرك في الحركة، وحين يزهد الإنسان في الحركة يتوقف تقدم الوجود لذلك ~~من حظنا أن تستمر حركة الحياة، ولا تستمر حركة الحياة إلا إذا أمن ~~الإنسان على حركته، وأن تكون حركته فيما شرع الله. وحين يتحرك الإنسان ~~فيما شرع الله ويكسب من حلال فليس لأحد دخل لأن حركة هذا الإنسان تفيد ~~المجتمع سواء أكان ذلك في باله أم لم يكن. وقلنا من قبل: إن الرجل الذي ~~يملك مالا يكتنزه يجد الحق يأمره بأن يستثمر هذا المال لأنه سبحانه أمر ~~بفتح أبواب الخير لمن يجد المال، فيدفع بخاطر بناء عمارة شاهقة في قلب ~~صاحب المال، فيقول الرجل لنفسه: إن المال عندي مكتنز فلأبني لنفسي عمارة، ~~ويزين له الحق هذا الأمر. ويفكر الرجل في أن يبني عمارة من عشرة طوابق ~~وفي كل طابق أربع شقق، وليكن إيجار كل شقة مائة جنيه. وهو حصيلة شهرية لا ~~بأس بها. لقد حسب الرجل المسألة وهو لا يدري أن الله سبحانه وتعالى ms2525 يقذف ~~في باله الخواطر، فيسرع ليشتري قطعة الأرض. وبعد ذلك يأتي بمن يصمم ~~بنيان العمارة ومن يقوم بالبناء، وتخرج النقود المكتنزة. وهكذا نرى أن ~~الثرى قبل أن ينتفع بعمارته كان غيره قد انتفع بماله حتى أكثر طبقات ~~المجتمع فقرا. ويحدث كل ذلك بمجرد الخاطر. ولكل إنسان خواطره، فالبخيل له ~~من يسرف في ماله، والكريم له من يكتنز من ماله. وإياك أن تظن أن هناك ~~حركة في الوجود خارجة عن إرادة الله. فالحق يقول: # إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا # [آل عمران: 89] وهم يفعلون ذلك لأن الذنوب تطاردهم، فيعوضون ذلك بإصلاح ~~أعمالهم. ولذلك نجد أن الخير إنما يأتي من المسرفين على أنفسهم فيريدون ~~إصلاح أمورهم وليس هناك من يستطيع أن يأخذ شيئا من وراء الله. # إن الحسنات يذهبن السيئات # [هود: 114] كأن الحق سبحانه وتعالى بمجرد الخواطر يدفع الناس إلى ما ~~يريد. نعم. فهو غيب قيوم ولذلك يكون تدبيره في الكون غيبا. وفي قرانا ~~يخصصون يوما للسوق ونرى ساحته في اليوم المخصص ونتأملها فنتعجب من ~~إبداع محرك الكون ففي الصباح يسير رجال إلى السوق ومعهم عصيهم ولا ~~يحملون شيئا. وهؤلاء ذاهبون لشراء ما يحتاجون إليه، وآخرون يسوقون ~~أمامهم العجول أو الحمير، وهؤلاء يذهبون لبيع بضائعهم. ونرى نساء تحمل كل ~~واحدة منهن صنفا من الخضار فنعرف أنهن يذهبن للبيع في السوق. # ونرى أخريات يحملن سلالا فارغة، ونعرف أن كلا منهن ذاهبة للشراء. وفي ~~آخر النهار نرى المسألة معكوسة، من كان يحمل في الصباح شيئا حمله غيره، ~~فمن الذي هيج الخواطر ليذهب من يرغب في البيع إلى السوق ليبيع؟ من الذي ~~حرك الشاري للشراء؟ هو الحق سبحانه يحقق للراغب في البيع أن يوجد ~~المشتري، ويحقق للراغب في الشراء أن يوجد البائع. إنه ترتيب الحي ~~القيوم. ونسمع من يقول: لقد أنزلنا في السوق اليوم عشرين طنا من ~~الطماطم وأربعين طنا من الكوسة. وغيرها من الأطنان. ونجد آخر النهار أن ~~كل شيء قد بيع. إنها خواطر الله المتوازنة في الناس والتي توازن المجتمع. ~~إذن الحق ms2526 سبحانه وتعالى يريد أن يحمي حركة المتحرك. ويريد أيضا ألا ~~يقتات الإنسان أو يتمتع بغير مجهود لأن من يسرق إنما يأخذ مجهود غيره. ~~وهذا الفعل يزهد الغير في العمل. إن في الإسلام قاعدة هي: عندما ~~تكثر البطالة يقال لك لا تتصدق على الناس بنقود من ملكك، ولكن افتح أي ~~مشروع ولو لم تكن في حاجة إليه كأن تحفز بئرا وتردمها بعد ذلك وأعط ~~الأجير أجره حتى لا يتعود الإنسان على الكسل، بل يجب تعويده على العمل، ~~ومن لا يقدر على العمل فلا بد له من ضمان. فضمان الإنسان لقوته يكون من ~~عمله أولا، فإن لم يكن قادرا على العمل، فضمانه من أسرته وقرابته، فإن ~~لم توجد له أسرة أو قرابة، فأهل محلته مسئولون عنه، وإن لم يستطع أهل ~~القرية أو المحلة أن يوفروا له ذلك، فبيت المال عليه أن يتكفل ~~بالفقراء. إذن فالأرضية الإيمانية تحثنا على أن نضمن للإنسان العمل، ~~أو نعوله ونقوم بما يحتاج إليه إن كان عاجزا. ولكن الآفة أن بعضا من ~~الناس يحبون عملا بذاته، فهذا يرغب في التوظف في وظيفة لا عمل فيها، ~~ونقول له: في العالم المعاصر أزمة عمالة زائدة فتعلم أي مهارة فما ضنت ~~الحياة أبدا على طالب قوت من عمل. ولنا في رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الأسوة حين أقام أول مزاد في الإسلام. عندما جاء له رجل من ~~الأنصار يسأله، فقال له: # " أما في بيتك شيء. قال الرجل: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، ~~وقعب - أي قدح - نشرب فيه من الماء. قال: إيتني بهما. فأتاه بهما. ~~فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: من يشتري هذين؟ قال ~~رجل: أنا آخذهما بدرهم. قال: من يزيد على درهم؟ - مرتين أو ثلاثا - ثال ~~رجل: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين وأعطاهما ~~للأنصاري وقال: اشتر بأحدهما طعاما فانبذه - أي ألقه - إلى أهلك، ~~واشتر بالآخر قدوما فائتني به " # إذن أشار النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل وأمره بأن يحضر الحلس ~~الذي ينام ms2527 عليه والقدح الذي يشرب فيه، حتى يعرف الرجل أنه تاجر في شيء ~~يملكه، لا في عطاء من أحد. وجاء الرجل إلى حضرة النبي عليه الصلاة ~~والسلام ووجد أن النبي قد سوى له يدا للقدوم وقال للرجل: # " اذهب فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر يوما " # وذهب الرجل يحتطب ويبيع امتثالا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وجاء ~~بعد خمسة عشر يوما وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها ~~طعاما. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة " # هذه هي التربية. إذن فالغرض الأساسي أن يحمي الإسلام أفراد المجتمع، ~~فالذي لا يجد قوته نساعده بالرأي وبالعلم والقدرة والقوة. والخير أن ~~نعلمهم أن يعملوا لأنفسهم. ولذلك جاء الحق لنا بقصة ذي القرنين المليئة ~~بالعبر: # حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما ~~قوما لا يكادون يفقهون قولا # [الكهف: 93] أي أنه لا توجد صلة للتفاهم. ولكنهم قالوا: # قالوا يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون ~~في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل ~~بيننا وبينهم سدا # [الكهف: 94] وها هو ذو القرنين يعلن أنه في غير حاجة إليهم، ولكن يكلفهم ~~بعمل حتى يحقق لهم مرادهم: # آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين ~~قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ ~~عليه قطرا # [الكهف: 96] ومن العجيب أن القرآن عندما يحكي أمرا فهو لا يحكيه إلا ~~لهدف، هم طلبوا من ذي القرنين أن يبني سدا، لكنه اقترح أن يجعل لهم ~~ردما، ما الفرق؟ لقد تبين من العلم الحديث أن السد قد تحدث له هزة ~~من أي جانب فينهدم كله، أما الردم فإن حدثت له هزة يزدد تماسكا. ولم ~~يعمل ذو القرنين لهم، ولكن علمهم كيف يصنعون الردم، وذلك حتى لا ~~يعيشوا مع الإحساس بالعجز. وهكذا يعلمنا القرآن أن الإنسان لا بد له من ~~عمل. لكن ماذا إن سرق؟. أولا ما هي السرقة؟ إنها أخذ مال مقوم ~~خفية. فإن لم يكن الأخذ خفية فهو اغتصاب، ms2528 ومرة أخرى يكون خطفا، ومرة ~~رابعة يكون اختلاسا. فالأخذ له أنواع متعددة فالتاجر الذي يقف في ~~دكانه ليبيع أي شيء، وجاء طفل صغير وخطف قطعة من الحلوى وجرى ولا ~~يستطيع التاجر أن يطول الطفل أو أن يقدر على الإمساك به، هذا خطف. أما ~~الذي يغتصب فهو الذي قهر صاحب الشيء على أن يتركه له. أما الاختلاس فهو ~~أن يكون هناك إنسان أمين على مال فيأخذ منه، أما السرقة فهي أخذ لمال ~~مقوم خفية وأن يكون في حرز مثله أي يكون في مكان لا يمكن لغير المالك ~~أن يدخله أو يتصرف فيه إلا بإذنه. # أما الذي يترك بابه مفتوحا أو يترك بضاعته في الشارع فهو المقصر، ~~فكما يأمرنا الشرع بألا يسرق أحد أحدا، كذلك يأمر بعدم الإهمال، بل لابد ~~للإنسان أن يعقل أشياءه ويتوكل. وسبحانه هو المشرع العدل الذي ~~يقيم اليقظة على الجانبين. حدد الشرع السرقة بما قيمته ربع دينار. ~~وربع الدينار في ذلك الزمن كان يكفي لأن يأكل إنسان هو وعياله ويزيد، بل ~~إن الدرهم كان يكفي أن يقيم أود أسرة في ذلك الوقت. وكيف نقوم ربع ~~الدينار في زماننا؟. إن كان لا يكفي لمعيشة، فيجب أن ترفع النصاب إلى ما ~~يعيش، ومادام الدينار كان في ذلك الزمان ذهبا فربع الدينار ترتفع ~~قيمته. وقديما كان الجنيه الذهب يساوي سبعة وتسعين قرشا ونصف القرش. ~~أما الجنيه الذهب حاليا فهو يساوي أكثر من مائتين وسبعين جنيها، وقد ~~يكون هناك إنسان يسرق لأنه محتاج أو جائع، ولذلك وضع الشرع له قدرا لا ~~يتجاوزه المحتاج لحفظ حياته وحياة من يعول هو الدرهم. وسرقة الدرهم لا حد ~~فيها كما لا إثم فيها، وذلك إذا استنفذ كل الطرق المشروعة في الحصول على ~~القوت، ونعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الدرهم للرجل وقال: # " اشتر طعاما لك ولأسرتك " # وكان الدرهم - كما قلنا - يكفي في ذلك الزمن. والدرهم جزء من اثني عشر ~~جزءا من الدينار، فربع الدينار ثلاثة دراهم، والدرهم يساوي في زمننا هذا ~~أكثر من ms2529 عشرين جنيها. والسطحيون يقولون: إن سيدنا عمر ألغى حد السرقة ~~في عام الرمادة ونقول لهم: لا، لم يسقط عمر بن الخطاب الحد، فالحد باق ~~ولكنه لم يدخل الحادثة التي حصلت فيما يوجب الحد. والحادثة التي حدثت في ~~عام الرمادة أو عام الجوع هي وجود الشبهة. وبفطنته كأول أمير للمؤمنين، ~~لم يدخل الحوادث فيما يوجب الحد. وفي مسألة عبدالرحمن بن حاطب بن أبي ~~بلتعة. عندما سرق غلمانه، فماذا حدث؟ قال الغلمان لعمر: كنا جوعى ولم يكن ~~ابن أبي بلتعة يعطينا الطعام. ودرأ سيدنا عمر الحد بالشبهة. إذن ~~الحق سبحانه وتعالى يريد أن يحمي حركة المتحرك وثمرة حركة المتحرك.، لكن ~~بعض السطحيين في الفهم يقولون مثل ما قال المعري: # يد بخمس مئين عسجد وديت # ما بالها قطعت في ربع دينار # تناقض ما لنا إلا السكوت له # وأن نعوذ بمولانا من النار # وهنا رد عليه العالم المؤمن فقال: أنت تعترض لأننا نعطي دية اليد ~~خمسمائة دينار، وعندما يسرق إنسان. نقطع يد السارق لأنها أخذت ربع دينار. ~~وقال العالم المؤمن: # عز الأمانة أغلاها وأرخصها # ذل الخيانة فافهم حكمة الباري # ونلاحظ أن التشريعات الجنائية وتشريعات العقوبات ليست تشريعات بشرية، ~~لكنها تشريعات في منتهى الدقة. # بالله لو أن مقننا يقنن للسارق أو السارقة، ويقنن للزاني والزانية ~~ماذا يكون الموقف؟ إن الذي يتكلم هو رب العالمين، فقال هنا: { ~~والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما ~~كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم }. والسرقة ~~عادة ما تكون رغبة في الحاجة وهي غالبا ما تكون من عمل الرجل. أما في ~~الزاني والزانية، فلو أن الرجل لم يهيج ويستثر بجمال امرأة لما فكر في ~~الزنا. إذن فهي صاحبة البداية. وينص سبحانه على العقوبة وجاء بالحكمة. ~~وعندما يشرع للقصاص وهي الحالة التي يغلي فيها دم أقارب القتيل، فيقول: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان # [البقرة: 178] ولنر الحنان الموجود في كلمة " أخيه ". ولا نجد تقنينا ~~يدخل التحنين بين سطوره، إلا تقنين الرب الذي خلق الإنسان وهو أعلم به. ms2530 ~~{ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما }. هذا ما ~~انتهى إليه حد السرقة في تشريعات السماء، وحتى في زمن سيدنا موسى كان ~~السارق يسترق بسرقته أي يتحول الحر إلى عبد نتيجة سرقته. ولذلك ~~نلاحظ ونحن نقرأ سورة سيدنا يوسف: # فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل ~~أخيه # [يوسف: 70] و " السقاية " هي الإناء الذي كان يشرب فيه الملك، وكان ~~اسمها " صواع الملك " وأخذوها ليكيلوا بها. وبعد أن جعل السقاية في رحل ~~أخيه، ماذا حدث؟ # ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون * ~~قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون * قالوا ~~نفقد صواع الملك ولمن جآء به حمل بعير وأنا ~~به زعيم # [يوسف: 70-72] وهنا قال إخوة يوسف بأنهم لم يأتوا ليفسدوا في الأرض، ~~لذلك ترك لهم يوسف الأسلوب في تحديد الجزاء، ولم يحاكمهم بشرع الملك: # قالوا جزآؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك ~~نجزي الظالمين # [يوسف: 75] لقد جعلهم يعترفون، ويحاكمهم حسب شريعتهم لأن شرع الملك أن ~~من يسرق شيئا عليه أن يغرم ضعفي ما أخذ. وهذا ما يوضح معنى قول الحق ~~سبحانه وتعالى: # كذلك كدنا ليوسف # [يوسف: 76] أي أنها حيلة ليستبقي يوسف أخاه معه. ولو استعمل قانون مصر ~~في ذلك الزمن لما أخذ أخاه معه. وهذا كيد لصالح يوسف لأن " اللام " تفيد ~~الملكية أو النفعية. وأضاف إخوة يوسف قائلين: # قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل ~~فأسرها يوسف في نفسه # [يوسف: 77] ولماذا قالوا ذلك؟ أصل هذه المسألة أن يوسف كان يحيا عند ~~عمته. وعندما كبر وأرادوا أن يأخذوه أرادت العمة أن تستبقيه فدست في ~~متاعه تمثالا. أو منطقة كانت لها من أبيها إسحاق وادعت أنها فقدت ذلك ~~ففتشوا الولد فعثروا معه على الشيء الذي ادعت عمته سرقته فاستبقته بشرع ~~بني إسرائيل. وكان جزاء السرقة في الشريعة هو الاسترقاق. # ونسخ هذا الشرع وجاءت آية حد السرقة تأكيدا للنسخ. وإن لم يكن قد ~~نسخ فهذه الآية هي بداية للنسخ. { والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من ~~الله والله عزيز حكيم }. والسنة هي التي تبين ms2531 لنا كيفية ~~القطع، وكان القطع لليد اليمنى لأنها عادة التي تباشر مثل ذلك العمل. وفي ~~إحدى رحلاتي إلى أمريكا، حدثني أخ مسلم ضمن جماعة تحضر إحدى محاضراتي ~~وقال: إن التيمن يجب أن يكون في كل شيء، فلماذا يأكل البعض بيده ~~اليسرى؟ قلت: إن هذه مسألة تكوينية بدليل أن بعض الناس أجهزتها تختلف، ~~فليست المسألة ميكانيكية. وأضفت: إن من خيبة بعض الاختراعات البشرية أنها ~~لا تخطئ كالحاسب الآلي. ولو كان ينتقي ويختار لأمكن أن يخطئ، أما العقل ~~فهو يعرف الانتقاء. وقلت: إنني أطلب من السائل أن يقف. فلما وقف طلبت منه ~~أن يتقدم جهتي فلما تقدم جهتي مد رجله اليمنى، فقلت تعليقا على هذا: " ~~إنه تكوين خلقي ". ولذلك فالذي عنده ولد تتأبى عليه يمينه فإياك أن ~~ترغمه على ذلك لأن مثل هذه العملية أرادها الخالق لتشذ في الخلق، ~~ولتظهر قدرة الخالق. فلا داعي لقهر الابن الذي تتأبى عليه يمينه لأن ~~العلماء قالوا إن مراكز السيطرة ليست في اليد ولكن في المخ. وقد أوجد ~~الحق تلك الأمور في الكون حتى نفهم أن خالق الكون لم يخلق الكون وتركه ~~بسننه، لا. إنه يخرق السنن كلما أراد. لكن لو تأبى إنسان على استعمال ~~اليد اليمنى في الأكل مثلا وهو قادر على ذلك فإنه يكون مخالفا لسنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ومجافيا للفطرة. { فاقطعوا ~~أيديهما جزآء بما كسبا نكالا } وإذا سمعنا كلمة " كسب " ~~فهي تعني الأخذ لأكثر من رأس المال. والسارق يكسب السيئة لأنه أخذ ما فوق ~~الضرورة. والنكال: العقاب أو هو العبرة المانعة من وقوع الجرم سواء لمن ~~ارتكب الجريمة وكذلك لمن يراها. والحق يقول عن بعض الأمور: # وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2] وضرورة الإعلان عن تنفيذ عقوبة الفعل المؤثم من أجل ~~الاعتبار والعظة، فالتشريع ليس من بشر لبشر، إنما تشريع خالق لمخلوق. ~~والخالق هو الذي صنع الصنعة فلا تتعالم على خالق الصنعة. والشريعة لا ~~تقرر مثل هذا العقاب رغبة في قطع الأيدي، بل تريد أن تمنع قطع الأيادي. ~~وإن ظل ms2532 التشريع على الورق دون تطبيق فلن يرتدع أحد. والذين قالوا " قطع ~~الأيدي فعل وحشي " ، نقول لهم: إن يدا واحدة قطعت في السعودية فامتنعت ~~كل سرقة. وإذا كان القتل أنفى للقتل فالقطع أنفى للقطع، أما عن مسألة ~~التشويه التي يطنطنون بها فحادثة سيارة واحدة تشوه عددا من الناس وكذلك ~~حادثة انفجار لأنبوبة " بوتوجاز " تفعل أكثر من ذلك. # فلا تنظروا إلى القصاص مفصولا عن السرقة إن انتشرت في المجتمع. وإبطاء ~~القائمين على الأمر للإجراءات التي يترتب عليها العقوبات ينسي المجتمع ~~بشاعة الجريمة الأولى، وعندما يحين وقت محاكمة المجرم تكون الرحمة ~~موجودة. لكن إن وقع العقاب ساعة الجرم تنته المسألة. وساعة يسمع ~~اللصوص أننا سنقطع يد السارق، سيفكر كل منهم قبل أن يسرق ولا يرتكب ~~الجرم لأن المراد من الجزاء العبرة والعظة ومقصد من مقاصد التربية ~~وتذكرة للإنسان بمطلوبات الله عنده إن أخذته الغفلة في سياسة الحياة ~~فالجزاء هنا نكالا أي عقابا و " نكولا " وهو الرجوع عن فعل الذنب أي ~~العبرة المانعة من وقوع الجرم. فكأن الجزاء كان المقصود منه أن يرى ~~الإنسان من قطعت يده فيمتنع عن التفكير في مثل ما آلت إليه هذه الحالة. ~~أو أن يحافظ الذي قطعت يده على ما بقى من جوارحه الباقية لأنه قد قطعت ~~يمينه وإن عاد قطعت يساره، فإن عاد قطعت رجله اليمنى ثم إن عاد قطعت ~~رجله اليسرى ويكون النكال لمنع الرجوع للجريمة، وهو إما رجوع ممن رأى ~~العقوبة تقع على السارق أو الرجوع من السارق نفسه إن رأى أي جارحة من ~~جوارحه قد نقصت. فيحرص أن تظل الجوارح الباقية له. ويعامل الحق خلقه ~~بسنة كونية هي: أن من يأخذ غير حقه يحرم من حقه. ومثال ذلك قوم من ~~بني إسرائيل قال الله حكما فيهم: لقد استحللتم ما حرمته عليكم فلا جزاء ~~لكم إلا أن أضيق عليكم وأحرم عليكم ما أحللت لكم. فقال: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء: 160] إذن ليس في قدرة أحد أن يضحك على الله أو أن ms2533 يخدع الله أو ~~أن يأخذ ما ليس حقا له. فإن أسرف الإنسان في تعاطي أشياء حرمها الله عليه ~~فسيأتي وقت يحرمه الله فيه من أشياء حللها له كالذي أسرف في شرب الخمر ~~أو في تناول المواد المخدرة التي تغيب عن الوعي، يبتليه الحق بما يجعله ~~محروما من متع أخرى كانت حلالا. وإن أسرف الإنسان مثلا في تناول ~~الحلوى. فإن المرض يأتيه، ويحرم الله عليه أشياء كثيرة. ولو قاس المسرف ~~على نفسه ما أحله لنفسه بما حرمه الله عليه لوجد الصفقة بالنسبة له ~~خاسرة. فالذي أسرف بغير حق في أن يأكل مال أحد، يرى ماله وهو يضيع أمام ~~عينيه. ولنا في ذلك المثل. كان السادة في الريف - قديما - يقومون بتنقية ~~الدقيق إلى درجة عالية حتى يصبح في تمام النقاء من " الردة ". ويسمون هذا ~~النوع من الدقيق " الدقيق العلامة " وكانوا يأكلون منه ويتركون البقية ~~من الدقيق مختلطا بالردة ليأكله الخدم أو الفقراء، فتأتي فترة يحرم ~~الأطباء عليهم هذا الدقيق الأبيض، ولا يجد الواحد منهم طعاما إلا الدقيق ~~" السن " الذي كان يرفضه قديما فعلينا - إذن - أن ننظر إليها كقضية ~~سائدة في الكون كله، ولنجعل قول الله أمامنا: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء: 160] فأنت إن أخذت كسب يد واحدة يحرمك الحق من يد لا من كسب. ~~فإن زدت حرمك الله من جارحة أخرى، وهكذا. وتلك سنة كونية تعدل نظام ~~الكون بالنسبة للناس، وخصوصا من يستبطئون جزاء الآخرة، ومن يغريهم ~~ويغرهم ويطمعهم حلم الله عليهم. وأنت إذا ما نظرت وصنعت لنفسك رقعة ~~جغرافية في البيئة التي تعيش فيها في أسرتك، أو حيك، أو بلدك أو أمتك، ~~فأنت تجد قوما قد حرموا بأنفسهم من غير أن يحرم عليهم أحد، فتجد واحدا ~~مصابا - والعياذ بالله - بالبولينا: ولا يقدر أن يأكل قطعة من اللحم، أو ~~آخر مصابا بمرض السكر وتراه غير قادر على أن يأكل قطعة من الحلوى، أو ~~ملعقة من العسل. لأن أحدا لن يستطيع أن يأخذ شيئا بدون علم الله. وصنع ms2534 ~~الله ذلك لأنه عزيز لا يغلب. فإياك أن تظن أن بإمكانك أخذ شيء من وراء ~~شرع الله أو تظن انك خدعت شرع الله، فهو سبحانه عزيز لا يغلب أبدا. ~~ونرى في حياتنا الذين يأخذون أموالا بغير حق رشوة أو سرقة أو اختلاسا، ~~نرى مصارف هذه الأشياء أو الرشاوي أو الأموال قد ذهبت وأنفقت في مهالك ~~ومصائب إننا نجدها قد أخذت ما أخذوه من حرام، ومالت وجارت على ما كسبوه ~~من حلال. وأريد من المسرفين على أنفسهم أن يضعوا لأنفسهم كشف حساب، ~~فيكتبوا في ناحية القرش الذي كسبوه من حرام، ويكتبوا في ناحية أخرى كل ~~قرش كسبوه من حلال. وليشاهد كل مسرف على نفسه في أكل حقوق الناس المصائب ~~التي سيبتليه الله بها، ولسوف يجد أنه قد صرف لمواجهة المصائب كل الحرام ~~وبعضا من الحلال. ولذلك قال الأثر الصالح: " من أصاب مالا من نهاوش أذهبه ~~الله في نهابر ". وكنت أعرف اثنين من الناس، ولكل واحد منهما ولد في ~~التعليم. وكنت أجد أحدهما يعطي ولده خمسة قروش. فيقول الابن لأبيه: معي ~~مصروف الأمس ". وكان الآخر يعطي ولده عشرة قروش فيقول الابن له: " إنها ~~لا تكفي شيئا ". وشاء الحق أن يجمعنا نحن الثلاثة في مكتب وزارة الري ~~بالزقازيق، فلما جئنا لنخرج إذا برئيس كتاب تلك المصلحة يأتي بظرف أصفر ~~كبير به أشياء كثيرة ويناوله لواحد منهما، فسألته: ما هذا؟ فقال: بعض من ~~الورق الأبيض وبعض من ورق النشاف وعدد من الأقلام حتى يكتب الأولاد ~~واجبهم المدرسي. فقلت له: هذا سر خيبة أولادك الدراسية وإسرافهم والدروس ~~الخصوصية التي تدفع فيها فوق ما تطيق وسر قول ابنك لك: إن القروش العشرة ~~لا تكفي شيئا. # أما الشخص الآخر فابنه يقول له: لا أريد مصروف يد اليوم لأن معي خمسة ~~قروش هي مصروف أمس ولا أريد أن آخذ دروسا خصوصية لأني أحب الاعتماد على ~~نفسي. وسبحانه الحق القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم. ويقول لنا بلاغا: قال ~~أبو الجلد: " أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: قل ms2535 لقومك: ما بالكم ~~تسترون الذنوب من خلقي وتظهرونها لي؟ إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم ~~مشركون بي، وإن كنتم ترون أني أراكم قلم تجعلونني أهون الناظرين إليكم ~~". إذن قوله الحق: { جزآء بما كسبا نكالا من الله } ~~واضح تماما، ويردف الحق قوله هذا: { والله عزيز حكيم }. ~~وسبحانه عزيز لا يغلبه أحد، حتى الذي يسرق، إنما يسرق الرزق المكتوب له ~~لأن العلماء اتفقوا على أن الشيء المسروق رزق أيضا لأنه ينتفع به. ~~ووالله لو صبر لجاءه وطرق عليه بابه. فإياكم أن تحتالوا على قدر الله ~~لأنه حكيم في تقديره. وكلمة " حكيم " لها في حياتنا قصة، كنا ونحن في ~~مقتبل حياتنا التعليمية نحب الأدب والشعر والشعراء، وبعد أن قرأنا للمعري ~~وجدنا عنده بعضا من الشعر يؤول إلى الإلحاد، فزهدنا فيه وخصوصا عندما ~~قرأنا قوله في قصيدته: # تحطمنا الأيام حتى كأننا # زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك # وأخذنا من ذلك القول أنه ينكر البعث فقلنا: يغنينا الله عنه. ولكن ~~صديقنا الشيخ فهمي عبداللطيف - رحمه الله - رأى المعري في الرؤيا وكان ~~مولعا بالمعري، فجاء إلى ذات صباح ونحن في الزقازيق وقال لي: يا شيخ لقد ~~رأيت المعري الليلة في الرؤيا وهو غاضب منك أنت لأنك جفوته. فقلت: أنا ~~جفوته لكذا وكذا وأنت تعلم السبب في ذلك. وقال الشيخ فهمي عبداللطيف: هذا ~~ما حصل. وقلت لنفسي: يجب أن أعيد حسابي مع المعري، وجئنا بدواوينه " سقط ~~الزند " و " لزوم ما لا يلزم ". ووجدنا أن للرجل عذرا في أن يعتب علينا ~~لأن آفة الناس الذين يسجلون خواطر أصحاب الفكر أنهم لا ينظرون إلى تأريخ ~~مقولاتهم، وقد قال المعري قوله الذي أنكره عليه وقت أن كان شابا مفتونا ~~بفكره وعندما نضج قال عكسه. وكثير من المفكرين يمرون بذلك، مثل طه حسين ~~والعقاد، بدأ كل منهما الحياة بكلام قد يؤول إلى الإلحاد ولكنهما كتبا ~~بعد النضج ما يحمل عطر الإيمان الصحيح لذلك لا يصح لمن يحكم عليهم أن ~~يأخذهم بأوليات خواطرهم التي بدأوها بالشك حتى يصلوا إلى اليقين. وجلست ms2536 ~~أبحث في المعري الذي قال: # تحطمنا الأيام حتى كأننا # زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك # فوجدته هو نفسه الذي قال بعد أن ذهبت عنه المراهقة الفكرية: # زعم المنجم والطبيب كلاهما # لا تحشر الأجساد قلت إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر # أو صح قولي فالخسار عليكما # كأنه عاد إلى حظيرة الإيمان: وكذلك قال المعري: # يد بخمس مئين عسجد وديت # ما بالها قطعت في ربع دينار # وقال بعد ذلك: # تناقض مالنا إلا السكوت له # وأن نعوذ بمولانا من النار # وقلت للشيخ فهمي عبداللطيف: للمعري حق في العتاب وسأحاول أن أعاود قراءة ~~شعره، والأبيات التي أرى فيها خروجا سأعد لها قليلا. وعندما جئت إلى ذلك ~~البيت. قلت: لو أنه قال - وأنا أستأذنه -: # لحكمة ما لنا إلا الرضاء بها # وأن نعوذ بمولانا من النار # فلكل شيء حكمة. وحين نرى طبيبا يمسك طفلا قلبه لا يتحمل المرقد - أي ~~البنج - أثناء إجراء عملية جراحية، فهل يظن ظان أن الطبيب ينتقم من هذا ~~الطفل؟ طبعا لا، إذن فلكل شيء حكمة، ويجب أن ننظر إلى الشيء وأن نربطه ~~بحكمته. والله عزيز أي لا يغلبه أحد ولا يحتال عليه أحد. وهو حكيم فيما ~~يضع من عقوبات للجرائم لأنه يزن المجتمع نفسه بميزان العدالة. ومن بعد ~~ذلك يفتح الحق سبحانه باب التوبة رحمة لمن يتوب ورحمة للمجتمع لذلك يقول ~~الحق: { فمن تاب من بعد... }. ### || [5.39] # والسارق ظالم لأنه أخذ حق غيره، فإن تاب أي ندم على الفعل وعزم على ألا ~~يعود شريطة ألا تكون التوبة بالكلام فقط، بل يصلح ما أفسده، هنا تقبل ~~التوبة. ولكن كيف يفعل ذلك؟ إذا كان الشيء المسروق في حوزته فعليه أن ~~يرده إلى صاحبه. وإن كان قد تصرف فيه فعليه أن يأتي لصاحب الشيء ويستحله ~~ويقول له: كنت في غفلة نفسي وفي زهوة الشيطان مني ففعلت كذا وكذا. وأعتقد ~~أن أي إنسان سرق من إنسان آخر وبعد فترة اعترف له وطلب العفو منه فأنا ~~أقسم بالله أنه سيعفو عنه راضيا. وبذلك يستحل الشيء الذي أخذه. ms2537 لكن ماذا ~~إن كان السارق لا يعرف صاحب الشيء المسروق. كلص " الأتوبيسات "؟ إن كان ~~قد سرق محفظة نقود من شخص ووجد العنوان يستطيع أن يرد الشيء المسروق ~~بحوالة بريدية من مجهول تحمل قيمة المبلغ المسروق ويطلب فيها السماح عن ~~السرقة. وإن لم يعرف من سرقة فعليه أن يقول: الله أعلم بصاحب هذا المبلغ ~~وأنا سأتصدق به في سبيل الله وأقول: يا رب ثوابه لصاحبه. إذن فوجوه ~~الإصلاح كثيرة. وإن كان يخجل من رد الشيء المسروق فليقل: فضوح الدنيا ~~أهون من فضوح الآخرة. وفي القرآن تأتي آيات كثيرة عن التوبة: # ثم تاب عليهم ليتوبوا # [التوبة: 118] كأن توبة الله مكتوبة أولا ثم يتوب العبد من بعد ذلك. ~~وسبحانه يقول: # وإني لغفار لمن تاب # [طه: 82] وللتوبة - كما نعلم - ثلاث مراحل. فالحق حين شرع التوبة كان ~~ذلك إذنا بها. وبعد ذلك يتوب العبد، فيتوب الله عليه ويمحو عنه الذنب ~~ويكون الغفران بقبول الله للتوبة. ولذلك يقول الحق: { فإن الله ~~يتوب عليه إن الله غفور رحيم }. وصفة المغفرة ~~وصفة الرحمة كل في مطلقها تكون لله وحده، وهي توبة للجاني ورحمة ~~للمجني عليه. وكلمة { إن الله غفور رحيم } توضح لنا أنه ~~سبحانه له طلاقة القدرة في أن يغفر وأن يرحم. فإياك أن تقول: إن فلانا لا ~~يستحق المغفرة والرحمة لأنه سبحانه مالك السماء والأرض، وهو الذي أعطى ~~للبشر ما يستحقون بالحق الذي أوجبه على نفسه، وله طلاقة القدرة في الكون ~~ولذلك يقول الحق من بعد ذلك: { ألم تعلم أن الله... }. ### || [5.40] # ويستخدم الحق سبحانه من أساليب البيان ما يخرجنا عن الغفلة، فلم يقل: " ~~الله له ملك السموات والأرض " ، ولو كان قد قال ذلك لكان الأمر خبرا ~~من المتكلم وهو الله، ولكنه يريد أن يكون الخبر من المخاطب إقرارا من ~~العبد. ولا يخرج الخبر مخرج الاستفهام إلا وقائل الخبر واثق من أن ~~جواب الاستفهام في صالحه والمثال على هذا هو أن يأتيك إنسان ويقول: " انت ~~تهملني ". فتقول: أنا أحسنت إليك. ولكن إن أردت أن تستخرج الخبر منه ms2538 ~~فأنت تقول: ألم أحسن إليك؟ وبذلك تستفهم منه، والاستفهام يريد جوابا. ~~فكأن المسئول حين يجيب عليه أن يدير ذهنه في كل مجال ولا يجد إلا أن ~~يقول: نعم أنت أحسنت إلي. ولو جاء ذلك من المتكلم لكانت دعوى، لكن إن ~~جاءت من المخاطب فهي إقرار، ومثال ذلك قول الحق: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1] إنه خبر من المتكلم والإقرار من المتلقي. وقد يقول قائل ~~ولماذا لم يقل الحق: " أشرحنا لك صدرك "؟ كان من الممكن ذلك، ولكن الحق ~~لم يقلها حتى لا يكون في السؤال إيحاء بجواب الإثبات بل جاءت بالنفي. وفي ~~قوله الحق: { ألم تعلم أن الله له ملك السماوات ~~والأرض يعذب من يشآء ويغفر لمن يشآء والله ~~على كل شيء قدير } [المائدة: 40] نجد منطوق الآية ليس دعوى ~~من الحق، ولكنه استفهام للخلق ليديروا الجواب على هذا، فلا يجدوا جوابا ~~إلا أن يقولوا: { لله ملك السماوات والأرض }. وهذا أسلوب ~~لإثبات الحجة والإقرار من العباد، لا إخبارا من الحق: { ألم تعلم ~~أن الله له ملك السماوات والأرض } ، وقد يقول إنسان: ~~إن هناك أجزاء من الأرض ملكا للبشر. ونقول: صحيح أن في الأرض أجزاء هي ~~ملك للبشر، ولكن هناك فرق بين أن يملك إنسان ما لا يقدر على الاحتفاظ ~~به.. كملك البيت والأرض، إنه ملك - بكسر الميم - لمالك. وهناك " ملك ~~" - بضم الميم - لملك هو الله. وفي الدنيا نجد أن لكل إنسان ملكية ~~ما. ولكن الملك في الأرض يملك القرار في أملاك شعبه، وهذا في دنيا ~~الأسلوب، أما في الآخرة فالأسباب كلها تمتنع: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] فلا أحد له ملك يوم القيامة. { ألم تعلم أن ~~الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشآء ~~ويغفر لمن يشآء } والقارئ بإمعان للقرآن يجد فيه عبارات تجمع ~~بين أمرين أحدهما يتقدم، والآخر يتأخر. ويأتي الأمر في أحيان أخرى ~~بالعكس. ولكن هذا القول هو الوحيد في القرآن الذي يأتي على هذا النسق، ~~فكل ما جاء في القرآن يكون الغفران مقدما على العذاب لأن الحق ms2539 سبحانه ~~قال في الحديث القدسي: # " إن رحمتي سبقت غضبي " # فلماذا جاء العذاب في هذه الآية مقدما على الغفران: { يعذب من ~~يشآء ويغفر لمن يشآء } هل السبب هو التفنن في الأساليب؟ ~~لا لأن جمهرة الآيات تأتي بالغفران أولا، ثم بالوعيد بالعذاب لمن يشاء ~~سبحانه. ولننظر إلى السياق. جاء الحديث أولا عن السارق والسارقة، وبعد ~~ذلك عمن تاب. فالسرقة إذن تقتضي التعذيب، والتوبة تقتضي المغفرة، إذن ~~فالترتيب هنا منطقي. ونلحظ أن هذا القول قد جاء بعد آية السرقة وبعد آية ~~الإعلام بأن له ملك السموات والأرض. ولذلك كان لا بد من تذييل يخدم ~~الاثنين معا. ليؤكد سيطرة القدرة. وحين يريد الحق أن يرحم واحدا. فليس ~~في قدرة المرحوم أن يقول: " لا أريد الرحمة ". وحين يعذب واحدا لن يقول ~~المعذب - بفتح الذال -: " لا داعي للعذاب ". فسيطرة القدرة تؤكد أنه لا ~~قدرة لأحد على رد العذاب أو الرحمة. إذن فالآية قد جاءت لتخدم أغراضا ~~متعددة. فإن حسبناها في ميزان الأحداث فللحق كل القدرة. وإن حسبناها في ~~ميزان الزمن، فكيف يكون الأمر؟. نعرف أن التعذيب للسرقة قسمان.. تعذيب ~~بإقامة الحد، وفي الآخرة تكون المغفرة. إذن فالكلام منطقي متسق. ~~إنني أقول دائما: إياكم أن تخدعوا بأن الكافر يكفر، والعاصي يعصى دون ~~أن ينال عقابه لأن من تعود أن يتأبى على منهج الله، فيكفر أو يعصي لا ~~بد له من عقاب. لقد تمرد على المنهج، ولكنه لا يجرؤ على التمرد على ~~الله. إن الإنسان قد يتمرد على المنهج فلا يؤمن أو لا يقيم الصلاة، لكن ~~لا قدرة لإنسان أن يتمرد على الله، لأنه لا أحد يقدر على أن يقف في ~~مواجهة الموت، وهو بعض من قدرة الله. وسبحانه وتعالى يحكم ما يريد. ~~وقد أراد أن يوجد للإنسان اختيارا في أشياء، وأن يقهر الإنسان على ~~أشياء، فيا من مرنت نفسك على التمرد على منهج الله عليك أن تحاول أن ~~تتمرد على صاحب المنهج وهو الله. ولن تستطيع لا في شكلك ولا لونك ولا ~~صحتك ولا ميعاد موتك. وليفتح ms2540 كل متمرد أذنيه، وليعرف أنه لن يقدر على ~~أن يتمرد على صاحب المنهج وهو الله. إذن صدق قول الله: { والله ~~على كل شيء قدير }. ومن بعد ذلك يقول الحق: { يأيها ~~الرسول... }. ### || [5.41] # نأتي في النداء بحرف الإقبال وهو " يا " وندخله على " المنادى " أي ~~أنك تطلب إقباله. فهل نطلب إقباله لمجرد الإقبال أو لشيء آخر؟ مثال ذلك ~~قول الحق: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] إذن النداء هنا لتلاوة التكليف عليهم. وحين ينادي ~~الحق سبحانه وتعالى أشرف من ناداهم وهم رسله، نجد أنه نادى كل الرسل ~~بمشخصاتهم العلمية. يا آدم، والمشخص العلمي هو الاسم، وهو ~~لا يعطي وصفا إلا تشخيص الذات بدون صفاتها. وكذلك نادى الحق إبراهيم ~~عليه السلام: # يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ # [الصافات: 104-105] وكذلك نادى الحق نوحا: # ينوح اهبط بسلام # [هود: 48] وكذلك نادى الحق موسى عليه السلام: # يموسى إني أنا الله # [القصص: 30] وكذلك نادى الحق عيسى ابن مريم عليه السلام: # يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس # [المائدة: 116] كل الرسل ناداهم الحق بالمشخص العلمي الذي لا ~~يعطي إلا التشخيص، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل ما ~~ناداه الله باسمه أبدا، إنما ناداه الله بالوصف الزائد عن مشخصات ~~الذات فيقول: { يأيها الرسول } ، ويقول: { يأيها ~~النبي }. حقا إن الجميع رسل، ولكنه سبحانه يريد أن يبلغنا أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم هو الرسول الذي جاء ناسخا للكل ومؤمنا ~~بالكل، هو الذي يستحق النداء بالوصف الزائد عن مشخصات الذات: { ~~يأيها الرسول }. وهو الرسول الذي تقوم عليه الساعة. ولذلك نجد ~~خطاب الحق لرسوله دائما: { يأيها الرسول } أو: { يأيها ~~النبي } ، وهذا نوع من التكريم. والحق يقول هنا: { يأيها ~~الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر }. أي لا ~~تحزن يا رسول الله من الذين يسارعون في الكفر. وحين يخاطب الحق رسوله في ~~ألا يحزن، علينا أن نعرف على ماذا يكون الحزن؟ سبحانه يوضح لرسوله: إياك ~~أن تحزن لأني معك فلن ينالك شر خصومك ولا يمكن أن أختارك رسولا ~~وأخذلك، إنهم لن ms2541 ينالوا منك شيئا. وقد يكون حزن النبي صلى الله عليه ~~وسلم حزنا من لون آخر، اسمه الحزن المتسامي الذي قال فيه الحق: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6] لأن الحق لو شاء أن يجعلهم مؤمنين لما جعل لديهم القدرة على ~~الكفر. # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4] وهل الله يريد أعناقا؟ لا. بل يريد قلوبا لأن سيطرة ~~القدرة بإمكانها أن تفعل ما تريد، بدليل أن السماء والأرض والجبال وكل ~~الكائنات أتت للخالق طائعة. فلا يمكن أن يتأبى الكون على خالقه. والقدرة ~~أفادت القهر وأفادت السيطرة والعزة والغلبة في سائر الكون، ولكن الله ~~أحب أن يأتي عبده - وهو السيد - للإيمان مختارا لأن الإيمان الأول هو ~~إيمان القهر والقدرة، ولكن الإيمان الثاني هو إيمان المحبة. # وقد ضربنا من قبل المثل على ذلك ولنوضحه: هب أن عندك خادمين ربطت أحدهما ~~في سلسلة لأنك إن تركته قليلا يهرب، وعندما تريده تجذب السلسلة فيأتي، ~~إنه يأتي لسيطرة قدرتك عليه والقهر منك، أما الخادم الآخر فأنت تتركه ~~حرا ويأتيك من فور النداء. فأيهما أحب إليك؟ لا شك أنك تحب الذي يجيء ~~عن حب لا عن قهر. وكل أجناس الكون مسخرة بالقدرة، وشاء الحق أن يجعل ~~الإنسان مختارا لذلك قال: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان # [الأحزاب: 72] إذن فقد رفضت كل الأجناس حمل الأمانة. خوفا وإشفاقا من ~~أنها قد لا تستطيع القيام بذلك. والحق يقول لرسوله: { لا يحزنك } ~~فأما إذا كان الحزن بسبب الخوف على المنهج منهم، فالحق ينصره ولن يمكنهم ~~منه. وأما إن كان الخوف عليهم فلا لأنه سبحانه خلق الإنسان مختارا غير ~~مقهور على القيام بتعاليم المنهج، وسبحانه يحب أن يعرف من يأتيه حبا ~~وكرامة. ويقول الحق لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: { لا يحزنك ~~الذين يسارعون في الكفر }. وهذه ربوبية التعبير، فنحن ~~نعلم أن السرعة تكون إلى الشيء، لا في الشيء كما قال الحق: ms2542 # وسارعوا إلى مغفرة # [آل عمران: 133] ولكن هنا نجده يقول: { يسارعون في الكفر }. ~~ولو قال الحق: " يسارعون إلى الكفر " لكان قد ثبت لهم إيمان وبعد ذلك ~~يذهبون إلى الكفر، لا. الحق يريد أن يوضح لنا: أنهم يسارعون في دائرة ~~الكفر. ويعلمنا أنهم في البداية في الكفر، ويسارعون إلى كفر أشد. ونعرف ~~أن " في " في القرآن نستطيع أن نضع من أجلها المجلدات. فقد قلنا من قبل ~~قال الله تعالى: { سيروا في الأرض }. ولم يقل سبحانه سيروا على ~~الأرض. والحق سبحانه: وتعالى يقول: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم # [النساء: 5] وهي ليست أموال المخاطبين، ولكنها في الأصل أموال السفهاء. ~~ولكن سبحانه يبلغنا أن السفهاء غير مأمونين على المال، ولذلك يأتي الحق ~~بالوصي والقيم على المال ويأمره أن يعتبر المال ماله حتى يحافظ عليه. ~~ويأمره بألا يخزن المال ليأكل منه السفيه لأن المال إن أكل منه ~~السفيه ودفع له الزكاة، قد ينضب وينفذ. لذلك قال الحق: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل الله ~~لكم قياما # [النساء: 5] ومن بعد ذلك يقول الحق: # وارزقوهم فيها # [النساء: 5] لم يقل ارزقوهم منها، ذلك أنه سبحانه شاء أن يعلمنا أن ~~الرزق مطمور في رأس المال ويجب أن يتحرك رأس المال في الحياة حتى لا ينقص ~~بالنفقة، وحتى لا تستهلكه الزكاة، وحتى يبلغ السفيه رشده ويجد المال ~~قد نما. هذه بعض من معطيات " في ". وهناك آية الصلب: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71] بعض المفسرين يقولون في هذه الآية: " لأصلبنكم على جذوع ~~النخل " ونقول: إن الذين قالوا ذلك لم يفسروا هذه الآية وكان يجب أن ~~يقولوا في تفسير ذلك: لأصلبنكم على جذوع النخل تصليبا قويا يدخل ~~المصلوب في المصلوب فيه. # ومثال ذلك لو جئنا بعدو ثقاب وربطناه على الأصبع بخيط رفيع وأوثقنا ~~الربط، فعود الثقاب يغوص في الأصبع حتى يصير وكأنه داخل الأصبع. وعندما ~~يقول الحق: { ولأصلبنكم في جذوع النخل } فيجب ألا نفهم ~~هذا القول إلا على أساس أنه تصليب على جذوع النخل تصليبا قويا يدخل ~~المصلوب في المصلوب فيه. وتلك هي العلة ms2543 في وجود " في " وعدم وجود " على ~~". والحق يقول هنا: { لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر } فكأن المسارعة إما أن تكون ب " إلى " وإما أن تكون ب " في ~~". فإن كانت ب " إلى " فهي انتقال إلى شيء لم يكن فيه ساعة بدء السرعة، ~~وإن كانت ب " في " فهي انتقال إلى عمق الشيء الذي كان فيه قبل أن يبدأ ~~المسارعة. { لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من ~~الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ~~} فالإيمان محله القلب، والإسلام محله الجوارح ولذلك قال سبحانه: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا # [الحجرات: 14] إنهم يسارعون إلى الصف الأول في الصلاة وهذا إسلام، أما ~~الإيمان فمحله القلب. إذن فالذين قالوا بأفواههم آمنا، لهم أن يعرفوا أن ~~منطقة الإيمان ليست الأفواه ولكنها القلوب. وهم قالوها بأفواههم وما مرت ~~على قلوبهم. وماداموا قد قالوا بأفواههم آمنا وما مرت على قلوبهم فهؤلاء ~~هم المنافقون، ومعنى ذلك أنهم في كل يوم ستظهر منهم أشياء تدخلهم في ~~الكفر لأنهم من البداية قد أبطنوا الكفر، وبعد ذلك يسارعون في مجال ~~الكفر. { من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم ~~تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا } هم إذن صنفان اثنان ~~يسارعان في الكفر المنافقون الذين قالوا بأفواههم آمنا، والذين هادوا. ~~ويصفهم الحق بقوله: { سماعون للكذب } وساعة تسمع مادة " السين ~~والميم والعين " فهذا يعني أن الأذن قد استقبلت صوتا من مصوت، هذا ~~المصوت إما أن يكون متكلما بالكلام الحق فيجذ من الأذن الإيمانية ~~استماعا بإنصات ثم يتعدى الاستماع إلى القبول فيقول المؤمن: أنا استمعت ~~إلى فلان، لا يقصد أنه سمع منه فقط ولكن يقصد أنه سمع وقبل منه ما قال. ~~إننا نعلم أن كثيرا من الورعين يسمعون كذبا، لكن الفيصل هو قبول الكذب ~~أو رفضه. وليس المهم أن يكون الإنسان سامعا فقط، ولكن أن يصدق ما يسمع. ~~ونرى في الحياة اليومية إنسانا يريد أن يصلح شيئا من أثاث منزله فيأتي ~~بالأدوات اللازمة لذلك، ويقال هنا عن هذا الرجل: " نجر فهو ناجر " ولا ~~يقال له: " نجار ms2544 " لأن النجار هو من تكون حرفته النجارة. # إذن كلمة: سامع للكذب لا تؤدي المعنى، ولكن " سماع " تؤدي المعنى، أي ~~أن صناعته هي التسمع، وعندما يقول الحق: { سماعون للكذب ~~سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } أي ألفوا أن يقبلوا ~~الكذب. وكيف يكون مزاج من يقبل الكذب؟. لا بد أن يكون مزاجا مريضا ~~بالفطرة. وما معنى الكذب هنا ومن هم السماعون؟ إما أن يكون المقصود بهم ~~الأحبار والرهبان الذين قالوا لأتباعهم كلاما غير ذي سند من واقع من ~~أجل الحفاظ على مراكزهم. وإما أن يكونوا سماعين للكذب لا لصالحهم هم، ~~ولكن لصالح قوم آخرين. كأنهم يقومون بالتجسس. والتجسس - كما نعلم - يكون ~~بالعين أو بالأذن. وتقدمت هذه الوسائل في زماننا حتى صار التجسس بالصوت ~~والصورة. وكأن الحق يريد أن يبلغنا أنهم سماعون للكذب، أي أنهم يسمعون ~~لحساب قوم آخرين. والقوم الآخرون الذي يسمعون لهم هم القوم الذين أصابهم ~~الكبر والغرور واستكبروا أن يحضروا مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وهم في الوقت نفسه لا يطيقون الانتظار ويريدون معرفة ماذا يقول رسول ~~الله، لذلك يرسلون الجواسيس إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم لينقلوا ~~لهم. أولئك السماعون للكذب هم سماعون لحساب قوم آخرين لم يأتوا إلى مجلس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبرا. وهؤلاء المتكبرون هم كبار ~~اليهود، وهم لا يذهبون إلى مجلس رسول الله حتى لا يضعف مركزهم أمام ~~أتباعهم. وعندما ينقل إليهم الكلام يحاولون تصويره على الغرض الذي ~~يريدون، ولذلك يقول عنهم الحق: { يحرفون الكلم من بعد ~~مواضعه }. أي أنهم يحرفون الكلام بعد أن استقر في مواضعه ~~ويستخرجونه منها فيهملونه ويزيلونه عن مواضعه بعد أن وضعه الله فيها وذلك ~~بتغيير أحكام الله، وقال الحق فيها أيضا من قبل ذلك: # يحرفون الكلم عن مواضعه # [المائدة: 13] أي أنهم حرفوا الكلام قبل أن يستقر. { سماعون ~~للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون ~~الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا ~~فخذوه } وهم الذين يقولون لأتباعهم من جواسيس الاستماع إلى مجلس رسول ~~الله: { إن أوتيتم ms2545 هذا فخذوه وإن لم تؤتوه ~~فاحذروا }. فكأنهم أقبلوا على النبي بهذا، فإن أخذوا من رسول الله ~~معنى يستطيعون تحريفه فعلوا. وإن لم يجدوا ما يحرفونه فعليهم الحذر. ومن ~~دراسة تاريخ القوانين الوضعية نعرف معنى السلطة الزمنية. فالقوانين التي ~~تواضع عليها بشر ليحكموا بها نظام الحياة تأخرت في الظهور إلى الواقع عن ~~نظام الكهنة، فقد كان الكهنة يدعون أن لهم صلة بالسماء ولذلك كان ~~الحكم لهم، أي أن التقنين في الأصل هو حكم السماء والذي جعل الناس تتجه ~~إلى وضع قوانين خاصة بهم أنهم جربوا الكهنة فوجدوهم يحكمون في قضية ما ~~حكما. # وفي القضية المشابهة يحكمون حكما آخر. لقد كان كلام الكهنة مقبولا ~~عندما ادعوا لأنفسهم الانتساب إلى أحكام السماء. لكن عندما تضاربت ~~أحكامهم خرج الناس على أحكام الكهنة ورفضوها ووضعوا لأنفسهم قوانين أخرى. ~~والحكاية التاريخية توضح لنا ذلك: فقد زنى أحد أتباع ملك في العصر ~~القديم وحاولوا أن يقيموا عليه الحد الموجود بالتوراة. لكن الملك قال ~~للكهنة لا أريد أن يرجم هذا الرجل وابحثوا عن حكم آخر. ورضخ الكهنة ~~لأمر الملك وقالوا: نحمم وجه الزاني - أي نسود وجهه بالحمم ~~وهو الفحم - ونجعله يركب حمارا ووجه إلى الخلف ونطوف به بين الناس بدلا ~~من الرجم. وهكذا أعطت السلطة الزمنية السياسية الأمر للسلطة الزمنية ~~الدينية ليغيروا في القوانين. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى المدينة حاولوا أن يستغلوا وجوده في استصدار أحكام فيها هوادة ولين. ~~وعرضوا عليه بعضا من القضايا من أجل ذلك، فإن جاء الحكم بالتخفيف قبلوه، ~~وإن كان الحكم مشددا لم يقبلوه. وتكررت مسألة الزنا. وحاولوا الحصول ~~على حكم مخفف من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء رسول الله ~~بالحكم الذي نزل من السماء وهو الرجم. ولكنهم قالوا للرجم لا. يكفي ~~أن نجلده أربعين جلدة وأن نسود وجهه وأن نجعله يركب حمارا ووجهه للخلف ~~ويطاف به. وهنا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس عندكم رجل صالح ~~له علم بالكتاب؟ وهنا صمتوا. وقال رسول ms2546 الله صلى الله عليه وسلم: هل ~~تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن " فدك " يقال له: " ابن صوريا ". ~~فقالوا: نعم، هو أعلم يهود على وجه الأرض. فأمر الرسول بإحضاره ليرى ~~الحكم النازل في الزنا بالتوراة، وجاء الرجل وناشده رسول الله بالذي ~~لا إله إلا هو وبحق من أرسل موسى، وبحق من أنزل التوراة على موسى، وبحق ~~من فلق البحر، وبحق من أغرق فرعون، وبحق من ظللهم بالغمام. وأراد صلى ~~الله عليه وسلم أن يزلزل فيه كل باطل وأن يشحنه بالطاعة حتى ينطق الحق، ~~فقال ابن صوريا: نعم نجد الرجم للزنا. وهنا سب اليهود الرجل ~~الصالح. لقد أرادوا أن يحصلوا على حكم مخفف من رسول الله لينقذوا ~~الزاني صاحب المقام العالي، وكذلك الزانية ذات الحسب والنسب لذلك قال ~~الحق على لسانهم: { إن أوتيتم هذا }. أي التخفيف المراد فخذوه، ~~وإن وجدتم العقاب القاسي فاحذروه ولا تقبلوه. إذن فهم لم يذهبوا إلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ابتغاء الحق ولكنهم يبتغون التخفيف. فإن وافق ~~الحكم هواهم قالوا: إن محمدا هو الذي حكم، ومن العجيب أنهم أعداء ~~لمحمد وكافرون به. وبرغم ذلك يحكمونه. هذه الواقعة يرويها الإمام مسلم ~~رضي الله عنه وهي: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى يهودي ويهودية قد زنيا فانطلق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء يهود فقال: ما تجدون في التوراة ~~على من زنى؟ قالوا: نسود وجوههما ونحممهما ونحملهما ونخالف بين ~~وجوههما، ويطاف بهما، قال: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين قال: ~~فجاءوا بها، فقرأوها، حتى إذا مر بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده ~~على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام ~~وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: مره فليرفع يده، فرفع يده فاذا ~~تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما، قال ~~عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه ". # إنهم يريدون الحكم السهل الهين اللين. وقال ms2547 البعض: إن سبب نزول هذه ~~الآية هي قصة القود. والقود هو القصاص. وقصة القود في إيجاز هي - كما ~~رواها الامام أحمد وأبو داود وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنه - أن ~~طائفتين من اليهود هما بنو النضير وبنو قريظة كانتا قد تحاربتا في ~~الجاهلية، فقهرت بنو النضير بني قريظة، فكانت النضير وهي العزيزة إذا ~~قتلت أحدا من بني قريظة وهي الذليلة لم يقيدوهم أي لم يعطوهم ~~القاتل ليقتلوه بقتيلهم. إنما يعطونهم الدية. وكانت قريظة إذا قتلت ~~أحدا من بني النضير لم يرضوا منهم إلا بالقود. فلما قدم النبي صلى ~~الله عليه وسلم المدينة تحاكموا إليه في هذا الأمر فحكم بالتسوية ~~بينهم، فساءهم ذلك ولم يقبلوا. وأي قصة منها هي مؤكدة للمعنى. ومن ~~بعد ذلك يقول الحق: { ومن يرد الله فتنته فلن تملك ~~له من الله شيئا } والفتنة هي التعذيب بالنار، وسبحانه يقول: # يوم هم على النار يفتنون # [الذاريات: 13] والفتنة أيضا هي الابتلاء والاختبار، ويقال: " فتنت ~~الذهب " أي وضعت الذهب في بوتقة وحولته بالحرارة العالية من جسم صلب ~~إلى سائل حتى تستخلصه من المواد العالقة الشائبة التي فيه ليصير نقيا. ~~والفتنة في ذاتها ليست مذمومة. ولكن المذموم منها هو النتيجة التي تصل ~~إليها أينجح الإنسان فيها أم يرسب لأن الاختبارات التي يمر بها الإنسان ~~كلها هي فتنة، والذي ينجح تكون الفتنة بالنسبة إليه طيبة. والذي يرسب ~~ويفشل فالفتنة بالنسبة إليه سيئة. وعندما يريد الله فتنة بشر أي يريد ~~اختبارهم: أيأتون طوعا واختيارا أم لا؟ ومادام الحق سبحانه وتعالى أعطى ~~للإنسان قدرة الاختيار حتى يثبت صفة المحبوبية فسبحانه أراد ذلك، ولا ~~أحد بقادر أن يجعل الإنسان مقهورا. وقد أراده الله مختارا وأن يبتلى ~~وأن يختبر. أينجح أم يرسب، أيكون مؤمنا أم كافرا: { ومن يرد ~~الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا }. وجعل ~~سبحانه ذلك قانونا لخلقه بمنتهى الوضوح، وهناك جانب في الإنسان مسخر، ~~وجانب آخر مخير. # { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله ~~شيئا }. أي أن أحدا لا يجرؤ ms2548 أن يغير نواميس الكون ولن يغير الله ~~نواميس الكون من أجل أي أحد لأن النواميس لا بد أن تسير كما أرادها الله ~~حتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد عرفنا ما حدث في أحد عندما ~~تخاذل الرماة ولم يستمعوا إلى نصيحة القائد الأعلى سيدنا محمد صلى الله ~~عليه وسلم أغير الله سنته من أجل وجود حبيبه معهم؟ لا، وانهزموا ~~على رغم وجود رسول الله معهم لأن الله أراد للسنة الكونية أن تسير كما ~~هي من أجل إصلاح الأمر. فلو فرض أنهم انتصروا من أجل خاطر النبي، ماذا ~~يكون الموقف في أوامره صلى الله عليه وسلم فيما بعد؟ كان من الممكن أن ~~يقول شخص منهم: " خالفناه وانتصرنا ". إذن لا بد لسنة الله أن ~~تنفذ. { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من ~~الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن ~~يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في ~~الآخرة عذاب عظيم } [المائدة: 41] لماذا لم يرد الله أن يطهر ~~قلوبهم؟ لأنهم منافقون. وفي قلب المنافق مرض. وعندما تأتي أحداث ينتفع ~~بها المسلمون فالمنافق يزداد حقدا ومرضا لأن قلبه ممتلئ بالغل، ولا ~~يريد الله تطهير قلب إنسان إلا أن يقبل على الله ولذلك قال تعالى: # والله لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264] وقال سبحانه: # والله لا يهدي القوم الظالمين # [آل عمران: 86] فهل عدم هداية الله لهم نشأت أولا، ثم نشأ الكفر، أو ~~نشأ الكفر منهم فجاء عدم الهداية؟ نعلم أن عدم الهداية مرتبة على أنه ~~ظالم أو كافر، وقلنا من قبل: إن هناك إرادة كونية وإرادة شرعية. والإرادة ~~الكونية هي ما يحدث في كون الله. ولا شيء قد حدث في كون الله غصبا عن ~~الله. والاختيار خلقه الله في الإنسان ليصير الإنسان مخيرا بين الكفر ~~والإيمان. ومادام الحق قد خلق الإنسان مختارا لهذا أو لذلك إذن فهو ~~سبحانه مريد كونيا ما يصدر عن الإنسان اختيارا كفرا أو هداية. ~~لكن أمريد هو سبحانه ذلك شرعا؟ لا. إن الشرع أمر سماوي إما أن ينفذه ms2549 ~~العبد وإما أن يعصيه. ونعرف أن هناك أشياء مرادة كونيا وأشياء مرادة ~~شرعيا. والمراد الكوني هو الذي يكون: أما الإنسان فقد خلقه الله وله ~~الاختيار، فالذي يسرق لا يسرق غصبا عن الله ولكن ما أعطاه له الله من ~~اختيار ومن طاقة، إما أن يوجهها إلى الخير وإما إلى الشر. ونحن حين ننظر ~~إلى الساعة التي نضعها حول المعصم وقد صنعها الصانع صالحة لأن يديرها ~~الإنسان على توقيت أي بلد، فهل هذا يتم غصبا عن الصانع؟ لا. # وكذلك جهاز " التليفزيون " إن أذعنا فيه برامج دينية فهو صالح للهدف، ~~وإن أذعنا فيه حفلة راقصة فهو صالح لذلك أيضا. والذي صنع التليفزيون جعله ~~صالحا لهذا ولذاك، المهم هو توجيه الطاقة وكذلك الإنسان. والإرادة ~~الكونية هي كل ما يكون في ملك الله، والإرادة الشرعية هي كل ما يكون في ~~شرع الله " افعل ولا تفعل ". ومادام هناك أمر كوني شرعي فالكون قد أوجده ~~الله لخدمة المؤمن والكافر والعاصي، لكن الأمر الشرعي جعله الله للمؤمن. ~~إذن فإيمان المؤمن أراده الله كونا لأنه سبحانه قد وضع الإيمان منهجا، ~~وأراد الله إيمان المؤمن شرعا. وكفر الكافر لم يتم غصبا عن الله. ولكن ~~الإنسان بخلقه مختارا. صار كفره أمرا كونيا، ولكنه غير مراد ~~شرعا، فكفر الكافر مراد كونا غير مراد شرعا. وإيمان الكافر غير مراد ~~كونا وكفر المؤمن غير مراد كونا. وبهذا نكون أمام أربعة أقسام في ~~المراد كونا وشرعا. وهذه هي القسمة العقلية. إذن من يرد الله فتنته ~~كونا فلا راد لإرادة الله فإذا لم يطع الشرع، فذلك لأنه مخلوق صالح ~~للطاعة وصالح للمعصية. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - الوالد ~~يعطي لابنه جنيها ويقول له: أنت حر في هذا المبلغ فإن اشتريت مصحفا أو ~~كتاب دين أو شيئا تأكله أنت وإخوتك فسأكافئك وأستأمنك على أشياء كثيرة. ~~أما إن اشتريت ورق اللعب المسمى " كوتشينة " فسأغضب منك. وحين يذهب ~~الولد ليشتري ورق اللعب المسمى " كوتشينة " ، هل اشترى ذلك غصبا عن ~~أبيه؟ لا. لكن الولد يصبح غير محبوب من أبيه. ms2550 هذا هو الفارق بين المراد ~~كونا والمراد شرعا. وبين المراد كونا لا شرعا. والمراد شرعا لا كونا. ~~{ أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ~~} كان ذلك كونا لأنه سبحانه خلقهم قابلين للتطهير وقابلين لغيره، فإن ~~فعلوا أي شيء فهم لن يفعلوه غصبا عن الله لذلك يذيل الحق الآية: { ~~لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم } ~~فكأن معنى ذلك أن في قلوبهم أشياء ضد الطهارة، ولهم في الدنيا خزي. ~~والخزي يطلق على الفضيحة ويطلق على الاستحياء، والمعنيان يلتقيان. وهنا ~~في مجال هذه الآية: أي خزي وأي فتنة؟ إنهما فئتنا المنافقون واليهود. ~~وكان المنافقون كلما فعلوا شيئا ينفضح. وعندما يبيتون أي شيء فإن الله ~~يخبر رسوله بما يبيتون. # ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول # [محمد: 30] وكذلك الذين هادوا: يأتيهم الخزي أي الافتضاح، أي أن يصيروا ~~إلى المسترذل بعد أن كانوا في المستحسن. والرسول صلى الله عليه وسلم ~~دخل المدينة واليهود سادة هذه البقعة سادتها علما لأنهم أهل كتاب، أما ~~الأوس والخزرج فأميون لا يعرفون شيئا. وكان اقتصاد المدينة في أيدي ~~اليهود، من مال وصنعة وزراعة. وعنجهية الجاه. وعندما يأتي الرسول صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة يجدهم السادة، ثم ينفضح أمرهم وكذبهم، ويتم ~~إجلاؤهم،وتسبى نساؤهم ويقتل بعضهم. وعندما يدبرون كيدا لرسول الله، ~~يفضحهم الله، وكل ذلك خزي، وليس الخزي هو الجزاء الوحيد لهم، بل يلقون في ~~الآخرة عذابا أليما. ويقول الحق من بعد ذلك: { سماعون ~~للكذب... }. ### || [5.42] # وفي اللغة ألفاظ مفردة، مثال: " سجنجل " وتفتح القاموس فتجد معناها " ~~البلور " ، وكذلك الصفا والمروة وعندما تبحث في القاموس عن كلمة " مروة " ~~تعرف أن معنى اللفظ بعيد عن النسبة، فأول عمل للغة أن تعرف معنى الألفاظ ~~بعيدا عن نسبتها. ومهمة القاموس أن يشرح لك معنى اللفظ بعيدا عن النسبة ~~دون إثبات أو نفي، مثال ذلك " الجو " معناها هو ما يحيط بك من هواء أو ~~غير ذلك، لكن القاموس لا يشرح هل الجو مكفهر أو صاف أو بارد. وإن ~~تقدمنا مرحلة ms2551 أخرى وأخذنا اللفظ لنصنع له نسبته، كأن نقول: " الجو صحو " ~~، هنا ننتقل من فهم معنى كلمة " جو " ، إلى أننا نسبنا الصحو إليه. ~~والكلام المفيد يأتي في النسب. ولا تأتي النسب إلا بعد معرفة معاني ~~الألفاظ. والنسب تعني أن ننسب شيئا إلى شيء، كأن نقول: " محمد مجتهد " ~~هنا نسبنا لمحمد الاجتهاد، وذلك بعد أن عرفنا معنى كلمة " محمد " ~~بمفردها، ومعنى " مجتهد " بمفردها. إذن الكلام المفيد يتأتى في النسب. ~~وقد تكون الإفادة بضميمة كلمة إلى ما سبقها، فعندما يسألك إنسان: " من ~~عندك "؟ فتقول: " محمد " هذا القول أفاد لأنه انضم إلى كلمة أخرى فصار ~~المعنى: " محمد عندي ". إذن هناك نسب، والنسب هي أن تنسب حكما إلى شيء ~~إما إيجابا وإما نفيا. والنسبة تنقسم إلى قسمين نسبة واقعة، ونسبة غير ~~واقعة. وإن كانت النسبة واقعة فهل تعتقدها؟ وهل تستطيع أن تقيم عليها ~~دليلا؟ إن كانت النسبة الواقعة ومقام عليها الدليل تكون علما. وإن كانت ~~نسبة وواقعة وأنت تعتقدها ولا تستطيع أن تدلل عليها، فهذا تقليد، مثل ~~الطفل الذي يقلد أباه فيقول: " الله أحد " ، والطفل في هذه الحالة لا ~~يستطيع أن يقيم على هذه النسبة دليلا. إن العلم أعلى مراتب النسب لأنه ~~نسبة معتقدة وواقعة وعليها دليل. أما إذا كانت نسبة معتقدة وغير واقعة، ~~فهذا هو الجهل لأن الجاهل هو الذي يعرف الشيء على غير وجهه الصحيح. أما ~~الأمي فهو الذي لا يعرف شيئا ونجد صعوبة في الشرح للجاهل، مثال ذلك الذي ~~يقول الأرض مبسوطة ويدافع عنها، إنه يقول نسبة يعتقدها، ولكنها غير ~~الواقع لأنها كروية. والجهل - إذن - أن تعرف نسبة تعتقدها وهي غير واقعة. ~~ولا يرهق الدنيا غير الجاهل، لا الأمي لأن الأمي له عقل فارغ يكفي أن ~~تقول له الحقيقة فيصدقها، أما الجاهل فيحتاج إلى أن نخلع من أفكاره الفكر ~~الخاطئ ونضع له الفكر الصحيح. # أما إن كانت النسبة غير واقعة. فالنفي فيها يساوي الإثبات، وهذا هو ~~الشك. وإن كانت هناك نسبة راجحة فهو الظن. والنسبة المرجوحة هي الوهم. ~~إذن هناك عدد من ms2552 النسب: نسبة علم، نسبة تقليد، نسبة جهل، نسبة شك، نسبة ~~ظن، نسبة وهم. وعلى ذلك يكون الكذب نسبة غير واقعة، فإن كنت تعتقدها فأنت ~~من الجاهلين. ويقابل الكذب الصدق، وعندما يقول الحق: { سماعون ~~للكذب }. فالنسبة هنا غير مطابقة للواقع. ويقتنص الملبسون بعض ~~النسب التي تأتي في بعض من أسلوب القرآن ويقولون: في القرآن كلام لو ~~محصناه لوجدناه غير دقيق. مثال ذلك: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله # [المنافقون: 1] كلام المنافقين هنا قد طابق كلام الله، ولكن لماذا يقول ~~الحق من بعد ذلك: # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1] النسبة واحدة، لكن الله يكذب المنافقين. وإن فطنا إلى ~~قول الله حكاية عنهم: # نشهد إنك لرسول الله # [المنافقون: 1] أي أن الله يكذب شهادتهم، لأن محمدا رسول الله ~~بالفعل، ولكنهم كاذبون لأنهم لا يعتقدون ذلك، فالشهادة هي ما يوافق ~~اللسان ما في القلب. إذن قوله الحق: { سماعون للكذب ~~أكالون للسحت } أي أن عملهم الاستماع للكذب، وأكل السحت ~~وكأنهم يرهقون إن أكلوا حلالا، وأكال صيغة للمبالغة وتكون إما في ~~الحدث، وإما في تكرار أنواع الحدث. فيقال: " فلان أكال " ، و " فلان أكول ~~" وهو الإنسان الذي يأكل بشراهة أو يأكل كثيرا، والمبالغة - إذن - إما ~~أن تكون في الحدث وإما في تكرير الحدث. { أكالون للسحت } ومادة ~~" سحت " تعني " استأصل ومحا " ، ولكنها تزيد أنها استأصلته استئصالا لم ~~يبق له أثرا وتعدى الاستئصال إلى ظرفه. مثال ذلك عند ظهور بقعة من زيت ~~أو طعام على ثوب، نستطيع استئصال البقعة، ونستطيع المبالغة في استصالها ~~إلى أن تنحت من الثوب. والسحت استئصال مبالغ فيه لدرجة الجور على ~~الأصل قليلا. أي يستأصل الذي جاء ومعه بعض من الأصل أيضا لذلك جاء ~~المفسرون إلى هذا المعنى في شرح الربا لأن الله يصفه بالقول: # يمحق الله الربا # [البقرة: 276] والربا في مفهومنا أنه زيادة، ولكن الحق أوضح لنا أنه ليس ~~بزيادة لأنه يدخل ويستأصل ويأكل ويكحت أصل المال. وظاهر الربا وباطنه ~~محق واستئصال. أما الزكاة فظاهرها نقص، ولكنها نماء، ms2553 وبذلك نرى اختلاف ~~مقاييس الخلق عن مقاييس الحق. والمثل الواضح: أن النفس تلتفت دائما إلى ~~رزق الإيجاب، ولا تلتفت إلى رزق السلب. فرجل راتبه خمسمائة جنيه، وآخر ~~راتبه مائة جنيه، صاحب الراتب البالغ الخمسمائة فتح الله عليه أبوابا ~~تحتاج إلى ألف من الجنيهات، والذي يأخذ مائة جنيه سد الحق عنه ~~أبوابا لا تأخذ منه كل راتبه بل يتبقى له عشرة جنيهات. # هناك - إذن - رزق إيجاب يزيد الدخل، ورزق سلب أن يسلب الحق عنك المصارف ~~في المصائب والمهالك ويبارك لك فيما أعطاك. والسحت هو كل شيء تأخذه من ~~غير طريق الحلال كالرشوة أو الربا أو السرقة أو الاختلاس أو الخطف. وكل ~~أنواع المقامرة والمراهنة، كل ذلك اسمه سحت. { سماعون للكذب ~~أكالون للسحت } وهذا القول دليل على أن أذنهم اعتادت سماع ~~الكذب ويقبلون عليه. وعندما نقول نحن في الصلاة: " سمع الله لمن حمده " ، ~~أي أننا ندعو الله أن يقبل الحمد. وهم سماعون للكذب أي يقبلون الكذب. ~~والسماع جارحة، والأكل بناء ما به الجارحة لأنه مقوم لها. مثلما يأكل ~~لينمو، وإن كان ناضجا يحفظ له الطاقة والقدرة. فالنمو - إذن - معناه أن ~~يدخل جوفه أكثر مما يخرج منه. وبعد فترة يدخل إلى جسمه على قدر ما يخرج ~~منه، ثم الشيخوخة نجد فيها أن ما يخرج أكثر مما يدخل. وماداموا سماعين ~~للكذب أكالين للسحت، فهم في بوار دائم، لأن أكل السحت حيثية من ~~حيثيات الاستماع المصدق للكذب لأنهم قد بنوا ذرات أجسادهم من حرام، ~~فكيف ترفض آذانهم الكذب؟ بل آذانهم تستدعي الكذب، وألسنتهم تحترفه. ~~وعيونهم تستدعي المحارم، وأيديهم تستدعي السرقة، إنها الأبعاض التي بناها ~~أصحابها من حرام. ولم يقل الحق عنهم: " سامعون " ، بل قال: " سماعون " أي ~~جعلوا صناعتهم أن يتسمعوا، وهم الجواسيس، وإلا فإذا كان الأمر غير ذلك ~~لكان كل من سمع كذبا يعد من هؤلاء. والقول مقصود به من جعل السماع صنعة ~~له، ولا يجعل إنسان السماع صنعة له إلا إذا كان عينا لغيره، والعين للغير ~~يتلصص على أمانة المجالس، ولكل مجلس أمانة. فإذا ms2554 ما حضر إنسان مجلسا فليس ~~له أن ينقل ما في ذلك المجلس إلى غيره إلا أن يكون ذلك هو صناعته، وتلك ~~هي مهمته. { سماعون للكذب أكالون للسحت } وهنا ~~قضيتان. فهل السماع للكذب سببه أكل السحت، أم أكل السحت سببه السماع ~~للكذب؟ إن الحق سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان من طينة الأرض وصوره على ~~شكل آدم نفخ فيه من روحه، وحين صوره من طينة الأرض جعل كل مقومات حركة ~~حياته من طبيعة طينة الأرض، فإذا ما أخذ الإنسان شيئا من حل، اعتدلت ~~الذرات في نفسه على الهيئة التي خلقها الله. وإن تدخل فيها بحرام جعل في ~~الذرات اختلالا تكوينيا. وهذا الاختلال التكويني هو الذي جعل آكل الحرام ~~سماعا للكذب. ولو لم يكن فيه ذلك الاختلال التكويني الذي صنعه بنفسه لما ~~سمع الكذب أبدا. أو أنه عندما أكل السحت صار سماعا للكذب. أو سمع ~~كذبا فصار أكالا للسحت. ولنلاحظ أن الحق لم يقل: " آكل للسحت " ~~، ولم يقل: " سامع للكذب " ولكنه قال: { سماعون للكذب ~~أكالون للسحت } أي أنهم تعودوا سماع الكذب وتعودوا أكل ~~السحت، فالواحد منهم أخذ حراما من أول الأمر، وعندما صار أكالا ~~وسماعا للكذب في آن واحد، اختلت ذرات تكوينه، ولم يعد في أعماقه نور ~~ليرفض الكذب. # بل أقبل عليه، ويغريه الكذب ثانية بأن يأكل السحت، والأمر دائر بين ~~سماع كذب وأكل سحت. وقضية الكذب هي قضية صراع الباطل مع الحق. ومادام ~~الكذب غير مطابق لوازع كوني أو لواقع منهجي تكليفي فهذا يصنع خللا في ~~الكون. وحينما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يضرب لنا المثل في ذلك جاء ~~بالمثل في أمر حسي حتى نراه جميعا: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها # [الرعد: 17] أي أن كل واد تحمل على قدر طاقته. ومن بعد ذلك يقول ~~الحق: # فاحتمل السيل زبدا رابيا # [الرعد: 17] فقبل أن ينزل السيل من على الجبال إلى الوديان، يأخذ كل ~~الأشياء التي تصادفه على الجبل من آثار الرياح، ومن أوراق النبات، فينزله ~~إلى الوادي، وتلك هي الأشياء التي تصنع ms2555 الزبد ونقول عنه في لغتنا ~~العامية: " الرغاوي ". # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا # [الرعد: 17] و " رابيا " أي عائما وعاليا وطافيا فوق المياه، لماذا؟ ~~لأنه مادام زبدا ففيه فقاقيع هواء تجعل حجمه أكبر من وزنه. وتصبح كثافته ~~أقل من المياه لذلك يطفو فوقها. وماذا يكون الموقف بعد ذلك؟ # فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله # [الرعد: 17] ومن العجيب أنه سبحانه جعل المثلين في الماء والمضاد له وهو ~~النار، فالماء يأتي بزبد وغثاء يطفو على المياه، وكذلك النار حين ندخل ~~فيها المعادن. ومن رأى الحداد ينفخ في كيره على قطعة من الحديد يرى ~~الخبث، والمواد الغريبة الممتزجة بالحديد والتي تنفصل أثناء الصهر عن ~~الحديد ليصير صافيا. إذن فهناك زبد في الحديد تخرجه النار عند صهره، وزبد ~~يطفو فوق الماء. # ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو ~~متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل # [الرعد: 17] ولهذا نرى الباطل وقد أتى عليه زمن ليطفو فوق السطح، ويخرج ~~الخبث طافيا على أصيل الحديد. لكن أيظل الباطل كذلك؟ يطمئننا الحق ~~أنه يحمي الحق فيقول: # فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض # [الرعد: 17] وحين نرى الباطل وقد طفا على السطح نفاجأ بعد وقت من الزمن ~~أن الزبد ينتهي ويصبح الماء صافيا، وكذلك الزبد الذي يطفو على الحديد، ~~ينفضه الحديد ليبقى صافيا. فإذا رأينا الباطل مرة يعلو، فلنعلم أنه لا ~~بقاء لهذا العلو لأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض. ولماذا لا يعلن ~~الحق عن نفسه من البداية؟ أراد الله ذلك ليجعل الباطل من جنود الحق، ولو ~~لم يعض الباطل الناس ويتعبهم أيتجهون إلى الحق؟ لا لذلك كان لا بد أن ~~يأتي إليهم الباطل الناس ويتعبهم ليبحثوا عن الحق. # وهكذا نرى الباطل كجندي من جنود الحق. وضربنا المثل من قبل وعرفنا أن ~~الألم عند المريض من جنود العافية، فلولا ذلك الألم لاستشرى الداء دون أن ~~يشعر المريض، فكأن الألم ms2556 يلفته إلى موضع الداء ويدفعه للبحث عن وسائل ~~الشفاء. وبذلك يتعرف على حلاوة العافية. إذن فالباطل من جنود الحق والألم ~~من جنود الشفاء لأن أمور الحياة لو سارت على وتيرة واحدة لما عرف الإنسان ~~أوجه الحياة، فلو لم يأت الألم إلى المريض لأكله المرض. فإذا كان الألم ~~من جنود الشفاء، فالكفر أيضا من جنود الإيمان لأننا عندما نرى الكفر ~~ونشهد آثار الكفر فسادا في المجتمع، نتساءل: ما الذي يخلصنا من ذلك؟ ~~ونعرف أن الذي يخلصنا من الفساد هو الإيمان. وأكرر دائما: كلمة ~~الكفر بذاتها هي الدليل الأول على الإيمان لأن الكفر هو الستر، ~~ومادام الكفر هو الستر، والكافر يستر الإيمان، وظهور الكفر على السطح ~~دليل وجود الإيمان في الأصل. ومادام الحق قد قال: { سماعون ~~للكذب أكالون للسحت } فلا بد بعد هذا التشخيص أن يرسم ~~لرسوله أسلوب التعامل معهم: { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا }. ~~فأنت يا رسول الله بالخيار بين أن تحكم بينهم في القضية التي جاءوا من ~~أجلها أو تعرض عنهم، فليس عليك تجاههم إلزام ما لأنهم السماعون للكذب ~~الأكالون للسحت. وهم حينما يأتونك يا رسول الله طلبا لحكم إنما ~~يفعلون ذلك لا رغبة في معرفة الحق ولا هم يلتمسون العدل. بل جاءوك مظنة ~~تيسير أمر الباطل وأكل السحت لنفوسهم. وقد طلبوا الحكم في قضية الزنا ~~وعندهم في التوراة كان الرجم عقابا للزنا. لقد ذهبوا لرسول الله لأنهم ~~أرادوا أن يستروا حكم الزنا في التوراة، والاكتفاء بالجلد وتسويد وجه ~~الزاني وركوبه حمارا في الوضع العكسي بحيث يكون وجهه في اتجاه الذيل ~~وقفاه في اتجاه رأس الحمار، وأن يطوفوا بالزاني وهو على هذه الهيئة حول ~~البلدة. ولما لم يسمعوا ذلك الحكم من الرسول ابتعدوا عنه. إذن هم يطلبون ~~التخفيف لأنهم كانوا سماعين للكذب واكالين للسحت. ولأن الذي سيطبق ~~عليه الحد رجل له جاه وله مكانة وهم يريدون التقرب إليه بتخفيف العقاب ~~عنه. وهل هناك تعارض بين قول الحق في الآية التي نحن بصدد ms2557 خواطرنا عنها ~~وبين قول الحق: # فاحكم بينهم بمآ أنزل الله # [المائدة: 48] لا تعارض. والبعض يقول: إن في قوله الحق: { فاحكم ~~بينهم بمآ أنزل الله } إلزاما. ونقول: المعنى الواضح هو أنك ~~يا رسول الله، إن رجحت جانب أن تحكم وتقضي بينهم فاحكم بما أنزل الله، ~~ولننظر إلى الأداء القرآني لأن المتكلم إله وحكيم: { فإن جآءوك ~~فاحكم بينهم أو أعرض عنهم }. # ونلحظ أن الأمر هنا جاء بطريقة تؤكد أن الإعراض ممكن لأنهم أرادوا أن ~~يحكم لهم رسول الله على هواهم، وطمأنه الله بأنه سيحميه من شرهم إن أعرض ~~عنهم، وكأن الحق يقول لرسوله: إياك أن تفكر حين تعرض عنهم أنهم سينالونك ~~بالشر لأنك لم تحقق لهم التيسير الذي ابتغوه عندك { وإن تعرض ~~عنهم فلن يضروك شيئا } وإياك أن تجعل الضرر منهم مرجحا ~~للحكم فأنت بالخيار إما أن تحكم وإما أن تعرض. ولا تخش من شرهم لأن الذي ~~أرسلك يحميك. { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن ~~الله يحب المقسطين } والحكم في هذه الآية يأتي كالقوس في ~~البداية وفي النهاية، والحكم بينهم يكون بالقسط أي بالعدل. والعدل ليس ~~كما يراه الهوى ولكن حسب ما أنزل الله. أي أن الله يحب الذين يزيلون ~~الجور. ومادام الحكم بالعدل يأتي ليزيل الجور، فكأنه كان من قبل جور ~~مقنن إذن ف " أقسط " أي أزال جورا مقننا وأعاد توازن الميزان ليعود ~~الانسجام بين الإنسان والكون. والكون كله يسير بميزان الأرض تدور والشمس ~~تؤدي مهمتها، ولا كوكب يصطدم بكوكب آخر: # وكل في فلك يسبحون # [يس: 40] فإن أردتم أن تستقيم لكم أموركم الاختيارية، فانظروا إلى ~~الأمور الإجبارية التي حولكم، فإن كانت بنظام وميزان واعتدلت الأمور، ~~اعدلوا - إذن - في إدارة شئونكم حتى تنسجموا كما انسجم الكون، ولذلك نقرأ ~~قوله تعالى: # الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر ~~يسجدان * والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا ~~تطغوا في الميزان # [الرحمن: 5-8] أمامكم الموازين العليا في الكون، ولا تستطيعون إفسادها ~~لأنها تسير بنظام لا دخل لكم به لذلك عليكم أن تتعلموا منها وأن تديروا ~~أمور حياتكم بميزان حتى ms2558 تستقيم أموركم الاختيارية. # ألا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن ~~بالقسط ولا تخسروا الميزان # [الرحمن: 8-9] فإن رأيت حولك كونا غير مضطرب، وغير متصادم، ويؤدي ~~حركته دون تعارض أو تصادم، فافهم أنه قائم على ميزان الحق، ووضع سبحانه ~~لك ميزانا في الأمور الاختيارية، والمرجحات الاختيارية هي أحكام التكليف ~~من الله، فإن أردت أن تستقيم لك الأمور الاختيارية فسر بها على الميزان ~~الذي وضعه الله. ثم يلفتنا الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك بقوله: { وكيف ~~يحكمونك... }. ### || [5.43] # يوضح سبحانه: كيف يأتون طلبا للحكم منك وعندهم التوراة، وهم لم يؤمنوا ~~بك يا محمد رسولا من الله، فكيف يرضاك من لم يؤمن بك حكما؟ لا بد أن ~~في ذلك مصلحة مناقضة لما في التوراة، ولو لم تكن تلك المصلحة مناقضة ~~لنفذوا الحكم الذي عندهم، وهم إنما جاءوا إليك يا رسول الله طمعا في أن ~~تعطي شيئا من التسهيل وظنوا - والعياذ بالله - أنك قد توفر لهم أكل ~~السحت وسماع الكذب. { وكيف يحكمونك وعندهم ~~التوراة } وهي مسألة عجيبة يجب أن يفطن إليها لأن عندهم التوراة ~~فيها حكم الله، فلو حكموك في أمر ليس في التوراة لكان الأمر مقبولا، لكن ~~أن يحكموك في أمر له حكم في التوراة، وبعد ذلك يطلعك الله عليه لتكشفه ~~فتقول يا رسول الله: هاتوا ابن صوريا ليأتي بحكم التوراة. ويعترف ابن ~~صوريا بوجود حكم الرجم في التوراة. إذن هم رغبوا في الاحتيال، وأراد ~~الله أن يثبت لرسوله صلى الله عليه وسلم لونا في الإعلام عن هؤلاء ~~المارقين على أحكام الله، هم يعلمون أن الرسول أمي، لم يقرأ ولم يكتب، ~~فمن الذي أخبره بالحكم الموجود بالتوراة؟ إذن أخبره من أرسله، وإذا كانوا ~~قد أرادوا البحث عن حكم مخفف فالحق أراد ذلك ليكون سببا من أسباب ~~الخزي لهم. { وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها ~~حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك ومآ ~~أولئك بالمؤمنين } [المائدة: 43] وهذا دليل على أن الرسول ~~عندما حكم بغير مطلوب تيسيرهم. أعرضوا عن الحكم. ولو كانوا طالبين للحكم ~~بادئ ذي بدء لقبلوا ms2559 الحكم بالرجم كما قاله لهم رسول الله، لكنهم غير ~~مؤمنين حتى بتوراتهم. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { إنآ أنزلنا ~~التوراة... }. ### || [5.44] # الهدى هو الطريق أو الدرب الموصل للغاية. وتأتي على الطريق أحقاب ~~الليل والنهار، فالطريق مظلم ليلا، وقد تعترض السائر فيه عقبات، أو قد ~~لا يمشي السائر في سواء السبيل أي وسط الطريق، فيقع في حفرة أو يصطدم ~~بحجر. ويوضح الحق هنا: لقد صنعت لكم الدرب وأنرته لكم حتى لا تصطدموا ~~بشيء أو تأتي لكم عقبات، وتمثل ذلك في المنهج الذي جاء به موكب الرسل ~~كلهم. وقديما كان العالم مفككا، متناثر الجماعات، فلا توجد مواصلات، ~~وتعيش كل جماعة في انعزال وشبه استقلال، فإن حصلت داءات في بقعة ما تظل ~~محصورة في هذه البقعة، ويأتي رسول ليعالج هذه الداءات، فهذا يعالج أمر ~~عبادة الأصنام، وذلك يعالج مسألة الكيل والميزان، وثالث يعالج الأمور ~~المنظمة للحياة الزوجية عند اليهود. هذه الداءات كانت متعددة بتعدد ~~الجهات، وعندما أراد الحق سبحانه أن يبصر الناس بأسرار كونه ليستنبطوا ~~منها ما يقرب المسافات ويمنع المشقات لتلتقي الأمم. وعندما تلتقي الأمم ~~لا يوجد فصل بين الداءات، فالداء الواحد يحصل في الشرق لينتقل إلى الغرب. ~~وكأن الداءات تتحد في العالم أيضا. إذن لا بد أن يجيء الرسول الجامع ~~ليعالج الداءات كلها، فيأتي صلى الله عليه وسلم الجامع المانع، فإذا ما ~~قال الحق: إنه أنزل التوراة فيها هدى ونور، فالإنجيل أيضا فيه هدى ونور، ~~وكل هدى ونور في أي كتاب إنما هو للداءات الموجودة في البيئة المنعزلة. ~~مثال ذلك أن سيدنا إبراهيم كان موجودا، ومعه في الزمن نفسه سيدنا لوط. ~~وها هوذا سيدنا موسى كان موجودا. وكذلك سيدنا شعيب، إذن كانت الرسل ~~تتعاصر في بعض الأحيان لأن كلا منهم يعالج داء معينا. وهكذا كانت ~~الرسالات تأتي محدودة الزمان ومحدودة المكان. أما محمد صلى الله عليه ~~وسلم فقد بعثه الله للناس كافة بكل أجناسهم وتقوم على منهجه الساعة لذلك ~~لم تعد الأرض في حاجة إلى رسول آخر، وصار من المنطقي أن ms2560 يكون هو الرسول ~~الخاتم. { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم ~~بها النبيون الذين أسلموا } لماذا إذن يأتي الحق بإسلام ~~الأنبياء هنا؟ جاء سبحانه بأمر إسلام الأنبياء تشريفا للإسلام لأنه جوهر ~~منهج كل نبي. إننا نجد الشعراء يتفننون في هذا المعنى: # ما إن مدحت محمدا بمقالتي # لكن مدحت مقالتي بمحمد # والشاعر الآخر يقول: # قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم # كلا لعمري ولكن منه شيبان # فالقبيلة بالنسبة لأبي الصقر هي التي تنتسب إليه وليس هو الذي ينتسب ~~إليها. ويردف قائلا: # وكم أب قد علا بابن ذرا شرف # كما علا برسول الله عدنان # إذن فالنبيون عندما يصفهم الحق بأنهم أسلموا، إنما يريد الحق أن يشرف ~~الإسلام بأن النبيين أسلموا قيادهم وزمامهم إلى الله لأنهم وجدوه الخير ~~لهم. # وإسلام النبيين هو الإسلام بمعناه الكامل، أي هو الانصياع لأوامر الله، ~~فكلما فكر نبي منهم في أن هناك شرا سيأتي له بسبب دعوته، أو أن يضطهده ~~أحد، أو يحلو لأحد أن يسيء إليه فهو يسلم أمره لله لأن الرسول منهم إنما ~~يقول كلمة الحق ولا يبالي بما يحدث بعدها. { يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا } وهم يحكمون ~~بالتوراة بين الذين هادوا، أي من يهود، وكذلك يحكم بها الربانيون ~~والأحبار. والرباني منسوب للرب، أي أن كل تصرفاته منسوبة إلى الله. ~~والأحبار هم العلماء حملة أوعية العلم، لكن هل ينفذونه أو لا ينفذونه ~~فهذا شيء آخر. صحيح أن كل عالم وعاء علم، لكن قد ينتفع هو بعلمه، وقد لا ~~ينتفع، لكنه ينقل علمه إلى من ينتفع به. ولذلك يقول أحد العلماء: # فخذ بعلمي ولاتركن إلى عملي # وأجن الثمار وخل العود للنار # فلا تقل: إن هذا العالم يقول لنا كذا وكذا، ونراه في تصرفاته عكس ما ~~يقول: لأن عليك أن تأخذ ثمرة العلم، واترك العود للنار. ولكن على العالم ~~أن يكون أول من يمتثل ويطبق ما يقوله حتى لا يعذب ولا يدخل تحت قوله ~~تعالى: { يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون * كبر مقتا عند ms2561 الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون }. { والربانيون والأحبار بما ~~استحفظوا من كتاب الله } وعرفنا أن التوراة فيها نور وهدى ~~ويحكم بها النبيون والربانيون والأحبار بالوسيلة التي طلب الله منهم أن ~~يحفظوها، وبما طلبه رسولهم منهم أن يحفظوا هذه التوراة. وقال الحق: " ~~استحفظوا " ولم يقل: " حفظوا " ليبين لنا الفارق بين كل كتاب سابق للقرآن ~~وبين القرآن لأننا عرفنا أن كل رسول قد جاء بمعجزة تدل على أنه صادق ~~البلاغ عن الله. ولكل الرسل من السابقين على رسول الله معجزة منفصلة عن ~~المنهج، مثال ذلك سيدنا موسى فمعجزته العصا وفلق البحر، أما منهجه فهو ~~التوراة. وسيدنا عيسى معجزته إبراء الأكمه والأبرص، والمنهج الذي جاء به ~~هو الإنجيل. أما سيدنا رسول الله فمعجزته هي عين منهجه، وهي القرآن. وكان ~~الأمر الموجود بالنسبة لكل رسول مرتبطا بزمانه وجماعته ومحتاجا إلى ~~معجزة مناسبة ومنهج مناسب، لكن الرسول الذي أرسله الله إلى الناس جميعا ~~وخاتما للأنبياء لا بد أن تظل معجزته عين منهجه بحيث يستطيع أي مسلم أن ~~يقول حتى قيام الساعة: محمد رسول الله وهذه معجزته وهي عين منهجه. وسيظل ~~القرآن معجزة ظاهرة إلى أن تقوم الساعة لأن الله أرادها مختلفة عن بقية ~~المناهج والمعجزات. فالمعجزات السابقة كانت كعود الثقاب الذي يشعل مرة ~~واحدة فمن رآه لحظة الاشتعال فالأمر بالنسبة إليه واضح، أما من لم يره ~~فهو لن يصدق تلك المعجزة إلا أن يخبره من يصدقه. # وقد استحفظ الله الربانيين والأحبار بالتوراة، أي طلب منهم أن يحفظوها، ~~وكان هذا أمرا تكليفيا، والأمر التكليفي عرضة لأن يطاع وعرضة لأن ~~يعصى. واستحفظهم الله التوراة والإنجيل: # فنسوا حظا مما ذكروا به # [المائدة: 14] وصار أمر المنهج منسيا. وليس على بالهم كثيرا لأن الأمر ~~إذا توارد على البال واستقر دائما في بؤرة الشعور يظل في الذهن، لكن ~~النسيان يأتي عندما يكون الأمر بعيدا عن البال. والحق طلب منهم أن ~~يحفظوا المنهج، ولكنهم - ما عدا النبيين - لم ينفذوا، وكل أمر تكليفي ~~يدخل في دائرة الاختيار، ولذلك نجد أن الأحبار والربانيين قد ms2562 نسوا، وما ~~لم ينسوه كتموه. وأول مرحلة من مراحل عدم الحفظ أنهم نسوا، والمرحلة ~~الثانية هي كتمان ما لم ينسوه، والثالثة هي: ما لم يكتموه حرفوه ولووا ~~به ألسنتهم. وياليتهم اقتصروا على هذه المراحل فقط، ولكنهم جاءوا بأشياء ~~وقالوا: هي من عند الله وهي ليست من عند الله: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله # [البقرة: 79] إذن فالحفظ منهم لم يتم لذلك لم يدع الله القرآن للحفظ ~~بطريق التكليف لأنه سبحانه اختبر البشر من قبل، ولأنه أراد القرآن معجزة ~~باقية لذلك لم يكل الله سبحانه أمر حفظه إلى الخلق، ولكنه تكفل - سبحانه ~~- بأمر حفظ القرآن: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] ومصداق هذا النص، أن بعضا من المسلمين أسرفوا على أنفسهم في ~~هجر منهج الإسلام ومنهج القرآن إلا أنك تجد عجبا، فبمقدار بعدهم عن ~~منهج الإسلام تطبيقا يحافظون على القرآن تحقيقا، فيكتبون القرآن بكل ~~ألوان الكتابة وبكافة الأحجام، فهناك حجم ذهبي ترتديه النساء في صدورهن، ~~وحجم يوضع في اليد، وبعد ذلك نجد الكفرة أنفسهم يخترعون طريقة لكتابة ~~القرآن في صفحة واحدة. إذن فالله يسخر لحفظ القرآن حتى من لم يكن ~~مسلما. وتلك خواطر من الله. ونحن نرى كل يوم من يبتعدون بسلوكهم عن ~~المنهج لكنهم يرصدون المال لحفظ القرآن. ونجد القرآن محققا بألف وسيلة ~~حفظ: الرجل يضع في سيارته مصحفا، وفي حجرة نومه مصحفا، وقد تكون المرأة ~~سافرة وصدرها مكشوف ولكنها تعلق مصحفا ذهبيا. وهذا يثبت لنا أن حفظ ~~القرآن ليس أمرا تكليفيا. بل هو إرادة الله. فلو كان الأمر تكليفيا ~~لكان نسيان القرآن واردا لأن المسلمين ابتعدوا في بعض أمورهم عنه كمنهج، ~~ويناسب ذلك أن ينفصلوا عنه حفظا. ولكن الأمر صار بالعكس. فعلى الرغم من ~~بعد المسلمين عن المنهج، ولكن حفظ القرآن لا يقل أبدا، ومن العجيب أن ~~الكثيرين من المسرفين على أنفسهم، إن سمع واحد منهم أن شيئا يمس ~~المصحف، يقيم الدنيا ويقعدها، فالمسألة ليست مسألته، ولكنها مسألة الحافظ ~~جل شأنه. وإن ms2563 حدث أي تحريف يسير في القرآن من أعداء الإسلام، نجد أمة ~~الإسلام تقف وقفة رجل واحد. # ولقد أراد بعض المدلسين أن يدسوا على القرآن ما ليس فيه وجاءوا إلى آية ~~في سورة الفتح وهي: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29] وقالوا: " محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم " وكأنهم ~~يرغبون في زيادة التكريم لرسول الله، فلما عرف المسلمون ذلك قامت ضجة ~~وأحرقوا تلك المصاحف. ومنع المسلمون التحريف مهما كان باب الدخول إليه. { ~~فلا تخشوا الناس واخشون } والخشية: خوف متوهم ممن تظن ~~أنه قادر على الضر، ولا أحد غير الله قادر على النفع والضر لذلك لا يصح ~~أن يخاف الإنسان من سواه، أما أن تظن أن السلطان أو القريب منه قادر ~~على الضر، فهذا أمر غير صحيح، وليخش كل إنسان الحق سبحانه وهو جل وعلا ~~نصحنا أن تكون الخشية منه دون سواه. وإن غير أحد أحكام المنهج من أجل ~~السلطان أو أقارب السلطان أو أصدقاء السلطان فذلك عين الفساد. والآفات ~~والشرور تأتي من ذلك. بل قد لا يدري السلطان شيئا عن ذلك، وقد يتدخل ~~قريب للسلطان - دون علم السلطان - ليطلب من العلماء تغيير بعض من المنهج ~~ولا يستسلم له إلا الضعاف منهم، وقد فطن سيدنا عمر رضي الله عنه إلى هذا ~~الأمر فقال: إن الفساد قد لا يأتي من السلطان، ولكن من الذين حول ~~السلطان. والخشية هنا تكون من غير الله، ولذلك كان سيدنا عمر يجمع أقاربه ~~والملتفين حوله ويقول لهم: لقد اعتزمت أن أصدر كذا وكذا فوالذي نفسي بيده ~~من خالفني منكم إلى شيء من هذا جعلت نكالا للمسلمين. هذا هو أسلوب من ~~أداء أن يخدم ويحكم ولا يحمل أوزارا، ونرى صور الفساد إنما جاءت نتيجة ~~مخالفة القاعدة الحكيمة: { فلا تخشوا الناس واخشون }. ~~ويتابع الحق من بعد ذلك: { ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ~~} وثمن آيات الله مهما بولغ في تقييمها فلن يتجاوز نفعه هذه الدنيا لأن ~~الدنيا - كما قلنا سابقا - لا تقاس بعمرها الحقيقي أي ms2564 إلى أن يفني الله ~~البشر، وإنما دنيا كل حي تقاس بعمره فيها. فهب أن الحياة طالت لملايين ~~السنين فما نفع الفرد المحدود العمر بهذه الملايين من السنين؟ إذن فدنيا ~~كل إنسان هي مقدار عمره في الحياة. وعمر الفرد في الدنيا له حد محدود غير ~~معروف لأحد غير الله، فلكل أجل كتاب. ولذلك تجد واحدا يعيش متوسط ~~الأعمار وهو سبعون عاما. ويختلف العمر من إنسان لآخر، وقد يموت آخر عند ~~الستين وثالث يموت في الأربعين ورابع يموت في المائة، وخامس يموت وهو طفل ~~رضيع. إذن فدنيا الفرد قد تكون لحظة. ومادامت مسألة العمر لا يحكمها زمن ~~ولا يحكمها سبب فهي - إذن - بإرادة الحق غيب. # وأقضية الموت في الوجود جعلها الله شائعة في كل زمن ولم يجعلها الحق بعد ~~الميلاد. بمعنى أن يولد الإنسان ليموت من بعد ذلك، لا، فقد يموت الكائن ~~البشري وهو جنين في بطن أمه فهذا حمل يسقط من بعد ساعة، وذاك حمل يسقط من ~~بعد شهر أو شهور، وجعل الحق لنا ذلك لنأخذ من الأمر الغيبي وهو الجنين في ~~البطن مراحل تكوينه. إنه يعطينا شكل الجنين بعد نصف ساعة من التكوين، ~~ويعطينا شكل الجنين من بعد ساعة. وكل الأزمنة في الحياة والموت موجودة. ~~وعندما نحلل تلك الأشكال نجد أمامنا كل أطوار الجنين، وكل أطوار الحياة ~~ليكون ذلك واضحا جليا حتى لا يحسب أحد لنفسه عمرا في هذه الدنيا. ومادام ~~الثمن الذي يأخذه المرتشون ليغيروا آيات الله وأحكامه سينفعهم في هذه ~~الدنيا، وأعمارهم في هذه الدنيا محدودة، كان عليهم أن يتذكروا أن حياتهم ~~زمنيا قليلة بالنسبة لعمر الدنيا. وحتى يقوم الإنسان بعملية اقتصادية لا ~~بد أن يتعرف إلى أن عمره محدود بقدر سنوات مجهولة بالنسبة له في هذه ~~الحياة، وهو عمر محدود مهما طال. وإن قارنها الإنسان بالحياة في العالم ~~الآخر فسيجد أن عمره الدنيوي منهي، فإن قايضه بعمر غير منهي هو عمره في ~~الآخرة، فذلك هو الفوز العظيم لأن وجود الإنسان في الدنيا مظنون، ووجود ~~الإنسان بالنسبة للآخرة ms2565 متيقن. ونعيم الفرد في الدنيا هو على قدر ~~إمكاناته ولو في السلب. ونعيم الإنسان في الآخرة ينسب إلى طلاقة قدرة ~~الله سبحانه وتعالى. إذن فأي صفقة تكون هي الرابحة؟ محدود مقابل غير ~~محدود، ومظنون مقابل متيقن، ونعيم على قدر مكنة وسلطان الفرد ولو بالسلب ~~مقابل نعيم على قدر طلاقة قدرة الحق، أي صفقة هي الرابحة؟ إذن فصفقة ~~الدنيا قليلة بالنسبة لما وعد الله به المتقين. ومن بعد ذلك يقول الحق: { ~~ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون }. ماذا يعني الحكم بما أنزل الله؟. نعلم أن الحق سبحانه ~~وتعالى جعل لكل قضية مخالفة في الكون حكما، فإذا أردت أيها الإنسان أن ~~تحكم في أمر فعليك أن تبحث عن جوهره بسلسلة تاريخ هذا الأمر. ونجد أن ~~قمة كل الأمور هي العقيدة، وهو وجود الواجب الأعلى وهو الله، فإن حكمت ~~بأنه غير موجود فذلك هو الكفر. وإن آمن الإنسان بالله ثم جاء إلى أحكام ~~الله التي أنزلها وقال: لا، ليس من المعقول أن يكون الحكم هو هكذا. فهذا ~~لون من رد الحكم على الله وهو لون من الكفر. أما إن آمن الإنسان بالحكم ~~وقال: إنني أصدق حكم الله، ولكن لا أقدر على نفسي فهل هذا كفر؟ أم هذا ~~ظلم؟. إنه ليس كفرا، ويكون ظلما إن كان حكما بين اثنين. وهو فسق إن ~~كان بين الإنسان وبين نفسه لأنه يفسق عن الحكم كما تفسق الرطبة عن ~~قشرتها. # فالفاسق هو من له إطار من التكليفات ويخرج عن هذا الإطار كالرطبة التي ~~خرجت من قشرتها. ومادامت الرطبة قد خرجت من قشرتها فهي عرضة للتلوث. إذن ~~فإن سمعت قول الله: { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون } [المائدة: 44] وعندما تسمع: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون # [المائدة: 45] وعندما نسمع: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون # [المائدة: 47] فتذكر أحكام الله وحاول أن تقدر على نفسك. وقيل: إن ذلك ~~لليهود لأن الحق قال: { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور ms2566 } [المائدة: 44] وقيل: إن الثانية جاءت للنصارى الذين لم يحكموا ~~بالإنجيل. ولنا أن نقول ردا على مثل هذه الأقوال: أمن الممكن أن يكون ~~ذلك للأديان السابقة على الإسلام وليس موجودا بالإسلام؟ ذلك أمر لا ~~يقبله العقل أو المنطق، فهي آيات نزلت في مناط الحكم عامة. فإن حكم إنسان ~~في قضية القمة وهي العقيدة بغير الحق، فذلك هو الكفر. وإن رد الإنسان ~~الحكم على منشئه - وهو الحق الأعلى - فهذا لون من الكفر. وإن آمن الإنسان ~~بالقضية وهو مؤمن بالإله فغلبته نفسه فهذا هو الفسق. وإن حكم إنسان بين ~~اثنين وحاد ومال عن حكم الله فهذا هو الظلم. إذن ف " كافرون " و " ~~ظالمون " و " فاسقون " تقول لنا: إن الألفاظ اختلفت باختلاف المحكوم به. ~~فلا يقولن أحد: إن تلك آية نزلت لتلك الفئة، وتلك الآية نزلت لفئة أخرى، ~~وثالثة نزلت لفئة ثالثة، ولكنها أحكام عامة لمناط التكليف عامة. والحق ~~قال في بداية كل حكم " ومن " ومن كما نعلم كلمة عامة. والدليل على ذلك ~~أن من يحكم بغير ما أنزل الله إنما هو يشتري بآيات الله ثمنا قليلا ورد ~~الحكم على الله. وقال الحق في الآية اللاحقة: # وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس # [المائدة: 45] إنها أحكام تتعلق بجرائم، وعقوبات على جرائم، وهنا يكون ~~الحكم بغير ما أنزل الله ظلما. إذن فالأمر يختلف حسب المحكوم عليه. ~~وحينما تعرضنا لقضية الخلق الأول وهو خلق آدم، وطلب الله من الملائكة ~~المكلفين بتدبير أمور الخلق في الأرض أن يسجدوا لآدم. وقلنا إن هذا ~~السجود هو رمزية لأن يكونوا في خدمة آدم لأن كل مظهر من مظاهر القوة في ~~الكون لا نرى الملك الذي يديره، فكل قوة لها ملك معين، ولأن ذلك الأمر من ~~الغيب فنحن لا نراه، إنها ملائكة مدبرات أمر. وحين يبلغهم الحق أن الطارئ ~~على الكون وهو آدم، وأنهم في خدمته، ومن أجل ذلك أمرهم بالسجود لآدم. ~~ولذلك نجد أن بعضا من الملائكة الذين ليسوا من المدبرات أمرا لم يشملهم ~~الأمر. # ويكلم الحق إبليس عندما رفض السجود ms2567 قال سبحانه: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75] إن " العالين " هم الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا ~~يدرون ولا يعلمون بأمر آدم، فقد سأل الحق إبليس: أأنت مستكبر عن السجود ~~أم أنت من العالين الذين لم يشملهم أمر السجود؟ وقلنا إن إبليس لم يكن من ~~الملائكة، لأنه بنص القرآن: # إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه # [الكهف: 50] ولذلك لا يصح أن يكون " إبليس " محل خلاف أهو من الملائكة ~~أم لا! فهو ليس من الملائكة. وفي القرآن نص صريح يثبت جنسية إبليس. وهو ~~من الجن. وكان من المختارين، له أن يطيع أو أن يعصي. لأن الجن داخلون في ~~قانون الاختيار. فإن ألزم الجني نفسه بمنهج الله إلزاما يتساوى به مع ~~الملائكة وجب عليه أن يقوم بذلك. ولكنه لم يفعل. وكان من الواجب أن يطيع ~~إبليس الأمر. ومادام الحق هو الذي أمر بالسجود، فالأدنى وهو إبليس كان ~~عليه أن يسجد لأن المراتب محفوظة كما نعلم، فرئيس الجمهورية عندما يدخل ~~على الوزراء فهم يطيعون أمره، وإن كان يجلس مع الوزراء بعض وكلاء ~~الوزارات فهم يطيعون أوامره ذلك أنهم يدخلون في الأمر من باب أولى. ولو ~~كان إبليس أعلى من الملائكة لكان أولى له أن يستجيب لأمر الخالق الأعلى ~~ولا يعصى ويتأبى، أما وإنه كان أقل من الملائكة فكان لا بد من باب أولى ~~- أن ينصاع لأمر الله. لكن إبليس علل أمر عدم السجود، فقال: # أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف: 12] وفي آية أخرى قال سبحانه: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61] وحين يتأبى كائن على الحكم، أيتأبى على الحكم الأصم، أي ~~على الحكم من حيث هو حكم دون النظر إلى الحاكم، أم على من حكم بالحكم ~~وهو الأعلى سبحانه؟. تأبى إبليس على من حكم بالحكم، ولذلك طرده الحق من ~~الجنة وصار ملعونا. لكن آدم عصى ربه وقرب من الشجرة التي نهاه الله ~~عنها. ومن رحمة الله تعالى أنه جعل في التكليفات مقدمات تنطبق على حالة ~~المكلف نفسه، ms2568 فلم يقل الحق لآدم: لا تأكل من الشجرة. ولكنه قال: # ولا تقربا هذه الشجرة # [البقرة: 35] لأن الحق علم أن آدم إنسان، والإنسان من الأغيار، وهو ~~عندما يرى الشجرة بثمارها قد لا يقدر على نفسه، ولذلك كان من الأفضل ألا ~~يقرب من هذه الشجرة. وسبحانه يريد أن يحمي الإنسان لأن التكليفات ~~التشريعية لا يرفعها الحق، ولا يعفى المكلف من القيام بها إلا في الأمر ~~الذي ليس للإنسان فيه اختيار، ولذلك أراد الحق أن يحمي الإنسان من ~~الاقتراب من تلك الشجرة حتى لا تغريه وجاء الحق بمثل هذا الأمر في الخمر ~~فلم يقل: لا تشربوا الخمر. # ولكنه قال: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه # [المائدة: 90] لأن الإنسان لو جلس في مجلس خمر ورأى السكارى قد سعدوا ~~وضحكوا فقد تراوده نفسه على شرب الخمر. إذن فالأمر بالاجتناب هنا أبلغ من ~~" لا تشربوه ". ونجد أن تكليفات الحق إنما تاتي للعمل النزوعي، ومعنى ~~العمل النزوعي أن يتحرك الإنسان للعمل. أما بالنسبة للإدراكات فمن الجائز ~~أن يدرك الإنسان الأمر. ويترك الحق لنا حرية حب من نشاء وكراهية من نشاء. ~~ولكن هذا الحب لا يصح أن يصدر عنه عمل نزوعي فنجامله بالباطل. وكذلك ~~الكراهية فليس هناك أمر بالكراهية، ولكن إن كره إنسان إنسانا فلا يصح أن ~~يظلمه. فالمنهي عنه هو الظلم، ولذلك قال الحق: # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا # [المائدة: 8] أي لا يحملنكم بغض قوم على ألا تعدلوا. إذن فالحق لم يحرم ~~البغض لأنه مسألة عاطفية. ولكن التحريم ينحصر على الإقدام على عمل يخل ~~بميزان العدل مع من تكره. ويجب أن يؤمن الإنسان إيمانا جازما بأن من ~~ظلمه بمعصية، فلا يجازيه الإنسان إلا بطاعة الله. وآدم أكل من الشجرة، ~~فهو - إذن - قد تجاوز مسألة الاقتراب إلى مسألة الأكل من الشجرة لأنه لو ~~قرب منها لكان مخالفا، فما بالنا وهو قد أكل منها أيضا؟ إذن فقد أوغل ~~آدم في المعصية، لكنه قال: ظلمنا أنفسنا. وهذا اعتراف واضح بأن حكمك يا ~~الله هو ms2569 الحكم الحق، لكني لم أقدر على نفسي يا ربي. إذن فهو لم يرد ~~الحكم على الله، ولكنه اعترف بأنه لم يقدر على تنفيذ الحكم، لذلك أعطاه ~~الله كلمات ليقولها فيتوب عليه. وسبحانه هو الذي علم آدم كيف تكون ~~التوبة. فآدم - إذن - ليس كإبليس الذي رد الحكم على الله لأن آدم قال: ~~أنا لم أقدر على نفسي. إذن فمن لم يحكم بما أنزل الله رادا للحكم على ~~الله ومخطئا لله - سبحانه - فهو كافر. وإن كان حكما بين اثنين وحكم ~~بغير ما أنزل الله فهو ظالم. أما إن كان حكما على النفس ولم يقدر عليه ~~الإنسان فهذا فسق. وكل وصف جاء حسب حكمه. ولا داعي - إذن - للجدل ولا ~~للخلاف ولا ادعاء أن هناك قولا يقصد به اليهود، وآخر ورد في النصرانية، ~~ولا يصح أن يزين الإنسان الباطل لأحد، لأن ورود الحكم بما أنزل الله في ~~الإسلام أمر جازم يوجب الالتزام به. ويقول الحق من بعد ذلك: { ~~وكتبنا عليهم فيهآ... }. ### || [5.45] # لقد كتب الحق على اليهود في التوراة التي وصفها من قبل بأنها هدى ونور، ~~كتب وأوجب عليهم أن النفس بالنفس، وعلينا أن نأخذ كل أمر وما يناسبه من ~~الحدث. أي أن النفس تقتل بالنفس. ولكن عندما يقول الحق: { والعين ~~بالعين } ، فهل يعني ذلك أن تقتل العين؟ لا. ولكن العين تقلع مقابل ~~عين. وكذلك { والأنف بالأنف }. أي الأنف المجدوعة، مقابل جدع أنف ~~أخرى. وكذلك قوله الحق: { والأذن بالأذن } أي إصابة اذن بالصمم ~~مقابل إصابة أذن بالصمم. إذن فلكل ما يقابله. فهناك النفس تقتل بالنفس ~~وهناك العين تفقأ بالعين، وكذلك الأمر في جدع الأنف، وصلم الأذن. إن ~~تعبيرات اللغة واسعة تعطي لكل وصف ما يناسبه. فالإنسان مثلا قد يكون ~~جائعا. ولكن إلى ماذا؟ إن كان جائعا لطعام فهو جوعان. وإن أراد خصوصية ~~أكل ويشتهيه كاللحم فلا يقال له: جوعان، ولكن يقال " قرم ". وإن كان ~~يشتهي اللبن يقال له: " عيمان " ، وإن كان في حاجة للماء يقال له: " ~~عطشان ". وإن كان جائعا للجنس فهو " شبق ". وذلك ms2570 يكشف لنا أن ~~الإنسانية تحتاج إلى أمور متعددة، وكل أمر له اسم. وكل شيء له تعبير. ~~ومثال آخر: يقال: فلان جلس، أي قعد. وهذا في المعنى العام. ولكن الجلوس ~~يكون عن اضطجاع. أما قعد، فهي عن قيام، أي كان قائما وقعد. ولذلك قال ~~الحق: { قياما وقعودا }. ومثال آخر: يقال: " نظر " و " رمق " و " ~~لمح " وكل كلمة لها موقفها فالنظر يكون بجميع عينيه. و " رمق " أي لحظ ~~لحظا خفيفا. و " لمح " أي اختلس النظر إليه. وكذلك قوله الحق معناه: ~~أننا كتبنا عليهم فيها أن النفس مقتولة بالنفس، والعين مفقوءة بالعين، ~~والأنف مجدوعة بالأنف، والأذن مصلومة بالأذن، والسن مخلوعة بالسن. وبعد ~~ذلك يقول الحق عن الجروح: { والجروح قصاص } لأن الجرح قد يكون في ~~أي مكان. والقصاص يكون بمثله ومساويا للشيء، وهو مأخوذ من قص الأثر أي ~~السير تبعا لما سارت عليه القدم السابقة دون انحراف. ولما كان القصاص هو ~~أمر مطلوب فيه المماثلة فذلك أمر صعب، صحيح أن الحق قال: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم # [البقرة: 194] لكن القصاص أمر صعب، فالصفعة من يد جائع متهافتة بعكس ~~الصفعة التي تأتي من يد صاحبها في منتهى النشاط والقوة. فكيف يكون ~~القصاص مناسبا لقوة الذي فعل الفعل؟ إذن لا يصح أن يدخل الإنسان في ~~متاهة. ويمكنه أن يتصدق بالقصاص فلا يأخذه. ونحن نعلم حكاية " تاجر ~~البندقية " ذلك المرابي اليهودي الذي أقرض نقودا مقابل رطل من لحم صاحب ~~القرض، وكتب الاثنان التعاقد وجاءا بالشهود ولم يستطع الرجل أن يسدد ~~المال في الميعاد ولكن القاضي أنار الله بصيرته. # فقال: خذ الرطل من لحم الرجل ولكن إن أنقصت أوقية فسنأخذها منك أو إن ~~زدت أوقية فسنأخذها منك. فقال المرابي: لا أريد. وقد قنن الحق للجريمة، ~~ولم يغلق سبحانه باب الطموحات الإيمانية، فقال: { فمن تصدق به ~~فهو كفارة له }. ومعنى " تصدق " أنه دفع وأعطى شيئا غير ~~مستحق، ولا واجب عليه أي تبرع به ابتغاء وجه الله. إن الذي يتعب البشر في ~~تقنيناتهم أنهم يطيلون إجراءات ms2571 التقاضي، فساعة تقع جريمة يستمر التحقيق ~~فيها بواسطة القضاء لأكثر من عام فتنبهت بشاعة الجريمة في النفس البشرية. ~~ومن الواجب كذلك أن يكون الأمر لولي القصاص لأنك إن مكنته أرضيت نفسه ~~بأول شفاء. وساعة يعطى الإنسان ذلك الحكم فقد يزهد فيه لأن الأمر حين ~~يكون في يده ويقدر على القصاص فمن المحتمل أن يعفو. وسيظل المتصدق عليه ~~طيلة حياته يدين بحياته أو بجارحة من جوارحه لصاحب القصاص. وبدلا من ~~إيعازات الثأرات تنشأ المودة. وحين يشرع المشرع الأعلى يوضح لنا: لا تحكم ~~بأنك دائما معتدى عليك، بل تصور مرة أنك معتد، ألا تحب في مثل هذه ~~الحالة أن يتصدق عليك صاحب القصاص؟ فإذا أرادت الحكومات لأن تنهي الثأرات ~~فلهم في التشريع الأعلى الحكم الواضح. وفي صعيد مصر، ساعة يقتل إنسان ~~نجد الذي عليه الثأر يأخذ كفنه ويذهب إلى العائلة الطالبة للثأر، ولحظة ~~يدخل عليهم حاملا كفنه بيديه، تشفي النفوس من طلب الثأر. ويحيا، وصاحب ~~الثأر متفضل عليه بالعيش { فمن تصدق به فهو كفارة له ~~} تكون الصدقة هنا من ولي القصاص. والفعل " تصدق " يحتاج إلى اثنين هما: ~~" متصدق " و " متصدق عليه ". وسبحانه الحق يكفر عن المتصدق من الذنوب ~~بقدر ما تسامح فيه لأخيه، وهنا يحنن الله الخلق بعضهم على بعض لذلك تأتي ~~المسألة هنا من ناحية صاحب القصاص لترغبه في التصدق. وينهي الحق الآية ~~بقوله: { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون } وعرفنا من قبل ضرورة الحكم بما أنزل الله. وبعد ذلك يقول ~~الحق سبحانه: { وقفينا على آثارهم... }. ### || [5.46] # وقفينا أي أتبعنا، فعيسى جاء من بعد موسى، فعندما يمشي رجل خلف رجل نجد ~~أن قفا الأول يكون في وجه الثاني. وعندما يقول الحق: { وقفينا ~~على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين ~~يديه } أي مصدقا لموسى الذي جاء بالتوراة. { وآتيناه ~~الإنجيل فيه هدى ونور }. وعرفنا أن " الهدى والنور " يناسبان ~~البيئة التي نزلت إليها تلك الهداية وذلك النور. إن هناك مقولات اسمها " ~~المقولات الإضافية " ، كأن يقول إنسان في قرية لابنه: أشعل ms2572 الضوء. ويشعل ~~الولد المصباح الكيروسيني أما إذا قال إنسان في مدينة لابنه: أضىء النور، ~~فالابن يضغط على الزر ليضيء المصباح الكهربائي. وهذه الإضافات قد تجعل ~~اللفظ يحمل معنيين. ومثال آخر أكثر وضوحا: يسكن الإنسان في منزل ما، ~~ويعرف أن السقف عال بالنسبة له، ولكنه أرض بالنسبة لأصحاب الدور الثاني، ~~إنه علو وسفل وهذا هو المعنى الإضافي. وكذلك عندما نقول: فلان ابن فلان ~~فهذا لا يمنع أن هذا الابن يكون أبا بالنسبة لابنه. إذن { هدى ونور ~~} هي معان إضافية. وكل " هدى ونور " يناسب البيئة التي نزل فيها. فالبيئة ~~المادية الأولى كانت في حاجة إلى تقنين لذلك جاءت التوراة، ومن بعد ذلك ~~صارت هذه البيئة المادية في حاجة إلى طاقة روحية لذلك جاء الإنجيل بكل ~~الروحانيات، وعندما سئل عيسى ابن مريم عليه السلام في قضية الميراث قال: ~~أنا لم أرسل مورثا، فهو يعلم أنه جاء بشحنة روحية فيها مواجيد ومواعظ. ~~ويتابع الحق من بعد ذلك: { وليحكم أهل الإنجيل... }. ### || [5.47] # والحق أنزل في الإنجيل أن الأحكام تؤخذ من التوراة. أي أن الإنجيل تضمن ~~إلى جانب روحانياته أسس الأحكام الموجودة في التوراة. ولذلك أوضح الحق: ~~من لم يحكم بما أنزل الله فهو فاسق مادام قد خرج على الطاعة. فإن خرج أحد ~~على الطاعة في أمر الألوهية والربوبية فهو كافر. ومن خرج على الأحكام ~~بالنسبة للحكم بين الناس فهو ظالم. إذن فالمسألة كلها متداخلة، فالشرك ~~ظلم عظيم أيضا. وبعد أن تكلم الحق عن التوراة والإنجيل، جاء بما نزل إلى ~~النبي الخاتم: { وأنزلنآ إليك الكتاب... }. ### || [5.48] # وساعة نسمع كلمة " أنزلنا " نعرف أن هناك تشريعا جاء من أعلى. وهناك من ~~يريد أن يلبس الناس أهواءه، فيقول: إن الإسلام دين تقدمي، أو يقول: ~~الإسلام دين رجعي، وكلاهما يحاول أن يلبس الإسلام بما ليس فيه، ونقول: لا ~~تقولوا ذلك ولكن قولوا الإسلام فوقي لأنه جاء من الله، فإن كان للتقدمية ~~مزايا فهو تقدمي، وإن كان للرجعية مزايا فهو رجعي، وإن كان لليمين مزايا ~~فهو يميني وإن كان لليسار مزايا ms2573 فالإسلام يساري فقد جاء الإسلام ~~بالاستطراق الاجتماعي والتقدم العلمي الأصيل لأن مفهوم التقدم هو أن ~~يرتقي الإنسان بنفسه ارتقاء متقدما يجعل الناس متكافئين. إن الإسلام ~~ليس تقدميا فقط بالنسبة للحياة الدنيا ولكن بالنسبة لحياة أخرى خالدة ~~فوق هذه الحياة. إن الذين يناقشون تلك الأفكار لا يحسنون فهم أفكارهم ~~سواء أكانت تقدمية أم رجعية أم يمينية أم يسارية. ونرى أن المناهج ~~المعاصرة التي تسبب كل هذا الصراع في الدنيا من شرق وغرب هي: الرأسمالية ~~والشيوعية والاشتراكية والوجودية وغيرها. وعندما ننظر - على سبيل المثال ~~- إلى القائمين على أمر الثورة الشيوعية عام 1917، نجد قولهم: إنهم ~~مازالوا في بداية الطريق إلى الشيوعية، ولكنه اختيار الطريق الاشتراكي. ~~كان يجب أن يتجهوا إلى ما نادوا به، ولكن ها نحن أولاء نرى أنهم كلما ~~تقدموا في الزمن تراجعوا عن أفكارهم الأولى. حتى انقلبوا على أنفسهم. ~~وذلك دليل على أن المنهج الذي اتخذوه لأنفسهم غير صحيح. والمنهج ~~الرأسمالي أظل كما هو؟ لا لأن الأحداث قد اضطرت الرأسمالية أن تعطي ~~العمال حقوقا وبذلك لم تبق لرأس المال شراسته. كما سارت الشيوعية إلى ~~معظم أساليب الرأسمالية. والرأسمالية سارت إلى بعض من أساليب الاشتراكية ~~وهما - إذن - يريدان أن يلتقيا. ولكن الإسلام أوجد هذا اللقاء من ~~البداية، فاحترم رأس المال، واحترم العمل. وكل إنسان لزم حدوده. وضمن ~~وجود واستمرار حركة الحياة. ولذلك نجد أن الرأسمالية تقول: يجب أن توفر ~~الحوافز للعمل. ولم تصل الشيوعية أيضا إلى مداها، بل قامت بإهدار حقوق ~~الناس، ثم ماذا عن الذين لم تمتد إليهم يد الشيوعية - قبل أن توجد - وكان ~~فيهم من يستغل الناس؟ كان العقل يحتم أن تؤمن الشيوعية بان هناك آخرة ~~يعاقب فيها من استغلوا الناس من قبل، ومن مصلحتهم إذن أن توجد آخرة. وكان ~~من اللازم أن يكونوا متدينين. وكذلك الرأسمالية التي لا تعترف إلا بالربح ~~المادي، امتلأت مجتمعاتها بالضحايا الذين فقدوا المعنويات. وقول الحق: " ~~أنزلنا " يعتبر أن هناك منهجا نزل من أعلى. وحين نأخذ معطيات البيان ~~القرآني، نجده سبحانه يبلغنا تعاليمه: { قل تعالوا ms2574 }. أي ارتفعوا ~~إلى مستوى السماء ولا تهبطوا إلى حضيض الأرض. # ولذلك قال الحق: { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق } ونرى ~~أن آيات القرآن تتآزر وتخدم كل منها الأخرى. ونزول الكتاب بالحق يحتاج ~~إلى صدق دليل أنه ينزل من الله حقا، وأن تأتي كل قوانين الحق في حركة ~~الحياة بالانسجام لا بالتنافر، وهناك آية تشرح كلمة " الحق ": # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل # [الإسراء: 105] أي أنه نزل من عند الله وليس من صناعة بشر. { ~~وبالحق نزل } أي نزل بالمنهج من عند الله الذي يقيم منطق الحق ~~في كل نفس وكل مكان، ويضمن كل حق يقيم حركة الحياة. وهنا أجملت الآية، ~~فقالت: { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما ~~بين يديه من الكتاب } أي أن القرآن مصدق للكتب السماوية ~~السابقة. وما الفارق بين كلمة " الكتاب " الأولى التي جاءت في صدر الآية، ~~وكلمة " الكتاب " الثانية؟ إننا نعلم أن هناك " ال " للجنس، و " ال " ~~للعهد، فيقال " لقيت رجلا فأكرمت الرجل " ، أي الرجل المعهود الذي ~~قابلته. فكلمة الكتاب الأولى اللام فيها للعهد أي الكتاب المعهود المعروف ~~وهو القرآن، وكلمة الكتاب الثانية يراد بها الجنس أي الكتب المنزلة على ~~الأنبياء قبله، فالقرآن مهيمن رقيب عليها لأنها قد دخلها التحريف ~~والتزييف. كلمة " الحق " - إذن - تعني أن كتاب الله الخاتم لكتبه المنزلة ~~وهو القرآن قد نزل بالحق الثابت في كل قضايا الكون ومطلوب حركة الإنسان. ~~ونزل بالحق بحيث لم يصبه تحريف ولا تغيير. إذن فالحق هو في مضمونه وفي ~~ثبوت نزوله. وقد نزل القرآن بعد كتب أنزلها الله متناسبة مع الأزمنة التي ~~نزلت فيها لأنه سبحانه خلق الخلق لمهمة أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ~~وأن يعمروا هذا الكون بما أمدهم به من عقل يفكر، وطاقات تنفذ، ومادة في ~~الكون تنفعل، فإن أرادوا أصل الحياة مجردا عن أي ترق أو إسعاد فلهم في ~~مقومات الأرض ما يعطيهم، وإن أرادوا أن يرتقوا بأنفسهم فعليهم أن يعملوا ~~العقل الذي وهبه الله ليخدم الطاقات التي خلقها الله في المادة التي ~~خلقها الله، وحينئذ يأخذون أسرار ms2575 الله من الوجود. إن أسرار الله في ~~الوجود كثيرة، وتفعل لنا وإن لم نعرف نحن السر. فنجد الجاذبية التي تمسك ~~الأفلاك تفعل لنا، وإن لم نكن قد اكتشفنا الجاذبية إلا أخيرا. والكهرباء ~~السارية في الكون سلبا وإيجابا تعمل لنا وإن لم نعرف ما تنطوي عليه من ~~سر. إن الحق سبحانه حين يريد ميلاد سر في الكون سبحانه يمد الخلق بأسباب ~~بروز هذا السر. واعلموا أن كل سر من أسرار الكون المسخر للإنسان له ميلاد ~~كميلاد الإنسان نفسه، إما أن يصادف - هذا الميلاد - عمل العقل في مقدمات ~~تنتهي إليه، وحينئذ يأتي الميلاد مع مقدمات استعملها البشر فوصلوا إلى ~~النتيجة، تماما مثل التمرين الهندسي الذي يقوم الطالب بحله بعد أن يعطيه ~~الأستاذ بعضا من المعطيات، ويستخدمها التلميذ كمقدمات ليستنبط ما يريد ~~المدرس أن يستنبطه من مطلوب الإثبات. # فإن صادف أن العقل بحث في الشيء معمليا وتجريبيا وصل ميلاد السر مع ~~البحث. وإن جاء ميلاد السر في الكون، ولم يشغل الإنسان نفسه ببحث مقدمات ~~توصل إليه، وأراد الله ذلك الميلاد للسر فماذا يكون الموقف؟ أيمنع الله ~~ميلاد السر لأننا لم نعمل؟. لا. بل يخرج سبحانه السر إلى الوجود كما نسمع ~~دائما عن مصادفة ميلاد شيء على يد باحث كان يبحث في شيء آخر، فنقول: إن ~~هذا السر خرج إلى الوجود مصادفة. وإذا نظرت إلى الابتكارات والاختراعات ~~وأمهات المسائل التي اكتشفت لوجدتها من الصنف الثاني، ونجد المفكر أو ~~العالم وقد غرق في بحث ما، ثم يعطيه الله سرا من أسرار الكون لم يكن ~~يبحث عنه، فيقال عن الاكتشاف الجديد: إنه جاء مصادفة، وحينما جعل الله ~~لكل سر ميلادا، فهو قد أعطى خلقه حياة من واسع فضله، وأعطاه قدرة من فيض ~~قدرته وأعطاه علما من عنده { وعلمناه من لدنا علما } ، ~~ووهبه حكمة يؤتى بها خيرا { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي ~~خيرا كثيرا }. وهو سبحانه وتعالى يريد من خلقه أن يتفاعلوا مع ~~الكون ليبرزوا الأشياء، وإذا كان سبحانه يريد منا أن ننفعل هذا الانفعال ~~فلا بد ms2576 أن يضع المنهج الذي يصون طاقاتنا وفكرنا مما يبددهما. والذي يبدد ~~أفكار الناس وطاقاتهم هو تصارع الأهواء، فالهوى يصادم الهوى، والفكرة قد ~~تصادم فكرة، وأهواء الناس مختلفة لذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يضمن ~~لنا اتفاق الأهواء حتى نصدر في كل حركاتنا عن هوى واحد وهو ما أنزله ~~الخالق الأعلى الذي لا تغيره تلك الأهواء. أما ما لا تختلف فيه الأهواء ~~فتركنا لكي نبحث فيه لأننا سنتفق فيه قهرا عنا. ولذلك نقول دائما: لا ~~توجد اختلافات في الأفكار المعملية التجريبية المادية، فما وجدنا كهرباء ~~روسية، وكهرباء أمريكية لأن المعمل لا يجامل. والمادة الصماء لا تحابي. ~~والنتيجة المعملية تخرج بوضوحها واحدة. إننا نرى اتفاق العلماء شرقا ~~وغربا في معطيات المادة التجريبية وتحاول كل بلد أن يسرق من البلد الآخر ~~ما انتهى إليه من نتائج لتدخلها على حضارتها، بينما يختلف الأمر في ~~الأهواء البشرية، فكل بلد يحاول أن يبعد هوى الآخر عن حدوده لأن الأهواء ~~لا تلتقي أبدا، والحق قد وضع حركة الحياة لتنفعل ب " افعل كذا " و " لا ~~تفعل كذا " مما تختلف فيه الأهواء ليضمن اتحادنا وعدم تعاند الطاقات ~~فينا. بل تتساند معا. # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ومن فيهن # [المؤمنون: 71] إذن فمنهج الله في كونه إنما جاء لينظم حركة الإنسان ~~فيما تختلف فيه الأهواء. أما الحركة فيما لا تختلف فيه الأهواء فقد تركها ~~سبحانه حرة طليقة: لأن البشر يتفقون فيها قهرا عنهم، لأن المادة لا ~~تجامل والمعمل لا يحابي. ولذلك قلنا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين بعثه الله نبيا خاتما أعطى ب " افعل ولا تفعل ". أما بالنسبة ~~للأمر المادي المعملي فقد جعل أمره في ذات النبي صلى الله عليه وسلم. # " فعندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان أهلها يأبرون ~~النخل أي يلقحونه ليثمر. فمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوم يلقحون ~~فقال: " لو لم تفعلوا لصلح ". فلم يأبروا النخل، فخرج شيصا أي بسرا ~~رديئا، وخاب النخل. ومر بهم رسول الله صلى الله عليه ms2577 وسلم فقال: ما ~~لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا. فقال صلى الله عليه وسلم: " إن كان ينفعهم ~~ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم ~~عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل ". # وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال: # " إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء ~~من رأيي فإنما أنا بشر " # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلنها قضية كونية مادية تجريبية ~~معملية: # " أنتم أعلم بأمر دنياكم " # أي أنه صلى الله عليه وسلم ترك للأمة إدارة شئونها التجريبية، ولم يكن ~~ذلك القول تركا للحبل على الغارب في شئون المنهج، فقد وضع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الفيصل فيما تتدخل فيه السماء، وفيما تتركه السماء للبشر، ~~وأعمار الناس - كما نعلم - تختلف، فنحن نقول للإنسان طفولة، وله فتوة، ~~وشباب، وله اكتمال رجولة ونضج لذلك يعطي الحق من الأحكام ما يناسب هذا ~~المجتمع يعطي أولا الاحتياج المادي للطفولة، وعند عصر الفتوة يعطيه ~~المسائل الإدراكية، وعندما يصل إلى الرشد يعطيه زمام الحركة في الكون على ~~ضوء المنهج، فكانت رسالة الإسلام على ميعاد مع رشد الزمان، فأمن الحق ~~سبحانه أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، أن يقفوا ليحموا حركة الإنسان من ~~أهواء البشر. وكانت الرسل تأتي من عند الله بالبلاغ للمجتمعات البشرية ~~السابقة على الإسلام. وكانت السماء هي التي تؤدب. ولكن عندما اكتمل رشد ~~الإنسانية، رأينا الرسول يبلغ، ويوكله الله في أن يؤدب من يخرج على ~~منهج الله في حركة الحياة، لأنه صلى الله عليه وسلم أصبح مأمونا على ~~ذلك. وإذا نظرت إلى الكون قديما لوجدته كونا انعزاليا، فكل جماعة في ~~مكان لا تعلم شيئا عن الجماعة الأخرى، وكل جماعة لها نظامها وحركتها ~~وعيشها وداءاتها. # والإسلام جاء على اجتماع للبشر جميعا. فقد علم الله أزلا أن الإسلام ~~سيجيء على ميعاد مع إلغاء فوارق الزمن والمسافات، وأن الداء يصبح في ~~الشرق فلا يبيت إلا وهو في الغرب، وكذلك ms2578 ما يحدث في الغرب لا يبيت إلا ~~وهو في الشرق. إذن فقد اتحدت الداءات ولا بد أن يكون الدواء واحدا فكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جامعا للزمان وجامعا للمكان ومانعا أن ~~يجيء رسول آخر بعده، وأن العالم قد وصل إلى قمة نضجه. فإذا ما جاء ~~الإنسان ليعلم منهج الله ب " افعل " ولا " تفعل " ، وجد أن المنهج محروس ~~بالمنهج، بمعنى أن الكتب السابقة على القرآن فيها " افعل " و " لاتفعل " ~~، والقرآن أيضا فيه " افعل " و " لا تفعل " لكن المنهج السابق على ~~القرآن كان مطلوبا من المنزل إليهم أن يحافظوا عليه، ومادام قد طلب الحق ~~منهم ذلك فكان من الواجب أن يمتثلوا لطاعته لكنهم تركوا المنهج. فكل منهج ~~عرضة لأن يطاع وعرضة لأن يعصى، ولم يحفظوا الكتب وحدث فيها التحريف ~~بمراحله المختلفة والتي سبق أن ذكرناها وهي النسيان وهو متمثل في قوله ~~الحق: # ونسوا حظا مما ذكروا به # [المائدة: 13] وما لم ينسوه كتموا بعضه، فقال الحق فيهم: # إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من البينات ~~والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ~~أولئك يلعنهم الله # [البقرة: 159] وما لم يكتموه حرفوه ولووا ألسنتهم به وقال الحق: # وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب # [آل عمران: 78] ولم يقتصروا على ذلك بل وضعوا من عندهم أشياء وقالوا ~~إنها من عند الله. وكان أمر حفظ كتب المنهج السابقة موكولا لهم وبذلك ~~قال الحق عنهم: # بما استحفظوا من كتاب الله # [المائدة: 44] أي أن الحق طلب منهم أن يحافظوا على المنهج، وكان يجب أن ~~يطيعوه ولكن أغلبهم آثر العصيان. فلما عصى البشر المنهج، لم يأمن الله ~~البشر من بعد ذلك على أن يستحفظهم على القرآن، وكأنه قال: لقد جربتم ~~فلم تحافظوا على المنهج، ولأن القرآن منهج خاتم لن يأتي له تعديل من بعد ~~ذلك فسأتولى أنا أمر حفظه: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] ومادام الحق هو الذي يحفظ المنهج فالقرآن مهيمن على كل الكتب ~~لأنه سبحانه وتعالى قد ضمن عدم التحريف فيه. إذن فالكتاب المهيمن ms2579 هو ~~القرآن، ومادام القرآن هو المهيمن فهو حقيقة ما يسمى بالكتاب. ودليل ~~العهد هو قول الحق: { وأنزلنآ إليك الكتاب } أما قوله: { ~~مصدقا لما بين يديه من الكتاب } فالمقصود به الزبور ~~والتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى، ثم جاء القرآن مهيمنا على كل هذه ~~الكتب. وساعة نجد وصفا وصف به غير الله وسمى به الله نفسه فما الموقف؟ ~~نعرف أن لله صفات بلغت في تخصصها به مقامها الأعلى بالله، مثل قولنا: " ~~الله سميع " والإنسان يسمع، و " الله غني " ويقال: " فلان غني " فإذا سمي ~~الحق باسم وجد في الخلق، فليس من المتصور أن يكون هذا صفة مشتركة بين ~~العبد والرب، ولكننا نأخذ ذلك في ضوء: { ليس كمثله شيء }. # إن أي اسم من هذه الصفات على إطلاقه لا ينصرف إلا لله، فإن قلت: " الغني ~~" على إطلاقه فهو اسم لله، وإن قلت: " الرحيم " على إطلاقه فهو اسم لله. ~~فإذا أطلق اللفظ من أسماء الله على اطلاقه فهو لله، واسم " المهيمن " ~~يطلق هنا على القرآن وهو اسم من أسماء الله. ومن معنى " مهيمن " أنه ~~مسيطر. ومن أمثلة الحياة أننا نرى صاحب مصنع يطلق يد مدير في شئون العمل، ~~وهذا يعني أنه مؤمن ومسيطر وأمين، ولا بد أن متنبه، أي رقيب، وهو شهيد، ~~إذن فالذين فسروا كلمة " مهيمن " على أنه مؤمن قول صحيح. والذين فسروا ~~كلمة: " مهيمن " على أنه " مؤتمن " قول صحيح. والذين فسروا كلمة: " مهيمن ~~" بأنه " رقيب " قول صحيح. والذين فسروا كلمة: " مهيمن " بأنه " شهيد " ~~قول صحيح. والذين فسروا كلمة: " مهيمن " بأنه قائم على كل أمر قول صحيح. ~~وإذا رأيت اختلافات في تفسير اسم واحد من أسمائه - سبحانه - فلتعلم أن ~~الحق يصدق عليه كل ذلك، وباللازم لا يكون " رقيبا " إلا إذا كان " ~~شهيدا " ، ولا يكون شهيدا إلا إذا كان قائما على الأمر، ولا يكون كل ~~ذلك إلا إذا كان مؤمنا ومؤتمنا. إذن ف " مهيمن " هو قيم وشاهد ورقيب. ~~ومادام القرآن قد جاء مصدقا لما بين يديه من الكتاب فعلى أي مجال يهيمن؟ ~~نحن نعرف مدلول الكتاب ms2580 بأنه نزل من عند الله، فإن بقي الكتاب الذي نزل من ~~عند الله كما هو فالقرآن مصدق لما به، أما إن لعبت في ذلك المنهج أهواء ~~البشر فالقرآن مهيمن لأنه يصحح المنهج وينقيه من أهواء البشر. { فاحكم ~~بينهم بمآ أنزل الله }. و " احكم " مأخوذة من مادة " حكم " ، ~~و " الحكمة " هي قطعة الحديد التي توضع في فم الحصان ونربطها باللجام ~~حتى نتحكم في الحصان. والحكمة هي ألا تدع المحكوم يفلت من إرادة الحاكم. ~~وحين يقول الحق: { فاحكم بينهم بمآ أنزل الله } فهل يحدث ~~ذلك أيضا مع غير المؤمنين؟ نعم. فإذا ما جاء إليك يا رسول الله أناس غير ~~مؤمنين وطلبوا أن تحكم بينهم فاحكم بما أنزل الله. # ولذلك قال الحق: # فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم # [المائدة: 42] لكن لماذا جاءوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم برغم عدم ~~إيمانهم به؟ جاءوا إلى الرسول ليحكم بينهم لأنهم ألفوا أن يبيحوا ما حرم ~~الله بشهوات الدنيا وأخذوا لأنفسهم سلطة زمنية، وماداموا قد أخذوا ~~لأنفسهم سلطة زمنية أنستهم حكم الله. وأرادوا - على سبيل المثال - أن ~~يخرجوا على حكم الرجم وتخفيفه، ولذلك ذهبوا إلى النبي، فإن حكم هو ~~بالتخفيف أخذوا بالحكم المخفف، وإذا لم يحكم بالتخفيف فهم لن يأخذوا ~~الحكم، هم ذهبوا إليه صلى الله عليه وسلم بقصد التيسير وقالوا له: أنت ~~تعلم أن لنا سلطانا وأن لنا نفوذا ونحن نريد أن تحكم لنا لأنك عندما ~~تحكم لنا سنؤمن بك وبعد ذلك تأتي إليك باقي جماعتنا ليؤمنوا بك ويتبعوك. ~~لقد رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك تطبيقا لقول الحق: { فاحكم ~~بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم } فإذا ~~كان عندهم كتاب التوراة مصونا من التحريف، فالرسول يشير عليهم بالحكم ~~الموجود في التوراة، ولذلك عندما استدعى صلى الله عليه وسلم أعلم علمائهم ~~بالتوراة حاول بعضهم أن يضع يده على السطور التي بها الحكم فالحكم بما ~~أنزل الله يكون من التوراة إن لم يبدل، أما إذا كان الحكم قد بدله الناس ~~فالحكم من القرآن ms2581 لأن القرآن هو المهيمن. { فاحكم بينهم بمآ ~~أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم } لأنهم بهذه الأهواء ~~يريدون أن ييسروا على أنفسهم ليستبقوا لأنفسهم السلطة الزمنية، ووصفهم ~~الحق: # اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا # [التوبة: 9] هم - إذن - يريدون أن يستبدلوا بآيات الله مصلحتهم في ~~الحكم. ويقول الحق: { ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك من ~~الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } ، وإن ~~افترضنا أن بعضا من التوراة لم يحرف، وبه حكم أراد الإسلام أن يبدله، فأي ~~أمر يتبع؟ إن الاتباع هنا يكون للقرآن لأنه هو المهيمن، فسبحانه أراد ~~بالقرآن أن يصحح ويعدل ويغير. إن مناهج الأديان في العقائد ثابتة لا ~~تغيير فيها، وأما ما يتصل بالأحكام التي تحكم أفعال الإنسان فالله سبحانه ~~وتعالى ينزل حكما لقوم يلائمهم ثم ينزل حكما آخر يلائم قوما آخرين. ~~ولذلك نجد أن سيدنا عيسى قال: # ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم # [آل عمران: 50] أي أن هناك أشياء كانت محرمة في دين اليهود. وجاء عيسى ~~عليه السلام ليحلل بعضا من هذه المحرمات، وكان التحريم مناسبا بني ~~إسرائيل في بعض الأمور، وجاء المسيح عيسى ابن مريم ليحلل لهم بعضا من ~~المحرمات، وكان تحريم بعض الأمور لبني إسرائيل بهدف التأديب: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء: 160] إذن فقد يكون تحريم الشيء بسبب الضرر الناشئ منه، أو بهدف ~~التأديب لأن الإنسان أحل لنفسه ما حرمه الله عليه. # { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا } والشرعة هي الطريق ~~في الماء. والمنهج هو الطريق في اليابسة. ومقومات حياة الإنسان هي من ~~الماء ومن الغذاء الذي يخرج من الأرض، فكذلك جعل الحق سبحانه وتعالى في ~~القيم هذين الاثنين، الشرعة والمنهاج، ومادام سبحانه قد جعل لكل منا شرعة ~~ومنهاجا، فلماذا قال في موضع آخر من القرآن: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا # [الشورى: 13] معنى هذا القول هو الاتفاق في أصول العقائد التي لا تختلف ~~أبدا باختلاف الأزمان. ففي بدء الإسلام نجد أنه جاء ليؤصل العقيدة أولا ~~بلا هوادة، فنادى بوحدانية الله، وعدم الشرك به، ms2582 وصفات الكمال المطلق ~~فيه، وعدم تعدد الآلهة. أما بقية الأحكام الفعلية فقد جعلها مراحل. وكان ~~يخفف قليلا فقليلا. إذن فالمراحل إنما جاءت في الأحكام الفعلية، أما ~~العقائد فقد جاءت كما هي وبحسم لا هوادة فيه. إذن فقوله الحق: { شرع ~~لكم من الدين ما وصى به نوحا }. هذا القول مقصود به ~~العقائد. ومادام قد شرع لنا في الدين ما وصى به نوحا، فهذا توصية بأفعال ~~تتعلق أيضا بزمن نوح، وسبحانه الذي وضع لنا المنهاج الذي نسير عليه في ~~زماننا. إذن فالأمران متساويان. والمهم هو وحدة المصدر المشرع. ويقول ~~الحق: { ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة }. فلو شاء ~~لجعل " افعل " ولا " تفعل " واحدة في كل المناهج، ولكن ذلك لم يكن ~~متناسبا مع اختلاف الأزمان والأقوام الانعزالية قبل الإسلام بداءاتها ~~المختلفة لذلك كان من المنطقي أن تأتي الأحكام مناسبة للداءات. { ولو ~~شآء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم ~~في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم ~~جميعا } [المائدة: 48] وسبحانه وتعالى لو شاء لجعلنا أمة واحدة في " ~~افعل " و " لا تفعل " ولكنه - سبحانه - لم يرد ذلك حتى لا يألف الناس ~~العبادة وتصير كالعادة عندهم، فحينما يألف الناس أداء العبادات، فهم بذلك ~~يحرمون لذة التكليف والإيمان بالتكليف، فكان لا بد أن يأتي التشريع ~~مناسبا لكل زمان. وذلك ليفرق بين قوم وقوم ففي الصوم - على سبيل المثال - ~~نجد أن الحق يسمح لنا بالطعام والشراب والجنس في الفترة ما بين الإفطار ~~والسحور فالحق يأتي إلى الشيء الرتيب ويأتي فيه أمر الله بالامتناع عنه ~~لفترة زمنية معينة. ولا يقرب المؤمن هذه المحرمات في زمان معين، ولا يقرب ~~غيرها في أي زمان ومكان. مثل شرب الخمر، أو أكل لحم الخنزير. والمؤمن لا ~~يقرب هذه الأشياء بطبيعة اختياره. ويأتيه الصوم ليعلمه ويدربه على ~~الانصياع للتكليف فيحرمه الحق من الطعام طول نهار شهر رمضان وكذلك الشراب ~~والجنس. المسألة - إذن - ليست رتابة أبدا. بل هي ابتلاء واختبار البشر { ~~ولكن ليبلوكم في مآ آتاكم } والابتلاء - كما نعلم - ليس ~~أمرا مذموما في ذاته، هو ms2583 مذموم باعتبار ما تؤول إليه نهايته، ومادام ~~سبحانه يبتلينا فيما آتانا فيجب أن نكون حكماء وأن نتسابق إلى الخير: { ~~فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } [المائدة: 48] ~~والتسابق إلى الخيرات إنما يكون بهدف النجاح في الإبتلاء، والنجاح يعطينا ~~أكثر مما ننال بعدم الانصياع. # إذن فالابتلاء في مصلحتنا لإنه يعطي الناجحين فيه نجاحا أخلد، وقصارى ~~ما يزينه الشيطان للناس أو ما تتخيله نفوس الناس، أن تمر الشهوة العابرة ~~وتنقضي في الدنيا العابرة. وبعد ذلك يأتي العذاب المقيم. وعندما نوازن ~~هذا الأمر كصفقة نجدها خاسرة، لكن إن نجحنا في ابتلاء الله لنا فذلك هو ~~الفوز العظيم: { فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم ~~جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون }. أي ~~تسابقوا في الوصول إلى الخيرات، لأن الخير إنما يقاس بعائده، فإياكم أن ~~تفهموا أن الله حرمكم شهوات الدنيا لأنه يريد حرمانكم، ولكنه حرمكم ~~بعضا من شهوات الدنيا لأنها مفسدة. وكان التحريم لزمن محدود ليعطيكم ~~نعيم ومتع الآخرة المصلحة في زمن غير محدود، وهذا هو كل الخير. { إلى ~~الله مرجعكم جميعا } والكل يرجع إلى الله سواء الملتزم أو ~~المنحرف، وأمام الحق نرى القول الفصل: { فينبئكم بما كنتم ~~فيه تختلفون }. ومادام هناك اختلاف فلا بد أن يوجد من أخذ جانب ~~الخير ومن أخذ جانب الشر، ولو أن الله قال لنا: " ستأخذون الخير " وسكت ~~عن الشر لكان ذلك كافيا، لكنه يعطينا الصورة الكاملة. ويتبع ذلك قول ~~الحق: { وأن احكم... }. ### || [5.49] # وقد يقول قائل: إن الله سبحانه وتعالى قال من قبل: # وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه # [المائدة: 48] وتكون الإجابة: أن الحق بين إن القرآن قد نزل مهيمنا، ~~وعلى الرسول أن يباشر مهمة التنفيذ لذلك يأتي هنا قوله: { وأن احكم ~~بينهم بمآ أنزل الله } بلاغا للرسول وإيضاحا: أنا أنزلت ~~إليك الكتاب مصدقا لما بين يديه من الكتب السابقة ومهيمنا فاحكم، فإذا ~~جاءك قوم بشيء مخالف لما نزل من القرآن، فاحكم بينهم بالقرآن. والذي زاد ~~في هذه الآية هو ms2584 قوله الحق: { واحذرهم أن يفتنوك } والحذر هو ~~احتياط الإنسان واحترازه ممن يريد أن يوقع به ضررا في أمر ذي نفع، ~~والذي يرغب الضر قد يزين لنفسه ولغيره الذر كأنه الخير، على الرغم من أن ~~ما في باطنه هو كل الشر. إذن فالحذر هو ضرورة الانتباه لمن يريد بالإنسان ~~شرا حتى لا يدخل عليه ضرا في صورة نفع، كأن يأتي خصم ويقول لك: سأضع ~~لك كذا وافعل من أجلك كذا وكذا. يجب عليك هنا أن تقول له: لا. والحذر - ~~إذن - يقتضي عقلا مركبا، ولذلك كانوا يعرفون الحذر من الغراب. فها هوذا ~~الغراب يعلم ابنه في قصة شعبية فيقول الغراب لابنه: احذر الإنسان لأن ~~الإنسان عندما ينحني ليلتقط شيئا من الأرض فهو يلتقط قطعة من الطوب ~~ليرميك بها. وهنا يقول الغراب الصغير لوالده: وماذا أفعل لو كان هذا ~~الإنسان يخبئ قطعة الطوب في جيبه؟ إنها قصة توحي بأن الغراب حذر بفطرته. ~~ونرى مثل ذلك في مظاهر الأشياء كالمرابي الذي يزين للناس أن يضعوا ~~أموالهم عنده ويعطيهم فائدة تبلغ عشرين بالمائة، هذه صورة شيء ينفع ~~ولكنها ضارة بالفعل لأنها تزيد المال ظاهرا ولكن ينطبق عليها قول الله: ~~{ يمحق الله الربا }. وهذا أمر ضار يزينه الخصم وكأنه أمر ~~نافع. والحق يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون حذرا، فماذا ~~يكون المطلوب من الأتباع؟. إنه الحذر نفسه لأن أفضل البشر وجهه الله ~~إلى الحذر: { واحذرهم أن يفتنوك } لأن الصورة التي دخلوا بها ~~هي صورة تزين الخداع، فقد قالوا: نحن جئناك لتحكم لنا، فإن حكمت لصالحنا ~~فلسوف نتبعك، وهذا أمر يبدو في صورة شيء نافع. وجاء القول الحق ليحسم هذه ~~المسألة: { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض مآ أنزل ~~الله إليك } وهنا يحذر الله رسوله من الفتنة عن بعض ما أنزله إليه ~~سبحانه. ويتابع الحق: { فإن تولوا فاعلم أنما يريد ~~الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من ~~الناس لفاسقون } وهم إن تولوا، فاعلم أن الله يحميك أن تنزلق إلى ~~شبهة باطل. فهم قد ms2585 اختاروا أن يوغلوا في الكفر، وفي الابتعاد عن منهج ~~الله، وسيصيبهم ببعض عذابه مقابل ذنوبهم، وسبحانه لا يصيبهم ظلما، بل ~~يصيبهم ببعض الذنوب التي ارتكبوها. # وهو أعلم بهم، لأنه الأعلم بالناس جميعا. ويختم الحق الآية بقول: { ~~وإن كثيرا من الناس لفاسقون } أي خارجون عن طاعة كتبهم ~~ورسلهم لأن طاعة الكتب السابقة على القرآن تنص على ضرورة الإيمان بالرسول ~~النبي الأمين صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ~~يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع ~~عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا ~~النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون # [الأعراف: 157] إذن فطريق الفلاح كان مكتوبا في التوراة والإنجيل، وكان ~~الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي موجودا في الكتب ~~السابقة على القرآن، وكانت البشارة بمحمد رسولا من عند الله يأمر بكل ~~الخير وينهى عن كل الشر ويحل للناس كافة الأشياء التي تحسن الفطرة ~~الإنسانية استقبالها، ويحرم عليهم أن يزيفوا ويغيروا المنهج الذي جاء به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألا يستسلموا للعناد، فقد جاء محمد صلى ~~الله عليه وسلم ليزيل عنهم عبء تزييف المنهج. فمن اتبع نور رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحس بالنجاة والفوز. ومن لم يتبع هذا النور فهو الخارج عن ~~طاعة كتاب السماء. ومحاولة إنكار رسالة رسول الله محكوم عليها بالفشل، ~~فالعارفون بالتوراة والإنجيل يعرفون وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~هذه الكتب. # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم ~~يعلمون # [البقرة: 146] ونعلم جميعا ما فعله عبدالله بن سلام عندما جاء إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه. قال عبدالله بن سلام: - لأنا أشد ~~معرفة برسول الله صلى الله عليه وسلم مني بابني. فقال عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه:- وكيف ذلك يا ابن سلام؟. قال عبدالله بن سلام: لأني أشهد ~~أن محمدا رسول ms2586 الله حقا ويقينا وأنا لا أشهد بذلك على ابني لأني لا ~~أدري، أحداث النساء. فقال عمر بن الخطاب: - وفقك الله يا ابن سلام. ولكن ~~بعض علماء بني إسرائيل وأحبارهم كتموا البشارة برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقد كانوا يرجون الرئاسة والطمع في الهدايا التي كان يقدمها الناس ~~إليهم. لذلك عمدوا إلى صفة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وكتموها. ~~وماداموا قد فعلوا ذلك فلنعلم أن الله يريد أن يصيبهم ببعض ذنوبهم. ونلحظ ~~أن الحق حين أجرى على لسان رسوله خطابا إلى اليهود. ولم يأت على لسانه ~~صلى الله عليه وسلم اتهام شامل لليهود، بل اتهام لبعضهم فقط، وإن كان هذا ~~البعض كثيرا، فلنعلم أن ذلك هو أسلوب صيانة الاحتمال لأن بعضهم يدير أمر ~~الإيمان بقلبه. # صحيح أن كثيرا منهم فاسقون، ولكن القليل منهم غير ذلك. فها هوذا أبو ~~هريرة رضي الله عنه ينقل لنا ما حدث: # " زنى رجل من اليهود بامرأة وقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي ~~فإنه نبي مبعوث للتخفيف فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججناها ~~عند الله وقلنا فتيا نبي من أنبيائك. فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو جالس في المسجد مع أصحابه فقالوا: يا أبا القاسم ما ترى في امرأة ~~ورجل زنيا؟. فلم يكلمهم حتى ذهب إلى مدراسهم. وهناك طلب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من شاب رفض أن يتكلم بالكلام غير الصدق الذي يتكلمه قومه. ~~وقال الشاب: إنا نجد في التوراة الرجم. وحكم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالرجم ". # " عن البراء بن عازب قال: مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي ~~محمما مجلودا، فدعاهم فقال: هكذا تجدون الزاني في كتابكم؟ قالوا: ~~نعم، فدعا رجلا من علمائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك ~~بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم. ~~قال: لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم ولكنه كثر في ~~أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا ms2587 أخذنا الضعيف أقمنا عليه ~~الحد، فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع ~~فاجتمعنا على التحميم والجلد مكان الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم فأنزل ~~الله: { يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر } إلى قوله: { إن أوتيتم هذا فخذوه } يقولون ~~ائتوا محمدا فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم ~~فاحذروا ". # إذن فالكثير منهم فاسقون، والقليل منهم غير فاسق لأنهم يديرون فكرة ~~الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو أن الاتهام كان شاملا للكل ~~بأنهم فاسقون لما أحس الذين يفكرون في أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وبالنور الذي جاء به. وعندما قال الحق: { وإن كثيرا من ~~الناس لفاسقون } يعني أن الذين يديرون في رؤوسهم فكرة الإيمان ~~برسول الله سيجدون النور واضحا في كلماته. ونتساءل: لماذا أرادوا أن ~~يلووا أحكام الله ليحققوا لأنفسهم سلطة زمنية وثمنا تافها من تلك ~~الأشياء التي يتقاضونها، لماذا يفعلون ذلك؟ ها هوذا قول الحق سبحانه: { ~~أفحكم الجاهلية... }. ### || [5.50] # والجاهلية هي نسبة إلى جاهل. ولو كانت نسبة مأخوذة من الجهل لجاء القول ~~" جهلية " ، لكن الحق يقول هنا: " جاهلية " نسبة إلى جاهل. وحتى نعرف ~~معنى الجاهل بالتحديد لا بد لنا أن نتذكر ونستعيد تقسيم النسب الذي قلناه ~~قديما، ونعرف أن كل لفظ نتكلم به له معنى، وساعة نسمع اللفظ فالمعنى ~~يأتي إلى الذهن إفراديا. مثلما نسمع كلمة " جبل " فيقفز إلى الذهن صورة ~~الجبل، لكن لا توجد حالة واضحة للجبل لأن الكلمة لم تكن مصحوبة بحكم. إذن ~~فهناك معنى للفظ، ولكن هذا المعنى لا يستقل بفائدة. ولكن إن قلنا إن ~~القاهرة مكتظة بالسكان، أو أن مرافقها متعبة، هناك نكون قد أتينا بحكم ~~يوضح لنا ماذا نقصد بقولنا القاهرة. إن هناك فرقا بين اللفظ حين يؤدي إلى ~~معنى مفرد لا حكم له، وبين لفظ له حكم، ولذلك نجد العربي القديم حين ~~يأتيه لفظ بلا حكم لم يكن لقبله. وها هوذا رجل عربي ms2588 قال: أشهد أن محمدا ~~رسول الله - بفتح اللام في كلمة " رسول " - وبهذا القول تكون " رسول ~~الله " صفة لمحمد وليس فيها الخبر المطلوب. لذلك قال عربي آخر: وماذا ~~يصنع محمدا؟ ليلفت القائل إلى أنه لم يتلق الخبر. إذن كل لفظ له معنى، ~~وهذا المعنى مفرد ولا بد له من نسبة. مثلما نقول لصديق: " محمد " ، ويعرف ~~هذا الصديق محمدا، فيسألك: " وما لمحمد "؟ وبقوله هذا إنما يطلب الخبر ~~ليعرف ماذا حدث له أو منه، فتقول: " محمد زارني أمس ". وهكذا تكتمل ~~الفائدة. إذن فكل لفظ من الألفاظ المفردة له معنى حين يفرد. فإذا ما جاء ~~الحكم تنشأ عنه النسبة. وإن كانت النسبة واقعة ويعتقدها قائلها ويستطيع ~~إقامة الدليل عليها فهذه نسبة علم لأن العلم نسبة مجزوم بها وواقعة ~~ونستطيع إقامة الدليل عليها تماما مثلما نقول: الأرض كروية حيث توحي ~~الكلمة أولا بصورة الأرض وأضفنا إليها نسبة هي " كروية " لأننا نعتقد ~~أنها كروية والواقع يؤكد ذلك، فإذا ما جئنا بالدليل عليها فهذه نسبة علم. ~~إذن فالعلم نسبة معتقدة وواقعة وعليها دليل. أما إذا كانت النسبة واقعة ~~ومعتقدة ولا نستطيع التدليل عليها فذلك هو التقليد مثلما يكرر الطفل عن ~~والده بعضا من الحقائق ولكنه لا يستطيع إقامة الدليل عليها، إنه يقلد من ~~يثق به، إذن فالمرحلة الأقل من العلم هي التقليد. أما إذا كان الإنسان ~~يعتقد أن النسبة قد حدثت ولكن الواقع غير ذلك، فهذا هو الجهل، فالجهل ليس ~~معناه أنك لا تعرف، ولكن أن تعرف قضية مناقضة للواقع. # والجاهل يختلف عن الأمي، فالأمي هو الذي لا يعرف، أما الجاهل فهو الذي ~~يعرف قضية مخالفة للواقع ومتشبث بها. { أفحكم الجاهلية ~~يبغون } والحق هنا يتساءل: هل يرغبون في الاستمرار بالاعتقاد الخاطئ ~~الجاهل؟ والأمر مع الأمي - كما عرفنا - يختلف عن الأمر مع الجاهل لأنه ~~يكفيك أن تقول للأمي العلم الذي تريد تعليمه إياه ويقبله منك، أما الجاهل ~~فلا بد للتعامل معه من عملين.. الأول أن تجعله يحذف ويستبعد من باله ~~القضية الخاطئة، والثاني أن تجعله يقتنع بالقضية الصحيحة. ms2589 والذي يرهق ~~الدعاة إلى الدين هم الجهلة هؤلاء الذين يعتقدون اعتقادا خاطئا يتضمن ~~قضايا باطلة. لكن ماذا إن كانت النسبة مجالا للنفي ومجالا للإثبات؟ إن ~~كان النفي مساويا للإثبات فهي نسبة شك. وإن غلب الإثبات فهذا ظن. وإن ~~كان النفي راجحا فذلك هو الوهم. وهكذا يتضح لنا أن قضية الجهل قضية ~~صعبة، والذي يسبب التعب في هذه الدنيا هم الجهلة لأنهم يعتقدون في قضايا ~~خاطئة. فإذا كان هناك حكم من الله. فلماذا لا يرتضون إذن؟ أيريدون حكم ~~الجاهلية؟ وكان أهل الكتاب أنفسهم يسفهون حكم الجاهلية. ولنلحظ أن هذا ~~التسفيه كان في زمن المواجهة بين الجاهلية وبين أهل الكتاب. وكانوا ~~يستفتحون عن أهل المدينة ومكة. وكثيرا ما قالوا: لقد أظلنا عهد نبي ~~سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. ولكن ما إن جاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى قالوا العكس، ماذا قالوا للجاهلين؟ هاهوذا الحق يخبرنا بما ~~قالوا: # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين ~~كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا # [النساء: 51] وقد ذهب بعض من أحبار اليهود إلى قريش، وسألهم بعض من سادة ~~قريش: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم القديم فأخبرونا عنا وعن محمد. فقال ~~الأحبار: ما أنتم وما محمد؟ فقال سادة قريش: نحن ننحر الكوماء ونسقي ~~اللبن على الماء ونفك العاني ونصل الأرحام ونسقي الحجيج وديننا القديم ~~ودين محمد الحديث. فقال الأحبار: أنتم خير منه وأهدى سبيلا. وبذلك زوروا ~~القول. وينقل الرواة قصة أخرى في هذا الموضع، أن واحدا من أحبار اليهود ~~قال لأبي سفيان: أنتم والله أهدى سبيلا مما هو عليه. وقال الأحبار ذلك ~~حسدا لرسول الله. إذن فهل يرتضي أهل الكتاب حكم الجاهلية؟ لا. ولكنه ~~التناقض والتضارب. وماداموا قد تناقضوا مع أنفسهم صار من السهل أن ~~يتناقضوا مع الكتاب الذي نزل إليهم. ولذلك يتساءل الحق: { أفحكم ~~الجاهلية يبغون } ثم يأتي من بعد ذلك بالمقابل وهو قوله: { ~~ومن أحسن من الله حكما }. وسبحانه لم يقل: إن الأحسن في ~~الحكم هم ms2590 المسلمون لجواز أن يكون من المسلمين من ينحرف، لذلك رد الأمر ~~إلى ما لا يتغير أبدا وهو حكم الله. # وحين يقرر سبحانه ذلك فإنه - أزلا - يعلم أنه سيأتي قوم مسلمون وينحرفون ~~عن المنهج. ونحن نرى في بعض الأحيان سلوكا منحرفا من مسلم، فهل نلصق ~~هذا السلوك بالإسلام؟ لا. بل ننظر إلى حكم الله في كتابه. وعندما نرى أن ~~حكم الله يجرم فعلا وله عقوبة، فالعقوبة تقع على المسلم المنحرف أيضا. ~~والمثال قوله الحق: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما # [المائدة: 38] وهذا الحكم يطبق على المسلم وغير المسلم، إذن فلا نقول ~~هذا حكم المسلمين وذلك حكم الجاهلية. ولكننا نقول: إنه حكم صاحب المنهج ~~وهو الله. ونلحظ أن هناك استفهاما في قوله الحق: { ومن أحسن من ~~الله حكما }. والاستفهام هو نقل صورة الشيء في الذهن، لا نقل حقيقة ~~الشيء. وساعة يطلب المتكلم من المخاطب أن ينقل إليه الفهم، هنا نقول: هل ~~كان المتكلم لا يعلم الحكم؟ قد يصح ذلك في الحياة العادية. وقد نراه حين ~~يقول إنسان لآخر: من زارك أمس؟ فنكون أمام حالة استفهام عن الذي زاره، ~~تلك هي حقيقة الاستفهام، لكن ما بالنا إذا كان الذي يتكلم ويستفسر لا ~~تخفى عليه خافية، إنه - سبحانه - يطلب منا أن نجيب على سؤاله: { ومن ~~أحسن من الله حكما }. وتلك عظمة الأداء. وأضرب مثالا آخر - ~~ولله المثل الأعلى - عندما يأتيك إنسان ويدعي أنك لم تحسن إليه لأنه كان ~~سجينا مثلا وأنت الذي أخرجته من السجن. فتقول له: من الذي ذهب ودفع عنك ~~الكفالة وأخرجك من الحبس؟ إنك أنت الذي فعلت ولا تريد أن تقول له: لقد ~~فعلت من أجلك كذا وكذا، ولكنك تريده هو أن ينطق بما فعلته له، ولا تقول ~~ذلك إلا وأنت واثق أنه لن يجد جوابا إلا الاعتراف بأنك أنت الذي صنعت له ~~كذا وكذا، وبذلك تصبح المسألة إقرارا وليس إخبارا. { أفحكم ~~الجاهلية يبغون } فالحق عالم أنهم حين يديرون رءوسهم في ~~الجواب، لن يجدوا إلا أن يقولوا: يارب أنت أحسن حكما. وهذا إقرار ms2591 منهم ~~وإخبار أيضا. أما عند المؤمن فالأمر يختلف تماما لأن المؤمن يعترف ويقر ~~بفضل الله عليه. { ومن أحسن من الله حكما لقوم ~~يوقنون } فالذي يفهم أن حكم الله هو الأفضل هم القوم الذين دخلوا إلى ~~مرحلة اليقين. ونعلم أن مراحل اليقين تتفاوت فيما بينها، فعندما يخبرك ~~إنسان صادق في قضية ما فأنت تعلم هذه القضية. كأن يقول لك: لقد ذهبت إلى ~~نيويورك. وهذه المدينة تقع على عدد من الجزر وبها عمارات شاهقة والعنف ~~منتشر فيها. والناس تبدو وكأنها ممسوسة من فرط الهوس على الثروة. وحين ~~تسمع هذا الصادق فأنت تأخذه على محمل الجد وتعتبر كلامه يقينا وهذا هو ~~علم اليقين، أي أنه إخبار من إنسان تثق فيه لأنه صادق. وبعد ذلك يأتي هذا ~~الإنسان ليوجه لك الدعوة، فتركب معه الطائرة، وتطير الطائرة على ارتفاع ~~يساوي أربعين ألف قدم، وبعد إحدى عشرة ساعة تهبط الطائرة قليلا لترى ~~أضواء مدينة صاخبة، ويقول لك صاحبك: هذه هي نيويورك، وتلك هي ناطحات ~~السحاب. # هكذا صار علم اليقين عين يقين. وعندما تنزلان معا إلى شوارع نيويورك ~~فأنتما تسيران إلى جزيرة مانهاتن. وتصعد إلى برج التجارة أعلى ناطحات ~~السحاب في نيويورك، وهذا هو حق اليقين. إذن: فمراحل اليقين ثلاث: علم ~~يقين: إذا أخبرك صادق بخبر ما، وعين يقين: إذا رأيت أنت هذا الخبر، وحق ~~يقين: إذا دخلت وانغمست في مضمون وتفاصيل هذا الخبر. وقديما قلت ~~لتلاميذي مثالا محددا لأوضح الفارق بين ألوان اليقين، قلت لهم: لقد ~~رأيت في أندونيسيا ثمرة من ثمار الموز يبلغ طول الثمرة الواحدة نصف ~~المتر. وبالطبع صدقني التلاميذ لأنهم يصدقون قولي. وقد نقلت لهم صورة ~~علمية. وصار لديهم علم يقين. وبعد ذلك أدخل إلى غرفة وأفتح حقيبة وأخرج ~~منها ثمرة الموز التي يبلغ طولها نصف المتر. وبذلك يصير علم اليقين عين ~~يقين. وبعد ذلك أمسكت بسكين وقمت بتقشير ثمرة الموز ووزعت على كل واحد ~~منهم قطعة. وهكذا صار لديهم حق يقين. وحين يطلق الحق " اليقين " فهو يشمل ~~الذي علم والذي تحقق. فأهل ms2592 الأدلة، علموا علم اليقين، وأهل المرائي ~~والمشاهدات علموا عين اليقين، وأهل الفيوضات والتجليات وصلوا إلى حق ~~اليقين. والمؤمنون بالله يقول الواحد منهم: أنا بمجرد علم اليقين موقن ~~تماما ولا أنتظر حق اليقين لأني لا أجرؤ على التكذيب لذلك نجد أن سيدنا ~~الإمام عليا - كرم الله وجهه - يقول: لو انكشف عني الحجاب ما ازددت ~~يقينا. والحق سبحانه وتعالى يعطينا هذه الصورة في قوله الحق: # ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا ~~سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو ~~تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم ~~لترونها عين اليقين # [التكاثر: 1-7] والبداية تكون علم اليقين، ثم نرى الجحيم ونحن نسير على ~~الصراط فتصير عين اليقين، ومن لطف الله أنه جعلنا - نحن المسلمين - لا ~~نراها حق اليقين. وهو القائل: # وإن منكم إلا واردها # [مريم: 71] هو يعطينا صورة الجحيم. لكن حينما أراد الحق أن يعطينا صورة ~~حق اليقين، فقد جاء بها في قوله الحق: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم * إنه لقرآن كريم * في كتاب ~~مكنون * لا يمسه إلا المطهرون * تنزيل من ~~رب العالمين * أفبهذا الحديث أنتم مدهنون * ~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # [الواقعة: 75-82] كل ذلك مقدمة ليقول الحق: # إن هذا لهو حق اليقين # [الواقعة: 95] وما يذكره الحق هنا عن منزلة المصدق المؤمن إن هذه ~~المنزلة هي الجنة ويرى ذلك عين اليقين. أما منزلة المكذب الكافر، فله ~~مكانه في النار لذلك سيرى كل الناس النار كعين اليقين. أما من يدخله الحق ~~النار - والعياذ بالله - فسيعاني منها حق اليقين، وسينعم المؤمنون بالجنة ~~حق اليقين. ومن بعد ذلك يقول الحق: { يأيها الذين... }. ### || [5.51] # نلحظ أن الخطاب هنا للذين آمنوا. والمنهي عنه هو اتخاذ اليهود والنصارى ~~أولياء. وما معنى الولي؟. الولي هو الناصر وهو المعين. وهذا القول ~~مأخوذ من ولي يلي أي يقف في جانبه. ونسمي الذي ينوب عن المرأة في عقد ~~النكاح " الولي ". وكذلك " ولي المقتول ". والمراد هو: يا من آمنتم ~~لاحظوا تماما أنكم أصحاب مهمة وهي أن تخرجوا الضلالات من البشر، هذه ~~الضلالات ms2593 تمثلت في تحريف ديانات كان أصلها الهدى فصارت إلى ضلال، فإياكم ~~أن تضعوا أيديكم في أيديهم لطلب المعونة والنصرة. إذن قوله الحق: { لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء } هو حكم تكليفي. ~~وحيثية الإيمان بالله. فما دمت قد آمنت بالله فكل من تقدح أنت في إيمانه ~~بمخالفته لمنهج ربه لا يصح أن يكون مؤتمنا على نصرتك لأنه لم يكن أمينا ~~على ما معه فهل تتوقع منه أن يعينك على الأمانة التي معك؟ لا لأنه لم يكن ~~أمينا على ما نزل عليه من منهج. والولاية نصرة، والنصرة انفعال الناصر ~~لمساعدة المنصور. وهل تجد فيهم انفعالا لك ينصرك ويعينك، أو يتظاهرون ~~بنصرتك، ولتعلموا أنهم سيفعلون ما قاله الحق: # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا # [التوبة: 47] إنهم لو دخلوا في صفوفكم لفعلوا فيكم مثلما يفعل ~~المنافقون، فما بالنا بالذين خانوا أمانة الكتب المنزلة عليهم؟ إذن ~~فالموالاة والنصرة والمعونة يجب أن تكون من متحد معك في الغاية العليا. ~~وما دام هناك من يختلف مع الإسلام في الغاية العليا وهي الإيمان فلا يصح ~~أن يأمنه المسلم. وسبحانه يقول: { بعضهم أوليآء بعض }. وقد ~~يتساءل الإنسان: كيف يقول الحق فيهم: # وقالت اليهود ليست النصارى على شيء # [البقرة: 113] ويقول سبحانه أيضا: # وقالت النصارى ليست اليهود على شيء # [البقرة: 113] ويقول جل شأنه: # كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم # [البقرة: 113] نحن - إذن - أمام ثلاثة أقسام يهود، ونصارى، ومشركون، وقد ~~قال مشركو قريش مثل قول أهل الكتاب بشقيهم برغم أنهم في خلاف متضارب وكل ~~منهم ينكر الآخر، وسبحانه قال: # فأغرينا بينهم العداوة # [المائدة: 14] فكيف من بعد ذلك يقول سبحانه: { بعضهم أوليآء ~~بعض }؟ وهذا أمر يحتاج إلى وقفة إيمان لنرى الصورة كاملة، ونعلم أن ~~الذين يخالفون منهج الحق قد يصح أن يكون بينهم خلاف على السلطات الزمنية، ~~لكنهم عندما يواجهون عملاقا قادرا على دحر كل بنيان أكاذيبهم يتفقون ~~معا. وهذا ما نراه في الواقع الحياتي: معسكر الشرق - الذي كان - يعادي ~~معسكر الغرب، ولكن ما إن يجيء شيء يتصل بالإسلام حتى يتفقوا معا ms2594 على ~~الرغم من هزيمة المعسكر الشرقي لأن الإسلام بمنهجه خطر على هؤلاء وهؤلاء ~~وعلى سلطاتهم ولكنه في الحقيقة رحمة بهم إنه يخرجهم من الظلمات إلى النور ~~وهم يتصرفون في ضوء ما قاله الحق: { بعضهم أوليآء بعض }. # وعندما ينفرد كل منهم بالآخر فإنه ينطبق عليهم قول الحق: # فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء # [المائدة: 14] هكذا نفهم طبيعة العلاقات بين أعداء الإسلام. ويقول الحق: ~~{ ومن يتولهم منكم فإنه منهم } أي أن من يتخذهم ~~نصراء ومعينين فلا بد أنه يقع في شرك النفاق لأنه سيكون مع المسلمين ~~بلسانه ومع أعداء الإسلام بقلبه. ويذيل الحق الآية بقوله: { إن ~~الله لا يهدي القوم الظالمين } ونعرف أن الظلم هو نقل حق ~~إلى غير صاحبه، وأعلى مراتب الظلم هو الشرك بالله، وهو الظلم العظيم ~~فالحق يقول: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] ذلك أن الإنسان حين يظلم إنسانا آخر ويأخذ منه شيئا ~~ليعطيه لآخر فهل هناك إنسان يقدر على أن يأخذ من الله شيئا؟ لا، ~~فالإنسان لا يستطيع أن يظلم الله، لكنه ينال عقوبة الشرك وهذا ظلم خائب ~~للنفس والذي يشرك بالله لا يأخذ إلا الخسار، وذلك هو كل الخيبة. لأن ~~الظلم حينما يحقق للظالم نفعا فهو ظلم هين، ولكن الظلم العظيم هو أن ~~يشرك إنسان بالله ولا يأخذ إلا العقاب الصارم. فإذا كان المشرك يتأبى ~~على منهج الله في الأشياء فهل يجرؤ على أن يتأبى على قدريات الله غير ~~الاختيارية فيه كالموت مثلا؟. والحق يأمر الإنسان بالإيمان. ومتعلقات ~~الإيمان من شهادة بوحدانيته وإيمان برسله وكتبه واليوم الآخر وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع إليه سبيلا. ~~والمشرك يتأبى على الإيمان والتكاليف فهل يجرؤ على التأبي على المرض أو ~~الموت؟. لا لذلك فهو يظلم نفسه ظلما خائبا. والحق سبحانه لا يهديه لأن ~~معنى الهداية هو أن يجد الإنسان من يدله على الطريق الموصل للغاية. فهداه ~~أي دله على الطريق الموصل للغاية. ولا يتجنى سبحانه على خلقه فلا ~~يهديهم، بل الذين ظلموا أنفسهم ولم يؤمنوا هم الذين لا ms2595 ينالون عناية الحق ~~سبحانه وتعالى باختيارهم. والحق سبحانه وتعالى يقول: { فترى ~~الذين... }. ### || [5.52] # المجال هنا كان عن النهي عن اتخاذ أهل الكتاب أولياء من دون الله، ومن ~~سمع هذا النهي وفي قلبه الإيمان نفذ النصيحة. ولكن الذي طمس المرض - وهو ~~النفاق - قلبه فهو الذي يتولاهم. وهو يسارع إلى هذه الولاية. ونعرف أن ~~المسارعة هي تقليل الزمن في قطع المسافة الموصلة للغاية فإذا كانت هناك ~~مسافة تقتضي السير لمدة خمس عشرة دقيقة فالمسارعة تفرض على الإنسان أن ~~يقطعها في وقت أقل من ذلك. وهناك " يسارع إلى " و " يسارع في " ، مثل قول ~~الحق: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم # [آل عمران: 133] والغاية هنا هي المغفرة من الله وعلى المؤمن أن يسارع ~~إليها، أما عندما يقال: يسارع في كذا أي أنه كان في الأصل منغمسا في هذا ~~الموضوع. وعندما يقول الحق: { يسارعون فيهم } أي كأنهم كانوا مع ~~هؤلاء الكفار من البداية، ولذلك فالمسارعة في ظرفيتهم. وبذلك يتهافتون ~~عليهم. والعلة العامة أن في قلوبهم مرضا جعلهم يبتكرون ويلفقون ~~أسبابا، هذه الأسباب هي { نخشى أن تصيبنا دآئرة }. ~~والموالاة هنا من الخوف أن تدور الدوائر، ونحتاج إليهم لأن عندهم الأموال ~~والسلاح، وهذا ما قاله المنافق عبدالله بن أبي فقد قال: أنا رجل أخشى ~~الدوائر. أي أنه يخشى الأحداث والمصائب. مثلما نقول: " الأيام دول ". ~~ولكن كلمة " دول " هي انتقالية وقد لا يكون فيها ضرر، أما " دوائر " فهي ~~انتقالية فيها ضرر. وعكس ذلك ما قاله عبادة بن الصامت قال رضي الله عنه: ~~- أنا سآخذ ولاية الله ورسوله والمؤمنين وسأنفض عني ولاية اليهود ~~والنصارى. وأورد الحق قول المنافق: { نخشى أن تصيبنا دآئرة ~~فعسى الله أن يأتي بالفتح } وساعة نسمع كلمة " الفتح " ، ~~فلنعرف أدل مدلولاتها أنه الحكم. # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # [الأعراف: 89] أي احكم يا رب بيننا وبينهم. إذن فقوله الحق: { فعسى ~~الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده } أي الحكم ~~الذي يضع حدا لمسألة موالاة أهل الكتاب والذين لا يعلمون. والأمر من ~~عند الله هو حكم من ms2596 الله أيضا. يخاطب المؤمنين به. والمؤمن بالله له ~~أعمال تؤدى كأسباب إلى مسببات، وقد يأتي للمؤمنين أشياء بدون مقدمات ~~منهم، وهي الفضل من الله. إذن فعسى الله أن يأتي بالفتح، أي بأسباب أنتم ~~تصنعونها وتعدون ما استطعتم من عدة وعدة وتؤذونهم، ولذلك قال في ~~آية أخرى: # فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب # [الحشر: 6] مثال ذلك ما حدث لبني النضير، فكان الإجلاء، واستولى ~~المسلمون على أرض بني قريظة، وهذا هو الفتح من عند الله. وسبحانه - إذن - ~~يعامل المؤمنين معاملتين: الأولى أن يصنع المؤمنون مقدمات تؤدي إلى ~~نتائج: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم # [التوبة: 14] وهنا جعل الحق قتال المؤمنين سببا، أما الثانية فهي الأمر ~~من عنده بالنصرة بالربوبية. وساعة تسمع " عسى " و " لعل " فهذا معناه ~~الرجاء. والرجاء أن المتكلم يرجو أن يقع ما دخلت عليه " عسى ". مثال ذلك ~~قولنا: عسى أن تكرم زيدا. ومن يقولها إنما يرجو سامعها أن يكرم زيدا، ~~وهذا يعني أن القائل ليس في يده إكرام زيد. أما إذا قال القائل: عسى الله ~~أن يكرم زيدا، فهذا نقل للرجاء من البشر إلى الله. والقائل هنا بشر ~~ويتكلم عن بشر، والمرجو هو الله، وقدرة الله أوسع من كل قدرة. هنا ندخل ~~في اتساع دائرة الرجاء فما بالنا إذا كان المتكلم هو الله؟ إذن فهذا ~~إطماع من كريم لا بد أن يتحقق. ونتعرف بذلك على درجات الرجاء: رجاء من ~~بشر لبشر، رجاء بشر من إله لبشر، رجاء إله من إله لبشر، ولأن الرجاء ~~الأخير من المالك الأعلى لذاته فهو الذي يعطي { فعسى الله أن ~~يأتي بالفتح أو أمر من عنده } وقد تحقق ذلك في واقع ~~الأمر، وساعة قالوا: نخشى أن تصيبنا دائرة ونحن نحتفظ بالعلاقة مع أهل ~~الكتاب من أجل الولاية والنصرة. جاءت من بعد ذلك النصرة بالفتح وبأمر من ~~الله، فماذا كان موقفهم؟ صار الموقف هو { فيصبحوا على مآ ~~أسروا في أنفسهم نادمين } أي أنهم صاروا إلى الندم. ~~وبذلك صار قولهم: { نخشى أن تصيبنا دآئرة } هو كشف لما في ~~قلوبهم ms2597 من مرض النفاق، وقد خلعوا على المرض وعبروا عنه بهذا الكلام سترا ~~لما في قلوبهم، فكأن الذي أسروه في نفوسهم هو كراهية هذا الدين وكراهية ~~هذا المنهج وأنهم لا يحبون أن يستعلي هذا المنهج على غيره. إذن فالحق ~~سبحانه وتعالى يدلنا على أن القول الذي نشأ منهم: { نخشى أن ~~تصيبنا دآئرة } لم يكن هو السبب المباشر. ولكن السبب هو المرض في ~~قلوبهم. والمرض: أنهم لا يحبون أن ينتصر منهج الإسلام لأنهم يعيشون على ~~ثروات المخالفين للدين، وساعة تكون السيطرة للإسلام ينتهي ثراؤهم. وكذلك ~~كان أهل الكتاب في المدينة قبل أن يأتي الإسلام كانوا أصحاب العلم والمال ~~والجاه، وكانت الأوس والخزرج يأخذون منهم المال بالربا ويشترون منهم ~~السلاح، ويأخذون منهم العلم. ولما جاء الإسلام ضاع من اليهود كل ذلك ~~فتمكن من قلوبهم المرض لأن الإسلام سلبهم السلطة الزمنية، هذه السلطة ~~التي جعلتهم يحرفون كتب الله. فإذا كانوا قد دخلوا مع الله في تحريف ~~كتبه، أفلا يدخلون معكم - أيها المسلمون - في عداوة ويلبسون عليكم بأنهم ~~يعينون وهم يخذلون؟ { فيصبحوا على مآ أسروا في ~~أنفسهم نادمين } وساعة يسمعون هذا القول الرباني وهو قرآن يتلى ~~ويتعبد بتلاوته ويقرأ في المساجد ويسمعونه، ولم يكن هناك فتح، ولم يكن ~~هناك أمر، ويخبرهم الله بمصيرهم: { فيصبحوا على مآ أسروا ~~في أنفسهم نادمين } ومعنى ذلك أنه سبحانه كتب الذي في ~~نفوسهم. # مثلما قال من قبل: { ويقولون في أنفسهم }. أي أنهم قالوا في ~~أنفسهم وسمعهم الخالق. ولو لم يقولوا في أنفسهم لأعلنوا أنهم لم يقولوا ~~ذلك، لكنهم بهتوا حين كشفهم الحق وفضحهم وسجل ما في أنفسهم وأورد مضمون ~~القول، وكان من اللازم أن يعترفوا بمضمون القول، وكان لا بد لهم أن ~~يتجهوا إلى الإيمان. لكنهم لم يفعلوا فصاروا إلى الندم. بنص الآية التي ~~نزلت قبل أن يأتي فتح أو أمر من الله. ويقول الحق بعد ذلك: { ويقول ~~الذين آمنوا... }. ### || [5.53] # هنا يرى المؤمنون رأي العين ندم هؤلاء. والندم انكسار القلب في الحاضر ~~على تصرف سابق مثلما يرتكب إنسان حماقة ms2598 وتظهر آثارها من بعد ذلك، فيقول: ~~يا ليتني لم أكن قد فعلت ذلك. إنه انكسار نفس على تصرف سابق. وانكسار ~~النفس يتضح على بشرة الوجه. وساعة يأتي الفتح تجد المنافقين وأهل الكتاب ~~مكبوتين كبتا قسريا وهو الكبت الذي لا يجرؤ صاحبه عليه فيدعي أنه ~~فرحان، إنه قسري بإلحاح بنية، وظهور أثر ذلك على وجوههم. وهنا يفطن ~~المؤمنون إلى ذلك فيقولون: { أهؤلاء الذين أقسموا ~~بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم }. ولو كان هؤلاء ~~المنافقون من الصادقين لفرحوا ولكانت أساريرهم متهللة، ولظهرت عليهم ~~الغبطة. لكنهم صاروا عكس ذلك، صاروا نادمين مكبوتين. { ويقول ~~الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله ~~جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت } أي حبط عملهم ~~وقولهم: " إنا معكم ". والحبط هو - كما قلنا - الانتفاخ الذي يصيب ~~البهيمة التي تأكل طعاما غير مناسب لها، فيظن الناس أنها قد سمنت ولكنهم ~~يلتفتون فيجدون أنها مصابة بانتفاخ قاتل. { حبطت أعمالهم ~~فأصبحوا خاسرين } والخسارة في معناها الواضح أن يقل رأس المال. ~~لقد فعل المنافقون ذلك ليستروا أنفسهم وراء المسلمين ولم يسلم لهم هذا ~~الأمر وانكشفوا. ويقول الحق بعد ذلك: { يأيها الذين... }. ### || [5.54] # والخطاب هنا للمؤمنين، وكل نداء مثل هذا قد يجيء بعده حكم من الأحكام أو ~~بشارة من البشارات أو وعيد للمخالف. والذي يأتي فيه شبه إشكال وليس ~~بإشكال، هو أن يأتي هذا القول ويكون ما بعده أمر بالإيمان كقوله الحق: { ~~يا أيها الذين آمنوا آمنوا } فسبحانه يناديهم كمؤمنين ~~ويطلب منهم الإيمان، ومثال ذلك قول القائل: " يا قائم قم " برغم أن ~~المفروض أن يكون القول: " يا قائم اجلس " أو " يا قائم تعال " ، أو " يا ~~قائم انصرف إلى فلان " ، فكيف إذن يقول الحق: { يا أيها الذين ~~آمنوا آمنوا }. هنا نقول: ما الإيمان؟ الإيمان هو استقرار العقيدة ~~في القلب فلا تطفو للذهن لتناقش من جديد. ونسمي ذلك عقيدة، أي أمرا ~~معقودا في القلب. إذن فالحق سبحانه وتعالى حينما يخاطب مؤمنا يطالبه أن ~~يؤمن، فمعنى ذلك أن الحق يقول: أنت آمنت قبل أن أناديك وبسر الإيمان ~~ناديتك فحافظ على هذا ms2599 الإيمان دائما. وجدد دائما إيمانك لأنني ناديتك ~~بوصف الإيمان الذي عرفته فيك. إن الحق يوضح: يا أيها الذين آمنوا داوموا ~~على إيمانكم ولتكن كل لحظة من لحظات حياتكم المقبلة في إيمان عال مرتق ~~قبل أن أتكلم معكم بوصف الإيمان أنتم آمنتم أولا فناديتكم فحافظوا على ~~ذلك واثبتوا على إيمانكم. ومعنى قوله: { من يرتد منكم عن ~~دينه } أي من يتراجع منكم عن الإسلام فسيأتي الله بعوض عنه، وسيأتي ~~بقوم لن يكونوا مثل هؤلاء المرتدين. إذن فمن يرتد فعليه أن يفهم أنه لن ~~ينقص جند الله واحدا لأن الذي أذن لشرعه أن ينزل على رسول ونبي خاتم لن ~~يجعل هذا الرسول وهذا المنهج تحت رحمة أغيار الناس. فإن خرج أناس عن ~~المنهج فالله يستبدل بهم غيرهم. وفي هذه الآية أسلوب يخالف آية البقرة في ~~الوجه الإعرابي، وسبحانه يقول في آية البقرة: # يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد ~~الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ~~والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون ~~يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ~~ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # [البقرة: 217] هنا وجدنا الحق يقول: { ومن يرتدد منكم عن ~~دينه } أما في الآية التي نحن بصددها في سورة المائدة فهو سبحانه ~~يقول: { من يرتد منكم عن دينه } ونجد الأسلوبين مختلفين. ~~والحكمة العليا في أن الحق سبحانه وتعالى يأتي في كتابه بآيات متحدة في ~~المعنى إلا أن وجه الإعراب فيها يختلف ليدلنا أن القرآن نزل إلى الناس ~~كافة. # وقبل أن ينزل القرآن كانت هناك لغتان: لغة تميم، ولغة الحجاز. وكان ~~الخلاف بين اللغتين محصورا في الكلمة التي بها تضعيف، أي فيها حرفان من ~~شكل واحد أي متماثلان. وكلمة " يرتد " بها " دالان " وأصلها " يرتدد ". و ~~" يرتد " بها مثلان والنطق بهما صعب. ولذلك حاول الناس في مثل هذه ~~الحالة أن يدغموا مثلا في مثل. ولذلك كان من ms2600 اللازم أن نسكن الحرف ~~الأول من المثلين. والمفروض أن " الدال " الثانية ساكنة لأن " من " ~~شرطية جازمة. والدال الأولى أصلها بالكسر. ولا بد من الإدغام. والإدغام ~~يقتضي إسكان الحرف الأول. إذن فمن أجل الإدغام نفعل ذلك. ونحن نعلم أن ~~الساكنين لا يلتقيان، وكان تسكين الحرف الأول لأنه ضروري للإدغام، أما ~~الحرف الساكن الآخر فهو الطارئ. فنتصرف فيه، ولذلك نحركه بالفتح حتى ~~نتخلص من التقاء الساكنين. ولذلك نقول: " من يرتد " بالفتح. وجاء لي ذات ~~مرة سؤال يقول: كيف يأتي القرآن ب " يرتد " بالنصب أي بالفتح؟ وقلت: ~~إنها ليست " فتحة نصب " والسائل يفهم أن " من " إما اسم موصول، وإما ~~هي " من " الشرطية، فلو كانت اسما موصولا لكان القول " من يرتد " - ~~بالضم - وإن كانت " من " الشرطية لجاءت بالتسكين ولأن ما قبلها جاء ~~ساكنا للإدغام تخلصنا من السكون بالفتحة وهي " فتحة " التخلص من ساكنين، ~~لأنه - كما قلنا - لا يلتقي ساكنان. والذي يظهر لنا ذلك هو آية البقرة ~~التي قال فيها الحق: " ومن يرتدد " بدليل أنه عندما عطف قال: " فيمت " ~~بالجزم عطفا على يرتدد. أما السبب في أن جواب الشرط واضح في آية المائدة ~~أنه لم يأت فعل جوابي أو عطف، وجواب الشرط هو قول الحق: { فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } ويدل على ذلك ~~دخول الفاء على كلمة سوف لكن لو كان الحق قد قال: من يرتد منكم عن دينه ~~يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه كان يمكن الفهم بسرعة أن " من " شرطية، لأن ~~كلمة " يأت " جاءت مجزومة بحذف آخرها، ومن هنا يتضح أن الفتحة في " يرتد ~~" هي فتحة التخلص من التقاء الساكنين. وما السبب في أن الحق يأتي بآية ~~على هذا النسق، وآية أخرى على ذاك النسق؟ نحن نعلم أن القرآن قد نزل بلغة ~~قريش. وكانت قريش تمتلك السيادة. ولم تكن هناك قبيلة بقادرة على مواجهة ~~قريش. ونعرف جميعا أن رحلة قريش إلى اليمن لم يكن ليجرؤ إنسان أن يتعرض ~~لها، وكذلك في رحلة قريش إلى الشام لأن قريشا تستوطن حيث يوجد بيت الله ~~الحرام ms2601 الذي يحج إليه كل عربي. # ويوم أن يتعرض أحد لقوافل قريش فعليه أن ينتظر العقاب له أو لقبيلته، ~~إذن فالبيت الحرام هو الذي أوجد لهم تلك المهابة لذلك ينبههم الحق إلى ~~ذلك عندما قال في سورة الفيل: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم ~~يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم ~~كعصف مأكول # [الفيل: 1-5] وقد تم وعيد الله لأصحاب الفيل، لأنهم أرادوا هدم بيت الله ~~الحرام. ثم يتبع الحق سورة الفيل بقوله في سورة قريش # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف # [قريش: 1-2] ليوضح سبحانه أنه من ضمن أسباب صيانة بيت الله الحرام أن ~~حفظ سبحانه لقريش الأمان في رحلة الشتاء والصيف، ولو انهدم البيت الذي ~~يحقق لقريش السيادة لهجم الناس على القرشيين من كل جانب لأنه القائل في ~~شأن من قصدهم لهدم بيت الله الحرام. # فجعلهم كعصف مأكول # [الفيل: 5] # لإيلاف قريش # [قريش: 1] وما دامت تلك المسألة قد صنعها الله لقريش، فلا بد لهم من ~~عبادة رب هذا البيت: # فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4] إذن فقريش أخذت السيادة بين العرب بمكانة البيت، وأخذت ~~السيادة أيضا في اللغة، وكانت كل أسواق العرب تعقد هناك، وأشهرها سوق ~~عكاظ، وكان ينصب في قريش خلاصة اللغات الجميلة من القبائل المختلفة. ~~وهكذا أخذت اللغة المصفاة المنتقاة، فكل شاعر كان يقدم أفضل ما عنده من ~~شعر. وكل خطيب كان يأتي بأحسن ما عنده من خطب. وبذلك كانت قريش تسمع أجود ~~الكلمات. ولهذا كانت اللغة التي عندهم هي اللغة العالية. ولذلك عندما جيء ~~لزمن كتابة القرآن كانت الوصية: إن اختلف عليكم شيء فاكتبوه بلغة قريش ~~لأن لغة قريش أخذت من اللغات محاسنها. وبنو تميم والحجاز كانوا مختلفين ~~في بعض الأشياء. ولذلك كنا نسمع - عندما نتعلم الإعراب - قول المعلم وهو ~~يسألنا: هل " ما " حجازية أو تميمية؟ وهذا يدلنا على أن هناك خلافا بين ~~النطق في القبيلتين. وفي الآية التي نحن بصددها ندغم ms2602 ونقول: { من ~~يرتد } وفي آية البقرة ننطقها دون إدغام فنقول: " ومن يرتدد ". وكأن ~~الحق جاء بآية على لغة الحجاز وآية على لغة تميم، وذلك برهان جديد على أن ~~القرآن لم يأت ليحقق سيادة لقريش، إنما هو للناس كافة لذلك نجد من كل ~~لهجة كلمة، ليتضح أن القرآن لعموم الناس جميعهم. وعندما نقرأ قول الحق: { ~~من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه } [المائدة: 54] نعلم أنه سبحانه يعلمنا أنه ~~قادر على أن يأتي بأهل إيمان غير الذين ارتدوا عنه، تماما كما أخبرنا من ~~قبل: # ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # [البقرة: 217] والقول هنا: خبر عن مصير المرتد إلى جهنم بعد أن تقوم ~~الساعة. ولكن القول: { من يرتد منكم عن دينه فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } يدل على أن ~~إجراء سيحدث قبل أن تقوم القيامة. ومن ذا الذي يستطيع أن يتصور أن إلها ~~ينزل قرآنا يتحدى به ثم يأتي في القرآن بقضية مازالت في الغيب ويجازف ~~بها، إن لم تكن ستقع؟. والحق يقول: { فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه } و " سوف " تخبرنا بموقف قادم سيأتي من بعد ~~ذلك. ونقول هنا: من الذي يستطيع أن يتحكم في اختيارات الناس للإيمان؟. لا ~~أحد يستطيع أن يتحكم في اختيارات الناس للإيمان إلا الله سبحانه وتعالى، ~~فهو الذي يتحكم ويحكم ويخبرنا بأنه سوف يأتي أناس يؤمنون بدلا من ~~المرتدين. أما إن ارتد أناس، وانتظروا أن يروا البديل لهم، ولم يأت فماذا ~~يكون الأمر؟ لا بد أن تنصرف الناس عن الدين. ولم يكن الحق ليجازف ويجري ~~على لسان محمد بأن قوما سيرتدون وهو لا يعلم أيأتي قوم مرتدون؟ والعلم ~~جاء في هذه الآية كما جاء في كل القرآن من الله جل وعلا. وقد قالها الحق ~~قضية كونية: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه }. وهل هناك قوم يحبهم الله وهم لا يحبونه؟ ونقول: إن هذا ~~لا يحدث مع الله، وإن ms2603 كان يحدث في الحياة البشرية مثلما قال الشاعر ~~العربي: # أنت الحبيب ولكني أعوذ به # من أن أكون محبا غير محبوب # وشقاء المحبين إنما يأتي من أن العاشق يحب أحدا، وهذا الحبيب لا يبادله ~~الحب لذلك يظل العاشق باكيا طوال عمره. ولنا أن نلحظ أن حب الله هو ~~السابق في هذا القول الكريم: { فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه } لأن هذه هي صفة الانكشاف للعلم، لقد علم ~~الحق أنهم سيتجهون إليه فأحبهم، وعندما جاءوا فعلوا ما جعلهم محبوبين ~~لله، ثم ما هو الحب؟. إنه ودادة القلب. وقلنا الكثير من قبل في أمر ودادة ~~القلب. ونعرف أن هناك لونا من الحب يتحكم فيه العقل. ولونا آخر من الحب ~~لا يتحكم فيه العقل ولكن تتحكم فيه العاطفة. ومثال هذا عندما نذهب إلى ~~طبيب ويصف لنا دواء مرا غير مستساغ الطعم، ونجد الإنسان الموصوف له ~~الدواء يذهب إلى الصيدلية للسؤال عن الدواء، فإن لم يجده فهو يلف ويدور ~~ويسأل في كل صيدليات البلد فإن لم يجده فهو يوصي المسافر إلى الخارج لعله ~~يأتي له بالدواء. وإذا جاء له صديق بهذا الدواء فهو يمتلئ بالامتنان ~~بالسرور. أيقبل المريض على الدواء غير المستساغ بعاطفته أم بعقله؟ إنه ~~يقبل على الدواء غير المستساغ الطعم ويحبه بعقله. والحب العقلي - إذن - ~~هو إيثار النافع. # ومثال ذلك نجد الوالد لابن غبي يحب ابنا ذكيا لإنسان غيره. الوالد - ~~هنا - يحب ابنه الغبي بعاطفته. ولكنه يحب ابن جاره لأنه يمتلك رصيدا من ~~الذكاء. إذن هناك حب عقلي وحب عاطفي. وهذا ما يحدث في المجال البشري لكن ~~بالنسبة لله فلا. وعندما يقول الحق: { فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه } أي أنهم يحبون الله بعقولهم، وقد يتسامى ~~الحب إلى أن يصير بعاطفتهم، وقد يجرب ذلك حين يجري الله على أناس أشياء ~~هي شر في ظاهرها، ولكنهم يظلون على عشق لله. ومعنى ذلك أن حبهم لله انتقل ~~من عقولهم إلى عاطفتهم. وسيدنا عمر جرى معه حل هذا الإشكال. كيف؟ لقد قال ~~صلى الله عليه وسلم: ms2604 # " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ". # وهناك من قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنه أحب إليه من ماله وولده ~~لكن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: أنت أحب إلي من مالي وولدي أما ~~نفسي فلا وأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم القول: # " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ". # وهنا علم عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد ~~الحب العقلي لأن عمر رضي الله عنه علم أيضا أن الحب العاطفي لا يكلف به، ~~ولذلك قال عمر: الآن أحبك عن نفسي، فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~الآن يا عمر. أي كأنه في هذه اللحظة قد اكتمل إيمان عمر. إذن فحب الله لا ~~تقل فيه أيها المؤمن هل هو حب عقلي أو حب عاطفي؟ لأن المراد بحب الإله هو ~~دوام فيوضاته على من يحب، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فالحق يلقاه في ~~أحضان نعمه ويتجلى عليه برؤيته: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة # [يونس: 26] والحسنى هي الجنة. أما الزيادة فقد قال المفسرون: إنها رؤية ~~المحسن. { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~} وعندما يقول الحق: " فسوف " فلنعلم أن ما يأتي بعدها هو من إعلامات ~~النبوة التي جاءت على لسان محمد في قرآن الله لأن ذلك الأمر قد حدث كما ~~جاء في قرآن الله، فقد ارتد قوم وانقسموا في الردة إلى قسمين قسم ارتد ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسم ارتد على عهد أبي بكر، ومنهم ~~من ارتد على عهد عمر. وحين تنظر إلى ما بعد " سوف " لا بد أن تعرف أن ~~هناك امتدادا زمنيا. وأول الارتداد كان في اليمن، وكان ذلك بعد حجة ~~الوداع وفي حياة النبي صلى الله عليه وسلم. وكان في اليمن كاهن مشعوذ ~~اسمه عبهلة بن كعب، ويقال له: ذو الخمار، أو ذو الحمار في رواية أخرى، ~~وهو الذي يعرف في كتب التاريخ الإسلامي باسم الأسود العنسي. # هو أحد الكذابين اللذين ذكرهما ms2605 النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: # " بينما أنا نائم إذ اوتيت خزائن الأرض، فوضع في يدي سواران من ~~ذهب فكبر علي وأهمني، فأوحي إلي ان انفخهما فنفختهما فطارا ~~فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة ". # وكان لهذا الكاهن حمار روضه صاحبه رياضة من لون خاص تماما كتدريب ~~القرود، فكان يقول له: قف. فيقف. ويقول له: سر. فيسير. واعتبر هذا الكاهن ~~أن مثل هذا الأمر للحمار هو معجزة. أو كان الرجل اسمه " ذو الخمار " أي ~~أنه كان يرتدي خمارا على وجهه. ومن العجيب أن أي مرتد لم يطالبه من ~~يتعبه بعلامة صدقه في النبوة. إن أول شيء في التأكد من صحة قول أي إنسان: ~~" أنا نبي " أن يسأله الناس عن علامة الصدق في النبوة وأن يتعرفوا على ~~معجزته، لكنا لا نجد ذلك في مرتد أبدا. وكيف لا يسأل الناس الذين ~~يتبعون المرتد عن نفسه وعن دعواه أنه نبي وعن معجزته التي تدل على صدق ~~رسالته، وهو ما يحدث مع أي رسول، كيف يؤمن أناس بفرد بدون معجزة؟. هنا ~~نذهب إلى الجانب النفسي من الأمر ونقول: إن التدين أمر فطري والإنسان ~~الذي ليس له دين يغضب ويحزن عندما نقول له: يا قليل الدين. ولذلك نجد أن ~~المبطل من هؤلاء يقول: أنا على دين. إنه لا يتصور أنه مبطل بلا دين. ~~ولذلك قال الحق: # لكم دينكم ولي دين # [الكافرون: 6] فكأن الأصل في الفطرة الأصلية أن الدين ضرورة للإنسان، ~~وما دام الأمر كذلك فلماذا لا يقبل كل الناس على الدين؟ لأن الدين ليس ~~مجرد اسم أو صفة، ولكنه التزام بتكاليف. والذي يجعل الناس في خشية من ~~الدين هو مشقة التكاليف لذلك فعندما يأتي إنسان ويقول: أنا نبي ومعجزتي ~~أنني خففت عليكم الصلاة والزكاة والصيام وأبحت لكم النظر إلى نساء بعضكم. ~~لا بد أن يسيل لعاب أصحاب الهوى الذين لا بصيرة لهم ويقولون: إن مثل ذلك ~~لدين جميل، ويستسلمون ويخدعون أنفسهم بأنهم متدينون ورغم تحللهم من بعض ~~التزامات التدين، إن المرء ليتعجب ms2606 من مدعي النبوة في الزمن القديم وحتى ~~عصرنا هذا لأننا لم نجد أحدا من المثقفين قد وقف أمام مدع وقال له: ما ~~معجزتك؟ ولكن الكل سأل: ما منهجك؟ وعندما سأل أهل اليمن ذا الخمار: ما ~~منهجك؟ كانت إجابته: إنه أسقط عنهم بعض التكليفات بداية من تقليل الصلاة ~~والزكاة إلى إباحة الاختلاط بنساء غيرهم. واستراح بعضهم لذلك المنهج ~~وذهلوا وغفلوا عن طلب المعجزة. وكل الذين ادعوا النبوة كانوا من هذا ~~الصنف. # ولذلك نجد أن كل مدع للنبوة يحاول التخفيف من المنهج، فهناك من خفف ~~الزكاة. وجاءت امرأة اسمها سجاح خففت الصلاة. وجاء ثالث ليخفف الربا ~~فيبيحه. لكن أحدا منهم لم يأت بمعجزة. واتبعه بعضهم لمجرد تسهيل المنهج. ~~ومدعي النبوة إنما يرضي النفوس التي لا تطيق ولا تقوى على مشقة المنهج ~~بأن تكون متدينة ملتزمة به. ومثال ذلك ما حدث في الإسكندرية عندما ظهر ~~مدع للنبوة. وأباح منكرا مثيرا، وتبعه بعض من المتعلمين الذين أرادوا ~~دينا على هواهم، وكذلك كان الأمر في البداية. وعندما جاء ذو الخمار، أو ~~ذو الحمار، وهو كما قلنا: مشعوذ، وكان كما يصفه المؤرخون يسبي قلوب من ~~يسمع منطقه وكان يريهم الأعاجيب، واستطاع بذلك أن يستولي على ملك ~~اليمن، وأعلن ارتداده. وغلب على صنعاء وعلى ما بين الطائف إلى البحرين. ~~وجعل يستطير شره استطارة الحريق. وكان سيدنا معاذ بن جبل هو الوالي على ~~اليمن من قبل النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر سيدنا معاذ بن جبل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال: إن كاهنا اسمه ذو الخمار أو ذو الحمار، ~~قد ارتد. ويذهب سيدنا معاذ إلى حضرموت. وهناك يأتيه كتاب من النبي صلى ~~الله عليه وسلم يأمره فيه أن يبعث الرجال لمصاولة ذي الخمار. ويحتال ~~المسلمون للنهوض بما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعد ذلك ~~يدخل على ذي الخمار رجل ديلمي اسمه فيروز فيقتله على فراشه. وعلى الرغم ~~من بعد المسافة بين اليمن والمدينة، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول في ms2607 ليلتها: # " قتل الليلة الأسود العنسي ". # وبعد ذلك يأتي الخبر في آخر الشهر أن مدعي النبوة قد قتل. وتلك من ~~إعجازات النبوة. إذن فقد تعرض المؤمنون على زمن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم للهزة في العقيدة بحكاية ذي الخمار أو ذي الحمار. وكانت قصة ذي ~~الخمار كالمصل الواقي الذي يربي المناعة، وأخبرهم الله بها أولا: { من ~~يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه }. وذلك ليعطي الحق سبحانه وتعالى المؤمنين ~~مناعة إيمانية وكأنه يقول للمؤمنين: لا تظنوا أنكم لن تتعرضوا إلى هزات ~~عقدية دينية بل ستتعرضون. وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: قد يجوز ~~أن يفهم الناس أني وأنا حي أقوم على منهج الله في الأرض فإذا أنا مت ربما ~~ارتدوا عن الدين. ورسول الله عندما يبلغ ذلك للمؤمنين عن الله - سبحانه - ~~إنما كان ذلك بقصد تربية المناعة. فلو فوجئ المسلمون بالردة ولم يكن الله ~~قد خبرهم بها لما كان عندهم احتياط مناعي. والاحتياط المناعي هو أول ~~عملية في الوقاية. ونعلم أن العلم المعاصر استطاع فصل الميكروب أو ~~الفيروس المسبب لمرض وبائي، ويقوم العلماء بإضعاف هذا الميكروب أو ~~الفيروس، ثم يوضع قليل من هذا الميكروب أو الفيروس بعد إضعافه في الجسم ~~البشري، فتتحرك في الجسم أجهزة الوقاية والحماية لتقاتل هذا الميكروب أو ~~الفيروس وتنتصر عليه، وبذلك تمتلك قوى الوقاية والحماية داخل الجسم ~~القدرة على مقاومة هذا المرض، وهكذا أراد الحق بهذا القول الكريم: { من ~~يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه }. # إذن فحين يوجد الارتداد، لا يفاجأ المسلمون بهذا الارتداد، ويثقون ~~تماما أنه بمجرد مجيئ الارتداد فإن وعد الله الآخر يجيء: { فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } فلا فزع عند ~~المؤمنين ساعة يحدث الارتداد ولا زلزلة في النفوس. وساعة يأتي الارتداد ~~يقول المؤمن: إن الذي صدق في أنه يحدث الارتداد، سيصدق في قوله: { ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه }. وإذا ~~رأيت " السين " تسبق قولا فإن هذا يعني أن الزمن الذي يفصل بين الحدث ~~والحدث ms2608 قريب وقليل مثل قوله الحق: # سيقول السفهآء من الناس # [البقرة: 142] أما عندما تقرأ " سوف " فأعلم أن الزمن الذي يفصل بين ~~الحدث والحدث متسع وبعيد. ولذلك نحن نرى أن الردة قد امتدت في عهد أبي ~~بكر - رضي الله عنه - وفي عهد عمر - رضي الله عنه -. وما هي ذي مواصفات ~~القوم الذين يأتي بهم الله في قوله: { فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة ~~على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون ~~لومة لائم }؟ إنها مواصفات ست: يحبهم الله، ويحبون الله، أذلة على ~~المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة ~~لائم. وكيف يكون الإنسان المؤمن ذليلا وعزيزا في آن واحد؟ لأن الحق لا ~~يريد أن يطبعنا على لون واحد من الانفعال، ولكنه يريد لنا أن ننفعل تبعا ~~للموقف. فعندما يحتاج الموقف إلى أن يكون المؤمن عطوفا فالمؤمن يواجه ~~الموقف بالعاطفة. وعندما يحتاج الموقف إلى الشدة فالمؤمن يواجه الموقف ~~بالشدة. وإن احتاج الموقف إلى الكرم، فالمؤمن يقابل الموقف بالكرم. ~~فالمسلم - إذن - ينفعل انفعالا مناسبا لكل موقف، وليس مطبوعا على ~~انفعال واحد. ولو انطبع المؤمن على موقف ذلة دائمة فقد يأتي لمواجهة موقف ~~يتطلب العزة فلا يجدها ولو طبع المؤمن على عزة دائمة فقد يأتي لمواجهة ~~موقف يتطلب الذلة فلا يجدها لذلك جعل الحق قلب المؤمن لينا قادرا على ~~المواجهة كل موقف بما يناسبه. والمؤمن عزيز أمام عدوه لا يغلب، ويجابهه ~~بقوة. والمؤمن يخفض جناح الذل من الرحمة لوالديه امتثالا لأمر الحق ~~سبحانه: # واخفض لهما جناح الذل من الرحمة # [الإسراء: 24] وهل إذا خفض المؤمن جناح الذل لوالديه. أيخدش ذلك عزته؟ ~~لا. بل ذلك أمر يرفع من عزة الإنسان. والحق يريد المؤمن أن يكون غير ~~مطبوع على لون واحد من الانفعال، ولكن لكل موقف انفعاله. # وحين ينفعل المؤمن للمواقف المختلفة فهو يميز ما يحتاج إليه كل موقف { ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } ويقال ~~في اللغة: " ذليل لفلان " فلماذا - إذا - يقول الحق هنا: { أذلة ~~على المؤمنين } ، و " على ms2609 " تفيد العلو. والذلة تفيد المكانة ~~المنخفضة، فكيف يأتي هذا التعبير؟ لقد جاء هذا القول على هذا الشكل لحكمة ~~هي: أن المؤمن ما دام يحب الله ويحبه الله. وساعة يكون في ذلة لأخيه ~~المؤمن فهذا يرفع من قدره. وهي ليست ذلة بالمعنى المتعارف عليه، ولكنه ~~لين جانب وعطف ورحمة. إذن فقوله الحق: { أذلة على المؤمنين ~~} يعني أن المؤمنين يعطفون على غيرهم من المؤمنين حتى يبدو هذا العطف ~~وكأنه ذلة. وبعض العلماء يقول: إن المادة " ذال " و " لام " تدل على ~~معنيين متقابلين، مثال ذلك قوله الحق: # وذللناها لهم # [يس: 72] أي جعلناها خاضعة لتصرفهم. وهذا التذليل ليس بقهر من الإنسان ~~للأنعام ولكنه بتسخير من الله. وهي ميسرة لخدمة الإنسان. ومثال آخر. قوله ~~الحق: # فاسلكي سبل ربك ذللا # [النحل: 69] أي متطامنة مهيأة. إذن فهذه ذلة اللين. وهناك " ذل " - بضم ~~الذال - وهو ضد العز. وهناك " ذل " - بكسر الذال - وهو اللين. إذن فالذل ~~بكسر الذال هو ضد الصعوبة أي اللين. والذل - بضم الذال - هو ضد العز، ~~فإذا اردنا ذلة اللين فذل المؤمن للمؤمن من الذل، وإن أردنا الذلة ~~التي هي ضد العز، فهي من الذل. وعندما يكون المؤمن على ذلة للمؤمن. ~~فهي ذلة اللين والعطف. وعندما يريد الحق الشيء ليتدانى للمؤمن ولا ~~يتعبه، فهو يقول: # قطوفها دانية # [الحاقة: 23] وفي آية أخرى يقول سبحانه: # وذللت قطوفها تذليلا # [الإنسان: 14] أي دليت عناقيدها. فالفاكهة تنزل إلى المكان الذي يوجد ~~فيه المؤمن. وإن وقف المؤمن لطال بيده أن يقطف الثمار. وإن اضطجع لاستطاع ~~أن ينال أيضا من الثمار لأنها تتدانى له. وإن نام المؤمن لتدانى قطاف ~~الثمار إلى مكانه وبذلك يستطيع أن يأكل منها في أي وقت وعلى أي وضع. وهنا ~~يأتي الحق بالقول الحكيم: { أذلة على المؤمنين } أي أن ذلة ~~المؤمن لأخيه المؤمن ترفع منزلته. وبها يكون المؤمن أهلا لأن ترفع ~~منزلته لأنه مصطفى بأن الله يحبه وأنه يحب الله، ولا توجد رفعة أكثر من ~~هذه رفعة. ولذلك نجد القول المأثور: من تواضع لله رفعه. أي من تواضع وفي ms2610 ~~باله الله فإن الله يرفعه. { أعزة على الكافرين } وهذا هو ~~الوصف الثالث للمؤمنين في تلك الآية بعد قوله الحق: { فسوف يأتي ~~الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين }. إن المؤمن عزيز على الكافرين بأنه لا يغلب، وما دام ~~هو يعرف ذلك فهو ينضم إلى الجهاد في سبيل الله. # { يجاهدون في سبيل الله } وكلمة " الجهاد في سبيل الله " ~~تخصص لونا من الجهاد، فالإنسان قد يجاهد حمية أو دفاعا عن جنسيته أو أي ~~انتماء آخر، وكل هذه الانتماءات في عرف الدين لا قيمة لها إلا إذا نبعت ~~من الانتماء إلى منهج الله، لتكون كلمة الله هي العليا. وعندما سئل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل القتال: # " فيما جاء عن أبي موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ~~ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: " من قاتل لتكون كلمة الله هي ~~العليا فهو في سبيل الله ". # وما دام المؤمن محبوبا من الله ويحب الله وذليلا على المؤمنين وعزيزا ~~على الكافرين، ما دام الأمر كذلك فعندما يتولى مؤمن أمر قيادة غيره من ~~المؤمنين فلا أحد منهم يأنف أن يكون تحت قيادته. وبذلك يخرج المؤمن عن ~~دائرة الاستعلاء والاستكبار لأنه يجاهد في سبيل الله. ولو جاءه إنسان ~~ليلومه على ذلك فهو لا يسمح له، وكأنه سبحانه يوضح: تنبهوا جيدا إلى أن ~~القوم الذين يحبهم الله ويحبون الله والذين هم أذلة على المؤمنين وأعزة ~~على الكافرين ويجاهدون في سبيل الله فلا نظن أنهم بمنأى عن سخرية ~~الساخرين، وهزؤ المستهزئين، ولوم اللائمين ليردوهم عن هذه العملية. ولذلك ~~يقول الحق: { ولا يخافون لومة لائم } وقد وضح ذلك على مر ~~تاريخ الإسلام وجاء الحق بقوم يحبهم ويحبونه وهم أذلة على المؤمنين وأعزة ~~على الكافرين وجاهدوا في سبيل الله وما خافوا لومة لائم. وساعة نستقرئ ~~هذه الآية نجد أن " سوف " ابتدأ مدلولها الأول في عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # " وحين سئل ms2611 رسول الله عن القوم الذين يحبهم الله ويحبون الله وفيهم هذه ~~الصفات أشار بيده مرة إلى أبي موسى الأشعري، وقال صلى الله عليه وسلم: " ~~هم قوم من هذا ". # وعندما نزل قوله تعالى: # وآخرين منهم لما يلحقوا بهم # [الجمعة: 3] # " سأل أبو هريرة - رضي الله عنه - رسول الله صلى الله عليه وسلم: من هم ~~يا رسول الله؟. فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال: ~~" لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجل من هؤلاء ". # وقد حدثت الردة الأولى في اليمن، وكانت في قوم أبي موسى الأشعري، وكتب ~~رسول الله إلى معاذ بن جبل - كما أوضحنا - وبعد ذلك تطوع فيروز الديلمي ~~ودخل على من كان يدعي النبوة ذي الخمار أو ذي الحمار، وقتله. وأخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليلتها بالأمر. # ولكن خبر القتل جاء بعد أن انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الرفيق الأعلى. وكانت تلك من علامات النبوة. وحدث - أيضا - في زمانه صلى ~~الله عليه وسلم أن ادعى مسيلمة الكذاب أنه نبي. وكتب مسيلمة إلى رسول ~~الله كتابا، يقول: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله. ولم يقدر ~~على نزع صفة النبوة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء في كتاب ~~مسيلمة: " أما بعد. فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك " كأنه قد فهم أن ~~المسألة بالنسبة لرسول الله تحتاج إلى قسمة، فكتب إليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كلمات فيها هبات النبوة: # " من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب سلام على من اتبع الهدى، أما بعد ~~فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين " # ولم يسمع مسيلمة كلام رسول الله، وجهزت الحملة لترسل إليه لتأديبه. وجاء ~~عهد أبي بكر - رضي الله عنه -، وكانت المعركة على أشدها. وجاء " وحشي " ~~الذي قتل حمزة - رضي الله عنه - في موقعة أحد. وأراد أن يكفر عن سيئاته ~~فذهب وقتل مسيلمة. ولذلك كان يقول كلمته المشهورة: أنا قتلت في الجاهلية ~~خير الناس - يقصد حمزة - وقتلت ms2612 في الإسلام شر الناس - يقصد مسيلمة - ~~وانتهى أمر مسيلمة. وجاء إنسان ثالث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اسمه " طليحة بن خويلد " من بني أسد وادعى النبوة، وكلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من ذهب إليه وكان " خالد بن الوليد " وساعة علم الرجل أن ~~خالدا هو الذي جاء لقتاله لاذ بالفرار، ولكنه من بعد ذلك أسلم وحسن ~~إسلامه. ونلاحظ أننا ننطق " الردة " بكسر الراء، وصفا لتلك الأمور التي ~~حدثت وقوبلت هذه المقابلة. ولا نسميها " رد " فتح الراء، لأن الرد - بفتح ~~الراء - يكون عودة إلى حق، أما الردة - بكسرة الراء - فتكون إلى باطل، ~~مثال ذلك قوله سبحانه وتعالى: # فردوه إلى الله والرسول # [النساء: 59] أما الذي يرتد فهو يرتد إلى باطل. ومن العجيب أن كلمة " ~~الردة " التي جعلها الإسلام علامة على الانتقال من الإيمان إلى الكفر ~~يستخدمها أعداء الإسلام الذين لا يؤمنون بأديان ما، فعندما يترك الشيوعية ~~أحد أتباعها يقولون: لقد حدثت ردة. وكان من الواجب لو أنهم أصحاب مبادئ ~~أصيلة أن يختاروا لفظا آخر لكن لا يوجد في اللغة لفظ يعبر عن الرجوع إلى ~~الباطل إلا كلمة " ردة " وكذلك كلمة " منبر " لا توجد - أيضا - إلا في ~~الإسلام، وهو موقف الواعظ من المصلين يوم الجمعة. # وعندما يأتون إلى تصنيف جماعة متطرفة إلى اليسار فهم يقولون: " منبر ~~اليسار " ونقول: لماذا تأخذون هذه الكلمة من عندنا؟. ومثال آخر عندما ~~يكتب كاتب: هذه الراقصة تتعبد في محراب الفن. ونقول: لماذا تستخدم كلمة " ~~محراب "؟. عليك أن تبحث عن كلمة أخرى. وكل ذلك يدل على أن كلمات الإيمان ~~هي الكلمات المعبرة ولذلك يذهبون إليها. ويؤخذ في ظاهر الأمر على الإسلام ~~أن من يرتد يقتل. ونقول: أيظن أحد أن هذه ضد الإسلام؟ لا إنها لصالح ~~الإسلام لأن الإنسان إذا علم أنه عندما يقبل على الإسلام فهو يقبل على ~~الدين الكامل لأن من يخرج عليه يهدر دمه ويقتل. وعلى من يفكر في الدخول ~~إلى الإسلام أن يحتاط لحياته. إذن فالإسلام لا يسهل لأحد الدخول فيه، ~~ولكنه ms2613 يصعب عملية الدخول: وينبه كل فرد إلى ضرورة الانتباه قبل الدخول في ~~الإسلام لأنه دخول إلى دين كامل وليس لهوا أو لعبا. إن على من يرغب في ~~الدخول في الإسلام أن يفكر جيدا وأن ينتهي إلى الحق لأن حياته ستكون ثمن ~~الرجوع عن الإسلام وهذا دليل على جدية هذا الدين وعدم السماح بالعبث في ~~عمليات الدخول فيه. وحين يصعب الإسلام عملية الدخول فيه إنما يعطي فرصة ~~الاختيار ليعلم من يختار الدين الإسلامي أن يعي أن الرجوع عن الإسلام ~~ثمنه الحياة. وساعة يطلب دين أن يفكر الإنسان جيدا قبل أن يدخل فيه فهل ~~في ذلك خداع أو نصيحة؟ إنها النصيحة وهي عملية لصالح الإسلام، وهي أمر ~~علني ليعلم كل داخل في الإسلام أن هذا هو الشرط. ولو أن الإسلام يريد ~~تسهيل المسألة لقال: تعال إلى الإسلام واخرج متى تريد. لكن الدين الحق لا ~~يخدع أحدا. وسبحانه يقول: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42] وتكلمنا من قبل عن الردات التي حدثت في عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولكن كلمة " سوف " التي جاءت في قوله: { فسوف ~~يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } تدل على ~~الامتدادية. وقد حدثت ردة في عهد أبي بكر - رضي الله عنه - وظهر سبعة ~~ادعوا النبوة، مثال ذلك: " بنو فزارة " قوم عيينة بن حصن ارتدوا وأرسل ~~إليهم أبو بكر - رضي الله عنه - من حاربهم. وكذلك قوم غطفان ارتدوا. ~~وكذلك قوم قرة بن هبيدة بن سلمة، وكذلك بنو سليم. قوم الفجاءة بن عبد ~~ياليل، فأرسل لهم أبو بكر من يؤدبهم. وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة، وبعض ~~من بني تميم الذين ادعت فيهم النبوة سجاح بنت المنذر والتي تزوجت ~~مسيلمة. وكذلك " كندة " قوم الأشعث بن قيس، وكذلك قوم الحطم بن ضبيعة ~~وهم بنو بكر بن وائل في البحرين. # وقضى عليهم سيدنا أبو بكر مما جعل كثيرا من القوم يقولون: إن القوم ~~الذين يحبهم الله ويحبون الله وفيهم كل تلك الأوصاف هم أبو بكر ومن معه. ms2614 ~~ولكن أيمنع ذلك أن كل جماعة سيكون فيها مثل أبي بكر - رضي الله عنه -؟ ~~لا. ومثال ذلك علي بن أبي طالب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم ~~خيبر: # " عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: كان علي رضي الله عنه تخلف عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر، وكان به رمد فقال: أنا اتخلف عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما ~~كان مساء الليلة التي فتحها في صباحها فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " لأعطين الراية - أو ليأخذن - غدا رجل يحبه الله ورسوله، أو ~~قال: يحب الله ورسوله. يفتح الله عليه. فإذا نحن بعلي وما نرجوه، ~~فقالوا هذا علي، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح الله عليه ". # وفي عهد سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم تحدث إلا ردة واحدة، ~~جاءت من الغساسنة بقيادة جبلة بن الأيهم وهم من الشام وكانوا موالين ~~للروم، وكان جبلة هو رئيسهم وأسلم وجاء ليطوف بالبيت الحرام بهيلمان ~~كزعيم للغساسنة. وكان لهم العظمة في الجياد والملابس. وكان يرتدي رداء ~~طويلا فوطئ أحد الناس رداءه فسقط، فلطمه جبلة، وأبلغ الرجل عمر بن ~~الخطاب. وقال عمر بن الخطاب: إنه القصاص. وقال سيد الغساسنة: إني أشتري ~~هذه اللطمة بألف دينار ولم يقبل الرجل فعرض سيد الغساسنة ألفين من ~~الدنانير فرفض الرجل، فزادها إلى عشرة آلاف ولم يقبل الرجل. وقال جبلة ~~لعمر: أنظرني حتى أفكر في المسألة. فلما أنظره عمر، هرب الرجل إلى الشام ~~وتنصر. هكذا يتضح لنا آفاق كلمة " سوف " وأي زمن تأخذ، إن لها امتدادات ~~حتى زماننا. إن الردة في زماننا جاءت من فارس ممثلة في البهائية ~~والبابية، وهدف المرتد يكون جاه الدنيا، إن كان يريد الحكم، ووسيلة ~~المرتد تيسير التكليف لمن يتبعه في الارتداد. ومن يدعي لنفسه النبوة ~~والقدرة على الإتيان بتشريع جديد إنما يطلب لنفسه جاه الدنيا، والذي يتبع ~~ذلك المدعي للنبوة إنما يقصد لنفسه تيسير التكليف. ms2615 ولماذا تيسير التكليف؟ ~~لأن الإنسان مؤمن بفطرته ودليل ذلك أننا إذا واجهنا إنسانا غير مؤمن، ~~وقلنا له: أنت قليل الدين. يغضب ويثور لأنه لا يتصور أن ينزع أحد منه أنه ~~متدين بشكل ما. ونرى إنسانا قد يسرف على نفسه كثيرا لكنه ساعة يسمع ~~إنسانا آخر يسب الدين يثور ويغضب ويتحول إلى مدافع عن دين الله، وتلك هي ~~الفطرة الإيمانية التي فطر الله كل الناس عليها. # والذي يجعل الدين لأمرا شاقا على النفس البشرية ليس فطرة الدين، ولكنه ~~تكليف التدين لأنه أمر يدخل في الاختيار. وقد جعل الحق التكليفات ~~الإيمانية كلها في مناط الاختيار البشري، ولم يشأ أن تكون أمرا قهريا. ~~ولو شاء سبحانه أن يجعل كل الناس مؤمنين لما قدر أحد على الكفر: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4] فليس في قدرة أحد أن يتأبى على الله، ولكنه شاء أن يجعل ~~تكاليف الإيمان مسألة اختيارية. والإنسان حر في أن يفعل تكاليف الإيمان ~~أو لا يفعلها، وفي كلتا الحالتين سيلقى الجزاء. مثال ذلك: " اللسان " ~~خلقه الله صالحا أن يقول: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ، وهذا ~~اللسان نفسه صالح لأن يقول: - والعياذ بالله - " أنا لا أؤمن بالله ". ~~ولا يعصى اللسان صاحبه، فقد خلقه الله مجهزا للتعبير عن مكنونات قلب ~~الإنسان وخاضعا لإرادة الإنسان. ومثال آخر من مصنوعاتنا نحن: جهاز ~~التليفزيون الذي صممه البشر ليكون آلة منقادة ومسخرة لما يرسله الإنسان ~~فيه من برامج، فإن أرسل الإنسان في جهاز التليفزيون أفلاما وبرامج دينية ~~وعلمية تستكشف آيات الله في الكون وتثبت قيم الإنسان على الإيمان فهذا ~~اختيار إيماني. وإن أرسل الإنسان أفلاما خليعة تحض على المجون والفسق ~~فهذا اختيار يلحق الإنسان بدائرة المفسدين في الأرض. إذن فالحق خلق ~~الإنسان صالحا لتطبيق تكاليف الإيمان وصالحا للخروج عن التكليف. وحين ~~يأمر الله عباده أن يطبقوا أو ينفذوا التكليف الإيماني فهو يعلم أن قدرة ~~الإنسان تسع التكليف لأنه العليم بعباده، ولو لم ms2616 يكن باستطاعتهم تنفيذ ~~التكليف لما كلفهم به. وكلنا نعرف الفرق بين " العباد " و " العبيد " فكل ~~الكائنات عبيد لله، والإنسان من عبيد الله إن كان متكبرا على التكليف، ~~وإن خرج على التكليف فهو مسير في أمور لا يقدر على الخروج منها، فلا ~~يستطيع أحد بإرادته أن يتوقف عن التنفس، وهو - كما نعلم - أحد العمليات ~~التي تجري على الرغم من الإنسان. ولا أحد يستطيع أن يتنفس عندما ينتهي ~~أجله. كذلك لا أحد يستطيع أن يقاوم المرض إن أصابه. إذن فكبر الإنسان ~~وخروجه عن طاعة الله في أشياء لا تعني أنه خارج في مطلق أموره عن الله ~~لأن الحق فعال لما يريد، فلا أحد يتحكم في بدايته حين يولد، ولا أحد ~~يتحكم في نهايته حين يموت، وهناك أمور بين قوسي الميلاد والموت ما من ~~أحد بقادر على التحكم فيها، وإرادة الاختيار إنما توجد في بعض الأمور ~~فقط. أما كل ما عدا ذلك فهو قهري، وكلنا عبيد لله في ذلك. # لكن الحق تعالى أعطى لنا الاختيار في بقية أمور الحياة. والذكي حقا هو ~~من يسأل ربه: لقد خلقتني يارب مختارا. وماذا تحب أنت أن أفعل؟ هنا يجد ~~الإنسان نفسه أمام أوامر الله ونواهيه وأمام المنهج بمطلوباته، هذا ~~المنهج الذي يوضح للمؤمن ما الذي يمكن أن يفعله وما الذي يمكن أن يتجنبه. ~~ويقول المؤمن: إنني أخرج من اختياري إلى مرادك يارب. والعبد الذي يتنازل ~~عن اختياره إلى مراد خالقه هو واحد من العباد الذين وصفهم الحق بأنهم ~~عباد الرحمن. ونرى في حياتنا العادية نموذجا لما يحدث بين رب الأسرة ~~وأفرادها، فرب الأسرة يقول لأبنائه: أنتم تريدون التنزه، فأي مكان تحبون ~~الذهاب إليه؟ يجيب أحد أفراد الأسرة: لنذهب إلى المكان الفلاني. ويجيب ~~آخر: أنت حر في أن تصحبنا إلى أي مكان تريد، المهم فقط أن تكون معنا. ومن ~~المؤكد أن الذي يقول مثل هذا القول لرب الأسرة ينال منزلة رفيعة في قلبه. ~~فإذا كان هذا يحدث بين إنسان وإنسان مثله فما بالنا بالاستحسان الذي ~~يناله العبد ms2617 حين يقول ذلك لخالقه الأكرم؟ لا بد أن ينال منزلة راقية لأنه ~~قد خرج من دائرة العبيد إلى دائرة العباد الذين قال عنهم الحق: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين ~~يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ~~ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان ~~غراما * إنها سآءت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 63-66] هؤلاء هم عباد الرحمن الذين يحبهم ويحبونه. أما الذي ~~يتمرد على منهج الله فعليه أن يعرف أنه غير قادر على أن يتمرد على قدر ~~الله. وأراد الحق أن يعطينا مناعة إيمانية حين قال: { من يرتد ~~منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه } وتتجلى تلك المناعة في أن المؤمن لا بد أن يلتفت إلى ~~هؤلاء الذين يرتدون عن دين الله بادعاء أنهم أنبياء من بعد محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. إن هذه الآية توضح لنا ما جد وما يجد من أمر ~~هؤلاء المرتدين، والواحد منهم يعلن: أنا نبي مرسل. ويجد هذا النبي ~~المزيف من يستمع له ويصدقه ويتبعه، ولا يجد من يسأله: إن كنت نبيا فما ~~معجزتك؟ لكنه يجد من يصدقون هذا الزيف لهوى في نفوسهم. هذا الهوى يتلخص ~~في أن مثل هذا النبي المزيف يأتي بمنهج ميسر يخدع به أتباعه الذين يخدعون ~~أنفسهم بأن الواحد منهم متدين، لكنه يتبع منهاجا ضالا. وكثير من الذين ~~ادعوا أنهم أنبياء وأنه هو المهدي المنتظر لم يسألهم أحد: ما المعجزة ~~الدالة على صدق نبوتكم؟ لأن النبي المزيف من هؤلاء يلهي الناس بالتخفيف ~~من التكليف. إننا نجد بعضا من المثقفين أو الذين يدعون أنهم يعملون ~~عقولهم في كل شيء يتبعون هؤلاء الدجالين. # وقد رأينا منذ أعوام قليلة العجب العجاب، عندما ادعى أحدهم النبوة. ~~وآمن به واتبعه عدد من الرجال والنساء. وكانت المرأة المتزوجة تدخل على ~~هذا النبي المزيف لتقبله ويقبلها من شفتيها وأمام زوجها. أين نخوة الرجل ~~- إذن - في مثل هذا الموقف؟ إنه التدليس الضال الذي يدعي لنفسه الهداية، ~~إنها هداية إلى الجحيم. ms2618 وهل تنبع تلك التيارات من الإسلام؟ لا، بل تأتي ~~من قوم يبغضون الإسلام، ويصطادون الرجل الذي تظهر عليه المواهب والمخايل، ~~ويقنعونه بأنه يمكن أن يلعب دور النبي المزيف. مثال ذلك الهندي ميزرا ~~غلام أحمد الذي جاء بالقاديانية. ونعلم أن الإنجليز قد استعمروا الهند ~~لسنوات طويلة، وكانوا يعتبرونها درة التاج البريطاني. ونعلم أن خصوم ~~الإسلام وعلى رأسهم الاستعمار يحاولون أن ينالوا من الإسلام لأنهم رأوا ~~أن التمسك بالدين أتاح للمسلمين فتح الأمبراطوريات لا بالسيف ولكن بحماية ~~حق الاعتقاد. إذا كانت الدعوة قد نشأت في الجزيرة العربية فقد امتدت إلى ~~آفاق الأرض. وانهزمت الفرس والروم أمام الذين يحملون راية " لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله ". ومن بعد ذلك نجد أن الذين هزموا التتار هم ~~المسلمون، وكذلك اشتعلت الحروب الصليبية في حملات متتابعة، ولكن ~~المقاتلين تحت راية الإسلام أنزلوا بهم الهزيمة الضارية. إن الذي أرهق ~~الاستعمار من الإسلام طاقة الإيمان والقتال في سبيله ولذلك جاء ميزرا ~~غلام أحمد وحاول أن يضعف القدرة على الجهاد عند المسلمين، فقال: لقد جئت ~~لكم لألغي الجهاد من العقيدة الإسلامية. وجرؤ ميزرا غلام أحمد، وأعلن ~~إلغاء القتال. والحق يقول في كتابه الكريم: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم # [البقرة: 216] وسبحانه بقدرته يمهل ولا يهمل. وجاء وباء الكوليرا في ~~الهند سنة 1908 ليقضي على غلام أحمد وينهي تأكيدا لقوله الحق: { ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه } ~~[المائدة: 54] وظهر أيضا في فارس وهي موطن سلمان الفارسي من ادعى لنفسه ~~النبوة، وكان من الذكاء بحيث حاول التسلل إلى الإسلام لينقلب عليه من بعد ~~ذلك، قال الرجل: أنا الباب ومن بعدي سيأتي المهدي. وعندما سأله الناس: ~~وماذا تحمل من منهج؟ أجاب: جئت لأخفف عنكم بعض التكاليف لأن الإسلام صار ~~بتكاليفه لا يناسب العصر. واتبعه أناس، وثار عليه أناس. ومن اتبعوه، ~~ذهبوا إليه بغية تخفيف المنهج، ومن ثاروا عليه كانوا من القوم الذين ~~يحبهم الله ويحبونه، وجاءوا له بالعلماء يناقشونه ويحاجونه فاعترف بأنه ~~مخطئ وأعلن التوبة في المسجد الكبير. وعند ذلك تركه ms2619 الناس. لكن هذا الرجل ~~وجد من يلتقطه ليعيده إلى ضلاله وتضليله، التقطه قنصل روسيا في فارس، ~~وهيأ له ملجأ، وأوعز إليه أن يعلن أن توبته إنما كانت هربا من القتل. ~~واستطاع هذا الباب، واسمه علي محمد الشيرازي أن ينال دعاية واسعة وخاصة ~~بعد أن انضمت إلى دعوته فتاة اسمها " قرة العين " وكانوا يلقبونها ~~بالطاهرة. # ووقفت لتخطب خطبة في الناس. ومن يقرأ تلك الخطبة يعرف إلى أي انحلال كان ~~يدعو ذلك الباب. وأعلنت هذه المرأة أن الإسلام قد انقضت مدته كدين، وأن ~~الباب قد اختفى لفترة لأنه في انتظار شرع جديد، وأن العالم يمر بفترة ~~انتقال، وصار ينزل المنهج الجديد على الباب. وقالت تلك " الطاهرة ": إن ~~التشريع المختص بالمرأة، والذي جاء إلى الباب هو: # " المرأة زهرة خلقت لتشم ولتضم " # " فلا يمنع ولا يحد شامها ولا ضامها " # وما دامت المرأة زهرة إذن فهي تجنى وتقطف " وإلى الأحباب تهدى ~~وتتحف.. إلى أن تقول في نهاية خطابها: لا تحجبوا حلائلكم عن أحبابكم!! ~~ومن يرغب في أن يعرف مسلسل الفضائح الخلقية التي جاءت في خطاب " قرة ~~العين " تلك فليقرأ كتاب " نقطة الكاف " للباب الكاشاني طبعة لندن صفحة ~~154. هذا ما جاء به الباب من بعد أن أعلن إلغاء الإسلام: لا تحجبوا ~~حلائلكم عن أحبابكم فإنه الآن لا منع ولا حد، خذوا حظكم من الحياة، فإنه ~~ليس بعد الممات شيء. وهذه خلاصة الانحلال الذي جاء به هذا المدعو بالباب، ~~لقد أعلن أنه لا حساب ولا يوم آخر، وأن المرأة عرضها مشاع تضم وتشم. ~~والغريب أن بعضا من المتزوجين قد اتبعوه. وقالوا عن أنفسهم: إنهم ~~متدينون، لقد أخذوا ظاهر الأمر واعتبروا الفسوق الذي جاء به هذا الباب ~~وأسموه دينا بعد أن سهل لهم بتعاليمه الفساد، فأخذوا الانحلال عن ~~التكاليف، وادعو أن ذلك دين!! هكذا أراد خصوم الإسلام للإسلام. وقنصل ~~روسيا القيصرية هو الذي شجع هذا الرجل وحماه في عام واحد وستين ومائتين ~~بعد الألف من الهجرة. وبرغم ذلك حكم أهل فارس بإعدامه بعد موجة السخط ~~العارم، ولم يستطع ms2620 أن ينقذه أحد، وتم إعدامه فعلا. والذين قرأوا أقواله ~~لحظة الإعدام عرفوا كيف أنه تذلل وخضع وبكى. ولو كان مبعوثا بحق من عند ~~الله لما تذلل وخضع وطلب النجاة. ولامتلأ بالسرور والحبور لأنه ذاهب إلى ~~الله. لقد عرف هذا الرجل الدجال إلى أي عقاب سيذهب لذلك بكى واسترحم. ~~ولما قتل الباب، أعلن واحد من رجاله وهو ميرزا حسين أن الكتاب الذي جاء ~~به الباب كتاب كاذب، وكان اسمه " البيان ". وقال ميرزا حسين علي: إنه جاء ~~بكتاب اسمه " الأقدس ". كأن المسألة كلها خداع للناس وتبرير الخداع. ولو ~~رجعنا إلى كتاب يسمونه " بهجة الصدور " لمؤلفه حيدر بن علي البهائي ~~لوجدنا كل الانحرافات الممكنة، فالبهاء يقول: استر ذهبك وذهابك ومذهبك، ~~أي لا تجعل أحدا يعرف ثروتك، ولا إلى أي مكان تذهب ولا تقل للناس: إنك ~~بهائي حتى لا يقتلوك. # واعتبر البهائيون أن القرآن قد انتهت مدته وأن كتاب " الأقدس " هو كتاب ~~فوق القرآن. ويقرر كتاب " الأقدس " أن القدس لا بد أن تكون وطنا لليهود ~~وأن موسى سيد الرسل جميعا. ومما يدلنا على أن ذلك الرجل كان صنيعة ~~الاستعمار والصهيونية، أنهم أقاموا له حفل تكريم في بريطانيا ومنحوه وسام ~~الفروسية الإنجليزي لأنه رجل خدم الاستعمار. ونجد أن شيخنا رشيد رضا الذي ~~نقل لنا تاريخ الإمام محمد عبده يروي قصة لقاء بينه وبين ذلك المدعو " ~~بهاء " في بيروت، وحكى الشيخ رشيد عن الإمام محمد عبده أن هذا البهاء كان ~~يأتي للصلوات الخمس ويصلي الجمعة. وعندما سأله عن تلك المسألة المسماة ~~بالبهائية. أجاب بأنها محاولة للتقريب بين الشيعة وأهل السنة. وعندما ~~أمرت الدولة العثمانية بمحاكمة ذلك البهاء توسط قنصل روسيا فاكتفوا بنفيه ~~إلى بغداد. وعاش فترة فيها ثم مات وقام الأمر من بعده لابنه عباس المسمى ~~عبد البهاء. لقد كانت البداية برجل سمى نفسه الباب صاحب كتاب البيان وقال ~~فيه: " ملعون مطرود من يدعي أنه جاء بشريعة بعد شريعتي إلا بعد مرور ألف ~~سنة ". وما إن تمر سبع سنوات حتى جاء رجل ثان يسمي نفسه البهاء، ms2621 وأعلن ~~أنه جاء بشريعة جديدة، ويعقد الوصية لابنه المسمى " عبد البهاء ". ثم ~~يكون الأمر من بعده إلى ابنه المسمى " شوقي أفندي " وكان يقيم بعكا. ~~هكذا انفضحت أكاذيبهم. ورئيس البهائية الحالي هو يهودي اسمه بترسون. إذن ~~فالردة عن الإسلام لم تكن نابعة من نفوس المسلمين ولكن مدفوع إليها من ~~خصوم الإسلام الذين يأخذون أي رجل ملحد فيه بعض من الذكاء وينفخون فيه ~~بدعاياتهم حتى يشوهوا دعوة الإسلام. وأقاموا مراكز لمثل هذه الانحرافات ~~في بلجيكا وأمريكا وانجلترا. وحاولوا النفاذ إلى البلاد الإسلامية ~~لينشروا فيها دعوتهم ومبادئهم. وكانوا يأخذون المرأة كنقطة هجوم على ~~الإسلام. ويتهمون الإسلام بأنه يضع المرأة في الحريم، ويحبسها في خيمة ~~وإلى آخر تلك الدعايات التي تشوه تكريم الإسلام للمرأة. ومن العجيب أني ~~سمعت بأذني من واحدة هي بنت لتلك الحضارة الغربية. تقول: كنت أتمنى أن ~~أكون مسلمة وأما لشاب مسلم. فعلينا نحن المسلمين ألا ننخدع بتلك ~~الدعايات وتلك المذاهب التي تتسلل من باب تخفيف المنهج والمراد بها قتل ~~قيم الإسلام التي تحمي الإنسان وتحترم مشاعره لذلك يجب أن ننتبه إلى ~~دعوات المتسللين إلى مجتمعاتنا بغية هدم ديننا. وعلى الحكومات أن تضرب ~~على أيدي العابثين بدين الله لا أن تترك مسائل الدين لهبات الأفراد. وكل ~~منا مطالب بأن يرد عن دين الله كل دخيل عليه وكل محاولة لوضع أمور ليست ~~من الدين في شيء. # وجزى الله قضاء مصر خيرا حينما تصدوا لمثل هذه الدعوات ووقفوا دفاعا ~~عن الإسلام لتبيين وإيضاح كل أمر دخيل عليه، فدستور الدولة ينص على أن ~~مصر بلد مسلم، وإن كانت بعض التقنينات في دور التشريع. وجزى الله قضاة ~~مصر عنا خيرا، فقد وضحوا تلك المسائل وبينوها. وعرفنا بسلوكهم أن خميرة ~~الإيمان هي التي تحكم سلوك المسلم الحق، وإن تخلت عنه بعض القوانين التي ~~عليه أن يحكم بها. وكلما حدث حادث من تلك الحوادث لنا أن نتذكر القول ~~الصدق من الله: { يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم ~~عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه } [المائدة: 54]. وكل ms2622 هذه الحركات المناوئة للإسلام تنتهي ~~ويبقى الإسلام قويا بأبنائه الذين يحبهم الله ويحبونه. هؤلاء الذين ~~وصفهم الحق: { أذلة على المؤمنين أعزة على ~~الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون ~~لومة لائم } [المائدة: 54]. ويذيل الحق سبحانه هذا القول الكريم: ~~{ ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله واسع ~~عليم } [المائدة: 54]. نعم إنه فضل من الله لأنهم ما داموا يحبهم الله ~~ويحبون الله وهم أذلة على المؤمنين وأعزة على الكافرين فقد جعلهم سبحانه ~~حملة لواء منهجه لتكون كلمة الله هي العليا. وذلك تفضل من الله. ولنعلم ~~أن الخير لا يعود منا على الله لأنه سبحانه هو واهب كل خير، ولم يأت لنا ~~الخير من بعد خلقنا، ولكن نحن الذين طرأنا على الخير، نحن طرأنا على ~~الأرض، وعلى السماء بما فيهما من كل كنوز الخير، ففي الأرض العناصر ~~والمعادن والقوت، وفي السماء الشمس والقمر والنجوم، وكل ذلك فضل الخالق ~~على المخلوق. إن فضل الله يؤتيه سبحانه وتعالى من يشاء وتتسع قدرته لكل ~~مطلوب لذلك لا يمن المؤمن على الله بإيمانه، فليس عند الله أزمة في الذين ~~يؤمنون به، وهو قادر على أن يأتي بقوم يحملون دعوته، فإذا ما ارتفعت رأس ~~الباطل فهذا دليل على أن قطافها قد حان لأن الزبد يذهب جفاء وما ينفع ~~الناس يمكث في الأرض. فكأن الله حين يندب المؤمنين لمهمة إيمانية فلا ~~يقال: إن المؤمنين إنما يفعلون ذلك لمصلحة ربهم. لا، ولكن ذلك فضل من ~~الله على المؤمنين حين يختارهم لمهمة حمل البلاغ عن الله، ويعود الخير ~~إلى المؤمنين ثمرة مضاعفة. إذن فحين يكون اختيار الله للمؤمن لمهمة ~~إيمانية فهذا فضل من الله على المؤمن. ونعرف أن الفضل هو الأمر الزائد عن ~~العدل فالحق سبحانه وتعالى قد قال: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. وكل تكليف من الحق للخلق هو فضل من الله لأنك إن نظرت إلى ~~كل تكليف من الحق للخلق لوجدت أن التكليف إنما يعود لصالح الخلق وما دامت ~~الفائدة من التكليف تعود ms2623 إلى الخلق فليس من المطلوب إذن أن يثاب الخلق ~~المؤمنون المكلفون، لكن الله يأبى أن يكلف خلقه بتكاليف ويذهبون إلى هذه ~~التكاليف بطاعة ومحبة دون أن يجازيهم على ذلك بحسن الثواب. # ولهذا نجد الحق يقول: # قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان # [الحجرات: 17]. المنة إذن لله حين تفضل على الخلق الذين أطاعوه بحسن ~~حياتهم في إطار تكاليفه الإيمانية، وفوق ذلك هناك الثواب، وهذا هو عين ~~التفضل من الحق على الخلق المؤمنين: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. وساعة نسمع " بفضل الله " فلنعلم أن فضل الله لا حدود له. ~~وقد نجد من يقول: ولكن الحق سبحانه وتعالى قال: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف ~~يرى # [النجم: 39-40]. ونقول: لنفترض أن إنسانا مات، ونجد الأمر من الخالق ~~سبحانه وتعالى بأن نصلي عليه لندعو له بالرحمة. ودعاؤنا للميت بالرحمة ~~يأتي له بخير أكثر مما فعل هو في حياته، ولولا أن صلاتنا على الميت تثيب ~~الميت وتثيبنا في آن واحد لولا ذلك ما أمرنا الحق بأداء هذه الصلاة. وقد ~~يقول قائل: هذا الخير الذي يأتي إلى الميت من دعاء المصلين عليه ليس من ~~سعي الميت. ونقول: إن " اللام " في قوله الحق: # للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]. هذه اللام تفيد الاستحقاق والملكية. وهو قول كريم يحدد ~~العدل ولا يحدد الفضل. ونضرب مثلا من حياتنا نحن البشر - ولله المثل ~~الأعلى - تجد السيد يقول للخادم عنده: إن لك أجرا عندي يساوي مائة جنيه. ~~ثم يجيء السيد في آخر الشهر ويقول للخادم: خذ مائة وخمسين جنيها. العدل ~~إذن هو أن يأخذ الخادم أجره وهو مائة جنيه، ولكن الخمسين جنيها الزائدة ~~هي الفضل الزائد عن الأجر. إننا حين يأمرنا الحق سبحانه وتعالى بأن نصلي ~~على الميت فهذا تفضل من الله على الميت وعلينا أيضا. هذا لون من تفضل ~~الله على خلقه. وسبحانه يجازي كل إنسان بما عمل ويمنحه فوق ذلك، ومن قصر ~~في شيء من العمل. ms2624 ويصلي عليه الناس ويدعون له بالرحمة فتفيض رحمة الله ~~على العبد وعلى غيره من العباد. وهذا هو مناط قول الحق: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58] وعندما نحقق في هذا الموقف وحده نجد أن الجزاء يكون أفضل من ~~العمل. وما الذي يجعل المؤمن يصلي على ميت مؤمن؟ إنه إيمان هذا الذي مات ~~وإيمان من مات ملك له، وعلى ذلك فملكية المؤمن لإيمانه تمتد بعد أن يموت ~~لتشمل صلوات ودعاء من صلوا عليه. وذلك يدخل في فضل الله: { ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشآء والله واسع عليم } [المائدة: ~~54]. وما دامت المسألة فضلا من الله يشمل كل مؤمن فلا بد أن الحق عنده ~~من السعة ما يعطي الكل. # وسبحانه واسع عليم. والحديث القدسي يقول: # " يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد ~~فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص ~~المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم ~~إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ~~". # إذن فخزائن الله ملأى لا تنفد، وسعة الحق مطلقة. ولهذا نحن أيضا نجد أن ~~الحب في الله يزداد دائما، فساعة نشاهد اثنين يتحابان في الله، فحبهما ~~يزداد كل يوم لأنه الحب في الله. أما إن كان الحب لأمر محدود فذلك الحب ~~ينتهي ويترك كل منهما الاخر بانتهاء السبب لذلك الحب. ولنأخذ قضية واضحة ~~أمامنا: من كان يحب في الله فالحب لغير المحدود لا حدود له. ومن كان يحب ~~في غير الله، فالحب هنا لمحدود ويرتبط طردا وعكسا بمدى الإثراء من هذا ~~المحدود. ومن يحب لغرض من أغراض الدنيا يقيس ما يعطيه لمن يحب، فإن زاد ~~ما يعطيه على ما يأخذه يحس بالخسارة. وعندما نتبادل الحب في الله فلا شيء ~~ينقص عند الله أبدا لأنه سبحانه يعطي الاثنين معا اللذين يتحابان فيه. ~~وسبحانه العليم أزلا، وصاحب القدرة الذي يعطي كل إنسان المناط ms2625 الذي ~~يستحقه. ويقول الحق من بعد ذلك: { إنما وليكم الله ~~ورسوله والذين... }. ### || [5.55] # وحين نهانا الحق عن أن نتخذ اليهود والنصارى أولياء فعلينا أن نأخذ ~~بالقياس أن النهي إنما يشمل كل خصوم ديننا، فلا نتخذ أيا من أعداء ~~الدين وليا لنا لأنه سبحانه وتعالى لم يتركنا بغير ولاية، وهو ولينا ~~وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا. إذا أردنا المقارنة بين ~~ولاية الله، وولاية أعداء الله فلنعرف أن كل عدو لله له قدرة محدودة لأنه ~~من البشر، أما ولاية الله لنا فلها مطلق القدرة. وأي عدو له قد يتظاهر ~~لنا بالولاية نفاقا. أما ولاية الله لنا فلا نفاق فيها لأنه لا قوة أعلى ~~منه. وإن كان الحق قد منعنا أن نتخذ من أعدائه أولياء فذلك ليحررنا من ~~الولاية المحدودة ليعطينا الولاية التي لا تتغير وهي ولايته سبحانه ~~وتعالى: { إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا } وهكذا يكون التعويض في الولاية أكبر من كل تصور. وساعة نرى " ~~إنما " فلنعرف أن هناك ما نسميه " القصر " أو " الحصر ". مثال ذلك نقول: ~~" إنما الكريم زيد ": كأن القائل قد استقرأ آراء الناس ولم يجد كريما ~~إلا زيدا، وكأنه يقول: " زيد كريم وغير زيد ليس بكريم " واختصر الجملتين ~~في جملة واحده بقوله: " إنما الكريم زيد " وأثبت بهذا القول الكرم لزيد ~~ونفاه عن غيره. أما إن قال القائل: " زيد كريم " فهذا القول لا يمنع أن ~~يكون غيره من الكرماء. إن الحق سبحانه يحصر الولاية في قوله: { إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا } وهو قد نهانا من ~~قبل عن ولاية أهل الكتاب، وعن ولاية كل من لا توجد عنده مودة أو محبة ~~تعين المؤمن على مهمته الإيمانية. فلو كان عند أحد من أهل الكتاب أو ~~الملاحدة محبة ومودة تعين المؤمن على أداء مهمته لما بقي هذا الإنسان ~~على منهجه المحرف أو على إلحاده، بل إن ذلك سيجعله يذهب إلى الإيمان ~~برسالة الإسلام. إننا نجد بقاء الكافر على كفره أو إلحاده أو عدم إيمانه ~~برسالة محمد صلى الله عليه ms2626 وسلم دليلا على أنه لم يستطع الوصول إلى ~~الهداية أو أنه - إن كان من أهل الكتاب - لم يستطع أن يكون مأمونا على ~~الكتاب الذي نزل إلى نبيه وفيه البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم فكيف - ~~إذن - يعين إنسان مثل هذا إنسانا مسلما؟. إنه لا يستطيع أن يعين ولا أن ~~يوالي ولا أن يكون على هداية لأنه لم يستطع أن يهدي نفسه. ولذلك قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ~~وما أنزل إليكم ". # لأن الذي لا يستطيع أن يهدي نفسه لن يستطيع هداية غيره. وحين نهانا ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤال أهل الكتاب كان يعلم أنهم في ريب من ~~أنفسهم، وفي ضلال وخلط، فهم إما يخلطون الحق بالباطل، وإما في غيظ من ~~الذين آمنوا لذلك نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسألهم، وهذا هو ~~الاحتياط للدين، فقد يسألهم المؤمن سؤالا، فيجيبون بصدق، فيكذبهم ~~المسلم، وقد يجيبون بكذب فيصدقهم المسلم لذلك لا يصح ولا يستقيم أن ~~يسألهم المسلم أبدا عن شيء لأنه عرضة لأمر من اثنين: إما أن يصدق بباطل، ~~وإما أن يكذب بحق. وأهل الكتاب أنفسهم قد تضاربوا، ألم يقل الحق على ~~ألسنتهم: # وقالت اليهود ليست النصارى على شيء # [البقرة: 113]. وكذلك قالت النصارى: # ليست اليهود على شيء # [البقرة: 113]. إذن فأي الموقفين نصدق؟ أنصدق رأي اليهود في النصارى؟ أم ~~نصدق رأي النصارى في اليهود؟ ولا نستطيع أن نكذب رأي اليهود في النصارى، ~~ولا نستطيع أن نكذب رأي النصارى في اليهود، إذن فحين يقول الحق سبحانه: { ~~إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا } فعلينا ~~أن نفهم أنه سبحانه وتعالى ما دام قد نهاكم عن أن تتخذوا أولياء من دون ~~الله فلن يترككم أيها المؤمنون دون ولي. بل منعكم فقط من ولاية من لا ~~يمكن صادقا في معونتكم ولا في نصرتكم. لقد أراد سبحانه أن يكون هو ~~بطلاقة قدرته وليكم، ورسول الله أيضا وليكم، وكذلك الذين آمنوا. ونجد من ~~يقول: الحق ms2627 هنا قد عدد الولاية فيه سبحانه وتعالى وفي الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وفي المؤمنين، لماذا لم يقل - إذن -: أولياؤكم هم الله والرسول ~~والذين آمنوا؟ ونقول: هل كانت للرسول ولاية منفصلة عن ولاية الله ~~والمؤمنين؟ وهل كانت للمؤمنين ولاية منفصلة عن ولاية الله والرسول؟ لا ~~لأن الولاية كلها منصبة لله، فلم يعزل الحق الرسول عن ربه، ولا عزل ~~المؤمنين عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يقسم الولاية إلى أجزاء، بل ~~كلها ولاية واحدة وأمر واحد، ونلحظ أن الخطاب في " كاف الخطاب " هو ~~للجمع: { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ~~} ، و " كاف " الخطاب هنا تضم المؤمنين ومعهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فالله سبحانه وتعالى ولي الرسول وولي المؤمنين، والرسول ولي ~~المؤمنين، وجاء في المؤمنين قول الحق: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض # [التوبة: 71]. كم درجة من الولاية هنا إذن؟ الله ولي الرسول وولي ~~المؤمنين. ذلك أن سبحانه شاء بفضله ألا يعزل الولاية أو يقسمها بل جعلها ~~ولاية واحدة، والرسول صلى الله عليه وسلم ولي المؤمنين، والمؤمنون بعضهم ~~أولياء بعض لذلك نجد أن كل مؤمن مطلوب منه معونة ونصرة أخيه المؤمن. # إن الإنسان - كما نعلم - ابن أغيار، وما دام الإنسان ابنا للأغيار ~~فعلينا أن نعرف أن المؤمنين لن يظلوا كلهم في حالة توجيه النصيحة. ولن ~~يظلوا جميعهم في حالة تلق للنصيحة. وكل واحد منهم يكون مرة ناصحا ومرة ~~يكون منصوحا، فساعة يصيب الضعف مؤمنا في جزء من المنهج يجد أخاه المؤمن ~~قد هب لنصحه ليعتدل. وساعة يصيب الضعف الناصح في جزء من منهجه فالمنصوح ~~السابق يهب لنصح أخيه ليعتدل. والذي خلق الخلق وهو أعلم بهم، ويعلم كيف ~~تستوعب الأغيار الخلق، وكيف أن كل إنسان له خواطره وله ظنونه وله مواقف ~~ضعف وله مواقف قوة. إنه - سبحانه - لم يطلب من الناس أن يوصوا بالخير ~~فحسب ولكنه قال: # وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3]. لماذا إذن التواصي بالحق؟ لأن سبل الحق شاقة، ولأن أصحاب ~~الحق يلاقون المتاعب من أصحاب الباطل لذلك لا بد ms2628 أن يؤازر أصحاب الحق ~~بعضهم بعضا فيقول الإنسان من أهل الحق لأخيه ما يساعده على التمسك بما ~~هو أعز من الراحة والصحة والمال. ولا بد أن نجعل الحق واضحا في حياتنا ~~وسلوكنا، وأن يتذاكر أهل الحق بما حدث لغيرهم وكيف صبروا، هكذا يكون ~~التواصي بين المؤمنين. وتلك هي ولاية المؤمنين بعضهم لبعض: { ~~والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض }. إذن ~~فقوله الحق: { إنما وليكم الله } هو ما يسمونه في اللغة " ~~أسلوب الحصر " ، أي لا ولي لكم غير الله. وحين يرد الإنسان من الولاية ~~المحدودة القدرة ويجعل العوض له في غير محدود القدرة فذلك كسب كبير ~~للعبد، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: # " من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة، ~~ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما ~~كان العبد في عون أخيه ". # كيف تكون أنت أيها العبد في عون أخيك؟ يتحقق لك ذلك عن طريق أن تقدم ~~لأخيك المؤمن المعونة والنصرة والمؤازرة والتواصى. وتقدم لأخيك من وقتك ~~وطاقتك وقدرتك ومالك ما يعينه. وإياك أن تحسب المسألة بأنك كنت تستطيع أن ~~تفعل كذا وكذا في الوقت الذي أعطيته لأخيك المؤمن، بل يجب أن تحسبها بأن ~~الله هو الذي أعطاك الوقت والمال والجهد وأنت لا تفعل شيئا بقدرتك أنت، ~~وأن قدرتك المحدودة عندما تعطي بعضا منها لأخيك فأنت تصل قوتك المحدودة ~~بصاحب القوة غير المحدودة وهو الله. وبذلك يكون الله في عونك وتكون أنت ~~الأكثر كسبا. فمن يرد الله بجانبه فلا بد أن يكون مع الخلق دائما ~~بالمعونة، وبهذا السلوك يرتقي المؤمن إلى أعلى درجات الذكاء. { إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا } وسبحانه يريد أن ~~يبين لنا مميزات أصحاب الإيمان لأننا حين نتعرف على شعب الإيمان وصفاته ~~الجميلة إنما نميز بهذه الصفات المؤمنين من غيرهم. # وإقامة الصلاة هي الصفة الغالبة في وصف الذين يؤمنون بالله لأن الصلاة ~~هي الصلة المتجددة بإعلان الولاء لله خمس مرات في كل يوم. والنبي صلى ms2629 ~~الله عليه وسلم قال: # " بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت ". # وهذه الأركان الخمسة هي الدعائم والأسس التي تقام عليها عمارة الإسلام. ~~وأي بيت لا يقوم بالأسس وحدها، ولكن هناك أشياء أخرى كثيرة وعشرات ~~الفضائل والمطلوبات غير الأسس، وإذا ما راجع كل واحد منا علاقته بأسس ~~الإسلام فلسوف يجد أنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله مرة ~~واحدة في العمر، ومن بعد ذلك يقيم الصلاة. ثم يؤتي الزكاة، لكن إن كان ~~فقيرا فهو معفى من أداء الزكاة. وحتى الذي يؤدي الزكاة فهو يؤديها في ~~وقت واحد في السنة. ومن بعد ذلك يصوم رمضان. لكن المريض أو المسافر أو ~~الذي له عذر فهو يفطر ويقضي الصوم ويفدي عن الصيام المريض الذي لا يرجى ~~شفاؤه والعجوز الذي تصيبه بالصوم مشقة شديدة. ومن يحج البيت يفعل ذلك مرة ~~واحدة في العمر إن استطاع إلى ذلك سبيلا. هذه هي أركان الإسلام، وفيها ~~إعفاءات كثيرة للمسلم. اللهم إلا الصلاة فهي أساس يتكرر ولذلك يقول صلى ~~الله عليه وسلم: # " رأس الأمر كله الإسلام وعموده الصلاة ". # ويقول صلى الله عليه وسلم: # " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة ". # ويقول صلى الله عليه وسلم: # " إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ". # لذلك لا تسقط أبدا، فنحن نصلي ونحن قيام، ونصلي ونحن قعود، ونصلي ونحن ~~على جنوبنا. ونصلي ونحن غير قادرين على أية حركة، نصلي بالإيماء. ومن لا ~~يقدر على هز رأسه بحركات الصلاة في أثناء المرض الشديد فهو يصلي بعينيه. ~~ومن أصابه - والعياذ بالله - شلل جعله لا يقدر على تحريك جفنيه بحركات ~~الصلاة فهو يصلي بالخواطر وبالوعي أي يجري أركان الصلاة على قلبه. أما من ~~ذهب عنه الوعي فقد سقطت عنه الصلاة. ولذلك يقول الحق: { والذين ~~آمنوا الذين يقيمون الصلاة } ويقول بعد ذلك: { ~~ويؤتون الزكاة } لإن إيتاء الزكاة معناه تقوية أثر حركتك لغيرك ~~وتعدية أثر هذه ms2630 الحركة للضعيف عنك، وحينما تزكي إنما تعطي مالا، والمال ~~هو ناتج من أثر حركتك في الوجود، وعطاؤك من مالك بالزكاة يدل أيضا على ~~الإيمان. ثم يذيل الحق الآية بقوله: { وهم راكعون }. وهل الركوع ~~هنا بمعنى الركوع في الصلاة؟ أو بمعنى الخضوع لكل تكاليف منهج الله؟ أو ~~أنها نزلت هنا في مناسبة خاصة لحالة خاصة؟ هناك رواية تقول: إن عبدالله ~~بن سلام جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن قوما من قريظة ~~والنضير قد هجرونا وفارقونا وأقسموا ألا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة ~~أصحابك لبعد المنازل. # وشكا عبدالله مما يلقاه من اليهود، فنزلت تلك الآية: { إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون } ~~[المائدة: 55]. فقال بن سلام: رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء. ~~وتزيد الرواية في موقع آخر: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المسجد والناس بين قائم وراكع ودخل إنسان إلى المسجد وسأل الصدقة فلم ~~يعطه أحد فقال الرجل: أشهد الله أني جئت إلى مسجد رسول الله وطلبت الصدقة ~~وما أعطاني أحد شيئا، وسمعه علي ابن أبي طالب - كرم الله وجهه وكان يصلي ~~- فمد على يده بحيث يراها الرجل وأشار له أن يأخذ من يده الخاتم كصدقة، ~~فأخذه الرجل. وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل فقال: هل أعطاك ~~أحد شيئا. فأجاب الرجل نعم خاتما، وأشار إلى علي بن أبي طالب. وهنا نزلت ~~الآية بتمامها: { إنما وليكم الله ورسوله والذين ~~آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون } [المائدة: 55]. وأيا كانت المناسبة التي نزلت فيها الآية، ~~فالركوع معناه الخضوع، والخضوع يكون لكل تكاليف منهج الله. فإذا كنا ~~نقول: فلان ركع لفلان فهذا معناه أن فلانا قد خضع لفلان. ومن بعد ذلك ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: { ومن يتول الله... }. ### || [5.56] # ونلحظ أن الحق أوضح في الآية السابقة: إن الله هو الولى، وهنا تكون أنت ~~أيها العبد المؤمن من الذين يتولاهم الله، تماما مثل قوله: { ~~يحبهم ويحبونه }. وحين يكون الله في معونتك فهو ms2631 يعطيك من ~~قدرته غير المحدودة فكيف تتولى أنت الله؟ ويكون القول الحاسم في هذا ~~الأمر هو قول الحق: # إن تنصروا الله ينصركم # [محمد: 7]. والحق في الآية التي نحن بصددها جاء بالمقابل لما جاء في ~~الآية السابقة عليها فهو القائل من قبل: # إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا # [المائدة: 55]. وفي هذه الآية يأتي بالمقابل. فيقول سبحانه: { ومن ~~يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ~~الله هم الغالبون } [المائدة: 56]. هذه المقابلة توضح لنا كيف ~~ينصر الله العبد، وكيف ينتصر العبدلله. ولم يقل سبحانه في وصف من يتولى ~~الله ورسوله والذين آمنوا: إنهم الغالبون فقط، ولكنه أورد هذه الغلبة في ~~معنى عام فقال: { فإن حزب الله هم الغالبون }. وكلمة " ~~حزب " معناها: جماعة التف بعضهم مع بعض على منهج يرون فيه الخير. ولا ~~يمكن أن يجتمع قوم بقوة كل فرد فيهم بفكر كل فرد منهم إلا إذا كان هذا ~~الأمر هو خيرا اجتمعوا عليه، إذن فحزب الله في أي وضع وفي أي تكوين ~~ولأية غاية هو الحزب الغالب. وعلى المستوى الفردي نجد في سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة ". # فما معنى حزبه هنا؟ معناه أمر أتعبه وأرهقه وفكر فيه كثيرا. وبذلك ~~يعلمنا رسول الله ألا نقصر رؤيتنا على رأينا وحده، ولكن لنلجأ إلى الله. ~~فنهزم الأمر الذي يحزبنا ولا نقدر عليه بأن نقيم مع الله حزبا بالصلاة. ~~إننا عندما نأخذ من سنة رسول الله المثل والقدوة نعرف أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يحزبه أمر يتعلق بدنياه وإنما أمر يتعلق بمنهج ~~الله وبالدين لذلك يذهب رسول الله إلى من يعطيه ويعطي أهل الإيمان كل ~~الطاقة. إنه يذهب إلى الصلاة. ويعلن أن أسبابه قد انتهت ولم يعد يقوى ~~على تحمل هذا الأمر الذي حزبه، ولأن الله لا يغلبه شيء لذلك فسبحانه ~~يرفع الهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويغلب كل أمر صعب. وإن ~~حزبنا هذا الأمر في ms2632 نفوسنا فسنجد العجب. إذن فحين تعز الأسباب على ~~المؤمن في أمر ما ويكون قد أعطى كل جهده وما زال هذا الأمر يحزب المؤمن ~~ويشتد عليه ويرهقه فعلى المؤمن أن يقوم إلى الصلاة، وييسر الحق هذا الأمر ~~للمؤمن بالخير. والمؤمن عندما يحزبه أمر ما إنما يذهب بالصلاة إلى المسبب ~~وهو الله، لكن على المسلم ألا يذهب إلى الله إلا بعد أن يستنفد كل ~~الأسباب، فالأسباب إنما هي يد الله الممدودة، ولا يمكن للمؤمن أن يرفض يد ~~الله ويطلب ذات الله، فإن انتهى الأخذ بالأسباب فليذهب إلى المسبب: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ~~ويجعلكم خلفآء الأرض أإله مع الله قليلا ~~ما تذكرون # [النمل: 62]. وسبحانه الذي يجيب المضطر وهو الذي يكشف السوء وهو الذي ~~جعل البشر خلفاء في الأرض، وسبحانه لا شريك له في ملكه، وهو القائل: # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا ~~الله وما يشعرون أيان يبعثون # [النمل: 65]. وإذا قال قائل: ولكني أدعو الله ولا يستجيب لي. ونقول: أنت ~~لم تدع دعوة المضطر لأنك لم تستنفد الأسباب. وعليك أن تستنفد الأسباب ~~كلها. فإن استنفدت الأسباب فالحق يجيبك ما دمت مضطرا. إذن فحزب الله ~~عندما يغلب إنما يعطينا قضية مكونة من " إن المؤكدة واسمها وخبرها " ~~وهذه قضية قرآنية وهي تختلف عن القضية الكونية التي تصف واقع الحياة. ~~ويقول الحق: { ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا ~~فإن حزب الله هم الغالبون } [المائدة: 56]. وسبحانه ~~يعلم ما يكون في كونه، ولن تختلف قضية القرآن عن قضية واقع الكون. وساعة ~~تجد قوما تجمعوا وفي صورتهم الرسمية الشكلية أنهم رجال الله، ولا ~~يغلبون فعلينا أن نعرف أنهم خدعوا أنفسهم وخدعوا الناس بأنهم حزب ~~الله وواقع الحال أنهم ليسوا كذلك لأنه سبحانه قال: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. وهذه قضية قرآنية. ونأخذ الأمر دائما بسؤال: هل غلبت ~~أم لم تغلب؟ فإن كنت قد غلبت فإن جنديتك لله صادقة. وإن لم تكن فأنت تخدع ~~نفسك بأنها جندية لله وهي ليست كذلك. # " ولنا المثل الواضح من ms2633 حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان ~~بين صحابته في موقعة أحد وأمر الرماة أن يقفوا موقفا خاصا، فلما ~~وجد الرماة استهلال نصر المؤمنين على الكافرين، وأن الذين يحاربون ~~أسفلهم يأخذون الغنائم، ذهبوا هم أيضا إلى الغنائم وخالفوا أمر الرسول ~~حينما قال لهم: " إذا رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، ~~وإن رأيتمونا هزمنا القوم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم ". # فلما خالفوا أمر رسول الله أكانوا جنودا لله بحق؟ لا، بل اختلت ~~جنديتهم لله. ولم يمنع وجود رسول الله فيهم سنة الله الإيمانية في ~~كونه ألا تقع، ولو ظلوا منتصرين على الرغم من أنهم خالفوا الرسول لهان ~~أمر رسول الله في نظرهم لذلك أراد الحق أن يوقع بهم ألم الهزيمة المؤقتة ~~من أجل أن يتأدبوا، وحتى يعضوا على أمر سيدهم وسيدنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالنواجذ. وقد أورد الحق ذلك الأمر ورسول الله فيهم من ~~أجل مصلحة الإسلام، فلو نصرهم على الرغم من مخالفتهم لرسول الله لجرأهم ~~ذلك على أن يخالفوا. ويقول الحق بعد ذلك: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ~~ولعبا... }. ### || [5.57] # والهزو هو السخرية والتنكيت. وهزء أهل الكتاب من أهل الحق لون ~~من الانفعال العكسى. فساعة يرى بعض أهل الباطل واحدا ملتزما يصلي ولا ~~يحملق في النساء قد يصفونه بصفات غير لائقة لأنهم لا يستقبلون التزامه ~~إلا بلون من السخرية، وحتى لا يفهم أنه خير منهم، وقد يضلونه فيتبعهم. ~~ولنفرض أن ثلاثة من الشباب جمعت بينهم الصداقة ثم انحرف منهم اثنان ~~والتزم واحد منهم. وكان لأحد المنحرفين أخت فيطلب زميله المنحرف يد هذه ~~الأخت، ويأتي له الصاحب الذي لم ينحرف ليطلب الأخت نفسها، هنا نجد الأخ ~~لا يوافق على زواج أخته بالمنحرف، بل يوافق على زواجها من الذي لم ينحرف ~~لأنه لن يخدع نفسه. وعندما يعاتبه المنحرف فهو يرد عليه: وهل أستأمنك على ~~أختي؟ أنا أعرفك حق المعرفة. وهكذا نرى أن القيم هي القيم. وعندما يكون ~~هناك إنسان على حق ms2634 ويلتقي بأناس على باطل نجدهم لا يتركونه وشأنه، ولأنهم ~~لن يستطيعوا أن يكونوا مثله فلا أقل من أن يهزأوا منه حتى يحتفظوا ~~لأنفسهم بفسادهم. وعندما ننظر إلى العادات الضارة التي تنتشر، مثل شم ~~الهيروين أو تدخين المخدرات نجد أن الذي وقع في مصيدة هذه المصائب يريد ~~أن يجر غيره إلى مثل هذا المستنقع. ونجد في القرآن ما يقوله لنا خالق ~~الطباع والعليم بها: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون # [المطففين: 29-30]. مثل قول أهل الباطل للمؤمن: احملنا إلى الجنة على ~~جناحك. أو: أتريد أن تكون وليا. # وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين # [المطففين: 31]. ويرجع الواحد منهم إلى أهله فيحكي بسرور: لقد قابلنا ~~إنسانا غارقا في الإيمان وسخرنا منه: # وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ ~~أرسلوا عليهم حافظين # [المطففين: 32-33]. بل قد نجد أن أهل الإضلال يتهمون المؤمن بأنه على ~~ضلال، فماذا يكون العقاب يوم الحشر؟ # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون على ~~الأرآئك ينظرون هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون # [المطففين: 34-36]. وكأن الحق يسأل المؤمنين: ألم آخذ لكم حقكم؟ إذن ~~فالذين يتخذون الدين هزوا ولعبا. وادعوا الإيمان نفاقا. إياكم أن ~~تأمنوا لهم. ولقد حذرنا الحق بداية: # لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء بعضهم ~~أوليآء بعض # [المائدة: 51]. وهنا أمر بعدم اتخاذ الذين يتخذون الدين مادة للهزء ~~أولياء، وعلى المؤمنين اليقظة والحذر لأن الحق يقول: { واتقوا ~~الله إن كنتم مؤمنين } فإن كنتم مؤمنين حقا فعليكم الأخذ ~~بيقظة الإيمان، عليكم ألا توالوا اليهود والنصارى وكذلك من يتمسح في ~~الإيمان نفاقا ويريد الانتفاع بمزايا الإسلام ليأخذ حقوقه الظاهرية ~~وقلبه مع غير المؤمنين. وتقوى الله تبدأ من أن ينفذ المؤمن المنهج، ~~ويحاول أن يستبقي للمنهج مناعة اقتداره أمام خصومه بألا يدخل المؤمن في ~~حماية المنهج من لا يؤمن من اليهود والنصارى والكافرين والمنافقين. ~~ويقول الحق من بعد ذلك: { وإذا ناديتم إلى الصلاة ~~اتخذوها... }. ### || [5.58] # والنداء هو دعوة بجهر. ومقابل النداء المناجاة. وتثبت هذه الآية أن ~~الأذان مشروع بالقرآن، ms2635 وفي ذلك رد على الذين يقولون: إن الأذان قد شرع ~~بالسنة. أو أن القرآن بهذه الآية قد أقر تشريع الأذان. { وإذا ~~ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا } ذلك أنهم ~~كانوا يقولون عن الأذان: لقد صاحوا صياح الحمير. ووصفهم الحق بقوله: { ~~ذلك بأنهم قوم لا يعقلون } والعقل - كما نعلم - هو ~~الأداة التي تؤدي مهمة الاختيار ما بين البدائل أي أن يختار الصالح من ~~الأمور فيدرس مزايا كل أمر ومضاره ويختار الأمر الرابح. إن الهوى هو الذي ~~يدفع العقل إلى أن يختار أمرا مخالفا. فيجنح بالعقل إلى الضلال. وآفة ~~الرأي الهوى. ولا يميل الإنسان عن جادة الصواب إلا إذا أراد أن يخدم ~~هواه. ولذلك لا بد أن يكبح المؤمن جماح هواه بعقله، والعقل مأخوذ من عقال ~~البعير، فصاحب الجمل يقيد ساقه بقطعة من الحبل حتى لا يجمح. ويحتاج ~~الإنسان إلى العقل ليكبح جماح الهوى، ولينقذ الإنسان من الضلال لا أن ~~يبرر الهوى. والذين يريدون العقل تحررا من الفكر نقول لهم: أنتم لا ~~تفهمون معنى كلمة العقل. فقد جاءت كلمة العقل لتمنع الهوى لا ليجترئ ~~الإنسان بهواه على رأيه وسلوكه المستقيم، والعقل هو الذي يمنع الفكر من ~~أن يكون مبررا للهوى. فلو كانوا يعقلون لقلنا لهم: إن الأعمال التي ~~تنادون بها عمر نفعها مظنون وقد تنفعكم في دنياكم، وعمر الدنيا لا يستطيع ~~أحد أن يحدده بالنسبة لنفسه، فدنيا الفرد قد لا تزيد على مائة سنة. ودنيا ~~الإنسان هو عمره فيها. وقد ستر الله سبب الموت وكيفيته عن الخلق حتى يعرف ~~الإنسان أن عمره مظنون وقد ينتهي قبل أن تطرف عينه. ولو كانوا يعقلون لما ~~باعوا آخرتهم بدنياهم. ولو عقلوا لأداروا مسألة البدائل في رءوسهم ~~ولعلموا أنهم بموقفهم هذا من قضية الإيمان والإسلام إنما يقفون موقفا ~~خاسرا ليس في مصلحتهم. ويقول الحق بعد ذلك: { قل يأهل ~~الكتاب... }. ### || [5.59] # و " قل " هي خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وحين يخاطب الحق ~~الرسول، فالخطاب أيضا لأمته صلى الله عليه وسلم، فنقول نحن أيضا: { ~~قل يأهل ms2636 الكتاب هل تنقمون منآ إلا أن آمنا ~~بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل من قبل وأن ~~أكثركم فاسقون } [المائدة: 59]. و " نقم ينقم " أي كره ~~مني أن أفعل هذا، فلماذا تكرهون إيماننا يا أهل الكتاب؟ هل الإيمان مما ~~يكره؟ وجاء الحق هنا بسؤال لا يقدرون على الإجابة عنه، فنحن آمنا بالله ~~وبرسله وما أنزله علينا وما أنزل من قبل، فما الذي يكره في هذا؟ وأبلغ ~~سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم اليهود أننا نؤمن بالله وبالرسل ومنهم ~~سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام، فغضبوا منه كثيرا. فكيف يكره أهل ~~الكتاب إيمان المسلمين بالله؟ مثال ذلك عندما يدعوك إنسان إلى تصرف غير ~~مستقيم أو إلى الذهاب إلى مكان مشبوه فترفض ذلك يكرهك هذا الإنسان، فتقول ~~له: أتكره في سلوكي أن أكون مستقيما؟ ونعلم أن الإنسان الأمين هو ثروة ~~لمن يعرفه والذي يستحق النقمة والكراهية هو الفعل الضار، أما الإيمان ~~بالله فهو أمر محبوب لأنه يعلم الإنسان الأدب مع كل خلق الله، ويعلم ~~الإنسان الحفاظ على أعراض الناس، ويعلم الإنسان ألا يعتدي على أموال ~~ودماء الناس ولا يغتاب الناس، ولا يرتشي، وأن يخلص في العمل وألا يكذب في ~~ميعاد، فأي شيء في هذا يستحق الكراهية؟ إذن، فمن يكره إنسانا لأي سبب من ~~هذا فهو كره بلا منطق، وكان من الواجب أن يكون سبب الكره سببا للمحبة. ~~وقد يأتي من يقول لك: ليس في فلان من عيوب إلا كذا. وقد يورد سببا ~~معقولا. ولكن لا يقول أحد أبدا: لا عيب في فلان إلا أنه شهم لأن ~~الشهامة لا يمكن أن تكون عيبا، كأن القائل قد أعمل ذهنه حتى يكتشف ~~عيبا، لم يجد إلا صفة رائعة، وقال عنها: إن كنت تعتبر هذه الصفة عيبا ~~فهذا هو عيبه. ويسمون ذلك من أساليب الأداء الأدبي عند العرب وهو تأكيد ~~المدح بما يشبه الذم، فيقول قائل: لا عيب في فلان إلا كذا. وساعة يسمع ~~السامع هذا يظن أن العيب الذي سيورده هو صفة قبيحة فيفاجأ بأنها خصلة ~~جميلة. ms2637 وبذلك يؤكد القائل المدح بما يشبه الذم: { قل يأهل ~~الكتاب هل تنقمون منآ إلا أن آمنا بالله ومآ ~~أنزل إلينا ومآ أنزل من قبل وأن أكثركم ~~فاسقون }. أنتم تقولون: إنكم أهل كتاب وعندكم التوراة، وكان يجب أن ~~تعلموا كيف يشذب الإيمان النفوس ويدفع عنها الشر لأن لكم سابقة في ~~الإيمان، فقد آمنتم بالله وبالرسل السابقين على موسى وآمنتم بموسى، ~~والمسلمون آمنوا بالله وآمنوا بما أنزل إليهم وآمنوا بالرسل ومنهم موسى ~~وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم فكيف يكره ذلك؟ وإن كان هذا مما يكره ~~فعلينا كمؤمنين أن نسألكم: لماذا تنكرون علينا ذلك؟ لا شك أنكم تنكرون ~~علينا إيماننا بالله لأنها قضية غير واضحة في أذهانكم. # ولو كانت واضحة في أذهانكم ما كرهتم إيماننا. إذن فمسألة الإيمان بالله ~~غير مستقرة في وجدانكم كأهل كتاب بدليل أنكم تكرهون من آمن بالله، ودليل ~~ذلك أنكم أنزلتم الله منزلة لا تليق بكماله، فجسمتموه وقلتم: # حتى نرى الله جهرة # [البقرة: 55]. وقلتم: # إن الله فقير ونحن أغنيآء # [آل عمران: 181]. وقلتم: # يد الله مغلولة # [المائدة: 64]. إذن فأنتم تكرهون لنا أن نؤمن بالله إيمانا يليق بكمال ~~الله لأنكم لم تؤمنوا بالله صحيح الإيمان، ولو طابق إيماننا إيمانكم ما ~~كرهتمونا. وكذلك لم تؤمنوا بالكتب بدليل أنكم حرفتموها. ولم تؤمنوا ~~بالرسل لأنكم وقفتم من عيسى عليه السلام هذه المواقف. إذن فأنتم تنقمون ~~منا وتكرهون أمورا لا تكره عند الطبع السليم، وهذا دليل على أن طبعكم ~~هو المختل. وإذا كنتم تكرهون هذا الإيمان فماذا تملكون لمن تكرهون؟ لا ~~قوة لكم لتفعلوا لنا أي شيء. ولكن حين يكرهكم الله فماذا يفعل بكم؟ إنكم ~~حين تكرهوننا لا تملكون قدرة لعقابنا، لكن الذي يكرهكم هو الله وعنده ~~القدرة المقتدرة لينتقم لنا منكم. إذن فكراهيتكم لنا لا قيمة لها. وإذا ~~كنا نجاريكم، والمجاراة لون من جدال الخصوم فماذا يعنيكم من كوننا ~~مؤمنين؟ مثال ذلك أن يتهمك إنسان بأنك بخيل فتقول له: هب أنني بخيل فعلا ~~فماذا يعنيك من هذا؟ وهذا ما نسميه مجاراة الخصوم لذلك ms2638 نقول لأهل الكتاب: ~~هب أن لكراهيتكم لنا رصيدا وأنكم تستطيعون إيذاءنا، فلكم شر من هذا وهو ~~عقاب الله، وسنرى ماذا سيحدث لكم عندما يكرهكم الله. وهو قادر على كل ~~شيء. وعلى فرض أن إيذاءكم لنا هو شر، فالأكثر فاعلية هو عقاب الحق لكم ~~لأنه عندما يكرهكم يقدر أن يعاقبكم بما شاء. إذن فالصفقة - صفقة كراهيتكم ~~لنا - خاسرة من ناحيتكم. ولذلك قال الحق: { قل هل أنبئكم ~~بشر من... }. ### || [5.60] # فإن سلمنا جدلا أنكم يا أهل الكتاب تعتبرون كيدكم لنا سيصيبنا بشر. على ~~الرغم من أنكم لا تملكون أن تجازونا بشيء. وها هوذا الحق يخبركم على لسان ~~رسوله بالأكثر شرا من هذا، وهي العقوبة التي يصنعها الله لكم وهو قادر ~~على إنزالها بكم وهي الأكثر ضررا. وهذا لون - كما قلنا - من مجاراة ~~الخصم. ويعلمنا الله ذلك على لسان رسوله فيقول لخصومه: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24]. والرسول على الهدى بالقطع وخصومه على ضلال بالقطع، ولكن رسول ~~الله يسلم الأمر طالبا من خصومه أن يراجعوا أنفسهم ليناقشوا القيم التي ~~يدعو إليها الإسلام. وسيجدون أن قيم الإسلام هي الهدى وأنهم على ضلال. ~~ونعلم أن الهدى والضلال لا يجتمعان، فنحن كمسلمين على هدى، وأنتم على ~~ضلال. ووسيلة التمييز أن يحكم الإنسان عقله في المسألة، وبذلك يرى من ~~الذي على هدى ومن الذي على ضلال، فأنت لا تناقش الخصم في أصل الدعوى، ~~ولكن سلم للخصم جدلا. والتمييز النهائي هو الفيصل. وسيجد المميز حيثية ~~ضلال الخصم واضحة وضوح حيثية هدى المسلمين. # قل يأهل الكتاب هل تنقمون منآ إلا أن آمنا ~~بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل من قبل وأن ~~أكثركم فاسقون # [المائدة: 59]. فإن كنتم تعيبون علينا أو تكرهوننا أو تأخذون إيماننا ~~سبة فهذا أمر لا يكره الإنسان من أجله لأنكم تدعون أنكم مؤمنون ~~بالله. وكذلك لا يمكن أن يسب الإنسان من أجل الإيمان بما أنزله الله في ~~كتاب لأنكم أيضا تقولون إنكم مؤمنون بالتوراة. وتقولون إنكم مؤمنون ~~بالأنبياء السابقين على موسى. والخلاف ms2639 أن عيسى عليه السلام جاء بعد نبيكم ~~فكفرتم به، لكننا آمنا به فنحن منطقيون مع أنفسنا ومع ربنا. والحق ~~يبلغنا: { وأن أكثركم فاسقون }. ونعرف أن صيانة الاحتمال ~~تقتضي ألا يحكم الحق عليهم جميعا بأنهم فاسقون لأن فيهم بعضا من الناس ~~تراودهم نفوسهم بالإيمان وبالإسلام لذلك لم يكن الحق أبدا ليعمم الحكم ~~على كل أهل الكتاب بالفسق ليعطي الفرصة لمن يفكر أن يعلن إيمانه. ومن بعد ~~ذلك يأتي الخبر على لسان الرسول بعقابهم: { قل هل أنبئكم ~~بشر من ذلك مثوبة عند الله } إذن فهناك أمر أكثر ضررا ~~لكم لأنه ما كان يصح أن تكرهوا إيماننا، والأكثر ضررا من هذا هو لعنة ~~الله { من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم ~~القردة والخنازير } ويأتي سبحانه بالأوصاف التي فيهم، من لعنة ~~الله وغضبه عليهم وجعله بعضا منهم قردة وخنازير. وكيف يأتي الله بمثل ~~هذه الأوصاف كمثوبة؟ إن هذا لون من فتح باب الرجاء والأمل ثم يصدمهم من ~~بعد ذلك تماما مثل قوله تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21]. والعذاب الأليم ينذر به، وكذلك اللعنة لا يمكن أن تكون ~~ثوابا، لكن الأسلوب القرآني يعطي النفس المخالفة لونا من الانبساط، ثم ~~يعطيها اللون المناقض له من الانقباض، ليكون ذلك أبلغ في الانقباض وأكثر ~~إيلاما. ومثال ذلك - كما قلنا من قبل - المسجون الذي يطلب كوب ماء فيأتي ~~له الحارس بكوب الماء ويقربه من فمه ثم يسكب كوب الماء على الأرض، هذه ~~العملية زرعت في نفس السجين الأمل في الأرتواء أولا، ثم يكون سكب الماء ~~على الأرض سببا في التعذيب والإمعان فيه، لكن لو رفض الحارس أولا تقديم ~~الماء لعاش السجين في اليأس وهو إحدى الراحتين. ونرى ذلك أيضا فيمن ~~ينتظر حكما قد يكون إعداما وقد يكون براءة، وتكون فترة الانتظار هي ~~المليئة بالقلق. وعندما يضعون المنتظر في الميزان يجدون وزنه في انخفاض. ~~وبعد الحكم بإعدامه يبدأ وزنه في الزيادة لأن اليأس إحدى الراحتين. إذن ~~فانبساط النفس ومجيء القبض بعدها هو الأمر الأنكى والأشد قسوة على النفس، ~~ولذلك ms2640 يقول الحق: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21]. هذه البشارة تأتي بالانبساط للنفس ويتلوها الانقباض، ~~ومثل قول الحق: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه # [الكهف: 29]. أي أنه قد وقع عليهم لون من العذاب يستدعي الإغاثة، ومن ~~بعد ذلك يغاثوا لا بما ينقذهم ولكن بما يزيد عذابهم. وساعة يسمعون " ~~يغاثوا " تنفرج أساريرهم وتسكن وتطمئن نفوسهم، وبعد ذلك يحدث الانقباض ~~بسماعهم: { بمآء كالمهل يشوي الوجوه } ، إذن فكلمة " مثوبة ~~" تأتي لهم بشيء من الانبساط يتلوه العذاب. هذا. وإن أفعل التفضيل يأتي ~~على صورة " أفعل " ، " أكرم " ، " أجود " ، " أشجع " فهذا لون من زيادة ~~الصفة في طرف عنها في الطرف الآخر. اللهم إلا كلمات قليلة جاءت في اللغة ~~على غير صيغة التفضيل منها كلمة " خير " وكلمة " شر " فلم تأت منها كلمة ~~" أخير " بمعنى أكثر خيرا. ولا كلمة أشر بمعنى أكثر شرا، ومرة تأتي ~~كلمة " خير " ويقابلها الخير الأقل. والذي يميز المعنى هو وجود كلمة " من ~~" كقولنا: " فلان خير من فلان ". أما إن قيل: فلان خير " فمقابله هو " شر ~~" لأنه لا توجد كلمة " أخير ". وهكذا نجد كلمة " خير " تأتي للوصف مرة ~~وتأتي للمبالغة في الوصف مرة أخرى، والفاصل للتمييز بين الاثنين هو وجود ~~" من ". فيقال: فلان خير من فلان ومثلها في ذلك كلمة شر، وقد ورد ~~استعمال كلمة خير للتفضيل ولغير التفضيل في قوله تعالى: # يأيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى ~~إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ~~ممآ أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم # [الأنفال: 70]. والحديث النبوي يقول: # " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ". # إن في كل مؤمن خيرا. ولكن في المؤمن القوي خير أكثر مما في المؤمن ~~الضعيف. والمثال على أن كلمة " خير ". تقابل كلمة " شر " ، هو قول الحق: # ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ آتاهم الله من ~~فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم # [آل عمران: 180]. و " خير " هنا ليست أفعل التفضيل ولكنها للوصف العادي ~~وإذا جاءت " من " تعرف أنها للتفضيل، وعدم الإتيان بلفظة ms2641 " من " يدلنا ~~على أنها للوصف العادي ومقابله كلمة " شر ". وهنا يقول الحق: { قل هل ~~أنبئكم بشر من ذلك }. وجاءت كلمة " بشر " هنا للتفضيل ~~ولا يعني ذلك أن المؤمنين في " شر " ولكنها مجاراة للخصم. واعتبار أن ما ~~يقوله الخصم مقبول جدلا. وهناك الأكثر شرا في الواقع وعند الله وهو ~~المراد من قوله تعالى: { من لعنه الله وغضب عليه ~~وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ~~أولئك شر مكانا وأضل عن سوآء السبيل } ~~[المائدة: 60]. لماذا إذن يكون مصير هؤلاء إلى شر؟ لأنهم كرهوا سلوك ~~المؤمنين ولم يستطيعوا أن ينفسوا عن الغل الذي في صدورهم بعقوبة ~~المؤمنين. ولكن الله يكرههم ويملك لهم العقوبة ويكون مصيرهم هو المصير ~~الذي يوضحه الحق في قوله: { لعنه الله وغضب عليه ~~وجعل منهم القردة والخنازير } واللعنة هي الطرد من ~~الرحمة. والطرد من الرحمة يعني حرمانهم من الخير. ومثال ذلك - ولله المثل ~~الأعلى - عندما يكون هناك خادم في خدمة إنسان ما وهو يسكن ويأكل ويلبس ~~على حساب السيد، فإذا لم يؤد هذا الخادم حقوق الخدمة على وجهها المطلوب، ~~لا يرضى عنه سيده، ويطرده من الخدمة، وحين يطرد الإنسان خادمه فهو يعلن ~~للناس أن هذا الخادم لم يؤد حق الخدمة، فلا يستخدمه أحد بعد ذلك، وهذا هو ~~الغضب. وبهذا نعرف الفرق بين أن يطرد من الرحمة فقط ولا يعقب ذلك شيء، ~~أو أن يستمر الغضب بالإعلان عن السبب في الإخراج من الرحمة، فهذا معناه ~~أن الله بعد أن طردهم يلاحقهم بغضبه وسخطه وأن لعنه لهم لا ينفك عنهم. ~~والله سبحانه وتعالى يعلن لأهل الكتاب: إن طردي لكم من رحمتي وتواصل غضبي ~~عليكم هو شر عظيم. وغضب الله - كما نعلم - يترتب عليه أشياء في كل حركة ~~من حركات حياتهم، إنه يمنع الهدى أن ينفذ إلى قلوبهم، بأن يختم على ~~قلوبهم فلا يدخلها الإيمان، ولا يخرج منها الكفر. أو أن يجعل منهم القردة ~~والخنازير. وإن تساءلنا: كيف يكون نسلهم؟ نعرف أن الذي يمسخ لا ~~يتناسل، إنه يمسخ إلى أن يرى مسخا ثم يؤخذ ms2642 إلى الموت. # وهل هم الذين اعتدوا في السبت أو الذين عبدوا العجل أو الذين كفروا بعد ~~نزول مائدة عيسى؟ إنهم كل هؤلاء. أو أنهم قردة، أي في خصال القردة، ~~كالطيش وخفة الحركة وانكشاف العورة، أو طبائعهم وخصالهم كالخنازير، ~~فهؤلاء لهم خبث ونتن وزخم كزخم الخنزير. وأهم ميزة في الخنزير أنه لا ~~يغار على أنثاه. وهذه موجودة فيهم. وتفشت فيهم عادة تشغيل بناتهم في ~~الدعارة وغير ذلك من أعمال الباطل. وهكذا نفهم قوله الحق: { وجعل ~~منهم القردة والخنازير } إما على أساس أنه المسخ الحقيقي. ~~والمسخ الحقيقي لا يظل متماثلا ممسوكا وإنما يكون المسخ لزمن محدود ~~يراه الناس ممسوخا ثم يموت وينتهي، وإما أن نفهمها على أن سلوكهم كسلوك ~~القردة والخنازير. ويتابع الحق: { وعبد الطاغوت } والعبادة إنما ~~هي طاعة العبد للمعبود فيما أمر به وفيما نهى عنه. والطواغيت هم الذين ~~يزينون لهم الشر والنفاق وأكل السحت والإثم. ويكون مصيرهم هو قوله الحق: ~~{ أولئك شر مكانا وأضل عن سوآء السبيل } وهذا ~~هو الواقع الذي يعيشون فيه وهو شر كله، وهم لا يفكرون في السير في الطريق ~~السليم. وعندما نقرأ قول الحق كاملا في هذه الآية: { قل هل ~~أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من ~~لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا ~~وأضل عن سوآء السبيل } [المائدة: 60]. نعرف أنهم في حالة ~~غفلة عن مسار الهدى الموصل للحق لأن { سوآء السبيل } هو الأمر ~~المستوي الموصل للغاية. وكانت طرق العرب إما فيها رمال وإما بين الجبال، ~~وكانوا يختارون السير في وسط الطريق حتى لا ينالهم أذى من جرف هاو من ~~الرمال فيقع بهم أو أن تقع عليهم صخرة من جبل. ولذلك قال الحق: # قال قآئل منهم إني كان لي قرين * يقول أإنك ~~لمن المصدقين * أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما ~~أإنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون * فاطلع ~~فرآه في سوآء الجحيم # [الصافات: 51-55]. أي أنه في وسط الجحيم. ويقول الحق بعد ذلك عن الذين ~~غضب عليهم: { وإذا جآءوكم قالوا... }. ### || [5.61] ms2643 # وهؤلاء هم الذين اتخذوا الدين هزوا ولعبا وسخرية. وهم ساعة يدخلون على ~~المؤمنين يدخلون ومعهم الكفر. وعندما جلسوا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خرجوا أيضا بالكفر. أي أن الكفر قد لازمهم داخلين خارجين. وكأن ~~جلوسهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزدهم أي شيء. وكان من الممكن ~~أن يدخل إنسان على مجلسه صلى الله عليه وسلم، وهو كافر، وبعد ذلك تمسه ~~عناية الهداية فيخرج مؤمنا. ومثال ذلك: فضالة بن عمير الليثي الذي جاء ~~ليقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام الفتح. وعندما مر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بفضالة قال له: ما كنت تحدث به نفسك؟ فقال: لا شيء، ~~كنت أذكر الله عز وجل. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أستغفر الله ~~لك. ووضع يده عليه السلام على صدر فضالة. فكان فضالة يقول: والله ما رفع ~~يده عن صدري حتى ما أجد على ظهر الأرض أحب إلي منه. لقد مسته العناية، ~~فقد دخل - أولا - بكفره وخرج - ثانيا - بعميق الإيمان. لكن هؤلاء دخلوا ~~بالكفر وخرجوا بالكفر، كأن الدخول كان نفاقا، بدليل قوله الحق: { ~~والله أعلم بما كانوا يكتمون } وهذا القول دليل ~~نفاقهم، فقد أعلنوا الإيمان لكنهم دخلوا بالكفر وخرجوا بالكفر. وكانوا ~~يكتمون أن الدخول إلى رسول الله هو محض نفاق. وهذه خاصية لمن قالوا آمنا، ~~ولكان كان دخولهم إلى الإسلام نفاقا لأن كفرهم أمر مستقر في قلوبهم لا ~~يتزحزح، وكان يكفي في الأسلوب أن يقول الحق: وقد دخلوا بالكفر وخرجوا به، ~~ولكنه قال: " وهم " وذلك تحديدا لهويتهم الكافرة، فكأن عملية الدخول ~~بالكفر والخروج بالكفر هي عملية مسبقة لذلك يكشفهم الحق: { والله ~~أعلم بما كانوا يكتمون }. وجاء سبحانه بأفعل التفضيل " ~~أعلم " فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إشراقات الله عليه وتنويره ~~له كان يعلم أيضا أنهم منافقون. ولكن علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم يصل إلى علم الحق سبحانه وتعالى فعلم الله ذاتي وعلم رسوله فيض منه - ~~سبحانه -. إذن فقوله ms2644 الحق: { والله أعلم } لم يمنع أن هناك ~~أناسا قد علموا أنهم منافقون. وقد استقر في ذهن النبي أنهم منافقون وأن ~~الله أعلم بما كانوا يكتمون. والكتم هو حبس الإحساس النفسي أن يخرج وأن ~~يظهر واضحا، ومحاولة الكتم عملية غير طبيعية لأنها قسرية. ويكاد كفرهم ~~أن يظهر ويخرج فيحاولون أن يكتموه لأنهم يحرصون ألا ينكشفوا، ولكن علم ~~الله لا تخفى عليه خافية. ويقول الحق بعد ذلك: { وترى كثيرا ~~منهم... }. ### || [5.62] # والمسارعة في الإثم تعني أنهم من بداية الأمر في الإثم، ويسارعون فيه، ~~أي أنهم كانوا على أولية الإثم ويجرون إلى آخرية الإثم، فضلالهم واضح ~~من البداية، وكأن خلقهم الكفر يفضحهم، برغم محاولتهم كتمان ذلك. ويجدون ~~أنفسهم مسارعين إلى فعل الإثم، أي أن عملهم ينزع إلى الكفر، ويجعلهم الحق ~~يغفلون عن الكتمان، فتبدو منهم أشياء هي أكثر فضيحة من القول، ذلك أن ~~الإثم مراحل: مرحلة قول، ومرحلة فعل. والفعل أكثر فضحا من القول. { ~~وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان } ~~ويقول الحق: { كثيرا منهم } صيانة لاحتمال أن يوجد الإيمان في ~~قلب القليل منهم، وذلك لتبرئة أي إنسان يفكر في الإيمان. وهم أيضا ~~يسارعون في العدوان، فإذا كان الإثم هو الجرم على أي لون كان، فالعدوان ~~هو إثم يأخذ به إنسان حقا لغيره، مثال ذلك الإنسان الذي يحقد، إثمه ~~لنفسه ولذلك يعاني من تضارب الملكات حتى يبدو وكأنه يأكل بعضه بعضا. إن ~~الحقد - كما نعلم - جريمة نفسية لم تتعد الحد. ويقال عن الحقد: إنه ~~الجريمة التي تسبقها عقوبتها، عكس أي جريمة أخرى، فأي جريمة تتأخر ~~عقوبتها عنها إلا الحقد والحسد، فتنال عقوبة الحقد صاحبها من قبل أن يحقد ~~لأن الحاقد لا يحقد إلا لأن قلبه ومشاعره تتمزق عندما يرى المحقود عليه ~~في خير. ولذلك يقال في الأثر: " حسبك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك ". ~~إذن من يرتكب إثما في نفسه لا يتعدى أثر إثمه إلى غيره، أما الذي يرتكب ~~العدوان فهو ينقل حق إنسان إلى غيره. وهو قسمان هناك من يعتدي ليعطي حقا ms2645 ~~لغير ذي حق. وهناك من يعتدي بالسكوت على الظالم، فالظالم تتملكه شهوة ~~الظلم، لكن من يرى الظالم ويسكت ولا ينهاه فهذا عدوان أيضا لأن الظالم ~~عنده وفي نفسه ما يدفعه إلى أن يظلم، أما الشاهد الذي يصمت فليس عنده في ~~نفسه ما يدفعه إلى أن يسكته. فمن - إذن - الأكثر شرا؟ إنه الذي يصمت عن ~~تنبيه الظالم إلى أنه يظلم. { وترى كثيرا منهم يسارعون ~~في الإثم والعدوان } نلحظ أن كلمة " سارع " مثلها مثل كلمة " ~~نافس " تدل على أن هناك أناسا في سباق كأنهم يتسابقون على الإثم ~~والعدوان، كأن الإثم والعدوان غاية منصوبة في أذهانهم، ومتفقة مع قلوبهم. ~~{ وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون } والسحت هو ~~كل مال مصدره حرام، سواء أكان رشوة أم ربا أم سرقة أم اختلاسا أم خطفا ~~أم اغتصابا، كل تلك الألوان وما ماثلها من السحت إنها أخذ لحق الغير. ~~وأخذ حق الغير له صور متعددة، فإن أخذه أحد خفية فتلك هي السرقة. وإن ~~سارع إنسان لخطف شيء من بضاعة إنسان آخر فهذا هو الخطف. وإذا لحق به صاحب ~~البضاعة وتجاذبا وتشادا فهذه المجاذبة تخرج بالخطف إلى دائرة الغضب. ~~وإن كان الإنسان أمينا على شيء وأخذه فهذا هو الاختلاس، وكل ذلك أكل مال ~~بالسحت. وبئس هذا اللون من العمل. ويقول الحق بعد ذلك: { لولا ~~ينهاهم الربانيون... }. ### || [5.63] # والربانيون هم الذين ينسبون إلى الرب في كل تصرفاتهم، وكذلك الأحبار ~~الذين يعرفون الدين، ولا هؤلاء ولا أولئك ينهون هؤلاء الناس من أهل ~~الكتاب عن ارتكابهم الإثم وأكلهم السحت، فكيف ينصب هؤلاء الربانيون ~~والأحبار أنفسهم قادة للضمير الديني دون أن يقوموا بواجبهم بوعظ الناس؟ ~~وفي هذا تأكيد على أن الربانيين والأحبار إنما يريدون فقط سلطة الهيمنة ~~على الناس. والربانيون هم رؤساء النصارى، والأحبار هم رؤساء اليهود. وكان ~~من بين اليهود والنصارى من تتملكه شهوات أكل السحت والظلم وقول الإثم، ~~فلماذا لم يتحرك المنسوبون إلى الله للنهي عن ذلك وهم الذين أخذوا حظهم ~~في الدنيا من أنهم منسوبون إلى حماية منهج الله ms2646 من انحرافات البشر؟. ألم ~~يكن من واجبهم نهي الظالمين والآثمين عن الظلم والإثم؟ إن الذي يظلم له ~~شهوة في أن ينتفع من الظلم، أما أنتم أيها الربانيون والأحبار فلماذا لا ~~تتحركون لوقف ذلك؟ لا شك أنهم قد أمتلأوا سرورا من هذا الإثم وذلك ~~العدوان وأكل السحت، ومبعث سرورهم أن الواحد من هؤلاء لو كان سليما في ~~تصرفاته وأحكامه لغار على المنهج، لكنه يقبل الانحراف لأن من مصلحته أن ~~ينحرف غيره حتى لا يلومه أحد. وجاء الحق ب " لولا " في أول هذه الآية ~~تحضيضية أي يقصد بها الحث على الفعل.. أي كان يجب أن ينهاهم الربانيون ~~والأحبار عن أكل السحت وقول الإثم والعدوان. ثم تتجلى دقة الأداء القرآني ~~- كما هو دائما - في قوله الحق: { لبئس ما كانوا يصنعون }. ~~ونذكر أن تذييل الآية السابقة قال فيه الحق عن سلوك العامة من أهل ~~الكتاب: { لبئس ما كانوا يعملون } ، إذن فالحق يفرق بين بئس ~~عن صناعة وبئس عن عمل. وبئس الربانيون والأحبار هو بئس الصناعة. ونعلم أن ~~كل جارحة من جوارح الإنسان لها حدث خاص بها: فالعين حدثها أن ترى، والأذن ~~حدثها السمع، واليد اللمس ومناولة الفعل، والرجل تسعى، واللسان مجال ~~عمله الكلام. والجوارح تنقسم إلى قسمين: اللسان وحدثه القول، وبقية ~~الجوارح أحداثها أفعال، بدليل أن الله يقول: # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 3]. إذن فالقول مقابله الفعل. والقول عمل، والفعل عمل. وما دام ~~هناك قول وفعل من عامة أهل الكتاب في ذلك المجال لذلك يقول الحق: { ~~لبئس ما كانوا يعملون }. وقال عن الربانيين والأحبار: { ~~لبئس ما كانوا يصنعون } لإيضاح الفرق بين من يعمل ومن يصنع، ~~فمن فتق ثوبه وجاء بإبرة وخيط ليصلحه، فهو خائط، ولكن الذي يحترف ذلك هو ~~" الخياط " فصاحب الحرفة هو من يأخذ وصفها لأنه يجيدها، أما الذي ~~يمارسها لمرة واحدة فلا يأخذ من الصنعة إلا بقدر ما يدل على أنه لم ~~يتقنها. # وكان الربانيون والأحبار قد اتخذوا أمر الدين والكهنوت صناعة بتجويد ~~كبير. وذلك هو الذي ms2647 جعل السلطة التقنينية في العالم كله تنتقل من منهج ~~السماء إلى منهج الأرض. وحينما نرجع إلى تاريخ القانون نجد أن الأصل في ~~التقنين كان من الكهنة الذين كانوا منسوبين إلى الله وخبر السماء، وهم ~~الذين كانوا يحكمون بين الناس، لكنهم أفسدوا، ورأى المجتمع أنهم يحكمون ~~في قضية بحكم، ثم في قضية مشابهة يحكمون بنقيض الحكم السابق، وأنهم ~~ارتشوا في سبيل ذلك، وما يزوا بين الناس، وعرف الناس أن الكهنة غير ~~مأمونين على العدالة لذلك تركوا الكهنة وبدأوا يضعون قوانين خاصة بهم ~~بعيدة عن حكم الكهنة. وهكذا انتقلت المسألة من تقنينات وحكم الكهنة إلى ~~المجتمع الذي لم يعد يتمسك بالدين بسبب انحرافات أحكام الكهنة عن العدل ~~وأنهم باعوا الأحكام لصالح من يدفع أكثر، أو يحكمون لصاحب النفوذ. وهكذا ~~صارت المسألة صناعة لهم. وبئست تلك الصناعة. ومن بعد ذلك يقول الحق: { ~~وقالت اليهود... }. ### || [5.64] # ونعرف أن اليد جارحة حرة الحركة تنفعل يمينا وتنفعل شمالا وتنفعل إلى ~~أسفل وإلى أعلى، ولها من الأصابع ما جعل الله لكل أصبع مع زميله مهمة. ~~وليلاحظ كل منا أصابعه في أثناء أي عمل، سيجدها تتباعد وتتقارب بحركة ~~إرادية منسجمة لتؤدي المهمة. وخلقة الأصابع بالمفاصل والعقل وحجم كل ~~عقلة يختلف عن الأخرى لتؤدي المهمة بانسجام. وساعة تعوق هذه الجارحة عن ~~أداء مهمتها فأنت بذلك تكون قد غللتها، أي ربطتها عن التصرف المطلوب ~~منها. ومعنى قوله: " يد الله مغلولة " أي أن يد الله - والعياذ بالله - ~~مشلولة الحركة. وقد قالوا ذلك قبل ظهور سيدنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقبل زحف الإسلام عليهم لينقض باطلهم. وحدث أن تفرغوا لصناعة آلات ~~الحرب وبناء الحصون والزراعة، وانشغلوا عن الزراعة فخابت محاصيلهم وجاء ~~وقت الحصاد فلم يجدوا، فقال " فنحاص " وهو واحد من اليهود: لماذا قبض ~~الله يده عنا؟ إن يد الله مغلولة. ونلحظ أن الذي قال ذلك هو شخص واحد، ~~ولكن الحق يقول هنا: " وقالت اليهود يد الله مغلولة ". ومعنى ذلك أن " ~~فنحاص " عندما قال ذلك سمعوه وسرهم ما قال، ووافقوه عليها. ms2648 أو أنهم ~~حينما شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الهجرة وقد آخى بين ~~المهاجرين والأنصار، وكانت تمر على المسلمين الليالي دون طعام فيراهم ~~اليهود فيتندرون على تلك الحال ويقولون: إن يد الله مغلولة عن محمد وآله. ~~أو أنهم قالوا: إن يد الله مغلولة في الآخرة عن عقابنا لأنه سيعقابنا ~~أياما معدودة. والذي يبيح لنفسه أن يجعل الله منفعلا لأحداث خلقه إنما ~~يكفر بالله لأنه ينزل الله من مكانته. فإذا كانت يد الله مغلولة، فهذا ~~الرباط والغل والمنع يكون من خلق الله. وكيف يقدر خلق من خلق الله ~~أن يربط يد الله؟. لقد اجترأوا على مقام الألوهية وهذا من سوء الأدب، ~~تماما كما قالوا: # إن الله فقير ونحن أغنيآء # [آل عمران: 181]. وحينما قالوا: " يد الله مغلولة " ورد الحق عليهم: { ~~بل يداه مبسوطتان } وقال قبلها: { غلت أيديهم } فهل ~~يدعو الحق عليهم؟ طبعا لا لأنه هو المصدر الذي يتجه إليه الخلق بالدعاء ~~وهو القادر على كل الخلق. ولكن الحق حين روى ما قالوه إنما ينبه الذهن ~~الإيماني الذي يستقبل كلامه أنه ساعة يجد وصفا لا يناسب الله فعليه أن ~~يدفع هذا الكلام حتى قبل أن يرى الرد عليهم. { وقالت اليهود يد ~~الله مغلولة غلت أيديهم } وهذا يعلمنا أننا إذا سمعنا ~~وصفا لا يليق فلا بد أن ندحضه لأن الحق لا يدعو على عبيده لأن الدعاء هو ~~أن يرفع عاجز طلبه إلى قادر لينفذ المطلوب له. # إذن فإن قالها الحق فهي إما أن تكون خبرا، وإما تعليما لنا، فإذا كانت ~~خبرا نلحظ أن الله كتب عليهم البخل ساعة قالوا هذا ومنذ لحظة هذا القول، ~~وإن كان القصد هو تعليمنا، فنحن نتعلم الأدب الإيماني، ونرد أي وصف لا ~~يليق بجلال الله. وهذه المسألة لها نظير، فعندما علم الحق سبحانه وتعالى ~~تشوق رسوله والمؤمنين أن يذهبوا إلى المسجد الحرام قال لرسوله: # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله # [الفتح: 27]. وهل هذا إخبار من الله، أو هو تعليم لنا؟. إنه تعليم لنا ~~أن نفعل ذلك ms2649 عندما نشتاق إلى فعل. وكذلك هنا: { وقالت اليهود ~~يد الله مغلولة } لذلك يعلمنا سبحانه أن نقول: { غلت ~~أيديهم } مثلما علمنا أن نقول: { إن شآء الله } حتى ننسب كل ~~قدر لله. وقد حاول الفلاسفة أن ينسونا تقدير المشيئة، فقالوا: إن الله ~~خلق النواميس والأكوان وجعل لها قوانين تعمل في الكون. وهل زاول الحق ~~سلطانه ساعة خلق النواميس ثم ترك الأمور لذاتها؟ لا لذلك جاء سبحانه ~~بمعجزات تخرق النواميس ليدلنا على أن النواميس لم تأخذ هي الكلمة للتصرف ~~بل إن يد الله ما زالت في كونه، فالنار - على سبيل المثال - التي تحرق ~~يأتيها الأمر: # كوني بردا وسلما # [الأنبياء: 69]. والماء الذي يغرق يأتيه الأمر: # فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # [الشعراء: 63]. وقال: # فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ~~ولا تخشى * فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم ~~من اليم ما غشيهم # [طه: 77-78]. والعصا التي خلقت من غصن شجر جاف، تتحول إلى أفعى، أي ~~نقلها كلها إلى جنس آخر، من نباتية إلى حيوانية. هذا هو خرق النواميس. ~~ويقول الحق عن هؤلاء الذين ادعوا أن يد الله مغلولة: { غلت ~~أيديهم ولعنوا بما قالوا } أي أنهم طردوا من رحمة الله، ~~لأنهم هم الذين بشروا على أنفسهم وقالوا إن يد الله مغلولة، وسبحانه قادر ~~أن يمنع عطاءه عنهم. ويتابع سبحانه: { بل يداه مبسوطتان ~~ينفق كيف يشآء } ، وهو يعطي من يريد، وكلمة " اليد " في اللغة ~~تطلق على الجارحة وتطلق على النعمة، فيقول الرجل: إن لفلان علي يدا لا ~~أنساها أي أنه قدم جميلا لا ينسى. واستعملت اليد بهذا المعنى لأن جميع ~~التناولات تكون باليد. وتطلق اليد ويراد بها الملكية فيقول سبحانه: # أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح # [البقرة: 237]. أي الذي يملك أن ينكح المرأة، هو الذي يعفو. وفي القتال ~~نجد القول الحكيم: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم # [التوبة: 14]. أو تطلق اليد على من له ولاية في عمل من الأعمال، لذلك ~~نجد الحق قد قال: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ms2650 # [ص: 75]. وآدم هو الخلق الأول وكلنا من بعده مخلوقون بالتناسل من ~~الزوجية. # وقد كرم الله الإنسان بأنه خلقه بيديه، وخلق كل شيء ب " كن ". إذن: ~~كلمة " اليد " تطلق على معان متعددة. والرسول يقول: # " المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم ". # أي عندما تجتمع الأيدي تكون هي اليد القادرة. وعندما نقرأ كلمة " يد ~~الله " فهل نحصرها في نعمته أو ملكه؟ # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير # [الملك: 1]. والله سبحانه وتعالى أعلم بذاته فلنقف عند الوصف، نعم له ~~يد، وله يدان، وإياك أن تتصور أن كل ما يتعلق بالله مثل ما يتعلق بك لأن ~~الأصل أن لك وجودا الآن، ولله وجود، لكن وجودك غير وجود الله، وكذلك يده ~~ليست كيدك. حتى لا نشبه ونقول: إن له يدا مثل أيدينا، فلنقل إن المراد ~~باليد هو القدرة أو النعمة، والهدف الراقي هو تنزيه الحق. وهناك من يقول: ~~إن لله يدا ولكن ليست كأيدينا لأننا نأخذ كل ما يأتي وصفا لله على أنه ~~" ليس كمثله شيء " والتأويل ممكن. مثلما بين الحق: انه قد صنع موسى على ~~عينيه. وتأخذ أي مسألة تتعلق بوصف الله إما كما جاءت، بأنه له يدا ولكن ~~ليست كالأيدي، وله وجود لا كالوجود البشرى، وله عين ليست كالأعين، ولكن ~~كل وصف لله نأخذه في إطار " ليس كمثله شيء ". وإما أن نأخذ الوصف ~~بالتأويل، ويراد بها النعمة ويراد بها القدرة. ويقول الحق: { بل ~~يداه مبسوطتان } والمراد هنا هو " النعمة ". ولم يكتف سبحانه ~~بأن يرد بأن له يدا واحدة تعطي. لا، بل يرد بما هو أقوى مما يمكن، فهو ~~يعطي بيديه الاثنتين، وهو القائل: # وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة # [لقمان: 20]. أنه يعطي الظاهر ويعطي الباطن. وإياك أن تقول تلك اليد ~~اليمنى وتلك اليد اليسرى لأن كلتا يدي الله يمين: { بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشآء } أي أنه سبحانه لا يمكن. أن يكون ~~بخيلا، حتى وإن منع الحق فذلك منح وعطاء وإنفاق لأن الذي يطغى بنعمة، قد ~~يذهب ms2651 به الطغيان إلى بلاء وسوء مصير لذلك يقبض سبحانه عنه النعمة ليعطيه ~~الأمن من أن ينحرف بالنعمة. ولذلك نجد القول الحق في سورة الفجر: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن # [الفجر: 15-16]. ورد الحق بعد ذلك بقوله: { كلا }. فلا الإعطاء هنا ~~للإكرام، ولا المنع للإهانة. فكيف يكون الإعطاء دليل الإكرام وقد يعطيك ~~الله ولا تؤدي حق النعمة؟ وكيف يكون المنع دليل الإهانة وهو قد منعك من ~~وسيلة انحراف؟ إذن فهو قد أعطاك بالمنع - في بعض الأحيان - أنه قد أعطاك ~~الأبقى وهو الهداية. # إذن فمنعه أيضا عطاء. { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف ~~يشآء } والناس تنظر دائما إلى عطاء الله بعطاء الإيجاب، ولا تنظر ~~عطاء السلب أي المنع، وهو أن يصرف عنك الحق مصرف سوء، وسبق أن ضربت المثل ~~بالرجل الذي تحرى الحلال في مصدر ماله ويتقي الله في عمله ويأخذ دخله ~~ويدير حركة حياته في إطار هذا الدخل، وقد يعود هذا الرجل إلى منزله فيجد ~~حرارة الابن مرتفعة قليلا، ولأن ماله حلال وذرات جسمه تعرف أن ماله حلال ~~لذلك يستقبل الأمر بهدوء ويعرض الابن على طبيب في مستوصف خيري بقروش ~~قليلة، فيصف الطبيب دواء بقروش قليلة ويتم شفاء الابن. هذا الرجل يختلف ~~حاله عن حال رجل آخر أتى بماله من السحت، وساعة يرى حرارة ابنه قد ارتفعت ~~نجد باله يدور بين ألف خاطر سوء، ويدور الرجل بابنه على الأطباء ولا يصدق ~~طبيبا واحدا. الرجل الأول رزقه الله الاطمئنان بمنع هواجس الحدة من ~~قلبه وخواطره، أما الرجل الثاني فهو ينفق أضعاف ما أكله من سحت. إذن { ~~بل يداه مبسوطتان } أي أن هناك عطاء السلب. والعطاء الذي يحبه ~~الإنسان هو عطاء المال وهو عطاء يذهب إلى الفانية. أما المنع فهو يمنع ~~الإنسان من ارتكاب آثام. وبعد ذلك يأخذ الإنسان نعيمه في الآخرة. ونحن ~~نجد كثيرا من الناس تدعو، ولكنهم لا يعلمون أن الله قد أعطى بالمنع. ~~يقول الحق ms2652 تبارك وتعالى: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # [الإسراء: 11]. لذلك يعطي الحق أحيانا أشياء يكون العبد قد ألح عليها، ~~وبعد ذلك يتبين الإنسان أنها شر، كأن الحق ساعة منع الإنسان لفترة كان ~~ذلك صيانة له. { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء } ~~إذن فكله إنفاق. وسبحانه ينفق كيف يشاء، فلا يبخل أبدا حتى وإن منع، ~~فالمنع في موضعه الصحيح هو عين الإنفاق، وهكذا يكون عطاء الله عطاء ~~النعمة ظاهرة كانت أو باطنة. فإن أردت ب " اليد " القدرة فيدا الله ~~مبسوطتان بالثواب لقوم وبالعقاب لقوم آخرين. وهو سبحانه وتعالى يعطي ~~لحضرة النبي صلى الله عليه وسلم المناعة الإيمانية ضد كل متمرد عليه، أو ~~ضد كل متأب ومستكبر من الكافرين أو من أهل الكتاب. فكأنه سبحانه وتعالى ~~يوضح: وطن نفسك يا محمد ولتوطن أمتك نفسها على أن هؤلاء الكفرة لن ~~يكتفوا بالقدر اليسير والقليل من الكراهية لك، بل كلما جاءت لك نعمة ~~بزيادة الهدى من الله سيحسدونك، وسيبغضونك، وسيزداد تمردهم وحقدهم عليك، ~~فوطن نفسك على ذلك. وفي هذا ما يعطي مناعة إيمانية، يسد كل منافذ وسوسة ~~النفس ويجعل النفس على استعداد لاستقبال ما يحدث حتى ولو كان من المكاره. ~~ولنقرب هذا الأمر من الذهن. لا تشبيها ولكن لمجرد تقريب الأمر من الذهن ~~- ولله المثل الأعلى - لننظر إلى ما حدث في أوروبا في أثناء الحرب ~~العالمية الثانية، كانت انجلترا تخوض الحرب ضد النازية، وكانت الأهوال ~~تتساقط من الطائرات على المدن الإنجليزية. # وجاء تشرشل ليقود الحرب فقال للإنجليز. إن الهول والصعاب هي التي ~~تتنظركم فوطنوا أنفسكم على مواجهة الشدائد. وإذا كان هذا قد حدث في حرب ~~بين شعبين، فما بالنا بالحق سبحانه وتعالى وهو يعلم ضرورة التمحيص لأمته ~~التي تحمل راية المنهج الكامل للهداية. كان لا بد إذن من أن يوطن نفس ~~رسوله ونفوس المؤمنين معه على مواجهة الحسد والبغض والحقد والمكر ~~والتبييت. ويقول الحق: { وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل ~~إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم ~~العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة }. ولا ms2653 يأتي قول ~~الحق: " بينهم " إلا إذا كان هناك طائفتان، والمقصود إما الطوائف ~~اليهودية فيما بينها، وإما طوائف النصرانية فيما بينها، أو بين اليهودية ~~والنصرانية، خصوصا أن هذه الآيات مستهلة بقوله الحق: { يا أهل ~~الكتاب }. فإذا كانت لليهود فالعداوة والبغضاء قائمة بين طوائفهم ~~بعضها مع بعضها الآخر. وإذا كانت للنصارى فالعداوة والبغضاء حاصلان فيما ~~بين طوائفهم، وإن كانت بين اليهود كقسم وبين النصارى كقسم فهي مسألة ~~ممكنة. وهذه العداوة والبغضاء لا تنتهي أبدا بل هي قائمة بينهم إلى يوم ~~القيامة. ويقول الحق: { كلمآ أوقدوا نارا للحرب ~~أطفأها الله } وهذا خبر عما وقع في حضن الإسلام، ومثال ذلك خروج ~~" بني قينقاع " على العهد بعد أن جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سوق بني قينقاع وقال لهم: # " يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا ". # فرفضوا وقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا ~~أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس ~~وأنك لم تلق مثلنا. فنزل فيهم قول الحق: # قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى ~~جهنم وبئس المهاد # [آل عمران: 12]. فكان " بنو قينقاع " أول اليهود الذين نقضوا ما بينهم ~~وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا فيما بين موقعتي بدر وأحد. ~~وكان سبب ذلك أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها - بضاعة - لتبيعها في سوق ~~" بني قينقاع " ، فجلست إلى صائغ يهودي بالسوق، وحاول اليهود إجبارها على ~~كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، وهي لا ~~تشعر به، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها فصاحت المرأة. فوثب رجل من ~~المسلمين على الصائغ فقتله، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، وحدثت بذلك ~~الفتنة، لكن الله أطفأ الفتنة وأجلى " بني قينقاع " ، ثم " بني النضير " ~~وكان لهم - قبل ذلك - التجمع القوي في المدينة بالثراء والعلم. # وقاتل المسلمون " بني قريظة " وأجلوا أهل خيبر، وتملك واستولى المسلمون ~~على وادي القرى. حدث هذا في حضن الإسلام فماذا حدث في غير حضن ms2654 الإسلام؟ ~~لقد رأيناهم أيام المجوس وقد أهلكهم بختنصر، وكذلك تيتوس الروماني، ~~ورأيناهم مقطعين في الأرض في كل زمان ومكان، وقد يقول قائل: إذا كان الحق ~~قد قال: { كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ~~} فلماذا لا تنطفىء الحرب الحالية بيننا وبينهم؟ ونقول: إن الذي يطفئ ~~نيران الحرب لا بد أن يكون من جنود الله. وعندما نصبح جنودا لله فلسوف ~~تنطفئ هذه الحرب. والمثال القريب منا هو انتصارنا في العاشر من رمضان. ~~لقد كان انتصارنا بالعمل تحت راية " الله أكبر " وقد جزى الله بالخير ~~الضباط والجنود الذين كانوا يعلمون أن العتاد في جانب العدو كان أكبر من ~~عتادنا، لكن النتيجة كانت في صالحنا لأننا دخلناها تحت ظل " الله أكبر ". ~~أما الذين ادعوا أنه انتصار حضاري فنقول: عن أي حضارة تتحدثون؟ والإسلام ~~هو نبع الحضارة المتوازنة، وليس الادعاء بالحضارة هو الخروج عن منهج ~~الله. إننا إن ثبتنا على مبدأ " الله أكبر " لا كشعار ولكن كتطبيق لأطفأ ~~الله نيران أي حرب. ويترك سبحانه في كونه السنن التي تعطي التجارب ~~الواقعية لمن يتشكك في الإيمان. ومثال ذلك ما حدث من مخالفة لأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من بعض المقاتلين في غزوة أحد فكادت الهزيمة ~~تلحق بهم. وفي غزوة حنين قالوا: لن نغلب اليوم من قلة ولذلك يقول ~~سبحانه: # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين ~~إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ~~وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم ~~مدبرين # [التوبة: 25]. وقد ترك الله هذه السنن الكونية ليلفت أي غافل عن الدين ~~أن الخصم ينال منه فالغفلة تؤدي إلى الانحراف، والانحراف لا يمكن أن يؤدي ~~إلى النصر. هكذا يحذر الحق معسكر الإيمان. أما معسكر الكفر فالحق يريد له ~~الذلة، فيعطيه في بعض اللحظات نصرا على المؤمنين في أوقات غفلتهم، وما ~~أن يفيق المؤمنون من الغفلة حتى تأتي ضربتهم لمعسكر الكفر. وتأتي الضربة ~~وقت أن يكون معسكر الكفر في علو وغلو. ولنا في المثل الريفي الإيضاح. ~~يقول المثل: لا يقع مؤمن من على ms2655 حصيرة، والمقصود أن التواضع يحمي الإنسان ~~من وهم العلو والكبر لأن الذي يقع هو الذي يتخيل أنه علا في الأرض ولذلك ~~يعميه الله عن الحرص، ويأتي قوله: # وليتبروا ما علوا تتبيرا # [الإسراء: 7]. أي أن يتم العصف بكل شيء. وأهل السياسة عندما يريدون أن ~~ينزلوا بخصومهم العقاب يرفعون خصومهم ويمدون لهم في حبال الصبر والإمهال ~~حتى يعلو الخصم كثيرا ثم ينكشف ويظهر سوء سلوكه فيقع أمام الناس. # ولذلك نجد القرآن صريحا مطلق الصراحة في هذا المجال: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون # [الأنعام: 44]. فسبحانه يمد ويملي لهم ليأخذوا وليبنوا وليترفوا، ~~وليفرحوا بما أخذوا، ومن بعد ذلك يفتح الله عليهم أبواب كل شيء. وأمثلة ~~ذلك في الحياة كثيرة. لقد رأينا الدول القوية تساعد خصومنا، واتفق ~~المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي لسنوات على مساعدة الخصم، وقلنا لهم: ~~أنتم الآن في مقام: # فلما نسوا ما ذكروا به # [الأنعام: 44] وأنتم أيها الخصوم قد تنتقلون إلى مقام: # حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا # [الأنعام: 44]. وسوف تنتقلون من بعد ذلك إلى مقام: # أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون # [الأنعام: 44]. وقد حدث أن سقط الاتحاد السوفيتي بأكمله، وأخذهم الله ~~بغتة بأيدي أناس منهم، وكثيرا ما تحدث الكوارث لمن يضطهد أهل الإيمان. ~~إذن: فلا داعي لأن يغتر أحد بما وصل إليه. ويقول الحق: { وليزيدن ~~كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا ~~وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى ~~يوم القيامة كلمآ أوقدوا نارا للحرب ~~أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا ~~يحب المفسدين } [المائدة: 64]. وهم مكبوتون دائما. فالحق لا ~~يمكنهم من كل أهوائهم. لذلك يبغون في الأرض فسادا بأساليب الاختفاء. ~~ومن يقرأ " بروتوكلات صهيون " يجد اعترافاتهم بأنهم أصحاب النظريات التي ~~تقود إلى الأفكار الخاطئة كالماركسية والوجودية والداروينية وهي أمور ~~مرتبة من قبل ليظهر أثرها الضار في الشعوب غير اليهودية. أما اليهود فقد ~~حصنوهم ضد هذه المبادئ الفاسدة، هكذا أرادوا التبييت ضد العالم، وهكذا ~~يكون سعيهم بالفساد بين ms2656 الناس. وإذا نظرنا إلى الانحراف الحالي في الكون ~~فإننا نجدهم وراءه. فالرأسمالية الشرسة من اليهود. والشيوعية الشرسة من ~~اليهود. وهؤلاء الذين يدعون أنهم أنبياء من بعد رسول الله إنما يحدث لهم ~~ذلك بفعل اليهود، وكذلك الجمعيات التي تتخفي وراء أسماء " الماسونية ~~والروتاري والليونز " ، كلها من اليهود. ومع ذلك نتلفت إلى قوم يقولون ~~إنهم متحضرون ويفخرون بأنهم أعضاء في الروتاري، ونسألهم: ماذا تفعلون في ~~تلك الأندية؟ يقولون: نقوم بالأعمال الخيرية والخدمات. ونقول لهم: لماذا ~~لا تفعلون أعمال الخير باسم الإسلام؟. وهل تظنون أن هناك خيرا يأتي من ~~خارج الإسلام؟! ويكتشف الكون كل فترة من الزمن أن الفساد الذي فيه إنما ~~هو بسبب هؤلاء الناس وبسبب مكائدهم لذلك يصيبهم الحق بالكوارث كل فترة من ~~الزمن لأنهم يسعون في الأرض فسادا. وهذا السعي في الأرض بالفساد إنما ~~يأخذ صورا متعددة، مرة يأخذ شكل النظريات العلمية، ومرة يأخذ شكل التطرف ~~في الأنظمة السياسية من رأسمالية شرسة أو شيوعية شرسة، وكل ذلك تخريب ~~لحياة الناس. والناس حين تجرب نظاما فهي تقيس نجاحه أو فشله بمقدار ما ~~يعود عليها من خير أو من شر. # لقد كانت روسيا - على سبيل المثال - تمد العالم بالقمح من سيبيريا. ~~ولكنها الآن تشكو قلة الزراعة وتنتظر من يبيع لها القمح. وعلى الجانب ~~الآخر نجد الرأسمالية الشرسة تطحن أبناء تلك البلدان في الحياة غير ~~المسئولية باسم الحرية. وقد شهدت ألمانيا - مثلا - قسمة عاصمتها القديمة ~~" برلين " إلى قسمين، ولكل قسم حياة، وشهدت إعادة التوحيد لأرض ألمانيا ~~بما يصاحبه من مشكلات جمة. وقد تذهب بعض المجتمعات إلى أيدي أناس لهم ~~شراسة أشد كالحزب الحاكم في كل دولة لا تتبع منهاجا متوازنا، ونجد رجال ~~هذا الحزب كهيئة تأخذ الدعوة ونقيض الدعوة حتى لا يتمرد عليهم أحد، فعرق ~~العامل في أيديهم ومصنع الرأسمالي في أيديهم وهم يعيشون حياة الأمراء ولا ~~يجرؤ أحد على أن يسألهم. ومثال ذلك أيضا نظرية الوجودية التي تدعو كل ~~إنسان ليثبت وجوده، وصاحبتها موجة من الانحلال اللا مسئول، ذلك أنهم لم ~~يفهموا ms2657 إثبات الوجود على أساس أنه مسئولية العمل الصالح في الكون، ولكن ~~فهموا الأمر على أنه انطلاق غرائز على الرغم من أن المفترض في كل إنسان ~~إذا أراد أن يمد يده، فعلى يده أن تتوقف حيث يوجد أنف إنسان آخر. لكن ~~هؤلاء الناس عاملوا الناس كأطفال، تماما كما يأتي الأب لابنه بلعبة يلعب ~~بها ولتكن آلة تليفون، يقدمها الأب لابنه ليستغل طاقته قبل أن يكون ~~مكلفا، ولكن الأب لا يسمح للابن أن يلعب بآلة التليفون الحقيقية، وهؤلاء ~~الناس يأخذون الكبار إلى اللعب واللهو حتى لا يتدخل الكبار في أمور الجد. ~~ومثال ذلك لعبة كرة القدم، إنهم ينفخون فيها بالبطولة وينقلون قوانين ~~الجد إلى اللعب. وقبل المبارة بثلاث ساعات تجد قوات الأمن قد سدت الطرق ~~إلى الملعب الذي يشهد المباراة. ولو أخطأ الحكم خطأ تافها فإن الجمهور ~~يثور ويهيج. لكن عندما يخطئ الحكام والحكومات ألف خطأ فلا أحد يتكلم، ~~لماذا؟. لأنكم نقلتم قوانين الجد إلى اللعب واللهو وتركتم الجد بلا ~~قوانين. مثال آخر: نجد كل فاكهة أو محصول أو صناعة في الوجود يقيمون لها ~~الاحتفالات ويتوجون عليها ملكة، ملكة الكروم، ملكة القمح، ملكة الأزياء، ~~وكل ذلك من أجل إبراز مفاتن النساء، ولا يوجد تكريم للعقول التي تنتج. ~~وعلى سبيل المثال نجد ملابس الشباب الرياضية تغطي جسد الشباب من الذكور، ~~لكنهم لا يفعلون ذلك بالنسبة للإناث، لماذا لا يغطون أجساد البنات أيضا ~~أثناء ممارسة الرياضة؟ والغرض - بطبيعة الحال - هو دغدغة أعصاب الناس، ~~وكل ذلك إفساد في الأرض. { ويسعون في الأرض فسادا } ومن ~~العجيب أن سعيهم للفساد يلبسونه ثوب الحق وثوب الارتقاء وثوب الحضارة. ~~ويأتي أناس من المسلمين ويشجعون مثل هذا الفساد، وينسون الحقيقة البديهية ~~وهي: { والله لا يحب المفسدين } فسبحانه وتعالى قد خلق ~~الكون على هيئة الصلاح، فإذا استقبلت خير الله بصلاح الوجود الذي طرأت ~~أنت عليه فأنت تحسن حياتك وعملك، أما إن لم ترد صلاح الكون فعليك ألا ~~تأتي بفساد. # والحق خلق الكون على نظام دقيق، ونرى ذلك في الأشياء التي لا ms2658 دخل ~~للإنسان فيها، ونجدها في منتهى الدقة والاستقامة، الشمس والكواكب والفصول ~~والرياح، لكن الفساد يأتي عندما تدخلت يد البشر بغير منهج الله. إذن ~~فالفساد هو الذي يصرف الناس عن منهج الله. ونجد بعضا من الناس يركبون ~~رءوسهم ويظنون أن ما يفعلونه هو الصلاح، فينطبق عليهم قول الحق: # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما ~~نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن ~~لا يشعرون # [البقرة: 11-12]. هذا هو حكم الحق فيهم.. إنهم يدعون الصلاح، ولكن يجب ~~عليهم أن يرتدعوا فلا يفسدوا. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~ولو أن أهل الكتاب... }. ### || [5.65] # هذا القول يدل على أن أهل الكتاب جميعا في غير حظيرة الإيمان، والحق ~~يوضح لهم: إن فسادهم كان سابقا على ظهور الإسلام، ولهذا جاء الإسلام ~~ليخرج الناس من فسادكم أنتم. لقد كان لكم منهج من الله ولكنكم حرفتموه، ~~وإن لكم رسلا أرسلهم الله إليكم ولكنكم أسأتم إليهم، وطقوسا دينية ~~ابتدعتموها. وجاء الإسلام لا ليهدي الملاحدة فقط، ولكن ليهدي أيضا الذين ~~أضلهم أرباب أهل الكتاب. وكانوا من بعد الإسلام يحاربون الإسلام ~~بالاستشراق، وكانوا يؤلفون الكتب ليطعنوا الإسلام. لكنهم وجدوا أن الناس ~~تنصرف عنهم لذلك جاءوا بمن يمدح الإسلام ويدس في أثناء المديح ما يفسد به ~~عقيدة المسلمين. إننا نجد بعضا من المؤلفات تتحدث عن عظمة الإسلام تأتي ~~من الغرب، ولكنهم يحاولون الطعن من باب خفي كأن يقولوا: إن محمدا عبقري ~~نادر في تاريخ البشرية ويبنون كل القول على أساس أن ما جاء به محمد هو من ~~باب العبقرية البشرية، لا من باب الرسالة والنبوة. ونجد مثالا على ذلك ~~رجلا أوروبيا يؤلف كتابا عن مائة عظيم في العالم ويضع محمدا صلى الله ~~عليه وسلم على رأسهم جميعا. ونقول له: شكرا: ولكن لماذا لم تؤمن أنت ~~برسالة محمد بن عبد الله؟ إن شهادتهم لنا لا تهمنا في كثير أو في قليل. ~~لقد هاجمونا من قبل بشكل علني. ويحاولون الآن الهجوم علينا بشكل مستتر. ~~وهم أخذوا بعضا من أبناء البلاد ms2659 الإسلامية ليربوهم في مدارس الغرب ~~وجامعاته من أجل أن يجعلوا من هؤلاء الشباب دعاة لقضاياهم في إفساد ~~المسلمين، ولم ينجحوا إلا مع القليل لذلك نقول لشبابنا: احذروا أن تكونوا ~~المفسدين وتدعوا أنكم المصلحون، فلا تأخذوا المسألة بالطلاء الخارجي ولكن ~~انظروا إلى عمق القضايا، وتذكروا قول الحق: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف: 103-104]. علينا أن نرقب كل فساد في الكون، وسنجد أن لأصابع ~~أعداء الإسلام أثرا واضحا. لقد كان من اجتراء الصهيونية إلى حد الوقاحة ~~أن تقول: ليطمئن شعب الله المختار، فثمانون في المائة من وسائل الإعلام ~~في العالم خاضعة لإرادتنا ولا يمكن أن يعلم فيها إلا ما نحب أن يعلم. ~~والحق سبحانه وتعالى عندما يقول: { ولو أن أهل الكتاب ~~آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ~~ولأدخلناهم جنات النعيم } [المائدة: 65]. فسبحانه وتعالى ~~بهذه الآية يقدم الفرصة لهؤلاء الناس حتى يدخلوا إلى حظيرة الإيمان ~~ويستغفروا الله عن خطاياهم الماضية وليبدأوا حياة جيدة على نقاء وصفاء ~~بدلا من التحريف والتضليل. وليعرفوا معرفة حقة قوله تعالى في رسوله: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. هذا القول يجب أن يتهافت إليه غير المسلمين مع ~~المسلمين ليأخذوا من ينبوع الرحمة، وفي ذلك تصفية عقدية شاملة تتيح لكل ~~إنسان أن يبدأ طريق إصلاح نفسه. # وقوله الحق: { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا } ~~إنما يدعوهم إلى الإيمان، والتقوى. والإيمان محله القلب، أي أن يستقر في ~~القلب الاعتقاد بوجود إله أعلى، ونؤمن بالبلاغ عن الإله الأعلى بواسطة ~~الرسل، وأن نؤمن بالرسل وبالمناهج التي جاءوا بها، وأن نتبع هذه المناهج، ~~وأن نؤمن بأن المرجع إلى الله، هذا الإيمان ينعكس على الحركة الإيمانية ~~في الأرض، ويحقق الإيمان مع التقوى اتجاه الإنسان إلى الصالح من العمل. ~~وأن يبتعد عن غير الصالح من العمل اتباعا لقول الحق: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3]. ولذلك نجد قولا لأحد العلماء الصالحين من العرب هو: ms2660 إن ~~الإيمان كالعمد والأعمال كالأطناب. وعرف أن كل بيت له أساس من ~~الأعمدة، وله أوتاد تثبته. والخيمة العربية هي بيت من القماش السميك على ~~عمود من الخشب وتشد الخيمة إلى الأوتاد بحبال، وهذه الحبال هي الأطناب ~~ولا تقوم الخيمة إلا إذا ربطت بأحبال وشدت إلى أوتاد. وكان العربي يفك ~~هذه الخيمة، ويحملها على ظهر بعيره لينصبها في أي مكان. وكان العربي ~~يختار القماش الذي إن نزل عليه المطر، يمتص الماء ويمنع سقوطه داخل ~~الخيمة. إذن فالإيمان عمود، والأعمال أطناب، وهكذا تكون دعوة الحق لأهل ~~الكتاب حتى يؤمنوا ويتقوا الله حتى يكفر عنهم سئياتهم، والكفر - كما نعرف ~~- هو الستر والتغطية والعفو هو محو الأثر، كأن الحق سيغطي على سيئاتهم ثم ~~يمحو أثرها وذلك بأن يعفو عنها لأن الإسلام إنما جاء رحمة يجب أن تستغل ~~ليكفر الحق عن سيئاتهم التي ضللوا بها شعوبهم. لقد كان من الواجب عليهم ~~أن يعرفوا أن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو فرصة للتراجع عن ~~الكفر والبهتان. وقد جاء صلى الله عليه وسلم ليقيم تصفية عقدية في الكون، ~~فالملحد يجب عليه أن يتعرف على خالق الوجود ويؤمن به، والمبدل لمنهج الله ~~ينبغي أن يعود إلى منهج الله. وتلك هي التصفية العقدية الشاملة. ويقول ~~الحق من بعد ذلك: { ولو أنهم أقاموا التوراة... }. ### || [5.66] # أي أنهم لو طبقوا التوراة والإنجيل دون تحريف، وآمنوا بالقرآن لكان ~~خيرا لهم. والتوراة كتاب اليهود. والإنجيل كتاب عيسى عليه السلام، وقد ~~أنزل الله بعد ذلك الكتاب الجامع المانع وهو القرآن الكريم، وأراد لهم ~~الحق بالإيمان بما جاء في التوراة والإنجيل من بشارة برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأن الإيمان بالتوراة والإنجيل - من قبل تحريفهما - إنما يقود ~~إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزله الله إليه. واليهود - ~~كما عرفنا - هم الذين توعدوا العرب بمجيء رسول الله، لكن العرب سبقوهم ~~إلى الإيمان بمحمد بن عبد الله { وكانوا من قبل يستفتحون ~~على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا ~~به }. لقد كانوا ms2661 - أهل الكتاب - يملكون المدخل الطبيعي للإيمان بالقرآن ~~وهو الإيمان بالتوراة الصحيحة والإنجيل الصحيح لأن فيهما نعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وكان سيدنا عبدالله بن سلام وكان من أحبار اليهود ~~يقول: " لقد عرفت محمدا حين رأيته كمعرفتي لابني ومعرفتي لمحمد أشد ". ~~وحينما يعد الحق أهل الكتاب إن آمنوا واتقوا بأن يكفر عنهم السيئات ~~ويدخلهم جنات النعيم، فسبحانه لن يكفر عنهم سيئاتهم ويقيهم من عذاب النار ~~فحسب، ولكن سيمحو هذه السيئات ويدخلهم الجنة. وسبحانه هو الأعلم بهم، ~~ويعلم أن منهم الماديين المرتبطين بالدنيا لذلك جاء لهم بخير الإيمان في ~~الدنيا فقال: { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ~~ومآ أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ~~ومن تحت أرجلهم } فسبحانه يمد لهم أيضا يد الأسباب في الدنيا، ~~والمؤمن هو من يرتقي في الأخذ بالأسباب فيأخذ نعيم الدنيا والآخرة، أما ~~الكافر فيأخذ الأسباب دون أن يشكر الخالق عليها. لقد أراد الحق لأهل ~~الكتاب أن يحسنوا الإيمان أولا بصحيح التوراة وبصحيح الإنجيل حتى يكون ~~ذلك هو المدخل الطبيعي للإيمان بالقرآن، فهذا هو السبيل إلى تكفير ~~السيئات بألا يدخلوا النار بل يدخلون الجنة في الآخرة. وهم بالإيمان لا ~~يأخذون خير الآخرة فقط بل يأخذون خير الدنيا أيضا لأن الحق لا يضن على ~~مجتهد في الأسباب، وهو القائل: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. فمن بقي منهم على الكفر يأخذ من أسباب الدنيا ولكنه لا ~~يأخذ أبدا من عطاء الآخرة: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. وبذلك يوضح الحق مصير أهل الكفر في الآخرة أولا، ويوضح ~~من بعد ذلك مصيرهم في عاجل الدنيا، فإن أخذوا بالأسباب أعطاهم الله نتائج ~~الأسباب، وهو سبحانه الذي يحتفظ بطلاقة القدرة، فقد يعطل الأسباب ويسلب ~~الأشياء خواصها، فالمزارع قد يأخذ بكل الأسباب من حرث للأرض وتسميد لها ~~وانتقاء لسلالة البذرة، ولكن إعصارا قد يهب فيقتلع كل شيء أو فيضانا ~~يغرق ms2662 الزرع، أو حشرة فتاكة كدودة القطن تأكل المحصول. # إذن، فالأسباب وراءها مسبب له طلاقة القدرة، وسبحانه هو الذي وضع ~~القوانين الكونية، وهو - أيضا - الذي يسلبها خواصها. فأنت أيها الإنسان ~~سيد الكون بإرادة الله ومقهور في كثير من الأقضية لقهرية الجبار. صحيح أن ~~لك بعض الاختيارات في بعض الأشياء، ولكن هناك قهريات في أمور لا دخل لك ~~فيها، فالمرض قد يقتل، والحادث المفاجئ قد يقتل، وتلك أشياء من قهريات ~~الله التي تخرج الإنسان عن الأسباب. إن الحق سبحانه يرينا أن بلادا كانت ~~دائمة المطر ثم أصابها الجفاف، لماذا؟ لأن الناس تغتر من رتابة النعمة، ~~ولذلك يمسك الحق الكون بيده، وهو سبحانه لا يسلمه لأحد أبدا. لذلك يأتي ~~في بعض الأحاديين ويقبض أسبابه حتى لا يفتن الإنسان بالأسباب ورتابتها. ~~وأمثلة ذلك في حياتنا كثيرة، نرى المزارع الذي يملك عشرات الأفدنة ~~فتهاجمها الدودة فتأتي على الأخضر واليابس، بينما جاره الذي لا يملك إلا ~~قطعة يسيرة وقليلة من الأرض تطرح الخير كله لصاحبها لأنه دفع ما يسميه ~~أهل الريف " غفرة الأرض " أي زكاتها. والدودة في هذه الحالة تكون هي من ~~جنود الحق فتأكل المال الباطل ولا تلمس المال الحلال. # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31]. ولذلك يقدم الحق أسبابه لمن يسعى فيها، ويزيد للمؤمن. ~~ويقول: { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ ~~أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن ~~تحت أرجلهم } والرزق - كما علمنا - قسمان: قسم مباشر وقسم يأتي ~~بالرزق المباشر، والرزق المباشر هو ما ننتفع به على الفور، كطعام نأكله ~~أو ماء نشربه، أما الرزق الآخر فهو المال الذي قد نشتري به الرزق ~~المباشر. وجاء سبحانه بأمور الحياة الواقعية حتى نفهم أن المنهج إنما نزل ~~لينظم حركة الإنسان في هذه الحياة، والآخرة هي الجزاء على حسن العمل في ~~الدنيا. وبعد أن وعدهم - سبحانه - بالجنة جزاء للإيمان يمد لهم الأسباب ~~في الدنيا رخاء وسعة وترفا وسعادة. ونجد من يسأل: وكيف يأكلون من ~~فوقهم؟ ونقول: إن الأكل هو المظهر الأساسي لحياة الإنسان لأن كل ms2663 حركة ~~يصنعها الإنسان هي فرع عن وجود حياته. ووجود حياة الإنسان يتوقف على ~~ثلاثة عناصر مهمة هي الأكل والشرب والتنفس. فإذا ما أردنا استبقاء الحياة ~~والتناسل فلا بد من توفير لهذه المصادر الثلاثة. إننا عندما ننظر إلى ~~ترتيب الثلاثة في الأهمية نجد أن الإنسان قد يصبر على الطعام شهرا. وقد ~~يصبر على الماء مدة تتراوح ما بين ثلاثة أيام وعشرة أيام، أما التنفس فلا ~~يطيق الإنسان ألا يجد الهواء لمدة دقائق. # ومن رأفة الحق بالخلق أن جعل الحيازة لهذه الأنواع المقومة لاستبقاء ~~الحياة تترتب حسب أهميتها. لذلك نرى من يملك على إنسان آخر طعامه ويتحكم ~~فيه، لكن الحق يجعل في جسد الإنسان ما قد يقيته شهرا. ونرى أن الحيازة ~~في الماء أقل من الحيازة في الطعام لذلك لم يملكها الحق إلا نادرا ~~ذلك أن الإنسان لا يطيق الصبر على العطش إلا لمدة تتراوح ما بين ثلاثة ~~أيام وعشرة أيام. وأما الهواء فلم يجعله الحق ملكا لأحد على الإطلاق لأن ~~الإنسان لا يمكن أن يستغني عنه إلا بمقدار الشهيق والزفير، ولا يستطيع ~~الإنسان أن يدخره في حجم رئتيه لذلك لم يأمن الحق أحدا من الخلق على ~~ملكية الهواء. وقوله الحق: { لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم } مقصود به أن الاستقامة في تطبيق منهج الله تخضع ~~الأسباب الكونية لهم، أما إذا ما تمرد الإنسان على منهج الله فقد يعطيه ~~الله زهرة الحياة الدنيا ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، فالنواميس الكونية لم ~~تنعزل عن يد الحق. لذلك يخاطب - سبحانه - الخلق خطابا، فإن انفعلوا ~~للخطاب، يسر لهم كل ما سخره لهم في الكون. وإن لم ينفعلوا فهو ممسك ~~الأسباب ويمكنه أن يخرق قوانينها، فلا الأرض ولا الهواء ولا أي شيء خرج ~~عن طاعة الله، فإذا ما تمردت جماعة على نعم الله أو على الله فسبحانه ~~يجعلهم نكالا لغيرهم ويقبض عنهم الأسباب. والإنسان سيد هذه الكائنات في ~~هذا الكون، وهو منفعل - أيضا - بقدرة ربه وقد يمرض، وقد يموت، وقد ~~ينكسر، وقد يغرق، فإذا كان الإنسان ms2664 وهو المنفعل ب " كن " من ربه فكيف ~~حال الأشياء الأدنى منه؟ إنها أيضا منصاعة ب " كن ". والحق قادر أن ~~يقول للأرض: كوني جدبا، وهو القادر على أن يوقف المطر لأنه هو سبحانه ~~الذي يجعل الأشياء تسير سيرا رتيبا. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في ~~خطابه لكل خلقه عن الأرض: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5]. فإذا كان الحق قد أوحى للأرض لتبرز الكنوز أو تحدث ~~الزلازل، فما بالنا بكل شيء آخر؟. إن كل شيء إنما يسير بأمر الله، ذلك أن ~~كل شيء يسبح بحمد الله، ولكن الإنسان لا يفقه لغات غيره من الكائنات: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. وخطاب الله لكل خلقه يفهمه المنفعل له من أي جنس من ~~أجناس الوجود، ولو علمك الله هذا الانفعال، لسمعت لغة الكائنات الأخرى. ~~مثال ذلك سيدنا سليمان عليه السلام الذي سمع قول نملة لبقية النمل: # ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده # [النمل: 18]. وماذا قال سليمان من بعد ذلك؟. قال سليمان: # رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي # [النمل: 19]. وهو سبحانه القائل: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير # [الأنبياء: 79]. والهدهد قال في القرآن: # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السماوات والأرض # [النمل: 25]. إذن فكل كائن في الوجود يعرف قضية الإيمان وقضية التوحيد. ~~وكل من في الوجود ينفعل لربه. وهكذا كل الأشياء التي تحفظ للإنسان حياته ~~أو نوعه. فماذا عن حال من يتمرد على الله؟. إنه سبحانه قد يقول للأسباب: ~~انقبضي عنه. ونرى ذلك في حال بعض البلاد على ألوان مختلفة، فالبلاد التي ~~تقع في منطقة يعرف عنها أنها دائمة المطر، يخرق الله طبيعة البيئة فتصير ~~إلى جفاف، وغيرها التي تستطيع أن تصل إلى الفضاء الخارجي. لا تقدر على ~~مواجهة إعصار، وذلك ليتأكد لنا أن يد المكون - سبحانه - فوق أسباب ~~الكون. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { ولو أنهم أقاموا ~~التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } أي أن يأتي الخير ~~من كل ناحية. فإذا كان يراد بالأكل المباشر، ms2665 فالمطر هو الذي ينزل من أعلى ~~يروي الأرض فيخرج الزرع، وكذلك النخل يعلونا ويأتينا بالتمر، وكذلك أشجار ~~الفاكهة من برتقال وتفاح وغير ذلك. أما ما تحت الأقدام فهي الخضراوات، ~~والفواكه التي تنمو دون أن يكون لأي منها ساق على الأرض كالبطيخ والشمام ~~وغير ذلك. ولنا في سقوط الفاكهة من على أشجارها العالية بعد تمام النضج ~~الحكمة البالغة، فالرزق الذي طاب وإن لم تسع إليه يأت إليك تحت قدمك. وإن ~~توسعنا في فهم قوله الحق: { لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم }. فلله أسرار فوق الأسرار، وله فيما تحت الأرض أسرار. ألا ~~نأخذ كل شيء يعيننا على الحياة من طبيعة الأرض سواء أكان حديدا أم ~~نحاسا أم بترولا؟. وهكذا نجد أن كل شيء في الوجود يخدم بقاء نوع ~~الإنسان أو استبقاء حياته هو من عطاء الله. إذن فلو أن أهل الكتاب أقاموا ~~التوراة والإنجيل والقرآن وساروا على المنهج لوهبهم الله كل خير. ويؤكد ~~الحق هذا المعنى في آية أخرى فيقول: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96]. ونرى أن الحق قد أفاء على بعض الناس من النعمة الشيء ~~الواسع والكثير ومن بعد ذلك يطغى أهلها بالنعمة فيمهلهم ربنا إلى أن يعلو ~~أمرهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وحياتنا المعاصرة خير شاهد على ذلك فكل ~~بلد أخذت نعمة الله لتحاج بها الله وتكون ضد منهج الله نجدها تبوء ~~بالفساد. ويأتي بأس أهلها فيما بينهم شديدا ويخربون بيوتهم بأيديهم. وكم ~~من بلاد كانت متعة الناس أن يذهبوا إليها للترف أو الانفلات ثم يأتي بأس ~~أهلها بينهم وتخرب بأيدي أبنائها. وفي واقع الكون ما يؤيد صدق ذلك، وكأن ~~الحق يقول لنا: اعتبروا يا أولي الأبصار. ويقول سبحانه: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله # [النحل: 112]. والمراد بالقرية ليس قرية الريف التي نتعارف عليها اليوم ~~لأن القرية في عرف العربي القديم هي المكان الذي يقابل العاصمة. وكانت ~~البيئة العربية قديما بيئة ms2666 " التبدي " أي أنهم يقيمون في البادية ~~وينتقلون من مكان إلى مكان، ولم يكونوا متوطنين في مكان واحد. وكانت ~~عاصمة البدو هي القرية التي تتكون من عدد صغير من البيوت. ولذلك يسمي ~~القرآن الكريم " مكة " بأم القرى. ويضرب الله مثلا بالقرية الآمنة ~~المطمئنة التي يأتيها رزقها واسعا من كل مكان، أي أن خيرها ليس ذاتيا ~~ولا نابعا منها ولكن يأتيها من كل مكان. وفي العصر الذي نعيشه نجد أن ~~خير الدنيا يصب في قلب بعض القرى، وما أن يكفر أهل القرية بأنعم الله فما ~~الذي يحدث؟ # فأذاقها الله لباس الجوع والخوف # [النحل: 112]. وهذا واقع نراه في كثير من البلاد التي أخذت نعمة الله ~~فبدلتها كفرا فأحلوا قومهم دار البوار. ويرينا سبحانه القرى التي يلبسها ~~الحق لباس الجوع والخوف. وعندما ننظر إلى قول الحق: " لباس " نرى أن ~~الجوع له لذعة، واللباس له شمول ويلفهم الجوع كما يلفهم الثوب، وكذلك ~~الخوف فتصير كل جارحة فيهم خائفة: أي أن الحق سلط عليهم الجوع فلا يجدون ~~مواد الاقتيات. وكذلك الخوف يأتيهم فإما أن يكون الخوف بسبب بأسهم فيما ~~بينهم لأن عداوة بعضهم بعضا شديدة، وإما أن يكون الخوف من عدو خارج ~~عنهم. وهذا واقع معاصر. وكيف يكون الكفر بنعم الله؟ الكفر بنعم الله إما ~~أن يكون بمعنى ستر النعمة. واستعمالها في معاصي الله، ومثله مثل الكفر ~~بالله أي ستر وجود الله، وقد يكون الكفر بنعمة الله بالتكاسل عن استنباط ~~النعمة من مظانها. وفساد العالم الآن يأتي من أناس كسالى عن استنباط نعم ~~الله المطمورة في كونه، وأناس يجدون في استنباط نعم ويحبسونها لأنفسهم ~~ولا يعطون منها الضعاف، ويستخدمون النعمة في المعاصي. إذن فقوله الحق: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض ولكن كذبوا ~~فأخذناهم بما كانوا يكسبون # [الأعراف: 96]. وقوله الحق: { ولو أنهم أقاموا التوراة ~~والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم }. هم حكم عام فهل وجد من ~~يؤديه؟. نعم هناك أناس منهم عرفوا ذلك وساروا ms2667 إلى السبيل المستقيم، وعن ~~هؤلاء يقول سبحانه: { منهم أمة مقتصدة } والمقتصد هو ~~الذي يسير في السبيل القاصد، وهو السبيل المستقيم إلى الغرض فلا ينحرف ~~هنا أو هناك. إذن قوله الحق: { منهم أمة مقتصدة }. أي ~~منهم أمة تسير إلى أغراضها وإلى غايتها على الطريق المستقيم. وهذه إشارة ~~إلى أن بعضا من أهل الكتاب يفعل ذلك، والبعض الآخر لا يفعل، وهذا القول ~~أشار أيضا إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يخلى وجوده وكونه من خلية خير ~~فيه، وقد تكون خلية الخير هذه من أضعف الناس الذين لا شوكة لهم في الدنيا ~~ولا جاه ولا قوة. # ولولا هؤلاء الناس لهد الله الأرض ومن عليها. ويوضح الرسول صلى الله ~~عليه وسلم هذا الأمر بقوله: # " لولا عباد لله ركع، وصبية رضع، وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صبا ~~ثم رص رصا ". # كأننا مكرمون في هذا العالم من أجل الضعاف فينا. وكأن الحق لا يحجب ~~الخير عن كونه، بل يجعل في الكون ذرات استبقاء للخير. ولذلك نجد من يقول: ~~إذا بالغ الناس في الإلحاد زاد الله في المد. وقد تجد بلدا كلها من ~~الملاحدة، وتجد فيها عبدا واحدا متبتلا لربه، ويكون هذا الرجل هو الذي ~~يستبقي الله من أجله هواء تلك البلدة وماءها. ولذلك قال سبحانه: { ~~منهم أمة مقتصدة وكثير منهم سآء ما ~~يعملون }. ويقول الحق من بعد ذلك: { يأيها الرسول... }. ### || [5.67] # تبدأ الآية بخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن عظمة رسولنا ~~المصطفى عليه الصلاة والسلام وعلو مكانته عند من اصطفاه خاتما لرسالاته ~~في الأرض أن الله ذكر الرسل في خطابه لهم بنداء أسمائهم فقط كقوله الحق: # يآءادم أنبئهم بأسمآئهم # [البقرة: 33]. أو قوله الحق: # يموسى إني أنا الله # [القصص: 30]. أو قوله الحق: # يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس # [المائدة: 116]. أو قوله الحق: # ينوح اهبط بسلام # [هود: 48]. فسبحانه ينادي كل رسول له بالاسم المشخص للذات بصرف النظر عن ~~أي صفة، لكن رسول الله لم يناد باسمه أبدا بل ناداه الحق بالمشخص ~~للوصف: " يا أيها الرسول ". أو ms2668 قوله الحق: " يا أيها النبي ". فكأنك يا ~~رسول الله قد اجتمعت فيك كل مسائل الرسالة لأنك صاحب الدين الذي سينتهي ~~العالم عنده ولا يكون بعد ذلك لله في الأرض رسالة إلا فهم يؤتيه الله ~~لأحد في كتاب الله. ومن عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله أقسم ~~بحياته، على الرغم من أن الحق لا يقسم بحياة أحد من البشر إلا رسوله، فقد ~~أقسم بحياته. وهو سبحانه يقسم بما يشاء على ما يشاء، أقسم بالريح والضحى ~~والليل والملائكة، لكنه ما حلف بحياة بشر أبدا إلا حياة محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون # [الحجر: 72]. أي وحياتك يا محمد هم في سكرتهم يعمهون أي يترددون حيارى. ~~ويقول الحق هنا مخاطبا الرسول: " يا أيها الرسول ". وما دام محمد هو ~~الرسول الخاتم الذي جاء مصدقا لما بين أيديهم من الكتب، فمعنى هذا أن كل ~~خير في أي كتاب سبق القرآن موجود في القرآن وفيه أيضا زيادة مما تتطلبه ~~مصالح الحياة المستجدة. وما دام الخطاب للرسول فهذا يعني أنه رسول مرسل ~~من قبل الله بمنهج لخلقه ليبلغه لهم: { بلغ مآ أنزل إليك من ~~ربك }. وكيف يقول الحق لرسوله: " بلغ " وهو يعلم أن مهمة الرسول ~~هي البلاغ؟ لقد أراد سبحانه بذلك إخبار الناس أنه إن أبلغهم بما يكره ~~بعضهم فهو يبلغ التزاما بأمر الله، فهو لا يقول من عنده، ذلك أن الرسول ~~عليه البلاغ، فإن أبلغ أحدا ما يكدره فليس له مصلحة في ذلك. ويورد ~~سبحانه ذلك حتى إذا بلغ الرسول حكما من الأحكام فعليهم أن يستقبلوا ~~الحكم على أساس أنه قادم من الله وسبحانه يعلم أن رسوله لا يكتم البلاغ ~~ولكن ليجعل لرسوله العذر عند البشر، فهو سبحانه حين يخاطبهم بشيء قد ~~يكرهونه، فهو بلاغ من الله: { يأيها الرسول بلغ مآ ~~أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته }. أي أنه إن لم يفعل ولو في جزئية يسيرة من المنهج فهذا ~~معناه أن البلاغ ناقص والله يريد أن يكون ms2669 البلاغ كاملا بالدين المتكامل. # إن التركيبة الإيمانية تقتضي أن يأتي القول بهذه الطريقة حتى ينسجم ~~البلاغ بشكل كامل فقد نزل المنهج بكليته، ويجب أن يطبق بكليته من أجل أن ~~ينصلح الكون وحتى لا تفسد حركة الإنسان في الكون، فقد أنزل سبحانه المنهج ~~وأحكمه ليسير العالم على حسب تصميمه له دون أن يختل. ولذلك يقول الحق: { ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته }. وبذلك يعطي الحق ~~رسوله المناعة الكاملة. فلم يأت برسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلا لخير ~~الناس. لقد سبق أن خلق الله آدم وأعطاه المنهج. وكان على آدم أن يبلغ ~~المنهج إلى الذرية وقد فعل، لكن بعضا من أجيال بني آدم غفلت عن المنهج ~~فيبعث الحق الرسل لتذكر بالمنهج. ولا يأتي رسول إلا بعد أن يكون الفساد ~~قد فشا وانتشر بين الناس. وقد جعل الله في النفس الإنسانية نفسا لوامة، ~~ونفسا تأمر بالسوء، ونفسا مطمئنة. إن مهمة النفس اللوامة هي أن ترد على ~~كل ما توسوس به النفس الأمارة بالسوء. لكن إن لم تلم النفس اللوامة، ~~فالنفس الآمرة بالسوء تتمادى ولا يردعها رادع. أما النفس المطمئنة فهي ~~النفس التي تطمئن إلى منهج الله. ومثال ذلك الإنسان الذي تلح عليه شهوته ~~لارتكاب معصية ما فيرتكبها، ومن بعد ذلك يندم ويلوم نفسه، ويتوب عن ~~المعصية، هذا الإنسان يردع نفسه ذاتيا. لكن إن سيطرت النفس الأمارة ~~بالسوء فلا رادع. وماذا إذا ساد الفساد بين عموم الناس؟ وماذا لو لم ~~يتناهوا عن المنكر الذي يفعلونه؟ هنا لا بد أن يرسل الحق رسولا بمعجزة ~~جديدة ليأخذ العالم إلى منطق الرشاد ومنهج الحق. ولا يختار الحق الرسول ~~إلا إذا علم الرسول أنه مبلغ عن الله. وسبحانه في الآية التي نحن بصددها ~~يعطي رسوله المعذرة إن بلغ قومه شيئا يسؤوهم، فما على الرسول إلا البلاغ ~~في قوله: { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته }. ونعرف ~~أن الرسالة تقتضي: المرسل وهو الله، والمرسل إليهم وهم الخلق، ~~ومرسلا وهو النبي صلى الله عليه وسلم والمرسل به وهو ما نزل ms2670 على ~~الرسول ليبلغه. وفي كل أمر مثل هذا نجد أن كلمة " أرسل " تتعدى إلى ~~مفعولين المرسل: مثال ذلك أرسلت فلانا إلى فلان، والمرسل إليه: وهو ~~فلان. إذن فهنا مفعولان اثنان، أولهما تعدى الفعل إليه بذاته والآخر تعدى ~~إليه الفعل بحرف الجر. وحرف الجر هنا هو: " إلى ". وبطبيعة الحال يعرف ~~الرسول أنه مرسل إلى الناس من الله رعاية لمصالحهم فليس في أمر الرسالة ~~شيء لصالح الله. وإن رأيت تعديا ب " إلى " فهو لتحديد الغاية المرسل ~~إليها، مثل قوله الحق: # ورسولا إلى بني إسرائيل # [آل عمران: 49]. وهذا يوضح أن عيسى - عليه السلام - جاء مبعوثا بمنهج ~~إلى بني إسرائيل لصالح بني إسرائيل. ومثلما يقول الحق: { وأرسلناك ~~للناس رسولا }. أي لصالح الناس. و " اللام " هنا تفيد المعنيين ~~النفعية والغاية. { بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن ~~لم تفعل فما بلغت رسالته } أي أنه صلى الله عليه وسلم ~~إن لم يبلغ الرسالة كاملة فمعنى ذلك أن البلاغ يكون ناقصا. ومعاذ الله ~~أن يكون بلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنقص شيئا، فمنهج الله كل ~~متكامل. وقد يقول قائل: ولكن الناس قد لا تؤدي فروض الله في مواعيدها، ~~والمثال على ذلك هو الصلاة. ونقول: إن هذا عجز في إدارة الناس لحياتهم ~~حسب منهج الله. ومن واجب المجتمعات أن تنظم حركة الناس اليومية من بعد ~~صلاة الفجر إلى الظهر. وفي ذلك قدر هائل من الحيوية والنشاط، وينتهي ~~العمل عند الظهر، فلا تتصادم حركة الناس مع منهج الله، ولا توجد عرقلة ~~ولا نشاز في حركتهم. ثم يقول الحق: { والله يعصمك من الناس ~~}. وكان لا بد أن يأتي هذا القول الحكيم لأننا نعرف أن الرسول لا يجيء ~~إلا بعد أن يعم الشر ويسود الفساد، ذلك أنه لو لم يسد الفساد، ولم يعم ~~الشر لاكتفى الله بالمجتمع ليردع بعضه بعضا، أو يكتفي الحق بأن تردع ~~النفس اللوامة النفس الأمارة بالسوء لتستوي النفس المطمئنة على عرش ~~السلوك البشري. لكن عندما يعم الفساد الكون. فالسماء ترسل الرسول بمنهج ~~يصلح حال ms2671 البشرية. وبطبيعة الحال لن يترك المجتمع الشرير الرسول لحاله ~~بل يقاومه لأن مثل هذا المجتمع يريد أن تكون كفة الكون غير متوازنة لأن ~~هناك منتفعين بالفساد والشر، وهم المدافعون عن الفساد، فإن جاء من ينصف ~~الضعفاء والمظلومين فلا بد أن يتعرض للمتاعب التي تأتيه من قبل الأقوياء ~~المفسدين. إن هذه المتاعب تبدأ أول ما تبدأ في النفس ولأن الرسول مخاطب ~~من الله فيمكنه أن يتحملها لأن الحق قد أعده لهذه المهمة، ومثل تلك ~~المتاعب تأتي أيضا للأتباع، لذلك يمدهم الله بالمدد الذي يجعلهم ~~يتحملونها. والحق يحفظ للرسول ذاته على الرغم من كل ما يحدث: { والله ~~يعصمك من الناس }. فكأن الحق يقول لرسوله: اطمئن يا محمد لأن ~~من أرسلك هداية للناس لن يخلي بينك وبين الناس. ولن يجرؤ أحد أن ينهي ~~حياتك. ولكني سأمكنك من الحياة إلى أن تكمل رسالتك. وإياك أن يدخل في ~~روعك أن الناس يقدرون عليك، صحيح أنك قد تتألم، وقد تعاني من أعراض ~~التعب في أثناء الدعوة، ولكن هناك حماية إلهية لك. ونحن نعلم قدر المتاعب ~~التي تعرض لها الرسول صلى الله عليه وسلم. ألم تكسر رباعيته صلى الله ~~عليه وسلم في غزوة أحد؟ ألم يشج وجهه؟ ألم تدم أصبعه فيقول: # " إن أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت ". # لكن قول الحق سبحانه لرسوله: { والله يعصمك من الناس } لم ~~يكن المقصود هو منع الجهاد في سبيل الله والمعاناة في سبيل نشر الدعوة. ~~ولكن الحق يبين لرسوله: إن أحدا غير قادر على أن يأخذ حياتك. ولم يمنع ~~سبحانه المتاعب عن رسوله الكريم حتى لا يكون هناك أحد الداعين إلى الله ~~لا يتحمل من الآلام أكثر مما تحمل رسوله صلى الله عليه وسلم، ولننظر ~~ونستمع جيدا إلى # " ما ترويه عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - حول هذه الآية إنها ~~قالت: سهر رسول الله ذات ليلة وأنا إلى جنبه، فقلت: يا رسول الله ما ~~شأنك؟ قال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة، فقالت: وبينما نحن ~~في ذلك ms2672 إذ سمعت صوت سلاح فقال صلى الله عليه وسلم: من هذا؟ فقالوا: سعد ~~وحذيفة جئنا نحرسك. فنام صلى الله عليه وسلم حتى سمعت غطيطه ونزلت هذه ~~الآية فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من قبة آدم وقال: ~~انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله ". # وهناك باحثة بلجيكية عكفت على دراسة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى وصلت إلى هذه النقطة، فتوقفت عندها لتقول: لو كان هذا الرجل يخدع ~~الناس جميعا ما خدع نفسه في حياته، ولو لم يكن واثقا من أن الله يحرسه ~~لما فعل ذلك كتجربة واقعية تدل على ثقته في خالقه. وأضافت الباحثة ~~البلجيكية: ولذلك أنا أقول بملء اليقين: " أشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله ". لقد أسلمت المرأة لمجرد وقوفها عند لمحة واحدة من ~~لمحات حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق من بعد ذلك: { ~~إن الله لا يهدي القوم الكافرين }. ونعرف أن الهداية ~~تعني الدلالة الموصلة إلى الغاية، وهي أيضا المعونة التي توصل طالب ~~الهداية إلى الغاية. وكان الكفار الذين يبيتون للرسول وينهكون أنفسهم في ~~المكر والتفكير والتبييت، فيقطع الحق سبحانه وتعالى عليهم كل سبيل، ~~وينصره عليهم، ويأتي التطبيق العملي لنصر الله للمؤمنين في بدر: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله # [البقرة: 249]. لقد بيتوا، ولكن عند المواجهة لم يقدروا على محمد صلى ~~الله عليه وسلم وصحبه ولم يستطعوا إيذاءه، برغم المكر والتبييت لأن الحق ~~قطع عليهم كل سبيل لإيذاء محمد، ولن توجد وسيلة من وسائل اللؤم والخبث ~~قادرة على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد تمثل ذلك يوم خرج رسول ~~الله مهاجرا وغطى الله أبصار فتيان القبائل الذين حملوا سيوفهم ليقتلوا ~~محمدا وليفرق دمه بين القبائل فلم يبصروه لأن الله جعل على أبصارهم ~~غشاوة. # إذن فكلما فكروا في طريقة سد الله عليهم منافذ تنفيذ فكرتهم. وكأنه يقول ~~لهم: لن تستطيعوا مصادمة محمد في منهجه لا بالعلن ولا بالدس ولا بالخفية، ~~بل أنتم - أيها ms2673 الكفار - تخدمون الدعوة من حيث تريدون هدمها، فقيامكم ضد ~~محمد في بداية الدعوة كان لإثبات أن الحق جل وعلا أراد أن يشتد عود ~~الدعوة بكفر أهل قريش. وعندما أردتم قتل محمد وأن يتفرق دمه بين القبائل ~~خرج محمد سالما وأغشى الله أبصار الذين أرادوا القتل. وهاجر صلى الله ~~عليه وسلم. وفي الطريق إلى الهجرة يكون دليله من الكفار وهو عبدالله بن ~~أريقط. كان ذلك لنعلم أن الكفر كان وسيلة الهداية إلى طريق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. عبدالله بن أريقط وهو كافر لا تغريه المكافأة أن يشى ~~ويسعى بالرسول لدى مشركي مكة. ولكنهم لم يتخذوا من كل ذلك عبرة. وكذلك ~~الغنم تعفى الأثر، والأرض تشد قوائم فرس سراقة لتغوص وتسوخ فيها. إذن ~~فكل جنود الله في صف محمد بن عبدالله. وهكذا رأينا كيف لم يهد الحق القوم ~~الكافرين إلى الغاية التي أرادوها وهي التمكن من محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وأيضا لا يهديهم الله إلى الإيمان. ويقول الحق من بعد ذلك: { قل ~~يأهل الكتاب... }. ### || [5.68] # و " قل " - كما نعرف - هي خطاب له صلى الله عليه وسلم، وما يلي ذلك بلاغ ~~من الله لأهل الكتاب إنهم بلا منهج لأنهم لم يقيموا التوراة والإنجيل بل ~~حرفوهما، ولم يؤمنوا بالقرآن، وهو المنهج الكامل المنزل على محمد بن ~~عبدالله. وحين يقول الحق: { لستم على شيء } فكلمة " شيء " تقال ~~لأدنى فرد من أي جنس، فالقشة شيء، وورقة الشجرة شيء، وما يطلق عليه شيء - ~~إذن - هو الأقل. وقوله الحق: { لستم على شيء } أي إياكم أن ~~تظنوا أنكم حين تقومون بتنفيذ جزء من تعاليم التوراة والإنجيل وتخفون ~~الباقي وتهملونه تكونون قد أخذتم شيئا من الهداية، لا فأنتم لستم على ~~شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وتؤمنوا بالكتاب الذي أنزل على محمد، ~~والمنهج ليس عرضة لأن تأخذوا منه ما يعجبكم وأن تتركوا ما لا يعبجكم. ~~وعندما يقال: { لستم على شيء }. ونعرف أن الشيء هو أقل مرتبة ~~في الوجود، ولذلك نقول: شيء خير من لا شيء. ويقال بالعامية: هاش ms2674 خير من ~~لاش و " هاش " هو الهالك من ثياب المنزل الممزقة، أي أن الذي يملك ملابس ~~ممزقة أفضل ممن لا يملك شيئا على الإطلاق. وقوله الحق: { لستم ~~على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ ~~أنزل إليكم من ربكم } هو إيضاح لهم أنهم في المرتبة ~~الأدنى من الكائنات لأنهم بلا منهج. ويضيف: { وليزيدن كثيرا ~~منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا } ~~أي أنهم لن يظلوا على درجة واحدة ثابتة من الطغيان والكفر، بل كلما أنزل ~~الحق إليك آية يا محمد، وكلما نصرك الله في أمر ازدادوا هم طيغانا ~~وكفرا. وكان من المفروض أن زيادة نزول الآيات لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تكون إضعافا لتشددهم وترقيقا لقلوبهم، لكنه سبحانه أراد أن تشتد ~~شراستهم ووحقدهم في أمر الاعتراف بالإسلام. وقد حدث من خالد بن الوليد ~~وكان فارس الجاهلية ضد الإسلام أن قال لعمرو ابن العاص: لقد استقر الأمر ~~لمحمد. واتجه الاثنان إلى الإسلام على الرغم من أن كلا منهما يعرف قوته ~~ومكانته بين قومه. وبعد أن رأى خالد وعمرو أن الخيبة هي نصيب الواقف ضد ~~محمد مهما علا شأنه. ذهبا إلى الإسلام، وهذا هو موقف المتدبر للأمر دون ~~حقد ولدد. أما الذي يزدحم بالمعاناة حقدا ولددا فتزيده آيات الله ~~لنصرة منهجه حقدا ولددا وطيغانا لأن الله شاء ألا يهديهم. ولذلك تصير ~~كل آية في صف الإيمان والمؤمنين مصدر إثارة وغيظ ومرارة في نفوس أهل ~~الكفر. وهكذا يوطن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره تجاه هؤلاء الكفار. ~~إنك يا رسول الله لا تواجه طاقة محدودة ولكنك تواجه طاقة من الشر النامي. # وكل آية إنما تهدي الذي في أعماقه بذرة من خير، أما الذي ينتفي الخير من ~~داخله فالمسألة تزيده شراسة في قلبه. إن الشرير يصعد الشر ويزداد ~~جرمه وإثمه، أما الخير فينزل من قمة الجرم إلى أقل درجة. ولنا المثل ~~في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، فالحق يقول على لسان إخوة يوسف: # ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة ~~إن ms2675 أبانا لفي ضلال مبين # [يوسف: 8]. ومن بعد ذلك قالوا لأبيهم: # ما لك لا تأمنا على يوسف # [يوسف: 11]. ثم أخذوا في التبييت والتدبير وقالوا: # أرسله معنا غدا يرتع ويلعب # [يوسف: 12]. وكان أول تدبير لهم هو ما قاله الحق حكاية عنهم: # اقتلوا يوسف # [يوسف: 9]. ومعنى القتل هو إزهاق الروح. وهذه أعلى درجات الشر، لكنهم ~~يتراجعون عنها ويقولون: # أو اطرحوه أرضا # [يوسف: 9]. فهم لم يرغبوا في قتله، واكتفوا بأن يتركوه في مكان بعيد، ~~وتصوروا أن بعض السيارة قد يلتقطه فيبعدون يوسف عن أبيه. إذن هم بدأوا ~~التدبير قتلا، ثم انتهوا بالتفكير لنجاة يوسف: # اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه ~~أبيكم # [يوسف: 9]. والمرحلة الثالثة قولهم: # وألقوه في غيابة الجب # [يوسف: 10] والجب فيه مياه، وهناك أناس كثيرون يذهبون إلى مصادر المياه. ~~هكذا يورد الحق لنا كيفية نمو الخير من بطن الكيد. إذن، فقوله الحق: { ~~وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا } أي أن الكثير منهم سيواصل رحلة التصعيد في الشر، ~~فوطن نفسك يا محمد على ذلك. ونلحظ أن الحق قد وضع صيانة لاحتمال أن تفكر ~~قلة منهم في الإيمان، لذلك لم يشملهم كلهم بالحكم، ولكن الحكم شمل الكثرة ~~من هؤلاء الكافرين. ولذلك يقول الحق لرسوله: { فلا تأس على ~~القوم الكافرين } أي لا تحزن عليهم يا رسول الله. فعلى الرغم من ~~عداوة وشراسة من صادموا دعوته صلى الله عليه وسلم ومحاولتهم كل تلك ~~المحاولات، كان لا يكف عن الدعاء لهم: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ~~". وكان لا يكف عن القول: " لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله ". ~~وقد تم ذلك بالفعل. وكان الصحابة بعد الغزوات الأولى يقول كل منهم للآخر: ~~أنا حزين لأن عمرا أفلت مني ولم أقتله. فيقول الآخر: وأنا حزين لأن ~~عكرمة أفلت مني. ويقول الثالث: وأنا لا أدري كيف أفلت منا خالد بن ~~الوليد. ولم يمكن الحق الصحابة الأوائل من هؤلاء المقاتلين الأشاوس لأنه ~~يدخرهم للإسلام، فكان عدم تمكين المسلمين من هؤلاء تمكينا للإسلام ~~ليحملوا السيف ms2676 للإسلام مدافعين وناشرين لدعوته. وها هوذا عكرمة بن أبي ~~جهل يتلقى الطعنة الأخيرة في حياته فيضع رأسه على فخذ خالد بن الوليد ~~ويسأله: أهذه ميتة ترضى عني رسول الله؟ إذن فقد أراد الله من عدم تمكين ~~المسلمين منهم في أوائل الغزوات أن يكونوا جندا للإسلام بقدراتهم ~~القتالية فاستبقاهم أحياء ليخدموا الدعوة. ويقول الحق بعد ذلك: { إن ~~الذين آمنوا... }. ### || [5.69] # هم - إذن - أربعة ألوان من الذين لم يؤمنوا برسالة رسول الله. وهذه ~~الآية وردت في صورتها العامة ثلاث مرات، مرة في سورة البقرة، ومرة هنا في ~~سورة المائدة، ومرة في سورة الحج. ففي سورة البقرة يقول الحق: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون # [البقرة: 62]. ولنلحظ أن كلمة " الصابئين " في هذه الآية منصوبة. وفي ~~سورة المائدة نجد قول الحق: { إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون } [المائدة: 69]. ولنلحظ أن كلمة " الصابئون " هنا ~~مرفوعة ومقدمة على كلمة " النصارى ". وفي آية سورة الحج يقول الحق: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين ~~والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله ~~يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل ~~شيء شهيد # [الحج: 17]. هنا إخبار عن أربعة، وزاد الحق عليهم اثنين في آية الحج، ~~ونجد أن الإخبار يختلف، وكذلك يختلف الأسلوب، فمرة تتقدم النصارى على ~~الصابئين، ومرة تتقدم الصابئون على النصارى، ومرة تكون الصابئون مرفوعة، ~~ومرة تكون منصوبة بالياء. وأما اختلاف الإخبار، فهو سبحانه يخبرنا في ~~سورة البقرة فيقول: # من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # [البقرة: 62]. والخبر في سورة المائدة هو: { من آمن بالله ~~واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا ~~هم يحزنون } [المائدة: 69]. والخبر في سورة الحج هو: # إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله ~~على كل شيء شهيد # [الحج: 17]. والآيات الثلاث في مجموعها ms2677 تتعرض لمعنى واحد، ولكن الأساليب ~~مختلفة وكذلك الغايات فيها مختلفة. ونلحظ هنا أن الحق قال: " آمنوا " ~~والإيمان هنا هو الإيمان اللفظي أي بالفم وليس بالقلب، والمتصفون بذلك هم ~~المنافقون والذين هادوا، هم أتباع موسى، والنصارى هم أتباع عيسى، ~~والصابئون ليسوا أتباعا لأحد فقد كانوا أتباعا لنوح ثم صبأوا عن ديانة ~~نوح وعبدوا الكواكب، أو هم قوم عدلوا عن اليهودية والنصرانية وعبدوا ~~الملائكة. والمجوس وهم عبدة النار. إذن الحق يريد أن يجري تصفية إيمانية ~~في الكون، فمن يبادر ويدخل في هذه التصفية. يسلم من شر ما فعله قبل مجيء ~~الإسلام، ذلك أنهم أضلوا أناسا أو حكموا بالظلم. والحق في سورة البقرة ~~يقول: # فلهم أجرهم عند ربهم # [البقرة: 62] أي أنه - سبحانه - غفر لهم ما فعلوا من سوء وجزاهم على ~~عملهم الصالح الذي لم يحبطوه ويذهبوه بعمل السيئات والآثام. هذا ما يتعلق ~~بالآيتين.. آية سورة البقرة، وآية سورة المائدة، ونلاحظ أن آية سورة ~~المائدة لم يرد فيها قوله: # فلهم أجرهم عند ربهم # [البقرة: 62] ولعل ذلك راجع إلى الاكتفاء بذكرها في سورة البقرة، وذلك ~~له نظير في القرآن الكريم. كحمل المطلق على المقيد ونحو ذلك. أما في آية ~~سورة الحج فهي التي يأتي فيها الحكم: # إن الله يفصل بينهم يوم القيامة # [الحج: 17] كأنهم لن يؤمنوا ولن يعملوا الصالح، فتكون هذه هي التصفية ~~العقدية في الكون. وقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصفي المسألة ~~الإيمانية في الأرض ويقول عن المؤمنين بألسنتهم وهم المنافقون: { إن ~~الذين آمنوا } وهو ابتداء الخبر، وتكون فيه " الذين آمنوا " في ~~محل نصب لأنه اسم " إن " كما يقول النحاة، وهو سبحانه قال هنا: و " ~~الصابئون " وهي معطوفة على منصوب. وهذا كسر للإعراب. إن الإعراب يقتضي ~~أن تكون الكلمة منصوبة فتكون " الصابئين " لماذا إذن عدل الحق عن إنزال ~~الكلمة حسب سياقها من الإعراب وأنزلها بكسر الإعراب مع أنه في آية أخرى ~~قال: { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين }. لقد جاءت هنا في مكانها ودون كسر للإعراب، وهي قد ~~جاءت مرة ms2678 قبل كلمة " النصارى " وجاءت مرة أخرى بعد كلمة " النصارى ". ~~وهنا لا بد أن نتعرف على زمنية الصابئين، فقد كانوا قوما متقدمين قبل ~~مجيء النصرانية، فإن أردنا أن نعرف زمانهم نجد القول الحق يقدمهم على ~~النصارى، وإن أردنا أن نعرف منزلتهم فإننا نقرؤها في موضع آخر في القرآن ~~ونجدهم يأتون بعد " النصارى ". إذن فعندما أرخ الحق لزمانهم جاء بهم ~~متقدمين، وعندما أرخ لكمهم وعددهم ومقدارهم يؤخرهم عن النصارى لأنهم ~~أقل عددا فهم لا يمثلون جمهرة كثيرة كالنصارى. وجاء بها الحق مرة منصوبة ~~ومرة مرفوعة، لنعرف ونلتفت إليهم. وكسر الإعراب كان لمقتضى لفت الانتباه. ~~وكان الصابئة قوما يعبدون الكواكب والملائكة، وهذا لون من الضلال. إذن ~~فهناك اليهود الذي عرفوا أن هناك إلها، وجاء موسى عليه السلام مبلغا ~~عنه، وهناك النصارى الذين عرفوا أن هناك إلها، وجاء عيسى ابن مريم - ~~عليه السلام - مبلغا عنه، وهناك المنافقون الذي أعلنوا الإيمان بألسنتهم ~~ولكن لم يلمس الإيمان قلوبهم. وأراد الحق أن يلفتنا إلى أن الصابئين هم ~~قوم خرجوا عن دائرة التسليم بوجود إله خالق غيب، ويحدثنا الحق أنه يغفر ~~لهم إن آمنوا وعملوا صالحا. فالإيمان بالله شرط أساسي لقبول العمل ~~الصالح والإثابة عليه. وجاء بهم متقدمين على النصارى احتراسا وتوقيا من ~~مظنة أنه لا يعفو عنهم إن آمنوا وعملوا العمل الصالح. ونلحظ أنها جاءت ~~أيضا في معرض جمع الله فيه بينهم وبين من يعبدون أغيارا من دون الله ~~لأن من يلصق ألوهية بغير الله يكون كمن عبد الكواكب وخرج عن التوحيد. # إنه سبحانه وتعالى يتيح لكل إنسان أن يدخل حظيرة الإيمان ويقيم تصفية ~~عقدية يدخل فيها الكل إلى رحاب الإيمان ويقطعون صلة لهم بالشرك. فلو آمن ~~المنافقون واليهود والنصارى والصابئون وعملوا الصالحات فلهم الأجر ~~والمثوبة من الله ولا خوف عليهم من عذاب الآخرة ولا يحزنون على ما فاتهم ~~من الدنيا، وجاء العمل الصالح بعد الإيمان لأن الإيمان إذا لم يقترن بعمل ~~صالح يكون عرضة للسلب والعياذ بالله ولا فائدة فيه، وسبحانه يريد أن ~~يسيطر الإيمان على ms2679 حركة الحياة بالعمل الصالح فيأمر كل مؤمن بصالح العمل ~~حتى يكون لهم الأجر عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. أما الذين ~~يصرون على موقفهم الكفري، فإن الله يفصل بينهم يوم القيامة لأنه على كل ~~شيء شهيد. وكلمة " يفصل " تدلنا على أنه سبحانه وتعالى سيصدر الحكم الذي ~~يبين صاحب الحق من غيره. ونعرف أن الذي يحكم إنما يحكم ببينة. والبينة هي ~~الإقرار، والإقرار - بلغة القانون - سيد الأدلة. أو الحكم بشهود. أو ~~الحكم باليمين، وهو سبحانه يفصل بين المواقف المختلفة. والفصل هو القضاء ~~بحكم. وعندما يكون الذي يحكم هو الذي شهد، فهو العادل. لذلك قال الحق: # إن الله على كل شيء شهيد # [الحج: 17]. ويقول الحق بعد ذلك: { لقد أخذنا ميثاق... }. ### || [5.70] # والميثاق هو العهد المؤكد الموثق، الذي يقتضي الوفاء الشديد. ولا توثق ~~العهود إلا مظنة المخالفة. والمواثيق في الإيمان بالله كثيرة. فهناك ~~الميثاق الأول عندما كنا جميعا في ظهور الآباء. # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ # [الأعراف: 172]. أو الميثاق الذي أخذه الله لنصرة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران: 81]. أو الميثاق الخاص الذي أخذ على كل أمة. وفي كل جزئية من ~~جزئيات الدين يؤخذ ميثاق، فنحن في الإسلام مأخوذ علينا الكثير من ~~المواثيق. وكذلك رأينا النبي وقد أخذ لنفسه الميثاق في العقبة، رأى ~~الرسول أن ما يربطه بالأوس والخزرج الكثير، كما يربطه بكل قوم يحنون إلى ~~الوحدة تحت راية إيمان واحد، وكان اليهود يعتبرون عرب الأوس والخزرج مجرد ~~همج وخدم يعملون لهم، وأرتأوا السيادة لأنفسهم. وكلما اختلفوا معهم ~~هددوهم بمجيء رسول قادم سيؤمنون به وسيقتلونهم تقتيلا. وكان كل من الأوس ~~والخزرج يحاول أن يستميل اليهود إليه، فالأوس حالفت بني قريظة. وحالف ~~الخزرج بني قينقاع ms2680 وبني النضير. وتلقى الاثنان الوعيد من اليهود بعد ظهور ~~النبي القادم، وذلك ما جعل كلا من الأوس والخزرج يسرع إلى التعرف على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء في موسم الحج نفر من ستة رجال ودعاهم ~~صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فآمنوا به صلى الله عليه وسلم وقالوا: ~~إنا تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم فعسى أن يجمعهم ~~الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من ~~هذا الدين فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. وجاءوا في العام الذي ~~يلي ذلك إلى موسم الحج وزادوا حتى صاروا اثني عشر رجلا. وكانت المعاهدة ~~ألا يشرك منهم أحد بالله وألا يسرق ألا يزني وألا يقتل أولاده وألا يأتي ~~ببهتان يفتريه بين يديه ورجليه، ولا يعصي رسول الله في معروف. وعادوا إلى ~~المدينة ومعهم مصعب بن عمير يعلمهم القرآن. وفي العام الثالث جاء ثلاثة ~~وسبعون رجلا وامرأتان هما نسيبة بنت كعب أم عمارة، وأسماء بنت عمرو بن ~~عدي، وكانت مبايعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وزاد من ذلك إرباك ~~قريش، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم: # " " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم " فأخذ ~~البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعك مما نمنع ~~منه أزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة ~~السلاح وتكلم أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين ~~الرجال حبالا وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ~~ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم قال: " بل الدم الدم والهدم والهدم، أنا منكم وأنتم مني أحارب من ~~حاربتم وأسالم من سالمتم ". وبسط يده صلى الله عليه وسلم فبايعوه " # وكانت بيعة العقبة ميثاقا يضمن لأهل البيعة الجنة إن أوفوا به. وقد ~~أوفوا. وهذا لون من العهود والمواثيق. وحين يخبرنا الحق هنا ms2681 أنه أخذ من ~~بني إسرائيل الميثاق، فمعنى ذلك أن هناك عهدا موثقا مؤكدا: { لقد ~~أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنآ إليهم ~~رسلا كلما جآءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم ~~فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } [المائدة: 70]. وقد أخذ ~~الحق الميثاق وأرسل رسلا بالمنهج، لكنهم كلما جاء إليهم رسول تباحثوا: ~~هل المنهج الذي جاء به على هواهم أولا؟. فإن لم يكن المنهج على هواهم ~~قتلوا الرسول أو كذبوه على الرغم من أن الميثاق عهد مؤكد باتباع الرسول ~~إن جاء بمعجزة ومنهج بلاغا عن الله وتنفيذا له في حركة الحياة. لكن ~~بني إسرائيل كانوا يتمردون على مناهج الرسل لأنها لا تأتي بما تهواه ~~أنفسهم وأول التمرد التكذيب. وهو أول خطوة في طريق الإخلال بالميثاق، ولم ~~يكتفوا بالتكذيب، إنما حاولوا حصار الرسول حتى لا يصل المنهج إلى آذان ~~تهتدي به. ولذلك لا يكتفون بالتكذيب بل قد يقتلون الرسول لأنه جاء بما لا ~~تهوى أنفسهم. ما هو الهوى أولا؟. هو من مادة " الهاء والواو والألف ~~المقصورة التي ترسم ياء ". ونجدها منطوقة مرة هوى ومرة هواء. ومرة " هوى ~~" بضم الهاء وكسر الواو وتشديد الياء، وكلها تدل على التغلغل والانحياز. ~~والهوى هو لطف الشيء في النفس والميل إليه. فالشيء تستلطفه في نفسك فتنزع ~~إليه نزوعا وقد يكون غير مستحب أو غير مقبول ولا مشروع. وهل كل الهوى ~~كذلك؟. لا، لأن هناك هوى الإيمان الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين يقول: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". # إذن فمن الممكن أن يتجه الهوى إلى الخير. وهو الهوى الذي يحمل النفس على ~~أن يسير الإنسان تبعا للحق. أما الهواء فهو الذي يتنفسه الإنسان ويستخلص ~~منه الأوكسجين ليغذي به الجسم وتسير به الحياة. ولذلك يقول الأثر: ~~وأقبلت كالنفس المرتد. إنه الإقبال الرقيق، فنحن نعرف أننا إن ~~أكلنا شيئا نحبه فإننا نشعر بطعمه، وعندما نشرب شيئا نحبه فنحن نتذوق ~~طعمه، أما التنفس فهو أمر لا إرادي فعندما نتنفس شيئا نحبه يكون إحساسا ~~لطيفا. # وهناك نطق ms2682 ثالث ويعبر عن السقوط، وهو الهوى من هوى يهوى - بالكسر ~~للواو - ولذلك يقال: هوى الدلو، أي نزول الدلو إلى المياه التي في ~~البئر. فأي نوع من الهوى تقصده الآية؟ يقول الحق: { كلما جآءهم ~~رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا ~~يقتلون } إذن فالهوى الذي يتحدث عنه هنا هو هوى النفس المجردة ~~عن المنهج، وهو الذي يتحكم في حركة هذه النفس ويقودها إلى غير طاعة الله. ~~وهل ترك الحق النفس الإنسانية دون عاصم لها؟ لا لأنه أنزل الرسل تحمل ~~منهجا ملخصه " افعل " و " لا تفعل ". وهكذا يمكن أن يصير المنهج ~~قيما على خواطر النفس. لكن ما دام الحق قد أراد أن يكون المنهج ~~قيما على خواطر النفس، فلماذا أوجد النفس؟. لقد أوجد سبحانه النفس ~~لأن وجودها ينبني عليه أن يهوى إنسان الحق والحلال لاستبقاء النوع ~~وتجويد العمل لحلال الرزق. إذن فالغريزة تكون موجودة وقد خلقها الله ~~لمهمة، ولكنه يعصمها بالمنهج من الخروج عن مهمتها. ويقول قائل: ما دام ~~الله قد خلق غريزة الجنس.. فلماذا لا نتركها لتعبر عن نفسها؟ ونقول له: ~~اتق الله واعلم أن الغريزة الجنسية إنما جاءت لبقاء النوع، واستخدامها ~~فيما يغضب الله فناء للنوع وانحراف يعاقب عليه المنهج. وكذلك أوجد الحق ~~غريزة حب الطعام ليقيم الإنسان حياته ولم يوجدها للقضاء على الحياة ~~بالنهم والتخمة والشره. وكذلك غريزة حب الاستطلاع ليست موجودة للتجسس على ~~الناس، ولكن هي لاستكشاف أسرار الكون واستنباط الجديد فيما ينفع الناس. ~~إذن فكل غريزة إنما توجد من أجل مهمة، فإن خرجت عن مهمتها، فالشرع يتحكم ~~ويقول: لا. إن هناك إطارا يمكن أن تستخدم فيه الغرائز، والشرع إنما يأتي ~~لا ليمحو الغرائز، ولكن ليعلى من الغرائز ليستعملها الإنسان فيما ينفع ~~لا فيما يضر. ويقال في المثل العربي: " آفة الرأي الهوى " فإذا ما وقف ~~اثنان أمام القاضي وأحدهما مظلوم والآخر ظالم فالقاضي العادل هو الذي ~~يرفع الظلم عن المظلوم حتى وإن كان له هوى مع الظالم. ولذلك نجد الحق قد ~~عصم رسوله فقال: # وما ينطق عن ms2683 الهوى # [النجم: 3]. والسطحيون هم الذين لا يلتفتون إلى عظمة هذا الأداء البياني ~~ويتساءلون: ما دام الحق يصوب لمحمد فكيف إذن لا ينطق عن الهوى. ونقول: ~~أنتم لا تحسنون الفهم عن الله ولا عن رسول الله، فعندما صوب الله لرسوله ~~لم يكن الرسول قد خرج عن حكم إراده الله، ولم يعدل حكما لله حسب هواه ~~الشخصي، وإنما هو ببشريته صلى الله عليه وسلم كان يصل إلى حكم ما ويراه ~~ثم ترى السماء تعديلا له، فينطق محمد بالتعديل كما انزله الله. # ولم يخالف صلى الله عليه وسلم ربه في أي أمر. وجاء كل تصويب لله في ~~أشياء لم يسبق فيها لله حكم، وكان كل تصويب قد جاء لاجتهاد بشرى من رسول ~~الله، ولم يكن في ذلك أي هوى. وحين قال الحق: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3]. إنما يبلغنا أنه لم يكن عند محمد حكم من الله فخالفه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم اتباعا لهوى، فمعنى الهوى أن يكون هناك منهج ثم يعدل ~~عنه، وكل التصويبات التي صوبها الله جاءت في أمور لم يكن فيها حكم. ~~ولهذا نجد تصويب الحق لرسوله يتسم باللطف، فيقول سبحانه: # عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك ~~الذين صدقوا وتعلم الكاذبين # [التوبة: 43]. وهذا العفو لم يكن نتيجة لمخالفة حكم من أحكام السماء، ~~ولكن هو عفو سمح لأن رسول الله أخذ بالاجتهاد البشرى في الأمور التي لم ~~يكن فيها حكم الله، وهو قول الحق: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1]. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد حرم أمورا على نفسه، ~~ولم يحرمها على الناس، وهنا يوضح له الحق: لا تحرم على نفسك ما أحللت ~~لك. إذن هذا أمر لمصلحة الرسول. وعندما جاء زيد بن حارثة ليخبر بين أن ~~يكون مع رسول الله كعبد له، وأن يكون مع أهله، آثر زيد رسول الله، ~~فكافأه صلى الله عليه وسلم بأن جعله في مقام الابن، وكان التبني معروفا ~~عند العرب، ونادى الناس زيدا بزيد بن محمد، ms2684 فلما أراد الله أن يبطل ~~التبني قال: # ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله # [الأحزاب: 5]. وكلمة " أقسط " تعني أعدل، ومعناها أن القسط أيضا في ~~دائرة العدل. وعندما يقال: فلان له القسط، أي له العدل. إذن فالقسط أولا ~~لرسول الله، والأكثر قسطا هو حكم الله، فكأنك يا محمد قمت بالقسط عند ~~البشر، ولكن الله يريد لك الأقسط. إذن فقوله الحق سبحانه: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3]. هو قول لا يستدرك عليه من مخالف لمنهج الإسلام، فإذا ما قال ~~مخالف لمنهج الإسلام: إن الله يصوب لمحمد، فكيف لا ينطق محمد عن الهوى؟. ~~نقول: وهل تعرف معنى الهوى؟ إن الحكم بالهوى يعني أنه وجد حكما لله ~~فيعدل الحكم لهواه، ولم يحدث ذلك من سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وكل تصويب من الله لم يأت على لسان رجل آخر، إنما جاء على ~~لسان رسول الله نفسه. وهذه هي منتهى الأمانة في البلاغ عن الله. والحق ~~يقول عن بني إسرائيل: { كلما جآءهم رسول بما لا تهوى ~~أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون } إذن فهم ~~فريقان: منهم من لا يقبل على الإيمان بالمنهج لهوى في نفسه فيكذب. # ومنهم من تمتلئ نفسه باللدد وشدة الخصومة على الرسول، ويخشى أن يحيا ~~الرسول لإبلاغ قوم آخرين، فيحاول أن يقتل الرسول. والتكذيب هو أول نقطة ~~في اللدد، ثم هناك من يترقى في اللدد ويخشى أن يصل البلاغ إلى قوم آخرين ~~فيحاول أن يقتل الرسول. والتكذيب هو إنكار لقول أو فعل. أما القتل فهو ~~إزالة لأصل الحياة. والذي يقتل هو الأكثر لددا. وتتجلى دقة القرآن حين ~~يأتي الحق بصيغة الماضي، لفئة وصيغة المضارع لفئة أخرى: { فريقا ~~كذبوا وفريقا يقتلون } لأن التكذيب هو تأب من المكذب، ~~أما القتل فهو تأب على وجود الرسول من الذين يكذبون. والأبشع هو القتل ~~لأنه إزالة لكل أثر من آثار وجود المقتول. وجاء التكذيب في صيغة الماضي. ~~وجاء في المسألة البشعة بصيغة المضارع. فالحدث حين يكون بشعا فهو يبرد ~~بعد مرور فترة من الزمن. وهذا ما ms2685 يجعل المجتمع يثور عندما تحدث جريمة ~~بشعة، ولكن ما إن تمر عليها عشر سنوات ويصدر الحكم بقتل المجرم لا ينفعل ~~الناس، بل منهم من يتعاطف مع المجرم. ولذلك يحذرنا الحق أن ننسخ من ~~الأذهان صورة قتلهم للرسل، بل يجب أن نستحضر بشاعته دائما فلا نعطف على ~~الذين قتلوا الرسل، وقد قال علماء العربية: إن التعبير بالفعل المضارع ~~يكون لاستحضار صورة الفعل. وساعة يأمر القاضي العادل بالقصاص من إنسان ~~قتل إنسانا آخر، فهو لا يجعل القتل حدثا منسيا لأنه ماض، بل يستحضره ~~في ذهنه وكأن دمه ما زال ينزف ومكان الطعنة واضحا لأنه لا يأخذ شيئا ~~مستورا بالماضي، بل يأخذ شيئا واقعا في الحال. وكأن الحق يأمرنا ~~باستحضار صورة ما حدث أمامنا. ومثال آخر لاستحضار الصورة: نجد الحق يقول ~~لنا: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء # [الحج: 63]. إنه أنزل الماء، لكنه يتبع ذلك: # فتصبح الأرض مخضرة # [الحج: 63]. هو سبحانه يستخدم الفعل المضارع لتظل الصورة في أذهاننا ~~مستحضرة في الحال وفي الاستقبال. والحق يقول: { فريقا كذبوا ~~وفريقا يقتلون } وكيف يقول الحق: إنهم يقتلون الرسل، والرسل لا ~~تقتل، وأنه سبحانه يريد أن يجعل لهم من العمر ما يمكنهم من تمام البلاغ ~~عنه، إن الأنبياء فقط هم الذين يجوز عليهم القتل؟ ونقول: إن الأنبياء رسل ~~أيضا بدليل أن الحق قال: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي # [الحج: 52]. إن كليهما مرسل، والفرق أن الرسول يصحب وينزل معه منهجه، ~~والنبي مرسل كنموذج هداية بمنهج قد سبق. ويقول الحق من بعد ذلك: { ~~وحسبوا ألا تكون... }. ### || [5.71] # " وحسب " إن كانت بفتح الحاء وكسر السين فمعناها الظن، وإن كانت بفتح ~~الحاء وفتح السين فبمعنى " عد " ، والحسبان هو أن تظن وترجع وجود الشيء. ~~والذين أخذ الله عليهم الله الميثاق وهم - بنو إسرائيل - ظنوا أن تكذيب ~~الرسل وقتلهم لا يكون فتنة. ويعني أنهم لم يعلموا علم اليقين، وقد رجحوا ~~ألا تكون فتنة. والأصل في الفتنة - كما قلنا - عرض الذهب على النار ليتم ~~تنقيته من الشوائب. والفتنة - كما ms2686 نعرف - هي الاختبار، إما أن ينجح فيه ~~الإنسان وإما ألا ينجح. فكيف جاءهم الظن أن هذا ليس اختبارا؟ لقد جاءهم ~~هذا الظن من الخطأ الذي وقعوا فيه عندما قالوا: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]. والخطأ الذي تمادوا فيه عندما قالوا: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80]. لقد ظنوا أن الحق سيعاقبهم فقط على عبادة العجل ولن ~~يعاقبهم على أي شيء آخر. وكان هذا ظنا خاطئا. إن المنهج لم يأت لينجي ~~أناسا بذواتهم مهما فعلوا، ولكن المنهج جاء ليحاسب كل إنسان حسب ما عمل. ~~ومن العجيب أنهم ظنوا الظن الخاطئ ولم يقوموا بحساب الأمر بحسابه الصحيح ~~على الرغم من أنهم أهل تفوق في العد والحساب، فالحساب هو الذي يضمن صحة ~~أمر أو يكذبه. ومن العجيب أن من رحمة الحق بالخلق ساعة يؤاخذهم فهو يقول: ~~لك كذا وعليك كذا. لكن ساعة يرزقهم فهو يرزقهم بغير حساب. ولكنهم لم ~~يلتفتوا إلى ذلك وقال عنهم الحق: { وحسبوا ألا تكون فتنة ~~} أي ظنوا أن ذلك الأمر لا اختبار فيه وأنهم غير محاسبين عليه. ونعرف أن ~~" أن " تنصب الفعل. وقال لي سائل: لقد سمعت قارئ القرآن في المذياع ~~ينطقها { وحسبوا ألا تكون فتنة }. وقلت له: إن هناك ~~ثلاثة من أكابر القراء في صدر الإسلام هم: " أبو عمرو " و " حمزة " و " ~~الكسائي " ، وكان لكل منهم أسلوب متميز. وعندما نعلم أن " أن " تنصب ~~الفعل لا بد أن يكون الفعل الذي يليها لا يدل على العلم واليقين والتبين، ~~" فأن " بعد العلم لا تنصب، كقوله الحق: # علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في ~~الأرض # [المزمل: 20]. وألفية ابن مالك تقول: وبلن انصبه وكي كذابأن لا بعد ~~علم. أما " أن " التي من بعد ظن فمن الممكن أن تنصب ومن الممكن أن يرفع ~~الفعل بعدها، فالذي رجح وجود الفعل وأدركه إدراكا راجحا يرفع، والذي لم ~~يكن لديه هذا الإدراك الراجح ينصب، والرفع هو قراءة الكسائي وأبي عمرو ~~وحمزة. فقد بنوا الأمر على أن الرجحان يقرب من اليقين. # وما دام قد حدث ms2687 ذلك تكون " أن " هنا هي " أن " المؤكدة، لا " أن " ~~الناصبة ويسمونها أن المخففة من الثقيلة فأصلها أن. { وحسبوا ~~ألا تكون فتنة }. وتأتي " فتنة " بالرفع لأنها اسم تكون. و " ~~تكون " من " كان ". و " كان " لها اسم مرفوع وخبر منصوب. وهي هنا ليس لها ~~خبر لأنها من " كان التامة ". فهناك " كان الناقصة " وهناك " كان التامة ~~". ونقول ذلك حتى نتقن فهم القرآن، مثلما نقرأ قوله الحق: # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة.. # [البقرة: 280]. و " كان " فعل ماض، و " ذو عسرة " اسم كان التامة لذلك ~~لا خبر لها لأن المقصود هو القول: وإن وجد ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة. ~~ولا بد لنا أن نعرف ما معنى " تام " وما معنى " ناقص "؟ نعلم أن كل لفظ ~~ننطق به يدور حول أمرين اثنين، إما لفظ مهمل وغير مستعمل وإما لفظ ~~مستعمل. والمستعمل هو الذي له معنى يصل إلى الذهن ساعة نطقه ويستقل به ~~الفهم، فإن كان لا دخل للزمن فيه فهو الاسم ككلمة " أرض " و " شمس " و " ~~قمر ". وهناك لفظ لا يستقل بالفهم كحرف الجر " في " مثلا. صحيح أنه يدل ~~على شيء في شيء ولكنه لا يستقل بالفهم لذلك لا بد أن ينضم لشيء، كقولنا: ~~الماء في الكوب أو قولنا: التلميذ في الفصل. فإذا كان للفظ معنى ومستقل ~~بالفهم، والزمن له دخل فيه فهو الفعل. مثال ذلك قولنا: السماء. إن السماء ~~كانت في الماضي وهي في الحاضر وهي في المستقبل. إذن فالزمن لا دخل له ~~بها، وكلمة: كلوا نجدها تأتي من الأكل، وهي معنى مستقل بالفهم والزمن ~~جزء منه. ولفظ " في " يدل على معنى غير مستقل بالفهم فلا بد من أن ينضم ~~لشيء آخر. إذن كل لفظ له معنى، وهذا المعنى قد يكون مستقلا بالفهم أو غير ~~مستقل، فإن كان مستقلا بالفهم فإننا نسأل: هل الزمن جزء منه؟ وفي هذه ~~الحالة يكون " فعلا " وإن لم يكن الزمن جزء منه فهو الاسم. وإن كان غير ~~مستقل بالفهم ويريد شيئا آخر ليستقيم المعنى فهو " حرف ". وهكذا تعرف ~~الألفاظ. ms2688 والفعل هو " معنى زائد عليه زمن " كقولنا: أكل فهي تعني تناول ~~إنسان طعاما في زمن ماض، وهكذا نفهم قولنا: " كان ". فإن قلنا: " كان " ~~بمعنى حدوث شيء في الماضي، كقولنا " كان زيد مسافرا " فهي ناقصة. وفي ~~ضوء هذا نفهم قول الحق: # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة # [البقرة: 280]. فإن أردت الوجود فقط من غير شيء جديد طارئ عليه، فالفعل ~~يكون تاما لا يحتاج إلى خبر. وإن أردت الوجود مع أي شيء آخر فهو الفعل ~~الناقص الذي تكمله بخبر. مثل قوله تعالى: { وحسبوا ألا تكون ~~فتنة } أي ألا توجد فتنة، فهي لا تحتاج إلى خبر. وكان مثل بني ~~إسرائيل كمثل التلميذ الذي يذهب إلى المدرسة ولا يعلم أن فيها اختبارا ~~آخر العام فيمضي الوقت في تحصيل ولا جد ولا اجتهاد بل في لهو ولعب، وكان ~~هذا حسبانا خاطئا لأن المنهج لم يأت اعتباطا، ولكنه جاء كنظام حركة ~~للحياة ليعمله المؤمن. وكان المفروض أن يستقبلوا المنهج على حسب تعاليم ~~المنهج. ومن العجيب أنهم ظنوا ولم يحسبوا بالحساب على الرغم من أنهم أهل ~~علم بالحساب، فهم حسبوا - بكسر السين - وما حسبوا - بفتح السين - وكان ~~المفروض أن يقوموا بالحساب، فالحساب هو الذي يضمن صحة المسائل. وكل شيء ~~عند الله يكون بالحساب، حساب للعبد وحساب على العبد. { وحسبوا ~~ألا تكون فتنة } أي ظنوا أنها ليست اختبارا. وظنوا أن ~~الرسالات والمناهج هي مسألة لا اختبار لهم فيها، فلما عرفوا تعاموا عن ~~ذلك وصموا آذانهم عنه. ونعلم أن وسائل الإدراك في النفس البشرية هي السمع ~~والأبصار والأفئدة: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. إذن فوسائل الإدراك: سمع، وبصر، وفؤاد. وما تراه العين هو ~~تجربة الإنسان بنفسه. أما ما يسمعه الإنسان فهو تجربة كل غير له. وبذلك ~~يكون السمع اكثر اتساعا من العين. والسمع هو وسيلة الإدراك التي توجد ~~أولا في الإنسان حين يولد. ونجد المولود لا يهتز عندما يقترب شيء من ~~عينيه لأنه لا يرى بدقة وقد ms2689 يستمر ذلك لمدة عشرة أيام ومن بعد ذلك يبدأ ~~في الرؤية. لكن الطفل إذا سمع صوتا بجانب أذنيه ينفعل، كأن حاسة السمع ~~هي التي توجد أولا، ولذلك يأتي لنا الحق بذكر السمع أولا ومن بعد ذلك ~~الأبصار ثم الأفئدة. " فعموا وصموا " وهو سبحانه يسألهم أولا عن التجربة ~~الشخصية فيهم. ولم يسألهم عن الذي سمعوه عن غيرهم فقط، " فعموا " أي لم ~~يروا حتى الأمور المتعلقة بهم، ولم ينظروا في آيات الكون ولم يسمعوا ~~البشير ولا النذير ولا المنهج من الله ولا اتفقوا على تنفيذه. وسبحانه ~~يعاتبهم أولا على ما يتعلق برؤياهم هم، فالأذن تسمع من الغير لذلك أخذ ~~عليهم أولا أنهم لم يستعملوا عيونهم. وحتى لو افترضنا أنهم لم يروا آيات ~~الكون بأنفسهم فما بالهم لا ينظرون وقد جاءهم الرسول ودعاهم لينظروا في ~~كون الله وأن يعتبروا. فإذا كانوا أولا في غفلة فلم يروا، فلماذا لم ~~ينتبهوا ويسمعوا سماع إذعان وانقياد عندما جاءهم البشير والنذير لينبههم ~~لذلك " فعموا وصموا " منطقية جدا هنا. # وبعد ذلك قبل الله منهم، وأنجاهم من فرعون وفلق لهم البحر، وعبروا، ~~ولكنهم بمجرد خروجهم من البحر، ومروا على قوم يعكفون ويلزمون ويقبلون على ~~أصنام لهم يعبدونها. قالوا لموسى: نريد إلها كما لهم آلهة. وأمرهم موسى ~~أن يتوبوا وقبل الله توبتهم. مع كثرة ما ارتكبوا من ذنوب. ومن بعد ذلك ~~يتوب الله عليهم. { ثم تاب الله عليهم }. والتوبة هي فتح ~~مجال للنفس السوية لتنطلق في الخير من جديد، فلو لم يتب الله على من أذنب ~~فماذا يكون موقف المذنب بلا توبة؟ إنه يتمادى ويحس أنه ذاهب في طريق الشر ~~بلا عودة. وحين يقبل الحق توبة المذنب، فذلك معناه أنه سبحانه يريد أن ~~يحمي المجتمع من شره. والتوبة مراحل: الأولى: حين يشرع الله التوبة، ~~والثانية: أن يتوب العبيد، والثالثة: هي قبول الله للتوبة. وهذا ما جاء ~~به الحق: # ثم تاب عليهم ليتوبوا # [التوبة: 118]. ماذا تعني توبة الله عليهم؟ سبحانه لن يتوب عليهم توبة ~~القبول إلا بعد أن يتوبوا. إذن فتوبة ms2690 الله عليهم الأولى هي التشريع لهم ~~بالتوبة، ثم توبتهم، ثم قبول الحق للتوبة. لكن هؤلاء عموا وصموا، وعلى ~~الرغم من ذلك لطف الله بهم. فماذا حدث منهم بعد ذلك؟ عموا وصموا مرة أخرى ~~{ ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير ~~منهم والله بصير بما يعملون }. و " عموا " مأخوذة من ~~الفعل " عمى " ، ومثلها مثل " أكلوا " و " شربوا " و " حضروا " ، فأين ~~الفاعل؟ الفاعل هو " واو الجماعة ". وابن مالك قعد لهذه المسألة، فساعة ~~تسند الفعل إلى اثنين أو إلى جماعة، فلا بد أن تجرد الفعل من علامة ~~التثنية أو الجمع، فلا تقول: " قاما زيد وعمرو " ولكن تقول: " قام زيد ~~وعمرو " ، ولا نقول: " قاموا التلاميذ " بل نقول: " قام التلاميذ " ، لأن ~~مدلول " الواو " هو مدلول " التلاميذ " قال ابن مالك: # وجرد الفعل إذا ما أسندا # لاثنين أو جمع ك " فاز الشهدا " # أي أن الفعل إذا أسند لمثنى أو مجموع وجب تجريده من العلامة التي تدل ~~على التثنية أو على الجمع. أما كلمة كثير فتعرب إما على أنها البدل من ~~واو الجماعة، وإما على إضمار مبتدأ أي العمى والصم كثير منهم، وإما ~~على أنها فاعل ويكون ذلك قد جاء على لغة طائفة من العرب وهم بنو الحارث ~~بن كعب، وهؤلاء قد يأتون بعلامة تدل على التثنية أو الجمع إذا أسند الفعل ~~إلى اسم ظاهر مثنى أو مجموع مثل: قاموا الرجال وسافرا محمد وعلي. # وحمل بعضهم قوله تعالى: # وأسروا النجوى الذين ظلموا # [الأنبياء: 3] على هذا، وكان قول الحق: { كثير منهم } صيانة ~~للاحتمال بأن قلة منهم تدير أمر الإيمان في قلوبهم، وكلمة " كثير " جاءت ~~حتى ننتبه إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يهمل أبدا القلة التي تدير أمر ~~الإيمان في خواطرهم. ليؤكد ويعاضد ما جاء في قوله تعالى: # وأن أكثركم فاسقون # [المائدة: 59]. { ثم عموا وصموا كثير منهم والله ~~بصير بما يعملون } و " بصير " مثلها مثل " عليم " ، أي شاهد ~~وليس مع العين أين. ويقول الحق من بعد ذلك: { لقد كفر الذين ~~قالوا... }. ### || [5.72] # وهناك ثلاث آيات تتعرض لهذه المسألة: ms2691 { لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم }. والآية ~~الثانية: # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة # [المائدة: 73]. والآية الثالثة: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق # [المائدة: 116]. إذن فالخلاف في المسألة جاء على ثلاث صور: طائفة تقول: ~~المسيح هو الله. وطائفة تقول: إن المسيح هو إله مع اثنين آخرين. وطائفة ~~تقول: إن المسيح هو وأمه إلهان. ولكل طائفة رد. والرد يأتي من أبسط شيء ~~نشاهده في الوجود للكائن الحي، فالإنسان - كما نعرف - سيد الكون والأدنى ~~منه يخدمه. فالإنسان يحتاج إلى الحيوان من أجل منافعه، وكذلك يحتاج إلى ~~النبات والجماد، هذا السيد - الإنسان - يحتاج إلى الأدنى منه. والحق ~~سبحانه وتعالى أراد أن يرد على تأليه سيدنا عيسى وسيدتنا مريم، فقال: # كانا يأكلان الطعام # [المائدة: 75]. وهذا استدلال من أوضح الأدلة، لا للفيلسوف فحسب ولكن لكل ~~المستويات، فماداما يأكلان الطعام فقد احتاجا إلى الأدنى منهما. والذي ~~يحتاج إلى الأدنى منه لا يكون الأعلى ولا هو الواحد الأحد. والمتبعون ~~لهذه الفرق الثلاثة مختلفون. والحق سبحانه وتعالى يقول: # ولا تقولوا ثلاثة # [النساء: 171] وكلمة { ثالث ثلاثة } تستعمل على أنه واحد من ~~ثلاثة لكنه غير معين. فكل ثلاثة يجتمعون معا، يقال لكل واحد منهم إنه { ~~ثالث ثلاثة }. وليس هذا القول ممنوعا إلا في حالة واحدة، أن ~~نقول: ثالث ثلاثة آلهة لأن الإله لا يتعدد. ويصح أن نقول كلمة: " ثالث ~~اثنين " لأن الله يقول: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم # [المجادلة: 7]. إذن فمن الممكن أن نقول: هو رابع ثلاثة، أو خامس أربعة ~~أو سادس خمسة. وهو الذي يصير الثلاثة به أربعة أو يصير الأربعة به خمسة ~~أو يصير الخمسة به ستة. إننا إن أوردنا عددا هو اسم فاعل وبعد ذلك ~~أضفناه لما دونه، فهذا تعيين بأنه الأخير. فإن قال قائل: الله رابع ثلاث ~~جالسين فهذا قول صحيح. لكن ms2692 لو قلنا إنهم آلهة. فهذا هو المحرم، والممنوع ~~لأن الإله لا يتعدد. ويلاحظ أن الحق لم يقل: ما يكون من نجوى اثنين إلا ~~هو ثالثهم لأن النجوى لا تكون إلا من ثلاثة، فإن جلس اثنان معا فهما ~~يتكلمان معا دون نجوى لأن النجوى تتطلب ألا يسمعهم أحد. والنجوى ~~مسارة، وأول النجوى ثلاثة، ولذلك بدأها الحق بأول عدد تنطبق عليه. ~~فإن قلت: " ثالث ثلاثة " فهذا قول صحيح إن لم يكونوا ثلاثة آلهة. والحق ~~أراد أن يدفع هذا القول بالبطلان حين قال: # كانا يأكلان الطعام # [المائدة: 75]. والطعام مقوم للحياة ومعط للطاقة في حركة الحياة لأن ~~الإنسان يريد أن يستبقي الحياة ويريد طاقة، والطعام أدنى من الإنسان لأنه ~~في خدمته، فإذا ما كانا يأكلان الطعام فهما في حاجة للأدنى. وإن لم يأكلا ~~فلا بد من الجوع والهزال. ولذلك فهما ليسا آلهة. بعضهم يقول: { كانا ~~يأكلان الطعام } هي كناية عن شيء آخر هو إخراج الخبث. ونقول: ~~ليس إخراج الخبث ضروريا لأن الله سيطعمنا في الجنة ولا يخرج منا خبث. ~~فهذا ليس بدليل. ويرتقي الحق مع الناس في الجدل، فاليهود قالوا في المسيح ~~- عليه السلام - ما لا يليق بمكانته كنبي مرسل وقالوا في مريم عليها ~~السلام ما لا يليق باصطفائها من الحق. واليهود إذن خصوم المسيح. وأنصار ~~المسيح هم الحواريون! فإذا كان لم يستطع أن يصنع من خصومه ما يضرهم ولا ~~مع حوارييه ما ينفعهم فكيف يكون إلها؟ والنص القرآني يقول عن مريم: # يمريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع ~~الراكعين # [آل عمران: 43]. والمسيح نفسه كان دائما مع الله خاشعا عابدا. والذي ~~يعبد إنما يعبد من هو أعلى منه فالإله لا يعبد ذاته. وإذا كان هذا قول من ~~ينتسبون إلى السماء إيمانا بإله وإيمانا بمنهج، فماذا عن قول الذين لا ~~ينتسبون إلى السماء من الملاحدة الذين ينكرون الألوهية؟ إذن كان من ~~الواجب أن يؤمن المنسوبون إلى السماء بواسطة مناهج وبواسطة أنبياء وأن ~~يصفوا هذه المسائل فيما بينهم. وعلى سبيل المثال كان العالم موجودا ~~ومدارا قبل المسيح ms2693 فمن إذن كان يدير العالم من قبل ميلاده؟ ولذلك أراد ~~الحق سبحانه جل جلاله أن يحسم الموقف. والقرآن يعلمنا: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24]. أيمكن أن يكون المتناقضان محقين؟ لا لأن أحدهما لا بد أن ~~يكون على هدى ولا بد أن يكون الآخر على ضلال. ولذلك نقول: كلامكم لا ~~يلزمنا وكلامنا لا يلزمكم. ونفوض الأمر إلى الإله الذي نؤمن به. وحتى ~~نصفي هذه المسألة نذكر قول الحق: # نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين # [آل عمران: 61]. ونقول: اجعل لعنتك على الكاذبين. حتى تخرجنا من هذا ~~الخلاف ولا تجعل واحدا منا يسيطر على الآخر، فأنت صاحب الشأن، فها نحن ~~أولاء بأنفسنا ونسائنا وأولادنا ندعو دعاء واحدا: اجعل لعنة الله على ~~الكاذبين منا. وما تلاعن قوم وابتهلوا إلا وأظهر الله المسألة في وقتها. ~~ولم يقبل أحد من أهل الكتاب هذه المباهلة، والحق يقول: { لقد كفر ~~الذين... }. ### || [5.73] # إذن فالذين لا يعلنون التوبة عن ذلك يقعون في الكفر ويعذبون. ثم يقول ~~الحق: { أفلا يتوبون إلى الله... }. ### || [5.74] # فكأن هذا القول يقتضي التوبة واستغفار الحق. ويقول سبحانه بعد ذلك: { ~~ما المسيح ابن مريم... }. ### || [5.75] # و " أفك " يعني انصرف أو صرف، أي يصرفهم غيرهم. وهذا يعني أن هذا إيعاز ~~من الشيطان لأن المسيح عليه السلام ما هو إلا رسول مثل من سبقوه من الرسل ~~وأمه صديقة مصدقة بما جاء به، والدليل على بشريتهما أنهما يحتاجان ~~كسائر البشر لما يقوم حياتهما من طعام وشراب وكساء، والألوهية ~~المدعاة منهم تتنافى مع هذا الاعتقاد وهذا هو الإفك بعينه الذي يتصادم ~~مع العقل المجرد عن الهوى. يقول الحق سبحانه وتعالى: { قل ~~أتعبدون من دون... }. ### || [5.76] # والعقل يستنكر أن نعبد أحدا غير الله، فغيره لا يملك أن يصنع الضر ~~للخصوم، ولا النفع لنفسه أو لأشياعه وأنصاره بدليل أن الأعداء فعلوا ما ~~فعلوه وما ملك عيسى عليه السلام أو الحواريون أن يضروهم ولا استطاعوا أن ~~يفعلوا شيئا ينفعون به أنفسهم. ويختم الحق الآية بقوله: { والله ~~هو السميع ms2694 العليم }. وكلمة " السميع " تدل على قول. وكلمة " ~~العليم " تدل على شيء يدور في الخواطر، والشيء الذي يدور في الخواطر أهو ~~حراسة سلطة زمنية جعلتهم يقولون هذا الكلام؟ إنه سبحانه العليم بذلك. فإن ~~كان قد حصل كلام فهو قد سمعه، وإن كانت قد دارت خواطر في النفس فهو ~~يعلمها لأن العاقل قبل أن يتكلم لا بد أن يدير الكلام في النفس. وكل كلام ~~لا بد له من نزوع. وهو سبحانه السميع العليم أزلا وأبدا. ويقول الحق: { ~~قل يأهل الكتاب... }. ### || [5.77] # عندما يوجد شيء مشترك بين النصارى واليهود يحدثهم الله بقوله: { قل ~~يأهل الكتاب } أما الشيء الخاص فهو يتحدث به لكل فئة بمفردها. ~~والغلو هو أن يتطرف إنسان في حكم ما إيجابا أو سلبا. وهو إما الإفراط ~~في المنزلة العالية وإما التفريط في المنزلة الدنيا. ولذلك نجد ~~المتناقضات دائما في الغلو. # " ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لسيدنا علي - كرم الله وجهه -: " ~~يا علي، يهلك فيك رجلان.. محب غال ومبغض غال " ويقول: " يا علي لا يحبك ~~إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ". # ويقول: # " يا علي ستقاتلك الفئة الباغية " # إن هناك من أحب سيدنا عليا إلى درجة أنهم اعتبروه نبيا وقالوا: إن ~~الوحي أخطأ عليا وجاء إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أو ~~اعتبروا عليا إلها!! وكل ذلك غلو، فقد أحبوه إلى منزلة فيها غلو ~~وإفراط. أما الخوارج فقد قالوا عن سيدنا علي: إنه كافر. جاء الغلو - إذن ~~- من ناحية المحبين فجعلوه نبيا أو فوق ذلك مما يدخلهم في الشرك، أو من ~~المبغضين القائلين بتكفيره وإخراجه من دائرة الدين، ولذلك يجب ألا نغلو ~~في الدين فلا نحب إنسانا ونرفعه فوق مستوى البشر، ولا نبغض إنسانا ~~وننزل به إلى الحضيض. بل يجب أن نعطي كل واحد قدره ومقداره الذي وضعه ~~الله فيه لأن وضع الله له هو تكريمه: { قل يأهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهوآء ~~قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن ~~سوآء السبيل ms2695 } [المائدة: 77]. وجاء مثل هذا القول في آية أخرى: # يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق # [النساء: 171]. وحتى نفهم أن مسألة الغلو إنما جاءت في ادعاءات ألوهية ~~البشر قال الحق بعد ذلك: # إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه # [النساء: 171]. فلا داعي للغلو بنسب الألوهية له أو أنه ثالث ثلاثة. فإن ~~كنتم متشككين ووصلتم إلى هذا الشك بسبب عدم عنصر الذكورة في مجيء عيسى، ~~فافهموا أن كل الأشياء جاءت ب " كن " لأنه وإن وجدت مقدمات للإنسان، ~~فرق هذه المسألة إلى واحد لم يأت من إنسال، وستصل إلى آدم وآدم من ~~تراب إذن كل الكون كلمة. وإن وجدت أسبابا فمما طمره الله في الكلمة ~~الأولى، فحين يجيء إنسان أنشئ بكلمة فلا تقولن: إن هذا شيء عجيب لأن ~~الكون كله إنما نشأ بكلمة: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. وإن كانت الفتنة قد نشأت في ظاهر الأمر من أن المسيح ليس له ~~أب في عالم الإنسال وقانون التناسل، فما كان يجب أن تكون الشبهة في هذا ~~لأنه مخلوق من أم، وآدم مخلوق بلا أب ولا أم. # وكان يجب أن تكون الفتنة في آدم أكبر. والكلمة من الله تنشئ حياة. ~~والحياة إدخال روح في مادة لتهبها الحركة والحس ومقومات الحياة. إذن ~~فالكلمة تقال من الله فتأتي الروح لتدخل في المادة: # وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه # [النساء: 171]. { وروح منه } مثلها مثلما قال في آدم: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر: 29]. إذن فآدم كلمة، وآدم روح منه، وكذلك المسيح، فلا شبهة هنا ~~ولا شبهة هناك. ويطلب الحق من المنسوبين إلى السماء: # انتهوا خيرا لكم # [النساء: 171]. فإذا كنتم منسوبين إلى السماء فلا تذبذبوا أفكار الناس ~~بمثل هذه المسائل، وكان يجب أن تقفوا بعيسى عندما أراد الله له من تكريم ~~لأن التكريم هو أن يكون أسوة حسنة، فلو كان من جنس آخر غير البشر لامتنعت ~~الأسوة فيه ms2696 لأن الأسوة إنما تكون من جنس من يتبعها، فلو رأه الناس خاشعا ~~متعبدا لما استطاعوا أن يفعلوا مثله لو كان من مادة أخرى غير مادة ~~البشر. وقلت مرة: لو أن إنسانا رأى أسدا يفترس في الغابة ويصول ويجول ~~على الحيوانات، أيفكر واحد من الرائين أن يجعل نفسه أسدا؟. لا. لكن لو ~~رأى فارسا مثله شجاعا في حرب يصول ويجول في الأعداء فهو يقلده ويحاول ~~أن يكون مثله. إذن فالأسوة لا تكون إلا مع وحدة الجنس، فلو أنه لم يكن من ~~جنس البشر لما صلح أن يكون رسولا. { قل يأهل الكتاب لا ~~تغلوا في دينكم غير الحق } لقد جاء الحق هنا بالحديث ~~شاملا لكل أهل الكتاب لأن كلا منهما جاء بطرفي الأمور.. فاليهود اتهموا ~~سيدتنا البتول المصطفاة مريم بما ليس فيها، وأولئك جاءوا بالمغالاة في ~~الجهة الأخرى لذلك يأمرهما الحق بعدم المغالاة لأن الحق لا يتعاند فهو ~~شيء ثابت لا يتغير أبدا ولا يتعارض. والإنسان إن رأى حدثا من الأحداث ~~بعينيه ثم طلب منه أن يحكيه فهو يحكيه الآن ويحكيه غدا ويحكيه بعد عام ~~وتظل روايته واقعا لأنه شهده وهذا هو الواقع المشهود يفرض نفسه عليه، ~~لكن الكاذب لا يذكر ذلك، وقد يقول قضية ويكون فيها كاذبا فلا بد أن يغير ~~من الحقيقة عندما يحكيها لمرة ثانية. ولذلك يقال " إن كنت كذوبا فكن ~~ذكورا ". إن الذي يحكم الحق هو واقعة لأن المتكلم به يستقرئ واقعا. لكن ~~الكاذب لا يستقرئ واقعا فلا يعلم ماذا كذب في المرة الأولى. ونذكر ~~الكاذب الذي جلس يقول: مرة كنا سائرين وخرجنا من القرية ذاهبين إلى ~~المدينة لنأتي بحاجات عيد الفطر. وكانت الدنيا قمرا كالظهر وقوله: " ~~قمرا كالظهر " هي التي تكشف كذبه، فكيف يكون في ليلة العيد قمر، وأول ~~ليلة في عيد الفطر هي أول ليلة في شوال، وليس فيها أي قمر، الهلال يكاد ~~يكون مخفيا. # إذن فالذي يستوحي واقعا لا يتغير كلامه لأنه حق. والذي يستوحي غير ~~الواقع لا يذكر ماذا قال فيخلط. لذلك لا يقولن ms2697 إنسان غير الحق لأن قوله ~~سيتضارب. وإذا تضارب هذا القول في مسألة الألوهية فإن الناس قد تشك في ~~منهج السماء الذي يتبعونه. وإذا شك الناس في منهج السماء فسيكون عليكم ~~وزر إضلال الناس لأن الذي يتعرض لهذه القضية يجب ألا يجرب الناس عليه أي ~~شيء من المخالفة. ولذلك قال سيدنا إبراهيم عليه السلام: # ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا # [الممتحنة: 5]. لماذا قال سيدنا إبراهيم هذا الدعاء؟ لأنه إن قال شيئا ~~ثم عمل بما يناقضه فقد يتصور من يراه أنه - والعياذ بالله - كذاب. { قل ~~يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ~~ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ضلوا من قبل ~~وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء السبيل } ويا ليتهم ~~ضلوا فقط في ذواتهم بل هم يحاولون إضلال غيرهم. لذلك قال سبحانه: # ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد ~~إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم # [البقرة: 109]. وسبحانه يوضح لهم: لا تفعلوا ذلك حتى لا تضلوا لأن وزرك ~~أن تعمل، وهناك وزر آخر هو أن تضلل غيرك. ولذلك يقول الحق: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم # [النحل: 25]. قال الحق ذلك مع أنه قال: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164]. وحتى نفهم الأمر علينا أن نعرف أن الوزر الأول هو وزر ~~الضلال والثاني هو وزر الإضلال. { ولا تتبعوا أهوآء قوم ~~قد ضلوا } أي لا تقلدوا أناسا اتبعوا الهوى. والهوى هو لطف موقع ~~الشيء وقربه إلى النفس فيصنعه الإنسان على طريقة لا تنبغي. ولذلك كل كلمة ~~" هوى " في القرآن جاءت في مجال الخسران والضلال. وعندما نقرأ قوله الحق: # ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله # [ص: 26]. وهو القائل سبحانه: # واتبع هواه فتردى # [طه: 16]. وقد جاء الهوى في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " # أي أن المطلوب أن يطوع الإنسان هواه لمطلوب الله. وما دام قد طوع ~~هواه لمطلوب الله، فهذا يعني أن هواه الشخصي قد امتنع. { ولا ~~تتبعوا أهوآء ms2698 قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا ~~كثيرا وضلوا عن سوآء السبيل }. إن هذا هو النهي عن ~~اتباع الهوى الذي يضل ويكون سببا في الإضلال عن سواء السبيل. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { لعن الذين كفروا... }. ### || [5.78] # الحق سبحانه وتعالى يعطي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة تصبره على ~~ما يلاقيه من خصومه من أهل الكتاب، وكأنه يقول له: إن هذا الأمر ليس ~~بدعا وليس عجيبا لأن تاريخ أهل الكتاب الطويل يؤيد هذا، فها هوذا ~~موقفهم من نبي الله داود، وكذلك موقفهم من عيسى ابن مريم عليه السلام. ~~وهذا يجعل لك أسوة بهؤلاء الرسل الذين نالهم من أذى هؤلاء. فالمسألة ليست ~~خاصة بك وحدك، وإنما هي طبيعة فيهم، ويبسط سبحانه في التسرية عن رسوله ~~صلى الله عليه وسلم حتى يجعل موقفه موقف الصلابة الإيمانية التي لا تخاف ~~ولا تهتز. فينسب هذه الأشياء لنفسه فيقول: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33]. فمرة قالوا عن الرسول: إنه مجنون، ومرة أخرى قالوا: " ~~ساحر " وثالثة قالوا: " كذاب ". وهم يعرفون كذبهم، فهم على الرغم من ~~اتهامهم للرسول بالكذب والجنون والسحر إلا أنهم لا يأمنون أحدا على ~~مصالحهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الأمين دائما. وكان لهم ~~أن يتعجبوا من موقفهم هذا، ومن صدهم عن دين الله بالكفر، وعلى الرغم من ~~ذلك فعندما يكون هناك شيء ثمين ونفيس فلا يؤمن عليه إلا محمد بن ~~عبدالله. ما هذا الأمر العجيب إذن!! لقد عرفوا صدق النبي صلى الله عليه ~~وسلم وحقيقة رسالته - ما في ذلك ريب - ولكن لأن لهم أهواء أصروا على ~~الضلال تمسكا بالسلطة الزمنية. هم يعرفون أن محمدا هو الأمين. ولذلك ~~نرى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع عليا - كرم الله وجهه - ~~ويتركه في مكة ليؤدي الأمانات التي كانت عنده لهؤلاء جميعا. إذن # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك # [الأنعام: 33]. أي أنك يا رسول الله عندهم الصادق. أنت عندهم يا ms2699 رسول ~~الله الأمين. أنت عندهم يا رسول الله في منتهى السمو الخلقي. ولو لم تقل ~~إنك رسول من الله لكانوا قد رفعوك إلى أعلى المنازل. ولكنك ببلاغك عن ~~الله زلزلت سلطتهم الزمنية. ولقد حاولوا أن يثنوك عن الرسالة، فعرضوا ~~عليك الملك، وعرضوا عليك الثراء، ولو كنت تقصد شيئا من ذلك لحققوا لك ما ~~تريد. ولكنك تختار البلاغ الأمين عن الله. لقد عرضوا عليك الملك طواعية. ~~وعرضوا عليك الثروة. وزينوا لك أمر السيادة فيهم شريطة أن تتخلى عن ~~الرسالة. لكنك تختار السبيل الواضح الذي لا لبس فيه على الرغم مما فيه من ~~متاعب، تختار السبيل الذي يكلفك أمنك وأمن من يتبعك. إنك تتبع ما أنزل ~~إليك من ربك. ومن بعد ذلك جاءوا ليحاصروك في الشعب ليمارسوا معك الحصار ~~الاقتصادي بتجويعك وتجويع من معك. # ومع هذا كله ما تنازلت عن البلاغ. وكان يجب أن يفطنوا إلى أنك لا تطلب ~~لنفسك شيئا، لا المال ولا الجاه بل أنت رسول من الله لا تأكل من صدقة ~~أحد، لا أنت ولا أهلك. وكان يجب أن يتساءلوا: لماذا تدخل بنفسك إلى هذه ~~الحرب الضارية فلا أنت طالب جاه ولا أنت طالب مال، ولا أنت طالب لمتعة من ~~تلك المتع. وكان يجب أن يأخذوا العبرة، فهم يعرضون عليه كل هذه الأشياء. ~~وهو يرفضها لأنه خاتم الأنبياء لذلك يتمثل فيه خير كل من سبقه من ~~الأنبياء. يتمثل فيه على سبيل المثال ما قاله سليمان لوفد بلقيس ملكة ~~سبأ: # فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم بل أنتم ~~بهديتكم تفرحون # [النمل: 36]. إذن كان يجب على الناس أن يفطنوا إلى أن النبوة حينما تأتي ~~إنما تأتي لتلفت الناس إلى السماء وإلى منهجها ولتنتظم حركة حياتها في ~~الكون، وأن المنتفع أولا وأخيرا بالمنهج هم أنفسهم لأنهم هم الذين ~~يشقون بمخالفتهم منهج الله. وليجرد كل إنسان نفسه من كل شيء ولينظر إلى ~~المنهج ولسوف يجد أنه في صالحه. فها هوذا سليمان الذي دانت له الدنيا ~~وأعطي ملكا لم يعطه الله لأحد من بعده ms2700 فسخر الله له الريح وسخر له ~~الجن يفعلون له ما يشاء. وكان سليمان يعطي الدقيق النقي للعبيد ليستمتعوا ~~بالطيبات، ويأكل هو ما تبقى من نخالة الدقيق، وكان ذلك دليلا من الله أن ~~هذه المناهج ليست لصالح نبي، ولكن كل نبي إنما يريد بالمنهج صالح من ~~أرسل إليهم. وكانت مقاومة أهل الكتاب لنبي الله داود، وكيف أنهم اعتدوا ~~في يوم السبت فدعا عليهم داود عليه السلام فمسخهم الحق قردة، ولعنهم في ~~الزبور، وكذلك قالوا الإفك في مريم البتول ولعنهم الله في الإنجيل، ولم ~~يكن اللعن إلا بناء على ما فعلوا لذلك يذيل الحق الآية بالقول: { ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون }. والعصيان - كما نعلم - هو ~~العصيان في ذات الإنسان وفي أموره الخاصة التي لا تتعدى إلى الغير، أما ~~الاعتداء فهو أيضا معصية ولكنها متعدية إلى الغير. مثال ذلك: الحاقد ~~إنما يعاقب نفسه، أما السارق أو المرتشي فهو يضر بغيره. إذن فهناك معصية ~~وهناك عدوان، المعصية تعود على صاحبها دون أن تتعدى إلى الغير، أما ~~العدوان فهو أخذ حق من الغير للنفس، وضرر يرتكبه الفرد فينتقل أثرة إلى ~~الغير. ويقول الحق من بعد ذلك: { كانوا لا يتناهون عن ~~منكر فعلوه... }. ### || [5.79] # ونعلم أن حراسة منهج الله تعطي الإنسان السلامة في حركة الحياة على ~~الأرض. وقد جعل الحق سبحانه في النفس البشرية مناعة ذاتية، فساعة توجد في ~~الإنسان شهوة على أي لون سواء في الجنس أو في المال أو في الجاه. فقد ~~يحاول الوصول إليها بأي طريق، ولا يمنعه من ذلك إلا الضمير الذي يفرض ~~عليه أن يسير في الطريق الصحيح. هذا الضمير هو خميرة الإيمان، وهو الذي ~~يلوم الإنسان إن أقدم على معصية، هذا إن كان من أصحاب الدين. ولنا أن ~~ندقق في هذا القول القرآني لأنه يحمل الوصف الدقيق للنفس البشرية في ~~حالتها المتقلبة، فها هوذا قابيل يتحدث عنه القرآن: # فطوعت له نفسه قتل أخيه # [المائدة: 30]. ومن بعد ذلك، قتل قابيل هابيل، ثم هدأت النفس من سعار ~~الغضب وسعار الحقد، وانتقل قابيل ms2701 إلى ما يقول عنه القرآن: # فأصبح من الخاسرين # [المائدة: 30]. فبعد أن غواه غضبه إلى أن قتل أخاه وسلبه الحياة. يبعث ~~الله له غرابا ليريه كيف يواري سوأة أخيه لأنه لم يكن يعرف كيف يواري ~~جثمان أخيه. وانتقل بالندم من مرحلة أنه لم يرع حق أخيه في الحياة فأراد ~~أن يرعى حق مماته، إذن فالنفس البشرية وإن كانت لها شهوات إلا أن لها ~~اعتدالا مزاجيا يتدخل بالندم عندما يرتكب الإنسان إثما أو معصية. ولذلك ~~تجد كثيرا من الناس تعاني من متاعب لأنهم ارتكبوا معاصي، لكنهم يريدون ~~الاعتراف بها لأي إنسان وأي إنسان يتلقى الاعتراف ليست لديه القدرة على ~~تدارك آثار تلك المتاعب لأنها وقعت وانتهى الأمر. لكن لماذا يريد الإنسان ~~أن يعترف لأخر بمعاصيه؟. إنه اعتراف للتنفيس لأن كل حركة في النفس ~~البشرية ينتج عنها تأثير في النزوع، فعندما يغضبك أحد فأنت تنزع إلى ~~الانتقام، ولهذا يأمرك الشرع حين يغضبك أحد أن تغير من وضعك وقل: # حسبنا الله ونعم الوكيل # [آل عمران: 173]. حتى تصرف الطاقة السعارية عندك، فإن أغضبك أحد وأنت ~~قائم فاقعد، وإن كنت قاعدا فاضطجع، وأن كنت ثابتا في مكان فلتسر بضع ~~خطوات. والشرع حين يطلب منك أن تتحرك لحظة الغضب فذلك ليزيل من جسدك بعض ~~الطاقة الفائضة الزائدة التي تسبب لك الغليان فتقل حدة الغضب. ولذلك ~~فالشاعر العربي ينصح كل مستمع للشكوى ألا يرد السماع بل يصغي لصاحب ~~الشكوى لذلك يقول: # ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة # يواسيك أو يسليك أو يتوجع # وحينما تظهر المشاركة لصاحب الشكوى فأنت تريحه، وتهديه إلى الاطمئنان. ~~وينصح الشاعر صاحب الشكوى أن يضعها عند ذي المروءة لأن ذا المروءة إنما ~~يعطيك أذنه ومشاعره وهو جدير أن تستأمنه على السر، وكأن الأسرار في ~~خزانة لن يعرف أحد ما بداخلها، وبمثل هذا الاعتراف يريح الإنسان نفسه، ~~ويصرف انفعاله إلى شيء آخر. # وعندما تكرر النفس البشرية فعل السوء ولا تجد من ينهها أو ينهاها، ~~فالسوء يعم وينتشر، هنا تتدخل السماء بإرسال رسول. ويوضح الحق أن ms2702 السبب ~~في إرسال رسول لهؤلاء الناس أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، ~~والتناهي عن المنكر إنما يكون بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر، ولا يظنن ~~المؤمن أنه بمنجاة عن خاطر السوء في نفسه لأن كلا منا بشر. وعرضة ~~للأغيار، ومن لطف الله لحظة أن يهب خاطر السوء على مؤمن أن يجد أخا ~~خاليا من خواطر السوء فيواصيه بالحق ويواصيه بالصبر لأن الفرد إن جاءه ~~سعار الشهوة في اللحظة التي يجيء فيه السعار نفسه عند صديق له فقد يتفقان ~~على المنكر، أما إن جاء سعار الشهوة لإنسان وكان صديقه مؤمنا خاليا من ~~خواطر السوء، فهو ينهاه ويوصيه بالحق والصبر. وهكذا. يتبادل المؤمنون ~~التناهي بالتواصي فمرة يكون الإنسان ناهيا، ومرة أخرى يكون الإنسان ~~منهيا. وكذلك أعطى الله هذه المسألة كلمة التواصي: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3]. ولم يخصص الحق قوما ليكونوا الناهين، وقوما آخرين ~~ليكونوا المنهيين، لا، بل كل واحد منا عرضة أن يكون ناهيا إن اتجهت ~~خواطر صاحبه إلى الحرام، وعرضة أيضا لأن يكون منهيا إن كانت نفسه تتجه ~~إلى الحرام، وبذلك نتبادل النهي والتناهي، ويسمون ذلك " المفاعلة " مثلما ~~نقول: " شارك زيد عمرا " ، ولا يشارك الإنسان نفسه إنما يشارك غيره، ~~ومعنى هذا أن هناك شخصا قد كان فاعلا مرة، ومرة أخرى يكون مفعولا، وكيف ~~تكون صيغة التفاعل هذه؟. إنها مثل " تشارك " و " تضارب " أي أن يأتي ~~الفعل من اثنين. ومن السهل إذن أن ينهي إنسان صديقا له أو ينهاه صديق ~~له. وقد نفسرها على أن الجميع ينهى نفسه بفعل القوة الخفية الفطرية التي ~~توجد في كل نفس، أي أن كل نفس تنهى نفسها. إذن فالتفاعل إما أن يكون في ~~النفس وإما أن يكون في المجتمع. { كانوا لا يتناهون عن ~~منكر فعلوه } ولننتبه هنا إلى أنهم قد فعلوا المنكر بالفعل، فكيف ~~يكون التناهي عن المنكر؟. يمكن أن نفهم العبارة على أساس أنهم كانوا لا ~~يتناهون عن منكر أرادوا فعله، أي أن الإنسان ms2703 منهم كان يرى زميلا له ~~يتهيأ لارتكاب منكر فلا ينهاه. ومثلها في ذلك قوله الحق: # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم # [المائدة: 6]. وهذا القول لا يعني أبدا أن يتوضأ الإنسان بعد أن يدخل ~~في الصلاة. إنما يعني أن نبدأ الوضوء لحظة الاستعداد للصلاة، يعني إذا ~~أردتم القيام إلى الصلاة وأداءها. وقوله الحق: { كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه } يجعلنا في حالة انتباه وفراسة ~~إيمانية ويقظة. # ويلتفت كل منا إلى نفسه ويرقبها ويراقبها، وإلى أي اتجاه تسير، فلا يترك ~~الإنسان نفسه تتجه إلى أي مكان موبوء أو فعل غير مستقيم. وكذلك ينتبه ~~الإنسان إلى أصدقائه وأخلائه حتى نتناهى عن أي منكر فلا نقع أبدا في ~~دائرة هذا الحكم { كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ~~لبئس ما كانوا يفعلون } فكأننا جميعا علينا أن نحيا في ~~يقظة إيمانية، وأن نقول: " لا " لكل بادرة ولأي حركة من حركات المنكر. { ~~كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما ~~كانوا يفعلون } وساعة نسمع " لبئس " فلنعرف أن اللام إذا سبقت ~~فهي للقسم، وحين يقسم الله فهذا تأكيد للقضية، فهل هذا تأكيد على طريقتنا ~~نحن البشر؟ لا. فليس أحد منا كالله، ونحن في حياتنا نعرف الأدلة على ~~الحق، إما إقرار، وإما شهادة، وإما قسم. والقاضي لا يحكم إلا بإقرار ~~المتهم أو بشهادة الشهود، أو باليمين، وحين يأتي الحق بالحكم فهو يأتي به ~~على معرفة الخلق. وعدم التناهي عن المنكر هو فعل وقول معا. وبما أن الحق ~~لم يقل: لبئس ما كانوا يقولون، ذلك أن القول مقابل للفعل، وكلاهما أيضا ~~عمل، فالقول عمل جارحة اللسان، والفعل هو عمل الجوارح كلها، ويجمع القول ~~والفعل وصف " العمل ". ونلحظ أن المسألة لا تقتصر على القول، إنما هي عمل ~~قد نتج عن فعل. ولنر الحديث النبوي القائل: # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، وإن لم يستطع فبلسانه وإن لم يستطع ~~فبقلبه وهذا أضعف الإيمان ". # وقوله الحق: { لبئس ما كانوا يفعلون } دليل على أنهم كانوا ~~يفعلون المنكر والقبيح قولا وعملا. ويتابع الحق من ms2704 بعد ذلك فيقول: { ~~ترى كثيرا... }. ### || [5.80] # ونلحظ الفارق بين أن يخبر الحق رسوله بأمور حدثت من قبل مثل قوله الحق: # لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان ~~داوود وعيسى ابن مريم.. # [المائدة: 78]. وبين الواقع الذي يجري في زمن رسول الله فالخبر الأول هو ~~خبر عن أمر صدر منهم مع من سبق من الرسل، لكن هناك أشياء يا رسول الله ~~أنت تراها بنفسك، وهذا دليل على أن كفرهم لم يكن نزوة وانتهت، لا، بل ~~كفرهم أصبح ملكة فيهم انطبعت عليها نفوسهم، كيف؟ نعلم أن الإسلام حينما ~~جاء واجه معسكرات شتى، وهذه المعسكرات كانت تفسد حركة الإنسان في ~~الحياة، والحق سبحانه وتعالى خلق الكون مسخرا للإنسان ويريد أن يظل ~~الإنسان حارسا لصلاح الكون أو أن يزيد صلاح الكون وألا يسمح بتسرب ~~الفاسد إلى الصالح. إن هذا هو مراد الحق من وجود منهج للإنسان. وهدف ~~المنهج أن يحمي حركة الحياة كلها من الفساد وأن يزيد صلاحية الكون، ~~فعملنا في الكون دائما لصالحنا ولا يوجد عمل يفعله مخلوق يأتي للحق ~~سبحانه وتعالى بصفة زائدة على كمالاته - سبحانه - لأن الحق له كمال ~~الصفات، وهو الذي خلقنا وأوجدنا وأمدنا، وتكليفنا منه لم يزده سبحانه ~~شيئا، فهو - سبحانه - مستغن بذاته عن جميع خلقه. جاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - إذن - ليحارب معسكرات هي معسكر أهل الشرك في مكة، ومعسكر أهل ~~الكتاب، وكان المفترض في أهل الكتاب أن لهم صلة بالسماء ولهم إلف بمناهج ~~الرسل. وبمعجزات الرسل وعندهم البشارة برسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~كتبهم، ومعكسر المنافقين الذين ظهروا بعد أن قويت شوكة الإسلام، فأعلنوا ~~الدخول في الإسلام وهم لم يؤمنوا بل أضمروا الكفر. وعندما نتوقف عند ~~معكسر أهل الكتاب، كان من الطبيعي أن ينتظر منهم رسول الله أن يؤمنوا ~~لأنه جاء بالمنهج الذي يقوي من صلة السماء بالأرض، لو كانوا صادقين ~~وحريصين على تلك الصلة. وخصوصا أنهم كثيرا ما تباهوا بمقدم النبي قبل ~~أن تأتي الرسالة. وكانوا يقولون للأوس والخزرج: لقد أظل زمان ms2705 نبي يخرج ~~بتصديق ما قلنا، يأتي سنتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. وفي ذلك جاء قول ~~الحق: # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89]. وقالت لهم كتبهم: إن النبي إنما يأتي في أرض ذات نخيل، ~~وهذا ينطبق على مكان مبعثه صلى الله عليه وسلم. إذن فقد عرفوا المكان، ~~وعرفوا الصفات، وعرفوا الجبهات التي سيحارب فيها لأنه سبق لأنبيائهم أن ~~حاربوا فيها. وعندما جاء محمد رسولا من عند الله اهتزت سلطتهم الزمنية، ~~وأرادوا أن يستبقوها بتحريفهم منهج السماء. # وجاء محمد صلى الله عليه وسلم بالمنهج الرباني ليعيد حركة الكون إلى ~~الإيمان. ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة بينما كانوا ينسجون ~~الإكليل كتاج لملك ينصبونه. هكذا أوقف رسول الله سلطتهم الزمنية ولم يعد ~~لهم الجاه، ووحد الأوس والخزرج، وكان اليهود يعيشون على الشقاق بينهما، ~~ببيع الأسلحة والإقراض بالربا. ومع مجيء محمد صلى الله عليه وسلم تهدم ~~بنيان سلطتهم لذلك حاولوا أن يشجعوا خصوم رسول الله وهو ما زال في مكة ~~ليهزموا الدين الجديد حتى لا يزحف الدين إلى المدينة ويهدر سلطانهم. وفي ~~ذلك جاء القول الحق: # إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا ~~يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم # [آل عمران: 77]. والثمن القليل هو الأبهة والرئاسة وسدة الحكم. وها هوذا ~~كعب بن الأشرف كبير يهود وله ثراء ولسان، يخرج إلى قريش ليناقشهم في ~~ضرورة وأد الدين الجديد والقضاء عليه. فقالت له قريش: إنك من أهل الكتاب. ~~ولك صلة بالسماء. فيقول لهم: إنكم أهدى من محمد سبيلا!! كيف يصير ~~المشركون عبدة الأصنام أهدى من محمد سبيلا؟. وهكذا نرى قوله الحق: { ~~ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا }. لقد ~~تحالفوا مع معكسر الشرك الذي كان بينهم وبينه خصومة حتى لا تتسرب السلطة ~~من أيديهم. وتعاونوا مع الذين أشركوا لإيقاف زحف الدين الجديد. { ترى ~~كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما ~~قدمت لهم ms2706 أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي ~~العذاب هم خالدون } [المائدة: 80]. ويتولونهم أي ينصرونهم ~~ويعينونهم ويدعون أنهم على حق، وكأن الدين الجديد على باطل. ويقسم الحق ~~هنا أنه بئس ما زينت لهم النفس الأمارة بالسوء، لأنهم افتقدوا النفس ~~اللوامة، وغلبت عليهم النفس الأمارة بالسوء. وتتابع الآية: " أن سخط الله ~~عليهم وفي العذاب هم خالدون " وينشأ عن السخط الابتعاد عن طريق الهداية. ~~والبعد عن طريق الهداية يقود إلى العذاب الخالد. كأن الحق يوضح لهم: على ~~فرض أنكم أخذتم متاعا قليلا في الحياة، ولكنكم أتيتم لأنفسكم بمتاعب ~~أزلية تنتظركم في الآخرة. ويقول الحق بعد ذلك: { ولو كانوا ~~يؤمنون... }. ### || [5.81] # فلو كان عندهم إيمان بالله حقيقة وبالمنهج المنزل من الله، ما اتخذوا ~~أهل الشرك أولياء، ولكن كثرة هؤلاء أهل فسق. ونلحظ أن الكثير فاسق، وهذا ~~يعني أن القليل غير فاسق. ويقول الحق بعد ذلك: { لتجدن أشد ~~الناس... }. ### || [5.82] # الحق سبحانه وتعالى يقسم لرسوله صلى الله عليه وسلم أن واقع الحياة مع ~~فرقتين كاليهود والنصارى سيتجلى واضحا على الرغم من أن كل جانب منهما ~~مخالف لرسول الله في ناحية، فمواجيد هؤلاء الناس وأهواؤهم مختلفة ولكنهم ~~اتفقوا جميعا في الهدف. فاليهود أشد عداوة لأنهم أخذوا سلطة زمنية ~~جعلتهم السادة في المنطقة، أما النصارى فلم تكن لهم سيادة ولا سلطة زمنية ~~وكانوا عاكفين في صوامعهم وبيعهم يعبدون الله. والجانب الذي ليس له سلطة ~~زمنية لا يعادي من جاء ليسحب من أهل الجور سلطتهم الزمنية ويقيم العدل ~~بين الناس. فما العلة في ذلك؟ يقول الحق: { ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ~~ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا }. و " القسيسون " جمع ~~قس وهو المتفرغ للعلم الرباني. و " الرهبان " هم الذين تفرغوا للعبادة. ~~فكأن القسيس مهمته أن يعلم العلم. والراهب مهمته أن ينفذ مطلوب العلم ~~ويترهبن. إننا نجد هنا أن الحق سبحانه وتعالى قد امتن بشيئين وبذلك جعلهم ~~أقرب مودة للذين آمنوا، امتن سبحانه بأن منهم قسيسين يحافظون على علم ~~الكتاب، وامتن بأن منهم رهبانا ينفذون مدلول المطلوب ms2707 من العلم، وبذلك ~~صاروا أقرب مودة للذين آمنوا إن ظلوا على هذا الوضع لأن العلة تدور مع ~~المعلول وجودا وعدما. وما دام قد عللها - سبحانه - بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون فذلك لأنهم لا يتطاولون إلى رئاسة وليس لهم ~~تكبر أو ترفع لأن طبيعة دينهم تعطيهم طاقة روحية كبرى حتى إنهم يقولون: " ~~من ضربك على خدك الأيمن أدر له خدك الأيسر ". وهذا يعطيهم شحنة إيمانية ~~نراها ناضحة عليهم. { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ~~وأنهم لا يستكبرون } وقد جاء واقع الكون مؤيدا لهذا، ~~فمواقف اليهود من رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفة حتى إنهم نزلت بهم ~~الخسة وتمكن منهم الحقد ودفعهم الغدر أن أرادوا أن يقلوا عليه حجرا ~~ليقتلوه وحاولوا دس السم له. وحين تجد إنسانا لا يجد طريقا إلى الخلاص ~~من خصمه إلا بأن يقتله، فيمكنك أن تواجهه قائلا: أنت لا تملك شجاعة ~~تواجهه بها في حياته، ولو كنت تملك تلك الشجاعة ما فكرت في أن تقتله. ~~وهذا دليل على أنه أضعف منه وليس أشجع منه، فلو كان قويا لكان عليه أن ~~يواجه هذا الخصم مواجهة في حركة حياته ولا يفكر في قتله لأن الضعيف هو من ~~يرى أن حياة الخصم ترهقه. لقد كان اليهود أهلا لهذا الضعف في زمن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ونعلم أنه صلى الله عليه وسلم حينما جهر بدعوته ~~اتبعه بعض الناس، ولكن هؤلاء المؤمنين الأوائل عانوا من اضطهاد أهلهم ~~وذويهم. # حتى إن البيت الواحد انقسم. مثال ذلك تجد أن أم حبيبة السيدة رملة وهي ~~بنت أبي سفيان تؤمن بينما والدها شيخ الكفرة آنذاك، وتذهب أم حبيبة مع ~~زوجها إلى الحبشة ويحرص سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه ~~الخلايا الإيمانية لأنه يعلم أنها ستفرخ الإيمان من بعد ذلك. وبتلك ~~الهجرة إلى الحبشة أراد صلى الله عليه وسلم أن يحمي بذور الإيمان لتكون ~~هي مركز انتشار الإيمان من بعد ذلك لأنهم سوف يؤدون مهمة إيمانية، ~~والشجاعة - كما نعلم - تقتضي الحرص. ms2708 وشاعرنا أحمد شوقي - رحمه الله - قال ~~في إحدى مقطوعاته النثرية التي سماها " أسواق الذهب ": ربما تقتضيك ~~الشجاعة، أن تجبن ساعة؟ وهذه الشجاعة لا تكون على العدو فقط ولكنها تكون ~~شجاعة في مواجهة النفس، مثال ذلك: لو أن جماعة من الأقوياء كانوا جالسين ~~معا في جلسة سمر، ثم دخل عليهم صعلوك يحمل مسدسا، وقام بتوجيه السباب ~~لكل منهم، هنا يتحايل عليه هؤلاء إلى أن يتمكنوا منه ليعاقبوه. إذن ~~فالشجاعة تقتضي أن يجبن الإنسان لحظة إلى أن يتمكن من الخصم. وهذه هي ~~الكياسة والحيلة، فالإيمان ليس انتحارا، بل يقتضي الإيمان ألا يدخل ~~المؤمن معركة إلا وعنده حسبان في الكسب. وها هوذا حضرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم يسمي خالد بن الوليد " سيف الله المسلول " في معركة لم ينتصر ~~فيها خالد، ولكنه انتصر انتصارا سلبيا بأن عرف كيف يسحب الجيش، ~~فالأمر بسحب الجيش يحتاج إلى قوة أكثر مما يحتاج إليه النصر. فالمنتصر ~~تكون الريح معه. أما المهزوم فتكون الريح ضده. ونجد القرآن الكريم يقول: # ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ~~أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله ~~ومأواه جهنم وبئس المصير # [الأنفال: 16]. إذن فالمناورة والكيد من المهارة القتالية لأنها تتيح من ~~بعد ذلك القدرة على مواجهة العدو. وينير النور الإلهي بصيرة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيستعرض الأرض كلها حتى يختار مكانا آمنا يذهب إليه ~~هؤلاء المؤمنون، فيختار الحبشة. لم يشأ صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم ~~بالذهاب إلى أي قبيلة من القبائل، لأنه يعلم أن كل قبائل الجزيرة تخشى ~~قريشا، فموسم الحج جامع للقبائل تحت سيادة قريش. ومن يقف ضد إرادة قريش ~~فسيتعرض للمتاعب، وعلى ذلك لن يأمن رسول الله على خلايا الإيمان أن ~~يذهبوا إلى أي قبيلة. واستقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرض كلها، ~~واختار الحبشة؟ لماذا؟ ها هي ذي كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~باقية إلى زماننا: # " إن بها ملكا لا يظلم عنده أحد فأقيموا ببلاده حتى يجعل الله لكم ~~مخرجا مما ms2709 أنتم فيه ". # وفي حديث الزهري: لما كثر المسلمون، وظهر تعذيب الكفار - قال عليه ~~الصلاة والسلام: # " تفرقوا في أرض الله فإن الله سيجمعكم، قالوا: إلى أين نذهب؟ قال: إلى ~~ها هنا وأشار بيده إلى أرض الحبشة ". # وتسللوا في جنح الليل إلى الطريق متجهين إلى الحبشة. وعندما علمت قريش ~~بالخبر حاولت أن تقطع عليهم الطريق لتعيدهم إلى مكة لتواصل الحملة عليهم ~~والتنكيل بهم لصدهم عن الإسلام. ولكن الحق أراد أمرا مختلفا وكان ~~الطريق سهلا، ووصلوا إلى الحبشة، وأنجاهم الله من كيد الكافرين. كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك - بما علمه له ربه - الخبرة الكاملة ~~بالرقعة الأرضية ويعرف من يظلم من الحكام ومن لا يظلم. وصدق رسول الله في ~~فراسته الإيمانية، فحينما ذهب المؤمنون المهاجرون إلى الحبشة وجدوا أنهم ~~دخلوا دار أمن، أمنوا فيها على دينهم. وجن جنون قريش وأرادوا استرداد ~~هؤلاء القوم من النجاشي ملك الحبشة فأرسلوا صناديدهم ومعهم الهدايا ~~والتحف لملك الحبشة. سافر عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة، وعمارة ~~بن الوليد بن المغيرة. وطلب وفد قريش من النجاشي أن يسلمهم هؤلاء ~~المهاجرين إلى الحبشة، وحاولوا الدس للمهاجرين عند النجاشي، فاتهموا ~~المسلمين المهاجرين أنهم قوم تركوا دين الآباء واعتنقوا دينا جديدا ~~يعادي الأديان كلها. ويقولون في عيسى بن مريم قولا لا يليق به أو بأمه. ~~ورفض النجاشي أن يصدق حرفا واحدا، وطلب أن يسمع من هؤلاء المهاجرين. ~~فتقدم جعفر بن أبي طالب وقال: " أيها الملك كنا أهل جاهلية، نعبد الأصنام ~~ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، ويأكل القوي ~~منا الضعيف. فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه ~~وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن ~~وأباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة ~~وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش ~~وقول الزور وأكل مال اليتيم وقدف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا ~~نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ms2710 فصدقناه وآمنا به ~~واتبعناه على ما جاء به من الله وحده لا نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم ~~علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ~~ليردونا إلى عبادة الأوثان وترك عبادة الله تعالى وأن نستحل ما كنا عليه ~~من الخبائث، فلما قهرونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى ~~بلادك، وآثرناك على من سواك، ورجونا ألا نظلم عندك ". وثبت للنجاشي أن ~~المسيح بشهادة القرآن نبي نقي طاهر العرض. وهكذا لم يستمع إلى وشاية وفد ~~قريش. وامتلأ قلب النجاشي بالإيمان ولم يستكبر مع أنه ملك ووقف أمام ~~محاولات قريش للنيل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وعندما سمع ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم من سورة مريم قال: ~~إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. وعرف رسول الله أن ~~الإيمان قد خامر قلب النجاشي، بدليل أن أم حبيبة بنت أبي سفيان عندما ~~هاجرت مع زوجها إلى الحبشة وتنصر الزوج لكنها بقيت على دينها على الرغم ~~من أنها كانت تحبه خالص الحب، وهنا انفصلت أم حبيبة عن زوجها وذلك حتى ~~يثبت الحق أن - هجرتها - كانت لله. وأراد الله على لسان رسوله صلى الله ~~عليه وسلم أن يكرمها وأن يكرم النجاشي على موقفه من عدم تسليم المؤمنين ~~إلى وفد قريش وموقفه من أنه شهد للإسلام بأنه يخرج من نفس المشكاة التي ~~خرج منها إنجيل عيسى عليه السلام، لذلك يجعله رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم ولي نكاحه لأم حبيبة لأنه مأمون على ما عرف من الإنجيل، ومأمون ~~على ما سمع من القرآن في مريم، ومأمون على أنه لم يسلم المهاجرين لذلك ~~اختاره وكيلا عنه في زواجه من أم حبيبة بعد أن تنصر زوجها، وتلك حادثة ~~واحدة أضاءت أكثر من موقف: موقف أم حبيبة التي أثبتت أنها لم تذهب إلى ~~الهجرة تبعا لزوجها، فلو تبعت زوجها لتنصرت كما تنصر. وأضاءت أن رسول ~~الله كان لا ينطق عن الهوى حين قال ms2711 مسبقا عن النجاشي: إنه لا يظلم عنده ~~أحد. وعندما يبلغ الرسول نبأ وفاة النجاشي فهو - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي عليه صلاة الغائب. { لتجدن أشد الناس عداوة ~~للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن ~~أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا ~~إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ~~وأنهم لا يستكبرون } [المائدة: 82]. وهذا امتنان من الله ~~بأن جعل منهم القسيسين الذين يعلمون وهذا تكريم للعلم والرهبان الذين ~~ينفذون منطوقات العلم. إذن فلنعلم أننا يجب أن نفرق بين العالم الذي قد ~~يكتفى بأخذ العلم عنه إن لم يكن يعمل به، وأن نحترم الذين يعبدون الله ~~تطبيقا للعلم بالله ونترك هؤلاء الذين لا يعملون بعلمهم لينالوا جزاءهم، ~~ولكن علينا أن نأخذ بعلمهم ونعمل به. # فخذ بعلمي ولا تركن إلى عملي # واجن الثمار وخل العود للنار # ونجد أن قوله الحق: { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ~~} حيثية تجعلهم أقرب مودة للمسلمين. فهل الرهبانية ممدوحة عند الله؟ ~~وإذا كانت ممدوحة عند الله فلماذا قال سبحانه: # ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ~~ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب ~~الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ~~ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان ~~الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون # [الحديد: 27]. هو سبحانه يحدثنا عن موكب الرسل إلى أن وصل إلى عيسى عليه ~~السلام وما جاء به من الإنجيل وكيف أودع في قلوب الذين اتبعوه شفقة شديدة ~~ورقة وعطفا وابتدعوا الرهبانية زيادة منهم في العبادة ولم يفرضها الله ~~عليهم، لكنهم التزموها ابتغاء رضوان الله لكن منهم من حافظ عليها والكثير ~~منهم فسق عنها. وسبحانه حين يفرض أمرا تعبديا فعلى المؤمن أن يؤديه. ~~ويزيد ثواب المؤمن إن ترقى في التعبديات. لكن إن ترقى الإنسان في التعبد ~~فعليه أن يعطي هذا الترقي حقه لأنه ألزم به نفسه أمام الله. إذن ~~فالمأخوذ عليهم ليس ابتداع الرهبانية، ولكن عدم رعاية بعضهم لها حق ~~الرعاية. { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا ~~وأنهم لا يستكبرون } إذن فمنهم من يرصد حياته ms2712 للعلم، ومنهم ~~النموذج التطبيقي العملي وهم الرهبان، وليس فيهم الاستكبار أو العلو، وما ~~دام فيهم ذلك فهذا يعني أنهم لا يطلبون السلطة الزمنية. وسيظلون أقرب ~~إلينا مودة ما دامت فيهم هذه الحيثية. فإن تخلوا عن واحدة منها وأصابوا ~~سلطة زمنية فهذا يعني أنهم تخلوا عن الصفة التي حكم الله لهم بسببها ~~بأنهم أقرب مودة. وإن تمسكوا بها على العين والرأس. ويقول الحق من بعد ~~ذلك: { وإذا سمعوا مآ أنزل... }. ### || [5.83] # هذه دقة الأداء القرآني الذي جاء من قبل أن يجهد المفكرون أنفسهم في ~~دراسة ظواهر وأحوال النفس البشرية في مجال علم النفس بالبحث والاستقراء ~~والتجارب، وأثر ذلك في وظائف الأعضاء. لقد قال العلم: إن لكل آلة وظيفة، ~~فالعين ترى، والأذن تسمع، واللسان يتذوق ويتكلم، والأنف يشم، واليد تلمس، ~~وقال العلماء في البداية: إن هذه هي الحواس الخمس الظاهرة، وكلمة " ~~الظاهرة " هذه إنما جاءت للاحتياط لأن هناك أمورا يشعر بها الإنسان ولكن ~~لا يدرك كيفية ولا مصدر شعوره بها مثل الجوع أو العطش، أو في أثناء ~~المقارنة بين شيئين أيهما أكثر ثقلا. لقد حاول العلماء إدراك كيفية ~~تمييز الإنسان بين ثقل وثقل آخر، فقالوا: إن هناك حاسة اسمها حاسة العضل، ~~فعندما يحمل الإنسان شيئا ما فإنه يجهد العضلات لدرجة تمكنه من التمييز ~~بين درجات الجهد. وعرفوا أيضا أن هناك حاسة اسمها حاسة البين، وهي ~~الحاسة التي يميز بها الإنسان درجة نعومة أو سمك أي نوع من القماش حتى ~~ولو كان السمك يبلغ الواحد من العشرة من المللميتر. إذن فهناك حواس كثيرة ~~يمكن للإنسان الإدراك بها، وهناك حواس تترك بعضا من الأثر في النفس ~~البشرية كآثار الحب والميل أو البغض والنفرة، ومقرها الوجدان. كإدراك ~~حلاوة طعم شيء أو كراهة شيء آخر، فإذا استطاب الإنسان شيئا أخذ منه مرة ~~ثانية، وهذا العمل هو نزوع يتبع الوجدان الذي يتبع الإدراك. إذن فهناك ~~إدراك يدرك. وهناك وجدان يجد، وهناك نزوع ينزع. مثال ذلك إدراك وردة ~~جميلة المنظر واللون في بستان هذا الإدراك قد يصيب من ms2713 القلب عشقا وحبا ~~أي وجدانا، وأنت حر في أن تدرك ما شئت، وأن تجد ما شئت، لكن ليس لك أن ~~تمد يدك لتقطف الوردة لأن الشرع يحرم ذلك. وحارس البستان أيضا يمنعك من ~~ذلك. هذا على الرغم من أن أحدا لا يمنعك من أن تنظر إلى الوردة وتستمتع ~~بجمالها. فالإدراك - إذن - مباح، والوجدان أمر مباح. أما النزوع فهذا هو ~~الأمر الذي تتدخل فيه الشريعة، ولنا أن نكرر أن الإدراك مباح والوجدان ~~مباح إلا في إدراك جمال الأنوثة، فالشرع يتدخل من البداية. فأنت قد تدرك ~~جمال المرأة فتجد في نفسك حبا وميلا، فإذا نزعت فكيف يمكنك أن تضبط ~~نفسك؟ فأنت بعد الإدراك والوجدان إما أن تنزع وإما أن تكبت. وإن نزعت ~~انتهكت أعراض الناس، وإن كبت، أصابك القهر والألم لذلك يتدخل الشرع في ~~هذه المسألة من بدايتها فيمنعك تحريما من أن تدرك، وذلك بأمر واضح وهو ~~غض البصر لأن المسألة الجنسية من الصعب أن تفصلها عن بعضها، فالإدراك ~~يمكن فصله عن الوجدان، والنزوع يمكن فصله عن الوجدان والإدراك في أمر ~~الوردة. # أما في المسألة الجنسية فهي سعار.. إما أن يقابله الإنسان بأن يعف وإما ~~أن يلغ. فإن عف الإنسان فهو يكبت ويتوتر، وإن ولغ الإنسان في أعراض الناس ~~فهذا أمر يسبب هتك أعراض الناس. ولذلك يمنع الشرع من البداية مسألة ~~الإدراك. وقد جاءت هذه الآية الكريمة قبل أن يأتي علماء النفس ليفسروا ~~أمور الإدراك والوجدان والنزوع، فهاهوذا الحق يقول: { وإذا سمعوا ~~} وهذا إدراك بحاسة الأذن. وما المسموع، يجيب القرآن: { مآ أنزل ~~إلى الرسول }. وهذا هو سبب الوجدان الذي يأتي في قوله: { ترى ~~أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق }. ~~فكيف يكون نزوعهم بعد هذا الوجدان؟ إنهم: { يقولون ربنآ آمنا ~~فاكتبنا مع الشاهدين } ، هذه هي العملية النزوعية. والقرآن ~~الذي نزل من أربعة عشر قرنا، جاء بترتيب الإدراك والوجدان والنزوع قبل ~~أن يأتي به العلم. فساعة سمعوا بالأذن، حدث شيء في الوجدان، والتغير الذي ~~في الوجدان له علامات ظهرت في عيونهم التي ms2714 فاضت بالدمع. وهنا نميز بين ~~أمرين: الأول هو اغروراق العين بالدمع، أي أن تمتلئ العين بالدمع لكن لم ~~تصل درجة التأثر إلى أن تسقط الدموع من العين، ويقال: " اغرورقت عين فلان ~~" أي امتلأت عينه بالدموع ولكنها لم تسقط. والثاني وهو فيض الدموع من ~~العين، والفيض لا يكون إلا نتيجة امتلاء الظرف بالمظروف، فكأن الدمع قد ~~ملأها امتلاء، تماما مثلما نملأ إناء أو كوبا إلى النهاية فيزيد ويفيض. ~~إذن كان سبب كل ذلك أنهم عرفوا أن القرآن من الحق. ونلحظ أن: " من " ~~تتكرر في الأداء هنا. { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ~~ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من ~~الحق }. ف " من " تسبق من الدمع. و " من " مدغومة في " ما " فصاروا ~~معا " مما و " من " تسبق الحق. { تفيض من الدمع } ف " من ~~" هنا هي: " من " الابتدائية. و " مما عرفوا " هنا " من " السببية أي ~~بسبب أنهم عرفوا أن هذا القرآن منزل من الحق سبحانه. و " من الحق " ~~للتبعيض، أي عرفوا بعضا من الحق لأنهم لم يسمعوا كل القرآن. إذن جاءت " ~~من " ثلاث مرات، وكل مرة لها مجال لتؤدي إلى المجموع البياني الذي يصف ~~المظاهر الثلاثة للإدراك والوجدان والنزوع. وهذه المراتب هي مظاهر الشعور ~~التي انتهى إليها العالم التجريبي حين أراد أن يتعرف إلى وظائف الأعضاء ~~ومدى تغلغلها إدراكا ووجدانا ونزوعا. والنزوع هو الذي يهمنا هنا، لقد ~~قالوا: { فاكتبنا مع الشاهدين } والإيمان أمر يعود إليهم. ~~أما الكتابة مع الشاهدين فهي أمر يعود على الآخرين، فكأن المؤمن ينال ~~حظا عاليا، إنه يؤمن لذاته، ثم من بعد ذلك يكون وعاء ولسانا يبلغ ~~منهج الإيمان إلى غيره لأنه لا يكون شاهدا إلا إذا كانت شهادته امتدادا ~~لشهادة الرسول وهذا مصداق لقوله سبحانه وتعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ~~ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون # [آل عمران: 110]. أي إنكم يا أمة محمد أفضل أمة أخرجت للناس لا حسبا ~~ولا نسبا ولكن اتباعا لمنهج، ومن ms2715 يتبع المنهج ب " افعل " و " لا تفعل ~~" فهو الذي يطبق عملية الإيمان بالله. ومن أهل الكتاب من يؤمن بالله ~~فيصير مسلما، ولكن الكثير منهم يخرج عن حدود الإيمان. وهناك آية أخرى ~~يقول فيها الحق: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما ~~جعلنا القبلة التي كنت عليهآ إلا لنعلم من ~~يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت ~~لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ~~ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم # [البقرة: 143]. إذن فالأمة التي تتبع منهج الإسلام - وهو منهج الاعتدال ~~- هي الأمة المهتدية التي تسير إلى العمل الصالح الصحيح وتعمل به وتطبقه ~~لأنه المنهج الذي ينسخ ما قبله ويصححه، والرسول صلى الله عليه وسلم هو ~~المهيمن على كل من سبقه من الرسل، وحياته وما جاء فيها من سلوك هو سنة ~~إيمانية تهدي المؤمنين إلى الطريق المستقيم. وجاءت في هذه الآية مسألة ~~تحويل القبلة لتعلم المسلمين أن الأمر الأول بالاتجاه إلى بيت المقدس كان ~~اختبارا ينجح فيه من يذعن لصاحب كل أمر وهو الله، وكان ذلك من الأمور ~~الشاقة إلا على من وفقه الله إلى الهداية، ثم جاء من بعد ذلك الأمر ~~بتحويل القبلة إلى الكعبة وهي أول بيت وضعه الله للناس. إذن فمادمنا ~~شهداء، وما دام الرسول شهيدا علينا، فالرسول إنما يشهد أننا بلغنا وننال ~~منزلتين: منزلة تلقى البلاغ عن الرسول، ومنزلة الإبلاغ من بعد ذلك إلى ~~غيرنا من الناس. والمؤمن لا يكون شهيدا إلا إذا كانت شهادته امتدادا ~~لشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم. هذه الشهادة التي جاء بها الحق في وصف ~~أمة المؤمنين: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ~~ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون # [آل عمران: 110]. فأنتم يا أمة محمد أفضل أمة أخرجها الله للناس بشرط أن ~~تتبعوا المنهج ب " افعل " و " لا تفعل ". تأمرون بالطاعات وتنهون عن كل ~~ما نهى عنه الدين، وبذلك تكونون قد طبقتم ms2716 المنهج الدال على صدق إيمانكم ~~بالله إيمانا صحيحا صادقا. ولو صدق أهل الكتاب مثلكم في إيمانكم، لكان ~~خيرا لهم مما هم عليه. # لكن بعضا منهم يدير أمر الإيمان في قلبه، والكثير منهم يخرج ويفسق عن ~~مقتضى الإيمان. إذن فهم عندما قالوا: { آمنا فاكتبنا مع ~~الشاهدين } ، فذلك إقرار بأن الإيمان كان إيمان ذات وإيمان بلاغ إلى ~~الغير. وهم بذلك قد دخلوا الإسلام وصاروا من أمة محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وهاهوذا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". # وهاهوذا الحق يحدد لنا قيمة الكلمة الطيبة المبلغة عن الله: # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء * ~~تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله ~~الأمثال للناس لعلهم يتذكرون # [إبراهيم: 24-25]. إن الكلمة الطيبة هي شجرة لها من الثمار ما ينفع ~~الناس وتظلل بظلها الحنون سامعها، ولها أصل ضارب الجذور في الأرض. ولها ~~فروع تعلو إلى اتجاه السماء. وتعطي الثمار في كل زمن بإرادة خالقها. وهذا ~~المعنى المحسوس ماديا يضربه الله كمثل للناس حتى يعرفوا قيمة المعاني ~~السامية. إذن سيظل صاحب قولة الحق في بلاغ منهج الإيمان إلى الناس يقطف ~~ثمار هذه الكلمة ما بقي إنسان مؤمن إلى أن نلقى الله. { فاكتبنا ~~مع الشاهدين } والشاهد هو المبلغ. وعندما يطلب مؤمن من الله أن ~~يكتبه مع الشاهدين فهو يطلب لنفسه المكانة مع النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين. فالشهيد ليس هو من قتل فقط، إنما الشهيد هو من يعطي شهادته. ~~والشهيد في معركة إيمانية تفقده حياته هو إنسان أعطى شهادة على أن ما ذهب ~~إليه إثمن من حياته كلها. وهو في ذلك يعطي شهادة عملية. ومن بعد ذلك يقول ~~الحق: { وما لنا لا نؤمن... }. ### || [5.84] # عندما يأتي التعجب هنا فهذا معناه أن الإنسان يحب أن يعلم أن إيمانه ~~بالله مسألة تعطينا الخير لأنفسنا. فحين نؤمن بالله يقابلنا الحق بفيض ~~الكرم من اطمئنان وخير وعطاء. فإياكم أيها الناس أن تعتقدوا أن ms2717 الإيمان ~~جاء ليحجب حرياتكم أو أنه يمنع عنكم اشتهاء الأشياء. ولكن الإيمان جاء ~~ليعلي الحرية، ويعلي الشهوة فلا يأخذها الإنسان عابرة تنتهي بانتهاء ~~الدنيا ولكن ليأخذها الإنسان خالدة ما بقيت السماوات والأرض. إذن فالدين ~~إنما جاء بالنفعية العاقلة لأن العاقل إنما يأخذ على مقدار عمره من نفع ~~يسير لا يضر أحدا، وإن كان يضر النفس أو الغير فالدين يأمر بترك هذا ~~النفع، ذلك أن النفع إما أن يفوت الإنسان أو يفوته الإنسان. والذكي هو من ~~يؤثر نفع غيره على نفع نفسه. مثال ذلك أن يأتيك سائل يسألك الطعام لأنه ~~لم يأكل منذ يومين، ولا يكون في جيبك إلا جنيه واحد فتعطيه له، إنك بذلك ~~تؤثره على نفسك، فتكون ضمن من قال فيهم الحق سبحانه: # والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ~~يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون # [الحشر: 9]. وبمثل هذا السلوك يكون الإنسان قد اقتدى بالأنصار الذين ~~استضافوا المهاجرين وأخلصوا الإيمان فأحبوا أهله، ولا يجدون حقدا أو ~~حسدا فيما خص به المهاجرون من مال الفيء وغيره، وكان جل همهم أن يسعد ~~المهاجرون وقد سبق أن آثروهم بأشياء كانت لهم وارتضوا لأنفسهم عدم البخل، ~~فوقاهم الله شر البخل فكانوا من الفائزين. والمتصدق بجنيه إنما يأخذ من ~~الله عشرة أمثاله، وهذه نفعية كبرى. وعندما أمرنا الشرع بغض البصر عن ~~محارم الغير، والمنفذ لذلك يحفظه الله ويغض الجميع عيونهم عن محارمه، ~~أليست هذه نفعية؟ إذن فمن الحمق أن يظن إنسان أن الدين يقيد الحرية، لأن ~~الدين إنما يعلي الحرية وينميها، وينمي الانتفاع عند المؤمن بأن يحول ~~بينه وبين النفعية الحمقاء. ودائما أضرب هذه المثل: لنفترض أن رجلا له ~~ولدان الأول منهما يستيقظ صباحا من النوم فيفعل مثلما علمه أبوه: يتوضأ ~~ويصلي ويتجه إلى دراسته بعد أن يتناول إفطاره، أما الابن الثاني فلا ~~يستيقظ إلا بصعوبة ويظل يتناوم إلى أن يأتي الضحى ثم يخرج من المنزل ms2718 إلى ~~المقهى. إن كلا من الولدين أراد النفع لنفسه، الأول أراد النفع الآجل، ~~والثاني أراد النفع العاجل، وبعد أن تمر عشر سنوات يتخرج الابن الأول ~~ليكون مفلحا وناجحا في الحياة، ولكن الابن الثاني يظل صعلوكا فاشلا، ~~إذن فكلاهما نظر إلى النفعية ولكن المنظار مختلف. وإياكم أن تفهموا أن ~~هناك إنسانا لا يحب نفسه، لا. # كلنا نحب أنفسنا. ولكن هناك من يحب نفسه حبا يعطي لها طول البقاء، فيجد ~~ويجاهد، وقد يكون شهيدا، وآخر أحب نفسه بضيق أفق فحافظ على حياته بالجبن ~~وهو قد مات ألف مرة في أثناء هذا الجبن، وفقد كرامته حرصا على حياة لن ~~يزيد في مقدارها يوما واحدا. والمتنبي يقول: # أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه # حريصا عليها مستهاما بها صبا # فحب الجبان النفس أورده التقى # وحب الشجاع النفس أورده الحربا # ولذلك فالمتأمل بعمق في أمر الدين يقول لنفسه: " ومالنا لا نؤمن بالله ~~وما جاءنا من الحق " ، والمؤمن يرى أنه من العجيب ألا يؤمن لأنه يطمح إلى ~~مكانة المؤمن. " ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين " إذن فالمؤمن ~~يطلب مكانة الإنسان الصالح. ويقول الحق من بعد ذلك: { فأثابهم ~~الله... }. ### || [5.85] # إنها كلمة الحق التي تقال في كل مكان وزمان. قالها نجاشي الحبشة وله ~~سلطان لأهل الجاه من قريش الذين استبد بهم باطلهم لذلك كان لهذه الكلمة ~~وزنها، فعندما سمع ما نزل من القرآن من سورة مريم قال: إن هذا والذي جاء ~~به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. إذن فهي كلمة حق لها وزن، والله سبحانه ~~وتعالى يجزل العطاء لكل من ساند الحق ولو بكلمة فهو سبحانه الشكور الذي ~~يعطي على القليل الكثير، و المحسن الذي يضاعف الجزاء للمحسنين. ولنا أن ~~نعرف أن للقول أهمية كبرى لأنه يرتبط من بعد ذلك بالسلوك. وكان قول ~~النجاشي عظيما، لكن العمر قد قصر به عن استمرار العمل بما قال. فقد قال ~~كلمته وجاءه التوكيل من رسول الله ليعقد للرسول على أم حبيبة بنت أبي ~~سفيان فعقد عليها وكيلا عن رسول الله - صلى ms2719 الله عليه وسلم - وأمهرها من ~~ماله ثم مات، ولم تكن أحكام الإسلام قد وصلت إليه ليطبقها لذلك كان ~~يكفيه أنه قال هذا القول، ولذلك صلى عليه النبي صلاة الغائب. وهناك قصة " ~~مخيريق " اليهودي. لقد تشرب قلبه الإسلام وامتلأ به وكان في غاية الثراء ~~فقال لليهود: كل مالي لمحمد وسأخرج لأحارب معه. وخرج إلى القتال مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقتل فمات شهيدا، وهو لم يكن قد صلى في حياته ~~كلها ركعة واحدة. إذن مجرد القول هو فتح لمجال الفعل. { فأثابهم ~~الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار } ~~والحق يريد أن يؤكد لنا أن كل حركة إيمانية حتى ولو كانت قولا إنما تأخذ ~~كمالها من عمرها. ونعلم أن الإيمان في مكة كان هو الإيمان بالقول. ذلك أن ~~الناس آمنت ولم تكن الأحكام قد نزلت، فغالبية الأحكام نزلت في المدينة. ~~وعلى ذلك أثاب الله المؤمنين لمجرد أنهم قالوا كلمة الإيمان، حدث ذلك ولم ~~يكن قد جاء من الحق الأمر بالبلاغ الشامل وهو قوله الحق: # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 214]. فهؤلاء قد جزاهم الله حسن الثواب وسماهم " محسنين " ~~وكذلك فعل النجاشي، فقد ذهب إلى الإيمان دون أن توجه له دعوة وكان ذلك ~~قبل أن يكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعوة للملوك ليؤمنوا، وعلى ~~هذا فالنجاشي محسن لأنه قفز إلى الإيمان قبل أن يطلب منه. وساعة يتكلم ~~الحق عن منزلة من منازل الإيمان فهو أيضا يتعرض للمقابل، وذلك لتبلغ ~~العظة مراميها الكاملة. فإذا تحدث عن أهل الجنة فهو يعقبها بحديث عن أهل ~~النار، وإذا تحدث عن أهل النار فهو يعقبها بحديث عن أهل الجنة لأن النفس ~~الإنسانية تكون مستعدة للشيء ومقابله. ويقول الحق من بعد ذلك: { ~~والذين كفروا... }. ### || [5.86] # ونعرف أن كلمة " صاحب " وكلمة " صحبة " وكلمة " أصحاب " ، هذه الكلمات ~~تدل على الملازمة، والملازمة في الحياة تكون اختيارية لا قهرية فلا أحد ~~يصاحب أحدا بالقهر. ونفهم من قوله: { أصحاب الجحيم } أن هذا ~~يعني العشق المتبادل بين النار وأهلها، وليس هذا مرادا، ms2720 فهو إما أن يكون ~~على سبيل السخرية والاستهزاء بهم، وإما أن يكون المراد هو الملازمة ~~التامة والمصاحبة الدائمة التي لا تنفك ولا تنهى. وبعد أن تكلم الحق عن ~~المشركين وتكلم عن اليهود وتكلم عن النصارى. فهو يتكلم عن المؤمنين، إنه ~~ينفض أذهاننا أولا ليزيل عنها ما علق بها من أمر المخالفين ومناهجهم، ~~ويأتي لنا من بعد ذلك بالأحكام، وقد فعل ذلك في هذه السورة التي تبدأ ~~بآية العقود: # يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود # [المائدة: 1]. وعقد الإيمان هو ما يرتفع ويسمو على ما يقوله المشركون ~~ويخرج عما يقوله اليهود والنصارى. ومن بعد ذلك نلاحظ أن الحق بعد أن تكلم ~~عن ضرورة الوفاء بالعقود، فهو يلزم المؤمنين بالمنهج الذي يحمي حركة ~~الحياة. وحركة الحياة يتم استبقاؤها أولا بالطعام والشراب. لذلك قال: # أحلت لكم بهيمة الأنعام # [المائدة: 1]. ومن بعد استبقاء حركة الحياة بالطعام والشراب، ها هوذا ~~يقول: { حرمت }. وهنا لنا وقفة، فعندما يحلل الله شيئا من أجناس ~~الوجود وحينما يحرم شيئا آخر من أجناس الوجود فللسائل أن يسأل بعقلانية ~~ويقول: ما دام الحق قد حرم هذه الأشياء فلماذا أوجدها؟ ونعلم في حياتنا ~~العادية أن كل صانع إنما يحدد خصائص لصنعته. ومثال ذلك صانع الطائرة يصمم ~~طائرته ويحدد الوقود اللازم لها، ولا يمكن أن تسير بوقود سيارة، فإذا ~~كانت الآلات التي من صنع البشر تفسد إن استخدمنا لها ما لا يناسبها. فكيف ~~إذن نقول لصانعنا: لماذا خلقت الأشياء التي لا تناسبنا؟ لا بد أن لها ~~مهمة في الكون واستخداما آخر يجعلها تنتج الأشياء المفيدة لنا. مثال ذلك ~~سم الحية، إنه يقتل الإنسان، ولكن الله ألهم الإنسان القدرة على استخراج ~~السم من الحية لقتل بعض الميكروبات. إذن فالعالم قد خلقه الله بتركيب ~~معين. ومثال ذلك نجد التمساح وهو راقد على الشاطئ والطيور تلتقط من فمه ~~بعضا من غذائها ولا يؤذيها لأن هذه الطيور هي التي تنبه التمساح إذا جاء ~~صياد ليقتنصه، فالطيور تحرص على مصدر قوتها وتحافظ على حياة التمساح، ~~والكهرباء نستخدمها في مجالها، ms2721 أما في عكس مجالها فهي تصعق وتدمر. إذن ~~فليس للإنسان أن يسأل لماذا حرم الله أشياء على الإنسان؟ لأن لتلك ~~الأشياء دورة في الحياة. ولا يصح أن ننقل الوسيلة لتكون غاية. والحق أراد ~~بالحلال والحرام أن ينتفع الإنسان بالصالح له. # مثال ذلك أن حرم الله أكل لحم الخنزير. والخنزير إنما وجد ليأكل ~~ميكروبات. إذن فليس للإنسان أن يحول الوسيلة إلى غاية. ويعطي الحق كل ~~يوم للإسلام قوة تأييد تأتيه من خصوم الإسلام. ومثال ذلك: إننا نجد أن ~~الأمراض تنتشر بنسب عالية في الأمم التي تستهلك لحم الخنزير، وتشرب ~~الخمر، وهناك مرض اسمه " تشمع الكبد " ينتشر في تلك البلدان، فهل كنا ~~نؤخر تنفيذ أمر الله إلى أن تنشأ المعامل وتقول لنا نتائج أكل الخنزير؟ ~~أو كان يكفي أن نحرم على أنفسنا ما حرم الله؟ إن علينا أن ننفذ أوامر ~~الله صيانة لنا: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. وكل يوم تظهر لنا آية تؤكد صدق إيماننا بالله لذلك فلا ~~يقولن أحد: لماذا خلق الله تلك الأشياء المحرمة؟ لقد خلقها الله وسيلة لا ~~غاية. ومثال ذلك أن خلق الله لنا البترول لنستخرج منه الوقود فهل أحد منا ~~يقدر على شرب البترول؟! إذن فالتحليل والتحريم لصالح الإنسان. فإن خرج ~~الإنسان عن ذلك فلا يلومن إلا نفسه. ولذلك يقول الحق: # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا # [يونس: 59]. كأن الحق يستنكر أن نصنع من حلال ما خلق أشياء محرمة. وأن ~~نحرم أشياء حللها الله. كترك البحيرة والسائبة والوصيلة وكلها أرزاق من ~~الله. هو سبحانه خالق كل الأشياء وهو الذي يحدد نفعها وعدم نفعها ~~للإنسان. والبحيرة هي الناقة التي كانوا يشقون أذنها حتى لا يتعرض لها ~~أحد بعد أن تكون قد نتجت خمسة أبطن آخرها ذكر، وكانوا يطلقونها في ~~المراعي لا تركب ولا تحلب ولا يمنع عنها مرعى أو ماء. وكانوا يقولون ~~إنها للآلهة. وعندما نستكشف آفاق من يستفيد منها، كنا نجد الكهنة هم ms2722 ~~الذين يستفيدون منها. وكذلك السائبة وكانوا يتركونها تطوعا لا يركبها ~~أحد ولا يحلبها أحد وكان المستفيد منها الكهنة أيضا. وكذلك الوصيلة وهي ~~الأنثى التي جاءت في بطن واحد مع ذكر وقالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر ~~لآلهتهم. وكذلك كانوا يطلقون الفحل الذي نتج من صلبه عشرة أبطن وقالوا قد ~~حمى ظهره فلا يركب، ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى، والحق ~~سبحانه وتعالى يوضح لنا: أنا لم أحرم هذه الأشياء فلماذا تحرمونها؟ هو ~~سبحانه قد حرم الميتة والدم لأنه هو الذي حدد وبين ما هو حلال وما هو ~~حرام. وسبحانه الذي يرزق الرزق فيكون مرة رزقا مباشرا ومرة يكون رزقا ~~غير مباشر. ولذلك جاء الحق بالقول الكريم: { يأيها الذين... }. ### || [5.87] # إذن فأمر التحريم موكول إلى خالق الآله الإنسانية، وأمر التحليل موكول ~~إلى خالق الآله الإنسانية. وأنت أيها الإنسان لا تتدخل في ذلك أبدا. لأن ~~تدخل الإنسان يكون أحيانا بتحريم ما أحل الله، وأحيانا يكون تدخل ~~الإنسان بتحليل ما حرم الله. إياك أيها الإنسان أن تحرم ما أحل الله لك، ~~وإياك أن تحلل ما حرم الله عليك. ونحن هنا أمام مراحل عدة، لا تعتقد أن ~~هناك أمرا حلله الله هو حرام، ولا تقل إن هناك أمرا حلله الله هو حرام، ~~ولا تمتنع عن أمر حلله الله ظنا أنه حرام، ولا تفت بأمر حلله الله ~~على أنه حرام، ولا تجعل أمرا حلله الله فتحرمه على نفسك، فلا ينذر أحد ~~ألا يأكل لحم الضأن أو البرتقال - على سبيل المثال - لأن النذر في ذلك ~~ليس حلالا، لأن تحريم الأشياء المحللة بالنذر هو أمر محرم. ولذلك علمنا ~~الحق قائلا لرسوله: # لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1]. لا بد لنا أن نعي ذلك الأمر وأن نعرف مراحله: لا تعتقد، ~~لا تقل، لا تمتنع، لا تفت، لا تنذر، لماذا؟ لأن في ذلك اعتداء. يقول ~~الحق تبارك وتعالى: { لا تحرموا طيبات مآ أحل الله ~~لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين } ~~[المائدة: 87]. وما الاعتداء؟ ms2723 إنه تجاوز الحد فيما حرم الله أو فيما حلل ~~الله. أي أن الله يحب من يقف عند الحدود. وهو سبحانه يقول مرة: # تلك حدود الله فلا تقربوها # [البقرة: 187]. ومرة يقول: # تلك حدود الله فلا تعتدوها # [البقرة: 229]. فهي المنهيات: لا تقترب. وفي ما أحله الله: لا تتعد ~~لذلك جاء القول على لسان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: # " الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس ~~فمن اتقى المشتبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في المشتبهات وقع ~~في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا ~~وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح ~~الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ". # إذن فكل كائن له مميزات وله مهمة في الوجود. وأنت أيها الإنسان لا تقلب ~~الوسيلة إلى غاية، فهناك كثير من المخلوقات هي وسائل ولا تصلح أن تكون ~~غايات ولذلك أمرنا الحق بأن نأخذ ما ننتفع به مباشرة وأن نترك الأشياء ~~التي حرمها علينا فلا نقرب - على سبيل المثال - لحم الخنزير لأن الخنزير ~~مخلوق ليخلصك من الميكروبات، فإن أكلته تكون قد قلبت الوسيلة إلى غاية. ~~وعليك أيها الإنسان أن تحتفظ بالوسيلة كوسيلة وأن تحتفظ بالغاية كغاية. # والذي يحدد لك ذلك هو من صنعك.. إنه الله. ودليل ذلك أن خصوم الإسلام ~~يكتشفون كل يوم المميزات التي جاء بها الإسلام فيتجهون إليها. إن الله ~~بتحريمه وبإيماننا بهذا التحريم منعنا من متاعب التجربة إلى أن تثبت، ~~والكفار الذين لم يأمنوا اضطرتهم الظروف إلى تناوله، وعلى ذلك فكل شيء ~~محلل أو محرم بأوامر الله يظهر لنا فائدته أو ضرره طبقا لقول الحق ~~سبحانه وتعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه ~~على كل شيء شهيد # [فصلت: 53]. إذن فلا اعتقاد في شيء حلال أنه حرام ولا قول بمثل ذلك ولا ~~امتناع عنه ولا يفتي إنسان بمثل ذلك. ويأتي ms2724 الأمر: { ولا تعتدوا ~~إن الله لا يحب المعتدين }. ونعرف أن الاعتداء إنما هو ~~أن نتجاوز الحد فيما حرم أو فيما حلل، والحق سبحانه يحب من يقف عند حدود ~~الله. فلا يقربها الإنسان حتى لا تحدثه نفسه بمعصية. وعندما يبتعد المسلم ~~عنها فهو يتقي الشبهات. والحق يبين لنا قد أحللت لكم كذا وحرمت عليكم كذا ~~وهو الخالق. فيجب أن نأخذ من الخالق مواصفات ما يبقي لنا الحياة هذا ~~الإبقاء هو ما نصنعه نحن حينما نخترع آلة توفر علينا الحركة وتعطينا ~~الثمرة بأقل مجهود، فحين يصنع الصانع آلة من الآلات يصنع لها ما يوجد لها ~~الطاقة لتقوم بعملها، ولا يستطيع المستعمل لهذه الآلة أن يغير وقود هذه ~~الطاقة، فإن غير نوع الطاقة، فالآلة لا تؤدي مهمتها. فما بالنا بالذي ~~خلق؟ إنه حين يوضح أن هذه الآلة لا تصلح إلا بما أحللت، ولا يصح أن تدخل ~~عليها ما حرمت عليك. هنا يجب أن نطيع الخالق لأنه هو الذي يعلم ما يصلح ~~لنا وما لا يصلح. ولم يدع أحد في الكون أنه خلق نفسه، فلنرد اقتياتنا ~~وحفظ حياتنا إلى خالقنا، ولنأخذ ما حلله ونبعد عما حرمه، فالآلة - ~~الإنسان - تصلح بأن تفعل الحلال وأن تترك فعل الحرام. إذن هناك أشياء ~~تفعل، وهناك أشياء لا تفعل. وهناك أشياء لم يأت فيها الحل أو الحرمة، ~~فإن أقبل عليها الإنسان فهي تصلح، وإن لم يقبل عليها الإنسان فهي تصلح ~~أيضا. والحق سبحانه وتعالى يوضح: أنكم لم تخلقوا هذه الآلة - الإنسان - ~~وأنا الذي خلقتها، فإنا أعلم بما يعطيها مدد الطاقة ومدد البقاء، فإن ~~صنعتم غير ذلك كنتم معتدين. ولذلك يخاطب الحق الذين آمنوا بأنه خلقهم من ~~عدم وأمدهم من عدم ورزقهم لاستبقاء حياتهم ونوعهم، وعليهم أن يأخذوا من ~~الله هذه الأحكام: { لا تحرموا طيبات مآ أحل الله ~~لكم }. وسبحانه يوضح: إن الذي يؤمن بأني إله فليأخذ مني مواصفات ~~استبقاء حياته. وعندما يقول سبحانه ذلك فلا بد أن يكون هناك سبب داع ~~لهذا القول ولما نزل قوله - سبحانه -: # لتجدن أشد ms2725 الناس عداوة للذين آمنوا ~~اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ~~ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا ~~يستكبرون # [المائدة: 82]. الحق جاء في هذا القول الكريم بحيثيات مدحهم وحيثيات ~~قربهم من مودتنا، فمنهم القسيسون والرهبان الذين زهدوا في الحياة. ولما ~~سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بكوا واجتمع عشرة من الصحابة ~~في بيت عثمان بن مظعون الجمحي، وفيهم أبو بكر الصديق وعمر وعلي بن أبي ~~طالب وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عمر وأبو ذر الغفاري وسالم مولى أبي ~~حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن مقرن، واتفقوا على أن ~~يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا ~~الودك أي الدسم. ويجبوا المذاكير ويسيحوا في الأرض كما يفعل الرهبان، ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم فحمد الله وأثنى عليه ~~فقال: # " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج ~~النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ". # وأنزل الحق سبحانه وتعالى: { يأيها الذين آمنوا لا ~~تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم } [المائدة: 87]. ~~وكلمات الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته وللناس منطقية، فإذا كانوا ~~يريدون أن يمتنعوا عن طيبات ما أحل الله حتى يعلنوا الزهد مثل السابقين ~~عليهم، ومن يريد الرهبنة ألا يصلي؟ إنه يقيم الصلاة والصلاة لا بد لها ~~من حركة، والحركة لا بد لها من قوة، والصلاة لا بد لها من ستر العورة، ~~وستر العورة يقتضي اللباس، وهذا اللباس يحتاج إلى تفكير من أين يأتي هذا. ~~القماش يأتي من تاجر أقمشة، وتاجر الأقمشة لا بد أنه يأتي به من المصانع ~~التي تنسجه، والمصانع التي تنسجه لا بد أن تأتي من المصانع التي غزلته، ~~والمصانع التي غزلته لا بد أن تأتي به من المحالج التي حلجت، ثم لا بد من ~~الحيوانات التي أخذ منها إن كان صوفا، وأن تربى وتربيتها تحتاج إلى ~~زراعة. إذن فكل هذه الأشياء تتطلب حركة واسعة، أنت لا تشعر ms2726 بها إلا حين ~~تحتاج إلى الثوب. فإن كنت تريد أن تنقطع للعبادة فإياك أن تنتفع بحركة من ~~يقيم أركان الإسلام، ويتحرك في الحياة في ضوء منهج الله ساعيا إلى ~~الرزق، وهذا أمر لا يتأتى. وأيضا، ألا يأكل الذي يريد الانقطاع إلى ~~العبادة؟ إنه يأكل ليقوم إلى الصلاة. وكلنا يعرف كيف يجيء رغيف الخبز. ~~صحيح أن الإنسان يذهب إلى المخبز ليشتري رغيف الخبز، والمخبز جاء بالدقيق ~~من المطحن. والمطحن جاءته الغلال من المخازن، والغلال جاءت من الذي زرع. ~~والذي زرع احتاج إلى الآت تحرث وآلات تغرس وإلى آلات تجنى، وبعد ذلك ~~احتاج إلى أشياء أخرى كالسماد وغيره، إن هذا يحتاج إلى طاقة هائلة. # إذن فالإنسان في حركته في الصلاة محتاج إلى كل هذه الأعمال، فإياك أن ~~أردت أن تعتزل الحياة أن تنتفع بعمل من لم يعتزل الحياة. والعمل الذي لا ~~يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولذلك يكون على ولي الأمر إن رأى حرفة ~~يتطلبها الوجود الإنساني والوجود الإيماني ولم يذهب إليها أناس طوع ~~أنفسهم عليه أن يلزم قوما بأن يفعلوها. وكل صناعة هي فرض كفاية إن قام ~~بها البعض سقطت عن الباقين. وإن لم يقم بها البعض أثم الجميع. إذن فلا بد ~~من حركة الحياة. وحركة الحياة تسلم حلقة إلى حلقة أخرى. فلا تأخذ ~~الثمرة وأنت مع ذلك تعتزل الحياة. والحق سبحانه وتعالى يقول: { لا ~~تحرموا طيبات مآ أحل الله }. إنكم إن فعلتم ذلك ~~تكونوا قد أخذتم صفة المشرع واعتديتم على حقه في أن يحلل وأن يحرم، وهذا ~~اعتداء. وإذا كان الله قد حرم أشياء وحلل أشياء فهذا بمقتضى صلاحية ~~الأشياء المحللة للإنسان. وعلى الإنسان أن ينظر إلى الأشياء الموجودة ~~المحرمة على أنها رزق غير مباشر لأنها وسيلة إلى رزق مباشر، كما عرفنا ~~أننا نستخلص من سم الثعبان علاجا، إذن فالثعبان مخلوق لمهمة تخدم ~~الإنسان. والعالم كله حلقات، حيوانات تستفيد من أذى بعضها إلى أن يصل ~~الخير كله إلى المؤمن، فلا يقولن إنسان " لماذا خلق إذا كان قد حرم ". ~~فلا ms2727 تعتد لتحلل ما حرمه الله وتحرم ما حلله الله، فبترك الاعتداء ينتظم ~~الوجود، وحين ينظر الإنسان إلى الغابة يجد أن لكل حيوان مهمة مع غيره، ~~هذه المهمة تؤدي إلى الصلاح فيما يصلح للإنسان. لقد حرم الحق بعض الأشياء ~~كرزق مباشر لأنها رزق غير مباشر. والرزق المباشر هو ما يأكله الإنسان ~~مباشرة وما يلبسه، والرزق غير المباشر هو وسيلة إلى الرزق المباشر، وما ~~حرمه الله هي أشياء مخلوقة كوسائل إلى صحة غيرها. { يأيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا } أي لا تجعلوا الحرام حلالا، ولا تجعلوا الحلال حراما، و ~~" لا تعتدوا " أي كلوا من الطبيات دون أن تتجاوزوا الحد، وهذا هو معنى ~~قوله الحق: # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا # [الأعراف: 31]. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { وكلوا ~~مما رزقكم... }. ### || [5.88] # أولا نسأل: ما هو الرزق؟ الرزق هو ما انتفع به. فالذي تأكله رزق، والذي ~~تشربه رزق، والذي تلبسه رزق، والذي تتعلمه رزق، والصفات الخلقية من حلم ~~وشجاعة وغيرها هي رزق، وكل شيء ينتفع به يسمى رزقا. ولكن حين يقول ~~الحق: { وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } فهو ~~ينصرف إلى ما يطعمه الإنسان. وحين يقول سبحانه ذلك فالمقصود به أن يأكل ~~الإنسان من الرزق الحلال الطيب. إذن فهناك رزق حرام، مثال ذلك اللص الذي ~~يسرق شيئا ينتفع به، هذا رزق جاء به طريق حرام، ولو صبر لجاءته اللقمة ~~تسعى إلى فمه لأنها رزقه. أو الرزق هو ما أحله الله، وهنا اختلف العلماء ~~وتسائل البعض: هل الرزق هو الحلال فقط والباقي ليس رزقا؟ وتسائل البعض ~~الآخر: هل الرزق هو ما ينتفع به ومنه ما يكون حلالا ومنه ما يكون ~~حراما؟ الحق يقول: { وكلوا مما رزقكم الله حلالا ~~طيبا } [المائدة: 88]. كلوا ما رزقكم هذا أسلوب، { مما رزقكم ~~الله } هذا أسلوب آخر. فما رزقكم الله أي نأكله كله، وهذه لا تصلح ~~لإننا لا نأكله كله طبعا بل إننا سنأكل بعضه لأن الذي يؤكل ويطعم إما أن ~~يكون صالحا لإيجاد مثله، ms2728 وإما أن يكون غير صالح لإيجاد مثله، فعندما ~~يحتفظ الإنسان بالدقيق مثلا فهو لا ينتج سنبلة قمح، إذن يجب علينا أن ~~نأكل بعضا ونستبقي بعضا صالحا لأن ينتج مثله، فعندما نحتفظ بالقمح فهو ~~يصلح أن يأتي بسنابل القمح لذلك جاء الأمر بأن نأكل بعض ما رزقنا الله ~~حتى نحتفظ ببعض الرزق لا نأكله، وهذا يعني أن نحتفظ بامتداد الرزق، فلو ~~أكل الإنسان كل القمح الذي عنده فكيف يحدث إن أراد أن يزرع؟ إذن فاستبقاء ~~الرزق يقتضي أن نحتفظ ببعض الرزق لنصنع به امتدادا رزقيا في الحياة. ~~والرزق الحلال هنا نوعان: ما يصلح لامتداده فيحجب احتجاز بعض منه من أجل ~~أن يستخدمه الإنسان في استجلاب رزق آخر. وما لا يصلح لامتداده كالدقيق ~~مثلا. نأكل بعضه ونحتفظ ببعضه لمن لا يقدر على الحركة. ولذلك نجد الحق ~~في سورة يوسف يقول عن رؤيا الملك: # وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان ~~يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر ~~يابسات يأيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم ~~للرؤيا تعبرون # [يوسف: 43]. هنا قال أهل تفسير الرؤيا: # قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام ~~بعالمين # [يوسف: 44]. إنه اضطراب في الجواب لأن كونها أضغاث أحلام أنها لا معنى ~~لها، وقولهم بعد ذلك: # وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين # [يوسف: 44] فمعنى ذلك أن لها تأويلا وقد كان لها تأويل، ثم من الذي رأى ~~الرؤيا؟ إنه الملك. ويأتي الحق بيوسف مفسرا للرؤيا. # إذن فلا ضرورة أن يكون الرائي مؤمنا ولا صالحا. وقد يقول قائل: كيف ~~يطلعه الله على مثل هذه المسائل؟ ونقول: قد تكون الرؤيا إكراما للرائي، ~~وقد تكون الرؤيا إكراما للمعبر الذي يعرف التأويل، وهي هنا إكرام للمعبر ~~وهو سيدنا يوسف. وعرف سيدنا يوسف كيف يفك " شفرة " الرؤيا، والعجيب في ~~الرؤيا أن البقر الهزيل يأكل البقر السمين: وهنا قال يوسف: # تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في ~~سنبله إلا قليلا مما تأكلون # [يوسف: 47]. أي كلوا البعض وليكن قليلا قليلا، لا تسرفوا فيه لتنتفعوا ~~في السبع الشداد وهن سنين ms2729 الجدب لتأكلوا فيها ما جمعتموه في سنين الخصب، ~~اتركوا البعض الآخر. لاستمرار النوع. وتبين أن أفضل وسيلة لحفظ حبوب ~~القمح في عصرنا هي أن نتركه في سنابله وكذلك الذرة نتركها في غلافها. ~~وكان تعبير الرؤيا دقيقا لأنه يريد أن يستبقي للناس حياتهم في زمن ~~الجدب، ويستبقي لهم كذلك الضرع الحيواني، فتأكل الناس الحب، وتأكل ~~الماشية التبن المتبقي، وكذلك ضمن الحق مقومات الحياة لكل ما يلزم ~~للحياة. ونلحظ أن المأكول في هذه الآية هو القليل، أما الباقي فهو الكثير ~~في سنابله، هذا في أيام الرخاء فماذا عن أيام الجدب؟ # ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما ~~قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون # [يوسف: 48]. أي أن الناس ستأكل في أعوام الجدب الكثير من الحبوب التي في ~~المخازن ويجب أن يحتفظوا بقليل مما يحصنون في هذه المخازن، وذلك لاستبقاء ~~جزء من القمح للزراعة. إذن ف من في قول الحق سبحانه وتعالى: { وكلوا ~~مما رزقكم الله حلالا طيبا } للتبعيض أي كلوا بعض ما ~~رزقكم الله، فإن كانت الأشياء مما يكون بقاؤها سببا لامتداد نوعها ~~فالنوع يكون متصلا. مثال ذلك رجل عنده بذور البطيخ وزرعها، وبعد أن جاءت ~~الثمار أكلها هي والبذور فمن أين يزرع في العام القادم؟ كان يجب أن يحتفظ ~~ببعض منها لتكون بذورا. وكان يجب أن يحتفظ بجزء من البطيخ ليعطي منه ~~الجار أو المحتاج. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: { مما رزقكم ~~الله } تصلح لاستبقاء النوع وتصلح لصرف الزائد إلى غير القادر. { ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } أي أنك حين تتقى ~~من تؤمن به إلها فليس في ذلك غضاضة لأنك آمنت أنه إله وقوي، والغضاضة في ~~أن تأتمر بأمر مساو لك، أما الانقياد والائتمار لأمر الأعلى منك، فهذا ~~لا يكون سببا في الغضاضة إنما هو تشريف لك وتكريم. ونجد الحق يشرع لنا ~~ذلك في قصة سيدنا موسى على السحرة، فألقى موسى عليه السلام عصاه، ورآها ~~السحرة حية، والساحر ينظر إلى الشيء الذي تم سحره فيراه على حقيقته ~~وصورته الأصلية، ms2730 أما المسحورون بالرؤية فهم الذين يرون الشكل المراد لهم ~~رؤيته. # ورأى السحرة حبالهم مجرد حبال وعصا موسى هي التي صارت حية. هنا عرفوا ~~أنها مسألة أخرى فماذا قالوا؟: # قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون # [الشعراء: 47-48]. لقد عرفوا أن هذا أمر خارج عن نطاق البشرية. إذن فما ~~كان من أمر السحرة تجاه قوم فرعون هو تخييل للنظر: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66]. وقال الحق: # سحروا أعين الناس # [الأعراف: 116]. أما موسى عليه السلام فحين ألقى العصا أول مرة ووجدها ~~حية خاف لأنه رأى في ذلك قلبا للحقيقة. أما عند السحرة فليست حبالهم ~~حيات حقيقية ولكنها سحر لأعين الناس أي تخييل للناظر. ومثال آخر هو سيدنا ~~سليمان عندما أرسل لبلقيس ملكة سبأ. وجاء رسوله يقول لها: # ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين # [النمل: 31]. فماذا قالت لحاشيتها من رجال القتال؟: # ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون # [النمل: 32]. وهنا عرفت الحاشية أن المسألة تتطلب رأيا سياسيا فقالوا: # قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر ~~إليك فانظري ماذا تأمرين # [النمل: 33]. الرأي إذن هو من حق السياسي الذي يزن الأمور بموازين العقل ~~وموازين الاحتمال الواقعة، وموازين رد الفعل، وأدارت بلقيس المعركة ~~سياسيا، فأرسلت هدية من مقام ملكة، فإن راقته الهدية فهو طالب دنيا ~~ويريد خيرها، وعندما وصل رسلها بالهدية، ماذا قال سليمان؟ # فلما جآء سليمان قال أتمدونن بمال فمآ ~~آتاني الله خير ممآ آتاكم بل أنتم بهديتكم ~~تفرحون * ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا ~~قبل لهم بها ولنخرجنهم منهآ أذلة وهم ~~صاغرون # [النمل: 36-37]. وهنا عرفت بلقيس أن الإسلام أمر ضروري، وها هي ذي الدقة ~~لنعرف أن الأمر من المساوى هو الذي يعطي عزة في الآمر وذلة في المأمور، ~~أما إذا كان الأمر من غير المساوى ومن الأعلى - سبحانه - فلا ذلة فيه ~~لأحد. وكان إيمان بلقيس إيمانا ملوكيا. فقالت: # وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين # [النمل: 44]. إنها لم تقل أسلمت لسليمان وإنما قالت: # وأسلمت مع سليمان لله # [النمل: 44]. إذن فلا غضاضة في إيمانها. وذلك ms2731 حتى لا يظن شعبها أنها ~~ذهبت به إلى حضيض الذلة في أن يحكمهم إنسان آخر. لكن هي وسليمان محكومان ~~لله رب العالمين، ولا غضاضة في ذلك: ونعود إلى قوله جل شأنه: { وكلوا ~~مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله ~~الذي أنتم به مؤمنون } [المائدة: 88]. أي: اجعلوا للإيمان ~~حيثية، وما دمت قد آمنت وتأتمر بأمر من تؤمن به. فأنت لا تؤمن إلا بمن ~~تثق في أنه يستحق الإيمان. وقوله أولا في الآية السابقة: { وكلوا ~~مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله ~~الذي أنتم به مؤمنون } [المائدة: 88]. وقوله في تذييل هذه ~~الآية: { واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون } ~~[المائدة: 88]. هو تسوير وإحاطة لطاعة بإيمانين، إيمان خوطبوا به، وإيمان ~~أقروه به، ومن بعد ذلك يقول الحق: { لا يؤاخذكم الله... }. ### || [5.89] # عندما ننظر في قول الحق: { لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم } نعرف أن " يؤاخذ " من " أخذ " ويأخذ من أخذ، فإن قلت: " ~~أخذت فلانا بكذا " فذلك دليل على أنك أنزلت به نكالا لأنه لم يدخل في ~~تعاقد خيري معك، ولكن أن تقول: " آخذته ". كأن المفاعلة حدثت بأن دخل معك ~~في عقد الإيمان ولذلك يأخذ الحق الكافرين أخذ عزيز مقتدر. ولكنه يؤاخذ ~~المؤمنين، لماذا؟ لأن المؤمنين طرف في التعاقد، أما الكافرون فليسوا ~~طرفا في التعاقد لذلك يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. إذن فالمؤاخذة غير الأخذ، ~~المؤاخذة هي إنزال عقوبة بمن له معك عهد فخالفه بعمل جريمة نص عليها ~~فلا يؤاخذه أبدا بجريمة لم ينص عليها، ولا يتم توقيع عقاب على أحد دون ~~تحذير مسبق. ولذلك ففي القانون المدني يقولون: لا عقوبة إلا بجريمة ولا ~~جريمة إلا بنص. إذن لا بد من النص أولا على العقاب على الجريمة لأن النص ~~على فعل ما بأنه جريمة يجعل الإنسان يراجع نفسه قبل الإقدام على مثل هذا ~~الفعل. أما عدم وجود نص على أن ذلك الفعل جريمة يجعل الإنسان حرا في أن ~~يفعله أو لا يفعله لأنه فعل مباح. وعلينا أن نلحظ التعاقد في قوله الحق: ~~{ لا يؤاخذكم الله باللغو ms2732 في أيمانكم }. وعندما ~~ننظر إلى معنى: " اللغو " نجده الشيء الذي يجري على اللسان بدون قصد قلبي ~~مثل قول الإنسان في اللغة العامية: لا والله أو: والله أن تأتي للغداء ~~معنا، هذا هو اللغو. أي هو الكلام من غير أن يكون للقلب فيه تصميم. ~~وسبحانه وتعالى قد خلقنا وهو الأعلم بنا علم - سبحانه - أن هناك كلمات ~~تجري على ألسنتنا لا نعنيها. ودليل ذلك أن الأم التي تحب وحيدها قد تدعو ~~عليه، لكن ذلك بلسانها، أما قلبها فيرفض ذلك. ولهذا يقول المثل الشعبي: ~~أدعي على ابني واكره من يقول آمين. إذن الحق سبحانه وتعالى علم ~~بشريتنا، وعلم أن اللسان قد يأتي بألفاظ لم تمر على قلبه فيقول سبحانه: { ~~لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } واتبع الحق ~~ذلك: { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان }. وساعة ~~نرى كلمة " ولكن " نعرف أن هناك استدراكا، والاستدراك هو إثبات ما يتوهم ~~نفيه أو نفي ما يتوهم ثبوته. وساعة نرى كلمة " عقدتم " فهي دليل على ~~أنها عملية جزم قلبية، وأن الإنسان قبل أن ينطق بالقسم قد أدار المسألة ~~في ذهنه وخواطره وانتهى إلى هذا الرأي. إذن فاللغو هو مرور كلمة على ~~اللسان دون أن تمر على القلب، وضربنا مثلا على ذلك وهو دعاء الأم على ~~وحيدها. # ونحن نرى أن هناك ألفاظا كثيرة تمر على ألسنة قد تؤدي إلى الكفر ولكن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله يضع لنا صدق النية فيقول: # " " أخطأ من شدة الفرح ". قالها رسول الله تعليقا على رجل قال: " اللهم ~~أنت عبدي وأنا ربك ". # هذا هو اللغو ومن رحمة الله بنا أنه يعفو بعميق وواسع رحمته فيقول لنا: ~~{ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان }. وكلمة " عقدتم " دليل على ~~أن اللسان لم يعقد شيئا فحسب ولكن عقده بإحكام قوي. فساعة تبالغ في ~~الحدث فأنت تأتي له باللفظ الذي يدل على المعنى تماما بتمكين وتثبيت. ~~وعلى ذلك فكلمة " عقد " غير " عقد " إذن فكلمة " عقد " أي أن ~~الإنسان قد صنع عقدة ms2733 محكمة. ومثال على التأكيد قول الحق سبحانه وتعالى: # وغلقت الأبواب # [يوسف: 23]. قد يقول قائل: ألم يكن يكفي أن يقول الحق سبحانه: " وغلقت ~~الأبواب "؟ ونقول: لا إن الحق قد أتى بالفعل الذي يؤكد إحكام الإغلاق. ~~فإغلاق الأبواب يختلف من درجة إلى أخرى فهناك غلق للباب بلسان " طبلة " ~~الباب وهناك غلق بالمزلاج، وقوله الحق: # وغلقت الأبواب # [يوسف: 23] أي أن امرأة العزيز بالغت في غلق الأبواب. وكذلك قوله الحق: ~~{ عقدتم الأيمان }. أي جالت في قلوبكم جولة تثبت صدق نيتكم ~~في الحلف. وهناك صورة أدائية أخرى تلتقي مع هذه الصورة في المعنى، حين ~~قال سبحانه: # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم # [البقرة: 225]. ونلحظ هنا أن القلوب قد كسبت، فما الذي تكسبه القلوب في ~~مثل هذه الحالة؟ نعرف أن الكسب هو وجود حصيلة فوق رأس المال. والكسب ~~الزائد في القسم، هو أن يؤكد الإنسان بقلبه هذا القسم أي أن القسم انعقد ~~باللسان والقلب معا وسبب نزول آية سورة المائدة { لا يؤاخذكم ~~الله باللغو في أيمانكم } أن الصحابة الذين حرموا على ~~أنفسهم طيبات المطاعم والملابس والمناكح وحلفوا على ذلك فلما نزل قوله ~~تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب ~~المعتدين * وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا ~~واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون # [المائدة: 87-88]. قالوا: كيف نصنع بأيماننا؟ فنزلت هذه الآية أي أن ~~تحريم الحلال لغو لا كفارة فيه، ونعلم أن الإنسان لا يصح له أن يحلف على ~~شيء ليس له دخل فيه كقول إنسان ما: والله لن أصلي. إن مثل هذه اليمين لا ~~تنعقد، ولذلك لا كفارة لها. لكن إن قال: والله لأشربن الخمر. هنا نقول ~~له: امتثل إلى ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن ~~يمينه ". # والحق سبحانه وتعالى يقول: { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان } إذن فهناك استدراك يتعلق ms2734 باليمين المؤكدة وهي تستدعي ~~المؤاخذة. فكيف تكون المؤاخذة وهي عقوبة، على الرغم من أنه لا عقوبة إلا ~~بنص؟ إن الحق سبحانه وتعالى ستر العقوبة ومنعها بالكفارة: " فكفارته ~~إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن ~~لم يجد فصيام ثلاثة أيام ". والكفارة هي ستر للعقوبة. فهل معنى ذلك أن ~~الإنسان تلزمه الكفارة ما دام قد عقد الأيمان؟ لا، تكون الكفارة فقد ~~حين تحنث في القسم فلم تبر فيه. فتكون الكفارة في هذا المجال كالآتي: ~~إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، ~~أو صوم ثلاثة أيام لمن لم يجد. والمناسب في الكفارة يختلف في مفهوم ~~المفتين باختلاف الحانث، ومثال ذلك أن خليفة في الأندلس حلف يمينا وأراد ~~أن يؤدي عن اليمين كفارة، فجاء إلى القاضي منذر بن سعيد وسأله عن كفارة ~~هذه اليمين فقال: لا بد أن تصوم ثلاثة أيام. وكان يجلس شخص آخر فأشار ~~للقاضي إشارة فلم يعبأ القاضي منذر بن سعيد بتلك الإشارة. وخرج القاضي ~~ومعه ذلك الشخص، فسأل القاضي: يا أبا سعيد، إن في نفسي شيئا من فتواك ~~لماذا لم تقل للخليفة إن كفارة اليمين عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين؟ ~~فقال القاضي منذر بن سعيد: أمثل أمير المؤمنين يزجر بعتق رقبة أو إطعام ~~عشرة مساكين؟ وهذا يدلنا على أن القاضي منذر بن سعيد قد أجهد نفسه ليختار ~~الكفارة التي تزجر. وهذا يعلمنا أن الكفارة في جانب منها زجر للنفس وفي ~~جانب آخر جبر للذنب. وقد رجح القاضي منذر بن سعيد جانب الزجر على جانب ~~جبر الذنب لأن الخليفة لن يرهقه إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق أكثر ~~من رقبة. وفي الإطعام لعشرة مساكين من أواسط ما نطعم به الأهل، قد يقول ~~قائل: هل الأوسطية هنا للكمية أو الكيفية؟ ونقول: يراعى فيها الكمية ~~والكيفية. فإن كانت وجبة الإنسان مكونة من رغيف واحد فليعرف أن من أهله ~~من يأكل في الوجبة الواحدة ثلاثة أرغفة فيكون الأوسط في ms2735 مثل هذه الحالة ~~رغيفين مع ما يكون من أدم كلحم ودسم. وكذلك الكسوة أن يكسو الإنسان الذي ~~يكفر عن يمين عشرة مساكين بما يستر العورة وتصح به الصلاة كإزار ورداء أو ~~قميص وعمامة، أو أي ملابس تسترهم. وها نحن أولاء نجد أن كفارة تحرير رقبة ~~تأتي في المرتبة قبل الأخيرة ويأتي بعدها قول الحق: { فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام }. إذن فالحق لم يرتب الكفارة وإنما علينا ~~أن نختار منها الكفارة الملائمة. # ويأتي الحق من بعد ذلك بالقول: { واحفظوا أيمانكم } والحفظ ~~هو عدم التضييع. أما كيف نحفظ أيماننا؟ فنقول: إن على الإنسان ألا يجري ~~اليمين على لسانه، هذه واحدة. والثانية: أن يحاول الإنسان ألا يحنث في ~~اليمين. وهذا يقتضي ألا يحلف الإنسان على شيء يقوله بلسانه ويخضعه لقلبه ~~إى إذا كان على ثقة من أنه سيجند كل جوارحه للقيام بهذا العمل الذي أقسم ~~أن يقوم به، وهذا هو معنى قوله الحق: { واحفظوا أيمانكم }. ~~ويذيل الحق الآية الكريمة: { كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تشكرون }. والشكر هو الثناء من المنعم عليه على ~~المنعم بالنعمة، فكأن هذه التشريعات تستحق منا الشكر لأنها جعلت ~~اللغو غير مؤاخذ عليه، ولأنها جعلت اليمين الذي عقدته له كفارة، وفي كل ~~من الأمرين تيسير يستحق الشكر لله. ويتابع الحق القول: { يأيها ~~الذين آمنوا... }. ### || [5.90] # ساعة تسمع كلمة: " إنما " فاعلم أنهم يسمونها في اللغة " أداة قصر " ~~كقولنا: إنما زيد مجتهد، وهذا يعني أننا قصرنا زيدا على الاجتهاد. ~~لكن إن قلنا: إنما المجتهد زيد، فنحن في هذه الحالة قصرنا الاجتهاد ~~على زيد. وساعة تقصر إنسانا على وصف فذلك يسمونه: " قصر موصوف على صفة " ~~، وعندما نقول: إنما زيد شاعر. فهذا يعني أن زيدا شاعر فقط وهو ليس ~~بكاتب أو خطيب. أما إن قلت: إنما الشاعر زيد، فهذا يعني أنه لا يوجد شاعر ~~إلا زيد فكأنك نفيت عن الآخرين أنهم شعراء، وأن زيدا فقط هو الشاعر ~~ويحتمل أن يكون كاتبا وخطيبا وعالما مع كونه شاعرا. إذن فساعة ترى " ~~إنما " فاعرف أنها ms2736 أداة من أدوات القصر. والحق سبحانه يقول هنا: { ~~يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون } [المائدة: 90]. أي أن الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام كلها رجس من عمل الشيطان. والرجس هو الشيء ~~الرديء الخبيث القذر. والقذارة والخبث هما من الأمور التي قد تكون حسية ~~مثل الخمر، وقد تكون معنوية كالأنصاب والأزلام وجمع الحق سبحانه في هذه ~~الآية الأمرين معا. ولم يقل إن الخمر هي عصير العنب أو عصير التفاح، ~~إنما جاء بالخمر التي تشمل كل ما يخامر العقل ويستره. وتعجب بعض العلماء ~~من أن هذه الآية نزلت في البلاد التي ليس فيها شيء من عصير العنب، ذلك ~~أنهم ظنوا أن عصير العنب فقط هو الذي يستر العقل، لكن الحق جاء بالتحريم ~~الشامل لكل ما يستر العقل. لماذا إذن تكون الخمر والميسر والأنصاب ~~والأزلام رجسا من عمل الشيطان؟ إن الحق سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان ~~وجعله خليفة في الأرض وسخر له كل شيء في الوجود وطلب منه أن يعبده وحده ~~وأن يعمر هذه الأرض. وأراد الحق أن يضمن للإنسان سلامة أشياء متعددة ~~سلامة نفسه فلا يعتدى عليها بالقتل أو غير ذلك، وسلامة عقله فلا يجنى ~~عليه بما يستر آلية الاختيار بين البدائل، وسلامة عرضه فلا يلغ فيه أحد ~~وحتى تأتي الأنسال التي تعمر الكون وهي أنسال طاهرة، وسلامة ماله حتى ~~يحفظ على الإنسان أثر حركته في الحياة وحتى لا يأخذ غيره أثر حركته، وذلك ~~حتى لا يزهد العامل في العمل ولا يعود الطاقات أن تأخذ من غير عملها ~~فتكسل وتتواكل، فالإنسان إذا ما اعتاد أن يأخذ من غير عمل صار العمل ~~صعبا عليه، وهكذا كانت صيانة المال لا تبدد طاقة ولا تهدر حقا، ولا تعطي ~~غير ذي حق حقا لغيره، وهكذا حتى لا يشيع العجز الاصطناعي في الكون. # ولذلك قال الحق وهو مانح كل مال: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245]. أي أنه - وهو المانح سبحانه وتعالى - قد احترم حركة ~~الإنسان فلا يستمرئ ms2737 أحد البطالة. وعندما تنتشر البطالة في الإسلام يعالج ~~الأمر بحكمة بالغة فهو يطلب من الوالي أن يسبب لهم الأسباب ليعملوا. وذلك ~~حتى لا يتعودوا على الأخذ بغير عمل لئلا تكون مصيبة على المجتمع. وأراد ~~سبحانه بالشريعة السمحاء أن يحمي الإنسان من كل ما يبدده، فحينما حرم ~~الخمر، أي منع عن الإنسان ستر العقل، ذلك أن ميزة الإنسان على الحيوان هي ~~العقل. إن الإنسان يختلف عن الحيوان بأنه يحفظ حياته بالعقل، أما الحيوان ~~فيحفظ حياته بالغريزة. ولذلك فالحيوان لا يملك إلا ردا واحدا إذا ما تم ~~الاعتداء عليه الكلب يعض المعتدي والقطة تخمش المعتدي، أما الإنسان ~~فعندما يعتدي عليه أحد فهو يختار بين بدائل للرد على العدوان، إما أن ~~يضرب وإما أن يقتل وإما أن يسامح. ومثال لذلك نراه في الريف، عندما يحاول ~~راكب الحمار أن يجبر الحمار على القفز على قناة صغيرة فيها مياه يرفض ~~الحمار ذلك تماما ومهما ضربه راكبه فهو يرفض القفز لأن غريزته تمنعه من ~~ذلك. أما الإنسان فقد ينتابه الغرور ويظن أنه قادر على القفز فوق القناة ~~فيقفز لكنه قد يقع في المياه. وتوجد المجازفة عند الإنسان، لكنها لا توجد ~~عند الحيوان بمقتضى الغريزة. ومثال آخر من عالم الحيوان. نجد ذكر الجاموس ~~يقترب من الأنثى ليشمها فإن وجدها حاملا لا يقربها، هكذا الحيوان. أما ~~الإنسان فلا. والحمار يتناول طعامه من البرسيم مثلا ما يشبعه ولا يزيد ~~أبدا في الطعام مهما ضربه صاحبه لأنه محكوم بالغريزة، أما الإنسان فقد ~~يأكل فوق طاقته. وهكذا نجد الغريزة هي التي تعصم الحيوان، والعقل هو الذي ~~يعصم الإنسان. ولذلك لا يملك الحيوان القدرة على الاختيار، ولكن ميزان ~~غرائزه لا يختل أبدا. أما ميزان الغرائز عند الإنسان فقد يختل. لقد ميز ~~الله الإنسان عن الحيوان بالاختيار بين البدائل بالعقل، ولذلك لا يصح ولا ~~يستقيم من الإنسان أن يطمس هذه القدرة بالخمر. فإن طمس قدرة الاختيار، ~~فإن غرائزه في هذه الحالة لا تنفعه لأنها غير مؤهلة لحمايته، ولذلك نجد ~~الذي يطمس عقله يضع ms2738 نفسه في مرتبة أقل من الحيوان لأن الحيوان تحميه ~~الغريزة، والإنسان يحفظه عقله، وهو في هذه الحالة قد طمسه وغطاه، وقد حرم ~~الله الخمر لأنها تستر العقل. وكل ما يستر العقل خمر ولو كان أصله حلالا ~~وذلك لأن العقل هو مناط التكليف. وكذلك حرم الله الميسر. ولنر دقة الاسم ~~الذي اختاره الله للقمار، إنه " الميسر " ولم يسمه " المعسر " ذلك أن ~~أحدا لا يقبل على الميسر وهو يظن أنه سوف يخسر، وكل من يلعبون القمار ~~إنما يفعلون ذلك على أمل الكسب لذلك جاء بالاسم الذي يعبر عن حالة اللاعب ~~للقمار إنه يلعب على وهم الكسب، وإن كسب فالمكسب يغريه بالمزيد من ~~اللعب. # والخسران يغري باللعب أكثر لعل كسبا يعرض الخسارة التي مني بها، وقد ~~يبيع اللاعب للميسر كل ما يملك كي يعوض خسارته ومع ذلك فالكسب من الميسر ~~هين على النفس تبدده وتنفقه فيما لا ينفع بل قد ينفقه فيما يضر، فالمكسب ~~ليس له والخسارة محسوبة عليه. والذين يلعبون الميسر مع بعضهم لا تربطهم ~~صداقة أو محبة. فكل منهم حريص على أن يأخذ ما في جيب الآخر. وهذا اللون ~~من اللعب يعطل القدرة على الكسب الحلال لأن الكسب الحلال يحتاج إلى حركة ~~في الكون. والميسر يشل حركة الكاسب لأنه يزهد في العمل. والخسران يشل ~~حركة الخاسر لأنه مهما سعى في الأرض فقد لا يستطيع أن يسدد ديونه. إذن ~~فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يضمن للناس ألا ينتفع أحد بشيء إلا نتيجة ~~كده وعمله. والحق يريد أن يكون جسد كل إنسان من ناتج عرقه في عمل مشروع ~~وكذلك أجساد من يعول. وأبلغنا أيضا أن الأنصاب رجس من عمل الشيطان. ~~والأنصاب ثلاثة قداح كانت توجد عند الكاهن قدح مكتوب عليه أمرني ربي، ~~والقدح الثاني: مكتوب عليه نهاني ربي، والقدح الثالث: غفل من الكتابة أي ~~خال منها فلا علامة فيه. فإن كان في نية إنسان السفر أو الزواج أو ~~التجارة فهو يذهب إلى الكاهن ليضرب له هذه القداح. فإن خرج القدح المكتوب ~~عليه أمرني ms2739 ربي فعل. وإن خرج نهاني ربي لم يفعل. أما أن خرج القدح الغفل ~~فهو يعيد ضرب القداح حتى يخرج أحد القدحين: إما الذي يحمل الأمر، وإما ~~الذي يحمل النهي. ولم يتساءل أحد لماذا عندما يخرج القدح الغفل لا يعتبر ~~أن هذا أمر خارج عن نطاق التحريم. ويؤخذ على أنه إباحة واختيار يعمل أو ~~لا يعمل. لقد أنساهم الحق ذلك حتى يدلنا على أن ذلك أمر كاذب جاء به ~~الكهنة من عندهم. فإن سألهم سائل: من الإله الذي أمر ونهى؟ هنا يقول ~~القائل منهم: الله هو الذي أمر وهو الذي نهى. والله يعلم إنهم لكاذبون. ~~والحق سبحانه وتعالى حين ينهانا عن تلك الأمور فهو يريد للإنسان أن ينمي ~~ملكة الاختيار بين البدائل. وعلى الإنسان أن يستنبط وأن يحلل وأن يعرف ~~المقدمات فيدرسها ويحلل الخطوات ليصل إلى النتائج. لا أن يعطل القوة ~~المدركة التي تختار بين البديلات، فالخمر تستر العقل، وكذلك الميسر يضع ~~الإنسان بين فكي الوهم، وكذلك الأنصاب تعطل القدرة على السعي والرضوخ ~~للكهنة. وعندما تسأل شارب الخمر: لماذا تشربها؟ يجيب: إنني أريد أن أستر ~~همومي. # وستر الهموم. لا يعني إنهاءها. ولكن مواجهة الهموم هي التي تنهي الهموم ~~بالأسباب المتاحة للإنسان. فإن لم تقو أسبابك فالجأ إلى المسبب في إطار ~~قول الحق: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه # [النمل: 62]. وعندما تستنفد أسبابك وتلجأ إلى الله فهو يعينك على الأمر ~~الشاق المسبب للهموم. ولنا في الرسول صلى الله عليه وسلم القدوة. فقد كان ~~إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة. ومعنى " حزبه " أي خرج عن نطاق أسبابه. ~~ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلجأ إلى رب الأسباب. وقد نجد من ~~يقول: إنني أدعو الله كثيرا ولكنه لا يستجيب لي. ونقول له: إما لأنك قد ~~دعوت في غير اضطرار، وإما لأنك لم تلتفت إلى الأسباب، وأنت حين تتجنب ~~الأسباب فأنت ترفض يد الله الممدودة لك بالأسباب. وأنا أتحدى أن يوجد ~~مضطر أنهى الأسباب، ولا يأتي له الفرج. وأنت حين تدعو بحاجة وتتأخر عليك، ms2740 ~~نقول لك: إنك دعوت بغير اضطرار. وكثيرا ما أضرب هذا المثل - ولله المثل ~~الأعلى المنزه دائما - وأقول: هب أن تاجرا من تجار الجملة الكبار يجلس ~~أمام المخازن التي يملكها وجاءت السيارات الشاحنة بصناديق بضائعه. ~~والعمال يحملون البضائع ليضعوها في المخازن. وفجأة رأى عاملا من عماله ~~يكاد يقع بالصندوق الذي يحمله، هنا نجد التاجر يهب بلا شعور لنجدة ~~العامل. فما بالنا بالحق الذي خلق لنا الأسباب؟ إنك إن استنفدت الأسباب ~~فإن الله يعينك مصداقا لقوله: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء # [النمل: 62]. إذن فالخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان. والأزلام هي نوع من الميسر فقد كانوا يحضرون الناقة أو الجزور ~~ويذبحونها ويقسمونها إلى ثمانية وعشرين قسما ويخصصون لإنسان نصيبا ~~وللثاني نصيبين وللثالث ثلاثة أنصبة، وللرابع أربعة أنصبة وللخامس خمسة ~~أنصبة، وللسادس ستة أنصبة، والسابع له سبعة أنصبة. وكانوا يأتون بالقداح ~~السبعة. قدح اسمه " الفذ " ويأخذ الفائز به نصيبا، والقدح الثاني: " ~~التوأم " ويأخذ نصيبين، والقدح الثالث اسمه " الرقيب " يأخذ ثلاثة. ~~والقدح الرابع اسمه " المسبل " ويأخذ ستة. والسابع اسمه " المعلى ~~" ويأخذ سبعة أنصبة. وهناك ثلاثة قداح هي المنيح والسفيح والوغد، ~~وهؤلاء الثلاثة لا يأخذون شيئا بل يدفعون ثمن الذبيحة. وذلك رجس من عمل ~~الشيطان. إن النفس العاقلة لا تقبل على مثل هذه الأعمال، بل لا بد أن ~~يحرك أحد تلك الأطماع، ذلك أن المخالفات إنما تنشأ من أمرين إما أن تكون ~~من النفس، وإما أن تكون من الشيطان. والمخالفة التي تكون من النفس هي ~~التي تحقق شهوة من نوع خاص بحيث إذا زحزحت النفس عنها فهي تريدها. ~~والمخالفة التي من نزغ الشيطان تختلف، فقد يوعز الشيطان لإنسان بالسرقة، ~~فيرفض، فيعرف الشيطان أن لهذا الإنسان مناعة ضد هذه المعصية، فيوعز ~~بمعصية أخرى، فإذا وجد مناعة انتقل إلى معصية ثالثة لأن وسوسة الشيطان ~~تطلب الإنسان عاصيا على أي لون من الألوان. # فإذا وقفت عند معصية بذاتها فاعلم أن ذلك من عمل نفسك، وإن انتقلت ~~بالوسوسة من معصية عزت على الشيطان إلى معصية ms2741 أخرى فاعلم أنها من عمل ~~الشيطان ولا دخل للنفس بها. والعاقل الذي يتمعن في كل تلك المسائل ~~المحرمة يرى أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام هي أمور لا تستطيبها ~~النفس غير المنزوعة من الشيطان، فكأن قوله الحق: { رجس من عمل ~~الشيطان } يدلنا على أن العاقل لا يمكن أن يصنع هذه الأشياء. ويذيل ~~الحق الآية: { فاجتنبوه لعلكم تفلحون }. ويأمرنا سبحانه ~~باجتناب الرجس الذي جمع الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، والاجتناب هو ~~أن يعطي الإنسان الشيء المجتنب جانبه، أي المنع للذرائع والأسباب ~~والسد لها لأنك إن لم تجتنبها فمن الجائز أن قربك منها يغريك بارتكابها. ~~وبعض الناس يظنون أن الخمر لم يأت لها تحريم وإنما جاء الأمر فيها ~~بالاجتناب. ونقول لهم: إن التحريم هو النص بعدم احتسائها، وأما الاجتناب ~~فهو أقوى من التحريم لأنه أمر بعدم الوجود في مكانها. فإذا كان الحق قد ~~قال في قمة العقائد: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]. فقد قال هنا اجتنبوا الرجس الذي يجمع الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام. والحق سبحانه وتعالى واجه العادات التي شاعت قبل ~~الإسلام ليخلع الفاسد منها ولم يجابهها دفعة واحدة وذلك لتعليق النفس بها ~~والإلف لها، وإنما كان التحريم لها بالتدريج. لقد حزم الإسلام الأمر ~~أولا في مسائل العقائد، أما الأمور التي تترتب على إلف العادة فكان ~~تحريمها على مراحل. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى عن شيء إنه: " رجس " ، ~~فذلك حكم الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ونحن نقبل ~~هذا الحكم حتى ولو لم نفهم نحن معنى الرجس، أو لم نتأكد ماديا من أن ~~الشيء المحرم هو من الرجس، ذلك أنه يكفي في ذلك حكم الله الذي يرضخ له ~~العبد المؤمن الذي قبل التكليف من ربه لأن ربه مؤتمن على كل مصالحه. وما ~~دام الحق قد قال عن شيء إنه رجس، فهو رجس ولا جدال في ذلك. أقول ذلك لأن ~~بعضا يظل متصيدا لأي ثغرة مفتعلة متسائلا: كيف يكون ذلك العمل أو ذلك ~~الشيء من الرجس؟ ونقول: إننا نرضخ لحكم ms2742 الله تعالى وننفذ ما أمر به، فهو ~~إله مأمون على كل الخلق، وتثبت لنا الأيام دائما صدق قول الحق في أن ~~الأشياء التي قال عنها سبحانه إنها رجس، هي من الرجس فعلا، فحين يقول ~~سبحانه لخلقه: افعلوا كذا، لا نسأله: وما علة ذلك التكليف، ولكننا ننفذ ~~أمر الحق، ونكتشف في أعماقنا فائدة ذلك التكليف. # أما عندما يكلفنا عبد مساو لنا بشيء فلا بد أن نسأل: لماذا؟ والعبد ~~المساوى لنا عليه أن يقدم لنا العلة لأي فعل يطلب منا القيام به، ولكننا ~~لا نسأل الله عن علة التكليف لنا لأننا نؤمن بأنه إله حكيم، والأيام ~~ستثبت لنا أن قول الله حق. ومثال على ذلك نجد أن الذي لا يشرب الخمر ~~امتثالا لنهي الله عن ذلك الفعل، هو إنسان مستقيم السلوك، طاهر القصد، ~~ولا يتأتى منه نشاز في الكون. أما الذي يشرب الخمر فهو معوج السلوك، غير ~~طاهر القصد، ويتأتى منه نشاز في الكون. وقد أثبتت التجربة أن شارب الخمر ~~إنما يصاب بأمراض في الكبد ويعاني من ارتباك في إدارة حياته وكلماته. نحن ~~نقرأ قول الله سبحانه: # واتقوا الله ويعلمكم الله # [البقرة: 282]. والتقوى - كما علمنا - أن نجعل بيننا وبين غضب الله ~~وقاية لذلك نفعل ما أمرنا به. وحين نفعل أوامر الإله الحق فإننا نتعلم ~~حكم الله في الفعل. ومثال ذلك قوله الحق: # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت: 45]. ونحن نعرف كيف تنهانا الصلاة عن الفحشاء والمنكر لأننا ~~نسلم وجوهنا وقلوبنا الله فننفذ ما أمر به. وكذلك نجد في الزكاة نماء. ~~ونجد الحج يصفي النفس من أي كبر ويغسل الذنوب. وكل فعل أمر به الحق نجد ~~له الأثر في نفوسنا بعد أن نقوم به. أما إن فعلت الحكم للعلة فذلك يبعد ~~بك عن مرتبة الإيمان. ونجد أن الطبيب يأتي لشارب الخمر بصورة ملتقطة ~~للكبد بواسطة الموجات الصوتية أو الأشعة فيجد شارب الخمر صورة كبده وقد ~~امتلأت بالتهرؤ وصارت عرضة لأمراض كثيرة ثقيلة وربما تعطلت وظائف الكبد ~~في بعض الأحيان، وهنا يأمر الطبيب ms2743 شارب الخمر أن يمتنع عن شرب الخمر. فهل ~~امتناع شارب الخمر في مثل هذه الحالة هو امتناع بسبب الإيمان أو بسبب ~~الأمر الطبي؟ إنه امتناع بسبب الأمر الطبي، ويستوي في ذلك المسلم العاصي ~~والكافر. ولكن المؤمن الذي يمتنع عن شرب الخمر ابتداء، فهو قد امتنع لا ~~لعلة الأمر ولكن لأن الأمر من الله، وهو يتبع أوامر الحق دون سؤال عن ~~العلة. والمؤمن يأخذ الحكم من الله دون طلب تعليل منه ليشرح له أسباب ~~المنع في سلوكه. والحق سبحانه قال: { إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه } والعداوة المسبقة بين الشيطان وأبينا آدم عليه السلام ~~بينها - سبحانه - بقوله للملائكة: # اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس # [البقرة: 34]. وكان الشيطان موجودا مع الملائكة، وكان الأولى أن يسجد ~~هو لأن الأمر إذا كان للجنس الأعلى وهو الملائكة، فيجب أن ينسحب على ~~الأدنى، لكنه عصى وقال: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61]. إذن فالعداوة مسبقة بين آدم والشيطان، فكيف إذن نقبل نحن ~~أبناء آدم وسوسته؟ وكيف نقبل نزغه؟ وكيف نقبل إغراءه؟ لا بد إذن أن نتجنب ~~ذلك لأنه رجس ومن عمل الشيطان، حتى ننجو من كل سوء، ويأتي لنا كل فلاح. ~~ويقول الحق: { إنما يريد الشيطان... }. ### || [5.91] # لم يأت الحق هنا بالأنصاب أو الأزلام لأن المؤمنين لا يعتقدون فيها ~~وانتهوا منها، والخطاب هنا موجه للمؤمنين. إذن لماذا قرن الحق التكليف ~~بالنهي عن الخمر والميسر - من قبل - بالأنصاب والأزلام؟ قال سبحانه ذلك ~~ليبشع لنا الأمر، فوضع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام، ولنفهم أن ~~الحكم بالنهي عن الخمر والميسر جاء ليقرنهما بالأنصاب والأزلام، وما ~~داموا مؤمنين فلا بد أنهم قد انتهوا عن الأنصاب والأزلام. ويقول سبحانه: ~~{ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء }. والإرادة هي تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه، وتتعلق ~~الإرادة بمريد، فهل يقدر على إنفاذ ما يريد أم لا يقدر؟ إن كان يقدر على ~~إنفاذ ما يريد، فالقدرة تكون من بعد الإرادة. وحينما يريد سبحانه وتعالى، ~~فالقدرة تبرز المراد، فقدرته لا تتخلف ms2744 ولا مراده يتخلف لأن كل شيء منفعل ~~له سبحانه وتعالى، وتختلف المسألة عند الإنسان والشيطان، فالإنسان يريد، ~~ولكن أله القدرة على إنفاذ ذلك؟ أحيانا تكون له بعض من القدرة على إنفاذ ~~ما يريد، وأحيانا لا. والشيطان يريد، لكن أيقدر على إنفاذ ما يريد؟ إنه ~~يقدر في حالة إطاعة الإنسان له. وهكذا تكون إرادة الشيطان، وهو يحب أن ~~تحدث المعصية من الإنسان، ويتمنى الشيطان ذلك، ويخطط لذلك. لكن الفعل لا ~~يأتي إلى الوجود إلا إذا وافق الإنسان على طاعة الشيطان. إذن فالإرادة إن ~~كانت ممن يقدر على الإرغام والإبراز فهي تظهر العمل فورا، والقادر ~~المطلق هو الله، وهو يحكم ما يريد، ولذلك يأتي قوله الحق: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. لكن خلقه حين يريدون فالأشياء لا تنفعل لهم انفعالها لخالقها ~~لأن إرادة المخلوقات تقتضي أن ينفذ الإنسان على قدر طاقته، وهي مهما زادت ~~محدودة. وإرادة الشيطان تحتال على الإنسان حتى يفعل ما يتمناه، ولا ~~يستطيع الشيطان أن يكره الإنسان قهرا على فعل ما، ولكنه يزين له الفعل. ~~فليس للشيطان سلطة الإكراه ليقهر الإنسان على فعل، وليس للشيطان قدرة على ~~الإقناع أو الإتيان بأدلة تجعل الإنسان يفعل مراد الشيطان وهو راض عن ~~عمله. ولذلك يقول الشيطان في الآخرة للمذنبين: إن الذنب ذنبهم. # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # [إبراهيم: 22]. هكذا يعلن الشيطان أنه غير قادر على البشر، لا بالقهر ~~ولا بالحجة، إنه فقط زين لهم الأمر، فمن كانت له شهوة فالشيطان يزينها ~~له فيرتكب الذنب. ويعلن الشيطان: # مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي # [إبراهيم: 22]. ويعترف الشيطان أنه مهما صرخ مستغيثا - يوم القيامة - ~~فلن يجد من يغيثه، وكذلك أصحاب الذنوب الذين اتبعوه سيصرخون ولن يجدوا من ~~الشيطان عونا ينجيهم من العذاب. # و " أصرخ فلان فلانا " أي ذهب ليزيل صراخه وينجده. إذن فقول الحق: { ~~إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء } يشرح لنا أن إرادة الشيطان هي إرادة تزيين، لا إرادة ~~قدرة ms2745 على القهر أو الإقناع. وإذا سمعت كلمة " يوقع " ، فافهم أن هناك ~~شيئين الأصل فيهما الالتحام، وهناك من يريد أن يجعل بينهما شيئا يفصل ~~هذا الالتحام. ولذلك يقال: " فلان مشى بالوقيعة " أي أنه أراد أن يصنع ~~فجوة وشرخا بين اثنين الأصل فيهما الالتحام. وكلمة " بينكم " تفيد ~~الانفصال. وهذا الانفصال هو الذي توضع فيه الوقيعة. لماذا؟ لأن المؤمنين ~~إخوة، ولأن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، والشيطان يسعى ~~بالخمر والميسر بأن يمشي بالوقيعة بين المؤمنين. ونجد مجالس الخمر فيها ~~هذا فالشاربون معا كثيرا ما تقوم بينهم المعارك ويدور بينهم السباب. ~~ولاعبو الميسر يأخذ بعضهم مال بعض، وهكذا يتحولون من وحدة كالبنيان إلى ~~فرقة وتحدث بينهما العداوة والبغضاء. وما الفرق بين العداوة والبغضاء؟ ~~العداوة هي انفصال متلاحمين حدثت بينهما عداوة وبغضاء. والبغضاء هي ~~انفعال القلب بشيء مكروه. كأن البغضاء توجد في الصدور بعد حصول العدوان، ~~فكأن العداوة تكون هي المنطقة الوسط التي باعدت بين هذين الشخصين بعد أن ~~استسلما لنزغ الشيطان. وهذان الاثنان كان يجمعهما من قبل الصفاء والمودة ~~والحب والأخوة الإيمانية. والعداوة في هذه الحالة تأخذ من مشاعر كل طرف ~~لأن العداوة إن كانت من طرف واحد فعمرها قصير، ولكنها تطول إن كانت بين ~~طرفين. ولذلك تكون المعركة حامية بين عدوين يستشعر كل منهما العداوة ~~للآخر. وهي تكون عداوة مؤججة وملتهبة إن لم يتدخل طرف ثالث ليحسم بالحق ~~بين الاثنين، فيخزي الذي على الباطل ويأخذ الحق منه ويعطيه لصاحبه، وهنا ~~يحس صاحب الحق أن هناك من ينصره. وبهذا تحسم العداوة وتنقضي. لكن إن لم ~~يجد الطرفان رادا ولا رادعا، تظل العداوة متوهجة. ولذلك حينما عرض ~~الحق أمر موسى عليه السلام وأمر فرعون، قال عن موسى: # فالتقطه آل فرعون # [القصص: 8]. والتقطوا موسى لماذا؟ # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. فهل عرفوا هم من البداية أنه عدو؟ لا، لقد التقطوه ليكون ~~قرة عين لهم، ولكن الله أفسد مرادهم. فاللام في قوله: " ليكون " هي لام ~~الغاية والعاقبة وليست لام العلة الفاعلة، وقد أثبت سبحانه بذلك ms2746 أن فرعون ~~ليس إلها، وأن أتباعه كانوا قوما مغفلين لا فطنة لهم. فلو كان فرعون ~~إلها لعرف أن هذا الوليد الذي سيربيه سيكون عدوا له. والعداوة هنا هل ~~هي من ناحية موسى فقط تجاه فرعون؟ لا. إنها عداوة بين الله وموسى كطرف، ~~وفرعون كطرف. لذلك قال: # فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل ~~يأخذه عدو لي وعدو له # [طه: 39]. ولم تنته هذه العداوة إلا بغرق فرعون. والحق ينبهنا: { ~~إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر } و " في " هنا هي للسببية ~~كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش ~~الأرض حتى ماتت ". # ونقول في حياتنا اليومية: أخذ فلان إلى الحبس لمدة أعوام في قطعة ~~مخدرات. أي أنه أوقع نفسه في المكروه بسبب شيء ما. وقوله الحق: { في ~~الخمر والميسر } دلت على أن العداوة والبغضاء مظروفة في الخمر ~~والميسر. ويقول بعد ذلك: { ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة فهل أنتم منتهون }. إن ذكر أي أمر يعني أن يكون ~~هذا الأمر في بؤرة الشعور دائما، فكل معلومة يذكرها الإنسان تكون في ~~بؤرة شعوره، ومن بعد ذلك تتحرك لتحل محلها معلومة أخرى. وعندما يكون بال ~~الإنسان مشغولا بشيء فهذا الشيء لا يتزحزح من بؤرة الشعور إلى حاشية ~~الشعور إلا بعد أن يأتي أمر آخر يشغل البال. ولذلك نقول: إياكم أن ~~تعتقدوا أن الذهن يفهم أي أمر من مرة واحدة أو من مرتين أو من ثلاث مرات. ~~لا، بل يفهم الذهن من مرة واحدة كآلة التصوير، والمهم أن يكون ساعة ~~التقاط المعلومة خاليا من غيرها ولذلك كنا نعرف أن إخواننا المكفوفين ~~الدارسين معنا أقدر على الاستيعاب الحفظي منا نحن المبصرين لأن المبصر ~~عندما يكون بصدد مسألة قد تنشغل عيناه بشيء، فتكون بؤرة شعوره مشتتة. أما ~~الأعمى فبؤرة شعوره تذكر فقط ما يسمعه. وهكذا نعرف ما هو " الذكر ". ~~والخمر تطمس العقل وتستره فكيف يذكر الله إذن؟ وكذلك الصلاة، وهي خير ~~الذكر، تسترها ms2747 الخمر عنا. وكذلك الميسر الذي يلوح فيه الوهم بالكسب ~~كالسراب، فيلهث اللاعب خلف اللعب لعله يكسب، ويفقد القدرة على ذكر الله ~~والصلاة. ولأن العداوة مسبقة بين الإنسان والشيطان، نجد الشيطان قد قال ~~فيما يحكيه الحق عنه: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82]. قد عرف الشيطان كيف يقسم؟ أقسم بعزة الله أن يغوي خلقه، فلو أن ~~الله أراد عباده لما أخذهم الشيطان. ويذيل الحق أمر الخمر والميسر بقوله: ~~{ فهل أنتم منتهون }. هذا استفهام، وهو طلب فهم الشيء، هذا ~~ما نعرفه عندما يكون الاستفهام من البشر، ولكن عندما يصدر هذا الاستفهام ~~من الله لنا، فهذا أمر الأمر سبحانه وتعالى. كيف؟ إن هناك أمرا من الآمر ~~هو حكم لازم. وهناك أمر يريده الله من المأمور ليأمر به نفسه. وهي ثقة من ~~الآمر الأعلى في الإنسان المؤمن الذي يتلقى مثل هذا الأمر. ومثال ذلك - ~~ولله المثل الأعلى - يقول الأب لأحد أبنائه: إن إهمالك لدروسك سيجعلك ~~تنال غضبي واحتقار زملائك لك وتتأخر عن غيرك، فهل ستنتهي من اللعب واللهو ~~أو لا؟ ولم يقل: انته عن اللعب لأن الأب أراد أن يأتي بالحيثيات حتى يحكم ~~الابن بنفسه، وحتى يدير المسألة بمقابلها، ولا يجد إلا أن يقول: لقد ~~انتهيت عن اللعب. # وهنا جاءت المسألة أيضا على هذا الشكل، فبدلا من أن تكون حكما من الله ~~أصبحت حكما من العبد المأمور. وهذا أبلغ أنواع الحكم لأن المتكلم يلقي ~~بالأمر في صيغة سؤال، ليدير المسئول كل جواب فلا يجد إلا الجواب الذي ~~يريده السائل. ومثال ذلك عندما فتر الوحي عن حضرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال أهل قريش: إن رب محمد قد قلاه وأبغضه وكرهه، ثم نزل الوحي على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # ما ودعك ربك وما قلى # [الضحى: 3]. ويتابع الوحي: # ألم يجدك يتيما فآوى # [الضحى: 6]. وعندما يستقرئ النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة يجيب: ~~نعم يا رب أنت وجدتني يتيما فآويتني. وهذا يسمونه مشاركة المأمور في علة ~~الأمر. وهذه أبلغ أنواع الأمر. وعندما يقول ms2748 الحق: { فهل أنتم ~~منتهون } يعلم المخاطبون ماذا يريده الله، فيقولون: نعم انتهينا يا ~~ربنا. وبالغوا كثيرا في هذا الانتهاء، فالإمام علي - كرم الله وجهه - ~~يقول: لو وقعت قطرة منها في بحر ثم جف البحر، ونبت فيه الكلأ واندلع ~~لساني من الجوع ما قربته. ولم يكن هذا أمرا مفروضا، ولكنها المبالغة في ~~الانتهاء على أقصى صورة. وها هوذا سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~يقول: لو وقعت قطرة منها على يدي لحرمتها على نفسي. وهكذا كان رد فعل قول ~~الحق: { فهل أنتم منتهون }. وبذلك تم حسم مسألة الخمر. ونعرف ~~أن التكليف في تحريم الخمر جاء متدرجا، والتكاليف الإيمانية إنما تأتى ~~على لسان رسول، والرسول لا يأتي إلا إذا عم الفساد في المجتمع، وفي ذوات ~~البشر في آن واحد. فلا نجد من يلوم نفسه، أو يتدخل ليرد آخر عن فساده هنا ~~تتدخل السماء بإرسال رسول، ولا تصب السماء كل أحكامها في أول الأمر، ~~ولكنها تدعو خلال الرسول بالإيمان بالله الواحد حتى يتلقوا منه الحكم. ~~فالأيمان بوحدانية الله هو قمة العقيدة التي لا هوادة فيها. لكن في ~~الأمور التي تتعلق بالأحكام، فالأحكام تغير أوضاعا عرفية وأوضاعا ~~اجتماعية متداولة بين الناس. فإذا أراد الله أن يغير عادة بحكم فهو يأتي ~~بهذه المسألة تدريجا لأنه سبحانه وتعالى يتلطف مع خلقه برحمته. ومثال ~~ذلك: كان الرجل يملك المال فلا يعطي أباه ولا أمه، إنما يعطي المال ~~لأولاده لأنه يعرف أن والده منته وسيموت قريبا، وأن الابن هو الذي يستقبل ~~الحياة، ولذلك فالابن يأخذ كل المال. هنا قال الحق: لا، إنك أنت يا ~~صاحب المال قد تموت قبل أبيك فاترك له شيئا. # إن ترك خيرا الوصية للوالدين # [البقرة: 180]. لقد أراد أن يخرجهم من عدم العطاء إلى الوصية التي تكون ~~منهم. وبعد أن استقرت الأحكام، قرر الحق للوالدين نصيبا من الميراث. إذن ~~جاء الأمر أولا بتلطف في الخروج عن حكم الإلف والعادة والعرف حتى لا ~~يخرجهم إخراجا قسريا. والحق سبحانه وتعالى لا يريد أن يجعل المال دولة ms2749 ~~بين الأغنياء فحسب أي يتداولوه دون غيرهم، بل يريد أن يجعل المال دولة ~~بين الناس. لذلك جاء الميراث. إننا عندما نحسب ميراث ألف فدان مثلا نجده ~~قد ذاب وتقلص وتناثر خلال ثلاثة أجيال إلى فدانين وخمسة أفدنة. وهذا تدرج ~~أجيالي لا قسري. حتى يرتب الإنسان حياته وحياة أبنائه، فيترك المالك ~~لأولاده ميراثا وخيرا ليديروا العمل فيه. أما الذي لا يملك فهو يعطي ~~لأبنائه حرفة أو وظيفة. لذلك يذيب الدين المسألة المالية والعقارية ~~أو الإقطاع كما يقولون، لا بالقسر حتى لا تحدث للمجتمع هزة حقد أو هزة ~~توتر لأن الذي جمع ماله من عرقه ومن اجتهاده ساعة يرى المال قد خرج منه ~~إلى من لم يعرق ومن لم يجد، فهو يحقد، والحق يقول: # وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا ~~يسألكم أموالكم * إن يسألكموها فيحفكم ~~تبخلوا ويخرج أضغانكم # [محمد: 36-37]. وساعة يحدث الضغن في المجتمع فإن كل استقرار وود ينتهي. ~~وهذا هو منتهى التلطف في رعاية العادات. وكانت الخمر ومجالسها عادة ~~موجودة عند العرب، وكان من الصعب أن يخرجهم منها مرة واحدة. لذلك جاء ~~تحريمها بتدرج وبتلطف والذكي والفطن عندما يسمع الآية التالية يعرف أن ~~الله قد بيت للخمر تبييتا محكما للقضاء عليها وذلك بتحريمها، يقول الله ~~تعالى: # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا # [النحل: 67]. فسبحانه يقول: " ورزقا حسنا " ، ولم يصف السكر بأنه حسن. ~~ومعنى هذا أن أخذ الرزق وتخميره واتخاذه سكرا هو إتلاف للحسن. وجاء الحق ~~ب السكر أولا ليخبرنا أنهم كانوا يأخذون منه الرزق أولا النصيب الذي ~~يجعلونه خمرا. ومن بعد ذلك يطرح الحق الأمر كعظة من الواعظ للموعوظ، ~~والعظة ليست إلزاما، إنما هي إبداء رأي حكيم لغيره، وهذا أول التبيت ~~للدخول إلى تحريمها، ثم يقول الحق: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما # [البقرة: 219]. وهكذا رجح الحق جانب الإثم على جانب المنفعة. ومن بعد ~~ذلك يأتي للصلاة، ولم يكن هناك حكم جازم بعدم شرب الخمر قبل الصلاة إلى ~~أن ms2750 قام واحد للصلاة وهو سكران، ونعوذ بالله مما قال، قال: قل يا أيها ~~الكافرون أعبد ما تعبدون. لقد اضطرته الخمر أن يخطىء في القمة العقدية، ~~لذلك جاء الأمر: # لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى # [النساء: 43]. ونعلم أن المسلم يصلي خمسة فروض في اليوم، وحتى لا يقرب ~~الإنسان الصلاة وهو سكران فهذا يقتضي أن يمر النهار كله تقريبا دون خمر ~~إلى ما بعد العشاء. # وبذلك أطال الحق المسافة الزمنية التي يمتنع فيها عن تعاطي الخمر. وفي ~~ذلك حبس للنفس عن المعتاد عليه حتى يألف الشخص المعتاد ترك ما ~~اعتاده. ومن بعد ذلك يطلبون من الرسول رأيا شافيا في الخمر فيأتي ~~قوله الحق: { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم ~~عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون } ~~[المائدة: 91]. لقد كان هذا هو التدرج الذي يخرجهم من الإلف والعادة في ~~أعمالهم، فيأتي الأمر بالتحريم وكأنه صادر منهم. ويردف الحق سبحانه ~~وتعالى ذلك الحكم الجزئي في الخمر والميسر فكأنه يقول: ما دامت المسألة ~~كما علمتم مني بأن هذا رجس ومن عمل الشيطان فلا تعينوا الشيطان على ~~نفوسكم وأخلصوا في عبادة الحق وحده، ويقول سبحانه - بعد ذلك: { ~~وأطيعوا الله... }. ### || [5.92] # لقد نقل الله الحكم بعدما انتهى من هذه الجزئية إلى حكم عام هو طاعة ~~الله وطاعة الرسول. وأنت ساعة تستقرئ أمر الله بالطاعة فأنت تجدها في صور ~~متعددة. فمرة يقول: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ~~[المائدة: 92]. فقد كرر الأمر بالطاعة لله وللرسول، فالإطاعة لله في ~~الحكم العام، وإطاعة الرسول في تفصيله، ومرة يقول سبحانه: # قل أطيعوا الله والرسول # [آل عمران: 32]. إنه هنا لا يكرر أمر الطاعة، فهناك أمر للطاعة، وهناك ~~مطاع، وهناك مطيع والمطيع، هم المخاطبون، فهو هنا يوحد أمر الطاعة، ~~والمطاع هنا هو الله، والرسول يأتي معطوفا على لفظة الجلالة. ومرة يقول ~~الحق سبحانه: # وأطيعوا الرسول # [النور: 56]. نحن إذن أمام حالات للطاعة: الأولى: وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول، والثانية: أطيعوا الله والرسول، والثالثة: أطيعوا الرسول، ومرة ~~واحدة فقط يعطف على ذلك ms2751 " أولي الأمر " فيقول جل وعلا: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم # [النساء: 59]. وحين قال الحق: { وأطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول } [المائدة: 92]. فهو يكرر الأمر بالطاعة عند الله وعند ~~الرسول، لكن عند أولي الأمر لم يأت سبحانه بأمر: " وأطيعوا " ذلك أن طاعة ~~أولي الأمر تكون من باطن الطاعتين: طاعة الله، وطاعة الرسول فلا طاعة ~~لمخلوق في معصية الخالق. وإذا قال الحق: { وأطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول } تكون طاعة الله في الحكم العام، وطاعة الرسول ~~في تفصيل الحكم. والمثال قوله الحق: # ولله على الناس حج البيت # [آل عمران: 97]. هنا نطيع الله في الحكم العام، ونطيع الرسول في تفصيل ~~الحج. لأن التفصيل لم يأت في القرآن، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: # " خذوا عني مناسككم " # وعندما يتوحد الأمران: " وأطيعوا الله والرسول " فهذا يعني أن هناك ~~أمرا واحدا قد صدر من الله، وصدور وحصول الفعل من الرسول يكون للقدوة ~~والأسوة وتوكيدا للحكم. وإذا كان لله أمر بالإجمال وللرسول أمر بالتفصيل ~~فسبحانه يقول: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول }. وإذا ~~كان الأمر للرسول فقط ولم يرد فيه شيء من الله فهو أمر صدر بتفويض من ~~الله بناء على قوله الحق: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. وهكذا نجد أنه لا تلتبس طاعة بطاعة ولا تتناقض طاعة مع ~~طاعة. والحق هنا يقول: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~واحذروا }. لماذا هذا التحذير؟ يأتي هذا التحذير ليعلمنا الله أن ~~الشيطان لن يدعنا ندخل في مجال طاعة الله وطاعة الرسول، وسيحاول جاهدا ~~أن يلبس علينا الأمر. فعندما يعرف الشيطان ميلا في نفس إنسان إلى لون ~~من الشهوات، يدخل إليه من باب المعاصي. وإن كان الإنسان قد أوصد بعض ~~السبل أمام الشيطان فلا يستطيع مثلا إغراءه بالسرقة أو شرب الخمر، لا ~~يتركه بل يدخل إليه من باب الطاعة، فيأتي الشيطان إلى الإنسان لحظة ~~الوضوء وينسيه هل غسل هذه اليد أو تلك، وهل أسبغ الوضوء أم لا؟ أو يأتي ~~الشيطان إلى المؤمن لحظة الصلاة فينسيه عدد الركعات أو عدد السجدات، ~~وهكذا يدخل ms2752 الشيطان للمؤمن من ناحية الطاعة. # ومعنى قوله سبحانه: { واحذروا } أي احذروا أن يحتال الشيطان عليكم ~~لأنه سيحاول أن يدخل لكم من كل مدخل، يدخل على المسرف على نفسه بالمعصية، ~~وأشد أعمال الشيطان على المؤمنين هي أن يدخل عليهم من باب الطاعة. ولذلك ~~قال الحق: { واحذروا } وكثيرا ما نجد الإنسان منا ينسى موضوعا ما، ~~وحين يأتي إلى الصلاة فهو يتذكر هذا الموضوع. والشيطان لا يترك الإنسان ~~في مثل هذه الحالة، فقد أقسم الشيطان فقال: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82]. وقال الحق سبحانه: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]. إنه أقسم أن يقف على الطريق المستقيم لا على الطريق ~~المعوج. ومثال ذلك عندما يتصدق إنسان بصدقة قد يعلنها ويقول: لقد تصدقت ~~أكثر من فلان. وهكذا يضيع منه الأجر. الشيطان يحاول - إذن - أن يدخل ~~علينا من باب لا تفطن إليه وهو باب الطاعة. وأروي لكم هذه القصة حتى ~~تعرفوا مدى تدخل الشيطان، وقد حدثت مع الإمام أبي حنيفة رضي الله ~~عنه. فقد جاء إليه من يسأله الفتوى في أمر غريب قال السائل: ضاعت مني ~~نقودي، فقد دفنتها في مكان من الأرض، ونزل السيل فطمس مكان النقود وأزال ~~الحجر الذي وضعته علامة على مكانها. فقال الإمام أبو حنيفة: اذهب الليلة ~~بعد صلاة العشاء وقف أمام ربك إلى أن يطلع الفجر، وقل لي ماذا سوف يحدث. ~~وعندما جاءت صلاة الفجر جاء الرجل متهللا إلى أبي حنيفة وقال: وجدت ~~مالي. فسأله أبو حنيفة: كيف؟ قال الرجل: بينما أنا أقف للصلاة تصورت مكان ~~وضع النقود، ومتى نزل السيل، وكيف سار، وهكذا قست المسافة وقدرتها إلى أن ~~عرفت موقع النقود. فضحك الإمام وقال: والله لقد علمت أن الشيطان لن يدعك ~~تتم ليلتك مع ربك. هكذا ترى كيف يدخل الشيطان من باب الطاعة. ولذلك قال ~~الحق: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا ~~فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا ~~البلاغ المبين } [المائدة: 92]. أي فإن أعرضتم عما كلفتكم به ~~فاعلموا أنكم بتوليكم وإعراضكم لن تضروا الرسول لأن الرسول ما كلف إلا ~~أن يقوم بالبلاغ ms2753 المبين، وإنما ضررتم أنفسكم حين أعرضتم عما كلفتم به. إن ~~الحق يعلم أزلا أن بعضا من عباده قد يقول: إن هذا الحكم لم يرد في ~~القرآن لذلك جاء بالأمر بطاعة الرسول. وهكذا صارت للرسول طاعة مستقلة، ~~وأرادها الله حتى يرد مقدما على الذين يسألون عن نص فيه كل تفصيل. ~~بينما نجد هذه التفاصيل في السنة النبوية الشريفة. # ومثال ذلك عدد ركعات كل صلاة، إنها لم ترد في القرآن، ولكننا عرفناها ~~تفصيلا من الرسول. وفوض الحق رسوله في التشريع: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. فسبحانه قد علم أزلا أن هناك من سيدعي أنه لن يطيع إلا ~~القرآن. ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: # " يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم ~~كتاب الله عزوجل، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما وجدنا فيه حراما ~~حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله " # أي أن الرسول هو المبلغ عن ربه، وأن علينا أن نحذر الشيطان إذا أراد أن ~~يدخل علينا من باب الطاعة. ولكن لماذا قال الحق: { فإن توليتم ~~}؟ وعن أي شيء يكون التولي؟ قال الحق ذلك ليوضح لنا أن الإنسان له ~~الاختيار في أن يذهب إلى الطاعة، وله الاختيار في أن يذهب إلى المعصية، ~~وإن تولى الإنسان عن الطاعة إلى المعصية، وعن الإيمان الذي جاء به الرسول ~~الذي بلغ عن الله إلى البقاء في الكفر، فليعلم ذلك الإنسان أن الرسول قد ~~أوفى مهمته وأداها. فالمطلوب من الرسول أن يبلغ المنهج، وقد بلغ صلى الله ~~عليه وسلم بلاغا مبينا، محيطا، واضحا ومستوعبا لكل أقضية الحياة. ~~لقد أبلغنا صلى الله عليه وسلم مطلوب الله منا أن نؤمن بإله واحد، قادر، ~~حكيم، له كل صفات الكمال، ذلك هو الأمر الأول في العقيدة. وأبلغنا صلى ~~الله عليه وسلم أن نبتعد عما كان عليه العرب من الأنصاب، ومن الأوثان، ~~ومن الأصنام. وبلاغ الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب منا إيمانا، وعملا، ~~والعمل ينقسم إلى قسمين: عمل إيجابي، ms2754 وعمل سلبي. ويتركز العمل الإيجابي ~~في " افعل كذا " ، إذا لم تكن تفعله، أما العمل السلبي فهو أن تكف عما ~~نهاك عنه الله، ونهاك عنه الرسول صلى الله عليه وسلم. إذن أول مطلوب ~~الإيمان هو الاعتقاد في الإله الواحد، وأن نكف عن عبادة الأوثان ~~والأصنام، والطلب - كما نعرف - هو أن تنشىء كلاما تطلب به من مخاطبك أن ~~يفعل شيئا لم يكن مفعولا وقت طلبه. فإذا أوضح الحق: لا تعبد الأوثان، ~~فهذا طلب الفعل، وهو أن نكف عن عبادة الأوثان. وحين يأمرنا الحق بالصلاة ~~والصوم والزكاة وحج البيت، فهذا طلب لأفعال. وطلب الفعل يقال له: " أمر ~~". وطلب الكف عن فعل يقال له: " نهي ". وأنت إذا نظرت إلى كل التكاليف ~~في الإسلام، تجدها لم تأت مرة واحدة، وإنما جاءت على مدار ثلاثة وعشرين ~~عاما. فعندما جاء الإسلام آمن به أناس، ولم يكن قد صدر إليهم تنفيذ أي ~~من الأحكام التي وردت على مدار سنوات الرسالة، وإنما كان المطلوب منهم ~~بعضا يسيرا منها، وكانوا يؤدونها، منهم من بلغه فقط ضرورة الإيمان ~~بالإله الواحد، وآمن بذلك ثم وافاه الأجل وكانت له الجنة. # ومنهم من امتدت حياته، فزادت عليه أحكام جديدة فنفذها، وكان إسلامه بذلك ~~إسلاما تاما. إذن، فالتمام في الإسلام هو تنفيذ كل عمل جاء في الأحكام ~~التي أدركها المسلم. فإن لم يكن المسلم قد أدرك إلا حكما واحدا ونفذه ~~فله كل ما وعد الحق به. ومثال ذلك: " مخيريق اليهودي " الذي أسلم وأوصى ~~بماله للنبي صلى الله عليه وسلم. فلما كان يوم أحد، وقف في قومه ~~قائلا: يا معشر يهود، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. فلم ~~يجيبوه، فأخذ سيفه وعدته وقال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما يشاء. ~~ثم خرج إلى القتال فقاتل حتى استشهد. ولم يكن قد نفذ أي حكم من أحكام ~~الإسلام، لكنه قاتل فنال شرف الشهادة، وقال عنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " مخيريق خير يهود " # ولا بد لنا أن نفرق دائما بين " أركان الإسلام " والمطلوب من ms2755 المسلم. ~~ونعلم جميعا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: # " بني الإسلام على خمس: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ~~وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان " # هذه هي أركان الإسلام. أما المسلم فقد يختلف المطلوب منه، فالمطلوب من ~~المسلم أن يشهد مرة واحدة في حياته أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله. ومطلوب منه دائما أن يقيم الصلاة مهما تكن حالته. لكن فرض الزكاة ~~قد يسقط عنه إن كان لا يملك مالا. وقد يسقط عنه الصوم إن كان مريضا ~~مرضا لا يرجى شفاؤه أو كان كبير السن لا يقدر على الصوم وعليه فدية طعام ~~مسكين، أما المريض الذي يرجى شفاؤه وكذلك المسافر فيقضيان الصوم بعد زوال ~~العذر ومثلهما الحائض والنفساء. وقد يسقط عنه الحج لأنه لا يملك المال ~~الكافي. هكذا تختلف أركان الإسلام من مسلم لآخر، وهكذا نعرف أن من عاش في ~~بدايات الإسلام ونفذ القليل من الأحكام التي نزلت حتى مات أو استشهد، فقد ~~أدى مطلوب الإسلام منه. وعندما نزلت مسألة النهي عن الخمر، والميسر، ذهب ~~أناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن مصير زملائهم وإخوتهم ~~في الإيمان الذين ماتوا أو استشهدوا قبل أن ينزل تحريم الخمر والميسر. ~~ومجرد السؤال هو دليل على اليقظة الإيمانية، فالإنسان لا يكون مؤمنا حتى ~~يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وهنا أنزل الحق سبحانه وتعالى القول الكريم: { ~~ليس على الذين... }. ### || [5.93] # لقد أنزل الحق هذه الآية ليطمئن المؤمنين السائلين عن الحكم في ~~إخوانهم الذين ماتوا أو استشهدوا وكانوا يشربون الخمر قبل نزول الحكم ~~بتحريمها. { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جناح فيما طعموا } و { طعموا } لا تخص الطعام فقط ولكن ~~تشمل وتضم الشراب أيضا، فالحق يقول: # إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس ~~مني ومن لم يطعمه فإنه مني # [البقرة: 249]. وعلى ذلك فالماء طعام، بمعنى أن طعمه يكون في الفم. ~~وهكذا عرف المسلمون السائلون عن إخوانهم الذين ماتوا أو استشهدوا أن ~~إسلامهم كان ms2756 مقصورا على الأحكام التي نزلت في أثناء حياتهم، فقد نفذوا ~~المطلوب منهم بعدم عبادة الأصنام. وقد يكون منهم من مات قبل أن تفرض ~~الصلاة، أو مات قبل أن تنزل أحكام الزكاة أو الصوم، ولذلك لم يفعلوها. ~~وعلى ذلك يكون عملهم الصالح هو تنفيذ التعاليم التي نزلت إليهم. لقد ~~اتقوا الله فنفذوا مطلوب الإيمان على قدر ما طلب منهم الحق، آمنوا بالإله ~~المكلف وجعلوا بينهم وبين الله وقاية بأن نفذوا مطلوبه سبحانه امرا ~~ونهيا. والإيمان له قمة هي أن يؤمن الإنسان بالله وملائكته وكتبه ورسله، ~~وبعد ذلك بالأحكام التي تنزل من السماء. واختلف العلماء فيما بينهم في ~~مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فمن العلماء من قال: إن الإيمان لا يزيد ~~ولا ينقص، ومن العلماء من قال: إن الإيمان يزيد وينقص. والذين قالوا بأن ~~الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إنما نظروا إلى الإيمان بالقمة العقدية وهي ~~الإيمان بالله. والذين قالوا بأن الإيمان يزيد وينقص إنما نظروا إلى ~~الإيمان بالأحكام التي ينزلها الله، وأخذوا ذلك من قوله الحق: # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون # [التوبة: 124]. فكل آية تنزل بأحكام جديدة فهي تزيد الإيمان. فعندما نزل ~~الحكم بالزكاة أمن به المسلمون وطبقوه. ومنهم ممن لم يكن يملك المال فلم ~~يطبق الحكم على الرغم من أنه آمن به. فالمسلم يؤمن بالحكم، وإن كان ~~مستطيعا فهو يفعله، وإن كان غير مستطيع فهو لا يفعله. ولهذا كانوا ~~يستبشرون بالأحكام التي تنزل بها الآيات. وعلى ذلك يكون خلاف العلماء ~~خلافا على جهة منفكة، ونلحظ أن الحق يقول: { ليس على الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما ~~اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا ~~وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين } [المائدة: 93]. إذن، فهنا ثلاث مراحل: هناك من أدرك ~~حكما فاتقى الله وآمن وعمل صالحا، وبعد ذلك انتقل وأفضى إلى ربه فلا ~~جناح عليه، وهناك من عاش ليعاصر أحكاما أخرى فآمن بها وعمل بها، وهناك ~~من عاش ms2757 ليعاصر أحكاما قد زادت فعمل بها أيضا. # والإيمان الأول ارتبط بالعمل الصالح، وكذلك الإيمان الثاني الذي جاء في ~~الآية. ثم يأتي الإيمان الثالث مرتبطا بالإحسان. والإحسان كما نعلم له ~~وجهان: الأول أن يعبد المؤمن الله كأنه يراه، وكلما جاء تكليف، يحسن ~~المؤمن في أدائه، كأنه يرى الله، وإن لم يكن يراه فإنه يحس أنه سبحانه ~~يراه. وإذا ما استوعب المسلم كل أحكام الله التي استوعبت بدورها كل أقضية ~~الحياة، فهو يحسن أداء هذه الأحكام. والوجه الثاني للإحسان أن يزيد ~~المؤمن في أداء هذه التكاليف فوق ما فرض الله، وهي النوافل. وبذلك لا ~~يكتفي المؤمن بتصديق الأحكام التي نزلت، بل يزيد من جنسها. والحق يقول: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين # [الذاريات: 15-16]. وجاء الحق بالتعليل وهو: # إنهم كانوا قبل ذلك محسنين # [الذاريات: 16]. ووجه إحسانهم أن الواحد منهم لا يقف عند ما كلفه الله ~~به، بل يزيد على ما كلفه الله من جنس ما كلفه سبحانه، فالحق قد فرض على ~~المسلم خمسة فروض، والمحسن هو من يزيد ويتقرب إلى الله بالنوافل. وفرض ~~سبحانه على المسلم صوم رمضان، والمحسن هو من يؤدي صيام رمضان بتمامه ~~ويزيد بصوم أيام أخرى من العام. وفرض سبحانه على المسلم زكاة مال بقدر ~~اثنين ونصف في المائة وهو ربع العشر، والمحسن قد يزيد الزكاة إلى أكثر من ~~ذلك. وفرض سبحانه على المسلم حج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلا، والمحسن ~~هو الذي يزيد مرات الحج. إذن، فالمحسن هو من عشق التكليف من الله، وعرف ~~منزلة القرب من الله، فوجد أن الله قد كلفه دون ما يستحق - سبحانه - منا ~~فزاد من العمل الذي يزيده قربا من الله. ويضيف الحق في وصف المحسنين: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون # [الذاريات: 17]. ولم يكلفنا سبحانه بألا نهجع إلا قليلا من الليل. ~~كلفنا فقط بأن نصلي العشاء، وبعد ذلك قد ننام لنصحو لنصلي الصبح، أما ~~المحسن الذي عرف حلاوة الخلوة مع الله فهو لا ms2758 يهجع إلا قليلا من الليل. ~~ويضيف الحق سبحانه في وصف المحسنين: # وبالأسحار هم يستغفرون # [الذاريات: 18]. ولم يكلف الله المسلم بالاستغفار في السحر، لكن المحسن ~~يفعل ذلك ويضيف الحق سبحانه: # وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 19]. ولم يقل سبحانه: إنه حق معلوم، لأن الحق المعلوم هو ~~الزكاة. وهذه المراحل الثلاث هي التي تدخل المؤمن في مرتبة الإحسان. ~~ولذلك نجد الحق في آخر مرحلة في الآية التي نحن بصددها يتحدث عن الإحسان: ~~{ ثم اتقوا وأحسنوا } أي أن يزيد الإنسان المؤمن من جنس ~~ما فرض الله. ووقت أن كان التكليف في دور الاستكمال فكل حكم يأتي كان ~~يستقبله المؤمن بإيمان وعمل. أما الذين أدركوا كل التكاليف خلال الثلاثة ~~والعشرين عاما - المدة التي مكثها وعاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رسولا ثم انتقل إلى الرفيق الأعلى - فقد استوت عندهم التكاليف، وإذا ما ~~أرادوا الإحسان فلا بد لهم من الزيادة من جنس التكليف. ويقول الحق من بعد ~~ذلك: { يأيها الذين... }. ### || [5.94] # وهذا انتقال لحكم جديد، فبعد أن تكلم الحق فيما أحله لنا وقال سبحانه: # أحلت لكم بهيمة الأنعام # [المائدة: 1]. وبعد أن تكلم الحق سبحانه فيما حرم علينا من الميتة والدم ~~ولحم الخنزير وما أهل لغير الله والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ~~وما أكل السبع إلا ما ذكى وذبح وحرم ما ذبح للأصنام وما استقسم ~~بالأزلام وكذلك الخمر والميسر، أراد أن يعطينا محرمات من نوع خاص، وحتى ~~نعرف هذه المحرمات لا بد لنا أن نعرف أن هناك أشياء محرمة في كل زمان وكل ~~مكان، كالخمر والميسر والزنا وغير ذلك من النواهي الثابتة، سواء أكانت ~~عبادة أصنام أم أزلام أم غير ذلك من أكل الميتة والدم ولحم الخنزير، ~~وهناك محرمات في أزمنة خاصة، أو في أمكنة خاصة. والفعل، أي فعل، لا بد له ~~من زمن ولا بد له من مكان. نحن مأمورون بالصلاة في زمانها في أي مكان ~~طاهر وصالح للصلاة فيه، وكذلك الصوم يتحكم فيه الزمان، أما الحج فالذي ~~يتحكم فيه هو الزمان والمكان. وأما العمرة ms2759 فالذي يتحكم فيها هو المكان ~~لأن الإنسان يستطيع أن يعتمر في أي زمان - غالبا - ويتكلم سبحانه هنا عن ~~نهي في مكان خاص وفي زمان خاص، فالصيد ليس محرما إلا في حالة أن يكون ~~الإنسان حرما. ونعلم أن كلمة و " حرم " هي جمع " حرام " ، والحرام ~~إما أن يكون الإنسان في المكان الذي يبدأ فيه بالتحريم. ومثال ذلك منطقة ~~رابغ التي يبدأ عندها الإحرام بالنسبة لسكان مصر، فإن وصلت إلى هذا ~~المكان وبدأت في عمل من أعمال الحج أو العمرة فأول عمل هو الإحرام. ومن ~~لحظة الإحرام حتى ولو أحرمت من بلدك أو بيتك لا يحل لك الصيد. و " الحرم ~~" أيضا هو وصف للمكان حتى وإن لم يكن الإنسان حاجا، فالصيد محرم في ~~الحرم، والحرم له حدود بينها الشرع، فالصيد فيه حرام على المحرم وغير ~~المحرم. ونعلم أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد جعل الحق لها الأرض ~~كلها مسجدا وطهورا. وعلى ذلك فأي مكان يصلح للصلاة، ويصلح أن نقرأ فيه ~~العلم، ويصلح أن نقيم عليه مصنعا ويصلح أن نزرعه. إذن فأي أرض تصلح أن ~~تكون مسجدا لأنها مكان للسجود. ولكن المسجد بالمعنى الاصطلاحي هو المكان ~~المخصص للصلاة. أما المسجد الحرام فمركزه الكعبة وحولها الطواف وحول ذلك ~~جدران الحرم. ويقع المسجد الحرام في دائرة الحرم، والتي تبدأ من التنعيم ~~والجعرانة والحديبية والجحفة وغيرها، هذه حدود الحرم. فالإنسان إذا ما ~~جاء إلى ميقات الحج عند رابغ مثلا فهو لا يصطاد لأنه أصبح في دائرة ~~الحرم، فالصيد محرم عليه حتى ولو لم يكن حاجا أو معتمرا. # والحج - كما نعلم - هو رحلة فرضها الله مرة واحدة في العمر يخرج إليها ~~المسلم الذي يحيا في كل مكان مع نعمة المنعم. وعندما يخرج المسلم إلى ~~الحج فهو يتحلل من كل النعم التي تصنع له التمييز ليستوي مع كل خلق الله. ~~وأول سمة مميزة للإنسان هي الملابس، لذلك يخلع المسلمون ملابسهم ويرتدون ~~لباسا موحدا يتساوون فيه. وحين يترك المسلم النعمة كلها فذلك لأنه ذاهب ~~إلى المنعم. ومن ms2760 بعد ذلك يريد الحق أن يؤدبنا تأديبا إيمانيا مع ~~الوجود كله. ويصفي الله في الحج هذه المسألة كلها، فالكل سواء في ملابس ~~تكاد تكون واحدة، وكلهم شعث غبر، وكلهم يقولون: " لبيك اللهم لبيك ~~". هكذا تتم تصفية التفاوت في الإنسان بالإحرام. ومن بعد ذلك ينظر إلى ~~الجنس الأدنى وهو الحيوان، ويعلمنا الحق الأدب مع هذا الجنس فيأتي بتحريم ~~صيده. ويعلمنا الأدب مع الزرع الذي تحت الحيوان فيمنع المسلم من قطع شجر ~~الحرم. وهكذا تصفي كل هذه المسألة، وتصبح العبودية مستطرقة في الجميع. ~~وتزول في الحج كل الألقاب والمقادير المتباينة من فور اتجاههم إلى الحج، ~~وحول الكعبة يرى الخفير الوزير وهو يبكي، ويشعر الجميع أن الكل سواء، ~~والحق يقول: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97]. فالحيوان يأمن وكذلك النبات، هذا ما أمر به الحق في ~~دائرة الحرم لأن ذلك تدريب للإنسان على أن يخرج من النعمة إلى المنعم. ~~ومن بعد ذلك يدخل إلى المسجد ويطوف حول الكعبة. ونجد الإنسان - سيد ~~الوجود - يقف من كل ما يخدمه في الوجود موقفا مختلفا، فالحيوان يأخذ ~~كرامته وكذلك النبات، وكذلك الجماد يأخذ أيضا كرامته، فمن عند الحجر ~~الأسود يبدأ الطواف سبعة أشواط. في الحج ينفض الإنسان أي طغيان عن نفسه ~~ويتساوى مع كل الناس، ينفض طغيانه أمام الجنس الأدنى وهو الحيوان فحرم ~~عليه صيده - ونعلم أن الحيوان يغذي الإنسان - وينفض أيضا طغيانه مع ~~النبات - والنبات يغذي الإنسان - فحرم قطعه. وينفض الحق كبرياء الإنسان ~~أمام الجماد - وهو أحط الأجناس - فأمر الحق الإنسان أن يستلم الحجر ~~الأسود أو أن يقبله، وإن لم يستطع من الزحام فعليه الإشارة للحجر، ومن لم ~~يستطع استلام الحجر أو تقبيله فقد يخيل إليه أن حجه لم يقبل وذلك زيادة ~~منه في التعلق بالمناسك والاحتياط في أدائها. كل ذلك حتى يحقق الله ~~سبحانه وتعالى استطراق العبودية، ودائما نجد من يتساءل: وكيف نقبل الحجر ~~على الرغم من أن الله قد نهانا عن الوثنية وعبادة الأصنام؟ ونقول؟ إن ~~الحجرية ليست لها قيمة في هذا المجال، ولكن ms2761 رب الإنسان والحيوان والنبات ~~والحجر هو الذي أمرنا بذلك، بدليل أننا نرجم حجرا آخر هو رمز إبليس، ~~والعبد في أثناء أداء المشاعر - إنما ينتقل من مراد نفسه إلى مراد ربه، ~~فيقبل ويعظم حجرا ويرجم حجرا آخر، وهكذا صفيت العبودية بالنسبة للناس ~~فاستطرقوا، وصفيت العبودية بالنسبة للحيوان والنبات والجماد. # ويلفتنا سيدنا عمر رضي الله عنه فيقول للحجر الأسود: " أنا أعلم أنك حجر ~~لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك ". كأن سيدنا ~~عمر رضي الله عنه يعلمنا حتى لا يقول أحد: إنها وثنية، فالوثنية أن تعبد ~~حجرا بمرادك، أما الحجر الأسود فنحن نعظمه بمراد الله. { يأيها ~~الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد ~~تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه ~~بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم } ~~[المائدة: 94]. ما الفرق بين ما تناله الأيدي وما تناله الرماح؟. ما ~~تناله الأيدي هو صغار الأفراخ والأشياء السهلة اليسيرة، أما ما تناله ~~الرماح فهو ما تصطاده بجهد وبالرمح وحسن تصويبه. وقال الحق: " ولنبلوكم " ~~لأن هناك فارقا بين أن يلح الإنسان على المعصية فيفعلها، وبين أن يصل ~~إلى منزلة لا يلح فيها على معصية، بل قد تقع عليه المعصية، وإن وقعت عليه ~~المعصية فهو لا يرتكبها. كأن الحق يبتلينا ما دمنا لا نلح على المعصية، ~~ويريد أن يرى ماذا يكون التصرف منا إن جاءت المعصية إلينا فهل نفعلها أو ~~لا؟. فإن كان الإيمان قويا فلا أحد يقرب المعصية. ولذلك يبتليكم الله ~~بشيء من الصيد المحرم عليكم بان يجعله في متناول أيديكم. حدث ذلك في ~~الحديبية لقد كاد الصيد يضع نفسه بين أيدي المؤمنين ولم يقربوه وكان هذا ~~اختبارا. ونعلم أن الابتلاء غير مذموم في ذاته، إنما المذموم فيه الغاية ~~منه لأن الابتلاء اختبار، وقد ينجح إنسان، وقد يفشل إنسان آخر. وكأن الحق ~~قد ابتلى المؤمنين بان جعل الصيد يتكاثر أمامهم حتى يقوي عود الإيمان في ~~قلب المؤمن فلا يتهافت على المعصية وتتكون لديه المناعة وذلك. { ~~ليعلم الله من يخافه بالغيب ms2762 } وسبحانه وتعالى العالم ~~بكل شيء قبل أن يحدث. لكن هناك فرق بين علم وعلم، وإن علم الله أزلي لا ~~يتخلف، ولكن هذا العلم ليس حجة على الناس لأن الحجة على الناس هو ما يقع ~~منهم فعلا، ولذلك كان الابتلاء. وأسوق هذا المثل - ولله المثل الأعلى - ~~إن الوالد قد ينظر إلى أحد أبنائه ويقول: أنه يلعب طول السنة ومن الأفضل ~~ألا ندخله الامتحان لأنه سوف يرسب. ولا يدخل الابن الامتحان، ولكن ~~الوقاحة قد تصل به إلى الحد الذي يقول فيه: لو كنت دخلت الامتحان لكنت من ~~الناجحين. ولو كان والده أدخله الامتحان ورسب، لكان هذا الرسوب حجة عليه. ~~إذن فعلم الحق لا يلزمنا الحجة، إنما العلم الواقعي هو الذي يلزمنا بها. # وقد حدثت هذه الابتلاءات في النبوات كثيرا. ومثال ذلك ابتلاء الحق ~~لليهود بتحريم الصيد يوم السبت، فكانت الحيتان تأتي في هذا اليوم مشرعة ~~وكأنها تلح عليهم أن يصطادوها. وفي الأيام الأخرى لا تأتي الحيتان، ~~فيحتالون لعصيان الأمر باختراع نوع من الشباك السلكية تدخل فيها الحيتان، ~~وتظل حية ومحبوسة فيها إلى يوم الأحد فيأخذونها. وتكون حيلتهم هي دليل ~~الغباء منهم لأن الصيد قد تم بالنية والعمل والاستعداد المسبق. وكان ~~الابتلاء في الإسلام بشيء من الصيد. { ليعلم الله من يخافه ~~بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم }. ~~وقد علمنا من قبل قوله الحق: # تلك حدود الله فلا تعتدوها # [البقرة: 229]. فإن كانت المسائل مأمورات فعلينا أن ننفذها. وإن كانت ~~نواهي فيجب ألا نقربها حتى لا نقع فيها فتكون حجة علينا لأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس ~~فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ~~كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه. ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى ~~الله في أرضه محارمه " # ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { يأيها الذين آمنوا... }. ### || [5.95] # أي لا تقتلوا الصيد إن كنتم قد أحرمتم بالحج أو بالعمرة أو ms2763 بهما معا، ~~وإن لم تحرموا فالصيد محرم أيضا في حدود منطقة الحرم. وسبحانه قد جعل ~~الحرم زمانا والحرم مكانا. وهو فيء يلجأ إليه الناس من غرور عزة قوم ~~على حساب ذلة قوم آخرين. وقديما كان يحارب بعضهم بعضا، ولذلك جعل الحق ~~أربعة أشهر حرما في الزمان، أي لا قتال فيها، وذلك حتى يستريح المتعب من ~~الحرب، ويستريح من يخاف على عزته، أو يذوق فيها الجميع لذة السلام ~~والأمن، وقد يستمرون في ذلك الاستمتاع بالسلام والأمان. وكذلك جعل الحق ~~الحرم أيضا مكانا آمنا، لا يتعرض فيه أحد لأحد. وكان الإنسان يقابل في ~~الحرم قاتل أبيه فلا يتعرض له، كل ذلك ليحمي عزة الناس أن تنكسر أمام ~~غيرهم. ومثال ذلك طرفان كلاهما على خلاف مع الآخر، وكل منهما يرغب في ~~الصلح مع الطرف الآخر. وهنا يتدخل أي إنسان من الخارج فينجح لأن الطرفين ~~ميالان للصلح. وكل منهما يريد إنهاء الحرب ولكن تأخذه العزة بالإثم ~~وتستولي عليه الحمية ويأنف أن يبدأ خصمه بطلب الصلح. وقد أراد الحق أن ~~تكون هناك في الأشهر الحرم فرصة للائتلاف والصلح وذلك بأن يلجأ الناس إلى ~~البيت الحرام حتى تنفض البشرية عن نفسها البغضاء وحتى يرتاح البشر من ~~القتال، فتصدر الأحكام في روية واتزان وهدوء أعصاب. ويقول الحق جل وعلا: ~~{ يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزآء مثل ما ~~قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا ~~بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ~~ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ~~ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو ~~انتقام } [المائدة: 95]. ولا يعتبر الشيء صيدا إلا إذا كان مما ~~يؤكل. أما إذا كان الشيء المصاد لا يؤكل كالسبع وغيره فقد قال بعض ~~العلماء: لا يمنع ولا يحرم ولكنا نقول: إن الصيد هو كل ما يصاد سواء ~~ليؤكل أو حتى غير مأكول، وذلك لنعلم أنفسنا وجوارحنا وأعضاءنا الأدب ونحن ~~حرم. ومعنى " حرم " هو أن نكون محرمين أو في الحرم، ms2764 والحرم له حدود ~~معروفة. وداخل الحرم ممنوع على الإنسان أن يصطاد أي شيء من لحظة بلوغه ~~ميقات الحج والعمرة. إذن فحيز الصيد محدود بالنسبة لكل من دخل الحرم ~~المكي الشريف سواء أكان محرما أم لا. وحيز الصيد بالنسبة لمن أراد الحج ~~أو العمرة هو أكثر رقعة واتساعا، ذلك أن التحريم يبدأ من حين الاحرام ~~بالحج أو العمرة أو بهما. ولكن ماذا يكون الحكم إن اعتدى إنسان على الحكم ~~واصطاد؟ { ومن قتله منكم متعمدا }. # لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحق قتل الخطأ بالعمد، وذلك حتى ~~ينتبه كل مسلم إلى كل فعل وهو محرم، أو وهو في البيت الحرام. هب أنك أردت ~~أن تحك جلد رأسك بأظافرك وأنت محرم، هنا قد يتساقط بعض شعرك فإن ثبت ذلك ~~فعليك هدي للكعبة أو صوم أو إطعام مساكين لأن الحق يريد لك حين تحرم أن ~~تنتبه بكل جوارحك إلى أن كل حركة من حركاتك محفوظة ومحسوبة عليك، ولتكن ~~في منتهى اليقظة الإيمانية، وأي خطأ مهما يكن يسيرا يوجب الفدية. لذلك ~~من قتل وجب عليه الجزاء لتعديه على شيء حرمه الله. والجزاء محدد بنص ~~القول الحق: { فجزآء مثل ما قتل من النعم } وعند ~~المثلية وقف العلماء أيضا: أتكون المثلية بالقيمة، أو المثلية في ~~الشكل؟. والمثلية في القيمة تعني أن تقوم الشيء المقتول بثمنه، وتشتري ~~بالثمن شيئا من الأنعام وتذبحها. والمثلية في الشكل تعني أن نشبه الشيء ~~المقتول بمثيل له مما يذبح ويكون أقرب إلى شكله. ودليل ذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حينما قتل مسلم ضبعا أمر المسلم أن يفدي بكبش. والصحابة ~~رضوان الله عليهم: علي، عمر، وعثمان وعبدالله بن عمر أمروا رجلا قتل ~~نعامة أن يفديها ببدنة ناقة أو بعير لأنها تشابه النعامة في العلو. ~~وحينما قتل إنسان ظبيا فداه بشاة. والظبي أو الغزال هو الذكر، والغزالة ~~هي الأنثى، وعندما قتل غزالا صدر الحكم بالفداء بعنزة. ومن قتل " ~~يربوعا " - وهو من الزواحف وأكبر من الفأر قليلا - صدر الحكم أن تكون ~~الفدية " الجفرة ms2765 " وهي ولد الماعز بعد أن يستغني عن لبن أمه ويستطيع ~~الأكل. إذن، فالمثلية هنا مثلية الشكل. وقال أبو حنيفة بإباحة أن تكون ~~المثلية بالقيمة إن لم يوجد الشبيه. وعلى ذلك فالذي يصطاد من أجل أن يطعم ~~نفسه يدفع ثمن الخطأ لغيره من المحتاجين. وإن كانت المثلية بالقيمة فالذي ~~يحدد هذه القيمة أناس لهم بصيرة وهما اثنان من ذوي العدل. { يحكم ~~به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة } وهم الذين لا ~~يميلون عن الحق، ويقيمون الميزان. ويأمرنا الحق أن نحكم بالإنصاف لنكون ~~من ذوي العدل، أي أن الإنسان حين يواجه خصمين فهو يعطي نصفه لخصم ونصفه ~~الآخر للخصم الثاني، فلا يميل بالهوى ناحية أحدهما. ولا يدير الإنسان ~~وجهه إلى خصم أكثر مما يديره للآخر. وإن سأل أحد: كيف نأتي بذوي العدل؟ ~~ونقول: انظر إلى عدالتهما في نفسيهما ولنر تصرفات الإنسان هل هي مستقيمة ~~أو لا؟ وهل هو مسرف أو معتدل سواء في الطعام أو الغضب أو في أي لون من ~~ألوان السلوك؟ ومن كان مأمونا على نفسه فهو مأمون على غيره، ويجب كذلك ~~أن يكون من ذوي الخبرة في هذا الأمر، ولذلك يجب أن ينتبه الناس إلى هذه ~~المسائل لأننا نرى أن موجة من النفاق للشباب تسود بعض المجتمعات، فنسمع ~~أصواتا تقول: إن الشباب يجب أن يتولى القيادة. # ونقول لأصحاب هذه الأصوات: تمهلوا ودققوا النظر في مثل هذا القول لأن ~~الشباب عليه أن يزاول عمله الخاص في فترة الشباب، وعلينا ملاحظته وهو ~~يؤدي عمله فإن نجح ورأينا فيه أمانة على حركة نفسه، وعدلا مع نفسه وعدم ~~إسراف على نفسه فإننا نرشحه من بعد ذلك ليخدم أمته بعد أن يثبت أنه مأمون ~~في عدالة نفسه. ولا يصح أن نجرب في الأمة من لا يستند إلى رصيد من ~~الخبرة السابقة. إنه لا يصح أن نولي الأمر في أي قطاع لمن أطلقوا عليهم: ~~الأطفال المعجزة. ومن يريد أن يجرب فليجرب في نفسه، وفيما يملك، لا في ~~الأمم والشعوب. وعلى الشاب أن يبدأ حياته بنشاط ms2766 جدي لذاته، ليستخلص ~~النفعية القريبة منه وألا يغش نفسه، فإن نجح في ذلك، نأخذ منه بعض الوقت ~~أو كل الوقت لخدمة أمته بعد أن يثبت لنا أنه قد وصل إلى النضج العقلي ~~الكافي، وقد زادت تجاربه وفقد شهية الطموح الشخصي والمتع الصغيرة، ووصل ~~إلى القدرة على التجرد ليحكم بين الناس. فإذا كان الحق قد أمرنا أن نختار ~~ذوي العدل للحكم في رقبة شاة، فما بالنا برقاب الناس ومصالح الناس؟ نحن - ~~إذن - مطالبون بأن نميز ذوي العدل بين الناس من خلال مراقبة حركة الإنسان ~~مع نفسه وعلى نفسه وعلى أهله، وعندما نكتشف أنه صار مأمونا على نفسه، ~~هنا نستطيع أن نوليه أمور غيره بالخدمة العامة، وذلك حتى لا تخيب الأمة، ~~فالأمم إنما تخيب باختيار غير مدروس لقيادات المواقع المختلفة فيها. ولنا ~~أن نلحظ في عملنا دقة المعاني التي جاءت في القرآن الكريم، فنحن هنا في ~~أمر شاة أو حيوان نستصدر الحكم من ذوي العدل. { فجزآء مثل ما ~~قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا ~~بالغ الكعبة } وما يحكم به ذوا العدل إنما يذهب كله للكعبة ~~ليأكله الموجودون في البيت الحرام لعبادة الرحمن. وقد أراد الله أن يضمن ~~قوت الذين يسكنون واديا غير ذي زرع حتى من أغلاط الذين يعتدون على ما ~~حرم الله صيده من الحيوان. ولكن ما الحل إذا ما كان المخطئ لا يملك ~~القدرة على أن يقدم هديا بالغ الكعبة؟ والحق سبحانه لا يترك مثل هذه ~~الأمور دون بيان أو تفصيل، فهاهوذا يضع الكفارة بإطعام مساكين، يحدد ~~عددهم الاثنان من ذوي العدل. ومن لا يستطيع إطعام مساكين فليصم أياما ~~بعدد الفقراء الذين كانوا يستحقون الطعام لو أخرجه. { أو كفارة ~~طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال ~~أمره } والوبال هو الثقل والعاقبة. # ولماذا الوبال؟ لأن الإنسان حين يدفع من ماله ثمن شراء المثل لما قتل ~~سيعز عليه ماله، وأيضا إن أطعم مساكين فهو سيشتري الطعام بمال يعز عليه، ~~وكذلك يسبب له الصيام الإرهاق. إن هذا اللون من ms2767 الكفارة يذيق الإنسان ~~وبال ما فعل. وأراد الحق بذلك ألا يجعل الإحساس مجرد أمر شكلي، أو أن تظل ~~الإساءة أمرا شكليا. وشاء سبحانه أن يرتب النفع للإحسان والضر للإساءة، ~~حتى تستقيم الأمور في الكون. ولنا في قصة ذي القرنين المثل الواضح على ~~ذلك: # ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم ~~منه ذكرا * إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من ~~كل شيء سببا # [الكهف: 83-84]. لقد مكن الحق لذي القرنين في الأرض، وأعطاه من كل شيء ~~سببا. ومع ذلك لم يركن ذو القرنين إلى ما أعطى فلم يتقاعس ولم يكسل، بل ~~يخبرنا الحق: # فأتبع سببا # [الكهف: 85]. لقد أخذ ذو القرنين من تمكين الله له في الأرض، وأخذ من ~~عطاء الله له بشيء من كل سبب، إنه أخذ طاقة وإحساسا بالمسئولية ليواصل ~~مهمته: # حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين ~~حمئة ووجد عندها قوما قلنا يذا القرنين إمآ ~~أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا # [الكهف: 86]. لقد بلغ مغرب الشمس في نظر عينيه، لأن الإنسان عندما يقف ~~وقت الغروب في خلاء فالشمس تغرب أمامه وكأنها تسقط في آخر الأفق. ~~والحقيقة أن ذلك هو نهاية قدرة البصر. وجاء التفويض لذي القرنين: إما أن ~~يعذب هؤلاء القوم، وإما أن يعاملهم بالحسنى. وليقس عمل كل إنسان منهم، ~~وليجاز كل إنسان منهم حسب عمله. وهو لا يفعل ذلك عن هوى، لأنه ممكن في ~~الأرض من الحق سبحانه وتعالى لذلك قال الحق: # قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ~~ربه فيعذبه عذابا نكرا # [الكهف: 87]. وكل إنسان - حتى النفعي - حين يرى أن ارتكاب العمل السيء ~~يأتي له بالمتاعب والخسارة، يرجع عنه ولو لم يكن مؤمنا باليوم الآخر. ~~أما من يؤمن باليوم الآخر ويعمل عملا صالحا فماذا تكون نوعية معاملته؟ ~~ها هو ذا الحق سبحانه وتعالى يقول: # وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى ~~وسنقول له من أمرنا يسرا # [الكهف: 88]. إنه ينال التكريم والتشجيع، فالتكريم والتشجيع يجب أن ~~ينالهما صاحب الحق فيهما لا المنافق ms2768 أو المتمسح بالأبواب. هكذا يكون ~~دستور كل متمكن في الأرض. وهكذا تكون رعاية أوامر الله ونواهيه. وحين ~~أمرنا الحق بتحريم الصيد في البيت الحرام أو على المحرم ووضع عقوبة لمن ~~أخطأ، فهو سبحانه وتعالى عادل معنا، فلا عقوبة إلا بنص ولا تجريم إلا بعد ~~النص، ولذلك قال سبحانه: { عفا الله عما سلف ومن عاد ~~فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام }. ~~فسبحانه يعفو عما سلف، أما من عاد ليرتكب نواهي الله في هذا المجال ~~فيعاقبه الحق. فلا يقبل منه هدى ولا إطعام مساكين ولا صوم لأن في تكرار ~~المخالفة إصرارا عليها، لذلك ينتقم منه الله، وهو العزيز الذي لا ~~يغلب. وبعد أن تكلم الحق عن صيد البر وحكمه، أراد أن يوضح لنا أن ذلك ~~الحكم لا ينسحب على كل صيد. فسبحانه حرم صيد البر إن كنا حرما، أو في ~~دائرة الحرم. ويجيء قول الحق: { أحل لكم صيد البحر... }. ### || [5.96] # وهذا قول دقيق يبين تحليل صيد البحر وطعامه، وتحريم صيد البر على المحرم ~~كما حرم الصيد في دائرة الحرم على المحرم وغير المحرم لأن المسألة ليست ~~رتابة حل، ولا رتابة حرمة، إنما هي خروج عن مراد النفس إلى مراد الله. ~~وصيد البحر هو ما نأخذه بالحيل ونأكله طريا، وطعام البحر هو ما يعد ~~ليكون طعاما بأن نملحه ولذلك قال: { متاعا لكم وللسيارة ~~}. ولهذا جاء الحق بطعام البحر معطوفا على صيد البحر. والشيء لا يعطف ~~على نفسه، فإذا ما جاء العطف فهو عطف شيء على شيء آخر، فالعطف يقتضي ~~المغايرة. إذن فالمقيم يأكل السمك الطري والذي في سيارة ورحلة فليأخذ ~~السمك ويجففه ويملحه طعاما له، مثلما فعل سيدنا موسى مع الحوت. ولكن ~~هناك ألوان من الصيد ليست للأكل، كاللؤلؤ والمرجان والحيوانات التي ~~نستخرجها من البحر لعظامها وأسنانها وخلاف ذلك، فماذا يكون الموقف؟ لقد ~~أباح لنا سبحانه الاستمتاع بكل صيد البحر. وجاء هذا التحليل هنا بأسلوب ~~اللف والنشر، مثلما قال الحق: # ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله # [القصص: ms2769 73]. وكلنا يعرف أن الليل للراحة والنهار للتعب. والليل يسلم ~~للنهار، والنهار يسلم لليل. إذن فالمسكن يعود إلى الليل، وابتغاء الفضل ~~بالكد يعود إلى النهار. إذن فقد جاء الحكم على طريق اللف والنشر المرتب، ~~وأوضحت من قبل كيف أن الشاعر العربي قد فعل ذلك فقال: # قلبي وجفني واللسان وخالقي # راض وباك شاكر وغفور. # فالقلب راض، والجفن باك، واللسان شاكر، والخالق غفور، ولكن الشاعر جاء ~~بالأحكام منشورة بعد أن لف الكلمات الأربع الأولى. أي أنه طوى المحكوم ~~عليه مع بعضه ثم نشر الأحكام من بعد ذلك. وفي حياتنا - في أثناء السفر - ~~نشتري الهدايا للأبناء ونرتبها حسب ورود الأبناء إلى حياتنا، أي أننا نلف ~~الهدايا ثم ننشرها من بعد ذلك. وبعد أن حلل الحق صيد البحر جاء بتحريم ~~صيد البر إن كنا حرما، وذلك تأكيد جديد على تحريم صيد البر في أثناء ~~الإحرام أو الوجود في الحرم. ويذيل الحق الآية بقوله: { واتقوا ~~الله الذي إليه تحشرون } أي اجعلوا بينكم وبين عذاب الله ~~وقاية لأنكم لستم بقادرين على تحمل عذاب النار، فالحق - كما قلنا من قبل ~~- له صفات جمال، وهي التي تأتي بما ييسر وينفع كالبسط، والمغفرة والرحمة، ~~وله سبحانه وتعالى صفات القهر مثل: الجبار وشديد العقاب وغيرها. وكل صفة ~~من صفات الحق لها مطلوب. فعندما يذنب الإنسان فالتجلي في صفات الله يكون ~~لصفات الجلال، ومن جنود صفات الجلال النار. إذن فإياكم أن تظنوا أنكم ~~انفلتم من الله، فمساحة الحرية الممنوحة لكل إنسان تقع في المسافة بين ~~قوسين: قوس الميلاد، وقوس الموت، فلا أحد يتحكم في ميلاده أو وفاته. إياك ~~- إذن - أيها الإنسان أن تقع أسير الغرور لأنك مختار فيهم بين القوسين. ~~ومحكوم بقهرين، قهر أنه قد خلقك بدءا، وقهر أنك ستعود إليه - سبحانه ~~وتعالى - نهاية. ويقول الحق من بعد ذلك: { جعل الله ~~الكعبة... }. ### || [5.97] # " جعل " تعني بين ووضح، فقال: إن الكعبة محرمة ولها كرامة تستحق من ~~المؤمن أن يأمن فيها. أو " جعل " تعني إيجاد صفات للأشياء بعد أن تكون ~~ذات المادة موجودة، مثل ms2770 قوله الحق سبحانه: # وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم ~~تشكرون # [النحل: 7]. أي أنه سبحانه خصص جزءا من خلايا الإنسان ليكون عينا، ~~وجزءا آخر ليكون أذنا، وجزءا ثالثا ليكون لسانا. والحق هنا يقول: { ~~جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس }. ~~ونعرف أن كل الأسماء للمعنويات مأخوذة من المحسات. والكعب هو الشيء ~~الناتىء الخارج عن حد المتساوي. ومثال ذلك الكعب في القدم يكون مرتفعا. ~~وكذلك الفتاة نطلق عليها: " طفلة " وهي دون البلوغ، وعند البلوغ وظهور ~~الثديين نقول إنها " كعاب وكاعب " ، أي أن ثدييها قد صارا مرتفعين، ~~والكعبة نتوء، والنتوء ارتفاع، وهذا الارتفاع هو علامة البيت، فالبيت هو ~~مساحة من الأرض، أما الارتفاع فهو يحدد الحجم. ومثال ذلك عندما نريد حساب ~~مساحة الأرض نقيس الطول والعرض، ونضرب الطول في العرض حتى نحسب المساحة. ~~أما إذا كان هناك ارتفاع فهذا يعني الانتقال من المساحة إلى الحجم. والحق ~~سبحانه يقول: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل # [البقرة: 127]. أي أن سيدنا إبراهيم بعمله إنما أراد أن يصنع للبيت ~~ارتفاعا وحجما، وهذا البناء يدل على صناعة حجم لمساحة من الأرض. إذن ~~فالكعبة هي البيت بعد أن صار له ارتفاع. وكلمة " بيت " تعني المكان الذي ~~أعد للبيتوتة، فالإنسان يضرب في الأرض طيلة نهاره وعندما يحب أن يستريح ~~يذهب إلى البيت. فالله جعل الكعبة بيتا للناس حتى يستريحوا فيه من عناء ~~حياتهم ومشقة كدحهم لأنه بيت ربهم باختيار ربهم، لا باختيارهم، فكل مسجد ~~هو بيت لله ولكن باختيار خلق الله، أما الكعبة فهي بيت الله باختيار ~~الله، وهي قبلة لبيوت الله التي قامت باختيار خلق الله. { جعل الله ~~الكعبة البيت الحرام قياما للناس } وكلمة { ~~البيت الحرام } تدل على أن له حرمات كثيرة. وجعل الله الكعبة ~~بيتا حراما لكل المسلمين قياما. والقيام هو الوقوف، والوقوف هو القيام ~~على الأمر. والقائم على أمر ما يحفظ له قوام حياته ووجوده. وهكذا نفهم ~~أنه سبحانه أراد أن تكون الكعبة هي البيت الحرام ليحفظ على الناس قوام ~~حياتهم، بالطعام والشراب واستبقاء النسل ودفع ms2771 الأذى، وفوق ذلك له سيطرة ~~وسيادة وجاه وتمكين، ولذلك يعطي الإيمان الحياة الراقية، فالحياة مسألة ~~يشترك فيها المؤمن والكافر، وتبدأ بوجود الروح في المادة فتنتقل المادة ~~إلى الحالة الحس والحركة، والمؤمن هو من يرتقي بحياته فيعطي لها بالإيمان ~~منافع، ويسلب عنها المضار، فيأخذ السيادة، وبذلك تتصل حياته الدنيا ~~بحياته في الآخرة، فلا تنتهي منه الحياة أبدا. # لقد جعل الحق سبحانه وتعالى الكعبة البيت الحرام قياما للناس.. أي ~~قواما لحياتهم سواء الحياة الدنيا او حياة الآخرة، الحياة المادية التي ~~تنتهي بالموت، والحياة التي تبدأ بالآخرة. والحق سبحانه يقول عن ذلك: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال: 24]. هكذا يكون الإيمان بالله وصلا لحياتين: الحياة المادية ~~في الدنيا، وحياة الآخرة. وأراد الحق بذلك دفع الأذى وجلب النفع والجاه ~~والسيطرة للمؤمنين، ونعرف أن البيت الحرام هو أول بيت وضع للناس: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين # [آل عمران: 96]. كذلك نعرف أن إبراهيم عليه السلام هو الذي أقام القواعد ~~من البيت، أما البيت نفسه فقد أقيم من قبل ذلك. وما دام الحق سبحانه قد ~~قال: # وضع للناس # [آل عمران: 96]. فمعنى ذلك أن الله لم يحرم الناس من قبل إبراهيم أن ~~يكون لهم بيت. فالناس معناها البشر من آدم إلى أن تقوم الساعة، وأقام ~~إبراهيم خليل الرحمن البعد الثالث وهو رفع القواعد للبيت الحرام. والحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت # [الحج: 26]. أي أن الحق سبحانه وتعالى أظهر مكان البيت لإبراهيم عليه ~~السلام، ونعرف أن إبراهيم أشرك ابنه إسماعيل في إقامة القواعد من البيت، ~~ونعلم أن إسماعيل قد جاء إلى هذا المكان رضيعا مع أمه، وقال إبراهيم بعد ~~أن رفع القواعد متوجها إلى ربه بالدعاء: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم # [إبراهيم: 37]. لقد عرف إبراهيم مكان البيت وأنه بواد غير ذي زرع، لا ~~ماء فيه ولا نبات. وجاء الحق بهذه الكنابة لنعرف أنه لا حياة بدون زرع، ~~والماء لازم ms2772 للزرع. وبذلك يكون إبراهيم عليه السلام قد لبى نداء الله بأن ~~يأتي إلى مكان ليس به أي نعمة تقيم الحياة، ولا يوجد فيه إلا المنعم، ~~ولذلك نرى سيدتنا هاجر عليها السلام عندما تتلقى الأمر من إبراهيم بالسكن ~~مع ابنها في ذلك المكان تناديه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ فيقول لها: ~~إلى الله تقول: رضيت بالله. هنا تركته سيدتنا هاجر ليمشي كما أراد، فالله ~~لن يضيعها لا هي ولا ابنها لأنها قالت: رضيت بالله. وقص الرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - علينا قصتها، والسعي الذي قامت به بين الصفا ~~والمروة، وكيف كانت ثقتها في أن الخالق الأكرم لن يضيعها لا هي ولا ~~ابنها، بل سيرزقهما، فتسعى بين الصفا والمروة لعلها تجد طيرا يدلها على ~~موقع للماء، وتعود إلى المروة لعلها تجد قافلة تسير. إنها تأخذ بالأسباب ~~مع علمها أنها في صحبة المسبب الأعظم. وسعت سبعة أشواط. وهي الأنثى وفي ~~تلك السن، وذلك من لهفتها على توفير شربة ماء لطفلها. # السعي - كما نعرفه - عملية شاقة. ولو أن الله أعطاها الماء على الصفا أو ~~على المروة لما أثبت كلمتها: " إن الله لا يضيعنا ". ولكن الحق يعطيها ~~الماء عند قدمي طفلها الرضيع. وبذلك لها يكون سبحانه قد نبهنا وأرشدنا ~~إلى قضيتين: أما الأولى فإن الإنسان يلزمه أن يسعى على قدر جهده، وأما ~~الثانية فهي أن السعي لا يعطي بمفرده الثمرة، ولكن الثمرة يعطيها الله. ~~وجعل الله من السعي بين الصفا والمروة تعليما لنا بدرس عملي تطبيقي أن ~~نأخذ بالأسباب ولا ننسى المسبب لأن فتنة الناس تأتي من الغرور بالأسباب. # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. إنه لا يصح أبدا أن تعزلك الأسباب عن المسبب، ولا تقل ~~سأبقى مع المسبب إلى أن تأتيني الأسباب لا، كن دائما مع الأسباب، ~~وتذكر دائما المسبب. ولذلك نقول: إن الجوارح تعمل، ولكن القلوب تتوكل. ~~وهذا هو المغزى من عطاء الحق سبحانه الماء لهاجر عند قدمي ابنها، وبذلك ~~تستجاب دعوة إبراهيم التي دعا بها الله: # ربنآ إني ms2773 أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من ~~الثمرات لعلهم يشكرون # [إبراهيم: 37]. لقد دعا إبراهيم عليه السلام بالرزق من الثمرات، لأن ~~الوادي غير ذي زرع. ولذلك جعل الحق أفئدة الناس تهوي إلى الكعبة وإلى ~~البيت الحرام. يقول - سبحانه -: # أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات ~~كل شيء رزقا من لدنا # [القصص: 57]. وكلمة " يجبى " تدلنا على أن الناس لا تأتي بهذه الثمرات ~~اختيارا إلى البيت الحرام الذي جعله الله قياما لحياة من يوجد فيه، بل ~~يأتون بالثمرات قهرا. وهناك أناس لهم مزارع كبيرة وحدائق وفيرة الثمار ~~في الطائف وفي غيرها من البلاد، وعندما يريد إنسان الشراء من نتاج ~~مزارعهم يقولون له: إنه مخصص لمكة فإن أردت شراءه فاذهب إلى مكة. لقد ~~استجاب الحق لدعاء إبراهيم: { فاجعل أفئدة من الناس ~~تهوي إليهم }. و " تهوي " - بكسر الواو - تدل على السقوط من ~~حالق.. أي من مكان مرتفع شاهق. وكأن الشوق إلى الكعبة يجعل الإنسان ~~مقذوفا إليها. ولذلك نجد الكلف بالحج - المحب له والمتعلق به - تشتاق ~~روحه إلى الحج. وعلينا أن نفرق بين " يهوى ".. أي يحب الذهاب، و " ~~يهوي " بكسر الواو أي يذهب بالاندفاع، فالإنسان إن سقط من مكان عال لا ~~يستطيع أن يقول: سأتوقف عند نقطة ما في منتصف مسافة السقوط لأن الذي يقع ~~من مكان لا يقدر على أن يمسك نفسه. ولذلك قال الحق: # فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم ~~من الثمرات # [إبراهيم: 37]. وهذا دليل على أن الهوي ليس من صنعة الجسم، ولكنه من ~~صنعة الأفئدة. # والأفئدة بيد الله - سبحانه - هو الذي جعلها تهوي، والكعبة هي البيت ~~الحرام، وهي قوام لحياة الناس، وسبحانه القائل: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97]. فالداخل إلى الكعبة آمن حتى ولو كان قاتلا. وكان الرجل ~~يلتقي بقاتل أبيه في الكعبة فلا يتعرض له، إذن فقد أعطى الحق لهم من ~~مقومات الحياة الشيء النافع وحجب عن الموجود منهم الضر. وأما السيادة ~~والجاه فقد عرفنا ms2774 ان قريشا سادت العرب وكان رجالها سدنة وخدما لبيت ~~الله، والكل يأتي إليهم فلا أحد يتعرض لقوافلهم الذاهبة إلى الشام أو ~~اليمن. وإلا فمن يتعرض لقوافل قريش فإن قريشا تستطيع الانتقام منه عندما ~~يأتي إليها. وكان ذلك قمة السيادة. إذن فمقوم الحياة إما أن يأتي بنافع ~~كالرزق، وإما أن يمنع الضار وذلك بالأمن الذي يصيب كل داخل إليها، وكذلك ~~بالسيادة التي أخذتها قريش على العرب جميعا. وأعطى الله المثل لقريش على ~~حمايته للكعبة، عندما جاء أبرهة ليهدم الكعبة: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. ورد سبحانه كيد أصحاب الفيل لأنهم لو هدموا الكعبة لضاعت ~~السيادة من قريش، ولذلك قال الحق وصفا لذلك: # فجعلهم كعصف مأكول # [الفيل: 5]. # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف # [قريش: 1-2]. جعل الحق أصحاب الفيل كعصف مأكول أي كتبن أو نحوه أكلته ~~الدواب وألقته روثا، فعل - سبحانه - ذلك حتى تألف قريش وتطمئن إلى أن ~~الكعبة لن يمسها سوء، وإلى أن رحلات الشتاء والصيف مصونة بحكم حاجة كل ~~القبائل إلى الحج. وقال سبحانه: # فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4]. أي أسبغ عليهم النعمة بالطعام وسلبهم المضرة بالخوف، وأبقى ~~لهم السيادة والجاه بخدمة الكعبة التي جعلها الله للناس جميعا قياما ~~وأمنا لأن الذين يذهبون إلى حج البيت يكفر عنهم سبحانه سيئاتهم ويخرجون ~~من الذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم، وهذا قيام لحياتهم الأخروية أيضا. إذن ~~جعل الله البيت الحرام قياما لكل ألوان الحياة، والبيت الحرام مكان كما ~~نعلم. وجعل الحق الشهر الحرام أيضا قياما للحياة، والشهر الحرام هو ~~زمان كما نعلم. والشهر الحرام هو أحد الأشهر الحرم الأربعة: شهر منها فرد ~~أي غير متصل بغيره من الأشهر الحرم وهو رجب - ولذلك يسمى رجب الفرد - ~~وثلاثة سرد أي متتابعة يلي بعضها بعضا وهي: ذو القعدة وذو الحجة ~~والمحرم. والمراد بالشهر الحرام هو الجنس لكل شهر من الأشهر الحرم. ونعلم ~~أن كل حدث من الأحداث يحتاج إلى فاعل. والفاعل يحتاج إلى زمن ليفعل فيه ms2775 ~~الفعل، وإلى مكان يفعل فيه، وإلى سبب يدعو إلى الفعل، وإلى قدرة تبرز هذا ~~الفعل. ولذلك نذكر جميعا قول الحق سبحانه: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23-24]. فإياك أن تقول: إني فاعل ذلك غدا إلا بعد أن تتبعها ~~بقولك: " إن شاء الله ". ولا يمنعنا هذا أن نخطط لمستقبلنا. فمادمنا قد ~~استعنا بالمشيئة، فلنا أن نخطط لحياتنا. ونقول: " إن شاء الله " لأن ~~عناصر الفعل: فاعل، ومفعول يقع عليه الفعل، وزمان، ومكان، وسبب، وقدرة ~~تبرز الفعل. ولا أحد منا يملك واحدا من هذه العناصر، فأنت أيها الإنسان ~~لا تملك وجود ذاتك غدا، ولا تملك وجود المفعول غدا، ولا تملك الزمان، ~~ولا تملك المكان، ولا تملك السبب لأنه من الجائز أن يتغير، ولا تملك ~~القدرة على الفعل، فقد تسلب منك القدرة قبل أن تفعل الفعل. إذن، فأنت لا ~~تملك من عناصر الفعل شيئا. فلا تجازف وتقول: أنا أفعل ذلك غدا. بل ~~أسندها إلى من يملك كل العناصر، وقل: " إن شاء الله " ، وبذلك لا تكون ~~كاذبا. وهنا في هذه الآية يوجد عنصران: المكان، الزمان، المكان هو البيت ~~الحرام، والزمان هو الشهر الحرام، والذي يحدث الفعل فيه نسميه: المفعول ~~فيه، وهو إما ظرف مكان وإما ظرف زمان. وأراد الحق سبحانه بذلك أن يؤكد ما ~~فيه قيام الناس زمانا ومكانا، فلو أنه سبحانه لم يفعل ذلك بالنسبة للزمان ~~وهو الأشهر الحرم، والمكان وهو الحرم، لاستمرت الحرب بين قبائل العرب إلى ~~ما لا نهاية. ولذلك أراد بالأشهر الحرم أن يعطي للعقل فرصة للتأمل في ~~أسباب الحرب، ويعطي كل إنسان من العرب الراحة من القتال. وكان كل عربي في ~~ذلك الزمن يهتم بالاستعداد للقتال اهتمامه بالطعام والشراب، فكل منهم ~~تربى على الفروسية والقتال والضرب بالرمح والمبارزة بالسيف. وحينما جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لينساح بالدعوة في أرض الله صحب معه الكثير ~~من الرجال الذين لم يكونوا في حاجة إلى التدريب على أعمال الحرب، فقد كان ~~كل الناس تقريبا جاهزين ms2776 للقتال. وكأن الله سبحانه أراد للإسلام أن ينهي ~~الثأر بين القبائل، وأن يستفيد الإسلام من استعداد كل عربي للقتال. ~~واستفاد الإسلام أيضا من أن أمة العرب كانت - غالبا - متبدية بيت كل ~~إنسان منهم على ظهر البعير، يشد رحاله، وينصب خيمته وينام لأن الناس إنما ~~ارتبطوا بالأوطان عندما بنوا المنازل، فمن بنى لنفسه بيتا في مكان ما ~~فهو يشتاق إلى ما بناه. وكأن الحق قد أعدهم للانسياح بكلمة الله في الأرض ~~فلا يحزن لترك مكان إلى مكان آخر، بل إن الشخص منهم كان يذهب إلى البلاد ~~ويتوطن فيها ليؤصل الوجود الإسلامي. فكان كل واحد منهم نواة الخير للأمم ~~التي انساحوا إليها فمن ذهب منهم إلى الشام توطن فيها ولم يصعب عليه فراق ~~الجزيرة. وكذلك من ذهب إلى مصر وغيرها من البلدان. # إذن فقد أراد الحق بحرمة الأشهر الحرم والبيت الحرام أن يرتاح العرب من ~~القتال بدلا من أن تهلك الحرب الحرث والنسل، وأراد الحق ذلك قياما ~~للناس، واستبقاء للنوع. وكذلك حرم الله: { والهدي والقلائد } ~~والهدي هو الذي يهدى للحرم فيأكله الناس هناك، ذلك لأن الحرم موجود ~~بواد غير ذي زرع. والهدي هو البهيمة التي يتطوع بها أي إنسان ويضع حول ~~عنقها قلادة من لحاء وقشر الشجر أو غير ذلك، وعندما يرى الناس القلادة ~~يعرفون أن تلك البهيمة مهداة للحرم فلا يقربها أحد حتى صاحبها وإن قرصه ~~وعضه الجوع، وفي ذلك قيام للناس. وتتابع الآية: { ذلك لتعلموا ~~أن الله يعلم ما في السموت وما في الأرض ~~وأن الله بكل شيء عليم } و { ذلك } تشير إلى أن ~~الأمور التي تقدمت كلها، و { لتعلموا أن الله يعلم ما ~~في السموت وما في الأرض } أي أنه مدبر لهم ما يحفظ حياتهم ~~في كل حال من أغيار الحياة فقد رتب سبحانه لهم حفظ الأرواح، وحفظهم من ~~الجوع، وآمنهم، وحفظ لهم السيادة، كل ذلك بتدبيره وهو الحكيم. لقد دبر كل ~~شيء أزلا، وأتت الأمور على وفق ما دبر من خير ومصلحة، فإذا كان كل ذلك ~~قد فعله ms2777 سبحانه وتعالى فلأنه الأعلم والأحكم. وقد حدث كل ذلك بعلمه ~~وحكمته، ونؤمن أن ما لا نعرفه قد فعله وصنعه - أيضا - بهذه الحكمة ~~المطلقة وذلك العلم المطلق. { ذلك لتعلموا أن الله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله ~~بكل شيء عليم } لقد رتب حياة الناس في الجزيرة وحول البيت ~~الحرام على الرغم من أنهم قبل الرسالة كانوا يعبدون الأصنام، ولكنه هداهم ~~بالرسالة المحمدية. ولذلك قال: { اعلموا أن الله شديد ~~العقاب وأن الله غفور رحيم } فسبحانه جعل البيت أمنا ~~وأمانا، وهذا إخبار شرعي لا إخبار كوني. والفرق بين الإخبار الكوني ~~والإخبار الشرعي أن الإخبار الكوني لا بد أن يحدث لأنه لا دخل للناس به، ~~أما الإخبار الشرعي فهو أمر يجب أن يقوم الناس بتنفيذه، فإن أطاع الناس ~~الخبر القادم من الله جعلوا البيت آمنا، وإن أساءوا جعلوه غير آمن. وفي ~~زماننا القريب عندما اعتدى شاب يدعى جهيمان على الحرم، تساءل الناس: كيف ~~يعتدي إنسان على الحرم وقد أراده الله حرما آمنا؟ وقلنا: إن أمر الله ~~بجعل البيت حرما آمنا هو أمر شرعي ينفذه المؤمنون إن أطاعوا، وإن لم ~~ينفذوه فهم غير مؤمنين. والمثال على الأمر الشرعي والكوني قوله الحق: # والطيبات للطيبين # [النور: 26]. إننا نجد في الحياة خبيثا يتزوج امرأة طيبة، ونجد ~~طيبا يتزوج خبيثة. وهذا يثبت لنا أن قوله الحق: { والطيبات ~~للطيبين } هو أمر شرعي بأن نزوج الطيب طيبة مثله، وهو واجب ~~التنفيذ إن كنا مؤمنين بالمنهج، أما إن خالفنا المنهج فإننا نزوج الطيب ~~خبيثة والطيبة خبيثا، وبذلك يختل التكافؤ في الأسرة، وتصير حياة المجتمع ~~جحيما، ومن أجل أن نحفظ للمجتمع توازنه علينا أن نزوج الطيب للطيبة وأن ~~نترك الخبيثة للخبيث، حتى لا تكون حياتنا في فتنة. وينبهنا سبحانه إلى ~~ضرورة مراعاة أوامره الشرعية فيقول لنا سبحانه: { اعلموا أن ~~الله... }. ### || [5.98] # أي تيقظوا لأحكام الله، وكونوا طوع ما يريد، فمن يخالف الله فعليه أن ~~يعرف أنه سبحانه وتعالى شديد العقاب. ومن كان يطيع الله فليعلم أنه ~~سبحانه غفور رحيم. وجاء ms2778 سبحانه بصفة من صفات الجلال لتتقابل مع صفتين من ~~صفات الجمال، فصفة: { شديد العقاب } تتقابل مع صفتي: { غفور ~~رحيم } لأن كل الناس ليسوا أخيارا، وكل الناس ليسوا أشرارا لذلك ~~جاء للأخيار بما يناسبهم من المغفرة والرحمة، وجاء للأشرار بما يناسبهم ~~من شدة العقاب، وغلبت رحمته ومغفرته غضبه وعقابه، ونلحظ ذلك من مجيء صفة ~~واحدة من صفات الجلال: { شديد العقاب } ويقابلها صفتان من صفات ~~الجمال وهما: { غفور رحيم }. ويقول الحق من بعد ذلك: { ما على ~~الرسول إلا البلاغ... }. ### || [5.99] # الرسول هو المبعوث من المرسل الحق سبحانه إلينا نحن العباد. والحق ~~سبحانه هو الفاعل الأول، المطلق الذي لا فاعل يزاحمه، والمفعول الأول ~~بالرسالة هو الرسول صلى الله عليه وسلم، والمفعول الثاني هو نحن. وهناك ~~في النحو المفعول معه، وهناك أيضا المفعول له، والمفعول فيه، والمفعول ~~به، وأيضا يوجد المفعول إليه والمثال على المفعول إليه قوله تعالى: # تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فزين ~~لهم الشيطان أعمالهم # [النحل: 63]. وفيه أيضا المفعول منه. والمثال على المفعول منه هو قوله ~~الحق: # واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا # [الأعراف: 155]. و " قومه " هي مفعول منه. لأنه اختار من قومه سبعين ~~رجلا ممن لم يعبدوا العجل ليعتذروا عمن عبد العجل ويسألوا الله أن يكشف ~~عنهم البلاء. إن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم هي البلاغ ما على الرسول ~~إلا البلاغ، أما تنفيذ البلاغ فهو دور المؤمنين برسالة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فإن أدوها فلهم الجنة، وإن لم يؤدوها فعليهم العقاب. ~~وأراد الحق أن يكون البلاغ من رسوله مصحوبا بالأسوة السلوكية منه صلى ~~الله عليه وسلم، فالرسول يبلغ وينفذ أمامنا ما بلغ به حتى نتبعه، ولذلك ~~قال الحق: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21]. وهذا ما ينقض ادعاء الألوهية لبشر. فلو كان هناك إله ~~رسول لقال الناس: كيف نتبع هذا الرسول وله من الصفات والخصائص ما يختلف ~~عنا نحن البشر؟ إن الرسول لا يستقيم ولا يصح أن يكون إلها لأنه هو الأسوة ~~والقدوة ms2779 للمرسل إليهم. إنه يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويفعل غير ذلك من ~~الأفعال، ويأمر من أرسل إليهم أن يتبعوه فيما يفعل، فلو كان إلها فإن ~~المرسل إليهم - وهم البشر - لا يقدرون على أن يفعلوا مثل ما يفعل لأنه ~~إله وطبيعته تختلف عن طبيعتم ولذلك لا يستطيعون التأسي والاقتداء به، ~~فالأسوة لا تتأتى إلا إذا كان الرسول من جنس المرسل إليهم.. أي يكون ~~بشرا بكل أغيار البشر. والحق سبحانه قال: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. أي أن البشر تساءلوا - جهلا - عما يمنع الله - سبحانه - ~~أن يرسل لهم رسولا من غير جنس البشر، ولماذا أرسل لهم رسولا من جنسهم ~~البشري؟ وهنا يأتي الأمر من الله سبحانه: # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. وبهذا يبلغ الحق رسله ضرورة إبلاغ الناس أن الرسول لهم ~~لا بد من أن يكون من جنس البشر لأن الملائكة لا يمشون مطمئنين في الأرض، ~~ولو جاء الرسل من الملائكة لقال البشر: لن نستطيع اتباع ما جاء به ~~الملائكة لأنهم لا يصلحون أسوة لنا لأنهم من جنس آخر غير جنس البشر، ثم ~~إن الملائكة من خلق الغيب، فكيف يبعث الله للبشر هذا الغيب ليكون رسولا؟ ~~ولو حدث ذلك فلا بد أن يجعله الحق في صورة بشرية. # ففي آية أخرى يقول الحق: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9]. إنهم طلبوا أن ينزل الله عليهم ملكا، ولو استجاب الله ~~لهم وأرسل رسوله ملكا لتجسد الملك في صورة بشرية، وهم من بعد ذلك قد ~~يستمرون على الكفر ويعاندون ولا يؤمنون، عندئذ يحق عليهم عذاب الله ~~ويهلكهم. إذن فمهمة الرسول هي البلاغ ولنا فيه الأسوة. وتتابع الآية: { ~~والله يعلم ما تبدون وما تكتمون } كأنه سبحانه ~~وتعالى يحذرنا من أن نأخذ شكل الإيمان دون أن نؤمن حقيقة لأن الأمر ~~الشكلي قد يجوز على أجناس البشر أن ينخدعوا فيه، ولكن الله ينظر إلينا ms2780 ~~بقيوميته، فسبحانه لا تأخذه سنة ولا نوم. وفي هذا القول تحد للمنافقين ~~من أنه سبحانه سيحاسبهم، فإن كتم الإنسان الكفر في قلبه وأظهر الإيمان ~~الشكلي، فسوف ينال عقاب الله، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه جماعة ~~المؤمنين أن يحكموا على ظاهر الأمر وأن يتركوا السرائر لله. إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ينهانا عن أن يحكم بكفر إنسان أعلن الإيمان ولو ~~نفاقا. وقد أبلغنا صلى الله عليه وسلم أنه بشر، وعرف أن البشرية محدودة ~~القدرة. ولذلك قال: # " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من ~~بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من ~~النار ليأخذها أو ليتركها ". # هكذا يحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نظن فيه قدرة فوق قدرة ~~البشر # " وعندما قتل صحابي رجلا أعلن الإيمان قال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " هلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه " # إذن فنحن لنا الظاهر، أما السرائر فأمرها موكول إلى الله. ولذلك يقول ~~الله: { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون }. ونعلم أن ~~ظاهرة النفاق تعطي للمنافق حقوق المسلم الظاهرة الموقوتة بحياته وزمنه، ~~ولكن الباقي في الحياة الأخرى طويل ينال فيه جزاء ما أبطن من كفر. ~~والكتمان غير الإخفاء. فكتم الشيء يعني أن الشيء ظاهر الوضوح ولكن صاحبه ~~يكتمه، أما الإخفاء فهو ما يدور بالخواطر، ويمكن أن يخفيه الإنسان، ولكنه ~~مع مرور الوقت لا يستطيع ذلك، فالشاعر العربي يقول: # ومهما تكن عند امرىء من خليقة # وإن خالها، تخفى على الناس تعلم # ويقال: يكاد المريب أن يقول خذوني. ومادام الحق يعلم كل ما يبدي البشر ~~وكل ما يكتمون، وهو شديد العقاب، وغفور ورحيم، ويجازي على الحسنة بعشر ~~أمثالها، ويجازي على السيئة بمثلها، فماذا علينا أن نفعل؟ يأتينا القول ~~الفصل في أمر الله لرسوله أن يخبرنا: { قل لا يستوي الخبيث... ~~}. ### || [5.100] # إذن فالخبيث لا يستوي أبدا مع الطيب، بدليل أن الإنسان منا إذا ما ذهب ms2781 ~~لشراء سلعة فهو يفرز البضاعة ليختار الطيب ويبتعد عن الخبيث. وهذه قضية ~~كونية مثلها تماما مثل عدم تساوي الأعمى والبصير، وعدم استواء الظلمات ~~والنور. ويأتي الحق إلى المحسات ليأخذ منها ما يوضح لنا الأمر المعنوي. ~~ولذلك يحذرنا أن نغتر بكميات الأشياء ومقدارها، فإن الطيب القليل هو أربى ~~وأعظم وأفضل من الكثير الخبيث. والأمر الطيب قد يرى الإنسان خيره في ~~الدنيا، ومن المؤكد أن خيره في الآخرة أكثر بكثير مما يتصور أحد لأن عمر ~~الآخرة لا نهاية له، أما عمر الدنيا فهو محدود. وكثير من الناس عندما ~~يحضرون قسمة ما، فكل واحد يرغب في أن يأخذ لنفسه النصيب الأكبر لأن ~~الإنسان تغريه الكثرة. وهذا الطمع يشيع الخبث في جميع ما يأخذه الطامع، ~~فالذي يطمع في حفنة من قمح - على سبيل المثال - تزيد على حقه، فهو يفسد ~~حياته بهذا الشيء الخبيث. وذلك كخلط الماء الطاهر بماء نجس فتغلب النجاسة ~~على الماء. إذن فلا يصح أن نحكم على الأشياء بكميتها وقدرها، ولكن يجب ~~أن نحكم على الأشياء بكيفيتها وصفتها وبعمرها في الخير. والمثال الذي لا ~~أمل من تكراره هو التلميذ الذي يكد لمدة عشرين عاما فهو يتخرج إنسانا ~~له مكانة لائقة، أما التلميذ الذي يقضي عشرين عاما في اللعب واللهو فهو ~~يتلقى وينال مستقبلا فاشلا مؤلما. إذن، على كل منا أن يقدر النفعية ~~بديمومتها، ولا يغتر بكثرة الخبيث. والمثال يتكرر في حياتنا ولا بد أن ~~نضعه أمام أعيننا لنرعى الله ولا ننساق كما ينساق كثير من الناس إلى ~~هلاكهم، فبعض الناس لا يرتضون قسمة الله في مواريثهم، فيعطي بعضهم ~~للذكور ولا يعطي للإناث. أو يقلل من نصيب الإناث. ونقول لمن يفعل ذلك: ~~أنت لا تعلم ماذا تفعل. ولو أن ابنك الذكر يعلم أن يد الله في الأشياء ~~لقال لك: ارحمني ولا تزدني لأن الحق سبحانه وتعالى قال: # آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم ~~نفعا # [النساء: 11]. ولذلك يجب أن ينتبه الناس إلى أن قسمة الله هي أعدل قسمة، ~~وإياك أن تظلم ابنا لك ms2782 أو قريبا بزيادة فوق ما قدره الله له لأن هذا ~~عين الظلم. فإن فاتت على المورث وهو حي نقول لمن أخذ: احذر ولا تقبل ما ~~هو فوق شرع الله وأعد ما هو فوق حقك. افعل ذلك برجولة الإيمان. وإياك ~~أن تظن أن الذي سيديم الستر لأولادك هو هذه الزيادة التي ليس لك حق فيها ~~لأنك بهذه الزيادة ستقطع الأرحام وتغرس بذور الكراهية والبغض. ولو نظرت ~~إلى هذه المسألة وأقمتها على ما شرعه الله فستجد أن الرزق سيفيض عليك من ~~كل جانب ما دمت قد راعيت حق الله في إرادته التي حكم بها لينشأ الاستطراق ~~الأسري وتظهر العدالة الربانية لذلك يجب ألا يجترىء أحد على قسمة الله ~~لذلك أقول لكل من يقرأ هذه الكلمات ويفكر في الاجتراء على قسمة الله: تب ~~إلى الله ولا يصح أن تشوه استقامتك الإيمانية. # وإياك أن يظن إنسان أنه كأب يمكنه أن يحتاط لأبنائه. فكثيرا ما رأينا ~~أناسا تركهم أهلهم أغنياء وصاروا في عوز وفاقة وفقر، ورأينا أناسا ~~أهلهم فقراء، وأفاض الله عليهم من رزقه، فسبحانه القائل: # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]. إذن فعلى المؤمن أن يحذر الكثرة إن كان بها شيء خبيث. ولنا ~~العبرة في الحكاية التي حدثت مع أبي جعفر المنصور حينما بويع للخلافة، ~~وذهب الناس يهنئونه بإمارة المؤمنين، ودخل عليه سيدنا مقاتل بن سليمان ~~وكان أحد الواعظين. هنا قال أبو جعفر لنفسه: جاء ليعكر علينا صفو يومنا، ~~سأبدأه قبل أن يبدأني وقال له: عظنا يا مقاتل. قال مقاتل: أعظك بما رأيت ~~أم بما سمعت؟ ذلك أن السمع أكثر من الرؤية، فالرؤية محدودة ومقصورة على ~~ما تدركه العين، لكن السمع متعدد لأن الإنسان قد يسمع أيضا تجارب غيره ~~من البشر. قال أبو جعفر: تكلم بما رأيت. قال: يا أمير المؤمنين، مات عمر ~~بن عبدالعزيز وقد ترك أحد عشر ولدا. وخلف ثمانية عشر دينارا كفن منها ~~بخمسة، واشتروا له قبرا بأربعة، ثم وزع الباقي ms2783 على ورثته. ومات هشام بن ~~عبدالملك، فكان نصيب إحدى زوجاته الأربع ثمانين ألف دينار، غير الضياع ~~والقصور. كان نصيب الزوجات الأربع هو ثلاثمائة وعشرون ألف دينار، وهذا هو ~~ثمن التركة فقط. والله يا أمير المؤمنين لقد رأيت بعيني هاتين في يوم ~~واحد ولدا من أولاد عمر بن عبدالعزيز يحمل على مائة فرس في سبيل الله، ~~وولدا من أولاد هشام بن عبدالملك يسأل الناس في الطريق. إذن فعلى كل منا ~~أن يعرف أنه لم يدخل الدنيا بثروة، وعليه أن يتأدب مع الله ويرعى حق ~~الله، ولا يتدخل في قسمة الله. { قل لا يستوي الخبيث ~~والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله ~~يأولي الألباب لعلكم تفلحون } [المائدة: 100]. على ~~المسلم - إذن - أن يستحضر كل ملكاته العقلية حتى يميز الخبيث من الطيب ~~ويرفض الشيء الخبيث لأننا لو تدبرنا الحكم بعقولنا لوصلنا إلى أن حكم ~~الله هو الحكم الحق العادل. { لعلكم تفلحون } والفلاح - كما ~~نعلم - مأخوذ من أمر محس وهو فلح الأرض، فالإنسان يأخذ حبة قمح ويزرعها ~~فتعطيه سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة. والحق سبحانه يسمي لنا كل عمل ~~الآخرة بالفلاح لأن الكلمة لها وقعها الجميل، فإذا كانت الأرض، وهي ~~مخلوقة من مخلوقات الله بما تحتويه من كل العناصر اللازمة للزرع واللازمة ~~لكل حياة، هذه الأرض تعطينا لقاء حبة قمح سبع سنابل، في كل سنبلة مائة ~~حبة، فكم يعطيك خالق الأرض؟ فاتق الله أيها المسلم ولا تتدخل في قسمة ~~الله، وضع أمامك هذا التوجيه الحكيم الذي ورد في الأثر: شركم من ترك ~~عياله بخير وأقبل على الله بشر. # وعلى الأبناء الذين ابتلوا بهذا أن يراجعوا الأمر بنخوة إيمانية لأن ~~الأب حينما أحب ابنا له وزاد له في الميراث كان أحمق الحب، وعلى الابن ~~أن يحترم عاطفة الحب، وأن يجازي الأب عنها ويرحمه، فيعيد الأمر إلى نصابه ~~ويعطي كل ذي حق حقه حتى لا يتعرض أبوه لعذاب النار الذي سيناله نتيجة ~~تدخله لصالحه في قسمة الله. ويقول الحق بعد ذلك: { يأيها الذين ~~آمنوا... }. ### || [5.101] ms2784 # وهذا نهي عن السؤال، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ذروني ما تركتم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء ~~فدعوه ". # ونعرف أن بني إسرائيل شددوا على أنفسهم عندما أخذوا يماطلون في أمر ذبح ~~البقرة، وتساءلوا عن لونها، وشددوا فشدد الله عليهم، ولو أنهم ذبحوا أي ~~بقرة لكانت مقبولة منهم، لكنهم شددوا فشدد الله عليهم حتى جاءت البقرة ~~الموصوفة ملكا ليتيم، كان هذا اليتيم ابنا لرجل صالح وكانت له عجلة ~~فأتى بها موضعا كثير الشجر والمرعى وقال: اللهم إني استودعتكها لابني حتى ~~يكبر وعندما ساوموا اليتيم على ثمنها باعها لهم بملء جلدها ذهبا. # " وقد شدد بعض الناس في سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عبدالله ~~بن حذافة بن قيس السهمي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أبي؟ ~~فأجاب رسول الله: أبوك حذافة. ولو فرضنا أن هذا السائل كان ينسب لغير ~~أبيه ألا يكون في ذلك فضيحة لأمه وقد قالت له أمه: ما رأيت أعق منك قط، ~~أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رءوس ~~الناس ". # لقد أراد الحق أن يخفف من أسئلة الناس في الأمور التي تؤدي بهم إلى ~~المشقة والتعب وتسيء إليهم وتقبل الحق من رسوله أسئلة المؤمنين عن ~~القواعد الشرعية مثل سؤالهم عن الخمر والأهلة والحيض والشهر الحرام ~~وغيرها. أما الأسئلة الأخرى فقد قال الحق في شأنها: { عفا الله ~~عنها والله غفور حليم }. ذلك أن البعض استمرأ السؤال وكأنه ~~يمتحن النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك جاء الأمر بألا يتعمد المؤمنون ~~السؤال عما ستره الله عنهم كي لا ينفضح عرضهم. { وإن تسألوا ~~عنها حين ينزل القرآن تبد لكم } فإن نزل القرآن وهو ~~يحمل الإجابة كان بها. وإن لم تأت الإجابة فلا يقولن أحد: إن النبي ليس ~~عنده جواب. أو هي سؤال عن الأشياء التي اقترحوها ادعاء منهم أنها تثبت ~~صدق النبوة فقد حكى ms2785 الله عنهم: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف ~~أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى ~~تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل ~~كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 90-93]. لقد ظهر من هذا القول سوء النية المبيتة منهم، ~~فالرسول لن يأتي بالآيات، بل تأتيه الآيات بالأمر المكلف به لأن الرسول ~~لا يختار ما يؤتى به من آيات، ولكن الحق هو الذي يرسل الآيات المناسبة. ~~ولذلك يقول الحق: { قد سألها قوم من قبلكم ثم... }. ### || [5.102] # والحق لم يرسل هذه الآيات رحمة بمن سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم ~~عنها فقد سأل قوم عن ناقة وعقروها فأبادهم الله. وقوم عيسى عليه السلام ~~سألوا عن مائدة ونزلت عليهم وتوعدهم الحق بعدها إن لم يؤمنوا. وكانت سنة ~~الله مع خلقه إن اقترحوا هم آية ولم يصدقوها فإن الحق يهلكهم أو يعذبهم. ~~ويعطي سبحانه أمة محمد صلى الله عليه وسلم ضمانا. # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33]. إذن فالأسئلة التي سألوا عنها لم يجبهم عنها لأنه سبحانه ~~قد عفا عنها. والعفو - كما نعلم - مأخوذ من عفى الأثر أي أذهب الأثر. ~~وعفو الله من مغفرته ورحمته. ويقول الحق بعد ذلك: { ما جعل ~~الله... }. ### || [5.103] # وهذه الآية جاءت في السورة التي أحل الله فيها بهيمة الأنعام، وحرم ~~منها ما حرم. فهو سبحانه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما يستبقي حياته من ~~قوت، وما يستبقي نوعه بالتزاوج. وإذا كان الحق هو الذي جعل الإنسان خليفة ~~في الأرض فقد أعد له كل هذه المقومات للحياة من قبل آدم عليه السلام، ~~أعد سبحانه لخلقه الأرض والسماء والماء والهواء، ومما ذخر وخبأ وأوجد ~~في الأرض من أقوات لا تنتهي إلى يوم القيامة. ولنا أن نلتفت إلى فارق مهم ~~بين " الخلق " ، وبين " الجعل ". فالخلق شيء، والجعل شيء ms2786 آخر. والخلق ~~هو إيجاد من عدم. والجعل هو توجيه مخلوق لله إلى مهمته في الحياة. فخلق ~~الله لا يخلقون شيئا، إنما الخلق والإيجاد له سبحانه. وعلينا - نحن ~~الخلق - أن نخصص كل شيء لمهمته في حياته التي أرادها الله، أي أن نترك " ~~الجعل " لله و لا نتدخل فيه، بمعنى أن الخالق سبحانه وتعالى خلق الخنزير ~~- على سبيل المثال - ليأكل من القاذورات وليحمي الإنسان من أمراض وأضرار ~~كثيرة، وعلى الإنسان - إذن - أن يخصص الخنزير لهذه المهمة فلا يحوله إلى ~~غير مهمته كأن يأكله مثلا لأن تحويل مهمة مخلوق لله إلى غير مهمته هو ~~أمر يضر بالإنسان الذي أراده الله سيدا مستخلفا في الكون. وأبلغ سبحانه ~~الناس أنه قد أحل أشياء وحرم أشياء، وعلى الإنسان أن يرضخ لما حلله الله ~~فيقبل عليه، وأن يرضخ بالابتعاد عما حرم الله. والخالق سبحانه وتعالى هو ~~الذي " خلق " وهو الذي " جعل " وهو القائل: # جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس # [المائدة: 97]. وهو القائل: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور # [الأنعام: 1]. والحق سبحانه وتعالى ينهانا عن أن نجعل له أندادا: # ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل ~~لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل من ~~السمآء مآء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ~~فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون # [البقرة: 21-22]. فسبحانه وتعالى موجود وواحد أحد، فلا يصح أن تجعلوا له ~~أندادا لأن ذلك عبث. ويثبت لنا سبحانه أن قضية الفساد في الأرض تنشأ من ~~تعدي الناس إلى الجعل المخلوق لله فيحولونه إلى غير ما خلقه الله له. ~~والخلق في حياتهم اليومية يحرصون على أن يستخدموا الأشياء فيما هي ~~مخصصة له. ومثال ذلك: أنت تستقبل من صانع الجبن قالبا من جبن. وتستقبل ~~من صانع الصابون قالبا من الصابون، ثم تجيء بالجبن والصابون إلى المنزل، ~~فتخبر أهل البيت بأن الجبن للأكل والصابون للغسيل، ويطيع الجميع هذه ~~التوجيهات. # لكن إن استخدم أحد الصابون للأكل والجبن للغسيل يحدث إفساد في صحة أفراد ~~الأسرة. ms2787 وكذلك جعل الحق سبحانه وتعالى لنا أبناء من أصلابنا، فكيف نأخذ ~~أبناء من غير أصلابنا لنجعلهم أبناء لنا؟ إن هذا خطأ في الجعل. ولذلك ~~قال الحق: # وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم # [الأحزاب: 4]. إن الدعي هو في حقيقة أمره من غير صلبك، وزوجتك ليست ~~أما له، فكيف تجعله ابنا لك، وتمكنه من أن يجلس في حجر امرأة غير أمه ~~ويشب على ذلك وينظر إلى غير محارمه على أن ذلك حلال ومباح له، إنه بذلك ~~يفقد التمييز بين الحلال والحرام لذلك فالتبني إفساد في الجعل. إن كل ~~فساد ينشأ في الكون حينما نجعل مخلوقا لله في مهمة غير تلك التي جعلها ~~الله له. والحق سبحانه وتعالى يبلغنا أنه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما ~~يقيته، وما يحفظ نوعه، فعلينا أن نتبع ما يأمر به الحق من اتباع ما هو ~~حلال، والابتعاد عما هو حرام. وإن قال قائل: ولماذا حرم الله بعض ~~الأشياء التي خلقها؟ ونقول: إن الذي خلقها جعلها لمهمة غير التي يريد ~~الإنسان أن يوجهها له، ومثال ذلك تحريم أكل لحم الخنزير. والإنسان منا ~~إذا ما رأى صورة من معيشة الحيوانات في الغابة. يتعجب، ففضلات حيوان هي ~~غذاء لحيوان آخر. وسم الثعبان هو حماية وعلاج. ونعرف أن الإنسان يستخلص ~~سم الثعبان ليستخرج منه علاجا لبعض الأمراض ولقتل بعض الجراثيم. ولذلك ~~يقول الحق سبحانه: # قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون # [يونس: 59]. كيف إذن نجعل من أنفسنا مشرعين نحلل الحرام ونحرم الحلال؟ ~~إن الله الذي خلق كل شيء لم يمنحنا الإذن بذلك. وعلينا أن نسلم بأن كل ~~شيء مخلوق لمهمة فلا يصح أن نوجه شيئا إلى غير مهمته. وتوجيه أشياء إلى ~~غير ما جعلت له أنتج آثارا ضارة، ومثال ذلك استخدامنا لمبيدات الحشرات ~~في الحقول، تلك المبيدات أبادت الضار في نظرنا، وأبادت النافع أيضا. ~~وعلى الإنسان - إذن - أن ينتبه جيدا فلا يساوي بين الحرام والحلال، وأن ~~ينتبه تماما فلا يتعدى ms2788 الجعل المخلوق لله. يقول سبحانه: { ما جعل ~~الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام ~~ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ~~وأكثرهم لا يعقلون } [المائدة: 103]. والبحيرة هي الناقة ~~التي تشق أذنها كعلامة على أنها محرمة فلا يتعرض لها أحد، ولا ترد عن ~~مرعى، ولا ترد عن ماء، ولا يشرب لبنها، ولا يركب ظهرها، ولا يجز ~~صوفها لأنهم قالوا: نتجت خمسة أبطن آخرها ذكر. و " السائبة " وهي الناقة ~~التي يقدمها الرجل إن برئ من مرضه أو قدم من سفره كنذر سائب، فلا يربطها، ~~وتأكل كما تريد، وتشرب ما تريد، وتنام في أي مكان، ولا أحد يتعرض لها ~~أبدا، وقد سميت " سائبة " بمعنى مأخوذ من الماء السائب. # ونعرف أن صفة الماء وطبيعته الأساسية هي الاستطراق، فإن سقط الماء على ~~قمم الجبال فهو يملأ الوديان أولا، ثم يصعد إلى الأعالي، هكذا يكون ~~استطراق الماء ما لم يتحكم فيه الإنسان بإقامة السدود والمضخات وشبكات ~~توزيع المياه. والوصيلة هي الناقة التي تصل أخاها، فالناقة عندما تحمل ~~وتضع المولود، هنا ينظر أصحاب الناقة إلى جنس المولود، فإن كان ذكرا ~~أكلوه، أما إن كان المولود أنثى فهي لهم يستبقونها لأنها وعاء إنجاب ~~لنتاج جديد ويكفي فحل واحد لإخصاب عشرات الإناث. فإن نتجت الناقة في بطن ~~واحد ذكرا وأنثى فإنهم لا يذبحونهما ويقال: " وصلت الأنثى أخاها " ~~فحرمته علينا. وفي ريفنا المصري نجد الأطفال يتمنون أن يأتي وليد ~~الجاموسة أو البقرة ذكرا حتى يأكلوا من لحمه وحتى يشربوا من لبن ~~الجاموسة أو البقرة كما يهوون. ذلك أن الطفل ينظر إلى مصلحته المباشرة، ~~أما الكبار فهم يتمنون دائما أن يكون وليد البهيمة أنثى، لأن الأنثى ~~وعاء لنتاج جديد. وال " حام " هو الفحل الذي يحمى ظهره من أن يركب، ~~ويتركونه لينطلق كما يريد. وهو الذي لقح عشرة أجيال من الإناث، أو هو ~~الذي نتجت من صلبه عشرة أبطن. وكان من الضوابط لهذه العملية أن يعرفوا أن ~~حفيد هذا الفحل - ابن ابنه - يمكنه أن يلقح. وكل هذه المسائل: البحيرة، ~~والسائبة، ms2789 والوصيلة، والحام، هي من اختراعات أهل الكفر الذين يفترون على ~~الله، فالحق سبحانه وتعالى خلق هذه الأنعام ليستمتع الإنسان بأكلها وشرب ~~لبنها وتسخيرها إلى ما يفيده. ومعنى " يفتري الكذب " أي أنه يختلق كذبا ~~ويدعيه ليطرأ به على صدق ليخفيه فالكذب ستر لحقيقة كانت قائمة. والحقيقة ~~القائمة منذ أن خلق الله الخلق أن هذه الأنعام جميعها مسخرة لخدمة ~~الإنسان، وأبلغ سبحانه آدم بمنهجه، وكان من المفروض أن يبلغ كل جيل الجيل ~~الذي يليه، لكن طول الزمن والغفلة هما السببان وراء نسيان الناس لبعض ~~الأحكام لذلك بعث الله الرسل ليذكروا الناس بالمنهج، وليزيلوا الكفر عن ~~وعي الناس، فالكافرون أناس ستروا منهج الله، وستروا البلاغ عن الله، وهم ~~بذلك يفترون الكذب على الله. ومثال ذلك قصة دخول الأصنام إلى الكعبة، فقد ~~سافر رجل اسمه عمرو بن لحي إلى بلاد الشام، فوجد أوثانا وأصناما فنقل ~~منها صنما يقال له " هبل " إلى مكة، وكان هو أول من أدخل الأصنام إلى ~~مكة، وكما فعل عمرو بن لحي فعل غيره بوضع قوانين وقواعد لم يأت بها ~~الله، كالوصيلة والبحيرة والسائبة والحام. وكان ذلك افتراء على منهج ~~الله وتغييرا لمنهج الحق، وعلى فرض أنه لا منهج قد وصلهم من الله، ألم ~~يكن من ضرورة التعقل أن ينظروا في أمر هذه البدع والضلالات؟ إن الحق ~~سبحانه وتعالى لم يمنع العقل من أن يصل إلى حقيقة كونية سليمة. # ولكن قد يجهد العقل ويتعب بالتجربة الطويلة حتى يصل إلى حقيقة ما. لذلك ~~أراد سبحانه حماية الناس من شقاء التجارب القاسية فأنزل منهجه ليحدد ~~الحرام من الحلال. قال سبحانه: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # [التوبة: 33]. ويقول في موضع آخر من القرآن الكريم: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا # [الفتح: 28]. ولقائل أن يقول: لماذا إذن وجد في العالم أديان أخرى. ~~كاليهودية والنصرانية، ولماذا إذن هناك ملاحدة ما دام الله قد قرر ألا ~~يوجد مع الإسلام دين ms2790 آخر؟ ونقول: أنت لم تفهم مراد الآيتين الكريمتين، إن ~~الحق سبحانه يقرر مرة أن الذي الذي سيظهر ولو كره المشركون، ومعنى ذلك أن ~~هناك كافرين ومشركين، وأهل ديانات أخرى وسيظهر الإسلام عليهم، ويجعله ~~الله هو السائد بالحجة والبرهان وبشهادة الكافرين والملحدين والوثنيين ~~أنفسهم لأن أمور الحياة ستتبعهم في كل قضايا حياتهم، ولا يجدون حلولا ~~لهذه المتاعب إلا بأن يذهبوا إلى قضية الإسلام، لا لأنه إسلام، ولكن لأن ~~أسلوب وقواعد الإسلام هي التي ستخلصهم من مشكلاتهم، ولجوؤهم إلى أقضية ~~تتفق مع الإسلام - مع كفرهم بالإسلام - هو شهادة قوية على أن الإسلام جاء ~~دين الفطرة، ودين العقل، وأن الكل سيحتاج إليه قهرا عنه. ومن لم يأخذه ~~دينا فيسضطر إلى أن يأخذه نظاما. وإذا كان الحق سبحانه قد ذيل الآية ~~الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا الإيمانية عنها بقوله عز وجل: { ~~وأكثرهم لا يعقلون } فلأنه سبحانه ينبهنا إلى أنهم لو ~~تعقلوا الأمر لما جعلوا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام من المحرمات ~~عليهم. ولنا أن نتساءل: أجعلتم هذه الأشياء حراما تكريما لها أم زهدا ~~فيها؟. فإن كان هو الزهد، فمعنى ذلك أنهم أخرجوها عما خلق الله لأن الله ~~خلقها لنأكل لحمها وننتفع بها. وإن كان هو التكريم، فهل من التكريم أن ~~يترك الإنسان الحيوان الذي خدمه دون حماية من ذئب، ودون طعام يعده له ~~ويتركه يلغ في أرض الغير؟. إن هذا أسلوب يدل على عدم الوفاء للحيوان الذي ~~خدم الإنسان، ومثل هذا السلوك لا يستبقي حياة هذا الحيوان، بل يعرضها ~~للخطر، لهذا يأبى العقل السوي هذا الزهد وذلك التكريم. فإن كان عمرو بن ~~لحي أو غيره قد جاءوا بأشياء وتقاليد لم يجعلها الله، فعلينا أن نشكر ~~الحق سبحانه لأنه جاء بالإسلام ليعدل من هذه المسائل. والمدقق للنظر في ~~آيات القرآن يجدها تمثل برنامجا مطمئنا لحياة الإنسان على الأرض، ~~وكأنها حاسب آلي يضبط إيقاع حركة الإنسان في الأرض بدقة تتفوق بكل ~~المقاييس على دقة أي حاسب آلي من صنع البشر، ذلك المسمى " كمبيوتر ". إن ~~هناك " كمبيوتر " إلهيا ms2791 يهدي الإنسان من أن يضل أو يضل. فالسماء تعدل ~~للإنسان سلوكه إن ذهب بعيدا عن الصراط المستقيم. ولا يقولن إنسان: إنما ~~أنا أتبع ما كان عليه آبائي. لأن الحق سبحانه وتعالى يقول: { وإذا ~~قيل لهم تعالوا... }. ### || [5.104] # بل على الإنسان أن يلتفت إلى أن أول تغيير لمنهج الله كان من أحد الآباء ~~الذين أصابتهم الغفلة. وقول الإنسان: إنما أتبع ما كان عليه آبائي، هو ~~قضية منقوضة لأن الذي غير أول تغيير لم يقل: { حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنآ } لأنه لم يقلد أبا له، وأيضا فمن المحتمل أن ~~الآباء لم يعقلوا ما غيروه من منهج الله ولم يهتدوا إلى الحق. وفي موضع ~~آخر من القرآن الكريم يقول تبارك وتعالى: # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم ~~لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة: 170]. إن الآية التي نحن بصدد خواطرنا الإيمانية عنها: { ~~وإذا قيل لهم تعالوا } لم يقل الله فيها اتبعوا ولكن قال: ~~تعالوا أي ارتفعوا كأنهم انحطوا وتسفلوا بقولهم: { حسبنا ما ~~وجدنا عليه آباءنآ } إنهم بذلك يرفضون وينكرون كل ما يأتي ~~إليهم من غير طريق تقليد الآباء، فقد قفلوا الطريق وسدوه على أنفسهم. أما ~~آية سورة البقرة: { بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ } ~~فيحتمل أن يقولوا: ونتبع كذلك ما جاء به الدين، فالنكير أشد على من قال: ~~{ حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ }. وعلى هذا فالاستدراك من ~~الله في كل آية من الآيتين جاء مناسبا لحالهم. كيف ذلك؟ لأن الذي لا يعقل ~~يمكن أن يعلم عن طريق شخص آخر استخرج واستنبط واكتشف، فإنه إن فاته ~~التعقل لم يفته أن يأخذ العلم من غيره، أما الذي لا يعلم فقد باء ورجع ~~بالجهل لأنه لم يصل إلى العلم بنفسه، وكذلك لم يتعلم من غيره. وجاء - ~~سبحانه وتعالى - بهمزة الإنكار لمسألة اتباع الآباء دون منهج الله. ونلحظ ~~أن الحق جاء بعملية الهداية كأمر مشترك في الآيتين، ذلك أن الهداية من ~~السماء، أما التعقل والعلم فهما عمليتان ms2792 إنسانيتان. ويقول الحق من بعد ~~ذلك: { يأيها الذين آمنوا... }. ### || [5.105] # والحق سبحانه قد قال من قبل: # وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ # [المائدة: 104]. والقولان يدلان على أن هناك فريقين: فريقا يسير على ~~الضلال، وفريقا يسير على الهداية. وهناك معركة بين الفريقين. فهل تدوم ~~هذه المعركة طويلا؟ نعم ستظل هذه المعركة طويلا لأن أهل الضلال لا ~~يحبون أن يحب المؤمن لأخيه ما يحب لنفسه، وكذلك فهم يستفيدون من فساد ~~الكون. والمؤمن يحب الطاعة ويحاول أن يجعل أخاه المؤمن محبا للطاعة، ~~فإن رآه على منكر فإنه ينهاه عنه ويدفعه إلى المعروف، فالخير حين يكون ~~من الإنسان ينفع سواه، وقد يتأجل نفعه هو لنفسه إلى الآخرة. وخير المؤمن ~~يفيد المجتمع ويضر أهل الضلال. وصدق المؤمن يفيد المجتمع ويضر أهل ~~الضلال. ونزاهة المؤمن يستفيد منها المجتمع، وتضر أهل الضلال. أما إن كان ~~المجتمع فاسدا فالمؤمن يشقى بفساد هذا المجتمع. إذن فمن مصلحة المؤمن أن ~~يعدي الخير منه إلى سواه، حتى ينتشر الخير ويعود الخير إلى المؤمن من ~~حركة الخير في المجتمع. ولذلك قال الحق سبحانه: { عليكم ~~أنفسكم } أي ألزموا أنفسكم، وكأن نفوس المؤمنين وحدة واحدة. وهو ~~تعبير عن ضرورة شيوع الرتابة الإيمانية المتبادلة. ومثل هذا الأمر جاء في ~~التعامل مع أموال السفهاء لقد قال الحق: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم # [النساء: 5]. لأن السفيه لا حق له في إدارة ماله حتى يرشد لأن المال في ~~الواقع هو مال كل المسلمين، وعليهم إدارته لينتفع به كل المسلمين. وتكون ~~إدارة الأمر أولا بالنصح، فإن لم يرتدع السفيه فليرفع عليه أقرب الناس ~~إليه قضية حجر، ذلك لأن أي شر ينتج من سلوك السفيه بماله إنما يعود على ~~المجتمع، وعلى هذا فالمال يظل مال الناس يقومون على إدارته إلى أن يعود ~~السفيه إلى رشده فيعود له حق التصرف في ماله. # فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم # [النساء: 6]. لم يقل الحق إذن: " فادفعوا إليهم أموالكم " ذلك أن الرشيد ~~أصبح مأمونا ms2793 على ماله لذلك يعود المال إلى السفيه من فور عودته إلى ~~الرشد. وكذلك قول الحق: { عليكم أنفسكم } أي أنكم يا جماعة ~~المؤمنين كل منكم مسئول عن نفسه وعن بقية النفوس المؤمنة، ومن الهداية أن ~~نقوم الذي على فساد. ولا يقولن مؤمن: " وأنا مالي ". وتتابع الآية { ~~لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } فما دمتم قد حاولتم ~~تقويم الفساد فأنتم قد أديتم ما عليكم في ضوء قول الرسول صلى الله عليه ~~وسلم: # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع ~~فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". # ولكن كيف يكون التغيير بالقلب؟ أي أن يكون تصرف الإنسان المؤمن هو ~~المقاطعة لمن يخرج على منهج الله، فإن قاطع كل المؤمنين أي خارج على ~~منهج الله فلا بد أن يرتدع، وعلى المؤمن ألا يقابل منحرفا أو منحرفة ~~بترحيب أو تعظيم، فالتغيير بالقلب أن يكون التصرف السلوكي الظاهري ~~مطابقا لما في القلب، فيحس فاعل المنكر أنه مستهجن من غيره. # وقد يستسهل الناس أمور الشر أولا إذا ما صادفهم من ينافقهم بمجاملات في ~~غير محلها، لكن لو استشعر فاعل المنكر أنه مقاطع من جماعة المسلمين وإن ~~لم تضربه على يده، فلا بد أن يرتدع، والحق سبحانه وتعالى يقول: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم # [الأنعام: 68]. أي أنك ساعة تعرض عن الذين يخالفون منهج الله، وساعة ~~يعرض غيرك عنه، فإن ذلك يؤذيه، ولا يجعل الناس يستشرون في الشر ويتفاقم ~~ويعظم ضررهم إلا احترام المجتمع لهم. والمثال في القرى نجد أن الذي يمتلك ~~بندقية ينال احتراما ومجاملات تجعله يتجبر بسلاحه، ولو أن الناس أعرضت ~~عنه لضاعت هيبته ولعاد مرة أخرى يسلك السلوك الملتزم. وما المقياس في أمر ~~التغيير بالقلب ومعاملة فاعل المنكر بعدم مودة ومحبة؟ نقول: علينا أن ~~نستمع إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل مرة عن هذه الآية: { ~~عليكم أنفسكم } ، فقال: # " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا ~~وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي ms2794 برأيه، فعليك - بخاصة نفسك ~~- ودع عنك العوام فإن من ورائكم أياما الصابر فيهن مثل القابض على ~~الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون كعملكم ". # وأنت حين لا تولي منحرفا عن منهج الله مودة، ورحمة، ومعروفا تكون قد ~~ألزمت نفسك بالإيجابية. وإذا سأل المؤمن: وكيف يقاوم الإنسان؟. أجاب ~~العلماء: من فر من اثنين، فقد فر، ومن فر من ثلاثة لم يفر. أي أن ~~الإنسان في القتال إن واجهه شخصان ففراره هرب من المواجهة. وأما إن ~~فر الإنسان وهو يواجه ثلاثة من الأعداء، فهذه حماية للنفس وليست ~~فرارا. واستنبط العلماء هذا الحكم من وعد الله بنصر المؤمنين إن كان ~~أعداؤهم مثليهم أي كعددهم مرتين وذلك من قول الحق تعالى: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن ~~يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله ~~مع الصابرين # [الأنفال: 66]. هي إذن نسبة الرجل إلى الرجلين، فإن فر مؤمن من أمام ~~اثنين في أثناء القتال فقد خرج عن موعود الله بالنصر له ويسمى فارا ~~ويبوء ويرجع بغضب الله ويكون مآله جهنم لأن الله قد قال: { فإن يكن ~~منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين } فقد وعد الله ~~المقاتل المؤمن الصابر بالنصر إذا كان يقابل اثنين من الكفار. # لكن إذا هرب من مواجهة ثلاثة فقد فعل ما يحمي حياته لأن الدين لا يدعو ~~إلى الانتحار لذلك نقول لمن يبغون تغيير المنكرات في الدنيا: لا ترموا ~~بأنفسكم إلى التهلكة ولا تقاتلوا عدوا يغلبكم بكثرته. واتبعوا قول ~~النبي الصادق الأمين على استمرار أمته ما دامت تتمسك بمنهج الله. وتغيير ~~المنكر بالقلب يتمثل - كما قلنا - في مقاطعة المنحرف مصداقا لقوله ~~تعالى: { يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم } ونلاحظ أن " على " حرف جر، ~~والكاف للخطاب، والميم للجمع، و " أنفسكم " منصوبة. فعليكم هي " اسم فعل ~~" أي هي ليست اسما على حقيقته وليس حرفا على حقيقته، بل هي حرف دخل على ~~ضمير فأدى مؤدى اسم الفعل، أو هو اسم ms2795 فعل منقول من الجار والمجرور. { ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~} أي ألزموها، وحافظوا عليها، ومن الهداية أن نعرف كيف نواجه القضايا ~~بالعقيدة الإيمانية، فينظر المؤمن إلى الكمية العددية للمهتدين، والكمية ~~العددية للضالين. فإن كانت الكمية العددية مساوية فلتقبل على المواجهة. ~~وإن كانت الكمية الضالة ضعف الكمية المؤمنة فلتقبل الكمية المؤمنة على ~~المواجهة أيضا. وإن كانت الكمية الضالة أكثر من الضعف فالمؤمن معذور إن ~~حمى نفسه بعدم المواجهة، ولكن عليه أن يقاطع كل منكر أو فاعل المنكر. ~~كلنا نعرف تماما أن كل فرد يحب أن تكون له مكانة في المجتمع. فإن رأى ~~الإنسان أن الصيت والمكانة والذكر الحسن للصادق المستقيم فالإنسان يتجه ~~إلى أن يكون صادقا مستقيما. وأن رأى الفرد أن المكانة في المجتمع تكون ~~للكاذب المنحرف فهو يتجه إلى أن يكون كاذبا منحرفا لذلك فعلى المؤمنين ~~ألا يكرموا إلا من يسير على المنهج الصالح. فقد روى الإمام أحمد قال: ~~قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها ~~الناس إنكم تقرأون هذه الآية: { يأيها الذين آمنوا ~~عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ~~} وإنكم تضعونها على غير موضعها وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: # " إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله - عز وجل - أن ~~يعمهم بعقابه " # { لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله ~~مرجعكم جميعا } ويطمئن الحق المؤمنين إلى أنهم إن قابلوا ~~الضرر في حياتهم فليعلموا أن هذه الحياة ليست هي كل شيء، بل هناك حياة ~~أخرى نرجع فيها إلى الله، فمن كان في جانب الله أعطاه الله خلودا أبديا ~~في النعيم، ومن كان ضد منهج الله أعطاه الله عذاب الجحيم. وقال الحق ذلك ~~لأن المؤمن لا يضمن نفسه في كثير من المواقف، فقد يدخل معركة وفي نيته ~~الإخلاص لكنه قد ينحرف، فيصيبه الضرر على قدر ما انحرف. # وعلى الذين يسيرون في ضوء منهج الله دائما أن يحتفظوا بتلك القضية في ~~بؤرة شعورهم. ولنا في ms2796 رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة حينما ~~كان في غزوة أحد، وأمر الرماة ألا يبرحوا أماكنهم وإن رأوا المؤمنين في ~~انتصار ورأوا الأعداء في هزيمة. واتجه الرماة إلى الغنائم من فور أن رأوا ~~انتصار المؤمنين، فلم ينصرهم الله وهم على مخالفة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وبذلك تعلم المؤمنون الدرس: أن يطيعوا الله والرسول في كل ~~خطوة. ولو أن الله سبحانه لم يقل: { إلى الله مرجعكم جميعا ~~فينبئكم بما كنتم تعملون }. فماذا يكون موقف الذين لم ~~يشهدوا نصرا لجند الله، وهم قد دخلوا المعارك الأولى واستشهدوا؟. لقد ~~علموا من البداية أن المرجع إلى الله وأنه سيعطيهم حياة أخرى. وسينبئهم ~~الله بما فعلوا. والإنباء هنا بمعنى الجزاء والتكريم. وكما ساس الحق حياة ~~المؤمن وهو يتحرك في الحياة الدنيا، فإنه سبحانه يسوس حياة المؤمن بما ~~يضمن له الحياة الآخرة في نعيم الخلد والجنة، لذلك يقول الحق سبحانه: { ~~يا أيها الذين آمنوا... }. ### || [5.106] # الحق - سبحانه - كما ساس ودبر حياة المؤمن الدنيوية، دبر وتولى - جل ~~شأنه - حياته الأخروية ليلفته إلى أنه يجب عليه ألا ينظر إلى حياته ~~العاجلة فقط ولكن عليه أن يدبر أمر نفسه فيما يستقبله من أمر الحياة ~~الآخرة، ففي لحظة مواجهة الموت عليه ألا ينسى الوصية إن كان مدينا لأحد ~~أو كان له دين عند أحد. وكذلك إن سافر الإنسان ضربا في الأرض فعليه أن ~~يوصي حتى لا يضيع على ورثته حقا لهم. أو يسدد ما عليه من دين ليبرئ ~~ذمته، وأن يشهد على وصيته اثنين من المسلمين، أما إذا كان الإنسان ~~يصاحب في السفر أناسا غير مسلمين فعليه أيضا أن يشهدهم على الوصية، ~~ولم يترك الحق لنا في هذا الأمر أي عذر، بل لا بد من شهادة اثنين. ~~والشهادة هي الأمر المشهود في الحاضر، ومثال قوله الحق: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه # [البقرة: 185]. أي أن الإنسان إذا حضر الشهر وأدركه فليصم، والشهادة ~~تأتي بمعنى الرؤية مثال ذلك قوله تعالى: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة ms2797 ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد ~~عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2]. أي أن يحضر مشهد الجلد جماعة من المؤمنين. وتأتي الشهادة ~~أيضا بمعنى الحكم: # قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلهآ ~~إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من ~~الكاذبين * وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت ~~وهو من الصادقين # [يوسف: 26-27]. إذن فالشهادة تأتي بمعان متعددة. والأصل فيها المشهد، ~~أي الشيء الذي تشاهده. والوصية - كما نعلم - هي إيصاء بأمر يهم الموصي ~~بالنسبة للموصى إليه. والمؤمن يوصي بالخير. ويسمعه من لا يرث، أي الذي ~~ليس له شرعا نصيب في التركة، لكن قد يكون لغير الوارث سبب من أسباب ~~المنفعة مع المورث. وعلى الرغم من ذلك فالسامع للوصية يبرئ ذمته فيبلغ ~~ما سمع إلى الورثة لأن الوصية هي مسألة في نفس الموصي، وقد لا يكون لها ~~حيثية عند من يسمعها أو يتلقاها ولكنها ذات حيثية في نفس الذي يقولها ~~لذلك جعل الله الوصية قبل الدين في قوله الحق: # من بعد وصية يوصين بهآ أو دين # [النساء: 12]. إن ذلك يحدث على الرغم من أن الدين مقدم على الوصية ~~لأن الدين حق والوصية تبرع. ويريد الحق ذلك لأن الدين له مطالب سيطالب ~~به، ولكن الموصي إليه قد لا يكون صاحب حق ولكنه يتلقى تبرعا بالوصية، أو ~~يكون حقه لدى الموصي غير موثق بصك أو شهادة لذلك يقدمه الحق سبحانه ~~وتعالى ليجعلنا نهتم بأمر الوصية. أو يكون الذي وصى بشيء قد عاش في ~~الحياة ويعلم من من الناس أثر في حياته علميا أو أدبيا أو خلقيا ~~أو اجتماعيا لذلك يريد الله سبحانه وتعالى ألا يبارح الإنسان الحياة إلا ~~بعد أن يؤدي المؤمن هذا الحق الأريحي لمن كان له عليه دين في دنياه. # وهذه مسألة قد لا تشغل الورثة، بل قد يكرهونها. لكن صاحب الوصية هو الذي ~~يعلم حيثياتها. ولذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يؤكد أمر الوصية حتى في ~~الوقت الذي يعز فيه ms2798 التأكيد، فأمر الإنسان أن يوصي بها إن كان بين أهله ~~وقومه، ويؤكد الحق أهمية الوصية أيضا إن كان الإنسان مسافرا، فإن أحس ~~باقتراب الموت فله أن ينادي اثنين من أهل دينه ويوصيهما. وإن لم يجد ~~أحدا من أهل دينه فليسمع وصيته اثنين من غير أهل دينه، ولذلك مناسبة: ~~فقد حدث أن رجلا مسلما اسمه بديل بن أبي مريم مولى العاص بن وائل ~~السهمي، كان على سفر مع غير مسلمين وحضرت له مقدمات الموت فكتب ورقة ~~ووضعها مع كل ما معه من متاع - احتياطيا - ونادى على اثنين من غير ~~المسلمين وهما تميم الداري وعدي بن بداء، وأوصاهما أن يسلما متاعه ~~لأهله، ومات الرجل. لكن الاثنين فتحا المتاع ووجدا فيه إناء مفضضا ~~ومذهبا وله قيمة، فأخذاه وباعاه بألف درهم واقتسما المبلغ، وسلما ~~المتاع لأهل الميت الذين عثروا على الورقة المكتوب فيها كل التفاصيل بما ~~فيها خبر الإناء الثمين. وسأل أهل الميت الشخصين اللذين سلما المتاع عن ~~الإناء فأنكرا أي معرفة به. وأنكرا أيضا أنهما رأيا صاحب الإناء يبيعه. ~~وبعد فترة عثر أهل الميت على الإناء معروضا للبيع. وعرفوا أن البيع ~~الأول كان من الشخصين اللذين حضرا موت صاحب الإناء. فذهب أهل الميت إلى ~~رسول الله يعرضون عليه مسألة خيانة الأمانة في أمر الوصية، فنزل قوله ~~الحق: { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا ~~حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل ~~منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في ~~الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من ~~بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا ~~نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم ~~شهادة الله إنآ إذا لمن الآثمين } [المائدة: 106]. ~~إنه أمر من الله لرسوله أن يحضر هذان الاثنان من بعد أن يؤديا صلوات ~~دينهما وأن يقسما بالله، وأن يأتي أهل الميت ومعهم الورقة وليكشف الرسول ~~الحق من الباطل. وقد أسلم تميم الداري من بعد ذلك وقص القصة وأحضر ~~الخمسمائة درهم التي كانت في ذمته والتي أخذها ثمنا لنصف الإناء وأحضر ~~الخمسمائة درهم ms2799 الأخرى التي عند عدي ليردا ثمن الإناء كله إلى أهل الميت. ~~ولماذا قال الله: { تحبسونهما من بعد الصلاة }؟ إنه أمر ~~بأن نحتجزهم من بعد الصلاة لأن الإنسان عادة بعد أن يؤدي الصلاة سواء ~~أكان من أهل الكتاب أم من غيرهم تصفو نفسه بالاستعداد للصدق بعد أن وقف ~~بين يدي الله، ويكون في هذه الحالة أقل اجتراء على الكذب لذلك يقول الحق ~~سبحانه: { يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم }. # أي الشهادة التي يختلف فيها الناس وتختلف فيها الأقوال بين طرفين، ذلك ~~أن كلمة " بين " تعني انفصال كائنين فيصير كل منهما طرفا. إن هذه ~~الشهادة تحتاج إلى الفصل بين وجهتي النظر. والذي يقوم بهذا الفصل هو من ~~يستجوب الاثنين اللذين من ذوي العدل من المسلمين أو من غير المسلمين، ~~ويتم الاستجواب من بعد أداء الصلاة. فإن صار الأمر الذي شهدا فيه واضحا، ~~كان بها. وإن لم يكن قولهما واضح الصدق وفيه شك وريبة، فعلى الشاهدين أن ~~يقسما بالله أنهما لا يشتريان بآيات الله ثمنا حتى لا يكونا من الآثمين. ~~ويقول الحق من بعد ذلك: { فإن عثر على أنهما... }. ### || [5.107] # فإن ظهر أن الشاهدين قد حرفا وصية الميت أو أخفيا بالكذب بعضا من ~~تفاصيلها، فلنا أن نستدعي اثنين من أقرب الناس للميت فيقسمان بالله أن ~~الشاهدين السابقين قد كذبا في الشهادة، وأن هذا الاتهام بالكذب ليس ~~افتراء ولكنه قائم على الحقيقة، ولو ظهر أن شهادتهما فيها كذب فهما ~~المستحقان لعقاب من يظلم غيره. وبذلك يفسح الحق لنا المجال أمام إقامة ~~العدل بأن نستقصي الصدق، فإن ظهر لنا بدليل ما كذب الشاهدين اللذين حضرا ~~موت صاحب الوصية، فلنأت بشاهدين من أولياء الميت بدلا منهما. وكلمة " ~~عثر " تعني الوقوع على شيء على غير قصد، فإن عرفنا أن الإثم ظاهر من ~~شهادة هذين الشاهدين، فلنا أن نستقصي الصدق في شهادة اثنين غيرهما من أهل ~~الميت. وفي الواقعة التي نزلت فيها الآية، قام عمرو بن العاص والمطلب بن ~~أبي وداعة السهمي فأقسما بالله أن الشاهدين السابقين قد ms2800 كذبا وأن الشهادة ~~التي يقدمانها هي شهادة الحق لا اعتداء ولا جور فيها على أصحاب الشهادة ~~الأولى. ولماذا كل ذلك؟ لأن الهدف هو أن تأتي الشهادة على الوجه الصحيح ~~لها، فيقول الحق: { ذلك أدنى... }. ### || [5.108] # إن الشهود الأول الذين قدموا الشهادة لأنهم حضروا لحظة الوصية عندما ~~قالها الميت يقدمون شهادتهم بعد أن يؤدوا الصلاة وبعد أن يقسموا أن ما ~~يقولونه هو الحق. ولا بد لهم أن يحرصوا على صدق القول بدلا من أن يفضح ~~أمر كذبهم. والشهادة كما نعرف تطلق على أي أمر نحضره. والشهادة - كما ~~نعلم - تطلق على متلازمات متعددة يجمعها كلها كلمة " الحضور " كقوله ~~الحق: # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع ~~لهم # [الحج: 27-28]. أي أن نداء الحج يسمعه الناس فيأتون من كل مكان وعلى كل ~~وسائل النقل وقد تكون صعبة حتى يشهدوا منافع لهم. وسبحانه وتعالى يقول: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران: 18]. وشهادة الله هي حكم من الله. والملائكة أيضا تشهد، ~~وشهادتهم هي شهادة الإقرار. وكل ذلك ناشئ من أمر حاضر يستقرئه الشاهد. ~~ونحن نرى الشاهد يقف أمام المحكمة، فتسأله النيابة فيقول ما رأى، ويسأله ~~محامي الخصم فيقول ما رأى، ويسأله محامي الدفاع فيقول ما رأى. وما دام ~~الشاهد صادقا فلن يخشى محاورة أي طرف يسأله. والأطراف التي تسأل الشاهد ~~تطلب منه أن يأتي بالواقعة على أساليب مختلفة. وما دامت الواقعة صادقة ~~تظل كما هي مهما تنوعت الأسئلة وتغيرت الأساليب لأن الشاهد الصادق يستوحي ~~واقعا لا يتغير، أما الشاهد الكاذب فهو يلف ويدور ويغير من أقواله. ~~ولهذا نرى وكيل النيابة اللبق الحاذق يبحث في ذاكرة الشاهد عن أدق ~~الخفايا. وهكذا نعرف أن الشهادة تطلق على الحضور. أما إذا كان الشاهد هو ~~الذي يملك الحكم فشهادته حكم. ومثال ذلك قول الحق سبحانه: { شهد ~~الله }. إن الله يشهد أي يحكم. وفي قصة سيدنا يوسف عليه السلام نرى ~~كيف أوقع الحق بإخوة يوسف عندما أخذوا أخا ms2801 يوسف الصغير معهم في الرحلة ~~إلى مصر. وكيف دبر يوسف لهم أمرا ليحتجز أخاه معه. وكيف كان الصراع بين ~~إخوة يوسف خوفا على أبيهم بعد حجز الأخ الصغير. فيقول لهم شقيقهم الأكبر ~~كما أخبر القرآن الكريم: # ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يأبانا إن ابنك ~~سرق وما شهدنآ إلا بما علمنا وما كنا للغيب ~~حافظين * وسئل القرية التي كنا فيها والعير ~~التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون # [يوسف: 81-82]. ونعرف أن إخوة يوسف كذبوا في المرة الأولى عندما فعلوا ~~فعلتهم الشنعاء ضد يوسف لكنهم صدقوا في المرة الثانية التي احتجز فيها ~~شقيق يوسف. ولذلك طلبوا أن يسأل والدهم إما أهل القرية التي كانوا بها ~~وإما رفاقهم في القافلة. لقد أخبروا أن أخاهم قد استخرج من وعائه بعض من ~~أدوات الملك وهو الصواع الذي يكال به ولهذا جاءت شهادتهم هذه المرة ~~مطابقة للواقع، وهو ما أخبروا به. # إذن فالشهادة هي الفيصل في التنازع. ولذلك يوصي النبي صلى الله عليه ~~وسلم ألا يشهد الرجل على أمر إلا بعد أن يكون قد رآه رأي العين، كما يرى ~~الشمس: # " على مثلها فاشهد أو فدع ". # الحق سبحانه وتعالى يقول: # يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم ~~تشهدون # [آل عمران: 70]. وهكذا نعلم أن الشهادة كلها تدور حول الحضور والشهود. ~~ولهذا تأتي الشهادة في لوازم متعددة، فهي مرة تعني الحضور، وهي مرة تأتي ~~بمعنى الحكم، وثالثة بمعنى الإقرار. وكلها معان ملتقية. والشهادة تتطلب ~~أمرين: الأول هو حضور الشاهد لحظة وقوع المشهود به، والثاني هو أمانة ~~النقل، ولذلك جعل الله في بعض الأحكام شهادة اثنتين من النساء تعدل شهادة ~~رجل واحد. وقد يقول قائل: كيف يساوي الإسلام بين شهادة رجل جاهل أو أمي ~~وشهادة امرأتين قد تكون كل منهما على درجة عالية من الثقافة والعلم؟ ~~ونقول: إن المسألة في الشهادة ليست عمل عقل، ولكنها أمانة نقل، وأمانة ~~النقل لا شأن لها بالثقافة، فالشهادة تحتاج إلى حضور الحادثة، ثم إن ~~المرأة يكون دائما أمرها مبنيا على الستر وعدم التهجم على الرجال. فقد ms2802 ~~تقع حادثة وتوجد امرأة بجانب هذه الحادثة، وبطبيعة الحال لن تتجاسر ~~وتتقدم وتسأل لمعرفة كل التفاصيل، على العكس من الرجل الذي يرى الحادثة، ~~فيحاول أن يعرف كل ما جرى. وحين أراد الحق الشهادة من امرأتين، لم يطلب ~~ذلك لضعف الثقة في المرأة أو زيادة الثقة في الرجل، ولكن لأن الشهادة ~~ليست ابتكار عقل ولكنها حضور مشهد وأمانة نقل. إن البعض يحاول أن يروج ~~لمثل هذه القضايا وكأنها وسيلة للتهجم على بعض الداعين لله، ولذلك أقول ~~لهم: يجب أن يفهم الإنسان منكم الفارق بين عداوته مع بعض الداعين إلى ~~الله وأن يتعدى حدوده إلى أن يحاد الله لأن الإنسان منهم لا يرد الحكم ~~على الداعية، وإنما يرد الحكم على الله. وأمر الحق سبحانه في شهادة اثنين ~~من الرجال أن يؤديا الصلاة، ثم يتم حبسهما لفترة، وبعد ذلك يتم ~~استدعاؤهما للشهادة، فإن رد أهل الميت شهادتهما في أمر الوصية فيتم ~~استدعاء اثنين من أولياء الميت لأداء الشهادة في شأن الوصية، كل ذلك ~~لماذا؟ من أجل أن تأتي الشهادة على وجهها الصحيح الذي يظهر كل ~~الحقيقة. ويذيل الحق القول الكريم: { واتقوا الله واسمعوا ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين } وذلك بلاغ للمؤمنين ~~كافة وإلى الناس عامة لأن الله لا يهدي إلا من تطامن إلى منهج الله، أما ~~من يفسق فلن يعينه الله، ذلك أن الله لا يعين كافرا ولا ظالما ولا ~~فاسقا. أما من آمن بالله، فالحق سبحانه وتعالى يعينه على هذا المنهج ~~ويهديه إلى الصراط المستقيم. # ولماذا أنزل الله هذه الآيات بعد أن أجرى الأحداث التي تتطلبها؟ نعرف أن ~~الحكم إن نزل في ظرف يتطلبه، تكون النفس إليه أشوق وبه أعلق، مثال ذلك: ~~كوب الماء الذي يتناوله العطشان، إنه يتناوله بشوق ولهفة. عكس الإنسان ~~الذي يتناول كوب الماء وهو غير عطشان، فقد يضعه في مكان قريب منه دون أن ~~يشربه، وكذلك الدواء الذي يؤتى به للمريض لحظة معاناته القصوى من المرض، ~~إنه يقبل عليه بلهفة مهما كان مر الطعم، وهكذا جاءت بعض أحكام ms2803 القرآن ~~مناسبة لأحداث وقعت لتكون اللهفة على التطبيق موجودة في النفوس المؤمنة. ~~ويقول الحق تعالى بعد ذلك: { يوم يجمع الله... }. ### || [5.109] # وينبهنا الحق سبحانه هنا إلى ضرورة أن نستعد لليوم الذي يجمع الله فيه ~~الرسل يوم الحساب، أي أننا علينا أن نراعي الالتزام في تكاليف المكلف ~~الأعلى في كل عمل من أعمال الحياة لأنه سبحانه سوف يسأل الرسل في ذلك ~~اليوم: { ماذآ أجبتم }؟ أي كيف استجاب الناس إلى المنهج الذي ~~دعوتم إليه؟ وفي هذا تقريع لمن خالف الرسل. ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى ~~قد قال: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]. ونعلم - كذلك - أن يوم المشهد الأعظم سيأتي رسولنا - صلى ~~الله عليه وسلم - شهيدا على أمته وعلى كل الرسل السابقين عليه، ومثال ~~ذلك في حياتنا - ولله المثل الأعلى - نجد الأهل ينتظرون الابن على باب ~~لجنة الامتحان ويسألونه: كيف أجبت؟. إن الأهل يطلبون من الابن أن يعطيهم ~~تقدير الموقف إجماليا. أما إن سألوه بماذا أجبت؟ فمعنى هذا أنهم يطلبون ~~منه أن يحكي لهم ماذا أجاب تفصيليا عن كل سؤال. وسؤال الحق لرسله: { ~~ماذآ أجبتم } في الظاهر هذا سؤال للرسل، وفي الحق إنه للمخالفين، ~~وكأن هذا تقريع لمن لم يؤمنوا برسالات الرسل، ذلك أن مهمة الرسل هي ~~البلاغ عن الله. وبماذا يجيب الرسل يؤمئذ عن الله؟ هم يجيبون الإجابة ~~الدقيقة المتضمنة لكل أدب الإيمان: { لا علم لنآ إنك أنت ~~علام الغيوب } ونجد من يتساءل: كيف - إذن - يقولون: { لا علم ~~لنآ } على الرغم من أن هناك من استجاب لدعوتهم ومن لم يستجب لها؟ ~~ونقول: لأن الآخرة فيها حساب على نوايا القلوب والسرائر، لقد علم الرسل ~~بالأمور العلنية من أقوال وسلوك، ولكن الحق يحاسب على حسب النية والسلوك، ~~وهو سبحانه الأعلم بالسرائر وما تخفي الضمائر، وأيضا فالأنبياء قد علموا ~~الذين آمنوا بالمنهج وكانوا معاصرين لهم، ولكن ليس لهم علم بمن كفر أو ~~آمن بعد أزمنتهم، وإجابة الرسل هي قمة الأدب مع الله، ذلك لأن كلا منهم ~~قد ms2804 علم أن معرفة الله شاملة وعلمه قد وسع كل شيء، ولذلك جاء قولهم: { ~~إنك أنت علام الغيوب }. ويقول الحق من بعد ذلك: { إذ ~~قال الله يعيسى... }. ### || [5.110] # لماذا إذن يجمع الله كل الرسل ويسألهم سؤالا على الإجمال، ثم لماذا ~~يأتي بعيسى ابن مريم ليسأله سؤالا خاصا عن حادثة مخصوصة؟ أراد الحق ~~بذلك أن يعلمنا أنه سيسأل الرسل سؤالا يوضح لنا أدب الرسل مع الحق، ~~ويبين لنا تقريع الحق لمن كفروا بالمنهج، أما سؤاله سبحانه وتعالى لعيسى ~~ابن مريم، ذلك السؤال الخاص عن الحادثة المخصوصة، فمرد ذلك إلى أن بعض ~~الذين آمنوا به قد وضعوه في موضع الألوهية أو بنوة الألوهية، وفي ذلك ~~تعد على التنزيه المطلق للحق سبحانه وتعالى. ونعلم أن قصارى ما صنعت ~~الأمم السابقة أن بعضهم كفر بالرسل، وبعضهم كذب الرسل، لكن لم يدع أحد من ~~هذه الأمم أن الرسول الذي جاء هو إله، لم يقل ذلك أحد وإن كان بعض فرق ~~اليهود قد قالوا: إن عزيرا هو ابن الله وهذه الفرقة قد انقرضت ولم يبق ~~يهودي يقول ذلك، وسبحانه قد جعل الشرك به قمة الكفر الذي لا غفران له. ~~[من الآية 48 سورة النساء]. فكأن عيسى عليه السلام سيواجه السؤال ضمن ~~الرسل، ثم يسأله الحق سؤالا خاصا به. ويقدم الحق السؤال لعيسى ابن مريم ~~بعد أن ذكره بعدد من النعم التي أنعم بها سبحانه وتعالى عليه وعلى أمه ~~مريم عليه وعليها السلام: { إذ قال الله يعيسى ابن مريم ~~اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك ~~بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ ~~علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ~~وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ ~~فيها فتكون طيرا بإذني وتبرىء الأكمه والأبرص ~~بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني ~~إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين ~~كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين } [المائدة: ~~110]. ونجد هنا أن الحق سبحانه وتعالى يعدد بعضا من نعمه على سيدنا عيسى ~~وهي: التأييد بروح القدس وهو سيدنا جبريل عليه ms2805 السلام، والكلام في المهد ~~بما يبرئ أم عيسى السيدة مريم عليها السلام مما ألصقوه بها من اتهامات، ~~وتعليم الحق له الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل. وأنه سبحانه قد أقدره ~~على أن يصنع من الطين كصورة الطير بإذن منه سبحانه وأن ينفخ فيه فيصير ~~طيرا بإذنه سبحانه، وكذلك أقدره الحق سبحانه أن يبرئ الأعمى من العمى. ~~وأن يعيد إلى الأبرص لون جلده الطبيعي ويشفيه، وأجرى على يديه تجربة ~~إعادة الموتى إلى الحياة بإذن منه سبحانه، وكذلك منع الحق عن عيسى ابن ~~مريم كيد اليهود وكف أيدي الذين أرادوا صلبه وقتله على الرغم من أنه جاء ~~لهم بالمعجزات السابقة حتى يؤمنوا فآمن بعض منهم وكفر الذي قال: عن تلك ~~المعجزات: إنها مجرد سحر. # وعندما نتأمل بالخواطر أمرا واحدا من تلك الأمور نجد أن قدرة الحق ~~سبحانه وتعالى لها تمام الوضوح الظاهر، فمجرد كلام عيسى في المهد هو ~~معجزة والمهد - كما نعلم - هو الفراش المريح للطفل يعده له الأهل ساعة أن ~~يولد لأن الطفل لا قدرة له على أن يتزحزح من مكانه إن كان هناك شيء بارز ~~في مهده يضايقه لأن الطفل يملك الحس ولكن لا قدرة له على مدافعة ما ~~يتطلبه الحس. إن الطفل المولود لا يستطيع مثلا أن يمد يده ليزيل الحصوة ~~الناتئة من الأرض تحت المهد لذا يمهدون فراشه ويوطئونه له. إنه مجرد روح ~~في جسد صغير لا حول ولا قوة له إلا استبقاء الحياة بالتعلق بثدي الأم، ~~فإن تكلم طفل في المهد، فمعنى ذلك أنه امتلك إرادة يسيطر بها على كل جسمه ~~إلى الدرجة التي يمكنه أن ينطق بها الكلام، وهذا لا يحدث أبدا. ونجد ~~الأهل يمهدون الفراش للطفل، لأنهم يعلمون أن أقصى تعبير عن الانفعال هو ~~أن يبكي. وإذا ما تمكنت حشرة صغيرة من لدغ الطفل كالبرغوث أو البعوضة ~~فالطفل لا يملك إلا البكاء. وقد تكلم عيسى في المهد بعد أن أقدره الحق ~~على ذلك. ثم جاء الحق بحقيقة هي المقابل للمهد وهي الكلام في الكهولة. ~~فإن كان قد ms2806 تكلم في المهد إعجازا ليبرئ أمه البتول فإنه سوف يتكلم كهلا ~~مبلغا عن الله. ولم يتكلم عيسى ابن مريم وهو في المهد إلا بما قاله الحق ~~في القرآن الكريم: # قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا ~~* وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة ~~والزكاة ما دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم ~~يجعلني جبارا شقيا * والسلام علي يوم ولدت ~~ويوم أموت ويوم أبعث حيا # [مريم: 30-33]. قال عيسى عليه السلام في المهد هذه الكلمات ليبرئ أمه ~~الصديقة، ذلك أنهم اتهموها في أعز شيء لديها، ولذلك لم يكن ليجدي أي ~~كلام منها. وإنقاذا لها أبلغها الحق عن طريق جبريل أو عيسى عليهما ~~السلام أن تقول: # إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم ~~إنسيا # [مريم: 26]. وسبحانه وتعالى يعلم أن ميلاد عيسى من أم لم يمسسها رجل هو ~~خرق لناموس الكون في الحمل، وكذلك أراد الحق أن يكون هناك خرق للناموس في ~~الكلام فيتكلم عيسى في المهد بكلام معجز له معنى. وعلمه الحق الكتاب: { ~~وإذ علمتك الكتاب } أي علمه الله الكتابة، وعلمه التوراة، ~~وأنزل عليه الإنجيل، وألهمه الحكمة وهي الكلام المحكم الصواب بإلهامات ~~الله ومقابلها في الإسلام أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وجاءت دقة ~~الأداء القرآني لتمنع أي تصور لتدخل من ذات عيسى فيما أجراه الله على ~~يديه وذلك منعا للفتنة فقال الحق: { وإذ تخلق من الطين ~~كهيئة الطير } إذن فعيسى لا يخلق الطير ولكن يصنع من الطين مثل ~~هيئة الطير، فالحق وحده هو الذي يخلق الطير فلأنه الإله فهو الذي يخلق ~~خلقا عاما، أما البشر فبإمكانهم أن يخلقوا أشياء ويشكلوها كمثل ~~المخلوقات، لكنها ليست مخلوقات. # إننا نرى ذلك في التماثيل التي ينحتها المثال من الصخر أو يشكلها من ~~الطين كهيئة الجمل أو العصفور، لكنه لا يملك أن ينفخ فيه الروح، وقد ~~يخترع الإنسان أشياء مثل الكوب من الرمل المصهور المنقى، لكننا لم نسمع ~~عن خلق كوب ذكر وكوب أنثى ليتوالد من الإثنين نسل من الأكواب! إننا نرى ~~دائما أن خلق الإنسان لشيء ms2807 إنما يظل معقودا على حاله فلا ينسل ولا ينمو ~~ولا يحس، والخالق الأعظم يخلق من عدم، أما أنت أيها الإنسان فتصنع أشياء ~~مما وهبك الله من أشياء موجودة مطمورة في الأرض أو ظاهرة. ولم يضن سبحانه ~~عليك بل أطلق عليك بأنك خلقت، ولكن لتنتبه إلى أنه سبحانه وتعالى أحسن ~~الخالقين. إذن فعيسى صنع من الطين مثل هيئة الطير، وكان ذلك بإذن من ~~الله، ونفخ فيه فكان طيرا بإذن الله. والفارق بين قدرة الحادث وهو العبد، ~~وقدرة الباقي القدير وهو الرب أمران. الأول: أن الحق سبحانه وتعالى حينما ~~يقدر أمرا فهو يستطيعه بطلاقة قدرته أن يقدر بعضا من خلقه على أن يفعل ~~الشيء، لكن العبد لا يستطيع أن يقدر عبدا آخر أن يصنع شيئا مثل الذي ~~يصنعه. والمثال على ذلك: نجد الطفل إن أراد أن يحمل كرسيا فهو لا يقدر، ~~ويأتي شاب قوي ليحمل الكرسي للطفل، هذا الشاب إنما يعدي أثر قوته إلى ~~الطفل ولم يعد له قوته ولم ينقلها له، ويبقى الطفل ضعيفا كما هو، ~~أما الحق سبحانه وتعالى فهو يقدر من يريد على ما يريد. فبعظمته سبحانه ~~يعدي من قدرته إلى من لا يقدر ليقدر. والعظمة إذن فيما فعل المسيح هي ~~أن الحق سبحانه أراد له أن يحيى فنفخ في الطين فصار طيرا بإذن الله. وقد ~~سبق سيدنا إبراهيم سيدنا عيسى في ذلك عندما سأل الله: # رب أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة: 260]. فسأله الله: # قال أولم تؤمن # [البقرة: 260]. فقال إبراهيم: " بلى " أي أنه آمن، وأضاف: # بلى ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260]. والكلام هنا جهته منفكة، فإبراهيم قد آمن، والإيمان ~~اطمئنان القلب إلى عقيدة ما، وما جرى زاد إبراهيم تيقنا. ولم يسأل ~~إبراهيم ربه: أتحيى الموتى ولكن إبراهيم أقر أولا بقدرة الحق على ~~الإحياء وتساءل عن الكيفية. وطلب الكيفية لا شأن له بالإيمان لأن الكيفية ~~تتطلب تجربة. فأمره الحق أن يأتي بأربعة من الطير وضمها إليه ليتعرف ~~عليها جيدا. وأن يقطعها إبراهيم بيديه ويضع كل قطعة على جبل ويناديها، ~~فتأتي القطع ms2808 بنداء إبراهيم وقد صارت هي الطير نفسها التي كانت من ~~قبل. # وهكذا أراد الله لعيسى عليه السلام أن يصنع من الطين مثل هيئة الطير ~~بإذن الله وأن ينفخ فيها بإذن الله فيصير الطين طيرا. وأراد الله لعيسى ~~أن يبرئ الأكمه أي الذي ولد أعمى. وقد يقول قائل: إن في عصرنا يتم ترقيع ~~القرنية ويمكن أن يرى ويبصر بعض من الذين ولدوا بلا قدرة على الإبصار. ~~ونقول: إن ما يحدث في عصرنا هو سبق وتقدم على بناء على تجارب، أما ما حدث ~~مع عيسى فكان خرقا للناموس وأراده الله معجزة. وكذلك أراد الله أن يجري ~~على عيسى شفاء الأبرص أي الذي أصابه بياض كالرقع في بشرته. وكذلك كف بني ~~إسرائيل عنه عندما أرادوا إيذاءه وقتله. وعندما رأوا كل ذلك آمن بعضهم، ~~وكفر البعض واتهموا عيسى عليه السلام بأنه ساحر. وكان ذلك منهم كذبا ~~وافتراء عليه لأنه نبي مرسل بمعجزات واضحة. وفي هذه الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها نجد الحق سبحانه وتعالى يسرد نعمه على سيدنا عيسى عليه ~~السلام. وسرد النعمة على الرسول ليس المقصود منه تنبيه الرسول إلى ~~النعمة، فالرسول يعلم النعم جيدا لأنها جرت عليه، ولكنه تقريع لمن رأى ~~هذه الأحداث والنعم ولم يلتزم الإيمان بالله بعدها، وقد أجرى سبحانه كل ~~هذه النعم على عيسى عليه السلام وأيده الله بما يقوي ويزكي رسالته إلى ~~قومه. فكانت نعمة أولا عليه، لأنه مصطفى، مختار، مؤيد. ونلحظ أن هذه ~~الآيات والنعم تنقسم إلى قسمين: قسم يقنع أصحاب العقول والألباب والفكر ~~والمواجيد النفسية. وقسم يقنع القوم الماديين الذين لا يؤمنون بملكوت ~~الله في غيب الله. والقسم الأول الذي يقنع أصحاب العقول والألباب هو ~~تعليم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل. والقسم الثاني الذي يقنع ~~الماديين هو الأمور المادية الحسية التي يتعرف من يراها على أنها لا يمكن ~~أن تجري على يد بشر، كأن يخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون ~~طيرا. وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص. وهذه الآيات خرق للناموس ~~المادي، ولذلك يتبع ms2809 الحق كل واحدة منها بذكر كلمة: { بإذني } أي أن ~~هذه المعجزات لم تكن لتحدث لو لم يأذن بها الله. ولم يذكر الحق ذلك ~~بالنسبة للآيات الأخرى لأنها أمر ظاهر ومعروف، حتى يكون الأمر واضحا ~~أمام كل إنسان ممن يحبون عيسى ويرتفعون به إلى مقام أعلى من مقام النبوة ~~المؤيدة ممن أرسله. وحتى لا يخدع قوم عيسى في هذه الآيات ويظنوها مزية ~~مطلقة له، ولكنها مجرد آيات معجزات لإثبات صدق الرسالة عن الله. إن عيسى ~~عليه السلام حينما أخذ كل قطعة من الطين ليصور منها طيرا وينفخ فيها ~~فتكون طيرا لم يفعل ذلك بقدرته وإرادته، وإنما حدث ذلك بإذن من الله، ~~ولم يحترف عيسى تلك المسألة، وكذلك كان إبراء الأكمه والأبرص وإحياء ~~الموتى بإذن الله، وكل ذلك خرق لناموس المادة، لذلك كرر الحق القول بأن ~~هذا الخرق كان بإذن منه سبحانه حتى نعرف أن عيسى لم يأخذ من قدرة الله ~~طلاقة له بل انحصر الأمر في هذه المسائل التي أذن الله فيها فقط. # إننا نجد أن كل خرق لناموس الغيب عند الأنبياء أو الأولياء، أو من ~~يعطيهم الله هذه الإشراقية، هذا الخرق إنما هو لتكريم النبي أو الولي أو ~~الذي تشرق عليه فيوضات الله، وعلينا أن نعرف أن الله لم يعط إنسانا ~~واحدا القدرة على العلم بالغيب مطلقا، إنما يطلع الحق بعضا من خلقه ~~بهبة من تجلياته على شيء جزئي. فالخلق سبحانه وتعالى هو مالك الغيب: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59]. ولم نر إنسانا علاما للغيب ولكن يعلمه الله بغيب ~~من بعض غيبه، حتى نعلم أنها أحداث وقتية يتجلى الله فيها بفضله، ليثبت ~~حالة من الحالات، ثم يظل الإنسان مع الناموس العام في كون الله. والناموس ~~الكوني هو الأمور والقوانين التي أطلقها الله في الكون لتعمل لخدمة ~~المؤمن والكافر والطائع والعاصي. ومثال ذلك شروق الشمس وغروبها، وحركة ~~السحاب حاملا المطر، ووجود الأرض بعناصرها القابلة للزراعة. وخرق ~~الناموس يكون بإذن من الله للرسل والأنبياء والأولياء إننا نجد كل ذلك ms2810 ~~آيات من الحق لإثبات صدق الرسول في البلاغ عنه، وهذا الإثبات مشروط ~~بشروط: أولها أن يكون النبوغ قد بلغ درجة قصوى في هذا المجال الذي تحدث ~~فيه تلك المعجزة، والمثال على ذلك: خرق الحق سبحانه لناموس العصا وهي فرع ~~من شجرة وجعل موسى عليه السلام يلقيها فإذا هي حية تسعى. وما أجراه الله ~~على عصا موسى لم يكن سحرا ولكنه نقلها من جنس إلى جنس في عصر نبغ فيه ~~الناس في السحر، ونعلم أن موسى أنس إلى ربه فقال وأطنب وأسهب وأطال: # هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي # [طه: 18]. وعرف موسى من بعد مقام الأنس والانجذاب مقام الخشية فأوجز ~~قائلا: # ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18]. لقد عرف موسى عليه السلام أنه يخاطب مولاه فأطال الأنس به ~~وعرف أيضا مراعاة المقامات وانتقل من الانجذاب والأنس إلى مقام الرهبة ~~فقال: ولي فيها مآرب أخرى. وجاء الأمر بإلقاء العصا: # ألقها يموسى # [طه: 19]. وهنا خرجت العصا عن ناموسها الذي يعلمه موسى عليه السلام فلم ~~تعد للتوكؤ والهش على الغنم، ولكنها تنتقل من جنس الخشب إلى جنس الحيوان ~~فتصير حية: # فألقاها فإذا هي حية تسعى # [طه: 20]. ولذلك كان لا بد أن تدهش المسألة موسى عليه السلام، لذلك ~~أوجس خيفة. ولكن موسى عندما عرف سر عصاه لم يوجس خيفة بل تحدى السحرة ~~الذين جاء بهم فرعون في يوم الزينة، وعرف موسى أنه ليس بساحر مثلهم ولكن ~~الله أتاه معجزة ستبهر حتى السحرة، فالسحرة يعلمون أن عملهم تخييل وليس ~~تغييرا للأشياء، أما الحق فهو يغير الأشياء نفسها. # لقد جاء السحرة بناء على امر فرعون إلى يوم الزينة، ويعلمنا القرآن ~~بلمحات جانبية أن نظام السحرة كان موجودا، ولذلك طالب السحرة بأجرهم إن ~~هم غلبوا موسى: # قالوا إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين # [الأعراف: 113]. وعلى الرغم من اختلاف مواهب هؤلاء السحرة ورقي كل منهم ~~في فرع من فروع السحر، إلا أنهم جميعا سجدوا للحقيقة عندما ألقى موسى ~~عصاه وقالوا: # قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون ms2811 # [الشعراء: 47-48]. وهكذا عرفوا أن ما فعله موسى ليس قدرة بشرية ولكنه ~~قدرة فوق قدرة البشر. إنها المعجزة التي يجريها الله على يد الرسل لإثبات ~~صدقهم في إدعائهم أنهم رسل من الله. وكذلك نبغ قوم عيسى عليه السلام في ~~الطب. ولم يجرؤ أحدهم على أن يشفي بكلمة واحدة الأكمه والأبرص أو أن يخرج ~~الميت من موته إلى الحياة. وعلى الرغم من تقدمهم في الطب لم يستطع أحدهم ~~أن يفعل ذلك. والحق سبحانه يسهل المعجزات على رسله، والمثال في الإسلام ~~هو الإسراء برسولنا ونبينا صلى الله عليه وسلم، وحدث الإسراء في لمح ~~البصر، ونحن في زماننا نرى التقدم الآلي والفني قد اخترع الصواريخ التي ~~يمكن أن تختصر الوقت لمثل الرحلة من مكة إلى القدس ولكنها تمت بوساطة آلة ~~تعمل وبأجهزة أعدت بنظام دقيق بعد تجارب مضنية، ولكن الحق عندما أراد لم ~~يكن الأمر سوى كلمة منه تصير معجزة في التو واللحظة. ولنحفظ ذلك جيدا. ~~إن المعجزة خرق اقتدار لا سبق ابتكار أي أنها خرق لنواميس الكون حادث من ~~اقتدار المقتدر - سبحانه - ولم يحدث ذلك من ابتكار واختراع واكتشاف ~~مكتشف. ويسلي سبحانه عيسى عليه السلام بذكر هذه البينات، لكن ~~الكافرين من قوم عيسى عليه السلام قالوا إنها سحر: { فقال الذين ~~كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين }. ونعلم أن ~~الحق خلق الخلق وجعل الإيمان أمرا فطريا فيهم، ثم تأتي الغفلة فتبهت ~~جزئية من جزئيات الإيمان، وتتلوها غفلة أخرى فتبهت جزئية أخرى، وتأتي ~~غفلة ثالثة فتصير إلى الران وهو ما يعطي القلب فلا تنفذ إليه الهداية، ~~وذلك بسبب ما كسبوا وفعلوا من الذنوب: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14]. ولنستمع إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي ~~رواه حذيفة: # " حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر ~~الآخر. حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا ~~من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة قال: ينام الرجل ms2812 ~~النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت أي الأثر اليسير من ~~الشيء ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل أي ~~أثر العمل في الكف كجمر دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا أي ~~متورما وليس فيه شيء، ثم أخذ حصاة فدحرجها على رجله، فيصبح الناس ~~يتبايعون فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا ~~أمينا حتى يقال للرجل ما أجلده، ما أظرفه، ما أعقله، وما في قلبه مثقال ~~حبة من خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، لئن ~~كان مسلما ليردنه على دينه، ولئن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه على ~~ساعيه، وأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا ". # وها هوذا الحديث الثاني الذي حدثنا به حذيفة عن رفع الأمانة والفتنة. ~~قال حذيفة: كنا عند عمر فقال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه. فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله ~~وجاره: قالوا أجل. قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم ~~سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الفتن التي تموج موج البحر؟ قال ~~حذيفة: فأسكت القوم، فقلت: أنا. قال: أنت لله أبوك. قال حذيفة: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه ~~نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت. فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على ~~أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود ~~مربادا كالكور مجخيا - أي مقلوبا - لا يعرف معروفا ولا ينكر ~~منكرا إلا ما أشرب من هواه ". # قال حذيفة: وحدثت أن بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر. قال عمر: " ~~أكسرا لا أبا لك، فلو أنه فتح لعله كان يعاد ". هكذا كان حديث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن رفع الأمانة وضياع المناعة الإيمانية من ~~النفس البشرية. وأراد سبحانه للمناعة الإيمانية أن تبقى في عباده، لذلك ~~تدخل ms2813 بالرسل حتى تتكون المناعة ويكبح المجتمع جماح كل فرد. تحدثه نفسه ~~بفتنة. وعندما كان يتم الفساد في الأرض. نجد الحق يرسل الرسول ليعيد ~~البريق إلى النفس اللوامة، ويحيي في المجتمع القدرة على أن يتناسق السلوك ~~فيه على ضوء منهج الله. ولذلك نجد أن المقاومة التي تحدث للرسل إنما تحدث ~~من الذين يستمتعون بالفساد وبآثار الفساد. وحين يأتي منهج الهداية فهو ~~يأخذ بأيدي المظلومين ويغضب منه الظالمون الأقوياء الجبابرة، ولذلك ~~يهاجمون الرسل والمنهج القادم من الله لأن هذا المنهج سيقطع عليهم سبل ~~الفساد الذي يدر عليهم عائدا هو في نظرهم كبير. لقد رأينا صناديد قريش ~~وقد تصدوا للدعوة، فمحمد صلى الله عليه وسلم جاء بالمساواة بين كل البشر. # لقد كانوا يعرفون أن مجرد النطق ب " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ~~يعني فقدانهم لسلطان إرهاب الناس والقبائل. ولو كانت المسألة مجرد كلمة ~~تقال، ويبقى الأمر على ما كان عليه لقالوها، ولكنها كانت كلمة تغير من ~~الأمر سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ولا يبقى من جبروت لأحد، فكل الناس ~~سواسية. لذلك تصدى صناديد قريش لدعوة الإسلام. وهكذا نجد أن كل رسول يأتي ~~يبرز له من يعاديه من أصحاب الفساد والجبابرة في الأرض، مصداقا لقول ~~الحق سبحانه وتعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن # [الأنعام: 112]. والمثال على ذلك هو إرادة الحق في أن يجعل صيحة الإيمان ~~في الجاهلية تأتي أولا إلى أذن سادة العرب جميعا وهم قريش الذين لا ~~يجرؤ أحد على التعرض لهم، لكن النصر لا يأتي لمحمد وهو في مكة حيث كانت ~~مقام السيادة لأن النصر لو حدث في أول الدعوة ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~يحيا بين قومه في مكة لقال قائل: لقد حدث النصر من قوم ألفوا السيادة ~~وأرادوا أن يسودوا العالم كله لا الجزيرة العربية وحدها، وأن قريشا قد ~~ساندت محمدا لاستبقاء هذه السيادة وبسطها على غيرهم، ولكنه - سبحانه - ~~جعل مقام النصر ينبع من المدينة المنورة. إن الصرخة أولا جاءت في أذن ~~السادة ثم التف حولها المستضعفون ms2814 في الأرض الذين لا يستطيعون حماية ~~أنفسهم، ثم هاجروا وقواهم الله من بعد ذلك على الأقوياء. إننا نجد كل ~~داع إلى الله يأتي إنما يريد استبقاء خير النبوات حتى لا يأتي الران على ~~القلوب، وإن استبقاء هذا الخير يغضب منه الجبابرة والمنحرفون الذين ~~يريدون السيادة على العالم بفكرهم. والداعية إلى الله الذي لا تجد له ~~عدوا يصيبه بالسوء حظه من ميراث النبوة ضعيف، والداعية الذي له أعداء له ~~من ميراث النبوة الشيء الكثير. والكافرون بعيسى عليه السلام عندما رأوا ~~قوة الآيات التي جاء بها عيسى عليه السلام. قالوا: { إن هذا إلا ~~سحر مبين } وهذا يعني أن معجزات عيسى عليه السلام قد أحفظتهم ~~وأغضبتهم وأحنقتهم وملأت مشاعرهم بالخيبة. إنه قول من قوم يكرهون منهج ~~الحق، وعلى ذلك يكون كفر الكافر نعمة يدعم بها الحق الداعي إليه لأن ذلك ~~يحفزه ويدفعه إلى الدفاع عن دين الله، فمقاومة الإيمان تظهر قوة المؤمن ~~بالعقيدة التي يؤمن بها. ويقول سبحانه وتعالى من بعد ذلك: { وإذ ~~أوحيت إلى الحواريين... }. ### || [5.111] # وكلمة الحواري مأخوذة من المحسات. فالحواري تطلق على الدقيق ~~النقي الخالص. وأطلقت على كل شيء نقي بصفاء خالص، و " الحواري " هنا ~~تعني المخلص والمحب لمنهج الخير. وسبحانه يقول: { وإذ أوحيت } ~~والوحي بمعناه العام هو الإعلام بخفاء أي أن الحق ألهمهم أن يؤمنوا ~~برسالة عيسى المبلغ عن الله، أي أعلمهم بخواطر القلب التي أعلم بها أم ~~موسى ان تلقى ابنها في اليم ليلقيه اليم إلى الساحل، وهو غير الوحي ~~للرسول، فالوحي إلى الرسول هو الوحي الشرعي بواسطة رسول مبلغ عن الله هو ~~سيدنا جبريل عليه السلام، أما وحي الله إلى أم موسى أو إلى الحواريين فهو ~~استقرار خاطر إيماني يلتفت بعده الموحى إليه ليجد الواقع يؤيد ذلك. ~~وعندما لا يصادم إلهام القلب أمرا واقعا ولا يجد الإلهام ما يصادمه في ~~نفس الإنسان، فهذا لون من الوحي، أي هو إعلام بخفاء، كأن يتوقع الرجل ~~مقدم صديق من سفر، أو لونا من الطعام يشتهيه فيجده على المائدة. إذن ~~فالإلهام ms2815 وارد من الله لخلق الله مادام لا يصادم شيئا في النفس أو في ~~الواقع لأن الإلهام الذي يقابل صداما ليس من الله. فالشياطين يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول غرورا. إن الله أوحى للحواريين أن يؤمنوا به وبرسالة ~~عيسى عليه السلام. وبمجرد مجيء عيسى وسماعهم أنه رسول من الله أعلنوا ~~الإيمان به وصاروا من خلصائه. وساعة نرى: " إذ " فلنفهم أن معناها تذكر ~~وقت الحدث الذي قال فيه الحواريون: نحن آمنا بعيسى نبيا من عند الله ~~وأشهدوه أنهم مسلمون. ومن بعد ذلك يقول الحق: { إذ قال ~~الحواريون... }. ### || [5.112] # كأن عيسى قال لهم: عليكم بتقوى الله فلا تسألوه هذه الآية، لأنكم مادمتم ~~قد أعلنتم الإيمان فأنتم لا تقترحون على الله آية لإثبات صدق رسوله، ~~وحسبكم ما أعطاه الله لي من آيات لصدق رسالتي. وعليكم ان تلزموا أنفسكم ~~بالمنهج الذي أعلنتم أنكم مؤمنون به. وقد توقف العلماء عند قولهم: { هل ~~يستطيع ربك } وتساءل العلماء: كيف كان هذا القول، وخصوصا أن ~~معناه الظاهري: أيقدر ربك؟ وكيف للحواريين أن يقولوا ذلك بالرغم من أنهم ~~أشهدوا عيسى عليه السلام بأنهم مسلمون؟ وقال العلماء أيضا: إن من يتكلم ~~في اللغة عليه أن يكون متبصرا باشتقاقات الألفاظ واستعمالات الألفاظ ~~وسمات الألفاظ، وكلمة " يستطيع " بمعنى يطيع كما قالوا: استجاب بمعنى ~~أجاب، وكأن معنى سؤالهم: أيستجيب الله وينزل علينا مائدة من السماء؟ و " ~~استطاع " تقابل: " استجاب " وسبحانه وتعالى هو القادر على كل شيء، وهو ~~الذي يطيعه كل شيء، وهو الذي يرضخ لحكمه كل شيء، والحق لا يطلب، إنما ~~يأمر مصداقا لقوله تعالى: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. الله سبحانه وتعالى لا يقول لشيء كن إلا ويعلم أنه يطيع، ولا ~~يأمره الحق أن يطيع إلا ويكون استعداده الانفعالي أنه حين يسمع قول الله: ~~" كن " فلازم أن يكون، والمثال على هذا هو قوله سبحانه وتعالى: # إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 1-2]. إنها لن تنتظر إلا سماع الأمر فقط. وساعة تسمع الأمر ~~فهي تنفعل، ومعنى ms2816 تنفعل أي تطيع. وكل الكون مطيع لخالقه سبحانه وتعالى. ~~أو يكون معنى هل يستطيع: هل يفعل. وذلك من باب التعبير عن المسبب بالسبب ~~إذ الاستطاعة من أسباب إيجاد الفعل. وقيل المراد: هل تستطيع سؤال ربك ~~من غير صارف ولا مانع يمنعك عن سؤاله؟ فقد قرأ الكسائي وغيره هل تستطيع ~~ربك بنصب كلمة ربك وأصلها هل تستطيع سؤال ربك، فحذف المضاف سؤال ~~وأقيم المضاف إليه وهو كلمة رب مقامه فنصب. وقال الزمخشري: ما وصفهم الله ~~بالإيمان والإخلاص، وإنما حكى ادعاءهم، وقولهم: هل يستطيع كلام لا ~~يتأتى مثله من مؤمنين معظمين لربهم. وقال الحواريون ما جاء به القرآن ~~الكريم: { قالوا نريد أن نأكل... }. ### || [5.113] # وكأنهم أرادوا أن يتشبهوا بسيدنا إبراهيم خليل الرحمن عندما سأل الله عن ~~كيفية إحياء الموتى ليطمئن قلبه. لقد آمنوا بعلم اليقين، ويريدون الآن ~~الانتقال إلى عين اليقين لذلك سألوا عن المائدة التي صارت بعد ذلك حقيقة ~~واضحة. وهكذا نعرف أن هناك فارقا بين أن يؤمن الإنسان بذاته، وأن يشهد ~~بالإيمان عند غيره. فالذي يشهد بالإيمان عند غيره يحتاج إلى يقين أعمق. ~~ويخبرنا الحق بما قاله عيسى عليه السلام - وهو يختلف عن قولهم في هذه ~~المائدة - قال سبحانه: { قال عيسى ابن مريم... }. ### || [5.114] # وقوله الحق: { مآئدة من السمآء } إنما يعني أن هناك لله ~~موائد منصوبة في الأرض. والكون كله مائدة فيها من الخير الكثير إن استطاع ~~الإنسان أن يكد ويكدح. والإنسان منا عندما يكد ويكدح ويستخرج من الأرض ~~الزرع ويرعى الحيوانات فإنه يأتي إلى زوجه بمخزون قد يكفيهم كأسرة لمدة ~~عام من دقيق وأرز وعسل وسكر وزيت، فتأخذ الزوجة طيرا فتذبحه وتطهو معه ~~الخبز والخضراوات. إذن فالكون كله مائدة الله المنصوبة والتي يأخذ منها ~~كل إنسان على قدر عمله. وكلمة " مائدة " لا تطلق إلا على الخوان وعليه ~~طعام. أما إن كانت بغير طعام فنطلق عليها " خوانا " لأن " المائدة " ~~مأخوذة من مادة " الميم والألف والدال " والمائدة تميد أي تضطرب من كثرة ~~ما عليها من أشياء. أو هي تعطي مما عليها ms2817 من أشياء. فالمائد هو ~~المعطي. وقول عيسى عليه السلام يمتلئ بكل المعاني القيمة، فهو يطلب أن ~~تكون المائدة مناسبة لعيد يفرح به الأولون والآخرون وآية من الحق سبحانه ~~وتعالى، ويطلب من فضل ربوبية الرازق أن يرزقهم، ويعترف بامتنان أن الحق ~~هو خير الرازقين. والمقارنة بين قول الحواريين وقول عيسى تدلنا على ~~الفارق بين إيمان المبلغ عن الله، وإيمان الذين تلقوا البلاغ عن عيسى. ~~إيمان عيسى هو الإيمان القوي الناضج. أما إيمان الحواريين فهو إيمان ~~ناقص، لقد كانت قوة إيمان عيسى نابعة من أنه يتلقى عن الله مباشرة، أما ~~الحواريون فليسوا كذلك، على الرغم من أنهم آمنوا بالبلاغ عن الله وتم ذلك ~~بواسطة رسول، ولذلك يعلو الرسول على المؤمنين ببلاغة في سلم الإيمان درجة ~~أعلى. إنه يتلقى عن الله، ولهذا صحح عيسى عليه السلام طلبهم من الله وهو ~~يدعو ربه. إنه رسول مصطفى مجتبى لذلك يضع الأمور في نصابها اللائق ~~فيقول: " اللهم ربنا " و " اللهم " هي في الأصل " يا الله " ، وعندما كثر ~~النداء بها حذفنا منها حرف النداء وعوضناه بالميم في آخرها، فصارت: " ~~اللهم ". وكأن هذا اللفظ: " اللهم " تتهيأ به نفس الإنسان لمناجاة الله ~~في تقديس وثقة في أنه سبحانه يستجيب، وهو نداء يقوم على عشق العبد ~~لمولاه، فلا يوسط بينه وبين اسم ربه أي حرف من حروف النداء. إننا نلحظ أن ~~عيسى عليه السلام قدم كلامه لله بصفة الألوهية: " اللهم " فهو كنبي مرسل ~~يعلم تجليات صفة الله. وهي تجليات عبادة من معبود إلى عابد. أما تجليات ~~كلمة " رب " فهي تجليات تربية من رب إلى مربوب، والفارق بين عطاء ~~الألوهية للخلق، وعطاء الربوبية، هو أن عطاء الألوهية تكليف من معبود إلى ~~عابد. # والعابد يطيع المعبود فيما يأمر به وفيما ينهى عنه، أما عطاء الربوبية ~~فهو سبحانه المتولي للتربية للأجسام والعقول والمواهب والقلوب، والرب هو ~~رب للمؤمن وللكافر. ويتولى الرب تربية الكافر على الرغم من إنكار الكافر ~~للألوهية. فسبحانه يربي الماديات التي تقيم حياته. ولذلك نجد الحق سبحانه ~~وتعالى يقول عن هؤلاء ms2818 الكافرين: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون # [لقمان: 25]. والحق سبحانه يبلغ نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأل الكفار ~~عمن خلق السماوات والأرض، ولن يجدوا إجابة على ذلك إلا قولهم: إن الله هو ~~الخالق. وهي إجابة الفطرة الأولى. ونرى في حياتنا أكثر من مثل على ذلك - ~~ولله المثل الأعلى - عندما يسأل الأطفال عن شيء من الذي أحضره؟ فإننا نجد ~~الإجابات تتسلسل إلى أن تصل إلى أن معطي كل شيء هو الله، فإن سأل الطفل ~~أمه: ماذا سنأكل؟ وتجيب الأم - على سبيل المثال - سنأكل بامية مثلا. ~~ويسأل الطفل: من أين؟ تجيب الأم: اشتراها والدك من بائع الخضر. ويسأل ~~الطفل: ومن أين جاء بها بائع الخضر؟ تقول: الأم. من تاجر في السوق. يسأل ~~الطفل: ومن أين جاء بها التاجر؟ تجيب الأم: من الفلاح الذي حرث الأرض ~~وبذر فيها بذور البامية. يقول الطفل: من الذي خلق الأرض وأنبت النبات؟ ~~تقول الأم: إنه الله ربنا خالق كل شيء. لقد وصلت الأم بحوارها مع الطفل ~~إلى عطاء الربوبية الذي يستوفي فيه المؤمن والكافر، والمؤمن هو الذي يأخذ ~~بجانب عطاء الربوبية عطاء الألوهية أيضا، وهو التكليف. فعطاء الألوهية ~~يعطي المؤمن عطاء الربوبية مضافا إليه العطاء الذي لا ينفذ، إنه يعطي ~~المؤمن زمانا لا يموت فيه ونعمة لا يتركها ولا تتركه، ويأخذ المؤمن ~~بالمنهج يقين الإشراق والإقبال على العمل في ضوء منهج الله. لقد قال عيسى ~~ابن مريم داعيا الله: { اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة ~~من السمآء } وألزم عيسى نفسه بنداء الألوهية أولا معترفا ~~بالعبودية لله ملتزما بالتكليف القادم منه ثم جاء بنداء الربوبية. فيا ~~من أنزلت علينا التكليف ويا من تتولى تربيتنا نحن ندعوك أن تنزل علينا ~~مائدة من السماء. وأخذ نداءه زاوية القيم ثم زاوية المادية وهي الرزق، ~~لكن الحواريين قدموا بشريتهم فطلبوا من المائدة الأكل والطعام فقالوا: ~~نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من ~~الشاهدين، أما عيسى ابن مريم ms2819 بصفائية اختياره رسولا فقد أخر الطعام عن ~~القيم فقال: { اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من ~~السمآء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك ~~وارزقنا وأنت خير الرازقين }. صحيح أن الرزق يمس الأكل، ~~ولكن الرزق ليس كله أكلا. فالرزق هو كل شيء تحتاج إليه وتنتفع به، ~~فالأكل رزق، والشرب رزق، والملبس رزق، والعلم رزق، والحلم رزق، وكل شيء ~~تنتفع به هو رزق من عند الله، ولذلك جاء عيسى بالكلمة العامة التي يدخل ~~فيها الأكل وتتسع لغيره. ويجيب الحق على دعاء عيسى ابن مريم: { قال ~~الله... }. ### || [5.115] # وساعة يقول الحق: " إني " فهو يستخدم نون الإفراد. ونعلم أن هناك ~~أسلوبين لحديث الحق سبحانه عن نفسه. إنه ساعة يتحدث عن وحدانيته يأتي ~~بنون الإفراد فيقول سبحانه: # إنني أنا الله # [طه: 14]. وساعة يتحدث سبحانه وتعالى عن سيال القدرة الشاملة العامة لكل ~~صفات الكمال التي تتطلب إيجاد الشيء يأتي بنون التعظيم فيقول: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. وهو سبحانه أراد هنا أن يعطينا معنى التوحيد فقال: { قال ~~الله إني منزلها عليكم }. ذلك أن المائدة ستنزل من ~~السماء، ولا يقدر على ذلك إلا الله وحده سبحانه وتعالى. ويتبع الحق ذلك ~~بقوله: { فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا ~~لا أعذبه أحدا من العالمين }. فسبحانه يرسل رسله بعد ~~أن يجتبيهم، وإياك أيها العبد أن تقول: إن فلانا بذاته من الرسل أفضل من ~~فلان لأن الحق هو الأعلم برسله: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]. وعلينا أن نتبع الرسل، وعندما حاول بعض من أهل الجاهلية ~~التعجب من شأن القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم كما يخبر ~~القرآن الكريم في قوله تعالى: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمت ربك نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون # [الزخرف: 31-32]. وقال أهل الجاهلية: لماذا لم ينزل القرآن على رجل عظيم ~~من مكة أو من الطائف؟! ms2820 قالوا ذلك استهزاء بشأن محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وقال الحق سبحانه وتعالى في ذلك القول الفصل، فليس لأحد أن يختار الرسول ~~لأن الرسول مصطفى من الله، ولا يملك أحد من البشر أن يختار رسولا من ~~أصحاب السلطان أو الجاه. وسبحانه وتعالى يعد كل رسول الإعداد اللائق ~~لمهمته، ومقام الرسالة والنبوة هو الأعلى في الدنيا والآخرة. والحق ~~سبحانه - وهو المنظم لأمور خلقه - قسم المواهب - رحمة منه - فيما بين ~~العباد ليتساندوا ويتآزروا ويحتاج كل منهم إلى عمل الآخر. وحين يرسل ~~سبحانه رسولا فهو يختار الآية المناسبة له وللعصر الذي جاء فيه، وما ~~اقترح قوم آية وجاء بها الله، ثم لم يؤمن الذين اقترحوا الآية بعد مجيئها ~~إلا أنزل الحق سبحانه بهم العذاب الأليم. وحين يطلب اتباع الرسول آيات ~~معينة، إنما يحمل هذا الطلب في طياته التفلت والتحلل من الالتزام بمنهج ~~الله، كأن الذين يطلبونها يصرون على الكفر بالرسول على الرغم من طلبهم ~~الآية، ولذلك يقول الحق سبحانه: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا ~~بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا # [الإسراء: 59]. وكذلك اقترح قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم ~~بآيات غير آيات القرآن، على الرغم من أن آيات القرآن تقنع كل من له عقل ~~يفكر وقلب يحس، وسنة الله مع الذين يطلبون الآيات ثم لا يؤمنون بها واضحة ~~وهي العذاب الشديد، ومثال ذلك قوم ثمود الذين طلبوا ناقة للدلالة على صدق ~~رسالة صالح عليه السلام، وعندما حدثت المعجزة كفروا بها فعاقبهم الله شر ~~العقاب. وبعض من قوم الرسول صلى الله عليه وسلم غالوا في طلب آيات غريبة: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف ~~أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى ~~تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ms2821 ربي هل ~~كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 90-93]. وكان محمد صلى الله عليه وسلم رحيما بآله وعشيرته، ~~لذلك لم يطلب من الحق آيات غير التي أنزلها الله عليه، وعيسى عليه السلام ~~دعا بأدب الرسل أن ينزل المائدة. واختلف العلماء أأنزل الحق سبحانه ~~وتعالى المائدة أم لم ينزلها؟ إن هناك من تمسكوا بقول الحق سبحانه: { ~~قال الله إني منزلها } ، وهناك من قالوا: إن الحق سبحانه ~~وضع شروطا لنزول المائدة، وهو إنزال العذاب بهم إن لم يؤمنوا، فتراجعوا ~~عن طلب إنزالها ومن قالوا بنزول المائدة اختلفوا في مواصفاتها، فمنهم من ~~قال: إن المائدة نزلت وعليها سمكة مشوية من غير فلوس وقشور ولا شوك فيها. ~~ذلك أنها مائدة من السماء ومعها خمسة أرغفة، وعلى كل رغيف شيء مما ~~يعرفون: رغيف عليه عسل، وآخر عليه زيتون، وثالث عليه سمن، ورابع عليه ~~جبن، وخامس عليه قديد من اللحم. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: { وإذ ~~قال الله... }. ### || [5.116] # ونعرف أن هذا هو الحوار الذي سوف يدور بين الحق وبين عيسى ابن مريم عليه ~~السلام يوم يجمع الحق سبحانه وتعالى الرسل: # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم ~~قالوا لا علم لنآ إنك أنت علام الغيوب # [المائدة: 109]. وقد يقول قائل: ولماذا جاء الحق سبحانه وتعالى بهذا ~~الحوار في صيغة الفعل الماضي؟: { وإذ قال الله يعيسى ابن ~~مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ~~من دون الله } [المائدة: 116]. وكلنا يعرف أن لكل حدث زمنا ~~ومكانا. وزمان الحدث هو يوم القيامة. ومكان هذا الحدث في ساحة المشهد ~~والحشر، وسبحانه هو خالق كل زمن وكل مكان، وله أن يتحدث عن أي أمر بأي ~~صيغة شاء، سواء أكانت صيغة الماضي أم الحاضر أم المستقبل، فقد أوجد كل ~~شيء من ماض وحاضر ومستقبل، وبيده أمر كل ما خلق ومن خلق. وهو أزلي ~~قيوم، أما نحن بنو الإنسان فأمر الزمن يختلف، الزمن بالنسبة لأفعالنا هو ~~واحد من ثلاثة ماض: أي أن يكون الحدث قد وقع قبل أن أتكلم مثل قولي " ~~قابلني زيد ms2822 " ، ومعنى ذلك أن الفعل قد تم وصار محققا. وحاضر: أي أن يكون ~~الحدث في حالة وقوعه، أي يحصل الآن مثل قولي: " يقابلني زيد " وأنت تقصد ~~الحال أي أنه يقابلني الآن. إن معنى ذلك أن العين ترى زيدا وليس مع ~~العين أين. ومستقبل: أي أن يكون الحادث سوف يقع كقولي: " سيقابلني زيد ". ~~وهنا لا يملك الإنسان نفسه أن يحدث منه الحدث، ولا يملك ألا يقع على ~~الإنسان الذي سوف يقابله أمر قد يمنعه من إتمام الحدث، ولا يملك الإنسان ~~أن يظل السبب للمقابلة قائما. إذن فمع المستقبل لا يصح للإنسان أن يحكم ~~بشيء، لأنه لا يملك أي عنصر من عناصر الحدث. والذي يملك هذا هو الحق ~~سبحانه وتعالى وحده. ولذلك يعلمنا القرآن شرف الصدق في الكلمة بقوله ~~تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23-24]. وعلى الإنسان أن يحترم قدرته المحدودة، وان يتذكر ~~دائما قدرة الحق سبحانه وتعالى عليه. وهذا لا يعني أن الحق سبحانه ~~يمنعنا من التخطيط للمستقبل، لا، بل يطلب منا أن نخطط وأن ندرس كل ~~الاحتمالات، وعلينا أن نقول: " إن شاء الله " لأننا بذلك نقدم مشيئة من ~~يملك كل أمر وهو الله - سبحانه وتعالى -. وقد حاول بعض المستشرقين من ~~أعداء الإسلام أن ينفذوا بسمومهم إلى عقول المسلمين بالتساؤل عن عدم ~~ترتيب الأفعال على نسق حدوثها في بعض من آيات القرآن، فقال قائل منهم: ~~كيف يقول الحق - سبحانه -: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى ~~عما يشركون # [النحل: 1]. وهذا خبر عن يوم القيامة فكيف يأتي به الله على صيغة ~~الماضي، ثم يقول بعد ذلك: # فلا تستعجلوه # [النحل: 1]؟ واستعجال الشيء لا يكون إلا إذا لم يكن قد حدث، فكأن في ~~الكلام تناقضا، ذلك لأنه يقول: أتى، ويقول بعد ذلك: فلا تستعجلوه؟ ~~ونقول: إن الذي يتكلم هو الحق سبحانه وتعالى وليس إنسانا مثلك محكوما ~~بأزمانه. بل المتكلم هو صاحب كل الأزمان وخالقها. وعندما يقول سبحانه: # أتى أمر الله # [النحل: 1] فمعنى ذلك أن أمر الله آت ms2823 لا محالة، لأنه لا قدرة تخرج ~~مراده على ألا يكون. وأي فعل من الحق سبحانه وتعالى إنما يتجرد عن ~~ملابسات الزمان وعن ملابسات المكان، فإن كنا نقرأ على سبيل المثال قوله ~~تعالى: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 100]. فليس معنى ذلك أن مغفرة الله ورحمته قد مضى زمانها ~~وانقضى وقتها. ولكن لنقل: كان الله غفورا رحيما ولا يزال غفورا ~~رحيما، فسبحانه وتعالى غفور ورحيم قبل أن يوجد من يغفر له ويرحمه، ومن ~~باب أولى يكون غفورا رحيما بعد أن يوجد من يستحق المغفرة والرحمة. ~~وسبحانه منزه عن أن تعتريه الأحداث فيتغير لأن الزمن مخلوق من الله، فلا ~~تقل متى أو أين لأنهما به وجدا. والحق يأتي بالماضي لأنه متحقق الوقوع، ~~ليثبت حدوث أمر لم يحدث بعد، ذلك لأن الله إذا قال عن شيء إنه سيحدث فلا ~~بد أن يحدث. ويؤكد الحق سبحانه في أي كلام من عيسى ابن مريم على أنه " ~~ابن مريم " وهنا يسأل الحق عيسى - عليه السلام -: { أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله } ~~ونعرف أن السؤال إنما يأتي دائما على وجهين: إما سؤال يعرف به السائل ما ~~كان يجهله فيريد أن يعلمه من المسئول، كقول القائل: أقابلك فلان أمس؟ ~~وإما أن يأتي السؤال لا ليعلم السائل من المسئول، ولكن ليقرر السائل ~~المسئول. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - يسأل التلميذ أستاذه ليتعلم ~~منه وليخبره الأستاذ بعلم جديد وخبر جديد. وأيضا يسأل الأستاذ التلميذ ~~ليقرره بالحقيقة ويوافقه عليها لتستقر لدى التلميذ. وسؤال الله عيسى من ~~النوع الأخير ليكون ذلك حجة على من قال بألوهية عيسى أو بنوته لله. وحاول ~~بعض المستشرقين أن يشككوا في القرآن فقالوا: إن هناك تناقضا في القرآن - ~~والعياذ بالله - واستندوا على ذلك بقول الحق: # وقفوهم إنهم مسئولون # [الصافات: 24]. أي أن الحق يقرر أن كل كائن مسئول عما يفعل ويعتقد، ~~ولكنه سبحانه يقول في موضع آخر من القرآن الكريم: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]. فهل معنى ذلك أنهم لن يسألوا؟ لا، ms2824 بل سوف يسألون ~~ليقرروا ما فعلوا لا ليعلم الله منهم ما فعلوا، فهو سبحانه عليم بكل شيء. # وهؤلاء المستشرقون لا يعلمون أن السؤال يرد عند العرب على وجهين، وجه ~~ليعلم السائل، ووجه ليقرر المسئول، وسؤال الحق للناس يوم القيامة ليقرروا ~~ما فعلوا وكان منهم لأن الإقرار سيد الأدلة، وليس سؤال الحق سبحانه هو ~~سؤال من يرغب في أن يعلم فسبحانه عليم بكل شيء، وعلى الإنسان أن يحتفظ ~~بالمقام الذي وضعه فيه ربه، وكذلك كان عيسى ابن مريم. وكذلك يكون سؤال ~~الله لعيسى، إنه لتقريع وتأنيب وتوبيخ من قالوا عن عيسى ما لم يبلغهم ~~إياه. إن عيسى عليه السلام لم يبلغهم ولم يطلب منهم أن يتخذوه هو وأمه ~~إلهين من دون الله لأن عيسى ابن مريم، إنما يبلغ ما أوحي إليه من ربه ~~فقط، ولهذا تأتي إجابة عيسى ردا على أي تزيد من الأتباع: { قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } ~~وساعة نسمع { سبحانك } فلنعرف أنها إجمال التنزيه لله، وهو تنزيه أن ~~يشابهه خلق من خلق الله، فلله وجود، وللإنسان وجود، ولكن إياك أيها ~~الإنسان أن تقول: إن وجودي كوجود الله لأن وجود الله ذاتي، ووجودك غير ~~ذاتي وكل ما فيك موهوب لك من الله لذلك فلا غناك مثل غنى الله، بل غناه ~~ذاتي وغناك موهوب منه سبحانه، ولا أي صفة من صفاتك كصفات الله، فله ~~سبحانه مطلق القدرة والقوة، وعليك أن تأخذ كل شيء يتعلق بالله في نطاق " ~~سبحانه " " وليس كمثله شيء ". وكذلك يكون تنزيه عيسى لربه وخالقه: { ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق } ~~فعيسى ابن مريم يعلم أن الرسول المصطفى من الله ليس له أن يقول إنه إله. ~~ويرد عيسى على ذلك بقضية متفق عليها: { إن كنت قلته فقد ~~علمته } لأن الكل متفق على أن الله يعلم كل ما يبدر من العباد من ~~سلوك وأقوال وأفعال # يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور # [غافر: 19]. والكل يعلم ارتفاع الحق وتنزهه عن أن يوجد ms2825 له معلوم جديد لم ~~يعلمه من قبل. والكل يعلم - كذلك - أن الله يعلم خفايا الصدور لذلك يقول ~~عيسى: { تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك } ~~ويقرر أن الحق العليم بكل شيء يعلم أن ذلك لم يخطر له على بال، وهذه هي ~~العلة في إيراد ثلاث صور في هذه الآية. الصورة الأولى هي قوله سبحانه ~~وتعالى: { سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي ~~بحق } وهذا تنزيه من عيسى لربه، والصورة الثانية هي قول عيسى: { إن ~~كنت قلته فقد علمته } ، والصورة الثالثة هي: { تعلم ~~ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك }. إذن فلا شيء من عند ~~عيسى، وقد يسأل سائل: وماذا يكون في النفس؟ الذي يكون في النفس هو ما ~~أسر به ولم يظهر لأن النفس تطلق مرة ويراد بها الذات التي تضم الروح ~~والجسد معا، وعندما تطلق على ذات الله فنحن ننزهها عن أن تكون أبعاضا، ~~ولكنها ذاته المأخوذة في نطاق التنزيه. # والمثال هو قول الحق: # كتب ربكم على نفسه الرحمة # [الأنعام: 54]. وهكذا يكون فهمنا لمجيء كلمة " نفس " منسوبة لله، إنه ~~المنزه أن يكون مثلنا، فلله وجه ولنا وجه، ولكن وجه الله نفهمه في نطاق # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] وكذلك يد الله وكذلك كل صفات الله. ونعلم أن لله أسماء ~~أعلمنا ببعضها، وعلم بعضا من خلقه بعضها، واستأثر ببعضها لذاته. ~~وهناك بعض من الصفات لله تأتي لمجرد المشاكلة، كقول الحق: # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142]. ولا نقول أبدا: إن الله مخادع، ولكن الصفة هنا جاءت ~~للمشاكلة لذكرها في مقابلة يخادعون الله. ولذلك لا نأخذ منها اسما لله، ~~بل إنه جاء للرد على ما يبدو من أعداء الله. ويختم عيسى ابن مريم قوله: { ~~إنك أنت علام الغيوب } و " علام " هي مبالغة في ذات ~~الحدث، ومبالغة في تكرير الحدث، فهو سبحانه يعلم غيب كل واحد من خلقه ~~وغيب كل ما في كونه، وهكذا جاء القرآن برد عيسى عليه السلام وهو رد ~~يستوعب كل مجالات الإنكار على ms2826 الذين قالوا مثل هذا القول: ويتابع القرآن ~~على لسان سيدنا عيسى عليه السلام ما يناقض ما قاله بعض من أتباعه فيقول: ~~{ ما قلت لهم... }. ### || [5.117] # لقد عرض سيدنا عيسى عليه السلام - من خلال قوله لربه تبارك وتعالى - ~~المنهج الذي جاء به على الناس جميعا وبلغه تمام البلاغ، فقد أبلغ أنه ~~عبد لله وأنه رسوله، ومادام الحق علام الغيوب فهو أعلم بكل شيء حتى بما ~~في النفس، كأنه يثبت أيضا أن نفسه لم تحدثه بأي خاطر من تلك الخواطر. ~~ويعلن أنه لم يبلغ إلا ما أمر به الله. { ما قلت لهم إلا مآ ~~أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت ~~عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت ~~أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد } ~~[المائدة: 117]. والشهيد هو الرائي الذي لا عمل له في تحريك المشهود إلى ~~غير ما شهده. ويقول عيسى ابن مريم عليه السلام: { فلما ~~توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم } وأمر توفيه الحق ~~لرسالة عيسى ورفعه إليه، قد ذكرناه من قبل في خواطرنا ولكن أضيف الآن ~~بعضا من اللمحات لأني أرى أن من حق كل قارئ أو متلق لهذه الخواطر أن ~~يجد الخلاصة الملائمة التي تغنيه عن الرجوع إلى ما سبق من قول في هذا ~~الأمر، وذلك حتى تتصل المعاني في ذهن القارئ. لقد كان لميلاد عيسى عليه ~~السلام ضجة، وكذلك كان لمسألة توفي الله له ضجة. ولقد شبه الله لقتلة ~~عيسى أنهم قتلوه، فعندما أرادوا أن يقتلوه دخل خوخة، والخوخة هي باب في ~~باب، وهذا نظام البيوت القديمة حيث يوجد باب كبير لإدخال الأشياء الكبيرة ~~وفي هذا الباب الكبير يوجد باب صغير يسمح بمرور الأفراد. وفي سقف هذا ~~البيت فتحة. وعندما دخل رجل يدعى " تطيانوس " طالبا لعيسى عليه السلام ~~نظر عيسى لأعلى ووجد شيئا قد رفعه، واستبطأ القوم تطيانوس وخرج عليهم من ~~بعد ذلك، فتساءلوا: إن كان هذا تطيانوس فأين عيسى؟ وإن كان هذا عيسى فأين ~~تطيانوس؟ إذن فقد اختلط عليهم الشبه بعد أن ألقى الله ms2827 شبه عيسى على ~~تطيانوس. أو أن عيسى حينما دخلوا عليه كان معه الحواريون وقال عيسى ~~للحواريين: أيكم يلقى شبهي عليه وله الجنة؟. وكان كل حواري يعلم أنه لا ~~رسالة له مثل عيسى عليه السلام. فماذا إذن يريد الحواري لنفسه أكثر من ~~الجنة؟. وتقدم " سرخس " فألقي عليه شبه المسيح عليه السلام وقتل اليهود ~~سرخس. أو أن الذين ذهبوا لقتل عيسى وعرفوا أنه رفع فخافوا أن تنتشر حكاية ~~رفع عيسى بين الناس فيؤمنوا به، ولهذا جاء القتلة بشخص وقتلوه، أو أن ~~القتيل هو واحد ممن باعوا عيسى لليهود وتيقظت في نفسه ملكة التوبة فقدم ~~نفسه بدلا وفداء للرسول. ومسألة التوفي - كما نعلم - هي الأخذ كاملا ~~دون نقض للبنية بالقتل، ونحن - المسلمين - نعرف أن الحق رفع محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بالإسراء والمعراج إلى السماوات وعاد إلينا مرة أخرة ~~ليكمل رسالته لذلك نصدق أمر رفع عيسى وأن الله توفاه، أي استرده كاملا ~~دون نقض للبنية، وأنه سيعود مرة أخرى ليصلي خلف مؤمن بالله وبمحمد رسول ~~الله. # وإن أمر الرفع في الإسلام مقبول. فقد رفع الله رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بالمعراج، ودار بينه وبين إبراهيم عليه السلام حوار، وكذلك دار حوار بينه ~~وبين يحيى عليه السلام، وآدم عليه السلام وغيرهم من الأنبياء، وفرض الحق ~~الصلاة على أمة المسلمين في تلك الرحلة. نحن - إذن - نصدق تماما مسألة ~~صعود الإنسان بشحمه ولحمه إلى السماء كأمر وارد وحاصل، أما طول المدة أو ~~عدمها فذلك لا ينقض المبدأ. أما مسألة ارتباط نزول عيسى ابن مريم إلى ~~الأرض بقيام الساعة، فالنصوص في هذه المسألة من القرآن الكريم محتملة ~~وغير قطعية الدلالة، وقد وردت في السنة النبوية المطهرة، ولكنها غير ~~معلومة من الدين بالضرورة فلا نكفر من يتأبى عليه فهمها، وقد أراد الحق ~~سبحانه الرحمة بالخلق لذلك فكل شيء يقف فيه العقل ولا يزيد به حكم من ~~الأحكام يأتي به الله في أسلوب لا يسبب الفتنة. فإن صدقنا أن عيسى رفع ~~فلن يزيد ذلك علينا حكما ولن ينقض حكما، ms2828 ولذلك جاء الحق سبحانه بمسألة ~~الإسراء بنص قطعي، أما مسألة المعراج فلم تأت نصا في القرآن بل جاءت ~~التزاما لأن الحق سبحانه قال: # ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * ~~عندها جنة المأوى # [النجم: 13-15]. وهكذا فالإسراء آية أرضية، والمعراج آية سماوية. والآية ~~الأرضية يمكن أن يقيم رسول الله الدليل عليها، وقد ذهب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ووصفه لهم بقوله سبحانه: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله # [الإسراء: 1]. لقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أوصاف القوافل التي ~~رآها في طريق العودة، إذن كان الإسراء آية أرضية، أما الآية السماوية وهي ~~المعراج فجاءت التزاما وكذلك أمر رفع عيسى عليه السلام، فمن يرى أن ذلك ~~جاء من طلاقة قدرة الله فهو يصدق ذلك. ومن يقف عقله نقول له: إن وقوف ~~عقلك لا يخرجك عن الإيمان واليقين. وعندما نتأمل بالدقة اللغوية كلمة " ~~توفيتني " نجد " توفاه " قد تعني أماته، فالحق سبحانه يقول: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة: 11]. والحق سبحانه وتعالى يقول أيضا: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى # [الزمر: 42]. إنه سبحانه يسمي النوم وفاة، وسماه - أيضا - موتا. # وهو أمر فيه إرسال وفيه قبض. ومعنى الموت في بعض مظاهره غياب حس الحياة، ~~والذي ينام إنما يغيب عن حس الحياة، إذن فمن الممكن أن تكون الوفاة بمعنى ~~النوم. ويقال أيضا عن الدين توفيت ديني عند فلان أي أخذت ديني ~~كاملا غير منقوص. وكذلك أمر قتل المسيح قال فيه الحق جل وعلا القول ~~الفصل: # وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم # [النساء: 157]. ونعرف أن الموت يقابله القتل أيضا، فالحق يقول: # أفإن مات أو قتل # [آل عمران: 144]. فالموت خروج الروح مع بقاء الأبعاض سليمة، أما القتل ~~فهو إحداث إتلاف في البنية فتذهب الروح.وقد قال الحق على لسان المسيح: { ~~فلما توفيتني } أي أخذتني كاملا غير منقوص. وهذه مسألة ms2829 لا ~~تنقض الرفع. ونعلم أن كل ذلك سيكون مجالا للحوار بين عيسى ابن مريم ~~والحق سبحانه يوم المشهد الأعظم جاء به القرآن لنا ليخبرنا بالذي ~~يثبت صدق الإيمان. إن عيسى عليه السلام يقول عن نفسه: إنه مجرد شهيد ~~على قومه في زمن وجوده بينهم، ولكن بعد أن رفعه الله إليه فالرقابة على ~~القوم تكون لله، فالحق سبحانه شهيد دائما ورقيب دائما، ولكن عيسى ~~ببشريته يقدر أن يشهد فقط، والله القادر وحده على أن يشهد ويغير ويمنع. ~~ويخبرنا الحق من بعد ذلك بما جاء على لسان عيسى ابن مريم في قوله الكريم: ~~{ إن تعذبهم فإنهم... }. ### || [5.118] # ولقائل أن يقول: أليس في ذلك الأمر إشكال واضح؟. لقد ادعى بعض أتباع ~~عيسى أنهم أبلغوا من عيسى أن يتخذوه هو وأمه إلهين من دون الله. فكيف ~~يطلب لهم عيسى المغفرة في هذه الآية. ونقول: إن عيسى لم يقل: " يا رب ~~اغفر لهم " ولكنه قال: { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن ~~تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } أي أن عيسى قد ~~ترك الأمر لطلاقة المشيئة الإلهية، وهو كرسول من عند الله يعلم أن رحمة ~~الله سبقت غضبه، وأن له سبحانه طلاقة القدرة، فلا قدرة تقيده فطلاقة ~~المشيئة موجودة. وهم عباد لله باختيارهم. إننا نعرف أن كل خلق الله هم ~~عبيد الله. ولكن المطيعين لله والمؤمنين به خاصة هم عباد الله. إذن ~~فالخلق نوعان: عباد الله ذهبوا لله إيمانا ومحبة وطاعة، والنوع الثاني ~~هم العبيد الذين يقهرون لقاهرية سيدهم، وحتى الكافر لم يكفر رغما عن ~~الله. بل كفر بما آتاه الله من قدرة اختيار في أن يفعل أو لا يفعل، وكان ~~الحق قادرا على أن يخلق خلقا لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما ~~يأمرهم به الله. وقد فعل الحق ذلك مع الملائكة. لكن قدرة القهر تثبت لله ~~صفة القهار على المقهور ولا تثبت صفة المحبة، فالمحبة تأتي من أن يكون ~~المخلوق مختارا أن يؤمن أو أن يكفر، ثم يختار الإيمان. إنه بذلك آمن ~~بالمحبة لا بالقهر. ms2830 وهكذا يريد الله خلقه المؤمنين به. إن كل الوجود - ما ~~عدا الإنسان - مقهور، ولا يقدر على المعصية: الشمس، والقمر، والمطر، ~~والهواء، والسحاب وكل ما في الكون مقهور لله. إذن لو أراد الله خلقا ~~مقهورين على الإيمان به ما استطاع أحد من خلقه أن يكفر به، ولكن الحق ~~أراد أن يثبت صفة القهر فيما دون الإنسان، أما في الإنسان فقد خلقه الله ~~مختارا بين الكفر والإيمان حتى يأتي بعض من العباد ليصنعوا ما يحبه الله ~~ويرضاه ويتبعوا منهج الله، وهم يعلمون أن الله لم يكلفهم ما لا طاقة لهم ~~به. فلا يكلف - سبحانه - أحدا بأن يموت أو يمرض، ولا يكلف فاقد آلة ~~الاختيار وهي العقل، ولا يكلف من لم يبلغ رشد العقل لأن التكليف للإنسان ~~لا يتم إلا بوجود ثلاثة شروط: الأول: أن يوجد العقل، والثاني: أن يكون ~~العقل في تمام النضج وهو الرشد، والثالث: ألا تكون هناك قوة تهدد حياته ~~وتقهره على فعل ما. وهكذا نعلم أن هناك ثلاثة يخرجون من دائرة التكليف. ~~وهم: المجنون وغير ناضج العقل لأنه لم يبلغ الرشد، والمقهور بفعل فاعل. ~~وقد أعطى الحق مع التكليف الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وبذلك ~~ليس لأحد عند الله حجة، ومن دخل التكليف طائعا فهو من عباد الله. # ومن عصى الله وخرج عن التكليف فهو من العبيد المقهورين في كل شيء فيما ~~عدا التكاليف التي خيروا فيها. إذن فالعباد هم الذين دخلوا العبادية بأن ~~وازنوا بين الإيمان ونقيضه الكفر.. أي بين المراد لله وغير المراد لله. ~~فكيف إذن يقول عيسى ابن مريم على الرغم من علمه بكفرهم: { إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك }؟. ونقول: إن معنى " العباد " و " ~~العبيد " الذي شرحناه سابقا هو وضع الإنسان في الدنيا وما يكون عليه ~~فيها، ولكن الحوار الذي نقرؤه في القرآن بين عيسى عليه السلام والحق ~~سبحانه وتعالى يكون في الآخرة، وكلنا في الآخرة عباد طائعون. وعندما ~~نستقرئ كلمة " عباد " في القرآن نجد أن العباد هم الصفوة المختارة التي ~~اختارت مراد الله فوق اختيارهم ms2831 فاستوت مع المقهور تماما. ومثال ذلك قول ~~الحق سبحانه: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا # [الفرقان: 63]. أنه يأتي هنا بالخصال الجميلة لهذه الصفوة من العباد. ~~والشيطان نفسه يعلن عدم استطاعته إغواء العباد المخلصين كما يقرر القرآن ~~الكريم: # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83]. أما في الآخرة فكلنا عباد، وها هوذا الحق سبحانه يخاطب الذين ~~أضلوا غيرهم بقوله تعالى: # أأنتم أضللتم عبادي # [الفرقان: 17]. إن الكل عباد لله يوم القيامة، والكل ينفذ مراد الله، ~~ولا ولاية لأحد على أي شيء من أبعاضه وجوارحه، فالعين التي كانت مسخرة ~~للعبد في الدنيا تأتمر بأمر العبد فيختار أن يرى الحلال أو يرى الحرام، ~~هذه العين تسترد حريتها من صاحبها فلا ولاية له عليها في اليوم الآخر، ~~وكذلك اليد واللسان والجلد والقدم، وكل الأبعاض. وتكون النفس الإنسانية ~~في الدنيا كقائد لكل الأبعاض والجوارح تنفذ أوامر الإنسان سواء للخير أو ~~للشر، وسواء للطاعة أو للمعصية. لكن هذه الأبعاض والجوارح تنطلق يوم ~~القيامة لتشهد على كل ما فعل الإنسان، فليس لأحد مراد غير مراد الله: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. لقد انتهت مرادات البشر وبقي مراد الله فصار الكل عبادا ~~لله. وعلى هذا فليس هناك إشكال في قول عيسى: { إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك }. ونعلم أيضا أن كلمة " عبيد " تشملنا كلنا فيما ~~نحن غير مخيرين فيه مثل إرادة التنفس أو ميعاد الميلاد أو ميعاد الموت، ~~ولكن المؤمنين يرتقون من " العبيدية " إلى " العبادية " بتنفيذ منهج ~~الله، أما الكافرون والعصاة فهم يعصون الله بما لهم من اختيار ويسيرون في ~~درب العصيان معاندة لمنهج الله. وحتى يثبت الحق لنا جميعا أن الكافرين ~~مجرد عبيد فهو يصيبهم بالمرض والفاقة والآلام النفسية العميقة ولا يجرؤ ~~واحد منهم أن يصادم مراد الله في هذه الأحداث التي يجريها عليهم. # ولذلك فالمؤمن يشكر الحق باختياره لأن الله حماه بأدوات الاختيار وجودا ~~ونضجا وعدم إكراه. ولنا أن نلحظ أننا كلنا في يوم القيامة - كما قلنا من ~~قبل - نصير عبادا لله فلا مراد لأحد فينا على أي ms2832 شيء، وكل المراد يكون ~~لله، وقد أورد الحق سبحانه ما جاء على لسان عيسى عليه السلام فقال: { إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك ~~أنت العزيز الحكيم } وهذا التذييل لكلمات عيسى ابن مريم لم يأت ~~باعتذار أو طلب الحنان من الله على الذين كفروا بالله وأشركوا به، ~~فالعزيز الحكيم هو الذي لا يغلب على أمره ولا تسيطر عليه قوة ولا تحمي ~~هؤلاء الناس قوة من دون الله، فهو القادر العزيز، إن شاء غفر لهم فلا راد ~~لمشيئته. وبعض السطحيين الذين يتلمسون الأخطاء في القرآن قالوا: ألم يكن ~~الأجدر أن يقول عيسى: إن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم؟. ونرد على ~~هؤلاء السطحيين فنقول: إن كل كلمة في القرآن جاذبة لمعناها، وكل معنى في ~~القرآن عاشق لكلمته. ولذلك جاء التذييل في هذه الآية بما يخدم طلاقة ~~المشيئة في تعذيبهم أو في الغفران لهم، فإن عذبهم فليس هناك قوة ثانية ~~تستطيع أن تحميهم من عذابه لأنه - سبحانه - عزيز، وإن غفر لهم فلا توجد ~~قوة أعلى تسأله: كيف غفرت لهم وقد كانوا كافرين؟ إذن فسبحانه لا يسأل عما ~~يفعل لأنه عزيز حكيم. وأيضا فقولهم: كان الأنسب أن يقول: فإنك أنت ~~الغفور الرحيم. نقول لهم: هي تناسب قوله { وإن تغفر لهم } ~~ولكنها لا تناسب { إن تعذبهم } فكان لا بد أن يأتي تذييل الآية ~~بما يناسب { إن تعذبهم } وبما يناسب قوله تعالى: { وإن ~~تغفر لهم }. والحق بعد ذلك يقول: { قال الله هذا ~~يوم... }. ### || [5.119] # نعرف أن هناك صدقا ينفع يوم القيامة وهو الصدق الموصول بصدق الدنيا. ~~وهناك صدق لا ينفع يوم القيامة ومثال ذلك قول إبليس اللعين كما يحكي ~~القرآن الكريم: # إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم # [إبراهيم: 22]. مثل هذا الصدق لا ينفع أحدا لأن الآخرة ليست دار ~~التكليف. لكن الصدق الموصول بصدق الدنيا هو قول عيسى عليه السلام: # إن كنت قلته فقد علمته # [المائدة: 116]. ولذلك يقول الله في الصدق الموصول: { هذا يوم ~~ينفع الصادقين صدقهم }. ذلك أن صدق الصادقين يوم القيامة هو ms2833 ~~صدق موصول بصدقهم في زمن التكليف وهو الدنيا ويتلقون رضاء الله: { لهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه } وإن تساءل إنسان: كيف يرضى ~~العبد عن ربه؟. نقول: إن العباد المؤمنين عندما يعاينون الجزاء المعد لهم ~~في الآخرة يمتلئون بالحبور ويقولون: # الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض ~~نتبوأ من الجنة حيث نشآء # [الزمر: 74]. هذه الآية التي تتحدث عن يوم ينفع الصادقين صدقهم بقوله: { ~~ذلك الفوز العظيم } كأن هناك فوزا سطحيا، وفوزا عظيما، ~~والفوز السطحي: هو ما يعطيه الإنسان لنفسه في دار التكليف من متعة قصيرة ~~العمر والأجل فيبدو ظاهريا وكأنه قد فاز، وفي الحقيقة ليس هو الفوز ~~العظيم لأن الندم سيعقبه، وأي لذة يعقبها الندم ليست فوزا لأن الدنيا ~~بكل ما فيها من نعيم هو نعيم على قدر إمكانات الإنسان وتصوره، وهو نعيم ~~مهدد بشيئين أن يزول النعيم عن الإنسان، وكثيرا ما رأينا منعمين زال ~~عنهم النعيم، أو أن يترك الإنسان هذا النعيم بالموت، ونرى ذلك كثيرا. ~~أما النعيم الذي هو الفوز العظيم فهو النعيم الموصول الذي لا يمنعه أحد، ~~ولا يقطعه شيء. ويختم الحق سبحانه سورة المائدة بقوله: { لله ملك ~~السماوات... }. ### || [5.120] # والسماء والأرض هما ظرفان للوجود وللكائنات كلها من أبراج وكواكب وشمس ~~وقمر ونجوم وهواء وغمام وماء وحيوان وإنسان. فالأرض وهي الملك الأسفل ~~الذي نراه وما فيه من أقوات وحيوان وإنسان. والسماء وما تحوي وتضم من ~~الملكوت الأعلى، هما جميعا لله ملكا وملكا فهو - سبحانه - الذي ~~يملك كل شيء ويملك كذلك المالك للشيء. وقول الحق: { لله ملك ~~السماوات والأرض } ينطبق مع قول المسيح عيسى ابن مريم: # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118]. أي أنه ليس لشيء من خلق الله أن يخرج عن مرادات الله، ~~أما في الدنيا فقد جعل الله أسبابها في أيدي الناس، رزق إنسان في يد ~~إنسان آخر، وملك بعضنا أمر بعض، فهناك مالك الطعام ومالك الثوب، ولكن ~~ليس كل مالك ملكا لأن ms2834 الملك هو الذي يملك المالك، وهذه سنن الكون. ~~وفي الآخرة هناك مالك واحد هو مالك يوم الدين. فكأن الحق أنهى هذه السورة ~~بالحديث عن نهاية الحياة لأنه سبحانه قد بدأها بالحديث عن أحكام الله ~~فقال: # أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام # [المائدة: 1]. لقد تكلم سبحانه في الأحكام عن الصيد في البر والصيد في ~~البحر وعن الحلال والحرام من الأنعام وعن النكاح، وعن كل ما يتعلق ~~بمسئوليات الحياة، وملك بعضنا أمر بعض، لكن في اليوم الآخر فالمسألة ~~مختلفة. فبدأ السورة بأمر هو: # أوفوا بالعقود # [المائدة: 1]. إن كل أمر ورد من الأمر الأعلى، فالمأمور يفعل أو لا ~~يفعل. فهناك من الناس من يؤمن ومن يعصي، ومعنى ذلك أن المأمورين لهم حرية ~~الاختيار، فلو كان الأمر لا بد أن يفعل دون اختيار لكان الآمر قد خلق ~~الخلق وهم مفطورون على أن يفعلوا فيكون بذلك قد قهرهم، لكن الآمر الأعلى ~~ترك هذه الأوامر لاختيار البشر، وهم صالحون للطاعة والوفاء بالعقود، وهم ~~صالحون للمعصية. لقد بدأ سبحانه السورة بمنطقة الاختيار في الإنسان التي ~~خلقها الله لينشأ عنها التكليف. وأوضح بعد ذلك أن للاختيار أمدا محددا ~~سينتهي، ويجمع الله الناس يوم ينفع الصادقين صدقهم ويكون الأمر كله لله. ~~ويختم الحق السورة بقوله سبحانه: { لله ملك السماوات ~~والأرض } أي أنه سبحانه يملك الكون كله، والكون - كما نعلم - مكون من ~~أجناس متعددة. وأول جنس في الكون هو الخادم الذي لا يخدم هو الجماد، ~~والجماد قد يكون ماء أو جبالا أو حديدا، أو شمسا، أو قمرا، أو ~~نجوما، كل هذه جمادات، أي ليس لها حس. وهذه الجمادات تخدم أول ما تخدم ~~النبات. والنبات يخدم الحيوان، والحيوان يخدم الإنسان. هكذا يكون الجماد ~~خادما لكل ما يعلوه من نبات وحيوان وإنسان. النبات يخدم الحيوان ~~والإنسان. # والحيوان يخدم الإنسان. وكل هذه الأشياء التي تخدم الإنسان لا اختيار ~~لها وكلها مقهورة لخدمة الإنسان فالشمس لم تغضب يوما على البشر فلم ~~تمدهم بحرارتها ولا المطية تأبت على صاحبها. والإنسان فيه قسمان: قسم ~~مقهور للحق ms2835 فلا يستطيع الإنسان أن يتحكم فيه أو يسيطر عليه مثل المرض أو ~~الموت وهو في ذلك يشترك مع الحيوان والنبات والجماد، وقسم يكون الإنسان ~~فيه مختارا وهو تطبيق المنهج. إننا إذا نظرنا إلى الجانب الذي قهر فيه ~~الحق الإنسان نجده لمصلحة الإنسان. فالإنسان لا يختار أن يتنفس ولا أن ~~يسري الدم في عروقه ولا أن تعمل كليتاه. إنه مقهور في كل ذلك. ومن رحمة ~~الله بالخلق أن جعلهم مسيرين ومقهورين في هذه النواحي، فلم يجعل تنفس ~~أحد بيد صاحبه ولا جعل القلب يعمل بإرادة الإنسان. والإنسان - إذن - ~~يخير في مسائل التكليف فقط. وكأن الحق يذكر الإنسان أن منطقة الاختيار ~~هي عقد بين المؤمن وربه لأن الاختيار سيسلب من العباد يوم القيامة، ويكون ~~كل العباد مقهورين ويصير الكائن البشري مثل الجماد والنبات والحيوان. ~~ولذلك يقول الحق سبحانه: { لله ملك السماوات والأرض وما ~~فيهن وهو على كل شيء قدير } [المائدة: 120]. إن ~~الإنسان يوم القيامة سيصير بلا اختيار لأن الحق استعمل " ما " هنا وهي ~~تدل على الأشياء غير العاقلة أي التي لا اختيار لها. كأن العقل له عمل في ~~الدنيا وهو التمييز بين البدائل، أما في الآخرة فالكل متساو أمام خالقه. ~~وعلمنا من قبل الفارق بين " ملك " و " ملكوت " وكلنا يقرأ قول الحق: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض # [الأنعام: 75]. كأن الحق ينبهنا إلى أن العالم فيه ما يقع تحت الإحساس ~~والإدراك، وفيه ما لا يقع تحت الإحساس والإدراك. فالذي يقع تحت الحس ~~والإدراك هو عالم الملك. والذي لا يقع تحت الحس والإدراك هو عالم ~~الملكوت. ولا نعرف عن عالم الملكوت إلا ما أخبرنا به الله. وهناك في عالم ~~الملك ما يخفيه الله عنا، وسبحانه وحده هو القادر على كل شيء، والحق يطلب ~~منا أن نعتبر بما في العالم المشهود من ظواهر. وله سبحانه مطلق العلم ~~بعالم " الملكوت " أي ببواطن هذه الظواهر غير المشهودة. و " الملك " و " ~~الملكوت " موجودان في الدنيا والآخرة، إلا أن الملك ظاهر والملكوت خفي. ~~ويوزع الحق سبحانه وتعالى أسباب ms2836 الملك في الدنيا بين أيدي خلقه، ويملك ~~التصرف فيما بين أيدينا وفيما خفي عنا، ويشاء الحق أن ينهي هذه المسألة ~~من مبررات الخلافة للإنسان على الإنسان في الأرض فيقول: { لله ملك ~~السماوات والأرض وما فيهن } فلله الملكوت، ولكم بعض الملك ~~أيها العباد في ظواهر نسبة الأشياء إلى أسبابها وذلك في الدنيا، أما يوم ~~القيامة فكل شيء ينتهي إلى الله. # ولكن لماذا قال الحق: { وما فيهن } على الرغم من أن الحق استخلف ~~الإنسان في الأرض، والإنسان عاقل وكان من حقه أن يغلب فيأتي القول: ومن ~~فيهن لأن من للعاقل، لقد أراد الحق بذلك أن ينبئنا أن الكل أصبح لا ~~اختيار له، وأصبح مقهورا على المراد منه فقد تساوى الجميع عاقلهم وغير ~~عاقلهم فيقول لنا: { وما فيهن وهو على كل شيء قدير ~~}. وبهذه الآية ختمت سورة المائدة. وهي سورة مدنية، وهي من آخر ما نزل من ~~القرآن الكريم، وفيها التشريع. وفيها التكاليف. وفيها الأحكام. وفيها ما ~~يتعلق بكل السور المدنية من بيان اعوجاج أهل الكتاب. ومن بعد ذلك جاءت ~~سورة الأنعام، وهي مكية. وجاءت المكية بعد المدنية في الترتيب المصحفي ~~حسب ما انتهى إليه آخر عرض للقرآن في آخر رمضان من حياة سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مع جبريل عليه السلام. ومن المعلوم أن القرآن له " ~~ترتيب نزولي " و " ترتيب مصحفي ". والترتيب النزولي حسب ما نزلت سورة ~~القرآن في مكة أو المدنية. ورب قائل يقول: إن الحق أنزل هذا القول الكريم ~~فوق عرفات وهو قوله سبحانه: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي # [المائدة: 3]. فكيف يقال ذلك؟. نقول: لنفهم معا معنى الاصطلاح القائل: ~~" مدني " و " مكي " ، هناك آيات من القرآن نزلت بالمدينة، وآيات أخرى ~~نزلت بمكة، وآيات ثالثة فيما بينهما، وآيات رابعة نزلت بين السماء ~~والأرض. وجاء الاصطلاح " مكي " على الآيات التي نزلت قبل الهجرة، وجاء ~~الاصطلاح " المدني " على الآيات التي نزلت من بعد الهجرة، وإن نزلت بمكة. ~~وأراد الحق أن يكون للقرآن ترتيب نزولي وترتيب مصحفي، وقد شاء سبحانه ms2837 أن ~~يعدل بالقرآن ميزان الكون الإنساني المضطرب، واضطراب الكون الإنساني إنما ~~يكون بواسطة أناس لا يؤمنون بإله، أو بأناس يؤمنون بإله ويشركون معه غيره ~~فيعبدون أوثانا، ويقولون: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] أو بأناس يعبدون النار، أو بأناس تابعين لمنهج سماوي ولكن ~~حرفوا فيه قليلا أو كثيرا. إننا نجد أن الأقرب إلى الإيمان بالله هم ~~الأجناس الذين آمنوا بالرسالات السابقة على رسول الله، فقد جاءتهم الرسل ~~ومعهم المعجزات، ومعهم كتب المناهج، والمنطق يقتضي أن يكون هؤلاء هم ~~الأقرب للإيمان من غيرهم، ولذلك كان من المطلوب أن نواجه أولا الوثنيين ~~ونصفي المعركة مع أهل الكتاب من بعد ذلك لأن أهل الكتاب لهم إلف بنزول ~~منهج السماء إلى الأرض بواسطة الرسل. إذن ففي نزول القرآن كانت الأمور ~~المكية التي تتعلق بالعقيدة الأساسية هي الظاهرة. وهي الاعتراف بألوهية ~~واحدة تحكم الكون. أما في المدينة فد ناقش الرسول صلى الله عليه وسلم أهل ~~الكتاب في كل أمور الدين بعد أن استتب أمر التوحيد. # لقد كان هذا الترتيب منطقيا مع هذه الحقيقة. فقد كان في العالم موجتان ~~اثنتان: موجة إلحاد، وموجة تغيير في منهج الله السماوي. ولذلك كانت قلوب ~~المسلمين مع قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب لأنهم على ~~الأقل يؤمنون بإله، وأن الإله يرسل الرسل ومعهم المنهج الإلهي والمعجزات ~~الدالة على صدق رسالتهم، وحتى الذين انحرفوا من أهل الكتاب كانوا يتمسحون ~~في هذا الكتاب المنزل إليهم بالرغم من أنهم حرفوه. لقد وجدنا الرسول صلى ~~الله عليه وسلم يقف بجانب الروم عندما واجهوا فارس. وعندما هزمت الروم ~~حزن المسلمون وفرح الكفار لأن الروم كانوا أهل كتاب إنهم كانوا نصارى، ~~وكانت هزيمتهم تعني انهزام منطق السماء أمام منطق الإلحاد، لذلك حزن ~~المسلمون، وفرح الكفار. وأراد الله أن يصور لنا الموقف، وأن يوجه قلوبنا ~~إلى الذين يؤمنون أيضا بأن هناك إلها حتى ولو كانوا قد أخطأوا في تصور ~~هذا الإله وفي البلاغ عنه، أو أخطأوا في تأويل ما جاءت به ms2838 الرسل فقال ~~سبحانه: # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من ~~قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر ~~الله # [الروم: 1-5]. إن المسلمين يفرحون بنصر الروم على فارس لأن الروم لهم ~~علاقة بالسماء، والرسل، والمناهج، والوحي. وجعل الله الأمر واضحا هكذا ~~لكي يبين موقفنا وليجعلها إعجازا لكتابه ولرسوله لأن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم كان موجودا بمقر الدعوة وهو الجزيرة العربية، وليس عنده ~~سفارات ولا مخابرات ولا مكتب حربي حتى يأتيه بالأخبار وينبئه عن ~~استعدادات الروم التي تجري لرد الهزيمة. هذا الرسول يتنبأ بخبر معركة ~~قادمة بين الفرس والروم، وينتصر فيها الروم، معركة تحدث بعد سبع أو تسع ~~سنوات. وعندما راهن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه المشركين على ذلك، وجعل ~~بينه وبينهم خمس سنين أجلا لغلبة الروم وظهورهم على الفرس، ذكر ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: # " البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل " # فكانت مائة بعير إلى تسع سنين. إن الرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم كلام ~~الواثقين، لأنه ينقل الخبر عن الله، وجعله الله قرآنا يتلى ويصلى به، ~~ومحفوظا أبد الدهر، ولا يمكن أن يكذب هذا القائل إنه - سبحانه - هو الذي ~~يملك ميزان الكون كله، وأي إنسان من رجالات الحرب المعاصرين لا يمكنه أن ~~يتنبأ بمصير معركة قادمة، على الرغم مما قد يجمع لها ويحشد من معلومات ~~عن القوة والعدة والعتاد. ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغ عن الله ~~وهو واثق تمام الوثوق مما يبلغ. # وقد واجه الرسول صلى الله عليه وسلم الخصم الإلحادي، وكان قلبه مع أهل ~~الكتاب، ونرى أيضا أن أهل الكتاب كانوا يستبشرون بمجيء الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ألم يقل بعض أهل الكتاب وهم اليهود في المدينة للأوس والخزرج: ~~قد أظل زمان نبي يبعث وسنتبعه ونقتلكم قتل عاد وإرم. ولكنهم كفروا ~~بالرسول صلى الله عليه وسلم من بعد ذلك لأنه سيسلب منهم السيادة، والسلطة ~~الزمنية. إذن ms2839 فنزول القرآن أولا كان في مكة، ومن بعد ذلك نزل في ~~المدينة. لكن في الترتيب المصحفي - كما قلنا - جاءت المدنيات أولا، وبعد ~~ذلك جاءت المكيات. وذلك حسب ما أراد الله عندما راجع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم القرآن مع جبريل عليه السلام في رمضان الأخير من حياة الرسول ~~الكريم. إن أصل الإيمان واحد، وهو الإيمان بإله، ووحي، ورسل، ومنهج، ~~وكل ذلك له فائدة إقامة نظام يحكم الحياة. وهو نظام ضروري لتنصلح حال ~~الحياة سواء آمن الناس بإله أو كفر بعضهم. وجاء هذا النظام الذي يحكم في ~~السور المدنية أولا ولم يغفله الحق في بعض السور المكية. إن الحق شاء ~~لرسوله أن يوحد القلوب المؤمنة بإله واحد أولا ليواجهوا معسكر الإلحاد. ~~ولكن هناك من اختلف وتخلف عن مؤازرة موكب الإيمان. وهكذا تنتهي خواطرنا ~~حول سورة المائدة، ومع أن سورة المائدة مدنية وسورة الأنعام مكية إلا أن ~~السياق بين تذييل المائدة وافتتاح الأنعام فيه اتساق واضح. فالحق يقول في ~~آخر سورة المائدة: { لله ملك السماوات والأرض وما ~~فيهن وهو على كل شيء قدير }. ويقول سبحانه في أول ~~سورة الأنعام: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور # [الأنعام: 1] فسبحانه وتعالى قدير ويملك كل الكون، ولم يأخذ ذلك الملك ~~افتئاتا أو ادعاء، ولكنه جل شأنه هو الذي خلق السماوات والأرض وهو الذي ~~جعل الظلمات والنور. ### | [6 - سورة الأنعام] ### || [6.1] # ويبدأ سبحانه سورة الأنعام بقوله تعالى: { الحمد لله الذي ~~خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون }. وساعة تسمع كلمة الحمد، ~~فعليك أن تفهم أنها كلمة المدح والثناء والشكر. فالحمد أمر فطري موجود ~~ونوجهه لله، فقد أخذ - سبحانه - بأيدينا ووضح وبين لنا أن الحمد لله حتى ~~لا نختلف في مجال توجيهه لأنه سبحانه هو الذي أمد كل إنسان بشيء من ~~أسبابه. وحين تسأل أحدا عن شيء فإن سلسلات ما أمدك به منسوبة لله. إذن ~~فكل حمد يجب أن يتوجه إلى الله. وأضرب هذا المثل: هب أن إنسانا وقعت به ms2840 ~~طائرة في مكان ما موحش، لا يوجد به أي شيء من أسباب الحياة، وأراد ان ~~يأكل ويشرب ويستتر حتى ينام، لكنه لم يجد شيئا من هذا. وأخذته سنة من ~~النوم ثم استيقظ فجأة فوجد مائدة عليها كل أطايب الطعام والشراب، وبجانب ~~ذلك وجد خيمة فيها فراش وغطاء وصنبور للغسيل. وساعة يرى كل ذلك فهو لا ~~يبدأ في استخدام أي شيء قبل أن يتساءل عن مصدره، لأنه يريد أن يشكر الذي ~~أنعم عليه كل هذه النعم السابغة. فكأنك أيها الإنسان حين واجهت الكون ~~ووجدت أشياء تخدمك ولا عمل لك فيها، ولا للسابقين عليك عمل فيها لأن ~~أحدا لم يدعها لنفسه، فوجدت شمسا تشرق، وهواء يهب، وماء يروى، وأرضا ~~تزرع، وغير ذلك من كل ما يخدمك، وأخبرك الحق أنه هو الذي منحك كل هذا ~~ألا تشكره إذن؟ إن البشرية عندما استفادت من المصباح الكهربائي قامت ~~الضجة لتكريم اديسون الذي اخترعه، فما بالنا بخالق الشمس التي تنير الكون ~~كله؟ إن الاختراعات البشرية تخلد أصحابها وتقوم الضجة لتكريمهم. فما ~~بالنا بخالق الكون كله؟ ما بالنا نكرم صانع المصباح الذي ينير مساحات ~~ضيقة مهما اتسعت بالقياس إلى الأرض ويغفل بعضنا عن تنزيه خالق الشمس التي ~~تنير الأرض في النهار وتختفي نصف اليوم حتى يستريح الإنسان؟ ولكنها تسير ~~سيرا دائما، فإن غابت عنك فقد أشرقت على غيرك فهي في فلكها تسبح. إذن ~~فالحمد لله حينما استقبل الإنسان هذا الوجود. ووجد كل مقومات الحياة التي ~~لا يمكن أن تخضع لقوة بشر، ولا لادعاء بشر. إن الحمد أمر واجب الوجود وإن ~~اختلف الناس حول من يوجه له الحمد. إننا نوجهه إلى الله تعالى لأنه هو ~~واهب النعم. وسور القرآن التي بدأها الخالق بالحمد لله خمس سور هي: ~~الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر، وتتركز حول شيئين: تربية مادية ~~بإقامة البنيان بالقوت أو بقاء النوع بالتزاوج أو بتربيتهم تربية روحية ~~قيمية، فيمدهم بمنهج السماء. فمرة يقول الحق: # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2]. وكلمة " رب " تعني أنه تولى تربية الخلق إلى ms2841 غاية ومهمة، ~~والتربية تحتاج إلى مقومات مادية ومقومات معنوية، روحية ومنهجية لذلك ~~يأتي بها الحق شاملة للكون كله كما في فاتحة الكتاب: # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2]. فهو سيد كل العالمين ومالكهم ومربيهم، وهو الذي ينشئهم ~~التنشئة التي تجعلهم صالحين لأداء مهمتهم في الحياة بقوة البنيان وببقاء ~~النوع بالتزاوج وبقوة القيم. ومرة ثانية يأتي الحق بالمنهج وحده، مثل ~~قوله الحق سبحانه: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب # [الكهف: 1]. ومرة أخرى يأتي الحق بالأشياء المنظورة فقط فيقول: { ~~الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور } [الأنعام: 1]. إنه سبحانه يأتي هنا بأشياء ~~تختص بالمادة المنظورة، كالسموات والأرض، والظلمات والنور، وهي أشياء ~~يمكنك أن تراها بوضوح، ومرة يأتي الحق بأشياء غير منظورة مع الأشياء ~~المنظورة كقوله الحق: # الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل ~~الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ~~ورباع # [فاطر: 1]. ويأتي بالمجموع كله في فاتحة الكتاب، ويأتي بالمنهج فقط كما ~~في سورة الكهف، ويأتي بالكون المادي كما في سورة الأنعام، ويأتي بالكون ~~المادي والمعنوي كما في سورة فاطر. إذن فالحمد مستحق مستحق، ويوجه ~~الله حتى ولو كانت أسبابه الظاهرة من غير الله لأن كل أسباب الدنيا ~~والكون تنصرف أخيرا إلى الله. وهنا - في سورة الأنعام - خص الحق الحمد ~~لله خالق السموات والأرض بما فيهما من كائنات، وأتى من بعد ذلك بالظلمات ~~والنور. والخلق كما نعلم إيجاد من عدم. والجعل يأتي لشيء مخلوق ويوجه إلى ~~الغاية منه. ولذلك قال الحق: { وجعل الظلمات والنور } ~~والظلمة أمر عدمي، والنور أمر إيجابي، والنور يبدد الظلمة. إذن فالأصل هو ~~وجود الظلمة التي تختلف في ألوانها، مثال ذلك: ظلمة الكهف، وظلمة البحر، ~~وظلمة البر، ولذلك قال الحق سبحانه: # ظلمات بعضها فوق بعض إذآ أخرج يده لم يكد ~~يراها # [النور: 40]. إنها يده يعرف اتجاهها ولكنه لا يكاد يراها. إذن فالحق ~~يخصص الحمد هنا لخلق السموات والأرض لأنها ظرف كل الكائنات. وقال ~~العلماء: لا تأخذ الظلمة على أنها الظلمة المادية التي لا ترى فيها ~~الأشياء لا غير، ولا ms2842 تأخذ النور على أنه النور الحسي الذي ترى به الأشياء ~~فقط، ولكن لنأخذ الظلمات والنور على الأمر المعنوي والأمر الحسي كذلك - ~~وسبحانه - جعل الظلمات في هذه الآية جمعا وجعل النور مفردا، لأن الظلمات ~~تتعدد أسبابها لكن النور ليس له إلا سبب واحد. والحق سبحانه وتعالى يقول: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام: 153]. والسبل هي جمع، وسبيل الله مفرد لأنه واحد. كأن سبل ~~الشيطان متعددة، وسبل الناس كذلك متعددة حسب أهوائهم، لكن سبيل الله واحد ~~لذلك يجعل الهداية نورا والضلال ظلمات. { وجعل الظلمات ~~والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ونقول: ~~- ولله المثل الأعلى - إنك إيها الإنسان عندما يفيض الله عليك ويجعل من ~~بين يديك ما تعديه من جميل إلى غيرك فأنت تقول: أنا صنعت لفلان كذا وكذا ~~ثم ينكر من بعد ذلك. # كأن " ثم " تأتي هنا للاستبعاد. إن " ثم " تأتي للعطف مثل حرف " الفاء ~~". ولكن الفاء تكون للجمع بين شيئين ليست بينهما مسافة زمنية، مثال ذلك ~~قول الحق سبحانه وتعالى: # ثم أماته فأقبره # [عبس: 21]. ومن يحب إنسانا ومات هذا الإنسان فهو يعجل بدفنه، وذلك حتى ~~لا يرم ويتعفن أمامه. ولذلك يقول الحق سبحانه من بعد الإقبار: # ثم إذا شآء أنشره # [عبس: 22]. كأن فترة زمنية قد تطول حتى تقوم القيامة فينشر الحق خلقه. ~~وقد يكون البعد بعد رتبة أو منزلة، ولذلك يأتي الحق ب " ثم " هنا ~~كفاصلة بين خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وبين الذين كفروا ~~بربهم، { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } إنهم ~~الذين يساوون الله بغيره. ونستطيع أن نجعل " يعدلون " من متعلقات كفرهم.. ~~أي أنه بسبب كفرهم يسوون الله بغيره. أو يكون المراد أنهم يعدلون أي ~~يميلون عن الإله الحق إلى غير الإله، أو يجعلون لله شركاء. وهو قول ينطبق ~~على الملحدين أو المشركين بالله. لقد أوجد سبحانه السموات والأرض من عدم ~~وليس لأحد أن يجترئ ليقول الله: كيف خلقت السموات والأرض؟ لأنه سبحانه ~~يقول في آية أخرى: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ms2843 ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. وأوجد سبحانه السموات والأرض من عدم، فالسماء والأرض ظرف ~~للكون وتم خلقهما قبل الإنسان وقبل سائر الخلق، ولم يشهد خلقهم أحد من ~~الخلق، فلا يصح أن يسأل أحد عن كيفية الخلق، بل عليه أن يأخذ خبر الخلق ~~من خالقهما وهو الله. وقد أتى بعض الناس وقالوا: إن الإرض انفصلت عن ~~الشمس ثم بردت، وهذا مجرد ظنون لا تثبت لأن أحدا منهم لم ير خلق ~~السموات والأرض. وهؤلاء هم أهل الظنون الذين يدخلون في قوله تعالى: # وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. لقد قال القرآن ذلك من قبل أن يأتي هؤلاء. وكأنه سبحانه ~~يعطينا التنبؤ بمجيء هؤلاء المضلين قبل أن يوجدوا، فهم لم يشهدوا أمر ~~الخلق، بل طرأوا - مثلنا جميعا - على السموات والأرض، وكان من الواجب ~~ألا يخوضوا في أمر لم يعرفوه ولم يشاهدوه. وكذلك قولهم عن خلق الإنسان ~~كقرد وهم لم يكونوا مع الله لحظة خلق الكون والإنسان، ولا كانوا شركاء ~~له، ولذلك يعلمنا الحق الأدب معه فيقول سبحانه: # ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا # [الإسراء: 36]. وعلينا أن نأخذ خبر الخلق عن الله القائل: { هو ~~الذي خلقكم... }. ### || [6.2] # هو سبحانه يأتي لنا بأمر الخلق فأوضح أنه خلقنا من طين، بعد أن تكلم عن ~~أمر خلق السموات والأرض، وهو - سبحانه - قد أخبرنا من قبل ذلك أنه خلقنا ~~من تراب وحمأ مسنون ومن صلصال كالفخار، وهي متكاملات لا متقابلات، وكذلك ~~أوضح الحق أنه خلق كل شيء من ماء، فاختلط الماء بالتراب فصار طينا ثم ~~حمأ مسنونا ثم صلصالا كالفخار وكلها حلقات متكاملة. ونحن لم نشهد الخلق ~~ولكنا نتلقى أمر الخلق عنه - سبحانه - ونعلم أن الطين مادة للزرع ~~والخصوبة. وعندما قام العلماء بتحليل الطين وجدوه يحتوي على العديد من ~~العناصر، وأكبر كمية من هذه العناصر هي الأوكسجين، ثم الكربون، ثم ~~الهيدروجين، ثم الفلور، ثم الكلور، ثم الصوديوم، ثم المغنسيوم، ثم ~~البوتاسيوم، ثم الحديد، ثم ms2844 السيلوز، ثم المنجنيز وغيرها. والعناصر في هذا ~~الكون أكثر من مائة، ولكنها لا تدخل كلها في تركيب الإنسان، إنما تدخل في ~~تركيب ما ينفع الإنسان من بناء وزينة وغير ذلك. مصداقا لقول الحق سبحانه ~~وتعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. لقد قام أهل الكفر من العلماء بهذا التحليل وذكروا تلك ~~النتائج التي أخبرنا بها الرسول الكريم في الكتاب المعجز الباقي المحفوظ ~~بأمر الله كحجة مؤكدة. وصان الحق لنا هذه الحجة حتى يأتي عالم غير مؤمن ~~ويتوصل إلى بعض من الحقائق الموجودة في القرآن. ولم يحضر أحد منا لحظة ~~الخلق، ولكنا نشهد الموت وهو نقض للحياة، ونقض الشيء يكون على عكس بنائه. ~~ونرى من يهدمون بناء يبدأون بهدم آخر ما تم بناؤه وتركيبه، فيخلعون ~~الزجاج أولا وهو آخر ما تم تركيبه، ثم الأخشاب، ثم الأحجار، كذلك نقض ~~الحياة بالموت. تخرج روح الإنسان أولا ثم بعد ذلك ييبس ويجف ليصير ~~صلصالا كالفخار ثم حمأ مسنونا أي يصيبه النتن والعفن ثم يتبخر منه ~~الماء فيصير ترابا. ولذلك نحن نصدق الذي خلقنا في أمر خلقنا ونصدقه في ~~أمر السموات والأرض، وعندما يقول قائل بغير ذلك، نقول له كما أخبر ~~القرآن الكريم: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. ويخبرنا الحق هنا بقضية الرجل: { ثم قضى أجلا ~~وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون } ولا أحد فينا ~~يعلم أجله مهما عرض نفسه على الأطباء، والأجل الأول هو الأجل المحدد لكل ~~منا، والأجل المسمى عنده هو زمن البرزخ ومن بعده نبعث من قبورنا، ولذلك ~~قال سبحانه: # قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ ~~إلا هو # [الأعراف: 187]. وقد يعرف الإنسان مجيء مقدمات نهايته واقتراب موته ~~بواسطة ما كشف الله عنه من أسراره بواسطة تقدم العلماء. # فليس هذا من الغيب وفي بعض الحالات يصح هذا المريض ويشفى ويبرأ، ~~ويقولون: قد حدثت معجزة، أما الأجل المسمى فلا نستطيع أن نعرفه، وحدد ~~الحق سبحانه ذلك في ms2845 خمس مسائل: # إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ~~ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب ~~غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت # [لقمان: 34]. وقد تكلم الحق عن المكان ولم يتكلم عن الزمان: { ثم ~~قضى أجلا } أي قضى أجلا لكل واحد، ثم جعل أجلا لكل شيء مسمى. ~~والآجال في الآحاد تتوارد إلى أن يأتي أجل الكل وهو يوم القيامة، { ثم ~~أنتم تمترون } والدلائل التي أوردها الحق كفيلة بألا تجعل أحدا ~~يشك، ولكن هناك من يماري في ذلك بعد كل هذه المقدمات. ويقول الحق سبحانه ~~من بعد ذلك: { وهو الله... }. ### || [6.3] # والله هو علم على واجب الوجود، وهو الاسم الذي اختاره الله لنفسه شاملا ~~لكل صفات الكمال، والصفات الأخرى نحن نسميها الأسماء الحسنى: مثل القادر، ~~والسميع، والبصير، والحي، والقيوم، والقهار، كلها صفات صارت أسماء لأنها ~~مطلقة بالنسبة لله. وهذه الصفات حين تنصرف على إطلاقها فهي لله، ومن ~~الجائز أن تضاف في نسبتها الحادثة إلى غير الله. أما اسم " الله " فلا ~~يطلق إلا على الحق سبحانه وتعالى. ويتحدى الله الكافرين به أن يسمي أحدهم ~~أي شيء غيره ب " الله ". # هل تعلم له سميا # [مريم: 65]. وسمع الكافرون ذلك ولم يجرؤ أحدهم أن يسمي أي شيء باسم " ~~الله ". وهو لون من التحدي باق إلى قيام الساعة ولا يجرؤ أحد أن يقول ~~عكسه أو أن يقبله فيسمي شيئا أو كائنا غير الله ب " الله ". ولا نعرف ~~شيئا وجد بذاته أزلا وقبل أن يوجد الكون إلا الله، أما أتفه الأشياء في ~~حياتنا والتي نعتبرها من غير الأساسيات فهي لا توجد بذاتها بل لا بد من ~~صانع لها. فكوب الماء مثلا لا يؤدي ضرورة قصوى في الحياة لأن الإنسان ~~يستطيع أن يشرب الماء بكفه أو بفمه مباشرة، هذا الكوب احتاج من الإنسان ~~إلى علم وإمكانات وقدرة وحكمة. وجاء العلم للإنسان بما وهبه الله للإنسان ~~من قدرة بحث عن المادة التي في الكون، فنظر الإنسان إلى الرمل واكتشف ~~وسيلة لصهر الرمال، واكتشف وسيلة لتنقية الزجاج بمواد ms2846 كيماوية، واكتشف ~~أسلوبا آليا لإنتاج هذه الأكواب. لقد أخذت رحلة صناعة الكوب من الإنسان ~~رحلات علمية وصناعة كبيرة، وهو غير ضروري كضرورة قصوى في الحياة، إنما هو ~~من الترف، فما بالنا بالضروريات من شمس، وقمر وهواء وماء؟ هذه الأشياء - ~~إذن - لا بد لها من صانع وإذا كان صانع أتفه شيء في حياة الإنسانية يذهب ~~إلى إدارة لتسجيل اختراعه ليستفيد منها، فما بالنا بالذي صنع كل شيء، ولم ~~يصنعها ليستفيد منها ولكن ليستفيد خلقه منها. إن البشرية تعرف من صنع ~~المصباح وتاريخه، وأين ولد، وأين عاش، وأين تعلم. فما بالنا بالذي صنع ~~الشمس والنجوم والأرض والإنسان؟ ورحمنا الحق فدل على نفسه وأخبرنا أنه ~~سبحانه الذي خلق. ولم يأت أحد ليعارضه سبحانه ويدعي صناعة الكون، وما دام ~~لا يوجد شيء له أثر إلا بمؤثر، فلا بد لنا أن نعرف أنه سبحانه ما دام قد ~~قال: إنه هو الذي خلق وأبدع ولم تنشأ معارضة له فإن قوله هو الصدق. وإن ~~كان هناك صانع للكون ولم يعلم أن الله قد أخبرنا أنه سبحانه الذي خلق ~~الكون فذلك الصانع النائم التائه عما صنع لا يصلح أن يكون إلها. # وإن كان قد علم أن الله أخبرنا أنه سبحانه خلق لنا الكون ولم يجرؤ هذا ~~الصانع على أن يبلغنا بالحقيقة فهذا - الصانع المدعي - ليس له حق في ~~الألوهية. أما الحق سبحانه، فقد أعلمنا وعلمنا بالدليل القطعي أنه الذي ~~خلق الكون، وما دام الأمر كذلك فيجب أن نستمع له، والترجمة العملية لسماع ~~الحق هي عبادته وطاعته فيما أمر وفيما نهى، بل إن عالم الملكوت الذي لا ~~ترونه يعبده سبحانه. وكل شيء في الوجود مؤتمر بأمره ويسبح بحمده. # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا # [الإسراء: 44]. وتدل السموات السبع والأرض وكل من فيهن من مخلوقات على ~~دقة الصنعة وعلى ملكية الله لها وتنزهه سبحانه وتقدسه بأنه لا شريك له، ~~وكل شيء له وسيلة للتسبيح والتنزيه، ms2847 ولكنا لا نرى ذلك ولا نفهمه ولا ~~نفقهه. ويبلغنا الحق هنا أنه المعبود الموجود في كل الوجود. { وهو ~~الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم ~~وجهركم } وما دام معبودا فينبغي أن يكون مطاعا في الأوامر ~~والنواهي. ولكن بعضنا يطيع، وبعضنا يعصي. ولذلك رتب الحق على الطاعة ~~جزاء: إما نعيما وإما عقابا. وهناك فارق بين وجود الشيء وإدراك الشيء، ~~وإياك أن تخلط بين إدراك الوجود، والوجود، فالذي لا تدرك وجوده إياك أن ~~تقول إنه غير موجود. ومثال ذلك ما نراه على مر تاريخ البشرية. لقد ترك ~~الخالق لخلقه في الوجود أسرارا يستنبطونها فتبرز لهم بالمنافع وكانت قبل ~~أن يعرفها البشر ويقفوا عليها تؤدي مهمتها في الوجود، ومثال ذلك الجاذبية ~~الأرضية لقد كانت موجودة قبل اكتشاف الإنسان لها وتؤدي عملها قبل أن ~~يعرفها الإنسان، وجاء ذكرها في القرآن بشكل لا يثير بلبلة ساعة نزل ~~القرآن: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان ~~حليما غفورا # [فاطر: 41]. أوجد الحق قوانين الجاذبية لتمارس السموات والأرض أعمالها ~~ويحفظهما بقدرته من الزوال، وجعل من الجاذبية نظاما بديعا يحفظ الكون ~~من الاختلال. إذن فالجاذبية كانت موجودة، ولم يعرفها الإنسان إلا مؤخرا، ~~وهكذا نعرف أن هناك فارقا بين وجود الشيء وبين إدراك الشيء. فإذا قيل ~~لك: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف الخبير # [الأنعام: 103]. فأنت أيها المؤمن تصدق ذلك فذات الحق لا تبصرها العيون ~~وهو يعلم كل ما هو خفي عنك ولا تدركه عيونك. وفي الكون أشياء قد لا ~~ندركها على الرغم من أنه سبحانه وتعالى خلقها وعملت في خدمتك، وبعد أن ~~أدركتها ظلت تعمل في خدمتك، فإن حدثك الحق بشيء لا تدركه فلا تقل: ما دام ~~هذا الشيء غير مدرك فهو غير موجود. # وعلى سبيل المثال أنت لا تدرك الكهرباء، ولا الجاذبية، ولا قمة أسرار ~~الحياة وهي الروح التي تعطيك سر الحياة، وتنفعل بها كل جوارحك، وإن خرجت ~~الروح صرت جثة هامدة، إن أحدا لا يعرف ms2848 مكان الروح ولا يدركها، ولا سمعها ~~أحد أو شمها أو ذاقها أو لمسها. إن الروح موجودة في ذاتك ولا تدركها، ~~هأنتذا - إذن - لا تستطيع أن تدرك مخلوقا لله فكيف تدرك خالقك وهو الله؟ ~~إنك لو أدركته لما صار إلها لأنك إن أدركت شيئا فقد قدرت عليه جوارحك، ~~ويصير مقدورا عليه لعينك أو ليدك، والقادر المطلق لا ينقلب مقدورا ~~أبدا، ومن عظمته أنه لا يدرك. مثال آخر: الرؤيا التي تراها وتتحرك ~~فيها. هل الرؤيا موجودة في جسمك؟ أو ماذا؟ والحلم وهو الصبر على غيرك ~~بأن تتحمله وتعطف عليه وتضحك له، هذا الحلم يجعلك تنفعل، فهل تدرك أنت ~~هذا الحلم؟ إنه معنى من بعض المعاني في نفسك التي تحرك جوارحك ولا ~~تدركها، مثله مثل الشجاعة التي تصول بها وتجول ولا تراها محيزة، ولا تعرف ~~شكلها أو لونها أو طعمها، فالأعلى الذي يدير هذا الكون غير مدرك ~~بالأبصار. والذي يتعب الناس أنهم يحاولون الجمع بين الإدراك والوجود، ~~ولذلك نقول: ابحث أيها الإنسان في كونك ولسوف تجد فارقا بين الإدراك ~~والوجود. ونعلم أن اسم الله نفسه وهو لفظ ننطقه لنفهم ونستدل به على أنه ~~الخالق الأعلى وهو متحدى به. وأنت أيها الإنسان قد اخترعت - على سبيل ~~المثال - التليفزيون وكان من قبل أن يوجد معدوما لا اسم له، وصار له اسم ~~منذ أن أوجده الإنسان، صالحا لمهمة معينة، أما اسم الله فهو موجود وقديم ~~من قبلك وأخبرك به الرسل، وهو سبحانه وتعالى له اسم في كل لغة من اللغات، ~~ووجود هذا الاسم في كل اللغات بنطق مختلف هو دليل على أسبقية وجود الذات ~~وهو الله. وبعد ذلك جاء الكفر، وعرفنا أن الكفر كان محاولة لستر الوجود ~~الأول، وبذلك دلت كلمة الكفر على الإيمان. والذي يرهق الإنسان هو محاولته ~~لحصر الموجود الأعلى في شكل طبقا لإمكانات وحدود البشر. ولا أحد يستطيع ~~أن يحصر وجوده سبحانه في شكل معين لأن من عظمته أننا لا نقدر على تصوره، ~~والإيمان به سبحانه يدل عليه وهو يقول عن نفسه ما ms2849 شاء. وأحب أن تحفظوا ~~هذا المثل وتضربوه لصغاركم: لنفترض أن إنسانا يجلس مع أسرته في حجرة، ثم ~~طرق الباب، وكل من يجلس في الحجرة يتيقن أن طارقا بالباب ولا يختلف أحد ~~منهم في هذه المسألة. فيقول أحد الأبناء: " الطارق محمد " ويقول الثاني: ~~" إنه محمود " ويقول الثالث: " لا، إنه إبراهيم " فتقول الزوجة: " إن ~~الطارق امرأة " ، لكن أحد الأبناء يقول: " لا، إنه رجل " فيقول الأب: " ~~لعله شرطي جاء يسألني عن أمر " ترد الزوجة: " توقع خيرا، إنك تصنع كل ~~خير ولا بد أن يأتي لك كل طارق بخير ". # هنا اختلفت الأسرة لا في تعقل الطارق، ولكن في تصور الطارق، يقول الأب: ~~" بدلا من الحيرة لنسألة من أنت؟ " ، فيجيب الطارق: " أنا فلان ". وهكذا ~~الكون، طرأ الإنسان عليه وتساءل من الذي خلقه. ذلك أن الإنسان جاءته ~~الغفلة بعد أن عرف آدم ربه وبعد أن أشهد الحق ذرية آدم أنه ربهم. ثم أرسل ~~الحق الرسل ليبلغوا الخلق منهجه واسمه وصفاته. وأراد سبحانه بذلك ألا ~~يرهق خلقه، وأبلغ الناس من خلال الرسل أنه الخالق الأكرم. وآفة الفلاسفة ~~أنهم لم يكتفوا بتعقل الإله، بل أرادوا أن يتصوروه، وهذا أمر غير ممكن. ~~لذلك نقول: علينا أن نستمع إلى الحق يقول ما شاء عن نفسه ولا داعي ~~للخلاف. وسبحانه وتعالى يقول: { وهو الله في السماوات وفي ~~الأرض } وإياك أيها المسلم أن تفهم أن السماء والأرض هنا ظرفية، لأن ~~الظرفية وعاء وحيز، وإذا كنت لم تعلم مكان روحك في جسدك، فكيف تعلم مكان ~~الله؟ لقد قصد الله بذلك القول أنه معبود في السموات ومعبود في الأرض. ~~ولنلحظ أن بعض آيات القرآن توقف الذهن عندها كي تظل الأذهان دائما ~~مشغولة بكلمات الله، ولو جاء القرآن بكلمات يسهل على الفهم العادي إدراك ~~معانيها لما تجددت معاني الكتاب العظيم في كل زمان، وكأن الحق قد قصد ذلك ~~حتى يثبت الناس في كل العصور من إيمانهم. وها هم أولاء بعض من الذين ~~يحاولون الخوض في القرآن تساءلوا عن معنى قوله الحق: # وهو الذي في السمآء ms2850 إله وفي الأرض إله وهو ~~الحكيم العليم # [الزخرف: 84]. تساءلوا عن معنى التكرار أنه إله في السموات وإله في ~~الأرض. وظن بعض السطحيين أنه قصد القول بأن هناك إلها في السموات ~~وإلها آخر في الأرض، ولم يفطنوا إلى أن المعنى المقصود هو: إنه إله يعبد ~~في السماء ويعبد في الأرض، وهو صاحب الحكمة المطلقة في كل أفعاله وهو ~~المحيط بكل كونه. وأن الحق إنما يريد بهذا القول أن يشغل الأذهان به. ~~ونقول أيضا لهولاء الذين لم يفهموا المعنى: هناك قاعدة في اللغة تحدد ~~النكرة وتحدد المعرفة فعندما نقول: " جاءني الرجل " فهذا الرجل يكون ~~معروفا للقائل والسامع. ولكن عندما نقول: " جاءني رجل " فهذا غير معروف ~~للسامع وقد يكون معروفا للقائل. وإذا قلنا: " جاءني رجل وأكرمت رجلا " ~~فمعنى ذلك أن القائل يتحدث عن رجلين أحدهما جاء، والآخر كان موضع ~~التكريم. أما إن قال القائل: " جاءني رجل فأكرمت الرجل " فالحديث هنا عن ~~رجل واحد. # إذن فالنكرة إن أعيدت نكرة تكون مختلفة، والنكرة إن أعيدت معرفة تكون هي ~~بعينها. وعندما قال الحق سبحانه: # وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله # [الزخرف: 84]. تصور البعض أن " إله " نكرة، عندما أعيدت صارت غيرها، ولو ~~كان الأمر كذلك لفسدت الدنيا. ولكن القاعدة الغالبة من العلماء عرفوا روح ~~النص. وقال أهل العلم بالتوحيد: لا بد لنا أن نلتفت إلى أنه سبحانه قال: ~~{ وهو الذي } ، وكلمة " الذي " اسم موصول واحد يدلنا على أن الحق ~~صلته بالسماء وبالأرض واحدة، ولهذا نقول لمن وقفوا عند هذه الآية: لا ~~تبحثوا عن النكرة المكررة بمعزل عن الاسم الموصول، لأن الاسم الموصول ~~معرفة. { وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم ~~سركم وجهركم } إنه إله واحد يعلم السر والجهر، ويترتب على هذا ~~أساس الثواب والعقاب. فلا تظن أيها الإنسان أنك تفلت من حساب ربك، وإن ~~كان سبحانه يعلم السر فمن باب أولى أن يعلم الجهر. ولو قال إنه يعلم السر ~~فقط لظن بعض الناس أنه سبحانه لا يعلم إلا المستور لكونه - سبحانه - ~~غيبا، ونقول: لا. هو ms2851 - جل شأنه - وإن كان غيبا إلا أنه يعلم الغيب ويعلم ~~المشهد، أو أنه - سبحانه - لم ينتظر علمه إلى أن يبرز الشيء جهرا بل هو ~~بكمال علمه وطلاقة إحاطته يعلمه من أول ما كان سرا ويعلمه ويحيط به بعد ~~أن برز وظهر ووجد وكأنه - سبحانه - يؤرخ للعلم في ذات الإنسان الواحد { ~~يعلم سركم وجهركم }. وهو سبحانه يعلمنا انه لا يقف عند ~~السر فقط: # وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى # [طه: 7]. إنه - سبحانه وتعالى - يعلم السر من قبل أن يكون سرا. وكل أمر ~~قبل أن يصبح جهرا يكون سرا، وقبل أن يكون سرا هو أخفى من السر. ويذيل ~~الحق تلك الآية بقوله: { ويعلم ما تكسبون } والكسب إنما ينشأ ~~من عملية تجارة في رأس مال ما والزائد عليه يكون هو الكسب، وقد يكون ~~الكسب خيرا أو شرا، فالذي يكسب شرا هو الذي يأخذ فوق ما أحل الله له. ~~والكسب كذلك يكون خيرا، فإن قدم الإنسان حسنة يكسب عشر حسنات. والمتكلم ~~هو الله الذي له الحمد لأنه خالق السموات والأرض والظلمات والنور. ولكن ~~الكافرين يترصدون لكلمة التوحيد، ويأتيهم الخبر بأن الحق خلقنا من طين، ~~ويعلم السر وما هو أخفى من السر، ويعلم ما نكسب من خير أو شر، ولا يؤثر ~~ذلك كله في المنصرفين عن دعوة الحق من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ~~يميلهم ويعطفهم إلى الصراط المستقيم لذلك يقول سبحانه: { وما ~~تأتيهم من آية... }. ### || [6.4] # كأن الآيات الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدق البلاغ ~~عن ربه لا تقنعهم، بل يعرضون عنها. مع أن الواجب كان يقتضي أن يرهفوا ~~الآذان لما يحل لهم لغز الحياة. وما زال الإعراض مستمرا حتى زماننا هذا ~~بالرغم من أننا توصلنا إلى معرفة العمر الافتراضي لبعض الأشياء التي من ~~صناعتنا مثل مصباح الكهرباء الذي يتغير بعد كل فترة، وغيره من الأجهزة، ~~ولكنا لا نعرف العمر الافتراضي للشمس ولم تحتج إلى صيانة ذات مرة، ولم ~~نجد من يسأل: وكيف يحدث كل هذا ms2852 الإعجاز؟. وقد أتى الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ليبين لنا أن الذي خلق الخلق كله يخبرنا بمطلوبه ويفسر لنا الكون، ~~ولكن الإنسان يعرض عن ذلك. إن أول " مطب " يقع فيه الإنسان، أنه تأتيه ~~الآيات التي تدل على لغز هذا الوجود من خالق الوجود، وكيفية تدبير الكون ~~قبل وجود الإنسان، وكيفية جعل ما في الكون من قوت يقيم به حياته ويستبقي ~~نوعه، وبرغم ذلك ينصرف عن سماع كل ذلك. إن الكفار لم يعرضوا فقط، بل ~~انتقلوا إلى المرحلة الثانية وهي التكذيب، فلم يكتفوا بترك خبر الإيمان ~~والإعراض عنه ولكنهم يزيدون في ذلك ما يوضحه الحق بقوله: { فقد ~~كذبوا بالحق... }. ### || [6.5] # فهذا خروج من الإعراض إلى التكذيب، فالإعراض أمر سلبي، والتكذيب هو ~~الوقوف إيجابيا في موقف الضد والصد عن سبيل الله، ثم ينتقلون إلى ~~المرحلة الثالثة وهي الاستهزاء. إننا إذن أمام ثلاث مراحل: إعراض، تكذيب، ~~استهزاء. وكل ذلك لعلهم يصرفون المتبع عن الاتباع. ومثال ذلك ما ضربه ~~الحق لنا في أمر نوح: # واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون * ويصنع الفلك ~~وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال ~~إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون # [هود: 37-38]. فقد أوحى سبحانه إلى نوح البلاغ الحق وأمره أن يصنع الفلك ~~تحت عنايته سبحانه وألا يخاطبه في شأن الكافرين الظالمين الذين لم ~~يستجيبوا لدعوة الله ويشرع نوح في إنشاء الفلك، ولكن الكافرين ~~يستهزئون به لجهلهم ولعدم الوثوق من الغرض والهدف. ويسخر نوح من كل من ~~يسخر منه. ومثال آخر وهو انتصار الإسلام بعد أن كان أهل الكفر قوة، ولكن ~~المتكبر الطاغي منهم يأتي بعد صلفه وكبريائه صاغرا. ومنهم من قتل وأسر ~~وذاق مرارة الذل النفسي. وقد كانوا من قبل يستهزئون برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. ومثال على ذلك الوليد بن المغيرة، وهو السيد في قومه، يأتي ~~فيه قول الحق: # إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * ~~سنسمه على الخرطوم # [القلم: 15-16]. وكان الوليد صاحب ثراء من المال ms2853 ومنعة وقوة من البنين، ~~وأعرض عن القرآن وسخر منه. فجعل الحق منه أمثولة للناس، وطبع على أنفه ~~علامة لازمة افتضح بها، وكانت سبة له وعارا لا يفارقه كلما ذكر. وقد ~~نزل هذا القول في القرآن وقت ضعف المسلمين، ثم يأتي خبر ضربه على أنفه ~~الذي هو محل الأنفة والكبرياء والعنجهية، ثم تأتي بدر ليرى المسلمون ~~تحقيق ذلك، إنه كلام إلهي متحدى به ومتعبد بتلاوته. وهكذا تصدق كل قضية ~~يأتي بها الله. ويقول الحق بعد ذلك: { ألم يروا كم ~~أهلكنا... }. ### || [6.6] # هذا ما شاهدته قريش في رحلات الشتاء والصيف. رأوا آثار عاد قوم هود ~~وبقايا ثمود قوم صالح. وكانت إمكانات عاد وثمود أكبر من إمكانات قريش. إن ~~قريشا لا سيادة لها إلا بسبب وجود الكعبة، ولو كان الحق ترك أبرهة يهدم ~~الكعبة لما مكن لهم في الأرض. ها هي ذي حضارات قد سبقت وأبادها الحق ~~سبحانه وتعالى: ويوضح القرآن ذلك: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * ~~الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * ~~فصب عليهم ربك سوط عذاب # [الفجر: 6-13]. إنها حضارات كبيرة لهم صيت وخبر في آذان الدنيا مثل ~~حضارة الفراعنة. وكل ذلك الصولجان لا يحميه أحد من أمر الله. وزالت ~~الحضارات وأصبحت أثرا بعد عين، وصدق عليها قول الحق: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [العنكبوت: 40]. والحق يجازي كل كافر الجزاء الوافي، ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يخبر قومه بما حدث لغيرهم من أقوام آخرين { ألم ~~يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } والقرن عادة هو ~~الجيل الذي يحكمه زمن محدود أو حال محدود، فإن نظرنا إلى الزمن فالقرن ~~مائة سنة كأقصى ما يمكن، والجيل الذي يعيش هذا القدر يرى حفيده وقد صار ~~رجلا. ونعلم أن نوحا عليه السلام ms2854 عاش تسعمائة وخمسين سنة. يقول سبحانه: # ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف ~~سنة إلا خمسين عاما # [العنكبوت: 14]. وحياة نوح على طولها تسمى قرنا. إذن فالقرن هو جيل ~~يجمعه ضابط إما زمني وإما معنوي، والقرن الزمني مدته مائة سنة، أما القرن ~~المعنوي فقد يكون عمر رسالة أو ملك. ويخبر الحق أهل الكفر بأنه قد قدر ~~على غيرهم وأبادهم بعد أن مكن لهم في الأرض وذلك بألوان مختلفة من أنواع ~~التمكين: { وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا وجعلنا ~~الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم ~~وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } ، وهذا الخبر يأتي من ~~السماء بما حدث لقوم سابقين مثل قوم سبأ، فقد قال عنهم الحق في موضع آخر ~~من القرآن الكريم: # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين ~~وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة ~~طيبة ورب غفور # [سبأ: 15]. ومسكن سبأ باليمن آية دالة على قدرة الله حديقتان وارفتان عن ~~يمين وشمال ليأكل أهل سبأ من رزق الله ويشكروا نعمة الله. وكان لهم سد ~~مأرب، ووهبهم الله القدرة لبنائه، فقطعوا من الجبال التي ليس لهم عمل ~~فيها ليحجزوا ماء المطر الساقط من السماء، كل شيء إذن فعلوه وإنما فعلوه ~~لأن الله قد أراده، وهم أعرضوا عن أمرين: عن الرزق الوفير الذي منحهم ~~الله إياه وأرادوا أن يعتمدوا على أنفسهم كما فعل قارون حيث قال: # إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص: 78]. ظنوا أنهم قادرون على رزق أنفسهم وكذلك لم يشكروا الله، ~~ولذلك أرسل الله عليهم سيل العرم، أي أنه عقاب من جنس العمل، وهكذا تكون ~~عاقبة الإعراض والكفر بنعم الله. فقد سلط الله عليهم حيوانا من أضعف ~~الحيوانات وأحقرها وهو الفأر فنقب السد فأغرق أموالهم ودفن بيوتهم. ويخبر ~~الحق رسوله بكل هذه الأخبار ليلفت بها وينبه إليها قوما رأوا آثار حضارة ~~عاد وثمود، والرؤية سيدة الأدلة، وطالبهم الرسول بها حتى يعرفوا عاقبة ~~الإعراض والتكذيب والاستهزاء، ولم يطلب الحق من رسوله إلا البلاغ فقط، ~~أما إيمان القوم فليس مكلفا به صلى ms2855 الله عليه وسلم، إن هؤلاء قد خافوا ~~من سيطرة " لا إله إلا الله " فهم الذين صنعوا من أنفسهم آلهة وتسلط ~~بعضهم على بعض. فتخيل القوي أنه إله على الضعيف. وتخيل الغني أنه إله على ~~الفقير، وتخيل العالم أنه إله على الجاهل، أما " لا إله إلا الله " فهي ~~تساوي بين الناس جميعا، وهم يرفضون ذلك لأنهم يريدون السيادة.. ومثال ~~ذلك قولهم: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. فهم لم يجرؤوا على الطعن في القرآن، إنما طلبوا أن تكون ~~السيادة لغني من أغنياء القريتين مكة أو الطائف وتناقض هذا القول مع ~~عملهم وسلوكهم مع الرسول، فقد حفظوا كل نفيس حرصوا عليه عند محمد صلى ~~الله عليه وسلم. ولو كان الواحد منهم يرى شيئا أو مغمزا في أمانة رسول ~~الله لما فعلوا ذلك. ولكن الواحد منهم بالرغم من التكذيب بمحمد لم يكن ~~يأتمن إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالإنسان حينما تقع مصلحته أمام ~~تكذيبه فهو يغلب مصلحته على تكذيبه. ويبين الحق سبحانه أن إعراض هؤلاء، ~~وتكذيب هؤلاء واستهزاء هؤلاء، لا يمت إلى حقيقة أمرك يا رسول الله، ولا ~~إلى حقيقة القرآن في شيء، وإنما هو العناد، مثلهم مثل آل فرعون الذين ~~جحدوا آيات الله على الرغم من أن أعماقهم رأت هذه الآيات بيقين لا تكذيب ~~فيه. # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا ~~فانظر كيف كان عاقبة المفسدين # [النمل: 14]. فقد أنكر قوم فرعون رسالة موسى عليه السلام مع أنهم تأكدوا ~~من صدقها، ولكنهم أنكروها بالاستكبار والعلو والظلم، فكانت عاقبتهم من ~~أسوأ العواقب، وهذا هو حال المنكرين دائما لأيات الله. وها هم أولاء ~~منكرون جدد لرسالة رسول الله. يقول الحق سبحانه وتعالى فيهم: { ولو ~~نزلنا عليك كتابا... }. ### || [6.7] # هذا الكتاب - القرآن - لو نزل إلى هؤلاء المكذبين مكتوبا في ورق من ~~المحس المشاهد فلمسوه بأيديهم لقالوا ما قاله كل مكذب، إنه سحر ظاهر. وقد ~~طالب المكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء ~~ليقرأوه كشرط ms2856 من ضمن شروط أخرى قال عنها الحق مصورا جحودهم: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف ~~أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى ~~تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل ~~كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 90-93]. فبعد أن وضح لهم إعجاز القرآن حاولوا زورا، واقترحوا ~~من الآيات ليؤمنوا، كان يفجر لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ينبوعا في ~~أرض مكة لا ينقطع ماؤه، أو يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ~~بستان من نخيل وعنب. تتخلله الأنهار، أو أن يدعو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن تنزل السماء عليهم قطعا كعذاب شديد، أو أن يتجسد لهم الله ~~والملائكة ليروهم رأي العين، أو أن يكون لرسول الله بيت من ذهب مزخرف، ~~أو أن يصعد إلى السماء ويأتيهم بكتاب من الله يقرر صدق رسالته، ولكن الله ~~برحمته واتساع حنانه ينزه ذاته أن يتحكم فيه أحد أو أن يشاركه في قدرته ~~فيعلن لهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم قوله - سبحانه وتعالى -: # قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 93]. لأن الذي يبعث الآيات هو رب العالمين، ولا أحد يجرؤ أن ~~يفرض على الله آياته. ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو مستقبل لآيات ~~الله لا مقترح للآيات، ذلك أنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن من يقترح على ~~الله آية ثم تأتي فيكذب بها يصيبه ويناله الهلاك، هذه سنة الله، ورسول ~~الله يعلم أنه النبي الخاتم لذلك لن يطلب أي آية من الله حتى لا ينزل ~~عقاب الله من بعدها إن كذبوا بها. ويبلغ الحق رسوله عتو المتجبرين ~~المنكرين واستكبارهم. { ولو نزلنا عليك كتابا في ~~قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن ~~هذآ إلا سحر مبين }. الحق يعلم أن قلوب بعض المنكرين قد ~~صارت ms2857 غفلا لا يدخلها الإيمان ولا يخرج منها الباطل - كما أراد هو لهم - ~~فلو نزل إليهم كتابا في قرطاس ليكون في مجال رؤية العين ولمسوه ~~بأيديهم فلن يؤمنوا. ويأتي أمر لمس الكتاب بالأيدي لأن اللمس هو الحاسة ~~التي يشترك فيها الجميع حتى الأعمى منهم، وبرغم ذلك فسيكذبون قائلين: { ~~إن هذآ إلا سحر مبين } ومثل هذا الرد لا ينبع عن عقل أو ~~تدبر أو حكمة. # ولا يتناسب مع القوم الذين عرفوا بالبلاغة والفصاحة، وبحسن القول ~~وصياغته لأن السحر إنما يغير من رؤية الناس للواقع، وما دام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم متهما بالسحر منهم فلماذا لم يسحرهم هم، ولماذا ~~استعصوا هم بالذات على السحر؟ والمسحور ليس له عمل ولا إرادة مع الساحر، ~~ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم ساحرا لصنع من السحر ما يجعلهم يؤمنون. ~~إن من العجيب وهم أبصر الناس بفن القول، وهم أهل النبوغ في الأداء، ~~ويعرفون القول الفصل والرأي الصحيح ويميزون بين فنون القول: خطابة، ~~وكتابة، ونثرا، وشعرا، والقول المسجوع، والقول المرسل، من العجيب أنهم ~~يقفون أمام معجزة القرآن مبهوتين لا يعرفون من أمرهم رشدا، فمرة يقولون ~~إنه سحر، ومرة يقولون: إنه كلام كهنة، وثالثة يقولون: إنه كلام مجنون. ~~والقرآن ليس بسحر، لأنه يملك من البيان ما يملكون وفوق ما يملكون ~~ويحسنون، ولا يفعل رسول الله معهم ما يجعلهم يؤمنون على الرغم منهم، وليس ~~القرآن كذلك بكلام كهنة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ بينهم ~~ويعلمون أنه الصادق الأمين الذي لم يتلق علما من أحد، فضلا عن أن كلام ~~الكهان له سمت خاص وسجع معروف، والقرآن ليس كذلك. ويعلمون أنه كلام رجل ~~عاقل، فكلام المجنون لا ينسجم مع بعضه، وها هوذا الحق يقول في رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # مآ أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا ~~غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 2-4]. وقد أعد الله رسوله ليستقبل النبوة بقوة الفعل، لا بسفه ~~الرأي، وله في إبلاغ رسالة ربه ثواب لا مقطوع ms2858 ولا ممنوع، وهو على الخلق ~~العظيم. والخلق العظيم - كما نعلم - هو استقبال الأحداث بملكات ~~متساوية وليست متعارضة ولا يملك ذلك إلا عاقل. وقد شهدوا هم بخلق محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فكيف يأتي هذا الخلق العظيم من مجنون؟ وكيف يصدر ~~السلوك المتصف بالسلامة والصلاح والخير من مجنون؟ كانت - إذن - كل ~~اتهاماتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم تنبع من إصرارهم على الكفر، لا ~~من واقع لمسوه، فكل ما قالوه في رسول الله هم أول الناس الذين شهدوا عكسه ~~ولمسوا نقيضه. وجاءوا - إصرارا على الكفر - يطلبون أية أخرى: { ~~وقالوا لولا أنزل... }. ### || [6.8] # ما الملك؟ الملك جنس جعله الله من الغيب، ونحن لا نؤمن به إلا لأن ~~الله الذي آمنا به قال: إن له ملائكة مثلما قال: إن هناك جنا، ~~والملائكة من جنس الغيب، والجن مستور عنا. وهؤلاء المنكرون الجاحدون ~~يطلبون نزول ملك حتى يؤمنوا. إذن فهم قد عرفوا أن هناك غيبا وأن ~~فطرتهم الأولى تحمل أثرا من منطق السماء لكنهم ينكرون، وقولهم بالملك ~~دليل على أن في أعماقهم رواسب من دين إبراهيم ودين إسماعيل، وبقيت تلك ~~الآثار في النفوس لأنها مسألة لا تمس السيادة، ولو أنزل الحق لهم ملكا ~~لما آمنوا أيضا، فهم مكذبون. ولا يريد الحق أن يطبق عليهم سنته بنزول ~~الآية التي يطلبونها حتى لا ينزل بهم عقابه إن كفروا بها. فلو أنزل الحق ~~عليهم ملكا كما يطلبون ثم كفروا لقضي الأمر وأهلكوا بدون إمهال. إذ لو ~~تجلى الملك لهم وظهر على طبيعته ما تحملته كياناتهم البشرية. ولقد نزل ~~الملك بآثاره الدامغة وهو غيب أنزله - سبحانه وتعالى - بالوحي على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وفعل في رسول الله ما فعل، ولم يظهر من عمله مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أثره فحسب. وهاهوذا رسول الله يشرح لنا ~~ذلك لحظة مجيء الملك أول مرة في غار حراء: فقال الملك: اقرأ. # " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ~~ثم أرسلني فقال: اقرأ: ms2859 فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ ~~مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني ~~الثالثة حتى بلغ مني الجهد. ثم أرسلني، فقال: { اقرأ باسم ربك ~~الذي خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك ~~الأكرم * الذى علم بالقلم * علم الإنسان ما لم ~~يعلم }. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته يرجف فؤاده ودخل ~~على زوجه السيدة خديجة بنت خويلد، فقال: زملوني زملوني. فزملوه حتى ذهب ~~عنه الروع. وأخبرها الخبر وقال: " لقد خشيت على نفسي " فقالت خديجة - رضي ~~الله عنها - وهي تعدد صفات وخلق رسول الله العظيمة: " كلا والله لا يخزيك ~~الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، ~~وتعين على نوائب الدهر ". # هكذا كان الإيمان الأول من خديجة من فور أن عرفت خبر الوحي. ويطمئن الحق ~~رسوله من بعد ذلك قائلا: # ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 1-4]. وشرح الله صدر رسوله فصار هذا الصدر مهبط الأسرار والعلم ~~وحط عن ظهر الرسول الكريم الأعباء الثقال، وارتبط اسم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بأصل الإيمان والعقيدة حتى صار اسم رسول الله مقرونا باسمه - ~~جل شأنه - في الشهادة الأولى للإسلام " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~محمدا رسول الله ". # إذن كان هذا حال رسول الله حين تجلى له الملك لا بالحقيقة الملكية، ~~ذلك أن هناك فارقا بين البنيان البشري والبنيان الملكي. فالبنيان البشري ~~يستقبل الأشياء المادية التي تناسب تكوينه، فإن جاءت له طاقة أعلى منه ~~فلا يمكنه أن يستقبلها إلا إذا أعد الله الملك وصوره بصورة تجعله ~~قابلا للإرسال، وأعد الله الرسول ليكون قابلا للاستقبال. ونعلم جميعا ~~قصة موسى لما جاء لميقات ربه، وقال الله في وصف ذلك اللقاء: # ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب ~~أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى ~~الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما ~~تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا ms2860 ~~فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول ~~المؤمنين # [الأعراف: 143]. والمانع لرؤية الله هو عدم قدرة الإنسان على الإحاطة ~~البصرية بالله، فعندما تجلى الله للجبل المتماسك الصلب صار الجبل دكا، ~~أي مفتتا وخر موسى عليه السلام مصعوقا من هول ما رأى، ولما أفاق تاب ~~إلى الله وأعلن أنه أول المؤمنين به سبحانه فإذا كان الإنسان قد صعق من ~~تجلي الحق للجبل، فكيف يقدر على أن يتجلى الحق له؟ إننا نعلم أن كل تكوين ~~له قدرة استقبال لما يناسبه من أشياء، وضربنا لذلك مثلا من دنيانا ~~العلمية - ولله المثل الأعلى دائما وهو منزه عن كل مثال - نجد الإنسان ~~منا عندما يدخل الكهرباء إلى بيته لرغبته في الانتفاع بقانون النور ~~والضوء لمدة أطول وبفوائد الكهرباء المتعددة، ولكنه عندما يريد أن ينام ~~فهو يطلب الانتفاع بقانون الظلمة، فيطفئ المصابيح، ويضع مصباحا صغيرا ~~لا يتحمل أن يأخذ الطاقة مباشرة من الكهرباء من مصدرها القوي لذلك يأتي ~~الإنسان بمحول للطاقة فيستقبل المحول طاقة الكهرباء العالية من مصدرها ~~ويخفضها بصورة تناسب المصباح الصغير. وهكذا نحتفظ بضوء ضعيف في الليل ~~لنستفيد من قانون الظلمة لننام. وقد امتن الحق علينا أنه خلق النور وخلق ~~الظلام، وكل منهما له مهمة. فإذا كان خلق النور والضوء والكهرباء قد ~~أتاح للإنسان بناء حضارة، فالظلام أتاح للإنسان أن يرتاح وتسكن نفسه ~~فيقوم ممتلئا بالنشاط والحيوية. وإذا كنا نحتفظ في الليل ببصيص نور لا ~~يزعج، فنحن نفعل ذلك حتى لا نحطم الأشياء أو نصطدم بها إذا ما قمنا في ~~الليل لقضاء حاجة. وكذلك الإنسان.. إنه لا يستطيع بضعفه أن يأخذ عن الله ~~مباشرة.. ومن رحمة الحق بالخلق أن جعل بينه وبين الخلق وسائط، بتلقي ~~الملك عن الله، والملك وسيط، والملك ينقل إلى الرسول المصطفى، والرسول ~~المصطفى وسيط، ومن تغفيل أهل الكفر أنهم طالبوا بإنزال ملك رسول. # ويرد الله عليهم في موضع آخر من القرآن الكريم: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا * قل لو ~~كان ms2861 في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ~~عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 94-95]. لقد طالبوا - جهلا - أن ينزل إليهم ملك رسول بالهدى، ~~ويأمر الحق رسوله أن يرد عليهم بأنه لو كان بين البشر ملائكة.. أي لو كان ~~هناك ملائكة يمشون في الأرض لنزل إليهم الملك كرسول. ولما كان هذا غير ~~حاصل، فقد أرسل الحق رسولا من البشر لأن المفروض أن يبلغ الرسول وأن ~~يكون كذلك أسوة سلوكية للمنهج، بأن يطبق المنهج على نفسه، فلو نزل ملك ~~كرسول وطبق المنهج على نفسه لقال له البشر: إنك ملك تقدر على ما لا ~~نقدر عليه وأنت لا تصلح أسوة لنا لذلك كان لا بد أن يكون الرسول من جنس ~~المرسل إليهم أنفسهم حتى يكون أسوة لهم وقدوة. إن هذا هو ما يبطل الادعاء ~~بألوهية عيسى عليه السلام أو بنوته لله لأن عيسى عليه السلام طالبهم أن ~~يفعلوا مثله. وأراد الحق ببشرية الرسل أن يؤكد القدوة والأسوة في الرسل، ~~ولذلك قال: { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } لأن البشر ~~لا يستطيعون استقبال إشعاعات وإشراقات الملك لأنهم غير معدين ~~لاستقبال تلك الإشعاعات والإشراقات. ولذلك يقول الحق: { ولو ~~جعلناه ملكا... }. ### || [6.9] # إذن فلو أراد الله أن يبعث رسولا من الملائكة لجعله على هيئة البشر ~~لعدم استطاعتهم معاينة الملك على صورته الأصلية، وقد يهلكون عند رؤيته ~~{ وللبسنا عليهم ما يلبسون } أي ولخلطنا عليهم بتمثيله ~~رجلا ما يخلطون هم على أنفسهم فإنهم سيقولون - حينئذ - إنما أنت بشر ولست ~~بملك، وقد أنزل الله الملك على صورة البشر كما حدث مع خليل الله ~~إبراهيم عليه السلام يقول تعالى: # ونبئهم عن ضيف إبراهيم * إذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون * قالوا لا ~~توجل إنا نبشرك بغلام عليم # [الحجر: 51-53]. لقد أنزل الله الضيف من الملائكة على إبراهيم عليه ~~السلام فخاف منهم بعد أن قرب العجل ورآهم لا يأكلون إلى أن قالوا له ما ~~يطمئنه من خبر ببشارة من الله، بأن يولد له الغلام إسحاق من زوجته " سارة ~~" بعد أن رزقه ms2862 الله من قبل إسماعيل من " هاجر ". وكذلك أنزل الحق إلى ~~مريم البتول ملكا وتمثل لها بشرا سويا لينبئها بحملها بعيسى عليه ~~السلام. إذن فالملك يتجسد في صورة بشرية عندما يرسله الله في مهمة إلى ~~البشر لأن الملك لا يأتي إلى البشر على حقيقته. ومن امتنان الله على ~~رسوله أنه أعطى له الفرصة ليرى جبريل على حقيقته مرة عند سدرة المنتهى، ~~ومرة حين تجسد له على هيئة دحية الكلبي ومرة في صفة رجل مسافر جاء يسأل ~~الرسول عن الإسلام والإيمان، وحدثنا عنه عبدالله بن عمر قائلا: # " حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى ~~عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأسند ركبتيه إلى ركبيته ووضع كفيه على فخذيه. قال: يا محمد، أخبرني عن ~~الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم ~~رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت. قال: فعجبنا له ~~يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن نؤمن بالله وملائكته ~~وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: ~~فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك. قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. ~~قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة ~~العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال: ثم انطلق فلبثت ~~مليا ثم قال لي: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله وأعلم. قال: ~~إنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " # إذن، فنحن ببشريتنا لا نستطيع رؤية الملك إلا بعد أن يجسده الله بشرا. ~~ولذلك قال الحق: { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ~~وللبسنا عليهم ما يلبسون } إذن فاللبس موجود بدليل أن ~~الله ms2863 أرسل الملائكة في صوة بشر لإبراهيم عليه السلام ومريم ابنة عمران ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم وهو جالس بين قومه. ويسلي الحق سبحانه وتعالى ~~رسوله من بعد ذلك قائلا: { ولقد استهزىء... }. ### || [6.10] # هنا يخبر الله رسوله أن أهل الكفر كثيرا ما سخروا من قبل بالرسل ~~السابقين وأخزاهم الله بالعذاب الذي أنذر به أهل التكذيب للرسل، فالذين ~~يسخرون بخير السماء يحيطهم سبحانه بالعذاب جزاء لما كانوا يستهزئون. ~~ويقول الحق سبحانه وتعالى: { قل سيروا في الأرض... }. ### || [6.11] # نعلم أن الحق لم يقل أبدا: سيروا على الأرض لأن الأرض ظرف يسير فيه ~~الإنسان، والإنسان مظروف في الأرض. وقد حدث هذا البلاغ من الله قبل أن ~~نصل بالعلم إلى معرفة أن الأرض كروية ومعلقة في الهواء، والهواء يحيط ~~بها، وأن الهواء هو أقوات الإنسان بما فيه من أوكسجين وبما يغذي النبات ~~من ثاني أوكسيد الكربون، ونعلم أن الإنسان يصبر على الطعام لأسابيع ويصبر ~~على الماء لأيام ولا يصبر على انقطاع الهواء عنه للحظات. ولذلك لا يملك ~~الله الهواء لأحد أبدا، وهكذا عرفنا أن الهواء من جنس الأرض. وعندما يسير ~~الإنسان فالهواء يحيطه، وعلى ذلك فهو يسير في الأرض. وهذا من الإعجاز ~~الأدائي في القرآن ونقرأ قوله الحق: # فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين # [النحل: 36]. وهنا في سورة الأنعام يقول الحق سبحانه: { قل سيروا ~~في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } ~~[الأنعام: 11]. ما الفرق بين الاثنتين؟ خصوصا ونحن نعلم أن الفاء من ~~حروف العطف وكذلك " ثم " هي أيضا من حروف العطف وكلتاهما حرف يفيد ~~الترتيب، ولكن الفارق أن الفاء تعني الترتيب مع التعقيب أي من غير تراخ ~~ومضى مدة.. مثل قولنا: جاء زيد فعمرو، أي أن عمرا جاء من فور مجيء ~~زيد من غير مهلة. ولكن " ثم " تعني طول المسافة الزمنية الفاصلة بين ~~المعطوف والمعطوف عليه، فعندما يقول الحق: # فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة ~~المكذبين # [النحل: 36]. فكأن النظر والتدبر هو المراد من السير وبذلك يكون سير ~~الاعتبار. ويقول الحق: { قل ms2864 سيروا في الأرض ثم انظروا ~~كيف كان عاقبة المكذبين } يعني أن الإنسان قد يسير في ~~الأرض للتجارة أو الزراعة أو لأي عمل، وعليه أن يتفكر في أثناء ذلك وأن ~~يتأمل. إذن فهناك سير للاعتبار وسير للمصلحة. والسير للاعتبار يعني أن ~~يأخذ الإنسان العبرة مباشرة، أما السير للمصلحة فهو أن يأخذ الإنسان ~~العبرة ضمن المصلحة. وكان سير قريش بقوافلها إلى الشام واليمن يجعلها ~~قادرة على أن ترى آثار المكذبين سواء من أهل ثمود أو قوم عاد أو غيرهم. ~~وكان عليهم أن يأخذوا العبرة في أثناء سعيهم لتجارتهم. ويقول الحق لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم من بعد ذلك: { قل لمن ما في... }. ### || [6.12] # كأن الحق يعلم رسوله السؤال والجواب حتى يتعلم الناس من خلال ذلك أن ~~كل الملك لله لأنهم مهما بحثوا عن مالك للكون فلن يجدوا إلا الله، ~~حتى المكذبين منهم قال الحق عنهم: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر ~~الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون # [العنكبوت: 61]. وعلى الرغم من شركهم بالله لا يقدرون إلا على الإقرار ~~بأن الله هو خالق كل شيء لأن الإنسان قد يغتر بما لذاته من اختيار، لكن ~~عندما ينظر لما يقع على ذاته من اضطرار فهو يعترف فورا على الإيمان. وقد ~~يختار الإنسان أشياء لكن هناك أحداثا تقع عليه لا اختيار له فيها وذلك ~~لينبه الحق خلقه أنه فعال لما يريد وأنه يحكم هذا الكون وأن الاختيار ما ~~كان إلا ليختبر الإنسان نفسه باتباع تكاليف الله. والأحداث ثلاثة: حدث ~~يقع عليك، وحدث يقع فيك، وحدث يقع منك. وما يقع عليك ليس لك فيه اختيار، ~~وما يقع فيك لا اختيار لك فيه، ولا يبقى لك إلا ثلث الأحداث وهو ما يقع ~~منك. وأنت محكوم في ذلك بقوسين لا اختيار لك فيهما: قوس الميلاد وقوس ~~الموت، إذن فالأمر كله لله. ويطمئن الحق خلقه قائلا: { كتب على ~~نفسه الرحمة } وهو قول ليطمئن به الحق عباده حتى لا يظن ~~الناس أن الله يعاقبهم دون حساب لأنه الحليم ذو الفضل ms2865 وهو القائل: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا # [يونس: 58]. ويعفو سبحانه عن الكثير، وباب رحمته وفضله مفتوح ويفسح ~~التوبة لكل عاص. ومن فضل الله أنه جعل بعضا من الكفار يقفون في بداية ~~الإسلام ضد المسلمين ثم يكونون من بعد ذلك سيوفا للإسلام، وسبحانه ~~الرحيم الذي يجمعنا للحساب يوم القيامة الذي لا ريب فيه ولا شك، ونسير ~~جميعا مدفوعين إلى ذلك اليوم ويأتي الكافر على رغم أنفه، والمؤمن يتيقن ~~رحمة الله وفضله ويفرح بلقاء ربه. والكافر - والعياذ بالله - قد خسر نفسه ~~بعمله مصداقا لقوله الحق: { الذين خسروا أنفسهم فهم ~~لا يؤمنون } وخسران النفس مترتب على عدم الإيمان لأننا لو نظرنا ~~إلى الغايات وإلى الوسائل لوجدنا أن الوسيلة تأتي قبل الغاية، ولكن في ~~التحضير العملي الغاية تتضح قبل الوسيلة فالذي يستذكر إنما يستحضر في ~~ذهنه الغاية وهي النجاح، فيبذل الجهد لينجح لأننا نعلم أن كل شرط هو واقع ~~بين أمرين، بين جواب دافع، وجواب واقع فالنجاح دافع للمذاكرة، والمذاكرة ~~تجعل النجاح واقعا، ويقول ابن الرومي: # ألا من يريني غايتي قبل مذهبي # ومن أين والغايات بعد المذاهب؟ # وهذا القول منه غير سديد لأن الإنسان عليه أن ينتبه إلى الغاية وأن ~~يتعرف على الوسيلة التي توصله إلى الغاية، فإذا كانت الغاية أن يذهب ~~الإنسان إلى الله، والوسيلة هي المنهج، فلماذا الحيرة إذن؟ وهكذا نعلم أن ~~الذين لم يؤمنوا قد خسروا أنفسهم لأنهم لم يميزوا الغاية الدافعة وهي ~~الذهاب إلى الله والنزول على حكمه، عن الغاية الواقعة وهي الوسيلة، ~~وسبحانه قد يسرها لعباده إذ قد أتى لهم بالمنهج الذي يسيرون عليه. ويقول ~~الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك: { وله ما سكن في الليل ~~والنهار... }. ### || [6.13] # إن من عظمة الموجود الأعلى الواجب الوجود أنه يتكلم عن نفسه بضمير الغيب ~~وهو سبحانه القائل في أول بعض الآيات: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. و " قل " هي أمر، فكأن الحق حين يقول: " هو " فلا يمكن أن ~~تطلق " هو " إلا على الله ولا تنصرف إلا لله. { وله ما سكن في ms2866 ~~الليل والنهار } وكلمة " سكن " هي من مادة السين والكاف ~~والنون، وتأتي لمعان متعددة فتكون من السكنى أي الاستيطان، وتكون من ~~السكون الذي هو ضد الحركة. والمثال على الاستيطان هو قول الله لآدم: # اسكن أنت وزوجك الجنة # [البقرة: 35]. إن الحق سبحانه يقول هنا: { وله ما سكن في ~~الليل والنهار } فكأن الليل والنهار ظرف، وكل الوجود مظروف ~~فيه. وظرفية الليل والنهار تأتي على ظرفية المكان وهو الأرض. وكل مكان في ~~الأرض يأتي عليه الليل والنهار. فإن أردنا الاستيطان في السكن فهي ~~موجودة، وإن أردناها من السكون - وهو ضد الحركة - فهي موجودة ذلك أن كل ~~متحرك يؤول إلى ساكن، والإنسان سيد الحركة ثم يموت أو يسكن في الأرض. ~~وهكذا نرى أن الجنس الأعم الذي يشملهما معا هو { ما سكن } ولذلك قال ~~الحق: { وله ما سكن في الليل والنهار وهو ~~السميع العليم } [الأنعام: 13]. وحينما يقول: { وله ما ~~سكن في الليل والنهار } ، فهو يتكلم عن الزمان، واحتوائية ~~الزمان للزمانيات، أي للأشياء التي تحدث في هذا الزمان. والإنسان كما ~~نعلم حدث. وكل ما يطرأ عنه حدث، وكل ما في الكون حدث، وقد أحدثه الحق ~~الواجب الوجود. وما دام الحدث قد وجد فلا بد له من زمان ولا بد له من ~~مكان. أما مكان الحدث فهو السماء والأرض، وما بينهما. وأما زمان الحدث ~~فهو الليل والنهار. إذن فالحق قد تكلم عن خلق الزمان من بعد أن أعلن لنا ~~أنه خالق المكان. # قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله # [الأنعام: 12]. وهكذا نعلم أن الزمان والمكان قد وجدا عندما شاء الله ~~أن يحدث هذا الكون. ولا تقل أبدا أيها الإنسان: أين كان الله قبل أن ~~يخلق الكون؟ لأن " أين " هي بحث عن مكان، و " متى " هي بحث عن زمان. و " ~~أين " و " متى " إنما وجدتا بعد وجود الحدث في الكون. والكون هو ظرف قار ~~أي شيء ثابت. والزمان هو ظرف غير قار، لأنه يكون مرة ماضيا، ومرة يكون ~~حاضرا أو مستقبلا. والحق سبحانه عندما قال: { وله ما سكن ms2867 في ~~الليل والنهار } أي أن له الظرفين: القار وغير القار.. أي له - ~~سبحانه - الساكن وكذلك له ما يتحرك في الكون لأن كل متحرك يؤول أمره إلى ~~سكون. # أو أن قوله الحق: { وله ما سكن في الليل والنهار } أي ~~ما حل في الليل والنهار، أي له سبحانه ما حل في الليل والنهار متحركا ~~كان أو ساكنا. والحق يذيل هذه الآية بقوله: { وهو السميع ~~العليم } فالسمع متعلق بالمسموع أي الذي له حركة، والعلم متعلق ~~بالمسموع والمنظور والمشموم وكل شيء من آلات الإدراك لذا جاء قوله - ~~سبحانه -: { وهو السميع العليم } ليشمل المتحرك والساكن، ~~فسبحانه لا يعزب ولا يغيب عنه شيء. ونعلم أنه إذا أخبر الحق عن نفسه بصفة ~~من صفات يوجد مثلها في البشر فنحن نأخذها في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. فأنت أيها الإنسان لك سمع فيقال عنك: سميع. ولك علم ~~فيقال: عليم. ولك بصر فيقال: مبصر. ولك قدرة فيقال: قادر. وقد تكون ذا ~~مال وفير فيقال: غني. ولك وجود فيقال: موجود. وأنت حي فيقال: حي. لكن ~~أهذه الصفات التي فيك هي عين الصفات التي في الله؟ لا لأن صفات الله إنما ~~نأخذها في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. ونحن نشاهد ذلك في أنفسنا فالإنسان منا له حال حياة، وحال ~~موت. وفي حال الحياة له حالتان: حالة يقظة، وحالة نوم. وفي حالة اليقظة ~~نحن نرى بقانون البصر، ولهذا البصر حدود فهو محكوم بقانون الضوء، وكذلك ~~السمع محكوم بقانون الصوت والموجة والذبذبة. ومع ذلك فالإنسان ينام ويغمض ~~عينيه ويرى رؤيا فيها ألوان حمراء وخضراء وغيرها، فبأي شيء أدركت الألوان ~~وعينك مغمضة؟ إذن فما دام في البشر رؤيا بدون عين فلا تقل عن رؤيا الله ~~لنا إن له عيونا مثل عيوننا، بل هو يرى في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. إنه سبحانه وتعالى قيوم يحكم عباده في الزمان والمكان في ~~حالة يقظتهم وفي حالة نومهم. ومثال من حياتنا اليومية، نحن نجد الرجل ~~وزوجه ينامان في فراش واحد، وقد يرى الرجل في المنام أنه يواجه ms2868 أعداءه، ~~وترى الزوجة نفسها محاطة بسعادة الأبناء والأحفاد، ويستقيظ كل منهما ~~ليحكي ما رأى في أكثر من ساعة، على الرغم من أن مخ الإنسان لا يعمل في ~~أثناء النوم إلا لسبع ثوان. إذن، ففي النوم تلغى المعية وكذلك الزمن، ~~والمكان. فإذا كانت تلك هي القوانين التي تحكم الإنسان، فعلينا أن نعرف ~~أن خالق كل القوانين وهو الحق لا يمكن إدراك صفاته، وعلينا أن نأخذها في ~~إطار: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. ويقول الحق من بعد ذلك: { قل أغير الله... }. ### || [6.14] # والهمزة هنا في " أغير " يسمونها همزة الإنكار كقول قائل: أتسب أباك؟ ~~إنها ليست استفهاما بقدر ما هي توبيخ ولوم. وكذلك: { أغير الله ~~أتخذ وليا }. أي أن الحق يأمر رسوله أن يستنكر اتخاذ ولي غير ~~الله. إن اتخاذ الله كولي هو أمر ضروري لأن الإنسان تطرأ عليه أحداث تؤكد ~~له أنه ضعيف وله أغيار، وساعة ضعف الإنسان لا بد أن يأوي إلى من هو أشد ~~منه قوة ولا يتغير. إن الولي - وهو الله - قوته لا يمكن أن تصير ضعفا، ~~وغناه لا يمكن أن ينقلب فقرا، وعلمه لا يمكن أن يئول إلى جهل. إنه ~~مغير ولا يتغير. ولذلك فمن نعمة الله على خلقه أنه جعل من نفسه وليا ~~لهم، فهو صاحب الأغيار. والحق سبحانه وتعالى يعلم خلقه أن يكونوا أهل ~~حكمة يضعون الأمور في نصابها ويتوكلون عليه، فهو الحي الذي لا يموت. ~~ونلحظ أن الحق هنا يأمر رسوله بالبلاغ عنه. وتتجلى هنا دقة الأداء ~~القرآني فيأتي البلاغ كما نزل من الحق حرفيا. مثال ذلك قول الحق سبحانه: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. ويبلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالنص القرآني كما نزل ~~عليه، مبتدئا بكلمة " قل " ويبلغه الرسول لنا بأمانة البلاغ عن ربه. وهو ~~هنا يقول: { قل أغير الله أتخذ وليا }. وهو الإله الذي ~~جاءت كمالاته في الآيات السابقة الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات ~~والنور وله ما سكن في الليل والنهار، هذا الإله الحق هو الجدير بالعبادة. ~~ويريد الحق لرسوله أن يستخرج ms2869 من الناس الإجابة، لا أن يقول هو: لا أتخذ ~~وليا غير الله، وسبحانه يأمر رسوله أن يسألهم: { قل أغير الله ~~أتخذ وليا }. وليكن السؤال مطروحا منك يا رسول الله تبليغا عن ~~الله، وتعطى لهم الحرية في الإجابة، وسيكون الجواب كما تريد. وعندما يسمع ~~الإنسان مثل هذا السؤال لا بد أن يسأل نفسه ويدير عقله كي يجد جوابا. ~~ولن يجد الإنسان جوابا سوى أن يقول: ليس لي ولي غير الله فالولي هو ~~القريب الذي ينصر الإنسان في ضعفه، وإن استصرخه جاء لينقذه. ولا يستصرخ ~~الإنسان أحدا إلا إذا انتابه حادث جلل، فإذا ما جاء القوي ليغيث صاحبه ~~الصرخة فهو يطمئن إلى أن من جاءه سيعينه ويخلصه. واتخاذ الولي أمر فطري ~~في الكون، والأمر المنكر أن يجعل الإنسان لنفسه وليا غير الله. ونحن - ~~المؤمنين - يتخذ بعضنا بعضا أولياء في إطار الولاية لله مصداقا لقوله ~~الحق: # والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ~~أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم # [التوبة: 71]. ويتبادل المؤمنون والمؤمنات المحبة والنصرة طبقا للتعاقد ~~الإيماني بينهم وبين الحق سبحانه وتعالى، ويأمر بعضهم بعضا بأوامر ~~المنهج، وينهى بعضهم بعضا عن المحظورات التي حرمها الله ويتواصلون مع ~~الحق بإقامة الصلاة. ويؤدون حق الله في مالهم بالزكاة، ويطيعون الله ~~ويمتثلون أوامر رسوله، وهم بذلك ينالون وعد الله الحق بالرحمة، وهو ~~سبحانه القادر على رعايتهم، وهو حكيم في صيانتهم، عزيز لا يغلبه أحد. إذن ~~فأنت تطلب الولي لحظة الضعف، ولحظة الشدة، ولا يوجد إنسان استوت له كل ~~زوايا الحياة فيصير قويا لا يضعف أبدا، أو يصير غنيا لا يفتقر أبدا. ~~ونعلم أن الإنسان من الأغيار، فلم نر قويا ثبتت له قوته، ولا غنيا ثبت ~~له ثراؤه فالإنسان ابن الأغيار، وتأتي له حالات فوق قدرته لذلك فهو يسأل ~~عمن يعينه ويساعده. والمؤمن يحب أيضا أن يكون قويا ليساعد غيره لأن ~~الحق سبحانه وتعالى قد وزع المواهب على خلقه في الكون ليضمن بقاء الولاية ~~واستمراريتها، ms2870 فأنت في احتياج إلى عمل إنسان آخر لأنك ضعيف في ناحية ~~وغيرك قوي فيها، الطبيب يحتاج إلى المهندس، والمهندس يحتاج إلى الطبيب، ~~والطبيب والمهندس يحتاجان إلى الفلاح، والفلاح يحتاج إلى عمل المهندس ~~والطبيب، والطبيب والمهندس والفلاح يحتاجون إلى عمل المحامي. هكذا وزع ~~الله المواهب في الكون، ولم يجعل من إنسان مجمعا لكل المواهب. وذلك حتى ~~يتساند المجتمع لا بالتفضل والتكرم بل بتساند الحاجة. فكل إنسان هو سيد ~~في زاوية ما من زوايا الحياة، وبقية الزوايا يسودها غيره من البشر، ولذلك ~~يقول الحق سبحانه: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون # [الزخرف: 32]. هذا هو الإعلان من الله سبحانه وتعالى بأنه وزع المواهب ~~بين البشر ليتساندوا ويسخر بعضهم بعضا في قضاء حوائج بعضهم بعضا ~~لتنتظم أمور الحياة. وفي هذا التقسيم رحمة من الحق بالخلق. فلو تساوى ~~الناس في الذكاء، وصاروا كلهم من العباقرة، فمن هو الذي سيتولى أمور ~~تنظيم الشوارع؟ ومن الذي سيقوم بأعمال وصيانة المباني ورعاية وإطعام ~~الحيوان والقيام على أمره ونحو ذلك من الأمور التي لا تنتظم الحياة إلا ~~بها؟ وكلنا يرى الرجل الذي ينزح آبار المجاري ويخرج في الصباح قائلا: يا ~~فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم. ويطلب بئرا جديدا من المجاري لينزحه ~~حتى يكسب قوت نفسه وعياله. وكل منا مضطر ومحتاج إلى غيره، وهذا هو معنى: # ليتخذ بعضهم بعضا سخريا # [الزخرف: 32]. إذن فاتخاذ الولي هو أمر فطري. والإيمان بالله يعطينا ~~ذكاء اختيار الولي. فالإنسان المؤمن عليه أن يختار الولي الذي يجده عندما ~~يحتاج إليه لذلك فعليه أن يختار ولاية الله، ولا يختار ولاية الأغيار. ~~فيسخر الله للمؤمن حتى عدوه ليخدمه. لذلك يبلغنا الحق على لسان رسوله: { ~~قل أغير الله أتخذ وليا } والذين ينكرون علينا أن نتخذ ~~الله وليا ويريدون أن نتخذ غيره يرون في أنفسهم المثل. # . فقد يخيب رجاؤهم، فالإنسان منهم قد يتخذ إنسانا مثله وليا، وساعة ~~يحتاج إليه يجده مريضا، أو غائبا ms2871 أو تغير قلبه عليه، لكن المؤمن يختار ~~الله وليه لأنه الذي لا يغيب ولا يتغير، ولا يضعف. ولا ينكر القرآن أن ~~يتخذ الإنسان له وليا من البشر، ولكن الحق يدلنا على أنه الولي الحق، ~~وأن المؤمن عليه أن يتخذ إخوته المؤمنين أولياء له لأنها ولاية من الله ~~وفي الله. وأنت أيها المسلم حين تختار الحق سبحانه وتعالى وليا لك فهو ~~الذي يحضر لك كل زوايا المواهب ويعدها ويهيئها لتكون في خدمتك لأنه ~~سبحانه وتعالى: { فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ~~ولا يطعم } وقد خلق السماوات والأرض على غير مثال. وسبحانه قد أبدع ~~هذا الكون دون نموذج مسبق. وحين أراد سيدنا عيسى عليه السلام أن يثبت ~~لقومه معجزته جاء بالطين وجعله كهيئة الطير، إذن فهناك مثال سبقه ووجده ~~واتبعه. وعيسى إنسان من الخلق، أما خالق كل الخلق فقد خلق السماوات ~~والأرض على غير مثال. وأنت أيها الإنسان قد لا تلتفت إلى مسألة خلق ~~السماوات والأرض لأنك تراهما كل لحظة بصورة رتيبة، وقد تظن أنها مسألة ~~سهلة، ولكن الحق سبحانه يقول: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. وهو سبحانه يقسم أن خلق السماوات والأرض مسألة أكبر وأدق من ~~خلق الناس لكن أكثر الناس لا تعلم ذلك. فسبحانه وتعالى يقول: # والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون # [الذاريات: 47]. وفي قوله { وإنا لموسعون } إشارة إلى خلق هذا ~~الكون المرئي وغير المرئي لأن هناك الكثير من الأجرام والمجموعات ~~الشمسية، وما وراء ذلك من اتساع ذلك الكون ما لا يدركه العقل ولا يمكنه ~~تحديده، وهذه السعة المذهلة هي من قدرة الله سبحانه وتعالى. { وإنا ~~لموسعون }. ونجد الحق يستخدم كلمة " فاطر " مرة في شيء مصلح، ~~وأخرى في شيء مفسد. والمثال للشيء المصلح هو ما يقوله الحق هنا: { ~~فاطر السماوات والأرض } أي أنه خالق السموات والأرض على غير ~~مثال سابق وباقتدار محكم. ويقول الحق سبحانه في موضع آخر: # إذا السمآء انفطرت # [الانفطار: 1]. أي أن الحق ينبه هنا إلى يوم الهول الأعظم الذي تنشق فيه ms2872 ~~السماء وتتساقط فيه الكواكب فلا يؤدي أي شيء منها مهمته لأن الله - ~~سبحانه - سلبها ما كانت به صالحة. ويقول أيضا: # الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من ~~فطور # [الملك: 3]. فالحق لا يعجز عن شيء، وهو الخالق لسبه سماوات بإتقان بعضها ~~فوق بعض، فلا يرى الناظر أي خلل في هذا الخلق، وليعد الإنسان النظر إلى ~~السماء فلن يجد أي خلل من شقوق أو فروق. # و " فطور " هنا معناها شقوق. إذن فالحق - بتمام قدرته - يعطي الشيء من ~~الصفات ما يجعله صالحا لأداء ما خلق له فلا يظنن ظان أنه خرج عن قدرة ~~خالقه - سبحانه - وخلق السموات والأرض بتمام إبداع وإحكام، وهو القادر ~~على أن يفطرهما ويجعلهما غير صالحتين في أي وقت شاء، ومثلهما الشمس ~~تكور، والنجوم تطمس، والجبال تنسف. وقال عالم من العلماء: ما فهمت ~~كلمة " فاطر " إلا حين جاء أعرابي، وقال فلان ينازعني في بئر أنا فطرته. ~~أي أن الأعرابي هو الذي بدأ حفر البئر. إذن فاطر السموات والأرض.. أي ~~الذي خلقهما على غير مثال. وسبحانه وتعالى القائل: # أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض ~~كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من المآء كل ~~شيء حي أفلا يؤمنون # [الأنبياء: 30]. وهذا القول الحكيم لم يصل إلى فهمه العميق من سبقونا، ~~لكن إنسان هذا العصر الذي نعيشه فهمها بعد أن توصل العلماء إلى أن ~~السموات والأرض كانتا كتلة واحدة وفصلهما الحق بإرادته. وجعل من الماء ~~حياة لكل كائن حي. إذن هو سبحانه قادر على كل شيء، ولا يخرج شيء عن نطاق ~~قدرته. وهو سبحانه قبل أن يمتن علينا بخلق الحياة فهو يحذرنا أن يأخذنا ~~الغرور بهذه الحياة، ولذلك قال: # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور # [الملك: 1-2]. وكأنه ينبه الإنسان إلى أن يستقبل الحياة، ليعرف أنه ~~سبحانه أوجد ناقض الحياة وهو الموت، فإياك أن تأخذ الحياة على أنها تعطيك ~~قوة الحركة ms2873 والإدراك والإرادة برتابة وأبدية لأن هناك ناقض الحياة وهو ~~الموت. وها هو ذا سبحانه يقول في موضع آخر من القرآن الكريم: # أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن ~~بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ~~ما لا تعلمون # [الواقعة: 58-61]. والإنسان لا يرى الحيوانات المنوية المقذوفة منه في ~~رحم زوجه، ولا أحد يقدر على ذلك ويرعاه حتى يصير جنينا ثم بشرا، ولكن ~~الحق هو المقدر والخالق، إنه القادر الذي أعطانا الحياو وقدر علينا ~~الموت ولا غالب له، إنه يبدل صورنا حين يريد، ويخلق غيرنا وينشئنا في صور ~~لا نعرفها، وهو الواهب للحياة، وهو الذي ينزعها بالموت. ويقول لنا: # أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة: 63-64]. هنا ينبهنا جل وعلا إلى أن الزرع الذي نأكله، والثمار ~~التي نجنيها من الأرض ليس لنا فيها إلا إلقاء البذور، وهو سبحانه الذي ~~أودع في البذرة عجائب مختزنة، ففي البذرة ما يقيتها إلى أن يوجد لها جذير ~~يمتص غذاءها من الأرض، فتنمو لها ساق، ثم تقوى الجذور، وتشتد الساق. # ولا عمل للإنسان إلا إلقاء البذرة وحرث الأرض. ومع ذلك احترم الحق عمل ~~الإنسان فقال: # أفرأيتم ما تحرثون # [الواقعة: 63]. وعن الماء يقول الحق: # أفرأيتم المآء الذي تشربون * أأنتم ~~أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء ~~جعلناه أجاجا فلولا تشكرون # [الواقعة: 68-70]. هذا الماء العذب الذي نشربه إنما أنزله الله من ~~السحاب الممطر، وعملية الإمطار هذه غاية في التعقيد. والماء الساري في ~~الأنهار إنما جاء من المطر الذي تم إنزاله من السماء. فقد أرسل الحق أشعة ~~الشمس لتبخر الماء من البحار، وتتجمع في سحب ثم يجري الله عليها أمره من ~~مرور تيارات هواء باردة فتسقط مطرا. ونحن عندما نقطر كوب ماء في معمل، ~~نأتي بموقد وإناء ووقود، ونضع الماء المراد تقطيره فيتبخر، ثم نكثف قطرات ~~البخار بواسطة تيار من الهواء البارد. ومثل هذه العملية تكلفنا الكثير من ~~العمل الذهني والمادي لبناء مثل هذا الجهاز حتى نقطر ms2874 كوبا من الماء، فما ~~بالنا بالمطر الذي ينزل مدرارا وسيولا. إننا نجد ثلاثة أرباع الكرة ~~الأرضية من ماء، إنه - سبحانه - بسطه على رقعة واسعة، حتى يسهل البخر. ~~وإذا ما نثرنا كوب ماء على سطح متسع في أبرد مكان فلسوف يتبخر. وهذا ~~الانتشار المسطح للمياه هو الذي يسهل عملية البخر. ويصعد البخار من مياه ~~المحيطات والبحر إلى أعالي الجو ثم يتكثف في صورة قطرات صغيرة من الماء ~~تتساقط كمطر يتفاوت من منطقة إلى أخرى. وسبحانه قد أعد لكل أمر عدته. ~~وهو أيضا القادر على أن يذهب صلاح هذا الماء. ويقول لنا الحق: # أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم ~~شجرتهآ أم نحن المنشئون * نحن جعلناها تذكرة ~~ومتاعا للمقوين # [الواقعة: 71-73]. ويذكرنا هنا سبحانه بأنه الذي خلق النار التي نشعلها، ~~وقد جاء بالمصدر الأول للوقود، وهي الأخشاب التي كانت أشجارا خضراء وبعد ~~ذلك جفت وصارت أخشابا نوقدها ونشعل فيها النار. وفي كل ذلك تتجلى لنا ~~قدرة الحق سبحانه وتعالى، فنسبح باسمه العظيم: # فسبح باسم ربك العظيم # [الواقعة: 74]. وننزهه سبحانه وتعالى عن أن يكون له شريك في أمور الخلق ~~والكون. إذن فعندما يقول الحق سبحانه مبلغا رسوله: { قل أغير ~~الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو ~~يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول ~~من أسلم ولا تكونن من المشركين } [الأنعام: 14]. ~~هذا السؤال يجبرنا على أن ندير أمر اختيار الولي في رءوسنا وأن نعمل ~~أفكارنا، وأن نعرف أن اتخاذ الولي أمر وارد على النفس البشرية، ولكن من ~~الذي يستحق أن نتخذه وليا؟ ونجد في تربية الحق لنا ما يعيننا على ~~استنباط الفكرة السليمة والرأي الرشيد حين يقول لنا: # وتوكل على الحي الذي لا يموت # [الفرقان: 58]. ونعلم أن الإنسان لو اتخذ وليا من البشر فهذا عرضة ~~للموت، فتحس أيها الإنسان أنك وحيد في هذا الكون، ولكنك عندما تتوكل على ~~الله فهو حي لا يموت أبدا، وهو سبحانه: { فاطر السماوات ~~والأرض وهو يطعم ولا يطعم } وهو الذي خلق السماوات ~~والأرض على غير مثال، وهو الذي ms2875 يطعمنا من مطمور كنوز الأرض التي أرادها ~~قوتا لنا. ولماذا جاء الحق هنا بمسألة الطعام؟ إن الطعام لون من الرزق، ~~والرزق - كما نعلم - رزق ينتفع به مباشرة ورزق يأتي لنا بما ننتفع به ~~مباشرة. فلو إن إنسانا في صحراء ومعه جبل من الذهب الخالص ولم يجد كوب ~~من ماء ولا رغيف خبز، فجبل الذهب لا يساوي شيئا. إن جبل الذهب رزق ولكن ~~لا ينتفع به مباشرة. والرزق الذي ننتفع به مباشرة هو الطعام والشراب ~~والكسوة. ونحن نحتاج إلى الطعام والشراب كل يوم، ونحتاج إلى ملابس جديدة ~~مرة كل ستة أشهر في المتوسط. إذن فالرزق المباشر هو المقوم الأساسي ~~للحياة. والولي الذي ينصر لا بد أن تتوافر فيه القدرة على الإطعام الذي ~~يمدنا بالقدرة التي هي أساس الحياة إنها طاقة استمرار الإنسان على الأرض. ~~فالأم تطعم طفلها وهي تطعم أيضا بما يأتيها زوجها من طعام. والحق ~~سبحانه وتعالى وحده هو الذي يطعم كل الخلق ولا يطعمه أحد.. وحينما ~~نسلسل كل عطاء في الدنيا نجده يئول إلى الله تعالى. إذن فلا تجعل وليك ~~في الوسائط، بل اجعله في الغايات لأن الوسائط كلها راجعة في الحقيقة إلى ~~الله، ويأتي الأمر من الحق لرسوله: { قل إني أمرت أن أكون ~~أول من أسلم ولا تكونن من المشركين }. وهذا ~~الأمر يجيء من الآمر الأعلى وهو الله. فالرسول لم يقل: إن هذا الأمر منه ~~لأنه بشر مثلنا، وسبحانه أبلغ رسولنا أن يكون هو أول من أسلم، وأن ينال ~~شرف الالتزام بمبادئ الإسلام، والمثال على ذلك أن كل قائد مسلم هو القدوة ~~لغيره، فها هو ذا طارق بن زياد الذي فتح الأندلس وهي ملك عريض، ونزل من ~~السفن وقال لجنوده: أنا لم آمركم أمرا عنه بنجوة - أي أنا بعيد عنه - ~~بل أنا معكم، واعلموا أني عندما يلتقي الجمعان حامل بنفسي على طاغية ~~القوم " لزريق " فقاتله إن شاء الله. إنه لم يأمر بأمر لم يطبقه على ~~نفسه، بل طبقه على نفسه أولا، وآفة الأوامر أن كل إنسان يأمر أمرا ms2876 ولا ~~يطبقه على نفسه. ومن قبل ذلك كان سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~قد حكم نفسه أولا فحكم الدنيا، لقد جمع أقاربه أولا وقال لهم: إني ~~سأشرع للمسلمين، والذي نفسي بيده من خالفني منكم إلى شيء فيه لأجعلنه ~~نكالا للمسلمين. # لقد أراد عمر - رضوان الله عليه - أن يحكم أقاربه أولا ضاربا المثل ~~لولي أي أمر ليحكم أقاربه أولا، وأن يحذرهم أن يستغلوا اسمه، ليستقيم ~~الأمر بين المسلمين لأن الآفة أننا نجد الكثير من الناس تتكلم في ~~الإسلام، ويريد كل إنسان من غيره أن يكونوا مسلمين بينما هو لا يطبق على ~~نفسه مبادئ الإسلام. والحق سبحانه وتعالى أنزل لرسوله الأمر: { قل ~~إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن ~~من المشركين }. ومعنى " أسلم " أي ألقى زمام حياته إلى من يثق في ~~حكمته وعدله وهو الحق سبحانه وتعالى. وعندما كنا صغارا كنا نلقي زمام ~~أمورنا لمن يتولى تربيتنا، ونرى الآباء والأمهات وهم يتعبون ويشقون، نطيع ~~أوامرهم إلى أن نصل إلى المراهقة فتنمو فينا الذاتية، ونجد المراهق وهو ~~يرفض مثلا ارتداء البنطلون القصير ويرتدي البنطلون الطويل. ويختار ألوان ~~ملابسه في ضوء الأزياء الحديثة السائدة. وبعد ذلك يبدأ الشاب في إدارة ~~أموره بنفسه. وآفة حياتنا أننا نهمل تربية الأبناء وهم صغار، ثم نأتي ~~لنقول: هيا لنربي الشباب متناسين أن الشباب مرحلة تمتلئ بطاقة يمكن أن ~~يستغلها المجتمع، والتربية السليمة زمانها الطفولة. { قل إني ~~أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من ~~المشركين }. وها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل عن رب ~~العزة، ويخبرنا أنه صلى الله عليه وسلم أول المسلمين، وأنه تلقى الأمر ~~بعدم الشرك بالله. فإياكم أيها المسلمون أن تتعاظموا على مثل هذا الأمر ~~لأن المصطفى المختار هو أول من أمره الحق بذلك، وإياك أيها المسلم أن تجد ~~غضاضة في أن تتلقى أمرا من خالقك لأن الغضاضة قد تأتيك عندما يصدر إليك ~~أمر من مساو لك، لكن التوجيه الصادر من الحق لا بد أن يلزمك وترتضيه ms2877 ~~نفسك ويطمئن به قلبك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجهد نفسه عندما ~~يقابل حادثة ليس فيها حكم الله، ويأتي الرسول صلى الله عليه وسلم بحكم من ~~عنده، فإن كان الحكم صحيحا فإن الحق ينزل من القرآن ما يؤكده، وإن احتاج ~~الحكم إلى تعديل، فإن الحق سبحانه ينزل التعديل اللازم للحكم، ويبلغنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعديل الحق سبحانه وتعالى له ولا يجد ~~غضاضة في ذلك، بل يبلغنا ببشاشة وصدق وأمانة أنه البلاغ عن الله. والحق ~~سبحانه وتعالى قد من على رسوله صلى الله عليه وسلم عندما لم يعدل في ~~الحكم احتراما لاجتهاده صلى الله عليه وسلم فيقول سبحانه: # عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك ~~الذين صدقوا وتعلم الكاذبين # [التوبة: 43]. لقد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض المنافقين ~~بالتخلف عن القتال قبل أن يتبين أمرهم ليعلم الصادق منهم - في عذره - من ~~الكاذب. وجاء العفو من الله لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتهد ببشريته ~~وأبلغنا الرسول بما أنزله الله. ونحن في حياتنا اليومية - ولله المثل ~~الأعلى - نفتح كراسة الابن فنجد أن فيها شطبا بالقلم الأحمر، فنسأل ~~الابن: من الذي فعل ذلك؟ فيقول الابن: صوب لي المدرس الأول هذا الموضوع. ~~هو لم يتحدث عن تصويب المدرس، ولكن عن تصويب من هو أعلى من المدرس. وهذا ~~شرف للتلميذ. فما بالنا بالمصوب الأعلى سبحانه وتعالى. وها هو ذا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم يتلقى عن الله: { قل إني أخاف إن ~~عصيت... }. ### || [6.15] # إنه الرسول المصطفى والمجتبى والمعصوم يعلن أنه يخاف الله لأن قدر الله ~~لا يملكه أحد، ولا يغير قدر الله إلا الله سبحانه وتعالى. وقد علق الخوف ~~على شرط هو عصيان الله. لكن ما دام لم يعص ربه فهو لا يخاف. ووجود " إن " ~~يدل على تعليق على شرط ولا يتأتى ذلك من الرسول المعصوم لأنه لا يعصي ~~الله. وقد أراد الحق أن يبين لنا أن المعصوم لا يتأتى منه عصيان الله. ~~لكن هذا القول يأتي ms2878 على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لنعلم أن هناك ~~عذابا عظيما توعد به الله من يعصيه. وهو عذاب يلح على العاصي حتى يأتي ~~إليه. ولهذا العذاب خاصية أن تكون بينه وبين العاصي جاذبية كجاذبية ~~المغناطيس لغيره من المواد. ونجاة الإنسان من العذاب تحتاج إلى من يصرف ~~عنه هذا اللون القاسي من العذاب، يقول الحق سبحانه عنه: { من يصرف ~~عنه يومئذ فقد رحمه... }. ### || [6.16] # فكأن من لا يصرف عنه هذا العذاب هو من ينجذب إلى قوة العذاب لأن لنار ~~جهنم شهيقا يجذب ويسحب إليه الذين قدر عليهم العذاب ويقول سبحانه: # وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس ~~المصير * إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي ~~تفور # [الملك: 6-7]. والذين يكفرون بالله لهم العذاب الذي يبدأ بسماع شهيق ~~جهنم في أثناء فورانها. والشهيق كما تعلم هو قوة تجذب وتسحب الهواء إلى ~~الأنف والصدر، فما بالنا بقوة شهيق جهنم وهي تسحب وتجذب الذين وقع عليهم ~~الأمر بالعذاب؟ وهذه النار نفسها ترد على سؤال الحق لها عندما تسمع قوله: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30]. إذن فقوة العذاب التي جعلها الله مهمة لجهنم هي التي تلح ~~وتندفع لطلب المزيد من عقاب الكافرين. وسبحانه خلق كل شيء ليؤدي مهمة، ~~والنار مهمتها أن تمتثل لأمر الحق تبارك وتعالى عندما يأمرها بمباشرة ~~مهمتها لذلك فهي تلح في طلب الذين سيتلقون العذاب، ولا تخرج النار أبدا ~~عن أمر الله وقدره، فإن صرف الحق العذاب عن عبد من العباد فالنار تمتثل ~~لذلك الأمر. { من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه } ~~وسبحانه فعال لما يريد، وهو إن حاسبنا بالعدل فكل منا سيمسه شيء من عذاب ~~جهنم ولكن رحمة الله هي التي تجعل النار لا تمس المؤمنين لأنه سبحانه ~~وتعالى يعفو عن كثير ولأن للنار شهيقا، فهي تستنشق المكتوب عليهم ~~العذاب، ونعلم أن الشهيق يتم بسرعة أكبر من الزفير. والشهيق في الحياة ~~يكون للهواء. والسبب ازدياد سرعة الشهيق عن الزفير أن في الشهيق مهمة ~~استدامة الحياة الأولى ms2879 وهي إمداد الجسم بالهواء، والإنسان - كما نعلم - ~~لا يصبر على الهواء إلا لأقل مدة ممكنة. ومن رحمة الله أنه لم يملك ~~الهواء لأحد. وهذا الشهيق الذي يعطي الحياة في الأرض يوجد - أيضا - في ~~الآخرة وهو منسوب إلى النار، إنها تشهق لتبتلع العصاة، وهي بذلك تؤدي ~~مهمتها الموكولة لها. ونعرف أيضا أن النار تؤدي مهمتها بغيظ طبقا لما ~~قاله الحق سبحانه: # تكاد تميز من الغيظ # [الملك: 8]. فهل تؤدي النار مهمتها وهي غير راضية عنها؟ وهل تختلف النار ~~عن كل كائنات الحق التي تؤدي مهمتها بسعادة وانسجام؟ إن النار تميز ~~من الغيظ لأن الكافر من هؤلاء لم يعرف قيمة الإيمان، وللنار مشاعر مثل ~~بقية المخلوقات. وللكون كله مشاعر فالكون - على سبيل المثال - قد فرح ~~بميلاد محمد صلى الله عليه وسلم فالأرض والسماء والنجوم والشجر وكل الكون ~~فرحت بمقدم الرسول الكريم لأن كل هذه الكائنات مسخرة للإنسان وهي مسبحة ~~لله وطائعة بطبيعتها، مثلما يأتي البشير ليهدي الإنسان إلى الصراط ~~المستقيم ليجعله طائعا، فهي تفرح بمقدم هذا البشير. # ونعرف أن المكان يوجد به الإنسان، هذا المكان يفرح إن كان الإنسان فيه ~~طائعا، وهذا المكان نفسه يحزن إن كان الإنسان عاصيا، ويضج المكان - أي ~~مكان - بوجود أي عاص فيه. ونرى ذلك واضحا في قول الحق سبحانه وتعالى عن ~~قوم فرعون: # كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ~~ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها ~~قوما آخرين * فما بكت عليهم السمآء والأرض وما ~~كانوا منظرين # [الدخان: 25-29]. والأرض التي كان بها قوم فرعون كان لها مشاعر، والجنات ~~والأنهار والعيون وكل النعم التي ينعم بها الإنسان لها مشاعر وأحاسيس، ~~وهي تغضب وتسخط وتضج بوجود الكافرين بنعمة الله فيها، ولذلك لا تبكي ~~السماء والأرض على الخسف والتنكيل بهؤلاء العصاة الكافرين المشركين. ~~بينما تبكي السماء والأرض إن فارقها مؤمن، ولنا في قول الإمام علي - كرم ~~الله وجهه - إيضاح لهذا فقد قال: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع ~~في السماء، وموضع في الأرض. أما موضعه في السماء فهو مصعد ms2880 عمله الطيب، ~~وأما موضعه في الأرض فهو موضع مصلاه. وفي الحديث: # " إذا مات أحدكم عرض عليه مقعد بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة ~~فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك ~~حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة ". # إذن فموضع صعود عمل الإنسان في السماء يحزن لأن هناك فقدانا لعمل صالح ~~يمر فيه، وموضع صلاة الإنسان يفقد سجود إنسان خشوعا لله، ولكل الكائنات ~~المخلوقة لله مشاعر، وكل شيء في الكون يؤدي مهمته بقانون التسيير ~~والتسخير لا قانون التخيير، الإنسان - فقط - هو الذي يحيا بقانون التخيير ~~في بعض أحواله لأنه قادر على الطاعة، وقادر على المعصية. ولذلك فعندما ~~نرى السجود لله في القرآن فإننا نسمع قول الحق: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم ~~إن الله يفعل ما يشآء # [الحج: 18]. إذن فكل الكائنات تسجد له ما عدا كل أفراد الإنسان فكثير ~~منه يسجد لله وكثير منه يحق عليه العذاب لأنه لا يطيع الحق. ومن يعص منهج ~~الله غير مؤمن به يطرده الله من رحمته، ومن يهنه الله بذلك فليس له تكريم ~~أبدا. وقد أجمع الكون على السجود لله، إلا الإنسان فمنه الصالح المنسجم ~~بعمله مع خضوع الكون لله، ويفرح به الكون، ومنه يغضب منه الكون لأنه يعصي ~~الله. إن اللغة العربية توضح لنا ذلك فالعرب يقولون: فلان نبت به ~~الأرض من النبوة وهي الجفوة والبعد والإعراض. # . أي أن الأرض تكره شخصا بعينه لأنه لا انسجام للأرض مع كائن عاص. ~~ويقول الحق عن الذين يصرف عنهم العذاب من فرط رحمته بعباده لأنهم أطاعوه ~~وكانت معاصيهم تغلبهم في بعض الأحيان فيتوبون عنها:BR> { من يصرف ~~عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين } ~~[الأنعام: 16]. ونعلم أن هذا الفوز هو أرقى درجات الفوز ذلك أن الفوز ~~درجات فالفوز في الدنيا كالنجاح أو المال أو ms2881 غير ذلك هو فوز معرض لأن ~~يضيع. وهو عرضة لأن يترك الإنسان أو يتركه الإنسان، لكن فوز الآخرة هو ~~الفوز الدائم الذي لا ينتهي. وهذا هو الفارق بين نعم الدنيا ونعم الآخرة، ~~والإنسان يتنعم في الدنيا على قدر تصوره للنعيم، فنجد الريفي - مثلا - ~~يتصور النعيم أن تكون له مصطبة أمام داره يجلس عليها، وعدد من القلل ~~التي تمتلئ بالماء النقي، فإذا ما انتقل هذا الريفي إلى المدينة فهو ~~يتصور النعيم في منزل متسع فيه أثاث فاخر وأدوات كهربائية من ثلاجة وغير ~~ذلك، إذن فإمكانات النعيم مختلفة على حسب تصور الإنسان، أما نعيم الآخرة ~~فهو نعيم لا يفوته الإنسان ولا يفوت الإنسان لأنه نعيم من صنع الخالق ~~الواسع والعطاء.. إن الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على ~~قلب بشر، ولذلك فالفوز بنعيم الآخرة هو الفوز المبين. والحق سبحانه ~~وتعالى هو المحيط بكل شيء علما واقتدارا: { وإن يمسسك الله ~~بضر... }. ### || [6.17] # والضر هو ما يصيب الكائن الحي مما يخرجه عن استقامة حياته وحاله. فعندما ~~يعيش الإنسان بغير شكوى أو مرض ويشعر بتمام العافية فهو يعرف أنه سليم ~~الصحة لأنه لا يشعر بألم في عيونه أو ضيق في تنفسه أو غير ذلك، لكن ساعة ~~يؤلمه عضو من أعضاء جسمه فهو يضع يده عليه ويشكو ويفكر في الذهاب إلى ~~الطبيب. إذن فاستقامة الصحة بالنسبة للإنسان هي رتابة عمل كل عضو فيه ~~بصورة لا تلفته إلى شيء. ويلفت الحق أصحاب النعم عندما يرون إنسانا من ~~حولهم وقد فقد نعمة ما، فساعة تسير في الشارع وترى إنسانا فقد ساقه فأنت ~~تقول: " الحمد لله " لأنك سليم الساقين. كأنك لا تدرك نعمة الله في بعض ~~منك إلا إن رأيتها مفقودة في سواك. وهكذا نعلم أن من الآلام والآفات ~~منبهات للنعم. وأيضا قد تصيب منغصات الحياة الإنسان ليعلم أنه لم يأخذ ~~نعم الله كلها فيقول العبد لحظتها: يا مفرج الكروب يارب، ولذلك تجد ~~الإنسان يقول: " يارب " حينما تأتيه آفة في نفسه ويفزع إلى الله. ms2882 وقد ~~قالها الله عن الإنسان: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما ~~كانوا يعملون # [يونس: 12]. فالإنسان عندما يحس ضعفه إذا ما أصابه مكروه لا يمل دعاء ~~الله، سواء أكان الإنسان مضطجعا أم قاعدا أم قائما، وعندما يكشف الحق ~~عنه الضر قد ينصرف عن جانب الله، ويستأنف عصيان الله وكأنه لم يدع الله ~~إلى كشف الضر، وهذا هو سلوك المسرفين على أنفسهم بعصيان الله. والنفس أو ~~الشيطان تزين للعاصي بعد انكشاف الضر أن يغوص أكثر وأكثر في آبار المعاصي ~~وحمأة الرذيلة. وقد ينسب الإنسان كشف الضر لغير الله، فينسب انكشاف الضر ~~إلى مهارة الطبيب الذي لجأ إليه، ناسيا أن مهارة الطبيب هي من نعم الله. ~~أو ينسب أسباب خروجه من كربه إلى ما آتاه الله من علم أو مال، ناسيا أن ~~الله هو واهب كل شيء، كما فعل قارون الذي ظن أن ماله قد جاءه من تعبه ~~وكده وعلمه ومهارته، ناسيا أن الحق هو مسبب كل الأسباب، ضرا أو نفعا، ~~فسبحانه هو الذي يسبب الضر كما يسبب النفع. ويلفت الضر الإنسان إلى نعم ~~الحق سبحانه وتعالى في هذه الدنيا. وإذا ما رضي الإنسان وصبر فإن الله ~~يرفع عنه الضر لأن الضر لا يستمر على الإنسان إلا إذا قابله بالسخط وعدم ~~الرضا بقدر الله. ولا يرفع الحق قضاء في الخلق إلا أن يرضى خلق الله بما ~~أنزل الله، والذي لا يقبل بالمصائب هو من تستمر معه المصائب، أما الذي ~~يريد أن يرفع الله عنه القضاء فليقبل القضاء. # إن الحق سبحانه يعطينا نماذج على مثل هذا الأمر فهاهوذا سيدنا إبراهيم ~~عليه السلام يتلقى الأمر بذبح ابنه الوحيد، ويأتيه هذا الأمر بشكل قد ~~يراه غير المؤمن بقضاء الله شديد القسوة، فقد كان على إبراهيم أن يذبح ~~ابنه بنفسه، وهذا ارتقاء في الابتلاء. ولم يلتمس إبراهيم خليل الرحمن ~~عذرا ليهرب من ابتلاء الله له، ولم يقل: إنها ms2883 مجرد رؤيا وليست وحيا ~~ولكنها حق، وقد جاءه الأمر بأهون تكليف وهو الرؤيا، وبأشق تكليف وهو ذبح ~~الابن، ونرى عظمة النبوة في استقبال أوامر الحق. ويلهمه الله أن يشرك ~~ابنه اسماعيل في استقبال الثواب بالرضا بالقضاء: # فلما بلغ معه السعي قال يبني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يأبت ~~افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين # [الصافات: 102]. لقد بلغ إسماعيل عمر السعي في مطالب الحياة مع أبيه حين ~~جاء الأمر في المنام لإبراهيم بأن يذبح ابنه، وامتلأ قلب إسماعيل بالرضا ~~بقضاء الله ولم ينشغل بالحقد على أبيه. ولم يقاوم، ولم يدخل في معركة، بل ~~قال: # يأبت افعل ما تؤمر # [الصافات: 102]. لقد أخذ الاثنان أمر الله بقبول ورضا لذلك يقول الحق ~~عنهما معا: # فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن ~~يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي ~~المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * ~~وفديناه بذبح عظيم # [الصافات: 103-107]. لقد اشترك الاثنان في قبول قضاء الله، وأسلم كل ~~منهما للأمر أسلم إبراهيم كفاعل، وأسلم إسماعيل كمنفعل، وعلم الله صدقهما ~~في استقبال أمر الله، وهنا نادى الحق إبراهيم عليه السلام: لقد استجبت ~~أنت وإسماعيل إلى القضاء، وحسبكما هذا الامتثال، ولذلك يجيء إليك وإلى ~~ابنك اللطف، وذلك برفع البلاء. وجاء الفداء بذبح عظيم القدر، لأنه ~~ذبح جاء بأمر الله. ولم يكتف الحق بذلك ولكن بشر إبراهيم بميلاد ~~ابن آخر: # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # [الصافات: 112]. لقد رفع الله عن إبراهيم القدر وأعطاه الخير وهو ولد ~~آخر. إذن فنحن البشر نطيل على أنفسنا أمد القضاء بعدم قبولنا له. لكن لو ~~سقط على الإنسان أمر بدون أن يكون له سبب فيه واستقبله الإنسان من مجريه ~~وهو ربه بمقام الرضا، فإن الحق سبحانه وتعالى يرفع عنه القضاء. فإذا رأيت ~~إنسانا طال عليه أمد القضاء فاعلم أنه فاقد الرضا. ونلحظ أن الحق هنا ~~يقول: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير } ~~الله سبحانه ms2884 وتعالى يعلم أن أي عبد لا يتحمل أن يضره الحق فقوة الحق لا ~~متناهية ولذلك يكون المس بالضر، وكذلك بالخير فالإنسان في الدنيا لا ينال ~~كل الخير، إنما ينال مس الخير فكل الخير مدخر له في الآخرة. # ونعلم أن خير الدنيا إما أن يزول عن الإنسان أو يزول الإنسان عنه، أما ~~كل الخير فهو في الآخرة. ومهما ارتقى الإنسان في الابتكار والاختراع فلن ~~يصل إلى كل الخير الذي يوجد في الآخرة، ذلك أن خير الدنيا يحتاج إلى ~~تحضير وجهد من البشر، أما الخير في الآخرة فهو على قدر المعطي الأعظم وهو ~~الله سبحانه وتعالى. إذن فكل خير الدنيا هو مجرد مس خير لأن الخير الذي ~~يناسب جمال كمال الله لا يزول ولا يحول ولا يتغير، وهو مدخر للآخرة. ولا ~~كاشف لضر إلا الله فالمريض لا يشفى بمجرد الذهاب إلى الطبيب، لكن الطبيب ~~يعالج بالمهارة الموهوبة له من الله، والذي يشفي هو الله. # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80]. لأن الحق سبحانه وتعالى قد خلق الداء، وخلق الدواء، وجعل ~~الأطباء مجرد جسور من الداء إلى الدواء ثم إلى الشفاء، والله يوجد ~~الأسباب ليسر ويفرح بها عباده، فيجعل المواهب كأسباب، وإلا فالأمر ~~في الحقيقة بيده - سبحانه وتعالى -. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم يضع داء إلا وضع له دواء غير ~~داء واحد: الهرم ". # ونحن نرى أن الطبيب المتميز يعلن دائما أن الشفاء جاء معه، لا به. ~~ويعترف أن الله أكرمه بأن جعل الشفاء يأتي على ميعاد من علاجه. إذن فالحق ~~هو كاشف الضر، وهو القدير على أن يمنحك ويمسك بالخير. وقدرته لا حدود ~~لها. ويقول الحق من بعد ذلك: { وهو القاهر فوق عباده... }. ### || [6.18] # وقد رتب سبحانه وتعالى الكون والخلق بأسباب ومسببات. وكل شيء موجود هو ~~واسطة بين شيء وشيء، فالأرض واسطة لاستقبال النبات، والإنسان واسطة بين ~~أبيه وابنه، ولنفهم جميعا أن الحق، فوق عباده، إنه غالب بقدرته، ~~يدير الكون بحكمة وإحاطة علم، وهو خبير ms2885 بكل ما خفي وعليم بكل ما ظهر. وهو ~~القائل: # قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ~~ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات ~~لعلهم يفقهون # [الأنعام: 65]. سبحانه وتعالى له مطلق القدرة على أن يرسل العذاب من ~~السماء أو من بطن الأرض، أو أن يجعل بين العباد العداء ليكونوا متناحرين ~~ليدفع بعضهم بعضا حتى لا تفسد الأرض # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض # [البقرة: 251]. فإياك أن تظن أيها الإنسان أن الحق حين يملك بعض الخلق ~~أسبابا أنهم مالكو الأسباب فعلا، لا إن الحق سبحانه أراد بذلك ترتيب ~~الأعمال في الكون. ولذلك ساعة نرى واحدا يظلم في الكون فإننا نجد ظالما ~~آخر هو الذي يؤدب الظالم الأول. ولا يؤدب الحق الشرير على يد رجل طيب، ~~إنما يؤدبه عن طريق شرير مثله: # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون # [الأنعام: 129]. لأنه سبحانه وتعالى يجل المظلوم من أهل التقوى أن يكون ~~له دور في تأديب الظالم، إنما ينتقم الله من الظالم بظالم أو أقوى منه. ~~وهذا ما نراه على مدار التاريخ القريب والبعيد، فحين يتمكن العبد الصالح ~~من الذين أساءوا إليه يقول ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم عندما دخل ~~مكة حيث قال: # " يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ ~~كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ". # أما إذا أراد الله الانتقام من شرير فهو يرسل عليه شريرا مثله يدق ~~عنقه، أو يجدع أنفه، أو يذله حتى لا ينتشر ويستشري الفساد فسبحانه القاهر ~~فوق عباده، وهو قهر بحكمة وبعلم وليس قهر استعلاء وقهر جبروت وسيطرة. ~~وحتى نوضح ذلك قد يجري الله على أحد عباده قدرا بأن ينكسر ذراع ولده ~~فيسوق الرجل ولده إلى طبيب غير مجرب ليقيم جبيرة لذراع الابن، وتلتئم ~~العظام على ضوء هذه الجبيرة في غير مكانها، فيذهب الرجل بابنه إلى طبيب ~~ماهر فيكسر يد الطفل مرة أخرى ليعيد وضع العظام في ms2886 مكانها الصحيح. إن هذا ~~الكسر كان لحكمة وهي استواء العظام ووضعها الوضع السليم. ولا يغيظ عبد من ~~العباد الخالق أبدا، ولكن الحق ينتصف للمغيظ. ونعلم أن الإنسان مخير بين ~~الإيمان والكفر، فإن كفر وعصى فليس له في الآخرة إلا العذاب، إلا أن الله ~~يجري عليه قدر المرض فلا يستطيع أن يتمرد عليه لأنه سبحانه قاهر فوق ~~عباده بدليل أنه متحكم في أشياء لا خيار للعباد فيها. وما دام الإنسان ~~منا محكوما بقوسين ولا رأي له في ميلاده أو موته فلماذا - إذن - التمرد ~~بالعصيان على أوامر الله؟ ولنعلم أن الحق هو القاهر فوق عباده بقهر ~~الحكمة وسبحانه يضع لكل أمر المجال الذي يناسبه وهو خبير بمواطن الداءات، ~~ويعالج عباده منها على وفق ما يراه. ويقول الحق من بعد ذلك: { قل أي ~~شيء أكبر شهادة... }. ### || [6.19] # لقد اختلف الرسول صلى الله عليه وسلم مع القوم المناوئين له. والاختلاف ~~يتطلب حكما وبينة. والشهود هم إحدى البينات، فما بالنا والشاهد هو ~~الله؟! إنه الشاهد والحكم والمنفذ. وشهادة الله لا تحايل فيها، وحكمه لا ~~ظلم فيه، وإرادته لا تظلم عبدا مثقال ذرة، ولا شهادة - إذن - أكبر من ~~شهادة الحق لرسوله بأنه رسول من الله. ولو شاء الحق لجعلكم كلكم مؤمنين، ~~لكنه أراد للإنسان الاختيار. وحنان الرسول صلى الله عليه وسلم على البشر ~~هو الذي جعله يتمنى إيمانهم، لكن الحق يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. أي أن الحق يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يشفق على ~~نفسه وألا يقتلها بالحزن عليهم لعنادهم وعدم إيمانهم. ولو أراد الحق ~~لجعلهم جميعا مؤمنين بآية منه فمهمة الرسول هي البلاغ فقط. ولو شاء الحق ~~لقهر الخلق جميعا على الإيمان به كما سخر الكون ليخدم الإنسان وليسبح ~~الكون بحمد الله. لكنه سبحانه ترك للخلق الاختيار حتى يأتي إيمانهم ~~مثبتا صفة المحبوبية لله لأن إيمان المختار هو الذي يثبت تلك المحبوبية. ms2887 ~~والرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو نذير وبشير بهذا القرآن المنزل ~~عليه بالوحي. والنذارة تأتي هنا لأن المجال مجال شهادة لأن الشهادة إنما ~~تكون على خلاف، فهو صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإيمان، والمناوئون له ~~يدعون إلى الكفر وإلى الشرك، وشهادة الله أكبر من كل شهادة أخرى. لذلك ~~يقرر الحق هنا بأن الرسول نذير بالقرآن. وهذا الخطاب موجه لتبليغ ~~المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمن وصله بعد ذلك أي شيء من ~~القرآن، فكأنه قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ووصله البلاغ عنه. فقد ~~قال - سبحانه -: { ومن بلغ } أي لأنذركم به وأنذر كل من بلغه القرآن ~~من البشر جميعا. ويوجه الحق على لسان رسوله سؤالا استنكاريا للمناوئين ~~فيقول: { أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى ~~}. إنه سؤال من سائل يثق أن من يسمع سؤاله لا بد أن ينفي وجود آلهة أخرى ~~غير الله. إنه سؤال يستنبط الإقرار من سامعه. والمثال على هذا ما عرضه ~~الحق على رسوله من أمر قد حدث في عام ميلاده فيقول: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. ونعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ما حدث في عام ~~الفيل لأنه عام ميلاده، ولكن حين يخبره الله بذلك فمعنى هذا أنه بلاغ عن ~~الله، والبلاغ عن الله يجعل الخبر القادم منه فوق الرؤية وأوثق وآكد ~~منها. # وهنا يأتي السؤال الاستنكاري: { أئنكم لتشهدون أن مع ~~الله آلهة أخرى }. وعندما أعجزهم هذا السؤال في بعض مراحل ~~الدعوة قال بعضهم: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3]. وكأنهم أخيرا يعترفون أن المتقرب إليه هو الله، ولكن ~~الحق يحسم أمر الشرك فيقول على لسان رسوله: { قل لا أشهد قل ~~إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون ~~} فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يشهد بأي آلهة غير الله، وألقى إليهم ~~السؤال الاستنكاري لعلهم يديرون رءوسهم ليهتدوا إلى صحيح الإجابة التي ~~يوجزها الحق في قوله للرسول: { قل إنما هو إله واحد ~~وإنني بريء ms2888 مما تشركون }. إن الكلام هنا موجه إلى فئة ~~من المناوئين لرسول الله من عبدة الأوثان، وهم بعض من الكافرين برسالة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبعض الآخر هم بعض من أهل الكتاب، هؤلاء ~~الذين تغافلوا عن الكتب المنزلة إليهم، وغابت عنهم الخمائر الإيمانية ~~التي كانت ترد العاصي عن معصيته، فانتشر الفساد في الكون. لذلك أرسل الحق ~~رسوله صلى الله عليه وسلم لأن العاصي لم يجد من يرده، واختفت من المجتمع ~~في ذلك الوقت النفس اللوامة، وسادت فيه النفس الأمارة بالسوء. إن الحق ~~سبحانه لم يترك أمر الرسول غائبا عن البشر، فقد كان الرسول في كل أمة ~~ينبئ ويخبر عن الرسول الذي يليه حتى يستعد الناس لاستقبال النذير ~~والبشير، ولذلك كانت كل الرسالات تتنبأ بالرسل القادمين حتى لا يظنوا أن ~~مدعيا اقتحم عليهم قداسة دينهم، ولأن الإسلام جاء دينا عاما، فلم يأت ~~الخبر فقط بمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة، ولكن جاءت أوصافه ~~وسماته أيضا واضحة وبينه فيها. إن الذين قرأوا هذه الأوصاف لو أخرجوا ~~أنفسهم عن سلطتهم الزمنية لآمنوا على الفور برسالة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كما فعل " عبدالله بن سلام " رضي الله عنه حين قال: لقد عرفته ~~حين رأيته وعرفته كابني، ومعرفتي لمحمد أشد ونسي هؤلاء أنهم هم الذين ~~نصروا برسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يدروا فقد كانوا يستفتحون ~~به على الأوس والخزرج، وقالوا للأوس والخزرج: قرب مجيء نبي منكم سنؤمن ~~به ونتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. وأسرع الأوس والخزرج للإيمان برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قائلين: لعل هذا هو النبي الذي توعدتنا به يهود، ~~هيا نسبق إليه. إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتحم العالم بهذا ~~الدين، بل عرف نبأ مقدمه وبعثه وصورته ونعته كل من له صلة بكتاب من ~~كتب السماء. إنهم يعلمون أنه الرسول الخاتم الذي ختمت به أخبار السماء ~~إلى الأرض. ولذلك يقول الحق سبحانه: { الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون... }. ### || [6.20] # إذن ms2889 فرسول الله معلوم مقدما من أهل الكتاب كمعرفتهم لأبنائهم، ولكن ~~بعضا منهم فضل السلطة الزمنية على الإيمان برسول الله فخسروا أنفسهم لأن ~~الخسارة - كما نعرف - هي ضياع لرأس المال أو نقصانه. وهم خسروا أنفسهم ~~لأن تلك النفوس كان يجب أن تحرص على مصلحة الأرواح التي جاء محمد صلى ~~الله عليه وسلم لإصلاحها. إنهم بذلك قد منعوا الخير عن أنفسهم بتفضيل ~~سلطان الدنيا الزائل على الإيمان بالله، وفي ذلك خيبة كبرى. الله يعلمنا ~~أن الإيمان إنما هو كسب للنفس، فإياك أيها المؤمن أن تظن أن قولك: " لا ~~إله إلا الله " هو سند لعرش الله. لا، إنها سند لك أنت لأنه لا إله إلا ~~هو خلق الكون والخلق بصفات الكمال والقدرة والعلم والحكمة، واعتراف ~~الخلق بألوهية الله وحده لا تزيد من كمال الله ولكنها تفيد العباد الذين ~~آمنوا فيحسنون استقبال الأمر بعمارة الكون، لتسير حركة الحياة في ضوء ~~منهج الله فينسجموا مع الكون كله المسبح لله. وحين يقول الحق: { ~~الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبنآءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ~~} [الأنعام: 20]. فهو يخبر أهل مكة أن الصيحة الإيمانية التي صاح بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في آذانهم لم تكن صيحة مفاجئة للكون، ~~ولكنها صيحة بشر بها على لسان كل رسول، وإذا كان أهل مكة قد بعدت ~~صلتهم بالرسل والأنبياء وكانوا على فترة من الرسل، فهم بجوارهم لأهل كتاب ~~في المدينة يعلمون هذه الحقيقة التي جاء بها رسلهم مؤكدين للعهد الذي ~~أخذه الله عليهم لأننا نعلم أن الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق ~~واستعمرهم في الأرض أرادهم موهوبين من قدرته سبحانه قدرة، ومن غناه ~~سبحانه غنى، ومن علمه الكامل علما، ومن حكمته المطلقة حكمة، ومن ~~رحمته الكاملة رحمة، ومن قاهرية الله قهرا لأن الكون لا يمكن أن يستقيم ~~إلا إن وجدت فيه هذه المتكاملات وإن كانت متناقضة لأن لكل صفة مجالها ~~الذي تعمل فيه. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نجد الإنسان منا ~~حين يرحم ولده دائما يفسد الولد ms2890 وإن لم يقس عليه مرة فأبوته ناقصة، إذن، ~~فلا يمكن أن يكون المهيمن على الخلق رحيما فقط، وإنما يجب أن يكون ~~قاهرا أيضا لأن الموقف قد يتطلب القهر. ولا يريد الحق سبحانه وتعالى أن ~~يطبع خلقه على خلق واحد، ولكنه سبحانه يريد أن يجعلهم ينفعلون للمواقف ~~المختلفة فالموقف الذي يتطلب رحمة، يكونون فيه رحماء، والموقف الذي يتطلب ~~قسوة وشدة يكونون فيه قساة، ولذلك يقول الحق في المؤمنين: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا # [الفتح: 29]. إن الحق يحدثنا عن خلق المؤمنين. إنه سبحانه لم يطبعهم على ~~الشدة لأن المواقف قد تتطلب رحمة، ولكن الشدة مطلوبة لمواجهة أهل الباطل. ~~ولم يطبعهم الحق على اللين، لكن اللين مطلوب فيما بينهم لأن كلا منهم ~~يرجو رحمة الله وفضله ففي الموقف الذي يتطلب رحمة هم رحماء. وفي المواقف ~~الذي يتطلب شدة هم أشداء، ولذلك يقول الحق سبحانه أيضا عن المؤمنين: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة: 54]. ولم يجعل الحق المؤمن ذليلا على إطلاقه، ولا عزيزا على ~~إطلاقه، ولكنه جعله ذليلا على أخيه المؤمن، لين الجانب رحب الأخلاق. ~~وجعله عزيزا على الكافرين المتأبين على الله. إذن، فسبحانه يريد من ~~خلقه أن يكونوا على خلق الحق سبحانه وتعالى، ولذلك يقول الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فيما رواه عمار بن ياسر رضي الله عنه: # " حسن الخلق خلق الله الأعظم " # وروي: # " تخلقوا بأخلاق الله " # إن لله سبحانه وتعالى قدرة حكيمة، فخذوا أيها المؤمنون قدرته واستعملوها ~~بحكمة، ولله علم فحاولوا أن تكونوا عالمين، ولله رحمة فحاولوا أن تكونوا ~~رحماء، والله جبار فإذا تطلب الموقف منكم أن تكونوا جبارين فافعلوا، لأن ~~سياسة الأرض وسياسة المجتمع قد لا تصلح إلا بهذا. وما دام الحق قد أراد ~~من الخلق أن يعمروا هذا الكون فلا بد أن يضمن لهم منهجا سليما يرتكز ~~على " افعل " و لا " تفعل " ، فإن نحن أخذنا منهج الله فنحن نأخذ ما يمكن ~~أن نسميه بالعرف الحاضر: " قانون ms2891 الصيانة " فلنفعل ما قال الله افعلوا، ~~ولنترك ما قال الله في شأنه لا تفعلوا حتى تؤدي الآلة الإنسانية مهمتها ~~كما يريد الله لها أن تكون. إن الفساد إنما ينشأ من أنك أيها الإنسان ~~تنقل الأعمال من نطاق " افعل " إلى نطاق " لا تفعل " ، والأعمال التي ~~يجعلها الله في نطاق " لا تفعل " تجعلها أنت في نطاق " افعل ". فإن طلب ~~الله أن نقيم الصلاة ب " افعل " فكيف نجعلها في نطاق " لا تفعل " بعدم ~~الصلاة؟، وإن طلب الله منا ألا نشرب الخمر فكيف نشربها إذن؟. إن الخلل ~~الإيماني الذي يحدث في الكون إنما ينشأ من نقل متعلقات " افعل " إلى " لا ~~تفعل " ، ومن نقل متعلقات " لا تفعل " إلى " فعل " ، أما ما لم يرد فيه ~~" افعل " و " لا تفعل " فقد ترك الله لاختيارك إباحة أن تفعله أو لا ~~تفعله، لأن الكون لا يفسد بشيء منها. وإذا نظرت إلى منهج الله في " افعل ~~" و " لا تفعل " فأنت تجد أن الحق سبحانه لم يقض على حريتك ولم يقض على ~~اختيارك، وإنما ضبطك ضبطا محكما فيما ينشأ فيه فساد الكون، أما الذي لا ~~ينشأ منه فساد فإن شئت فافعله وإن شئت فاتركه. # وزود الحق كل البشر بهذا المنهج من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة. وأخذ ~~سبحانه على نفسه الوعد بعدم تعذيب أمة لم يبعث لها رسولا، ولذلك توالى ~~الموكب الرسالي. لماذا؟ لأن الغفلة تتمكن من الإنسان فقد يتناسى الإنسان ~~مرة الشيء الذي يحد حركته ويتكرر التناسي إلى أن يصير نسيانا، فيشاء ~~الحق أن يرسل رسولا لكل فترة لينبه إلى قانون صيانة الإنسان، إلى أن جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمن الله أمة محمد أن تكون هي المبلغة ~~بمنهج الله إلى أن تقوم الساعة. ولذلك أخذ سبحانه من النبيين ميثاقا ~~للبلاغ عن رسالة النبي الخاتم: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من ms2892 الشاهدين # [آل عمران: 81]. إذن فقد أخذ الله العهد على كل نبي أن يبلغ قومه أن ~~يؤمنوا برسالة الرسول الذي توافق دعوته دعوتهم، وأخذ الحق الإقرار من كل ~~نبي على ذلك، وشهد الأنبياء على أنفسهم وشهد الله عليهم، وبلغوا ذلك إلى ~~أقوامهم. إذن فنصرة النبي الخاتم موجودة في كل رسالة سابقة على الإسلام، ~~وكان على كل رسول أن يعطي إيضاحا بذلك العهد لقومه، وأن يأخذ عليهم ~~العهد بنصرة الرسول القادم إليهم، ويبلغهم أن من تمام الإيمان أن ~~يؤيدوا ذلك الرسول إن هم عاصروه. ويخصص الحق هنا أهل الكتاب الذين نزلت ~~إليهم التوراة والإنجيل وهما أصحاب الديانتين العظيمتين اللتين سبقتا ~~الإسلام: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون أبنآءهم } أي أنهم يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بالبشارة به، وبالإخبار عنه، وبالنعت لشكله وصورته، فإذا كان كفار قريش ~~على فترة من الرسل فليسألوا أهل الكتاب. وقد سمع الأوس والخزرج من أهل ~~الكتاب أن هناك نبيا قادما سيؤمنون به ويتبعونه ويقتلون به العرب قتل ~~عاد وإرم. إذن فالصيحة الإيمانية على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم تكن مفاجئة للكون، وإن كتمها الذين كفروا من أهل الكتاب، هؤلاء الذين ~~جاء فيهم قول الحق سبحانه: # ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة ~~الله على الكافرين # [البقرة: 89]. لقد انتابت الآفة التي تنكر هذا البلاغ عن الله بعضا من ~~أهل الكتاب، فقد أخذوا، وهم المبلغون عن الله، السلطة الزمنية ورأوا فيها ~~الحظ والجاه والنعيم، فمنهم القضاة وإليهم يلجأ الناس لمعرفة الحكم في ~~الدماء، وكذلك يأخذون الصدقات. # وألفوا حياة السيادة والنعيم. وها هي ذي دعوة جديدة جاءت لتسلب منهم هذه ~~السيادة، وبالرغم من أنهم كانوا المبشرين بها من قبل، إلا أن الدعوة ~~عندما جاءت تزلزلت بها سلطتهم الزمنية، ولذلك بدأوا العداء. إذن فالآفة ~~هي أخذ سلطة زمنية من باطن سلطة الله ثم يدعي أنها سلطة الله. وعندما ~~ننظر إلى التاريخ الدياني ms2893 في العالم نجد أن السلطة الزمنية في الأديان ~~التي سبقت الإسلام هي التي أرهقت الكون لأن الحق سبحانه حينما خلق الكون ~~طمر فيه أسرارا تعمل في خدمة الإنسان وإن لم يدر بها الإنسان. وطموحات ~~الإنسان العلمية هي التي تجعله يهتدي إلى هذه الأسرار ويكتشف القوانين ~~التي تعمل بها مثال ذلك قانون الجاذبية، وقانون السالب والموجب، كل هذه ~~قوانين موجودة في الكون، تماما كما خلق الله الأرض كروية وكما جعل الشمس ~~هي مصدر الحرارة والدفء والنور والإشراق. ويأخذ العلماء من تلك المقدمات ~~ليصلوا إلى اكتشاف قوانين هذه الأجرام وقوانين هذا الكون. وحين يصل ~~العالم الذكي إلى اكتشاف قانون ما فإنه يقول: لقد اكتشفت كذا، وهذا تعبير ~~فطري دقيق، ولا يقول أبدا: لقد ابتكرت كذا لأنه يعلم أن ما اكتشفه كان ~~موجودا في الكون ولكن لا يعرفه. وعدم معرفة الإنسان بقانون موجود في ~~الكون لا يمنع الفائدة من الوصول إلى الإنسان، وإن كانت المعرفة بالقانون ~~تزيد من إمكان الإفادة منه. فالإنسان يتمتع بوجود الشمس قبل معرفة ما بها ~~من طاقة، ولكن عندما تخصص العلماء في دراسة الشمس عرفوا أن الإنسان يمكن ~~أن يستفيد بهذه الطاقة أكثر من فائدته التقليدية بها، ولذلك صارت هناك ~~بعض المدن تنير شوارعها بالطاقة الشمسية، وصارت هناك بعض المباني تدفيء ~~حجراتها بالطاقة الشمسية وتسخن المياه أيضا بهذه الطاقة. ولم يمنع هذا ~~الاكتشاف أن يستفيد الأمي أو البدوي في الصحراء من نور الشمس. وكذلك ~~الكهرباء، والأدوات الكهربائية والمنزلية التي يمكن للجاهل الاستفادة ~~منها، مثل استفادة الخبير بها، صحيح أن الأمي لا يعرف كيف تدور المصانع ~~التي تنتج أجهزة التليفزيون ولكنه يستفيد برؤية التليفزيون. والتليفزيون ~~ليس إلا ترجمة مادية لمجموعة من القوانين العلمية اكتشفها الإنسان ووضعها ~~موضع التطبيق لصناعة هذه الآلة التي يستفيد بها الإنسان. ولكل سر ميلاد ~~تماما كميلاد الإنسان. وإذا جاء ميعاد ميلاد السر ولم يكن هناك من يبحث ~~عنه، فسبحانه يكشفه لأي بشر بالمصادفة، وكثيرا ما نسمع أن عالما كان ~~يبحث في مجال ولكنه اكتشف سرا غير ms2894 الذي كان يبحث عنه. ولذلك يقول الحق ~~في آية الكرسي: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255]. فأنت أيها الإنسان لا تحيط علما بأسرار الكون إلا إذا ~~أذن الله، وهناك عشرات الآلاف من الأمثلة على ذلك بداية من قاعدة أرشميدس ~~التي تسير عليها البواخر والغواصات، إلى قانون الجاذبية الأرضية الذي ~~اكتشفه نيوتن عندما وقعت تفاحة أمامه بالمصادفة، إلى اكتشاف البنسلين، ~~إلى غير ذلك من أسرار هذا الكون. # وإذا كانت هناك علوم لها مقدمات، فهناك أيضا علوم ليس لها مقدمات إن ~~الحق سبحانه وتعالى يقول: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ~~ومن خلفه رصدا # [الجن: 26-27]. فسبحانه وتعالى عالم الغيب فلا يظهر غيبه لأحد إلا لرسول ~~يختاره الحق ليعلم بعضا من الغيب، ويحميه الله ويعصمه ويحفظه بالملائكة ~~لتحول بينه وبين وساوس الشياطين وتخليطهم حتى يبلغ ما أوحى به إليه. ~~وحين يريد الحق أمرا محكما لا اختيار لأحد فيه فإنه ينزل به رسولا إلى ~~الخلق ليهديهم ب " افعل " و " لا تفعل ". وهذه مسألة غير متروكة للبحث ~~فيها، ولكنها تأتي بإذن من الله حتى تتعارض أهواؤنا فسبحانه علم أن ~~الأهواء بين البشر قد تتعارض ولا تتساند فيرسل الرسل من عنده سبحانه ~~بالمنهج ليستقيم أمر البشر. إن النشاطات الذهنية التي يصل بها البشر إلى ~~أسرار فيها رفاهية الحياة، هي أسرار بنت التجربة والمعمل، والمعمل لا ~~يجامل، فلا توجد كيمياء روسية وأخرى أمريكية، إنما كل قوانين المادة ~~تستنبط في المعمل.. ولذلك نرى الدول تتسابق كل يحاول أن يسرق ما عند ~~الآخر بواسطة الجواسيس. أما في مجال الحركة الاجتماعية فالدول تقيم ~~سدودا بينها وبين المبادئ فالغرب لا يسمح بدخول نظريات اجتماعية من ~~الشرق، والشرق لا يسمح بذلك أيضا. ويختلف هذا الأمر في البحث العلمي ~~فقوانين البحث العلمي عن أسرار الكون يحاول كل طرف امتلاكها. وإن لم ~~يستطع حاول أن ينقلها عن غيره. ويعلمنا الحق أن نبحث في كل آيات الكون ~~ولا نعرض عنها، ms2895 فيقول لنا: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. فسبحانه يلفتنا إلى أن كل آية وكل ظاهرة من الظواهر تتطلب ~~منا أن ننظر فيها بحكمة وإمعان لأننا قد نستنبط منها أشياء تريحنا. ومثال ~~ذلك قوة البخار، اكتشفها رجل وطورها آخر حتى صارت تلك القوة البخارية في ~~خدمة البشرية كلها وكذلك الذي اخترع العجلة أفاد البشرية في نقل عشرات ~~الأوزان عليها واختصار زمن الرحلات، كل ذلك إنما جاء من تأمل آيات الله ~~في الكون بإمعان وتدبر. لقد جعل الحق البحث في آيات الكون مشاعا ~~للمؤمنين والكفار، وهو حق لمن يبحث في أسراره. وهذه هي قضية العلم. أما ~~قضية الدين فأمرها مختلف لأن الخبر في قضية الدين يأتي من الله بواسطة ~~رسول. أما البحث في الكون وأسراره العلمية فالحق يقول فيه: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن ~~الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله ~~عزيز غفور # [فاطر: 27-28]. إن الحق يلفتك أيها الإنسان إلى أنه أنزل من السماء ماء ~~فأنبت وأخرج به من الأرض النباتات التي تحمل ثمارا مختلفة الألوان ~~ومختلفة الطعم. وجعل الجبال مختلفة الأشكال والألوان، وبعضها ضعيف وبعضها ~~قوي. ويختلف لون الجبل عن الآخر بما فيه من مواد مطمورة. وهذه الجبال ~~كلها من أصل واحد ولكن فروعها متباينة لخدمة الإنسان. لقد خلق الحق ~~سبحانه الأنعام مختلفة الألوان والأشكال والأحجام، وكذلك الناس مختلفون ~~في اللون والشكل. والعلماء هم الذين يتدبرون ذلك فيخشون الله الصانع ~~العليم. إذن فأمر الدين محسوم من الحق. والرسل مبلغون عن الله، وكذلك أهل ~~العلم بالدين، وأهل العلم بالدين مبلغون عن الله لا متكلمون بلسان الله ~~لأن بعض البشر قد يخلطون أهواءهم مع كلمات الله ويقولون: إن هذا هو كلام ~~الله، وهذا خطأ فاحش وذنب كبير. إن ما حدث في القرون الوسطى - على سبيل ~~المثال - كان خلطا بين البحث ms2896 العلمي وما ينزل الحق من منهج فعندما جاء ~~عالم مثل " جاليليو " ليبحث في طبيعة الكواكب أرادوا أن يحرقوه، وعندما ~~أراد عالم آخر أن يتكلم في طبيعة الأرض حبسوا حريته. وعندما حكمت الكنيسة ~~العالم الغربي بهذا الأسلوب تأخر العالم كله وعاش في عصور من الظلام، ~~وعندما اتصل هؤلاء القوم بالمسلمين تحرروا من خزعبلات تلك القرون الوسطى ~~وتعلموا حرية البحث العلمي من العرب وارتقت أوروبا بذلك الأسلوب العلمي ~~الذي طرحه الإسلام وأثبته علماء المسلمين. إن السبب في تأخر أوروبا ~~وجهلها هم أهل الكهنوت والدين، بل إن نفور الأوروبيين من الدين كان بسبب ~~معرفتهم أن رجال الدين عندهم يمقتون الحياة والتقدم الحضاري - حماية ~~لنفوذهم وسلطتهم الزمنية والروحية - وأراد بعض من أهل أوروبا أن يأخذوا ~~كل الأديان بجريرة رجال الكهنوت عندهم. ونسي الذين حملوا على الدين - كل ~~الدين - أن رجال الكهنوت افتأتوا وادعو ذلك على النصرانية، ونسبوه إليها ~~فالمسيح لم يقل لهم ذلك، ولكنهم كرجال كهنوت أفسدوا الحياة بالسلطة ~~الزمنية التي كانت لهم وكانت النتيجة أن أخذ البعض من فساد سلطة الكنيسة ~~حجة على فساد الدين. ولهؤلاء نقول: إن الدين لا يتدخل في أي أمر من أمور ~~الحياة العلمية ولا يفسدها أبدا، بل نجد أن الحق قد أمرنا بالبحث في ~~آياته وأن نزيد من البحث. وها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا ~~بأن نبحث عن شئون الدنيا على ضوء التجربة. وأراد الله أن يفصل بين أمور ~~العلم التجريبي وأمور الدين، وأراد أن يحمي دينه من تدخل أي فئة تدعي ~~أنها تملك كلام الله فتخلط بين أهوائها والبلاغ عن الله سبحانه. # مثال ذلك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر تلقيح النخيل. ~~ونعرف أن تلقيح النخيل يتم حين نأخذ طلع الذكورة ونلقح به الأنوثة من ~~النخيل فيخرج التمر ناضجا، وإن لم يحدث ذلك فالنخيل تنتج ثمارا غير ~~ناضجة. والسر في إنتاج النخيل لثمار غير ناضجة أن التلقيح قد تم بواسطة ~~الريح التي تنقل القليل من حبوب اللقاح، ولكن التلقيح ms2897 اليدوي للنخيل هو ~~الذي يزيد من جودة الثمار، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم مرة للصحابة ~~ما يمكن أن يفهم منه ألا يقوموا بتلقيح النخيل وحدث نتيجة ذلك أن النخيل ~~لم يثمر الثمار المرجوة بل أثمر شيصا أي ثمارا غير مكتملة النضج، ~~واستند الرسول في ذلك إلى قول الحق: # وأرسلنا الرياح لواقح # [الحجر: 22]. وهذا قول صحيح صادق حكيم نجد آثاره في السحاب الذي يتحول ~~إلى مطر نتيجة اتصال الموجب بالسالب، ونجده في معظم النباتات من قمح ~~وفاكهة وذرة وغير ذلك. فطلع الذكر ينتقل بواسطة الريح إلى عناصر الأنوثة ~~في النباتات القريبة فتلقحها وتنقل الرياح كذلك اللقاح الخفيف. واللقاح ~~عندما يكون ثقيل الوزن يحتاج في بعض الأحيان إلى جهد من الإنسان لينقل ~~خلايا الذكورة إلى خلايا الأنوثة، ومثال ذلك النخيل. ولذلك عندما علم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلة إنتاج النخيل في العام الذي لم يلقح ~~فيه بعض الصحابة نخيلهم.. قال صلى الله عليه وسلم لهم: # " أنتم أعلم بأمر دنياكم ". # وبهذا حسم الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر ولم يعد لرجال الدين أن ~~يتدخلوا في أي أمر لا تستقيم به الحياة إلا بناء على التجربة المعملية. ~~ولذلك يقال عن الإسلام: إنه دين العلم لأنه أتاح لرجال العلم أن ينطلقوا ~~في تأمل آيات الله في هذا الكون، بل دعاهم وأمرهم أن يستنبطوا أسرار هذا ~~الكون. أما في أمور السلوك البشري وحركة المجتمع فقد أنزل الحق من المنهج ~~ما يكفي لعدم استعلاء أحد على أحد، وأن نضبط السلوك الإنساني بتعاليم ~~المنهج الإيماني. لقد جاء المنهج الإيماني في كل الرسالات، وكانت الرسالة ~~الخاتمة هي رسالة محمد ابن عبدالله، وكانت البشارة به موجودة في التوراة ~~والإنجيل. ويقول الحق: { الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم } فهل عمل أهل الكتاب ~~بمقتضى هذه المعرفة؟ لا ذلك أن بعضا منهم خافوا أن تؤخذ منهم سلطتهم ~~الزمنية، وأكبر مثال على ذلك هو عبدالله بن أبي الذي كان رأس النفاق في ~~الإسلام والذي كان يستعد لتولي ملك المدينة قبل ms2898 مجيء الرسول صلى الله ~~عليه وسلم إليها. وكان هناك من أهل الكتاب من عمل بهذه النبوءة، مثال ~~ذلك: عبدالله بن سلام رضي الله عنه. # ولم يظلم القرآن أحدا، بل قال عن بعض أهل الكتاب: # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ~~ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين # [المائدة: 83]. إذن لم يظلم الحق الذين آمنوا من أهل الكتاب عندما وجدوا ~~أن منهج الإسلام مطابق لما جاء إليهم. لكن بعض أهل الكتاب كفر وعادى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا على السلطة الزمنية التي كانت لهم. ~~وعندما ننظر إلى التاريخ نجد أن السلطة الزمنية كانت في وقت من الأوقات ~~لرجال الدين مثلما حدث في أوروبا، ولكن حدث استغلال من جانب رجال الدين ~~للناس، وأفسد رجال الكهنوت في الأرض، فتمرد عليهم البشر وخرجوا عن طاعتهم ~~ليقننوا لأنفسهم القوانين. ولأنهم كانوا يحكمون بالأهواء لا بالشرع فقد ~~كان الحكم يتذبذب عند رجال الكهنوت في الأمر الواحد حسب شخصية من يرتكب ~~هذا الأمر، فمن يدفع لهم ينال العفو، ومن لم يدفع ينال العقاب! لقد أخذوا ~~متاع الدنيا القليل ولم ينفذوا ما أمرهم به الله فخرج الناس على سلطانهم. ~~ومن هنا لم يعترف بعض من البشر برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ~~جاءت البشارة به وعرفوه بالإيضاح والنعت ولكنهم أنكروه لأنه يسلبهم ما ~~حصلوا عليه من الانتفاع بالمال والسلطة فخسروا أنفسهم وظلوا على الكفر ~~لقد قال فيهم الحق: { الذين خسروا أنفسهم فهم لا ~~يؤمنون }. لقد خسروا أنفسهم لأنهم اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا. ~~وخسارة النفس تفوق خسارة المال لأن خسارة المال مردودة ويمكن أن تتدارك ~~فيكسب الإنسان بعد خسارة، ولكن خسارة النفس أمرها كبير. ونعلم أن الصفقة ~~الإيمانية لا تعزل عمل الدنيا عن حساب الآخرة. والمؤمن الحق هو من يربط ~~الدنيا بالآخرة. لكن بعضا من أهل الكتاب أحبوا الدنيا على الآخرة ~~وفصلوا بين الاثنتين فأخذوا حظا قليلا من الحياة الدنيا وخسروا الآخرة. ~~ويقول الحق من بعد ms2899 ذلك: { ومن أظلم ممن افترى... }. ### || [6.21] # إنهم افتروا على الله الكذب عندما فعلوا ذلك: نسوا حظا مما ذكروا به، ~~وكتموا بعضا من الكتب المنزلة إليهم، وحرفوا الآيات المنزلة إليهم، ~~وجاءوا بأقوال من عندهم ونسبوها إلى الله. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول ~~عنهم: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل ~~لهم مما يكسبون # [البقرة: 79]. إن الحق يتوعدهم بالعذاب لأنهم باعوا الدين لقاء ثمن قليل ~~في الدنيا، وادعوا على الله الكذب فنسبوا إليه ما لم ينزله، ولذلك فالويل ~~كل الويل لهم لإنهم انحطوا إلى أخس دركات الظلم وكذبوا الكذب المتعمد في ~~كلية ملزمة وهي الإيمان بالله وبالكتب المنزلة والرسل. والافتراء هو ~~الكذب المتعمد بغرض نسبة شيء إلى الله لم يقله، وهم قد فعلوا ذلك، ولهذا ~~لا يفلح الظالمون سواء ظلموا الناس بأخذ أموالهم أو الإساءة إليهم، أو ~~ظلموا أنفسهم بالشرك بالله وهو أعظم الظلم # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. ويقول الحق من بعد ذلك: { ويوم نحشرهم جميعا ~~ثم نقول للذين أشركوا أين... }. ### || [6.22] # الحق سبحانه يذكرنا بيوم الحشر، يوم يسأل الله الذين أشركوا وكذبوا ~~وافتروا الكذب على الله: أين الذين عبدتموهم وأشركتموهم معي؟ إن الله لن ~~يترك الناس سدى، بل كل عمل يفعله الإنسان في الدنيا محصى عليه وسيسأل عنه ~~يوم القيامة. سيسأل الله المشركين عن الذين عبدوهم من دون الله كذبا: ~~أين هؤلاء الآلهة التي أشركها الكافرون في العبادة مع الله؟ ولماذا لا ~~يتقدمون لإنقاذ عبيدهم من العذاب الذي يصليه الله لهم؟! ويقرع سبحانه ~~المشركين، ويحشرهم مع ما عبدوهم من دون الله من الأصنام والأوثان وفي ذلك ~~قمة الإهانة لهم ولتلك الآلهة. ويقول الحق بعد ذلك: { ثم لم تكن ~~فتنتهم إلا أن قالوا والله... }. ### || [6.23] # ونعرف أن الفتنة هي الاختبار. وللفتنة وسائل متعددة فأنت تختبر الشيء ~~لتعرف الرديء من الجيد، والحقيقي من المزيف. ونحن نختبر الذهب ونفتنه على ~~النار وكذلك الفضة. وهكذا نرى أن الفتنة في ذاتها ms2900 غير مذمومة، لكن ~~المذموم والممدوح هو النتيجة التي نحصل عليها من الفتنة فالامتحانات التي ~~نضعها لأبنائنا هي فتنة، ومن ينجح في هذا الامتحان يفرح ومن يرسب يحزن. ~~إذن فالنتيجة هي التي يفرح بها الإنسان أو التي يحزن من أجلها الإنسان، ~~وبذلك تكون الفتنة أمرا مطلوبا فيمن له اختيار. وأحيانا تطلق الفتنة ~~على الشيء الذي يستولي على الإنسان بباطل. إن الحق يحشر المشركين مع ~~آلهتهم التي أشركوا بها ويسألهم عن هذه الآلهة فيقولون: { والله ~~ربنا ما كنا مشركين }. وهم في ظاهر الأمر يدافعون عن ~~أنفسهم، وفي باطن الأمر يعرفون الحقيقة الكاملة وهي أن الملك كله الله، ~~ففي اليوم الآخر لا شركاء لله ذلك أنه لا اختيار للإنسان في اليوم الآخر. ~~ولكن عندما كان للإنسان اختيار في الدنيا فقد كان أمامه أن يؤمن أو يكفر. ~~وإيمان الدنيا الناتج عن الاختيار هو الذي يقام عليه حساب اليوم الآخر، ~~أما إيمان الاضطرار في اليوم الآخر فلا جزاء عليه إلا جهنم لمن كفر أو ~~أشرك بالله في الدنيا. ولو أراد الله لنا جميعا إيمان الاضطرار في ~~الدنيا لأرغمنا على طاعته مثلما فعل مع الملائكة ومع سائر خلقه. لقد قهر ~~الحق سبحانه كل أجناس الوجود ما عدا الإنسان، وكان القهر للأجناس لإثبات ~~القدرة، ولكن التكريم للإنسان جاء بالاختيار ليذهب إلى الله بالمحبة. ~~والمشركون بالله يفاجئهم الحق يوم القيامة بأنه لا إله إلا هو، ويحاولون ~~الكذب لمحاولة الإفلات من العقوبة فيقولون: { ما كنا مشركين }. ~~وهم قد كذبوا بالله في الحياة فعلا ويريدون الكذب على الله في اليوم ~~الآخر قولا، ولكن الله عليم بخفايا الصدور وما كان من السلوك في الحياة ~~الدنيا، ويوضح لهم في الآخرة أعمالهم ويعاقبهم العقاب الأليم. وحين ~~يسألهم الحق: { أين شركآؤكم }؟ ففي هذا القول استفهام من الله، ~~والاستفهام من العليم لا يقصد منه العلم، وإنما يقصد به الإقرار من ~~المسئول. وفي حياتنا اليومية يمكننا أن نرى السؤال من التلميذ لأستاذه ~~ليعلم التلميذ ما يجهل. ونرى السؤال يرد مرة بعد أخرى من الاستاذ لتلميذه ~~لا ms2901 ليعلم ما لم يعلم، ولكن ليقرر التلميذ بما يعلمه وما تعلمه من أستاذه. ~~فإذا سأل الحق خلقه سؤالا، أيسألهم سبحانه ليعلم؟ حاشا لله أن يكون ~~الأمر كذلك. وإنما يسأل الحق عباده ليكون سؤال إقرار. والإقرار هنا فيه ~~تبكيت أيضا لأنه سؤال لا جواب له، فمعاذ الله أن يوجد له شركاء. وعندما ~~يقول الحق لهم: { أين شركآؤكم }؟ فمعنى ذلك هو الاستبعاد أن ~~يوجد له سبحانه شركاء. # وبذلك يوبخهم ويبكتهم الحق على أنهم أشركوا بالله ما لا وجود له. لقد ~~أشركوا بالله في الدنيا لمجرد التخلص من موجبات الإيمان. وها هم أولاء في ~~المشهد العظيم يعرفون قدر كذبهم في الدنيا، فلا ملك لأحد إلا الله، ولا ~~معبود سواه، فينطقون بما يشهدون: { والله ربنا ما كنا ~~مشركين }. ولقائل أن يقول: ولكن هناك في موضع آخر من القرآن نجد أن ~~الله يقول في حق مثل هؤلاء: # ويل يومئذ للمكذبين * هذا يوم لا ينطقون * ~~ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 34-36]. إنهم في يوم الهول الأكبر يعرفون أنهم كذبوا في ~~الدنيا، وهم لا ينطقون بأي قول ينفعهم، ولا يأذن لهم الحق بأن يقدموا ~~أعذارا أو اعتذارا. ونقول لمن يظن أن المكذبين لا ينطقون: إنهم بالفعل ~~لا ينطقون قولا يغيثهم من العذاب الذي ينتظرهم، وهم يقعون في الدهشة ~~البالغة والحيرة، بل إن بعضا من هؤلاء المكذبين بالله واليوم الآخر يكون ~~قد صنع شيئا استفادت به البشرية أو تطورت به حياة الناس، فيظن أن ذلك ~~العمل سوف ينجيه، إن هؤلاء قد يأخذون بالفعل حظهم وثوابهم من الناس الذين ~~عملوا من أجلهم ومن تكريم البشرية لهم، ولكنهم يتلقون العذاب في اليوم ~~الآخر لأنهم أشركوا بالله. ولم يكن الحق في بالهم لحظة أن قدموا ما قدموا ~~من اختراعات، ولذلك يقول الحق: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. وهكذا نعلم أن أعمال الكافرين أو المشركين يجازيهم الحق ~~سبحانه عليها بعدله في الدنيا بالمال أو ms2902 الشهرة، ولكنها أعمال لا تفيد في ~~الآخرة. وأعمالهم كمثل البريق اللامع الذي يحدث نتيجة سقوط أشعة الشمس ~~على أرض فسيحة من الصحراء، فيظنه العطشان ماء، وما أن يقترب منه حتى يجده ~~غير نافع له، كذلك أعمال الكافرين أو المشركين يجدونها لا تساوي شيئا ~~يوم القيامة. والمشرك من هؤلاء يعرف حقيقة شركه يوم القيامة. ولا يجد إلا ~~الواحد الأحد القهار أمامه، لذلك يقول كل واحد منهم: { والله ~~ربنا ما كنا مشركين }. إن المشرك من هؤلاء ينكر شركه. وهذا ~~الإنكار لون من الكذب. إن المشركين يكذبون، ويقول الحق سبحانه عنهم: # يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما ~~يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا ~~إنهم هم الكاذبون # [المجادلة: 18]. وحين يبعثهم الحق يوم القيامة يقسمون له أنهم كانوا ~~مؤمنين كما كانوا يقسمون في الدنيا، لكن الله يصفهم بالكذب، لقد كان ~~بإمكانهم أن يدلسوا على البشر بالحلف الكاذب في الدنيا، ولكن ماذا عن ~~الله الذي لا يمكن أن يدلس عليه أحد. وهكذا نرى أن فتنة هؤلاء هي فتنة ~~كبرى: { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ~~ربنا ما كنا مشركين } [الأنعام: 23]. ويقول الله لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم بعد ذلك: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم ~~وضل... }. ### || [6.24] # ويلفت الحق نظر رسوله صلى الله عليه وسلم بدقة إلى عملية سوف تحدث يوم ~~القيامة، وساعة يخبر الله بأمر فلنصدق أنه صار واقعا وكأننا نراه أمامنا ~~حقيقة لا جدال فيها. وسبحانه يقرر أنهم كذبوا على أنفسهم. ونعرف أن كل ~~الأفعال تتجرد من زمانيتها حين تنسب إلى الله سبحانه وتعالى، فليس عند ~~الله فعل ماض أو حاضر أو مستقبل. والمثال على ذلك قوله الحق: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى ~~عما يشركون # [النحل: 1]. وليس لقائل أن يقول: كيف يقول الحق إن أمره قد أتى وذلك فعل ~~ماض، ثم ينهى العباد عن استعجاله، والإنسان لا يتعجل إلا شيئا لم ~~يحدث، ليس لقائل أن يقول ذلك لأن المتكلم هو القوة الأعلى ولا شيء يعوق ~~الحق أن يفعل ما ms2903 يريد. أما نحن العباد فلا نجرؤ أن نقول على فعل سوف ~~نفعله غدا إننا فعلناه، ذلك أن غدا قد لا يأتي أبدا، أو قد يأتي الغد ~~ولا نستطيع أن نفعل شيئا مما وعدنا به، أو قد تتغير بنا الأسباب. وعلى ~~فرض أن كل الظروف قد صارت ميسرة فأي قوة للعبد منا أن يفعل شيئا دون أن ~~يشاء الله؟. ونحن - المؤمنون - نعرف ذلك وعلينا أن نقول كما عملنا الله: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23-24]. وهكذا يضمن الإنسان منا أنه قد خرج من دائرة الكذب. ~~وحينما يقول الله لرسول: " انظر " ويكون ذلك على أمر لم يأت زمان النظر ~~فيه فرسول الله يصدق ربه وكأنه قد رأى هذا الأمر. إن الحق يصف هؤلاء ~~الناس بأنهم: { كذبوا على أنفسهم } أي أن كذبهم الذي سوف ~~يحدث يوم القيامة هو أمر واقع بالفعل. وقد يكذب الإنسان لصالحه في ~~الدنيا. لكن الكذب أمام الله يكون على حساب الإنسان لا له. ويتابع الحق: ~~{ وضل عنهم ما كانوا يفترون } ومعنى هذا أنهم يبحثون ~~في اليوم الآخر عن الشركاء ولكنهم لا يقدرون على تحديد هؤلاء الشركاء ~~لأنهم قالوا أمام الله: { والله ربنا ما كنا مشركين } ~~وغياب الشركاء عنهم أمام الله هو ما يوضحه ويبينه قول الله: { وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون } ف " ضل " هنا معناها " غاب ". ألم ~~يقولوا من قبل: # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق ~~جديد بل هم بلقآء ربهم كافرون # [السجدة: 10]. أنهم كمنكرين للبعث يتساءلون باندهاش: أإذا غابوا في ~~الأرض واختلطوا بعناصرها يمكن أن يبعثهم ربهم من جديد؟. فهم لا يصدقون أن ~~الذي أنشأهم أول مرة بقادر على أن يعيدهم مرة أخرى. ونعرف أن كلمة " ضل " ~~لها معان متعددة. # لكن معناها هنا " غاب " ، وحين يسألهم الله: أين شركاؤكم؟، ينكرون كذبا ~~أنهم أشركوا، لقد ضل عنهم - أي غاب عنهم - هؤلاء الشركاء. والإنسان يعبد ~~الإله الذي ينفعه يوم الحشر، وعندما يغيب الآلهة عن يوم الحشر فهذا ما ~~يبرز ضلال تلك ms2904 الآلهة وغيابها وقت الحاجة إليها، ولا يبقى إلا وجه الله ~~الذي يحاسب من أشركوا به. و " ضل " يقابلها " اهتدى " ، و " ضل " أي لم ~~يذهب إلى السبيل الموصلة للغاية، و " اهتدى " أي ذهب إلى السبيل الموصلة ~~إلى الغاية. ومن لا يعرف السبيل الموصلة إلى الغاية، يكون قد ضل أيضا، ~~ولكن هناك من يضل وهو يعلم السبيل الموصلة إلى الغاية وهذا هو الكفر. ~~وعندما يتكلم الحق عن الذين كفروا يصفهم بأنهم ضلوا ضلالا بعيدا لأن ~~الطريق إلى الهداية كان أمامهم ولم يسلكوه، وهذا هو ضلال القمة. وقد يكون ~~الإنسان مؤمنا لكن مقومات الإيمان ضعيفة في نفسه فيعصي ربه. ويقول الحق ~~عن مثل هذا الإنسان: # ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا # [الأحزاب: 36]. إنه ضلال دون ضلال وكفر دون كفر القمة. لكن ماذا عن الذي ~~يضل لأنه لا يعرف طريق الهدى؟ إن ذلك هو ما يظهر لنا من قصة سيدنا موسى ~~عليه السلام، فحين قال الحق لموسى وهارون عليهما السلام: # فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين * ~~أن أرسل معنا بني إسرائيل # [الشعراء: 16-17]. أصدر الحق الأمر إلى موسى وهارون بالذهاب إلى فرعون ~~ليرسل معهما بني إسرائيل، فماذا عن موقف فرعون؟. ماذا قال فرعون؟: # قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من ~~عمرك سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من ~~الكافرين # [الشعراء: 18-19]. هنا يريد فرعون أن يمتن على موسى عليه السلام، ويذكره ~~بأنه رباه في قصره إلى أن كبر ومع ذلك لم يرع موسى ذلك وقتل رجلا من قوم ~~فرعون، وكان ذلك في نظر فرعون لونا من الجحود بنعمته، وها هوذا يعتدي ~~مرة أخرى على ألوهية فرعون بدعوته للإيمان بالإله الحق الذي لا يتخيله ~~الفرعون، ويلتقط موسى الخطأ الجوهري في سلوكه في ذلك الوقت. إن الخطأ لم ~~يكن الكفر بفرعون، ولكن الخطأ كان هو القتل فيقول: # قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين # [الشعراء: 20]. وهكذا نعرف أن موسى لحظة قتله رجلا من عدوه لم يكن ~~عنده طريق الهدى، بل كان ضلاله حاصلا ms2905 من عدم معرفته أن هناك طريقا آخر ~~إلى الهدى. وهاهوذا الحق سبحانه وتعالى يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7]. أي لم يكن عندك يا رسول الله طريق واضح إلى الهدى قبل ~~الرسالة، فليس معنى الضلال هنا الانحراف، ولكن معناه أنه قبل نزول الوحي ~~لم يكن يعرف أي طريق يسلك. # وقد يكون الضلال نسيانا، وما دام الإنسان قد نسي الحقيقة فهو ضال، ~~والمثال قول الحق: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى # [البقرة: 282]. هنا يقرر الحق أن شهادة المرأة تحتاج إلى ضمان وذلك ~~بتأكيدها بشهادة امرأة أخرى لأن المرأة بحكم تكوينها لا تستطيع أن تضع ~~أنفها في كل تفاصيل ما تراه، بل هي تسمع سمعا سطحيا، ولذلك لا تكتمل ~~الصورة عندها، وعندما تجتمع مع شهادة المرأة شهادة امرأة أخرى، فكل منهما ~~تذكر الأخرى بتفاصيل قد تكون في منطقة النسيان لأن نفسية المرأة وطبيعة ~~تكوينها مبنية على الصيانة والتحرز من أن توجد في مجتمع فيه شقاق. وعندما ~~يصف الحق هؤلاء المشركين في يوم القيامة فهو يقول: { وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون } أي غاب عنهم ما كانوا يكذبون ويدعون أنهم ~~شركاء لله، والمشركون هم المؤاخذون والمحاسبون على اتخاذ الشركاء، فقد ~~يكون بعضهم قد اتخذ شريكا لله لا ذنب له في تلك المسألة، كاتخاذ بعضهم ~~عيسى عليه السلام شريكا لله. وعيسى عليه السلام منزه عن أن يشرك بالله ~~أو يشرك نفسه في الألوهية. والحق قد قال: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب # [المائدة: 116]. بل إن الأصنام نفسها التي اتخذها المشركون أربابا ~~تقول: عبدونا ونحن أعبد الله من القائمين بالأسحار. إذن فالخطأ يكون ممن ~~أشركوا بالله لا من الأحجار العابدة لله المسبحة له لأنها مسخرة وميسرة ~~لما خلقت له. لقد تخيل أحد الشعراء حوارا ms2906 دار بين غار ثور وغار حراء، ~~يقول غار ثور: # كم حسدنا حراء حين ثوى الرو # ح أمينا يغزوك بالأنوار # وعندما أذن الحق بالهجرة اختبأ النبي بغار ثور، فقالت بقية الأحجار: # فحراء وثور صارا سواء # بهما أشفع لدولة الأحجار # عبدونا ونحن أعبد لله # من القائمين بالأسحار # تخذوا صمتنا علينا دليلا # فغدونا لهم وقود النار # قد تجنوا جهلا كما قد تجن # وه على ابن مريم والحواري # للمغالي جزاؤه والمغالي # فيه تنجيه رحمة الغفار # إذن، فهاهي ذي الحجارة تقول: إنها بريئة من الشرك بالله وهي أعبد لله من ~~القائمين بالأسحار، وصمت الحجارة الظاهر اتخذه البعض دليلا على أن ~~الحجارة رضيت بأن يعبدوها، لكن الحجارة تصير هي أحجار جهنم المعدة لمن ~~كفر بالله، وكان التجني من العباد على الأحجار مثل التجني على عيسى ابن ~~مريم. والذين غالوا في عبادة الأحجار أو البشر لهم عقاب، أما الأحجار ~~والبشر الذين لا ذنب لهم في ذلك فهم طامعون في مغفرة الله ورحمته. إذن ~~فالضلال هنا يكون ضلال الذين اتخذوا شريكا لله. ولكن الشريك المتخذ ~~لا يقال له: ضل إلا على معنى أنه غاب عنهم في يوم كان أملهم أن يكون معهم ~~ليحميهم من عذاب الله. ويقول الحق بعد ذلك: { ومنهم من يستمع ~~إليك... }. ### || [6.25] # إن من هؤلاء من يستمع إلى القرآن لا بهدف التفهم والهداية، ولكن بهدف ~~تلمس أي سبيل للطعن في القرآن، فكأن قلوبهم مغلقة عن القدرة على الفهم ~~وحسن الاستنباط وصولا إلى الهداية، وهم يجادلون بهدف تأكيد كفرهم لا ~~بنية صافية لاستبانة آفاق آيات الحق والوصول إلى الطريق القويم. ونعلم أن ~~السورة كلها جاءت لتواجه قضية الأصنام والوثنية والشرك بالله، ونعلم أن ~~المعجزة التي جاءت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هي القرآن، وهو معجزة ~~كلامية، تختلف عن المعجزات المرئية التي شاهدها المعاصرون لموسى عليه ~~السلام: كشق البحر بالعصا أو رؤية العصا وهي تصير حية تلقف كل ما ألقاه ~~السحرة، أو معجزة عيسى عليه السلام من إبراء الأكمه والأبرص، فهذه كلها ~~معجزات مرئية ومحددة ms2907 بوقت، أما معجزة رسول الله فهي معجزة مسموعة ودائمة. ~~إن السمع هو أول أدوات الإدراك للنفس البشرية. إنه أول آلة إدراك تنبه ~~الإنسان، إنه آلة الإدراك الوحيدة التي تستصحب وقت النوم وتؤدي مهمتها ~~لأن تصميمها يضم إمكانات مواصلة مهمتها وقت النوم. ونعلم أن الحق حينما ~~أراد أن يقيم أهل الكهف مدة ثلاثمائة وتسع سنين ضرب على آذانهم حتى يكون ~~نومهم سباتا عميقا، فهم في كهف في جبل، والجبل في صحارى تهب عليها ~~الرياح والزوابع والأعاصير، فلو أن آذانهم على طبيعتها لما استراحوا في ~~النوم الذي أراده الله لهم، ولذلك ضرب الله على آذانهم وقال سبحانه: # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا # [الكهف: 11]. ومعجزة رسول الله - إذن - جاءت سمعية وأيضا يمكن قراءتها. ~~وحين يتلقى الإنسان بلاغا فهو يتلقاه بسمعه، ويستطيع من بعد ذلك أن يقرأ ~~هذا البلاغ ويتفقه فيه، ولا أحد يعرف القراءة إلا إذا سمع أصوات الحروف ~~أولا ثم رآها من بعد ذلك، لقد تميزت معجزته صلى الله عليه وسلم بسيد ~~الأدلة في وسائل الإدراك الإنساني، وهو السمع، والحق يقول: { ومنهم ~~من يستمع إليك }. إن هناك فارقا بين " يسمع " و " يستمع " ، ~~فالذي يسمع هو الذي يسمع عرضا، أما الذي " يستمع " فهو الذي يسمع عمدا. ~~والسامع دون عمد ليس له خيارا ألا يسمع، إلا إذا سد أذنيه. أما الذي ~~يستمع فهو الذي يقصد السمع. وهم كانوا يستمعون للقرآن لا بغرض اكتشاف ~~آفاق الهداية ولكن بغرض الإصرار على الكفر وذلك بقصد تصيد المطاعن على ~~القرآن. ويقول الحق سبحانه: { وجعلنا على قلوبهم أكنة ~~أن يفقهوه } و " الأكنة " جمع " كنان " وهي الغطاء أو الغلاف. ~~ويتابع الحق: { وفي آذانهم وقرا } أي جعلنا في آذانهم صمما، ~~كأنهم باختيارهم الكفر قد منعهم الله أن يفهموا القرآن، ونعلم أن جميع ~~المعاصرين لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمعوا لرسول الله ~~ومنهم من آمن ومنهم من ظل على الكفر. # ونعرف أن لكل فعل مستقبلا. ويمكن للمستقبل أن يؤمن وبذلك يكون الفعل قد ~~أتى ثمرته، وقد يكون ms2908 المستقبل مصرا على موقفه السابق فلا يؤمن، وهنا ~~يكون الفعل لم يؤت ثمرته، والفاعل واحد، لكن القابل مختلف. وكان بعض ~~الكافرين يسمعون القرآن ثم يخرجون دون إيمان: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهوآءهم # [محمد: 16]. إنهم ككفار يستمعون للقرآن، ثم ينصرفون ليقولوا في استهزاء ~~للمؤمنين الذين علموا وآمنوا: أي كلام هذا الذي يقوله محمد؟ هؤلاء ~~المستهزئون هم الذين ختم الله على قلوبهم بالكفر، وانصرفوا عن الهداية ~~إلى الضلال. والمتكلم بكلام الله هو رسول الله مبلغا عن الله، والسامع ~~مختلف فهناك سامع مؤمن يتأثر بما يسمع، وهناك سامع كافر لا تستطيع أذنه ~~أن تنقل الوعي والإدراك بما سمع. لكن القرآن للذين آمنوا هدى وشفاء، أما ~~الذين لا يؤمنون به فآذانهم تصم عن الفهم وأعماقهم بلا بصيرة فلذلك لا ~~يفهمون عن الله، وتجد نفس المؤمن تستشرف لأن تعلم ماذا في القرآن. أما ~~الذي يريد أن يكون جبارا في الأرض فهو لا يريد أن يلزم نفسه بالمنهج. ~~وحتى نعرف الفارق بين هذين اللونين من البشر، نجد المؤمن ينظر إلى الكون ~~ويتأمله فيدرك أن له صانعا حكيما، أما الكافر فبصيرته في عماء عن رؤية ~~ذلك. وحين يستمع المؤمن إلى بلاغ من خالق الكون فهو يرهف السمع، أما ~~الكافر فهو ينصرف عن ذلك. وكان صناديد قريش أمثال أبي جهل وأبي سفيان، ~~والنضر بن الحارث، والوليد ابن المغيرة، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ~~وحرب بن أمية، كل هؤلاء من صناديد قريس يجتمعون ويسأل الواحد منهم النضر ~~قائلا: يا نضر ما حكاية الكلام الذي يقوله محمد؟ وكان النضر راوية للقصص ~~التي يجمعها من أنحاء البلاد، فهو قد سافر إلى بلاد فارس والروم وجاب ~~الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها، فقال: والله ما أدري ما يقول محمد إلا أنه ~~أساطير الأولين. ويتجادل النضر وأبو سفيان وأبو جهل مع رسول الله، وهذا ~~الجدال دليل عدم فهم لما جاء من آيات القرآن. ولم ms2909 يجعل الله الوقر على ~~آذانهم قهرا عنهم، بل بسبب كفرهم أولا، فطبع الله على قلوبهم بكفرهم، ~~واستقر مرض الكفر في قلوبهم وفضلوه على الإيمان فزادهم الله مرضا، وقال ~~فيهم الحق سبحانه: { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ~~حتى إذا جآءوك يجادلونك يقول الذين كفروا ~~إن هذآ إلا أساطير الأولين } [الأنعام: 25]. والأساطير ~~هي جمع أسطورة، والأسطورة شيء يسطر ليتحدث به من العجائب والأحداث ~~الوهمية. # وكأن الحق سبحانه وتعالى يكشفهم أمام أنفسهم وهو يحاولون أن يجدوا ثغرة ~~في القرآن فلا يجدون. وقال الله عنهم قولا فصلا: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. فهم يعلمون عظمة القرآن فكيف يقولون إنه أساطير الأولين؟ ~~لقد كانوا من المعجبين بعظمة أسلوب القرآن الكريم فهم أمة بلاغة، ولكنهم ~~يعلمون أن مطلوبات القرآن صعبة على أنفسهم. كما أنهم أرادوا أن يظلوا في ~~السيادة والجبروت والقهر للغير، والقرآن إنما جاء ليساوي بين البشر ~~جميعا أمام الحق الواحد الأحد. لقد جاءت حوادث قسرية بإرادة الله لتكون ~~سببا للإيمان، مثلما حدث مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما علم أن ~~أخته قد أسلمت فذهب إليها وضربها حتى أسال منها الدم. وإسالة الدم حركت ~~فيه عاطفة الأخوة فأزالت صلف العناد، فأراد أن يقرأ الصحيفة التي بها بعض ~~من آيات القرآن، وتلقى الأمر من أخته بأن يتطهر فتطهر وجلس يستمع، وبزوال ~~صلفه وعناده وبتطهره صار ذهنه مستعدا لفهم ما جاء بالقرآن، وذهب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلن إيمانه بالله ربا وبمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وبرسالته الخاتمة. ويقول الحق من بعد ذلك: { وهم ينهون ~~عنه وينأون عنه وإن يهلكون... }. ### || [6.26] # والكافر من هؤلاء إنما ينأى عن مطلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ~~يريد أن يهتدي، ويمعن في طغيانه فينهى غيره عن الإيمان، فكأنه ارتكب ~~جريمتين: جريمة كفره، وجريمة نهي غيره عن الإيمان. لقد كانت قريش على ثقة ~~من أن الذي يسمع القرآن يهتدي به، لذلك أوصى بعضهم بعضا ألا يسمعوا ~~القرآن، ms2910 وإن سمعوه فعليهم أن يحرفوا فيه أو أن يصنعوا ضجيجا يحول بين ~~السامع للقرآن وتدبره. # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون # [فصلت: 26]. إنهم واثقون من أن القرآن يقهرهم بالحجة ويفحمهم بالبينات، ~~وأنهم لو استمعوا إليه لوجدوا فيه حلاوة وطلاوة تستل من قلوبهم الجحود ~~والنكران. وكأنهم بذلك يشهدون أن للقرآن أثرا في الفطرة الطبيعية ~~للإنسان، وهم أصحاب الملكة في البلاغة العربية. ومع ذلك ظل الكافرون على ~~عنادهم بالرغم من عشقهم للأسلوب والبيان والأداء. ولم يكتفوا بضلال ~~أنفسهم، بل أرادوا إضلال غيرهم، فكأنهم يحملون بذلك أوزارهم وأوزار من ~~يضلونهم، ولم يؤثر ذلك على مجرى الدعوة ولا على البلاغ الإيماني من محمد ~~عليه الصلاة والسلام ذلك أن الحق ينصره على الرغم من كل هذا فهو سبحانه ~~وتعالى القائل: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. وحين يقول الحق سبحانه: { وهم ينهون عنه ~~وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون } [الأنعام: 26]. نعرف أن المقصود بذلك القول هم المعارضون ~~لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد عارضوها لأنها ستسلبهم سلطتهم ~~الزمنية من علو، وجبروت، واستخدام للضعفاء. وذلك ما جعلهم يقفون من ~~الدعوة موقف النكران لها والكفران بها. وما داموا قد وقفوا من الدعوة هذا ~~الموقف، فلم يكن من حظهم الإيمان، ولأنهم نأوا وبعدوا عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقد خسروا، أما غيرهم فلم ينأى عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بل إنه أوى إلى الله فآواه الله. إن هؤلاء الجاحدين المنكرين ~~لدعوة رسول الله وقفوا أمام دعوته وصدوا الناس عنها ونهوهم عن اتباعها ~~لأن هذه الدعوة ستسلبهم سلطتهم الزمنية من علو وجبروت واستخدام الضعفاء ~~وتسخيرهم في خدمتهم وبسط سلطانهم عليهم. هذا - أولا - هو الذي دفعهم إلى ~~منع غيرهم ونهيهم عن اتباع الإسلام، ثم هم - ثانيا - ينأون ويبتعدون عن ~~اتباع الرسول، - إذن - فمن مصلحتهم - أولا - أن ينهوا غيرهم قبل أن ~~ينأوا هم لأنه لو آمن الناس برسول الله وبقوا هم ms2911 وحدهم على الكفر ~~أيستفيدون من هذه العملية؟ لا يستفيدون - إذن - فحرصهم - أولا - كان على ~~ألا يؤمن أحد برسول الله لتبقى لهم سلطتهم. # وجاء الأداء القرآني معبرا عن أدق تفاصيل هذه الحالة فقال: { وهم ~~ينهون عنه وينأون عنه } فالبداية كانت نهي الآخرين عن ~~الإيمان برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك ابتعادهم عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فصار حظهم أن يظلوا على كفرهم فكان الخسران ~~من نصيبهم، بينما آمن غيرهم من الناس. وهكذا نرى أن الأداء القرآني جاء ~~معبرا دائما عن الحالة النفسية أصدق تعبير، فقول الحق: { وهم ~~ينهون عنه } قول منطقي يعبر عن موقف المعارضين لرسول الله أما ~~قوله الحق: { وينأون عنه } فهذا تصوير لما فعلوه في أنفسهم بعد ~~أن منعوا غيرهم من اتباع الدعوة المحمدية والرسالة الخاتمة. فهم بذلك ~~ارتكبوا ذنبين: الأول: إضلال الغير، والثاني: ضلال نفوسهم. وبذلك ينطبق ~~عليهم قول الحق سبحانه: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم # [النحل: 25]. ولا يقولن أحد: إن هذه الآية تناقض قول الحق سبحانه: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الإسراء: 15]. ذلك لأن الوزرين: وزرهم، ووزر إضلالهم لغيرهم من فعلهم. ~~ويتابع الحق: { وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ~~} ونرى أن الذي يقف أمام دعوة الحق والخير لينكرها ويبطلها ويعارضها ~~ويحاربها إنما يقصد من ذلك خير نفسه وكسب الدنيا وأخذها لجانبه، ولكنهم ~~أيضا لن يصلوا إلى ذلك، لماذا؟ لأن الله غالب على أمره: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. والحق سبحانه وتعالى لا يهزم جنده أبدا، ولا بد ~~أن يهلك أعداء دعوته بسبب كفرهم وصدهم عن سبيل الله فهم في الحقيقة هم ~~الذين يهلكون أنفسهم بأنفسهم. وسيظل أمر الدعوة الإيمانية الإسلامية في ~~صعود. وسيرون أرض الكفر تنتقص من حولهم يوما بعد يوم. ولذلك يقول الحق ~~في آية أخرى: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها # [الرعد: 41]. أي أن أرض الكفر تنقص وتنقص والله يحكم لا معقب لحكمه، ~~ولذلك ms2912 يشرح القرآن في آخر ترتيبه النزولي هذه القضية شرحا وافيا. ~~ويعلمنا أن نقطع كل علاقة لنا مع الكافرين، فيقول سبحانه: # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم ~~* ولا أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 1-5]. وهكذا نرى أن قطع العلاقات أمر مطلوب بين فريقين: فريق ~~يرى أنه على حق، وفريق ثان أنه على باطل، وقد يكون قطع العلاقات أمرا ~~موقوتا. وقد تضغط الظروف والأحداث إلى أن نعيد العلاقات الدنيوية ثانية، ~~ولكن قطع العلاقات لا بد أن يكون مؤيدا في شأن العقيدة ولا مداهنة في ~~هذا، ولذلك قالها الحق مرتين: # لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد ~~* ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ ~~أعبد # [الكافرون: 2-5]. فالمؤمن يرى الحاضر والمستقبل، ويعلم استحالة أن يعبد ~~ما يعبده الكافرون، واستحالة أن يعبد الكافرون ما يعبد. وقد يقول قائل: ~~إن القرآن في ترتيبه النزولي لا بد ألا يتعارض مع واقعه، ولكننا نرى في ~~قوله تعالى: # لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 2-3] وكررها مرتين، إنه بذلك يكون قد أغلق الباب أمام ~~الكافرين فلا يؤمنون مع أن بعضهم قد دخل في دين الله. نقول: نعم إنه لا ~~يتعارض لأن الحق لم يغلق الباب أمام الكافرين الذين أراد الله أن يؤمنوا، ~~بدليل أنه قال جل وعلا: # إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان توابا # [النصر: 1-3]. إذن فالمسألة لن تجمد عند ذلك فمعسكر الإيمان سيتوسع، ~~وسيواجه معسكر الكافرين وسيدخل الناس في دين الله أفواجا. ولكن هناك من ~~قضى الله عليهم ألا يؤمنوا ليظلوا على كفرهم ويدخلوا النار، فقال سبحانه ~~من بعد ذلك: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد # [المسد: 1-5]. إذن فأبو لهب ومن على شاكلته سيدخل النار ولن يدخل ms2913 في دين ~~الله أبدا. ويجيء قول الحق: # ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا # [النصر: 2]. هذا القول يفتح باب الأمل، ونرى دخول عمر بن الخطاب وعمرو ~~بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل إلى الإسلام. ومجيء سورة المسد من بعد سورة ~~النصر في الترتيب المصحفي كما أراد الله، يعلمنا أن هناك أناسا لن ~~يدخلوا الجنة لأنهم مثل أبي لهب وزوجه. وتأتي من بعدها سورة الإخلاص: # قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم ~~يولد * ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 1-4]. إنه لا إله مع الله ينقض ما حكم به الله، ولن يعقب أحد ~~على حكم الله. إذن فمن كفر وأشرك بالله يكون من الذين خسروا أنفسهم ~~وأهلكوها وما يشعرون. ومن بعد ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: { ولو ~~ترى إذ وقفوا... }. ### || [6.27] # عندما ننظر إلى قول الحق: { ولو ترى إذ وقفوا على ~~النار } ، هنا لا نجد جوابا، مثل ما تجده في قولك: لو رأيت فلانا ~~لرحبت به أو لو رأيت فلانا لعاقبته. إن في كل من هاتين الجملتين ~~جوابا، لكن في هذا القول الكريم لا نجد جوابا، وهذا من عظمة الأداء ~~القرآني، فهناك أحداث لا تقوى العبارات على أدائها، ولذلك يحذفها الحق ~~سبحانه وتعالى ليذهب كل سامع في المعنى مذاهبه التي يراها. وفي حياتنا ~~نجد مجرما في بلد من البلاد يستشري فساده وإجرامه في سكانها تقتيلا ~~وتعذيبا وسرقة واعتداءات، ولا أحد يقدر عليه أبدا، ثم يمكن الله لرجال ~~الأمن أن يقبضوا عليه، فنرى هذا القاتل المفسد يتحول من بعد الجبروت إلى ~~جبان رعديد يكاد يقبل يد الشرطي حتى لا يضع القيود في يديه. ويرى إنسان ~~ذلك المشهد فيصفه للآخرين قائلا: آه لو رأيتم لحظة قبضت الشرطة على هذا ~~المجرم، وهذه العبارة تؤدي كل معاني الذلة التي يتخيلها السامع، إذن فحذف ~~الجواب دائما تربيب لفائدة الجواب، ليذهب كل سامع في تصور الذلة إلى ما ~~يذهب. لأن المشاهد لو شاء لحكى ما حدث بالتفصيل لحظة القبض على المجرم ~~وبذلك يكون قد حدد ms2914 الذلة والمهانة في إطار ما رأى هو، ويحجب بذلك تخيل ~~وتصور السامعين. أما اكتفاء المشاهد بقوله: آه لو رأيتم لحظة قبض الشرطي ~~على هذا المجرم.. فهذا القول يعمم ما يرى حتى يتصور كل سامع من صور ~~الإذلال ما يناسب قدرة خياله على التصور. وهكذا أراد القرآن أن يصور هول ~~الوقوف على النار فأطلق الحق " لو " بلا جواب حين قال: { ولو ترى ~~إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا نرد ولا ~~نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين } [الأنعام: ~~27]. وقد أراد البعض أن يتصيد لأساليب القرآن، ومنهم من قال: كيف تقولون ~~إن القرآن عالي البيان، فصيح الأسلوب، معجزة الأداء، وهو يقول ما يقول عن ~~شجرة الزقوم؟ إن القرآن الكريم يقول عن هذه الشجرة: # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم * إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين * إنها شجرة تخرج ~~في أصل الجحيم * طلعها كأنه رءوس الشياطين # [الصافات: 62-65]. إن كل شجرة تحتاج إلى ماء وهواء، وفيها حياة تظهر ~~باخضرار الأوراق، فكيف تخرج هذه الشجرة من النار، أليس في ذلك شذوذ؟ ثم ~~تتمادى الصورة.. صورة الشجرة، فيصف الحق ثمارها بقوله الحق: # طلعها كأنه رءوس الشياطين * فإنهم لآكلون ~~منها فمالئون منها البطون # [الصافات: 65-66]. نحن لم نر شجرة الزقوم، ولم نر رأس الشيطان. ~~ويسخر الذين يتصيدون للقرآن في أقوالهم: بما أن أحدا من البشر لم ~~يشهد رأس الشيطان، وكذلك شجرة الزقوم، فكيف يشبه الله المجهول بمجهول، ~~وتساءلوا بطنطنة: ماذا يستفيد السامع من تشبيه مجهول بمجهول؟ ونقول ردا ~~عليهم: إن غباء قلوبكم وفقدان طبعكم لملكة اللغة العربية هو الذي يجعلكم ~~لا تفهمون ما في هذا القول من بلاغة. # وحين نقرب المثل نقول: هب أن إنسانا أقام مسابقة بين رسامي " ~~الكاريكاتير " في العالم ليرسم كل منهم صورة للشيطان، ويوم تحديد الفائز ~~ستوجد أكثر من صورة للشيطان، وستفوز أكثر الصور بشاعة، ذلك أن الفوز هنا ~~ليس في الجمال، ولكن الفوز هنا في مهارة تصوير القبح. وهكذا تتعدد أمامنا ~~صور القبح، فما بالنا بالحق سبحانه وتعالى وقد أراد إطلاق الخيال لتصور ~~شجرة ms2915 الزقوم، وكذلك تصور رأس الشيطان؟ أراد الحق بهذا الأسلوب البليغ ~~إشاعة الفائدة من إظهار بشاعة صورة الشجرة التي يأكل منها أهل الكفر. ~~وكذلك هنا قوله الحق: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } ~~والذي يحدث لهؤلاء الوقوف على النار لا يأتي خبره هنا، بل يكتفي الحق بأن ~~يعبر لنا عن أننا نراهم في مثل هذا الموقف لأن اليوم الآخر هو يوم الجزآء ~~إما إلى الجنة وإما إلى النار. والجنة - كما نعلم من قول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - إن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر. ونعلم أن رؤية العين محدودة، ورقعة السمع أكثر اتساعا، ذلك أن ~~الأذن تسمع ما تراه أنت وما رآه غيرك، لكن عينيك لا تريان إلا ما رأيته ~~أنت بمفردك، ولا يكتفي الحق بذلك بل يخبر رسوله صلى الله عليه وسلم أن في ~~الجنة ما لا يخطر على قلب بشر، أي أن في الجنة أشياء لا تستطيع اللغة أن ~~تعبر عنها لأن اللغة تعبر عن متصورات الناس في الأشياء. والمعنى يوجد ~~أولا ثم يوجد اللفظ المعبر عنه. وهكذا نعلم أن ما في الجنة من نعيم لا ~~توجد ألفاظ تؤدي كل ما تحمله للمؤمن من معان، وكذلك نعلم أيضا أن في ~~النار عذابا لم توضع له ألفاظ لتعبر عنه. ولو أن الحق سبحانه وتعالى ~~قال: { ولو ترى إذ وقفوا على النار } لرأينا أمرا ~~مفزعا مخيفا مذلا إلى آخر تلك الألفاظ الدالة على عمق العذاب لما أعطي ~~ذلك الأثر نفسه الذي جاء به حذف الجواب. وعندما نقرأ " وقفوا " نعرف أن ~~فيه بناء وكيانا موجودا، وأن هناك من أوقفهم على النار، وهم كانوا ~~مكذبين في الدنيا بالنار، ثم وجدوا أنفسهم يوم القيامة ضمن من وقفهم الله ~~على النار ليروا العذاب الذي ينتظرهم، ويطلعوا على النار اطلاع الواقف ~~على الشيء، كذلك يوقفهم الحق على النار التي أنكروها في الدنيا فقد جاءهم ~~الخبر في الدنيا، فمن صدق وعلم أن من أخبره صادق، فذلك علم يقين، ms2916 وإن ~~تجاوز الإنسان مرحلة العلم ورأى صورة محسة للخبر، فهذا عين يقين، والمؤمن ~~بإخبار ربه وصل إلى الأشياء بعلم اليقين من الله، لأنه يصدق ربه، ولذلك ~~فالإمام علي - كرم الله وجهه - يقول: " لو انكشف عني الحجاب ما ازددت ~~يقينا " لأنه مصدق بلاغى به. # لكن ماذا عن المكذبين؟ إن الإنسان يرى علم اليقين في اليوم الآخر وهو ~~عين يقين، ويشترك في ذلك المؤمن والكافر. ولكن الكافر يرى النار عين ~~اليقين ويدخلها ليحترق بها فيحس بها وهذا هو " حق اليقين ". هكذا نعلم أن ~~النار " عين اليقين " يراها المؤمن والكافر، والنار ك " حق اليقين " ~~يعانيها ويعذب بها الكافر فقط، أما المؤمن في الجنة فيحس " حق اليقين " ~~لأنه يعيش ويسعد بنعيمها. ويصور سبحانه ذلك في قوله: # كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ~~ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر: 5-7]. وجاء حق اليقين في قوله تعالى: # فأمآ إن كان من المقربين * فروح وريحان ~~وجنت نعيم * وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * ~~فسلام لك من أصحاب اليمين * وأمآ إن كان من ~~المكذبين الضآلين * فنزل من حميم * وتصلية ~~جحيم * إن هذا لهو حق اليقين # [الواقعة: 88-95]. وماذا يصنعون وهم المكذبون عندما يرون النار عين ~~اليقين؟ لا بد أنهم يخافون أن يعانوا منها عندما تصبح حق اليقين، لذلك ~~يقولون: { يليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ~~ونكون من المؤمنين } [الأنعام: 27]. إنهم يتمنون العودة إلى ~~الدنيا ليستأنفوا الإيمان. والتمني في بعض صوره هو طلب المستحيل غير ~~الممكن للإشعار بأن طالبه يحب أن يكون، كقول القائل: # ألا ليت الشباب يعود يوما # فأخبره بما فعل المشيب # أو قول القائل: # ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها # عقود مدح فما أرضى لكم كلمى # وهم قالوا: { يليتنا نرد } فإن كانوا قالوا هذا تمنيا فهو طلب ~~مستحيل ويتضمن أيضا وعدا بعد التكذيب بآيات الله، فهل هم قادرون على ~~ذلك؟ لا لأن القرآن الكريم قد قال في الآية التالية: { بل بدا لهم ~~ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا... }. ### || [6.28] # إنهم يطلبون العودة إلى الدنيا لا لينفذوا ms2917 الوعد في طلبهم المستحيل ~~لأنهم سيفعلون مثلما فعلوا من قبل، كفرا ونكرانا وجحودا. إنهم لجأوا ~~إلى هذا القول من فرط الخوف مما أعده الله لهم. بعد أن ظهر لهم كل ما ~~كانوا يفعلونه في الدنيا من كفر وجحود. ويقال عن يوم القيامة " يوم ~~الفاضحة " لأن كل إنسان سيجد كتابه في عنقه، ويقال له: # اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. فإذا كنا في الدنيا نسجل الأحداث بالصوت والصورة فما ~~بالنا بتسجيل الحق لنا؟ ويرى الإنسان مكره يوم القيامة بالصوت ~~والصورة، وكل فعل فعله سيراه بطريقة لا يمكن معها أن ينكره، وكأن الحق ~~يوضح لكل عبد: أنا لن أحاسبك بل سأترك لك أن تحاسب نفسك. ويفاجأ الإنسان ~~أن جوارحه تنطق لتشهد عليه: الأيدي تنطق بما فعل، واللسان ينطق بما قال، ~~والقدم تحكي إلى أين ذهب بها صاحبها، فهذه الجوارح التي كانت تنفعل لمراد ~~صاحبها في الدنيا، يختلف موقفها في الآخرة ولا تنفذ في اليوم الآخر مراد ~~الإنسان بل مراد من أعطى الإنسان المراد. # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. مثال ذلك - ولله المثل الأعلى - نجد السرية أو الكتيبة ~~المقاتلة لها قائد يحكم الجنود، فإن أعطاهم أوامر خاطئة فهم ينفذونها، ~~وبعد انتهاء المعركة يسألهم القائد الأعلى، فيقولون سلسلة الأوامر ~~الخاطئة التي أصدرها قائدهم المباشر. فإياك أن تظن أيها الإنسان أن ~~أبعاضك مؤتمرة بقدرتك عليها دائما، إن سيطرتك عليها أمر منحك الله إياه، ~~ويسلبه منك متى شاء في الدنيا. ويأتي يوم القيامة لتنتهي سيطرتك على ~~الأبعاض. وأنت ترى في الدنيا بعضا من صور سلب السيطرة على الأبعاض ~~لتتذكر قدرة الواهب الأعلى فأنت ترى من لا يرى، وترى من فقد السيطرة على ~~جارحة أو أكثر من جوارحه، وذلك تنبيه من الله على أن سيطرة الإنسان على ~~الجوارح إنما هي أمر موهوب من الله. وقول الحق سبحانه عن الكافرين: { ~~بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل } يفضح تدليسهم في ~~الحياة الدنيا، ثم يجيب الله على تمنيهم السابق المليء بالذلة والمسكنة، ~~التمني بالعودة ms2918 إلى الدنيا، فيقول سبحانه: { ولو ردوا لعادوا ~~لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون }. فهم كاذبون في الوعد ~~بأن يؤمنوا لو عادوا إلى الدنيا، يوضح ذلك قول الحق سبحانه: { ~~وقالوا إن هي إلا حياتنا... }. ### || [6.29] # إنهم لم يأخذوا في أثناء حياتهم الإيمان كإيمان استدلال بكون منظم مرتب ~~محكم التكوين، إنهم لم يلتفتوا إلى أن هذا النظام أو الإحكام والترتيب ~~موجود في علاقات البشر بعضهم ببعض سواء أكانوا مؤمنين أم ملاحدة، ونعلم ~~أن هناك صفات يشترك في كراهتها كل الناس مؤمنهم وملحدهم فالملحد إن سرق ~~من زميله، ألا يعاقب؟ إنه يتلقى العقاب من مجتمعه، وفي كل المجتمعات هناك ~~ثواب وعقاب، بل هناك جزاء بإحسان. والإيمان لا يمنع أن يصطلح الناس على ~~شيء من الإحسان، والمحرومون من الإيمان تلجئهم الأحداث أن يضعوا القانون ~~لينظموا الثواب والعقاب. إننا نجد أن تجريم المخالف للخير والجمال وإصلاح ~~الكون هو أمر فطري وضروري للإنسان فهم يجرمون أفعال السوء بعد أن تعضهم ~~الأحداث ولا يلتفتون إلى أن المنهج السماوي جاء بالثواب والعقاب على كل ~~فعل يحمي كرامة الإنسان. ويوم القيامة يقفون في صغار وفي اضطرار ليروا ~~ما فعلوا: # بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون # [الأنعام: 28]. فهم لو ردوا إلى الدنيا بما كان لهم فيها من اختيار ~~فسيفعلون مثلما فعلوا، ولم يقولوا مثل هذا القول في اليوم الآخر إلا ~~لأنهم مقهورون. وكانوا من قبل يقولون: { وقالوا إن هي إلا ~~حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين } [الأنعام: 29]. ففي ~~دنياهم كانوا لا يؤمنون إلا بحياة واحدة هي الدنيا. ولم يلتفتوا إلى أن ~~الإنسان يحيا في الدنيا على قدر قوته، وويل للضعيف من القوي. والقوي إنما ~~يخاف من قانون يعاقبه، أو يخاف من إله سيعاقبه على الذنب مهما أخفاه، ~~ولذلك نجد القاضي المؤمن يقول دائما: لئن عميتم على قضاء الأرض، فلا ~~تعموا على قضاء السماء. ومن غباء أهل الكفر أنهم يسمون الحياة على الأرض ~~" الحياة الدنيا " وهي في حقيقتها دنيا، وما داموا قد حكموا ms2919 وعرفوا أنها ~~" دنيا " فلا بد أن يقابلها حياة عليا. إن كل ذلك يحدث لهم عندما يقفون ~~على النار، والنار جند من جنود الجبار، فما بالك بهم حين يقفون أمام خالق ~~النار ورب العالمين؟ ويقول الحق سبحانه: { ولو ترى إذ ~~وقفوا... }. ### || [6.30] # هم - إذن - قد خافوا وارتبكوا وطلبوا العودة للحياة الدنيا لأن ما ~~شاهدوه هول كبير، فما بالك إذا وقفوا على الله؟ إنه موقف مرعب. وإذا كان ~~الحق قد حذف من قبل الجواب عندما أوقفهم على النار فالأولى هنا أن يحذف ~~الجواب، حتى يترك للخيال أن يذهب مذاهب شتى.. إنه ارتقاء في الهول. وهكذا ~~نرى التبكيت لهم في قول الحق لهم: { أليس هذا بالحق } إنهم ~~يفاجأون بوجود إله يقول لهم بعد أن يشهدوا البعث ويقفوا على النار: { ~~أليس هذا بالحق }؟ وسبحانه وتعالى لا يستفهم منهم ولكنه ~~يقرر، وقد شاء أن يكون الإقرار منهم، فيقولون: " بلى " لأن الأمر لا ~~يحتاج - إذن - إلى مكابرة. و " بلى " حرف يجعل النفي إثباتا. ويطرح الحق ~~هذه المسألة بالنفي حتى لا يظن ظان أن هناك تلقينا للجواب. ويصدر حكم ~~الحق: { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } وهكذا يذوقون ~~العذاب الذي كانوا به يكذبون. وذوق العذاب ليس من صفة القهر والجبروت ~~لأن الله لا يظلم مثقال ذرة، ولكن بسبب أنهم قدموا ما يوجب أن يعذبوا ~~عليه. ويقول الحق سبحانه وتعالى من بعد ذلك: { قد خسر الذين ~~كذبوا... }. ### || [6.31] # إن كل رأس مال يحتاج إلى عمل يزيده، لكن أن يكون العمل قد أضاع المال، ~~فهذا يعني الخسارة مرتين: مرة لأن رأس المال لم يبق عند حده بل إنه قد ~~فنى وذهب وضاع، وثانية لأن هناك جهدا من الإنسان قد ضاع وأضاع معه رأس ~~المال. إذن فقد خسر الذين كذبوا بلقاء الله لأنهم باعوا الآجل الطويل ~~العمر بالعاجل القصير العمر. وكل إنسان منا يريد أن يثمر عمله ويحاول أن ~~يعطي قليلا ليأخذ كثيرا. وعلى سبيل المثال نجد الفلاح يقتطع مقدار ~~كيلتين من أرادب القمح التي في مخزنه ليبذرها في الأرض بعد ms2920 أن تحرث. ~~وهذا يعني النقص القليل في مخزن هذا الفلاح، ولكنه نقص لزيادة قادمة ~~فعندما وضع البذور في الأرض المحروثة نجد الحق سبحانه وتعالى ينبتها له ~~أضعافا مضاعفة. والفلاح بذلك يبيع العاجل القليل من أجل أن يأخذ الآجل ~~الكبير. وهذه أصول حركة العاقل الذي يزن خطواته، فإن أراد أن يزيد الثمار ~~من حركته، فعليه أن يبذل الجهد. أما إن كانت الحركة لا تأتي له إلا ~~بالقليل فلن يتحرك. ولأن العاقل لا يحب الخسارة نجده يوازن دائما ويقارن ~~بين ما يبذله من جهد والعائد الذي سيأتي إليه. أما الذين كفروا بلقاء ~~الله فهم قد خسروا أنفسهم، لأنهم لم يوازنوا بين حياتين: حياة مظنونة، ~~وحياة متيقنة لأن مدة حياتنا الدنيا مظنونة غير متيقنة. إننا لا نعرف كم ~~سنحيا فيها فمتوسط عمر الإنسان على الأرض هو سبعون عاما على سبيل ~~المثال، ولكن أحدا لا يعرف كم عمره في الدنيا بالضبط، وله أجل محدود. ~~إنه فان وذاهب وميت، ولكن حياة الآخرة متيقنة لا أجل لها، إنها دائمة، ~~ونعلم أن نعيم الدنيا بالنسبة للإنسان هو على قدر الأسباب الموجودة لديه، ~~أما نعيم الآخرة فهو على قدر طلاقة قدرة المسبب وهو الله، وعلى هذا تكون ~~خسارة الذين كفروا كبيرة وفادحة ودامية لأنهم لم يتاجروا مع الله. { قد ~~خسر الذين كذبوا بلقآء الله حتى إذا ~~جآءتهم الساعة بغتة قالوا يحسرتنا على ما ~~فرطنا فيها } [الأنعام: 31]. ونعلم أن " حتى " هي جسر بين أمرين ~~فالأمر الذي نريد أن نصل إليه هو غاية، كقول إنسان ما: " سرت حتى وصلت ~~المنزل " ، والمنزل هنا هو غاية السير. والذين كفروا، كان كفرهم وتكذيبهم ~~موصلا إلى الخسران، فمجيء الساعة بغتة ليس هو نهاية المطاف، ولكنه وصول ~~إلى أول الخسران لأن خسرانهم لا ينتهي من فور مجيء الساعة، ولكنه يبدأ ~~لحظة مفاجأة الساعة لهم. فهم يفاجأون بوقوع ما كانوا يكذبون به. ويعلمون ~~جيدا أن ما صنعوه في الدنيا لا يستوجب إلا العذاب. # وهنا تبدأ الحسرة التي لا يقدرون على كتمانها، ولذلك يقولون: { ~~يحسرتنا على ما ms2921 فرطنا فيها }.. أي على تفريطنا وإسرافنا ~~في أمرنا وذلك في أثناء وجودنا في الدنيا. وبذلك نعرف أن عدم التفريط في ~~الدنيا والأخذ بالأسباب فيها أمر غير مذموم، ولكن التفريط في أثناء ~~الحياة الدنيا هو الأمر المذموم لأنه إضاعة للوقت وإفساد في الأرض. إنني ~~أقول ذلك حتى لا يفهم أحد أن الاستمتاع في الدنيا أمر مذموم في حد ذاته، ~~وحتى لا يفهم أحد أن الآخرة هي موضوع الدين لأن الدنيا هي موضوع الدين ~~أيضا، والجزاء في الآخرة إنما يكون على ألوان السلوك المختلفة في الدنيا ~~فمن يحسن السلوك في الدنيا ينال ثواب الآخرة ومن يسيء ينال عقاب الآخرة. ~~ولذلك لا يصح على الإطلاق أن نقارن الدين بالدنيا. إن علينا أن نعلم خطأ ~~الذين يقولون: " دين ودنيا " فالدين ليس مقابلا للدنيا. بل الدنيا هي ~~موضوع الدين. أقول ذلك ردا على من يظنون أن سبب ارتقاء بعض البلاد في ~~زماننا هو أن أصحابها أهملوا الدين وفتنوا بما في الدنيا من لذة ومتعة ~~فعملوا على بناء الحضارات. نقول: إن الإقبال على الدين بروح من الفهم هو ~~الذي يبني الحضارات ويثاب المصلح في الدنيا يوم الجزاء، ولنا أن نعرف أن ~~المقابل للدنيا هو الآخرة، والدين يشملهما معا يشمل الدنيا موضوعا، ~~والآخرة جزاء. والذين يفتنون بالدنيا ولا يؤمنون بالآخرة هم الذين ~~يقولون يوم القيامة: { يحسرتنا على ما فرطنا فيها ~~وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم }. والأوزار ~~المعنوية في الدنيا - وهي الذنوب - ستتجسم بحسيات وذلك حتى تكون الفضيحة ~~علنية فمن سرق غنمه يبعث يوم القيامة وهو يحملها على ظهره، ومن سرق بقرة ~~يبعث يوم القيامة وهو يحملها على كتفه وهي تخور، وكذلك من سرق طنا من ~~حديد عمارة سيبعث يوم القيامة وهو يحمله على ظهره، وكذلك يفضحه الله يوم ~~القيامة. وهذا يكون موقف أهل النار لذلك يقول الحق: { ألا سآء ما ~~يزرون } ونعلم أنهم لا يحملون أوزارا فقط بل يحملون من أوزار الذين ~~اتخذهم قدوة له، فهذا وزر الإضلال ويعرفون - جميعا - أن حمل الوزر يتجسد ~~في الإحساس بعبئه ms2922 فقد قادتهم هذه الأوزار إلى الجحيم، ونعلم أن نتيجة كل ~~عمل هي الهدف منه، فمن عمل صالحا سيجد صلاح عمله، ومن أساء فسيجد عمله ~~السيء. إننا نرى الأمثلة العملية لذلك في حياتنا اليومية فهذان شقيقان ~~يعملان بالزراعة، وكل منهما يملك فدانين من الأرض مثلا: الأول منهما ~~يقوم مع طلوع الفجر ليعتني بأرضه ويحرثها ويحمل إليها السباخ ويعتني ~~بمواقيت الري ويسعى إلى يوم الحصاد بجد واهتمام. والاخر يسهر الليل أمام ~~شاشة التليفزيون، ولا يقوم من النوم إلا في منتصف النهار، ولا يخدم أرضه ~~إلا بأقل القليل من الجهد. # ثم يأتي يوم الحصاد فينال الأول ناتج تعبه من محصول وفير، وينال الآخر ~~محصولا قليلا بالإضافة إلى الحسرة التي يتجرعها بسبب إهماله وكسله. إذن ~~فالعاقل هو من يدرس ما تعطيه حركته في الحياة. ويختار نوعية الحركة في ~~الحياة بما يضمن له سعادة الدنيا والآخرة، واطمئنان النفس في الدنيا ~~والآخرة. إن من ينام ولا يذهب إلى عمله هو إنسان يحب نفسه، ومن قام في ~~بكرة الفجر إلى عمله يحب نفسه أيضا، ولكن هناك فارقا بين حب أحمق ~~عقباه الندم، وحب أعمق لمعنى الحياة وعقباه الجزاء الوافر. والحق سبحانه ~~وتعالى يقول لنا: { وما الحياة الدنيآ إلا لعب ~~ولهو... }. ### || [6.32] # هكذا تكون الحياة بالنسبة لمن يقف عند وصفها على أساس أنها " الحياة ~~الدنيا " إنها لا تزيد على كونها لهوا ولعبا. واللعب - كما نعلم - هو ~~مزاولة حدث ونقضه في آن واحد، والمثال على ذلك الطفل على شاطئ البحر قد ~~يقيم بيتا من الرمال ثم يهدمه، إنه لم يقم ببناء بيت من الرمال إلا ~~ليهدمه. واللعب عملية يقصد بها قتل وقت في عمل قد ينقض، فالبناء والنقض ~~في هذه الحالة لعب ولا يشغل اللعب الإنسان عن الواجب. أما اللهو فهو قتل ~~الوقت في عمل قد ينقض ويشغل الإنسان عن الواجب أيضا. والطفل الصغير - ~~على سبيل المثال - يتلقى من والديه بعض اللعب ليقضي وقته معها وقد يخربها ~~ويهدمها وقد يعيد بناءها. ولعب الطفل هو لهو في الوقت نفسه لأن ms2923 الطفل غير ~~مكلف بواجب. وما إن يدخل إلى المدرسة وتصير له بعض من المسئوليات نجد ~~الأسرة تعلمه أن يفرق بين وقت أداء مسئولياته ووقت اللعب لأنه إن لعب في ~~وقت أداء المسئوليات صار لعبه لهوا لأنه شغله عن أداء مسئولية مطلوبة ~~منه. وكذلك الحياة الدنيا مجردة من منهج الله الذي خلقها وخلق الإنسان ~~فيها هي لهو ولعب، إما إن أخذ الإنسان الحياة بمواصفات من خلقها فهي حياة ~~منتجة للخير في الدنيا وفي الآخرة. والذي خلق الحياة الدنيا جعلها ~~بالنسبة لنا مزرعة للأخرة. والمؤمن - إذن - له حياتان: حياة صلاح في ~~الدنيا، وحياة نعيم في الآخرة لأنه يعيش الحياة الدنيا على مراد من خلقه. ~~ومن العجيب أن من خلقنا لم يكلفنا إلا بعد أن يصل الإنسان منا إلى ~~البلوغ، أي أن يكون الإنسان صالحا لإنجاب إنسان مثله إن تزوج. ويأتي ~~التكليف متناسبا مع النضج وعند تمام العقل. وسمح الحق لنا أن نلعب في ~~سنوات ما قبل النضج، ولكن لا بد أن يكون مثل هذا اللعب تحت إشراف من ~~الكبار حتى يمكن للعب أن يتحول إلى دربة تفيدنا في مجالات الحياة، ~~ويجعلنا نعرف كيف وصلنا في العصر الحديث إلى درجة من التقدم في صناعة ~~اللعب التي يتعلم منها الطفل، ويمكن أن يقوم بتفكيكها وإعادة تركيبها، ~~وحتى الكبار نجدهم في زماننا يتعلمون قيادة السيارات في حجرات مغلقة ~~وأمامهم شاشة تليفزيون، وكأنهم في طريق حقيقي وفي شارع مزدحم بالسيارات، ~~ومن يتقن هذا التدريب العملي يخرج إلى قيادة السيارة. وهكذا نجد أن ~~التدريب مفيد للإنسان، يعلم الصغار اللعب الذي ينفعهم عندما يكبرون، ~~وكذلك يفيد التدريب الكبار أيضا. وعندما أوصانا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن نعلم أبناءنا ركوب الخيل والسباحة والرماية، كانت الخيل - في زمن ~~الرسالة - هي إحدى الأسلحة المهمة ليركبها الداعون إلى الله المجاهدون في ~~سبيله. # وحين طلب منا أن نعلم الأبناء السباحة فهذا بناء للجسم والقوة يفيد ~~الشاب ويعلمه مواجهة الصعاب، وحين طلب منا أن نعلم الأبناء الرماية فذلك ~~لأن تحديد الهدف ماديا ms2924 أو معنويا ومعرفة الوصول إليه أمر مطلوب من كل ~~شاب. وكل هذه ألعاب ولكنها ليست لهوا، إنها ألعاب ممتعة ويمكن أن تستمر ~~مع الإنسان بعد أن يكلف. قال عليه الصلاة والسلام: # " علموا أبناءكم السباحة والرماية ". # فماذا عن ألعاب عصرنا وزماننا؟ إننا نجد أن لعبة كرة القدم قد أخذت ~~اهتمام الرجال والنساء والكبار والصغار، وهي لعبة لا تعلم أحدا شيئا، ~~لأنها لعبة لذات اللعب، وهي لعبة تعتدي على وقت معظم الناس، وأخذت تلك ~~اللعبة كل قوانين الأمور الجادة. فهي تبدأ في زمان محدد، ويذهب ~~المشاهدون إليها قبل الموعد بساعتين، وتجند لها الدولة من قوات الأمن ~~أعدادا كافية للمحافظة على النظام مع أنها من اللهو ولا فائدة منها ~~للمشاهد. وقد تمنع وتحول وتعطل البعض عن عمله والبعض الآخر عن صلاته. ~~يحدث كل ذلك بينما نجد أن بعضا من ميادين الجد بلا قانون. وأقول ذلك حتى ~~يفيق الناس ويعرفوا أن هذه اللعبة لن تفيدهم في شيء ما. وأقول هذا الرأي ~~وأطلب من كل رب أسرة أن يحكم السيطرة على أهله، وينصحهم بهدوء ووعي حتى ~~ينتبه كل فرد في الأسرة إلى مسئولياته ولنعرف أنها لون من اللهو، ونأخذ ~~الكثير من وقت العمل وواجبات ومسئوليات الحياة، حتى لا نشكو ونتعب من قلة ~~الإنتاج. إن على الدولة أن تلتفت إلى مثل هذه المسائل، ولنأخذ كل أمر ~~بقدره، فلا يصح أن ننقل الجد إلى قوانين اللعب، ولكن ليكن للجد قانونه، ~~وللعب وقته وألا ننقل اللعب إلى دائرة اللهو لأن معنى اللهو هو أن ننصرف ~~إلى عمل لا هدف له ولا فائدة منه. وإن نظرنا إلى الحياة مجردة من منهج ~~الله فهي لعب ولهو. ونلتفت هنا إلى دقة الحق حين جاء باللعب أولا ثم ~~اللهو من بعد ذلك، ثم يقول: { وللدار الآخرة } وفي هذا لفت واضح ~~إلى أن الإنسان حين ينعزل عن منهج الحق في الحياة تفاجئه الأحداث ~~بالانتقال المفاجىء إلى جد واضح لذلك فلنأخذ الحياة في ضوء منهج الله ~~لأنه سبحانه حين أبلغنا أنه خلق الإنسان من ms2925 طين، وصوره ونفخ فيه من روحه ~~فقد أعطاه الحق بذلك حياة أولى، يشترك فيها المؤمن والكافر، والطائع ~~والعاصي وكل إنسان له حس وحركة وفكر وإرادة. وأرسل الله الرسل بالمنهج من ~~أجل أن تسير الحياة إلى الغاية منها وهي الحياة الثانية وهي الدار الآخرة ~~فإنها الحياة الكاملة الباقية، ونسمع قول الحق سبحانه وتعالى: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال: 24]. إن الحق سبحانه وتعالى يقدم لنا حياة عالية دائمة تخلف ~~الحياة التي تنتهي. والذي يتوقف عن أخذ منهج الله في حياته يكتفي بمثل ما ~~يأخذ الحيوان من الحياة وهي النفخ في الروح، لكن الذي يأخذ بمنهج الله ~~يأخذ الحياة العالية.. حياة الخير والجمال والإصلاح والإحسان. ونعلم أن ~~الجمال في الحياة هو الجمال الذي لا يورث قبحا. والخير الحقيقي هو الذي ~~يعمم خير الله على العباد، فلا يأخذ الإنسان الخير لنفسه ويترك شروره ~~للآخرين لذلك أقول: لا تأخذ أيها المسلم الخير لنفسك على حساب الشر ~~للآخرين لأنك لا تحب أن يحقق الآخرون الخير على حسابك، والذي يحب أن ~~ينطلق بشروره في الناس فليستقبل الشر من غيره. ومن يحب أن يأخذ الخير من ~~الناس فليعطهم من خيره حتى يبقى الوجود جميلا. إذن فالحياة بدون منهج ~~الله تكون قبيحة لأن القوي يعيث فيها فسادا بقوته وينزوي الضعيف إلى ~~الإحساس بالذلة والضياع. لكن الحق سبحانه أراد الحياة للمؤمنين في ضوء ~~منهجه، وعندما يطبقون تكاليفه ب " افعل " و " لا تفعل " فهم يصونون ~~الحياة من الفساد حسب أوامر الخالق الأعلى للحياة، فهو سبحانه الذي ~~أوجدنا ووضع لنا قوانين صيانة الحياة. وحين منع مؤمنا واحدا من الشر، ~~فهو قد منع وحرم على كل إنسان مؤمن من أن يصنع شرا لأخيه، وبذلك حمى ~~الإنسان من الشر. وإنما خص الله المؤمنين بالنداء والدعاء لأنهم أهل ~~الاستجابة والطاعة أما ما عداهم من أهل الكفر والشرك فقد تأبوا على الله ~~وعصوه ولم يؤمنوا به. وحين يأمر الله المؤمن بالخير، فهو يأمر المؤمنين ~~جميعا بأن يصنعوا الخير لهم ولغيرهم. ms2926 وبذلك يكسبون حياة مطمئنة لذلك ~~يقول سبحانه: # استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال: 24]. فالذين لا يستجيبون لله ولا لرسوله حين يدعوهم لما ~~يحييهم يظلون في الحياة الدنيا غارقين في اللهو واللعب، إنهم كالموتى. ~~وحتى نعرف أن الحق سبحانه أراد لنا - نحن المؤمنين - الحياة العالية إنه ~~- سبحانه - قد سمى المنهج الذي يرسم لنا الأوامر والنواهي بالروح: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]. وسمى الحق سبحانه وتعالى بهذا الملك الذي نزل بالوحي: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. إذن فالحياة التي تعطي الإنسان الحس والحركة هي الحياة ~~الأولى التي يلعب ويلهو من خلالها، وليست هي الحياة المرادة لله لأن ~~الحياة المرادة لله هي الحياة الإيمانية ولذلك سماها الحق سبحانه الحيوان ~~أي الحياة الكاملة وسمى المنهج روحا. { وما الحياة الدنيآ ~~إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين ~~يتقون أفلا تعقلون } [الأنعام: 32]. إن مجرد التعقل يعطي ~~الإنسان الخير، والتعقل هو محاولة فهم نواميس الكون من الأسباب ~~والمسببات، ونحن نرى نور الشمس يعم النهار ويشيع الضوء والدفء، وغياب ~~الشمس وظهور القمر يحقق صفاء السكون ويهدي الناس في ظلمات البر والبحر، ~~وجريان الماء يروي الإنسان والزرع، وحركة الرياح تحرك السحب وتقود السفن ~~وتساعد في حركة الملاحة في الجو والبحر وتلقح النبات، وكل ذلك أسباب ~~أرادها الله حتى يتحقق التوازن في الكون. # والإنسان يأخذ حظه من الحياة بالأسباب التي يعمل فيها ولا يأخذ الإنسان ~~من أسباب غيره. صحيح أن هناك أناسا يعيشون بلا أسباب ويأخذون تعب غيرهم، ~~ولكن عليهم أن يحذروا الله، فإياك أيها المسلم أن تبني لحمك ولحم أولادك ~~من استغلالك لغيرك ذلك أن أغيار الحياة ستمر عليك وقد تصير قوتك إلى ضعف، ~~وتأمين الإنسان لضعفه إنما يكون بإخراج الزكاة للضعيف، ومساعدته ومعاونته ~~في كل ما يحتاج إليه، ونجد غير المؤمنين وقد أخذوا فكرة التأمين من ~~الزكاة، فأنت تدفع للفقير زكاتك لتؤمن نفسك كمؤمن، وهم أخذوا هذه الفكرة ~~ليحولوها إلى تأمين على الحياة، ولذلك تدخلوا في قدر الله. لكن الحق أراد ~~بالزكاة أن يطمئن ms2927 المجتمع كله لا أن يطمئن من يؤمن على نفسه فقط. ونعلم ~~أن الذي يخيف الإنسان ويجعله يكدس المال ويجمعه ويكنزه هو الخوف من ~~الضعف، لكن لو أعطى الغني بعضا من المال للفقير لأشاع الاطمئنان في نفسه ~~ونفوس الضعفاء. والذي يجعل الناس تلهث في الحياة للادخار لأبنائها هو عدم ~~اقتناعهم بالتكافل الاجتماعي الذي شرعه الإسلام. وهم يرون اليتيم وهو ~~يضيع في المجتمع، لكن لو آمن الناس في المجتمع بالتكافل الاجتماعي لوجد ~~كل يتيم أبوة المجتمع كله له. والإنسان الذي يلهث وراء الكسب من أجل أن ~~يؤمن مستقبل أولاده قد يحول أولاده إلى يتامى لأنه مشغول عن تربيتهم، ~~ولذلك يقول أمير الشعراء شوقي رحمة الله عليه: # ليس اليتيم من انتهى أبواه من # هم الحياة وخلفاه ذليلا # إن اليتيم هو الذي تلقى له # أما تخلت أو أبا مشغولا # إن على المجتمع أن يأخذ قضية الخير من قول الحق سبحانه: # استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال: 24]. فكما أحيا الحق الأجسام بالروح التي نفخها في القالب ~~الطيني فصار لها حس وحركة، فهو قد أنزل المنهج أيضا روحا من عنده ~~لترتقي به روح الحس والحركة، حتى لا يصير الإنسان كالأنعام أو أضل ~~سبيلا: { وما الحياة الدنيآ إلا لعب ولهو ~~وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون } [الأنعام: 32]. والدار الآخرة خير لأن الدنيا مهما طالت ~~فهي منتهية، لكن الحياة الآخرة خلود أبدا، ونعيمنا في الدنيا نأخذه ~~بالأسباب، ولكن نعيم الآخرة نأخذه على قدر سعة ورحابة قدرة الله. وآفة ~~الدنيا حتى بالنسبة لأهل النعيم والقوة والثراء هي الخوف من الفقر أو ~~الموت، لكن في الآخرة لا يفوت أهل الجنة النعيم ولا يفوتون النعيم. ويقول ~~سبحانه بعد ذلك: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي ~~يقولون فإنهم لا يكذبونك... }. ### || [6.33] # لقد شرح الحق حال الكفار وموقفهم في الآخرة حين يقفون على النار، ويقفون ~~أمام الله، ومن بعد ذلك يوجه الحديث إلى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي ~~تقع عليه مشقة البلاغ من الله لهؤلاء الكفار، وكان الرسول صلى الله ms2928 عليه ~~وسلم حزينا لأن قومه لا يذوقون حلاوة الإيمان، وهو الرسول الذي قال عنه ~~الحق سبحانه وتعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. وكان صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يكون كل الناس ~~مؤمنين، ويتألم لمقاومة بعض الناس دعوة الإيمان، إنه صلى الله عليه وسلم ~~كان حريصا على الكافر ليؤمن على الرغم من أن مهمة الرسول هي البلاغ فقط، ~~ولو شاء الحق أن يجعل الناس كلهم مؤمنين لأنزل عليهم آية تجعلهم جميعا ~~مؤمنين: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. لكن الحق سبحانه وتعالى لا يريد خضوع أعناق، وإنما يريد ~~خضوع قلوب. إنه - سبحانه - يريد أن يأتي الناس طواعية واختيارا ليثبتوا ~~الحب للخالق لذلك يقول الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم: { قد نعلم ~~إنه ليحزنك الذي يقولون } وساعة نسمع: " قد " فلنعرف أن ~~ما يأتي بعدها هو أمر محقق، ويأتي ذلك إذا دخلت على الفعل الماضي فهي في ~~هذه الحالة تأتي لتسبق أمرا تحقق، ومرة تأتي للتقليل أو للتكثير إذا ~~دخلت على الفعل المضارع الذي يدل على الحال أو الاستقبال، فإذا كان ~~العامل والمعمول بينهما ارتباط سبب.. فهذا للتكثير، وإذا كان ظاهر الأمر ~~غير مرتبط ارتباطا واضحا.. فهذا للتقليل. والمثال على الارتباط الذي ~~يدل على التكثير هو قول القائل: قد ينجح المجد لأن المجد والنجاح ~~مرتبطان ارتباط سببية، ولكن قد يكون هناك حادث مفاجئ لأحد المجدين فلا ~~يستطيع النجاح، كأن يمرض يوم الامتحان، ولكن احتمال الصحة أكثر من احتمال ~~المرض فكانت للتكثير. والمثال على مجيء " قد " للتقليل هو قول القائل: قد ~~ينجح الكسول، أي أن الكسول قد ينجح بالمصادفة وبدون أسباب منطقية، كأن ~~يقرأ عددا من الدروس ليلة الامتحان فيأتي فيها الامتحان فينجح، إذن ق " ~~قد " إذا دخلت على الماضي تكون للتحقيق، وإن دخلت على المضارع فهي ~~للتكثير إن كانت منطقية الأسباب، وهي للتقليل إن كانت غير منطقية ~~الأسباب. ms2929 ولكن كلنا يعلم أن علم الله هو علم أزلي، ولا قوة ولا أمر ~~يخرجان عن معلوم الله. إذن ف " قد " هنا للتحقيق وهي داخلة على الفعل ~~المضارع، فالحق أراد أن يبلغنا أنه علم أزلا بما حدث وجاء ب " قد " ~~لنستحضر صورة الفعل: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي ~~يقولون }. # والحزن هو خروج النفس من سياق انبساطها فالإنسان يكون غاية في الاستقامة ~~والسرور عندما يكون كل جهاز من أجهزته يؤدي مهمته، فإن حدث شيء يخل بعمل ~~أحد الأجهزة فذلك يورث الحزن. أو يكون الحزن انفعالا لمجيء وحصول أمر غير ~~مطلوب للنفس. لقد كان مطلب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يؤمن كل الذين ~~استمعوا إلى البلاغ عنه، لكن البعض قاوم الإيمان، والبعض اتهم الرسول ~~بالسحر أو الجنون أو قول الشعر، وها هوذا الحق يسلي رسوله فيقول: { قد ~~نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } أي إنك يا محمد لا ~~بد لك أن تعلم أن أقوالهم هذه ليست متعلقة بك لأنك - بإجماع الآراء عندهم ~~- أنت الصادق الأمين. وهم إنما يكذبون بآياتي التي أرسلتها معك إليهم ~~لأن ماضيك معهم هو الصدق والأمانة، بدليل أن الكافر منهم كان لا يأمن ~~أحدا على شيء من أمواله ونفائسه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~والإنسان لا يغش نفسه فيما يخصه. فكأن الله يريد أن يتحمل عن رسوله لأن ~~من يوجه إهانة للرسول إنما يوجهها للمرسل له وهو الله جلت قدرته. ولذلك ~~يقول الحق: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ~~فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون } وسبحانه يبين لنا أن رسوله صلى الله عليه وسلم كان ~~حريصا أشد ما يكون الحرص على أن تستجيب أمته لداعي الحق، حتى يتأكد لدى ~~المؤمنين قول الحق سبحانه وتعالى في رسوله: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. ولا معنى للحرص إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب ~~إلا يفلت أحد من قومه عن منهجه وعن دينه. ولكن الحق سبحانه وتعالى ms2930 جعل ~~أمر الدين اختياريا حتى يعلم من يجيء له طواعية ويقدر ألا يجيء، ومن لا ~~يجيء وهو قادر أن يجيء. إن الحق سبحانه وتعالى له سنن كونية في الكون ~~يجريها على كل الخلق. وقد يتساءل قائل: وما الذي يجعل الحق سبحانه وتعالى ~~يترك للكفر به مجالا في دنياه؟ ولماذا يجعل الحق سبحانه وتعالى للشر ~~مجالا في دنياه ألا يحكمها بهندسة حكيمة؟ ونقول: لو لم يوجد للشر مضار ~~تفزع الناس لما عرفوا للحق حلاوة. إذن فوجود الشر، ووجود الكفر، ~~وآثار الكفر في الناس جبروتا وقهرا واستذلالا ينادي في الناس أنه لا ~~بد من الإيمان، وأنه لا بد من وجود الخير. فلو لم يكن للشر مكان في الكون ~~فما الذي يلفت الناس إلى الخير؟ ولذلك تجد أن هبات الإيمان عند المؤمنين ~~لا تأخذ فتوتها إلا حين تجد قوما من خصوم الإيمان يهيجون المؤمنين ~~ويؤذونهم ويستفزونهم. # أما إذا صارت الدنيا إلى رتابة فربما فتر أمر الإسلام في نفوس المسلمين. ~~ولذلك نجد المؤمنين بالله في غيرة دائمة لأن هناك من يكفر بالله. فيقول ~~لرسوله: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون } ~~وكأنه سبحانه يبلغنا أنه أراد كونه ليكون فيه المؤمن والكافر. لذلك إن ~~تساءلت - أيها المسلم - كيف يكون في الأرض كافرون؟ فلك أن تعلم أنهم من ~~خلق الله أرادهم الحق أن يختاروا الكفر فلم يختاروا الكفر قهرا عنه - ~~سبحانه - وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحزن لأن هناك أناسا ~~لم يؤمنوا، فيسليه الحق سبحانه وتعالى، بأنه يعلم أنه يحزنه الذي يقولون ~~من الكفر ومن اتهامات لرسول الله. ألم يقولوا إنه ساحر؟ ألم يقولوا إنه ~~مجنون؟ ألم يقولوا إنه كاذب؟ ألم يقولوا إنه كاهن؟ ألم يقولوا إنه شاعر؟ ~~وسبحانه وتعالى يعلم ما قالوا ويعلم أن هذه الأقوال تحزن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ويريد الحق سبحانه أن يرفع ويدفع هذا الحزن عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيبلغه أنهم لا يكذبونك يا رسول الله فأنت تعرف ~~منزلتك عندهم وهي منزلة الصادق الأمين، ms2931 ولا يجرؤ أحد على تكذيبك ولكنهم ~~يجحدون بآيات الله. وهل هناك تسلية أكثر من ذلك. لا يمكن أن توجد تسلية ~~أكثر من ذلك. ونعلم أن ما قاله أهل الشرك عن رسول الله هو قول مردود، فهم ~~أمة البلاغة والفصاحة والبيان، فكيف يقولون إن القرآن شعر وهم أصحاب ~~الدراية بالأساليب مرسلها، ومسجوعها، ونظمها، ونثرها؟ أمن المعقول أن ~~يلتبس عليهم أسلوب القرآن بالشعر؟ من المؤكد أن هذا غير ممكن. ولقد قالوا ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه ساحر، فكيف سحر الذين آمنوا به ولم ~~يسحر الباقين؟ ولو كان ساحرا لسحرهم أيضا، وبقاؤهم على الكفر ينقض هذا. ~~وقالوا كاذب، فهم بقولهم هذا يكذبون أنفسهم لأنهم يعرفون عنه أنه ~~الصادق الأمين، وهاهوذا الحوار بين الأخنس بن شريق وأبي جهل. قال الأخنس: ~~يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال أبو جهل: ماذا سمعت! وهنا ~~نسمع قول الغيرة والحسد والبغض، نسمع عن تلك الأمور البعيدة عن موضوع ~~الرسالة النورانية المحمدية فيقول أبو جهل: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف ~~الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطو ا فأعطينا حتى إذا تحاذينا ~~على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ~~ندرك مثل هذا! والله لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه. فقام عنه الأخنس وتركه. ~~إذن هي مسألة غيرة غاضبة على مناصب وسلطة زمنية، ولذلك يرد الله عليهم ~~قائلا: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ~~ربك خير مما يجمعون # [الزخرف: 32]. وها هو ذا الحق يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم ويقول له: ~~{ قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم ~~لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون } [الأنعام: 33]. إنهم ظالمون، لأن الظلم نقل حق إلى غير ~~مستحقه. وأبشع أنواع الظلم هو الشرك لأن الحق سبحانه وتعالى هو المستحق ~~وحده للعبادة، والظلم الأخف وطأة هو أن ينقل الإنسان حقا مكتسبا أو ~~موهوبا إلى غير صاحبه وهذا ظلم موجود ms2932 بين الناس. وقد نقل المشركون حق ~~الذات الإلهية إلى غير مستحقها من أوثان وأصنام، أما المؤمنون فهم الذين ~~اعترفوا بحق الذات الإلهية في العبادة. وهناك نوع آخر من الظلم أريد أن ~~أتحدث عنه، وهو أن يظلم الإنسان اسمه، كأن يكون والده قد سماه " مهديا " ~~ولكنه يملأ الدنيا فسادا بإيذاء نفسه وبإيذاء الآخرين. نقول لمثل هذا ~~الإنسان: إن الواجب يقتضي منك أن تحترم أمل والدك فيك، فلا تظلم اسمك " ~~مهديا " ولتكن هناك عدالة بين الاسم والمسمى وذلك بأن يكون سلوكك ~~متوافقا مع الاسم الذي سماك به أبوك. أما إن كان أبوه قد سماه " مهديا ~~" ولم يلقنه أي شيء من تعاليم الهدى والدين، ثم خرج الشاب إلى الدنيا ~~ليملأها بالشقاء لنفسه ولغيره ثم اهتدى من بعد ذلك فهذا شاب استطاع أن ~~يتعلم الهداية فصار اسمه على مسماه. وقد كنا في الثلاثينيات من هذا القرن ~~نسمع التحذيرات ونحن نزور القاهرة: " إياكم أن تطأوا بأقدامكم شارع عماد ~~الدين لأن كل الموبقات في هذا الشارع ". وتعجبت أن يكون اسم الشارع " ~~عماد الدين " ويكون مكانا للموبقات فقلت في ذلك: # وأقبح الظلم بعد الشرك منزلة # أن يظلم اسما مسمى ضده جبلا # فشارع كعماد الدين تسمية # لكنه لعناد الدين قد جعلا # وفي الحياة كثير من حالات الأسماء يظلمها أصحابها. ولكن أكبر وأقبح ~~درجات الظلم هو الشرك بالله { ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون } والجحد هو إباء اللسان وترفعه وعدم رضاه بأن ينطق ~~بكلمة الحق، فلو أن المشركين خلوا إلى أنفسهم واستعرضوا مسائل محمد ~~ومسائل الرسالة لوجدوا أن قلوبهم مقتنعة بأنه صادق وأنه رسول وأن المنهج ~~إنما جاء للهداية. لكن ألسنتهم غير قادرة على الاعتراف بذلك. ولذلك يأمر ~~المنهج الإيماني أن على الواحد منا إن أراد أن يناقش قضية أهي حق أم باطل ~~فلا يصح أن نناقشها في حشد من الناس، ولكن فلنناقشها أولا في نفوسنا ~~لنتبين الحق فيها من الضلال، ولذلك يقول الحق سبحانه: # قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة ms2933 # [سبأ: 46]. كأن الحق يهدينا إلى كيفية التمييز، فإما أن نناقش أنفسنا، ~~وإما أن يتناقش اثنان حتى يمكن أن يقتنع أحدهما برأي الآخر دون أن يشهد ~~ثالث هزيمته فيكابر ويجادل. # وقد نصح الحق بذلك هؤلاء الذين اتهموا رسول الله أن به - والعياذ بالله ~~- مسا من الجنون فالجنون هو أن تحدث الأفعال بلا مقدمات وبدون تدبر أو ~~نظر في آثارها وتكون خالية من حكمة فاعلها. أما العاقل فهو الذي يرتب ~~الأفعال بحكمة ويوازن ويدرس وينتهي به عقله وحكمته إلى حسن ما يفعل ~~ويعامل الناس بانسجام وسوية خلقية عالية، فهل أحد من المشركين أخذ على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أي سلوك يمكن أن يشير إلى عدم ترتيب ~~الأفعال؟ لا. ولذلك يقول الحق: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4]. إن الخلق العظيم يتنافى مع الجنون، وكذلك فعل كل قوم مع ~~رسولهم، إنهم رموه بالسفه والجنون. فكلما جاء رسول لقومه بمنهج حق ~~ليطمس معالم الباطل قابله قومه بمثل تلك المقابلة. ونعرف أن السماء لا ~~تتدخل بالنبوات والمعجزات إلا حين يطم الفساد وتنطمس النفس المؤمنة. ~~فالمؤمن فيه خميرة الخير فيندفع إلى فعل الخير. وإن حدثته نفسه بفعل ~~معصية وفعلها، فإن نفسه اللوامة تؤنبه على ذلك، لكن إن انطمست نفسه ~~ولم تعد تلوم، صارت نفسه الأمارة بالسوء هي المسيطرة وإن لم يجد من يقول ~~له في المجتمع: لا تفعل ذلك.. فالمجتمع كله يكون قد فسد. # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه # [المائدة: 79]. إذن السماء لا تتدخل برسالة أو معجزة أو منهج إلا حين ~~يطم الفساد. وما دام قد طم الفساد فهناك من يستفيد من هذا الفساد. وحين ~~يأتي الرسول من أجل أن يمنع الفساد فهذا الرسول يمنع عن المفسدين استغلال ~~الناس ويحول بينهم وبين الاستفادة من الفساد. ولذلك كان لكل رسول مقاومة ~~من المفسدين وكانوا يقولون: # وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي # [هود: 27]. وأتباع كل رسول هم المظلومون ms2934 الذين يحتاجون إلى منقذ. أما ~~الجبابرة فهم يخاصمون الرسول ويقاومونه، ويستقبله هؤلاء الجبابرة بإيذاء ~~يتناسب مع مهمته. فإن كانت مهمته لقبيلة فالإيذاء يأتيه من هذه القبيلة. ~~وإن كانت مهمته أوسع من ذلك فإنه يلقى من صنوف العذاب ألوانا. وما دام ~~محمد صلى الله عليه وسلم رسولا إلى الناس كافة فعليه أن يجد المتاعب ~~الكثيرة ويتحملها. وقد أعده الله وهيأه لذلك، وقد أخذ الرسل السابقون من ~~الإيذاء على قدر دعوتهم. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو للناس ~~كافة، ولا رسالة من بعده، لذلك يتجمع ضد هذا الرسول وهذه الرسالة أقوام ~~كثيرون. ولذلك يقول له الحق سبحانه: { ولقد كذبت رسل من ~~قبلك... }. ### || [6.34] # فإذا كان الرسل الذين سبقوك قد كذبوا وصبروا على ذلك، وهم رسل لقومهم ~~أو لأمة خاصة، ولزمان خاص، فماذا عنك يا خاتم الرسل وأنت للناس كافة ~~وللأزمان عامة؟ إن عليك أن تتحمل هذا لأن الحق سبحانه وتعالى قد اختارك ~~لهذه المهمة وهو العليم أنك أهل لها. والحق كفيل بنصر رسله فلا يتأتى أن ~~يترك الشر أو الباطل ليغلب الرسل، وما دام سبحانه وتعالى قد بعث الرسول ~~فلا بد أن ينصره. فهو القائل: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. وما دامت قد سبقت كلمة الله للرسل فلا مبدل لكلمات ~~الله، ولا أحد بقادر على أن يعدل في المبادئ التي وضعها الله بقوله ~~سبحانه وتعالى: { ولا مبدل لكلمات الله ولقد جآءك ~~من نبإ المرسلين } [الأنعام: 34]. وقد قص الحق سبحانه على ~~رسوله قصص المرسلين، ولم يكتف بالقول لرسوله أن الرسل السابقين عليه قد ~~كذبتهم أقوامهم، ولكن أورد الحق لرسوله ما حدث لكل رسول ممن جاء ذكرهم ~~بالقرآن الكريم وماذا حدث للرسول - أي رسول - من ثبات أمام الأعداء، ثم ~~بين أن كلمة الحق قد انتصرت دائما. وقد روى الحق بعضا من قصص الرسل ~~فقال: # منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص ~~عليك # [غافر: 78]. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { وإن كان ms2935 كبر ~~عليك إعراضهم... }. ### || [6.35] # إنك يا محمد رسول من عند الله، ومعك منهج هو معجزتك الدالة على صدق ما ~~جئت به، فإن كبر عليك إعراضهم وعظم عليك أن يتولوا ويعرضوا عنك فإن ~~استطعت أن تصنع لنفسك نفقا في الأرض لتأتيهم بآية أو أن تبني سلما ~~لتصعد به إلى السماء طلبا لهذه الآية فافعل، ولكنك لن تستطيع ذلك لأن ~~ذلك فوق حدود قدرتك وسيلقى المشركون والمنافقون العذاب لأنك جئت يا رسول ~~الله تبدد من صولجان سلطتهم الزمنية وتقيم العدل الإيماني. ولذلك حاولوا ~~السخرية منك وإيذاءك. وقد طلب الكافرون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن ينزل إلى الأرض ليفجر لهم منها ينبوعا، وطلبوا إليه أن يصعد إلى ~~السماء وأن يجعلها تسقط عليهم كسفا وقطعا لتهلكهم. وهذه أشياء لم تكن ~~في مكنة واستطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقول له الحق ~~سبحانه وتعالى ما يقفل عليه أبواب الحزن ويقضي على أسباب الأسى والأسف ~~عنده بسبب إعراضهم، وأن يعرف أن السخرية والمقاومة هي مسألة طبيعية ~~بالنسبة لكل رسول من الرسل، وأنت يا رسول الله أولى بهذا لأن مهمتك أضخم ~~من كل الرسل. ونلحظ أن الحق سبحانه يحذف هنا جواب " إن " فهو يقول: { ~~فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما ~~في السمآء فتأتيهم بآية } [الأنعام: 35]. ولم يقل الحق: ~~فافعل ذلك، كأن المسألة هي تهدئة للرسول لأن الجواب في مثل هذه الحالة ~~معلوم فالرسول لا يجبر أحدا على الإيمان. وإعراض هؤلاء القوم أمر مقصود ~~لواجب الوجود حتى يختبرهم ولو أراد قهرهم لفعل، فلا أحد يتأبى على الله، ~~فالكون كله مطيع لله، الشمس، والقمر، والنجوم، والهواء، والماء، والجبال، ~~والأرض، وكل ما في الكون مطيع لله بما في ذلك الحيوان المسخر لخدمة ~~الإنسان. ولكنه - سبحانه - أعطى الاختيار للإنسان ليأتي إلى الله محبا. ~~ونعلم أن الحق قد ترك بعضا من المسخرات غير مذللة ليثبت للإنسان إنه لم ~~يذلل الأشياء بحيلته، ولكنه - جل شأنه - هو الذي خلقها وذللها له لذلك ~~نرى الجمل الضخم يجره ms2936 طفل صغير، ونرى أي رجل مهما تكن قوته يأخذ الحذر ~~والاحتياط من ثعبان صغير. # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 71-72]. ولو لم يذللها الله فلن يستطيع أحد أن يقترب منها. وأضرب ~~هذا المثل دائما، عندما قال قائل: لماذا خلق الله الذباب؟ فقال رجل من ~~أهل الإشراق: ليذل به الجبابرة فسلطانهم لا يمتد إلى هذه الحشرات. لقد ~~أعطى الحق الإنسان عزة السيادة، وعلمه أيضا أن يتواضع للخالق. ويبلغ ~~الحق سبحانه وتعالى رسوله: { ولو شآء الله لجمعهم على ~~الهدى فلا تكونن من الجاهلين } [الأنعام: 35]. أي أنه ~~سبحانه لو شاء لجعل الناس كلهم مؤمنين. وقد يقول قائل: كيف يخاطب الله ~~رسوله فيقول له: { فلا تكونن من الجاهلين }؟ ونقول: إن ~~الحق حين يقول لرسوله ذلك فهو يقولها لا من مظنة أن يفعلها الرسول ~~فالرسول معصوم من الجهل، ولكن هو قول فيه تنزيه للرسول عن أن يكون في مثل ~~هذا الصنف من الجاهلين. ويقول الحق بعد ذلك: { إنما يستجيب ~~الذين يسمعون... }. ### || [6.36] # و " يستجيب " معناها أنهم يطيعون أمر الآمر ونهي الناهي. وهناك فارق بين ~~" الاستجابة " و " الإجابة " ف " الاستجابة " هي: أن يجيبك من طلبت منه ~~إلى ما طلبت ويحققه لك، و " الإجابة " هي: أن يجيبك من سألت ولو بالرفض ~~لما تقول، وقد يكون الجواب ضد مطلوب ما سألت. ويقول الحق: { إنما ~~يستجيب الذين يسمعون } أي أن الذين يستجيبون لنداء الحق هم ~~الذين يسمعون بآذانهم وقلوبهم مصدقة لأن هناك فارقا بين سماع ظاهره سماع ~~وباطنه انصراف، وبين سماع ظاهره طاعة وباطنه محبة لهذه الطاعة. ونعلم أن ~~استقبال المسموع شيء، وانفعال الإنسان بالمسموع شيء آخر. وعندما يتحد حسن ~~الاستماع مع انفعال الحب لتنفيذ ما سمعه الإنسان فهذا ما يطلبه الإيمان. ~~والمؤمنون هم الذين يستمعون لكلمات الله بانفعال الحب، وهم يختلفون عن ~~هؤلاء الذين يسمعون الكلام من أذن ويخرجونه من الأذن الأخرى، ويتركون ~~الكلمات بلا تطبيق، ولا يبقى في النفس الواعية من آثار الكلام ms2937 شيء. وهكذا ~~نرى أن الله قد صنع وخلق في الإنسان من الحواس ما تهديه وترشده إلى ~~الإيمان أو إلى الكفر فالأذن عند المؤمن تسمع، والقلب يصدق، والعقل يمحص ~~ويؤمن. أما الكافر فأذنه تسمع وقلبه يعارض، وعقله يبحث في أسباب الكفر ~~رغبة فيه وسعيا إليه، ولذلك لا تؤدي حواسه مهامها بانسجام، وكأن الذين ~~يسمعون ولا يستجيبون هم من الموتى. فالأمر - إذن - ليس مقصورا على السمع ~~بل المطلوب أن يكون هناك سماع انفعال بالمسموع وانصياع له، ولا تظن أن ~~الله يعجز عن أن يجعل الذي لا يسمع سماع طاعة يهتدي ويستقيم، فلا شيء ولا ~~كائن يتأبى على الله لأنه سبحانه يحيي الموتى. وما دام هو سبحانه يحيي ~~الموتى فهو لا يتطلب إيمانا جبريا. إنما يطلب إيمان الاختيار والاقتناع، ~~وهو سبحانه لو شاء لأنزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين، ~~وسبحانه يطلب قلوبا لا قوالب. إذن فالذين يستجيبون لداعي الإيمان هم ~~الأحياء حقا، أما الذين لا يستجيبون فهم في حكم الأموات، وهم من بعد ~~موتهم وانتهاء حياتهم سيبعثهم الله ليسألهم عن أفعالهم في الحياة الدنيا. ~~وعندما يرجعون إلى الله سوف يجدون الحساب. ونعلم أن المرجع أخيرا ~~ودائما إلى الله. ومن يرجع إلى الله وعمله طيب يتعجل الجزاء الطيب ~~ويتشوق ويتشوف إليه، أما من يرجعه الله قهرا فهو يخشى الجزاء الأليم. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { وقالوا لولا نزل عليه آية... }. ### || [6.37] # إن الله سبحانه يوضح مواصلتهم للجدل، وطلبهم لآية ما. والآية هي الأمر ~~العجيب الذي يبعثه الله على يد نبي ليثبت صدقه في تبليغه عن الله. وكأنهم ~~لا يريدون أن يعترفوا أن القرآن آيات بينات على الرغم من اعترافهم بعظمة ~~القرآن، فقد قالوا: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. ولكنهم لم يعترفوا بالقرآن كآية معجزة لأنهم عرفوا أن ~~الرسل السابقين قد نزل كل منهم بآية معجزة منفصلة عن المنهج الذي جاء به، ~~فموسى عليه السلام معجزته العصا، ويده التي أخرجها من جيبه فكانت بيضاء ~~من غير سوء، ms2938 وشق البحر، ومنهجه التوراة، وعيسى عليه السلام كانت معجزته ~~التكلم في المهد بإذن الله، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن ~~الله، وجاء الإنجيل مكملا بالروحانيات تلك الماديات التي ملأت نفس ~~اليهود. وبعد أن قالوا عن رسول الله إنه يفتري الكذب تحداهم الحق أن ~~يأتوا بمثل القرآن ثم نزل بهم إلى أن يأتوا بعشر سور من مثله ثم إلى أن ~~يأتوا بمثل سورة واحدة من أقصر سوره. إذن، فالافتراء وارد عليكم أيضا، ~~فكما أن محمدا افترى فيمكن أن تفتروا أنتم كذلك فيما نبغتم وتفوقتم فيه ~~من أساليب البلاغة. إن القرآن قد تحداهم وما دام قد تحداهم فإنه معجزة ~~لأن الأصل في المعجزة التحدي، ويتحداهم الله أن يأتوا بسورة من مثل سور ~~القرآن فلا يستطيعون، إنه يتحداهم في أمر اللغة، وهم سادة اللغة وهم ~~النابغون فيها. جاء القرآن ليتحداهم في مجال نبوغهم، ولكن بعضا من ~~العرب طالب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعجزة حسية كونية يرونها. ~~وأعماهم الحمق عن معرفة أن المعرفة الحسية موقوتة التأثير، من يراها يقول ~~إنها معجزة، ومن لم يرها قد يصدق وقد يكذب. ونحن - المسلمين - لا نصدق ~~المعجزات الحسية إلا لأن القرآن أوردها ولأن القرآن قد جاء للناس كافة ~~لذلك لم يكن من المعقول أن يكون المنهج الخاتم منفصلا عن معجزة النبي ~~الذي جاء به. جاء القرآن - إذن - معجزة لرسول الله وهو آية معنوية دائمة ~~أبدا بما فيه من أحكام ونظم، وآيات كونية وقضايا علمية، وإذا كان الخلق ~~يختلفون في اللغات فما تضمنه القرآن من معجزات لن تنقضي عجائبه إلى يوم ~~القيامة. وكل يوم نستنبط من آيات الله معجزات جديدة تخرس كل مكذب، لأنها ~~معجزات كونية، ومن العجيب أن بعض الذين يستنبطونها ليسوا من المسلمين، ~~ولا هم من المؤمنين بالقرآن. ولكن بعضا من المشركين لم يكتف بالقرآن ~~على أنه آية ومعجزة دالة على صدق الرسول، وطالبوا بمعجزة حسية. فهل كان ~~ذلك الطلب للآية حقيقيا يرجون من ورائه معرفة الحق والإيمان له أو كان ~~مجرد سبب يختفون وراءه ms2939 حتى لا يؤمنوا؟ إن كان طلب الآية هو أمرا حقيقيا ~~نابعا من قلوبهم فإننا نأخذ بأيديهم ونرشدهم ونهديهم ونقول لهم: إن ~~الرسل التي جاءت بمعجزات غير كتاب المنهج كانوا رسلا إلى أمم مخصوصة وفي ~~زمان محدود، فجاءت معهم آيات كونية ترى مرة واحدة وتنتهي، ولكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جاء لعموم الزمان، ولعموم المكان، ولذلك لا تصلح ~~أن تكون آيته ومعجزته حسية حتى لا تنحصر في الزمان والمكان المحددين، ~~وشاء الحق أن تكون معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي المنهج الدائم. # وكنز القرآن أظهر وكشف من من الآيات الكونية ما تحقق من علم ورآه البشر، ~~وما سيظل يكتشفه البشر إلى أن تقوم الساعة. ولذلك قال الحق: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. أي أن البشر سيريهم الله وسيكتشف لهم من آياته حتى يظهر ~~ويستبين لهم وجه الحق، وإن كنتم تقترحون آية لمجرد التمحك والتلكؤ في ~~إعلان الإيمان، فلتعلموا أن أقواما غيركم اقترحت الآيات وأنزل الحق هذه ~~الآيات ومع ذلك كفروا: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون # [الإسراء: 59]. مثلما طلب قوم صالح الناقة، فجاءهم بالناقة، فكذبوا بتلك ~~الآية وعقروا الناقة: # فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها # [الشمس: 14]. إذن فمسألة طلب الآيات قد سبقت في أمم سابقة، وسبحانه قادر ~~على إنزال الآيات، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون. وسيقولون مثلما قال ~~الذين تكلم فيهم الحق سبحانه: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون # [الإسراء: 59]. ولقد أنزل الحق سبحانه القرآن على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وفيه آيات كثيرة عظمت وجلت عن أن تحصى وتحصر، ولو أنهم اقترحوا آية ~~وحققها الله لهم ولم يؤمنوا لكان حقا على الله أن يبيدهم جميعا. ولقد ~~أعطى الله رسوله صلى الله عليه وسلم وعدا بألا يهلكهم وهو صلى الله عليه ~~وسلم فيهم: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33]. إذن فعدم استجابة الله لإنزال آية لهم هو نوع من الحرص ~~عليهم، ذلك ms2940 أن منهم من سيؤمن، ومنهم من سيكون من نسله مؤمنون يحملون ~~المنهج ويقومون به إلى أن تقوم الساعة لأنهم أتباع وحملة الرسالة ~~الخاتمة. وبعد ذلك يأتي الحق بالبيان الارتقائي: { وما من دآبة ~~في الأرض... }. ### || [6.38] # إنه سبحانه يوضح لنا: أنا أعطي الآيات التي أعلم أن الفطرة السليمة ~~تستقبلها كآية وتؤمن بها. وأنزلت لكم القرآن لتؤمنوا بالرسول الذي يحمله ~~منهجا يصلح حياتكم. وقد جعلتكم سادة للكون تخدمكم كل الكائنات، لأنكم ~~بنو آدم. وكان الأجدر بكم أن تنتبهوا إلى أن الحيوان في خدمتكم، والنبات ~~في خدمة الحيوان وخدمة الإنسان، وكل كائنات الوجود تصب جهدها المسخر ~~لخدمتكم. فإذا كنت قد جئت للأجناس كلها وجعلتها دونكم وأعطيتها ما ~~يصلحها ويقيمها ووضعت لها نظاما، وأعطيتها من الغرائز ما يكفي لصلاح ~~أمرها حتى تؤدي مهمتها معكم على صورة تريحكم فإذا كان هذا هو شأننا ~~وعملنا مع من يخدمكم فكيف يكون الحال معكم؟ إنني أنزلت المنهج الذي يصلح ~~حياة من استخلفته سيدا في الأرض. { وما من دآبة في الأرض ~~ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما ~~فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ~~} [الأنعام: 38]. وكل الدواب دون الإنسان أعطاها الإله الإيمان بالفطرة، ~~وهداها إلى الرزق بالغريزة. وميز الإنسان فوق كل الكائنات بالعقل، ولكن ~~الإنسان يستخدم عقله مرة استخداما سليما صحيحا فيصل إلى الإيمان، ~~ويستخدمه مرة استخداما سيئا فيضل عن الإيمان. وكان على الإنسان أن يعلم ~~أنه تعلم محاكاة ما دونه من الكائنات فقابيل تعلم من الغراب كيف يواري ~~سوأة أخيه. ومصمم الطائرات تعلم صناعة الطيران من دراسة الطيور. إذن كان ~~يجب أن يتعلم الإنسان أن له خالقا جعل له من الأجناس ما تخدمه ليطور من ~~حياته ومن رعاية كرامته بعد الموت. والمثال ما قالته نملة لبقية النمل: # حتى إذآ أتوا على واد النمل قالت نملة ~~يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده # [النمل: 18]. إن النمل أمة لها حرس، قالت حارسة منهم هذا القول تحذيرا ~~لبقية النمل. والله سبحانه يقول: # وإن من شيء إلا ms2941 يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. إذن فكل أمة من تلك الأمم الكثيرة التي خلقها الله في ~~الكون تسبح بحمده، ولكن لا يفهم أحد لغات تلك الأمم. وأعلمنا الله أنه ~~علم سيدنا سليمان لغات كل الأقوام وكل الأمم المخلوقة لله، ولذلك عندما ~~سمع سيدنا سليمان ما قالته النملة: تبسم # ضاحكا من قولها # [النمل: 19]. وهكذا علمنا أن الله قد أعطى إذن سليمان عليه السلام ما ~~جعلها تمتلك حاسية التقاط الذبذبة الصادرة من صوت النملة وتفهم ما تعطيه ~~وتؤديه تلك الذبذبة، لذلك تبسم سليمان عليه السلام من قولها لأن الله ~~علمه منطق تلك الكائنات. ولو علمنا الله منطق هذه الكائنات لفقهنا ~~تسبيحهم لله، ونحن لا نفقه تسبيحهم لأننا لم نتعلم لغتهم. ومثال ذلك - ~~ولله المثل الأعلى - قد يسافر إنسان عربي إلى بلاد تتحدث الإنجليزية وهو ~~يجهل تلك اللغة، فلا يفهم مما يقال شيئا. # إذن لو علمك الله منطق الطير، ومنطق الجماد، ومنطق النبات لعلمت لغاتهم. ~~ألم يقل الحق سبحانه وتعالى: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن # [الأنبياء: 79]. إن الجماد - الجبال - تسبح مع داود. وكذلك الطير ~~فهاهوذا الهدهد قد عرف قضية التوحيد، وحز في نفسه أنه رأى ملكة سبأ ~~وقومها يسجدون للشمس من دون الله: # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ~~وزين لهم الشيطان أعمالهم # [النمل: 24]. إذن فالهدهد قد عرف قضية التوحيد، وعرف أن للشيطان مداخل ~~على الكائن الحي، وعرف أن السجود إنما يكون لله سبحانه وتعالى: # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السماوات والأرض # [النمل: 25]. إذن كل الكائنات هي أمم أمثالنا. وقد يقول قائل: ولكن هناك ~~كائنات ليست في السماء ولا في الأرض، مثل الأسماك التي في البحار؟ ونقول: ~~إن الماء ثلاثة أرباع الأرض والسمك يسبح في جزء من الماء الذي هو جزء من ~~الأرض. فهو يسبح في جزء من الأرض، فسبحانه الذي خلق الدواب في الأرض، ~~وخلق الطيور، وخلق الأدنى من هذه الأمم وهداها إلى مصلحتها ومصدر حياتها: # الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. ونرى العلماء يحاولون ms2942 الآن اكتشاف لغة الأسماك، واكتشاف ~~كل أسرار مملكة النحل ونظامها، وكيف تصير أعشاش النمل مخازن في الصيف ~~لقوت الشتاء. ودرسوا سلوك النمل مع حبة القمح، وكيف تخلع النملة خلايا ~~الإنبات من بذرة القمح، لأن خلايا الإنبات إن دخلت مع حبة القمح إلى مخزن ~~غذاء النمل قد تنبت وتدمر جحر النمل. وهكذا نرى صدق الحق الأعلى. # الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. وقرون الاستشعار في النملة تثير العلماء لأن النملة ~~الواحدة ترى على سبيل المثال قطعة السكر، فلا تقربها ولكنها تذهب ~~لاستدعاء جيش من النمل قادر على تحريك قطعة السكر، ووجد العلماء أن وزن ~~الشيء الذي يتغذى به النمل إن زاد على قدرة نملة، فهي تستدعي أعدادا من ~~النمل ليؤدوا المهمة. وتساءل العلماء: من أين للنمل إذن هذه القدرة على ~~تحديد الكتلة والحجم والوزن؟ إن تحديد العدد الذي يحمل حجما محددا يثير ~~الغرابة والعجب، فكيف يمكن أن نتصور أن النمل يفرق بين شيئين يتحد حجمهما ~~ويختلف وزنهما ككتلة من حديد وأخرى تماثلها في الحجم من الأسفنج؟ إن ~~النمل يستدعي لكتلة الحديد أضعاف ما يستدعيه لحمل كتلة الأسفنج مع ~~اتحادهما في الحجم إنها من قدرة الحق الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى. ثم ~~إنك تلتفت إلى الحيوان فتجد الذكر والأنثى، وتجد أن الجمال كله في ذكور ~~الحيوان، بينما لا يكون الأمر كذلك في إناث الحيوان، والكثرة الغالبة هي ~~من الإناث والقلة من الذكور، ولا يقرب الذكر أنثاه إلا في موسم معين، ~~وإلى أن يأتي موسم التلقيح تنصرف الأنثى إلى إعداد العش وتهيئته لما عساه ~~أن يوجد من نتاج، وهذه العملية لحكمة عالية ربما تكون لبقاء نوع الحيوان ~~حتى يعين الإنسان في إعمار الأرض. # وفي عالم الطير نجد الطيور تبني العش بفن جميل لاستقبال الفرخ الذي خرج ~~من البيض وتفرش له العش بأنعم الأشياء، إنها تفعل ذلك بإتقان جيد وبصورة ~~ربما يعجز البشر أن يعمل مثلها. ثم نجد في دنيا الحيوان والطير أن الكائن ~~ما إن يبلغ القدرة على الاعتماد على ms2943 نفسه فلا تعرف الأم ابنها من ابن ~~غيرها. إذن فكل المخلوقات أمم أمثالنا أرزاقا وآجالا، وأعمالا، فصدق ~~الله إذ يقول: { ما فرطنا في الكتاب من شيء }. وقد يكون ~~المراد من الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، ولكننا نقول: إنه القرآن، وكل ~~شيء موجود ومذكور أو مطمور في القرآن الكريم. وذكر القرآن أن هذه الأمم ~~تعرف التوحيد، وأنهم يسبحون لله. والعمل المعاصر يكتشف في كل دقيقة حقائق ~~هذا الكون المنظم. ونجد العقل يهدينا إلى أن نوجد أشياء لصالح حياتنا، ~~ولكن عندما نتبع الهوى فإننا نفسد هذا الكون. إن الله - سبحانه - جعل ~~للخادم من دواب الأرض نطاقا للعمل والرزق والأجل بحكم الغريزة، وكذلك ~~جعل للطير، ولكل الكائنات: ويقول الحق سبحانه وتعالى في محكم آياته ~~الكريمة: { ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ~~ربهم يحشرون } [الأنعام: 38]. إذن كل شيء يحشر يوم القيامة. ~~ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: # " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة ~~القرناء ". # أي أن الحق سبحانه يقتص من الشاة ذات القرون التي نطحت الشاة التي بلا ~~قرون ويعوضها عن الألم الذي أصابها. وبعد أن يأخذ كل كائن من غير الإنس ~~والجن حقه يصير إلى تراب. أما الذين يسمعون ولا يستجيبون فهم المكذبون ~~بالآيات، ولذلك يقول عنهم الحق سبحانه وتعالى: { والذين كذبوا ~~بآياتنا... }. ### || [6.39] # والصمم آفة تصيب الأذن فلا تسمع. والبكم آفة تصيب اللسان فلا ينطق. ~~والبكم مرتبط بالصمم لأن الإنسان لا يتكلم إلا إذا سمع لأن اللغة بنت ~~المحاكاة فالإنسان لا يتكلم إلا إذا سمع. إن البشر ينشأون في بيئات ~~مختلفة اللغة ولا يتكلمون إلا باللغة التي نشأوا في بيئتها لأن اللغة ~~ليست دما ولا جنسا. بل اللغة سماع. وما تسمعه الأذن يحكيه اللسان. ولا ~~يقرأ الإنسان إلا إذا سمع وعرف ارتباط ما يسمع بما يرى لذلك نعرف أن ~~السمع هو المنفذ الأول للإدراك، ولهذا كان الصمم قبل البكم. ولكن هل ~~الإدراك مرتبط بالصمم والبكم ms2944 فقط؟ لا، إن الإنسان يسمع أولا، ثم يرى، ثم ~~يتذوق، ثم يشم، ثم يلمس، ثم تأتي له المعلومات العقلية. والمثال على ذلك ~~أن كل إنسان يعرف أن النار محرقة، وهو لم يعرف هذا إلا لأنه وجدها قد ~~لمست كائنا وأحرقته. ومثال آخر: يتفق الناس على أن صوت العندليب جميل، ~~وهذا الاتفاق جاء من سماع الناس لصوت العندليب. إذن فالمعلومات العقلية ~~تأتي نتيجة للمعلومات الحسية. { صم وبكم في الظلمات } إنهم ~~بلا قدرة أيضا على إبصار الهداية من أي ناحية صم لا يسمعون لكلمة الحق، ~~وبكم لا ينطقون، وفي ظلمات لا يهتدون إلى إدراكات الأشياء ولا إلى ~~الإيمان. وكل ذلك مردود إلى المشيئة: { من يشإ الله يضلله ~~ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم } لكن هل اقتحمت ~~المشيئة على الناس وقهرتهم؟ لا لأن الحق قال: # إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب # [غافر: 28]. وقال سبحانه أيضا: # والله لا يهدي القوم الظالمين # [البقرة: 258] إذن، فبتقديمهم الظلم، والفسق، والكفر، وقد فعلوا ذلك ~~اختيارا فصار المرض واستقر في قلوبهم وزادهم الله مرضا، وهو سبحانه ~~أغنى الأغنياء عن الشرك به، فمن أشرك مع الله شيئا فهو له. ويأتي من بعد ~~ذلك أمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: { قل أرأيتكم إن ~~أتاكم... }. ### || [6.40] # و " أرأيتكم " مكونة من استفهام وفعل، ومن ضمير وهو لفظ التاء المفتوح ~~للمخاطب كقولك: " أرأيت فلانا " وكأنك تقول له: " إن كنت قد رأيته ~~فأخبرني عنه " ، وعندما تقول للمخاطب ذلك فأنت تستفهم منه عن شيء رآه ~~وأبصره وبعد ذلك تأتي بكاف الخطاب، فكأنك تقول له: أخبرني عنك، فيكون ~~المعنى أخبروني عن أنفسكم، وهكذا تكون: " أرأيتكم " معناها: أخبروني عن ~~حالكم إخبار من يرى. فالأمر إذن لرسول الله ليسأل المشركين أن يخبروه ~~ماذا يفعلون عندما يصيبهم الضر أو أي شيء فوق الأسباب، هل هم يدعون اللات ~~والعزى؟ لا، إنهم لا يستطيعون وقت الخطر الداهم أن يكذبوا على أنفسهم، ~~إنما ينادون الله الذي لا يعلنون الإيمان به. ولو كانوا صادقين مع كفرهم ~~لما نادوا الله، بل ms2945 كان يجب أن ينادوا آلهتهم لكنهم في لحظة الخطر ~~يقولون: " يارب " كأنهم يعرفون أنه لا منقذ لهم إلا هو سبحانه. وهكذا ~~ينكشف أمامهم كذب كفرهم وشركهم بالله. ولا أحد يغش نفسه، حتى الدجال الذي ~~يدعي ممارسته شفاء الناس، إن أصابه مرض نجده يلجأ إلى طبيب متخصص متعلم. ~~فلا أحد يغش نفسه، وساعة يمس الخطر ذات الإنسان نجد الحقيقة تنبع من ~~الإنسان نفسه. ويسألهم النبي صلى الله عليه وسلم: من يدعونه لحظة ~~الخطر؟ إنهم يدعون الله. وكأنهم لا يثقون في آلهتهم. # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما # [يونس: 12]. لكن ماذا يحدث عندما يعود للقلب غلظته؟ # فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ~~ضر مسه # [يونس: 12]. لماذا إذن يطلب من الله النجدة وقت الخطر، ولا يتبع ~~التكليف؟ يأتي الأمر إلى الرسول ليسألهم من تدعون لحظة الخطر؟ ويأتي ~~الجواب أيضا من الحق سبحانه وتعالى: { بل إياه تدعون ~~فيكشف ما تدعون إليه... }. ### || [6.41] # إنكم - أيها المشركون - لا تدعون إلا الله أن يكشف عنكم الضر، فإن رأى ~~أن من الحكمة أن يجيب دعاءكم أجابه. وإن رأى أن من الحكمة ألا يجيب فهو ~~لا يجيب. وهم يدعون الله وينسون آلهتهم ومن أشركوهم بالعبادة مع الله. ~~ويقول الحق سبحانه وتعالى: { ولقد أرسلنآ إلى أمم من ~~قبلك فأخذناهم... }. ### || [6.42] # لقد أرسل الحق لأمم سابقة رسلا بالآيات والمنهج، فكذبتهم أقوامهم، ~~فأخذهم الله بالشدائد والأحداث التي تضر إما في النفس، وإما في المال، ~~بالمرض، بالفقر، لعلهم يتضرعون إلى الله سبحانه وتعالى. إذن فالحق حين ~~يمس الإنسان بالبأساء أي بالشدائد أو بالضراء، أي بالشيء الذي يضر ويؤذي، ~~إنما يريد من الإنسان أن يختبر نفسه، فإن كان مؤمنا بغير الله فليذهب إلى ~~من آمن به، ولن يرفع عنه تلك البأساء أو ذلك الضر إلا عندما يعود إلى ~~الله: وعندما يتضرع إلى الله قد لا يقبل الله منه مثل هذا التضرع ويقول ~~سبحانه: { فلولا إذ جآءهم بأسنا... }. ### || [6.43] # إنه - سبحانه - يحثهم ويحضهم على أن يتضرعوا ويتذللوا إلى ms2946 الله ليرفع ~~عنهم ما نزل بهم، ولكن قلوبهم القاسية تمنعهم حتى في لحظة المس بالضر أن ~~يلجأوا إلى الله خوفا من اتباع التكليف. إن قسوة القلب تكون بالصورة ~~التي لا ينفذ إليها الهدى وكما قال الحق: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14]. أي صارت قلوبهم مغلقة ومغطاة بعد أن طبع الله وختم ~~عليها فلا تقبل الخير ولا تميل إليه، فلا يؤمنون. ويتابع الحق القول ~~الكريم: { فلما نسوا ما ذكروا به... }. ### || [6.44] # إنهم عندما نسوا ما جاءهم من تذكير الحق لهم بالمنهج والتوحيد من خلال ~~الرسل إنه - سبحانه - يصيبهم بالعذاب الذي يفاجئهم به فيقعون في حيرة ~~تأخذ عليهم ألبابهم وتشتت قلوبهم وتقطع رجاءهم. والرسل إنما تأتي لتذكر ~~لأن الإيمان موجود بالفطرة. ولكن الغفلة هي التي تخفي الإيمان. والإنسان ~~يحيا في كون مليء بالنعم ولا دخل لأحد بها، ولا بد لأحد فيها، ولم يدعها ~~أحد لنفسه، كان يجب على هذا الإنسان أن يعيش دائما في رحاب الحمد لله، ~~مولى هذه النعمة. والتذكير من الحق لعباده يكون بالنعم أو الرسل الذين ~~يأتون بالرسالات المتوالية. وهب أن إنسانا قد غفل عن نعمة الله في ~~الطعام، ثم جاءت لحظة الجوع، فجلس يشتهي الطعام فمنحه الله ذلك الطعام ~~فكيف ينسى لحظة الشبع من وهب له هذا الطعام. { فلما نسوا ما ~~ذكروا به } إما أن يكون هو الإخبار بواسطة الرسل الذين يذكرون ~~الناس بأن المنعم هو الله، وأن الله أنزل المنهج ليصلح الكون به، وإما أن ~~يكون بواسطة النعم التي تمر على الإنسان في كل لحظة من اللحظات لأنها ~~تنبه الإنسان إلى أن هناك من أعطاها. مثال ذلك ساعة يستر الإنسان عورته ~~وجسده بلباس جميل، ألا يتساءل عن الذي وهب الصانع تلك الموهبة التي صمم ~~بها الزي. إذن كيف يأخذ الإنسان النعمة ولا يتذكر المنعم؟ إن الله سبحانه ~~لا يحرمهم من النعم ساعة أن تركوا شكرها، بل يفتح عليهم أبواب كل شيء، أي ~~يعطيهم من النعم أكثر وأكثر، فيترفون ويعيشون في ألوان من حياة ms2947 العز ~~والصحة والسعة والجاه والسيطرة والمكانة. ثم ما الذي يحدث؟ { ~~أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون }. وقلنا من قبل هذا ~~المثل الريفي: لا يقع أحد من فوق الحصير. ولكن الحق يعلي الكافر المشرك ~~في بعض الأحيان ثم يأخذه بغتة فيقع ليكون الألم عظيما. فإن رأيت إنسانا ~~أسرف على نفسه ووسع الحق عليه في نظام الحياة. إياك أن تفتن وتقول: آه إن ~~الكافر الظالم يركب أفخر السيارات ويعيش في أبهى القصور، لا تقل ذلك لأنك ~~سترى نهاية هذا الظالم البشعة. وانظر إلى دقة التعبير في قول الحق تبارك ~~وتعالى: { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } لقد فتح ~~عليهم.. أي سلط عليهم، لا فتح لهم، ويقول الحق سبحانه في موقع آخر من ~~القرآن الكريم: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # [الفتح: 1]. وهكذا نعرف أن الفتح لك غير الفتح عليك لأن الفتح على أحد ~~يعني الاستدراج إلى إذلال قسري سوف يحدث له. ولذلك يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون } [الأنعام: 44]. إن القبض يأتي لحظة ~~الفرح. # وكثيرا ما نرى مثل هذه الأحداث في الحياة، نلتفت إلى كارثة تحدث للعريس ~~أو العروس في يوم الزفاف. ويصدق قول الشاعر: # مشت الحادثات في غرف الحمراء # مشي النعي في دار عرس # وهذا يشرح القول الكريم: { حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا ~~أخذناهم بغتة.. } [الأنعام: 44]. وعندما ندقق في كلمة: { بمآ ~~أوتوا } فإننا نجد أن ما حصلوا عليه من نعمة إنما جاءهم كتمهيد إلهي ~~ييسر هذه المسائل، ثم يأخذهم الحق بغتة، أي أن الحادث الضار يأتي بدون ~~مقدمات لأن مجيء المقدمات قد يجعل الإنسان يتيقظ ويحتاط أو يتوقع ذلك. ~~ونعرف أن الحق يقول في موقع آخر من القرآن الكريم: # قل أرءيتكم إن أتكم عذاب الله بغتة أو ~~جهرة.. # [الأنعام: 47]. أي أن العذاب قد يأتي مرة بغتة، وقد يأتي مرة أخرى ~~جهرا. والعذاب يأتي بغتة عقابا، ويأتي جهرة حتى لا يقولن أحد: لولا أن ~~مجيء العذاب بغتة لكان قد احتاط لذلك الأمر. ويأتيهم العذاب وهم مبلسون ~~أي ms2948 يائسون لا منجى ولا منقذ ولا خلاص لهم. ويتابع الحق ما يحدث لهؤلاء: { ~~فقطع دابر القوم... }. ### || [6.45] # وما دام هؤلاء القوم قد نسوا ما ذكروا به، وفتح الله عليهم أبواب كل ~~شيء ثم فرحوا بما أوتوا وأخذهم الحق بغتة، كل ذلك يلفتنا إلى أنه يجب ~~علينا أن نحمد الله لأنه يربي الخلق بالنقمة والنعمة ويطهر الكون من ~~المفسدين، وقطع دابر المفسدين مصيبة لهؤلاء المفسدين، ونعمة من نعم الله ~~على المؤمنين. وقد يتساءل البعض: كيف يأتي القرآن بالنقم وكأنها نعم؟ ~~ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يرسل ~~عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 33-36]. إنها نقم يتحدث عنها الحق كإرسال الشواظ من نار ونحاس، ~~وهي نقم بالنسبة للكافرين وعليهم، وهي نعم للمؤمنين. ونعلم أن التهويل في ~~أمر العذاب يجعل الناس ترتدع، وهذا الوعيد نعمة من الله. وحين يتجلى الحق ~~بنعمه على خلقه ويقطع دابر الظالمين، يقول المؤمنون الحمد لله: { ~~فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ~~رب العالمين } [الأنعام: 45]. ويعود الحق إلى استنطاقهم بالإخبار ~~عن المرئيات: { قل أرأيتم إن أخذ الله... }. ### || [6.46] # هنا يأمر الحق نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستنطقهم: ماذا يفعلون إن سلب ~~الله السمع وغطى قلوبهم بما يجعلها لا تدرك شيئا، وسلب منهم نعمة البصر، ~~هل هناك إله آخر يستطيع أن يرد لهم ما سلبه الحق سبحانه منهم؟ لقد أخذوا ~~نعمة الله واستعملوها لمحادة الله وعداوته، أخذوا السمع ولكنهم صموا عن ~~سماع الهدى، وأخذوا الأبصار ولكنهم عموا عن رؤية آيات الله. ومنحوا ~~القلوب ولكنهم أغلقوها في وجه قضايا الخير. فماذا يفعلون إن أخذ الله ~~منهم هذه النعم؟ هل هناك إله آخر يلجأون إليه ليستردوا ما أخذه الله ~~منهم؟ وترى في الحياة أن الحق قد حرم بعضا من خلقه من نعم أدامها على ~~خلق آخرين. إن في ذلك وسيلة إيضاح في الكون. وإياك ms2949 أن تظن أيها الإنسان ~~أن الحق حين سلب إنسانا نعمة، أنه يكره هذا الإنسان، إنه سبحانه أراد ~~أن يذكر الناس بأن هناك منعما أعلى يجب أن يؤمنوا به. فإن أخذ الحق هذه ~~النعم من أي كافر فماذا سيفعل؟ إنه لن يستطيع شيئا مع فعل الله. وهاهوذا ~~النبي يوضح لهم بالبراهين الواضحة، ولكنهم مع ذلك يعرضون عن التدبر ~~والتفكر والإيمان { ثم هم يصدفون } والمؤمن حين يرى إنسانا ~~من أصحاب العاهات فهو يشكر الله على نعمه، إن الحق - سبحانه - بواسع ~~رحمته يعطي صاحب العاهة تفوقا في مجال آخر. ولنذكر قول الشاعر: # عميت جنينا والذكاء من العمى # فجئت عجيب الظن للعلم موئلا # وغاض ضياء العين للقلب رافدا # لعلم إذا ما ضيع الناس حصلا # إننا قد نرى أعمى يقود ببصيرته المبصرين إلى الهداية. ونرى أصم كبيتهوفن ~~- على سبيل المثال - قد فتن الناس بموسيقاه وهو أصم. وهكذا نجد من أصيب ~~بعاهة فإن الله يعوضه بجود وفضل منه في نواح ومجالات أخرى من حياته. ~~ولا يوجد إله آخر يمكن أن يعوض كافرا ابتلاه الله لأن الله هو الواحد ~~الأحد. { انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون } ، ~~أي انظر يا محمد وتعجب كيف نبين لهم الآيات ونصرفها من أسلوب إلى أسلوب ~~ما بين حجج عقلية وتوجيه إلى آيات كونية وترغيب وترهيب وتنبيه وتذكير ومع ~~ذلك فإن هؤلاء الكافرين لا يتفكرون ولا يتدبرون، بل إنهم يعرضون ويتولون ~~عن الحق بعد بيانه وظهوره. ويقول الحق من بعد ذلك: { قل أرأيتكم ~~إن أتاكم عذاب الله... }. ### || [6.47] # ونلحظ أن " تاء الضمير " في هذه الآية قد فتحت، بينما الآية السابقة لها ~~جاءت فيها " تاء الضمير " مضمومة، حيث يقول الحق تبارك وتعالى: # قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم ~~وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم ~~به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون # [الأنعام: 46]. ونلحظ أيضا أن الآية التي نحن بصددها الآن تأتي فيها ~~كاف الخطاب: " أرأيتكم " بينما الآية السابقة لها لا تحمل كاف الخطاب " ~~أرأيتم " ونعرف أن كل لفظة من ms2950 هذه الألفاظ قد جاءت لتؤدي معنى لا يؤدى ~~بغيرها، وإن تشابهت الأساليب، فقوله: أرأيتكم يشمل ويضم ضمير المخاطب وهو ~~التاء المفتوحة ويشمل أيضا كاف الخطاب والجمع بين علامتي الخطاب التاء و ~~الكاف يدل على أن ذلك تنبيه على شيء ما عليه من مزيد. إنه تنبيه إلى أن ~~هلاكهم سيكون هلاك استئصال وإبادة، ومرة يقول الحق: " أرأيتم " أي ~~أخبروني أنتم وأعلموني إعلاما يؤكد لي صدق القضية، ويأتي الاستفهام هنا ~~من مادة " أرى " و " رأى ". إن السبب في ذلك أنك حين تستفهم عن شيء إما ~~أن يكون المستفهم منه قد حضر حدوث الشيء، وإما أن يكون المستفهم منه لم ~~يحضر حدوث الشيء. فإن كان قد حضر حدوث الشيء فإنك تقول له: أرأيت ما حدث ~~لفلان وفلان؟ فيقول لك: نعم رأيت كذا وكذا وكذا. وإن كان المستفهم منه ~~لم يعلم بالأمر ولم يره فهو يجيب بالنفي، وهذا ما يحدث بين البشر، لكن ~~حين يكون الاستفهام من الله، ويكون الحادث المستفهم عنه قد حدث من قبل ~~وجود المستفهم منه، فالإيمان يقتضي أن يجيب المستفهم منه عن هذا الحادث ~~ب " نعم ". ومثال ذلك قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. وهذا خطاب من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم عنا حدث ~~لأصحاب الفيل في عام ولادته صلى الله عليه وسلم، ولم يكن الحدث موضع رؤية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولقائل أن يقول: كيف يخاطب الله ورسوله ~~باستفهام عن حادث لم يره؟ ونقول: إن الحق بهذا الاستفهام يوضح لرسوله: ~~اسمع مني، وسماعك مني فوق رؤية عينيك للحدث، فإذا ما قلت لك: " ألم تر " ~~فمعناها: اعلم علما يقينيا، وهذا العلم اليقيني يجب أن تثق في صدقه ~~كأنك رأيته رؤية العين وفوق ذلك أيضا فإن عينك قد تخدعك أو تكذب عليك، ~~ولكن حين يخبرك ربك لا يخدعك ولا يكذب عليك أبدا. إذن فالحق يريد أن ~~يخرج هذه الأساليب مخرج اليقين. # وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى ms2951 - فحين يحاول إنسان قد أحسنت إليه ~~كثيرا أن يجحد إحسانك، فأنت لا تقول له: أنا أحسنت إليك، ولكنك تقول له: ~~أرأيت ما فعلته معك يوم كذا، ويوم كذا؟ وهنا يبدو كلامك كاستفهام منك، ~~لأنك واثق أنه حين يدير رأسه في الجواب فلم يجد إلا ما يؤيد منطقك من ~~وقوفك إلى جانبه، وإحسانك إليه، ولن يجد إلا أن يقول لك: نعم رأيت أنك ~~وقفت بجانبي في كل المواقف التي تذكرها. وفي مثل هذا القول إلزام لا من ~~موقع المتكلم، ولكن من واقع المخاطب. وبعد أن تكلم الحق عن تعنت الكافرين ~~أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدم اكتفائهم بالآيات التي أنزلها ~~الله مؤيدة لصدق رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم تماديهم في اقتراح آيات من ~~عندهم، وقد اقترحوها في شيء من الصفاقة والسماجة، فقالوا: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف ~~أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى ~~تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل ~~كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 90-93]. وكلها أسئلة مليئة بالتعنت، والحق سبحانه وتعالى هو ~~الذي اختار القرآن معجزة ومنهجا لرسوله صلى الله عليه وسلم. ويعلم ~~سبحانه صدق رسوله في البلاغ عنه، لكل ذلك يبين الحق لرسوله أن يبلغ هؤلاء ~~الكافرين أنه سبحانه وتعالى لن يعود عليه أي نفع أو ضر نتيجة إيمانهم به ~~سبحانه، لكن النفع بالإيمان يكون للعباد ويعود خيره إليهم لأنه سبحانه ~~وتعالى له صفات الكمال كلها قبل أن يخلق الخلق. إنها له أزلا وأبدا. ~~فبصفات الكمال - علما وقدرة وحكمة وإرادة - خلق الخلق جميعا. فإياكم ~~أيها الناس أن تفهموا أن إيمانكم بالله يزيده صفة من صفات الجلال أو ~~الجمال، وإنما الإيمان عائد إليكم أنتم، فإذا كان منكم متكبرون ومتعنتون، ~~فالحق سبحانه لا يترك من تكبر وتعنت ليقف أمام منهجه ms2952 الذي يحكم حركة ~~الحياة في الأرض، ولكنه سبحانه يأخذ أهل التكبر والتعنت أخذ عزيز مقتدر. ~~واستقرئوا أيها الناس ما حدث لمن كذبوا رسل الله، وماذا صنع الله بهم؟ ~~إنه بقدرته سبحانه وتعالى يستطيع أن يصنع معكم ما صنعه معهم. وإذا ما ~~استقرأتم قصص الرسل مع المكذبين لله وجدتم العذاب قد جاء للقوم بغتة، ~~فهاهوذا الحق يقول عن قوم عاد: # فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق ~~وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله ~~الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا ~~بآياتنا يجحدون * فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا ~~في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ~~ينصرون # [فصلت: 15-16]. لقد تكبر قوم عاد على سيدنا هود عليه السلام والذين ~~آمنوا معه، وظنوا أنهم أقوى الأقوياء، وغفلوا عن قدرة الخالق الأعلى وهو ~~القوي الأعظم وأنكروا آيات الله، فماذا كان مصيرهم؟ فاجأهم الحق بإرسال ~~ريح ذات صوت شديد في أيام كلها شؤم ليذيقهم عذاب الهوان والخزي والذل في ~~هذه الدنيا، ويقسم الحق بأن عذاب الآخرة أشد خزيا لأنهم في هذا اليوم لا ~~يجدون ناصرا لهم لأنهم كفروا بالذي ينصف وينصر وهو الحق جلت قدرته. ~~وماذا عن قوم ثمود؟ لقد بين لهم الحق طريق الهداية. لكنهم اختاروا الضلال ~~واستحبوا لأنفسهم الكفر على الإيمان، وكذبوا نبي الله صالحا عليه السلام ~~وعقروا الناقة، فنزلت عليهم الصاعقة لتحرقهم بمهانة بسبب ما فعلوا من ~~تكذيب لرسولهم. # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا ~~يكسبون # [فصلت: 17]. وماذا فعل الحق بأصحاب الفيل؟ لقد جاء قوم أبرهة لهدم ~~الكعبة، فاستقبلتهم الطير الأبابيل.. أي التي جاءت في جماعات كثيرة ~~متتابعة بعضها في إثر بعض بحجارة من طين متحجر محرق قد كتب وسجل عليهم أن ~~يعذبوا به: # ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم ~~طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * ~~فجعلهم كعصف مأكول # [الفيل: 2-5]. وكل حدث من تلك الأحداث أجراه الله بغتة. ومعنى البغتة أن ~~يفاجئ الخطب القوم بدون ms2953 مقدمات علم به. وهناك أيضا من الأحداث الجسام ~~أنزلها الله بالكافرين جهرة، فهاهم أولاء قوم فرعون يغرقهم الله علنا. ~~وكذلك قارون أهلكه الله جهرة: # إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ~~وآتيناه من الكنوز مآ إن مفاتحه لتنوء ~~بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح ~~إن الله لا يحب الفرحين * وابتغ فيمآ آتاك ~~الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ~~وأحسن كمآ أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في ~~الأرض إن الله لا يحب المفسدين * قال إنمآ ~~أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد ~~أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة ~~وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون * ~~فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون ~~الحياة الدنيا يليت لنا مثل مآ أوتي قارون ~~إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ~~ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ~~ولا يلقاهآ إلا الصابرون * فخسفنا به وبداره ~~الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله ~~وما كان من المنتصرين # [القصص: 76-81]. لقد أخذ قارون نعمة الله ونسبها إلى نفسه، وصار مفتونا ~~بما امتلك، وغرق في الغرور، فماذا فعل الله به؟ خسف الله به جهرة وأمام ~~أعين الذين تمنوا مكانه. # إذن فمن الممكن ان يأتي عذاب الله بغتة للكافرين به أو يأتيهم بالعذاب ~~جهرة. وما السبب في التلوين بين " بغتة " و " جهرة "؟ البغتة تثبت لمن ~~يعبد غير الله أنه مخدوع في عبادته لغير الله، لأنه لو كان يعبد إلها ~~حقا لما قبل هذه الإله أن يعذب أتباعه من حيث لا يشعر. إذن فالبغتة تثبت ~~عجز المعبودين من أصنام وغيرها، فقد عجزت تلك الأصنام أن تحتاط للعابدين ~~لها. وقد يقول قائل منهم: لقد جاءنا العذاب فجأة، لكن لو جاء لنا مواجهة ~~لكنا قادرين على مواجهته والوقوف أمامه. فيأتي الله أيضا بالعذاب جهرة ~~فلا يستطيعون مواجهته فتنتقطع حجتهم، وعلى الرغم من ذلك تموت في قلوب ~~هؤلاء المعاندين القدرة على إبصار ضرورة الإيمان. ms2954 ويعامل سبحانه خصوم ~~رسولنا - صلى الله عليه وسلم - مثل هذه المعاملة، فعندما عانده القوم ~~جاءهم الله سبحانه بأمور معجزة لعلهم يتفكرون. فهاهم أولاء قد اتفقوا على ~~قتله قبل الهجرة، ويقفون على باب بيته، ويخرجه الحق من بينهم وهم لا ~~يبصرون، ولا يفلحون في التآمر على رسول الله، ولا ينجح لهم تبييت ضد رسول ~~الله، ويكون مكر الله فوق كل مكر يريد به أعداء الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إيذاءه به. وهم قد ذهبوا إلى الجن ليسحروا له، لكن لا هذا السحر قد ~~نفع، ولا ذاك التبييت أتى بنتيجة. وكانت تكرمة الله لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم فوق كل شيء. ويقول الحق سبحانه وتعالى: { قل أرأيتكم إن ~~أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا ~~القوم الظالمون } [الأنعام: 47]. ويكون تذييل الآية - أيضا - ~~على هيئة استفهام، والاستفهام هنا - كما علمنا من قبل - إنما جاء ليؤكد ~~المعنى، وليكون الإقرار من أفواه من يتلقون هذا الاستفهام وعن يقين منهم، ~~وليكون الاعتراف منهم إجابة بالإقرار، والإقرار - كما نعلم - هو سيد ~~الأدلة. وهب أن صاعقة نزلت أو خسفا حدث فيه عذاب، فكيف ينجي الله ~~المؤمنين به من هذا العذاب أو ذلك الخسف؟ إن الهلاك فقط يكون للقوم ~~الظالمين لأن الهلاك هو إعدام الحياة للحي المتمتع بالحياة، والذي لا ~~يؤمن إلا بهذه الدنيا إذا جاءته مصيبة لتهلكه فهو يشعر بمرارة الخسران ~~لأنه لا يعتقد ولا يؤمن بالحياة الأخرى، لكن المؤمن الذي يتيقن أن له ~~إلها وأنه سيعود إليه ليحاسبه ويجزيه عن إيمانه خير الجزاء إن حدثت له ~~محنة في طي محنة كبرى للكافرين فهو يذهب إلى الجنة ويكون ذلك منحة له لا ~~محنة عليه لتستمر حياته إلى خلود. وهكذا نجد أن الهلاك إنما يحدث للقوم ~~الظالمين فقط لأنه يفقدهم كل ما كانوا يتمتعون به في دنياهم وليس لهم ~~في الآخرة إلا البوار والخسران والعذاب الدائم، أما غير الظالمين فالحق ~~سبحانه وتعالى ينقلهم إلى حياة خالدة هي خير من هذه الحياة، إذن ~~فالمؤمنون إنما يتلقون فيوضات الله ms2955 عليهم في النعماء وفي البلاء أيضا. # ويتكلم الحق سبحانه وتعالى في الآية التالية عن التصور الإيماني الذي ~~يجب أن يرسخ في أذهان المؤمنين برسول مبلغ عن الله، وعندما يسمع العقل ~~الطبيعي الفطري البلاغ عن الرسول فهو يصدقه فورا لأن الفطرة عندما ترى ~~فساد الكون، وترى أن هناك من جاء بمنهج لإصلاح الكون لا بد أن تتجه إلى ~~الإيمان بالمبلغ عن الله وهو الرسول. وعندما ترى الفطرة أن الكون كله قد ~~تم إعداده لخدمة الإنسان، لا بد لها أن تتساءل عن الخالق لهذا الكون وعن ~~المنهج الذي يجب أن تسير عليه لصيانة هذه النعمة، نعمة الوجود في الكون. ~~ويقتضي الإحساس السليم من الإنسان أن يتعرف إلى حقيقة واضحة، وهي أن ~~الإنسان قد طرأ على الكون، وأن هذا الكون مليء وغني بالخيرات، ولم يدع ~~أحد أبدا أنه خلق السموات أو الأرض أو الماء أو الهواء. ولا بد أن يدور ~~في خلد صاحب الفطرة السليمة تساؤل عن هذا الخالق الأكرم الذي وهب للإنسان ~~حق الاستخلاف في كل هذا الكون. فإذا ما جاء رسول ليقطع هذا القلق وذلك ~~الصمت ويقول: أنا جئتكم لأخبركم بمن خلقكم، وبمن خلق السموات، وبمن خلق ~~الأرض، وبمن رزقكم هذا الرزق. هنا تنصت الفطرة إلى سماع الخبر الذي كانت ~~تستشرف له. وإذا ما جاء هدا الرسول مؤيدا بآية من الله ومعجزة لا يقدر ~~عليها البشر، فالعقل البشري يعترف اعتراف الإقرار على الفور لأنه وجد ~~حاجته عند ذلك الرسول. ولكن على الذين يؤمنون بما جاء به الرسول، وعلى ~~الرسول نفسه، وحتى على الكافرين به، عليهم جميعا ألا يتعدوا الحدود، ~~وألا يضعوا أي رسول في مكان أعلى من منزلته، لأنه رسول من الله، إنه واحد ~~من البشر تفضل الله عليه بالوحي واصطفاه للمهمة التي جاء بها. ولا بد ~~للجميع أن يفهم أن الرسول مبلغ عن الله فقط، وأنه لا يستطيع أن يأتي ~~بالآيات التي يقترحها بعض من القوم لأن الرسول لا يقترح الآيات ولا ~~يصنعها، الرسول مقصور على أداء الأمانة الموكلة إليه ms2956 وهي أمانة البلاغ عن ~~الله. ولذلك يقول لنا الحق: { وما نرسل المرسلين... }. ### || [6.48] # أي أن الحق سبحانه لم يعط الرسل قدرته ليفعلوا ما شاءوا، ولكنهم فقط ~~مبلغون عن الله، فلا يطلبن منهم أحد آيات لأنهم لا يستطيعون أن يأتوا ~~بالآيات، وكل رسول يعلم أنه من البشر، وهو يستقبل عن الله فقط، ولذلك ~~فلنأخذ الرسل على أنهم مبشرون ومنذرون { وما نرسل المرسلين ~~إلا مبشرين ومنذرين }. ونعرف أن البشارة هي الإخبار بما ~~يسر قبل أن يقع. والسبب في البشارة هو تهيئة السامع لها ليبادر إلى ما ~~يجعل البشارة واقعا بأن يمتثل إلى المنهج القادم من الإله الخالق. ونعرف ~~أن الإنذار هو الإخبار بما يسوء قبل أن يقع ليحترز السامع أن يقع في ~~المحاذير التي حرمها الله. والبشارة - كما نعلم - تلهب في الراغب في ~~الفعل والمحب له أن يفعل العمل الطيب، والإنذار يحذر ويخوف من يرغب في ~~العمل السيىء ليزدجر ويرتدع. إذن فمهمة الرسل هي البشارة والإنذار، فلا ~~تخرجوا بهم أيها الناس إلى مرتبة أخرى أو منزلة ليست لهم فتطلبوا منهم ~~آيات أو أشياء لأن الآيات والأشياء كلها من تصريف الحق تبارك وتعالى، ومن ~~سوء الأدب أن نخطئ الله في الآيات التي أرسلها مع الرسل ونطلب آيات ~~أخرى. إنكم بهذا تستدركون على الله. ويبين الحق لنا حدود مهمة الرسل ~~فيقول: { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ~~ومنذرين } [الأنعام: 48]. هذا هو عمل الرسل، فماذا عن عمل الذين ~~يستمعون للرسل؟ إن الحق يقول: { فمن آمن وأصلح فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } [الأنعام: 48]. فالمطلوب - إذن - من ~~الذين يستمعون إلى الرسل أن يقبلوا على اختيار الإيمان، وأن يستمعوا إلى ~~جوهر المنهج وأن يطبقوه. فمن آمن منهم وأصلح فلا خوف عليه لأنه قد ضمن ~~الفوز العظيم، ولا يصيبه أو يناله حزن، لأن ناتج عمله كله يلقاه في كتابه ~~يوم القيامة. والإيمان هو اطمئنان القلب إلى قضية عقدية لا تطفو إلى ~~الذهن لتناقش من جديد. ولذلك نسمي الإيمان عقيدة، أي شيئا انعقد عقدا ~~لا ينحل أبدا. إن على المؤمن ms2957 بربه أن يستحضر الأدلة والآيات التي تجعل ~~إيمانه بربه إيمانا قويا معقودا وهذا عمل القلب. ويعرف المؤمن أن عمل ~~القلب لا يكفي كتعبير عن الإيمان لأن الكائن الحي ليس قلبا فقط، ولكنه ~~قلب وجوارح وأجهزة متعددة، وكل ما في الكائن الحي المؤمن يجب أن ينقاد ~~إلى منهج ربه، فلا بد من التعبير عن الإيمان بأن يصلح الإنسان كل عمل ~~فيؤديه بجوارحه أداء صحيحا سليما. إنني أقول ذلك حتى يسمع الذي يقول: إن ~~قلبي مؤمن وسليم. لا، فليست المسألة في الإيمان هكذا، صحيح أنك آمنت ~~بقلبك ولكن لماذا عطلت كل جوارحك عن أداء مطلوب الإيمان؟ لماذا لا تعطي ~~عقلك فرصة ليتدبر ويفكر ويخطط ويتذكر، لماذا لا تعطي العين فرصة لتعتبر ~~وتستفيد من معطيات ما ترى؟ وكذلك اليد، واللسان، والأذن، والقدم، وكل ~~الجوارح. # والإصلاح هو عمل الجوارح، فيفكر الإنسان بعقله في الفكرة التي تنفع ~~الناس، ويسمع القول فيتبع أحسنه، ويصلح بيديه كل ما يقوم به من أعمال. ~~ويعلم المؤمن أنه حين أقبل على الكون وجده محكما غاية الإحكام، ويرى ~~الإنسان الأشياء التي لا دخل له فيها في هذا الكون وهي على أعلى درجات ~~الصلاحية الراقية، فالمطر ينزل في مواسمه، والرياح تهب في مواسمها ~~ومساراتها، وحركة الشمس تنتظم مع حركة الأرض، وكل عمل في النواميس العليا ~~هو على الصلاح المطلق. إن الفساد يأتي مما للإنسان دخل فيه، فالهواء يفسد ~~من بناء المنازل المتقاربة، وعدم وجود مساحات من الخضرة الكافية، ويفسد ~~الهواء أيضا بالآلات التي تعمل ولها من السموم ما تخرجه وتدفعه من أثر ~~عملية احتراق الوقود. وعندما صنع الإنسان الآلات نظر إلى هواه في الراحة، ~~وغابت عنه أشياء كان يجب أن يحتاط لها، ومثال ذلك: " عادم " السيارات ~~الذي يزيد من تلوث البيئة، ورغم اكتشاف بعض من الوسائل التي يمكن أن تمنع ~~هذا التلوث. إلا أن البعض يتراخى في الأخذ بها. ونحن حين نأخذ بقمة ~~الحضارة ونركب السيارات فلماذا ننسى القاعدة التي تقوم عليها الحضارة وهي ~~الدراسة العلمية الدقيقة لنصنع الآلات ونأخذ من الآلات ms2958 ما يفيد الناس، ~~فنعمل على الأخذ بأسباب تنقية البيئة من التلوث ونمنع الأذى عن حياة ~~الناس. فالعادم الذي من صناعتنا - مثل عادم السيارات والآلات - يفسد ~~علينا الهواء فتفسد الرئة في الإنسان. إن علينا أن نعرف أن من مسئولية ~~الإيمان أن ننظر إلى الشيء الذي نصنعه وكمية الضر الناتجة عنه، وكل إنسان ~~يحيا في مدينة مزدحمة إنما يضار بآثار عادم السيارات على الرغم من أنه ~~ليس في مقدور كل إنسان أن يشتري سيارة ليركبها، فكيف يرتضي راكب السيارة ~~لنفسه ألا يصلح من تلك الآلة التي تسهل له حياته ويصيب بعادمها الضر ~~لنفسه ولغيره من الناس؟ لذلك فعلى المسلم ألا يأخذ الحضارة من مظهرها ~~وشكلها بل على المجتمع المسلم أن يعمل على الأخذ بأسباب الحضارة من ~~قواعدها الأصلية، وأن يدرس كيفية تجنب الأضرار حتى لا نقع في دائرة ~~الأخسرين أعمالا، هؤلاء الذين قال فيهم الحق سبحانه: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف: 103-104]. ولنا أن نأخذ المثل الأعلى دائما من الكون الذي خلقه ~~الله لنصونه، إن عادم وأثر وناتج أي شيء مخلوق لله يفيد الإنسان ويفيد ~~الكون حتى فضلات الحيوان ينتفع بها في تسميد الأرض وزيادة خصوبتها. ~~وهكذا نعرف معنى: { فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون }. # فالإيمان عمل القلب، والإصلاح عمل الجوارح، ولذلك يجب أن نصلح في الكون ~~بما يزيد من صلاحه. ولنعلم أن الكون لم يكن ناقصا وأننا بعملنا نستكمل ~~ما فيه من نقص، ليس الأمر كذلك، ولكننا أردنا أن نترف في الحياة، وما ~~دمنا نريد الترف فلنزد من عمل العقل المخلوق لله في المواد والعناصر التي ~~أمامنا وهي المخلوقة لله. وأن نتفاعل معها بالطاقات والجوارح المخلوقة ~~لله، ما دمنا نريد أن نتنعم نعيما فوق ضروريات الحياة. ومثال ذلك أننا ~~قديما وفي أوائل عهد البشرية بالحياة، كان الإنسان عندما يعاني من ~~العطش، يشرب من النهر، وبعد ذلك وجد الإنسان أنه لا يسعد بالارتواء عندما ~~يمد يده ليأخذ ms2959 غرفة من ماء النهر، فصنع إناء من فخار ليشرب منه الماء، ~~ثم صنع إناء من الصاج، ثم صنع إناء من البلور، فهل هذه الأشياء أثرت في ~~ضرورة الحياة أو هي ترف الحياة؟ إنها من ترف الحياة. فإن أردت أن تترف ~~حياتك فلتعمل عقلك المخلوق لله في العناصر المخلوقة لله، بالطاقة ~~والجوارح المخلوقة لله، وبذلك يهبك الله من الخواطر ما تستكشف به آيات ~~العلم في الكون. ومثال ذلك: أن أهل الريف قديما كانوا يعتمدون على ~~نسائهم ليملأن الجرار من الآبار أو الترع ثم تقوم سيدة البيت بترويق ~~المياه. وعندما ارتقينا قليلا، كان هناك من الرجال من يعمل في مهنة ~~السقاية، ويمر بالقرب المملوءة بالماء على البيوت. وعندما قام أهل العلم ~~بالاستنباط والاعتبار اكتشفوا قانون الاستطراق، فرفعوا المياه إلى خزان ~~عال، وامتدت من الخزان " مواسير " وأنابيب مختلفة الأقطار والأحجام، ~~وصار الماء موجودا في كل منزل، هذا ما فعله الناس الذين استخدموا العقول ~~المخلوقة لله. وكان الناس من قبل ذلك يكتفون بالضروري من كميات المياه، ~~فالأسرة كانت تكتفي بملء قربة أو قربتين من الماء، ولكن بعد أن صارت ~~المياه في كل منزل، أساء الكثير من الناس استخدام المياه، فأهدروا كميات ~~تزيد عن حاجتهم، وتمثل ضغطا على " مواسير " الصرف الصحي، فتنفجر ويشكو ~~الناس من طفح المجاري. إن على المسلم أن يرعى حق الله في استخدامه لكل ~~شيء، فالماء الذي يهدره الإنسان قد يحتاج إليه إنسان آخر، وعندما نتوقف ~~عن إهداره، نمنع الضرر عن أنفسنا وعن غيرنا من طفح " مواسير " الصرف ~~الصحي. وليحسب كل منا - على سبيل المثال - كم يستهلك من مياه في أثناء ~~الوضوء. إن الإنسان منا يفتح الصنبور ويغسل يديه ثلاثا ويتمضمض ثلاثا، ~~ويستنشق ثلاثا، ويغسل وجهه ثلاثا، ويغسل ذراعيه ثلاثا، ويمسح برأسه، ~~ويغسل أقدامه. ويترك الإنسان الصنبور مفتوحا طوال تلك المدة فيهدر ~~كميات من المياه، ولو فكر في حسن استخدام المياه التي تنزل من الصنبور ~~لما اشتكى غيره من قلة المياه. # فلماذا لا يفكر المسلم في أن يأخذ قدرا من المياه يكفي ms2960 الوضوء ويحسن ~~استخدام الماء؟ وكان الإنسان يتوضأ قديما من إناء به نصف لتر من الماء، ~~فلماذا لا نحسن استخدام ما استخلفنا الله فيه؟ على الإنسان منا أن يعلم ~~أن الإيمان كما يقتضي أو يوجب ويفرض الصلاة ليصلح الإنسان من نفسه، يقتضي ~~- أيضا - إصلاح السلوك فلا نبذر ونهدر فيما نملك من إمكانات، وأن ندرس ~~كيفية الارتقاء بالصلاح، فلا نتخلص من متاعب شيء لنقع في متاعب ناتجة من ~~سوء تصرفنا في الشيء السابق، بل علينا أن ندرس كل أمر دراسة محكمة حتى لا ~~يدخل الإنسان منا في مناقضة قوله الحق: # ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا # [الإسراء: 36]. أي عليك أن تعرف أيها المسلم أنك مسئول عن السمع والبصر ~~والقلب وستسأل عن ذلك يوم القيامة، لذلك لا يصح أن تتوانى عن الأخذ بأحسن ~~العلم ليحسن قولك وفعلك. وبذلك لا يكون هناك خوف عليك في الدنيا أو ~~الآخرة لأنك آمنت وأصلحت، وأيضا لا حزن يمسك في الدنيا ولا في الآخرة: { ~~فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~}. إنك بذلك تصون نفسك في الآخرة وفي الدنيا أيضا لأنك تسير في الحياة ~~بإيمان وتصلح في الدنيا متبعا قوانين الله. وإن رأيت أيها المسلم متعبة ~~في الكون فاعلم أن حكما من أحكام الله قد عطل، إن رأيت فقيرا جائعا ~~أو عريانا فاعلم أن حقا من حقوقه قد أكله أو جحده غيره لأن الذي خلق ~~الكون، خلق ما يعطيه الغني من فائض عنه للفقير ليسد عوزه، لكن الغني قبض ~~يده عن حق الله، وأيضا جاء قوم يتسولون بغير حاجة للتسول، والفساد هنا ~~إنما يأتي من ناحيتين: ناحية إنسان استمرأ أن يبني جسمه من عرق غيره، أو ~~من إنسان آخر غني لا يؤدي حق الله في ماله، بذلك يعاني المجتمع من ~~المتاعب. ويقول الحق من بعد ذلك: { والذين كذبوا ~~بآياتنا... }. ### || [6.49] # والذين كذبوا بآيات الله هم إما من كذب الرسول في الآيات الدالة على ~~صدقه وهو المبلغ ms2961 عن الله، وهؤلاء دخلوا في دائرة الكفر. وإما هم الذين ~~كذبوا بآيات المنهج، فلم يستخدموا المنهج على أصوله وانحرفوا عن الصراط ~~المستقيم والطريق السوي. وهؤلاء وهؤلاء قد فسقوا، أي خرجوا عن الطاعة، ~~ونعلم أن كلمة " الفسق " مأخوذة من خروج " الرطبة " عن قشرتها عندما يصير ~~حجمها أصغر مما كانت عليه لاكتمال نضجها. والذي يفسق عن منهج الله هو ~~الذي يقع في الخسران لأن منهج الله هدفه صيانة الإنسان المخلوق لله ب " ~~افعل كذا " و " لا تفعل كذا ". إن الإنسان يفسق عندما لا يفعل ما أمره ~~الله أن يفعله، أو يفعل ما نهاه الله عن أن يفعله. ونجد الإنسان منا يخاف ~~على جهاز التسجيل أو جهاز التليفزيون من أن يفسد فيتبع القواعد المرعية ~~لاستخدامه. فلا يمد - مثلا - جهازا من الأجهزة الكهربية بنوعية من ~~الطاقة غير التي يحددها الصانع، فإن قال لصانع: استخدم كهرباء مقدارها ~~مائتان وعشرون فولتا حتى لا تفسد الآلة فالإنسان ينصاع لما قاله الصانع، ~~فما بالنا بالإنسان، إن الله - جلت قدرته - خلق الإنسان ووضع له قوانين ~~صيانته. إذن فمن يفسد في قوانين صيانة نفسه يمسه العذاب، وكلمة يمسهم ~~العذاب تعطي وتوحي بأن العقوبة تعشق أن تقع على المجرم، كأن العذاب سعى ~~إليه ليناله ويمسه وهاهوذا قول الحق عن النار. # تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج ~~سألهم خزنتهآ ألم يأتكم نذير # [الملك: 8]. وهو سبحانه القائل عن النار: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30]. إذن فالعقوبة نفسها حريصة على أن تنفذ إلى من أساء. ولذلك يلح ~~العذاب في أن يمس الذين فسقوا. ويأتي الحق هنا بكلمة " المس " لحكمة، ذلك ~~أن عقوبة الله لا تقارن بعقوبة البشر. فالإنسان يعاقب إنسانا بمقياس ~~قدرته وقوته، وليس لأحد من الخلق أن يتمثل قدرة الله في العذاب، ولذلك ~~يكفي المس فقط، لأن التعذيب يختلف باختلاف قدرة المعذب، فلو نسبنا ~~التعذيب إلى قدرة الله لكان العذاب رهيبا لا طاقة لأحد عليه. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { قل لا أقول لكم عندي... }. ### || [6.50] # و ms2962 " قل " - كما نعلم - هي أمر من الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والرسول يبلغ ما أمر به الله، وكان يكفي أن يقول الرسول صلى الله عليه ~~وسلم: لا أقول لكم عندي خزائن الله. لكنها دقة البلاغ عن الله، إن ~~القرآن توقيفي بمعنى أن كل كلمة فيه نزلت من الله كما هي وبلغها الوحي ~~الأمين لسيدنا رسول الله، وبلغها لنا صلى الله عليه وسلم كما هي، ويدل ~~ذلك على أن أحدا لا يملك التصرف حتى في اللفظ، بل لا بد من أمانة النقل ~~المطلقة. وأبلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحق قد أرسله هاديا ~~ومبشرا ونذيرا بآية دالة على صدق البلاغ عنه وهي القرآن. وكان يجب على ~~من يستقبل هذا البلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يستقبله بحق ~~فلا يطلب منه إلا ما يتمشى مع الوصف الذي ادعاه صلى الله عليه وسلم ~~لنفسه. فليس من حق أحد أن يطلب من الرسول آيات غير التي أنزلها الله لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لم يدع إلا أنه مبلغ عن الله، فيجب أن تكون ~~المقابلة له في إطار هذا الادعاء. وقد تجاوز الكافرون ذلك عندما طلبوا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات أخرى، كتفجير بعض الأرض ينابيع مياه، ~~أو أن يكون له بيت من زخرف، ولذلك يوضح له الحق سبحانه أن يبلغهم أنه لا ~~يملك مع الله خزائن السماوات والأرض، فكيف تطلبون بيوتا وقصورا، وكيف ~~تطلبون معرفة الغيب حتى تقبلوا على النافع وتتجنبوا الضار؟. ألا يكفيكم ~~المنهج الإلهي الذي يهديكم إلى صناعة كل نافع لكم ويجنبكم كل أمر ضار ~~بكم؟ ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم إنه يعلم الغيب. وهو ~~بشهادتهم هم يقولون عنه ما جاء بالقرآن الكريم: # وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ~~* أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل ~~منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا ~~مسحورا # [الفرقان: 7-8]. ms2963 لقد سخروا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطالبوا أن ~~تكون له آيات أخرى، وتساءلوا كيف يمكن أن يزعم أنه رسول وهو يأكل الطعام ~~كما يأكلون، ويغشى الأسواق لكسب العيش كما يفعل البشر، ولو كان رسولا ~~لكفاه الله مشقة كسب العيش، ولأنزل إليه ملكا يساعده في البلاغ عن ~~الله، أو يلقي إليه الله من السماء بكنز ينفق منه، أو تكون له حديقة غناء ~~يأكل من ثمارها. هذا ما قاله كبار المشركين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، ~~وأرادوا أن يصدوا الناس عن الإيمان بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فمرة يتهمونه بأنه مسحور، ومرة بأنه مجنون، وثالثة بأنه يهذي، ورابعة ~~بأنه كذاب، وخامسة بأنه يتلقى القرآن من أعاجم، ويدحض الحق كل هذه ~~الأكاذيب وكل تلك الافتراءات التي ضلوا بها وأضلوا بها سواهم. # إنه صلى الله عليه وسلم رسول من الرسل: # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا ~~بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا # [الفرقان: 20]. إن الرسل من قبلك يا رسول الله كانت تأكل الطعام، وتكسب ~~العيش من العمل ويترددون على الأسواق، فإذا كان المشركون يعيبون عليك ذلك ~~ويحاولون إضلال الناس بكل الأساليب، فأنت ومن معك يا رسول الله من ~~المؤمنين سيكتب الله لكم النصر ويجزي كلا بما عمل. ثم إن الآيات ~~التي يطلبها المشركون من رسول الله كانت كلها تعنتا فهو لم يقل لهم: إنه ~~ملك. لقد قال لهم: إنه رسول مبلغ عن الله، وكل ما يؤديه هو صدق الأداء عن ~~الله، فكيف يطلبون منه أشياء لا تتعلق إلا بملكية الله لخزائن الأرض؟ ~~وكيف يطلبون منه أن يعلمهم الغيب؟ وكيف ينتقدون أنه رسول وبشر يأكل ~~ويتزوج ويمشي في الأسواق؟ إن كل تلك الأقوال دليل التعنت لأنهم قد طلبوا ~~أشياء تخرج عن مجال ما ادعاه رسول الله لنفسه من أنه رسول مبلغ عن الله ~~إنهم طلبوا الخير النافع والينابيع التي تجري، والجنات والقصور، وأشياء ~~كلها ليست في مقدور رسول مبلغ عن الله، لأن الذي ms2964 يهبها هو الله سبحانه ~~وتعالى. وكلمة " خزائن " هذه مفردها " خزانة " وهي الشيء الذي يكنز فيه ~~كل نفيس ليخرج منه وقت الحاجة. ولا تقل: خزانة إلا لشيء جعلته ظرفا ~~لشيء نفيس تخاف عليه من أن تخرجه في غير أوان وزمان إخراجه. وخزائن ~~الأرض كلها يملكها الله، فهو سبحانه وتعالى القائل: # والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا ~~فيها من كل شيء موزون * وجعلنا لكم فيها ~~معايش ومن لستم له برازقين * وإن من شيء إلا ~~عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم # [الحجر: 19-21]. إذن فالحق جاء بالقضية الكلية، وهي أن أسرار الله ~~ونفائسه في الكون هي بيد الله في خزائنه، وهو سبحانه يجليها ويظهرها ~~ويكشفها لوقتها. كيف؟ إن الحق سبحانه وتعالى تكلم عن بدء الخلق، وتكلم عن ~~خلق السماوات والأرض، وتكلم عن هذا الموضوع كلاما مجملا تفسره الآيات ~~الأخرى. فالحق سبحانه وتعالى يقول: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين * ~~ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين # [فصلت: 9-11]. يأمر الحق رسوله أن يبلغ هؤلاء المشركين كيف يكفرون بالله ~~الذي خلق الأرض في يومين وكيف يجعلون له شركاء وهو الخالق للأرض التي هي ~~مناط الحركة لابن آدم. لقد خلق فيها سبحانه ما يقيت ابن آدم وتقوم به ~~حياته إلى أن تقوم الساعة. والقوت - كما نعلم - هو الذي يبقي للإنسان ~~حياته وإن أراد الترف فلا بد له من الطموح في الحياة. وهو سبحانه جعل في ~~الأرض رواسي - أي جبالا - وبارك في الأرض وفي الرواسي. ثم جاء بتقدير ~~الأقوات بعد ذكر الرواسي وهي الجبال، فكأن الجبال في حقيقة أمرها هي ~~مخازن القوت. وقد يقول قائل: كيف ذلك؟ ونقول: إن الواقع قد أثبت هذه ~~الحقيقة فأنت إن نظرت إلى الأنهار التي تجري، لوجدتها تتكون من الماء ~~الذي تساقط من الأمطار على الجبال، فالمياه المكونة ms2965 من ذرات صغيرة دقيقة ~~تنزل على هذه الجبال لتفتتها، وكأن المياه هي " المبرد " الذي يزيل من ~~سطح الجبال هذه الرمال المليئة بالعناصر الغذائية للأرض، وهو ما نسميه ~~نحن " الغرين " ، والغرين - كما نعلم - هو ما ينزل مع المياه من سطوح ~~الجبال إلى مجرى النهر، وباندفاع المياه في مجرى النهر تنتقل المادة ~~الخصبة إلى الأرض، وتتكون تلك الطبقة الخصبة التي تتغذى منها النباتات. ~~ولو شاء الحق سبحانه وتعالى لجعل سطح الأرض كله مستويا، وفيه الخصوبة ~~التي تنبت النبات. لكن حكمته سبحانه شاءت أن تصنع للنبات غذاءه بهذه ~~الطريقة. فأنت إذا ما نظرت إلى النبات وجدته يختلف من نوع إلى نوع في ~~أسلوب امتصاصه للعناصر الغذائية اللازمة له، فهناك نوع من النبات يمتص ~~غذاءه من عمق نصف المتر، ونوع ثان يأخذ غذاءه من عمق المتر، وهكذا. وإن ~~لم نأت للأرض المزورعة بسماد أو مخصبات أو غرين، فإن الأرض تضعف لأن الحق ~~يريد لعملية الزراعة أن تستمر وتمتد وتتوالى، فجعل الجبال مكونة بشكل ~~صلب، وتمر على الجبال عوامل التعرية من حرارة وبرودة وتشققات ثم ينزل ~~عليها المطر فيذيب من سطوح الجبال بعضا من تلك المواد الغذائية اللازمة ~~للأرض، تنتقل هذه المواد الغذائية عبر المياه إلى الأرض، وبهذا يتوالى ~~الإمداد بالخصب من الجبال إلى الأرض. وهكذا نجد أن الجبال في حقيقتها هي ~~مخازن لخيرات الله. وهل مقومات الحياة زرع فقط؟ لا، لأنك إن نظرت إلى ~~نموذج مصغر للكرة الأرضية، ستجده يشبه البطيخة الكبيرة، وإن جئت لتقطع ~~مثلثا من محيط القشرة إلى مركز البطيخة، وجعلت هذا المثلث يشبه الهرم، ~~ثم أخذت منها مثلثا آخر من أي ناحية سواء أكان من ناحية الأرض الخصبة، ~~أم من البحار أم من الجبال أم من الوديان، أم من الصحاري، ثم نظرت من بعد ~~كل ذلك إلى الخير المطمور في كل جزء من هذه الأجزاء لوجدته مساويا للجزء ~~الآخر. # لماذا؟ لأن الحياة لا تعتمد على ألوان محصورة من القوت، ولكنها تحتاج في ~~عمارتها إلى أدوات ومواد الحضارة من حديد وبترول ومنجنيز ms2966 وغير ذلك من ~~كنوز الأرض التي تقوم عليها الحضارة. إننا نجد هذه الخيرات مكنوزة إما في ~~الجبال وإما في الصحاري. ولكن كل خير من هذه الخيرات له ميعاد، وله ~~ميلاد، وانت لو قست ووزنت الخيرات الموجودة في أي مثلث هرمي من الأرض من ~~مركزها إلى محيطها، وقارنتها بوزن قياس الخيرات الموجودة في مثلث هرمي ~~آخر مساو له من الكرة الأرضية نفسها، لوجدت الخيرات متساوية في كل من ~~المثلثين. ولكن لكل لون من هذه الخيرات ميلاد وميعاد. # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21]. فما يقال له شيء، فإن له خزانة عند الله ينزل منها ~~سبحانه بقدر. ونرى ذلك من قمة الوجود، وهو العقل، إن العقل شيء، وله ~~خزائن عند الله، فما كان موجودا من أفكار من عشرة قرون لدى البشرية ~~جميعا لا يقاس بكمية الأفكار التي يمتلكها. العقل الجمعي للعالم الآن، ~~ذلك أن كل جيل قد استفاد مقدمات من أفكار الجيل السابق له ليصل إلى نتاج ~~جديد. إذن فهناك خزائن للأفكار وللخواطر. وكذلك كل شيء في الوجود له عند ~~الله خزائن لا ينزل منها إلا بقدر معلوم: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21]. وساعة يريد الحق أن يظهر ميلاد سر ما، فهو سبحانه يهيىء ~~الأسباب لذلك. وعلى سبيل المثال - ولله المثل الأعلى - كنا قديما نقطع ~~الأخشاب من الأشجار لنصنع منها وقودا، وكنا بعد أن نقطع الأخشاب نخشى ~~عليها من الفساد، لذلك وضع الحق بعضا من إلهاماته للعقل البشري حتى ~~يستطيع تحويل الخشب إلى فحم ليضمن الإنسان صيانة الخشب، وليضمن وجود مصدر ~~للطاقة هو الفحم النباتي. ومن بعد ذلك اكتشف الإنسان الفحم الحجري. ومن ~~بعد ذلك اكتشفنا البترول، كل ذلك من خيرات الطاقة كان مكنوزا في الأرض، ~~ولم يكتشفه الإنسان إلا بعد أن أعطاهم الله الاستعداد لاستقبال هذا ~~الخير، وسيظل عطاء الله قائما إلى أن تقوم الساعة. فمع الفحم دخلنا عصر ~~البخار، ثم دخلنا عصر الكهرباء، ثم دخلنا عصر الذرة. ms2967 وكل هذه الأشياء كان ~~لكل منها ميلاد، ولكل منها مكان في خزائن الله، وعندما ينزل الله أي خاطر ~~من الخواطر على عبد من عباده فإن العبد يأخذ بالأسباب ويكتشف ميلاد السر ~~المكنوز. وكل لاحق يأخذ من خير السابق ويبني عليه. وهكذا ينمو الخير ~~دائما. والأشياء في خزائن الله إما أن تكون مطمورة وإما تكون محكمة ~~إحكاما رقميا، وعلى سبيل المثال، هذا هو الراديوم الذي اكتشفته " ~~السيدة كوري " أظهره الله على يديها في وقت الحاجة إليه. # وكان العلماء قبل اكتشاف الراديوم يعلمون أن هناك عنصرا لم يعرفوه له ~~تركيب ذري معين لأن عناصر الكون مصنوعة بحكمة جليلة كبيرة. وقد ينزل ~~الشيء شائعا في غيره، ومثال ذلك أن تقطف وردة وتستمتع بأريجها وجمال ~~منظرها إلى أن تذبل، وقد يغيب عنك أن الوردة مكونة من تركيب معين، ~~فالرطوبة هي التي تعطي الوردة نضارة، وكل شيء في الوردة هو من مادة ~~الأرض، وعندما تذبل الوردة فهي تعود إلى عناصر الأرض بعد أن تتبخر منها ~~المياه وتذهب كبخار مع غيرها من المتبخرات إلى السحاب الذي تحركه الرياح ~~فيسقط مطرا. وهكذا نجد أن قطرات المياه التي كانت في الوردة تبخرت ~~وانضمت إلى السحاب، قد عادت مرة أخرى إلى الأرض من خلال المطر، ومادة ~~الماء نفسها لم تزد ولم تنقص منذ أن خلق الله الخلق في هذا الكون، ونحن ~~ننتفع بهذا الماء، وعندما ينتهي انتفاع إنسان بجزء من المياه فالماء يعود ~~من خلال عمليات أرادها الله إلى خزانة الماء في الكون. وليسأل الإنسان ~~منا نفسه: كم طنا من الماء قد شربته في حياتك؟ وستجد أنك قد شربت ~~وانتفعت بمئات أو بآلاف من الأطنان، وخرج منك الماء في شكل عرق أو بول أو ~~مخاط، أو غير ذلك. وكم بقي من الماء في جسمك؟ إنها نسبة قد تزيد على ~~تسعين بالمائة من وزن جسمك أيا كان الوزن، ومن بعد أن يأتي أجلك كما ~~قدره الله. فتتبخر كمية المياه التي في هذا الجسم لتنضم إلى السحاب ثم ~~تنزل مع المطر. ms2968 إذن فكمية المياه لم تنقص في الكون ولم تزد. وهذا ما ~~نسميه الرزق المخزون بالتحول، تماما كما تبخرت كمية المياه التي في ~~الوردة، وتبخرت رائحتها في الجو وكذلك مادتها الملونة ذابت في الأرض. ~~وساعة نزرع شجرة ورد تأخذ كل وردة لونها من المواد الملونة المخزونة في ~~الأرض. إذن فكل شيء إما مخزون بذاته في خزائن الله، وإما مخزون بعناصره ~~المحولة إلى غيره. وكل الوجود على هذا الشكل. وحركة الحياة هي بين ~~الاثنين. إن الإنسان - على سبيل المثال - من لحم ومن دم، والبقرة أيضا ~~من لحم ودم، ويموت الإنسان ليعود إلى الأرض، ويستفيد الإنسان من الحيوان، ~~وتعود كل مادة الحيوان إلى الأرض. وتدخل العناصر في دورة جديدة. إذن هي ~~خزائن للحق، إما محولة، وإما خزائن حافظة فالشيء الذي نستنبطه بحالته هو ~~في خزائن حافظة، والشيء الذي يدور في غيره ويرجع إلى الأصل هو في خزائن ~~محولة. ومن رحمة الحق بالخلق أنه لم يملك خزائن الأرض أو السموات لأحد ~~من البشر حتى لا يستعلي إنسان على آخر. ولم يعط الحق حتى للرسل أي حق ~~للتصرف في هذه الخزائن لأن الرسل بشر، وقد احتفظ الحق لنفسه بخزائن الأرض ~~والسموات ليطمئننا على هذه الخزائن. # ولذلك يقول الحق سبحانه: # قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا # [الإسراء: 100]. الحق سبحانه يعلم أن الإنسان مطبوع على الحرص الشديد أو ~~البخل، وهو سبحانه الغني الكريم لذلك ينزل ما يشاء من خزائنه لعباده حتى ~~ينتفعوا. ولم يدع الرسول صلى الله عليه وسلم الخزائن لنفسه، فكيف يطالبه ~~المشركون بما في خزائن الله، وهو صلى الله عليه وسلم يوضح ذلك ويوضح ~~أيضا أنه لا يعلم الغيب: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن ~~الله ولا أعلم الغيب } [الأنعام: 50]. وهو بذلك صلى الله ~~عليه وسلم ينفي عن نفسه أي صفة من صفات الألوهية لأن الخزائن الكونية هي ~~في يد الله، وكذلك ينفي عن نفسه علم الغيب. ولقائل أن يقول: ولكن ماذا عن ~~الأشياء والأحداث التي كان ms2969 يخبرنا بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وهي أحداث مستقبلية؟ ونقول: إن ذلك ليس علما بالغيب، ولكن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم معلم غيب، أي أن ربنا سبحانه وتعالى قد علمه، ~~ومثال ذلك قول القرآن الكريم: # ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت ~~لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~وما كنت لديهم إذ يختصمون # [آل عمران: 44]. إن الحق سبحانه هو الذي علم رسوله صلى الله عليه وسلم ~~تلك الأخبار التي كانت من أنباء الغيب، ويحسم الحق هذه المسألة عندما ~~يقول: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ~~ومن خلفه رصدا # [الجن: 26-27]. فسبحانه وتعالى هو وحده عالم الغيب، ولا يطلع أحدا ~~من خلقه على الغيب. إلا الرسول الذي يرتضيه الله ليخبره ببعض من الغيب، ~~ويحفظ الحق رسوله في أثناء ذلك بملائكة حفظة تحميه من تعرض الجن لما يريد ~~إطلاعه عليه لئلا يسترقوه ويهمسوا به إلى الكهنة قبل أن يبلغه الرسول ~~وحتى يصل الوحي إلى الناس خالصا من تخليط الجن وعبثهم. إذن فالرسول ~~معلم غيب وليس عالم غيب. والغيب - كما نعلم - هو ما غاب عن الحس، ولم ~~توجد له مقدمات تدل عليه، فهناك أشياء تغيب عنك ولكن لها مقدمات، فإن ~~التزمت بالمقدمات من بدايتها يمكنك أن تصل إلى النتيجة. مثال ذلك: إن ~~أعطيت تلميذا مسألة حسابية ليقوم بحلها، وعندما يحل التلميذ هذه المسألة ~~فهو لم يعلم الغيب، ولكنه أخذ المقدمات والمعطيات، وبحث عن المطلوب، وأخذ ~~يرتب المعلومات ليستنبط منها النتيجة. وكذلك حال الذين اكتشفوا أسرارا ~~في الوجود، أعلموا غيبا؟ لا ، إنهم فقط استخدموا بعضا من المقدمات التي ~~كانت موجودة أمامهم في الكون، وتوصلوا إلى نتائج جديدة، صحيح أن هذه ~~النتائج كانت غائبة عنا، ولكن مقدماتها كانت موجودة، وكذلك كل النظريات ~~الهندسية، كل نظرية نجدها تعتمد على سابقتها، وكل نظرية - حتى أعقدها ~~وأصعبها - هي ملاحظة لأمر بدهي في الكون. # وكل علم من العلوم له مقدمات إن بحث فيها ms2970 باحث فإنه يصل إلى النتائج ~~الجديدة، وهذا ما نسميه " غيبا إضافيا " ، أي كان غيبا في وقت ما لكنه ~~غير غيب في وقت آخر، ولذلك ينسب هذا العلم إلى البشر دائما، ولنقرأ قول ~~الحق سبحانه: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255]. والإحاطة بالعلم كلها لله، وهو سبحانه الذي يأذن لبعض من ~~خلقه بالإحاطة ببعض من هذا العلم، وكل سر من أسرار هذا الكون لا يولد ~~إلا بإذن منه سبحانه وتعالى، وهو سبحانه يوفق العلماء أن يبحثوا في ~~المقدمات ليصلوا إلى النتائج. ولكن ماذا عن العلم الذي لا توجد له ~~مقدمات؟ هذا من الغيب المطلق الذي لا يظهره الحق لأحد إلا لمن ارتضى من ~~رسول. أقول ذلك حتى لا يخطئ أحدنا فيظن أن إخبار إنسان لإنسان بمصير شيء ~~ضاع منه هو معرفة للغيب، فقد يكون هذا غيبا بالنسبة لصاحب الشيء الضائع، ~~ولكنه ليس غيبا بالنسبة للص الذي سرقه، ولا هو غيب بالنسبة للشخص الذي ~~أخفى المسروقات، ولا هو غيب بالنسبة للجان المحيطين باللص، إذن فهذا ليس ~~غيبا مطلقا، ولكنه غيب معلوم للغير. إذن فخزائن الحق سبحانه وتعالى ~~ملأى بكل أنواع الخير التي تؤدي للإنسان مهمة البقاء في الأرض سواء من ~~جهة الضرورات أو الأشياء الترفية. { ولا أعلم الغيب ولا ~~أقول لكم إني ملك } [الأنعام: 50]. إذن فالرسول صلى الله ~~عليه وسلم ينفي عن نفسه بقول الحق ثلاثة أشياء: منها شيئان ينفيان ~~الألوهية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي ملكية خزائن الكون، وعلم ~~الغيب، وشيء ثالث وهو أنه ليس ملكا، فهل يعني ذلك أن الملك أرفع من ~~النبي؟ لا، ولكنهم قالوا له: إنما يمشي في الأسواق ويتكسب العيش بالعمل، ~~والملك لا يفعل ذلك. ولكن الرسول بالطبع أرقى منزلة من الملك لأنه ~~يقوم بهداية الإنس والجن ويتبع ما يوحيه إليه ملك الملوك، وهو الحق ~~سبحانه وتعالى: { إن أتبع إلا ما يوحىإلي }. إنه من ~~فرط ارتفاعه في الصدق المبلغ عن الله يعلن حقيقته صلى الله عليه وسلم ~~بأنه من البشر، والبشر ابن ms2971 أغيار، ويعلم شيئا، ويجهل شيئا، ومن مصلحة ~~المرسل إليهم أن يكون الرسول متبعا لا مبتدعا، ذلك أنه ينقل لهم تكاليف ~~الخالق بألفاظها لا أفكار البشر التي قد تتغير أو تتبدل. فلو ابتدع ~~لابتدع في إطار بشريته، وفي ذلك نزول لا ارتقاء، لكنه في الاتباع يأتي ~~بالارتقاء للبشر لأنه يتبع ما أوحى به الإله الذي اصطفاه رسولا. # ولذلك كانت الأمية في رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفا له ولنا. أما ~~أمية الإنسان العادي فهي عيب، إنما أمية محمد صلى الله عليه وسلم ~~هي الكمال. و " أمي " - كما نعلم - تعني أنه كما ولدته أمه، لم يأخذ ~~ثقافة ولم يتعلم من أحد من البشر، لكن علمه وثقافته فوقية كلها. إن ذلك ~~وحي من الله، وهو صلى الله عليه وسلم عندما يعلن أنه نبي أمي، فهذا معناه ~~أن كل ما دخل في ذهنه لم يأخذه عن أحد من خلق الله، وإنما كل ما جاء إلى ~~هذا الذهن قد أخذه رسول الله عن الله. وهكذا تكون أميته شرفا لنا، ولكن ~~الأمية فينا - نحن المسلمين - تختلف يجب أن نعمل جميعا على القضاء ~~عليها: { إن أتبع إلا ما يوحى إلي }. والرسول صلى الله ~~عليه وسلم لا ينطق عن الهوى بل يبلغ ما جاء به الوحي. ويذيل الحق الآية ~~بقوله: { قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا ~~تتفكرون } [الأنعام: 50]. وساعة يأتي الحق بقضية يستخدمها كمثل، ~~فلا بد أن يأتي بقضية متفق عليها حتى من الخصوم المواجهين له فهم يعرفون ~~أن الأعمى لا يستوي مع البصير، تماما مثلما لا يستوي الظل والحرور أو ~~الظلمات والنور. إن الفطرة لا تقبل الخلاف في هذه الأمور. والعمى - كما ~~نعرف - هو عدم الرؤية لمن من شأنه وحاله أن يرى، فلا يقول إنسان عن حجر: ~~إن الحجر أعمى لأن الأحجار لا تبصر. إذن لا نقول العمى إلا كوصف لمن ~~يفترض فيه أن يرى. وماذا تفعل عدم الرؤية في الأمر المحس؟ إن عدم الرؤية ~~يؤذي الإنسان لأنه كائن متحرك. فقد يقع في حفرة أو يصطدم ms2972 بشيء يؤذيه، ~~وبإقرار الجميع نعرف أن الأعمى تضطرب حركته ويتعرض للمتاعب، والذي يحمي ~~الإنسان من ذلك أن يكون مبصرا أو مستعينا بمن يبصر حتى يمكن أن يستقبل ~~المرئيات. وكان العلماء قديما يظنون أن الإبصار هو نتيجة خروج شعاع من ~~العين ليذهب إلى الشيء المرئي ونقض هذه القضية عالم إسلامي هو ابن الهيثم ~~الذي علم العلماء أن الشعاع إنما يخرج من المرئي إلى عين الرائي بدليل أن ~~الشيء المرئي لا يراه الإنسان في الظلام. والعمى يمنع العين من استقبال ~~الشعاع، ولا يختلف أحد في أن العمى مهلك وضار ومتعب، والإبصار مريح. وكأن ~~الحق يقول للخلق: إياكم أن تظنوا أن حياتكم كلها تعتمد على المحيط المحس، ~~لا، إن هناك قيما إن لم يعرفها الإنسان فهو يتعثر ويضطرب ويتخبط. إذن ~~فمنهج السماء قد جاء ليهدي النفس البشرية إلى القيم، كما يهدي النور ~~الحسي الإنسان إلى المحسات. فإذا كان البصر هو وقاية للإنسان لتفادي ~~العقبات، فكذلك المنهج هو الذي يبين للإنسان ألا يصطدم بالعقبات في ~~الأمور المعنوية. # والإنسان يحيا بقيمه، بدليل أن الأعمى قد يجد من يقوده من المبصرين، ~~ولكنه قد لا يجد هدايته في هداية مهتد. إذن فالإنسان قد يستغني عن البصر، ~~ولكنه لا غنى له عن الهدى لأن الضلال سيصيبه، والضلال في القيم أبلغ وأشد ~~قسوة من الضلال في الأمور المحسة. { قل هل يستوي الأعمى ~~والبصير أفلا تتفكرون } هناك تفكر، وتذكر، وتدبر. التفكر ~~هو شغل العقل ابتداء بأمر ظاهر، يريد أن يستنبط منه شيئا. وعندما يقول ~~إنسان لآخر: فكر في هذا الأمر.. أي أدر عقلك في كل ما يتعرض لهذا الأمر. ~~والذي يطلب من آخر التفكير في هذا الأمر كأنه واثق من أن الذي يتفكر في ~~أمر لن يصل إلا إلى الرأي الذي قاله من عرض عليه التفكير. وأما التذكر ~~فهو أن يصل الإنسان إلى حكم انتهى إليه بالتفكر ثم نسيه، ويأتي من يلفت ~~الذهن إلى ذلك الحكم الذي انتهى منه فكريا. إذن فالفكر يأتي بحكم ~~أولي ناضج، والتذكر يأتي بحكم كان ms2973 معلوما للإنسان ولكنه غفل عنه. ~~أما التدبر فهو ألا يكتفي الإنسان بالنظر إلى واجهة الأمور ولكن إلى ما ~~وراء ذلك أيضا لأن كل شيء له واجهة، وقد تخفى الواجهة ما خلفها، لذلك ~~يطلب الحق من الإنسان أن ينظر إلى أعقاب الأشياء وأقفائها، أي يدير الأمر ~~على كل جهاته ولا يكتفي بالنظر إلى واجهاتها، مثلما يشتري الإنسان شيئا ~~من تاجر أمين، ويعرض التاجر على المشتري مواصفات الشيء بأمانة ويطلب منه ~~أن يختبر الشيء حسب مواصفاته، لكن التاجر الغشاش يحاول أن يخفي المواصفات ~~لأنه يريد خداع المشتري. وعندما يطلب الحق منا أن التفكر والتذكر والتدبر ~~إنما يوقظ فينا المقاييس الحقيقية التي نصل بها إلى المطلوب الذي يريده ~~الله. ولذلك يقول الحق: { وأنذر به الذين يخافون... }. ### || [6.51] # أي أنذر بالوحي - الذي تتبعه - هؤلاء الذين يخشون يوم اللقاء مع الله. ~~والإنذار - كما نعلم - هو إعلام بشيء مخيف قبل وقوعه لنتفادى أن يقع. وما ~~المراد بهؤلاء الذين يطلب الحق من رسوله إنذارهم بالوحي؟ في أول الإسلام ~~كان إقبال بعض المؤمنين على العمل الإيماني ضعيفا، وما دام في قلوبهم ~~إيمان، ويخشون لقاء الله فالوحي إنذار لهم بضرورة العمل الإيماني الجاد. ~~كما يجوز أن يكون الإنذار بالوحي لأهل الكتاب لأنهم يعرفون أن هناك يوما ~~آخر سيلقون فيه الله. وقد يكون الإنذار لإنسان يؤمن بالبعث ولكنه يشك في ~~الأنبياء وشفاعتهم، فهذا الصنف قد يحمله التخويف والإنذار إلى أن يعيد ~~النظر في قضية الإيمان ويتقبل النبأ الصدق الذي جاء به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ولنا أن نأخذ الإنذار بالوحي على أي وجه من الوجوه ~~السابقة. ولكن هل يخاف المؤمن أن يحشر إلى الله؟ لا. إن المؤمن إنما يخاف ~~أن يحشر مجردا من الولي والناصر. إذ في الحقيقة ليس هناك أحد يحمي وينصر ~~من الله، ولا شفيع يخلص من عذاب الله إلا بإذنه # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه # [البقرة: 255] وهذا ما يعتقده المؤمنون. وقد حدد الحق ذلك في قوله: { ~~ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ms2974 لعلهم ~~يتقون } [الأنعام: 51]. إنهم هم المؤمنون الذين آمنوا بالله، ~~وبرسوله ولكنهم قصروا في بعض المطلوبات والتكاليف التي ينطوي عليها قوله ~~الحق: # فمن آمن وأصلح # [الأنعام: 48]. هؤلاء المؤمنون عندما يجيئهم الإنذار فهم قد يصلحون من ~~أمورهم خوفا من الحشر بدون ولي ولا شفيع. المؤمن - إذن - له أمل أن يكون ~~يوم الحشر في ولاية الله ورحمته، وهؤلاء هم من قال عنهم الحق: # وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله ~~غفور رحيم # [التوبة: 102]. وإن كانت الآية الكريمة تتناول وتشمل غيرهم من أهل ~~الكتاب وتشمل وتضم أيضا الذين يؤمنون بالبعث ولكنهم لم يتبعوا أنبياء. ~~ويقول الحق من بعد ذلك: { ولا تطرد الذين يدعون... }. ### || [6.52] # نعرف أن الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان واستعمره في الأرض، وجعله ~~طارئا على هذا الوجود الذي أودع الله له فيه كل ما يلزمه من مقومات ~~حياته وإسعاده. وأراد الحق من البشر أن يكون فيهم استطراق عبودي بحيث لا ~~يوجد متعال على مستضعف، ولا يوجد طاغ على مظلوم، حتى تستقيم حركة الحياة ~~استقامة يعطي فيها كل فرد على قدر ما هيئ له من مواهب. فإذا ما اختل ~~ميزان الاستطراق البشري ردهم الحق سبحانه وتعالى إلى دليل لا يمكن أن ~~يطرأ عليه شك، والدليل هو أنكم أيها البشر تساويتم في أصل الوجود من ~~تراب، وتساويتم في العودة إلى التراب، وتتساوون في موقفكم يوم القيامة ~~للحساب، فلماذا تختلفون في بقية أموركم؟ إن التساوي يجب أن يوجد. وها ~~هوذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على أن تهتدي الأمة وكان يكلف ~~نفسه فوق ما يكلفه به ربه، فيعاتبه ربه لأنه كان يشق على نفسه حرصا على ~~إيمان قومه. وقد يظن بعض الناس أن عتاب الله لنبيه لتقصير، ونرد على ~~هؤلاء: ليفهم الإنسان منكم هذا اللون من العتاب على وجهه الحقيقي، فهناك ~~فرق بين عتاب لمصلحة المعاتب، وعتاب للومه وتوبيخه لأن المعاتب خالف ~~وعصى، ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت في يومك العادي إن نظرت ms2975 ~~إلى ابنك فوجدته يلعب ولا يذهب إلى المدرسة ولا يستذكر دروسه، فأنت ~~تعاتبه وتؤنبه لأنه خالف المطلوب منه، ولكنك إن وجدت ابنك يضع كل طاقته ~~ويصرف ويقضي أوقات راحته في المذاكرة. فأنت تطلب منه ألا يكلف نفسه كل ~~هذا العناء، وتخطف منه الكتاب وتقول له: اذهب لتستريح. أنت في هذه الحالة ~~تلومه لمصلحته هو، فكأن اللوم والعتاب له لا عليه. إذن قد حل هذا ~~الإشكال الذي يقولون فيه: إن الله كثيرا ما عاتب رسوله، ونوضح أن الحق ~~قد عاتب الرسول له لا عليه لأن الرسول وجد طريق الإيمان برسالته يسير ~~سيرا سهلا بين الضعفاء، ولكنه شغل نفسه وأجهدها رجاء أن يتذوق ~~المستكبرون المتجبرون حلاوة الإيمان، وجاء في ذلك قول الحق: # عبس وتولى * أن جآءه الأعمى * وما يدريك ~~لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى * ~~أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ~~ألا يزكى # [عبس: 1-7]. إذن فالعتاب هنا لصالح من؟ إنه عتاب لصالح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وحين يقول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ~~تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم # [التحريم: 1]. إن الآية تشير إلى أمر أغضب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فامتنع عن بعض ما ترغب فيه النفس البشرية من أمور حللها الله. # والعتاب هنا أيضا لصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولشدة حرصه صلى ~~الله عليه وسلم على هداية القوم أجمعين، كان يحب أن يعامل الطغاة بشيء من ~~اللين ليتألف قلوبهم. ولكن الطغاة لا يريدون أن يتساووا مع المستضعفين، ~~فقد مر الملأ من قريش ووجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خباب بن ~~الأرت وصهيبا وبلالا وعمارا وسلمان الفارسي وهم من المستضعفين، ~~فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم من ~~بيننا؟ أنحن نصير تبعا لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم أن نتبعك. وكأنهم ~~يقولون له: إنك قد اكتفيت بهؤلاء الضعفاء وتركتنا نحن الأقوياء ولن نجلس ~~معك إلا أن تبعد ms2976 هؤلاء عنك لنجلس، فما كان من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ببديهية الإيمان إلا أن قال: ما أنا بطارد المؤمنين. إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعرف أن هناك من أمثالهم من قالوا لغيره من الأنبياء ~~مثل قولهم. فقد قال قوم نوح عليه السلام له ما حكاه القرآن الكريم: # فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا ~~بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من ~~فضل بل نظنكم كاذبين # [هود: 27]. وحاول بعض من أهل الكفر أن يعرضوا موقفا وسطا على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إذا نحن جئنا فأقمهم من عندك لنجلس ~~معك فإذا قمنا من عندك فاجعلهم يجلسون. ووجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في هذا الرأي حلا وسطا يمكن أن يقرب بين وجهات النظر، واستشار صلى ~~الله عليه وسلم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال عمر: لو فعلت حتى ~~ننظر ما الذي يريدون. وطالب أهل الكفر من أثرياء قريش أن يكتب لهم رسول ~~الله كتابا بذلك، وجيء بالدواة والأقلام، وقبل الكتابة نزل قول الله: { ~~ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما ~~من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من ~~الظالمين } [الأنعام: 52]. ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالصحيفة التي جيء بها ليكتبوا عليها كلاما يفصل بين جلوس سادة قريش إلى ~~مجلس رسول الله وجلوس الضعفاء أتباع رسول الله. والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إنما مال إلى ذلك من الكتابة طمعا في إسلام هؤلاء المشركين وإسلام ~~قومهم بإسلامهم رحمة بهم وشفقة عليهم، ورأى - صلى الله عليه وسلم - أن ~~ذلك لا يفوت أصحابه شيئا ولا ينقص لهم قدرا فمال إليه فأنزل الله الآية ~~ونهاه عما هم به من الطرد، لا أنه - صلى الله عليه وسلم - قد أوقع ذلك ~~وطردهم وأبعدهم، ثم دعا بعد ذلك بالضعفاء فأتوه. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك ms2977 يجلس مع المستضعفين، وإن أحب ~~- صلى الله عليه وسلم - أن يقوم من المجلس قام، ولكن الله أراده أن يكرم ~~هؤلاء القوم المستضعفين بعد أن نهاه عن طردهم، وأن يكرمهم سبحانه بما ~~أهيجوا فيه، وجاء أمر إلهي آخر بألا يقوم رسول الله من مجلسه مع ~~المستضعفين حتى يقوموا هم، فقال الحق تبارك وتعالى: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم ~~تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا # [الكهف: 28]. وعندما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: # " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم ". # وبهذا القول الكريم أراد الحق سبحانه وتعالى إكرام الضعفاء والمستضعفين. ~~ويقول سلمان الفارسي وخباب بن الأرت فينا نزلت، فكان - رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - يقعد معنا ويدنو منا حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم ~~عنا إذا أراد القيام فنزلت: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم # [الكهف: 28] فترك القيام عنا إلى أن نقوم فكنا نعرف ذلك ونعجله القيام. ~~أي أنهم هم الذين كانوا يقومون أولا من مجلس رسول الله، فقول الحق: { ~~ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه } هذا هو قول الله - سبحانه - أمر به رسول الله ~~ومأمور به كذلك كل إنسان من بعد رسول الله، وفي هذا قمة التكريم للدائمين ~~على ذكر الله من المستضعفين لأنهم أهل محبة الإيمان وهم الذين سبقوا ~~إليه. وهاهوذا أحد خلفاء المسلمين وقد جاءه صناديد العرب الذين أسلموا، ~~واستأذنوا في الدخول إليه، فلم يأذن لهم حتى أذن لضعفاء المسلمين. فورم ~~أنف كل واحد من هؤلاء الصناديد وقالوا: - أيأذن لهؤلاء ويتركنا نحن؟ لقد ~~صرنا مسلمين. فقال قائل منهم يفهم ويفقه أمر الدين: أكلكم ورم أنفه أن ~~يؤذن لهؤلاء قبلكم، لقد دعوا فأجابوا، ودعيتم فتباطأتم، فكيف بكم إذا ~~دعوا إلى دخول الجنة وأبطئ دخولكم. إن هؤلاء الضعفاء يريدون بالطاعة ~~وجه الله، وكلمة " وجه الله " تدل على أن الإيمان قد أشرب ms2978 في قلوبهم، ~~وأنهم جاءوا إلى الإيمان فرارا بدينهم من ظلم الظالمين وطغيان الطغاة ~~الذين كانوا يريدونهم على الكفر والضلال. إنهم قد حلا لهم الإيمان، وحلا ~~لهم وجه الله، وحلا لهم أن يؤجل لهم كل الثواب إلى الآخرة. وحين نسمع قول ~~الحق: { يريدون وجهه } فهذا وصف لله بأنه - جل شأنه - له وجه، ~~ونطبق في هذه الحالة ما نطبقه إذا سمعنا وصفا لله، إننا نأخذ الوصف في ~~إطار قوله الحق: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. ويطلق الوجه ويراد به الذات، لأن الوجه هو السمة المميزة ~~للذوات. فأنت إن قابلت أناسا قد غطوا وجوههم واستغشوا ثيابهم وستروا بها ~~رءوسهم فلن تستطيع التمييز بينهم. ويقال: فلان قابل وجوه القوم. أي التقى ~~بالكبار في القوم. والحق سبحانه وتعالى يقول: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]، ويقول الحق سبحانه: { ما عليك من حسابهم من ~~شيء } وفي هذا القول حرص على كرامة المستضعفين فقد يقول قائل: لقد ~~استجار هؤلاء الضعفاء بالدين حتى يفروا من ظلم الظالمين وليس حبا في ~~الدين، فيوضح الحق: ليس هذا عملك، وليس لك إلا أن تأخذ ظاهر أعمالهم وأن ~~تكل سرائرهم إلى الله. { ما عليك من حسابهم من شيء وما ~~من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من ~~الظالمين } [الأنعام: 52]. وكأن الحق يوضح لرسوله: لو كان عليك من ~~حسابهم شيء لجاز لك أن تطردهم، ولكن أنت يا رسول الله تعلم أن كل واحد ~~مجزى بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وقد أنزل الله عليك القول ~~الحق: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164]. إذن فلكل إنسان كتابه. قد سطر وسجل فيه عمله ويجازي ~~بمقتضى هذا، ويقول الحق من بعد ذلك: { وكذلك فتنا بعضهم ~~ببعض... }. ### || [6.53] # نحن هنا أمام " بعضين ": بعض قد استعلى أن يجتمع ببعض آخر مستضعف عند ~~رسول أرسله الله. ويمتحن الله البعض بالفتنة، والفتنة هي الاختبار. إن ~~بعضا من الناس يظن أن الفتنة أمر مذموم، لا، إن الفتنة لا تذم لذاتها، ~~وإنما تذم لما تؤول إليه. فالاختبار - إذن - لا يذم لذاته، وإنما ms2979 يذم لما ~~يؤول إليه. وتأتي الفتنة ليرى صدق اليقين الإيماني، وها هوذا الحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم ~~فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين # [العنكبوت: 2-3]. إن الحق سبحانه يختبر مدى صدق الإنسان حين يعلن ~~الإيمان، إنه - سبحانه - يختبرهم بالمحن والنعم، وقد اختبر الحق الأمم ~~السابقة بالتكاليف والنعم والمحن ويظهر ويبرز إلى الوجود ما سبق أن علمه ~~سبحانه أزلا، ويميز أهل الصدق في الإيمان عن الكاذبين في الإيمان. فمن ~~صبر على الاختبار والفتنة فقد ثبت صدقه ويقينه، ومن لم يصبر فقد دل ~~بعمله هذا على أنه كان يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به ورضي، ~~وإن أصابه شر وفتنة انقلب على وجهه ونكص على عقبيه فخسر الدنيا والآخرة. ~~إذن فالفتنة مجرد اختبار. والوجود الذي نراه مبني كله على المفارقات، ~~وعلى هذه المفارقات نشأت حركة الحياة. ويجب الإيمان بقدر الله في خلقه ~~فهذا طويل، وذاك قصير، هذا أبيض، وذاك أسود، هذا مبصر وذلك أعمى، هذا ~~غني، وذلك فقير، هذا صحيح، وذلك سقيم، وذلك ليكون كل نقيض فتنة للآخر. ~~فالمريض - على سبيل المثال - فتنة للصحيح، والصحيح فتنة للمريض، ويستقبل ~~المريض قدر الله في نفسه ولا ينظر بحقد أو غيظ للصحيح، ولكن له أن ينظر ~~هل يستعلي الصحيح عليه ويستذله، أو يقدم له المساعدة؟ والفقير فتنة ~~للغني، وهو ينظر إلى الغني ليعرف أيحتقره، أيجرحه، أيستغله؟ والغني فتنة ~~للفقير، يتساءل الغني أينظر إليه الفقير نظرة الحاسد. أم الراضي عن عطاء ~~الله لغيره. وهكذا تكون الفتن. إن من البشر من هو موهوب هبة ما، وهناك من ~~سلب الله منه هذه الهبة، وهذا العطاء وذلك السلب كلاهما فتنة لنؤمن بأن ~~خالق الوجود نثر المواهب على الخلق ولم يجعل من إنسان واحد مجمع مواهب ~~حتى يحتاج كل إنسان إلى مواهب غيره، وليقوم التعاون بين الناس، وينشأ ~~الارتباط الاجتماعي. وعندما يخلق الله الإنسان بعاهة من العاهات فهو ~~سبحانه يعوضه بموهبة ما. هكذا نرى ms2980 أن العالم كله قد فتن الله بعضه ببعض، ~~وكذلك كانت الجماعة المؤمنة فتنة للجماعة الكافرة، وكانت الجماعة الكافرة ~~فتنة لرسول الله، ورسول الله فتنة لهم فساعة يرى رسول الله الكفار وهم ~~يجترئون عليه ويقولون: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. يعرف أن هؤلاء القوم يستكثرون عليه أن ينزل عليه هذا ~~القرآن العظيم، وفي هذا القول فتنة واختبار لرسول الله، وهو يصبر على ~~ذلك ويمضي إلى إتمام البلاغ عن الله ولا يلتفت إلى ما يقولون، بل يأخذ ~~هذا دليلا على قوة المعجزة الدالة على صدق رسالته. والجماعة التي ~~استكبرت وطلبت طرد المستضعفين هم فتنة للمستضعفين، والمستضعفون فتنة لهم، ~~فلو أن الإيمان قد اختمر في نفوس المستكبرين لما استكبروا أن يسبقهم ~~الضعاف إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن فكلنا يفتن بعضنا ~~بعضا. وكل إنسان عندما يرى موهوبا بموهبة لا توجد لديه فليعلم أنها ~~فتنة له وعليه أن يقبلها ويرضى بها في غيره. وما عبد الله بشيء خيرا ~~من أن يحترم خلق الله قدر الله في بعضهم بعضا، ولذلك يختبرنا الحق ~~جميعا، فإن كنت مؤمنا بالله فاحترم قدر الله في خلق الله حتى يجعل الله ~~غيرك من الناس يحترمون قدر الله فيك. والحق سبحانه وتعالى يقول: { ~~وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننآ أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين } [الأنعام: 53]. ووجه الفتنة هنا أن قوما طلبوا طرد ~~المستضعفين وقالوا كما حكى الله عنهم: { أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننآ }؟ كأنهم تساءلوا عن المركز الاجتماعي ~~للمستضعفين من المؤمنين، ويأتيهم الرد من الله: { أليس الله ~~بأعلم بالشاكرين }. فسبحانه هو العليم أزلا بالبشر، ولا ~~يقترح عليه أحد ما يقرره. وقد سبق للذين كفروا أن قالوا: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. وجاءهم الرد من الحق سبحانه وتعالى فقال: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا # [الزخرف: 32]. وهكذا نعلم ms2981 أن الحق سبحانه وتعالى لم يضع مفاتيح الرسالة ~~في أيدي المشركين أو غيرهم، ليوزعوا هم الأمور ويقوموا بتدبير الأمر. بل ~~هو سبحانه وتعالى الذي يوزع المواهب في البشر رزقا منه ليعتمد كل إنسان ~~على الآخرين في مواهبهم التي يعجز عنها، ويعتمد عليها الآخرون في موهبته ~~التي يعجزون عنها. ومسألة النبوة هي اصطفاء إلهي يكبر ويسمو على كل ~~مقامات الدنيا. ويدل السياق إذن على أن بعضا من كبار العرب طلبوا أن ~~يطرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضا من المستضعفين، فأراد الله أن ~~يطمئن المستضعفين بشيء عجل لهم به في الدنيا وإن كان قد جعله لبقية ~~المؤمنين في الآخرة. لذلك يقول الحق: { وإذا جآءك الذين ~~يؤمنون... }. ### || [6.54] # لقد كان طلب الطرد لهؤلاء المستضعفين فيه إهاجة لكرامتهم ولمنزلتهم ~~ولأنهم دون الأثرياء ووجهاء القوم، فيطمئنهم الحق بالسلام منه في الدنيا ~~فيأمر رسوله: { فقل سلام عليكم }. ونفهم من السلام أنه الخلو ~~من الآفات النفسية والآفات الجسدية، فكأن الحق سبحانه أراد ان يعوضهم ~~بالسلام القادم من الله { فقل سلام عليكم كتب ربكم ~~على نفسه الرحمة } ونرى كلمة: " الرحمة " تتردد كثيرا في ~~القرآن الكريم، فهاهوذا الحق يقول في موقع آخر: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا # [الإسراء: 82]. ما الفارق إذن بين الشفاء والرحمة؟ الرحمة: لا يبتلي ~~الله الإنسان بمرض، إنها الوقاية، أما الشفاء فهو أن يزيل الحق أي مرض ~~أصاب الإنسان. وهذا هو البرء بعد العلاج. إذن ففي القرآن شفاء ورحمة، أي ~~وقاية وعلاج. والذي يلتزم بمنهج القرآن لا تصيبه الداءات الاجتماعية ~~والنفسية أبدا، والذي تغفل نفسه وتشرد منه يصاب بالداء الاجتماعي ~~والنفسي، فإن عاد إلى منهج القرآن فهو يشفى من أي داء. وحين يأمر سبحانه ~~رسوله أن يقول لهؤلاء الذين أهيجوا بطلب طردهم على الرغم من إيمانهم ~~برسالة رسول الله: { سلام عليكم كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة } فهذا يعني أن ما حدث لهم في هذا الأمر هو آخر ~~ابتلاءاتهم، وقد أخذوا بهذه الإهاجة سلاما دائما، وما دام ms2982 الله قد كتب ~~على نفسه الرحمة فكأنه وقاهم مما يصيب به غيرهم. وإذا سمعت قول الله: { ~~كتب ربكم على نفسه الرحمة } فالكتابة تدل على ~~التسجيل، ولا أحد يوجب على الله شيئا لأنه خالق الكون، وله في الكون ~~طلاقة المشيئة، فلا أحد يكتب عليه شيئا ليلزمه به، ولكنه سبحانه هو الذي ~~أوجب على نفسه الرحمة. ونأخذ كلمة " نفسه " في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]، ذلك أن النفس عند البشر هي الجسم والدم والحركة والحياة، ~~ولكن ماذا عندما تأتي كلمة " النفس " منسوبة إلى الله؟ المراد - إذن - هو ~~الذات الإلهية. وإن لم تأخذ مراد الكلمة بهذا المعنى فأنت تدخل إلى ~~مخالفات كثيرة وقانا الله وإياك شرورها. وأؤكد هذا المعنى ليستقر في ذهن ~~كل مؤمن، أن النفس بالنسبة للكائن الحي غيرها بالنسبة لله، ولا بد أن ~~نأخذ أي شيء منسوب إلى الله في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] لأن النفس بالنسبة للكائن الحي عبارة عن امتزاج الروح ~~بالمادة، والمادة مكونة من أبعاض. وإن لم تأخذ المراد من نفس الله على ~~ضوء # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]، فأنت - والعياذ بالله - تنفي عن الحق " الأحدية ". ونعرف ~~أن للحق سبحانه وتعالى " وصفين " يتحدان في المادة وفي الحروف: الأول هو ~~" واحد ". # والآخر هو " أحد ". والسطحيون في الفهم يظنون أن " واحدا " معناها " ~~أحد ". ونقول: لا، إن " واحدا " لها مدلول، و " أحدا " لها مدلول آخر. ~~فعندما نقول: " إن الله واحد " أي لا يوجد فرد ثان من نوعه فليس له مثيل ~~ولا شبيه ولا نظير. وعندما نقول: " إن الله أحد " أي أنه لا يتكون من ~~أبعاض يحتاج بعضها إلى البعض الآخر لتكوين الكل، لأن الشيء قد يكون ~~واحدا وليس أحدا. ولذلك نؤكد الفارق بين: " واحد " و " أحد " ، وحتى ~~يعرفه كل مؤمن جيدا فهو - سبحانه - واحد لا يوجد فرد ثان يشاركه في ~~وحدانيته، فهو واحد لا شريك له، وهو أحد جل وعلا أي ليس له أبعاض يحتاج ~~بعضها إلى بعض. وسبق أن أوضحنا أن هناك شيئا اسمه: " كل " وشيئا آخر ~~اسمه " كلي ". والكل ms2983 هو المكون من أجزاء، كل جزء منها لا يؤدي الحقيقة، ~~وإنما لا يؤدي الكل إلا بضميمة الأجزاء بعضها إلى بعض. ومثال ذلك ~~الكرسي: إنه مكون من خشب ومسامير وغراء، فلا يقال للخشب كرسي، ولا يقال ~~للمسامير كرسي، ولا يقال للغراء كرسي. ولكن يقال للشيء المصنوع من كل هذه ~~الأشياء على هيئة محددة: إنه كرسي. إذن ف " الكل " له أجزاء تجتمع ~~لتكونه. والكلي يمكن أن تطلق على الإنسان، ولكن في الجنس البشري هناك ~~أفراد كثيرون له. وعلى ذلك فالحق سبحانه وتعالى ليس " كلا " أي لا ~~أجزاء له لأنه أحد، وليس " كليا " لأنه لا شيء مثله فسبحانه وتعالى واحد ~~أحد. ولهذا نفهم جميعا أن كل شيء منسوب إلى الله ينبغي أن يكون في إطار: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. ونحن لا نفهم مراد كلمة " النفس " بالنسبة لله كما نفهمها ~~بالنسبة للبشر لذلك فنفس الله ليست كنفس البشر لأن الله غني لا يحتاج إلى ~~غيره، وهو - سبحانه - ليس مكونا من أجزاء، فهو سبحانه له كل الكمال ~~والجلال في وحدانيته وأحديته وفي سائر صفاته وأفعاله. وحين يقول سبحانه: ~~{ كتب ربكم على نفسه الرحمة }. قد يتساءل إنسان: وما ~~مدلول الرحمة؟ وتأتي الإجابة في قوله الحق: { أنه من عمل منكم ~~سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه ~~غفور رحيم }. والحق حينما أنزل منهجا من السماء فالمنهج يضم ~~نصوصا للتجريم كنصوص عقاب الزاني أو اللص، وغير ذلك، ولا يمكن أن تأتي ~~عقوبة إلا إذا جاءت بعد تجريم، مثال ذلك الرشوة والنميمة وكل مخالفة ~~للمنهج، فلا عقاب إلا بجريمة، ولا جريمة إلا بنص. والحق الذي خلق الخلق ~~يعلم أن بعضا من خلقه يكون من ضعاف النفوس، وقد تغلب إنسانا نفسه ~~فيرتكب ذنبا أو معصية، والمثال على ذلك قول الحق: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما ~~كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم # [المائدة: 38]. هذا هو عقاب السارق والسارقة. وكذلك يقول الحق عن الزاني ~~والزانية: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين ms2984 الله إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد ~~عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2]. ما معنى إنزال مثل هذه النصوص؟ معنى إنزال هذه النصوص أن ~~الحق سبحانه وتعالى يعلم أن الإنسان قد يضعف في بعض مطلوبات الدين فيقع ~~في معصية، ولا بد أن يوجد عقاب عليها. واحترم الحق بذلك تكوين الإنسان ~~عندما منحه الاختيار، فوضع الثواب والعقاب. وكما وضع الحق النص على ~~الجرائم وعقوبتها فهو سبحانه وتعالى قد فتح باب التوبة لخلقه، حتى لا ~~يكون الذي عصى الله مرة واحدة فاقدا للأمل، حتى لا يشقى المجتمع بهؤلاء ~~العصاة. وشرع الحق التوبة للخلق ليرحهم من شرور من ارتكبوا المعاصي، ~~وليرحم أيضا أصحاب المعاصي ما داموا قد تابوا عنها. وقد يرحم الله بعض ~~خلقه من المعاصي فيحفظهم منها. وهو الحق القائل: # ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب ~~الرحيم # [التوبة: 118]. سبحانه - إذن - يهدي إلى التوبة ويعفو، وهو عظيم الرحمة ~~بالعباد التوابين. ومن ظواهر رحمة الله سبحانه: { أنه من عمل ~~منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح ~~فأنه غفور رحيم } [الأنعام: 54]. والسوء هو الأمر المنهي عنه ~~من الله. هل هناك من يعمل السوء بجهالة؟. بعضنا يفهم الجهالة فهما ~~سطحيا على أساس أنها " عدم العلم " لا. إن الذي لا يعلم هو الأمي ~~الخالي الذهن، والجهالة غير الجهل، فالجهل هو أن يعلم الإنسان حكما ضد ~~الواقع، كأن يكون مؤمنا بعقيدة تخالف الواقع. ومعالجة الجهل تقتضي أن ~~ننزع منه هذه العقيدة التي هي ضد الواقع ثم نقنعه بالعقيدة المطابقة ~~للواقع. والذي يسبب المتاعب للناس هم الجهلة لأن الجاهل يعتقد في قضية ~~ويؤمن بها وهي تخالف الواقع. وعندما جاء العلماء عند هذا القول الحكيم: { ~~من عمل منكم سوءا بجهالة }. قالوا: إن الجهالة هي السفه ~~والطيش، والطيش يكون بعدم تدبر نتائج الفعل. والسفه ألا يقدر الإنسان ~~قيمة ما يفوته من ثواب وما يلحقه من عقاب. وقد يكون الإنسان مؤمنا، لكنه ~~يرتكب السوء لأنه لم يستحضر الثواب والعقاب ويرتكب من السوء ما يحقق له ~~شهوة عاجلة دون التمعن ms2985 في نتائج ذلك مستقبلا، ولو استحضر الثواب والعقاب ~~لما فعل ذلك السوء. ويمكن أن نفهم أيضا الجهالة على أنها ارتكاب الأمر ~~السيئ دون أن يبيت له الإنسان أو يخطط، وذلك كأن يخطط إنسان السفر إلى ~~باريس لتحصيل العلم، وعندما وصل إلى هناك جاءت له امرأة في غرفته في ~~الفندق وهي في كامل فتنتها وزينتها، وألحت عليه لارتكاب الفحشاء، فلم ~~يقدر على نفسه. # هذا فعل للسوء بجهالة لأنه لم يخطط لذلك السوء، وهو يندم من بعد ذلك، ~~ولا يحكي عن ذلك الفعل بفخر أبدا. هناك فارق - إذن - بين هذا الإنسان ~~وإنسان آخر بحث في عناوين بيوت اللذة في باريس قبل أن يسافر إليها، إنه ~~بذلك يخطط لفعل المنكر وارتكاب الفحشاء. ويصر على السوء، ويتفاخر به ولا ~~يندم على ما فعل هذا الصنف من البشر لا يغفر له الله إن استمر على هذا ~~الحال حتى شارف الموت أو أدركه الموت، ولذلك يقول الحق: # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب ~~الله عليهم وكان الله عليما حكيما # [النساء: 17]. لأن الحق سبحانه إنما يقبل توبة من ارتكب الذنب في حالة ~~الحماقة والطيش، ويقبلون على التوبة فورا، هؤلاء يقبل الحق توبتهم، أما ~~الذين لا يندمون على فعل السوء فيقول الحق عنهم: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم ~~عذابا أليما # [النساء: 18]. إن الذين لا يقبلون على التوبة من فور ارتكاب الذنب ~~وينتظر الإنسان منهم مجيء الموت ليتوب قبله أي وهو في حالة الغرغرة - وهي ~~تردد الروح في الحلق عند الموت - هؤلاء لا تقبل لهم توبة، وكذلك الذين ~~يموتون على الكفر - والعياذ بالله - وقد أعد الله لكليهما عذابا أليما. ~~والحق سبحانه قد وضح لنا قبل ذلك فقال: { أنه من عمل منكم ~~سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه ~~غفور رحيم } [الأنعام: 54]. إذن فالتوبة يجب أن يتبعها إصلاح ~~وصلاح ذلك أن الحسنات يذهبن السيئات، ms2986 والحق سبحانه غفور لا يعاقب على ذنب ~~تاب عنه العبد، ورحيم لأنه يثيب على الفعل الحسن، بل إنه يثيب الإنسان ~~الذي يكرر ندمه على فعل سيء ويكتب له عن ذلك حسنة. بل إنه - بسعة رحمته - ~~يبدل سيئاته حسنات. ويقول الحق من بعد ذلك: { وكذلك نفصل ~~الآيات... }. ### || [6.55] # وساعة تسمع قوله الحق: { وكذلك نفصل الآيات } فاعلم أن هناك ~~تفصيلا سيلي ذلك يشابه تفصيلا سبق. والآيات السابقة قد فصل الله فيها ~~أمورا كثيرة فصل لنا حجة وصحة وحدانية الله سبحانه، وفصل لنا صحة ~~النبوة، وفصل لنا صحة القضاء والقدر. ومن بعد ذلك كله يعطينا الحق ~~المقاييس التي تقرر الحقائق التي ينكرها أهل الباطل فيفصل لنا في ~~العقائد، ويفصل لنا في حركة الحياة والحركة العبادية التي نؤدي بها ~~تكاليف الإيمان. وكما فصل لنا سبحانه صحة الوحدانية وصحة النبوة، وصحة ~~القضاء والقدر، يفصل لنا الآيات التي تقرر الحقائق: { وكذلك ~~نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين } [الأنعام: ~~55]. ونقرأ " سبيل " في بعض القراءات مرفوعة، أي أن سبيل المجرمين يظهر ~~ويستبين ويتضح، وتقرأ في بعض القراءات منصوبة، أي أنك يا محمد تستبين أنت ~~السبيل الذي سيسلكه المجرمون. وكلمة " سبيل " وردت في القرآن مؤنثة مثل ~~قوله الحق: # الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا # [الأعراف: 45]. ووردت أيضا في بعض الآيات مذكرة: # وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا # [الأعراف: 146]. ويريد الحق بذلك أن يعلمنا أن القرآن الذي نزل بلسان ~~عربي مبين قد استقبلته قبائل من العرب، بعضها لها السيادة كقبيلة قريش ~~لأنها تسكن مكة، والكعبة في مكة وكل القبائل تحج إلى الكعبة. ويريد أن ~~ينهي سبحانه هذه السيادة، ولذلك جاء بالقرآن ببعض الألفاظ التي تنطقها ~~القبائل الأخرى، ومثال ذلك كلمة " سبيل " التي تؤنث في لغة " الحجاز " ، ~~وجاء به مرة كمذكر كما تنطقها " تميم ". ولم يأت الحق بكل ألفاظ القرآن ~~مطابقة لأسلوب قريش، حتى لا تظن قريش أن سيادتها التي كانت لها في ~~الجاهلية قد انسحبت إلى الإسلام، فقد جاء القرآن للجميع. { وكذلك ~~نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين }. أي أن ms2987 الله ~~سيعامل كل إنسان على مقتضى ما عنده من اليقين الإيماني. والمعاندون لهم ~~المعاملة التي تناسبهم، وكذلك المصر على الذنوب، والمقدم على المعاصي، ~~وهي تختلف عن معاملة المؤمن. ولكنها في إطار العدل الإلهي. إذن فلكل ~~المعاملة التي تناسب موقعه من الإيمان. والمقابلون للمجرمين هم المؤمنون. ~~فإذا استبنت سبيل المجرمين، أو إذا استبان لك سبيل المجرمين ألا تعرف ~~المقابل وهو سبيل المؤمنين؟. وحين يذكر الحق شيئا مقابلا بشيء فهو يأتي ~~بحكم شيء ثم يدع الحكم الآخر لفهم السامع، فإذا كان الحق بين سبيل ~~المجرمين لعنا وطردا، فسبيل المؤمنين يختلف عن ذلك، إنه الرحمة ~~والتكريم. ومثال على ذلك - ولله المثل الأعلى - أنت تقول للتلميذ الذي ~~يواظب على دروسه ويذاكر في وقت فراغه من المدرسة: إن سبيلك هو النجاح. ~~ومن يسمع قولك هذا يعرف أن الذي لا يواظب على دروسه ولا يذاكر في وقت ~~فراغه من المدرسة تكون عاقبة أمره الرسوب والخيبة. # وهكذا يترك الحق لفطنة السامع لكلامه أن يأتي بالمقابل ويعرف أحكام هذا ~~المقابل: فإذا كان الحق قد قال: { ولتستبين سبيل ~~المجرمين } فهذه إشارة أيضا لسبيل المؤمنين من رحمة وتكريم. ونعلم ~~أن القرآن قد جاء على أبلغ الأساليب. وهي أساليب تقتضي أن تعرف معطى كل ~~لفظ وكل حرف حتى نفهم مقتضيات المقامات والحالات التي تطابق كل مقام. ~~ومثال على ذلك قول الحق سبحانه: # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل ~~في سبيل الله وأخرى كافرة # [آل عمران: 13]. لقد ترك الحق لفطنة السامع لهذه الآية أن يعرف أن الفئة ~~الكافرة تقاتل في سبيل الشيطان، وأن الفئة التي تقاتل في سبيل الله هي ~~الفئة المؤمنة، وترك لنا الحق أن المشهد العظيم يعرفون قدر كذبهم في ~~الدنيا، فلا ملك لأحد إلا الله، ولا معبود سواه، فينطقون بما يشهدون: " ~~والله ربنا ما كنا مشركين ". ولقائل أن يقول: ولكن هناك في موضع آخر من ~~القرآن نجد أن الله يقول الحق مثل هؤلاء: # ويل يومئذ للمكذبين * هذا يوم لا ينطقون * ~~ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 34-36]. ms2988 إنهم في يوم الهول الأكبر يعرفون أنهم كذبوا في ~~الدنيا، وهم لا ينطقون بأي قول ينفعهم، ولا يأذن لهم الحق بأن يقدموا ~~أعذارا أو اعتذارا. ونقول لمن يظن أن المكذبين لا ينطقون: إنهم بالفعل ~~لا ينطقون قولا يغيثهم من العذاب الذي ينتظرهم، وهم يقعون في الدهشة ~~البالغة والحيرة، بل إن بعضا من هؤلاء المكذبين بالله واليوم الآخر يكون ~~قد صنع شيئا استفادت به البشرية أو تطورت به حياة الناس، فيظن أن ذلك ~~العمل سوف ينجيه، إن هؤلاء قد يأخذون بالفعل حظهم وثوابهم من الناس الذين ~~عملوا من أجلهم ومن تكريم البشرية لهم، ولكنهم يتلقون العذاب في اليوم ~~الآخر لأنهم أشركوا بالله. ولم يكن الحق في بالهم لحظة أن قدموا ما قدموا ~~من اختراعات، ولذلك يقول الحق: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. وهكذا نعلم أن أعمال الكافرين أو المشركين يجازيهم الحق ~~سبحانه عليها بعدله في الدنيا بالمال أو الشهرة، ولكنها أعمال لا تفيد في ~~الآخرة. وأعمالهم كمثل البريق اللامع الذي يحدث نتيجة سقوط أشعة الشمس ~~على أرض فسيحة من الصحراء، فيظنه العطشان ماء، وما إن يقترب منه حتى يجده ~~غير نافع له، كذلك أعمال الكافرين أو المشركين يجدونها لا تساوي شيئا ~~يوم القيامة. والمشرك من هؤلاء يعرف حقيقة شركه يوم القيامة. ولا يجد إلا ~~الواحد الأحد القهار أمامه، لذلك يقول كل واحد منهم: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. إن المشرك من هؤلاء ينكر شركه. وهذا الإنكار لون من ~~الكذب. مشخص يميزه عن الجنس الآخر إما بارتفاع ترق وإما بنزول تدن. وقمة ~~أجناس الوجود هو الإنسان الذي كرمه الحق بالحس والحركة والتفكير. ويلي ~~الإنسان مرتبة جنس الحيوان الذي له الحس والحركة دون التفكير. ويلي جنس ~~الحيوان مرتبة النبات، وهو الذي له النمو دون الحركة والتفكير. وعندما ~~تسلب من النبات غريزة النمو يصير جمادا. إذن ترتيب الأجناس من الأعلى ~~إلى الأدنى هو كالتالي: الإنسان ms2989 ثم الحيوان، ثم النبات ثم الجماد. وكل ~~جنس من هذه الأجناس له خصائصه، ويأخذ الجنس الأعلى خاصية زائدة. وأدنى ~~الأجناس هو الجماد الذي يخدم النبات، والنبات يخدم الحيوان والإنسان. ~~والحيوان يخدم الإنسان، وهكذا نجد أن أعلى الأجناس هو الإنسان بينما ~~أدناها هو الجماد. فكيف يأخذ أعلى الأجناس وهو الإنسان ربا له من أدنى ~~الأجناس وهو الجماد؟ إن تحكيم الفطرة في ذلك الأمر ينتهي إلى حكم واضح هو ~~سخف هذا اللون من التفكير. وفطرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل ~~البعثة هدته إلى رفض ذلك، وجاءت البعثة لتجعل من إلف عادة رسول الله ~~وفطرته أمر عبادة للرسول صلى الله عليه وسلم ولكل من اتبعه. # قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون ~~الله قل لا أتبع أهوآءكم # [الأنعام: 56]. إذن فمسألة عبادة المشركين للأصنام لا تنبع من هدى ~~ولكنها خضوع إلى هوى لأن الهدى هو الطريق الموصل للغاية المعتبرة، والهوى ~~هو خواطر النفس التي تحقق شهوة. ولهذا نرى بعضا من الذين يريدون إضلال ~~البشر قد خرجوا بمذاهب ليست من الدين في شيء، مثل القاديانية والبهائية ~~والبابية، وغير ذلك من تلك المذاهب، هؤلاء الناس يدعون التدين، وعلى ~~الرغم من ذلك يقدمون التنازلات في أمور تمس الأخلاق، ورأينا مثل ذلك في ~~بعض من القضايا التي نظرتها المحاكم أخيرا، كالذي يدعي التدين ويقبل ~~كل امرأة، ولا ينظم العلاقة بين الناس بقواعد الدين، ولكن يطلق الغرائز ~~حسب الهوى. وذهب إليه أناس لهم حظ كبير ومرتبة من التعليم، وقد أوهموا ~~أنفسهم بخديعة كبرى، وظنوا أنهم أخذوا بالتدين، بينما هم يأخذون حظ الهوى ~~المناقض للدين. # لا أتبع أهوآءكم قد ضللت إذا ومآ أنا من ~~المهتدين # [الأنعام: 56]. أي أنك يا رسول الله عليك بإبلاغ هؤلاء المشركين أنك لا ~~تتبع أهواءهم التي تقود إلى الضلالة لأن من يتبع مثل تلك الأهواء ينحرف ~~عن الحق، ولا يكون من المهتدين. ومن بعد ذلك يقول الحق: { قل إني ~~على بينة من ربي... }. ### || [6.57] # هنا يبلغ الحق رسوله صلى الله عليه ms2990 وسلم أن تركه لعبادة الأصنام وإن كان ~~أمرا قد اهتدى إليه صلى الله عليه وسلم بفطرته السليمة، فإنه قد صار ~~الآن من بعد البعثة عبادة لأن اصطفاء الحق له جعله يتبين هدى الله ~~بالشريعة الواضحة في " افعل " ولا " تفعل " فالرسول صلى الله عليه وسلم ~~هو الأسوة الحسنة للناس، ويؤدي كل فعل حسب ما شرع الله، ويتبعه المؤمنون ~~برسالته. ومثال على ذلك من حياتنا المعاصرة: لقد نزل القرآن بتحريم ~~الخمر، والمؤمنون لا يشربون الخمر لأن الحق نهى عن ارتكاب هذا الفعل. ~~ونجد الأطباء الآن في كل بلدان العالم يحرمون شرب الخمر لأنها تعتدي على ~~كل أجهزة الإنسان: الكبد، والمخ، والجهاز العصبي، والجهاز الهضمي. ونجد " ~~أفلاما " تظهر أثر كأس الخمر على صحة الإنسان. وقد يرى إنسان غير مؤمن ~~مثل هذا " الفيلم " فيمتنع عن الخمر امتناع ابتغاء المصلحة لا امتناع ~~الدين. ولكن علينا - نحن المسلمين - أن نقبل على مثل هذا الامتناع لأنه ~~من الإيمان. ولذلك يقول الحق سبحانه: # ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صالحا ~~وقال إنني من المسلمين # [فصلت: 33]. هكذا نعرف أنه لا أحد أحسن قولا ممن يمتثل إلى أوامر الحق ~~لأنه مقر بوحدانية الحق سبحانه، ويعمل كل عمل صالح ويقر بأن هذا العمل ~~هو تطبيق لشريعة الله: { قل إني على بينة من ربي } ~~القول يدلنا أننا دون بينة من الله لا نعرف المنهج، ولكن ببينة من الله ~~نعلم أنه إله واحد أنزل منهجا " افعل " و " لا تفعل ". وجاء الحق هنا ~~بكلمة " ربي " حتى نعرف أنه الخالق الذي يتولى تربيتنا جميعا. وما دام ~~سبحانه وتعالى قد خلقنا، وتولى تربيتنا فلا بد أن نمتثل لمنهجه. وقد أنزل ~~الإله تكليفا لأنه معبود، وهو في الوقت نفسه الرب الذي خلق ورزق، ولذلك ~~نمتثل لمنهجه، أما المكذبون فماذا عنهم؟ { وكذبتم به ما عندي ~~ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق ~~وهو خير الفاصلين } [الأنعام: 57]. فالذين كذبوا بالله اتخذوا ~~من دونه أندادا، ولم يمتثلوا لمنهجه، بل تمادى بعضهم في الكفر وقالوا ما ~~رواه ms2991 الحق عليهم: # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وعندما نناقش ما قالوه، نجد أنهم قالوا: " اللهم " ، ~~وهذا اعتراف منهم بإله يتوجهون إليه. وما داموا قد اعترفوا بالإله فلماذا ~~ينصرفون عن الامتثال لمنهجه وعبادته؟. هم يفعلون ذلك لأنهم نموذج للصلف ~~والمكابرة المتمثل في قولهم: # إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. ألم يكن من الأجدر بهم أن يعملوا العقل بالتدبر ~~ويقولوا: إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه. ونجد أيضا أنهم لم ~~يردوا على رسول الله فلم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عند محمد ~~بل قالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32]. إنهم يردون أمر الله ويطلبون العذاب، وتلك قمة ~~المكابرة، والتمادي في الكفر وذلك بطلبهم تعجيل العذاب، ولذلك يقول لهم ~~رسول الله: { وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به }. ~~والاستعجال هو طلب الإسراع في الأمر، وهو مأخوذ من " العجلة " وهي السرعة ~~إلى الغاية، أي طلب الحدث قبل زمنه. وما داموا قد استعجلوا العذاب فلا بد ~~أن يأتيهم هذا العذاب، ولكن في الميعاد الذي يقرره الحق لأن لكل حدث من ~~أحداث الكون ميلادا حدده الحق سبحانه: { ما عندي ما تستعجلون ~~به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير ~~الفاصلين } [الأنعام: 57] إن الحكم لله وحده، فإن شاء أن ينزل ~~عذابا ويعجل به في الدنيا كما أنزل على بعض الأقوام من قبل فلا راد له، ~~وإن شاء أن يؤخر العذاب إلى أجل أو إلى الآخرة فلا معقب عليه. ومن حكمة ~~الحق أن يظل بقاء المخالفين للمنهج الإيماني تأييدا للمنهج الإيماني. ~~ويجب أن نفهم أن الشر الذي يحدث في الكون لا يقع بعيدا عن إرادة الله أو ~~على الرغم من إرادة الله، فقد خلق الحق الإنسان وأعطاه الاختيار، وهو ~~سبحانه الذي سمح للإنسان أن يصدر منه ما يختاره سواء أكان خيرا ms2992 أم ~~شرا. إذن فلا شيء يحدث في الكون قهرا عنه لأنه سبحانه الذي أوجد ~~الاختيار. ولو أراد الحق ألا يقدر أحد على شر لما فعل أحد شرا. ولكنك ~~أيها المؤمن إن نظرت إلى حقيقة اليقين في فلسفته لوجدت أن بقاء الشر ~~وبقاء الكفر من أسباب تأييد اليقين الإيماني. كيف؟ لأننا لو عشنا في عالم ~~لا يوجد به شر لما كان هناك ضحايا، ولو لم يوجد ضحايا لما كان هناك حث ~~على الخير وحض ودفع إليه. ولذلك تجد روح الإيمان تقوى حين يهاج الإسلام ~~من أي عدو من أعدائه، وتجد الإسلام قد استيقظ في نفوس الناس، فلو لم يوجد ~~في الكون آثار ضارة للشر، لما اتجه الناس إلى الخير. وكذلك الكفر من ~~أسباب اليقين الإيماني، فعندما يطغى أصحاب الكفر في الأرض فسادا ~~واستبدادا، نجد الناس تتدرع باليقين وتتحصن بالإيمان لأنه يعصم الإنسان ~~من شرور كثيرة. إذن فوجود الشر والكفر هو خدمة لليقين الإيماني. { إن ~~الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين } ~~[الأنعام: 57] نعم إن الحكم لله لأنه سبحانه يفصل بين المواقف دون هوى ~~لأنه لا ينتفع بشيء مما يفعل، فقد أوجد الحق هذا الكون وهو في غنى عنه ~~لأن لله سبحانه وتعالى كل صفات الكمال ولم يضف له خلق الكون صفة زائدة، ~~وقد خلق سبحانه الكون لمصلحة خلقه فقط. ويبلغنا الرسول: { قل لو ~~أن عندي... }. ### || [6.58] # هذا بلاغ من رسول الله لكل الخلق بأن أحداث الكون إنما يجريها الحق ~~بإرادته وبمواقيت لا يعلمها إلا هو سبحانه، وهو - جل وعلا - الذي يأذن ~~بها.. أي قل لهم أيها النبي: لو كان في قدرتي وإمكاني ما تستعجلون به من ~~العذاب لانتهى الأمر بيني وبينكم ولأهلكتكم بعقاب وعذاب عاجل غضبا لربي ~~وسخطا عليكم من تكذيبكم به - سبحانه - ولتخلصت منكم سريعا، لكن الأمر ليس ~~لي، إنه إلى الله الحكيم الذي يعلم ما يستحقه الظالمون. ويقول - سبحانه - ~~في موضع آخر من القرآن الكريم: # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ~~ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ms2993 ليس ~~مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون # [هود: 8]. وحكمة الله - إذن - هي التي اقتضت تأجيل العذاب إلى وقت يحدده ~~الله، وفي هذا ما يجعل بعضا من الكافرين يجترئون على الله ويوغلون في ~~الكفر ويقولون: ما الذي يمنع عنا العذاب؟ إنهم يقولون ذلك استهزاء ~~وسخرية، ولا يعلمون أن العذاب آت حتما ولا خلاص لهم منه لأن الله صادق ~~في وعده ووعيده وسيأتيهم العذاب لأنهم استهزأوا وسخروا فلا مناص لهم عنه ~~ولا مهرب لهم منه. وفي موقع آخر يقول الحق: # ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى ~~لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا ~~يشعرون * يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين * يوم يغشاهم العذاب من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم ~~تعملون # [العنكبوت: 53-55]. وهكذا نرى تحدي الكفار لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليأتيهم بالعذاب، لكنه تحد مردود عليه بأن الحق هو الذي يقرر ميلاد ~~كل أمر ولسوف يأتيهم العذاب فجأة، وهو واقع لا محالة وإن جهنم ستحيط بهم، ~~وسيغمرهم العذاب من أعلاهم ومن أسفلهم، ويسمعون صوت الملك الموكل ~~بعذابهم: ذوقوا عذابا أنكرتموه وهو جزاء أعمالكم. ويقول الحق من بعد ~~ذلك: { وعنده مفاتح الغيب... }. ### || [6.59] # و " مفاتيح " هي إما جمع لمفتح أو جمع لمفتح. و " المفتح " هو آلة ~~الفتح، ومثلها مثل " مبرد " أي آلة البرد. وآلة الفتح هي المفتاح. و " ~~مفتح " هو الشيء الذي يقع عليه الفتح مثل الخزانة، ونعلم أن بعض ~~الأسماء تأتي على وزن " مفعل " أو " مفعال ". فإذا أخذنا " مفاتح " على ~~أساس أنها جمع لمفتح، فمعنى ذلك أن الحق سبحانه وتعالى يملك المفاتيح ~~التي تفتح على الغيب. وإن أخذنا " مفاتح " على أساس أنها جمع " مفتح " ~~أي خزانة فمعنى ذلك أن الحق عنده خزائن الغيب. وكلا الأمرين لا زمان له. ~~والخزائن لا يوضع فيها إلا كل نفيس وهو مخزون لأوانه ولكل خزانة مفتاح. ~~يقول الحق عن قارون: # إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ~~وآتيناه من الكنوز مآ إن مفاتحه لتنوء ~~بالعصبة أولي القوة # [القصص: 76]. هكذا نعلم أنه ms2994 لا يوجد مخزون إلا وهو كنز. وعند الحق مفاتح ~~الغيب، والغيب هو ما غاب عنك، وهو نوعان: أمر غائب عنك ومعلوم لغيرك وهو ~~غيب غير مطلق ولكنه غيب إضافي. ومثال ذلك، عندما يقوم نشال بسرقة حافظة ~~نقودك وأنت في الطريق، أنت لا تعرف أين نقودك، ولكن اللص يعرف تماما ~~مكان ما سرق منك. هكذا ترى أنه يوجد فارق بين غيب عنك، ولكنه ليس غيبا ~~عن غيرك. ولكن هناك ما يغيب عنك وعن غيرك، ولهذا الغيب مقدمات إن أخذ ~~الإنسان بها فهو يصل إلى معرفة هذا الغيب، وهذا ما نراه في الاكتشافات ~~العلمية التي تولد أسرارها بأخذ العلماء بالأسباب التي وضعها الله في ~~الكون، وهو لون من الغيب الإضافي. وهناك لون ثالث من الغيب هو الغيب ~~المطلق، وهو الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، مثل ميعاد اليوم الآخر، وغير ~~ذلك من الغيب الذي يحتفظ الله به لنفسه. ولذلك نقول: إنه لا يوجد أبدا ~~في هذه الدنيا عالم غيب إلا الله. وعنده سبحانه مفاتح الغيب، هذا ~~الغيب الذي لا نحس به حسا مشهودا بالمدركات، أو كان غيبا بالمقدمات أي ~~أنه ليس له أسباب يمكن لأحد أن يأخذ بها. ويقول الحق: { وعنده ~~مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ما في ~~البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ~~ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا ~~في كتاب مبين } [الأنعام: 59]. الحق سبحانه وتعالى - إيناسا ~~لخلقه - حينما يأتي لهم بأمر غير محس لهم، فإنه يوضح ذلك بالمحس. وعالم ~~المشهد المحس إما مسموع وإما مرئي وإما متذوق وإما ملموس. # وهناك عالم الغيب، فقد يصطفي الله بعضا من خلقه ليلقي إليهم هبات من ~~فيضه وعطائه توضح بعض الأمور، ومثال ذلك العبد الصالح الذي سار معه موسى ~~عليه السلام وقال: # وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع ~~عليه صبرا # [الكهف: 82]. ومثل هذه الهبة تأتي لتثبت لصاحبها أنه على علاقة بربه، ~~ولا يعطي الحق سبحانه هذه الهبات لتصبح عملا ملازما للإنسان، وجزءا من ms2995 ~~طبيعته بحيث نذهب إليه في كل أمر فيخبرنا بما ينبغي علينا أن نقوم به. إن ~~الأمر ليس كذلك بل هي مجرد هبات صفائية، يمنحها - سبحانه - وينزعها ~~ويمنعها فسبحانه عنده مفاتح كل الغيب، ويأتي لنا بالعالم المحسوس: { ~~ويعلم ما في البر والبحر }. وأتى الحق بالبر أولا قبل ~~البحر، والبر محس لكل الناس بما فيه من جمادات ونباتات وأشجار وحيوانات ~~وأناس وبلاد وطرق. وهناك من البلاد ما لا تطل على بحار أبدا، ولذلك جاء ~~الحق بالبر أولا، ثم جاء بالبحر الذي يمكن أن يشاهد، ولكن عالم البحر ~~أخفى من عالم البر. وعوالم البحر تأخذ من مسطح الكرة الأرضية مساحات ~~كبيرة للغاية وكل يوم نكتشف في عالم البحار جديدا. ومن بعد ذلك يردنا ~~الحق إلى البر مرة أخرى فيقول: { وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها } [الأنعام: 59]. إلى هذه الدرجة يوضح لنا الحق علمه الأزلي ~~فسبحانه يعلم كل ما يتعلق بورقة شجرة بعد أن تؤدي مهمتها من التمثيل ~~الكلورفيلي وتغذية الشجرة وإنضاج الثمار ثم سقوطها على الأرض. والسقوط ~~كما نعرفه هو هبوط شيء مادي إلى أسفل، وفسره العلماء من بعد ذلك ~~بالجاذبية الأرضية. وعندما تسقط الورقة من الشجرة تكون خفيفة الوزن، ~~والحق سبحانه وتعالى هو المتصرف في الأجواء التي تحيط بمجال هبوطها، ~~وحركة الريح التي تحركها. ولماذا جاء الحق بمسألة الورقة هذه؟ جاء لنا ~~الحق بمثل هذا المثل لنعلم أنه عندما ذيل الحق سبحانه الآية السابقة ~~بقوله: # والله أعلم بالظالمين # [الأنعام: 58]. إن هذا التذييل قد احتاج إلى أن يشرحه لنا الحق بأن يعلم ~~أوقات تحركات كل ورقة من أية شجرة، وهذا يدل على كمال الإحاطة والعلم، ~~فضلا على أن هذه الأمور لا يترتب عليها ثواب ولا عقاب، فكيف بالأمور التي ~~يترتب عليها الثواب والعقاب؟ لا بد أنه سبحانه وتعالى يعلمها ويفصل فيها. ~~{ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض } [الأنعام: 59]. إنه سبحانه أيضا يعلم بالحبة التي ~~تختفي في باطن الأرض وأحوالها. ويقول الحق سبحانه وتعالى: { ولا رطب ~~ولا يابس إلا ms2996 في كتاب مبين } [الأنعام: 59]. أي أنه جلت ~~قدرته يعلم أمر كل كائن في هذا العالم لأن كل كائن في هذه الدنيا إما رطب ~~وإما يابس، وسبحانه لا يعلم ذلك فقط ولكن كل ذلك معلوم له ومكتوب أيضا. # ويشرف على حركة تلك الكائنات الملائكة المدبرات أمرا، وحين تجد ~~الملائكة أن حركة الكون تسير بنظام محكم دقيق على وفق ما في الكتاب، ~~فإنها لا تفتر عن تسبيح الله ليلا أو نهارا: # وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا ~~يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون ~~الليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء: 19-20]. وللحق ملك السماوات والأرض، ومن حقه وحده أن ~~يعبد، ولا تتكبر الملائكة عن عبادته والخضوع له ولا يشعرون بالملل من ~~العبادة والتنزيه له سبحانه. وأنت أيها العبد تكون في بعض الأمور مقهورا ~~ولك في بعض الأمور اختيار، وهو سبحانه عالم بما ستختار. ويقول الحق من ~~بعد ذلك: { وهو الذي يتوفاكم... }. ### || [6.60] # نعلم جميعا أن النوم ليس عملية اختيارية، وفي بعض الأحيان نرى من يسلط ~~الله عليه الهموم فلا يعرف النوم طريقا إلى جفونه. ونعلم أن النوم عملية ~~قسرية يخلقها الله في الإنسان لتردعه عن الحركة بعد أن يستنفد كل قدرته ~~على التحرك والنوم لون من الردع الذاتي. ولماذا جعل الحق النوم كالوفاة؟ ~~يعرف البعض أن الوفاة في معناها هي فصل الروح عن الجسد. وكأن الحق يقول ~~لنا: إياكم أن تظنوا أن وجود الروح في الجسد هو الذي يعطي للإنسان الحياة ~~والحركة والتصرف، لا، إنني سأحتفظ بالروح في الجسد ولا أقدره على التصرف ~~الاختياري، وذلك حتى لا تفتتنوا في الروح لأن هناك أجهزة لا دخل لاختيارك ~~فيها مثل نبض القلب والتنفس، وغير ذلك من حركات أجهزة الجسم. وضرب لنا ~~الحق المثل بأهل الكهف الذين أنامهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا: # ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا ~~تسعا # [الكهف: 25]. النوم - إذن - نعمة من الله جعلها في التكوين الذاتي، ~~ولذلك إذا أردت أن تنام فليس ذلك بمقدورك ولكنه بمقدور الحق. إنه يقال عن ~~النوم: ms2997 ضيف إن طلبته عنتك - أي أتعبك - وإن طلبك أراحك. ويأتي النوم ~~للمتعب حتى ولو نام على حصى، وقد لا يأتي النوم لمن يتهيأ له ولو كان على ~~فراش من حرير. والحق سبحانه يقول: # ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغآؤكم ~~من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون # [الروم: 23]. النوم - إذن - آية كاملة بمفردها، ولا يأتي النوم بالليل ~~فقط، ولكن يأتي بالنهار أيضا لأن هناك أعمالا تتطلبها حركة الوجود ~~ويقوم بها أناس في أثناء الليل لذلك ينامون بالنهار. ويتوفانا سبحانه ~~بالليل ويعلم ما جرحنا في أثناء النهار، ثم يرسلنا إلى أجل يعلمه هو ~~سبحانه، ثم يبعثنا في يوم القيامة لينبئنا بكل أعمالنا. وسمى الحق النوم ~~وفاة، وسمى الاستيقاظ بعثا لأن الإنسان في مثل هذه الأحوال لا يملك حركته ~~الاختيارية. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وقف ليعلن ~~بعثته بعد ثلاث سنوات من الدعوة سرا: # " إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد إنكم لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما ~~تستيقظون، ولتجزون بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوءا، وإنها لجنة أبدا أو ~~لنار أبدا " # عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال: " يا صباحاه " ~~فاجتمعت إليه قريش قالوا: مالك؟ قال أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم ~~أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى، قال: " فإني نذير لكم بين يدي ~~عذاب شديد " فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله سبحانه: { ~~تبت يدآ أبي لهب وتب } ". # والحق سبحانه إما أن يشل الجوارح ويعطلها ويمنعها من الحركة، أو يأخذ ~~الروح من الجسد، فعندما يشل الجوارح ويمنعها ينام الإنسان، وعندما يأخذ ~~الروح ويمسكها يحدث الموت. ولذلك يجب أن نفهم أن للنوم قانونا، ولليقظة ~~قانونا، وللموت قانونا، ولكل قانون قواعده، فلا قانون اليقظة كقانون ~~النوم، ولا قانون النوم كقانون الموت، ولا قانون البعث كقانون الموت. ~~فهناك يقظة، ونوم، وموت وبعث، ومن الخطأ أن نأخذ قانون حالة ما لنطبقه ~~على الحالة الأخرى. إن الحق يضرب لنا المثل الواضح ms2998 فينا: فالإنسان منا له ~~حالة من اليقظة تسيطر الروح فيها على حركته الاختيارية، وعندما ينام تعجز ~~الروح عن الحركة الاختيارية وتبقى الحركات الاضطرارية. فعندما ينام ~~الإنسان قد يرى بعضا من الرؤى والأحلام يقابل فلانا ويراه مرتديا زيا ~~معينا بألوان معينة، فبأي شيء أدرك الألوان وعيونه مغمضة؟، إذن فهناك ~~وسائل إدراك غير العين. وكذلك الزمن يأخذ حظه في أثناء اليقظة، لكن في ~~أثناء النوم يرى الإنسان حلما في سبع ثوان ويحكيه في نصف ساعة. وقد ينام ~~اثنان في فراش واحد، أحدهما يحلم بأنه التقى بالأحباب والأصحاب ويأكل ~~ويشرب ويسعد ويأنس، والآخر يحلم بأنه التقى بأعدائه وعانى منهم ومن عراكه ~~معهم، إذن فالزمن اختلف وكذلك المعية. وهكذا اختلف قانون النوم عن قانون ~~اليقظة. وكذلك يختلف قانون الموت عن قانون الحياة: { وهو الذي ~~يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم ~~يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه ~~مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون } [الأنعام: ~~60]. والجارحة كما قلنا هي التي تعمل ليكسب الإنسان. إذن فقد جاء لنا ~~الحق بكل حالات اليقظة والنوم والموت والبعث. ولكل حالة قانونها، ونحن ~~نعرف قانون اليقظة وقانون النوم لأننا نتعرض لهما، فإذا قيل لنا: إن هناك ~~قانونا للموت فنحن نقيس ذلك على ترقي القوانين من اليقظة إلى النوم، ~~وعندما يقال لنا: إن هناك بعثا فنحن نصدق أيضا. ويقول الحق من بعد ذلك: ~~{ وهو القاهر فوق عباده... }. ### || [6.61] # والقاهر هو المتحكم بقدرة فائقة محيطة مستوعبة. ولقائل أن يقول: ما دام ~~الحق هو القاهر فكيف يكفر الكافر وكيف يعصي العاصي؟. ونقول: إن الكافر ~~يكفر بما خلق الله به من اختيار وكذلك تكون معصية العاصي. ولكن الحق أوجد ~~في الإنسان اضطراريات وقهريات تدلنا على أنه سبحانه فعال لما يريد. ولا ~~أحد من المتمردين على منهج الله يجرؤ أن يسحب هذا التمرد على ما يجريه ~~الله عليه من مرض أو موت. والمتمرد أو الكافر إنما يختار من باطن ~~الاختيار الذي خلقه الله فيه، والله هو الحاكم للميلاد والموت ولا شيء ~~للإنسان فيهما، وكذلك ms2999 هو سبحانه له تصريف أمور الغنى والفقر ولا يجرؤ ~~متمرد على أن يتمرد على المصائب التي تحدث له وإن تمرد على منهج الله لأن ~~التمرد هو من باطن خلق الله للاختيار الذي أودعه في الإنسان. { وهو ~~القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى ~~إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا ~~يفرطون } [الأنعام: 61]. وحين يتكلم الحق سبحانه عن ذاته ونفسه، قد ~~يتكلم بضمير المتكلم. فيقول: # إنني أنا الله # [طه: 14]. وقد يقول سبحانه: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. ومرة يتكلم عن ذاته بما نسميه نحن ضمير الغيبة مثل قوله ~~هنا: { وهو القاهر فوق عباده } [الأنعام: 61]. لأن ضمير ~~المتكلم معه دليله، إن المتكلم يقول: أنا، ويخاطبك فيقول: أنت. لكن الذي ~~يتكلم بضمير الغيبة لا بد أن يعود الضمير على مرجع لهذا الضمير. وحين ~~يتكلم الحق عن ذاته بما يسمى لدينا ضمير الغيبة فإنه - سبحانه - يريد أن ~~يبين لنا أنه في أجلى مجال المشاهدة والحضور فكأنه إذا قال " هو " لا ~~تنصرف إلا إلى ذاته العليا فكأنه لا يوجد مرجع ضمير إلا هو، ولذلك يقول: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. وسبحانه يقول: " هو " قبل أن يذكر المرجع، وهو " الله " ~~مع أن الأصل في المرجع أن يتقدم، ولكنه يقول: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. فكأنه إذا أطلق هذا الضمير فلا ينصرف إلا إلى ذاته. ~~وحين يتكلم بضمير التكلم نراه يتكلم عن ذاته بضمير الإفراد فيقول: # إنني أنا الله # [طه: 14]. ويقول مرة أخرى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. لماذا؟. إنه سبحانه إن تكلم عن فعل من أفعاله نجد أن كل فعل ~~من أفعاله يتطلب صفات الكمال كلها فيه، لأنه يتطلب علما بما يتكلم به، ~~ويتطلب قدرة لإبرازه، ويتطلب حكمة، ويتطلب صفات كثيرة، فإذا قال سبحانه: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. فالتنزيل فعل، والفعل يقتضي صفات متعددة. فلا بد أن يأتي ~~بضمير التعظيم وهو الجمع لأن كل صفات الكمال متجلية في التنزيل. # ولكن إن تكلم عن الذات في ms3000 التوحيد لا يأتي بضمير الجمع أبدا لأنه يريد ~~أن تنفي عن ذاته أنه متعدد لأنه هو الواحد الذي لا شريك له، فحين يتكلم ~~عن الذات يقول: # إنني أنا الله... # [طه: 14]. وحين يتكلم عن الذكر يقول: # إنا نحن نزلنا الذكر... # [الحجر: 9]. ففي مجال التعظيم والتنزيل الذي يتطلب تجلي كثير من صفاته - ~~جل شأنه - يأتي بضمير الجمع، وفي التوحيد والتفرد ونفي الشريك يأتي بضمير ~~الإفراد. هنا يقول سبحانه: { وهو القاهر فوق عباده... } ~~[الأنعام: 61]. وكلمة " قاهر " إذا سمعتها تتطلب مقهورا. وما دام هناك ~~قاهر ومقهور ففي ذلك ميزانان بين مجالين. وما دام هو قاهرا ففي أي مجال ~~وبأية طريقة سيكون الطرف الثاني مقهورا له؟ إننا نعلم أن كل شيء في ~~الكون مقهور له، فقد قهر العدم فأوجد، وقهر الوجود فأعدم. وقهر الغنى ~~فأفقر، وقهر الفقر فأغنى. وقهر الصحة فأمرض، وقهر المرض فأصح. إذن فكل ~~شيء في الوجود مقهور لله حتى الروح التي جعلها الله مصدر الحس والحركة ~~للإنسان يقهرها سبحانه. فإذا جاء إنسان وقتل إنسانا آخر بأن ضربه على ~~المكان الذي لا توجد عند عدمه وفقده حياة بأن أذهب صلاحيته للبقاء تنسحب ~~الروح. وهذا يوضح لنا أن الروح في الجسم هي المسيطرة، لكن من ينقض البنية ~~التي تسكنها الروح يذهب الروح ويخرجها من الجسم. ومرة يقهر المادة ~~بالروح، فيأخذ الروح من غير آفة ومن غير أية إصابة ويتحول الجسم إلى ~~رمة. إذن فسبحانه يقهر الروح، ويقهر المادة، ولا توجد متقابلات في ~~الوجود عالية ومتأبية ومتمردة عليه - سبحانه -: { وهو القاهر ~~فوق عباده } [الأنعام: 61]. والقاهر هو المتحكم بقدرة شاملة على ~~المقهور. وانظر أي تقابل في الحياة تجده مدينا وخاضعا لصفة القهر. { ~~وهو القاهر فوق عباده } وكلمة " فوق " تقتضي مكانية. ولكن ~~المكانية تحديد، وما دام القهر يتطلب قدرة فهل يعني ذلك أن القادر لا بد ~~أن يكون في مكان أعلى؟ لأننا نجد - على سبيل المثال ولله المثل الأعلى - ~~من يضع قنبلة تحت العمارة العالية ويقهر من فيها. إذن فالقهر لا يقتضي ~~الفوقية المكانية، إذن فالفوقية المرادة ms3001 هي فوقية الاستعلاء، ونحن عندما ~~تكلمنا عن الحق سبحانه وتعالى أوضحنا أن نلتزم بإطار { ليس كمثله ~~شيء } فهو ذات لا ككل الذوات. وصفاته ليست ككل الصفات، وكذلك نأتي ~~ونقول في فعله، وعلى سبيل المثال نجد خلق الله يحتاجون إلى زمن ويحتاجون ~~إلى علاج، وكل جزئية من الفعل تحتاج إلى جزئية من الزمن، لكن هو سبحانه ~~إذا فعل أيحتاج فعله إلى زمن؟ لا لأنه لا يفعل بعلاج، ولا يجلس ليباشر ~~العملية، إنما يفعل سبحانه ب " كن " ، إذن القهر في قوله: { وهو ~~القاهر فوق عباده } هو قهر الاستعلاء. # ولذلك يقول لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة لآخر رمضان ". # ففي آية ليلة ينزل فيها الله؟ ليلتك أم ليلة المقابل لك؟ أم الليلة التي ~~تشرق الشمس فيها في مكان، وتغيب عن مكان آخر؟ إذن، فكل واحد من المليون ~~من الثانية ينشأ ليل وينشأ نهار، وهكذا نعلم أن الله معك ومع غيرك، باسطا ~~لك ولغيرك يده. # بل يداه مبسوطتان # [المائدة: 64]. لذلك لا تفهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب ~~مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ". # لا تفهم ذلك بتخصيص ليل معين أو نهار معين لأن يده مبسوطة في كل زمان ~~وفي كل مكان وليس كمثله شيء. { وهو القاهر فوق عباده }. ~~وعباده من مادة العين والباء والدال، ومفردها " عبد " ، وجمعها يكون ~~مرة " عبيدا " وأخرى " عبادا ". و " العباد " هم المقهورون لله فيما ~~لا اختيار لهم فيه، وهم أيضا المنقادون لحكم الله فيما لهم فيه اختيار ~~لأن الإنسان مقهور في بعض الأمور ولا تصرف له فيها: لا تصرف له في ~~نفسه، ولا تصرف له في نبضات قلبه، ولا تصرف له في حركة المعدة، ولا ~~تصرف له في حركة الأمعاء، ولا تصرف له في حركة الحالبين، ولا تصرف له في ~~حركة الكلية، وكلها مسائل تشمل المؤمن والكافر، والكل مقهور فيها. إن ~~من رحمة الله أننا مقهورون فيها ms3002 ولا رأى لنا لأنه لو كان لنا رأي في مثل ~~هذه الأمور لكان لنا أن نسأل: كيف ننظم عملية تنفسنا في أثناء النوم؟. ~~إذن فمن رحمة الله أن منع عنا الاختيار في بعض الأمور التي تمس حياتنا. ~~ومن رحمة الله أن كلا منا مقهور فيها، فمن يستطيع أن يقول لمعدته: ~~اهضمي الطعام؟ ومن يستطيع أن يأمر الكلى بالعمل؟!!. إذن فكل أمر مقهور ~~فيه الإنسان، هو فيه منقاد لله ولا اختيار له. أما الأمر الذي لك فيه ~~اختيار فهو مناط التكليف. ولذلك لا يقول لك المنهج: " افعل " إلا وأنت ~~صالح ألا تفعل، ولا يقول لك " لا تفعل " إلا وأنت صالح أن تفعل. إذن ~~الأمور الاختيارية هي التي وردت فيها " افعل " و " لا تفعل ". وهي الأمور ~~التي فيها التكليف. ومن يطع ربنا في منهج التكليف يصبح وكأنه مقهور ~~للحكم، ويكون ممن يسميهم الله " عبادا " ، فكأنهم تنازلوا عن اختيارهم ~~في الأحكام التكليفية، وقالوا: يارب لن نفعل إلا ما يريده منهجك. # وكل منهم ينفذ حكم الله فيما له فيه اختيار ألا ينفذه. أما العبيد فهم ~~من يتمردون على التكليف، فالمؤمنون بالله هم عباده. ولذلك يقول الحق: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا... # [الزمر: 53]. ويوضح سبحانه سمات هؤلاء العباد فيقول: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]. هؤلاء هم العباد الذين تنازلوا عن اختيارهم في الفعل، ~~وقبلوا أن يكونوا مأمورين ومطيعين لله فيما كلف به، وهم في الأمور التي ~~لا اختيار لهم فيها يكونون مثل بقية الكائنات، فكل الخلق والكون عبيد ~~الله، فيما لا اختيار لهم فيه أما المؤمنون به فهم عباد الله. ولكن آية ~~واحدة في القرآن وهي التي تثير بعض الجدل في مثل هذا الموضوع. ساعة يقول ~~الحق سبحانه وتعالى عما يحدث في الآخرة: # أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء... # [الفرقان: 17]. وكأن " عبادي " هنا أطلقت على الضالين، ويقول: نعم لأن ~~الكل في الآخرة عباد إذ لا اختيار لأحد هناك. ms3003 لكن في الدنيا فالمؤمنون ~~فقط هم العباد، والكافرون عبيد لأنهم متمردون في الاختيارات. { وهو ~~القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة } [الأنعام: ~~61]. ومع مجيء معنى القهر يرسل الحق حفظة، وإذا كان القهر يعني الغلبة ~~والتملك والسيطرة والقدرة، فهو قهار على عباده وأيضا يرسل عليهم حفظة. ~~ويقول في موقع آخر: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه # [الرعد: 11]. وهكذا يكون قهر الله لنا، لمصلحتنا نحن لأن الضعيف حين ~~يقهره جبار، يمكنه أن يقول: الله هو القهار الأعلى، وفي هذا تذكير للقوى ~~نسبيا أن هناك قهارا فوق كل الكائنات، فالله قهار فوق الجميع، وبذلك ~~يرتدع القوي عن قهره، فيمتنع عن الذنب، وتمتنع عنه العقوبة، وفي ذلك رحمة ~~له. { ويرسل عليكم حفظة } [الأنعام: 61]. وجاء معنى " ~~الحفظة " في القرآن في قوله الحق: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. فكل لفظ له رقيب عتيد، حفظة أي ملائكة يحفظون ويحصون أعمالكم ~~ويسجلونها وهم الكرام الكاتبون، وكلما تقدم العلم أعطانا فهما للمعاني ~~الغيبية، وإن كانت المعاني الغيبية التي نستقبلها عن الله دليلنا فيها ~~السماع، ففيه رقيب وعتيد يكتبان فقط، هكذا قال ربنا فآمنا بما قال وانتهت ~~المسألة، وهذا هو المطلوب. ولذلك قال الحق: # الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة: 3]. لأن الإيمان لو كان بالمشهد فما الفرق - إذن - بين الناس؟ ~~إن الإيمان في كماله وقمته هو الإيمان بالغيب، فإذا قال الحق سبحانه ~~وتعالى: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. فهذا خبر عن الملائكة الذين يكتبون الحسنات، ويكتبون السيئات. ~~وحين ننظر إلى البشر، نجدهم يتفاوتون ويرتفع بعض منهم على بعض في صفات ~~وقدرات، وكلما تقدم الزمن عرف الإنسان سرا من أسرار الله يترقى به. # وقديما عندما صنعوا جهاز التسجيل كان حجمه كبيرا ثم تقدم العلم حتى ~~صغر حجم المسجل، إذن كلما تقدمت الصنعة صغرت الآلة، لدرجة أنهم صنعوا ~~مسجلا في حجم الساعة، ثم صنعوا آخر في حجم " فص الخاتم " ، وصنعوا ~~مسجلا يشبه الحبوب، وينثرونها في أي مكان عندما يريدون التقاط أسرار ~~جماعة أو أسرار مجلس، ms3004 إذن كلما قويت قدرة الصانع دقت الصنعة. فإذا نسبتها ~~لله، فأين دقة الذي صنعته أنت بجانب دقة صنعة الله؟ فإذا كان واحد من ~~البشر قد استطاع أن يأتي بمسجلات غير مرئية مع أن قدرته محدودة، وحكمته ~~في الصنعة محدودة، فإذا قال ربك: إن هناك ملائكة لن تراهم وستحصى عليك ~~أعمالك وهم غيب فقل على العين والرأس، وسبحانه القائل: # كراما كاتبين # [الانفطار: 11]. وهنا يقول الحق: { ويرسل عليكم حفظة ~~حتى إذا جآء أحدكم الموت } [الأنعام: 61]. وعندما أراد ~~العلماء أن يعرفوا الموت قالوا: الموت سهم أرسل، وعمرك بقدر سفره ~~إليك، هو إذن سهم قد انطلق، لكن عمرك يقدر بمقدار سفره إليك، وحين ~~يقول الحق: { حتى إذا جآء أحدكم الموت } فهو ينسب الموت ~~لمن؟. لقد أبهم الله زمانه، وأبهم مكانه، وأبهم سببه، وأبهم قدره، وهذا ~~الإبهام هو أشد أنواع البيان لأنه ما دام قد أبهمه في كل هذه الأمور يجب ~~أن نستعد للقائه في كل زمان، وفي كل مكان، وبأي سبب. وإياك أن تتعجب لأنه ~~يحدث في أي سن، فإبهام الحق له هو أكبر بيان لأنه سبحانه لو حدده زمانا ~~أو سنا أو سببا لكان على الإنسان أن ينتظر الموت، لكن الحق شاء هذا ~~الابهام وهو أقوى أنواع البيان، ليلفتك ويحثك على أن تنتظره في أي زمان ~~وفي أي مكان وبأي سبب وفي أي سن، وبهذا يكون الموت واضحا أمامنا جميعا، ~~ولذلك تخشى ارتكاب أي ذنب حتى لا تقبض روحك وأنت على الذنب لأنك لا تحب ~~أن تلقى الله وأنت عاص. وعندما يؤذن لصلاة الظهر ولم تصله، قد تقول: ~~إن وقته ممتد، وتجد من يقول لك: اضمن لي انك ستعيش إلى أن ينتهي وقت ~~الظهر. # " ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: عندما سأله عبد الله بن مسعود ~~رضي الله عنه قائلا: أي الأعمال أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم ~~أي؟ قال: بر الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: " الجهاد في سبيل الله ". # إنك لا تضمن من عمرك أن تعيش إلى آخر الوقت. ولذلك ms3005 عندما نقول: إن ~~الإبهامات من أقوى أنواع البيان فيجب أن نصدق ذلك لأن البعض يقول: ولماذا ~~لم يبين الله لنا ذلك؟ ودائما أقول: لقد أوضح الله ما أبهم، فإن الإبهام ~~هو أقوى بيان، ألم نر إنسانا ذهب لطبيب ليعالجه في مسألة فكان الطبيب ~~سبب موته؟ لقد رأينا ذلك. # لقد أخذ هذا الإنسان بالأسباب ولم يمنع ذلك أن قدر الله قد نفذ فيه. ~~ولذلك قال شوقي - رحمة الله عليه -: # أسد لعمرك من يموت بظفره عند # اللقاء كمن يموت بنابه # إن نام عنك فكل طب نافع # أو لم ينم فالطب من أذنابه # فقد يخطئ الطبيب - مثلا - في إعطاء حقنة - فتنتهي الحياة ويقولون: خطأ ~~الطبيب إصابة الأقدار. مصداقا لقوله تعالى: { حتى إذا جآء ~~أحدكم الموت توفته رسلنا } [الأنعام: 61]. وعندما ~~تأتي كلمة " توفى " تجدها في القرآن دائرة على ثلاثة ألوان: اللون الأول ~~هو قول الحق: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42]. وقوله سبحانه: # قل يتوفاكم ملك الموت # [السجدة: 11]. ومرة يقول الحق سبحانه: { توفته رسلنا } ~~[الأنعام: 61]. سبحانه - إذن - ينسب الموت له ولملك الموت، ولرسله. وهل ~~الرسل يأخذون الأرواح ويقبضونها إلا بإذن من ملك الموت؟ إنهم جنوده، فلا ~~أحد يميت دون إذن من الله، فأخذ الأرواح وقبضها إلى الله أمرا، وإلى ملك ~~الموت وسيلة وواسطة، وإلى الرسل تنفيذا. { توفته رسلنا وهم ~~لا يفرطون } [الأنعام: 61]. من أين يأتي التفريط؟ لقد تقدم في هذه ~~الآية شيئان اثنان: حفظة يحفظون عليك تصرفاتك وفعالك، وهم يأخذون الروح ~~أيضا. وهؤلاء الملائكة لا يفرطون في هذه المهمة أو تلك. وحين ننظر في ~~مادة ال " فاء " ، وال " الراء " وال " الطاء " نجدها تأتي مرة " فرط ~~" ، ومرة " أفرط ". ومن العجيب أنها تأتي للمتقابلين ففرط في الشيء أي ~~أهمله، وأفرط في الشيء أي جاوز الحد والقدر في الحدث. وهنا يقول الحق ~~سبحانه: { وهم لا يفرطون } أي لا يهملون ولا يقصرون. وفي إحدى ~~قراءات القرآن نجد من يقرأ: " لا يفرطون " بالتخفيف، والمقصود أنهم لا ~~يتجاوزون الحد. ولذلك نجد الحق يقول: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ms3006 ~~يستقدمون # [الأعراف: 34]. ويقول الحق من بعد ذلك: { ثم ردوا إلى ~~الله... }. ### || [6.62] # وكلمة " ردوا " تفيد أن كان لهم التقاء به أولا، وبعد ذلك سوف يرجعون، ~~كيف؟ لقد كانوا منه إيجادا ثم ردوا إليه حسابا ثوابا وعقابا لأن الحق ~~سبحانه وتعالى هو القائل: # منها خلقناكم وفيها نعيدكم... # [طه: 55]. { ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق } ~~وكلمة " مولى " تعني أنه هو الذي يليك، ولا يليك إلا من هو قريب منك. ~~وهذا القريب قد يكون منجدا لك إن حدث لك ما يفزعك وهو الذي يعينك، ~~وهكذا أخذت كلمة " مولى " معنى القريب، والناصر والمعين الذي تفزع إليه ~~في شدائدك، وقد يوجد لك مولى في الدنيا وهو من الأغيار. ومن الجائز أن ~~يتغير قلبه عليك، ومن الجائز أن تنالك الأحداث التي هي فوق قدرته وطاقته، ~~ومن الجائز أن يكون لك مولى تنشده وتطلبه لنصرتك فيرفض لأن خصمك له بهذا ~~المولى ولاء أقوى وأشد فيقف بجانب خصمك وقد يوهمك أنه معك لكن قلبه ليس ~~معك. لكن هناك في الآخرة مولى حق واحد { ردوا إلى الله ~~مولاهم الحق } وتطلق كلمة " مولى " على السيد حين يعتق عبده. ~~وحين يعتقنا ربنا من النار أليس في ذلك أعظم ولاية؟. إنه المولى الحق، ~~فلا توجد قوة أعلى منه وهو لا يتغير لأن الأغيار من طبيعة الخلق. وحين ~~يطلب منك الحق أن تعمل عقلك لأنك حين تعتمد على واحد ينفعك في أمورك ~~فأنت تتوكل عليه، وتطلب مساعدته، وهنا يأمرك الحق بأن تتوكل على الحي ~~الذي لا يموت، ولا تتكل على واحد من الأغيار فقد يصبح الصباح فتجده قد ~~خلا بك وتخلى عنك. أما إذا كان مولاك هو الحق فلن يخذلك. { ثم ~~ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم }. ~~ولماذا جاء بكلمة " الحكم " هنا؟ لأننا في دنيا الأغيار قد يسند سبحانه ~~بعض الأحكام إلى بعض خلقه فهذا يحكم، وذلك يتصرف، وآخر يصدر قرارا ~~بالتعيينات، وكلها أحكام، أما في الآخرة فالحق يقول: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وأنت في الدنيا تملك، ويكون ms3007 رزق ابنك - على سبيل المثال - ~~من يدك، وتملك أن تصدر قرارا بترقية من هو أقل منك، وتملك أن تخيط الثوب ~~لغيرك إن كانت تلك مهنتك، ففي الدنيا كل منا يملك بعضا من أسباب الآخر. ~~لكن في الآخرة لا يوجد شيء من هذا: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وساعة تسمع " ألا له الحكم " ف " ألا " في اللغة أداة ~~تنبيه لما يأتي بعدها، ولماذا تأتي أداة التنبيه هنا؟ لأن الحكم القادم ~~بعدها حكم مهم. والكلام - كما نعرف - واسطة بين متكلم ومستمع لأن المتكلم ~~ينقل أفكاره وخواطره ومطلوباته إلى السامع. # وهو قبل أن يتكلم يدير الأمر في رأسه: يتكلم أم لا؟ لكن السامع يفاجأ ~~بكلام المتكلم، والمتكلم قبل أن ينقل خواطره توجد في خياله نسبة ذهنية، ~~أي أنه يعايش مشروع الكلام ويتدبره قبل أن يتكلم، أما السامع فهو يفاجأ، ~~وعندما تريد أن تقول أمرا مهما فأنت تحاول أن تضمن انتباه السامع حتى ~~لا تفلت منه أية جزئية من كلامك، فتقول: " ألا " لتشد انتباه السامع ~~تماما. والحق هنا يقول: " ألا " ليأخذ انتباه السامع، ويأتي بعدها قوله: ~~{ له الحكم }. إذن: ساعة تسمع " ألا " فأعرف أن فيها تنبيها لأمر ~~قادم { ألا له الحكم }. والحكم: هو الفصل بين أمرين، ويختلف ~~الفصل بين أمرين باختلاف الحاكم فإن كان الحاكم له هوى فالحكم يميل، لكن ~~الفصل بين الأمرين يجب أن يكون بلا هوى، فالحكم بالميزان يقتضي أن تكون ~~له كفة هنا وكفة تقابلها، وساعة ما نضبط الميزان نحاول أن نوازن الكفتين ~~لنفصل بين مسألتين ملتحمتين، وما دمنا نريد التساوي فنحن نسمي ذلك: ~~الإنصاف، أي أن نقف في النصف دون ميل أو حيف. { ألا له الحكم ~~وهو أسرع الحاسبين } وساعة يسمع إنسان { ألا له ~~الحكم } فالواحد منا يعلم أنه سبحانه يحكم بين الخلق بداية من آدم ~~إلى أن تنتهي الدنيا، وكل واحد منا تتشابك مسائله مع غيره، وما دام لله ~~الحكم فليس لغيره معه حكم، ويحكم بين الخلق جميعا وفعله لا يحتاج إلى ~~زمن، ونتذكر هنا الإمام عليا ms3008 - كرم الله وجهه - حين قالوا له: كيف ~~يحاسب ربنا الناس جميعا في وقت واحد، وبمقدار حلب شاة كما قال بعضهم؟ ~~فقال الإمام علي: " كما يرزقهم في وقت واحد يحاسبهم في وقت واحد " ، ~~وهذه مسألة سهلة ليس فيها أدنى صعوبة أبدا. وقديما عندما كانوا ينيرون ~~الطرقات كانوا يشعلون المسارج: هنا مسرجة، وهناك مسرجة، وعلى البعد مسرجة ~~ثالثة، وكان الوقاد يمشي ليشعل المسارج.. إلخ، وارتقى العقل البشري ~~المخلوق لله واستطاع أن ينير الطرقات بالطاقة الكهربائية أو الطاقة ~~الشمسية وفي وقت واحد. ويقول الحق بعد ذلك: { قل من ينجيكم من ~~ظلمات... }. ### || [6.63] # المتعب للخلق أن تأتي الظلمة وتكون في مهمة النور، وأن يأتي النور في ~~مهمة الظلمة، فلكل من الظلمات والنور دور ومهمة في الحياة. ولذلك قلنا في ~~أول السورة حين تكلم الحق سبحانه وتعالى قائلا: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور... # [الأنعام: 1]. لقد ظن البعض أن المفترض أن يقول سبحانه: وجعل النور ~~والظلمات، ولكن لنتلمس القول الحق، ولنعترف أن مهمة الظلمة تتساوى مع ~~مهمة النور، وعلى الإنسان أن يعي مهمة الظلمة، وكلنا يعرف مهمة النور ~~الذي يعيننا على السعي على أمور حياتنا، ويتطلب السعي طاقة، ولا يمكن أن ~~تأتي الطاقة إلا بعد سكون وهدوء واطمئنان وراحة لذلك فالراحة تحتاج إلى ~~ظلمة لينام الإنسان ويستريح، إذن فالظلمة نعمة من نعم الله، والذي يتعب ~~الإنسان أن يغير ويبدل فيجعل النور مكان الظلمة، ويجعل الظلمة مكان ~~النور، وهذا خروج عن مهمة كل متقابلين. وحين ينشئ الحق المتقابلات لا ~~ينشئها على أنها تتضاد، أو على أنها تتعاند، ولكنه - سبحانه - يريد ~~متكاملا يعين متكاملا، فلا شيء يهدم شيئا مقابلا له، بل كل متكامل يساعد ~~الآخر. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى # [الليل: 1-2]. وقد جاء سبحانه بالليل أولا، والنهار ثانيا، ولكل منهما ~~مهمة، ولا يمكن أن تؤدي مهمة النهار على حقيقتها إلا إن جاءت مهمة الليل ~~فأديت على حقيقتها. وهات إنسانا لم يأخذ من الليل الراحة والسكون ~~والهدوء، وعانى ms3009 من قرص ولسع الناموس أو البراغيث، أو من ضجيج وخلافه، ~~ولم ينم، ثم في الصبح تجده نصف نائم، نصف مرهق، غير قادر على التركيز أو ~~كما يقولون " مذهول ". إذن فمن أجل حركة الضوء لا بد أن توجد الظلمة: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى # [الليل: 1-2]. الليل والنهار - إذن - نعمتان، وكل نعمة تساوي الأخرى، ~~وإياك أن تقول هذه ضد تلك، أو أنها جاءت لتعاندها، لا. لقد جاءت كل منهما ~~لتساند الأخرى. وفي سورة الليل يتابع الحق: # وما خلق الذكر والأنثى # [الليل: 3]. لقد جاء سبحانه أيضا بمتقابلين، وإياك أن تظن أنهما ~~متعاندان فقد جعلهما الله متكاملين لتنجح الحياة. وإن تعاندا تفسد ~~الحياة. وما دام الليل له مهمة والنهار له مهمة، إذن فالذكر له مهمة، ~~والأنثى لها مهمة. وإن خلطت المهمتين ينتج الفساد. # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما ~~خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى # [الليل: 1-4]. ويقول الحق هنا: { قل من ينجيكم من ظلمات ~~البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن ~~أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين } [الأنعام: ~~63]. والظلمة - إذن - هي عدم النور. ولم يقل الحق إن طلب النجاة يكون من ~~ظلمة واحدة، وإنما طلب النجاة من ظلمات متعددة، وهي ظلمات متراكمة لأن ~~الظلمة إذا ما غشيت بظلمة ثانية، ثم بظلمة ثالثة، حينئذ تصير ظلمات ~~مركبة بعضها فوق بعض. # والحق سبحانه قال: { ظلمات البر والبحر } ، وحتى نعرف أهي ~~ظلمات حسية أم ظلمات معنوية لا بد لنا أن نعرف الظلمة في معناها الحسي، ~~إنها ما يؤدي إلى عدم الاهتداء إلى الحركة المنجية، إذن فكل أمر يؤدي إلى ~~عدم الاهتداء - حسيا أو معنويا - هو ظلمة لأن الإنسان في هذه الحالة ~~يسير في أموره بغير اهتداء، والأحداث والكوارث التي يصعب على الناس أن ~~يعرفوا طريق النجاة منها تعتبر ظلمة، سواء أكانت ظلمة حسية أم ~~معنوية. والحق سبحانه وتعالى يقرب لنا المعنويات بالأمور الحسية، ~~والمراد بالظلمات هنا هي الأحداث والكوارث والنوازل التي تضيق أسباب ~~البشر عن النجاة منها. والإنسان حريص دائما على نفع نفسه. وتظهر ms3010 ~~التناقضات في أفعال إنسان عن أفعال إنسان آخر لاختلاف كل منهما في تقييم ~~وتقدير النفعية. والمثال على ذلك واضح ونضربه دائما هو: مثال التلميذ ~~الذي يذهب صباحا مبكرا إلى مدرسته، وينتبه إلى أساتذته، ويعود إلى ~~منزله ليؤدي واجبه، ويخرج من لذيذ الكسل ليجد لذة في العمل، إنه بذلك ~~يحب نفسه ويريد النفع لها. أما التلميذ الذي ينام ويوقظه أهله فلا ~~يستيقظ، وإذا أيقظوه فهو يخرج من البيت ليتسكع في الطريق، مثل هذا ~~التلميذ يحب نفسه حبا أحمق لأنه يريد اللذة العاجلة التي تعقبها سلسلة ~~من الآلام الآجلة. إنه ينتظر مستقبلا لا كرامة له فيه عكس التلميذ المجد ~~الذي يتبوأ المكانة اللائقة به. والمثال الواضح أيضا في الريف هو الفلاح ~~الذي يقضي وقته على المقهى ويسهر الليل أمام التلفيزيون ويترك الأرض بلا ~~حرث ولا رى ولا تسميد، ولا يمكن أن تنتج الأرض التي يفلحها محصولا ~~مساويا لأرض الفلاح الذي يأخذ بأسباب الله فيحرث الأرض وينتظم في ريها ~~في المواعيد المحددة، ويضع السماد المقرر لها لأن الذي أخذ بأسباب الله ~~وتعب وبذل جهدا لا بد أن يعطيه الحق الرزق الوفير. أما الذي يكسل عن ~~أداء عمله فقد أحب نفسه حبا أحمق قصير الأجل، وأما الذي أخذ بأسباب الله ~~وأقبل على عمله بحب وتقدير فقدد أحب نفسه حبا أعمق، فيه نفع له ولغيره. ~~إن كل حركة يصنعها الإنسان في الحياة إنما يريد بها نفع نفسه، ولكن هناك ~~اختلاف في تقدير النفعية بين إنسان وآخر، والعاقل من يرى النفعية الآجلة ~~المجدية ويعمل لها. وهاهوذا المتنبي الشاعر العربي يقول: # أرى كلنا يبغى الحياة لنفسه # حريصا عليها مستهاما بها صبا # فحب الجبان النفس أورده التقى # وحب الشجاع النفس أورده الحربا # حب الشجاع لنفسه - إذن - جعله طموحا إلى الحياة الخالدة كشهيد في سبيل ~~الله، وحب الجبان لنفسه جعله أسير الخوف على الحياة الفانية. # فإذا ما صدم الإنسان بأحداث ونوازل وكوارث نرى نفعيته وهي تحركه إلى ~~البحث عن أسباب للنجاة، ويعتمد على أسبابه أو أسباب من هو قريب ms3011 منه، أما ~~إذا عزت أسباب البشر. وكان غافلا عن الله، فإن الأحداث والمصائب ~~والكوارث تعيده وتذكره بخالقه فيقول: " يارب " ، وبذلك لا يبيع نفسه ~~رخيصا. لكن إن خدع مثل هذا الإنسان نفسه من البداية وأعرض عن الله وتمرد ~~على ربه ووجد نفسه أمام الكوارث فهو يسلم أمره لله في وقت الشدة، فإن ~~انجاب وانكشف عنه الضر عاد إلى كفره وتمرده. ولذلك يقول الحق سبحانه: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان ~~الإنسان كفورا # [الإسراء: 67]. ونجد الذين يقابلون الأهوال وتنتهي أسبابهم لا يكذبون ~~على أنفسهم. بل يتجهون فطريا إلى الحق القادر على الأخذ بأيديهم. فلحظة ~~أن تضطرب سفينة وتحيطها عواصف الموج والرياح، وتختل آلاتها لا تجد إلا ~~كلمة: يارب، يارب. يارب على ألسنة كل ركابها بداية من " القبطان " ~~والقائد إلى أصغر راكب بها، وتجد من يتمتم بآيات القرآن توسلا إلى الله ~~للنجاة. وكذلك لحظة أن تضطرب طائرة في الجو، ولا يعرف قائدها طريقا ~~للنجاة لا يقفز إلى أذهان الركاب وطاقم الطائرة إلا نداء التضرع إلى ~~الله. ولهذا يقول لنا الحق سبحانه: # ضل من تدعون إلا إياه # [الإسراء: 67] ودعوة الإنسان ربه ومولاه هي الوسيلة الأولى من وسائل ~~اليقين، ونعلم أن أحداث الحياة تتراوح ما بين أمرين أمر يبسط ويسعد ~~الإنسان، وأمر يقبض ويضيق على الإنسان ويشقى به، فأما الذي يبسط ويسعد ~~فهو إدراك الجمال، والنعمة والراحة، والسعادة، والإحساس بالرضى. وأما ~~الذي يضيق على الإنسان ويشقيه فهو يريد أن يفلت منه وينجو. ولنا العبرة ~~الكاملة من الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، فالإنسان بفطرته إن رأى ~~ما يسعده، لا يجد تعبيرا أقوى من أن يقول: " الله ". وهي صيحة التقدير ~~والتقديس لله الذي أعطاه موهبة إتقان العمل. وتتجلى العبرة الكاملة أيضا ~~عندما يدهم الإنسان الخطر فيقول بفطرته: " يارب ". إذن فلا ملجأ إلا إلى ~~الله. { قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر }؟ ~~ويتضمن السؤال الحقيقة التي لا بد أن يقررها السامع لهذا السؤال وهي: إن ~~الله هو ms3012 المنجي من ظلمات البر والبحر. وحين يأمر الحق رسوله أن يقول هذا ~~التساؤل للكافرين فهو سبحانه عليم بأن إجابة الفطرة هي التي ستغلب على ~~ألسنة الكافرين ويعترفون به سبحانه وحده بأنه هو المنجي من ظلمات البر ~~والبحر. والكون - كما نعلم - إما بر وإما بحر. ولقائل أن يقول: ولكن ~~هناك كوارث جديدة في عصرنا هي كوارث الجو. # ؟ ونقول: يجب أن تفهم أن كل جو يأخذ حكم مكانه. فجو البر من البر، وجو ~~البحر من البحر، ومثال ذلك ما نراه عند الصلاة في المسجد الحرام فنحن نرى ~~المصلين يؤدون الصلاة حول الكعبة أو في الدور والطابق الأول أو الثاني أو ~~الثالث من المباني المقامة كمسجد حول الكعبة. ونلحظ أن ارتفاع الكعبة لا ~~يزيد على ارتفاع دور واحد من أدوار المباني التي حولها. والمصلون يتجهون ~~في صلواتهم في تلك الأدوار إلى جو الكعبة، ذلك أن جو المكان المقدس هو ~~مقدس أيضا، وجو الحرم من الحرم. ومثال آخر هو السعي بين الصفا والمروة ~~فالمسلم يسعى بين الصفا والمروة في الدور الأرضي، وهناك الآن دور ثان ~~أقيم للسعي. وهكذا نرى أن جو المسعى مسعى أيضا. وقديما كان محرما على ~~الطائرات أن تطير في جو مكة أو المدينة. حدث ذلك أيام أن كان الطيارون من ~~غير المسلمين، وذلك حتى لا يطير غير المسلم في الجو المقدس. أما الآن فقد ~~صار مسموحا للطيارين المسلمين أن يقودوا طائراتهم في أجواء مكة والمدينة ~~المنورة. فالجو له حكم المكان سواء أكان المكان برا أم بحرا. { قل ~~من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه ~~تضرعا وخفية } إن الدعاء بالفطرة يتجه إلى الله، والدعاء هو ~~طلب لشيء. والطلب يقتضي طالبا، ومطلوبا، ومطلوبا منه. والطالب هو من ~~يدعو. والمطلوب منه هو من ندعوه ونسأله. والمطلوب هو الشيء الذي نتضرع ~~بالدعاء رجاء أن يحدث. والطلب لون من الأمر، لكن إذا ما جاء الطلب من ~~الأدنى إلى الأعلى فلا تقل إنه أمر، بل هو دعاء. وفي اللغة عندما نسأل ~~الطالب أن يقوم بإعراب " رب اغفرلي ms3013 " ، نجد الذي استذكر دروسه دون تفقه ~~يقول: " اغفر فعل أمر " ، أما الطالب المتفقه في فهم دينه مع إجادة ~~لدراسته فيقول بأدب الإيمان: اغفر هي فعل دعاء لأن الطلب إن صدر من ~~الأدنى إلى الأعلى فهو دعاء، وإن صدر من المساوى للمساوى فهو التماس، وإن ~~صدر من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر. وحين ننظر إلى الحالة النفسية لمن ~~تحيطه الكوارث والأحداث والنوازل وتضغط عليه الظروف ولا يجد من ينقذه، هل ~~مثل هذا الإنسان يأمر أو يدعو إنه يدعو بطبيعة الحال، ويدعو بتذلل ~~وامتثال وخضوع، وهذا معنى الدعاء... إنه السؤال بتضرع وخضوع، والتضرع ~~يقتضي قولا، ويقتضي فعلا ويكون التضرع بالوجدانيات والسلوكيات. ويخطئ ~~من يظن أن هناك تضرعا بالقول دون أن يربط ذلك بفعل، فعندما تكون في موقع ~~قوة أو نفوذ ويسألك سائل أن تتفضل عليه بشيء، فهذا منه تضرع بالقول. لكن ~~عندما تكون في موقع قوة أو نفوذ ويسألك سائل أن يفعل لك أمرا، فهذا تضرع ~~بالقول والفعل. # وفي لحظة الخطر يدعو الإنسان ربه ولا يمكن أن يكون في قلبه ذرة من نفاق ~~لأن الحق يقول: { تدعونه تضرعا وخفية }. والتضرع خفية ~~يكون بالقلب أيضا. وليس في ذلك رياء لأن القلب لا اطلاع لأحد عليه إلا ~~الخالق البارئ، والمثال على ذلك ما فعلته امرأة أوربية قرأت تاريخ رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ووصلت في قراءتها إلى أسباب نزول قوله الحق: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]. ووجدت أن هذا القول الكريم قد نزل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وكان نائما بعد ليلة من السهر، فقالت له عائشة رضي الله ~~عنها: ألا من رجل صالح يحرسنا الليلة؟ وبينما هي تقول ذلك حتى سمعت صوت ~~السلاح، وكان ذلك إعلانا عن مقدم سعد وحذيفة وقالا: جئنا نحرسك يا رسول ~~الله. ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت سيدتنا عائشة غطيطه، ~~ثم نزل عليه الوحي بهذا القرآن الكريم: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من النوم وقال: ms3014 # " انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله ". # وعندما قرأت المرأة الأوربية هذه الحكاية في تاريخ محمد صلى الله عليه ~~وسلم وأحسنت الفهم لها أعلنت إسلامها على الفور قائلة: لو كان محمد يخدع ~~الناس جميعا ما خدع نفسه في حياته. لقد أدركت هذه المرأة بالفطنة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليصرف عنه الحرس لو لم يثق تمام ~~الثقة في أن الله يحميه، وأنه سبحانه قادر على أن يحفظه. والإنسان لحظة ~~الخطر إنما يدعو الله تضرعا وخفية. والدعاء - كما علمنا - يحتاج إلى قول ~~وفعل ووجدان. وهذه الأركان الثلاثة تتوافر في قوله الحق: { تدعونه ~~تضرعا وخفية لئن أنجانا من هذه لنكونن ~~من الشاكرين } [الأنعام: 63]. فكلمة تدعونه: قول و تضرعا: فعل ~~لأنه خشوع وخضوع - وخفية: انكسار القلب وخشيته و " أنجانا " تدل على ~~التعدد لأن الفعل للتجدد والحدوث وأيضا قوله: # قل الله ينجيكم # [الأنعام: 64] يدل على التكثير، أي أنه لا ينجي مرة واحدة ولكنه ~~ينجي لمرات كثيرة. ويأتي لنا سبحانه بصور كثيرة لقدرته على أن ينجينا ~~إما بتكرار النجاة أو بتعدي النجاة من موقف لموقف. وتكرار النجاة هو أن ~~يكون الحدث واحدا وينجي الحق فيه أفرادا كثيرين، أو يكون الحدث واحدا ~~والطالب للنجاة منه فردا واحدا، ويكرر الله نجاته من هذا الحدث. إن ~~الحق سبحانه ينجي الفرد أو الجماعة من الأحداث أو الكوارث المختلفة. ~~وسبحانه القائل: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه # [يونس: 12]. إن الإنسان إذا ما أصابه الضر في نفسه أو ماله أو نحو ذلك، ~~أحس بضعفه ودعا ربه في أي حالة من حالاته - سواء أكان مضطجعا أم قاعدا ~~أم قائما - حتى يكشف الله عنه هذا البلاء، وعندما يستجيب الله لدعاء هذا ~~الإنسان ينسى هذا الإنسان فضل الله عليه كأنه لم يدع الله أن يزيل عنه ~~الضر. # والحق سبحانه يقول: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان ms3015 ~~الإنسان كفورا # [الإسراء: 67]. وسبحانه - هنا - يذكر المشركين ومن كان على شاكلتهم ~~أنهم عندما يصيبهم الضر في البحر يغيب عنهم كل من كانوا يدعونه سواء من ~~الأصنام أو غيرها ولا يلجأون إلا الله حتى ينجيهم من الغرق ويخرجهم إلى ~~البر، ومن بعد ذلك يعودون إلى الشرك بالله والجحود بنعمته سبحانه. وكذلك ~~هنا في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها. { قل من ينجيكم ~~من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية ~~لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين } ~~[الأنعام: 63]. لقد دعوا الله بالتضرع والتذلل أن ينجيهم من ظلمات البر ~~والبحر، ووعدوا أن يكونوا من الشاكرين، ولكن ماذا كان موقفهم بعد أن ~~أنجاهم الله؟ يقول الحق سبحانه: { قل الله ينجيكم منها ~~ومن كل كرب ثم... }. ### || [6.64] # إن الحق ينجيهم من الظلمات المادية في البر البحر، وسبحانه بعلمه الأزلي ~~يعلم أنهم بعد النجاة سيعودون إلى ما نهاهم عنه من شرك به لأن الإنسان ~~بطبيعته عندما يجد حياته مكتفية بما يملكه قد يقع فيما قاله الحق تبارك ~~وتعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. والإنسان قد يتجاوز حدوده ويتكبر على من حوله، بل وعلى ~~ربه إن رأى نفسه صاحب ثراء، ولا يعصم الإنسان من مثل هذا الموقف إلا ~~الإيمان بالله لأن الإنسان بدون منهج الله يسبح في بحر الغرور والتكبر، ~~ولكن من يحيا في ضوء منهج الله فهو يعرف كيف يرعى الله في كل إمكانات أو ~~ثراء يمنحه له الله، وينشر معونته ليستظل بها المحتاج غير الواحد. ولذلك ~~نجد أن كلمة " الإنسان " إذا أطلقت تقترن بالخسارة. # والعصر * إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 1-2]. أي أن الإنسان على إطلاقه في خسر. ولكن الحق يستثني ~~من؟.. # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا ~~بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3]. إذن فالإنسان المعزول عن منهج الله هو الذي يحيا في خسران، ~~لكن من يعيش في رحاب المنهج هو الذي لا يخسر أبدا. والإنسان حين يعيش ~~دون منهج يصدر ويحدث منه ما رواه الحق سبحانه: # فإذا مس الإنسان ضر ms3016 دعانا ثم إذا خولناه ~~نعمة منا قال إنمآ أوتيته على علم بل هي ~~فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون # [الزمر: 49]. لأن الذي يعيش دون منهج يدعو الله إن أصابه الضر، فإذا ما ~~أنجاه الله ادعى أن النجاة إنما كانت بأسباب امتلكها هو، وإذا ما أعطاه ~~الله نعمة من النعم زاد في الادعاء وزعم أن هذه النعمة مصدرها علم من ~~عنده هو ولا ينسب ذلك إلى الموجد الحقيقي وهو الله، إنه نسي أن كل نعمة ~~هي مجرد اختبار من الله. ويقول الحق من بعد ذلك: { قل هو ~~القادر... }. ### || [6.65] # وكلمة " قادر " تعني تمام التمكن وأنه لا قدرة ولا حيلة لأحد حيال قدرة ~~الله لأن الحق سبحانه وتعالى يملي للقوم الظالمين ويمد لهم الأمر ثم ~~يأخذهم بغتة بالعذاب، وقد يأتي العذاب من فوقهم كما جاء لقوم أبرهة الذين ~~أرادوا هدم الكعبة، فسلط عليهم طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، ~~جعلتهم كعصف مأكول، وهناك من أخذهم الحق بالصيحة، وهناك من أهلكهم بريح ~~صرصر عاتية، وكل ذلك عذاب جاء من فوق تلك الأقوام. أما قارون فقد خسف ~~الله به وبداره الأرض، وكذلك قوم فرعون أغرقتهم المياه، وهذه هي التحتية. ~~فالعذاب قد يأتي من فوق أو من تحت الأرجل حسيا، وقد يأتي أيضا من ~~فوقية أو تحتية معنوية، ومثال ذلك العذاب الذي يسلطه الله على الطغاة ~~الكبار المستبدين، وقد يأتي العذاب من الفئات الفقيرة التي تعيش أسفل ~~السلم الاجتماعي. { أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم ~~بأس بعض } [الأنعام: 65]. والمقصود بلبس الأمر أي خلطه بصورة لا ~~يتبينها الرائي. و " شيعا " هي جمع " شيعة ". والشيعة هم: المتعاونون ~~على أمر ولو كان باطلا، ويجمعهم عليه كلمة واحدة وحركة واحدة وغاية ~~واحدة. والمقصود بقوله الحق: { أو يلبسكم شيعا } أي أن كل ~~جماعة منكم تتفرق ويكون لكل منهم أمير، وتختلط الأمور بين الاختلافات ~~المذهبية التي تختفي وراء الأهواء، وبذلك يذيق الله الناس بأس بعضهم ~~بعضا. ولماذا كل ذلك؟ لأن الناس ما دامت فد انفرطت عن منهج الله نجد ~~الحق يترك بعضهم لبعض ms3017 ويتولى كل قوم إذاقة غيرهم العذاب. ولكن أغير ذلك ~~في ملك الله ونواميسه الثابتة من شيء؟ أبدا، فالسماء هي السماء، والأرض ~~بعناصرها هي الأرض، والشمس هي الشمس، والقمر هو القمر، والنجوم هي ~~النجوم، والمطر هو المطر. إن الذي يحدث فقط هو أن يذيق الله الناس بعضهم ~~بأس بعض، ويصير كل بعض من الناس ظالما للبعض الآخر. وعندما نرى الناس ~~تشكو، نعلم أن الناس كلها مذنبة، ومادام الكل قد أذنب وخرج عن منهج الله ~~فلا بد أن يسلط الحق بعضنا على بعض حتى يعرف الجميع أنهم قد انفلتوا عن ~~منهج الله لذلك يلقون المتاعب، ولن يرتاحوا إلا إذا عادوا إلى أحضان منهج ~~الله لأن منهج الله يمنع أن يتكبر إنسان مؤمن على أخيه المؤمن. والكل ~~يسجد لإله واحد. ولهذا وضع الحق لنا العبادات الجماعية حتى يرى الضعيف في ~~سلطان الدنيا القوي في السلطان وهو يشترك معه في السجود للإله الواحد. ~~مثال ذلك ما نراه من طواف الناس حول الكعبة في ملابس الإحرام، إن من بين ~~الذين يطوفون قوما من وجهاء الناس وأصحاب الرتب العالية والمنازل ~~الرفيعة، ومن بين هؤلاء أيضا نجد الذين لا يحتلون إلا المكانة الضئيلة، ~~ويرى الضعيف نفسه مساويا لمن في المركز الاجتماعي القوي. # الكل يقف أمام ربه وهو ذليل ويمسك بأستار الكعبة باكيا. ويريد سبحانه ~~بذلك استطراق العبودية، ويذل الإنسان المؤمن أمام الله وأمام الناس حتى ~~ينمحي الغرور بين المؤمنين ويكون الناس جميعا أمام الله وفي بيته على ~~سواء. { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا ~~من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ~~ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات ~~لعلهم يفقهون } [الأنعام: 65]. وها نحن أولاء نرى كيف أن الحق ~~يلبس الناس شيعا، إننا نرى المنسوبين إلى الإسلام يذبح بعضهم بعضا ~~لسنوات طويلة. وإذا كان هؤلاء وأولئك طائفتين مؤمنتين تتقاتلان فأين ~~الطائفة الثالثة التي تفصل بين الطائفتين مصداقا لقوله الحق: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي ms3018 تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله ~~يحب المقسطين # [الحجرات: 9]. ها هوذا الدم المنسوب إلى الإسلام يسيل، ويزداد عدد ~~الضحايا، ومن العجيب أن الآخرين يقفون موقف المتفرج، أو يمدون كل طائفة ~~بأدوات الدمار. وذلك يدل على أن المسألة طامة وعامة. والقاعدة التي ~~قلناها من قبل لا تتغير، القاعدة أنه لا يوجد صراع بين حقين لأنه لا يوجد ~~في الأمر الواحد إلا حق واحد. ولا يطول أبدا الصراع بين الحق والباطل ~~لأن الباطل زهوق وزائل. ولكن الصراع إنما يطول بين باطلين لأن أحدهما ليس ~~أولى من الآخر بأن ينصره الله. ومثال آخر كنا نراه في بلد كلبنان - إبان ~~الحرب الأهلية - وكان الصراع الدائر هناك يكاد يوضح لنا أن كل فرد صار ~~طائفة بمفرده، وكل إنسان منهم له هواه، وكل إنسان يذيق غيره العذاب ويذوق ~~من غيره العذاب. { انظر كيف نصرف الآيات لعلهم ~~يفقهون } [الأنعام: 65]. وينوع سبحانه الحجج والبراهين ويأتي لهم ~~بالأحداث والنوازل حتى يتبين للجميع أنه لا راحة أبدا في الانفلات عن ~~منهج الله حتى يفقهوا. والفقه هو شدة الفهم. والمقصود أن نأخذ ونتفهم ~~العظة من كل الآيات التي يجريها الحق أمامنا عسانا نرجع إلى مراد الله. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { وكذب به قومك وهو الحق قل... ~~}. ### || [6.66] # ما الذي كذب به القوم؟ المقصود هو القرآن أو المنهج عامة لأن المنهج ~~الإيماني يشمل القرآن ويشمل ما آتى به الرسول عليه الصلاة والسلام. ~~فالقرآن معجزة مشتملة على الأصول. وجاء الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالسنة ليبين ويشرع. ولذلك نرد على هؤلاء الذين يطلبون كل حكم من ~~الأحكام من القرآن ونقول: إن القرآن جاء معجزة تتكلم عن أصول العقيدة، ~~والرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالتشريعات التي تكمل المنهج، ومثال ذلك ~~عدد الصلوات في كل فرض من الفروض الخمسة وعدد ركعات كل فرض من فروض ~~الصلوات الخمس. إن القرآن لم يذكرها، ولكن أوضحها لنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فهو القائل في حديث شريف: # " صلوا ms3019 كما رأيتموني أصلي ". # والرسول صلى الله عليه وسلم مفوض بالتشريع بنص القرآن الكريم: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. ونحن نصلي كما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونزكي ~~بنصاب الزكاة الذي حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحج إلى بيت الله ~~الحرام كما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أنزل سبحانه القرآن، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول من طبق القرآن والسنة. # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم ولعلهم يتفكرون # [النحل: 44]. أي أن هناك من الأمور العقدية التي أنزلها الحق مجملة في ~~القرآن وفصلها للمؤمنين رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكليف من الحق. ~~وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة بنص القرآن وهي ضمن طاعة الحق ~~سبحانه وتعالى، فالحق يقول مرة: # قل أطيعوا الله والرسول # [آل عمران: 32]. وهنا طاعة الرسول غير مكررة إنها ضمن طاعة الله. ويقول ~~سبحانه مرة أخرى: # قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول # [النور: 54]. أي أن هناك أمرا بإطاعة الله وأمرا بإطاعة الرسول. ومرة ~~ثالثة يقول سبحانه: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. وكل ذلك حتى نستوعب الأحكام التي التقت السنة فيها بكتاب ~~الله. وحين قال الحق: # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم # [النساء: 59]. فهو سبحانه لم يأت بطاعة مستقلة لأولي الأمر ولكنه جعلها ~~طاعة من باطن طاعتين هما: طاعة الله، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. ~~ونعود إلى معنى الآية التي نحن بصددها: { وكذب به قومك وهو ~~الحق قل لست عليكم بوكيل } [الأنعام: 66]. إذن فالذي ~~كذب بوجود الله وكذب بالقرآن هو مكذب للمنهج أيضا. فالمكذب به هنا هو ~~الحق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، وفي حياتنا اليومية تحدث ~~واقعة ما ويأتي أكثر من شاهد عيان لها فلا نجدهم يختلفون في رواية ~~الواقعة لأنهم يستوحون واقعا، لكن إن كان بعض من الشهود لم يروا ~~الواقعة التي يشهدون عليها تجدهم مضطربين في الأقوال. # ولذلك نجد ms3020 وكيل النيابة يحاول استنباط كل الوقائع من أفواه الشهود لأن ~~الحق قد يختفي قليلا وراء بعض من الضباب لكن لا يدوم اختفاؤه طويلا بل ~~يظهر جليا ناصعا. والحق يضرب لنا المثل فيقول سبحانه: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. الماء - إذن - ينزل بأمر الله من السماء فتستمر به حياة ~~النبات والحيوان والإنسان، ويأخذ كل واد على قدر حاجته. وعندما ينزل ~~السيل فهو يصحب معه بعضا من الشوائب التي تطفو على المياه، ومثل تلك ~~الشوائب يطفو - أيضا - عندما يصهر الذهب أو أي معدن ويسمى الخبث. ~~هكذا يطفو الباطل كالزبد ويذهب جفاء مطروحا ومرميا به بعيدا أو ~~ينزل على جوانبه، أما الحق الذي ينفع الناس فهو يبقى في الأرض. وتكذيب ~~القوم للحق من الله وللقرآن وللمنهج الإيماني هو البهتان، والرسول صلى ~~الله عليه وسلم ليس بوكيل على المكذبين ولا يلزمهم أن يصدقوا، فالوكيل هو ~~الله الحق الذي يعاقب كل مكذب له، ومهمة الرسول صلى الله عليه وسلم هي ~~البلاغ. " وكذب به قومك " ، وكلمة " قومك " هذه هي تقريع فظيع لهم لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء منهم، وعرفوه صادقا أمينا مدة أربعين ~~عاما قبل الرسالة، وما جربوا عليه كذبا، ومقتضى مكثه معهم هذا التاريخ ~~الطويل كان يفرض عليهم أن يتساءلوا من فور بلاغهم بالرسالة: أنه لم يكذب ~~علينا قط ونحن من الخلق، أيكذب على الخالق؟. ولكن الهوى أعمى بصيرتهم، ~~ولذلك يقول الحق عن هذا البلاغ: # قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. أي قل لهم يا محمد: لو أراد الله ألا ينزل قرآنا علي من ~~لدنه وألا أبلغكم وأعلمكم به ما أنزله وما تلوته عليكم، ولكنه أنزله ~~وأرسلني به إليكم. وعندما يمتن ms3021 الله على الذين أرسل إليهم رسوله صلى الله ~~عليه وسلم فهو يقول سبحانه: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. وبرغم تكبر وعناد وتكذيب المشركين من قوم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فإنه عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ~~إلى المدينة ترك عليا بمكة ليسلم للناس أماناتهم. فهل هناك حمق أكثر من ~~حمق هؤلاء الذين كذبوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. أيكون أمينا معهم ~~ولا يكون أمينا مع ربه؟ ويقول الحق من بعد ذلك: { لكل نبإ ~~مستقر وسوف... }. ### || [6.67] # والنبأ هو الخبر المهم، فليس كل خبر نبأ، ذلك أن هناك المثير من الأخبار ~~التافهة التي يتساوى فيها العلم الذي لا ينفع بالجهل الذي لا يضر. ومثال ~~على الخبر المهم هو قوله الحق: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم * الذي هم فيه ~~مختلفون # [النبأ: 1-3]. إذن فكل نبأ مستقر، والمستقر هو ما طلب القرار فيه. ~~والنبأ مظروف والمستقر مظروف فيه. والمظروفية تنقسم قسمين: مظروفية زمان، ~~ومظروفية مكان. أي أن الحق سبحانه وتعالى جعل لكل حدث زمانا ومكانا يقع ~~فيهما الخبر. وسوف يعلم الإنسان مستقر كل خبر عندما يأذن الحق بميلاد هذا ~~المستقر الذي يعلن فيه الخبر. النبأ - إذن - هو الخبر العظيم المدهش. ~~ولا أعظم من تجلي السماء على الأرض بمنهج جديد ينقذها مما هي فيه من ~~ضلال، وهو منهج عام لكل زمان ولكل مكان. إذن هو نبأ عظيم لأنه يخلص دنيا ~~الناس من جبابرة الأرض، ويلفت كل الناس إلى منهج يخرجهم جميعا من ~~أهوائهم. فلا أضر بالمجتمع من أن يتبع كل إنسان هواه لأن هوى كل نفس يخدم ~~شهواتها، والشهوات متضارية، فإذا حكم كل إنسان هواه فلن تجد في الأرض ~~قضية متفقا عليها. ولذلك تكفل الحق سبحانه وتعالى للإنسان بمسألة تنظيم ~~المنهج وهو الأمر الذي تختلف فيه الأهواء. وأما الأمر الذي تلتقي فيه ~~الأهواء وهو استنباط ما في الأرض من كنوز واستكشاف ما في الكون من أسرار ~~فقد ms3022 تركه الحق للإنسان ليستنبطه بالعقل الذي خلقه الله، من الكون الذي ~~خلقه الله، وليسعد الإنسان بتلك الأسرار التي يستكشفها في الكون. ويؤكد ~~لنا واقع الحياة هذه القضية، ونجد طموح العقل البشري عندما فكر في مادة ~~الكون استنبط منها الأسرار وأنجز الكثير من الاكتشافات العلمية. ولم ~~تختلف الدول والمعسكرات في تلك المجالات، بل التقت كل الأهواء عند هذه ~~الاكتشافات، فلا توجد - كما قلنا - كهرباء روسية وأخرى أمريكية، ولا نجد ~~" كيمياء انجليزية " وأخرى " فرنسية " ، ولذلك تجد الأنظمة السياسية ~~والاجتماعية على اختلافها تلتقي في مجالات العلم وتتفق ولا تختلف حتى إن ~~بعضها قد يسرق من البعض الآخر ما توصل إليه. ولا نجد في عالم المادة ~~والمعمل والتجربة اختلافات بين نظام سياسي ونظام آخر، بل تلتقي الأهواء ~~عند القوانين المكتشفة والمأخوذة من مادة الكون، وهو الأمر الذي تركه ~~الله للناس ليكونوا أحرارا فيه، يفكرون، وينظرون، ويتأملون، ويبتكرون، ~~ويصلون إلى أسرار في الكون تخفف عنهم تبعات الحياة، وتؤدي لهم غايات ~~السعادة في الوجود بأقل مجهود. ولكننا نجد الصراع العنيف على الجانب ~~الآخر - جانب المبادئ والمنهج - وهو صراع لا يهدأ أبدا لأنه صراع ~~الأهواء فيما لم تحكمه تجربة مادية، وهم يختلفون خلافات عميقة، ~~الرأسمالية تختلف عن الاشتراكية، وتتنوع الخلافات بين كافة المذاهب التي ~~أنتجتها الأهواء: الشيوعية، الوجودية، الاشتراكية، الرأسمالية، وكل هذه ~~المسائل لم تحكمها تجربة أو معمل لذلك كان الخلاف. # ومن المؤسف أن البشر قد استغلوا ما اتفقوا فيه من ابتكارات علمية في فرض ~~النظم التي اختلفوا عليها. وقد أوضح الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم هذا الأمر إنه جل وعلا قد ترك عقول البشرية حرة في كل ما يخضع ~~للتجربة، ولكنه نظم حياة الإنسان على الأرض في ضوء المنهج الإيماني لأن ~~الإسلام جاء في إثر ديانة حاول القائمون على أمرها من الكهنة أن يفرضوا ~~سيطرة الكهنوت على العقل البشري في أسرار الكون. والمثال على ذلك واضح ~~تماما في التاريخ البشري، ففي العصر الذي تأخرت فيه أوروبا وسمي " عصر ~~الظلمات " كان المسلمون في الشرق باتباعهم ms3023 لمنهج الله يعيشون في عصر ~~النور لأن الإسلام علمهم مجال استعمال العقل وقدراته على استنباط أسرار ~~الله في الكون، وجاء سبحانه بهذا الدين وهو النبأ العظيم ليوضح لنا في ~~مسيرة هذا الدين كل عبرة، وكأنه يقول لنا: إن هذا الدين قد بدأ ضعيفا ~~والذين آمنوا به قلة مستضعفة لا يستطيعون حماية أنفسهم بل تلمسوا الحماية ~~وطلبوها عند ملك غريب في الحبشة، وعلى الرغم من ذلك أنتصروا لأنهم أخذوا ~~بهذا الدين. وقال صلى الله عليه وسلم مقالة ربه: { لكل نبإ ~~مستقر وسوف تعلمون } [الأنعام: 67]. ومعنى " مستقر " أي ~~ميلاد يستقر فيه. أي لا تتعجلوا الأحداث، ولا تجهضوها فإن شاء الله سيكون ~~لهذا الدين انتشار، وهذا الانتشار له ميلاد في زمان وميلاد في مكان، أما ~~زمانه فإلى أن تقوم الساعة، وأما مكانه فالأرض كلها لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جاء رسولا للناس كافة، وخاتما للنبيين والمرسلين. ويؤيد ~~الحق سبحانه قضية { لكل نبإ مستقر } بأن يشهد الواقع من ~~الحقائق ما يؤكد ذلك. ومثل ما حدث في الزمن القريب المعاصر لميلاد الدعوة ~~الإسلامية. فحينما جاء الإسلام آمن به قلة مستضعفة، ولما نزل قوله ~~سبحانه: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أي جمع هذا الذي سيهزم ~~ويولون الدبر ونحن لا نستطيع حماية أنفسنا؟ فلما جاء يوم بدر ورأى مصارع ~~القوم كما قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلاغا عن الله قال عمر بن ~~الخطاب: صدق الله، لقد هزم الجمع وولوا الدبر. ونجد كل قضية قرآنية ~~محفوظة ومسجلة في السطور، يحفظها الله حتى لا يكون للناس على الله حجة ~~لأنه سبحانه القائل: { لكل نبإ مستقر وسوف ~~تعلمون } [الأنعام: 67]. فلو لم يكن الواقع يؤيد أن لكل نبأ ~~مستقرا، ولكن حدث ميلادا زمانا ومكانا، فماذا يظن الناس الذين ~~يستقبلون القرآن؟ لذلك أتى الحق بكل قضية قرآنية ومعها دليلها، وأعطى ~~الحق بعضا من الحقائق الموثقة بالأحداث زمانا ومكانا ليتأكد قوله ~~الحق: { لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون } [الأنعام: ~~67]. # وقد علمت الدنيا وانتصر ms3024 الإسلام. لقد شاء الحق أن يربي حامل الدعوة ~~الأول - عليه الصلاة والسلام - ويعلم معه صحابته رضوان الله عليهم، ~~يعلمهم منطقا ليسايروا به أحداث الكون. ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى كان ~~ينزل الرسل بالأديان على فترات، وعندما يعم الفساد في الأرض ينزل الحق ~~منهجه على رسول ليهدي الناس إلى الصراط المستقيم لأن الحق سبحانه وتعالى ~~جعل في كل نفس بشرية تعادلا ذاتيا، فإذا اشتهى الإنسان شهوة يحرمها ~~الدين، وقضى الإنسان هذه الشهوة، وهدأت شرة وحدة المعصية في نفسه، ~~فالإنسان يؤنب نفسه ويوبخها. ولكن النفس قد تستمرئ الشهوات، وينعدم ~~الوازع الذي يردع الإنسان. وإذا انعدم الوازع في فرد واحد فلن ينعدم في ~~المجتمع، ونجد من الناس من يحمل المجتمع على المعروف، ويوجه صاحب النفس ~~التي استمرأت المعصية إلى التوبة والخير. أما إذا عم الفساد في الفرد وفي ~~المجتمع فماذا يكون الموقف؟ لا بد أن تتدخل السماء برسول جديد، ومنهج ~~جديد. ويأتي الرسول الجديد ومعه المنهج اللازم لإصلاح الكون. ولا يتبع ~~الرسول الجديد إلا المستضعفون القلة، وأهل البصيرة من أهل القوة حتى لا ~~يظن ظان أن الضعفاء لاذوا بالدين ومالوا إليه بسبب ضعفهم. ويحذر الحق ~~المؤمنين وكأنه يقول: إنكم تواجهون باطلا عض الناس وأرهقهم وأعنتهم، ~~وحين يعض الباطل المجتمعات فالذي ينتفع من ذلك هم أهل الباطل، والذي ~~يشقى بذلك هم أهل الحق. فلكل فساد طبقة منتفعة به. وحين توجد الطبقة ~~المنتفعة بالفساد. وحين توجد كلمة الحق فإن المنتفعين بالفساد ينظرون إلى ~~نفوذهم الذي سينحسر حتما عندما تسود كلمة الحق. وحين ينتصر الحق لا بد ~~أن يزول الفساد ومعه كل نفوذ أهل المفاسد. لذلك يقف المنتفعون من الفساد ~~ضد الدين الجديد ليحافظوا على مكانتهم في المجتمع. ويقول الحق تهذيبا ~~للمؤمنين، وتأديبا لغير المؤمنين: { وإذا رأيت الذين ~~يخوضون... }. ### || [6.68] # وبهذا القول يوضح الله لرسوله صلى الله عليه وسلم: اعلم أن ما جئت به ~~سيخاض فيه، ويقال مرة إنه سحر، ومرة إنه شعر، وثالثة إنه كهانة، ورابعة ~~يتهمونك بالكذب، ولا يقول ذلك إلا المنتفعون بفساد الكون، ms3025 فإذا ما جاء ~~مصلح فسيجعلونه عدوا لهم. لذلك لا بد أن تحافظ على أمرين.. الأمر الأول: ~~أن الذين اتبعوك - وهم ضعاف - قد لا يستطيعون مواجهة القوة الظالمة لذلك ~~لا تحملهم ما لا طاقة لهم به ولكن تريث فإن لكل نبأ مستقرا، والأمر ~~الثاني: أنك إذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم وبين لهم ~~الجفوة فلا تقبل عليهم، ولا توادهم، ولا تستمع إليهم، ولا يسمع إليهم ~~أصحابك، لماذا؟ لأنهم يخوضون في آيات الله. ولكن أيستمر هذا الإعراض عنهم ~~طوال الوقت؟، لا، فالإعراض عنهم إنما يكون في أثناء خوضهم وتكذيبهم لآيات ~~الله، أما في غير ذلك من الأوقات فاعلم أن آذانهم في حاجة إلى سماع صيحة ~~من الحق، لذلك انتهز به لأنك إن تركتهم على ضلالهم فإن قضية الإيمان تصير ~~بعيدة عنهم، وأنت مهمتك البلاغ، والله يريد الخير لكل خلقه. { وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره } [الأنعام: 68]. وكلمة " الخوض ~~" هذه تشعرنا بمعنى في منتهى الدقة لأن الخوض في أصله هو الدخول في الماء ~~الكثير. والماء الكثير ساتر لما تحت قدمي الذي يخوض فيه، وما دام قد ستر ~~ما تحت قدميه فهو لا يدري إلى أي موقع تقع قدماه، وربما وقعتا في هوة، ~~لكن الذي يسير في غير ماء فالطريق واضح أمامه، يضع قدميه حيث يرى فيها ~~ثباتا واستقرارا وعدم إيذاء. وأخذوا من ذلك المعنى وصف الكلام بالباطل، ~~لأنه خوض بدون اهتداء. ولذلك يقول الحق: # ثم ذرهم في خوضهم يلعبون # [الأنعام: 91]. ولماذا وصف فعلهم هذا بأنه لعب؟ ذلك لأن اللعب هو شغل ~~النفس بشيء غير مطلوب وكان في قالب الجد. ولكن إذا كان هذا الشيء يؤدي ~~إلى نبوغ في مجال من مجالات الحياة فنحن ندرب أبناءنا عليه في فترة ما ~~قبل البلوغ. ومثال ذلك تدريب الأبناء على السباحة والرماية. وركوب الخيل. ~~وما إن يبلغ الإنسان فترة البلوغ حتى تصير له مهمة في الحياة، ويصبح عليه ~~أن يتحمل المسئولية، فلا يضيع وقته في اللعب أو فيما ms3026 يلهيه عن أداء ~~الواجب. { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره } ~~[الأنعام: 68]. والنفس البشرية لها أغيار. وهذه الأغيار قد تنسيها بعض ~~التوجهات. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم موعود من ربه بعدم النسيان. # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6]. فإذا كان هذا بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف ~~نفهم قول الحق هنا: { وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد ~~بعد الذكرى مع القوم الظالمين } [الأنعام: 68]. إننا ~~نفهم هذا القول على أساس أنه تعليم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وحينما ~~ينزل أمر من السماء فرسول الله أولى الناس بتطبيقه، فإذا كان الرسول ~~يخاطب: { وإما ينسينك الشيطان } فإذا ما نسي إنسان ~~لغفلة من الغفلات، فليأخذ علاج الله للنسيان، وهو ألا يقعد مع هؤلاء ~~القوم الذين يخوضون في آيات الله في أثناء خوضهم، ولكن عليه أن يتركهم ~~ويعرض عنهم. إذن فالحق سبحانه وتعالى احترم خلقه لأنه وهو العليم بهم، ~~خلق لكل إنسان ملكة حافظة، وملكة ذاكرة، وملكة مخيلة، وكل ملكة من هذه ~~الملكات تؤدي مهمة: فالملكة الحافظة تحفظ المعلومات، والذاكرة تأتي ~~بالمعلومات المحفوظة القديمة لتجعلها في بؤرة الشعور. ولو لم يكن هناك ~~نسيان لما استطاعت فكرة أن تدخل في ذهن الإنسان لأن العقل لا ينشغل إلا ~~بقضية واحدة في بؤرة الشعور. وحتى تدخل قضية أخرى في بؤرة الشعور، لا بد ~~أن تتزحزح القضية الأولى من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور. لذلك لا بد من ~~نسيان خاطر ما ليحل محله خاطر آخر. ولو ظل الإنسان ذاكرا لقضية من ~~القضايا في نفسه لصار من المحال أن تدخل قضية جديدة أخرى. ولهذا خلق الله ~~النسيان، أي انتقال قضية ما من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور. والإنسان ~~منا يتذكر شيئا حدث من عشرين عاما، ثم يمر هذا الحادث بالخاطر فجأة، ~~ويتساءل الإنسان، كيف؟ ويعرف الإنسان أن هذا الحادث كان محفوظا ومصونا ~~في دوائر شعورية بعيدة. ولذلك نجد الإنسان عندما يريد استعادة معنى من ~~المعاني فهو يترك لنفسه فرصة لاستعادة هذا الخاطر ms3027 أو ذلك المعنى، ولذلك ~~يسمون هذه المسألة " تذكر ". { وإما ينسينك الشيطان فلا ~~تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين } [الأنعام: ~~68]. ولماذا ينسب الحق النسيان للشيطان؟، لأن حقائق الحق في دينه هي ~~الصدق، ولا يصح أن تغيب أبدا عن بال المؤمن، وهي لا تغيب عن بال المؤمن ~~إلا بعمل الشيطان فالشيطان يزين الأمر الذي يحبه الإنسان ويشغله عن أمر ~~آخر، فإذا ما نزغ الشيطان لينسى الإنسان، وتذكر الإنسان أن هذا من نزغ ~~الشيطان فليستعذ بالله من الشيطان ولا يقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين. وأنت حين تفعل ذلك وتنفر من هؤلاء القوم الظالمين فأنت تلفتهم ~~إلى أن ما عندك من يقين إيماني هو أعز عندك مما في مجالسهم من حديث وما ~~يكون لديهم من نفع. وبذلك تنتفع أنت بهذه التذكرة وهم أيضا يلتفتون إلى ~~أهمية الإيمان وأفضليته عند المؤمن على ما عداه. وما كان الحق سبحانه ~~وتعالى ليفرض على المؤمنين مقاطعة المشركين في أثناء فترة ضعف المؤمنين ~~في بداية الدعوة. وكان المؤمنون يلتقون في المسجد الحرام، وكان المشركون ~~يذهبون أيضا إلى الكعبة قبل فتح مكة، فهي مكان حجيجهم، فهل يقاطع ~~المسلمون المسجد الحرام في بداية الدعوة الإسلامية ولا يلتقون؟ قطعا لا. ~~ولكن كان المسلمون يذهبون للقاء في المسجد الحرام، وإذا جاء الذين يخوضون ~~في آيات الله فهم يعرضون عنهم. ووزر الخائضين على أنفسهم. ولذلك يقول ~~الحق: { وما على الذين يتقون... }. ### || [6.69] # أي أنك إذا كنت معهم وخاضوا في الحديث فقمت من مجلسهم أو نسيت وقعدت ثم ~~تذكرت فقمت، فأنت تلفتهم إلى أن ما أقامك من مجلسهم هو شيء أكثر أهمية ~~من هذا المجلس، إنه احترام تكليف الله فيما أمرك به ونهاك عنه، وليس عليك ~~ولا على الذين يتقون الله من أوزار هؤلاء الظالمين من شيء، وليس عليكم من ~~حسابهم من شيء، ومجرد قيامكم من مجلسهم هو تذكرة لهم لعلهم يتفكرون في ~~منطق الحق ويخشون الله ويبعدون أنفسهم عن الوقوع في الباطل حتى يكونوا في ~~وقاية من عذاب الله وسخطه. ويقول الحق من ms3028 بعد ذلك: { وذر الذين ~~اتخذوا دينهم... }. ### || [6.70] # قلنا - من قبل -: إن اللعب هو الاشتغال بما لا يفيد لقتل الوقت. وعرفنا ~~أن اللعب مجاله قبل التكليف أي قبل سن البلوغ. وإذا شغلك اللعب عن شيء ~~مطلوب منك فهو لهو لأنك لهيت عن امر واجب عليك، فاللهو - إذن - هو ~~الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة. وقوله الحق: { وغرتهم ~~الحياة الدنيا } هو تصوير لا يوجد أبرع منه لأنهم من أصحاب ~~العقول التي تغتر بالحياة الدنيا فهي عقول تائهة فالعقل الناضج يفهم ~~الدنيا على أنها أقل شأنا من أن تكون غاية، ولكنها وسيلة أو مجال وطريق ~~ومزرعة إلى الآخرة. وعلى العقل الناضج أن يعاملها دون نسيان مهمتها، وآفة ~~الناس أنهم جعلوا الوسائل غايات، وغاية وجود الناس على الأرض أن يعمروها ~~بالعمل الصالح وعبادة الحق، فمن انحرف عن ذلك فله عقابه يوم الغاية ~~الكبرى، وهو يوم الحساب. إننا نعلم أن غاية الإنسان من الحياة الدنيا ~~ليست أن يعيش عمرا طويلا، ولا أن ينال المناصب، ولا أن يحصل على ~~الثراء، ولا أن ينال القوة، فكل ذلك من الأغيار، والأغيار تختلف من إنسان ~~إلى آخر. وما نختلف فيه نحن البشر ليس غاية لوجودنا، والغاية للوجود ~~الإنساني لا بد أن تكون واحدة. وأن نتفق فيها جميعا، هذه الغاية هي ما ~~نصير إليه بعد الموت. ونجاح كل عمل بمقدار ما يقرب الغاية منه. ولذلك ~~فالمؤمن الحق يرى استقبال البشر لقضية الموت استقبالا أحمق، فعندما يموت ~~شاب في العشرين نجد من يقول: " إنه لم يستمتع بشبابه " والمؤمن الحق يرد ~~على مثل هذا القول متسائلا: أين تريد أن يستمتع بشبابه؟. ويجيب أصحاب ~~الفهم السطحي: لقد مات قبل أن يستمتع بشبابه في هذه الدنيا. ويقول المؤمن ~~الحق: وهل هذه الدنيا هي الغاية؟. إنها ليست الغاية، بل الغاية هي الحياة ~~الأخرى. ومن مات قبل التكليف فقد أنقذه الله من الحساب وأوطنه الجنة ~~يتلقى نعيمها الدائم. فلماذا - إذن - هذه المبالغة في الحزن على أي ميت؟ ~~والذي يقترب من الغاية يحب هذه الغاية. وهب ms3029 أن إنسانا غايته أن يذهب إلى ~~الإسكندرية، والوسيلة إليها قد تكون حصانا أو عربة أو طائرة، فكل شيء ~~يقربه من الغاية يكون هو الأفضل. فإذا كان الله يريد أن يأخذ بعضا من ~~خلقه وهم في بطون أمهاتهم، فهذه إرادته. والذي ذهب من بطن الأم إلى القبر ~~قرب من الغاية، وخلص من المراحل التي كانت تحمل في طياتها الفتنة. ودخل ~~الجنة. وهب أن الوليد عاش إلى عمر المائة وصار شيخا ومر بكل اختبارات ~~الفتنة واستقام على المنهج، فإلى أين مصيره؟ إنه إلى الجنة. # إذن فعلينا أن نستقبل كل قدر لله بحب: قدر الميلاد أو قدر الخروج من ~~الدنيا، ولذلك يقول الحق سبحانه: # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا # [الملك: 1-2]. إنه سبحانه لم يقل إنه خلق الحياة والموت، لا، بل قال: # خلق الموت والحياة # [الملك: 2] وذلك حتى يستقبل كل منا الحياة، ويسبقها في الذهن ما ينقض ~~هذه الحياة وهو الموت. إذن فهذه هي الغاية التي يتفق فيها كل الجنس ~~البشري، أما ما عداها فهي أغيار نختلف فيها. لذلك لا تقل إن الغاية من ~~ابنك أن ينجح في القبول للإعدادية ثم يحصل على الشهادة الإعدادية، ثم ~~يحصل على الثانوية العامة، ثم يحصل على ليسانس الكلية أو بكالوريوس ~~التخرج أو درجة الماجستير أو درجة الدكتوراة، ثم يصير صاحب شأن في ~~الحياة، لا تقل ذلك لأن كل ذلك ليس غاية في الحياة، ولأن الغاية هي ما لا ~~يوجد بعدها بعد، ولكن علينا أن نقوم بإعمار الأرض كما أمرنا الله ولكن لا ~~نجعلها هي الغاية. ولذلك قال الحق سبحانه: # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ~~كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ~~ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيآ ~~إلا متاع الغرور # [الحديد: 20]. هذه هي الحياة الدنيا، ولذلك يجب أن نحيا دائما على ضوء ~~ما ينجينا من العذاب ms3030 وهو ذكر الله، إن الحق سبحانه يقول: { وذكر ~~به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ~~ولي ولا شفيع } [الأنعام: 70]. والذكر هنا مقصود به التذكير ~~بالقرآن وهو المنهج النازل من السماء وطبقه رسول الله، وسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الذكر أيضا، أو الذكر هنا مقصود به العذاب الذي ~~ينتظر من يخالف المنهج، وقوله الحق: { وذكر به } ، يدل على أن ~~منطق الفطرة يقتضي أننا نعرف أن الحق لا يمكن أن يعامل المتقين في الدنيا ~~كما يعامل المنحرفين. ومثال ذلك الإنسان الذي يخوض في أعراض الناس ~~ويظلمهم لا يتصور أبدا -أن يلقى من الحق - سبحانه - المعاملة التي يعامل ~~بها الإنسان الملتزم بمنهج الإيمان فالفطرة تقول لنا: إن الحق يجازي كل ~~إنسان بعمله، سواء أكان الجزاء في الدنيا أم في الآخرة. ومن المأثور عن ~~بعض العرب أنه قال: لن يموت ظلوم حتى ينتقم منه الله. ومن بعد ذلك مات ~~رجل ظلوم ولم ير فيه الناس انتقام السماء، فقال الرجل العربي: والله إن ~~وراء هذه الدار دارا يجازى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. { ~~وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت } والبسل معناه: ~~المنع، والمنع له صورتان: الأولى منع حركة حياة حي. # . أي أن تحبسه في مكان محدد يتحرك فيه، والثانية: منع من أصل الحياة.. ~~أي أن تهلكه وتزهق روحه، { تبسل نفس بما كسبت } أي تمنع ~~نفس بما كسبت، والمنع إما بالهلاك أو بالحبس حبسا يديم عليها العذاب. ~~والحبس - في أعراف البشر - وهو وضع إنسان في مكان لكفه عن ظلم غيره، أي ~~أننا نمنع شرور إنسان عن المجتمع بوضعه في الحبس. وعندما جاء الإسلام لم ~~يحبس فردا إنما حبس المجتمع عن فرد، وهذا عقاب أكبر وأشد فقد ترك ~~الإسلام المجرم حرا في المجتمع ولكنه حبس المجتمع عنه فالمجرم يمشي فلا ~~يجد من يكلمه أو يضحك له أو يفرح معه أو يشاركه حزنه. وحدث ذلك عندما حبس ~~المؤمنون أنفسهم عن ثلاثة تخلفوا عن الغزو مع رسول الله صلى الله عليه ms3031 ~~وسلم حتى أن إنسانا منهم جاء ليقرب امرأته فرفضت. وحاول ثان أن يسلم على ~~ابن عمه فما رد عليه السلام فجلس يبكي. وقاطع كل الناس هؤلاء الثلاثة، ~~وهذه هي عظمة الإسلام، لقد سجن المجتمع عن المجرم فتعذب المجرم بقطيعة ~~المجتمع له. { وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت } أي ~~ذكر بالقرآن أو بالمنهج أو بعاقبة مخالفة الإنسان للمنهج. والعقاب إما ~~حبس وإما هلاك، وذلك بسبب ما تكسب النفس. والكسب في اللغة معناه زيادة ~~على رأس المال. وللكلمة اشتقاق ثان وهو " اكتسب ". ومرة تأتي الكلمتان في ~~معنى واحد، فالكسب يحدث دون افتعال ودون تعب أو مشقة، أما الاكتساب فهو ~~يحدث بافتعال وبمعالجة وعنت لأن الذي يصنع المحرم يأخذ أكثر من قدرة ~~ذاته، فيكون قد اكتسب. أما الذي يأخذ الأمر المشروع له فهو قد كسب. ولكن ~~بعض الناس تأخذ ما اكتسبوه باحتيال ومكر ويظنون أنه كسب وهذا هو الشر ~~لأنه يأخذ غير المشروع له ويحلله لنفسه، ويعتبره كسبا لا اكتسابا. ~~ولذلك يقول الحق سبحانه: # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # [البقرة: 286]. إن " لها " أي لصالح النفس لأنها أخذت ما هو حق لها. و " ~~عليها " أي ضد النفس لأنها افتعلت في أخذ ما ليس حقا لها. ومثال ذلك: ~~نظرة الرجل إلى زوجته، إنها نظرة طيبة إلى حلال طيب. لكن نظرة الرجل إلى ~~امرأة غريبة قد تحتوي من الافتعال الكثير فهو يتلصص ليراها، ولا يرغب في ~~أن يراه أحد وهو يختلس النظر إليها، وهذه كلها انفعالات مفتعلة. ومثال ~~آخر: سيدة البيت عندما تدخل إلى مطبخها فتتناول شيئا لتأكله، إنها تأكل ~~من حلال مال زوجها، أما الخادمة فعندما تريد أن تأخذ قطعة من اللحم من ~~المطبخ دون علم أهل البيت فهي تتلصص، وتحاول معرفة عدد قطع اللحم، وقد ~~تتساءل بينها وبين نفسها: ألم تقم ربة البيت بحصر عدد قطع اللحم؟ ولذلك ~~فهي تأخذ من كل قطعة لحم قطعة صغيرة. # وهذا افتعال يتعب الجوارح لأن مثل هذه الأمور تتعب ملكات الإنسان، إنه ~~يحاول أن يرضي ملكة ms3032 واحدة فيتعب كل ملكاته الأخرى. { وذكر به أن ~~تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ~~ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ... } ~~[الأنعام: 70]. إذن فهي النفس التي تحبس وتسلم نفسها إلى الهلكة والعذاب ~~بسوء كسبها ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع، ولا يقبل منها عدل. وهذه ~~مراحل متعددة تبدأ بقوله الحق: { ليس لها من دون الله ولي ~~} والولي هو الذي ينصرك إن كنت في مأزق. ومأزق الآخرة كبير، فماذا عن ~~الإنسان الذي ليس له ولاية؟ إنه العذاب الحق. والمرحلة الثانية { ولا ~~شفيع } أي ليس له من يشفع عند من يملك النصرة وهو الله فالذي يحبك إن ~~لم ينصرك بذاته فإنه قد يشفع لك عند من يستطيع أن ينصرك. وهذا أيضا لا ~~يوجد لمن لم يتذكر ويتعظ ولم يتبع المنهج الإيماني. والمرحلة الثالثة { ~~وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ } أي أنه لا تقبل منه ~~فدية. فهذه المنافذ الثلاثة قد سدت ولا سبيل للنجاة لهؤلاء الذين قال ~~فيهم الحق: { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا } أي ~~أهلكوا أو حبسوا في الجحيم حبسا لا فكاك منه، وليس هذا فقط ولكن الحق ~~يقول أيضا: { لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما ~~كانوا يكفرون }. إن كلمة " شراب " إذا سمعناها فإننا نفهم منها ~~الري. ولكن الحق هنا يتبع كلمة " شراب " بتحديد مصدر هذا الشراب، إنه " ~~من حميم " ليحدث ما يسمى " انبساط " و " انقباض " فالشيء الذي يسر ~~الإنسان تنبسط له النفس. والشيء الذي يحزن الإنسان تنقبض له النفس. ولو ~~أن الأمر المحزن جاء بداية في هذا القول الكريم لانقبضت النفس في المسار ~~الطبيعي، لكن الحق شاء أن يأتي أولا بكلمة من يسمعها تسر نفسه وهي " ~~شراب " ثم تبعها بما يقبض النفس " من حميم " ليكون الألم ألمين: ألم زوال ~~السرور، وألم مجيء الحزن. ويصور القرآن في موضع آخر هذه الصورة فيقول: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي ~~الوجوه... # [الكهف: 29]. وتنبسط النفس حين تسمع الجزء الأول وهو: # وإن يستغيثوا يغاثوا # [الكهف: 29] ولكنها ms3033 تنقبض فور سماعها # بمآء كالمهل يشوي الوجوه # [الكهف: 29]. وصورة أخرى عندما يقول الحق: # فبشرهم بعذاب أليم # [التوبة: 34]. وتنبسط النفس - كما علمنا - حينما تسمع خير البشارة لأن ~~البشارة تأتي للأمر المفرح، وتنقبض عندما تعلم أن البشارة هي بالعذاب ~~الأليم. إذن فقد جاء الحق بالانبساط، وجاء بالانقباض. وهذه سنة من سنن ~~الله في التأديب. ومثال على ذلك: عندما يرتكب إنسان مظالم كثيرة، وتفاقم ~~واستفحل شره ويريد الله أن ينتقم منه، إنه سبحانه لا ينتقم منه وهو على ~~حاله الطبيعي، إنما يرفع الحق - سبحانه - هذا الظالم إلى درجات عالية ثم ~~يخسف به الأرض. # ولذلك يقول الحق: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة... # [الأنعام: 44]. وساعة تسمع { فتحنا عليهم } فأنت تخاف لأن ~~الفتح هنا " عليهم " وليس " لهم ". لكنك ساعة تسمع قوله الحق: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # [الفتح: 1]. فإنك تحس بالانشراح والسرور لأن الفتح هنا لصالح المتلقي ~~وليس عليه هكذا يريد الحق أن يصلى المتجبرون العذاب المضاعف: {... ~~لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا ~~يكفرون } [الأنعام: 70]. والعذاب هنا نتيجة لما فعلوه وليس فعل جبار ~~متسلط. أما غيرهم من المتساوين معهم في الملكات، واختاروا الخير فآمنوا ~~بالمنهج وطبقوه على أنفسهم فقد نالوا الخير بما فعلوا، والتكوين الإنساني ~~في ذاته صالح لفعل الخير ولفعل الشر، وسنة الحق واضحة جلية: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. ويقول الحق من بعد ذلك: { قل أندعوا من دون ~~الله... }. ### || [6.71] # هذه الآية تبدأ بسؤال عن عبادة الأصنام أو غيرها، ما الذي صنعته تلك ~~الأصنام أو غيرها لمن عبدها؟ وماذا صنعت لمن لم يعبدها؟. وهذا أول منطق ~~في بطلان ألوهية غير الله، فمن عبد الشمس مثلا ماذا أعطته الشمس؟ ومن كفر ~~بها كيف عاقبته الشمس؟. إنها تشرق لمن عبدها ولمن لم يعبدها. والصنم الذي ~~عبدوه، ماذا صنع لهم؟ لا شيء. وهذا الصنم لم ينزل عقابا على من لم ~~يعبده، بل إن الذي ms3034 انتفع هو من لم يعبد الأصنام لأنه أعمل فكره ليبحث عن ~~خالق لهذا الكون. وهكذا نجد النفع والضر إنما يأتيان من الإله الحق: { ~~ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله } والإنسان ~~دائما حين يسير فهو يقطع خطوة إلى الأمام فيقصر المسافة أمامه، أما من ~~يرد على عقبه فهو من يرجع هذه الخطوة التي خطاها. وهذا حديث المؤمنين ~~الذين يرفضون أن يعودوا إلى عبادة غير الله لأنهم آمنوا وساروا في طريق ~~الهدى، وليس من المنطق أن يرتدوا على أعقابهم وأن ينقلبوا خاسرين. { ~~كالذي استهوته الشياطين في الأرض } كلمة " شيطان " ~~مقصود بها عاصي الجن. والجن جنس مقابل للإنس، وما دام في الإنس طائعون ~~وعاصون فكذلك في الجن طائعون وعاصون. والحق قال: # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ~~فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى ~~الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا # [الجن: 1-2]. إذن فمن الجن من هو مؤمن. ومن الجن من هو عاص. والعاصي من ~~الجن يسمى شيطانا. وإياك أن تنكر أيها المسلم وجود الشيطان لأنك لا ~~تراه، لأن الشيطان من المخلوقات التي ذكرها الله من عالم الغيب، وحجة ~~وجودها هو تصديقك لمن قال عنها، وهناك فرق منطقي وفلسفي بين وجود الشيء ~~وبين إدراك وجود الشيء. والذي يتعب الناس أنهم يريدون أن يوحدوا ويربطوا ~~بين وجود شيء وإدراكه. وهناك فارق بين أن يوجد أو يدرك ذلك أن هناك ما ~~يكون موجودا ولكنه لا يدرك. { قل أندعوا من دون الله ما ~~لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد ~~إذ هدانا الله } [الأنعام: 71]. جاء هذا التصور في صورة استفهام. ~~إن الحق طلب من رسوله أن يقوله، فكأن الصورة: أن قوما هداهم الله إلى ~~الحق فدعوا إلى أن يعبدوا غير الله ويدعوا ما لا ينفع ولا يضر، فيردوا ~~على أعقابهم، أي بعد الهداية، وهذه هي صورة الحيرة والتردد لأنهم كانوا ~~على هدى، ثم دعوا إلى أن يعبدوا من دون الله ما لا ينفع ولا يضر. وأراد ~~الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا ms3035 صورة لهذه الحيرة، ولهذا التردد، فقال: { ~~كالذي استهوته الشياطين }. و " استهوته " من مادة " ~~استفعل " وتأتي دائما للطلب كقولنا " استفهم ". # أي طلب الفهم، و " استخرج ". أي طلب الإخراج للشيء، " فاستهوته " طلبت ~~هوية. أي جعلته يتقبل ما تريد واستولت عليه دون أن يكون لديه أي ~~دليل أو حجة على صحة ما تدعوه إليه بأن صار عجينة تشكله الشياطين كما ~~تشاء، وترده مادة " الهاء والواو والياء " لمعان، إن مدت فهي الهواء ~~الذي نتنفسه، وما به أصل الحياة، وإن قصرت، فإنها هي الهوى وهو ميل ~~النفس إلى شيء، أو تكون هويا أي سقوطا. إذن فالمادة تأتي إما للهواء ~~إن كانت ممدودة، وإن كانت بالقصر فهي من الهوى أو من الهوى كأن ~~تقول: " هوى، يهوي هويا " أي سقط من علو إلى أسفل، وهوى، ~~يهوى، هوى. أي أحب، وهكذا نعرف أن " استهوته " أي طلبت هويه أو ~~هواه أي ميل نفسه إلى اتباع الهوى، وحين تستهوي الشياطين الإنسان فهي ~~تريد أن تجتذبه إلى ناحية هواه، وتوقظ الهوى في النفس، وبذلك تدعوه ~~ليهوي. والحق يقول: # ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء ~~فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق # [الحج: 31]. وحين يخر عبد من السماء، إما أن تتخطفه الطير أو تهوي به ~~الريح في مكان سحيق، وحين تأتي إلى الهوى والهوى فاعلم أن الهوى ~~يجذبك إلى ما يضرك، ولذلك لا تسلم منه إلا أن يكون هواك تبعا لما جاء به ~~الحق، ولكن إن اتبعت هواك فلا بد أن يؤدي بك إلى الهوي: { كالذي ~~استهوته الشياطين في الأرض حيران } [الأنعام: 71]. ~~وما هي الحيرة؟ هي التردد بين أمر ومقابله. وعرفنا من قبل أن الحيرة ~~في هذه الآية جاءت لمن اهتدى وسار خطوة للمنهج ثم رد على أعقابه ورجع، ~~ولكن له أصحاب يدعونه إلى الهدى، فهو بين شيطان يستهويه، وأصحاب يدعونه ~~للمنهج لذلك يكون حيران: بين هاوية ونجاة، والشيء الذي يهوي لا استقرار ~~له، وحين نرى - على سبيل المثال - حجرا يهوي للأرض نجده يدور، ولا اتجاه ~~له. وهذه صورة ms3036 معبرة، ويأتي له القول الفصل: { قل إن هدى الله ~~هو الهدى } [الأنعام: 71]. فمن يتبع إذن؟ إنه يتبع الذين يدعونه ~~إلى منهج الحق سبحانه وتعالى لأن الهدى هو المنهج والطريق الموصل للغاية، ~~والصنعة لا تضع غاية لنفسها، بل الذي يضع الغاية هو من صنعها، وسبق أن ~~قلت: إن التليفزيون لا يقول لنا غايته، ولا يعرف كيف يصون نفسه، بل يضع ~~ذلك من صنعه، وكذلك الإنسان عليه أن يأخذ غايته ممن خلقه، والذي ~~يفسد الدنيا أن الله خلق، لكن الناس أرادوا أن يضعوا لأنفسهم قانون ~~الصيانة، لذلك نقول: إن علينا أن نأخذ قانون الصيانة ممن خلقنا، وهدى ~~الله هو هدى الحق. # وجاءت " الهدى " هنا لتعطينا يقينا إيمانيا في إله واحد، وحين توجد ~~عقيدتنا في إله واحد، لا تختلف أهواؤنا أبدا لأنه هو الذي يضع لنا ~~القانون، وساعة يضع لنا القانون ويكون كل منا خاضعا لقانونه، لا يذل ~~أحد منا لأحد آخر فأنا وأنت عبيد لإله واحد، ولا غضاضة عليك ولا غضاضة ~~علي. وحين يريد البشر أن يسير الناس على أفكارهم فإن صاحب الفكر يريد ~~أن يذل الآخرين له ويأخذهم على منهجه وعلى مبدئه، وهو في الحقيقة ليس ~~أفضل منهم، ولذلك تجد الهداية الحقة حين نخضع جميعا لإله واحد، ويتساند ~~المجتمع ويتعاضد ولا يتعاند، ويتوجه الهوى إلى محبة منهج الله. # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض # [المؤمنون: 71]. ولهذا جاء الدين لأن الشرع لا يقرر شيئا ضد الإنسان. ~~ونذكر جميعا قصة ملكة سبأ وسيدنا سليمان عليه السلام حينما قالت: # وأسلمت مع سليمان # [النمل: 44]. ولم تقل: أسلمت لسليمان بل أسلمت مع سليمان لله، فلا غضاضة ~~أن تكون قد أسلمت فهي ليست تابعة لسليمان، بل تابعة لرب سليمان، إذن حين ~~يأتي التشريع من أعلى، لا غضاضة لأحد في أن يؤمن، ولا يظن واحد أنه تبع ~~لآخر بل كلنا عبيد لله. وحين نكون جميعا عبيدا لواحد نكون جميعا سادة. ~~ويتمثل الهدى في الإيمان بإله واحد، ونأخذ هذا الإيمان بأدلتنا العقلية. ~~إننا ندخل عليه من باب العقل، ms3037 ونسلم أمرنا له لأنه هو أعلم بما يصلحنا. { ~~وأمرنا لنسلم لرب العالمين } [الأنعام: 71]. وقوله ~~تعالى: { وأن أقيموا الصلاة... }. ### || [6.72] # هنا تجد الأمر بثلاثة أشياء: نسلم لرب العالمين، ونقيم الصلاة، ~~ونتقيه سبحانه، لماذا؟ لأن كل الأعمال الشرعية التي تصدر من الجوارح لا ~~بد أن تكون من ينابيع عقدية في القلب. وكيف نسلم لرب العالمين؟. أي نفعل ~~ما يريد وننتهي عما ينهى عنه، ثم نقيم الصلاة وهو أمر إيجابي، ونتقي الله ~~أي نتقي الأشياء المحرمة وهو أمر سلبي، وهكذا نجد أن الهدى يتضمن إيمانا ~~عقديا برب نسلم زماننا له لتأتي حركتنا في الوجود طبقا لما رسم لنا في ~~ضوء " افعل " و " لا تفعل " ، وحركتنا في الوجود إما فعل وإما ترك. ~~والفعل أن نقوم بسيد الأفعال وهو الصلاة، والترك أن نتقي المحارم، وهذا ~~كله إنما يصدر من الينبوع العقدي الذي يمثله قوله: # لنسلم لرب العالمين # [الأنعام: 71]. والحق سبحانه وتعالى حينما يأمر بفعل أو ينهى عن شيء هو ~~يعلم أنك صالح للفعل وللترك، فإذا قال لك: افعل كذا، فأنت صالح ألا تفعل، ~~وإذا قال: " لا تفعل كذا " ، فأنت صالح أن تفعل، ولو كنت لا تصلح لأن ~~تفعل لا يقول لك: افعل لأنك مخلوق على هيئة تستطيع أن تفعل وتستطيع ألا ~~تفعل، وهذا هو الاختيار المخلوق في الإنسان، أما بقية الكون كله فليس ~~عنده هذا الاختيار. مثال ذلك: الشمس، إنها ليست حرة أن تشرق أو لا تشرق، ~~الهواء ليس ليس حرا أن يهب أو لا يهب، والأرض في عناصرها ليست حرة في ~~أن تكتمها أو لا تكتمها، لكن الإنسان مميز بقدرته على أن يختار بين ~~البدائل لذلك لا بد أن يكون صالحا للأمرين، والخطأ إنما يأتي من أن تنقل ~~مجال " افعل " في " لا تفعل ". أو مجال " لا تفعل " في " افعل ". والمؤمن ~~يأخذ منطقية " افعل " في مجال " الفعل " ، ومنطقية " لا تفعل " في مجال ~~الترك. وحين تنظر إلى الإنسان تجد أن التكليف الإلهي يناسب التكوين ~~البشري. وأنت تشترك مع الجماد في أشياء، ومع النبات في أشياء، ومع ms3038 ~~الحيوان في أشياء، وتتفوق على الكل بقدرة الاختيار التي منحك الله إياها. ~~ولتوضيح هذا الأمر أقول: لنفترض أن واحدا أخذك إلى مكان مرتفع ثم تركك ~~في الجو عندئذ تسقط على الأرض، وهكذا تجد أن قانون الجماد ينطبق عليك، ~~فليس لك إرادة أن تقول: " لا أريد أن أقع " وهكذا نرى الجمادية فيك، ~~وانظر إلى " النمو " الذي لا تتحكم فيه ولا تقدر أن تقول: " سأنمو اليوم ~~بزيادة في الطول قدرها نصف الملليمتر " بل أنت لا تعرف كيف تنمو، وأنت لا ~~تعرف كيف ينبض قلبك، ولا سر الحركات الدودية للأمعاء، ولا حركة المعدة، ~~أو عمل الكبد، أو حركة التنفس التي بها تقوم الحياة، وكل ذلك أمور قهرية، ~~ومن رحمة الله بنا أنها قهرية، فلو كانت اختيارية لتحكم فيها غيرك. # إذن من رحمته بنا سبحانه أن جعلنا مقهورين في هذه المسائل، ومسخرين ~~فيها، وبعد ذلك خلق لنا الاختيار في التكليف، افعل، ولا تفعل، والتكليف ~~من الله سبحانه وتعالى في الأفعال التي تقع من الإنسان لا في الأفعال ~~التي تقع على الإنسان لأن الأفعال التي تقع من الإنسان هي التي فيها ~~اختيار ويبحثها العقل أولا، لينفذها الإنسان بعد ذلك. ولذلك لا يكلف ~~ربنا إلا العاقل الناضج لأنه لا توجد قوة تقهره على غير ما يختار. أما ~~المجنون فليس عليه تكليف لأنه لم يدر المسألة في رأسه قبل ان يفعل، ~~وكذلك من لم ينضج لأنه لم يصل إلى قوة الفهم الكامل، وكذلك المقهور على ~~فعل بقوة إنسان أو سلطان أقوى منه. وهكذا نعلم أن التكليف لا يلزم ~~الإنسان في تلك الحالات حيث لا يوجد عقل أو يكون العقل غير ناضج، أو أن ~~يوجد قهر. ويتابع الحق: { وهو الذي إليه تحشرون } ولو أن ~~المسألة - مسألة الإيمان - مجرد مظهر لا جوهر لما ترتب عليها نتيجة، ولكن ~~لننتبه إلى أن هناك غاية. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نجد ~~التلميذ مثلا إن حضر الدرس أو لم يحضر، استمع إلى المدرس أولا، ذاكر أو ~~لم يذاكر، ألا يظهر كل ذلك ms3039 في شهادة نهاية العام؟. إذن فالحساب قائم على ~~كل فعل لأنك تتمتع أيها الإنسان بخاصية الاختيار، أي أنك صالح لتفعل أو ~~ألا تفعل، ولذلك يرشدك الإيمان إلى العمل الصالح لأن هناك غاية إنك ~~ستصير إلى من يحاسبك على أنك نقلت " افعل " في مجال " لا تفعل " ، أو " ~~لا تفعل " في مجال " افعل ". فإن كنت لا تأخذ أمور الإيمان لصلاحية حياتك ~~فخذها خوفا من الجزاء والحساب. ثم يقول الحق من بعد ذلك: { وهو ~~الذي خلق... }. ### || [6.73] # والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، وما دام الحق هو الشيء الثابت ~~الذي لا يتغير فلننظر إلى خلق السماء والأرض، يقول سبحانه: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا # [فاطر: 41]. وحين ننظر إلى الأفق نجد السماء من غير عمد، وهذه مسألة ~~عجيبة، ولذلك يقول سبحانه: # بغير عمد ترونها # [الرعد: 2]. وهنا يقول الحق: { خلق السماوات والأرض } وذلك ~~حتى نعرف أن خلق السماوات والأرض ليست عملية سهلة وهو سبحانه القادر إنه ~~خلقك أنت بخلق عجيب، وأعجب منه خلق السماوات والأرض، فهو القائل: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]. وحين ينظر الإنسان في تكوينه يجد أشياء عجيبة، ويتحقق من ~~قول الله: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]. وحين تتأمل السماء والأرض تجد دقة الخلق، فكأنه سبحانه ~~قد جعل نفسك مقياسا، إنك ستعلم أحوالها تباعا وأنك ستهدي مع ~~الأيام، إلى سر جديد في هذه النفس، هذا السر لم يعرفه الأولون، لكنك حين ~~تتقدم في البحث العلمي وآلات السبر وآلات الاختبار تتعرف وتكتشف هذا ~~الجديد. مثال ذلك ما يسمى بالاستطراق، وكلنا رأينا الأواني المستطرقة ~~التي نضع فيها سائلا ينفذ في أنابيب متعرجة وأخرى مستقيمة، فيرتفع السائل ~~فيها بمستوى واحد وهو ما نسميه بظاهرة الاستطراق، وهناك استطراق مائي، ~~ويوجد أيضا استطراق حراري، ويتمثل الاستطراق الحراري حين نأتي بالمدفأة ~~في الشتاء ونجلس في الغرفة، ونشعر بالحرارة التي تشع من المدفأة، وأنت ~~تجد نفسك محتفظا بدرجة حرارتك العادية وهي سبع وثلاثون درجة. ومن العجيب ~~أنها تتساوى في البشر جميعا حتى في القطب ms3040 الشمالي والقطب الجنوبي!! ~~فلماذا لم تستطرق درجة حرارتك مع الجو؟ ولماذا لم يأخذ الجو البارد من ~~حرارتك لتتساوى درجات الحرارة؟. إن ذلك يثبت أن ذلك ذاتية تجعلك وحدة ~~مستقلة عن الكون الذي تحيا فيه، وتظل درجة حرارتك عند خط الاستواء 37 ~~درجة، وفي القطبين 37 درجة، هذا عجيب، والأعجب من ذلك أن أجزاء جسمك ~~المختلفة تختلف فيها درجة الحرارة، فلو أن درجة حرارة العين 37 درجة ~~لانصهرت لذلك نجد أن درجة حرارة العين تسع درجات فقط، وهناك الكبد الذي ~~تبلغ درجة حرارته أربعين درجة، وكل أعضاء جسمك وهي مجموعة في شكل واحد ~~ومع ذلك لا تستطرق فيها درجة الحرارة. ولذلك قال الحق: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]. ومثال آخر من عملية التنفس، فحين تدخل ذرة من غبار في ~~مجرى النفس نجد السعال قد هاجم الإنسان ليطرد هذه الذرة وتجد أنك قد سعلت ~~قسرا إلى أن تطرد هذه الذرة، فهل أنت سعلت بقرار منك؟ لا، بل هو عمل لا ~~إرادي خاضع لنظام دقيق لا يمكن أن يصممه إلا خالق له مطلق الحكمة، وعلى ~~سبيل المثال نجد الكبد محوطا بتغليفات متتابعة ليحتفظ بحرارته التي تبلغ ~~أربعين درجة لأنه لا يؤدي مهمته إلا عند هذه الدرجة. # وكذلك نجد أن الأذن هي أطول عضو يشعر بالبرودة لأن درجة حرارتها قليلة، ~~وهكذا أراد الصانع الأعلى. كما جاء في قوله تعالى: { وهو الذي ~~خلق السماوات والأرض بالحق } [الأنعام: 73]. لقد خلق ~~الحق السموات والأرض بقوانين ثابتة لا تتغير إلا بمشيئته، فهو القائل: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا الليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40] فيامن تريد النظام دليلا على حكمة الخالق الموجد خذها في ~~النظام الأعلى. ويا من تريد الشذوذ دليلا على سيطرة الحق فوق ~~الميكانيكية، خذها في الأفراد لأنه لو حصل شذوذ في الكون الأعلى لفسدت ~~السماوات والأرض، لكن عندما يوجد أعمى واحد من ألف إنسان، فلا يحدث خلل ~~في الكون، ولذلك نجد الشذوذ إنما يأتي فيما فيه عوض، والنظام يأتي فيما ms3041 ~~في تركه فساد، كما يقول سبحانه: { ويوم يقول كن فيكون ~~قوله الحق } [الأنعام: 73]. وبذلك نرى الإيجاد الأول بالحق، ~~وأيضا حين يهدم سبحانه السماء والأرض وينهي الدنيا ويزيلها، فتمور ~~السماء، والكواكب تنتثر وتتساقط فإن ذلك يحدث أيضا بالحق، فليس الخلق ~~والإيجاد وحده دليلا على عظمة الخالق بل إنهاء الخلق وإفناؤه وإزالته ~~أيضا دليل عظمة لأنه سبحانه قال في البدء: " كن " فكان الكون، وفي ~~النهاية يقول: " كن " فيكون إنهاء الخلق ليعطي للمحسن جزاء إحسانه، ~~ويحاسب المسيء لأن المحسن قد يشقى بإحسانه طول عمره، ولا بد له من ثواب، ~~والمسيء لن يأخذ راحته بل يأخذ عقابا. فمن الخير والعظمة أن تنتهي ~~الحياة ليأتي يوم الحساب لينال كل جزاءه. إذن فخلق السماوات والأرض حق ~~ويوم يقول كن فيكون قوله الحق، فالحق في الإيجاد والحق في الإعدام، إنه ~~حاصل في بدء الخلق، وفي نهايته. { وله الملك يوم ينفخ في ~~الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير ~~} [الأنعام: 73]. وهل كان الملك يوما لغير الله؟ في هذا المقام علينا أن ~~ننتبه إلى أن فيه ملكا، ويقال لصاحبه مالك، وفيه ملك ويقال لصاحبه ~~ملك. والملك ما تملكه فقد تملك جلبابك الذي ترتديه. أما الملك فهو أن ~~تملك من يملك، فهذا اسمه ملك، وربنا سبحانه وتعالى في دنيا الأسباب ~~جعل لكل واحد منا ملكا، وجعل لبعض علينا ملكا فبقوا ملوكا، لكن في ~~الآخرة لا يوجد شيء من هذا، لذلك يقول الحق: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وفي الدنيا قد تملك مثلا أن توظفني عندك وتعطيني أجرا، ~~وقد تملك أنك تطبخ لي طعامي أو تعطيني طعاما، أو تملك أنك تخيط جلبابي، ~~لكن في الآخرة لا يملك أحد لأحد سببا لأننا نحيا في الدنيا بالأسباب ~~التي منحنا الله إياها، وفي الآخرة بالمسبب وحده دون أسباب. # { وله الملك يوم ينفخ في الصور } ولو سلسلتها قبل أن ~~ينفخ في الصور تجد الملك أيضا لله ولكن بوسائط لأن الحق سبحانه وتعالى ~~جعل الأرض أرض معاش، وهناك الآخرة إنها أرض معاد، لذلك قال: ms3042 # يوم تبدل الأرض غير الأرض # [إبراهيم: 48]. والأرض التي نحيا عليها مخلوقة لنستعمرها، ونحرث جزءا ~~منها لنزرعه، ونبني بيوتا على جزء آخر، وهكذا تكون المسألة كلها أسبابا ~~يتوافق بعضها مع بعض فأنا لا أستطيع أن أحرث إلا بمحراث، وكذلك من يرغب ~~في استخراج عنصر الحديد من الأرض يقيم منجما، ومن يرغب في استخراج ~~البترول يأتي بالآلات التي تستكشف أماكنه، ولا أحد يستطيع أن يملك كل ~~أسباب حياته بل توجد في يده زاوية واحدة، وباقي الزوايا في أيدي بقية ~~الخلق. وحين تسلسل الأسباب التي نحيا بها سنرجع للحق سبحانه وتعالى، فحين ~~تنتهي يد المخلوق وأسبابه تضيق به فإن يد الخالق جلت قدرته مبسوطة إليه ~~دائما، وإياك أن تغرك الأسباب ولكن سلسل الأسباب إلى أن تنتهي إلى الله. ~~ولو سلسلت كل ظاهرة من ظواهر الكون لوصلت إلى منطق الحق فالطفل الصغير ~~يرقب ظاهرة في البيت، هي زر في الحائط، عندما يضغطون عليه بأصبع واحد ~~يضيء المصباح، فيقلدهم، وحين يراه أخوه الذي يدرس الإعدادية يقول له: لا ~~تصدق أن الضوء يأتي من هذا الزر بل هناك سلك قادم من خارج المنزل يربط ~~بين صندوق الكهرباء والمنازل، وحين يسمعهما من هو أعلى منهما علما يشرح ~~لهما أن الكهرباء الموجودة داخل هذا الصندوق قادمة من المولد الكبير الذي ~~في موقع ما من المدينة، وقد صنعته المعامل والعقول حتى ينتهي الشرح فيصل ~~إلى فكرة التيار المكهرب المستخلص من شلالات الأنهار مثلا. إذن فكل ظاهرة ~~تراها أمامك وراءها حلقات غيبية لو سلسلتها لوصلت إلى الحق سبحانه ~~وتعالى، وسبحانه قد احترم دنيانا وجعلنا نفهم أن بعضنا له ملك، ولكن ~~نقول لكل ملك: إن هذا الملك ليس بذاتك لأنه لو كان بذاتك لما سلبك أحد ~~هذا الملك أبدا. وسبحانه القائل: # قل اللهم مالك الملك # [آل عمران: 26]. إذن فليس هناك من له الملك بذاته إلا الله. والحق ~~يقول هنا: { وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم ~~الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير } [الأنعام: 73]. ~~ينفخ في الصور تفيد الإيذان بمقدم أمر ما، فبعد ms3043 النفخة الأولى يموت من ~~كان حيا، وبعد النفخة الثانية يصحو الموتى ويقومون. وكلمة { عالم ~~الغيب والشهادة } تشرح لنا أنه سبحانه ما دام عالم الغيب فمن ~~باب أولى أنه يعلم المشهود. وهذا تعبير دقيق، وإنه يعلم الغيب ويعلم ~~الشهادة وعلمه يترتب عليه جزاء لا عن تحكم، ولكن عن حكمة. ويذيل الحق ~~الآية بقوله سبحانه: { وهو الحكيم الخبير } والحكيم هو الذي ~~يضع كل أمر في مكانه، والخبير هو من يعلم كل شيء بإحاطة تامة، وسبحانه ~~ليس بحاجة إلى أن يظلم أحدا، لأن من يظلم إنما يريد أن ينتفع بالشيء ~~الموجود لدى المظلوم، وربنا لا ينتفع بحاجة من هذه، بل ينفعنا جميعا، ~~ولذلك إذا نظرت إلى الإيمان تجده كله عزة، وأنت تجد الناس تكره كلمة " ~~عبودية " ، وتقوم حروب من أجل تحرير البشر من عبودية البشر، أما عبودية ~~بشر للحق فأمرها مختلف لأن العبودية للبشر، نجد فيها أن السيد يأخذ خير ~~عبده، ولكن العبودية لله نجد فيها أن العبد يأخذ خير سيده، وهكذا تكون ~~العبودية لله عزة، أما العبودية للبشر فهي ذلة. # ولذلك نجد الله سبحانه وتعالى قد امتن على نبيه بصفة العبودية فقال: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله # [الإسراء: 1]. فقد أخلص صلى الله عليه وسلم العبودية لله، فأخذ من ~~فيوضات الحق بما يناسب عبوديته. والحق سبحانه يوضح لكل عبد: نم ملء جفنيك ~~فأنا لا تأخذني سنة ولا نوم، وأنا قيوم، وإن احتجت مني إلى شيء ما فادعني ~~وسأمد لك يد العون بما يناسبك، فهل في هذه العبودية لله شيء غير العزة؟! ~~ويقول الحق بعد ذلك: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ~~أتتخذ أصناما آلهة... }. ### || [6.74] # والحق سبحانه وتعالى يعطي له صلى الله عليه وسلم ما يسليه ويصبره على ~~مشقات الدعوة لأن الدعوة للإسلام في أوله أرهقت رسول الله وأصحاب رسول ~~الله، فيريد سبحانه أن يعطيهم مثلا حدثت للرسل، وهنا يأتي الحق بخبر ~~عن أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم: { وإذ قال إبراهيم لأبيه ~~آزر أتتخذ أصناما آلهة ms3044 } [الأنعام: 74]. وساعة أن تسمع " ~~إذ " فافهم أن " إذ " ظرف، أي واذكر جيدا الوقت الذي قال فيه إبراهيم ~~لأبيه آزر " أتتخذ أصناما آلهة "؟ وما دمت تذكر هذه، ففي التذكرة تسلية ~~لك عما يصيبك في أمر الدعوة. وهنا وقف العلماء وقفة طويلة، وتساءل بعضهم: ~~هل آزر هو أبو إبراهيم، أو أن والده هو تارخ؟ وقلت من قبل: إن الأبوة ~~تمثل ما هو أصل للفرد فالأب، والجد، وجد الجد أب، وأطلقت الأبوة على ~~المساوي للأب، مثل العم. وجاء مثل هذا في القرآن حين قال الحق سبحانه: # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك # [البقرة: 133]. وآباء هنا جمع، وإذا ما عددنا هؤلاء الآباء نجدهم: ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، والكلام من يعقوب، وأبوه إسحاق، وإسحاق بن ~~إبراهيم، وبرغم ذلك جاء سيدنا إسماعيل وسط هؤلاء الآباء، فكأنك إن وزعتها ~~قلت: " إبراهيم أب، ويبقى اثنان: هما إسماعيل وإسحاق. وإسماعيل هو أخ ~~لإسحاق، كأن القرآن نطق بأن العلم يطلق عليه أب ". وأقول ذلك لأضفي مسألة ~~وقع فيها اللغط الكثير فالبعض من العلماء قال: هل كان آزر أبا لإبراهيم ~~والحديث الشريف يقول: # " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي ولم ~~يصبني من سفاح الجاهلية شيء ". # فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من سلسلة نسب موحد لا يمكن ~~أن يكون للشرك فيه مجال، وآزر كان مشركا، وما دام الحق يقول في آية ~~أخرى: # إنما المشركون نجس # [التوبة: 28]. فلو أن آزر الوالد الحقيقي لإبراهيم لكان سيدنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم من ذريته. وأرى أنه عمه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ما زلت أتنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات " # ، وهو قول يدل على أن نسبة الشريف مطهر من الشرك من جهة الآباء ومن جهة ~~الأمهات، إذن فلا يصح أن نعتقد أن أبا إبراهيم هو آزر لأنه كان على هذا ~~الوضع مشركا، لكن كيف نفسر قول الحق سبحانه ms3045 وتعالى: { وإذ قال ~~إبراهيم لأبيه آزر }؟. نقول: إننا نأخذ اللغة، ونأخذ ~~استعمالات القرآن في معنى الأبوة. والقرآن صريح في أن الأبوة كما تطلق ~~على الوالد الحقيقي الذي ينحدر الولد من صلبه تطلق كذلك على أخي الوالد ~~أو عمه. # والدليل على ذلك أن القرآن الذي قال: { لأبيه آزر } وهو بعينه ~~القرآن الذي قال: # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك # [البقرة: 133]. إذن آباء هي جمع أب، وأقل الجمع ثلاثة: إبراهيم إذن ~~وكذلك العم إسماعيل يطلق على كل منهما أب، وأيضا إسحاق وهو والد يعقوب، ~~هؤلاء هم الآباء المذكورون في هذه الآية. وهنا نفهم أن أبوة إسماعيل ~~ليعقوب إنما هي أبوة عمومة لأن يعقوب بن إسحاق، وإسحاق أخو إسماعيل. إذن ~~فقد أطلق الأب وأريد به العم، ويدلنا الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك ~~حينما أخذ عمه العباس أسيرا فقال: ردوا علي أبي وأراد عمه العباس. ~~وبعد ذلك نأتي لنقول: إننا حين نطلق كلمة الأب في أعرافنا نعلم أن اللغة ~~التي نتكلمها لغة منقولة بالسماع، مركوزة في آذاننا، ينطق بها لساننا، ~~والعامية وإن كانت تحرف الفصيح إلا أن أصولها منقولة عن أسلافنا وآبائنا، ~~وهم حين يريدون الأب الحقيقي يقولون له أب ولا يأتون باسمه الشخصي فإذا ~~جاء لك إنسان وقال لك: أبوك موجود؟. ولم ينطق باسم الوالد فهو يقصد والدك ~~فعلا. لكن افرض أن لك عما، فيقول لك السائل: أبوك محمد موجود؟ لقد ~~جاء هنا بتحديد الاسم العلم حتى ينصرف الذهن إلى السؤال عن العم لأنه لو ~~أراد الأب الحقيقي لما ذكر اسمه واكتفى بالسؤال عنه بالأبوة فقط، إذن فلو ~~قال الحق سبحانه وتعالى: { وإذ قال إبراهيم لأبيه }. ولم ~~يحدد العلم لقلنا إن آزر هو والد إبراهيم وليس عمه وبذلك يكون هو جد ~~رسولنا، ولكن القرآن حدد الاسم وقال: { لأبيه آزر } أي ميز اسم ~~الشخص ليخرج الأب الحقيقي من كلمة أب، وبذلك تنتهي الخلافية في هذه ~~المسألة. ولماذا يطلب الحق ms3046 سبحانه من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يذكر { وإذ قال إبراهيم لأبيه }؟ لأن رسول الله جاء على ~~فترة من الرسل وجاء في الأزمة التي واجهت الدعوة أول مواجهة وهي أمة ~~العرب وعلى رأسها قريش، وهو صلى الله عليه وسلم إن كان قد جاء على فترة ~~الرسل، إلا أن إبراهيم يعيش في عقائد هؤلاء القوم لأن كل أمور إبراهيم ~~النسكية كانت في هذا المكان، فمثلا همه بذبح ابنه وفداء السماء لابنه ~~كانا في هذا المكان، ورفعه للكعبة كان في هذا المكان، والكعبة هي مركز ~~السيادة لقريش، ولولا الكعبة لكانت قريش كسائر القبائل. لقد أراد الحق أن ~~يوضح لقريش أن السيادة التي أخذتموها على العرب كافة جاءت لكم بسبب ~~الكعبة وهذا البيت، فلو لم يوجد هذا البيت وهذه الكعبة، لكنتم قبيلة من ~~القبائل، لا مهابة لكم ولا سلطان، ولا جاه، ولكنكم تعلمون أن تجارتكم ~~تذهب إلى الشمال وإلى الجنوب، ولا يتعرض لها أحد بسوء أبدا لأن الذين ~~يتعرضون لكم سواء منهم من كان في الشمال أو في الجنوب سيأتون في يوم ما ~~إلى الكعبة هذه ليؤدوا مناسك الحج وستتمكنون منهم في أثناء وجودهم في ~~البيت. # ولذلك قلنا حينما تعرضنا إلى قول الحق سبحانه وتعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم ~~يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم ~~كعصف مأكول # [الفيل: 1-5]. إن الحق أتبعها بالقول: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف # [قريش: 1-2]. إذن لو أن البيت تعرض للهدم من أبرهة الحبشي لسقطت مهابة ~~قريش، وقد نصرهم الله لتظل لقريش رحلة الشتاء والصيف، ولذلك قال: # فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4]. إن رب هذا البيت هو الذي أعزهم وحماهم بوجود هذا البيت ~~الذي رفعه إبراهيم. إذن فالقوم وإن كانوا يعبدون الأصنام إلا أن لهم صلة ~~عقدية بإبراهيم، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يدخل إلى قلوبهم بالحنان ~~الذي يعرفونه لإبراهيم الذي هو سبب هذا العز ms3047 وسبب هذا الجاه والسيادة ~~وأيضا لأن المواجهة العقدية إنما جاءت أولا لعبادة الأصنام، والمسألة ~~في سيدنا إبراهيم كانت كذلك في عبادة الأصنام، فهناك - إذن - ارتباطات ~~متعددة فأتى الحق هنا بقصة سيدنا إبراهيم ليرقق بها قلب هؤلاء. { وإذ ~~قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة } ~~والأصنام هي شيء من الحجارة يصنع على مثال حي، أما الوثن فهو قطعة من حجر ~~خام لم يشكل أو يعالج أو يصنع كانوا يقدسونه، وهكذا نعرف الفارق بين ~~الصنم والوثن، وكيف دخلت فكرة الأصنام على عقول الناس؟ ومن أين جاءت؟. ~~نعلم أن الناس لهم أسباب مباشرة في الحياة فالإنسان حين يتطلب الضوء يرى ~~الشمس قد أشرقت، وفي الليل يرى القمر قد طلع، ويرى الجبال تعطي له ~~الصلابة والقوة، ويقيم فيها بيوتا. إذن ففيه أشياء يرى الإنسان فيها ~~السببية الظاهرة، فيعتقد أنها الفاعلة. وحين يرى هذه الأشياء ويظن أنها ~~الفاعلة يظن أن لها قداسة سواء أكانت الشمس أم القمر. إذن فقبل أن توجد ~~أصنام وجدت كواكب وكانوا يعبدونها. بدليل أن الحق يقول: { أتتخذ ~~أصناما آلهة... } [الأنعام: 74]. وبعد ذلك يأتي في النقاش ولا ~~يأتي بسيرة الأصنام: # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا... # [الأنعام: 76]. إذن فقد كانت هناك علاقة بين الأصنام وبين الكواكب، ~~والأصل فيها أن الأنسان حينما يرى شيئا ينفعه، ينسب إليه كل نفع يحصل ~~عليه ويرى له قوة يحترمها فيه، ولم ينتبه الإنسان إلى أن خالق هذه ~~الأشياء غيب، فعبد الشيء الظاهر له، وعندما وجد الإنسان أن الكواكب ~~تأفل وتغيب قال بعض الناس: لنقيم أصناما تذكرنا بها، وصار هناك صنم يمثل ~~الشمس، وصنم يمثل القمر، وآخر يمثل النجم الفلاني، أي أن الأصنام إنما ~~جعلت لتذكر بالأصل من الكواكب، ولذلك أقول دائما: يجب على الناس ألا ~~تغفل عن المسبب لأنه سبحانه - هو وراء الأسباب، وكلما ارتقى العقل يسلسل ~~الأسباب، إلى أن تنتهي إلى مسبب ليس وراءه سبب، وإذا انتهت يد المخلوق ~~وعجزت في الأسباب تبدأ يد الخالق فالذين يفتنون بالأسباب هم الذين ينظرون ~~إليها على أنها الفاعلة بذاتها. ms3048 # ولذلك حينما أغفلت وسترت قضية الدين في أذهان الناس بدأوا ينظرون إلى ما ~~حولهم وما ينفعهم، فتوجهوا بالعبادة له، وكانوا قبل الرسالة يحجون إلى ~~الكعبة ويحبون الكعبة، وحين يغتربون في كثير من الرحلات يأخذون قطعة من ~~حجر من نوعية أحجار الكعبة في الرحلة الطويلة، وحين يراها أحد من هؤلاء ~~يطمئن، ولكن بطول الزمن انفردت هذه الأشياء بتقديس خاص يعزلها عن ~~الأسباب. وهكذا عرفنا أن سيدنا إبراهيم خليل الرحمن كانت له عند العرب ~~هذه المكانة، وكذلك عند أهل الكتاب حتى أنهم ادعوا انتسابه لهم فبعضهم ~~قال: إن إبراهيم كان يهوديا، وقال الآخرون: إنه كان نصرانيا، وجاء ~~القرآن وهو يواجه كفار قريش، وكذلك أهل الكتاب فيأتي الله بقصة سيدنا ~~إبراهيم ليعطينا قضية العقائد ويوضحها توضيحا يؤنسهم بمن له في نفوسهم ~~ذكر. { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما ~~آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين } [الأنعام: ~~74]. والضلال أن تريد غاية فتضل الطريق إليها، وكان الناس عندهم غاية في ~~ذلك الزمان أن يقدسوا، ويقدروا من ينعم عليهم بالنعم. إلا أنهم أخطأوا ~~الطريق ووقفوا عند السبب، ولم يذكروا ولم يدركوا ما وراء السبب، ومن هنا ~~جاء الضلال المبين. فكان من طبيعة الإنسان أنه يتقدم بالولاء وبالخضوع ~~وبالشكر لمن يرى نعمة منه عليه، لكنهم ضلوا الطريق لأنهم ساروا في النعمة ~~في حلقات الأسباب، ولم يصلوا بالأسباب إلى المسبب. وهذا ضلال مبين لأنه ~~فتنة خلق في خلق فالإنسان الأول الذي جاء وأقبل على عالم مخلوق له، ~~وأقبل على أرض وأقبل على شمس، وأقبل على قمر، وأقبل على نجوم، وأقبل على ~~سحاب يمطر له الماء، وأقبل على جبال تمده بالأقوات كان من الواجب عليه أن ~~يلتفت لهذه المسألة لأنه لم يصنعها ولا ادعى أحد أنه صنعها، أما كان من ~~الواجب أن يفكر تفكيرا يسيرا فيمن خلق له هذه الأشياء؟! إن أتفه الأشياء ~~تحتاج إلى صانع، مثال ذلك الكوب الذي نشرب فيه الماء لا يكون كوبا أمام ~~أي واحد فينا إلا بعد أن انتقل وتقلب في مراحل متعددة ms3049 ممن اكتشف المادة ~~وممن صهرها كيماويا وممن أنفق عليها إلى أن وصل إلى الكوب، وكذلك ~~المصباح، إن نظرنا إلى الأجهزة التي خلفه وأسهمت في إيجاده لوجدناها ~~أجهزة كثيرة من إمكانات مالية إلى قدرات علمية، من ماديات موجودة في ~~الأرض إلى أن وصل إلى هذا المصباح الذي يتغير كل فترة، فما بالنا بالشمس ~~التي تنير نصف الكون في وقت، ونصف الكون الآخر في وقت آخر وليس لها قطع ~~غيار، ولم تقصر يوما في أداء مهمتها. # وكثيرا ما درسنا في المدارس قصة من اخترع المصباح " أديسون " وكانت قصة ~~هذا الاختراع تفيض بإعجاب من يكتبون عنها ولم نجد من يدرس لنا - بإعجاب ~~وإيمان - دقة الشمس التي تنير الكون، فالآفة أننا نقف فقط عند حلقات ~~الأسباب، والوقوف عند حلقات الأسباب هو وقفة عقلية سطحية، ومن أجل أن ~~نزيد من عمق الفهم لا بد أن نسلسل السبب وراء السبب وراء السبب إلى أن ~~نصل إلى مسبب ليس وراءه سبب. وأن نرهف آذاننا لمن يأتي ليحل لنا هذا ~~اللغز ويقول لنا: لقد خلق الله كل الكون من أجلكم وصفاته سبحانه أنه لا ~~مثيل له في قدرته ومطلق حكمته، ومطلوبه هو منهجه. إذن فالرسل قد جاءوا ~~رحمة لينقذونا ويبينوا لنا هذا اللغز. فإذا جاء الحق سبحانه وتعالى ~~وأوضح: أنا الذي خلقت السموات، وأنا الذي خلقت الأرض، وأنا الذي سخرت لك ~~كل ما في الكون، فهذه دعوة، والدعوة إما أن تكون حقيقية فتعلن الإيمان به ~~وسبحانه، وإما غير حقيقية، فنسأل: من خلق الكون - إذن - غير الله؟. ~~ولماذا لم يقل لنا صفاته، ولم يرسل لنا بلاغا عنه؟. ولأن أحدا لم يفعل ~~ذلك إذن فالألوهية تثبت لمن أبلغنا عن ذاته وصفاته وصنعته عبر الرسل، فلم ~~يوجد معارض له، وحين قال سبحانه: أنا إله واحد، وأنا خلقت الكون، وسخرته ~~لكم فنحن نصدق هذا البلاغ. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يبين لنا ألا نقف ~~عند الأسباب فقط حتى لا نقع في ضلال مبين، ومن الواجب أن نبحث عما وراء ~~الأسباب إلى أن ms3050 تنتهي إلى شيء لا شيء بعده ننتهي إلى مسبب السباب ومالك ~~الملك - جلت قدرته. ويقول الحق بعد ذلك: { وكذلك نري ~~إبراهيم... }. ### || [6.75] # أي كما اهتدى إبراهيم إلى أن عبادة الأصنام ضلال مبين فسيريه الله ملكوت ~~السماوات والأرض ما دام قد اهتدى إلى أن هناك إلها حقا، فالإله الحق ~~يبين له أسرار الكون. والملكوت صيغة المبالغة في الملك، مثلها مثل " ~~رحموت ". وهي صيغة مبالغة من الرحمة، والملكوت تعطينا فهم الحقائق غير ~~المشهودة، فالذي يمشي ورآء الأسباب المشهودة له يأخذ الملك لأن ما يشهده ~~ويحسه هو أمامه، والملكوت هو ما يغيب عنه، إذن ففيه " ملك " ، وفيه " ~~ملكوت " ، الملك هو ما تشاهده أمامك، والملكوت هو ما وراء هذا الملك. ~~والمثال هو ما قاله سيدنا إبراهيم حينما تكلم على الشركاء لله قال ~~سبحانه: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين * الذي ~~خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * ~~وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم ~~يحيين # [الشعراء: 77-81] ولنلحظ هنا أن الأساليب مختلفة، فهو يقول: # الذي خلقني # [الشعراء: 78] ولم يقل " الذي هو خلقني " ، ثم قال # فهو يهدين # [الشعراء: 78] لأن أحدا لم يدع أبدا خلق الإنسان، وهي قضية مسلمة لله ~~ولا تحتاج إلى تأكيد، أما هداية الناس فهناك من يدعي أنه يهدي الناس. وما ~~يدعى من البشر يؤكد ب " هو " وما لا يدعى من البشر كالخلق ~~والإماتة والإحياء لا يؤتى فيه بكلمة هو. ويتابع سيدنا إبراهيم: # والذي هو يطعمني ويسقين # [الشعراء: 79] وهنا قفز سيدنا إبراهيم من كل الأسباب والحلقات الظاهرية ~~إلى الحقيقة، وعرف الغيب # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80] وهو بذلك يميز بين الوسيلة للشفاء وهم الأطباء المعالجون ~~والشافي الأعظم وهو الله - تبارك وتعالى - لأن الناس قد تفتن بالأسباب ~~وتقول: إن الطبيب هو من يشفي، ولذلك ينتقل سيدنا إبراهيم من ظواهر ~~الأسباب إلى بواطن الأمور، وينتقل من ظواهر الملك إلى باطن الملكوت حتى ~~نعرف أن الطبيب يعالج ولكنه لا يشفي، بدليل أننا كثيرا ما رأينا من يذهب ~~للطبيب ويعطيه الطبيب حقنة فيموت المريض، وبذلك يصير الطبيب ms3051 في مثل هذا ~~الموقف من وسائل الموت: # سبحان من يرث الطبيب وطبه # ويرى المريض مصارع الآسين # إذن، { فهو يشفين } أي أن الشفاء من الله والعلاج من الطبيب. ~~وبذلك جاء سيدنا إبراهيم بالأشياء التي يمكن أن يفتن الإنسان في أسبابها ~~وأكدها ب " هو ". وحين ننظر إلى إبراهيم عليه السلام في قصة العقيدة ~~نجده قد أخذ سلطانا كبيرا يعترف به جميع الأنبياء لأن ربنا قال فيه: # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37]. وكذلك قال سبحانه: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما # [البقرة: 124]. أي أنك يا إبراهيم مأمون أن تكون إماما للناس، وببشرية ~~إبراهيم وبظاهر الملك. # سأل الله أن تكون الإمامة في ذريته، وقال: # ومن ذريتي # [البقرة: 124]. أي اجعل من ذريتي أئمة، فيقول الحق: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]. لأن مسألة الإمامة ليست وراثة دم، ولا يأخذها إلا من ~~يستحقها. وقلنا: إن سيدنا إبراهيم جاء بهاجر وابنه إسماعيل منها وأسكنهما ~~بواد غير ذي زرع عند البيت المحرم، ويقول القرآن على لسانه: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من ~~الثمرات لعلهم يشكرون # [إبراهيم: 37]. أي أن سيدنا إبراهيم عليه السلام وعى مسألة تعليم الحق ~~له لأسرار الملكوت، وظل في ذهن سيدنا إبراهيم، أن الحق سبحانه - لا يعطي ~~الإمامة من ظلم ثم أوضح له أنه يجب أن تفرق بين خلافة النبوة، وعطاء ~~الربوبية في الطعام. ويتمثل ذلك في دعاء سيدنا إبراهيم: # وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر # [البقرة: 126]. فكأن إبراهيم حين طلب الرزق من الثمرات لمن آمن بالله ~~واليوم الآخر لم يفرق في دعائه بين عهد النبوة والإمامة، ومطلوبات ~~الحياة، فيقول له الحق: { ومن كفر... }. أي أنه سبحانه سيرزق ~~بالطعام من آمن ومن كفر لأن الطعام ومقومات الحياة من عطاءات الربوبية، ~~أما المناهج فهي من عطاءات الألوهية، والله سبحانه وتعالى رب لجميع الناس ~~لأنه هو الذي استدعاهم جميعا: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، وما ms3052 دام ~~هو الذي استدعاهم إلى الوجود فهو لا يمنعهم الرزق. { وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من ~~الموقنين } [الأنعام: 75]. وكل من يسير على قدم إبراهيم عليه السلام ~~يرتبط ويتعلق بذات الحق سبحانه وتعالى، وفيه فرق بين الارتباط والتعلق ~~بالذات، والارتباط والتعلق بالصفات والذي يعبد الله لأنه رزاق، ولأنه ~~مغن هو من يرتبط بالصفات. أما من يرتبط بالله لأنه إله فقط وإن أفقره ~~فهو من يرتبط بالذاب، وحين صفى سيدنا إبراهيم نفسه من كل العقائد ~~السابقة أوضح له الحق: أنت مأمون على أسرار كوني، وأعطاه الحق الكثير كما ~~يعطي لكل من يخلص في الارتباط بخالقه يعطيه ربنا عطاءات من أسرار كونه. ~~ويضرب الحق سبحانه لنا كثيرا من المثل في القرآن فيقول: # واتقوا الله ويعلمكم الله # [البقرة: 282]. أي أنك ما دمت مأمونا على ما عرفت من أحكام الحق لحركة ~~حياتك وتنفذه فإن الحق يعتبرك أمينا على أسراره، ويعطيك المزيد من ~~الزيادة. ومعنى " تتقي " أي أن تلتحم بمنهج الحق، وإذا التحمت بالمنهج ~~الحق كنت في الفيوضات الدائمة التي لا تنقضي من الحق لأن الذي في معيته ~~لا بد أن يخلع الحق عليه من واردات وعطاءات صفاته ما يجلي صلته بربه ~~ويطمئنه عليه، ومثال ذلك ما حدث في " قصة الهجرة " تجد الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وسيدنا أبا بكر في الغار، ويقول أبو بكر لرسول الله: لو نظر ~~أحدهم تحت قدمه لرآنا، وهذه قضية كونية مؤكدة، ويرد عليه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بما ينقله من القضية الكونية الظاهرة الواضحة إلى عالم الملكوت ~~الخالص، ويقول: # " يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما " # أي أنه يقول له: اطمئن، لن يرانا أحد لأننا في معية الله، وسبحانه لا ~~تدركه الأبصار. وحين يكون الضعيف في معية القوي فقانون القوى هو الذي ~~يتغلب، فلا يصبح الضعيف ضعيفا، فحين يكون هناك ولد بين الأطفال الذين في ~~مثل سنه ويضطهدونه ويؤلمونه ويؤذونه، ثم يرونه في يد أبيه لا يجرؤ أحد ~~منهم أن يأتي إلى ناحيته، والناس لا يقدر ms3053 بعضهم على بعض إلا إذا انفلتوا ~~من معية الله، ومن في معية الله لا يجترئ عليه أحد أبدا. ولذلك يرسل ~~لنا ربنا قضايا الملك وقضايا الملكوت، ويمثلها في رسول الله من أولي ~~العزم من الرسل مع عبد صالح آتاه الله شيئا من علمه وفيضه لأنه اتقاه. ~~يقول الحق سبحانه: # فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65]. إن هذا العبد قد أخذ منهج الرسول الذي جاء به واتبعه، ~~فأداه حق الأداء فاتصل بالحق فأعطاه الحق من لدنه علما. وحين ننظر في ~~هذه القضية نتعجب لأننا نجد سيدنا موسى - ينظر في عالم الملك بينما ينظر ~~من آتاه الله من لدنه رحمة ومن عنده علما ينظر من عالم الملكوت، وموسى ~~معذور لأنه ينظر في دائرة الأسباب، والعبد الصالح معذور هو الآخر لأنه ~~ينظر في دائرة ثانية، ولذلك سيقول العبد الصالح: # وما فعلته عن أمري # [الكهف: 82]. أي أن المسألة ليست من ذاته، بل هو مأمور بها. وحين ننظر ~~إلى تقدير موقف كل منهما للآخر نجد العبد الصالح يقول: # إنك لن تستطيع معي صبرا # [الكهف: 67]. أي أن العبد الصالح يعذر موسى، ويضيف: # وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا # [الكهف: 68]. فيقول القرآن على لسان موسى: # قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك ~~أمرا # [الكهف: 69]. فها هو ذا الرسول الذي جاء ليبلغ المنهج يطيع عبدا صالحا ~~طبق المنهج من رسول سابق ونفذه كما يحب الله، والتحم بالمنهج، وجاء لنا ~~ربنا بهذه القصة مع رسول من أولي العزم. ويتلقى موسى عليه السلام الأمر ~~من العبد الصالح: # قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى ~~أحدث لك منه ذكرا # [الكهف: 70]. لماذا؟ لأن العبد الصالح يعلم أن موسى سيتكلم عن عالم ~~الملك، وهو يتكلم من عالم الملكوت. وحين ركبا السفينة، وخرقها العبد ~~الصالح، والخرق إفساد ظاهري في عالم الملك. يوضح سيدنا موسى للعبد ~~الصالح أن هذا الفعل إخلال بالقانون، وكيف يعتدي على السفنية بالإفساد؟ ~~فيرد العبد الصالح: ألم أقل إنك ms3054 لن تستطيع معي صبرا، وليست لك طاقة على ~~مثل هذه المسائل، فيتذكر موسى، ثم تأتي حكاية الغلام، وحكاية الجدار. # وحين ندقق النظر في هذه الأمور نجد عالم الملكوت يصحح الأمور الشاذة في ~~عالم الملك فخرق السفينة إفساد ظاهري لكن إذا علم موسى أن هناك ملكا ~~يأخذ السفن السليمة الصالحة ويستولي عليها غصبا وهذه السفينة لمساكين ~~يعملون في البحر، ويريد العبد الصالح أن يحافظ لهم على السفينة فيخرقها ~~حتى لا يأخذها المغتصب وحين يقارن الملك المغتصب بين سفينة سليمة وسفينة ~~مخروقة. فلن يأخذ السفينة غير السليمة، ويمكن لأصحابها إصلاحها. إذن لو ~~علم موسى بهذه المسألة، ألا يجوز أن يكون موسى هو الذي كان يقوم بخرق ~~السفينة؟ إنه كان سيخرقها، إذن لو علم صاحب نظرية الملك ما في نظرية ~~الملكوت من أسرار، لفعل هو الفعل نفسه. وحين نأتي لقتل الغلام، لا بد من ~~التساؤل: وما ذنب الغلام؟ فيفسر العبد الصالح الأمر: # وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينآ أن ~~يرهقهما طغيانا وكفرا # [الكهف: 80]. والأبوان قد يدللان هذا الابن، ويطعمانه من مال حرام، ~~ويكون فتنة لهما، فقتل الغلام ليظلا على الإيمان، وعجل ربنا بالولد إلى ~~الجنة مباشرة. وفي مسألة الجدار تجد الخلاف بين رؤية عالم الملك، ورؤية ~~عالم الملكوت. ففي ظاهر الأمر أنهما حين أتيا أهل القرية طلبا للطعام، ~~وطلب الطعام شهادة صدق على الضرورة، لأنه ليس طلبا للنقود، فقد يطلب أحد ~~النقود ليدخرها، لكن من يقول: " أعطني رغيفا لآكل " فهذه آية صدق ~~الضرورة في طلب الطعام. ولكن أهل القرية أبوا أن يضيفوهما، إذن هم لئام ~~لا كرام. ويرى العبد الصالح جدارا يريد أن ينقض، وآيلا للسقوط فأقامه، ~~وغضب سيدنا موسى، سبب غضبه أنه والعبد الصالح استطعما هؤلاء فلم ~~يطعموهما، فكيف تبني جدارا لهم؟! وكان يصح أن تأخذ عليه أجرا، وغضب ~~سيدنا موسى سببه ظاهر، لكن العبد الصالح يشرح المسألة: لقد أقام الجدار ~~لأن أهل القرية لئام ولم يعطونا طعاما، ولو وقع الجدار وظهر الكنز تحته ~~أمام لئام بهذا الشكل لسرقوه من أصحابه، وهم ms3055 أطفال، وقد بناه العبد ~~الصالح بهندسة إيمانية ألهمه الله بها بحيث إذا بلغ الولدان الرشد يقع ~~الجدار. أي أنه بناء موقوت، مثلما نضبط المنبه على وقت محدد، كذلك الجدار ~~بحيث إذا بلغ الولدان الرشد يقع الجدار ويأخذان الكنز. وهذا يوضح لنا ~~الخلاف بين عالم الملك وبين عالم الملكوت فعالم الملكوت هو الذي يغيب ~~عنا وراء الأسباب. وكثير من الناس يقف عند الأسباب، ولا ينتقل من الأسباب ~~إلى السبب المباشر، إلى أن ينتهي إلى مسبب ليس بعده سبب. { وكذلك ~~نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون ~~من الموقنين } [الأنعام: 75]. فهل تيقن أو لم يتيقن؟. # و " موقنين " جمع " موقن " والجمع أقله ثلاثة، واليقين ينقسم إلى ثلاث ~~مراحل: يقين بعلم من تثق فيه لأنه لا يكذب ويقين بعين ما تخبر به، ويقين ~~بحقيقة المخبر به. وحين عرض الحق سبحانه وتعالى هذه المسألة في سورة ~~التكاثر قال: # ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا ~~سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو ~~تعلمون علم اليقين # [التكاثر: 1-5]. إذا أخبرتكم فهذا الخبر هو الصورة العلمية، وكان يجب أن ~~يكون ما أخبركم به علم اليقين. # كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ~~ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر: 5-7]. لأننا سوف نرى النار في الآخرة، لكن لم تأت حقيقة ~~اليقين، وجاءت حقيقة اليقين في سورة الواقعة: # وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من ~~أصحاب اليمين * وأمآ إن كان من المكذبين ~~الضآلين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم * إن ~~هذا لهو حق اليقين # [الواقعة: 90-95]. وسيدنا إبراهيم عليه السلام كان حقا من الموقنين في ~~كل أدوار حياته لأن الله أعلمه ما وراء مظاهر الملك، ما وراء مظاهر ~~الأشياء وعواقبها. فمثلا عندما أخذ ليطرح في النار جاء له جبريل ليقول: ~~ألك حاجة؟ قال سيدنا إبراهيم: أما إليك فلا. ويقول ذلك وهو يعرف أن ~~النار تحرق، ولكن هذا ظاهر الملك، وظواهر الأشياء، وسيدنا ابراهيم يعلم ~~أن الذي خلقها جعلها محرقة، ويستطيع ألا يجعلها محرقة، وهو متيقن به، ~~ولذلك لم يطفئ الله ms3056 النار بظاهر الأسباب ولكن جعلها الله ليا لأعناق ~~خصومه، فأوضح الحق: يا نار أنا خلقت فيك قوة الإحراق، وأنا أقول لك الآن: ~~لا تحرقي. # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. إذن فإبراهيم يعرف هذه الحقائق المختفية وراء الملك ~~الظاهر، وهذا من الابتلاءات الأولى في حياته، ويملك أن يرد على سيدنا ~~جبريل لحظة أن سأله قبل أن يلقوا به في النار: ألك حاجة؟ فيقول إبراهيم: ~~أما إليك فلا. ثم يأتي له الابتلاء في آخر حياته بذبح ولده. ونعلم أن ~~الإنسان تمر عليه أطوار تكوين ذاتيته، وأحيانا تكون الذات هي المسيطرة، ~~وفي طور آخر تبقى ذاتية أولاده فوق ذاتيته، أي أنه يحب أولاده أكثر من ~~نفسه. يتمنى أن يحقق لأولاده كل ما فاته شخصيا. فلما كبر إبراهيم ووهبه ~~الله الولد يأتيه الابتلاء بأن يذبح ابنه. إنه ابتلاء شديد قاس، وهو ~~ابتلاء لا يأتي بواسطة وحي بل بواسطة رؤيا. وكلنا نعلم أن رؤيا الأنبياء ~~حق. لكن إبراهيم يعلم أن الحق سبحانه وتعالى لا يطلب من خلقه إلا أن ~~يستسلموا لقضائه، ولذلك إذا رأيت إنسانا طال عليه قضاء ربه في أي شيء في ~~مرض، في مصيبة، في مال، أو غير ذلك فاعلم أنه لم يرض بما وقع له، ولو أنه ~~رضي لانتهى القضاء. # فالقضاء لا يرفع حتى يرضى به، ولا يستطيع أحد أن يلوي يد خالقه. إذن ~~فالناس هم الذين يطيلون على أنفسهم أمد القضاء. ولذلك عرف سيدنا إبراهيم ~~هذه القضية: قضية فهمه لعالم الملكوت. فلما قيل له: " اذبح ابنك " لم يرد ~~أن يمر ابنه بفترة سخط على تصرف أبيه لأنه إن أخذه من يده وفي اليد ~~الأخرى السكين فلا بد أن تكون هذه اللحظة مشحونة بالسخط، فيحرم من ~~الجزاء، فيبين له المسألة. ويقول القرآن حكاية عن إبراهيم: # يبني إني أرى في المنام أني أذبحك... # [الصافات: 102]. وهذا القول يريد به إبراهيم أن ينال ابنه ثواب ~~الاستسلام وهو دليل محبة إبراهيم لولده، فماذا قال إسماعيل: # يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله ms3057 من ~~الصابرين # [الصافات: 102]. قال إسماعيل ذلك ليأخذ عبودية الطاعة. ويؤكد القرآن رضا ~~إبراهيم وابنه بالقضاء فيقول: # فلما أسلما وتله للجبين # [الصافات: 103]. وهذا القبول بالقضاء هو ما يرفعه. لذلك يقول القرآن ~~بعدها: # وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا ~~كذلك نجزي المحسنين # [الصافات: 104-105]. ويفدي الله إسماعيل بذبح عظيم، ولا يقتصر الأمر على ~~ذلك بل يرزق الله إبراهيم بولد آخر لأنه فهم ملكوت السماوات والأرض، وعرف ~~نهاية الأشياء. فإذا ما أصيب الإنسان بمصيبة فما عليه إلا أن يرضى ويقول: ~~ما دامت هذه المصيبة لا دخل لحركتي فيها، وأجراها علي خالقي فهي اختبار ~~منه - سبحانه - ولا يوجد خالق يفسد ما خلق. ولا صانع يفسد ما صنع، ولا بد ~~أن لذلك حكمة عنده لا أفهمها أنا، لكني واثق في حكمته. إن طريق الخلاص من ~~أي نائبة من النوائب أن يرضى المؤمن بها، فتنتهي. ومن تحدث له مصيبة بأن ~~يموت ولد له، ويظل فاتحا لباب الحزن في البيت، وتبكي الأم كلما رأت من ~~في مثل سنه فسيظل باب الحزن مفتوحا، وإن أرادوا أن يزيل الله عنهما هذا ~~الابتلاء فليقفلا باب الحزن بالرضا. وليعلم كل مؤمن أن ما أخذ منه هو ~~معوض عنه بأجر خير منه، والمأخوذ الذي قبضه الله إليه وتوفاه معوض بجزاء ~~خير مما يترك في الدنيا، ولذلك يقال: المصاب ليس من وقعت عليه مصيبة ~~وفارقه الأحباب، بل المصاب من حرم الثواب، فكأنه باع نكبته بثمن بخس. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { فلما جن عليه الليل... }. ### || [6.76] # و " جن " تفيد الستر والتغطية، ومنها " الجنون " أي ستر العقل، و " جن ~~الليل " أي أظلم وستر عنك، فلا ترى غيرك ولا غيرك يراك. و " الجنة " ~~كذلك لأن فيها الأشجار والأشياء التي تستر من يمشي فيها، إذن المادة كلها ~~تفيد الستر. وكلمة " كوكب " تفيد أنه يأخذ ضوءه من غيره، ونفهم من الآية ~~أن إبراهيم كان في ظلمة ثم طلع الكوكب فرآه، ثم غاب الكوكب أي انتقل من ~~بزوغ وطلوع إلى أفول، وقديما كانوا يعبدون الكواكب والنجوم، فجاء لهم ms3058 ~~إبراهيم من جنس ما يعبدون، وقال: { لا أحب الآفلين }. ويتابع ~~الحق بعد ذلك: { فلمآ رأى القمر بازغا... }. ### || [6.77] # وهنا قال إبراهيم عليه السلام: هذا ربي، ووقف العلماء هنا وتساءلوا: كيف ~~يقول إبراهيم هذا ربي، وهي جملة خبرية من إبراهيم، وكيف يجري إبراهيم على ~~نفسه لفظ الشرك، وأراد العلماء أن يخلصوا إبراهيم من هذه المسألة. ونقول ~~لهؤلاء العلماء: جزاكم الله كل خير، وكان يجب أن تؤخذ هذه المسألة من باب ~~قصير جدا لأن الذي قال: إن إبراهيم قال: هذا ربي، هو الذي قال في ~~إبراهيم: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124] إذن فقوله { هذا ربي } لا تخدش في وفائه الإيماني، ~~ولا بد أن لها وجها. ونعلم أن القوم كانوا يعبدون الكواكب، ويريد ~~إبراهيم أن يلفتهم إلى فساد هذه العقيدة، فلو أن إبراهيم من أول الأمر ~~قال لهم: يا كذابون، يا أهل الضلال، وظل يوجه لهم السباب لما اهتموا به ~~ولا سمعوا له. لكن إبراهيم استخدم ما يسمي في الجدل ب " مجاراة الخصم " ~~ليستميل آذانهم ويأخذ قلوبهم معه، وليعلموا أنه غير متحامل عليهم من أول ~~الأمر، فيأخذ بأيديهم معه. مثال ذلك في حياتنا، تجد رجلا له ابنة وجاء ~~لها خطيب، وهذا الخطيب قصير جدا، بينما البنت - ما شاء الله - طويلة، ~~وحين جاء الخطيب ليراها وتراه تقول لأمها: هذا خطيبي؟! وهذا القول يعني ~~أنها تنكر أن يكون هذا القصير عنها هو خطيبها، وحين قال إبراهيم: { ~~هذا ربي } معناه إنكار أن يكون مثل هذا الكوكب أو ذلك القمر أو ~~تلك الشمس هي الرب. ونلحظ أنه يحدد لهم مصير من يعبد تلك الكواكب، فقال: ~~{ لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ~~} ، وفي هذا معرفة بمن على هدى أو على ضلال، ويكون قوله: { هذا ~~ربي } لونا من التهكم لأنهم قالوا بما جاء به القرآن على لسانهم: # أهذا الذي يذكر آلهتكم # [الأنبياء: 36]. فكأنه قال: سلمنا جدلا أنه ربكم، لكنه يأفل ويغيب ~~عنكم، وقوله: # لا أحب الآفلين # [الأنعام: 76] يعني أنه غير متعصب ضدهم. وكذلك حين يقول ms3059 الحق: { ~~فلما رأى الشمس بازغة... }. ### || [6.78] # وهكذا يثبت له أن كل كوكب - حتى الشمس - مصيره إلى أفول، فكأنه قد وصل ~~بهم بالمنطق إلى أن عبادة الكواكب لا تصلح، واستخدم المنطق الذي يحقق ~~نيته في أن ينكر هذه الربوبية، ويستأنس به آذان من يسمعه. وهناك أشياء ~~يجعلها الحق سببا مبررا لارتكاب أشياء كثيرة، إلا أننا نعقد مقارنة بين ~~بعضهم البعض مثلما قال الحق: # ولكن من شرح بالكفر صدرا # [النحل: 106]. وقد جاءت بعد قوله سبحانه: # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان # [النحل: 106]. فإذا كان الله قد أباح إجراء كلمة الكفر على لسان المؤمن ~~المطمئن لينجي حياته وهو فرد، أفلا يصح لإبراهيم أن يقول لهم: { هذا ~~ربي } بما تحتمل من أساليب حتى ينجي أمة بأسرها من أن تعبد الأصنام؟. ~~إذن فيقول إبراهيم { هذا ربي } يؤخذ على محملين: ألم يقل الله ~~سبحانه وتعالى بنفسه عن نفسه: # ويوم يناديهم أين شركآئي # [فصلت: 47] وسبحانه يعلم أنه لا شركاء له، ولكن الشركاء هم من زعم ~~المشركين. # " ورسول الله صلى الله عليه وسلم حينما كان ينادي في بعض القوم: " يا ~~إله الآلهة " لأنه يعلم أن قوما قد ألهوا ظواهر طبيعية في الكون لما ~~يرون من الخير فيها، فأراد أن ينبههم إلى أن هناك إلها حقا ". # ويوضح القرآن عدم جدوى الشرك حين يقول: # إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم ~~على بعض # [المؤمنون: 91]. ويقول سبحانه: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. والحق سبحانه وتعالى يقول للكافر الذي كان يعتز بجاهه في ~~دنياه: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. فهل هذا القول اعتراف بأن الكافر عزيز كريم أو هو قول ~~تهكمي؟. إنه تهكم لأن الكافر لو كان عزيزا كريما عند نفسه لما كفر ولما ~~استقر في الجحيم. وكان المنطق في اللغة أن يقول: فلما رأى الشمس بازغة ~~قال هذه ربي لأن الشمس مؤنثة، ولكنه قال: { هذا ربي } كما قال في ~~القمر وفي غيره من الكواكب، فجعل الأمر على سياق أو حالة ms3060 واحدة، أو هو ~~بهذا القول يريد أن ينزه كلمة الرب تنزيها مطلقا عن أن تلحق بها علامة ~~التأنيث لأن علامة التأنيث فرع التذكير، وأيضا لأن الشمس ليست مؤنثا ~~حقيقيا، بل هي مؤنث مجازي، ولذلك يفطن العلماء إلى هذه المسألة فيقولون: ~~إنك إذا أعطيت واحدا صفة العلم، وقلت: فلان عالم، أما إذا صار علمه ملكة ~~عنده فنقول: " فلان عليم " ولذلك يقول الحق: # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف: 76]. وإذا كان العالم متمكنا من علمه بشكل غير مسبوق نقول عنه: ~~" علام ". والحق سبحانه يصف نفسه فيقول: # علام الغيوب # [المائدة: 116]. ولم يقل العلماء في وصف الله علامة، وإن كان هذا الوصف ~~أبلغ احترازا من أن تلحق علامة التأنيث صفة من صفات الله - عز وجل -. ~~وحين تأفل الشمس يقول سيدنا إبراهيم: { فلمآ أفلت قال يقوم ~~إني بريء مما تشركون } [الأنعام: 78]. وجاء الأمر صريحا ~~لأنه سبق المسألة بالترقيات الجدلية التي قالها، وحين يسمعها أي عاقل فلا ~~بد أن يعلن اتفاقه في هذا الأمر، ولذلك قال: { إني بريء مما ~~تشركون }. ولأنه كإنسان مؤمن لن يغش نفسه، وبالتالي لن يغش قومه، ~~وهذا ما ينبه العقل حين يعطيه الله هبة الهداية. والبراءة من الشرك تخلية ~~عن المفسد، والتخلية تعني أن تنفك أو تنقطع عن العمل المفسد، وبعد ذلك ~~تدخل في العمل المصلح.. العمل الإيجابي. ويقول الحق بعد ذلك: { إني ~~وجهت وجهي... }. ### || [6.79] # والسموات والأرض هما المظهر الأول للكون الذي طرأ عليه الإنسان لأن ~~الكون طرأ عليه الإنسان - الخليفة في الأرض - ووجد كل الخيرات والمسخرات، ~~ولذلك يوضح الحق سبحانه وتعالى: إياكم أن تقولوا إني خلقتكم فقط، بل خلقت ~~لكم الكون. # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]. ويقدم سيدنا إبراهيم برهانه لقومه، إنه يعبد الله وحده الذي ~~خلق السموات والأرض، رافضا كل فساد في الكون، ويتمثل هذا في قوله: { ~~حنيفا } ، و " الحنف " في اللغة هو ميل في القدمين، ونجد القدم مقوسة ~~إلى الخارج. وهذا يعني أنه لا يسير على طريق الفساد الموجود في الكون لأن ~~السماء تتدخل بالرسالات ms3061 حين يطم الفساد في الأرض، وحين يأتي الرسول ~~مائلا عن الفساد فهو يسير معتدلا لأن الميل عن الفساد اعتدال واستقامة. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { وحآجه قومه قال... }. ### || [6.80] # وحاجه أي حاججه بإدغام الجيمين في بعضهما. أي أن كل طرف يقول حجة ~~والطرف الآخر يرد عليه بالحجة، فإذا كنت في نقاش وكل واحد يدلي بحجته، ~~فهذا اسمه الحجاج، أو الجدل المبطل، أي أنك تبطل كلامه وهو يبطل كلامك. { ~~وحآجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ~~} [الأنعام: 80]. وإذا كان إبراهيم قد جادلهم بمجاراة أفكارهم وأثبت ~~بطلانها، فكيف يجادلونه إذن؟. كأن الغرض من الحجاج صرف إبراهيم عن دينه ~~الحنيف الذي ارتآه في قوله سبحانه: # إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض ~~حنيفا ومآ أنا من المشركين # [الأنعام: 79]. ويرد عليهم: { أتحاجوني في الله وقد ~~هدان } [الأنعام: 80]. أي أن مسألة الإيمان قد حسمت. فقد آمن إبراهيم ~~بالله ويعلن للقوم: { ولا أخاف ما تشركون به إلا أن ~~يشآء ربي شيئا } وهذا القول يدل على أنهم قد هددوه لأن كلمة " ~~الخوف " جاءت ونفاها عن نفسه. ويعلنها إبراهيم قوية: { ولا أخاف ما ~~تشركون به } أي لا أخاف من الكواكب التي تأفل سواء أكانت نجما أم ~~قمرا أم شمسا أم تلك الأصنام التي تعبدونها فليس لها نفع ولا ضر، والضر ~~والنفع هما من صنع الله فقط. ولذلك تتجلى الدقة في الأداء العقدي فيقول ~~الحق على لسان إبراهيم عليه السلام: { ولا أخاف ما تشركون ~~به إلا أن يشآء ربي شيئا وسع ربي كل شيء ~~علما أفلا تتذكرون } [الأنعام: 80]. فإن شاء الحق أن ينزل ~~على عبد كوكبا يصعقه أو يحرقه فهذا موضع آخر لا دخل لمن يعبد الكواكب ~~به، ولا دخل للكواكب فيه أيضا لأن النافع والضار هو الله، فحين يشاء الله ~~الضر، يأتي الضر، وحين يشاء النفع يأتي النفع. { إلا أن يشآء ~~ربي شيئا } [الأنعام: 80]. أي اذكروا جيدا، وافرقوا بين فعل يقع ~~من فاعل، وفعل يقع من آلة فاعلها غير تلك الآلة، فحين يشاء الله أن يوقع ~~على إنسان ms3062 كوكبا، أو صخرة فليست الصخرة هي التي صنعت وقوعها، ولا الكوكب ~~هو الذي أسقط نفسه، إنما الفاعل هو الله: { وسع ربي كل شيء ~~علما أفلا تتذكرون } [الأنعام: 80]. وقوله { أفلا ~~تتذكرون } يدل على أن قضايا العقائد مأخوذة بالفطرة، وإقبال النفس ~~على الشهوات هو ما يطمس آثار هذه الفطرة، فليس المطلوب منك أيها الإنسان ~~إنشاء فكرة عقدية بل المطلوب منك أن تتذكر فقط، والتذكر أمر فطري طبيعي ~~لأن الإنسان الخليفة في الأرض هو الذي تناسل من آدم إلى أن وصل إلينا فقد ~~جاء آدم إلى الأرض ومعه منهج سماوي ينظم به حركة الحياة، ولقن آدم المنهج ~~لأولاده، وكذلك فعل أبناء آدم مع أولادهم، ولكن المناهج تنطمس لأن ~~المناهج تتدخل في أهواء الناس وتثنيهم عن شهواتهم وتصدهم عن المفاسد ~~فيعرضون عنها أو يتجاهلونها، إذن فهي عرضة أن تنسى، والرسالات إنما تذكر ~~بالمنهج الأصلي الذي أخذناه عن الحق سبحانه وتعالى، لذلك يعلنها إبراهيم: ~~{ وكيف أخاف مآ أشركتم... }. ### || [6.81] # يقول لهم سيدنا إبراهيم: أنا لا أخاف إلا الله، ولا أخاف ما أشركتم أنتم ~~به مما لا يضر ولا ينفع. و " كيف " هنا تأتي للتعجيب لأن المنطق أن نخاف ~~من الله وحده الذي يضر وينفع. وحين تدور مجادلة تستيقظ في كل طرف ذاتية ~~المجادل، وهناك من يستنكفون من الحق، ليس لأنه حق لكن لخوفهم أن ينهزموا ~~أمام واحد مثيل لهم، ومن يريد أن يصل إلى الحقيقة بدون استعلاء لا يعطي ~~الحكم بما يحرك الذاتية في الخصم المجادل لذلك لم يقل سيدنا إبراهيم: أنا ~~أم أنتم أحق بالأمن؟ بل قال: { فأي الفريقين أحق ~~بالأمن } مثلما علم ربنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يقول: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24]. وهذا منتهى الحيدة في الجدل، فلم يصرح بأن منهجهم هو الضلال ~~وأن منهجه هو الصواب المستقيم ثقة منه أنهم حين يستعرضون منهجه ويستعرضون ~~منهجهم سيحكمون بأنه صلى الله عليه وسلم على هدى وأنهم على ضلال. وهذا هو ~~الجدل الارتقائي، مثلما يعلم ms3063 الحق رسوله ليقول لخصومه: # قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما ~~تعملون # [سبأ: 25]. هل يفعل الرسول جرائم؟ حاشا لله أن يفعل ذلك فهو المعصوم. ~~وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهم: اسألوا عني إن كنت أجرمت ولم ~~يقل لهم وصفا لأعمالهم: " ولا نسأل عما تجرمون " بل قال: # ولا نسأل عما تعملون # [سبأ: 25]. فلم يأت بمسألة الإجرام بالنسبة لهم وجاء بها بالنسبة له، ~~لأنه واثق أنهم إن أعادوا دراسة القضية فكريا وعقديا وعاطفيا فسينتهون ~~إلى الإيمان بمنهجه. وهذا منتهى اللطف في الجدل. ويتجلى اللطف في الجدل ~~في قوله الحق: { فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم ~~تعلمون } [الأنعام: 81]. والعلم هو أن تأخذ قضية تعتقدها ولها ~~واقع وتستطيع أن تدلل عليها، وإن اختل شرط فيها فهذا خروج عن العلم، ~~ومثال ذلك ألفاظ اللغة كل لفظ وضع لمعنى، وساعة تسمع اللفظ وأنت تعرف ~~اللغة تفهم المعنى فحين أقول: الشمس. تتصور أنت الشمس في ذهنك، وكذلك ~~الأرض والماء والجبل. فأنت عرفت مدلول هذه الألفاظ بدون أن تكون هناك ~~نسبة. ونعلم أن هناك فرقا بين معنى اللفظ مفردا، وما يعطيه ويفيده ~~اللفظ إذا جاء في نسبة. فإذا جاء اللفظ في نسبة فلا بد أن توجد قضية، ~~فإذا قلنا الشمس محجوبة بالغيم فهذه قضية، أو قلنا: الشمس تغيب فهذه قضية ~~أخرى وهنا نسبنا شيئا لشيء، ولكننا قبل أن نأتي بالقضايا النسبية لا بد ~~أن يكون للفظ معنى في ذاته، وهذه اسمها معاني اللغة، وتضم من خلالها لفظا ~~إلى لفظ فتنشأ نسبة أو قضية شريطة أن نعرف معنى مفرداتها، وبعد ذلك نعرف ~~النسب، وهي ما نقول عنه: مبتدأ وخبر، موضوع ومحمول، مسند ومسند إليه، فعل ~~وفاعل أي أمر منسوب إلى أمر. # والعلم - كما قلنا - هو قضية واقعية، تعتقدها وتستطيع أن تدلل عليها. ~~وإن اختل أمر من هذا لا يكون علما، فإن كنت تعتقد في قضية إلا أنها غير ~~واقعية، فهذا كذب. وعندما أقول: إن هناك من يعتقدون أن الأرض كروية فهل ~~الواقع كذلك أولا؟. وإن كنت ms3064 تعتقد شيئا وهو واقع، ولم تستطع أن تدلل ~~عليه فهذا تقليد، وإن لم يكن الشيء متيقنا وقد تساوى فيه الطرفان فهذا هو ~~الشك. وإن كان هناك طرف راجح عن طرف آخر فهو الظن. والطرف المرجوح هو ما ~~يسمى بالوهم. وكل قضايا نسبية لا تخرج عن هذه. وقول إبراهيم: { إن ~~كنتم تعلمون } أي تتيقنون من قضية نسبية واقعة معتقدة تستطيعون ~~أن تدللوا عليها. ويقول الحق بعد ذلك: { الذين آمنوا... }. ### || [6.82] # حينما سمع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية اشفقوا على ~~أنفسهم لأنهم استعرضوا حركة أعمالهم فوجدوها لا تخلو من ظلم، وخافوا أن ~~يكونوا من غير الداخلين في { أولئك لهم الأمن }. وشق عليهم ~~ذلك، فرفعوا أمرهم إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأوضح لهم ~~صلى الله عليه وسلم مطمئنا: إن ذلك الظلم هو الذي قال الله فيه: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. والآية تدل بمعطياتها على أن ذلك الظلم هو المتعلق ~~بالإيمان لا بالعمل لأننا نعلم أن التقاء الإنسان بربه مشروط أولا ~~بعقيدة القمة، وهي أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن تشهد أن محمدا رسول ~~الله ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، أولا أمر لأحد في خلق الله إلا ~~لله، ولا فعل لأحد من خلق الله إلا من الله، ولا استمداد لأحد قدرة ~~وعلما وحكمة وقبضا وبسطا إلا من الله، تلك هي دائرة الإيمان العقدية. ~~ويقول الحق: { ولم يلبسوا إيمانهم بظلم } فكأن هذه ~~المسألة هي منطقة الظلم، أما العمل فسبحانه فصل لنا بين إيمان ينفجر ~~عنه العمل وعمل تنفجر عنه الطاقات فقال سبحانه: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات # [العصر: 1-3] والعطف في قوله: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات # [العصر: 3] يقتضي المغايرة، فالإيمان شيء وعمل الصالحات شيء آخر، إذن ~~فالإيمان عمل ينبوعي في القلب، ولكن العمل ناشئ عن الالتزام الذي شرعه ~~الإيمان فيه، وعلى المؤمن أن يتنبه إلى أن الله واحد في ذاته، وواحد في ~~صفاته، وواحد في أفعاله، لا ند ms3065 له ولا شريك معه، فإن وجدت صفة في الله ~~ووجدت صفة مثلها فيك فاعلم أن الصفة في الله في دائرة # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. فلا قدرة كقدرته، ولا ذات كذاته، ولا فعل كفعله. فإن اختل ~~شئ من ذلك في اليقين فهذا ظلم واقع في الإيمان. فمثلا: أنت تقبل على ~~الأشياء بالطاقات المخلوقة لك من الحق سبحانه وتعالى، وقبل أن تفعل أي ~~فعل لا بد أن يمر على بالك نسبة ذهنية، قبل أن تكون نسبة قولية أو فعلية. ~~هذا هو العمل المنوط به والمطلوب منك، أما العمل الذي لا يمر ببالك فلست ~~مسئولا عنه، مثال ذلك: هب أنك سائر في الطريق، ثم وجدت حفرة تكاد تسقط ~~فيها، فهناك أمر غريزي لحفظ الإنسان فيبعد رجله، وهو لا يستطيع في هذه ~~المسألة أن يمررها بباله. وتلك أعمال نسميها الأعمال الاضطرارية أو ~~الغريزية أو القسرية. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل أمر ذي بال لا يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع " # " حديث شريف " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع " # " حديث شريف " و " ذي بال " أي كل أمر تفعله بعد أن يمر ببالك أن تفعله ~~يجب أن تذكر فيه اسم الله. ويغفل أناس كثيرون عن هذه المسألة فنقول لهم: ~~منطقيا لا بد أن تضعوا هذا الأمر في بالكم لأن الفعل الذي لا يمر ببالك ~~هو فعل أعطى الله غريزتك - بدون أمر - أن تفعله. ومثال ذلك إذا أكل ~~الإنسان ثم نزل شيء في قصبته الهوائية غير الهواء نجده يسعل بلا شعور حتى ~~يخرج هذا الشيء، لأنها عملية قسرية. أما الأمر ذو البال فهو الذي تمر ~~ببالك نسبته الذهنية ثم يمر بالفعل، إن كان قولا تقوله، وإن كان فعلا ~~تفعله فمطلوب منك فيه ابتداء أن تسمى الله لأن الحق سبحانه وتعالى يطلب ~~منا ألا تشغلنا الأسباب عن المسبب لها. فأنت مثلا حين تزرع الأرض ~~تحرثها، ثم تضع البذرة وتغطيها، ثم ترويها وبعد ذلك ينبت الزرع. ms3066 ألك في ~~ذلك شيء؟. إنه ليس لك إلا تجميع فعل فالبذرة مخلوقة لله، والتربة التي ~~وضعت فيها البذرة مخلوقة لله، والعناصر الموجودة في الأرض لتغذي النبات ~~مخلوقة لله، والخاصية الموجودة في البذرة لتمتص شيئا ينمي جذيرها ثم ~~تنفلق الحبة، كل هذه أسباب ليس لك فيها شيء أبدا. ولكن الله احترم فعلك ~~فقط فقال سبحانه: # أفرأيتم ما تحرثون # [الواقعة: 63]. ثم قال سبحانه: # أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون # [الواقعة: 64] ومن مخصصات الإيمان أنك حين تقبل على أي شيء ذي بال ألا ~~تنسى من سخر لك هذا، فليس في قدرتك أن تفعل لنفسك وبنفسك أي شيء إلا ~~بإرادة الله، وإذا ما فعلت ذلك وتذكرت من سخر لك هذا تكون قد نسبت الأمر ~~كله له سبحانه. ونحن في قوانيننا الوضعية ساعة يجلس القاضي ليحكم بين ~~الناس حكما وهناك سلطة تنفذ هذا الحكم فهو يقول: " باسم الشعب " أو " ~~باسم القانون " ، إذن الشعب أو القانون هو الذي أعطاه الصلاحية لأن يحكم ~~هذا الحكم، فما هي القدرة التي جعلتك تحكم على الأشياء أن تنفعل لك؟ لا ~~بد أن تقول إذن: باسم الله الذي سخر لي هذا، فإذا أقبلت على عمل بغير ~~ذلك، تكون مفتاتا ومختلقا ومدعيا أمرا لا تستطيعه لأنه ليس في سلطتك ~~ولا في قدرتك أن تسخر الكائنات لك. إن الحق سبحانه وتعالى هو الذي سخر لك ~~الكائنات، فعليك أن تذكر اسم الحق لتنفعل لك تلك الكائنات، ومن يغفل عن ~~ذلك فقد لبس وخلط إيمانه بظلم. وإذا ما رأيت ثمرة من ثمارك إياك أن ~~تقول كما قال قارون: # أوتيته على علم عندي # [القصص: 78] بل اذكر وقل: # ما شآء الله # [الكهف: 39] لأنك إن قلت: # أوتيته على علم # [القصص: 78] فالحق قد قال في شأن قارون: # فخسفنا به وبداره الأرض # [القصص: 81] أين ذهب علم قارون الذي جاء به؟. إذن فكل أمر من الأمور يجب ~~أن تنسبه لله، فإن اختل شيء فيك من هذه المسألة فاعلم أنك لبست وخلطت ~~إيمانك بظلم، والحق سبحانه وتعالى منا ذلك حتى تكون النعمة مباركة ms3067 ~~إقبالا عليها أو انتفاعا بها، ولا ينشأ من العمل الذي تعمله مبتدئا ب ~~" بسم الله " إلا ما يعينك على طاعته، ويعينك على بر، ويعينك على خير، ~~ولا تصرفه إلا في عافية. وبعد ذلك يؤهلك مجموع هذه الأشياء في كل حركاتك ~~وأعمالك إلى أن تأخذ أمنا آخر أجمع وأتم وأكمل من أمن الدنيا إنك تأخذ ~~أمن الآخرة بأن تدخل الجنة. إذن { أولئك لهم الأمن } أي ~~الذين لم يلبسوا إيمانهم بظلم، والحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نتصل ~~دائما بمنهجه لأن إمدادات الله سبحانه وتعالى مستمرة، ورحماته وتجلياته ~~لا تنقطع عن خلقه أبدا لأنه قيوم أي إنه بطلاقة قدرته وشمول قيوميته ~~يقوم سبحانه باقتدار وحكمة على كل أسباب مخلوقاته، فكن دائما في صحبة ~~القيوم ليتجلى عليك بصفات حفظه، وصفات قدرته، وصفات علمه، وصفات حكمته. ~~فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال: # " يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين ~~يدي في الجنة. قال: ما عملت عملا أرجى عندي من أني لم أتطهر طهورا في ~~ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي " # ويقول - صلى الله عليه وسلم -: # " إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر ~~إليه بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل ~~خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرجت ~~كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيا من ~~الذنوب " # إذن الحق سبحانه وتعالى يريد منا أن نتصل بمنهجه اتصالا وثيقا ليعطينا، ~~لا ليأخذ منا لأن الفرق بين عبودية البشر للبشر والعبودية الخالصة لله أن ~~البشر يأخذ خير عبده، ولكن عبوديتنا لله تعطينا خيره من خزائن لا تنفد، ~~نأخذ منه كلما ازددنا له عبودية، إذن الحق دائما يريد أن يصلنا به. { ~~أولئك لهم الأمن } الأمن في الدنيا والأمن بمجموع ما كان في ms3068 ~~الدنيا مع الأمن في الآخرة. ولقائل أن يقول: هناك اناس لا يسمون باسم ~~الله، ولا يخطر الله على بالهم، ويتحركون في طاقات الأرض ومادتها، ~~وينعمون بها ويسعدون، وقد يسعدون بابتكارات سواهم. # ونقول: نعم هذا صحيح لأن فيه فرقا بين عطاء الفعل، والبركة في عطاء ~~الفعل. إذا زرع الكافر فالأرض تعطى له، وإذا قام بأي عمل يأخذ نتيجته، ~~لكن لا يأخذ البركة في العطاء. وما هي البركة في العطاء؟ البركة في ~~العطاء أن يكون ما أخذته من هذا العطاء لا يعينك على معصية، بل دائما ~~يعينك على طاعة. ونحن نرى كثيرا من الناس يصدق عليهم قوله سبحانه: # أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها # [الأحقاف: 20] فإياك أن تغالط وتقول: إنهم لا يقولون: # بسم الله الرحمن الرحيم # [الفاتحة: 1] ومع ذلك فهم قد أخذوا طيبات الحياة الدنيا، إنك حين تنظر ~~إليهم تجد كل مرتقيات حضارتهم، وطموحات بحوثهم واكتشافاتهم تتجه دائما ~~إلى الشر، لم يأت لهم ابتكار إلا استعملوه في الشر إلى أن يأذن الله ~~فيشغلهم عن أشيائهم بما يصب عليهم من العذاب والنكبات ولهم في الآخرة ~~العقاب على شركهم وكفرهم. إذن { أولئك لهم الأمن } أي إن ~~هؤلاء الذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك لهم الأمن في جزيئات أعمالهم والأمن ~~المتجمع من جزيئات أعمالهم يعطي لهم الأمن في الجنة. { وهم ~~مهتدون } والهداية هي الطريق الذي يوصل إلى الغاية. ولا يقال إنك ~~موفق في الحركة إلا إذا أدت بك هذه الحركة إلى غاية مرسومة في ذهنك من ~~نجاح بعد المذاكرة والاجتهاد. ولا مخلوق ولا مصنوع يحدد غايته، فاترك لله ~~تحديد مهتمك، فسبحانه هو الذي خلقك، وفي عرف البشر، لا توجد صنعة تحدد ~~مهمتها أبدا، بل إن الصانع هو الذي يحدد لها الغاية منها فالغاية توجد ~~أولا قبل الصنعة، وما دامت الغاية موجودة قبل الصنعة فمن الذي يشقى ~~بالتجارب إذن؟. في الابتكارات العلمية المعملية المادية التي تنشأ من ~~التفاعل مع المادة نجد أن الذي يشقى بالتجربة أولا هو العالم، وأنت لا ~~تعلم التجربة إلا بعد ما تظهر ms3069 نتائجها الطيبة، والمسائل النظرية التي ~~تتعب العالم يأتي التعب منها لأنها ليست مربوطة أولا بالماديات المقننة ~~وبمعرفة الغاية، ولا بمعرفة الوسيلة لهذه الغاية. فمن المهتدي إذن؟ إن ~~المهتدي هو من يعرف الغاية التي يسعى إليها، والوسيلة التي تؤهله إلى هذه ~~الغاية. وإذا حدث له عطب في ملكات نفسه، يستعين في إصلاح العطب ويلجأ إلى ~~من صنع هذه الملكات، وهو الله سبحانه، كما يرد الإنسان الآلة التي تتعطل ~~لصانعها. ونجد كثيرا من الشعراء يسرحون في خيالهم فيقول الواحد منهم: # ألا من يريني غايتي قبل مذهبي # ومن أين للغايات بعد المذاهب؟ # ونقول له: من خلقك أوضح لك الغاية. ويقول الحق بعد ذلك: { وتلك ~~حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه نرفع... }. ### || [6.83] # والحجة هي البرهان القائم لإثبات القضية المطلوب إثباتها. وكأن الحق ~~سبحانه وتعالى يريد منا حين نحاجج أن تكون لنا غاية في الحجاج، ونحن نعلم ~~أن الغاية في الحجاج إن تعدت موضوع الحجاج نفيا أو إثباتا فهي تهريج، ~~وينحصر الأمر في أنك تريد الانتصار على خصمك وأن يحاول خصمك الانتصار ~~عليك، لكن عليك إذا ما دخلت الحجاج أن تجعل الغاية الأصيلة هي الأساس، ~~وكما يقولون تحديد وبيان محل النزاع لأن الحق لا بد أن يكون أعز منك ومن ~~خصمك عندك، ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى يوضح: إياكم أن تتناظروا في ~~قضية تناظرا جماهيريا، لماذا؟ لأن الصوت الجماهيري يلتبس فيه الحق مع ~~الباطل، والله سبحانه وتعالى يريد من كل صوت أن يكون محسوبا على صاحبه، ~~ومثال ذلك عندما يقوم تظاهر كبير ويهتف فيه بسقوط أحد لا يتعرف أحد على ~~من بدأ الهتاف. والذي جعل العرب يخسرون أنهم حين استقبلوا الدعوة كانوا ~~يعقدون اجتماعات جماهيرية، ينقدون فيها أقوال رسول الله فتاهت منهم ~~القدرة على الحكم الموضوعي. ولذلك يقول ربنا: # قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة # [سبأ: 46]. أي أن تجتمعوا وفي وجهتكم الله، ومن عنده قوة فليناقش بالحجة ~~أقوال رسول الله موضوعا، وتاريخا، ومنطقا. ولا يمكن ms3070 أن يجتمع اثنان ~~ليبحثا مسألة وفي بالهما الله فقط - إلا وينتهيان فيها إلى رأي موحد. ~~ولذلك جاء التفاوض السري في العصر الحديث مستمدا من تلك القاعدة ~~الإيمانية. { وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على ~~قومه نرفع درجات من نشآء إن ربك حكيم ~~عليم } [الأنعام: 83]. وأول قوم إبراهيم أبوه آزر، إنه حاجهم في ~~الكواكب والقمر والشمس والتماثيل، وبعد ذلك انتصر بالحجة على كبيرهم وهو ~~الملك أو السلطان، وهو النمروذ حين أراد أن يناظره في قوة الإحياء ~~والإماتة. ويريد الحق أن نتعلم من حكمة سيدنا إبراهيم، إنك إذا رأيت خصمك ~~يدخل فيما لا يمكن أن ينتهي فيه الجدل فانقله إلى المستوى الذي لا يستطيع ~~منه خلاصا ولا فكاكا، فلا يغلبك فالملك النمروذ قال له: # أنا أحيي وأميت # [البقرة: 258]. وكان باستطاعة سيدنا إبراهيم أن يقول: أنت لا تميت بل ~~تقتل، والقتل غير الموت لأنك تنقض البنية، لكنه لم يرد أن يطيل الجدل، ~~وأراد أن يكون الجدل مقتضبا، ويسقطه على الحجة ويلزمه بها من أقصر طريق، ~~فقال الله: # قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب # [البقرة: 258]. فماذا كانت نتيجة الجدل؟ يقول الله سبحانه: # فبهت الذي كفر # [البقرة: 258]. وكل هذه حجج يوضحها قول الله سبحانه: { وتلك ~~حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه نرفع درجات ~~من نشآء إن ربك حكيم عليم } [الأنعام: 83]. # لقد أعطى الله سبحانه إبراهيم الحجة على قومه، أي كانت له عليهم درجات ~~وسمو وارتفاع لأن إقامة الحجة على الغير انتصار، والانتصار رفع لدرجة ~~موضوعك، ورفع أيضا لموضوع عملك. وسبحانه لا يشاء إلا عن حكمة، ولا يشاء ~~إلا عن علم لأنه إن أطلقنا المشيئة لواحد من البشر فقد يفعل الفعل بدون ~~حكمة وبدون علم، أما الحق فينبئنا بأن مشيئته هي عن حكمة وعلم لصالح ~~الخلق لأن مشيئته مبنية لا على هوى، ولا على نفع من أحد، فالله سبحانه له ~~كل صفات الكمال والجلال والجمال قبل أن يخلق الخلق. إن خلق الخلق ~~وإيمانهم لا يزيد في ملك الله، وإن عصوا لا ينقص من ms3071 ملك الله شيء، ولكن ~~الحكمة قد تفوت عن بعض الخلق فلا يهتدون إليها، وسبحانه حين يجري أمرا ~~على خلقه ثم يقبلونه وإن لم يعلموا علته يريهم جل وعلا الحكمة في الفعل ~~الذي كان غير مقبول لهم لأنه سبحانه خلق الخلق ويعلم أزلا أن للخلق ~~أهواء ومرادات، ولو أعطى كل مخلوق مراده لأعطاء على حساب غيره، والحق ~~سبحانه عادل فلا ينفع واحدا ويتعب الآخر. والحق بحكمته يعلم ما يصلح أمر ~~خلقه، فلا يستجيب لدعوة حمقاء من عبد، فبسحانه يعلم أنه ليس في صالح ~~العبد أن يلبي له هذا الطلب. ولذلك يقول الحق: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # [الإسراء: 11]. إن العبد يقول: يا رب اصنع لي كذا، يسر لي هذا الأمر، ~~وهو خير في عرفه، وقد يكون هو الشر لأن الإنسان عجول. لذلك يقول سبحانه: # سأوريكم آياتي فلا تستعجلون # [الأنبياء: 37]. إن الحق جل وعلا يضبط مرادات الخلق فالصالح يجريه ~~عليهم. { نرفع درجات من نشآء إن ربك حكيم ~~عليم } وكلمة " رب " حينما ترد لا بد أن نفهم منها معنى الخلق ~~والتربية، وساعة تأتي كلمة " الألوهية " فلنعلم أنها للتكليف لأن الله هو ~~المعبود المطاع إن أمر أو نهى، ولكن الرب هو من خلق وربى، وتعهد، ~~وأعطاك مقومات حياتك. إذن عطاء الربوبية شيء، وعطاء الألوهية شيء آخر، ~~وعطاء الربوبية يأخذه المؤمن والكافر، والطائع والعاصي لأن الله هو الذي ~~استدعاهم للوجود، وجعل الكون مسخرا لهم، لكن عطاء الألوهية يتمثل في " ~~افعل كذا " و " لا تفعل كذا " ، وهذا يدخل في منطقة الاختيار. فالذي يكفر ~~بالله ويحسن الأخذ بالأسباب يأخذ نتائجها، ومن يؤمن بالله ولا يحسن الأخذ ~~بالأسباب لا يأخذ النتائج لأن الاستنباط في الكون من عطاء الربوبية. ~~ويقول الحق: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب... }. ### || [6.84] # إننا نعرف أن إسحاق هو الابن الثاني لسيدنا إبراهيم بعد إسماعيل، ويعقوب ~~ابن إسحاق، وساعة ترى الهبة افهم أنها ليست هي الحق، فالهبة شيء، و " ~~الحق " شيء آخر. الهبة. إعطاء معط لمن لا يستحق لأنك حين تعطي إنسانا ~~ما يستحقه ms3072 فليس ذلك هبة بل حقا. والحق سبحانه وتعالى يوضح: إياكم أن ~~تعتقدوا أن أحدا من خلقي له حق عندي إلا ما أجعله أنا حقا له، ولكن كل ~~شيء هبة مني. والقمة الأولى في الهبات والعطايا هي قمة السيادة الأولى ~~في الكون للإنسان، ثم التكاثر من نوعية الذكر والأنثى، حيث الذرية من ~~البنين والبنات. يقول سبحانه: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور # [الشورى: 49]. فهبة الأولاد لا تأتي من مجرد أنه خلق الرجل والمرأة، ~~وأن اللقاء بينهما يوجد الأولاد بل يقول سبحانه: # أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء ~~عقيما # [الشورى: 50]. فلو أن المسألة مجرد إجراء ميكانيكي لجاء الأولاد، لكن ~~الأمر ليس كذلك فمن يفهم في الملكوت تطمئن نفسه أن ذلك حاصل عن حكمة حكيم ~~يعرف أنها هبة من الله، حتى العقم هو هبة أيضا فالذي يستقبله من الله ~~على أنه هبة ويرضاه، ولم ينظر إلى أبناء الغير بحقد أو بحسد سيجعل الله ~~كل من تراه أبناء لك بدون تعب في حمل أو ولادة، وبدون عناية ورعاية منك ~~طول عمرك. ومن يرض بهبة الله من الإناث سيجد أنهن رزق من الله ويبعث له ~~من الذكور من يتزوج الإناث ويكونون أطوع له من أبنائه لأنه رضي. إذن لا ~~بد أن تأخذ الهبة في العطاء، والهبة في المنع. والحق يوضح: أنا وهبت ~~لإبراهيم إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، والإنسان منا يعرف أن الإنسان ~~بواقع أقضية الكون ميت لا محالة، وحين يكبر الإنسان يرغب في ولد يصل ~~اسمه في الحياة وكأنه ضمن ذلك، فإن جاء حفيد يكون الجد قد ضمن نفسه جيلا ~~آخر. ولكن لنعرف قول الحق: # المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا # [الكهف: 46]. وبقاء الذكر في الدنيا لا لزوم له إن كان الله يحط من ~~قدر الإنسان في الآخرة!! ونلحظ أن الحق قال في موقع آخر: # فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل ~~يعقوب واجعله رب ms3073 رضيا # [مريم: 5-6]. وامتن الله على إبراهيم لا بإسحاق فقط بل بيعقوب أيضا، ~~وفوق ذلك قال: { كلا هدينا } أي أنهما كانا من أهل الهداية. { ~~ونوحا هدينا من قبل } أي أن الهداية لا تبدأ بإسحاق ويعقوب، ~~بل بنوح من قبل: { ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ~~ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين }. ~~ويتابع الحق: { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس... }. ### || [6.85-87] # { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من ~~الصالحين } ولم يأت الحق بالثمانية عشر نبيا متتابعين بل قسمهم ~~بحكمة، فيقول: { وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا ~~فضلنا على العالمين } ولا يقتصر الأمر على هؤلاء بل يقول ~~سبحانه: { ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم ~~واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم } وأنت ~~إن نظرت إلى هؤلاء الثمانية عشر نبيا المذكورين هنا، ستجد أنهم من ~~الخمسة والعشرين رسولا الذين أمرنا بالإيمان بهم تفصيلا. وقد جمعوا في ~~قول الناظم: # في تلك حجتنا منهم ثمانية # من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو # إدريس هود شعيب صالح وكذا # ذو الكفل آدم بالمختار وقد ختموا # والحق سبحانه وتعالى لم يجعل من الأنبياء ملوكا إلا اثنين: داود وسليمان ~~حتى يعطينا فكرة أن الله إذا أراد أن يقهر خلقا على شيء لا يقدر عليه ~~أحد يبعث ملكا رسولا لأن الملك لا يقدر عليه عبد لأن القدرة معه، ~~والمجتمع آنذاك كان في حاجة إلى ملك يدير أمره ويضبط شأنه، وسبحانه لا ~~يريد الإيمان بالقوة والخوف والرهبوت إنما يريده بالاختيار، ولذلك جعل ~~أغلب الأنبياء ليسوا ملوكا. وفي الحديث # " أفملكا نبيا يجعلك أو عبدا رسولا " # فاختار أن يكون عبدا رسولا لأن الملك يأتي بسلطانه وبماله، وقد يطغى. ~~وأراد الحق أن يكون سليمان وداود من الأنبياء وهما ملكان، وتتمثل فيهما ~~القدرة وسعة الملك والسلطان. أما أيوب فقد أخذ زاوية أخرى من الزوايا ~~وهي الابتلاء والصبر مع النبوة، وكل نبي فيه قدر مشترك من النبوة، وفيه ~~تميز شخصي. وكذلك يوسف أخذ الابتلاء أولا، ثم أخذ الملك والسلطان في ~~النهاية. وموسى وهارون أخذ شهرة الاتباع، ونكاد لا نعرف من الأديان إلا ~~اليهودية والنصرانية، أما زكريا ms3074 ويحيى وعيسى وإلياس فقد أخذوا ملكة ~~الزهد. وأما إسماعيل واليسع ويونس ولوطا فقد أخذوا ما زخرت به حياتهم من ~~عظيم الفعال وكريم الخصال والسلوك القويم والقدوة الطيبة وبقي لهم الذكر ~~الحسن. إذن فهناك زوايا متعددة للأنبياء. وعندما وقف العلماء عند " عيسى ~~" هل يدخل في ذريتهم، وجدوا من يستنبط ويقول: من ذريتهم من ناحية الأم. # وإنما أمهات القوم أوعية # مستحدثات وللأحساب آباء # والعنصر البشري في عيسى هو الأم. وبمثل هذا احتج أبو جعفر محمد الباقر ~~أمام الحجاج حين قال له: أنتم تدعون أنكم من آل رسول الله ومن نسله، مع ~~أن رسول الله ليس له ذرية! قال له الإمام الباقر رضي الله عنه: كأنك لم ~~تقرأ القرآن. قال له: وأي شيء في القرآن؟ قال اقرأ: " ومن ذريته..... " ~~إلى أن تقرأ: " وعيسى " فعيسى من ذرية نوح، من أب أم من أم؟. قال له: ~~من أم. فقال له: نحن كذلك من ذرية محمد صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق ~~من بعد ذلك: { ذلك هدى الله... }. ### || [6.88] # " ذلك " إشارة إلى شيء تقدم، والمقصود به الهدى الذي هدينا به القوم، ~~وهو هدى الله. ونجد كلمة " هدى " تدل على الغاية المرسوم لها طريق قصير ~~يوصل إليها، وربنا هو الذي خلق، وهو الذي يضع الغاية، ويضع ويوضح ويبين ~~الطريق إلى الغاية، وحين يضاف الهدى إلى الله فهو دلالة على المنبع ~~والمصدر أي هدى من الله. وكلمة " هدى " مرة تضاف إلى الواهب وهو الحق، ~~وتضاف إلى الأنبياء. يقول الحق: # فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]. وذلك إشارة إلى المنهج الذي أنزله الله على الرسل. إذن ~~فالحق سبحانه وتعالى يهدي الناس جميعا بدلالتهم على الخير، والذي يقبل ~~على هذه الدلالة احتراما لإيمانه يعينه الله، ويزيده هدى، وسبحانه يريد ~~أن يثبت للإنسان أنه جعله مختارا، فإن اخترت أي شيء فأنت لم تختره غصبا ~~عن ربنا، إنما اخترته بمن خلقك مختارا. ولا يوجد فعل في الكون يحدث على ~~غير مراد الله، ولو أراد الله الناس جميعا مهديين لما استطاع واحد أن ~~يعصي، إنما أرادهم ms3075 مختارين، وكل فعل يفعله أي واحد منهم، فهو مراد من ~~الله لكنه قد يكون مرادا غير محبوب، ولذلك قال العلماء: إن هناك مرادا ~~كونا، ومرادا شرعا. وما دام الشيء في ملك الله فهو مراد الله، والمراد ~~الشرعي هو المأمور به، وما يختلف عن ذلك فهو مراد كوني، جاء من باب أنه ~~خلقك مختارا. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - أنت تعطي ابنك جنيها، ~~والجنيه قوة شرائية. فأخذ الجنيه ونزل السوق وهو حر ليتصرف به، وتقول له: ~~اسمع. إن اشتريت به مصحفا أو كتابا جميلا أو بعضا من الحلوى وأكلتها ~~أنت وإخوتك فسأكون مسرورا منك وسأكافئك مكافأة طيبة، وإن اشتريت " ~~كوتشينة " ، أو صرفت الجنيه فيما لا أرضى عنه فسوف أغضب منك ولن أعطيك ~~نقودا. أنت بهذا القول أعطيت ابنك الحرية. وساعة ينزل السوق ويشتري " ~~كوتشينة " فهو لم يفعل ذلك قهرا عنك لأنك أنت الذي أعطيته الاختيار، ~~لكنك قلت له: إنك تطلب منه أن يحسن الاختيار، وسبحانه وتعالى قد جعل ~~الإنسان مختارا، فإن اختار الهداية أجزل له العطاء، وإن اختار الضلال ~~عاقبه عليه. وبالنسبة للأنبياء جاءت لهم الهداية من الله دلالة لهم ~~وأقبلوا على مرادات الحق فأعطاهم هداية أخرى وذلك بأن يعشقهم في العمل ~~ويحبب إليهم فعل الخير، وبعد ذلك يوضح سبحانه: إياكم أن تظنوا أن هناك من ~~يفلت مني لأنهم لو أشركوا لأحبطت أعمالهم. إذن فالحق لم يخلق الخلق ~~مرغمين على عمل الطاعة بل خلقهم مختارين في التكاليف، حتى ينالوا لذة ~~اختيار منهج الله ولو أشركوا لحبط عملهم و " لو " حرف امتناع لامتناع، ~~وهذا دليل على أنهم لم يشركوا ولذلك لم يحبط عملهم، و " الحبط " هو ~~الإبطال للعمل. ويقول الحق بعد ذلك: { أولئك الذين ~~آتيناهم... }. ### || [6.89] # والكتاب هو المنهج، والحكم وهو ما أعطاه الله لبعضهم من السيطرة ~~والغلبة، والنبوة أي أنه جعلهم نماذج سلوكية للبشر. { فإن يكفر ~~بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين } وسبحانه وتعالى أعطانا نماذج من المهديين في الرسل، ~~والأنبياء وفيمن اجتباهم من آبائهم وذرياتهم وإخوانهم فهؤلاء ms3076 القوم الذين ~~جئت لتأخذ بيدهم من الظلمات إلى النور، فإن امتنع بعض الناس عن الهداية ~~فسيوكل الله قوما آخرين ليحملوا المناهج ليكونوا عنصر الخير الباقي إلى ~~أن تقوم الساعة. ومن القوم؟. قال بعضهم المشار إليه هم قريش، والمقصود ~~من قوله: { فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها ~~بكافرين } هم أهل المدينة أي الأنصار. أو المقصود من النص الكريم كل ~~ممتنع وكافر وكذلك كل مقبل على الله وطائع له أي إن يكفر بها طائفة يوكل ~~الله من يقوم بها ويدافع عنها ويحميها لأن الله لا ينزل قضية الخير في ~~الخلق وبعد ذلك يطمسها بل لا بد أن يبقيها كحجة على الخلق. { فإن ~~يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما } وهذا يدل ~~على أن أهل الخير دائما وكلاء عن الله لأن الذي يمد يده بالمعونة لضعيف ~~من خلق الله هذا الضعيف قد استدعاه الله إلى الوجود، ومن يمد يده ~~بالمعونة فقد جعل من نفسه وكيلا لربنا لأنه يقوم بالمطلوب له - سبحانه - ~~وجعل من نفسه سببا له لأن الله رب الجميع، ومربي الجميع، وراعي الجميع، ~~ورزاق الجميع، وليثق من يقوم بالخير ويجعل من نفسه وكيلا عن الله في أن ~~يشيع الخير في خلق الله، ليثق أن الله سيكرمه أضعاف أضعاف ما أعطى. ويقول ~~الحق من بعد ذلك: { أولئك الذين هدى... }. ### || [6.90] # و " هدى الله " هنا أيضا هو هداية دلالة، وهداية معونة بدليل أنه قال: { ~~فبهداهم اقتده } والخطاب لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~لأن " أولاء " أي المشار إليهم هم المتقدمون، و " الكاف " خطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم. { أولئك الذين هدى الله فبهداهم ~~اقتده } وحين نقرأ هذا القول الكريم نقول " اقتد " ولا نقول " اقتده ~~" ولا تنطق الهاء إلا في الوقف ويسمونها " هاء السكت " ، لكن إذا جاءت ~~في الوصل لا ينطق بها، وكل واحد من هؤلاء الرسل السابق ذكرهم له خصلة ~~تميز بها، وفيه قدر مشترك بين الجميع وهو إخلاص العبودية لله والإيمان ~~بالله وأنه واحد في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، وكلهم مشتركون ms3077 في هذه ~~الأصول، وتميز كل منهم بخصلة في الخير فسيدنا سليمان وداود أخذا القدرة ~~والسلطان والملك، وأيوب أخذ القدرة في الصبر على البلاء، ويوسف أخذ ~~القدرة في الصبر والتفوق في الحكم، وسيدنا يونس أخذ القدرة كضارع إلى ~~الله وهو في بطن الحوت، وإسماعيل كان صادق الوعد. والمطلوب إذن من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يكون مقتديا بهم جميعا، أي أن يكون ~~كسليمان وكداود وكإسحاق وكيعقوب وكأيوب وكيوسف وكيونس. وأن يأخذ خصلة ~~التميز من كل واحد فيهم وأن يشترك معهم في القضية العامة وهي التوحيد ~~لله. وبذلك يجتمع كل التميز الذي في جميع الأنبياء في سيدنا محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وإذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمرا من ربه فلا بد أن نعتقد أنه صلى الله عليه وسلم قد نفذ الأمر، وما ~~دام أنه صلى الله عليه وسلم قد اجتمعت فيه مزايا الأنبياء فحق له أن يكون ~~خاتم النبيين والمرسلين. { قل لا أسألكم عليه أجرا إن ~~هو إلا ذكرى للعالمين } [الأنعام: 90]. ولماذا يطلب ~~الأجر؟ أنت لا تطلب أجرا ممن فعلت أمامه أو له عملا إلا إذا كان العمل ~~الذي فعلته يعطيه منفعة تستحق أن تعطي وتمنح عليه أجرا، فكأن ما يؤديه ~~صلى الله عليه وسلم إلى الأمة كان يستحق عليه أجرا، لكنه صلى الله عليه ~~وسلم يبلغ عن ربه: قل لهم: إنك نزلت عن هذا الأجر. وقارنوا بين من يقدم ~~لأي واحد منكم منفعة قد لا تأخذ من وقته نصف ساعة في جزئية من جزئيات ~~الحياة، ومن يقوم بعمل ينفعكم في مدى يتعدى الدنيا إلى أن يصل إلى ~~الآخرة ثم يقول: أنا لا أريد منكم أجرا. وعدم طلب الأجر حصل من كل الرسل ~~إلا رسولين اثنين فلم يرد في القرآن أن قالاها، وإذا ما جئت لسورة ~~الشعراء مثلا تجد أن الحق تكلم عن موسى، وتكلم عن إبراهيم، ثم تكلم بعد ~~ذلك عن بقية الرسل ولم تأت كلمة الأجر في قصة إبراهيم وكذلك في قصة ms3078 موسى ~~عليهما السلام. # لكن جاء ذكر الأجر في غيرهما، يقول سبحانه: # إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إني لكم ~~رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ ~~أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين # [الشعراء: 106-109]. وقال جل شأنه: # إذ قال لهم شعيب ألا تتقون * إني لكم رسول ~~أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين # [الشعراء: 177-180]. وعندما تستقرئ سورة الشعراء تجد الأنبياء كلهم، ~~وتجد مع قول كل منهم { ومآ أسألكم عليه من أجر } ، إلا ~~سيدنا موسى، وسيدنا إبراهيم. لماذا؟ ونقول: إن من ينزل عن الأجر، هو من ~~يقدم لهم منفعة. وفي موسى عليه السلام نجد أنه قد وجهت وقدمت وسيقت له ~~المنفعة من فرعون الذي قام بتربيته، كأنه قد أخذ الأجر مقدما، لذلك لم ~~يقل موسى لفرعون " لا أسألك أجرا " لأن القرآن جاء بقول فرعون: # قال ألم نربك فينا وليدا # [الشعراء: 18]. وكذلك لم تأت مسألة الأجر في قصة سيدنا إبراهيم لأنه ~~خاطب أباه آزر، ولم يكن من المقبول أن يقول له: " لا أسألك أجرا ". وهكذا ~~انطمست مسألة الأجر في قصة سيدنا إبراهيم وقصة سيدنا موسى، وبقيت فيما ~~عداهما، مما يدل على أن القرآن موضوع بأدق تفاصيله بحكمة لأن من يتكلم هو ~~ربنا. ويمتاز سيدنا رسول الله أيضا ويقول: " لا أسألكم أجرا " إلا آية ~~واحدة استثنى فيها هذا النفي: # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى # [الشورى: 23]. والمودة هي فعل الخير الناشئ عن محبة قلب، أما فعل الخير ~~الذي لا ينبع من محبة في القلب فهو فعل معروف لأن المعروف يضعه الإنسان ~~مع من يحب ومن لا يحب. ولذلك قال ربنا: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا # [لقمان: 15]. المعروف - إذن - هو عمل امتداده خير سطحي. والرسول حين ~~يطلب المودة في القربى فهل هي قرباه صلى الله عليه وسلم أو المودة في ~~قرباكم؟ هي القربى على إطلاقها، وهي ms3079 القربى أيضا للمتكلم وهو الرسول ~~الذي يبلغ عن الله. وإن صنفت على أنها " إلا المودة في القربى " أي ~~القربى للمتكلم وهو سيدنا رسول الله لما استطعنا أن نوفيه أجرا. أما ~~حين يتحمل كل واحد منا مجالا من الخير والمعروف في قومه، هنا تتلاحم ~~دوائر الخير في الناس جميعا. ويذيل الحق الآية بقوله: { إن هو ~~إلا ذكرى للعالمين } وهي ما تعطينا اجتماع الدوائر ويصير كل ~~واحد مهتما بأقاربه ويتنازع الناس ويتنافسون في مودة القربى، وكل ~~منهم يحرص على أن يوسع دائرة القربى. هنا يعم الخير ويدوم الود ويقول ~~الحق بعد ذلك: { وما قدروا الله... }. ### || [6.91] # الكلام عن الذين رفضوا وتأبوا عن الإيمان بالله. فيأتي الأمر للرسول ~~صلى الله عليه وسلم بأن يوضح لهم بأنهم لم يعطوا الله حق قدره، ومعنى ~~القدر معرفة المقدار، وحق قدره سبحانه لا نقدر عليه نحن البشر، لذلك ~~نقدره على قدر طاقتنا أو على قدر ما طلب منا، وكما قال رسول الله: # " سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " # والإنسان منا حين يثني على واحد فهذا دليل أنه قد قيم قدره بقيمة ~~الثناء، وحين نقيم قدر الله فعلينا أن نعرف أن صفات الكمال كلها فيه وهي ~~لا تتناهى ولا يمكن أن تحصى. ومن رحمة الحق سبحانه وتعالى أنه تحمل عنا ~~صيغة الثناء عليه: كي لا يوقعنا في حرج، فليس لبشر من قدرة أن يحيط ~~بجمال الله أو بجلاله حتى يثني عليه بما يستحقه، وإن أحاط عبد بذلك - ولن ~~يحيط - فمن أين له العبارة التي تؤدي هذا الثناء؟ ولا يوجد بليغ أو أديب ~~يستطيع أن ينمق العبارات التي تكفي لتقدير هذا الثناء على الله، فأوضح ~~لنا الحق من خلال رسوله: أنا حملت عنكم هذه المسألة حتى تكونوا كلكم ~~سواسية، قال رسول الله: # " سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " # وفي كلمة " الحمد لله " وحدها يتساوى الناس جميعا. ومن رحمته سبحانه أن ~~سوى بين الناس في معرفة صيغة الثناء عليه. ويأتي الحق هنا ms3080 بالزاوية التي ~~نفى فيها أنهم ما قدروا الله حق قدره. لماذا يارب لم يقدروك حق قدرك؟ ~~وتأتي الإجابة: { إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من ~~شيء } [الأنعام: 91]. أي أنهم أنكروا أن يكون الله قد اختار من بعض ~~خلقه من يجعلهم أهلا لتلقي منهجه لإبلاغه إلى خلقه. ويأتي الرد من ~~الحق لرسوله ردا عليهم: { قل من أنزل الكتاب الذي جآء ~~به موسى نورا وهدى للناس } [الأنعام: 91]. إذن لا بد أن ~~يكون القائلون هذا يؤمنون بأن موسى نزل عليه كتاب لتكون الحجة في ~~موضعها. وكفار مكة كانوا غير مؤمنين بأي رسول، لكنهم يعلمون أن هناك من ~~هم أهل كتاب، بدليل أنهم قالوا: # لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم # [الأنعام: 157]. ونقول: لو دققت النظر في السورة فقد ينطبق الأمر على ~~واحد مخصوص من الذين غلبتهم الحجة. وفي تاريخ السيرة نجد واحدا من ~~الأحبار كان دائب الخوض في الإسلام، وكان اسمه " مالك بن الصيف " فلقيه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. والحبر هو عالم اليهود والمفترض فيه أن ~~يكون من الزهاد فيهم منقطعا للعلم إلا أنه كان سمينا على الرغم من أن ~~من عادة المنقطعين للعبادة وإلى العلم أنهم لا يأخذون من الزاد إلا ما ~~يقيت، ويقيم الأود لأنه قد جاء في التوراة: " إن الله يبغض الحبر ~~السمين ". # " فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مالك بن الصيف - وهو من ~~أحبار اليهود - يخوض كثيرا في الإسلام قال له: أفي توراتكم: " إن الله ~~يبغض الحبر السمين " فبهت الرجل، وقال: " ما أنزل الله على بشر من شيء ~~" # يعني ما أنزل الله على بشر من شيء من الذي أنت تقوله، وهكذا نعلم أن ~~مثل هذا القول قد يأتي من أهل كتاب، وحين قال مالك هذه القولة قام عليه ~~رجال من اليهود وقالوا له: كيف تقول: " ما أنزل الله على بشر من شيء " ~~فقال لهم: أغضبني محمد، فرددت على الغضب بباطل. وهنا قال من سمعه من ~~اليهود: إذن أنت لا تصلح أن تكون ms3081 حبرا لأنك فضحتنا. وعزلوه، وجاءوا ~~بكعب بن الأشرف وولوه مكانه. { قل من أنزل الكتاب الذي ~~جآء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس ~~تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا ~~أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم ~~يلعبون } [الأنعام: 91]. الكتاب إذن هنا هو الكتاب الذي أنزله الله ~~على موسى وهو التوراة وقد جعلوه قراطيس، أو جعلوه أوراقا منفصلة يظهرون ~~منها ما يريدون، ويخفون منها ما لا يريدون مثلما فعلوا في مسألة الرجم ~~كعقاب للزنا. إذن فقد سبق لهم كتمان ما أنزل الله عليهم، وبين الحق ذلك ~~في آيات متعددة: # فنسوا حظا مما ذكروا به # [المائدة: 14]. والذي لم ينسوه كتموا بعضه وأظهروا بعضه، والذي لم ~~يكتموه حرفوا ولووا به ألسنتهم، إذن فهناك نسيان، وكتمان، وتحريف. ~~وليتهم اقتصروا على هذا ووقفوا عنده بل جاءوا بأشياء من عندهم وقالوا هي ~~من عند الله: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا # [البقرة: 79]. ويتابع الحق سبحانه: { وعلمتم ما لم ~~تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في ~~خوضهم يلعبون } [الأنعام: 91]. فإن كان الكلام في كفار مكة ~~فقد جاءهم القرآن بما لم يعلموا لا هم ولا آبائهم لأن الإسلام جاء على ~~فترة من الرسل. وإن كان في أهل الكتاب فهو قول صدق لأنهم لما كتموا أشياء ~~فضح القرآن ما كتموه وما حرفوه. وجاء القرآن فعدل لهم، فكأنهم علموا ~~الحق، لينسخوا به الباطل الذي غيروه وحرفوه، وقوله الحق: { قل الله ~~} أي أن الذي أنزل الكتاب هو الله. وساعة يأتي الحق سبحانه وتعالى بصيغة ~~الاستفهام نعلم أن الاستفهام الحقيقي بالنسبة لله محال، لأنه يعلم كل ~~شيء، وإنما يجيء باستفهام يقال له: " الاستفهام الإنكاري " أو " ~~الاستفهام التقريري " وهو يأتي بهذه الصيغة لأنه يريد جوابا فيه الإقرار ~~من المعاندين، فإن لم يقولوا واحتاروا أو خجلوا أن يقولوا فقل أنت لهم يا ~~محمد: { قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } ~~[الأنعام: 91]. # و " الخوض " هو الدخول في الماء الكثير، الذي لا ms3082 تستبين العين فيه موضع ~~القدم، وربما نزل في هوة، ثم استعمل واستعير للخوض في الباطل. والحق ~~سبحانه وتعالى يقول: { ثم ذرهم في خوضهم يلعبون } أي ~~أن هذا لعب منهم ولن يستطيع الصمود أمام الدعوة، فالدعوة سائرة في ~~طريقها، ولن يتمكنوا منها أبدا، فكل الذي يصنعونه هو خوض في باطل ولعب ~~لا جدوى منه ولا صلة له بالجد. ولكن هل معنى هذا أن يتركهم محمد؟ لا لأنه ~~حين يجد آذانا منهم ينبههم ويذكرهم، ثم بعد أن ينفتح الأمر للإسلام، ~~فالذي يقيم في جزيرة العرب لا يقبل منه إلا الإسلام أو السيف لأن المعجزة ~~جاءت مباشرة بقرآن يعلم الكل إعجازه، وسبحانه قد أنزل التوراة من قبل ~~وأنزل القرآن مباركا، فالحق يقول بعد ذلك: { وهذا كتاب ~~أنزلناه... }. ### || [6.92] # وكلمة " أنزلنا " الأصل فيها نون وزاي ولام، وتستعمل بالنسبة للقرآن ~~استعمالات متعددة فمرة يقول سبحانه: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. ومرة يقول عز وجل: # ونزلناه تنزيلا # [الإسراء: 106]. ومرة يسند النزول للقرآن: # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل # [الإسراء: 105]. ومرة يسند إلى من جاء به: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. هذه إذن تعابير متعددة، وما دواعي هذا الاشتقاق ونحن ~~نعلم أن القرآن لم ينزل جملة واحدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإنما نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا من اللوح المحفوظ ليباشر القرآن ~~مهمته في الوجود الجديد، وكان ينزل كل نجم من النجوم حسب الأحداث. و " ~~أنزل " هنا للتعدية أي نقل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ليباشر ~~مهمته، ولذلك يقول سبحانه: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. ونعلم أن القرآن نزل في ليلة القدر وفي غير ليلة القدر، ~~ولكنه نزل في ليلة القدر جميعه إلى سماء الدنيا، ثم نزل منجما ومفصلا ~~في بقية أيام الثلاث والعشرين سنة التي عاشها صلى الله عليه وسلم بعد ~~نزول الوحي، فإذا ما أراد أنه أنزله من اللوح المحفوظ يأتي ب " همزة ~~التعدية " وإذا أراد النزول والموالاة يقول: " نزل " لأن فيها التتابع، ~~وإذا نسبه لمن نزل به يأتي ب ms3083 " نزل " لأن القرآن لم ينزل وحده بل ~~نزل به الروح الأمين، إذن فكلها ملتقية في أن القرآن نزل أو أنزل، ~~أو نزل. وكلمة " نزل " تعطينا لمحة، وهو أنه جاء من أعلى، ويستقبله ~~الأدنى. وساعة يطلب الحق منا أن ننصت لإنزال حكم يقول لنا عز وجل: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151]. ومعنى " تعالوا " أي ارتفعوا لأننا نعيش على الأرض، ~~وإياكم أن تشرع الأرض لكم لأن تشريع الأرض إذا لم يكن في ضوء منهج الله ~~فهو حضيض. والله يريد تشريعا عاليا، ولا بد لكم من أن تتلقوا من السماء ~~أحكامكم حتى لا تتيهوا ولا تضلوا في باطل تشريعات لا تدور في إطار منهج ~~الله. والحق يقول هنا: { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } وهو ~~قول صادق يصدق على القرآن فقط برغم أن كل الكتب السماوية السابقة كانت ~~كتب منهج، وكانت المعجزة منفصلة عن المنهج فمعجزة موسى عليه السلام - كما ~~نعرف - هي العصا، ومنهجه التوراة، وعيسى عليه السلام معجزته إبراء الأكمه ~~والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ومنهجه الإنجيل. لكن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تميز بأن معجزته عين منهجه، لأن كل دين من الأديان السابقة ~~كان لزمن محدود، في مكان محدود. وجاء صلى الله عليه وسلم بالدين الجامع ~~المانع، لذلك جاءت المعجزة هي المنهج، فلو أن معجزته صلى الله عليه وسلم ~~كانت من جنس معجزات السابقين أي كانت كونية مرئية لانتهت. # ونحن لم نصدق معجزات الأنبياء السابقين إلا لأن القرآن قالها وصارت ~~خبرا، وكل منها تليق بالزمن المحدود والمكان المحدود. لكن الإسلام جاء ~~ليعم كل الأزمنة وكل الأمكنة، ولذلك لزم أن تكون المعجزة مستصحبة للمنهج ~~حتى يستطيع من يأتي بعد عصر النبوة إلى قيام الساعة أن يقول: محمد رسول ~~الله وتلك معجزته. والقرآن مبارك، ونحن في أعرافنا حين نتكلم بالعامية ~~نأتي بالكلمة التي هي من نفح ونضح الاستعمالات الفصيحة التي سمعناها، ~~فنجد من يقول: " والله هذا الأكل فيه بركة فهو مصنوع لاثنين وأكل منه ~~أربعة وفاض وزاد ". إذن، " البركة " أن يعطي ms3084 الشيء أكبر من حجمه المنظور. ~~وبركة القرآن غالبة ومهيمنة، ولو قاس كل إنسان حجم القرآن بحجم الكتب ~~الأخرى لوجد حجم القرآن أقل، ومع ذلك فيه من الخير والبر والبركات ~~والتشريعات والمعجزات والأسرار ما تضيق به الكتب، ونجد من يؤلف ويفسر في ~~أجزاء متعددة، ومع ذلك ما استطاع واحد أن يصل إلى حقيقة المراد من الله ~~لأن القرآن لو جاء وأفرغ عطاءه في القرن الذي عاش فيه الرسول فقل لي ~~بالله: كيف تستقبله القرون الأخرى؟! إنه يكون استقبالا خاليا من العناية ~~به لأنه سيكون كلاما مكررا. إذن فقد بين فيه كل شيء ومنه أخذ كل إنسان ~~وزمان قدر ذهنه، ولو أن القرآن يراد تفسيره لما فسره أحد غير من انفعل ~~له نزولا عليه وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيستطيع واحد بعد ~~ذلك أن يقول شيئا في التفسير؟! إذن لو فسره الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لجمده لأنه لا يجرؤ أحد أن يأتي بتفسير بعد الرسول. وقد علم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أن عطاءات القرآن لا تتناهى، لذلك لم يفسره. بل أوضح بما ~~تطيقه العقول المعاصرة حتى لا ينصرفوا عنه. ولو كان القرآن قال: إن الأرض ~~كرة وتدور حول الشمس، أكان يصدقه أحد؟ إن هناك حتى الآن من ينكر ذلك. ~~ونجد القرآن يشير ويلمح إليها إلماحا خفيفا إلى أن تتسع العقول لها. ~~فيقول الحق: # يكور الليل على النهار ويكور النهار على ~~الليل # [الزمر: 5]. وما دام الليل يأتي وراء النهار، والنهار يأتي وراء الليل ~~في شبه كرة فالذي يأتي عليه الليل والنهار شكل الكرة. فكأن كلا من الليل ~~والنهار دائر وراء الآخر حول كرة، إذن فالحق يعطي اللمحة بميزان حتى تتسع ~~العقول للفهم. ويقول القرآن: # قل لله المشرق والمغرب # [البقرة: 142]. وهذا قول واضح لأن كل واحد منا يعرف المشرق والمغرب. لكن ~~حين يقول الحق: # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17]. أكان يفهمها المعاصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ نعم، ~~لأنه ساعة ما يقول: إن الشمس أشرقت من المكان الفلاني، ms3085 وغابت عن مكان ~~آخر، فساعة شروقها عندك تغرب عندي، وساعة تغرب عندك تشرق عندي، وهكذا ~~يصير كل مشرق معه مغرب، إذن فقد صدق قول الله { رب المشرقين ~~ورب المغربين }. # ونعلم أن الشمس لها مشرق كل يوم، ومن زار في الصعيد المعبد الذي توجد به ~~365 طاقة - فتحة - وتطلع الشمس في كل يوم من طاقة معينة ولا تطلع من ~~الطاقات الأخرى يتأكد من أن الشمس لها في كل يوم مشرق. إذن هناك مشارق ~~ومغارب، وصدق الله القائل: رب المشارق والمغارب. إن القرآن يخاطبنا ~~بأسلوب يحتمله العقل المعاصر، وإذا ما جد جديد نجد الأمر مكنوزا في ~~القرآن، ونجد تأويلا جديدا لا ينسخ التأويل الآخر ولكنه يرتقي به. إذن ~~فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشأ أن يفسر القرآن التفسير الكامل ~~لأنه كان لا بد أن يفسره بما تطيقه العقول المعاصرة له، وإن فسره بما ~~تطيقه العقول المعاصرة له فمعنى ذلك أنه لن يعطي العقول التي تأتي بعد ~~غذاء من القرآن لذلك ترك صلى الله عليه وسلم القرآن دون تفسير إلا في ~~النزر اليسير. وتجد ذلك في آيات الكون، أما في الأحكام فالأمر محدد. لكن ~~في الأشياء التي يتجدد فيها العلم فقد تركها. ولذلك قال النبي عليه ~~الصلاة والسلام عن القرآن: " لا تنقضي عجائبه " وكأنه يلفتنا إلى أن ~~عجائبه لا تنقضي ولا تنتهي، وكل يوم يعطي عجائب جديدة. إذن فالقرآن ~~مبارك بحكم ما هو مكنوز فيه إلى قيام الساعة. وأنت تلتفت إلى الناس ~~فتجدهم يتعبون في اكتشاف أسرار الكون، وتجد القرآن قد مس ما يبحثون عنه ~~مسا خفيفا. { وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق ~~الذي بين يديه } [الأنعام: 92]. وساعة تقول: " بين يدي الشيء " ~~أي الشيء الذي يسبق، والكتب السابقة هي التي نزلت بين يدي القرآن أي ~~قبله، والمقصود بها الكتب المعروفة المشهورة وهي التوراة والإنجيل إذ هما ~~الكتابان الباقيان إلى الآن. والقرآن يصدق الذي بين يديه ولا يعني ذلك ~~تصديق المحرف بل تصديق " الأصيل ". ولذلك نجد عبد الله بن سلام وغيره ~~حينما جاءوا ms3086 للإسلام اعترفوا بذلك، ويقول عبد الله بن سلام لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: انشرح صدري للإسلام، ولكني أعلم أن اليهود قوم بهت - ~~أي أنهم مكابرون - فأنا أريد أن تسألهم عني قبل أن أسلم، فقال رسول الله ~~لهم: ما تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: حبرنا وابن حبرنا ~~وشيخنا ورئيسنا... إلخ. فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله. هنا بدأوا في كيل السباب لسيدنا عبدالله بن سلام فقال: ألم ~~أقل لك يا رسول الله إنهم قوم بهت؟ وقوله الحق: { مصدق الذي ~~بين يديه } أي أنك إذا ما أردت أن تعرف صدق هذه القضية فهات ما لا ~~حاجة لهم فيه إلى تكذيبه، وستجد القرآن قد جاء موافقا له. # مثال ذلك حين جاء القرآن بالرجم. هم حاولوا أن يخففوا حكم الرجم ~~لأن امرأة زنت وأرادوا أن يجاملوها. فرفعوا أمرها للنبي وقال بعضهم لبعض: ~~إن حكم بعدم الرجم فهذا خير لنا ولها، ومن العجيب أنهم غير مؤمنين ~~بمحمد بينما يريدون الحكم منه، فيقول لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: ~~هاتوا الكتاب، ويأتون بالصحف الموجودة عندهم، فوجدوا آية الرجم إذن ~~فالقرآن مصدق الذي بين يديه من غير المكتوم، ولا المحرف، ولا ~~الموول. وإذا ما نظرت إلى القضايا التي يلتفتون إليها، ولكنها تمر ~~أمامهم خاطفة، تجد أنت هذه القضايا وسيلة يريد الله بها أن يكشف الفساد ~~والكذب والتجبر، حتى لا يطمس أهل الباطل معالم الحق. ومثل هذه القضايا ~~تحتاج إلى المحقق اللبق. ونجده سبحانه جاء في التوراة بمثل للأمة ~~المحمدية، ويكرر هذا المثل في القرآن حين يقول سبحانه: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29]. وحين ننظر إلى كلمة " أشداء " ، وكلمة " رحماء " ، نجد ~~في ظاهر الأمر تناقضا في الطباع، أما المدقق المحقق فيعلم من هذا القول ~~أن الإسلام لا يطبع المسلم على لون واحد لأنه يريد منه كل الألوان، فلو ~~خلقه شديدا لفقدته مواطن الرحمة، ولو فطره وخلقه رحيما لفقدته مواطن ~~الشدة. والإسلام يطلب من المسلم ms3087 الالتزام بالقيم الروحية والمادية لتحرس ~~كل منهما الأخرى لأن المسلمين لو راحوا للمادة فقط لصارت حضارتهم شرسة، ~~ولو راحوا للقيم لما استطاعوا أن يقيموا حضارة تبقى وتدوم، والحق يريد ~~حضارة تجمع بين الاثنين الروح والمادة، لذلك يجمع الإسلام بين الاثنين ~~الروح والمادة لأن اليهود في فهمهم لما افتقدت الروح، والنصرانية في ~~فهمهم لها غرقت في الروحانيات وافتقدت المادة، وجاء القرآن مصدقا لما ~~بين يديه، وهكذا جاءت الآية بالبلاغ عن أهل الكتاب. ويتابع البلاغ لأهل ~~قريش قاطني مكة فيقول: { ولتنذر أم القرى } ، ونعرف أن أم ~~القرى تعني مكة، وقد حاول البعض أن يتخذ من هذه الآية حجة ليقول: إن ~~القرآن قد نزل لجماعة العرب فقط، ولهؤلاء نقول: أنتم لم تحسنوا الفهم ~~لمعطيات اللفظ، ولنسأل: ما الحول أولا؟. الحول هو المحيط الذي حول ~~النقطة، أي نقطة وكل نقطة، وحول كل نقطة قطر وقد يكون القطر 20 ~~كيلومترا، وقد يكون مائة كيلومتر، وكلما بعدت المساحة فهي حول هذه ~~النقطة، إذن فكلمة الحول تشمل كل ما حوله، وحول كل مكان يشمل كل مكان. ~~ولماذا سميت أم القرى؟ إما لأن " هاجر " لما نزلت بابنها الرضيع بواد ~~غير ذي زرع، وبعد ذلك تكاثر الناس فصارت هي أم القرى، أو لأن فيها ~~الكعبة، وكل الناس يؤمونها، أو لأن الحاج يأتيها من كل صوب كما يهب ~~ويسرع الأبناء ويلوذون بأمهم. # { ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين ~~يؤمنون بالآخرة يؤمنون به } [الأنعام: 92]. من - إذن - ~~الذي يؤمن بهذا الكتاب الذي أنزل مصدقا لما بين يديه لينذر به أم القرى ~~ومن حولها، ومن هم الذين يؤمنون بالآخرة؟ ولماذا جاء الربط بين أم القرى ~~وما حولها وبين الذين يؤمنون بالآخرة؟. لأن أحدا لن يذهب لتعاليم القرآن ~~ليأخذها وينفذها إلا من يؤمن بأن هناك يوما نذهب فيه جميعا إلى الآخرة. ~~لذلك يخاف فيهرب من المعاصي، ويرغب في الطاعة لأن هناك ثوابا وعقابا، ~~أما الذي لا يؤمن بالآخرة فلا يسمعك ولا ينصاع ولا ينقاد لك حين تأمره ~~بالعفة لأنه لا يرى ثوابا أو عقابا ms3088 ولا ينتهي عن السرقة أو الكبر أو ~~الموبقات جميعا لأنه لا يخاف من الآخرة؟. إذا فالذي يملكنا جميعا هو ~~الآخرة والخوف منها، ومن لا يؤمن بالآخرة يقول أنا غير ملزم بشيء، ولا ~~شيء يقيد حريتي. ثم لماذا أقيد حريتي؟! وهنا نقول: أنت تأخذ الأمر ~~بسطحية، فعلى فرض أن في قوانين السماء ما يقيد حريتك، لكنه لا يقيد حريتك ~~وحدك، إنه يقيد حرية الكل، فإن قيد حريتك بالنسبة للناس، فهذه القوانين ~~السماوية تقيد حرية الناس بالنسبة لك، فحين ينهاك الدين عن السرقة، وعن ~~النظر إلى محارم الغير فهو يقول للناس كلها: لا تسرقوا من فلان ولا ~~تنظروا إلى محارم فلان، وبذلك تأخذ حقك كاملا، وبهذا تعيش في نظام ~~متساو لا تتعب فيه لأن الجاري والمطبق عليك جار على غيرك مع جريانه ~~عليك. لكن من يؤمنون بالآخرة هم كل واحد يريد أن ينجي نفسه من العقاب، ~~ومن الوعيد. ويدخل نفسه في الوعد وفي الثواب. فمثلا - ولله المثل الأعلى ~~- حين نقول للولد: اذهب لتلقى العلم، قد يرد: أنا لا أريد شهادة، فيجبره ~~والده في البداية أن يستذكر، ثم نجد الشاب بعد مشوار المذاكرة يخاف من ~~الرسوب وأن عليه أن يجتهد وأن ينجح. أما إن لم يوجد امتحان في آخر العام ~~فالمذاكرة وعدمها سواء لديه. فمن أقرب - إذن - إلى الاستجابة لنداء العدل ~~والخير؟ إنه من يؤمن بالآخرة. { والذين يؤمنون بالآخرة ~~يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون } [الأنعام: ~~92]. ولماذا جاء بالحفاظ على الصلاة هنا؟. نحن نعلم أن الصلاة، هي عماد ~~الدين، من أقامها فقد أقام الدين، وحين نحلل الأمر تحليلا طبيعيا نجد ~~أن الناس تنفر من الطاعات لأنها تأخذ زمنا يحبون أن يقضوه في اللعب، ~~وحين نقول لواحد مثلا: اترك عملك وصل. # قد يرد: لا لأني حين أترك عملي يضيع علي كذا. ولو كان طبيبا لذكر عددا ~~من مرضى سيكشف عليهم، ولو كان عاملا لقال: إن توقف الآلة في أثناء ~~الصلاة يجعلني أخسر كثيرا. وهنا نقول: يا أخي تعال إلى الطاعة، والبركة ~~تعوض لك ما ms3089 تظن أنك تخسره، وإذا نظرت إلى أركان الإسلام تجدها بالنسبة ~~لانشغال الزمن بها لا تأخذ الكثير من الوقت فشهادة أن لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله لا تحتاج منك إلا إلى أن تقولها مرة واحدة، وهذا ركن لم ~~يستغرق زمنا طويلا بالنسبة لأدائه، والزكاة لا تأخذ منك إلا ما تعطيه ~~يوم الحصاد، وهذا يستغرق وقتا قليلا، وكذلك زكاة المال آخر العام، والصوم ~~شهر في السنة، وإذا كان زمن الصوم أوسع قليلا إلا أنه وقت لا يمر إلا كل ~~عام. والحج مرة في العمر إن كنت مستطيعا. إذن أنت تجد التكاليف الركنية ~~في الإسلام بالنسبة للأزمان وقتها يسير وقليل لمن يحرص عليها، لكن الصلاة ~~تؤدي في كل يوم خمس مرات، ورقعتها بالنسبة للزمن أوسع. وأداؤها يحتاج إلى ~~طهارة من حدث أو جنابة وكذلك طهارة المكان لذلك جاءت الصلاة ركنا أصيلا ~~في الإسلام. وأنت لا تعرف الإنسان إن كان مسلما إلا إذا سمع الأذان وقام ~~يصلي. لذلك هي الفارقة بين المسلم وغير المسلم لأن الأركان الأخرى ~~أزمانها محصورة، ومع أنها كذلك إلا أنها أخذت من التشريع حظها من الركنية ~~الأصيلة. إن كل تشريعات الإسلام أركانا وفروعا جاءت بالوحي إلا الصلاة ~~فقد جاءت بالمباشرة لأن الصلاة دعاء الخالق خلقه لحضرته لذلك كان لا بد ~~أن يكون تشريعها بهذه الصورة الفريدة، تشريعا جاء بالحضرة الإلهية. وشيء ~~آخر: ما دامت الصلاة هي العمدة في الدين فكأن الصلاة تقول للأركان ~~الأخرى: أنا أجمعكم وأضمكم وأشملكم جميعا فالمسلم في أثناء الصلاة يقول: ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. والمسلم يصوم في أثناء ~~الصلاة عن شهوتي البطن والفرج بل وتكون الصلاة صوما لا عن الأكل والشرب، ~~وشهوة الفرج فقط بل هي إمساك عن كل حركة، وفي الصلاة زكاة لأن الزكاة ~~تعني أن تخرج بعضا من مالك، والمال فرع العمل، والعمل فرع الوقت. وأنت ~~حين تصلي إنما تزكي بالأصل وهو وقت العمل، وأنت في الصلاة تتوجه إلى ~~الكعبة كما يتجه الحاج والمعتمر، إذن ففي ms3090 الصلاة كل أركان الإسلام ~~مجتمعة. إذن فأهمية الصلاة أنها قد اندمج فيها كل ركان الإسلام، وبها ~~يتحقق الاستطراق الاجتماعي للخلافة في الأرض لأن الخلافة في الأرض تقتضي ~~مواهب متعددة، وطاقات متعددة، ولا يمكن لخليفة واحد في الأرض أن يكون ~~مجمع هذه المواهب بل لا بد أن تتفرق المواهب في المتفرق والشتيت من ~~الناس، فلا يمكن أن يكون الإنسان الواحد مهندسا وطبيبا ومحاميا ~~وصانعا وحارثا وزارعا وتاجرا. # ولذلك وزع الله سبحانه وتعالى مقتضيات الخلافة في الأرض على الخلفاء في ~~الأرض توزيعا يجعل الالتقاء ضروريا وليس تفضليا، بحيث تكون أنت في ~~حاجة إلى مواهب ليست عندك فتذهب لصاحبها. وصاحبها أيضا يحتاج إلى مواهب ~~عندك ليست عنده فيأتي إليك. وانظروا إذا شاء واحد أن يستغني في بعض ~~الأشياء التي يقوم بها الغير كم يتعب؟، فإذا ما أتعبه السباكون وآلموه في ~~الأجور. وحاول تعلم السباكة، ولا بد له أن يتعلمها من سباك. وكذلك حياكة ~~الملابس. ومعنى ذلك أن الله أبقى المواهب متفرقة مشتتة في الخلق ليحتاج ~~كل خلق إلى كل الخلق. والناس لا تنظر إلى جهة التميز إلا إلى شيء واحد ~~هو: الغنى. ونقول الغنى المالي أو العقاري هو نوع فقط من المواهب لأنك ~~مثلا إذا نظرت إلى العالم الذي يظل عشرين عاما يستوعب العلم، ثم ~~يقابله من يستفتيه في فتوى فيقولها له مجانا، ولو علم هذا السائل ماذا ~~تكلف الأستاذ الذي أفتاه طوال عشرين سنة بحثا في الكتب وسماعا من ~~الأساتذة واستنباطا من الأحكام لدفع مكافأة لهذه الفتوى لأن العالم كان ~~مسخرا لمدة عشرين عاما لتأخذ أنت الفتوى في نضجها النهائي في يسر ~~وسهولة وتنتفع بها. وحين نرى من يمسح الحذاء، ونجد صاحب الحذاء وهو يمد ~~وهو يمد رجله والاخر يمسح الحذاء تقول لنفسك: لماذا كل هذا الزهو لصاحب ~~الحذاء، ولماذا هذا الانكسار لماسح الأحذية؟. وأقول: أنت رأيت صاحب ~~الحذاء وقت راحته، ورأيت ماسح الأحذية وهو في وقت عمله. ولو عرفت كيف جاء ~~صاحب الحذاء بالنقود التي سيدفعها لماسح الأحذية لعلمت أنه كان ms3091 مسخرا له ~~ساعة كان يعمل ليحصل على النقود ليعطي منها ماسح الأحذية، ولذلك قال ~~الحق: # ليتخذ بعضهم بعضا سخريا # [الزخرف: 32]. والناس لا تنظر في التسخير إلا للغني والفقير، ونقول: ~~خذوا التسخير على أن كل واحد في الكون مسخر في الموهبة التي عنده، ~~ومسخر له في المواهب التي ليست عنده. وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يربط ~~الناس بهذا ربطا قسريا وليس تفضليا لأن من عنده أولاد يريدون أن ~~يأكلوا وامرأة تحتاج إلى أن تطعم ولا يملك نقودا، وليس أمامه من عمل ~~سوى نزح المجاري، فيأتي بأدوات نزح المجاري، ويؤدي العمل ليعول من ~~يعولهم، ولولا ارتباطه بضرورة الحياة له ولمن يعول لما عمل في مثل هذا ~~العمل، إذن فهو مربوط ربطا ضروريا ليؤدي خدمة في الكون. ولو كان كل ~~البشر يعيشون في رغد العيش أكان هناك من يتطوع لينزح المجاري؟ لا يحدث ~~ذلك أبدا، لأنه عمل لا يأتي بالتفضل بل بالاحتياج. وهكذا نرى أن الخلافة ~~في الأرض تقتضي استطراقا، وهذا الاستطراق لا يدوم كثيرا فمرة تكون ~~القوة لإنسان ثم تذهب منه، ومرة يكون الثراء لإنسان ثم ينحسر عنه هذا ~~الغنى، ولذلك أخبرنا الحق أنه جعل الأيام دولا بين الناس ليستقيم ~~العالم بارتباط الضرورة في بعض الأعمال، وإن بدا لنا أن هناك مواهب تميز ~~بين الناس في شكلهم، وفي هندامهم، وفي مطيتهم، تجد الطبيب يعمل في أكثر ~~من مكان، وإن سار على رجليه لتعب، لذلك يشتري سيارة، ويظن من يراها أن ~~السيارة امتياز لا مثيل له، متناسيا أن هذه السيارة تقضي مصالح الرجل ~~ليخدم الآخرين. # مثال آخر: أنت إن نظرت إلى كوب الشاي الذي تشربه بمزاج وليس لضرورة ~~حيوية، وإن جاءك من يقدم لك الشاي ليقول: إن الشاي قد نفد من المقهى، ~~فتعطيه جنيها وتقول: هات كيسا من الشاي من عند البقال، ويذهب الغلام ~~ليحضر علبة الشاي فيجد البقال وكأنه قد جهزها له، وأنت لا تعرف أن علبة ~~الشاي هذه قد أخذت وقتا وعملا من اثنين أو ثلاثة لتصل إليك لأن الحق قد ms3092 ~~كلف أناسا ليزرعوا الشاي في بعض البلاد، وأناسا آخرين يستوردونه، ثم ~~تأتيك علبة الشاي لتصنع منها كوبا لتشربه. إذن فالمسألة كلها تسخيرات ~~لذلك توجد الفوارق الاجتماعية التي تقتضيها أعمالنا، ويذيب الحق هذه ~~الفوارق بأن جعل في الصلاة استطراقا للجميع، وتلتفت ساعة يقول المؤذن: ~~الله أكبر أن الكل قد جاء، الغني قبل الفقير، والخفير مع الأمير، ويخلع ~~الجميع أقدارهم خارج المسجد مع نعالهم ليتساووا في الصلاة، ومن له رئيس ~~يتكبر عليه يراه وهو ساجد مثله لله، فتريحه لحظة استطراق العبودية. ~~ولنفرض أن كلا منا سيصلي بمفرده في الصلاة اليومية، لكن عندما يؤذن ~~المؤذن لصلاة الجمعة، يأمرنا الحق أن نذر ونترك كل شيء لنؤدي صلاة ~~الجمعة معا. ويرى الضعيف عظيما يتضرع مثله إلى الله، ويرى القوي نفسه ~~وبجانبه الضعيف، وحين يعود كل منا إلى عمله تسقط أقنعة القوة والزهو ~~لأننا جميعا نقف أمام خالق واحد وكلنا سواء. إن هذا هو الاستطراق ~~الاجتماعي لأننا حين نرقب بعضنا في أثناء الصلاة نجد أنفسنا في حضرة ~~الرب الذي أعد لنا الكون، وسخره لنا، وأعطانا الطاقات، وأعطانا ~~المواهب، وإذا تأملنا واحدا له وظيفة كبيرة جدا، فأنت حين ترغب في ~~لقائه تكتب التماسا، وينظر في الالتماس، فإما أن يوافقوا وإما لا ~~يوافقوا على لقائك به. وإن وافقوا يسألوك: في أي أمر ستتكلم؟ وسيحدد لك ~~الوقت الذي ستجلس فيه معه وليكن ثلاث دقائق مثلا، وحين تجلس إليه وتنسى ~~نفسك يقوم هو ليدلك على أن المقابلة انتهت، لكن ربنا يقول لنا: تعالوا ~~لي في أي وقت، وكلموني في أي شيء، وأنا لا أمل حتى تملوا، وأنتم يا ~~عبيدي من تنهون المقابلة، وهذا عطاء كثير جدا. يغدقه المولى عزوجل على ~~عباده. فهل هناك ربوبية أفضل من هذه؟. إذن فالصلاة إذا نظرت إليها وجدت ~~أنها: " جماع كل فضائل الدين وفيها كل الفضائل للمجتع " لذلك جعلها الله ~~عماد الدين. ويقول الحق بعد ذلك: { ومن أظلم ممن افترى... ~~}. ### || [6.93] # ساعة يأتي الحق بأسلوب استفهامي فليس الهدف أن يستفهم. إنه - سبحانه - ~~لا يريد ان ms3093 يأتي الخبر من عنده، وهو يقدر أن يقول: الذي يفتري ظالم، لكنه ~~هنا يأتي بالاستفهام الذي يؤكد أنه لا يوجد أظلم من الذي يفتري على الله ~~كذبا، ويعرض الله القضية على المؤمنين وكأنه يسأل ليعرض كل مؤمن القضية ~~على ذهنه ويستنبط الجواب. إن الذي يفتري على زميله والمثيل له كذبا ~~نوقع به العقاب، فما بالك بمن يفتري على الله؟ وحين تسمع أنت هذا ~~الكلام: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا }. ~~وتستعرض الأمر فلا تجد أظلم منه، وهكذا يستخرج الله الحكم من فم ~~المقابل. وكيف يفتري إنسان الكذب على الله؟ كأن يبلغ الناس ويدعي ~~ويقول: أنا نبي وهو ليس كذلك. هنا تكون الفرية على الله، وإياك ان تظن ~~أنه يكذب على الناس، لا، إنه يكذب على الله لأنه أبلغ أن الله قد بعثه ~~وهو لم يبعثه. و " الافتراء ": كذب متعمد مقصود، وينطبق ذلك على ~~النبوات التي ادعيت من مثل مسيلمة الكذاب، سجاح، طليحة الأسدي، الأسود ~~العنسي كل هؤلاء ادعوا النبوة، ومع ذلك لم يسألهم أحد عن المعجزة الدالة ~~على نبوتهم لأن كل واحد منهم عندما أعلن نبوته جاء بما يخفف عن الناس ~~أحكام الدين. فواحد قال: أنا أخفف الصلاة، والزكاة لا داعي لها. لذلك ~~تبعهم كل من أراد أن يتخفف من أوامر الدين ونواهيه، موهما نفسه بأنه ~~متدين، دون أن يلتزم بالتزامات التدين، وهذا هو السبب في أن أصحاب ~~النبوات الكاذبة، والادعاءات الباطلة يجدون لهم أنصارا من المنافقين ~~فالواحد من هؤلاء الأتباع قد يكون مثقفا ثم يصدق نبيا دجالا، وتسأل ~~التابع للدجال وتقول له: أسألت مدعي النبوة هذا ما معجزتك؟ - وهذا أول ~~شرط في النبوة - ولم نجد أحدا سأل هذا السؤال قط، لماذا؟ لأن التدين ~~فطرة في النفس، ولكن الذي يصعب التدين هو الالتزامات التي يفرضها ~~التدين، وعندما يرى التابع الضعيف النفس أن هناك من يريحه من الالتزامات ~~الدينية، ويفهمه أنه على دين، ويقلل الالتزامات عليه، لذلك يتبعه ضعاف ~~النفوس، وتصبح المسألة فوضى. { ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا ms3094 أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه } ~~[الأنعام: 93]. هناك من ادعى وقال: أنا نبي، وقال: سأنزل مثل هذا القرآن، ~~فماذا قال هذا المدعي وهو " النضر بن الحارث " يقول - في أمة أذنها أذن ~~بلاغية، تتأثر بموسيقى اللفظ -: " والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا ~~والخابزات خبزا "!! ولماذا لم يأت بالمسألة من أولها ويقول: " والزارعات ~~زرعا والحارثات حرثا " ثم يقول من ادعى أنه أوحي إليه: " والعاجنات عجنا ~~والخابزات خبزا " ، وكان عليه أن يتبعها أيضا: " والآكلات أكلا ~~والهاضمات هضما ". # وطبعا كان هذا الكلام لونا من هراء فارغ لأن الحق إنما أنزل كلامه ~~موزونا جاذبا لمعان لها قيمتها في الخبر، ولذلك نزل القول الحق: { أو ~~قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } ، # " وقد جاء واحد هو عبدالله بن سعد بن أي سرح القرشي وكان أخا لسيدنا ~~عثمان من الرضاعة وكان كاتبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقعد في ~~حضرة النبي. فنزلت الآية: { ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ~~* ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة ~~مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام ~~لحما ثم أنشأناه خلقا آخر } [المؤمنون: 12-14]. وانبهر ~~بالأطوار التي خلق فيها الحق الإنسان فقال: " تبارك الله أحسن الخالقين ~~". فقال له رسول الله: اكتبها فقد نزلت. واغتر الرجل وقال: إن كان ~~محمد صادقا لقد أوحى إلي كما أوحي إليه وإن كاذبا لقد قلت كما قال: ~~فأهدر رسول الله دمه. وقال لصحابته: من رآه فليقتله. وفي عام الفتح جاء ~~به عثمان رضي الله عنه، وقال: يا رسول الله، اعف عن عبدالله، فسكت رسول ~~الله. قال عثمان رضي الله عنه: اعف عنه. فسكت رسول الله. وكررها ثالثا: ~~اعف عنه يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. وكان ~~لسيدنا عثمان منزلة خاصة عند رسول الله، وأشار الرسول لسيدنا عثمان بن ~~عفان، فأخذ الرجل وانصرف، فلما انصرف قال الرسول لصحابته: ألم أقل لكم من ~~رآه فليقتله؟ قال سيدنا عباد بن بشر: يا رسول الله لقد جعلت إليك بصري - ~~أي ms3095 وجهت عيني لك - لتشير علي بقتله، فقال رسول الله لعباد بن بشر: " ~~ما ينبغي لرسول أن تكون له خائنة الأعين " وأسلم ابن أبي سرح وحسن إسلامه ~~". # ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله، ما هي عقوبات هؤلاء الذين يفترون على ~~الله الكذب، ويحاولون التغرير بالناس مدعين أن الله أنزل عليهم وحيا؟ ~~يقول الحق سبحانه: { ولو ترى إذ الظالمون في غمرات ~~الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا ~~أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم ~~تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته ~~تستكبرون } [الأنعام: 93]. وساعة تسمع " لو " هذه تعرف أنها ~~شرطية، وأنت تقول - مثلا - لو جاءني فلان لأكرمته. وحين نقرأ القرآن نجد ~~كثيرا من " لو " ليس لها جواب، لماذا؟ لأن الإتيان بالجواب يعني حصر ~~الجواب في دائرة منطوقة، فإن أردت الجواب الذي لا يمكن للفظ أن يحصره ~~فأنت تتركه للسامع مثلما تجد شابا يلعب دور الفتوة في الحارة ويتعب ~~سكانها، ثم وقع في أيدي الشرطة وأخذوه ليعاقبوه، فيقول واحد ممن رأوه من ~~قبل وهو يرهق أهل الحارة: آه لو رأيتم الولد الفتوة وهو في يد الشرطة! ~~أين جواب الشرط هنا؟ إنه لا يأتي لأنه يتسع لأمر عجيب يضيق الأسلوب عن ~~أدائه. # والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: { ولو ترى إذ الظالمون في ~~غمرات الموت } لم يقل له: ماذا ترى؟ لأنك سترى عجبا لا يؤديه ~~اللفظ. و " الغمرات " هي الشدة التي لا يستطيع الإنسان منها فكاكا ولا ~~تخلصا. ويتابع الحق: { والملائكة باسطوا أيديهم ~~أخرجوا أنفسكم } فهل هم ملائكة الموت الذين يقبضون الروح؟ أو ~~الكلام في ملائكة العذاب؟ إنها تشمل النوعين: ملائكة قبض الروح وملائكة ~~العذاب. { والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا ~~أنفسكم } كأن ملائكة قبض الروح تقول لهم: إن كنتم متأبين على الله ~~في كثير من الأحكام لقد تأبيتم على الله إيمانا، وتأبيتم على الله ~~أحكاما، وتأبيتم على الله في تصديق الرسول، فهاهو ذا الحق قد أمرنا أن ~~نقبض أرواحكم، فهل أنتم قادرون على التمرد على مرادات الحق؟ إن كنتم كذلك ~~فليظهر كل منكم مهارته في ms3096 التأبي على قبض روحه، أو أن الملائكة يبالغون ~~في النكاية بهم كأن نقول لواحد: اخنق نفسك وأخرج روحك بيديك أو: أخرجوا ~~أنفسكم من العذاب الذي يحيق بكم. " وعذاب الهون " هو العذاب المؤلم وفيه ~~ذلة. وأساليب العذاب في القرآن متعددة، فيقول مرة: " من العذاب المهين " ~~أو وأعد لهم " عذابا مهينا " أو ولهم " عذاب أليم " فمرة يكون العذاب ~~مؤلما لكن لا ذلة فيه، ومرة يكون العذاب مؤلما وفيه ذلة. وكما أن ~~النعمة فيها تعظيم فالنقمة فيها ذلة. وأضرب هذا المثل - ولله المثل ~~الأعلى، فالله سبحانه منزه عن أي تشبيه -: قد نجد حاكما يعتقل إنسانا ~~ويأمر بأن يجلس المعتقل في قصر فخم له حديقة، لكن حين يأتيه الطعام، يقول ~~له الحارس: خذ اتسمم، وفي ذلك إهانة كبيرة. ولماذا يذيقهم الحق العذاب ~~المهين؟ تأتي الإجابة من الله: { بما كنتم تقولون على الله ~~غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون }. كأن يقول ~~واحد: أوحي إلي ولم يوح إليه شيء. وهم أيضا يستكبرون على الآيات التي ~~يؤمن بها العقل الطبيعي، ويقول الحق: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14]. ويقول الحق بعد ذلك: { ولقد جئتمونا فرادى... ~~}. ### || [6.94] # وقوله الحق: { ولقد جئتمونا فرادى } أي أن كلا منكم يأتي ~~إلى الله فردا عما كان له في دنياه من مال أو ولد أو أتباع، جاء كل منهم ~~لله وليس معه الأصنام التي أدعى أنها شركاء لله، واتخذهم شفعاء له. و " ~~فرادى " جمع " فردان " أو " فريد " مثل " سكارى " جمع " سكران " و " ~~أسارى " جمع " أسير " ، إنهم يأتون إلى الله زمرا وجماعات، ولكن كل منهم ~~جاء منفردا عما كان له في الدنيا من مال وأهل وولد وأتباع، بدليل أنه ~~قال: { وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم }. و " ~~خوله " أي جعل له خدما من الأتباع ومن المريدين، ومن المقدر ~~والمضيق عليهم في الرزق ومن العائشين في نعمته، جاء كل منهم منفردا عما ~~له في الدنيا كما خلقكم الله أول مرة، أي كما دخلتم في الدنيا! { ~~ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة } ~~[الأنعام: 94]. وقوله الحق: ms3097 " جئتمونا " أي كأن الإنسان الذي أذنب يكاد ~~يقدم نفسه للعذاب معترفا أنه يستحق هذا العذاب إقرارا منه بالذنب، فكأن ~~الإنسان يبلغ منه الحزن على ما فعله والتوبيخ لنفسه التي انصرفت عن الحق ~~فيقول لنفسه: أنت تستحقين العذاب. { وتركتم ما خولناكم ~~وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعآءكم الذين ~~زعمتم أنهم فيكم شركآء لقد تقطع بينكم } ~~[الأنعام: 94]. " البين " هو ما يفصل أو ما يصل. فعندما نجد اثنين ~~قاعدين وبينهما " بين " فهذا البين فاصل وواصل. فإن اعتبرته واصلا، ~~أقول: تقطع هذا، أي وقع التقطع بينكما، وانفصمت الروابط بينكم وتشتت ~~جمعكم، وإن كان البين فاصلا فقد وصلوا أنفسهم بالأصنام. وماذا كانت صلة ~~هؤلاء بالأصنام التي يشركونها في العبادة؟ كانوا يقدمون لها القرابين، ~~وغير ذلك. وهذه الأصنام وكل من جعلوه شريكا مع الله سيفر منهم يوم ~~القيامة. وهكذا يتحقق قوله الحق: { لقد تقطع بينكم }. ~~ويواصل سبحانه: { وضل عنكم ما كنتم تزعمون } ، و " ضل " ~~أي تاه وغاب، ما كنتم تبحثون عنهم فلا تجدونهم مصداقا لقوله الحق: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا # [البقرة: 166]. ويقول الحق من بعد ذلك: { إن الله فالق ~~الحب... }. ### || [6.95] # بعد ما تكلم الحق عن التوحيد والنبوات، ومن كانوا يعاكسون ويعارضون ~~ويناوئون تلك النبوات ويكذبونها وقالوا فيها الإفك أراد الله أن يلفت ~~خلقه إلى ما أعده لهم استبقاء لحياتهم، وكيف سخر لهم كل الكون بما ~~فيه.. جمادا ونباتا وحيوانا، وكأنه سبحانه يوضح: إن كنت لا ترى أن ~~الخالق يستحق عبادتك فانظر إلى ما أنعم عليك به من النعم، ومادام العبد ~~المخلوق له كل نعم الخالق الأعلى فلماذا لا يسمع كلمته سبحانه؟ أيها ~~المخلوق أنت تتربى على مائدة الرحمن وهو خالقك فانظر وتأمل واعرف. { ~~إن الله فالق الحب والنوى } وساعة تسمع لفظ الجلالة: ~~أي علم واجب الوجود وهو الله، فعليك أن تأخذ لفظ الجلالة بكل ما يدل عليه ~~من صفات الجلال وصفات الجمال ما عرفته وما لم تعرفه لأنه سبحانه خلق ~~الكون كله وهو قيوم عليه، وهذا الخلق وتلك القيومية فعل يقتضي صفات ms3098 ~~متعددة تقتضي قدرة، وحكمة، وعلما واسعا ورحمة، وبسطا وقبضا وغير ذلك، ~~وبدلا من أن يأتي لك بصفات القدرة، وصفات الجمال ويذكرها ويعددها لك ~~يقول سبحانه عن نفسه: " الله " لأنه الاسم الجامع لكل صفاته. ونحن نقول ~~في بدء كل عمل: بسم الله، وفي ذلك إيجاز لما يحتاج إليه أي عمل، لأن أي ~~عمل يحتاج إلى قدرة، فتقول: باسم القادر، ويحتاج إلى علم فتقول: " باسم ~~العليم " ويحتاج إلى حكمة فتقول: " باسم الحكيم " ويحتاج عزة فتقول: " ~~باسم العزيز " وقد تحتاج إلى قهر عدوك لأنك قد تدخل معه في حرب فتقول: " ~~باسم القاهر " إذن كل عمل يحتاج إلى حشد من صفات الكمال والجلال يخدم ~~الفعل، فبدلا من أن نقول باسم القادر وباسم الحليم وباسم العليم وباسم ~~القابض، يوفر عليك سبحانه كل ذلك فتقول: بسم الله، لأن اسم الجلالة وهو " ~~الله " هو الجامع لكل صفات الكمال. { إن الله فالق الحب ~~والنوى } ، فالق أي شاقق، جاعل الحب والنوى كل منهما فلقتين. " ~~والحب " ما لا نواة له مثيل الشعير والقمح والأرز. وهناك ما له نوى مثل ~~البلح والخوخ، وتجد في قلب النواة شيئا آخر. وهناك نوع آخر له بذور مثل ~~البطيخ، وفي كل بذرة تجد فيها شيئا، فيوضح لك الحق سبحانه وتعالى: إن ~~عظمتي تتجلى في أنني أخلق الحب وأخلق النوى، وهناك حبوب مفلوقة جاهزة، ~~مثل حبة الفول مثلا وحبة العدس. وأنت إذا ما نظرت إلى هذه العملية وجدت ~~شيئا عجبا!! فحين تأتي لنواة البلح أو حبة الشعير، وتضعها في الأرض في ~~بيئة استخراجها، وبقليل من الرطوبة، تجد الفلقتين قد خرج منها نبتة وتكاد ~~النواة أن تنفلق ليخرج منها الزبان الضعيف بين الفلقتين ويتكون ما يسمى ~~بالجذير. # وهكذا تجد سر الحياة يأتي من الفلقتين، وإن نزعت هذا الجذير تنتهي ~~الحياة. ولذلك وجدنا من يتعجب حين اقتحم أعشاش النمل ووجد في العش قطعا ~~صغيرة مفتتة بيضاء بجانب العش، واكتشفوا أن هذه هي زبانات الحب الذي ~~يدخله النمل للعش، فلو أن النمل أدخل الحبوب كاملة فقد تأتي لفحة من ms3099 ~~رطوبة فتكبر هذه الحبة، وتنمو وتصير شجرة تفتك بالعش، فمن الذي هدى النمل ~~إلى أن تفعل هكذا؟ إنه الله. ونجد النمل يفلق حبة نبات " الكزبرة " إلى ~~أربع قطع لأنه لو قطعها إلى اثنتين قد تنبت، من الذي علمه؟ إنه سبحانه: # الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. والعجيب أنك حين ترى النبتة الضعيفة ساعة أن تخرج إلى ~~الحياة وهي التي ستكون من بعد ذلك جذرا إنها هشة وضعيفة إن أمسكتها بيدك ~~تسحقها، لكنها تخترق قلب الأرض الصلبة التي لو ضربتها بسكين لانكسرت ~~السكين، لكن الجذير الضعيف يدخل في قلب الصخر والأرض، فأي قوة أعطته ذلك؟ ~~أي قوة تخرق له الأرض؟ وهل الجذير هو الذي خرق الأرض أو خرقت له؟ لقد ~~خرق الحق الأرض للبذرة لتستخرج منها غذاء للزرع، إنها قدرة الحق سبحانه ~~{ فالق الحب } الذي ادخر في فلقتين اثنتين قوتا للنبات إذا مسته ~~رطوبة تتغذى عليها الزريعة إلى أن تربى الجذور، ويستمد النبات غذاءه من ~~الفلقتين إلى أن يثبت ويتمكن في الأرض ثم تتحور الفلقتان إلى ورقتين ~~خضراوين. ويتابع الحق سبحانه: { يخرج الحي من الميت ~~ومخرج الميت من الحي }. وحين تأمل العلماء هذا القول ~~وأرادوا أن يوضحوا لنا ما الحي؟ وما الميت؟ فات الجميع أن يعرفوا ما هي ~~الحياة؟ الحياة هي قيام الموجود بما يؤدي به مهمته، فحياة الإنسان فيها ~~حركة وحس وجري، ثم هناك حياة ثانية في الحيوان، وحياة ثالثة في النبات، ~~وحياة ذات طابع مختلف في الجماد. مثلما علمونا في المدارس حين كان المدرس ~~يمسك بقضيب ممغنط ليجذب برادة الحديد، حتى الحديد الصلب فيه لون معين من ~~الحياة. وكلنا رأينا في المدارس الأنبوبة الزجاجية التي وضعوا فيها برادة ~~الحديد وكيف تتأثر بقضيب المغناطيس. وتعتدل وتصير في مستوى واحد، وهكذا ~~نعرف أن الحياة هي الطاقة الموجودة في كل كائن ليؤدي مهمته حتى الأحجار ~~تختلف فيها أشكال الحياة، فهناك حجر يأخذ شكل الرخام، وآخر يأخذ شكل ~~المرمر، وكل لون من الأحجار له شكل من أشكال الحياة. ونقرأ في القرآن: ms3100 # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42]. وجاء الحق بمقابل الهلاك وهو الحياة فالهلاك ضد الحياة ~~والحياة ضد الهلاك، ويقول سبحانه في آية أخرى: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]. إذن ما دام كل شيء هالكا، فكل شيء فيه حياة، والخطأ أن ~~تظن أن كل حياة تتشابه في الحس والحركة مع الإنسان، لا، إن الحياة في كل ~~شيء بحسبه، إلى أن تقوم القيامة، فكل شيء حي له حياة تناسبه، وحين نسمع: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. نقول: نعم كل من يسبح بحمده يقول قولا، وإياك أن تقول ~~إنه تسبيح دلالة لأن بعضهم يقول: إن هذا تسبيح دلالة على الخالق، ونقول: ~~لو أن الذي يقصده الله تسبيح دلالة على خلق لما قال: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. إذن: فلا أحد منا يفهم لغة التسبيح، وعرفنا من قبل حين ~~سمع سليمان عليه السلام قول النملة وتبسم لها ضاحكا، وكذلك ما سمعه من ~~الهدهد، وكذلك تسخير الجبال لتسبح مع داود عليه السلام. { إن الله ~~فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ~~ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى ~~تؤفكون } [الأنعام: 95]. إن كل كلمة لها دلالتها ومعناها. فكلمة ~~العلم تدلنا على إحاطة علمه بكل شيء في الوجود، وكلمة الحكمة تدلنا على ~~أن كل شيء منه يصدر عن حكمة. وكلمة الرزاق تدلنا على أن كل مرزوق في ~~الوجود إنما أخذ من فيضه وخيره، وهكذا إلى ما لا نهاية لكماله من صفات ~~ذاته. وكلمة " الله " تدل على كل صفات الجلال والجمال والكمال، فإذا قال: ~~" الله " فهذا الاسم: يشمل القادر، العالم، الحكيم، القدير، وكل صفات ~~الحق ما علمت منها وما لم تعلم، ما دامت ذاته سبحانه وتعالى متصفة بكل ~~صفات الكمال، فالواجب أن يكون كل فعل يصدر عن ذاته المتصفة بالكمال له ~~مطلق القدرة والجمال والكمال. إذن فحين يقول الحق ذلك فإنما يلفتنا إلى ~~أن كل شيء كائن في الوجود إنما هو من خلق الله، وأن له ms3101 حياة تناسب مهمته ~~فالإنسان له حياة تناسب مهمته. والحيوان له حياة تناسب مهمته. والنبات له ~~حياة تناسب مهمته. والجماد له حياة تناسب مهمته. وإذا نظرت إلى الأشياء ~~كلها بهذا المعنى وجدت أن كل موجود فيه حياة، ولكن الحياة الكاملة بكل ~~مقوماتها وجدت في الأعلى من المخلوقات وهو الإنسان، والله سبحانه وتعالى ~~خلق في الإنسان الحياة حسا وحركة، ثم أعطاه حياة أخرى هي التي تصعد ~~حياته وتجعل لحياته قيمة لأن حياتنا الني نعيشها إنما يتمتع بها المؤمن ~~والكافر، وقصارى ما فيها أن تعطينا الحس والحركة قدر عمرنا في الحياة، ~~ولكن حياة الإيمان بما يبعثه الله لنا من منهج على يد الرسول. تعطينا ~~حياة أوسع، وأخلد، وأرغد، وهذه هي الحياة الحقة، ولذلك يقول الحق سبحانه: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. وهذه هي الحياة الحقيقية وقول الحق: { إن الله ~~فالق الحب والنوى } هو المقدمة الأولى للحياة، ثم تكلم عن ~~الحياة وأنه يخرج حيا من ميت، وهو هنا قد خاطبنا على مقدار أوليات علمنا ~~بالأشياء فالشيء إذا لم يكن له حس وحركة نعتبره ميتا لكن لو نظرت إلى ~~الحقيقة لوجدت كل شيء في الوجود له حياة. # مصداق ذلك قوله جلت قدرته: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]. وما دام كل شيء هالكا فكل شيء قبل أن يهلك كان فيه ~~حياة. والله سبحانه القائل: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير * ~~تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل ~~وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من ~~الحي وترزق من تشآء بغير حساب # [آل عمران: 26-27]. ولماذا جاء في هذه الآية ب " تخرج " وجاء في الآية ~~التي نحن بصدد خواطرنا عنها قوله: " ومخرج الميت من الحي "؟ إن الذين ~~بحثوا هذا البحث نظروا نظرة سطحية في المقابلة الجزئية في الآية، وهي: { ~~يخرج الحي من الميت } وقال: { ومخرج الميت من ~~الحي } نسوا أنه سبحانه قال: إنه ms3102 يخرج الحي من الميت لبيان أن الله ~~فالق الحب والنوى ليخرج الحي من الميت أي أن الله فلق وشق الحب والنوى ~~لأجل أن يخرج الحي من الميت.. ثم قال: { ومخرج الميت من ~~الحي } هو مقابل لفالق فلا تأخذها مقابلة للجزئية في الآية ولأن ~~الاسم يدل على الثبوت، والفعل يدل على الحدوث فالحق سبحانه وتعالى له صفة ~~في ذاته، وصفة في متعلقات هذه الذات فهو سبحانه وتعالى رزاق، قبل أن ~~يكون له مخلوق يرزقه. وهو رزاق، وبعد ما خلق من يرزقه هو رازق لأنه هو ~~الخالق، والخالق صفة للذات وإن لم يوجد المتعلق، وهو سبحانه المحيي قبل ~~أن يوجد من يحييه لأن صفته في ذاته أنه يحيي، ومميت قبل أن يميت من يريد ~~أن يميته لأن الصفة موجودة في ذاته. وسبحانه فالق الحب والنوى أي قبل أن ~~يوجد الحب والنوى الذي يفلقه، ومخرج الحي من الميت هو صفة ثابتة في ذاته ~~قبل أن يوجد متعلقها. وله صفة - أيضا - بعد أن يوجد المتعلق، فإن أراد ~~الصفة قبل أن يوجد المتعلق جاء بالاسم: " فالق ومخرج ". وإن كان يريد ~~الصفة بعد أن توجد، يقول: " يخرج " ، " يخرج ". ويذيل الحق الآية: { ~~ذلكم الله فأنى تؤفكون } [الأنعام: 95]. و " ذا " اسم ~~إشارة لما تقدم، وهو سبحانه فالق الحب والنوى ومن يخرج الحي من الميت ~~ومخرج الميت من الحي وهو الله. والكاف في قوله: { ذلكم } لمن يخاطبهم ~~وهم نحن، أما اللام من { ذلكم } فهي للبعد والميم للجمع. # فحين يريد الحق أن يخاطب رسوله، يقول: # ذلك الكتاب لا ريب فيه # [البقرة: 2]. ولكنه هنا يخاطبنا فيقول: { ذلكم } إشارة إلى قول الحق ~~سبحانه وتعالى: الله، وفالق، ومخرج، والخطاب لجمهرة المخاطبين بالقرآن. ~~فإذا كان الله بهذه الصفات فكيف ينصرفون عن الإيمان به وتوحيده؟ وذكر لنا ~~أول مقوم من مقومات الحياة وهو النبات وهو ما نأكله، فإذا كان الحق ~~سبحانه وتعالى هو الذي خلق الحب وخلق النوى ليخرج الحي من الميت وهو مخرج ~~الميت من الحي فهو أولى بأن يكون إلها معبودا فكيف تصرفون ms3103 عنه؟! وإلى ~~من تصرفون؟! إلى من توجد فيه صفات أرقى من هذه الصفات؟!! لا يوجد من فيه ~~صفات مثل هذه، ولا أرقى من هذه الصفات. وإذا سمعت كلمة: " أنى " فافهم ~~منها أنها تأتي للتعجيب، تأتي وتطلب أن يدلنا واحد على كيفية انصرافهم عن ~~الله وتوحيده مع وضوح الدلالات والبراهين. ومرة يقول الحق سبحانه: # كيف تكفرون بالله # [البقرة: 28]. هو سبحانه يخاطب الناس ويقول لهم: كيف تكفرون بالله؟ ~~فالله في ذاته يستحق ألا يكفر به، لأنه هو الذي خلق من عدم، وأمد من ~~عدم، ولم يشاركه أحد أو ينازعه في هذا الأمر، وإليه نرجع جميعا، فكيف ~~تكفرون به؟ وهذا تعجيب كبير لذلك يقول سبحانه هنا: { ~~فأنىتؤفكون } أي فكيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل ~~فتعبدون - مع الله - إلها آخر بعد أن تعلموا أن هذه الصفات له - سبحانه - ~~وليست لغيره؟ وكل تعجيب يأتي في " أنى " مثل قوله الحق: # أنى يحيي هذه الله بعد موتها # [البقرة: 259]. أي كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ ويقول سيدنا زكريا ~~لسيدتنا مريم: { أنى لك هذا } إذن فالتعجب ملازم لكلمة " أنى ~~" فكأن الصفات التي تقدمت صفات موجبة للإيمان بالله واحدا قهارا مريدا ~~عالما حكيما نرجع إليه جميعا، فقولوا لنا: كيف تكفرون بهذا الإله؟ ~~وإلى من تذهبون إذا كان هذا الإله يكفر به؟ أهناك شيء ادعى أنه خلق ~~وأنه رزق؟ لو أن شيئا ادعى أنه خلق أو رزق كنا نعذركم، لكن لم يدع شيء ~~في الوجود بأنه خلق أو رزق، والدعوة تثبت لصاحبها ما لم يقم لها معارض. { ~~فأنى تؤفكون } وكلمة " أنى تؤفكون " تعني كيف تصرفون ~~انصرافا كذبا لأن " الإفك ". معناه الكذب المتعمد. ويقول الحق من بعد ~~ذلك: { فالق الإصباح... }. ### || [6.96] # وسبحانه يأتي بآية أخرى من الآيات المعجزة كما جاء بالآية الأولى في أنه ~~هو الذي خلق لنا ما يقيم حياتنا. { فالق الإصباح وجعل ~~الليل سكنا }. ومعنى " فالق " أي جعل الشيء شقين، وهما نعمتان ~~متقابلتان لا تكفي واحدة عن الأخرى، إذ لا بد أن يوجد إصباح ويوجد الليل ~~سكنا ms3104 لأن الإصباح هو زمان وضوح الأشياء أمام رؤية العين لأننا نعلم أن ~~الظلمة تجعل الإنسان يضطرب مع الأشياء، فإن كنت أقوى من هذه الأشياء ~~حطمتها، وإن كانت أقوى منك حطمتك. إن السير في الظلمات التي لا يوجد فيها ~~نور يهدي الإنسان إلى مرائيه قد يؤدي إلى خسارة الأشياء. إننا في الصباح ~~نعمل ونسعى في الأرض، ونملأ الدنيا حركة. فإذا ما أصابنا الكد والتعب ~~والنصب من الحركة فالمنطق الطبيعي للكائن الحي أن يستريح ويهدأ ويسكن ~~لا بحركته فقط ولكن بسكون كل شيء حوله لأنك إن كنت ساكنا ويأتي لك ضوء ~~فهو يؤثر في تكوينك، ولذلك يقولون الآن: إن " الأشعة " التي يكتشفون بها ~~أسرار ما في داخل جسد الإنسان تترك آثارا. إذن فالإشعاع الصادر من الشمس ~~يمنعه عنك الله ليلا حتى يستريح الجسم من كل شيء، من كل حركة ناشئة فيه، ~~ومن حركة وافدة عليه، وهكذا تكون نعمة سكون الليل وظلمته مثل نعمة ~~الصباح، وكلاهما تتمم الأخرى، ولذلك قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى في أول ~~السورة قدم الظلمات على النور: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور # [الأنعام: 1]. لأنك أنت لا تستطيع أن تنتفع بحركتك في النور إلا إذا كنت ~~نشيطا ومرتاحا أثناء الليل. فإن لم ترتح كنت مرهقا ولن تستطيع العمل ~~بدقة في حركة النهار. إذن فالظلمة مقصودة في الوجود. ولذلك فالحضارة ~~الراقية هي التي تنظم حياة الإنسان ليعمل نهارا ويستريح ليلا، حتى لا ~~يستأنف عمله في الصباح مكدودا. ومن يزور ريف مصر هذه الأيام يفاجأ بأن ~~أهل الريف قد سهروا طوال الليل مع أجهزة الترفيه، ويقومون إلى العمل في ~~الصباح وهم مكدودون مرهقون. ونقول: لنأخذ الحضارة من قمتها، ولا نأخذ ~~الحضارة من أسفلها فحين تذهب إلى أوروبا تجد الناس تخلد وتسكن ليلا، ومن ~~يسير في الشارع لا يسمع صوتا ولا يجد من يخرج من بيته، ولا تسمع صوت ~~ميكروفون في الشارع حتى ينال كل إنسان قسطه من الهدوء، ويختلف الأمر في ~~بلادنا: فالشوارع تمتلئ بالضجيج، والمريض لا يستطيع ms3105 أن يرتاح، ومن يذاكر ~~لا يجد الهدوء اللازم، ومن يتعبد تخرجه الضوضاء من جو العبادة، ونجد من ~~يصف ذلك بأنه نقلة حضارية!! ونقول: لتأخذ كل نعمة من نعم الله على قدر ~~معطياتها في الوجود النافع لك، وحين يأتي الليل عليك أن تطفئ المصباح حتى ~~تهجع ولا تتشاغب فيك جزئياتك وتكوينك. # وسبحانه يقول: { فالق الإصباح } و { فالق } - كما قلنا - تعني ~~شاقق، فهل الإصباح ينفلق؟. وبماذا؟. ونقول: إن { فالق } هي اسم فاعل، ~~مثلما نقول: " قاتل الضربة " أي أن الضربة من يده قاتلة. و { فالق ~~الإصباح } معناها أن الصباح ينفلق عن الظلمة لأن الظلمة متراكمة وحين ~~يأتي الإصباح فكأنه فلق الظلمة وشقها ليخرج النور، وتعني { فالق ~~الإصباح } أيضا أن الفلق واقع على الإصباح فيأتي من بعده الظلام، ~~وهذه من دقة الأداء البياني في القرآن لأن الذي يتكلم إله. وامرؤ القيس ~~قال: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي # بصبح وما الإصباح منك بأمثل # والصبح والإصباح معناهما واحد. هل الصبح من طلوع الشمس؟ أو الصبح من ~~ظهور الضوء قبل أن تشرق الشمس؟ يأتي الإصباح أولا وهو النور الهادئ، ~~ونجد أطباء العيون بعد إجراء جراحة ما لإنسان في عينيه يقومون بفك ~~الأربطة التي تساعد الجرح على الالتئام، يفكونها بالتدريج حتى لا يخطف ~~الضوء البصر فورا، ومن رحمة الله أن خلق فترة الصبح بضوئها الهادئ قبل ~~أن تطلع الشمس بضوئها كله دفعة واحدة. فكأن الصبح جاء ليفلق ظلمة الليل ~~فلقا هادئا، ثم جاءت الشمس ففلقت الصبح. إذن الإصباح فالق مرة لأنه شق ~~الظلمة وفلقها ومفلوق مرة أخرى لأن الظلمة جاءت بعده. إذن فاسم الفاعل قد ~~أدى مهمتين.. المهمة الأولى: فالق الإصباح. أي دخل بضوء الشمس. وإن قلنا: ~~إصباحه فالق، أي ظلمة الليل الأولى انفلقت. إذن فالإصباح فالق مرة، ~~ومفلوق مرة أخرى. وسبحانه حين يقول: { فالق الإصباح وجعل ~~الليل سكنا } يريد أن يعطي شقين اثنين لأنه هو في ذاته فالق ~~الإصباح. فيأتي بالاسم ليعطي لها صفة الثبوت، ثم جاء ب { وجعل ~~الليل سكنا } صفة الحدوث بعد وجود المتعلق. ms3106 فإذا أراد الصفة ~~اللازمة له قبل أن يوجد المتعلق يأتي بالاسم. وإن أراد الصفة بعد أن وجد ~~المتعلق يأتي بالفعل. ولذلك نجد القرآن الكريم يصور الثبات في قوله ~~الحق: # وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد # [الكهف: 18]. الكلب هنا على هذه الصورة الثابتة، وحين يريد القرآن أن ~~يأتي بالصفة التي تتغير، يأتي بالفعل: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فتصبح ~~الأرض مخضرة # [الحج: 63]. وكان القياس أن يقول: فأصبحت الأرض مخضرة لأنه قال: " أنزل ~~" لكنه يأتي بالتجدد الذي يحدث { فتصبح الأرض مخضرة }. ~~ويتابع الحق: { والشمس والقمر حسبانا } ونحن نعرف الشمس ~~والقمر وجاء بعد ذلك بكلمة { حسبانا } ، على وزن فعلان، وهذا ما ~~يدل عادة على المبالغة مثلما تقول: فلان والعياذ بالله كفر كفرانا. ~~ومثلما تدعو: غفر الله لك غفرانا. فحين تحب أن تبالغ تأتي بصيغة ~~فعلان. وجاء القرآن بكلمة " حسبان " في موضعين اثنين فيما يتصل بالشمس ~~والقمر جاء بها هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها { والشمس ~~والقمر حسبانا } ، وفي سورة الرحمن يقول الحق سبحانه: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5]. وما الفرق بين التعبيرين؟ " حسبان " هنا تعني أن تحسب ~~الأشياء، فنحن نحسب السنة بدورة الشمس ب 365 يوما وربع اليوم وهي تمر ~~بالبروج فيها خلال هذه المدة، والقمر يبدأ بروجه كل شهر في ثمانية وعشرين ~~يوما وبعض اليوم، ونحن نحسب بالشمس اليوم، ونحسب بها العام، ولكنا نحسب ~~الشهر بالقمر، وأنت لا تقدر أن تحسب الشهر بالشمس، بل تحسب الشهر بالقمر ~~لأنه يظهر صغيرا ثم بكبر ويكبر ويكبر. ولذلك يثبت رمضان عندنا بالقمر لا ~~بالشمس. واليوم نثبته بالشمس. وهكذا عرفنا أن الشمس والقمر ويعملان في ~~حسابنا للأيام والشهور، والاثنان حسبان: الشمس لها حساب، والقمر له حساب ~~وإذا ما نظرت إلى كلمة " حسبان " تفهم أن الشمس والقمر، كليهما مخلوق ~~ليحسب به شيء آخر لأنهما خلقتا بحسبان، أي أنهما قد أريد بهما الحساب ~~الدقيق، لأن الشمس مخلوقة بحساب، وكذلك القمر. وتعال إلى الساعة التي ~~نستعملها، ألا يوجد بها عقرب للساعات، وآخر للدقائق، وثالث للثواني؟. ~~وهذا أقل ms3107 ما قدرنا عليه، وإن كان من الممكن أننا نقسم الثانية إلى أجزاء ~~مثلما عملنا في المساحات فهناك المتر، والسنتيمتر، والملليمتر، ثم بعد ~~ذلك قلنا الميكروملليمتر. إذن، كلما نرتقي في التقدم العلمي نحسب الحساب ~~الأدق. ولم تكن الشمس والقمر حسابا لنا نحسب بهما الأشياء إلا إذا كانت ~~مخلوقة بحساب. إنك حين تنظر إلى ساعتك تدرك قفزة عقرب الثواني ولكنك لا ~~تدرك حركة عقرب الدقائق، وكذلك لا تدرك حركة عقرب الساعات، وكل من ~~العقارب الثلاثة يدور " بزمبلك " وترس معين. إن اختلت الحركة في زمبلك أو ~~ترس، ينعكس هذا الخلل على بقية العقارب، والثانية محسوبة على الدقيقة، ~~والدقيقة محسوبة على الساعة. وهكذا فإن لم تكن الساعة مصنوعة بهذا الحساب ~~الدقيق فهي لن تعمل جيدا. وهكذا لا نعتبر الساعة معيارا لحساب أزماننا ~~إلا لأنها في ذاتها خلقت بحساب. والحق سبحانه يقول: { الشمس ~~والقمر بحسبان } أي لنحسب بهما لأنهما مخلوقتان بحسبان. أي ~~بحساب دقيق، ولماذا لم يقل الحق حسابا وجاء بحسبان هنا، وحسبان في آية ~~سورة الرحمن؟. ذلك لأن الأمر يقتضي مبالغة في الدقة. فهذا ليس مجرد حساب، ~~لكنه حسبان. ويذيل الحق الآية بقوله: { ذلك تقدير العزيز ~~العليم } ، وكلمة " العزيز " تفيد الغلبة والقهر فلا يستطيع أحد أن ~~يعلو عليه فهذه الأجرام التي تراها أقوى منك ولا تتداولها يدك، إنها ~~تؤدي لك مهمة بدون أن تقرب منها فأنت لا تقترب من الشمس لتضبطها، مثلما ~~تفعل في الساعة التي اخترعها إنسان مثلك، والشمس لها قوة قد أمدها الله ~~خالقها بها ولا شيء في صنعته ولا في خلقه يتأبى عليه. فهذا هو تقدير ~~العزيز العليم، وهو سبحانه يعطينا حيثيات الثقة في كونها حسبانا لنحسب ~~عليها. فهو جل وعلا خالقها بتقدير عزيز لا يغلب، وهو عزيز يعلم علما ~~مطلقا لا نهاية له ولا حدود. ويقول الحق من بعد ذلك: { وهو الذي ~~جعل لكم... }. ### || [6.97] # وبعد أن أوضح سبحانه أنه قد خلق الشمس والقمر بحسبان لتكون حسابا ~~بتقدير منه، وهو العزيز العليم، إنه - سبحانه - يصف لنا مهمة النجوم ~~فقال: { لتهتدوا ms3108 بها في ظلمات البر والبحر } ، ~~والنجوم هي الأجرام اللامعة التي نراها في السماء لنهتدي بها في ظلمات ~~البر والبحر ومن رحمته بنا وعلمه أن بعض خلقه ستضطرهم حركة الحياة إلى ~~الضرب في الأرض والسير ليلا في الأرض أو البحر مثل من يحرسون ويشيعون ~~الأمن في الدنيا ولا يمكن أن يناموا بالليل. بل لا بد أن يسهروا ~~لحراستنا، كل ذلك أراده الله بتقدير عزيز حكيم عليم، ولذلك ترك لنا ~~النجوم ليهتدي بها هؤلاء الذين يسهرون أو يضربون في الأرض أو يمشون في ~~البحر بسفنهم، وهم يحتاجون إلى ضوء قليل ليهديهم، ولذلك كان العرب يهتدون ~~بالنجوم يقول الواحد منهم للآخر: اجعل النجم الفلاني أمام عينيك، وسر فوق ~~الحي الفلاني. واجعل النجم الفلاني عن يسارك وامش تجد كذا، أو اجعل النجم ~~الفلاني خلفك وامش تجد كذا. إذن لو طمت الظلمة لمنعت الحركة بالليل، ~~وهي حركة قد يضطر إليها الكائن الحي، فجعل الحق النجوم هداية لمن تجبرهم ~~الحياة على الحركة في الليل. وعلى ذلك فالنجوم ليست فقط للاهتداء في ~~ظلمات البر والبحر لأنه لو كان القصد منها أن نهتدي بها في ظلمات البر ~~والبحر، لكانت كلها متساوية في الأحجام، لكنا نرى نجما كبيرا، وآخر ~~صغيرا، وقد يكون النجم الصغير أكبر في الواقع من النجم الكبير لكنه يبعد ~~عنا بمسافة أكبر، وعلى ذلك لا تقتصر الحكمة من النجوم على الهداية بها في ~~حركة الإنسان برا وبحرا، فليست هذه هي كلمة الحكمة، هذه هي الحكمة التي ~~يدركها العقل الفطري أولا لذلك يأتي الحق في أمر النجوم بقول كريم آخر ~~ليوضح لنا ألا تحصر الحكمة في الهداية بها ليلا برا وبحرا فيقول: # وعلامات وبالنجم هم يهتدون # [النحل: 16] فلم يقل - سبحانه - يهتدون في ظلمات البر والبحر. إذن - ~~النجوم - لها مهمة أخرى، إنه جلت قدرته يقول: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة: 75-76]. وكل يوم يتقدم العلم يبين لنا الحق أشياء كثيرة، فها ~~هو ذا المذنب الذي يقولون عنه الكثير، وها هي ذي نجوم جديدة ms3109 تكتشف ~~تأكيدا لقول الحق: # والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون # [الذاريات: 47]. أي أنه سبحانه قد خلق عالما كبيرا. وأنت أيها الإنسان ~~قد أخذت منه على قدر إدراكاتك وامتداداتك في النظر الطبيعي الذي لا ~~تستخدم فيه آلة إبصار، وأخذت منه بالنظر المعان الذي تستخدم فيه ~~التليسكوب والميكروسكوب، وغير ذلك من اقمار صناعية. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة: 75-76] وبعض العلماء يقول: إن كل إنسان يوجد في الوجود له ~~نجم، وترتبط حياته بهذا النجم، وحين يأفل النجم يأفل قرينه على الأرض، ~~وهناك نجوم لامعة ندرك خفقانها، ونجوم أخرى غير لامعة وبعيدة عنا، ويقال ~~إنها تخص أناسا لا يدري بهم أحد لقلة تأثيرهم بأعمالهم في الحياة. ~~ويتقدم العلم كل يوم ويربط لنا أشياء بأشياء وكأن الحق يوضح: إنني خلقت ~~لكم الأشياء مما قدرتم بعقولكم أن تصلوا إلى شيء من الحكمة فيها، ~~ولكن لا تقولوا هذه منتهى الحكمة، بل وراءها حكم أعلى، فسبحانه هو ~~الحكيم القادر، إنك قد تدرك جانبا يسيرا من حكم الله، ولكن عليك أن تعلم ~~أن كمال الله غير متناه، ولا يزال في ملك الله ما لا نستطيع إدراك حكمته ~~إلى أن ينهي الله الأرض ومن عليها. ويقول الحق سبحانه في تذييل الآية: { ~~قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون } والآية هي الشيء ~~العجيب، وتطلق على آيات كونية: # ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر # [فصلت: 37]. وتطلق كلمة " آية " على الطائفة من القرآن التي لها فاصلة. ~~إذن هناك آيات قرآنية، وآيات كونية، والآيات الكونية تعتبر مفسرة للآيات ~~القرآنية فتفصيل الآيات في الكون ما نراه من تعددها أشكالا وألوانا ~~وحكما وغايات. وتفصيل الآيات في القرآن هو ما ينبهنا إليه الحق في قرآنه ~~وليلفت النظر إلى أن ذلك التفصيل في آيات الكون وذلك الخلق العجيب الحكيم ~~الذي لا يمكن أن يكون إلا لإله قادر حكيم يستحق أن يكون إلها موحدا، ~~ويستحق أن يكون إلها معبودا. ويقول الحق بعد ذلك: { وهو الذي ~~أنشأكم... }. ### || [6.98] # وقد تكلم سبحانه لنا - أولا ms3110 - عن الآيات المحيطة بنا والتي بها قوام ~~حياتنا من فلق الحب والنوى، وبعد ذلك تكلم عن الشمس والقمر، ثم تكلم عن ~~النجوم، كل هذه آيات حولنا، ثم يتكلم عن شيء في ذواتنا ليكون الدليل ~~أقوى، إنه - سبحانه - يأتي لك بالدليل في ذاتك وفي نفسك لأن هذا الدليل ~~لا يحتاج منك إلى أن تمد عينيك إلى ما حولك، بل الدليل في ذاتك ونفسك، ~~يقول سبحانه: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]. أي يكفي أن تجعل من نفسك عالما، هذا العالم موجود ~~فيه كل ما يثبت قدرة الحق، وأحقيته بأن يكون إلها واحدا، وإلها ~~معبودا. { وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة } ينطبق ~~على هذا القول أنه إخبار من الله، وأنه - أيضا - استقراء في الوجود، ~~الذي نسميه التنازل للماضي لأنك لو نظرت إلى عدد العالم في هذا القرن، ثم ~~نظرت إلى عدد العالم في القرن الذي مضى تجده نصف هذا العدد، وإذا نظرت ~~إليه في القرن الذي قبله، تجده ربع تعداد السكان الحاليين. وكلما توغلت ~~في الزمن الماضي وتذهب فيه وتبعد، يقل العدد ويتناهى إلى أن نصل إلى { ~~نفس واحدة } ، وهذا ما ذكره الله لنا، ولقائل أن يقول: كيف تكون ~~نفسا واحدة وهو القائل: # ومن كل شيء خلقنا زوجين # [الذاريات: 49]. ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى خلق النفس الواحدة، وأوضح ~~أيضا أنه خلق من النفس الواحدة زوجها، ثم بدأ التكاثر. إذن فالاستقراء ~~الإحصائي في الزمن الماضي يدل على صدق القضية. وكذلك كل شيء متكاثر في ~~الوجود من نبات ومن حيوان. تجدها تواصل التكاثر وإن رجعت بالإحصاء إلى ~~الماضي تجد أن الأعداد تقل وتقل إلى أن تنتهي إلى أصل منه التكاثر إنه ~~يحتاج إلى اثنين: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها # [يس: 36]. ولماذا جاء الحق هنا بقوله: { من نفس واحدة } ولم ~~يقل زوجين؟ أوضح العلماء أن ذلك دليل على الالتحام الشديد لأننا حين نكون ~~من نفس واحدة فكلنا - كل الخلق - فيها أبعاض من النفس الواحدة، وقلنا من ~~قبل: إننا لو أتينا بسنتيمتر مكعب من مادة ملونة حمراء ms3111 مثلا ثم وضعناها ~~في قارورة، ثم رججنا القارورة نجد أن السنتيمتر المكعب من المادة الحمراء ~~قد ساح في القارورة وصار في كل قطرة من القارورة جزء من المادة الملونة، ~~وهب أننا أخذنا القارورة ووضعناها في برميل، ثم رججنا البرميل جيدا سنجد ~~أيضا أن في كل قطرة من البرميل جزءا من المادة الملونة، فإذا أخذنا ~~البرميل ورميناه في البحر فستنساب المادة الملونة ليصير في كل قطرة من ~~البحر ذرة متناهية من المادة الملونة. إذن ما دام آدم هو الأصل، وما دمنا ~~ناشئين من آدم، وما دام الحق قد أخذ حواء من آدم الحي فصارت حية، إذن ~~فحياتها موصولة بآدم وفيها من آدم، وخرج من آدم وحواء أولاد فيهم جزء حي، ~~وبذلك يردنا الحق سبحانه إلى أصل واحد ليثير ويحرك فينا أصول التراحم ~~والتواد والتعاطف. # ويقول سبحانه: { فمستقر ومستودع } والمستقر له معان ~~متعددة يشرحها الحق سبحانه وتعالى في قرآنه. وفي قصة عرش بلقيس نجد سيدنا ~~سليمان يقول: # أيكم يأتيني بعرشها... # [النمل: 38]. وأجاب على سيدنا سليمان عفريت من الجن، وكذلك أجاب من عنده ~~علم من الكتاب. ويقول الحق سبحانه: # فلما رآه مستقرا عنده... # [النمل: 40]. مستقر هنا إذن تعني حاضرا لأن العرش لم يكن موجودا ~~بالمجلس بل أحضر إليه. وفي مسألة الرؤية التي شاءها الحق لسيدنا موسى ~~عليه السلام: # قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن ~~انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف ~~تراني... # [الأعراف: 143]. ونعلم أن الجبل كان له استقرار قبل الكلام، إذن ف " ~~استقر " تأتي بمعنى حضر، وتأتي مرة أخرى بمعنى ثبت. والحق يقول: # ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين... # [الأعراف: 24]. وذلك بلاغ عن مدة وجودنا في الدنيا، وكذلك يقول الحق: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا... # [الفرقان: 24]. إذن فالجنة أيضا مستقر، وكذلك النار مستقر للكافرين، ~~يقول عنها الحق: # إنها سآءت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 66]. إذن فمستقر تأتي بمعنى حاضر، أو ثابت، أو كتعبير عن ~~مدة وزمن الحياة في الدنيا، والجنة أيضا مستقر، وكذلك النار. ولذلك ~~اختلف العلماء ونظر كل واحد ms3112 منهم إلى معنى، منهم من يقول: " مستقر " في ~~الأصلاب ثم استودعنا الحق في الأرحام. ومنهم من رأى أن " مستقر " مقصود ~~به البقاء في الدنيا ثم نستودع في القبور. ونقول: إن الاستقرار أساسه " ~~قرار " حضور أو ثبات، وكل شيء بحسبه، وفيه استقرار يتلوه استقرار يتلوه ~~استقرار إلى أن يوجد الاستقرار الأخير، وهو ما يطمع فيه المؤمنون. وهذا ~~هو الاستقرار الذي ليس من بعده حركة، أما الاستقرار الأول في الحياة فقد ~~يكون فيه تغير من حال إلى حال، لقد كنا مستقرين في الأصلاب، ثم بعد ذلك ~~استودعنا الحق في الأرحام، وكنا مستقرين في الدنيا ثم استودعنا. في ~~القبور. حتى نستقر في الآخرة. إن كل عالم من العلماء أخذ معنى من هذه ~~المعاني. والشاعر يقول: # وما المال والأهلون إلا ودائع # ولا بد يوما أن ترد الودائع # ونلحظ أن هناك كلمة " مستقر " وكلمة " مستودع " ، و " مستودع " هو ~~شيء أوقع غيره عليه أن يودع. لكن " مستقر " دليل على أن المسألة ~~ليست خاضعة لإرادة الإنسان. فكل واحد منا " مستقر " به. ويقول الحق: ~~{ قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون } والتفصيل يعني أنه ~~جاء بالآيات مرة مفصلة ومرة مجملة لأن الأفهام مختلفة، وظروف الاستقبال ~~للمعاني مختلفة، فتفصيل الآيات أريد به أن يصادف كل تفصيل حالة من حالات ~~النفس البشرية لذلك لم يترك الحق لأحد مجالا في ألا يفقه، ولم يترك لأحد ~~مجالا في ألا يتعلم، ونلحظ أن تذييل الآيتين المتتابعتين مختلف فهناك ~~يقول سبحانه: # قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون # [الأنعام: 97]. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: { قد فصلنا ~~الآيات لقوم يفقهون } [الأنعام: 98]. و " الفقه " هو أن تفهم، ~~أي أن يكون عندك ملكة فهم تفهم بها ما يقال لك علما، فالفهم أول مرحلة ~~والعلم مرحلة تالية. وأراد الحق بالتفصيل الأول في قوله: { لقوم ~~يعلمون } الدعوة للنظر في آيات خارجة عن ذات الإنسان، وهنا أي في ~~قوله سبحانه: { لقوم يفقهون } لفت للنظر والتدبر في آيات داخلة ~~في ذات الإنسان. ويقول الحق بعد ذلك: { وهو الذي أنزل... }. ### || [6.99] # كان السياق يقتضي أن يقول ms3113 سبحانه: أنزل من السماء ماء " فأخرج ". لكنه ~~هنا قال: " فأخرجنا " لأن كل شيء لا يوجد لله فيه شبهة شريك فهو من عمله ~~فقط، ولا يقولن أحد إنه أنزل المطر وأخرج النبات لأن الأرض أرض الله ~~المخلوقة له والبذور خلقها الله، والإنسان يفكر بعقل خلقه الله وبالطاقة ~~المخلوقة له. وأنت حين تنسب الحاجات كلها إلى صانعها الأول، فهو إذن الذي ~~فعل، لكنه احترم تعبك، وهو يوضح لك: حين قال: " فأخرجنا " أي أنا وأسبابي ~~التي منحتها لك، أنا خلقت الأسباب، والأسباب عملت معك. فإذا نظرت إلى ~~مسبب الأسباب فهو الفاعل لكل شيء. وإن نظرت إلى ظاهرية التجمع والحركة ~~فالأسباب التي باشرها الإنسان موجودة لذلك يقول: " فأخرجنا ". وسبحانه جل ~~وعلا قد يتكلم في بعض المواقف فيثبت للإنسان عملا لأنه قام به بأسباب ~~الله الممنوحة له، ولكنه ينفي عنه عملا آخر ليس له فيه دخل بأي صورة من ~~الصور مثل قوله الحق: # أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة: 63-64]. سبحانه هنا ينسب لنا الحرث لأننا قمنا به ولكن بأسباب ~~منه - سبحانه - فهو الذي أنزل لنا الحديد الذي صنعنا منه المحراث وهدانا ~~إلى تشكيله بعد أن ألانه لنا بالنار التي خلقها لنا، وبالطاقة التي ~~أعطانا إياها، أما الزراعة فليس لأحد منا فيها عمل ولذلك يقول سبحانه: # لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون # [الواقعة: 65]. هنا - سبحانه - أتى باللام في قوله تعالى: لجعلناه ~~للتأكيد لأن الإنسان له في هذا الأمر عمل، إنه حرث وتعهد ما زرعه بالري ~~والكد حتى نما وأثمر، لكن قد تصيبه آفة تقضي عليه، فالأسباب وإن كانت قد ~~عملت إلا أنها لا تضمن الانتفاع بثمرة الزرع، ذلك لأن الأسباب لا تتمرد، ~~ولا تتأبى على الله ولا تخرج عليه، إنها تؤدي ما يريده منها الله، وقد ~~يعطلها سبحانه. أما في قوله تعالى: # أفرأيتم المآء الذي تشربون * أأنتم ~~أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء ~~جعلناه أجاجا # [الواقعة: 68-70]، إنه سبحانه لم يقل لجعلناه، لأنه ليس لأحد فيه عمل ~~لذلك لم يؤكده ms3114 باللام. ويقول سبحانه: # أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم ~~شجرتهآ أم نحن المنشئون * نحن جعلناها تذكرة ~~ومتاعا للمقوين # [الواقعة: 71-73]. إن كل شيء يذكره الحق يذكر معه أيضا ما ينقضه، ذلك ~~حتى لا يفتن الإنسان بوجود الأشياء، وعليه أن يستقبل الأشياء مع إمكان ~~إعدامها. وإذا ما كان الإنسان هو الذي يحرث فالحق بطلاقة قدرته قد يجعل ~~النبات حطاما، ومن قبل قال عن مقومات الحياة: # أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون # [الواقعة: 58-59]. ثم جاء سبحانه بما ينقضه فقال: # نحن قدرنا بينكم الموت # [الواقعة: 60]. أما عن النار فلم يقل - سبحانه - إنه يقضي عليها ويخمدها ~~ويطفئها، إنه - جل شأنه - أبقاها ليعلمنا ويذكرنا بنار الآخرة # نحن جعلناها تذكرة # [الواقعة: 73] أي لا بد أن نتركها أمامكم حتى لا يغيب عنكم العذاب ~~الآخروي # ومتاعا للمقوين # [الواقعة: 73] أي ونتركها - دون نقض لها وذلك لأمر آخر هو المنفعة في ~~الدنيا للذين ينزلون أماكن خالية قفراء أو للذين خلت بطونهم وأوعيتهم ~~ومزاودهم من الطعام لأن النار تنفعهم وتساعدهم على إعداد طعامهم استبقاء ~~لحياتهم: { فأخرجنا به نبات كل شيء } [الأنعام: 99]. ~~والشيء هو ما يخبر عنه الهباءة شيء، والذرة شيء وكل حاجة اسمها شيء، ~~ومعنى نبات كل شيء: أن كل حاجة مثل النبات تماما. رأينا الحجارة التي ~~يقول عنها العلماء هذه جرانيت، وتلك الرخام وتلك مرمر، ولو نظرت إلى ~~أصلها وجدتها أعمارا للحجارة، طال عمر حجر ما فصارا فحما، وطال عمر آخر ~~فصار جرانيتا، وهكذا. وكل حاجة لها حياة لتثبت لنا القضية الأولى، وهي: # كل شيء هالك إلا وجهه... # [القصص: 88] أو نبات كل شيء ترون فيه نموا وحياة، والعقل الفطري يأخذها ~~هكذا، لكن العقل المستوعب يأخذ منها قضايا كثيرة، ويتغلغل في الكون ويجد ~~الآية سابحة معه وهو سابح معها. ويتابع سبحانه: { فأخرجنا منه ~~خضرا نخرج منه حبا متراكبا } وإذا قلت كلمة " خضر ~~" فقد تعني اللون المعروف لنا وهو الأخضر، لكن " خضر " فيها وصف زائد ~~قليلا عن أخضر لأن " أخضر " يخبر عن لون فقط، واللون متعلقة العين، لكن ~~" خضر ms3115 " يعطي اللون، ويعطي الغضاضة ونعرفها " بالجس ". وحين تلمسه تجد ~~النعومة. إذن " خضر " فيها أشياء كثيرة " لون " متعلق العين، و " غضاضة " ~~نعرفها بالجس وفيها نعومة نعرفها باللمس. وهذا اللون الأخضر يكون داكنا ~~جدا أي أن خضرته شديدة حتى إنها تضرب إلى السواد لذلك نسمع من يقول: " ~~سواد العراق " أي الأرض الخصبة التي في العراق، ويسمونها سواد العراق ~~لأنها خضراء خضرة شديدة ولذلك تكون مائلة إلى السواد، ويقول الحق سبحانه ~~وتعالى: # ومن دونهما جنتان * فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان * مدهآمتان # [الرحمن: 62-64]. و " مدهامة " أي مثل دهمة الليل كأنها من شدة خضرتها ~~صارت كدهمة الليل. ويتابع الحق { خضرا نخرج منه حبا ~~متراكبا } والحب هو ما ليس له نواة مثل حبة الشعير وحبة القمح وحبة ~~العدس وحبة اللوبيا. و " متراكبا " تعني أنه حب مرصوص متساند. { ومن ~~النخل من طلعها قنوان دانية } والنخل عند العرب له ~~مكانة عالية لأنه يعطي لهم الغذاء الدائم فيذكرهم به { ومن النخل ~~من طلعها قنوان دانية }. # و " الطلع " هو أول شيء يبدو من ثمر النخل، وهو ما نسميه في الريف " ~~الكوز الأخضر " وهو في الذكر من النخل الذي يسمى " الفحل " ويوجد أيضا ~~في الأنثى، وأول ما يبدو من ثمر النخل يسمى الطلع، ثم ينشق الطلع ويخرج ~~منه القنو أو العزق أو العرجون، وهو الجزء الذي توجد فيه الشماريخ التي ~~يتعلق بها البلح. والطلع إذن هو الثمرة الأولى للنخلة قبل أن تنشق ويطلع ~~منها القنوان وهو " السباطة " كما نسميها في الريف. " قنوان دانية " ~~ويصفها الحق بأنها دانية لأنك حين تنظر طلع النخيل أول ما يطلع تجده ينشق ~~ويحمي نفسه بشوك الجريد حتى لا تأكله الحشرات ثم يثقل وينحني ويكاد ينزل ~~على الأرض فيكون دانيا قريبا، فإن كانت هناك " سباطة " شاذة تجد من ~~يجنيها يدخل يده بين الشوك ليصل إليها. وسبحانه يترك لنا فلتات لنعرف ~~نعمة الله في أنه جعلها تتدلى لأنها لو كانت كلها دانية. قد لا يلتفت ~~إليها، لذلك يترك واحدة بين الشوك ليتعب الإنسان حتى يحصل عليها لتعرف ~~أنه ms3116 سبحانه قد دنى لك الباقي وهذه نعمة من الله. ويطلق الطلع مرة على ~~الأكمام و " الكم " هو ما توجد في قلبه الثمار، ومرة يطلق على الثمر ~~نفسه: # والنخل باسقات لها طلع نضيد # [ق: 10]. وأنت ترى البلح نازلا من " الشماريخ " ، وكل شمروخ به عدد من ~~البلح، ثم ترى " الشمروخ " متصلا بالأم، وفي ذلك ترى عظمة الهندسة ~~العجيبة في ترتيب الثمار. وكل شيء محسوب في هذا الأمر بهندسة عجيبة ~~وعندما ننظر إلى ما تعلمناه في حياتنا حين نصمم شبكة توصيل المياه وشبكة ~~الصرف الصحي، إن شبكة المياه التي تعطينا الذي نستخدمه، وشبكة الصرف ~~الصحي التي تأخذ الزائد من المياه والفضلات. عندما تنظر إلى هذه الشبكة ~~أو تلك تجد هندسة كل منها دقيقة لأن أي غفلة في التصميم تسبب المتاعب. ~~فحين تريد توصيل المياه إلى حارة فأنت تستخدم ماسورة قطرها كذا بوصة، وفي ~~الحارة هناك عطفات فتحضر لكل عطفة ماسورة أقل قطرا من الأولى، ثم ماسورة ~~أقل للبيوت، وماسورة أقل بكثير لكل شقة، لقد قام المهندسون بحساب دقيق ~~لهذه المسائل. فإذا كانت هذه هي هندسة البشر، فما بالنا بهندسة الخالق؟ ~~أنت تجد العزق: وهو حامل الرطب يأخذ من النخلة، وكل نخلة فيها كذا " ~~سباطة " وفي كل " سباطة " هناك " الشماريخ " ، ثم هناك البلح وكل بلحة ~~تأخذ شعرة لغذائها. وهكذا نجد كل شيء محسوبا بدقة بالغة. إنها هندسة ~~كونية عجيبة مصنوعة بقول الحق: كن، وصدق الله القائل: # الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. { وهو الذي أنزل من السمآء مآء } ~~وكلمة { وهو الذي أنزل من السمآء مآء } لم نكن نعرف ما ~~وراءها، كنا نعرف فقط أن السماء هي كل ما علاك فأظللك، والماء يأتي من ~~السحاب، وكلنا نرى السماء تمطر. وكلنا نعرف التعبير الفطري الذي يقول: ~~غامت السماء، ثم أمطرت، وهناك من قال: تضحك الأرض من بكاء السماء لأنها ~~تستقبل الماء الذي يروي ما بها من بذور. لكن ما وراء عملية الإنزال هذه؟ ~~إن هناك عملية أخرى تحدث في الكون دون شعور منا، عرفناها ms3117 فقط حين تقدم ~~العلم وحين قمنا بتقطير المياه، فأحضرنا موقدا ووضعنا فوقه قارورة ماء، ~~وحين وصل إلى نقطة الغليان خرج البخار، وسار البخار في الأنابيب ومرت ~~الأنابيب في أوساط باردة فتكثفت المياه ونزلت ماء مقطرا، ومثل ذلك يحدث ~~في المطر، وانظر كم يكلفنا كوب واحد من الماء المقطر الذي نشتريه من ~~الصيدلية؟ وقارن ذلك بالسماء التي تنزل بماء منهمر، ولا ندري كيف صنع. ~~ولذلك يقول الحق: # أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون # [الواقعة: 69]. هكذا ينزل الماء من السماء، ولم نكن نعرف كيف يحدث ذلك ~~وسبحانه يقول هنا: { ومن النخل من طلعها قنوان دانية ~~وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها ~~وغير متشابه... } [الأنعام: 99]. وحين يقول سبحانه { مشتبها ~~وغير متشابه } نصدق، مثال حبة الخوخ، هناك حبة من نوع نسميه " ~~الخوخ السلطاني " ، حين تمسك بالثمرة الواحدة تنفلق لتخرج البذرة نظيفة، ~~وحبة أخرى نفلقها نحن فتجد البذرة فيها بعض لحم الفاكهة ونجد فيها أيضا ~~بعضا من الألياف. وهذه لها لون والأخرى لها لون، هذه لها طعم وتلك لها ~~طعم مختلف. # يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل... # [الرعد: 4]. هذا ليعرف الإنسان أن طلاقة القدرة تحقق ما يريده الخالق، ~~وبعد ذلك تلتفت فتجد الفصائل، فهذا برتقال منه بسرة، ومنه برتقال بلدي. ~~وبرتقال بدمه ثم اليوسفي. ولذلك سنجد في الجنة ما يحدثنا عنه سبحانه ~~فيقول: # كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا ~~الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها... # [البقرة: 25]. وحين يأكل منه ساكن الجنة يكتشف أن لفاكهة الجنة طعما ~~مختلفا. ومن طلاقة القدرة أنه بعد التحليلات التي قام بها العلماء ~~المعمليون - جزاهم الله عنا خيرا - ل " حبة العنب " وجدوا أن القشرة ~~التي تغلفها لها طبيعة " البارد " و " اليابس " ، واللحم لحبة العنب ~~طبيعته مختلفة " حار رطب " ثم البذرة " بارد يابس " ، وهذه ثلاث طبائع في ~~الحبة الواحدة، وهذا شيء عجيب التكوين. وكذلك " الأترجة " وهي فاكة ~~كالنارنج تجد القشرة " حارة يابسة " ، واللحم فيها " بارد رطب " ، ~~والسائل الذي في اللحم " بارد يابس " والبذرة " حار يابس ms3118 " ، طبائع أربعة ~~في الشيء الواحد، كيف؟ وبأية قدرة؟ إن العلماء قد تعبوا حتى عرفوا ~~تكوينها ليظهروا لنا المسألة، وتلتفت لتجد ثمرة تأكل ظاهرها، وباطنها ~~بذرة، وثمرة ثانية تأكل ما في داخلها كالجوز أو اللوز، وتقشر القشرة ~~وتلقيها، والخوخة تأكل لحمها وتترك بذرتها، وذلك لتعرف أن المسألة ليست ~~آلية خلق بل إبداع خالق. # وتجد الشيء له اللون، واللون بلا طعم، ثم الرائحة المميزة وكل ذلك دليل ~~على طلاقة القدرة. وهذا هو السبب في أن الحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم ~~عن ثمار الجنة يأتي بثمار مثلها في الدنيا لأنه لو أحضر ثمارا ليس لها ~~مثيل في الدنيا لقال الإنسان: هذه طبيعة الثمار، ولو وجدت في الدنيا لكان ~~لها طعم مماثل. لكن هاهي ذي تتشابه، وطعومها مختلفة.. إنها طلاقة القدرة. ~~ويقول الحق: { انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه } ~~الحق سبحانه وتعالى لا يعطي الإنسان حتى يملأ بطنه فحسب لا، ولكنه يغذي ~~كل الملكات في النفس الإنسانية حتى ملكات الترف، وملكات الجمال، وملكات ~~الحسن، فيوضح لك قبل أن تأكل: انظر للثمر وشكله! لتغذي عينيك بالمنظر ~~الجميل حين ترى الثمرة طالعة وتتبعها حتى تنضج، إنها مراحل عجيبة تدل ~~على أن الصانع قيوم، وكل يوم لها شكل مختلف وحجم مختلف، وإن أكلتها ~~اليوم فستجد طعمها يختلف عما إذا أكلتها بعد ذلك بيوم، وهذا دليل على أن ~~خالقها قيوم عليها. ما دامت كل لحظة من اللحظات فيها شكل، وفيها لون ~~وفيها طعم وفيها رائحة جديدة. { انظروا إلى ثمره إذآ ~~أثمر وينعه } ، و " ينعه " أي وصلت إلى النضج وذلك إشاعة للتمتع ~~بنعم الكون لأن النظر إلى الثمر لا يعني أنني أملكه، فقد أراه في حقل ~~جاري وأنظر له وأتمتع بشكله. إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يشيع ~~الانتفاع بنعم الله حتى عند غير واجدها، لأن أحدا لن يمنعني من أن أنظر، ~~فأنبسط، فمن ناحية الكمال الإنساني هناك غذاء لملكات النفس لأن النفس ~~ليست ملكات جوع وعطش فقط بل هي ملكات متعددة، وكل ملكة لها غذاؤها. ولذلك ~~فقبل أن ms3119 يقول لي: إن الخيل والبغال تحمل الأثقال.. قال سبحانه: # ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون * ~~وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم # [النحل: 6-7]. إذن فهو يعطيني فائدة حمل الأثقال لأن حمل الأثقال لمن ~~يملكها، إنما الذي لا يملكها فهو يرى الحصان يسير بجمال، فيسعد برؤيته ~~فيتمتع بما لا يملك، هذه إشاعة لنعم الله على خلق الله. ويذيل الحق الآية ~~الكريمة بقوله: { إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون } ~~أي يؤمنون بأن الإله الذي آمنوا به يستحق بصفات الجلال والجمال فيه أن ~~يؤمن به، وكلما رأى الإنسان خلقا جميلا قال: الله، إذن أنا إيماني ~~صحيح والآيات تؤكد صدق إيماني بالإله الذي خلق كل هذا، وكل يوم تبدو لي ~~حاجة عجيبة تزيدني إيمانا، وعقلي الذي وهبه الله لي هداني إلى الإيمان ~~بهذا الإله. # ومن العجيب ان هناك من جعلوا لله شركاء!! إله له كل هذه الصفات من أول ~~فالق الحب والنوى، وفالق الإصباح، وجعل الليل ساكنا، والشمس، والقمر، ~~حسبانا وبحسبان، والنجوم نهتدي بها في ظلمات البر والبحر، وأنزل لنا من ~~السماء ماء، وأخرج لنا النبات منه خضر، كل هذه المسائل كان يجب أن تكون ~~صارفة للناس إلى أن الله وحده هو الخالق المستحق للعبادة، ولا تتجه أبدا ~~بالعبادة أو بالإيمان بغيره، لكن هناك من جعلوا لله شركاء، وجاء بها ~~سبحانه بعد كل ذلك حتى يحفظنا ويغضبنا عليهم لنحذرهم ونتقيهم. وإذا ~~أحفظنا عليهم استحمدنا أي استوجب علينا حمد إذ أنه هدانا إلى الإيمان، ~~فنقول: الحمد لله الذي هدانا إلى الإيمان. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { ~~وجعلوا لله شركآء... }. ### || [6.100] # ومادة الجن هي " الجيم " و " النون " وكلها تدل على الستر والتغطية ~~والتغليف، ومنها الجنون، لأن العقل في هذه الحالة يكون مستورا، ونحن لا ~~نرى الجن، فهم مستورون، والملائكة كذلك، والمادة كلها مادة " الجيم " و " ~~النون " تدل على اللف والتغطية. { وجعلوا لله شركآء الجن ~~} و " الجن " هو الخفي من كل شيء، والجن - كما تعلمون - هم خلق من ms3120 خلق ~~الله فسبحانه خلق الإنس وخلق الجن، خلق الجن مستورا حتى لا نعتقد أن خلق ~~الله لحي كائن، يجب أن يتمثل في هذا القالب المادي، بل سبحانه يخلق ما ~~شاء وكما شاء، فيخلق أشياء مستورة لا ترى، ولها حياة، ولها تناسل، ويخلق ~~أشياء مستورة، ولا تناسل لها: كل ذلك بطلاقة قدرة الحق سبحانه، ليقرب لنا ~~هذه القضية لأن عقولنا قد تقف في بعض الأشياء التي لا تدرك ولا ترى لأننا ~~لا نعلم وجودا لشيء إلا إذا أحسسناه. إن الحق سبحانه يوضح ذلك. فإياك أن ~~تظن أنك تستطيع أن تدرك كل ما خلقه الله، فليس حسك هو الوسيلة الوحيدة ~~للإدراك لأن حسك له قوانين تضبطه، فأنت ترى، ولكنك ترى بقانون، بحيث إذا ~~بعد المرئي عنك امتدادا فوق امتداد بصرك فلا تراه وكذلك أذنك تسمع، فإن ~~بعد الصوت أو مصدر الصوت عنك بحيث لا تصل الذبذبة إليك، فلا تسمع، كذلك ~~عقلك، قد تفهم أشياء ولا تفهم أشياء أخرى، ثم ضرب لنا في وجودنا المادي ~~أمثالا تقرب لنا ذلك الخلق الخفي من الجن ومن الملائكة. لقد وجدنا العقل ~~البشري قد هداه الله الذي قدر فهدى، إلى أن يكتشف شيئا اسمه " الميكروب ~~" و " الميكروب " كائن حي دقيق جدا بحيث إن البصر العادي لا يدركه، ~~ولكنه كان موجودا، وفعل الأفاعيل في الناس ودخل في أجسامهم دون أن ~~يشعروا كيف دخل وعمل فيهم وفي صحتهم ما عمل من الهلاك والموت مثل أمراض ~~الطاعون والكوليرا وغيرها، ومع ذلك فالميكروب كان موجودا ومن جنس ~~وجودنا، أي هو مادة وله حياة وله فعل، وله نفوذ في الهيكل الذي يدرك وهو ~~الإنسان. وهكذا رأينا أن شيئا خفيا لا يدرك ويهدد إنسانا ضخما يدرك، ~~فهل معنى اكتشاف الميكروب أننا أوجدناه؟ لا، إن وجود الميكروب شيء، ~~وإدراك وجوده شيء آخر، وإذا حللنا " الميكروب " نجد أنه مادة الإنسان ~~ولكنه دقيق جدا حتى إن العين المجردة لا تراه، فلما اكتشف المجهر ~~وكبرناه عرفناه، وهذا الكائن الحي إن كنت لا تراه، فعدم رؤيتك له سابقا ms3121 ~~لا تعني أنه غير موجود، بل هو موجود ولكنك لم تدركه، ثم اكتشفت - أيها ~~الإنسان - آلة جعلتك تدركه، ولنعرف أن وجود شيء لا يعني أنك من الضروري ~~أن تدركه، فإذا قال الله لك: لي ملائكة من خلقي، ولي جن من خلقي، ولكنكم ~~لا ترونهم وهم يرونكم، نقول: صدقت يا ربي، لأن شيئا من جنس مادتنا كان ~~موجودا ولا نراه ثم بعد ذلك رأيناه. # إذن فالأشياء التي نكتشفها الآن هي دليل على صدق البلاغ القرآني بما ~~أخبر به من الأمور الغيبية، الجن مستور، والمادة كلها - كما بينا - تدل ~~على الستر، فالجنون غياب العقل، وجن الليل، أي ستر وغطى، والجنة لأن ~~فيها أشجارا وغير ذلك بحيث لا يظهر الذي يسير فيها فتكون ساترة لمن ~~يدخلها. إذن المادة كلها تدل على الستر، وهل الذي نتعجب منه أنهم جعلوا ~~الجن شركاء، أو أن التعجيب ليس من جعل الجن شركاء بل من اتخاذ مبدأ ~~الشركاء، سواء أكان جنا أم غير جن، إن التعجيب هنا من المبدأ نفسه، فنحن ~~لا نعترض فقط على أن الجن شركاء، بل نحن نعترض على المبدأ نفسه، أن يكون ~~لله شريك من جن أو من ملائكة أو من غير ذلك، ولهذا قدم المجعول - وهو ~~الشريك - على المجعول منه - وهو الجن - مع أن العادة أن يقدم المجعول منه ~~على المجعول، فتقول جعلت الطين إبريقا أي: أن الطين كان موجودا، وأخذت ~~منه الذي لم يكن موجودا وهو الإبريق. ثم هل كان الشركاء موجودين وطرأ ~~الجن عليهم؟ أو كان الجن موجودا وطرأ الشركاء عليهم؟ في هذه الحالة كان ~~يجب القول: وجعلوا الجن لله شركاء، إذن فالعجيبة ليس في أن يكون الجن ~~شركاء، العجيبة في المبدأ نفسه، وكيف ترد فكرة الشركاء على أذهانهم سواء ~~أكان الشركاء من الجن أم من غير ذلك، ولهذا قال سبحانه: { وجعلوا ~~لله شركآء } وساعة تسمعها تقول: أعوذ بالله { وجعلوا لله ~~شركآء }!! ولا يهمك من هم الشركاء لأن مطلق مجيء شريك لله هو الأمر ~~العجيب، سواء كان من الجن أم من ms3122 الملائكة وكيف جعلوا الجن شركاء؟ ألم يقل ~~الحق في كتابه إن إبراهيم قال: # يأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان ~~للرحمن عصيا # [مريم: 44]. وما هي العبادة؟ العبادة هي أن يطيع العابد المعبود فيما ~~يأمره به، وما داموا يطيعون الشياطين في وسوستهم فكأنهم عبدوهم، ولذلك ~~يقول الحق سبحانه: # ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون # [سبأ: 40]. فقالت الملائكة: # قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون # [سبأ: 41]. وكيف كانوا يعبدون الجن؟ إنهم كانوا يطيعونهم فيما يأمرونهم ~~به وينهونهم عنه لأن العبادة هي الطاعة، وأنت أيها العابد لا تقترح ~~العبادة بل تنظر فيما طلب منك أن تتقرب به إلى المعبود، إذن " افعل ولا ~~تفعل " هي الأصل. # { وجعلوا لله شركآء الجن } ولماذا جاءوا لله بشركاء؟ ~~لماذا لم يعبدوهم وحدهم ويستبعدوا الله من العبادة؟ لأن وجود شريك دليل ~~على الاعتراف بالله أيضا فلماذا جعلوا له شركاء؟ ولماذا لم يلحدوا ~~وينكروا ويكفروا بالله وتنتهي المسألة؟ لا. لم يفعلوا ذلك لأنهم رأوا أن ~~الشركاء ليس لهم مطلوبات تعبدية وحين عبدوها - مثلا - لم تقل لهم " ~~افعلوا " و " لا تفعلوا " وليس هناك منهج لاتباعه، لكن أحداثا فوق ~~أسبابهم ولا يستطيعون لها دفعا قد تحدث فلمن يجأرون؟ أللآهة التي ~~يعتقدون كذبها وبهتانها وأنها لا تنفع ولا تضر؟ لذلك احتفظوا باعترافهم ~~بالله ليلجأوا إليه فيما لا يقدرون على دفعه لا هم ولا من اتخذوهم شركاء، ~~ولذلك يقول الحق: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه # [يونس: 12]. كأنه يريد عبادة الله للمصلحة فقط. { وجعلوا لله ~~شركآء الجن }. ومن العجيب - إذن - أنهم جعلوا لله شركاء، مع أن ~~الله هو الذي خلق العابد والمعبود، والتعجيب من أمرين اثنين: أن يجعلوا ~~شركاء لله من الجن أو من الملائكة، والعجيبة الأخرى أنه { خلقهم ~~وخرقوا له بنين وبنات بغير علم } وما معنى خرقوا ~~له؟ معناها أنهم اختلقوا لأن الخرق إيجاد فجوة في الشيء المستوى ms3123 على ~~قانون السلامة، ولذلك قال في السفينة: # أخرقتها لتغرق أهلها # [الكهف: 71]. وخرقوا له. أي عملوا خرقا في الشيء السليم الذي تأبى ~~الفطرة أن يكون. { وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات } ~~[الأنعام: 100]. أما القسم الذي ادعى أن لله البنين فهم أهل الكتاب إنهم ~~قالوا ذلك: # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله # [التوبة: 30]. أما من جعلوا لله البنات، فهم بعض العرب الذين كانوا ~~يعتقدون أن الملائكة بنات الله. # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة ~~إناثا # [الإسراء: 40]. وقال سبحانه: # أصطفى البنات على البنين * ما لكم كيف ~~تحكمون # [الصافات: 153-154]. وسبحانه القائل: # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22]. وهناك من العرب من جعل بين الله وبين الجن صلة نسب ~~مصداقا لقول الحق: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158]. لقد افتروا على الحق وادعو أن اتصالا تم بين الله ~~وبين الجنة فخلقت وولدت الملائكة. { وجعلوا لله شركآء ~~الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير ~~علم سبحانه وتعالى عما يصفون } [الأنعام: 100]. ~~ولماذا يقول الحق: { بغير علم } لأن العلم يؤدي إلى النقيض، ~~فالعلم قضية استقرائية معتقدة واقعة يقام عليها الدليل، وهذا شيء لا واقع ~~له، ولا يمكن أن يوجد عليه دليل لذلك فهو قول بغير علم بل هو بجهل. هي ~~إذن جهالة بأن يصدقوا في حاجة وأنها واقعة وهي ليست واقعة، ولا يقام ~~عليها دليل لأنها غير موجودة، ولو استقام الدليل عندهم بفطرتهم المستقبلة ~~لأدلة البيان وأدلة الكون لتبرأوا مما اعتقدوا، ولرفضوا أن يتخذوا لله ~~شركاء. # وقد عرض الحق قضية طرأت على الأفكار المشوشة وقالوا: " شركاء " فقال: " ~~سبحانه " ، أي تنزيها له عن الشرك في الذات وفي الصفات، وفي الأفعال لأن ~~ذاته ليست ككل الذوات، وأفعاله ليست ككل الأفعال، وصفاته ليست ككل ~~الصفات، ولذلك تأتي " سبحانه " في كل أمر يناقض نواميس الكون الموجودة. ~~وخذ كل أمر يتعلق بالإله الحق في إطار " سبحانه ". ولذلك حينما جاء ~~بالإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس ثم عرج به ~~في ms3124 ليلة واحدة وكان ذلك أمرا عجيبا، أمرنا الحق أن نتقبلها في إطار ~~قوله الحق: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ~~لنريه من آياتنآ إنه هو السميع البصير # [الإسراء: 1]. إن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يقل: أنا سريت من مكة ~~إلى بيت المقدس، إنما قال: " أسري بي " ، وما دام قد أسري به فالقانون ~~في الإسراء هو قانون الحق سبحانه. فخذها في إطار سبحانه، وهو القائل: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم # [يس: 36]. ثم يأتي بما هو أوسع من إدراكك فيقول: # ومما لا يعلمون # [يس: 36]. كأننا سوف نعلم فيما بعد أشياء فيها زوجية، وقد أزاح الكشف ~~العلمي في القرن العشرين بعضا من ذلك، فعرفنا الموجب والسالب في ~~الكهرباء والالكترونات، وقوله: # ومما لا يعلمون # [يس: 36] يفسح المجال لقضايا الكون التي تحدث بنشاطات العقول المكتشفة. ~~{ وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم وخرقوا له ~~بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما ~~يصفون } [الأنعام: 100]. ف سبحانه تنزيها له وتقديسا عن أن يقاس ~~بالكائن الموجود. تعالى اسمه، وتعالت ذاته، وتعالت صفاته وأفعاله { ~~عما يصفون } بأوصاف لا تليق بذاته. وبعد ذلك يقول الحق: { بديع ~~السماوات والأرض... }. ### || [6.101] # والحق سبحانه وتعالى قال في آيات أخرى: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]. فإن كنت ترى في نفسك عجائب كثيرة، وكل يوم يعطيك العلم ~~التشريحي أو علم وظائف الأعضاء سرا جديدا فلا تتعجب من هذا الأمر لأن ~~السماء والأرض إيجاد من عدم، وسبحانه هنا يقول: " بديع " أي أنه - سبحانه ~~- خلقهما على غير مثال سابق، فمن الناس من يصنع أشياء على ضوء خبرات أو ~~نماذج سابقة، لكن الحق سبحانه بديع السموات والأرض، وقد عرفنا بالعلم أن ~~الأرض التي نعيش عليها وهي كوكب تابع من توابع الشمس، وقديما كانوا ~~يقولون عن توابع الشمس إنها سبعة، ولذلك خدع كثير من العلماء والمفكرين ~~وقالوا: إن السبعة التوابع هي السموات، فأراد الحق أن يبطل هذه المسألة ~~بعد أن قالوا سبعة. فقد اكتشف العلماء ms3125 تابعا ثامنا للشمس، ثم اكتشفوا ~~التاسع، ثم صارت التوابع عشرة، ثم زاد الأمر إلى توابع لا نعرفها. وأين ~~هذه المجموعة الشمسية من السموات؟ وكلها مجرد زينة للسماء الدنيا، ~~وعندما اكتشفت المجهر والآلات التي تقرب البعيد رأينا " الطريق اللبني " ~~أو " سكة التبانة " ووجدناها مجرة وفيها مجموعات شمسية لا حصر لها، وجدنا ~~مليون مجموعة مثل مجموعتنا الشمسية. هذه مجرة واحدة، وعندنا ملايين ~~المجرات، ونجد عالما في الفلك يقول: لو امتلكنا آلات جديدة فسنكتشف ~~مجرات جديدة. ولنسمع قول الله: # والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون # [الذاريات: 47]. إذن يجب أن نأخذ خلق السموات والأرض في مرتبة أهم من ~~مسألة خلق الناس. { بديع السماوات والأرض أنى يكون ~~له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو ~~بكل شيء عليم } [الأنعام: 101]. وما دام سبحانه بديع السموات ~~والأرض، وهو بقدرته الذاتية الفائقة خلق السموات والأرض الأكبر من خلق ~~الناس، إذن فإن أراد ولدا لطرأ عليه هذا الابن بالميلاد، ولا يمكن أن ~~يسمى ولدا إلا إذا ولد، وسبحانه منزه عن ذلك، ثم لماذا يريد ولدا، ~~وصفات الكمال لن تزيد بالولد، ولم يكن الكون ناقصا قبل ادعاء البعض ان ~~للحق سبحانه ولدا، إن الكون مخلوق بذات الحق سبحانه وتعالى، والناس ~~تحتاج إلى الولد لامتداد الذكرى، وسبحانه لا يموت مصداقا لقوله: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]. والبشر يحتاجون إلى الإنجاب ليعاونهم أولادهم، وسبحانه هو ~~القوي الذي خلق وهو حي لا يموت لذلك فلا معنى لأن يدعى عليه ذلك وما ~~كان يصح أن تناقش هذه المسألة عقلا، ولكن الله - لطفا بخلقه - وضح وبين ~~مثل هذه القضايا. يقول جل وعلا: { ولم تكن له صاحبة }. ~~وماذا يريد الحق من الصاحبة؟ إنه لا يريد شيئا ، فلماذا هذه اللجاجة في ~~أمر الألوهية؟. # فلا الولد ولا الصاحبة يزيدان له قدرة تخلق، ولا حكمة ترتب، ولا علما ~~يدبر، ولا أي شيء، ومجرد هذا اللون من التصور عبث، فإذا كان الشركاء ~~ممتنعين، والقصد من الشركاء أن يعاونوه في الملك إله يأخذ ملك السماء، ~~وإله آخر يأخذ ملك ms3126 الأرض. وإله للظلمة، وإله للنور. مثلما قال الاغريق ~~القدامى حين نصبوا إلها للشر. وإلها للخير، وغير ذلك. والحق واحد أحد ~~ليس له شركاء يعاونونه فما المقصود بالولد والصاحبة؟ أعوذ بالله! ألا ~~يمتنع ويرتدع هؤلاء من مثل هذا القول: { وهو بكل شيء عليم } ~~فسبحانه هو الخالق للكون والعليم بكل ما فيه ولا يحتاج إلى معاونة من ~~أحد. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { ذلكم الله... }. ### || [6.102] # انظر التقديم بكلمة رب، قبل " لا إله إلا هو " كلمة " رب " هذه هي حيثية ~~" لا إله إلا هو " لأن إلها تعني معبودا، ومعبودا يعني مطاعا، ومطاعا ~~يعني له أوامر ونواه، ولماذا ولأي سبب؟. السبب أنه الرب المتولي الإيجاد ~~والتربية. ومن الواجب والمعقول أن نسمع كلامه لأنه هو الرب والخالق وهو ~~الذي يرزق، بدليل أننا حين نسأل أهل الكفر في غفلة شهواتهم: من خلق ~~السموات والأرض؟ تنطق فطرتهم ويقولون: الله هو الذي خلق السموات ~~والأرض. أما إن كان السؤال موجها في محاجاة مسبقة فأنت تجد المكر والكذب. ~~وحين تريد أن تنزع منهم قضية صدق وتضع وتبطل قضية كذب فلتأخذهم على غفلة ~~ودون تحضير فيقولون إن الذي خلق هو الله. ورأينا الآلات التي صمموها ~~ليكتشفوا الكذب، وليروا العملية العقلية التي تجهد الكذاب، أما صاحب الحق ~~فلا يجهد لأن صاحب الحق يستقرئ واقعا ينطق به ولا يصيبه الجهد، لكن ~~الذي يكذب يجهد نفسه ويتردد بين أمور ويضطرب ولا يدري بأيها يأخذ ويجيب ~~بإجابات متناقضة في الشيء الواحد. { ذلكم الله ربكم لا ~~إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على ~~كل شيء وكيل } [الأنعام: 102]. وما دام هو خالق لكل شيء وهو ~~الباقي فهو الأحق بالعبادة لأن العبادة - كما قلنا - معناها طاعة الأمر ~~وطاعة النهي - ومادام سبحانه الذي خلق فهو الذي يضع قانون الصيانة ~~للإنسان والكون، وإن خالفت المنهج يفسد الكون والإنسان، وإذا فسد الكون ~~أو الإنسان فأنت تلجأ إلى منهج الخالق لتعيد لكل منهما صلاحيته لذلك هو ~~الأولى بالعبادة. { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو ~~}. وهذه شهادة شهد ms3127 بها لذاته قبل أن يخلق كل شيء، وقبل أن يخلق الملائكة، ~~وشهدت بها ملائكته، وشهد بها أولو العلم. # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط # [آل عمران: 18]. إذن فالله شهد بألوهيته من البداية، ومن أسمائه " ~~المؤمن " ونحن مؤمنين بالله، وربنا المؤمن بأنه إله واحد، وهذا الإيمان ~~منه أنه إله واحد، يخاطب كل شيء يريده وهو يعلم أن أي شيء لا يقدر أن ~~يخالفه، إنه يخاطبه بقوله: " كن فيكون " ولأنه إله واحد يعلم أن أحدا أو ~~شيئا لم يخالفه، لذلك يباشر ملكه وهو العليم بأن الغير خاضع لأمره ولا ~~يمكن أن يتخلف عن مراداته، أو نقول: " المؤمن " لما خلق ولمن خلق، أي ~~منحهم الأمن والأمان فهو سبحانه القائل: # الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 4]. لقد أوضح الحق سبحانه لنا: أنتم خلقي فإن أخذتم منهجي أطعمكم ~~من الجوع وآمنكم من الخوف. # { ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل ~~شيء }. إذن فالمنطق يفرض علينا عبادته سبحانه، والأمر المنسجم مع ~~المقدمة، أن لا رب، ولا إله إلا هو، إنه خالق كل شيء لذلك تكون عبادته ~~ضرورة، ويتمثل ذلك أن تطيعه فيما أمر، وفيما نهى. { وهو على كل ~~شيء وكيل } [الأنعام: 102]. وهذه دقة الأداء البياني في القرآن، ~~فنحن في أعرافنا نقول: فلان وكيل لفلان أي يقوم لصالحه بالأمور التي ~~يريدها، وسبحانه ليس وكيلا لك، بل هو وكيل عليك لأن الوكيل لك ينفذ ~~أوامرك، لكن هو وكيل عليك، مثل الوصي على القاصر هو وكيل عليه، ويقول ~~للقاصر: افعل كذا فيفعل، وسبحانه وكيل علينا، ولذلك نحن نطلب منه وهو ~~الذي يستجيب لدعائنا بالخير، فلا ينفذ رغباتنا الطائشة، ونجد الأحمق من ~~يقول: لقد دعوت الله ولم يستجيب لي، ونقول: إنك تفهم الاستجابة أنها تؤدي ~~لك مطلوبك، وسبحانه أعلم بما يناسبك لأنه وكيل عليك ويعدل من تصرفاتك، ~~وساعة تطلب حاجة، إن كان فيها خير يعطيها لك، وإن كنت تظن أنها خير، ~~لكنها ستأتي بالشر لا يعطيها لك. وعلى من يدعو ms3128 ألا يتعجل الإجابة. قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " يستجاب لأحدكم مالم يعجل، يقول: قد دعوت فلم يستجب لي ". # { وهو على كل شيء وكيل } أي سواء أكان هذا الشيء مختارا ~~أم غير مختار لأن المختار قد يختار شرا، ولأن الله وكيل عليه يقول له: ~~لا، وغير المكلف ولا اختيار له، مقهور لإرادة الله مثل النار، فهي مأمورة ~~أن تحرق، لكنه أمرها ألا تحرق سيدنا إبراهيم وتبقيه سليما. وتأتي الآية ~~التالية لتؤكد دواعي عظمته سبحانه فيقول: { لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك... }. ### || [6.103] # ولماذا لا تدركه الأبصار؟ لأن البصر آلة إدراك لها قانونها بأن ينعكس ~~الشعاع من المرئي إلى الرائي ويحدده، فلو أن الأبصار تدركه لحددته، وأصبح ~~من يراه قادرا عليه، ولصار مقدورا لكم لأنه دخل في إدارككم. فلو أنك ~~أدركت الله لكان الله مقدورا لبصرك، والقادر لا ينقلب مقدورا ابدا، ~~إذن فمن عظمته أنه لا يدرك: أنت قد ترى الشمس، ولكن أتدعي أنك ~~أدركتها؟! لا، لأن الإدراك معناه الإحاطة، وحين يقال " أدركه " أي لم ~~يفلت منه، ولذلك عندما سار قوم فرعون وراء موسى وقومه قال أصحاب موسى: # إنا لمدركون # [الشعراء: 61]. أي لا فائدة لأن البحر أمامنا، إن تقدمنا نغرق، وإن ~~تأخرنا أهلكونا وقتلونا. إذن " مدرك " يعني محاطا به. فإذا أحاطت ~~الأبصار بالله انقلب البصر قادرا، وصار الله مقدورا عليه. والقادر بذاته ~~- كما قلنا - لا ينقلب مقدورا لخلقه أبدا. { لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير } [الأنعام: ~~103]. وكل ما عدا الله محتاج إلى الله لبقاء كينونته، وكينونته سبحانه ~~ليست عند أحد لذلك { لا تدركه الأبصار وهو يدرك ~~الأبصار } لأنه إن قدر على الأبصار كلها فهو قادر بذاته، والباقي ~~مقدور له لأنه مخلوق له، ومادام مخلوقا له يكون مقدورا عليه ولم يطرأ على ~~المخلوقين شيء جديد يجعلهم قادرين بذواتهم { لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك الأبصار }. وقد وقف العلماء وقفة كبيرة واختلفوا: هل ~~الإنسان يرى ربه أو لا يراه سواء في الدنيا أم في الآخرة؟ بعضهم قال: لا ~~أحد يرى الله بنص الآية: ms3129 { لا تدركه الأبصار } ونقول: لكن ~~هناك آيات في القرآن تقول: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]. و " ناظرة " تضمن الرؤية وتفيدها، وأيضا فالله يعاقب ~~من كفر به بأن يحتجب عنه لأنه القائل: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15]. فالكافرون محجوبون عن رؤية الله عقابا لهم. ولو ~~اشتركنا معهم وحجبنا كما حجبوا فما ميزتنا كمؤمنين؟، إذن فالعلماء لم ~~ينتبهوا إلى أن هناك فرقا بين الأداء القرآني وما يقولون؟ وحين يحتج عالم ~~منهم بأن رؤية الله غير ممكنة لأن ربنا سبحانه قال لموسى: # لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر ~~مكانه فسوف تراني # [الأعراف: 143]. فلماذا لم يلتفت هذا العالم إلى قول الحق: # فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا # [الأعراف: 143]. إذن فالله يتجلى لبعض خلقه، أما أن يراه الخلق في ~~الدنيا فلا لأن تكويننا غير مؤهل لأن يرى الحق، بدليل أن الأصلب والأقوى ~~منا وهو الجبل حينما تجلى ربه عليه اندك. فلما اندك الجبل خر موسى صعقا، ~~فإذا كان موسى قد خر صعقا لرؤية المتجلى عليه وهو الجبل فكيف لو رآه؟! ~~إذن فهو غير معد له. # لقد اختلف العلماء عند هذه الآية، وتجلى خلافهم إلى أبعد حد فمنهم ~~مجيز للرؤية، ومنهم منكر لها، وأرى أن خلافهم في غير محل نزاع لأنهم ~~تكلموا عن الرؤية، والكلام هنا عن نفي الإدراك، والإدراك إحاطة والرؤية ~~تكون إجمالا، إنما الإحاطة ليست ممكنة، وعلى تقدير أن الرؤية والإدراك ~~متحدان في المفهوم نقول: لماذا يكون الخلاف في أمر الآخرة؟ لو أن الخلاف ~~في أمر الرؤية في الدنيا لكان هذا كلاما جميلا، ولكن الخلاف جعلتموه في ~~الآخرة. إن آيات القرآن صريحة في أن رؤية الحق سبحانه وتعالى من نعم الله ~~على المؤمنين، وهي زيادة في الحسنى عليهم، وحجبه سبحانه عن الكفار لون من ~~العقوبة لهم ونقول - أيضا -: لماذا لا تقولون إن الإدراك سيوجد في ~~الآخرة بكيفية ليست موجودة في دنيانا؟ لأننا في هذه الدنيا معدون إعداد ~~أسباب - وفي الآخرة سنكون معدين إعدادا لغير ms3130 أسباب. أنت هنا إذا أحببت ~~أن تشرب تطلب الماء أو تذهب للماء وتشرب، وحين تريد أن تأكل الشيء ~~الفلاني، تقول لأهل البيت: اصنعوا لي كذا أو تشتري ما تريده، إنما هناك ~~في الآخرة بمجرد أن يخطر ببالك ما تشتهيه تجده أمامك، وهذا قانون جديد لا ~~ارتباط له بقانون الدنيا، فلماذا لا يكون في تكويننا في الآخرة أيضا ~~قانون يمكن به أن نرى الله وفي إطار ليس كمثله شيء؟ إن في الآخرة قضايا ~~يتفق الجميع على انها تخالف قوانين الدنيا ونواميس العالم المعاصر لنا ~~الآن في الأكل والشرب، والتخلص من الفضلات، لكن في الآخرة سنأكل ونشرب ~~ولكن لن توجد فضلات لأنك أنت الآن تطهى وتهضم، وفي الهضم أنت تأخذ بعض ~~الطعام ويبقى منه فضلات لابد أن تخرج، لكن الطهي والهضم في الآخرة ب " ~~كن " وليس له فضلات، إنه طعام بقدرة القادر، في الجنة كل ما تريده ستناله ~~دون أن ينفد، وفي الدنيا أي شيء يؤخذ منه ينقص، أما في الآخرة فلا شيء ~~ينقص لأن له مددا من القيومية. ويعقب الحق سبحانه وتعالى بعد القضيتين: ~~{ لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } فيقول: { ~~وهو اللطيف الخبير } ولطيف تناسب { لا تدركه ~~الأبصار } و " خبير " يناسب { وهو يدرك الأبصار } ~~ولطيف لها معنى خاص، فالشيء اللطيف يستعمل في دقيق التكوين - ولله المثل ~~الأعلى - إن الميكروب لم نعرفه إلا مؤخرا لأنه بلغ من اللطف والدقة بحيث ~~لا تدركه العين، لكن عندما اخترعنا الميكروسكوب رأيناه، وإن دق الميكروب ~~عن ذلك فلن نراه، وقد اكتشفنا " الفيروس " ونحاول معرفة المزيد عن ~~خصائصه، إذن كلما دق الشيء يلطف ولا يمكن أن نراه، فالشيء إذا لطف شرف ~~وعلا ونقول - ولله المثل الأعلى -: فلان لطيف المعشر، والحق سبحانه لطيف ~~في ذاته ويلطف بعباده. # إنك ساعة ما تسمع " لاطف " فهذا اسم فاعل، مثلها مثل " آكل " ، وحين ~~نقول: " لطيف فهي مبالغة في اللطف لأنه لاطف بكل إنسان وكل كائن وهذا ~~يحتاج إلى مبالغة، ولذلك نقول: رحيم، وهي صيغة مبالغة لأنه يسبغ رحمته ~~على عباده، وأول ms3131 مظهر من مظاهر اللطف، هو تدبير أمورهم الدقيقة تدبيرا ~~يحقق مصالحهم في وجودهم. إننا حين ندير كوب ماء لكل إنسان ندبر الكثير ~~فما بالنا بتدبير اللطيف بعباده؟ لقد خلق لنا الأرض ثلاثة أرباعها ماء، ~~والربع يابس، لأنه جل وعلا يريد أن يوسع رقعة الماء لأن المياه كلما ~~اتسعت رقعتها، كان البخر فيها أسهل وأكثر، لكن لو كانت المياه عميقة ~~ومساحتها قليلة فالبخر يكون على مستوى السطح فقط، وهنا لا يأتي السحاب ~~بما يكفي الخلق من الماء. لقد وسع الله سبحانه رقعة الماء كي يتبخر الماء ~~ثم ينعقد كسحب في السماء، ويصادف منطقة باردة لينزل لنا المياه العذبة ~~لنشرب منها، وتشرب أنعامنا، ونسقي الزرع، وكل ذلك من لطف التدبير. ومن ~~مظاهر اللطف في الحق نجد أمورا لا توصف، ولذلك كل واحد من العلماء انفعل ~~لزاوية من زوايا لطف الله على خلقه.. فواحد قال: هو " سبوغ النعم " وقال ~~الثاني: " دقة التدبير " وقال الثالث: إن من مظاهر لطف الحق أنه يستقل ~~كثير من النعم على خلقه، فالنعم التي منحها خلقه قليلة لأن خزائنه - ~~سبحانه - ملأى وعطاياه لا تنفد ولا يعتريها نقص، ولذلك قال سبحانه: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7]. أي أن نعمه الكثيرة على عباده قليلة، وفي المقابل: يستكثر ~~قليل الطاعة من خلقه أي يعتبرها - تفضلا منه - كثيرة لأنه هو الذي يجزي ~~الحسنة بعشر أمثالها. إذن فمظاهر اللطف لا حصر لها، وعلى قدر دقة اللطف ~~تكون دقة مأتاه وإحصائه، فهو اللطيف الذي إذا ناديته لباك، وإذا قصدته ~~آواك، وإذا أحببته أدناك، وإذا أطعته كافاك وإذا أعطيته وأقرضته من فضله ~~وماله الذي منحك عافاك، وإذا أعرضت عنه دعاك فهو القائل: # " يابن آدم إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك ~~في ملأ خير منهم، وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا، وإن دنوت مني ~~ذراعا دنوت منك باعا، وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول " # وكلها مظاهر لطف. وهو المنادي: " توبوا إلى الله " والرسول صلى الله ~~عليه وسلم هو القائل: # " لله أشد فرحا ms3132 بتوبة عبده من أحدكم إذا سقط على بعيره قد أضله بأرض ~~فلاة " # وإذا قربت من الله هداك. ويأتي عالم آخر ممن انفعلوا بصفات اللطف، ~~فيقول: الذي يجازيك إن وفيت، ويعفو عنك إن قصرت، وعالم آخر يضيف إلى ~~معاني اللطف فيقول: من افتخر به أعزه، ومن افتقر إليه أغناه، وعالم ينفعل ~~انفعالا آخر بمظاهر اللطف فيقول: من عطاؤه خير، ومنعه ذخيرة. # . أي أنه لو منع عبده شيئا فإنه يدخره له في الآخرة، كل هذه مظاهر ~~للطف، وهذا مناسب لقوله الحق: { لا تدركه الأبصار } إن لطفه ~~سبحانه يتغلغل فيما لا نستطيع أن ندركه، وحين تحلل أنت أي أمر قد لا تصل ~~إلى فهم النعمة، وإن وصلت فأنت لا تقدر أن تؤدي الحمد على تلك النعمة. ~~وقوله الحق: { وهو يدرك الأبصار } مناسب لكلمة " خبير " ، ~~ونحن في حياتنا نسمع كلمة " خبير " فعندما نقابل أي مشكلة من المشكلات ~~نجد من يقول: نريد أن نسمع رأي الخبير فيها، وفي القضاء نجد القاضي ~~يستدعي خبيرا ليكتب تقريرا في أمر يحتاج إلى من هو متخصص فيه وعليم به، ~~إذن فالخبير في مجال ما هو الذي يعرف تفاصيل الأمر، فما بالنا بالخبير ~~الأعلى الذي لا يستعصي عليه شيء في ملكه، وهو الذي يدرك الأبصار، فقوله: ~~{ لا تدركه الأبصار } يناسبها قوله " لطيف " تماما كما أن { ~~وهو يدرك الأبصار } يناسبها " خبير " ، وهذا ما يسمونه في ~~اللغة " لف ونشر " وهو ان يأتي بأمرين أو ثلاثة ثم يأتي بما يقابلها، ~~مثال ذلك قوله الحق: # ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار # [القصص: 73]. فمن مظاهر رحمته لنا سبحانه أن جعل لنا الليل والنهار، ثم ~~قال: # لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله # [القصص: 73]. لنسكن في الليل، ونبتغي فضله في النهار، وهذا اسمه - كما ~~قلنا - " لف ونشر ". ويقول الحق - سبحانه - بعد ذلك: { قد جآءكم ~~بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه... }. ### || [6.104] # وبصائر جمع بصيرة، والبصيرة للمعنويات والإشراقات التي تأتي في القلوب ~~كالبصر بالنسبة للعين، و " الكون " يعطيكم أدلة الإبصار، والقرآن يعطيكم ~~أدلة البصائر، فكما أن الله هدى الإنسان ms3133 فحذره ونهاه عن المعاصي ومنحه ~~النور الذي يجلي له الأشياء فيسير على هدى فلا يرتطم ولا يصطدم، كذلك ~~جعل المعنويات نورا، والنور الأول في البصر يأخذه الكافر والمؤمن، وكلنا ~~شركاء فيه مثله مثل الرزق، لكن النور الثاني في البصائر يأخذه المؤمن ~~فقط، ولذلك يقول ربنا: # ليخرجكم من الظلمات إلى النور # [الحديد: 9]. وهو نور الهداية في بصائر المعنويات، فيوضح: أنا خلقتكم ~~خلقا ووضعت لكم قوانين لصيانتكم. فقانون الصيانة في ماديات الدنيا ~~للمؤمن والكافر، وقانون الصيانة في معنويات الحياة خاصة بالمؤمن. وهو ~~القائل: # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور: 40]. ونعلم أن البصائر من المعنويات والمجيء للأمر الحسي ~~كقولنا: " جاء زيد " أو " جاء عمرو " ولك أن تتصور البصائر وهي تأتي، قال ~~الحق: # قد جآءكم من الله نور # [المائدة: 15]. إنه سبحانه قد أعطانا نورا صحيحا واضحا وهو يأتي إلينا ~~بمشيئته. { قد جآءكم بصآئر من ربكم } أي أنها بلغت من ~~تكوينها أنها أصبحت كأنها أشياء محسة تجيء، ولا يصح أن تقولوا إنها لم ~~تصلكم لأنها تجيء من الرب الذي خلقنا بقدرته وأمدنا في كل شيء بقيوميته، ~~ومن لوازم الربوبية أن يعطي ما يهدي، وقد حكم الله أن البصائر جاءتنا، ~~وحكم بأن رسوله قد بلغ فسبحانه أعطى لرسوله، والرسول ناولنا، فالحق قد ~~شرع ورسوله قد بلغ وبقي أن تؤدوا ولا عذر لكم من المشرع الأعلى الذي خلق ~~وهو الرب. ولا من المبلغ المعصوم وهو الرسول. ويقول الحق تبارك وتعالى: { ~~فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها } [الأنعام: ~~104]. ولله المثل الأعلى ، نجد الولد يدخل البيت فيجد أمه ويقول لها: ~~ماذا أعددت لنا من طعام؟ فتقول: لا شيء. فيقول الابن: لقد بعث أبي اللحم ~~والأرز والخضار، فكأنه يقول لها: أين عملك يا أمي؟ وربنا سبحانه يوضح: ~~أنا خلقتكم، وعملت لكم قانون صيانة، وأرسلت لكم رسولا تعرفون عنه أنه ~~صادق في بلاغه، وأدى هذه الرسالة، لذلك فالباقي من المسألة عندكم أنتم، ~~وكل واحد عليه أن يؤدي ما عليه من عمل، إن أبصر فلنفسه، وإن عمى ms3134 فعليها. ~~فإياكم أن تفهموا أني كلفتكم بما يعود علي في ذاتي، ولا ما يزيد من ~~سلطاني شيئا لأن خيرها لكم أنتم، ولا آمن على التشريع ممن لا يفيد من ~~التشريع لأن من يستفيد منه قد يشرع لمصلحته، أما الحق فهو مأمون على ~~التشريع لأنه غير منتفع به. يقول سبحانه: { قد جآءكم بصآئر من ~~ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها } ~~[الأنعام: 104]. # ولأن الرسول عليه البلاغ فقط والحق قد حفظه وعصمه من الكفر وهو يبلغكم ~~المنهج، وقد خلق الله كل إنسان مختارا وهو بهذا الاختيار يدخل نفسه في ~~الحكم أو يخرج نفسه من الحكم، وسبحانه لم يبعث الرسول جبارا بل بعثه ~~رحيما لذلك يقول الله في حق رسوله صلى الله عليه وسلم: " وما أنا عليكم ~~بحفيظ " والحفيظ من أسماء الله، وهو الحفيظ لأنه شرع ليحفظ الخلق ويريد ~~أن يجعلهم على مثال حسن واع. والرسول هو المبلغ والحق يقول: # ومآ أنت عليهم بجبار # [ق: 45]. إذن فكل واحد حر يدخل نفسه في الحكم أو يخرج نفسه من الحكم. ~~وقد حارب الرسول ليحمي الاختيار بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام تجد ~~بعضا من سكانها قد ظلوا على كفرهم ولم يرغمهم أحد على الإيمان. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { وكذلك نصرف الآيات... }. ### || [6.105] # { وكذلك نصرف }. أي أن يأتي لنا بالحال بعد الحال ويكرر ~~ويعيد، وتأتي الحادثة من الحوادث وينزل فيها تشريع، ويرقق قلوبهم، ويأتي ~~بنماذج من الرسل، ومواقف أممهم منهم حتى نصادف في كل حال قلبا مستقبلا ~~لأنه إن قال مرة واحدة وسكت وكان هناك أناس قلوبهم منصرفة فعندما يكرر ~~الأحداث وينزل فيها من التشريع والمواعظ فقد ترق قلوبهم للإيمان وتستوعب ~~القلوب الهداية. { وكذلك نصرف الآيات وليقولوا ~~درست } ما معنى: { وليقولوا درست }؟ إننا نعلم أن السماء ~~تتدخل حين يطم الفساد، لكن إن وجد في الذات الإنسانية نفس لوامة فهي ~~مناعة للنفس ووقاية لها. فإن فعل الإنسان ذنبا تلومه نفسه فيرجع، وإن ~~اختفت النفس اللوامة وصارت النفس أمارة بالسوء، امتنع في المجتمع الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، ms3135 فمعنى ذلك أن الفساد قد طم. وهنا تتدخل ~~السماء وتأتي ببيان جديد ومعجزة جديدة. إن الفساد لا يتأبى إلا من وجود ~~طبقات تطحن في طبقات، والذين يطحنون بالفساد هم من يستقبلون المنهج ~~بشوق، لكن الطاحن المستفيد من الفساد هو الذي يعارض المنهج. ولذلك فإن كل ~~جماعة حاربت الرسل هم من الطاحنين للناس، لكن المطحونين إنما يريدون من ~~ينقذهم. إذن فكل صاحب دعوة سماوية جعل الله له عدوا من المجرمين لأن ~~السماء لم تتدخل إلى حين صار الإجرام لا مقاوم له. وهكذا يجعل الله لكل ~~نبي ورسول عدوا من المجرمين، وهذا العدو يفتن به الناس، ويميل له ضعاف ~~العقائد. والحق يصرف الآيات حالا بعد حال حتى لا يثبت مع الداعي الحق ~~إلا المؤمنون الصادقون. ولذلك تجد أن الإسلام قد جاء وغربل الأمور فمثلا ~~تأتي حادثة الإسراء فمن كان إيمانه مهتزا ينكر الإسراء، وذلك من أجل أن ~~يذهب الزبد ويبقى من يحمل الدعوة بمنهج الحق. أما من كان إيمانه ضعيفا ~~أو كان يعبد الله على حرف فالإسلام لا يرغبه. # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا # [التوبة: 47]. إذن فالحق سبحانه وتعالى قد صرف الآيات لينصر المطحونين، ~~وحينما قال الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك قالوا درست وادعو أنه كان ~~قاعدا في الجبل، وتعلم من أعجمي. ولذلك نجد الحق يقول: # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر # [النحل: 103]. ويأتي الرد من الحق: # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. إن سيدنا عمر رضي الله عنه حينما كان في الطواف جاء عند ~~الحجر الأسود وقال: " والله إني لأقبلك وإني أعلم أنك حجر وأنك لا تضر ~~ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك ~~". فعل سيدنا عمر ذلك حتى يعلمنا إذا ماجاء بعض الناس وقال: ما سبب علة ~~تقبيل الحجر الأسود؟ فيكون الجواب حاضرا: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فعل ذلك وهذا تشريع. ويقول الحق من بعد ذلك: { اتبع مآ ~~أوحي إليك... }. ### || [6.106] # وساعة ms3136 يتكلم متكلم لمخاطب بأمر هو فيه وقائم عليه مؤد له فلابد أن نفهم ~~حقيقة المراد، مثلما يقول الحق سبحانه: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا # [النساء: 136]. وبأي شيء نادى الله خلقه المؤمنين هنا؟ لقد قال: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا # [النساء: 136]، فكيف يقول: " آمنوا "؟ لقد ناداهم لأنهم آمنوا إيمانا ~~استوجب خطابهم بالتكليف، والإنسان ابن أغيار. فيوضح أن الإيمان الذي ~~استقبلتم به التكليف من خطابي داوموا أيضا عليه، وجاء الأمر هنا بدوامه، ~~أي كما آمنتم إيمانا جعلكم أهلا للتكليف في مخاطبتكم وقلت لكم يأيها ~~الذين آمنوا: الزموا هذا وداوموا على إيمانكم. وقوله الحق: { اتبع ~~مآ أوحي إليك } هو قول لرسول متبع، إذن فهو يحمل الأمر بالمداومة ~~على الاتباع، ولا يحزنك ما يقولون يا محمد لأنك مؤيد من ربك ويتولى ~~الدفاع عنك ويلقنك الحجة. # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا # [الفرقان: 33]. ويقول الحق بعد ذلك موجها حديثه لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: { اتبع مآ أوحي إليك من ربك لا إله ~~إلا هو وأعرض عن المشركين }. ونعلم أن الوحي هو إعلام ~~بخفاء، وكل وحي هو إعلام بخفاء وقد أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بصور شتى، ولكن كل ما يتصل ويختص بالقرآن كان بواسطة جبريل: وقوله ~~الحق { اتبع مآ أوحي إليك من ربك لا إله إلا ~~هو وأعرض عن المشركين }. أي أنه لا يوجد إله إلا هو ~~سبحانه، ولا يمكن أن تغير أنت المنهج النازل إليك منه، وعليك أن تعرض عن ~~المشركين، فلا تجالسهم، ولا تخالطهم، ولا تودهم. إنه إعراض الفطنة ~~والإرشاد والبلاغ. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ولو شآء الله ~~مآ أشركوا... }. ### || [6.107] # الحق سبحانه وتعالى يعطينا قضية لابد أن نستصحبها في تاريخنا الإيماني، ~~والقضية هي: أن أي كافر لم يكفر قهرا عن الله، وإنما كفر لأن الله أرخى ~~له الزمام بالاختيار أي خلقه مختارا، ولذلك فالكافر إنما يفعل كل فعل بما ~~آتاه الله من الاختيار لا غصبا عن ربنا أو قهرا، بدليل أن الكون الذي ~~نحيا فيه ms3137 مقهور بالأمر، لا يمكن أن يختار إلا مراد الله منه، وكل ما في ~~الكون يسير إلى مراد الله. إذن فمن كفر لم يكفر قهرا عن الله لأن طبيعة ~~الاختيار ممنوحة من الله. وحين اختص الله الإنسان بالاختيار وضع المنهج ~~الذي يرتب عليه الثواب والعقاب. ولذلك نزل التكليف ب " افعل " و " لا ~~تفعل ". وسبحانه إن أراد قهرا فقد قهر كل الأجناس في الكون قهرها بطول ~~العمر، وأنها تؤدي مهمتها كما أراد الله منها، إنه قهر الشمس، وقهر ~~القمر، وقهر النجوم، وقهر الماء، وكل حاجة في الكون مقهورة له حتى ~~الملائكة خلقهم: # لا يعصون الله مآ أمرهم # [التحريم: 6]. إذن صفة القهر أخذت متعلقها كاملا. ولكن أيريد الله من ~~خلقه أن يكونوا مقهورين على ما يريد؟ لا، بل يريد سبحانه أن يكونوا ~~فاعلين لما يحبه، وإن كانوا مختارين أن يفعلوا ما لا يحبه، كأن خلق القهر ~~في الأجناس كان لإثبات طلاقة القدرة، وأنه لا يمكن لمخلوق أن يشذ عن مراد ~~الله منه. وبقي الاختيار في الإنسان ليدل على أن أناسا من خلقه سبحانه ~~يذهبون إليه جل وعلا وهم قادرون ألا يذهبوا إليه، وهذه تثبت صفة المحبة. ~~وحين يختار المختار الطاعة، وهو قادر ألا يطيع، ويختار الإيمان وهو قادر ~~أن يكفر فقد جاء إلى الله محبة لا قهرا، ولذلك يقول ربنا لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. أي أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة وحزنا على عدم إيمان ~~قومك بما جئت به من عند ربك، أتريد يا محمد أن أقهرهم؟ أتريد أعناقا أو ~~قلوبا؟ إنك يا محمد تعلم أن منهجك النازل إليك من ربك يريد قلوبا، ~~والقلوب تأتي بالاختيار. فلو شئنا إيمانهم لأنزلنا معجزة تأخذ بقلوبهم ~~فيؤمنون قهرا عليهم. ولذلك إذا خدش الاختيار بفقد أي عنصر من عناصره ~~يزول التكليف. بدليل أنه لا تكليف على فاقد العقل لأن آلة الاختيار عندنا ~~هي العقل. وكذلك لا تكليف ms3138 لمن لم ينضج بل يتركه الحق إلى أن ينضج. ويصير ~~قادرا على إنجاب مثله وأن يصل إلى التكوين الكيماوي السليم. ويمنع عنه ~~الإكراه بأي قوة أعلى منه تقهره على أن يفعل شيئا على غير مراده، وهنا ~~يأتي التكليف. إذن فالتكليف يحتاج إلى أمور ثلاثة: وجود عقل، لذلك فلا ~~تكليف لمجنون، وعقل رشيد ناضج، فقبل البلوغ لا تكليف ولا إكراه حتى يسلم ~~الاختيار، لماذا؟ تأتي الإجابة من الحق سبحانه: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42]. ويقول الحق سبحانه: { ولا تسبوا الذين ~~يدعون... }. ### || [6.108] # وتتضمن هذه الآية الكريمة منهجا ضروريا من مناهج الدعوة إلى الله، هذه ~~الدعوة التي حملها الرسل السابقون، وختمهم الحق برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وجعلها سبحانه ختما لاتصال السماء بالأرض لذلك كان لابد من أن ~~يستوعب الإسلام كل أقضية تتعلق بالدعوة إلى الله يحملها أمينا عليها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأمة المحمدية. التي شرفها الله سبحانه ~~وتعالى بأن جعل فيها من يحملون أمانة دعوة الله إلى الخلق امتدادا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فكل مسلم يعلم حكما من أحكام الله مطلوب منه أن ~~يبلغه لغيره فرب مبلغ أوعى من سامع. حتى وإن كان الله لم يوفقه للعمل ~~بما جاء فيما بلغ. فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، فإذا فاته أن يعمل ~~فالواجب ألا يفوت من يعلم قضية من قضايا دينه ثواب البلاغ عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى الخلق، ولكن عليه أن يعمل ليكون قدوة سلوكية ~~يتأسى به غيره حتى لا يقع تحت طائلة قوله تعالى: # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 3]. وإن كان بعض الشعراء يلحون على هذه المسألة. فيقولون: # وخذ بعلمي ولا تركن إلى عملي # واجن الثمار وخل العود للنار # إذن فالبلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ضروري، وهو امتداد ~~لشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه بلغ صلى الله عليه وسلم عن ~~الحق مراده ms3139 من الخلق. وبقي أن يشهد الناس الذين اتبعوا هذا الرسول أنهم ~~بلغوا إلى الناس ما جاءهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143]. إذن فكما أن الرسول سيشهد بأنه بلغنا، فمن صميم المنهج ~~أن يشهد أتباعه أنهم بلغوا الناس، فإن حدث تقصير في البلاغ إلى الناس، ~~فستكون المسئولية على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يؤد ~~أمانة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الناس أجمعين. ومنهج الدعوة منهج ~~صعب لأن الدعوة إلى الله تتطلب أن يأخذ الداعي يد الذين ينحرفون عن منهج ~~السماء اتباعا لشهوات الأرض، وشهوات الأرض جاذبة دائما للخلق لأنها تحقق ~~العاجل من متع النفس. واتباع منهج الدين - كما يقولون - يحقق نفعا آجلا. ~~وفي هذا القول ظلم للدين لأن الدين قبل أن يحقق للناس متعة آجله، فهو ~~يحقق - أيضا - المتعة العاجلة لأن الناس إن تمسكوا بمنهج الله في " افعل ~~ولا تفعل " يعيشون حياة طيبة لا حقد فيها، ولا استغلال، ولا ضغن ولا حسد ~~ولا سيطرة، ولا جبروت، فيصبح الناس جميعا في أمان. # إذن فلا تقولوا إن الدين ثمرته في الآخرة بل قولوا ليست مهمة الدين هي ~~الآخرة فحسب بل مهمة الدين هي الدنيا أيضا، والآخرة إنما هي ثواب على ~~النجاح في هذه المهمة لأن الله إنما يجازي في الآخرة من أحسن العمل في ~~الدنيا. ومن اتبع منهج الله كما قال الله # فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97] ومن أعرض عن منهج الله فإن له معيشة ضنكا. ويحدث ذلك قبل ~~الآخرة، ثم يأتي يوم القيامة ليتلقى العقاب من الله: # ونحشره يوم القيامة أعمى # [طه: 124]. فإذا كان الدين يأخذ بالناس من شهواتهم الهابطة إلى منهج ~~الله العالي، فتكون مهمة الداعي شاقة على النفس، ولذلك قالوا: إن الناصح ~~بالخير يجب أن يكون لبقا لأنه يريد أن يخلع الناس مما أحبوا وألفوا من ~~الشر لذلك يجب على الداعي ألا يجمع عليهم إخراجهم مما ألفوا بأسلوب ~~يكرهونه بل لا بد ms3140 أن يثير جنانهم ورغبتهم في اتباع المنهج، ولذلك جاءت ~~هذه الآية: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ~~فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا ~~لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم ~~فينبئهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 108]. لقد قال ~~الحكماء: النصح ثقيل فلا ترسله جبلا ولا تجعله جدلا، والحقائق مرة، ~~فاستعيروا لها خفة البيان. والخفة في النصح تؤلف قلب المنصوح، وحسبك منه ~~أن تخلعه عما ألف وأحب. إلى ما لم يتعود، فلا يكون خلعه مما ألف بأسلوب ~~عنيف. ولذلك يعلمنا الحق هذه القضية حين ندعو الخصوم إلى الإيمان به، ~~وهؤلاء الخصوم يتخذون من دون الله أندادا أي جعلوا لله ومعه شركاء. إنهم ~~إذن إرادوا المتعة العاجلة بالابتعاد عن المنهج، ثم احتفظوا بالله مع ~~الشركاء لأنه قد تأتي لهم ظروف عصيبة، لا تقدر أسباب الأرض على دفعها، ~~ومن مصلحتهم أن يكون لهم إله قادر على أن ينجيهم مما هم فيه. فهم لا ~~يكذبون أنفسهم. والحق سبحانه هو القائل في مثل هؤلاء إن أصروا على الشرك: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98]. حصب جهنم إذن هم المشركون ومعهم الأصنام التي كانوا ~~يعبدونها وستكون وقودا للنار التي يعذبون بها. وبعض من الناس السطحيين ~~يظن أن هذا عذاب للأحجار، لا، بل هي غيرة ونقمة وغضب من الأحجار على خروج ~~المشركين عن منهج الله في توحيد الله. فتقول الأحجار: لقد كنتم مفتونين ~~بي ولذلك سأكون أنا أداة إحراقكم. إننا نجد المفتونين في الآلهة من البشر ~~أو الآلهة من الأشجار أو الآلهة من الكواكب أو الآلهة من الأحجار يصيبهم ~~الله بالعذاب، والأحجار التي عبدوها تقول كما قال بعضهم فيها شعرا: # عبدونا ونحن أعبد ل # له من القائمين في الأسحار # واتخذوا صمتنا علينا دليلا # وغدونا لهم وقود النار # للمغالي جزاؤه والمغالي فيه # تنجيه رحمة الغفار # ولذلك يأتي الأمر بألا نسب ما يعبده الذين أشركوا بالله لأن الأصنام لا ~~ذنب لها، والواقع كان يقتضي أن تتلطفوا بالأحجار فهي لا ذنب لها في ms3141 ~~المفتونين بها. والحق سبحانه وتعالى يعلمنا ويوضح لنا ألا نظلم المتخذ ~~إلها لأنه معذور، والسب هو ذكر القبيح، والشتم، والذم، والهجاء، إنك إن ~~سببت وقبحت ما عبدوه من دون الله فإن العابد لها بغباوته سيسب إلهك فتكون ~~أنت قد سببت إلها باطلا، وهم سبوا الإله الحق، وبذلك لم نكسب شيئا ~~فانتبهوا. ويحذرنا القرآن من الوقوع في ذلك في قول الله تبارك وتعالى: { ~~ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا ~~الله عدوا بغير علم } [الأنعام: 108]. وهم سيفعلون ذلك ~~عدوا وعدوانا وطغيانا بغير علم بقيمة الحق وقدسيته سبحانه وتعالى لذلك ~~يجب أن نصون الألسنة عن سب آلهتهم حتى لا نجرئ الألسنة التي لا تؤمن ~~بالله على سب الله. إن الحق سبحانه يريد أن يعلمنا اللطف في منهج الدعوة ~~لأنك تريد أن تحنن قلوبهم لتستميلهم إلى الإيمان ولن يكون ذلك إلا ~~بالأسلوب الطيب. صحيح أن المؤمنين معذورون في حماسهم حين يدخلون في ~~مناقشة مع المشركين ولكن ليتذكر المؤمن القيمة النهائية وهي الخير ~~للدعوة. وليسأل الله أن يرزقه الصبر على المشركين، ويعلمنا الحق كيف نسير ~~في منهج الدعوة، وعلى سبيل المثال نجد سيدنا نوحا عليه السلام الذي لبث ~~في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. وظل يدعو ويتحنن في الدعوة، إلى أن ~~قالوا له في آخر المطاف: أنت تفتري هذا الكلام من عندك، فعلمه الله ~~سبحانه وتعالى أن يقول: # قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء ~~مما تجرمون # [هود: 35]. ويقول الحق سبحانه معلما رسول الله صلى الله عليه وسلم: # قل من يرزقكم من السماوات والأرض # [سبأ: 24]. أي من الذي يعطيكم قوام الحياة؟ وأنت حين تسألهم سؤالا ~~يناقض ما هم عليه. فيتلجلجون، فيسعف الله رسوله فيوضح سبحانه ويأمره أن ~~يقول لهم: # قل الله وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال ~~مبين # [سبأ: 24]. و " إنا " أي رسول الله ومن معه. " أو إياكم " المقصود بها ~~الكافرون بالله، ولم يقل لهم أنا وحدي على هدى وأنتم على ضلال، بل قال: ~~منهجنا ومنهجكم لا يتفقان، ولا بد ms3142 أن يكون هناك منهج على هدى ومنهج على ~~ضلال، ولن أقول من هو الذي على هدى، ومن هو الذي على ضلال لأن محمدا ~~صلى الله عليه وسلم واثق من أنهم لو أداروا المسألة على عقولهم وعلى ~~بصائرهم: فلن يجدوا جوابا إلا أن رسول الله على الهدى وأنهم على الضلال. ~~فتركهم هم ليقولوها. ولنتأمل أيضا قول الحق سبحانه: # قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما ~~تعملون # [سبأ: 25]. لم يقل الحق إنهم هم الذين يجرمون، بل جعل الجرم - إن صح - ~~على المؤمنين، وجعل العمل - وإن فسد - مع الكافرين. # وعلى الأقل كانت المساواة تقتضي ولا نسأل عما تجرمون ولكنه لم يقل ذلك. ~~وهذا هو الأدب العالي واللطف لأن الحق سبحانه وتعالى يريد ألا يترك ~~الرسول لغرائزهم مكانا للإباء عليه، وألا يجدوا وسيلة لينفروا من ~~الدعوة. ولهذا يعلمنا هذا الأسلوب فيقول: { ولا تسبوا الذين ~~يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم } [الأنعام: 108]. وبذلك نحقق لطف الجدل. ويقول سبحانه: # إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم # [الأعراف: 194]. وإن كنتم تريدون كشف حقيقة تلك الأصنام فهي أيضا ~~مخلوقة لله وهي تعبده، واسألوهم ولن يجيبوا، وهم لا أرجل لهم يمشون ~~عليها، ولا لهم أيد يبطشون بها، ولا لهم أعين يبصرون بها، ولا لهم آذان ~~يسمعون بها. وفوق ذلك: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له # [الحج: 73]. وهل هناك ما هو أقل من الذباب في عرفكم؟ نعم، يقول الحق: # وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه # [الحج: 73]. فإن جاءت ذبابة وحطت على ما تأكل، أتستطيع أن تسترجع منها ~~شيئا؟ لن تستطيع، وإن كنت جبارا وفتوة فامسك الذبابة وخذ منها الطعام ~~الذي أخذته، لن تستطيع، ولذلك يقول الحق سبحانه: # ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73]. وهذا هو الجدل الذي يجعل المجادل يخجل من نفسه، لكن إذا ثرت ~~في وجهه وتعصبت فأنت تجعل له عذرا في الحفيظة عليك والغضب منك والهجوم ~~عليك، وفي الانصراف عن منهج الله، ونسأل الله أن يعطينا طول البال ms3143 وسعة ~~الحلم والأناة على الجدل اللطيف. { ولا تسبوا الذين يدعون ~~من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ~~كذلك زينا لكل أمة عملهم } [الأنعام: 108]. وحين ~~يعلمنا الحق الجدل اللطيف للدعوة فهذا تزيين للدعوة، والدعوة في ذاتها ~~جميلة لذلك لابد أن يكون عرضها جميلا. والمثال من حياتنا: أنت تذهب إلى ~~التاجر وعنده بضاعة قد تكون متميزة جدا لكنه لا يرتبها ولا يحسن عرضها ~~لذلك قد تنفر منه وتذهب إلى تاجر آخر قد تكون بضاعته أقل جودة، لكنه يحسن ~~عرضها، وهذا هو التزيين أي تصعيد الحسن، ولذلك سمي الحلي وما تتجمل به ~~المرأة زينة والمرأة قد تمتلك أنوثة جميلة، وهي مع جمالها تقوم بتزيين ~~نفسها بالحلي، وبالجواهر والملبس الراقي، وكان العربي حين يمتدح امرأة ~~بقمة جمالية يقول: هذه غانية، أي استغنت بجمالها عن أن تتزين لأن ما سوف ~~تداريه بالعقد أجمل من العقد. والتزيين إذن جمال العرض للاستمالة ~~والانجذاب، ونحن حين نزين أمرا فإننا نعطيه وقارا وحسنا ونزيده ~~جمالا: { كذلك زينا لكل أمة عملهم } والأمة: هي ~~الجماعة التي لها انتماء يجمع أفرادها، مثل أمة العرب.. أي أن المنتمين ~~إليها هم العرب والأمة الإنجليزية أي أن المنتمين إليها إنجليز، أما أمة ~~الإسلام فيدخل فيها العرب، والعجم، والأسود والأبيض، والأصفر، وهي أوسع ~~رقعة، فإن كانت الأمم السابقة زينت لتناسب عصرا محدودا وزمنا محدودا، ~~ومكانا محدودا فنحن نزينكم تزيينا يناسب كل أذواق الدنيا لأنكم ~~ستواجهون كل هذه الأمم، فلابد أن يكون في دعوتكم استمالة لهذا ولهذا ~~ولهذا. # وفي بدء الدعوة - وكانت حينئذ ضعيفة نجد - رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يلتفت إلى الأمة، فيكون بلال الحبشي هو من يؤذن، ونجده يقول عن - سلمان ~~وهو فارسي -: سلمان منا آل البيت ويأتي سيدنا عمر يقول عن صهيب - وهو ~~رومي -: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، أي أن عدم عصيانه لله ~~طبيعة فيه حتى وإن لم يكن يخاف عقاب الله. فإذا كنا قد زينا لكل أمة من ~~الأمم الماضية عملهم فتزيين أمتكم يجب أن يكون ms3144 مناسبا لمهمتها زمانا ~~ومكانا وأجناسا، وألوانا، ولغات، ولابد أن نزينكم أيضا بحسن أسلوب ~~العرض لمنهج الدعوة. ويجب أن يتناسب مع جمالها، وأنتم أولى بالتزيين ~~لأنكم مستوعبون لكل حضارات الدنيا، وانتماءات الدنيا، فيجب أن يكون ~~تزيينكم مناسبا لمهمتكم. { كذلك زينا لكل أمة ~~عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم } [الأنعام: 108]. أي ~~أننا وضحنا لهم منهج نقل الدعوة إلى الغير، وما ينال المحسن والمطيع من ~~ثواب في الآخرة، والمؤمنون حينما ينعمون بنعيم الآخرة فهذا نعيم بغير ~~حدود لأنه على قدر طلاقة قدرة الحق سبحانه وتعالى، وهم حين يتنعمون بكل ~~هذه النعم يستشرفون إلى لقاء المنعم به، ويتجلى الله عليهم. وكما زينا ~~للأمم السابقة أعمالهم قد زيناكم لأنكم أمة الإجابة، وهذا التزيين الخاص ~~يربي الدعاة إلى منهج الله، ولو فطن غيركم إلى ما في منهجكم من زينة ~~لبحثوا في هذا المنهج ولقام كل منهم باستقراء الوجود الذي بين يديه ومن ~~خلفه وعن يمينه وعن شماله ولوجد أن لكل كائن مهمة، ولانضم إلى المنهج ~~التعبدي. # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. و " ليعبدون " تعني أن يطيعوا في " افعل كذا " " ولا ~~تفعل كذا " وإذا قال الحق: { كذلك زينا لكل أمة ~~عملهم } فمعنى ذلك أنه سبحانه قد بين العمل بفوائده. وأنت حين تتأمل ~~ظواهر الوجود حولك تجد أن من تميز عليك بموهبة إنما أراده الحق على هذا ~~التميز لينفعك أنت، ويتجلى هذا الأمر في كل المهن: فالنجار الحاذق ~~والمتقن تعود صنعته عليك، ومصمم الملابس الذي يتقن عمله سيعود خير صنعته ~~عليك، ومن مصلحة كل إنسان أن يكون غيره متفوقا وأن يكون هو أيضا ~~متفوقا في عمله، وأن يحمد ربنا لأن خيره سيعود على غيره أيضا، وبذلك ~~نحيا في مجتمع راق يتكون من أمم وطوائف مثالية، إذن فالمتفوق في شيء يجب ~~ألا يحقد على غيره من أبناء المجتمع لأن خير تفوقه سيعود على كل فرد فيه ~~ومن المصلحة أن يصبر الكل إلى التفوق. # فإذا قال الله: { كذلك زينا لكل أمة عملهم } أي ~~جعل الله لكل منا عملا في ms3145 الحياة، ولا بد أن ينتفع به في الدنيا، وينتفع ~~به في الآخرة أيضا ويأخذ كل منا ثواب الله عليه، فالذي يأخذ التزيين ~~يقبل على العمل، والذي لا يأخذ التزيين فعليه الذنب، وكل واحد إنما يزين ~~عمله على مقدار الطموح الذي يطلبه لنفسه، ونحن نرى أمثلة لذلك في الحياة، ~~ونلتفت لنجد إنسانا له دخل محدود، لكنه يفتح على نفسه أبوابا من الترف ~~أكثر من اللازم، ولا يدخر شيئا ويحقق لنفسه المتعة العاجلة، ونجد ~~إنسانا آخر يعيش على قدر الضروريات ويدخر لنجده من بعد ذلك قد طور من ~~أسلوب حياته بالسكن اللائق ومتع الحياة. إن الأول زين له عمله الترف ~~العاجل، والثاني زين له عمله الترف المقنن، فإياك أن تنظر إلى شهوة ~~العاجلة، ولكن انظر إلى الجدوى التي تأتي منها. { ثم إلى ربهم ~~مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: ~~108]. وما دام المرجع لمن أوجد العمل منهجا في " افعل " و " لا تفعل " ~~والمرجع لمن وضع التزيين في العمل لتأخذ المنهج الكريم منه، وعلى مقدار ~~ما أخذت من منهجه تأخذ من كرامته. ويقول الحق من بعد ذلك: { ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم... }. ### || [6.109] # { وأقسموا بالله } ، هنا قسم: ومقسم به، ومقسم، ~~ومقسم عليه.. فالمقسم به هو الله: والمقسم هم الجماعة المخالفون ~~لرسول الله، ولماذا يقسمون؟ لقد أقسموا حين أخذهم الجدل بمنطق الحق ~~فغلبهم.. هم أقسموا بالله وقد دعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ~~عبادته، و { جهد أيمانهم } تعرف منها الجهد وهو المشقة أي أنهم ~~بالغوا في القسم مبالغة تجهدهم ليبينوا لمن يقسمون لهم أنهم حريصون على ~~أن يبروا بالقسم، فأفرغوا جهدهم ومشقتهم في القسم، وهذا معناه أنهم ~~أعلنوا أنهم يقسمون قسما محبوبا لهم، والمحبوب لهم أكثر أن ينفذوا هذا ~~القسم، وهذا يدل في ظاهره على إخلاصهم في القسم. { وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لئن جآءتهم آية ليؤمنن ~~} [الأنعام: 109]. ألم يأت الرسول صلى الله عليه وسلم بآية واضحة؟ لقد ~~جاءهم بأعظم آية وهي القرآن، وعدم عرفانهم بذلك هو أول مصيبة منهم، ألم ~~يقل لكم: إني رسول بعد ms3146 أن أعلن الآية وهي نزول القرآن وأنتم تعرفون أنه ~~صادق في التبليغ عن الله.. وكان ذلك هو قمة المماحكة منهم، وساروا على ~~ذلك حين اقترحوا هم الآيات على الله، ألم يقولوا: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا # [الإسراء: 90-92]. وأراد الحق بذلك أن يبين لنا أن القسم الذي أقسموه ~~هو قسم مدخول فقد قالوا: " كما زعمت علينا " والزعم - كما نعلم - مطية ~~الكذب وهذا أول خلل في القسم. ويقول الحق: # إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا ~~من السمآء # [سبأ: 9]. هم إذن غير مؤمنين بالآية الأصلية وهي القرآن، فيتحدونه في ~~أنه ينزل بالوحي، فيحذرنا الحق أن نصدق زعمهم، فهو القائل: # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر ~~مبين # [الأنعام: 7]. وحتى إن نزلت الآية فلن يصدقوا فالحق هو القائل: # ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن ~~قوم مسحورون # [الحجر: 14-15] ولو أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد سحركم.. فلماذا لم ~~يسحرهم ليؤمنوا بالله؟ وهكذا نرى أن الحق قد ذكرنا لنا في كتابه أن كل ما ~~يقولونه في هذه المسألة هو مروق وهروب من الاستجابة للدعوة لأنه لا توجد ~~آية أعظم من الآية التي نزلت عليهم وهي القرآن، وكل الآيات التي اقترحوها ~~لا تسمو على هذه الآية لأنهم أمة نحو وصرف وبلاغة وبيان وأدب، فجاء لهم ~~بالمعجزة التي تفوقوا فيها. وهم لم يتفوقوا في الأشياء التي ذكروها ~~واقترحوها. # إننا نأتي لهم بمعجزة من جنس ما تفوقوا فيه لأن المعجزات دائما تأتي ~~على هذا الأساس فكل قوم تفوقوا في مجال يأتي الله لهم بشيء يتفوق عليهم ~~في مجال تفوقهم ليثبت صدق الرسول في البلاغ عنه. ولقد قلنا: إن المعجزات ~~تأتي خرقا لنواميس الكون الثابتة لأن نواميس الكون لها ms3147 قوانين عرفها ~~البشر، وأصبحت متواترة أمامهم فإذا ما جاء أمر يخرق الناموس السائد ~~المعترف به بينهم يلتفتون متسائلين كيف خرق الناموس وذلك ليعرف كل واحد ~~منهم أن الذي خلق الناموس هو الذي خرق الناموس لكي يثبت صدق هذا البلاغ ~~عنه. وقد جاءتكم المعجزة من جنس ما نبغتم به، والذي يدل على ذلك أنهم لا ~~يتكلمون في المعجزة بل في المنهج وفي شخص من جاء بالمنهج، تجدهم يقولون: # لولا أنزل عليه ملك # [الأنعام: 8]. فيوضح القرآن أن الملك بطبيعة تكوينه لا يرى منكم هو ~~يراكم وأنتم لا ترونه، وإذا أرسلنا ملكا فكيف تعرفونه؟ إذن سيتطلب إرسال ~~ملك أن نخلع عليه وضع البشر، وإن ينزله الحق في صورة بشر، وإن نزل في ~~صورة بشر فستقولون: إنه ليس بشرا ولسنا ملزمين بما جاء به: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9]. وكان سيدنا جبريل - على سبيل المثال - ينزل إلى رسول الله ~~أحيانا في صورة رجل قادم من السفر ويقعد ويتكلم مع سيدنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، لم يأت جبريل عليه السلام - إذن - بطبيعة تكوينه بل جاء ~~بطبيعة البشر. وهناك خلق آخر مثل الجن، ونحن لا نقدر أن نرى الجن، ولا ~~نستطيع بقوانيننا وقوانين الجن أن نراه، لكن إن أراد الجن أن يرينا نفسه ~~فهو يتشكل بشكل مادي يرى يتشكل بشكل حيوان، يتشكل بشكل قطة، يتشكل بشكل ~~جمل، يتشكل بشكل رجل، وهكذا، ولو كانت هذه المسألة غير مقيدة بتقنين يحفظ ~~توازن الأمر بين الجنسين - الإنس والجن - لتعب الناس لأنه ساعة يظهر جن ~~للإنسان ويقف أمامه ثم يختفي يسود الرعب بين البشر على الرغم من أن الجن ~~تخاف من الإنسان أكثر مما نخاف نحن منهم لأن الجن يعرف أن قانونه يسمح له ~~أن يتشكل بشكل إنس أو أي شكل مادي، وحينئذ يحكمه قانون الإنس وإن التقى ~~بشخص معه مسدس - مثلا - فقد يضربه بالرصاص ويقتله، ولذلك يخاف الجن أن ~~يظهر للإنسان مدة طويلة، وإنما يظهر كومضة البرق ويختفي لأنه يخاف كما ~~قلنا ms3148 - من الإنسان. إذن فالتوازن موجود بين الجن والإنس. ولذلك قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن عفريتا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة وإن الله ~~أمكنني منه فذعته، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري ~~المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون أوكلكم ثم ذكرت قول أخي سليمان: " ~~رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي " فرده الله خاسئا، وفي ~~رواية: " والله لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل ~~المدينة ". # وهكذا نعلم أن القوم إذا اقترحوا آية، ثم جاء الله بالآية، فإن كذبوا ~~بها أخذهم أخذ عزيز مقتدر ولا يؤجل ذلك للآخرة. والحق سبحانه وتعالى ~~يقول: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33]. إذن فحتى الكفار به نالهم شيء من رحمته. { لئن ~~جآءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند ~~الله وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } ~~[الأنعام: 109]. هنا يبلغ الحق رسوله أن يقول لهم: أنا لا آتي بالآيات من ~~عندي ولا آتي بها بقانون قدرتي لأن قانون قدرتي مساو لكم. ولست متفوقا ~~عنكم غير أنه يوحي إلي وأبلغكم ما أرسلت به إليكم. إن الله هو الذي ~~يناولني آيات القرآن، ولا يوجد خلق يقترح على الله الآية لأن ما سبق في ~~الرسالات السابقة يؤكد أن الحق إذا ما استجاب لآية طلبها الخلق ولم ~~يؤمنوا فسبحانه يهلكهم ويستأصلهم أو يغرقهم أو يرسل عليهم ريحا صرصرا أو ~~يخسف بهم الأرض، والحق هو القائل: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون # [الإسراء: 59]. إذن فبعض أهل الرسالات السابقة اقترحوا الآيات وحققها ~~الله لهم ثم كذبوا بها. إذن فالتكذيب هو الأصل عندهم. والمفروض أن تأتي ~~الآية كما يريدها الله لا أن يقترحها أحد عليه. ولذلك يأمر الحق رسوله أن ~~يبلغهم: { قل إنما الآيات عند الله } ثم يأتي خطاب جديد ~~لأناس يختلفون عن المشركين هم المؤمنون، فيقول الحق لهم: { وما ~~يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون } فكأنهم حينما قال ~~أهل الشرك ms3149 ذلك أراد المؤمنون أن يخففوا عنتهم مع رسول الله فقالوا له: ~~يارسول الله، اسأل الله أن ينزل لهم آية حتى نرتاح من لجاجتهم، فيتجه ~~الله بالرد على من قرظ هذا السؤال موضحا: أنتم مؤمنون وظنكم حسن، وفكرتكم ~~طيبة في أنكم تريدون أن تكسروا حدة العنت، لكن ما يشعركم: أي ما يعلمكم ~~أن الآية التي اقترحوها إن جئت بها لا يؤمنون. فكأن المؤمنين أيدوا قول ~~هؤلاء المشركين في طلب الآية منعا للجاج. والنص القرآني جاء بقوله الحق: ~~" لا يؤمنون " وجاء العلماء عند هذه المسألة واختلفوا، وجزى الله الجميع ~~خيرا لأنها أفهام تتصارع لتخدم الإيمان. ونسأل: ما الذي يجعل الأسلوب ~~يجيء بهذا الشكل؟ ونقول: إنها مقصودات الإله حتى نعيش في القرآن. لا أن ~~نمر عليه المرور السريع. والأسلوب في قوله: " وما يشعركم أنها إذا جاءت ~~لا يؤمنون " هو دليل على أنه ليس لكم علم. وقلنا: إن الشعور يحتاج إلى ~~إدراك ومواجيد ونزوع، فعلى أي أساس بنيتم شعوركم هذا؟ أنتم أخذتم ظاهر ~~كلامهم، ولكن الحق يعلم ويحيط بما يخفون ويبطنون. # وكأنه سبحانه يوضح أن طلب الآية إنما هو تمحيك. وأنتم لا تعلمون أن الله ~~إن جاء لهم بالآية فلن يؤمنوا. وبعض من المفسرين قال: إن لا زائدة ومنهم ~~من كان أكثر تأدبا فقال: لا صلة لأنهم خافوا أن يقولوا: لا زائدة وقد ~~يأخذ البعض بمثل هذا القول فيحذفها، لذلك أحسنوا الأدب لأن الذي يتكلم هو ~~الإله وليس في كلامه حرف زائد بحيث لو حذفته يصح الكلام، لا. إنك إذا ~~حذفت شيئا فالكلام يفسد ولا يؤدي المراد منه لأن لله مرادات في كلامه، ~~وهذه المرادات لابد أن يحققها أسلوبه. والمثال في حياتنا أن يقول لك ~~واحد: " ما عندي مال " أو ما عندي من مال؟ إن " من مال " هنا ابتدائية أي ~~من عندي من بداية ما يقال: إنه مال، أما من يقول: " ما عندي مال " أي ليس ~~عنده ما يعتد به من المال الذي له خطر وقيمة، بل عنده قروش مما لا يقال ~~له: مال. ms3150 إن في جيبه القليل من القروش. و " لا " في هذه الآية جاءت لأن ~~الحق يريد أن يقول للمؤمنين: ما يعلمكم يا مؤمنون أنني إذا جئت لهم ~~بالآية يؤمنون، فكأنه سبحانه ينكر على المؤمنين تأييد مطلب الكافرين. وقد ~~تلطف الحق مع المؤمنين وكرم حسن ظنهم في التأييد لأنهم لا يؤيدون الطلب ~~حبا في الكفار، بل حبا في النبي والمنهج، وكأن الحق يقول لهم: أنا ~~أعذركم لأنكم تأخذون بظاهر جهد اليمين { وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم } ومبالغتهم فيه. ولا أنكر عليكم تصديقكم لظاهر قولهم لأن ~~هذا هو مدى علمكم، وما أدراكم أنني إذا جئت بالآية أنهم أيضا لن يعلنوا ~~الإيمان. ولو كنتم تعلمون ما أعلم لعرفتم أنهم لن يؤمنوا. إذن حين جاء ~~الأسلوب ب { لا يؤمنون } ف " لا " حقيقية وليست زائدة. ومن أجل ~~أن يطمئن الحق المؤمنين أظهر لهم أن علمه الواسع يعلم حقيقة أمرهم يقول: ~~{ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم... }. ### || [6.110] # وحين تقول: أنا أقلب السلعة فهذا يعني أنك تفحصها. والحق يبلغنا هنا: ~~أنا قلبت قلوبهم على كل لون ولن آخذ بظاهر الفؤاد، بل بلطفي وعظيم خبرتي ~~أعلم الباطن منهم فاطمئنوا إلى أن حكمي هو الحكم الحق الناتج من تقليب ~~لطيف خبير. وقد يكون هنا معنى آخر، أي أن يكون التقليب لونا من التغيير ~~فمن الجائز أنهم حينما أقسموا بالله جهد أيمانهم كانوا في هذا الوقت قد ~~اقتربوا من الإيمان ولكن قلوبهم لا تثبت على عقيدة. بل تتقلب دائما. وما ~~دامت قلوبهم لا تثبت فأنى لنا بتصديقهم لحظة أن أقسموا بالله جهد ~~أيمانهم على إعلان الإيمان إن جاءت آية؟ وهل فيهم من يملك نفسه بعد مجيء ~~الآية أيظل أمره أم يتغير؟. لأن ربنا مقلب القلوب وما كنت تستحسنه أولا ~~قد لا تستحسنه ثانيا. حين { نقلب أفئدتهم وأبصارهم } ~~أي أن الحكم قد جاء عن خبرة وإحاطة علم { ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة }. إن ~~الإيمان يحتاج إلى استقبال آيات كونية بالبصر، وبعد أن تستقبل الآيات ~~الدالة على عظمة الإله تؤمن به ويستقر ms3151 الإيمان في فؤادك. وسبحانه يوضح ~~لنا أنه يقلب أفئدتهم وأبصارهم، هل يبصرون باعتبار واقتناع؟ أم هي رؤية ~~سطحية لا فهم لهم فيها ولا قدرة منهم على الاستنباط؟ وهل أفئدتهم قد ~~استقرت على الإيمان أو أن أبصارهم قاصرة وقلوبهم قاصرة؟ { ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول ~~مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } [الأنعام: 110]. ~~إذن فهم لا يؤمنون ويسيرون إلى ضلالهم. فإن جاءت آية فلن يؤمنوا، وفي هذا ~~عذر للمؤمنين في أنهم يرجون ويأملون أن تنزل آية تجعل من أقسموا جهد ~~الإيمان أن يؤمنوا. لماذا؟ لأن الحق قال: { كما لم يؤمنوا به ~~أول مرة } ، أي أنهم لم يتغيروا ولذلك يصدر ضدهم الحكم { ~~ونذرهم في طغيانهم يعمهون } والطغيان هو تجاوز الحد، ~~وهم قد تجاوزوا الحد هنا في استقبال الآيات، فقد جاءتهم آيات القرآن ~~وعجزوا عن أن يأتوا بمثلها، وعجزوا عن أن يأتوا بعشر سور، وعجزوا عن أن ~~يأتوا بسورة، وكان يجب ألا يطغوا، وألا يتجاوزوا الحد في طلب الاقتناع ~~بصدق الرسول. { ونذرهم في طغيانهم يعمهون } و " العمه ~~" هو التردد والحيرة، وهم في طغيانهم يترددون، لأن فيهم فطرة تستيقظ، ~~وكفر يلح يقولون لأنفسهم: أنؤمن أو لا نؤمن؟ والفطرة التي تستيقظ فيهم ~~تلمع كومضات البرق، وكان يجب ألا يترددوا: أو { ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم } في النار لأن البصر لم يؤد مهمته في ~~الاعتبار، والقلب لم يؤد مهمته في الفقه عن الله، فيجازيهم الله من جنس ~~ما عملوا بأن يقلب أبصارهم وقلوبهم في النار. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~ولو أننا نزلنآ إليهم... }. ### || [6.111] # هنا يوسع الحق المسألة. فلم يقل: إنهم سوف يؤمنون، بل قال: { ولو ~~أننا نزلنآ إليهم الملائكة } مثلما اقترحوا، أو حتى ~~لو كلمهم الموتى، كما قالوا من قبل: # فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين # [سورة الدخان: 36] ويأتي القول: { وحشرنا عليهم كل شيء ~~} و " الحشر " يدل على سوق بضغط مثلما نضع بعضا من الكتب في صندوق من ~~الورق المقوى ونضطر إلى أن نحشر كتابا لا مكان له، إذن: الحشر هو سوق ~~فيه ضغط، وهنا يوضح الحق: ms3152 لو أنني أحضرت لهم الآيات يزاحم بعضها بعضا ~~وقدرتي صالحة أن آتي بالآيات التي طلبوها جميعا لوجدت قلوبهم مع هذا ~~الحشر والحشد تضن بالإيمان. { وحشرنا عليهم كل شيء ~~قبلا } و " قبلا " هي جمع " قبيل " ، مثل سرير وسرر. { وحشرنا ~~عليهم كل شيء قبلا }. وهذا يعني أن الحق إن جاء لهم بكل ما ~~طلبوا من آيات، وكأن كل آية تمثل قبيلة والآية الأخرى تمثل قبيلة ثانية، ~~وهكذا. فلن يؤمنوا، أو " قبلا " تعني معاينة أي أنهم يرونها بأعينهم، ~~لأن في كل شيء دبرا وقبلا والقبل هو الذي أمام عينيك، والدبر هو من ~~خلفك. فإن حشرنا عليهم كل شيء مقابلا. ومعاينا لهم فلن يؤمنوا. وإن ~~أخذتها على المعنى الأول أي أنه سبحانه إن حشد الآيات حشدا وصار ~~المعطى أكثر من المطلوب فلن يؤمنوا. وإن أردت أن تجعلها مواجهة، أي ~~أنهم لو رأوا بعيونهم مواجهة من أمامهم فلن يؤمنوا. { ولو أننا ~~نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم الموتى ~~وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله } [الأنعام: 111]. وجاء الحق ~~هنا بمشيئته لأن له طلاقة القدرة التي إن رغب أن يرغمهم على الإيمان فلن ~~يستطيعوا رد ذلك، ولكن الإرغام على الإيمان لا يعطي الاختيار في التكليف ~~ولذلك قال سبحانه: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. والله لا يريد أعناقا تخضع، وإنما يريد قلوبا تخشع. ~~لذلك يذيل الحق الآية بقوله: { ولكن أكثرهم يجهلون }. ~~والجهل يختلف عن عدم العلم، بل الجهل هو علم المخالف، أي أن هناك قضية ~~والجاهل يعلم ما يخالفها، أما إن كان لا يعلم القضية فهذه أمية ويكفي أن ~~نقولها له حتى يفهمها فورا. لكن مع الجاهل هناك مسألتان: الأولى أن نزيل ~~من إدراكه هذا الجهل الكاذب، والأخرى أن نضع في إدراكه القضية الصحيحة، ~~وما دام أكثرهم يجهلون. فهذا يعني أنهم قد اتبعوا الضلال. ويقول الحق بعد ~~ذلك: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين... }. ### || [6.112] # { وكذلك } إشارة من الحق سبحانه ms3153 وتعالى إلى الرسل والأنبياء ليعطي ~~الأسوة للرسول بإخوانه السابقين له في موكب الرسالات، فلست بدعا - يا ~~محمد - في أنك رسول يواجه بأعداء، فكل رسول من الرسل ووجه وقوبل بهؤلاء ~~الأعداء. وهل فت أعداء الرسل في عضد من أرسل إليهم وأضعفوا قوتهم ~~وأوهنوا عزائمهم وأثنوهم عن دعوتهم؟ أم ظل الرسل أيضا صامدين؟.. إنهم ~~صمدوا وأيدهم الله ونصرهم وإذا كنت أنت خاتم الرسل، وسيد المرسلين، ~~والمعقب على رسالات سبقتك ولا معقب على رسالتك فلا بد أن يكون الأعداء ~~الذين يواجهونك مناسبين للمهمة التي تؤديها. وإياك أن تظن أن المقصد في ~~هذه العداوة أننا تركناهم أعداء لمجرد العداء، لا، بل نحن قد أردنا هذه ~~العداوة لصالح الدعوة لأن الإنسان إذا ما كان في منهج خير وأهاجه الشر ~~يتحمس لمزيد من الخير. ولذلك لا تجد الصحوات الإيمانية إلا حين يجد ~~المؤمنون تحديا من خصومهم، هنا تجد الصحوة الإيمانية قد استيقظت لأن ~~هناك خصوما يتحدونها، ولو لم يكن هناك خصوم لبقيت الصحوة فاترة. وهذا ما ~~نراه حين يوجد من خصوم الإسلام من أي لون من ألوانهم من يتحدى أي قضية ~~من قضايا الدين. في هذه الحالة نجد حتى غير الملتزم بمنهج الإسلام يغار ~~على الدين. إذن فالعداوة لها فائدة، وإياك أن تظن أن في أي مظهر في ~~الوجود يغلب الله على مراداته في كونه، والشر له رسالة لأنه لولا أن ~~الشر موجود ويصاب الناس من أذاه لما تحمس الناس للخير، فالذي يجعلنا ~~نتحمس للخير هو وجود الشر، وأوضحنا من قبل أن الباطل جندي من جنود الحق: ~~لأن الباطل حين يعض ويعربد في الناس يتساءل الناس متى يأتي الحق لينقذنا، ~~وأنك ساعة ترى مريضا يتألم إياك أن تظن أن الألم قد جاءه دون سبب، بل ~~الألم جندي من جند الشفاء. وكأن الألم يقول لمن يصيبه: يا إنسان تنبه أن ~~عطبا في هذا المكان فسارع إلى علاجه. ولذلك نجد أعنف الأمراض وأشرسها ~~وأخبثها، هي الأمراض التي تأتي بلا ألم يسبقها، ولا تظهر أعراضها إلا أن ~~يستعصي شفاؤها، ms3154 وهكذا نرى أن الألم جندي من جنود العافية. وحين يكون لك ~~عدو في الحارة أو في البلدة وعيونه مركزة عليك فأنت تخاف أن تقع منك هنة ~~وعيب حتى لا يشنع عليك لذلك تسير على الصراط المستقيم لأنك لا تريد أن ~~تنصره على نفسك. والشاعر القديم، الذي أعجبه الشعر فشطره. يقول لك: # عداي لهم فضل علي ومنة # فعندي لهم شكر على نفعهم ليا # فهم كدواء والشفاء بمره # فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا # هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها # فأصبحت مما دنس العرض خاليا # وهم أججوا جهدي ولكن ببغضهم # وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا # لذلك لابد أن تنظر إلى كل شيء بحكمة إيجاد الحكيم له فقد شاء الحق أن ~~يوجد الأعداء للدعوة الإسلامية حتى تنتصر وتقوى. { وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شآء ~~ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون } [الأنعام: 112]. ~~وجعل الحق سبحانه وتعالى الأعداء للأنبياء، مهيجين ومثيرين للنبي ~~ولأتباعه لأن الأمر إذا حصلت فيه معارضة من مخالف أججت في نفس المقابل ~~قوة حتى لا يهزم أمامه ولا يغلب أمام منطقه. ولذلك قال الحق: { ~~وكذلك جعلنا } لأي أنهم لم يتطوعوا بالعداوة إنما هو تسخير ~~للعداوة { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا }. وكيف يجعل ~~الله لكل نبي عدوا؟ إنه يفعل ذلك بما أودع في الناس من الاختيار، وما ~~داموا مختارين فالذي اختار الهدى يكون نصيرا للنبي، والذي اختار الضلال ~~يكون عدوا للنبي. إذن فهم لم يكونوا أعداء بطبيعتهم، وإنما بما أودع ~~الله فيهم من الاختيار. وإذا كان الله هو الذي أودع الاختيار فقد أراد أن ~~يحقق مشيئته في قوله: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة.. # [الأنفال: 42]. ولو شاء الله الا يكون للنبوة أعداء لفعل ذلك لأن له ~~طلاقة القدرة، ولكن ذلك سيكون بالقهر، والله لا يريد قهرا للعقلاء، ~~وإنما يريد أن يذهبوا إليه بمحض اختيارهم أي وهم قادرون على ألا يذهبوا. ~~وكلمة " عدو " في ظاهرها أنها مفرد، ولكنها تطلق على الواحد، وتطلق ms3155 على ~~الاثنين، وتطلق على الجماعة، فتقول: " هذا عدو لي " و " هذه عدو لي " ولا ~~تقل " عدوة " ، وتقول: وهذان عدو لي، وهاتان عدو لي، لأن كلمة " عدو " ~~تطلق على الذكر والأنثى وتقال للمفرد وللمثنى، وللجمع. اقرأ قول الحق: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77] واقرأوا قول الحق: # قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو.. # [طه: 123]. ولم يقل أعداء، إذن فكلمة " عدو " تطلق على المفرد والمفردة، ~~والمثنى والمثناة، وعلى جمع المذكر والجمع المؤنث. لكن بعض الذين يحبون ~~أن يكونوا مستدركين على كلام الله. يقول الواحد منهم: كيف يقول: " فإنهم ~~عدو لي " ، أو " اهبطو بعضكم لبعض عدو "؟! ويقول سبحانه وتعالى: # ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن ~~الشيطآن لكما عدو مبين.. # [الأعراف: 22]. والشيطان عدو، وهم عدو. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: # واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا.. # [آل عمران: 103]. ونقول له: أنت قد فاتك أن الذي يتكلم هو الرب الأعلى. ~~والعداوة نوعان، فإذا تعدد العدو، وجمعته مصلحة واحدة في معاداة المعادي ~~يكونون وحدة في العداوة فهم عدو واحد لاجتماعهم على سبب واحد في العداوة. # لكن إذا تعددت أسباب العداوة فالأمر يختلف، فقد يكون لك عدو لأن مظهرك ~~أحسن منه، وعدو آخر لأنك أذكى منه، وعدو ثالث لأنك أغنى منه. فلتعدد ~~الأسباب صار كل واحد منهم عدوا برأسه وجمع على أعداء لتعدد سبب العداوة. ~~{ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض.. } [الأنعام: 112]. وشياطين ~~الإنس والجن كما يقول النجاة بدل من عدو و " شياطين " جمع شيطان وهو ~~اللعين المطرود، البغيض، سواء أكان من الإنس أم من الجن. { يوحي ~~بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا } والوحي - كما ~~نعرف - هو إعلام بخفاء، ولماذا يوحي بعضهم إلى بعض؟ لأن غلبة الحق لا ~~تجعلهم قادرين على أن يتجاهروا لذلك يتآمرون مع بعضهم البعض، لكن الناس ~~المحقين في قضية يتحركون في علانية. ولا يستخفون من الناس. { يوحي ~~بعضهم إلى بعض } ومن الذي يوحي؟ ومن الذي ms3156 يوحى إليه؟ ليس ~~لنا دخل بهذا الموضوع، إنما الوحي: هو إعلام بخفاء، إن كان إلهاما في ~~النفس، أو إن كان بالإشارة أو بالدس، أو إن كان بالوسوسة، أو إن كان ~~بواسطة رسول نحن لا نراه، كل ذلك أساليب الوحي الشامل للخير والشر. وإذا ~~كان الوحي من شياطين الجن فهل يوحون إلا بشر؟ نعم. وكذلك هناك شياطين ~~من الإنس يوحون أيضا بشر. مصداقا لقوله الحق: { يوحي بعضهم ~~إلى بعض زخرف القول } وزخرف القول، المقصود به أنهم يدخلون ~~على المسائل بالتزيين، فيزينون للناس الشهوة، ولذلك سماها ربنا " وسوسة " ~~، ونعلم أن المعاني حين يؤخذ لها ألفاظ تؤخذ من الأشياء الحسية، ~~والوسوسة هي صوت الحلى، وقد اختار الله لما يفعله الشياطين من الإنس ~~والجن اللفظ الموحى بالمعنى المراد لأن وسوسة الحلى تغري بالنفاسة وعظم ~~القيمة، والوسوسة طريقها هو الخفاء. { يوحي بعضهم إلى بعض } ~~وهم شياطين من الإنس والجن، إنس يوحي لإنس بأن يزين له المعصية والشهوة، ~~وكثيرا ما يقع ذلك. وجني يوحي لجني لأن الجن مكلف أيضا. وكذلك يوحي ~~الجن للإنس. { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول } ~~الزخرف. هو الشيء المزين ظاهره لكن باطنه فاسد، ولذلك قال عز وجل: # وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا.. # [الزخرف: 35]. أي أمورا مزخرفة ظاهرا، لكن ليس لها عمق أو عمر أو ~~نفاسة. { يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.. ~~} [الأنعام: 112]. وذلك ليغروهم ويخدعوهم ليفعلوا ويقترفوا المعصية، وإن ~~لم يأتوا للمعصية بكلمات تزخرفها وتزينها فلن يستطيعوا أن يدخلوا بها على ~~الناس لذلك يعرضون ويبدون محاسن المعصية في ظاهر الأمر، مثال ذلك أنك لا ~~تجد من يقول لآخر: اشرب الخمر لتصاب بتليف الكبد مثلا!! ولكن هناك من ~~يقول: احتس الخمر ليذهب همك وتنشط نفسك ويكثر فرحك. # { زخرف القول غرورا } أي ليغروهم بإظهار فائدة موهومة فيه، ~~ويسترون عن الناس مضرة هذا الشيء ومهالكه. ويتابع سبحانه: { ولو ~~شآء ربك ما فعلوه } إن الحق سبحانه وتعالى هو الذي أعطى خلقه ~~اختيارا في أن يكونوا مؤمنين أو أن يكونوا كافرين، مهديين أو ms3157 ضالين، في ~~نور أو في ظلمة. ويأتي الوقت الذي يثيب فيه سبحانه أو يعاقب لذلك فهو - ~~جل شأنه - لا يرغمهم على فعل ثم يعاقبهم عليه لأنه هو العدل. ولذلك نجد ~~من يقول: لماذا العقاب ولا شيء في الكون يقع على غير مشيئة الله؟ ونقول: ~~نعم كل شيء من فعل الله لأن سبب الاختيار من الله. وسبحانه هو الذي خلق ~~الاختيار. فالكافر لا يقدر أن يؤمن إلا أن شاء الله لكن المطلوب منه أن ~~يؤمن لأن طبيعته صالحة للكفر وصالحة للإيمان. إذن خلق الله الإنسان ~~مختارا في أن يفعل أو لا يفعل في بعض الأمور، فالذي ينظر إلى أن كل فعل ~~من الله أي ليس بطاقة من عبد، نقول له: صحيح رأيك. ومن يقول: إن هذا ~~الأمر من العباد نقول له أيضا: صح موقفك لأن ربنا خلق الإنسان صالحا ~~لأن يحصل منه كذا ويحصل منه كذا. فإن أردت الحقيقة تجد كل فعل يأتي من ~~الله، فأنت - على سبيل المثال - لم تخلق القوة التي لليد لترتفع، ولا ~~خلقت القوة للأصابع لتنقبض. وإذا أردت أن تقبض يدك. فما هي العضلات التي ~~تتحرك لتفعل الانقباض؟ أنت لا تعرف. إنك تقبض يدك بمجرد إرادة منك أن ~~تقبضها، والذي خلق لك هذه القوة يأمرك ألا تستعملها في قهر الآخرين، ولكن ~~عليك أن تستعملها فيما يفيد الناس. واليد صالحة للضرب وللعمل الطيب وأنت ~~لم تخلق الطاقة التي في اليد، ولا خلقت الانفعال فيها لإرادتك. { ولو ~~شآء ربك ما فعلوه } أي لو شاء عدم فعله لفعل لأن له طلاقة ~~القدرة فلا يقدر أحد أن يخرج عن مراده أبدا. ونحن نرى السماء والأرض وكل ~~ما دون الإنسان مسخرا، ثم لماذا نأخذ أمثلة من السماء والأرض والنبات ~~والجماد والحيوان؟ خذ المثال من نفسك. أنت فيك أشياء ليس لك سيطرة عليها، ~~ولا اختيار لك عليها، ألك اختيار أن تمرض؟. لا. ألك اختيار أن يقع عليك ~~حجر وأنت تمشي؟. لا. ألك اختيار في أن يصيبك سائق سكران؟. لا. ألك اختيار ~~في أن ms3158 تموت أو لا تموت؟. لا. لقد جعل الله فيك الأمرين الاثنين: قهرك في ~~أمور والقهرية تثبت له - سبحانه - القدرة وطلاقتها، وجعلك مختارا في ~~أشياء، والاختيار يثبت صحة التكليف. ويتابع الحق مذيلا الآية: { ~~فذرهم وما يفترون } لأن افتراءهم وكذبهم وزعمهم الباطل لن ~~يغير من حقيقة الأمر شيئا، وهم يرون أن افتراءهم يعوق الدعوة، لا، فقد ~~صار افتراؤهم وكيدهم وعداوتهم للنبي وقودا مهيجا للدعوة لأن يخلص ~~الدعوة من الشوائب ويصهر المؤمنين بها ويخرج منهم خصال الشر ويملأهم ~~بخلال الخير. # فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض.. # [الرعد: 17]. ولو لم يكن هناك مهيجات لهذه المسائل لدخل الدعوة العاطل ~~والباطل ولاندس فينا من لا يعرف قيمة الإيمان لذلك يمحص الله الدعوة ~~بالأعداء وبالقوم الذين يقفون أمامها حتى لا يكون في حملة الدعوة احد من ~~ضعاف العقائد وضعاف الإيمان، وهم الذين يخرجون هربا من مسئوليات الإيمان ~~ولا يبقى إلا أصحاب الرسالة الذين يخلصون الصدق مع الله وينقيهم الله ~~بواسطة الأعداء. ولذلك قال: # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا.. # [التوبة: 47]. فمن الحكمة أنه - سبحانه - ثبط عزيمتهم وضعف رغبتهم في ~~الانبعاث والخروج معكم. # ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ~~كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع ~~القاعدين # [التوبة: 46]. وهنا يقول الحق: { يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول } وزخرف القول هو لون من الأداء له سماع، ومن ~~يسمعونه قد لا يؤثر في قلوبهم ولا في نفوسهم، ومرة أخرى يسمعونه ويكون ~~عندهم ميل وليس عندهم عقيدة ثابتة راسخة إلى هذا القول. وكيف يسلك هؤلاء ~~الناس: { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون... ~~}. ### || [6.113] # كأن من يؤمن بالآخرة لا يقرب منه الزخرف أبدا ولا يميل إليه. وإن زينت ~~له معصية فإنه يتساءل: كم ستدوم لذة هذه المعصية؟ دقيقتين، ساعة، شهرا ~~وماذا أفعل يوم القيامة الذي يكون فيه الإنسان إما إلى دخول الجنة وإما ~~إلى دخول النار. إذن فمن يؤمن بالآخرة لا تتقبل أذنه ولا فؤاده هذا ~~الزخرف من القول، ولا يتقبله إلا من لا يؤمن ms3159 بالآخرة، وهو لا يعرف إلا ~~الدنيا، فيقول لنفسه: فلتتمتع في الدنيا فقط، ولذلك لو استحضر كل مؤمن ~~العقوبة على المعصية ما فعلها، وهو لا يفعلها فقط، ولذلك لو استحضر كل ~~مؤمن العقوبة على المعصية ما فعلها، وهو لا يفعلها إلا حين يغفل عن ~~العقوبة. وإذا كنا في هذه الدنيا نخاف من عقوبة بعضنا بعضا، وقدراتنا في ~~العقوبة محدودة، فما بالنا بقدرة الرب القاهرة في العقوبة؟! ولذلك نجد ~~الذين يجعلون الآخرة على ذكر من أنفسهم وبالهم إذا عرضت لهم أي معصية، ~~يقارنونها بالعقاب، فلا يقتربون منها. { ولتصغى إليه ~~أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه ~~وليقترفوا ما هم مقترفون }. والإصغاء هو ميل الأذن إلى ~~المتكلم لأنك قد لا تسمع من يتكلم بغير إصغاء، وحين يسير الإنسان منا في ~~الطريق فهو يسمع الكثير، لكن أذنه لا تتوقف عند كل ما يسمع، بل قد تقف ~~الأذن عندما يظن الإنسان أنه كلام مهم. ولذلك يسمونه التسمع لا السمع، ~~وهذا هو الإصغاء. ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: من تسمع غانية - ~~أي امرأة تغني بخلاعة - ولم يقل: " من سمع " ، والإنسان منا قد يسير ~~ويذهب إلى أي مكان والمذياع يذيع الأغاني، ويسمعها الإنسان، وآلة إدراك ~~السمع منطقة وليست مفتوحة فهو لا يتنصت، وآلة إدراك الانطباقية أو ~~الانفتاحية مثل العين فالعين لا ترى وهي مغمضة، إنها ترى وهي مفتوحة، ~~والعين تغمض بالجفون أما الأذن فليس لها جفون يقول لها: لا تسمعي هذه، ~~وهذه اسمعيها. إذن فالسمع ليس للإنسان فيه اختيار، لكن التسمع هو الذي له ~~فيه اختيار. { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم ~~مقترفون } [الأنعام: 113]. كأن فيه شيئا ينبع طلب السمع فيه من ~~الفؤاد، أي يوافق ما في الأعماق، وشيئا آخر يمر عليه الإنسان مر الكرام ~~غير ملتفت إليه. والأفئدة هي القلوب، صحيح أن الآذان هي التي تصغي، لكن ~~القلوب قد تتسمع ما يقال، وكأن النفس مستعدة لهذه العملية لأنها لا تؤمن ~~بأن هناك آخرة وعندها استعداد لأن تأخذ لذة الدنيا دون التفات ms3160 للآخرة. ~~ولذلك ينقل الحق سبحانه الإصغاء من الأذن إلى الفؤاد وهذا إدراك. { ~~ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة. # . } [الأنعام: 113]. ثم تأتي المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة: { ~~وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون } [الأنعام: ~~113]. وقد يصغي إنسان، ثم تتنبه نفسه اللوامة، ويمتنع عن الاستجابة. لكن ~~هناك من يصغي ويرضى وجدانه ويستريح لما يسمع، ثم ينزع للعمل ليقترف ~~الإثم. وهذه ثلاث مراحل: الأولى هي: { ولتصغى إليه أفئدة ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة }. ثم المرحلة الثانية: { ~~وليرضوه } ، ثم المرحلة الأخيرة: { وليقترفوا } أي ~~يرتكبوا الإثم، وهذه المسألة حددت لنا المظاهر الشعورية التي درسها علماء ~~النفس فالإدراك " لتصغى " ، والوجدان " ليرضوه " ، والنزوع " ليقترفوا ". ~~وقبل أن يولد علم النفس جاء القرآن بوصف الطبيعة البشرية بمراحلها ~~المختلفة من إدراك ووجدان، ونزوع والشرع لا يتدخل عند أي مظهر من مظاهر ~~شعور المرء إلا عند النزوع إلا في حالة واحدة حيث لا يمكن فصل النزوع عن ~~الوجدان وعن الإدراك لذلك يتدخل الشرع من أول الأمر، وهو ما يكون في ~~عملية نظر الرجل إلى المرأة لأنك حين تنظر تجد نفسك: تحبها وتعشقها تفتن ~~بها، ومحرم عليك النزوع، فحين تتقدم ناحيتها يقول لك الشرع: لا. ولأن ~~هذا أمر شاق على النفس البشرية، ولا يمكن فصل هذه العمليات لأنه إن أدرك ~~وجد، وإن وجد نزع، فأمر الحق بالامتناع من أول الأمر: # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم.. # [النور: 30]. # وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن.. # [النور: 31]. إذن فقد منع الإدراك من بدايته ولم ينتظر حتى النزوع، ~~لماذا؟ لأن الإدراك الجمالي في كل شيء يختلف عن الإدراك الجمالي في ~~المرأة. الإدراك الجمالي في المرأة يحدث عملية كيماوية في الجسم تسبب ~~النزوع، ولا يمكن فصلها أبدا. { ولتصغى إليه أفئدة ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ~~ما هم مقترفون } [الأنعام: 113]. وساعة ما نقول: " ما " ويأتي ~~الإبهام فهذا دليل على أن هناك أمورا كثيرة جدا. ولذلك يقول الحق: # فغشيهم من اليم ما غشيهم # [طه: 78]. أي أنه أمر لا يمكن أن تحدده الألفاظ، مثله مثل قوله: { ~~وليقترفوا ما هم مقترفون }. أي أن كل ms3161 واحد يقترف ويكتسب ~~ويعمل ويرتكب ما يميل إليه فهناك من يغتاب أو يحسد أو يسرق وغير ذلك من ~~شهوات النفس التي لا تحدد لذلك جاء لها باللفظ الذي يعطي على العموم. وما ~~دامت المسألة في نبوة واتباع نبوة، وفي أعداء شياطين من الإنس والجن ~~ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا إذن فهذه معركة، وحتى يتم الفصل ~~فيها لابد من حاكم يحكم. فأوضح الحق: يا محمد أنا أرسلتك، ولك أعداء ~~وسيكيدون لك بكذا وكذا ويبذلون قصارى جهدهم في إيذائك ومن اتبعك، فإياك ~~أن تبتغي حكما غيري لأني أنا المشرع وأنا من أحكم، وأنا الذي سوف أجازي. ~~لماذا؟ لأن الخلاف على ما شرع الله، ولا يستقيم ولا يصح أن يأتي من يقول ~~مراد المقنن كذا، أو المفسر الفرنسي قال كذا، والمفسر الإنجليزي قال ~~كذا، لا، إن الذي يحكم هو من وضع القانون، ومراداته هو أعلم بها، والحق ~~الواضح هو أعلم به، وسبحانه هو من يحكم، والرسول صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ~~فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار ~~فليأخذها أو ليتركها. " # أي إياك أن يقول واحد: إن النبي قد حكم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~حكم بظاهر الحجة، وقد يكون واحد من المختصمين قوي الحجة، والآخر لا يجيد ~~التعبير عن نفسه. إذن فالحكم هو الله لأنه هو الذي قنن، وما دام هو الذي ~~قنن وهو الذي يحكم بينكم، فليطمئن كل إنسان يتخاصم مع غيره لأن القضية ~~يفصل فيها أعدل العادلين وأحكم الحاكمين. ولذلك يقول الحق سبحانه: { ~~أفغير الله أبتغي... }. ### || [6.114] # فسبحانه هو من يحكم وهو من قنن، وهو من يعلم القانون ويعلم من يتبع ~~القانون، ومن يخالف القانون، وساعة تقول: { أفغير الله أبتغي ~~حكما }. فهذا دليل على أنك واثق أن مجيبك لن يقول لك إلا: لا تبتغي ~~حكما إلا الله، ولذلك يطرح المسألة في صيغة استفهام، ms3162 ويقول صلى الله ~~عليه وسلم: مبلغا عن ربه: { وهو الذي أنزل إليكم ~~الكتاب مفصلا } ، ولم يقل رسول الله: وهو الذي أنزل علي ~~الكتاب، بل قال مبلغا عن رب العزة: { وهو الذي أنزل ~~إليكم الكتاب } كأن العداوة ليست لمحمد وحده، لكنها العداوة ~~لأمة الإيمان كلها، والحكم لأمة الإيمان كلها. ومع أن القرآن نزل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا، ولكن مهمته البلاغ إلى الناس ~~والغاية منه للمؤمنين كلهم، وهكذا تكون العداوة للنبي عداوة للمؤمنين ~~كلهم، ولذلك أنزل عليه الحق هذا التساؤل: { أفغير الله أبتغي ~~حكما } كما أنزل عليه من قبل القول الحق: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن.. # [الأنعام: 112]. إذن فعدو النبي هو عدو المؤمنين به والمتبعين له، لكن ~~قمة العداوة تكون للنبي المرسل من الحق: { والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ~~فلا تكونن من الممترين } [الأنعام: 114]. وكلمة { من ~~ربك بالحق } فيها إغراء للمؤمنين بأن كل الأمر يعود عليكم أنتم ~~بالفائدة لأن غاية إنزال الكتاب لكم أنتم، والكتاب جاء بهذا المنهج ~~لصالحكم ولن يزيد في صفات الله صفة، ولن يزيد في ملك الله ملكا. بل ~~الغاية أنتم. { أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي ~~أنزل إليكم الكتاب } [الأنعام: 114]. وسبحانه لم ينزل ~~الكتاب إلا بتفصيل لا تلتبس فيه مسألة بأخرى: { والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ~~فلا تكونن من الممترين } [الأنعام: 114]. والمقصود هنا ~~بالذين آتيناهم الكتاب اليهود والنصارى لأنهم يعلمون صفاتك يا رسول الله ~~ويعلمون نعتك ويعلمون الكثير من كتابك فكل ما يتعلق بك موجود عندهم لكن ~~الآفة أنهم اعتنقوا دينين: دينا يعلن يبدونه ويظهرونه، ودينا يسر به، ~~فما يسر به لا يعلنونه ويحرمون السؤال فيه، ولا يقبلون فيه نقاشا، ~~وعندما تصل إلى الحقيقة وتعرضها عليهم لا يقبلونها، وما الذي جعلهم ~~يلتوون هكذا؟ لأن لهم حالين اثنين: حال أيام أن كانوا يعاديهم من لا يؤمن ~~بالسماء ومنهج السماء كعبدة الأوثان والمشركين. وقال فيه الحق: # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا.. # [البقرة: 89]. لقد ms3163 كانوا من قبل أعداء للذين كفروا وأشركوا فكان همهم ~~وشغلهم الشاغل أن ينتصروا على هؤلاء الكافرين، وقالوا: أظل زمان نبي ~~نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. وحينما جاءهم ما عرفوا كفروا به لأنهم: # اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا.. # [التوبة: 9]. وكان الثمن هو بقاء السلطة في أيديهم، وعندما تأتي النبوة ~~تنزع منهم السلطة، فليس في الإسلام سيطرة لرجال الدين ولا كهنوت. وكانوا ~~يريدون أن تستمر سيادتهم، فاشتروا بآيات الله ثمنا قليلا. { ~~والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ~~ربك بالحق فلا تكونن من الممترين } [الأنعام: ~~114]. وهم يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، وهم يعلمون أن الذي يشيعونه هو ~~باطل. إذن فهناك علم بينهم وبين نفوسهم وعلم آخر يقولونه للآخرين. وقوله ~~الحق: { فلا تكونن من الممترين } أي الشاكين في أن أهل ~~الكتاب يعلمون أن القرآن منزل من عند ربك بالحق. هذا خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، ونعلم أنه إذا طلب المتكلم من المخاطب أمرا هو فيه فالمراد ~~المداومة عليه والزيادة لأن هناك أمورا قد تزلزل الإيمان لذلك يأتي ~~الأمر بالثبات، أو هو إهاجة له، أو هو تسلية للمؤمنين إذ قال لهم لا ~~تمتروا ولا تشكوا. ويقول الحق بعد ذلك: { وتمت كلمت ربك ~~صدقا... }. ### || [6.115] # وكلمة " تمت " تدل على أن المسألة لها بداية ولها خاتمة، فما المراد ~~بالكلمة التي تمت؟. أهي كلمة الله العليا بنصر الإسلام وانتهاء الأمر ~~إليه؟ أو هو تمام أمر الرسالة حيث قال الحق: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا.. # [المائدة: 3]. أو " كلمة ربك " المقصود بها قرآنه؟. ونرى أن معنى " تمت ~~" استوعبت كل أقضية الحياة إلى أن تقوم الساعة، فليس لأحد أن يستدرك على ~~ما جاء في كتاب الله حكما من الأحكام لأن الأحكام غطت كل الأقضية. ولفظ ~~" كلمة " مفردة لكنها تعطي معنى الجمع. وأنت تسمع في الحياة اليومية من ~~يقول: وألقى فلان كلمة طيبة قوبلت بالاستحسان والتصفيق. هو قال كلمات لكن ~~التعبير عنها جاء ب " كلمة " إذن { وتمت كلمت ربك } ~~المقصود بها المنهج ms3164 الذي يشمل كل الحياة، واقرأ قوله الحق: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم.. # [الكهف: 5]. أهي كلمة أو كلمات؟ أنها كلمة ولكن فيها كلمات. إذن لفظ " ~~كلمة " تطلق ويراد بها اللفظ المفرد، وتطلق ويراد بها الكلام. والكلمة في ~~الأصل لفظ مفرد، أي لا يكون معها لفظ آخر، ولكنها تدل على معنى، فإذا كان ~~المعنى غير مستقل بالفهم ويحتاج إلى ضميمة شيء إليه لنفهمه فهذا حرف، ~~وأنت تقول: " في " وهو لفظ يدل على الظرفية، إلا أنه غير مستقل بالفهم ~~لأن الظرف يقتضي مظروفا ومظروفا فيه، فتقول: " الماء في الكوب " لتؤدي ~~المعنى المستقل بالفهم. وكذلك ساعة تسمع كلمة " من " تفهم أن هناك ~~ابتداء، وساعة تسمع كلمة " إلى " تعلم أن هناك انتهاء. وإن كان يدل على ~~معنى في نفسه وهو غير مرتبط بزمن فهو الاسم. وإن كان الزمن جزءا منه فهو ~~" الفعل ". أما " الكلام " فهو الألفاظ المفيدة. وحين تسمع كلمة " سماء " ~~تفهم المعنى، وكذلك حين تسمع كلمة " أرض " وهو معنى مستقل بالفهم. وحين ~~تسمع كلمة " كتب " فهي تدل على معنى مستقل بالفهم، والزمن جزء من الفعل، ~~فكتب تدل على الزمن الماضي و " يكتب " تدل على الحاضر و " سيكتب " تدل ~~على الكتابة في المستقبل. إذن ف " الكلمة " لفظ يدل على معنى فإن كان ~~غير مستقل بالفهم فهو حرف. و " الكلمة " قد يقصد بها الكلام. وقوله الحق: ~~{ وتمت كلمت ربك } تعني الكثير. فإن أردت بها القرآن ~~فالمقصود هو كلمة الله. وكلام الله نسميه " كلمة " لأن مدلوله كلمة ~~واحدة. انتهت وليس فيها تضارب، هذا إن أردنا بها القرآن، ولتفهم أن ~~القرآن قد استوعب كل شيء، وكل قضية في الوجود وأيضا لم ينس أو بدل فيه ~~حرف بل بقى وسيبقى كما أنزل لأن الآفة في الكتب التي نزلت أنهم كتموا ~~بعضها ونسوا بعضها، وحرفوا بعضها، وكان حفظها موكولا إلى المكلفين، ~~ومن طبيعة الأمر التكليفي أنه يطاع مرة، ويعصى مرة أخرى. # وإن أطاعوا حافظوا على الكتب، وإن عصوا حرفوها بدليل قوله الحق: # إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ms3165 ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب ~~الله.. # [المائدة: 44]. و " استحفظوا " أي طلب منهم أن يحافظوا عليه، وهذا أمر ~~تكليفي عرضة أن يطاع، وعرضة أن يعصى، لكن الأمر اختلف بالنسبة للقرآن فقد ~~قال الحق: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. فسبحانه هو من يحافظ على القرآن، وليس ذلك للبشر لأن القرآن ~~معجزة، والمعجزة لا يكون للمكلف عمل فيها أبدا. إذن فقوله الحق: { ~~وتمت كلمت ربك } المقصود بها أن تطمئن على أن القرآن ~~الذي بين يديك إلى أن تقوم الساعة هو هو لن تتغير فيه كلمة، بدليل أنك ~~تتعجب في بعض نصوص القرآن، فتجد نصا مساويا لنص، ثم يختلف السياق، ~~فيقول الحق: # كلا إنه تذكرة * فمن شآء ذكره # [المدثر: 54-55]. ومرة أخرى يقول سبحانه: # كلا إنها تذكرة * فمن شآء ذكره # [عبس: 11-12]. ومرة أخرى يقول: # إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا # [الإنسان: 29]. فهذا لون ونوع من المتشابه من الآيات ليقول لنا الحق: # فإذا قرأناه فاتبع قرآنه # [القيامة: 18]. والحق يقول: # قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * ~~والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم ~~لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ~~ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ~~ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون * والذين ~~هم لأماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم على ~~صلواتهم يحافظون # [المؤمنون: 1-9]. وفي آية أخرى يقول: # والذين هم على صلاتهم يحافظون # [المعارج: 34]. وكل ذلك يدلك على أن كل كلمة وصلتك كما أنزلت، وبذلك ~~تكون كلمة ربك قد تمت. أو قول الله: { وتمت كلمت ربك } ليدل ~~على أن كلمة الله هي العليا، ولذلك تلاحظ أن " كلمة الله هي العليا " لم ~~يجعلها الحق جعلا، وإنما جاءت ثبوتا، وسبحانه القائل: # وجعل كلمة الذين كفروا السفلى.. # [التوبة: 40]. هذا السياق الإعرابي حصل فيه كسر مقصود، والسياق في غير ~~القرآن أن يقول: وجعل كلمة الله هي العليا، ولكنه سبحانه يقول: { ~~وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله ~~هي العليا }. وسبحانه أراد ms3166 بذلك أن نفهم أن كلمة الله هي العليا ~~دائما وليست جعلا. وهذا دليل على أن كلمته قد تمت. ونلحظ أن قول الحق: ~~{ وتمت كلمت ربك } تأتي بعد { أفغير الله أبتغي ~~حكما } ، واستقرىء موكب الرسالات من لدن آدم، وانظر إلى حكم الله بين ~~المبطلين والمحقين، وبين المهتدين والضالين: إنه الحق القائل: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا.. # [العنكبوت: 40]. والحاصب هو الريح التي تهب محملة بالحصى وكانت عقوبة ~~لقوم عاد. # ومنهم من أخذته الصيحة.. # [العنكبوت: 40]. وهم قوم ثمود، يسميها مرة الصيحة، وأخرى يسميها ~~الطاغية: # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية # [الحاقة: 5]. ومرة يخسف بهم الأرض مثلما فعل مع قارون: # فخسفنا به وبداره الأرض.. # [القصص: 81] وكذلك: # ومنهم من أغرقنا.. # [العنكبوت: 40]. وقد أغرق الله قوم فرعون وكذلك أغرق - من قبلهم - ~~المكذبين لنوح. إذن كل قوم أخذوا حكم الله عليهم، لكنك يا محمد مختلف ~~عنهم وكذلك أمة محمد التي أصبحت مأمونة على الوصية، وعلى المنهج، ولذلك ~~قال الحق: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. وبعد أن بعث الحق رسوله صلى الله عليه وسلم قال: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم.. # [الأنفال: 33]. إذن { تمت كلمت ربك } ، وهي الفصل النهائي: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. وأنتم المنصورون لأنكم منسوبون إلى منهج غالب، ~~والنصر للمنهج الغالب يقتضي الإخلاص، فإن تنصروا المنهج باتباعه ينصركم ~~من أنزل المنهج، فهو القائل: # لأغلبن أنا ورسلي.. # [المجادلة: 21]. وما قاله كان هو الواقع وما جاء به الواقع كان مطابقا ~~للكلام. { وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا.. } [الأنعام: ~~115]. أي وافق الواقع الكوني ما قال الله به. وكيف كان الواقع صادقا ~~وعادلا في آن واحد؟ لنفرض أنك أحضرت مدرسا خصوصيا لولدك، وصادف أنه هو ~~الذي يدرس في المدرسة وهو الذي يدرس لابنك ثم قلت له: أريد أن ينجح الولد ~~في الامتحان. ووعد المدرس بذلك ثم جاء الامتحان ونجح الولد، فتكون كلمة ~~المدرس قد صدقت. لكن هل هذا عدل؟ قد يكون المدرس هو واضع الأسئلة ولمح ~~للولد بالأسئلة، ms3167 ويكون النجاح حينئذ غير عادل، لكن كلمة الله تجيء ~~مطابقة لما قال، موقعها مطابق لما قال، وهي كذلك عدل لأنه سبحانه أوضح ~~الثواب والعقاب: { وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا }. لأنه ~~لا مبدل لكلمات الله، ولا يوجد إله آخر يعارضه فله سبحانه طلاقة القدرة. ~~أما بالنسبة للبشر فقد علم الله عباده احتياط الصدق في كلامهم فأوصاهم: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24]. لأن فعل ذلك غدا والإتيان به وإحداثه هو أمر يتعلق ~~بالمستقبل الذي لا نتحكم فيه، فاحم نفسك وقل: " إن شاء الله " ، فإن لم ~~يحدث يمكنك أن تقول: لم يشأ ربنا حدوث ما وعدت به، وبذلك يحمي الإنسان ~~نفسه من أن يكون كاذبا ويجعل نفسه صادقا فلا يتكلم إلا على وفق ما ~~عنده من قوانين الفعل وعدم الفعل لأنه عندما تقول: " أفعل ذلك غدا ". # ماذا ستفعل غدا وأنت لا تضمن نفسك وحياتك وظروفك؟! لكن الله إذا قال: " ~~سأفعل " فله طلاقة القدرة. { وتمت كلمت ربك صدقا ~~وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم } ~~[الأنعام: 115]. وما دامت الكلمات ستتحقق والحكم سيصدر فهذا دليل على أنه ~~سبحانه سميع لما قالوه في عداوتهم، وعليهم بما دبروه من مكائدهم، وهو ~~القائل من قبل: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم.. # [الأنعام: 121]. أي ليعلموهم بخفاء، فإن كان كلامهم ظاهرا فهو مسموع، ~~وإن كان بخفاء فهو معلوم. ويقول الحق بعد ذلك: { وإن تطع أكثر ~~من في الأرض... }. ### || [6.116] # و { من في الأرض } المقصود بهم المكلفون لأنهم هم من يتميزون ~~بالاختيار ولهم أوامر ونواه، فما دون الإنسان لا أمر له، و " أكثر " لا ~~يقابلها بالضرورة كلمة " قليل " أو " أقل " ، وما دام القول هو: " أكثر ~~". فقد يكون الباقون كثيرا أيضا، وأما كثير فإنها، تعطي له كميته في ~~ذاته وليست منسوبة إلى غيره، ولذلك كنا نسمع من يقول: مكتوب على محطة مصر ~~أو على " المطار " أو على " الميناء " ، يا داخل مصر منك كثير، أي إن كنت ~~رجلا طيبا فستجد مثلك الكثير، وإن كنت شريرا ms3168 فستجد مثلك الكثير أيضا. ~~ويقول الحق: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب.. # [الحج: 18]. فكل الكائنات مقهورة مسخرة، وعند الناس انقسم الأمر لأن لهم ~~اختيارا، فراح أناس للطاعة وذهب أناس للمعصية، فلم يقل الحق: والناس. بل ~~قال " وكثير من الناس " ، ولم يقل الحق: وقليل حق عليهم العذاب، لكنه ~~قال: { وكثير حق عليه العذاب } فهؤلاء كثير وهؤلاء كثير، ~~وإن نظرت إليهم في ذاتهم فهم كثير، والآخرون أيضا إذا نظرت إليهم تجدهم ~~كثيرا. ولماذا يقول الحق: { وإن تطع أكثر من في الأرض ~~يضلوك عن سبيل الله }؟ " الطاعة " - كما نعرف - استجابة ~~للأمر في " افعل " ، والنهي في " لا تفعل " إذا قال الحق للإنسان افعل ~~كذا فالإنسان صالح لأن يفعل، وأن لا يفعل، وإن قال " لا تفعل " فالإنسان ~~صالح أن يفعل، وأن لا يفعل، وإن كان هناك شيء لا تقدر عليه فلن يقول لك: ~~افعله. والإنسان عادة حين يؤمر أو ينهي إنما يؤمر وينهي لمصلحته، فإن لم ~~يوجد أمام مصلحة معارض من منهج إلهي فهذا من مصلحته أيضا لأن الله أجاز ~~له حرية الفعل والترك. ويوضح الحق: من رحمتي أن جعلت لكم تشريعا لأننا ~~لو تركنا الناس إلى أهوائهم فسيأمر كل واحد من الذين لهم السيطرة على ~~الناس بما يوافق هواه، وسينهي كل واحد من الناس بما يخالف هواه لذلك نعصم ~~هذا الأمر بالمنهج. حتى لا يتضارب الخلق ولا يتعاكس هواك مع هوى أخيك. ~~ومن المصلحة أن يوجد مطاع واحد لا هوى له، ويوجد منهج يقول للجميع " ~~افعلوا كذا " و " لا تفعلوا كذا " وبذلك يأتي الاستطراق لنفهم جميعا. ~~ولذلك يقول الحق: { وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك ~~عن سبيل الله.. } [الأنعام: 116]. فهناك أناس مؤمنون وهم أصحاب ~~الفطرة السليمة بطبيعتهم لأن الخير هو الفطرة في الإنسان، وقد جاء ~~التشريع لينمي في صاحب الفطرة السليمة فطرته أو يؤكدها له، ويعدل في صاحب ~~النزعة السيئة ليعود به إلى الفطرة ms3169 الحسنة. # والذين يضلون عن سبيل الله ماذا يتبعون؟ يقول الحق: { إن يتبعون ~~إلا الظن }. كل واحد منهم يظن أن هذا الضلال ينفعه الآن، ويغيب ~~عنه ما يجر عليه من الوبال فيما بعد ذلك. و " الظن " - كما نعلم - هو ~~إدراك الطرف الراجح ويقابله الوهم وهو إدراك الطرف المرجوح والظن هنا، هو ~~ما يرجحه الهوى: { إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا ~~يخرصون } [الأنعام: 116]. و " إن " - كما نعرف - تأتي مرة جازمة: إن ~~تفعل كذا تجد كذا، وتأتي مرة نافية، مثل قوله الحق: # ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم.. # [المجادلة: 2]. أي: ما أمهاتهم ف " إن " هنا نافية. وقوله الحق: { إن ~~يتبعون إلا الظن } أي ما يتبعون إلا الظن. هم إما أن يتبعوا ~~الظن وإما أن يخرصوا. فالخارص هو من يتكلم بغير الحقيقة، بل يخمن ~~تخمينا، كأن ينظر إنسان إلى آخر في سوق الغلال ويسأله: كم يبلغ مقدار ~~هذا الكوم من القمح؟. فيرد: حوالي عشرة أرادب أو اثنى عشر أردبا، وهو ~~يخمن تخمينا بلا دليل يقيني أو بلا مقاييس ثابتة، أو يقول كلاما ليس له ~~معنى دقيق. فإذا اتبعت الناس فسوف يضلونك. لأنهم لا يملكون دليلا ~~علميا، ولا حقا يقينيا، بل يتبعون الظن إن كان الأمر راجحا، ويخرصون ~~ويخمنون حتى ولو كان الأمر مرجوحا. ويقول سبحانه بعد ذلك: { إن ~~ربك هو أعلم من يضل عن سبيله.. }. ### || [6.117] # وساعة ترى " هو " هذه فاعرف أنها ترد وتجيب على ما يمكن أن يقال، ~~فهناك من يقول: أنا سوف أرى تصرفات فلان، ولأنك من البشر فمهما علمت عنه ~~فأنت محدود الإدراك لأنك سترى تصرفات فقط، ولن ترى انفعالات قلبه وتقلبات ~~عقله، ولكن الحق سبحانه وتعالى هو الأعلم لأن الميزان كله عنده، إنه ~~يدرك الظاهر والباطن، وهو سبحانه يقول هنا: " أعلم " وهناك " عليم " ، و ~~" العليم " هو من يرى ظاهر الأمر ويحيط به، لا الخافي منه، أما الذي يرى ~~الظاهر والخفي فهو أعلم. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل ~~كثيرة يعامل الناس بعلانيتهم، ويترك سرائرهم ms3170 إلى الله. # " وعندما قتل مسلم رجلا أعلن الإسلام، سأله صلى الله عليه وسلم لماذا؟، ~~قال: لأنه أعلن الإسلام نفاقا. فقال صلى الله عليه وسلم: أشققت عن ~~قلبه؟! " # وسبحانه وتعالى " أعلم " لأنه يعلم الظاهر والباطن، ويعلم خائنة الأعين ~~وما تخفي الصدور. ### || [6.118-119] # ما الذي أدخل هذه المسألة في هذا السياق؟ لقد تكلم الحق عن أن هناك ~~أعداء لكل نبي يلتمسون ثغرة في منهجه ليتكلموا فيها، وهذه هي مهمتهم التي ~~هيأها الله لهم، فحين يقولون الاعتراضات نجد المنهج يرد عليهم وبذلك ~~تنتفع الدعوة إلى أن تقوم الساعة. مثال ذلك نجد الجماعة الذين عارضوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج، فحين قال لهم: أنني ~~أسري بي إلى المسجد الأقصى وعرج بي إلى السماء في ليلة واحدة، ~~التمسوا له ثغرة لينفذوا منها ويضللوا غيرهم وقالوا له: أتدعي أنك ~~أتيتها في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا؟!! لكن أبو بكر ~~الصديق قال: إن كان قال فقد صدق، وهذا هو الإيمان الذي يحسن استقبال ~~الأمر المخالف للنواميس. ويجادلون أبا بكر، فيقول: أنا صدقته في خبر ~~السماء فكيف أكذبه في ذلك، ما دام قال فقد صدق، وهذا كلام منطقي. لكن ~~المعارضين لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أتدعي أنك أتيتها في ~~ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا! فأعطى صلى الله عليه وسلم لهم ~~الأمارات ووصف لهم العير التي في الطريق، وغير ذلك من العلامات التي تجعل ~~من الأمر حجة إلى يوم القيامة، ولو مرت مسألة الإسراء والمعراج من غير ~~أن يعترض أحد من الأعداء، لما وجدنا الحرارة في تصديقها. إننا نجد حاليا ~~من يقول: وهل من المعقول أنه صلى الله عليه وسلم راح إلى بيت المقدس وجاء ~~في ليلة؟ لابد أن ذلك كان حلما. لو لم يقولوا هم هذا ما كنا عرفنا الرد ~~إنما هم قالوها حتى نعرف الرد ويظل الرد رادعا إلى أن تقوم الساعة، وهذه ~~هي المهمة التي جعلها الله للأعداء لأنه صلى الله عليه وسلم لو قال لهم: ms3171 ~~إنني حلمت أني رحت بيت المقدس. أكان هناك من يعترض على أن يحلم النبي حتى ~~ولو قال: إنه ذهب إلى آخر المعمورة إنه لا يجرؤ واحد أن يكذبه، لكنهم ما ~~داموا قد كذبوه، ورفضوا تصديق الإسراء فهذا دليل على أنهم فهموا من ~~الذهاب أنه ليس ذهابا رؤيا وإنما ذهاب قالب، لقد فهموا عنه أنه انتقل ~~بجسده من مكة إلى بيت المقدس، ولذلك كذبوه، وهذا التكذيب منهم ينفعنا ~~الآن، لنرد به على المكذبين المعاصرين. إذن فوجود الأعداء يهيج القرائح ~~التي يمكن أن نرد على أية شبه يثيرها أي إنسان سواء أكان ماضيا أم ~~معاصرا. والحق هنا يقول: { فكلوا مما ذكر اسم الله ~~عليه إن كنتم بآياته مؤمنين } [الأنعام 118]. هذه الآية ~~لها قصة توضح كيف يحاول الأعداء اصطياد الثغرات لينفذوا منها، وقالوا: ~~يقول النبي لكم: إن الميتة لا يحل أن تأكلوا منها، وما تذبحونه بأيديكم ~~كلوا منه، والذبح لون من الموت، هذه هي الشبهة التي قالوها، وهي أولا ~~مغالطة في الأساليب لأن الميتة غير المذبوحة وغير المقتولة. # فالمذبوحة إنما ذبحناها لنطهرها من الدم لذلك فالمناقشة الفقهية أو ~~العلمية تهزم قولهم لأن هناك فرقا بين الموت والقتل. فالموت هو أخذ ~~للحياة بدون سلب للبنية، إنما القتل هو سلب للبنية أولا فتزهق الروح ~~ويبقى الدم في الجسم. ثم هل يأخذ المشرع وهو الرب الأعلى الحكمة منا أو ~~أن الحكمة عنده هو وحده؟. وقد تبين لنا في عصرنا أن غير المؤمنين بدأوا ~~في الاهتداء إلى أن الميتة فيها كل الفضلات الضارة، واهتدوا إلى إزالة كل ~~الفضلات الضارة من الحيوانات التي يريدون أكلها لأن تكوين جسم الحيوان ~~يتشابه مع تكوين جسم الإنسان، فهو يأكل ويهضم ويمتص العناصر الغذائية ~~ليتكون الدم والطاقة، وفي الجسد أجهزة تصفي وتنقي الجسم من السموم ~~الضارة، فالكلية مثلا تصفي الدم من البولينا وغيرها، ويسير الدم ~~ليمر على الرئة ليأخذ الأوكسيجين، وكل ذلك لتخليص الجسد من الفضلات ~~الضارة، وأوعية الدم في الإنسان والحيوان فيها الدم الصالح والدم الفاسد، ~~والدم الفاسد هو الذي لم ms3172 تتم تنقيته، وعندما نذبح الذبيحة ينزل منها الدم ~~الفاسد وغيره، أي أننا ضحينا بالدم الصالح في سبيل وقايتنا من الدم ~~الفاسد. لكنها إن ماتت دون ذبح فآثار الدمين الاثنين موجودة. وكذلك آثار ~~الفضلات التي كان يجب أن يتخلص منها، وهذا ما نفعله في هذا الأمر، لكن هل ~~لنا مع الحق سبحانه وتعالى تعقل في شيء إلا في توثيق الحكم والاطمئنان ~~إلى مجيئه منه جلت قدرته؟ كان جدلهم أنهم قالوا: أنتم تأكلون ما قتلتم ~~ولا تأكلون ما قتل الله، فأنتم تظنون أنفسكم أحسن من الله، وهذا افتراء ~~منهم. ثم إن الحيوان حين يموت لم يذكر عليه اسم الله، لكن الذبيحة التي ~~نذبحها نذكر عليها اسم الله، فكأن الحق سبحانه وتعالى يوضح: فكلوا مما ~~ذكر اسم الله عليه. أي غير الميتة وغير ما يذبح للأصنام. { فكلوا ~~مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته ~~مؤمنين } [الأنعام 118]. إن تلقي أي حكم من الحق، لا يصح أبدا أن ~~نبحث عن علته أولا ثم نؤمن به، بل علينا بعد أن نثق بأنه من الله الذي ~~آمنا به. علينا إذن أن نأخذ الحكم الذي أمر به الله. { وما لكم ~~ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل ~~لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه ~~وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ~~ربك هو أعلم بالمعتدين } [الأنعام: 119]. وللآيتين - ~~كما علمنا - سبب نزلتا من أجله وهو أن بعض المعارضين لرسول الله الذين ~~يقفون من الدعوة موقف التكذيب والعمل على إبطالها والقضاء عليها، كانوا ~~يشيعون عند المؤمنين شائعات قد تفت في عضدهم العقدي فعرضوا هذه المسألة ~~وهي في ظاهرها تشكيك. # وهم قد عرضوا القضية بهذا الشكل غير المتسق لأن من الذي قتل؟ لقد قالوا: ~~إن الميتة قتلها الله، فهل الله هو الذي قطع رقبتها؟ وهل ضربها الله على ~~رأسها فأمات أصل إدارة الحياة وهو المخ؟ هل صوب شيئا إلى قلبها؟ سبحانه ~~جل وعلا منزه عن مثل هذه الأفعال البشرية، فكيف يسمون الموت قتلا؟ إن ~~تسمية الموت قتلا ms3173 هو الخطأ، فقولهم: كيف تبيحون لأنفسكم ما قتلتموه أي ~~بالذبح. ولا تبيحون ما قتله الله أي أماته، فيه مغالطة في عرض القضية، ~~ويريد الله سبحانه وتعالى أن يضع عند المؤمنين مناعة من هذه الهواجس التي ~~يثيرونها فقال: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن ~~كنتم بآياته مؤمنين }. وما معنى الذكر؟ إن عدم تحديد ~~العلماء المعنى المقصود بالذكر، هو الذي أوجد بينهم خلافا كبيرا. ~~فسيدنا الإمام مالك يرى أنك إذا ذبحت ولم تذكر اسم الله سواء أكنت ناسيا ~~أم عامدا فلا يصح لك ان تأكل من الذبيحة. ويرى الإمام أبو حنيفة: إذا ~~كنت لم تسم ناسيا فكل مما ذبحت، لكن إن كنت عامدا فلا تأكل، والإمام ~~الشافعي - رضي الله عنه - يرى: ما دمت مؤمنا ومقبلا على الذبح وأنت ~~مؤمن فكل مما لم تذكر اسم الله ناسيا أو عامدا لأن إيمانك ذكر لله. ~~ونقول: ما هو الذكر؟ هل الذكر أن تقول باللسان؟ أو الذكر أن يمر الشيء ~~بالخاطر؟ إن كنتم تقولون إن الذكر باللسان فلنبحث في الحديث القدسي الذي ~~قاله الله تعالى: # " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في ~~نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم. " # إذن فقد سمي ربنا الخاطر في النفس ذكرا وبذلك يصبح من حق الإمام ~~الشافعي أن يقول ما قال. لذلك أقول: يجب أن نحدد معنى الذكر أولا حتى ~~ننهي الخلاف حول هذه المسألة، فليس من المقبول أن نقيم معركة حول معنى " ~~الذكر " لأن الذكر وهو خطور الأمر على البال قد يصحبه أن يخطر الأمر على ~~اللسان مع الخطورة على البال، وقد يظل خطورا على البال فقط، بدليل ما ~~جاء في الحديث السابق. والمؤمن حين يجد أمامه أشياء كثيرة، قد يوجد شيء ~~جميل وآخر ليس له من الجمال شيء فالجاموسة أقل في الجمال من بعض ~~الحيوانات التي حرم الله أكلها، وأقبل المؤمنون على ذبح الجاموسة ليأكلوا ~~منها. ولم نسمع عن مسلم تقدم إلى حيوان حرم الله أكله ms3174 ليذبحه، لماذا؟ لأن ~~المؤمن يقبل على ما أحل الله، وهذا الإقبال دليل على أنه ذكر في نفسه ~~المحلل والمحرم وهو الله، إذن اختياره حيوانا للذبح دليل على أنه ذكر ~~الله في النفس أو في القول، وبهذا نتفق على أن ذكر المؤمن يكون في قلبه ~~قال أو لم يقل، وينتهي الخلاف في هذه المسألة. # إذن الإمام الشافعي أخذ بهذه المسألة لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حينما سئل عن أكل المسلم من ذبيحة لا يعرف من ذبحها وهل سمى أو لم يسم، ~~أوضح لمن سأله: سم وكل. فالإنسان منا لا يحضر وقت الذبح دائما، ~~ويكفيه أن يستحضر المحلل والمحرم ساعة الأكل. والحق سبحانه وتعالى يوضح ~~لنا: اذكروا اسم الله، وسبحانه يعلم أنك تقبل على أشياء لتفعلها. وهذه ~~الأشياء تنقسم إلى قسمين: قسم يمر على بالك قبل أن تفعله، وقسم لا يمر ~~على بالك، بل تفعله تلقائيا بدون ما يمر على البال، ومثال ذلك الأفعال ~~العكسية كلها التي يفعلها الإنسان إنها لا تمر على باله. فلو حدث أن حاول ~~واحد أن يضع إصبعه في عين آخر، فهذا الآخر يغمض عينيه تلقائيا. ويختلف ~~ذلك عن الفعل الذي تفكر فيه قبل أن تفعله. فالذي يفعل الفعل بعد أن يمر ~~بخاطره هو فعل ذو بال. ولذلك أراد الرسول عليه الصلاة والسلام ألا يكلفنا ~~عناء أو مشقة فقال: # " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع. " # والأمر ذو بال هو الأمر الذي يكون قد خطر على بالك أن تفعله أو لا ~~تفعله. إذن فالله سبحانه وتعالى لا يكلفنا إلا عند الأمر الذي يمر على ~~الخاطر لأنك حين تقبل على أي فعل فينفعل لك كما تريد، إن هذا من عطاء ~~الله لك، وأنت حين تذبح عجلا، أو خروفا، وتتأمل أنت كيف يقدرك الله ~~على هذا الكائن الحي. وإنك لم تفعل ذلك إلا لتسخير الله كل الكائنات ~~لك. فباسم الله تذبحه. إذن هناك أمور كثيرة وأفعال ذات بال تمر عليك ومن ~~حسن الأدب والإيمان ms3175 أن تقبل عليها باسم الله. ولذلك يخطئ بعض الناس حين ~~يظنون أن الإنسان عندما يذبح حيوانا فهو يؤذيه. لا، بل ذبح هذا الحيوان ~~هو تكملة لمهمته في الحياة لأنه مخلوق لهذا الهدف ومذلل له. لقد قلنا ~~سابقا: إن هناك عجيبة من عجائب المزاولات الفعلية، هذه العجيبة أنك حين ~~تأتي إلى الحيوانات التي لم يحلها الله للإنسان، كالحمار مثلا إذا ما ~~تعرضت هذه الحيوانات إلى ما يميتها، كأن التف حول عنقه حبل، واختنق فهو ~~يموت دون أن يمد رقبته إلى الأمام، لكن الحيوان الذي أحله الله للأكل مثل ~~الجاموسة أو الخروف أو العجل، نجد الحيوان من هذه الحيوانات إن اختنق يمد ~~رأسه إلى الإمام، فيقول أهل الريف في مصر: إنه يطلب الحلال، أي الذبح. # فلا يسمى ذبح الحيوان اعتداء عليه لأن الحيوان مخلوق لهذه المهمة. إذن ~~فمعنى كلمة " باسم الله " أي أنني لم أجترئ على هذا العمل إلا في إطار ~~اسم الله الذي أحل لي هذا. بعد ذلك يقول الحق للمؤمنين: لا تسمعوا كلام ~~الكافرين، ويأتي السؤال الاستنكاري: { وما لكم ألا تأكلوا ~~مما ذكر اسم الله عليه } والمعنى: أي سبب يمنعكم من أن ~~تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه؟ وقد فصل لكم ما حرم عليكم، فما ذكر اسم ~~الله عليه ليس من ضمن المحرمات التي نص الله عليها، فربنا سبحانه هو من ~~حلل وحرم. وإن قيل: ما دام قد حرم علينا بعض الأشياء فلماذا خلقت هذه ~~الأشياء؟ ونقول: إن من يفكر بمثل هذا الأسلوب يتناسى أن كل مخلوق من ~~الحيوانات ليس مخلوقا للأكل، بل لكل حيوان مهمة. وإن ذبحت محرما، فقد ~~يناقص هذا الفعل مهمته فالخنزير - مثلا - حرمه ربنا لإنك إن ذبحته ~~فستذهب به بعيدا عن مهمته لأنه مخلوق كي يلم جراثيم الأشياء التي لا ~~تراها العين، فأنت حين تذبحه تخرجه عن مهمته. والحق سبحانه وتعالى هو ~~الذي خلق الإنسان، ويعلم ما يناسبه من غذاء يولد الطاقة ولا يهدر الصحة ~~لذلك حرم وحلل له، وإياك أن تقول: إن الله سبحانه وتعالى ms3176 لم يحرم إلا ~~الشيء الضار فقد حرم شيئا غير ضار لأنه يريد بذلك الأدب في: " افعل هذا ~~" و " لا تفعل هذا ". ولذلك قال الحق سبحانه: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم.. # [النساء: 160]. وفي حياتنا اليومية هل تقول: إن الذين يربون أبناءنا في ~~الجيش بالشدة، يقسون على الأبناء؟ لا، بل إنهم يعدونهم لمواجهة المهام ~~الشاقة. وأن يتعودوا التزام الأدب والطاعة والانضباط، فكذلك حلل الحق ما ~~أراد وحرم ما شاء ليجعل الكون منضبطا بقدرة الحكيم القادر، فسبحانه يحرم ~~أشياء مثل المخدرات، ونحن في بعض الأحيان نتناولها لنداوي بها الأمراض، ~~فلو أخذها الإنسان من غير مرض أو داع فإنها تسرق الصحة من بنية ~~الإنسان، وإن أخذها من بعد ذلك للعلاج لا تأتي بالمفعول المطلوب منها. ~~ولذلك نجد من الأطباء من يسأل الإنسان قبل إجراء الجراحات الدقيقة إن ~~كان المريض قد تناول المخدرات أم لا؟ وذلك حتى يتعرف الأطباء على حقيقة ~~ما يصلح له من ألوان التخدير. وسبحانه وتعالى قد منع عنا تلك الألوان من ~~مغيبات العقول، لعلنا نحتاج إليها في لحظة الشدة والمرض. إذن فالحق ~~سبحانه وتعالى قد ربط كل حكم من الأحكام التحليلية والتحريمية ب " إن ~~كنتم مؤمنين " ، ومعنى " إن كنتم مؤمنين " أي يا من آمنتم بالإله الحكيم ~~الذي لا يأمر إلا بما فيه مصلحتكم، امتنعوا عن مثل تلك الأفعال، وإذا ~~أقبلت على أي شيء مما أحله الله لك فأقبل عليه باسم الله، وسبحانه وتعالى ~~له أسماء علمها لنا، وأنزلها في كتابه، وأسماء علمها لأحد من خلقه، ~~وأسماء استأثر بها في علم الغيب عنده، وهذه الأسماء هي صفات الكمال لله، ~~التي لا توجد في غيره. # وحين نستحضر الاسم الجامع لكل صفات الكمال نقول: باسم الله. وتنهي ~~المسألة. وحين ناقش العلماء مسألة التحريم والتحليل، قال بعضهم: إن الحق ~~سبحانه وتعالى قال في أول سورة المائدة: # حرمت عليكم الميتة.. # [المائدة: 3]. وهنا في سورة الأنعام يقول: { وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم.. } [الأنعام: 119]. والمتنبهون من العلماء قالوا: إن ~~سورة المائدة مدنية، ومعنى ms3177 كونها مدنية أنها نزلت بعد السورة المكية، ~~وسورة الأنعام مكية، وهل يقول الحق في السورة المكية { وقد فصل ~~لكم ما حرم عليكم } في السورة المدنية؟ وبعض العلماء الذين ~~أعطاهم ربنا نور بصيرة قال: لقد فصل لكم في سورة المائدة وجاء أيضا في ~~سورة الأنعام فقال: # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ~~به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور ~~رحيم # [الأنعام: 145]. أي فصل لك في هذه السورة المكية. وقد يأتي واحد من ~~المولعين بالاعتراض أو من خصوم الإسلام ويقول: لم تذكر الآية كل الأشياء ~~المحرمة لماذا؟ ونقول: القرآن هو الخطوط الأساسية في المنهج، وتأتي السنة ~~بالتفصيل في إطار: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. والحق يقول هنا: { وقد فصل لكم ما حرم ~~عليكم إلا ما اضطررتم إليه.. } [الأنعام: 119]. ~~واضطرار هو أمر ملجئ إلى شيء غير الأسباب الكونية المشروعة. ومعنى كونه ~~مضطرا أنه يلجأ إلى شيء فقد أسبابه المشروعة كالذي يريد أن يأكل ليستبقي ~~الحياة، فإذا لم يجد من الحل ما يستبقي به الحياة فهو مضطر. ونقول له: خذ ~~من غير ما أحل الله بالقدر الذي يدفع عنك الضرورة. فكل من الميتة بقدر ~~الضرورة ولا تشبع. والحق يقول: # فمن اضطر في مخمصة.. # [المائدة: 3]. والمخمصة هي المجاعة. إذن فالاضطرار هو شيء فوق الأسباب ~~المشروعة للعمل. والله سبحانه وتعالى يعطي الإنسان الرخصة في أن يتناول ~~ما حرمه إذا كان مضطرا. { إلا ما اضطررتم إليه وإن ~~كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم.. } [الأنعام: ~~119]. والذين يضلون بأهوائهم بغير علم هم من أرادوا زراعة الشك في نفوس ~~المسلمين. ومعنى الضلال بالهوى أي أن تكون عالما بالقضية، ولكن هواك ~~يعدل بك عن مراد الحق من القضية. ولذلك يصف الحق رسوله صلى الله عليه ~~وسلم: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3]. وحين يقول الحق: { وإن كثيرا ليضلون ~~بأهوائه } فمعنى ذلك أنه يوجد ضلال ms3178 بغير هوى، وهو عدم وصول الإنسان ~~إلى الحقيقة لأنه لا يعرف الطريق إليها، والضلال بالهوى أي أن تكون عندك ~~الحقيقة وأنت عارف بدروبها ولكنك تعدل عنها. # { وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم.. } ~~[الأنعام: 119]. وساعة ترى مجيء متعلق بعد " يضلون " وهو قوله: { ~~بأهوائهم } تقول كأن هناك ضلالا بغير علم، وهو غير مذموم لأن ~~صاحبه لا يعرف الحكم في القضية، وهذا يختلف عن الذي يضل وهو يعرف الحكم، ~~فهذا ضلال بالهوى، وهذا الفهم يحل لنا إشكالات كثيرة أيضا. و { بغير ~~علم } أي ليس عندهم علم بالقضية وأحكامها. ويذيل الحق الآية بقوله: { ~~إن ربك هو أعلم بالمعتدين } [الأنعام: 119]. وقد ~~أفسح الله في النص القرآني لبعض خلقه الذين يعرفون المهتدى من غير ~~المهتدى، والكثير من الناس لا يعلمون المهتدى من غير المهتدى ولكن إن ~~علموا فالله أعلم. ويقول الحق بعد ذلك: { وذروا ظاهر الإثم... ~~}. ### || [6.120] # هذه تقنينات السماء التي تحمي المجتمع من بعضه وذلك في ألا تقع عين أحد ~~على مخالفة من أحد، وإذا وقعت عينك على مخالفة من غيرك تكون المخالفة مما ~~يدرك لكنها ليست كل الفساد في المجتمع ففساد المجتمع يأتي من أشياء كثيرة ~~لا تقع تحت دائرة الإدراكات. وهناك أشياء تكون في منابع النفس البشرية ~~التي تصدر عنها عوامل النزوع فقبل أن يوجد إثم ظاهر يوجد إثم باطن، ~~والإثم الباطن سابق على الإثم الظاهر. والتقنينات البشرية كلها تحمينا ~~من ظاهر الإثم، ولكن منهج السماء يحمينا من فساد ظاهر الإثم وباطن ~~الإثم. ويوضح لنا الحق الفرق بين تقنين البشر للبشر وتقنين الإله، ~~فسبحانه رقيب على مواجيدكم ووجداناتكم وسرائركم، فإياكم أن تفعلوا باطن ~~الإثم، ولا يكفي أن تحمي نفسك من أن يراك القانون لأن قصارى ما يعمل ~~القانون أن يمنع الناس من أن يتظاهروا بالجريمة ويقترفوها علانية، والفرق ~~بين تشريع السماء وتشريع الأرض أن تشريع الأرض يحمي الناس من ظاهر ~~الإثم، ولكن تشريع السماء يحمي الناس من ظاهر الإثم وباطن الإثم، ~~وباطن الإثم هو أعنف أنواع الإثم في الأرض. وبعض أهل الاكتساب في ms3179 الشر ~~برياضتهم على الشر يسهل عليهم فعل الشر وكأنهم يفعلون أمرا قد تعودوا ~~عليه بلا افتعال. و " كسب " - كما نعلم - تأتي بالاستعمال العام للخير، و ~~" اكتسب " تأتي للشر لأن الخير يكون فيه الفعل العملي رتيبا مع كل ~~الملكات، ولا افتعال فيها، فمن يريد - مثلا - أن يشتري من محل ما فهو ~~يذهب إلى المحل في وضح النهار ويشتري. لكن من يريد أن يسرق فهو يرتب ~~للسرقة ترتيبا آخر، وهذا افتعال، لكن الافتعال قد يصبح بكثرة المران ~~والدربة عليه لا يتطلب انفعالا، لأنه قد أضحى لونا من الكسب. و " ~~يكسبون " تدل على الربح لأن " كسب " تدل على أنك أخذت الأصل والزيادة على ~~الأصل، والإنسان حين يصنع الخير إنما يعطي لنفسه مقومات الحياة ويأخذ أجر ~~الآخرة زائدا، وهذا هو قمة الكسب. ويريد الحق سبحانه وتعالى من العبد في ~~حركته أن يحقق لذاته نفعا هو بصدد الحاجة إليه، ولكن الإنسان قد يحقق ما ~~ينفعه وهو بصدد الحاجة إليه، ثم ينشأ من ذلك الفعل ضرر بعد ذلك لذلك يحمي ~~الله الإنسان المؤمن بالمنهج حتى يميز بين ما يحقق له الغرض الحالي ويحقق ~~نفعا ممتدا ولا يأتي له بالشر وما يحقق له نفعا عاجلا ولكن عاقبته ~~وخيمة ونهايته أليمة، إننا نجد الذين يصنعون السيئات ويميلون للشهوات - ~~مثلا - يحققون لأنفسهم نفعا مؤقتا، مثل التلميذ الذي لا يلتقفت إلى ~~دروسه، والذي ينام ولا يستيقظ، والذي إن أيقظوه وأخرجوه من البيت ذهب ~~ليتسكع في الشوارع، وهو في ظاهر الأمر يحقق لنفسه راحة، لكن مآله إلى ~~الفشل. # بينما نجد أن من اجتهد وجد وتعب قد حقق لنفسه النفع المستمر الذي لا ~~تعقبه ندامة. { إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما ~~كانوا يقترفون } [الأنعام: 120]. ففي الدنيا نجد أن الجزاء من ~~بشر لبشر، ولكن ماذا عن لحظة العرض أمام الله وهو العليم بظاهر الإثم ~~وباطن الإثم؟ فالذي يصون المجتمع - إذن - هو التقنين السماوي، فالمنهج لا ~~يحمي الإنسان ممن حوله فحسب ولكنه يقنن لحركة الإنسان لتكون صحيحة. ويعود ~~الحق بعد ذلك إلى قضية الطعام ms3180 فيقول: { ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله... }. ### || [6.121] # وهنا يسمى الحق ما لم يذكر اسم الله عليه ب " الفسق " وهو ما تشرحه ~~الآية الأخرى وتبرزه باسم مخصوص: # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ~~به.. # [الأنعام: 145]. إذن ف " فسقا " معطوفة على الميتة والدم المسفوح ولحم ~~خنزير، لكنه سبحانه فصل بين المعطوف وهو " فسقا " والمعطوف عليه بحكم ~~يختص بالمعطوف عليه، وهذا الحكم هو الرجس وهكذا أخذت الثلاثة المحرمات ~~حكم الرجس. وعطف عليها ما ذبح عليه اسم غير الله كالأصنام وهو قد جمع بين ~~الرجس والفسق. ويقول الحق: { وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليآئهم } وسبحانه يريد أن يبين لنا أن الفطرة السليمة التي لا ~~يميلها هوى تصل إلى حقائق الخير، ولذلك نجد أن الذين يحثون ويحض بعضهم ~~بعضا على الشر ويعلم بعضهم بخفاء إنما يأخذون مقام الشيطان بالوسوسة ~~والتحريض على العصيان والكفر لأن المسألة الفطرية تأبى هذا، وحين يرتكب ~~إنسان موبقة من الموبقات، إنما يلف لها ويتحايل ليصل إلى ارتكاب الموبقة، ~~وقد يوحي بذلك إلى غيره، فيدله على الفساد. ويكون بذلك في مقام الشياطين ~~الذين يوحون إلى أوليائهم بإعلام خفي لأن الفطرة السليمة تأبى الأشياء ~~الشريرة وتقف أيضا فيها، ولا يجعلها تتقدم إلى الشر إلى الهوى، فإذا ما ~~أراد شيطان من الإنس أو شيطان من الجن أن يزين للناس فعلا فهو لا ~~يعلن ذلك مباشرة. إنما يلف ويدور بكلام ملفوف مزين. { وإن ~~الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم ~~وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } [الأنعام: 121] وفي ~~ذلك إشارة إلى قول المشركين: تأكلون ما قتلتم أنتم ولا تأكلون ما قتل ~~الله وأنتم أولى أن تأكلوا مما قتل الله. { وإن أطعتموهم ~~إنكم لمشركون } [الأنعام: 121]. وكأن مجرد الطاعة لهؤلاء ~~المشركين لون من الشرك لأن معنى العبادة امتثال وائتمار عابد لمعبود ~~أمرا ونهيا، فإذا أخذت أمرا من غير الله فإنه يخرج بك عن صلب وقلب ~~منهجه سبحانه وبذلك ms3181 تكون قد أشركت به. ويقول الحق بعد ذلك: { أو من ~~كان ميتا فأحييناه وجعلنا له... }. ### || [6.122] # والحق سبحانه وتعالى - كما عرفنا - يعرض بعض القضايا لا عرضا إخباريا ~~منه، ولكن يعرضها باستفهام لأنه - جل وعلا - عليم بأنه حين يأتي لك ~~الاستفهام، ثم تدير ذهنك لتجيب فلن تجد إلا جوابا واحدا هو ما يريده ~~الحق. إذن فالأسلوب أحيانا يكون أسلوبا خبريا أو يكون استفهاما ~~بالإثبات أو استفهاما بالنفي. وأقواها الاستفهام بالنفي. وحين يعرض ~~سبحانه القضية التي نحن بصددها يوضح وهو العليم أنك إن أحببت أن تجيب فلن ~~تجد إلا الجواب الذي يريده الحق. إننا نجد في الآية الكريمة موتا وحياة، ~~وظلاما ونورا. وما هي الحياة؟. الحياة هي وجود الكائن على حالة تمكنه ~~من أداء مهمته المطلوبة منه، وما دام الشيء يكون على حالة يؤدي بها مهمته ~~ففيه حياة، وأرقى مستوى للحياة هو ما تجتمع فيه الحركة والحس والفكر، ~~وهذه الأمور توجد كلها في الإنسان. أما الحيوان ففيه حس وحركة وليس عنده ~~فكر. غير أن الحيوان له غريزة أقوى من فكر الإنسان، فهو محكوم بالغريزة ~~في أشياء وبالاختيار في أشياء، وليس لك في الغريزة عمل. لكن في مجال ~~الاختيار لك عمل، تستطيع أن تعمله وتستطيع ألا تعمله. إذن فالحياة هي أن ~~يكون الكائن على حال يؤدي به مهمته المطلوبة منه. وعلى هذا الاعتبار ففي ~~الإنسان حياة، وفي الحياة حياة، وفي النبات حياة، وفي الجماد حياة، وكلما ~~تقدم العلم يثبت لنا حيوات أشياء كثيرة جدا كنا نظن ألا حياة فيها، وإن ~~ظهر لنا في التفاعلات أن بعض الأشياء تتحول إلى أشياء أخرى، فعلى سبيل ~~المثال الحيوان فيه حياة فإذا ذبحناه وأكلناه، ورمينا عظامه، كانت فيها ~~حياة من نوع ثم صارت أجزاؤه إلى جمادية لها حياة من نوعها، بدليل أنه حين ~~يمر بعض من الزمن يتفتت العظم. وكنا قديما في الريف نحلب اللبن في أوعية ~~من الفخار وتوضع في مراقد، ويستمر اللبن أسبوعا في المرقد، ويكون أحلى ~~في يومه عن أمسه. ويزداد اللبن حلاوة كل ms3182 يوم، ثم تأخذ زوجة الفلاح قطعة ~~القشطة الأخيرة وتصنع منها الجبن الجميل الطعم. أو الزبد لكن بعد أن ~~أغلينا اللبن نجده يفسد بعد عدة ساعات لأنك حين وضعته في المرقد، أخذته ~~بالحياة فيه فظلت فيه حيوية حياته، لكن حين أغليته فقد قتلت ما فيه من ~~الحياة، فإن لم تضعه في ثلاجة لابد من أن يتعفن، ومعنى التعفن أنه لم يعد ~~يؤدي مهمته كلبن، إنما انتقل إلى حياة أخرى بفعل البكتريا وغيرها، ولا ~~يذهب الحياة إلا الهلاك وهو ما قاله الحق: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88]. إذن، لا تأخذ الميت على أنه شيء ليس فيه حياة، ولكنه انتقل ~~إلى حياة ثانية. # { أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس.. } [الأنعام: 122]. كأن الإنسان حياة في ~~ذاته، ثم جعل الحق له نورا يمشي به. كأن الحياة متنقلة في أشياء، ويحتاج ~~الإنسان إلى حياة، ويحتاج إلى نور تتضح به مرائي الأشياء. وكانوا قديما ~~يعتقدون أن الإنسان يرى حين ينتقل شعاع من عينه إلى المرئي فيراه، إلى أن ~~جاء العربي المسلم ابن الهيثم. وقال: هذا رأي جانبه الصواب في قانون ~~الضوء، وقال: إن الإنسان يرى لأن شعاعا من المرئي يصل إلى عين الرائي. ~~بدليل أن المرئي إن كان في ضوء يدركه الإنسان، وإن كان في ظلمة لا يدركه ~~الإنسان، ولو كانت الأشعة تخرج من عين الإنسان لرأى الأشياء سواء أكانت ~~في نور أم في ظلمة، وتعدلت كل النظريات في الضوء على يد العالم المسلم، ~~وجاءت من بعد ذلك الصور الفوتوغرافية والسينما. إذن فالنور وسيلة إلى ~~المرئيات. ويترك الحق سبحانه وتعالى في أقضية الكون الحسية أدلة على ~~الأقضية المعنوية فالنور الحسي الذي نراه إما ضوء الشمس وإما ضوء القمر، ~~وإما ضوء المصباح، وإما غير ذلك، وهذا ما يجعل الإنسان يرى الأشياء، ~~ومعنى رؤية الإنسان للأشياء أن يتعامل معها تعاملا نفعيا غير ضار. ونحن ~~نضيء المصباح بالكهرباء حين يغيب النور الطبيعي - نور الشمس - وعندما ~~نضيء مصابيحنا نرى الأشياء ونتفاعل معها ولا نحطمها ولا ms3183 تحطمنا، وكل واحد ~~منا يأخذ من النور على قدر إمكاناته. إذن كل واحد يضيء المكان المظلم ~~الذي اضطر إليه بغيبة المنير الطبيعي على حسب استطاعته، فإذا ظهرت الشمس ~~أطفأنا جميعا مصابيحنا هذا دليل من أدلة الكون الحسية الملموسة لنأخذ ~~منها دليلا على أن الله إن فعل لقيمنا نورا فلا نأتي بقيم من عندنا، ما ~~دامت قيمه موجودة. ويوضح الله أن الإنسان بدون قيم هو ميت متحرك، ~~ويأتيه المنهج ليحيا حياة راقية. ويوضح سبحانه لكل إنسان: احرص على ~~الحياة الثانية الخالدة التي لا تنتهي وذلك لا يتأتى الا باتباع المنهج، ~~وإياك أن تظن أن الحياة فقط هي ما تراه في هذا الوجود لأنه إن كانت هذه ~~هي غاية الحياة لما أحس الإنسان بالسعادة لأنه لو كانت الدنيا هي غايتنا ~~للزم أن يكون حظنا من الدنيا جميعا واحدا وأعمارنا واحدة، وحالاتنا ~~واحدة، والاختلاف فيها طولا وقصرا وحالا دليل على أنها ليست الغاية ~~لأن غاية المتساوي لا بد أن تكون متساوية. إذن فقول الله هو القول الفصل: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان.. # [العنكبوت: 64]. فهذه هي الحياة التي لا تضيع منك ولا تضيع منها، ولا ~~يفوتك خيرها ولا تفوته. إذن فالذي يحيا الحياة الحسية الأولى وهي الحركة ~~بالنفخ في الروح هو ميت متحرك. { أو من كان ميتا فأحييناه ~~وجعلنا له نورا يمشي به. # . } [الأنعام: 122]. أي أنه سبحانه قد أعطى لمثل هذا العبد حياة خالدة ~~ونورا يمشي به، لا يحطم ولا يتحطم. أما من يقول: إن الحياة بمعناها ~~الدنيوي، لا تختلف عن الحياة في ضوء الإيمان، لمثل هذا نقول: لا، ليس ~~بينهما تساو فهما مختلفان بدليل ان الحق يقول: # استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال 24]. فسبحانه يخاطبهم، وما دام يخاطبهم فهم أحياء بالقانون ~~العادي، لكن سبحانه أنزل لرسوله المنهج الذي يحيا به المؤمن حياة راقية، ~~وافطنوا إلى أن الحق سبحانه وتعالى أعطى ومنح الروح الأولى التي ينفخها ~~في المادة فتتحرك وتحس بالحياة الدنيا، إنه أعطاها المؤمن والكافر. ثم ~~يأتي بروح ثانية تعطي حياة ms3184 أبدية. ولذلك سمي منهج الله لخلقه روحا: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا.. # [الشورى: 52]. فالمنهج يعطي حياة خالدة. إذن فقوله الحق: { أو من ~~كان ميتا فأحييناه } أي أو من كان ضالا فهديناه، أو من ~~كان كافرا فجعلناه مؤمنا. ولنلحظ أن فيه " ميتا " بالتخفيف، وفيه ~~ميت بالتشديد. والميت هو من يكون مآله الموت وإن كان حيا، فكل منا ~~ميت وإن كان حيا. ولكن الميت هو من مات بالفعل وسلبت وأزهقت روحه. ~~ولذلك يخاطب الحق نبيه صلى الله عليه وسلم فيقول له: إنك ميت. أي تؤول ~~إلى الموت وإن كنت حيا الآن. لأن كلا منا مستمر في الحياة إلى أن ~~يتلبس بصفة الفناء، ويقول الحق: " فأحييناه " أي بالمنهج الذي يعطيه حياة ~~ثانية، ولذلك سمي القرآن روحا، وسمي من نزل بالقرآن روحا أيضا. { ~~وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } ولماذا يمشي به في ~~الناس فقط، وليس بين كل الأشياء؟ لأن الأشياء الأخرى من الممكن أن تحتاط ~~أنت منها، ولكن كلمة الناس تعبر عن التفاعل الصعب لأنهم أصحاب أغيار. ~~ويتابع الحق: { كمن مثله في الظلمات ليس بخارج ~~منها } وهذا تساؤل جوابه: لا، أي ليس كل منهما مساويا للآخر، مثلما ~~نقول: هل يستوي الأعمى والبصير؟. والفطرة هنا تقول: لا، مثلما تؤكد ~~الفطرة عدم استواء الظلمات والنور، أو الظل والحرور، وهنا يأمننا ~~الله على الجواب لأنه سبحانه - يعلم الأمر إذا طرح كسؤال وكاستفهام فلن ~~نجد إلا جوابا واحدا هو ما يريد الحق أن يقوله خبرا. ويذيل الحق ~~الآية: { كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون } ~~[الأنعام: 122]. والمعنى هنا أي تركناهم عرضة لأن ينفعلوا للتزيين، ولم ~~يحمهم الحق بالعصمة في اختيارهم لأنه سبحانه قد ترك الاختيار حرا ~~للإنسان: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29]. ويقول الحق من بعد ذلك: { وكذلك جعلنا في... }. ### || [6.123] # وقول الحق سبحانه: { وكذلك } تدل على أن شيئا شبه بشيء، فكما ~~وجد في مكة من يناصبك العداء ويناهضك ويقاومك في أمر الدعوة إلى الله، ~~ويصد عن سبيل الحق إن تلك قضية ليست فيها ms3185 بدعا من الرسل لأن هذه ~~المسألة قضية سائدة مع كل رسول في موكب الإيمان، و " كذلك " أي كما جعلنا ~~في مكة مجرمين يمكرون جعلنا في كل قرية سبقت مع رسول سبق هذه المسألة، ~~فلم تكن بدعا من الرسل. وحيث إنك لم تكن بدعا من الرسل فلتصبر على ذلك ~~كما صبر أولو العزم من الرسل. وأنت أولى منهم بالصبر لأن مشقاتك على قدر ~~مهمتك الرسالية في الكون كله، فكل رسول إنما جاء لأمة محدودة ليعالج داء ~~محدودا في زمان محدود. وأنت قد جئت للأمر العام زمانا ومكانا إلى أن ~~تقوم الساعة، فلابد أن تتناسب المشقات التي تواجهك مع عموم رسالتك التي ~~خصك الله بها. { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر ~~مجرميها.. } [الأنعام: 123]. والإجرام هو مأخوذ من مادة " الجيم " و ~~" الراء " و " الميم " ، الجرم والجرم والجريمة. فيها معنى القطع. و " ~~مجرميها " جمع مجرم، ومجرم من أجرم، وأجرم أي ارتكب الجرم والجريمة، ~~ومعنى ذلك أنه قطع نفسه بالجريمة عن مجتمعه الذي يعايشه، فهو يعزل نفسه ~~لا لمصلحة لأحد إلا لمصلحته هو، فكأنه قام بعملية انعزال اجتماعي، وجعل ~~كل شيء لنفسه، ولم يجعل نفسه لأحد لأنه يريد أن يحقق مرادات نفسه غير ~~مهتم بالنتائج التي تترتب على ذلك. إذن فالإجرام هو الإقدام على القبائح ~~إقداما يجعل الإنسان عازلا نفسه عن خير مجتمعه لأنه يريد كل شيء لنفسه. ~~وما دام كل شيء لنفسه فعامل التسلط موجود فيه، ويرتكب الرذائل. ولأنه ~~يرتكب الرذائل فهو يريد من كل المجتمع أن تنتشر فيه مثل هذه الرذائل كي ~~لا يشعر أن هناك واحدا أحسن منه. { ليمكروا فيها وما ~~يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } [الأنعام: 123]. ~~والمكر - كما تعرف - مأخوذ من التفاف الأغصان بعضها على بعض التفافا ~~بحيث لا تستطيع إذا أمسكت ورقة من أعلى أن تقول هذه الورقة من هذا الفرع ~~لأن الأغصان والفروع ملفوفة ومتشابكة ومجدولة بعضها مع بعض. والماكر يصنع ~~ذلك لأنه يريد أن يلف تبييته حتى لا يكشف عنه، وما دام يفعل ذلك فاعلم ~~من أول الأمر ms3186 أنه ضعيف التكوين لأنه لو لم يعلم ضعف تكوينه لما مكر لأن ~~القوي لا يمكر أبدا، بل يواجه، ولذلك يقول الشاعر: # وضعيفة فإذا أصابت فرصة # قتلت كذلك قدرة الضعفاء # والضعيف عندما يملك فهو يحدث نفسه بأن هذه فرصة لن تتكرر، فيجهز على ~~خصمه خوفا من ألا تأتي له فرصة أخرى، لكن القوي حين يأتي لخصمه فيمسكه ~~ثم قد يحدث نفسه بأن يتركه، وعندما يرتكب هذا الخصم حماقة جديدة ~~فيعاقبه. # إذن فلا يمكر الا الضعيف. والحق سبحانه وتعالى في هذه المسألة يتكلم عن ~~المجرمين من أكابر الناس، أي الذي يتحكمون في مصائر الناس، ويفسدون فيها ~~ولا يقدر أحد أن يقف في مواجهتهم. وهناك كثير من الآيات تتعلق بهذه ~~المسألة، وبعضها وقع فيه الجدل والخلاف، ومن العجيب أن الخلاف لم يصف، ~~وكل جماعة من العلماء يتمسكون برأيهم. وهذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا ~~عنها تلتقي مع القول الحق: # وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها ~~تدميرا # [الإسراء: 16]. وهذه الآية فيها إشكال، وقامت بسببها معركة بين العلماء ~~فنجد منهم من يقول: وكيف يأمر الله أناسا بالفسق؟. وحاولوا أن يجدوا ~~تأويلا لذلك فقالوا: إن الحق قد قسر وأجبر أكابر هؤلاء الناس على الفسق. ~~والجانب الثاني من العلماء قالوا: لا، إن الحق لا يقسر البشر على الفسق، ~~بل على الإنسان حين يقرأ كلمة أمر الله في المنهج فلابد أن يعرف أن هذا ~~الأمر عرضة لأن يطاع وعرضة لأن يعصى لأن المأمور - وهو المكلف - صالح أن ~~يفعل، وصالح ألا يفعل، وأن الآمر يأمر قد أمر بشيء، والمأمور له حق ~~الاختيار، وبذلك تجد أكابر القوم إنما استقبلوا أمر الله بالعصيان لأن ~~الحق هو القائل: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله.. # [البينة: 5]. والفسق - إذن - مترتب على اختيار المأمور. وحين نتأمل نحن ~~بالخواطر معنى: " أمر الله " نجد أن أمر الله يتمثل في التكوينات ~~الطبيعية الكونية ولا يوجد لأحد قدرة على مخالفة الله في ذلك، فهو ~~القائل: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له ms3187 كن ~~فيكون # [يس: 82]. ويتمثل أيضا أمر الله في التشريعات، وللبشر الذين نزلت لهم ~~هذه التشريعات أن يختاروا بين الطاعة أو العصيان، وسبحانه القائل عن ~~الأمر بالتشريع: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله.. # [البينة: 5]. وحين يقول الحق: # وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها.. # [الإسراء: 16]. فسبحانه لا يهلك هذه القرية ظلما، وإنما يرسل إليها ~~المنهج، فإن أطاعوا فأهلا وسهلا، وإن عصوا فلابد لهم من العقاب ~~بالدمار. وهكذا نرى أن العلماء الذين ظنوا أن الفسق مترتب على الأمر من ~~الله لم يلتفتوا إلى أن ورود الأمر في القرآن الكريم جاء على لونين: ~~أولا: أمر التكوين بالقهريات فلا يستطيع المأمور أن يتخلف عنه، ويمثل ~~الأمر القهري قوله الحق: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82] فالأمر جاهز في عالم الأزل ليبرز حين يشاء الحق. والأمر ~~الثاني: هو الأمر التشريعي وهو صالح لأن يختار المكلف بين أن يطيع أو ~~يعصي، وفي هذا الإطار نفهم قوله الحق: # وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها ~~تدميرا # [الإسراء: 16] فلا تقل: إن الله يأمر بالفسق فالحق قد أمر المؤمنين ~~بالمنهج لأنه سبحانه لا يأمر بالفحشاء. بل جاء الأمر لكل البشر أن يعبدوا ~~الله مخلصين له الدين، لكن كبار أهل هذه القرية أخذوا البديل للطاعة وهو ~~الفسق والمعصية، فلما أمرهم ففسقوا ماذا يصنع بهم؟، هو سبحانه يدمرهم ~~تدميرا. فإن كان في الكونيات فلا أحد من خلق الله مكلف في الكونيات، أما ~~أمره الثاني في اتباع المنهج فلنا أن نفهم أنه الاختيار. وهكذا نعلم ~~ونفهم معنى هذه الآية لتلتقي مع الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: أي ~~وإذا أردنا أن نهلك قرية أنزلنا منهجا فأكابرها كانوا أسوة سيئة ففسقوا ~~فيها بعدم إطاعة منهج الله فحق عليها القول فدمرناها تدميرا. وكذلك - ~~أيضا - نفهم قوله الحق: { وما يمكرون إلا بأنفسهم ~~وما يشعرون } لأن المكر إنما يريد به الماكر أن يحقق شيئا من ~~طريق ملتو لأنه ضعيف لا يمكن أن يواجه الحقائق، ms3188 وهذه الحقائق تستقبلها ~~الفطرة السليمة، وهو يريد تزييف المسألة على هذه الفطرة لذلك يلتوي. ~~ولمثل هذا الماكر نقول: أنت تريد أن تحقق لنفسك خيرا عاجلا وشهوة ~~موقوتة، ولكنك إن استحضرت العقوبة التي تنشأ من هذا الأمر بالنسبة لك. ~~وكذلك عقوبتك على أنك أضللت الآخرين لرأيت كيف يأتي الشر. { وما ~~يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } [الأنعام: 123]. ~~أي لا يعلمون، لأنهم لا يوازنون الأمور بدقة تؤدي إلى النفع الحقيقي. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { وإذا جآءتهم آية قالوا... }. ### || [6.124] # وكأن الآية التي أرسلها الله مع رسوله وهي القرآن لتثبت لهم صدقه في ~~البلاغ عن الله لم تقنعهم، ولم يكتفوا بها، بل طالبوا بآيات أخرى، فهم قد ~~قالوا: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا # [الإسراء: 90-92]. هم لا يريدون أن يؤمنوا بل إنهم يدخلون في اللجاج، ~~والتماس سبل الفرار من الإيمان لذلك تجد أن كل الحجج التي وقفوا بها أمام ~~دعوة الرسول هي أكاذيب فقالوا إنه ساحر يفرق بين المرء وزوجه، وبين الولد ~~وأبيه، ويدخل بما جاء به - ويزعم أنه من عند الله - الفتنة في الأسرة ~~الواحدة. لكن لماذا لم يتساءلوا: ما دام قد سحر غيرنا فلماذا لم يسحرنا؟. ~~وهل تأبوا هم على السحر؟. وهل للمسحور رغبة أو خيار مع الساحر؟. إنهم في ~~ذلك كاذبون. ثم قالوا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم شاعر. ولو أن أحدا ~~غيرهم قال مثل هذا الكلام لكان مقبولا لأنه يجهل رسول الله، ولأنه ليس ~~من قوم هم أهل فصاحة وأهل بلاغة وأهل بيان، إنهم يعرفون الشعر، والنثر، ~~والخطابة والكتابة. فلو كان هذا الأمر من غيرهم لكان القول مقبولا، ~~ولذلك نجد منهم من تصفو نفسه يقول: والله ما هو بقول كاهن ولا بقول شاعر. ~~ويطلب الحق منهم ألا يقولوا رأيا جماهيريا ففي الرأي الجماهيري يختلط ~~ويلتبس الحق بالباطل. بل كان يطلب منهم ms3189 أن يكون الكلام محددا بحيث تنسب ~~كل كلمة إلى قائلها فيقول الحق: # قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة.. # [سبأ: 46]. أي لا تأتوا في أثناء هياج الناس وتتهموا الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بالجنون لأن قولكم في الهياج الجماهيري غير محسوب على أحد لكن ~~المطلوب أن تقوموا لله مثنى أي اثنين اثنين، وكل اثنين يقولان: هيا بنا ~~نستعرض أمر هذا الرسول ونرى قضاياه: أهو كاهن؟. أهو ساحر؟. أهوشاعر؟ فبين ~~الاثنين لا يضيع الحق أبدا لأن كلا منهما يناقش الآخر، وحين يجلس اثنان ~~للنقاش، إذا انهزم منهما واحد أمام الآخر لا يفضح أمام الغير، لكن حين ~~يتناقش ثلاثة أو أربعة فكل منهم يخاف أن ينهزم أمام غيره، ونجد كل واحد ~~يدافع عن نفسه. ولذلك حين يجلس اثنان معا ليتناقشا، ويبحثا أي أمر لا ~~يخشى أحدهما الهزيمة لذلك يأتي الأمر من الله أن يقوموا لله مثنى أو ~~فرادى، ويتذكر كل واحد منهم أمر هذا الرسول: أهو مجنون؟. إن أفعال ~~المجنون وأعماله تكون متقطعة غير مستقيمة. # ومحمد على خلق عظيم، وهل يقال للمجنون: إنه على خلق عظيم؟ لأن الإنسان ~~منا لا يعرف كيف سيقابله المجنون، أيضربه، أيشتمه، أيقطع له ملابسه؟. ~~أما الخلق العظيم فمعناه الخلق المضبوطة بالقيم، وخلق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مضبوط بالقيم حتى صار ملكة وليس أمرا افتعاليا. وحين ~~يقول الناس عن إنسان إن خلقه الكرم أي قد تأصلت فيه صفة الكرم تأصلا ~~بحيث أصبحت تصدر عنه أفعال البذل بيسر وسهولة، وفي أعمال المعاني نسميها ~~خلقا، وفي أعمال المادة نسميها آلية. وكلنا يعرف أن الإنسان إن أراد أن ~~يتعلم قيادة سيارة فهو يتعلم قيادة الأفعال التي تؤدي إلى سير السيارة ~~حتى يكتسب المهارة ويؤديها بيسر وبدون صعوبة، وكذلك الشأن في الخلق حين ~~تصدر عنه الأفعال بدربة ومهارة، ونجد - على سبيل المثال - من يتعلم ~~الفقه، فيسأل إنسان عن الحكم في الأمر المعين، فيستعرض الأمر من أوجهه في ~~وقت طويل، لكن من يتدرب ms3190 يصبح الفقه بالنسبة إليه ملكة، فلا يتعب في ~~استنباط الحكم. كذلك الخلق. ويوضح لهم الحق: أنتم تقولون عن الرسول: إنه ~~مجنون، فاجلسوا مثنى مثنى أو فرادى وادرسوا تصرفاته ستجدون أنها تصرفات ~~منطقية مبنية على خلق كامل مكتمل، وهو سلوك يختلف بالتأكيد عن سلوك ~~المجنون لأن المجنون لا ضابط له في حركاته ولا في سكناته ولا فيما يدع. ~~وكذلك لا يمكن أن يكون شاعرا لأنكم أنتم أهل شعر، وكذلك ليس بكاهن ~~فالكهنة قد يستبدلون بآيات الله ثمنا قليلا، وهو الذي أعلن لكم رفض ~~الملك والثروة والجاه. لكنهم قالوا: { وإذا جآءتهم آية ~~قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل ~~الله.. } [الأنعام: 124]. وقد حدث الوليد بن المغيرة نفسه بذلك، وكان ~~من ناحية السن أسن من رسول الله، ومن ناحية المال كان غنيا، ومن ناحية ~~الأولاد عنده العزوة والولد، وقال: لو كانت الرسالة بكل هذه الأمور لكنت ~~أنا أولى بهذا لأنني أسن ولأنني أكثر مالا ولأنني أكثر ولدا. وهو قد ~~قاسها بمقاييس البشر، وكأن الوليد لم يكن يعلم أن الرسالة ليست رئاسة، ~~فإذا كنت أنت دون غيرك عندك المال وعندك الأولاد وعندك الزروع وغير ذلك ~~لكنك لست على خلق محمد صلى الله عليه وسلم، الذي فطره الله عليه وأعده ~~واصطفاه ليكون رسولا، ولكن مع هذا قال بعضهم: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. ولنسمع رد القرآن: # أهم يقسمون رحمت ربك.. # [الزخرف: 32]. ويوضح لهم الحق: نحن قسمنا بينهم الأمور الحياتية، لكنكم ~~تريدون تقسيم رحمة الله، وفرق بين الرحمة في الرسالات وبين امتداد الحياة ~~بالأقوات والمال لأن هذه عطاءات ربوبية. لكن الرحمة هي عطاءات ألوهية، ~~إنكم تميزتهم في دنياكم بالمال والبنين والبساتين لا لخصوصية فيكم ولكن ~~لأن نظام الكون كله إنما يحتاج إلى مواهب متكاملة لا إلى مواهب متكررة، ~~ولو امتلك كل الناس مثل ما عندك يا وليد من أرض ومال لما وجدت من يفلح لك ~~الأرض، ولما كان عندك من يسرج لك الفرس. # ولهذا جعل الحق مسألة الثروة ms3191 دولا، أي يقلب سبحانه هذه الأمور لتكون ~~متداولة بين الناس تكون لهذا في زمن ولآخر في وقت وزمن آخر ولا تدوم ~~لأحد. وحين جاء الناس إلى أبي جهل يحدثونه في الرسالة قال: زاحمنا بني ~~عبد مناف في الشرف أطعموا فأطعمنا، كسوا فكسونا، ذبحوا فذبحنا. حتى صرنا ~~كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا ~~الا أن يأتينا بوحي كما يأتيه، ومعنى كفرسي رهان، أي فحين تنطلق الخيل في ~~السباق في وقت واحد كانوا يدقون عودا في الأرض عند نهاية السباق ومن ~~يجذبه من الأرض يقال له: حاز قصب السبق، وعود القصبة هو غاية المشوار، ~~حتى لا يقولن أحد لقد سبقني بخطوة أو غير ذلك. وهنا يقول الحق: { وإذا ~~جآءتهم آية }. وانظر إلى كلمة { جآءتهم آية } ، فمرة يقول: # قد جئناك بآية من ربك # [طه: 47]، ومرة يقول: { جآءتهم آية } ، فكأن الآية بلغت من ~~وضوحها ومن استقلالها ومن ذاتيتها وخصوصيتها أنها تجيء. { قالوا لن ~~نؤمن حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله.. } ~~[الأنعام: 124]. ويقول الله لهم ردا عليهم: لا تقترحوا ذلك على الله لأن ~~{ الله أعلم حيث يجعل رسالته } لأن الرسالة إنما تجيء ~~لتنشر خيرا في الجميع، ولكنها تعف نفسها عن آثار الانتفاع من ذلك الخير. ~~والخير يريد أن تأتي له الخير ثم يترك بعضا من الخير للناس. والرسول قد ~~جاء لينشر خيره للآخرين، وهو نفسه لا ينال من هذا الخير إلا البلاغ به. ~~ويأمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت ألا يأخذ أهله ~~الزكاة، أما ما تركه فقد صار صدقة للناس، أي أنه لم ينتفع به في الدنيا ~~لذلك هو مأمون على الرسالة، ولم يرد أن يأخذ الدنيا ليرثها أهله من ~~بعده. وقد أراده الله كذلك ليكون خيره لكل الناس. فالرسالة تكليف، ~~والنبوة ليس جزاؤها هنا، بل من عظمة الجزاء أنه في الآخرة، # " ولذلك حينما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة وقالوا: ~~اشترط لنفسك. قال: تمنعوني مما تمنعون منه ms3192 أنفسكم وتعملون كذا وتعملون ~~كذا. " # قالوا له: فما لنا؟ أنت اشترطت لنفسك، فما لنا إن نحن وفينا؟. ماذا قال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم؟. قال: لكم الجنة. هذا هو الثمن الذي عنده، ~~فمن يريد الجنة يأتي إلى الإيمان، ومن يريد ما هو دون الجنة فليس مكانه ~~مع أهل الإيمان. مع أنه قال لهم فيما بعد ستركبون السفن وتفرشون الزرابي ~~والوسائد وتجلسون عليها، وبشرهم بالكثير، لكنه لم يقل لهم ذلك من البداية ~~لأن من هؤلاء من لا يدرك خيرا في الدنيا مع الإسلام بل يموت والإسلام ~~ضعيف وأتباعه في قلة، لذلك أعطاهم الجزاء المضمون لهم جميعا حين قالوا ~~له: ماذا إن نحن وفينا؟. # قال: لكم الجنة. وكأنه صلى الله عليه وسلم يعلمهم أن الدنيا أهون من أن ~~تكون جزاء على العمل الصالح، فجزاء العمل الصالح خالد لا يفوتك ولا ~~تفوته. { وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن.. } ~~[الأنعام: 124]. وحين نتأمل قولهم: { لن نؤمن } نجد أن في هذا ~~القول إصرارا على عدم الإيمان، أي لن نؤمن حتى في المستقبل إنهم تحكموا ~~في المستقبل. ثم يفضحهم الله فيموت بعضهم على الكفر، ومن بقي منهم يأتون ~~مؤمنين بعد الفتح. ومن العجيب أن العبارة التي ينطقون بها هي عبارة ~~مهزوزة لا تستقيم مع منطق الكفر منهم، قالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما ~~أوتي رسل الله، كأنهم قد عرفوا أن هناك رسلا من الله، والأصل في الآية ~~أن يؤمنوا برسل الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، وهذا ~~القول يدل على مجرد المعارضة المقترنة بالغباء، فما دمتم تعرفون أن لله ~~رسلا يصطفيهم، فكيف تحاولون أنتم تحديد إرادة الله في الاختيار؟ إن رسل ~~الله كانت لهم آيات كونية، حسية مرئية، وهي وإن كانت فيها قوة المشهد ~~الملزم، إلا إنه لا ديمومة لها، فمن رأى سيدنا موسى وهو يضرب البحر ~~فينفلق لن يكذب هذه الآية الكونية، إلا أنها أصبحت خبرا والخبر مناسب ~~لمحدودية رسالة موسى، كذلك رسالة عيسى عليه السلام حيث أبرأ الأكمة ~~والأبرص بإذن الله. ms3193 وهذه رسالات لزمن محدود وفي قوم محدودين، لكن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم جاء ومعه المنهج المعجزة الباقي إلى قيام الساعة، فإن ~~كانت المعجزة حسية فلن يراها إلا قوم مخصوصون لأن الأمر الحسي لا ~~يتكرر، بل ينتهي، وسيدنا محمد رسول إلى أن تقوم الساعة. فلابد له من آية ~~باقية إلى قيام الساعة لذلك كانت الآية في المعنويات والعقليات التي لا ~~تختلف فيها الأمم ولا تختلف فيها الأزمان، لكنهم أرادوا معجزة حسية، ~~وأخرى عقلية، حتى إذا جاءت واحدة فقط أنكروا الثانية، فحسم الحق الأمر ~~وقال: { الله أعلم حيث يجعل رسالته }. ولو نظروا إلى ~~كلمة { الله أعلم حيث يجعل رسالته } ، فكلمة { ~~أعلم } تدل على أنه قد يمكن الله بعضا من خلقه ليعلموا لماذا اختار ~~الله محمدا صلى الله عليه وسلم لأن الذين واجههم صلى الله عليه وسلم ~~بأمر الدعوة، هل انتظروا منه أن تكون له آية أو معجزة، أو آمنوا به بمجرد ~~الإخبار؟. لقد آمنوا بمجرد الإخبار لأن تجربتهم معه أكدت أنه صادق وأمين ~~على خبر الأرض، ولا بد أن يكون مأمونا على خبر السماء لأنه لم يكذب ~~عليهم في أمر الأرض، فكيف يكذب في أمر السماء؟ إننا نجد أن سيدنا أبا ~~بكر، بمجرد أن علم بأمر الرسالة قال: صدقت، وسيدتنا خديجة صدقته من فور ~~أن قال، وأخذت صدق بلاغه من مقدمات حياته، وقالت أول استنباط فقهي في ~~الإسلام. # وكذا ذلك لسيدتنا أم المؤمنين خديجة قبل أن يعرف الفقه بمعناه الإصطلاحي ~~الحديث، مما يدل على أن الاستنباطات للأدلة هي استنباطات للعقل الفطري ~~السليم البعيد عن الأهواء. إنه يقدر أن يستقرئ الأمر ولابد أن يهتدي، ~~فحين أعلن لها أنه خائف أن يكون الذي أصابه مرض أو مس من الجن رفضت ذلك ~~لأنه يصل الرحم، ويحمل الكل، ويعين على نوائب الدهر، وقال له: والله لا ~~يخزيك الله أبدا. إذن فقد جاءت بالمقدمات التي ترشح أن ربنا لا يمكن أن ~~يخذله، وكل المقدمات مفاخر، كلها خلق عظيم، وكلها التقاءات إنسانية قبل ~~أن يأتي منهج السماء، ms3194 التقاءات إنسانية بالفطرة دون تقدير أو تدبير، وكان ~~هذا أول استنباط فقهي في الإسلام. ولذلك نعرف السر لماذا جعل الله لرسوله ~~أم المؤمنين خديجة أول زوجة له؟ لأنه ستمر به فترة لا يحتاج فيها إلى ~~زوجة فقط. بل إلى أم ناضجة، ذلك النضج الكامل الذي تستقبل به مسائل ~~النبوة، ولذلك حين يخرج إلى الغار تأتي له حكمة خديجة في الاستنباط قبل ~~أن يوجد فقه الإسلام؟ { الله أعلم حيث يجعل رسالته }؟، ~~وهم قد أصروا على ألا يعلموا على الرغم من أنهم وجدوا منه خصالا وأشياء ~~حكموا بوجودها فيه وأنها صفات رسول. { سيصيب الذين أجرموا ~~صغار عند الله.. } [الأنعام: 124]. هنا نجد فجوة انتقالية في ~~الأداء، فمن قبل يتحدث سبحانه عمن يظنون أنهم كبار، فيأتي ليقول: إن ~~الصغار سيصيبهم، وليس معنى الصغار الذل والهوان لدى الناس، لا، بل صغار ~~وذل وهوان عند نفس كل منهم ذاتيا، فكل منهم سيشعر بالذل أمام نفسه ~~ويستصغر نفسه. كأن الصغار سيصيب الإنسان في نفسه، ويكون هذا الصغار من ~~عند الله، وما دام الصغار منسوبا إلى عندية الله فهو لا يزول أبدا لأنه ~~لا توجد قوة ثانية تقول لله إن قدرك لن يتحقق. فالصغار والذل والهوان ~~سينزل بهم وهم مع كونهم أكابر المجرمين فلن يستطيعوا دفعه عن أنفسهم، ~~وسيصيبهم مع ذلك عذاب شديد. لماذا العذاب الشديد؟ لقد قلنا من قبل: إن ~~العذاب يوصف مرة بأنه أليم، ويوصف مرة أخرى بأنه مهين، ويوصف هنا بأنه ~~شديد. والعذاب المهين الذي تكون فيه ذلة النفس. والعذاب الأليم الذي يكون ~~في البنية لأن الإنسان له بنية وله معنويات قيمية، فمن ناحية البنية ~~يصيبه العذاب، ومن ناحية المعاني النفسية تصيبه الإهانة، فهناك من يتعذب ~~لكنك لا تملك أن تهينه ويتحمل المشقة برجولة، ومهما تلقى من الإهانة فلا ~~تزال نفسه كريمة عليه، مصدقا لقول الشاعر: # وتجلدي للشامتين أريهمو # أني لريب الدهر لا أتضعضع # لذلك ينزل قدر الله بالعذاب على نوعين: عذاب بنية وعذاب قيم، وهذا هو ~~الصغار، والعذاب الشديد، وهو الذي لا يقوى الإنسان ms3195 على تحمله، ولم ينزل ~~الحق العذاب بهؤلاء جزافا، لكنه بسبب ما كانوا يمكرون، فسبحانه هو ~~القائل: # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 118]. والحق سبحانه وتعالى حينما عرض هذه القضية عرضها ليبين ~~لنا أنه لم يرغم بقدره خلقا من خلقه على مسائل الاختيار في التكليف بل ~~أوجد ذلك في إطار: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29]. ولكن الإرغام من الحق جاء للأمور القهرية القدرية الكونية ~~الخارجة عن نطاق التكليف، أما أمر التكليف فالله سبحانه وتعالى قال فيمن ~~يرفضون الطاعة: { سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله ~~وعذاب شديد } وسبحانه قد أوضح لنا: نحن لم نجعل ذلك قهرا منا لهم ~~دون عمل عملوه باختيارهم بل إن العذاب والصغار كانا جزاء لمكرهم. ثم ~~يأتي الحق سبحانه وتعالى لنا بقضية يقع فيها الجدل التبريري لبعض الناس ~~الذين أسرفوا على أنفسهم، ويريدون أن يجعلوا إسرافهم على أنفسهم في ~~الذنوب خاضعا لأن الله أراد منهم ذلك فيقول سبحانه: { فمن يرد ~~الله أن يهديه... }. ### || [6.125] # نجد من يقول إن ربنا حين يريد لإنسان أن يشرح صدره للإسلام فذلك من ~~إرادة الله وما ذنب المكلف إذن؟. وللرد على هذا نقول: لقد عرفنا من قبل ~~أن الهداية لها معنيان: المعنى الأول: للدلالة وهي أمر وارد وواجب حتى ~~للكافر. فإن هدى الله للكافر أن يدله إلى طريق الخير، ولكن هناك هداية ~~من نوع آخر وهي للذي آمن، ويصبح أهلا لمعونة الله بأن يخفف عنه أعباء ~~التكاليف وييسرها له ويجعله يعشق كل الأوامر ويعشق البغض والتجافي عن كل ~~النواهي. يقول بعض الصالحين: " اللهم إني أخاف ألا تثيبني على طاعة، لأني ~~أصبحت أشتهيها " كأنه عشق الطاعة بحيث لم يعد فيها مشقة أو تكليفا، لذلك ~~فهو خائف، وكأنه قد فهم أنه لابد أن توجد مشقة، ولمثل هذا الإنسان الصالح ~~نقول: لقد فقدت الإحساس بمشقة التكاليف لأنك عشقته فألفت العبادة كما ~~ألفتك وعشقتك، وحدث الانجذاب بينك وبين الطاعة، وجعلت رسول الله مثلا لك ~~وقدوة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يرى أنه إذا ms3196 نودي إلى الصلاة يقوم ~~الناس إليها كسالى لكنه # " صلى الله عليه وسلم يقول لبلال حينما يأتي وقت الصلاة: " أرحنا بها يا ~~بلال ". # وهذا غير ما يقوله بعض ممن يؤدون الصلاة الآن حيث يقول الواحد منهم: هيا ~~نصل لنزيحها من على ظهورنا، وهؤلاء يؤدونها بالتكليف لا بالمحبة ~~والعشق. أما الذين ألفوا الراحة بالصلاة حينما يحزبهم ويشتد عليهم أمر ~~خارج عن نطاق أسبابهم، يقول الواحد منهم: ما دامت الصلاة تريح القلب، ~~فلأذهب إليها وألقى ربي زائدا على أمر تكليفه لي متقربا إليه بالنوافل، ~~ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة. ~~ومعنى حزبه أن الأسباب البشرية لا تنهض به. فيقوم إلى الصلاة، وهذا أمر ~~منطقي، ولله المثل الأعلى. كان الإنسان منا وهو طفل إذا ما ضايقه أمر ~~يذهب إلى أبيه، فما بالنا إذا ما ضايقنا أمر فوق الأسباب المعطاة لنا من ~~الله فلمن نروح؟ إننا نلجأ لربنا ولقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه ~~أمر قام إلى الصلاة. إذن فعشق التكليف شيء يدل على أنك ذقت حلاوة الطاعة، ~~وقد يجوز أنه شاق عليك لأنه يخرجك أولا عما ألفت من الاعتياد. فعندما ~~يأتيك أمر فيه مشقة تقول: إن هذه المشقة إنما يريد بها لي حسن الجزاء، ~~فإذا ما عشقت الصلاة صارت حبا لك، وكان واحد من الصالحين - كما قلت - ~~يخاف ألا يثاب على الصلاة لأنها أصبحت شهوة نفس، والإنسان مطالب بأن ~~يحارب نفسه في شهواتها لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لنا المثل ~~فقال: # " لا يؤمن أحدكم حتى يصبح هواه تبعا لما جئت به " # أي يصبح ما يشتهيه موافقا لمنهج الله، فإذا وصل وانتهى المؤمن إلى هذه ~~المنزلة فهو نعم العبد السوي. وهكذا عرفنا أن الهداية قسمان: هداية بمعنى ~~الدلالة، وهداية بمعنى المعونة. فإذا ما اقتعنت بهداية الدلالة وآمنت ~~بالحق فسبحانه يخفف عليك أمور التكليف، ويجعلك عاشقا لها، ولذلك يقول ~~أهل الصلاح: ربنا قد فرض علينا خمس صلوات، وسبحانه يستحق منا الوقوف بين ~~يديه ms3197 أكثر من خمس مرات، وفرض علينا ربنا نصاب الزكاة وهو اثنان ونصف ~~بالمائة، وسبحانه يستحق منا أكثر من ذلك لأنه واهب كل شيء، وهذا عشق ~~التكليف، وهذا هو معنى قوله: { فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام }. { فمن يرد الله أن ~~يهديه } أي يدله سبحانه كما دل كل العباد إلى المنهج، لكن الذي ~~اقتنع بالدلالة وآمن يسهل عليه تبعات التكليف مصداقا لقوله الحق: # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا # [مريم: 76]. فهذه هداية المعونة، وفيه فرق هنا بين الإسلام والإيمان ~~لأن الإيمان لا يحتاج فقط إلى الاعتقاد إنما هو حمل النفس على مطلوبات ~~الإيمان. ولذلك نجد أن كبار رجال قريش رفضوا أن يقولوا: " لا إله إلا ~~الله " لأنهم علموا أنها ليست مجرد كلمة تقال، لكن لها مطلوبات تتعب في ~~التكاليف الناتجة عنها ب " افعل " و " لا تفعل ". فالتكليف يقول لك: " ~~افعل " لشيء هو صعب عليك، ويقول لك: " لا تفعل " في شيء من الصعب أن ~~تتركه، لذلك يقول سبحانه: { فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام.. } [الأنعام: 125]. وسبحانه يشرح صدره ~~للإسلام بعد أن علم أنه قد اعتقد شريعة التوحيد ورضيها واطمأن بها، ~~فيأتي إلى فهم التكاليف لأن صحيح الإسلام يقتضي الانقياد لأمور ~~التكاليف، فمن أخذ الهداية الأولى وآمن بربه، يوضح له سبحانه: آمنت بي ~~وجئتني لذلك أخفف عنك تبعات العمل، ويشرح صدره للإسلام، وشرح الصدر قد ~~يكون جزاء. فسبحانه هو القائل: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1] فقد جازاه ربنا بذلك لأنه أدى ما عليه وصمد. كأن الله يريد ~~بالإيمان من المؤمن أن يقبل على الحق، وحينما يقبل على الحق، يبحث العبد ~~ليتعرف على المراد والمطلوب منه فيعلم أنها التكاليف، فإذا رأى الله منك ~~الاستعداد المتميز لقبول التكاليف، فإنه يخففها عنك لا بالتقليل منها، ~~ولكن بأن يجعلك تشتهيها، وقد تلزم نفسك بأشياء فوق ما كلفك الله لتكون من ~~أهل المودة ومن أهل التجليات ومن الذين يدخلون مع الله في ود، وتلتفت ~~لنفسك وأنت تقول: ms3198 لقد كلفني الله بالقليل وسبحانه يستحق الكثير. فتزيد من ~~طاعتك وتجد أمامك دائما الحديث القدسي: # " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي ~~مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا ~~أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ~~ورجله التي يمشي بها. " # أي بالأمور التي تزيد على ما كلفه في الصلاة والزكاة والصيام والحج. إذن ~~فمعنى { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام } أي يجعل الأمور التي يظن بعض من الناس أنها متعبة فإنه ~~بإقباله عليها وعشقه لها يجدها مريحة ويقبل عليها بشوق وخشوع. ولذلك ~~فالحق سبحانه وتعالى يترك في خلقه مثلا للناس. فنجد المال عزيزا على ~~النفس حريصة عليه لأنه إن كان المال قد جاء بطريق شرعه الله وأحله فهو ~~يأتي بتعب وبكد لذلك يحرص عليه الإنسان، فيحنن الله العبد من أجله ~~البذل والعطاء. إننا نجد المؤمن يعطي للسائل لأن السائل هو الجسر الذي ~~يسير عليه المسلم إلى الثواب من الله، فيقول العبد المؤمن للسائل: مرحبا ~~بمن جاء ليحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة، ولذلك عندما جاء مسلم إلى ~~الإمام علي - رضي الله عنه وكرم الله وجهه -، قال المسلم: أنا أريد أن ~~أعرف أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟ واختار الإمام علي مقياسا ~~للإيمان في نفس كل مؤمن، وقال له: إن جاءك من يطلب منك، وجاء من يعطيك، ~~فإن كنت تهش لمن يعطيك فأنت من أهل الدنيا، وإن كنت تهش لمن يأخذ منك ~~فأنت من أهل الآخرة لأن الإنسان يحب من يعمر له ما يحب. إذن ف " يشرح ~~صدره للإسلام " أي يخفف عنه متاعب التكليف بحيث لا توجد مشقة، ثم يرتقي ~~بعد ذلك ارتقاء آخر بأن يعشقه في التكليف. ويهديه الله إلى طريق ~~الجنة، لأن هناك هداية إلى المنهج وهداية إلى الجزاء على المنهج، ولذلك ~~نجد القرآن يقول عمن ضلوا: # إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر ~~لهم ms3199 ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنم.. # [النساء: 168-169] كأن هناك هداية إلى العمل وهداية إلى الجزاء، ونجد ~~الحق يقول: # والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ~~* سيهديهم ويصلح بالهم * ويدخلهم الجنة ~~عرفها لهم # [محمد: 4-6]. وقد يتساءل إنسان: كيف يهدي الله من قتل، وهل هناك تكليف ~~بعد القتل؟. نقول: انظر إلى الهداية، إنها هداية الجزاء " سيهديهم ويصلح ~~بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم ". وهكذا نعرف أن هناك هداية الجزاء، من ~~يحسن العمل يجزه الله الجنة، أما من يسيء فله عذاب في الدنيا والآخرة. ~~{ ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السمآء كذلك يجعل الله ~~الرجس على الذين لا يؤمنون } [الأنعام: 125]. # وهل هذا تجن من الله على خلقه؟ لا، لأنه ما دام دعاهم للإيمان فآمن ~~بعضهم وصاروا أهلا للتجليات، وكفر بعضهم فلم يؤمنوا، فصاروا أهلا للحرج ~~وضيق الصدر. ومعنى الضيق أن الشيء يكون حجمه أقل مما يؤدي به مهمته، فحين ~~يقال: ضاق البيت بي وبعيالي، فهذا يعني أن الرجل وزوجه في البداية عاشا ~~في غرفتين، وكان البيت متسعا. ثم أنجبا عيالا كثيرة فضاق بهم البيت. ~~وهكذا نعلم أنه لم يطرأ شيء على الجدران ومساحة البيت، لكن حين زاد عدد ~~الأفراد شعر رب الأسرة بضيق المنزل. ويقال: صدره ضيق أوضيق فقد ورد في ~~القرآن لفظ ضيق على لغتين: فالحق يقول: # ولا تك في ضيق مما يمكرون # [النحل: 127]. وهناك في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها توجد كلمة ~~ضيق، والحق يقول: # فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضآئق به ~~صدرك.. # [هود: 12]. فما المراد من " ضائق " ، و " ضيق " ، و " ضيق "؟. نعرف أن ~~الصدر هو مكان الجارحتين الأساسيتين في التكوين: القلب والرئة، والرئة هي ~~الجارحة التي لا تستمر الحياة الا بعملها فقد تبطئ الأمعاء مثلا، أو ~~تتوقف قليلا عن عملها، ويتغذى الإنسان على خزينه من الدهن أو اللحم ~~ولذلك يصبر الإنسان على الجوع مدة طويلة، ويصبر على الماء مدة أقل، لكنه ~~لا يصبر على افتقاد الهواء لدقائق، ولا صبر لأحد على ms3200 ترك الشهيق والزفير. ~~ولقد قلنا من قبل: إن الحق سبحانه وتعالى قد يملك بعضا قوت بعض. وأقل ~~منه أن يملك بعضا ماء بعض، لكن أيملك أحدا هواء أحد؟ لا لأن الرضا ~~والغضب أغيار في النفس البشرية. فإذا غضب إنسان على إنسان، وكان يملك ~~الهواء وحبسه عنه فالإنسان يموت قبل أن يرضى عنه هذا الآخر، ولذلك لم ~~يملك الله الهواء لأحد من خلقه أبدا. إذن كل المسألة المتعلقة بقوله: { ~~يجعل صدره ضيقا حرجا } نعلم عنها أن الصدر هو محل التنفس، ~~والرئة تأخذ الأوكسجين وتطرد ثاني أوكسيد الكربون، وعندما يصاب الإنسان ~~بنوبة برد نراه وهو يجد صعوبة في التنفس، كأن حيز الصدر صار ضيقا، فلا ~~يدخل الهواء الكافي لتشغيل الرئتين، ويحاول الإنسان أن يعوض بالحركة ما ~~فاته فينهج. ويشخص الأطباء ذلك بأن المريض يريد أن يأخذ ما يحتاجه إليه ~~من الهواء فينهج لأن الحيز قد ضاق، وكذلك عندما يصعد الإنسان سلما، ~~ينهج أيضا لأن الصعود يحتاج إلى مجهود، لمعاندة جاذبية الأرض، فالأرض ~~لها جاذبية تشد الإنسان، ومن يصعد إنما يحتاج إلى قوة ليتحرك إلى أعلى ~~ويقاوم الجاذبية. إننا نجد نزول السلم مريحا لأن في النزول مساعدة ~~للجاذبية، لكن الصعود يحتاج إلى جهد أكثر، فإذا ضاق الصدر فمعنى ذلك أن ~~حيز الصدر لم يعد قادرا على أن يأخذ الهواء بالتنفس بطريقة تريح الجسم، ~~ولذلك يقال: " فلان صدره ضيق " أي أن التنفس يجهده إجهادا بحيث يحتاج ~~إلى هواء أكثر من الحجم الذي يسعه صدره. # { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } ~~والحرج معناه الحجز عن الفعل، كأن نقول حرجت على فلان أن يفعل كذا، أي ~~ضيقت عليه ومنعته من أن يؤدي هذا العمل. " كأنما يصعد في السماء ". ~~وعلمنا أن الصعود لأعلى هو امتداد لفعل الجسم إلى جهة من جهاته. فالجهات ~~التي تحيط بأي شيء ست: هي فوق وتحت، ويمين، شمال، وأمام، وخلف، وعرفنا أن ~~الهبوط سهل لأن الجاذبية تساعد عليه، والمشي ماذا يعني؟ المشي إلى يمين ~~أو إلى شمال أو إلى أمام أو ms3201 إلى خلف، فهو فعل في الاستواء العادي الظاهر، ~~والذي يتعب هو أن يصعد الإنسان، لأنه سيعاند الجاذبية، وهو بذلك يحتاج ~~إلى قوتين: قوة للفعل في ذاته، والقوة الثانية لمعاندة الجاذبية. { ومن ~~يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما ~~يصعد في السمآء } وذلك بسبب مشقات التكليف لأنه لم يدخلها ~~بعشق، فلا يدخل إلى مشقات التكليف بعشق إلا المؤمن فهو الذي يستقبل هذه ~~التكاليف بشرح صدر وانبساط نفس وتذكر بما يكون له من الجزاء على هذا ~~العمل، والذي يسهل مشقة الأعمال حلاوة تصور الجزاء عليها فالذي يجتهد في ~~دروسه إنما يستحضر في ذهنه لذة النجاح وآثار هذا النجاح في نفسه مستقبلا ~~وفي أهله. أما الذي لا يستحضر نتائج ما يفعل فيكون العمل شاقا عليه. { ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السمآء.. } [الأنعام: 125]. والسماء هي كل ~~ما علاك فأظلك، فالجو الذي يعلوك هو سماء، وكذلك السحابة، وأوضح لنا ربنا ~~أنه أقام السموات السبع، وهنا أراد بعض العلماء الذين يحبون أن يظهروا ~~آيات القرآن كمعجزات كونية إلى أن تقوم الساعة، أرادوا أن يأخذوا من هذا ~~القول دليلا جديدا على صدق القرآن، وتساءلوا: من الذي كان يدرك أن الذي ~~يصعد في الجو يتعب ويحتاج إلى مجهودين: الأول للعمل والثاني لمناهضة ~~الجاذبية ولذلك يضيق صدره لأنه لا يجد الهواء الكافي لإمداده بطاقة تولد ~~وقودا. ونقول لهؤلاء العلماء: لا يوجد ما يمنع استنباط ما يتفق في ~~القضية الكونية مع القضية القرآنية بصدق، ولكن لنحبس شهوتنا في أن نربط ~~القرآن بكل أحداث الكون حتى لا نتهافت فنجعل من تفسيرنا لآية من آيات ~~القرآن دليلا على تصديق نظرية قائمة، وقد نجد من بعد ذلك من يثبت خطأ ~~النظرية. إنه يجب على المخلصين الذي يريدون أن يربطوا بين القرآن لما فيه ~~من معجزات قرآنية مع معجزات الكون أن يمتلكوا اليقظة فلا يربطوا آيات ~~القرآن إلا بالحقائق العلمية، وهناك فرق بين النظرية وبين الحقيقة ~~فالنظرية افتراضية وقد تخيب. لذلك نقول: أبعد القرآن عن هذه حتى ms3202 لا تعرضه ~~للذبذبة. ولا تربطوا القرآن إلا بالحقائق العلمية التي أثبتت التجارب ~~صدقها. وقائل القرآن هو خالق الكون، لذلك لا تتناقض الحقيقة القرآنية مع ~~الحقيقة الكونية لذلك لا تحدد أنت الحقيقة القرآنية وتحصرها في شيء وهي ~~غير محصورة فيه. وتنبه جيدا إلى أن تكون الحقيقة القرآنية حقيقة قرآنية ~~صافية، وكذلك الحقيقة الكونية. { كأنما يصعد في السمآء ~~كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } ~~[الأنعام: 125]. والرجس هو العذاب، إنما يأتيهم بسبب كفرهم وعدم إقبالهم ~~على التكليف. ويقول الحق بعد ذلك: { وهذا صراط... }. ### || [6.126] # و " هذا " مقصود به ما تقدم من آيات. من كتاب الإسلام وهو القرآن، وذلك ~~ما يشرح الصدر القابل للإيمان، والقرآن هو الحامل لمنهج الإسلام فمرة ~~تعود الإشارة إلى القرآن أو إلى الإسلام. وليس هناك خلاف بين القرآن ~~والإسلام. { وهذا صراط ربك مستقيما }. و " الصراط " هو ~~الطريق السوي، والطريق السوي قد يكون مع استوائه معوجا لكن هذا ~~الطريق مستو ومستقيم، ونعلم أن الطريق المستقيم هو أقصر الطرق الموصلة ~~للغاية. وعلى هذا فصراط لا تغني عن مستقيم، ومستقيم لا يغني عن صراط، بل ~~لابد من صراط معبد ومستقيم ليكون أقصر طريق إلى الغاية وبلا متاعب، إننا ~~- نحن البشر - نرى المهندسين وهم يقيسون الأبعاد والمسافات والغايات ~~والبدايات والنهايات، وبعد ذلك يربطون البدايات بالغايات. إنهم يحضرون ~~آلات معينة ليرصدوا استقامة الطريق وكيفية تمهيده. وقد يعترض استقامة ~~الطريق عقبات صعبة شديدة كأداء كجبل مثلا، فيقوم المهندسون إما بنحت ~~نفق في الجبل ليضمنوا له الاستقامة، وإما بأن يحني الطريق ليضمنوا جودة ~~تعبيد الطريق. فإن جاء المهندسون وقالوا نمشي من هنا لنضمن استقامة ~~الطريق فإننا نفعل ذلك. وإلا جعلوا الطريق متعرجا أو حلزونيا وذلك ~~ليتفادى السائر العقبات التي ليس له قدرة عليها. لكن إذا كان الصراط قد ~~مهده رب، أتوجد له عقبة؟ طبعا لا، إذن فهو طريق مستقيم. ولنلحظ أنه ~~سبحانه قال: " صراط ربك " أي أنه جاء بها من ناحية الربوبية، والربوبية ~~عطاء الرب، إنه سيد، ومرب، وخالق الخلق ويضمن لهم ما يعينهم على ms3203 مهمتهم ~~في الوجود معونة ميسرة سهلة. وهكذا نعرف أن طريق الحق هو الصراط المعبد ~~المستقيم، أي الذي يصل بين البداية والنهاية. فإن كان الطريق الذي نتبعه ~~مستقيما ومعبدا، وسهلا، فلماذا لا نتبعه؟ " هذا صراط ربك ". ونلحظ أنه ~~سبحانه قد أسند الرب لمحمد، أي من أجل خاطره جعل الصراط مستقيما لأنه ~~سبحانه هو المتولي لربوبيتك يا محمد، وسبحانه رب الكون كله، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عين أعيان الكون. { وهذا صراط ربك ~~مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون } ~~[الأنعام: 126]. " فصلنا " أي أن كل شيء في هذا الكون مخلوق لما ~~يناسبه، وكل قضية من قضايا الكون خلقها ربنا لتحقق الفائدة منها بدون ~~مشقة، وبدون عنت. والمنهج الذي أنزله الله إنما يصلح الكون ويجعل كل شيء ~~فيه مناسبا لمهمته لأن الله إله كل الناس وهم بالنسبة إليه سواء لأنه لم ~~يتخذ لا صاحبة ولا ولدا. ولا يعطي سبحانه الحياة لمخلوق ويوجده في ~~الكون، ثم يعريه من أسلحة الحركة في الحياة، ولكل إنسان سلاح من موهبة ~~أو قدرة وبذلك تتعدد الأسلحة والمواهب والقدرات، فمن يريد أن يبني بيتا، ~~أنقول له: اذهب إلى كلية الهندسة لتتعلم كيف ترسم البيت وتخططه؟ أنقول ~~له: تعلم كيف تكون فنيا وكهربيا ونقاشا؟ إن الفرد الواحد لا يمكن أن ~~يتعلم كل هذه التخصصات، لذلك وزع الله المواهب على خلقه هذا عنده موهبة ~~ليعمل لنفسه، ويعمل لغيره. # وبعد ذلك يأتي غيره ليؤدي له عملا ليس له فيه موهبة بحيث يتكامل ~~المجتمع كله ولا يتكرر أفراده. ولو كنا تخرجنا جميعا كأطباء أو مهندسين ~~لما نفعت الدنيا، ومن نقول عليهم: إنهم فشلوا في التعليم يقومون بأعمال ~~في الحياة ما كنا نستطيع الحياة بدونها فقد خلقهم الله بقدرات عقلية ~~محدودة ليهبهم قدرات أخرى تصلح في مهمات أخرى. وإن تعلم المجتمع كله ~~تعليما عاليا لصار الهرم مقلوبا. وإن انقلب الهرم فمعنى هذا أن أجزاء ~~منه ستكون بغير دعائم في الأرض. لذلك نجد أن هناك إعدادا عقليا أراده ~~الحق لكل واحد من الخلق، ولا نستطيع ms3204 أن نقول لكل إنسان: تعلم وتخرج في ~~الجامعة ثم اكنس الشارع. وكن في الغد حدادا. لذلك ربط الحق كل عمل ~~بالحاجة إليه، ومن يحسن استقبال قدر الله في نفسه يعط الله له من العمل ~~كل الخير. ونلحظ الآن أن من يعمل موظفا في الدولة يحيا في راتب محدود، ~~بينما تجد السباك يقدر عمله بأجر يحدده هو، ويبقى الويل والتعب لمن كان ~~تقدير عمله في يد غيره. { وهذا صراط ربك مستقيما قد ~~فصلنا الآيات لقوم يذكرون }. وانظر كل قضية في الكون، ~~لم يدخل ابن آدم فيها أنفه تجدها مستقيمة، ولا يأتي الفساد إلا في ~~القضايا التي أدخل ابن آدم أنفه فيها بدون منهج الله. فإن دخلت في كل ~~مسألة بمنهج الله يستقيم الكون تماما. ولذلك يلفتنا الحق سبحانه وتعالى ~~إلى النظام الأعلى في كونه والذي لا تدخل لنا فيه. ولا سيطرة عليه ~~السموات، والكواكب، والشمس، والقمر، وحركة الأرض، كل تلك الكائنات نجد ~~أمورها تسير بانتظام، ولذلك يقول لنا الحق سبحانه: # والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في ~~الميزان # [الرحمن: 7-8]. فإن أردتم أن تستقيم أموركم في شئونكم وأحوالكم ~~الاختيارية فادخلوا فيها بمنهج الله لأن الأشياء التي تدار بمنهج الله ~~بدون أن يتدخل فيها البشر تؤدي مهمتها كما ينبغي. فعلى الإنسان - إذن - ~~أن يتذكر كيف يأخذ من المقدمات التي أمامه ما يوصل إلى النتائج، ولابد أن ~~يأخذ المقدمات السليمة ليصل إلى الغايات الفطرية. وأقصر الأمور أن تسأل ~~نفسك: أنت صنعة من؟ صنعة نفسك؟ لا، هل أنت من صنعة واحد مثلك؟ لا. وهل ~~ادعى واحد في كون الله - وما أكثر ما يدعى - أنه خلقك أو خلق نفسه؟ ~~لا. بل أنت وهو وكل الكون من صنعة الله، فدعوا الله يقرر قانون صيانتكم، ~~وسيظل الناس متعبين إلى أن يسلموا الصنعة إلى خالقها. # { وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات ~~لقوم يذكرون }. ولم يقل فصلنا الآيات لواحد، بل قال " لقوم " ~~حتى إذا ما مال أو غفل واحد في الفكر يعدله غيره. وكلنا متكافلون في ~~التذكير، وهذا ms3205 التكافل في التذكير يعصم كل مؤمن من نفسه فإن حصل عندي ~~قصور من سهو أو من غفلة أو من هوى يعدله غيري. وهذه قضية كونية لو ~~استقرأت الوجود كله وجدتها لا تتخلف أبدا، ولا بد من تذكر الغاية التي ~~جاء بها قوله الحق: { لهم دار السلام... }. ### || [6.127] # أي أن لهؤلاء المتقدمين الذين صبروا وصابروا ورابطوا، لهم دار السلام، ~~وهو أسلوب مكون - كما يقال - من مبتدأ وخبر، الا أن المبتدأ أخر هنا، ~~والخبر تقدم، وكان المنطق أن يقال " دار السلام لهؤلاء " ولكن الأسلوب ~~القرآني جاء ليقدم الخبر المكون من الجار والمجرور ومتعلقه، ويؤخر ~~المبتدأ وذلك لخصوصية أرادها الحق، وهي أن هذه الدار لهم وحدهم دون غيرهم ~~فهي خالصة لهم يوم القيامة و " دار السلام " مكونة من كلمتين، " دار " ~~ومعناها ما يستقر فيه الإنسان، ويجمع هذا المكان كل ما تتطلبه حياة ~~الإنسان، وهي أوسع قليلا من كلمة " بيت " لأن البيت مكان يعد للبيتوتة، ~~لكن كلمة " دار " تعد للحياة ولما يتعلق بالحياة من مقوماتها. و " دار " ~~هنا مضافة إلى السلام، وهو - كما نعلم - اسم من أسماء الله، إذن فالحق ~~هنا يوضح: لهم دار منسوبة للسلام وهو الله، وهم مستحقون لها جزاء منه، ~~فإذا كانت الدار التي وعدها الله هي دار السلام وهو الله، فلابد أن فيها ~~متعا وإمكانات على قدر فضل المضاف إليه وهو الله، ولماذا لم يقل الله: " ~~دار الله "؟ لأن الله أراد أن يأتي بوصف آخر من أوصافه ليعطيهم السلام ~~والأمن والاطمئنان. وهناك فرق بين دور الدنيا، وهذه الدار فدور الدنيا ~~فيها متع، ولكنك فيها بين أمرين: إما أن تفوت أنت ما هي فيه، وإما أن ~~يفوتك ما فيها، ولذلك لا يوجد في الدنيا أمن لأن غيرك قد يناوئك فيها ~~ويعاديك، وقد تأتي لك مكدرات المرض، وقد تأتي لك معكرات الأعداء، كل ذلك ~~ينغص عليك الأمن والسلام في الدنيا. ولذلك أراد الحق أن تكون لك الآخرة ~~دار سلام ما دمت قد آمنت، وأن تأمن فيها من كل الآفات التي كانت في ms3206 دار ~~الدنيا. { لهم دار السلام عند ربهم.. } [الأنعام: 127]. ~~وكأن دار السلام ليست وعدا من الله بأن تكون، ولكنها جاهزة معدة عند ~~الله ومحفوظة لديه تنتظر المؤمنين، وسبحانه قد خلق جنانا تتسع لكل خلقه ~~على فرض أنهم آمنوا، وجعل من النار مثل ذلك على قدر خلقه، على فرض وتقدير ~~أنهم كفروا. وسيأخذ المؤمنون ما أعد لهم من دور الإيمان ويرثون ما أعد ~~للكافرين من دور الإيمان على فرض أنهم آمنوا في الدنيا. # أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس ~~هم فيها خالدون # [المؤمنون: 10-11]. فلم يخلق الحق جنانا محدودة، لا، بل أعد وهيأ من ~~الجنان ما يتسع لكل الخلق إن آمنوا، ومن النيران ما يتسع لكل الخلق إن ~~كفروا. وما دامت العندية منسوبة إلى الله فهي عندية مأمونة. # وبعد ذلك أيتخلى الله عنهم ويكلهم إلى ما أعده لهم؟. لا، بل قال: { ~~وهو وليهم بما كانوا يعملون } [الأنعام: 127]. فهناك ~~إعداد، ثم قيومية ولاية الله، وهذه القيومية لله، هي للمؤمنين في الدنيا، ~~لكن فلنلاحظ أن الولاية في الدنيا قد تكون فيها أسباب مخلوقة لله، لكن في ~~الآخرة هناك الجزاء الذي لا يكله الله للأسباب، فتكون الولاية مباشرة له ~~لأنه سيعطيك فورا، وإذا خطر أي شيء ببالك تجده حاضرا: فهي متعة على غير ~~ما ألف الناس لأن الناس يتمتعون في الدنيا بواسطة الأسباب المخلوقة لله. ~~ولكن في الآخرة فلا ملكية لأحد حتى في الأسباب، لذلك يقول سبحانه: # لمن الملك اليوم.. # [غافر: 16]. وستجد الإجابة هي قوله - سبحانه -: # لله الواحد القهار # [غافر: 16]. والحق هو الولي الذي يليك، قربا تنتفع به، فلا تضطر حتى أن ~~تنادي عليه ليأتي لك بالمنافع ويدفع عنك المضار كما عمل لك في الدنيا ~~ووفقك للعمل وهو وليك في الآخرة بحسن الجزاء لك بسبب ما كنت تعمل فالعمل ~~في الدنيا هو الزرع وهو الحرث لثمرة الآخرة. ولكن أيعطينا الله على قدر ~~أعمالنا؟ لا، بل يعطينا على قدر صبرنا لأنه إن كان العطاء على قدر ~~الأعمال، إننا لو حسبناها لما أدينا ثمن عشر معشار نعم ms3207 الله علينا في ~~الدنيا. فكأننا نعمل في الدنيا لنؤدي شكر ما أفاء علينا وأعطانا من ~~النعم، فإذا جاء الحق سبحانه وتعالى وأعطانا بعد ذلك ثوابا فهو الفضل ~~منه، ولذلك يوضح الحق لنا: إياكم حين توفقون في العمل أن تفتتنوا ~~بأعمالكم، بل عليكم أن تتذكروا ان ذلك فضل من الله: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. وقد شرح النبي عليه الصلاة والسلام هذا الأمر وقال: # " لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ ~~قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة. " # إذن المسألة كلها بالفضل من الله، ولكن فضل الله شرطه العمل الصالح فأنت ~~تعمل العمل الصالح، ويعطيك ربنا أضعافه، وبطبيعة الحال فعملك لن ينفع ~~جلاله أو جماله أو كماله أو يزيده صفة أو يزيده ملكا، لكنه يعطيك على ما ~~عملته لنفعك ولنفع بني جنسك. ولذلك نجد الإمام الرازي - رضي الله عنه - ~~يقول: إن العمل في ذاته يورث الذات شيئا من الصفاء الذي ترتاح له وتسعد ~~به، حتى تجد الجزاء في الراحة، والراحة النفسية هي الأمر المعنوي الذي ~~يوجد في بنية مادية هي قالبك. فساعة يوجد شيء في النفس فهو يؤثر في ~~القالب أغيارا، فإذا غضب الإنسان فهذا الغضب يظهر أثره في البنية نفسها ~~فيحمر الوجه، ويرتعش الإنسان للانفعال بالغضب، والغضب أمر معنوي لكنه ~~أثر في البنية، وكذلك إذا ما حدث ما يسرك، يظهر ذلك في البنية أيضا ~~فتشرق وتتهلل أساريرك. إذن فالعمل يؤثر في البنية، والبنية تؤثر في ~~العمل. ويقول الحق بعد ذلك: { ويوم يحشرهم جميعا ~~يامعشر... }. ### || [6.128] # وساعة تسمع " يوم " اعرف أنها " ظرف زمان " ، أي أن هناك حدثا، وقوله ~~الحق: " ويوم يحشرهم جميعا " أي اليوم الذي يقف فيه الجميع ويحشدون، ~~وحين ننظر إلى ما بعدها نجد أن الحدث لم يأت، ولكن جاء " يا معشر الجن " ~~وهذا " نداء ". فكأن الحدث هو النداء نفسه، والنداء يقتضي مناديا، وهو ~~الحق سبحانه، ومنادى وهو معشر الجن والإنس، وقولا يبرز صورة النداء. ~~فكأن ms3208 العبارة هي: يوم يحشرهم جميعا فيقول يا معشر الجن والإنس، و " ~~الحشر " هو الجمع، و " المعشر " هم الجماعة المختلطة اختلاط تعايش، بمعنى ~~أن يكون فيهم كل عناصر ومقومات الحياة، وقد يضاف المعشر إلى أهل حرفة ~~بخصوصها يا معشر التجار، يا معشر العلماء، يا معشر الوزراء. لكن إن قلت: ~~يا معشر المصريين فهي جماعة مختلطة اختلاط تعايش ومعاشرة. { يامعشر ~~الجن قد استكثرتم من الإنس.. } [الأنعام: 128]. و " ~~استكثر " أي أخذ منه كثيرا، كمن استكثر من جمع المال، أو استكثر من ~~الأصدقاء فمادة " استكثر " تدل على أنه أخذ كثرة. وماذا يعني استكثارهم ~~من الإنس؟. نحن نعلم أن من الجن طائعين، ومنهم عاصون، والأصل في العصيان ~~في الجن " إبليس " الذي أقسم: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82]. فكأن الحق يوضح: أنكم معشر الجن قد حاولتم جاهدين أن تأخذوا ~~الإنس إلى جانبكم واستكثرتم بهم، فبعد أن كان العاصون فقط من شياطين الجن ~~وجد عصاة من الإنس أيضا، واستكثرتم منهم، بأن ظننتم ان لكم غلبة وكثرة ~~وعزا، لأنهم إذا أطاعوكم في الوسوسة أصبحت لكم السيادة، وذلك ما كان ~~يحدث، فكان الإنسان إذا ما نزل واديا مثلا قال: أعوذ بسيد هذا الوادي - ~~من الجن - ويطلب أن يحفظه ويحفظ متاعه، وحينما يوسوس له بشيء يسارع إلى ~~تنفيذه، وهذا استكثار. { وقال أوليآؤهم من الإنس ربنا ~~استمتع بعضنا ببعض.. } [الأنعام: 128]. وكذلك لم يستمتع ~~الجن والإنس فقط، بل استمتع أيضا بالجن، وهكذا نجد تبادل استمتاع من خلف ~~منهج الله لهؤلاء إغواء وسيادة، يأمرونهم بعمل الأشياء المخالفة لمنهج ~~الله، وهؤلاء يستمتعون بهم يحققون لهم شهواتهم في صورة تدين، فيقولون ~~لهم: اعبدوا الأصنام، واعبدوا الشمس، واعبدوا القمر، فيفعلون. وذلك يرضي ~~فيهم غريزة الانقياد التديني لأن كل نفس مفطورة على أن ترتبط بقوة أعلى ~~منها لأن الإنسان إذا نظر لنفسه وإلى قرنائه من الإنس وجدهم أبناء أغيار ~~الواحد منهم يكون اليوم صحيحا وغدا مريضا، ويكون اليوم غنيا وغدا ~~فقيرا، فما الذي يضمن للنفس البشرية حماية من هذه الأغيار؟. إن الإنسان ~~يحب أن يلجأ ويرتبط بقوي ms3209 حتى إذا جاءت هذه الأغيار كانت سندا له. # إلا أن هناك من يصعدها في التدين وهؤلاء هم الذين يركنون إلى الإيمانية ~~لله ويعتمدون عليه سبحانه ويقبلون على الإيمان بالله بمطلوبات هذا ~~الإيمان في " افعل " و " لا تفعل ". لكن الأشياء التي يعبدونها من دون ~~الله ليس لها مطلوبات أو تكاليف إلا أن تكون موافقة لأهواء النفس، وهذا ~~الإكذاب للنفس أي حمل النفس على الكذب لا يدوم طويلا لأن الإنسان لا ~~يغش نفسه فالإيمان يحمي النفس إذا جاء أمر فوق أسبابك، وليس هناك من ~~يقول: يا شمس أو يا قمر، يا شيطان أو يا صخر! لا يمكن لأنك لن تكذب على ~~نفسك أبدا. ومثال ذلك قول الحق: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه.. # [يونس: 12]. وهنا يقول الحق عن الإنس: { وقال أوليآؤهم من ~~الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا ~~الذي أجلت لنا.. } [الأنعام: 128]. أي أن لهذا الاستمتاع ~~أمدا، هو أمد الأجل أي ساعة تنقضي وتنتهي الحياة، ثم يبدأ الحساب ~~فيسمعون قول الحق: { قال النار مثواكم خالدين فيهآ ~~إلا ما شآء الله إن ربك حكيم عليم } [الأنعام: ~~128]. و " الثواء " هو الإقامة، و " مثواكم " أي إقامتكم، " إلا ما شاء ~~الله " وهذا الاستثناء كان محل نقاش بين العلماء، دار فيه كلام طويل ~~فهناك من قال: إن الحق سبحانه وتعالى قال: " إلا ما شاء الله " أي أن له ~~طلاقة القدرة والمشيئة فيفعل ما يريد لكنه حسم الأمر وحدد هو " ما شاء " ~~فقال: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء.. # [النساء: 48]. وهنا حدد " ما شاء " ، أي أن ما شاء يكون في غير الشرك به ~~فإن الشرك لا يكون محل غفران منه سبحانه. أو يجوز " إلا ما شاء الله " أن ~~بعضا يفهم أنه بمجرد البعث والحشر ستكون النار مثواهم، ولكن المثوى في ~~النار لن يكون إلا بعد الحساب، وهذا استثناء من الزمن الخلودي، فلن يحدث ~~دخول للجنة ms3210 أو للنار إلا بعد الحساب. فزمن الحساب والحشر مستثنى وخارج عن ~~زمن الخلود في الجنة أو النار. ونحن نجد أيضا { إلا ما شآء ~~ربك } في سورة هود حيث يقول الحق: # فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير ~~وشهيق * خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ~~إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما يريد * ~~وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما ~~دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك عطآء ~~غير مجذوذ # [هود: 106-108]. إذن فهناك الاستثناء في النار والاستثناء في الجنة، ~~فقول الحق: { خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ~~إلا ما شآء ربك } فمجيء الاستثناء بعد الوصف بالخلود، يدل على ~~أن الخلود ينقطع مع أنه قد ثبت خلود أهل الجنة في الجنة وخلود أهل النار ~~في النار للأبد من غير استثناء فكيف ذلك؟ والرد على هذا أن أهل النار لا ~~يخلدون في عذاب النار، وحده بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع من العذاب سوى ~~عذاب النار بما هو أغلظ منها كلها وهو سخط الله عليهم ولعنهم وطردهم ~~وإهانته إياهم. وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة ما هو أكبر منها وأجل ~~موقعا، وهو رضوان الله كما قال: # وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في ~~جنات عدن ورضوان من الله أكبر.. # [التوبة: 72] فلهم ما يتفضل الله به عليهم سوى ثواب الجنة مما لا يعرف ~~كنهه إلا هو، فهذا هو المراد بالاستثناء، والدليل عليه قوله: " عطاء غير ~~مجذوذ " ومعنى قوله في مقابلته { إن ربك فعال لما يريد ~~} أن ربك يفعل بأهل النار ما يريد من العذاب، كما يعطي أهل الجنة الذي لا ~~انقطاع له. ويذيل الحق الآية بقوله: { إن ربك حكيم عليم }. ~~حكيم في أن يعذب، عليم بمن يستحق أن يعذب، ومقدار عذابه، وعليم بمن ~~يستحق أن يثاب وينعم، وبمقدار ثوابه ونعيمه، وحكيم في أن يرحم. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { وكذلك نولي بعض... }. ### || [6.129] # " وكذلك " تشير إلى ما حدث من الجن والإنس من الجدل، فقال الحق على ms3211 ~~ألسنة الإنس: # ربنا استمتع بعضنا ببعض.. # [الأنعام: 128]. ولم يأت بكلام الجن لأن كلامهم جاء في آيات أخرى فالحق ~~هو القائل: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ~~ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22]. وكذلك أورد الله ما يجيء عل لسان الشيطان في سورة أخرى: # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر ~~قال إني بريء منك.. # [الحشر: 16]. وكذلك جاء الحق في آيات أخرى بأقوال الإنس الذين ضلوا: # ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين # [فصلت: 29]. وقوله الحق هنا في سورة الأنعام: { وكذلك نولي ~~بعض الظالمين بعضا.. } [الأنعام: 129]. أي كما صنعنا مع الجن ~~والإنس، باستكثار الجن من الإنس واستمتاع بعضهم ببعض إضلالا وإغواء، ~~وطاعة وانقيادا، نجعل من بينهم ولاية ظالم على ظالم، ولا نولى عليهم ~~واحدا من أهل الخير لأن أهل الخير قلوبهم مملوءة بالرحمة، لا يقوون على ~~أن يؤدبوا الظالم فهم قد ورثوا النبوة المحمدية في قوله يوم فتح مكة: " ~~اذهبوا فأنتم الطلقاء " ، ولذلك إذا أراد الله أن يؤدب ظالما لا يأتي له ~~بواحد من أهل الخير ليؤدبه، إنه - سبحانه - بتكريمه لأهل الخير لم يجعل ~~منهم من يكون في مقام من يؤدب الظالم. إنه - سبحانه - يجعل أهل الخير في ~~موقف المتفرج على تأديب الظالمين بعضهم بعضا. والتاريخ أرانا ذلك. فقد ~~صنع الظالمون بعضهم في بعض الكثير، بينما لو تمكن منهم أعداؤهم الحقيقيون ~~لرحموهم لأن قلوبهم مملوءة بالرحمة. ولذلك بلغنا عن سيدنا مالك بن دينار ~~وهو من أهل الخير. يقول: قرأت في بعض الآثار حديثا قدسيا يقول فيه الحق: # " أنا ملك الملوك قلوب الملوك بيدي " # فإياكم أن يظن الطاغية أو الحاكم أو المستبد أنه أخذ الحكم بذكائه أو ~~بقوته، بل جاء به الحق ليؤدب به الظلمة، بدليل أنه ساعة يريد الله أن ~~تنتهي هذه المسألة فهو بجلاله ينزع المهابة من قلوب حراسه وبدلا من ms3212 أن ~~يدفع عنه البندقية، يصوب البندقية إليه. فإياكم أن تظنوا أن ملكا يأخذ ~~الملك قهرا عن الله، ولكن إذا العباد ظلموا وطغوا يسلط الحق عليهم من ~~يظلمهم، ولذلك يقال: " الظالم سيف الله في الأرض ينتقم به وينتقم منه ". ~~{ وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون } [الأنعام: 129]. فكأن ما سلط على الناس من شر عات هو ~~نتيجة لأعمالهم ولذلك كان أحد الصالحين يقول: أنا أعرف منزلتي من ربي من ~~خلق دابتي إن جمحت بي أقول ماذا صنعت حتى جمحت بي الدابة؟! وكأن ~~المسألة محسوبة. # وهذه معاملة للأخيار، عندما يرتكب ذنبا يؤاخذ به على الفور حتى تصير ~~صفحته نظيفة دائما. قال عليه الصلاة والسلام: # " ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها. ~~" # فإذا فعل العبد من أهل الخير بعضا من السيئات، يوفيه الحق جزاءه من ~~مرض في جسمه أو خسارة في ماله، كذلك المسيء الذي لا يريد له الله النكال ~~في الآخرة. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا حط الله تعالى به سيئاته كما ~~تحط الشجرة ورقها. " # { وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون } هم اعتقدوا أنهم أخذوا شيئا من وراء الله وخلصوا به. ~~نقول: لا، فربك سيحاسبك ثوابا أو عقابا وذلك بما قدمت يداك من سيئات أو ~~حسنات. ويقول الحق بعد ذلك: { يامعشر الجن والإنس... }. ### || [6.130] # ونلاحظ أنه قال هنا: { يامعشر الجن والإنس } لأنه يريد أن ~~يقيم عليهم الحجة بأنه سبحانه لم يجرم أعمالهم ولم يضع لهم العقوبات إلا ~~بعد أن بلغهم بواسطة الرسل فقد أعطاهم بلاغا بواسطة الرسل عما يجب أن ~~يفعل، وما يجب أن يترك. فلم يأخذهم - سبحانه - ظلما. وهنا وقفة ~~فالخطاب للجن والإنس { ألم يأتكم رسل منكم } فقال بعض ~~العلماء: إن الجن لهم رسل، والإنس لهم رسل، وقال آخرون: الرسل من الإنس ~~خاصة لأن القرآن جاء فيه على لسانهم: # إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى.. # [الأحقاف: 30]. إذن فقد احتج الجن بكتاب ms3213 أنزل من بعد موسى عليه السلام ~~وعندهم خبر عن الكتاب الذي جاء بعده، كأن الجن يأخذون رسالتهم من الإنس ~~فكأن الله قد أرسل رسلا من الإنس فقط وبلغ الجن ما قاله الرسول، وهو هنا ~~يقول سبحانه: { يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم ~~رسل منكم.. } [الأنعام: 130]. وأنت حين تأتي إلى اثنين: أولهما ~~معه مائه جنيه، والثاني يسير معه وليس معه شيء وتقول: " هذان معهما مائه ~~جنيه " فهذا قول صحيح. فقوله سبحانه: { ألم يأتكم رسل ~~منكم } أي من مجموعكم. أو أن الرسل تأتي للإنس، وبعد ذلك من الجن من ~~يأخذ عن الرسول ليكون رسولا مبلغا إلى إخوانه من الجن: # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ~~ولوا إلى قومهم منذرين # [الأحقاف: 29]. فكأن المنذرين من الجن يأخذون من الرسل من الإنس وبعد ~~ذلك يتوجهون إلى الجن. { ألم يأتكم رسل منكم يقصون ~~عليكم آياتي.. } [الأنعام: 130]. والآيات تطلق على المعجزات التي ~~تثبت صدق الرسل، وما يكون من شرح الأدلة الكونية الدالة على صدق الرسل. ~~وكلمة { يقصون عليكم آياتي } أي يروون لهم الموكب الرسالي من ~~أول " آدم " إلى أن انتهى إلى " محمد " صلى الله عليه وسلم. و { ~~يقصون عليكم آياتي } قول يدل على دقة الأداء التاريخي لأن " ~~قص " مأخوذ من قص الأثر، ومعناها تتبع القدم بدون انحراف عن كذا وكذا، ~~وهكذا نجد أن المفروض في القصة أن تكون مستلهمة واقع التاريخ. { ~~يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقآء يومكم ~~هذا.. } [الأنعام: 130]. وهو اليوم المخزي حيث سيقفون أمام الله ~~ويذكرهم الحق أنه قد نبههم وقد أعذر من أنذر. { قالوا شهدنا ~~على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا ~~على أنفسهم أنهم كانوا كافرين } [الأنعام: 130]. ~~وقولهم: { شهدنا على أنفسنا } إقرار منهم على أنفسهم فقد ~~شهدوا على أنفسهم، ولكن ما الذي منعهم أن ينضموا إلى الإيمان بمواكب ~~النبوة؟. تأتي الإجابة من الحق: { وغرتهم الحياة الدنيا ~~}. والذي يغر هو الشيء الذي يكون له تأثير، وهو موصوف بأنه " دنيا "!! ~~لذلك فالغرور الذي يأتي بالدنيا هو قلة تبصر. # { وشهدوا على ms3214 أنفسهم أنهم كانوا كافرين }. ~~ومن يستقرئ آيات القرآن يجد آية تقول: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. فمرة ينفون عن أنفسهم أنهم كفروا، ومرة يثبتون أنهم ~~كافرون، وهذا لاضطراب المواقف أو اختلافها. أو أنهم { وشهدوا على ~~أنفسهم } بمعنى أن أبعاضهم شهدت عليهم لأن الإنسان في الدنيا له ~~إرادة، وهذه الإرادة مسيطرة على ما له من جوارح وطاقات مخلوقة لله لأن ~~الله جعل للإرادة في الإنسان ولاية على الأبعاض التي تقوم بالأعمال ~~الاختيارية. لكن الأعمال الاضطرارية القهرية ليس للإنسان إرادة فيها فلا ~~أحد يملك أن يقول للقلب انبض كذا دقة في الساعة، ولا أن يقول للأمعاء: ~~تحركي الحركة الدودية هكذا. لكنه يقدر أن يمشي برجليه إلى المسجد، أو ~~يمشي إلى الخمارة. ويستطيع أن يقرأ القرآن أو يقرأ في كتاب يضر ولا ~~يفيد. إذن فإرادة الإنسان مسيطرة على الأبعاض لتحقق الاختيار المصحح ~~للتكليف. لكن يوم القيامة تسلب الإرادة التي للإنسان على أبعاضه، وتبقى ~~الأبعاض كلها حرة، وحين تصير الأبعاض حرة فالأشياء التي كانت تقبلها ~~في الدنيا بقانون تسخيرها لإرادتك قد زالت وانتهت، فهي في الآخرة تشهد ~~على صاحبها تشهد الجلود والأيدي والأرجل: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء... # [فصلت: 21]. وحين يقولون لربنا: ما كنا مشركين، فهذا كلامهم هم، لكن ~~جوارحهم تقول لهم: يا كذابون، أنتم عملتم كذا. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~ذلك أن لم يكن ربك... }. ### || [6.131] # { ذلك } إشارة إلى ما تقدم، وهو إرسال الرسل مبلغين عن الله حتى لا ~~يكون لأحد حجة بعد الرسل، وقد أقروا بأن الله أرسل إليهم رسلا، وشهدوا ~~على أنفسهم، وما داموا قد أقروا على أنفسهم بأن الله أرسل لهم رسلا ~~وشهدوا على أنفسهم بذلك، إذن فهذا إقرار جديد بأن الله لم يكن مهلك القرى ~~بظلم وأهلها غافلون لأن الحق سبحانه وتعالى قبل أن يعاقب على جرم، وقبل ~~أن يجرم ينزل النص بواسطة الرسل. أي أن الله لا يهلكهم بسبب ظلم وقع ~~منهم إلا بعد ذلك البلاغ. { وأهلها غافلون } ، و " الغفلة ms3215 " ضد ~~اليقظة، فاليقظة، هي تنبه الذهن الدائم، و " الغفلة " أن تغيب بعض ~~الحقائق عن الذهن، ومعنى أن ربنا لا يهلك القرى بظلم وأهلها غافلون أي ~~غير يقظين فلو أنهم كانوا يقظين ومتنبهين لما احتاجوا إلى الرسل لأن الله ~~عندما خلق الخلق أرسل آدم إلى ذريته، وكان المفروض كما يلقن الآباء ~~الأبناء وسائل حياتهم أن يلقنوهم مع ذلك قيم دينهم. فكما أن الآباء ~~يعلمون ذريتهم وسائل حياتهم، ثم ينقلونها ويزيدون عليها بابتكاراتهم، كان ~~من الواجب على الآباء أن يقوموا بهذا العمل بالنسبة للقيم فتعيش القيم في ~~الناس كما عاشت وسائل حياتهم. ولماذا - إذن - عاشت وسائل حياتهم ~~وتوارثوها وزادوا عليها أشياء؟! لأن زاوية الدين هي التي يغفل الناس ~~عنها، بسبب أنها تقيد حركتهم في " افعل " و " لا تفعل " ، ولكنهم يريدون ~~الترف في وسائل حياتهم. لماذا إذن أيها الإنسان تحرص على الترقي في ترف ~~الحياة ولا تحرص على الترقي في القيم؟. لقد كنت - على سبيل المثال - تشرب ~~من الماء أو النبع بيدك ثم صنعت كوبا لتشرب منه، ونقيت الماء من الشوائب ~~ونقلته من المنابع في صهاريج. أنت ترفه حياتك المادية والمعيشية فأين إذن ~~الاهتمام بقيم الدين؟!! ولو كانوا متيقظين لكان كل أب قد علم ابنه ما ~~ورثه من آبائه من القيم، وعلى الرغم من ذلك رحم الحق سبحانه وتعالى هذه ~~الغفلة، وكرر التنبيه بواسطة الرسل. وكلما انطمست معالم القيم التي ~~يحملها المنهج فهو - جل وعلا - يرسل رسولا رحمة منه وفضلا وعدالة، ولم ~~يكن يهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، والغفلة ضد اليقظة. إذن لو كانوا ~~متيقظين لما كانت هناك ضرورة للرسل لأن الآباء كانوا سينقلون لأبنائهم ~~القيم كما ينقلون إليهم وسائل حياتهم، وهذا الأمر مستمر معنا حتى الآن إن ~~الأب - مثلا - إن غاب ابنه عن المدرسة يوما يلوم الابن، وإن أهمل في ~~دروسه أو رسب فهو يعاقب الابن، وهذه هي الغيرة على المستقبل المادي ~~للابن، ولا غيرة على أدائه لفروض الدين، لماذا؟. إن الناس لو عنوا بمسائل ~~قيمهم كما يعنون دائما بمسائل حياتهم لاستقام ms3216 منهج الخير في الناس وأصبح ~~أمرا رتيبا. وعرفنا أن الغفلة ضدها اليقظة، كما أن السهو ضده التذكر، ~~والغروب ضده الشروق، والغياب ضده الحضور. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~ولكل درجات مما عملوا... }. ### || [6.132] # { ولكل } ، وجاءت بالتنوين أي لكل من الإنس والجن درجات مما ~~عملوا، فكأن الأعمال تتفاوت فقد تكون في ظاهرها قوالب متحدة، لكن التفاوت ~~إنما ينشأ بكثرة العمل، أو بإخلاص المقارف للعمل والمكتسب والفاعل له، ~~فهناك من يخلص بكل طاقته، وهناك من يؤدي عمله بنصف إخلاص، ومسألة ~~الإخلاص هذه لا تحددها لوائح ولا قوانين إنما يحددها الحق سبحانه ~~وتعالى، ولذلك يقول محمد صلى الله عليه وسلم مبلغا عن رب العزة هذا ~~الحديث القدسي: # " الإخلاص سر من سري استودعته قلب من أحببت من عبادي. " # إذن فمقاييس الإخلاص لا يعرفها إلا ربنا سبحانه وتعالى، وعلى مقدار ذلك ~~تكون الدرجات. وتكون الدرجات على مقدار ما يزيده العبد من جنس ما فرضه ~~الله عليه فالحق قد فرض صلوات خمسا، فيزيد العبد عشر ركعات في الليلة ~~مثلا. والله قد فرض الصيام شهرا، فيصوم العبد يومي الاثنين والخميس. ~~والذي يقف عند ما فرض الله يجازيه الله على إخلاصه في أداء ما عليه، ~~وحينما سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن موقف الذي لا يؤدي ~~إلا الفروض فقط، قال له: # " أفلح إن صدق " # ، فالذي يزيد عما فرض الله من جنس ما فرض الله أشد فلاحا. ولا يصل ~~الإنسان إلى المرتبة التي هي أشد فلاحا إلا إذا كان في درجة أعلى، ~~وكلمة " درجات " تفيد العلو، وكلمة " دركات " تفيد الهبوط، والحق لا ~~يغفل عن ظاهر وباطن كل عمل لأي عبد. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { ~~وربك الغني ذو الرحمة... }. ### || [6.133] # وهنا يحنننا الله سبحانه وتعالى إلى عبادته، وإلى تكاليفه يحنننا إلى ~~فضيلة الطاعة، وكل ذلك لمصلحتنا وهذا مطلق الربوبية الرحيمة، فيحسن لنا ~~الجزاء، ويفخم لنا لنعمل لصالحنا نحن لأن كل أعمالنا - كما قلنا - لا ~~تزيد في ملك الله قدر جناح بعوضة، وكل معصياتنا لا تنتقص من ملك ms3217 الله قدر ~~جناح بعوضة لأن الله بكل صفات الكمال خلقنا، ولن نزده نحن شيئا. لقد ~~أوجد الدنيا من عدم، وفرق بين الصفة القائمة بذات الله، وإيجاد متعلق ~~الصفة. فالله خالق والله رحمن، والله رحيم، والله قهار، وسبحانه رحمن ~~ورحيم وقهار وخالق حتى قبل أن يبرز ويظهر ما يخلقه لأنه بصفة الخالق فيه ~~خلق، وهو رزاق قبل أن يخلق المرزوق، فالصفة موجودة فيه قائمة به، ~~وبهذه الصفة رزق، وبوجود هذه الصفات فيه يقول للشيء كن فيكون، وله هذا ~~الكون كله، وهو غني عن العباد وله كل الملك، وكذلك خلق التوبة، والرسول ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ~~". # { وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ~~ويستخلف من بعدكم ما يشآء كمآ أنشأكم من ~~ذرية قوم آخرين } [الأنعام: 133]. إذن فالخلق مستمر الإيجاد ~~من العدميات وهو دليل على أن صفة الخالقية موجودة. # وما آدم في منطق العقل واحد # ولكنه عند القيام أوادم # فالكون كله من أول آدم موجود، وكل الكون المسخر لآدم كخليفة في الأرض ~~خاضع لله، فإن شاء أذهب الخلق وأتى بخلق جديد. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~إن ما توعدون لآت... }. ### || [6.134] # والحق سبحانه وتعالى لأنه لا إله إلا هو، إذا وعد فلابد أن يتحقق وعده، ~~وإذا أوعد فلابد أن يأتي وعيده. والوعد إذا أطلق فهو في الخير، والوعيد ~~يكون في الشر. والذي يخلف الوعد أو الوعيد من الخلق فهذا أمر متوقع لأنه ~~من الأغيار، فيتغير رأيه فلم يعد أهلا لهذا الوعد لأنه ربما يكون قد وعد ~~بشيء كان يظن أنه في مكنته، وبعد ذلك خرج عن مكنته، فليس له سيطرة على ~~الأشياء، لكن إذا كان من وعد قادرا، ولا يوجد إله آخر يناقضه فيما وعد ~~أو أوعد به فلابد أن يتحقق الوعد أو يأتي الوعيد.. ولذلك حينما يحكم الله ~~حكما فالمؤمن يأخذ هذا الحكم قضية مسلمة لأنه لا إله مع الله سيغير ~~الحكم، وسبحانه ليس من الأغيار، والمثال أنه ms3218 قال: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد # [المسد: 1-5] وهذا وعيد في أمر لهم فيه اختيار، ومع ذلك لم يسلموا. وجاء ~~بعدها ما يؤكد لكل مسلم: إياك أن تأخذ هذه القضية مأخذ الشك، وتقول: قد ~~يتوب أبو لهب هذا وزوجه ويسلمان، ألم تتب هند؟! ألم يسلم أبو سفيان؟!. ~~لكنه سبحانه عالم بما يصير إليه اختيار أبي لهب واختيار زوجه، وإن كان كل ~~منهما مختارا، ولا يوجد إله سواه ليغير الأمر عما قال. # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. أي لا يوجد إله أخر ليعدل هذا الأمر. { إن ما ~~توعدون لآت ومآ أنتم بمعجزين } [الأنعام: 134]. قد يظن ~~بعض الناس أن الله قد يأتي بما وعد به لكنهم قد يهربون منه، ولكن ليس ~~الأمر كما يظنون فالوعد آت وأنتم لا تستطيعون الهرب منه، ولا أحد بقادر ~~على أن يمنع الله عن تحقيق ما وعد أو أوعد، ولن تفروا من وعده أو وعيده، ~~ولن تغلبوا الله أو تفوتوه وتعجزوه فالله غالب على أمره. ويقول سبحانه من ~~بعد ذلك: { قل ياقوم اعملوا على... }. ### || [6.135] # والقوم هم الجماعة، وعادة يطلق على الرجال لأنهم أهل القيام للمهمات لأن ~~الشأن والأصل في المرأة الستر والبيتوتة والاستقرار في البيت للقيام على ~~أمره ورعايته. وحين تقرأ القرآن تجد كلمة " قوم " وتفهم أن المقصود منها ~~الجماعة التي تجمعهم رابطة، وأنها للرجال خاصة، والمثال هو قول الحق: # لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا ~~منهن # [الحجرات: 11]. وما دام قد جاء بمقابل " قوم ": " ولا نساء " ، ف " قوم ~~" هذه للرجال ومأخوذ منها " القيام للمهمات " ، ومأخوذ منها " القوامة ". ~~ولذلك الشاعر يقول: # ولا أدري ولست أخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # يعني أرجال أم نساء. { قل ياقوم اعملوا على ~~مكانتكم.. } [الأنعام: 135]. و " المكان " هو الحيز الذي يأخذه جسم ~~الإنسان فكل كائن له مكان، إن وقف له مكان، ms3219 إن قعد له مكان، والمكان هو ~~المملوك والمخصص لك من الأرض، فحين تقف في مكان لا يقدر آخر أن يقف فيه ~~وأنت واقف، بل يجب أن يزحزحك عنه، وحين تزحزح من هو واقف، فهو يروح إلى ~~مكان ثان، ويمتنع التداخل بين اثنين في حيز لا يسع إلا واحدا، وهذا أمر ~~فطري فتجد الولد الصغير الذي لم يدرك أي شيء ويقدر أن يقف فقط، ثم يريد ~~أن يقعد على الكرسي الذي تجلس عليه أخته أو أخوه، فقبل أن يقعد على ~~الكرسي يشد من يجلس عليه لأنه يعرف بالفطرة أن اثنين لا يوجدان في حيز ~~واحد. وترى ذلك أيضا في غير الجرم المرئي، فأنت حين تأتي بقارورة وتضعها ~~في ماء لتمتلئ تسمع صوت الهواء الخارج منها في بقبقة لأن الماء لا يمكن ~~أن يدخل إلا أن خرج الهواء، ولأن المياه أكثف فهي تضغط ليخرج الهواء، ~~وهذا ما يؤكد عدم التداخل. أي لا يوجد شيئان اثنان في حيز واحد. ومكانتك ~~هي الموقع الذي تستولي عليه، ولذلك حتى في الجيوش وفي الحرب توضع الخطط ~~من أسلحة مختلفة، لتستولي على الأماكن. { اعملوا على ~~مكانتكم } هو قول موجه إلى الجماعة الذين عارضوا النبوة ووقفوا ~~منها هذه المواقف، فيقول لهم الحق تهديدا لهم وتيئيسا من أنهم لن يصلوا ~~إلى النيل من رسول الله: اعملوا على قدر استطاعتكم من التمكن، أو اثبتوا ~~على ما أنتم عليه من الخلاف والمناهضة، لماذا؟ لأنه صلى الله عليه وسلم ~~عامل أيضا: فلن يكون ثباتكم مانعا لي من العمل أنتم تعملون وأنا أعمل، ~~أنتم تعملون على طاقاتكم، وأنا أعمل على طاقاتي الإيمانية ومدد ربي ~~الأعلى من الطاقة. { قل ياقوم اعملوا على مكانتكم ~~إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة ~~الدار إنه لا يفلح الظالمون } [الأنعام: 135]. { ~~فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار } و " له " ~~تعطي دلالة إلى أن الإيمان ستكون عاقبة الدار لصالحه لأن الآخرين لن ~~تكون لهم بل عليهم، وساعة ترى " اللام " اعرف أن الأمر لهم لا عليهم. ~~فكأن الظالمين إن ms3220 تنلهم عاقبة فهي ليست لهم، وإنما عاقبتهم عليهم، ولن ~~يفلح الظالمون. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { وجعلوا لله مما ~~ذرأ من الحرث... }. ### || [6.136] # وهنا رجوع إلى الكلام عن الذين يناهضون منهج الله. و " ذرأ " أي خلق، ~~وبث، ونشر، والحرث يراد به الزرع، وسمى الزرع حرثا لأنه يأتي بالحرث، و ~~" الأنعام " وهي تتمثل في ثمانية أزواج في آية تأتي بعد ذلك، وهي الأبل، ~~والبقر، والضأن والمعز. { وجعلوا لله مما ذرأ من ~~الحرث والأنعام نصيبا } أي مما خلق، وهم قد حرثوا فقط لأن ~~الذي يزرع هو الله، فسبحانه الذي أعطى للبذرة قوتها لتربي لها جذرا، ~~وتمتص عناصر الغذاء من الأرض، وهو الذي جاء بعناصر الأرض كلها، وهو الذي ~~جعل البذرة تتجه إلى العناصر الصالحة لها، وتترك غير صالح بقانون # الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. والذي صنعه الله الحرث وفي الأنعام تتخيلون أنكم تتصرفون ~~فيه على رغم أنه هو الذي ذرأ وخلق. إنه - سبحانه - هو المتصرف. هم جعلوا ~~لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا: هذا لله " بزعمهم " وهذا ~~لشركائنا، أي جاءوا بالحرث وقسموه قسمين. وقالوا: هذا لله، وهذا للأصنام. ~~وكذلك قسموا الأنعام وجعلوا منها قسما لله، وقسما لهم، ألم يكن من ~~العدل أن يقسم الذي خلق بدلا من هذا الزعم منكم لأنكم أخذتم غير حقكم، ~~وياليتكم أنصفتم فنرضى بقسمتكم فيذهب القسم الذي لله للصدقات على ~~الفقراء، والذي للشركاء يذهب للأصنام وللسدنة الحجاب عليها والخادمين ~~والذين يضربون لكم الأقداح، ياليتكم عرفتم العدل في القسمة بل إن ما ~~صنعتموه هي قسمة ضيزى جائرة وظالمة، لماذا؟. تأتي الإجابة من الحق: { ~~فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله وما كان ~~لله فهو يصل إلى شركآئهم } [الأنعام: 136]. أنتم قسمتم ~~وقلتم: هذا لله وهذا لشركائنا. فاصدقوا مع أنفسكم في هذه النسبة، لكنهم ~~كانوا يسرقون حق الله، وكان لهم في الهلاك تقسيم معين، وفي الزيادة لهم ~~تقسيم آخر. فإذا ما جاءت آفة للزرع وأهلكته أخذوا ما خصصوه لله وأعطوه ~~للشركاء وقالوا: إن ربنا غني! وبرغم ms3221 أنكم قسمتم ولكنكم لم توفوا بالقسمة ~~التي فرضتموها ورضيتم بها. وكذلك في الأنعام يقدرون عددا من الأنعام ~~ويقولون: هذه لله، وتلك للشركاء، فإن ماتت بهيمة منذورة للأصنام يعوضوها ~~ويأخذوا بدلا منها من القسم الذي نذروه لله وأيضا لنفترض أن عينا ~~جارية ساحت فيها المياه لتروي الزرع المقسوم لله، فأخذوا منها للأرض ~~المزروعة للأصنام. إذن هي قسمة ضيزى من البداية، وليتهم وفوا بهذه ~~القسمة، وهكذا ساء حكمهم وفسد. ويقول الحق بعد ذلك: { وكذلك زين ~~لكثير... }. ### || [6.137] # وأيضا نقلوا تلك القسمة الضيزى إلى ما يتعلق بذواتهم في الإنجاب ~~والإنسال فشركاؤهم زينوا لهم قتل أولادهم، و " التزيين " هو إدخال عنصر ~~التحسين على شيء لشدة انجذاب النفس إليه، وهو عملية تجميل لحقيقة وجوهر، ~~وبذلك يكون التزيين أمرا عرضيا طارئا، ووجه التزيين أنهم كانوا إما ~~أغنياء، وإما فقراء، فإن كانوا فقراء يقول الواحد منهم لماذا أجلب لنفسي ~~هما على هم، وإن كانوا أغنياء يقول الواحد منهم: إن الأبناء سيأخذون ~~منك ويفقرونك. إذن ففيه أمران: إما فقر موجود بالفعل، وإما فقر مخوف ~~منه، ولذلك تجد الآيات التي تعرضت لهذا المعنى، تأتي على أسلوبين اثنين ~~فالعجز مختلف باختلاف الصدر، والذين يحبون أن يستدركوا على أساليب ~~القرآن لأنه مرة يقول: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم # [الإسراء: 31]. ومرة ثانية يقول: # نحن نرزقكم وإياهم # [الأنعام: 151]. فما الفرق بين العبارتين؟ ونقول لمثل هذا القائل: أنت ~~تقارن بين التذييل " نحن نرزقكم وإياهم " ، و " نحن نرزقهم وإياكم ". هذا ~~تذييل لآية، وهذه تذييل لآية ثانية. هات ذيل الآية مع صدرها نجد أن ذيل ~~كل آية مناسب لصدرها. ومادام قد اختلف في الصدر فلابد أن يختلف في ~~الختام، ففي الآية الأولى يقول الحق سبحانه: " ولا تقتلوا أولادكم من ~~إملاق " فالإملاق وهو الفقر واقع موجود. إذن فشغل الإنسان برزقه أولى من ~~شغله برزق من يعوله من الأولاد، فيقول الحق لهؤلاء: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم # [الأنعام: 151]. فالإملاق موجود، وشغلهم برزق أنفسهم يملأ نفوسهم. لذلك ~~يقول لهم: " نرزقكم وإياهم " فيطمئنهم سبحانه ms3222 نحن نرزقكم ثم نرزقهم. أما ~~إن كان الإملاق غير موجود فالحق يقول: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم # [الإسراء: 31]. أي لا تقتلوا أولادكم خوفا من فقر، فأنتم تملكون رزقكم، ~~وحين يأتي الأولاد نرزقهم ونرزقكم معهم. وهكذا نرى أن الصدر مختلف في ~~الآيتين، وكذلك العجز، والشركاء كانوا يزينون قتل الأولاد، وهذه مسألة ~~تحتاج إلى تزيين قاس لأن حب الأبناء غريزة في النفس البشرية، والنفس تحب ~~أن يكون لها ذرية لأن الإنسان يفهم أنه مهما طال عمره فسوف يموت فيحب أن ~~يظل اسمه في الأجيال المتتابعة. ونجد الإنسان وهو ممتلئ بالسعادة حين ~~يأتيه حفيد، ويقول: لقد ضمنت ذكري لجيلين قادمين، وينسى أن الذكر ~~الحقيقي هو الذي يقدمه الإنسان من عمل، لا ذكرى الأبناء وحب امتداد ~~الذات. وقتل الأبناء يحتاج إلى تزيين شديد، كأن يقال: إن أنجبت أبناء ~~فسيفقرونك ويذلونك، فأنتم أمة غارات وأمة حروب وكل يوم يدخلك أبناؤك في ~~قتال ونزال فتكون بين فقد لأبنائك أو انتهاب لمالك، وإن كانوا بنات فسيتم ~~سبيهن من بعدك، وهكذا تكون المبالغة في الإغراء لعملية تناقض الفطرة ~~السليمة في امتداد النسل. # { وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركآؤهم ليردوهم.. } [الأنعام: 137]. و { ~~لكثير من المشركين } تفيد أن بعضهم كان يرفض قتل الأولاد، و ~~" يردوهم " من الردى، وهو الهلاك، والموت. { وليلبسوا عليهم ~~دينهم } [الأنعام: 137]. أي يخلطوا عليهم الدين، فهل كان عندهم دين؟. ~~لقد ورث هؤلاء من أمر قيم الدين ما كان سابقا وهو ما كانوا عليه من دين ~~إسماعيل عليه السلام حتى مالوا وزالوا عنه إلى الشرك، إنهم زينوا لهم ~~أعمالا ليوردوهم موارد الهلكة. وحاولوا أن يخلطوا عليهم ما بقي لهم من ~~دين. { ولو شآء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون ~~} [الأنعام: 137]. لأن وأد الأولاد وقتلهم إنما ينافي فكرة خلق الله، فهل ~~يخلق الله لتقتل أنت؟! كأنهم يصادمون إرادة الإيجاد من الحق سبحانه ~~وتعالى، لكنه - سبحانه - لو شاء ما فعلوا ذلك، فهو قد أعطاهم الاختيار، ~~ومن باب الاختيار ينفذون إلى كل مراد لهم، ولو لم ms3223 يخلق الله فيهم ~~اختيارا ما فعلوا ذلك لأنه لو أراد ألا يضلوا لما فعلوا، وقد أراد الله ~~أن يوجد خلقا لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهم الملائكة. ~~إذن فهذه المسألة ليست عزيزة على الله، وسبحانه ساعة يقهر على مراد له، ~~إنما يكون ذلك لمصلحة المخلوق، وساعة يتركه مختارا فمن إمداد الخالق له ~~بالاختيار ولا يفعل المختار شيئا غصبا عن الله لأن الألوهية تقتضي ~~أمرين اثنين: تقتضي قدرة تتجلى في الأشياء القهرية التي لا يستطيع العباد ~~أن يقفوا أمامها، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي له حق الاختيار بين ~~البديلات في مراداته، أما بقية الكون فسائر بقانون التسخير وليس له ~~اختيار. والكائنات المسخرة أثبتت لله طلاقة القدرة، ولكنها لا تثبت لله ~~محبوبية المخلوق لأن المحبوبية تنشأ من أنك تكون حرا في أن تفعل، ولكنك ~~تؤثر فعلا مراد لله على مرادك. { ولو شآء الله ما فعلوه ~~فذرهم وما يفترون }. و " الافتراء " هو الاختلاق والكذب ~~المتعمد، وهم مفترون، لأنهم أرادوا أن يغيروا صدق الواقع في الإنجاب، ~~فقد خلق الله الزوجين - الذكر والأنثى - من أجل الإنجاب. ويقول سبحانه ~~من بعد ذلك: { وقالوا هذه أنعام... }. ### || [6.138] # وهذا تماد في الشرك لأنهم قسموا الحيوانات والحرث وحجزوا قسما ~~للأصنام، وهذه الأنعام المرصودة للأصنام لا يتصرف فيها أحد، فلا يؤخذ ~~لبنها ولا يستخدمها أحد كمطايا، ولا يتعدى نفعها للناس. ولم يتنبهوا إلى ~~أن هذه الأنعام نعمة من الله، ولابد من الانتفاع بها، وليس من حسن التعقل ~~أن تترك حيوانا تستطيع أن تستفيد من تسخيره لك ولا تفعل، هم قد فعلوا ~~ذلك وحكى الحق عنهم فقال: { وقالوا هذه أنعام وحرث ~~حجر لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم } [الأنعام: ~~138]. أي هي أنعام محرم استخدامها، وحرموا أيضا ركوبها. { وأنعام ~~حرمت ظهورها } [الأنعام: 138]. وتمادوا في الكفر فذكروا أسماء ~~الأصنام عليها: { وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها ~~افترآء عليه } [الأنعام: 138]. وهذا لون من الافتراءات قد فعلوه ~~ونسبوه إلى أنه متلقى من الله، ومأمور به منه - سبحانه - ولو قالوا: إن ~~هذه الأمر ms3224 من عندهم لكان وقع الافتراء أقل حدة، لكنه افتراء شديد لأنهم ~~جاءوا بهذه الأشياء ونسبوها إلى الله، وهم قد انحلوا عن الدين وقالوا على ~~بعض من سلوكهم إنه من الدين، ولذلك يجازيهم الله بما افتروا مصداقا ~~لقوله: { سيجزيهم بما كانوا يفترون } [الأنعام: 138]. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { وقالوا ما في بطون... }. ### || [6.139] # ويقودهم الباطل إلى باطل آخر فادعوا أن ما في بطون هذه الأنعام من اللبن ~~ومن الأجنة إذا نزلت حية فهي للذكور منهم فقط، ولا تأكل النساء من ذلك ~~شيئا، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء وهذا يدل على التشقيق في ~~القسمة. ويذيل الحق الآية بالقول الكريم: { سيجزيهم وصفهم ~~إنه حكيم عليم } [الأنعام: 139]. أي سيجازيهم على كذبهم ~~وافترائهم بما يليق عقابا للكاذبين لأنه - سبحانه - حكيم في أفعاله ~~وأقواله وشرعه وقدره عليم بما يفعلونه من خير وشر، إنه سيجازيهم على ما ~~فعلوه أتم الجزاء وأكمله. ويقول الحق من بعد ذلك: { قد خسر ~~الذين... }. ### || [6.140] # وجه الخسران أنهم لم يلتفتوا إلى أن الله يرزقهم ويرزق أبناءهم أيضا، ~~ولعلك أيها الأب قتلت ولدا، كنت ستعيش أنت في رحاب رزقه، وكثيرا ما ~~يكون البعض من الأولاد صاحب رزق وفير، ويقال عن مثل هذا الابن: إن وجهه ~~وجه الخير والسعد والبركة، فمن يوم أن ولد ولد معه الخير، وذلك حتى لا ~~يتأبى الإنسان على عطاء الله لأنك حين تتأبى على عطاء الله تحرم نفسك ~~العطاء فيما تظنه غير عطاء، وهذا خسران كبير. إننا نلحظ أن العرب كانوا ~~في بيئة تستجيب وتلبي الصريخ، فساعة يصرخ من في شدة نزلت به واستنجد، يجد ~~من ينقذه، والأولى بالنجدة أهل الرجل وأولاده. والمثال على ذلك ما حدث من ~~جد رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما ذهب ليحفر البئر، وجاءت قريش ~~ووقفت له حتى لا يحفر. فقال: لو أن لي عشرة أبناء سأضحي بواحد منهم. إذن ~~فكثرة الأولاد في هذه المسائل تعطي العزوة وتكثر الصريخ، ولا يفعل ذلك ~~إلا المفطور على النجدة. وإن قتلت ابنا خوفا من الفقر ms3225 فقد تخسر رزقا ~~قد يكون في طي من تقتل من الذرية، وفوق ذلك تفقد مباهج الشأن أو العزوة ~~أو الآل. أو على الأقل أنهم قد خسروا لأنهم عاكسوا مرادات الله في ~~الإيجاد بالإنجاب. { قد خسر الذين قتلوا أولادهم ~~سفها بغير علم.. } [الأنعام: 140]. و { سفها } تعني طيشا، ~~وحمقا، وجهلا. { وحرموا ما رزقهم الله افترآء على ~~الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين } [الأنعام: 140]. وهم ~~حين يحرمون على أنفسهم ما رزقهم الله من الأنعام، فهم أهل حمق وضلال ~~وخسران فلو تركوها لانتفعوا منها في حمل أثقالهم أو فيما تدره من لبن، أو ~~في أكل لحمها. إنهم بحمقهم وجهلهم قد خسروا كثيرا، وهم مع ذلك فعلوا ما ~~فعلوا بكذب متعمد على الله، وهم قد ضلوا ولم يكونوا أهلا للهداية، وكان ~~يكفي أن يصفهم بقوله: { قد ضلوا } لكنه أضاف: { وما كانوا ~~مهتدين } لأن الضلال هو عدم الذهاب إلى المقصد الموصل للغاية، وقد ~~يكون ذلك عن جهل بالطريق، لكن الحق سبحانه رسم لهم طريق الحق فآثروا ~~الذهاب إلى الضلال مع وجود طريق الحق. ويقول سبحانه بعد ذلك: { وهو ~~الذي أنشأ... }. ### || [6.141] # وقول الحق: { أنشأ } أي أوجد على إبداع لم يسبق له مثيل فلم يكن هناك ~~نماذج توضيحية تدل الله سبحانه، وإنما ابتدأها على غير مثال سابق لأنه لا ~~يوجد خالق سواه. والخالق إذا لم يكن هناك سواه من شريك أو ند فإنه حين ~~يخلق إنما ينشىء خلقا على غير نظام أو مثال كان قد سبقه. وكلمة { ~~جنات } تؤدي ما نعرفه من المكان المحدد الذي يجمع صنوف الزروع ~~والثمار مما نقتات، ومما نتفكه به، وتسمى جنة وتسمى جنات لأن ~~المادة كلها تدل على الستر وعلى التغطية، ومنه الجنون لأن فيه سترا ~~للعقل، ومنها الجن لأنهم مستورون عن رؤية العين، وكذلك " المجن " ~~لأنه الذي يستر عن الإنسان طعنات الخصم. والجنة هي المكان الممتلئ ~~بالزرع والثمار وتعلو الأشجار فيه وتكثف وتلتف أغصانها وفروعها بحيث تستر ~~من يكون بداخلها وتستره أيضا عن بقية الأمكنة لأنه لا حاجة له إلى ~~الأمكنة ms3226 الأخرى ففي الجنة كل مقومات الحياة من غذاء وفاكهة ومرعى، وماء ~~وخضرة ومتعة، وفيها كل شيء. كما تسمى البيت العظيم المكتمل الذي يضم ~~ويشتمل على كل المرافق " قصرا " لأنه قصرك على أي مكان سواه لأن ~~فيه الأشياء التي تحتاج إليها كلها، فلا تحتاج إلى شيء بعده. { وهو ~~الذي أنشأ جنات معروشات.. } [الأنعام: 141]. ومادة ~~العرش تدل على العلو، ومنه قيل للسقف " عرش " ، ويطلق العرش أيضا على ~~السرير مثل قوله الحق: { ورفع أبويه على العرش }. ويطلق ~~العرش على الملك مثل قوله الحق: { ولها عرش عظيم }. كل ذلك يدل ~~على " العلو " وقوله الحق هنا: { معروشات وغير معروشات } ~~، أي أن الزرع من نوع العنب، حين نعني به نجعل له القوائم والقواعد التي ~~يقوم عليها لأن امتداد أغصانه اللينة لا تنهض أن تقوم وحدها، ولكن هناك ~~نوع أيضا يقوم وحده نسميه العنب الأرضي، وكأن الكلام فيما يختص ~~بالكرم. أي: أنك إذا ما نظرت إلى الزرع الذي لا ساق له كالبطيخ، ~~والشمام، وكالكوسة، وكل الزروع التي ليس لها ساق تجدها مفروشة في الأرض ~~أي غير قائمة على قواعد وقوائم وعروش. وإن كنا الآن نحاول أن نرفعها ~~لنعطي لها قوة الإنتاج. والكلام جاء على ما كان موجودا عند العرب أيام ~~بعثة النبي صلى الله عليه وسلم { وهو الذي أنشأ جنات ~~معروشات وغير معروشات والنخل والزرع }. والزرع ~~يطلق ويراد به ما نقتات به من الحبوب. { مختلفا أكله ~~والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه } ~~[الأنعام: 141]. وحين ننظر إلى هذه الآية نجد أنه قد سبقتها آية فيها كل ~~هذه المعاني يقول سبحانه: # وهو الذي أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ~~نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه ~~حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان ~~دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان ~~مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذآ ~~أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون # [الأنعام: 99]. وبعض الناس يحاولون نقد القرآن فيقولون: إنه يكرر ~~المعاني الواحدة لأنهم لا يمتلكون فطنة أن المتكلم هو الله، وسبحانه ~~يتكلم في كل شيء لأمر ms3227 حكيم، فهو هنا يتكلم عن هذه الأشياء كدليل على ~~الخالق ووحدانيته بدليل أنه ذيل الآية بقوله: { إن في ذلكم ~~لآيات لقوم يؤمنون } ، ولكن الكلام في الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها قد جاء بقصد الحديث عن الانتفاع بها فيقول: { كلوا من ~~ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده } [الأنعام: ~~141]. ولا شك أن استقامة العقيدة بالإيمان بالإله الواحد تحتاج إلى ~~الدليل أولا لأن فائدتها أشمل، وأعم، وأعمق، وأخلد من الأكل، لأن الأكل ~~قصارى ما فيه أنه يقوتنا هذه الحياة، ولكن الأدلة الأولى تعطينا الثواب ~~الباقي والنعيم المقيم لذلك فالآية الأولى متعلقة بالدليل، وهذه الآية ~~متعلقة بالانتفاع، وهنا نلاحظ أنه قال: { كلوا من ثمره إذآ ~~أثمر } ، وفي هذه إباحة لتناول الأشياء منه قبل أن تنضج دون أن يترتب ~~على ذلك لون من الضرر وإلا عالجناها بما يزيل عنا الضرر، فإذا ما وجدت ~~ثمارا لم تنضج لك أن تأكل منها، ولم يجعل الحق لنا حرجا فيما نحرث ~~ونبذر ونروي ولكن الله سبحانه هو الذي يزرع ونحن نأكل منه، ونجد أهل ~~الريف يشوون الذرة قبل أن تنضج ويقول سبحانه: { وآتوا حقه يوم ~~حصاده }. لقد قالوا إن الآية مختصة بما يحصد وهي الزروع، أما ~~الأشياء التي لا يقال فيها: حصد فهي خارجة عن ذلك مثل الفواكه، لكن ~~الإمام أبا حنيفة يرفض ذلك ويرى: أن كل ما تنبته الأرض ينطبق عليه هذا ~~النص لأنه لا يصح أن تأخذ معنى الحصاد على العرف، ولكن بفهم اللغة. ما ~~معنى الحصاد في اللغة؟. الحصاد في اللغة القطع، فحينما تفضل الثمرة ~~المطلوبة فهذا هو الحصاد. ولكن يوم الحصاد للحبوب تكون الغلال في ~~السنابل، ويرى الإمام أبو حنيفة أن تعطي من البداية لمن حضر القسمة، ~~وكذلك حينما تدرسه وتذريه تعطي، وعندما تغربل الحبوب أعط أيضا، ويبتدئ ~~الحصاد من ساعة أن تكيل، وما تقدم غير محسوب، ما تأتيه من الحق يوم ~~حصاده هو غير المفروض لأنه لم يقل الحق المعلوم، وفي هذا اتساع لدائرة ~~امتداد الخير إلى غير الزارعين. { ولا تسرفوا إنه ms3228 لا ~~يحب المسرفين } [الأنعام: 141]. والإسراف هو مجاوزة الحد، ~~والبعض قد فسر الإسراف بالزيادة فقط، ولكن الحقيقة أن أي تجاوز للحد ~~زيادة أو نقصا يسمى إسرافا لأنه مأخوذ من " سرف الماء " ، وهو أن يطلق ~~الماء ويذهب في غير نفع، وسيدنا مجاهد يقول: لو أن للإنسان مثل جبل أبي ~~قبيس ذهبا ثم أنفقه في حل ما عد سرفا، ولو صرف درهما واحدا في ~~معصية يعد سرفا. # إذن فمعنى: " ولا تسرفوا " أمران اثنان بمعنى لا تتجاوزوا الحدود التي ~~شرعها الحق فتستعملوا هذا في معصية، أو لا تسوفوا في أن تعطوا للفقير أقل ~~مما يستحق. وكان حاتم الطائي كريما جدا، وقعدوا يلومونه على هذا الكرم، ~~فقال واحد له: لا خير في السرف. رد عليه فقال له: ولا سرف في الخير. أي ~~أنه ما دام في الخير فلا يكون سرفا. وإذا كنا سنأخذ الأمر على المعنيين ~~الاثنين: النقص والزيادة، فما المانع أن نعطي للفقير أكثر؟. ويحكي الأثر ~~أن أناسا قد تأخذهم الأريحية والنشاط للبذل والعطاء ساعة يرون كثرة ~~غلتهم، وما أفاء الله عليهم من ريع أرضهم. إنهم يعطون الكثير مثلما عمل ~~ثابت بن قيس، وكان عنده خمسون نخلة وجزها وأعطاها كلها للفقراء، ولم يترك ~~لأولاده شيئا. فلما رفع الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~له: أعط ولا تسرف، لماذا؟ مخافة أن تحتاج بعد ذلك إلى ما أعطيت فتندم على ~~أنك أعطيت. ويقول الحق بعد ذلك: { ومن الأنعام حمولة... }. ### || [6.142] # وبعد أن تكلم سبحانه عن نعمه علينا في الزراعة ونعمه علينا في الماشية ~~قال: { ومن الأنعام } وهي الإبل والبقر والغنم، { حمولة } ~~والحمولة هي التي تحمل، فيقال: " فلان حمول " أي يتحمل كثيرا. والحق ~~يقول: # وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس # [النحل: 7]. والذي تحمله فوق ظهرها يسمى " حمولة ". ولذلك نقول عن ~~السيارة التي تنتقل " حمولة كذا طن ". " ومن الأنعام حمولة وفرشا ". ~~والإبل نحمل عليها الرحال، وكل متطلباتنا، و " فرشا " معناها: مقابل ~~الحمولة. فالحمولة هي المشتدة التي تقوى على أن تحمل. كل ms3229 ما لا يستطيع ~~الحمل لصغره، أو لأنه لم يعد لذلك، إذا ما نظرت إليه نظرة سطحية تجده ~~وكأنه فارش للأرض. أو " من الأنعام حمولة " وهي التي تحمل متاعكم إلى بلد ~~لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس. " وفرشا " أي ومن الأنعام ما تتخذون ~~منه فرشا بأن ننسج من وبره وصوفه وشعره ما نفرشه. { ومن الأنعام ~~حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين } ~~[الأنعام: 142]. وفي الحديث عن الأنعام، جاء بالحمولة والفرش ويأتي أيضا ~~بسيرة الأكل لأننا نأكل لحمها وألبانها ومشتقات الألبان كلها، وهكذا ~~تتعدد المنافع، فهي تحملنا ونأخذ من أصوافها وأوبارها وشعورها الفرش، ~~والوبر وهو شعر الجمال، والصوف وهو شعر الغنم، وشعر الماعز يتميز بلمعة ~~وانفصالية بين شعيراته. ونلحظ أنه سبحانه قال في الآية الأولى: " كلوا " ~~وفي الثانية: " كلوا " لأن ذلك جاء بعد الكلام عما حرموه على أنفسهم من ~~أرزاق الله في الأرض. فكان ولا بد أن يؤكد هذا المعنى، ويوضح: إن الذي ~~خلق هو الله، والذي كلف هو الله، فلا تأخذوا تحليلا لشيء ولا تحريما ~~لشيء إلا ممن خلق وممن كلف. { كلوا مما رزقكم الله ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين }. ~~الشيطان هو الذي يوسوس لهم بالمخالفة لمنهج الله، وعداوة الشيطان ظاهرة. ~~فإذا ما كانت العداوة سابقة، فقد أنزل آدم وحواء من رتبة الطاعة إلى رتبة ~~المعصية وجرأهما على المخالفة فخرجا من الجنة، كان من الواجب أن نحتاط ~~في قبول هذه الوسوسة. ثم يفصل الحق لنا الأنعام التي نتخذها حمولة، أو ~~نأخذ منها فرشا فقال: { ثمانية أزواج من الضأن... }. ### || [6.143] # وكلمة { أزواج } ، جمع زوج، و " الزوج " يطلق على الشيء معه ما ~~يقارنه مثل " زوج النعل " ، ونحن في أعرافنا نأخذها على الاثنين، لكنها ~~في الأصل تطلق على الواحد ومعه ما يقارنه، إلا أنه إذا لم يكن هناك فارق ~~بين الاثنين بحيث لا يتم الانتفاع بأحدهما إلا مع الآخر ولكن لا تميز ~~لأحدهما على الآخر كالجورب مثلا، ففي مثل هذا نستسمح اللغة في أن ms3230 نسمي ~~الاثنين زوجا، لكن إذا كان هناك خلاف بين الاثنين لا نقول على الاثنين: ~~زوج. والذكر والأنثى من البشر، صحيح أنهما يقترنان في أن كل واحد منهما ~~إنسان، لكن للذكر مهمة وللأنثى مهمة مختلفة. أما الجوارب فكل " فردة " ~~منها نضعها في أي قدم لأنه فارق بينهما، إذن كلمة " زوج " تطلق ويراد بها ~~الشيء الواحد الذي معه ما يقارنه. والحق يقول: # اسكن أنت وزوجك الجنة # [البقرة: 35]. وكلمة " زوج " هنا أطلقت على حواء فآدم زوج وحواء زوج، ~~والحق هو القائل: # وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى # [النجم: 45]. ولم يقل عن الاثنين: إنهما " زوج " و إلا لقال: خلق الزوج ~~الذكر والأنثى. إذن فكلمة " زوج " تطلق على واحد معه ما يقارنه، مثلها ~~مثل كلمة " توأم " وهي لا تقال للاثنين، بل تقال لواحد معه آخر. لكن ~~الاثنين يقال لهما: توأمان. { ثمانية أزواج من الضأن ~~اثنين ومن المعز اثنين } [الأنعام: 143]. و " من الضأن ~~اثنين " أي ذكرها وأنثاها فنسمي الذكر " كبشا " والأنثى " نعجة ". ومن ~~المعز اثنين، والذكر نسميه " تيسا " ، والأنثى نسميها " عنزة " ، وبذلك ~~يكون معنا أربعة، ومن هنا نفهم أن الزوج مدلوله فرد ومعه ما يقارنه. { ~~قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم ~~صادقين } [الأنعام: 143]. وما دمتم أنتم تحرمون وتحللون، وتقولون: إن ~~هذا من عند الله فقولوا لنا أحرم الذكرين أم حرم الأنثيين؟ ولا يجدون ~~جوابا لأنه سبحانه لا حرم هذا ولا حرم ذاك، ولذلك أبرزت المسألة إبراز ~~الاستفهام، والشيء إذا أبرز الاستفهام فمعناه أنه أمر مقرر بحيث إذا سألت ~~الخصم لا يقول إلا ما تتوقعه، واسمه السؤال أو الاستفهام التقريري. ويقول ~~الحق: { نبئوني بعلم إن كنتم صادقين } أي أخبروني بعلم ~~ذلك في التحريم إن كنتم أهل صدق لأنكم لستم أهلا للتحريم، إنما يحرم ~~ويحلل من خلق وشرع. فإن كان عندكم علم قولوا لنا هذا العلم. ثم يأتي الحق ~~بخبر الأربعة الباقية من الأنعام فيقول: { ومن الإبل اثنين... ~~}. ### || [6.144] # ومن البقر اثنين: ذكر وأنثى أيضا، والذكر من البقر نسميه " ثورا " ، ~~ويخطئ ms3231 بعض الناس في تسمية الأنثى من البقر " بقرة " ، إن البقرة اسم لكل ~~واحد منهما: للذكر والأنثى، التاء في بقرة للواحدة، واسم الأنثى " ثورة " ~~{ ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ~~ءآلذكرين حرم أم الأنثيين } أنتم تقولون: إنكم لم ~~تتبعوا رسولا، وكنتم على فترة من الرسل، ولم يأت لكم رسول، إذن فلا ~~تحريم إلا من الله، ولا يبلغكم تحريم الله إلا عن طريق رسول. بل أكنتم ~~شهداء مسألة التحريم، أي أشاهدتم ربكم ورأيتموه حين أمركم بهذا التحريم، ~~أم أنتم الأنبياء؟. إنكم تتعمدون الكذب على الله لإضلال الناس. إذن، ~~فالحق لا يهدي من يظلم نفسه ويظلم الناس. ويقول سبحانه بعد ذلك: { قل ~~لا أجد في مآ أوحي إلي محرما... }. ### || [6.145] # والحق سبحانه وتعالى قد تكلم عن التحريم في آيات كثيرة فهناك الآية التي ~~قال فيها: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~ومآ أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة ومآ أكل السبع إلا ما ~~ذكيتم وما ذبح على النصب # [المائدة: 3]. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد الحصر في ~~أربعة فقط، فيقول سبحانه: { قل لا أجد في مآ أوحي إلي ~~محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو ~~دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا ~~أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~فإن ربك غفور رحيم } [الأنعام: 145]. فكيف يتفق هذا النص ~~مع النص الآخر؟! من يقول ذلك نقول له: أنت لا تفرق بين إيجاز وإطناب، ولا ~~تفرق بين إجمال وتفصيل فالذي ترك في هذه الآية داخل في الميتة لأن ~~المنخنقة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، والذي ذبح على النصب ~~وما أهل به لغير الله موجود وداخل في كلمة " الميتة ". ثم: من قال: إن ~~القرآن هو المصدر الوحيد للتشريع؟ التشريع أيضا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، بتفويض من الله في قوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. فلا تقل إن المحرمات فقط محصورة في هذه الآية لأن فيه ~~محرمات ms3232 كثيرة، بدليل أن الله مرة يجملها، فيحرم علينا الخبائث فكل ~~خبيث محرم. وقلنا من قبل: إن الدم المسفوح محرم، والدم المسفوح هو ~~السائل الذي ينهال ويجري وينصب ساعة الذبح، وهل هناك دم غير مسفوح؟ نعم، ~~وهو الدم الذي بلغ من قوة تماسكه أن كون عضوا في الجسم كالكبد أو ~~الطحال. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " أحلت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان ~~فالكبد والطحال " # وفي رواية أخرى: " السمك والجراد ". وعلى منطق التحريم للميتة والدم كان ~~لابد ألا نأكل الميتة من السمك. ولا الكبد والطحال، ولكن الله أحل لنا ~~السمك والجراد والكبد والطحال لأنها لا تضر الجسم، فالسمك والجراد ليس ~~لهما نفس سائلة أي دم يجري فإذا ما ذبحنا أحدهما لا يسيل له دم، أما ~~الكبد والطحال فهما من دم وصل من الصلاحية أن يكون عضوا في الجسم، ولا ~~يتكون عضو في الجسم يؤدي مهمة من دم فاسد، بل لا بد أن يكون من دم نقي. ~~والحق الذي شرع يقدر الظروف المواتية للمكلفين، وقد تمر بهم ظروف ~~وحالات لا يجدون فيها إلا الميتة، وهنا يأكلون أكل ضرورة على قدر دفع ~~الضر والجوع. لكن على المسلم ألا يملأ بطنه من تلك الأشياء. # { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور ~~رحيم } [الأنعام: 145]. وأنواع الإضطرار: ألا تجد ما يؤكل من ~~الحلال، أو أن يكون ما يؤكل من الحلال موجودا إلا أن هناك من يكرهك على ~~أن تأكل هذا المحرم، فالإكراه داخل في الاضطرار، والاضطرار يحملك ويدفعك ~~إلى أن تمنع عن نفسك الهلاك فتأخذ من الطعام حتى تقتات فلا تموت من ~~الجوع، فإذا كان الله قد أباح لك أن تأكل من الميتة في حال مظنة أن تموت ~~من الجوع فما بالك من الإكراه بالموت العاجل إنه أولى بذلك لأنه سبحانه ~~هو الذي رخص، وهو الذي شرع الرخصة، ومعنى ذلك أنها دخلت التكليف لأن ~~الله يحب أن تؤتى رخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه، وما دامت قد دخلت في ms3233 ~~دائرة التكليف فهنا يكون الغفران والرحمة. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~وعلى الذين هادوا... }. ### || [6.146] # هنا يأتي الحق بالتحريم الثاني، وهو التحريم للتهذيب والتأديب، مثلما ~~قال من قبل: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء: 160]. ف " الظفر " هو ما يظهر عندما ننظر إلى أقدام بعض ~~الحيوانات أو الطيور، فهناك حيوانات نجد تشقق إصبعها ظاهرا والأصابع ~~مفصلة ومنفرجة بعضها عن بعض، فهذه ليست حراما عليهم، ونوع آخر نجد ~~أصابعها غير مفصولة وغير منفرجة مثل الإبل، والنعام، والبط، والأوز وهي ~~ذو الظفر. فكل ذي ظفر حرم على اليهود، وقد حرم عليهم لا لخبث وضرر ~~في المأكول، ولكن تأديبا لهم لأنهم ظلموا في أخذ غير حقوقهم لذلك يحرمهم ~~الله من بعض ما كان حلالا لهم فالأب يعاقب ابنه الذي أخذ حاجة أخيه ~~اعتداء فيمنع عنه المصروف، والمصروف في ذاته ليس حراما، ولكن المنع هنا ~~للتأديب. والحق هو القائل: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا * ~~وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال ~~الناس بالباطل # [النساء: 160-161]. ولأنهم فعلوا كل ذلك يأتي لهم التحريم عقابا ~~وتأديبا. { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ~~ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ~~ما حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ~~ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون } [الأنعام: ~~146]. وأنت حينما تذبح الذبيحة تجد بعضا من الدهن على الكلى، ونجد في ~~داخلها ما يسمونه " منديل الدهن " وكذلك " ألية الخروف " ، وحين تقطع ~~الرأس تجد فيها نوعا من الدهون، وقد حرم الحق عليهم في البقر والغنم ~~شحومهما. وكذلك { كل ذي ظفر } محرم كله. وهناك استثناء في البقر ~~والغنم هو: { إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايآ } ~~[الأنعام: 146]. أي أحل لهم ما هو فوق الظهر من الشحم، وأحل لهم ما حملته ~~الحوايا من الشحوم و " الحوايا " جمع حوية أو حاوية أو حاوياء وهي ما ~~تحوي من الأمعاء أي تجمع واستدار، وفي الريف تقول المرأة عن قطعة القماش ~~التي تبرمها وتلفها وتصنع منها دائرة ms3234 مستديرة تضعها على رأسها لتحميه ~~عندما تحمل فوقه الأشياء تقول: صنعت " حواية " والحواية هنا هي الأمعاء ~~الغليظة، وطولها كذا متر، ومن حكمة تكوينها الربانية نجدها تلتف على ~~بعضها، ولذلك اسمها " الحوايا " ، وهي ما نسميه " الممبار ". وكذلك حلل ~~لهم ما اختلط بعظم في القوائم والجنب والرأس والعين، وكذلك أحل لهم شحما ~~اختلط بعظم منه الألية، لأن الألية تمسك بعجب الذنب. أي أصله، وهو ~~الجزيء في أصل الذنب عند رأس العصعص. ولأنه رحيم فهو ينزل عقوبة ~~فيها الرحمة فيبيح له شيئا ويحرم شيئا آخر. # ويذيل الحق الآية بقوله: { ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا ~~لصادقون }. وليس هذا التحريم تعديا عليهم، أو تعنتا في ~~معاملتهم، بل لأنهم بغوا، والباغي يجب أن يأخذ حظه من الجزاء حتى يفكر ~~ماذا يحقق له البغي من النفع، وماذا يمنع عنه من النفع أيضا، وحين يقارن ~~بين الاثنين قد يعدل عن بغيه، وهم قد صدوا عن سبيل الله، وأخذوا ربا ~~لينموا أموالهم وأكلوا أموال الناس بالباطل، لذلك حرم عليهم الحق بعض ~~الحلال. وسبحانه صادق في كل بلاغ عنه، ونعرف بذلك أن علة التحريم لبعض ~~الحلال كانت بسبب ظلمهم وما بدر منهم من المعاصي فكان التحريم عقوبة لهم. ~~ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { فإن كذبوك فقل ربكم... }. ### || [6.147] # وكان مقتضى أنهم يكذبونك فيما أخبرت به عن الله، أن يجعل الله لهم ~~بالعذاب لكن الحق لم يعجل لهم بالعذاب لأنه ذو رحمة واسعة. { فإن ~~كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة.. } [الأنعام: 147] ~~ولكن إياكم أن تطمعوا في الرحمة الدائمة إنها رحمة تأجيل فقط. ولن يفوتكم ~~عذابه، وهنا يحننهم ايضا فيقول سبحانه: { ربكم ذو رحمة ~~واسعة } وكأنه يقول لهم: راجعوا أنفسكم واستحوا من الله ولا يغرنكم ~~انه رب، خلق من عدم وأمد من عدم، وتولى التربية، لكنه لن يرد ~~ويمنع بأسه وعذابه عن القوم المجرمين منكم. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { ~~سيقول الذين أشركوا... }. ### || [6.148] # وكلما تقرأ آية فيها " سيقول " فاعلم أنها تنطوي على سر إعجازي للقرآن، ~~والذي يعطي هذا السر هو الخصم حتى ms3235 تعرف كيف يؤدي عدو الله الدليل على ~~صدق الله، مما يدل على أنه في غفلة. ومن قبل قال الحق سبحانه: # سيقول السفهآء من الناس.. # [البقرة: 142]. و " سيقول " معناها أنهم لم يقولوا الآن، ويخبر القرآن ~~أنهم سيقولون، ولم يخبئ ويستر القرآن هذه الآية، بل قالها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قرآنا يقرأ ويصلى به. ولو أن عندهم شيئا من الفكر ~~لكانوا يسترون القول حتى يظهروا المتكلم بالقرآن بمظهر أنه لا يقول ~~الكلام الصحيح، أو على الأقل يقولون إنه يقول: " سيقول السفهاء " ، ونحن ~~لسنا بسفهاء فلا نقول هذا القول. لكنهم يقولون القول السفيه برغم أن ~~الآية قد سبقتهم بالتنبؤ بما سوف يقولون لأن الذي أخبر هو الله، ولا يمكن ~~أن يجيء احتياط من خلق الله ليستدرك به على صدق الله. هم سمعوا الكلمة، ~~ومع ذلك لم يسكتوا بل سبقتهم ألسنتهم إليها ليؤيدوا القرآن. وكل مسرف على ~~نفسه في عدم اتباع منهج الله يقول: إن ربنا هو الذي يهدي وهو الذي يضل، ~~ويقول ذلك بتبجح ووقاحة لتبرير ما يفعل من سفه. وسيظل المسرفون على ~~أنفسهم وكذلك المشركون يقولون ذلك وسيحاولون تحليل ما حرم الله. وقد جاء ~~المشركون بقضيتين: قضية في العقيدة، وقضية في التكليف قالوا في قضية ~~العقيدة: { لو شآء الله مآ أشركنا } ، وكأنهم أشركوا بمشيئة ~~الله. وجاءوا إلى ما حرموا من حلال الله وقالوا إنهم قد فعلوا ذلك بمشيئة ~~الله أيضا ليوجدوا لأنفسهم مبررا، وهذا القول ليس قضية عقلية لأنها لو ~~كانت وقفة عقلية - لكانت في الملحظين: الخير والشر، فالواحد منهم يقول: ~~كتب ربنا علينا - والعياذ بالله - الشر، لماذا يعذبني إذن؟! ولا يقول هذ ~~الإنسان " وكتب الله لي الخير ". هذا ما كان يفرضه ويقتضيه المنطق لكنهم ~~تحدثوا عن الشر وسكتوا عما يعطى لهم من خير. وقولهم { لو شآء ~~الله مآ أشركنا } صحيح المعنى لأنه سبحانه لو شاء أن يجعل الناس ~~كلهم مهديين لفعل، لكنه شاء أن يوجد لنا اختيارا، وفي إطار هذا الاختيار ~~لا يخرج أمر عن مشيئته الكونية. بل يخرج ms3236 الكفر والشر عن مراده الشرعي. ~~وعلمنا من قبل أن هناك فرقا بين الكونية والشرعية فكفر الكافر ليس غصبا ~~عن الله أو قهرا عنه سبحانه، إنما حصل وحدث بما أعطاه الله لكل إنسان من ~~اختيار، فالإنسان صالح للاختيار بين البديلات: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر... # [الكهف: 29]. فالإنسان قادر على توجيه الطاقة الموهوبة له من الله ~~الصالحة للخير أو الشر. # إذن فاختيار الإنسان إما ان يدخله إلى الإيمان وإما أن يتجه به إلى ~~الكفر، لذلك يقول الحق عن الذين يدعون أن كفرهم كان بمشيئة الله: { ~~كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا.. ~~} [الأنعام: 148]. والسابقون لهم قالوا ذلك وفعلوا مثل ما يفعل هؤلاء من ~~التكذيب وجاءهم بأس وعذاب من الله شديد، ولذلك يأمر الحق محمدا صلى الله ~~عليه وسلم: { قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنآ إن ~~تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون } [ ~~الأنعام: 148]. ويسألهم محمد صلى الله عليه وسلم عن علم يؤكدون به صحة ~~ما يدعونه.. ويزعمونه أي هل عندكم بلاغ من الله، والحق أنهم لا علم لديهم ~~ولا دليل، إنهم يتبعون الظن، ويخرصون، أي أن كلامهم غير واضح الدلالة على ~~المراد منه، إنه تخمين وظن وكذب. لذلك يقول سبحانه: { قل فلله ~~الحجة... }. ### || [6.149] # نعم فلو شاء سبحانه لقسرهم على الهداية وما استطاع واحد منهم أن يخرج عن ~~الهداية، ولكنه لم يشأ ذلك، بل أراد أن يكون الإقبال على الإيمان به، ~~واتباع التكاليف أمرا داخلا في اختيارهم. ألم يخلق سبحانه خلقا لا ~~يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون؟ ألم يخلق الكون كله مؤتمرا ~~بأمره؟! { قل فلله الحجة البالغة.. } [الأنعام: 149]. و ~~" الحجة " هي الدليل الذي تقيمه لتأييد قولك في الجدل، ولذلك نسمي عقودنا ~~حجة على الملكية. أو " الحجة البالغة " أي التي لا ينفذ منها شيء أبدا ~~يعطل المراد منها. ويقول الحق بعد ذلك: { قل هلم شهدآءكم... ~~}. ### || [6.150] # وما دمتم لا تملكون العلم فمن المحتمل انكم تملكون شهودا على ما ~~تقولون. والخطاب: { هلم شهدآءكم } هو خطاب للجماعة، و " هلم " ~~يستوي ms3237 فيها المفرد والمفردة والمثنى مذكرا كان أم مؤنثا. والجمع مذكرا ~~أو مؤنثا، فتقول: هلم يا زيد إلي، وهلم يا هند إلي، وهلم أيضا لجماعة ~~الذكور ولجماعة الإناث، وهذه لغة الحجازيين. وتختلف عن لغة بني تميم التي ~~يزيدون عليها فيقال: " هلم يا رجل " ، و " هلمي يا امرأة " ، و " هلما، ~~وهلموا، وهلممن ". والقرآن نزل بلغة قريش " الحجازيين " ، والحق يقول: { ~~هلم شهدآءكم }. أي هاتوا وأحضروا شهداءكم أن الله حرم هذا، ~~إنكم بلا علم، وكذلك لا شهود عندكم على المدعي فإن كان عندكم شهود هاتوا ~~هؤلاء الشهود. وماذا إن أحضروا شهود زور؟ إنه - سبحانه - يحذر رسوله ~~ويوضح له أنهم حتى ولو أحضروا شهداء إياك أن تصدقهم فهم كذابون. وكأن ~~الله يريد أن يفضح الشهود أيضا أمام المشهود أمامهم، ويعطي أيضا قضيتين ~~اثنتين فسبحانه يدحض ويبطل حجتهم، ويفضح الشهود الذين جاءوا بهم. فكأنه ~~قال: هاتوا هؤلاء الذين قالوا لكم هذا الكلام، وفي ذلك فضيحة لمن لقنهم ~~هذه الأوامر. ويأمر الحق رسوله ألا يتبع الذين كذبوا بآياته سبحانه. ~~وكلمة " أهواء " ، جمع هوى، وهو ما يختمر في الذهن ليلوي الإنسان عن ~~الحق فهو شهوة ترد على الذهن فتجعله يعدل عن الحق: { ولا تتبع ~~أهوآء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون ~~بالآخرة } [الأنعام: 150]. وهم لا يكذبون بآيات الله فقط بل لا ~~يؤمنون بالآخرة أيضا لأنهم لو كانوا يؤمنون بالآخرة لعلموا أنهم مجازون ~~على هذا جزاء يناسب جرائمهم، ولو أنهم قدروا هذه المسألة لامتنعوا عن ~~اتباع أهوائهم. ويذيل الحق الآية بقوله الكريم: { وهم بربهم ~~يعدلون } [الأنعام: 150]. ونفهم من كلمة " يعدل " أنها من العدل ~~بمعنى القسط إذا قيل: عدل في كذا، أو عدل بين فلان وفلان أو عدل في ~~الحكم، أما عدل بكذا فيكون المراد منها أنه جعله عديلا ومساويا. وجاءت ~~بهذا المعنى في آية أخرى هي قوله الحق: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون # [الأنعام: 1]. أي يجعلون ما لا يصح أن يكون مساويا لله مساويا وعدلا ~~لله. وهذا فعل من جعلوا ms3238 لله شركاء، وكذلك من لا يؤمنون بالله فالواحد ~~منهم يعدل عن ربه عدولا ويميل ويعرض عنه ويشرك به ويسوي به غيره. ويجب ~~أن نلحظ عند النطق بكلمة " التوحيد " وهي: " لا إله إلا الله " ألا نقف ~~عند قول: لا إله لأن ذلك يعني إنكار ونفي وجود إله وهذا والعياذ بالله ~~كفر. # إذن يجب علينا أن نصلها بما بعدها فنقول: لا إله إلا الله أو نكون عند ~~نطقنا بلفظ لا إله قد انعقدت قلوبنا على وحدانيته وما يجب له - تعالت ~~عظمته - من صفات الجلال والكمال، ومعنى لا إله إلا الله أنه لا معبود بحق ~~إلا الله، لأن المعبودين بباطل كثيرون كالأصنام والنجوم والجن وبعض ~~الإنس والملائكة وغير ذلك. وكلمة { بربهم يعدلون } تفيد أنهم ~~أهل شرك، وكذلك من ينكر وجود الله إنه عن ربنا يعدل ويميل ويحيد عن ~~الاعتراف به إلها. ويقول الحق بعد ذلك: { قل تعالوا أتل... }. ### || [6.151] # ننظر في هذه الآية فلا نجد شيئا من المحرمات من الأطعمة التي بها قوام ~~الحياة، ولكن نجد فيها المحرمات التي إن اتبعناها نهدر القيم المعنوية ~~التي هي مقومات الحياة الروحية، إنها مقومات الحياة من القيم { قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم }. والأداء القرآني ~~هنا يأخذ لفظ " تعال " بفهم أعمق من مجرد الإقبال، فكأن الحق يقول: أقبل ~~علي إقبال من يريد التعالي في تلقي الأوامر. فأنت تقبل على أوامر الله ~~لتعلوا وترتفع عن حضيض تشريع البشرية فلا تأخذ قوانينك من حضيض تشريع ~~البشر لأن الشرط الواجب في المشرع ألا يكون مساويا لمن شرع له، وألا ~~يكون منتفعا ببعض ما شرع، وأن يكون مستوعبا فلا تغيب عنه قضية ولا ~~يغفل عن شيء والمشرع من الخلق لا يشرع إلا بعد اكتمال عقله ونضجه. ولا ~~يقدر أن يمنع نفسه من الانتفاع بالتشريع. الرأسمالي - مثلا - يشرع ~~ليستفيد، والماركسي يشرع ليستفيد. وكل واحد يشرع وفي نفسه هوى، ومن بعد ~~ذلك تعدل التشريعات عندما نستبين أنها أصبحت لا تفي ولا تغطي أمور ~~الحياة، فكأن المشرع الأول لقصور علمه غابت عنه ms3239 حقائق فضحها المجتمع حين ~~برزت القضايا، فنظر في قانونه فلم يجد شيئا يغطي هذه القضايا، فيقول: ~~نعدل القانون، ونستدرك. ومعنى استدراك القانون اي أن هناك ما جهله ساعة ~~قنن. إذن يشترط في المقنن ألا يكون مساويا للمقنن له، وألا ~~تغيب عنه قضية من القضايا حتى لا يستدرك عليه، وألا يكون منتفعا ~~بالتشريع، ولا يوجد ذلك في بشر أبدا، فأوضح الحق: اتركوا حضيض التشريع ~~البشري وارتفعوا إلى السماء لتأخذوا تقنينكم منها فحين ينادي الله " ~~تعالوا " فمعناها ارتفعوا عن حضيض تقنين بشريتكم إلى الأعلى لتأخذوا منه ~~تقنيانكم التي تحكم حركة حياتكم، فهو لا ينتفع بما شرع، بل أنتم الذين ~~تنتفعون، ولأنه لا يغيب عنه شيء سبحانه، وهو خالق، هو أولى أن يشرع لكم. ~~{ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم } [الأنعام: ~~151]. " أتل " من التلاوة وهي القراءة { ما حرم ربكم ~~عليكم } أي ما جعله حراما.. أي يمتنع عليهم فعله، وسأقول لكم كل ~~البلاغات بلاغا بعد بلاغ. { ألا تشركوا به شيئا } ~~[الأنعام: 151]. لقد جاء سبحانه بتحريم الشرك من خلال تركيب لغوي يؤكد ~~علينا ألا نشرك به فأنت ساعة تأتي لتلقي أوامر لمن ترأسه تقول له: استمع ~~إلى ما أمنعك منه فاتبعه. ثم تبدأ في التفصيل، والحق هنا جاء بأول بند من ~~المحرمات والمحظورات هو ألا نشرك به شيئا. أي أتلو عليكم تحريم الشرك، ~~فأول المحرمات الشرك، وعلينا أن نوحد الله، فكل نهى عن شيء أمر بمقابله ~~وكل أمر بشيء نهى عن مقابله. # وعلى ذلك فكل أمر يستلزم نهيا، وكل نهي يستلزم أمرا. فلا تلتبس عليكم ~~الأوامر والنواهي. أو تكون " عليكم " منطقعة عما قبلها، أي عليكم ترك ~~الشرك، وعليكم إحسانا بالوالدين، وألا تقتلوا أولادكم، وألا تقربوا ~~الفواحش.. أي ألزموا ذلك. ثم يقول سبحانه: { وبالوالدين ~~إحسانا } وسبحانه يأمر هنا بتأكيد الإحسان إلى الوالدين فهو أمر ~~بإيجاب ويستلزم نهيا عن مقابله وهو عقوق الوالدين، أي لا تعقوهم. فعدم ~~الإحسان إلى الوالدين يدخل فيما حرم الله. ثم يقول سبحانه: { ولا ~~تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم } [الأنعام: ms3240 151]. أي استبقوا حياة أولادكم، فإن أردتها من ~~قبيل النهي فقل هو نهي عن قتل الأولاد، وإن أردتها من قبيل الإيجاب فقل: ~~استبقوا الحياة. وقول: { من إملاق } أي من فقر، فكأنهم كانوا ~~فقراء، ومادام الإملاق موجودا فشغل الإنسان برزق نفسه يسبق الانشغال ~~برزق من يأتي بعده فيا أهل الإملاق تذكروا أن الله يرزقكم ويرزق من سيأتي ~~زيادة عليكم وهم الأولاد. ويقول سبحانه: { ولا تقربوا ~~الفواحش ما ظهر منها وما بطن.. } [الأنعام: 151]. وهذا ~~نهي عن القرب، أي نهي عن الملابسات التي قد تؤدي إلى الفعل لا نهي عن ~~الفعل فقط فحينما أراد الله يحرم على آدم وعلى زوجه الشجرة قال: # ولا تقربا هذه الشجرة # [الأعراف: 19]. لأن القرب قد يغري بالأكل، وكذلك { ولا تقربوا ~~الفواحش } أي لا تأتي إلى مقدمات الفواحش بأن تلقي نظرة أو تحدق ~~النظر إلى محرمات غيرك، وكذلك المرأة التي تتبرج إنها تقوم بالإقبال على ~~مقدمات الفواحش، فإذا امتنعت عن المقدمات أمنت الفتنة والزلل لأن رسول ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من ~~الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع ~~في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ~~ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت ~~صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ". # ويمنعك الحق: ألا تقرب، أي أبعد نفسك عن مظنة أن تستهويك الأشياء، ~~مثلها مثل " اجتنب " تماما، وسبحانه وتعالى يقول: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30] ويقول: # واجتنبوا قول الزور # [الحج: 30] وهنا يقول تعالى: { ولا تقربوا الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن } [الأنعام: 151]. وكل ما ظهر من الفواحش هو ~~من أفعال الجوارح التي ترتكب الموبقات و { وما بطن } هو من أفعال ~~السرائر مثل الحقد، والغل، والحسد. ويتابع سبحانه: { ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق } [الأنعام: 151]. ~~وكلمة " النفس " يختلف الناس في معناها، ولا تطلق النفس إلا ms3241 على التقاء ~~الروح بالمادة، والروح في ذاتها خيرة، والمادة في ذاتها خيرة مسبحة ~~عابدة. # وإن من شيء إلا يسبح بحمده # [الإسراء: 44]. وإذا التقت الروح بالمادة تقوم الحياة، فمعنى قتل النفس ~~أن نفصل الروح عن المادة بهدم البنية وهذا غير الموت لأن الله هو الذي ~~يميت النفس، أما الإنسان فهو يقتل النفس إن هدم بنيتها. والذي وهب الحياة ~~هو الله، فلا يسلب الحياة إلا هو. وبعد ذلك يشرع الله لنا أن نسلب الحياة ~~قصاصا، أو للزنى من الثيب المحصن رجلا أو امرأة، أو للردة، فهذا ~~قتل بحق، لكن سبحانه وتعالى يلعن من يهدم بنيان الله بغير الحق، والإنسان ~~بنيان الله فلا تعتدي عليه. ولذلك أمرنا الله بالقصاص من إنسان قتل ~~إنسانا حتى يحافظ كل واحد على حياة نفسه، وحين يحفظ الإنسان كل نفس، ~~فإنه ينجو بنفسه ويسلم. هكذا يأمر الحق بأن نقتل الثيب، والثيب الزاني ~~يطلق على الذكر والأنثى وهو من تزوج ودخل على زوجه وذاق كل منهما عسيلة ~~الآخر وأفضى إليه، وكذلك المرتد، فنحن نحرص على حرية الاعتقاد بدليل أننا ~~لا نقتل الكافر الأصلي لكفره، ولكن يجب على الإنسان أن يفهم أن الدخول ~~إلى الإيمان بالإسلام يقتضي أن يدرسه دراسة مستوفية مقنعة، وأن يعلم أن ~~حياته رهن بأن يرجع عن هذا الدين، فإذا علم أن حياته رهن بأن يرجع عن هذا ~~الدين، فلن يدخله إلا وهو مقتنع تمام الاقتناع. ونحن نحمي بالاختيار، ~~فنعلن لكل من يقبل على الإسلام ونحذره: إياك أن تدخل بظاهر القول دون فهم ~~لمعنى الإسلام لأنك لو دخلت ثم بعد ذلك ارتددت فسوف تقتل، وما دام الشيء ~~ثمنه الحياة، فالواجب أن يحتاط الإنسان الاحتياط الشديد. وفي ذلك أيضا ~~ثقة من أن الإنسان إذا ما بحث في الأدلة فسيقتنع بأن له إلها حقا، ~~ولكننا لا نقتل الكافر الأصلي. إذن فقتل المرتد حماية لحزم الاختيار، ~~فإياك أن تدخل بدون روية لأنك لو دخلت ثم ارتددت فسوف تقتل، وبذلك يصفى ~~الحق المسألة تصفية لازمة بأن يعرض من يقبل على الإسلام ms3242 جميع الحجج على ~~نفسه، ولا يدخل إلا بنية على هذا، ففي أي عقد يحاول الإنسان أن يعرف ~~التزماته وأن تتضح أمامه هذه الالتزامات. ولا يدخل إلى الدين الدخول ~~الأهوج، أو الدخول الأرعن، أو الدخول المتعجل. بل يلزمه أن يدخل بتؤدة ~~وروية. وفي الزواج يدخل الإنسان بكلمة ويخرج بكلمة أيضا هي: " أنت طالق ~~" ، ولذلك تحتاط المرأة، فما دامت قد عرفت أن بقاء زواجها رهن بكلمة ~~فعليها أن تحرص ألا تضع هذا الحق إلا في يد أمينة عليه. وساعة أن يقول ~~لها أبوها: اسمعي، إن لك أن تختاري الزوج الذي إن أحبك أكرمك، وإن كرهك ~~لا يظلمك لأنه بكلمة منه تنتهي الحياة الزوجية. # إذن فعلى المرأة أن تفكر في الإنسان الأمين على هذه الكلمة. ومع ذلك ~~فهناك احتياط للغفلة فالرجل يتزوج بكلمة واحدة، من مرة واحدة لكن في ~~الطلاق هناك ثلاث مراحل، كرصيد للغفلة. فالرجل يتزوج المرأة بكلمة " ~~زوجتك نفسي أو يزوجها وليها ويكون القبول من الزوج وبهذا يتم الزواج ". ~~لكن في الطلاق أباح الله لغفلة الرجل ولرعونته أن يطلق مرة، ثم يراجع هو ~~من غير دخول أحد بينهما، ثم يطلق ثانية، ويراجعها، ولكن بعد الطلاق ~~الثالث يجد التنبيه من الحق: لقد احتطنا لك برصيد من غفلتك. ولكن عندما ~~تريدها زوجا لك فلا يتم ذلك إلا أن تتزوج غيرك، وبعدها قد تعود لك أو ~~تبقى مع من تزوجها. فاحتط جيدا للأمر الذي تدخل عليه، وللتعاقد الذي ~~التزمت به. فإذا كان هذا هو الشأن في تعاقد الزواج، فما بالنا بالردة؟ ~~إننا نقتل المرتد، ولا نفعل به ذلك قبل أن يؤمن وقبل أن يعلن إيمانه ~~وقبل الدخول في حيز المؤمنين، ليعلم أنه إن رجع عن الإسلام فسيقتل. وهكذا ~~يصعب الإسلام الدخول إليه، ويحمي الاختيار في الوقت نفسه. ويتابع ~~سبحانه: { ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون } [الأنعام: ~~151]. و " الوصية " لا تكون إلا للأمور المهمة التي لا تستقيم كالحياة ~~إلا بالقيام بها، إنها في أمهات المسائل التي لا يصح أن نغفلها. ولذلك ~~حين تنظر إلى النبي صلى ms3243 الله عليه وسلم لقد ظل ثلاثة وعشرين عاما يستقبل ~~من السماء ويناول أهل الأرض، ثم جاء في حجة الوداع وركز كل مبادئ الدين ~~في قوله تعالى: { ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون }. و ~~" وصاكم " غير شرع فشرع تأتي بكل التشريعات وما فيها من تفاصيل صغيرة، ~~والوصية تضم أمهات المسائل في التشريع. والعقل يجب أن يسع المسألة من ~~أولها إلى آخرها فلو استعملت عقلك في كل منهى عنه، أو في كل مأمور به في ~~الآية فستجد التعقل يعطيك التوازن في القرار، وقد ختم الحق الخمسة ~~الأشياء التي ذكرها في هذه الآية ب { ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تعقلون }. هذه الأوامر متفق عليها في جميع الرسالات وفي ~~جميع الأديان، ويسمونها: " الوصايا العشر ". والأشياء الخمسة التي أوصى ~~بها سبحانه هي: * ألا تشركوا به شيئا. * وبالوالدين إحسانا. * ولا ~~تقتلوا أولادكم من إملاق. * ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. * ~~ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. فكان يجب أن يقول: ذلكم ~~وصاكم بها، لكنه قال: { وصاكم به } ، فكأن أوامر الله ونواهيه أمر ~~واحد متلازم تتمثل كلها في: التزم ما أمر الله به، واجتنب ما نهى ~~الله عنه. وقوله سبحانه: { لعلكم تعقلون } فكأن العقل لو ~~خلي ليبحث هذه الأشياء بحثا مستقلا عن منهج السماء لوجد أن ضرورة ~~العيش على الأرض تتطلب وجود هذه الأشياء. # إذن، كيف نعصم من أهوائنا المتضاربة بعضها مع بعض؟. لابد أن يكون ~~الإله واحدا حتى لا يتبع كل واحد منا هواه. إننا نعرف أن الأصل في ~~الإنسان هو الأب والأم. لذلك وصى بالأصل في { وبالوالدين ~~إحسانا } ، ووصى أننا لا نقتل الأولاد خشية الفقر لأن الحياة تستمر ~~بهم، وبعد ذلك لابد أن تكون الحياة نظيفة، طاهرة لجميع الأفراد، ولا ~~تشوبها شائبة الدنس أبدا، ولا يتأتى ذلك إلا إذا تركنا الفواحش: ما ظهر ~~منها وما بطن لأننا نلاحظ أن كل الأولاد غير الشرعيين يهملون فالحق ~~سبحانه وتعالى يريد طهارة الأنسال في الحياة حتى يتحمل كل واحد مسئولية ~~نسله. ويكون محسوبا عليه أمام المجتمع، ms3244 ويحذرنا سبحانه من أن نقتل النفس ~~إلا بالحق لأن النفس أصل استبقاء الحياة. ثم يجيء الحق بعد ذلك في الآية ~~التالية ليكمل الوصايا فيقول: { ولا تقربوا مال... }. ### || [6.152] # ونعلم أن اليتيم هو من فقد أباه، ولم يبلغ مبلغ الرجال، هذا في الإنسان، ~~أما اليتيم في الحيوان فهو من فقد أمه. وقوله الحق: { ولا تقربوا ~~مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ ~~أشده.. } [الأنعام: 152]. هنا يفرض سبحانه أن اليتيم له مال، فلم ~~يقل: لا تأكل مال اليتيم. بل أمرك ألا تقترب منه ولو بالخاطر، ولو ~~بالتفكير، وعليك أن تبتعد عن هذه المسألة. وإذا كان قد قال: { ولا ~~تقربوا مال اليتيم } فهل هذا الأمر على إطلاقه؟. لا لأنه ~~أضاف وقال بعد ذلك: { إلا بالتي هي أحسن } أي بأن نثمر ~~له ماله تثميرا يسع عيشه، ويبقى له الأصل وزيادة، ولذلك قال في موضع ~~آخر: # وارزقوهم فيها # [النساء: 5]. فلا يأخذ أحد مال اليتيم ويدخره، ثم يعطيه منه كل شهر ~~جزءا حتى إذا بلغ الرشد يجد المال قد نقص أو ضاع، لذلك لم يقل: ارزقوهم ~~منها، بل قال: { وارزقوهم فيها } أي ارزقوهم رزقا ناشئا منها. ~~فمالهم ظرفية للرزق، ولا يتأتى هذا إلا بأن نثمرها لليتيم، ولا نحرم ~~الوصاية على اليتيم لرعاية ماله من أصحاب الكفاءات في إدارة الأعمال ~~والأمناء، وقد يوجد الكفء في إدارة العمل، والأمين فيه لكن حاله لا ينهض ~~بأن يتحمل تبعات ومؤونة حياته وقيامه بإدارة أموال اليتيم فقال - سبحانه ~~- في ذلك: # ومن كان غنيا فليستعفف # [النساء: 6]. أي أن يهب الوصي تلك الرعاية لله، وحين يهب تلك الرعاية ~~لله ولا يأخذ نظير القيام بها أجرا يضمن أنه إن وجد في ذريته إلى يوم ~~القيامة يتيم فسيجد من يعوله حسبة لله وتطوعا منه مدخرا أجره عند ~~الله. والحق هو القائل: # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]. وحينما يجد اليتيم من يرعاه، وحين يتعاطف المجتمع مع كل ~~يتيم فيه، ويتولى أمور اليتامى أناس أمناء ms3245 قادرون على إدارة أمورهم فسوف ~~يقل جزع الإنسان من أن يموت ويترك صغاره لأنه سيجد كرامة ورعاية لليتيم، ~~فالناس تخاف من الموت لأن لهم عيالا صغارا ويرون أن المجتمع لا يقوم ~~برعاية اليتامى، لكن الإنسان إن وجد اليتيم مكرما، ووجد له آباء من ~~الأمة الإسلامية متعددين، فإن جاءه الموت فسوف يطمئن على أولاده لأنهم في ~~رعاية المجتمع، ولكن لا تنتظر حتى يصلح شأن المجتمع بل أصلح من نفسك ~~وعملك تجاه أي يتيم، ويمكنك بذلك أن تطمئن على أولادك فستجد من يرعاهم ~~بعد مماتك، وحين يرعى المجتمع الإيماني كل يتيم ستجد الناس لا تضيق ذرعا ~~بقدر الله في خلقه بأن يموت الواحد منهم ويترك أولادا. والمثل واضح ~~في سورة الكهف بين العبد الصالح وسيدنا موسى حينما مرا على قرية: # حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها # [الكهف: 77]. فلم يطلبا نقودا ليدخراها، ولكنهما طلبا طعاما لسد ~~الجوع، وهذه حاجة ملحة. ومع أنهما استطعما أهل القرية أبى أهل القرية ~~أن يضيفوهما. ومعنى ذلك أنها قرية لئيمة الأهل. وعلى الرغم من العبد ~~الصالح وجد ردهم عليه وامتناعهم عن إطعامهما، ولكنه عندما وجد جدار، ~~وبفراسته علم أن الجدار يريد أن ينقض، وكأن الجدار له إدارة، فأقام ~~الجدار، ولأمه سيدنا موسى عليه السلام، وكان سيدنا موسى منطقيا مع ~~نفسه، فقد طلب هو وشيخه من أهل القرية مجرد الطعام فرفضوا، فكيف ترد ~~عليهم بأن تبنى لهم الجدار، وكان يجب أن تأخذ على البناء أجرة، فهم قوم ~~لئام، هذا كلام موسى. لكن العبد الصالح جازاهم بما يستحقون لأنه ببنائه ~~الجدار قد حال بينهم وبين أخذ الكنز، لأنه لو ترك الجدار ينهار لظهر ~~الكنز الذي تحته وهو ليتمين، وهكذا عرف العبد الصالح كيف يربيهم. وبعد ~~ذلك أراد الله أن يشرح لنا أن الجدار لغلامين يتمين في المدينة. # فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا ~~كنزهما # [الكهف: 82]. فكأن استخراج الكنز مقارن ببلوغ الرشد، وكأن العبد الصالح ~~قد بنى الجدار بناء مؤقوتا، بحيث لا ينهار إلا حين يبلغ الغلامان مبلغ ~~الرشد، لقد ms3246 بنى العبد الصالح البناء وكأنه يضبط الميقات فلا يتماسك ~~الجدار إلا لساعة بلوغ الغلامين أشدهما، وعندئذ يستخرج الغلامان كنزهما. ~~وبعد ذلك جاء لنا بالحيثية لكل ذلك، فقال سبحانه: # وكان أبوهما صالحا # [الكهف: 82]. فكأن صلاح الأب هو الذي أراد به الحق أن يظهر لنا كيف حمى ~~كنز الأبناء، فيأتي العبد الصالح وموسى لأهل القرية اللئام، ويطلبان ~~طعاما، فلا يطعمونهما، فيبني العبد الصالح الجدار الموقوت الذي يصون ~~الكنز من اللئام. والحق يقول هنا: { ولا تقربوا مال اليتيم ~~إلا بالتي هي أحسن } [الأنعام: 152]. ومن لا يقدر على قرب ~~مال اليتيم بالتي هي أحسن فليبتعد عنه. وحتى لا يتحرز ويتوقى الناس من ~~رعايتهم مال اليتيم، قال سبحانه: # ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف # [النساء: 6]. وكلمة { فليأكل بالمعروف } أي لا يكنز ولا ~~يدخر منه أبدا، بل يأكل بما يدفع الجوع فقط ويكتسي ما يستر جسمه. ونعرف ~~أن اليتيم لم ينضج عقله بعد، وكذلك الكبير السفيه هو أيضا لا يقدر على ~~التصرف لذلك قال الحق في أدائه البياني حيث يؤدي اللفظ ما يوحي بالمعاني ~~الواسعة: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم # [النساء: 5]. وجعل الحق مال السفيه في مرتبة مال الولي لأن السفيه لا ~~يحترم ملكيته وقد يبددها. ولكن المال يعود لهذا الإنسان حين يذهب عنه ~~السفه فيقول الحق: # فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم # [النساء: 6]. إنه أداء قرآني عجيب، يشجع الناس ألا يتركوا السفيه يبدد ~~ماله فتكون خسارة للمجتمع كله، فمادام هو في سفه فانظر إلى المال كأنه ~~مالك، ولتكن أمينا عليه أمانتك على مالك. # وعندما ترى وتجد رشده وتطمئن على ذلك، فإن الحق يأمرك أن تعيد له ماله. ~~ونعود إلى اليتيم، هنا يقول الحق: { ولا تقربوا مال اليتيم ~~إلا بالتي هي أحسن }. هذا إن كان له مال، فماذا عن اليتيم ~~الذي لا مال له؟. هنا تكون الوصية أقوى، عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج ms3247 بينهما ~~". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله وكالذي يصوم ~~النهار ويقوم الليل ". # وخذوا بالكم واجعلوا مسح رأس اليتيم لله، فمن الجائز أن تكون لليتيم أم ~~جميلة، ويريد الولي أن يتقرب منها عن طريق الولد، احذروا ذلك، فإنه فضلا ~~على أنه يسخط الله ويغضبه فهو خسة ولؤم ونذالة. { ولا ~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى ~~يبلغ أشده } [الأنعام: 152]. لم يقل الله - سبحانه - بالتي هي ~~حسنة ولكنه قال: { بالتي هي أحسن } لتشديد الحرص على مال ~~اليتيم حتى يبلغ أشده لأن بلوغ الأشد، يعني أن اليتيم صارت له ذاتية ~~مستقلة، وما المعيار في الذاتية المستقلة؟ أن يصبح قادرا على إنجاب ~~مثله، وهذا معيار النضج، مثله مثل الثمرة حين تنضج أي صارت البذرة التي ~~فيها صالحة لأن نضعها في الأرض لتكون شجرة. وأنت إن قطفت الثمرة قبل أن ~~تنضج لا تجد طعمها حلوا، ولا تستسيغ مذاقها إلا حين تستوي البذرة وتنضج. ~~و " الأشد " أي أن الإنسان يصير قادرا على إنجاب مثله وهو ما نسميه ~~البلوغ، ويصبح أيضا قادرا على حسن التصرف في المال وفي كل شيء. ويتابع ~~سبحانه: { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } [الأنعام: ~~152]. والكيل هي المعايير لما يكال حجما، والموازين هي المعايير لما ~~يقدر كثافة، فهناك معيار للحجم ومعيار للكثافة. معيار الحجم الكيل، ~~ومعيار الكثافة هو الوزن، وهناك أيضا التقديرات العادلة في القياس، ~~للأقمشة مثلا، المقياس فيها هو المتر، إذن كل شيء بحسبه، وإذا أردت ~~الموزون فلابد أن يكن بالقسط، أي بالعدل. وهذه المسألة من الصعب تحقيقها، ~~ولذلك تختلف الموازين باختلاف نفاسة الأشياء، فحين نزن الفول أو العدس أو ~~البطاطس أو القلقاس، فنحن نزنه بميزان كبير لأن فرق الميزان يكون حول ~~الكيلو جرام، فالأمر حينئذ يكون مقبولا. وحين نزن أشياء أثمن قليلا، ~~نأتي بالميزان الدقيق. فإن كان الشيء الموزون ذهبا نحيط الميزان بجدران ~~زجاجية لأن لفحة الهواء قد تقلل أو تزيد الوزن. إننا نحاول أن نمنع ms3248 تأثير ~~تيارات الهواء عليها. وحين نزن المواد الكيماوية نأتي بميزان يعمل ~~بالذرة. # إذن كل موزون يأخذ درجة ميزانه بمقدار نفاسته وتأثيره لأن تحقيق العدالة ~~في الميزان مسألة صعبة، وكذلك الأمر في الكيل. فحين يكيل الإنسان كيلا ~~يمسك إناء الكيلة ويهزه حتى يأتي الميكال دقيقا محررا، وإن أراد أن ~~يلغي ضميره ويأخذ أكثر من حقه فهو يملأ المكيال بأكثر مما يحتمل ويسند ~~الزيادة بيده حتى لا تقع. وربنا يقول: # ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون # [المطففين: 1-3]. فحين يكتال يستوفى ويطفف أي يزيد ما سوف يأخذه شراء، ~~وحين يبيع يقلل الكيل أو الوزن ليأخذ ثمنا أكثر من ثمن ما يزن أو يكيل. ~~وأصل المبادلات غالبا بين طرفين، وبعض المتنطعين يقول: كيف يقول الحق: # ويل للمطففين # [المطففين: 1] والتطفيف في أي مسألة يكون بالزيادة، لا بالنقص. ونقول: ~~انتبه إلى أن المتحدث هو الله، والتطفيف إنما هو الرغبة في الاحتفاظ ~~بالزيادة للنفس، أما النقص فيكون للآخرين، والتطفيف يزيد طرفا وينقص من ~~طرف، وكل صفقة بين اثنين فيها بيع وشراء. فإن أراد واحد أن يجعل الخسران ~~على طرف وأن يستوفي لنفسه فهو مطفف. ولذلك تأتي دقة الأداء القرآني من ~~ربنا: { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها } [الأنعام: 152]. وقال الحق ذلك لأنه يعلم أن ~~الكيل والميزان بالعدل أمر متعذر لأن الحق سبحانه وتعالى لواسع رحمته في ~~التشريع لنا لم يجعل مجال الاستطاعة أمرا يمكن أن تتحكم فيه أشياء لا ~~تدخل في الاستطاعة ففي ضبط المكيال والميزان قال: { لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها } ، لأن المكيال والميزان أداتان تتحكم فيهما ~~ظروف لا تدخل في نطاق الإنسان. ولذلك قلنا: إن وزن الأشياء التي نعلمها ~~إن كانت من الأشياء التي ليست فيها نفاسة فوزنها له آلة. وإن كانت في ~~المتوسط فوزنها له آلة، وإن كان في الأشياء النفيسة الدقيقة التي للقدر ~~الصغير فيها قيمة مؤثرة، فإن لها آلة مضبوطة مصونة من عوامل الجو حتى لا ~~تتأثر بهبة الهواء، فقول الحق: ms3249 { لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها } إباحة للأشياء الزائدة أو الناقصة التي لا تدخل في ~~الاستطاعة، ثم قال سبحانه: { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ~~ذا قربى } [الأنعام: 152]. نعلم أن القول نسبة كلامية ينطق بها ~~المتكلم ليسمعها مخاطب، ينفعل للمطلوب فيها خبرا أو إنشاء، والقول ~~مقابله الفعل، وكلاهما عمل، فالقول عمل والفعل عمل فإذا قلت: قل أو افعل، ~~فافهم أن القول متعلق بجارحة اللسان، والفعل متعلق بكل الجوارح ما عدا ~~اللسان، فإذا رأيت، وإذا سمعت، وإذا شممت، وإذا لمست كل ذلك يطلق عليه ~~أنه فعل، ولكن إذا ما تحرك اللسان فذلك قول: { وإذا قلتم ~~فاعدلوا ولو كان ذا قربى }. وهل العدل مقصور على القول؟ ~~أو العدل أيضا يكون في الفعل؟ إن العدل قد يكون في خلاف بين اثنين، وهذا ~~لا يتأتى بفعلك، وإنما يتأتى الحكم والفصل فيه بقولك، وإذا ما تعودت ~~العدل في قولك، ألفته وأنست به وأحببته حتى في أعمالك الخاصة الأخرى. # والقول منه الإقرار، وإن تقر على شيء في نفسك فقله بالعدل وبالحق، ~~والشهادة. قلها بالحق، والحكم. قله بالحق. والوصية. قلها بالحق. والفتوى. ~~قلها بالحق. إذن فالحق في القول أمر دائر في كثير من التصرفات لأنك إذا ~~قلت بالحق أمكنك أن تعدل ميزان حركة الحياة فميزان حركة الحياة لا يختل ~~إلا أن رجح باطل على حق لأنك إذا حكمت لواحد بشيء لا يستحقه فقد أعطيته ~~ما ليس له، وإن بعملك هذا تجعل المتحرك في الحياة يزهد في الحركة. لكن ~~إذا ما حافظت على حركة كل متحرك، وأخذ كل واحد حظه من الحياة بقدر ما ~~يعمل اتزنت كل الأمور، ولم يعد هناك قوم يعيشون على جهد غيرهم وعرق ~~سواهم، إذن فقول العدل هو مناط حركة الحياة الثابتة المستقيمة الرتيبة ~~الرشيدة: { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى }. ~~والذي يؤثر في العدل هو الهوى، وحين يوجد الهوى فهو يحاول أن يميلك إلى ~~ناحية ليس فيها الحق، وأولى النواحي أن يكون الأمر متعلقا بك أو بقرابة ~~لك، وقد تريد إن حكمت - والعياذ بالله ms3250 - باطلا، أن تسعد ذا قرباك، وأنت ~~بذلك لم تؤد حق القرابة لأن حق القرابة كان يقتضي أن تمنع عنه كل شيء ~~محرم وتحمي عرضه، وتحمي دينه قبل أن تحمي مصلحته في النفعية الزائلة. ~~ولذلك يأمرك الحق بأن تقول الكلمة بالعدل ولو كان المحكوم له أو عليه ذا ~~قربى لأنك حين تحكم بالباطل فأنت في الواقع حكمت عليه لا له. { ~~وبعهد الله أوفوا } [الأنعام: 152]. ونحن نعلم أن عهد الله ~~هو ما عاهدنا الله عليه، وأول عهد وقمة العهود هو الإيمان به سبحانه، ~~وترتب على ذلك أن نتلقى منه التكليف، فكل تكليف من تكاليف الله لخلقه ~~يعتبر عهدا داخلا في إطار الإيمان لأن الله لا يحكم حكما أو يبينه ~~لمكلف إلا بعد أن يقول: # يا أيها الذين آمنوا # [المائدة: 1]. أي يا من آمنت بالعهد الأصيل في القيم وهو العقيدة، وآمنت ~~بي إلها: خذ التكليف مني لأنك قد دخلت معي في عهد هو الإيمان. ولذلك لا ~~يكلف الله بالأحكام كافرا به، إنما يقول: # يا أيها الذين آمنوا # [المائدة: 1]، ولذلك يجب أن نأخذ كل حكم بدليله من الإيمان بمن حكم به، ~~فلا تبحث عن العلة في كل حكم، وإنما علة كل حكم أن تؤمن بالذي أمرك أن ~~تفعل كذا، فعلة كل أمر هي الحكم. ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله ~~تعالى: { ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون } [الأنعام: ~~152]. # و " ذلكم " إشارة إلى ما تقدم، من أول قوله سبحانه: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151]. إلى أن انتهينا إلى قوله سبحانه: { وبعهد الله ~~أوفوا } [الأنعام: 152]. والتوصية تخصيص للتشريع لأن التشريع يعم ~~أحكاما كثيرة جدا، ولكن الوصية التي يوصي الله بها تكون هي عيون ~~التشريع. ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنه عن هذه الآيات: " إنها محكمات ~~لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وقيل إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة، ~~ومن تركهن دخل النار ". ولم يوجد شرع جاء لينسخ واحدة من هذه الوصايا، ~~ولذلك يقول اليهودي الذي أسلم وهو كعب الأحبار: " والذي نفس كعب ms3251 بيده إن ~~هذه الآيات لأول شيء في التوراة: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151]. ثم نجد أن هذه الوصية الأخيرة هي جامعة لكل شيء نجد تسع ~~وصايا قد مرت خمسا منها قال فيها: { لعلكم تعقلون } ، ~~وأربعا قال فيها: { لعلكم تذكرون } ، والعاشرة يقول: { ~~لعلكم تتقون } ، وهذه الوصية العاشرة هي الجامعة لكل أنواع ~~الفضائل التكليفية إنها قوله الحق: { وأن هذا صراطي... }. ### || [6.153] # أي أنه ختم الوصايا التسع بهذا القول لأن الصراط المستقيم يشمل الوصايا ~~التسع السابقة ويشمل كل ما لم يذكر هنا. وقلت: إننا نلاحظ أن الخمس الأول ~~ذيلها الحق بقوله: { لعلكم تعقلون } ، والأربع التي بعدها ~~ذيلها الحق بقوله: { لعلكم تذكرون } والواحدة الجامعة لكل ~~شيء قال تذييلا لها: { لعلكم تتقون }. فما الفرق بين التعقل ~~والتذكر والتقوى؟ إن الأشياء الخمسة الأولى التي قال الحق فيها: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا ~~تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون # [الأنعام: 151]. هذه الأشياء كانت موجودة في بيئة نزول القرآن، إنهم ~~كانوا يشركون بالله ويعقون والديهم ويقتلون الأولاد ويقارفون الفواحش ~~ويقتلون النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، فأوضح لهم: تعقلوها، ~~فإذا ما تعقلتموها تجدون أن تكليف الله بمنعكم من هذه الأفعال، إنه أمر ~~يقتضيه العقل السليم الذي يبحث في الأشياء بمقدمات سليمة ونتائج سليمة، ~~لكن " الأربع " الأخرى، هم كانوا يفعلونها ويتفاخرون بها. ففي التي كانوا ~~يعملونها من القيام على أمر مال اليتيم والوفاء في الكيل والميزان والعدل ~~في القول والوفاء بالعهد قال: { لعلكم تذكرون } أي إياكم أن ~~تغفلوها فإذا كنتم تفعلونها وأنتم على جاهلية فافعلوها من باب أولى وأنتم ~~على إسلامية. ثم جاء بالوصية الجامعة: { وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون } ~~[الأنعام: 153]. ونظرا لأن هذه الوصية تستوعب كل الأحكام إيجابا ~~وسلبا، نهيا وأمرا، ms3252 فوضح لهم أنه يجب عليكم أن تتبعوا الصراط ~~المستقيم: لتقوا أنفسكم آثار صفات القهر من الحق سبحانه وتعالى، وأول ~~جنودها النار. والصراط: هو الطريق المعبد، ويأخذون منه صراط الآخرة، وهو ~~- كما يقال - " أدق من الشعرة، وأحد من السيف " ، ما معنى هذا الكلام؟. ~~معناه أن يمشى عليه بيقظة تامة واعتدال لأنه لو راح يمنة يهوي في النار، ~~ولو راح يسرة يسقط فيها، فهو صراط معمول بدقة وليس طريقا واسعا، بل - ~~كما قلنا - " أدق من الشعرة وأحد من السيف " فلتمش على صراط الله ~~ومنهجه معتدلا، فلا تنحرف يمنة أو يسرة لأن الميل - كما قلنا - يبعدك عن ~~الغاية، إنك إذا بدأت من مكان ثم اختل توازنك فيه قدر ملليمتر فكلما سرت ~~يتسع الخلل، وأي انحراف قليل في نقطة البداية يؤدي إلى زيادة الهوة ~~والمسافة. كذلك الدين، كلما نلتقي فيه ويقرب بعضنا من بعض، نسير في ~~الطريق المستقيم، وكلما ابتعدنا عن التشريع تتفرق بنا السبل. # { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون } [الأنعام: 153]. # " ورسول الله صلى الله عليه وسلم جلى بالحركة الفعلية منطوق النسبة ~~الكلامية، حينما جلس بين أصحابه وخط خطا. وقال: هذا سبيل الله. ثم خط ~~خطوطا عن يمينه وخطوطا عن يساره، ثم قال: هذه سبل وعلى كل سبيل منها ~~شيطان يدعو إليها، ثم قرأ هذه الآية: { وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله }. " # ولذلك فكل أهل الحق، وأهل الخير كلما اقتربوا من المركز كان الالتقاء، ~~وهذا الالتقاء يظل يقرب ويقرب إلى أن يتلاشى ويصير الكل إلى نقطة واحدة. ~~وانظر إلى جلال الحق حينما يجعل الصراط المستقيم إليه في دينه، منسوبا ~~إلى رسوله: { وأن هذا صراطي مستقيما } فالرسول يسير على ~~هذا الصراط وهو لا يغش نفسه، والذي يفعله ويمشي فيه يأمركم بأن تمشوا ~~فيه، وهو لم يأمركم أمرا وهو بنجوة وبعد عنه، ولو غشكم جميعا لا يغش ~~نفسه، وهذا هو صراطه الذي يسير فيه. والسبيل هنا معروف أنه ms3253 إلى الله ~~فكأن سبيل الله هو طريق محمد صلى الله عليه وسلم. ونسب الفعل والحدث لله ~~وحده ففي البداية قال: { وأن هذا صراطي مستقيما } ، ثم ~~قال: " سبيله " فالصراط لم يعمله محمد لنفسه، ولكن أراده الله للمؤمنين ~~جميعا، ورسول الله هو الذي يأخذ بأيديهم إليه. وحين ننظر إلى كل ~~الخلافات التي تأتي بين الديانات بعضها مع بعض، بين اليهودية والنصرانية ~~على سبيل المثال: # وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت ~~النصارى ليست اليهود على شيء # [البقرة: 113]. والمشركون قالوا: لا هؤلاء على شيء، ولا هؤلاء على شيء: # كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم # [البقرة: 113]. أي أننا أمام ثلاثة أقوال: اليهود قالوا: ليست النصارى ~~على شيء، والنصارى قالوا: ليست اليهود على شيء، وقال الذين لا يعلمون - ~~وهم أهل مكة - مثل قولهم، ثم نجد الدين الواحد منهما ينقسم إلى طوائف ~~متعددة، وكل طائفة لها شيء تتعصب له، وترى أن الذي تقول به هو الحق، ~~والذي يقول به غيرها هو الباطل، وكيف ينشأ هذا مع أن المصدر واحد، ~~والتنزيلات الإلهية على الرسل واحدة؟! إن آفة كل هذا تنشأ من شهوة السلطة ~~الزمنية، وكل إنسان يريد أن يكون له مكانة ونفوذ وخلافة. وهذا يريد أن ~~يتزعم فريقا، وذاك يريد أن يتزعم فريقا، ولو أنهم جمعوا على الطريق ~~الواحد لما كانوا فرقاء. ونجده صلى الله عليه وسلم يقول: # " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين ~~وسبعين فرقة، وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ". # وفي رواية: # " كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة " # ، والجماعة: هم أهل السنة والجماعة، وفي رواية: # " ما أنا عليه وأصحابي ". # ونلاحظ دقة هذا القول في عدد المذاهب والفرق، وإن كنتم لا تسمعون عن ~~بعضها لأنها ماتت بموت الذين كانوا يتعصبون لها، والذين كانوا يريدون أن ~~يعيشوا في جلالها. إذن الآفة تأتي حين ننظر إلى حكم من الأحكام، يرى فيه ~~واحد رأيا، ويأتي الآخر فيرى فيه رأيا آخر، لا لشيء إلا للاختلاف. ~~ونقول لهم: انتبهوا إلى الفرق بين حكم محكم، وحكم ms3254 تركه الله مناطا ~~للاجتهاد فيه، فالحكم الذي أراده الله محكما جاء فيه بنص لا يحتمل ~~الخلاف، وهذا النص يحسم كل خلاف. والحكم الذي يحبه الله من المكلفين ~~تخفيفا عنهم على وجه من الوجوه يأتي بالنص فيه محتملا للاجتهاد، ومجيء ~~النص من المشرع في حكم محتمل للاجتهاد، هو إذن بالاجتهاد فيه لأنه لو ~~أراده حكما لا نختلف فيه لجاء به محكما. والمثال المستمر ما تركه لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته الشريفة، فحينما أراد الحق سبحانه ~~وتعالى ألا يضع السلاح قبل أن يؤدب بني قريظة، وهم من شايعوا مشركي ~~مكة في الحرب. فقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ". # فذهب الصحابة في طريقهم إلى بني قريظة، وآذنت الشمس بالمغيب وهم في ~~الطريق فانقسم صحابة رسول الله إلى قسمين: قسم قال: نصلي العصر قبل أن ~~تغيب الشمس، وقال قسم آخر: قال رسول الله لا نصلين العصر إلا في بني ~~قريظة. فصلى قوم العصر قبل مغيب الشمس، ولم يصل الآخرون حتى وصلوا إلى ~~بني قريظة، ورفعوا أمرهم إلى المشرع وهو رسول الله، فأقر هذا، وأقر ~~هذا، لأن النص محتمل. لماذا؟. لأن كل حدث من الأحداث يتطلب ظرفا له زمان ~~ومكان فالذين قالوا إن الشمس كادت تغرب ولابد أن نصلي العصر قبل مغيبها ~~نظروا إلى الزمان. والذين قالوا لا نصلي إلا في بني قريظة نظروا إلى ~~المكان. وحينما رفع الأمر إلى المشرع الأعلم أقر هؤلاء وأقر هؤلاء. ~~إذن فالحكم إن كان فيه نص محكم فلا احتمال للخلاف فيه. وإن كان الله قد ~~تركه موضعا للاجتهاد فيه فهو يأتي لنا بالنص غير المحكم. ومن ذهب إليه ~~لا يصح أن نخطئه، ولذلك بقي لنا من أدب الأئمة الذين بقيت مذاهبهم إلى ~~الآن بعضهم مع بعض. نجد الواحد منهم يقول: الذي ذهبت إليه صواب يحتمل ~~الخطأ، والذي ذهب إليه مقابلي خطأ يحتمل الصواب، وجميل أدبهم هو الذي ~~أبقى مذاهبهم إلى الآن، وعدم أدب الآخرين جعل مذاهبهم تندثر وتختفي ms3255 ولا ~~تدرون بها، الحمد لله أنكم لا تدرون بها. ثم يقول الحق بعد ذلك: { ثم ~~آتينا موسى الكتاب... }. ### || [6.154] # ونحن إذا سمعنا كلمة " ثم " نعلم أنها من حروف العطف، وحروف العطف ~~كثيرة، وكل حرف له معنى يؤديه، وهنا { ثم آتينا موسى الكتاب ~~} ، وإيتاء موسى الكتاب كان قبل أن يأتي قوله: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151] فالتوراة جاءت ثم الإنجيل، ثم جاء القرآن ككتاب خاتم. ~~فكيف جاءت العبارة هنا ب " ثم "؟. مع أن إتيان موسى الكتاب جاء قبل مجيء ~~قوله الحق: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151]؟ ونقول لأصحاب هذا الفهم: أنت أخذت " ثم " لترتيب أفعال ~~وأحداث، ونسيت أن " ثم " قد تأتي لترتيب أخبار. فقد يأتي من يقول لك: ~~لماذا لا تسأل عن فلان ولا تؤدي الحق الواجب عليك له كحق القرابة مثلا، ~~فتقول: كيف، لقد فعلت معه كذا، ثم أنا فعلت مع أبيه كذا، ثم أنا فعلت مع ~~جده كذا. إذن، فأنت تقوم بترتيب أخبار. وتتصاعد فيها، وتترقى، ولذلك قال ~~الشاعر العربي: # إن من ساد ثم ساد أبوه # ثم قد ساد قبل ذلك جده # فالسيادة جاءت أولا للجد، ثم جاءت للأب، ثم انتقلت للابن. و " ثم " في ~~هذه الحالة ليست لترتيب الأحداث وإنما جاءت للترتيب الإخباري أي يكون ~~وقوع المعطوف بها بعد المعطوف عليه بحسب التحدث عنهما لا بحسب زمان وقوع ~~الحدث على أحدهما فالمراد الترقي في الإخبار بالأحداث. وانظر إلى القرآن ~~بكمال أدائه يقول: # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم.. # [الأعراف: 11]. ونعلم أن الأمر من الله للملائكة بالسجود لآدم كان من ~~البداية. فسبحانه في هذا القول الكريم يريد أن يرتب حالنا، إنه - سبحانه ~~- خلقنا بعد أن صورنا، وصورنا، بعد أن قال للملائكة اسجدوا لآدم. ولله ~~المثل الأعلى، تجد من يقول لابنه: لقد اعتنيت بك في التعليم العالي، ثم ~~لا تنس أني قد اعتنيت بك في التعليم الثانوي، ثم لا تنسى أنني قد اعتنيت ~~بك في التعليم الإعدادي ثم لا تنسى أنني ms3256 قد اعتنيت بك من قبل كل ذلك ~~التعليم الابتدائي. وأنت بذلك ترتقي إخباريا لا أحداثيا. فقد يكون ~~الحدث بعد ولكن ترتيب الخبر فيه يكون قبل. { ثم آتينا موسى ~~الكتاب } [الأنعام: 154]. طبعا ما دام جاء بسيرة موسى فالكتاب هو ~~التوراة وإذا أطلق الكتاب من غير تحديد فإنه ينصرف إلى القرآن، لأنه هو ~~الكتاب الجامع لكل ما في الكتب، والمهيمن على كل ما في الكتب. أما لو قيل ~~مثلا: أنزلنا على موسى الكتاب، فيكون الكتاب هو التوراة، أو أنزلنا على ~~عيسى الكتاب، فيكون الكتاب هو الإنجيل. { ثم آتينا موسى ~~الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل ~~شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون ~~} [الأنعام: 154]. # والتمام هو استيعاب صفات الخير، ولذلك يقول الحق: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي # [المائدة: 3]. و " أكملت " فلا نقصان، وأتممتها فلا استدراك. ولماذا جاء ~~بالتمام على الذي أحسن في أمر موسى عليه السلام؟. جاء ذلك لأن الذين ~~تصدوا للجاج والجدل معه صلى الله عليه وسلم هم اليهود. وأنتم تعلمون أنهم ~~صوروا في مصر هنا فيلما سينمائيا اسمه " الوصايا العشر " عن قصة سيدنا ~~موسى عليه السلام. والوصايا العشر هي التي أقر " كعب الأحبار " أنها ~~موجودة في التوراة وجاءت في الآيات السابقة التي تناولناها وشرحناها. فمن ~~المناسب أن يأتي هنا ذكر موسى عليه السلام. وحينما جاء موسى عليه السلام ~~بالتوراة كما أنزلها الله عليه عاصره أناس آمنوا بما في التوراة، وكانوا ~~من الناجين، وقد ماتوا. أما الذين استمرت حياتهم إلى أن جاء رسول الله، ~~فكان من المطلوب منهم أن يؤمنوا به لأن الحق أوضح لهم في التوراة أن هناك ~~رسولا قادما، ولابد أن تؤمنوا حتى تتم نعمة الإحسان عليكم، لأنكم وإن ~~كنتم مؤمنين بموسى، وعاملين بمنهجه فلابد من الإيمان بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. والسابقون لكم أحسنوا في زمن بعثة رسالة موسى عليه السلام، وجاء ~~محمد بالرسالة الخاتمة فإن أردتم أن يتم الله عليكم الحسن والكرامة ~~والنعمة، فلابد أن تعلنوا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، منكم من ~~أحسن ms3257 الاقتداء بموسى عليه السلام وآمنوا بمحمد فتم لهم الحسن: { ~~وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقآء ~~ربهم يؤمنون }. { وتفصيلا لكل شيء } أي أنه ~~مناسب لزمنه، - ولله المثل الأعلى - عندما يكون لك ولد صغير السن فتقول: ~~أنا فصلت له ملابسه، أي فصلت له الملابس التي تناسبه. وحين يكبر لن تظل ~~ملابسه القديمة صالحة لأن يرتديها. { وتفصيلا لكل شيء } أي ~~القيم التي تناسب الوقت الذي يعيشونه، فإذا ما جئنا بتفصيل جديد في ~~القرآن فهو مناسب لوقته، ولقائل أن يقول: هنا تفصيل، وهنا تفصيل، فما ~~الفرق بين تفصيل وتفصيل؟. نقول: إن كل تفصيل مناسب لزمنه، وآيات القرآن ~~مفصلة جاهزة ومعدة لكل زمن وللناس جميعا إلى أن تقوم الساعة. والآفة - ~~دائما - في القائمين على أمر التشريع، فحينما تأتيهم حالة لذي جاه ~~وسلطان يحاولون إعداد وتفصيل حكم يناسبه، فنقول لمثل هذا الرجل: أنت تفصل ~~الحكم برغم أن الأحكام جاهزة ومعدة ظاهرة، إننا نجد القوالب البدنية ~~تختلف فيها التفصيلات للملابس بينما القوالب المعنوية نجد فيها التساوي ~~بين الناس كلها، فالصدق عند الطفل مثل الصدق عند اليافع، مثل الصدق عند ~~الرجل، مثل الصدق عند المرأة، مثل الصدق عند العالم، مثل الصدق عند ~~التاجر. وليس لكل منهم صدق خاص، وكذلك الأمانة. # ورحمنا الإسلام بالقضية العقدية وكذلك بالقضية الحكيمة الجاهزة. ~~المناسبة لكل بشر، وليست هناك آية على مقاس واحد تطبق عليه وحده، لا، ~~فالآيات تسع الجميع. { وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة ~~} [الأنعام: 154]. والهدى هو ما يدل على الغايات، لأن دين الفطرة قد ~~انطمس بعدم تبليغ الآباء إلى الأولاد منهج السماء في أمور الحياة ~~ومتعلقاتها والقيم التي يجب أن تسود. والآفة أن الأب يعلم ولده كيف يأكل ~~ويشرب، وينسى أن يعلمه أمور القيم، لكن الحق سبحانه وتعالى رحم غفلتنا، ~~ورحم نسياننا فشرع وأرسل لكل زمان رسولا جديدا، وهديا جديدا ليذكرنا. ~~{ لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون } [الأنعام: 154]. إن كل ~~آفة تنبع من العزوف عن تشريعات الله، وهم ينسون أن يضعوا في أذهانهم لقاء ~~الله، لكن لو أن لقاء الله متضح في أذهانهم ms3258 لاستعدوا لذلك لأن الغايات هي ~~التي تجعل الإنسان يقبل على الوسائل. والشاعر يقول: # ألا من يريني غايتي قبل مذهبي # ومن أين والغايات هي بعد المذاهب # ونقول لهذا الشاعر: قولك: ألا من يريني غايتي قبل مذهبي كلام صحيح، أما ~~قولك: ومن أين والغايات بعد المذاهب، هذا كلام غير دقيق، فالغاية هي التي ~~تحدد المذهب، وكذلك شرع الله الغاية أولا، بعد ذلك جعل لها السبيل. وقد ~~شرع الله لكل شيء ما تقتضيه ظروف البشر الحياتية، ولذلك لا استدراك عليه ~~لأن فيه تفصيلا لكل شيء. ويقول الحق بعد ذلك: { وهذا كتاب... }. ### || [6.155] # { وهذا } إشارة وعادة ما تأتي وترد على متقدم، ولكن إذا لم يكن ~~لاسم الإشارة متقدم أو حاضر يشار إليه فهذا دليل على أنك إن أشرت لا ~~ينصرف إلا إليه لأنه متعين ينصرف إليه الذهن بدون تفكير لوضوحه. وكلمة { ~~كتاب } تدل على أنه بلغ من نفاسته أنه يجب أن يكتب ويسجل لأن ~~الإنسان لا يسجل ولا يكتب إلا الشيء النافع، إنما اللغو لا يسأل عنه، ~~وقال ربنا عن القرآن: إنه " كتاب " ، ومرة قال فيه: " قرآن " فهو " قرآن ~~" يتلى من الصدور، و " كتاب " يحفظ في السطور. ولذلك حينما جاءوا ليجمعوه ~~أتوا بالمسطور ليطابقوه على ما في الصدور. { وهذا كتاب ~~أنزلناه مبارك } [الأنعام: 155]. و " أنزلناه " أي أمرنا ~~بإنزاله، ونزل به الروح الأمين، وكلمة " مبارك " مأخوذة من " البركة " أي ~~أنه يعطي من الخير والثمرة فوق ما يظن فيه، وقد تقول: فلان راتبه ~~مائتا جنيه، ويربي أولاده جيدا ويشعر بالرضا، وتجد من يقول لك: هذه هي ~~البركة. كأن الراتب لا يؤدي هذه المسئوليات أبدا. وكلمة " البركة " تدل ~~على أن يد الله ممدودة في الأسباب، ونعلم أن الناس ينظرون دائما إلى رزق ~~الإيجاب، ولا ينظرون إلى الرزق الأوسع من الإيجاب وهو رزق السلب، فرزق ~~الإيجاب يأتي لك بمائتي جنيه، ورزق السلب يسلب عنك مصارف لا تعرف قدرها. ~~فنجد من يبلغ مرتبه ألفا من الجنيهات، لكن بعض والده يمرض، ويحتاج ولد ~~آخر إلى دروس خصوصية فتتبدد الألف جنيه ms3259 ويحتاج إلى ما فوقها. إذن فحين ~~يسلب الحق المصارف وإنفاق المال في المعصية أو المرض فهذه هي بركة الرزق، ~~ونجد الرجل الذي يأتي ماله من حلال ويعرق فيه يوفقه الله إلى شراء كل شيء ~~يحتاج إليه، ويخلع الله على المال القليل صفة القبول، ونجد آخر يأتي ماله ~~حرام فيخلع الله على ماله صفة الغضب فينفقه في المصائب والبلايا ويحتاج ~~إلى ما هو أكثر منه. وأنت حين تقارن القرآن بالتوراة في الحجم تجده أصغر ~~منها ولكن لو رأيت البركة التي فيه فستجدها بركة لا تنتهي فكل يوم يعطي ~~القرآن عطاءه الجديد ولا تنقضي عجائبه، ويقرأه واحد فيفهم منه معنى، ~~ويقرأه آخر فيفهم منه معنى جديدا. وهذا دليل على أن قائله حكيم، وضع في ~~الشيء القليل الفائدة الكثيرة، وهذا هو معنى { كتاب أنزلناه ~~مبارك } فكل كتاب له زمن محدود وعصر محدود وأمة محدودة، أما القرآن ~~فهو يواجه من يوم أن أنزله الله إلى أن تقوم الساعة قضايا متجددة يضع لها ~~حلولا. والمهم أن القرآن قد جاء على ميعاد مع طموح البشريات، وحضارتها ~~وارتقاءاتها في العقول لذلك كان لابد أن يواجه كل هذه المسائل مواجهة ~~تجعل له السبق دائما ولا يكون ذلك إلا إذا كانت فيه البركة. # وكلنا يعلم أن القرآن قد نزل على رجل أمي، وفي أمة أمية، ولذلك حكمة ~~بالغة لأن معنى " أمي " أي أنه لم يأخذ علما من البشر، بل هو كما ~~والدته أمه، وجاءت ثقافته وعلمه من السماء. إذن فالأمية فيه شرف وارتقاء ~~بمصادر العلم له. ونزل القرآن في أمة أمية لأن هذا الدين وتلك التشريعات، ~~إنما نزلت في هذ الأمة المتبدية المتنقلة من مكان إلى آخر وليس لها ~~قانون بل يتحكم فيها رب القبيلة فقط، وحين تنزل إليها هذه القيم الروحية ~~والأحكام التشريعية ففي ذلك الدليل على أن الكتاب الذي يحمل هذه القيم ~~والأحكام قادم من السماء. فلو نزل القرآن على أمة متحضرة لقيل نقلة ~~حضارية، لكنه نزل على أمة لا تملك قوانين مثل التي كانت تحكم بها ms3260 الفرس ~~أو الروم. وما دام الكتاب له هذه الأوصاف التي تريح الخلق من عناء ~~التشريع لأنفسهم ويضم كل الخير، لذلك يأتي الأمر من الله: { ~~فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون } [الأنعام: 155]. ~~وساعة تأتي ب " لعل " فاعلم أن فيها رجاء، وقد ترجو أنت من واحد وتقول: ~~لعل فلانا يعطيك كذا، الرجاء هنا من واحد، ومن يفعل العمل المرجو إنسان ~~آخر، وقد يفعل الآخر هذا العمل، وقد يغضب فلا يفعله لأن الإنسان ابن ~~أغيار، بل ومن يدري أنه ساعة يريد أن يفعل فلا يقدر. وإذا قلت: " لعلي ~~أفعل لك كذا " ، وهنا تكون أنت الراجي والمرجو في آن واحد، ولكنك أيضا ~~ابن للأغيار، فأنت تتوقع قدرتك على الفعل وعند إرادتك الفعل قد لا تتيسر ~~لك مثل هذه القدرة. ولماذا أنزل الحق هذا الكتاب؟. يأتي الحق هنا ~~بالتمييز للأمة التي أراد لها أن ينزل فيها القرآن فيقول: { أن ~~تقولوا إنمآ... }. ### || [6.156] # فالكتاب يصفي العقائد السابقة التي نزلت على الطائفتين من اليهود ~~والنصارى، وإذا كنتم قد غفلتم عن دراسة التوراة والإنجيل لأنكم أمة أمية ~~لا تعرف القراءة والكتابة لذلك أنزلنا إليكم الكتاب الكامل مخافة أن ~~تصطادوا عذرا وتقولوا: إن أميتنا منعتنا من دراسة الكتاب الذي أنزل على ~~طائفتين من قبلنا من اليهود والنصارى. وكأن الله أنزل ذلك الكتاب قطعا ~~لاعتذارهم. ### || [6.157] # قد يحتج المشركون من أن التوراة والإنجيل لو نزلت عليهم لكانوا أهدى من ~~اليهود والنصارى، وفي هذا القول ما يعني أن أذهانهم مستعدة لتقبل ~~الإيمان، وقد قطع الله عليهم كل عذر فجاء لهم بالقرآن، ويقول الحق: { ~~فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها } ~~[الأنعام: 157]. و " صدف " من الأفعال التي تستعمل متعدية وتستعمل ~~لازمة، ومعنى " لازمة " أنها تكتفي بالفاعل ولا تتطلب مفعولا، فمثلا ~~إذا قيل لك: جلس فلان. تفهم أن فلانا قد جلس ويتم لك المعنى ولا تتطلب ~~شيئا آخر. لكنك إن قيل لك: ضرب زيد، فلا بد أنك تنتظر من محدثك أن ~~يبين لك من الذي ضرب، أي أنك جئت بفعل يطلب شيئا بعد الفاعل ms3261 ليقع عليه ~~الفعل. وهذا اسمه فعل " متعد " أي يتعدى به الفاعل إلى مفعول به. و " صدف ~~" فيها الخاصتان. وجاء الحق بهذه الصيغة المحتملة لأن تكون لازمة وأن ~~تكون متعدية ليصيب الأسلوب غرضين الغرض الأول: أن تكون " صدف " بمعنى ~~انصرف وأعرض فكانت لازمة أي ضل في ذاته، والأمر الثاني: أن تكون صدف ~~متعدية فهي تدل على أنه يصرف غيره عن الإيمان، أي يضل غيره، ويقع عليه ~~الوزر لضلال نفسه أولا ثم عليه وزر من أضل ثانيا، ولذلك جاء سبحانه ~~باللفظ الذي يصلح للاثنتين " صدف عنها " أي انصرف، ضلالا لنفسه، وصدف ~~غيره أي جعل غيره يصدف ويعرض فأضل غيره، وبذلك يعذبه الله عذابين، فيقول ~~سبحانه: { سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء ~~العذاب بما كانوا يصدفون } [الأنعام: 157]. فكأن المسألة ~~يرتكبها: الذين صدفوا أنفسهم، وصرفوها عن الإيمان، ويصدفون كل من يحاول ~~أن يؤمن. وهؤلاء هم القوم الذين أعرضوا وانصرفوا عن منهج الهدى، أو ~~تغالوا في ذلك فصرفوا غيرهم عن منهج الهدى، ولو أنهم استقرأوا الوجود ~~الذي يعايشونه لوجدوا الموت يختطف كل يوم قوما على غير طريقة رتيبة، فلا ~~السن يحكم ويحدد وقت وزمن انقضاء الأجل، ولا الأسباب تحكمه، ولا المرض أو ~~العافية تحكمه، فالموت أمر شائع في الوجود، ومعنى ذلك أن على كل إنسان أن ~~يترقب نهايته، فكأنه يتساءل: لماذا إذن يصدفون؟. وماذا ينتظرون من ~~الكون؟. أرأوا خلودا في الكون لموجود معهم؟. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { ~~هل ينظرون إلا... }. ### || [6.158] # فهل ينتظرون من عطاءات الوجود المحيط بهم إلا أن تأتيهم الملائكة التي ~~تقبض الروح؟ والملائكة تأتي هنا مجملة. وفي آيات أخرى يقول: # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~فألقوا السلم # [النحل: 28]. ولن يتأبى أحد على الملائكة لذلك يلقون لهم السلم وتنتهي ~~المسألة. ويتابع سبحانه: { أو يأتي ربك } [الأنعام: 158]. ووقف ~~العلماء عند هذا القول الكريم لأنهم أرادوا أن يفسروا الإتيان من الرب ~~على ضوء الإتيان منا، والإتيان منا يقتضي انخلاعا من مكان كان الإنسان ~~فيه إلى مكان يكون فيه، وهذا الأمر لا يصلح مع الله. ms3262 ونقول: أفسرت كل ~~مجيء على ضوء المجيء بالنسبة لك؟ بالله قل لي: ما رأيك في قوله تعالى: # وجاءت سكرة الموت بالحق # [ق: 19]. كيف جاءت سكرة الموت وهي المخلوقة لله؟ إننا لا نعرف كيف يجيء ~~الموت وهو مخلوق؟ فكيف تريدون أن نعرف كيف يجيء الله؟. عليكم أن تفسروا ~~كل شيء بالنسبة لله بما يليق بذات الله في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] ولنتأذب ونعط العقول مقدارها من الفهم، ولنجعل كل شيء ~~منسوبا لله بما يناسب ذات الله لأن المجيء يختلف بأقدار الجائين، فمجيء ~~الطفل غير مجيء الشاب، غير مجيء الرجل العجوز، غير مجيء الفارس، فما ~~بالنا بمجيء الله سبحانه؟!! إياك - إذن - أن تفهم المجيء على ضوء مجيء ~~البشر. وأكررها دائما: عليك أن تأخذ كل شيء بالنسبة له سبحانه لا ~~بقانونك أنت، ولكن بقانون الذات الأعلى، واجعل كل ما يخصه في إطار " ليس ~~كمثله شيء " ، ولذلك قل: له سمع ليس كسمعنا، وبصر ليس كبصرنا، ويد ليست ~~كأيدينا، في إطار " ليس كمثله شيء ". وإياكم أن تسمعوا مناقشة في قوله: { ~~يأتي ربك }. وقل إن إتيان الله ومجيئه ليس كفعل البشر، بل سبحانه ~~" ليس كمثله شيء " { أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ~~ربك يوم يأتي بعض آيات ربك }. و { بعض آيات ~~ربك } ، هي العلامات، وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ~~ودابة الأرض، والدجال، وخويصة أحدكم وأمر العامة ". # و " خويصة أحدكم " تصغير: خاصة، والمراد حادثة الموت التي تخص ~~الإنسان، وصغرت لاستصغارها في جنب سائر العظائم من بعث وحساب وغيرهما ~~وقيل: هي ما يخص الإنسان من الشواغل المقلقة من نفسه وماله وما يهتم به. ~~و " أمر العامة ": أي القيامة لأنها تعم الخلائق، أو الفتنة التي تعمي ~~وتصم، أو الأمر الذي يستبد به العوام ويكون من قبلهم دون الخواص. { أو ~~يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي ~~بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ~~آمنت من قبل } [الأنعام: 158]. # لأن الإيمان لا يكون إلا بأمر غيبي ms3263 فكل أمر مشهدي مدرك بالحواس لا يسمى ~~إيمانا فأنت لا تقول: انا أؤمن بأني أقرأ الآن في كتاب خواطر الشيخ ~~الشعراوي حول آيات القرآن الكريم لأنك بالفعل تقرأ هذه الخواطر الآن. ~~وأنت لا تقول: أنا أؤمن بأن النور يضيء الحجرة لأن هذا أمر مشهدي، وليس ~~أمرا غيبيا. والإيمان يكون دائما بأمر غيبي، ولكن إذا جاءت الآيات ~~فإننا ننتقل من الإيمان بالأمر الغيبي إلى الإيمان بالأمر الحسي، ~~وحينئذ لا ينفع الإيمان من الكافر، ولا تقبل الطاعة من صدقة أو غيرها من ~~أنواع البر والخير بعد أن تبلغ الروح الحلقوم وتقول: لفلان كذا ولفلان ~~كذا، وقد كان لفلان. هذا لا ينفع لأن المال لم يعد مالك، بل صار مال ~~الورثة، كذلك الذي لم يؤمن وبعد ذلك رأى الآيات الست التي قال الشارع ~~عنها: إنها ستحدث بين يدي الساعة أو قبل مجيء الساعة. وساعة ترى هذه ~~الآيات لن يقبل منك أن تقول: آمنت لأن الإيمان إنما يكون بالأمر ~~الغيبي، وظهور الآيات هو أمر مشهدي فلن يقبل بعده إعلان الإيمان. والحق ~~هو القائل: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ~~أو يأتي ربك أو يأتي بعض ءايات ربك يوم ~~يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمنها لم ~~تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمنها خيرا.. } ~~[الأنعام: 158]. أي أن الإيمان يجب أن يكون سابقا لظهور هذه الآيات، ~~وألا يكون المانع له من العمل القصور، كأن يكون الإنسان - والعياذ بالله ~~- مجنونا ولم يفق إلا بعد مجيء العلامة، أو لم يبلغ إلا بعد وجود ~~العلامة فهذا هو من ينفعه الإيمان. وقد عرض الحق لنا من هذه الصور ما ~~حدث في التاريخ السابق، فهو القائل: # وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم ~~فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذآ أدركه ~~الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت ~~به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين # [يونس: 90]. وماذا كان رد الله عليه؟ لقد قال سبحانه: # آلآن وقد عصيت قبل # [يونس: 91]. إذن: إذا بلغت الروح الحلقوم، وهذه مقدمات الموت فلا ينفع ~~حينئذ ms3264 إعلانك الإيمان. ويذيل الحق الآية بقوله: { انتظروا إنا ~~منتظرون } [الأنعام: 158]. هم منتظرون الخيبة ونحن منتظرون الفلاح. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { إن الذين فرقوا... }. ### || [6.159] # هذه الآية تشرح الآية التي سبقت خواطرنا عنها، وهي قوله الحق: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون # [الأنعام: 153]. والذين فرقوا دينهم نسوا أن الدين إنما جاء ليجمع لا ~~ليفرق، والدين جاء ليوحد مصدر الأمر والنهي في الأفعال الأساسية فلا يحدث ~~بيننا وبين بعضنا أي خلاف، بل الخلاف يكون في المباحات فقط إن فعلتها ~~فأهلا وسهلا، وإن لم تفعلها فأهلا وسهلا، وما لم يرد فيه أفعل ولا ~~تفعل فهو مباح. إذن الذين يفرقون في الدين إنما يناقضون منهج السماء الذي ~~جاء ليجمع الناس على شيء واحد لتتساند حركات الحياة في الناس ولا تتعاند، ~~وإذا كان لك هوى، وهذا له هوى، وذلك له هوى فسوف تتعاند الطاقات، ~~والمطلوب والمفروض أن الطاقات تتساند وتتعاضد. والشيع هم الجماعة التي ~~تتبع أمرا، هذا الأمر يجمعهم ولو كان ضلالا. وهناك تشيع لمعنى نافع ~~وخير، وهناك تشيع لعكس ذلك، والتشيع على إطلاقه هو أن تجتمع جماعة على ~~أمر، سواء أكان هذا الأمر خيرا أم شرا. { إن الذين فرقوا ~~دينهم وكانوا شيعا لست منهم } [الأنعام: 159]. إذن هم ~~بعيدون عن منهجك يا محمد، ولا يصح أن ينسبوا إلى دينك لأن الإسلام جاء ~~لإثبات القيم للوجود مثل الماء لإثبات حياة الوجود. ونعرف أن الماء لا ~~يأخذ لونا ولا طعما ولا رائحة، فإن أخذ لونا أو طعما أو رائحة فهو ~~يفقد قيمته كماء صاف. وكذلك الإسلام إن أخذ لونا، وصار المسلمون طوائف ~~فهذا أمر يضر الدين، وعلينا أن نعلم أن الإسلام لون واحد. { إنمآ ~~أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ~~} [الأنعام: 159]. إن شاء سبحانه عاجلهم بالهزيمة أو بالعذاب، وإن شاء ~~آجلهم إلى يوم القيامة. ويقول الحق بعد ذلك: { من جآء ~~بالحسنة... }. ### || [6.160] # هناك " حسن " ، و " حسنة " ولا تقل: إن حسنة هي مؤنث حسن، لأن ms3265 فيها تاء. ~~كأنها تاء التأنيث، ولكن اسمها " تاء المبالغة " تأتي على اللفظ الذي ~~للذكر، مثلما تقول: " فلان علامة " ، " فلان راوية للشعر " وفلان ~~نسابة. هذه هي تاء المبالغة. والحسنة هي الخير الذي يورث ثوابا، وكلما ~~كان الثواب أخلد وأعمق كانت الحسنة كذلك. وإذا قال الحق سبحانه وتعالى: { ~~من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها }. ف " أمثالها " ~~جمع " مثل " ، والمثل مذكر، والقاعدة تقول: حين يكون المعدود مذكرا نأتي ~~له بالتاء، وحين يكون مؤنثا نحذف التاء لأن أصل الأعداد مبني على التاء، ~~لأنك عندما تعد تقول واحد، اثنان ثلاثة إلى عشرة فأصل الأعداد مبني على ~~التاء، وإذا استعملته مع المؤنث تخالف بحذف التاء فيه، وإن استعملت العدد ~~مع الأصل وهو المذكر، تستعمله على طبيعته فتقول: " ثلاثة رجال ". وإذا ~~أردت أن تتكلم عن الأنثى، تقول: " ثلاثة نسوة " ، والحق هنا يقول: { ~~فله عشر أمثالها } ، و " مثل " - كما قلنا - مذكر. والحق لم ~~يجعل الأصل في العطاء هو " المثل " ، بل جعل الأصل هو الحسنة: { من ~~جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جآء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها } [الأنعام: 160]. وهذا ~~هو مطلق الرحمة والفضل، ولذلك ورد الحديث القدسي: عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - فيما يروى عن ربه تبارك ~~وتعالى- # " إن ربكم عز وجل رحيم. من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن ~~عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم ~~يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله عز وجل ولا ~~يهلك على الله إلا هالك ". # ونعرف أن الحق يجزي الحسنة بعشر أمثالها ويضاعف ذلك إلى سبعمائة ضعف، ~~لأن كل فعل تلازمه طاقة من الإخلاص في نفاذه، فكأن الحق قد وضع نظاما ~~بأن الحسنة بعشر أمثالها، ثم بالنية المخلصة تبلغ الأضعاف إلى ما شاء ~~الله. وقد وضع الحق هذا النظام لأنه جل وعلا يريد للحسنة أن تفعل، ~~وينتفع الغير بها، فإن كان فاعلها حريصا على الأجر الزائد فهو يقدمها ~~بنية مخلصة، ms3266 ويقول الحق لنا: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~وله أجر كريم # [الحديد: 11]. ويقول أيضا: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له ~~أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ~~ترجعون # [البقرة: 245]. ويحدد هنا جزاء الحسنة بأن ثوابها عشر أمثالها، ونية ~~معطي الحسنة هي التي يمكنها أن تضاعف إلى سبعمائة أو أزيد. # والحق سبحانه وتعالى يعطي مثلا لذلك في قوله تعالى: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مائة حبة # [البقرة:261]. وإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعطيها أنت حبة فتعطيك ~~سبعمائة فماذا يعطي خالق الأرض؟ إن عطاءه غير محدود ولا ينفد، ولذلك يقول ~~سبحانه: # والله يضاعف لمن يشآء # [البقرة: 261]. ويتابع الحق سبحانه: { ومن جآء بالسيئة فلا ~~يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون } [الأنعام: 160]. ما ~~دام لا يجزي إلا مثلها فهم لا يظلمون أبدا. ويقول الحق بعد ذلك: { قل ~~إنني هداني ربي... }. ### || [6.161] # و { دينا قيما } أي تقوم عليه مسائل الحياة، وهو قائم بها، و " ~~قيما " مأخوذة من " القيمة " أو من " القيام " على الأمر، وقام على ~~الأمر أي باشره مباشرة من يصلحه، كذلك جاء الدين ليصلح للناس حركة حياتهم ~~بأن أعطاهم القيم، وهو قائم عليهم أيضا: { دينا قيما ملة ~~إبراهيم حنيفا }. وفي كل أمر مهم له خطره ومنزلته يأتي لنا الحق ~~بلمحة من سيرة سيدنا إبراهيم عليه السلام، لأنه صلوات الله وسلامه على ~~نبينا وعليه فيه القدر المشترك الذي يجمع كفار مكة، وأهل الكتاب الذين ~~يتمحكون فيه. فقالت اليهود: إبراهيم كان يهوديا، وقالت النصارى: إن ~~إبراهيم كان نصرانيا، وربنا يقول لهم ولنا: # ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان ~~حنيفا مسلما # [آل عمران: 67]. واليهودية والنصرانية جاءتا من بعده. أما بالنسبة ~~للجماعة الأخرى ففي بيئتهم، وكل حركات حياتهم، وتجارتهم ونفعهم من آثار ~~إبراهيم عليه السلام ما هو ظاهر وواضح. يقول الحق: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل ~~أفئدة من ms3267 الناس تهوي إليهم # [إبراهيم: 37]. فسيدنا إبراهيم هو الذي رفع القواعد من البيت الحرام، ~~وهو الذي عمل لهم مهابة جعلت تجارتهم تذهب إلى الشمال وإلى الجنوب ولا ~~يتعرض لها أحد، وجاءت لهم بالرزق الوفير. وحين يقول الحق: { دينا ~~قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ~~} [الأنعام: 161]. المقصود هو الدين الذي تعيشون في كنف خيرات آثاره، و " ~~الحنف " هو اعوجاج في القدم. وبطبيعة الحال لم يكن دين إبراهيم مائلا عن ~~الحق والصواب بل هو مائل عن الانحراف دائم الاستقامة. ونعرف أن الرسل ~~إنما يجيئون عند طغيان الانحراف، فإذا جاء إبراهيم مائلا عن المنحرف فهو ~~معتدل. ويقول الحق بعد ذلك: { قل إن صلاتي ونسكي... }. ### || [6.162] # و " صلاتي " مقصود بها العبادة والركن الثاني في الإسلام الذي يتكرر كل ~~يوم خمس مرات، وهي الركن الذي لا يسقط أبدا لأن شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله - كما قلنا سابقا - يكفي أن تقولها مرة في ~~العمر، وقد يسقط عنك الصوم إن كنت لا تستطيع، وقد لا تزكي لأنه ليس لك ~~مال، وقد لا تستطيع الحج، وتبقى الصلاة التي لا تسقط أبدا عن العبد. وهي ~~- كما نعلم - قد أخذت من التكليف حظها من الركنية. إن كل تكليف من ~~التكاليف جاء بواسطة الوحي إلا الصلاة فإنها جاءت بالمباشرة، تلقاها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ربه دون واسطة. وحين يقول الحق: { إن ~~صلاتي } ، فهو يذكر لنا عمدة الأركان والتي اشتملت على كل الأركان كما ~~أوضحنا سابقا. حتى إن الإنسان إذا كان راقدا في مرض ولا يستطيع القيام ~~فعليه أن يحرك رأسه بالصلاة أو يخطر أعمال الصلاة على قلبه. ويقول الحق { ~~ونسكي }. و " النسك " يطلق ويراد به كل عبادة، والحق يقول: # لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه # [الحج: 67]. " النسك " إذن هو عبادة ويطلق بالأخص على أفعال كثيرة في ~~الحج، مثل نسك الطواف ونسك السعي، ونسك الوقوف بعرفة، ونسك الرمي، ونسك ~~الجمار، وكل هذه اسمها مناسك، والأصل فيها أنها مأخوذة من مادة " النسيكة ~~" وهي السبيكة ms3268 من الفضة التي تصهر صهرا يخرج منها كل المعادن المختلطة ~~بها حتى تصير غاية في النقاء. فسميت العبادة نسكا لهذا، أي يجب أن تصفى ~~العبادة لله كما تصفى سبيكة الفضة من كل المعادن التي تخالطها: { قل ~~إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي } [الأنعام: 162]. وهنا ~~أمران اختياريان، وأمران لا اختيار للإنسان فيهما، الصلاة والمناسك ~~كلاهما داخل في قانون الاختيار، لكن المحيا والممات لا يدخل أي منهما في ~~قانون الاختيار إنهما في يد الله، والصلاة والنسك أيضا لله، ولكن ~~باختيارك، وأنت لا تصلي إلا لأنك آمنت بالآمر بالصلاة، أو أن الجوارح ما ~~فعلت كذا إلا لله. إذن فأنت لم تفعل شيئا من عندك أنت، بل وجهت الطاقات ~~المخلوقة لله لتأدية المنهج الذي أنزله الله إذن إن أردت نسبة كل فعل ~~فانسبه إلى الله. ولماذا جاء بالصلاة والنسك وكلاهما أمر اختياري؟ لأنه ~~إن كان في ظاهر الأمر لكم اختيار، فكل هذا لاختيار نابع من إيجاد الله ~~لكم مختارين. وهو الذي وضع المنهج فجعلكم تصلون، أو: إن صلاتي لله ونسكي ~~لله، أي أن تخلص فيها، ولا تشرك فيها، ولا تصلي مرائيا، ولا تصنع نسكا ~~مرائيا، ولا تذهب إلى الحج من أجل أن يقولوا لك " الحاج فلان " أبدا، ~~بل اجعلها كلها لله لأنك إن جعلتها لغيره فليس لغيره من القدرة على ~~الجزاء ما يجازيك الله به إن جعلتها لغيره فقد اخترت الخيبة في الصفقة ~~لذلك اجعل الصلاة والنسك للذي يعطيك الأجر. { قل إن صلاتي ~~ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين } ~~[الأنعام: 162]. والحياة هبة الله، وإياك أن تصرف قدرة الحياة ومظاهر ~~الحياة في غير ما يرضي الله. فينبغي أن يكون حياتك لله لا لشهوتك، ومماتك ~~لله لا لورثتك، وتذكر جيدا لأن الحق يقول بعد ذلك: { لا شريك له ~~وبذلك... }. ### || [6.163] # وهذا القول يدل على أن بعض الخلق قد يجعل لله شريكا في العبادة فيجعل ~~صلاته ظاهرية رياء، ومناسكه ظاهرية رياء، وحياته يجعلها لغير واهب ~~الحياة. ويعمل حركاته لغير واهب الحياة، ويجعل مماته للورثة وللذرية لذلك ~~عليك أن ms3269 تتذكر أن الله لا شريك له. { وبذلك أمرت وأنا ~~أول المسلمين } [الأنعام: 163]. وهذا أمر من الله لرسوله، وكل ~~أمر للرسول هو أمر لكل مؤمن برسالته صلى الله عليه وسلم، والأوامر التي ~~صدرت عن الرب هي لصالحك أنت. فسبحانه أهل لأن يحب، وكل عبادة له فيها ~~الخير والنفع لنا، وأنا لا أدعيه لنفسي بل هو عطاء من ربكم وربي الذي ~~أمر. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى حينما رأى أن رسوله صلى الله عليه وسلم ~~مشغول بأمر أمته أبلغنا: # عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين ~~رءوف رحيم # [التوبة: 128] وفي كل شيء كان صلى الله عليه وسلم يقول: أمتي أمتي أمتي ~~أمتي، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يطمئن رسوله على محبوبية أمته فقال ~~له: " إنا سنرضيك في أمتك ولا نسؤوك ". والحديث بتمامه كالآتي: عن ~~عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما # " أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: { رب ~~إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني ~~فإنه مني } الآية. وقال عيسى عليه السلام: { إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم }. فرفع يديه وقال: " اللهم أمتي أمتي " وبكى، فقال الله عز ~~وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل ~~عليه الصلاة والسلام، فسأله وأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ~~قال، وهو اعلم، فقال عز وجل: " يا جبريل اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك ~~في أمتك ولا نسوؤك ". # ونزل قوله الحق: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5]. روي عن علي رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: # " إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار ". # ويذيل الحق الآية بقوله: { وأنا أول المسلمين }. وحين ~~يقول صلى الله عليه وسلم: وأنا أول المسلمين في أمته فهذا قول صحيح صادق ~~لأنه قبل أن يأمر غيره بالإسلام آمن هو بالإسلام، وكل رسول أول المسلمين ~~في أمته، لكن هناك أناس يقولون: لنأخذ العبارة هكذا، ونقول: إن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم ms3270 له منزلة بين رسل الله أجمعين تتجلى في أنه أخذ ~~العهد على غيره له، ولم يؤخذ العهد علية لأحد. فإذا كان أول المسلمين في ~~أمته، فهو أول المسلمين بين الرسل أيضا، وإن لم تأخذها حدثا خذها ~~للمكانة. وأضرب هذا المثل: هب أن كلية الحقوق أنشئت مثلا سنة كذا ~~وعشرين، ولكل سنة لها أول من التلاميذ ثم جاء واحد وحصل على 100% هذا ~~العام فنقول عنة: إنه الأول على كلية الحقوق من يوم أن أنشئت. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { قل أغير الله... }. ### || [6.164] # معنى الرب أنه هو الذي تولى التربية، وله السيادة، وكل شيء في الوجود ~~مربوب لله، فكيف أخذ شيئا من الأشياء التي هو ربها ليكون شريكا له؟!! ~~إن ذلك لا يصح أبدا. { قل أغير الله أبغي ربا }. وهذا ~~إنكار يأتي في صورة استفهام من كل سامع. وكأن الحق يقول لكل منا: أعرض ~~هذا على ذهنك عرضا غير متحيز، وأنا سأئتمنك على الجواب. ولا يقال ذلك ~~إلا وقد تأكد أن الجواب يكون: لا، فلو كان الجواب يحتمل هذه أو تلك لما ~~آمنك على الجواب. وكأنه يقول: إن أي عاقل يجيب على هذا السؤال سيوافقني ~~في أنه لا ينبغي أن يتخذ غير الله ربا. { قل أغير الله ~~أبغي ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس ~~إلا عليها } [الأنعام: 164]. و " أبغى " أي أطلب، و " تكسب " ~~مأخوذة من مادة " كسب " و " اكتسب " ، و " كسب " دائما تأتي في الخير - ~~كما علمنا من قبل -، و " اكتسب " تأتي في الشر. لكن هناك أناس يعتادون ~~على فعل السيئات ولم تعد تكلفهم شيئا، فكأنها لسهولة ذلك عليهم تعتبر ~~كسبا. ومن الحمق أن تقول هذا كسب، وهو عليك وليس لك لأنك حين تنظر إلى ~~التسمية نفسها تفهم أنها ليست رصيدا لك بل عليك. { ولا تكسب كل ~~نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى } ~~[الأنعام: 164]. والوزر هو الحمل الشاق، وإن اشتق منه شيء فإن المشقة ~~والصعوبة تلازمه ككلمة " وزير " ، والحق هو القائل: # واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون ms3271 أخي * اشدد به ~~أزري # [طه: 29-31]. كأن موسى عليه السلام عرف أن حمل الرسالة إلى اليهود عملية ~~شاقة فقال لله: أعطني أخي يساعدني في هذه المشقة. والحق هو القائل: # ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك # [الشرح: 1-3]. وكان النبي عليه الصلاة والسلام في أول استقباله للوحي قد ~~عانى من وقع هذه العملية وكان أمرها شاقا عليه لأن المسألة تقتضي ~~التقاءات ملكية ببشرية، ولابد أن يحدث تفاعل، وهذا التفاعل الذي كان ~~يظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحمر وجهه، ويتصبب منه العرق، ~~وبعد ذلك يقول: زملوني زملوني ودثروني، وإن كان قاعدا وركبته على ركبة ~~أحد بجانبه فيشعر جاره بالثقل، وإن كان على دابة تئط وتئن تعبا، لأن ~~التقاء الوحي برسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى أمرين: إما أن ~~يتحول الوحي وهو حامل الرسالة إلى بشرية مماثلة لبشرية الرسول، وإما أن ~~الرسول ينتقل إلى ملائكية تتناسب مع استقباله للملك. # وهكذا كان التقاؤه بالملكية يتطلب انفعالا وتفاعلا. لكن لما أنس صلى ~~الله عليه وسلم بالوحي وعرف حلاوة استقباله نسي المتاعب، ولذلك عندما فتر ~~الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتاق إليه. وكان الوحي من قبل ~~ذلك يتعبه، ويجهده، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يبقى في نفسه حلاوة ما ~~أوحي به إليه، وتهدأ نفسه وترتاح ويشتاق إلى الوحي، فإذا ما استقبل الوحي ~~بشوق فلن يتذكر المتاعب. { ولا تكسب كل نفس إلا عليها ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم ~~مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } ~~[الأنعام: 164]. إذن مادة الوزر هي الثقل بمشقة، أي لا يحمل إنسان مشقة ~~ثقيلة عن آخر فالمسئولية لا تتعدى إلا إذا تعدى الفعل، وعرفنا من قبل ~~الفارق بين من ضل في ذاته، ومن أضل غيره ليحمل أوزاره مع أوزارهم لتعديه ~~بإضلالهم. وسنعود جميعا إلى ربنا لينبئنا بما كنا فيه نختلف. ويقول جل ~~وعلا بعد ذلك: { وهو الذي جعلكم... }. ### || [6.165] # وهناك قول كريم في آية أخرى: # هو الذي جعلكم خلائف ms3272 في الأرض... # [فاطر: 39]. وهنا يقول الحق: { جعلكم خلائف }. ومعنى " خليفة " ~~أي الذي يخلف غيره فإما أن يخلفه زمانا، وإما أن يخلفه مكانا. وخلفه ~~الزمان أن يأتي عصره بعد عصره، ويومه بعد يومه، وخلفة المكان أي أن يكون ~~جالسا ثم يرحل ليأتي آخر ليستقر مكانه، وانظر إلى كل قواعد الحياة ~~بالنسبة للإنسان تجده في شبابه قويا، ثم يرحل عنه الشباب ليأخذه آخره، ~~ويذهب إلى الشيخوخة. وكذلك نجد إنسانا يملك مكانا ثم يتركه ويأتي واحد ~~آخر يملكه. أو أن الحق سبحانه وتعالى أراد من الخلافة، لا خلافة بعضنا ~~لبعض ولكن خلافة الإنسان لرب الإنسان في الأرض لأن كل شيء منفعل لله ~~قهرا، والحق سبحانه وتعالى منح بسعة عطائه فجعل بعض الأشياء تنفعل ~~لبعضها هبة منه سبحانه، فإذا أوقدت النار - على سبيل المثال - تنفعل لك، ~~وإذا حرثت في الأرض ووضعت فيها البذور تنفعل لك، وإذا شربت ترتوي، وإذا ~~أكلت تشبع. من أين أخذت كل ذلك؟. إنك قد أخذته من أن الحق الذي سخر لك ~~ما في الكون، وجعل أسبابا ومسببات، فكأنك أنت خليفة إرادات لكي يثبت لنا ~~سبحانه أنه يفعل ما يريد، فعلينا أن نأخذ هذه القضية قضية مسلمة، وإن ~~أردت أن تختبر ذلك فانظر إلى أي إنسان ولو كان كافرا ويريد أن يقوم من ~~مكانه، وتنفعل له جوارحه فيقوم، فأي جارحة أمرها أن تفعل ذلك؟. إنه لا ~~يعرف إلا أنه بمجرد أنه أراد أن يقوم قد قام. وحتى لا تفهم أنك أخذت كل ~~ذلك بشطارتك فهو يجعل بعضا من الأمور مشاعا عالميا، مثل الموت والحياة ~~إنهما أمران، لا يختلف فيهما الإنجليزي عن الفرنسي، عن العربي، وكذلك ~~الضحك والبكاء، وهل هناك فرق بين ضحكة إنجليزية، أو ضحكة شيوعية أو ضحكة ~~رأسمالية؟. طبعا لا، فكلها ضحك وهو لغة عالمية، ولذلك قال: # وأنه هو أضحك وأبكى # [النجم: 43]. وسبحانه جاء بأمر مشترك موجود في الناس كلها، فأنت تتكلم ~~وتعمل على الصورة والكيفية التي تريدها، لكنك ساعة تضحك فهو سبحانه الذي ~~يضحكك. وأنت حين تود مجاملة أحد ms3273 وتضحك له فتفاجأ بأن ضحكتك صناعية. ~~والحق يوضح لك: إن زمام كوني في يدي، أجعل القوم مختارين في أشياء، ~~وأجعلهم مرغمين ومتحدين على رغم أنوفهم في أشياء فأنا الذي أضحك ~~وأبكي. ولا يوجد بكاء إنجليزي أو بكاء فرنساوي أو بكاء ألماني، وكل ~~البشر شركاء في مثل هذه الأمور. { وهو الذي جعلكم خلائف ~~الأرض } [الأنعام: 165]. إن إرادتك على أبعاضك، وعلى جوارحك - أيها ~~الإنسان - موهوبة لك من الواهب الأعلى والمريد الأعلى، وسبحانه يسلب ذلك ~~من بعض الأفراد، فيأمر المخ: إياك أن ترسل إشارة لتلك الجارحة لتنفعل. # فيصاب هذا الإنسان بالشلل. ولو كان الأمر شطارة من الإنسان لقاوم ذلك. ~~أنتم - إذن - خلائف الأرض تنفعل لكم الأشياء بقدر ما أراد الله أن تنفعل ~~لكم، فإذا سلب انفعالها عنكم فلكي يثبت أنكم لم تسخروها بقدراتكم، بل به ~~هو، إن شاء أطلق الخلافة، وإن شاء قيد الخلافة. { رفع بعضكم ~~فوق بعض درجات }. كأن من الخلافة أننا لا نكون متماثلين ~~متطابقين، بل أراد سبحانه أن نكون متكاملين في المواهب، وفي الكماليات ~~لأن الناس لو كانوا صورة مكررة في المواهب، لفسدت الحياة، فلابد أن تختلف ~~مواهبنا، لأن مطلوبات الحياة متعددة، فلو أصبحنا كلنا أطباء فالأمر لا ~~يصلح، ولو كنا كلنا قضاة لفسد الأمر، وكذلك لو كنا مهندسين أو فلاحين. ~~إذن فلابد من أن تتحقق إرادة الله في قوله سبحانه: { ورفع بعضكم ~~فوق بعض درجات } [الأنعام: 165]. أي أن البعض قد رفع، ~~والبعض الآخر رفع عليه، فمن هو البعض المرفوع؟ ومن هو البعض المرفوع ~~عليه؟. إن كل واحد فيكم مرفوع في جهة مواهبه، ومرفوع عليه فيما لا مواهب ~~له فيه لأن الحق يريد أن يتكاتف المخلوقون، ولا ينشأ التكاتف تفضلا، ~~وإنما ينشأ لحاجة، فلابد أن تكون إدارة المصالح في الكون اضطرارا، وهذه ~~هي هندسة المكون الأعلى سبحانه التي تتجلى في أنك وضعت خريطة لمن دخلوا ~~معك في مرحلة التعليم الابتدائي. من ترك منهم الدراسة ومن استمر ليدخل ~~الدراسة الإعدادية. إنك تجدهم أقل عددا، ومن درس في المرحلة الثانوية ~~أقل، ومن ms3274 تعلم التعليم العالي أقل، ومن نال الدكتوراه أقل. وهكذا نجد أن ~~البعض يتساقط من التعليم لأن هناك أكثر من مهمة في الكون لا تحتاج إلا ~~إلى حامل الابتدائية فقط، أو حامل الإعدادية فقط، أو إلى حامل شهادة ~~إتمام الدراسة الثانوية، ولو ظل كل واحد منهم في التعليم العالي، فلن نجد ~~لتلك المهام أحدا. لذلك جعل الله التكاتف في الكون احتياجا لا تفضلا. ~~والحظوا جيدا: أن الإنسان إذا عضه جوع بطنه أو جوع عياله فهو يقبل أي ~~عمل، وإن رضي بقدر الله فيما وضعه فيه، ولم يحقد على سواه فسيتقن هذا ~~العمل، وسيتفوق فيه وسيرزقه الله الرزق الحلال الطيب. ولذلك قال الإمام ~~علي: قيمة كل امرئ ما يحسنه، فإن أحسن الإنسان عمله، فهو إنسان ناجح في ~~الوجود. وهكذا أراد الحق سبحانه وتعالى ألا يجعلنا أشخاصا مكررين، ولكن ~~جعلنا متفاضلين متفاوتين، فرفع بعضا على بعض، وكل منا مرفوع فيما يجيد، ~~ومرفوع عليه فيما لا يجيد حتى يحتاج الإنسان منا إلى غيره ليؤدي له العمل ~~الذي لا يجيده، وبذلك يرتبط العالم ارتباط مصلحة وحاجة لا ارتباط تفضل. # { ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في مآ ~~آتاكم } [الأنعام: 165]. كأن هذا الرفع هو اختبار للبشر فيما أعطاهم ~~الله من المواهب. ليعلم علم الإلزام للعبد فسبحانه يعلم أزلا كل ما يصدر ~~عن العبد، ولكنه يترك للعبد فرصة أن يؤدي العمل ليكون ملتزما بما فعل. ~~وتكون حجة على العبد. وحينما يقول الحق: { ليبلوكم } فالمقصود ~~ليختبركم اختبار إقرار على نفوسكم، لا إخبارا له. { ليبلوكم في ~~مآ آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور ~~رحيم } [الأنعام: 165]. وسبحانه " سريع العقاب " ، وإياك أن تستبطئ ~~الآخرة، فالثواب والعقاب سيأتي بعد أن ننتهي ونموت. وليس للموت سبب فكل ~~إنسان عرضة لأن يموت، وبذلك تكون قيامته قد قامت، وإن قامت قيامة الإنسان ~~فلن يقوم بأي عمل آخر. إذن فسبحانه سريع العقاب. ولكن البعض من القوم ~~يغريهم حلم الله ويستبطئون الآخرة. ولذلك يقول أحد العارفين: اجعل شكرك ~~لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل طاعتك لمن ms3275 لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمن ~~لا تخرج عن ملكه وسلطانه. إذن فكل صفة من صفات الحق يتجلى ويظهر أثرها في ~~المخلوق هبة من الله له، فأنت إذا أردت أن تقف، مثلا، لا تعرف ما هي ~~العضلات التي تحركها لتقف، ولكنك بمجرد إرادتك أن تقف تقف، وذلك مظهر ~~لإرادة الله إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. وما دمنا خلائف فلابد ~~أن نتكامل ولا نتكرر، بمعنى أن كل واحد فيه موهبة تنقص من الآخر، وفي ~~الأخر موهبة تنقص في غيره، ليضطر كل مخلوق في الأرض أن يتعاون مع الآخر، ~~ليأخذ ثمرة مواهب غيره، ويعطي هو ثمرة مواهبه. ولا يريد الحق منا أن نعطي ~~ثمرات المواهب تفضلا، وإنما يريد أن يجعلها حاجة. فأنت تحتاج إلى موهبة ~~من لا موهبة لك فيه، إنك تحتاج إلى الغير، وهو كذلك أيضا يحتاج إلى ~~عملك. وحين يستخلفنا الله تبارك وتعالى بهذه الصورة فبعضنا في ظاهر الأمر ~~يكون أعلى من بعض، لذلك يوضح سبحانه: أنا فضلت بعضكم على بعض، لكني لم ~~أفضل طائفة لأجعل طائفة مفضولا عليها، ولكن كل مفضل في شيء لأن له فيه ~~مواهب، ويكون مفضلا عليه في شيء آخر لا مواهب له فيه، وهكذا يتساوى ~~الناس جميعا. إننا جميعا عيال الله، وليس أحد منا أولى بالله من أحد ~~لأنه سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولذلك إن حاولنا إحصاء المواهب في ~~البشر وتوزيعها على الخلق جميعا لوجدنا أن مجموع كل إنسان يساوي مجموع ~~كل إنسان آخر، ولكن أنت تأخذ في موهبة ما تفوقا، وفي الموهبة الأخرى لا ~~تجد نفسك قادرا عليها، وفي موهبة ثالثة قد تقدر عليها لكنك لا تحبها، ~~واجمع الدرجات كلها في جميع المواهب ستجد أن كل إنسان يساوي الآخر، ولا ~~فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى. # { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم ~~فوق بعض درجات ليبلوكم في مآ آتاكم إن ربك ~~سريع العقاب.. } [الأنعام: 165]. إذن فكل واحد منا يقدر أن يقول: ~~أنا مرفوع، ولكن عليه ألا يغتر لأنه ms3276 مرفوع عليه أيضا. والتوازن يأتي من ~~هذه الناحية، فلا غرور برفعتك في درجة، ولا مذلة بانخفاضك في درجة لأن ~~هذا مراد الله وذلك مراد له - سبحانه - والذي يحترم قدر الله في توزيع ~~مواهبه على الخلق يعطيه الله خير موهبته، فلا يتميز ذو موهبة أخرى عليه ~~أبدا. ولكن أينجح الناس جميعا في هذا؟. لا، فهناك أناس يتساقطون، وهناك ~~من يرى واحدا أغنى منه وهو فقير، فيبدأ في الغل والحقد والحسد، ونقول ~~له: انظر إلى قوتك فقد تكون أقوى منه، وقد تكون أسعد منه في أمور كثيرة. ~~خذ الموهبة التي أعطاها الله لك، والموهبة التي أعطاها لغيرك وستجد مجموع ~~كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان، فالذي ينجح في هذه المعادلات التفاضلية ~~يكون له من الله ثواب. فيتجاوز له سبحانه عن بعض سيئاته، ويغفر له. والذي ~~لا يحترم قدر الله في خلق الله يعاقبه الله لذلك أوضح سبحانه: أنا أبلوكم ~~وأختبركم، فمن ينجح فله غفران ورحمة، ومن لا ينجح فله عقاب، ولا تظنوا أن ~~عقابي بعيد لأن ما بين الإنسان والعقاب أن يموت، وليس هناك سبب معروف ~~للموت فمن الممكن أن يموت الإنسان لوقته، فيبدأ عقابه. { إن ربك ~~سريع العقاب وإنه لغفور رحيم } [الانعام: 165] وبذلك ~~ختمت سورة الأنعام، التي استهلها الله بقوله سبحانه: { الحمد لله ~~}. وختمها بقوله: { وإنه لغفور رحيم }. فالحمد لله في ~~الأولى. والحمد لله في الآخرة. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1] # وفي هذه الآية فصل بين كل حرف، فنقرأها: " ألف " ثم نسكت لنقرأ " لام " ~~ثم نسكت لنقرأ " ميم " ثم نسكت لنقرأ " صاد ". وهنا حروف خرقت القاعدة ~~لحكمة لأن هذه حروف مقطعة، مثل " الم " ، حم، طه، يس، ص، ق، وكلها مبنية ~~على السكون مما يدل على أن هذه الحروف وإن خيل لك أنها كلمة واحدة، لكن ~~لكل حرف منها معنى مستقل عند الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ~~ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ". # والرسول ms3277 صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن هذه الحروف بها أمور استقلالية، ~~ولا تكون كذلك إلا إذا كانت لها فائدة يحسن السكوت والوقوف عليها، فهمها ~~من فهمها، وتعبد بها من تعبد بها، وكل قارئ للقرآن يأخذ ثوابه بكل حرف، ~~فلو أن قارئا قال: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " ونطق بعد ذلك بحرف ~~أو بأكثر، فهو قد أخذ بكل حرف حسنة، وحين نقرأ بعضا من فواتح السور، نجد ~~أن سورة البقرة تبدأ بقوله الحق: # الم # [البقرة: 1]. ونقرأ هنا في أول سورة الأعراف: { المص } [الأعراف: 1]. ~~وهي حروف مقطعة. نطقت بالإسكان، وبالفصل بين كل حرف وحرف. ويلاحظ فيها ~~أيضا أنها لم تقرأ مسميات، وإنما قرئت أسماء، ما معنى مسميات؟ وما معنى ~~أسماء؟. أنت حين تقول: كتب، لا تقول " كاف " " تاء " " باء " ، بل تنطق ~~مسمى الكاف ك، واسمها كاف مفتوحة، أما مسماها فهو " ك ". إذن فكل حرف ~~له مسمى، أي الصوت الذي يقوله الإنسان، وله اسم، والأمي ينطق المسميات، ~~وإن لم يعرف أسماءها. أما المتعلم فهو وحده الذي يفهم أنه حين يقول: " ~~كتب " أنها مكونة من كاف مفتوحة، وتاء مفتوحة، وباء مفتوحة، أما الأمي ~~فهو لا يعرف هذا التفصيل. وإذا كان رسول الله قد تلقى ذلك وقال: ألف لام ~~ميم، وهو أمي لم يتعلم. فمن قال له انطق مسميات الحروف بهذه الأسماء؟. ~~لابد أنه قد علمها وتلقاها، والحق هو القائل: # فإذا قرأناه فاتبع قرآنه # [القيامة: 18]. فالذي سوف تسمعه يا محمد ستقرأه، ولذلك تجد عجائب فأنت ~~تجد " الم " في أول البقرة، وفي أول سورة آل عمران، ولكنك تقرأ الآية ~~الأولى من سورة الفيل: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. ما الفرق بين الألف واللام والميم في أول سورة البقرة، ~~وسورة آل عمران وغيرهما، والحروف نفسها في أول سورة الفيل وغيرها كسورة ~~الشرح؟ أنت تقرأها في أول سورة البقرة وآل عمران أسماء. # وتقرأ في أول سورة الفيل مسميات. والذي جعلك تفرق بين هذه وتلك أنك ~~سمعتها تقرأ في أول البقرة وآل عمران هكذا، وسمعتها ms3278 تقرأ في أول سورة ~~الفيل هكذا. إذن فالقراءة توقيف، وليس لأحد أن يجترئ ليقرأ القرآن دون ~~سماع من معلم. لا، لابد أن يسمعه أولا حتى يعرف كيف يقرأ. ونقرأ { ~~المص } في أول سورة الأعراف، وهي حروف مقطعة، ونعرف أن الحروف المقطعة ~~ثمانية وعشرون حرفا، ونجد نصفها أربعة عشر حرفا في فواتح السور، وقد ~~يوجد منها في أول السورة حرف واحد مثل: # ق والقرآن المجيد # [ق: 1]. وكذلك قوله الحق: # ص والقرآن ذي الذكر # [ص: 1]. وكذلك قوله الحق: # ن والقلم وما يسطرون # [القلم: 1]. ومرة يأتي من الحروف المقطعة اثنان، مثل قوله الحق: # حم # [الأحقاف: 1]. ومرة تأتي ثلاثة حروف مقطعة مثل: # الم # [البقرة: 1]. ومرة يأتي الحق بأربعة حروف مقطعة مثل قوله الحق: { ~~المص } [الأعراف: 1]. ومرة يأتي بخمسة حروف مقطعة مثل قوله الحق: # كهيعص # [مريم: 1]. وإذا نظرت إلى الأربعة عشر حرفا وجدتها تمثل نصف الحروف ~~الأبجدية، وهذا النصف فيه نصف أحكام الحروف، فبعضها منشور، أو مهموس، أو ~~مخفي، أو مستعل، ومن كل نوع تجد النصف، مما يدل على أنها موضوعة بحساب ~~دقيق، ومع أن توصيف الحروف، من مستعل، أو مفخم، أو مرقق، أو منشور، أو ~~مهموس، هذا التوصيف جاء متأخرا عن نزول القرآن، ولكن الذي قاله يعلم ما ~~ينتهي إليه خلقه في هذه الحروف المقطعة وله في ذلك حكمة، وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أميا، ولم يجلس إلى معلم، فكيف نطق بأسماء الحروف، ~~وأسماء الحروف لا يعرفها إلا من تعلم؟! فهو إذن قد تلقنها، وإننا نعلم أن ~~القرآن جاء متحديا العرب ليكون معجزة لسيد الخلق، ولا يتحدى إلا ~~من كان بارعا في هذه الصنعة. وكان العرب مشهورين بالبلاغة، والخطابة ~~والشعر، والسجع وبالأمثال فهم أمة كلام، وفصاحة، وبلاغة، فجاء لهم القرآن ~~من جنس نبوغهم، وحين يتحدى الله العرب بأنه أرسل قرآنا لا يستطيعون أن ~~يأتوا بمثله، فالمادة الخام - وهي اللغة - واحدة، ومن حروف اللغة نفسها ~~التي برع العرب فيها. وبالكلمات نفسها التي يستعملونها، لكنهم عجزوا أن ~~يأتوا بمثله لأنه جاء من رب قادر، ms3279 وكلام العرب وبلاغتهم هي من صنعة ~~الإنسان المخلوق العاجز. وهكذا نعلم سر الحروف المقطعة التي جاءت لتثبت ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى القرآن من الملأ الأعلى لأنه أمي ~~لم يتعلم شيئا، لكنه عرف أسماء الحروف، ومعرفة أسماء الحروف لا يعرفها - ~~كما قلت - إلا المتعلم، وقد علمه الذي علم بالقلم وعلم الإنسان ما لم ~~يعلم، ويمكن للعقل البشري أن يحوم حول هذه الآيات، وفي هذه الحروف معان ~~كثيرة، ونجد أن الكثير من المفكرين والمتدبرين لكلام الله وجدوا في مجال ~~جلال وجمال القرآن الكثير، فتجد متصوفا يقول إن " المص " جاءت هنا ~~لحكمة، فأنت تنطق أو كلمة ألف وهي الهمزة من الحلق، واللام تنطقها من ~~اللسان، والميم تنطقها من الشفة، وبذلك تستوعب مخارج الحروف من الحلق ~~واللسان والشفة. # قال المتصوف ذلك ليدلك على أن هذه السورة تتكلم في أمور الحياة بدءا ~~للخلق من آدم. إشارة إلى أولية خلق الإنسان، ووسطا وهو المعاش، ونهاية ~~وهو الموت والحساب ثم الحياة في الدار الأخرة، وجاءت " الصاد " لأن في ~~هذه السورة قصص أغلب الأنبياء. هكذا جال هذا المتصوف جولة وطلع بها، ~~أنردها عليه؟ لا نردها بطبيعة الحال، ولكن نقول له: أذلك هو كل علم الله ~~فيها؟. لا لأن علينا أن نتعرف على المعاني التي فيها وأن نأخذها على قدر ~~بشريتنا، ولكن إذا قرأناها على قدر مراد الله فيها فلن نستوعب كل آفاق ~~مرادات الله لأن أفهامنا قاصرة. ونحن البشر نضع كلمات لا معنى لها لكي ~~تدل على أشياء تخدم الحياة، فمثلا نجد في الجيوش من يضع " كلمة سر " لكل ~~معسكر فلا يدخل إلا من يعرف الكلمة. ومن يعرف " كلمة السر " يمكنه أن ~~يدخل. وكل كلمة سر لها معنى عند واضعها، وقد يكون ثمنها الحياة عند من ~~يقترب من معسكر الجيش ولا يعرفها. { المص } [الأعراف: 1]. ونجد بعد ~~هذه الحروف المقطعة حديثا عن الكتاب، فيقول سبحانه: { كتاب أنزل ~~إليك... }. ### || [7.2] # وساعة تسمع " أنزل " فافهم أنه جاء من جهة العلو أي أن التشريع من أعلى. ~~وقال بعض ms3280 العلماء: وهل يوجد في صدر رسول الله حرج؟. لننتبه أنه ساعة يأتي ~~أمر من ربنا ويوضح فيه { فلا يكن في صدرك حرج } ، فالنهي ~~ليس لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما النهي للحرج أو الضيق أن يدخل ~~لرسول الله، وكأنه سبحانه يقول: يا حرج لا تنزل قلب محمد. لكن بعض ~~العلماء قال: لقد جاء الحق بقوله سبحانه: { فلا يكن في صدرك ~~حرج } لأن الحق يعلم أن محمدا قد يضيق صدره ببشريته، ويحزن لأنهم ~~يقولون عليه ساحر، وكذاب، ومجنون. وإذا ما جاء خصمك وقال فيك أوصافا أنت ~~أعلم منه بعدم وجودها فيك فهو الكاذب لأنك لم تكذب ولم تسحر، وتريد هداية ~~القوم، وقوله سبحانه: { فلا يكن في صدرك حرج } قد جاء لأمر ~~من اثنين: إما أن يكون الأمر للحرج ألا يسكن صدر رسول الله، وإما أن يكون ~~الأمر للرسول طمأنة له وتسكينا، أي لا تتضايق لأنه أنزل إليك من إله، ~~وهل ينزل الله عليك قرآنا ليصبح منهج خلقه وصراطا مستقيما لهم، ثم ~~يسلمك إلى سفاهة هؤلاء؟ لا، لا يمكن، فاطمئن تماما. { فلا يكن في ~~صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين } ~~[الأعراف: 2]. والإنذار لا يكون إلا لمخالف لأن الإنذار يكون إخبارا ~~بشر ينتظر من تخاطبه. وهو أيضا تذكير للمؤمنين مثلما قال من قبل في سورة ~~البقرة: # هدى للمتقين # [الآية: 2]. وهنا نلاحظ أن الرسالات تقتضي مرسلا أعلى وهو الله، ~~ومرسلا وهو الرسول، ومرسلا إليه وهم الأمة، والمرسل إليه إما أن ~~يستمع ويهتدي وإما لا، وجاءت الآية لتقول: { كتاب أنزل } من الله ~~وهو المرسل، و " إليك " لأنك رسول والمرسل إليهم هم الأمة، إما أن ~~تنذرهم إن خالفوا وإما أن تذكرهم وتهديهم وتعينهم أو تبشرهم إن كانوا ~~مؤمنين. ويقول الحق بعد ذلك: { اتبعوا مآ أنزل... }. ### || [7.3] # وما دام العباد سينقسمون أمام صاحب الرسالة والكتاب الذي جاء به إلى من ~~يقبل الهداية، ومن يحتاج إلى النذارة لذلك يقول لهم: { اتبعوا مآ ~~أنزل إليكم من ربكم.. } [الأعراف: 3]. وينهاهم عن الشرك ~~وعدم الاستهداء أي طلب الهداية فيقول: ms3281 { ولا تتبعوا من دونه ~~أوليآء قليلا ما تذكرون } [الأعراف: 3]. وحينما يأتي ~~الحق سبحانه في مثل هذه الآيات ويقول: " وذكرى ". أو " وذكر " إنما ~~يلفتنا إلى أن الفطرة المطبوعة عليها الإنسان مؤمنة، والرسالات كلها لم ~~تأت لتنشئ إيمانا جديدا، وإنما جاءت لتذكر بالعهد الذي أخذ علينا أيام ~~كنا في عالم الذر، وقبل أن يكون لنا شهوة اختيار: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ.. # [الأعراف: 172]. هذا هو الإقرار في عالم الذر، إذن فحين يقول الحق: { ~~قليلا ما تذكرون } فنحن نلتفت إلى ما نسي الآباء أن يبلغوه ~~للأبناء فالآباء يعلمون الأبناء متطلبات حياتهم، وكان من الواجب أن ~~يعلموهم مع ذلك قيم هذه الحياة التي تلقوها لأن آدم وحواء أول ما نزلا ~~إلى الأرض قال لهما الحق: # فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي.. # [طه: 123]. وهكذا نعلم أن هناك " هدى " قد نزل على آدم، وكان من الواجب ~~على آدم أن يعلمه للأبناء، ويعلمه الأبناء للأحفاد، وكان يجب أن يظل هذا ~~" الهدى " منقولا في سلسلة الحياة كما وصلت كل أقضية الحياة. ويأتي ~~سبحانه لنا بحيثيات الاتباع. { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ~~ربكم.. } [الأعراف: 3]. فالمنهج الذي يأتي من الرب الأعلى هو الذي ~~يصلح الحياة، ولا غضاضة على أحد منكم في أن يتبع ما أنزل إليه من الإله ~~المربي القادر. الذي ربى، وخلق من عدم، وأمد من عدم، وهو المتولي ~~للتربية، ولا يمكن أن يربي أجسادنا بالطعام والشراب والهواء ولا يربي ~~قيمنا بالأخلاق. { ولا تتبعوا من دونه أوليآء }. ومادام ~~قد أوضح: اتبعوا ما أنزل إليكم من أعلى، فلا يصح أن تأتي لمن دونه وتأخذ ~~منه، مثلما يفعل العالم الآن حين يأخذ قوانينه من دون الله ومن هوى ~~البشر. فهذا يحب الرأسمالية فيفرضها بالسيف، وآخر يحب الاشتراكية فيفرضها ~~بالسيف. وكل واحد يفرض بسيفه القوانين التي تلائمه. وكلها دون منهج الله ~~لأنها أفكار بشر، وتتصادم بأفكار بشر، والأولى من هذا وذاك أن نأخذ مما ~~لا نستنكف أن نكون عبيدا ms3282 له. { ولا تتبعوا من دونه ~~أوليآء قليلا ما تذكرون } [الأعراف: 3]. وتذكر أيها ~~المؤمن أن عزتك في اتباع منهج الله تتجلى في أنك لا تخضع لمساو لك، ~~وهذه ميزة الدين الذي يجعل الإنسان يحيا في الكون وكرامته محفوظة، وإن ~~جاءته مسألة فوق أسبابه يقابلها بالمتاح له من الأسباب مؤمنا بأن رب ~~الأسباب سيقدم له العون، ويقدم الحق له العون فعلا فيسجد لله شاكرا، ~~أما الذي ليس له رب فساعة أن تأتي له مسألة فوق أسبابه تضيق حياته عليه ~~وقد ينتحر. # ثم بعد ذلك يبين الحق أن موكب الرسالات سائر من لدن آدم، وكلما طرأت ~~الغفلة على البشر أرسل الله رسولا ينبههم. ويوقظ القيم والمناعة الدينية ~~التي توجد في الذات، بحيث إذا مالت الذات إلى شيء انحرافي تنبه الذات ~~نفسها وتقول: لماذا فعلت هكذا؟. وهذه هي النفس اللوامة. فإذا ما سكتت ~~النفس اللوامة واستمرأ الإنسان الخطأ، وصارت نفسه أمارة بالسوء طوال ~~الوقت فالمجتمع الذي حوله يعدله. وهذه فائدة التواصي بالحق والصبر، فكل ~~واحد يوصى في ظرف، ويوصي في ظرف آخر فحين تضعف نفسه أمام شهوة يأتي ~~شخص آخر لم يضعف في هذه الشهوة وينصح الإنسان، ويتبادل الإنسان النصح مع ~~غيره، هذا هو معنى التواصي فالوصية لا تأتي من جماعة تحترف توصية الناس، ~~بل يكون كل إنسان موصيا فيما هو فيه قوي، ويوصى فيما هو فيه ضعيف، ~~فإذا فسد المجتمع، تتدخل السماء برسول جديد ومعجزة جديدة، ومنهج جديد، ~~لكن الله أمن أمة محمد على هذا الأمر فلم يجيء رسول بعده لأننا خير أمة ~~أخرجت للناس. والخيرية تتجلى في أننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ~~فالتواصي باق إلى أن تقوم الساعة. # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر.. # [آل عمران: 110]. وهذه خاصية لن تنتهي أبدا، فإن رأيت منكرا فلابد من ~~خلية خير تنكره وتقول: لا، وإذا كان الحق قد جعل محمدا خاتم الرسل، فذلك ~~شهادة لأمته أنها أصبحت مأمونة، وأن المناعة الذاتية فيها لا تمتنع ولا ~~تنقطع، وكذلك لا تمتنع منها ms3283 أبدا المناعة الاجتماعية فلن يأتي رسول بعد ~~سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق بعد ذلك: { وكم ~~من قرية... }. ### || [7.4] # وساعة تسمع " كم " فاعرف أن المسألة خرجت عن العد بحيث تستوجب أن تستفهم ~~عنها، وهذا يدل على أمر كثير فوق العدد، لكن عندما يكون العدد قليلا فلا ~~يستفهم عنه، بل يعرف. والقرية اسم للمكان المعد إعدادا خاصا لمعيشة ~~الناس فيه. وهل القرى هي التي تهلك أم يهلك من فيها؟. أوضح الحق أنها ~~تأتي مرة ويراد منها المكان والمكين: أو يكون المراد بالقرية أهلها، مثال ~~ذلك قوله الحق في سورة يوسف: # وسئل القرية التي كنا فيها والعير.. # [يوسف: 82]. وبطبيعة الحال لن يسأل إنسان المكان أو المباني، بل يسأل ~~أهل القرية، ولم يقل الحق: اسأل أهل القرية لأن المسئول عنه هو أمر بلغ ~~من الصدق أن المكان يشهد مع المكين، ومرة أخرى يوضح الحق أنه يدمر القرية ~~بسكانها ومبانيها. { وكم من قرية أهلكناها فجآءها ~~بأسنا }. وأيهما يأتي أولا: الإهلاك أم يأتي البأس أولا فيهلك؟. ~~الذي يأتي أولا هو البأس فيهلك، فمظاهر الكونيات في الأحداث لا يأتي ~~أمرها ارتجالا، وإنما أمرها مسبق أزلا، وكأن الحق يقول هنا: وكم من ~~قرية حكمنا أن نهلكها فجاءها بأسنا ليتحقق ما قلناه أزلا، أي أن تأتي ~~الأحداث على وفق المرادات حتى ولو كان هناك اختيار للذي يتكلم عنه الحق. ~~ونعلم أن القرية هي المكان، وعلى ذلك فليس لها اختيار. وإن كان لمن يتحدث ~~عنه الله حق الاختيار، فسبحانه يعلم أزلا أنه سيفعل ما يتحدث عنه ~~سبحانه. ويأتي به في قرآن يتلى ليأتي السلوك موافقا ما أخبر به الله. { ~~وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو ~~هم قآئلون } [الأعراف: 4]. والبأس هو القوة التي لا ترد ولا تقهر، ~~و " بياتا " أي بالليل، { أو هم قآئلون } أي في القيلولة. ~~ولماذا يأتي البأس في البيات أو في القيلولة؟. ونجد في خبر عمن ~~أهلكوا مثل قوم لوط أنه حدث لهم الهلاك بالليل، وقوم شعيب حدث لهم ~~الهلاك في ms3284 القيلولة، والبيات والقيلولة هما وقت الاسترخاء ووقت الراحة ~~وتفاجئهم الأحداث فلا يستطيعون أن يستعدوا. # فإذا نزل بساحتهم فسآء صباح المنذرين # [الصافات: 177]. أي يأتيهم الدمار في وقت هم نائمون فيه، ولا قوة لهم ~~لمواجهة البأس. { فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون } ~~[الأعراف: 4]. وإذا قال سبحانه: { بياتا أو هم قآئلون } فيصح ~~أن لهذه القرية امتدادات، ووقت القيلولة عند جماعة يختلف عن وقت من يسكن ~~امتداد القرية، فيكون الوقت عندهم ليلا، والقيلولة هي الوقت الذي ينامون ~~فيه ظهرا للاسترخاء والراحة. ولكن كيف استقبلوا ساعة مجيء البأس الذي ~~سيهلكهم؟. ويقول الحق سبحانه: { فما كان دعواهم إذ... }. ### || [7.5] # بهذا القول اتضحت المسألة، ومن قوله { دعواهم } نفهم أن المسألة ~~ادعاء. ونحن نقول: فلان ادعى دعوى على فلان، فإما أن يقيم بينة ليثبت ~~دعواه، وإما ألا يقيم. والدعوى تطلق أيضا على الدعاء: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: { فما كان دعواهم ~~إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين ~~} [الأعراف: 5]. ويشرح ربنا هذا الأمر في آيات كثيرة، إنه اعتراف منهم ~~باقترافهم الظلم وقيامهم عليه، فسبحانه القائل: # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب ~~السعير # [الملك: 10-11]. ويقول الحق بعد ذلك: { فلنسألن الذين ~~أرسل... }. ### || [7.6] # والحق يسأل الرسل بعد أن يجمعهم عن مدى تصديق أقوامهم لهم، والسؤال إنما ~~يأتي للإقرار، ومسألة السؤال وردت في القرآن بأساليب ظاهر أمرها أنها ~~متعارضة، والحقيقة أن جهاتها منفكة، وهذا ما جعل خصوم القرآن يدعون أن ~~القرآن فيه تضارب. فالحق سبحانه يقول: # فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ~~ولا يتسآءلون # [المؤمنون: 101]. ويقول سبحانه أيضا: # ولا يسأل حميم حميما # [المعارج: 10]. ويقول جل وعلا: # ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون # [القصص: 78]. ويقول سبحانه وتعالى: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]. ثم يقول هنا: { فلنسألن الذين أرسل ~~إليهم ولنسألن المرسلين } [الأعراف: 6]. وهذا ما يجعل ~~بعض المستشرقين يندفعون إلى محاولة إظهار أن بالقرآن - والعياذ بالله - ~~متناقضات. ونقول ms3285 لكل منهم: أنت تأخذ القرآن بغير ملكة البيان في اللغة، ~~ولو أنك نظرت إلى أن القرآن قد استقبله قوم لسانهم عربي، وهم باقون على ~~كفرهم فلا يمكن أن يقال إنهم كانوا يجاملون، ولو أنهم وجدوا هذا التناقض، ~~أما كانوا يستطيعون أن يردوا دعوى محمد فيقولوا: أيكون القرآن معجزا ~~وهو متعارض؟! لكن الكفار لم يقولوها، مما يدل على أن ملكاتهم استقبلت ~~القرآن بما يريده قائل القرآن. وفي أعرافنا نورد السؤال مرتين فمرة يسأل ~~التلميذ أستاذه ليعلم، ومرة يسأل الأستاذ تلميذه ليقرر. إذن فالسؤال يأتي ~~لشيئين اثنين: إما أن تسأل لتتعلم، وهذا هو الاستفهام، وإما أن تسأل ~~لتقرر حتى تصبح الحجة ألزم للمسئول، فإذا كان الله سيسأله، أي يسأله سؤال ~~إقرار ليكون أبلغ في الاحتجاج عليه، وبعد ذلك يقولون: # وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في ~~أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب ~~السعير # [الملك: 10-11]. وهذا اعتراف وإقرار منهم وهما سيدا الأدلة لأن كلام ~~المقابل إنما يكون شهادة، ولكن كلام المقر هو إقرار اعتراف. إذن إذا ورد ~~إثبات السؤال فإنه سؤال التقرير من الله لتكون شهادة منهم على أنفسهم، ~~وهذا دليل أبلغ للحجة وقطع للسبل على الإنكار. فإما أن يقر الإنسان، ~~وإن لم يقر فستقول أبعاضه لأن الإرادة انفكت عنها، ولم يعد للإنسان قهر ~~عليها، مصداقا لقوله الحق: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.. # [فصلت: 21]. والحق هنا يقول: { فلنسألن الذين أرسل ~~إليهم ولنسألن المرسلين }. وهو سؤال للإقرار. قال ~~الله عنه: # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم.. # [المائدة: 109]. وحين يسأل الحق المرسلين، وهم قد أدوا رسالتهم فيكون ~~ذلك تقريعا للمرسل إليهم. ويقول الحق بعد ذلك: { فلنقصن ~~عليهم بعلم... }. ### || [7.7] # أي سيخبرهم بكل ما عملوا في لحظة الحساب لأنه سبحانه لم يغب يوما عن أي ~~من خلقه لذلك قال: { وما كنا غآئبين } ، ونعلم أن الخلق متكرر ~~الذوات، متكرر الأحداث، متكرر المواقع، هم ذوات كثيرة، وكل ذات لها حدث، ~~وكل ذات لها مكان. فإذا قال الحق ms3286 للجميع: { وما كنا غآئبين } أي ~~أنه مع الجميع، وما دام ليس بغائب عن حدث، ولا عن فاعل حدث، ولا عن مكان ~~حدث، وهؤلاء متعددون. إذن هو في كل زمان وفي كل مكان. وإن قلت كيف يكون ~~هنا وهناك؟ أقول: خذ ذلك في إطار قوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]، ومثل هذه المعاني في الغيبيات لا يمكن أن تحكمها هذه ~~الصور. والأمر سبق أن قلناه حين تحدثنا عن مجيء الله فله طلاقة القدرة ~~وليس كمثله شيء، وما كان غائبا في حدث أو مكان. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~والوزن يومئذ... }. ### || [7.8] # في هذه الآيات نجد الحديث عن الوزن للأعمال، وهذا كله تأكيد للحجة عليهم ~~فالله لا يظلم أحدا، وفي وزن الأعمال إبطال للحجة من الذين يخافون ~~النار، ولم يؤدوا حقوق الله في الدنيا، وكل ذلك ليؤكد الحجة، ويظهر ~~الإنصاف ويقطع العذر، وهناك قول كريم يقول فيه الحق سبحانه: # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة.. # [الأنبياء: 47]. هذه الموازين هي عين العدل، وليست مجرد موازين عادلة، ~~بل تبلغ دقة موازين اليوم الآخر أنها هي عدل في ذاتها. وهنا يقول الحق: { ~~والوزن يومئذ الحق }. نعم، الميزان في هذا اليوم حق ودقيق، ~~لنذكر انه قال من قبل: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جآء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون # [الأنعام: 160]. والميزان الحق هو الذي قامت عليه عدالة الكون كله، وكل ~~شيء فيه موزون، وسبحانه هو الذي يضع المقادير على قدر الحكمة والإتقان ~~والدقة التي يؤدي بها كل كائن المطلوب منه، ولذلك يقوله سبحانه: # والسمآء رفعها ووضع الميزان # [الرحمن: 7]. ولم نر السماء قذفت وألقت علينا أحداثا غير متوقعة منها، ~~فالكون له نظام دقيق. والوزن في يوم القيامة هو مطلق الحق، ففي هذا اليوم ~~تبطل موازين الأرض التي كانت تعاني إما خللا في الآلة التي يوزن بها، ~~وإما خللا في الوزن، وإما أن تتأثر بأحداث الكون، وما يجري فيه من ~~تفاعلات، أما ميزان السماء فلا دخل لأحد به ولا يتأثر إلا بقيمة ما عمل ~~الإنسان، وساعة ms3287 يقول سبحانه: { والوزن يومئذ الحق }. فكأن ~~الميزان في الدنيا يمكن أن يحصل فيه خلل، وكذلك الملك أيضا لأنه ~~سبحانه أعطى أسبابا للملك المناسب لكل إنسان، فهذا يملك كذا، والثاني ~~يملك كذا، والثالث يملك كذا، وبعد ذلك يتصرف كل إنسان في هذا الملك إن ~~عدلا، وإن ظلما على ضوء الاختيار. لكن حين يأتي اليوم الآخر فلا ملك ~~لأحد: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. فالأمر حينئذ يكون كله لله وحده، فإن كان الملك في الدنيا ~~قد استخلف فيه الحق عباده، فهذه الولاية تنتهي في اليوم الآخر: { فمن ~~ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون }. وسبحانه هو ~~القائل: # فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * ~~وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * ومآ ~~أدراك ما هيه * نار حامية # [القارعة: 6-11]. إذن فالميزان يثقل بالحسنات، ويخف بالسيئات، ونلحظ أن ~~القسمة العقلية لإيجاد ميزان ووزان وموزون تقتضي ثلاثة أشياء: أن تثقل ~~كفة، وتخف الأخرى، أو أن يتساويا، ولكن هذه الحال غير موجودة هنا. ويتحدث ~~الحق عن الذين تخف موازينهم فيقول سبحانه وتعالى: { ومن خفت ~~موازينه... }. ### || [7.9] # والسورة السابقة جاء فيها بالحالتين، وفي هذه السورة أيضا جاء ~~بالحالتين، ومن العجيب أن هذا الكلام عن الثقل والخفة وعدم وجود الحالة ~~الثالثة وهي حالة تساوي الكفتين يأتي في أول سورة الأعراف، ولكنه - ~~سبحانه يقول بعد ذلك في سورة الأعراف: # وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم.. # [الأعراف: 46]. وهؤلاء هم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم، وقد جعل لهم ~~ربنا مكانا يشبه عرف الفرس، وعرف الفرس يعتبر أعلى شيء فيه، فحينا يأتي ~~شعر الفرس يمينا، وحينا يأتي شعر الفرس يسارا، وليس هناك جهة أولى ~~بالشعر من الأخرى. وقد أعد الحق لأصحاب الأعراف مكانا يسمعون فيه أصحاب ~~النار وهم ينادون أصحاب الجنة، وأصحاب الجنة وهم ينادون أصحاب النار، ~~وأصحاب الأعراف يجلسون لا هم في الجنة ولا هم في النار، فهم الذين تساوت ~~حسناتهم وسيئاتهم، وبذلك صحت القسمة العقلية في قول الحق سبحانه وتعالى: # وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم.. # [الأعراف: 46]. فلا الحسنات ثقلت ms3288 ليدخلوا الجنة، ولا السيئات خفت ~~ليدخلوا النار، فميزانهم تساوت فيه الكفتان. وقال بعض العلماء عن الميزان ~~إن هناك ميزانا بالفعل. وقال البعض إن المراد بالميزان هو العدالة ~~المطلقة التي أقامها العادل الأعلى، والأعجب أن الحق قال: إن هناك ~~موازين، فهل لكل واحد ميزان أو لكل عمل من أعمال التكليفات ميزان: ميزان ~~العقائد، وميزان الأحكام.. إلخ، وهل سيحاسبنا ربنا تباعا. أو أن هناك ~~موازين متعددة، بدليل أن سيدنا الإمام عليا عندما سألوه: أيحاسب الله ~~خلقه جميعا في وقت واحد؟ فقال: وأي عجب في هذا؟ أليس هو رازقهم في وقت ~~واحد؟ إذن فالميزان بالنسبة لله مسألة سهلة جدا. وهينة فسبحانه لا ~~يتأبى عليه شيء. { ومن خفت موازينه فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون } ~~[الأعراف: 9]. نعم هم قد خسروا أنفسهم فكل منهم كان يأخذ شهوات ويرتكب ~~سيئات يمتع بها نفسه، ويأتي اليوم الآخر ليجد نفسه قد خسر كل شيء، وكما ~~يقول المثل العام: خسر الجلد والسقط. لماذا؟ تأتي الإجابة من الحق: { ~~بما كانوا بآياتنا يظلمون }. ويقول سبحانه بعد ذلك: { ~~ولقد مكناكم في... }. ### || [7.10] # الممكن هو الذي يحتل المكان بدون زحزحة فيقال مكنتك من كذا. أي ~~أعطيتك المكان ولا ينازعك أحد فيه. وقد مكننا سبحانه في الأرض وجعل لنا ~~فيها وسائل استبقاء الحياة، وترف الحياة، وزينة الحياة، ورياش الحياة، ~~ولم تبخل الأرض حين حرثناها، بل أخرجت لنا الزرع، ولم تغب الشمس عنا ~~بضوئها وإشعاعها وحرارتها. ما في الدنيا يؤدي مهمته، ولم نمكن في ~~الأرض بقدراتنا بل بقدرة الله. وكان يجب ألا يغيب ذلك عن أنظارنا ~~أبدا. فلا أحد منا مسيطر على الشمس أو القمر أو الريح أو الأرض، ولكن ~~الذي خلقها وجعلها مسخرة، هو ربك وربها فأنت ممكن، وكل شيء مستجيب ~~لك. بتسخير الله له. { ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا ~~لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون } [الأعراف: 10]. و " ~~معايش " جمع معيشة، والمعيشة هي الحياة، فالعيش هو مقومات الحياة، ولذلك ~~سموا الخبز في القرى عيشا لأن عندهم دقة بالغة لأنهم عرفوا أنه مقوم ms3289 ~~أساسي في الحياة. وقول الحق: { قليلا ما تشكرون } دل على أن ~~هناك من يشكر، ومن الناس من يشكر نعم الله شكرا عاما على مجموع النعم، ~~أو يشكره شكرا خاصا عند كل نعمة، ومنهم من يشكر شكرا خاصا لا عند ~~كل نعمة، ولكن عند جزئيات النعمة الواحدة، فعندما يبدأ في الأكل يقول: " ~~بسم الله الرحمن الرحيم " ، ويقول بعد الأكل: " الحمد لله " وهناك من ~~يقول عند تناول لقمة واحدة: " بسم الله " وعندما يمضغها ويبلعها يقول: " ~~الحمد لله " لأنها لم تقف في حلقه، وأيضا حين نشرب علينا أن نشرب على ~~ثلاث دفعات: أول دفعة نقول: " بسم الله ". وننتهي منها فنقول: " الحمد ~~لله " وكذلك في الدفعة الثانية والدفعة الثالثة. ومن يفعل ذلك فلا ~~تتأتى منه معصية، ما دامت آثار شربة الماء هذه في جسمه لأنها كلها " ~~بسم الله ". فتحرسه من الخطيئة لأن النعمة الواحدة لو استقصيتها لوجدت ~~فيها نعما كثيرة. وأنتم حين لا تشكرون إنما تضيقون عليكم أبواب النعم من ~~الله لأنكم لو شكرتموه على النعم لزادت النعم عليكم، # لئن شكرتم لأزيدنكم.. # [إبراهيم: 7] ومن الحمق ألا نشكر. ويقول الحق بعد ذلك: { ولقد ~~خلقناكم ثم... }. ### || [7.11] # ومسألة الخلق سبق أن تقدمت في سورة البقرة: خلق آدم، والشيطان، والقضية ~~تتوزع على سبع سور، في سبعة مواضع موجودة في سورة البقرة، وسورة الأعراف، ~~وسورة الحج، وسورة الإسراء، وسورة الكهف، وسورة طه، وسورة ص، إلا أن ~~القصة في في كل موضع لها لقطات متعددة، فهنا لقطة، وهناك لقطة ثانية، ~~وتلك لقطة ثالثة، وهكذا لأن هذه نعمة لابد أن يكررها الله لتستقر في ~~أذهان عباده، ولو أنه ذكرها مرة واحدة فقد تنسى، لذلك يعيد الله التذكير ~~بها أكثر من مرة. وإذا أراد الله استحضار النعم والتنبيه عليها في أشياء، ~~فهو يكررها كما كررها في استحضار النعم في سورة واحدة في قوله سبحانه: { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان }. إنه يذكر هذه النعم من ~~بدايتها، فيقول: # خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجآن ~~من مارج من نار * فبأي آلاء ربكما تكذبان * ~~رب ms3290 المشرقين ورب المغربين * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان * مرج البحرين يلتقيان * ~~بينهما برزخ لا يبغيان * فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان * يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان * ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان * وله الجوار ~~المنشئات في البحر كالأعلام * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان * كل من عليها فان * ويبقى ~~وجه ربك ذو الجلال والإكرام * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان # [الرحمن: 14-28]. وكل نعمة يقول بعدها: { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان }. وأراد سبحانه بذلك أن يكثر ويردد تكرارها على الآذان ~~لتستقر في القلوب حتى في الآذان الصماء فمرة يأتي بها في شيء ظاهره أنه ~~ليس نعمة، مثل قوله: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36]. وجاء الحق بذكر كل ذلك لأنه ساعة يجلي لنا الأمور على ~~حقائقها ونحن في دار التكليف فهذه رحمة ونعمة منه علينا لأن ذلك يدعونا ~~إلى اتقاء المحظورات والبعد والتنحي عن المخالفات. ولله المثل الأعلى من ~~قبل ومن بعد، فحين يدخل الابن إلى المدرسة، نقول له: إن قصرت في كذا فسوف ~~ترسب، وأنت بهذا القول ترحمه بالنصيحة، فلم تتركه دون أن تبصره بعواقب ~~الأمور، وأيضا ساعة ترى شرا يحيق بالكافرين، فإن هذا الأمر يسرك، لأنه ~~لو تساوى الكافرون مع المؤمنين لما كان للإيمان فضل أو ميزة، فالعذاب ~~نقمة على الكافر، ونعمة على المقابل وهو المؤمن. وقد جاءت قصة خلق آدم ~~بكل جوانبها في القرآن سبع مرات لأنها قصة بدء الخلق، وهي التي تجيب عن ~~السؤال الذي يبحث عن إجابته الإنسان لأنه تلفت ليجد نفسه في كون معد له ~~على أحسن ما يكون. ولم يجيء الكون من بعد الإنسان، بل طرأ الإنسان على ~~الكون، وظل السؤال واردا عن كيفية الخلق، والسؤال مهم أهمية وجود ~~الإنسان في الكون، فأنت تستقرئ أجناسا في الكون، وكل جنس له مهمة، ~~ومهمته متعلقة بك، جماد له مهمة، ونبات له مهمة، وحيوان له مهمة، وكلها ~~تصب في خدمتك أنت لأن الجماد ينفع النبات، ويتغذى منه لكي يغذي الحيوان، ~~والحيوان ينفعك ويغذيك، إذن فكل الأجناس تصب في خدمتك. ms3291 # أما أنت أيها الإنسان فما عملك في هذا الكون؟ لذلك كان لابد أن يتعرف ~~الإنسان على مهمته. وأراد الحق سبحانه أن يعرف الإنسان مهمته لأنه ~~جل وعلا هو الصانع، وحين يبحث الإنسان عن صانعه تتجلى له قدرة الله في ~~كل ما صنع. وكان لابد أيضا أن يستقبل الإنسان خبرا من الخالق. إنه - ~~سبحانه - ينزل لنا المنهج من السماء ويصاحب هذا المنهج معجزة على يد ~~رسول، وأنزل الحق عليه المنهج وأوكل له مهمة البلاغ. فالرسول يخبر، ثم ~~نستدل بالمعجزة على صدق خبره. فكان من اللازم أن نصدق الرسول، لأنه قادم ~~بآية ومعجزة من الله. والرسول عليه الصلاة والسلام جاء بالرسالة في سن ~~الأربعين ومعه المنهج المعجزة، وأبلغنا أنه رسول من الله. وكان لابد أن ~~نبحث لنتثبت من صدق البلاغ عن الله بالتعقل في دعواه فهذا الرسول جاء بعد ~~أربعين سنة من ميلاده ومعه معجزة من جنس ما نبغ فيه قومه، وليس من جنس ما ~~نبغ فيه هو، إن معجزته ليست من عنده، بل هي من عند الله لأن الرسول جاء ~~بالمعجزة بعد أربعين سنة من ميلاده، ومن غير المعقول أن تتفجر عبقرية بعد ~~أربعين سنة من الميلاد لأننا نعلم أن العبقريات تأتي في آخر العقد الثاني ~~وأوائل العقد الثالث من عمر الإنسان، ونلتفت فنجده يتكلم كل الكلام ~~البلاغي المعجزة. وليس من المعقول ان يأتي بأخبار الكون وهو الأمي الذي ~~مات أبوه وهو في بطن أمه، ثم ماتت أمه وهو في السادسة، وكذلك مات جده. ~~ورأى الناس يتساقطون من حوله، فمن الذي أدراه - إذن - أنه سيمهل ويمد في ~~أجله إلى أن يصل إلى الأربعين ليبلغنا بمعجزته؟. ولذلك نجد القرآن يستدل ~~على هذه، فيقول: # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا ~~يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير هذآ أو بدله ~~قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم # [يونس: 15]. وهكذا تتجلى الحجة القوية من أنه صلى الله عليه ms3292 وسلم مكلف ~~بالبلاغ بما يوحى إليه، ويتأكد ذلك مرة ثانية في قوله الحق: # قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. وهنا نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد تلقى الأمر من ~~الله بأن يبين لهم: هل علمتم عني خلال عمري أني قلت شعرا أو حكمة أو ~~جئتكم بمثل؟ إذن إن نحن عقلنا الأمر وتبصرنا وتأملنا دعواه لصدقنا أنه ~~رسول الله، وأن المعجزة نزلت عليه من السماء. # { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم ~~يكن من الساجدين } [الأعراف: 11]. وهكذا نرى أن مسألة الخلق ~~والإيجاد، كان يجب على العقل البشري أن يبحث فيها، ليعلم مهمته في ~~الوجود. وحين يبحث فيها ليعلم مهمته في الوجود يجب عليه أن يترك كل تخمين ~~وظن لأن هذه المسألة لا يمكن أن تأتي فيها بمقدمات موجودة لتدلنا على ~~كيفية خلقنا ولا لأي شيء ومهمة خلقنا! فكيفية الخلق كانت أمرا غيبيا ~~وليس أمامنا ما نستقرئه لنصل إلى ذلك. وقد حكم الله في قضية الخلق، سواء ~~أكان الأمر بالنسبة للسماوات والأرض وما بينهما أم للإنسان، وقد حكم ~~سبحانه في هاتين القضيتين، ولا مصدر لعلم الأمر فيهما إلا من الله سبحانه ~~وأغلق باب الاجتهاد فيها، وكذلك باب التخمين، وسمى القائمين بكل بحث بشري ~~في هذا المجال بأنهم ضالون مضللون، ولذلك قال ليحكم هذه القضية ويحسمها، ~~ويريح العقول من أن تبحث فيها قال: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. فكأن الذي يقول: كيف خلقت السماوات والأرض وكيف خلق ~~الإنسان هو مضل لأن الله لم يشهده، ولم يكن هذا القائل عضدا لله ولا ~~سندا ولا شريكا له. وقص سبحانه علينا قصة خلق السماوات والأرض وخلق ~~الإنسان، وهذه الآية تتعرض لخلق الإنسان. ومن يبحث بحثا استقرائيا ~~ويرجع إلى الوراء فلا بد أن يجد أن الأمر منطقي لأن العالم يتكاثر، ~~وتكاثره أمر مرئي، وليس التكاثر في البشر ms3293 فقط، بل فيمن يخدمون البشر من ~~الأجناس الأخرى، نجد فيهم ظاهرة التكاثر نباتا وحيوانا، وإذا ما نظرنا ~~إلى التعداد من قرن وجدنا العدد يقل عن التعداد الحالي وهو خمسة آلاف ~~مليون، وكلما عدنا ورجعنا إلى الزمن الماضي يقل التعداد إلى أن نصل إلى ~~اثنين لأن الخلق إنما يأتي من اثنين، وحل الله لنا اللغز فقال: # الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها ~~زوجها.. # [النساء: 1]. وهذا كلام صحيح يثبته الإحصاء وييقنه لأن العالم يتكاثر ~~مع مرور الزمن مستقبلا. # وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء.. # [النساء: 1]. وهذا كلام صادق. وسبحانه القائل: # ومن كل شيء خلقنا زوجين.. # [الذاريات: 49]. وأبلغنا سبحانه بقصة خلق آدم، وكيفية خلق حواء فهل أخذ ~~جزءا من آدم وخلق منه حواء؟ قد يصح ذلك، أو خلق منها زوجها ويكون ~~المقصود به أنه خلقها من الجنس نفسه وبالطريقة نفسها؟ وذلك يصح أيضا، ~~فسبحانه قد اكتفى بذكر خلق آدم عن ذكر خلق حواء، وأعطانا النموذج في ~~واحد، وقال: # وخلق منها زوجها # [النساء: 1]. و { منها } في هذه الآية يحتمل أن تكون غير تبعيضية، ~~مثلها مثل قوله الحق: " رسول من أنفسكم ". فسبحانه لم يأخذ قطعة من العرب ~~وقال: إنها " محمد " ، بل جعل محمدا صلى الله عليه وسلم من الجنس نفسه ~~خلقا وإيجادا، وسبحانه حين يتكلم هنا يقول للملائكة: # إني جاعل في الأرض خليفة.. # [البقرة: 30]. وهذا أول بلاغ، ثم أتبع ذلك: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر: 29]. إذن فقبل النفخ في الروح ستوجد تسوية، فلمن تحدث التسوية، ~~ومن هو " المسوى منه "؟. إن التسوية لآدم. وجاء القول بأنه من صلصال، ~~ومن حمأ مسنون، ومن تراب، ومن طين إنها مراحل متعددة، فإن قال سبحانه عن ~~آدم: إنه تراب، نقول: نعم، وإن قال: " من ماء " نقول: نعم، وإن قال " من ~~طين " فهذا قول حق لأن الماء حين يختلط بالتراب يصير طينا. وإن قال: { ~~من حمإ مسنون } ، فهذا جائز لأن الحمأ طين اختمر فتغيرت ~~رائحته ثم جف وصار صلصالا. إذن فهي مراحل متعددة للخلق، ثم قال ms3294 الحق: { ~~ونفخت فيه من روحي }. وهكذا تكتمل فصول الخلق، ثم قال: { ~~فقعوا له ساجدين }. ويقول العلماء: إن المراد من السجود هو ~~الخضوع والتعظيم، وليس السجود كما نعرفه، وقال البعض الآخر: المراد ~~بالسجود هو السجود الذي نعرفه، وأن آدم كان كالقبلة مثل الكعبة التي نتجه ~~إليها عند الصلاة. ولكن لنا هنا ملحظ، ونقول: إننا لا نسجد إلا لله، وما ~~دام ربنا قد قال: اسجدوا فالسجود هنا هو امتثال لأمر خالق آدم. والنية ~~إذن لم تكن عبادة لآدم، ولكنها طاعة لأمر لله الأول. والأمر بالسجود لآدم ~~قد أراده الله لأنه سبحانه سخر الكون كله لخدمة آدم، ومن الملائكة مدبرات ~~أمر، ومنهم حفظة، ومنهم من هو بين يدي الله، فلم يكن السجود للملائكة ~~خضوعا من الملائكة لآدم، بل هو طاعة لأمر الله، ولذلك سجد الملائكة ~~الموكلون بالأرض وخدمة الإنسان، لكن الملائكة المقربون لا يدرون شيئا ~~عن أمر آدم، ولذلك يقول الحق لإبليس: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75]. والمقصود بالعالين الملائكة الذين لم يشهدوا أمر السجود لآدم، ~~فليس للملائكة العالين عمل مع آدم لأن الأمر بالسجود قد صدر لمن لهم عمل ~~مع آدم وذريته والذين يقول فيهم الحق سبحانه: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله.. # [الرعد: 11]. وهناك الرقيب، والعتيد والقعيد. وفي كل ظاهرة من ظواهر ~~الكون هناك ملك مخصوص بها، ويبلغنا الحق بمسألة الخلق، والخطاب لنا { ~~خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة ~~اسجدوا لأدم } وهذا ترتيب إخباري، وليس ترتيبا للأحداث. أو أن ~~الحق سبحانه وتعالى طمر الخلق جميعا في خلق آدم، والعلم الحديث يعطينا ~~أيضا مؤشرات على ذلك، حين يأتون ببذرة ويكتشفون فيها كل مقومات الثمرة، ~~وكذلك الحيوان المنوي توجد فيه كل صفات الإنسان. # ولذلك نجدهم حين يدرسون قانون الوراثة يقولون: إن حياة كل منا تتسلسل عن ~~آخر، فأنت من ميكروب أبيك، وقد نزل من والدك وهو حي، ولو أنه نزل ميتا ~~لما اتصل الوجود. ووالدك جاء من ميكروب جدك وهو حي، وعلى ذلك فكل كائن ~~الآن فيه ms3295 جزئ حي من لدن آدم، لم يطرأ عليه موت في أي حلقة من الحلقات. ~~إذن فكلنا كنا مطمورين في جزيئات آدم، وقال ربنا سبحانه: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم.. # [الأعراف: 172]. ونقول: صدق الحق فهو الخالق القادر على أن يخرجنا من ~~ظهر آدم، وهكذا كان الخلق أولا والتصوير أولا، وكل ذلك في ترتيب طبيعي، ~~وهو سبحانه له أمور يبديها ولا يبتديها، أي أنه سبحانه يظهرها فقط، فإذا ~~خاطب آدم وخاطب ذريته فكأنه يخاطبنا جميعا. { ولقد خلقناكم ~~ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم ~~فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين } ~~[الأعراف: 11]. وعرفنا من هم الملائكة من قبل، وما هي علة السجود. { ~~فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين }. والحق ~~سبحانه يستثنيه بأنه لم يكن من الساجدين. وهذا دليل على أنه دخل في الأمر ~~بالسجود، ولكن هل إبليس من الملائكة؟ لا لأنك إذا جئت في القرآن ووجدت ~~نصا يدل بالالتزام، ونصا يدل بالمطابقة والقطع فاحمل نص الالتزام على ~~النص المحكم الذي يقطع بالحكم. وقد قال الحق في ذلك: # وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا ~~إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه.. # [الكهف: 50]. وفي هذا إخراج لإبليس من جنس الملائكية، وتقرير أنه من ~~الجن، والجن كالإنس مخلوق على الاختيار، يمكنه أن يطيع أو أن يعصي، إذن ~~فقوله الحق: { ففسق عن أمر ربه }. يعني أن هذا الفسوق أمر ~~يجوز منه لكن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وإن ~~تساءل أحد: ولماذا جاء الحديث عن إبليس ضمن الحديث عن الملائكة؟. نقول: ~~هب أن فردا مختارا من الإنس أو من الجن التزم بمنهج الله كما يريده ~~الله، فأطاع الله كما يجب ولم يعص.. أليست منزلته مثل الملك بل أكثر من ~~الملك، لأنه يملك الاختيار. ولذلك كانوا يسمون إبليس طاووس الملائكة، أي ~~الذي يزهو في محضر الملائكة لأنه ألزم نفسه بمنهج الله، وترك اختياره، ~~وأخذ مرادات الله فنفذها، فصار لا يعصي الله ما أمره ويفعل ms3296 ما يؤمر، وصار ~~يزهو على الملائكة لأنهم مجبورون على الطاعة، لكنه كان صالحا لأن يطيع، ~~وصالحا - أيضا - لأن يعصي، ومع ذلك التزم، فأخذ منزلة متميزة من بين ~~الملائكة، وبلغ من تميزه أنه يحضر حضور الملائكة. فلما حضر مع الملائكة ~~جاء البلاغ الأول عن آدم في أثناء حضوره، وقال ربنا للملائكة: { ~~اسجدوا لأدم }. وكان أولى به أن يسارع بالامتثال للأمر بالطاعة، ~~لكنه استنكف ذلك. وهب أنه دون الملائكة وما دام قد جاء الأمر للأعلى منه ~~وهم الملائكة، ألم يكن من الأجدر به وهو الأدنى أن يلتزم بالأمر؟ لكنه لم ~~يفعل. ولأنه من الجن فقد غلبت عليه طبيعة الاختيار. ويقول الحق بعد ذلك: ~~{ قال ما منعك ألا تسجد إذ... }. ### || [7.12] # ثم قال كما يحكي القرآن الكريم: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61]. وهكذا كان الموقف استكبارا واستعلاء. وقوله الحق: # ما منعك أن تسجد.. # [ص: 75]. ونحن حين نحلل هذا النص، نجد قوله: { ما منعك } أي ما ~~حجزك، وقد أورد القرآن هذه المسألة بأسلوبين، فقال الحق مرة: { ما ~~منعك ألا تسجد }. وقال مرة أخرى: { ما منعك أن تسجد ~~}. وهذا يعني أن الأسلوب الأول جاء ب " لا " النافية، والأسلوب الثاني ~~جاء على عدم وجود " لا " النافية. وقوله { ما منعك أن تسجد } ~~كلام سليم واضح يعني: ما حجزك عن السجود. لكن { ما منعك ألا ~~تسجد } هي التي تحتاج لوقفة. لذلك قال العلماء: إن " لا " هنا زائدة، ~~ومن أحسن الأدب منهم قال: إن " لا " صلة. لكن كلا القولين لا ينفع ~~ولا يناسب لأن من قال ذلك لم يفطن إلى مادة " منع " ولأي أمر تأتي، وأنت ~~تقول: " منعت فلانا أن يفعل " ، كأنه كان يهم أن يفعل فمنعته. إذن { ما ~~منعك أن تسجد } كأنه كان عنده تهيؤ للسجود، فجاءت قوة أقوى منه ~~ومنعته وحجزته وحالت بينه وبين أن يسجد. لكن ذلك لم يحدث. وتأتي " منع " ~~للامتناع بأن يمتنع هو عن الفعل وذلك بأن يقنعه غيره بترك السجود فيقتنع ~~ويمتنع، وهناك فرق بين ممنوع، وممتنع فممنوع هي في { منعك أن ~~تسجد ms3297 } ، وممتنع تعني أنه امتنع من نفسه ولم يمنعه أحد ولكنه ~~أقنعه. وإن كان المنع من الامتناع فالأسلوب قد جاء ليؤكد المعنى الفعلي ~~وهو المنع عن السجود. وهذا هو السبب في وجود التكرار في القرآن. ولذلك ~~قال الحق سبحانه: { قال ما منعك ألا تسجد إذ ~~أمرتك.. } [الأعراف: 12] وسبحانه قد أمر الملائكة وكان موجودا معهم ~~إما بطريق العلو، لأنه فاق الملائكة وأطاع الله وهو مختار فكانت منزلته ~~عالية، وإما بطريق الدنو لأن الملائكة أرفع من إبليس بأصل الخلقة ~~والجبلة، وعلى أي وضع من العلو والدنو كان على إبليس أن يسجد، ولكنه قال ~~في الرد على ربه: { أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين } [الأعراف: 12]. وسبحانه لم يسأل إبليس عن ~~المقارنة بينه وبين آدم، ولكن سأله وهو يعلم أزلا أن إبليس قد امتنع ~~باقتناع لا بقهر، ولذلك قال إبليس: أنا خير منه، فكأن المسألة دارت في ~~ذهنه ليوجد حيثية لعدم السجود. ولا يصح في عرفه الإبليسي أن يسجد الأعلى ~~للأدنى، فما دام إبليس يعتقد أنه خير من آدم ويظن أنه أعلى منه، فلا يصح ~~أن يسجد له. وأعلى منه لماذا؟ لأنه قال: { خلقتني من نار ~~وخلقته من طين } فكأن النار لها علو، وهو في ذلك مخطئ تماما ~~لأن الأجناس حين تختلف فذلك لأن لكل جنس دوره، ولا يوجد جنس أفضل من جنس، ~~النار لها مهمة، والطين له مهمة، والنار لا تقدر أن تؤدي مهمة الطين، قلا ~~يمكن أن نزرع في النار. # إذن فالخيرية تتأتى في الأمرين معا ما دام كل منهما يؤدي مهمته، ولذلك ~~لا تقل: إن هذا خير من هذا، إنما قل: عمل هذا أحسن من عمل هذا، فكل شيء ~~في الوجود حين يوضع في منزلته المرادة منه يكون خيرا، ولذلك أقول: لا ~~تقل عن عود الحديد إنه عود مستقيم، وتقول عن الخطاف: إن هذا عود أعوج، ~~لأن مهمة الخطاف تقتضي أن يكون أعوج، وعوجه هو الذي جعله يؤدي مهمته، لأن ~~الخيرية إنما تتأتى في متساوي المهمة، ولكن إبليس قال: ms3298 { أنا خير ~~منه.. } [الأعراف: 12]. قالها للمعاندة، للكبر، للكفر حين أعرض عن ~~أمر الله وأراد أن يعدل مراد الله في أمره، وكأنه يخطئ الحق في أمره، ~~ويرد الأمر على الآمر. فما كان جزاء الحق سبحانه وتعالى لإبليس إلا أن ~~قال له: { قال فاهبط... }. ### || [7.13] # والهبوط يستدعي الانتقال من منزلة عالية إلى منزلة أقل، وهذا ما جعل ~~العلماء يقولون إن الجنة التي وصفها الله بأنها عالية هي في السماء، ~~ونقول: لا، فالهبوط لا يستدعي أن يكون هبوطا مكانيا، بل قد يكون هبوط ~~مكانة، وهناك فرق بين هبوط المكان، وهبوط المكانة، وقد قال الحق لنوح ~~عليه السلام: # قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى ~~أمم ممن معك.. # [هود: 48]. أي اهبط من السفينة، إذن مادة الهبوط لا تفيد النزول من مكان ~~أعلى إلى مكان أدنى، إنما نقول من مكان أو من مكانة. { قال فاهبط ~~منها }. وهذا تنزيل من المكانة لأنه لم يعد أهلا لأن يكون في محضر ~~الملائكة فقد كان في محضر الملائكة لأنه ألزم نفسه بالطاعة، وهو مخلوق ~~على أن يكون مختارا أن يطيع أو أن يعصي، فلما تخلت عنه هذه الصفة لم يعد ~~أهلا لأن يكون في هذا المقام، وذلك أن الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون. { قال فاهبط منها فما يكون لك أن ~~تتكبر.. } [الأعراف: 13]. أي ما ينبغي لك أن تتكبر فيها. إن ~~امتناعك عن أمر من المعبود وقد وجهه لك وأنت العابد هو لون من الكبرياء ~~على الآمر، والملائكة جماعة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ~~فما دامت أنت أهل استكبار واستعلاء على هذه المكانة فلست أهلا لها، فكأن ~~العمل هو الذي أهله أن يكون في العلو، فلما زايله وفارقه كان أهلا لأن ~~يكون في الدنو، وهكذا لم يكن الأمر متعلقا بالذاتية، وفي هذا هبوط لقيمة ~~كلامه في أنه من نار وآدم من طين لأن المقياس الذي توزن به الأمور هو ~~مقياس أداء العمل، ومن حكمة الحق أن الجن يأخذ صورة القدرة على أشياء ms3299 لا ~~يقدر عليها الإنس، مثل السرعة، واختراق الحواجز، والتغلب على بعض ~~الأسباب، فقد ينفذ الجن من الجدار أو من الجسم، وكما قال الرسول صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم. " # وهو في ذلك مثل الميكروب، لأنه هذه طبيعة النار، وهي المادة التي خلق ~~منها. وهي تتعدى الحواجز. والجن قد بلغ من اللطف والشفافية أنه يقدر على ~~أن ينفذ من أي شيء، لكن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يوضح للجن: لا تعتقد ~~أن عنصريتك هي التي أعطتك هذا التميز، وإنما هي إرادة المعنصر، بدليل ~~أنه جعلك أدنى من مكانة الإنسان، إنه - سبحانه - يجعل إنسيا مثل سيدنا ~~سليمان مخدوما لك أيها الجنى، وإنه يسخرك ويجعلك تخدمه. وأنه في مجلس ~~سليمان، جعل الذي عنده علم من الكتاب، يأتي بقوة أعلى من قوة " عفريت " ~~من الجن. # فالحق هو القائل: # قال عفريت من الجن.. # [النمل: 39]. وهذا يدل على أن هناك أذكياء وأغبياء في عالم الجن أيضا. ~~وجاء الذي عنده علم من الكتاب فتسامى فوق عفريت الجن في الزمن، فقد قال ~~هذا العفريت: # أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك.. # [النمل: 39]. والمقام هو الفترة الزمنية التي قد يقعدها سليمان في ~~مجلسه، فماذا قال الذي عنده علم من الكتاب - وهو إنسان -؟ # قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك.. # [النمل: 40]. كأنه سيأتي بعرش بلقيس قبل أن ينتهي سليمان من رد طرفه ~~الذي أرسله ليبصر به شيئا، إن سليمان رأى العرش بين يديه، ولذلك نجد ~~عبارة القرآن معبرة: # فلما رآه مستقرا عنده.. # [النمل: 40]. كأن المسألة لا تتحمل. بل تم تنفيذها فورا. إذن فالحق ~~يوضح للمخلوقين من العناصر: إياكم أن تفهموا أن تميزكم بعناصركم، إنني ~~أقدر بطلاقة قدرتي أن أجعل الأدنى يتحكم في الأعلى لأنها إرادة من ~~عنصر العناصر. { قال فاهبط منها فما يكون لك أن ~~تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين } [الأعراف: ~~13]. وكلمة { فاهبط } تشير وتدل على أن الهبوط أمر معنوي، أي أنك لست ~~أهلا لهذه المنزلة ms3300 ولا لتلك المكانة. هذا ما تدل عليه كلمة { فاهبط ~~} ، ثم جاء الأمر بعد ذلك بالخروج من المكان. والصغار هو الذل والهوان ~~لأنه قابل الأمر باستكبار، فلابد أن يجازى بالصغار. وبذلك يكون قد ~~عومل بضد مقصده، والمعاملة بضد المقصد لون من التأديب والتهذيب والتعليم ~~مثلما يقرر الشرع أن الذي يقتل قتيلا يحرم من ميراثه، لأنه قد قتله ~~ليجعل الإرث منه، ولذلك شاء الله أن يحرمه من الميراث فبارتكابه القتل ~~صار محجوبا عن الميراث. ويقول الحق بعد ذلك: { قال أنظرني ~~إلى... }. ### || [7.14] # ومعنى { أنظرني } أمهلني أي لا تمتني بسرعة، ولا تجعل أجلي قريبا، ~~بدليل قوله سبحانه: { قال إنك من... }. ### || [7.15] # فالإنظار طلب الإمهال، وعدم التعجيل بالموت، وقد طلبه إبليس لكي يشفي ~~غليله من بني آدم وآدم انه جاء له بالصغار والذلة والطرد والهبوط، ~~ولذلك أصر على أن يجتهد في أن يغري أولاد آدم ليكونوا عاصين أيضا. وكأن ~~إبليس في هذا الطلب أراد أن ينقذ من الموت وأن يبقى حيا إلى يوم ~~البعث الذي يبعث فيه كل من مات. وكأنه يريد أن يقفز على قول الحق: # كل نفس ذآئقة الموت.. # [آل عمران: 185]. فأوضح الحق: أن تأجيل موتك هو إلى يوم الوقت المعلوم ~~لنا وغير المعلوم لك لأن الأجل لو عرف فقد يعصي من يعلمه مدة طويلة ثم ~~يقوم بالعمل الصالح قبل ميعاد الأجل، ولكن الله أراد بإبهام زمان الموت ~~أن يشيع زمانه في كل وقت. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: # إلى يوم الوقت المعلوم # [الحجر: 38]. والوقت المعلوم هو النفخة الأولى: # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # [الزمر: 68]. وكأن إبليس كان يريد أن يفر من الموت ليصل إلى النفخة ~~الثانية، لكن ربنا أوضح أنه باق إلى وقت معلوم، وآخر الوقت المعلوم هذا ~~لا بد أن يكون قبل النفخة الأولى. ويقول الحق بعد ذلك: { قال فبمآ ~~أغويتني... }. ### || [7.16] # والإغواء. إغراء بالمعصية، ومن الإغواء الغي وهو: الإهلاك، ويقول الحق ms3301 ~~سبحانه وتعالى: # فسوف يلقون غيا # [مريم: 59]. وحين نقرأ { فبمآ أغويتني } أي فبإغوائك يا الله ~~لي سأفعل كذا وكذا، وبذلك يكون قد نسب الإغواء لله. لكن هل يغوي ربنا أو ~~يهدي؟. إن الله يهدي دلالة وتمكينا، وسبق أن تكلمنا كثيرا عن هداية ~~الدلالة ودلالة التمكين، وسبحانه خلق الشيطان مختارا، ولم يخلقه مرغما ~~ومسخرا كالملائكة، ولأنه قد خلق مختارا فقد أعطاه فرصة أن يطيع وأن ~~يعصي، وكأن الشيطان بقوله هذا يتمنى لو أنه قد خلق مقهورا. ويقول إن ~~الله هو الذي أعطاه سبب العصيان. ولم يلتفت إلى أن الاختيار إنما هو فرصة ~~لا للغواية فقط، ولكنه فرصة للهداية أيضا. وأنت أيها الشيطان الذي اخترت ~~الغواية. إذن فقول الشيطان: { فبمآ أغويتني } إنما يريد به ~~الشيطان: أن يدخل بمعصيته على الله، ونقول له: لا، إن ربنا لم يغو لأن ~~الحق سبحانه وتعالى لا يغوي وإنما يهدي لأن الله لو خلقه مرغما مقهورا ~~ما أعطاه فرصة أن يختار كذا أو يختار كذا فقد خلقه على هيئة " افعل " و " ~~لا تفعل " ، واختار هو ألا يفعل إلا المعصية. { قال فبمآ ~~أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم } [الأعراف: ~~16]. والمفهوم من العبارة أنهم بنو آدم، والقعود لون من ألوان حركة الجسم ~~الفاعل لأن المتحرك إما أن يكون قائما، وإما أن يكون قاعدا، وإما أن ~~يكون مضجعا نائما. وأريح الحالات أن يكون نائما مضجعا لأن الجسم في ~~هذه الحالة يكون مستريحا بفعل الجاذبية الأرضية، وحين يكون الإنسان ~~قاعدا تقاومه الجاذبية قليلا، وحين يكون واقفا فهو يحمل جسمه على ~~قدميه، ولذلك نقول لمن وقف طويلا على قدميه: " اقعد حتى ترتاح " ولو قعد ~~وكان متعبا فيقال له: " اضطجع قليلا لترتاح ". ولماذا اختار الشيطان أن ~~يقول: { لأقعدن }؟ حتى يكون مطمئنا، فقد يتعب من الوقفة، أيضا ~~وهو في حالة القعود يكون منتبها متيقظا، والحق يقول: # واقعدوا لهم كل مرصد.. # [التوبة: 5]. ولم يقل: " قفوا " حتى لا يرهق الناس أنفسهم بالوقوف ~~الطويل، ولكن ساعة يواجهون الأمر فعليهم بالنهوض. والقعود أقرب إلى ~~الوقوف، لأن الاضطجاع أقرب إلى التراخي ms3302 والنوم، وقد اختار الشيطان الموقف ~~الذي يحفظ له قوته، ويبقى له انتباهه: { لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم }. وما دام الشيطان سيغوي، وسيضل الغير، فسيختار للغواية ~~من يكون في طريق الهداية. إنما من غوى باختياره وضل بطبيعته فالشيطان ~~قد استراح من ناحيته ولا يريده، وتلك ظاهرة تحدث للناس حينما يجدون ~~ويجتهدون في الطاعة فالشاب الطائع الملتزم يحاول الشيطان أن يخايله ~~ليصرفه عن الصلاة والطاعة لأن الشيطان يتلصص على دين الإنسان، فهو كاللص، ~~واللص لا يحوم حول بيت خرب. # إنما يحوم اللص حول بيت عامر بالخير. إننا نلاحظ هذه المسألة في كل ~~الناس حينما يأتون للصلاة فيقول الواحد منهم: حينما أصلي يأتي له ~~الوسواس، ويشككني في الصلاة، نقول له: نعم هذا صحيح، وحين يأتي لك هذا ~~الوسواس فاعتبره ظاهرة صحية في الإيمان لأن معناه أن الشيطان عارف أن ~~عملك مقبول، ولذلك يحاول أن يفسد عليك الطاعة لأنك لو كنت فاسدا من ~~البداية، ووقفت للصلاة دون وضوء لما جاءك الوسواس. لكن الشيطان يريد أن ~~يفسد عليك الطاعة ولذلك يقول الله: # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله.. # [الأعراف: 200]. لماذا؟. لأن الله خلقك وخلقه، وإن كنت لا تستطيع دفعه ~~لأنه يجري منك مجرى الدم في العروق وينفذ إليك بالخواطر والمواجيد التي ~~لا تضبطها ويأتي إليك بمهام الأشياء في وقت الصلاة فتتذكر الأشياء التي ~~لم تكن تتذكرها، ويأتي لك بأعقد المسائل وأنت تصلي وكل ذلك لأنه قال: { ~~لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ، ولم يقل إنه سيقعد على ~~الطريق المنحرف، ولن يجلس الشيطان في مجلس خمر، لكنه يقعد على أبواب ~~المساجد أو في المساجد ليفسد للناس أعمالهم الصالحة. فماذا نفعل في هذه ~~الحال؟. يدلنا الحق سبحانه أن نستعيذ: # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله # [الأعراف: 200]. فمعنى { فاستعذ } أي فالتجئ منه إلى الله لإن الله ~~الذي أعطاه الخاصية في أن يتغلغل فيك، وفي دمك، وفي خواطرك، هو القادرعلى ~~منعه، وحين تقول: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " بفزع والتجاء إليه - ~~سبحانه - فإنه - جل شأنه - ينقذك منه. وإن كنت تقرأ ms3303 القرآن ثم جاء لك ~~الخاطر من الشيطان فقل: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " فإذا قلت هذا ~~فكأنك نبهته إلى أنك أدركت من أين جاءت هذه النزغة: مرة واثنتين وثلاثا، ~~فيقول الشيطان لنفسه: إن هذا المؤمن حاذق فطن وحذر لا أستطيع غوايته، ~~ولأبحث عن غيره. ولذلك رأينا الإمام أبا حنيفة، وقد شهر عنه الفتيا، ~~وذهب إليه سائل يقول: ضاع مني مال في أرض كنت قد دفنته فيها، ولا أعرف ~~الآن مكانه. دلني عليه أيها الشيخ؟. وبطبيعة الحال كان هذا السؤال في غير ~~العلم، فقال أبو حنيفة: يا بني ليس في ذلك شيء من العلم، ولكني احتال لك ~~إذا جاء الليل فقم بين يدي ربك مصليا هذه الليلة، لعل الله سبحانه ~~وتعالى يبعث لك جندا من جنوده يقول لك عن مكان مالك. وبينما أبو حنيفة ~~يؤدي صلاة الفجر، وإذا بالرجل يقبل ضاحكا مبتسما قائلا: يا إمام لقد ~~وجدت المال، فضحك أبو حنيفة، وقال: والله لقد علمت أن الشيطان لا يدعك ~~تتم ليلتك مع ربك، وسيأتي ليخبرك، فهلا أتممتها شكرا لله، هيا قم إلى ~~الصلاة. # إذن فقد عرف الشيطان كيف يقعد: وكيف يقسم، لأنه في آية أخرى يقول: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82]. لقد استطاع أن يأتي بالقسم الذي يعينه على مهمته فقال: { ~~فبعزتك لأغوينهم } أي بامتناعك عن خلقك وعدم حاجتك إليهم ~~فأنت الغالب الذي لا يقهر لأنك إن أردتهم ما استطعت أن آخذهم، لكنك شئت ~~لكل إنسان أن يختار: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29]. فأقسم، ومن هذا الباب يدخل الشيطان على الإنسان: { ~~فبعزتك لأغوينهم أجمعين }. واستدرك على نفسه أيضا ~~وقال: # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83]. لأن الذي يريده الله مهديا لا يستطيع الشيطان أن يغويه لأنه ~~لا يناهض ربنا ولا يقاومه، إنما يناهض خلق الله، ولا يدخل مع ربنا في ~~معركة، إنما يدخل مع خلقه في معركة ليس له فيها حجة ولا قوة لأن الذي ~~يغلب في المعارك إما أن يرغمك على الفعل، وإما أن يقنعك لتفعل أنت بدون ~~إرغام. ms3304 وهل يملك إبليس واحدة من هذه؟. لا، ولذلك سيأتي في الآخرة يقول: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي.. # [إبراهيم: 22]. والسلطان قسمان: سلطان يقهر، وسلطان يقنع. والشيطان يدخل ~~على الإنسان من هذه الأبواب. ويقول الحق بعد ذلك على لسان إبليس: { ~~ثم لآتينهم من... }. ### || [7.17] # فالذي بين اليد هو ما كان إلى الإمام، { ومن خلفهم } أي من ~~الوراء، { وعن أيمانهم } أي من جهة اليمين، { وعن شمآئلهم ~~} أي من جهة اليسار. والشيء الذي أمام العالم كله، ونسير إليه جميعا هو ~~{ الدار الآخرة } وحين يأتي الشيطان من الأمام فهو يشككهم في حكاية ~~الآخرة ويشككهم في البعث. ويحاول أن يجعل الإنسان غير مقبل على منهج ~~الله، فيصير من الذين لا يؤمنون بلقاء الله، ويشكون في وجود دار أخرى ~~سيجازى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. وقد حدث ذلك ووجدنا من ~~يقول القرآن بلسان حاله: # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ~~* أو آبآؤنا الأولون # [الصافات: 16-17]. ولذلك يعرض الحق قضية البعث عرضا لا يجعل للشيطان ~~منفذا فيها، فيوضح لنا أنه سبحانه لم يعجز عن خلقنا أولا لذلك لن يعجز ~~عن إعادتنا، والإعادة بالتأكيد أهون من البداية لأنه سيعيدهم من موجود، ~~لكن البداية كانت من عدم، إنه - سبحانه - عندما بين للناس أن الإعادة ~~أهون من البداية فهو يخاطبهم بما لا يجدون سبيلا إلى إنكاره، وإلا ~~فالله - جل شأنه - تستوي لدى طلاقة قدرته كل الأعمال فليس لديه شيء سهل ~~وهين وآخر صعب وشاق ويبلغنا - سبحانه - بتمام إحاطة علمه فيقول: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4]. أي أن لكل واحد كتابا مكتوبا فيه كل عناصره وأجزائه. ~~والشيطان - أيضا - يأتي من الخلف، وخلف كل واحد منا ذريته، يخاف ضيعتهم، ~~فيوسوس الشيطان للبعض بالسرقة أو النهب أو الرشوة من أجل بقاء مستقبل ~~الأبناء، وفساد أناس كثيرين يأتي من هذه الناحية، ومثل هذا الفساد يأتي ~~حين يبلغ بعض الناس منصبا كبيرا، وقد كبرت سنه، ويقبل على الله بشر، ~~ويظن أنه يترك عياله بخير. ms3305 لكن إن كنت تخاف عليهم حقا فأمن عليهم في ~~يد ربهم، ولا تؤمن حياتهم في جهة ثانية. # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]. ولماذا لم يأت الشيطان للإنسان من فوق ومن تحت لأن ~~الفوقية هي الجهة التي يلجأ إليها مستغيثا ومستجيرا بربه، والتحتية هي ~~جهة العبودية الخاصة. فالعبد أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد، فهو في هاتين ~~الحالتين محفوظ من تسلط الشيطان عليه لأن الله تعالى يقول: { إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان }. ويقول تعالى: { ثم ~~لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين ~~} [الأعراف: 17]. ويأتي الشيطان من اليمين ليزهد الناس ويصرفهم عن عمل ~~الحسن والطاعة. واليمين رمز العمل الحسن لأن كاتب الحسنات على اليمين، ~~وكاتب السيئات على الشمال، ويأتي عن شمائلهم ليغريهم بشهوات المعصية. ~~ونلحظ أن الحق استخدم لفظ { عن أيمانهم } و { عن شمآئلهم ~~} ولم يأت ب " على " لأن " على " فيها استعلاء، والشيطان ليس له استعلاء ~~أبدا لأنه لا يملك قوة القهر فيمنع، ولا قوة الحجة فيقنع. ولأن أكثر ~~الناس لا تتذكر شكر المنعم عليهم، فيجيد الشيطان غوايتهم. ولذلك يقول ~~الحق تذييلا للآية: { ولا تجد أكثرهم شاكرين } [الأعراف: ~~17]. ويقول الحق بعد ذلك: { قال اخرج منها... }. ### || [7.18] # لقد بلغ الغرور بالشيطان أن تخيل أنه ذكي، فشرح لنا خطته ومنهجه فدلل ~~لنا على أن حكم الله فيه قد نفذ بأن جعل كيده ضعيفا، فسبحانه القائل: # إن كيد الشيطان كان ضعيفا # [النساء: 76]. لقد نبهنا الحق لكيد الشيطان وغروره، والناصح هو من ~~يحتاط، ويأخذ المناعة ضد النزغ الشيطاني. وهنا يقول الحق: { قال ~~اخرج منها مذءوما مدحورا.. } [الأعراف: 18]. وقال له الحق ~~من قبل: # قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ~~فاخرج إنك من الصاغرين # [الأعراف: 13]. إذن فهناك هبوط وخروج بصغار ومجاوزة المكان، ثم هنا ~~أيضا تأكيد بأنه في حالة الخروج سيكون مصاحبا للذم والصغار والطرد ~~واللعن. ويقول الحق سبحانه: { لمن تبعك منهم لأملأن ~~جهنم منكم ms3306 أجمعين } [الأعراف: 18]. وفي هذا إخبار لمن ~~يتبعون الشيطان بأنهم أهل لجهنم، ولم يعدها سبحانه لتسع الكافرين فقط، ~~لكنه أعدها على أساس أن كل الخلق قد يكفرون به سبحانه، كما أعد الجنة ~~على أساس أن الخلق جميعا يؤمنون به فليس عنده ضيق مكان، وإن آمن الخلق ~~جميعا فإنه - جل شأنه - قد أعد الجنة لاستقبالهم جميعا، وإن كفروا ~~جميعا فقد أعد النار لهم جميعا تأكيدا لقوله الحق: # أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس ~~هم فيها خالدون # [المؤمنون: 10-11]. وقوله الحق: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98]. وبهذا نكون قد شرحنا مسألة إبليس الذي امتنع عن طاعة ~~أمر الآمر الأعلى بالسجود لآدم. ويقول الحق بعد ذلك: { ويآءادم ~~اسكن... }. ### || [7.19] # ويعاود القرآن الحديث عن آدم بعد أن تناول مسألة إبليس فيقول: { ~~ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة }. كثير من العلماء ~~تتواتر نقل العلم عندهم إلى أن الجنة هي جنة الآخرة والخلود، واعترض ~~البعض متسائلين: كيف يدخل إبليس جنة الخلود؟. وكيف يخرج منها؟. وهل الذي ~~يدخل الجنة يخرج منها؟. وهؤلاء العلماء الذين قالوا: إن الجنة هي جنة ~~الآخرة، لم يفطنوا إلى مدلول كلمة " جنة " فساعة تطلق كلمة جنة، تأخذ ما ~~يسمى في اللغة " غلبة الاستعمال " ، أي تأخذ اللفظ من معانيه المتعددة ~~إلى معنى واحد يستقل به عرفا، بحيث إذا سمع انصرف الذهن إليه، فأنت إذا ~~سمعت يا مؤمن كلمة الجنة ينصرف ذهنك إلى جنة الآخرة لأنها هي التي تعتبر ~~جنة بحق، لكن حينما يأتي اللفظ في القرآن والمتكلم هو الله، فلا بد أولا ~~أن ندرس اللفظ واستعمالاته في اللغة لأن القرآن جاء بلسان عربي مبين، فمن ~~الجائز أن يوجد اللفظ في اللغة وله معان متعددة. وعندما يتعلق الأمر ~~بالدين والفقه فإننا نأخذ اللفظ من معناه اللغوي، ونجعله ينصرف إلى ~~المعنى الشرعي الاصطلاحي. مثال ذلك كلمة " الحج " فأنت ساعة تسمع كلمة " ~~الحج " تقول: هو قصد بيت الله الحرام للنسك والعبادة في أشهر معلومة، على ~~الرغم من أن " الحج " في اللغة هو ms3307 القصد، فإذا قصدت أي شيء تقول: حججت ~~إليه. فلما جاء الإسلام أخذ هذا اللفظ من اللغة واستعمله في الحج ~~بالمعنى الشرعي، وهو قصد البيت الحرام للنسك، وكذلك كلمة " الصلاة " إنها ~~في اللغة الدعاء، فقوله تعالى: { وصل عليهم } أي ادع لهم، ولما جاء ~~الإسلام أخذ الكلمة من اللغة، وجعلها تطلق على معنى اصطلاحي جديد بحيث ~~إذا أطلق انصرفت إليه، وهي الأقوال والأفعال المخصوصة، المبدوءة بالتكبير ~~المختومة بالتسليم بشرائطها الخاصة. ولكن هل معنى أننا أخذنا اللفظ من ~~اللغة وجعل له الشرع معنى اصطلاحيا أن هذا يكون تركا لمعناه الأصلي؟. ~~لا لأنك إن أردت أن تستعمله في معناه الأصلي فلك ذلك، ولكنك تحتاج إلى ~~قرينة تدل على أنك لا تريد الصلاة الشرعية لأن كلمة " صلاة " أصبحت هي ~~الصلوات الخمس المعروفة لنا، مع أن معناها الأصلي كان الدعاء، وهذا هو ما ~~جعل العلماء يذهبون إلى أن كلمة " الجنة " ساعة تطلق ينصرف الذهن إلى ~~جنة الخلود. ونقول: المعنى اللغوي للجنة أنها المكان الذي فيه أشجار ~~غزيرة ومتنوعة، أما غزارتها وعلوها فتستر الإنسان وتجنه عن كل ما ~~حوله، وأما ما فيها من الثمار والضروريات والكماليات فلأنها تستر ~~الإنسان عن خارجها ويكتفي بأن يكون فيها، والقرآن لم يجيء بالجنة بمعنى ~~جنة الخلد فقط، بل يقول أيضا: # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل ~~وأعناب.. # [البقرة: 266]. وكذلك يقول سبحانه: # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا ~~بينهما زرعا # [الكهف: 32]. وقوله الحق: # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين ~~وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة ~~طيبة ورب غفور # [سبأ: 15]. وأقول: إن علينا أن نبحث في آفاق مرادات الله حين يعلمنا ~~من لدنه ويقفنا على المعنى المراد، إننا نعلم أن أول بلاغ نزل من الله ~~بخصوص آدم أخبرنا فيه أنه قد خلق آدم خليفة في الأرض: # إني جاعل في الأرض خليفة.. # [البقرة: 30]. إذن فآدم مخلوق للأرض، ولا تظلموا آدم وتقولوا إنه مخلوق ~~للجنة، وكنا سنعيش فيها لكنه عصى وأنزلنا إلى ms3308 الأرض. لذلك نقول: لا، ~~وعلينا أن نتذكر أن أول بلاغ من الله عن آدم أنه جعله في الأرض خليفة. ~~والذي كان يجب أن نسأل عنه: ما دام قد جعله الله خليفة في الأرض فما الذي ~~جاء بحكاية الجنة هذه؟! لقد خلق الله آدم ليكون خليفة في الأرض، وكان ~~عليه أن يتلقى من الله التكاليف محصورة في " افعل " و " لا تفعل " لأنك ~~إن لم تمتثل سيظهر الفساد في المجتمع، أما الذي لا يظهر منه فساد فسبحانه ~~يتركه مباحا لذلك فكل ما لم يرد فيه " افعل " و " لا تفعل " لا يفسد به ~~المجتمع. إذن ف " افعل " و " لا تفعل " هي مقياس ضمان الصلاح في الأرض. ~~وهل خلق الله الإنسان هكذا بدون منغصات تفسد عليه منهج الله؟. لا، فما ~~دام الشيطان قد وقف هذا الموقف مع آدم، وقال أنا سأغوي فسيزين لك في " ~~افعل " ، و " لا تفعل " ويأتيك الأمر بالصلاة فينزغك الشيطان حتى لا ~~تصلي. ويأتيك الأمر ألا تشرب الخمر فيزين لك الشيطان أن تشربها، ويحاول ~~أن ينقل مجال " افعل " إلى مجال " لا تفعل " ، وكذلك يحاول أن يزين لك " ~~أن تفعل " ما هو في مجال " لا تفعل " فترتبك حركتك. إن الحق سبحانه يريد ~~منهجا يحكم حركة الحياة، ويضمن للخلافة في الأرض أن تؤدي مهمتها أداء ~~يسعد الإنسان فيه في الدنيا وينعم في الآخرة لذلك كان لا بد أن يدرب ~~الحق سبحانه خليفته في الأرض على المنهج حتى لا يتلقى المنهج تلقيا ~~نظريا، لذلك شاء الحق سبحانه وتعالى ألا يجعل آدم يباشر مهمة الخلافة ~~إلا بعد أن يعطيه تدريبا على المهمة في " افعل " و " لا تفعل ". وحذره ~~من العقبات التي تعترض " افعل " حتى لا تجيء في منطقة " لا تفعل " ، ~~وكذلك من العقبات في منطقة " لا تفعل " حتى لا تجيء في منطقة " افعل " ، ~~واختار له مكانا فيه كل مقومات الحياة وترفها حتى لا يتعب في أي شيء ~~أبدا في أثناء التدريب، وأوضح له أن هذه هي الجنة وهي بستان جميل وفيه ~~كل مقومات الحياة وترفها، ms3309 وأمره: كل من كل شيء فيها، ولكن لا تقرب هذه ~~الشجرة. # " كل " هذا هو الأمر، و " لا تقرب " هذا هو النهي. وأوضح سبحانه لآدم أن ~~الذي سيعكر عليه تطبيق منهج الله هو العدو الذي ثبتت عداوته إنه " إبليس ~~" لأنه حين امتنع عن السجود لآدم تلقى الطرد واللعنة فأقسم وقال: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82]. كأن الحق سبحانه وتعالى جعل الجنة كمكان فيه كل مقومات الحياة ~~لآدم بصنع الله - سبحانه - وإعداده، وأعطى له منها القدر الذي يعطي ~~المقوم فلا فضلات تتعبه، ولا ينتفخ ولا يعاني من متاعب في الصحة.. إلخ ~~لأنه سبحانه يعطي لآدم القدر المقوم. وسبحانه قادر على كل شيء بدليل أنه ~~يرعى الجنين في بطن أمه، والجنين ينمو، والنمو معناه أنه يتلقى الغذاء، ~~ولا يخرج منه فضلات لأن الغذاء الذي يدخله الله له على قدر النمو فقط، ~~وحين يكون ربنا هو الذي يمد جنة التدريب بالغذاء، فهو قادر على كامل ~~الإعداد. إذن فالجنة التي وجد فيها آدم بداية ليست هي جنة الجزاء لأن ~~جنة الجزاء لا بد أن تأتي بعد التكليف. ولا يمكن أن يكون فيها تكليف، ومن ~~يسكنها لا يخرج منها. وآدم - كما علمنا - مخلوق للأرض، إذن وجود الجنة ~~هنا يعني أنها مكان التدريب على المهمة في الخلافة أمرا متمثلا في - { ~~فكلا } ، ونهيا متمثلا في { ولا تقربا } ، لم يقل لهما: لا ~~تأكلا، بل قال: { ولا تقربا } لأن القربان مظنة أنه يؤدي إلى ~~الغواية ويدفع إليها. وهو قد أكل منها لأنه جاء ناحيتها واقترب منها، ولو ~~كان قد استمع ولم يقرب لما أكل منها. فكأن الله جعل لآدم في جنة التدريب ~~والتمرين رمزين: الرمز الأول: ل " افعل " ، والرمز الثاني: ل " لا تفعل ~~" ، ونجد أن الذي نهى الله عنه قليل بالنسبة لما أباحه وأمر به. وهذا من ~~رحمة الله بالعباد، فيفعل المؤمن ما يؤمر به، ولا يحوم حول ما حرمه الله ~~لأنه لا يأمن حين يرى ما حرم الله أن تميل نفسه إليه، ولذلك قال: { ولا ~~تقربا } فلو أنهما لم ms3310 يقربا ما كانت الشجرة تغريهما بأي منظر. ولذلك ~~في كثير من الأشياء التي يحرمها الحق سبحانه وتعالى وفي قمتها ما يصون ~~ويحفظ العقيدة الأساسية، يقول بعدم الاقتراب أو الاجتناب، فسبحانه هو ~~القائل: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول ~~الزور # [الحج: 30]. ولم يقل: " لا تعبدوا الأوثان " ، بل قال: " فاجتنبوا " ، ~~والشأن في " الخمر " أيضا جاء بالاجتناب. لكن بعضا من السطحيين يقول: ~~لم يرد في الخمر تحريم بل قال بالاجتناب، ونقول له: الاجتناب أقوى من ~~المنع ومن التحريم، لأن غاية التحريم أن يمنعك من شرب الخمر. لكن ~~الاجتناب يقتضي ألا تذهب ناحيتها، ولا تقعد في المكان الذي توجد فيه، ولا ~~تعصرها ولا تحملها. { ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا ~~من الظالمين } [الأعراف: 19]. والظلم هو تجاوز الحد أو إعطاء ~~الشخص غير حقه، ويوضح سبحانه: أنا لم أجعل لكما حقا في أن تقربا ناحية ~~هذه الشجرة، فإن قربها أي منكما، فهو قد خالف ما شرعته لكما، { ~~فتكونا من الظالمين } أي تدخلا في إطار من يظلمون أنفسهم لأن ~~الله لا يظلم أحدا، وأنت تظلم نفسك لأنك تعطي نفسك شهوة قليلة في زمن ~~يسير، وبعد ذلك تأخذ عقابها عذابا أليما في زمن طويل وبشكل أشد. وهذا ~~ظلم لنفسك، كما أنه دليل على أنك غير مأمون عليها. ويقول الحق بعد ذلك: ~~{ فوسوس لهما الشيطان... }. ### || [7.20] # كلمة " وسوس " تدل على الهمس في الإغواء، ونعرف أن الذي يتكلم في خير لا ~~يهمه أن يسمعه الناس. لكن من يتكلم في شر فيهمس خوفا من أن يفضحه أحد، ~~وكأن كل شر لابد أن يأتي همسا، وصاحبه يعرف أن هذا الكلام لا يصح أن ~~يحدث، ويستحي منه، ولا يحب أن يعرف المجتمع عنه هذا الشيء، و " وسوس " ~~مأخوذة من الصوت المغري، لأن الوسوسة هي صوت رنين الذهب والحلي، إذن فما ~~قاله الشيطان لآدم وزوجه هو كلام مغر ليلفتهما عن أوامر رب حكيم. وقوله ~~الحق: { فوسوس لهما } يعطينا حيثيات البراءة لحواء لأن الشائع أن ~~حواء هي التي ألحت على آدم ليأكلا من الشجرة، وكثير منا ms3311 يظلم حواء على ~~الرغم من أن القرآن يؤكد أن الوسوسة كانت لآدم وحواء معا. { فوسوس ~~لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من ~~سوءاتهما.. }. [الأعراف: 20]. وهل وسوس الشيطان لهما ليبدي لهما ما ~~ووري من سوءاتهما، أو وسوس ليعصيا الله؟. لقد وسوس ليعصيا الله، وكان ~~يعلم أن هناك عقوبة على المعصية، ويعلم أنهما حين يأكلان من الشيء الذي ~~حرمه ربنا ستظهر سواءتهما، و " السوءة " هي ما يسوء النظر إليه، ونطلقها ~~على العورة، والفطرة تستنكف أن يرى الإنسان المكتمل الإنسانية السوءة. ~~وكأنهما في البداية لم ير أحدهما سوءة الآخر أو سوءة نفسه لأن الحق يقول: ~~{ ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما }. ~~والسوءات أربع: اثنتان للرجل واثنتان للمرأة، فكأن كل إنسان منهما لا يرى ~~سوءتيه، وكذلك لا يرى سوءتي الآخر، لأن السوءات كلها لها ما يخفيها عن ~~الرؤية، وهذا كلام معقول جدا. ألم تقل سيدتنا أم المؤمنين عائشة - رضي ~~الله عنها -: " ما رأيت ولا رأى مني " ، وفي هذا القول تتجلى قمة الأدب ~~لأنها لم تجيء حتى باللفظ، لأن العضو ما دام سوءة فهو مبني على الستر. ~~وذلك حين حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " " يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول ~~خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " ، تعجبت السيدة عائشة فقال لها: ~~" الأمر أخطر من أن ينظر أحد إلى أحد. " # { ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما.. } ~~[الأعراف: 20]. وبماذا ووري؟. لا بد أن هناك لباسا كان على كل منهما، ~~وقال العلماء الكثير عن هذا اللباس، فمن قائل: إن أظافر الإنسان هي بقية ~~اللباس الذي كان موجودا عند آدم وحواء، وهو ما كان يواري السوءات، ~~ويقال: إن أي إنسان يكون في غاية الضحك والانبساط، ويريد أن يكتم ~~نفسه، ويمنعها ويحول بينها وبين الضحك إنه يحدث له ذلك لو نظر إلى ~~أظافره، عندئذ لا يمكنه أن يضحك لأنها بقية لحظة الندم على كشف السوءة. # وجربها في نفسك، تجد نفسك قد منعت من الضحك، وهذا من ms3312 عمل الإله. أو أن ~~الستار الذي كان يواري السوءة هو النور الإلهي الذي كان يلفهما، والنور ~~الساطع جدا حين يلف لا يبين، صحيح أنك بالنور ترى الأشياء، لكنه إن اشتد ~~عمى على الأشياء فأخفاها فلا تراها لأن أي أمر إذا زاد على حده انقلب ~~إلى ضده، فإما أن يكون الثوب الأظافر، وإما أن يكون النور الإلهي الذي ~~كان يغشاهما ويواري السوءة، وقد سميت " سوءة " و " عورة " ، لأنها تسوء، ~~فلماذا تسوء؟ وما الفرق بين فتحتين: فتحة في الفم، وفتحة في العورة؟. إن ~~فتحة العورة سوءة باعتبار ما يخرج منها. وحينما كانا يأكلان من إعداد ~~ربنا لم يكونا - كما قلنا - في حاجة إلى إخراج فضلات لأن إعداد الله يعطي ~~كلا منهما على القدر الكافي للحركة والفعل، وكانت المسألة مجرد فتحات ~~مثل بعضها. لكن حينما يخرجان عن مرادات الله في الطعام، ويأكلان غير ما ~~أمر الله به، ويمارسان اختيار الطعام بدأت الفضلات في الخروج بما لها من ~~رائحة غير مقبولة، فهل ظهور السوءة لهما هو رمز إلى أن هناك مخالفة لمنهج ~~الله سواء أكان ذلك في القيم والمعنويات أم في الأمور المادية؟. نعم لأن ~~كل شيء يخالف فيه منهج الله لابد أن تبدو فيه العورة، وإن رأيت أي ~~عورة في المجتمع فاعلم أن منهجا من مناهج الله قد عطل. وينقل القرآن ما ~~قاله لهما الشيطان من وسوسة: { وقال ما نهاكما ربكما عن ~~هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين } [الأعراف: 20]. لقد همس الشيطان وأوحى لهما بأن الحق: ~~أراد ألا تقربا هذه الشجرة لأن من يأكل منها يصير ملكا، أو خالدا. ~~ولم يمحص أي منهما كلمات الشيطان ليعرف أن كيده كان ضعيفا واهيا وغبيا ~~لأنه ما دام قد عرف أن من يأكل من هذه الشجرة يصير ملكا أو يبقى من ~~الخالدين فلماذا لم يخطف منها ما يجعله ملكا أو خالدا؟ وفي هذا درس ~~يبين لنا أن من يزين له ويتصدى له أحد بالإغواء يجب عليه أن يمحص ~~إلى أي غواية يسير، ms3313 وأن يدقق في نتائج ما سوف يفعل. وإذا كان الشيطان قد ~~قال: # قال أنظرني إلى يوم يبعثون # [الأعراف: 14]. فلماذا لم ينقذ نفسه بالأكل من هذه الشجرة وتنتهي ~~المسألة؟. إذن كان ما يقوله الشيطان كذبا. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~وقاسمهمآ إني لكما... }. ### || [7.21] # " قاسم " مادة فاعل، تأتي للمشاركة، أي أن هناك طرفين اثنين، كل منهما ~~فاعل في ناحية ومفعول في ناحية أخرى، مثل شارك زيد عمرا، وهي تعني أيضا ~~أن عمرا شارك زيدا، وهكذا تكون مادة فاعل وتفاعل، فكل منهما فاعل من ~~جهة ومفعول من جهة. وفي المعنى نجد الاثنين فاعلا ومفعولا، إذن " قاسم ~~" تحتاج إلى عمليتين اثنتين.. فهل جلس إبليس يقسم لآدم وزوجته، وهما ~~يقسمان؟. ونقول: لا لأنها تأتي مرة لغير المفاعلة، أو للمفاعلة اللزومية، ~~والمفاعلة اللزومية تتضح في قوله الحق: # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر.. # [الأعراف: 142]. وواعدنا، مثلها مثل فاعل، من الذي واعد؟. إنه الله الذي ~~وعد موسى عليه السلام، ودخل موسى في الوعد بقبوله الوعد وتوفيته به. إذن ~~" قاسمهما " أي قبلا القسم ودخلا فيه. { وقاسمهمآ إني لكما ~~لمن الناصحين } [الأعراف: 21]. و " قاسم " ، أي أقسم، ولذلك ~~حينما عاتب ربنا سيدنا آدم أوضح سبحانه: أنا قلت إنه عدو لك ولزوجك ولسوف ~~يخرجنكما من الجنة لتتعب وتشقى، فقال آدم: يا ربي ما كنت أعتقد أن خلقا ~~من خلقك يقسم بك على الباطل. ولم يأت على البال أن خلقا يقسم بالله على ~~الباطل. وكانت هذه أول خديعة في الخلق. ولذلك نجد قتادة - رضي الله عنه - ~~يقول: " المؤمن بالله يخدع ". # " والنبي عليه الصلاة والسلام عقد على امرأة ودخلت به، ومن كيد النساء ~~وهن زوجات للنبي صلى الله عليه وسلم وقد خفن أن يشغف بها حبا، فقلن ~~لها: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحب هذه الكلمة، فإذا دخل عليك ~~فقوليها!، قولي: " أعوذ بالله منك " ، ولحظة أن دخل عليها سيدنا رسول ~~الله، قالت له: " أعوذ بالله منك ". فقال لها: استعذت بمعاذ. ولم يقربها ~~الرسول " # ، وهذا ما يشرح لنا كيف يخدع المؤمن بالله. ms3314 وها هو ذا سيدنا عبد الله ~~بن عمر كان يعتق من العبيد من يحسن الصلاة ويتقنها ويؤديها في مواعيدها، ~~ويقف فيها خاشعا، وحين عرف العبيد ذلك احترفوا إقامة الصلاة أمام المكان ~~الذي يجلس فيه وكانوا يؤدونها بخشوع، وكان رضي الله عنه يعتقهم، وذهب له ~~من يقول: إن العبيد يخدعونك، فيقول: من خدعنا بالله، انخدعنا له. والنصح ~~هنا: إغراء بمخالفة أمر الله، وكان يجب ألا تكون هناك غفلة من آدم، وكان ~~لا بد أن يقارن بين الأمرين، بين غواية الشيطان له بالأكل، وبين أمر الحق ~~سبحانه الذي قال له ولزوجه: لا تقربا. لكنه لم يفعل. ويقول الحق بعد ذلك: ~~{ فدلاهما بغرور فلما... }. ### || [7.22] # { فدلاهما بغرور } أي فأنزلهما من رتبة الطاعة إلى درك ~~المعصية والذنب مما غرهما وخدعهما من القسم و " دلا " مأخوذة من دلى ~~رجليه في البئر كي يرى إن كان فيه ماء أم لا، أو دلى جبل الدلو لينزله ~~في البئر، ومعناها: أنه يفعل الشيء مرة فمرة، و " بغرور " أي بإغراء لكي ~~يوقعهما في المخالفة، فأظهر لهما النصح وأبطن لهما الغش. وهنا وقفة تدل ~~على الاصطراع بين الحق والباطل في النفس، { فلما ذاقا الشجرة ~~} هذا يدل على أنهما بمجرد المذاق تذكرا أن النزغ من إبليس جعلهما يذهبان ~~إلى الشجرة. وأن ما أخذاه فقط كان مجرد المذاق، فتنبه كلاهما إلى جسامة ~~الأمر. { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما ~~وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة.. } [الأعراف: ~~22]. و " الخصف " أي تأتي بشيء وتلزقه على شيء لتداري شيئا. وقديما ~~حينما كان يبلى نعل الحذاء، ويظهر به خرق فالإسكافي يضع عليه رقعة من ~~الجلد تكون أوسع من الخرق حتى تتمكن منه. وهكذا فعل آدم وحواء أخذا من ~~ورق الجنة ووضعا ورقة على ورقة ليداريا السوءة. وقوله الحق: { وطفقا ~~} يعني وجعلا من ورق الشجر غطاء للسوءات. وهنا يقول الحق: { ~~وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ~~وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين } ~~[الأعراف: 22]. لقد كان التكليف هنا في أمر واحد، والإباحة في أمور ~~متعددة، وسبحانه ms3315 لم يكلفهما إلا بأمر واحد هو عدم الاقتراب من الشجرة، ~~والمباح كان كثيرا لذلك لم يكن من اللائق أن يتوها عن التكليف. ولم يكن ~~هذا التكليف بالواسطة ولكن كان بالمباشرة، ولذلك سينفعنا هذا الموقف في ~~الفهم في لقطة للقصة في سورة غير هذه وهو قوله الحق: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121] ولم يأت الحق هنا بسيرة المعصية، وقال لهما: { ألم ~~أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن ~~الشيطآن لكما عدو مبين } [الأعراف: 22]. وسبحانه لا يجرم ~~إلا بنص، وسبق أن قال سبحانه: { ولا تقربا هذه الشجرة } ~~وأوضح: أن هناك عنصرا إغوائيا هو إبليس وعداوته مسبقة في أنه امتنع عن ~~السجود، وقد طرده الحق لهذا السبب. إذن إن آخذهما وعاقبهما الله بهذا ~~الذنب فهو العادل، وهما اللذان ظلما أنفسهما. وكان لابد أن يكون الجواب: ~~نعم يا رب نهيتنا، وقلت لنا ذلك. وهذا إيراد للحكم بأقوى الأدلة عليه لأن ~~الحكم قد يأتي بالإخبار، وقد يأتي بالاستفهام بالإيجاب، ويكون أقوى لو ~~جاء بالاستفهام بالنفي. { إن الشيطآن لكما عدو مبين } ~~[الأعراف: 22]. ونحن نعلم أن العدو هو الخصم الذي يريد إلحاق الضرر ~~والإيذاء بك، و " مبين " أي محيط، وهذا دليل يظهر عداوة الشيطان ~~وإحاطتها لأنه قد سبق أن أوضح أنه سيأتي من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمائلهم. أو بين العداوة وشديد الخصومة. ويأتي الإقرار ~~بالذنب من آدم وحواء: { قالا ربنا ظلمنآ... }. ### || [7.23] # وتلك هي الكلمات التي قال الله عنها في سياق آخر: # فتلقى ءادم من ربه كلمات فتاب عليه.. # [البقرة: 37]. فكأن الحق سبحانه وتعالى قدر غفلة خلقه عن المنهج فشرع ~~لهم وسائل التوبة إليه، ووسائل التوبة ثلاث مراحل: تشريعها رحمة، ثم ~~الإقبال عليها من المذنب اعترافا وإنابة، وقبولها منه سبحانه رحمة، ~~فالتشريع يطلب منك أن تفعل، وحين تتوب يتوب الله عليك. تشريع التوبة - ~~إذن - رحمة، لا بالمذنب فقط، بل وبغيره أيضا لأن الله لو لم يشرع ~~التوبة، كان الذي يعمل معصية، ولا يجد مغفرة، يستشري في المعاصي، وإذا ~~استشرى في المعاصي تعب المجتمع ms3316 كله. { قالا ربنا ظلمنآ ~~أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين } [الأعراف: 23]. وهذا هو الموقف بعد الذنب من آدم وزوجته، ~~وهو يختلف عن موقف إبليس بعد الذنب فإبليس أراد أن يبرر المخالفة: # قال أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61]. فماذا قال آدم وحواء؟: { ربنا ظلمنآ أنفسنا ~~وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين } [الأعراف: 23]. ولذلك كان جزاء إبليس - وهو المتأبي على ~~أوامر الله وحكمه - أن يطرد من رحمته. وجزاء المعترف بأنه أذنب، وأنه ظلم ~~نفسه أن تقبل توبته. إذن لا يصح للناس الذين يقيمون على معصية أن يقول ~~الواحد منهم: " هذه هي ظروفي " ، ويبرر ويحلل ما يفعله من المعاصي، بل ~~على الواحد منهم ألا يطرد نفسه بنفسه من منطقة الرحمة، وعليه أن يقول: " ~~ما أفعله حرام، لكن لا أقدر على نفسي " وبذلك لا يكون قد رد الحكم، بل ~~اتهم نفسه بالتقصير واعترف بالذنب، فصار أهلا للمغفرة وأهلا للتوبة. ~~وهنا نسأل: ما الفرق بين معصية إبليس ومعصية آدم؟. نقول: إبليس عصى وجاء ~~بحيثية رفض الأمر، لكن آدم عصى وأقر بالذنب وطلب المغفرة. وحين قال آدم ~~وزوجته حواء: { ربنا ظلمنآ أنفسنا } معا وفي نفس واحد، ~~ونغمة حزينة نادمة، ألا يدل ذلك على أنهما قد تعلماها؟. إن كلا منهما لو ~~اعتذر لله بمفرده لاختلفا في أسلوب الاعتذار. وهذا دليل على أنها ملقنة، ~~ولهذا قال ربنا. # فتلقى ءادم من ربه كلمات فتاب عليه.. # [البقرة: 37]. وهما قد قالا: { ربنا ظلمنآ أنفسنا } ، ~~وأنفسنا جمع نفس، ولم يقولا " نفسينا " ، بل قالا { أنفسنا } أي أن ~~قلبيهما أيضا قد صفيا وخلصا من أثر تلك المعصية، وأن ذلك مطمور وداخل في ~~نفوس ذريتهما. ويقول الحق بعد ذلك: { قال اهبطوا بعضكم... }. ### || [7.24] # ونلتفت لنجد أن هناك أمرا قد سبق لإبليس بالهبوط، وهنا أمر آخر ~~بالهبوط، وبالله لو كانت جنة الخلود هي محل إقامتهما، وآدم مخلوق لها ثم ~~عصى ثم تاب لما خرجا منها أبدا. لكنه سبحانه أمر آدم بأن يهبط إلى الأرض ~~التي جعله خليفة فيها، ليباشر مهمة الخلافة ms3317 في إطار التجربة التي وقعت ~~له، وعليه أن يحترم أمر الله في كل تكليف، وأن يحترم نهي الله في كل ~~تكليف، وليحذر عداوة الشيطان فإنه سيوسوس له. وقد جرب ذلك بنفسه، فلينزل ~~مزودا بالتجربة، وليس له عذر من بعد ذلك. { قال اهبطوا بعضكم ~~لبعض عدو }. والأمر هنا للجماعة ولم يقل لهما اهبطا. وفي آية ~~ثانية قال: # قال اهبطا منها جميعا.. # [طه: 123]. وذلك لنعرف أن ورود القصة في أماكن متعددة جاء لتعطي لقطات ~~كثيرة. والأمر هنا جاء بقوله: { اهبطوا } لأن الهبوط اشترك فيه ~~الثلاثة آدم وحواء، وإبليس.. والعداوة مسبقة ولا ندعيها. العداوة بين ~~طرفين: اثنان في طرف هما آدم وحواء، وواحد في طرف هو إبليس. ويريد الحق ~~لنا بيان الحقائق وأن المتكلم إله، إن كل حرف عنده بميزان ولذلك نجده ~~سبحانه يقول لنا: # أفلا يتدبرون القرآن.. # [النساء: 82]. أي إياك أن تأخذ واجهة النص، ولكن ابحث في خلفيات النص، ~~ولا تأخذ واجهة اللفظ، بل انظر إلى ما وراء الألفاظ. { قال اهبطوا ~~بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ~~ومتاع إلى حين } [الأعراف: 24]. وكلمة " عدو " تعني وجود صراع، ~~ومعارك سوف تقوم بين أولاد آدم بعضهم مع بعض، أو تقع العداوة بينهم وبين ~~أعدائهم من سكان الأرض من جن وغيرهم، لكنها لمدة محدودة، ولذلك قال: { ~~ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين }. أي أن لكم ~~استقرارا في الأرض ومتاعا إلى حين. وصراع صاحب الحق في الحق يجب أن ~~يأخذه على أنه متاع في الدنيا ولا يأخذه على أنه معركة بلا جزاء، لا، ~~فأنت تجاهد وتأخذ جزاء كبيرا على الجهاد وهذا متاع. ويقول الحق بعد ذلك: ~~{ قال فيها تحيون وفيها... }. ### || [7.25] # كأنه قال: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ~~} فأحب أن يعطينا الصور لرحلة الحياة، ويرسم لنا علاقتنا بالأرض التي قال ~~فيها: # إني جاعل في الأرض خليفة.. # [البقرة: 30]. فقد ربطنا بالأرض. إيجادا من طينها، ومتعة بما فيها من ~~ميزات، وخيرات وثمرات، ثم نموت لنعود لها ونبعث من بعد ذلك. فالإنسان ~~منا من الأرض، منها ms3318 يحيا وفيها يموت، ويذهب إلى أصله ومرجعه، إلى الأم ~~الأرض، فهي تكفته وتضمه وتأخذه في حضنها فهي الحانية عليه وبخاصة في وقت ~~ضعفه. وساعة ما يكون الإنسان في حالته الطيبة، وله أخ حالته عكس ذلك فإن ~~قلب الأم إنما يكون مع الضعيف، ومع المريض، ومع الصغير. والأرض هي التي ~~تأخذ كل البشر، تأخذ الإنسان وتمص منه الأذى، وتداري رائحته، أما ~~أحبابه في الدنيا وإخوانه، فقد سارعوا بمواراته التراب تفاديا لرحلة ~~التحلل. وبمجرد أن يموت الإنسان، أول ما ينسى هو اسمه فيقولون: " أين ~~الجثة " ، ولا يقولون: " أين فلان ". وبعد الكفن يوضع الجثمان في النعش، ~~ليوارى في التراب ويدمدم اللحاد عليه برجليه. وينتقل الحق بعد ذلك ~~بالخطاب إلى أبناء آدم فيقول: { يابني ءادم قد أنزلنا... }. ### || [7.26] # وكلمة { يابني ءادم } لفت إلى أن تتذكروا ماضي أبيكم مع عدوكم ~~المبين، إبليس، أنتم أولاد آدم، والشيطان موجود، فانتبهوا. لقد أنزل الحق ~~عليكم لباسا يواري سوءاتكم لأن أول مخالفة حدثت كشفت السوءة، والإنزال ~~يقتضي جهة علو لنفهم أن كل خير في الأرض يهبط مدده من السماء، وسبحانه هو ~~من أنزل اللباس لأنه هو الذي أنزل المطر، والمطر روى بذور النبات فخرجت ~~النباتات التي غزلناها فصارت ملابس، وكأنك لو نسبت كل خير لوجدته هابطا ~~من السماء. ولذلك يمتن الحق سبحانه وتعالى على عباده فيقول: # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج.. # [الزمر: 6]. نعم هو الذي أنزل من الأنعام أيضا لأن السببية في النبات ~~من مرحلة أولى، والسببية في الحيوان من مرحلة ثانية، فهو الذي جعل النبات ~~يخرج من الأرض ليتغذى عليه الحيوان، ويقول سبحانه أيضا: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. # [الحديد: 25]. نعم فسبحانه هو من أنزل الحديد أيضا لأننا نأخذه من ~~الأرض التي خلقها الله، وهذا دليل على أن التنزيلات إنما أراد الله أن ~~يحمي بها كل منهج. { يابني ءادم قد أنزلنا عليكم ~~لباسا يواري سوءاتكم.. } [الأعراف: 26]. فإذا كنا قد أنزلنا ~~اللباس الذي يواري سوءات ms3319 الحس وسوءات المادة، كذلك أنزلنا اللباس الذي ~~يواري سوءات القيم. فكلما أنكم تحسون وتدركون أن اللباس المادي يداري ~~ويواري السوءة المادية الحسية فيجب أن تعلموا أيضا أن اللباس الذي ينزله ~~الله من القيم إنما يواري ويستر به سواءتكم المعنوية. ولباس الحياة ~~المادية لم يقف عند مواراة السوءات فقط، بل تعدى ذلك إلى ترف الحياة ~~أيضا. لذلك قال الحق: { قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من ~~آيات الله لعلهم يذكرون } [الأعراف: 26]. والريش كساء ~~الطير، وقديما كانوا يأخذون ريش الطير ليزينوا به الملابس. وكانوا يضعون ~~الريش على التيجان، وأخذ العوام هذه الكلمة وقالوا: فلان مريش أي لا يملك ~~مقومات الحياة فقط، بل عنده ترف الحياة أيضا، فكأن هذا القول الكريم قد ~~جاء بمشروعية الترف شريطة أن يكون ذلك في حل. وقبل أن يلفتنا الحق سبحانه ~~وتعالى إلى مقومات الحياة لفتنا إلى الجمال في الحياة، فقال سبحانه: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة.. # [النحل: 8]. والركوب لتجنب المشقة، والزينة من أجل الجمال. وكذلك يقول ~~الحق سبحانه: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق.. # [الأعراف: 32]. بل سبحانه طلب زينتنا في اللقاء له في بيته فيقول: # يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد.. # [الأعراف: 31]. إذن فهذا أمر بالزينة، وهنا في الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها يقول سبحانه: { وريشا ولباس التقوى ذلك ~~خير. # . } [الأعراف: 26]. نعم إن لباس التقوى خير من ذلك كله لأن اللباس ~~المادي يستر العورة المادية، وقصاراه أن يكون فيه مواراة وستر لفضوح ~~الدنيا، لكن لباس التقوى يواري عنا فضوح الآخرة. أو لباس التقوى هو الذي ~~تتقون به أهوال الحروب إنه خير من لباس الزينة والرياش لأنكم تحمون به ~~أنفسكم من القتل، أو ذلك اللباس - لباس التقوى - خير من اللباس المادي ~~وهو من آيات الله، أي من عجائبه، وهو من الأشياء اللافتة فالإنسان منكم ~~مكون من مادة لها احتياجات مادية وعورات مادية، وهناك أمور قيمية لا ~~تنتظم الحياة إلا بها، وقد أعطاك الحق مقومات الحياة ms3320 المادية، وزينة ~~الحياة المادية، وأعطاك ما تحيا به في السلم والحرب، ومنهج التقوى يحقق ~~لك كل هذه المزايا. فخذ الآيات مما تعلم ومما تحس لتستنبط منها ما يغيب ~~عنك مما لا تحس. ويقول الحق بعد ذلك: { يابني ءادم لا ~~يفتننكم... }. ### || [7.27] # قبل أن يطلب منا سبحانه ألا نفتتن بالشيطان، أوضح أنه قد رتب لنا كل ~~مقومات الحياة، وعلينا أن نتذكر موقف الشيطان، من أبينا آدم وإغواءه له. ~~والفتنة في الأصل هي الاختبار، وتطلق - أحيانا - على الأثر السيىء حيث ~~تكون أشد من القتل، لكن هل يسقط الإنسان في كل فتنة؟ لا لأن الفتنة هي ~~الاختبار، وفي الاختبار إما أن ينجح الإنسان، وإما أن يرسب، فإن نجح ~~أعطته الفتنة خيرا وإن رسب تعطه شرا. وبعد أن ذكر الحق سبحانه وتعالى ~~قصة خلق آدم، وأعلمنا أنه خلقه للخلافة في الأرض، وأن موضوع الجنة هو ~~حلقة مقدمة لتلقي الخلافة لأنه إذا ما أصبح خليفة في الأرض فلله منهج ~~يحكمه في كل حركاته، وما دام له منهج يحكمه في كل حركاته فرحمة به لم ~~ينزل الله للأرض ابتداء ليتلقى المنهج بدون تدريب واقعي على المنهج، ~~فجعل الجنة مرحلة من مراحل ما قبل الاستخلاف في الأرض، وحذره من الشيطان ~~الذي أبى أن يسجد له، وأراد منه أن يأخذ التجربة في التكليف. وكل تكليف ~~محصور في " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " لذلك شاء الله أن يجعل له في ~~الجنة فترة تدريب على المهمة لينزل إلى الأرض مباشرا مهمة الخلافة بعد ~~أن زود بالتجربة الفعلية الواقعية، وأوضح له: أن كل من كل ما في ~~الجنة، ولكن لا تقرب هذه الشجرة. و " كل " أمر، و " ولا تقرب " ~~نهي. وكل تكليف شرعي هو بين " لا تفعل " وبين " افعل ". وبعد ذلك ~~حذره من الشيطان الذي يضع ويجعل له العقبات في تنفيذ منهج الله، فلما قرب ~~آدم وحواء الشجرة وأكلا منها خالفا أمر الله في { ولا تقربا } ، ~~وأراد الله أن يبين لهما بالتجربة الواقعية أن مخالفة أمر الله لا بد أن ms3321 ~~ينشأ عنها عورة تظهر في الحياة، فبدت له ولزوجته سواءتهما، فلما بدت لهما ~~سواءتهما علم كل منهما أن مخالفة أمر الله تظهر عورات الأرض وعورات ~~المجتمع، فأمره الله: أن اهبط إلى الأرض مزودا بهذه التجربة. ولما هبط ~~آدم وزوجه إلى الأرض أرسل إليه منهج السماء بعد التجربة، وأراد أن يبين ~~لنا أنه عصى أمر ربه في قوله: { ولا تقربا } ، وتلقى من ربه كلمات ~~فتاب عليه، وأراد سبحانه أن يبين لنا أن آدم يتمثل فيه أنه بشر يصيب ~~ويخطئ، وتدركه الغفلة، وقد يخالف منهج الله في شيء، ثم يستيقظ من غفلته ~~فيتوب، وبعد أن كلفه أن يبلغ رسالة الله وصار نبيا جاءت له العصمة فلا ~~يغفل ولا ينسى في تبليغ الرسالة. # ولذلك يجب أن نفطن إلى النص القرآني: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]. إن هذه طبيعة البشر أن يعصي ثم يتوب إن أراد التوبة، ولابد ~~أن نفطن أيضا إلى قوله الحق: # ثم اجتباه ربه # [طه: 122]. إذن فالاصطفاء جاء بعد المعصية لأن عصيانه كان أمرا ~~طبيعيا لأنه بشر، يخطئ ويصيب، ويسهو ويغفل. ولكن بعد أن خرج من الجنة ~~اجتباه الله ليكون نبيا ورسولا، وما دام قد صار نبيا ورسولا ~~فالعصمة تأتي له: # ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى # [طه: 122] إذن لا يصح لنا أن نقول: كيف يعصي آدم وهو نبي؟! نقول: تنبه ~~إلى أن النبوة لم تأته إلا بعد أن عصى وتاب فهو يمثل مرحلة البشرية لأنه ~~أبو البشرية كلها، والبشرية منقسمة إلى قسمين: بشر مبلغون عن الله، ~~وأنبياء يبلغون عن الله، فله في البشرية أنه عصى، وله في النبوة أن ربه ~~قد اجتباه فتاب عليه وهداه. والذين يقولون: إن آدم كان مخلوقا للجنة، ~~نقول لهم: لا. افهموا عن الله، لأنه يقول: { إني جاعل في الأرض ~~خليفة }. إن أمر الجنة كان مرحلة من المراحل التي سبقت الخلافة في ~~الأرض. إنها كانت تدريبا على المهمة التي سيقوم بها في الأرض، والا فلو ~~أن آدم قد خلقه الله للجنة وأن المعصية أخرجته، إلا أن ms3322 الله قد قبل منه ~~توبته، وما دام قبل توبته فكان يجب أن يبقيه في الجنة، ومن هنا نقول ~~ونؤكد أن الجنة كانت مرحلة من المراحل التي سبقت الخلافة في الأرض. وبعد ~~ذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أن يخلع علينا التجربة لآدم حتى نتعظ بها، ~~وأن نعرف عداوة الشيطان لنا، وألا نقع في الفتنة كما وقع آدم. { ~~يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج ~~أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ~~ليريهما سوءاتهمآ.. } [الأعراف: 27]. وهذا نهي لبني آدم وليس ~~نهيا للشيطان، وهذا في مكنة الإنسان أن يفعل أو لا يفعل، فسبحانه لا ~~ينهى الإنسان عن شيء ليس في مكنته، بل ينهاه عما في مكنته، والشيطان قد ~~أقسم أن يفتنه وسيفعل ذلك لأنه أقسم وقال: { فبعزتك ~~لأغوينهم أجمعين }. فإياكم أن تنخدعوا بفتنة الشيطان لأن ~~أمره مع أبيكم واضح، ويجب أن تنسحب تجربته مع أبيكم عليكم فلا يفتننكم ~~كما أخرج أبويكم من الجنة، ويتساءل البعض: لماذا لم يقل الله: لا يفتننكم ~~الشيطان كما فتن أبويكم، وقال: { لا يفتننكم الشيطان كمآ ~~أخرج أبويكم من الجنة }؟. ونقول هذا هو السمو ~~والافتنان الراقي في الأداء البياني للقرآن. وإن هذا تحذير من فتنة ~~الشيطان حتى لا يخرجنا من جنة التكليف. كما فتن أبوينا فأخرجهما من جنة ~~التجربة. ويقال عن هذا الأسلوب إنه أسلوب احتباك، وهو أن تجعل الكلام ~~شطرين وتحذف من كل منهما نظير ما أثبت في الآخر قصد الاختصار. # وهذا هو الأسلوب الذي يؤدي المعنى بمنتهى الإيجاز لينبه ذهن السامع ~~لكلام الله. فيلتقط من الأداء حكمة الأداء وإيجاز الأداء، وعدم الفضول في ~~الأساليب. { لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج ~~أبويكم من الجنة.. } [الأعراف: 27]. والفتنة - كما علمنا - ~~هي في الأصل الاختبار حتى ننقي الشيء من الشوائب التي تختلط به، فإذا ~~كانت الشوائب في ذهب فنحن نعلم أن الذهب مخلوط بنحاس أو بمعدن آخر، وحين ~~نريد أن نأخذ الذهب خالصا نفتنه على النار حتى ينفض ويزيل عنه ما علق ~~به. كذلك الفتنة بالنسبة للناس، إنها تأتي اختبارا للإنسان لينقي نفسه ms3323 ~~من شوائب هذه المسألة، وليتذكر ما صنع إبليس بآدم وحواء. فإذا ما جاء ~~ليفتنك فإياك أن تفتن لأن الفتنة ستضرك كما سبق أن الحقت الضرر بأبيك آدم ~~وأمك حواء. والشيطان هو المتمرد على منهج الله من الجن، والجن جنس منه ~~المؤمن ومنه الكافر. فقد قال الحق سبحانه: # وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك.. # [الجن: 11]. والشيطان المتمرد من هذا الجنس على منهج الله ليس واحدا، ~~واقرأ قول الحق سبحانه: # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو.. # [الكهف: 50]. وهنا يقول الحق سبحانه: { إنه يراكم هو ~~وقبيله من حيث لا ترونهم.. } [الأعراف: 27]. و " قبيله ~~" هم جنوده وذريته الذين ينشرهم في الكون ليحقق قسمه: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82]. إذن ففتنة الشيطان إنما جاءت لتخرج خلق الله عن منهج الله، ~~وحينما عصى إبليس ربه عز عليه ذلك، فبعد أن كان في قمة الطاعة صار ~~عاصيا لأمر الله معصية أدته وأوصلته إلى الكفر لأنه رد الحكم على ~~الله. إن ذلك قد أوغر صدره وأحنقه، وجعله يوغل ويسرف في عداوة الإنسان ~~لأنه عرف أن طرده ولعنه كان بسبب آدم وذريته. { إنه يراكم هو ~~وقبيله من حيث لا ترونهم.. } [الأعراف: 27]. وهذا يدل ~~على أن المراد ذرية الشيطان، فلو كان المراد شياطين الإنس معهم لما قال: ~~{ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم }. ~~وعلى ذلك فهذه الآية خاصة بالذرية، ويعلمنا الحق سبحانه وتعالى أن نتنبه ~~إلى أن الشيطان لن يكتفي بنفسه ولن يكتفي بالذرية بل سيزين لقوم من البشر ~~أن يكونوا شياطين الإنس كما وجد شياطين الجن، وهم من قال فيهم سبحانه: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا.. # [الأنعام: 112]. وكلمة { زخرف القول } تعني الاستمالة التي تجعل ~~الإنسان يرتكب المعصية وينفعل لها، ويتأثر بزخارف القول. وكل معصية في ~~الكون هكذا تبدأ من زخرف القول، فللباطل دعاته، ومروجوه، ومعلنوه، إنهم ~~يزينون للإنسان بعض شهواته التي تصرفه عن منهج الله، ونلاحظ أن أعداء ~~الله، وأعداء منهج الله يترصدون مواسم الإيمان ms3324 في البشر، فإذا ما جاء ~~موسم الإيمان خاف أعداء الله أن يمر الموسم تاركا هبة إيمان في نفوس ~~الناس، فيحاولوا أن يكتلوا جهودهم حتى يحرموا الناس نفحة الموسم، فإذا ما ~~حرموا الناس من نفحة الموسم فقد حققوا غرضهم في العداوة للإسلام. # { إنه يراكم هو وقبيله }. إن الشيطان يراكم أيها ~~المكلفون هو وقبيله. والقبيل تدل على جماعة أقلها ثلاثة من أجناس مختلفة ~~أو جماعة ينتسبون إلى أب وأم واحدة. واختلف العلماء حول المراد من هذا ~~القول الكريم فقال قوم: " إنهم جنوده وذريته ". ويقصدون جنوده من البشر، ~~ولم يلتفتوا إلى قول الحق: { من حيث لا ترونهم } فلا بد أن ~~يكون المراد بالقبيل هنا الذرية لأننا نرى البشر، وفي قوله الحق تغليظ ~~لشدة الحذر والتنبه لأن العدو الذي تراه تستطيع أن تدفع ضرره، ولكن العدو ~~الذي يراك ولا تراه عداوته شديدة وكيده أشد، والجن يرانا ولا نراه، وبعض ~~من العلماء علل ذلك لأننا مخلوقون من طين وهو كثيف، وهم مخلوقون من نار ~~وهي شفيفة. فالشفيف يستطيع أن يؤثر في الكثيف، بدليل أننا نحس حرارة ~~النار وبيننا وبينها جدار، ولكن الكثيف لا يستطيع أن يؤثر في الشفيف ولا ~~ينفذ منه. إذن فنفوذ الجن وشفافيته أكثر من شفافية الإنسان، ولذلك أخذ ~~خفة حركته. ونحن لا نراه. إذن معنى ذلك أن الشيطان لا يرى، ولكن إذا كان ~~ثبت في الآثار الصحيحة أن الشيطان قد رئى وهو من نار، والملائكة من نور، ~~والاثنان كل منهما جنس خفي مستور، وقد تشكل الملك بهيئة إنسان، وجاء ~~لرسول الله وقال لنا صلى الله عليه وسلم: # " هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم ". # وعلى ذلك رأى السابقون المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل ~~لا على صورة ملائكيته، ولكن على صورة تتسق مع جنس البشر، فيتمثل لهم ~~مادة. # " وقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى الشيطان وقال: " إن ~~عفريتا من الجن جعل يفتك علي البارحة ليقطع علي الصلاة، وإن الله ~~أمكنني منه فذعته فلقد هممت أن أربطه إلى ms3325 جنب سارية من سوراي المسجد ~~حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون ". # وذلك من أدب النبوة. إذن فالشيطان يتمثل وأنت لا تراه على حقيقته، فإذا ~~ما أرادك أن تراه.. فهو يظهر على صورة مادية. وقد ناقش العلماء هذا الأمر ~~نقاشا يدل على حرصهم على فهم كتاب الله، ويدل على حرصهم على تجلية ~~مراداته وأسراره، فقال بعضهم: حين يقول الله إن الشيطان يراكم هو وقبيله ~~من حيث لا ترونهم، لابد أن نقول: إننا لن نراه. وأقول: إن الإنسان إن رأى ~~الجني فلن يراه على صورته، بل على صورة مادية يتشكل بها، وهذه الصورة ~~تتسق وتتفق مع بشرية الإنسان لأن الجني لو تصور بصورة مادية كإنسان أو ~~حيوان أو شيء آخر يمكن أن يراه الإنسان، وحينئذ لفقدنا الوثوق بشخص من ~~نراه، هل هو الشيء الذي نعرفه أو هو شيطان قد تمثل به؟ إن الوثوق من ~~معرفة الأشخاص أمر ضروري لحركة الحياة، وحركة المجتمع لأنك لا تعطف على ~~ابنك إلا لأنك تعلم أنه ابنك ومحسوب عليك، ولا تثق في صديقك إلا إذا عرفت ~~أنه صديقك. # ولا تأخذ علما إلا من عالم تثق به. وهب أن الشيطان يتمثل بصورة شخص ~~تعرفه، وهنا سيشكك هذا الشيطان ويمنع عنك الوثوق بالشخص الذي يتمثل في ~~صورته. وأيضا أعدى أعداء الشيطان هم الذين يبصرون بمنهج الله وهم ~~العلماء، فما الذي يمنع أن يتشكل الشيطان بصورة عالم موثوق في علمه، ثم ~~يقول كلاما مناقضا لمنهج الله؟. إذن فالشيطان لا يتمثل، هكذا قال بعض ~~العلماء، ونقول لهم: أنتم فهمتم أن الشيطان حين يتمثل، يتمثل تمثلا ~~استمراريا، لا. هو يتمثل تمثل الومضة لأن الشيطان يعلم أنه لو تشكل ~~بصورة إنسان أو بصورة مادية لحكمته الصورة التي انتقل إليها، وإذا حكمته ~~الصورة التي انتقل إليها فقد يقتله من يملك سلاحا، إنه يخاف منا أكثر ~~مما نخاف منه، ويخاف أن يظهر ظهورا استمراريا لذلك يختار التمثل كومضة، ~~ثم يختفي، والإنسان إذا تأمل الجني المشكل. سيجد فيه شيئا مخالفا، كأن ~~يتمثل - مثلا - في هيئة رجل له ms3326 ساق عنزة لتلتفت إليه كومضة ويختفي لأنه ~~يخاف أن تكون قد عرفت أن الصورة التي يتشكل بها تحكمه. وإذا عرفت ذلك ~~أمكنك أن تصرعه. ويتابع الحق سبحانه: { إنا جعلنا الشياطين ~~أوليآء للذين لا يؤمنون } [الأعراف: 27]. والشياطين من ~~جعل الله، وسبحانه خلى بينهم وبين الذين يريدون أن يفتنوهم وإلا لو ~~أراد الله منعهم من أن يفتنوهم. لفعل.. إذن فكل شيء في الوجود، أو كل حدث ~~في الوجود يحتاج إلى أمرين: طاقة تفعل الفعل، وداع لفعل الفعل. فإذا ما ~~كانت عند الإنسان الطاقة للفعل، والداعي إلى الفعل، فإبراز الفعل في ~~الصورة النهائية نستمدها من عطاء الله من الطاقة التي منحها الله ~~للإنسان. فأنت تقول: العامل النساج نسج قطعة من القماش في غاية الدقة، ~~ونقول: إن العامل لم ينسج، وإنما الآلة، والآلة لم تنسج، لكن الصانع الذي ~~صنعها أرادها كذلك، والصانع لم يصممها الا بالعالم الذي ابتكر قانون ~~الحركة بها. إذن فالعامل قد وجه الطاقة المخلوقة للمهندس في أن تعمل، ~~واعتمد على طاقة المهندس الذي صنعها في المصنع، والمهندس اعتمد على طاقة ~~الابتكار وعلى العالم الذي ابتكر قانون الحركة، والعالم قد ابتكرها بعقل ~~خلقه الله، وفي مادة خلقها الله. إذن فكل شيء يعود إلى الله فعلا لأنه ~~خالق الطاقة، وخالق من يستعمل الطاقة، والإنسان يوجه الطاقة فقط، فإذا ~~قلت: العامل نسج يصح قولك، وإذا قلت: الآلة نسجت، صح قولك، وإذا قلت: إن ~~المصنع هو الذي نسج صح قولك. # إذن فالمسألة كلها مردها في الفعل إلى الله، وأنت وجهت الطاقة المخلوقة ~~لله بالقدرة المخلوقة لله في فعل أمر من الأمور. فإذا قال الله { إنا ~~جعلنا الشياطين } أي خلينا بينهم وبين المفتونين بهم، غير أننا ~~لو أردنا ألا يفتنوا أحدا لما فتنوه. وهذا ما فهمه إبليس. # لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم ~~المخلصين # [ص: 82-83]. إذن من يريده الله معصوما لا يستطيع الشيطان أن يغويه، ~~وتعلم الشياطين أن الله خلى بينهم في الاختيار، وهذه اسمها تخلية ولذلك ~~لا معركة بين العلماء. فمنهجهم أن الطاقة مخلوقة لله، ms3327 ونسب كل فعل إلى ~~الله، ومنهم من رأى أن موجه الطاقة من البشر فينسب الفعل للبشر، ومنهم ~~من رأى طلاقة قدرة الله في أنه الفاعل لكل شيء، ومنهم من قال: إن الإنسان ~~هو الذي فعل المعصية.. أي أنه وجه الطاقة إلى عمل والطاقة صالحة له، ~~فربنا يعذبه على توجيه الطاقة للفعل الضار ولا خلاف بينهم جميعا. { ~~إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون ~~} [الأعراف: 27]. إذن جعل الله الشياطين أولياء لمن لم يؤمن، ولكن الذي ~~آمن لا يتخذه الشيطان وليا. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وإذا ~~فعلوا فاحشة قالوا وجدنا... }. ### || [7.28] # والفاحشة مأخوذة من التفحش أي التزايد في القبح، ولذلك صرفها بعض ~~العلماء إلى لون خاص من الذنوب، وهو الزنا، لأن هذا تزيد في القبح، فكل ~~معصية يرتكبها الإنسان تنتهي بأثرها، لكن الزنا يخلف آثارا.. فإما أن ~~يوأد المولود، وإما أن تجهض المرأة، وإما أن تلد طفلها وتلقيه بعيدا، ~~ويعيش طريدا في المجتمع لا يجد مسئولا عنه، وهكذا تصبح المسألة ممتدة ~~امتدادا أكثر من أي معصية أخرى. وتصنع هذه المعصية الشك في المجتمع. ~~ولنا أن نتصور أن إنسانا يشك في أن من ينسبون إليه ويحملون اسمه ليسوا ~~من صلبه، وهذه بلوى كبيرة للغاية. والذين قالوا: إن الفاحشة المقصود بها ~~الزنا نظروا إلى قول الله سبحانه: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # [الإسراء: 32]. أو الفاحشة هي ما فيه حد، أو الفاحشة هي الكبائر، ونحن ~~نأخذها على أنها التزيد في القبح على أي لون من الألوان. فما هي الفاحشة ~~المقصودة هنا؟. إنها الفواحش التي تقدمت في قوله: # ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة.. # [المائدة: 103]. وكذلك ما جاء في قوله تعالى: # وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركآؤهم.. # [الأنعام: 137]. وكذلك في قوله الحق سبحانه: # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركآئنا.. # [الأنعام: 136]. أو أن المقصود أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، فيطوف ~~الرجال نهارا، والنساء يطفن ليلا، لماذا؟. لأنهم ادعوا الورع. ~~وقالوا: نريد أن ms3328 نطوف إلى بيت ربنا كما ولدتنا أمهاتنا، وأن نتجرد من ~~متاع الدنيا، ولا نطوف ببيت الله في ثياب عصينا الله فيها. وقولهم: { ~~وجدنا عليهآ آباءنا } تقليد، والتقليد لا يعطي حكما ~~تكليفيا، وإن أعطى علما تدريبيا، بأن ندرب الأولاد على مطلوب الله من ~~المكلف ليستطيعوا ويألفوا ما يكلفون به عندما يصلون إلى سن التكليف. ومما ~~يدل على أن التقليد لا يعطي حقيقة، أنك تجد المذهبين المتناقضين - ~~الشيوعية والرأسمالية مثلا - مقلدين لهذا المذهب مقلدون، ولهذا المذهب ~~مقلدون. فلو أن التقليد معترف به حقيقة لكان التقليدان المتضادان حقيقة، ~~والمتضادان لا يصبحان حقيقة لأنهم - كما يقولون - الضدان لا يجتمعان، هذا ~~هو الدليل العقلي في إبطال التقليد. ولذلك نلاحظ في أسلوب الأداء القرآني ~~أنه أداء دقيق جدا فالذي يتكلم إله. { وإذا فعلوا فاحشة ~~قالوا وجدنا عليهآ آباءنا والله أمرنا بها } ~~[الأعراف: 28]. والرد من الله عليهم أنه سبحانه لم يأت في مسألة التقليد ~~برد لأنه بداهة لا يؤدي إلى حقيقة، بل قال: { قل إن الله لا ~~يأمر بالفحشآء أتقولون على الله ما لا تعلمون ~~} [الأعراف: 28]. وهذا رد على قولهم: والله أمرنا بها. وأين الرد على ~~قولهم: { وجدنا عليهآ آباءنا }؟. # نقول إنه أمر لا يحتاج إلى رد لأنه أمر يرفضه العقل الفطري، ولذلك ترك ~~الله الرد عليه لوضوح بطلانه عند العقل الفطري، وجاء بالرد على ادعائهم ~~أن الله يأمر بالفحشاء، فالله لا يأمر بالفحشاء. ثم كيف كان أمر الله ~~لكم؟. أهو أمر مباشر.. بمعنى أنه قد أمر كل واحد منكم أن يرتكب فاحشة؟ ~~ألم تنتبهوا إلى قول الحق سبحانه: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل رسولا.. # [الشورى: 51]. أم بلغكم الأمر بالفاحشة عن طريق نبي فكيف ذلك وأنتم ~~تكذبون مجيء الرسول؟. وهكذا يكون قولكم مردودا من جهتين: الجهة الأولى: ~~إنه لا طريق إلى معرفة أمر الله إلا بأن يخاطبكم مباشرة أو يخاطبكم ~~بواسطة رسل لأنكم لستم أهلا للخطاب المباشر، والجهة الثانية: أنكم ~~تنكرون مسألة الأنبياء والرسل. فأنتم لم يخاطبكم الله ms3329 بالمباشرة أو ~~بواسطة الرسل فلم يبق إلا أن يقال لكم: { أتقولون على الله ما ~~لا تعلمون } [الأعراف: 28]. ولا جواب على السؤال إلا بأمرين: إما ~~أن يقولوا: " لا " فقد كذبوا أنفسهم، وإما أن يقولوا: " نعم " فإذا ~~قالوا: نعم نقول على الله ما لا نعلم فقد فضحوا أنفسهم وأقروا بأن الله ~~لم يأمر بالفاحشة، بل أمر الله بالقسط، لذلك يقول سبحانه بعد ذلك: { قل ~~أمر ربي بالقسط... }. ### || [7.29] # والقسط هو العدل من قسط قسطا، وأما قاسط فهي اسم فاعل من قسط قسطا ~~وقسوطا أي جار وعدل عن الحق، والقاسطون هم المنحرفون والمائلون عن ~~الحق والظالمون، وكلمة العدل هي التسوية، فإن ملت إلى الحق، فذلك العدل ~~المحبوب. وإن ملت إلى الباطل، فذلك أكره مكروه { قل أمر ربي ~~بالقسط }. وهذه جملة خبرية. { وأقيموا وجوهكم عند كل ~~مسجد.. } [الأعراف: 29]. وهذا فعل أمر، وقد يتبادر إلى الذهن إن هذا ~~من عطف الأمر على الخبر، ولكن لنلتفت أن الحق يعطفها على " قل " ، فكأن ~~المقصود هو أن يقول: { قل أمر ربي بالقسط وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد }. والوجه هو السمة المعينة للشخص لأن ~~الإنسان إن أخفى وجهه لن تعرفه إلا إن كان له لباس مميز لا يرتديه الا ~~هو. والوجه أشرف شيء في التكوين الجسمي، ولذلك كان السجود هو وضع الوجه ~~في الأرض، وهذا منتهى الخضوع لأمر الله بالسجود لأن السجود من الفاعل ~~المختار وهو الإنسان يكون بوضع الجبهة على الأرض. وكل شيء خاضع لحكم الله ~~نقول عنه: إنه ساجد. # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب # [الحج: 18]. والشجر يسجد وهو نبات، والدواب تسجد وهي من جنس الحيوان، ~~والشمس والقمر والنجوم والجبال من الجماد وهي أيضا ساجدة، لكن حين جاء ~~الحديث عن الإنسان قسمها سبحانه وقال: # وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب.. # [الحج: 18]. لأن الإنسان له خاصية الاختيار، وبقية الكائنات ليس لها ~~اختيار. إذن فالسجود قد يكون لغير ذي وجه، والمراد منه مجرد الخضوع، أما ~~الإنسان ms3330 فالسجود يكون بالوجه ليعرف أنه مستخلف وكل الكائنات مسخرة لخدمته ~~وطائعة وكلها تسبح ربنا، فإذا كان السيد الذي تخدمه كل هذه الأجناس ~~حيوانا، ونباتا، وجمادا قد وضع وجهه على الأرض فهو خاضع من أول الأمر ~~حين نقول عنه إنه ساجد. { وأقيموا وجوهكم عند كل ~~مسجد.. } [الأعراف: 29]. والإقامة أن تضع الشيء فيما هيىء له وخلق ~~وطلب منه، وإن وجهته لناحية ثانية تكون قد ثنيته وأملته وحنيته، ~~وعوجته. إذن فإقامة الوجه تكون بالسجود لأن الذي سخر لك هذا الوجود ~~وحكمك بمنهج التكليف هو من جعلت وجهك في الأرض من أجله، وإن لم تفعل ذلك ~~فأنت تختار الاعوجاج لوجهك، واعلم أن هذا الخضوع والخشوع والسجود لله لن ~~يعطيك فقط السيادة على الأجناس الأخرى التي تعطيك خير الدنيا، ولكن وضع ~~جبهتك ووجهك على الأرض يعطيك البركة في العمل ويعطيك خير الآخرة أيضا. ~~والعاقل هو من يعرف أنه أخذ السيادة على الأجناس فيتقن العبودية لله، ~~فيأخذ خيري الدنيا والآخرة حيث لا يفوته فيها النعيم ولا يفوت هو النعيم، ~~أما في الدنيا فأنت تقبل عليها باستخلاف وتعلم أنك قد يفوتك النعيم، أو ~~تفوت أنت النعيم، وحين تتذكر الله وتكون خاضعا لله فأنت تنال البركة في ~~حركة الاستخلاف. # { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد.. } [الأعراف: 29]. ~~والمسجد مكان السجود، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: # " فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وأحلت لي ~~الغنائم وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي ~~النبيون ". # إذن فكل موضع في الأرض مسجد فإن دخلت معبدا لتصلي فهذا مسجد. والأرض ~~كلها مسجد لك. يصح أن تسجد وتصلي فيها. وتزاول فيها عملك أيضا، ففي ~~المصنع تزاول صنعتك فيه، وحين يأتي وقت الصلاة تصلي، وكذلك الحقل تصلي ~~فيه، لكن المسجد الاصطلاحي هو المكان الذي حبس على المسجدية وقصر عليها، ~~ولا يزاول فيه شيء آخر. فإن أخذت المسجد على أن الأرض مسجد كلها تكن { ~~وأقيموا وجوهكم } في جميع أنحاء الأرض. وإن أخذتها على المسجد، ~~فالمقصود إقامة الصلاة في المكان المخصوص، ms3331 وله متجه وهو الكعبة. وكذلك ~~يكون اتجاهك وأنت تصلي في أي مكان. والمساجد نسميها بيوت الله ولكن ~~باختيار خلق الله، فبعضنا يبني مسجدا هنا أو هناك. ويتجهون إلى بيت ~~باختيار الله وهو الكعبة. ولذلك كانت كعبة ومتوجها لجميع بيوت الله. ~~وقصارى الأمر أن نجعل قبلة المسجد متجهة إلى الكعبة وأن نقيم الوجه ~~عليها، أي على الوجه الذي تستقيم فيه العبادة. وهو أن تتجهوا وأنتم في ~~صلاتكم إلى الكعبة فهي بيت الله باختيار الله. وساعة ما تصادفك الصلاة صل ~~في أي مسجد، أو { أقيموا وجوهكم عند كل مسجد } يقصد ~~بها التوجه للصلاة في المسجد، وهنا اختلف العلماء، هل أداء الصلاة ~~وإقامتها في المسجد ندبا أو حتما؟. والأكثرية منهم قالوا ندبا، ~~والأقلية قالوا حتما. ونقول: الحتمية لا دليل عليها. من قال بحتمية ~~الصلاة في المسجد استدل بقوله صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن ~~لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم ". # ونقول: هل فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أو لم يفعل؟ لم يفعل ~~رسول الله ذلك، إنما أراد بالأمر التغليظ ليشجعنا على الصلاة في المساجد ~~عند أي أذان للصلاة. ويقول الحق سبحانه: { وادعوه مخلصين له ~~الدين.. } [الأعراف: 29]. والدعاء: طلب من عاجز يتجه به لقادر في فعل ~~يحبه الداعي. وحين تدعو ربك ادعه مخلصا له الدين بحيث لا يكون في بالك ~~الأسباب لأن الأسباب إن كانت في بالك فأنت لم تخلص الدين، لأن معنى ~~الإخلاص هو تصفية أي شيء من الشوائب التي فيه، والشوائب في العقائد وفي ~~الأعمال تفسد الإتقان والإخلاص، وإياكم أن تفهموا أن أحدا لا تأتي له ~~هذه المسألة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أني ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة ". # إذن فالإخلاص عملية قلبية، وأنت حين تدعوا الله ادعه دائما عن اضطرار، ~~ومعنى اضطرار. أن ينقطع رجاؤك وأملك بالأسباب كلها. فذهبت للمسبب، وما ~~دمت مضطرا ms3332 سيجيب ربنا دعوتك لأنك استنفدت الأسباب، وبعض الناس يدعون ~~الله عن ترف، فالإنسان قد يملك طعام يومه ويقول: ارزقني، ويكون له سكن ~~طيب ويقول: أريد بيتا أملكه. إذن فبعضنا يدعو بأشياء لله فيها أسباب، ~~فيجب أن نأخذ بها، وغالبية دعائنا عن غير اضطرار. وأنا أتحدى أن يكون ~~إنسان قد انتهى به أمر إلى الاضطرار ولا يجيبه الله. ويذيل الحق الآية ~~الكريمة بقوله: { كما بدأكم تعودون } [الأعراف: 29]. والله ~~سبحانه يخاطب الإنسان، ويحننه، مذكرا إياه ب " افعل كذا " و " افعل ~~كذا " و " افعل كذا ". وسبحانه قادر أن يخلقه مرغما على أن يفعل، لكنه - ~~جل وعلا - شاء أن يجعل الإنسان سيدا وجعله مختارا، وقهر الأجناس كلها ~~أن تكون مسخرة وفاعلة لما يريد، وأثبت لنفسه - سبحانه - صفة القدرة، ولا ~~شيء يخرج عن قدرته فأنت أيها العبد تكون قادرا على أن تعصي ولكنك تطيع، ~~وهذه هي عظمة الإيمان إنها تثبت صفة المحبوبية لله، فإذا ما غر ~~الإنسان بالأسباب وبخدمة الكون كله، وبما فيه من عافية، وبما فيه من ~~قوة، وبما فيه من مال، تجد الحق يلفته: لاحظ أنك لن تنفلت مني: أنا أعطيت ~~لك الاختيار في الدنيا، لكنك ترجع لي في الآخرة ولن تكون هناك أسباب، ولن ~~تجد إلا المسبب، ولذلك اقرأ: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. كأن الملك - قبل ذلك - أي في الدنيا - كان للبشر فيه شيء ~~لمباشرتهم الأسباب هذا يملك، وذلك يملك، وآخر يوظف، لكن في الآخرة لا ~~مالك، ولا ملك إلا الله، فإياكم أن تغتروا بالأسباب، وأنها دانت لكم، ~~وأنكم استطعتم أن تتحكموا فيها لأن مرجعكم إلى الله. ويقول الحق بعد ذلك: ~~{ فريقا هدى وفريقا... }. ### || [7.30] # اذكروا أننا قلنا من قبل: إن الله هدى الكل.. بمعنى أنه قد بلغهم ~~بمنهجه عبر موكب الرسل، وحين يقول سبحانه: { فريقا هدى وفريقا ~~حق عليهم الضلالة } فالمقصود هنا ليس هداية الدلالة، لكن ~~دلالة المعونة. وقد فرقنا بين هداية الدلالة وهداية المعونة. وقوله الحق ~~{ فريقا هدى } أي هداية المعونة لأن هذا الفريق أقبل على الله ms3333 ~~بإيمان فخفف الله عليه مؤونة الطاعة، وبغضه في المعصية، وأعانه على ~~مهمته. أما الذي تأبى على الله، ولم يستجب لهداية الدلالة أيعينه الله؟ ~~لا. إنه يتركه في غيه ويخلي بينه وبين الضلالة، ولو أراده مهديا لما ~~استطاع أحد أن يغير من ذلك. وسبحانه منزه عن التجني على أحد من خلقه، ~~ولكن الذين حق عليهم الضلالة حصل لهم ذلك بسبب ما فعلوا. { إنهم ~~اتخذوا الشياطين أوليآء من دون الله ويحسبون ~~أنهم مهتدون } [الأعراف: 30]. إن من يرتكب المعصية ويعترف ~~بمعصيته فهذه تكون معصية، أما من يقول إنها هداية فهذا تبجح وكفر لأنه ~~يرد الحكم على الله. وخير للذين يرتكبون المعاصي أن يقولوا: حكم الله ~~صحيح ولكننا لم نقدر على أنفسنا، أما أن يرد العاصي حكم الله ويقول: إنه ~~الهداية، فهذا أمره عسير لأنه ينتقل من مرتبة عاص إلى مرتبة كافر ~~والعياذ بالله. { ويحسبون أنهم مهتدون } [الأعراف: 30]. ~~لأنهم يفعلون ما حرم الله، وليتهم فعلوه على أنه محرم، وأنهم لم يقدروا ~~على أنفسهم، ولكنهم فعلوه وظنوا أن الهداية في الفعل. وهذا الأمر يشيع في ~~معاص كثيرة مثل الربا، فنجد من يقول: إنه حلال، ونقول: قل هو حرام ولكن ~~لم أقدر على نفسي، فتدخل في زمرة المعصية، ولا تدخل في زمرة الكفر ~~والعياذ بالله، ويمكنك أن تستغفر فيغفر لك ربنا، ويتوب عليك، ولكن أن ترد ~~الحكم على الله وتقول إنه حلال!! فهذا هو الخطر لأنك تبتعد وتخرج عن ~~دائرة المعصية وتتردى وتقع في الكفر، اربأ بنفسك عن أن تكون كذلك واعلم ~~أن كل ابن آدم خطاء، وما شرع الله التوبة لعباده إلا لأنه قدر أن عبيده ~~يخطئون ويصيبون، ومن رحمته أنه شرع التوبة، ومن رحمته كذلك أنه يقبل هذه ~~التوبة، فلماذا تخرج من حيز يمكن أن تخرج منه إلى حيز يضيق عليك لا ~~تستطيع أن تخرج منه؟. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { يابني ءادم ~~خذوا زينتكم... }. ### || [7.31] # والزينة إذا سمعتها تنصرف إلى تجميل فوق قوام الشيء، وقوله سبحانه ~~وتعالى: { خذوا زينتكم عند كل مسجد.. } [الأعراف: ms3334 31]. ~~هذا يعني أن يذهب المسلم إلى المسجد بأفخر ما عنده من ملابس، وكذلك يمكن ~~أن يكون المقصود ب { خذوا زينتكم عند كل مسجد } هو رد ~~على حالة خاصة وهو أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، وأن المراد بالزينة ~~هنا هو ستر العورة. أو المراد بالزينة ما فوق ضروريات الستر، أو إذا كان ~~المراد بها اللباس الطيب الجميل النظيف، فنحن نعلم أن المسجد هو مكان ~~اجتماع عباد الله، وهم متنوعون في مهمات حياتهم، وكل مهمة في الحياة لها ~~زيها ولها هندامها فالذي يجلس على مكتب لمقابلة الناس له ملابس، ومن يعمل ~~في " الحدادة " له زي خاص مناسب للعمل، ولكن إذا ذهبتم إلى المسجد ~~لتجتمعوا جميعا في لقاء الله، أيأتي كل واحد بلباس مهنته ليدخل المسجد؟ ~~لا، فليجعل للمسجد لباسا لا يضايق غيره، فإن كانت ملابس العمل في مصنع ~~أو غير ذلك لا تليق، فاجعل للمسجد ملابس نظيفة حتى لا يؤذي أحد بالوجود ~~بجانبك لأننا نذهب إلى المسجد لعمل مشترك يحكم الجميع وهو لقاء الله في ~~بيت الله، فلابد أن تحتفي بهذا اللقاء. { وكلوا واشربوا ولا ~~تسرفوا إنه لا يحب المسرفين } [الأعراف: 31]. ~~والمأكل والمشرب من الأمور المباحة لأن فيها مقومات الحياة، وكل واشرب ~~على قدر مقومات الحياة ولا تسرف، فقد أحل الله لك الأكثر وحرم عليك ~~الأقل، فلا تتجاوز الأكثر الذي أحل لك إلا ما حرم الله لأن هذا إسراف ~~على النفس، بدليل أنه لو لم تجد إلا الميتة، فهي حلال لك بشرط ألا تسرف. ~~ولا يصح أن تنقل الأشياء من تحليل إلى تحريم لأن الله جعل لك في الحلال ~~ما يغنيك عن الحرام، فإذا لم يوجد ما يغنيك، فالحق يحل لك أن تأخذ على ~~قدر ما يحفظ عليك حياتك، والمسرفون هم المتجاوزون الحدود. ولا سرف في حل، ~~إنما السرف يكون في الشيء المحرم، ولذلك جاء في الأثر: " لو أنفقت مثل ~~أحد ذهبا في حل ما اعتبرت مسرفا، ولو أنفقت درهما واحدا في محرم ~~لاعتبرت مسرفا ". # " ولذلك يطلب منك رسول الله صلى الله ms3335 عليه وسلم أن تعطي كل نعمة حقها ~~بشرط ألا يؤدي بك ذلك إلى البطر، وحينما ذهب إليه سيدنا عثمان بن مظعون، ~~وقد أراد أن يترهب، ويتنسك، ويسيح في الكون، وقال لرسول الله: يا رسول ~~الله، إنني أردت أن أختصي أي أن يقطع خصيتيه كي لا تبقى له غريزة جنسية، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: يا عثمان خصاء أمتي الصوم " # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في شأن من لم يستطع الزواج: # " يا معشر الشباب من استطاع منك الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن ~~للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". # " وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الناس وخوفهم فاجتمع ~~عشرة من الصحابة وهم: أبو بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبو ذر وسالم مولى ~~أبي حذيفة والمقداد وسليمان وعبدالله بن عمرو بن العاص ومعقل بن مقرن في ~~بيت عثمان بن مظعون فاتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا ~~يناموا على الفراش ولا يأكلوا اللحم ولا يقربوا النساء ويجبوا مذاكيرهم ~~". فكان التوجيه النبوي أن حمد الرسول صلى الله عليه وسلم ربه وأثنى عليه ~~وقال: " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر ~~وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ". # ويتابع الحق سبحانه بعد ذلك: { قل من حرم زينة الله... }. ### || [7.32] # وما دام أخرجها لعباده فهو قد أرادها لهم، وما ينفع منها للإناث جعلتها ~~السنة للإناث، وما يصلح منها للذكور أحلتها السنة لهم، وكذلك الطيب من ~~الرزق حلال للمؤمنين والمؤمنات. ولنلحظ دقة الأسلوب هنا في قوله تعالى: { ~~قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا.. } [الأعراف: ~~32]. ثم يتابع سبحانه: { خالصة يوم القيامة.. } [الأعراف: ~~32]. فكأننا أمام حالتين اثنتين: حالة في الدنيا، وأخرى في يوم القيامة، ~~معنى ذلك أن الزينة في الحياة الدنيا غير خالصة لأن الكفار يشاركونهم ~~فيها، فهي من عطاء الربوبية، وعطاء الربوبية للمؤمن وللكافر، وربما كان ~~الكافر أكثر حظا في الدنيا من المؤمن، ولكن في الآخرة تكون الزينة ~~خالصة للمؤمنين لا يشاركهم ms3336 فيها الكافرون. وكذلك فإن الحق سبحانه وتعالى ~~يعطي اليقظة الإيمانية في المؤمن بوجود الأغيار فيه، ومعنى وجود الأغيار ~~أنه قد يتعرض الإنسان لتقلبات بين الصحة والمرض والغنى والفقر والقوة ~~والضعف. وهكذا يكون الإنسان في الدنيا فهي دار الأغيار، ويصيب الإنسان ~~فيها أشياء قد يكرهها لذلك فالدنيا ليست خالصة النعيم لما فيها من أغيار ~~تأتيك فتسوؤك. إنها تسوؤك عند غيبة شحنة الإيمان منك لأنك إن استصحبت ~~شحنة الإيمان عند كل حدث أجراه الله عليك للفتك الله إلى حكمته. { ~~قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ~~يوم القيامة.. } [الأعراف: 32]. ويمكن أن نقرأ كلمة " خالصة " ~~منصوبة على أنها حال، ويمكن أن نقرأها في قراءة أخرى مرفوعة على أنها خبر ~~بعد خبر، والمعنى: أنها غير خالصة للمؤمنين في الدنيا لمشاركة الكفار لهم ~~فيها، وغير خالصة أيضا من شوائب الأغيار ولكنها وفي الآخرة خالصة ~~للمؤمنين فلا يشاركهم الكفار ولا تأتي لهم فيها الأغيار. ويذيل الحق ~~الآية بقوله: { كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون } ~~[الأعراف: 32]. معنى { نفصل الآيات } أي لا نأتي بالآيات مجملة بل ~~نفصل الآيات لكل مؤمن، فلا نترك خللا، ونأتي فيها بكل ما تتطلبه أقضية ~~الحياة، بتفصيل يفهمنا قضايانا فهما لا لبس فيه. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~قل إنما حرم ربي الفواحش... }. ### || [7.33] # والحق سبحانه - قد بدأ الآية ب " إنما " التي هي للحصر: أي ما حرم ربي ~~إلا هذه الأشياء، الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإثم، والبغي بغير ~~الحق، والشرك بالله، والقول على الله ما لا نعلم، فلا تدخلوا أشياء أخرى ~~وتجعلوها حراما، لأنها لا تدخل في هذه، وقول الله في الآية السابقة: { ~~قل من حرم زينة الله } هوعلى صيغة استفهام لكي يجيبوا هم. ~~ولن يجدوا سببا لتحريم زينة الله لأن الحق قد وضح وبين ما حرم فقال: ~~{ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا ~~بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 33]. ونتأمل الخمسة المحرمات ~~التي جاءت ms3337 بالآية فحين ننظر إلى مقومات حياة الخلافة في الأرض ليبقى ~~الإنسان خليفة فيها نرى أنه لا بد من صيانة أشياء ضرورية لسلامة هذه ~~الخلافة وأداء مهمتها، وأول شيء أن يسلم للمجتمع طهر أنسابه. وسلامة طهر ~~الأنساب أي الإنجاب والأنسال ضرورية للمجتمع لأن الإنسان حين يثق أن ~~ابنه هذا منه فهو يحرص عليه لأنه منسوب إليه، ويرعاه ويربيه. أما إذا ~~تشكك في هذه المسألة فإنه يهمله ويلفظه، كذلك يهمله المجتمع، ولا أحد ~~يربيه ولا يلتفت إليه ولا يعنى به. إذن فسلامة الأنساب أمر مهم ليكون ~~المجتمع مجتمعا سليما، بحيث لا يوجد فرد من الأفراد إلا وهو محسوب على ~~أبيه، بحيث يقوم له بكل تبعات حياته، ولذلك يجب أن تعلموا أن الأطفال ~~المشردين مع وجود آبائهم حدث من أن شكا طرأ على الأب في أن هذا ليس ابنه. ~~ولذلك ماتت فيه غريزة الحنان عليه، فلا يبالي إن رآه أم لم يره، ولا ~~يبالي أهو في البيت أم شرد، لا يبالي أكل أم جاع، لا يبالي تعرى أم لا. ~~إذن فطهارة الأنساب ضمان لسلامة المجتمع لأن المجتمع سيكون بين مرب ~~يقوم على شأن وصغير مربى، المربي قادر على أن يعمل، والمربى صغير ~~يحتاج إلى التربية. ولذلك حرم الله الفواحش. والفحش - كما قلنا- ما زاد ~~قبحه، وانتهوا على أنه هو الزنا لأن أثره لا يتوقف فقط عند الذنب ~~والاستمتاع. بل يتعدى إلى الأنسال. وما تعدى إلى الأنسال فهو تعد إلى ~~المجتمع، ويصير مجتمعا مهملا لا راعي له. والإثم: أهو كل كبيرة أو ما ~~يقام على فاعله حد؟. لقد انتهى العلماء على أن الإثم هو الخمر والميسر ~~لأن الله قال بالنص: # وإثمهمآ أكبر من نفعهما.. # [البقرة: 219]. وأراد الحق بذلك أن يضمن مقوم تنظيم حركة الحياة في ~~الإنسان وهو العقل وأن الخمر تغيب العقل، والإنسان مطالب بأن يحفظ عقله ~~ليواجه به أمور الحياة مواجهة تبقى الصالح على صلاحه أو تزيده صلاحا ولا ~~تتعدى على الإنسان. # فإذا ما ستر العقل بالخمر فسد واختل، ويختل بذلك التخطيط لحركة الحياة. ms3338 ~~والذين يأتون ويشربون ويقولون: نريد أن ننسى همومنا نقول لهم: ليس مراد ~~الشارع أن ينسى كل واحد ما أهمه لأنه إن نسي كل واحد ما أهمه فلن يحتاط ~~أحد ولن يقوم على تقدير الأمور التي تضمن السلامة. إن الشارع يطلب منك أن ~~تواجه الهموم التي تعاني منها بعقل مضاعف لتزيلها. أما أن تستر العقل ~~فأنت قد هربت من المشكلة، إذن يجب عليك أن تواجه مشكلات الحياة بعقلك ~~وبتفكيرك. فإن كانت المشكلة، قد نشأت من أنك أهملت في واجب سببي أي له ~~أسباب وقد قصرت في الأخذ بها فأنت الملوم. وإن كانت المشكلة جاءتك من أمر ~~ليس في قدرتك، أي هبطت عليك قضاء وقدرا فاعلم أن مجريها عليك له فيها ~~حكمة. وقد يكون البلاء ليحيمك الله من عيون الناس فيحسدوك عليها، لأن كل ~~ذي نعمة محسود، وحتى لا تتم النعمة عليك لأن تمام النعمة على الإنسان ~~يؤذن بزوالها، وأنت ابن الأغيار وفي دنيا الأغيار، وإن تمت النعمة لك فقد ~~تتغير النعمة بالنقصان. إذن فالتفكير في ملافاة الأسباب الضارة وتجنبها ~~يأتي بالعقل الكامل، والتفكير في الأشياء التي ليس لها سبب يأتي من ~~الإيمان، والإيمان يطلب منك أن ترد كل شيء إلى حكمة الحكيم. إذن فأنت ~~تحتاج إلى العقل فلا تستره بشرب الخمر لأن العقل يدير حركة الحياة. البغي ~~نعرف انه مجاوزة الحد ظلما أو أكبر، أو بخلا. والظلم أن تأخذ حق غيرك ~~وتحرمه من ثمرة عمله فيزهد في العمل لذلك يحرم الحق أن يبغي أحد على ~~أحد. لا في عرضه، ولا في نفسه، ولا في ماله. ويجب أن نصون العرض من ~~الفواحش لأن كل فاحشة قد تأتي بأولاد من حرام. وإن لم تأت فهي تهدر ~~العرض، والمطلوب صيانته، كذلك لا يبغي أحد على محارم أحد، وكذلك لا يبغي ~~أحد على حياة إنسان بأن يهدمها بالقتل. ويصون الحق المال فيمنع عنه البغي ~~فلا يأخذ أحد ثمرة عمل آخر وكفاحه عدوانا وظلما، ومظاهر البغي كثيرة. ~~ومن البغي أن تأخذ سلطة قسرا بغير حق ولكن ms3339 هناك من يأخذ سلطة قسرا ~~وقهرا بحق، فإن كنت - على سبيل المثال - تركب سفينة، ثم قامت الرياح ~~والزوابع، وأنت أمهر في قيادتها أتترك الربان يقودها وربما غرفت بمن فيها ~~أم تضرب على يده وتمسك بالدفة وتديرها لتنقذها ومن فيها، إنك في هذه ~~الحالة تكون قد أخذت القيادة بحق صيانة أرواح الناس، وهذا بغي بحق، وهو ~~يختلف عن البغي بغير الحق. وحتى نفرق بين البغي بحق والبغي بغير الحق ~~نقول. # إن هذا يظهر ويتضح عندما نأخذ مال السفيه منه للحفاظ عليه وصيانته ~~وتثميره له، فنكون قد أخذنا حقا من صاحبه رعاية لهذا الحق، فهو وإن كان ~~في ظاهره بغيا على صاحب الحق إلا أنه كان لصالحه وللصالح العام فهذا بغي ~~بحق أو أنه سمي بغيا لأنه جاء على صورة استلاب الحق من صاحبه ظلما، ~~ويسمى هذا في علم البلاغة مشاكلة وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبة ~~ذلك الغير، ونقرأ أيضا قول الله: # وجزآء سيئة سيئة مثلها.. # [الشورى: 40]. فهل جزاء السيئة يكون سيئة؟ لا. وإنما هي سيئة بالنسبة ~~لمن وقعت عليه لأنه لما عمل سيئة واختلس مالا - مثلا - وضربت على يده ~~وأخذت منه المال فقد أتعبته ولذلك فالحق يقول: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين # [النحل: 126]. ومن بغى بغير حق علينا أن نذكره بأن هناك من هو أقوى منه، ~~وأن يتوقع أن يناله بغي ممن هو أكثر قدرة منه. وينبهنا الحق إلى العمل ~~الذي لا غفران له: { وأن تشركوا بالله ما لم ينزل ~~به سلطانا }. ومحال أن ينزل الحق الذي نعبده شريكا له ويؤيده ~~بالبرهان والسلطان والحجة على أنه شريك له - تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا لأن من خصائص الإيمان أنه سبحانه ينفي هذا الشرك بأدلته العقلية ~~وأدلته النقلية. وإذا كان الحق قد قال لنا في هذه الآية: { قل إنما ~~حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على ms3340 الله ما ~~لا تعلمون } [الأعراف: 33]. فبعض من الآيات الأخرى جمعت هذه ~~الأشياء، في إطار إيجازي ومع المقابل أيضا، يقول الحق: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر.. # [النحل: 90]. لقد جاء بالفحشاء في هذه الآية ليؤكد طهارة الأنسال، وجاء ~~أيضا بتحريم المنكر والبغي، وزاد في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ~~الإثم فقط. وكأن الإثم في آية الأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي، مطمور في " المنكر " ، والمنكر ليس محرما بالشرع فقط، ~~بل هو ما ينكره الطبع السليم وأيضا فصاحب الطبع غير السليم يحكم أنه ~~منكر إذا كانت المعاصي تعود عليه بالضرر، هنا يقول: أعوذ بالله منها. وإن ~~كان هو يوقعها على الغير فهو يعتقد أنها غير منكر، وعلى سبيل المثال نجد ~~رجلا يبيح لنفسه أن يفتح أعينه على عورات الناس ويتلذذ بهذه المسألة. ~~لكنه ساعة يرى إنسانا آخر يفتح عينيه على عورته أو على ابنته مثلا إنه ~~يرى في ذلك أبشع المنكرات لذلك لا بد أن تجعل للمنكر حدا يشملك ويشمل ~~غيرك ولا تنظر إلى الأمر الذي تكلف به أنت وحدك، وإنما انظر إلى الأمر ~~المكلف به الآخرون.. وإياك أن تقول: إنه حدد بصري من أن يتمتع بجسم يسير ~~أمامي، إنه - سبحانه - كما حرم نظرك إلى ذلك، حرم أنظار الناس جميعا أن ~~ينظروا إلى محارمك وفي هذا صيانة لك. وبعد أن حلل هذه الطيبات والزينة، ~~وحرم الفواحش والمنكر والبغي والإثم يقول سبحانه: { ولكل أمة ~~أجل فإذا جآء... }. ### || [7.34] # نحن هنا أمام نص قرآني تثبته قضايا الوجود الواقعي فالذين سفكوا، ~~وظلموا، وانتهكوا الأعراض، وأخذوا الأموال. لم يدم لهم ذلك، بل أمد الله ~~لهم في طغيانهم، وأخذهم به أخذ عزيز مقتدر. ولو أراد خصومهم الانتقام ~~منهم لما وصلوا إلى أدنى درجات انتقام السماء. ويجري الحق هذا الانتقام ~~من الطغاة لصيانة سلامة المجتمع. فإن رأيت فسادا أو طغيانا إياك أن ~~تيأس لأن الحق سبحانه قد أوضح أن لكل أمة أجلا، بداية ونهاية، ففي ~~أعمارنا القصيرة رأينا أكثر ms3341 من أمة جاء أجلها. إذن فكل طاغية يجب أن ~~يتمثل هذه الآية: { ولكل أمة أجل فإذا جآء أجلهم ~~لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } [الأعراف: 34]. ~~والأجل لكل أمة معروف عند الله لأن الباطل والظلم إن لم يعض الناس عضة ~~تجعلهم يصرخون فهم لا يستشرفون إلى الحق ولا يتطلعون إليه، والألم وسيلة ~~العافية لأنه يؤكد لك أن وضعك غير طبيعي، وعلى ذلك فالمسائل التي تحدث في ~~الكون وهذه الأمم التي تظلم. وتضطهد. ولها جبروت وطغيان إنما تفعل ذلك ~~إلى أجل معلوم. فإياك أن تيأس، ولكن عليك أن تستشرف إلى الحق. وإلى جناب ~~الله فتلوذ به وحده، ولذلك نجد أكثر الناس الذين حدثت لهم هذه الأحداث لم ~~يجدوا إلا واحة الإيمان بالله ففروا إلى بيته حجاجا وإلى مساجده عمارا ~~وإلى قراءة قرآنه ذكرا. وننظر إلى هذه الأمور ونقول: إن الطاغية الفاجر ~~مهما فعل فلا بد أن يسخره الله لخدمة دينه، وهناك أناس لولا أن الدهر ~~عضهم وأخنى عليهم كأن سلط عليهم ظالما لما فروا إلى الله بحثا عن نجاة، ~~ولما التفتوا لربنا عبادة. إن في واقع حياتنا يعرف كل منا أناسا، كان ~~الواحد منهم لا يعبد ربه فلا يصلي ولا يصوم ولا يذكر ربه، ثم جاءت له عضة ~~من ظالم فيلجأ الإنسان المعضوض إلى الله عائذا به ملتجئا إليه، ولذلك ~~نقول للظالم: والله لوعرفت ماذا قدمت أنت لدين الله، ولم تأخذ عليه ~~ثوابا لندمت، فأنت قد قدمت لدين الله عصبة ممن كانوا من غير المتدينين ~~به. ولو أنك تعلم ما يأتي به طغيانك وظلمك وجبروتك من نصر لدين الله لما ~~صنعته أنت، إن لكل أمة أجلا، فإن كنت ظالما وعلى رأس جماعة ظالمة ~~فلذلك نهاية. وانظر إلى التاريخ تجد بعض الدول أخذت في عنفوانها وشدتها ~~سيادة على الشعوب، ثم بعد فترة من الزمن تحل بها الخيبة وتأتي السيطرة ~~عليها من الضعاف لأن هذا هو الأجل. إن الحق يعمي بصائرهم في تصرف، يظنون ~~أنه يضمن لهم التفوق فإذا به يجعل الضعيف يغلبهم ويسيطر عليهم. ms3342 وإذا جاء ~~الأجل فلا أحد يستطيع تأخيره لأن التوقيت في يد قيوم الكون، وهم أيضا لا ~~يستقدمون هذا الأجل، ونلحظ هنا وجود كلمة " ساعة " ، والساعة لها اصطلاح ~~عصري الآن من حيث إنها معيار زمني لضبط المواقيت، ونعلم أن اليوم مقسم ~~إلى أربع وعشرين ساعة، والأقل من الساعة الدقيقة، والأقل من الدقيقة ~~الثانية، والأكبر من الساعة هو اليوم. ومن يدري فقد يخترع البشر آلات ~~لضبط الجزء من الثانية. وكذلك تطلق الساعة على قيام القيامة. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { يابني ءادم إما يأتينكم رسل... }. ### || [7.35] # هنا ينادي الحق أبناء آدم، بعد أن ذكرهم أنه أحل لهم الطيبات والزينة ~~وحرم عليهم المسائل الخمسة من الفاحشة والمنكر والبغي والإثم والشرك، ~~ووضع لهم نظاما يضمن سلامة المجتمع، وطمأنهم بأنه منتقم من أي أمة ظالمة ~~بأن جعل للظلم نهاية وأجلا. فعليكم يا بني آدم أن تأخذوا أمور حياتكم في ~~إطار هذه المقدمات. { يابني ءادم إما يأتينكم رسل ~~منكم يقصون عليكم آياتي.. } [الأعراف: 35]. عليكم أن ~~تستقبلوا رسل الله استقبال الملهوف المستشرف المتطلع إلى ما يحميه وإلى ~~ما ينفعه لأن الرسول هو من يعلن لكل واحد منكم ما أحله الله من طيبات ~~الحياة وملاذها، ويبين لكم ما حرم الله ليحيا المجتمع سليما. كأن ~~المظنون أن ساعة يأتي الرسول نجد المجتمع يحرص على ملازمته وعلى تلقي ~~البلاغ منه، لا أن يظل الرسول يدعو باللين بينما المجتمع يتأبى عليه. ~~لكن من رحمة الله أن يتأبى المجتمع ويلح الرسول مبينا آيات الله ~~وبيناته كي يأخذ كل إنسان ما يساعده على أمر حياته ويهتدي إلى الصراط ~~المستقيم، وأنت إذا ما أصبت في عافيتك تلح على الطبيب وتبحث عنه، فكان ~~مقتضى العقل أنه إذا جاء رسول ليبلغنا منهج الله في إدارة حركة الحياة أن ~~نتشوق إليه ونتطلع، لا أن نعاديه، وعادة ما يسعد بالرسول أهل الفطرة ~~السليمة بمجرد أن يقول الرسول: أنه رسول ومعه آية صدقه. ويقيس أهل الفطرة ~~السليمة قول الرسول بماضيه معهم، فيعلمون أنه مخلص لم يرتكب الإثم. وهذه ~~فائدة قوله ms3343 الحق: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. فلم يأت لكم إنسان لا تعرفونه بل لكم معه تاريخ واضح ~~وجلي، ولذلك نجد الذين آمنوا برسول الله أول الأمر لم ينتظروا إلى أن ~~يتلو عليهم القرآن، لكنهم آمنوا به بسوابق معرفتهم له لأنهم عايشوه، ~~وعرفوا كل تفاصيل أخلاقه. ومثال ذلك: عندما أخبر محمد صلى الله عليه وسلم ~~سيدتنا خديجة - رضوان الله عليها - بنبأ رسالته وأسر لها بخوفه من أن ~~يكون ما نزل إليه هو من أمور الجن أو مسها، أسرعت إلى ورقة بن نوفل لأنه ~~عنده علم بكتاب، وقبل ذلك قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنك ~~لتصل الرحم وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق وتكسب المعدوم ". وكل هذه ~~المقدمات تدل على أنك - يا رسول الله - في حفظ الله ورعايته لأنك كنت ~~مستقيم السلوك قبل أن تنبأ، وقبل أن توجد كرسول من الله. وهل معقول ~~أن من يترك الكذب على الناس يكذب على الله؟! وكذلك نجد سيدنا أبا بكر ~~الصديق بمجرد ما أن قال رسول الله: أنا رسول، قال له: صدقت. # وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على صدق الفطرة، وهذه هي فائدة # رسول من أنفسكم # [التوبة: 128] أو من جنسكم البشري حتى نجد فيه الأسوة الحسنة. ولو جاء ~~لنا رسول من الملائكة وقال لنا: هذا هو المنهج ولكم أسوة بي، كنا سنرد ~~عليه الرد المقنع السهل اليسير: وهل نقدر أن نفعل مثلك وأنت ملك مفطور ~~على الخير؟. لكن حين يأتينا رسول من جنسنا البشري، وهو صالح أن يصدر منه ~~الخير، وصالح أن يصدر منه الشر فهو الأسوة الموجودة، ولذلك كان من غباء ~~الكافرين أن قالوا ما جاء به القرآن على ألسنتهم: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. إنه الغباء وقصر النظر والغضب لأن الله بعث محمدا وهو ~~من البشر، فهل كانوا يريدون ملكا؟ ولو كان ملكا فكيف تكون به الأسوة ~~وطبعه ms3344 مختلف عن طبائع البشر؟. ولذلك يرد الحق الرد المنطقي: # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. وذلك حتى تتحقق لنا الأسوة فيه فسبحانه لم يقتحم وجودكم ~~التكليفي، ولم يدخلكم في أمر يشتد ويشق عليكم لكنه جاء لكم بواحد منكم ~~تعرفون تاريخه. ولم يأت به من جنس آخر. { يابني ءادم إما ~~يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي.. } ~~[الأعراف: 35]. وانظر قوله: { يقصون عليكم آياتي } ، لقد جاء ~~بكلمة " يقصون " لأن القصص مأخوذة من مادة " القاف " و " الصاد ~~المضعفة " وهذا مأخوذ من " قص الأثر " ، وكان الرجل إذا ما سرقت جماله ~~أو أغنامه يسير ليرى أثر الأقدام. إذن { يقصون عليكم آياتي } ~~أي أنهم ملتزمون بما جاء لهم، لا ينحرفون عنه كما لا تنحرفون أنتم عن قص ~~الأثر حين تريدون المؤثر في الأثر. { فمن اتقى وأصلح فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون } [الأعراف: 35]. و " التقوى " ~~هو أن تجعل بينك وبين شيء يضرك وقاية. ولذلك يقول الحق: { اتقوا ~~النار } ، لنرد عن أنفسنا بالعمل الصالح لهيب النار. وإذا قيل: { ~~واتقوا الله } أي اتقوا متعلقات صفات الجبروت من الله لأنكم لن ~~تستطيعوا تحمل جبروت ربنا، وعليكم أن تلتزموا بفعل الأوامر وتلتزموا ~~أيضا بترك النواهي. والأمر بالتقوى هنا يعني ألا ننكر ونجحد رسالات ~~الرسل لأنهم إنما جاءوا لإنقاذ البشر، فالمجتمع حين يمرض، عليه أن يسرع ~~ويبادر إلى الطبيب القادم بمنهج الله ليرعاه، وهو الرسول لذلك لا يصح ~~الجحود برسالة عليها دليل ومعجزة. { فمن اتقى وأصلح فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون }. و " أصلح " تدل على أن هناك ~~شيئا غير صالح فجعله صالحا، أو حافظ على صلاح الصالح ورقى صلاحه إلى ~~أعلى، مثل وجود بئر نشرب منه، فإن كانت البئر تؤدي مهمتها لا نردمها، ولا ~~نلقي فيها قاذورات، وبذلك نبقي الصالح على صلاحه، ويمكن أن نزيد من صلاح ~~البئر بأن نبني حول فوهتها سورا، أو أن نقوم بتركيب مضخة تمتص الماء من ~~البئر لضخه إلى البيوت. # وبذلك نزيد الصالح صلاحا، والآفة في الدنيا ms3345 هم الذين يدعون الإصلاح ~~بينما هم مفسدون، يقول الله فيهم: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف: 103-104]. إذن فحين تقدم على أي عمل لا بد أن تعرف مقدمات هذا ~~العمل، وماذا ستعطيه تلك المقدمات، وماذا سوف تأخذ منه. وأبق الصالح في ~~الكون على صلاحه أو زده إصلاحا، وهنا لا خوف عليك ولن تحزن على شيء فاتك ~~ليتحقق قول الحق: # لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ ~~آتاكم.. # [الحديد: 23]. وما المقابل لمن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لأي هؤلاء ~~الذين أصلحوا واتقوا؟ المقابل هو ما يأتي في قوله الحق: { والذين ~~كذبوا بآياتنا... }. ### || [7.36] # ولماذا يكون مصير المكذبين بالآيات والمستكبرين عنها أن يكونوا أصحاب ~~النار ويكونوا فيها خالدين؟ لأنهم وإن تيسرت لهم أسباب الحياة لم يضعوا ~~في حسابهم أن يكون لهم نصيب في الآخرة ولم يلتفتوا إلى الغاية، وغاب عنهم ~~الإيمان بقول الحق: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. وهب أن الواحد منهم قد أخذ ما أخذ في الدنيا، فلماذا نسي ~~أنها موقوتة العمر؟ ولماذا لم يلتفت إلى الزمن في الآخرة؟. عليك أن تعلم ~~أنك في هذه الدنيا، خليفة في الأرض، وما دمنا جميعا أبناء جنس واحد ~~ومخلوقين فيها والسيادة لنا على الأجناس فلا بد أن تكون لنا غاية متحدة ~~لأن كل شيء اختلفنا فيه لا يعتبر غاية، فالغاية الأخيرة هي لقاء الله لأن ~~النهاية المتساوية في الكون هي الموت ليسلمنا لحياة ثانية، فالذي يستكبر ~~عن آيات الله هو من دخل في صفقة خاسرة لأن من يقارن هذه الدنيا بالحياة ~~الأخرى سيجد أن زمن الإنسان في الدنيا قليل، وزمن الآخرة لا نهاية له. ~~وعمر الإنسان في الدنيا مظنون غير متيقن، والمتعة فيها على قدر أسباب ~~الفرد وإمكاناته، لكن الآخرة متيقنة، ونعيم المؤمن فيها على قدر طلاقة ~~قدرة الله. { أولئك أصحاب النار هم ms3346 فيها خالدون } ~~[الأعراف: 36]. وأصحاب النار. يعني أن يصاحب ويلازم المذنب النار كما ~~يصاحب ويلازم الإنسان منا صاحبه لأن النار على إلف بالعاصين، وهي التي ~~تتساءل: { هل من مزيد }؟. ويقول الحق بعد ذلك: { فمن أظلم ~~ممن افترى... }. ### || [7.37] # و { فمن أظلم } تأتي على صيغة السؤال الذي لن تكون إجابته إلا ~~الإقرار. ولا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب لأنه أولا ظلم نفسه، ~~وظلم أمته، وأول ظلم النفس أن يرتضي حياة زائلة وأن يترك حياة أبدية، ~~وأما ظلمه للناس فلأنه سيأخذ أوزار ما يفعلون لأنه قد افترى على الله ~~كذبا. { أو كذب بآياته }. أي قول الله ما لم يقله، أو كذب ~~ما قاله الله، وكلا الأمرين مساو للآخر. والآية - كما نعلم - هي الأمر ~~العجيب، والآيات أطلقت في القرآن على معان متعددة فالحق يقول: # كتاب فصلت آياته.. # [فصلت: 3]. وكذلك أطلقت على المعجزات التي يرسلها الله تأييدا لرسله. # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون.. # [الإسراء: 59]. فالآيات هنا هي المعجزات أي الأمور العجيبة. وحدثنا ~~القرآن عن الآيات الكونية فقال سبحانه: # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر.. # [فصلت: 37]. فالآية إذن هي الشيء العجيب وهي تشمل آيات القرآن لأنك حين ~~تنظر إلى نظم آيات القرآن، وإلى استيعابها إلى حقائق الوجود وإلى ~~استيفائها لقضايا الكون كله تقول لنفسك: هذا شيء عجيب لأن الذي جاءت على ~~لسانه هذه الآيات نبي أمي، ما عرف عنه أنه زاول تعلما، وما جربوا عليه ~~أنه قال شعرا، أو نثرا أو له رياضة في كلام، وبعد ذلك ما جرب حكم أمم، ~~وما درس تاريخ الأمم حتى يستنبط القوانين التي أعجزت الحضارات المعاصرة ~~عن مجاراتها. إن الأمة البدوية حينما ذهب بمنهجها إلى الفرس، وكانت الفرس ~~لها حضارة الشرق كلها، وعلى الرغم من ذلك أخذت الفرس قوانينها من هذه ~~الأمة البدوية، وكان كل نظام هذه الأمة المتبدية قبل مجيء الرسالة مع ~~سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلخص في نظام القبيلة وكل قبيلة لها ~~رئيس، وبعد أن جاءت رسالته صلى ms3347 الله عليه وسلم جاء بنظام يجمع أمم العالم ~~كلها، ثم ينجح في إدارة الدنيا كلها، وهذه مسألة عجيبة، وكل آية من هذه ~~الآيات كانت معجزة وعجيبة. وكذلك الآيات الكونية التي نجدها تتميز بالدقة ~~الهائلة فالشمس والقمر بحسبان، وكل في فلك يسبحون، إنه نظام عجيب. إذن ~~فالعجائب في الآيات هي آيات القرآن، والمعجزات والآيات الكونية. وكيف ~~يكذبون إذن بالآيات؟. ألا ينظرون إلى الكون. وما فيه من دقة صنع وهندسة ~~بناء تكويني لا تضارب فيه؟ وهي آيات تنطق بدقة الخالق فهو العالم، ~~القادر، الحكيم، الحسيب. وكذلك كيف يكذبون الرسول القادم بالمعجزات، ~~ويقولون: إنه ساحر، وحين تتلى عليهم آيات القرآن يكذبونها. إذن هم لم ~~ينظروا في آيات الكون ليستنبطوا منها عظمة الصانع وحكمته ودقته، ولم ~~يلتفتوا إلى الإيمان به قمة عقيدية، وكذلك كذبوا بالآيات المعجزات التي ~~جاء بها الرسل فلم يصدقوا الرسل وآخرها وقمتها آيات القرآن العظيم. # وحينما عرض الحق سبحانه وتعالى هذه القضية، تساءل: كيف تقولون. إنه سحر ~~الناس فآمنوا به، فلماذا لم يسحركم أنتم؟. وحينما قالوا: # إنما يعلمه بشر.. # [النحل: 103]. قال الحق: # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. وقالوا: # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5]. فيعلم الحق رسوله أن يقول: # فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. وهنا يأمر الحق رسوله أن يذكرهم بأنه عاش بينهم أربعين ~~عاما فهل عرف عنه أنه يقول أو يتكلم بشيء من هذا؟ فهل يترك الحق من ~~كذبوا بالآيات؟ أنهم خلق الله، والله استدعاهم إلى الوجود، لذلك يضمن لهم ~~مقومات الحياة، وأمر أسباب الكون أن تكون خدمة هؤلاء المكذبين الكافرين ~~كما هي في خدمة الطائعين المؤمنين. ومن يحسن منهم الأسباب يأخذ نتائجها، ~~وإن أهمل المؤمنون الأخذ بالأسباب فلن يأخذوا نتائجها، وكل هذا لأنه عطاء ~~ربوبية ولأنه خلق فلا بد أن يرزق، والنواميس الكونية تخدم الطائع وتخدم ~~العاصي لأن ذلك من سنة الله ولن يجد أحد لسنة الله تبديلا. إذن فكفرهم لن ~~يمنع عنهم نصيبهم من الكتاب ms3348 الذي قدر لهم، من الرزق والحياة، ما هو ~~مسطر في الكتاب الذي أنزل عليهم لذلك يقول الحق: { أولئك ~~ينالهم نصيبهم من الكتاب.. } [الأعراف: 37]. أو ينالهم، ~~أي يصيبهم عذاب مما هو مبين في الكتاب الذي أرسلناه ليوضح أن الطائع له ~~الثواب، والعاصي له العقاب، فيقول الحق هنا: { حتى إذا جآءتهم ~~رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من ~~دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم ~~أنهم كانوا كافرين } [الأعراف: 37]. وساعة تسمع { ~~يتوفونهم } تفهم أن الحياة تنتهي، وتنفصل الروح عن الجسد فهذا ~~هو " التوفي " ، فمرة ينسب إلى الحق الأعلى سبحانه وتعالى، ومرة ينسب إلى ~~الملك، ومرة يراد منه أتباع الملك أي جنوده يقول - سبحانه -: { ~~حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم ~~لا يفرطون } ، والأساليب الثلاثة ملتقية لأن ملك الموت لم يأت ~~بالموت من عنده، بل أخذ التلقي من الله، فالأمر الأعلى من الله، وأمر ~~التوسط للملك، وأمر التنفيذ للرسل. و " التوفي " على إطلاقه هو استيفاء ~~الأجل، فإن كان أجل الحياة فهو توفية بالموت، وإن كان الأجل البرزخ وهو ~~المدة التي بين القبر والحساب. إلى أن يجيء ميعاد دخولهم النار فهذا هو ~~توفي أجلهم الثاني لأن كل إنسان له أجلان: أجل ينهي هذه الحياة، والأجل ~~الذي يأخذه في البرزخ إلى أن يجيء الحساب. وهذا لا يمنع أن يقال: إن ~~قيامة كل إنسان تأتي بموته لأن للقيامة مراحل بدءا من القبر ونهاية ~~بالخلود في الجنة أو في النار. # وحين تسألهم الملائكة: { أين ما كنتم تدعون من دون ~~الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم ~~أنهم كانوا كافرين } [الأعراف: 37]. هم إذن يعترفون أن من ~~كانوا يدعونهم من دون الله قد غابوا واختفوا ولا يظهر لهم أثر. # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق ~~جديد.. # [السجدة: 10]. وهم - إذن - يقرون غياب من كانوا يدعونهم من دون الله، ~~والمراد أنه لا وجود لهم، وهم بذلك قد شهدوا على أنفسهم بكفرهم. ولكن هذه ~~الشهادة لا تجدي لأن زمن التكليف قد انتهى، وهم الآن في دار قهر ms3349 لكل ما ~~يريده الله ففي دار التكليف كان الإنسان حرا أن يفعل أو ألا يفعل، ~~ولكن في الدار الآخرة لا تنفع هذه الشهادة. وذلك لتبين عدالة الجزاء الذي ~~يصيبهم، ولن يتأبوا على الجزاء لذلك يقول الحق: { قال ادخلوا في ~~أمم... }. ### || [7.38] # ويوضح لنا الحق أنه بأوامر " كن " سيدخلون النار كما دخلتها أمم قد خلت ~~من قبلهم فليسوا بدعا، وليدخلوا معهم إلى المصير الذي يذهبون إليه، وهم ~~أمم خليط لأن الكفر سوف يلتقي كله في الجزاء. إن الاقتداء بالأمم التي ~~سبقت هو الذي قادهم إلى الكفر فالأمم التي سبقت كانت أسوة في الضلال ~~للأمة التي لحقت، فإذا ما دخلوا لعنوهم. وهب أن إنسانا دخل مرة السجن ~~لجرم ارتكبه، وبعد ذلك دخل عليه من كان يغريه بالجرم. ومن كان يزين له، ~~ومن اقتدى به. بالله ساعة يلتقيان في السجن ألا يلعن الأول الثاني؟ { ~~كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا ~~اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا ~~هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار ~~قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون } [الأعراف: 38]. وبعد ~~أن يلحق بعضهم بعضا ويجتمعوا، يحدث بينهم هذا الحوار العجيب: { قالت ~~أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم ~~عذابا ضعفا من النار.. } [الأعراف: 38]. فإن قلت الأخرى أي ~~التي دخلت النار متأخرة كانت الأولى هي القدوة في الضلال وقد سبقتهم إلى ~~النار، { قالت أخراهم لأولاهم } ، أي أن الأولى هم القادة ~~الذين أضلوا، والطائفة الأخرى هم الأتباع الذين قلدوا. { قالت ~~أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا }. وهم ~~يتوجهون بالكلام إلى ربنا: { ربنا هؤلاء أضلونا }. كيف ~~يتأتى هذا؟. وكان المقياس أن يقول: قالت أخراهم لأولاهم أنتم أضللتمونا ~~لكن جاء هذا القول، لأن الذين أضلوا غيرهم أهون من أن يخاطبوا ولأن ~~الموقف كله في يد الله، وإذا ما قالوا لله المواجه للجميع: { هؤلاء ~~أضلونا } فهؤلاء، هذه إشارة إليهم، فكأن القول موجه لله شهادة منهم ~~إلى من كان وسيلة لإضلالهم وهم يقولون لربنا هذا حتى يأخذوا عذاب الضعف ~~من النار مصداقا لقوله الحق: { فآتهم عذابا ضعفا من ms3350 ~~النار.. } [الأعراف: 38]. فقال الله لهم جميعا: { لكل ضعف ~~ولكن لا تعلمون }. فلكل أمة منهم ضعف العذاب بما ضلت وأضلت. ~~ونفهم أن الضعف معناه " شيء مساو لمثله " ، فأنتم أيها المقلدون غيرهم ~~قد أضللتم سواكم بالأسوة أيضا لأنكم كثرتم عددهم وقويتم شوكتهم وأغريتم ~~الناس باتباعهم. ويكون لكم ضعف العذاب بحكم أنكم أضللتم أيضا، وأنتم لا ~~تعلمون أن من يحاسبكم دقيق في الحساب، ويعطي كل إنسان حقه تماما. وماذا ~~تقول أولاهم لأخراهم؟ يقول الحق سبحانه: { وقالت أولاهم ~~لأخراهم... }. ### || [7.39] # أي ما دمتم ستأخذون ضعف العذاب مثلنا فقد تساوت الرءوس { فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكسبون } كأن المجرم نفسه ساعة يلتقي ~~ويستقبل مجرما مثله، يقول له: اشرب من العذاب نفسه، وليس ذلك تجنيا من ~~الله، ولا بسلطة القهر لعباده، ولكن بعدالة الحكم لأن ذلك إنما حدث بسبب ~~ما كسبتم. ومعلوم أن التذوق في الطعوم، فهل هم يأكلون العذاب؟. لا، إن ~~الحق قد جعل كل جارحة فيهم تذوق العذاب، والحق حين يريد شمول العذاب ~~للجسم يجعل لكل عضو في الجسم حساسية الذوق كالتي في اللسان. ولذلك يقول ~~الحق سبحانه: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. وهذه هي الإذاقة، كأنها صارت لباسا من الجوع يشمل الجسد ~~كله، والإذاقة أشد الإدراكات تاثيرا، واللباس أشمل للجسد. { ~~فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون }. ولم يقل الحق: بما ~~كنتم تكتسبون لأن اكتسابهم للسيئات لم يعد فيه افتعال، بل صار أمرا ~~طبيعيا بالنسبة لهم، وعلى الرغم من أن الأمر الطبيعي في التكوين أن يصنع ~~الإنسان الحسنة دون تكلف ولا تصنع، وفي السيئات يجاهد نفسه لأن ذلك يحدث ~~على غير ما طبع عليه، ولكن هؤلاء من فرط إدمانهم للسيئات فسدت فطرتهم ولم ~~تعد ملكاتهم تتضارب عند فعل السيئات، بل صاروا يرتكبون الإثم كأمر طبيعي، ~~وهذا هو الخطر الذي يحيق بالمسرفين على أنفسهم لأن الواحد منهم يفرح بعمل ~~السيئات. ويقول الحق بعد ذلك: { إن الذين كذبوا ms3351 بآياتنا ~~واستكبروا... }. ### || [7.40] # والحق يريد أن يعطي حكما جديدا ويحدد من هو المحكوم عليه ليعرف ~~بجريمته، وهي جريمة غير معطوفة على سابقة لها، وليعرف كل إنسان أن هذه ~~جريمة، وأن من يرتكبها يلقى حكما وعقابا. { إن الذين كذبوا ~~بآياتنا واستكبروا عنها }. وقد عرفنا من قبل معنى الآيات. ~~وأنها آيات القرآن المعجزة أو الآيات الكونية، وأي إنسان يظن نفسه أكبر ~~من أن يكون تابعا لمنهج جاء به رسول عرف بين قومه بأمانته، هذا الانسان ~~يستحق العقاب الشديد. فصحيح أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن له من ~~الجاه ولا سلطان ما ينافس به سادة وكبراء قريش، ولذلك وجدنا من يقول: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إنهم يعترفون بعلو القرآن، لكنهم تمنوا لو أن القرآن قد ~~نزل على إنسان غيره بشرط أن يكون من العظماء بمعاييرهم وموازينهم ~~المادية. ومن يكذب الآيات ويستكبر عن اتباع الرسول لا تفتح له أبواب ~~السماء. { إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا ~~عنها لا تفتح لهم أبواب السمآء ولا يدخلون ~~الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك ~~نجزي المجرمين } [الأعراف: 40]. وبذلك نعرف من هم الذين لا تفتح ~~لهم أبواب السماء، وبطبيعة الحال نعرف أن المقابلين لهم هم الذين تفتح ~~لهم أبواب السماء.. إنهم المؤمنون، وحين تصعد أرواحهم إلى الملأ الأعلى ~~تجد أعمالهم الصالحة تصعد وترتفع بهم إلى أعلى. أما المكذبون فهم لا ~~يترقون بل يهبطون ولا يدخلون الجنة، وقد علق سبحانه دخول الجنة بمستحيل ~~عقلا وعادة وطبعا: { ولا يدخلون الجنة حتى يلج ~~الجمل في سم الخياط }. و { سم الخياط } هو ثقب ~~الإبرة، أي الذي تدخل فيه فتلة الخيط، ولا تدخل فتلة الخيط في الثقب إلا ~~أن يكون قطر الفتلة أقل من قطر الثقب، وأن تكون الفتلة من الصلابة بحيث ~~تنفذ، وأن تكون الفتلة غير مستوية الطرف لأنها إن كانت مقصوصة وأطرافها ~~مستوية فهي لا تدخل في الثقب لذلك نجد الخياط يجعل للفتلة سنا ليدخلها ~~في ثقب الإبرة. وحين نأتي بالجمل ونقول ms3352 له: ادخل في سم الخياط، فهل ~~يستطيع؟ طبعا لا لذلك نجد الحق سبحانه قد علق دخول هؤلاء الجنة على ~~مستحيل. بعض الناس قالوا: وما علاقة الجمل بسم الخياط؟ نقول: إن الجمل ~~يطلق أيضا على الحبل الغليظ المفتول من حبال، مثل حبال المركب إننا نجده ~~سميكا مجدولا. وأخذ الشعراء هذه المسألة ونجد واحدا منهم يصف انشغاله ~~بالحبيب وشوقه إليه وصبابته به حتى يهزل ويستبد به الضعف فيقول: # ولو أن ما بي من جوى وصبابة # على جمل لم يدخل النار كافر # لأن الجوى والصبابة التي يعاني منهما هذا الشاعر، لو أصيب بهما الجمل ~~فلسوف ينحف وينحف ويهزل، إلى أن يدخل في سم الخياط، وهنا يوضح ربنا: إن ~~دخل الجمل في سم الخياط فسوف أدخلهم الجنة. { حتى يلج الجمل ~~في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين } [الأعراف: ~~40]. وهم يستحقون هذا الجزاء بما أجرموا. ويقول الحق بعد ذلك: { لهم ~~من جهنم مهاد ومن فوقهم... }. ### || [7.41] # المهاد هو الفراش، ومنه مهد الطفل، والغاشية هي الغطاء، أي أن فرش هذا ~~المهاد وغطاءه جهنم. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى: # لهم من فوقهم ظلل.. # [الزمر: 16]. إذن الظلل والغواشي تغطي جهتين في التكوين البعدي ~~للإنسان، والأبعاد ستة وهي: الأمام والخلف، واليمين والشمال، والفوق ~~والتحت، والمهاد يشير إلى التحتية، والغواشي تشير إلى الفوقية، وكذلك ~~الظلل من النار، ولكن الحق شاء أن يجعل جهنم تحيط بأبعاد الكافر الستة ~~فيقول سبحانه: # إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم ~~سرادقها.. # [الكهف: 29]. وهذا يعني شمول العذاب لجميع اتجاهات الظالمين. وجهنم ~~مأخوذة من الجهومة وهي الشيء المخوف العابس الكريه الوجه، ثم يأتي ~~بالمقابل ليشحن النفس بكراهية ذلك الموقف، ويحبب إلى النفس المقابل لمثل ~~هذا الموقف، فيقول سبحانه: { والذين آمنوا... }. ### || [7.42] # وبهذا يخبرنا الحق أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم أصحاب الجنة وهم ~~فيها خالدون، ويضع لنا الحق تنبيها بين مقدمة الآية وتذييلها { لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها } لنفهم أن المسرفين على أنفسهم ~~بالكفر وتكذيب الآيات لم يفهموا حقيقة الإيمان، وأن حبس النفس عن كثير ~~من ms3353 شهواتها هو في مقدور النفس وليس فوق طاقتها لذلك أوضح لنا سبحانه أنه ~~كلف ب " افعل ولا تفعل " وذلك في حدود وسع المكلف. وحين نستعرض الصورة ~~إجمالا للمقارنة والموازنة بين أهل النار وأهل الجنة نجد الحق قد قال ~~في أهل النار: # إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا ~~تفتح لهم أبواب السمآء ولا يدخلون الجنة ~~حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي ~~المجرمين # [الأعراف: 40]. فهم لن يدخلوا الجنة، وعلى ذلك فقد سلب منهم نفعا، ولا ~~يتوقف الأمر على ذلك، ولكنهم يدخلون النار، إذن فهنا أمران: سلب النافع ~~وهو دخولهم الجنة، إنه سبحانه حرمهم ومنعهم ذلك النعيم، وذلك جزاء ~~إجرامهم. وبعد ذلك كان إدخالهم النار، وهذا جزاء آخر فقال الحق: # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك ~~نجزي الظالمين # [الأعراف: 41]. في الأولى قال: - سبحانه - { وكذلك نجزي ~~المجرمين }. وفي الثانية قال: { وكذلك نجزي الظالمين ~~}. فكأن الإجرام كان سببا في ألا يدخلوا الجنة، والظلم كان سببا في أن ~~يكون من فوقهم غواش، ولهم من جهنم مهاد، وهم في النار يحيطهم سرداقها. ~~ومن المناسب بعد ذلك الشحنة التي تكرهنا في أصحاب النار وفي سوء ~~تصرفهم فيما كلفوا به أولا، وسبب بشاعة جزائهم ثانيا أن نتلهف على ~~المقابل. فقال سبحانه: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون } [الأعراف: 42]. وقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { لا نكلف نفسا إلا وسعها } جاء بين المبتدأ ~~والخبر، ككلام اعتراضي لأن الأسلوب يقتضي إبلاغنا أن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم الخلود في الجنة، وجاءت { لا نكلف نفسا إلا ~~وسعها } بين العمدتين وهما المبتدأ والخبر لأننا حينما نسمع { ~~والذين آمنوا } فهذا عمل قلبي، ونسمع بعده { وعملوا ~~الصالحات } وهذا عمل الجوارح، وبذلك أي بعمل القلب مع عمل الجوارح ~~يتحقق من السلوك ما يتفق مع العقيدة. والاعتقاد هو ما يسهل دائما السلوك ~~الإيماني ويجعل مشاق التكاليف في الأعمال الصالحة مقبولة وهينة، ولذلك ~~أوضح سبحانه: إياكم أن تظنوا أني قد كلفتكم فوق طاقتكم، لا فأنا لا ms3354 أكلف ~~إلا ما في الوسع، وإياكم أن تفهموا قولي: { والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } هو رغبة في إرهاق نفوسكم، ولكن ذلك في ~~قدرتكم لأنني المشرع، والمشرع إنما يضع التكليف في وسع المكلف. ونحن في ~~حياتنا العملية نصنع ذلك فنجد المهندس الذي يصمم آلة يخبرنا عن مدى ~~قدراتها، فلا يحملها فوق طاقتها وإلا تفسد. # وإذا كان الصانع من البشر لا يكلف الآلة الصماء فوق ما تطيق، أيكلف الذي ~~خلق البشر فوق ما يطيقون؟ محال أن يكون ذلك. إذن فيجب أن نوصد الباب أمام ~~الذين يحاولون أن يتحللوا من التزامات التكليف عليهم، فلا تعلق الحكم على ~~وسعك الخائر الجائر، ولكن غلق الوسع على تكليف الله، فإن كان قد كلف ~~فأحكم لأن ذلك في الوسع والدليل على كذب من يريد الافلات من الحكم هو ~~محاولته إخضاع الحكم لوسعه هو أن غيره يفعل ما لا يريد أن يفعله. فحين ~~ينهى الحق عن شرب الخمر تجد غيرك لا يشرب الخمر امتثالا لأمر الله، ~~وكذلك تجد من يمتنع عن الزنا أو أكل الربا فإذا كان مثيلك وهو فرد من ~~نوعك قادرا على هذا العمل فمن لا يمتنع عن مثل هذه المحرمات هو المذنب ~~لا لصعوبة التكليف. فالتكليف هو أمر الشارع الحكيم ب " افعل " و " لا ~~تفعل " وسبحانه لا يكلف الإنسان إلا إذا كان قادرا على أن يؤدي مطلوب ~~الشرع لأن الله لا يكلف إلا على قدر الطاقة، واستبقاء الطاقة يحتاج إلى ~~قوت، طعام، شراب، لباس، وغير ذلك مما تحتاج إليه الحياة، لذلك أوضح ~~سبحانه أنه يوفر للإنسان كل ماديات الحياة الأساسية، وإياكم أن تظنوا أن ~~الله حين يكلف الإنسان يكلفه شططا، ولكن الإنسان هو الذي يضع في موضع ~~الشطط. فقال: # ومن قدر عليه رزقه.. # [الطلاق: 7]. { ومن قدر عليه رزقه } أي ضيق عليه قليلا. ~~ويقول سبحانه: # فلينفق ممآ آتاه الله لا يكلف الله نفسا ~~إلا مآ آتاها.. # [الطلاق: 7]. إذن لا تفترض وتقدر أنت تكاليف المعيشة ثم تحاول إخضاع ~~وارداتك إلى هذا التصور، بل انظر إلى الوارد أليك وعش ms3355 في حيز وإطار هذا ~~الوارد، فإن كان دخلك مائة جنيه فرتب حياتك على أن يكون مصروفك يساوي ~~دخلك لأن الله لا يكلفك إلا ما آتاك. ولننظر إلى ما آتانا الله لذلك لا ~~تدخل في حساب الرزق إلا ما شرع الله، فلا تسرق. ولا تنهب ولا تختلس ولا ~~ترتش ثم تقول: هذا ما آتاني الله، لا، عليك ألا تأخذ ولا تنتفع إلا بما ~~أحل الله لك، فإن عشت في نطاق ما أحل الله يعينك الله على كل أمرك وكل ~~حاجاتك، لأنك تحيا بمنهج الله، فيصرف عنك الحق مهمات الحياة التي تتطلب ~~أن تزيد على ما آتاك الله، فلا تخطر على بالك أو على بال أولادك. وتجد ~~نفسك - على سبيل المثال - وأنت تدخل السوق وآتاك الله قدرا محدودا من ~~المال، وترى الكثير من الخيرات، لكن الحق يجعلك لا تنظر إلا في حدود ما ~~في طاقتك، وكذلك يحسن لك الله ما في طاقتك ويبعد عنك ما فوق طاقتك لأن ~~الله لا يكلف نفسا إلا ما آتاها، ولا يحرك شهوات النفس إلا في حدود ذلك. # ولذلك قال الحق: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون } [الأعراف: 42]. وأصحاب الجنة هم الذين لا ~~يفارقونها مثلما يحب الصاحب صاحبه فالجنة تتطلبهم، وهم يتطلبون الجنة، ~~والحياة فيها بخلود وما فاتك من متع الدنيا لم يكن له خلود، وأنت في ~~الدنيا تخاف أن تموت وتفوت النعمة، وإن لم تمت تخاف أن تتركك النعمة لأن ~~الدنيا أغيار، وفي ذلك لفت لقضايا الله في كونه، تجد الصحيح قد صار ~~مريضا، والغني قد صار فقيرا، فلا شيء لذاتية الإنسان. وبهذا يعدل الله ~~ميزان الناس فيأتي إلى الحالة الاقتصادية ويوزعها على الخلق، ونجد الذي ~~لا يتأبى على قدر الله في رزقه وفي عمله يجعل الله له بعد العسر يسرا. ~~وفي الجنة يخلي الله أهلها من الأغيار. ولذلك يقول الحق سبحانه: { ~~ونزعنا ما في صدورهم... }. ### || [7.43] # وقوله الحق: { ونزعنا ما في صدورهم من غل } ينطبق - ~~أيضا ms3356 - على أهل الاجتهاد الذين اجتهد كل منهم في الدنيا، واختلفوا، ~~هؤلاء يبعثون يوم القيامة وليس في صدر أحدهم غل ولا حقد. لذلك تجد سيدنا ~~الإمام عليا - كرم الله وجهه - حين يقرأ هذه الآية يقول: " اللهم ~~اجعلني أنا وعثمان وطلحة والزبير من هؤلاء ". لأن هؤلاء هم الذين وقع ~~بينهم الخلاف في مسألة الخلافة، وكل منهم صحابي ومبشر بالجنة، فإن كانت ~~النفوس قد دخلت فيها أغيار، فإياكم أن تظنوا أن هذه الأغيار سوف تصحبكم ~~في دار الجزاء في الآخرة لأن الله يقول: { ونزعنا ما في ~~صدورهم من غل }. إن الخلاف كان خلافا اجتهاديا بين المؤمنين ~~وهم قد عملوا الصالحات وكل منهم أراد الحسن من الأعمال، ونشأ عن ذلك في ~~أغيار الدنيا شيء من عمل القلب، فأوضح سبحانه: إياكم أن تفهموا أن ذلك ~~سوف يستمر معهم في الآخرة لأنهم جميعا حينما اختلفوا كانوا يعيشون ~~باجتهادات الله، وفي الآخرة لا اجتهاد لأحد. ويريد الحق أن يجعل هذا ~~الأمر قضية كونية، ومثال ذلك تجد رجلا قد تزوج امرأة بمقاييس غير مقاييس ~~الله في الزواج تزوجها لأنها جميلة مثلا، أو لأن والدها له جاه أو غني، ~~وبعد الزواج لم يعطه والدها الغني شيئا من ماله فيقول: غشني وزوجني ~~ابنته، أو كانت جميلة، ثم لقى فيها خصالا قبيحة كثيرة فكرهها، ونقول ~~لمثل هذا الرجل: ما دمت لم تأخذها بمقاييس الله فعليك أن تنال جزاء ~~الاختيار. لكن من تزوج امرأة على دين الله، ووجد منها قبحا، فلن يصحبه ~~هذا القبح في الآخرة، ولذلك نجد الحق قد جاء بهذه القضية بالذات، ولم يأت ~~بها في الأبناء أو في البنات، بل في الزوج والزوجة لأنهما عماد الأسرة. ~~فبين للرجل: إياك أن تتخيل أن المرأة التي أغاظتك أو أتعبتك أو كدرت ~~عليك بخصلة سيئة فيها، إياك أن تظن أن هذه الخصلة السيئة ستصاحبها في ~~الآخرة، ولذلك قال سبحانه: # وأزواج مطهرة.. # [آل عمران: 15]. وأزواج مطهرة من الأشياء التي كنت تغضب منها وستكون ~~مطهرة بتطهير الله لها. { ونزعنا ما في صدورهم من غل ms3357 ~~تجري من تحتهم الأنهار.. } [الأعراف: 43]. ونجد الحق يقول ~~مرة: { تجري تحتها الأنهار } ومرة يقول: { تجري من ~~تحتهم الأنهار } ، ونجد " من " فارقا بين القولين. إننا نرى ~~من يستقر في قصر ونجد الماء منسابا حوله وتحته يسر العيون، وماء الآخرة ~~هو ماء غير آسن، وليس فيه أكدار الدنيا، وكما أننا نسر بالماء في الدنيا ~~سنسر به أضعاف ذلك في الآخرة. وقد تجري المياه تحت القصر ولكن نبعها من ~~مكان بعيد فيخاف صاحب القصر أن يقطعها آخر عنه، ويطمئن الحق عباده ~~الصالحين: ستجري من تحت جناتكم الأنهار وكل المياه ستكون ذاتيتها من موقع ~~كل مكون أنت فيه ولن يتحكم فيك أحد، ولن يسد أحد عنك منبع المياه وسترى ~~أنهار الآخرة بلا شطآن لأن كل شيء ممسوك لا بالأسباب كما في الدنيا، ولكن ~~ب " كن " التي هي لله. # ولذلك يقول العباد في جنة الآخرة: { الحمد لله الذي هدانا ~~لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.. } ~~[الأعراف: 43]. إنهم يقولون الحمد لله لأنه جل وعلا قد جمعهم ودلهم ~~وأرشدهم إلى الثواب والنعيم دون منغصات، والحمد لله هي عبادة يقولها ~~المؤمنون في الآخرة لأنهم أدوا حق الله في تكاليفه في الدنيا ويعطيهم ~~الله فوق ما يتوقعون في الآخرة. ونعيم الآخرة لا قيد عليه، ولن يستطيع ~~بشر مهما ارتقى بالابتكار أن يصل إلى ما في الجنة لأن الشيء يتحقق لك من ~~فور أن يخطر ببالك { وقالوا الحمد لله }. وهذا الحمد لله كان ~~في الدنيا عبادة تكليف، أما في الآخرة فهو " عبادة غبطة وسرور وتلذذ ". ~~{ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا ~~لنهتدي لولا أن هدانا الله }. يقولها المؤمن لأن الله ~~لو لم ينزل منهجا سماويا يحدد له حركة حياته استقامة وينذره ويخوفه من ~~المعاصي لما وصل إلى الجنة. والهداية - كما قلنا - هي الدلالة على الطريق ~~الموصل للغاية، إذن لا بد أن تعرف الغاية أولا ثم تضع الطريق الموصل ~~لها، بحيث لا يكون معوجا ولا يعترضك فيه ما يطيل عليك المسافة، وقوله ~~الحق: { وما كنا لنهتدي لولا ms3358 أن هدانا الله } يمنع ~~أن يضع البشر للبشر قوانين تهديهم إلى الغاية لأن البشر أنفسهم لا يعرفون ~~الغاية لذلك يوضحها لهم خالقهم بمنهجه المنزل على رسوله. وما دامت ~~الهداية من الله فسبحانه لن يخاطب كل إنسان مباشرة، لكنه سبحانه ينزل ~~الرسل يتلون علينا آيات الله ويوضحون لنا المنهج لذلك يأتي الحق في الآية ~~نفسها بقوله الحكيم: { لقد جآءت رسل ربنا بالحق ~~ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون } [الأعراف: 43]. أنت في الحياة الدنيا حين تجد من يقول لك: ~~إن أردت أن ترتاح فأنا أنصحك أن تمشي إلى المكان الفلاني واذهب إليه عن ~~الطريق الفلاني، وستجدك سعيدا مرتاح البال، ثم صدقته ونفذت ما قال، ~~ووجدت الرجل صادقا. ألا تشعر بالسعادة؟. وإذا كان الحق قد أرسل الرسل ~~بالبينات والآيات والمنهج الصحيح، وسار عليه المؤمنون ثم وجدوا الجنة ~~والنعيم لذلك كان لابد أن يشكروا الله وأن يقولوا: { قد جآءت رسل ~~ربنا بالحق }. ولأن الرسل لم يكذبوهم بل جاءوا بالخير لهم. { ~~ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون }. # وكأن الحق يوضح لنا ونحن في دار التكليف أن نستقبل المنهج على هذا ~~الأساس، وعلى كل واحد أن يحدد مكانه من الجنة بقربه من منهج الله أو بعده ~~عنه لأن دخول الجنة هو جزاء العمل طبقا لمنهج الحق. ووقف العلماء هنا - ~~جزاهم الله خيرا - وقالوا: كيف نوفق بين هذه الآية: { ونودوا أن ~~تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } ~~[لأعراف: 43]. وبين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " لن يدخل أحدا عمله الجنة قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا ~~إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة ". # وأقول: ليس هناك تناقض بين قول الله سبحانه وتعالى وقول الصادق المصدوق ~~صلى الله عليه وسلم الذي بلغ عن الله سبحانه، بل بينهما تأييد فالحق ساعة ~~ما شرع أوضح أن من يعمل العمل الصالح سيدخل الجنة، وهذا التشريع لم يجبر ~~أحد الله عليه، بل هو الذي يعطيه لنا فضلا منه فليس لأحد حق على الله ~~لأنه لا يوجد ms3359 عمل يعود بفائدة على الله، واتباع المنهج إنما يعود على ~~العبد بالمنفعة والخير، فإن دخلت الجنة فهذا أيضا بالفضل من الله. ~~وينبهنا القرآن إلى الجمع بين هذه الآيات وأنه لا تعارض بين نص حديثي ونص ~~قرآني. يقول: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. فجزاء كل عمل عائد على الإنسان لأنه يأخذ مكافأته على فعله، ~~فإن كانت المكأفاة أكبر من جزاء الفعل فهي من الفضل لأن الحق هو القائل: # كل امرىء بما كسب رهين # [الطور: 21]. وسبحانه أيضا هو القائل: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]. إن فهمت اللغة وكنت صاحب ملكة ناضجة تقول: هذه " اللام " ~~للملك. وتفيد أنه لاحق لك على الله إلا بسعيك على وفق منهج الله، وأن ~~هذه الآية قد حددت العدل ولم تحدد الفضل. # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا.. # [يونس: 58]. والمثال على ذلك أننا كمسلمين نصلى على الميت المسلم، وقد ~~أمرنا التشريع بذلك، وأن ندعو الله أن يتجاوز عن سيئاته. فهل تضيف هذه ~~الصلاة إلى الميت شيئا زائدا عن عمله؟ لو لم تكن صلاة تضيف شيئا لما ~~أمر التشريع بها. فهي صلاة على ميت مسلم، وإسلامه من عمله، ونجد الحق ~~يقول: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان.. # [الطور: 21]. أي أن الآباء والأبناء يشتركون معا في الإيمان وفي العمل، ~~قوله تعالى: # ألحقنا بهم ذريتهم.. # [الطور: 21]. هذا الإلحاق يفيد أن منزلة الذرية كانت أقل من منزلة ~~الآباء، لكن الحق يرفع من منزلتهم إكراما للآباء. وهذا الإلحاق جزاء ~~للذرية، وقد يكون أيضا جزاء للآباء فيحضر لهم أولادهم معهم ما دام الكل ~~قد اشتركوا في الإيمان، وكان الآباء يتحرون الحلال في إطعام الأبناء ولا ~~يربونهم إلا على منهج الله. # وقد يرى الآباء أبناء جار له يلبسون الملابس الفاخرة ويأكلون الأكل ~~الطيب، ويتحمل الأبناء ويعيشون عيش الكفاف مع هذا الأب الملتزم بالعمل ~~الصالح والأجر الحلال، وينال الأبناء الجنة مع الأب لأنهم تحملوا معه ~~مشاق الالتزام بالحلال. وهكذا نجد كل إنسان مؤمن قد أخذ نتيجة عمله ~~وزيادة. { ونودوا ms3360 أن تلكم الجنة أورثتموها بما ~~كنتم تعملون } [لأعراف: 43]. و { أورثتموها } من " الإرث " ~~وتدل على أن هناك شيئا آل إلى الغير. ونعلم أن الله، علم أزلا كيف سيسلك ~~كل مخلوق وما سيفعله من كفر وإيمان وطاعة ومعصية، وعلى رغم ذلك أعد ~~سبحانه لكل واحد من خلقه مكانه في الجنة على أنه مؤمن، وأعد لكل واحد من ~~خلقه مكانا في النار على أساس أنه سيكفر. إذن فقد أعد سبحانه جنانا ~~بعدد خلقه، وأعد أماكن في الجحيم بعددهم، فليست هناك أزمة أماكن عند ~~إله قادر مقتدر. فإن آمنا كلنا فلن يضيق بنا واسع الجنة، و- والعياذ ~~بالله - إن كفر الخلق جميعا فلن تضيق بهم النار. فإذا كانوا جماعة من ~~خلق سيدخلون الجنة بالعمل، فأين تذهب أماكن أهل النار؟ إن الحق بفضل منه ~~يمنحها المؤمنين. إذن فقد ورثوا الذين لم يستحقوا الجنة بسبب الكفر. وبعد ~~الكلام في الجنة والجزاء وفي حمد التلذذ والسرور والغبطة وفي عهد الجنة، ~~بعد ذلك كان من المناسب أن يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن موقف أهل الجنة ~~من أهل النار فيقول سبحانه: { ونادى أصحاب الجنة... }. ### || [7.44] # وهكذا نرى التبكيت، وتصور لنا الآية كيف يرى أهل الجنة أهل النار، وهذا ~~الترائي من ضمن النعيم ومن ضمن العذاب الأليم، فحين يرى المؤمن بمنهج ~~الله من عاداه وقهره وآذاه وهو في النار فهذا من تمام اللذة. والآخر حين ~~يرى مخالفه في الجنة فهذا أيضا من تمام العذاب. إذن لابد أن يتراءوا، ~~ولذلك يحدث الحوار، وينادي أصحاب الجنة أصحاب النار معترفين بأنهم وجدوا ~~ما وعدهم به الله حقا وصدقا، وأن الحق قد وهبهم هذه الجنة. فهل - يا ~~أهل النار - وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ ونلاحظ أن هناك خلافا بين ~~الأسلوبين مع أن السياق المنطقي واحد فأهل الجنة يقولون: " قد وجدنا ما ~~وعدنا ربنا حقا " ، ولم يأت بالكاف في كلمة ما وعد الثانية بل قال: " ~~فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا "؟ إنه قال سبحانه: " ما وعد " فقط، ولم يقل ~~ما وعدكم كما قال: ما وعدنا لأن ms3361 المراد أن يلفتهم إلى مطلق الوعد، وليس ~~الخاص بهم فقط، بل وأيضا الخاص بالمقابل، وهكذا يتحقق الوعد المطلق لله. ~~فأهل الجنة بإيمانهم وأعمالهم في الجنة فضلا من الله، وأهل النار في ~~النار بكفرهم وعصيانهم عقابا من الله. وهنا يجيب أهل النار: قالوا نعم. ~~وهذا إقرار منهم بالواقع الذي عاشوه واقعا بعد أن كان وعيدا، وهم لم ~~يكابروا لأن المكابرة إنما تحدث بين الخصمين في غير مشهد، وهم في الدنيا ~~قبل أن يوجد المشهد كانوا يكذبون البلاغ عن الله، وصارت الدار الآخرة ~~واقعا، وتحقق وجودهم في النار. { فأذن مؤذن بينهم أن ~~لعنة الله على الظالمين } [الأعراف: 44]. أي فينادي مناد ~~من الملائكة يسمع أهل الجنة وأهل النار بأن الطرد من رحمة الله على ~~الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بعدم الإيمان وبالتكذيب باليوم الآخر. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { الذين يصدون عن سبيل الله... }. ### || [7.45] # والذي يصد عن سبيل الله هو من امتنع عن سبيل الله، وصد غيره، أي ضل في ~~ذاته ثم أضل غيره، وهؤلاء هم الذين يطلبون منهج الله معوجا، ويذمونه ولا ~~يؤمنون به فيعترضون على إقامة الحدود والقصاص، وينفرون الناس عن منهج ~~الله لينصرف الناس عن الدين. هم إذن قد صدوا عن سبيل الله وطلبوا العوج ~~فيما شرع الله لينفروا الناس عما شرع الله، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل ~~هم بالآخرة كافرون، ولو كان الواحد منهم مؤمنا بالآخرة ويعلم أن له ~~مرجعا ومردا إلى الله لما فعل ذلك. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { ~~وبينهما حجاب وعلى الأعراف... }. ### || [7.46] # الحجاب موجود بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وهم يتراءون من خلاله، ~~وبينه الحق سبحانه فقال: # يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا ~~انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم ~~فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه ~~فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب # [الحديد: 13]. باطن هذا الحجاب الرحمة من ناحية أهل الجنة، وظاهره ~~المواجه لأهل النار فيه العذاب، والحق هو القادر على كل شيء لذلك لا ينال ~~أهل الجنة شيء من شقاء أهل النار، ms3362 ولا ينال أهل النار شيء من نعيم أهل ~~الجنة، ويسمع أهل النار ردا على طمعهم في أن ينالهم بعض من نور أهل ~~الجنة، إنكم تلتمسون الهدى في غير موطن الهدى فزمن التكليف قد انتهى، ومن ~~كان يرغب في نور الآخرة كان عليه أن يعمل من أجله في الدنيا، فهذا النور ~~ليس هبة من خلق لخلق، وإنما هو هبة من خالق لمخلوق آمن به. وأنتم تقولون: ~~انظرونا نقتبس من نوركم، وليس في مقدور أهل الجنة أن يعطوا شيئا من نور ~~أهل الجنة فالعطاء حينئذ لله. { وبينهما حجاب وعلى ~~الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم.. } [الأعراف: 46]. ~~و { كلا } المعني بها أصحاب الجنة وأصحاب النار، فقد تقدم عندنا ~~فريقان أصحاب الجنة، وأصحاب النار وهناك فريق ثالث هم الذين على الأعراف، ~~و " الأعراف " جمع " عرف " مأخوذ من عرف الديك وهو أعلى شيء فيه، وكذلك ~~عرف الفرس. كأن بين الجنة مكانا مرتفعا كالعرف يقف عليه أناس يعرفون ~~أصحاب النار بسيماهم، ويعرفون أصحاب الجنة بسيماهم، فكأن من ضمن السمات ~~والعلامات ما يميز أهل النار عن أهل الجنة. وكيف توجد هذه السمات؟ يقال ~~إن الإنسان ساعة يؤمن يصير أهلا لاستقبال سمات الإيمان، وكلما دخل في ~~منهج الله طاعة واستجابة أعطاه الله سمة جمالية تصير أصيلة فيه تلازمه ~~ولا تفارقه. وبالعكس من ذلك أصحاب النار فتبتعد عنهم سمات الجلال والجمال ~~وتحل محلها سمات القبح والشناعة والبشاعة. وإذا ما رأى أهل الأعراف أصحاب ~~الجنة يقولون: سلام عليكم لأن الأدنى منزلة - أصحاب الأعراف - يقول ~~للأعلى - أصحاب الجنة - سلام عليكم. وجماعة الأعراف هم من تساوت سيئاتهم ~~مع حسناتهم في ميزان العدل الإلهي الذي لا يظلم أحدا مثقال ذرة. # فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * ~~وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية # [القارعة: 6-9]. ويا رب لقد ذكرت الميزان، وحين قدرت الموزون لهم لم ~~تذكر لنا إلا فريقين اثنين.. فريقا ثقلت موازينه، وفريقا خفت موازينه، ~~ومنتهى المنطق في القياس الموازيني أن يوجد فريق ثالث هم الذين تتساوى ~~سيئاتهم مع حسناتهم، فلم تثقل ms3363 موازينهم فيدخلوا الجنة، ولم تخف موازينهم ~~فيدخلوا النار، وهؤلاء هم من تعرض أعمالهم على " لجنة الرحمة " فيجلسون ~~على الأعراف. ومن العجيب أنهم حين يشاهدون أهل الجنة يقولون لهم سلام ~~عليكم على الرغم من أنهم لم يدخلوا، ولكنهم يطمعون في أن يدخلوا، لأن ~~رحمة الله سبقت غضبه. { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام ~~عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون } [الأعراف: 46]. ~~وبطبيعة الحال ليس في هذا المكان غش ولا خداع. وماذا حين ينظرون إلى أهل ~~النار؟ ### || [7.47] # انظر إلى التعبير القرآني { صرفت أبصارهم } أي أنهم لم يصرفوا ~~أبصارهم لأن المسألة ليست اختيارية لأنهم يكرهون أن ينظروا لهم لأنهم ~~ملعونون، وكأن في { صرفت أبصارهم } لونا من التوبيخ لأهل ~~النار. وقوله الحق: { وإذا صرفت أبصارهم تلقآء } أي ~~جهة أصحاب النار يقولون: { ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين }. هنا يدعو أهل الأعراف: يا رب جنبنا أن نكون معهم. إنهم ~~حين يرون بشاعة العذاب يسألون الله ويستعيذون به ألا يدخلهم معهم. ويقول ~~الحق سبحانه: { ونادى أصحاب الأعراف... }. ### || [7.48] # وكأن أصحاب الأعراف قد صرفت أنظارهم لأصحاب النار ويرون فيهم طبقات من ~~المعذبين، فهذا أبو جهل، وذلك الوليد، ومعه أمية بن خلف وغيرهم ممن كانوا ~~يظنون أن قيادتهم لمجتمعهم وسيادتهم على غيرهم تعطيهم كل سلطان وكيان، ~~وكانوا يسخرون من السابقين إلى الإسلام كعمار وبلال وصهيب وخباب، وغيرهم ~~ممن عاشوا للحق مع الحق، فيقول أهل الأعراف لهؤلاء: { مآ أغنى ~~عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون }. وكأنهم يقولون ~~لهم: إن اجتماعكم على الضلال في الدنيا لم ينفعكم بشيء.. شياطينكم، ~~والأوثان، والأصنام والسلطان لم ينفعوكم وكذلك استكباركم على الدعوة إلى ~~الإيمان هل أغنى عنكم شيئا؟ لا. لم يغن عنكم شيئا. ويقول الحق بعد ذلك: ~~{ أهؤلاء الذين أقسمتم... }. ### || [7.49] # ويشير أهل الأعراف إلى المؤمنين الصادقين من أمثال بلال وخباب ويقولون ~~لأهل النار من أمثال أبي جهل والوليد بن المغيرة: أهؤلاء الأبرار من أهل ~~الجنة الذين تقولون إنهم لن ينالوا رحمة الله؟ هم إذن - أهل الأعراف - قد ~~عقدوا المقارنة والموازنة بين أهل الجنة وأهل النار، وكأنهم ms3364 نسوا موقفهم ~~في انتظار الفرج وفرحوا بأصحاب الجنة ووبخوا أهل النار، ولم يشغلهم حالهم ~~أن يقفوا موقف الفصل في هذه المسألة، وهنا يدخل الحق سبحانه أصحاب ~~الأعراف جنته لفرحهم بأصحاب الجنة، وتوبيخهم أهل النار ويقول لهم: { ~~ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون ~~} [الأعراف: 49]. وهؤلاء - كما قلنا - هم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم ~~وهم الطائفة التي جلست على الأعراف، فلم تثقل حسناتهم لتدخلهم الجنة، لم ~~تثقل سيئاتهم ليدخلوا النار. ويقول الحق بعد ذلك: { ونادى أصحاب ~~النار... }. ### || [7.50] # وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة مستغيثين طالبين أن يعطوهم ويفيضوا ~~عليهم من الماء أو من رزق الله لهم في الجنة، فيقول أهل الجنة: نحن ~~مربوطون الآن ب " كن " ، ولم يعد لنا الاختيار، وقد حرم الله عليكم أي ~~شيء من الجنة ومنعه عنكم، فأنتم يا أهل النار ممنوعون أو هذه المتع ~~ممنوعة عنكم. وحين يطلب أهل النار الماء، فهم يطلبون أوليات الوجود، في ~~نار أحاطت بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه. ~~ولذلك يقول الحق بعد ذلك عن الكافرين الذين حرم عليهم خير الجنة: { ~~الذين اتخذوا دينهم... }. ### || [7.51] # وهكذا يبين لنا الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية من هم الكافرون الذين ~~حرم عليهم الجنة إنهم من اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، وأول مرحلة تمر على ~~الإنسان هي اللعب ثم تأتي له مرحلة اللهو. ونعلم أن كل فعل توجه ~~إليه طاقة فاعلة، وقبل أن توجه إليه الطاقة الفاعلة يمر هذا الفعل على ~~الذهن كي يحدد الغاية من الجهد. وهذا المقصود له حدود إما أن يجلب له ~~نفعا، وإما أن يدفع عنه ضرا. وكل مقصد لا يجلب نفعا ولا يدفع ضرا، ~~فهو لعب. إذن فتعريف اللعب: هو فعل لم يقصد صاحبه به قصدا صحيحا لدفع ~~ضر أو جلب نفع. كما يلعب الأطفال بلعبهم، فالطفل ساعة يمسك بالمدفع ~~اللعبة أو السيارة اللعبة، هل له مقصد صحيح ليوجه طاقته له؟. لا لأنه لو ~~كان المقصد صحيحا لما حطم الطفل لعبه. والطفل غالبا ما يكسر لعبته ~~بعد قليل، ms3365 وهذا دليل على أنه يوجه الطاقة إلى غير قصد صحيح ولا يجلب ~~لنفسه نفعا ولا يدفع عنها مضرة. ولكن حين توجه الطاقة إلى ما هو ~~أدنى من المهم فهذا هو اللهو، كأن يكون المطلوب منك شيئا وأنت توجه ~~الطاقة إلى شيء آخر. والذي يعاقب عليه الله هو اللهو. أما اللعب فلا. ~~ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يطلب من الأهل أن يدربوا الأبناء ~~على شيء قد يفيد الأمة كالسباحة والرماية وركوب الخيل، ولكن خيبة البشر ~~في زماننا أنهم جعلوا اللعب غاية لذاته. ومن العجيب أن اللعب صار له ~~قانون الجد ولا يمكن أن يخرقه أحد دون أن يعاقب لأن الحكم يرقب ~~المباراة، وإذا ما تناسى الحكم أمرا أو أخطأ هاج الجمهور. وأتساءل: لقد ~~نقلتم قانون الجد إلى اللعب، فلماذا تركتم الجد بلا قانون؟ وكذلك نجد أن ~~خيبة اللهو ثقيلة لأن الإنسان اللاهي يترك الأمر المهم ويذهب إلى الأمر ~~غير المهم. فيجلس إلى لعبة النرد وهي الطاولة ويترك الشغل الذي ينتج له ~~الرزق، وليت هذا اللهو مقصور على اللاهي، ولكنه يجذب أنظار غير اللاهي ~~ويأخذ وقته، هذا الوقت الذي كان يجب أن يستغل في طاقة نافعة. وفساد ~~المجتمعات كلها إنما يأتي من أن بعضا من أفرادها يستغلون طاقاتهم فيما ~~لا يعود على ذواتهم ولا على أمتهم بالخير. إذن فاللهو طاقة معطلة. { ~~اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة ~~الدنيا }. وغرورهم بالحياة الدنيا إنما يأتي من الأسباب التي خلقها ~~الله مستجيبة لهم فظن كل منهم أنه السيد المسيطر. وحين غرتهم الحياة ~~الدنيا نسوا الجد الذي يوصلهم إلى الغاية النافعة الخالدة، ويكون عقابهم ~~هو قول الله سبحانه: { فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء ~~يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون } [الأعراف: ~~51]. # فهل يعني قوله عز وجل: { ننساهم } أنه يتركهم لما يفعلون؟. لا، بل ~~تأخذهم جهنم لتشويهم، ونسيانهم هنا هو أنه - سبحانه - لا يشملهم بمظاهر ~~فضله ولطفه ورحمته ويتركهم للنار تلفح وجوههم وتنضج جلودهم. وهكذا يتأكد ~~من جديد أن الدنيا هي المكان الذي يعد فيه الإنسان ms3366 مكانه في الآخرة، فإن ~~أراد مكانا في عليين فعليه أن يؤدي التكليف الذي يعطيه مكانه في عليين. ~~وإذا أراد مكانه أقل من ذلك فعليه أن يؤدي العمل الأقل. كأن الإنسان ~~بعمله هو الذي يحدد مكانه في الآخرة لأن الحق لا يجازي الخلق استبدادا ~~بهم وافتياتا أو ظلما، ولكنه يجازي الإنسان حسب العمل لذلك فهناك ~~أصحاب الجنة، وهناك أصحاب النار، وهناك أصحاب الأعراف. وهذا العلم الذي ~~ينزله لنا الحق قرآنا ينذرنا ويبشرنا هو دليل لكل مسلم حتى نتنافس على ~~أن تكون مواقعنا في الآخرة مواقع مشرفة. { الذين اتخذوا ~~دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا ~~فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هذا وما ~~كانوا بآياتنا يجحدون } [الأعراف: 51]. وحين يقول الحق ~~سبحانه: { وما كانوا بآياتنا يجحدون } فالآيات إما آيات ~~كونية: # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر.. # [فصلت: 37]. وإما آيات قرآنية كقوله سبحانه: # كتاب فصلت آياته.. # [فصلت: 3]. وإما أن تكون آيات معجزات لإثبات النبوة كقوله سبحانه: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون.. # [الإسراء: 59]. هم إذن جحدوا الآيات كلها، وكان أول جحود هو جحود ~~بالآيات الكونية التي شاهدوها قبل أن يأتي التكليف، فهم عاشوا الليل ~~والنهار. وتنفسوا الهواء، واستمتعوا بدفء الشمس، وروى المطر أراضيهم ~~ووجدوا الكون مرتبا منظما يعطي الإنسان قبل أن يكون للإنسان إدراك أو ~~طاقة، وكان يجب أن تلفتهم هذه الآيات إلى أن لهم خالقا هو الحق الأعلى. ~~وحين جاء لهم الموكب الرسالي جحدوا آيات المعجزات التي تدل على صدق ~~الرسل. وحين جاء القرآن معجزا جحدوا الآيات التفصيلية التي تحمل المنهج. ~~إذن فلا عذر لهم في شيء من ذلك لأن الحق يقول: { ولقد جئناهم ~~بكتاب فصلناه... }. ### || [7.52] # أي لا عذر لهم في شيء من هذا الجحود لأن الكتاب مفصل، وقد يقولون: إن ~~الكتاب طارئ علينا، وكذلك الرسول الذي جاء به. إذن فما موقفهم من الآيات ~~الكونية الثابتة؟ لقد جحدوها أيضا. { ولقد جئناهم بكتاب ~~فصلناه على علم }. و { فصلناه } أي أنه سبحانه لم ينزل ~~كلاما مجملا أو مبهما، لا، بل ms3367 فيه تفصيل العليم الحكيم، إنه فصل ~~أحكامه ومعانيه ومواعظه وقصصه حتى جاء قيما غير ذي عوج، وسبحانه هو ~~القادر أن ينزل المنهج المناسب لقياس ومقام كل إنسان. إنه حينما يأتي ~~إلينا من يستفتينا في أي أمر ويحاول أن يلوي في الكلام لنأتي له بفتوى ~~تبرر له ما يفعله، فنحن نقول له: ليس لدينا فتوى مفصلة لأن الفتاوي التي ~~عندنا كلها جاهزة، ولك أن تدخل بمسألتك في أي فتوى. { فصلناه ~~على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون } [الأعراف: 52]. ~~وهناك أناس سمعوا القرآن ورأوا الآيات واهتدوا، فلماذا اهتدى هؤلاء وضل ~~هؤلاء؟ لقد آمن من صدق بالوجود الأعلى كما قلنا في سورة البقرة: # ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين # [البقرة: 2]. إذن فقد آمن بالقرآن من اهتدى إلى الحق، ومنهم من أوضح ~~الحق عنهم: أنهم حين يستمعون القرآن تفيض أعينهم من الدمع. وأيضا هناك ~~من لا يلمس الإيمان قلوبهم حين يستمعون إلى القرآن. # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا... # [محمد: 16]. وهؤلاء هم الذين غلظت قلوبهم فلم يتخللها أو يدخلها ~~ويخالطها نور القرآن، لذلك تجد الحق يرد عليهم بقوله سبحانه: # أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهوآءهم # [محمد: 16]. ويقول سبحانه: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى.. # [فصلت: 44]. سبق أن ضربنا المثل بأن الفعل في بعض الحالات واحد، لكن ~~القابل للفعل مختلف، لذلك تكون النتيجة مختلفة. وعلى سبيل المثال: إذا ~~كنت في الشتاء، وخرجت ووجدت الجو باردا، وشعرت أن أطراف أصابعك تكاد ~~تتجمد من البرد، فتضم فبضتيك معا وتنفخ فيهما، وقد تفعل ذلك بلا إرادة ~~منك لتدفئ يديك. وكذلك حين يأتي لك كوب من الشاي الساخن جدا، وتحب أن ~~تشرب منه، فأنت تنفخ فيه لتأتي له بالبرودة. والنفخة من فمك واحدة تأتي ~~بحرارة ليديك، وتأتي بالبرودة لكوب الشاي، وهكذا فالفعل واحد لكن القابل ~~مختلف. وكذلك القرآن فمن كان عنده استعداد للإيمان فهو يهتدي به، ومن لا ms3368 ~~يملك الاستعداد فقلبه غلف عن الإيمان. وموقف هؤلاء العاجزين عن استقبال ~~الرحمة موقف غير طبيعي، وماذا ينتظرون بعد هذا الكفر، وبعد الافتئات وبعد ~~الاستكبار وبعد التأبي وبعد اتخاذ الدين لهوا ولعبا، ماذا ينتظرون؟ ها ~~هو ذا الحق سبحانه يوضح لهم العاقبة: { هل ينظرون إلا ~~تأويله يوم... }. ### || [7.53] # وما معنى التأويل؟.. التأويل هو ما يؤول إليه الشيء، هو العاقبة التي ~~يعدها الحق، فالرحمة والجنة لمن آمن، والنار لمن كفر، والحق هو من يقول ~~ويملك قوله لأن الكون كله بيده. وهنا يقول سبحانه وتعالى: { هل ~~ينظرون إلا تأويله }. أي هل ينتظرون إلا المرجع الذي يؤول ~~إليه عملهم؟ إن مرجعهم الأخير هو العذاب بعد الحساب يوم يأتي تأويل وغاية ~~وعاقبة ما عملوا. وحين يأتي يوم القيامة ويتضح الحق ويظهر صدق ما جاء به ~~الرسول من الوعد والوعيد ماذا سيكون قولهم؟.. سيقولون ما أورده سبحانه ~~على ألسنتهم: { يقول الذين نسوه من قبل قد جآءت ~~رسل ربنا بالحق }. أي أنهم سيعلنون التصديق حين لا ينفع هذا ~~التصديق لأنهم لن يكونوا في دار التكليف، سيقرون بالإيمان لحظة لا ~~ينفعهم ذلك. { يقول الذين نسوه من قبل قد جآءت رسل ~~ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ.. } ~~[الأعراف: 53]. هم إذن يقرون بأن الرسل حملت المنهج الحق ويتساءلون عن ~~الشفيع. ونعلم أن الشفيع لابد أن يكون محبوبا عند من يشفع عنده، ونحن في ~~الدنيا نجد من يبحث لنفسه عمن يشفع له عند صاحب جاه يكون أثيرا وعزيزا ~~لديه، أو يكون له كلمة وفضل عليه فلا يرد عليه كلمته. فمن يأتي يوم ~~القيامة بالشفاعة لهؤلاء؟.. لا أحد، وسنجدهم يتخذون الشفعاء من الذين ~~اتخذوهم أندادا لله. وسيعلن هؤلاء أيضا الكراهية لهم، ولو مكنهم الله ~~من الشفاعة ما أعطوها للكافرين المشركين ففي الدنيا كان هؤلاء مؤتمرين ~~بأمر البشر وضلالاتهم. أما يوم الحساب فلا أحد خاضع لإرادة أحد، حتى ~~الجوارح لا تخضع لإرادة صاحبها، بل هي خاضعة للحق الأعلى. وفي الآخرة لا ~~مرادات لأحد. وقد ضربنا من قبل المثل وقلنا: هب أن ms3369 سرية في جيش ما وعليها ~~قائد صغير برتبة ضابط، ومفروض في جنود السرية أن ينفذوا كلامه، ثم راحوا ~~لموقعة وأعطاهم الضابط الصغير أوامر خاطئة بما له من فرض إرادة عليهم ~~فنفذوا ما أمروا به. ولحظة أن يعودوا ويحاسبهم القائد الأعلى فسيقولون: ~~لقد فعلنا ما أمرنا به الضابط المكلف بقيادتنا، وكذلك ستأتي الجوارح في ~~الآخرة: تشهد عليهم أيديهم وأرجلهم وألسنتهم وجلودهم. إذن فالأبعاض سترفع ~~شكواها إلى الله يوم ألا يكون لأحد من ملك سواه، ويومئذ سيقول المكذبون ~~الصدق الذي لن ينفعهم. { قد جآءت رسل ربنا بالحق.. } ~~[الأعراف: 53]. وسوف يبحثون عن شفاعة، لكنهم لن يجدوا، بل إن أول من يسخر ~~من الذين عبدوا غير الله هم المعبودون أنفسهم. ولذلك نجد قوله الحق ~~سبحانه: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98]. وما ذنب المعبود؟.. إن الأصنام لا ذنب لها، بل كل منها ~~يريد أن يشفي نفسه بأن يكون أداة تعذيب لمن أعطوه غير حقه. # ولذلك نجد أن الأحجار التي عبدت تقول: عبدونا ونحن أعبد لله من ~~القائمين بالأسحار لأن القائم في الأسحار من الأغيار قد يختار أمرا غير ~~هذا، ولكنا كنا مقهورين على الطاعة، وقد اتخذوا صمتنا علينا دليلا. إن ~~الأحجار تعلن أنها لم تكن تملك قدرة رفض أن يعبدها أحد أو أن تبعده عنها ~~وتعلن له غباءه. والشاعر يقول: # قد تجنوا جهلا كما قد تجنوا # على ابن مريم والحواري # للمغالي جزاؤه والمغالي # فيه تنجيه رحمة الغفار # وهكذا يأتيهم الحق واضحا يوم القيامة. إنهم سيطلبون العودة إلى الدنيا، ~~وهذا من الخيبة لأن مثل هذا الإقرار ليس من الإيمان، فالإيمان يكون ~~بالغيب لا في المشهد. وحتى ولو عادوا، فلن يؤمنوا!. والحق هو القائل: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه.. # [الأنعام: 28]. وكأنهم نسوا لحظة إقرارهم أنهم من الأغيار، وأتى فيهم ~~القول الفصل من الله. { قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ~~ما كانوا يفترون } [الأعراف: 53]. لقد جاء لهم الخسران بعد أن ~~غاب عنهم ما كانوا يفترون على الله في الدنيا، إنهم رفضوا ms3370 عبادته - ~~سبحانه - وعبدوا غيره أصناما صارت وقودا للنار التي سيصلونها. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { إن ربكم الله الذي خلق... }. ### || [7.54] # هنا ربوبية، وهنا ألوهية: { ربكم الله } ولا أحد يختلف في مسألة ~~الربوبية لأن الحق يقول على ألسنة الكافرين والمشركين: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله.. # [الزمر: 38]. وكذلك إن سألتهم من خلقهم؟ سيقولون: الله، ولم يدع أحد ~~لنفسه مسألة الربوبية، لأن الربوبية جاءت بنفع لهم، لكن الألوهية دخلت ~~بمنهج هو: " افعل ولا تفعل " لأن التكليف من الإله الرب، والتكليف نعمة ~~منه وهو لمصلحتكم أنتم، فلا شيء في التكليف يعود على الله. وفعلكم الحسن ~~أو السيء لن يعطي لله صفة لم تكن له لأن صفات الكمال أزلية، وبصفات ~~الكمال خلقكم أنتم، إذن فأنتم لن تأتوا بصفة ما، بل بصفات الكمال أوجدكم. ~~وإن كنتم أنتم في شك في هذه الربوبية فربكم هو الله - ولله المثل الأعلى ~~- منزه عن التشبيه، كأن تقول الأم للولد: قال لك أبوك لا تسهر خارج ~~المنزل ليلا، فيتأبى الولد. وتنبه الأم ولدها: إن أباك هو الذي يأتي لك ~~بالأكل والشرب، والملابس ويعطيك مصروف اليد.. إلخ. وقد ضربت هذا المثل ~~لأشرح كيف أن المكلف هو الرزاق ولا أحد سواه يرزق، لذلك كان يجب أن ~~تقبل تكاليفه لأن سبق لك بالفضل بأن أعطى لك وسخر لك الدنيا. ومن قبل فصل ~~الحق سبحانه لنا خلق الإنسان، ويفصل لنا هنا خلق السماء والأرض لأن ظرف ~~وجود الإنسان هو السماء والأرض، وكل الخيرات تأتي له من السماء ومن ~~الأرض، وإذا كان الله قد علمنا كيف خلقنا، فهو هنا يعلمنا كيف خلق ~~السماوات والأرض، وخلق الإنسان وخلق السماوات والأرض مسألتان ينشغل بهما ~~العلم الحديث، فمن العلماء من قال: إن الأرض انفصلت عن الشمس، ومنهم من ~~افترض نظريا أن الإنسان أصله قرد، ولهؤلاء نقول: هذا حكم منكم لا يقبل ~~لأنكم لم تشهدوا الخلق، ولذلك فعليكم أن تسمعوا ممن خلق الخلق ليقول لكم ~~كيف خلق الخلق. هو سبحانه يقول: { إن ربكم الله الذي ~~خلق السماوات ms3371 والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش يغشي اليل النهار يطلبه حثيثا ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا ~~له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين } ~~[الأعراف: 54]. والآية تتعرض للخلق الأول وهو السموات والأرض - كما أوضحت ~~- وهو الظرف الوجودي للإنسان الخليفة وطرأ الإنسان على هذا الكون بكل ما ~~فيه من قوى ونواميس، فكأن الله أعد الكون للخليفة قبل أن يخلق الخليفة ~~ليجيء الخليفة فيجد كونا مسخرا له ولا يستطيع أي كائن منه أن يخرج عن ~~مراد الله في شيء { إن ربكم الله الذي خلق }. ومعنى " ~~خلق " أي أوجد شيئا كان معدوما وبرأه على غير مثال سبقه. # فربنا سبحانه قدر كل شيء بنظام دقيق غير مسبوق، هذا هو معنى الخلق، ~~وكلمة " الخلق " مادتها الفاعلة هي: خالق، وسبحانه وتعالى يجمعها مع أنه ~~الخالق الوحيد فيقول: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. إذن فهناك الخالق الأعلى وهو الله، ولكنه سبحانه أيضا ~~أشرك خالقا غيره معه فقال جل وعلا: { فتبارك الله أحسن ~~الخالقين }. كيف؟ لأن الخلق إيجاد شيء معدوم، والذي صنع الميكروفون ~~يقال خلقه، والذي صنع الكوب يقال خلقه، والذي صنع المصباح يقال خلقه، ~~لأنه كان شيئا معدوما بذاته، فأوجده. لكن الفارق أن الخالق من البشر ~~يوجد معدوما من موجود ولا يأتي بمادة جديدة فمن أخذ المواد الموجودة في ~~الكون وصمم منها المصباح وصهر الرمل وفرغ الهواء داخل الزجاج يقال له: ~~خلق المصباح وأوجد معدوما من موجود. لكن الخالق هو خير الخالقين لأنه ~~يخلق من عدم ولم يحرم خلقه حين يوجدون شيئا معدوما من أن يوصف الواحد ~~منهم بأنه خالق، وسبحانه حين خلق خلق من لا شيء، وأيضا فإنكم حين تخلقون ~~أي صنعة تظل جامدة على هيئة صناعتها، فمن صنع الكوب من الرمل المصهور يظل ~~الكوب هكذا، ولا نستطيع - كما سبق أن قلت قديما - أن نأتي بكوب ذكر، ~~وكوب أنثى، ونضعهما معا في مكان ونقول لهما: أنجبا لنا أكوابا صغيرة. ~~لكن ما يخلقه ربنا يعطي له سر الحياة ويجعله بالقانون ينتج غيره وينمو ~~ويكبر. إذن ms3372 فهو أحسن الخالقين. والله سبحانه وتعالى يعطينا خبر خلقه ~~السماوات والأرض. وأوضح سبحانه أن السماوات سبع وقد جاءت مجموعة. أما ~~الأرض فجاء بها مفردة. لكنه جل وعلا قال في آية أخرى: # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض ~~مثلهن.. # [الطلاق: 12]. فكما خلق سبع سموات خلق سبع أراضين، ولماذا جاء بالسماء ~~بالجمع وترك لفظ الأرض مفردا؟.. لماذا لم يقل: سبع أراضين؟ لأن كلمة " ~~أراضين " ثقيلة على اللسان فتركها لثقلها وأتى بالسموات مجموعة لخفتها ~~ويسر نطقها. والسماء هي كل ما علاك فأظلك، هذا معنى السماء في اللغة. لكن ~~هل السماء التي يريدها الله هي كل ما علاك؟.. إن النجم هو ما علاك وقد ~~يقال: إن الشمس علتك، والقمر علانا جميعا. ونلفت الانتباه هنا ونقول ~~للناس الذين أحبوا أن يجعلوا السماوات هي الكواكب إنها ليست دائما ما ~~علانا فالشمس تعلو وقتا وتنخفض وقتا آخر. وكذلك القمر. إذن فالوصف ~~منحسر عن الشمس أو القمر بعض الوقت، ولا يصح أن يوصف أي منهما بأنه سماء ~~دائما. وشيء آخر وهو أنهم حينما قالوا على الكواكب التي كانت معروفة ~~بأنها كواكب سبعة وقالوا: إن هذه هي السماء، إنهم بقولهم هذا قد وقعوا في ~~خطأ. وأوضح الحق لنا بالعلم أن للشمس توابع أخرى. فمرة رأى العلماء ~~ثمانية توابع، ومرة تسعة، وأخرى عشرة توابع، وهكذا انهدمت فكرة أن ~~التوابع هي السماء، وبقيت السماء هي ما فوق هذا كله، والحق هو القائل: # إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب # [الصافات: 6]. هذه - إذن - زينة للسماء الدنيا، والسماء التي يقصدها ~~ربنا ليست هي التي يقولون عليها، بل السماء خلق آخر لا يمكن لأحد أن يصل ~~إليه، وكان الجن قديما يقعدون منها مقاعد للسمع { فمن يستمع ~~الآن يجد له شهابا رصدا }. وحدث هذا بعد بعثته صلى الله ~~عليه وسلم والحق هو من قال لنا ذلك. ولم يوضح الحق لنا حقيقة هذه السماء ~~ونظامها، أي أن ربنا يريد لعقولنا أن تفهم هذا القدر فحسب، وسبحانه خالق ~~السماء التي فوقنا، وهو جل وعلا خالق أراضين. وأين ms3373 هي هذه الأراضين؟.. ~~أهي أراضين مبعثرة؟ ولقد أثبت العلم أن كل مجرة من المجرات فيها مليون ~~مجموعة شمسية، وكل مجموعة شمسية فيها أرض، إذن فهناك أراض عديدة، ونلحظ ~~أن الحق سبحانه حين يتكلم عن الأرض فكل مخاطب بالأرض التي هو فيها، ولذلك ~~قال بعض العلماء: إن في هذا العالم العالي توجد أراض، وكل أرض أرسل لهم ~~الحق رسولا. والحق هو القائل: # ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما ~~من دآبة وهو على جمعهم إذا يشآء قدير # [الشورى: 29]. ويعطينا العلم كل يوم مزيدا من الاكتشافات. وهكذا تكون ~~السماء هي كل ما علاك والأرض كل ما أقلك. وما دامت سبع سماوات والسماء ~~الأولى فراغ كبير وفضاء، وتأتي بعدها السماء الثانية تظل السماء الأولى، ~~وكل سماء فيها أرض وفيها سماء أخرى. ونحن غير مكلفين بهذا، نحن مكلفون ~~بأن نعلم أن الأرض التي نحن عليها مخلوقة لله. والحق يقول: { خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام.. } [الأعراف: 54]. وقوله: ~~{ في ستة أيام } هو ظرف للخلق. واليوم نعرف أنه المدة من طلوع ~~الشمس إلى الغروب ثم إلى الشروق ومدته أربع وعشرون ساعة. لكن لا بد لنا ~~أن نعرف بعضا من اصطلاحات الحق القرآنية. فهو يقول سبحانه وتعالى: # سيروا فيها ليالي وأياما آمنين # [سبأ: 18]. أي هناك ليل وهناك يوم، إذن فاليوم عند الحق غير اليوم عندنا ~~لأننا نطلق اليوم على المدة الزمنية من طلوع الشمس إلى غروبها وشروقها من ~~جديد. هكذا يكون اليوم في العرف الفلكي: من شروق إلى شروق، أو من غروب ~~إلى غروب، وقول الحق: { سيروا فيها ليالي وأياما آمنين ~~}. يعني أنه سبحانه قد جعل الليل قسما والنهار قسما، وهل كان هناك من ~~عرف اليوم إلا بعد أن وجدت الشمس؟.. وإذا كانت الشمس هي التي تحدد اليوم ~~فكيف عرف اليوم قبلها وخصوصا أن السماء والأرض حينما خلقتا لم تكن ~~هناك شمس أو كواكب؟.. وعلينا هنا أن نعرف أن هذا هو تقديره سبحانه وقد ~~خاطبنا به بعد أن خلقه، وخاطبنا به بعد أن عرفنا مدة اليوم. ms3374 # ألم تقرأ قول الله سبحانه: # ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # [مريم: 62]. وليس في الآخرة بكرة ولا عشى، إذن سبحانه قد قدر البكرة ~~وقدر العشي، وكذلك { في ستة أيام } وتلك هي الآيات المحكمات في ~~القرآن بالنسبة لزمن الخلق ستة أيام، ولكن آية التفصيل للخلق، جاءت في ~~ظاهر الأمر أنها ثمانية أيام. اقرأ معي: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين * ~~ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين.. # [فصلت: 9-12]. والظاهر من آية التفصيل أنها ثمانية أيام، أما آيات ~~الإجمال فكلها تقول: إنها ستة أيام، ومن هذه النقطة دخل المستشرقون، ~~وادعوا زورا أن القرآن فيه اختلاف، وحالوا أن يجعلوها ضجة عالية. ونقول: ~~إنه - سبحانه - خلق الأرض وما فيها في أربعة أيام كاملة بلا زيادة ولا ~~نقصان، فالمراد أن ذلك حصل وتم في تتمة أربعة أيام ويضم إليها خلق ~~السموات في يومين فيكون عدد الأيام التي تم فيها خلق السموات والأرض ~~ستة أيام أو نحمل المفصل على المجمل، فحين يقول الحق: { إن ربكم ~~الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام.. ~~} [الأعراف: 54]. فهل خلق الله يحتاج إلى علاج حتى يتطلب الزمن الممتد؟.. ~~إن ربنا يخلق ب " كن " ، ونحن البشر نعالج على حسب قدرتنا لنخلق شيئا، ~~وكل عملية نقوم بها تأخذ زمنا، لكن من يخلق بكلمة " كن " فالأمر بالنسبة ~~له هين جدا - سبحانه وتعالى - لكن لماذا جاء بخبر الخلق في ستة أيام؟ ~~نعلم أن هناك فرقا بين ميلاد الشيء وبين تهيئته للميلاد. وكنا قد ضربنا ~~المثل سابقا - ولله المثل الأعلى - بصانع الزبادي، الذي يأتي بأكواب ~~اللبن الدافئ، ثم يضع في كل منها جزءا من خميرة الزبادي، ويضع تلك ~~الأكواب في الجو المناسب. فهل يؤدي هذا الرجل عملا لمدة أثنتي عشرة ساعة ~~في كل كوب، وهي المدة اللازمة لتخمر ms3375 الكوب؟.. طبعا لا، فقد اكتفى بأن في ~~كل كوب عناصر التخمر لتتفاعل بذاتها إلى أن تنضج. ولننظر إلى خلق الجنين ~~من تزاوج بويضة وحيوان منوي. ويأخذ الأمر تسعة شهور وسبحانه جل وعلا لا ~~يعمل في خلق الجنين تسعة شهور، لكنه يترك الأمر ليأخذ مراحل تفاعلاته. ~~إذن فخلق الله السموات والأرض في ستة أيام لا يعني أن الستة أيام كلها ~~كانت مشغولة بالخلق، بل قال سبحانه: " كن " وبعد ذلك ترك مكونات السماوات ~~والأرض لتأخذ قدرها ومراحلها لأن ميلادها سيكون بعد ستة أيام. # وفي القرآن آية من الآيات أعطتنا لمحة عن هذه المسألة، فقال سبحانه: # ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب # [ق: 38]. أي خلق سبحانه السماوات والأرض دون تعب لأنه لا يعالج مسألة ~~الخلق، بل إنما يحدث ذلك بأمر " كن " فكانت السماوات والأرض. والآية التي ~~بعدها فورا تقول: # فاصبر على ما يقولون.. # [ق: 39]. وكأن قوله سبحانه هنا جاء لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ~~موضحا له: إنهم يكذبونك وقد ترغب في أن نأخذهم أخذ عزيز مقتدر. لكن الحق ~~جعل لكل مسألة كتابا، فهو قد خلق السماء والأرض في ستة أيام. ونحن في ~~حياتنا نقول لمن يتعجل أمرا: يا سيدي إن ربنا خلق السماء والأرض في ستة ~~أيام. فلا تتعجل الأمور. إذن كان ربنا هو القادر على أن ينجز خلق السماء ~~والأرض في لحظة، لكنه أمر " بكن " وترك المواد تتفاعل لستة أيام. ولماذا ~~لا نقول: جاء بكل ذلك ليعلمنا التأني، وألا نتعجل الأشياء؟ لأنه وهو ~~القادر على إبراز السماوات والأرض في لحظة، خلقها في ستة أيام، ولذلك قال ~~سبحانه: # فاصبر على ما يقولون.. # [ق: 39]. أي لا ترهق نفسك لأنه سبحانه خلق السماء والأرض في ستة أيام، ~~وسيأتي لهؤلاء الجاحدين يومهم الذي يؤاخذون فيه بسوء أعمالهم وسوف يأتي ~~حتما. وهناك من يتساءل: كيف خلق الكون بما فيه من الرواسي والكائنات؟.. ~~ونقول: إنه الإنجاز الذي أخبر به سبحانه مرة واحدة، وانفعلت الكائنات ~~للقدرة مرة واحدة، وتعددت استدامة انفعالات ms3376 السامع لقدرة الله، في كل ~~جزئية من جزئيات الفعل، وأخذ الأمر ستة أيام. واستقر الأمر بعد ذلك ~~واستتب، وسبحانه يقول: { ثم استوى على العرش.. } [الأعراف: ~~54]. ولا بد أن نعرف العرش ما هو. وسبحانه يقول في ملكة سبأ: # ولها عرش عظيم # [النمل: 23]. فالعرش إذن هو سرير الملك لأن الملك لا يجلس على العرش إلا ~~بعد إن تستقر الأمور. فكأن قوله: { استوى على العرش } كناية عن ~~تمام الأمور وخلقها وانتهت المسألة. لكن العلماء حين جاءوا في { ~~استوى } ، اختلفوا في فهمها لأن العرش لو كان كرسيا يجلس عليه الله، ~~لكان في ذلك تحييز لله ووضعه وضمه في جرم ما. وسبحانه منزه عن أن يحيزه ~~شيء. ولذلك أخذ العلماء يتلمسون معاني لكلمة { استوى } منهم من قال: ~~إن معناها هو قصد إليها بخلقه واختراعه، ومنهم من قال: المقصود بها أنه ~~استعلى وارتفع أمره، ومنهم من قال: " صعد " أمره إلى السماء واستند إلى ~~قوله الحق: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان.. # [فصلت: 11]. وكلها معان متقاربة. وجماعة من العلماء أرادوا أن يخرجوا ~~من التشبيهات فقالوا: المقصود ب " استوى " أنه استوى على الوجود، ولذلك ~~رأوا أن وجود العرش والجلوس عليه هو سمة لاستقرار الملك. # وحتى لا ندخل في متاهات التشبيهات، أو متاهات التعطيل نقول: علينا أن ~~نأخذ كل شيء منسوب إلى الله في إطار: # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. فحين يقول سبحانه: # يد الله فوق أيديهم.. # [الفتح: 10]. ونحن نفهم أن لليد مدلولا، والقرآن لغة عربية يخاطبنا بها ~~سبحانه، فالقول أن لله يدا فهذا دليل على قدرته. واستخدام الحق كلمة ~~اليد هنا كناية عن القدرة. والإنسان عليه أن يأخذ كل شيء منسوب إلى الله ~~مما يوجد مثله في البشر، في إطار " ليس كمثله شيء " ، فنقول: سبحانه له ~~يد ليست كيد البشر، وله وجود لكنه ليس كوجود البشر، وله عين ليست كعيون ~~البشر. وله وجه ليس كوجه أحد من البشر. ولذلك حينما سئل سيدنا الإمام ~~مالك عن هذه المسألة قال لمن سأله: " الاستواء معلوم والكيف مجهول ~~والسؤال عنه بدعة " وأراك رجل ms3377 سوء! أخرجوه. نعم السؤال عنه بدعة لأنه ~~يدخل بنا في متاهة التشبيه ومتاهة التعطيل، وهل سأل أحد من صحابة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن معنى الاستواء؟.. لا لأنهم فهموا المعنى، ولم ~~يعلق شيء من معناها في أذهانهم حتى يسألوا عنها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. إنهم فهموها بفطرتهم التي فطرهم الله عليها في إطار ما يليق بجلال ~~الله وكماله. وإن قال قائل: أرسول الله كان يعلم المعنى أم لا يعلم؟.. إن ~~كان يعلم لأخبرنا بها، وإن لم يخبرنا فقد أراد أن يكتمها. وإن لم يكن قد ~~علم الأمر.. فهل تطلب لنفسك أن تعلم ما لم يعلمه صلى الله عليه وسلم؟ أو ~~أنه صلى الله عليه وسلم ترك لكل واحد أن يفهم ما يريد ولكن في إطار " ~~ليس كمثله شيء " والذين يمنعون التأويل يقولون: إياك أن تؤول اليد ~~بالقدرة لأنه إن قال: إن له يدا، فقل ليست كأيدينا في إطار " ليس كمثله ~~شيء " لأنه سبحانه له حياة، وأنت لك حياة، أحياته كحياتك؟. لا، فلماذا ~~إذن تجعل يده مثل يدك؟.. إذن لابد أن ندخل على كل صفة لله فننفي عنها ~~التعطيل وننفي عنها التشبيه. ثم إن من يمنعون التأويل نقول لكل منهم: أنت ~~ستضطر أخيرا إلى أن تؤول لأن الحق يقول: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88]. وما دام " كل شيء هالك إلا وجهه " فكل ما يطلق عليه شيء ~~يهلك، ويبقى وجهه سبحانه فقط، فلو أنت قلت الوجه هو هذا الوجه، فكأن يده ~~تهلك ورجله تهلك وصدره يهلك، وحاشا لله أن يحدث ذلك. وتكون قد دخلت في ~~متاهة ما لها من آخر. لذلك نقول: لنأخذ النص وندخله في إطار " ليس كمثله ~~شيء ". # وآية الاستواء على العرش هذه، مذكورة في سور كثيرة، وهي تحديدا في " ~~سبعة مواضع " في سورة الأعراف التي نحن بصددها، وسورة يونس، وسورة الرعد، ~~وسورة طه، وسورة الفرقان، وسورة السجدة، وسورة الحديد. وهنا يقول الحق ~~بعد الحديث عن الاستواء على العرش: { يغشي اليل النهار }. الله ~~- سبحانه - قد ms3378 خلق السماء والأرض للخليفة في الأرض وهيأ له فيها أصول ~~الحياة الضرورية ودله على ما يحتاج إليه، فماذا سيفعل هذا الخليفة؟.. لا ~~بد أن يقوم بكل مقومات الحياة، وإذا ما عمل فسيبذل جهدا، والجهد يقتضي ~~راحة. ومن يشتغل ساعة لا بد أن يرتاح ساعة. وإن اشتغل ساعتين ولم يسترح ~~ساعة غلب على نفسه. ونحن نرى في الآلة التي تعمل ثلاث ورديات يوميا أي ~~التي تعمل لمدة الأربع والعشرين ساعة دون توقف أنها تستهلك أكثر من ~~الآلة التي تعمل ورديتين، والآلة التي تعمل وردية واحدة أي لمدة ثماني ~~ساعات يطول عمرها أكثر. وكل إنسان يحتاج إلى الراحة. فشاء الحق سبحانه ~~وتعالى أن يبين لنا أن الليل والنهار متعاقبان من أجل هذا الهدف: # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله.. # [القصص: 73]. أي لتسكنوا في الليل، وتبتغوا الفضل في النهار، فإن كنت لم ~~تسترح بالليل فلن تقدر أن تعمل بالنهار، فمن ضروريات حركة الخلافة في ~~الأرض أن يوجد وقت للراحة ووقت للعمل. لذلك أوضح سبحانه لنا: أنا خلقت ~~الليل والنهار، وجعلت الليل سكنا إلى للراحة والبعد عن الحركة، والحق ~~يقول هنا: { يغشي اليل النهار.. } [الأعراف: 54]. ويكون ~~المعنى هنا أن النهار يغشي الليل، ولذلك تحدثنا من قبل عن تتابع الليل ~~والنهار لنستنبط منها الدليل على أن الأرض كرة. # وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر أو أراد شكورا # [الفرقان: 62]. والليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، وفي مصر نكون ~~في نهار مثلا، ويكون هذا الوقت في بلد آخر ليلا، وإذا سلسلتها إلى أول ~~ليل وإلى أول نهار، وأيهما الذي كان خلفه للثاني؟ فلن تجد لأن كلا ~~الاثنين خلقا معا. ولو كانت الأرض مخلوقة على هيئة التسطيح وكانت الشمس ~~قد خلقت مواجهة لسطح الأرض لكان النهار قد خلق أولا ثم يعقبه الليل، ولو ~~كانت الشمس قد خلقت غير مواجهة للسطح كان الليل سيأتي أولا ثم تطلع ~~الشمس على السطح ليوجد النهار. والحق سبحانه أراد من الليل والنهار أن ~~يكون ms3379 كلاهما خلفة للآخرة، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا إذا كان الله سبحانه ~~خلق الليل والنهار دفعة واحدة. كان لابد أن تكون الأرض كرة ليغشى النهار ~~الجزء المواجه للشمس، وليغشى الليل الجزء غير المواجه للشمس، وحين تدور ~~الأرض يأتي النهار خلفة لليل، ويكون الليل خلفه للنهار. # وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر أو أراد شكورا # [الفرقان: 62]. { يغشي اليل النهار } ويغشى النهار الليل ~~وحذفت للاعتماد على الآيات السابقة التي منها قوله الحق سبحانه: # ولا اليل سابق النهار.. # [يس: 40]. أي أن الليل لا يسبق النهار وكذلك النهار لا يسبق الليل، وهذا ~~دليل على أنهما خلقا دفعة واحدة. والحق يقول هنا: { والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق ~~والأمر.. } [الأعراف: 54]. فلا أحد من هذه الكائنات له اختيار أن ~~يعمل أو لا يعمل، بل كلها مسخرة، ولذلك تجد النواميس الكونية التي لا دخل ~~للإنسان فيها ولا لاختياراته دخل في أمورها تسير بنظام دقيق، ففي الوقت ~~الفلاني ستأتي الأرض بين الشمس والقمر، وفي الوقت الفلاني سيقع القمر بين ~~الأرض والشمس، وسيحدث للشمس كسوف، وسيحدث للقمر خسوف، وكل أمر من هذا له ~~حساب دقيق. { يغشي اليل النهار يطلبه حثيثا ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا ~~له الخلق والأمر.. } [الأعراف: 54]. والخلق إيجاد الأشياء من ~~عدم، فبعد أن خلق الله الكون لم يترك شؤون الكون لأحد، بل - سبحانه - له ~~الأمر بعد ذلك. وقيوميته باقية لأنه لم يزاول سلطانه في ملكه ساعة الخلق ~~ثم ترك النواميس تعمل، لا، فبأمره يعطل النواميس أحيانا، ولذلك شاء ~~الحق أن تكون معجزات الأنبياء لتعطيل النواميس لنفهم أن الكون لا يسير ~~بالطبع أو بالعلة. لذلك يقول: { ألا له الخلق والأمر }. وإذا ~~نظرت إلى كلمة " الأمر " تجد الحق يقول: # قل إن الأمر كله لله.. # [آل عمران: 154]. والمقصود هو الأمر الكوني، أما الأمور الاختيارية فلله ~~فيها أمر يتمثل في المنهج، وأنت لك فيها أمر إما أن تطيع وإما أن تعصي، ~~وأنت حر. { ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب ~~العالمين } [الأعراف: ms3380 54]. وحين يقول سبحانه: { تبارك الله } ~~وقال من قبل: { أحسن الخالقين } ، فكل لفظ له معنى، ففي خلقه من ~~البشر مواهب تخلق ولكن من موجود وأوضحنا ذلك. وفي قول آخر يصف الحق ~~نفسه: # وهو أسرع الحاسبين # [الأنعام: 62]. والناس تتعلم الحساب وخلقوا آلات حاسبة، وهي آلات تتم " ~~برمجتها " وإعدادها وتهيئتها للجمع والطرح والضرب والقسمة، وكل حدث من ~~الحساب يأخذ مدة. لكن الحق يحسب لكل البشر دفعة واحدة. لذلك فهو أسرع ~~الحاسبين لأنه ليس هناك حساب واحد، فأنت لك حساب مع الله، والآخر له حساب ~~مع الله، والحساب مع الله متعدد بتعدد أفراد المحاسبين، وحساب الحق للخلق ~~لا يحتاج إلى علاج، بل ينطبق عليها ما ينطبق على الرزق، ولذلك حينما سئل ~~علي كرم الله وجهه: - أيحاسب الله خلقه في وقت واحد؟ قال: وما العجب في ~~ذلك ألم يرزقهم في وقت واحد؟ وانظر إلى القرآن تجد الحق { أسرع ~~الحاسبين } و { أحسن الخالقين } ، و { أرحم ~~الراحمين } و { خير الوارثين }. وهذه هي الألفاظ التي وردت، ~~ولله فيها مع خلقه صفة، لكن صفة الله دائما في إطار { ليس كمثله ~~شيء }. { تبارك الله رب العالمين }. و { تبارك ~~الله } أي أنه - تعالى - تنزه لأن هناك فرقا بين القدرة المطلقة - ~~وهي قدرة الله - والانفعال للقدرة المطلقة بالإرادة وب " كن " وهذا هو ~~الانفعال والانقياد وللإرادة والأمر. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: ~~{ ادعوا ربكم تضرعا وخفية... }. ### || [7.55] # والدعاء إنما يكون من عاجز يدعو أو قادرا على إنجاز وتحقيق ما عجز عنه ~~أو يعينه عليه. وعندما تشعر أنك عاجز فأنت ترتكن إلى من له مطلق القدرة ~~لأن قدرتك محدودة. إذن فإن كنت تطغى أو تتكبر فاعرف مكانتك ومنزلتك جيدا ~~وتراجع عن ذلك لأنك عرض زائل، والدعاء هو تضرع، وذلة، وخشوع، وإقرار منك ~~بأنك عاجز، وتطلب من ربك المدد والعون. واستحضار عجزك وقدرة ربك تمثل لك ~~استدامة اليقين الإيماني. وما جعل ربنا للناس حاجات إلا من أجل ذلك لأن ~~الإنسان إذا ما رأى الأشياء تنفعل له، ويبتكر ويخترع فقد يأخذه الغرور، ~~فيأتي له بحاجة ms3381 تعز وتعجز فيها الأسباب، فيقف ليدعو. ومن كان متكبرا ~~وعنده صلف وغطرسة يذهب إلى رجل " غلبان " زاهد تجرد من الجاه والسلطان ~~منقطع لعبادة الله ويقول له: أستحلفك برسول الله أن تدعو لي لأني في أزمة ~~والذي يسأل الغلبان الزاهد هو رجل عزيز في قومه لكنه يظن أن الغلبان ~~الزاهد أقرب إلى الله منه. إذن الدعاء هو الضراعة وإظهار الذلة والخشوع ~~لله لكي يستديم اليقين الإيماني. { ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية.. } [الأعراف: 55]. وإياك أن تدعو وفي بالك أن تقضي حاجتك ~~بالدعاء، عليك بالدعاء فقط لقصد إظهار الضراعة والذلة والخشوع، ولأنك لو ~~لم تدع فستسير أمورك كما قدر لها، والدعاء هو إظهار للخشوع، وإياك أن ~~تفهم أنك تدعو الله ليحقق لك مطالبك لأنه سبحانه منزه أن يكون موظفا ~~عندك، وهناك نظام وضعه سبحانه لتحقيق مطالب العباد. ومن الناس من يطلب ~~بالدعاء أشياء ضارة. # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # [الإسراء: 11]. والإنسان قد يتعلق قلبه بأماني قد تضره لذلك نقول: لا ~~تتعجل بالدعاء طلبا لأمنيات قد تكون شرا عليك، والحق العليم ينظم لنا ~~أمورنا، وإياك أيضا أن تيأس حين لا تجاب دعوتك التي في بالك لأن الله ~~يحقق الخير لعباده. ولو حقق لك بعضا مما تدعو فقد يأتي منها الشر، ويترك ~~الله لأقضيتك أمورا تبين لك هذا، وتقول: إن الشيء الفلاني الذي كنت ~~أتمناه تحقق وجاء شرا علي. مثال ذلك قد تحجز لطائرة لكنك لا تلحق بها ~~فقد أقلعت قبل أن تصل إليها وحزنت لأن بعضا من مصالحك قد فاتك ولم يتحقق ~~وتفاجأ بأن هذه الطائرة سقطت في البحر. إذن، اجعل حظك من الدعاء هو ~~الخشوع والتذلل والضراعة له سبحانه لا إجابتك إلى ما تدعو إليه، إنك دعوت ~~لتطلب الخير، فدع الحق بقيوميته وعلمه يحقق لك الخير. واسمع قول الله: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # [الإسراء: 11]. إذن فحين يقول الحق: { ادعوا ربكم تضرعا ~~وخفية } فسبحانه يطلب منا أن ندعوه لأننا سنواجه لحظات متعددة نعجز ~~فيها عن أشياء، فبدلا من ms3382 أن تظل مقهورا بصفة العجز عن الشيء اذكر أن لك ~~ربا قويا مقتدرا، وساعة تذكر ذلك لن تأخذك الأسباب من حظيرة الإيمان. # وقلنا من قبل: من له أب لا يحمل هما للحياة، فإذا كان الذي له أب لا ~~يحمل هما لمطلوبات الحياة فمن له رب عليه أن يستحي ويعرف أن ربه سيوفر ~~له الخير لذلك يوضح سبحانه: إذا أعجزتكم الأسباب فاذكروا أن لكم ربا. ~~وقد طلب منكم أن تدعوه، ولا تظن أن حظك من الدعاء أن تجاب إلى ما طلبت، ~~بل ليكن حظك من الدعاء إظهار التذلل والخشوع لله فقد يكون ما حدث لك ~~نتيجة أنك قد اغتررت بنفسك. وقد سبق " قارون " إلى الغرور، فماذا حدث ~~له؟.. لقد هزمه الحق وأنزل به شر العقاب. وقد يجعل الحق من تأبى ~~الأسباب وامتناعها عليك مغزى لتلتفت إلى الله، لكن لفتتك لله لا يصح أن ~~تكون بغرض أن يقضي حاجتك، بل اجعل أساس لفتتك لله أن تظهر العجز أمامه ~~والخضوع والخشوع ليعيطك ما لم يكن في بالك حين تدعوه. { ادعوا ~~ربكم تضرعا وخفية.. } [الأعراف: 55]. خفية لها معنى وهو ~~أن يكون الدعاء دعاء مستورا مختبئا، ولها معنى آخر وهو أن تكون من ~~الخوف أي ادعو ربكم خوفا من متعلقات صفات الجلال كالجبار والقهار أو ~~خوفا من أن يردها الله عليك فلا يقبلها منك. ادعوا ربكم تضرعا بذلة ~~وانكسار وخضوع خفية بينك وبين ربك، فلا تجهر بالدعاء وتجعله عملك الوحيد ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمنا حينما كان في غزوة غزاها فنزل أصحابه ~~واديا، فلما نزلوا الوادي صاحوا بالتهليل والتكبير، فقال: # " أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبا، إنكم ~~تدعون سميعا قريبا وهو معكم ". # والدعاء إلى الله خفية يبتعد بك عن الرياء وهو أستر لك في مطلوباتك من ~~ربك لأنه حين يوضح لك: ادعني في سرك لأنني سميع عليم فاعلم كل ما ظهر ~~منك وما بطن، ادع بالخضوع والخشوع والتذلل لتنكسر فيك شهوة الكبرياء، ~~وشهوة الغطرسة، وشهوة الجبروت. وإذا ما ms3383 نظرت إلى هذا تجد أن كثيرا من ~~العلماء يقولون: - نعرف قوما يقرأون القرآن في محضرنا وما عرفنا لشفاههم ~~حركة، وعرفنا قوما يستنبطون الأحكام من كلام الله وما رأينا منهم ~~انفعالا يصرفهم عنا. إذن فالمسألة تعبر عن شغل باطني داخلي. ويريد الحق ~~سبحانه وتعالى أن يبعدنا عن الرياء ويريد أن يستر علينا مطلوباتنا لأن ~~الإنسان قد يطلب من الله سبحانه وتعالى ما يستحي أن يسمعه آخر. { ~~ادعوا ربكم تضرعا وخفية.. } [الأعراف: 55]. ولو نظرت ~~إلى هذه الآية لوجدت أن كثيرا من الناس يخالفونها مخالفات جماعية في ~~الليل مثلا تجد من يصعدون على المآذن أو يصيحون في مكبرات الصوت التي ~~أغنتهم عن صعود المآذن، ويكون الواحد من هؤلاء نائما طول النهار لأن رفع ~~الأذان هو عمله ليس غير، وبعد ذلك يظل يصرخ ويستغيث ويقول: " إن هذه ~~ابتهالات ". # بينما من الناس من هو نائم ليأخذ قسطه من الراحة ليؤدي عمله نهارا، ولا ~~أحد يطلب من هذا النائم إلا أنه إذا جاء الفجر يستيقظ ويؤدي الصلاة. ~~فلماذا نقلق الناس بهذا؟ إننا لا بد أن ننبه هؤلاء الذين يظنون أنهم ~~يذكرون الناس بدين الله، إنهم بعملهم هذا لا يسلكون الطريق الصحيح لأننا ~~لا يمكن أن نذكر الناس بالله ونصنع مخالفة أو نؤذي أحدا فسبحانه يقول: { ~~ادعوا ربكم تضرعا وخفية }. والتضرع والخفية تقتضي ألا ~~أقلق الناس، أو أن أعلن الأمور التي أريدها لنفسي خاصة بصوت عال مثل من ~~يأتي في ختام الصلاة ويقول دعاءه بصوت عال وهو رافع يديه، ولمثل هذا ~~أقول: إن الله سبحانه وتعالى جعل لنا القنوت لندعو فيه، وترك كل مسلم أن ~~يدعو بما ينفعل له. وأنت حين تدعو في ختام الصلاة قد يوجد مصل مسبوق ~~لحق الصلاة بعد أن سبقه الإمام بركعة أو باثنتين أو بثلاث ويريد أن يكمل ~~صلاته، وأنت حين ترفع صوتك بالدعاء حين تختم صلاتك إنما تفسد عليه إتمام ~~صلاته. وتشغله بمنطوق من عندك وبكلام من عندك عن شيء واجب عليه. ومن يفعل ~~ذلك إنما يفعله عن حسن نية، لكنه ms3384 يسيء إلى عبادة آخر. إذن فلا بد أن ~~نتنبه إلى أن الله سبحانه وتعالى له مطلوبات، هذه المطلوبات قد تخالفها ~~النفس لغرض ترى أنه حسن، لكن خذها في إطار: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف: 103-104]. فلا بد أن نتنبه إلى مثل هذه المسائل، وعلينا أن نوفر ~~الراحة لمن ينام ليقوم ويصلي الصبح ويذهب إلى عمله لذلك لا داعي أن يفتح ~~إنسان " الميكروفون " ويعلو صوته بالدعاء، ومن يفعل ذلك يظن أنه يحرص على ~~أمر مطلوب فيزعج النائم، بل ويزعج من يصلي بالليل أو " يشوش " على من ~~يقرأ القرآن أو يستذكر بعضا من العلم. إن على من يفعل ذلك أن يترك كل ~~إنسان لانفعالاته، وأن يكون ملك نفسه وملك اختياره. ويعطينا الحق سبحانه ~~وتعالى صورا كهذه فيقول: # إذ نادى ربه ندآء خفيا * قال رب إني وهن ~~العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن ~~بدعآئك رب شقيا # [مريم: 3-4]. إذن كلمة " خفي " موجودة في القرآن، ولا بد أن نتنبه إلى ~~الدعاء الخفي. { ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا ~~يحب المعتدين } [الأعراف: 55]. # إذن إن لم يكن تضرعا وخفية فهو اعتداء في الدعاء لأنك مكلف والله ~~هو المكلف، وهو يقول لك: ادعوني تضرعا وخفية. فإن فعلت غير هذا تكن ~~معتديا، وعلى كل هؤلاء أن يفهموا أنهم معتدون فإما أن يكون الاعتداء في ~~أسلوب الطلب وإما ان يكون الاعتداء في المطلوب. لأن الحق حدد أسلوب ~~الطلب فأوضح: ادعوني بخفاء، فإن دعوت في غير الخفاء تكن معتديا على منهج ~~الله. وكذلك قد يكون الاعتداء في المطلوب فلا يصح مثلا أن تقول: إنني ~~أدعوك يا رب أن تجعلني نبيا. إن ذلك لا يصح وربنا سبحانه وتعالى علمنا ~~فيما سرده عن نوح. فقال: # ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي ~~وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين * قال ~~ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ~~فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك ms3385 أن ~~تكون من الجاهلين # [هود: 45-46]. وهنا نبه الحق نوحا إلى الاعتداء في المطلوب فقال الحق: # فلا تسئلن ما ليس لك به علم.. # [هود: 46]. ولذلك نجد نوحا يستغفر لأنه سأل ودعا الله هذا الدعاء عن ~~غير علم، فلما عرف ذنبه استغفر الله وقال: # قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به ~~علم.. # [هود: 47]. وقال له الحق سبحانه: # قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى ~~أمم ممن معك.. # [هود: 48]. إذن فالذي لا يسمع منهج الله أو لا يطبقه في الدعاء يكون ~~معتديا على الحق سبحانه وتعالى، وسبحانه لا يحب المعتدين. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها... }. ### || [7.56] # الأرض هي مكان الخليفة وهو الإنسان، وفيها الأسباب الأصيلة لاستبقاء ~~الحياة والسماء والأرض والشمس والهواء كل مسخر لك. ولا تحتاج إلى تكليف ~~فيه، فلا أنت تقول: " يا شمس أشرقي " أو " يا هواء هب " فكل ذلك مسخر لك. ~~وأنت مطالب ألا تفسد فيما لك فيه اختيار لأنك لا تستطيع أن تفسد قوانين ~~الكون العليا، لا تستطيع أن تغير مسار الشمس ولا مسار القمر ولا مسار ~~الريح، وأنت لن تستطيع إصلاح ما لا يمكن أن تقترب من إفساده، لأن أمره ~~ليس بيدك لأنه لا اختيار لك فيه. وإنما يأتي الإفساد من ملكات الاختيار ~~الموجودة فيك، ولم يتركنا الله أحرارا فيها، بل حددها بمنهج يحمي حركة ~~الحياة ب " افعل " و " لا تفعل " ، فإذا كان سبحانه قد أنزل قرآنا، ~~والقرآن فيه منهج يحمي اختيارك إذن فقد أعطاك عناصر الإصلاح ولذلك يقول ~~لك: { ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه ~~خوفا وطمعا.. } [الأعراف: 56]. وهنا يعود الحق مرة أخرى للحديث عن ~~الدعاء، فأولا جاء بالأمر أن يكون الدعاء تضرعا وخفية، وهنا يوضح الحق ~~سبيلا ثانيا للدعاء: { وادعوه خوفا وطمعا }. خوفا من صفات ~~جبروته وقهره، وطمعا في صفات غفرانه ورحمته لأن لله صفات جمال وصفات ~~جلال، وادعوه خوفا من متعلقات صفات الجلال، وطمعا في متعلقات صفات ~~الجمال. أو خوفا من أن ترد وطمعا ms3386 فيما أنت ترجو. { وادعوه خوفا ~~وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين } ~~[الأعراف: 56]. إذن من الذي يحدد قرب الرحمة منه؟ إنه الإنسان فإذا أحسن ~~قربت منه الرحمة والزمام في يد الإنسان لأن الله لا يفتئت ولا يستبد ~~بأحد. فإذا كنت تريد أن تقرب منك رحمة الله فعليك بالإحسان. { إن ~~رحمت الله قريب من المحسنين }. ولذلك قلنا إن الحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # " لا أمل حتى تملوا " # [من حديث قدسي]. وأنت تدخل بيوت الله تصلى في أي وقت، وتقف في أي مكان ~~تؤدي الصلاة، إذن فاستحضارك أمام ربك في يدك أنت، وسبحانه حدد لك خمسة ~~أوقات، ولكن بقية الأوقات كلها في يدك، وتستطيع أن تقف بين يدي الله في ~~أي لحظة. وسبحانه يقول: # " ومن جاءني يمشي أتيته هرولة " # [من حديث قدسي]. وهو جل وعلا يوضح لك: استرح أنت وسآتي لك أنا لأن الجري ~~قد يتعبك لكني لا يعتريني تعب ولا عي ولا عجز. وكأن الحق لا يطلب من ~~العبد إلا أن يملك شعورا بأنه يريد لقاء ربه. إذن فالمسألة كلها في يدك، ~~ويقول سبحانه: # " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير ~~منه " # [من حديث قدسي]. وهكذا يؤكد لك سبحانه أن رحمته في يدك أنت وقد أعطاها ~~لك، وعندما تسلسلها تجدها تفضلا من الله، ولكن في يدك أنت. { إن ~~رحمت الله قريب من المحسنين }. ونعلم أن فيه صفات لله ~~وفيه ذات، فالذات الله وهو واهب الوجود، وله كل صفات الكمال وكل صفة لها ~~متعلق الرحمة لها متعلق والبعث له متعلق فمن أسمائه سبحانه " الباعث " ~~وإياك أن تغيب عن الذات، اجعل نفسك مسبحا لذاته العلية دائما. وقد ~~تقول: يا رب أريد أن ترحمني في كذا، وقد لا ينفذ لك ما طلبت، لكن ذلك لا ~~يجعلك تبتعد عن التسبيح للذات، لأن عدم تحقيق ما طلبت هو في مصلحتك وخير ~~لك. وقد وقف العلماء عند كلمة " قريب " هذه، وتساءل بعضهم عن سر عدم ~~مجيء تاء التأنيث بعد لفظ ms3387 الجلالة؟ ونعلم أن القرآن قد نزل بلغة العرب، ~~وعند العرب ألفاظ يستوي فيها التذكير والتأنيث، وما يقال للمذكر مثلما ~~يقال للمؤنث، فنقول: " رجل صبور " ، و " امرأة صبور " ، ولا نقول: صبورة ~~ونقول: " رجل معطار " أي يكثر استخدام العطر، و " امرأة معطار " أي تكثر ~~استخدام العطر. ونقول: قريب مثلما نقول: قتيل بمعنى مقتول. فيقال: " رجل ~~قتيل " و " امرأة قتيل " ، ولا يقال: " قتيلة " إلا إذا لم يذكر معها ~~كلمة امرأة أو ما يدل على التأنيث، لأن القتيل للذكر وللأنثى. هذه هي ~~ألفاظ صحيح اللغة. وقد صنعت اللغة ذلك بأسانيد، فأنت حين تقول: " رجل ~~صبور " أو " امرأة صبور " فالصبر يقتضي الجلد والعزم والشدة لذلك لا ~~نقول: " امرأة صبور " بل نأتي بالوصف المناسب للجلد والشدة. وإياك أن ~~تضعفها بحكاية التأنيث، وكذلك " رجل معطار " و " امرأة معطار " ، والرجل ~~المعطار هو من تعرفه الناس من نفاذ رائحة عطره، والمرأة مبنية على الستر. ~~فإن تعطرت فهي قد تشبهت بالرجل ويقال لها: " امرأة معطار " ، وحين ننظر ~~إلى كلمة " قريب " فهي من صيغة " فعيل " التي يستوي فيها المذكر والمؤنث ~~بدليل أن الله قال: # وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل ~~وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4]. والملائكة لفظها لفظ مؤنث، ولم يقل الحق " ظهيرة " ، لأن ~~" ظهير " يعني معين، والمعونة تتطلب القوة والعزم والمدد لذلك جاء لها ~~باللفظ المناسب الذي يدل على القوة وهو " ظهير ". وكذلك قوله الحق: { ~~إن رحمت الله قريب من المحسنين } [الأعراف: 56]. و ~~" قريب " بوزن " فعيل " بمعنى مفعول، ولعل بعض الناس يفهم أن " قريب " ~~بمعنى فاعل أي قارب. مثل رحيم وراحم. أي أن رحمة الله هي التي تقرب من ~~المحسنين، والأمر ليس كذلك، فإن الرحمة هي المقروبة، والإحسان هو الذي ~~يقرب إليها فيكون فعيل هنا بمعنى مفعول الذي يستوي فيه المذكر ~~والمؤنث، أو يكون جاءت كذلك على تأويل الرحمة بالرحم أو الترحم، أو لأنه ~~صفة لموصوف محذوف أي شيء قريب، أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي، أو أن ~~الرحمة مصدر، وحق المصدر التذكير. ويقول الحق بعد ms3388 ذلك: { وهو الذي ~~يرسل... }. ### || [7.57] # وتصريف الرياح إهاجة للهواء في الكون، والإهاجة للهواء في الكون تأتي ~~منها فوائد كثيرة للغاية، ونحن حين نجلس في مكان مكتظ وممتلئ بالأنفاس ~~نقول لمن يجلس بجوار النافذة: " لنهوي الغرفة قليلا ". وإن لم يكف هواء ~~النافذة تأت بمروحة لتأخذ من طبقات الجو طبقة هواء جديدة فيها أوكسجين ~~كثير. إذن فإرسال الرياح ضرورة حتى لا يظل الهواء راكدا. ويتلوث الجو ~~بهذا الركود، ولو أن كل إنسان سيستقر في مكان مكتوم الهواء لامتلأ المكان ~~بثاني أكسيد الكربون الخارج من تنفسه، ثم لا يلبث أن يختنق، ولذلك أراد ~~الله حركة الرياح رحمة عامة مستمرة في كل شيء، وهي أيضا رحمة تتعلق ~~بالقوت كما تعلقت بمقومات الحياة من نفس وماء وطعام، وتصريف الرياح من ~~أجل تجديد الهواء الذي نتنفسة، وكذلك تكوين الماء. لأنه سبحانه القائل عن ~~الرياح: { حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ~~ميت.. } [الأعراف: 57]. والرياح هي التي تساعد في تكوين الأمطار ~~التي تنزل على الأرض فتروي التربة التي نحرثها، وهكذا تكون الرياح بشرى ~~في ثلاثة أشياء: الشيء الأول تحريك طبقات الهواء وإلا لفسد الجو في كل ~~جماعة تستقر في مكان ولاستنشقوا الهواء الفاسد. والعنصر الثاني لمقومات ~~الحياة هو الماء، لأن الرياح هي التي تحمل السحاب وتحركه وتنزل به مطرا ~~على الأرض ونحرث نحن الأرض ونزرعها. وهو سبحانه قال: " بشرا " ، لأن ~~هناك فرقا بين بشرى، وبشرا فالبشرى مفرد، وقد وردت في قوله الحق: # ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى.. # [هود: 69]. أي التبشير. لكن بشرا جمع بشير وهي كلمة مخففة، والأصل فيها ~~بشر. والحق يقول: { فلمآ أن جآء البشير }. وجمع البشير " ~~بشر " مثل: " نذير " و " نذر " بضم الشين فسكنت تخفيفا، فتنطق ~~بشرا وبشرا. { بشرا بين يدي رحمته }. هي بين يدي ~~رحمته لأنها ستأتي لنا بالماء، وهو الرحمة في ذاته، وبواسطته يعطينا ري ~~الأرض، ونحن نرتوي منه مباشرة أيضا. ونلحظ كلمة الرياح إذا أطلقت بالجمع ~~فهي تأتي للخير، أما حين يكون فيها شر فيأتي بكلمة " ريح " مفردة، مثل ~~قوله: # بريح صرصر ms3389 عاتية # [الحاقة: 6]. فإذن عندما نرى كلمة " رياح " فاعلم أنها خير، أما كلمة " ~~ريح " فاعلم أنها شر لماذا؟ أنت إذا كنت قاعدا في حجرة فيها فتحة نافذة ~~يأتي منها الهواء، ويتسلط التيار على إنسان، فالإنسان يصاب بالتعب لأن ~~الهواء يأتي من مكان واحد، لكن حين تجلس في الخلاء ويهب الهواء فأنت لا ~~تتعب، لأن الرياح متعددة. ولكن الريح تأتي كالصاروخ. الرياح إذن يرسلها ~~الحق بين يدي رحمته حتى إذا أقلت أي حملت يقال: " أقل فلان الحمل " أي ~~رفعه من على الأرض وحمله لأنه أقل من طاقته، لأنه لو كان أكثر من طاقته ~~لما استطاع أن يرفعه عن الأرض، وما دام قد أقله فالحمل أقل بالنسبة ~~لطاقته وبالنسبة لجهده، أقلت أي حملت، وما دامت قد حملت فجهدها فوق ما ~~حملته، وإذا كان الجهد أقل من الذي حملته لا بد أن ينزل إلى الأرض. # وأقلت سحابا أي حملت سحابا. نعرف أن السحاب هو الأبخرة الطالعة ~~والصاعدة من الأرض ثم تتجمع وتصعد إلى طبقات الجو العليا، وتضربها الرياح ~~إلى أن تصادف منطقة باردة فيحدث تكثيف للسحاب فينزل المطر ونرى ذلك في ~~الماء المقطر الذي يصنعونه في الصيدلية فيأتي الصيدلي بموقد وفوقه إناء ~~فيه ماء ويغلي الماء فيخرج البخار ليسير في الأنابيب التي تمر في تيار ~~بارد فيتكثف البخار ليصير ماء. { حتى إذآ أقلت سحابا ~~ثقالا سقناه لبلد ميت }. وقال الحق: " سقناه " بضمير ~~المذكر لأنه نظر إلى السحاب في اسم جنسه، أو نظر إلى لفظه، وجاء بالوصف ~~مجموعا فقال: " ثقالا " نظرا إلى أن السحاب جمع سحابة فرق بينه وبين ~~واحدة بالتاء، وما دامت السحب كلها داخلة في السوق فليس لها تعددات ~~فكأنها شيء واحد. { حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه ~~لبلد ميت.. } [الأعراف: 57]. السحاب لا يتجه إلى مكان واحد، بل ~~يتجه لأماكن متعددة، إذن فالحق يوجه السحاب الثقال لأكثر من مكان. لكن ~~الحق سبحانه وتعالى يقول: { سقناه لبلد ميت }. والميت هو ~~الذي لا حراك فيه وانتهى اختياره في الحركة، كذلك الأرض، فالماء ينزل من ~~السماء ms3390 على الأرض وهي هامدة ليس بها حركة حياة أي أن الله يرسل السحاب ~~ويزجيه إلى البلد الميت في أي مكان من الأرض. # فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت ~~من كل زوج بهيج # [الحج: 5]. إذن فالأرض التي لا يأتيها الماء تظل هامدة أي ليس بها حركة ~~حياة مثل الميت. { سقناه لبلد ميت فأنزلنا به ~~المآء فأخرجنا به من كل الثمرات.. } [الأعراف: 57]. ~~وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا وينبهنا إلى القضية اليومية التي ~~نراها دائما في صور شتى، وهي أن الأرض تكون في بعض الأحيان جدبا، ثم ~~يهبط عليها بعض المطر، وبمجرد أن ينزل المطر على الجبل، وبعد يومين من ~~نزول المطر نجد الجبل في اليوم الثالث وهو مخضر، فمن الذي بذر البذرة ~~للنبات هذا اليوم؟ إذن فالنبات كان ينتظر هذه المياه، وبمجرد أن تنزل ~~المياه يخرج النبات دون أن يبذر أحد بذورا، وهذا دليل على أن كل منطقة ~~في الأرض فيها مقومات الحياة. { فأخرجنا به من كل ~~الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون } ~~[الأعراف: 57]. فالماء الذي ينزل على الأرض الميتة يحيي الأرض لأنه ~~سبحانه يخرج الحياة كل يوم، وحين يوضح لنا سبحانه أن سيبعثنا من جديد ~~فليس في هذا أمر عجيب، وهكذا جعل الله القضية الكونية مرئية وواضحة لكل ~~واحد ولا يستطيع أحد أن يكابر ويعاند فيها لأنها أمر حسي مشاهد، ومنها ~~نستنبط صدق القضية وصدق الرب. ويقول الحق بعد ذلك: { والبلد ~~الطيب يخرج... }. ### || [7.58] # إذن الآية السابقة عالجت قضية البعث بضرب المثل بالآية الكونية الموجودة ~~فالرياح التي تحمل السحاب، والسحاب يساق إلى بلد ميت وينزل منه الماء ~~فيخرج به الزرع. والأرض كانت ميتة ويحييها الله بالمطر وهكذا الإخراج ~~بالبعث وهذه قضية دينية، ويأتي في هذه الآية بقضية دينية أيضا: { ~~والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي ~~خبث لا يخرج إلا نكدا }. والبلد الطيب هو البلد الخصب الذي ~~لا يحتاج إلا إلى المياه فيخرج منه الزرع، أما الذي خبث، فمهما نزل عليه ~~الماء فلن يخرج نباته إلا بعد عناء ومشقة ms3391 وهو مع ذلك قليل وعديم النفع. ~~وهنا يخدم الحق قضية دينية مثلما خدم القضية الدينية في البعث أولا. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها ~~طائفة طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب ~~أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة ~~أخرى منها، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في ~~دين الله تعالى، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع ~~بذلك رأسا ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به ". # إذن فالمنهج ينزل إلى الناس وهم ثلاثة أقسام قسم يسمع فينفع نفسه وينقل ~~ما عنده إلى الغير فينفع غيره مثل الأرض الخصبة شربت الماء وقبلته، ~~وأنبتت الزرع، وقسم يحملون المنهج ويبلغونه للناس ولا يعملون به وينطبق ~~عليهم قوله الحق: # لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2]. صحيح سينتفع الناس من المنهج، ولذلك قال الشاعر: # خذ بعلمي ولا تركن إلى عملي # واجن الثمار وخل العود للنار # ويقول صلى الله عليه وسلم: # " من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة ". # فستر المؤمن على المؤمن مطلوب وستر المؤمن على العالم آكد وأشد طلبا ~~لأن العالم غير معصوم وله فلتات، وساعة ترى زلته وسقطته لا تذعها لأن ~~الناس سينتفعون بعلمه. فلا تشككهم فيه، والقسم الثالث هو من لا يشرب ~~الماء ولا يسقيه لغيره أي الذي لا ينتفع هو، ولا ينفع غيره. { ~~والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي ~~خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات ~~لقوم يشكرون } [الأعراف: 58]. إذن منهج الله مثله مثل المطر ~~تماما فالمطر ينزل على الأرض ليرويها وتخرج النبات وهناك أرض أخرى لا ~~تنتفع منه ولكنها تمسكه فينتفع غيره، وهناك من لا ينتفع ولا ينفع، فكذلك ~~العلم الذي ينزله الله على لسان رسوله. { والذي خبث لا يخرج ~~إلا نكدا كذلك نصرف الآيات }. قلنا من قبل: إن الآيات ~~تطلق على معان ثلاثة: ms3392 الآيات الكونية التي نراها واقعة في الكون مثل ~~قوله الحق: # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر.. # [فصلت: 37]. وآيات هي آيات القرآن، والآيات التي تكون هي المعجزات ~~للأنبياء. { كذلك نصرف الآيات } [الأعراف: 58]. الآيات هنا هي ~~الكونية كالماء الذي ينزل، إنه مثل المنهج، من أخذ به فاز ونجا، ومن تركه ~~وغوى وكل آيات الله تقتضي أن نشكر الله عليها. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال... }. ### || [7.59] # بعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الطائعين وعن العاصين في الدنيا، ~~وتكلم عن مواقف الآخرة الجزائية في أصحاب الجنة، وأصحاب النار والأعراف ~~أراد أن يبين بعد ذلك أن كل دعوة من دعوات الله سبحانه لأهل الأرض لا بد ~~أن تلقي عنتا وتضييقا، وتلقى إعراضا، وتلقى إيذاء، إنه - سبحانه - ~~يريد بذلك أن يعطي المناعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، فيوضح له: لست أنت ~~بدعا من الرسل لأن كل رسول جاء إلى قومه قوبل بالاضطهاد، وقوبل ~~بالتكذيب، وقوبل بالنكران، وقوبل بالإيذاء، وإذا كان كان كل رسول قد أخذ ~~من هذا على قدر مهمته الرسالية زمانا محدودا، ومكانا محصورا فأنت يا ~~رسول الله أخذت الدنيا كلها زمانا ومكانا، فلا بد أن تكون مواجها ~~لمصاعب تناسب مهمتك ورسالتك فأنت في قمة الرسل، وستكون الإيذاءات التي ~~تنالك وتصيبك قمة في الإيذاء، فلست بدعا من الرسل، فوطن نفسك على ذلك. ~~وحين توطن نفسك على ذلك ستلقى كل إيذاء وكل اضطهاد بصبر واحتمال في الله، ~~وقص الحق قصص الرسل على رسول الله، وعبر الله بالهدف من قص القصص بقول: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك.. # [هود: 120]. فكأن القصص تثبيت لفؤاده صلى الله عليه وسلم، فكلما أهاجه ~~نكران، أو كلما أهاجه جحود، قص عليه الحق - سبحانه - قصة رسول قوبل ~~بالنكران وقوبل بالجحود ليثبت به فؤاده صلى الله عليه وسلم وفؤاد أتباعه ~~لعلهم يعرفون كل شيء ويوطنون أنفسهم على هذا العنت فلم يقل الحق لأتباع ~~محمد: إنكم مقبلون على أمر والأرض مفروشة لكم بالورود، لا. إنما ms3393 هي متاعب ~~لتجابهوا شر الشيطان في الأرض. والقصص له أكثر من هدى يثبت به فؤاد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ويبين له أنه ليس بدعا من الرسل، ويقوي نفوس ~~أتباعه لأنهم حينما يرون أن أهل الحق مع الأنبياء انتصروا، وهزم الجمع ~~وولى الدبر، وأنهم منصورون دائما فهذا يقوي يقين المؤمنين، ويكسر من ~~جهة أخرى نفوس الكافرين مثلما قال الحق عن واحد من أكابر قريش. # سنسمه على الخرطوم # [القلم: 16]. قال الحق لهم ذلك عن واحد من أكابر قريش وهم لا يقدرون ~~حينئذ أن يدافعوا أو يذودوا عن أنفسهم، وذهبوا وهاجروا إلى الحبشة حماية ~~لأنفسهم من بطش هؤلاء الأكابر، وكل مؤمن يبحث له عمن يحميه، وينزل قوله ~~الحق بعد ذلك في الوليد بن المغيرة { سنسمه على الخرطوم } ، ~~والوليد بن المغيرة سيد في قومه، ويأتي يوم بدر فيوجد أنفه وقد ضرب وخطم ~~ويتحقق قول الله: # سنسمه على الخرطوم # [القلم: 16]. فمن - إذن - يحدد ضربة قتال بسيف في يد مقاتل قبل أن يبدأ ~~القتال؟ لقد حددها الأعلم بما يكون عليه الأمر. # وأيضا فقصص الرسل إنما جيء بها ليثبت للمعاصرين له أنه تلقى القرآن من ~~الله لأنه رسول أمي والأمة أمية، ولم يدع أحد من خصومه أنه جلس إلى ~~معلم، أو قرأ كتابا، فمن أين جاءته هذه الأخبار إذن؟ واسمع قول الحق ~~سبحانه وتعالى في الآيات التي يأتي فيها: " ما كنت " مثل قوله الحق: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر.. # [القصص: 44]. ومثل قوله الحق: # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون # [العنكبوت: 48]. ومثل قوله: # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم.. # [آل عمران: 44]. فمن أين جاءت هذه الأخبار إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهم يعلمون أنه لم يجلس إلى معلم ولم يقرأ كتابا؟ لقد جاءت كلها من ~~الحق سبحانه وتعالى، وهذا دليل آخر على صدق رسالته. وقصة سيدنا نوح من ~~القصص التي وردت كثيرا في القرآن الكريم مثل قصة موسى عليه السلام، ومن ms3394 ~~العجيب أن لقطات القصة تنتشر في بعض السور، لكن السورة التي سميت بسورة ~~نوح ليس فيها من المواقف التي تعتبر من عيون القصة، إنها تعالج لقطات ~~أخرى تعالج إلحاحه في دعوة قومه، وأنه ما قصر في دعوتهم ليلا ونهارا، ~~وسرا وعلانية، كلما دعاهم ابتعدوا، ولم تأت قصة المركب في سورة نوح، ~~ولا قصة الطوفان، وهذه لقطات من عيون القصة، وكذلك لم تأت فيها قصته مع ~~ابنه، بل جاء بها في سورة هود. إذن كل لقطة جاءت لوضع مقصود، ولهذا رأينا ~~قصة نوح في سورة " نوح " وقد خلت من عناصر مهمة في القصة، وجاءت هذه ~~العناصر في سورة " هود " أو في سورة " الأعراف " التي نتناولها الآن ~~بالخواطر الإيمانية. إذن، كل قصة من القصص القرآني تجدها قد جاءت تخدم ~~فكرة، ومجموعها يعطي كل القصة لأن الحق حين يورد القصص فهو يأتي بلقطة في ~~سورة لتخدم موقفا، ولقطة أخرى تخدم موقفا آخر وهكذا. وحين شاء أن يرسل ~~لنا قصة محبوكة تماما، جاء بقصة " يوسف " في سورة يوسف ولم يكررها في ~~القرآن، لأنها مستوفية في سورة يوسف، اللهم إلا في آية واحدة: # ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم ~~في شك مما جآءكم به حتى إذا هلك قلتم لن ~~يبعث الله من بعده رسولا.. # [غافر: 34]. لقد وردت في سورة يوسف حياة يوسف منذ أن كان طفلا حتى أصبح ~~عزيز مصر، وهكذا نرى أن الحق حين يشاء أن يأتي بالقصة كتاريخ يأتي بها ~~محبوكة، وحين يريد أن يلفتنا إلى أمور فيها مواقف وعظات، يوزع لقطات ~~القصة على مواقع متعددة تتناسب وتتوافق مع تلك المواقع لتأكيد وخدمة هدف. # { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم.. } ~~[الأعراف: 59]. وساعة ترى " اللام " و " قد " فاعرف أن هذا قسم، وكأن ~~الحق يقول: وعزتي وجلالي لقد أرسلت نوحا. وهو بهذا يؤكد المقسم عليه. ~~والقوم هم الرجال خاصة من المعشر لأن القوم عادة هم المواجهون للرسالة، ~~والمرأة محتجبة تسمع من أبيها أو من أخيها أو من زوجها، ولذلك قالت ~~النساء للنبي: ms3395 غلبنا عليك الرجال. أي أننا لا نجد وسيلة لنقعد معك ~~ونسألك، فاجعل لنا يوما من أيامك تعظنا فيه، فجعل لهن يوما لأن المفروض ~~أن تكون المرأة في ستر، وبعد ذلك ينقل لها الزوج المنهج. إن سمع من ~~الرسول شيئا، وكذلك الأب يقول لابنته، والأخ يقول لأخته. فإذا تكلم ~~الرسول يقال: إن الرسول واجه القوم، من قولهم هو قائم على كذا. وقيم على ~~كذا. ولذلك الشاعر العربي يقول: # وما أدرى ولست أخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # وجاء هنا بالقوم، والمراد بهم الرجال، والقرآن يقول: # لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا ~~منهن.. # [الحجرات: 11]. إذن فالنساء لا تدخل في القوم فالقوم هم المواجهون ~~للرسول ومنهم تأتي المتاعب والتصلب في الرأي، ويكون الإنكار والجحود ~~والحرب منهم. وسيدنا نوح عليه السلام دعا قومه ونبههم إلى ثلاثة أشياء: ~~عبادة الله، فقال: { ياقوم اعبدوا الله } ، وبين لهم أنه ليس ~~هناك إله سواه فقال: { ما لكم من إله غيره } ، وأظهر لهم ~~حرصه وإشفاقه عليهم إذا خالفوا وعصوا فقال: { إني أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم }. وهكذا تكلم عن العقيدة في الإله الواحد ~~المستحق للعبادة، وليس آلهة متعددة، ونعبده أي نطيع أمره ونهيه، ولأنهم ~~إن لم يفعلوا ذلك فهو يخاف عليهم من عذاب يوم عظيم، وهو عذاب يوم ~~القيامة. أو أن الله كان قد أوحى له بأنه سيأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وعذاب ~~يوم عظيم أي يوم الإغراق، و " الخوف " مسألة تتعب تفكير من يستقبلها ~~ويخاف أن يلقاها. فمن الذي يفزع بهذا؟ إن الذي يفزع هم الطغاة والجبابرة ~~والسادة والأعيان ووجوه القوم، وكانوا قد جعلوا من أنفسهم سادة، أما سائر ~~الناس وعامتهم فهم العبيد والمستضعفون. والذي يهاج بهذه الدعوة هم السادة ~~لأنه ليس هناك إلا إله واحد، والأمر لواحد والنهي لواحد والعبادة والخضوع ~~لواحد، ومن هنا فسوف تذهب عنهم سلطتهم الزمنية، لذلك يوضح الحق لنا موقف ~~هؤلاء من الدعوة حين يقول: { قال الملأ من قومه... }. ### || [7.60] # والملأ ms3396 هم سادة القوم وأعيانهم وأشرافهم، أو الذين " يملأون " العين ~~هيئة ويملأون القلوب هيبة، ويملأون صدور المجالس بنية. إنهم خائفون أن ~~تكون دعوة نوح هي الدعوة إلى الطريق المستقيم وكلامه هو الهداية فيمنوا ~~أنفسهم بأن هذا ضلال وخروج عن المنهج الحق: { إنا لنراك في ~~ضلال مبين }. أي غيبة عن الحق، أو في تيه عن الحق، و " مبين " أي ~~محيط بصورة لا يمكن النفاذ منها. ويرد نوح عليه السلام: { قال ~~ياقوم ليس بي ضلالة... }. ### || [7.61] # هم قالوا له: { إنا لنراك في ضلال مبين } ، المتبادر أن ~~يكون الرد: ليس في أمري ضلال، لكنه قال هنا: { ليس بي ضلالة } ، ~~أقول ذلك لنعرف أن كل حرف في القرآن موزون لموضعه. هم قالوا له: إنا ~~لنراك في ضلال، فيرد عليهم: ليس بي ضلالة لأن الضلال جنس يشمل الضلالات ~~الكثيرة، وقوله يؤكد أنه ليس عنده ضلالة واحدة. وعادة نفي الأقل يلزم منه ~~نفي الأكثر، مثلا عندما يقول لك صديق: عندك تمر من المدينة المنورة؟ ~~تقول له: ليس عندي ولا تمرة واحدة. أنت بذلك نفيت الأقل، وهذا أيضا نفي ~~للأكثر. { قال ياقوم ليس بي ضلالة }. وحين ينفي نوح عن ~~نفسه وجود أدنى ضلالة فذلك لأنه يعرف أنه لم يأت من عنده بذلك، ولو كان ~~الأمر كذلك لاتهم نفسه بأن هواه قد غلبه، لكنه مرسل من عند إله حق. { ~~ولكني رسول من رب العالمين } [الأعراف: 61]. وقوله: " ~~ولكني " استدراك فلا تقولوا: أنا في ضلال فليس في ضلالة واحدة، لكن أنا ~~رسول يبلغ عن الله، الله لا يعطي غير الهدى. { رسول من رب ~~العالمين } أي من سيد العالمين ومن متولى تربية العالمين، ومن يتولى ~~التربية لا ينزل منهجا يضل به من يربيهم، بل ينزل منهجا ليصلح من ~~يربيهم، وسبحانه قبل أن يأتي بهم إلى الوجود سخر لهم كل هذا الكون، ~~وأمدهم بالأرزاق حتى الكافرين منهم، ومن يعمل كل ذلك لن يرسل لهم من ~~يضلهم. ويستمر البلاغ من نوح عليه السلام لقومه فيقول: { أبلغكم ~~رسالات ربي وأنصح... }. ### || [7.62] # والبلاغ هو إنهاء الأمر ms3397 إلى صاحبه فيقال: بلغت المكان الفلاني.. أي ~~انتهيت إليه. و " البلاغة " هي النهاية في أداء العبارة الجميلة، و " ~~أبلغكم " أي أنهي إليكم ما حملنيه الحق من منهج هداية لحركة حياتكم. { ~~أبلغكم رسالات ربي }. وكان يكفي أن يقول: " رسالة ربي " ~~إلا أنه قال: { رسالات ربي } لأن أي رسول يأتي بالمنهج الثابت ~~كما جاءت به الرسالات السابقة حتى لا يقول أحد: إنه جاء ليناقض ما جاء به ~~الرسل السابقون، فما قاله وجاء به أي رسول سابق يقوله، ونعلم أنه كانت ~~هناك صحف لشيت ولإدريس. فقال: إنه يبلغ رسالته المتضمنة للرسالات ~~السابقة سواء رسالة إدريس وهو اخنوخ، وكذلك شيت وغيره من الرسل. أي ~~أبلغكم كل ما جعله الله منهجا لأهل الأرض من الأمور المستقيمة الثابتة، ~~مثلما قال سبحانه: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك.. # [الشورى: 13]. وهو الأمور المستقرة الثابتة العقدية، والأحكام التي لا ~~تتغير. أو { رسالات ربي } ، لأنه كرسول يتلقى كل يوم قسطا من ~~الرسالة فاليوم جاءت له رسالة يبلغها، وغدا تأتي له رسالة يبلغها، ولو ~~قال: " الرسالة " لكان عليه أن ينتظر حتى تكتمل البلاغات من الله له ثم ~~يقولها، ولكن نوح كان يبلغ كل رسالة تأتيه في وقت إبلاغه بها لذلك فهي " ~~رسالات ". أو لأن موضوع الرسالات أمر متشعب تشعبا يماثل ما تحتاج إليه ~~الحياة من مصالح فهناك رسالة للأوامر، ورسالة للنواهي، ورسالة للوعظ، ~~ورسالة للزجر، ورسالة للتبشير، ورسالة للإنذار، ورسالة للقصص، وهكذا ~~تكون رسالات. أو أن كل نجم - أي جزء من القرآن وقسط منه - يعتبر رسالة، ~~فما يرسله الله في يوم هو رسالة للنبي، وغدا له رسالة أخرى وهكذا. ~~وقوله: { وأنصح لكم } لأن البلاغ يقتضي أن يقول لهم منهج الله، ثم ~~يدعو القوم لاتباع هذا المنهج بان يرقق قلوبهم ويخاطبهم بالأسلوب الهادئ ~~وينصحهم، والنصح أمر خارج عن بلاغ الرسالة. ولنلتفت إلى فهم العبارة ~~القرآنية. { وأنصح لكم }. والنصح أن توضح للإنسان المصلحة في ~~العمل، وتجرد نيتك مما يشوهه. وهل أنت تنصح آخر بأن يعود نفعه عليك؟ إنك ms3398 ~~إن فعلت ذلك تكون النصيحة متهمة، وإن نصحته بأمر يعود عليه وعليك فهذه ~~نصيحة لك وله، ولكن حينما تقول: " نصحت لك " أي أن النصيحة ليس فيها ~~مسألة خاصة بك، بل كل ما فيها لصالح من تبلغه فقط، وبذلك يتضح الفارق بين ~~" نصحته " و " نصحت لك ". { وأنصح لكم وأعلم من الله ~~ما لا تعلمون } [الأعراف: 62]. وكأن سيدنا نوحا يخاطب قومه: ~~إياكم أن تظنوا أن ما أقوله لكم الآن هو كل العلم من الله، ولا كل علم ~~الله، ولا كل ما علمني الله، بل أنا عندي مسائل أخرى سوف أقولها لكم إن ~~اتقيتم الله وامتلكتم الاستعداد الإيماني، وهنا سأعطيكم منها جرعات. # أو قوله: { وأعلم من الله ما لا تعلمون } يعني أنه ~~سيحدث لكم أمر في الدنيا لم يحصل للأمم السابقة عليكم وهو أن من يكذب ~~الرسول يأخذه الله بذنبه. وتلك التجربة لم تحدث مع قوم شيت أو إدريس. # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا.. # [العنكبوت: 40]. ولم يحدث مثل هذا العقاب من قبل نوح، وقد بين لهم ~~نوح: أنا أعلم أن ربنا قد دبر لكم أن من يكذب سيأخذه أخذ عزيز ~~مقتدر. أو { وأعلم من الله ما لا تعلمون } ، أي أن الله ~~أعلمني لا على قدر ما قلت لكم من الخير، لكنه سبحانه قد علمني أن لكل ~~إخبار بالخير ميلادا وميعادا. ويقول سبحانه بعد ذلك: { أو عجبتم ~~أن جآءكم ذكر من ربكم... }. ### || [7.63] # { أو عجبتم } وكان من الممكن أن يقول: " أعجبتم " ، لكن ساعة أن ~~يجيء بهمزة الاستفهام ويأتي بعدها بحرف عطف. فاعرف أن هناك عطفا على ~~جملة أي أنه يقول: أكذبتم بي، وعجبتم من أن الله أرسل على لساني { ~~ذكر من ربكم }. والذكر ضد النسيان، وأن الشيء يكون على البال، ~~ومرة يتجاوز البال ويجري على اللسان. وقد وردت معان كثيرة للذكر في ~~القرآن، وأول هذه المعاني وقمتها أن الذكر حين يطلق يراد به القرآن: # ذلك نتلوه عليك من الآيات ms3399 والذكر الحكيم # [آل عمران: 58]. وكذلك في قوله الحق: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. إذن يطلق الذكر ويراد به القرآن، ومرة يطلق الذكر ويراد ~~به الصيت أي الشهرة الإعلامية الواسعة. وقد قال الحق لرسوله عن القرآن: # وإنه لذكر لك ولقومك.. # [الزخرف: 44]. أي أن القرآن شرف كبير لك ولأمتك وسيجعل لكم به صيتا إلى ~~يوم القيامة لأن الناس سترى في القرآن على تعاقب العصور كل عجيبة من ~~العجائب، وسيعلمون كيف أن الكون يصدق القرآن، إذن بفضل القرآن " العربي " ~~، سيظل اسم العرب ملتصقا ومرتبطا بالقرآن، وكل شرف للقرآن ينال معه ~~العرب شرفا جديدا. أي أن القرآن شرف لكم. ويقول سبحانه: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم... # [الأنبياء: 10]. أي فيه شرفكم، وفيه وصيتكم، وفيه تاريخكم، ويأتي ~~الإسلام الذي ينسخ القوميات والأجناس، ويجعل الناس كلهم سواسية كأسنان ~~المشط. # يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا... # [الحجرات: 13]. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ". # وسيظل القرآن عربيا، وهو معجزة في لغة العرب، وبه ستظل كلمة العرب ~~موجودة في هذه الدنيا. إذن فشرف القوم يجيء من شرف القرآن، ومن صيت ~~القرآن. والحق يقول: # ص والقرآن ذي الذكر # [ص: 1]. أي أن شرفه دائم أبدا. حين يأتي إلى الدنيا سبق علمي، نجد من ~~يذهب إلى البحث عن أصول السبق العلمي في القرآن، ونجد غير المسلمين ~~يعتنون بالقرآن ويطبعونه في صفحة واحدة، وعلى ورق فاخر قد لا يستعملونه ~~في كتبهم. هذا هو القرآن ذو الذكر على الرغم من أن بعض المسلمين ينحرفون ~~قليلا عن المنهج، وقد يتناساه بعضهم، لكن في مسألة القرآن نجد الكل ~~يتنبه. وكما قلت من قبل: قد تجد امرأة كاشفة للوجه وتضع مصحفا كبيرا ~~على صدرها، وقد تجد من لا يصلي ويركب سيارة يضع فيها المصحف، وكل هذا ~~ذكر. وتجد القرآن يقرأ مرتلا، ويقرأ مجودا، ومجودا بالعشرة ثم يسجل ~~بمسجلات يصنعها من لا يؤمنون بالقرآن. وكل هذا ذكر وشرف كبير. عرفنا أن " ~~الذكر " قد ms3400 ورد أولا بمعنى القرآن، وورد باسم الصيت والشرف: ويطلق الذكر ~~ويراد به ما نزل على جميع الرسل فالحق سبحانه يقول: # اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون * ~~ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا ~~استمعوه وهم يلعبون # [الأنبياء: 1-2]. أي أن كل ما نزل على الرسل ذكر. ويقول سبحانه: # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا ~~للمتقين # [الأنبياء: 48]. إذن فالمراد بالذكر - أيضا - كل ما نزل على الرسل من ~~منهج الله. ومرة يطلق الذكر ويراد به معنى الاعتبار. والتذكير، والتذكر ~~فيقول سبحانه: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * ~~إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله.. # [المائدة: 90-91]. والمراد هنا بالذكر: الاعتبار والتذكر وأن تعيش كمسلم ~~في منهج الله. ومرة يراد بالذكر: التسبيح، والتحميد. انظر إلى قوله الحق ~~سبحانه وتعالى: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام ~~الصلاة وإيتآء الزكاة.. # [النور: 36-37]. وهو ذكر لأن هناك من يسبح له فيها بالغدو والآصال وهم ~~رجال موصوفون بأنهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. وقد يطلق ~~الذكر ويراد منه خير الله على عباده ويراد به كذلك ذكر عبادتهم له ~~بالطاعة فسبحانه يذكرهم بالخير وهم يذكرونه بالطاعة. اقرأ إن شئت قول ~~الحق سبحانه وتعالى: # وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم ~~لعلكم تذكرون # [النحل: 90]. وفي آية أخرى: # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر ولذكر ~~الله أكبر والله يعلم ما تصنعون # [العنكبوت: 45]. وما دام قد قال جل وعلا: { ولذكر الله أكبر ~~} أي ذكر الله لهم بالنعم والخيرات، فذكره فضل وإحسان وهو الكبير ~~المتعال. فهناك إذن ذكر ثان، ذكر أقل منه، وهو العبادة لربهم بالطاعة، ~~وهنا يقول الحق: { أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم ~~على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ~~ترحمون } [الاعراف: 63]. ما وجه العجب هنا؟ نعلم أن العجب هو إظهار ~~الدهشة وانفعال ms3401 النفس من حصول شيء علي غير ما تقتضيه مواقع الأمور ~~ومقدماتها، إذن تظهر الدهشة ونتساءل كيف حدث هذا؟ ولو كان الأمر طبيعيا ~~ورتيبا لما حدثت تلك الدهشة وذلك العجب. وعجبتم لماذا؟ اقرأ - إذن - قول ~~الحق سبحانه وتعالى: # ق والقرآن المجيد * بل عجبوا أن جآءهم منذر ~~منهم # [ق: 1-2]. موضع العجب هنا أن جاء لهم منذر ورسول من جنسهم فمن أي جنس ~~كانوا يريدون الرسول؟ كان من غبائهم أنهم أرادوا الرسول ملكا. # بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم فقال ~~الكافرون هذا شيء عجيب # [ق: 2]. وجاء العجب أيضا في البعث. فتساءل الكافرون هل بعد أن ذهبنا ~~وغبنا في الأرض وصرنا ترابا بعد الموت يجمعنا البعث مرة ثانية؟! إذن ~~فالعجب معناه إظهار الدهشة من أمر لا تدعو إليه المقدمات أو من أمر يخالف ~~المقدمات. # العجب عندهم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لأن نوحا عليه السلام ~~يريد منهم أن يبحثوا في الإيمان بوجود إله. وكان المنطق يقتضي أنه إذا ~~رأوا شيئا هندسته بديعة، وحكيمة، وطرأ عليها هذا المخلوق وهو الإنسان ~~ليجد الكون منسقا موجودا من قبله، كان المنطق أن يبحث هذا الإنسان عمن ~~خلق هذا الكون وأن يلح في أن يعرف من صنع الكون، وحين يأتي الرسول ~~ليقول لكم من صنع هذا الكون، تتعجبون؟! كان القياس أن تتلهفوا على من ~~يخبركم بهذه الحقيقة لأن الكون وأجناسه من النبات والجماد والحيوان في ~~خدمتك أيها الإنسان. لا بقوتك خلقت هذا الكون ولا تلك الأجناس، بل أنت ~~طارئ على الكون والأجناس، ألم يدر بخلدك أن تتساءل من صنع لك ذلك؟ إذن ~~فالكلام عن الإيمان كان يجب أن يكون عمل العقل، وقلت قديما: هب أن ~~إنسانا وقعت به طائرة في مكان، وهذا المكان ليس به من وسائل الحياة شيء ~~أبدا، ثم جاع، ولم يجد طعاما، وقهره التعب، فنام، ثم أفاق من هذه ~~الإغفاءة وفوجئ بمائدة أمامه عليها أطايب الطعام والشراب وهو لا يعرف ~~أحدا في المكان، بالله قبل أن يأكل ألا يتساءل عمن أحضرها؟!! كان الواجب ms3402 ~~يقتضي ذلك. إذن أنتم تتعجبون من شيء تقتضي الفطرة أن نبحث عنه، وأن نؤمن ~~به وهو الإله الذي لا ينتفع بطاعاتنا أو بعبادتنا، ولا تعود عليه ~~العبادة بشيء، بل تعود علينا، والعبادة فيها مشقات لأنها تلجم الشهوات ~~وتعقل وتمنع من المعاصي والمحرمات، ولكن يقابل ذلك الثواب في الآخرة. ~~وهناك من قال: ولماذا لا يعطينا الثواب بدون متاعب التكليف؟ ما دام لا ~~يستفيد. إن العقل كاف ليدلنا - دون منهج - إلى ما هو حسن فنفعله، وما ~~نراه سيئا فلا نفعله، والذي لا نعرفه أهو حسن أم سيىء. ونضطر له نفعله، ~~وإن لم نكن في حاجة له لا نفعله. ونقول لهذا القائل: لكن من الذي أخبرك ~~أن العقل كاف ليدلنا إلى الأمر الحسن، هل حسن لك وحدك أم لك وللآخرين؟ ~~فقد يكون الحسن بالنسبة لك هو السوء بالنسبة لغيرك لأنك لست وحدك في ~~الكون. ولنفترض أن هناك قطعة قماش واحدة، الحسن عندك أن تأخذها، والحسن ~~عند غيرك أن يأخذها. لكن الحسن الحقيقي أن يفصل في مسألة ملكية هذه ~~القطعة من القماش من يعدل بينك وبين غيرك دون هوى. وألا يكون واحد أولى ~~عنده من الآخر. إذن لا بد أن يوجد إله يعصمنا من أهوائنا بمنهج ينزله ~~يبين لنا الحسن من السيء لأن الحسن بالمنطق البشري ستصطدم فيها أهواؤنا. ~~ومثال آخر: افرض أننا دخلنا مدينة ما، ورأينا مسكنا جميلا فاخرا وكل ~~منا يريد أن يسكن فيه وكل واحد يريد أن يأخذه لأن ذلك هو الحسن بالنسبة ~~له، لكن ليس كذلك بالنسبة لغيره، إذن فالحسن عندك قد يكون قبيحا عند ~~الغير. # فالحسن عند بعض الرجال إذا رأى امرأة أن ينظر إليها ويتكلم معها، لكن هل ~~هذا حسن عند أهلها أو أبيها أو زوجها؟ لا. إن الذي تعجبتم منه كان يجب ~~أن تأخذوه على أنه هو الأمر الطبيعي الفطري الذي تستلزمه المقدمات. فقد ~~جاءكم البلاغ على لسان رجل منكم. ولماذا لم يقل الحق: لسان رجل؟ إننا ~~نعلم أن هناك آية ثانية يقول فيها الحق: # ربنا وآتنا ms3403 ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران: 194] كأنه يقول لهم: إن الوعد الذي وعده الحق لكم قد جاء لكم ~~بالمنهج الذي نزل على الرسل. ومهمة الرسل صعبة فليست مقصورة على التبليغ ~~باللسان لأن مشقاتها كلها على كاهل كل رسول، ولا تظنوا أن ربنا حين اختار ~~رسولا قد اختاره ليدلله على رقاب الناس، لا. لقد اختاره وهو يعلم أن ~~المهمة صعبة، والرسول صلى الله عليه وسلم - كما تعلمون - لم يشبع من خبز ~~شعير قط، وأولاده وأهله - على سبيل المثال - لا يأخذون من الزكاة، والرسل ~~لا تورث فجميع ما تركوه صدقة، وكل تبعات الدعوة على الرسول، وهذه هي ~~الفائدة في أنه لم يقل على لسان رسول، لأن الأمر لو كان على لسان الرسول ~~فقط لأعطى البلاغ فقط، إنما " على رجل منكم " تعطي البلاغ ومسئولية ~~البلاغ على هذا الرجل. { أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ~~ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ~~ولعلكم ترحمون } [الأعراف: 63]. ما هو العجب؟ لقد كان العجب ~~أن تردوا الألوهية والنبوة. وبعضهم لم يرد الألوهية ورد فكرة النبوة على ~~الإنسان. وطالب أن يكون الرسول من الملائكة لأن الملائكة لم تعص ولها ~~هيبة ولا يعرف عنها الكذب. لكن كيف يصبح الرسول ملكا؟ وهل أنت ترى ~~الملك؟ إن البلاغ عن الله يقتضي المواجهة، ولابد أن يراه القوم ويكلموه، ~~والملك أنت لن تراه. إذن فلسوف يتشكل على هيئة رجل كما تشكل جبريل بهيئة ~~رجل. إذن أنتم تستعجبون من شيء كان المنطق يقتضي ألا يكون. # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. وقولهم هذا في قمة الغباء. فقد كان عليهم أن يتهافتوا ~~ويقبلوا على الإيمان لأن الرسول منهم. وقد عرفوا ماضيه من قبل، وكذلك ~~أنسوا به، ولو كانت له انحرافات قبل أن يكون رسولا لخزي واستحيا أن يقول ~~لهم: استقيموا. وما دام هو منكم وتعرفون تاريخه وسلوكه حين دعاكم ~~للاستقامة كان من الواجب أن تقولوا لأنفسكم: إنه لم يكذب في أمور الدنيا ~~فكيف يكذب في أمور ms3404 الآخرة، ولم يسبق له أن كذب على خلق الله فكيف يكذب ~~على الله؟ ولأنه منكم فلا بد أن يكون إنسانا ولذلك قال الحق: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9]. وهنا في الآية التي نحن بصددها يقول الحق: { على ~~رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ~~ترحمون }. إذن فمهمته أن ينذر، والإنذار لقصد التقوى، والتقوى ~~غايتها الرحمة، وبذلك نجد هنا مراحل: الإنذار وهو إخبار بما يسؤوك ولم ~~يأت زمنه بعد وذلك لتستعد له، وتكف عنه لأنه سيتعبك ويضايقك. والبشارة ضد ~~الإنذار، لأنها تخبر بشيء سار زمنه لم يأت، وفائدة ذلك أن يجند الإنسان ~~كل قوته ليستقبل الخير القادم. وأن يبتعد عن الشيء المخيف. وهكذا يكون ~~التبشير والإنذار لتتقي الشرور وتأخذ الخير، وبذلك يحيا الإنسان في ~~التقوى التي تؤدي إلى الرحمة. إذن فمواطن تعجبهم من أن يجيئهم رسول ~~مردودة لأن مواطن التعجب هذه كان يجب أن يلح عليها فطريا، وأن تنعطف ~~النفس إليها لا أن يتعجب أحد لأنها جاءت، فقد جاءت الرسالة موافقة ~~للمقدمات، وقد جاء الرسول ولم يأت ملكا ليكون قدوة. وكذلك لم يرسله ~~الله من أهل الجاه من الأعيان ومن صاحب الأتباع حتى لا يقال إن الرسالة ~~قد انتشرت بقهر العزوة، إن الأتباع كانوا موافقين على الباطل بتسلط ~~الكبراء والسادة، فمخافة أن يقال: إن كل تشريع من الله آزره المبطلون ~~بأتباعهم جاءت الدعوة على أيدي الذين ليس لهم أتباع ولا هم من أصحاب ~~الجاه والسلطان. ولقد تمنى أهل الشرك ذلك ويقول القرآن على لسانهم: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. ولقد كان تمنيهم أن ينزل القرآن على رجل عظيم بمعاييرهم، ~~وهذه شهادة منهم بأن القرآن في ذاته منهج ومعجزة. ولم يتساءلوا: وهل ~~القرآن يشرف بمحمد أو محمد هو الذي يشرف بالقرآن؟ إن محمدا يشرف بالقرآن ~~لذلك يقول الحق: # ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي # [هود: 27]. وهذه هي العظمة لأن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ms3405 لم يكونوا ~~من الذين يفرض عليهم الواقع أن يحافظوا على جاههم ويعملوا بسطوتهم وبطشهم ~~وبقوتهم، ويفرضوا الدين بقوة سلطانهم، لا، بل يمر على أتباع رسول الله ~~فترة وهم ضعاف مضطهدون، ويؤذون ويهاجرون، فالمهمة في البلاغ عن الله ~~تأتي لينذر الرسول، ويتقى الأتباع لتنالهم الرحمة نتيجة التقوى، والتقوى ~~جاءت نتيجة الإنذار. ويقول الحق بعد ذلك: { فكذبوه فأنجيناه ~~والذين معه... }. ### || [7.64] # وهنا يتكلم الحق عن حكاية الإنجاء، ونعلم المقدمة الطويلة التي سبقت ~~إعداد سيدنا نوح عليه السلام للرسالة، فقد أراد الله أن يتعلم النجارة، ~~وأن يصنع السفينة. # وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه # [هود: 38]. ولم يجيءالحق هنا بسيرة الطوفان التي قال فيها في موضع آخر ~~من القرآن: # ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر # [القمر: 11]. وجاء الحق هنا بالنتيجة وهي أنهم كذبوه. { فكذبوه ~~فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنآ } [الأعراف: 64]. وكانت هذه أول حدث ~~عقابي في تاريخ الديانات لأن رسالة نوح عليه السلام هي أول رسالة تعرضت ~~إلى مثل هذا التكذيب ومثل هذا العناد، وكان الرسل السابقون لنوح عليهم ~~البلاغ فقط، ولم يكن عليهم أن يدخلوا في حرب أو صراع، والسماء هي التي ~~تؤدب، فحينما علم الحق سبحانه وتعالى أنه بإرسال رسوله صلى الله عليه ~~وسلم ستبلغ الإنسانية رشدها صار أتباع محمد مأمونين على أن يؤدبوا ~~الكافرين. وفي تكذيب نوح عليه السلام يأتينا الحق هنا بالنتيجة. { ~~فأنجيناه والذين معه } ولم يقل الحق: كيف أنجاه ولم يأت ~~بسيرة الفلك، بل أخبر بمصير من كذبوه، ويأتي بالعقاب من جنس الطوفان. { ~~وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ إنهم كانوا ~~قوما عمين } [الأعراف: 64]. هناك " أعمى " لمن ذهب بصره كله من ~~عينيه كلتيهما، وهناك أيضا عمه وأعمه، والعمه في البصيرة ~~كالعمى في البصر.. أي ذهبت بصيرته ولم يهتد إلى خير. ثم انتقل الحق إلى ~~رسول آخر. ليعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة فيه أيضا. فبعد أن ~~جاء بنوح يأتي بهود. ### || [7.65] # وساعة ما تسمع: { وإلى عاد أخاهم هودا } أي أرسلنا إلى عاد ~~أخاهم هودا، ms3406 و " أخاهم " موقعها الإعرابي " مفعول به " ويدلنا على ذلك ~~قوله في الآية السابقة: { أرسلنا نوحا } ، وكذلك أرسلنا إلى عاد ~~أخاهم هودا. وكلمة " أخاهم " تشعر بأشياء كثيرة إنه من جنسهم، ولغته ~~لغتهم، وأنسهم به، ويعرفون كل شيء وكل تاريخ عنه، وكل ذلك إشارات تعطى ~~الأنس بالرسول فلم يأت لهم برسول أجنبي عاش بعيدا عنهم حتى لا يقولوا: ~~لقد جاء ليصنع لنفسه سيادة علينا. بل جاء لهم بواحد منهم وأرسل إليهم " ~~أخاهم " وهذا الكلام عن " هود ". إذن كان هود من قوم عاد، ولكن هناك رأي ~~يقول: إن هودا لم يكن من قوم عاد، ولأن الأخوة نوعان: أخوة في الأب ~~القريب، أو أخوة في الأب البعيد، أي من جنسكم، من آدم فهو إما أخ من ~~الأب القريب، وإما أخ من الأب البعيد. وقد قلنا من قبل: إن سيدنا معاوية ~~كان يجلس ثم دخل عليه الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين، رجل بالباب يقول ~~إنه أخوك، فتساءلت ملامح معاوية وتعجب وكأنه يقول لحاجبه: ألا تعرف إخوة ~~أمير المؤمنين؟ وقال له: أدخله، فأدخله. قال معاوية للرجل: أي إخوتي ~~أنت؟! قال له: أخوك من آدم. فقال معاوية: رحم مقطوعة - أي أن الناس لا ~~تتنبه إلى هذه الأخوة - والله لأكونن أول من وصلها. { وإلى عاد ~~أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره أفلا تتقون } [الأعراف: 65]. ونلحظ أن الحق ~~قال على لسان سيدنا نوح لقومه: # فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله ~~غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم # [الأعراف: 59]. وأرسل الحق هودا إلى عاد، لكن قول هود لقوم عاد يأتي: { ~~قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~أفلا تتقون }. وهنا " قال " فقط من غير الفاء وجاء في قول نوح: " ~~فقال ". وهذه دقة في الأداء لننتبه لأن الذي يتكلم إله ورب، فتأتي مرة ب ~~" فاء " وتأتي مرة بغير " فاء " رغم أن السياق واحد، والمعنى واحد ~~والرسول رسول، والجماعة هم قوم الرسول. ونعلم أن " الفاء " تقتضي ~~التعقيب، وتفيد الإلحاح عليهم، وهذا توضحه سورة ms3407 نوح لأن الحق يقول فيها: # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم ~~يزدهم دعآئي إلا فرارا * وإني كلما دعوتهم ~~لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم ~~واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا ~~استكبارا * ثم إني دعوتهم جهارا * ثم إني ~~أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا * فقلت ~~استغفروا ربكم إنه كان غفارا # [نوح: 5-10]. إذن فالفاء مناسبة هنا، لكن في مسألة قوم هود نجد أن سيدنا ~~هودا قال لهم مرة أو اثنتين أو ثلاث مرات، لكن بلا استمرار وإلحاح، وهذا ~~يوضح لنا أن إلحاح نوح على قومه يقتضي أن يأتي في سياق الحديث عنه ب: " ~~فقال " وألا تأتي في الحديث عن دعوة سيدنا هود. وقد يتعجب الإنسان لأن ~~مدة هود مع عاد لا تساوي مدة نوح مع قومه، وقد جاء الإيضاح بزمن رسالة ~~سيدنا نوح في قوله الحق: # فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما # [العنكبوت: 14]. ظل سيدنا نوح قرابة ألف سنة يدعو قومه ليلا ونهارا ~~سرا وعلانية، لكنهم كانوا يفرون من الإيمان، لذلك يأتي الحق في أمر ~~دعوة نوح بالفاء التي تدل على المتابعة. أما قوم عاد فلم يأت لهم " ~~بالفاء ". بل جاء ب " قال ": { وإلى عاد أخاهم هودا قال ~~ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~أفلا تتقون } [الأعراف: 65]. وقال نوح من قبل: # ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم # [الأعراف: 59]. وفي مسألة قوم عاد قال: { ياقوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره أفلا تتقون }. ومع أن ~~الأسلوب واحد والمعاني واحدة، وكان ذلك يقتضي الإنذار، لكن لم يقل الحق ~~ذلك لأن نوحا عنده علم بالعذاب الذي سوف ينزل لأنها كانت أول تجربة، لكن ~~سيدنا هود لم يكن عنده علم بالعذاب. العملية التي حدثت لنوح مع قومه ~~وإهلاكهم بالغرق كانت أولية بالنسبة له فالله سبق أن أعلمه بها، وحين ذهب ~~هود إلى قوم عاد كانت هناك سابقة أمامه، وأخذ ربنا المكذبين لنوح ~~بالعذاب، لذلك ألمح سيدنا هود فقط إلى احتمال العذاب حين قال: { أفلا ms3408 ~~تتقون }. أي أن العذاب قد ينتظركم وينالكم مثل قوم نوح. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { قال الملأ الذين... }. ### || [7.66] # في هذه الآية جاء قوله: { الذين كفروا } ، وفي قصة نوح قال ~~سبحانه: { قال الملأ من قومه } ولم يأت فيها بالذين كفروا، لأن ~~قوم نوح لم يكن فيهم من آمن وكتم إيمانه وأخفاه، بخلاف عاد قوم هود فإنه ~~كان فيهم رجل اسمه مرثد بن سعد آمن وكتم وستر إيمانه، فيكون قوله تعالى ~~في شأنهم: { الذين كفروا } قد جاء مناسبا للمقام، لأن فيهم ~~مؤمنا لم يقل ما قولوا من رميهم لسيدنا هود بالسفاهة حيث قالوا ما حكاه ~~الله عنهم بقوله: { إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك ~~من الكاذبين } [الأعراف: 66]. أما قوم نوح فقد قالوا: # إنا لنراك في ضلال مبين.. # [الأعراف: 60]. فقال لهم نوح عليه السلام: # قال ياقوم ليس بي ضلالة # [الأعراف: 61]. ما الفرق بين الضلال والسفاهة؟ الضلال هو مجابنة حق، ~~والسفاهة طيش وخفة وسخافة عقل، وأضافت عاد اتهاما آخر لسيدنا هود: { ~~وإنا لنظنك من الكاذبين }. والظن رجحان الأمر بدون ~~يقين، فهناك راجح، ومرجوح، أو أن الظن هنا هو التيقن. على حد قوله ~~سبحانه: # الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم # [البقرة: 46]. أي يتيقنون، وجاء بالرد من سيدنا هود: { قال ياقوم ~~ليس بي سفاهة... }. ### || [7.67] # وفي هذا القول نفي للاتهام بالسفاهة، وإبلاغ لهم بأنه مبلغ عن الله ~~بمنهج تؤديه الآية التالية وهي قوله الحق: { أبلغكم رسالات ~~ربي وأنا... }. ### || [7.68] # وسبق أن قال سبحانه على لسان نوح: # أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم # [الأعراف: 62]. فلماذا قال في قوم نوح: { أنصح لكم } ، وقال هنا ~~في عاد: { وأنا لكم ناصح أمين }؟ لقد قال الحق: { أنصح ~~لكم } في قوم نوح لأن الفعل دائما يدل على التجدد، بينما يدل الاسم ~~على الثبوت. ونظرا إلى أن نوحا عليه السلام كان يلح على قومه ليلا ~~ونهارا، وإعلانا وسرا، لذلك جاء الحق بالفعل: { أنصح لكم } ~~ليفيد التجدد، ولكن في حالة قوم هود جاء سبحانه بما يفيد الثبوت وهو ~~قوله: { ناصح أمين } لأن هودا عليه السلام لم ms3409 يلح ويكرر على قومه ~~في دعوتهم إلى الإيمان كما كان يفعل نوح عليه السلام. ويقول سبحانه على ~~لسان سيدنا هود: { أو عجبتم أن جآءكم ذكر... }. ### || [7.69] # جاء الحق هنا بالذكر للإنذار فقال: { لينذركم } فقط، وليس كما ~~قال في قوم نوح: { ولتتقوا ولعلكم ترحمون } لأن ~~الإنذار لم يأت لمجرد الإنذار، بل لنرتدع ونتقي، لكي نرحم، إذن فحين ~~يأتي بأول الحلقة وأول الخيط وهو الإنذار فنحن نستنتج الباقي وهو التقوى ~~لنصل إلى الرحمة: { واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد ~~قوم نوح }. وهذا كلام جديد لأن قوم نوح هم أول قوم عذبوا حين لم ~~يؤمنوا، وجاء سيدنا هود إلى عاد بعد ذلك، يبلغهم وينذرهم ليأخذوا العبرة ~~من نوح وقومه: { واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد ~~قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلآء ~~الله لعلكم تفلحون } [الأعراف: 69]. ويذكرهم سيدنا هود أن ~~الحق قد أعطى لهم أجساما فارعة فيها بسطة وطول، ويقال: إن الطويل منهم ~~كان يبلغ طوله مائة ذراع، والقصير منهم كان يبلغ طوله ستين ذراعا، ~~ويأمرهم سيدنا هود أن يذكروا آلاء الله، أي نعمه عليهم، وأول النعم أن ~~أرسل إليهم رسولا يأخذ بأيديهم إلى مناطق الخير. فماذا كان ردهم؟ يقول ~~الحق: { قالوا أجئتنا لنعبد... }. ### || [7.70] # كان المنطق أن يعبدوا الله وحده لا أن يعبدوا الشركاء الذين لا ينفعونهم ~~ولا يضرونهم، ولا يسمعونهم. بل إن الواحد منهم كان يرى الهواء يهب على ~~الصنم، فيميل الصنم ويقع على الأرض وتنكسر رقبته، فيذهب إلى الحداد ليعيد ~~تركيب رأس جديد للصنم، فكيف يعبد مثل هذا الصنم؟ لكنهم قالوا لهود: نحن ~~نقلد آباءنا ولا يمكن أن نترك ما كان يعبد آباؤنا لأننا على آثارهم نسير. ~~وإن كان إلهك ينذرنا بعذاب فأتنا به إن كنت من الصادقين. وهكذا وضح أنه ~~لا أمل في اقتناعهم بالدعوة إلى الإيمان. فماذا يقول الحق بعد ذلك؟ يجيء ~~القول الفصل على لسان سيدنا هود: { قال قد وقع عليكم من ~~ربكم... }. ### || [7.71] # لقد كان يكلمهم ويكلمونه، قالوا له: ائتنا بالعذاب، فقال لهم: { قد ~~وقع ms3410 عليكم من ربكم رجس وغضب } ، فكيف يقول وقع؟ ~~لقد قال ذلك لأنه يخبر عن الله. و " وقع " فعل ماض، لكنا نعلم أن كلام ~~الله مجرد عن الزمان ماضيا كان أو حاضرا، أو مستقبلا، لقد قال سيدنا ~~هود: " وقع " والعذاب لم يقع بعد، لكن لما كان قوله بلاغا عن الله فإنه ~~يؤكد وقوع العذاب حتما لأن الذي أخبر به قادر على إنفاذه في أي وقت، ولا ~~إله آخر ولا قوة أخرى قادرة على أن تمنع ذلك. والذي وقع عليهم هو الرجس، ~~والرجس أي التقذير، ضد التزكية والتطهير. وغضب الله الواقع لم تحدده هذه ~~الآية. لكن لا بد أن له شكلا سيقع به. ويسائلهم هو ساخرا: { ~~أتجدلونني في أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم ~~} ، وكل اسم يكون له مسمى، وهذه الأسماء أنتم أطلقتموها على هذه الآلهة، ~~وهل لها مسميات حقيقة لتعبد؟. لا، بل أنتم خلعتم على ما ليس بإله أنه ~~إله، وهذه أسماء بلا مسميات، وأنتم في حقيقة الأمر مقلدون لآبائكم. وما ~~تعبدونه أسماء بلا سلطان من الإله الحق. { ما نزل الله بها ~~من سلطان } [الأعراف: 71]. أي ليس لهذه الأسماء من حجة على ما ~~تقولون، بدليل أنهم كانوا يسمون في الجاهلية إلها باسم " العزى " ~~وعندما يكسرونه لا يجدون عزا ولا شيئا لأن هذا الإله المزعوم لم يدفع ~~عن نفسه، فكيف يكون إلها وقيوما على غيره؟ وكذلك سموا " اللات " أي ~~الله ومضاف له التاء، وعندما يكسرونه لا يجدون له قوة أو جبروتا أو ~~طغيانا. ويقول هود لقومه ما يؤكد وقوع العذاب: { فانتظروا إني ~~معكم من المنتظرين } [الأعراف: 71]. وقوله: { ~~فانتظروا } ، جعلنا نفهم قوله السابق: { قد وقع عليكم ~~من ربكم رجس وغضب } بأن الرجس والغضب قادمان لا محالة. ~~صحيح أنه عبر عن ذلك بالفعل الماضي، ولكن لنقرأ قوله الحق: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل: 1]. و " أتي " فعل ماض، وفي الظاهر أنه يناقض قوله: { فلا ~~تستعجلوه } لأن الاستعجال يدل على أن الحدث لم يأت زمنه بعد. ~~ولكن لنا أن نعلم أن الذي أخبر هو الله، ولا توجد ms3411 قوة ثانية تغير مرادات ~~الله أن تكون أو لا تكون. يقول الحق بعد ذلك: { فأنجيناه ~~والذين معه... }. ### || [7.72] # ونلحظ أن الحق قد بين وسيلة نجاة سيدنا نوح: { فكذبوه ~~فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا ~~الذين كذبوا بآياتنآ.. }. أما هنا في مسألة عاد فلم يوضح ~~لنا وسيلة النجاة، بل قال سبحانه: { فأنجيناه والذين معه ~~برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا ~~بآياتنا وما كانوا مؤمنين } [الأعراف: 72]. وقوله: { ~~فأنجيناه } تدل على أن عذابا عاما وقع، إلا أن ربنا أوحى لسيدنا ~~هود أن يذهب بعيدا عن المكان هو والذين معه قبل أن يقع هذا العذاب. وكان ~~العرب قديما إذا حزبهم أمر، أو دعتهم ضرورة إلى شيء خرج عن أسبابهم ~~يذهبون إلى بيت الله ليضرعوا إلى الله أن يخلصهم منه، حتى الكفرة منهم ~~كانوا يفعلون ذلك. كما حدث من عاد حين أرسل الله إليهم سيدنا هودا نبيا ~~فكذبوه وازدادوا عتوا وتجبرا فأصابهم جدب وظل ثلاث سنوات فما كان منهم ~~ألا أن فزعوا إلى الكعبة لكي يدعوا ربهم أن يخفف عنهم العذاب، وذهب واحد ~~منهم اسمه " قيل بن عنز " ، وآخر اسمه " مرثد بن سعد " الذي كان يكتم ~~إسلامه على رأس جماعة منهم إلى مكة، وكان لهم بها أخوال من العماليق من ~~أولاد عمليق بن لاوث بن سام بن نوح، وكانوا هم الذين يحكمون مكة في هذا ~~الوقت، وعلى رأسهم واحد اسمه " معاوية بن بكر " ، فنزلوا عنده، وأكرم ~~وفادتهم على طريقة العرب، واستضافهم ضيافة ملوك وأمراء، وجاء لهم بالقيان ~~والأكل والشراب، فاستمرأوا الأمر، وظلوا شهرا، فقال معاوية بن بكر: لقد ~~جاءوا لينقذوا قومهم من الجدب وما فكروا أن يذهبوا إلى الكعبة، ولا فكروا ~~في أن يدعوا ربنا وأخاف أن أقول لهم ذلك فيقولوا إنه ضاق بنا. وتكون سبة ~~في. وأخذ يفكر في الأمر. وكان عنده مغنيتان اسمهما " الجرادتان ". فقالت ~~المغنيتان: قل في ذلك شعرا، ونحن نغنيه لهم، فقال معاوية: # ألا يا قيل ويحك قم فهينم # لعل الله يمطرنا غماما # فيسقى أرض عاد إن عادا # قد أمسوا لا ms3412 يبينون الكلاما # فلما غنتا، والغناء فيه ترديد وخصوصا إذا كان غناء موجها " ألا يا ~~قيل ويحك قم فهينم " وهينم: أي ادعوا الله، ألم تحضر من أجل الدعاء لعل ~~الله يمطرنا الغمام على أرض عاد، وينتهي الجدب، وقد بلغ منهم الجهد أنهم ~~لا يبينون الكلام، فتنبه القيل، وتنبه مرثد بن سعد، وكان قد نمى إلى علم ~~" القيل " أن مرثد بن سعد مؤمن بهود عليه السلام، فرفض أن يصحبه معه، ~~وبالفعل ذهب قيل وأخذ يدعو الله، فسمع هاتفا يقول له: " اختر لقومك " ~~وقد رأى سحابة سوداء وسحابة حمراء وسحابة بيضاء، ونبهه الهاتف أن يختار ~~سحابة تذهب لقومه من بين الثلاثة، فاختار السحابة السوداء، لأنها أكثر ~~السحاب ماء، وهو على قدر اجتهاده اختار السحابة السوداء، وعادوا لبلادهم ~~ليجدوا السحابة السوداء فقال لهم: أنا اخترت السحابة السوداء لأنها توحى ~~بماء كثير منهمر، وقال الحق في هذا الأمر: # فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا ~~هذا عارض ممطرنا # [الأحقاف: 24]. أي أن هذه هي السحابة التي قال عليها: " قيل ": سوف ~~تعطينا المطر. فيرد الحق عليهم ويقول لهم: # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * ~~تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى ~~إلا مساكنهم # [الأحقاف: 24-25]. إذن فقولهم السابق لسيدنا هود الذي أورده الحق هنا في ~~سورة الأعراف: # فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # [الأعراف: 70]. أي أن عذابهم يتأكد بالمطر والريح الذي جاء به قول سيدنا ~~هود هنا في سورة الأعراف: { قال قد وقع عليكم من ~~ربكم رجس وغضب }. ولم يفلت من العذاب إلا من آمن مصداقا ~~لقوله الحق: { فأنجيناه والذين معه برحمة منا ~~وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا ~~مؤمنين } [الأعراف: 72]. لقد يسر الحق الانقاذ لسيدنا هود ومن آمن ~~معه ليهجروا المكان لحظة ظهور السحاب، فقد سمع هود هاتفا يؤكد له أن في ~~هذا السحاب العذاب الشديد، فأخذ الجماعة الذين آمنوا معه وهرب إلى مكة، ~~وتم إهلاك الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب رسولهم ورفضهم الإيمان بربهم. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { وإلى ثمود أخاهم ms3413 صالحا... }. ### || [7.73] # لقد قال سيدنا صالح لثمود مثلما قال سيدنا هود لعاد، وحمل لهم الإنذار ~~ليتقوا فيرحموا، قال سيدنا صالح: { ياقوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره }. إذن فالإنذار للتقوى وللوصول إلى ~~الرحمة والفلاح، ولذلك أقول دائما: إن القرآن حينما يتعرض لأمر قد لا ~~يأتي به مفصلا ولكن سياقه يوحي بالمراد منه، ولا يكرر وذلك ليربي فينا ~~ملكة الاستيقاظ إلى استقبال المعاني. والمثال على ذلك في قصة الهدهد مع ~~سيدنا سليمان، يقول القرآن على لسان سيدنا سليمان: # وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم ~~كان من الغآئبين # [النمل: 20]. ويهدد سيدنا سليمان الهدهد قائلا: # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه # [النمل: 21]. ثم جاء الهدهد ليقول: # وجئتك من سبإ بنبإ يقين # [النمل: 22]. ثم أرسل سيدنا سليمان الهدهد إلى قوم سبأ قائلا: # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول ~~عنهم فانظر ماذا يرجعون # [النمل: 28]. وبعد هذه الآية مباشرة قال القرآن: # قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم # [النمل: 29]. وكأن الهدهد قد ذهب بالكتاب، ورماه إلى ملكة سبأ، وقالت هي ~~الرد مباشرة. إذن لم يكرر القرآن ما حدث، بل جعل بعضا من الأحداث ~~متروكا للفهم من السياق. وكذلك هنا في قوله الحق: { وإلى ثمود ~~أخاهم صالحا } [الأعراف: 73]. وكلمة " أخاهم " هنا تؤكد أن سيدنا ~~صالحا كان مأنوسا به عند ثمود، ومعروف التاريخ لديهم، وسوابقه في القيم ~~والأخلاق معروفة لهم تماما وأضيفت ثمود له لأنه أخوهم. وقد جاءت دعوته ~~مطابقة لدعوة نوح وهود. { قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره قد جآءتكم بينة من ربكم ~~هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض ~~الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم } ~~[الأعراف: 73]. والبنية هي الدليل على الصدق في البلاغ عن الله، وهي ~~الناقة. فما قصة الناقة؟ هل خرج لهم بناقة ونسب ملكيتها لله؟ بطبيعة ~~الحال، لا، بل لا بد أن تكون لها قصة بحيث يعلمون أن هذه الناقة ليست ~~لأحد من البشر. وحين قام سيدنا صالح بدعوته، تحداه السادة من قومه، ~~وقالوا: ms3414 نقف نحن وأنت، نستنجد نحن بآلهتنا، وأنت تستنجد بإلهك، وإن غلبت ~~آلهتنا تتبعنا، وإن غلب إلهك نتبعك، وجلسوا يدعون آلهتهم، فلم يحدث شيء ~~من تلك الآلهة، وهنا قالوا لسيدنا صالح: إن كنت صادقا في دعوتك، هذه ~~الصخرة منفردة أمامك في الجبل اسمها " الكاثبة " فليخرج ربك لنا من هذه ~~الصخرة ناقة هي عشراء كالبخت - أحسن أنواع الإبل - فدعا الله سبحانه ~~وتعالى، وانشقت الصخرة عن الناقة، وخروج الناقة من الصخرة لا يدع مجالا ~~للشك في أنها آية من الله ظهرت أمامهم. إنها البينة الواضحة. # لقد انشقت الصخرة عن الناقة ووجدوها ناقة عشراء، وبراء - أي كثيرة ~~الوبر - يتحرك جنينها بين جنبيها ثم أخذها المخاض فولدت فصيلا، وهكذا ~~تتأكد الإلهية دون أن يجرؤ أحد على التشكيك فيها، وهي ناقة من الله وهو ~~القائل: # ناقة الله وسقياها # [الشمس: 13]. وأوضح لهم سيدنا صالح أنها ناقة الله، وترونها رؤية مشهدية ~~وهذه الناقة لها يوم في الماء لتشرب منه، ويوم تشربون أنتم فيه. وكان ~~الماء قليلا عندهم في الآبار. # لها شرب ولكم شرب يوم معلوم # [الشعراء: 155]. أي لا بد من تخصيص يوم لتشرب فيه هذه الناقة، ولكم أنتم ~~وإبلكم وحيواناتكم يوم آخر، وكان من عجائب هذه الناقة أن تقف على العين ~~وتشرب فلا تدع فيها ماء، وهي كمية من المياه كانت تكفي كل الإبل. وبعد ~~ذلك تتحول كل المياه التي شربتها في ضرعها لبنا، فيأخذون هذا اللبن. ~~صحيح أن الناقة منعتهم المياه لكنهم أخذوا منها اللبن الذي يطعمونه، ~~ولأنها ناقة الله كان لا بد أن تأخذ هيكلا وحجما يناسبها وكمية من ~~الطعام والشراب مناسبة لتقيم بها حياتها، وكمية إدرار اللبن مناسبة ~~لشربها وطعامها وحجمها، فما دامت منسوبة لله فلا بد أن فيها مواصفات ~~إعجازية، وكان الفصيل الذي ولدته معها، وكان إذا ما جاء الحر في الصيف ~~تسكن الناقة في المشارف العالية، وبقية النوق تنزل في الأرض الوطيئة، ~~وحين يأتي الشتاء تنزل إلى المناطق المنخفضة. والمعروف أن مدائن صالح ~~كانت منطقة شديدة الحرارة، ويمكن لمن يزور المدينة أو " تبوك ms3415 " أن يمر ~~عليها. كانت الناقة حرة في اختيار المكان الذي تعيش فيه صيفا أو شتاء ~~فلا أحد بقادر أن يمسها بسوء. وكانت هناك امرأتان لهما نياق. وناقة الله ~~تغلب نياق المرأتين في المراعي والماء. فأحضرت المرأتان رجلا يطلق عليه: ~~" أحيمر ثمود " واسمه " قدار بن سالف " ليقتلها، فقتل الناقة، فلما ~~قتلت الناقة، طلع ابنها الفصيل على جبل يسمى " قارة " وخار ثلاثة أصوات، ~~فنادى سيدنا صالح: يا قوم أدركوا هذا الفصيل، لعل الله بسبب إدراككم له ~~يرفع عنكم العذاب، فراحوا يتلمسونه فلم يجدوه وأعلم الله صالحا النبي أن ~~العذاب قادم، ففي اليوم الأول تكون وجوههم مصفرة، وفي اليوم الثاني تكون ~~محمرة، وفي اليوم الثالث تكون مسودة، فقد كانت الناقة هي ناقة الله ~~المنسوبة له سبحانه، وقد تأكدوا بالأمر المشهدي من ذلك، وكان من الواجب ~~عليهم ساعة أن وجدوا الآية الكونية المشهودة أن يأخذوا منها العبرة، ~~وأنها مقدمة للشيء الموعود به. لكن الغباء أنساهم أنها ناقة الله. { ~~هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض ~~الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم } ~~[الأعراف: 73]. وبالفعل حدث العذاب بعد أن قتل أحمير ثمود الناقة. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { واذكروا إذ جعلكم خلفآء... }. ### || [7.74] # ومن قبل قال الحق لقبيلة عاد: # واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح # [الأعراف: 69]. وهنا قال الحق: { واذكروا إذ جعلكم ~~خلفآء من بعد عاد }. لأن عادا هم الخلفاء الأقرباء منهم، ~~وقصتهم ما زالت معروفة ومعالمها واضحة، أما قصة نوح فهي بالتأكيد أقدم ~~قليلا من قصة عاد. ويذكرهم الحق أيضا أنه جعل لهم في الأرض منازل ~~يسكنونها، فاتخذوا من سهولها قصورا، والسهل هو المكان المنبسط الذي لا ~~توجد به تلال أو صخور أو جبال، وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا، وكان عمر ~~الإنسان منهم يطول لدرجة أن البيت ينهدم مرتين في العمر الواحد ~~للإنسان. ولذلك قرروا أن يتخذوا من الجبال بيوتا لتظل آمنة، وحين يرى ~~الإنسان مدائن صالح منحوتة في الجبل فهي فرصة لأن يتأمل عظمة الحق في ~~تنبيه الخلق إلى ما ms3416 يفيدهم وهي بالفعل من نعم الله، ويقول سبحانه: { ~~فاذكروا آلآء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ~~[الأعراف: 74]. وآلاء الله - كما عرفنا - هي نعمه التي لا تحصى، وينبههم ~~إلى عدم نشر الفساد في الأرض. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { قال ~~الملأ الذين استكبروا... }. ### || [7.75] # ونعرف أن هناك سادة، وهناك أتباعا. ومن قبل قال الحق: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا # [البقرة: 166]. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها حوار بين ~~السادة وبين المستضعفين الذين لا جاه لهم ولا جبروت يحافظ عليه، ورأوا ~~دعوة الإيمان ووجدوا فيها النفع لهم فأقبلوا عليها، أما الملأ وهم ~~السادة الأشراف الأعيان الذين يملأون العين هيبة، والقلوب مهابة فقد ~~قالوا لمن آمن من المستضعفين - لأن هناك مستضعفين ظلوا على ولائهم للكفر ~~- قال هؤلاء الملأ من المستكبرين لمن آمن من المستضعفين: { أتعلمون ~~أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بمآ أرسل ~~به مؤمنون } [الأعراف: 75]. وعندما سمع المستكبرون قول المؤمنين ~~من المستضعفين. فماذا قال الملأ المستكبرون؟ يقول الحق: { قال ~~الذين استكبروا... }. ### || [7.76] # إذن فقد أعلنوا الكفر بالقول وضموا إليه بالعمل وهو قتل الناقة، ويقول ~~الحق: { فعقروا الناقة وعتوا... }. ### || [7.77] # والعقر: هو الذبح بالنسبة للنوق. وهم هنا يقولون أيضا مثلما قال ~~السابقون لهم: { ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين ~~} [الأعراف: 77]. و " الصادقين " تؤول أيضا إلى المرسلين. لقد اتهموا ~~صالحا عليه السلام بالكذب كنبي مرسل لهم برغم حدوث الآية الواضحة وهي ~~خروج الناقة من الجبل، لذلك يحل عليهم غضب الله المتمثل في قوله الحق: { ~~فأخذتهم الرجفة فأصبحوا... }. ### || [7.78] # والرجفة: هي الهزة التي تحدث رجة في المهزوز. ويسميها القرآن مرة ~~بالطاغية في قوله الحق: # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية # [الحاقة: 5]. والتي أصبحوا من بعدها " جاثمين " ، وهو التعبير الدقيق ~~الذي يدل على أن الواحد منهم إن كان واقفا ظل على وقوفه، وإن كان قاعدا ~~ظل على قعوده، وإن كان نائما ظل على نومه. أو كما نقول: " إنسخطوا على ~~هيئاتهم ". ف " الجاثم " هو من لزم مكانه فلم يبرح أو لصق بالأرض. وبعد ms3417 ~~أن أخذهم بالرجفة يقول الحق: { فتولى عنهم وقال ~~ياقوم... }. ### || [7.79] # فهل كان سيدنا صالح يخاطبهم وهم موتى؟. نعم يخاطبهم إنصافا لنفسه ~~وإبراء لذمته، مثلما يقع واحد في ورطة فيقول له صديقه: لا أملك لك شيئا ~~الآن: فقد نصحتك من قبل. أو أن شريرا قد قتل، فتقول له: " ياما نصحتك ~~". وأنت تتكلم لكي تعطي لنفسك براءة العذر، # " أو كما فعل صلى الله عليه وسلم مع قتلى بدر وناداهم واحدا واحدا بعد ~~أن ألقوا جثثهم في قليب بدر، وقال صلى الله عليه وسلم: يا أهل القليب، يا ~~فلان، يا فلان، يا فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا، فإني قد وجدت ما ~~وعدني ربي حقا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا، فقال الصحابة: - أو ~~تكلمهم يا رسول الله وقد جيفوا. قال: والله ما أنتم بأسمع لما أقول ~~منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني ". # وكأن سيدنا صالح قال ذلك ليتذكروا كيف أبلغهم رسالات الله ومنهجه ونصح ~~لهم وتحنن عليهم أن يلتزموا بمنهج الله، لكنهم لم يستمعوا للنصح. ولم ~~يحبوا الناصحين لأن الناصح يريد أن يخرج المنصوح عما ألفه من الشر، ~~وعندما ينصحه أحد يغضب عليه. وبعد أن انتهى من قصة ثمود مع نبيهم يقول ~~سبحانه: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة... ~~}. ### || [7.80] # وكما قال الحق: { لقد أرسلنا نوحا } وقال: { وإلى عاد ~~أخاهم هودا } ، { وإلى ثمود أخاهم صالحا } فهو هنا ~~يأتي باسم " لوط " منصوبا لأنه معطوف على من سبقه من أصحاب الرسالات. ~~وما هو زمان الإرسال؟ إن قوله الحق: { إذ قال لقومه } يفيد أن ~~زمن القول كان وقت الإرسال. وهي الإشارة القرآنية ذات الدلالة الواضحة ~~على أن الرسول حين يبعث ويرسل إليه ويبلغ الرسالة لا يتوانى لحظة في ~~أداء المهمة، فكأن تبليغ الرسالة تزامن مع قوله: { ياقوم }. والأسلوب ~~يريد أن يبين لك أنه بمجرد أن يقال له: " بلغ " فهو يبلغ الرسالة على ~~الفور، وكأن الرسالة جاءت ساعة التبليغ فلا فاصل بينهما. { ولوطا إذ ~~قال لقومه } [الأعراف: 80]. وكلمة " قومه " تعني أنه منهم، ولماذا ~~لم ms3418 يقل: " أخاهم لوطا "؟ وهذه لها معنى يفيد أن السابقين من الرسل كانوا ~~من بيئة الأقوام الذين أرسلوا إليهم فعاد كان " هود " من بيئتهم و " ثمود ~~" كان صالح من بيئتهم وإذا كان الحق لم يقل " أخاهم لوطا " فلنلحظ أنه ~~أوضح أنه قد أرسله إلى قومه، وهذه تنبهنا إلى أن لوطا لم يكن من هذا ~~المكان، لأن لوطا وإبراهيم عليهما السلام كانا من مدينة بعيدة، وجاء إلى ~~هذا المكان فرارا من الاضطهاد هو وإبراهيم عليهما السلام، وهذا يبين لنا ~~أن لوطا طارئ على هذا المكان، ولم يكن أخاهم المقيم معهم في البيئة ~~نفسها. ولكنهم " قومه " لأنه عاش معهم فترة فعرف بعضهم بعضا، وعرفوا ~~بعضا من صفاته، وأنسوا به. أقول ذلك لننتبه إلى دقة أداء القرآن، فمع أن ~~القصص واحد فسبحانه يضع لنا التمييز الدقيق، ولم يقل لهم لوط: إن ربي ~~نهاكم عن هذه العملية القذرة وهي إتيان الرجال. بل أراد أن يستفهم منهم ~~استفهاما قد يردعهم عن العملية ويقبحها. وكان استفهام سيدنا لوط هو ~~استفهام تقريع، واستفهام إنكار، فلم يقل لهم: إن ربنا يقول لكم امتنعوا ~~عن هذا الفعل، بل يستنكر الفعل كعمل مضاد للفطرة، واستنكار فطري. { ~~أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين } [الأعراف: 80]. وهذا يدل على أنه يريد أن يسألهم سؤالا ~~إنكاريا ليحرجهم، لأن العقل الفطري يأبى هذه العملية: { أتأتون ~~الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين }. أي ~~أن هذه المسألة لم تحدث من قبل لأنها عملية مستقذرة لأن الرجل إنما يأتي ~~الرجل في محل القذارة، لكنهم فعلوها، وهذا الفعل يدل على أنها مسألة قد ~~تشتهيها النفس غير السوية. ولكنها عملية قذرة تأباها الفطرة السليمة. ~~وكلمة " فاحشة " تعطينا معنى التزيد في القبح فهي ليست قبحا فقط، بل ~~تزيد وإيغال وتعمق في القبح ومبالغة فيه لأن الفاحشة تكون أيضا إذا ~~ما أتى الرجل أنثى معدة لهذه العملية لأنه لم يعقد عليها، ولم يتخذها ~~زوجا، وعندما يتزوجها تصير حلا له، لكن إتيان الذكر للذكر هو تزيد في ~~الفحش. # وإذا ms3419 كان هذا الأمر محرما في الأنثى التي ليست حلالا له ويعد فاحشة، ~~فالرجل غير مخلوق لمثل هذا الفعل ولا يمكن أن يصير حلالا، يكون إتيانه ~~فاحشة بمعنى مركب. { أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها ~~من أحد من العالمين } [الأعراف: 80]. وقلنا من قبل: إن " من ~~" قد تأتي مرة زائدة، ويمكنك أن تقول إنها زائدة في كلام الإنسان، لكن من ~~العيب أن تقول ذلك في كلام ربنا. وقوله: { ما سبقكم بها من ~~أحد من العالمين }. أي ما سبقكم أحد من العالمين، و " أحد " ~~هي الفاعل، وجاءت " من " لتوضح لنا أنه لم يأت بها أحد ابتداء، مثلما ~~قلنا قديما، حين تأتي لواحد لتقول له: " ما عندي مال ". فأنت قد نفيت أن ~~يكون عندك مال يعتد به. وقد يكون معك عدة قروش وهي لا تعتبر مالا. ولكن ~~إن قلت: ما عندي من مال، أي ليس عندي من بداية ما يقال له إنه مال، وقوله ~~الحق: { ما سبقكم بها من أحد من العالمين } ~~[الأعراف: 80]. يعني أنه لم يسبقكم أي أحد من بداية ما يقال له أحد، ~~وسبحانه يريد بذلك أن ينفيها أكثر، و " من " التي في قوله: { من ~~العالمين } هي تبعيضية أي ما سبقكم بها أحد " من بعض " العالمين. ~~فما هذا الأمر؟ لقد سماها فاحشة، وهي تزيد في القبح ووصفه لها بأنها لم ~~يأتها أحد من العالمين جعلها مسألة فظيعة للغاية. لأننا حين نبحث هذه ~~المسألة بحثا عقليا نجد أن الإنسان مخلوق كخليفة في الأرض وعليه ~~استبقاء نوعه لأن كل فرد له عمر محدود، ويخلف الناس بعضهم بعضا، ولابد ~~من بقاء النوع، وقد ضمن الله للإنسان الأقوات التي تبقيه، وحلل له الزواج ~~وسيلة لإبقاء النوع، ومهمة الخلافة تفرض أن يخلف بعضنا بعضا. وكل خليفة ~~يحتاج إلى اقتيات وإلى إنجاب. و " الاقتيات " خلقه الله في الأرض التي ~~قدر فيها أقواتها. والنوع البشري جعل منه سبحانه الذكر والأنثى ومنهما ~~يأتي الإنجاب الخلافي فهو محمول أولا في ظهر أبيه نطفة، ثم في أمه ~~جنينا ثم تضعه لترعاه مع والده، ms3420 ويربيه الاثنان حتى يبلغ رشده. وهذه خمس ~~مراحل، وكل مرحلة منها شاقة، فحمل الأم في الطفل تسعة شهور هو أمر شاق ~~لأن الإنسان منا إن حمل شيئا طوال النهار سيصاب بالتعب، لكن الأم تحمل ~~الجنين تسعة أشهر، وأراد الله أن يكون الحمل انسيابيا بمعنى أن الجنين ~~في نشأته الأولى لا يبلغ وزنه إلا أقل القليل، ثم يكبر بهدوء وبطء لمدة ~~تسعة شهور حتى يكتمل نموه. # وهذا الجنين كان صغيرا في بدء تكوينه، ثم صار وزنه غالبا ثلاثة كيلو ~~جرام في يوم ولادته، وبين بدء تكوينه إلى لحظة ميلاده هناك فترة زمنية ~~ينمو فيها هذا الجنين تدريجيا، وبشكل انسيابي، فهو لا يزيد في الوزن كل ~~ساعة، بل ينمو في كل جزء من المليون من الثانية بمقدار يناسب هذا الجزء ~~من الثانية، وهذا يعني أن الجنين ينمو انسيابيا بما يناسب الزمن. نلحظ ~~ذلك أيضا في أثناء التدريب على رياضة حمل الأثقال أنهم لا يدربون اللاعب ~~الناشئ على حمل مائة كيلو جرام من أول مرة بل يدربونه على حمل عشرين كيلو ~~جراما في البداية، ثم يزاد الحمل تباعا بما لا يجعل حامل الأثقال في ~~عنت، ويسمون ذلك: انسياب التدريب لأن حمل هذه الأثقال يحتاج إلى تعود، ~~ولهذا لا يتم تدريبه على حمل الأثقال فجأة، بل بانسياب بحيث لا يدرك ~~الزمن مع الحركة، كذلك النمو، فأنت إذا نظرت إلى طفلك الوليد ساعة تلده ~~أمه، وسأقدر جدلا أنك ظللت تنظر إليه دائما، فهو لا يكبر في نظرك أبدا ~~لأنه ينمو بطريقة غير محسوسة لديك، لكنك لو غبت شهرا عنه وتعود لرؤيته ~~ستدرك نموه، وهذا النمو الزائد قد تجمع في الزمن الفاصل بين آخر مرة ~~رأيته فيها قبل غيابك وأول مرة تراه بعد عودتك. ومن لطف الله - إذن - في ~~الحمل أن الجنين ينمو انسيابيا، ولذلك يزداد الرحم كل يوم من بدء الحمل ~~إلى آخر يوم فيه، وترى الأم الحامل، وهي تسير بوهن وتبطئ في حركتها، ثم ~~يأتي الميلاد مصحوبا بمتاعب الولادة وآلامها، وبعد أن يولد المولود ms3421 ~~تستقبله رعاية أمه وأبيه، ويأخذ سنوات إلى أن يبلغ الرشد. ونعلم أن أطول ~~الأجناس طفولة هو الإنسان، ولذلك نجد الأب الذي يريد الإنجاب يتحمل مع ~~الأم متاعب التربية، وقد قرن الله هذا الأمر بشهوة، وهي أعنف شهوة تأتي ~~من الإنسان، وبعد ميلاد الطفل نجد المرأة تقول: لن أحمل مرة أخرى، ~~ولكنها تحمل بعد ذلك. إذن كأن الشهوة هي الطعم الموضوع في المصيدة ليأتي ~~بالصيد وهو الإنجاب لذلك قرن الحق الإنجاب بالشهوة لنقبل عليها، وبعد ~~أن نقبل عليها، ونتورط فيها نتوفر ونبذل الجهد لنربي الأولاد. فإذا أنت ~~عزلت هذه الشهوة عن الإنجاب والامتداد تكون قد أخللت ومللت عن سنة ~~الكون، لأنك ستأخذ اللذة بدون الإنجاب، وإذا تعطل الإنجاب تعطلت خلافة ~~الأرض، والشيء الآخر أن الرجل في الجماع يلعب دور الفاعل، وفي الشذوذ وهو ~~العملية المضادة التي فعلها قوم لوط ينقلب الرجل إلى منفعل بعد أن كان ~~فاعلا. { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين } [الأعراف: 80]. ~~والفاحشة هي العملية الجنسية الشاذة، ولم يحددها سبحانه من البداية كدليل ~~على أنها أمر معلوم بالفطرة، فساعة يقول: { أتأتون الفاحشة ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين } يعرفون ما فعلوا. وإن ~~افترضنا أن هناك أغبياء أو من يدعون الغباء ويرفضون الفهم، فقد جاء بعدها ~~بالقول الواضح: { إنكم لتأتون الرجال شهوة... }. ### || [7.81] # والإسراف هو تجاوز الحد، والله قد جعل للشهوة لديك مصرفا طبيعيا ~~منجيا، وحيث تأخذ أكثر من ذلك تكون قد تجاوزت الحد، ولقد جعل الله للرجل ~~امرأة من جنس البشر وجعلها وعاء للإنجاب، وتعطيك الشهوة وتعطيها أنت ~~الشهوة، وتعطيك الإنجاب، وتشتركان من بعد ذلك في رعاية الأولاد. وأي ~~خروج عما حدده الله يكون الدافع إليه هو الشهوة فحسب لكي ينبغي أن يكون ~~الدافع إلى هذه العملية مع الأنثى هو الشهوة والإنجاب معا لبقاء النوع، ~~ولذلك وصف الحق فعل قوم لوط: { بل أنتم قوم مسرفون }. ~~ويأتي الحق سبحانه بما أجابوا به عن سؤال سيدنا لوط: { وما كان ~~جواب قومه... }. ### || [7.82] # وبذلك ms3422 تمادى هؤلاء القوم رافضين أن يقبح أحد لهم الشذوذ لذلك قالوا: { ~~أخرجوهم من قريتكم }. وما هي الحجة التي من أجلها إخراج ~~لوط والذين آمنوا معه من القرية؟ { أخرجوهم من قريتكم ~~إنهم أناس يتطهرون } [الأعراف: 82]. فهل التطهر عيب! لا، ~~لكنهم عاشوا في النجاسة وألفوها، ويرفضون الخروج منها، لذلك كرهوا ~~التطهر. والمثال على ذلك حين نجد شابا يريد أن ينضم إلى صداقة جماعة في ~~مثل عمره، لكنه وجدهم يشربون الخمر، فنصحهم بالابتعاد عنه، ووجدهم ~~يغازلون النساء فحذرهم من مغبة الخوض في أعراض الناس، لكن جماعة الأصدقاء ~~كرهت وجوده بينهم لأنه لم يألف الفساد فيقولون: لنبتعد عن هذا المستقيم ~~المتزهد المتقشف، وكأن هذه الصفات صارت سبة في نظر أصحاب المزاج ~~المنحرف، مثلهم مثل الحيوان الذي يحيا في القذارة، وإن خرج إلى النظافة ~~يموت. ويقول الحق بعد ذلك: { فأنجيناه وأهله إلا ~~امرأته... }. ### || [7.83] # وهم حين أرادوا طرد لوط وأهله، إنما كانوا يجازفون. إنهم بذلك قد تعجلوا ~~العقاب، وجاءهم العقاب وأنجى الحق سبحانه لوطا وأهله بتدبير حكيم لا ~~يحتاج فيه سبحانه إلى أحد، وإذا تساءل أحد: ومن هم أهل لوط الذين أنجاهم ~~الله معه؟ أهم أهل النسب أم أهل التدين والتبعية؟. إن كان أهله بالنسب ~~فالحق يستثني منهم " امرأته " ، وهذا دليل على أن أهل البيت آمنوا بما ~~قاله لوط وكذلك الأتباع أيضا: { فأنجيناه وأهله إلا ~~امرأته كانت من الغابرين }. إذن كان مع لوط أيضا بعض من ~~أهله وبعض من الأتباع، وكانوا من المتطهرين، والتطهر هو أن يترفع الإنسان ~~عن الرجس والسوء. ولذلك نجد سيدنا شعيبا حين ينصح قومه: # فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم # [الأعراف: 85]. ويتعجب القوم سائلين شعيبا: # أصلوتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ # [هود: 87]. إنهم يتعجبون من أن الصلاة تنهى عن ذلك، لقد أعمى ضلالهم ~~بصيرتهم، فلم يعرفوا أن الصلاة تنهى عن كل سوء. وكذلك فعل بعض من ~~الكافرين حين اتهموا سيدنا رسول الله بأنه مجنون: # وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون # [الحجر: 6]. ومن قولهم يتأكد غباء تفكيرهم، فما ms3423 داموا قد قالوا: { ~~نزل عليه الذكر } فمن الذي نزل هذا الذكر؟، والذكر هو ~~القرآن، والذي نزله هو الله - سبحانه وتعالى - فكيف يعترفون بالقرآن ~~كذكر، ثم يتهمون الرسول بأنه " مجنون "؟ لأنهم ما داموا قد قالوا عن ~~القرآن إنه ذكر، وإنه قد نزل عليه، ولم يأت به من عنده، فكيف يكون ~~مجنونا؟ إنهم هم الكاذبون، وقولهم يؤكد أن فكرهم نازل هابط. وفي الآية ~~التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد الحق يقول سبحانه: { فأنجيناه ~~وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } [الأعراف: ~~83]. إن إمرأة سيدنا لوط لم تدخل في الإنجاء لأنها من الغابرين، و " غبر ~~" تأتي لمعان متعددة، فهي تعني إقامة ومكثا بالمكان، أو تعني أي شيء ~~مضى، كما يقال: هذا الشيء غبرت أيامه أي مضت أيامه، ولسائل أن يقول: كيف ~~تأتي الكلمة الواحدة للمعنى ونقيضه؟ فغبر تعني بقي، وغبر أيضا تعني مضى ~~وانتهى. نقول: إن المعنى ملتق هنا في هذه الآية، فما دام الحق ينجيه من ~~العذاب الذي نزل على قوم لوط في القرية فنجد زوجته لم تخرج معه، بل بقيت ~~في المكان الذي نزل فيه العذاب، وبقيت في الماضي، وهكذا يكون المعنى ~~ملتقيا. فإن قلت مع الباقين الذين آتاهم العذاب فهذا صحيح. وإن قلت إنها ~~صارت تاريخا مضى فهذا صحيح أيضا: { إلا امرأته كانت من ~~الغابرين }. ونحن لا ندخل في تفاصيل لماذا كانت امراته من الغابرين ~~لأن البعض تكلم في حقها بما لا يقال، وكأن الله يدلس على نبي من أنبيائه، ~~لا، نحن لا نأخذ إلا ما قاله الحق بأنها كانت مخالفة لمنهجه وغير مؤمنة ~~به. # ونلحظ أيضا أن الحق تحدث عن امرأة نوح وامرأة لوط في مسألة الكفر فقال: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين فخانتاهما... # [التحريم: 10]. ودقق النظر في كلمة { تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين فخانتاهما } وتساءل البعض عن معنى الخيانة وهل المقصود ~~بها الزنا؟. ونقول: ربنا لا يدلس على نبي له، لكن أن تؤمن الزوجة أو ~~تكفر، فهذه مسألة اختيارية. ms3424 وكأن الله سبحانه يوضح لنا أن الرسول مع أنه ~~رسول من الله إلا أنه لا يستطيع أن يفرض إيمانا على امرأته فالمسألة هي ~~حرية الاعتقاد. وانظر إلى التعبير القرآني: { ضرب الله مثلا ~~للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط }. إياك أن تظن ~~أن أيا منهما متكبرة على زوجها لأن الحق يقول: { كانتا تحت ~~عبدين من عبادنا } أي أن إمرة وقوامة الرجل مؤكدة عليها، يشير ~~إلى ذلك قوله: { كانتا تحت عبدين } لكن الإيمان هو مسألة ~~اختيار، وهذا الاختيار متروك لكل إنسان، وأكد الحق ذلك في مسألة ابن ~~سيدنا نوح: # إنه ليس من أهلك # [هود: 46]. وحاول البعض أن يلصق تهمة الزنا بامرأة نوح وامرأة لوط، وهم ~~في ذلك يجانبون الصدق، إنه محض افتراء، وقد نبهنا الحق إلى ذلك فقال عن ~~امرأة نوح وامرأة لوط: # كانتا تحت عبدين من عبادنا # [ التحريم: 10]. ولنفهم أن الاختيار في العقيدة هو الذي جعلهما من ~~الكافرين، وأن الرسولين نوحا ولوطا لم يستطيعا إدخال الإيمان في قلبي ~~الزوجتين حتى يتأكد لدينا أن العقيدة لا يقدر عليها إلا الإنسان نفسه، ~~ولذلك ضرب سبحانه لنا مثلا آخر: # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون ~~إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني ~~من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين # [التحريم: 11]. فهذه زوجة فرعون المتجبر الذي " ادعى الألوهية " ، لكنه ~~لا يقدر أن يمنع امرأته من أن تؤمن بالله، وهكذا نجد نبيا لا يقدر أن ~~يقنع امرأته بالإيمان، ونجد مدعي الألوهية عاجزا عن أن يجعل امرأته ~~كافرة مثله، وهذا يدل على أن العقيدة أمر اختياري محمي بكل أنواع الحماية ~~حتى لا يختار الإنسان دينه إلا على أساس من اقتناعه لا على أساس قهره. ~~وضرب الله مثلا آخر: # ومريم ابنت عمران # [التحريم: 12]. ونلاحظ أن الحق لم يأت بأسماء زوجتي نوح ولوط، وكذلك لم ~~يأت باسم امرأة فرعون، لكنه أورد لنا اسم مريم واسم والدها. فلماذا كان ~~الإبهام أولا؟ لنعلم أنه من الجائز جدا أن يحصل مثل هذا الأمر لأي ~~امرأة، فقد تكون تحت ms3425 جبار وكافر، وتكون هي مؤمنة، وقد تكون تحت عبد مؤمن ~~ولا يلمس الإيمان قلبها. # { فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين } [الأعراف: 83]. فكلمة " أنجيناه " تشير إلى أن عذابا ~~سيقع في المكان الذي فيه قوم لوط، ولأنه سبحانه شاء أن يعذب جماعة ولا ~~يعذب جماعة أخرى، فلابد أن يدفع الجماعة التي كتب لها النجاة إلى الخروج. ~~وهذا الخروج أراده لهم من يكرهونهم، فقد قالوا: # أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون # [الأعراف: 82]. لكن ربنا هو الذي أخرجهم، والإخراج كان من العذاب الذي ~~نزل بهؤلاء المجرمين إنه كان لإنجاء لوط وأهله مما نزل بهؤلاء الفجرة. ~~ويأتي العذاب من الحق: { وأمطرنا عليهم مطرا فانظر... ~~}. ### || [7.84] # فهل كان ذلك المطر مثل المطر الذي ينزل عادة؟ لا، بل هو مطر من نوع آخر. ~~فسبحانه يقول: # لنرسل عليهم حجارة من طين * مسومة عند ~~ربك للمسرفين # [الذاريات: 33-34]. يقول الحق: إنه سيعذبهم بالمطر، فلننتبه أنه ليس ~~المطر التقليدي، بل إنه يعذبهم ويستأصلهم بنوع آخر من المطر. وقوله: " ~~فانظر " أي فاعتبر يا من تسمع هذا النص، وهذه القصة تبين وتوضح أن الله ~~لا يدع المجرمين يصادمون دعوة الله على لسان رسله دون عقاب. ويقول ~~سبحانه: { وإلى مدين أخاهم شعيبا... }. ### || [7.85] # و " مدين " هو ابن من أبناء سيدنا إبراهيم جاء واستقر في هذا المكان، ~~فهو علم على شخصه، وعلم على المكان الذي أقام فيه وسمي المكان باسمه، ~~فلما تكاثر أبناؤه وصاروا قبيلة أخذت القبيلة اسمه. إذن ف " مدين " اسم ~~علم على ابن إبراهيم، وأطلق على المكان الذي استقر فيه من طور سيناء ~~إلى الفرات، وأطلق على القبيلة: { وإلى مدين أخاهم شعيبا ~~}. الحق سبحانه وتعالى هنا يكرر " أخ " ليبين لك أنه إن قسا عليهم مرة ~~فسيحنو عليهم مرة أخرى لأنهم إخوة له ومأنوس بهم، وفيهم عاش ويعرفون عنه ~~كل شيء، وكان مدين قد تزوج من رقبة ابنة سيدنا لوط، وحين تكاثر الاثنان ~~صاروا قبيلة، ويبلغهم سيدنا شعيب بالقضية العقدية التي يبلغها كل رسول: { ~~ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ms3426 }. ~~والعبادة هي الطاعة للأمر والطاعة للنهي، وأنت لا تطيع أمر آمر ولا نهي ~~ناه إلا إذا كان أعلى منك، لأنه إن كان مساويا لك، فبعد أن يقول لك: " ~~افعل كذا " ستسأله أنت: لماذا؟، وبعد أن ينهاك عن شيء ستسأله أيضا: ~~لماذا؟. لكن الأب حينما يقول لطفله: أنت لا تفعل الشيء الفلاني، فالابن ~~لا يناقش لأنه يعرف أن أباه هو من يطعمه ويشربه ويكسوه، وحين يكبر الطفل ~~فهو يناقش لأن ذاتيته تتكون، ويريد أن يعرف الأمر الذي سيقدم عليه. { ~~وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره قد جآءتكم بينة ~~من ربكم.. } [الأعراف: 85]. وما دام قد قال لهم: { اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره } فهو رسول قادم ومرسل من ~~الله، ولا بد أن تكون معجزة يثبتها، إلا أن شعيبا لم يأت لنا بالمعجزة، ~~إنما جاء بالبينة. { قد جآءتكم بينة من ربكم ~~فأوفوا الكيل والميزان... } [الأعراف: 85]. لأن كل المعاصي ~~والكفر تدفع إلى الإخلال في الكيل والميزان، وإذا كان شعيب قد قال ذلك ~~لقومه فلا بد أن الإخلال في الكيل والميزان كان هو الأمر الشائع فيهم. ~~فيأتي ليعالج الأمر الشائع. وهم كانوا يبخسون الكيل والميزان. ويظن الناس ~~في ظاهر الأمر أنها عملية سهلة، وأن القبح فيها قليل، والاختلاس فيها هين ~~يسير، فحين يبخس في الميزان ولو بجزء قليل، إنما يأخذ لنفسه في آخر الأمر ~~جزءا كبيرا. وأنت ساعة تكيل وتزن وتطفف فأنت تفعل ذلك في من يشتري. ~~وستذهب أنت بعد ذلك لتشتري من أناس كثيرين سيفعلون مثلما فعلت، فإذا ما ~~وفيت الكيل والميزان، فأنت تفعل ما هو في مصلحتك، لأنك تنشر العدل ~~السلوكي بين الناس بادئا بنفسك، ومصالحك كلها مع الآخرين. # إنك حين تبيع أي سلعة ولو كانت بلحا وتنقص في الميزان، ستحقق لنفسك ~~ربحا ليس لك فيه حق، وإن كنت تكيل قمحا لتبيعه وأنقصت الكيل، فأنت تأخذ ~~ما ليس لك، والقمح والبلح هما بعض من مقومات حياتك لأنك تحتاج إلى سلع ~~كثيرة عند من يزن، وعند ms3427 من يكيل، فإن أنقصت الميزان أو الكيل فلسوف ~~يفعلون مثلما فعلت فيما يملكون لك، وبذلك تخسر أنت ويصبح الخسران عاما. ~~{ فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم } [الأعراف: 85]. وإذا كانت الخسارة في الكيل والميزان ~~طفيفة ومحتملة، فمن باب أولى ألا نبخس الناس أشياءهم فلا نظلمهم بأخذ ~~أموالهم والاستيلاء على حقوقهم، فلا نسرق لأن السارق يأخذ ما تصل إليه ~~يده، ولا نغتصب، ولا نختلس، ولا نرتشي، لأنه إذا كان وفاء الكيل هو أول ~~مطلوب الله منكم مع أن الخسارة فيه طفيفة، إذن فبخس الناس أشياءهم يكون ~~من باب أولى. ويتابع سبحانه: { ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها } [الأعراف: 85]. وبذلك نكون أمام أكثر من أمر جاء بها نبي ~~الله شعيب: { اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } ~~وهذه العبادة لتربي فيهم مهابة وتزيدهم حبا واحتراما للآمر الأعلى، ~~وكذلك ليخافوا من جبروته سبحانه. وبعد ذلك ضرورة يكون الأمر بالوفاء ~~بالكيل والميزان، والزجر عن أن يبخسوا الناس أشياءهم، ثم النهي والتحذير ~~من الإفساد في الأرض { ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها } ، والإصلاح الذي يطلبه الله منا أن نستديمه أو نرقيه ~~إنما يتأتى بإيجاد مقومات الحياة على وجه جميل. مثال ذلك الهواء وهو ~~العنصر الأول في الحياة المسخرة لك يصرفه سبحانه حتى لا يفسد. والنعيم ~~الثاني في الحياة وهو الشراب إنه سبحانه ينزل لك الماء من السماء، ثم ~~القوت الذي يخرجه لك من الأرض. والمواشي التي تأخذ منها اللبن، والأوبار، ~~والأصواف، والجلود، كل ذلك سخره الله لك، وهذا إصلاح في الأرض، لكن هل ~~هذه كل المقومات الأساسية؟ لا لأنه إن وجدت كل هذه المقومات الأساسية ثم ~~وجد الغصب، والسرقة، والرشوة، والاختلاس، فسيفسد كل شيء، ولا يعدل كل ذلك ~~ويقيمه ويجعله سويا إلا الدين لأنه كمنهج يمنع الإفساد في الأرض. { ~~قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~قد جآءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل ~~والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا ~~تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } [الأعراف: 85]. إذن فهذه ~~الأشياء التي هي إيفاء الكيل والميزان ms3428 يأتي الأمر بها، ثم يتبعها بما ~~ينهى عنه وهو ألا نبخس الناس أشياءهم وألا نفسد في الأرض بعد إصلاحها، كل ~~ذلك يجمع المنهج. أوامر ونواهي، وقد يبدو في ظاهر الأمر أنها مسائل تقيد ~~حرية الإنسان، فنقول: لا تنظر إلى نفسك أيها الإنسان وأنت بمعزل عن ~~المجتمع الواسع، فأنت لا تملك من مصالحك إلا أمرا واحدا، وهذا الأمر ~~الذي تملكه أنت من مصالحك يكون أقل الأشياء عندك، ولكن الأمور الأخرى ~~التي تحتاج إليها هي بيد غيرك، فإن أنت وفيت الكيل والميزان. # فذلك خير لك فالذي يقيس لك القماش لا يغشك، والذي يزن لك ما ليس عندك لا ~~يغشك، والذي يكيل لك الذي ليس عندك لا يغشك، إذن فأنت واحد منهي عن أن ~~تفعل ذلك، وجميع الناس منهيون أن يفعلوا ذلك معك، وبذلك تكون أن الكاسب. ~~وإذا جئت إلى قوله تعالى: { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } ~~، فأنت مأمور ألا تبخس الناس أشياءهم، وكل الناس مأمورون ألا يبخسوك ~~شيئا، وإذا أفسدت في الأرض بعد إصلاحها فالناس مأمورون أيضا ألا ~~يفسدوا هذه الأرض وبذلك تكون أحظ منهم في كل شيء. ولذلك يجب على كل ~~مكلف حين يستقبل تكليفا قد يكون شاقا على نفسه أن يتأمل هذا التكليف ~~وأن يقول لنفسه: إياك أن تنظر إلى مشقة التكليف على نفسك، ولكن انظر إلى ~~ما يؤديه لنفسه: إياك أن تنظر إلى مشقة التكليف لك: لا تنظر إلى محارم ~~غيرك، فقد أمر غيرك ألا ينظر إلى محارمك، وفي هذا عزة لك. وإذا أمرك ~~التكليف ألا تضع يدك في جيب غيرك وتسرق، فقد أمر كل الناس ألا يضعوا ~~أيديهم في جيوبك ليسرقوك، وبهذا نعيش في أمان. وإذا طلب التكليف منك وأنت ~~غني أن تخرج زكاة مالك إياك أن تقول: مالي وتعبي وعرقي لأن المال مال ~~الله، وأنت كإنسان مخلوق ليس لك إلا توجيه الحركة، والحركة تكون بطاقة ~~مخلوقة لله، والعقل الذي خطط مخلوق لله، والانفعال الذي انفعل لك في ~~الأرض من خلق الله، ولكن الحق احترم عملك وناتجه وفرض عليك ms3429 أن تخرج منه ~~زكاة مقدرة. فإياك أن تقول: أنه يأخذ مني، لماذا؟ لأن عالم الأغيار باد ~~وظاهر أمامك، وكم رأيت من قوي ضعف، ومن غني افتقر، فإذا كان سبحانه قد ~~طلب منك أن تعطي الفقير وتقوته، فإن افتقرت فسيفعل لك ذلك، وفي ذلك تأمين ~~حياتك لأنك تعيش في مجتمع فلا تأس على نفسك إن مرت بك الأغيار لأن مجتمعك ~~الإيماني لن يتركك، أنت أو أولادك، ويقول الحق: # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]. فإن أردت أن تطمئن على أولادك الصغار بعد موتك فانظر ~~للأيتام في مجتمعك وكن أبا لهم، وحين تصير أنت أبا لهم، وهذا أب لهم، ~~وذلك أب لهم، سيشعر اليتيم أنه فقد أبا واحدا، لكنه يحيا في مجتمع ~~إيماني أوجد له من كل المؤمنين آباء، فلا يحزن، وكذلك لن تخاف على أولادك ~~إن صاروا أيتاما بعد أن غادرتهم إلى لقاء ربك لأنك رعيت اليتامى وعشت في ~~مجتمع يرعاهم. ولكنك تحزن عندما ترى يتيما مضيعا في مجتمع لا يقوم على ~~شأنه وتقول لنفسك: أنا إن مت سيضيع أبنائي هكذا. # وهكذا تكون تكاليف الإيمان هي تأمينا للحياة. ومثال ذلك حين نقول ~~للمرأة: تحجبي، ولا تبدي زينتك لغير محارمك، قد تظن المرأة في ظاهر الأمر ~~أننا ضيقنا على حريتها، لأنها تنسى أن المنهج يؤمن لها قبح الشيخوخة، ~~لأنها حين تتزوج صغيرة، ثم يصل عمرها فوق الأربعين ويتغير شكلها من متاعب ~~الحمل وتربية الأبناء، ثم يرى زوجها فتاة في العشرين وغير محتشمة قد ~~تفتنه وتصرفه عن زوجته، وينظر إلى زوجته نظر غير المكترث بها، وغير ~~الراغب فيها. فالشرع قد أمر بالحجاب للمرأة وهي صغيرة ليصون لها زوجها إن ~~صارت كبيرة غير مرغوب فيها. فإن منعها وهي صغيرة فقد منع عنها وهي كبيرة ~~كل ذلك إذن من تأمينات المنهج للحياة. إذن فإيفاء الكيل، وعدم إبخاس ~~الناس أشياءهم وعدم الإفساد في الأرض بعد إصلاحها خير للجميع في الدنيا، ~~بالإضافة إلى خير الآخرة، ولذلك يذيل ms3430 الحق الآية الكريمة بقوله: { ~~ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين } [الأعراف: 85]. و " ~~ذلكم " إشارة إلى ما سبق من الأمر بعبادة الله فلا إله غيره وإلى الآمر ~~باستيفاء الكيل والميزان، وألا نبخس الناس أشياءهم، وألا نفسد في ~~الأرض بعد إصلاحها، ووضع الحق ذلك في إطار { إن كنتم مؤمنين } ~~على الرغم من أن الخير سيأتي أيضا لغير المؤمن، وهكذا تكون كلمة " خير " ~~تشمل خيرا في الدنيا، وخيرا في الآخرة للمؤمن فقط. أما الكافر فسيأخذ ~~الخير في الدنيا فقط، ولا خير له في الآخرة، فإن كنتم مؤمنين فسيتضاعف ~~الخير لكم ليصير خيرا دائما في الدنيا والآخرة. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~ولا تقعدوا بكل صراط توعدون... }. ### || [7.86] # وقوله: { ولا تقعدوا بكل صراط } أي لا تقعدوا على كل ~~طريق، لأن من يقعد على الطريق قد يمنع من يحاول الذهاب ناحية الرسول. ~~والشيطان قد قال: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]. فحين تقعدون على كل صراط يصير كل منكم شيطانا والعياذ ~~بالله لأن الشيطان قال لربنا: { لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم } ، وهنا ينهى الحق عن القعود بكل صراط لأن الصراط سبيل، ~~وحين يجمع الحق السبل لينهي عنها، إنما ليذكرنا أن له صراطا مستقيما ~~واحدا، وسبيلا واحدا يجب علينا أن نتبعه. ولذلك يقول: # فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله # [الأنعام: 153]. إذن فللشيطان سبل متعددة وسبيل الاستقامة واحد، لأن ~~للطرق المتعددة غوايات منوعة، فهذا طريق يغوي بالمال، وذلك يغوي بالمرأة، ~~وذاك يغوي بالجاه. إذن فالغوايات متعددة. أو أن الهداية التي يدعو إليها ~~كل رسول شائعة في كل ما حوله فمن يأتي ناحية أي هداية يجد من يصده. ومن ~~يطلب هداية الرسول يلقى التهديد والوعيد، والمنع عن سبيل الحق. ولماذا ~~يفعلون ذلك؟ تأتي إجابة الحق: { وتبغونها عوجا }. إنهم يبغون ~~ويودون شريعة الله معوجة ومائلة وزائغة عن الاستقامة، أو تصفونها بأنها ~~غير مستقيمة لتصدوا الناس عن الدخول فيها، ولتنفروا منها، مثال ذلك ~~السخرية من تحريم الخمر والادعاء بأنها تعطي النفس السرور والانسجام. إن ~~الواحد من هؤلاء إنما ينفر من شريعة ms3431 الله، ويدعي أنها شريعة معوجة، فنجد ~~من يحلل الربا لأن تحريم الربا في رأيهم السقيم المنحرف يضيق على الناس ~~فرصهم. إنهم يبغون شريعة الله معوجة ليستفيدوا من اعوجاجها، وينفروا ~~الناس منها. { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ~~وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين }. [الأعراف: 86]. ~~نعلم أن كل ردع، وكل توجيه يهدف إلى أمرين اثنين: ترغيب وترهيب، وعلى ~~سبيل المثال نجد المدرس يقول للتلاميذ: من يجتهد فسنعطيه جائزة، وهذا ~~ترغيب، ويضيف الأستاذ قائلا للتلاميذ: ومن يقصر في دروسه فسنفصله من ~~المدرسة وهذا ترهيب. وما دام الناس صالحين لعمل الخير ولعمل الشر بحكم ~~الاختيار المخلوق فيهم لله فلا بد من مواجهتهم بالأمرين بالترغيب في ~~الخير والترهيب في الشر. والحق هنا يقول في الترغيب: { واذكروا ~~إذ كنتم قليلا فكثركم }. وكأنه يطالبهم بأن يكونوا أصحاب ~~ذوق وأدب، فنحن نعلم أن مدين تزوج وأنجب عددا من الذرية وكانوا قلة في ~~العدد فكثرهم حتى صاروا قبيلة، وكانوا ضعافا فقواهم، وكانوا فقراء ~~فأغناهم، فمن صنع فيكم ولكم كل هذه المسائل ألا يصح أن تطيعوا أوامره. ~~كان عليكم أن تطيعوا أوامره. وهذا ترغيب وتحنين. ونعلم أن شعيبا هو خامس ~~نبي جاء بعد نوح، وهود، وصالح، ولوط. لذلك يذكرهم الحق بما حدث لمن كذبوا ~~الأنبياء الأربعة السابقين. وقد يكون قوم نوح معذورين لأنهم كانوا ~~البداية، فلم يسبقهم من أخذ بالعذاب لتكذيب رسلهم، ثم صارت من بعد ذلك ~~قاعدة هي أن من يكذب الرسل يلقى العذاب، مصداقا لقوله الحق: # فكلا أخذنا بذنبه # [العنكبوت: 40]. فإذا كان شعيب ينذرهم بأن ينظروا كيف كان عاقبة ~~المفسدين ممن سبقوهم فهذا تذكير بمن أغرقهم ومن أخذتهم الصيحة، ومن كفأ ~~وقلب ودمر ديارهم، ومن جاء لهم بمطر من سجيل، فإن لم يعرفوا واجبهم نحو ~~الله الذي أنعم عليهم بأن كانوا قليلا فكثرهم، فعليهم أن يخافوا عاقبة ~~المفسدين. إذن فقد جمع لهم بين الترغيب والترهيب. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~وإن كان طآئفة منكم آمنوا... }. ### || [7.87] # وهذا القول يوضح لنا أن طائفة آمنت، وطائفة لم تؤمن، ثم جاء الأمر ~~للطائفتين، ms3432 فأمر المؤمنين بالصبر تأنيس لهم، وأمر الكافرين بالصبر تهديد ~~لهم. وهذه دقة القرآن في الأداء وعظمة البيان والبلاغة. إذن، فكلمة: ~~اصبروا نفعت في التعبير عن الأمر بالصبر للذين آمنوا، ونفعت في كشف ~~المصير الذي ينتظر الذين لم يؤمنوا، فصبر الكافرين مآله وعاقبته، إما أن ~~يخجلوا من أنفسهم فيؤمنوا، وإما أن يجدوا العذاب، وصبر المؤمنين يقودهم ~~إلى الجنة، وأن الذي يحكم هو الله وهو خير الحاكمين لأن المحكوم عليهم ~~بالنسبة له سواء، فلا أحد منهم له أفضلية على أحد، ولا أحد منهم قريبه، ~~وإلا قرابة القربى والزلفى إليه، وسبحانه هو العادل بمطلق العدل، ولا ~~يظلم أحدا. ويقول الحق بعد ذلك: { قال الملأ الذين ~~استكبروا... }. ### || [7.88] # علمنا من قبل أن الملأ هم السادة، والأعيان الذين يملأون العيون هيبة، ~~ويملأون القلوب هيبة، ويملأون الأماكن تحيزا. وقد استكبر الملأ من قوم ~~شعيب عن الإيمان به، وطغوا وهددوه بأن يخرجوه من أرضهم. وقالوا مثلما قال ~~من سبقوهم. فقد نادى بعض من قوم لوط بأن يخرجوا لوطا ومن آمن معه من ~~قريتهم. قال تعالى: # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل ~~لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون # [النمل: 56]. وكلمة " قرية " تأخذ في حياتنا وضعا غير وضعها الحقيقي، ~~فالقرية الآن هي الموقع الأقل من المدينة الصغيرة. لكنها كانت قديما ~~البلد الذي توجد فيه كل متطلبات الحياة، بدليل أنهم كانوا يقولوا عن مكة ~~" أم القرى ". وقد وضع الملأ شعيبا ومن آمن معه بين أمرين: إما أن ~~يخرجوهم حتى لا يفسدوا من لم يؤمن فيؤمن، وإما أن يعودوا إلى الملة. وهنا ~~" لفتة لفظية " أحب أن تنتبهوا إليها في قوله: { أو لتعودن في ~~ملتنا } لأن العود يقتضي وجودا سابقا خرج عنه، ونريد أن نعود ~~إلى الأصل، فهل كان شعيب والذين آمنوا معه على ملتهم ثم آمنوا والمطلوب ~~منهم الآن أنهم يعودون؟ علينا أن ننتبه إلى أن الخطاب هنا يضم شعيبا ~~والذين آمنوا معه. وقد يصدق أمر العودة إلى الملة القديمة على الذين مع ~~شعيب، ولكنها لا تصدق على ms3433 شعيب لأنه نبي مرسل، وهنا ننتبه أيضا إلى أن ~~الذي يتكلم هنا هم الملأ من قوم مدين، ووضعوا شعيبا والذين آمنوا معه ~~أمام اختيارين: إما العودة إلى الملة، وإما الخروج، ونسوا أن الحق قد ~~يشاء تقسيما آخر غير هذين القسمين. فقد يوجد ويريد سبحانه أمرا ثالثا ~~لا يخرج فيه شعيب والذين آمنوا معه، وأيضا لا يعودون إلى ملة الكفر، كأن ~~تأتي كارثة تمنع ذلك. لقد عزل الملأ من قوم شعيب أنفسهم عن المقادير ~~العليا، لأن الله قد يشاء غير هذين الأمرين، فقد يمنعكم أمر فوق طاقتكم ~~أن تخرجوا شعيبا ومن آمن معه بأن يصيبكم ضعف لا تستطيعون معه أن ~~تخرجوهم، أو أن يسلط الله عليكم أمرا يفنيكم وينجي شعيبا والذين آمنوا ~~معه. إذن أنت أيها الإنسان الحادث، العاجز لا تفتئت ولا تفتري وتختلق ~~على القوة العليا في أنك تخير بين أمرين قد يكون لله أمر ثالث لا تعلمه، ~~ويأتي الرد على لسان من آمنوا مع شعيب: { قال أولو كنا ~~كارهين } [الأعراف: 88]. لقد سأل شعيب والذين معه: أيمكن أن يتم قهر ~~أحد على أن يترك الإيمان إلى الكفر، كأن الكافرين قد تناسوا أن التكليف ~~مطمور في الاختيار، فالإنسان يختار بين سبيل الإيمان وسبيل الكفر. ~~ويتتابع القول من شعيب والذين آمنوا معه: { قد افترينا على ~~الله كذبا... }. ### || [7.89] # وقولهم: { قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ~~ملتكم } أي أنهم يعلمون أن العودة إلى مثل هذه الملة لون من الكذب ~~المتعمد على الله. لأن الكذب أن تقول كلاما غير واقع، وتعلن قضية غير ~~حقيقية إن أنت قلتها على مقتضى علمك فهذا مطلق كذب. لكن إن كنت عارفا ~~بالحقيقة ثم قلت على مقتضى علمك فهذا مطلق كذب. لكن إن كنت عارفا ~~بالحقيقة ثم قلت غيرها فهذا افتراء واختلاق وكذب. والذين آمنوا مع شعيب ~~عليه السلام يعلمون أن الملة القديمة ملة باطلة، وهم قد شهدوا مع شعيب ~~حلاوة الإيمان بالله لذلك رفضوا الكذب المتعمد على الله. ويقولون بعد ~~ذلك: { بعد إذ نجانا الله منها ms3434 وما يكون لنآ أن ~~نعود فيهآ إلا أن يشآء الله } [الأعراف: 89]. قد عرفوا ~~أن التكليف اختيار وهم قد اختاروا الإيمان، وأقروا وأكدوا إيمانهم بأنه ~~سبحانه له طلاقة القدرة، فقالوا: { إلا أن يشآء الله }. ~~فمشيئته سبحانه فوق كل مشيئة. ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد ~~يصرفه حيث شاء ". # وألم يقل سيدنا إبراهيم وهو أبو الأنبياء والرسل: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35]. لم يقل: واجنبنا. بل قالها واضحة ودعا ربه أن يبعده ~~وينأى به وببنيه أن يعبدوا الأصنام، لأنه يعلم طلاقة قدرته سبحانه. إذن ~~فمن آمنوا مع شعيب احترموا طلاقة القدرة في الحق لذلك قالوا: { وما ~~يكون لنآ أن نعود فيهآ إلا أن يشآء الله ربنا ~~} [الأعراف: 89]. ولكن الله لا يشاء لمعصوم أن يعود، وسبحانه يهدي من آمن ~~بهداية الدلالة ويمده بالمزيد من هداية المعونة إلى الطريق المستقيم. ~~ويتابع أهل الإيمان مع شعيب. { وسع ربنا كل شيء علما ~~على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } [الأعراف: 89]. جاء ~~قولهم: { على الله توكلنا } لأن خصومهم من الملأ بقوتهم ~~وبجبروتهم قالوا لهم: أنتم بين أمرين اثنين: إما أن تخرجوا من القرية، ~~وإما أن تعودوا في ملتنا. وأعلن المؤمنون برسولهم شعيب: أن العود في ~~الملة لا يكون إلا بالاختيار وقد اخترنا ألا نعود. إذن فليس أمامهم إلا ~~الإخراج بالإجبار لذلك توكل المؤمنون على الله ليتولاهم، ويمنع عنهم تسلط ~~هؤلاء الكافرين. { على الله توكلنا ربنا افتح ~~بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } ~~[الأعراف: 89]. وساعة نسمع كلمة " افتح " أو " فتح " أو " فتح " نفهم ~~أن هناك شيئا مغلقا أو مشكلا، فإن كان من المحسات يكون الشيء مغلقا ~~والفتح يكون بإزالة الأغلاق وهي الأقفال، وإن كان في المعنويات فيكون ~~الفتح هو إزالة الإشكال، والفتح الحسي له نظير في القرآن، وحين نقرأ سورة ~~يوسف نجد قوله الحق: # ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت ~~إليهم قالوا يأبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ms3435 ~~ردت إلينا # [يوسف: 65]. وكلمة { ولما فتحوا متاعهم } تعني أن المتاع ~~الذي معهم كان مغلقا واحتاج إلى فتح حسي ليجدوا بضاعتهم كما هي. وأيضا ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: # وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ~~حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها # [الزمر: 73]. وما دام هناك أبواب تفتح فهذا فتح حسي، وقد يكون الفتح ~~فتح علم مثلما نقول: ربنا فتح علينا بالإيمان والعلم، ويقول الحق: # أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به ~~عند ربكم # [البقرة: 76]. فما دام ربنا قد علمهم من الكتاب الكثير فهذا فتح علمي. ~~ويكون الفتح بسوق الخير والإمداد به. والمثال على ذلك قوله الحق: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها # [فاطر: 2]. وكذلك قوله سبحانه: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96]. والبركات من السماء كالمطر وهو يأتي من أعلى، وهو سبب ~~فيما يأتي من الأسفل أي من الأرض. والفتح أيضا بمعنى إزالة إشكال في ~~قضية بين خصمين، ففي اليمن حتى الآن، يسمون القاضي الذي يحكم في قضايا ~~الناس " الفاتح " لأنه يزيل الإشكالات بين الناس. وقد يكون " الفتح " ~~بمعنى " النصر " ، مثل قوله الحق: # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا # [البقرة: 89]. لقد كانوا ينتظرون النبي صلى الله عليه وسلم لينتصروا به ~~على الذين كفروا، ومن الفتح أيضا الفصل في الأمر من قوله الحق هنا في ~~الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { ربنا افتح بيننا ~~وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين } [الأعراف: ~~89]. وهذا القول هو دعاء للحق: احكم يا رب بيننا وبين قومنا بالحق بنصر ~~الإيمان وهزيمة الكفر، وأنت خير الفاتحين فليس لك هوى ضد أحد أو مع أحد ~~من مخلوقاتك. ويقول الحق بعد ذلك: { وقال الملأ الذين ~~كفروا... }. ### || [7.90] # وهنا يقول الملأ من قوم مدين لمن آمنوا ولمن كان لديهم الاستعداد ~~والتهيؤ للإيمان محذرين لهم من اتباع شعيب حتى لا يظل الملأ والكبراء ~~وحدهم في الضلال. وساعة نرى " اللام " في " لئن " نعلم أن هنا قسما ~~دلت عليه هذه " اللام ". وهنا أيضا " إن ms3436 " الشرطية، والقسم يحتاج إلى ~~جواب، والشرط يحتاج كذلك إلى جواب، فإذا اجتمع شرط وقسم اكتفينا ~~بالإتيان بجواب المتقدم والسابق منهما، مثل قولنا: " والله إن فعلت كذا ~~ليكونن كذا ": { لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا ~~لخاسرون }. وماذا سيخسرون؟ سيخسرون لأنهم كانوا سيأخذون أكثر من ~~حقهم حين يطففون الكيل ويخسرون الميزان، والقوي يأخذ من الضعيف فإذا ما ~~ارتبطوا بالمنهج واتبعوه خسروا ما كانوا يأخذونه من تطفيف الكيل وبخس ~~وخسران الميزان بمنهج. وهذه هي الخسارة في نظر المنحرف. ### || [7.91] # والرجفة هي الهزة العنيفة التي ترج الإنسان رجا غير اختياري، وصاروا ~~بها جاثمين أي قاعدين على ركبهم ولا حراك بهم ميتين، وفي هيئة الذلة. ~~وهذا يدل على أن كلا منهم ساعة أخذ تذكر كل ما فعله من كفر وعصيان، ~~وأراد استدراك ما فاته من مخالفاته للرسول، وأخذ يوبخ نفسه ويندم على ما ~~فعل، ولم تأخذه الأبهة والاستكبار، لأن هناك لحظة تمر على الإنسان لا ~~يقدر فيها أن يكذب على نفسه، ولذلك نجد أن من ظلم وطغى وأخذ حقوق الغير ~~ثم يأتيه الموت يحاول أن ينادي على كل من بغى عليه أو ظلمه ليعطيه حقه ~~لكنه لا يجده. ولذلك يسمون تلك اللحظة أنها التي يؤمن فيها الفاجر، لكن ~~هل ينفع إيمانه؟ طبعا لا. في هذه الحالة لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ~~آمنت من قبل. ويتابع سبحانه وصف ما حدث لهم إثر الرجفة: { الذين ~~كذبوا شعيبا كأن... }. ### || [7.92] # وغنى بالمكان: أقام به فحين صاروا جاثمين وخلت منهم الديار، كأنهم لم ~~تكن لهم إقامة إذ استؤصلوا وأهلكوا إهلاكا كاملا، وإذا كان هؤلاء ~~المكذبون قد قالوا: { لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا ~~لخاسرون } فيكون مآلهم هو ما ذكره ربنا بقوله: { الذين ~~كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين }. ويتتابع قوله الحق ~~عن سيدنا شعيب: { فتولى عنهم وقال يقوم... }. ### || [7.93] # و " تولى عنهم " أي تركهم وسار بعيدا عنهم، وحدثهم متخيلا إياهم { ~~لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم } ، فكأن ~~المنظر العاطفي الإنساني حين رأى كيف أصبحوا، تعطف عليهم وأسى من أجلهم، ~~لكن يرد ms3437 هذا التعاطف متسائلا متعجبا { فكيف آسى على قوم ~~كافرين }؟ إنهم نوع من الناس لا يحزن عليهم المؤمن. فما بالنا بنبي ~~ورسول؟ إنه يحدث نفسه وكأنه يقول: ما قصرت في مهمتي، بل أبلغتكم رسالاتي ~~التي تلقيتها من الله، والرسالات إذا جمعت فالمقصود منها رسالته ورسالة ~~الرسل السابقين في الأمور التي لم يحدث فيها نسخ ولا تغيير، أو رسالاته ~~أي في كل أمر بلغ به لأنه كان كلما نزل عليه حكم يبلغه لهم. أو أن لكل ~~خير رسالة، ولكل شر رسالة، وقد أبلغهم كل ما وصله من الله، ولم يقتصر على ~~البلاغ بل أضاف عليه النصح، والنصح غير البلاغ، فالبلاغ أن تقول ما وصلك ~~وينتهي الأمر، و " النصح " هو الإلحاح عليهم في أن يثوبوا إلى رشدهم وأن ~~يتبعوا نهج الله. ويقول الحق بعد ذلك: { ومآ أرسلنا في ~~قرية... }. ### || [7.94] # وعرفنا من قبل أن القرية هي البلد الجامع لكل مصالح سكانها في دنياهم. ~~والمقصود هنا أن القرية التي يرسل إليها الحق رسولا ثم تكذب فسبحانه ~~يأخذ أهلها بالبأساء والضراء. والبأساء هي المصيبة تصيب الإنسان في أمر ~~خارج عن ذاته من مال يضيع، أو تجارة تبور وتهلك، أو بيت يهدم، والضراء هي ~~المصيبة التي تصيب الإنسان في ذاته ونفسه كالمرض، ويصيبهم الحق بالبأساء ~~والضراء لأنهم نسوا الله في الرخاء فأصابهم بالبأساء والضراء لعلهم ~~يرجعون إلى ربهم ويتعرفون إليه، ليكون معهم في السراء والضراء. والحق ~~يقول: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه.. # [يونس: 12]. وكان من الواجب على الإنسان أنه ساعة ما تمسه الضراء أن ~~يتجه إلى خالقه، ولقد جعل الله الضراء وسيلة تنبيه يتذكر بها الإنسان أن ~~له ربا، وفي هذه اللحظة يجيب الحق الإنسان المضطر، ويغيثه مصداقا ~~لقوله الحق: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ~~ويجعلكم خلفآء الأرض أإله مع الله قليلا ~~ما تذكرون # [النمل: 62]. وإذا صنع الله مع المضطر هذا فقد يثوب إلى رشده ويقول: إن ~~الإله ms3438 الذي لم أجد لي مفزعا إلا هو، لا يصح أن أنساه. وكأن الحق سبحانه ~~وتعالى يذكرنا بطلاقة قدرته حين يقول: # فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا # [الأنعام: 43]. وكأنه سبحانه يطلب منا حين تجيء البأساء أن نفزع إليه ~~ولا نعتقد أننا نعيش في الحياة وحدنا، بل نعيش في الحياة بالأسباب ~~المخلوقة لله وبالمسبب وهو الله، فالذي عزت عليه الأسباب وأتعبته يروح ~~للمسبب، ولذلك يأخذ سبحانه أية قرية لا تصدق الرسل بالبأساء والضراء ~~لعلهم يضرعون وذلك رحمة بهم. ويقول: # ولكن قست قلوبهم # [الأنعام: 43]. فهل يتركهم الله في السراء والضراء دائما؟ لا، فهو ~~سبحانه يجيئهم ويبتليهم بالبأساء والضراء ليلفتهم إليه، فإذا لم يلتفتوا ~~إلى الله، فسبحانه يبدل مكان السيئة الحسنة، لذلك يقول: { ثم ~~بدلنا مكان السيئة... }. ### || [7.95] # ويعطي سبحانه بعد ذلك لهم الرزق، والعافية، والغنى لأن الحق إذا أراد أن ~~يأخذ جبارا أخذ عزيز مقتدر فهو يمهله، ويرخي له العنان ليتجبر - كفرعون ~~- من أجل أن يأخذه بغتة، كأنه يسقط من أعلى، فيعليه ويعليه من أجل أن ~~ينزل به - كما يقولون - على جذور رقبته: { ثم بدلنا مكان ~~السيئة الحسنة حتى عفوا }. عفوا أي كثروا عددا ~~ومالا وقوة أي أنه ما أخذهم سبحانه بالبأساء والضراء إلا وكان القصد ~~منها أن يلفتهم إليه، فيمدهم ويعطي لهم العافية وما يسرهم، ثم يصيبهم ~~بالعذاب بغتة. { ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة ~~حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضرآء ~~والسرآء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون } ~~[الأعراف: 95]. ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى بعد أن تكلم على خلافة ~~الإنسان في الأرض، وأنه أمده بكل ما تقوم به حياته، وأمده بالقيم بواسطة ~~مناهج السماء، وأنزل المنهج مبينا ما أحل، وما حرم بعد أن كانوا يحلون ~~ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، فبين لهم الحق أن الذي خلق الخلق ~~عالم بما يصلحهم فأحله، وعالم بما يفسدهم فحرمه، فليس لكم أن تقترحوا ~~على الله حلالا، ولا حراما، ولكن بعض المشككين في منهج الله قالوا - ~~وما زالوا يقولون -: إذا كان الله قد أحل شيئا وحرم شيئا ms3439 فلماذا خلق ما ~~حرم؟ ونقول: لقد خلق سبحانه كل شيء لحكمة قد تكون لغير الطعام والشراب ~~والكسوة، فبعض الأشياء يكون مخلوقا لمهمة وإن لم تكن مباشرة لك فالبترول ~~مثلا مخلوق لمهمة أن يوجد طاقة، لذلك لا نشربه. والخنزير مخلوق لحكمة لا ~~نعلمها نحن، وإنما يعلمها من خلق، لأنه من الجائز أن يكون أداة لالتقاط ~~الميكروبات التي تنشأ من عفن الأشياء التي يستعملها الناس في حياتهم، إذن ~~فكل شيء مخلوق لحكمة، فلا تخرج أنت حكمة الأشياء من غير مراد خالقها لأن ~~صانع الصنعة هو الذي يحدد الشيء الذي يوجد وينشئ القوة لها. ونحن نعلم - ~~مثلا - أن أنواع الوقود كثيرة، فهناك " البنزين " النقي جدا ويرقمونه ~~برقم 1 وهو مخصص للطائرة، ووقود السيارة وهو " البنزين " رقم 2. فإذا ~~استخدمنا وقود ماكينة وآلة بدل ماكينة أخرى أفسدناها. كذلك خلق الله ~~الإنسان وسخر له كل المخلوقات وأوضح: هذا يصلح لك مباشرة، وهذا مخلوق ~~ليخدمك خدمة غير مباشرة فدعه في مكانه. وبعد أن عرض الحق سبحانه وتعالى ~~مواقف الجنة، ومواقف النار، ومواقف أصحاب الأعراف الذين استوت حسناتهم ~~وسيئاتهم وبعد أن بين المنهج كله أراد أن يبين أن ذلك ليس نظريا، وإنما ~~هو واقع كوني أيضا. ففرق بين الشيء يقال نظرا، والشيء يقع واقعا، فقص ~~علينا قصص الأنبياء حين أرسلهم إلى أقوامهم، فمن كذب بالرسل أخذه الله ~~أخذ عزيز مقتدر بواقع يشهده الجميع فذكر نوحا مع قومه، وذكر عادا ~~وأخاهم هودا، وذكر ثمود وأخاهم صالحا، ومدين وأخاهم شعيبا، وقوم لوط ~~وسيدنا لوطا. # وبين ما حدث للمؤمنين بالنجاة، وما حدث للكافرين بالعطب والإذلال، ~~ويوضح الحق سبحانه وتعالى: أنني آخذ الناس بالبأساء والضراء لعلهم ~~يتضرعون، لأن الإنسان مخلوق أفاض الله عليه من صفات جلاله، ومن صفات ~~جماله الشيء الكثير، فالله قوي، وأعطى الإنسان من قوته. والله غني وأعطى ~~الإنسان من غناه، والله حكيم وأعطى الإنسان من حكمته، والله عليم وأعطى ~~الإنسان من علمه. وإذا أردت أن تستوعب ما يقربك إلى كمال العلم في الله، ~~فانظر ما علمه لكل خلق الله. ms3440 ومع ذلك فعلمهم ناقص. ويردون إلى العلم ~~الذاتي في الحق سبحانه وتعالى، وربما غر الإنسان بالأسباب وهي تستجيب ~~له، فهو يحرث ويبذر ويروي، وإذا بالأرض تعطيه أكلها. وهو يصنع الشيء ~~فيستجيب له. كل ذلك قد يغريه بأن الأشياء استجابت لذاتيته فيذكره الله: ~~أن أذكر من ذللها لك. # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. وساعة ما يجد الإنسان أن كل الأسباب مواتية له فعليه أن ~~يذكر الله. إن الإنسان بمجرد إرادة أن يقوم من مكانه فهو يقوم. وبمجرد ~~إرادة أن يصفع أحدا فهو يصفعه لأن الأبعاض التي في الإنسان خاضعة ~~لمراده، فإذا كانت أبعاضك خاضعة لمراداتك أنت، وأنت مخلوق، فكيف لا يكون ~~الكون كله مرادا للحق بالإرادة؟ فإذا استغنى الإنسان بالأسباب، فالحق ~~يلفته إليه. فالقادر الذي كان بفتوته يفعل. يسلب الله منه القدرة بالمرض ~~فيمد يده ليساعده إنسان على القيام والذي اعتز بشيء يذله الله بأشياء. ~~لماذا؟ حتى يلفته إلى المسبب، فلا يفتن بالأسباب. ويدع لنا الحق ~~سبحانه وتعالى في كونه عجائب، ونجد العالم وقد تقدم الآن تقدما فضائيا ~~واسعا، واستطاع الإنسان أن يكتشف من أسرار كون الله ما شاء، ولكن الحق ~~يصنع لهم أحيانا أشياء تدلهم على أنهم لا يزالون عاجزين. فبعد أن تكتمل ~~لهم صناعة الآلات المتقدمة يكتشفون خطأ واحدا يفسد الآلة ويحطمها، وتهب ~~زوبعة أو إعصار يدمر كل شيء، أو يشتعل حريق هائل. فهل يريد الله بكونه ~~فسادا وقد خلقه بالصلاح؟ لا، إنه يريد أن يلفتنا إلى ألا نغتر بما ~~أوتينا من أسباب. فالذين عملوا " الرادار " لكي يبين لهم الحدث قبل أن ~~يقع، يفاجئهم ربنا - أحيانا - بأشياء تعطل عمل " الرادار " ، فيعرفون ~~أنهم مازالوا ناقصي علم. إذن فالأخذ بالبأساء، والأخذ بالضراء، سنة كونية ~~ليظل الإنسان فاهما وعالما أنه خليفة في الأرض لله. وفساد الإنسان أن ~~يعلم أنه أصيل في الكون، فلو كنت أصيلا في الكون فحافظ على نفسك في ~~الكون ولا تفارقه بالموت. # وإن كنت أصيلا في الكون فذلل الكون لمراداتك. ولن تستطيع لأن هناك ~~طبائع ms3441 في الكون تتمرد عليك، ولا تقدر عليها أبدا. وترى أكثر من مفاعل ~~ذري ينفجر بعد إحكامه وضبطه لماذا؟! ليدل على طلاقة القدرة وأن يد الله ~~فوق أيديهم، إذن فأخذ الناس بالبأساء والضراء، وبالشيء الذي نقول إنه شر ~~إنما هو طلب اعتدال للإنسان الخليفة، حتى إذا اغتر يرده الله سبحانه ~~وتعالى من الأسباب إلى المسبب. وحين يأخذ الله قوما بالبأساء التي ~~تصيب الإنسان في غير ذاته: مال يضيع، ولد يفقد، بيت يهدم، أو يأخذهم ~~بالضراء وهي الأشياء التي تصيب الإنسان في ذاته، فذلك ليسلب منهم أبهة ~~الكبرياء، فلا يجدون ملجأ إلا أن يخضعوا لرب الأرض والسماء، ولكي يتضرعوا ~~إلى الله، ومعنى التضرع - كما عرفنا - إظهار الذلة لله. وإذا لم يجد ~~وينفع فيهم هذا، وقالوا: لا، إن البأساء والضراء مجرد سنن كونية، وقد ~~تأتي للناس في أي زمان أو مكان. نقول لهم: صحيح البأساء والضراء سنن ~~كونية من مكون أعلى من الكون، فإذا لم يرتدعوا بالبأساء والضراء ويرجعوا ~~إلى ربهم ويتوبوا إليه يبتليهم الله بالنعماء، فهو القائل: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون # [الأنعام: 44]. فالمجتمعات حين تبتعد عن منهج السماء نجد الحق ينتقم ~~منهم انتقاما يناسب جرمهم، ولو أنه أخذهم على حالهم المتواضع فلن تكون ~~الضربة قوية لذلك يوسع عليهم في كل شيء حتى إذا ما سلب منهم وأخذهم بغتة ~~وفجأة تكون الضربة قوية قاصمة ويصيبهم اليأس والحسرة. وقديما قلنا ~~تعبيرا ريفيا هو: إن الإنسان إن أراد أن يوقع بآخر لا يوقعه من على ~~حصيرة، إنما يوقعه من مكان عال. وربنا يعطي للمنكرين الكثير ويمدهم في ~~طغيانهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وقد دلت وقائع الحياة على هذا، ورأينا ~~أكثر من ظالم وجبار في الأرض والحق يملي له في العلو ويمد له في هذه ~~الأسباب ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، ولو بواسطة حارسه. { ثم بدلنا ~~مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد ~~مس آباءنا الضرآء والسرآء فأخذناهم بغتة ms3442 ~~وهم لا يشعرون } [الأعراف: 95]. وقد يضبط الإنسان أشياء ~~تعلمه بواقع الشر في مستقبله. مثلها مثل " الرادار " الذي يكشف لنا أي ~~خطر في الأفق قبل أن يأتي، وحين يقول سبحانه: { وهم لا يشعرون } ~~أي ليس عندهم حساب ولا مقاييس تدلهم على أن شرا يحيق بهم. وأنت لو نظرت ~~إلى هذه المسألة لوجدت الإنسان بعقله وفكره الذي لم يسلك فيه طريق الله ~~بل سلك فيه السبيل غير الممنهج بمنهج الله، وبينما لا يلتفت الإنسان إلى ~~مجيء الكارثة، ويتساءل: لماذا تجري هذه الحيوانات؟! إنه في هذه الحالة ~~يكون أقل من الحيوانات لأن الحيوان من واقع الأحداث في بلد تحدث فيه ~~الزلازل يكون أول خارج من منطقة الزلزال، إن الله سلبه هذه المعرفة حتى ~~تتمكن منه الضربة، إننا نجد الحمار يجري ليغادر مكان الزلزال، بينما يظل ~~الإنسان واقفا حتى يحيق ويحيط به الخطر، فأي إحساس وأي استشعار عند ~~الحيوان؟ إنه استشعار غريزي خلقه ربه فيه لأنه سلب منه التعقل فأعطاه ~~حكمة الغرائز. # وما دام الحق قد نبه الإنسان بالبأساء فلم يلتفت، وبالضراء فلم ينتبه ~~إلى المنهج لذلك يأتي له الحق ويمد له بالطغيان. لكن أهل الإيمان أمرهم ~~يختلف، فيقول سبحانه: { ولو أن أهل القرى... }. ### || [7.96] # أي أنهم لو آمنوا بالموجود الأعلى، واتقوا باتباع منهجه أمرا ونهيا ~~تسلم آلاتهم، لأن الصانع من البشر حتى يصنع آلة من الآلات، يحدد ويبين ~~الغاية من الآلة قبل أن يبتكرها، ويصمم لها أسلوب استخدام معين، وقانون ~~صيانة خاصا لتؤدي مهمتها، فما بالنا بمن خلق الإنسان، إذن فالبشر إذا ~~تركوا رب الإنسان يضع منهج صيانة الإنسان لعاش هذا الإنسان في كل خير، ~~وسبحانه وتعالى أوضح أنهم إن اتقوا، تأت لهم بركات من السماء والأرض، فإن ~~أردتها بركات مادية تجدها في المطر الذي ينزل من أعلى، وبركات من الأرض ~~مثل النبات، وكذلك كنوزها التي تستنبط منها الكماليات المرادة في الحياة. ~~وما معنى البركة؟. البركة هي أن يعطي الموجود فوق ما يتطلبه حجمه كواحد ~~مرتبه خمسون جنيها ونجده يعيش هو وأولاده في ms3443 رضا وسعادة، ودون ضيق، ~~فنتساءل: كيف يعيش؟ ويجيبك: إنها البركة. وللبركة تفسير كوني لأن الناس ~~دائما - كما قلنا سابقا - ينظرون في وارداتهم إلى رزق الإيجاب، ~~ويغفلون رزق السلب. رزق الإيجاب أن يجعل سبحانه دخلك آلاف الجنيهات ~~ولكنك قد تحتاج إلى أضعافهم، ورزق السلب يجعل دخلك مائة جنيه ويسلب عنك ~~مصارف كثيرة، كأن يمنحك العافية فلا تحتاج إلى أجر طبيب أو نفقة علاج. ~~إذن فقوله: { بركات من السمآء والأرض } أي أن يعطي الحق ~~سبحانه وتعالى من القليل الكثير في الرزق الحلال، ويمحق الكثير الذي جاء ~~من الحرام كالربا، ولذلك سمى المال الذي نخرجه عن المال الزائد عن الحاجة ~~سماه زكاة مع أن الزكاة في ظاهرها نقص، فحين تملك مائة جنيه وتخرج منها ~~جنيهين ونصف الجنيه يكون قد نقص مالك في الظاهر. وإن أقرضت أحدا بالربا ~~مائة جنيه فأنت تأخذها منه مائة وعشرة، لكن الحق سمى النقص في الأولى ~~نماء وزكاة، وسمى الزيادة في الثانية محقا وسحتا، وسبحانه قابض باسط. { ~~ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض ولكن كذبوا ~~فأخذناهم بما كانوا يكسبون } [الأعراف: 96]. إذن فلو ~~أخذ الإنسان قانون صيانته من خالقه لاستقامت له كل الأمور، لكن الإنسان ~~قد لا يفعل ذلك. ويقول الحق: { ولكن كذبوا فأخذناهم ~~بما كانوا يكسبون }. وهكذا نعلم أن الأخذ ليس عملية جبروت من ~~الخالق، وإنما هي عدالة منه سبحانه لأن الحق لو لم يؤاخذ المفسدين، فماذا ~~يقول غير المفسدين؟. سيقول الواحد منهم: ما دمنا قد استوينا والمفسدين، ~~وحالة المفسدين تسير على ما يرام، إذن فلأفسد أنا أيضا. وذلك يغري غير ~~المفسد بأن يفسد، ويعطي لنفسه راحتها وشهواتها، لكن حين يأخذ الله ~~المفسدين بما كانوا يكسبون، يعلم غير المفسد أن سوء المصير للمفسد واضح، ~~فيحفظ نفسه من الزلل. # كان القياس أنه يقول سبحانه: بما كانوا يكتسبون، لأن مسألة الحرام تتطلب ~~انفعالات شتى، وضربنا المثل من قبل بأن إنسانا يجلس مع زوجته، وينظر إلى ~~جمالها ويملأ عينيه منها، لكن إن جلس مع أجنبية وأراد ms3444 أن يغازلها ليتمتع ~~بحسنها، فهو يناور ويتحايل، وتتضارب ملكاته بين انفعالات شتى، وهو يختلف ~~في ذلك عن صاحب الحلال الذي تتناسق ملكاته وهو يستمتع بما أحل له الله، ~~ولكن هؤلاء المفسدين تدربوا على الفساد فصار دربة تقرب من الملكة فقال ~~فيهم الحق: إنهم يكسبون الفساد، ولا يجدون في ارتكابه عنتا. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { أفأمن أهل القرى أن يأتيهم... }. ### || [7.97-98] # ونلحظ وجود ذ " همزة استفهام " و " فاء تعقيب " في قوله: { أفأمن } ~~وهذا يعني أن هناك معطوفا ومعطوفا عليه، ثم دخل عليهما الاستفهام، أي ~~أنهم فعلوا وصنعوا من الكفر والعصيان فأخذناهم بغتة، أبعد ذلك أمن أهل ~~القرى أن يأتيهم بأسنا وعذابنا بياتا أو ضحى كما صنع بمن كان قبلهم من ~~الأمم السابقة؟ هم إذن لم يتذكروا ما حدث للأمم السابقة من العذاب ~~والدمار. ويوضح الحق أن الذين كذبوا من أهل القرى، هل استطاعوا تأمين ~~أنفسهم فلا يأتيهم العذاب بغتة كما أتى قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم ~~لوط وقوم شعيب؟ والبأس هو الشدة التي يؤاخذ بها الحق سبحانه الأمم حين ~~يعزفون عن منهجه. وما الذي جعلهم يأمنون على أنفسهم أن تنزل بهم أهوال ~~كالتي نزلت بمن سبقهم من الأمم. وحين يتكلم الحق عن الأحداث فهو يتكلم ~~عما تتطلبه الأحداث من زمان ومكان لأن كل حدث لا بد له من زمن ولا بد له ~~من مكان، ولا يوجد حدث بلا زمان ولا مكان، والمكان هنا هو القرى التي ~~يعيش فيها أهلها، والزمان هو ما سوف يأتي فيه البأس، وهو قد يأتي لهم ~~بياتا وهم نائمون، أو يأتي لهم ضحى وهم يلعبون، وهذه تعابير إلهية، ~~والإنسان إذا ما كان في مواجهة الشمس فالدنيا تكون بالنسبة له نهارا. ~~والمقابل له يكون الليل. وقد يجيء البأس على أهل قرية نهارا، أو ليلا ~~في أي وقت من دورة الزمن، ونعلم أن كل لحظة من اللحظات للشمس تكون لمكان ~~ما في الأرض شروقا، وتكون لمكان آخر غروبا، وفي كل لحظة من اللحظات ~~يبدأ يوم ويبدأ ليل، ms3445 إذن أنت لا تأمن يا صاحب النهار أن يأتي البأس ليلا ~~أو نهارا، وأنت يا صاحب الليل لا تأمن أن يكون البأس نهارا أو ليلا. ~~وأهل القرى هم الذين قال الله فيهم: # ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون # [ الأعراف: 96]. وما داموا قد كذبوا فمعنى ذلك أنهم لم يؤمنوا برسول ~~مبلغ عن الله، وتبعا لذلك لم يؤمنوا بمنهج يحدد قانون حركتهم ب " افعل ~~" و " لا تفعل ". إذن فنهارهم هو حركة غير مجدية، وغير نافعة، بل هي لعب ~~في الحياة الدنيا، وليلهم نوم وفقد للحركة، أو عبث ومجون وانحراف، وكل من ~~يسير على غير منهج الله يقضي ليله نائما أو لاهيا عاصيا، ونهاره ~~لاعبا لأن عمله مهما عظم، ليس له مقابل في الآخرة من الجزاء الحسن. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { أفأمنوا مكر الله... }. ### || [7.99] # و " الأمن " هو الاطمئنان إلى قضية لا تثير مخاوف ولا متاعب، ويقال: ~~فلان " آمن " أي لا يوجد ما يكدر حياته. والحق يقول: { أفأمنوا ~~مكر الله } ونحن نسمع بعض الكلمات حين ينسبها الله لنفسه نستعظمها، ~~ونقول: وهل يمكر ربنا؟ لأننا ننظر إلى المكر كعملية لا تليق.. وهنا نقول: ~~انتبه إلى أن القرآن قد قال: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43]. إذن ففيه مكر خير، ولذلك قال الحق: # ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين # [آل عمران: 54]. والمكر أصله الالتفاف. وحين نذهب إلى حديقة أو غابة نجد ~~الشجر ملتف الأغصان وكأنه مجدول بحيث لا تستطيع أن تنسب ورقة في أعلى إلى ~~غصن معين لأن الأغصان ملفوفة بعضها على بعض، وكذلك نرى هذا الالتفاف في ~~النباتات المتسلقة ونجد أغصانها مجدولة كالحبل. إذن فالمكر مؤداه أن تلف ~~المسائل، فلا تجعلها واضحة. ولكي تتمكن من خصمك فأنت تبيت له أمرا لا ~~يفطن إليه، وإذا كان الإنسان من البشر حين يبيت لأخيه شرا، ويفتنه ~~فتنا يعمي عليه وجه الحق وليس عند الإنسان العلم الواسع القوي الذي ~~يمكر به على كل من أمامه من خصوم لأنهم سيمكرون له أيضا. وإذا كان هناك ~~مكر وتبييت لا ms3446 يكتشفه أحد فهو مكر وتبييت الله لأهل الشر، وهذا هو مكر ~~الخير لأن الله يحمي الوجود من الشر وأهله بإهلاكهم. { أفأمنوا ~~مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون } [الأعراف: 99]. وهناك من يسأل: هل أمن الأنبياء مكر ~~الله؟ نقول نعم. لقد آمنوا مكر الله باصطفائهم للرسالة، وهناك من يسأل: ~~كيف إذن لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون؟! نقول: لقد جاء في منهج ~~الرسل جميعا أن الذي يأمن مكر الله هو الخاسر لأن الله هو القادر، وهو ~~الذي أنزل المنهج ليختار الإنسان به كسب الدنيا والآخرة إن عمل به، وإن ~~لم يعمل به يخسر طمأنينة الإيمان في الدنيا وإن كسب فيها مالا أو جاها ~~أو علما، ويخسر الآخرة أيضا. ويتابع سبحانه: { أولم يهد ~~للذين يرثون الأرض... }. ### || [7.100] # و { يهد } أي يبين للذين يرثون الأرض طريق الخير، ومعنى { يرثون ~~الأرض من بعد أهلهآ } أن الأرض كانت مملوكة لسواهم، وهم جاءوا ~~عقبهم. وحين يستقرئ الإنسان الوجود الحضاري في الكون يجد أن كل حضارة ~~جاءت على أنقاض حضارة، وما في يدك وملكك جاء على أنقاض ملك غيرك، والذي ~~يأتي على أنقاض الغير يسمى إرثا، وما دمتم قد رأيتم أنكم ورثتم عن غيركم ~~كان يجب أن يظل في بالكم أن غيركم سيرثكم. إذن فالمسألة دول، ويجب ألا ~~يغتر الإنسان بموقع أو منصب، ونحن نرى في حياتنا من يحتل منصبا كبيرا، ~~ثم يقال ويعزل عن منصبه، أو يحال إلى التقاعد ويأتي آخر من بعده. ولذلك ~~يقال: لو دامت لغيرك ما وصلت إليك. فإن كنت صاحب مكانة وقد أحسنت الدخول ~~إلى وضعك وإلى جاهك، وإلى منصبك فيجب أن تفطن وتتذكر الخروج قبل الدخول ~~إلى هذا المنصب حتى لا يعز عليك فراقه يوما. واحذر أن تحسن الدخول في ~~أمر قبل أن تحاول أن تحسن الخروج منه. واستمع إلى قول الشاعر في هذا ~~المعنى: # إن الأمير هو الذي يمسي أميرا يوم عزله # إن زال سلطان الإمارة لم يزل سلطان فضله # وحين يقول الحق: { أولم يهد للذين يرثون ms3447 الأرض }. ~~نلحظ أنه سبحانه لم يجعل المهديين هنا على وضع المفعول، فلم يقل: أو لم ~~يهد الذين، بل قال: { يهد للذين } ، فما الحكمة في ذلك؟. نعرف أن ~~" الهداية " هي الدلالة على الطريق الموصل للغاية، وقد تعود فائدته عليك، ~~أي أنك قد هديت غيرك لصالحك. وقد تكون الهداية وهي الدلالة على فعل ~~الخير لأمر يعود على الذي هدى وعلى المهدي معا، لكن إذا كانت ~~الهداية لا تعود إلا لك أنت، ولا تعود على من هداك، أتشك في هدايته لك؟ ~~لا، إن من حقك أن تشك في الهداية إذا كان هذا الأمر يعود على من هدى، ~~أو يعود أمرها على الاثنين ففي ذلك شبهة لمصلحة، لكن إذا كان الأمر لا ~~يعود على من يهدي ويعود كله لمن يهدي فليس في ذلك أدنى شك. ولذلك ~~يقول الحق سبحانه في حديثه القدسي: # "... يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب ~~رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ~~وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي ~~شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد ~~فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص ~~المخيط إذا أدخل البحر ". # إذن فحين يهديكم الحق إلى الصراط المستقيم فما الذي يعود عليه سبحانه من ~~صفات الكمال بهذا العمل؟ لقد خلقكم بصفات الكمال فيه، فلن ينشئ خلقه لكم ~~صفة من صفات الكمال زائدة على ما هو له، وهكذا نرى أن كل هداية راجعة إلى ~~المهدي. وبذلك يتأكد قوله: { يهد للذين يرثون الأرض } ~~ما هو مصلحتهم. { أولم يهد للذين يرثون الأرض من ~~بعد أهلهآ أن لو نشآء أصبناهم بذنوبهم ~~ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون } [الأعراف: 100]. ~~والحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن المشيئة يقول: { لو نشآء } ويحدد ~~أسباب المشيئة وهو قوله: { أصبناهم بذنوبهم } ، وهكذا نعلم ~~أن المشيئة ليست مشيئة ربنا فقط لا، بل هي ms3448 أيضا مشيئة العباد الذين ~~ميزهم بالاختيار، وسبحانه يقول: # أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا... # [الرعد: 31]. وما الذي يمنعه سبحانه أن يشاء هداية الناس جميعا؟. لا ~~أحد يمنع الخالق، ولكنه سبحانه خلق خلقا مهديين بطبيعتهم، لا قدرة لهم ~~على المعصية وهم الملائكة، وجعل سائر أجناس الأرض مسخرة مسبحة، وذلك يثبت ~~صفة القدرة، فلا يستطيع أحد أن يخرج عن مراد الله، ولكن هذا لا يعطي صفة ~~المحبوبية للمشرع الأعلى، ثم إنه - سبحانه - خلق خلقا لهم اختيار في أن ~~يطيعوا وأن يعصوا. فالمخلوق الذي اختصه سبحانه بقدرة الاختيار في أن يؤمن ~~وأن يكفر، وأن يطيع وأن يعصي، ثم آمن يكون إيمانه دليلا على إثبات صفات ~~المحبوبية للإله. إذن المقهورون على الفعل أثبتوا القدرة، والمختارون ~~الفعل أثبتوا المحبوبية للمشروع الأعلى، ويتابع سبحانه في الآية نفسها: { ~~أن لو نشآء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على ~~قلوبهم فهم لا يسمعون } [الأعراف: 100]. ونلحظ أن الحق لم ~~يقل أنه لو نشاء أصبناهم لذنوبهم وذلك رحمة منه، بل جعل العقاب بالذنوب ~~التي يختارونها هم، وكذلك جعل الطبع على القلوب نتيجة للاختيار. وسبق أن ~~تكلمنا في أول سورة البقرة. عن كلمة " الطبع " وهو الختم: # ختم الله على قلوبهم.. # [البقرة: 7]. لأن القلوب وعاء اليقين الإيماني فحين يملأ إنسان وعاء ~~اليقين بالكفر، فهذا يعني أنه عشق الكفر وجعله عقيدة عنده لذلك يساعده ~~الله على مراده، وكأنه يقول له: أنا سأكون على مرادك، ولذلك أطبع على ~~قلبك فلا يخرج ما فيه من الكفر، ولا يدخل فيه ما خرج منه من الإيمان ~~الفطري الذي خلق الله الناس عليه. لأنك أنت قد سبقت ووضعت في قلبك ~~قضية يقينية على غير إيمان لأن أصول الإيمان أن تخرج ما في قلبك من ~~أي اعتقاد، ثم تستقبل الإيمان بالله، ولكنك تستقبل الكفر وترجحه على ~~الإيمان. إن الله سبحانه لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه: قلب يؤمن، وقلب ~~لا يؤمن، بل جعل قلبا واحدا، والقلب الواحد حيز، والحيز - كما قلنا - ~~لا تداخل للمحيز فيه فحين نأتي بزجاجة فارغة ونقول: ms3449 إنها " فارغة " ~~فالذي يدل على كذب هذه الكلمة أننا حين نضع فيها المياه تخرج منها فقاقيع ~~الهواء، وخروج فقاقيع الهواء هو الذي يسمح بدخول المياه فيها لأن الزجاجة ~~ليست فارغة، بل يخيل لنا ذلك لأن الهواء غير مرئي لنا. # ولو كانت الزجاجة مفرغة من الهواء دون إعداد دقيق في صناعتها لتلك ~~المهمة لكان من الحتمي أن تنكسر. والقلب كذلك له حيز إن دخل فيه الإيمان ~~بالله لا يسع الكفر، وإن دخل فيه الكفر - والعياذ بالله لا يسع الإيمان، ~~والعاقل هو من يطرح القضيتين خارج القلب، ثم يدرس هذه ويدرس تلك، وما ~~يراه مفيدا لحياته ولآخرته يسمح له بالدخول. أما أن تناقش قضية الإيمان ~~بيقين قلبي بالكفر فهذه عملية لا تؤدي إلى نتيجة. { أولم يهد ~~للذين يرثون الأرض من بعد أهلهآ أن لو نشآء ~~أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا ~~يسمعون } [الأعراف: 100]. أي أو لم يتبين للذين يستخلفون في الأرض ~~من بعد إهلاك الذين سبقوهم بما فعلوا من المعاصي والكفر فسار هؤلاء القوم ~~سيرة من سبقهم وعملوا أعمالهم وعصوا ربهم أن لو نشاء فعلنا بهم من العذاب ~~كما فعلنا بمن قبلهم وقوله: { فهم لا يسمعون } أي السماع المؤدي ~~إلى الاعتبار والاتعاظ فكأنهم لم يسمعوا. ويقول الحق بعد ذلك: { تلك ~~القرى نقص... }. ### || [7.101] # هذا هو المراد في سرد القصص بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ~~أوضحه الحق في موضع آخر من القرآن فقال: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك.. # [هود: 120] فإذا ما حدث لك من أمتك وقومك شيء من العناد والإصرار ~~والمكابرة فاعلم أنك لست بدعا من الرسل لأن كل رسول قد قابلته هذه ~~الموجة الإلحادية من القوم الذين خاطبهم. وإذا كان رسول يأخذ حظه من ~~البلاء بقدر ما في رسالته من العلو فلابد أن تأخذ أنت ابتلاءات تساوي ~~ابتلاءات الرسل جميعا. { تلك القرى نقص عليك من ~~أنبآئها ولقد جآءتهم رسلهم بالبينات فما ~~كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع ~~الله على قلوب الكافرين ms3450 } [الأعراف: 101]. والطبع - كما ~~قلنا - هو الختم لأن قلوبهم ممتلئة بالضلال لذلك يعلنون التكذيب للرسول. ~~وقد طبع الله على قلوبهم لا قهرا منه، ولكن لاستبطان الكفر وإخفائه في ~~قلوبهم. ويقول الحق بعد ذلك: { وما وجدنا لأكثرهم من... }. ### || [7.102] # وهؤلاء الذين كذبوا الرسل، وردوا منهج الله الذي أرسله على ألسنة رسله. ~~كانت لهم عهود كثيرة. فما وفوا بعهد منها، مثال ذلك: العهد الجامع لكل ~~الخلق، وهو العهد الذي أخذه الله على ذرية آدم من صلبه حين مسح الله على ~~ظهر آدم، وأخرج ذريته وقال: # ألست بربكم قالوا بلى.. # [الأعراف: 172]. وقد يقف العقل في أخذ مثل هذا العهد على الذرية ~~الموجودة في آدم لذلك نقول: إذا قال الله فقد صدق عقلنا ذلك أو لم ~~نعقله، إنك لو نظرت إلى " آحاد البشر " ، أي إلى الأفراد الموجودين، تجد ~~نفسك وغيرك يجد نفسه نسلا لآبائكم، وهذا يدل على أن الإنسان وجد من ~~حيوان منوي حي انتقل إلى بويضة حية من أمه فنشأ هذا الإنسان. ولو طرأ ~~على الحيوان المنوي موت، أو طرأ على البويضة موت امتنع الإنسال. إذن فكل ~~إنسان منا جزء من حياة أبيه، وأبوه جزء من حياة والده، ووالده جزء من ~~حياة أبيه، وإن سلسلت ذلك فسنصل لآدم، فكل واحد من ذرية آدم إلى أن تقوم ~~الساعة فيه جزئ حي من آدم. وما دام فيه جزئ حي من آدم فقد شهد الخلق ~~الأول، ولذلك حين يسألهم الله سؤال التقرير ويقول: { ألست ~~بربكم }؟ فيقولون: { بلى }. وضربنا المثل لنقرب وقلنا إن الذرية ~~الشائعة في شيء، تشيع في أضعاف الشيء، وسبق أن قلنا: إننا إذا جئنا بمادة ~~ملونة حمراء - مثلا - في حجم سنتيمتر مكعب، ثم أذبناها في قارورة، وبذلك ~~يصبح كل جزء في القارورة فيه جزء من المادة الملونة، وإن أخذت القارورة ~~وألقيتها في برميل واسع، هنا تصير كل قطرة من البرميل فيها جزيء من ~~المادة الحمراء، وإن أخذت ماء البرميل وألقيته في البحر فكل ذرة في البحر ~~الواسع يصير فيه جزيء من المادة الملونة، وهكذا يقرب ms3451 من ذهن كل منا أن في ~~كل إنسان جزيئا من آدم، وقد شهد هذا الجزئ العهد الأول. ولقائل أن يسأل: ~~كيف يخاطب الله الذر الذي كان موجودا في ظهر آدم؟. نقول: كما خاطب الأرض ~~وخاطب السماء، فهو القائل: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين # [فصلت: 11]. إذن فعدم إدراكنا لكيفية الخطاب بين رب ومربوب، لا يقدح في ~~أن هذه المسألة لها أصل ولها وجود. وهذا بالنسبة للعهد الأول، وبعده ~~العهد الثاني الذي أخذه الله على رسله، مصداقا لقوله الحق: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران: 81]. ثم هناك عهود خاصة أنشأتها الأحداث الخاصة، مثلما يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا ~~كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا ~~بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان ~~وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين # [يونس: 22]. إنهم لا يسلمون أنفسهم للعطب، ولا يغترون بجاههم وبالأسباب ~~التي عندهم لأنها قد امتنعت، ولذلك لا يغشون أنفسهم بل يلجأون صاغرين إلى ~~الله قائلين: # لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين # [يونس: 22]. هكذا نرى أنهم أعطوا العهد في حادثة، فلما أنجاهم الله ~~أعرضوا، وفي ذلك يقول الحق سبحانه: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه.. # [يونس: 12]. إذن فالعهد إما أن يكون عهدا عاما وإما أن يكون عهدا ~~خاصا. والحق يقول: { وإن وجدنآ أكثرهم لفاسقين }. أي ~~أن حال وشأن أكثرهم ظل على الفسق ونقض العهد والخروج عنه لأن العهد إطار ~~يحكم حركة المختار فيما أعطاه على نفسه من المواثيق، وهو حر في أن يفعل ~~أو لا يفعل، لكنه إذا عاهد ms3452 أن يفعل أصبح ملزما ووجب عليه أن ينفذ العهد ~~باختياره، لأنه إذا قطع العهد على نفسه فعليه أن يحكم حركته في إطار هذا ~~العهد، فإن خرج بحركته عن إطار هذا العهد فهذا هو الفسق، والأصل في الفسق ~~أنه خروج الرطبة من القشرة لأن القشرة تصنع سياجا على الثمرة بحيث لا ~~تدخل إلى الثمرة شيئا مفسدا من الخارج، ويقال: فسقت الرطبة أي خرجت عن ~~قشرتها. كأن ربنا جعل التكليف تغليفا حماية للإنسان من العطب، فإذا ما ~~خرج عن الدين مثل خروج الرطبة عن الغطاء والقشرة صار عرضة للتلوث ~~وللميكروبات؟، فسمى الله الخارج على منهجه بالفاسق، لأنه خرج عن الإطار ~~الذي جعله الله له ليحميه من المفاسد، ومن العطب الذي يقع عليه. وبعد ذلك ~~يقول الحق سبحانه: { ثم بعثنا من بعدهم موسى... }. ### || [7.103] # وبعد أن تكلم الحق عن نوح وهو وصالح ولوط وشعيب وما دار بينهم وبين ~~أقوامهم، وكيف أهلك سبحانه المكذبين وأنجى المؤمنين، أراد أن يأتي بتاريخ ~~رسول من أولى العزم من الرسل، أي من الذين تعرضوا في رسالاتهم لأشياء لا ~~يتحملها إلا جلد قوي. وأظن أنكم تعلمون أن علاج موسى لليهود أخذ قسطا ~~وافرا في القرآن، بل إن قصة موسى مع قومه هي أطول قصص القرآن لأن ~~انحرافاتهم ونزواتهم وتمردهم على أنبيائهم كانت كثيرة، وكان أنبياؤهم ~~كثيرون ولذلك فهم يفتخرون بأنهم كثيرو الأنبياء، وقالوا: نحن أكثر الأمم ~~أنبياء. وقلنا لهم: إن كثرة أنبيائكم تدل على تأصل دائكم لأن الأطباء لا ~~يكثرون إلا حين يصبح علاج المريض أمرا شاقا. إذن فكثرة أنبيائكم، دليل ~~على أن رسولا واحدا لا يكفيهم، بل لا بد من أنبياء كثيرين. وقوله الحق: ~~{ ثم بعثنا من بعدهم موسى }. وكلمة " بعث " - كما نفهمها ~~- توحي وتشير إلى أنه سبحانه قد أرسل موسى رسولا إلى فرعون، واختيرت ~~كلمة " بعث " للرسالات لأن البعث يقتضي أن شيئا كان موجودا ثم انطمر ثم ~~بعثه الحق من جديد، والإيمان يتمثل في عهد الفطرة الأول الذي كان من آدم ~~لأن الله خلقه بيديه خلقا مباشرا ms3453 وكلفه تكليفا مباشرا، فنقل آدم ~~الصورة للذرية، وهذه الصورة الأصلية هي التي تضم حقائق الإيمان التي ~~كانت لآدم، وحين يبعث الله رسولا جديدا، فهو لا ينشئ عقيدة جديدة، بل ~~يحيي ما كان موجودا وانطمر، وحين يطم الفساد يبعث الله الرسول، فكأن ~~الحق سبحانه وتعالى حينما كلف آدم التكليف الأول طلب منه أن ينقل هذا ~~التكليف إلى ذريته، ولو أن الإنسان أخذ تكاليف الدين كما أخذ مقومات ~~الحياة ممن سبقه لظل الإيمان مسألة رتيبة في البشر. إننا نأخذ الأشياء ~~التي أورثها لنا أجدادنا وتنفعنا في أمور الدنيا نحتفظ بها ونحرص عليها، ~~فلماذا لم نأخذ الدين منهم؟ لأن الدين يحجر على حرية الحركة ويضعها في ~~إطارها الصحيح. والإنسان يريد أن ينفلت من تقييد حرية الحركة، وحين يقول ~~ربنا مرة إنه: " أرسل " الرسل، ومرة أخرى إنه قد بعثهم، فهذا يدل على أنه ~~لم يجيء بشيء جديد، ولكنه جاء بشيء كان المفروض أن يظل فيكم كما ظلت فيكم ~~الأشياء التي ورثها لكم أسلافكم وتنتفعون بها مثال ذلك: نحن ننتفع برغيف ~~الخبز وننتفع بخياطة الإبرة فلماذا انتفعنا بهذه الأشياء المادية ونسينا ~~الأشياء المنهجية؟ لأن الأشياء المادية قد تعين الإنسان على شهواته، أما ~~قيم الدين فهي تحارب الشهوات. { ثم بعثنا من بعدهم موسى ~~بآياتنآ إلى فرعون وملئه.. } [الأعراف: 103]. والآيات - ~~كما نعلم - جمع آية، وهي الأمر العجيب الذي يقف العقل عنده مشدوها. # وتطلق الآيات ثلاث إطلاقات فهي تطلق على الآيات القرآنية لأنها عجيبة ~~أسلوبيا معبرة عن كل كمال يوجد في الوجود إلى أن تقوم الساعة، وكل قارئ ~~لها يأخذ منها على قدر ذهنه وقدر فهمه. والآيات الكونية موجودة في خلق ~~الأرض والسماء وغير ذلك، وكذلك تطلق الآيات على المعجزات الدالة على صدق ~~الأنبياء. والبعث يقتضي مبعوثا وهو موسى، ويقتضي باعثا وهو الله، ~~ومبعوثا إليهم. وهم قوم فرعون، ومبعوثا به وهو المنهج. والآيات التي ~~بعث الله بها موسى هي أدلة صدق النبوة، وهي أيضا الكلمات المعبرة عن ~~المنهج ليشاهدها ويسمع لها فرعون وملؤه، والملأ - كما عرفنا من قبل ms3454 - هم ~~القوم الذين يملأون العيون هيبة، فلا يقال للناس الذين لا يلتفت إليهم ~~أحد إنهم ملأ، أو هم الأناس الذين يملأون صدور المجالس، أي الأشراف ~~والسادة. ولماذا حدد الحق هنا أن موسى قد بعث لفرعون وملئه فقط؟ لأن ~~الباقين من أتباعهم تكون هدايتهم سهلة إن اهتدى الكبار، والغالب والعادة ~~أن الذي يقف أمام منهج الخير هم المنتفعون بالشر، وهم القادة أو من ~~حولهم، ولا يرغبون في منهج الخير لأنه يصادم أغراضهم، وأهواءهم، ولذلك ~~يحاربونه، أما بقية العامة فهم المغلوبون على أمرهم، وساعة يرون أن ~~واحدا قد جاء ووقف في وجه الذين عضوهم بمظالمهم وعضوهم بطغيانهم، تصبح ~~قلوبهم مع هذا المنقذ! { ثم بعثنا من بعدهم موسى ~~بآياتنآ إلى فرعون وملئه.. } [الأعراف: 103]. وإن كانت ~~الآيات هي الكلمات المؤدية للمنهج الموجودة في التوراة، أو كانت الآيات ~~هي المعجزات التي تدل على صدق موسى فقد كان ذلك يقتضي إيمانهم. ونعلم أن ~~القرآن قد عدد الآيات المعجزات التي أرسلها الحق مع موسى: # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات.. # [الإسراء: 101]. ومن هذه الآيات العصا، واليد يدخلها في الجيب أو تحت ~~جناحه وإبطه وتخرج بيضاء من غير سوء أو علة، وأخذ آل فرعون بالسنين، ~~وكلمة " سنين " تأتي للجدب الشديد الذي يستمر لفترة من الزمن بحيث يلفت ~~الناس إلى حدث في زمان، ولذلك نقول: كانت سنة عصيبة لأن السنة عضة من ~~الأحداث، تهدم ترف الحياة، ثم تأتي لهم بما يهدم مقومات الحياة، وأولها ~~الطعام والشراب فيصيبهم بنقص الثمرات، وهو الجدب والقحط، وسمي الجدب سنة، ~~وجمعه سنين، لأنه شيء يؤرخ به، فماذا كان استقبال فرعون وملئه للآيات ~~التي مع موسى عليه السلام؟ يقول الحق: { فظلموا بها }. وهل كانت ~~الآيات أداة للظلم أو ظلموا بسببها لأنهم رفضوها كمنهج حياتي؟. لقد ظلموا ~~بها لأنهم رفضوا اتباع المنهج الحق، وظلوا على فسادهم، والمفسدون - كما ~~نعلم - هم الذين يعمدون إلى الصالح في ذاته فيفسدونه، برغم أن المطلوب من ~~الإنسان أن يستقبل الوجود استقبال من يرى أن هناك أشياء فوق اختياراته ~~ومراداته، وأشياء باختياره ms3455 ومراداته، فإذا نظر الإنسان في الأشياء التي ~~بها مقومات الحياة، مما لا يدخل في اختياره يجدها على منتهى الاستقامة. # إننا نجد الإنسان لا يتحكم في حركة الشمس أو حركة القمر، أو النجوم أو ~~الريح أو المطر، فهذه الكائنات مستقيمة كما يريدها الله، ولا يأتي الفساد ~~إلا في الأمر الذي للإنسان مدخل فيه، والناس لا تشكو من أزمة هواء - على ~~سبيل المثال - لأنه لا دخل في حركة الهواء لأحد، لكنهم شكوا من أزمة ~~طعام لأن للبشر فيه دخلا، ونجد شكواهم من أزمة المياه أقل لأن مدخل ~~الإنسان على الماء قليل. إنه سبحانه وتعالى يجعل الأمر الذي يدير حركتك ~~الوقودية لك فيه بعض من الدخل، فيجعل من جسمك - على سبيل المثال - مخزنا ~~للدهون ليعطيك لحظة الجوع ما كنزته فيه من طاقة. ومن العجيب أن الدهون ~~هذه هي مادة واحدة وساعة نحتاج إلى التغذية منها تتحول المادة الواحدة ~~إلى المواد الأخرى التي نحتاج إليها. تحتاج مثلا إلى زلال، فيتحول الدهن ~~إلى زلال، تحتاج إلى كربون، يعطي لك الدهن الكربون، تحتاج إلى فوسفور ~~يعطيك فوسفورا، تحتاج إلى مغنسيوم يعطيك الدهن المغنسيوم، وهكذا فإذا ~~كنا نصبر على الطعام بقدر المخزون في أجسامنا، ونصبر على الماء أيضا ~~بقدر المخزون في هذه الأجساد، فنحن لا نصبر على الهواء لأن التنفس شهيق ~~وزفير، ولو أن إنسانا ملك الهواء يعطيك إياه لحظة الرضا، ويمنعه عنك ~~لحظة الغضب، لمت قبل أن يرضى عنك، لكن إن منع عنك الماء فترة فقد يحن قلب ~~عدوك أو يأتي لك أحد بالماء أو قد تسعى أنت بحيلة ما لتصل إليه. إذن ~~فالأمر الذي لا دخل للإنسان فيه نجد على منتهى الاستقامة، ولا يأتي ~~الفساد إلا من الأمر الذي للإنسان فيه دخل. { ثم بعثنا من ~~بعدهم موسى بآياتنآ إلى فرعون وملئه ~~فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } ~~[الأعراف: 103]. أي أن آخر الأمر سيعاقب الله المفسدين. وأراد سبحانه أن ~~يذكر سلسلة القصة لا من بدء سلسلتها، بل يبدأ من نهايتها، فسبحانه لا ~~يدرس لنا التاريخ، ms3456 ولكن يضع أمامنا العظة، واللقطة التي يريدها في هذا ~~السياق، ولذلك لم يتكلم سبحانه في هذه السورة عن ميلاد موسى وكيف أوحى ~~لأمه أن تلقيه في البحر، ولم ترد حادث ذهابه إلى مدين ومقابلته لسيدنا ~~شعيب، لكنه هنا يتكلم سبحانه عن مهمة سيدنا موسى مع فرعون. ويقول سبحانه: ~~{ وقال موسى يفرعون... }. ### || [7.104] # ويشرح لنا القرآن أمر بلاغ موسى لفرعون وقومه بأن الله واحد أحد وهو رب ~~العالمين، وكان قوم فرعون يعتقدون بوجود إله للسماء وآخر للأرض، لذلك ~~يبلغهم موسى بأن الإله واحد: # قال رب السماوات والأرض وما بينهمآ إن كنتم ~~موقنين # [الشعراء: 24]. ونجد موسى يعدد كلمة الربوبية في آيات أخرى ليأتي ~~بالمظهر الذي دست فيه دسيسة الربوبية لفرعون، وكانوا يعتقدون أن ~~للسماء إلها، وللأرض إلها آخر، فقال موسى: إنني أتكلم عن الإله الواحد ~~الذي هو رب السماء والأرض معا فلا إله إلا الله وحده. وكانوا يعتقدون أن ~~للشرق إلها، وللغرب إلها، فأبلغهم موسى بأنه إله واحد، وكانوا يعتقدون ~~أن للأحياء ألها وربا، وللأموات إلها وربا، فقال لهم موسى: # قال ربكم ورب آبآئكم الأولين # [الشعراء: 26]. ويبلغ هنا موسى فرعون وقومه: { إني رسول من ~~رب العالمين } [الأعراف: 104]. وما دام موسى رسولا من رب ~~العالمين، فهو لا يقول إلا الحق، لذلك يتابع الحق على لسان موسى: { ~~حقيق على أن لا أقول... }. ### || [7.105] # فأي هذه الأمور هو الذي يحتاج إلى بينة، هل البلاغ بأنه رسول من رب ~~العالمين؟ إن هذا القول يدلنا على أن موسى اختلف مع فرعون أولا في أن ~~موسى رسول، وأن للعالمين ربا واحدا، وأنه لا يبلغ إلا بالحق، هذه - إذن ~~- ثلاث قضايا خلافية بين موسى وفرعون، ولكن فرعون لم يختلف مع موسى إلا ~~في قضية واحدة هي: هل هو رسول مبلغ عن الله بالقول الحق؟ فماذا طلب منه؟ ~~طلب الدليل على أنه رسول من رب العالمين. وهذا يوضح أن فرعون يعلم أن ~~العالم له رب أعلى. كذلك فإن فرعون لم يقف مع موسى في مسألة أن للعالمين ~~ربا، وأن هذا ms3457 الرب لا يستطيع كل إنسان أن يفهم مراده منه فلابد أن يرسل ~~رسولا، بل وقف فرعون في مسألة: هل موسى رسول مبلغ عن الله أولا؟ ولذلك ~~يقول موسى: { حقيق على أن لا أقول على الله إلا ~~الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي ~~بني إسرائيل } [الأعراف: 105]. كأن مهمة موسى عند فرعون أن يخلص ~~بني إسرائيل. ونعرف أن قصة بني إسرائيل ناشئة من أيام نبي الله يعقوب ~~وابنه يوسف حين كاد الإخوة لأخيهم يوسف، وتشاوروا في أمر قتله أو طرحه ~~أرضا أو إلقائه في غيابة الجب، لقد جاء الحق بقصة بني إسرائيل على مراحل ~~لنتدرج بالانفعال معها. فمراحل الانفعال النفسي أمام من تكره تأخذ صورتين ~~اثنتين: صورة تدل على تصعيد الرحمة في قلبك، وصورة تدل على تصعيد الشر في ~~قلبك، مثال ذلك: لنفترض أن لك خصما وصنع فيك مكيدة، وتحكي أنت لإخوانك ~~ما فعله هذا الخصم، وكيف أنك تريد الانتقام منه فتقول: أريد أن انتقم منه ~~بضربه صفعتين، ثم تصعد الشر فتقول: أنا أريد أن أقتله بالرصاص، هذا شأن ~~الشرير، أما الخير فيقول: أنا لا أريد أن أقتله أو أصفعه أو أشتمه ~~وأسبه فهذا تصعيد في الخير. إذن. يختلف تصعيد الانتقام أو السماح حسب ~~طاقة الخير أو الشر التي في النفس. وهكذا نجد إخوة يوسف وهم يكيدون له، ~~فقالوا: # ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن ~~عصبة.. # [يوسف: 8]. هم يعترفون أنهم قوة وعصبة، ويحسدون يوسف وأخاه على محبة ~~الأب لهما، ويعترضون على ذلك، ويظهرون البينة على أن يوسف وأخاه أحب إلى ~~الأب منهم، وذكر القرآن هذه البينة لنعرف أهميتها، حتى لا يغفل أحد عنها. ~~لقد كان قلب نبي الله يعقوب مع يوسف وأخيه لصغرهما وضعفهما، بينما بقية ~~أبنائه كبار أقوياء أشداء لأن الله سبحانه وتعالى وضع في قلب الأبوة ~~والأمومة من الرحمة على قدر ضعف الوليد الصغير. فالصغير هو من يحتاج إلى ~~رعاية وعناية، ويكون قلب الأم والأب مع الابن المريض أو الغائب. # ولذلك حينما سئلت امرأة حكيمة: من أحب ms3458 بنيك إليك؟ قالت: الصغير حتى ~~يكبر، والغائب حتى يعود، والمريض حتى يشفى. إذن فقول إخوة يوسف: { ~~ونحن عصبة }. هو بينة ضدهم. وكان المنطق يقتضى أن يعرفوا أنهم ما ~~داموا عصبة فلا بد أن يكون قلب أبيهم مع يوسف وأخيه فكلاهما كان صغيرا ~~ويحتاج إلى رعاية، وبطبيعة تكوين أبناء يعقوب كأسباط وذرية أنبياء، ~~نجدهم يصعدون الخير لا الشر، فقد بدأوا بإعلان رغبة القتل، ثم استبدلوا ~~بها الطرح أرضا بأن يلقوه في أرض بعيدة نائية ليستريحوا منه ويخلو لهم ~~وجه أبيهم، ثم استبدلوا بها إلقاءه في غياهب الجب بدأوا بالقتل في لحظة ~~عنفوان الغضب ثم تنازلوا عن القتل بالطرح أرضا، أي أن يتركوه في مكان ~~يكون فيه عرضة لأن يضل، ثم تنازلوا عن ذلك واكتفوا بإلقائه في غيابة الجب ~~يلتقطه بعض السيارة، فهل كانوا يريدون أن يضروه، أو كانوا يفكرون في ~~نجاته؟. إذن فهذا تصعيد للخير. وتوالت الأحداث مع سيدنا يوسف واستقر معه ~~بنو إسرائيل في مصر وكثرت أعدادهم. وعندما نستقرئ التاريخ، نجد أن الحق ~~سبحانه وتعالى حينما تكلم عن ملوك مصر، خص بعضهم باسم فرعون، وخص بعضهم ~~باسم ملك، فهناك فرعون وهناك ملك. فإذا ما نظرت إلى القديم نجد أن الحق ~~يقول: # وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 10]. هكذا نجد الحق يسمى حاكم مصر " فرعون " وفي أيام سيدنا ~~موسى أيضا يسميه الحق فرعون. لكن في أيام يوسف عليه السلام لم يسمه ~~فرعون، بل سماه ملكا: # وقال الملك ائتوني به.. # [يوسف: 50]. وبعد أن اكتشف العالم الفرنسي شامبليون - حجر رشيد - عرفنا ~~أن الفترة التي دخل فيها سيدنا يوسف مصر، لم يكن الفراعنة هم الذين ~~يحكمون مصر، بل كان الحكام هم ملوك الهكسوس الرعاة، وطمر القرآن هذه ~~الحقيقة التاريخية حين سمى حكام مصر قبل يوسف فراعين، وفي الفترة التي ~~جاء فيها سيدنا يوسف سماهم " الملوك " ، وهؤلاء هم من أغاروا على مصر ~~وحكموها وساعدهم بنو إسرائيل وخدموهم، وقاموا على مصالحهم، وبعد أن طرد ~~المصريون الهكسوس التفت الفراعنة بالشر إلى من أعان الهكسوس فبدأوا في ~~استذلال بني إسرائيل ms3459 لمساعدتهم الهكسوس إبان حكمهم مصر. وأراد الله أن ~~يخلصهم بواسطة موسى عليه السلام، ولذلك يقول الحق على لسان موسى: # وقال موسى يفرعون إني رسول من رب العالمين ~~* حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد ~~جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني ~~إسرائيل # [الأعراف: 104-105]. كأن موسى يريد أن يخلص بني إسرائيل، أما مسألة ~~الألوهية وربوبية فرعون فقد جاءت عرضا. ويقول فرعون: { قال إن كنت ~~جئت بآية... }. ### || [7.106] # وهكذا يواجه فرعون موسى سائلا إياه أن يظهر الآية إن كان من الصادقين، ~~إذن ففرعون يعتقد أن لله آيات تثبت صدق الرسول بدليل أنه قال له: هاتها ~~إن كنت من الصادقين. ويكشف موسى عليه السلام الآية: { فألقى عصاه ~~فإذا... }. ### || [7.107] # وهذا الإلقاء كان له سابق تجربة أخرى حينما خرج مع أهله من مدين ورأى ~~نارا وبعد ذلك قال لأهله: # امكثوا إني آنست نارا.. # [طه: 10]. ثم سمع خطابا: # وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى # [طه: 17-18]. وحين يقال له: { وما تلك بيمينك يموسى } ، ~~كان يكفي أن يقول في الجواب: عصاي، ولا داعي أن يقول: " هي " ولا داعي أن ~~يشرح ويقول: إنه يتوكأ عليها وأن له فيها مآرب أخرى لأن الحق لم يسأله ~~ماذا تفعل بعصاك، إذن فجواب موسى قد جاوز في الخطاب قدر المطلوب، ويظن ~~البعض أنه كان من الواجب أن يعطي الجواب على قدر السؤال. لكن من يقول ذلك ~~ينسى أنه لا يوجد من يزهد في الأنس بخطاب الله. وحين قال موسى عليه ~~السلام: # هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي.. # [طه: 18]. ولقد شعر موسى عليه السلام واستدرك هيبة المخاطب فكان تهافته ~~على الخطاب حبا لأنسه في الله، لكنه حين شعر أنه قارب أن يتجاوز قال: { ~~ولي فيها مآرب أخرى } كان من الممكن أن يقول استعمالات كثيرة ~~للعصا. إذن فللعصا أكثر من إلقاء، إلقاء الدربة والتمرين على لقاء فرعون ~~حين أمره الحق: # قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي ms3460 حية ~~تسعى # [طه: 19-20]. فماذا حدث؟ قال له الله: # قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى # [طه: 21]. فساعة خاف، دل على أن ما حدث للعصا ليس من قبيل السحر لأن ~~الساحر حين يلقي عصاه أو حبله يرى ذلك عصا أو حبلا، بينما يرى ذلك غيره ~~حية، ولذلك يقول الحق عن السحرة: # سحروا أعين الناس.. # [الأعراف: 116]. وهذا يدل على أن حقيقة الشيء في السحر تظل كما هي في ~~نظر الساحر، لكن موسى أوجس في نفسه خيفة، فهذا يدل على أن العصا انتقلت ~~من طبيعتها الخشبية وصارت حية. وكان من الممكن أن تورق العصا وتخضر على ~~الرغم من أنها كانت غصنا يابسا. ولو حدث ذلك فسيكون معجزة أيضا، ولكن ~~نقلها الله نقلتين: نقلها من الجمادية، وتعدى بها مرحلة النباتية إلى ~~مرحلة الحيوانية. وكأن الحق العليم أزلا يرد على من أراد اللغط في مسألة ~~إلقاء العصا، وقد ظن بعض الجاهلين أن ذلك تكرار في الكلام في قصة واحدة. ~~ولم يلحظوا أن جهة الإلقاء للعصا كانت منفكة، ففي القرآن ثلاثة إلقاءات ~~للعصا: إلقاء التدريب حينما اصطفى الله موسى رسولا وأعلمه بذلك في طور ~~سيناء: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني.. # [طه: 14]. وبعد ذلك قال له: # وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي.. # [طه: 17-18]. وإلقاء التدريب على المهمة هدفه طمأنة موسى، حتى إذا ما ~~باشرها أمام فرعون باشرها وهو على يقين أن العصا ستستجيب له فتنقلب حية ~~بمجرد إلقائها، ولو أن الله قال له خبرا " إذا ذهبت إلى فرعون فألق ~~العصا فستنقلب حية " ، فقد لا يطمئن قلبه إلى هذا الأمر. # فأراد الله أن يدربه عليها تدريبا واقعيا، ليعلم أن العصا ستستجيب له ~~حين يلقيها فتنقلب حية، وكان ذلك أول إلقاء لها، أما الإلقاء الثاني ~~فكان ساعة أن جاء لفرعون للإعلام بمهمته أنه رسول رب العالمين، وإعلامه ~~بالبينة، وهو ما نحن بصدده الآن في هذه الآية التي نتكلم بخواطرنا ~~الإيمانية فيها. ثم هناك إلقاء ثالث وهو إلقاء التحدي للسحرة، ولأن لكل ~~إلقاء موقعا ms3461 فلا تقل أبدا: أن ذلك تكرار. وإنما هو تأسيس لتعدد المواقف ~~والملابسات، فلكل موقف ما يتطلبه، فلا تغني لقطة هنا عن لقطة هناك. { ~~فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين } [الأعراف: 107]. ~~ومرة يقول عن العصا: { كأنها جآن }. ويقول المشككون في كلام ~~الله من المستشرقين: كيف يقول مرة إنها ثعبان مبين. ثم مرة أخرى يقول: { ~~فإذا هي حية تسعى } ، ومرة ثالثة يقول: { كأنها جآن ~~}. ونقول: إن هناك فارقا بين مختلفات تتناقض، ومختلفات تتكامل، فهي ~~ثعبان مرة، وهي حية مرة ثانية، وهي جان لأن الثعبان هو الطويل الخفيف ~~الحركة، والحية هي الكتلة المخيفة بشكلها وهي متجمعة، والجان هو الحية ~~المرعبة الشكل. فكأنها تمثلت في كل مرة بمثال يرعب من يراه، وكل مرة لها ~~شكل فهي مرة ثعبان، ومرة حية، وثالثة جان، أو تكون ثعبانا عند من يخيفه ~~الثعبان، وتكون حية عند من تخيفه الحية، وتكون جانا عند من يخيفه الجان، ~~ولذلك تجد أن إشاعة الإبهام هو عين البيان للمبهم. ومثال ذلك إبهام الحق ~~لأمر الموت، فلا يحكمه سن، ولا يحكمه سبب، ولا يحكمه زمان، وفي هذا إبهام ~~لزمانه وإبهام لسببه مما يجعله بيانا شائعا تستقبله بأي سبب في أي زمان ~~أو في أي مكان، وهكذا يأتي الإبهام هنا لكي يعطينا الصور المتكاملة، ~~وقال بعض المستشرقين: إن المسلمين يستقبلون القرآن بالرهبة وبالانبهار. ~~ولا يحركون عقولهم لكي يروا المتناقضات فيه، لكن غير المسلم إن قرأ ~~القرآن يتبين فيه أشياء مختلفة كثيرة، قالوا بالنص: " أنتم تعلمون بقضايا ~~اللغة أن التشبيه إنما يأتي لتلحق مجهولا بمعلوم " ، فيقال: أنت تعرف ~~فلانا، فتقول: لا والله لا أعرفه. فيقول لك: هو شكل فلان في الطول، وفي ~~العرض، وفي الشكل، إذن فقد ألحق مجهولا بمعلوم ليوضحه. فكيف يلحق ~~القرآن مجهولا بمجهول، إن هذا لا يعطي صورة مثلما تكلم القرآن عن شجرة ~~الزقوم فقال: # إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم * طلعها ~~كأنه رءوس الشياطين # [الصافات: 64-65]. فكيف توجد شجرة في الجحيم، إنها أشياء متناقضة لأن ~~الشجرة فيها خضرة، وتحتاج إلى ري، ومائية، ms3462 والجحيم نار وجفاف، ثم إن ~~الشيطان غير معلوم الصورة للبشر، وشجرة الزقوم غير معلومة لأنها ستأتي في ~~الآخرة، فكيف يشبه الله مجهولا بمجهول. # واستخدم المستشرقون ذلك كدليل على أن المسلمين يأخذون القرآن بانبهار ~~ولا يبحثون فيه، ونرد عليهم: أنتم لا تعلمون لغة العرب كملكة، بل ~~عرفتموها صناعة، ولم تتفهموا حقيقة أن القرآن جاء على لغة العرب. وقد ~~تخيلت لغة العرب أشياء رأت فيها البشاعة والقبح كأن قالوا: " ومسنونة زرق ~~كأنياب أغوال " ، والغول كائن غير موجود، لكنهم تخيلوا الغول المخيف وأن ~~له أنيابا.. إلخ. إذن التشبيه قد يكون للأمر المتخيل في أذهان ~~الناس، والأصل في التشبيه أن يلحق مجهولا ليعلم، وشجرة الزقوم لا ~~نعرفها، ورءوس الشياطين لم نرها، وهكذا ألحق الله مجهولا بمجهول، ولماذا ~~لم يأت بها في صورة معلومة؟. لأنه - سبحانه - يريد أن يشيع البيان، ويعمم ~~الفائدة ويرببها لأن الإخافة تتطلب مخيفا، والمخيف يختلف باختلاف ~~الرائين، فقد يوجد شيء يخيفك، ولكنه لا يخيف غيرك، وقد تستقبح أنت شيئا، ~~ولكن غيرك لا يستقبحه، ولذلك ضربنا - سابقا - مثلا. وقلنا: لو أننا ~~أحضرنا من كبار رسامي الكاريكاتور في العالم، وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة ~~الشيطان تخيلوا الشيطان وارسموه، أيتفقون على شكل واحد فيه؟ لا لأن كل ~~رسام سيرسم من وحي ما يخيفه هو. ولقد قال الله في صورة: شجرة الزقوم { ~~طلعها كأنه رءوس الشياطين } ليتخيل كل سامع ما يخيفه من ~~صورة الشيطان، فتكون الفائدة عامة من التخويف من تلك الشجرة. لكنه لو ~~قالها بصورة واحدة لأخاف قوما ولم يخف الآخرين. ومثال ذلك أمر عصا موسى، ~~فهي مرة ثعبان، ومرة جان، ومرة حية، وكلها صور لشيء واحد مخيف، ويقول ~~الحق هنا في سورة الأعراف: { فألقى عصاه فإذا هي ثعبان ~~مبين }. وقوله: { فإذا هي } يوضح الفجائية التي أذهلت فرعون، ~~فقد تحولت العصا إلى ثعبان ضخم في لمح البصر بمجرد إلقائها، ومن فوائد ~~تدريب سيدنا موسى على إلقاء العصا في طور سيناء أن موسى لن تأخذه ~~المفاجأة حين يلقيها أمام فرعون، بل ستأخذ المفاجأة فرعون. كأن ms3463 التدريب ~~أولا لإقناع موسى وضمان عدم خوفه في لحظة التنفيذ، وقد خاف منها موسى ~~لحظة التدريب لأن العصا صارت ثعبانا وحية حقيقية، ولو كانت من نوع ~~السحر لظلت عصا في عين الساحر ولا يخاف منها، إذن خوفه منها إبان ~~التدريب دليل على أنها انقلبت حقيقة، لا تخيلا، وتلك هي مخالفة المعجزة ~~للسحر، فالمعجزة حقيقة والسحر تخييل، وهذا هو الذي سيجعل السحرة يخرون ~~ساجدين لأنهم قد ذهلوا مما حدث. { فألقى عصاه فإذا هي ~~ثعبان مبين } [الأعراف: 107]. و " مبين " أي بين، وواضحة ~~ملامحه المخيفة التي لا تخفى على أحد، ويقدم موسى عليه السلام الآية ~~الثانية، فيقول الحق: { ونزع يده فإذا... }. ### || [7.108] # وهذه آية معجزة أخرى. وقوله: " ونزع " تعني إخراج اليد بعسر، كأن هناك ~~شيئا يقاوم إخراج اليد لأنه لو كان إخراج اليد سهلا، لما قال الحق: { ~~ونزع يده } لأن النزع يدل على أن شيئا يقاوم، ومثال ذلك قوله ~~الحق: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء.. # [آل عمران: 26]. لأن نزع الملك ليس مسألة سهلة ففي الغالب يحاول صاحب ~~الملك التشبث بملكه، لكن الحق ينزعه من هذا الملك. كذلك قوله: { ونزع ~~يده } ، وهذا يدل على أن يده لها وضع، ونزع يده وإخراجها بشدة له وضع ~~آخر، كأنها كانت في مكان حريص عليها. إذن ففيه لقطة بينت الإدخال، ولقطة ~~بينت النزع، وهما عمليتان اثنتان. وقال سبحانه في آية ثانية: # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير ~~سوء.. # [النمل: 12]. و " الجيب " هو مكان دخول الرأس من الثوب، وإن كنا نسمي " ~~الجيب " في أيامنا مطلق شيء نجعله وعاء لما نحب، وكان الأصل أن الإنسان ~~حين يريد أن يحتفظ بشيء، يضعه في مكان أمامه وتحت يده، ثم صنع الناس ~~الجيوب في الملابس، فسميت الجيوب جيوبا لهذا. والحق قال في موضع آخر: # واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضآء من غير ~~سوء.. # [طه: 22]. إذن ففيه إدخال وإخراج، وكل آية جاءت بلقطة من اللقطات فآية ~~أوضحت دخول اليد في الجيب، وأخرى أوضحت ضم اليد ms3464 إلى الجناح، وثالثة أوضحت ~~نزع اليد، وهذه لقطات متعددة، تكون كلها الصورة الكاملة لنفهم أن القصص ~~في القرآن غير مكرر، فالتكرير قد يكون في الجملة. لكن كل تكرير له لقطة ~~تأسيسية، وحين نستعرضه نتبين أركان القصة كاملة. فكل هذه اللقطات تجمع ~~لنا القصة. وقلنا قبل ذلك: إن الصراع بين فرعون وموسى لا ينشأ إلا عن ~~عداوة، وحتى يحتدم الصراع لا بد أن تكون العداوة متبادلة، فلو كان واحد ~~عدوا والثاني لا يشعر بالعداوة فلن يكون لديه لدد خصومة، وقد يتسامح مع ~~خصمه ويأخذ أمر الخلاف أخذا هينا ويسامحه وتنفض المسألة. لكن الذي يجعل ~~العداوة تستعر، ويشتد ويعلو لهيبها أن تكون متبادلة. وتأتي لنا لقطة في ~~القرآن تثبت لنا العداوة من فرعون لموسى، ولقطة أخرى تثبت العداوة من ~~موسى لفرعون، فالحق يقول: # يأخذه عدو لي وعدو له.. # [طه: 39]. هذه تثبت العداوة من فرعون لموسى. ويقول الحق: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا.. # [القصص: 8]. وهذه تثبت لأن موسى عدو لهم. وكلتا اللقطتين يكمل بعضها ~~بعضا لتعطينا الصورة كاملة. والحق هنا يقول: { ونزع يده فإذا ~~هي بيضآء للناظرين } [الأعراف: 108]. ونعرف أن موسى كان أسمر ~~اللون، لذلك يكون البياض في يده مخالفا لبقية لون بشرته، ويده صارت ~~بيضاء بحيث ساعة يراها الناس يلفتهم ضوؤها ويجذب أنظارهم، وهي ليست بيضاء ~~ذلك البياض الذي يأتي في سمرة نتيجة البرص، لا لأن الحق قال في آية ~~أخرى: # تخرج بيضآء من غير سوء.. # [طه: 22]. وكل لقطة كما ترى تأتي لتؤكد وتكمل الصورة. إذن فقوله: { ~~بيضآء للناظرين } يدل على أن ضوءها لامع وضئ، يلفت نظر الناس ~~جميعا إليها، ولا يكون ذلك إلا إذا كان لها بريق ولمعان وسطوع، وقوله: { ~~بيضآء من غير سوء } يؤكد أن هذا البياض ليس مرضا. ويتابع ~~الحق سبحانه: { قال الملأ من قوم... }. ### || [7.109] # عرفنا أن الملأ هم القوم الذين يتصدرون المجالس، ويملأونها أو الذين ~~يملأون العيون هيبة، والقلوب مهابة وهم هنا المقربون من فرعون. وكأنهم ~~يملكون فكرة وعلما عن السحر. وفي سورة الشعراء جاء ms3465 القول الحق: # قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم # [الشعراء: 34]. إذن فهذه رواية جاءت بالقول من الملأ، والآية الأخرى ~~جاءت بالقول على لسان فرعون، وليس في هذا أدنى تناقض، ومن الجائز أن يقول ~~فرعون: إنه ساحر، وأيضا أن يقول الملأ: إنه ساحر. وتتوارد الخواطر في ~~أمر معلوم متفق عليه. وقد حدث مثل هذا في القرآن حينما نزلت آيات في خلق ~~الإنسان وتطوره بأن كان علقة فمضغة إلخ فقال كاتب الوحي بصوت مسموع: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. عن أنس رضي الله عنه قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه: وافقت ربي في أربع: نزلت هذه الآية: { ولقد خلقنا ~~الإنسان من سلالة من طين } الآية قلت أنا: فتبارك الله ~~أحسن الخالقين فنزلت: { فتبارك الله أحسن الخالقين }. # " وعن زيد بن ثابت الأنصاري قال: أملى علي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هذه الآية: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ~~طين } إلى قوله: { خلقا آخر } فقال معاذ: { فتبارك الله ~~أحسن الخالقين } فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ~~معاذ: مم تضحك يا رسول الله؟ فقال: " بها ختمت فتبارك الله أحسن ~~الخالقين ". # لقد جاءت الخواطر في الحالة المهيجة لأحاسيس الإيمان لحظة نزول الوحي ~~بمراحل خلق الإنسان. فما الذي يمنع من توارد الخواطر فيجيء الخاطر عند ~~فرعون وعند الملأ فيقول ويقولون؟ أو يكون فرعون قد قالها وعلى عادة ~~الأتباع والأذناب إذا قال سيدهم شيئا كرروه. { قال الملأ من ~~قوم فرعون إن هذا لساحر عليم } [الأعراف: 109]. ~~ولم يصفوا فعل سيدنا موسى بأنه ساحر فقط بل بالغوا في ذلك وقالوا: إنه ~~ساحر عليم. وأضافوا ما جاء على ألسنتهم بالقرآن في هذه السورة. ### || [7.110] # إنها نكبة جاءت لفرعون الذي يدعي الألوهية، ونكبة لمن حوله من هؤلاء ~~الذين يوافقونه، فكيف يواجهها حتى يظل في هيئته وهيبته قال عن موسى: إنه ~~ساحر، لكي يصرف الناس الذين رأوا معجزات موسى عن الإيمان والاقتناع به، ~~وأنه رسول رب العالمين، وبعد ذلك يهيج فرعون وطنيتهم ويهيج ويثير غيرتهم ~~ويحرك انتماءهم ms3466 إلى مكانهم فقال: { يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم فماذا تأمرون }. اتهموا موسى عليه السلام بأنه يريد ~~أن يخرج الناس بسحره من أرضهم، وهذا القول من فرعون ومن معه له هدف هو ~~تهييج الناس وإثارتهم لأن فرعون أقنع الناس أنه إله. وها هي ذي الألوهية ~~تكاد تنهدم في لحظة، فقال عن موسى إنه ساحر، وبين قوم لهم إلف بالسحر، ~~وقوله: { فماذا تأمرون } على لسان الملأ من قوم فرعون تدل على أن ~~القائل للعبارة أدنى من المقول لهم، فالمفروض أن فرعون هو صاحب الأمر على ~~الجميع، ومجيء القول: { فماذا تأمرون } يدل على أن الذي يأمر في ~~مسائل مثل هذه هو فرعون، وهذا يشعر بأن فرعون قد أدرك أن مكانته قد انحطت ~~وأنه نزل عن كبريائه وغطرسته. أو أن يكون ذلك من فرعون تطييبا لقلوب من ~~حوله، وأنه لا يقطع أمرا إلا بالمشورة، فكيف تشاور الناس يا فرعون وأنت ~~قد غرست في الناس أنك إله؟ وهل يشاور الإله مألوها؟. إن قولك هذا يحمل ~~الخيبة فيك لأنك تدعي الألوهية ثم تريد أن تستعين بأمر المألوه. ويقول ~~الحق سبحانه: { قالوا أرجه وأخاه... }. ### || [7.111] # و { أرجه } أي أخره مثل قوله الحق: # وآخرون مرجون.. # [التوبة: 106]. أي أنهم مؤخرون للحكم عليهم وهم الثلاثة الذين تخلفوا عن ~~الغزو فخلفوا وأرجئ أمرهم حتى نزل فيهم قوله سبحانه: { وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا } إلخ الآية. وقولهم: { أرجه ~~وأخاه.. } [ الأعراف: 111]. وهكذا كان طلب الإرجاء لأن المسألة أخطر ~~من أن يتصرف فيها تصرفا سريعا بل تحتاج إلى أن يؤخر الرأي فيها ~~حتى يجتمع الملأ، ويرى الجميع كيفية مواجهتها، فهي مسألة ليست هينة لأن ~~فيها نقض ألوهية فرعون، وفي هذا دك لسلطان الفرعون وإنهاء لانتفاعهم هم ~~من هذا السلطان. فإذا كان قد قال لهم: { فماذا تأمرون }. فكأنه ~~كان يطلب منهم الرأي فورا، لكنهم قالوا إن المسألة تحتاج إلى تمهل وبطء، ~~وأول درجات البطء والتمهل أن يستدعى القوم الذين يفهمون في السحر. فما ~~دمنا نقول عن موسى: إنه ساحر، فلنواجهه بما عندنا من سحر: وقبول فرعون ms3467 ~~لهذه المشورة هدم لألوهيته لأنه يدعي أنه إله ويستعين بمألوه هم السحرة، ~~والسحرة أتباع له. وقوله الحق على ألسنتهم: { وأرسل في ~~المدآئن حاشرين } [ الأعراف: 111]. يدل على أن السحر كان ~~منتشرا، ومنبثا في المدائن وقد أتبع سبحانه هذا القول على لسان الملأ ~~بقوله: { يأتوك بكل ساحر... }. ### || [7.112] # ولأن المستشرقين يريدون أن يشككونا في القرآن قالوا: ولماذا قال في سورة ~~الشعراء: { يأتوك بكل سحار عليم }. وكان هؤلاء المستشرقين ~~يريدون أن يفرقوا بين { ساحر عليم } و { سحار عليم } ولأنهم ~~لا يعرفون اللغة لم يلتفتوا إلى أن " سحار " تفيد المبالغة من جهتين. ~~فكلمة " ساحر " تعني أنه يعمل بالسحر، و " سحار " تعني أنه يبالغ في ~~إتقان السحر، والمبالغات دائما تأتي لضخامة الحدث، أو تأتي لتكرر الحدث. ~~ف " سحار " تعني أن سحره قوي جدا، أو يسحر في كل حالة، فمن ناحية ~~التكرار هو قادر على السحر، ومن ناحية الضخامة هو قادر أيضا. ومادام ~~القائلون متعددين.. فواحد يقول: ساحر، وآخر يقول: سحار وهكذا. والقرآن ~~يغطي كل اللقطات. { قالوا أرجه وأخاه وأرسل في ~~المدآئن حاشرين * يأتوك بكل ساحر عليم } ~~[الأعراف: 111-112]. و " حاشرين " تعني من يحشر لك السحرة ويجمعهم لا ~~بإرادتهم ولكن بقوة فرعون وبطش جنده. ويقول الحق سبحانه: { وجآء ~~السحرة فرعون... }. ### || [7.113] # وقوله: { وجآء السحرة فرعون } يدل على بطش الآمر، أي أنه ~~ساعة قال الكلمة هرع الجند بسرعة ليجمعوا السحرة. وقد ولغ بعض ~~المستشرقين في هذه اللقطة أيضا فتساءلوا: ولماذا جاء بقول مختلف في سورة ~~أخرى حين قال: # إن لنا لأجرا.. # [الشعراء: 41]. لقد جاء بها بهمزة الاستفهام، وفي سورة الأعراف جاء بها ~~من غير همزة الاستفهام، وهذه آية قرآنية، وتلك آية قرآنية. وأصحاب هذا ~~القول يتناسون أن كل ساحر من سحرة فرعون قد انفعل انفعالا أدى به مطلوبه ~~فالذي يستفهم من فرعون قال: " أإن " ، والشجاع قال لفرعون: { إن لنا ~~لأجرا }. وفي القضية الاستفهامية لا يتحتم الأجر لأنه من الجائز أن ~~يرد الفرعون قائلا: أن لا أجر لكم، ولكن في القضية الخبرية " إن لنا ~~لأجرا " اي أن بعض ms3468 السحرة قد حكموا بضرورة وجود الأجر، وقد غطى القرآن ~~هذا الاستفهام، وهذا الخبر. وتأتي إجابة فرعون على طلب السحرة للأجر: { ~~قال نعم وإنكم لمن... }. ### || [7.114] # و " نعم " حرف جواب قائمة مقام جملة هي: لكم أجر، وأضاف أيضا: { ~~وإنكم لمن المقربين }. وهذا دليل على أنه ينافقهم أو ~~يبالغ في مجاملتهم لأنه يحتاج إليهم أشد الحاجة. وهكذا نجد ألوهية فرعون ~~قد خارت أمام المألوهين السحرة. وقوله: { لمن المقربين } هذه ~~تدل على فساد الحكم لأنه ما دام حاكما فعليه أن يكون كل المحكومين ~~بالنسبة إليه سواء. لكن إذا ما كان هناك مقربون فالدائرة الأولى منهم ~~تنهب على قدر قربها، والدائرة الثانية تنهب أيضا، وكذلك الثالثة ~~والرابعة فتجد كل الدوائر تمارس فسادها ما دام الناس مصنفين عند الحاكم. ~~ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ما جلس الصحابة يستمعون إليه ~~كان يسوي الناس جميعا في نظره حتى يظن كل إنسان أنه أولى بنظر رسول ~~الله، ولا يدنى أحدا أو يقربه من مجلسه إلا من شهد له الجميع بأنه ~~مقرب.. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { قالوا يموسى... }. ### || [7.115] # ونلحظ أنهم لم يؤكدوا لموسى رغبتهم في أن يلقي هو أولا عصاه. ولكنهم ~~أكدوا رغبتهم في أن يكونوا هم أول الملقين. فجاءوا بضمير الفصل وهو نحن ~~الذي يفيد التأكيد. ونعلم أن من يعقب ويكون عمله تاليا لمن سبقه، فإن ~~فعله هو الذي سيترتب عليه الحكم. ولا بد أن يكون قوي الحجة. هم يريدون أن ~~يكونوا هم المعقبين، وأن موسى الذي يبدأ، لكن عزتهم تفرض عليهم أن يبدأوا ~~هم أولا لذلك جاءوا بالعبارة التي تحمل المعنيين: { إمآ أن تلقي ~~وإمآ أن نكون نحن الملقين } [الأعراف: 115]. فعلم موسى ~~أنهم حريصون، على أن يبدأوا هم بالإلقاء فأتوا بكلمة نحن. وفكر موسى أن ~~من صالحه أن يلقوا هم أولا لأن عصاه ستلقف وتبتلع ما يلقون لذلك يأتي ~~قوله سبحانه: { قال ألقوا فلمآ ألقوا سحروا... }. ### || [7.116] # هم - إذن - سحروا أعين الناس، والسحر - كما نعلم - لطف حيلة يأتي ~~بأعجوبة تشبه المعجزة. ms3469 وكأنها تخرق القانون، وهو غير الحيلة التي يقوم ~~بها الحواة لأن الحواة يقومون بخفة حركة، وخفة يد، ليعموا الأمر على ~~الناس. لكن " السحر " شيء آخر، ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى خلق كل جنس ~~بقانون خلق الإنس بقانون، وخلق الجن بقانون، وخلق الملائكة بقانونها: # وما يعلم جنود ربك إلا هو.. # [المدثر: 31]. وكل قانون له خصائصه ومميزاته التي تناسب عنصر تكوينه، ~~فالإنسان - مثلا - لأنه مخلوق من الطين له من الكثافة ما يمنعه من ~~التسلل من خلال جدار لأنك لو كنت تجلس وهناك تفاحة وراء الجدار الذي تجلس ~~بجواره فلن يتعدى ريحها ولا طعمها إلى فمك لأن الجدار يحول بينك وبين ~~ذلك، لكن لو كانت هناك جذوة من نار بجانب الجدار الذي تستند عليه لكان من ~~الممكن أن يتعدى أثرها لك لأن للنار إشعاعات تنفذ من الأشياء، ولأن الجن ~~مخلوق من نار، لذلك نجد له هذه الخاصية. # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم.. # [الأعراف: 27]. فإذا كان الجن له قانون والإنس له قانون، فهل القانون ~~هو الذي يسيطر؟ لا، بل رب القانون هو الذي يسيطر لأنه جل وعلا فوق ~~القانون. فيأتي الله للإنس ويعلم واحدا منهم بعضا من أسرار كونه ~~ليستذل الجن لخدمته، برغم ما للجن من خفة حركة، فسبحانه يوضح: لا تظن ~~أيها الجن أنك قد أخذت خصوصيتك من العنصر الذي يكونك لأن هناك القادر ~~الأعلى وهو المعنصر لك ولغيرك، بدليل أن الإنسان وهو من عنصر آخر يتحكم ~~فيك بعد أن علمه الله بعضا من أسرار كونه. ولننتبه دائما أن العلم ~~بأسرار تسخير الجن هو من ابتلاءات الحق للخلق لأنه سبحانه وتعالى يقول: # وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر.. # [البقرة: 102]. فكأن هاروت وماروت وهما يعلمان الإنسان كيف يمارس ~~السحر، ينصحان الإنسان الذي يرغب في أن يتعلم السحر أولا، ويوضحان له ~~أنهما فتنة أي ابتلاء واختبار ويقولان له: { فلا تكفر } ، مما يدل ~~على أن كل من يتعلم السحر إن قال لك: إني سأستعمله في الخير فهو كاذب ms3470 ~~لأنه يقول ذلك ساعة صفاء نفسه تجاه الخلق، لكن ماذا إن غافله إنسان من أي ~~ناحية وغلبه على بعض أمره وهو يملك بعضا من أسرار السحر؟ هل يقدر على ~~نفسه؟ لقد قال إنه أمين وقت التحمل، لكن هل يظل أمينا وقت الأداء؟ إن من ~~يتعلم السحر قد يستخدمه في الانتقام من غيره، وبذلك يضيع تكافؤ الفرص، ~~ونعلم أن تكافؤ الفرص هو الذي يحمي الناس، ويعطي بعضهم الأمن من بعض، ~~ويلزم كل إنسان حده. # فإذا أخذ إنسان سلاحا ليس عند غيره فقد يستخدمه ضد من لا يملك مثله، ~~والإنسي الذي يأخذ سلاح استخدام الجن إنما يأخذ سلاحا لا يملكه أخوه ~~الإنسي، وبذلك يكون قد أخذ فرصة أقوى من غيره وفي هذا ابتلاء لأن ~~الإنسان قد ينجح فيه وقد يخفق فلا يظفر بما يطلبه، وقوله سبحانه: { ~~فلا تكفر } يدل على أنهما علما طبائع البشر في أنهم حين يأخذون ~~فرصة أعلى قد يضمنون وقت صفاء نفوسهم، ولكنهم لا يضمنون يوم تعكير ~~نفوسهم. # فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن ~~الله.. # [البقرة: 102]. ما دام الحق هو الذي أعطاهم هذه القدرة فهو سبحانه ~~القادر على أن يسلبها منهم، مثلما يمنح الله سبحانه وتعالى القدرة ~~لإنسان ليكون غنيا وقادرا على شراء سلاح ناري، وأن يتدرب على إطلاق ~~النار، فهذا الرجل ساعة يغضب قد يتصور أن يحل خلافه مع غيره أو ينهي غضبه ~~مع أي إنسان آخر بإطلاق الرصاص عليه. لكن لو لم يكن معه " مسدس " فقد ~~ينتهي غضبه بكلمة طيبة يسمعها، إذن فساعة ما يمنع الله أمرا فهو يريد أن ~~يرحم لذلك يقول: # وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر # [البقرة: 102]. وفي هذا تحذير لمن يتعلم مثل هذا الأمر، ويريد سبحانه أن ~~يحمي خلقه من هذه المسألة، ويكفي أن نعلم أنه سبحانه قد قال: # وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله # [البقرة: 102]. فلو أنك تتبعت هؤلاء لاستذلوك واستنزفوك، ويتركك الله ~~لهم ms3471 لأنك اعتقدت فيهم، أما إن قلت " اللهم إنك قد أقدرت بعض خلقك على ~~السحر والشر، ولكنك احتفظت لنفسك بإذن الضر، فإني أعوذ بما احتفظت به مما ~~أقدرت عليه، بحق قولك: # وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله # [البقرة: 102]. هنا لن يمكنهم الله منك، إنما إن استجبت وسرت معهم، فهم ~~يستنزفونك، وأراد الله أن يفضح هذه العملية فقال على ألسنة السحرة الذين ~~استدعاهم فرعون: # أإن لنا لأجرا.. # [الشعراء: 41]. وكأنهم يعترفون بالنقص فيهم، فعلى الرغم من ادعائهم ~~القدرة على فعل المعجزات إلا أنهم عاجزون عن الكسب الذي يوفي حاجاتهم ~~لذلك طلبوا الأجر من فرعون، وهذا حال الذين يشتغلون بالسحر والشعوذة. هم ~~يدعون القدرة ويعانون الفاقة والعوز. هكذا حكم الحق بضيق رزق من يعمل ~~بالسحر، ويفضحهم الحق دائما، وللعاقل أن يقول: ما داموا يدعون الفلاح ~~فليفلحوا في إصلاح أحوالهم. وما دام الساحر يدعي أنه يعرف أماكن الكنوز ~~المخبوءة فلماذا لا يعرف كنوزا في الأرض التي ليست مملوكة لأحد ويأخذها ~~لنفسه؟ هذا إن افترضنا أن الساحر أمين للغاية ولا يريد أن يأخذ من خزائن ~~الناس. # ولذلك تجد كل العاملين بالسحر والشعوذة يموتون فقراء، بشعي الهيئة ~~مصابين في الذرية لأن الكائن منهم استغل فرصة لا توجد لكل واحد من جنسه ~~البشري، وذلك للإضرار بالناس. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا # [الجن: 6]. وهنا يقرر الحق أنهم سيعيشون في إرهاق وتعب. ولذلك يتحدد ~~موقفنا من السحر بأننا لا ننكره مثلما ينكره آخرون. فقد قال بعض من ~~العلماء: إن السحرة جاءوا بعصي وضعوا فيها زئبقا، وعند وجود الزئبق تحت ~~أشعة الشمس تعطي له حرارة فتتلوى العصى، لكن نحن لا ننكر السحر، كما لا ~~ننكر الجن لأنه لا يفوتنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله ~~تبارك وتعالى منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا ~~وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول ms3472 أخي سليمان عليه الصلاة والسلام: { رب ~~اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } ". # فما دام الحق قد قال: إنه خلق خلقا لا تدركهم بإحساسك، فنحن نقر بما ~~أبلغنا به الحق لأن وجود الشيء أمر وإدراك وجوده أمر آخر، وكل مخلوق له ~~قانونه، فالعفريت من الجن قال لسيدنا سليمان عن عرش بلقيس: # أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك.. # [النمل: 39]. وكأن الجن يطلب زمنا ما، فقد يجلس سليمان في مقامه معهم ~~ساعة أو ساعتين أو ثلاثا، لكن الذي عنده علم من الكتاب يقول: # أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك.. # [النمل: 40]. ولا بد أن يكون طرفه قد ارتد في أقل من ثانية بعد أن قال ~~ذلك، ولهذا نجد القرآن يورد ما حدث على الفور فيقول: # فلما رآه مستقرا عنده.. # [النمل: 40]. مما يدل على أن الله قد خلق الأجناس، وخلق لكل جنس ~~قانونا، وقد يكون هناك قانون أقوى من قانون آخر، لكن صاحب القانون مخلوق ~~لذلك لا يحتفظ به لأن خالق القانون يبطله، ويسلط أدنى على من هو أعلى ~~منه. ولندقق في التعبير القرآني: { سحروا أعين الناس }. ونحن ~~أمام أشياء هي العصى والحبال. وجمع من البشر ينظر. ونفهم من قوله الحق: { ~~سحروا أعين الناس } أن السحر ينصب على الرائي له، لكن ~~المرئي يظل على حالته، فالعصى هي هي، والحبال هي هي، والذي يتغير هو رؤية ~~الرائي. ولذلك قال سبحانه في آية ثانية: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66]. إذن فالسحر لا يقلب الحقيقة، بل تظل الحقيقة هي هي ويراها ~~الساحر على طبيعتها. لكن الناس هي التي ترى الحقيقة مختلفة. إذن فالسحرة ~~قد قاموا بعملهم وهو: { سحروا أعين الناس واسترهبوهم ~~}. واسترهبوهم أي أدخلوا الرهبة في نفوس الناس من هذه العملية، وظن ~~السحرة أن موسى سيخاف مثل بقية الناس المسحورين، ونسوا أن موسى لن ينخدع ~~بسحرهم لأنه باصطفاء الله له وتأييده بالمعجزة صار منفذا لقانون الذي ~~أرسله فجعل عصاه حية، وصاحب القانون هو الذي يتحكم. وهم قد جاءوا ms3473 بسحر ~~عظيم، وهو أمر منطقي لأن العملية هي مباراة كبرى يترتب عليها هدم ألوهية ~~فرعون أو بقاء ألوهيته، لذلك لا بد أن بأتوا بآخر وأعظم ما عندهم من ~~السحر. ويقول الحق: { وأوحينآ إلى موسى... }. ### || [7.117] # ولماذا احتاجت هذه المسألة إلى وحي جديد خصوصا أنه قد سبق أن تم تدريب ~~موسى على إلقاء العصا؟. ونقول: فيه فرق بين التعليم للإعداد لما يكون، ~~والتنفيذ ساعة يكون، فساعة يأتي أمر التنفيذ يجيء الحق بأمر جديد، فربما ~~يكون قد دخل على بشرية موسى شيء من السحر العظيم، والاسترهاب، هذا ونعلم ~~أن قصة موسى عليه السلام فيها عجائب كثيرة. فقد كان فرعون يقتل الذكران، ~~ويستحيي النساء، وأراد ربنا ألا يقتل موسى فقال سبحانه: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم.. # [القصص: 7]. وقوله سبحانه: { أرضعيه فإذا خفت عليه } يدل ~~على أن العملية المخوفة لم تأت بعد، بل ستأتي لاحقا. وهات أية امرأة ~~وقل لها: إن كنت خائفة على ابنك من أمر ما فارميه في البحر. من المؤكد ~~أنها لن تصدقك، بل ستسخر منك لأنها ستتساءل: كيف أنجيه من موت مظنون إلى ~~موت محقق؟. وهذا هو الأمر الطبيعي، لكن نحن هنا أمام وارد من الله إلى ~~خلق الله، ووارد الله لا يصادمه شك. إذن فالخاطر والإلهام إذا جاء من ~~الله لا يزاحمهما شيء قط. ولا يطلب الإنسان عليه دليلا لأن نفسه قد ~~اطمأنت إليه لذلك ألقت أم موسى برضيعها في البحر. ويقدر الله أنها أم ~~فيقول: # ولا تخافي ولا تحزني إنا رآدوه إليك.. # [القصص: 7]. ولن يرده إليها فقط، بل سيوكل إليه أمرا جللا. # وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7]. وكأن الحق سبحانه يوضح لأم موسى أن ابنها لن يعيش من أجلها ~~فقط، بل إن له مهمة أخرى في الحياة فسيكون رسولا من الله. فإذا لم تكن ~~السماء ستحافظ عليه لأجل خاطر الأم وعواطفها، فإن السماء ستحفظه لأن له ~~مهمة أساسية { وجاعلوه من المرسلين }. ونلحظ أن الحق هنا لم ~~يأت بسيرة التابوت لكنه في آية ms3474 ثانية يقول: # إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل.. # [طه: 38-39]. ولم يقل في هذه الآية: { ولا تخافي ولا تحزني } ~~لأنه أوضح لها ما سوف يحدث من إلقاء اليم له بالساحل. وقوله في الأولى: { ~~فإذا خفت عليه }. هو إعداد للحدث قبل أن يجيء، وفي هذه الآية: ~~{ إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى.. } إلخ.. تجد اللقطات ~~سريعة متتابعة لتعبر عن التصرف لحظة الخطر. لكن في الآية الأولى: { ولا ~~تخافي ولا تحزني إنا رآدوه إليك وجاعلوه من ~~المرسلين } نجد البطء والهدوء والرتابة لأنها تحكي عن الإعداد. ~~لما يكون. إذن فالحق سبحانه وتعالى يعطي كل جنس قانونا، وكل قانون يجب ~~أن يحترم في نطاقه، لأن تكافؤ الفرص بين الأجناس هو الذي يريده الله. # وحينما أراد سبحانه وتعالى أن يبين لنا هذه المسألة أوضح أن على المؤمن ~~أن ينظر إلى المعطيات من وراء التكاليف، وفي آية الدين - على سبيل ~~المثال - نجد الحق يوصي المقترض " المدين " - وهو الضعيف - أن يكتب ~~الدين، ويعطي بذلك إقرارا للدائن وهو القوي القادر فيقول سبحانه: # ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى ~~أجله.. # [البقرة: 282]. والمسألة هنا في ظاهر الأمر أنه يحمي الدائن ونقوده، لكن ~~علينا أن ننتبه إلى أنه يحمي المدين من نفسه لأن الدين إن لم يكن ~~موثقا فالمدين لن يبذل الجهد الكافي للسداد، وباجتهاد المدين نفيد ~~الوجود بطاقة فاعلة. ولكن إن لم نوثق الدين، وتكاسل المدين عن العمل ~~والسداد فقد تشيع الفوضى في المجتمع ويرفض كل إنسان أن يقرض أحدا ما ~~يحتاج إليه. وبذلك تفسد الأمور الاقتصادية. إذن فسبحانه حين يأمر بتوثيق ~~الدين، وإن كان في ظاهر الأمر حماية للدائن. لكنه في باطن الأمر يحمي ~~سبحانه المدين، لأن هناك فرقا بين ساعة التحمل للحكم، وساعة أداء الحكم. ~~مثال ذلك حين يأتيك إنسان قائلا: أنا عندي ألف جنيه وخائف أن يضيع مني ~~فخذه أمانة عندك إلى أن أحتاج إليه، وبذلك يكون هذا الإنسان قد استودعك ~~أمانة ولا يوجد إيصال ms3475 أو شهود، والأمر مردود إلى أمانة المودع عنده إن ~~شاء أنكر، وإن شاء أقر. ونجد من يقول لهذا الإنسان: هات ما عندك. يقول ~~ذلك وفي ذمته ونيته أن صاحب الألف جنيه حين يأتي ليطلبه يعطيه له، إنه ~~يعد ذلك ساعة التحمل، لكنه لا يضمن نفسه ساعة الأداء، فقد تأتي له ~~ظروف صعبة ساعة الأداء فيتعلل بالحجج ليبعد صاحب المال عنه. إذن هناك فرق ~~بين حالة واستعداد حامل الأمانة ساعة التحمل وساعة الأداء لهذه الأمانة. ~~والمؤمن الحق هو من يتذكر ساعة التحمل والأداء معا، إن بعض الناس يرفض ~~تحمل الأمانة ليزيل عن نفسه عبء الأداء. والذي يتعلم شيئا يناقض ناموس ~~وجوده كتعلم السحر نقول له: احذر أن تبتلى وتفتن، بل ابتعد واحفظ نفسك ~~ولا تستعمل ذلك، واحذر أن تقول أنا سأستعمل ما تعلمته من سحر في الخير، ~~ومن يأتي لي وهو في أزمة سوف أحلها له بالسحر. ونقول: لهذا الإنسان: أنت ~~تتكلم عن وقت التحمل، ولكنك لا تتكلم عن وقت الأداء. ويقول الحق سبحانه: ~~{ وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي ~~تلقف ما يأفكون } [الأعراف: 117]. والإفك هو قلب الشيء على ~~وجهه، ومنه الكذب. وعلمنا من قبل أن كل شيء له نسبة كلامية وله نسبة ~~واقعية، فإذا قلت مثلا " محمد مجتهد " فهذه نسبة كلامية، لكن أيوجد واحد ~~في الواقع اسمه محمد وموثوق في اجتهاده؟. إن كان الأمر كذلك فقد وافقت ~~النسبة الكلامية النسبة الواقعية، ويكون الكلام هو الصدق، أما الكذب فهو ~~أن تقول " محمد مجتهد " ولا يوجد إنسان اسمه محمد، وإن كان موجودا فهو ~~غير مجتهد، ويكون الكلام كذبا لأن النسبة الكلامية خالفت النسبة ~~الواقعية، وحين يكذب أحد فهو يقلب المسألة ونسمى ذلك كذبا، وشدة الكذب ~~تسمى إفكا. # أو الكذب ألا يكون هناك تطابق، وإن لم تكن تعلم، والإفك أن تتعمد ~~الكذب، وهذا أيضا افتراء. { أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ~~ما يأفكون }. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: { فإذا } وهي تعبر ~~عن الفجائية حيث ابتلعت عصا موسى - بعد أن صارت حية ms3476 - ما أتى السحرة ~~وجاءوا به من الكذب والإفك وسحروا به أعين الناس. ويقول سبحانه بعد ذلك: ~~{ فوقع الحق وبطل... }. ### || [7.118] # وقوله: { فوقع الحق } أي صار الحق النظري واقعا ملموسا لأن ~~هناك فارقا بين كلام يلقى نظريا وكلام يؤيده الواقع، والوقوع عادة ~~يكون من أعلى بحيث يراه ويعرفه كل من يراه. وقوله سبحانه: { فوقع ~~الحق } أي ثبت الحق، فبعد أن كان كلاما خبريا يصح أن يصدق ويصح ~~أن يكذب. صار بصدقه واقعا. { فوقع الحق وبطل ما كانوا ~~يعملون }. والذي بطل هو ما كانوا يعملون من السحر. إن الحق جعل ~~الصدق موسى واقعا مشهودا. وبذلك غلب السحرة. ويقول الحق: { ~~فغلبوا هنالك وانقلبوا... }. ### || [7.119] # ولم يغلب السحرة فقط، بل غلب أيضا فرعون وجماعته، وعاش كل من هو ضد ~~موسى في صغار، صغار للمستدعي وصغار للمستدعى. لذلك ذيل الحق الآية ~~بقوله: { وانقلبوا صاغرين } أي أذلاء. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~وألقي السحرة... }. ### || [7.120] # ولم يقل الحق: وسجد السحرة، ولكنه قال: " وألقى " مما يدل على أن خرورهم ~~للسجود ليس برأيهم، لكنه عملية انبهارية مما حصل أمامهم، كأن شيئا آخر ~~ألقاهم ساجدين، وهو الانبهار بالحق. فالساحر منهم كان يعتقد أنه هو الذي ~~يسحر، ثم يفاجأ مجموع السحرة أن موسى حين ألقى عصاه رأوها حية بالفعل ~~فعرفوا أن المسألة ليست سحرا، وحينما ألقوا عصيهم وحبالهم التي جاءوا ~~بها من كل المدائن، قيل إنها حملت على سبعين بعيرا وشاهدوا كيف أن ~~العصا التي صارت حية أو ثعبانا لقفت كل هذا وابتلعته! وحجم العصا هو حجم ~~العصا مهما طالت، وهكذا تيقن أن هذا لا يمكن أن يكون من فعل ساحر، وانظر ~~إلى الاستجابة منهم لما رأوا: { قالوا آمنا برب... }. ### || [7.121] # وهل هم سجدوا بعد الإيمان؟ أم آمنوا بعد السجود؟ النص هنا يظهر منه ~~أنهم آمنوا بعد السجود، ولكن كان الأمر يقتضي ألا يسجد أحد إلا لأنه آمن، ~~لكن نحن نعرف أن الإيمان عمل قلبي، والسجود عمل عضلي وسلوك عملي، فكل ~~منهم آمن بقلبه فسجد. وهناك فرق بين أن يؤمنوا فيسجدوا ms3477 ثم يعلنوا إيمانهم ~~فيقولوا: آمنا برب العالمين لذلك نحن لا نرتب السجود على إيمان، بل نرتب ~~السجود مع القول بالإيمان وبإعلان الإيمان لأن إعلان الإيمان شيء، ~~والإيمان شيء آخر، فكأنهم آمنوا فخروا ساجدين وبعد هذا قاموا بإعلان ~~الإيمان، وكأن الناس سألوهم: ما الذي جرى لكم؟ فقالوا: { آمنا ~~برب العالمين }. إذن فمن يحاول أن يستدرك على النص فعليه أن ~~ينتبه إلى أن إخبارهم عن الإيمان يعني وجود الإيمان أولا، والسحرة قد ~~آمنوا فسجدوا، فاستغرب منهم الناس هذا السجود، وهنا قال السحرة: لا ~~تستغربوا ولا تتعجبوا فنحن قد آمنا برب العالمين. { آمنا برب ~~العالمين } [الأعراف: 121]. وقيل في بعض التفاسير: إن فرعون قال: ~~أنا رب العالمين. لكن السحرة لم يتركوا قوله هذا فأعلنوا أن رب العالمين ~~هو: { رب موسى وهارون }. وقال فرعون: لقد ربيت أنا موسى، ~~فقالوا: لكنك لم ترب هارون. ولذلك أوضح الحق هنا أن رب العالمين هو: { ~~رب موسى... }. ### || [7.122] # ولأن السحرة أعلنوها واضحة بالإيمان برب العالمين رب موسى وهارون، وكان ~~لا بد أن يغضب فرعون، فيأتي القرآن بما جاء على لسانه: { قال ~~فرعون آمنتم به... }. ### || [7.123] # وكأن فرعون ما زال يحاول تأكيد سلطانه، ونعلم أن بني إسرائيل اختلطوا ~~بالناس في مصر، ومنهم من تعلم السحر. ولذلك اتهم فرعون السحرة بأنهم قد ~~اتفقوا مع موسى على هذه المسألة. لقد كان فرعون في مأزق ويريد أن يخرج ~~منه لأن الناس جميعا قد شاهدوا المسألة، وهو لا يريدهم أن يتشككوا في ~~ألوهيته، فينهدم الصرح الذي أقامه على الأكاذيب لذلك قال للسحرة: إن هذا ~~لمكر مكرتموه في المدينة.. أي أنكم اتفقتم مع موسى، وسيأتي ويقول: ~~اتهاما لموسى: # إنه لكبيركم الذي علمكم السحر.. # [طه: 71]. ونتيجة لهذا المكر المتوهم بين بني إسرائيل وموسى يتوعدهم ~~فرعون: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف... }. ### || [7.124] # والوعيد - كما نراه - قاس وفظيع، فتقطيع الأيدي والأرجل ثم الصلب كلها ~~أمور تخيف، فماذا يكون الرد ممن يتلقون هذا الوعيد، وقد خالطت بشاشة ~~الإيمان قلوبهم؟ إنهم يقولون: { قالوا إنآ إلى... }. ### || [7.125] # إنك قد عجلت لنا ms3478 الخير لأننا سنكون في جوار ربنا، فأنت بطيشك وحماقتك قد ~~أسديت لنا معروفا وخيرا من حيث لا تدري. ويزيدون في تقريع فرعون بما ~~يجيء في القرآن على ألسنتهم: { وما تنقم منآ إلا أن ~~آمنا... }. ### || [7.126] # ما الذي تكرهه منا لأن " تنقم " تعني تكره، وقولهم لفرعون: أليس الذي ~~تكرهه منا أنا آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا؟ وهل الإيمان بآيات الإله ~~حين تجيء مما يكره؟!! ويسمون ذلك في اللغة تأكيد المدح بما يشبه الذم ~~كأن يقول إنسان: ماذا تكره في؟ أصدقي؟ أمانتي؟ أجودي؟ أعلمي؟ كأنه يعدد ~~أشياء يعرف كل الناس واقعا أنها لا تكره، لكن الخطأ في مقاييس من يكره ~~الصواب، فهي أمور لا تستحق أن تكره أو تعاب أو تذم. لقد تيقنوا أن ~~لقاء الله على الإيمان هو الخير وكلهم يفضل جوار الله على جوار فرعون. ~~وهذا الذي يعتبره فرعون عقابا إنما يثبت خيبته حتى في توقع العقوبة لأنه ~~لو لم يهددهم بهذه الميتة فهم سيموتون ليرجعوا إلى الله، وهذا أمر مقطوع ~~به، وكل مخلوق مصيره أن ينقلب إلى الله، وكأنهم أبطلوا وعيد فرعون حين ~~قال لهم: # لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم ~~لأصلبنكم أجمعين # [الأعراف: 124]. ثم يتجهون إلى ربهم وخالقهم فيقولون: { ربنآ ~~أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين }. و " الإفراغ " ~~أن ينصب شيء على شيء ليغمره، وكانهم يقولون: أعطنا يا رب كل الصبر، وهم ~~يحتاجون إلى الصبر لأن فرعون قد توعدهم بأن يقطع أيديهم وأرجلهم. ولذلك ~~قال بعض العارفين بالله: عجبي لسحرة فرعون كانوا أول النهار كفرة سحرة ~~وكانوا آخر النهار شهداء بررة. ويقول سبحانه: { وقال الملأ من ~~قوم فرعون... }. ### || [7.127] # وهكذا نعرف أن المقربين من فرعون هم أول من خافوا على سلطانهم، ويدل هذا ~~القول أيضا على أن فرعون لم يتعرض لموسى بأي أذى لأنه ما زال يعيش في ~~رهبة اليقين وصولة الحق مما جعله متوجسا وخائفا من موسى لأن فرعون أول ~~من يعلم أن مسألة ألوهيته كذب كلها، ويعلم جيدا أن موسى على حق، لكن ~~إعلان انهزامه أمام الجمع ms3479 ليس أمرا سهلا على النفس البشرية، وسأل الملأ ~~من قوم فرعون الذين اهتز أمامهم سلطانه ومكانته، قالوا لفرعون: أتترك ~~موسى وقومه ليفسدوا في الأرض؟. أو فيما يبدو أن موسى وهارون تركا المكان ~~بعد أن انتهيا من أمر السحرة، ولم يقبض عليهما فرعون لذلك تساءل الملأ من ~~قوم فرعون: { وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى ~~وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك.. } ~~[الأعراف: 127]. و " يذرك " أي يدعك ويتركك، وكان فرعون يعتقد أن هناك ~~آلهة علويين وآلهة سفليين، وهو رب العالم السفلي كله. لذلك قالوا: { ~~ويذرك وآلهتك }. وهناك قراءة أخرى " ويذرك إلاهتك أي عبادتك ". ~~أي يتركك أنت ويترك عبادتك. ويقول فرعون: { قال سنقتل ~~أبنآءهم ونستحيي نسآءهم }. وحتى تلك اللحظة لم يتعرض ~~فرعون لموسى، ولا يزال خوفه من موسى يمنعه من الاقتراب أو الدنو أو ~~الاتصال به ولو بكلمة، إنه يأخذ الحذر من أن يقدم على شيء ضد موسى، ~~فيفاجئه موسى مفاجأة ثانية. ويقال إن الثعبان الذي ظهر ساعة ألقى موسى ~~عصاه فتح شدقيه واتجه إلى فرعون، فقال: كف عني وأومن بما جئت به. وهو أمر ~~محتمل لأن فرعون حتى هذه اللحظة لم يجرؤ على الاقتراب من موسى، وجاء بخبر ~~قتل الأبناء وسبي النساء ولم يأت بسيرة موسى. { سنقتل ~~أبنآءهم ونستحيي نسآءهم وإنا فوقهم ~~قاهرون } [الأعراف: 127]. والقوي حين يملك القدرة على الضعيف لا يشد ~~الخناق عليه شدا ليفتك به لأنه يعرف ضعفه، ويستطيع أن يناله في أي وقت، ~~لكن لو كان الخصم أمامك قويا فأنت ترهبه بالقوة حتى يخضع لك. وهنا يقول ~~فرعون: { وإنا فوقهم قاهرون }. إن فرعون يؤكد لقومه أنهم ~~مسيطرون وغالبون، ولن يستطيع قوم موسى أن يفلتوا منهم. ويؤكد فرعون: ~~سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم لأن الأبناء هم العدة، والنساء عادة شأنهن ~~مبني على الحجاب، وعلى الستر، وفي إبقاء المرأة وقتل الرجل إذلال للرجال ~~لأن التعب سيكون من نصيب النساء. ولذلك كان العرب حين يغيرون على عدو، ~~يصحبون نساءهم لتزيد الحمية ولا يخور ولا يجبن واحد وتراه زوجه أو أخته ~~أو ابنته ms3480 وهو على هذا الحال، وكذلك كان العرب يخافون الانهزام حتى لا ~~يمسك العدو نساءهم ويأخذهن سبايا. وهنا يؤكد فرعون إصراره على إذلال قوم ~~موسى بأن يعيد قتل الأبناء، وأن يستحيي النساء، وكان الفرعون يفعل مثل ~~ذلك الأمر من قبل، والسبب في ذلك أن بني إسرائيل كانوا يساعدون ملوك ~~الهكسوس، وبعد أن طرد الفراعنة الهكسوس، اتجهوا إلى إيذاء بني إسرائيل ~~الذين كانوا في صف الهكسوس، ومن بقي من بني إسرائيل تعرض لتقتيل الأبناء، ~~لكن الحق أنقذ موسى حين أوحى لأمه أن تلقيه في اليم ليربيه فرعون. وها هو ~~ذا فرعون يعيد الكرة مرة أخرى بالأمر بتقتيل الأبناء وسبي النساء. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { قال موسى لقومه... }. ### || [7.128] # ويقرر موسى الحقيقة الواضحة وهي أن الأرض ليست لفرعون، والعاقبة لا تكون ~~إلا للمتقين. وكأنه بهذا القول يريد أن يردهم إلى حكم التاريخ حيث تكون ~~العاقبة دائما للمتقين، فإذا قال فرعون: وإنا فوقهم قاهرون، مستعلون ~~غالبون مسلطون مسيطرون، فإن موسى يرد على ذلك: أنا أستعين بمن هو أقوى ~~منك. إن موسى عليه السلام يأمر قومه بأن يستعينوا بالله، ويصبروا على ما ~~ينالهم من بطش فرعون وظلمه. ولأن قوم موسى كانوا من المستضعفين، فإن الله ~~وعدهم أن يؤمنهم في الأرض ويمكن لهم فيها وهذا إخبار من الله وإخبار ~~الله حقائق. ولكن ماذا كان موقف قوم موسى منه بعد هذا النصر العظيم ~~لموسى، والنصر لهم؟. نجد الحق سبحانه يقول: { قالوا أوذينا من ~~قبل... }. ### || [7.129] # لقد قالوا لموسى: من قبل أن تأتينا أوذينا بأن قتلوا الأبناء واستحيوا ~~النساء، وبعد أن جئت ها نحن أولاء نتلقى الإيذاء. كأن مجيئك لم يصنع لنا ~~شيئا. إذن هم نظروا للابتلاءات التي يجريها الله على خلقه، ولم ينظروا ~~إلى المنة والمنحة والعطاء وإلى آلاء الانتصار، وإلى أن فرعون قد حشد كل ~~السحرة، وبعد ذلك هزمهم موسى، وكان يجب أن يكون تنبيها لهم لقدرة عطاء ~~الله، هم يحسبون أيام البلاء، ولم يحسبوا أيام الرخاء. وقوله: { ~~فينظر كيف تعملون } يدل على أنهم سوف يخونون ms3481 العهود، ويفعلون ~~الأشياء التي لا تتناسب مع هذه المقدمات. وفي الإسلام نجد عمرو بن عبيد ~~وقد دخل على المنصور قبل أن يكون أميرا للمؤمنين، وكان أمامه رغيف أو ~~رغيفان، فقال: التمسوا رغيفا لابن عبيد. فرد عليه العامل: لا نجد. فلما ~~ولي الخلافة وعاش في ثراء الملك ونعمته دخل عليه ابن عبيد وقال: لقد صدق ~~معكم الحق يا أمير المؤمنين في قوله: { عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف ~~تعملون } [الأعراف: 129]. وقد قال موسى لقومه هذا القول بعد أن ~~عايروه بعدم قدرته على رد العذاب عنهم. وهكذا استقبل قوم موسى أول هزيمة ~~لفرعون أمام موسى، وقالوا له: أوذينا من قبل أن تأتينا، ومن بعد ما ~~جئتنا، أي بالتذبيح، واستحياء النساء، وقتل الأبناء، فكأن مجيئك لم يفدنا ~~شيئا لأننا مقيمون على العذاب الذي كنا نسامه. فلا حاجة لنا بك، ولا ~~ضرورة في أن تكون موجودا بدليل أن الذي حدث بعدك هو الذي حدث قبلك. ولم ~~يلتفتوا إلى أن الإيذاء من قبل ومن بعد لا ينشأ إلا من عدو، فكأن موسى ~~يرد عليهم بأن أسباب الإيذاء ستنتهي، وأن الله سيهلك عدوكم الذي آذاكم ~~من قبل ويؤذيكم من بعد. ولن يقتصر الأمر على هذه النعمة بل يزيدكم بأن ~~يستخلفكم في الأرض، ويعطيكم ملكهم ويعطيكم أرضهم. وكأن هنا أمرين: الأمر ~~الأول سلبي: وهو إهلاك العدو، والأمر الثاني إيجابي: وهو استخلافكم في ~~الأرض وهذا أمر لكم، ووعد من الله بأن تكون لكم السيادة والملك وعليكم أن ~~تنتبهوا إلى أن نعمة الله عليكم بإهلاك عدوكم، وباستخلافكم في الأرض لن ~~تترك هكذا، بل أنا رقيب عليكم أنظر ماذا تفعلون، هل تستقبلون هذه النعم ~~بالشكر وزيادة الإيمان واليقين والارتباط بالله، أو تكفرون بهذه النعمة؟ ~~وحين يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان موسى { عسى } فهي كلمة - كما ~~يقول علماء اللغة - تدل على الرجاء، ومعنى الرجاء أن ما بعدها يكون مرجو ~~الحصول. وهناك فرق بين التمني وبين الرجاء. فالتمني أن تتطلب أمرا ~~مستحيلا أو يكون في الحصول عليه ms3482 عسر، ولكنك تريد - فقط - بالتمني إشعار ~~حبك له، فأنت إذا قلت: ليت الشباب يعود، فهذا أمر لا يكون، ولكنك تعلن ~~حبك لمرحلة الشباب. # وقصارى ما يعطيه أن يعلمنا أنك تحب هذا المتمنى. لكن هل يتحقق أو لا ~~يتحقق.. فهذه ليست واردة. لكن " الرجاء " شيء محبوب يوشك أن يقع. وهكذا ~~نعرف أن الرجاء أقوى من التمني. وأداة التمني " ليت " وأداة الرجاء " عسى ~~". وحين يكون بعد " عسى " ما يرجى فلذلك مراحل تتفاوت بقوة أسباب ~~الرجاء في الوقوع. فأنا مثلا إذا قلت: عسى أن أكرمك فهذا أمر يعود إلي ~~أنا، لأن إكرامي لك يقتضي بقائي، وعدم تغير نفسي من ناحيتك، فمن الجائز ~~أن تتغير نفسي قبل أن أكرمك ولا يقع إكرامي لك. هذا هو الرجاء من صاحب ~~الأغيار، وما دمت صاحب أغيار فقد لا أقدر على الإكرام، أو أقدر ولكني لم ~~أعد أحب هذا الأمر فقد انصرفت نفسي عنه، وهذا يفسد الرجاء ويقلل الأمل في ~~حصوله. فإذا قلت لإنسان: عسى الله أن يكرمك فلان وهو مساويه، فهذا أمر ~~مستبعد قليلا لأن من يقول ذلك لا يملك أن يقوم فلان بإكرام المساوي له، ~~لأنه صاحب أغيار. لكن إذا قلت: عسى الله أن يكرمك فهذه أقوى، لأن ربنا لا ~~يعجزه شيء عن إكرام إنسان. وهل يقبل الله أن يجيب رجاءك؟ هذه مسألة تحتاج ~~إلى وقفة، فسبحانه من ناحية القوة له مطلق القدرة فلا شيء يعطله أو ~~يستعصي أو يتأبى عليه. فإذا ما قال الحق عن نفسه: { عسى ربكم } ~~فقد انتهت المسألة وتقرر الوعد وتحقق، وهذا ما يقال عنه رجاء محقق. إذن ~~مراحل الرجاء هي: عسى أن أكرمك، وعسى أن يكرمك زيد، وعسى الله أن يكرمك، ~~وأقوى ألوان الرجاء أن بعد الحق بالإكرام أو بالرحمة. { عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم.. } [الأعراف: 129]. والكلام كما ~~نراه هو من موسى، ولا يقدر على هذه المسألة إلا الله، فما موقع هذا من ~~تحقيق الرجاء؟. نعلم أن موسى رسول أرسله الله لهداية الخلق، وأرسله ~~مؤيدا بالمعجزة، فإذا كان الرسول المؤيد بالمعجزة ms3483 قد أمره الله أن ~~يبلغهم ذلك، فيكون الرجاء منه مقبولا: { عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم }. ومرة تكون إزالة الشيء الضار نعمة بمفردها، أما أن يهلك ~~الله عدوي ويعطيني الحق مكانة عدوي العالية فهذه نعمة إيجاب، تكون بعد ~~نعمة سلب. ومثل هذا ما سوف يحدث يوم القيامة لأن الحق يقول: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185]. ومجرد الزحزحة عن النار فضل ونعمة، فما بالك بمن زحزح ~~عن النار وأدخل الجنة؟. لقد نال نعمتين. وهنا يقول الحق سبحانه: { عسى ~~ربكم أن يهلك عدوكم }. # وتلك وحدها نعمة تليها نعمة أخرى هي: { ويستخلفكم في الأرض ~~}. لكن ثمن هذه النعم هو أن ينظر ماذا تعملون؟. هل ستشكرون هذه النعم ~~وتكونون عبادا صالحين، أو تجحدونها وتكفرونها؟ فالإنسان ظلوم كفار. ~~وكلمة " ينظر " إذا جاءت على الإنسان فهم المراد منها أي يراك بناظره. ~~وإذا أسندت لله فالأمر مختلف، فتعالى الله أن تكون له حدقة عين مثل ~~عيوننا. لكنه سبحانه لا يجهل شيئا لينظره لأنه هو - سبحانه - عالمه قبل ~~أن يقع. ونعلم أن هناك فارقا بين الحكم على المخلوق بعلم الخالق، وبين ~~الحكم على المخلوق بعمل المخلوق. مثال ذلك نجد الأستاذ في مادة ما يعرف ~~مستويات الطلاب الذين يدرسون على يديه. وعميد الكلية يقول له: ما رأيك؟ ~~فيقول فلان تلميذ يستحق النجاح بتقدير مرتفع والثاني لا بد أن يرسب. ~~الأستاذ يقول هذا الحكم بناء عن علمه بحال كل طالب. لكن إذا أرسب الأستاذ ~~طالبا بناء على تقديره دون امتحان فالطالب الذي رسب قد يقول لأستاذه: ~~أنت شططت في الحكم ولو مكنتني من الامتحان لنجحت. وحين يقرر العميد ~~امتحان الطالب، ويؤدي الامتحان بالفعل، ولكنه يرسب. هنا يتأكد للعميد أن ~~الحكم برسوب طالب قد عرفه الأستاذ أولا ثم تلا ذلك إخفاق الطالب في ~~الامتحان. إن الله سبحانه حين يقول: { فينظر كيف تعملون }. ~~هو سبحانه لا ينظرها ليعلمها - حاشا لله - فهو عالمها، ولكنه لا يريد أن ~~يحكم بعلمه على خلقه. ولكن يريد أن يحكم على خلقه بفعل خلقه، ms3484 وسبحانه ~~عالم أزلا بكل من يهدي ومن يضل. ولذلك خلق الجنة وخلق النار لتسع كل ~~منهما كل الخلق، ولم يخلق أماكن في الجنة على قدر من سوف يدخلونها فقط، ~~وكذلك لم يخلق أماكن في النار لا تسع فقط أهل النار، بل يمكنها أن تسع كل ~~الخلق، ولم يحكم بعلمه في هذه المسألة، بل يترك الحكم الأخير لواقع ~~الأشياء ما دام هناك اختيار للإنسان، فعلى فرض أنكم جميعا آمنتم فلكم ~~كلكم أماكن في الجنة. وعلى فرض أنكم - والعياذ بالله - كفرتم فلكم أماكن ~~في النار، وسبحانه لن ينشئ شيئا جديدا، بل أعد كل شيء وانتهى الأمر. ~~وحين يأتي أهل الجنة ليدخلوا الجنة، وأهل النار ليدخلوا النار سوف يكون ~~لأهل الجنة مقاعد أخرى كانت مخصصة لمن دخلوا النار. ويعلن لأهل الجنة: ~~أورثتموها وخذوها أنتم: # ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها.. # [الأعراف: 43]. وهي ميراث من الذين كانت معدة لهم ولم يقوموا بالعمل ~~المؤهل لامتلاكها. فإياك أن تفهم أن نظر الله إلى خلقه ليعلم منه شيئا. ~~لا. أنه العليم أزلا. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب.. # [الحديد: 25]. وسبحانه يعلم أزلا ويتحقق بسلوك الناس علمهم بأفعالهم ~~واقعا، وعلم الواقع هو الذي يكون حجة على الخلق. وهنا في الآية التي نحن ~~بصددها ثلاثة أشياء: أن يهلك سبحانه عدوكم، وأن يستخلفكم في الأرض، فينظر ~~كيف تعملون. ونحقق فيما تحقق منهما. وجاء سبحانه في مقدمة الإهلاك، ~~فقال: { ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين... }. ### || [7.130] # وهكذا نرى أن الإهلاك لم يحدث دفعة واحدة، بل على مراحل لعلهم إذا ~~أصابتهم شدة يضرعون إلى الله. نحن نعلم أن السنة هي العام.. أي من مدة ~~إلى نهاية مدة مثلها، لكنها تطلق - أيضا - على الجدب والقحط. ولذلك يقول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في دعائه على قومه: # " اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ". # أي أن ينزل بهم سبحانه بعضا من الجدب ليتأدبوا قليلا. ويقال: " أسنت ~~القوم " أي أصابهم قحط وجدب. إذن فالسنة المراد منها هنا القحط والجدب. ~~ولماذا سماها سنة؟ لأن ms3485 نعم الله متوالية كثيرة، وابتلاءاته لخلقه بالشر ~~قليلة في الكون، وسبحانه ينعم عليهم مدة طويلة ثم يبتليهم في لحظة، فإذا ~~ما ابتلاهم في وقت يؤرخ به، ويقال حدث الابتلاء سنة كذا. فيقال: سنة ~~الجراد، سنة حريق القاهرة، وهكذا نجد الناس تؤرخ بالأحداث المفجعة لأن ~~الأحداث السارة عادة تكون أكثر من الأحداث السيئة. ولذلك قلنا إن الذي ~~يعد أيام البلاء عليه أن يقارنها بأيام الرخاء، وعلى الواحد منا أن ينظر ~~إلى أيام السنة التي عاشها، إن جاء له يوم بلاء حزن نقل له: وكم مرة عشت ~~ونعمت بالرخاء؟ ونجد أن أيام الرخاء هي أكثر من أيام البلاء: { ولقد ~~أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات }. ~~وعرفنا أن السنين - كما قلنا - تعني الجدب والقحط، أما قوله سبحانه: { ~~ونقص من الثمرات } فهو يدل على أن بعضا من الثمار كان ~~موجودا، أو كان الجدب والقحط في البادية، أما " نقص الثمرات " فكان في ~~الحضر، ويقال: إن النخلة الواحدة في الحضر كانت لا تطرح في السنة إلا ~~بلحة واحدة. ولماذا هذه البلحة؟ لأن أسباب رحمته سبحانه يجب أن تبقى في ~~خلقه، ولو أن النخل كله لم يطرح ولا بلحة واحدة لا نقطع نسل النخيل لذلك ~~يبقي الله أسباب رحمته لنا. إننا نرى في واقعنا مهما حاولوا أن يستزرعوا ~~فواكه بدون بذور بواسطة التقدم العلمي المعاصر، نجد ثمرة وقد شذت وفيها ~~بذرة، لماذا؟ يقال لنا لاستبقاء النوع، فلو خرجت كل الثمار بلا بذور ثم ~~أكلناها جميعها فكيف نزرع محصولا جديدا؟ ولذلك قلنا من قبل إن الحق ~~سبحانه وتعالى من رحمته بالخلق في استبقائه للنعم ومقومات الحياة لم يجعل ~~الثمار حلوة تستساغ إلا بعد أن تنضج بذرتها، فأنت حين تفتح البطيخة إن ~~كان بذرها أبيض تجد طعمها لا يستساغ وترميها. لكن حين يسود بذرها ويكون ~~صالحا لأن تعيد زراعته، هنا تكون ثمرة البطيخة ناضجة وحلوة الطعم. وبذلك ~~يوضح لك الحق أن الثمار لن تصير مقبولة ومستساغة إلا بعد أن تنضج بذرتها ~~لتكون صالحة لاستنباتها من جديد، وفي هذا ms3486 استبقاء للرحمة، وحتى مع ~~العاصين نجده سبحانه يستبقي الرحمة معهم. # { ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات لعلهم يذكرون } [الأعراف: 130]. وقوله: { ~~لعلهم يذكرون } يعني أن على الإنسان أن يتذكر أنه الخليفة ~~في الأرض وأنه غير أصيل في الكون حتى يظل العالم مستقيما. لكن الذي يفسد ~~العالم أن الإنسان حينما تستجيب له أسباب الحياة، وسننها الكونية ويحرث ~~ويبذر ويطلع الزرع، ويشعل النار ويستخرج المياه من الآبار ينسى أن كل ذلك ~~" أسباب " ولا يتذكر المسبب إلا حينما تمتنع عليه الأسباب. والمثال في ~~حياتنا اليومية أن الإنسان منا إذا جاء ليفتح صنبور المياه في البيت فلم ~~يجد ماء فيتجه أول ما يتجه إلى محبس المياه الذي يتحكم في مياه المنزل ~~ويرى هل به خلل أو سدد، وإن وجده سليما، يبحث هل أنبوبة وماسورة المياه ~~الرئيسية مكسورة أو لا؟ وإن كانت ماسورة المياه سليمة فهو يبحث عن الخلل ~~في آلة رفع المياه، ويظل يبحث في الأسباب الكثيرة، وقديما لم تكن المياه ~~تأتي إلا من الآبار وعندما لا يوجد في البئر ماء يقول العبد: يا رب ~~اسقني. والحضارة الآن أبعدتنا بالأسباب عن المسبب. والحق قد أخذ قوم ~~فرعون بالسنين ونقص الثمرات لينفض أيديهم من أسبابها، فإذا نفضت اليد من ~~الأسباب لم يبق إلا أن يلتفتوا إلى المسبب ويقولون: " يا رب " ويقول ~~القرآن عن الإنسان: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما.. # [يونس: 12]. إذن فالإنسان يذكر المسبب حين تمتنع عنه الأسباب، لأنها ~~مقومات الحياة، فإذا امتنعت مقومات الحياة يقول الإنسان: يا رب، وهكذا ~~كان ابتلاء الله لقوم فرعون بأخذهم بالسنين ونقص الثمرات ليذكروا خالقهم. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { فإذا جآءتهم الحسنة قالوا... }. ### || [7.131] # والحسنة إذا أطلقت فهي الأمر الذي يأتي من ورائه الخير. ولكن الحسنة مرة ~~تكون لك، ومرة تطلب منك، فالحسنة التي لك في ذاتك أولا أن تكون في ~~عافية وسلام، ثم الحسنة في مقومات الذات ومقومات الحياة، وهي في النبات، ~~والحيوان، والخصب والثروة. والحسنة المطلوبة منك هي أيضا لك. فسبحانه ms3487 ~~يطلب منك عمل شيء يورثك في الآخرة حسنة، ولذلك يقول سبحانه: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها.. # [الأنعام: 160]. وهذه هي الحسنة التي تعطي الإنسان خيرا فيما بعد. إذن ~~فالحسنة التي في ذاتك من عافية وسلامة أو في مقومات الذات من ثمرات ~~وحيوانات وخصب وأعشاب وثراء فكلها موقوتة بزمن موقوت هو الدنيا. والحسنة ~~الثانية غير محدودة لأن زمنها غير محدود. فأي الحسنات أرجح وأفضل بالنسبة ~~للإنسان؟. إنها حسنة الآخرة. وقوله الحق: { فإذا جآءتهم ~~الحسنة } أي جاء لهم قدر من الخصب والثمار وغير ذلك من الرزق ~~يقولون: " لنا هذه " أي أننا نستحقها فواحد يقول: أنا أستحقها لأنني رتبت ~~لها وأتقنت الزراعة والحصاد مثلما قال قارون: # إنمآ أوتيته علىعلم عندي.. # [القصص: 78]. وأجرى عليه الحق التجربة، فما دام يدعي أنه جاء بالمال على ~~علم من عنده فليجعل العلم الذي عنده يحافظ له على المال أو يحافظ له على ~~ذاته. وهم قالوا عن الحسنات التي يهبها الله لهم: " قالوا لنا هذه " أي ~~نستحقها، لأننا قدمنا مقدمات تعطينا هذه النتائج. وجرت العادة قديما بأن ~~يفيض النيل كل سنة يغمر الأرض، ثم يبذرون الحب وينتظرون الثمار. فإن جاءت ~~لهم سيئة مثل أخذهم الله لهم بالسنين ينسبون ذلك لموسى. { وإن ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا ~~إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } [الأعراف: 131]. فإذا ما جاءتهم سيئة يطيرون أي ~~يتشاءمون لأن الطيرة هي التشاؤم، وضده التفاؤل، ويقال: " فلان طائره نحس ~~" ، و " فلان طائره يمن وسعد ". وقديما حينما كانوا يريدون طلب مسألة ~~ما، يأتون بطير ويضعه صاحب المسألة على يده ويزجره ويثيره، فإن طار ~~يمينا فهذا فأل حسن، وإن طار يسارا فهذا فأل سيئ، والحق هنا يوضح: لا ~~تظلموا موسى، لأن شؤمكم أو حظكم السيئ ليس من موسى لأن موسى لا يملك في ~~كون الله شيئا، وإنما المالك للكون هو رب موسى. وكأن الحق يريدهم أيضا ~~ألا يفتنوا في موسى إن صنع شيئا يأتي لهم بخير، وهنا يقول لهم لا ~~تتطيروا بموسى، لأن طائركم من عند ms3488 الله. ولأن أحداث الحياة صنفان: حدث لك ~~فيه مدخل، مثل التلميذ الذي لم يذاكر ويرسب، أو إنسان لا يحسن قيادة ~~سيارته فقادها فعطبت به أو أصاب أحدا إصابة خطيرة، وهنا لا غريم لهذا ~~الإنسان، بل هو غريم نفسه. # وهناك شيء يقع عليك، واسمه حدث قهري، فالإنسان في الأحداث بين أمرين ~~اثنين: إما مصيبة دخلت عليه من ذات نفسه لتقصيره في شيء. وإما أحداث ~~قدرية تنزل بالإنسان ونقول إنها من عند الله لحكمة لا يعرفها الإنسان ~~لأن الإنسان ينظر إلى سطحيات الأشياء، وإلى عاجل الأمر فيها، ولكنه لا ~~ينظر إلى عاقبة الأمر. ولهذا تحدث له بعض من الأحداث ليس له فيها مدخل. ~~مثال ذلك: أن يكون للإنسان ابن نجيب وذكي وترتيبه دائما من العشرة ~~الأوائل، ثم جاء في ليلة الامتحان أو في يوم الامتحان وأصابه صداع جعله ~~لا يعرف كيف يجيب عن أسئلة الامتحان ورسب، وهذه مصيبة ليس له مدخل فيها. ~~وعادة ما يحزن الناس من مثل هذه المصائب لكن المؤمن يقول: إن الولد لم ~~يقصر، وهذا أمر جاء من الله، وسبحانه منزه عن العبث، بل حكيم ولا بد أن ~~له حكمة في مثل هذه الأمور. وبعد مدة تتبين الحكمة، فلو كان الولد قد نجح ~~لأصابته عين الحسود. وحدث له ما يكره، فكأن الله يصنع له تميمة يحميه بها ~~من الحسد. وقديما حين كانوا يصنعون للطفل الجميل " فاسوخة " ، ولا ~~يهتمون بنظافته ولا بملابسه، لماذا؟ يقال حتى لا تتجه إليه عين العائن ~~الحاسد. وأقول: وما الذي يدريك أن الله سبحانه وتعالى صنع الحادث الطارئ ~~ليرد عنه العين، ويسكت الناس عنه؟ وما الذي يدريك أن الله أراد له أن ~~يرسب هذا العام لأنه لم يكن يستطيع الحصول على المجموع الذي يدخله الكلية ~~التي يريدها، ثم يستذكر في العام التالي وتكون المذاكرة سهلة بالنسبة له، ~~ونقول له: احمد ربك على أنك لم تنجح في العام السابق وأن الله أراد بك ~~خيرا.. لتبذل جهدا وتنجح وتنال المجموع الذي أردته لنفسك. إذن ~~فالمقادير التي تجري على ms3489 الناس بدون دخل لهم فيها، فلله فيها حكمة، وهنا ~~يقال: { طائرهم عند الله } ، أما إن كان للإنسان دخل فيما ~~يجري له فيقال: طائرك من عندك أنت وشؤمك من نفسك وعصيانك. { فإذا ~~جآءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم ~~سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما ~~طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون } ~~[الأعراف: 131]. ألم يتطير اليهود في المدينة برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حينما قالوا: قلت الأمطار وارتفعت الأسعار من شؤم مجيء هذا الرجل، ~~ولم يتفهموا حكم الله. لقد كانوا سادة في الجزيرة لأنهم أهل علم بالكتاب ~~وسيطروا على حركة السوق التجارية، وتعاملوا في الربا وتجارة السلاح وكان ~~عندهم الحصون، والأسلحة، وأراد الله أن يشغلهم بأخذ شيء من أسبابهم ويهد ~~كيانهم ليلفتهم إلى أنهم خرجوا عن المنهج إلى أن هناك رسولا قد جاء ~~بعودة إلى المنهج. وقوله الحق: { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } يفيد أن هناك قلة تعلم. فما موقف هذه القلة، ولماذا لم ~~يرفضوا موقف الكثرة؟. كان موقفهم هو الصمت خوفا من الطغيان لأن الطاغية ~~أجبرهم وقهرهم وجعلهم يسكتون ولا يعترضون على باطل، ونرى في حياتنا ~~كثيرا من الناس يعلمون الزور ويعلمون الطغيان ولكنهم لا يتكلمون. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { وقالوا مهما تأتنا به من آية... }. ### || [7.132] # أي وقال قوم فرعون لموسى عليه السلام: أي شيء تأتينا به من المعجزات ~~لتصرفنا عما نحن عليه فلن نؤمن لك، وسموا ما جاء به موسى " آية " استهزاء ~~منهم وسخرية. وكل هذه مقدمات تبرز الإهلاك الذي قال الله فيه: # عسى ربكم أن يهلك عدوكم.. # [الأعراف: 129]. وأعلنوا أن ما جاء به موسى هو سحر على الرغم من أنهم ~~رأوا السحرة الذين برعوا في السحر وعرفوا طرائقه وبذوا فيه سواهم قد ~~خروا ساجدين وآمنوا، كيف يحدث هذا والسحرة كلهم جمعوا إلى وقت معلوم؟ ~~وشهد كل الناس التجربة الواقعية التي ابتلعت فيها عصا موسى كل سحر السحرة ~~فآمنوا وسجدوا، فكيف يتأتى لمن لا يعرفون السحر أن يتهموا موسى بالسحر؟ ~~وكيف يظنون أن ما يأتي به من ms3490 آيات الله هو لون من السحر؟. إنهم يقولون ~~كلمة " مهما " وهي تدل على استمرارية العناد في نفوسهم مثلما يقول واحد ~~لآخر: لقد صممت على ألا أقبل كلامك، فيكرر الرجل: انتظر لتسمع حجتي ~~الثانية فقد تقنعك، فيقول: مهما تأتني من حجج فلن أسمع لك، وهذا يعني ~~استمرارية العناد والجحود والتمرد ويقدمون حيثيات هذا الجحود فيقولون: { ~~وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما ~~نحن لك بمؤمنين } [الأعراف: 132]. وإذا كانوا يظنون أن آيات ~~الله التي مع موسى من السحر، فهل للمسحور إرادة مع الساحر؟. ولو كانت ~~المسألة سحرا لسحركم وانتهى الأمر. وقلنا قديما في الرد على الذين ~~قالوا: إن محمدا يسحر ليؤمنوا به، قلنا إذا كان هو قد سحر الناس ليؤمنوا ~~به، فلماذا لم يسحركم لتؤمنوا وتنفض المسألة؟ إن بقاءكم على العناد دليل ~~على أنه لا يملك شيئا من أمر السحر. وأنت ساعة تسمع كلمة " مهما " تعرف ~~أن هناك شرطا، وله جواب، ويقول العلماء: إن أصلها " مه " أي كف عن أن ~~تأتينا بأية آية فلن نصدقك. وهذا يعني أن هناك إصرارا وعنادا على عدم ~~الإيمان. ويبين الحق عقابه لهم على ذلك: { فأرسلنا عليهم ~~الطوفان والجراد... }. ### || [7.133] # وكلمة " الطوفان " يراد بها طغيان ماء، والماء - كما نعلم - هو سبب ~~الحياة، وقد يجعله الله سببا للدمار حتى لا تفهم أن المسائل بذاتيتها، ~~بل بتوجيهات القادر عليها، وعندما ننظر إلى الطوفان الذي أغرق من قبل قوم ~~نوح، ولم ينج أحد إلا من ركب مع نوح في السفينة وهنا مع قوم موسى لا توجد ~~سفينة، لأن الله يريد أن يؤكد لهم العقاب على طغيانهم. وإذا كان الطوفان ~~قد أصاب آل فرعون ومعهم بنو إسرائيل لدرجة أن الواحد منهم كانت المياه ~~تبلغ التراقي فيبقى واقفا لأنه لو جلس يموت، ويظل هكذا، وأمطرت عليهم ~~السماء سبعة أيام، لا يعرفون فيها الليل من النهار ويرون أمامهم بيوت بني ~~إسرائيل لا تلمسها المياه، وهذه معجزة واضحة، لقد عم الطوفان وأراد الحق ~~أن ينجي بني إسرائيل منه دون حيلة منهم حتى ms3491 لا يقال آية كونية جاءت على ~~هيئة طوفان وانتهت المسألة، لكن الطوفان جاء لبيوتهم ولم يلمس بني ~~إسرائيل. وقال الرواة: إن الطوفان دخل على فرعون حتى صرخ واستنجد بموسى، ~~وقال له: كف عنا هذا ونؤمن بما جئت به، ودعا موسى ربه فكف عنهم الطوفان. ~~لكنهم عادوا إلى الكفر. وجعل الله من آياته لمحات، وإشارات، بدأت ~~بالطوفان، وحين يوضح ربنا: أنا عذبت بالطوفان قوم نوح، وقوم فرعون، فهو ~~يعطينا ملامح تشعرنا بصدق القضية، فيهبط السيل في أي بلد ويهدم الديار ~~ويغرق الزرع والحيوانات، لنرى صورة كونية، وكذلك الجراد يرسله الله على ~~فترات فيهبط في أي وقت من الأوقات، ونقيم الحملات لمكافحته، وهذا دليل ~~على صدق الأشياء التي حكى الله عنها، فلو لم يوجد جراد ولا طوفان لكنا ~~عرضة ألا نصدق. وابتلاهم الله بالقمل كذلك. { والقمل } هو غير ~~القمل. فالقمل هو الآفة التي تصيب الإنسان في بدنه وثيابه وتنشأ من ~~قذارة الثياب، أما القمل فقيل هو السوس الذي يصيب الحبوب، ومفردها ~~قملة، وقيل هو ما نسميه بالقراد، وقيل هو الحشرات التي تهلك النبات ~~والحرث، وحين نراه نفزع ونبحث عن تخليص الزرع منه باليد والمبيدات، وكل ~~ذلك من تنبيهات الحق للخلق، وهي مجرد تنبيه وإرشاد ولفت للالتفات إلى ~~الحق. وكذلك يرسل الله عليهم " الضفادع " ، وعندما يضع أي إنسان منهم يده ~~في شيء يجد فيها الضفادع فإناء الطعام يرفع عنه الغطاء فترى فيه الضفادع، ~~والمياه التي يشربها يجد فيها الضفادع!! وإن فتح فمه تدخل ضفدعة في ~~الفم!!. فهي آية ومعجزة، وكذلك " الدم " ، فكان كل شيء ينقلب لهم دما. ~~ويقال: إن امرأة من قوم فرعون أرادت أن تشرب ماء، فذهبت إلى امرأة من بني ~~إسرائيل وقالت لها: خذي الماء في فمك ومجيه في فمي، كأنها تريد أن تحتال ~~على ربنا وتأخذ مياها من غير دم، فينتقل من فم الإسرائيلية وهو ماء، ~~فإذا ما دخل فم المرأة التي هي من قوم فرعون صار دما. # { فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات.. } [الأعراف: 133]. وقوله ~~سبحانه: ms3492 { مفصلات } أي لم يأت بها جل وعلا كلها مجتمعة مع بعضها ~~البعض لتفزعهم دفعة واحدة وتختبرهم أيعلنون الإيمان أم لا؟ بل جاء ~~سبحانه بكل آية مفصلة عن الآخرى فلا توجد آية مع آية أخرى في وقت واحد، ~~أو جاء بها علامات واضحات فيها مواعظ وعبر، مما يدل على موالاة ~~الإنذارات للرغبة في أن يذكروا، وأن يرتدعوا، فلو اذكروا وارتدعوا من ~~آية واحدة يكف عنهم سبحانه البأس. وأرسل سبحانه الآيات وهي: طوفان، جراد، ~~قمل، ضفادع، دم، هذه آيات خمس في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، ~~ومن قبل قال الحق إنه أخذهم بالسنين، وكذلك نقص الثمرات، فأصبحت الآيات ~~سبعا، ومن قبل كانت عصا موسى التي كانت تلقف ما صنعه السحرة فصارت ثماني ~~آيات، وكذلك " اليد البيضاء " التي أراها موسى لفرعون وملئه فيصبح العدد ~~تسع آيات، إذن فالآيات بترتيبها هي: العصا، واليد، والأخذ بالسنين، ونقص ~~الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. والآيات ~~المفصلات.. هي عجائب كل منها عجيبة يسلطها الله على من يريد إذلاله، ~~ويبتلي الله بها نوعا من الناس ولا يبتلي بها قوما آخرين. فماذا كان ~~موقفهم من الآيات العجائب؟ نجد الحق يذيل الآية: { فاستكبروا ~~وكانوا قوما مجرمين }. إنهم لم يؤمنوا، بل تكبروا وأجرموا ~~في حق أنفسهم وقطعوا ما بينهم وبين الإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~ولما وقع عليهم الرجز... }. ### || [7.134] # هم إذن بعد أن استكبروا وكانوا قوما مجرمين، وتوالت عليهم الأحداث، ~~والرجز هو الأمور المفزعة وما نزل بهم من العذاب، وهنا ذهبوا إلى موسى ~~ليسألوه أن يدعو الله ليكشف ويرفع عنهم ما نزل بهم من العقاب. إذن فهم ~~آمنوا بأن موسى مرسل من رب، وهم قد فهموا أن الرجز الذي عاشوا فيه لن ~~يرتفع إلا من ذلك الرب. وهذا ينقض ربوبية إلههم فرعون، لأنه لو كانت ~~ربوبية فرعون في عقيدتهم لذهبوا إليه ولم يذهبوا إلى عدوهم موسى ليسألوه ~~أن يدعو لهم الله. ومن هنا نأخذ أكثر من قضية عقدية هي أولا: أن ألوهية ~~فرعون باطلة، وثانيا: أن موسى مقبول ms3493 الدعاء عند ربه، وثالثا: أنه إن لم ~~يكشف ربه هذا العذاب فسيستمر هذا العذاب، وكل هذه مقدمات تعطي الإيمان ~~بالله. { قالوا يموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك ~~لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن ~~معك بني إسرآئيل } [الأعراف: 134]. أي ادع ربك بما أعطاك ~~الله من العهد أن ينصرك لأنك رسوله المؤيد بمعجزاته وهو لن يتخلى عنك. ~~ادع الله أن يرفع عنا العذاب والله لئن رفعت وكشفت عنا ما نحن فيه من ~~العذاب لنؤمنن بك ولنصدقن ما جئت به ولنرسلن ونطلقن معك بني إسرائيل، وقد ~~كانوا يستخدمونهم في أحط وأرذل الأعمال، ولكنهم في كل مرة بعد أن يكشف ~~الحق عنهم العذاب يعودون إلى نقض العهد بدليل قوله سبحانه عنهم: { ~~فلما كشفنا عنهم الرجز... }. ### || [7.135] # فكأن لهم مع كل آية نقضا للعهد، وانظر الفرق بين العبارتين: بين قوله ~~الحق: { فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم ~~بالغوه إذا هم ينكثون } وبين قوله السابق: { ادع لنا ~~ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز } ، فمن ~~إذن يكشف الرجز؟ إن الكشف هنا منسوب إلى الله، وكل كشف للرجز له مدة ~~يعرفها الحق، فهو القائل: { إلى أجل هم بالغوه إذا هم ~~ينكثون }. والنكث هو نقض العهد. ويتابع سبحانه: { فانتقمنا ~~منهم... }. ### || [7.136] # ويوضح هنا سبحانه أنه ما دام قد أخذهم بالعقاب في ذواتهم، وفي مقومات ~~حياتهم، وفي معكرات صفوهم لم يبق إلا أن يهلكوا لأنه لا فائدة منهم لذلك ~~جاء الأمر بإغراقهم، لا عن جبروت قدرة، بل عن عدالة تقدير لأنهم كذبوا ~~بالآيات وأقاموا على كفرهم. ويلاحظ هنا أن أهم ما في القضية وهو الإغراق ~~قد ذكر على هيئة الإيجاز، وهو الحادث الذي جاء في سورة أخرى بالتفصيل، ~~فالحق سبحانه يقول: # وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم ~~متبعون # [الشعراء: 52]. ولم يأت الحق هنا بتفاصيل قصة الإغراق لأن كل آية في ~~القرآن تعالج موقفا، وتعالج لقطة من اللقطات لأن القصة تأتي بإجمال في ~~موضع وبإطناب في موضع آخر، وهنا يأتي موقف الإغراق بإجمال: { ~~فانتقمنا منهم ms3494 فأغرقناهم في اليم }. وكلمة { ~~فأغرقناهم } لها قصة طويلة معروفة ومعروضة عرضا آخر في سورة ~~أخرى، فحين خرج موسى وبنو إسرائيل من مصر خرج وراءهم فرعون، وحين رأى بنو ~~إسرائيل ذلك قالوا بمنطق الأحداث: { إنا لمدركون }. مدركون من ~~فرعون وقومه لأن أمامهم البحر وليس عندهم وسيلة لركوب البحر. لكن موسى ~~المرسل من الله علم أن الله لن يخذله لأنه يريد أن يتم نعمة الهداية على ~~يديه، كان موسى عليه السلام ممتلئا باليقين والثقة لذلك قال بملء فيه: # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. هو يقول: " كلا " أي لن يدركوكم لا بأسبابه، بل بأسباب ~~من أرسله بدليل أنه جاء بحيثياتها معها وقال: { إن معي ربي ~~سيهدين }. لقد تكلم بمنطق المؤمن الذي أوى إلى ركن شديد، وأن ~~المسائل لا يمكن أن تنتهي عند هذا الوضع لأنه لم يؤد المهمة بكاملها، ~~لذلك قال: " كلا " بملء فيه، مع أن الأسباب مقطوع بها. فالبحر أمامهم ~~والعدو من خلفهم، وأتبع ذلك بقوله: { إن معي ربي سيهدين } ~~بالحفظ والنصرة.. أي أن الأسباب التي سبق أن أرسلها معي الله فوق نطاق ~~أسباب البشر، فالعصا سبق أن نصره الله بها على السحرة، وهي العصا نفسها ~~التي أوحى له سبحانه باستعمالها في هذه الحالة العصيبة قائلا له: # اضرب بعصاك البحر.. # [الشعراء: 63]. ونعرف أن البحر وعاء للماء، وأول قانون للماء هو السيولة ~~التي تعينه على الاستطراق، ولو لم يكن الماء سائلا، وبه جمود وغلظة لصار ~~قطعا غير متساوية، ولكن الذي يعينه على الاستطراق هو حالة السيولة، ~~ولذلك حين نريد أن نضبط دقة استواء أي سطح نلجأ إلى ميزان الماء. وقال ~~الحق سبحانه لموسى عليه السلام: # اضرب بعصاك البحر.. # [الشعراء: 63]. وحين ضرب موسى بعصاه البحر امتنع عن الماء قانون السيولة ~~وفقد قانون الاستطراق، ويصور الله هذا الأمر لنا تصويرا دقيقا فيقول: { ~~فكان كل فرق كالطود العظيم }. # أي صار كل جزء منه كالطود وهو الجبل، ونجد في الجبل الصلابة، وهكذا فقد ~~الماء السيولة وصار كل فرق كالجبل الواقف، ولا يقدر على ذلك إلا الخالق، ms3495 ~~لأن السيولة والاستطراق سنة كونية، والذي خلق هذه السنة الكونية هو الذي ~~يستطيع أن يبطلها. وحين سار موسى وقومه في اليابس، وقطع الجميع الطريق ~~الموجود في البحر سار خلفهم فرعون وجنوده وأراد موسى أن يضرب البحر بعصاه ~~ليعود إلى السيولة وإلى الاستطراق حتى لا يتبعه فرعون وجنوده، وهذا تفكير ~~بشري أيضا، ويأتي لموسى أمر من الله: # واترك البحر رهوا.. # [الدخان: 24]. أي اترك البحر ساكنا على هيئته التي هو عليها ليدخله ~~فرعون وقومه، إنه سبحانه لا يريد للماء أن يعود إلى السيولة والاستطراق ~~حتى يغري الطريق اليابس فرعون وقومه فيأتوا وراءكم ليلحقوا بكم، فإذا ما ~~دخلوا واستوعبهم اليابس أعدنا سيولة الماء واستطراقه فيغرقون ليثبت الحق ~~أنه ينجي ويهلك بالشيء الواحد، وكل ذلك يجمله الحق هنا في قوله: { ~~فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم }. و " اليم " ~~هو المكان الذي يوجد به مياه عميقة، ويطلق مرة على المالح، ومرة على ~~العذب، فمثلا في قصة أم موسى، يقول الحق: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم.. # [القصص: 7]. وكان المقصود باليم هناك النيل، لكن المقصود به هنا في سورة ~~الأعراف هو البحر. ويأتي سبب الإغراق في قوله: { بأنهم كذبوا ~~بآياتنا وكانوا عنها غافلين }. كيف إذن يعذبهم ويغرقهم ~~نتيجة الغفلة، ونعلم أن الغفلة ليس لها حساب؟ بدليل أن الصائم قد يغفل ~~ويأكل ويصح صيامه. ويقال إن ربنا أعطى له وجبة تغذيه بالطعام وحسب له ~~الصيام لأنه غافل. لكن هنا يختلف أمر الغفلة فالمراد ب " غافلين " هنا ~~أنهم قد كانوا قد كذبوا بآيات الله ثم أعرضوا إعراضا لا يكون إلا عن ~~غافل عن الله وعن منهجه، ولو أنهم كانوا عبادا مستحضرين لمنهج الله لما ~~صح أن يغفلوا، وهذا القول يحقق ما سبق ان قاله سبحانه: # عسى ربكم أن يهلك عدوكم.. # [الأعراف: 129]. ثم يأتي بعد ذلك القول الذي يحقق ما سبق أن قاله ~~سبحانه: # ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون # [الأعراف: 129]. ويقول الحق تأكيدا لذلك: { وأورثنا القوم ~~الذين... }. ### || [7.137] # أي صارت مصر والشام تحت ms3496 إمرة بني إسرائيل، وهي الأرض التي باركها الله، ~~بالخصب، وبالنماء، بالزروع، بالثمار، بالحيوانات، وبكل شيء من مقومات ~~الحياة، وترف الحياة: { وتمت كلمة ربك الحسنى على ~~بني إسرآئيل بما صبروا }. { وتمت كلمة ربك } ~~أي استمرت عليهم الكلمة وتم وعد الله الصادق بالتمكين لبني إسرائيل في ~~الأرض ونصره إياهم على عدوهم، واكتملت النعمة لأن الله أهلك عدوهم ~~وأورثهم الأرض، وتحققت كلمته سبحانه التي جاءت على لسان موسى: # ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون # [الأعراف: 129]. هكذا تمت كلمة الله بقوله سبحانه: { وأورثنا ~~القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ~~ومغاربها.. } [الأعراف: 137]. ونعلم أن كلمة " مشارق ومغارب " تقال ~~بالنسبيات فليس هناك مكان اسمه مشرق وآخر اسمه مغرب، لكن هذه اتجاهات ~~نسبية فيقال هذا مشرق بالنسبة لمكان ما، وكذلك يقال له " مغرب " بالنسبة ~~لمكان آخر. وحين ينتقل الإنسان إلى مكان آخر يوجد مشرق آخر ومغرب آخر. ~~وعلى سبيل المثال نجد من يسكن في الهند واليابان يعلمون أن منطقة الشرق ~~الأوسط بالنسبة لهم مغرب، ومن يسكنون أوروبا يعرفون أن الشرق الأوسط ~~بالنسبة لهم مشرق. وقلنا من قبل: إن الحق حين جاء " بالمشرق والمغرب " ~~بصيغة الجمع كما هنا فذلك إنما يدل على أن لكل مكان مشرقا، ولكل مكان ~~مغربا فإذا غربت الشمس في مكان فهي تشرق في مكان آخر. وفي رمضان نجد ~~الشمس تغرب في القاهرة قبل الإسكندرية بدقائق. ونعلم أن سبب هذه الدورة ~~إنما هو ليبقى ذكر الله بكل مطلوبات الله في كل أوقات الله، مثال ذلك حين ~~نصلى نحن صلاة الفجر نجد أناسا يصلون في اللحظة نفسها صلاة الظهر، ونجد ~~آخرين يصلون صلاة العصر، وقوما غيرهم يصلون صلاة المغرب، وغيرهم يصلي ~~صلاة العشاء. وبذلك تحقق إرادة الله في أن هناك عبادة في كل وقت وفي كل ~~لحظة، فحين يؤذن مسلم قائلا " الله أكبر " لينادي لصلاة الفجر، هناك ~~مسلم آخر يقول: " الله أكبر " مناديا لصلاة الظهر أو العصر أو المغرب ~~أو العشاء، وهذا هو الاختلاف في المطالع أراد به سبحانه أن يظل اسمه ~~مذكورا على كل لسان ms3497 في كل مكان لتعلو " الله أكبر، الله أكبر " في كل ~~مكان. وأنت إذا حسبت الزمن بأقل من الثانية تجد أن كون الله لا يخلو من " ~~لا إله إلا الله " أبدا: { وتمت كلمة ربك الحسنى }. ~~ونعلم أن كلمة " الحسنى " وصف للمؤنث، و " كلمة " مؤنثة، والكلمة هي قوله ~~الحق: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ~~ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين # [القصص: 5]. # لقد قال الحق القصة بإيجاز، وهذه هي التي قالها ربنا وهي كلمة " الحسنى ~~" لأنه سبحانه لم يعط لهم نعمة معاصرة لنعمة العدو، بل نعمة على أنقاض ~~العدو، فهي نعمة تضم إهلاك عدوهم، ثم أعطاهم بعد ذلك أن جعلهم أئمة وهداة ~~وورثهم الأرض: { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني ~~إسرآئيل بما صبروا }. وهم بالفعل قد صبروا على الإيذاء الذي ~~نالوه وذكره سبحانه من قبل حين قال: # يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ~~ويستحيون نسآءكم.. # [البقرة: 49]. وجاء عقاب الله لقوم فرعون: { ودمرنا ما كان ~~يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون } [الأعراف: ~~137]. والتدمير هو أن تدرك شيئا وتخربه، وقد ظل ما فعله الله بقوم فرعون ~~باقيا في الآثار التي تدلك على عظمة ما فعلوا، وتجد العلماء في كل يوم ~~يكتشفون تحت الأرض آثارا كثيرة. ومن العجيب أن كل كشوف الآثار تكون تحت ~~الأرض، ولا يوجد كشف أثري جاء من فوق الأرض أبدا. وكلمة " دمرنا " تدل ~~على أن الأشياء المدمرة كانت عالية الارتفاع ثم جاءت عوامل التعرية ~~لتغطيها، ويبقى الله شواهد منها لتعطينا نوع ما عمروا كالأهرام مثلا. ~~وكل يوم نكتشف آثارا جديدة موجودة تحت الأرض مثلما اكتشفنا مدينة طيبة ~~في وادي الملوك، وكانت مغطاة بالتراب بفعل عوامل التعرية التي تنقل ~~الرمال من مكان إلى مكان. وأنت إن غبت عن بيتك شهرا ومع أنك تغلق ~~الأبواب والشبابيك قبل السفر ثم تعود فتجد التراب يغطي جميع المنزل ~~والأثاث كل ذلك بفعل عوامل التعرية التي تنفذ من أدق الفتحات، ولذلك لو ~~نظرت إلى القرى القديمة قبل أن تنشأ عمليات الرصف التي تثبت الأرض نجد ~~طرقات القرية التي ms3498 تقود إلى البيوت ترتفع مع الزمن شيئا فشيئا وكل بيت ~~تنزل به قليلا، وكل فترة يردمون أرضية البيوت لتعلو، وكل ذلك من عوامل ~~التعرية التي تزيد من ارتفاع أرضية الشوارع. وكل آثار الدنيا لا تكتشف ~~إلا بالتنقيب، إذن فكلمة " دمرنا " لها سند. والحق يقول عن أبنية فرعون: # وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 10]. ونجد الهرم مثلا كشاهد على قوة البناء، وإلى الآن لم ~~يكتشف أحد كيف تم بناء الهرم. وكيف تتماسك صخوره دون مادة كالأسمنت ~~مثلا، بل يقال: إن بناء الهرم قد تم بأسلوب تفريغ الهواء، ولا أحد يعرف ~~كيف نقل المصريون الصخرة التي على قمة الهرم. إذن فقد كانوا على علم ~~واسع. وإذا ما نظرنا إلى هذا العلم عمارة وآثارا وتحنيطا لجثث القدماء، ~~إذا نظرت إلى كل هذا وعلمت أن القائمين به كانوا من الكهنة المنسوبين ~~للدين، لتأكدنا أن أسرار هذه المسائل كلها كانت عند رجال الدين، وأصل ~~الدين من السماء، وإن كان قد حرف. وهذا يؤكد لنا أن الحق هو الذي هدى ~~الناس من أول الخلق إلى واسع العلم. { وأورثنا القوم الذين ~~كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي ~~باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني ~~إسرآئيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع ~~فرعون وقومه وما كانوا يعرشون } [الأعراف: 137]. و " ~~يعرشون " أي يقيمون جنات معروشات، وقلنا من قبل: إن الزروع مرة تكون على ~~سطح الأرض وليس لها ساق، ومرة يكون لها ساق، وثالثة يكون لها ساق لينة ~~فيصنعون له عريشة أو كما نسميه نحن التكعيبة لتحمله وتحمل ثمره. وبعد ~~ذلك يقول الحق: { وجاوزنا ببني إسرآئيل... }. ### || [7.138] # لقد قالوا ذلك وهم ما زالوا مغمورين في نعم الله إنجاء من عدو، ~~واستخلافا في الأرض، ومع ذلك بمجرد أن طلعوا إلى البر ورأوا جماعة ~~يعبدون صنما طالبوا موسى أن يجعل لهم صنما يعبدونه. لقد حسدوا من ~~يجهلون قيمة الإيمان ويعكفون على عبادة الأصنام، ويعكف تعني أن يقيم ~~إقامة لازمة، ومنه الاعتكاف في المسجد، أي الانقطاع عن حركة الحياة خارج ~~المسجد إلى عبادة الله ms3499 في بيته. { يعكفون على أصنام لهم ~~قالوا يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة.. } ~~[الأعراف: 138]. وهذا القول من قوم موسى هو قمة الغباء، كأن الإله ~~بالنسبة لهم مجهول على رغم أنه قد أسبغ عليهم من النعم الكثير، وهذه أول ~~خيبة، وهم يريدون أن يكون الإله مجعولا برغم أن الإله بكمالاته وطلاقة ~~قدرته جاعل، ولكن عقيلتهم لم تستوعب النعم الغامرة وقلوبهم مغلقة لم ~~يعمها الإيمان. وقالوا: اجعل لنا إلها! وأرادوا أن ينحت لهم الأصنام، ~~وقد يقول واحد منهم: رأس الإله كبيرة قليلا صغرها بعض الشيء، وأنفه ~~غير مستقيمة فلنعدلها بالإزميل، وقولهم: { اجعل لنآ إلها }. ~~وهذا ما يجعلنا نفهم أن عقولهم لم تستوعب حقيقة الإيمان لذلك يقول لهم ~~موسى: { إنكم قوم تجهلون }. ولم يقل لهم: " لا تعلمون " بل ~~قال: " تجهلون " لأن هناك فارقا بين عدم العلم بالشيء، وبين الجهل ~~بالشيء، فعدم العلم يعني أن الذهن قد يكون خاليا من أي قضية، أما " ~~الجهل " فهو يعني أن تعلم مناقضا للقضية، إذن فهناك قضية يعتقدها الجاهل ~~ولكنها غير واقعية. أما الذي لا يعلم فليس في باله قضية، وحين تأتي له ~~القضية يقتنع بها، ولا يحتاج ذلك إلى عملية عقلية واحدة مثل الأمي مثلا ~~الذي لا يعلم، لأن ذهنه خال من قضية، أما الذي يعلم قضية مخالفة فهو ~~يحتاج من الرسول إلى عمليتين عقليتين: الأولى أن يخرج ما في نفسه من قضية ~~الجهل، والثانية أن يعطي له القضية الجديدة، إن الذي يرهق العالم هم ~~الجهلاء لا الأميون، لأن الأمي حين تعطي له المعلومة فليس عنده ما ~~يناقضها. لكن الجاهل عنده ما يناقضها ويخالف الواقع. ويقول سبحانه بعد ~~ذلك: { إن هؤلاء متبر... }. ### || [7.139] # و { متبر } أي هالك ومدمر، وهنا يوضح لهم موسى أن هؤلاء الجماعة ~~التي تعبد الأصنام وهم وأصنامهم هالكون، وما يعملون هو باطل لأن قضايا ~~الكون إن أردتم أن تعرفوا حقيقتها، فلابد لها من ثبوث، والحق ثابت لا ~~يتغير أبدا لأن له واقعا يستقرأ، ومثال ذلك إذا حصلت حادثة بالفعل ~~أمامنا جميعا، ثم طلب ms3500 من كل واحد على انفراد أن يقول ما رآه فلن نختلف ~~في الوصف لأننا نستوحي واقعا، لكن إن كانت القضية غير واقعية فكل واحد ~~سيقولها بشكل مختلف، ولذلك نجد من لباقة القضاء أن القاضي يحاور الشهود ~~محاورات ليتبين ما يثبتون عليه وما يتضاربون فيه. وإن كان الشهود ~~يستوحون حقيقة واقعة، فلن يختلفوا في روايتهم، ولكنهم يختلفون حين لا ~~يتأكد أحدهم من الواقعة أو أن تكون غير حقيقية. والمثل العربي يقول: " إن ~~كنت كذوبا فكن ذكورا " أي إن كذبت - والعياذ بالله - وقلت قولا غير ~~صادق فعليك أن تتذكر كذبتك، وأنت لن تتذكرها لأنها أمر متخيل وليس أمرا ~~ثابتا. وقد يجوز أن يأخذ غير الواقع زهوة ولمعانا فنقول: إياك أن تغتر ~~بهذه الزهوة لأن الحق سبحانه وتعالى يقول: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. لقد شبه سبحانه الباطل بالزبد وهو ما يعلو السائل أو الماء ~~من الرغوة والقش والمخلفات التي تعوم على سطح المياه إنه يتلاشى ويذهب، ~~أما ما ينفع الناس فيبقى. ونحن نختبر المعادن لنعرف هل هي مغشوشة أو لا.. ~~ونعرضها على النار، فيطفوا ما فيها من مادة غير أصيلة وما فيها من شوائب، ~~ويبقى في القاع المعدن الأصيل. وهنا يقول الحق على لسان موسى: { إن ~~هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا ~~يعملون } [الأعراف: 139]. والأحداث إما فعل أو قول، والقول: عملية ~~اللسان، والفعل: لبقية الجوارح، وكل الأحداث ناشئة عن قول أو عن فعل، ~~والقول والفعل معا هما " عمل ". ولذلك يقول الحق: # لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2]. إذن فالعمل يشمل القول، ويشمل الفعل. وقوله الحق: { ~~وباطل ما كانوا يعملون } إن الأصنام التي كانوا يصنعونها ~~ويعبدونها، كانت تقوم على أقوال وأفعال، كأن يقولوا: يا هبل، يا لات، يا ~~عزى، ويناجون هذه الأصنام ويطلبون ms3501 منها أن تحقق لهم بعضا من الأعمال ~~وكانوا يقفون أمامها صاغرين أذلاء، إذن فقد صدر منهم قول وفعل يضمهما ~~معا العمل. ويتابع الحق على لسان موسى عليه السلام: { قال أغير ~~الله أبغيكم... }. ### || [7.140] # هم حينما قالوا لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال لهم أولا: { ~~إنكم قوم تجهلون } ، ثم قال: { إن هؤلاء متبر ~~ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون } ، وبعد ذلك رجع ~~إلى الدليل على أن هذا طلب جهل، وأن الذين يعبدون الأصنام من دون الله ~~إنما يفعلون باطلا فقال: { قال أغير الله أبغيكم ~~إلها وهو فضلكم على العالمين }. وقوله: { أغير ~~الله } أي أن الإله الذي عرفتم بالتجربة العملية أنه فضلكم على ~~العالمين ورأيتم ما صنع بعدوكم الذي استذلكم وسامكم سوء العذاب، إنه قد ~~أهلكه ودمره، هل يمكن أن تطلبوا ربا غيره؟ وقوله: { قال أغير ~~الله أبغيكم } أي أأطلب لكم إلها غيره؟ وفي سؤاله هذا استنكار ~~لأنه يتبعه بتفضيل الله لهم على العالم، ثم أراد أن يذكرهم بقمة التفضيل ~~لهم فيقول سبحانه على لسان موسى: { وإذ أنجيناكم من آل ~~فرعون... }. ### || [7.141] # وإذا سمعت " إذ " فافهم ان معناها ظرف زمان يريد الحق أن نتذكر ما حدث ~~فيه، و " إذ " يعني اذكروا جيدا ولا يغب عن بالكم حين أنجاكم الله من آل ~~فرعون يسومونكم سوء العذاب وأفظعه وأشده. ويقول بعدها مبينا ومفسرا ذلك ~~العذاب: { يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم }. ~~ونلحظ أنه لم يأت بالعطف هنا، فلم يقل: يسومونكم سوء العذاب يقتلون ~~أبناءكم ويستحيون نساءكم. مما يدل على أنه جاء بقمة سوء العذاب لأن ~~الاحتقار، والتسخير هما جزء من العذاب. لكن قمة العذاب هي تقتيل الأبناء، ~~واستحياء النساء. وفي آية ثانية يقول سبحانه: # وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يذبحون أبنآءكم.. # [البقرة: 49]. أي أنهم تعرضوا للتقتيل، وتعرضوا للتذبيح، وفي آية ثالثة ~~يقول: # إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ~~ويذبحون أبنآءكم... # [إبراهيم: 6]. لقد جاء ب " الواو " هنا للعطف. لأن المتكلم هنا مختلف، ~~فقد يكون المتكلم الله، وسبحانه يمتن بقمة ms3502 النعم. لكن: { وإذ قال ~~موسى لقومه ياقوم اذكروا } ، فموسى يمتن بكل النعم التي ~~ساقها الله إلى بني إسرائيل صغيرة وكبيرة. ويذيل الحق الآية الكريمة: { ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم }. هو بلاء شديد ~~الإيلام والواقع لفراق من يقتل أو يذبح، وبلاء آخر في الهم والحزن على ~~من يستبقي من النساء لاستباحة أعراضهن وامتهانهن في الخدمة. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { وواعدنا موسى... }. ### || [7.142] # وعلمنا من قبل في مسألة الأعداد أن هناك أسلوبين: الأسلوب الأول إجمالي، ~~والثاني تفصيلي فمرة يتفق التفصيل مع الإجمال، وبذلك لا توجد شبهة أو ~~إشكال، وسبحانه في سورة البقرة يقول: # وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة.. # [البقرة: 51]. جاء بها هناك بالإجمال. ولكنه شاء هنا في سورة الأعراف ~~ألا يأتي بها مرة واحدة مجملة. بل فصلها بثلاثين ليلة ثم أتمها الحق ~~بعشر أخر لمهمة سنعرفها فيما بعد، ليكون الميقات قد تم أربعين ليلة، وإذا ~~جاء العدد مجملا مرة، ومفصلا مرة، واتفق الإجمال مع التفصيل فلا ~~إشكال. لكن إذا اختلف الإجمال عن التفصيل فعادة يحمل التفصيل على ~~الإجمال، لأن المفصل يمكن أن يتداخل ليصير إلى الإجمال. وضربنا من ~~قبل المثل في خلق السماء والأرض في ستة أيام، وكل آيات الخلق تأتي بخبر ~~الستة الأيام وهي مجملة. لكنه شاء سبحانه في موضع آخر بالقرآن أن يقول: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 9-10]. وظاهر الأمر هنا أن المهمة قد اكتمل أمرها وخلقها في ستة ~~أيام، لكنه قال جل وعلا بعدها: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين.. # [فصلت: 11-12]. وهنا في موقف أيام خلق الدنيا نجد إجمالا وتفصيلا، ~~والتفصيل يصل في ظاهر الأمر بأيام الخلق إلى ثمانية، والإجمال يحكي أنها ~~ستة أيام فقط. فهل هي ستة أيام أو ثمانية أيام؟ نقول: إنها ستة أيام ms3503 ~~لأننا نستطيع أن ندخل المفصل بعضه في بعضه، فإذا قلت: سافرت من مصر إلى ~~طنطا في ساعتين، وإلى الإسكندرية في ثلاث ساعات، فمعنى هذا القول أن ~~الساعتين دخلتا في الثلاث الساعات: { وواعدنا موسى ثلاثين ~~ليلة وأتممناها بعشر }. والوعد هو أن الله وعد موسى بعد ~~أن تحدث عملية إنجاء بني إسرائيل أنه - سبحانه - سينزل عليه كتابا يجمع ~~فيه كل المنهج المراد من خلق الله لتسير حركة حياتهم عليه، لكن ما إن ذهب ~~موسى لميقات ربه حتى عبدوا العجل، في مدة الثلاثين يوما ولم يشأ الله أن ~~يرسل موسى بعد الثلاثين يوما بل أتمها بعشر آخر حتى لا يعود موسى ويرى ~~ما فعله قومه لأنه بعد أن عاد أمسك برأس أخيه يعنفه ويشتد عليه ويأخذ ~~بلحيته يجره إليه إذ كيف سمح لبني إسرائيل أن يعبدوا العجل. وفي ذلك يقول ~~الحق على لسان هارون: # قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني ~~خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآئيل ولم ~~ترقب قولي # [طه: 94]. فكأن العشرة أيام زادوا عن الثلاثين يوما ليعطيك الصورة ~~الأخيرة الموجودة في سورة البقرة. وهنا يقول الحق في سورة الأعراف: { ~~وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ~~ولا تتبع سبيل المفسدين } [الأعراف: 142]. و " اخلفني " ~~أي كن خليفة لي فيهم إلى أن أرجع وذلك فيما هو مختص بموسى من الرسالة ~~فاستخلاف موسى لهارون ليس تكليفا لهارون بامتداد إرسال الله لموسى ~~وهارون، فأسلوب تقديم موسى وهارون أنفسهما لفرعون جاء بضمير التثنية التي ~~تجمع بين موسى وهارون: # إنا رسولا ربك.. # [طه: 47]. لأن كلا منهما رسول، وقول الحق: { وقال موسى لأخيه ~~هارون } فيه التحنن، أي أنني لي بك صلة قبل أن تكون شريكا لي في ~~الرسالة فأنا أخ لك وأنت أخ لي، ومن حقي عليك أن تسمع كلامي وتخلفني. ~~فالأخوة مقرونة بأنك شريك معي في الرسالة إذن نجد أن موسى قد قدم حيثية ~~الأخوة، والمشاركة في الرسالة. وأكد موسى عليه السلام بكلمة " قومي " ~~أنهم أعزاء عليه، ولا يريد بهم إلا الخير الذي يريده ms3504 لنفسه، فإذا جاءكم ~~بأمر فاعلموا أنه لصالحكم، وإذا نهاكم نهيا فاعلموا أن موسى هو أول من ~~يطبقه على نفسه. وقيل كان موسى عليه السلام قد قام بإعداد نفسه للقاء ~~ربه، ولا بد أن يكون الإعداد بطهر وبتطهير وبتزكية النفس بصيام، فصام ~~ثلاثين يوما، وبعد ذلك أنكر رائحة فمه، فأخذ سواكا وتسوك به ليذهب ~~رائحة فمه، فأوضح الحق سبحانه له: أما علمت يا موسى أن خلوف فم الصائم ~~أطيب عندي من ريح المسك. وما دمت قد أزلت الخلوف وأنا أريد أن تقبل علي ~~بريح المسك فزد عشرة أيام حتى تأتي كذلك. وقال بعض العلماء: إن تفصيل ~~الأربعين إلى ثلاثين وإلى عشرة، لأن الثلاثين يوما هي الأيام التي عبد ~~فيها القوم بعد موسى العجل، فكان ولا بد أن تكون هناك فترة من الفترات ~~حتى يميز الله الخبيث من الطيب. { وقال موسى لأخيه هارون ~~اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين } [الأعراف: 142]. وهنا أمر ونهى " أصلح " هي أمر، و " لا ~~تتبع " هي نهي، ونعرف أن كل تكاليف الحق سبحانه وتعالى محصورة في " افعل ~~كذا " ، و " لا تفعل كذا " ، ولا يقول الحق للمكلفين: " افعلوا كذا " ~~إلا إذا كانوا صالحين للفعل ولعدم الفعل، وإن قال لهم: " لا تفعلوا " ~~فلابد أن يكونوا صالحين أيضا للفعل ولعدم الفعل، ولذلك أوضحنا من قبل ان ~~الله ركز كل التكاليف في مسألة آدم وحواء في الجنة فقال: { وكلا ~~منها رغدا حيث شئتما } ، وكان هذا هو الأمر. وقال: { ولا ~~تقربا هذه الشجرة } ، وهذا نهي: { وأصلح ولا ~~تتبع سبيل المفسدين }. # وكلمة " أصلح " تستلزم أن يبقى الصالح على صلاحه فلا يفسده، وإن شاء ~~الله يزيد فيه صلاحا فليفعل. وقوله: { ولا تتبع سبيل ~~المفسدين } لأنه قول موجه لنبي وهو هارون، لا يتأتى منه الإفساد، ~~ولكن موسى أعلمه أنه ستقوم فتنة بعد قليل، فكأن موسى قد ألهم أنه سيحدث ~~إفساد، فقصارى ما يطلبه من أخيه هارون ألا يتبع سبيل المفسدين، ولذلك ~~سيقول هارون بعد ذلك مبررا تركه بني إسرائيل على عبادة العجل بعد أن ms3505 بذل ~~غاية جهده في منعهم وإنذارهم حتى قهروه واستضعفوه ولم يبق إلا أن يقتلوه. # إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآئيل ~~ولم ترقب قولي # [طه: 94]. ويقول الحق بعد ذلك: { ولما جآء موسى... }. ### || [7.143] # والميقات هو الوقت الذي يعد لعمل من الأعمال. ونسميه وقت العمل. وغلب ~~على أشياء في الإسلام، كمواقيت الحج. ونحن نعلم أن كل عمل وحدث يتطلب ~~أمرين يظرف فيهما، أي يكونان ظرفا له فلا بد له من مكان يحدث فيه، ~~ومن زمان يحدث فيه كذلك، واسمهما ظرف الزمان، وظرف المكان. إلا أن ظرف ~~الزمان غير قار أي غير ثابت فقد يأتي الصبح ويذهب ويأتي بعده، الظهر، ~~والعصر والمغرب والعشاء. لكن ظرف المكان قار وثابت. والمواقيت - إذن - ~~إما أن يتحكم فيها الزمان، وإما أن يتحكم فيها المكان، وإما أن يتحكم ~~فيها المكان والزمان معا. فإذا أخذنا المواقيت على أنها زمن كل فعل نجد ~~فريضة " الصوم " لها زمن محدد وهو رمضان. فالذي يتحكم في الصوم هو الزمن، ~~فيكون ويحدث في أي مكان. وكذلك صيام عرفة يتحكم فيه أيضا الزمان لأنه ~~صيام يوم عرفة، ومن يجلس في أي مكان يصوم يوم عرفة ولكنه غير مطلوب من ~~الحاج. ولكن الوقوف بعرفة يتحكم فيه المكان والزمان معا. والإحرام ~~بالحج أو العمرة يتحكم فيه المكان وهو ما يسمى بالميقات المكاني ولكل أهل ~~جهة ميقاتهم المكاني الذي يطلب منهم ألا يمروا عليه إلا وهم محرمون. ~~فمرة يتحكم الزمان، ومرة يتحكم المكان، وثالثة يتحكمان معا. وجاء موسى ~~لميقاتنا المضروب له بعد أربعين ليلة. وهل جاء موسى للميقات أو جاء في ~~الميقات؟ لقد جاء في الميقات، واللام تأتي بمعنى " عند ". ونعلم أن " ~~اللام " تأتي بمعنى " عند " كثيرا في القرآن، مثل قوله: # أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اليل.. # [الإسراء: 78]. أي أقم الصلاة عند دلوك الشمس أي عند زوالها عن وسط ~~وكبد السماء إلى غسق الليل. ومن الدلوك إلى الغسق نجد صلاة الظهر ثم ~~العصر ثم المغرب ثم العشاء، وهذه أربعة فروض، وبقي الفرض الخامس وهو ~~الفجر، ms3506 وقال فيه الحق: # وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا # [الإسراء: 78]. ولماذا بدأ بدلوك الشمس؟ وهل النهار يبدأ بالظهر أو ~~يبدأ بالصبح؟. إن الإسراء والمعراج كانا ليلا، ورسول الله جاء صباحا ~~إلى مكة، وقد فرضت الصلاة في المعراج، فكانت أول فريضة هي الظهر، وكأن ~~الحق يعني خذ الغاية وخذ البداية، وكانت البداية هي صلاة الظهر والعصر ~~والمغرب والعشاء وبقي الفجر، وجاء فيه: { وقرآن الفجر إن ~~قرآن الفجر كان مشهودا }. ثم يخص الله رسوله بالتهجد وهو ~~قيام الليل إنه فرض على رسول الله دون غيره، فإنه بالنسبة لسائر الأمة ~~تطوع. # ومن اليل فتهجد به نافلة لك عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79]. ومن يتشبه برسول الله فله الثواب الجزيل والأجر العظيم ~~ولكن هذا الأمر مرجعه إلى اختيار المسلم: { ولما جآء موسى ~~لميقاتنا وكلمه ربه }. # وهذه المسألة تحتاج إلى بحث، وقوله سبحانه: { وكلمه ربه } هو ~~قول يدل على أن كلاما حصل من الله لموسى فكيف يحدث ذلك وسبحانه قد قال ~~في مسألة الكلام بالنسبة للبشر كلاما عاما: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشآء.. # [الشورى: 51]. وفي هذا نفي أن يكلم الله البشر. إلا بالوسائل الثلاث: ~~الوحي أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا، والوحي بالنسبة للأنبياء يكون ~~بإلقاء المعنى في قلب النبي دفعة، مع العلم اليقيني بأن ذلك من الله عز ~~وجل، وقد يراد بالوحي الإلهامات مثل الوحي إلى أم موسى، والوحي إلى ~~الحواريين، وكذلك إلى الملائكة، وقد يراد بالوحي: التسخير كالوحي للأرض، ~~والنحل. وبعد ذلك.. { أو من ورآء حجاب } أي أن يسمع كلاما ولا ~~يرى متكلما، { أو يرسل رسولا } هو جبريل عليه السلام. والقرآن ~~لم ينزل إلا بطريقة واحدة، بواسطة نزول جبريل على سيدنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. فما نزل القرآن بالإلهام، وما نزل القرآن من وراء حجاب ~~بل نزل بواسطة رسول من الله وهو جبريل وله علامات. وهنا في كلام موسى ~~نقول إن الكلام وقع ms3507 فيه من وراء حجاب وهنا نمسك عن الخوض فيما وراء ذلك ~~لأنه غيب لم يكشف لنا عنه ونترك الأمر فيه لله. وقد سبق أن قلنا: إن صفات ~~الله لا يوجد مثلها في البشر. فليس وجود الإنسان كوجود الله، وليس غنى ~~الإنسان كغنى الله، وكذلك لن يكون أبدا كلامك ككلام الله، لأن كل شيء ~~يخص الله إنما نأخذه في إطار " ليس كمثله شيء ". وقد بين الحق سبحانه ~~وتعالى أن كلامه لموسى، تميز لموسى، ولذلك يقول الحق: # إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي.. # [الأعراف: 144]. ويجب أن نأخذ كل وصف يوجد في البشر، ويوجد مثله. في وصف ~~الله مثل " استوى " ، و " جلس " و " وجه " ، و " يد " نأخذ كل ذلك في ~~إطار " ليس كمثله شيء ". { ولما جآء موسى لميقاتنا ~~وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك.. } ~~[الأعراف: 143]. وحينما خص الله موسى بميزة أن تكلم إليه، حصل من موسى ~~استشراق اصطفائي، وكأنه قال لنفسه: ما دام قد كلمني فقد أقدر أن أراه لأن ~~استطابة الأنس تمد للنفس سبل الأمل في الامتداد في الأشياء مثلما قال ~~موسى من قبل ردا على سؤال الله: # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 17]. كان الجواب يكفي أن يقول: " عصا " لكنه قال: # قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على ~~غنمي.. # [طه: 18]. قال ذلك على الرغم من أن الحق لم يسأله: ماذا تفعل بها؟ وأراد ~~بالكلام أن يطيل الأنس بربه، وكأنه عرف أنه من غير اللائق أن يكون الجواب ~~مجرد كلمة ردا على سؤال. ولله المثل الأعلى - نجد الإنسان منا حين يرى ~~طفلا صغيرا فهو يداعبه ويطيل الكلام معه إيناسا له. وحين وجد موسى أن ~~الله يكلمه استشرفت نفسه أن يراه: { ولما جآء موسى ~~لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر ~~إليك }. لم يقل موسى: أرني ذاتك. بل قال: { أرني أنظر ~~إليك } كأنه يعلم أنه بطبيعة تكوينه يعرف أنه لا يمكن أن يرى الله، ~~لكن إن أراه الله، فهذا أمر بمشيئة الحق. وقدم موسى الطلب معلقا بمشيئة ~~الله وإرادته لأنه يعلم أنه ms3508 غير معد لاستقبال رؤية الله لأن تكوينه لا ~~يقوى على ذلك، وحتى في الوحي والكلام لم يكلم ربنا الناس مباشرة، بل لا ~~بد أن يصطفى من الملائكة رسلا، ثم تكون مرحلة ثانية أن يصطفى من البشر ~~رسلا، ويبلغ الرسل الناس كلام الله لأن الصفات الكمالية العليا الخالقة ~~لا يمكن أن يستوعبها المخلوق. ضربنا المثل من قبل - ولله المثل الأعلى - ~~بصناعات البشر، وأن الإنسان حين ينام ليلا، قد يستيقظ لأي شيء، فإذا ~~كانت الدنيا ظلاما قد يحطم الأشياء التي هي أقل منه أو تحطمه الأشياء ~~التي هي أكثر صلابه منه وإن اصطدم بشيء صغير فقد يكسره، وإن اصطدم بدولاب ~~أو حائط فقد ينكسر الإنسان. ولذلك ترك الإنسان في البيت شيئا من النور ~~الضئيل ليستفيد من سكون الليل وظلمته، فيضع ما نسميه " الوناسة " قوة ~~شمعتين أو خمس شمعات، ولا يقدر أن يركبها على قوة التيار الموجود في ~~المنزل لأنها تفسد فورا، لذلك يأتي لها بمحول يأخذ من القوي ويعطي ~~الضعيف. إذن إذا كانت صناعة البشر نجد فيها الضعيف الذي لا يأخذ من القوي ~~إلا بواسطة، فمن باب أولى أنه لا يمكن أن يتلقى خلق الله عن الله إلا ~~بواسطة. وكانت الواسطة من البشر اصطفاء ومن الملائكة اصطفاء، فليس كل ذلك ~~صالحا لهذه المسألة، فمصطفى من الملائكة يعطي مصطفى من البشر. وبعد ذلك ~~يعطي المصطفى من البشر للبشر. كذلك الرؤية وسيظهر ذلك لنا حينما يعطي ~~الله الدليل على أنه خلقكم لا على هيئة أن تروه الآن، ولكن حين تبرزون في ~~الآخرة وتعدون إعدادا آخر، فمن الممكن أن تنالوا شرف رؤيته: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]. ولا يستوي الناس في ذلك لأن المؤمن هو من ينال شرف ~~النظر إلى الله، أما الكافر فهو محجوب عن رؤية الحق. يقول تعالى في شأن ~~الكفار: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15] فلا يستوي المؤمن والكافر في هذه الحالة، فما دام الكافر ~~محجوبا فالمؤمن غير محجوب ويرى ربه. # وقال موسى: { رب أرني أنظر إليك ms3509 }. قال الحق: { قال لن ~~تراني }. وفي اللغة نجد أن " لن " تأتي تأبيدية، أي تؤبد المستقبل أي ~~لا يحدث ولا يتحقق ما بعدها. فهل معنى ذلك أن قول الحق: { لن تراني } ~~أن موسى لن يرى الله في الدنيا ولا في الآخرة؟. ونقول: ومن قال إن زمن ~~الآخرة هو زمن الدنيا؟ إن هذه لها زمن وتلك لها زمن آخر: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا ~~لله الواحد القهار # [إبراهيم: 48]. إذن فزمن الآخرة وإعادة الخلق فيها سيكون أمرا آخر، ~~يكفي أن أهل الجنة سيأكلون ولن تكون لهم فضلات، إنه خلق جديد. إن مجيء " ~~لن " في قوله الحق: { لن تراني } تأبيدها إضافي، أي بالنسبة للدنيا، ~~وفيها تعليل لعدم قدرة موسى على الرؤية، وأضاف سبحانه: { ولكن ~~انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ~~فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا.. } [الأعراف: 143]. وسبحانه هنا يعلل لموسى بعملية واقعية ~~فأوضح: لن تراني ولكن حتى أطمئنك أنك مخلوق بصورة لا تمكنك من رؤيتي انظر ~~إلى الجبل، والجبل مفروض فيه الصلابة، والقوة، والثبات، والتماسك فإن ~~استقر مكانه، يمكنك أن تراني. إن الجبل بحكم الواقع، وبحكم العقل، وبحكم ~~المنطق أقوى من الإنسان، وأصلب منه وأشد، ولما تجلى ربه للجبل اندك. ~~والدك هو الضغط على شيء من أعلى ليسوى بشيء أسفل منه. والحق هو ~~القائل: # كلا إذا دكت الأرض دكا دكا # [الفجر: 21]. وهنا في موقف موسى وحواره مع الله يتأكد لنا أن الله تجلى ~~على خلق من خلقه، ولكن أيقدر المتجلى عليه على هذا التجلي أم لا يقدر؟. ~~إن أقدره الله فهو يقدر، أما إن لم يقدره الله فلن يقدر. والجبل هو ~~الأصلب، فلما تجلى له ربه اندك، إذن فمن الممكن أن يتجلى الله على بعض ~~خلقه، ولكن المهم أيقوى المستقبل للتجلي أو لا يقوى؟ ولم تقو طبيعة موسى ~~على التجلي لله بدليل أن الأقوى منه لم يقو. وبعد ذلك أراد الله أن ~~يلفتنا لفتة تصاعدية. ويبين لنا أن موسى قد صعق لرؤية المتجلى عليه ~~فكيف لو ms3510 رأى المتجلي؟!! { فلما تجلى ربه للجبل ~~جعله دكا وخر موسى صعقا }. ويقال: خر الشيء إذا سقط من ~~أعلى إلى أسفل، ويقول الحق في آية قرآنية: # وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر ~~راكعا # [ص: 24]. والحق يخبرنا هنا: { وخر موسى صعقا } ، وصعقه تطلق ~~ويراد بها الوفاة، ولكن هنا صعقة أخرى تعبر عن الإغماءة الطويلة. وصعقة ~~الوفاة يقول فيها الحق سبحانه: # فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شآء ~~الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون # [الزمر: 68]. إذن النفخة الأولى لصعق وموت الجميع، ثم تأتي النفخة ~~الثانية للبعث. # وهنا يقول الحق: { فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك ~~}. وهذا يدل على أن الصعقة ليست هي الصعقة المميتة، وأفاق سيدنا موسى من ~~الصعقة، وانتبه إلى أنه لم يكن من اللائق أن يطلب الرؤية المباشرة لله. ~~وكما نقول: " فلان فاق لنفسه " وهنا " أفاق " موسى على حاجتبن اثنتين، ~~أفاق من الغشية التي حصلت له من الصعقة، وكأنه تساءل: لماذا انصعقت؟ ~~لقد انصعق لأنه سأل ربنا ما ليس له به علم: { فلمآ أفاق قال ~~سبحانك } ، وساعة تسمع كلمة " سبحانك " اعرف أنه يراد بها التنزيه ~~لله من الحدث الذي نحن بصدده وهو رؤيته - تعالى - أي تنزيها لك يا رب أن ~~يراك مخلوقك لأن الرؤية قدرة بصر على مرئي، ومعنى: " رأيت الشيء " أي أن ~~عين البشر قد قدرت على الشيء، ولو أننا نحن المخلوقين رأينا الله بقانون ~~الضوء، فهذا يعني أن أبصارنا تقدر على ربنا وهذا لا يمكن أبدا لأن ~~المقدور لا ينقلب قادرا، والقادر لا ينقلب مقدورا. { فلمآ أفاق ~~قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين } ~~[الأعراف: 143]. وتوبة موسى هنا من أنه سأل الله ما ليس له به علم، ولأنه ~~لم يقف عند التجليات المخالفة لنواميس الكون، وأن ربنا قد أعطاه بدون ~~أن يسأل، لقد كلمه الله، فلماذا يصعد المسألة ويطلب الرؤية؟ ولماذا لم ~~يترك الأمور للفيوضات التي يعطيها الله له ويتنعم بفيض جود لا ببذل ~~مجهود؟. ويقرر موسى ويقول: { وأنا أول المؤمنين } ، أي ms3511 ~~بأن ذاتك - سبحانك - لا يقدر مخلوق أن يراها ويدركها. لقد شعر موسى ببعض ~~من انكسار الخاطر لأنه طمح إلى ما يفوق استطاعته وقال: { سبحانك ~~تبت إليك وأنا أول المؤمنين } وكأنه قد فهم ما ~~أوضحه الحق له: لا تلتفت إلى ما منعتك، ولكن انظر إلى ما أعطيتك: { قال ~~يموسى إني... }. ### || [7.144] # والاصطفاء هو استخلاص الصفوة، وقوله: { اصطفيتك على الناس } ~~تعبير فيه دقة الأداء أنه لو قال اصطفيتك فقط، ولم يقل على الناس، فقد ~~يفهم الاصطفاء على الملائكة أيضا. ولكن الاصطفاء هنا محدد في دائرة ~~الاصطفاء البشري: { إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي }. ولقائل أن يقول: إن الحق اصطفى غيره أيضا من الرسل، ~~والحق هو القائل: # إن الله اصطفى ءادم ونوحا.. # [آل عمران: 33]. ونقول: هناك فرق بين اصطفاء رسالة منفردة، وبين اصطفاء ~~في رسالة ومعها شيء زائد، وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إذا جئت ~~كمدرس لتلاميذ وأعطيت واحدا منهم هدية عبارة عن قلم كمكافأة، ثم أعطيت ~~الثاني قلما وزجاجة حبر، أنت بذلك اصطفيت التلميذ الأول بهدية القلم، ~~واصطفيت الآخر باجتماع قلم وزجاجة حبر في هدية واحدة. والاصطفاء هنا ~~لموسى بالرسالة كما اصطفى غيره من الرسل بالإضافة إلى شرف الكلام: { ~~اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي }. وعرفنا من ~~قبل أن " رسالاتي " هي في مجموعها رسالة واحدة، ولكن الرسالة مع سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم استمرت جزئياتها ثلاثا وعشرين سنة في ~~النزول، فكأن كل نجم رسالة، أو كل باب من أبواب الخير رسالة، فهي رسالات ~~متعددة، أو أن رسالته جمعت رسالات السابقين: { قال يموسى إني ~~اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ مآ ~~آتيتك وكن من الشاكرين } [الأعراف: 144]. أي لا تنظر إلى ~~ما منعتك، بل اذكر أني اصطفيتك وكلمتك وعليك أن تشكر لي هذا. ولذلك يجب ~~على الإنسان المؤمن حين يتلقى قضاء الله فيه أن ينظر دائما إلى ما بقي ~~له من النعم. لا إلى ما سلب عنه من النعم. ولذلك نجد المؤمن المتفاءل ~~ينظر إلى الكوب الذي نصفه مملوء بالماء فيقول: الحمد ms3512 لله نصف الكوب ملآن. ~~أما المتشائم فيقول: إن نصف الكوب فارغ، وبرغم أن كلا منهما يقرر ~~الحقيقة إلا أن المؤمن المتفائل نظر إلى ما بقي من نعم الله. إننا نجد ~~ابن جعفر حين ذهب للخليفة الأموي في دمشق وجرحت رجله في أثناء السير من ~~المدينة إلى دمشق، ولم تكن هناك عناية طبية فتقيحت، وحين أحضروا له ~~الأطباء وقرروا قطع رجله، قال بعض الحاضرين: التمسوا له مرقدا أي دواء ~~تخدير يجعله لا يحس بالألم، فقال: لا، فإني لا أريد أن أغفل عن ربي لحظة ~~عين، فلما قطعوها أخذوها ليدفنوها، فقال هاتوها. فأحضروها له وأمسك بها ~~وقال: اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو فقد عافيت في أعضاء. هذه نظرة ~~المؤمن الذي لا ينظر إلى ما أخذ منه بل ينظر إلى ما بقي له. وكذلك كان ~~توجيه الحق لموسى عليه السلام، فقد أوضح له: لا تنظر إلى أني منعتك ~~الرؤية، لا، بل انظر الاصطفاء وشرف الكلمة إلى الخالق واشكر ذلك. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { وكتبنا له في الألواح... }. ### || [7.145] # والكتب هو الرقم بقلم على ما يكتب عليه من ورق أو جلد أو عظم أو أي ~~شيء، وعندما يقول ربنا: { وكتبنا } فالله لم يزاول الكتابة بنفسه، ~~ولكن أرسله من الملائكة يكتبون بأمر من الحق وهو القائل: # إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا.. # [يس: 12]. وكتابة الرسل من الملائكة لأعمالنا هي بالأمر من الله، ومرة ~~ينسب الأمر إلى الأعلى، أو ينسب إلى المباشرة أو إلى الواسطة: { ~~وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ~~وتفصيلا }. ونحن نعرف الألواح، وكنا نكتب عليها قديما. وللكتابة ~~على الألواح سبب، فقديما كانوا يكتبون على أي شيء مبسوط، وتبين لنا ~~الآثار أن هناك كتبا مكتوبة على جلود الحيوانات، مثلا نجد قدماء ~~المصريين قد كتبوا على الأحجار، مثل حجر رشيد الذي أتاح لنا معرفة ~~تاريخهم. وكان العرب يكتبون على القحف المأخوذ من النخل، وكذلك كتبوا على ~~عظام الذبائح، أخذوا منها قطعة العظم المبسوطة مثل عظم اللوح وكتبوا ~~عليها، وكانت هذه ms3513 الوسيلة مشهورة جدا لديهم، وصار كل مكتوب عليه يسمونه ~~لوحا. { وكتبنا له في الألواح من كل شيء.. } ~~[الأعراف: 145]. وقوله سبحانه: { من كل شيء } يعني: من كل شيء ~~تتطلبه خلافة الإنسان في الأرض في الوقت المناسب له فالرسل تأتي بعقيدة، ~~لكن قد يأتي تشريع مناسب للفترة الزمنية التي جاء فيها الرسول، ويضيف ~~الله لرسول آخر يأتي من بعده، إلى أن جاء محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالمنهج المكتمل إلى قيام الساعة. لقد أوضح سبحانه أنه كتب في الألواح ~~الموعظة والتفصيل لمنهج الحياة، والموعظة تعني ألا تنشئ حكما للسامع، ~~بل تعظه بتنفيذ ما علم له من قبل، ولذلك يقال: واعظ وهو الذي لا ينشئ ~~مسائل جديدة. بل يعرف أن المستمع يعلم أركان الدين ويعظه بما يعلم. وقوله ~~الحق سبحانه: { وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة } أي ~~أن الكلام لم يأت مجملا، بل يأتي بالتفصيل، ويأمر الحق موسى أن يقبل على ~~الموعظة والتفصيلات التي في الألواح بقوة. ولماذا جاء الأمر هنا بأن ~~يأخذها بقوة؟ لأن الإنسان حين يؤمر أمرا قد يكون الأمر مخالفا لرتابة ~~ما ألف، وحين ينهي نهيا قد يكون هذا النهي مخالفا لرتابة ما ألف. ~~وبذلك ينزع هذا النهي أو ذلك الأمر الإنسان مما ألف، ويأخذه ويخرجه عما ~~اعتاد. إن الإنسان في هذه الحالة يحتاج إلى قوة نفس تتغلب على الشهوة ~~الرتيبة التي تخلقها العادة، ولذلك فمن يريد أن يقبل على منهج الله فعليه ~~أن يعرف أن المنهج سوف يخرجه مما ألف، ولا بد أن يقبل على المنهج بقوة ~~وعزم ليواجه إلف النفس، لأن إلف النفس قد يقول للإنسان: لا تفعل، ~~والمنهج يقول له: " افعل " وعلى المؤمن - إذن - أن يأخذ التكاليف بقوة، ~~لأن شهوات النفس تحقق متع الدنيا الزائلة، والمنهج يعطي متعة طويلة ~~الأجل. # إن الشهوة قد تحقق للإنسان لذة على مقدار قدرته واستعداده، لكن التكليف ~~يعطي للمؤمن نفعا يتناسب مع طلاقة قدرة الله في النفع. إذن لا بد أن ~~تشحن نفسك بما يعطيه الله لك من المنهج، وإياك ساعة أن ترى ms3514 المنهج ~~مطالبا لك ببعض من الجهد أن تقول: إن تلك أمور صعبة لأنك لست وحدك في ~~المنهج، بل معك غيرك. فإذا قال لك: لا تسرق، إياك أن تقول: أيحدد المنهج ~~حريتي؟ لا، لا تنظر إلى أن حظر وتحريم السرقة هو تحديد لحريتك بل هو ~~صيانة لك من أن يعتدي عليك آخرون فقد قال المنهج للناس كلهم لا تسرقوا ~~منه وأنت الكاسب في هذه الحالة. ويتابع الحق بيان ما في الألواح من قيم ~~فيقول سبحانه: { وأمر قومك يأخذوا بأحسنها }. " أحسن ~~" تفيد أن هناك مرتبة أقل منها وهي " حسن " فأمرهم الحق أن يتركوا الحسن ~~ويأخذوا بالأحسن، ونعلم أن الإنسان من الأغيار، إذا ما أصابته مصيبة من ~~أحد يعتبره غريما له، فإذا ما كان للإنسان غريم تحركت نوازع نفسه إلى ~~عقابه بمثل ما أصابه به. وهذا ما يبيحه الله في القصاص، ولكن الله يطلب ~~من المؤمن إن قدر على نفسه أن يعفو، إذن فالعقوبة بالقصاص أو بغيره ما ~~دامت مشروعة من الله بمثل ما عوقبت فهذه مرتبة الحسن، لكن إذا تركت نوازع ~~نفسك وعفوت فهذه مرتبة " الأحسن " ، وجاءت هذه الترقيات لأن الحق سبحانه ~~وتعالى خلق في الإنسان عواطف وغرائز، وللعواطف والغرائز مهمة في حركة ~~الحياة، ولكن العواطف لا يمكن أن يسيطر عليها الإنسان، ولذلك لا يقنن ~~الله للعاطفة ولكنه سبحانه يقنن للغرائز. كيف؟. نحن نعلم أن " حب الطعام ~~" غريزة، ولكن يجب ألا يصل حب الطعام إلى مرتبة النهم والشره. وأيضا " ~~بقاء النوع " أو المتعة الجنسية أوجدها الحق من أجل بقاء النوع. لكن لا ~~يصح أن تتحول إلى درجة الشرود والوقوع في أعراض الناس وانتهاك حرماتهم، ~~وحب الاستطلاع غريزة، والذين اكتشفوا الكشوف العلمية جاءت أعمالهم من حب ~~استطلاعهم على أسرار الوجود. لكن لا يصح ولا ينبغي أن يصل حب الاستطلاع ~~إلى التجسس الاستذلالي. إن للإنسان غرائز يعليها الشرع أما الحب فهو ~~مسألة عاطفية. فالمشرع، يقول لك: أحبب من شئت وأبغض من شئت، ولكن لا تظلم ~~من أبغضته ولا تظلم الناس لحساب من أحببت. ولنا ms3515 في رسول الله أسوة حسنة ~~حين قال: # " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين ~~". # فقال عمر: كيف؟. وكررها رسول الله فعلم عمر - رضي الله عنه - بفطرته أن ~~ذلك أمر تكليفي. وعرف أن الحب المراد هو الحب العقلي. فيقول المؤمن ~~لنفسه: من أنا لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. وكل مؤمن يحب رسول ~~الله حبا عقليا، وقد يتسامى إلى أن يصير حبا عاطفيا. والإنسان ~~منا - كما قلنا سابقا - يحب الدواء بعقله لا بعاطفته لأنه مر، ولكنه ~~يغضب إن اختفى الدواء من الأسواق ويفرح بمن يأتي له به. إذن التكليف ~~يتطلب الحب العقلي. ومن أخبار سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~عندما مر أمامه قاتل أخيه زيد بن الخطاب فقال له عمر: ازو نفسك عني فأنا ~~لا أحبك، فرد الرجل بكل جرأة إيمانية: أو عدم حبك لي يمنعني حقا من ~~حقوقي؟. قال عمر: لا، قال الرجل: إنما يبكي على الحب النساء. والحق يقول ~~هنا: { يأخذوا بأحسنها } فمثلا، حين يقتل إنسان فلولي ~~الدم أن يقتص، لكن الحق يحنن قلب ولي الدم على القاتل فيقول: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف.. # [البقرة: 178]. وحين يسمي الحق القاتل أخا فهو يهدئ من صراع العواطف ~~ويخفف من رغبة الانتقام. ويقول سبحانه أيضا: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. ونجده سبحانه يؤكد أن مثل هذا الأمر من " عزم الأمور " ~~لأنه أمر يتطلب الصبر والمغفرة. وما دام المؤمن قد استطاع أن يصبر وأن ~~يغفر لغريم له، أفلا يصبر إذا نزلت مصيبة عليه بدون غريم كمرض مفاجئ أو ~~افتقاد حبيب؟. من إذن غريمك في المرض؟ وممن تغضب، وعلى من تهيج وإلى أين ~~انفعالك؟ ولذلك يقول لك الحق سبحانه: # واصبر على مآ أصابك.. # [لقمان: 17] أي مما لا غريم لك فيه، ويوضح لك سبحانه: # إن ذلك لمن عزم الأمور # [لقمان: 17]. ونلحظ أن الحق هنا لم يؤكد " باللام " لكنه أكد الأخرى " ~~باللام " لأن لك غريما يهيجك ساعة أن تراه، وفي ms3516 الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها يقول الحق لسيدنا موسى: { وأمر قومك يأخذوا ~~بأحسنها }. يعني إذا وجدت لهم ذريعة ووسيلة وسببا إلى شيء ويوجد ~~ما هو أحسن فأمرهم أن يأخذوا بالأحسن، لماذا؟ لأن الإنسان إذا روض ~~نفسه وذللها وعودها على الأحسن يكون قد فهم عن الله. ونفرض أن واحدا ~~أساء إليك ويمكنك أن تسيء إليه، فعليك أن تراعي في ردك للإساءة أن تكون ~~بقدرها مصداقا لقوله الحق سبحانه: # فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. # [النحل: 126]. ولكن من منا يتصف بالدقة في الموازين النفسية حتى يستطيع ~~أن يعرف المثلية بالهوى؟ فإن كان هناك من صفعك وتريد أن ترد الصفعة، فمن ~~أين لك أن تقدر حجم الألم الذي في صفعتك له؟. لا يمكن لك أن تحدد هذا ~~القدر من الألم لأن هذه مسألة تتناسب مع القوة. # إذن لماذا تدخل نفسك في متاهات، ولماذا لا تعفو وينتهي الأمر؟ وحين يدلك ~~الحق على أن العفو أحسن، إنما يريد بذلك أن ينهي شراسة النفوس وضغن ~~الصدور. فحين يقتل إنسان إنسانا آخر سيكون هناك قصاص ودم، ولكن إذا ~~عفا ولي الدم تكون حياة المعفو عنه هبة من ولي الدم فيستحي القاتل - ~~بعد ذلك - أن يجعل أية حركة من حركات هذه الحياة ضد ولي الدم أو من ينسب ~~إلى ولي الدم، وحينذاك تنتهي أي ضغينة أو رغبة في الثأر، ولذلك نجد ~~البلاد التي تحدث فيها الثأرات وتستشري فيها عادة الأخذ بالثأر - مثل ~~صعيد مصر - نجد القاتل إذا ما أخذ كفنه على يده ودخل على ولي الدم وقال ~~له: أنا جئت إليك.. يعفو عنه ولي الدم وتفهم العائلة كلها أن حياة ~~المطلوب للثأر صارت هبة من ولي الدم، وتصفى الثأرات وتنتهي. ولذلك جاء ~~الأمر من الحق بالأخذ بالأحسن: { وأمر قومك يأخذوا ~~بأحسنها }. ومثال آخر على الأخذ بالأحسن، قد نجد مدينا غير قادر ~~أن يوفي الدين، هنا نجد الحق يقول: # فنظرة إلى ميسرة.. # [البقرة: 280]. اقترض الرجل لأنه محتاج لأن القرض لا يكون إلا عن حاجة، ~~وهو عكس السؤال الذي قد ms3517 يكون عن حاجة أو عن غير حاجة، ولهذا نجد ثواب ~~القرض أكثر من ثواب الصدقة لأن المقترض لا يقترض إلا عن حاجة، ولأن ~~المتصدق حين يتصدق بشيء من ماله يكون قد أخرج هذا المال من نفسه ولم يعد ~~يتعلق به. لكن القرض تتعلق به النفس، فكلما صبر المقرض مع تعلق نفسه ~~بماله أخذ أجرا، وهكذا يكون القرض أحسن من الصدقة. إذن فهناك حسن ~~وهناك أحسن، الحسن هو أن تأخذ حقك المشروع، والأحسن أن تتنازل عنه، ومن ~~يتنازلون هم الفاهمون عن الله فهما واسعا، ولنا المثل والأسوة في سيدنا ~~الحسن البصري - رضي الله عنه - الذي أحسن لمن أساء إليه فقال كلمته: " ~~ألا نحسن إلى من جعل الله في جانبنا ". ودائما أضرب هذا المثل - ولله ~~المثل الأعلى - هب أن إنسانا عنده أولاد وأساء واحد منهم للآخر. نجد قلب ~~الأب يكون مع من أسيء إليه، وكذلك الأمر فينا نحن خلق الله. إن أساء ~~واحد من خلق الله إلى واحد آخر من خلق الله نجد رب الخلق مع من أسيء ~~إليه، وعلى من أسيء إليه أن يقول: هذا الإنسان الذي أساء إلي قد جعل ~~ربنا في جانبي ولذلك فهو يستحق أن أحسن إليه. ولهذا يقول الحق سبحانه: # الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.. # [الزمر: 18]. وفي آية ثانية يقول الحق: # واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم.. # [الزمر: 55]. ويذيل الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: { ~~سأوريكم دار الفاسقين }. ودار الفاسقين هي النار، وكأن الحق ~~هنا يقول: سأريكم النار، ونعلم أن كل البشر سيمرون عليها ويرونها، ولكن ~~المؤمنين سيعبرونها ويردون عليها ويدخلون الجنة. ولقائل أن يقول: ولماذا ~~تأتي سيرة النار هنا؟ ونقول: جاءت سيرة النار ليرهب ويخيف النفس ويحملها ~~على أن تبتعد عن كل ما أمر يقرب إلى النار. والقول هنا أيضا لبني ~~إسرائيل الذين نصرهم الحق على قوم فرعون وأخذوا منهم الكنوز والمقام ~~الكريم. وكأن الحق يقول لهم: إن كنتم تحبون أن يكون مآلكم مثل مآل قوم ~~فرعون فافعلوا مثلهم، وإن كنتم لا تريدون ms3518 هذا المآل فالتزموا منهج الحق. ~~إذن فقوله الحق: { سأوريكم دار الفاسقين } معناه حملهم على ~~ما في الألواح من عظة، وعلى أن يأخذوه بقوة، وعلى أن يتبعة أحسن ما أنزل ~~الله. أو { دار الفاسقين } هي المدائن التي دمرت وخربت بتمرد ~~وكفر وعصيان أهلها وفسقهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل الله بكم ~~مثل نكاله بهم، وأنتم تمرون عليها في الغدو والرواح. ويقول الحق بعد ذلك: ~~{ سأصرف عن آياتي... }. ### || [7.146] # والآيات جمع آية وهي الأمر العجيب، وتطلق ثلاث إطلاقات، فإما أن تكون ~~آية كونية مثل قوله تعالى: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # [آل عمران: 190]، وإما أن تكون آية دلالة على صدق الرسول في البلاغ، ~~وإما أن تكون آية قرآنية فيها حكم من أحكام الله، وهنا يقول الحق: { ~~سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير ~~الحق.. } [الأعراف: 146]. إذن يوضح سبحانه هنا أنه سيصرف الذين ~~يتكبرون في الأرض بغير الحق عن أن ينظروا نظر اعتبار في آيات الكون، أو ~~أن الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق سيبطل كيدهم في أن يتجهوا للحق ~~بالهدم لأن الواحد من هؤلاء ساعة يرى آية من آيات الله سينظر إليها على ~~أنها سحر، أو شعوذة، أو أن يقول عنها إنها ضمن أساطير الأولين. إذن وجه ~~الصرف أن يسلط الحق عليه من الكبر ما يجعله غير قادر على وزن الآية ~~بالميزان الصحيح لها، والمتكبر هو من ظن أن غيره أدنى منه وأقل منزلة، ~~ومقومات الكبر قد تكون قوة، لكن ألم ير المتكبر قويا قد ضعف؟ وقد يكون ~~الثراء من مقومات التكبر، لكن ألم ير المتكبر غنيا قد افتقر؟ أو يكون ~~المتكبر صاحب جاه، ألم ير ذا جاه صار ذليلا؟. إذن فمن يتكبر، عليه أن ~~يتكبر بشيء ذاتي لا يسلب منه أبدا. فإذا ما أردت أن تطبق هذا على ~~البشر فلن تجد واحدا يستحق أن يكون متكبرا أبدا لأنه لا يوجد في ~~الإنسان خاصية ذاتية فيه تلازمه ولا تفارقه أبدا، بل كلها موهوبة، ومن ms3519 ~~الأغيار التي تحدث وقد تزول. فكلها من الله وليست أمورا ذاتية لأن القوة ~~فيك إن كانت ذاتية فحافظ عليها، ولن تستطيع. وإن كان الثراء ذاتيا ~~فحافظ على غناك أبدا، ولن تستطيع. وإن كانت العزة ذاتية فحافظ على عزتك ~~أبدا ولن تستطيع. إذن فمقومات الكبرياء في البشر غير ذاتية. وقوله ~~سبحانه: { يتكبرون في الأرض بغير الحق } يفيد أن هناك ~~كبرياء بحق لمن يملك في ذاته كل عناصر القوة والثراء والجاه والعزة، ~~ولذلك فالكبرياء لله وحده. واعلموا أن كل متكبر في الأرض لا يخطر الله ~~بباله لأنه لو خطر الله بكماله وجلاله في باله لتضاءل لأن الله يخطر فقط ~~ببال المتواضعين من الناس، ولذلك نضرب هذا المثل: إننا نجد من حولنا ~~إنسانا هو الرئيس الأعلى، وهناك رئيس لطائفة ومرؤوس لآخر، وهناك مرؤوس ~~فقط. والرئيس المرؤوس لا يستطيع أن يجلس مع المرؤوسين له بتكبر ويضع ~~ساقا على ساق ويعطي أوامر لأنه قد يلتفت فيجد رئيسه وقد دخل عليه. فلو ~~فعل الرئيس المرؤوس ذلك لضحك منه المرؤوسون له. # فكذلك الناس الذين لا يستحضرون الله في بالهم نجدهم مثار سخرية، لكن ~~الذين يستحضرون الله الذي له الكبرياء في السماوات والأرض لا يتكبرون ~~أبدا. إنه سبحانه يصرف عن المتكبرين النظر في الآيات الكونية فلا ~~يعتبرون، ويصرف عنهم تصديق الآيات الدالة على نبوة الأنبياء، ويصرف عنهم ~~القدرة على تصديق أحكام القرآن، ويطبع على قلوبهم، فما بداخل هذه القلوب ~~من الكفر لا يخرج، وما في خارج هذه القلوب من الإيمان لا يدخل. وهم برغم ~~حركتهم في الحياة إلا أن الحق يعجزهم عن رؤية آياته في الكون. { وإن ~~يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل ~~الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي ~~يتخذوه سبيلا.. } [الأعراف: 146]. وحين يرى أهل الكبر الآية ~~الكونية أو الآية الإعجازية أو آيات الأحكام فهم لا يؤمنون بها، وحين ~~يرون سبيل الرشد لا يتخذونه سبيلا لأن سبيل الرشد يضغط على شهوات النفس ~~وهواها، فينهى عن السيئات وهم لا يقدرون على كبح جماح شهواتهم ms3520 لأنها ~~تمكنت منهم، ولكن سبيل الغي يطلق العنان لشهوات النفس، ولا يكون كذلك ~~إلا إذا غفل عن معطيات الإيمان الذي يحرمه من شيء ليعطيه أشياء أثمن، ~~وهكذا تكون نظرة أهل الكبر سطحية. ونلحظ أن كلمة السبيل تأتي مرة كمذكر ~~كقوله { لا يتخذوه سبيلا } ، ومرة تأتي مؤنثة، فالحق يقول: { ~~قل هذه سبيلي }. وهنا يقول الحق عن الذين يتبعون سبيل الغي من ~~أهل الكبر: { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا ~~عنها غافلين }. وقديما قلنا إن الغفلة لا توجب الجزاء عليها لأن ~~الغافل ساه وناس، ولكن هؤلاء صدفوا عن الأمر صدوفا عقليا مقصودا، ~~لدرجة أنهم لا يعيرون الإيمان أي التفات. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~والذين كذبوا... }. ### || [7.147] # وقد جاء لفظ الآيات هنا أكثر من مرة، فقد قال الحق: { وإن يروا ~~كل آية لا يؤمنوا بها }. ويقول أيضا: { ذلك ~~بأنهم كذبوا بآياتنا }. ويقول سبحانه: { والذين ~~كذبوا بآياتنا }. إذن فالمسألة كلها مناطها في الآيات الكونية ~~للاستدلال على من أوجدها، والإعجازية للاستدلال على صدق من أرسل من ~~الرسل، والقرآنية لأخذ منهج الله لتقويم واستواء حركة الإنسان. { ~~والذين كذبوا بآياتنا ولقآء الآخرة حبطت ~~أعمالهم.. } [الأعراف: 147]. ويقال: حبط الشيء أي انتفخ وورم من ~~علة أو مرض. أي أنهم في ظاهر الأمر يبدو لهم أنهم عملوا أعمالا حسنة ~~ولكنها في الواقع أعمال باطلة وفاسدة، وقد يوجد من عمل عملا حسنا ~~نافعا للناس، ولكن ليس في باله أنه بفعل ذلك إرضاء لله، بل للشهرة ~~لينتشر ذكره ويذيع صيته ويثني الناس عليه، أو للجاه والمركز والنفوذ. ~~ولذلك حين # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الشهيد؟. قال: " من قاتل لتكون ~~كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ". # لأن الرجل قد يقاتل حمية، أو ليعرف الناس مثلا أنه شجاع. إذن فهناك من ~~يعمل عملا ليفتخر به. ويقال مثلا: إن الكفار هم من اكتشفوا الميكروب ~~وصعدوا إلى الفضاء. ونقول: نعم لقد أخذوا التقدير من الناس لأن الناس ~~كانت في بالهم، ولن يأخذوا التقدير من الله لأنهم عملوا أعمالهم وليس في ~~بالهم الله. ms3521 والإنسان يأخذ أجره ممن عمل له، والله سبحانه وتعالى لن ~~يضيع أجر أعمالهم الحسنة، بل أعطى لهم أجورهم في الدنيا، لكن حرث الآخرة ~~ليس لهم. # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها.. # [الشورى: 20]. فمن زرع وأحسن اختيار البذور، واختيار التربة وروى بنظام ~~يأتي له الزرع بالثمر لأنه أخذ بالأسباب، وهذا اسمه عطاء الربوبية وهو ~~عطاء عام لكن من خلق الله، مؤمنا كان أو كافرا، عاصيا أو طائعا، ~~لكن عطاء الألوهية يكون في اتباع المنهج ب " افعل ولا تفعل " وهذا خاص ~~بالمؤمنين، فإذا ما أحسنوا استعمال أسباب الحياة في السنن الكونية. ~~يأخذون حظهم منها، والكافرون أيضا يأخذون حظهم منها إذا أحسنوا الأخذ ~~بالأسباب ويكون ذلك بتخليد الذكرى وإقامة التماثيل لهم. وأخذ المكافآت ~~والجوائز وحفلات التكريم. أما جزاء الآخرة فيأخذه من عمل لرب الآخرة، أما ~~من لم يفعلوا من أجل لقاء الله فهو سبحانه يقول في حقهم: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. وكذلك يقول: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء.. # [النور: 39]. فالكافرون مثلهم مثل الظمآن الذي يسير في صحراء ويخيل له ~~أن أمامه ماء، ويمشي ويمشي فلا يجد ماء. # أما غير الظمآن فلا يهمه إن كان هناك ماء أو لا يوجد ماء، فالظمآن ساعة ~~يرى السراب يمني نفسه بأن المياه قادمة وأنه سيحصل عليها. # كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه ~~لم يجده شيئا.. # [النور: 39]. وليس المهم أنه لم يجده شيئا، بل يفاجأ: { ووجد ~~الله عنده }. إنه يفاجأ بأن الإله الذي كان لا يصدق بأنه موجود ~~يجده أمامه يوم القيامة فيوفيه حسابه ويجزيه على عمله القبيح. إذن فإن ~~عمل الإنسان عملا فلينتظر الأجر ممن عمل له، وإن عمل الإنسان عملا ~~وليس في باله الله فعليه ألا يتوقع الأجر منه، وعلى الرغم من ذلك يعطي ~~الله لهؤلاء الأجر في قانون نواميس الحياة الكونية لأن من يحسن عملا ~~يأخذ جزاءه عنه. { والذين كذبوا بآياتنا ولقآء ~~الآخرة حبطت ms3522 أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون } [الأعراف: 147]. هم إذن كذبوا بآيات الله، وكذبوا باليوم ~~الآخر، ولم يعملوا وفق منهج الإيمان، فلهم جزاء وعقاب من الحق الذي أنزل ~~هذا المنهج، ولكنهم أعرضوا عنه وكذبوه. ولذلك يقول سبحانه: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف: 103-104]. ويقول الحق بعد ذلك: { واتخذ قوم موسى من ~~بعده من... }. ### || [7.148] # وقوله: { من بعده } أي من بعد ذهابه لميقات ربه بعد أن قال لهارون: ~~{ اخلفني في قومي }. بعد ذلك اتخذ قوم موسى من حليهم عجلا جسدا ~~له خوار، ونعرف أن الحلي هو ما يتزين به من الذهب، والجواهر والأشياء ~~الثمينة، وسيد هذه الحلي هو الذهب دائما، ونعلم أن الصائغ الماهر يشكل ~~الذهب كما يريد، وإن انكسر يسهل إصلاحه، كما أن كسر الذهب بطيء، ولذلك ~~يقال: إن الذهب كالإنسان الطيب، كسره بطيء، وانجباره سهل. وساعة نسمع ~~كلمة " زينة " قد يدخل فيها الماس والزمرد، والياقوت، لكن الذهب سيد هذه ~~الحلي. ونعلم أن العالم مهما ارتقى، فلن يكون هناك رصيد لأمواله إلا ~~الذهب، ولذلك لم يأت سبحانه بالياقوت، أو بالجواهر، أو بالماس. ولذلك إذا ~~أطلقت كلمة " الحلي " فالمراد بها الذهب. وهذه الزينة هي التي صنع منها ~~موسى السامري تمثال العجل، وبطبيعة الحال أخذ الحلي الذهبية لأن الماس ~~والجواهر لا يمكن صهرها. لكن من أين جاء قوم موسى بالحلي وقد كانوا ~~مستضعفين، ومستذلين؟ لقد احتالوا على أهل مصر وأخذوا منهم الحلي كسلفة ~~سيردونها من بعد ذلك. ثم جاء رحيلهم فأخذوا الحلي معهم! وغرق قوم فرعون ~~وبقيت الحلي مع قوم موسى، وصنع موسى السامري من ذهب هذه الحلي عجلا، ~~والعجل هو الذكر من ولد البقر، وساعة تسمع قوله: { عجلا جسدا } أي ~~أنه محجم، أي له حجم واضح. وأخذ أهل التفسير من كلمة " جسدا " أن ~~ذلك العجل هو بدن لا روح له، مثلما نقول: " فلان هذا مجرد جثة ". أي كأنه ~~جثة بلا روح. وقوله الحق: { عجلا جسدا له خوار } ، هذا القول ms3523 ~~يدل على أن جسدية العجل لم تكن لها حياة لأنه لو كان جسدا فيه روح لما ~~احتاج إلى أن يقول عجلا جسدا له خوار، ولاكتفي بالقول بأنه عجل. لكن ~~قوله سبحانه: { له خوار } دليل على أن الجسدية في العجل لا تعطي له ~~الحياة. وجاء بالوصف في قوله: { له خوار } والخوار هو صوت البقر. ~~وقد صنعه من الذهب وكأنه يريد أن يتميز عن الآلهة التي كانت من الأحجار، ~~وحاول أن يجعله إلها نفيسا، فصنعه - كما نعرف - من الحلي المسروقة، ~~وصنعه بطريقة أن هذا العجل الجسد إذا ما استقبل من دبره هبة الهواء صنعت ~~وأحدثت في جوفه صوتا يشبه صوت وخوار البقر الذي يخرج من فمه، وهذه ~~المسألة نراها في الناي وهو أنبوبة من القصب مما يسمى الغاب البلدي وتصنع ~~به ثقوب، ويعزف عليه العازف ليخرج منه النغمة التي يريدها. وحين صنع موسى ~~السامري العجل بهذه الحيلة، حدث هذا الصوت مشابها لخوار البقر. # وقصة هذا العجل تأتي في سورة طه بوضوح وسنتعرض لها حين نتعرض بخواطرنا ~~الإيمانية لسورة طه بإذن الله: { عجلا جسدا له خوار ألم ~~يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ~~اتخذوه وكانوا ظالمين } [الأعراف: 148]. ولماذا اختار ~~السامري العجل؟ لأنهم حين خروجهم من مصر، رأوا قدماء المصريين وهم يعبدون ~~العجل لمزية فيه، فقد كانوا يرون فيه مظهر قوة، كما عبد الآخرون الشمس ~~حين رأوا فيها مظهر قوة، وكذلك من عبدوا القمر، والنجوم. وقدماء المصريين ~~عبدوا العجل لأن فيضان النيل كان يغمر الأرض بالمياه، وكانوا يستخدمون ~~العجل. حين يريدون حرث الأرض. وكان أيدا، أي قويا وشديدا في حرث ~~الأرض وهذا مظهر من مظاهر القوة، ولكن كيف اتخذ قوم موسى من بعده عجلا ~~يعبدونه بعد أن أتم عليهم الله المنة العظيمة حين أنجاهم وأغرق فرعون ~~وآله؟. وهنا أوضح لنا الله أنه جاوز ببني إسرائيل البحر ومروا على قوم ~~يعبدون الأصنام فقالوا لموسى عليه السلام: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. ~~ويأتي القول من الحق: { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا ms3524 اتخذوه وكانوا ظالمين } [الأعراف: ~~148]. وهذه قضية تهدم كل عبادة دون عبادة الله لأن العبد لا بد أن يتلقى ~~من المعبود أوامر، وأن يكون عند المعبود منهج يريد من العبد أن ينفذه، ~~وأن يأتي المنهج بواسطة رسل يبلغون رسالات الله وكلام الله للبشر. أما ~~الذين يعبدون الشمس - مثلا - فنسألهم: لماذا تعبدونها؟ وما المنهج الذي ~~أرسلته الشمس لكم؟. إن العبادة هي طاعة العابد للمعبود في " افعل " و " ~~لا تفعل " فهل قالت لكم الشمس " افعلوا " و " لا تفعلوا "؟ لا لأنه لا ~~توجد واسطة كلامية تقول لكم المنهج، وكيف يوجد - إذن - معبود بدون منهج ~~للعابد؟ وهل قالت: إن من يعبدني سأشرق عليه، وأعطيه الضوء والحرارة، ومن ~~لا يعبدني فلن أعطيه شيئا من ذلك؟ لم تقل الشمس ذلك فهي تعطي من آمن بها ~~ومن كفر، ولم ترسل خبرا عن الآخرة وقيام القيامة. وهكذا يبطل أمامنا كل ~~عبادة لغير الله من ناحية أن العبادة تقتضي أمرا ونهيا، في " افعل " و " ~~لا تفعل " ولم يقل معبود من هؤلاء ما الذي نطيعه وما الذي نعصاه. والأصل ~~في المعبود أنه يهدي العابد السبيل الموصل إلى خيره في الدنيا وفي ~~الآخرة. لذلك يقول الحق: { ألم يروا أنه لا يكلمهم ~~ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين }. و { ~~وكانوا ظالمين } لأنهم أعطوا حقا لمن ليس له الحق، والحق سبحانه ~~أعلى قمة في الحق، ولذلك قال عن الشرك به: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. ويقول الحق بعد ذلك: { ولما سقط في ~~أيديهم... }. ### || [7.149] # هذا يوضح لنا أن عبادة العجل بين قوم موسى صار لها جمهور. لكن الناس ~~الذين امتلكوا قدرا من البصيرة، أو بقية إيمان قالوا: هذه الحكاية ~~سخيفة، وما كان لنا أن نفعلها وندموا على ما كان، ويقال: سقط في يده، ~~وهذه من الدلالات الطبيعية الفطرية التي لا تختلف فيها أمة عن أمة، بل هي ~~في كل الأجناس، وفي كل لغة تشير إلى أن الإنسان إذا ما فعل فعلا وحدث ~~له عكس ما يفعل يعض على الأنامل ندما وغما، وهذه من الدلالات ms3525 الفطرية ~~الباقية لنا من الالتقاء الطبيعي في المخاطبات، في كل الأجناس. ويعض ~~الإنسان الأنامل لأنه عمل شيئا ما كان يصح أن يعمله، فإذا كان الشيء ~~عظيما فهو لا يكتفي بالأنملة بل يمسك يده كلها ويعضها. والحق يقول: # ويوم يعض الظالم على يديه.. # [الفرقان: 27]. و " سقط في أيديهم " أي جاءت أنيابهم على أيديهم، كأن ~~الندم بلغ أشده، إن ذلك حدث من التائبين الذين أبصروا بعيونهم ورأوا أن ~~ذلك باطل وخسران. أي قالوا: لئن لم يتداركنا الله برحمته ومغفرته لنكونن ~~من الهالكين، وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله عز وجل. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { ولما رجع موسى... }. ### || [7.150] # وكون موسى يعود إلى قومه حالة كونه غضبان أسفا، يدلنا على أنه علم ~~الخبر بحكاية العجل. والغضب والأسف عملية نفسية فيها حزن وسموها: " ~~المواجيد النفسية " ، أي الشيء الذي يجده الإنسان في نفسه، وقد يعبر عن ~~هذه المواجيد بانفعالات نزوعية، ولذلك تجد فارقا بين من يحزن ويكبت في ~~نفسه، وبين من يغضب، فمن يغضب تنتفخ أوداجه ويحمر وجهه ويستمر هياجه، ~~وتبرق عيناه بالشر وتندفع يداه، وهذا اسمه: غضبان. وصار موسى إلى ~~الحالتين الاثنتين وقدم الغضب لأنه رسول له منهجه. ولا يكفي في مثل هذا ~~الأمر الحزن فقط، بل لا بد أن يكون هناك الغضب نتيجة هياج الجوارح. ~~وقديما قلنا: إن كل تصور شعوري له ثلاث مراحل: المرحلة الأولى. مرحلة ~~إدراكية، ثم مرحلة وجدانية في النفس، ثم مرحلة نزوعيه بالحركة، وضربنا ~~المثل لذلك بالوردة. فمن يرى الوردة فهذا إدراك، وله أن يعجب بها ويسر من ~~شكلها ويطمئن لها ويرتاح، وهذا وجدان. لكن من يمد يده ليقطفها فهذا نزوع ~~حركي. والتشريع لم يقنن للإدراك أو للوجدان لكنه قنن للسلوك. إلا في غض ~~البصر عما حرم الله وذلك رعاية لحرمة الأعراض. والأسف عند موسى لن يظهر ~~للمخالفين للمنهج. بل يظهر الغضب وهو عملية نزوعية، ونلحظ أنه يأتي بكلمة ~~أسف. وهي مبالغة. فهناك فرق بين أسف وآسف، آسف خفيفة قليلا، لكن ~~أسف صيغة مبالغة، مما يدل على أن ms3526 الحزن قد اشتد عليه وتمكن منه. { قال ~~بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم.. ~~} [الأعراف: 150]. وقوله سبحانه: { أعجلتم أمر ربكم } أي ~~استبطأتموني، وهذا نتيجة لذهاب موسى لثلاثين ليلة وأتممها بعشر، فتساءل ~~موسى: هل ظننتم أنني لن آتي؟ أو أنني أبطأت عليكم؟ وهل كنتم تعتقدون ~~وتؤمنون من أجلي أو من أجل إله قادر؟. ولذلك قال سيدنا أبو بكر رضي الله ~~عنه: عندما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى: " من ~~كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا ~~يموت ". وهنا يقول سيدنا موسى: افترضوا أنكم عجلتم الأمر واستبطأتموني أو ~~خفتم أن أكون قد مت. فهل كنتم تعبدونني أو تعبدون ربنا. { أعجلتم ~~أمر ربكم وألقى الألواح } ، ونعلم أن الألواح فيها ~~المنهج، وقدر موسى على أخيه: { وأخذ برأس أخيه يجره ~~إليه } وهذا " النزوع الغضبي " الذي جعله يأخذ برأس أخيه، كأن الأخوة ~~هنا لا نفع لها، فماذا كان رد الأخ هارون:؟ { قال ابن أم إن ~~القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت ~~بي الأعدآء ولا تجعلني مع القوم الظالمين } ~~[الأعراف: 150]. نلحظ أنه قال: " ابن أم " ولم يقل: " ابن أب " لأن أبا ~~موسى وهارون طوي اسمه في تاريخ النبوات ولم يظهر عنه أي خبر، والعلم ~~جاءنا عن أمه لأنها هي التي قابلت المشقات في أمر حياته، لذلك جاء هنا ~~بالقدر المشترك البارز في حياتهما، ولأن الأمومة مستقر الأرحام لذلك أنت ~~تجد أخوة من الأم، وأخوة من الأب فقط، وأخوة من الأب والأم، والأخوة من ~~الأب والأم أمرهم معروف. # لكن نجد في أخوة الأم حنانا ظاهرا، ويقل الحنان بين الأخوة من الأب. ~~وجاء الحق هنا بالقدر المشترك بينهما - موسى وهارون - وهو أخوة الأم، وله ~~وجود مستحضر في تاريخهم. أما الأب عمران فنحن لا نعرف عنه شيئا، وكل ~~الآيات التي جاءت عن موسى متعلقة بأمه، لذلك نجد أخاه هارون يكلمه ~~بالأسلوب الذي يحننه: { قال ابن أم إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني }. وما دام قد قال: { ~~وكادوا يقتلونني } فهذا ms3527 دليل على أنه وقف منهم موقف المعارض ~~والمقاوم الذي أدى ما عليه إلى درجة أنهم فكروا في قتله، ويتابع الحق ~~بلسان هارون: { فلا تشمت بي الأعدآء ولا تجعلني مع ~~القوم الظالمين }. والشماتة هي إظهار الفرح بمصيبة تقع بخصم، ~~والأعداء هم القوم الذين اتخذوا العجل، وقد وصفهم بالأعداء كدليل على أنه ~~وقف منهم موقف العداوة، وأن موقف الخلاف بين موسى وهارون سيفرحهم، وقوله: ~~{ وأخذ برأس أخيه }.. إجمال للرأس في عمومها، وفي آية أخرى ~~يقول: { لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي }. ولقد صنع موسى ذلك ~~ليسمع العذر من هارون لأنه يعلم أن هارون رسول مثله، وأراد أن يسمعنا ~~ويسمع الدنيا حجة أخيه حين أوضح أنه لم يقصر. قال: إن القوم استضعفوني ~~لأني وحدي وكادوا يقتلونني، مما يدل على أنه قاوم مقاومة وصلت وانتهت إلى ~~آخر مجهودات الطاقة في الحياة حتى أنهم كادوا يقتلونه، إذن فهو لم ~~يوافقهم على شيء، ولكنه قاوم على قدر الطاقة البشرية، لذلك يذيل الحق ~~الآية بقوله سبحانه: { ولا تجعلني مع القوم الظالمين ~~}. وكأنه يقول: لموسى إنك أن آخذتني هذه المؤاخذة في حالة غضبك، ربما ~~ظن بي أنني كنت معهم، أو سلكت مسلكهم في اتخاذ العجل وعبادته. وأراد ~~الحق سبحانه أن يبين لنا موقف موسى وموقف أخيه فموقف موسى ظهر حين غضب ~~على أخيه وابن أمه، وموقف هارون الذي بين العلة في أن القوم استضعفوه ~~وكادوا يقتلونه، ولا يمكن أن يطلب منه فوق هذا، وحينما قال هارون ذلك ~~تنبه موسى إلى أمرين: الأمر الأول: أنه كيف يلقي الألواح وفيها المنهج؟ ~~والأمر الثاني: أنه كيف يأخذ أخاه هذه الأخذة قبل أن يتبين وجه الحق منه؟ ~~ويقول الحق على لسانه بعد ذلك: { قال رب اغفر لي... }. ### || [7.151] # قال يا رب اغفر لي إن كان قد بدر مني شيء يخالف منطق الصواب والحق. ~~واغفر لأخي هارون ما صنع، فقد كان يجب عليه أن يأخذ في قتال من عبدوا ~~العجل حتى يمنعهم أو ينالوا منه ولو مادون القتل جرحا أو خدشا أو..... ~~أو..... إلخ. ms3528 ويطلب موسى لنفسه ولأخيه الرحمة: { وأدخلنا في ~~رحمتك وأنت أرحم الراحمين } [الأعراف: 151]. وحين تسمع ~~{ أرحم الراحمين } أو { خير الرازقين } ، أو { خير ~~الوارثين } ، أو { أحسن الخالقين } ، وكل جمع هو وصف لله، ~~وإنه بهذا أيضا يدعو خلقه إلى التخلق بهذا الخلق، ويوصف به خلقه. فاعلم ~~أن الله لم يحرمهم من وصفهم بهذه الصفات لأن لهم فيها عملا وإن كان ~~محدودا يتناسب مع قدرتهم ومخلوقيتهم وعبوديتهم، فضلا على أنها عطاء ~~ومنحة منه - سبحانه - أما صفات الله فهي صفات لا محدودة ولا متناهية ~~جلالا وكمالا وجمالا فسبحانه # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]، فإذا كان خلق الله هو { أرحم الراحمين } فهذا ~~يعني أنه سبحانه لم يمنع الرحمة من خلقه على خلقه فمن رحم أخاه سمي ~~رحيما، وراحما، ولكن الله أرحم الراحمين لأن الرحمة من كل إنسان ضمان ~~لمظهرية الغضب في هذا الأحد، يقال: " رحمت فلانا " أي من غضبك عليه ~~وعقوبتك، وإن عقوبتك على قدر قوتك، لكن الله حين يريد أن يأخذ واحدا ~~بذنب فقوته لا نهاية لها، وكذلك رحمته أيضا لا نهاية لها. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { إن الذين اتخذوا... }. ### || [7.152] # حين يقال: { اتخذوا العجل } قد نجد من يتساءل: هل اتخذوه ~~مذبوحا يأكلونه؟ أو يثير الأرض أو يسقي الحرث ويدير السواقي؟ لأن العجل ~~موجود لهذه المهام، لكنهم لم يأخذوا العجل لتلك المهام، بل إنهم قد ~~اتخذوا العجل إلها ومعبودا، أما اتخاذه فيما خلق له فلا غبار عليه، ~~وهو هنا محذوف ومتروك لفطنة السامع فإذا اتخذنا العجل فيما خلق له ~~العجل لا ينالنا غضب من الله، أما الذين سينالهم غضب الله فهم من اتخذوا ~~العجل في غير ما خلق له، إنهم اتخذوه إلها: { سينالهم غضب ~~من ربهم وذلة في الحياة الدنيا }. وقوله: { ~~سينالهم } يدل على أن أوان الغضب والذلة لم يأت بعد، وسيحدث في ~~المستقبل، ومستقبل الدنيا هو الآخرة، ولكن الحق هنا يقول: إن الذلة ستحدث ~~في الدنيا، فكيف يكون { سينالهم غضب } مع أنهم تابوا ويوضح ~~سبحانه لنا ذلك في قوله: # فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم ms3529 ~~خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم.. # [البقرة: 54]. فبعضهم تاب إلى بارئه وقتل نفسه فلماذا إذن الغضب؟ ويوضح ~~الحق لنا أن الذي نالهم من الغضب هو ما ألجأهم إلى أن يقال لهم: " اقتلوا ~~أنفسكم " ، وهكذا نفهم أن قوله تعالى: { سينالهم غضب } أي قبل ~~أن يتوبوا، وقتل النفس هو منتهى الذلة ومنتهى الإهانة. { سينالهم ~~غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك ~~نجزي المفترين } [الأعراف: 152]. أي أن هذا الأمر ليس بخاصية ~~لهم، فكل مفتر يتجاوز حده فوق ما شرعه الله لا بد أن يناله هذا الجزاء ~~لأن ربنا حين يقول لنا ما حدث في تاريخهم وحين يسرد لنا هذه القصة فإنه ~~يريد من وراء ذلك - سبحانه - أن يعتبر السامع للقصة في نفسه. واعتبار ~~السامع للقصة في نفسه لا يتأتى إلا بأن يقول له الله تنبيها وتحذيرا: { ~~وكذلك نجزي المفترين } أي احذر أن تكون مثل هؤلاء فينالك ~~ما نالهم، وهو سبحانه ينبه كلا منا لينتفع من هذه العبرة وهذه اللقطة ~~فإن التاريخ مسرود لأخذ العبرة، والعظة ليتعظ بها السامع. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { والذين عملوا... }. ### || [7.153] # وهذا ما حدث، فبعد أن اتخذوا العجل، وقال لهم: اقتلوا أنفسكم توبة إلى ~~بارئكم، ثم تابوا إلى الله وآمنوا بما جاءهم، غفر الله لهم. وإذا كان ~~الحق قد قص علينا مظهرية جباريته فإنه أيضا لم يشأ أن يدعنا في مظهرية ~~الجبارية، وأراد أن يدخلنا في حنان الرحمانية. لذلك يقول هنا: { ~~والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها ~~وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم } [ ~~الأعراف: 153]. وقوله: { ثم تابوا } أي ندموا على ما فعلوا وأصروا ~~وعزموا على ألا يعودوا، ونعلم من قبل أن التوبة لها مظهريات ثلاثة ~~أولا: لها مظهرية التشريع، ولها مظهرية الفعل من التائب ثانيا، ولها ~~قبولية الله للتوبة من التائب ثالثا. ومشروعية التوبة نفسها فيها مطلق ~~الرحمة، ولو لم يكن ربنا قد شرع التوبة في ذاتها لتعب الخلق جميعا لأن ~~كل من عمل سيئة، ولم يشرع الله له التوبة سيستشري شره في عمل السيئات. ~~لكن ms3530 حين يشرع ربنا للمسيء التوبة، ويدعو العبد للكف عن السيئة فهذه رحمة ~~بالمذنب، وبالمجتمع الذي يعيش فيه المذنب. بعد ذلك يتوب العبد، ثم يكون ~~هنا مظهرية أخرى للحق، وهو أن يقبل توبته. التوبة - إذن - لها تشريع من ~~الله، وذلك رحمة، وفعل من العبد بأن يتوب، وذلك هو الاستجابة، وقبول من ~~الله، وذلك هو قمة العطاء والرحمة منه سبحانه. وقوله الحق: { والذين ~~عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا.. } ~~[الأعراف: 153]. إن هذا القول يدل على أن عمل السيئة يخدش الإيمان، ~~فيأمر سبحانه عبده: جدد إيمانك، واستحضر ربك استحضارا استقباليا لأن ~~عملك السيئة يدل على أنك قد غفلت عن الحق في أمره ونهيه، وحين تتوب فأنت ~~تجدد إيمانك وتجد ربك غفورا رحيما: { إن ربك من بعدها ~~لغفور رحيم }. إن ذنب العبد يكون فيما خالف منهج ربه في " افعل " ~~و " لا تفعل " ، وما دام العبد قد استغفر الله وتاب فسبحانه يقبل التوبة. ~~ويوضح: إذا كنت أنا غفورا رحيما، فإياكم يا خلقي أن تذكروا مذنبا ~~بذنبه بعد أن يتوب لأن صاحب الشأن غفر، فإياك أن تقول للسارق التائب: " ~~يا سارق " ، وإياك أن تقول للزاني التائب: " يا زاني " ، وإياك أن تقول ~~للمرتشي التائب: " يا مرتشي " لأن المذنب ما دام قد جدد توبته وآمن، ~~وغفر الله له، فلا تكن أنت طفيليا وتبرز له الذنب من جديد. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { ولما سكت عن موسى... }. ### || [7.154] # وهل للغضب سكوت؟ هل للغضب مشاعر حتى يسكت؟ نعم لأن الغضب هيجان النفس ~~لتعمل عملا نزوعيا أمام من أذنب، فكأن الغضب يلح عليه، ويقول للغاضب: ~~اضرب، اشتم، اقتل. كأن الغضب قد مثل وصور في صورة شخص له قدرة ~~إصدار الأوامر، فشبه الله الغضب بصورة إنسان يلح على موسى في أن يفعل ~~كذا، ويفعل كذا، فلما قال الله ذلك كأن الغضب قد سكت عنه. أو هو كما قال ~~إخواننا العلماء: من القلب في اللغة، أي أنه يقلب المسألة، اتكالا على ~~أن فطنة السامع سترد كل شيء إلى أصله كما نسمع في اللغة: ms3531 خرق الثوب ~~المسمار، نفهم من هذا القول أن المسمار هو الذي قام بخرق الثوب لأننا لن ~~نتخيل أن الثوب يخرق مسمارا. ويسمى ذلك " القلب " أي أن يأتي بمسألة ~~مقلوبة تفهمها فطنة السامع. أو أن المسمار مستقر في مكانه، والثوب هو ~~الذي طرأ عليه فانخرق، فيكون سبب الخرق من الثوب، فكأن الفاعلية الحقيقية ~~من الثوب: { ولما سكت عن موسى الغضب }. أو تكون كلمة سكت ~~كناية عن أن الغضب زال وانتهى. { ولما سكت عن موسى الغضب ~~أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم ~~لربهم يرهبون } [الأعراف: 154]. وأول عمل قام به موسى ساعة أن ~~كان غضبان أسفا أنه ألقى الألواح، وأول ما ذهب الغضب عنه وزايله أخذ ~~الألواح، وهذا أمر منطقي، فالغضب جعله يلقي الألواح، ويأخذ برأس أخيه، ثم ~~فهم ما فعله أخوه واعتذر به فقبل عذره، وطلب من الله أن يغفر له، وأن ~~يغفر لأخيه وانتهى الغضب وكانت الألواح ملقاة فأخذها ثانية. { وفي ~~نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ~~} [الأعراف: 154]. النسخة من الكتاب مأخوذة من الشيء المنسوخ أي المنقول ~~من مكان إلى مكان، ويقال: نسخت الكتاب الفلاني من الكتاب الفلاني.. أي أن ~~هناك كتابا مخطوطا ثم نقلناه بالطباعة أو بالكتابة إلى نسخة أو عدد من ~~النسخ، أي أخذته من الأصل إلى الصورة، واسمه منسوخ، وكلمة نسخة على وزن ~~" فعلة " وتأتي بمعنى مفعولة، فنسخة تعني منسوخة، وفي القرآن مثل هذا ~~كثير. والحق سبحانه وتعالى قال: # إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس ~~مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف ~~غرفة بيده.. # [البقرة: 249]. و " غرفة " أي مغروفة، وهي القليل من المياه في اليد ~~لتبل الريق فقط، والغرفة أيضا تكون في البيوت لأنها مكان مقتطع من مكان ~~آخر ولها جدران تحددها. واسمها غرفة لأنها مغروفة من المكان في حيز ~~مخصوص. وهنا يقول الحق سبحانه: { وفي نسختها هدى ورحمة }. ~~و " هدى " المقصود بها المنهج الموصل للغاية في " افعل " و " لا تفعل ". # إنه يوصل للغاية وهي ثواب الآخرة. إذن فالهدى والرحمة شيء ms3532 واحد له ~~طرفان، فالهدى هو المنهج الذي إن اتبعته تصل إلى الرحمة، ولذلك يقول ~~الحق: { هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون }. ~~وهكذا نجد المنهج هدى ورحمة، فمن يسمع كلام الله ويتبعه يهتدي ويرحمه ~~ربنا لأنه جعل الله في باله، وخاف من صفات الجبارية في الحق، ولهذا لا بد ~~أن يستحضر الإنسان أو المؤمن رهبته لربه وخوفه منه - سبحانه - ليكون ~~المنهج هدى ورحمة له. ويكون من الذين يرهبون ربهم. وساعة ترى المفعول ~~تقدم في مثل قوله سبحانه هنا: { للذين هم لربهم ~~يرهبون } [الأعراف: 154]. نفهم أن هذا هو ما يسمى في اللغة " اختصاص ~~" وقصر مثلما قال الحق في فاتحة الكتاب: { إياك نعبد }. وما ~~الفرق بين { إياك نعبد } و " نعبدك "؟ إن قلنا: " نعبدك " فهو ~~قول لا يمنع من العطف عليه، فقد نعبدك ونعبد الشركاء معك لكن قولنا: { ~~إياك نعبد } أي خصصناك بالعبادة وقصرناها عليك سبحانك فلا تتعدى ~~إلى غيرك. إذن حين تقدم المفعول فهذا هو عمل الاختصاص. ومثال ذلك في ~~حياتنا حين نقول: " أكرمتك " ، ولا مانع أن نقول بعدها " وأكرمت زيدا ~~وأكرمت عمرا ". لكن إن قلت: إياك أكرمت، فهذا يعني أني لم أكرم إلا ~~إياك. وهنا يقول الحق: { للذين هم لربهم يرهبون }. ~~ولقائل أن يقول: ألا يمكن أن يدعي أحد الرهبة ظاهرا وأنه ممتثل لأمر ~~الله رياء أو سمعة حتى يقول الناس: إن فلانا حسن الإسلام، ويأخذون في ~~الثناء عليه؟ ولكن هنا نجد التخصيص الذي يدل على أن العبد لا يرهب أحدا ~~غير الله، وأن الرهبة خالصة لله، وليست رياء، ولا سمعة، ولا لقصد الثناء. ~~ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { واختار موسى قومه... }. ### || [7.155] # وكلمة " اختار " تدل على أن العمل الإختياري يرجح العقل فيه فعلا على ~~عدم فعل أو على فعل آخر، وإلا فلا يكون في الأمر اختيار لأن " اختار " ~~تعني طلب الخير والخيار، وكان في مكنتك أن تأخذ غيره، وهذا لا يتأتى إلا ~~في الأمور الاختيارية التي هي مناط التكليف، مثال ذلك: اللسان خاضع ~~لإرادة صاحبه الاختيارية التي هي مناط التكليف، مثال ms3533 ذلك: اللسان خاضع ~~لإرادة صاحبه فخضع للمؤمن حين قال: لا إله إلا الله، وخضع للملحد حين ~~قال - لعنه الله -: لا وجود لله، ولم يعص اللسان في هذه، ولا في تلك. ~~والذي رجح أمرا على أمر هو ترجيح الإيمان عند المؤمن في أن يقول: لا ~~إله إلا الله، وترجيح الإلحاد عند الملحد في أن يقول ما يناقض ذلك. ~~والحق هنا يقول: { واختار موسى قومه سبعين رجلا }. ~~والذين درسوا اللغة يقولون: إن هناك حدثا. وأن هناك موجدا للحدث نسميه ~~فاعلا مثل قولنا: " كتب زيد الدرس " أي أن زيدا هو الذي أدى الكتابة، ~~ونسمي " الدرس " الذي وقعت عليه الكتابة مفعولا به، ومرة يكون هناك ما ~~نسميه " مفعولا له " أو " مفعولا لأجله " مثل قول الابن: قمت لوالدي ~~إجلالا، فالذي قام هو الابن، والإجلال كان سببا في إيقاع الفعل ~~فنسميه " مفعولا لأجله ": ونقول: " صمت يوم كذا " ونسميه " مفعولا ~~فيه " ، وهو أن الفعل، وقع في هذا الزمن. فمرة يقع الحدث على شيء فيكون ~~مفعولا به، ومرة يقع لأجل كذا فيكون مفعولا لأجله، ومرة يقع في يوم كذا ~~العصر أو الظهر فيكون مفعولا فيه، ومرة يكون مفعولا معه " مثل قولنا: ~~سرت والنيل: أي أن الإنسان سار بجانب النيل وكلما مشى وجد النيل في ~~جانبه. وهنا يقول الحق: { واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا.. } [الأعراف: 155]. ولأن اختيار موسى للسبعين كان وقع من ~~القوم فيكون المفعول قد جاء من هؤلاء القوم، ويسمى " مفعولا منه " لأنه ~~لم يخترهم كلهم، إنما اختار منهم سبعين رجلا لميقاته مع الله سبحانه. ~~وقالوا في علة السبعين إن من اتبعوا موسى كانوا أسباطا، فأخذ من كل سبط ~~عددا من الرجال ليكون كل الأسباط ممثلين في الميقات، وكلمة " ميقات " ~~مرت قبل ذلك حين قال الله: # ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه.. # [الأعراف: 143]. وهل الميقات هذا هو الميقات الأول؟ لا لأن الميقات ~~الأول كان لكلام موسى مع الله، والميقات الثاني هو للاعتذار عن عبدة ~~العجل. { واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ~~فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو ms3534 شئت ~~أهلكتهم. # . } [الأعراف: 155]. ولماذا أخذتهم الرجفة؟ لأنهم لم يقاوموا الذين عبدو ~~العجل المقاومة الملائمة، وأراد الله أن يعطي لهم لمحة من عذابه، والرجفة ~~هي الزلزلة الشديدة التي تهز المرجوف وتخيفه وترهبه من الراجف. وحين ~~أخذتهم الرجفة قال موسى: { رب لو شئت أهلكتهم من قبل ~~وإياي }. أوضح موسى: لقد أحضرتهم من قومهم. وأهلوهم يعرفون أن ~~السبعين رجلا قد جاءوا معي، فإن أهلكتهم يا رب فقد يظن أهلهم أنني ~~أحضرتهم ليموتوا وأسلمتهم إلى الهلاك. ولو كنت مميتهم يا رب وشاءت مشيئتك ~~ذلك لأمتهم من قبل هذه المسألة وأنا معهم أيضا. ويضيف القرآن على لسان ~~موسى والقوم معا: { أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ ~~إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشآء وتهدي من ~~تشآء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الغافرين } [الأعراف: 155]. أنت أرحم يا رب من أن تهلكنا بما فعل ~~السفهاء منا، وهذا القول يدل على أن العملية عملية فعل، والفعل هو عبادة ~~العجل فلو أن هذا هو الميقات الأول لما احتاج إلى مثل هذا القول لأن قوم ~~موسى لم يكونوا قد عبدوا العجل بعد. ولكنهم قالوا بعد الميقات الأول: ما ~~دام موسى قد كلم الله، فلا بد لنا أن نرى الله، وقالوا فعلا لموسى: # أرنا الله جهرة.. # [النساء: 153]. إذن نجد أن ما حصل من قوم موسى بعد الميقات الأول هو ~~قولهم: { أرنا الله جهرة } وليس الفعل، أما هنا فالآية تتحدث ~~عن الفعل: { أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ إن هي ~~إلا فتنتك }. وهكذا نعلم أن الآية تتحدث عن ميقات ثان تحدد بعد ~~أن عبد بعضهم العجل، والفتنة هي الاختبار، والاختبار ليس مذموما في ~~ذاته، ولا يقال في أي امتحان إنه مذموم. إنما المذموم هو النتيجة عند من ~~يرسب، والاختبار والامتحان غير مذموم عند من ينجح. إذن فالفتنة هي ~~الابتلاء والاختبار، وهذا الاختبار يواجه الإنسان الجاهل الذي لا يعلم ~~بما تصير إليه الأمور وتنتهي إليه ليختار الطريق ويصل إلى النتيجة. ولا ~~يكون ذلك بالنسبة لله لأنه يعلم أزلا كل سلوك لعباده، لكن ms3535 هذا العلم لا ~~يكون حجة على العباد ولا بد من الفعل من العباد ليبرز ويظهر ويكون له ~~وجود في الواقع لتكون الحجة عليهم. والأخذ بالواقع هو الأعدل. وقول موسى ~~عليه السلام: { إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشآء ~~وتهدي من تشآء.. } [الأعراف: 155]. هذا القول يعني: أنك يا رب قد ~~جعلت الاختبار لأنك خلقتهم مختارين فيصح أن يطيعوا ويصح أن يعصوا. والله ~~سبحانه هو من يضل ويهدي لأنه ما دام قد جعل الإنسان مختارا فقد جعل ~~فيه القدرة على الضلال، والقدرة على الهدى. وقد بين سبحانه من يشاء ~~هدايته، ومن يشاء إضلاله فقال: # والله لا يهدي القوم الظالمين # [آل عمران: 86]. والسبب في عدم هدايتهم هو ظلمهم، وكذلك يقول الحق: # والله لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264]. وهكذا نرى أن الكفر منهم هو الذي يمنعهم من الهداية. إذن ~~فقد جعل الله للعبد أن يختار أو أن يختار الضلال، وما يفعله العبد ~~ويختاره لا يفعله قهرا عن الله لأنه سبحانه لو لم يخلق كلا منا مختارا ~~لما استطاع الإنسان أن يفعل غير مراد الله، ولكنه خلق الإنسان مختارا، ~~وساعة ما تختار - أيها الإنسان - الهداية أو تختار الضلال فهذا ما منحه ~~الله لك، وسبحانه قد بين أن الذي يظلم، والذي يفسق هو أهل لأن يعينه ~~الله على ضلاله، تماما كما يعين من يختار الهداية لأنه أهل أن يعينه ~~الله على الهداية. ويقول الحق على لسان سيدنا موسى في نهاية هذه الآية: { ~~أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الغافرين } [الأعراف: 155]. والولي هو الذي يليك، ولا يليك إلا من ~~قربته منك بودك له، ولم تقربه إلا لحيثية فيه تعجبك وتنفعك وتساعدك إذا ~~اعتدى عليك أحد أو تأخذ من علمه لأنه عليم. إذن فالمعنى الأول لكلمة ~~الولي أي القريب الذي قربته لأن فيه خصلة من الخصال التي قد تنفعك، أو ~~تنصرك، أو تعلمك. وقول موسى { أنت ولينا } أي ناصرنا، والأقرب ~~إلينا، فإن ارتكب الإنسان منا ذنبا فأنت أولى به، إنك وحدك القادر على ~~أن تغفر ذنبه ms3536 لذلك يقول موسى: { فاغفر لنا } ، ونعلم من هذا أنه ~~يطلب درء المفسدة أولا لأن درءها مقدم على جلب المصلحة، فقدم موسى عليه ~~السلام طلب غفر الذنب، ثم طلب ودعا ربه أن يرحمهم، وهذه جلب منفعة. وقد ~~قال ربنا في مجال درء المفسدة: { فمن زحزح عن النار } وهذا ~~درء مفسدة وهو البعد عن النار: { وأدخل الجنة }. وهذا جلب ~~منفعة ومصلحة. إذن فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، - وعلى سبيل ~~المثال - إنك ترى تفاحة على الشجرة، وتريد أن تمد يدك لتأخذها، ثم التفت ~~فوجدت شابا يريد أن يقذفك بطوبة، فماذا تصنع؟ انت في مثل هذه الحالة ~~الانفعالية تدفع الطوبة أولا ثم تأخذ التفاحة من بعد ذلك. وهذا هو درء ~~المفسدة المقدم على جلب المصلحة، وهنا درء المفسدة متمثل في قول موسى: { ~~فاغفر لنا } ثم قال بعد ذلك: { وارحمنا } وهذا جلب مصلحة، ~~والقرآن يقول: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة.. # [الإسراء: 82]. لأن الداء يقع أولا، وحين تذهب لمنهج القرآن يشفيك من ~~هذا الداء، والرحمة ألا يجيء لك داء بالمرة. فإذا أخذت القرآن لك ~~نصيرا فلن يأتي لك الداء أبدا. { فاغفر لنا وارحمنا وأنت ~~خير الغافرين } [الأعراف: 155]. ومثلها مثل قول الحق سبحانه: { ~~خير الرازقين } ، و { خير الماكرين } ، و { خير ~~الوارثين } و { خير الغافرين } هنا لأن المغفرة قد تكون من ~~الإنسان للإنسان، ولكنا نعرف أن مغفرة الرب فوق مغفرة الخلق لأن الغافر ~~من البشر قد يغفر رياء، وقد يغفر سمعة، قد يغفر لأنه خاف بطش المقابل. ~~لكنه سبحانه لا يخاف من أحد، وهو خير الغافرين من غير مقابل. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة... }. ### || [7.156] # ونلحظ أن هذه الآية تضم طلبات جديدة لسيدنا موسى من ربه بعد قوله: { ~~فاغفر لنا وارحمنا }. ونرى أن خير الغافرين تعود لقول موسى - ~~عليه السلام -: { فاغفر لنا } أما الحسنة في قوله: { واكتب ~~لنا في هذه الدنيا حسنة } فإنها تعود على طلب الرحمة: { ~~واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة }. هو ~~إذن يطلب الحسنة في ms3537 الدنيا وكذلك في الآخرة، والحسنة لها معنى " لغوي " ، ~~ومعنى " شرعي ". أما المعنى اللغوي فكل ما يستحسنه الإنسان يسمى حسنة، ~~ولكن الحسنة الشرعية هي ما حسنه الشرع، فالشرع رقيب على كل فعل من ~~أفعالنا وتصرفاتنا، فالحسنة ليست ما يستحسنه الإنسان لأن الإنسان قد ~~يستحسن المعصية، وهذا استحسان بشري بعيد عن المنهج، أما الاستحسان الشرعي ~~فهو في تنفيذ المنهج ب " افعل " و " لا تفعل ". والحسنة المعتبرة في عرف ~~المكلفين من الله هي الحسنة الشرعية لأن الإنسان قد يستحسن شيئا وهو ~~غير شرعي لأنه ينظر إلى عاجلية النفع فيه، ولا ينظر إلى آجلية النفع، ولا ~~ينظر إلى كمية النافع. والنفع - كما نعلم - في الدنيا على قدر تصورك في ~~النفع، أما النفع في الآخرة فلا يعلم قدره إلا علام الغيوب - سبحانه - ~~إذن فقوله: { واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة } يكون ~~المراد بها الحسنة الشرعية في الدنيا عملا، وفي الآخرة جزاء. ونلحظ أن ~~موسى أراد بالحسنة الأولى ما يعم الحسنة الشرعية والحسنة اللغوية فهو ~~دعاء بالعافية والنعم الجليلة الطيبة، وكل خير الدنيا في ضوء منهج الله. ~~والحق سبحانه وتعالى يقول: # قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة ~~يوم القيامة.. # [الأعراف: 32]. إذن فالحسنة الخالصة هي في يوم القيامة، ولكن هناك من ~~ينتفع بها في الدنيا فالجماد منتفع برحمة الله، والنبات منتفع برحمة ~~الله، والحيوان منتفع برحمة الله، والكافر منتفع برحمة الله. كل ذلك في ~~الدنيا، وهي الرحمة التي وسعت كل شيء، لكن مسألة الآخرة كجزاء على ~~الإحسان فهو جزاء خاص بالمؤمنين. ويتابع الحق على لسان موسى عليه ~~السلام: { إنا هدنآ إليك }. و " هاد " أي رجع، و " هدنا إليك ~~" أي رجعنا إليك، وهذا كلام موسى عن نفسه وعن أخيه، وعن القوم الذين ~~عبدوا العجل ثم تابوا، وما دمنا قد رجعنا إليك يا ربي فأنت أكرم من أن ~~تردنا خائبين. ويرد الحق سبحانه: { قال عذابي أصيب به من ~~أشآء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين ~~يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا ~~يؤمنون } [الأعراف: 156]. وقوله الحق: { عذابي أصيب ms3538 به ~~من أشآء } أي لا يوجد من يدفعني ويرشدني في توجيه العذاب لأحد فحين ~~يذنب عبد ذنبا أنا أعذبه أو أغفر له لذلك لا يقولن عبد لمذنب إن الله لا ~~بد أن يعذبه لأنه سبحانه هو القائل: { عذابي أصيب به من ~~أشآء ورحمتي وسعت كل شيء. # . } [الأعراف: 156]. وما المقصود بالرحمة هنا؟ أهي الرحمة في الدنيا أو ~~الرحمة في الآخرة؟ إنها الرحمة في الدنيا التي تشمل الطائع والعاصي، ~~والمؤمن والكافر، ولكنها خالصة في اليوم الآخر - كما قلنا - للمؤمنين. ~~وقوله سبحانه: { فسأكتبها } يدل على أن هذا سيكون في الآخرة. أي ~~أن رحمة الله وسعت كل شيء في الدنيا ولكنها رحمة تنتهي بالنسبة للكافرين ~~في إطار الدنيا، ولكن بالنسبة للمؤمنين فهي رحمة مستمرة قد كتبها الله ~~أزلا وتعطي للمؤمنين فضلا ومنة وعطاء منه - سبحانه - { ~~فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة ~~والذين هم بآياتنا يؤمنون } [الأعراف: 156]. وعندما سمع ~~بعض اليهود ذلك قالوا: نحن متقون، فقيل لهم: في أي منهج أنتم متقون أفي ~~منهج موسى؟ لو كنتم متقين في منهج موسى - كما تزعمون - لآمنتم بمحمد - ~~صلى الله عليه وسلم - لأن من تعاليم موسى أن تؤمنوا برسول الله محمد - ~~عليه الصلاة والسلام - ولذلك جاء قوله تعالى: { الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة... }. ### || [7.157] # فهذه تسع صفات لسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي أن الله ~~أوحى إليه كتابا مختصا به وهو القرآن، وأنه صاحب المعجزات، وأنه بلغ ~~ونبأ بأفضل وأتم العقائد والعبادات والأخلاق - وهو - عليه الصلاة والسلام ~~- الأمي الذي لم يمارس القراءة والكتابة ولم يجلس إلى معلم، فهو - عليه ~~السلام - باق على الحالة التي ولد عليها، وقد ذكره ربه - جل وعلا - ~~باسمه وصفاته ونعوته عند اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل وقد كتمها ~~الكافرون منهم أو أساءوا تأويلها، كما وصفه ربه بأنه يأمرهم بالمعروف ~~ويكلفهم بفعل ما تدعوا إليه الطبائع المستقيمة والفطر السليمة لأن في ذلك ~~النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، وأنه - صلى الله عليه وسلم - يزجرهم ~~وينهاهم عن كل منكر ms3539 مستهجن تستقبحه الجبلة القويمة، والخلقة السوية، ويحل ~~لهم ما حرم عليهم من الطيبات التي منعوا منها وحظرها الله عليهم جزاء ~~طغيانهم وضلالهم، ويحرم عليهم كل ضار وخبيث: كأكل الميتة والمال الحرام ~~من الربا والرشوة والغش، ويخفف عنهم ما شق عليهم وثقل من التكاليف التي ~~كانت في شريعة موسى - عليه السلام - كقطع الأعضاء الخاطئة وتحريم الغنائم ~~عليهم ووجوب إحراقها، وكذلك يخفف الله ويحط عنهم المواثيق الشديدة التي ~~فرضت عليهم عقابا لهم على فسوقهم وظلمهم. يقول - جل شأنه -: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا * ~~وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال ~~الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا ~~أليما # [النساء: 160-161]. وهكذا أعلم الله الرسل السابقين على سيدنا رسول الله ~~أن يبلغوا أقوامهم بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يؤمن الأقوام التي ~~يشهدون ويعاصرون رسالته صلى الله عليه وسلم، صحيح أن رسول الله لم يكن ~~معاصرا لأحد من الرسل، ولكن البشارة به قد جاءت بها أنبياؤهم وسجلت في ~~الكتب المنزلة عليهم، وكل رسول سبق سيدنا محمدا صلوات الله وسلامه عليه، ~~قد أمره الله أن يبلغ الذين أرسل إليهم أن يتبعوا الرسول محمدا ويؤمنوا ~~به ولا يتمسكوا بسلطة زمنية ويخافوا أن تنزع منهم. وما دام الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قد جاء ومعه معجزة وبينة فلا بد أن يؤمنوا به. # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين.. # [آل عمران: 81]. إذن فقد صنع الله سبحانه وتعالى خميرة إيمانية حتى لا ~~يتعارض أتباع الأديان. ولا يفهم أصحاب دين موجود أن دينا آخر جاء لينسخه ~~ويأخذ منه السلطة الزمنية لأن رسالة الإيمان موصولة وتحدث الأقضية للناس ~~بامتداد الزمان. فكل الرسل يحرصون على أن تكون الحياة آمنة سعيدة تتساند ~~فيها المواهب ولا تتعاند فيها الحركات. # وقد طلب الحق من الرسل ذلك وأخذ عليهم العهد وبعد ذلك أكده فقال: { ~~أأقررتم } واستوحى منهم الكلام الذي يؤيد هذا المنهج. ولذلك لا ~~يصح لتابع نبي أن يصادم رسالة جديدة مؤيدة بمعجزة ومؤيدة بمنهج يضمن ~~للإنسان ms3540 الحياة وسلامتها وسعادتها. ولم يكتف الحق بأن يجعل الإيمان ~~برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم مجرد خبر، بل وضع لمحمد وحده سمة في ~~الكتب التي سبقته، ووصفه لهم مشخصا، وحين يصفه مشخصا فهذا أوضح من ~~الخبر عنه بكلام. ولذلك قال عبد الله بن سلام عندما سأله عمر رضي الله ~~عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني يا بني. ~~قال: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته ~~قد خانت، فقبل عمر رأسه. ولذلك يقول الحق سبحانه: { يعرفونه كما ~~يعرفون أبنآءهم }. ولا شك أن الإنسان يعرف ابنه معرفة دقيقة. ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له سمات خاصة وهي التي تثبت شخصيته ~~صلى الله عليه وسلم المادية، وليس الأمر في رحلة الإسراء والمعراج مجرد ~~كلام، بل إنه حينما سئل عن هذه الرحلة قال: " رأيت موسى وإذا رجل ضرب، ~~رجل كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى فإذا هو ربعة أحمر كأنه خرج من ~~ديماس - الحمام - وأنا أشبه ولد إبراهيم به ". وكذلك أعطى الله في ~~التوراة والإنجيل لا الخبر عن محمد صلى الله عليه وسلم فقط، بل أعطى ~~تفاصيل صورته بحيث تتشخص لهم، فلا يلتبس به عند مجيئه مع التشخيص شريك، ~~فيقول سبحانه: { يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم }. ولكن ~~فريقا منهم كتموا الحق ليحتفظوا بالسلطة الزمنية، لأنهم كانوا يظنون أنه ~~حين يأتي دين جديد سيأخذ منهم هذه السلطة الزمنية ويقود الأمم والشعوب. ~~لقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجعل رسل السماء إلى الأرض متعاونين لا ~~متعاندين، ينصر بعضهم بعضا. كما جاء في سورة الفتح: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ~~ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ~~ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما # [الفتح: 29]. لقد جاء ms3541 الحق بصورة المؤمنين برسالة رسول الله في التوراة ~~والإنجيل، لأن الدين الإسلامي الذي نزل على محمد لن يأتي دين بعده لذلك ~~جاء بسيرة رسول الله وصفاته وصفات أتباعه في التوراة والإنجيل، وفي هذا ~~الدين ما تفتقده اليهودية التي انجرفت إلى مادية صرفة وتركت الروحانيات ~~لذلك تأتي سيرة أتباع محمد في التوراة: { سيماهم في وجوههم ~~من أثر السجود }. # حين أسرف اليهود في المادية أراد الله أن يأتي برسول يجنح ويميل إلى ~~الروحانية وهو سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام.. ليحصل الاعتدال في تناول ~~الحياة دون إفراط أو تفريط. إذن فالحق سبحانه وتعالى مهد لكل رسول بأن ~~يبشر به الرسول السابق لأنه لا معاندات في الرسالات. ولما كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هو خاتم الموكب الرسالي، كان ولا بد أن يصفه الله - ~~سبحانه - وصفا ليس بالكلام، بل يصفه كصورة، بحيث إذا رأوه يعرفونه، ~~ولذلك نجد سيدنا سلمان الفارسي حين رأى رسول الله في المدينة ورأى منه ~~علامات كثيرة أحب أن يرى فيه علامات مادية، فرأى في كتف الرسول خاتم ~~النبوة. ولكن هل نفع ذلك؟ نعم، فكثير من الناس آمن به. # " وقد أقام رسول الله مناظرة بينه وبين اليهود بواسطة عبد الله بن سلام، ~~الذي قال بعد أن أسلم بين يدي رسول الله: " يا رسول الله إن اليهود قوم ~~بهت إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود ودخل عبد ~~الله البيت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي رجل فيكم عبد ~~الله بن سلام؟ قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه ~~الله من ذلك؟ فخرج عبد الله إليهم، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ~~وأشهد أن محمدا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا ووقعوا فيه ". # إذن فالأوصاف الكلامية والأوصاف الشخصية المشخصة جاءت حتى لا يقال: إن ~~أديان السماء تتعاند، إنها كلها متكاتفة في أن تصل الأرض بالسماء على ما ~~تقتضيه حالة العصر ms3542 زمانا ومكانا. وقديما كان العالم معزولا عن بعضه، ~~وكل بيئة لها أجواؤها وداءاتها فيأتي الرسول ليعالج في مكان خاص داءات ~~خاصة، لكن الله جاء برسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن توحدت هذه الداءات ~~في الدنيا جاء رسولنا الكريم ليعالج هذه الداءات العالمية، وجاء رسول ~~الله مؤيدا بأوصافه ومؤيدا بتعاليمه التي تخفف عنهم إصرهم وأغلالهم، ~~والإصر هو الحمل الثقيل، والأغلال جمع غل وهو الحديدة التي تجمع ~~اليدين إلى العنق لتقييد الحركة. وقد ذكر الحق الأوصاف ومهد الأذهان ~~إلى مجيء رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ليضع عنهم الأغلال بالنور الذي ~~نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فالرسالة المحمدية هي الجامعة المانعة، ~~ولذلك يقول الحق بعد ذلك: { قل يأيها الناس... }. ### || [7.158] # هنا يأمر الحق رسوله بالآتي: { قل يأيها الناس إني رسول ~~الله إليكم جميعا } في رسالة تعم الزمان، وتعم المكان. وفي ~~ذلك يقول رسول الله: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي.. نصرت بالرعب مسيرة ~~شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة ~~فليصل، وأحلت لي الغنائم وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس ~~كافة وأعطيت الشفاعة ". # ثم بعد ذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يثبت عمومية الرسالة بعمومية ~~تسخير الكون للخلق لذلك كان الحديث موجها إلى كافة الناس: { قل ~~يأيها الناس }. وكل من يطلق عليهم ناس فالرسول مرسل إليهم: { ~~إني رسول الله إليكم جميعا } وأراد سبحانه أن يعطينا ~~الحيثيات التي تجعل لله رسولا يبلغ قومه وكافة الأقوام منهج الله في ~~حركة حياتهم، فقال: { الذي له ملك السماوات والأرض }. ~~وما دام هو الذي يملك السماوات والأرض، ولم يدع أحد من خلقه أنه يملكها، ~~وفي السماوات والأرض وما بينهما حياتنا ومقومات وجودنا فهو سبحانه أولى ~~وأحق أن يعبد. ولو أن السماء لواحد، والهواء لواحد، والأرض لواحد، وما ~~بينهما لواحد لكان من الممكن أن يكون إله هنا، وإله هناك وإله هنالك. وفي ~~هذا يقول الحق: # إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم ~~على بعض.. ms3543 # [المؤمنون: 91]. إذن فما دام الوجود كله من السماوات والأرض وما سواهما ~~لله، فهو الأولى أن يعبد، وأول قمة العبادة أن تشهد بأن لا إله إلا ~~الله، وحيثية ألوهيته الأولى أن له ملك السموات والأرض. وما دام إلها ~~فلا بد أن يطاع، ولا يطاع إلا بمنهج، ولا منهج إلا بافعل ولا تفعل. وأول ~~المنهج القمة العقدية إنه هو التوحيد. وجعل الله للتوحيد حيثية من واقع ~~الحياة فقال: { يحيي ويميت }. وهذا أمر لم يدعه أحد أبدا لأن ~~الله هو الذي له ملك السماوات والأرض، ولأنه يحيي ويميت. ولذلك نجد من ~~حاج إبراهيم في ربه يقول الحق عنه: # أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي ~~يحيي ويميت.. # [البقرة: 258]. وحاول هذا الملك أن يدير حوارا سفسطائيا مضللا ليفحم ~~ويسكت إبراهيم - عليه السلام - فقال: # أنا أحيي وأميت.. # [البقرة: 258]. وذلك بأن يأمر بقتل إنسان ثم يعفو عنه، وهو بذلك لا ~~يميته بل يحييه في منطق السفسطائيين. لكن هل الأمر بالقتل هو الموت؟. ~~طبعا لا لأن هناك فارقا بين الموت والقتل، فقد يقتل إنسان إنسانا آخر، ~~لكنه لا يمكن أن يميته لأن الموت يأتي بدون هدم بنيته بشيء برصاصة أو ~~بحجر أو بقنبلة. ولا أحد قادر على أن يميت احدا إذا رغب في أن يميته، ~~فالموت هو الحادث بدون سبب، لكن أن يقتل إنسان إنسانا آخر فهذا ممكن، ~~ولذلك يقول الحق سبحانه عن نفسه: { يحيي ويميت فآمنوا ~~بالله ورسوله. # . } [الأعراف: 158]. وانظروا إلى الدقة في الأداء فما دام قد أمر الحق ~~رسوله أن يقول: إني رسول الله إليكم جميعا، وحيثية الإيمان هي الإقرار ~~والاعتقاد بوحدانية الإله الذي له ملك السماوات والأرض، وهو لا إله إلا ~~هو، وهو يحيي ويميت لذلك يدعوهم إلى الإيمان بالخالق الأعلى: { ~~فآمنوا بالله ورسوله }. لم يقل محمد وآمنوا بي لأنها ليست ~~مسألة ذاتية في شخصك يا محمد، إنما هو تكريم لرسالتك إلى الناس، فالإيمان ~~لا بذاتك وشخصك، ولكن لأنك رسول الله، فجاء بالحيثية الأصلية { ~~فآمنوا بالله ورسوله } ، والرسول قد يكون محمدا أو ms3544 غير ~~محمد.. وبعد ذلك قال في وصف النبي: { النبي الأمي الذي ~~يؤمن بالله وكلماته }. والأمية - كما علمنا من قبل - شرف ~~في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم يؤمن بكلمات ~~الله، وهي إما بما بلغنا عنه من أسلوب القرآن، وإما بالذي قاله موسى ~~لقومه: " وجعل كلامي في فيه ". ويقول فيه عيسى - الذي لا يتكلم من قبل ~~نفسه -، وإنما تأتي له كلمات ربنا في فمه، والقول الشامل في وصف كلمات ~~محمد صلى الله عليه وسلم: ما بينه الحق في قوله: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3]. أو أن الإيمان بالكلمات هو أن يؤمن بأن كل كون الله مخلوق ~~بكلمة منه: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. ولقائل أن يقول: كيف يخاطب الله شيئا وهو لم يكن بعد؟ ونقول: ~~إنه سبحانه قد علمه أزلا، ووجوده ثابت وحاصل، ولكن الله يريد أن يبرز ~~هذا الموجود للناس، فوجود أي شيء هو أزلي في علم الله، وكأنه يقول للشيء: ~~اظهر يا كائن للوجود ليراك الناس بعد أن كنت مطمورا في طي قدرتي. وسواء ~~أكانت الكلمة بخلق الأسباب، مثل خلق الشمس والقمر أم بخلق شيء بلا أسباب، ~~كعيسى - عليه السلام - فأنه " كلمة منه " أي كلمة تخطت نطاق الأسباب بأن ~~ولدت سيدتنا مريم من غير رجل. وفي هذا تخط للأسباب، ولذلك قال الحق ~~سبحانه: { بكلمة منه }. ونعلم أن كل شيء لا يكون إلا بكلمة منه ~~سبحانه، ولكن بكلمة لها أسباب، أو بكلمة لا أسباب لها. والكلمات هي أيضا ~~الآيات التي فيها منهج الأحكام، ولذلك يأتي قوله الحق: # قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط ومآ أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ~~ونحن له مسلمون # [البقرة: 136]. ويروي لنا الأثر أن سيدنا موسى عليه السلام قال لربه: " ~~أني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون ~~فصول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي قال: ms3545 تلك أمة أحمد ~~". # وقول موسى آمنوا بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، هو الذي يدل عليه قول ~~الحق سبحانه: # قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط.. # [البقرة: 136]. ويذيل الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: { ~~واتبعوه لعلكم تهتدون }. و " لعل " رجاء وطلب. ونعلم أن ~~كل طلب يتعلق بأحد أمرين: إما طلب لمحال لكنك تطلبه لتدل بذلك على أنك ~~تحبه، وهو لون من التمني مثل قول من قال: ليت الشباب يعود يوما، إنه ~~يعلم أن الشباب لا يعود لكنه يقول ذلك ليشعرك بأنه يحب الشباب. أو كقول ~~إنسان: ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح، وهذا طلب لمحال، إلا أنه ~~يريد أن يشعرك بأن هذا أمر يحبه، وإما طلب ممكن التحقيق. وهو ما يسمى ~~بالرجاء. وله مراحل: فأنت حين ترجو لإنسان كذا، تقول: لعل فلانا يعطيك ~~كذا، والإدخال في باب الرجاء أن تقول: لعلي أعطيك لأن الرجاء منك أنت، ~~وأنت الذي تقوله، ومع ذلك قد لا تستطيع تحقيقه، والأقوى أن تقول: لعل ~~الله يعطيك. ولكنها من كلامك أنت فقد يستجيب الله لك وقد لا يستجيب، أما ~~إذا قال الله: لعلكم، فهذا أرجي الرجاءات، ولا بد أن يتحقق. وحينما يتكلم ~~الحق عن قوم موسى، يتكلم عنهم بعرض قصصهم، وفضائحهم ونقضهم للعهد بعد نعم ~~الله الواسعة الكثيرة عليهم، وأوضح لنا: إياكم أن تأخذوا هذا الحكم عاما ~~لأن الحكم لو كان عاما، لما وجد من أمة موسى من يؤمن بمحمد. ولذلك ~~قلنا قديما إن هناك ما يسمى " صيانة الاحتمال ". ومثال على ذلك نجد من ~~اليهود من آمنوا برسالة رسول الله مثل مخريق الذي قال فيه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: # " مخريق خير يهود " # وعبد الله بن سلام إن بعض اليهود كانوا مشغولين بقضية الإيمان، ولذلك ~~لا تأخذ المسألة كحكم عام لأن من قوم موسى من يصفهم الحق بالقول الكريم: ~~{ ومن قوم موسى أمة... }. ### || [7.159] # وحين يسمع قوم موسى هذا القول سيقولون في أنفسهم أنه يعلم ما في ms3546 صدورنا ~~من تفكير في الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن لو عمم ~~الحكم فمن يفكر في الإيمان بمحمد يقول: لماذا يصدر حكما ضدي وأنا أفكر ~~في الإيمان؟ لكن الحق " صان الاحتمال " وأوضح لكل واحد من هؤلاء الذين ~~يفكرون في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم أن يتجه إلى إعلان الإيمان ~~فقال: { ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون } [الأعراف: 159]. أي يدلون الناس على الحق ويدعونهم إلى ~~طريق الخير، وبهذا الحق يعدلون في حكمهم بين الناس ولا يجورون. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { وقطعناهم اثنتي عشرة... }. ### || [7.160] # وحين يقول الحق " قطعناهم " فهذه عودة لقوم موسى، ونعرف أن القرآن لا ~~يخصص كأي كتاب فصلا لموسى وآخر لعيسى وثالثا لمحمد، لا، بل يجعل من ~~المنهج الإيماني عجينة واحدة في الدعوة، فيأتي بقضية عيسى، ثم يدخل في ~~الدعوة قضية موسى وغيره وهكذا، ثم يرجع إلى القضية الأصلية كي يستغل ~~انفعالات النفس بعد أي قصة من القصص. وهنا يعود الحق سبحانه لقوم موسى ~~مرة أخرى. فبعد أن أنصفهم وبين أن فيهم أمة يهدون بالحق وبه يعدلون. ~~يقول: { وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما }. ~~والمقصود هنا بنو إسرائيل، ومعنى " قطعت الشيء " أي الشيء كان له تمام ~~وجودي مع بعضه، ثم قطعته وفصلت بعضه عن بعض، وجعلته قطعا وأجزاء. فهم ~~كلهم بنو إسرائيل، ولكن الحق يوضح أنه قطعهم وجعلهم " أسباطا " ، و " ~~السبط " هو ولد الولد، وهم هنا أولاد سيدنا يعقوب وكانوا اثني عشر ولدا، ~~وحكت سورة يوسف وقالت: # يأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4]. وحين تعد وتحصي ستجد أحد عشر كوكبا مرئية، وتضم إليها الشمس ~~والقمر والرائي، فيصير العدد أربعة عشر واترك الشمس والقمر لأنهما يرمزان ~~إلى يعقوب وزوجه، وخذ الأحد عشر كوكبا، وأضف الرائي وهو يوسف فيكون ~~العدد اثنى عشر. وهؤلاء هم الاثنا عشر سبطا، فقد أنجب سيدنا يعقوب اثنى ~~عشر ابنا من أمهات مختلفة، وعرفنا من قبل أن الأمهات حين تتعدد فالميول ~~الأهوائية بين الأبناء قد تتعاند. ولذلك ms3547 تنبأ سيدنا يعقوب وقال لسيدنا ~~يوسف: # لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا.. # [يوسف: 5]. هذا أول دليل على أنهم مختلفون، وهو سبب من أسباب وحيثية ~~التقطيع: { وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا }. وفي سورة ~~يوسف نقرأ: # هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا.. # [يوسف: 100]. وهنا يقول الحق سبحانه: { وأوحينآ إلى موسى ~~إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر ~~فانبجست منه اثنتا عشرة عينا.. } [الأعراف: 160]. إنهم ~~لا يريدون حتى مجرد الاشتراك في الماء تحسبا للاختلاف فيما بينهم، فجعل ~~الحق لكل سبط منهم عينا يشرب منها ليعالج ما فيهم من داءات الغيرة ~~والحقد على بعضهم البعض لأن الحق قال عنهم: { وقطعناهم اثنتي ~~عشرة أسباطا أمما }. وهنا وقفة لغوية فقط، والأسباط في أولاد ~~يعقوب وإسحاق يقابلون القبائل في أولاد إسماعيل، وأولاد إسماعيل " العرب ~~" يسمونهم قبائل، وهؤلاء يسمونهم " أسباطا " ، ونعرف أن لفظ " اثنتي " ~~يدل على أنهم إناث، و " عشرة " أيضا إناث، لأننا نقول: " جاءني رجلان ~~اثنان " و " امرأتان اثنتان " أي اثنان للذكور، واثنتان للإناث، وكلمة " ~~اثنتي عشرة " عدد مركب وتمييزه يكون دائما مفردا، ولذلك يقول الحق: { ~~أحد عشر كوكبا }. # إذن " اثنتا عشرة " يدل على أنه مؤنث. لكن المذكور هنا " سبط " وسبط ~~مذكر، ولنا أن نعرف أنه إذا جمع صار مؤنثا لأنهم يقولون: " كل جمع مؤنث ~~" وأيضا فالمراد بالأسباط القبائل، ومفردها قبيلة وهي مؤنثة، وقطعهم أي ~~كانت لهم - من قبل - وحدة تجمعهم، فأراد الحق أن يلفتنا إلى أنهم من شيء ~~واحد، فجاء بكلمة " أسباط " مكان قبيلة، وقبيلة مفردة مؤنثة، ويقال: " ~~اثنتا عشرة قبيلة " ، ولا يقال اثنتا عشرة قبائل، فوضع أسباطا، موضع ~~قبيلة لأن كل قبيلة تضم أسباطا لذا جاء التمييز مذكرا.. { ~~وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما.. } [الأعراف: ~~160]. أي جعلنا كل سبط أمة بخصوصها. والواقع الكوني أثبت أنهم كذلك لأنك ~~لا تجد لهم - فيما مضى - تجمعا قوميا وهو ما يسمونه " الوطن القومي ~~لليهود " برغم أن الدول الظالمة القوية أعانوهم وأقاموا لهم وطنا على ~~أرض فلسطين، ومع ذلك نجد في كل بلد طائفة منهم تعيش معزولة ms3548 عن الشعوب ~~التي تحيا في رحابها، وكأنهم لا يريدون أن يذوبوا في الشعوب، ففي باريس - ~~مثلا - تجد " حي اليهود " ، وفي لندن المسألة نفسها، وفي كل مدينة كبيرة ~~تتكرر هذه الحكاية، فهم يعيشون فيها بطقوسهم وبشكلهم وبأكلهم، وبعاداتهم ~~معزولين عن الشعوب، وكأنهم ينفذون قدر الله فيهم: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض.. # [الإسراء: 104]. وقطعهم ربنا في الأرض أي أنه نشرهم في البلاد، ولم يجعل ~~لهم وطنا مستقلا، ولذلك ستقرأ في سورة الإسراء إن شاء الله: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض.. # [الإسراء: 104]. أي أنه سبحانه قال لهم بعد سيدنا موسى: اسكنوا الأرض ~~وحين تقول لنا يا رب: " اسكن " فأنت تحدد مكانا من الأرض. كأن يسكن ~~الإنسان في الإسكندرية أو القاهرة أو الأردن أو سوريا، لكن أن يصدر ~~الحكم بأن { اسكنوا الأرض } فهذا يعني أن انساحوا فيها فلا تجمع ~~لكم. ويقول الحق: # فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا # [الإسراء: 104]. أي أنه حين يجيء وعد الآخرة تكون ضربة قاضية عليكم - ~~أيها اليهود - لأن عدوكم لن يتتبعكم في كل أمة من الأمم، ويبعث جيشا ~~يحاربكم في كل مكان تعيش فيه طائفة منكم، لكن إذا جاء وعد الآخرة يأتي ~~بهم الحق لفيفا ويتجمعون. في هذا الوطن القومي الذين يفرحون به، ونقول ~~لهم: لا تفرحوا فهذا هو التجمع الذي قال الله عنه: { جئنا بكم ~~لفيفا } لتكون الضربة موجهة لكم في مكان واحد تستأصلكم وتقضي عليكم. ~~ويأتي الحق بعد ذلك بخبر المعجزات: { وأوحينآ إلى موسى إذ ~~استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر. # . } [الأعراف: 160]. و " استسقى " المراد منه هو طلب السقيا، والسقيا هي ~~طلب الماء الذي يمنع على الإنسان العطش، وما دام قد طلبوا السقيا فلا بد ~~أنهم يعانون من ظمأ، كأنهم في التيه. وأراد الله سبحانه أن يبرز لهم نعمه ~~وقت الحاجة، فقد تركهم إلى أن عطشوا ليستسقوا وليشعروا بنعمة الري. ~~والحق يقول: { إذ استسقاه قومه } ، أي طلبوا من سيدنا موسى أن ~~يسأل الله السقيا. فلماذا لجأوا إلى موسى وقت الظمأ؟ وقال لهم موسى: ms3549 ليس ~~بذاتي أرويكم، ولكن سأستسقي لكم ربي، ونعلم أن مقومات الحياة بالترتيب ~~الوجودي الاضطراري: الهواء والماء والطعام. وساعة ترى " همزة " وسينا " ~~وتاء " واقعة على شيء من الأشياء فاعرف أنه أمر مطلوب ومرغوب فيه. مثال ~~ذلك: حين سار موسى والعبد الصالح ونزلا قرية استطعما أهلها، أي طلبا ~~طعاما وهذا هو المقوم الثالث للحياة. وهنا " استسقى " أي طلب المقوم ~~الثاني وهو الماء، ونعلم أن المقوم الأول وهو الهواء لا نستغني عنه. لذا ~~لم يضعه الله في يد أحد بل أعطاه ومنحه كل الخلق. ولما كان الهواء غير ~~مملوك وهو مشاع لذلك لم توجد فيه هذه العملية. إنما الطعام يمكن أن ~~يملك، والماء يمكن أن يملك، فقال سبحانه مرة " استطعم " ، وقال هنا " ~~استسقى " ، ولم يوجد " استهوى " لطلب الهواء، لكن وجد في القرآن " استهوى ~~" بمعنى طلب أن تكون على هواه: # كالذي استهوته الشياطين.. # [الأنعام: 71]. أي طلبت الشياطين أن يكون هواه ومراده تبعا لما يريدون ~~لا لما يريده الله. وقصة الاستسقاء وردت من قبل في سورة البقرة: { وإذ ~~استسقى موسى لقومه }. وفي سورة الأعراف التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها هم الذين طلبوا الاستسقاء. فهل هناك تعارض؟. طبعا لا لأن ~~قوم موسى طلبوا السقيا من موسى، فطلب لهم السقيا من ربه. فهل هذا تكرار؟ ~~لا لأنه سبحانه تكلم عن الواسطة، وبعد ذلك تكلم عن الأصل، وهو سبحانه ~~الواهب للماء فقال هنا: " إذ استسقاه قومه " ، وفي سورة البقرة قال: { ~~وإذ استسقى موسى لقومه }. وهذا ترتيب طبيعي. أقول ذلك ~~لنعرف الفارق بين العبارتين حتى نؤكد أنه لا خلاف ولا تكرار لأن المستسقى ~~هنا القوم، والمستسقى لهم هنا هو موسى والمستسقى منه هو الله - جلت قدرته ~~- وهذا أمر طبيعي. والحق سبحانه يقول في سورة البقرة: # وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك ~~الحجر.. # [البقرة: 60]. ونجد الوحي نزل إلى موسى بقوله: { فقلنا اضرب } ~~وهنا في سورة الأعراف نجد الحق يقول: { وأوحينآ إلى موسى ~~إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر... } ~~[الأعراف: 160]. ولنا أن نعرف أن " قلنا " تساوي " أوحينا " ~~تماما، لأن ms3550 المقصود بالقول هنا ليس من مناطات تكليم الله لموسى، بل مناط ~~هذه القضية غير المناط في قوله الحق: { وكلم الله موسى ~~تكليما }. # فليس كل وحي لموسى جاء بكلام مباشر من الله، بل سبحانه كلمه مرة واحدة ~~كتشريف له، ثم أوحي له من بعد ذلك كغيره من الرسل. وقوله الحق: { أن ~~اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة ~~عينا.. } [الأعراف: 160]. هذا القول يدلنا على الإعجاز المطلق، فمرة ~~أمر الحق موسى أن يضرب الماء بالعصا { فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم } ، ومرة يأمره هنا أن يضرب الحجر فينبجس منه ~~الماء، وهكذا نرى طلاقة قدرة الله في أن يعطي ويمنع بالشيء الواحد، ولم ~~يكن ذلك إلا بالأسباب التي في يد الله يحركها كيف يشاء. ولذلك رأينا أمر ~~الله حين ضرب موسى البحر بعصاه، فصار كل فرق كالطود، أي كالجبل، وامتنعت ~~السيولة، ولما خرج موسى وقومه إلى البر بعد أن عبر البحر أراد أن يضرب ~~البحر ليعود ثانية إلى سيرته الأولى من السيولة، فأوحى له الله: { ~~واترك البحر رهوا }. أي اتركه كما هو عليه لأن الله يريد أن ~~يغتر فرعون وقومه بأن يروا اليابس طريقا موجودا بين الماء، فيحاولوا ~~النفاذ منه وراء موسى وقومه، وما أن دخل فرعون وقومه خلف موسى حتى عاد ~~الماء إلى سيولته فغرق فرعون وقومه. وهكذا أنجى الله وأغرق بالشيء ~~الواحد، وكذلك في أمر العصا إنها حين ضربت الماء فلقته فصار كل فرق ~~كالطود والجبل الشامخ، ثم ضرب موسى بها الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة ~~عينا من الماء، وهكذا نرى قدرة من بيده القدرة والأسباب. { اضرب ~~بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا.. } ~~[الأعراف: 160]. وهنا تعبير " انبجست " ، وهناك تعبير " انفجرت " ، ونعلم ~~أن الانبجاس يحدث أولا ثم يتبعه الانفجار ثانيا، فالانبجاس أن يأتي ~~الماء قطرة قطرة، ثم يأتي الانفجار وتتدفق المياه الكثيرة، فكان موسى ~~عليه السلام أول ما يضرب الضربة تأتي وتجيء المياه قليلة ثم تنفجر بعد ~~ذلك. إذن فقد تكلم الحق عن المراحل التي أعقبت الضربة في لقطات متعددة ~~لمظهر ms3551 واحد له أولية وله آخرية. وحين تكلم أمير الشعراء عن عطاء الله ~~وقدرته قال: # سبحانك اللهم خير معلم # علمت بالقلم القرون الأولى # أرسلت بالتوراة موسى مرشدا # وابن البتول فعلم الإنجيلا # ثم جاء لسيدنا محمد وقال: # وفجرت ينبوع البيان محمدا # فسقى وناول التنزيلا # وهنا توفيق رائع في العبارة حين قال: " فسقى الحديث " ، فالحديث سقيا ~~أما القرآن فمناولة من الله لخلقه. والحق يقول: { فانبجست منه ~~اثنتا عشرة عينا }. إن الضربة واحدة من عصا واحدة، وكان ~~المفترض أن تحدث هذه الضربة عينا واحدة تنبع منها المياه، لكن الحق ~~أرادها اثنتي عشرة عينا وعلم كل أناس مشربهم لذلك كان لا بد أن يكون ~~المكان متسعا. # وأن هذه الضربة كانت إيذانا بالانفعال من الأرض. { فانبجست منه ~~اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم.. } ~~[الأعراف: 160]. ومن أين عرف كل قسم منهم الماء الذي يخصه؟ إنها قسمة ~~الله وصارت كل عين تجذب أصحابها، فلم يتزاحموا، وهذا يدل أيضا على ~~التساوي، فلم تتفجر عين بماء أكثر من الأخرى فتثير الطمع، لا، بل انتظم ~~الجميع فيما أراده الحق: { قد علم كل أناس مشربهم }. ~~والحق هنا يتكلم عن رحلة بني إسرائيل في التيه، وفي الصحراء والشمس ~~محرقة، ولا ماء، فاستسقوا موسى، فطلب لهم السقيا من الله، وجاءت لهم ~~اثنتا عشرة عينا حتى لا يتزاحموا، وعرف كل منهم مشربه. ويضيف الحق: { ~~وظللنا عليهم الغمام }. ولأن الشمس محرقة يرحمهم الله ~~بمسيرة من الغمامات تظللهم، ولكل سبط غمامة على قدره، فإذا كان الواحد من ~~البشر حين يوزع جماعة من كتل صغيرة، لا يعجز أن يضعهم في عشرين خيمة ~~مثلا، فهل يعجز ربنا عن ذلك؟ طبعا لا. وإذا كان الحق قد ضمن لنا في ~~الأرض الرزق حتى لا نجوع، ولا نعرى، ولا تحرقنا الشمس، ونجد ماء. إذن لقد ~~بقي أمر الطعام لهؤلاء. فقال: { وأنزلنا عليهم المن ~~والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم.. } [الأعراف: ~~160]. ساعة تأتي كلمة " أنزلنا " نعرف أنها مسألة جاءت من علو، ولا ~~يفترض أن يكون مكانها عاليا، لكن هي مسألة جاءت ms3552 من أعلى من قدرتك، أي ~~من فوق أسبابك إنها بقدرة الأعلى. و " المن " مادة بيضاء اللون حلوة ~~الطعم مثل قطرات الزئبق. يجدونه على الشجر. ولا يزال هذا الشجر موجودا ~~إلى الآن في العراق، يهزونه صباحا فيتساقط ما على الورق من قطرات متجمدة ~~لونها أبيض، فيأخذونه على ملاءة بيضاء واسمه عندهم المن - أيضا - وهو ~~في طعم القشدة وليونتها، وحلاوة العسل. و " السلوى " هو طير من رتبة ~~الدجاجيات يستوطن أوروبا وحوض البحر المتوسط واحدته " سلواة " وهو " ~~السماني " ويسميه أهل السواحل " السمان " وهو يأتي مهاجرا ولم يربه ~~أحد، وفي هذا إنزال من الله لأنه رزق من فوق قدرة العباد وأسبابهم. { ~~وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم.. } [الأعراف: 160]. وهناك مصانع تصنع المن في أشكال ~~مختلفة وأنواع من الحلوى جميلة، ومن زار العراق ذاقه أو أحضره لأهله. ~~والسلوى - كما قلنا - هو طائر " السمان " الموجود في بيئة أخرى يغريه ~~ربنا بالطقس الدافئ فيأتي إلينا لنأخذه، وهذه الطيور جاءت طالبة استمرار ~~الحياة، ويبعثها ربنا لتصير لنا طعاما ليدلل على أنه حين يريد أن يأتي ~~لهم برزق غيبي يمدهم ويمنحهم المن والسلوى كما أخرج من الحجر الماء، وكما ~~ظللهم بالغمام، وبذلك صارت حاجاتهم قدرية ليس لهم فيها أسباب وجاءت ~~لهم بالهناء. # فقالوا: ومن يدرينا أن الرزق الذي يأتينا من المن والسلوى سيستمر، ثم ~~كيف لنا أن نصبر على طعام واحد؟ إنهم قالوا لنبيهم سيدنا موسى ما حكاه ~~القرآن بقوله: # وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد ~~فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من ~~بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها.. # [البقرة: 61]. وهنا قال الحق: اذهبوا إلى أي مصر من الأمصار والمدن ~~تجدوا ما تريدون: # اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم # [البقرة: 61]. لقد أعطاهم الحق الرزق بدون السببية، إنه منه مباشرة، ~~فكان من الواجب أن تشكروا من أراحكم، وجعل لكم الرزق ميسرا. لكنهم لم ~~يشكروا الله، بل تمردوا، ولذلك ذيل الحق الآية بقوله: { وما ظلمونا ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }. نعم فهم ظلموا بعدم شكر ~~النعمة. ms3553 ويقول الحق بعد ذلك: { وإذ قيل لهم اسكنوا... }. ### || [7.161] # وهذه القصة مذكورة أيضا في سورة البقرة، ونعرف أن قوله سبحانه: { ~~وإذ قيل لهم } ، ولم يذكر الحق من القائل لأن طبيعة الأمر في ~~الأسباط أنه سبحانه جعل لكل سبط منهم عينا يشرب منها، وكل سبط له نقيب، ~~وهذا دليل على أنهم لا يأتلفون فلا يكون القول من واحد إلى الجميع، بل ~~يصدر القول من المشرع الأعلى وهو الحق إلى الرسول، والرسول يقول للنقباء، ~~والنقباء يقولون للناس. وبعد أن تلقى موسى القول أبلغه للنقباء، والنقباء ~~قالوه للأسباط، وفي آية أخرى قال الحق: { وإذ قلنا }. وهذا القول ~~الأول وضعنا أمام لقطة توضح أن المصدر الأصيل في القول هو الله، ولأنهم ~~أسباط ولكل سبط مشرب لذلك يوضح الحق هنا أنه أوحى لموسى. وساعة ما تسمع " ~~وإذ " فاعلم أن المراد اذكر حين قيل لهم اسكنوا هذه القرية، لقد قيل إن ~~هذه القرية هي بيت المقدس أو أريحا، لكنهم قالوا: لن ندخلها أبدا لأن ~~فيها قوما جبارين وأضافوا: # فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون # [المائدة: 24]. والحق لا يبين لنا القرية في هذه الآية لأن هذا أمر غير ~~مهم، بل جاء بالمسألة المهمة التي لها وزنها وخطرها وهي تنفيذ الأمر على ~~أي مكان يكون: { اسكنوا هذه القرية وكلوا منها }. ~~ويوضح الحق: أنا تكفلت بكم فيها كما تكفلت بكم في التيه من تظليل غمام، ~~وتفجير ماء من صخر، ومن وسلوى. وحين أقول لكم ادخلوا القرية واسكنوها ~~فلن أتخلى عنكم: { وكلوا منها حيث شئتم }. وقديما كان لكل ~~قرية باب لذلك يتابع سبحانه: { وقولوا حطة وادخلوا الباب ~~سجدا }. والحطة تعني الدعاء بأن يقولوا: يا رب حط عنا ذنوبنا فنحن قد ~~استجبنا لأمرك وجئنا إلى القرية التي أمرتنا أن نسكنها، وكان عليهم أن ~~يدخلوها ساجدين لأن الله قد أنجاهم من التيه بعد أن أنعم عليهم ورفههم ~~فيه. وإذا ما فعلوا ذلك سيكون لهم الثواب وهو: { نغفر لكم ~~خطيئاتكم سنزيد المحسنين } [الأعراف: 161]. وسبحانه ~~يغفر مرة ثم يكتب حسنة، أي سلب مضرة، ms3554 وجلب منفعة، لكن هناك في سورة ~~البقرة قد جاء النص التالي: # وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها ~~حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا ~~حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين # [البقرة: 58]. فالكيان العام واحد ونجد خلافا في الألفاظ واللقطات عن ~~الآية التي وردت في سورة الأعراف. أول خلاف { وإذ قلنا } ، و { ~~وإذ قيل } ، وشاء الحق ذلك ليأتي لنا بلقطة مختلفة كنا أوضحنا من ~~قبل. ففي آية سورة البقرة يقول سبحانه: { ادخلوا } وفي آية سورة ~~الأعراف يقول: { اسكنوا } ، ونعلم أن الدخول يكون لغاية وهي السكن أي ~~ادخلوا لتسكنوا، وأوضح ذلك بقوله في سورة الأعراف: { اسكنوا } ليبين ~~أن دخولهم ليس للمرور بل للإقامة. # وأراد سبحانه أن يعطيهم الغاية النهائية لأنه لا يسكن أحد في القرية إلا ~~إذا دخلها. وهكذا نرى أن كلمات القرآن لا تأتي لتكرار، بل للتأسيس ~~وللإتيان بمعنى جديد يوضح ويبين ويشرح. ويقول الحق هنا في سورة الأعراف: ~~{ وكلوا منها حيث شئتم }. وفي آية سورة البقرة يقول: { ~~فكلوا منها حيث شئتم رغدا }. وحين أمرهم الله بالدخول ~~وكانوا جوعى أمرهم الحق أن يأكلوا، على الفور والتو بتوسع، لذلك أتى ~~بكلمة " رغدا " لأن حاجتهم إلى الطعام شديدة وملحة، لكنه بعد أن أمرهم ~~بالسكن أوضح لهم أن يأكلوا لأن السكن يحقق الاستقرار ويتيح للإنسان أن ~~يأكل براحة وتأن. وقال الحق هنا في سورة الأعراف: { وقولوا حطة ~~وادخلوا الباب سجدا }. أي أنه قدم قولهم " حطة " على السجود، ~~وفي آية سورة البقرة قدم السجود فقال: # وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة.. # [البقرة: 58]. جاء الحق بهذا الاختلاف لأنه علم أن انفعالات السامعين ~~تختلف ساعة الدخول، فهناك من ينفعل للقول، فيقول أول دخوله ما أمر به من ~~طلب الحطة وغفران الذنب من الله، وهناك آخر ينفعل للفعل فيسجد من فور ~~الدخول تنفيذا لأمر الله. وأيضا قال الحق هنا في سورة الأعراف: { ~~نغفر لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين } [الأعراف: ~~161]. وفي سورة البقرة يقول: # نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين # [الآية: 58]. ونعلم أن صيغة الجمع تختلف فهناك " جمع تكسير " وجمع ~~تأنيث، ms3555 ففي جمع التكسير نغير من ترتيب حروف الكلمة، مثل قولنا " قفل " ~~فنقول في جمعها " أقفال ". أما في جمع التأنيث فنحن نزيد على الكلمة ~~ألفا وتاء بعد حذف ما قد يوجد في المفرد من علامة تأنيث، مثل قولنا " ~~فاطمة " ، و " فاطمات " ، و " أكلة " ، و " أكلات " وهذا جمع مؤنث سالم، ~~أي أن ترتيب حروفه لم يتغير، وجمع المؤنث السالم يدل على القلة. لكن جمع ~~التكسير يدل على الكثرة فجاء - سبحانه - بجمع المؤنث السالم الذي يدل على ~~القلة وبجمع التكسير الذي يدل على الكثرة لاختلاف درجات ونسب الخطايا لأن ~~المخاطبين غير متساوين في الخطايا، فهناك من ارتكب أخطاء كثيرة، وهناك من ~~أخطأ قليلا. والاختلاف حدث أيضا في عجز الآيتين، فقال في سورة البقرة: ~~{ وسنزيد المحسنين } وجاء عجز سورة الأعراف بدون " واو " ~~فقال: { سنزيد المحسنين }. وقد عودنا ودعانا الحق إلى أن نقول: ~~اغفر لنا وأنت خير الغافرين، وارحمنا وأنت خير الراحمين، واكتب لنا في ~~هذه الدنيا حسنة. وهنا يوضح سبحانه: أنا لن أكتفي بأن أغفر لكم وأن أرفع ~~عنكم الخطايا. لكني سأزيدكم حسنا، وفي هذا سلب للضرر وجلب للنفع. كأن ~~الله حينما قال: " خطاياكم " بجمع التكسير الذي ينبئ ويدل على كثرة ~~الذنوب والخطايا و " خطيآتكم " التي تدل على القلة انشغلوا وتساءلوا: ~~وماذا بعد الغفران يا رب فقيل؟ لهم: { سنزيد المحسنين } هل ~~سيغفر لنا فقط، أو أنه سيجازينا بالحسنات أيضا؟ وكانت إجابة الله أنه ~~سيغفر لهم ويزيدهم ويمدهم بالحسنات. وقد عقدنا هذه المقارنة المفصلة بين ~~آية سورة البقرة وآية سورة الأعراف لنعرف أن الآيات لا تتصادم مع بعضها ~~البعض، بل تتكامل مصداقا لقول الحق: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82]. ويقول الحق بعد ذلك: { فبدل الذين ظلموا... ~~}. ### || [7.162] # هذه الآية تدل على أنهم افترقوا فرقتين لأن الحق سبحانه ما دام قد قال: ~~{ منهم } فهذا يعني أن بعضهم قالوا وفعلوا المطلوب، وبعضهم ظلموا ~~وبدلوا القول، فقد أمرهم الحق أن يقولوا: " حطة " وطلب منهم أن يدخلوا ~~سجدا. والتغيير منهم جاء في القول ms3556 لأن القول قد يكون بين الإنسان وبين ~~نفسه بحيث لا يسمعه سواه. لكن الفعل مرئي مما يدل على أن بعضهم يرائي ~~بعضا، ففي القول أرادوا أن يهذروا ويتكلموا بما لا ينبغي ولا يليق، ~~فبدلا من أن يقولوا: " حطة " قالوا: " حنطة " استهزاء بالكلمة. وهكذا ~~نرى أن التبديل جاء في القول، لكن الفعل لم يأت فيه كلام، وإن قال بعضهم: ~~إن التبديل أيضا حدث من بعضهم في الفعل. فبدلا من أن يدخلوا ساجدين ~~دخلوا زاحفين على مقعداتهم، كنوع من التعالي، لكن الحق لم يذكر شيئا من ~~ذلك لأن سلوكهم في الفعل قد يكون السبب فيه أن بعضهم لا قدرة له على ~~الفعل. { فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي ~~قيل لهم.. } [الأعراف: 162]. وكأن الحق يذكرنا بما فعله معهم من ~~رعايتهم في أثناء التيه وكيف ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى، ~~واستسقى لهم موسى فجاءت المياه. لكن غريزة التبديل والتمرد لم تغادرهم. ~~وما داموا قد بدلوا في كلمات الله، فعليهم أن ينالوا العقاب: { ~~فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء }. وهناك آية ثانية ~~في سورة البقرة يقول فيها الحق: # فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السمآء # [البقرة: 59]. والفارق بين " الإنزال " وبين " الإرسال " أن الإنزال ~~يكون مرة واحدة. أما الإرسال فهو مسترسل ومتواصل. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه في المطر: { وأنزلنا من السمآء مآء طهورا }. لأن ~~المطر لا ينزل طوال الوقت من السماء. لكن في الإرسال استمرار، اللهم إلا ~~بعضا من تأثير الهواء. ولذلك يقول الحق: { وأرسلنا الرياح ~~لواقح }. فالذي يحتاج إلى استمرارية في الفعل يقول فيه الحق: " أرسل ~~" بدليل أن الله حينما أراد أن يجيء بالطوفان ليغرق المكذبين بموسى قال: # فأرسلنا عليهم الطوفان.. # [الأعراف: 133]. وعندما أراد أن يرغب عادا قوم سيدنا هود في الاستغفار ~~والتوبة والرجوع عما كانوا عليه من الكفر والآثام قال لهم: # ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا.. # [هود: 52]. إذن فالإرسال يعني التواصل، أما الإنزال فهو لمرة واحدة، ~~وأراد الحق سبحانه من قصة بني إسرائيل أن يأتي لنا بلقطة ms3557 فجاء بكلمة " ~~أنزلنا " ، ولقطة أخرى جاء فيها ب " أرسلنا " لأن العقوبة تختلف باختلاف ~~المذنبين، والمذنبون مقولون بالتشكيك، فهذا له ذنب صغير، وآخر ذنبه أكبر، ~~وكل إنسان يأخذ العذاب على قدر ذنبه فمن أذنب ذنبا صغيرا أنزل الله ~~عليه عقابا على قدر ذنبه. # ومن تمادى أرسل الله عليه عذابا يستمر على قدر ذنوبه الكبيرة. وهنا ~~يقول الحق: { فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء بما ~~كانوا يظلمون } [الأعراف: 162]. و " رجزا " أي عذابا، وهناك ~~رجز، ورجز، والرجز يولد من الرجز وينشأ مثل قوله الحق: { ~~والرجز فاهجر }. أي اهجر الرجز.. أي المآثم والمعاصي والذنوب ~~لتسلم من الرجز.. أي من العذاب. وهنا يبين الحق أنهم تلقوا العذاب بسبب ~~ظلمهم، وهناك في الآية الأخرى قال: { بما كانوا يفسقون }. ~~والفسق يسبق الظلم لأن الإنسان لا يمكن أن يظلم نفسه بمخالفة منهج إلا ~~إذا فسق أولا، ولذلك جاء الحق بالمسبب وجاء السبب، وهكذا نتأكد أن كل ~~كلمة في القرآن جاءت لمعنى أساسي تؤديه ولا تكرار إلا لمجموع القصة في ~~ذاتها، أما لقطات القصة هنا، ولقطات القصة هناك فأمور جاءت تأسيسا في كل ~~شيء لتعطي معاني ولقطات جديدة. ويقول الحق بعد ذلك: { وسئلهم عن ~~القرية... }. ### || [7.163] # هنا سؤال عن القرية التي كانت حاضرة البحر، ونعلم أن القرية الأولى التي ~~دخلوها هي " بيت المقدس " ولم تكن على البحر، والقرية التي كانت على ~~البحر هي " أيلة " أو " مدين " أو " طبرية " ، المهم أنها كانت " حاضرة ~~البحر " أي قريبة من البحر ومشرفة عليه لأننا نقول فلان حضر، أي كان ~~بعيدا فاقترب. فمثل الإسكندرية يمكن أن نسميها حاضرة البحر. وقوله: " ~~واسألهم " والسؤال هنا موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليوجه ~~السؤال إلى أهل الكتاب، ويطلب منهم أن ينظروا في كتبهم ليعرفوا أن ما ~~يقوله هو وحي من الله إليه لأنهم يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم لم يجلس ~~إلى معلم، ولم يقرأ في كتاب، وإنما علمه من أرسله، إنه صلى الله عليه ~~وسلم لا يريد أن يعلم منهم، بل يريد أن يعلمهم أنه ms3558 يعلم، وهم ~~يعلمون أنه لا مصدر له كعلم سائر البشر لا جلس على معلم ولا قرأ في كتاب ~~ولذلك تجد " ماكنات " القرآن أي قوله الحق: " ما كنت " و " ما كنت " و ~~" ما كنت " مثل قوله: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر.. # [القصص: 44]. ومثل قوله تعالى: # وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم ~~آياتنا.. # [القصص: 45]. ومثل قوله تعالى: # ...وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم ~~يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون # [آل عمران: 44]. إذن فأنت يا رسول الله لم تكن معهم لتقول ما حدث وحصل ~~لهم، بل إن ذلك موجود عندهم في كتبهم، إذن فالذي علمك هو من أرسلك. كذلك ~~هنا مصداقا لقوله تعالى: # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون # [العنكبوت: 48]. وفي هذا القول أمر من الله سبحانه وتعالى أن يخبرهم أنه ~~سبحانه قد علمه وأعلمه بما لا يستطيعون إنكاره ليتيقنوا أن الله يعلمه ~~ليؤمنوا به. { وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة ~~البحر.. } [الأعراف: 163]. وكلمة " واسألهم " تحل لنا إشكالات كثيرة، ~~مثال ذلك حديث الإسراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالأنبياء ~~بصلاة إبراهيم. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت ~~المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط، فرفعه الله إلي أنظر ~~إليه، ما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من ~~الأنبياء، وإذا موسى قائم يصلي وإذا هو رجل جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا ~~عيسى قائم يصلي أقرب الناس شبها به عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم ~~قائم يصلي أقرب الناس شبها به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة ~~فأممتهم فلما فرغت قال قائل: يا محمد هذا مالك خازن جهنم فالتفت إليه ~~فبدأني بالسلام ". # وتأتي آية في القرآن تقول: # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ.. # [الزخرف: 45]. والأمر لرسول الله عليه الصلاة ms3559 والسلام أن يسأل رسل الله ~~من قبله، ومتى يسألهم؟ لا بد أن توجد فرصة ليلتقوا فيسأل. إذن حين يقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه التقى بالأنبياء وكلمهم وصلى بهم ~~فالخبر مصدق لأنه قد أدى أمر الله: { وسئلهم عن القرية ~~التي كانت حاضرة البحر }. والسؤال هنا سؤال للتقرير ~~والتقريع والتوبيخ: وما قصة القرية التي كانت حاضرة البحر؟ لقد قلنا إن ~~حاضرة البحر أي القريبة من البحر، ونفهم أن ما تتعرض له الآية من سؤالهم ~~يشير إلى أن للبحر فيه مدخلا لأن المسألة متعلقة بالحيتان والسمك ~~والصيد لذلك لا بد أن تكون بلدة ساحلية. { إذ يعدون في السبت ~~إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون } [الأعراف: 163]. وحيتان جمع حوت، مثلما يجمعون " نونا " ~~- وهو الحوت أيضا - على " نينان " وهو صنف من الأسماك. لقد حرم الله ~~عليهم العمل في يوم معين لينقطعوا فيه للعبادة وهو يوم " السبت " ، وما ~~زالت عندهم بعض هذه العادات، حتى إن واحدا منهم زار أمريكا ورفض أن يركب ~~سيارة يوم السبت لأنه يوم عطلة، ورفض كذلك أن يعمل حتى جاء اليوم التالي. ~~وشاء الحق سبحانه أن يؤدبهم حينما ارتكبوا أشياء مخالفة للمنهج، وسلب ~~منهم وقتا للعمل وقال: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم.. # [النساء: 160]. وفي هذه مثل وعبر لأي منحرف، ولكل منحرف نقول: إياك ~~أن تظن أنك بانحرافك عن منهج الله ستأخذ أشياء من وراء ربنا وتسرقها، لا ~~لأن ربنا قادر أن يبتيله بعقاب يفوق ما أخذ آلاف المرات، فالمرتشي مثلا ~~يفتح له الله أبوابا من الأمراض ومن العلل ومن المصائب فيضيع عليه كل ~~شيء أخذه. إذن فقد استحل بنو إسرائيل أشياء محرمة، فابتلاهم الله بأن ~~يحرمهم من أشياء كانت حلالا لهم. وهكذا نرى أن ما وقع عليهم من عقاب كان ~~بظلمهم لأنفسهم لأنهم انشغلوا بالدنيا وبالمادة، فحرم عليهم العمل في يوم ~~السبت، وهؤلاء الذين كانوا يقيمون قريبا من حاضرة البحر يبتليهم الله ~~البلاء العظيم، ويرون ms3560 السمك في المياه وهو يرفع زعانفه كشراع المركب، ~~وتطل عليهم أشرعة الحيتان وهم في بيوتهم، وهذا ابتلاء من ربهم لهم وعقاب ~~لأنهم ممنوعون من صيده، ويرون هذا السمك أمامهم في يوم السبت، لكن في ~~بقية الأيام التي يباح فيها العمل، كيوم الأحد والاثنين والثلاثاء ~~والأربعاء والخميس والجمعة لا تظهر لهم ولا سمكة واحدة: { ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون }. # وهنا قالوا: ما دام ربنا قد حرم علينا أن نصطاد يوم السبت فعلينا أن ~~نحتال. وصنعوا كيسا من السلك المضفر والذي نسميه " الجوبية " وهم أول من ~~صنعوا هذه الجوبية بشكل خاص، ويدخل السمك فيها ولا يستطيع الخروج منها، ~~فيأتي السمك يوم السبت في الجوبية ويستخرجونه يوم الأحد. وفي هذا اعتداء. ~~أو يصنعون حوضا له مدخل وليس له مخرج وفي هذا مكر. وتمكر لهم السماء ~~بحيلة أشد. لقد أراد الله ابتلاءهم لأنهم فسقوا عن المنهج. وخرجوا عن ~~الطاعة، واستحلوا أشياء حرمها الله لذلك يحرم الله عليهم أشياء أحلها ~~لغيرهم. ويقول الحق بعد ذلك: { وإذا قالت أمة منهم ~~لم... }. ### || [7.164] # وحينما تجد أن طائفة قالت قولا، فلا بد أن هناك أناسا قيل لهم هذا ~~القول. إذن ففيه " قوم واعظون " ، و " قوم موعوظون " ، و " قوم مستنكرون ~~وعظ الواعظين ". وهكذا صاروا ثلاث فرق: الذين قالوا وعظا لهم: لماذا لا ~~تلتزمون بمنهج الله؟ هؤلاء هم المؤمنون حقا. وقالوا ذلك لأنهم رأوا من ~~يخالف منهج الله. والذين لاموا الواعظين هم الصلحاء من أهل القرية الذين ~~يئسوا من صلاح حال المخالفين للمنهج. وحين ندقق في الآية: { وإذا ~~قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم.. } [الأعراف: 164]. نعلم أن القائلين هم من الذين لم ~~يعتدوا، ولم يعظوا وقالوا هذا التساؤل لمن وعظوا لأنهم رأوا الوعظ مع ~~الخارجين على منهج الله لا ينفع. كما قال الله لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم: { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين }. ~~هنا يسأل الحق رسوله: ولماذا تحزن نفسك وتعمل على إزهاق روحك. وهنا قال ~~بعض بني إسرائيل: لم تعظون هؤلاء ms3561 المغالين في الكفر، لماذا ترهقون أنفسكم ~~معهم، إنهم يعملون من أجل أن يعذبهم الله. وماذا قال الواعظون؟: { ~~قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون }. وما ~~هي المعذرة إلى الله؟. يقال: عذرك فلان إذا كنت قد فعلت فعلا كان في ~~ظاهره أنه ذنب ثم بينت العذر في فعله، كأن تقول: لقد جعلتني انتظرك ~~طويلا وتأخرت في ميعادك معي. انت تقول ذلك لصديق لك لأنه أتى بعمل مخالف ~~وهو التأخر في ميعاد ضربه لك. فيرد عليك: تعطلت مني السيارة ولم أجد ~~وسيلة مواصلات، وهذا عذر. إذن فمعنى " العذر " هو إبداء سبب لأمر خالف ~~مراد الغير. ولذلك يقال: أعذر من أنذر، والحق يقول: # وجآء المعذرون من الأعراب.. # [التوبة: 90]. ونعلم أيضا أن هناك معذرا. ومعذرا. والمعذر ~~هو من يأتي بعذر كاذب، والمعذر هو من يأتي بعذر صادق. وقال الواعظون: ~~نحن نعظهم، وأنتم حكمتم بأن العظة لا تنفع معهم لأنهم اختاروا أن يهلكهم ~~الله ويعذبهم ولكنا لم نيأس، وعلى فرض أننا يئسنا من فعلهم، فعلى الأقل ~~نكون قد قدمنا لربنا المعذرة في أننا عملنا على قدر طاقتنا. وكلمة " ~~وعظ " تقتضي أن نقول فيها: إن هناك فارقا بين بلاغ الحكم، والوعظ ~~بالحكم فالوعظ أن تكرر لموعوظ ما يعلمه لكنه لا يفعله. كأن تقول لإنسان: ~~قم إلى الصلاة، هو يعلم أن الصلاة مطلوبة لكنه لا يقوم بأدائها. إذن ~~فالوعظ معناه تذكير الغافل عن حكم، ومن كلمة الوعظ نشأت الوعاظ. وهم من ~~يقولون للناس الأحكام التي يعرفونها، ليعملوا بها، فالوعاظ إذن لا يأتون ~~بحكم جديد. وبعض العلماء قال: إن قول الحق: { لم تعظون قوما ~~الله مهلكهم } ليس مرادا به الفئة التي لم تفعل الذنب ولم تعظ، ~~إنما يراد به الفئة الموعوظة، كأن الموعوظين قالوا: إن ربنا سيعذبنا ~~فلماذا توعظوننا؟. ونقول: لا لأن عجز الآية ينافي هذا. فالحق يقول: { ~~معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون }. ومجيء " لعلهم ~~" يؤكد أن هذا خبر عن الغير لا أنه من الموعوظين. ويقول الحق بعد ذلك: ~~{ فلما نسوا ما ذكروا به... }. ### || [7.165] # ويخبرنا الحق هنا أن ms3562 الموعوظين حينما نسوا ما وعظهم به بعض المؤمنين ~~أهلكهم الله بالعذاب الشديد جزاء لخروجهم وفسوقهم عن المنهج وأنجى الله ~~الفرقة الواعظة. وماذا عن الفرقة الثالثة التي لم تنضم إلى الواعظين أو ~~الموعوظين؟ الذين قالوا: { لم تعظون قوما الله مهلكهم ~~} إن قولهم هذا لون من الوعظ فساعة يخوفونهم بأن ربنا مهلك أو معذب من ~~يخرج على منهجه، فهو وعظ من طرف آخر. وقوله الحق: { فلما نسوا ما ~~ذكروا به } يدل على أنه قد وعظهم غيرهم وذكروهم. ويعذب الحق هؤلاء ~~الذين ضربوا عرض الحائط بمنهجه ولم يسمعوا من وعظوهم، وخرجوا على تعاليمه ~~فظلموا أنفسهم واستحقوا العذاب الشديد فالمسألة ليست تعنتا من الله ~~لأنهم السبب في هذا، إما بفسق، وإما بظلم للنفس. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~فلما عتوا عن ما نهوا عنه... }. ### || [7.166] # وأخذهم بعذاب يدل على أنه لم يزهق حياتهم ويميتهم لأن العذاب هو إيلام ~~من يتألم، والموت ليس عذابا لأنه ينهي الإحساس بالألم، ولنتعرف على ~~الفارق بين الموت والعذاب حين نقرأ قصة الهدهد مع سيدنا سليمان، يقول ~~سيدنا سليمان حين تنبه لغياب الهدهد عندما وجد مكانه خاليا: # مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغآئبين * ~~لأعذبنه عذابا شديدا أو لأاذبحنه.. # [النمل: 20-21]. هكذا نرى الفارق بين العذاب وبين الموت. وهنا يقول ~~الحق: { فلما عتوا عن ما نهوا عنه } و " عتوا " تعني ~~أبوا وعصوا واستكبروا فحق عليهم عذاب الله الذي أوضحه قول الحق: { ~~كونوا قردة خاسئين }. لأن " العتو " كبرياء وإباء فيعاقبهم ~~الله بأن جعلهم كأخس الحيوانات فصيرهم أشباه القرود، كل منهم مفضوح ~~السوءة، يسخر الناس منهم ويستهزئون بهم. فهل انقلبوا قردة؟. نعم لأنك حين ~~تأمر إنسانا بفعل.. ألا تقدر قبل الأمر له بالفعل أنه صالح أن ~~يفعل وألا يفعل؟. وحين يقول الله: { كونوا قردة } فهل في مكنتهم ~~أن يصنعوا من أنفسهم قردة؟. ونقول: إن هذا اسمه " أمر تسخيري " أي أصبحوا ~~وصيروا قردة. وقد رأوهم على هذه الهيئة من وعظوهم، وهي هنا مقولة " ~~خبر " نصدقه بتوثيق من قاله، وكان هذا الخبر واقعا لمن ms3563 شاهده. ولذلك نجد ~~المعجزات التي حدثت لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم غير القرآن الذي ~~وصلنا ككتاب منهج ومعجزة وسيظل كذلك إلى قيام الساعة، لكن ألم ينبع الماء ~~من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم؟ لقد حدث ذلك وغيره من المعجزات وشاهده ~~أصحابه صلى الله عليه وسلم، وأخبرونا بالخبر، وكان ذلك آية تثبت ~~يقينهم وإيمانهم. وتثبت لنا خبرا، فإن اتسع لها ذهنك فأهلا وسهلا، وإن ~~لم يتسع لها فلا توقف إيمانك لأنها آية لم تأت من أجلك أنت، وكل معجزة ~~كونية حدثت لرسول الله فالمراد بها من شاهدها، ووصلتك أنت كخبر، إن وثقت ~~بالخبر صدقته، وإن لم تثق به ووقفت عنده فلن ينقص إيمانك. غير أنه يجب ~~على من وصل إليه الخبر بطريق مقطوع به، أن يصدق ويذعن. وقد أخبر الحق هنا ~~بالأمر بقوله: { كونوا قردة خاسئين } بأنه أوقع عليهم عذابا ~~بأن جعلهم قردة خاسئين، فهذا عقاب للذين عتوا عما نهوا عنه. والذين ~~وعظوهم أو عاصروهم هم من شاهدوا وقوع العذاب. وهل الممسوخ يظل ممسوخا؟. ~~إن الممسوخ قردا أو خنزيرا، يظل فترة كذلك ليراه من رآه ظالما، ثم بعد ~~ذلك يموت وينتهي. ويقول الحق بعد ذلك: { وإذ تأذن ربك ~~ليبعثن عليهم... }. ### || [7.167] # وتأذن نجد مادتها من الهمزة والذال والنون، فمنه أذن، ومنها ~~أذان، وكلها يراد بها الإعلام، والوسيلة للإعلام هي الأذن والسمع، ~~حتى الذي سنعلمه بواسطة الكتابة نقول له ليسمع. ثم يكتب ويقرأ، وما قرأ ~~إلا بعد أن سمع لأنه لن يعرف القراءة إلا بعد أن يسمع أسماء الحروف " ألف ~~" ، " باء " إلخ، ثم تهجاها. إذن فلا أحد يقرأ إلا بعد أن يسمع، وهكذا ~~يكون السمع هو الأصل في المعلومات، ونقرأ في القرآن: # إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 1-2]. وأذنت لربها.. أي سمعت لربها، فبمجرد أن قال لها: " ~~انشقي " امتثلت وانشقت. { وإذ تأذن ربك ليبعثن ~~عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء ~~العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور ~~رحيم } [الأعراف: 167]. والكلام هنا بالنسبة لبني إسرائيل، ويبين لنا ms3564 ~~سبحانه أنهم مع كونهم مختارين في أن يفعلوا، " فإن مواقفهم الإيمانية ~~ستظل متقلبة مترددة، ولن يهدأ لهم حال في نشر الفساد وإشاعته، ولذلك يسلط ~~الله عليهم من يسومهم سوء العذاب ولماذا؟. لأنهم منسوبون لدين، والله لا ~~يسوم العذاب للكافر به وللملحد، لأنه بكفره وإلحاده خرج عن هذه الدائرة، ~~إذا لم يبعث الله له رسولا. ولكن المنسوب لله ديانة، والمنسوب لله ~~رسالة، والمنسوب لله كتابا إذا فسد مع كون الناس ويعلمون عنه أنه تابع ~~لنبي، وأن له كتابا، حينئذ يكون أسوة سيئة في الفساد للناس، فإذا ما سلط ~~الله عليهم العذاب فإنما يسلط عليهم لا لأجل الفساد فقط، ولكن لأنه فساد ~~منسوب لمن هو منسوب إلى الله. وعرفنا أن مادة أذن كلها مناط الإعلام، ~~وحينما تكلم الله عن خلقنا قال: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة.. # [النحل: 78]. إن الحق - سبحانه - يسمي العرب المعاصرين لرسول الله ~~أميين، أي ليس عندهم شيء من أسباب العلم، وسبحانه خلق لنا وسائل العلم. ~~بأن جعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، وهي وسائل العلم التي تبدأ بالسمع ~~ثم بالأبصار ثم الأفئدة. ومن العجيب أنه رتبها في أداء وظيفتها لأن ~~الإنسان منا إذا كان له وليد - كما قلنا سابقا - ثم جاء أحد بعد ميلاده ~~ووضع أصبعه أمام عينيه فإنه لا يطرف لأنه عينيه لم تؤديا بعد مهمة ~~الرؤية، وعيون الوليد لا تؤديان مهمة الرؤية إلا بعد مدة من ثلاثة أيام ~~إلى عشرة، ولكنك إذا جئت في أذنه وصرخت انفعل. إن هذا دليل على أن أذنه ~~أدت مهمتها من فور ولادته، بينما عيناه لا تؤديان مهمة الرؤية إلا بعد ~~مدة، فأولا يأتي السمع، ثم يأتي البصر، ومن السمع والبصر تتكون ~~المعلومات، فتنشأ عند الإنسان معلومات عقلية، ويقولون للطفل مثلا: إياك ~~أن تقبل على هذه النار حتى لا تحرقك، فلا يصدق، ومنظر النار يجذبه ~~فيلمسها، فتلسعه مرة واحدة، وبعد أن لسعته النار مرة واحدة، لم يعد في ~~حاجة إلى أن يتكرر له القول: بأن ms3565 النار محرقة. # فقد تكونت عنده معلومة عقلية. فأولا يأتي السمع، ثم الأبصار، ثم تأتي ~~الأفئدة. ولذلك قال سبحانه: { لعلكم تشكرون }. تشكرون له ~~سبحانه أن أمدكم بوسائل العلم ليخرجكم من أميتكم. وهناك لفتة إعجازية ~~أخرى فحين تكلم الحق عن وسائل العلم، تكلم عن السمع بالإفراد، وعن ~~الأبصار بالجمع. مع أن هذه آلة، وهذه آلة فقال: السمع والأبصار ولم يقل ~~السمع والبصر، ولم يقل الأسماع والأبصار لأن السمع هي الآلة التي تلتقط ~~الأصوات، وليس لها سد من طبيعتها، أما العين فليست كذلك، ففي طبيعة ~~تكوينها حجاب لتغمض. وإذا أنت أصدرت صوتا من فمك يسمعه الكل، وعلى هذا ~~فمناط السمع واحد، لكن في أي منظر من المناظر قد تكون لديك رغبة في أن ~~تراه، فتفتح عينيك، وإن لم تكن بك رغبة للرؤية فأنت تغمضهما. إذن ~~فالأبصار تتعدد مرائيها، أما السمع فواحد ولا اختيار لك في أن تسمع أو لا ~~تسمع. أما البصر فلك اختيار في أن ترى أو لا ترى، وهذه أمور رتبها لنا ~~الحق في القرآن قبل أن ينشأ علم وظائف الأعضاء، ورتبها سبحانه فأفرد في ~~السمع، وجمع في البصر مع أنهما في مهمة واحدة، إلا آية واحدة جاءت في ~~القرآن: # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا # [الإسراء: 36]. قال الحق ذلك لأن المسئولية هنا هي الفردية الذاتية، ~~وكل واحد مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده، وليس مسئولا عن أسماع وأبصار ~~وأفئدة الناس. ونرى مادة السمع قد تقدمت، وبعدها جاءت مادة البصر إلا في ~~آية واحدة أيضا، تتحدث عن يوم القيامة: # ربنآ أبصرنا وسمعنا.. # [السجدة: 12]. هنا قدم الحق مادة الإبصار على مادة السمع لأن هول ~~القيامة ساعة يأتي سنرى تغيرا في الكون قبل أن نسمع شيئا. { وإذ ~~تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة ~~من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب ~~وإنه لغفور رحيم } [الأعراف: 167]. وتأذن أي أعلم الله ~~إعلاما مؤكدا بأنكم يا بني إسرائيل ستظلون على انحراف دائم، ولذلك ~~سيسلط الله عليكم من يسومكم سوء العذاب، إما من جهة ms3566 إيمانية، مثلما فعل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني النضير وبني قريظة وبني قينقاع ~~وخيبر، وإما أن يسلط عليهم حاكما ظالما غير متدين، مصداقا لقوله الحق: # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا.. # [الأنعام: 129]. وكذلك مثلما حدث من بختنصر، وهتلر. إذن { وإذ ~~تأذن ربك } أي أعلم ربك إعلاما مؤكدا لأن البشر قد يعلمون ~~بشيء، ولكن قدرتهم ليست مضمونة لكي يعلموا ما أعلموا به، فإذا أعلمت أنت ~~بشيء فأنت قد لا تملك أدوات التنفيذ، أما الله - سبحانه - فهو المالك ~~لأدوات التنفيذ، والإعلام منه مؤكد، ولذلك يعلم بالشيء، أما غيره ~~فالظروف المحيطة به قد لا تساعده على أن ينفذ. # مثال ذلك: صحابة رسول الله الأول وهم مستضعفون ولم يستطيعوا أن يحموا ~~أنفسهم من اضطهاد المشركين والكافرين، وصار كل واحد يبحث لنفسه عن مكان ~~يأمن فيه منهم من يذهب إلى الحبشة أو يذهب إلى قوي يحتمي به، فينزل الله ~~في هذه الظروف العصيبة آية قرآنية لرسول الله يقول فيها: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. وتساءل البعض كيف يهزمون ونحن غير قادرين على حماية ~~أنفسنا. فعندما نزلت هذه الآية قال سيدنا عمر: أي جمع يهزم، قال عمر: ~~فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يثب في الدروع ~~وهو يقول: { سيهزم الجمع ويولون الدبر } ، فعرفت ~~تأويلها يومئذ. إن الله سبحانه وتعالى أعلم بالنصر. وهو قادر على ~~إنفاذ ما أعلم به على وفق ما أعلم لأنه لا يوجد إله آخر يصادمه. إذن { ~~وإذ تأذن ربك } يعني أعلم إعلاما مؤكدا، وحيثية الإعلام ~~المؤكد أنه لا توجد قوة أخرى تمنع قدرته ولا تنقض حكمه. { وإذ ~~تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم ~~القيامة.. } بالأعراف: 167]. أي يبعث الله عليهم من يسومهم سوء ~~العذاب. وهناك بنص القرآن مبعوث، والله يخلي بينه وبينهم، فلا يمنعهم ~~الله منه، إنما يسلط الله عليهم العذاب باختيار الظالم. مثلما قال الحق: # ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم أزا # [مريم: 83]. أي أنه - سبحانه - أرسلهم لهذه المهمة وخلى بينهم وبين ~~الذين يستمعون ms3567 إليهم: { وإذ تأذن ربك ليبعثن ~~عليهم إلى يوم القيامة }. وكلمة { إلى يوم ~~القيامة } تفيد أن هذا العنصر، المشاكس من اليهود سيبقى في الكون ~~كخميرة عكننة إلى أن تقوم الساعة، لماذا؟! هم يقومون بمهمة الشر في ~~الوجود، ولولا أن هذا الشر موجود في الوجود، ويعض الناس بمساوئه ~~وإفساداته، لم يكن من الناس من يتهافت على الحق وعلى الخير. فالشر - إذن ~~- جاء ليعض الناس بآلامه وإفساده ليتجه الناس إلى الخير، ولذلك تجد أقوى ~~انفعالات تعتمل في صدور المسلمين وأقوى نزوع حركي إلى الإسلام حين يجدون ~~من يضطهد قضية الإسلام. إن مهمة الشر في الوجود أنه يجمع عناصر الخير ~~في الوجود ومهمة الباطل في الوجود أنه يحفز عناصر الحق ويحضهم على محاربة ~~الشر ومناهضته لأن الباطل حين يعم، ويتضايق منه الناس، ترفع يدها وتقول: ~~يا ناس افعلوا الخير. ولو لم يحدث ذلك فلن تجد من يقبل على الخير بحمية ~~وحرارة. { وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى ~~يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب. # . } [الأعراف: 167]. ويسوم من مادتها سام، ونسمعها في البهائم ونسميها ~~السائمة وهي التي تطلب مقومات حياتها، وليس صاحبها هو الذي يجهز لها ~~مقومات حياتها. أما البهائم التي تربط وليست سائمة التي تجد من يجهز ~~لها طعامها، إذن أصل " سام " أي طلب، وبهيمة سائمة أي تطلب رزقها وأكلها ~~بنفسها. و " سام " أيضا أي طلب العذاب. ولا يطلب أحد العذاب إلا أن يكون ~~قد أفرغ قوته في التعذيب. فيطلب ممن يقدر على العذاب أن يعذب، أي أن الله ~~يسلط ويبعث عليهم من يقوم بتعذيبهم جهد طاقته، فإذا فترت طاقته أو ضعفت ~~فإنه يستعين على تعذيبهم بغيره. إذن فطلب العذاب معناه أنه: عذب هو، ~~ولم يكتف بأنه عذب بل طلب لهم عذابا آخر، و { يسومهم سوء ~~العذاب } أي العذاب السيىء الشديد. ويذيل الحق الآية بقوله تعالى: { ~~إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم } ~~[الأعراف: 167]. ومعنى سرعة الشيء أن تأخذه زمنا أقل مما يتوقع له لأن ~~السرعة هي اختصار الزمن. { لسريع العقاب } هي للدنيا وللآخرة، ~~فساعة ms3568 يقترفون ذنبا. يسلط عليهم من يعذبهم في الدنيا، أما الآخرة ففيها ~~سرعة عالية لأن مسافة كل إنسان إلى العذاب ليست هي عمر الدنيا، فالإنسان ~~بمجرد أن يموت تنتهي الدنيا بالنسبة له. والرسول صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إذا مات أحدكم فقد قامت قيامته ". # إن هناك سرعة لحساب الآخرة. وحتى لو افترضنا أننا سنبقى جميعا دون حساب ~~إلى أن تنتهي الدنيا، فإن الحساب سيكون سريعا لأن كل لحظة تمر على أي ~~إنسان تقربه من العقاب، وحتى لو كان عمر الدنيا مليون سنة، فكل يوم يمر ~~سينقص من عمر الدنيا. وحين يقول الحق سبحانه بعد سرعة العقاب { وإنه ~~لغفور رحيم } قد نجد من يسأل كيف والحديث هنا عن العقاب؟ ونقول: ~~إنه سبحانه الذي يتكلم. وهو القادر، فإذا قال: أنه لسريع العقاب، فهذا ~~يعني أنه يسرع بعقاب المفسدين والظالمين لأنه غفور رحيم بالمظلومين الذين ~~يظلمون، إذن فسرعة عقاب الظلمة رحمة منه بالمظلومين. أو أن الله كما ~~قال " سريع العقاب " فإنه - سبحانه - يأتي بالمقابل لكي يشجع كل إنسان ~~على الدخول في رحمته. ويقول سبحانه بعد ذلك: { وقطعناهم في ~~الأرض... }. ### || [7.168] # وقد قال سبحانه قبل ذلك أيضا: # وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما.. # [الأعراف: 160]. ولكن القول هنا يجيء لمعنى آخر: { وقطعناهم في ~~الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك }. ~~وقد قطعهم الحق حتى لا يبقى لهم وطن، ويعيشون في ذلة لأنهم مختلفون غير ~~متفقين مع بعضهم بعضا منذ البداية، كانوا كذلك منذ أن كانوا أسباطا ~~وأولاد إخوة على خلاف دائم. وهنا يقول الحق: { وقطعناهم في ~~الأرض أمما }. ومعنى { وقطعناهم } أي أن كل قطعة يكون لها ~~تماسك ذاتي في نفسها، وأيضا لا تشيع في المكان الذي تحيا فيه، ولذلك ~~قلنا: إنهم لا يذوبون في المجتمعات أبدا - كما قلنا - فعندما تذهب إلى ~~أسبانيا مثلا تجد لهم حيا خاصا، كذلك في فرنسا، وألمانيا، وكل مكان ~~يكون لهم فيه تجمع خاص بهم، لا يدخل فيه أحد، ولا يأخذون أخلاقا من أحد، ~~وشاء الحق بعد ذلك أن قال لهم: # ادخلوا الأرض ms3569 المقدسة التي كتب الله لكم.. # [المائدة: 21]. فبعد أن من عليهم بأرض يقيمون فيها، قالوا: # إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون # [المائدة: 24]. فحرم الله عليهم أن يستوطنوا وطنا واحدا يتجمعون فيه، ~~ونشرهم في الكون كله لأنهم لو كانوا متجمعين لعم فسادهم فقط في دائرتهم ~~التي يعيشون فيها. ويريد الله أن يعلن للدنيا كلها أن فسادهم فساد عام. ~~ولذلك فهم إن اجتمعوا في مكان فلا بد أن تتآلب عليهم القوى وتخرجهم ~~مطرودين أو تعذبهم، وأظن حوادث هتلر الأخيرة ليست بعيدة عن الذاكرة، وقد ~~أوضحنا ذلك من قبل في شرح قوله الحق: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض.. # [الإسراء: 104]. لقد قلنا: إن السكن في الأرض هو أن يتبعثروا فيها لأنه ~~- سبحانه - لم يحدد لهم مكانا يقيمون فيه، فإذا جاء وعد الآخرة ينتقم ~~الله منهم بضربة واحدة، ويأتي الحق بهم لفيفا تمهيدا للضربة القاصمة: { ~~وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ~~ومنهم دون ذلك }. هناك فريق منهم جاء إلى المدينة المنورة ~~ووسعتهم المدينة وصاروا أهل العلم وأهل الكتاب، وأهل الثراء وأهل المال، ~~وأهل بناية للحصون، وحين هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم عقد معهم ~~معاهدة. فالذي دخل منهم في الإيمان استحق معاملة المؤمنين، فلهم ما لهم ~~وعليهم ما عليهم، والحق قد قال: # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159]. وقلنا إن هذه تسمى صيانة الاحتمال لمن يفكرون في ~~الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم: { وقطعناهم في ~~الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك }. و ~~" دون " أي غير، فالمقابل للصالحين هم المفسدون. أو منهم الصالحون في ~~القمة، ومنهم من هم أقل صلاحا. # فهناك أناس يأخذون الأحسن، وأناس يأخذون الحسن فقط. ويتابع الحق سبحانه: ~~{ وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم ~~يرجعون } [الاعراف: 168]. كلمة { لعلهم يرجعون } هي التي ~~جعلتنا نفهم أن قول الحق سبحانه وتعالى: أن منهم أناسا صالحين، ومنهم ~~دون ذلك، أي كافرون لأنهم لو كانوا قد صنعوا الحسن والأحسن فقط، لما جاء ~~الحق ب { لعلهم ms3570 يرجعون }. أو هم يرجعون إلى الأحسن. و " ~~بلونا " أي اختبرنا لأن لله في الاختبارات مطلق الحرية، فهو يختبر ~~بالنعمة ليعلم واقعا منك لأنه - سبحانه - عالم به، من قبل أن تعمل، لكن ~~علمه الأزلي لا يعتبر شهادة منا. لذلك يضع أمامنا الاختبار لتكون نتيجة ~~عملنا شهادة إقرار منا علينا: { وبلوناهم بالحسنات ~~والسيئات }. وسبحانه وتعالى يختبر بالنعمة ليرى أتغرنا الأسباب في ~~الدنيا عن المسبب الأعلى الذي وهبها: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. فالواجب أن نشكر النعمة ونؤديها في مظان الخير لها. فإن ~~كان العبد سيؤديها بالشكر فقد نجح، وإن أداها على عكس ذلك فهو يرسب في ~~الاختبار. إذن فهناك الابتلاء بالنعم، وهناك الابتلاء بالنقم. والابتلاء ~~بالنقم ليرى الحق هل يصبر العبد أو لا يصبر، أي ليراه ويعلمه واقعا ~~حاصلا، وإلا فقد علمه الله أزلا. ولذلك يقول الحق سبحانه: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن # [الفجر: 15-16]. إننا نجد من يقول: { ربي أكرمن }. ومن يقول: ~~{ ربي أهانن } والحق يوضح: أنتما كاذبان. فليست النعمة دليل ~~الإكرام، ولا سلب النعمة دليل الإهانة. ولكن الإكرام ينشأ حين تستقبل ~~النعمة بشكر، وتستقبل النقمة بصبر. إذن مجيء النعمة في ذاتها ليس إلا ~~اختبارا. وكذلك إن قدر الله عليك رزقك وضيقه عليك، فهذا ليس للإهانة ~~ولكنه للاختبار أيضا. ويوضح الحق جل وعلا: # كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحآضون على ~~طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلا لما * ~~وتحبون المال حبا جما # [الفجر: 17-20]. أنتم لا تطعمون في مالكم يتيما ولا تحضون على طعام ~~مسكين. فكيف يكون المال نعمة؟ إنه نقمة عليكم. وهنا يقول الحق: { ~~وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون ~~}. ولله المثل الأعلى، نقول: إن فلانا أتعبني، لقد قلبته على الجنبين، ~~لا الشدة نفعت فيه، ولا اللين نفع فيه، ولا سخائي عليه نفع فيه، ولا ضنى ~~عليه نفع فيه، وقد اختبر الله بني إسرائيل فلم يعودوا إلى الطاعة مما يدل ~~على أن ms3571 هذا طبع تأصل فيهم. ويقول الحق بعد ذلك: { فخلف من ~~بعدهم خلف... }. ### || [7.169] # والخلف أو الخلف أو الخليفة هو من يأتي بعد ذلك، ويقال: فلان خليفة ~~فلان، ومن قبل قرأنا أن سيدنا موسى قال لسيدنا هارون: # اخلفني في قومي.. # [الأعراف: 142]. أي كن خليفة لي، إلا أنك حين تسمع " خلف " بسكون ~~اللام، فاعلم أنه في الفساد، وإن سمعتها " خلف " بفتح اللام فاعلم أنه ~~في الخير، ولذلك حين تدعو لواحد تقول: اللهم اجعله خير خلف لخير سلف. ~~وهنا يقول الحق: { فخلف من بعدهم خلف }. والحديث هنا عن ~~أنهم هم الفاسدون والمفسدون، والشاعر يقول: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في خلف كجلد الأجرب # الشاعر هنا يبكي موت الكرماء وأهل السماحة، فلم يعد أحد من الذين كان ~~يعيش في رحاب كرمهم وسماحتهم فقد ذهب الذين يعاش في أكنافهم أي جوارهم ~~لأن هذا الجوار كان نعمة أيضا. وحين يجاور رجل ضيق وقدر عليه رزقه ~~رجلا طيبا عنده نعمة، فتنضح عليه نعمة الرجل الطيب. والشاعر هنا قال: " ~~وبقيت في خلف كجلد الأجرب " أي أن جلده قريب ولاصق لكنه جلد أجرب. ~~وعرفنا قصة " أبودلف " وكان رجلا كريما في بغداد. يعيش في نعمته كل ~~الناس ومن يحتاج يعطيه. وطرأ طارئ على جار فقير له، وأراد أن يبيع داره، ~~فعرض الدار للبيع، وسألوه عن الثمن الذي يرتضيه، فقال: داري بمائة دينار. ~~لكن جواري لأبي دلف بألف دينار، فبلغ هذا الكلام أبا دلف فقال: إن رجلا ~~قدر جوارنا بعشرة أمثال ما قدر به داره لحقيق ألا يفرط فيه. قالوا له: ~~فليبق جارا لنا وليأخذ ما يريد من مال. { فخلف من بعدهم ~~خلف ورثوا الكتاب }. والكتاب هو التوراة، والخلف أخذوه ~~ميراثا، والشيء لا يكون ميراثا إلا إذا حمله السابق بأمانة وأداه ~~للاحق، ولكن لأنهم أهل إفساد فلنر ماذا فعلوا في الكتاب؟ لقد ورثوه. ~~وبلغ إليهم وعرفوا ما فيه. { يأخذون عرض هذا الأدنى ~~ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله ~~يأخذوه.. } [الأعراف: 169]. أي لا حجة لهم في ألا يكونوا أصحاب ~~منهج ms3572 خير، لكنهم لم يلتفتوا إلى ما في الكتاب - التوراة - من المواثيق، ~~والحلال، والحرام، وافعل كذا ولا تفعل كذا لم يلتفتوا لكل هذا لأنهم ~~قالوا لأنفسهم: إن هذا الكتاب يعطي النعيم البعيد في الآخرة، وهم يريدون ~~النعيم القريب، فمنهم من قبل الرشوة واستغلال النفوذ. وبذلك أخذوا عرض ~~الحياة الأدنى وهو عرض الدنيا. ولم يأخذوا إدارة الدنيا بمنهج الله، ~~والدنيا فيها جواهر وأعراض، والجوهر هو الشيء الذاتي، فالإنسان بشحمه ~~ولحمه " جوهر " أما لونه إن كان أسمر أو أبيض فهذا عرض، قصيرا أو ~~طويلا، صحيحا أو مريضا، وغنيا أو فقيرا فهذا عرض. # إذن فالأعراض هي ما توجد وتزول، والجواهر هي التي تبقى ثابتة على قدر ما ~~كتب لها من بقاء، وكما يقول علماء المنطق: الجوهر ما قام بنفسه، والعرض ~~ما قام بغيره. وهم قد أخذوا العرض من الحياة الدنيا، وعرض الدنيا قد ~~يتمثل في المال الحرام، وأن يغشوا ويستحلوا الرشوة. ونعلم أن الإنسان - ~~حتى المؤمن - قد تحدث منه معصية ولا يمنع ربنا هذا لأن المشرع الأعلى حين ~~يشرع عقوبة لجريمة، فهذا إذن بأنها قد تحدث، وحين يقول الحق: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما.. # [المائدة: 38]. إن معنى هذا القول أن المؤمن قد تسول له نفسه أن ~~يسرق مثلا، ولم يترك الحق هذا الجرم بدون عقوبة. وإن رأينا مسلما يسرق، ~~نقل له هذا فعل مجرم من الإسلام، وله عقوبة، والمجرم لا يمكن أن ~~يرتكب الجرم وهو ملتزم بالدين، بل هو منسوب للدين فقط، وعندما يرتكب ~~مسلم ذنبا أو معصية ثم يندم ويتوب ويعزم على أنه لن يعود تصح توبته، ~~وكذلك لو ألحت عليه معصيته فيعود إليها، ثم تاب، المهم أنه في كل مرة ~~لا يصر على الفعل، ثم يقول: سوف أتوب. وهم كانوا يصرون على المعصية ~~ويقولون: سيغفر الله لنا، بل إنهم لم يفكروا في التوبة، ووجدنا منهم من ~~يقول: # نحن أبناء الله وأحباؤه.. # [المائدة: 18]. ويأتي الرد: # قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن ~~خلق.. # [المائدة: 18]. إذن هم يأخذون عرض هذا الأدنى، ويحكمون في أخذهم ms3573 بهذا ~~العرض أنه سبحانه سوف يغفر لهم. وبذلك استحلوا الحرام وانتقلوا من ~~منطقة المعصية إلى منطقة الكفر لأن هناك فرقا بين أن تفعل الشيء وتقول ~~هو معصية. لكن أن يرتكب الإنسان المعصية ويقول: ليست بمعصية، فهذا ~~انتقال من العصيان إلى الكفر، ومثال ذلك الربا حين نجد من يحلله، نقول ~~له: اقبل أن تكون عاصيا ولا تدخل نفسك في الكفر لأنك إن حللت ما حرم ~~الله يقع عليك الكفر وتوصف به والعياذ بالله، أما إن قلت: هو حرام ولكن ~~ظروفي صعبة ولا أقدر على نفسي فقد يغفر الله لك. لكن قوم موسى كانوا ~~يصرون على المعصية ويقولون: سيغفر الله لنا: { وإن يأتهم عرض ~~مثله يأخذوه }. وهم بعد ذلك تركوا الأعلى وأخذوا عرض الحياة ~~الأدنى ويتمادون في غيهم ويرتكبون المعاصي تلو المعاصي دون أن يدقوا باب ~~التوبة. لذلك ينبههم الحق سبحانه: { ألم يؤخذ عليهم ~~ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا ~~الحق... } [الأعراف: 169]. لقد ورثوا الكتاب، وفي الكتاب قد أخذ ~~عليهم عهد موثق ألا يقولوا على الله إلا الحق، لكن هل يعدل الفاسق عن ~~الباطل ويعود إلى الحق؟. طبعا لا، هم إذن تجاهلوا ما في هذا الكتاب، رغم ~~أنهم قد درسوا ما فيه مصداقا لقوله الحق: { ودرسوا ما فيه }. # وكلمة " درس " تدل على تكرر العمل، فيقال: " فلان درس الفقه " أي ~~تعلمه تعلما متواصلا ليصير الفقه عنده ملكة. وهو مختلف عمن قرأ الكتاب ~~مرة واحدة، هنا لا يصبح الفقه عنده ملكة. وحتى نفهم الفرق بين " العلم " ~~و " الملكة " ، نقول: إن العلم هو تلقي المعلومات، أما من درس المعلومات ~~وطبقها وصارت عنده المسألة آلية، فهذا هو من امتلك ناصية العلم حتى صار ~~العلم عنده ملكة. إذا التقى صائم - مثلا - بفقيه وسأله عن فتوى في أمر ~~الصيام يجيبه فورا لأنه علم كل صغيرة وكبيرة في الفقه. لكن إن تسأل ~~تلميذا مبتدئا في الأزهر فقد يرتبك وقد يطلب أن يرجع إلى كتبه ليعثر ~~على الإجابة لأن الفقه لم يصبح لديه ملكه. والملكة في المعنويات هي ms3574 مقابل ~~الآلية في المادية التي تحتاج إلى دربة، فمن يمسك النول لينسج النسيج ~~ويتقن تمرير المكوك بين الفتلتين لا يفعل ذلك إلا عن دربة. إنه قد تعلم ~~ذلك بصعوبة وتكرار تدريب. إذن فقوله: { ودرسوا ما فيه } أي تكررت ~~دراسة الكتاب حتى عرفوا ما فيه من علم. ونحن أخذنا " درس العلم " من ~~مسألة حسية هي " درس القمح " ، ويعلم من تربى في الريف كيف ندرس القمح، ~~حين يدور النورج على سنابل القمح فيخرج لنا الحب من أكمامه، ويقطع لنا ~~العيدان، وهذه العملية تسمى " درس القمح ". إن ما فعلوه من عصيان ليس عن ~~غفلة عن هذا الميثاق في ألا يقولوا على الله إلا الحق، لأنهم درسوا ما ~~في الكتاب المنزل عليهم وهو التوراة دراسة مستوعبة، لكنهم أخذوا العرض ~~الأدنى. وكان لا بد أن يأتي لنا بمقابل العرض الأدنى فيوضح لنا أن مصير ~~من يريد الدار الآخرة هو الثواب الدائم ولذلك يقول الحق: { والدار ~~الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون } ~~[الأعراف: 169]. وهذا يعني التنبيه بأنه من الواجب قبل أن تفعلوا الفعل ~~أن تنظروا ما يعطيه من خير، وأن تتركوه إن كان يعطي الكثير من الشر، ~~وزنوا المسألة بعقولكم، وساعة أن تزنوا المسألة بعقولكم ستعرفون أن عمل ~~الخير راجح. ويقول الحق بعد ذلك: { والذين يمسكون ~~بالكتاب... }. ### || [7.170] # إن الكثير من بني إسرائيل ورثوا الكتاب، وأخذوا العرض الأدنى، ولم ~~يزنوا الأمور بعقولهم لذلك لم يتمسكوا بالكتاب، وتركوه، وساروا على هواهم ~~كأنهم غير مقيدين بمنهج افعل كذا ولا تفعل كذا، ويقابلهم بعض الذين ~~يتمسكون بالكتاب الذي ورثوه، ولا يقولوا على الله إلا الحق. ومادة الميم ~~والسين والكاف تدل على الارتباط الوثيق فالذي يجعل الانسان متصلا بالشيء ~~هو ماسكه، وتقول: " مسك " وتقول: " مسك " ، و " أمسك " ، وتقول " ~~استمسك " ، و " تماسك " ، وكلها مادة واحدة. وقوله الحق: " يمسكون " ~~مبالغة في المسك، كل قطع وقطع، ولكن قطع أبلغ. و " مسك " يعني أن ~~الماسك تمكن مما يمسك، و " استمسك " أي طلب، و " تماسك " أي أن هناك ~~تفاعلا بين الاثنين بين الماسك والممسوك. ومن ms3575 رحمة ربنا أنه لا يطلب منا ~~أن نمسك الكتاب. بل يطلب أن نستمسك بالكتاب، ولذلك يوضح لك الحق سبحانه ~~وتعالى: إن أنت ملت إلى القرب مني والزلفى إلي، فاترك الباقي عنك ~~فالمعونة مني أنا، ولذلك يدلنا على أن من ينفذ منهج القرآن لا يلقى ~~الهوان أبدا { فقد استمسك بالعروة الوثقى لا ~~انفصام لها } وهنا يستخدم الحق سبحانه كلمة استمسك لا كلمة مسك، ~~فمن وجه نيته في أن يفعل يعطيه الله المعونة، ولذلك يقول سبحانه في ~~الحديث القدسي: # " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في ~~نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي بشبر، ~~تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا، وإن أتاني ~~يمشي، أتيته هرولة. " # فأنت بإيمانك بالله تعزز نفسك وتقويها بمعونه الله لك. فإن أردت أن ~~يذكرك الله فاذكر الله فإن ذكرته في نفسك يذكرك في نفسه، وإن ذكرته في ~~ملأ يذكرك في ملأ خير منه، وإن تقربت إليه شبرا تقرب إليك ذراعا، فماذا ~~تريد أكثر من ذلك، خاصة أنك لن تضيف إليه شيئا، إذن فالموقف في يدك، ~~فإذا أردت أن يكون الله معك فسر في طريقه تأت لك المعونة فورا. وهكذا ~~يكون الموقف معك وينتقل إليك، وذلك بإيمانك بالله وإقبالك على حب ~~الارتباط به. ولذلك قلنا من قبل: إن الانسان إذا أراد أن يلقى عظيما من ~~عظماء الدنيا وفي يده مصلحة من مصالح الإنسان فهو يكتب طلبا، فإما أن ~~يوافق هذا العظيم وإما ألا يوافق، وحين يوافق هذا العظيم يحدد الزمان ~~ويحدد المكان، ويسألك مدير مكتبه عن الموضوعات التي ستتكلم فيها، وحين ~~تقابله وينتهي الوقت، فهو يقف من كرسيه لينهي المقابلة، هذا هو العظيم من ~~البشر، لكن ماذا عن العظيم الأعظم الأعلى الذي تلتقي به في الإيمان؟ أنت ~~تلقى الله في أي وقت، وفي أي مكان، وتقول له ما تريد، وأنت الذي تنهي ~~المقابلة، ألا يكفي كل ذلك لتستمسك بالإيمان؟. # { والذين يمسكون ms3576 بالكتاب وأقاموا الصلاة ~~إنا لا نضيع أجر المصلحين } [الأعراف: 170]. والكتاب هنا ~~هو الكتاب الموروث، والمقصود به التوراة وهو الذي درسوا ما فيه، وقد أخذ ~~الله في هذا الكتاب الميثاق عليهم ألا يقولوا على الله إلا الحق، والحق ~~يقول هنا: { وأقاموا الصلاة } فهل هذا الكتاب ليس فيه إلا ~~الصلاة؟ لا، ولكنه خص الصلاة بالذكر. لأننا نعلم أن الصلاة عماد الدين، ~~وعرفنا في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أن الصلاة قد فرضت بالمباشرة، ~~وكل فروض الإسلام - غير الصلاة - قد فرضت بالوحي. لقد قلنا من قبل ولله ~~المثل الأعلى، إن رئيس أي مصلحة حكومية حين يريد أمرا عاديا روتينيا، ~~فهو يوقع الورق الذي يحمل هذا الأمر ويكتب عليه: " يعرض على فلان " ويأخذ ~~الورق مجراه، وحين يهتم بأمر أكثر، فهو يتحدث تليفونيا إلى الموظف ~~المختص، وحين يكون الأمر غاية في الأهمية القصوى فهو يطلب من الموظف أن ~~يحضر لديه، وهكذا فرضت الصلاة بهذا الشكل لأنها الإعلان الدائم للولاء ~~لله خمس مرات في اليوم، وإن شئت أن تزيد على ذلك تنفلا وتهجدا فعلت. إنك ~~بالصلاة توالى الله بكل أحكامه، إنك توالي الله بالزكاة كل سنة، وبالصوم ~~في شهر واحد هو رمضان، وبالحج مرة واحدة في العمر إن استطعت. لكن الصلاة ~~ولاء دائم متجدد، ولأن الصلاة لها كل هذه الأهمية لذلك لا تسقط أبدا. ~~وأركان الإسلام - كما نعلم - خمسة شهادة أن لا إله إلا اله وأن محمدا ~~رسول الله، إنها الإيمان بالله وبالرسول كوحدة واحدة لا تنفصل، ويكفي أن ~~ينطقها الإنسان مرة لتكتب له، ثم تأتي أركان الصلاة، والزكاة، والصوم ~~والحج، والحج ليس ركنا مفروضا إلا على من يستطيعون. قد لا يكون ~~للإنسان مال يخرج عنه الزكاة فلا يجب عليه إخراج شيء حينئذ، وقد يكون ~~الإنسان مريضا أو مسافرا فلا يصوم. إذن فبعض فروض الإسلام قد تسقط عن ~~المسلم، إلا الصلاة فهي لا تسقط أبدا لأن في الصلاة في ظاهر الأمر قطعا ~~لبعض الوقت عن حركة عملك، وإن كان كل فرض يأخذ مثلا نصف ساعة، ms3577 فالإنسان ~~يقتطع من وقته ساعتين ونصف الساعة كل يوم في أداء الصلاة. والوقت عزيز ~~عند الإنسان. ففي الصلاة بذل لبعض الوقت الذي يستطيع أن يكسب الإنسان ~~فيه مالا، وفيها أيضا الصوم عن الأكل والشرب ومباشرة الزوجات، ففيها كل ~~مقومات أركان الإسلام، لذا فهي لا تسقط أبدا. # { والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة.. } ~~[الأعراف: 170]. إذن الاستمساك واضح هنا جدا، وأداء الصلاة تعبير عن ~~الالتزام بالاستمساك بمنهج الإيمان. ولذلك نسمع من يقول: حين ذهبنا إلى ~~مكة والمدينة عشنا الصفاء النفسي والإشراق الروحي، وعشنا مع التجلي ~~والنور الذي يغمر الأعماق. وأقول لمن يقول ذلك: إن ربنا هنا هو ربنا ~~هناك، فقط أنت هناك التزمت، وساعة كنت تسمع الأذان كنت تجري وتسعى إلى ~~الصلاة، وإذا صنعت هنا مثلما صنعت هناك فسترى التجليات نفسها. إذن إن صرت ~~على ولاء دائم مع الحق سبحانه وتعالى فالحق لن يضيع أجرك كأحد المصلحين. ~~لأنه القائل: { إنا لا نضيع أجر المصلحين }. وهذه قضية ~~عامة، والحق سبحانه وتعالى لا يضيع أجر المصلح. وقوله: { إنا لا ~~نضيع أجر المصلحين } بعد قوله: { يمسكون بالكتاب ~~وأقاموا الصلاة } دليل على أن أي إصلاح في المجتمع يعتمد على من ~~يمسكون بالكتاب ويقيمون الصلاة لأن المجتمع لا يصلح إلا إذا استدمت أنت ~~صلتك بمن خلقك وخلق المجتمع، وأنزل لك المنهج القويم. ويقول الحق بعد ~~ذلك: { وإذ نتقنا الجبل... }. ### || [7.171] # والجبل معروف أنه من الأحجار المندمجة في بعضها والمكونة لجرم عال قد ~~يصل إلى ألف متر أو أكثر، والحق يقول عن الجبال: { والجبال ~~أرساها } ولا يقال أرساها إلا إذا كان وجد شيء له ثقل، فأنت لا تقول: ~~" أرسيت الورقة على المكتب " ، ولكنك تقول: " أرسيت لوح الزجاج على ~~المكتب ليحميه " ، وأنت بذلك ترسي شيئا له وزن وثقل. وقد أرسى ربنا ~~الجبال وجعلها في الأرض أوتادا، والوتد - كما نعلم - ممسوك من الموتود ~~والمثبت فيه، بدليل أنه لو تخلخل في مكانه نضع له ما نسميه " تخشينة " ~~لتلصقه وتربطه بما يثبت فيه، وهنا يقول الحق: { وإذ نتقنا ~~الجبل } " نتقنا " أي قلعنا، وهناك ms3578 قول آخر: # ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ~~ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في ~~السبت # [النساء: 154]. وقال الحق أيضا: # وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور # [البقرة: 63]. وهنا اختلاف بين " نتق " و " رفع " لأن الجبل راس في ~~الأرض، وممسوك كالوتد لذلك يحتاج قبل أن يرفع إلى عملية نزع واقتلاع من ~~الأرض، ثم يأتي من بعد ذلك الرفع، و " نتقنا " تعني نزعنا الجبل من مكان ~~إرسائه حتى نرفعه، وقد رفعه الله ليجعل منه ظلة عليهم، أي أن هناك ثلاث ~~عمليات: نتق أي نزع وخلع، ثم رفع، ثم جعله سبحانه ظلة لهم، وهذا يحتاج ~~إلى اتجاه في المرفوع إلى جهة ما. والحق يقول: " وإذ " أي اذكر إذ نتقنا ~~الجبل، أي نزعناه وخلعناه من الأرض، ولا ننزعه ونخلعه من الأرض إلا لمهمة ~~أخرى أي نجعله ظلة، وكان تظليل الغمام رحمة لهم من قبل، وصار الجبل ظلة " ~~عذاب " لأن الحق أنزل لهم التوراة على موسى فقالوا له: إن أحكام هذه ~~التوراة شديدة. وللإنسان أن يتساءل: لماذا كل هذا التلكؤ مع التشريعات ~~التي جاءت لمصلحة البشر؟. وجاء لهم العقاب من الحق بأن رفع فوقهم الجبل ~~كظلة تحمل التهديد كأنه قد يقع فوقهم { كأنه ظلة وظنوا ~~أنه واقع بهم }. لذلك نجد أن كل يهودي يسجد على حاجبه الأيسر ~~على الرغم من أن السجود يقتضي تساوي وضع الجبهة على الأرض، ولكنهم يسجدون ~~بميل إلى الحاجب الأيسر لأن السابقين لهم رأوا الجبل فوقهم وتملكهم الخوف ~~من سقوط الجبل، وكانوا يسجدون وفي الوقت نفسه يرقبون الجبل، وبقيت هذه ~~المسألة لازمة فيهم، وصاروا لا يسجدون إلا على حاجبهم الأيسر، بسبب حكاية ~~الجبل الذي نتقه الله وقلعه ورفعه فصار فوقهم { وظنوا أنه ~~واقع بهم }. والظن هو رجحان قضية، وقد يأتي ويراد به أنه رجحان قوى ~~قد يصل إلى درجة اليقين، مثل قوله الحق: # الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم.. # [البقرة: 46]. وحين بقيت الحالة هذه، وخافوا من الجبل أن يقع عليهم، ~~ولأن هناك كتابا قد أنزل إليهم وهو التوراة وهم يعصون ويتمردون ms3579 على ما ~~فيه لذلك قال لهم الحق: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون } [الأعراف: 171]. و " ~~خذوا " فعل أمر، والأمر يقتضي آمرا، ولا بد له من شيء يأمر به. وكلمة " ~~القوة " هذه هي الطاقة الفاعلة، والأصل في الكون كله أن نقبل على كل شيء ~~بقوة لأن الكون الذي تراه مسخرا ليس له رأي في أن يفعل أو لا يفعل، بل ~~هو فاعل دائما إذا أمر، وكما قلنا من قبل: لم تغضب الشمس على الناس ~~وقالت: لن أطلع هذا اليوم، وكذلك لم يمتنع الهواء، وأيضا لا يرفض الحمار ~~مثلا أن يحمل الروث، أو ينظفه صاحبه ويأتي له ب " البردعة " ليجعله ~~ركوبة متميزة، الحمار إذن لا يعصي هنا ولا يعصي هناك، والكون كله مسخر ~~بقوانين مادية ثابتة. # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. وقد وضع الحق هذا النظام للكون نظرا لأنه مقهور وليس له ~~تكليف، والمحكوم بالغريزة الكونية صالح للحياة عن المحكوم بالاختيار ~~الفعلي، ومع هذا الاختيار فالإنسان له أشياء تفعل فعلها فيه ولا يدري ~~عنها شيئا مع أن بها قوام حياته، فلا أحد يمسك قلبه ويضبطه ويقول له: ~~دق، والرئة كذلك وحركة التنفس، والحركة الدودية في الأمعاء، والحالب، ~~ويرغب الإنسان في دخول دورة المياه عندما تمتلئ المثانة بالبول، كل هذه ~~مسائل رتيبة لا اختيار للإنسان فيها أبدا، والأمور المحكومة بالغرائز ليس ~~لنا فيها اختيار، كأن يأكل الإنسان ويتكلم في أثناء تناول الطعام فتنزل ~~حبة أرز في القصبة الهوائية فيحاول الإنسان أن يطردها بالسعال، هذا اسمه ~~" غريزة " أي أمر غير محكوم بالفعل الاختياري. وكذلك الحيوان إذا أحضرت ~~له طعاما فهو لا يأكل أكثر من طاقته حتى لو ضربه صاحبه. أما الإنسان فقد ~~يأكل بعد أن يشبع، وحين يقول له مضيفه - على سبيل المثال -: أنت لم تذق ~~هذا اللون من اللحم، فيأكل. ولهذا نجد أن الأمراض في الانسان أكثر من ~~الأمراض في الحيوان لأن اختيار الإنسان يمتد إلى مجالات متعددة متفرقة ms3580 قد ~~تضر به وتؤذيه. ونعرف جميعا هذا المثال للفارق بين الإنسان والحيوان، ~~نجد الإنسان يغلي النعناع ويشربه، ويطبخ الملوخية ليأكلها، وقد فعل ذلك ~~لأنه اختبر الاثنين، فلم يأكل النعناع وأكل الملوخية، رغم تشابه ~~أوراقهما. لكن هات شجرة النعناع أمام الجاموسة أو الحمار، وهات النجيل ~~الناشف وضع الاثنين أمام الجاموسة أو الحمار، ستجد الجاموسة والحمار ~~يتجهان إلى النجيل الناشف ويتركان نبات النعناع الأخضر الرطب، وهما ~~يفعلان ذلك بالغريزة، فالمحكوم بالغريزة له نظام، ولو كان الحيوان مختارا ~~لارتبكت حركة الحياة كلها واختلطت واشتد على الناس شأنها. # وهكذا نعرف أن مقومات الحياة تقوم على قوانين الغريزة، وهذه القوانين ~~موجودة في الكون لتخدمنا نحن بني البشر. فالكهرباء مثلا كانت موجودة قبل ~~أن ننتفع بها، لكن بعد ذلك انتفعنا بها، وكذلك الجاذبية، كانت موجودة في ~~الكون منذ الأزل، لكنا لم ننتبه لها، وحين اكتشفناها زادت قدراتنا على ~~الاستفادة منها، وهكذا نرى أن الإنسان واحد من هذا الكون، إلا أنه يتميز ~~بأن له جهة اختيار في بعض الأمور، وله جهة قهر في البعض الآخر، فهو يشارك ~~الكون في القهر، ويتميز عن بقية المخلوقات - عدا الجن - بالاختيار في ~~أمور أخرى. ونجد على سبيل المثال أن الإنسان الذي يعاني قلبه من ضعف ما، ~~عندما يصعد هذا الإنسان سلما ينهج ويتتابع نفسه من الإعياء وكثرة ~~الحركة، لأن غريزته المحكوم بها تنبه الجسد إلى ضرورة أن تعمل الرئة ~~أكثر لتعطي الأوكسجين الذي يساعد على الصعود. ومثال آخر، نجد الذكر من ~~الحيوانات يقترب من أنثاه ليشمها، فإن وجدها حاملا لا يقربها، والحيوان ~~في هذا الأمر مختلف عن الإنسان لأن الحيوان تحركه الغريزة التي تبين له ~~أن العملية الجنسية بين الذكر والأنثى لحفظ النوع، وما دامت الأنثى قد ~~حملت، فالذكر لا يقربها، فاختلف الإنسان عن الحيوان في هذا الأمر فلذة ~~الإنسان في الجنس أعلى من لذة الحيوان لأنها في الحيوان ترضخ للغريزة ~~فحسب، أما في الإنسان فإنها مع الغريزة ترضخ أيضا للاختيار الذي منحه ~~الله للإنسان. ومن رحمة الله - إذن - أن يكون ms3581 الإنسان مقهورا في بعض ~~الأشياء ومختارا في أشياء أخرى، ب " افعل " و " لا تفعل " حتى يختار ~~بين البديلات. وهنا يقول الحق: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } ~~[الأعراف: 171]. أي خذوا ما آتاكم في الكتاب بجد واجتهاد. وكان هذا القول ~~مقدمة لما جاء به العلم في شرح معنى القوة. وقد وصل إلينا خبر العلم قبل ~~أن يصل لنا واقعه المادي، فصرنا نرى الطاقة التي تعطي القوة وجاء نيوتن ~~ليكشف لنا قانون الجاذبية، القانون الأول والثاني والثالث، واكتشف أن كل ~~جسم يظل على ما هو عليه، فإن كان ساكنا يبقى على سكونه إلى أن يأتي محرك ~~يحركه. وإن كان الجسم متحركا فهو لا يتوقف إلى أن يصدمه صادم أو يمسكه ~~ماسك. وسمى العلماء هذا التأثير بالقصور الذاتي. أو التعطل، أي أن ~~الساكن يعطل عن الحركة إلا أن يحركه محرك، والمتحرك يعطل عن ~~السكون إلا أن يوقفه موقف، فأنت إذا ركبت سيارة وأنت قاعد وساكن والسيارة ~~تسير، فإنك تظل ساكنا، إلى أن يوقفها السائق فجأة فتتحرك من مكانك ما لم ~~تمسك بشيء. # وفي الأسواق نرى الحواة وهم يؤدون بعض الألعاب ليسحروا أعين الناس فيأتي ~~بمنضدة وعليها مفرش لامع وأملس، ثم يضع عليها أطباقا وأكوابا، ثم يحرك ~~المفرش بخفة لينزعه بهدوء من تحت الأكواب حتى لا تتحرك بحركة المفرش. ~~وحين جاء نيوتن عقد مقارنة وموازنة بين القوة والحركة والعطالة، وقلنا: ~~إن العطالة تعني أن الساكن يتعطل عن الحركة، والمتحرك يتعطل عن السكون، ~~وهذه هي القضية المادية في الكون التي خدمت العلم الفضائي الخاص بسفن ~~الفضاء والصواريخ. ونحن نرى السفن الفضائية ونعتقد أنها تدور في الفضاء ~~بالوقود، رغم أن حجمها لا يسع الوقود الذي يسيرها لسنوات، والحقيقة أنها ~~تسير بقانون القصور الذاتي أو العطالة إنها بدون وقود، وهي تندفع إلى ~~الفضاء بقوة الصاروخ إلى أن تخرج إلى الفضاء الكوني، وتظل متحركة ما لم ~~يوقفها موقف. ونرى ذلك في التجربة اليسيرة حين يطلق إنسان رصاصة من مسدس ~~فتنطلق الرصاصة بقوة الطلقة مسافة ثم تقع إن لم يوجد حاجز ms3582 يصدها، وهي تقع ~~بعد مسافة معينة لأن الهواء يقابلها فيصادم الحركة إلى أن تتوقف، أما في ~~الفضاء الخارجي فليس هناك هواء لذلك لا تتوقف سفينة الفضاء، لأنها تسير ~~بقانون القصور الذاتي أو العطالة. وهذه السفن الفضائية تعتمد في صعودها ~~إلى الفضاء على الصواريخ لتصل إلى المدار الخارجي. والصواريخ تسير بالغاز ~~المتفلت الذي أخذ القانون الثالث من قوانين نيوتن، وهو القانون القائل: ~~إن كل فعل له رد فعل يساويه ومضاد له في الاتجاه، وحين يسخن هذا الغاز ~~المتفلت يخرج من خلف الصاروخ بقوة فيندفع الصاروخ للأمام. وهكذا نرى قول ~~الحق: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } [الأعراف: 171] في الواقع ~~المادي والواقع القيمي. وانظر إلى غير المتدينين تجدهم ساكنين في بعض ~~الأمور ولا يتحركون عنها ولا يجاوزونها، فالواحد منهم لا يصلي، ولا يزكي، ~~ولا يقول كلمة معروف، وهو في ذلك يحتاج إلى قوة تحرك سكونه عن طاعة الله. ~~ونجد أيضا من غير المتدينين من يشرب خمرة. أو يزني أو يسرق أو يرتشي. ~~وهو هنا يحتاج إلى قوة لتصده عن مثل هذه الحركة. ولذلك نقول: إن الإنسان ~~في أفعاله الاختيارية يحتاج إلى أمرين: الأول إن كان ساكنا عن فعل الخير ~~نأتي له بقوة تحركه إلى هذا الخير، وإن كان متحركا إلى الشر نأتي له بقوة ~~توقفه عنه، وهذا هو ما يقدمه المنهج الإيماني في " افعل " ، و " لا تفعل ~~". فمن يتراخى عن الصلاة وسكن عنها نقول له صل. ومن يذهب للقمار ويتحرك ~~إليه لا يمكن أن يقف إلا إذا جاءت له قوة توقفه عن ذلك وتمنعه، إذن ~~فالقوة الشرعية تكون في المنهج ب " افعل " ليحرك الساكن، و " لا تفعل " ~~ليقف المتحرك شريطة أن يكون كل من السكون والحركة في ضوء المنهج. # ولنعرف أن الله سبحانه وتعالى يسخر لنا الكافرين ليبينوا لنا المستغلق ~~علينا في قوانين الكون، فقد اكتشفوا قوانين القوة المادية وفهمناها نحن ~~في إطار الماديات والمعنويات، وليس اكتشاف الكافرين للقوانين في الكون ~~مدعاة للكسل والاعتماد عليهم، بل علينا أن نشحذ الهمم لنتقدم في العلم ~~الذي ms3583 يسير أمور الحياة، ولنعلم أنه لا شيء ينشىء فينا فطرة جديدة لأن ~~البشر من قديم مفطورون على الفطرة السليمة التي تلفتهم إلى أن لهذا ~~العالم صانعا، فكل ذراتنا وكل اتجاهاتنا تؤكد لنا وجود إله واحد. بل إن ~~الفلاسفة حينما بحثوا وراء المادة تأكد لهم ذلك، وأغلب الفلاسفة كانوا ~~غير مؤمنين، وهم ببحثهم وراء المادة إنما يبحثون عن الخالق الأعظم لأن ~~الإنسان لا يبحث عن شيء لا يظن وجوده. ولأنهم جميعا يعلمون أن الإنسان ~~طرأ على كون، وهذا الكون مقام بهندسة حكيمة، ومخلوق بقوة لا تستطيع قوى ~~البشر جميعا أن تأتي بمثلها، إذن لا بد لهذا الكون من خالق. لقد بينا أن ~~القوانين التي تظهر لنا في المادة تتماثل مع قوانين القيم، إلا أن الناس ~~يتهافتون على قانون المادة لأنها تحقق لهم خيرا أو تدفع عنهم شرا، ~~فيأخذون ما ينفعهم ويدعون ويتركون ما يضرهم، ولذلك احتاج الإنسان إلى ~~منهج من السماء ليوضح ويبين له قوانين القيم التي تحقق له السعادة ~~العاجلة في الدنيا والآجلة في الآخرة، أما قوانين المادة في الأرض فتركها ~~الله لنشاط العقل، حتى الذين لا يؤمنون بالله يذهبون إلى قوانين المادة ~~ويصنعونها، ويتهربون من قوانين القيم لأنها تحد من شهوات النفس وتتعب ~~بمشقة التكليف، فشاء الحق سبحانه وتعالى أن يقول فيها: { خذوا مآ ~~ءاتينكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ~~} [الأعراف: 171]. وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطي من قانون المادة ما ~~يقرب لنا قوانين القيم في الفعل ورد الفعل، لنفهم أن كل حركة للشر قد ~~تحبها النفس لأنها تحقق لها شهوة من شهواتها، لكن يجب ألا يغيب عن ذهنك ~~أيها الإنسان أن لكل فعل رد فعل مساويا له في الحركة ومضادا له في ~~الاتجاه، فإن كنت ترتاح في هذا العمل وتحبه وتشتهيه فتذكر جيدا رد الفعل ~~الذي يأتيك بالعقاب عليه، وكذلك مشقات التكليف، حين تفعل الطاعة تكون ~~صعبة عليك ولكن يجب أن تذكر رد الفعل فيها وهو الراحة وحسن الثواب، ولذلك ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: # كلوا واشربوا هنيئا ms3584 بمآ أسلفتم في الأيام ~~الخالية # [الحاقة: 24]. وفي هذا القول فعل ورد فعل، الفعل هو العمل الصالح في ~~الأيام التي مضت، ورد الفعل هو الطعام والشراب الهنيء في الآخرة. ولمن ~~اغتر واعتز بنفسه وجبروته وقوته يقول له الحق: # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا # [التوبة: 82]. وهكذا نجد البكاء الكثيف الشديد الكثير نتيجة للضحك ~~القليل. ويأتي الإنسان من هؤلاء يوم القيامة ليقال له: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. إن كنت قد فهمت أنك عزيز كريم فأسأت إلى الناس فلسوف ~~تتلقى العقاب. ولذلك يقول لنا الحق عن المنهج: { واذكروا ما فيه ~~لعلكم تتقون }. وإياكم أن تطرأ عليكم الغفلة من هذه الناحية، ~~فالذي يتعب الناس في مناهج الله أنهم يغفلون عنها لأن الطاعة تكلفهم مشقة ~~وبعض عناء، والمعاصي تكسبهم لذة وشهوة، فأوضح الحق: اذكروا جيدا الفعل ~~ورد الفعل في هذه القيم. ونعلم أن الذكر يحتاج إلى أشياء كثيرة جدا، ~~فالواعظ مثلا يذكرهم دائما، وقلنا إن " الوعظ " هو نوع من إعادة ~~التذكير بالإعلام بالحكم، فأنا أعظ من علم الحكم، لأني أريد أن يفعله، ~~فبعد أن علمه الموعوظ علما فقط يريد منه الواعظ أن ينفذه عمليا. فكلنا ~~نعلم أن الصلاة ركن، وأن الحج ركن، والزكاة ركن من أركان الإسلام، وكلنا ~~جاءنا العلم بذلك، لكن منا من يكسل في تطبيق هذا العلم. ونظل ندق على ~~دماغه بالتذكير والوعظ، وهذا من خيرية أمته صلى الله عليه وسلم: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]. ولماذا هذا التذكير؟. يجيب الحق: # تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر # [آل عمران: 110]. الأمر بالمعروف عظة قولية، والنهي عن المنكر عظة ~~قولية، ويعددها الرسول صلى الله عليه وسلم لبقاء التذكير، وليأخذ كل مسلم ~~منهج الله بقوة، فيقول في الحديث: # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع ~~فبقلبه وهذا أضعف الإيمان ". # إذن فقد نقل الرسول المسألة من الأمر وهو القول والنهي وهو قول أيضا ~~إلى أن نباشرها فعلا، فإن لم يستطع الإنسان منا تغيير المنكر بلسانه أو ~~بيده فلينكره بقلبه، ونجد ms3585 القرآن قد جاء بها أمرا ونهيا، والرسول جاء ~~بها فعلا، لأن هناك فرقا بين المعلومة التي تدخل الذهن، وحمل النفس على ~~مطلوب المعلومة. ولذلك نحن ندرس الدين في مدارسنا، وندرس فيها أيضا ~~الجبر والهندسة، والكيمياء، والطبيعة، والمتعب ليس تدريس الدين، بل الذي ~~يتعب الناس هو حمل النفس على مطلوب الدين. لكن التلميذ حين يتعلم الجبر ~~والهندسة أو الكيمياء فهذه علوم تعطي الإنسان خير الدنيا فيذهب لها، لكن ~~مسألة الدين مسألة قيم لذلك لا يكفي أن نعلم الدين بل لا بد أن تنفذ ذلك ~~العلم، وتنفيذ هذه المسألة يكون بالتطبيق في سلوك من أسوة حسنة وقدوة ~~طيبة. وهب أن الذي يعلم الدين يدرسه معلومة ويدخلها في نفوس التلاميذ، ~~ثم لا يجدون من أثر هذه المعلومة نضجا على سلوك من علمها، ماذا يكون ~~الموقف؟. هنا تضعف ثقة التلميذ في أستاذة، وتضعف ثقته في الدين لأنه لم ~~ير من الدين إلا كلاما يقال، بدليل أن من يقولونه لا ينفذونه، وفي هذا ~~فشل في تعليم منهج الدين، والخطأ إذن أن الناس يظنون أن منهج الدين يقف ~~عند تعليم المعلومات الدينية، لا. # إن تعليم الدين يقتضي تنفيذ ما فيه من معلومات، عكس العلوم الأخرى التي ~~تعطي المعلومة فقط. وإن أراد الإنسان أن ينتفع بها في حياته انتفع، وإن ~~لم يرد فهو حر في ذلك إذن فالتذكير مرة يكون بالأمر بالمعروف وبالنهي عن ~~المنكر، ومرة يكون بالفعل، # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه " # وماذا يعني التغيير باللسان؟. يعني أن الإنسان إن كان عنده حسن تأد ~~واستعداد للعظة ومعرفة أدب النصح فله أن يقبل على تناول العظة. وليس كل ~~إنسان صالحا لأن ينصح لأن المنصوح يخالف المنهج، والناصح يقف أمامه حتى ~~لا يخالف المنهج، إنه يخرجه عما ألف وأحب، لذلك يجب أن يتلطف الناصح في ~~النصح. ومثال ذلك نجد الطبيب حين يذهب إليه المريض يصف له الدواء، ~~والدواء قديما كان كله مرا. وكانت الناس تأخذ الدواء بصعوبة، ويمسك ~~الكبار الأطفال ليعطوهم الدواء. وحين ms3586 ارتقت صناعة الدواء، قام الصيادلة ~~بتغليف جرعة الدواء بغلاف يحجب المرارة. ليتلطفوا مع مريض الجسم، فما ~~بالنا بمريض القيم؟. إنه يحتاج إلى المسألة نفسها. لذلك لا بد أن نجعل ~~النصح خفيفا، ولا نجمع على المنصوح بين أن تخرجه عما ألف وما يكره من ~~الأساليب، ولذلك قلنا: إن النصح ثقيل، لأنك حين تنصح إنسانا فمعنى ذلك ~~أنك افترضت أنك أفضل سلوكا منه، وهو أقل منك في ذلك، وهذا هو أول مطب، ~~وينظر لك المنصوح على أنك تفهم أحسن منه. ولهذا قالوا في الأثر: النصح ~~ثقيل فلا ترسله جبلا، ولا تجعله جدلا. وقيل أيضا: الحقائق مرة فاستعيروا ~~لها خفة البيان. هكذا يكون التذكير، وإن لم تستطع أن تمنع بالفعل فامنع ~~بالقول لأن التغيير باليد يحتاج إلى سلطة المغير على المغير، وهذا لا ~~يأتي إلا بأن يكون للمغير مقدمة وسابقة مع المغير يثبت فيها المغير ~~أنه يحب مصلحة المغير. وقد يكون ذلك واردا من غير أن تقول. كأن تكون ~~أباه أو أمه، والأب والأم يقومان برعاية الابن، وتلبية احتياجاته طعاما ~~ومشربا ومسكنا ومصروفا. وكل منهما هو المتولي لمصالح الابن. وإذا كان ~~الناصح ليس له هذه الصلة بالمنصوح، فعليه أن يتلطف له أولا بما يحب. ~~فحين يطلب منك أمرا تقوم بإجابته إلى طلبه، وتنبهه بعد ذلك إلى ما تريد ~~أن تنصحه إنك قد قدمت له شيئا من المعروف فيتحمل منك النصح. ومثال آخر: ~~افرض أن ابنك قد طلب منك أن تحضر له ساعة، وبعد ذلك قالت لك أمه: إنه لم ~~يستذكر دروسه حتى الآن. ثم تأتي له بالساعة وتقول له: يا ولد أنت أردت ~~مني ساعة وأحضرتها لك، وتناولها له وتقول: إن أمك قالت لي إنك غير مهتم ~~بدروسك، ولو تذكرت قولها لما أحضرت لك الساعة. # وقد توجه له توبيخا فيضحك لأنك قد حننت قلبه، وبينت له أنك تحبه فيقبل ~~النصح، حتى ولو صفعته قد يقبل لأنه يعلم أنك تحب مصلحته. إذن للتذكير ~~ألوان متعددة: عظة بالقول، وتغيير بالفعل وإنكار بالقلب. { واذكروا ~~ما فيه ms3587 لعلكم تتقون } والأصل في التقوى أن تتقي شيئا بشيء ~~تتقي مؤلما بجعل وقاية بينك وبينه، وهي تأتي كما علمنا في المتقابلات ~~فالحق سبحانه يقول: # واتقوا النار التي أعدت للكافرين # [آل عمران: 131]. وهو سبحانه وتعالى يقول: # واتقوا الله لعلكم تفلحون # [البقرة: 189، آل عمران: 130]. ونجد من يتساءل: كيف يقول: " اتقوا الله ~~" ، " واتقوا النار "؟ نقول: نعم لأن اتقوا الله تعني اتقوا غضب الله ~~عليكم، واتقوا عذاب الله لكم بأن تجعلوا بينكم وبين عقابه وقاية، ولا بد ~~أن تجعل بينك وبين النار وقاية لأن الحق سبحانه وتعالى كما علمنا له ~~صفات جلال وصفات جمال، وصفات الجمال هي التي تسعد الإنسان ككونه - سبحانه ~~- " غفورا " ، و " رحيما " ، " باسطا " ، وكما أن لله صفات جمال تعطيك ~~الرغبة والإقبال عليه - سبحانه - فله صفات جلال تعطيك الرهبة، فهو - جل ~~شأنه - جبار منتقم. فاتق الله حتى تحجب عن نفسك متعلقات صفات الجلال التي ~~منها جبار منتقم. ويقول الحق بعد ذلك: { وإذ أخذ ربك من... }. ### || [7.172] # وإذ تنصرف إلى الزمن، أي اذكر وقت أن أخذ الله من بني آدم، والآخذ هو ~~الله، والمأخوذ منه بنو آدم، والشيء المأخوذ هو ذريتهم، هذه هي العناصر. ~~ولنتأمل ذلك بدقة، إن الرب هنا هو الآخذ، وبنو آدم مأخوذ منهم، والمأخوذ ~~هو الذرية. وبنو آدم هم أولاد آدم من لدنه إلى أن تقوم الساعة، وهنا اتحد ~~المأخوذ والمأخوذ منه، ولا بد أن نرى تصريفا في هذا النص لأنه يشترط أن ~~يكون المأخوذ منه كلا، والمأخوذ بعضه. والمثال: إن أنا أخذت منك شيئا، ~~فالمأخوذ منه هو الكل، والمأخوذ بنفسه هوالبعض. لكننا هنا نجد المأخوذ هو ~~عين المأخوذ منه، وأزال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الإشكال ~~في هذه الآية فقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله ~~عنه: # " لما خلق الله أدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم ~~القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وميضا من نور ثم عرضهم على آدم، ~~فقال: أي رب من هؤلاء؟ ms3588 قال هؤلاء ذريتك. فرأى رجلا منهم. فأعجبه ~~وميض ما بين عينيه. فقال: أي رب. من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ~~ذريتك، يقال له داود، فقال: رب كم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة. قال: أي رب ~~زده من عمري أربعين سنة، فلما قضي عمر آدم جاءه ملك الموت. فقال: أو ~~لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد ~~آدم فجحدت ذريته، ونسي فنسيت ذريته. وخطئ آدم فخطئت ذريته " # إذن ذرية آدم أخذت من ظهر آدم. وعرفنا من قبل أن كلا منا قبل أن ~~تحمل به أمه كان ذرة في ظهر أبيه، وأبوه كان ذرة في ظهر أبيه حتى ~~آدم. وهكذا نجد أن كل واحد مأخوذ من ظهره ذرية هناك أناس يؤخذون - ~~كذرية - ولا يؤخذ منهم، مثل من فرض عليهم الله أن يكون الواحد منهم ~~عقيما، وكذلك آخر جيل تقوم عليه الساعة، ولن ينجبوا. وآدم مأخوذ منه ~~لأنه أول الخلق، وهو غير مأخوذ من أحد. وما بين الأب آدم وآخر ولد مأخوذ ~~ومأخوذ منه. وبذلك يكون كل واحد مأخوذ ومأخوذ منه، وهكذا يستقيم المعنى. ~~والمأخوذ منه آدم ثم كل ولد من أول أولاد آدم إلى الجيل الأخير الذي ~~سينقطع عن النسل. وأوضح النبي صلى الله عليه وسلم: أن ربنا سبحانه وتعالى ~~مسح بيده على ظهر آدم وأخرج منه الذرية، وقال لهم: ألست بربكم؟ قالوا: ~~بلى. وبهذا علمنا أن كل ذرة من الذرات قد أخذت مما قبلها، وأخذ ~~منها ما بعدها وكلها مأخوذ ومأخوذ منه، اللهم إلا القوسين القوس الأول: ~~آدم لأنه مأخوذ منه وليس مأخوذا من شيء، والقوس الثاني: آخر ولد من ~~أولاده مأخوذ وليس مأخوذا منه لأن الإنسان منا وجد من حيوان أبيه ~~المنوي. # ولو أن الحيوان المنوي أصابه موت لما أنجب الأب. ومن ولد من حيوان ~~منوي لأب، هذا الأب مأخوذ من حيوان منوي حي من الجد أيضا، ~~وسلسلها إلى آدم ستجد أن كل واحد منا فيه جزيء حي من لدن ms3589 آدم لن يدركه ~~موت أبدا. لذلك يقول ربنا: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم ~~من ظهورهم } [الأعراف: 172]. ولا تقل إن الكل سيكون في ظهره لأن ~~المأخوذ منه هو الأساس الموجود في ظهره وما دام كل شيء يتكاثر فهو قد وجد ~~من أقل شيء ونعلم أن الأقل يوجد فيه الأكثر مطمورا. وقد أخذ ربنا من ~~ظهور بني آدم الذرية وخاطب الذرية بقوله تعالى: { ألست بربكم ~~}؟. وهنا قد يقول قائل: أكان لهذه الذرية القدرة على النطق إنها ذرية ~~تنتظر التكوين الآخر لتتحد مثلا ب " البويضة " في رحم الأم؟ فنرد عليه ~~ونقول: لماذا تظن أن مخاطبة ربنا لهم أمر صعب؟ إن الواحد من البشر ~~يستطيع أن يتعلم عشر لغات، ويتزوج من أربع سيدات، وكل سيدة ينجب ~~منها ذرية، ويقعد يوما عند سيدة وذريتها ويعلمها اللغة الإنجليزية ~~مثلا، ويجلس مع الأخرى ويعلمها اللغة الألمانية، ويعلم الثالثة وأولادها ~~اللغة العربية وهكذا، بل يستطيع أن يتفاهم حتى بالإشارة مع من لا يعرف ~~لغته، وإذا كان الإنسان يستطيع أن يعدد وسائل الأداء، ألا يقدر أن يعدد ~~وسائل الأداء لمخلوقاته؟ إنه قادر على أن يعدد ويخاطب، ألم يقل الحق ~~تبارك وتعالى للجبال: # يجبال أوبي معه.. # [سبأ: 10]. كيف إذن لا يتسع أفق الإنسان لأن يدرك أن الله قادر على أن ~~يخاطب أيا من مخلوقاته؟. إنه قادر على أن يخاطب كل مخلوق له بلغة لا ~~يفهمها الآخر. وهو القائل سبحانه: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن # [الأنبياء: 79]. ونعلم أن القرآن الكريم كذلك أن الجبال تسبح أيضا من ~~غير داود، شأنها شأن المخلوقات جميعها مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. وحتى ذرات يد الكافر تسبح، وإن كان تسبيحها لا يوافق ~~إرادته. وقول الحق سبحانه: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن # [الأنبياء: 79]. يبين لنا أن الجبال كانت تردد تسبيح داوود وتلاوته ~~للزبور، ولا يقتصر أمر الحق إلى الجبال بل إلى كل مخلوق، فنحن - على سبيل ~~المثال - نقرأ في القرآن الكريم أن ربنا أوحى إلى ms3590 النحل أن اتخذي من ~~الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون. إذن فلله مع خلقه أدوات خطاب لأنه ~~هو الذي خلق الكون والمخلوقات، وله سبحانه خطاب بألفاظ، وخطاب إشارات، ~~وخطاب بإلهام، وخطاب بوحي، فإذا قرأنا أن الحق تبارك وتعالى قال لذرية ~~آدم: ألست بربكم؟ فهذا يعني أنه قالها لهم باللغة التي يفهمونها، لأنه هو ~~سبحانه الذي قال للسماء والأرض: # ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11]. ولقد تكلمت النملة وفهم سليمان كلامها، ولو لم يعلم ~~الله سليمان كيف يفهم كلامها لما عرفنا أنها تكلمت: # قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده # [النمل: 18]. إنها تفهم ما يفعله البشر حين يدوسون على كائنات صغيرة دون ~~أن يروها، ولكن سليمان نبي من أنبياء الله، ولن يعتدي على خلق الله، ~~والنملة التي تكلمت كانت تحرس بقية النمل. وكذلك تكلم الهدهد ليخبر سيدنا ~~سليمان عن مملكة سبأ وحالة بلقيس وقومها. إذن فالله عز وجل يخاطب جميع ~~خلقه، ويجيبه جميع خلقه، فلا تقل: كيف خاطب المولى سبحانه الذر، ~~والذر لم يكن مكلفا بعد؟ ولم يحاول العلماء أن يدخلوا في هذه المسألة ~~لأنها في ظاهرها بعيدة عن العقل، ويكفي أن ربنا الخالق القادر قد أبلغنا ~~أنه قد خاطب الذرات قائلا: ألست بربكم؟. قالوا: بلى. ويبدو من هذا القول ~~أن المسألة تمثيل للفطرة المودعة في النفس البشرية. وكأنه سبحانه قد أودع ~~في النفس البشرية والذات الإنسانية فطرة تؤكد له أن وراء هذا الكون ~~إلها خالقا قادرا مدبرا. وقديما قلنا: هب أن طائرة وقعت بك في ~~صحراء، وحين أفقت من إغماءة الخوف فكرت في حالك وكيف أنك لا تجد طعاما ~~أو شرابا أو أنيسا، وأصابك غم من هذه الحالة فنمت، ثم استيقظت فوجدت ~~مائدة عليها أطايب الطعام والشراب، ألا تتلفت لتسأل من الذي أقام لك هذه ~~المأدبة قبل أن تمد يدك إلى أطايب الطعام؟. كذلك الإنسان الذي طرأ على ~~هذا الكون الحكيم الصنع البديع التكوين ألا يجدر به أن يسأل نفسه من ~~خلق هذا الكون؟. إننا ms3591 نعلم أن المصباح الكهربائي احتاج لصناعته إلى علماء ~~وصناع مهرة كثيرين وإلى إمكانات لا حصر لها لينير هذا المصباح حجرة ~~محددة، وحين نرى الشمس تنير الكون كله، ولا يصيبها كلل أو تعب ولا ~~تحتاج منا إلى صيانة، ألا نسأل من صنعها؟ وخصوصا أن أحدا لم يدع ~~أنه قد صنعها، وقد أبلغنا المولى سبحانه وتعالى بأنه هو الذي خلق الأرض ~~وخلق الشمس وخلق القمر، فإما أن يكون هذا الكلام صحيحا فنعبده، وإما لا ~~يكون الكلام صحيحا فنبحث عمن صنع وخلق الكون لنعبده. وبما أن أحدا لم ~~يدع لنفسه صناعة هذه الكائنات، فهي تسلم لصاحبها وأنه لا إله إلا ~~الله. إذن فالفطرة تهدينا أن وراء هذا الكون العظيم قدرة تناسب هذه ~~العظمة قدرة تناسب الدقة هذه الدقة التي أخذنا منها موازين لوقتنا فقد ~~أخذنا من الأفلاك مقياسا للزمن ولولا حركة الأفلاك التي تنظم الليل ~~والنهار لما قسمنا اليوم إلى ساعات، ولولا أن حركة الأفلاك مصنوعة بدقة ~~متناهية لما استطعنا أن نعدها مقياسا للزمن. # وحينما نستعرض قول الحق سبحانه وتعالى: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5]. نجد أن كلمة " بحسبان " وردت مرتين، فقد أبلغنا الحق ~~سبحانه وتعالى: أنه جعل الشمس والقمر بحسبان، أو حسبانا، وهما من الآيات ~~الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه ولم يخلقهما عبثا بل لحكمة عظيمة. # لتعلموا عدد السنين والحساب # [يونس: 5]. فقد أخذنا من دورة الشمس والقمر مقياسا، ولم نكن لنفعل ذلك ~~إلا أن كانت مخلوقة بحساب لأن الكون مصنوع ومخلوق على هذه الدرجة من ~~الدقة والإحكام، لهذا يجب أن نلتفت إلى أن هناك قدرة وراء هذا العالم ~~تناسب عظمته. لكن أنعرف ماذا تريد هذه القوة بالعقل؟ إن أقصى ما يهدينا ~~العقل هو أن نعرف أن هناك قوة ولا يعرف العقل اسم هذه القوة، وكذلك لم ~~يعرف العقل مطلوبات هذه القوة، وكان لا بد أن يأتي لنا رسول من طرف تلك ~~القوة ليقول لنا مرادها، وجاء الموكب الرسالي فجاءت الرسل ليبلغ كل ~~رسول مراد الحق من الخلق، فقال كل رسول: إن اسم ms3592 القوة التي خلقتكم هو ~~الله، وله مطلق التصرف في هذا الكون، ومراد الحق من الخلق تعمير هذا ~~الكون في ضوء منهج عبادة الحق الذي خلق الإنسان والكون. وكل هذه الأمور ~~ما كانت لتدرك بالعقل. وهكذا نعلم أن منتهى حدود العقل هو إيمان بقوة ~~خالقة وراء هذا الكون، وتستوي العقول الفطرية في هذه المسألة. أما اسم ~~القوة والمنهج المطلوب لهذا الاله فلا بد له من رسول. وأرهق الفلاسفة ~~أنفسهم في البحث عن هذه القوة ومرادها. وسموا مجال البحث " الميتافيزيقا ~~" أي " ما وراء الطبيعة " وعادة ما يقابل الفلاسفة من يسألهم من أهل ~~الإيمان: ومن الذي قال لكم إن وراء المادة قوة يجب أن تبحثوا عنها؟. ~~وغالبا ما يقول الفيلسوف منهم: إنها الفطرة التي هدتني إلى ذلك. وتشعبت ~~الفلسفة إلى مدارس كثيرة. وحاول أهل الفلسفة أن يتصوروا هذه القوة، وهذا ~~هو الخلل لأن الإنسان يمكنه أن يعقل وجود القوة الخالقة، ولا يمكن له أن ~~يتصورها. وغرق الكثيرون من الفلاسفة في القلق النفسي المدمر. وأنقذ ~~بعضهم نفسه بالإيمان. وكان يجب على كل فيلسوف أن يرهف أذنه ويسمع ما قاله ~~الرسل ليحلوا لنا هذا اللغز، بدلا من إرهاق النفس بالخلط بين تعقل وجود ~~قوة وراء المادة، وبين تصور هذه القوة. وإنني في هذا الصدد أضرب هذا ~~المثل وأرجو ألا تنسوه أبدا: إننا إذا كنا قاعدين في حجرة، والحجرة ~~مغلقة الأبواب. ودق الجرس وكلنا يجمع على أن طارقا بالباب وهذا الشيء ~~المجمع عليه من الكل يعد تعقلا، لكن أنستطيع أن نتصور من الطارق؟ ~~رجل؟ امرأة؟ شاب؟ شيخ؟. # المؤكد أننا سنختلف في التصور وإن اتحدنا في التعقل. ونقول للفلاسفة: ~~أنتم أولى الناس بأن ترهفوا آذانكم لمجيء رسول يحل لكم لغز هذا الكون، ~~واسم القوة التي وراء هذا الكون، ومطلوب هذه القوة منا. والحق سبحانه ~~وتعالى يهدينا إلى هذا عبر الرسل، ويقول هنا: { وإذ أخذ ربك ~~من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم ~~على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ } ~~[الأعراف: 172]. وهذه شهادة الفطرة، ونحن نرى أن الفطرة ms3593 تكون موجودة في ~~الطفل المولود الذي يبحث بفمه عن ثدي أمه حتى ولو كانت نائمة ويمسك الثدي ~~ليرضع بالفطرة وبالغريزة، وهذه الفطرة هي التي تصون الإنسان منا في حاجات ~~كثيرة، وفي رد فعل الانعكاسي مثال ذلك حين تقرب أصبعك من عين طفل، فيغمض ~~عينيه دون أن يعلمه أحد ذلك. وقد أشهدنا الحق على وحدانيته ونحن في عالم ~~الذر: { وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ } [الأعراف: 172]. ويقال " أشهدته " أي جعلته ~~شاهدا، والشهادة على النفس لون من الإقرار، والإقرار سيد الأدلة لأنك ~~حين تشهد إنسانا على غيره فقد يغير الشاهد شهادته، ولكن الأمر هنا أن ~~الخلق شهدوا على أنفسهم وأخذ الله عليهم عهد الفطرة خشية أن يقولوا يوم ~~القيامة: { إنا كنا عن هذا غافلين } [الأعراف: 172]. ~~فحين يأتي يوم الحساب، لا داعي أو يقولن أحد إنني كنت غافلا. ويتابع ~~المولى سبحانه: وتعالى قوله: { أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا... }. ### || [7.173] # كأن الحق يريد أن يقطع عليهم حجة مخالفتهم لمنهج الله، فينبه إلى عهد ~~الفطرة والطبيعة والسجية المطمورة في كل إنسان حيث شهد كل كائن بأنه إله ~~واحد أحد، ويذكرنا سبحانه بهذا العهد الفطري قبل أن توجد أغيار ~~الشهوات فينا. # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]. وهل كان أحد من الذر وهو في علم الله وإرادته وقدرته ~~يجرؤ على أن يقول: لا لست ربي؟. طبعا هذا مستحيل، وأجاب كل الذر بالفطرة ~~" بلى " وهي تحمل نفي النفي، ونفي النفي إثبات مثل قوله الحق: # أليس الله بأحكم الحاكمين # [التين: 8]. و " أليس " للاستفهام عن النفي ولذلك يقال لنا: حين تسمع " ~~أليس " عليك أن تقول " بلى " وبذلك تنفي النفي أي أثبت أنه لا يوجد أحكم ~~الحاكمين غيره سبحانه، وهنا يقول الحق: " ألست بربكم "؟ وجاءت الإجابة: ~~بلى شهدنا. ولماذا كل ذلك؟ قال الحق ذلك ليؤكد لكل الخلق أنهم بالفطرة ~~مؤمنون بأن الله هو الرب، والذي جعلهم يغفلون عن هذه الفطرة تحرك ~~شهواتهم في نطاق الاختيار، ومع وجود الشهوات في نطاق الاختيار إن سألتهم ~~من خلقهم؟ يقولون: الله وما دام ms3594 هو الذي خلقهم فهو ربهم. # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر ~~الشمس والقمر ليقولن الله # [العنكبوت: 61]. وجاء الحق بقصة هذه الشهادة حتى لا يقولن أحد: { ~~إنمآ أشرك آباؤنا من قبل } وبذلك نعلم أن أعذار العاصين ~~وأعذار الكافرين التي يتعللون ويعتذرون بها تنحصر في أمرين اثنين: الغفلة ~~عن عهد الذر، وتقليد الآباء. وما الغفلة؟ وما التقليد؟. الغفلة قد لا ~~يسبقها كفر أو معصية، ويقلدها الناس الذين يأتون من بعد ذلك. والمثال ~~الواضح أن سيدنا آدم عليه السلام قد أبلغ أولاده المنهج السوي المستقيم ~~لكنهم غفلوا عنه ولم يعد من اللائق أن يقول واحد منهم إن أباه قد أشرك. ~~ولكن جاء هذا الأمر من الغفلة، ثم جاء إشراك الآباء في المرحلة الثانية ~~لأن كل واحد لو قلد أباه في الإشراك لانتهى الشرك إلى آدم، وآدم لم يكن ~~مشركا، لكن الغفلة عن منهج الله المستقيم حدثت من بعض بني آدم، وكانت ~~هذه الغفلة نتيجة توهم أن هناك تكاليف شاقة يتطلبها المنهج، فذهب بعض من ~~أبناء آدم إلى ما يحبون وتناسوا هذا المنهج ولم يعد في بؤرة شعورهم لأن ~~الإنسان إنما ينفذ دائما الموجود في بؤرة شعوره. أما الشيء الذي سيكلفه ~~مشقة فهو يحاول أن يتناساه ويغفل عنه، هكذا كانت أول مرحلة من مراحل ~~الانفصال عن منهج الله وهي الغفلة في آبائهم. وهنا يضاف عاملان اثنان: ~~عامل الغفلة، وعامل الأسوة في أهله وآبائه. ولم تكن القضايا الإيمانية في ~~بؤرة الشعور، ولذلك يقال: الغالب ألا ينسى أحد ما له ولكنه ينسى ما عليه ~~لأن الإنسان يحفظ ما له عند غيره في بؤرة الشعور، ويخرج الإنسان ما عليه ~~بعيدا عن بؤرة الشعور. # ولأن البعض قد يتصور أن في التكليف الإيماني مشقة، لذلك فهو يحاول أن ~~يبعد عنه وينساه، وكذلك يحاول هذا البعض أن ينأى بنفسه عن هذه التكاليف. ~~ونأخذ المثل من حياتنا: قد نجد إنسانا مدينا لمحل بقالة أو لنجار ~~وليس عنده مال يعطيه له، لذلك يحاول أن يبتعد عن محل هذا البقال، أو أن ms3595 ~~يسير بعيدا عن أعين النجار. وهكذا يكون افتعال الغفلة في ظاهره هو أمرا ~~منجيا من مشقات التكاليف، لكن البشر في ميثاق الذر قالوا: # بلى شهدنآ # [الأعراف: 172]. وقد أخذ ذلك العهد عليهم، وأقروا به واستشهد ~~الحق بهم، على أنفسهم حتى لا يقولوا يوم القيامه: # إنا كنا عن هذا غافلين # [الأعراف: 172] لأنه لا يصح أن نغفل عن هذا العهد أبدا، ولكن الحق ~~تبارك وتعالى عرف أننا بشر، وقال في أبينا آدم: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي # [طه: 115]. وما دام آدم قد نسي، فنسيانه يقع عليه حيث بين وأوضح لنا ~~الإسلام أن الأمم السابقة على الإسلام تؤخذ بالنسيان، وجاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بخبر واضح: فقال عليه الصلاة والسلام: # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # والخطأ معلوم، كأن يقصد الإنسان شيئا ويحدث غيره، والنسيان ألا ~~يجيء الحكم على بال الإنسان. والمكره هو من يقهره من هو أقوى منه ~~بفقدان حياته أو بتهديد حريته وتقييدها ما لم يفعل ما يؤمر به، وفي ~~الحالات الثلاث يرفع التكليف عن المسلم. وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أن الله أكرم الأمة المحمدية بصفة خاصة برفع ما ينساه المسلم. وهذا دليل ~~على أن من عاشوا قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يؤاخذون ~~به. وإذا سلسلنا من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نصل إلى سيدنا آدم ~~الذي خلق بيد الله المباشرة، بينما نحن أبناء آدم مخلوقون بالقانون أن ~~يوجد رجل وتوجد امرأة وتوجد علاقة زوجية فيأتي النسل. وقد كلف الله آدم ~~في الجنة التي أعدها له ليتلقى التدريب على عمارة الأرض بأمر ونهي فقال ~~له سبحانه وتعالى: # وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه ~~الشجرة # [البقرة: 35]. إذن فقصارى كل تكليف هو أمر في " افعل " ، ونهي في " لا ~~تفعل، وقد نسي آدم التكليف في الأمر الواحد البسيط وهو المخلوق بيد الله ~~والمكلف منه بأمر واحد أن يأكل حيث يشاء ويمتنع عن الأكل من الشجرة، وإن ~~لم يتذكر آدم ms3596 ذلك، فما الذي يتذكره؟ وما كان يصح أن ينسى لأنه مخلوق بيد ~~الله المباشرة، ومكلف من الله مباشرة، والتكليف وإن كان بأمرين لكن ظاهر ~~العبء فيه على أمر واحد الأكل من حيث شاءا هو أمر لمصلحة آدم، و " لا ~~تقرب " هو تكليف واحد. # - ولذلك قال الحق في آية أخرى: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]. وهو عصيان لأنه نسيان لأمر واحد، ما كان يصح أن ينساه. لعدم ~~تعدده ويقول الحق تبارك وتعالى: { أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون } [الأعراف: 173]. جاء هذا ~~القول لينبهنا إلى أن الغفلة لا يجب أن تكون أسوة لأن التكاليف شاقة، ~~والإنسان قد يسهو عنها فيورث هذا السهو إلى الأجيال اللاحقة فيقول ~~الأبناء: { أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل ~~وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون } [الأعراف: 173]. وهذا يعني أن إيمانهم هو إيمان المقلد، ~~رغم أن الحق قد أرسل لهم البلاغ، وإذا كان الآباء مبطلين للبلاغ بالمنهج ~~فلا يصح للأبناء أن يغفلوا عن صحيح الإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~وكذلك نفصل... }. ### || [7.174] # والآيات التي فصلها الحق هنا هي العهود الخاصة، ورفع الجبل ليأخذوا ~~التوراة بقوة، وكذلك العهد العام الذي اشترك فيه كل الخلق من لدن آدم إلى ~~أن تقوم الساعة، وجاء سبحانه بكل ذلك ليؤكد لهم أن قضية الإيمان عقيدة ~~يجب أن تكون في بؤرة الشعور، فمن غفل فليتذكر، ومن قلد أباه في شيء مخالف ~~للمنهج القويم، فليرجع عن هذا التقليد لأن التكاليف الإيمانية تكاليف ~~ذاتية، وسبحانه لا يكلفك وأنت في حاجة إلى أبيك، أو إلى أمك. لكنه يكلفك ~~من بعد البلوغ لأنك بعد البلوغ تستقل بذاتيتك استقلالا كاملا مثل والدك، ~~وما دمت مكتمل الرجولة كوالدك وصالحا للإنجاب فلا ولاية إيمانية لأبيك ~~عليك أبدا، فلا تقل إنني أقلد أبي ولو كان على غير المنهج السليم لأن ~~مثل هذا القول يمكن أن يكون مقبولا لو كان التكليف للإنسان وهو في دور ~~الطفولة، حيث الأب يسعى لإطعام أبنائه ورعايتهم، ms3597 لكن التكليف لا يأتي ~~للإنسان إلا بعد البلوغ، ومعنى بعد البلوغ: أنك صالح لإنجاب مثلك ورعاية ~~نفسك. ولذلك يطلب الحق سبحانه وتعالى من الآباء أن يدربوا أبناءهم ~~ويعودوهم على مطلوبات التكليف قبل مجيء أوان تكليف الله، ويقول النبي ~~عليه الصلاة والسلام: # " مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم على تركها وهم ~~أبناء عشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع.. إلخ " # الأب إذن يأمر ويعاقب قبل أوان التكليف ليتدرب الأبناء عليه ويصير ~~دربة سهلة لا يتعب منها الإنسان بعد البلوغ. { وكذلك نفصل ~~الآيات ولعلهم يرجعون } [الأعراف: 174]. أي أن على الغافل ~~أن يرجع عن غفلته فيتذكر، وأن يرجع المقلد لآبائه عن التقليد، ويقتنع ~~اقتناعا، مصداقا لقوله الحق: # لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن ~~والده شيئا # [لقمان: 33]. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { واتل عليهم ~~نبأ... }. ### || [7.175] # ولأنهم قالوا: # إنا كنا عن هذا غافلين # [الأعراف: 172]، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا خبر هؤلاء فيقول: { ~~واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا ~~فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ~~} [الأعراف: 175]. والنبأ هو الخبر المهم وله جدوى اعتبارية ويمكن أن ~~ننتفع به وليس مطلق خبر. ولذلك يقول سبحانه وتعالى عن اليوم الآخر: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم # [النبأ: 1-2]. كما يقول: { واتل عليهم نبأ الذي ~~ءاتيناه ءاياتنا } [الأعراف: 175]، كأن هذا النبأ كان مشهورا ~~جدا، ويقال: إنه قد قيل في " ابن باعوراء " أو أمية بن أبي الصلت، أو ~~عامر الراهب، أو هو واحد من هؤلاء، والمهم ليس اسمه، المهم أن إنسانا ~~آتاه الله آياته ثم انسلخ من الآيات، فبدلا من أن ينتفع بها صيانة ~~لنفسه، وتقربا إلى ربه { فانسلخ منها } [الأعراف: 175] واتبع ~~هواه ومال إلى الشيطان. وكلمة " انسلخ " دليل على أن الآيات محيطة ~~بالإنسان إحاطة قوية لدرجة أنها تحتاج جبروت معصية لينسلخ الإنسان منها ~~لأن الأصل في السلخ إزاحة جلد الشاة عنها، فكأن ربنا يوضح أنه سبحانه ~~وتعالى أعطى الإنسان الآيات فانسلخ منها، وهذا يعني أن الآيات تحيط ~~بالإنسان كما يحيط الجلد بالجسم ms3598 ليحفظ الكيان العام للإنسان لأن هذا ~~الكيان العام فيه شرايين، وأوردة، ولحم، وشحم، وعظام. وجعل الله التكاليف ~~الإيمانية صيانة للإنسان، ولذلك سمي الخارج عن منهج الله " فاسقا " مثله ~~مثل الرطبة من البلح، فبعد أن تضرب الشمس البلحة يتبخر منها بعض من ~~الماء، فتنكمش ثمرة البلحة داخل قشرتها وتظهر الرطبة من القشرة، ولذلك ~~سمي الخارج عن المنهج " فاسقا " من فسوق الرطبة عن قشرتها، والله عز وجل ~~يقول هنا: { ءاتيناه ءاياتنا } [الأعراف: 175]. وكان يجب ألا ~~يغفل عنها، لأن الإتيان نعمة جاءت ليحافظ الإنسان عليها، لكن الإنسان ~~انسلخ من الآيات. ونعرف جميعا ثوب الثعبان وهو على شكل الثعبان تماما، ~~ويغير الثعبان جلده كل فترة، ولا ينخلع من الجلد القديم إلا بعد أن يكون ~~الجلد الذي تحته قد نضج، وصلح لتحمل الطقس والجو، وكذلك حين يندلق سائل ~~ساخن على جلد الإنسان، تلحظ تورم المنطقة المصابة وتكون بعض المياه فيها، ~~وله أفرغ الإنسان هذه المياه تصاب هذه المنطقة بالتهاب، أما إذا تركها ~~فهي تحمي المنطقة المصابة إلى أن يتربى الجلد تحتها وتجف وتنفصل عن ~~الجسم، وكذلك نعلم أن الشاة - مثلا - لا تسلخ نفسها. بل نحن نسلخها، ~~والحق سبحانه وتعالى يقول: # وآية لهم اليل نسلخ منه النهار # [يس: 37]. فكأن الليل كان مجلدا ومغلفا بالنهار، والليل أسود، والنهار ~~فيه الضوء، ونعلم أن اللون الأسود ليس من ألوان الطيف، وكذلك اللون ~~الأبيض ليس من ألوان الطيف لأن ألوان الطيف: الأحمر، البرتقالي، الأصفر، ~~الأخضر، الأزرق، النيلي، البنفسجي، واللون الأسود يأخذ ألوان الطيف ~~ويجعلها غير مرئية، لأنك لا ترى الأشياء إلا إذا جاءت لك منها أشعة ~~لعينيك، واللون الأسود يمتص كل الأشعة التي تأتي عليه فلا يرتد إلى العين ~~شعاع منها فتراه مظلما. # والأبيض هو مزيج من ألوان متعددة إن مزجتها مع بعضها يمكنك أن تصنع منها ~~اللون الأبيض، وهكذا نعلم أن الأبيض مثله مثل الأسود تماما، فالأسود ~~يمتص الأشعة فلا يخرج منه شعاع لعينيك، والأبيض يرد الأشعة ولا يخرج منه ~~شعاع لعينيك. فقوله الحق: # نسلخ منه النهار # [يس: 37] كأن ms3599 سواد الليل جاء يغلف بياض النهار. وإذا انسلخ من آتاه خبر ~~الإيمان عن المنهج يقول الشيطان: إنه يصلح لأن يتبعني، وكأن الشيطان حين ~~يجد واحدا فيه أمل، فهو يجري وراءه مخافة أن يرجع إلى ما أتاه الله من ~~الكتاب الحامل للمنهج، ويزكي الشيطان في نفس هذا الإنسان مسألة الخروج عن ~~منهج ربنا. وقلنا من قبل: إن المعاصي تأتي مرة من شهوة النفس، ومرة من ~~تزيين الشيطان وأوضحنا الفارق، وقلنا: إن الشيطان لا يجرؤ عليك إلا إن ~~أوضحت للشيطان سلوكك أن له أملا فيك، لكن إن اهتديت وأصلحت من حالك ~~فالشيطان يوسوس للإنسان في الطاعة ويحاول أن يكرهه فيها، والشيطان لا ~~يذهب - مثلا - إلى الخمارة، بل يقعد عند الصراط المستقيم ليرى جماعة ~~الناس التي تتجه إلى الخير، أما الاخرون فنفوسهم جاهزة له. إذن فالشيطان ~~ساعة يرى واحدا بدأ في الغفلة عن الآيات فهو يلاحقه مخافة أن تستهويه ~~الآيات ثانية، ولذلك لا بد لنا أن نفرق بين الدافع إلى المعصية هل هو من ~~النفس أم من نزغ الشيطان، فإن جاءت المعصية وحدثتك نفسك بأن تفعلها ثم ~~عزت عليك تلك المعصية لأي ظرف طارئ ثم ألححت عليها ذاتها مرة ثانية، ~~فاعلم أنها شهوة نفسك. لكن إن عزت عليك ثم فكرت في معصية ثانية فهذا من ~~نزغ الشيطان لأن الشيطان لا يريدك عاصيا بمعصية مخصوصة، بل يريدك بعيدا ~~عن المنهج فقط، لكن النفس تريد معصية بعينها وتقف عندها، فإن رأيت معصية ~~وقفت عندها نفسك، فاعلم أنها من نفسك، وإن امتنعت عليك معصية وتركتها، ثم ~~فكرت في معصية ثانية. فهذا نزغ من الشيطان - ويقول الحق: { فأتبعه ~~الشيطان فكان من الغاوين } [الأعراف: 175]. الغاوي ~~والغوي هو من يضل عن الطريق وهو الممعن في الضلال، ونعلم أن الهدى هو ~~الطريق الموصل للغاية، ومن يشذ عن الطريق الموصل للغاية يضل أو يتوه في ~~الصحراء. وهو الذي يسمى " الغاوي " ، وما دام من الغاوين عن منهج الله ~~فالفساد ينشأ منه لأنه فسد في نفسه ويفسد غيره. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~ولو ms3600 شئنا لرفعناه بها ولكنه... }. ### || [7.176] # وهنا أمران اثنان، الرفعة: وهو العلو والتسامي، ويأتي بعدها الأمر ~~الثاني وهو الإخلاد إلى الأرض أي إلى التسفل، والفعلان منسوبان لفاعلين ~~مختلفين. { ولو شئنا لرفعناه } [الأعراف: 176]، والفعل رفع ~~هنا مسند لله. ولكنه اختار أن يخلد في الأرض. وجاء الأمر كذلك لأن الرفعة ~~من المعقول أن تنسب لله. لكن التسفل لا يصح أن ينسب لله، وكان كل فعل هو ~~بأمر صاحب الكون. وربنا هنا يرفع من يسير على المنهج، وحين يقول الحق ~~تبارك وتعالى { ولو شئنا } [الأعراف: 176] أي أنها مشيئتنا. فلو ~~أردنا أن نرفعه كانت المشيئة صالحة، لكن هذا الأمر ينقض الاختيار، والحق ~~يريد أن يبقي للإنسان الاختيار، فإن اختار الصواب فأهلا به وجزاؤه ~~الجنة، وإن أراد الضلال فلسوف يلقى العذاب الحق، ولمزيد من الاعتبار ~~بقصص القرآن اقرأ معي قصة العبد الصالح مع موسى عليه السلام: # فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما * قال له موسى هل ~~أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا # [الكهف: 65-66]. ورغم أن موسى رسول من عند الله إلا أنه لم يتأب على أن ~~عبدا من عباد الله تقرب إلى الله فاتبعه موسى ليقول له: # هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا # [الكهف: 66]. وفي هذا تأكيد على رغبة موسى أن يستزيد بالعلم ممن أعطاه ~~الله العلم. وجاء القرآن بهذه القصة ليعلمنا أدب التعلم. وماذا قال العبد ~~الصالح؟ لقد عذر موسى وقال: # قال إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر ~~على ما لم تحط به خبرا # [الكهف: 67-68]. أي أنك يا موسى لن تصبر لا لنقص فيك، بل لأنك سترى ~~أمورا لا تعرف أخبارها. لكن سيدنا موسى قال له لا: # ستجدني إن شآء الله صابرا # [الكهف: 69] وأصر موسى أن يتبع العبد الصالح وأنه لن يعصي له أمرا، ~~واشترط العبد الصالح ألا يسأله سيدنا موسى عن شيء إلا أن يحدثه العبد ~~الصالح. وكان كل ذلك مجرد كلام نظري، فيه أخذ ورد، وحين جاء الواقع تغير ~~الموقف تماما. ms3601 بعد أن ركبوا في السفينة وخرقها العبد الصالح، لم يصبر ~~سيدنا موسى بل قال: # لقد جئت شيئا إمرا # [الكهف: 71]. وهكذا أثبتت التجربة العلمية أن موسى لم يصبر على أفعال ~~العبد الصالح، وحين ذكره العبد الصالح بما وعد به من ألا يسأل، تراجع ~~موسى، وتكرر السؤال، وتكرر التذكير إلى أن أوضح العبد الصالح لموسى كل ~~أسرار ما لم يحط به علما وهنا يقول الحق: { ولو شئنا لرفعناه ~~بها } [الأعراف: 176] لماذا؟. لأن مشيئة الله مشيئة مطلقة، يفعل ما ~~يريده، ولكنه سبحانه قد سبق منه أن جعل للاختيار جزاء، لهذا لم يرفعه مع ~~أنه مخالف، لأنها سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا. # وسنة الله أن من عمل عملا طيبا يثيبه الله عليه. ومن عمل سوءا ~~يعاقبه، ومشيئته سبحانه مطلقة، ولا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه. وبمقتضى ~~مشيئة الله فهو يعذب المذنب بعدله ويثيب الطائع بفضله، وله سبحانه مطلق ~~الإرادة فهو عزيز، وحكيم في كل فعل. { ولو شئنا لرفعناه ~~بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه... } ~~[الأعراف: 176]. و { أخلد إلى الأرض } [الأعراف: 176]، أي أنه ~~اختار أن ينزل إلى الهاوية، رغم أن الحق هدى الإنسان وبين له طريق الخير ~~ليسلكه فيصعد إلى العلو، والحق يقول: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151]. ونخطئ حين نفهم أن " تعالوا " بمعنى " أقبلوا " فقط ~~وهذا فهم ناقص، إنها دعوة للقبول وإلى العلو، لأنه سبحانه وتعالى يشرع ~~لنا حتى لا نلزم منهج الأرض السفلى. بل نرتقي ونأخذ منهج الله الذي يضمن ~~لنا العلو. وكأنه سبحانه يقول: تعالوا وتساموا في أخذ منهجكم من الله ~~العلي الأعلى وإياكم أن تأخذوا منهجكم مما وضعه البشر ويناقض ما جاء في ~~شرع الله، لأن في هذا تسفلا ونزولا إلى الحضيض. { ولو شئنا ~~لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع ~~هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث } ~~[الأعراف: 176]. ويقال: " حملت على الكلب " ، فأنت حين تجلس ويقبل الكلب ~~عليك وتزجره وتطرده وتنهره، فهذا تفسير لقوله: " تحمل عليه " ، أي أنك ~~تحمل عليه طردا أو زجرا ms3602 لذلك يلهث، وإن تركت الكلب بدوح حمل عليه طردا ~~أو زجرا فهو أيضا يلهث، لأن طبيعته أنه لاهث دائما، وهذه الخاصية في ~~الكلب وحده، حيث يتنفس دائما بسرعة مع إخراج لسانه. ونعلم أن الحيوانات ~~لا تلهث إلا أن فزعت فتجري، لتفوت من الألم أو من العذاب الذي يترصدها من ~~كائن آخر، وحين يجري الحيوان فهو يحتاج لطاقة، فيدق القلب بشدة ليدفع ~~الدم بما فيه من غذاء إلى كل الجسم، ولا بد للقلب أن يتعاون مع الرئة ~~التي تمد الدم بالهواء. ونلحظ أن الكائن الحي حين يجلس برتابة فهو لا ~~يلحظ تنفسه، لكن إذا جرى يلحظ أن تجويف الصدر أو سعة الصدر تنقبض وتنبسط ~~لتسحب " الأوكسجين " من الهواء لتصل به للدم بكمية تناسب الحركة الجديدة، ~~فيحاول أن يتنفس أكثر. ولا تفعل الحيوانات مثل هذه المسألة إلا إذا كانت ~~جائعة أو متعبة أو مهاجة، لكن الكلب وحده هو الذي يفعلها، جائعا أو ~~شبعان، عطشان أو غير عطشان، مزجورا أو غير مزجور، إنه يلهث دائما. ~~ولماذا يشبهه سبحانه بالكلب اللاهث؟ لأن الذي يظهر بهذه الصورة تجده ~~مكروها دائما لأنه متبع لهواه، وتتحكم فيه شهواته. وحين تتحقق له شهوة ~~الآن، يتساءل هل سيفعل مثلها غدا؟ وتتملك الشهوة كل وقته، لذلك يعيش في ~~كرب مستمر، لأنه يخاف أن يفوته النعيم أو أن يفوت هو النعيم، ويصير حاله ~~كحال الكلب يلهث آمنا أو غير آمن، جائعا أو غير جائع، عطشان أو غير ~~عطشان. # { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو ~~تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } [الأعراف: ~~176]. هكذا يكون مصير من كذب بالآيات. وقول الحق: { فاقصص ~~القصص } [الأعراف: 176] يوضح لنا أن الله لا يريد أن يعلمنا تاريخا، ~~لكنه يعلمنا كيف نأخذ العبرة من التاريخ، بدليل أنه يكرر القصة أكثر من ~~مرة وكل مرة يأتي سبحانه بلقطة جديدة، لتعدد ما في القصة الواحدة من ~~العبر، ولو أنه أراد أن يقص علينا التاريخ لقال لنا روايته مرة واحدة. ~~ونجد في القرآن ms3603 الكثير من قصص الحق مع الباطل، ومن قصص المبطلين مع ~~المحقين، ومن قصص المعاندين مع الرسل لأن القصة أمر واقعي، والتقنين ~~للمناهج أمر لفظي، فيريد سبحانه وتعالى أن يوضح لنا المنهج المناسب ~~للواقع لأن واقع الحياة يعطي القصة القولية حرارة وسخونة فلا يظل المنهج ~~مجرد كلام نظري معزول عن الواقع. وهكذا بين الحق سبحانه وتعالى في ~~هذه الآية، أنه سبحانه قد أنزل علم منهجه بواسطة الرسل إلى بعض خلقه، ~~فمنهم من يأخذ منهج الله بالاستيعاب أولا، وتوظيف ما علم ثانيا، وبذلك ~~يرتفع من منطق الأرض إلى منطق السماء. ومن يعطيه الله ذلك المنهج، ما كان ~~يصح له أن يترك ارتفاعه إلى السماء، ليهبط إلى مستوى الأرض. وهذا ما ~~يفعله البشر حين يقننون لأنفسهم، ويضعون نظم الحياة على وفق هواهم، وعلى ~~وفق نظمهم، ويتركون منهج الله الذي خلقهم وصنعهم ووضع لهم قانون صيانتهم. ~~وهذا الكلام نظري له واقع في ابن " باعوراء " ، هذا الذي آتاه الله ~~العلم، ولكنه أخلد إلى الأرض ولم يتبع ما علم، فانسلخ من المنهج كما ~~تنسلخ الشاة من جلدها وقال فيه الحق: { فمثله كمثل الكلب ~~إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } [الأعراف: ~~176]. ومن يريد أن يرفعه الله إلى السماء بالوحي بالمنهج ثم يهبط إلى ~~الأرض نجد الحق سبحانه وتعالى يمثل حاله بحال الكلب، مع الفارق بين ~~الاثنين لأن الكلب يلهث غريزة. فهو غير مذموم حين يلهث وهو مطرود، ويلهث ~~غير مطرود فهذه غريزة فيه، ولا يذم على هذه ولا على تلك، لكن الإنسان ~~الذي فطره الله على حب الخير وميز غرائزه بمنهج عقلي يصون حركته ما كان ~~يصح له أن يفعل ذلك ولا ينبغي أن تقولوا: وما ذنب الكلب في أنه يلهث، ~~ويضرب به المثل في الكفر؟ لأن الكلب يفعلها غريزة، وهو بغير تكليف فيفعل ~~ما يشاء، أما الإنسان الذي ارتفع بكفره وميزه الله بأن يختار بين ~~البديلات ما كان يصح له أن يصل إلى هذا المستوى، ومثل هذا السلوك في ~~الكلب محمود فيه لأن طبيعته هكذا، ms3604 وإياك أن تقول: لماذا ربنا يضرب المثل ~~بأشياء وما ذنبها هي؟ والحق - سبحانه - هو القائل عن اليهود: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا # [الجمعة: 5]. هل الحمار حين يحمل أسفارا يستحق الذم لأنه لم يفقه ما في ~~الأسفار؟ الجواب لا لأن مهمته ليس منها فقه وفهم ما في الأسفار، بل مهمته ~~أن يحمل ما عليه فقط، وكأن الحق يقول: لا تكونوا مثل الحمار الذي يكتفي ~~من الخير بأن يحمله، ولكن أريد منكم أن تحملوا المنهج وأن تنتفعوا بما ~~يحويه من التشريع. إذن فهذه الأمثلة ليست ذما للكلب، ولا هي ذما للحمار. ~~إنما ذم لمن يتشبه بهما لأنه نزل إلى مرتبة لم يرده الله لها، وأراد الله ~~المثل فيها بشيء لا تذم منه، ولكنه مذموم من الإنسان. والإنسان الذي لا ~~يتبع منهج الله يكون مضطرب الحركة في الحياة، حتى وإن كان في نعمة، لأنه ~~معزول عن الله، وما دام معزولا عن الله تجده دائم التساؤل: أيدوم لي هذا ~~النعيم أو لا يدوم؟ ويعيش دائما في قلق ورعب مخافه أن يفوت النعيم أو ألا ~~يدوم له النعيم، ومثله كالكلب يلهث حال راحته ويلهث حال تعبه. { ذلك ~~مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص ~~لعلهم يتفكرون } [الأعراف: 176]. إذن حين يضرب الله لنا ~~مثلا من الأمثال الواقعية في هذا الرجل المسمى " ابن باعوراء " ، ~~فسبحانه يعطينا واقعا لما حدث بالفعل. أي أن الذي يريد الله أن يرفعه ~~بما علمه من منهج فانسلخ من دينه فهو مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، ~~ولستم بدعا في هذا، فالله يريد أن يرفعكم بمنهج السماء وأنتم تخلدون إلى ~~الأرض، وقد حدث هذا مع ابن باعوراء، وكلمة " مثل " إذا سمعتها هي من مادة ~~ال " م " وال " ث " وال " لام " ، وتنطق كما يأتي: إما أن تنطقها مثل ~~" بكسر الميم وسكون الثاء " ، وإما أن تنطقها مثل " بفتح الميم والثاء ~~" ، والمثل هو المشابه والنظير، فتقول: فلان مثل فلان في الكرم، في ~~العلم، في الطول، في العرض، وبذلك أعطيت تشبيه ms3605 ما هو مجهول للمخاطب ~~بما هو معلوم له. والحق سبحانه يقول: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. أي لا أحد يشبهه في شيء لأنه منزه في الذات والصفات ~~والأفعال. وأيضا نقول: هذا مثل هذا أي أن فلانا المشبه به يكون أعلى ~~منه فيما يشبهه به، لكن الناس لا تعرف ذلك. وإن كان المشبه به ذائع الصيت ~~بحيث يجري اسمه على كل لسان فنحن نقول: إنه مثل كقولنا عن الكريم: " ~~هو حاتم " لأن شهرة حاتم في الكرم جعلته مثلا. # والفرق أنك إذا قلت في فلان إنه يشبه حاتما في الكرم، فقد تكون أول من ~~يخبر عنه، ولك أن تأتي بواحد له شهرة ذائعة الصيت على كل لسان فهذا ~~مثل، كأن تقول: مثل حاتم في الكرم، أو مثل عنترة في الشجاعة. ~~والمثل في الذكاء إياس، لأن كل واحد منهم مشهور بصفة، ولذلك لما مدح ~~الشاعر الخليفة قال فيه: إقدام عمرو في شجاعته في سماحة حاتم أي الطائي ~~في حلم أحنف الأحنف بن قيس وكان مشهورا بالحلم عند العرب وفي ذكاء إياس. ~~وقال رجل من القوم: كيف تشبه الأمير بصعاليك العرب؟ إن الأمير فوق ~~من ذكرت جميعا. ما عمرو بالنسبة للأمير؟! وما حاتم بالنسبة للأمير؟! ~~فقال الشاعر: # وشبهه المداح في الباس والندى # بمن لو رآه كان أصغر خادم # ففي جيشه خمسون ألفا كعنتر # وفي خزنه ألف ألف كحاتم # أي أن عنده أمثال حاتم وأمثال عنترة. فما كان منه إلا أن أسعفته ~~ذاكرته وبديهيته فقال: # لا تنكروا ضربي له من دونه # مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة والنبراس # وكأن الشاعر يقول: أنا ضربت بهم المثل لأنهم أصبحوا المثل المشهور ~~والأمثال لا تتغير. وأنت تقدر في المثل، فقد تقول: فلان حاتم، وحاتم ~~انقضى عمره، لكنه قد صار مثلا مشهورا في التاريخ، أو تقول: " فلان عنتر ~~" ، أو " فلان إياس " ، وفي ذلك يرتقي التشبيه، بأن صار المشبه به ~~مشهورا معلوما متواردا على الألسنة وكل واحد يشبه به. ويعرفون ~~المثل بأنه: قول شبه ms3606 مورده بمضربه، أي أنك تشبه الحالة التي قيل فيها ~~المثل أولا، ومثال ذلك: حينما أرسل عظيم من عظماء العرب خاطبة اسمها ~~" عصام " لتخطب له أم إياس فقد بلغه أنها جميلة وأنها وأنها، فقال: ~~اذهبي حتى تعلمي لي علم ابنة عوف، فذهبت الخاطبة وخلت أم الفتاة بينها ~~وبينها، وقالت لها: يا هذه، هذه خالتك جاءت لتنظر إلى بعض أمرك فلا تستري ~~عنها شيئا أرادت النظر إليه، من وجه وخلق، وناطقيها فيما استنطقتك به. ~~ثم أرسلت إلى خباء، ونظرتها كلها وفحصتها فحصا شاملا. فلما عادت إلى من ~~أرسلها، وكان ينتظرها في شوق وكأنه على أحر من الجمر، قال لها: " ما ~~وراءك يا عصام؟ ". قالت: " أبدي المخض عن الزبد " أي أن الرحلة جاءت ~~بفائدة. وأصبح العرب بعد ذلك كلما أرسلوا رسولا ذكرا أو أنثى أو مثنى أو ~~جمعا وبعد أن يعود إليهم ويستعملوا منه عن نتيجة رحلته، فهم يقولون له: ~~" ما وراءك يا عصام؟ " ، ولو كان رجلا، لأن الأمثال لا تغير. # وكل شيء يجدي الجهد فيه يقال عنه: " أبدي المخض عن الزبد ". فحين ينجح ~~الولد ويأتي بالمجموع المناسب يقال: " أبدي المخض عن الزبد ". والحق ~~تبارك وتعالى يقول: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها # [البقرة: 26]. وكانوا قد قالوا: كيف يضرب الله المثل ببعوضة وقال ~~سبحانه: # لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له # [الحج: 73]. لقد فهموا قوله: " فما فوقها " أنها أكبر منها، والمراد غير ~~ذلك لأنه سبحانه ضرب المثل بالأقل لذلك قال: " فما فوقها " من باب فما ~~فوقها في الاحتقار منكم والقلة في الحجم مما تنكرونه، وهو الضآلة. وحتى ~~تفهم ذلك نسمع أحيانا: فلان مريض. ويرد السامع وفلان فوقه في المرض. ~~ونجد " فوقه " هنا لا تعني المرض الأقل، بل المرض الأكثر شدة: { ذلك ~~مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص ~~لعلهم يتفكرون } [الأعراف: 176]. والكلام موجه لليهود: أي ~~أنتم يا بني إسرائيل مثلكم مثل الرجل الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها، ~~ولقد جاءت لكم في التوراة بشارة بمحمد، ووصفته بسمات وعلامات، بحيث إذا ms3607 ~~رآه الإنسان يعرف أنه الرسول الذي جاء ذكره في التوراة، ويعرفه الواحد ~~منكم كما يعرف ابنا له، لأنه مذكور لكم بنصه ونعته وشكله وطوله، وعرضه. ~~وكنتم تستفتحون به على العرب. لكنكم امتنعتم عن التصديق بالآيات، وعندما ~~جاءكم بما عرفتم عنه كفرتم به. وصار مثلكم كمثل الرجل الذي آتاه الله ~~الآيات فانسلخ منها { ذلك مثل القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا } [الأعراف: 176]. وهم بعنادهم وبغيهم وكفرهم قد كذبوا ~~بالآيات الكونية التي يراها البصر السماء والأرض والشمس، والآيات ~~المعجزات التي يثبت بها الرسول صدق بلاغه عن الله، وكذلك آيات القرآن ~~التي تحمل منهج الله. { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ~~} [الأعراف: 176] وعليك يا محمد أن تقصص القصص وأن تقول ما حدث وما كان، ~~وأنت لن تحكي الأمر التافه، بل ستحكي ما يقال له قصص ويكون فيه عبرة ~~تنفتح بها حركة المجتمع. ويذيل الحق الآية بقوله تعالى: { لعلهم ~~يتفكرون } [الأعراف: 176]، ونعلم أن القرآن قد جاء فيه الأمر ~~بالتفكر والتذكر والتدبر. والتفكر - كما نعرف - هو عمل العقل في ~~المقارنات بين البديلات المتنوعة ليرجح بديلا على بديل فتعقل به ~~القضايا. والتذكر يعني إن غفلت عن هذا فتذكره، حتى يزيح عنك الغفلة عن ~~القضية المعلومة. أما التدبر فهو أيضا بحث عقلي. فلا تنظر إلى واجهة ~~الأشياء، بل إلى كلية الأشياء من جميع جهاتها بواجهة وجوانب وخلف، وما ~~ينتج عنها. وعلى سبيل المثال يقال: انظر خلف العبارة، لتجد المعنى الخفي ~~فيما يقال. والمثال في قول الحق: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها... # [البقرة: 26]. وحين تفكرنا وتدبرنا وجدنا أن معنى " فما فوقها " لا يعني ~~الأعلى منها في القوة، بل الأعلى منها في الضعف الذي أنكروه. لذلك لا يجب ~~أن تنظر إلى معنى ومدلول اللفظ حسب ظاهره فقط، بل لما خلف اللفظ، ~~ومعطياته. { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } [الأعراف: ~~176] أي يتفكرون في أسلوب توجيه المنهج لعلهم يؤمنون، وهذه فائدة القصص. ~~ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { سآء مثلا القوم ~~الذين... }. ### || [7.177] # والحق قال فيهم من قبل: إنهم كذبوا بآياتنا، ms3608 وضرب لهم المثل بابن ~~باعوراء وكان مشهورا في أيامهم لكنهم فاقوا ابن باعوراء لأنه كان فردا ~~وهم جماعة لذلك لا تقل إن في المسألة تكرارا لأن المثل من قبل كان على ~~فرد واحد، أوتي آيات الله فانسلخ منها، ولكنهم كانوا جماعة. لذلك ~~فانسلاخهم عن المنهج يجعل موقفهم أشد سوءا. { سآء مثلا القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا } [الأعراف: 177]. و " ساء " أي قبح، ~~وحين نقول: ساء فلان أي قبح أمره، ولكن أي أمر من أموره هو القبيح؟ ~~فنقول: ساء صحة أي صار مريضا أو ساء حالا أي صار فقيرا، أو ساء خلقا ~~أي صار شرسا، وأنت حين تقول: ساء، فهذا السوء عام له جوانب متعددة، ~~ويقتضي الأمر التمييز. و " ساء مثلا " أي ساء من جهة المثل، والمثل في ~~ذاته لا يسوء لأن الله تعالى يضرب المثل لنا. والمثل إنما يجيء ليبين ~~ويشرح ويوضح، والمعنى هنا: ساء مثلا حال القوم. أو القوم أنفسهم هم ~~الذين ساءوا. لأنهم حين كذبوا بالآيات ظلموا أنفسهم، فالتكذيب منهم لم ~~يعرقل منهج الله في الأرض، ولم يعرقلوا بالتكذيب شيئا في كون الله ~~تعالى، فالكون بنظامه ونسقه يسير بإرادته سبحانه وآيات الكون سائرة. إذن ~~كان تكذيبهم بآيات لن يضير أبدا في أي شيء. والخيبة إنما تقع عليهم. وإن ~~كان التكذيب في الآيات المعجزات فقد بقي ذكر المعجزات إلى الآن. وهم ~~الذين خابوا، وإن كانوا قد كذبوا بآيات المنهج فهم أيضا الذين خسروا ولم ~~يصب الآيات الإعجازية أو القرآنية أي شيء. وهم قد ظلموا أنفسهم ومثلهم في ~~ذلك مثل المريض الذي لم يسمع كلام الطبيب فإنه يسيء إلى نفسه ولن يضر ~~الطبيب شيء، والله سبحانه قد أعطانا المنهج لتستقيم به حركة الحياة، فمن ~~يأخذه ينفع نفسه، ومن لا يأخذه لن يضر الله شيئا. هم إذن ظلموا أنفسهم، ~~ومن يظلم نفسه كان هو أول عدو لها ولن يضر الله شيئا، ولا الرسول، ولا ~~المجتمع. { وأنفسهم كانوا يظلمون } [الأعراف: 177]. وحين ~~تجد معمولا تقدم على عامله - قاعدة نحوية - فاعلم أن هناك ما يسمى ~~بالقصر ms3609 في علم البلاغة، وقد نقول: " يظلمون أنفسهم " ويصح أن تعطف ~~قائلا: ويظلمون الناس. ولكن حين نقول: أنفسهم يظلمون، فمعنى ذلك أنه لا ~~يتعدى ظلمهم أنفسهم، ويكون الكلام فيه قصر وتخصيص، مثلما نقول: " لله ~~الأمر من قبل ومن بعد " ، أي أن الأمر لا يتعدى إلى غيره أبدا. ويقول ~~المولى سبحانه وتعالى بعد ذلك: { من يهد الله فهو... }. ### || [7.178] # وهذه الآية هي الوحيدة التي جاء فيها سبحانه وتعالى: { المهتدي } - ~~بالياء - بينما جاء المولى سبحانه وتعالى بكلمة " المهتد " - من غير ياء ~~- في آيات متعددة عدا هذه الآية: واقرأ قوله تعالى: # ومن يهد الله فهو المهتد # [الإسراء: 97]. ويقول الحق: # فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون # [الحديد: 26]. وكذلك تأتي الكلمة بدون " ياء " في قوله سبحانه: # من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد ~~له وليا مرشدا # [الكهف: 17]. والمعركة الخاصة بقضية الهداية والإضلال قائمة من قديم، ~~ولا تزال أيضا ذيول هذه المعركة موجودة إلى الآن، وأوضحنا هذه القضية من ~~قبل ولكننا نكررها للتأكيد ولتستقر في الأذهان، لأن هناك دائما من يقول: ~~إذا كان الله هو الهادي والمضل، فلماذا يعذبني إن ضللت؟. وشاع هذا السؤال ~~وأخذه المستشرقون والفلاسفة ويراد منه إيجاد مبرر للنفس العاصية غير ~~الملتزمة. ونقول لكل مجادل: لماذا قصرت الاعتراض على مسألة الضر والعذاب ~~إن ضللت؟ ولماذا لا تذكر الثواب إن أحسنت وآمنت؟. إن اقتصارك على الأولى ~~دون الثانية دليل على أن الهداية التي جاءت لك هي مكسب تركته وأخذت ~~المسألة التي فيها ضرر. ولا يقول ذلك إلا المسرفون على أنفسهم. وضربنا ~~من قبل أمثلة كثيرة. لنفرق في هذه المسائل بين المختلفين لأن الجهة ~~عندهم منفكة. وهم قد ناقشوا مسألة " خلق أفعال العباد " وتساءلوا: من ~~خلق هذه الأفعال؟ هل خلقها الله أم أن العبد يخلق أفعاله؟. ونسأل: ما هو ~~الفعل؟. إنه توجيه طاقة لإحداث حدث فطاقة اليد أنها تعمل أي عمل تريده ~~منها قد تضرب بها إنسانا أو تحمل بها إنسانا واقعا على الأرض، أو تربت ~~بها على اليتيم. إذن ففي اليد طاقة تصلح لأن ms3610 تفعل الخير وتفعل الشر، وأنت ~~لحظة أن تضرب إنسانا فأي عضلة تحركها حين ترتفع اليد لتضرب؟. إنك بمجرد ~~رغبتك في أن تضرب تضرب عكس الإنسان الآلي حين يرفع شيئا، فله أجزاء ~~وأزرار تعمل. وكلها آلات. وأنت حين تربت على كتف يتيم، ما هي الأعضاء ~~والأجهزة التي تحركها لتعمل هذا العمل؟. إذن فالله هو الذي خلق فيك ~~الانفعال للفعل. فإن نظرت إلى ذلك، فكل فعل من الله، ولكن توجيه الجارحة ~~إلى الفعل هو محل التكليف. إذن فأنت تحاسب لأنك فعلت، لا لأنك خلقت لأن ~~خالق الأفعال هو الله سبحانه وتعالى، وأنت تفعل بمجرد الإرادة والاختيار، ~~مثل اللسان فيه طاقة مخلوقة لبيان ما في النفس إن أردت أن تقول بها " لا ~~إله إلا الله " صلحت، وصلحت كذلك عند الملحد أن يقول - والعياذ بالله - ~~لا يوجد إله. واللسان لم يعص في هذه ولا في تلك. # إذن فالذي خلق قدرة الجارحة على الفعل هو الله. وأنت توجه الجارحة، إذن ~~فكل الافعال مخلوقة لله، لكن توجيه الطاقة للفعل بالميل والاختيار إنما ~~يكون من العبد والحق سبحانه وتعالى يهدي الجميع بالمنهج، ومن يقبل عليه ~~بنية الإيمان، يعينه على ذلك، ولذلك لا يصح أن نختلف في مسألة مثل هذه، ~~وأن نسأل من خلق الأفعال، بل علينا أن نحدد الأفعال وكيف توجد، وما دور ~~الإنسان فيها لأننا نعلم أن الله قد يسلب طاقة الفعل على الإحداث، مثل من ~~يريد أن يؤذي إنسانا بيده لكنه يصاب بشلل فلا يقدر أن يرفع يده. ولو كان ~~هو الذي يخلق لرفع يده وآذى بها من أراد، لكنه لا يخلق الطاقة الصانعة ~~للفعل. وعلى ذلك تكون الهداية نوعين: هداية دلالة، وهي للجميع للمؤمن ~~والكافر لأن الحق لم يدل المؤمن فقط، بل يدل المؤمن والكافر على الإيمان ~~به، فمن يقبل على الإيمان به فإن الحق تبارك وتعالى يجد فيه أهلا ~~للمعونة. فيأخذ بيده، ويعينه، ويجعل الإيمان خفيفا على قلبه، ويعطي له ~~طاقة لفعل الخير، ويشرح له صدره وييسر له آمره: وسبحانه القائل: # واتقوا الله ms3611 ويعلمكم الله # [البقرة: 282]. ويقول سبحانه وتعالى: { ومن يضلل فأولئك ~~هم الخاسرون } [الأعراف: 178]. فإذا كان الله قد عمم حكما ثم ~~خصصه، فالتخصيص هو الذي يحكم التعميم. ويقول ربنا عز وجل: إن من شاء ~~هدايته فهو سبحانه وتعالى يعطيه الهداية، ومن شاء له الضلال زاده ضلالا، ~~وقد بين أن من شاء هدايته يهتدي وهذه معونة من الله، والكافر لا يهتدي ~~وكذلك الظالم، والفاسق لأنه سبحانه قد ترك كل واحد منهم لاختياره، وهكذا ~~يمنع سبحانه وتعالى عنهم هداية المعونة. ونقرأ في القرآن الكريم ما يوضح ~~هذه المسألة، فهو سبحانه يقول: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت: 17]. والهداية التي كانت لقوم ثمود إنما هي هداية الدلالة، وليست ~~هداية المعونة. ويقول سبحانه: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. أي أنه سبحانه قد زاد من اختاروا الهداية، بالمعونة وجعل ~~بينهم وبين النار وقاية والحق سبحانه وتعالى يقول لرسوله: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56]. أي أنك يا محمد لن تعين أحدا على الطاعة لأن هذا أمر ~~يملكه ربك. ويقول سبحانه لرسوله: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52]. أي أنك يا محمد تهدي هداية الدلالة بالمنهج الذي أنزله ~~الله إليك. إذن إذا رأيت فعلا أو حدثا مثبتا لواحد ومنفيا عنه.. ~~فاعلم أن الجهة منفكة، والكلام هنا لحكيم عليم. ولماذا يقول الحق سبحانه: ~~{ من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك ~~هم الخاسرون } [الأعراف: 178]. لأن الحق سبحانه وتعالى حين ينصرف ~~عن معونة عبده، فعلى العبد أن يواجه حركة الحياة وحده بدون مدد من خالقه. ~~ويعيش وحالته كرب، سواء كان في يسر مادي أو في عسر. هذا إن اعتبر أن ~~الدنيا هي كل شيء، فإذا أضيف إلى ذلك غفلته عن أن الدنيا معبر للآخرة، ~~فالخسارة تكون كبيرة حقا. ويقول الحق بعد ذلك: { ولقد ذرأنا ~~لجهنم كثيرا... }. ### || [7.179] # وذرأ، بمعنى بث ونشر، وقد قال الحق سبحانه وتعالى في أول سورة النساء: # وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء # [النساء: 1]. كما يقول الحق أيضا: # يذرؤكم فيه # [الشورى: 11]. وهنا يقول الحق ms3612 سبحانه وتعالى: { ولقد ذرأنا ~~لجهنم كثيرا من الجن والإنس } [الأعراف: 179]. ونعرف ~~أن في الكون أشياء عابدة بطبيعتها وهي كل ما عدا الإنس والجن لأن كلا ~~منهما في سلك الاختيار، وهم من يقول عنهم ربنا في سورة الرحمن: # سنفرغ لكم أيه الثقلان # [الرحمن: 31]. وذرأنا معناها بثثنا ونشرنا وكثرنا، وكلمة كثير لا تعني ~~أن المقابل قليل، فقد يكون الشيء كثيرا ومقابله أيضا كثير، والحق ~~سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب # [الحج: 18]. إذن كل الكائنات من جمادات ونباتات وحيوانات تسجد لله ~~سبحانه وتسبحه، ولكن الأمر انقسم عند الإنسان فقط، حيث يقول الحق في ذات ~~الآية: # وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب # [الحج: 18]. أي هناك كثير يسجدون ويخضعون لله ومقابل ذلك كثير كفروا ولم ~~يسجدوا وحق عليهم العذاب. وإذا كان المولى تبارك وتعالى يقول: { ولقد ~~ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } [الأعراف: ~~179]. فقد يثور في الأذهان سؤال هو: هل أنت خالقهم يا رب لجهنم، ماذا ~~يستطيعون إذن؟ ولا شيء في قدرتهم ما دمت قد خلقتهم لذلك؟ ونقول: لا. ~~ولنلفت الأنظار إلى أن في اللغة ما يسمى " لام العاقبة " ، وهو ما يؤول ~~إليه الأمر بصورة تختلف عنا كنت تقصده وتريده لأن القصد في الخلق هو ~~العبادة مصداقا لقوله الحق تبارك وتعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. ومعنى العبادة طاعة الأمر، والكف عن المنهي عنه، ~~والمأمور صالح أن يفعل وألا يفعل، فالعبادة - إذن - تستدعي وجود طائع ~~ووجود عاص، وأضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى ومنزه سبحانه وتعالى: ~~يأتي لك من يروي لمحة من سيرة إنسان ويقول لك: لماذا يقف منك هذا الموقف ~~العدائي، أليس هو الذي أخذته معك لتوظفه؟ فترد عليه: " زرعته ليقلعني ". ~~هل كان وقت مجيئك به كنت تريده أن يقلعك؟ لا. ولكن النتيجة والنهاية صارت ~~هكذا. والحق سبحانه لم يخلق البشر من أجل الجنة أو النار لكنه عز وجل ~~خلقهم ليعبدوه، فمنهم من ms3613 آمن وأصلح فدخل الجنة، ومنهم من عصى فدخل النار ~~وهذا اسمه " لام العاقبة " ، أي ما صار إليه غير مرادك منه، ومثال ذلك ~~حينما قال الله سبحانه لأم موسى: # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا ~~تحزني إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين ~~* فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا # [القصص: 7-8]. هل التقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا؟ لا، لأن زوجة فرعون ~~قالت: # وقالت امرأة فرعون قرت عين لي ولك لا ~~تقتلوه عسى أن ينفعنا # [القصص: 9]. فقد كانت علة الالتقاط - إذن - هي أن يكون قرة عين، لكنه ~~صار عدوا في النهاية، وهذا اسمه - كما قلت - لام العاقبة. وهكذا لا تكون ~~علة الخلق أن يدخل كثير من الجن والإنس النار، في قوله الحق: { ولقد ~~ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } [الأعراف: ~~179]. لأن علة الخلق في الأصل هي العبادة، والعبادة تقتضي طائعا ~~وعاصيا، فالذي يطيع يدخل الجنة، والذي يعصي يدخل النار، ولله المثل ~~الأعلى، أذكركم بالمثل الذي ضربته من قبل حين يسأل وزير التعليم مدير ~~إحدى المدارس أو عميد كلية ما عن حال الدراسة والطلبة فيقول العميد أو ~~المدير: إننا نعلم جيدا من هم أهل للرسوب ومن هم أهل للنجاح وإن شئت ~~أقول لك عليهم وأحددهم. لم يقل العميد أو المدير لأنه يتحكم في إجابات ~~الطلبة، ولكنه علم من تصرفاتهم ما يؤولون إليه، والعلم صفة انكشاف لا صفة ~~تأثير. وعلى ذلك فإن قوله تعالى: { ولقد ذرأنا لجهنم ~~كثيرا من الجن والإنس } [الأعراف: 179]. يعني أننا نشرنا ~~وبثثنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، وهم من يعرضون عن منهجنا، ثم يأتي ~~الحق بالحيثيات لذلك وهي أولا: { لهم قلوب لا يفقهون بها ~~} [الأعراف: 179]. وثانيا: { ولهم أعين لا يبصرون بها ~~} [الأعراف: 179]. وثالثا: { ولهم آذان لا يسمعون بهآ } ~~[الأعراف: 179]. ولقائل أن يقول: إن كانت قلوبهم مخلوقة بحيث لا تفقه فما ~~ذنبهم هم؟. وما دامت عيونهم مخلوقة بحيث لا ترى فما ذنبهم؟ وكذلك ما دامت ~~الآذان مخلوقة بحيث لا تسمع فلماذا يعاقبون؟. ونقول: لا، لم يخلقهم الله ~~للعذاب، ms3614 لكنهم انشغلوا بما استحوذ عليهم من شهواتهم، وصارت عقولهم لا ~~تفكر في شيء غيره وتخطط فقط للحصول على الشهوة، وكذلك العيون لا ترى إلا ~~ما يستهويها، وكذلك الآذان. وكل منهم يرى غير مراد الرؤية، ويسمع غير ~~مراد السمع. والفرق بين فقه القلب ورؤية العين وسماع الأذن.. أن فقه ~~القلب هو فهم القضايا التي تنتهي إليها الإدراكات. ونعلم أن الإدراكات ~~تأتي بواسطة الحواس الخمس، فنحن نعرف أن الحرير ناعم باللمس، ونعرف أن ~~المسك رائحته طيبة بالشم، ونعلم - أن العسل حلو الطعم بالذوق. إذن لكل ~~وسيلة إدراك، وهي من المحسات، وبعد أن تتكون المحسات يمتلك الإنسان ~~خميرة علمية في قلبه وتنضج لتصير قضية عقلية منتهية ومسلما بها. وكلنا ~~يعرف أن النار محرقة لأن الإنسان أول ما يلمس النار تلسعه، فيعرف أن ~~النار محرقة، ويتحول الإدراك إلى إحساس ثم إلى معنى إذن فالمعلومات ~~وسائلها إلى النفس الإنسانية وملكاتها الحواس الظاهرة، وهناك حواس أخرى ~~غير ظاهرة مثل قياس وزن الأشياء بالحمل. # وقد انتبه العلماء لذلك واكتشفوا حاسة اسمها حاسة العضل لأنك حين تحمل ~~شيئا قد تجهد العضلة أكثر إن كان الحمل ثقيلا. وحينما ترى واحدا من ~~قريب وواحدا من بعيد، فهذه اسمها حاسة البعد، وكذلك حاسة البين وهي التي ~~تميز بها سمك القماش مثلا. كل الحواس - إذن - تربي المعاني عند الإنسان ~~وحين تربي المعاني في النفس الإنسانية تتكون القضايا التي تستقر في ~~القلب. ولذلك يمتن الحق سبحانه وتعالى على خلقه بأنه علمهم فقال تعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. ونعود إلى قول الحق تبارك وتعالى: { لهم قلوب لا ~~يفقهون بها } [الأعراف: 179]. والفقه هو الفهم ويصير الفهم قضية ~~مرجحة انتهى إليها الاقتناع من المرائي والمحسات، لكن هؤلاء الكافرين ~~لا يرون بأعينهم إلى هواهم، وكذلك لا تسمع آذانهم إلا ما يروق لهم، فلا ~~يستمعون إلى هدى، ولا يلتفتون إلى الآيات التي يستدلون بها على الخالق ~~فتعيش قلوبهم بلا فقه، فهم إذن لهم قلوب وأعين وآذان ms3615 بدليل أنهم فقهوا ~~بها وسمعوا بها ورأوا بها الأشياء التي تروق لانحرافهم. ويصف الحق تبارك ~~وتعالى هؤلاء فيقول: { أولئك كالأنعام بل هم أضل ~~أولئك هم الغافلون } [الأعراف: 179]. وهنا وقفة لإثارة ~~سؤال هو: ما ذنب الأنعام التي يشبه بها الكفار؟ إن الأنعام غير مكلفة ~~وليس لأي منها قلب يفقه أو عين تبصر آيات الله أو آذان تسمع بها آيات ~~الله هي فقط ترى المرعى فتذهب إليه، وترى الذئب فتفر منه، وتتعود على ~~أصوات تتحرك بها، وكافة الحيوانات تحيا بآلية الغريزة ويهتدي الحيوان إلى ~~أموره النافعة له وإلى أموره الضارة به بغريزته التي أودعها الله فيه، لا ~~بعقله. والإنسان منا لا يبتعد عن الضرر إلا حين يجربه ويجد فيه ضررا. ~~لكن الحيوان يبتعد عن الضر من غير تجربة بل الغريزة، لأن الحيوان ليس له ~~عقل وكذلك ليس له قدرة اختيار بين البديلات، وفطره الله على غريزة ~~تسيره إلى مقومات صالحة، ومثال ذلك: أنه قد يوجد الحيوان في بيئة ما، ~~ويعطي الله له لونا يماثل لون هذه البيئة ليحمي نفسه من حيوانات أقوى ~~منه. ومثال آخر: نحن نعلم أن الحيوان مخلوق لينفع الإنسان، ولا بد أن ~~يتناسل ليؤدي ما يحتاج إليه الإنسان من ذرية هذا الحيوان ويمارس الحيوان ~~العملية الجنسية كوسيلة للتناسل وليست كما هي في الإنسان، حيث تصير في ~~بعض الأحيان غاية في ذاتها، بجانب أنها وسيلة للنسل. ولذلك نجد كثيرا من ~~ظواهر الحياة المتعلقة بالإنسان قد تعلمها من الحيوان مثلما قال الحق ~~تبارك وتعالى: # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ~~يواري سوءة أخيه... # [المائدة: 31]. إذن فالغراب مهدي بغريزته إلى كل متطلباته، ولذلك ~~نجد من يقول: كيف نشبه الضال بالأنعام؟ نقول: إن الضال يختلف عن الأنعام ~~في أنه يملك الاختيار وقد رفع فوق الأنعام، لكنه وضع نفسه موضع الأنعام ~~حيث لم يستخدم العقل كي يختار به بين البدائل. # وبذلك صار أضل من الأنعام، كلمة " أضل " تبين لنا أن الأنعام ليست ضالة، ~~لأنها محكومة بالغريزة لا اختيار لها في شيء. لكن ms3616 الكفار الذين ذرأهم ~~ربنا لجهنم من الجن والإنس، لا يعرفون ربهم، بينما الأنعام، والجمادات ~~والنباتات تعرف ربها لأن الحق يقول: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. إذن فالأنعام تعرف ربنا وتسبحه وتحمده. وفي آية أخرى ~~يقول المولى تبارك وتعالى: # كل قد علم صلاته وتسبيحه # [النور: 41]. وعلى ذلك فكل الجماد - إذن - يعلم صلاته وتسبيحه. ولذلك ~~قصصنا قصة من قصص العارفين بالله حين يجلسون مع بعضهم البعض كوسيلة تنشيط ~~إلى غايات وأهداف سامية. والعارف بالله من هؤلاء الصالحين يستقبل الأحسن ~~منه في العبادة بالضحك، أما الأحسن منه في أمور الدنيا فيستقبله " ~~بالتكشير " ، وقال واحد منهم لآخر: أتشتاق إلى ربك؟ فرد عليه: لا. تساءل ~~الآخر: كيف تقول ذلك؟. قال له: نعم. إنما يشتاق إلى غائب. { ~~أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون } [الأعراف: 179]. ولا تظنن أن الضلال لعدم وجود منهج، أو ~~لعدم مذكر، أو لعدم وجود منذر أو مبشر. بل هي غفلة منهم، ~~فالأمور واضحة أمامهم، لكنهم يهملونها ويغفلون عنها. ويقول الحق بعد ~~ذلك: { ولله الأسمآء الحسنى... }. ### || [7.180] # وحين يقول المولى سبحانه وتعالى { ولله الأسمآء الحسنى } ~~[الأعراف: 180] نقول: أنه لا يوجد لغير الله اسم يوصف بأنه من الحسنى، إن ~~قلت عن إنسان إنه " كريم " ، فهذا وصف، وكذلك إن قلت إنه " حليم " ، ~~وكلها صفات عارضة في حادث، ولا تصير أسماء حسنى إلا إذا وصف الله بها. ~~فأنت - مثلا - لك قدرة تفعل أفعالا متعددة، ولله قدرة، لكن قدرتك حادثة ~~من الأغيار، بدليل أنها تسلب منك لتصير عاجزا، أما قدرة الله تعالى فلها ~~طلاقة لا يحدها شيء. فهي قدرة مطلقة. وأنت قد تكون غنيا لك غنى، ولله ~~غنى، لكن ثراءك محدود، وأما غنى الله فإنه غير محدود. إذن الأسماء ~~الحسنى على إطلاقها هي لله، وإن وجدت في غيره صارت صفات محدودة مهما ~~اتسعت. { ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها } [الأعراف: ~~180]. والحسنى.. تأنيث لكلمة " الأحسن " اسم تفضيل، وهي الأسماء الحسنى ~~في صلاحية الألوهية لها، وصلاحيتها للألوهية. وحين تقول عنه سبحانه: إنه ~~" رحيم ms3617 " ، فهذا أمر حسن عندي وعندك لأنني أنظر إلى رحمته لي، وأنت تنظر ~~إلى رحمته لك. وحين تقول: " غفار " فأنت وأنا وكل من يسمعها تعود عليه. ~~وحين تقول: " قهار " وأنت مذنب ستخاف، وهي صفة حسنى بالنسبة للإله لأن ~~الإله لا بد أن تكون له صفات جمال وصفات جلال، فصفات الجمال لمن أطاع، ~~وصفات الجلال لمن عصى. ولذلك لا تأخذ النعم بمدلولها عندك، بل خذ النعم ~~بمرادات الله تعالى فيها. وساعة يتكلم الحق سبحانه وتعالى قائلا: # سنفرغ لكم أيه الثقلان * فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان * يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن ~~تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا ~~تنفذون إلا بسلطان * فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان * يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ~~فلا تنتصران * فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 31-36]. فهل إرسال الشواظ من النار والنحاس نعمة يقول بعدها: { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان }؟ نقول: نعم، هي نعمة كبيرة، ~~لأنه سبحانه وتعالى ينبهنا قبل أن توجد النار، أن النار قوية، ويعطي لك ~~نعمة العظة والاعتبار. وعظته وتنبيهه - إذن - قبل أن توجد النار نعمة ~~كبرى، وأيضا هي نعمة بالنسبة للمقابل، فحين يطيعه المؤمنون في الدنيا ~~ويلزمون أنفسهم بمنهج الله، فلهم ثواب حق الالتزام، والمقابل لهم الذين ~~لم يلتزموا وأخذوا الخروج عن المنهج غاية، يتوعدهم سبحانه بالعقاب، وهذه ~~نعمة كبرى. { ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها } ~~[الأعراف: 180]. والحق سبحانه وتعالى عرفنا اسمه بالبلاغ منه لأننا قد ~~نعرف مسماه من القوى القادرة وهي التي تعرف بالعقل، لكن العقل لا يقدر أن ~~يعرف الاسم. # وسبق أن قلت: لنفترض أن أناسا يجلسون في حجرة ثم طرق الباب. هنا يجمع ~~الكل على أن طارقا بالباب، لكن حين دخلوا في التصور اختلفوا، فواحد ~~يقول: إن الطارق رجل، فيرد الآخر: لا إنها امرأة لأن نقرتها خفيفة، ويقول ~~ثالث: هذه النقرة على الباب تأتي من أعلاه وهي دليل على أن الطارق ضخم، ~~وهو نذير لأنه يطرق بشدة، ويختلف تصور كل الحضور عن الطارق، ولا أحد يعرف ~~اسمه. إذن حين تريد أن تعرف من الطارق، فأنت ms3618 تسأله من أنت؟ فيقول لك " ~~اسمه ". إذن فإن الاسم لا يدرك بالعقل. ومن خلق الخلق كله قوي، قادر، ~~حكيم، عليم، لأن عملية الخلق تقتضي كل هذا. أما اسم الله. فهذه مسألة لا ~~يعرفها العقل وتحتاج إلى توقيف. إذن فأسماء الله تبارك وتعالى توقيفية، ~~فحين يقول لنا: هذه أسمائي فإننا ندعوه بها، وما لم يقل لنا عليه لا دعوة ~~لنا به، ولذلك يقول تعالى: { فادعوه بها }. فإذا أنت نقلت هذا إلى ~~غيره. فأنت تدعو بالأسماء الحسنى سواه، مثلا كذاب اليمامة مسيلمة سمى ~~نفسه الرحمن، وبذلك ألحد في اسم الله حيث نقل أحد أسماء ربنا إلى ذاته، ~~ومثله فعل غيره، ألم يسموا " اللات " من الله؟. ألم يسموا " العزى " من ~~العزيز؟. ألم يسموا " مناة " من المنان؟. كل هؤلاء ألحدوا في أسماء الله ~~التي لا ندعو غيره بها، ولذلك ورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله في دعآئه: # " اللهم أني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك، عدل ~~في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو ~~علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ~~ربيع قلبي ونور صدري وجلاء همي وذهاب حزني وغمي " # إذن فهذه الأسماء وضعها ربنا لنفسه، لأنها لا تعرف بالعقل. أما إذا نظرت ~~إلى الأوصاف المبدعة للخلق فأنت تتعرف على هذه الأوصاف لأنه تعالى خلق ~~الكون بحكمة وتدبير وقدرة. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نحن ~~نؤسس مصانع كثيرة وكبيرة لتصنع المصابيح، فنصنع زجاجا ونفرغه من الهواء، ~~ونضع داخله أسلاكا تتحمل ذبذبة الكهرباء، وبعد استخدام هذه المصابيح ~~لفترة تفسد، بينما الشمس تضيء الكون كل هذا العمر، من بدء الخلق، ولا ~~تحتاج منا إلى قطعة غيار. وحين نقول هو: " حكيم " ، نقولها ونرى أثر ذلك ~~في حركة الكواكب التي تسير منسجمة، وكل كوكب يدور في فلكه ولا يصطدم ~~بآخر، وهذا دليل على أن الكواكب قد خلقت بحكمة. وينبهنا الحق سبحانه ~~وتعالى أن ندعوه بالأسماء الحسنى في قوله: ms3619 { ولله الأسمآء ~~الحسنى فادعوه بها } [الأعراف: 180] لأنه يريد من خلقه دائما ~~أن يذكروه لأنه هو الرب الذي خلق من عدم، وأمد من عدم. # وصان الخلق بقيومية، وحين تأتي لك حاجة وجب عليك أن تذكر أسماء الله ~~الحسنى وتنادي الله بها، وحين تريد أن تتقرب إلى الله لا تناديه إلا ~~بالاسم الذي وضعه لنفسه وهو " الله " ، لأن هذا هو اسم علم على واجب ~~الوجود، وأسماء الله الحسنى كلها صفات وصلت إلى مرتبة الأسماء، وهناك ~~أسماء تدل على مجموع الصفات. ولله المثل الأعلى: أنت تقول: " زيد " فيعرف ~~السامع أن هذا اسم علم على شخص اسمه زيد، ثم له صفات أخرى، كأن يكون ~~تاجرا، أو عالما متفقها في العلم، أو مهندسا. لكن الاسم العلم هو زيد ~~وهو الذي لا يشترك معه أحد من معارفك فيه وهو زيد، لكن الصفات الأخرى قد ~~يشترك معه فيها غيره. والأسماء لله نوعان، اسم يدل على ذات الله، الذات ~~المجردة عن أي شيء وهو الله، ولكن هناك صفات لله مثل الرحمن والرحيم ~~والملك والقدوس والسلام والمؤمن والمهيمن، وهذه صفات ارتقت في السمو ~~والعلو لأنه لا أعلى منها، حتى أصبحت إذا أطلقت إطلاق الكمال الأعلى لا ~~تنصرف إلا لله. فصارت أسماء. قد نقول فلان غني، وفلان كريم، وفلان حكيم، ~~لكن الغنى على إطلاقه هو لله تعالى. والأسماء الحسنى ناشئة من صفات ~~مبالغة في العلو فيها، لأنه سبحانه الأكمل فيها وهي في الأصل صفات لها ~~متعلقات فعلية، وهذه نوعان اثنان: نوع يطلق على الله منها اسم ومقابله، ~~ونوع يطلق عليه الاسم ولا يطلق عليه المقابل، ونأتي بصفة شبيهة ~~بالاشتقاق، فنقول: " غني " ، ونقول: " مغني " فهو غني في صفة ذاته قبل أن ~~يوجد من يغنيه، ومغني وجدت بعد وجود من يغنيه من عباده، وسبحانه حي في ~~ذاته، ومحيي لغيره، والإحياء صفة فعل في الغير. ولابد لها من مقابل، ~~فنقول: محيي ومميت. ولم نقل حي ومقابله، الغير. إذن فالاسم الذي ترى له ~~مقابلا هو صفات الفعل، أما صفات الذات فهي التي لا يوجد ms3620 لها المقابل. ~~ويلحدون في أسماء الله أي يميلونها إلى غير الله وينقلها الواحد منهم ~~لغير الله أو يأتي باسم للغير ويطلقه على الله، أو يطلق اسما ليس له ~~معنى أو لا يفهم منه أي معنى على الله. إذن " الإلحاد " يأتي في ثلاثة ~~أشياء: إما أن ينقل أحد أسماء الله إلى غير الله، أو يأتي باسم للغير ~~ويطلقه على الله، أو يطلق اسما لله من غير أن يكون قد أنزله الله ~~توقيفيا. { وذروا الذين يلحدون في أسمآئه ~~سيجزون ما كانوا يعملون } [الأعراف: 180]. ونعلم أن " ~~العمل " هو اسم للحدث من أي جارحة فنطق اللسان عمل، وشم الأنف عمل، ونعلم ~~أن هناك ما يسمى ب[قول وفعل]، والفعل عمل الجوارح ما عدا اللسان والقول ~~عمل اللسان، والاثنان يطلق عليهما عمل، ولذلك يقول الحق: تبارك وتعالى في ~~سورة الصف: # لم تقولون ما لا تفعلون # [الآية: 2]. إذن فالقول مقابله الفعل، والجزاء هنا على الفعل والقول لأن ~~كليهما عمل. وإذا كان لله أسماء كثيرة، فهل يجوز هنا لنا أن نأخذ من ~~فعل الله في شيء اسما له؟ وخصوصا انه القائل: # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31]. وهو القائل أيضا: # وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء: 113]. هل يمكن أن نقول: إن الله معلم؟ وهل يصح أن نأخذ من ~~قوله: # وأكيد كيدا # [الطارق: 16]. اسما هو كائد؟ لا يجوز ذلك لأن أسماء الله توقيفية، وإن ~~رأيت فعلا منسوبا لله فقف عند الفعل فقط ولا تأخذ منه اسما لله تعالى. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { وممن خلقنآ أمة يهدون... }. ### || [7.181] # وبعد أن قال سبحانه: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الأعراف: 179] أراد أن يطمئن أهل منهج الله، فلم يقل: " كل الناس " ، ~~بل كثير من " الجن والإنس " ، وعرفنا المقابل يكون كثيرا أيضا بدليل ~~قوله تعالى في سورة الحج: # وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب # [الحج: 18] أي كثير من الناس يسجدون لله وكثير حق عليهم العذاب. ويعني ~~قول الحق تبارك وتعالى: { وممن خلقنآ أمة يهدون ~~بالحق وبه يعدلون } [الأعراف: 181]. أن كون الله لا ms3621 يخلو من ~~هداة مهديين، لتستمر الأسوة السلوكية في المجتمع. والأسوة السلوكية في ~~المجتمع هي التي تربي عقائد المواجيد عند الصغار، فالصغير لا يعرف كيف ~~يصلي، ولا كيف يصوم، ولا يميز بين الكذب والصدق ولكنه يتعلم بالتقليد ~~لوالديه، فالطفل حين يرى والده وأمه ساعة يؤذن للصلاة يقوم كل منهما ~~إلى الوضوء وأداء الصلاة، هنا يتعلم الطفل كيفية الصلاة، وحين يتكلم ~~إنسان في سيرة آخر، يقول الأب أو الأم: لا داعي للخوض في سيرة الآخرين ~~حتى لا نحبط حسناتنا بذلك يتعلم الطفل كيف يصون لسانه عن الخوض في سيرة ~~الغير، لأن الأسوة السلوكية تنضح عليه، بدليل أن الصغير الذي لم يبلغ ~~مبلغ الفهم إذا سمع المؤذن بعد ذلك يقوم من نفسه ليحضر سجادة الصلاة ~~ويقلد والده ووالدته. ونفهم من قوله تعالى: { وبه يعدلون } ~~[الأعراف: 181]. إنهم في حكمهم على الأشياء يقيمون العدل بالحق، أو أن ~~يكون العدل هو نفي الشرك، وقد يكون العدل في مسألة الكبائر، أو يقيمون ~~العدل في مسألة الحقوق بين الناس. { وممن خلقنآ أمة } ~~[الأعراف: 181]. وقوله في الآية الكريمة: " أمة " يعني أن صفات الكمال ~~المنهجية أكثر من أن يحيط بها واحد لينفذها كلها، فكل واحد له جزء يقوم ~~به، فهناك من يتميز بالصدق، وآخر في الشجاعة، وثالث في الكرم، وهكذا تبقى ~~الأسوة في مجموع الصفات الحسنة، وقد ميز الله سيدنا إبراهيم - على نبينا ~~وعليه السلام - فقال: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم ~~يك من المشركين # [النحل: 120]. أي أنه جامع لخصال الخير التي لا توجد إلا في مجتمع واسع، ~~{ وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ~~} [الأعراف: 181]. وأي أمة من أمم الأرض - إذن - هي التي تهدي بالحق؟ لقد ~~قال سبحانه في قوم موسى! # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق # [الأعراف: 159]. ثم جاءت أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا رسول بعده، ~~لذلك تظل هذه الأمة المسلمة مأمونة على صيانة منهج الله إلى قيام الساعة. ~~فإذا رأيت إلحادا انتشر فاعلم أن لله مددا، وكلما زاد الناس في ~~الإلحاد، زاد الله ms3622 في المدد، وحتى إن صارت بلدة مسلمة غارقة في الفسق فقد ~~يكون فيها واحد يجمع كل هذه الصفات الكريمة الهادية إلى الحق لتبقى شريعة ~~الله مصونة بالسلوكيين التابعين لمنهج الله. # إذن فالحق سبحانه وتعالى ترك للفساد أن يصنع الشر، ولسائل أن يسأل: ما ~~لزوم هذا الشر في كون خلقه الله على هيئة محكمة؟ نقول! لولا أن الناس ~~يضارون بالشر لما تنبهوا إلى حلاوة الخير، ولو أن الإنسان لم يصب من ~~أصحاب الباطل بسوء ما تحمس للحق أحد، ولا عرف الناس ضرورة أن يتأصل ~~الحق في الوجود، فللشر - إذن - رسالته في الوجود. وهو أن يهيج إلى الخير، ~~فكما ذرأ الله لجهنم كثيرا من الجن والإنس أوضح سبحانه وتعالى في قوله: ~~{ وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ~~} [الأعراف: 181] في الحكم، عدلا في القمة وهو ألا يشركوا بالله ~~شيئا،لأن أول مخالفة لقضية العدل هي مخالفة الشرك وهو ظلم عظيم، فالشرك ~~والعياذ بالله ينقل الأمر من مستحقه إلى غير مستحقه، وكذلك تحريم ما أحل ~~الله، أو حل ما حرم الله، وكل ذلك ظلم، وكذلك عدم حفظ التوازن في الحقوق ~~بين الناس، فإن لم يحصن العدل بحفظ الحقوق بين الناس من حاكم وولي ومسلط ~~سنجد كل إنسان وهو يضن بجهده في الحياة يكتفي بأن يصنع على قدر حاجته ~~بحيث لا يترك للظالم أن يأخذ منه شيئا، فلا يتحرك في الحياة إلا حركة ~~محدودة، ولا يعمل إلا بقدر ما يكفيه فقط، فإذا ما حدث ذلك فلن يجد الضعاف ~~الذين لا يقدرون على الحركة الإنتاجية أي فائض ليعيشوا به. إذن أراد الله ~~أن يضمن بالعدل عرق وتعب كل واحد. فأوضح له أن ما تكسبه من حل هو ملك ~~لك. لكن لله حق فيه، وأنت لك الباقي، حتى يجد الضعيف الذي لا يقدر على ~~حركة الحياة من يقيته، ولذلك يحذرك المنهج الإيماني بقوله: إياك أن ~~تستكثر أن تدفع للضعيف، لأن قوتك التي استعملتها في تحصيل هذا المال ~~إنما هي عرض لا يدوم لك، فإن أخذنا منك وأنت ms3623 قوي قادر على الحركة، ~~سنأخذ لك حينما تكون عاجزا لا تقدر على الحركة، وذلك هو التأمين ~~والعدالة. وبالنسبة للأمة في تلك الآية: { وممن خلقنآ أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون } [الأعراف: 181]. فقد جاء في ~~الآثار أن المراد بالأمة في هذه الآية الأمة المحمدية، قال قتادة: بلغني # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إذا قرأ هذه الآية: هذه ~~لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه ~~يعدلون ". # ويخاطب النبي صلى الله عليه وسلم صحابته بقوله: هذه لكم، أي في أمتكم ~~ويؤكد ذلك قول الله سبحانه وتعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر... # [آل عمران: 110]. وكلمة " للناس " هنا تفيد أن الله لم يجعل خيرية الأمة ~~المحمدية وهي أمة الإجابة للمؤمنين فقط، بل جعل خيراتها للناس جميعا ~~مؤمنهم وكافرهم. { وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون } [الأعراف: 181]. وذكر " أمة " لأن خصال الخير لا ~~يمكن أن تجتمع في إنسان واحد، بل كل واحد يأخذ لمسة من خير، هذا فيه ~~ذكاء، وذاك فيه شجاعة، وذاك عنده مال، وذلك له خلق. فكأن الأمة المحمدية ~~قد وجدت في أفرادها ما يجمع المواهب الصالحة للخلافة في الأرض. ويأتي ~~الحق بعد ذلك بمقابلهم، لأن مجيء الشيء بمقابله أدعى إلى أن يتمكن من ~~النفس فيقول سبحانه: { والذين كذبوا... }. ### || [7.182] # وهؤلاء هم المقابلون للذين خلقهم الله أمة يهدون بالحق وبه يعدلون، ~~والآيات جمع آية، وقلنا: إن الآيات التي في الكون ثلاث آيات تنظرها ~~لتهتدي بها إلى من صنع ذلك الكون المترامي الأطراف بتلك الدقة العظيمة، ~~وذلك الإحكام المتقن، آيات تلفتك مثل الليل والنهار والشمس والقمر، ~~وكذلك آيات تخرق ناموس الكون لتثبت صدق الرسول بالبلاغ عن الله، وآيات ~~قرآنية تحمل منهج الله، والذين كذبوا بآيات الله الكونية ولم يعتبروا ~~بها، ولم يستنبطوا منها وجود إله قوي قادر حكيم، وكذبوا الآيات المعجزات ~~لصدق النبوة، وكذلك كذبوا آيات القرآن فلم يعملوا بها، ولم يتمسكوا بها ~~هؤلاء يلقون الحكم من الله فلن يدخلهم ms3624 الحق النار فقط، بل لهم عذاب أقرب ~~من ذلك في الدنيا، لأن المسألة لو أجلت كلها للآخرة لاستشرى بغي الظالم ~~الذي لا يؤمن بالحياة الآخرة، لكن من يؤمن بالآخرة هو من سيحيا بأدب ~~الإيمان في الكون، وتكون حركته جميلة متوافقة مع المنهج. عكس من يعربد في ~~الكون لذلك لا بد أن يأتي العقاب لمن يعربد في الكون أثناء الحياة ~~الدنيا، وسبحانه وتعالى القائل: # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون # [الطور: 47]. أي أن لهم عذابا قبل الآخرة. ويقول الحق بعد ذلك عن ~~العذاب في الدنيا: { والذين كذبوا بآياتنا ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } [الأعراف: 182]. وحين ~~تقول: أنا استدرجت فلانا، فأنت تعني أنك أخذت تحتال عليه حتى يقر بما ~~فعل، مثل وكيل النيابة حين يحقق مع المجرم، ويحاصره بالأسئلة من هنا، ومن ~~هناك، إلى أن يقر ويعترف، وهذا هو الاستدراج. و " الاستدراج " من الدرج ~~ونسميه في لغتنا اليومية " السلم " وهو وسيلة للانتقال من أسفل إلى ~~أعلى ومن أعلى إلى أسفل فمن المستحيل على الإنسان أن يقفز بخطوة واحدة ~~إلى الدور الخامس مثلا في عمارة ما، ولذلك صمموا الصعود على درجات إلى ~~مستويات متعددة على وفق الحركة العادية للنفس، وهناك من يجعل علو الدرجة ~~مثلا اثنى عشر سنتيمترا بحيث يستطيع كل إنسان أن يرفع قدمه ويضعها على ~~الدرج دون إرهاق النفس، وهذا يعني أننا نستدرج العلو لنصل إليه أو ننزل ~~منه. وقد خصوا في الآخرة الجنة بالدرجات العليا، والنار بالدرجات السفلى. ~~وهنا يقول الحق: { والذين كذبوا بآياتنا ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } [الأعراف: 182]. أي ~~نأخذهم درجة درجة، ونعطي لهم نعمة ثم نرهقهم بما وصلوا إليه، كما قال ~~سبحانه من قبل: # حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة ~~فإذا هم مبلسون # [الأنعام: 44]. لأن الله حين يريد أن يعاقب واحدا على قدر جرمه في حق ~~أخيه الإنسان في الدنيا يأخذه من أول جرم لأن الأخذة في هذه الحالة ستكون ~~لينة، لكنه يملي له ويعليه ثم يلقيه من عل. # فلما نسوا ما ms3625 ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة... # [الأنعام: 44]. وهكذا يكون الآخذ أخذ عزيز مقتدر. وحين يستدرج ~~البشر، فإن الطرف المستدرج له أيضا ذكاء، ويعرف أن هذا نوع من الكيد ~~وفخ منصوب له، لكن حين يكون ربنا القوي العزيز هو الذي يستدرج فلن ~~يعرف أحد كيف يفلت. والعلة في قوله: { سنستدرجهم } هي قوله: { ~~من حيث لا يعلمون } [الأعراف: 182]. لأن البشر يعلمون طرق ~~استدراج بعضهم لبعض. ويقول الحق بعد ذلك: { وأملي لهم إن... }. ### || [7.183] # والإملاء هو الإمهال وهو التأخير، أي أنه لا يأخذهم مرة واحدة، فساعة ~~يقوم الفاسد بالكثير من الشر في المجتمع، نجد أهل الخير وهم يزيدون من ~~فعل الخيرات، ونسمع دائما من يقول: لو لم يكن هناك إيمان لأكل الناس ~~بعضهم بعضا، فالإيمان يعطي الأسوة واليقين. والإملاء للظالم الكافر ليس ~~إهمالا له من المولى تعالى، بل هو إمهال فقط، ثم يأخذه الله أخذ عزيز ~~مقتدر، وهنا يوضح الحق: إذا كنت سأستدرج وسأملي فاعلم أن كيدي متين. ~~والكيد هو المكر، والمكر أخذهم من حيث لا يشعرون وهو عملية خفية تسوء ~~الممكور به. وهو تدبير خفي حتى لا يملك الممكور به ملكات الدفع. وإذا كان ~~البشر يمكرون ويدبرون تدبيرا يخفى على بعضهم، فماذا حين يدبر الله ~~للكافرين مكيدة أو مكرا أيستطيع واحد أن يكشف من ذلك شيئا؟. طبعا لن ~~يستطيع أحد ذلك. هذا هو معنى { إن كيدي متين } ومتين أي قوي، ~~والمتانة مأخوذة من المتن وهو الظهر، ونعرف أن الظهر مكون من عمود ~~فقري وفقرات عظيمة، تحيط بها عضلات. فلو كان العمود الفقري من عظم فقط ~~لكان أي حمل عليه يكسره. فشاءت تجليات ربنا عز وجل واقتضت رحمته ~~وقدرته أن تحاط هذه العظام بعضلتين كبيرتين، وهما ما نسميه في عرف ~~الجزارين " الفلتو " لحماية الظهر وتقويته ووقايته. وإذا نظرنا إلى كلمة ~~" متين " ، نجد " المتن " هو الشيء العمودي في الأشياء، وفي العلم مثلا ~~ندرس الفقه وندرس النحو، ويقال: هذا هو المتن في الفقه، أي الكلام الموجز ~~الذي ms3626 يختزل العلم في كلمات محددة، والذكي هو من يستوعبه. وغالبا نجد مع ~~المتن الموجز شرحا للمتن، ثم حاشية للمتن. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~أولم يتفكروا ما بصاحبهم... }. ### || [7.184] # وهنا ينبه الحق سبحانه وتعالى كل الخلق أن يتفكروا في أمر الرسول ~~المبلغ الذي ينقل عن القوة العليا مرادها من الخلق. وأول ما يستحق ~~التفكير فيه أن نعرف هل هذا الإنسان الذي يقول إنه رسول صادق أو غير ~~صادق؟ ولقد ثبت صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل نزول الرسالة ~~عليه، وجاءت الرسالة لتأخذ بيد الخلق إلى الإيمان بالله. لكنهم لا يريدون ~~أن يسمعوا، ليوجدوا لأنفسهم مبررات بالنكوص عن المنهج، فقال بعضهم اتهاما ~~للرسول: إنه مجنون، مثلما قال بعضهم من قبل: إنه ساحر، وكاهن، وقالوا: ~~شاعر، ويرد ربنا على تلك الأقاويل. ونتساءل: من هو المجنون؟. نعلم أن ~~المجنون هو من فقد التوازن الفكري في الاختيار بين البدائل، وحين يأخذ ~~الله منه هذه القدرة على التوازن الفكري، يصبح غير أهل للتكليف لأن ~~التكليف فيه اختيار أن تفعل كذا ولا تفعل كذا، والمجنون لا يملك القدرة ~~على هذا الترجيح. والحق سبحانه وتعالى لم يكلف الإنسان إلا حين يبلغ ~~ويعقل لأنه حين يبلغ تصير له ذاتية مستقلة عن أهله وعن أبيه وأمه لذلك ~~نلاحظ الطفل وهو صغير يختار له والده أو والدته الملابس والطعام، وبعد ~~أن يكبر نجد الطفل قد صار مراهقا يتمرد ويقرر أن يختار لنفسه ما يريده ~~لأنه قد صارت له ذاتية، والذاتية - كما نعلم - توجد في النبات وفي ~~الحيوان والإنسان، وذلك بمجرد أن يصير الفرد منها قادرا على إنجاب مثله، ~~سواء كان هذا الفرد من النبات أو الحيوان أو الإنسان. أما إن كان الإنسان ~~قد صارت له ذاتية في الإنجاب والنسل، وليست له ذاتية ناجحة عاقلة في ~~التفكير فهنا يسقط عنه التكليف لأنه مكره بفقدان العقل. وهكذا نعرف أن ~~التكليف يسقط عن الذي لم يبلغ، والمجنون والمكره بمن هو أقوى منه، وهذه ~~عدالة الجزاء من الحق، وهكذا نجد أن التكليف ms3627 لا يلزم إلا من بلغ جسمه ~~ونضج عقله، وبهذا يحرس ربنا الكون بقيوميته. وإذا كان المجنون ~~هو فاقد الميزان العقلي الذي يختار بين البديلات، فكيف يقولون ذلك على ~~سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وهو قد عاش بينهم، ولم يكن قط فاقدا ~~لميزان الاختيار بين البديلات، بل كانوا يعتبرونه الصادق الأمين، وكانوا ~~يحفظون عنده كل غال نفيس لهم حتى وهم كافرون به. وخلقه الفاضل ذاتي ~~مستمر ودائم. لقد قالوا ذلك على محمد ظلما له، وبغوغائية، وكل ~~واحد يلقى اتهاما ليس له من الواقع نصيب لذلك قال الحق تبارك وتعالى ~~لأصحاب هذه الاتهامات: # قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة # [سبأ: 46]. أي أن يجلس كل اثنين ويتدارسا: هل محمد عاقل أم مجنون؟ وسيجد ~~كل منهما من واقع تجربته أن محمدا هو أكثر الناس أمانة، وكان الجميع ~~يسمونه الأمين، حتى قبل أن يتصل به الوحي، وليس من المعقول أن يضره ~~الوحي، أو أن يفقد بالوحي توازنه الخلقي، لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4]. كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقا عظيما ~~لأن الخلق هو الصفات التي تؤهل الإنسان لأن يعيش في مجتمع سليم وهو ~~مسالم. وما دام خلقه سليما، فمعيار الحكم عنده سليم. وبعد ذلك قالوا ~~عنه: إنه " ساحر " ، ونقول لهؤلاء: لماذا إذن لم يسحر كبار رجال قريش ~~ليؤمنوا برسالته؟ إن كل ذلك جدل خائب، والمسألة ليس فيها سحر على ~~الإطلاق. { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن ~~هو إلا نذير مبين }. الجنة التي تقولون عليها وتفترون بها ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم - هي منتهى العقل ومنتهى الخلق، فمحمد ~~صلى الله عليه وسلم نذير واضح، جاءكم أولا بالبشارة، لكنكم في غيكم لا ~~تستحقون البشارة، بل تستحقون الإنذار. ويقول الحق بعد ذلك: { أولم ~~ينظروا في ملكوت... }. ### || [7.185] # وبذلك ينتقل الجدل من الرسول المباشر ms3628 لهم الذي يأخذ بيدهم إلى الإيمان ~~الأعلى، ينتقل الجدل إلى التفكير ومسئوليته: { أولم ينظروا في ~~ملكوت السماوات والأرض } [الأعراف: 185]. والتفكر هو إعمال ~~العقل حتى لا يقولن أحد: إن رسول الله مجنون، لأن مجرد النظر في الكون ~~يجعل الإنسان رائيا للسماء مرفوعة بلا عمد، والأرض مبسوطة والهواء يتحرك ~~في انتظام دقيق. { أولم ينظروا في ملكوت السماوات ~~والأرض } [الأعراف: 185]. إذن فوقنا سماء، وهناك ما فوق السماء، ~~وتحتنا الأرض، وفيها ما تحت الأرض، وهناك بين السماوات والأرض. وما نراه ~~في الظاهر هو ما يسمونه " ملك " أما الخفي عنك الذي لا تقدر أن تصل ~~إليه بمعادلات تستخرج منها النتائج فاسمه " ملكوت ". ويقول سبحانه في ~~سيدنا إبراهيم: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض # [الأنعام: 75]. فكلمة " ملكوت " معناها مبالغة في الملك، مثل رهبوت أي ~~الرهبة الشديدة، ورحموت أي الرحمة الشديدة، وكلها صيغة " فعلوت " وهي ~~صيغة المبالغة. { أولم ينظروا في ملكوت السماوات ~~والأرض وما خلق الله من شيء } [الأعراف: 185]. ونحن نرى ~~السماء والأرض بوضوح، ولكن العظمة والسر ليسا في السماء والأرض فقط، بل ~~هناك أشياء دقيقة جدا، بلغت من اللطف أنها لا تدرك بالنظر، ومع ذلك فإن ~~فيها الحكمة العليا للخلق. وأنت قد ترى ساعة " بيج بن " الشهيرة في لندن ~~وتكاد أن تكون أضخم ساعة في العالم، لكن الصانع المحترف من البشر صنع ~~ساعة يد صغيرة في حجم الخاتم، وننبهر ونتعجب بدقة عمله وصنعته. فما بالنا ~~بالخالق الأعظم الذي يعظم خلقه من السموات والأرض لأنها فوق إدراكات ~~البشر، وخلق أيضا مخلوقات دقيقة لطيفة لا تستطيع أن تدركها أنت بمجرد ~~النظر، كالميكروب، أو تدركها بصعوبة كالذبابة والبعوضة وبكل هذه الكائنات ~~كل مقومات حياتها، حتى الكائن الذي لا معدة له يجهزه خالقه بقدرة على ~~امتصاص الدماء مباشرة بعقله أو غريزته ويسعى ليأكل ويملأ معدته وله أجهزة ~~تحول غذائه ليكون دما. إذن فليست العظمة مقصورة على خلق السموات والأرض ~~فقط، لذلك يقول الحق: { وما خلق الله من شيء وأن عسى ~~أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده ~~يؤمنون } [الأعراف: ms3629 185]. أي من أول شيء يقال له شيء، صار محكوما ~~عليه وجوديا، بأنك إن نظرت إليه ستجد الأجهزة التي نعطي له الحياة، ~~وتعينه، حتى وإن كانت حواس استشعارية في ذات هذا الكائن، ولا يقوى عليها ~~صاحب العقل. مثال ذلك: نجد أن ما يفر قبل حدوث الزلازل هو الحمير التي ~~نتهمها بالغباء. وحين يتأمل العقل ما وصل إليه العلم في البحث في عالم ~~الحيوان وعالم البحار، سنجد الإيمان بضرورة وجود خالق حكيم. # وإن كان الكافرون مصروفين عن النظر في ملكوت السماوات والأرض وما خلق ~~الله من كائنات قد لا تراها العين المجردة، كان عليهم أن يراعوا مصلحتهم ~~فعسى أن يكون قد اقترب أجلهم. إننا نعلم أن الإنسان جنس، وأن له نوعين: ~~نوع ذكورة، ونوع أنوثة، وبينهما جنس مشتبه نسميه الخنثى، والأجناس لها ~~أفراد متعددة. وكل واحد له خلق، وكل واحد له موهبة، وكل واحد له مهمة. ~~وساعة يطلب منا الحق: إياك أن تستصغر شيئا منك ضد غيرك، وإياك أن تستكثر ~~شيئا منك لغيرك، ويجب عليك أن تجعل كلمة " شيء " هذه هي المقياس، ولذلك ~~يقول لك الشرع: إنك حين تقدم حسنة إياك أن تستكثرها، بل قل هي ليست بشيء ~~ذي بال. وإن هم واحد بعمل سيئة فلا يقل: وماذا ستفعل لي سيئة واحدة؟ ~~مستصغرا شأن هذه السيئة. وهذا نقول له: لا، لأن كلمة " شيء " يجب أن ~~تحكم الكون. إنك إن نظرت لهذه المسألة قد تجد واحدا مثلا ضئيل التكوين، ~~ولا بسطة له في جسمه، لكن من الجائز أن له موهبة كبيرة، وقد تجد إنسانا ~~آخر متين التكوين وليست عنده أية موهبة لأن الله قد يعطي الضئيل فكرا ~~عميقا، أو حيلة كبيرة، أو موهبة خاصة في أي شيء. فلا تنظر إلى شيء قليل ~~في أي إنسان، بل انظر إلى الشيء الجميل الذي فيه وهو المخفي عنك في نفسك. ~~{ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي ~~حديث بعده يؤمنون } ولماذا تأتي هنا حكاية اقتراب الأجل؟ ~~وللإجابة عن التساؤل أقول: إنها هامة جدا لأننا ما ms3630 دمنا أفرادا أي ~~جنسين أو ثلاثة أجناس، وقال عنا ربنا إننا خلفاء في الأرض، فعلينا أن ~~نعلم أن الخليفة في الأرض جاء ليخلف من سبقوه، وقد يميت ربنا أي إنسان ~~في سن شهر أو سنة، أو سنتين أو خمسين عاما لأن العمر بالنسبة لكل إنسان ~~هو أمر قد اختص به الحق - تبارك وتعالى - نفسه ولا يعلمه أحد لأن غاية ~~المتساوي لا بد أن تكون متساوية، وعلى سبيل المثال: إن سألنا طلبة كلية ~~الحقوق عن غايتهم من دراسة الحقوق قالوا: لنيل إجازة الليسانس، وسنجد ~~منهم الطويل، والقصير، والأبيض، والأسود، والذكي والغبي، والقوي والضعيف، ~~وهم لا يتفقون إلا على دراسة الحقوق، وكذلك لا نتساوى جميعا كبشر إلا ~~أمام الموت، فهناك من يموت وهو في بطن أمه، ومن يموت وهو طفل، ومن يموت ~~وهو فتى. وإن كنا نختلف فيما بقي بعد ذلك، والمؤمن أو الكافر يرى هذه ~~الأحداث أمامه ولا يستطيع أن يقول: لا لن أموت. ومادمت ستموت فانظر إلى ~~مصلحتك أنت، لتثاب على ما فعلت في الدنيا بدلا من أن تعاقب، فعسى أن ~~يكون قد اقترب أجلك وأنت لا تعرف متى يجيء الأجل، وإبهام الأجل من الله ~~لنا إشاعة للأمل، والإبهام هو أوضح أنواع البيان فحين يريد ربنا أن يوضح ~~أمرا توضيحا كاملا فهو يبهمه. # ومثال ذلك: لو جعل الله للموت سنا، لصار الأمر محددا بلا أمل. لكنه ~~سبحانه لم يجعل للموت سنا أو سببا، وأشاعة في كل زمن، والإنسان عرضة ~~لأن يستقبل الموت في أي لحظة، ونزول الموت لا يتوقف على سبب، فقد يأتي ~~بسبب وقد يأتي بغير سبب، وما دام الإنسان يستقبل الموت في أي وقت، فعلى ~~العاصي ألا يستقبل الموت وهو على عصيان لله. وإياك أن تقول، كيف مات فلان ~~وهو غير مريض؟ لأن هناك العديد من الأسباب للموت، واعلم أن الموت بدون ~~أسباب هو السبب، فالإنسان الذي نفقده بالموت، مات لأن أجله قد انتهى، ~~والحق هنا يوضح: أيها الكافرون ألا تعلمون أن منكم من مات وعمره سنة ومن ms3631 ~~مات وعمره سنتان، ومن مات وعمره ثلاث سنوات، ومن مات وهو ظالم، ومن مات ~~وهو مظلوم، ولو لم تكن هناك حياة ثانية فماذا تساوي هذه الحياة؟. وما ذنب ~~الذي لم يعش في الدنيا إلا شهرا؟ لا بد إذن أن تعرفوا أن هناك غاية ~~تنتظركم، غايات فردية هي آجال الناس بذواتهم، وآجال إجماعية تتمثل في يوم ~~القيامة. وفي قوله تعالى: { فبأي حديث بعده يؤمنون } ~~[الأعراف: 185]. يوضح الحق تبارك وتعالى: إنه إذا كان هذا الحديث الذي ~~أنزلته إليهم وفيه ما فيه من الإعجاز ومن الإبداع، ويجمع كل أنواع ~~الكمالات، فماذا يريدون أكثر من ذلك؟ وهل في اتباعهم للأهواء ولتقنينات ~~بعضهم لبعض سعادة لهم؟ بالعكس إنهم يشقون بذلك. وكان يجب عليهم أن ~~يتأدبوا مع الله ومع الرسول. ولذلك يقول سبحانه وتعالى: { من يضلل ~~الله... }. ### || [7.186] # وقد كرر الحق هذا التحذير كثيرا، لأن الأشياء التي قد يقف العقل فيها، ~~أو تأخذه مذاهب الحياة منها، ويكررها الله ليجعلها في بؤرة الاهتمام ~~دائما، لعل هذا التكرار يصادف وعيا من السامع. وانظر إلى الحق وهو يعدد ~~نعمه في سورة الرحمن فيقول بعد كل نعمة: { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان }. إنه يكرر ذكر النعم ليستقر الأمر في ذهن السامع. { من ~~يضلل الله فلا هادي له } [الأعراف: 186]. وسبحانه لا يرغم ~~واحدا على أن يهتدي، فإن اهتدى فلنفسه، وإن لم يهتد فليشرب مرارة ~~الضلال. وكلنا يعرف أن الطبيب يكتب أسلوب العلاج للمريض، ليتم الشفاء ~~بإذن من الله، الدواء إذن وسيلة إلى العافية، فإن رفض المريض تناول ~~الدواء فهل في ذلك إساءة للطبيب؟ لا. وكذلك منهج الله. { من يضلل ~~الله فلا هادي له } [الأعراف: 186]. لكن هل يريد الله الضلال ~~لأحد، لا، بل سبحانه دعا الناس جميعا بهداية الدلالة، فمن اهتدى زاده ~~بهداية المعونة، ومن ضل فليذهب إلى الكفر كما شاء. ولذلك يقول لنا الشرع: ~~إياك أن تشرك بالله شيئا في أي عمل لأن ربنا يقول لنا في الحديث القدسي ~~الذي يرويه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه فيقول: قال ms3632 الله ~~تبارك وتعالى: # " أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه ". # ومعنى الشركة في عرف البشر، أن مجموعة من الناس عرفوا أن عمل كل منهم ~~ومال كل منهم، وموهبة كل منهم، لا تكفي لإقامة مشروع ما، لذلك يكونون ~~شركة لإنتاج معين، فهل هناك ما ينقص ربنا ليستكمله من آخر؟ حاشا لله. بل ~~إن مجرد توهم العبد بأن هناك شريكا يجعل الله رافضا لعبادة العبد ~~المشرك. لذلك يقول في الحديث القدسي: # " أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه ". # وما دام ربنا قد تنازل عن رعايته له فليتلق المتاعب من حيث لا يدري. ومن ~~قوله تعالى: { من يضلل الله فلا هادي له } [الأعراف: ~~186]. نتبين أنه حين يحكم الله بضلال إنسان أو بهداية آخر فلن يستطيع ~~البشر أن يعدل على الله، ليجعل شيئا من ضلال هو هدى، أو شيئا من هدى ~~هو ضلال. كما يتضح من تلك الآية الكريمة أن من في قلوبهم مرض يزيدهم الله ~~مرضا ويتركهم في طغيانهم يعمهون، والعمه هو فقدان القلب للبصيرة، والعمى ~~هو فقدان العين للبصر. ويقل الحق - تبارك وتعالى - بعد ذلك: { ~~يسألونك عن الساعة... }. ### || [7.187] # والمسئول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسائل إما هم اليهود الذين ~~سألوه عن الساعة، وعن الروح، وعن ذي القرنين، فكان الجواب منه مطابقا ~~لما عندهم في التوراة لأنهم ظنوا أن الكلام الذي يقوله محمد إنما يأتي ~~منه جزافا بدون ضابط وليس من رب ينزله. فلما أجاب بما عندهم في ~~التوراة، علموا أنه لا يقول الكلام من عنده، ولذلك سألوه أيضا عن أهل ~~الكهف وما حدث لهم، وكانوا جماعة في الزمن الماضي، واتفقوا معه على كل ~~شيء حدث لأهل الكهف إلا على الزمن فنزل القرآن يحدد هذا الزمن بقوله ~~سبحانه: # ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا ~~تسعا # [الكهف: 25]. فقال اليهود: الثلاثمائة سنة نعرفها، أما التسعة فلا ~~نعرفها، وما علموا أن الحق سبحانه وتعالى يؤرخ لتاريخ الكون بأدق حسابات ~~الكون ms3633 لأن ربنا هو القائل: # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في ~~كتاب الله # [التوبة: 36]. إذن التوقيتات كلها حسب التوقيت العربي، ونعلم أن الذين ~~يريدون أن يحكموا التاريخ حكما دقيقا فهم يؤرخون له بالهلال، والمثال ~~أن كل عالم البحار تكون الحسابات المائية فيها كلها بالهلال، لأنه أدق، ~~وأيضا فالهلال آية تعلمنا متى يبدأ الشهر، ولا نعرف من الشمس متى يبدأ ~~الشهر لأن الشمس دلالة يومية تدل على النهار والليل، بينما القمر دلالة ~~شهرية، ومجموع الاثنى عشر هو الدلالة السنوية. لكنهم لم يفطنوا إلى هذه، ~~وأخذوها على الثلاثمائة سنة بالحساب الشمسي، وأضاف الحق: # وازدادوا تسعا # [الكهف: 25] لأنك إن حسبت الثلاثمائة سنة الشمسية بحساب السنة القمرية ~~تزداد تسع سنين. ومادة السؤال في القرآن ظاهرة صحية في الإيمان لأن ~~الإيمان إنما جاء ليحكم حركة الحياة ب " افعل " و " لا تفعل " ، وساعة ~~يقول الشرع: افعل، ففي ظاهر هذا الفعل مشقة، وساعة يقول: لا تفعل ففي ~~ظاهر هذا الطلب أنه سهل ومرغوب، والمنع عنه يناقض شهوات النفس. وللتأكد ~~من أن الأسئلة ظاهره صحية من المؤمنين نجد أسئلة كثيرة موجهة لرسول الله ~~من أمته، حكاها القرآن بصور متعددة، ورد السؤال مرة بفعل مضارع مثل قوله: ~~{ ويسألونك } ومرة ورد بصورة فعل ماض " وإذا سألك ". وكثيرا ما ~~جاء السؤال بهيئة المضارع { يسألونك } ، لأن المضارع يكون للحال ~~وللاستقبال. وجاءت الأسئلة بالقرآن في صيغة المضارع خمس عشرة مرة، وجاءت ~~بصيغة الماضي مرة واحدة. وإن نظرت إلى الخمس عشرة مرة تجد كل مرة منها ~~جاءت لتبين حكما. وإذا نظرنا إلى مادة الفعل " يسأل " في القرآن وبترتيب ~~المصحف، نجد القرآن يقول: # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس # [البقرة: 189]. ويقول سبحانه: # يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين # [البقرة: 215]. ويقول الحق تبارك وتعالى: # يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد ~~الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ~~والفتنة أكبر من القتل # [البقرة: 217]. ويقول سبحانه وتعالى: # يسألونك عن الخمر ms3634 والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس # [البقرة: 219]. ومرة أخرى يقول في ذات الآية السابقة: # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو # [البقرة: 219] ويقول سبحانه وتعالى: # ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير # [البقرة: 220]. ويقول عز وجل: # ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا ~~النسآء في المحيض # [البقرة: 222]. ويقول الحق تبارك وتعالى: # يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم الطيبات # [المائدة: 4]. وبعد ذلك في سورة الأعراف يقول: { يسألونك عن ~~الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي } ~~[الأعراف: 187]. وأيضا يقول سبحانه: { يسألونك كأنك حفي ~~عنها } [الأعراف: 187]. ثم يقول الحق: # يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول # [الأنفال: 1]. ويقول الحق تبارك وتعالى: # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي # [الإسراء: 85]. ويقول المولى سبحانه: # ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم ~~منه ذكرا # [الكهف: 83]. ويقول الحق: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105]. ويختم هذه الأسئلة بقوله: # يسألونك عن الساعة أيان مرساها * فيم أنت من ~~ذكراها # [النازعات: 42-43]. تلك هي خمس عشرة آية جاء فيها الحق بقوله { ~~يسألونك } ، وآية واحدة يقول فيها الحق تبارك وتعالى: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان # [البقرة: 186]. والآيات الخمس عشرة التي جاء فيها الحق بصيغة المضارع { ~~يسألونك } نجد كل جواب فيها مصدرا ب " قل " وهو أمر للرسول: قل ~~كذا، قل كذا، ولكن في الآية الواحدة التي جاء فيها الفعل الماضي { ~~وإذا سألك } ، لم يقل: فقل إني قريب، بل قال: " فإني قريب أجيب ~~دعوة الداع " ، لأن الله يعلم حب محمد لأمته، وحرصه عليهم ولذلك يقول: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. ويقول سبحانه: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. ولذلك حين علم الحق علم وقوع: أن رسول الله مهتم بأمر أمته ~~ومشغول بها وحريص على أن يشملها الله بمغفرته ورحمته وألا يسؤوه فيها، ~~أخبره المولى عز وجل بأنه سوف يرضيه في أمته. وقد ورد في الحديث ما يؤيد ~~ذلك، فقد روى عبدالله بن عمرو بن العاص ms3635 رضي الله عنهما # " أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم صلى الله ~~عليه وسلم { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن ~~تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ~~}. وقول عيسى صلى الله عليه وسلم: { إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ~~} فرفع يديه فقال: أمتي أمتي وبكى فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى ~~محمد وربك أعلم فسله ما يبكيه؟ فأتاه جبريل فأخبره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى ~~محمد إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك " # وتأكيدا لعلم الحق تبارك وتعالى من حرص رسوله على أمته، أراد أن يكرم ~~هذه الأمة من نوع ما كرم به الرسول، فجاء الخطاب في آية الدعاء بدون " ~~قل ". # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب # [البقرة: 186]. وأراد الله أن يبين لمحمد ولأمته أن الله يعلم لا بما ~~تسألونه فقط، بل يعلم ما سوف تسألونه عنه. لذلك نجد أربع عشرة آية تأتي ~~فيها { يسألونك } وتكون الإجابة " قل " ، والآية الخامسة عشرة جاء ~~فيها { يسألونك } وكانت الإجابة " فقل " لتدل على " الفاء " على أن ~~السؤال لم يقع بعد، فكأن الفاء دلت على شرط مقدر هو: إن سألوك فقل ينسفها ~~ربي نسفا، وهنا يقول الحق سبحانه: { يسألونك عن الساعة ~~أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتهآ إلا هو ثقلت في السماوات ~~والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك ~~حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } [الأعراف: 187]. و " يجليها " أي ~~يظهرها، وهناك ما يسمى " الجلوة " وما يسمى " الخلوة " ، و " الجلوة " ~~أن يظهر الإنسان للناس، و " الخلوة " أن يختلي عن الناس، و " لا يجليها " ~~أي لا يظهرها، و " لوقتها " ترى أنها مسبوقة باللام، ويسمونها في اللغة ~~العربية " لام التوقيت " ، مثلما يقول الحق سبحانه: # أقم الصلاة لدلوك الشمس... # [الإسراء: 78]. وهي بمعنى " عند " ، ومعنى دلوك الشمس، أنها تتجاوز نصف ~~السماء، وتميل إلى المغرب ms3636 قليلا. وقوله: { لا يجليها لوقتهآ ~~إلا هو } أي لا يبينها عند وقتها إلا هو سبحانه وتعالى. { هو ~~ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا ~~بغتة.. } [الأعراف: 187]. والثقل يعني أن تكون كتلة الشيء أكبر من ~~الطاقة التي تحمله لأن الكتلة إن تساوت مع الطاقة فهي لا تثقل على الحمل. ~~أو أن الطاقة التي تحمل لم تقدر على جاذبية الأرض فيكون الشيء ثقيلا، ~~وقد يكون هذا الثقل أمرا ماديا، كما يحمل الإنسان - مثلا - على ظهره ~~أردبا من القمح فيقدر على حمله، لكنه إن زاده إلى أردب ونصف، فالحمل ~~يكون ثقيلا على ظهره لأن طاقته لا تتحمل مثل هذا الوزن " فينخ " به. { ~~ثقلت في السماوات والأرض }. والثقل لا يكون ماديا فقط، بل ~~هو ثقل فكري وعقلي أيضا، مثال ذلك حين يقوم الطالب بحل تمرين هندسي أو ~~تمرين في مادة الجبر، فالطالب يشعر أحيانا أن مثل هذا التمرين ثقيل على ~~فكره، وصعب الحل في بعض الأحيان. # وقد يكون الأمر ثقيلا على النفس في ملكاتها، مثل الهم جاثم على الصدر ~~وثقيل عليه، وهو أقسى أنواع الثقل، ولذلك فالشاعر القديم يقول: # ليس بحمل ما أطاق الظهر # ما الحمل إلا ما وعاه الصدر # إذن هناك ثلاثة أثقال: ثقل مادي، وثقل فكري، وثقل نفسي. و { ثقلت ~~في السماوات } ، ونحن نعلم أن السماوات فيها الملائكة. ونعلم أن ~~الملائكة أيضا لا تعرف ميعاد الساعة، ولا يحاول معرفتها إلا الإنسان ~~بشهوة الفكر، أما الملائكة فهي ليست مكلفة لأنها لا اختيار لها، وبعضها ~~يخدم البشر، وهم الملائكة الذين سجدوا لآدم وهم الموكلون بمصالحه، ~~وبحياته، وقد رضخوا لأمر الحق بأن هناك سيدا جديدا للكون. فكونوا ~~جميعا مسخرين في خدمته، وهم الملائكة الحفظة الكرام الكاتبون، ولهم إلف ~~بالخلق، إلف كاره للعاصي، وإلف محب للطائع. ومن يسير على منهج الله من ~~البشر يفرحون به. وإن وقع من الطائع زلة يأسون له ويتمنون ألا تقع منه ~~زلة أخرى. ومن يسير ضد منهج الله يغضبون منه، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول فيما يرويه عنه أبو هريرة ms3637 رضي الله عنه: # " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط ~~منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا " # ونعلم أن المنفق سيأخذ ثواب إنفاقه، أما الممسك فإن تلف ماله وصبر عليه ~~فهو أيضا ينال ثوابا عليه. وهكذا تدعو لنا الملائكة. و " ثقلت " هنا ~~تعني أن ميعاد الساعة لا يعرفه إلا ربنا، فلا يعرف ذلك الميعاد من هم في ~~السماوات وكذلك من هم في الأرض، وكل من على الأرض خائف مما سوف يحدث لحظة ~~قيام الساعة، وخصوصا أن المصطفى صلى الله عليه وسلم، يعطي لها صورة توضح ~~قوله الحق: { لا تأتيكم إلا بغتة } [الأعراف: 187]. ويخبرنا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالحالة التي تأتي عليها فيقول: # " إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل ~~يقيم سلعته في السوق والرجل يخفض ميزانه ويرفعه " # ومثل هذه التوقعات تخيف. وقوله الحق: { ثقلت في السماوات ~~والأرض لا تأتيكم إلا بغتة }. أي أن الواقع في هذا ~~اليوم يكون فوق احتمال البشر وهو يأتي بغتة، أي يجيء من غير استعداد نفسي ~~لاستقباله. ويتابع سبحانه: { يسألونك كأنك حفي عنها } ~~[الأعراف: 187]. وحفي من الحفاوة، والحفي هو الملح في طلب الأشياء، ~~مثل التلميذ الذي يتوقف عند درس لا يفهمه، فيسأل هذا، وذاك إلى أن يجد ~~إجابة. والحفي بالسؤال عن أمر يحاول أن يصل إليه، والحفي أيضا عالم بما ~~يسأل عنه، وسبب العلم أنه ألح في السؤال عليها. والأمور التي يعالجها ~~الإنسان إما أن يعالجها وهو مستقر في مكانه كالأمور الفكرية أو العضلية ~~الموقوته بمكان، وقد يكون أمرا بعيدا عن مكانه ويريد أن يعالجه، فيقطع ~~المسافة إلى المكان الثاني لتحقيق هذه المهمة، إنما يمشي ويسعى على ~~رجليه، و " يدوب " النعل الذي يضعه في قدميه من المشي فيقال عنه إنه " ~~حافي " ، ولذلك يقال: حفي فلان إلى أن وصل للشيء الفلاني، أي سار مرات ~~كثيرة وقطع عدة مسافات، مزقت نعله حتى جعلته يمشي حافيا. # وهنا يقول الحق على ألسنة القوم: { كأنك حفي عنها } ~~[الأعراف: 187] أي ms3638 أنك معنى بها، ودائب السؤال عنها، وعارف لها. وتأتي ~~الإجابة من الحق: { قل إنما علمها عند الله } [الأعراف: ~~187]. وفي ذات الآية سبق أن قال: { علمها عند ربي } [الأعراف: ~~187]. والربوبية متعلقها الخلق، والرعاية بالقيومية لمصالح البشر، ~~والألوهية متعلقها العبادة وتطبيق المنهج، وجاء الحق في هذه الآية، مرة ~~بالربوبية، ومرة بالألوهية. والأولى هي علة الثانية، فأنت أخذت الله ~~معبودا، وأطعته لأنه خلقك ووضع لك المنهج، ولا يدخر وسعا بربوبيته أن ~~يقدم للعبد الصالح كل شيء ويمنحه البركة، وكذلك يعطي الكافر إن أخذ ~~بالأسباب ولكن دون بركة وبغير ثواب في الدنيا أو الآخرة، لذلك هو الإله ~~الحق الذي نتبع منهجه. { قل إنما علمها عند الله ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [الأعراف: 187]. وأكثر ~~الناس الذين يسألون عن موعد الساعة لا يعلمون أن ربنا قد أخفاها، وسبحانه ~~هو القائل: # إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس ~~بما تسعى # [طه: 15]. هم إذن لا يعلمون أن علمها عند الله. ويقول سبحانه وتعالى: { ~~قل لا أملك لنفسي نفعا... }. ### || [7.188] # ويقول الحق تبارك وتعالى على لسان رسوله: أنتم تسألونني عن الساعة، وأنا ~~بشر، ومتلق فقط، والإرسال بالمنهج يأتي من الله وأنا أبلغه، ولا علم لي ~~بموعد قيام الساعة، ولا أملك لنفسي لا ضرا ولا نفعا، أي لا أملك أن ~~أدفع الضر عني أو أجذب النفع لنفسي، ولكن حين يسوق الله النفع أو يمنع ~~الضر، فالإنسان يملك ما يعطيه الله، والعاقل حين يملك، يقول: إن هذا ملك ~~عرضي، لا آمن أن ينزع مني. لذلك قال لنا الحق تبارك وتعالى: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير # [آل عمران: 26]. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: { قل لا أملك ~~لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شآء الله } [الأعراف: ~~188]. أي أن أحدا لا يملك شيئا إلا ما شاء الله أن يملكه، ورسول ~~الله من البشر. ويضيف: { ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني ms3639 السوء } [الأعراف: ~~188]. ومحمد صلى الله عليه وسلم لو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير، فقد ~~حارب، وانتصر، وحارب وانهزم، وتاجر فربح، ويسير عليه ما يسير على البشر، ~~ومرة يدبر الأمر الذي لم يكن فيه منهج من السماء، فمرة يصيب ومرة يخطىء. ~~فيصحح له الله لذلك يأتي القول على لسانه بأمر من الله: لو كنت أعلم ~~الغيب لما وقعت في كل هذه المسائل، وكان أهل رسول الله من قريش قد قالوا: ~~إننا أقاربك، فقل لنا على موعد الساعة. حتى نستعد لملاقاتها. ويتابع ~~المولى سبحانه قوله: { وما مسني السوء إن أنا إلا ~~نذير وبشير لقوم يؤمنون } [الأعراف: 188]. وساعة ترى " ~~إن " فهي مرة تكون شرطية مثل: " إن ذاكرت تنجح " ، ومرة تكون للنفي وتجد ~~بعدها اسما، والمعنى: ما أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون. والكلام موجه ~~إلى المؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون بالنذارة وبالبشارة، وما ينذروا به ~~لا يفعلوه، وما يبشروا به يفعلوه. ويقول الحق بعد ذلك: { هو الذي ~~خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ~~ليسكن إليها... }. ### || [7.189] # وقوله تعالى: { خلقكم من نفس واحدة } المقصود بها آدم، ~~وقول الحق: { وجعل منها زوجها } المقصود بها حواء، ونلحظ في ~~الأداء في هذه الآية أن الضمير عائد إلى مؤنث. { هو الذي خلقكم ~~من نفس واحدة وجعل منها زوجها }. ثم جاء بالتذكير ~~في قوله: { ليسكن إليها }. إذن فصل الذكورة عن الأنوثة جاء عند ~~{ ليسكن }. فكأن الكلام في النفس معنى به جنس بني آدم وهو الذي ~~نسميه " الإنسان " ومنه ذكورة ومنه أنوثة، ولذلك فسبحانه حينما يتكلم عن ~~الذكورة كذكورة، والأنوثة كأنوثة، يأتي بضمير المذكر، أو بضمير المؤنث، ~~وقوله: { ليسكن إليها }. لأنه يريد أن يوضح أن المرأة جعلت ~~للرجل سكنا، لا يقال: إنها له سكن إلا إذا كان هو متحركا، كأن الحركة ~~والكدح في الحياة للرجل، ثم يستريح مع المرأة ويسكن إليها بالحنان، ~~بالعطف، بالرقة. أما إن لم تكن سكنا فهو يخرج من البيت لأن ذلك أفضل له. ~~وقول الحق تبارك وتعالى: { وجعل منها زوجها }. يذكرنا بما ~~عرفناه من ms3640 قبل من أن الله خلق آدم من الطين ومن الصلصال ثم نفخ فيه ربنا ~~الروح، أما حواء فقد ذكرها في هذه المسألة، وأوضح: أنا جعلت منها زوجها، ~~و " منها " أي أنها قطعة منه، وقيل: إنها خلقت من ضلع أعوج، ومن يرجع هذا ~~الرأي يقول لك: لأن الله يريد أن يجعل السكن ارتباطا عضويا، فالمرأة ~~بعض من الرجل، ونعرف أن الواحد منا يحب ابنه لأنه بعض منه. وعلى ذلك فهذا ~~القول جاء لتقديم الألفة. وهناك من يقول: إن حواء خلقت مثل آدم فلماذا ~~جاء ذكر آدم ولم يأت بذكر حواء؟ ونقول: إن آدم أعطى الصورة في خلق ~~الإنسان من طين، لأن آدم هو الرسول وهو المسجود له. ونعلم أن المرأة ~~دائما مبنية على الستر. ومثال ذلك نجد الفلاح في مصر لا يقول: زوجتي، بل ~~يقول: " الجماعة " أو " الأولاد " أو يقول: " أهلي " ولا يذكر اسم الزوجة ~~أبدا. والحق يقول هنا: { وجعل منها } ، فإن كانت مخلوقة من الضلع ~~ف " من " تبعيضية، وإن كانت مخلوقة مثل آدم تكون " من " بيانية، أي ~~من جنسها، مثلها مثلما يقول ربنا: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم # [الجمعة: 2]. أي الرسول من جنسنا البشري ليكون إلف المبلغ عن الله، ~~والمبلغ عن الله واحد منا ونكون مستأنسين به، ولذلك قلنا: إن اختيار ~~الله للرسول صلى الله عليه وسلم من البشر فيه رد على من أرادوا أن يكون ~~الرسول من جنس آخر غير البشر، فقال الحق على ألسنتهم: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. ويأتي الرد عليهم: # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. ثم لو كان الرسول من جنس الملائكة فكيف كانوا يرونه على ~~حقيقته؟ كان لا بد أن يخلقه الله على هيئة الإنسان. ويتابع سبحانه: { ~~فلما تغشاها حملت حملا خفيفا }. و { تغشاها } ~~تعبير مهذب عن عملية الجماع في الوظيفة الجنسية بين الزوج والزوجة، ~~والغشاء هو الغطاء، وجعل الله الجماع من ms3641 أجل التناسل ليبث منهما رجالا ~~كثيرا ونساء. والمعنى هنا أنها حملت الجنين لفترة وهي لا تدري أنها ~~حامل، لأن نمو الجنين بطىء بطىء لا تشعر الأم به. { فمرت به ~~فلمآ أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا ~~صالحا لنكونن من الشاكرين } [الأعراف: 189]. ومرت به، ~~مقصود بها أنها تتحرك حركة حياتها قياما وقعودا إلى أن تثقل وتشعر ~~بالحمل في شهوره الأخيرة. وهنا عرف الزوج أن هناك حملا ورفع الاثنان ~~أيديهما بالدعاء لله عز وجل أن يكون الولد صالحا بالتكوين البدني ~~وصالحا للقيام بقيم المنهج. { هو الذي خلقكم من نفس ~~واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها } [الأعراف: ~~189]. أي أن الذكورة قد انفصلت عن الأنوثة، وصار الذكر يسكن عند الأنثى. ~~وهكذا كان الأمر الخاص بآدم، ثم جاء الكلام للذرية، وخصوصا أن حواء كانت ~~تحمل بذكر وأنثى، وآدم وحواء وأولادهما هم أصل التواجد البشري وأصل ~~التوالد. والقرآن قد يتكلم في موضوعات تبدو متباعدة. لكنها تضم قيما ذات ~~نسق فريد، فنجد الحق يتكلم في أمر ثم يتكلم في آخر، مثل قوله تعالى: # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا ~~كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا ~~بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان ~~وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين # [يونس: 22]. ولم يأت بسيرة البر هنا، بل تكلم بالبر والبحر ثم انتقل إلى ~~الحديث عن مجيء الموت، وأيضا انظر إلى قول الحق سبحانه وتعالى: # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا # [الأحقاف: 15]. هنا يوصي الحق الإنسان بوالديه، بالأب وبالأم، ثم يتابع: # حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله ~~وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15]. ولم تأت سيرة الرجل بل كل الحيثيات للأم. ويقول سبحانه ~~وتعالى بعد ذلك: { فلمآ آتاهما صالحا جعلا له ~~شركآء... }. ### || [7.190] # ويروى أن هذه الآية قد نزلت في " قصي " وهو جد من أجداده صلى الله ~~عليه وسلم، فقد طلب " قصي " من الله أن يعطي له الذرية الصالحة، فلما ~~أعطاه ربنا الذرية الصالحة سماها بأسماء العبيد، فلم ms3642 يقل: عبد الله أو ~~عبد الرحمن، بل قال: عبد مناف، عبد الدار، عبد العزى. وجعل لله شركاء في ~~التسمية، ولهذا جاء قول الحق: { جعلا له شركآء فيمآ آتاهما ~~} ليدلنا على أن الإنسان في أضعف أحواله، أي حينما يكون ضعيفا عن ~~استقبال الأحداث، يخطر بباله ربنا لأنه يحب أن يسلم نفسه لمن يعطي له ما ~~يريده، وبعد أن ينال مطلبه ينسى، ولذلك يقول الحق: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما ~~كانوا يعملون # [يونس: 12]. إذن فائدة الضر أنه يجعلنا نلجأ إلى ربنا، ولذلك نجد ~~الإنسان أحسن ما يكون ذكرا لله وتسبيحا لله حينما يكون في الشدة وفي ~~المرض، ولذلك لو قدر المريض نعمة الله عليه في مرضه وشدته، لا أقول: إنه ~~قد يحب أن يستطيل مدة المرض والشدة. لا، بل عليه فقط ألا يضجر وأن يلجأ ~~إلى ربه ويدعوه. وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك حينما قال: # " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم ~~الراحمين. أنت رب المستضعفين، وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني ~~أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك ~~هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا ~~والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا ~~حول ولا قوة إلا بك ". # والإنسان ساعة يوجد في المرض عليه أن يعرف النعمة فيه، فهو في كل حركة ~~من حركاته يذكر الله، وكما تخمد فيه طاقات الاندفاعات الشهوانية، يمتلىء ~~بإيجابيات علوية، ولذلك نجد الحديث القدسي يقول فيه ربنا سبحانه وتعالى: # " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: ~~أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني ~~عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، ms3643 قال: يا رب. كيف أطعمك، وأنت رب ~~العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان، فلم تطعمه؟ أما علمت أنك ~~لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني، قال: يا رب. ~~كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك ~~لو سقيته لوجدت ذلك عندي ". # إذن ماذا عن حال مريض يستشعر أن ربه عنده، ويكون في المرض مع المنعم، ~~وفي الصحة مع النعمة. { فلمآ آتاهما صالحا جعلا له ~~شركآء فيمآ آتاهما فتعالى الله عما يشركون } ~~[الأعراف: 190]. ومعنى هذا أن ربنا تبارك وتعالى ينزه نفسه عما يقول فيه ~~المبطلون ويشركون معه ما يزعمون من آلهة. ولذلك يقول سبحانه وتعالى: { ~~أيشركون ما لا يخلق... }. ### || [7.191] # أيشركون في عبادة الله من لا يخلقون شيئا، وهم أنفسهم مخلوقون لله، إن ~~من أشركوا بالله الأصنام فعلوا ذلك بالوهم وتنازلوا عن العقل، وكان ~~الواجب أن يكونوا عقلاء فلا يتخذون من الأصنام آلهة. { أيشركون ما ~~لا يخلق شيئا وهم يخلقون } [الأعراف: 191]. ولذلك فإن ~~هناك آية أخرى تفضح زعمهم يقول فيها الحق تبارك وتعالى: # يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له.. # [الحج: 73]. ونعلم أن البشر في المعامل قد عرفوا العجز عن خلق خلية ~~واحدة وهي التي لا ترى بالعين المجردة، ولذلك أوضح الحق أن المسألة ليست ~~أمر خلق، بل إن الذباب لو وقع على طعام إنسان وأخذ على جناحه أو في ~~خرطومه شيئا، لن يستطيع أحد أن يسترد المأخوذ منه، فقد ضعف الطالب ~~والمطلوب. الخلق - كما نعلم - أول مرتبة من مراتب القدرة، فإذا كانت ~~الأصنام التي اتخذها هؤلاء شركاء لا تخلق شيئا بإقرارهم هم، فكيف ~~يعبدونها؟ إنها لا تخلق شيئا بدليل أنها لا تتناسل. بل إذا أراد ~~العابدون أن يزيدوا صنما صنعه العابدون بأنفسهم. ونلحظ أن الحق جاء هنا ~~بالقول: { أيشركون } بصيغة تعجب، والتعجب ينشأ عن إنكار ما به ~~الاستفهام، أي تعجب منكرا على وفق الطباع العادية، مثلما يقول لنا: ms3644 # كيف تكفرون بالله # [البقرة: 28]. أي قولوا لنا ما الطريقة التي بها تكفرون بالله وتسترون ~~وجوده، مع هذه الآيات البينات الواضحات؟ فكأن ذلك أمر عجب يدعو أهل الحق ~~للدهشة والاستغراب والإنكار الشديد، وحينما يتكلم الحق بإنكار شيء لأنه ~~أمر عجيب، يوجه الكلام مرة إليهم، ومرة أخرى يوجهه إلى غيرهم، مثل قوله ~~هنا: { أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون } ~~[الأعراف: 191]. والكلام للمؤمنين لأنه يريد أن يعطي لقطتين في الآية، ~~اللقطة الأولى: أن ينكر ما فعله هؤلاء، وأن يزيد القوم الذين لم يفعلوا ~~ثقة في نفوسهم، وفرحة بمواقفهم الإيمانية، حيث لم يكونوا مثل هؤلاء. { ~~أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون }. وفي الآية ~~الكريمة وقفة لفظية في الأسلوب العربي نفسه قد تثير عند البعض إشكالا، ~~في قوله تعالى: { ما لا يخلق شيئا }. و " ما " تعني الذي لم ~~يخلق شيئا، و " يخلق " هنا للمفرد، وسبحانه وتعالى جعل للمفرد هنا عمل ~~الجمع فقال: { أيشركون ما لا يخلق شيئا }. وأقول: إن الذي ~~يقف هذه الوقفة، ويلاحظ هذا الملحظ إنسان سطحي الثقافة بالعربية، لأنه لا ~~يعلم أن " ما " و " من " و " ال " تطلق على المفرد والمفردة، وعلى ~~المثنى والمثناة، وعلى جمع الذكور وجمع الإناث، فتقول: جاءني من أكرمته، ~~وجاءتني من أكرمتها، وجاءني من أكرمتهما، وجاءت من أكرمتهما، وجاء من ~~أكرمتهم وجاء من أكرمتهن. # وكذلك " ما ". إذن فقول الحق: { ما لا يخلق } في ظاهرها مفرد، ~~ولكن اللفظ يطلق على المفرد والجماعة لذلك جاء في الأمر الثاني وراعى ~~الجماعة، إذن " يخلق " للمفرد، و " هم يخلقون " للجمع لأن قوله: " ما " ~~صالح للجميع أي للمفرد وللمثنى وللجمع وللمذكر وللمؤنث. ومثال ذلك قول ~~الحق تبارك وتعالى: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك # [محمد: 16]. وسبحانه قال هنا: { ومنهم من يستمع إليك } ~~، ولم يقل: " حتى إذا خرج من عندك " بل قال: { ومنهم من ~~يستمع إليك حتى إذا خرجوا } أي أنه جاء بالجماعة، ~~فإذا رأيت ذلك في " ما " و " من " و " ال " فاعلم أن هذه الألفاظ يستوي ~~فيها المفرد والمفردة والمثنى ms3645 والمثناة وجمع الذكور وجمع الإناث. { ~~أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون }. وهنا في ~~هذه الآية وقفة لغوية أخرى في قوله: " هم " وهي لا تطلق إلا على جماعة ~~العقلاء، فكيف يطلق على الأصنام " هم " وليست من العقلاء؟ وأقول: إن الحق ~~سبحانه وتعالى لما علم أنهم يعتقدون أنها تضر، وأنها تنفع، فقد تكلم معهم ~~على وفق ما يعتقدون، لكي يرتقي معهم في رد الإنكار لكل ما يستحق الإنكار. ~~فأول مرحلة عرفهم أن الأصنام لا تخلق، وثاني مرحلة عرفهم أنهم هم أنفسهم ~~مخلوقون والأصنام لا تقدر على نصرهم، إذن فهم معطلون من كل ناحية لأنهم ~~لا يخلقون. وهذا أول عجز، ومن ناحية أخرى أنهم يخلون وهذا عجز آخر، ~~لكن بعد هذا العجز الأول والعجز الثاني فهل هم قادرون على نصر غيرهم؟ ها ~~هو ذا سبحانه يترقى في الحوار معهم ترقية أخرى فيقول: { ولا ~~يستطيعون لهم نصرا... }. ### || [7.192] # إذن فلا أحد من الأصنام قادر على أن ينصر نفسه أو يضمن نصر غيره. وهكذا ~~نجد الترقي في الحوار على أربع مراحل، أولا: لا يخلقون، ثانيا: هم ~~يخلقون، ثالثا: لا ينصرونكم، ورابعا: ولا ينصرون أنفسهم. ثم تأتي ~~المرحلة الخامسة في قوله الحق: { وإن تدعوهم إلى الهدى لا ~~يتبعوكم... }. ### || [7.193] # وعلى ذلك فهي خمس مراحل - إذن -، أكررها لتستقر في الذهن، أولها أنه من ~~الجائز أنه لا يخلق، ومن الجائز أن يكون مخلوقا، ومن الجائز أنه لا ~~يقدر أن ينتصر لغيره لأنه ضعيف، ولا ينتصر لنفسه لأنه أضعف، ومع ذلك إن ~~أردت أن تهديه إلى شيء من ذلك أو إلى شيء من العلم فلا يقبل منك. وكانوا ~~في الجاهلية حين يفزعهم أمر جسيم ينادونهم ويقولون: يا هبل، يا لات، يا ~~عزى. وإن لم يصبهم أمر سكتوا عن نداء الأصنام لذلك يقول لهم الله من خلال ~~الوحي لرسوله صلى الله عليه وسلم: { وإن تدعوهم إلى الهدى ~~لا يتبعوكم سوآء عليكم أدعوتموهم أم أنتم ~~صمتون } [الأعراف: 193]. أي إن دعوتكم لهم لا تفيد في أي أمر تماما ~~كصمتكم. ونلحظ أن ms3646 الأسلوب هنا مختلف { سوآء عليكم ~~أدعوتموهم } فلم يقل: " أدعوتموهم أم صمتم " لأن الفعل يقتضي ~~الحدوث، ولنا أن نعرف أنهم كانوا لا يفزعون إلى آلهتهم إلا عند الأحداث ~~الجسام. أما بقية الوقت فقد كانوا لا يكلمونهم أبدا لذلك جاءت " صامتون ~~" لازمة، لأنها اسم، والاسم يقتضي الثبوت والاستمرار، أما الفعل فيقتضي ~~الحدوث والتجدد. والحق هنا يبلغ المشركين: سواء عليكم أدعوتموهم أم لم ~~تدعوا، فعدم الاستجابة متحقق فيهم وواقع منهم، وعدم النصر لأنفسهم ~~ولغيرهم متحقق منهم. ثم يتكلم الحق عن قضية أخرى فيقول: { إن ~~الذين تدعون من دون الله... }. ### || [7.194] # و { تدعون } لها معنيان، المعنى الأول يعني أنكم قد تتخذونهم آلهة ~~وتعبدونهم، والمعنى الثاني هو أن يقال: " تدعونه " أي تطلب منه شيئا. ~~والمعنيان يجيئان في هذه الآية: { إن الذين تدعون من دون ~~الله عباد أمثالكم فادعوهم }. وعندما يسمع الإنسان ~~كلمة " عباد " يفهم أنها من الجنس المتعقل الحي، فكيف تكون الأصنام ~~عبادا؟ وأقول: نحن هنا نأخذها على شهرة اللفظ، أما إذا أردنا تحقيق ~~اللفظ وتعقيده، فالبناء مأخوذ من التذلل والخضوع، ألم يقل موسى لفرعون:؟ # وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني ~~إسرائيل # [الشعراء: 22]. أي أذللتهم. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها تكون ~~الأصنام عبادا أمثالهم في أنهم يذلون لأن السيل إذا نزل أو هبت الريح ~~نجد هذه الأصنام قد وقعت وتكسرت رقابها، فيهرع المشركون ليأتوا بمن يعيد ~~ترميم هذه الآلهة!! إذن فأنتم أيها المشركون لأنكم مخلوقون بالله قد ~~تملكون قدرة، وقوة تستطيعون بها إن جاء لكم ضر أن تدفعوا الضر عنكم، أما ~~الأصنام فليست لها أدنى قدرة إن جاءها من يحطمها، أو يكسرها، أو يقلبها، ~~فهي أضعف منكم. وبذلك تكون كلمة { عباد أمثالكم } لونا من ~~الترقي. وعلى فرض أنهم عباد أمثالكم، فالعبد من الأحياء حينما يأتي شيء ~~يستذله، قد يستطيع أن يدفع عن نفسه بعض الشيء إلا إن كان الشيء قويا فوق ~~طاقته. فالمراد والمقصود أنهم عباد أمثالكم أي مذللون ومسخرون ولا ~~يستطيعون دفع شيء عن أنفسهم. وأنت إذا ما نظرت إلى هذه ms3647 المسألة وأخذت ~~معنى عباد على معناها الإطلاقي، فأنت تعلم أن العبد هو كل مسخر مذلل من ~~العباد. لكن هناك مذلل ومسخر فيما لا اختيار له فيه، وآخر مذلل ومسخر ~~فيما له فيه اختيار أيضا، والفرق بين الاثنين أن الكافر فيما له اختيار ~~إما أن يؤمن وإما أن لا يؤمن ويختار الكفر، بل إن الإنسان المؤمن له ~~الاختيار في أن يطيع أو يعصي. ولكن هناك أشياء أخرى تجري على الإنسان لا ~~اختيار له فيها، كأن يمرض ولا يقدر أن يقول: لا لن أمرض، أو قد يأتيه ~~الموت فلا يقدر أن يقول: لن أموت. وقد يهلك ماله أو تحترق داره فلا ~~يستطيع دفع القدر، وكل هذه أمور قهرية يكون الإنسان فيها مذللا مسخرا، ~~والكافر والمؤمن في هذه الأمور سواء. والمؤمن يتميز بأنه يتبع منهج الله ~~فيما له فيه اختيار، وهذه فائدة الإيمان، وبذلك يخرج المؤمن عن الاختيار ~~المخلوق لله، إلى مراد الله منه في الحكم، ويستوي بكل شيء مسخر لله، ~~ولذلك نقول للذين يكفرون: كفرتم وتأبيتم بما خلق فيكم من الاختيار عن ~~الإيمان بالله. وقد جعلها الله لكم بقوله: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29]. وما دام الواحد منكم أيها الكافرون يتأبى ويستكبر على حكم ~~الله، إذن فللواحد منكم أيها الكافرون رياضة على التمرد، فلماذا لا تقول ~~للمرض لن أستسلم لك. ولن يستطيع أحد الكافرين ذلك، لأنه إنما يكفر بما له ~~حق ممنوح من الله في منطقة الاختيار، أما في غير ذلك فالكل عباد مذللون. ~~{ إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ~~فادعوهم فليستجيبوا لكم } [الأعراف: 194]. وقول الحق ~~تبارك وتعالى: { فادعوهم } أي اطلبوا منهم أن يلبوا لكم أي طلب، وهم ~~لن يستجيبوا لكم لأنهم لا يقدرون أبدا. وفي هذا القول لون من التحدي { ~~فليستجيبوا لكم } لكنهم لن يستجيبوا، فليست لهم قدرة لأن ~~يخرجوا على أمر ربنا ويقولوا سنعطيكم ما تطلبون، لأن طاقتهم وطبيعتهم لا ~~تقدر أن تستجيب. وبعد أن قال الحق عن الأصنام: إنهم عباد أمثالكم، أراد ~~أن ينزلهم منزلة ms3648 أدنى من البشر فقال: { ألهم أرجل يمشون ~~بهآ... }. ### || [7.195] # وينبه الحق تبارك وتعالى كل مشرك، وكأنه يقول له: أنت لك رجل تمشي بها، ~~ولك يد قد تبطش بها، ولك أذن تسمع، ولك عين تبصر، فهل للأصنام حواس مثل ~~هذه؟. لا، ليست لهم، إذن، فالأصنام أقل منك، فكيف تجعل الأقل إلها ~~للأكبر؟ إن هذا هو جوهر الخيبة. وقوله: { يمشون بهآ } ، و { ~~يسمعون } و { يبصرون } جاءت لأن المشركين صوروا التمثال وله ~~رجلان وله اذنان وله عينان ويضعون في مكان كل عين خرزة لتكون مثل حدقة ~~العين، وحين ينظر إنسان منهم إلى التمثال يخيل إليه أن التمثال ينظر ~~إليه. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # ينظرون إليك وهم لا يبصرون # [الأعراف: 198]. وفي قوله تعالى: { ألهم أرجل يمشون بهآ ~~أم لهم أيد يبطشون بهآ أم لهم أعين يبصرون ~~بهآ أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركآءكم ~~ثم كيدون فلا تنظرون } [الأعراف: 195]. حين يعرض الحق مثل ~~هذه الأمور بأسلوب الاستفهام. فإنما يريد أن يحقق المسائل عن أقوى طريق، ~~لأن الاستفهام لا بد له من إجابة. والكلام من الله عند الكافر يحتمل ~~الصدق ويحتمل الكذب. وإجابة الكافر ستكون قطعا بعدم استطاعة الأصنام ~~المشي أو اللمس أو الرؤية أو السماع لذلك أراد الحق ألا يكون الحكم من ~~جهته. بل الحكم من جهة المشركين، وفي هذا إقرار منهم. ولذلك يقول الحق ~~مخاطبا الرسول صلى الله عليه وسلم. # ألم نشرح لك صدرك # [الانشراح: 1]. أما كان يستطيع سبحانه وتعالى أن يقول: شرحنا لك صدرك؟ ~~كان يستطيع ذلك. ولكنه يأتي بالاستفهام الذي يكون جوابه: بلى لقد شرحت لي ~~صدري. وينبه قوله تعالى: { ألهم أرجل يمشون بهآ أم ~~لهم أيد يبطشون بهآ أم لهم أعين يبصرون بهآ ~~أم لهم آذان يسمعون بها }. إلى مقارنة الأصنام بالبشر. ~~فالبشر لهم أرجل وأيد وأعين وآذان، وكل من هذه الجوارح لها عمل تؤديه، ~~وهكذا يتأكد للمشركين أنهم أعلى مرتبة من أصنامهم. فكيف يجوز في عرف ~~العقل أن يكون الأعلى مرتبة مربوبا للأدنى مرتبة؟ إن ذلك لون ms3649 من الحمق. ~~{ قل ادعوا شركآءكم ثم كيدون فلا تنظرون } ~~[الأعراف: 195]. ورسول الله جاء بهذا القول ليدحض إيمانهم بهذه الأصنام ~~التي اتخذوها آلهة وليسفه أحلامهم فيها، وبذلك أعلن العداوة ضدهم - ~~العابدين، والمعبودين - وصارت خصومة واقعة، وسألهم أن يدعوا الشركاء ~~ليكيدوا لرسول الله بالأذى أو التعب أو منع النصر الذي جاء للإسلام، إن ~~كانت عندكم أو عندهم قدرة على ضر أو نفع. { قل ادعوا شركآءكم ~~ثم كيدون فلا تنظرون }. ويتحداهم صلى الله عليه وسلم أن ~~يكيدوا هم وآلهتهم، والكيد هو التدبير الخفي المحكم. وانظروا ما سوف ~~يحدث، ولن يصيب رسول الله بإذن ربه أدنى ضر. # ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى قد أجرى على رسول الله أشياء، ليثبت بها ~~أشياء، وقد قالوا: إن واحدا قد سحر النبي، ولنفرض أن مثل ذلك السحر قد ~~حصل، فكيف ينسحر النبي؟ ونقول: ومن الذي قال: إنه سحر؟. إن ربنا أعلمه ~~بالساحر وبنوع السحر، وأين وضع الشيء الذي عليه السحر، ليبين لهم أن ~~كيدهم حتى بواسطة شياطينهم مفضوح عند الله. # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك # [الأنفال: 30]. وهم كانوا قد بيتوا المكر لرسول الله وأرادوا أن يضربوه ~~ضربة واحدة ليتفرق دمه في القبائل، فأوضح ربنا: أنتم بيتم، ولكن ~~مكركم يبور أمام أعينكم. وليثبت لهم أنهم بالمواجهة لن يستطيعوا مصادمته ~~في دعوته. ولا بالتبييت البشري يستطيعون أن يصدموا دعوته، ولا بتبييت ~~الجن - وهم أكثر قدرة على التصرف - يستطيعون مواجهة دعوته. وما داموا قد ~~عرفوا أنهم لن يظهروا على الرسول، ولن يفيد مكرهم أو سحرهم أو كيدهم مع ~~شياطينهم، إذن فلا بد أن ييأسوا، ولذلك تحداهم وقال: { قل ادعوا ~~شركآءكم ثم كيدون فلا تنظرون } [الأعراف: 195]. وأنظره ~~يعني أخره، والقول هنا: لا تؤخروا كيدكم مع شركائكم. بل نفذوا الكيد ~~بسرعة، وقد أمر الحق رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك لأن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم إنما آوى إلى ركن شديد لذلك يقول رسول الله بأمر ~~الحق: { إن وليي الله الذي نزل الكتاب... }. ### || [7.196] # وما دام ms3650 الولي هو الله، فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يبالي بهم، و " ~~الولي " هو الذي يليك، وأنت لا تجعل أحدا يليك إلا أقربهم إلى نفسك، ~~وإلى قلبك، ولا يكون أقربهم إلى نفسك وإلى قلبك، إلا إذا آنست منه نفعا ~~فوق نفعك، وقوة فوق قوتك، وعلما فوق علمك، وقول الرسول بأمره سبحانه ~~وتعالى: { إن وليي الله }. أي أنه ناصري على أي كيد يحاول ~~معسكر الشرك أن يصنعه أو يبيته لي. فالله هو ولي الرسول أي ناصره، ~~والقريب منه بصفات الكمال والجلال التي تخصه سبحانه وتعالى، وعندما يكون ~~لمؤمن خصلة ضعف فهو يذهب لمن عنده خصلة قوة، ولذلك قلنا في قصة موسى عليه ~~السلام حين التفت قومه ووجدوا قوم فرعون فقالوا: # إنا لمدركون # [الشعراء: 61]. أي أن جيش فرعون سيدركهم، لأن البحر أمامهم والعدو ~~وراءهم. وليس أمامهم فسحة أمامية للهرب ولا منفذ لهم إلا أن يصمدوا أمام ~~جيش فرعون وهم بلا قوة ولم يكذبهم موسى عليه السلام في قولهم. بل قال لهم ~~يطمئنهم: # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. وهنا خرجت المسألة عن أسباب البشر وانتهت إلى الركن ~~الشديد الذي يأوي إليه الرسل. ولا يقول هذا القول إلا وهو واثق تمام ~~الثقة من نصرة الله، وسبق أن رويت لكم حكاية المرأة الأوروبية التي أسلمت ~~لأنها كانت تقرأ سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كبطل من أبطال العالم، ~~صنع أكبر انقلاب في تاريخ البشرية، ولما مرت في تاريخه صلى الله عليه ~~وسلم، قرأت أن صحابته كانوا يحرسونه من خصومه وأعدائه، إلى أن فوجئوا في ~~يوم ما بأن قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اذهبوا عني. فإن الله أنزل علي: { والله يعصمك من ~~الناس } " # [المائدة: 67]. واستوقفت هذه الواقعة هذه المرأة فقالت: إن هذا الرجل إن ~~أراد أن يكذب على الناس جميعا ما كذب على نفسه، ولا يمكن أن يسلم نفسه ~~لأعدائه بدون حراسة إلا إذا كان واثقا من أن الله أنزل عليه هذا، وأنه ~~قادر أن يعصمه، وإلا دخل بنفسه في تجربة. والباحثة ms3651 من هذه الواقعة قد ~~أخذت لفتة العبرة. وفي مثل هذا يقول الحق تبارك وتعالى على لسان رسوله ~~صلى الله عليه وسلم: # قل ادعوا شركآءكم ثم كيدون فلا تنظرون # [الأعراف: 195]. وكأنه صلى الله عليه وسلم يستدعيهم إلى التحدي بالمعركة ~~بالمكر والتبييت، وألا يتأخروا عن ذلك وهو واثق من أن الله عز وجل ينصره. ~~{ إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو ~~يتولى الصلحين } [الأعراف: 196]. وأنزل الحق تبارك وتعالى على ~~رسوله الكتاب المبين ليبلغه للخلق، ولا يمكن أن يسلمه إلى عدو يمنعه من ~~تمام البلاغ عن الله. # لقد أنزل الحق الكتاب على رسوله ليبلغه إلى الكافة ولا يمكن أن يتخلى ~~عنه. { إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو ~~يتولى الصلحين } [الأعراف: 196]. وقوله: { وهو يتولى ~~الصلحين } أي أنه لا يجعل الولاية خصوصية للرسول صلى الله عليه ~~وسلم، بل يقول لكل واحد من أتباعه: كن صالحا في أي وقت، أمام أي عدو، ~~ستجد الله وهو يتولاك بالنصر، وساعة يعمم الله الحكم فهو ينشر الطمأنينة ~~الإيمانية في قلوب أتباعه صلى الله عليه وسلم. وكل من يحمل من أمر دعوته ~~صلى الله عليه وسلم شيئا ما سوف يكون له هذا التأييد، وسبحانه الذي جعل ~~رسوله مبلغا عنه المنهج، وهو سبحانه يتولى الصالحين لعمارة الكون لأن ~~الله قد جعل الإنسان خليفة ليصلح في الكون، وأول مراتب الإصلاح أن يبقى ~~الصالح على صلاحه، أو أن يزيده صلاحا إن أمكن. ويقول سبحانه بعد ذلك: { ~~والذين تدعون من دونه... }. ### || [7.197] # لأن الذي لا يستطيع نصرك. يجوز أن يكون ضنينا بنصرتك لأن حبه لك حب ~~رياء، أو لأنه يرغب في أن يحتفظ بما ينصرك به لنفسه، أما حين يكون غير ~~قادر على نصرتك لأنه لا يملك أدوات النصر، فهذا يبين عجز وقصور من اتخذته ~~وليا، وهكذا كان حال المشركين. وفي يوم الفتح جاء المسلمون بالمعاول ~~وكسرت الأصنام، ولم يقاوم صنم واحد. بل تكسرت كلها جميعا. ويقول الحق ~~بعد ذلك: { وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا... }. ### || [7.198] # وبطبيعة الحال لو أن أحدا دعا ms3652 هذه الأصنام إلى الهداية فلن تهتدي ~~الأصنام لأنها من الجماد الذي لا تصلح معه دعوة أو فهم. رغم أن الصنم ~~منها له عيون كالتي تراها حاليا في معابد الهندوس أو البوذيين، حين ~~يضعون للتماثيل في مكان حدقة العين خرزا ملونا يشبه العين، وتوجه ~~الحدقة بميلها وكأنه ينظر إليك وهو لا يرى شيئا. ويقول الحق تبارك ~~وتعالى بعد ذلك مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: { خذ العفو ~~وأمر بالعرف... }. ### || [7.199] # وهذه آية جمع فيها المولى سبحانه وتعالى مكارم الأخلاق. وبعد أن أبلغ ~~الحق تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يدعو المشركين لأن ~~يكيدوا له مع شياطينهم وأصنامهم ولن يستطيعوا. وبعد ذلك يوضح له: أنا أحب ~~أن تأخذ بالعفو، وفي هذا تعليم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن ~~يتبعه، وكلمة " العفو " ترد على ألسنتنا، ونحن لا ندري أن لها معنى ~~أصيلا في اللغة. وقد يسألك سائل: من أين أتيت بهذا الشيء؟ فتقول له: ~~جاءني عفوا، أي بدون جهد، وبدون مشقة، وبدون سعي إليه ولا احتيال ~~لاقتنائه. ويقال أيضا: إن هذا الشيء جاء لفلان عفو الخاطر، أي لم يفكر ~~فيه، بل جاء ميسرا. هذا هو معنى العفو. والحق هنا يأمر رسوله عليه ~~الصلاة والسلام أن يأخذ العفو، أي أن يأخذ الأمر الميسر السهل، الذي لا ~~تكلف فيه ولا اجتهاد لأنك بذلك تسهل على الناس أمورهم ولا تعقدها، أما ~~حين تتكلف الأشياء، فذلك يرهق الناس، ولذلك يأمر الحق رسوله أن يقول: # قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من ~~المتكلفين # [ص: 86]. وقوله: { ومآ أنآ من المتكلفين } أي أنه صلى ~~الله عليه وسلم لا يتكلف الأمور حتى تصير الحياة سهلة ولا يوجد لدد بين ~~الناس لأن الذي يوجد اللدد هو التكلف وقهر الناس، ويجب أن تقوم المعاملة ~~فيما بينهم بدون لدد أو تكلف. ولذلك يقال: إن المؤمن هو السمح إذا باع، ~~والسمح إذا اشترى، والسمح إذا اقتضى، والسمح إذا اقتضي منه: أي أنه في ~~كل أموره سمح. وللأمر بأخذ " العفو " معنى ms3653 آخر وهو أن تعفو عمن ظلمك لأن ~~ذلك ييسر الأمور. والعفو أيضا له معنى ثالث، هو الأمر الزائد، مثل قوله ~~الحق تبارك وتعالى من قبل أن تفرض الزكاة: # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو # [البقرة: 219]. ثم حدد الحق بعد ذلك الزكاة وأوجه إنفاقها، ونلحظ أن ~~الأمر بالإنفاق من قبل أن تفرض الزكاة، والإنفاق بعد أن نزل الأمر ~~بالزكاة يلتقيان في السهولة لأن المؤمن لا ينفق مما يحتاجه. بل من الزائد ~~عن حاجته. وقول الله سبحانه وتعالى في الآية " خذ العفو " فيه أمر " خذ " ~~ومقابله " أعط " وقد تعطي إنسانا فلا يأخذ منك إن رأى أن ما تعطيه له ~~ليس في مصلحته، لكن إذا قال الحق تبارك وتعالى: " خذ " فهذا أمر يعود ~~نفعه عليك، فإن كان العفو عمن ظلمك في ظاهر الأمر ينقصك شيئا، فاعلم أنك ~~أخذت العفو لنفسك. واعلم أن الحق سبحانه وتعالى يحب من عبده المؤمن أن ~~يكون هينا لينا مع إخوانه من المؤمنين. # فإن عز عليه أخوه المؤمن فليهن له، فإن تعالى أو تعالم أخ مسلم ~~عليك، فلا تتعال عليه أو تتعالم حتى لا تقوم معركة بينكما، بل تواضع أنت، ~~ليزيدك الله رفعة وعزة. وكأن الله سبحانه وتعالى يؤكد لك: أنك حين تعطي ~~العفو تأخذ الخير من خلاله. ودائما أضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى ~~- أنت حين تدخل إلى منزلك وتجد ابنا لك قد أساء إلى أخيه فيتجه قلبك ~~وحنانك إلى المظلوم. ونحن عيال ربنا، فإن ظلم واحد آخر، فالظالم بظلمه ~~يجعل الله في جانب المظلوم، ولذلك يحتاج الظالم إلى أن نحسن إليه حيث كان ~~سببا في رعاية الله لنا فنفعل معه مثلما فعل سيدنا حسن البصري عندما قيل ~~له: إن فلانا اغتابك بالأمس. ونادى سيدنا حسن البصري الخادم وقال له: ~~جاءنا طبق من باكورة الرطب. اذهب به إلى فلان - وحدد للخادم اسم من ~~اغتابه - وتعجب الخادم: كيف تبعث بالرطب إليه وهو قد اغتابك؟ فقال: أفلا ~~أحسن إلى من جعل الله بجانبي، قل له: " يقول لك سيدي بلغه أنك قد ms3654 اغتبته ~~فأهديت إليه حسناتك، وهو أهداك رطبه ". { خذ العفو وأمر ~~بالعرف وأعرض عن الجاهلين } [الأعراف: 199]. وتتناول ~~الآية الكريمة الأمر بالعرف: والعرف هو السلوك الذي تعرف العقول صوابه، ~~وتطمئن إليه النفوس، ويوافق شرع الله، ونسميه العرف لأن الكل يتعارف ~~عليه، ولا أحد يستحيي منه، لذلك نسمع في شتى المجتمعات عن بعض ألوان ~~السلوك: هذا ما جرى به العرف. وما يجري به العرف عند المجتمعات المؤمنة ~~يعتبر مصدرا من مصادر الأحكام الشرعية. وخير مثال على ذلك: أننا نجد ~~الشاب لا يخجل من أن يطرق باب أسرة ليطلب يد ابنتها، لأن هذا أمر متعارف ~~عليه ولا حياء منه، بينما نجد المجتمع المسلم يستحي أن يوجد بين أفراده ~~إنسان يزني، والغاية من الزنا الاستمتاع، والغاية من طلب يد الفتاة هو ~~الاستمتاع، لكن هناك فارق كبير بين متعة يحرمها الله عز وجل، ومتعة ~~يحلها الله تعالى. وفي نهاية الآية يقول الله تعالى: { وأعرض عن ~~الجاهلين } [الأعراف: 199]. وكيف يكون الإعراض عن الجاهلين؟. يخطئ ~~من يظن أن الجاهل هو الذي لا يعلم، لأن من لا يعلم هو الأمي، أما الجاهل ~~فهو من يعلم قضية تخالف الواقع. ونلحظ أن المشكلات لا تأتي من الأميين ~~الذي لا يعلمون، فالأمي من هؤلاء يصدق أي قضية تحدثه عنها وتكون مقبولة ~~بالفطرة لأنه لا يملك بديلا لها، أما الجاهل فهو من يعلم قضية مخالفة ~~للواقع ويحتاج إلى تغيير علمه بتلك القضية، والخطوة الثانية أن تقنعه ~~بالقضية الصحيحة. والحق هنا يوضح: أعرض عن الجاهل الذي يعتقد قضية ~~مخالفة للواقع ويتعصب لها، وأنت حين تعرض عن الجاهل، يجب ألا تماريه، أي ~~لا تجادله لأن الجدل معه لن يؤدي إلى نتيجة مفيدة لذلك أقول لكل من يواجه ~~قضية التدين ولم يقرأ عن الدين كتابا واحدا، وقرأ في كتب الانحراف عن ~~الدين المئات، أقول له: كما قرأت فيما يناهض الدين مئات الكتب فمن الحكمة ~~يجب عليك أن تكون عادلا ومنصفا فتقرأ في مجال التدين بعض الكتب الخاصة ~~به مثلما قرأت في غيرها. # وإن أردت أن تبحث ms3655 قضية الدين بحثا منطقيا يصحح لك عقيدتك، فعليك أن ~~تخرج كل الاقتناعات المسبقة من قلبك ووجدانك. وتدرس الأمرين بعيدا عن ~~قلبك، ثم أدخل إلى قلبك الأمر الذي ترتاح إليه، لكن لا تحتفظ في قلبك ~~بقضية وتناهض منطوقها بظاهر لسانك. والحق سبحانه وتعالى يقول: # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه # [الأحزاب: 4]. فأنت لك قلب واحد، إما أن يمتلئ بالإيمان واليقين وإما ~~بغير ذلك. والقلب حيز واحد فلا تشغله أنت بباطل، حين تبحث قضية الحق، بل ~~أخرج الباطل من قلبك أولا، واجعل الباطل والحق خارجه، وابحث بعقلك، ~~والذي ييسر إليك أن تدخله إلى قلبك فأدخله. وفي بيان معنى هذه الآية ~~التي نحن بصدد خواطرنا عنها روى لنا أبي قال: لما أنزل الله عز وجل على ~~نبيه صلى الله عليه وسلم: # " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين " قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، ~~وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك ". # وسبحانه - إذن - يريد أن يعلمنا قضية إيمانية إنسانية لأنك كمسلم تساعد ~~المصاب في بدنه، فما بالك بالمصاب في قيمه، ألا يحتاج إلى معونتك؟. ويقول ~~الحق بعد ذلك: { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ ~~فاستعذ... }. ### || [7.200] # و " نزغ " تساوي كلمة " نخس " أي أمسك بشيء ووضع طرفه في جسد من ~~بجانبه أو من أمامه. ويتضح من معنى " نخس " أن هناك مسافة بين الناخس ~~والمنخوس ووسيلة أو أداة للنخس. وعملية النخس لا يدرك بها الناخس أو ~~المنخوس حرارة بعضهما البعض، أما كلمة " مس " فقد يشعر الماس والممسوس كل ~~واحد بحرارة الآخر منهما بسرعة، لكن أحدهما لا يدرك نعومة الآخر، أما ~~اللمس ففيه إدراك لنعومة وحرارة اللامس والملموس. ومعارك الحرب كلها تدور ~~في هذا النطاق، فحين يكون العدو بعيدا يحتاج خصمه إلى أن يبتعد عنه كيلا ~~يصيبه بالنبال أو السهام، ويحاول هو أن يصيب خصمه بالنبال أو السهام. ~~وكما تفعل الجيوش الحديثة حين ترسل طائراتها لترمي القنابل على قوات ~~الخصم. وتقاس قوة الدول ms3656 بقدرتها على ضرب القوات المعادية دون قدرة تلك ~~القوات على الرد، لأنها تصيبه من بعد في عصر الصواريخ بعيدة المدى. ونجد ~~الإشارة في قول الحق تبارك وتعالى: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة # [الأنفال: 60]. وأوضح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى القوة ~~فيما رواه عنه عقبة ابن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول وهو على المنبر: # " { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } إلا أن ~~القوة الرمي، إلا أن القوة الرمي ". # لأن الرمي يمكن قذيفتك من عدوك، وأنت بعيد عنه فلا يقدر أن يصيبك بما ~~يرميه. وقديما كانت الجيوش تزحف، فيلقى الخصوم عليها النبال والسهام، ~~وإذا ما اقتربت الجيوش أكثر من خصومها فكل فريق يوجه الرماح إلى ما يقرب ~~من أجساد الفريق الآخر. وإذا حمى وطيس المعركة تتلاقى السيوف. إذن كلها ~~من النخس، والمس، واللمس. وحينما خاطب الرسول صلى الله عليه وسلم ربه ~~قائلا: يا رب كيف بالغضب؟ أي كيف يكون علاج الغضب؟ نزل قول الحق: { ~~وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله ~~إنه سميع عليم } [الأعراف: 200]. وقد يستفهم قائل فيقول: أينزغ ~~الشيطان الرسول؟. وأقول: إن الحق تبارك وتعالى لم يقل: " إذا نزغك ~~الشيطان " ، ولكنه قال: " وإما ينزغنك " أي إن حدث ذلك، وهو قول يفيد ~~الشك - ثم لماذا يحرم الله رسوله صلى الله عليه وسلم من لذة مجابهة ~~الشيطان؟. ونعلم عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة. ~~قالوا: وإياك؟ قال: وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا ~~بخير ". # وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: { وإما ينزغنك من ~~الشيطن نزغ فاستعذ بالله }. # والاستعاذة تعني طلب العون والملجأ والحفظ وأنت لا تطلب العون ولا تلجأ ~~ولا تستجير إلا بمن هو أقوى ممن يريد أن ينالك بشر. ومعلوم أن الشيطان له ~~من خفة الحركة، وقدرة التغلغل، ووسائل التسلل الكثير لذلك فينبغي ألا ~~تستعيذ بمثله أو بمن هو ms3657 دونه، ولكنك تستعيذ بخالق الإنس والجن وجميع ~~المخلوقات، وهو القادر على أن يعطل فاعلية الشيطان. وسبحانه سميع عليم، ~~والسمع له متعلق، والعلم له متعلق، فحين تستحضر معنى الاستعاذة وأنت ~~مشحون بالإيمان وتلجأ إلى من خلقك. وخلق ذلك الشيطان عندئذ لا بد أن يهرب ~~الشيطان من طريقك لأنه يعلم أنك تلجأ إلى الخالق القوي القادر وهو ليست ~~له قوة على خالقه، وسبحانه سميع لقولك: " أعوذ بالله " ، عليم بما في ~~نفسك من معنى هذه الكلمة. وإذا كان الحق تبارك وتعالى هنا قد تكلم عن ~~حضرة النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: { وإما ينزغنك }. أي ~~أن الشيطان بعيد، وهو يحاول مجرد النزغ، فماذا عن أمة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إزاء هذا؟. هنا يقول الحق تبارك وتعالى: { إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طئف... }. ### || [7.201] # ومن رحمة الله تعالى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا مسهم ~~" ولم يقل: " لمسهم ". لأنهم من الذين اتقوا، أي وضعوا بينهم وبين صفات ~~جلال الله وقاية تجعلهم يقفون عند حدوده ولذلك يقول: { إن الذين ~~اتقوا إذا مسهم طئف من الشيطن تذكروا } ~~[الأعراف: 201]. والطائف هو الخيال الذي يطوف بالإنسان ليلا، وبما أن ~~الشيطان لا يرى، لذلك نصوره على أنه خيال، فإذا ما طاف الشيطان بالمس ~~للذين اتقوا وتذكروا خالق الشيطان وخالقهم، وتذكروا منهج الله الذي يصادم ~~شهواتهم، وتذكروا أن عين الله تراهم ولا تغفل عنهم، وأن محارم الله واضحة ~~وبينة، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: في الحديث الذي يرويه ~~عنه النعمان بن بشير: # " الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، ~~فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول ~~الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه ~~محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد ~~الجسد كله ألا وهي القلب ". # وإذا ما تذكر المؤمنون العقوبة المترتبة على أي فعل شائن يزينه الشيطان ~~لهم، ms3658 هنا تزول عنهم أي غشاوة ويبصرون الطريق القويم. ويقول الحق تبارك ~~وتعالى بعد ذلك: { وإخوانهم يمدونهم في الغي... }. ### || [7.202] # ونحن حين نتتبع كلمة " يمدونهم " في القرآن، نجدها مرة " يمدونهم " ~~ومرة يمددكم كما جاء في قول الحق تبارك وتعالى: # ويمددكم بأموال وبنين # [نوح: 12]. ونعلم أن الشياطين لن تترك المؤمنين في حالهم، بل تظل في ~~محاولة الغواية، وتحاول الشياطين غواية المؤمنين الطائعين أكثر من ~~محاولتهم غواية العاصين لأن العاصي إنما يعاون الشيطان باتباعه شهوات ~~نفسه، ولا يقصر العاصي أو الشيطان في ذلك، بل يحاول العاصي أو الشيطان ~~غواية المؤمنين و " أقصر " من مادة " قصر " ، أي أنه قادر أن يطول ~~المسافة لكنه يقصرها. وهكذا إلحاح الشياطين لغواية المؤمنين. فالشيطان - ~~كما جاء في القرآن - يعترف بموقفه من ملاحقة المؤمنين بالوسوسة وتزيين ~~المعاصي. # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]. والشيطان يعلم أن من لا يتقي الله لا يحتاج إلى تزيين أو ~~غواية لأنه يرغب ويميل للمعاصي والعياذ بالله لذلك لا يبذل الشيطان ~~لغوايته جهدا كبيرا. ويقول الحق بعد ذلك: { وإذا لم تأتهم ~~بآية قالوا... }. ### || [7.203] # وقد جاء الحق تبارك وتعالى من قبل بكلمة " آيات " ، والآيات - كما ~~أوضحنا - إما آيات كونية وإما آيات المعجزات الدالة على صدق الرسل، ~~وإما آيات الأحكام. والله سبحانه وتعالى جاء هنا بكلمة: " آية " لا " ~~آيات " ، والكون أمامهم مليء بآياته، والمنهج المنزل على الرسول عليه ~~الصلاة والسلام واضح، ولا ينقص إلا أن تأتي الآية المعجزة - من وجهة ~~نظرهم - وينبه الحق هؤلاء بقوله تبارك وتعالى في سورة الإسراء: # ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~فأبى أكثر الناس إلا كفورا * وقالوا لن نؤمن ~~لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون ~~لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها ~~تفجيرا * أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا ~~أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك ~~بيت من زخرف أو ترقى في السمآء ولن نؤمن ~~لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل ~~سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 89 - 93]. إذن ms3659 فالآيات المعجزات التي طلبوها، لا يأتي بها ~~الرسول من عنده، والآيات التي ينزل بها المنهج أيضا ليست من عنده، بل هي ~~تنزيل من لدن عزيز حكيم. وكانوا يتهمونه صلى الله عليه وسلم أنه يفتري ~~القرآن. لذلك طلبوا منه صلى الله عليه وسلم المعجزة الحسية متناسين ما ~~جاءت به آيات القرآن الكريم من معجزة لم يستطيعوا هم أن يأتوا بآية واحدة ~~من مثل آياتها وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: { قالوا لولا ~~اجتبيتها قل إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ربي ~~}. يأمره هنا ربه أن يقول: { قل إنمآ أتبع ما يوحى ~~إلي من ربي }. أي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكلف بأن ~~يبلغهم بما يأتي به الوحي يحمله الروح الأمين جبريل عليه السلام من آيات ~~القرآن الحاملة للمنهج الإلهي، وهذا المنهج في حد ذاته معجزة متجددة ~~العطاء، لذلك يضيف: { هذا بصآئر من ربكم وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون } [الأعراف: 203]. ففي القرآن الكريم ~~بصائر وهدى رحمة، والبصائر جمع بصيرة، من الإبصار، إذا امتلأ القلب ~~بنور اليقين الإيماني فإن صاحبه يعيش في شفافية وإشراق، ويسمى صاحب هذه ~~الرؤية المعنوية صاحب بصيرة، أما البصر فهو مهمة العين في الأمور الحسية، ~~لكن هناك أمور معنوية لا تكتشفها إلا البصيرة، والبصيرة تضيء القلب ~~بالنور حتى يستكشف تلك الأمور المعنوية، ولا يمتلك القلب البصيرة إلا حين ~~يكون مشحونا باليقين الإيماني. والقرآن الكريم بصائر لأنه يعطي ويمنح ~~من يؤمن به ويتأمله بصائر ليجدد الأمور المعنوية وقد صارت مبصرة، ~~وكأنه قادر على رؤيتها ومشاهدتها وكأنها عين اليقين. # وهذا القرآن المجيد بصائر وهدى، أي يدل الإنسان ويهديه إلى المنهج الحق ~~وإلى طريق الله المستقيم، وهو رحمة أيضا لمن لا يملك إشراقات القلب ~~التي تهدي للإيمان ولا يملك قوة أخذ الدليل الذي يوصله إلى الهداية، إذن ~~فهو رحمة لكل الناس، وهدى لمن يسأل عن الدليل، وبصائر لمن تيقن أصول ~~الإيمان مشهديا. وكما قلنا من قبل: إن الله قد أخبر المؤمنين بأمور ~~غيبية، ومن هذه الأمور الغيبية أن له جنة وأن ms3660 له نارا، وصدق المؤمنون ~~بكل ما جاءهم من البلاغ عن ربهم، وعلموا أن ذلك من الله، وصار هذا العلم ~~علم يقين كقدر مشترك فيما بينهم، فإذا جاء يوم القيامة ورأوا الصراط ~~مضروبا عن متن جهنم مطابقا لما صدقوه وصار عين يقين، وإذا ما دخل بعضهم ~~النار - والعياذ بالله - تكفيرا لذنوب ارتكبوها، فهذا حق يقين. وضربت ~~المثل من قبل - ولله المثل الأعلى - كان الجغرافيون يحدثوننا ونحن طلاب ~~عن خريطة الولايات المتحدة، ويقولون: إن عاصمتها " واشنطن " ، والميناء ~~الكبير فيها اسمه " نيويورك " ، وفي " نيويورك " توجد ناطحات السحاب وهي ~~مبان ضخمة يزيد ارتفاع المبنى الواحد من هذه المباني على مائة طابق أي ~~أكثر من مائتي متر، وصدقنا نحن أستاذ الجغرافيا، وعندما أتيحت للبعض منا ~~فرصة السفر ورأوا واشنطن ونيويورك من الطائرة، صارت الرؤية عين يقين بعد ~~أن كانت علم يقين. وعند هبوط الطائرة في مطار واشنطن صارت الرؤية حق ~~يقين. وقد عرض الحق سبحانه وتعالى لنا الإيمان ببعض من الغيب في قوله ~~تعالى: # ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا ~~سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو ~~تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم ~~لترونها عين اليقين # [التكاثر: 1 - 7]. أورد سبحانه هناك " علم اليقين " ، " وعين اليقين " ، ~~وأما " حق اليقين " فقد جاء في قوله: # فأمآ إن كان من المقربين * فروح وريحان ~~وجنت نعيم * وأما إن كان من أصحاب اليمين * ~~فسلام لك من أصحاب اليمين * وأما إن كان من ~~المكذبين الضآلين * فنزل من حميم * وتصلية ~~جحيم * إن هذا لهو حق اليقين # [الواقعة: 88 - 95]. والمؤمنون المصدقون بأخبار الغيب على درجات ~~مختلفة.. فهناك من صدق الله في الخبر عن الغيب كعين يقين، وهناك من صدق ~~قول الله حق اليقين، ولذلك فإننا نجد الإمام عليا - كرم الله وجهه - ~~يقول: " لو انكشف عني الحجاب ما ازددت يقينا ". وفي الحوار الآتي الذي ~~دار بين حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابي الجليل الحارث بن مالك ~~ما يكشف لنا جوهر هذا اللون من الإيمان: # " فقد روى الحارث بن مالك الأنصاري: أنه مر برسول ms3661 الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال له: كيف أصبحت يا حارث؟ قال: أصبحت مؤمنا حقا، قال: " انظر ~~ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال عزفت نفسي ~~عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، ~~وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار ~~يتضاغون فيها. فقال يا حارث عرفت فالزم ثلاثا ". # هذا الصحابي الجليل وصل إلى أن كل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~صار حق يقين، وامتلك البصيرة التي رأى بها كل ذلك. { وإذا لم ~~تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنمآ ~~أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصآئر من ~~ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } [الأعراف: 203]. ~~وهكذا نجد القرآن الكريم بصائر لأصحاب المنزلة والدرجات العالية، وهدى ~~لأصحاب الاستدلال ورحمة للجميع. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { ~~وإذا قرىء القرآن فاستمعوا... }. ### || [7.204] # وما دام قد أوضح لك المولى سبحانه وتعالى من قبل أن هذا القرآن بصائر من ~~ربنا وهدى ورحمة، ألا يستحق أن تحتفي به أيها المؤمن؟.. ألا تجذبك هذه ~~الحيثيات الثلاث لأن تعطي له أذنك وألا تنصرف عنه؟. إذن لا بد أن تنصت ~~للقرآن الكريم لتتلقى الفوائد الثلاث البصائر، والهدى، والرحمة، وهو حقيق ~~وجدير أن يحرص على سماعه إن قرئ. ولنلحظ أن الله تعالى قال: { ~~فاستمعوا له } ولم يقل " اسمعوا " ، لأن الاستماع فيه تعمد أن ~~تسمع، أما السمع فأنت تسمع كل ما يقال حولك، وقد تنتبه إلى ما تسمع وقد ~~لا تنتبه، ومن الرحمة المحمدية يقول حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ناهيا عن التسمع لأسرار الغير تجسسا عليهم بالبحث عن عوراتهم فيما ~~يرويه عنه سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " لا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا ~~وكونوا عباد الله إخوانا ". # وفي هذا تحذير من هذه الأمور الخمسة التي منها التلصص والتصنت إلى أسرار ~~الناس. { وإذا قرىء القرءان فاستمعوا له وأنصتوا ms3662 ~~لعلكم ترحمون } [الأعراف: 204]. والإنسان قد يصمت ويستمع ولكن ~~بغير نية التعبد فيحرم من ثواب الاستماع، فاستمع وأنصت بنية العبادة، لأن ~~الله هو الذي يتكلم، وليس من المعقول والتأدب مع الله أن يتكلم ربك ثم ~~تنصرف أنت عن كلامه، وقد لفت أنظارنا سيدنا جعفر الصادق: ونبهنا إلى ما ~~فيه الخير حيث يقول: " عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تبارك وتعالى: # حسبنا الله ونعم الوكيل # [آل عمران: 173]، فإني سمعت الله عقبها يقول: # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء # [آل عمران: 174]. وعجبت لمن اغتم، ولم يفزع إلى قوله تبارك وتعالى: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87] فإني سمعت الله عقبها يقول: # فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي ~~المؤمنين # [الأنبياء: 88]. وعجبت لمن مكر به، ولم يفزع إلى قوله تبارك وتعالى: # وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد # [غافر: 44]. فإني سمعت الله عقبها يقول: # فوقاه الله سيئات ما مكروا # [غافر: 45]. وعجبت لمن طلب الدنيا ولم يفزع إلى قوله تبارك وتعالى: # ما شآء الله لا قوة إلا بالله # [الكهف: 39]. فإني سمعت الله عقبها يقول: # فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك # [الكهف: 40]. ونحن حين نستمع لقراءة القرآن الكريم بنية التعبد فذلك هو ~~حسن الأدب الذي يجب أن نستقبل به العبر التي تعود بالفائدة علينا. ووقف ~~العلماء حول الإنصات سماعا للقرآن أيكون الإنصات إذا قرئ القرآن مطلقا ~~في أي حال من الأحوال، أو حين يقرأ في الصلاة، أو حين يقرأ في خطبة ~~الجمعة؟ وقد اختلفوا في ذلك، فبعضهم قال: إن المقصود هو الإنصات للقرآن ~~حين يقرأ في الصلاة، والسبب في ذلك أن الأوائل من المسلمين كانوا حينما ~~يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، يعيدون بعده كل جملة قرأها ~~فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم قالوا: بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا ~~قال: " الحمد لله رب العالمين " ، قالوا: " الحمد لله رب العالمين " ~~فينبههم الله عز وجل إلى أن يتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ~~وهم ms3663 يستمعون إليه دون ترديد للقراءة. # وقال آخرون من العلماء: الإنصات للقرآن الكريم يكون في الصلاة، وفي خطبة ~~الجمعة أو العيدين، لأنها تشتمل على آيات من القرآن، ولكن اشتمالها على ~~الآيات أقل مما يقوله الخطيب، ونبه البعض إلى أن الإنصات للخطبة ثبت ~~بدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: # " إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ". # إذن الإنصات للخطبة جاء بدليل من السنة. وهناك قول بأن الاستماع مطلوب ~~للقرآن في أي وضع من الأوضاع حين يقرأ ففي هذا احترام ومهابة لكلام ~~الله عز وجل، وينسب هذا القول إلى إمامنا وسيدنا ومولانا سيدي " أبي عبد ~~الله الحسين " ، فيقول: إذا قرئ القرآن سواء إن كنت في صلاة أو كنت في ~~خطبة، أو كنت حرا فأنصت لأن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يميز القرآن ~~على مطلق الكلام، فميزه بأشياء، إذا قرئ ننصت له، وإذا مس المصحف لا ~~بد أن يكون على " وضوء " حتى لا يجترئ الناس ويمسوا المصحف كأي كتاب من ~~الكتب، وهذا يربي المهابة فلا تمسك المصحف إلا وأنت متوضئ، فإذا علمنا ~~أولادنا، نقول للواحد منهم: لا تقرب المصحف إلا وأنت متوضئ فتنشأ المهابة ~~في نفس الولد. وأيضا في " الكتابة " شاء الحق تبارك وتعالى لبعض ألفاظه ~~كتابة خاصة غير كتابة التقعيد الإملائي حتى يكون للقرآن قداسة خاصة، فهو ~~كتاب فريد وليس ككل كتاب وكلامه ليس ككل كلام. { وإذا قرىء ~~القرءان فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ~~} [الأعراف: 204]. وبعض العلماء قال: ليس المطلوب مجرد الاستماع بالآذان، ~~بل المقصود بالاستماع هنا هو أن نستجيب لمطالبه، ألا تقولون لبعضكم حين ~~يدعو بعضكم لبعض: " الله يسمع دعاك "؟ إنك تقولها وأنت تعلم أن الله ~~سامعك، ولكنك تقصد بها أن يستجيب سبحانه وتعالى لهذا الدعاء، إذن ~~فالاستماع للقرآن يقتضي الاستجابة لمطلوبات القرآن. لماذا؟ لننال الرحمة ~~من الحق فهو الرحمن الرحيم. { لعلكم ترحمون }. ونعلم أن " لعل ~~" " وعسى " حين تقال يقصد بها الرجاء، و " ليت " تعني التمني وهو مستحيل ~~ولا يتوقع، ونحن نتمنى لنظهر أن هذا أمر محبوب لنا، لكننا ms3664 نعلم أنه ~~مستحيل، مثلما قال الشاعر العجوز: # ألا ليت الشباب يعود يوما # فأخبره بما فعل المشيب # إنه يعلم يقينا أن الشباب لن يعود ولكن قوله يدل على أن الشباب فترة ~~محبوبة. ومثل قول الشاعر: # ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها # عقود مدح فما أرضى لكم كلم # ولن تدنو الكواكب. إذن ساعة تسمع " عسى " أو " لعل " يتبادر إلى ذهنك أن ~~هذا رجاء لأن يحدث، وإذا كان رجاء من الله، فهو رجاء من كريم لا بد له من ~~واقع. ويقول الحق بعد ذلك: { واذكر ربك في نفسك تضرعا ~~وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو... }. ### || [7.205] # والذكر مرور الشيء، إن كان بالبال، فهو ذكر في النفس، وإن كان باللسان ~~ولا يسمع الغير ويسمعك أنت فهذا ذكر السر، وإن كان جهرا فهو قسمان ~~جهر مقبول، وجهر غير مقبول، والجهر غير المقبول هو أن يتحول الذكر إلى ~~إزعاج والعياذ بالله، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ~~ذلك سبيلا # [الإسراء: 110]. ولعل إخواننا القراء يتنبهون إلى هذه الآية تنبها ~~يجعلهم يلتفتون إلى أداء أمر الله في هذا المجال فلا يجهرون ولا يرفعون ~~أصواتهم به لدرجة الإزعاج، لأني أقول لكل واحد منهم: إن ربك لم يطلب منك ~~حتى الجهر، إنما طلب دون الجهر، وأقول ذلك خاصة لهؤلاء الذين يفسدون نعمة ~~الله على خلقه فيصيحون ليلا ويمنعونهم من رحمة الله ليلا التي قال ~~عنها: # ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون # [القصص: 73]. فلا تفسدوا على الناس رحمة ربنا لأن الدعوة إلى الله ليست ~~صياحا على المنابر، اللهم إلا إذا كنتم تصنعون لأنفسكم دعاية إعلامية ~~على مساجد الله وعلى منابر الله. وهذا أمر مرفوض وغير مقبول شرعا. { ~~واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة.. } [الأعراف: 205] ~~والحق تبارك وتعالى يقول مرة: # يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا # [الأحزاب: 41]. ومرة يقول: { واذكر ربك } وقوله: " اذكر الله " ~~يستشعر سماعها التكاليف لأن الله هو المعبود، والمعبود هو المطاع في ~~الأوامر والنواهي. أما ms3665 قوله: " اذكر ربك " فهو تذكير لك بما حباك به من ~~أفضال خلقك ورباك وأعطاك من فيض نعمه ما لا يعد ولا يحصى. فاذكر ربك لأنك ~~إن لم تعشقه تكليفا، فأنت قد عشقته لأنه ممدك بالنعم، وسبحانه يتفضل ~~علينا ويوالينا جميعا بالنعم. وأضرب لك هذا المثل - ولله المثل الأعلى ~~وهو منزه عن التشبيه - وأنت لك أولاد، وتعطي لهم مصروفا، وحين تعطي لهم ~~المصروف كل شهر، تجدهم لا يحرصون على أن يروك إلا كل شهر، لكن إن كنت ~~تعطي مصروفهم يوميا فأنت تلتفت لتجدهم حولك، فإن كنت نائما يدخل ابنك ~~لغرفة نومك يسير بجانبك ويتنحنح ليقول إنه يحتاج لشيء موجود بالغرفة، فما ~~بالك وأنت بكل وجودك عبد لإحسان ربك؟ وما دمت عبد الإحسان فاذكر من يحسن ~~إليك، اذكر ربك دائما. واذكره على حالين: الأول تضرعا. أي بذلة، لأنك ~~قد تذكر واحدا بكبرياء، إنما الله الخالق المحسن يجب عليك أن تذكره بذلة ~~عبودية لمقام الربوبية، واذكر ربك " خيفة " أي خائفا متضرعا لأنك كلما ~~ذللت له يعزك، ولذلك نجد العبودية مكروهة في البشر وهي استعباد، والناس ~~ينفرون ممن يستعبدهم لأن عبودية الإنسان لمساويه طغيان كبير وظلم عظيم ~~فهي تعطي خير العبد للسيد، ولكن عبوديتك لله تعطي خير الله لك. # ولذلك نجد الحق يمتن على رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ~~لنريه من آياتنآ إنه هو السميع البصير # [الإسراء: 1]. وقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم منزلة كبرى بحادث ~~الإسراء، وكان الحديث عنها بامتنان من الله على عبده ورسوله محمد صلى ~~الله عليه وسلم. والشاعر المؤمن يقول: # حسب نفسي عزا بأني عبد # يحتفي بي بلا مواعيد رب # هو في قدسه الأعز ولكن # أنا ألقي متى وأين أحب # وأنت أيها العبد المؤمن تلقى الله متى أردت، وإذا أسلمت زمامك للإيمان ~~فالزمام في يدك. يكفي أن تنوي الصلاة وتقول: الله أكبر فتكون في حضرته ~~سبحانه سواء كنت في البيت أو في الشارع أو ms3666 في أي مكان. وفي منتهى العزة ~~لك. { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون ~~الجهر من القول } [الأعراف: 205]. ولم يقل هنا رب العالمين: بل ~~ربك أنت يا محمد، وهذه قمة العطاءات التي جاءت للناس، فهذا العطاء الذي ~~جاء بمحمد رسولا، نعمة ومنة من الله على المؤمنين برسالته، وبعد ذلك ~~ينسب لكل مسلم العطاء الذي جاء لمحمد. وقوله تعالى لرسوله: { واذكر ~~ربك في نفسك } أي أنه سبحانه لم يجعل دليل عنايته بك مقصورا ~~على ما يشاهد في الخارج والبعيد عنك فقط لأنك قد لا ترى شيئا في الكون ~~أو لا تسمع شيئا في الكون لأن الكون منفصل عنك، إنما انظر إلى نفسك أنت ~~وستجد الآيات كلها تذكرك بخالقك. # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]. فقبل أن يجعل ربنا الدليل في الكون الذي حولك، جعل لك ~~الدليل أيضا في نفسك لأن نفسك لا تفارقك وأنت أعلم بملكاتها وبجوارحها، ~~وبنوازعها، ولهذا كان التضرع إلى الله والخيفة منه لهما مجال هنا لأنك ~~تستطيع أن ترى سر صنعته فيك، وستجد الكثير من الآيات، وهي آيات أكبر منك، ~~لذلك أنت تتضاءل أمام من وهب لك كل هذا، وتخاف ألا تؤدي حقه لديك. ونعود ~~إلى قول الله تعالى: { واذكر ربك في نفسك تضرعا ~~وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال } ~~والذكر حدث، والحدث يحتاج إلى زمان وإلى مكان. والغدو والآصال زمنان ~~يستوعبان النهار فالغدو هو أول النهار، والآصال هو من العصر للمغرب، ~~مثلما نقول " شمس الأصيل ". وهذه الآية الكونية تتكرر في القرآن الكريم ~~كثيرا، فالحق تبارك وتعالى يقول: # يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * ~~وسبحوه بكرة وأصيلا # [الأحزاب: 41 - 42]. وكما يقول عز وجل: # إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * ~~لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه ~~وتسبحوه بكرة وأصيلا # [الفتح: 8 - 9]. و " الأصيل " هنا مشترك، ومقابل الأصيل يطلق الحق عليه ~~مرة بكرة، وأخرى يطلق عليه: الغدو، وسبحانه القائل: # الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها ~~كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ms3667 ~~شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من ~~يشآء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل ~~شيء عليم * في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال # [النور: 35 - 36]. إنك ساعة أن تقرأ " في بيوت " تعرف أن هنا حدثا لأن ~~قوله: " في بيوت " شبه جملة في معنى الظرف، وإذا استقرأت ما قبلها، لم ~~تجد لها متعلقا. والحظ إذن أن ما قبلها هو { نور على نور } ~~{ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه } ~~فأنت حين تذهب إلى المسجد لتلقى الله، فذلك نور، وتصلى له فذلك نور، ~~وتخرج من هذا النور بنور يهبط عليك في بيته، وكل هذا نور على نور، فمن ~~أراد أن يتعرض لنفحات نور الله عز وجل فليكثر من الذهاب إلى بيوت الله، ~~وللمساجد مهابة النور لأنها مكان الصلاة، ونعلم أن الصلاة هي الخلوة التي ~~بين العبد وربه، وكان رسول الله إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة. وأنت إذا ~~ما اتبعت حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وتصلي ركعتين لله إن حزبك أمر ~~وعزت عليك مسألة وكانت فوق أسبابك ثم ذهبت بها إلى الله فلن يخرجك الله ~~إلا راضيا. { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر ~~فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال }. والغدو ~~والآصال أو البكرة والأصيل كما عرفنا هي أزمنة أول النهار وأزمنة أول ~~الليل. ولماذا أزمنة أول النهار وأزمنة أول الليل؟ لأن هذه الأزمنة هي ~~التي يطلب فيها الذكر. فقبل أن تخرج للعمل في أول النهار أنت تحتاج لشحنة ~~من العزيمة تقابل بها العمل من أجل مطالب الحياة، وفي نهاية النهار أنت ~~تحتاج أن تركن إلى ربك ليزيح عنك متاعب هذا اليوم، لذلك إياك أن تشغلك ~~الحياة عن واهب الحياة، ولك أن تذكر ربنا وأنت تعيش مع كل عمل تؤديه ~~وتقوم به وأن تقابل كل نتيجة للعمل بكلمة: الحمد لله وعندما ترى أي جميل ~~من الوهاب سبحانه وتعالى يجب عليك أن ms3668 تقول: " ما شاء الله " وعندما ترى ~~أي شيء يعجبك تقول: سبحان الله. ولذلك حينما دعا الله خلقه المؤمنين به ~~إلى الصلاة قال: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون # [الجمعة: 9]. وهذا التكليف في صلاة الجمعة المفروضة كصلاة للجماعة، ~~والجماعة مطلوبة فيها، ومن الضروري أن نتواجد فيها كجمع لأن الجماعة ~~مشروطة فيها فلا تصح بدون الجماعة. # ونعرف أن الصلاة إنما هي ذكر لربنا، فماذا بعدها؟ # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون # [الجمعة: 10]. أي إياك أن يشغلك انتشارك في الأرض وابتغاؤك من فضل الله، ~~والأخذ بأسباب الدنيا عن واجبك نحو الله، بل عليك أن تذكره سبحانه ~~وتعالى: { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون ~~الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من ~~الغافلين } [الأعراف: 205]. أي لا تكن من الغافلين عن مطلوبات الله ~~بالحدود التي بينها الله عز وجل لأن الغفلة معناها انشغال البال بغير ~~خالقك، وأنت إن جعلت خالقك في بالك دائما فإنك لا تغفل عن مطلوباته في ~~الغدو والآصال وفي كل وقت، سواء كنت في الصلوات الخمس، أو كنت تضرب الأرض ~~في أي معنى من المعاني، وتأس أيها المؤمن بالملائكة الذين يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون، فإذا كان الملائكة والذين لم يرتكبون أية معصية وليس ~~لهم موجبات المعصية، ولا يأكلون ولا يتناسلون، وليس لهم شهوة بطن ولا ~~شهوة فرج، وكل المعاصي جميعها تأتي من هذه الناحية، مع ذلك يجب عليك أن ~~تتأسى بهم لأنهم هم الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لا ~~يستكبرون عن عبادته، ويسبحونه وله يسجدون، لذلك يقول الحق بعد ذلك: { ~~إن الذين عند ربك... }. ### || [7.206] # وإذا كنا كلنا عند ربنا وفي حضرة ما منحه لما من خلق وما أمدنا به من ~~إيجاد من عدم سواء، فلماذا خص هؤلاء بالعندية؟. إياك أن تفهم من العندية ~~أنها عندية المكان لأن المكان محيز، وربنا عز ms3669 وجل لا يتحيز في مكان، ~~والعندية هنا عندية الفضل، وعندية الرحمة، وعندية الملك، وعندية العناية. ~~أو إن كل خلق لله جعل لهم أسبابا ومسببات، ولكن خلقا من خلقه يسبحونه ~~بذاته، وليس لهم عمل آخر، ويعرفون بالملائكة العالين، لا الملائكة ~~المدبرات أمرا أو الحفظة. ولذلك قلنا سابقا: إن الحق سبحانه وتعالى ~~حينما أمر الملائكة بالسجود لآدم، وامتنع إبليس قال له: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75]. و { العالين } هم الذين لم يشملهم أمر السجود، فهم ملائكة ~~موجودون ولا عمل لهم إلا تسبيح الذات العلية ولا يدرون عن الخلق أو ~~الدنيا شيئا. وهم غير الملائكة المسخرين لخدمتنا فالذين عند ربنا هم ~~الملائكة المهيمون الذين لا يعرفون شيئا إلا الذات الإلهية وتسبيح ~~الذات وعملهم يحدده الله هنا: { لا يستكبرون عن عبادته ~~ويسبحونه وله يسجدون }. واختلف العلماء في كيفية سجود ~~الملائكة، أهو الخضوع؟ أهو الصلاة؟ أهو السجود الذي نعرفه نحن؟ والسجود ~~عندنا هو منتهى ما يمكن من الخضوع لله عز وجل وقت الصلاة. لأنه نزول ~~بأشرف شيء في الإنسان وهو الوجه الذي يضعه المؤمن على الأرض خضوعا لله ~~عز وجل. ولذلك علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا إذا مررنا على ~~آية سجدة من آيات كتاب الله فيها مثل ذلك فعلينا أن نستجيب لها استجابة ~~حقيقية ونسجد لها سجدة تسمى التلاوة، ويكون ذلك عند تلاوتها أو سماعها من ~~القارئ، وحصرها العلماء فيما تجدونه في المصحف عند كل سجدة وجعلوا عندها ~~علامة ووضعوا تحت الكلمة التي نسجد عندها خطا. وحين قام العلماء ببيان ~~المواضع التي تطلب فيها هذه السجدات وجدوها قد ابتدأت بسجدة آخر سورة " ~~الأعراف " التي نتناولها بخواطرنا الآن، وانتهت بسجدة " العلق ": # اقرأ باسم ربك الذي خلق # [العلق: 1]. وبينهما سجدات، وبعض العلماء عد في سورة الحج سجدتين ~~وبعضهم أهمل السجدة الثانية في هذه السورة. فمن حسبها خمس عشرة سجدة، عد ~~سجدة الحج الثانية المختلف عليها مع سجدة الحج الأولى - المتفق عليها - ~~وبعض العلماء قال: إنها أربع عشرة سجدة لأنه لم يحسب سجدة الحج ms3670 الثانية. ~~وهب أنك أردت أن تسجد لله شكرا في أي وقت، وعند أي آية فاسجد لله سجدة ~~الشكر، وهي سجدة واحدة كسجدة التلاوة وتستحب عند تجدد نعمة أو انقشاع ~~غمه، أو زوال نقمة ولا تكون إلا خارج الصلاة. والسجود بطبيعة الحال ~~تبدأه بالتكبير، ورفع اليدين كأنك تبدأ الصلاة، والمفترض أن تقول: " ~~سبحان ربي الأعلى " ، إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا ما ~~نقوله في السجود للتلاوة، وروي عن ابن عباس قال: # " كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فقال: إني رأيت ~~البارحة - فيما يرى النائم كأني أصلي إلى أصل شجرة، فقرأت السجدة ~~فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها تقول: اللهم احطط عني بها وزرا، ~~واكتب لي بها أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا. قال ابن عباس: ~~فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ السجدة فسجد، فسمعته يقول في سجوده ~~مثل الذي أخبره الرجل عن قول الشجرة ". # وبذلك تختم سورة الأعراف، والتسمية للسورة في ذاتها متناسبة لأن " ~~الأعراف " هو المكان العالي البارز الذي يجلس عليه القوم ممن تساوت ~~حسناتهم وسيئاتهم لينظروا إلى أهل الجنة وينظروا إلى أهل النار، وهكذا ~~تكون الأعراف مكانا يزيد في الارتفاع، وهي مأخوذة من " عرف الفرس " ، ~~وعرف الفرس أعلى شيء فيه، والأنفال أيضا هي الزيادة ولذلك فإن التسمية ~~متناسبة سواء بالنسبة لسورة الأعراف أو الأنفال، وأيضا يوجد التناسب في ~~المعنويات، وهذا التناسب نلحظه عندما نقرأ قول الحق تبارك وتعالى في ~~أواخر سورة الأعراف: # إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون # [الأعراف: 201]. ثم يأتي قوله سبحانه وتعالى في أول سورة الأنفال: # يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ~~فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم # [الأنفال: 1]. لأن من مهام الشيطان أن يفرق بين المؤمنين بوسوسته لهم، ~~فإذا ما تذكروا الله وما أعده لأهل الإيمان فهم يبصرون الحقيقة الأولى ~~التي ترتفع على كل شيء وهي الإيمان بالله، وهذا الإيمان إنما يتطلب تصفية ~~القلوب من كل ما يكدرها حتى تكون خالصة نقية. ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] ms3671 # يقول الحق سبحانه وتعالى مفتتحا سورة الأنفال: { يسألونك عن ~~الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن ~~كنتم مؤمنين }. السؤال يقتضي سائلا: وهم صحابة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ويقتضي مسئولا هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقتضي ~~مسئولا عنه وهو موضوع السؤال المطروح. والمسئول عنه قد يوجد بذاته، ~~مثلما نسأل صديقنا: ماذا أكلت اليوم؟ هذا السؤال فيه تحديد لمنطقة ~~الجواب، والجواب عنه أيضا يحدد المنطقة. وموضوع السؤال في قول الله ~~تعالى: # ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا ~~النسآء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن # [البقرة: 222]. يدل عليه الجواب، فهم لم يسألوا عن أسباب المحيض، أو ~~لماذا ينقطع عن الحامل أو من بلغت الكبر، لكن كان موضوع السؤال الذي هو ~~واضح من إجابة الحق تبارك وتعالى: أيجوز أن يباشر الرجل المرأة أثناء ~~المحيض أم لا؟ وسؤال آخر سألوه للرسول صلى الله عليه وسلم عن اليتامى، ~~ويحدد الجواب موضوع السؤال: يقول الله تعالى: # ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ~~وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد ~~من المصلح ولو شآء الله لأعنتكم إن الله ~~عزيز حكيم # [البقرة: 220]. لأنهم كانوا يتخوفون من مخالطة اليتامى في الأموال ومن ~~مؤاكلتهم، وغير ذلك من ألوان التعامل، ورعا وبعدا عن الشبهات وجاءت ~~الإجابة لتحدد موضوع السؤال: ومرة يأتي السؤال وفيه تحديد مناط الإجابة ~~لأنها عامة مثل قوله الحق تبارك وتعالى: # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج # [البقرة: 189]. هم سألوا محمدا صلى الله عليه وسلم: لماذا يبدأ الهلال ~~صغيرا ولماذا يكبر، ثم لماذا يختفي في المحاق؟. وهذا سؤال في الفلك. ولم ~~يجبهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلا في الحدود التي يستفيدون منها وهي ~~القيمة النفعية العملية، وجاءت الإجابة: # قل هي مواقيت للناس والحج # [البقرة: 189]. لأننا ورغم وجودنا في هذا القرن العشرين إلا أن البعض من ~~الناس ما زال يكذب الحقيقة العلمية التي ثبتت بما لا يدع مجالا لأي شك. ~~ونقول للعامة: إن الهلال يشبه قلامة الظفر ثم ms3672 يكبر ليستدير ثم يختفي ~~قليلا قليلا. وفي هذا يقول الشاعر: # وغاية ضوء قمير كنت آمله # مثل القلامة قد قدت عن الظفر # ولو قال لهم: إن الهلال يظهر حين تتوسط الأرض بين الشمس والقمر ثم يبدأ ~~في الاكتمال تباعا، لما استطاعت عقولهم أن تستوعب هذه المسألة، فجاء لهم ~~بالحكمة المباشرة النفعية التي تدركها عقولهم تماما، ثم ارتقت العقول ~~بالعلم ووصلنا إلى دراسة حركة الأفلاك التي توضح كل التفاصيل الفلكية. ~~وهناك سؤال يجيء في أمر محدد، مثل قول الحق: # يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد ~~الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله # [البقرة: 217]. وهكذا عرفنا أن موضوع السؤال هو عن حكم القتال في الشهر ~~الحرام، لا طلب تحديد الأشهر الحرم بالذات. ويقول الحق تبارك وتعالى هنا: ~~{ يسألونك عن الأنفال } والأنفال جمع نفل بفتح الحرف ~~الأول والثاني، مثل كلمة سبب وأسباب، والمراد بالنفل هنا الغنيمة ~~لأنها من فضل الله تعالى وهي من خصائص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد ~~اختصت بها هذه الأمة دون الأمم السابقة، والنفل بالسكون الزيادة، ومنه ~~صلاة النافلة لأنها زيادة عن الفريضة الواجبة، وفي هذا المعنى يقول ربنا ~~عز وجل في آية ثانية: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك # [الإسراء: 79]. ونافلة تعني أمرا زائدا غير مفروض، ولذلك نقول: إن ~~النفل هو العبادة الزائدة، وشرطها أن تكون من جنس ما فرض عليك لأن ~~الإنسان لا يعبد ربه حسب هواه الشخصي، بل يعبد العبد ربه بأي لون من ~~ألوان العبادة التي شرعها الله، وإذا أراد زيادة فيها فلتكن من جنس ما ~~فرض الله، حتى لا يبتدع العبد عبادات ليست مشروعة. ولذلك قال الحق تبارك ~~وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: # ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79]. النفل إذن هو أمر تعبدي زائد عن الأصل. وحينما ابتلى ~~الله سيدنا إبراهيم عليه السلام بأن يذبح ولده إسماعيل، جاءه الابتلاء لا ~~بوحي صريح، ولكن ms3673 برؤيا منامية وهو ابتلاء شاق، فلم يكن الابتلاء - مثلا ~~- أن يذبح إنسان آخر سيدنا إسماعيل، ثم يصبر سيدنا إبراهيم على فقده، لا ~~بل هو الذي يقوم بذبح ولده إسماعيل. وهكذا كان الابتلاء كبيرا، خصوصا ~~أنه لم يأت إلا في آخر العمر. وكانت هذه المسألة من الملابسات القاسية ~~على النفس. ولذلك أوضح ربنا عز وجل أن سيدنا إبراهيم كان أمة، أي اجتمعت ~~فيه صفات الإيمان اللازمة لأمة كاملة. # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124]. ولنر رحموت النبوة في سلوك سيدنا إبراهيم عليه السلام ~~حين جاء لينفذ أمر الرؤيا بذبح الابن لأن رؤيا الأنبياء وحي لذلك لم يشأ ~~أن يأخذ ولده أخذا دون أن يطلعه على الحقيقة لأنه لو فعل ذلك سيعرض ولده ~~لحظة لهاجس عقوق لأبيه، وقد يقول الابن: أي رجل هذا الذي يذبح ابنه؟. ~~وأراد سيدنا إبراهيم أن يشاركه ابنه كذلك في الثواب، وأن يكون الابن ~~خاضعا لأمر الحق تبارك وتعالى كأبيه فقال له: # يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ~~ماذا ترى # [الصافات: 102]. وهكذا أوضح سيدنا إبراهيم عليه السلام الابتلاء الذي ~~جاءه كرؤيا في المنام فماذا يقول الابن إجابة على سؤال أبيه؟ # قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله ~~من الصابرين # [الصافات: 102]. أي أن إسماعيل عليه السلام أسلم زمامه لأمر الحق تبارك ~~وتعالى، ويواصل المولى سبحانه وتعالى وصف ابتلاء سيدنا إبراهيم بذبح ~~الابن فيقول تبارك وتعالى: # فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن ~~يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي ~~المحسنين # [الصافات: 103 - 105]. فبعد أن رضي كل من سيدنا إبراهيم وابنه سيدنا ~~إسماعيل وسلما أمرهما لله تعالى وامتثلا للأمر بالقضاء، رفع الله برحمته ~~هذا القضاء لذلك يصف الحق تبارك وتعالى هذا البلاء وتكرمه بالفداء فيقول: # إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح ~~عظيم # [الصافات: 106-107]. وتعلمنا هذه الواقعة أيها المسلم أنك إذا ما جاء لك ~~قضاء من الله، إياك أن تجزع، إياك أن تسخط، إياك أن تغضب، إياك أن تتمرد ~~لأنك بذلك تطيل أمد القضاء عليك، ms3674 ولكن سلم لقضاء الله فيرفع هذا القضاء ~~لأن القضاء لا يرفع حتى يرضى به. وهكذا لم يكن جزاء الصبر على القضاء ~~لسيدنا إبراهيم عليه السلام افتداء إسماعيل بذبح عظيم فقط، بل وزيادة على ~~ذلك يسوق له المولى البشرى بمزيد من العطاء فيقول: # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # [الصافات: 112]. أي أنه لم يرزقه بولد ثان فقط، بل بولد يكون نبيا ~~وصالحا. وتأتي زيادة أخرى في العطاء الرباني لسيدنا إبراهيم عليه السلام ~~فيقول سبحانه وتعالى: # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا ~~صالحين # [الأنبياء: 72]. هكذا يتجلى عطاء المولى سبحانه وتعالى لسيدنا إبراهيم ~~عليه السلام فلا يعطيه الولد الذي يحفظ ذكره فقط، بل يعطيه الولد الذي ~~يحفظ أمانة الدعوة أيضا، وكل ذلك نافلة من الله، أي عطاء كريم زائد وفضل ~~كبير لأبي الأنبياء. إذن النفل هو الأمر الزائد عن الأصل. ومثال ذلك ما ~~خص الله به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، فقد قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، ~~وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، ~~وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث ~~إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة ". # إذن تشريع الله للغنائم في الإسلام أمر زائد عن الأصل لأن الغنائم لم ~~تحل لأحد من الأنبياء قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم. وهناك نفل، وهناك ~~غنيمة، وهناك فيء، وهناك قبض. وسنوجز معنى كل منها: الغنيمة: هي ما يأخذه ~~المسلمون من الأعداء المهزومين، وتقسم فيما بينهم بنسب معينة، فللرجل ~~المقاتل سهم واحد، وللفارس سهمان، وهذا على سبيل المثال فقط وتقسيمها حسب ~~تشريع الله عز وجل، وسبق بيان النفل والنفل بفتح الوسط وسكونه، والفيء ~~هو كل مال صار للمسلمين من غير حرب ولا قهر - " والقبض " بتحريك الوسط ~~بمعنى المقبوض وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم. # لكن إذا جاء ولي الأمر وبين للمقاتلين مشجعا لهم على حركة الحرب ~~مثلما فعل ms3675 رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: # " من قتل كافرا فله سلبه ". # فلذلك أمر زائد في حصته في الغنيمة. وقد يبعث القائد سرية ويشجعها على ~~خوض الصعاب فيقول لأفراد تلك السرية: لكم نصف ما غنمتم، أو الربع أو ~~الخمس، فهذا يعني أن من حقهم أن يأخذوا النسبة التي حددها لهم القائد ~~كأمر زائد، ثم تقسم الغنائم من بعد ذلك، وساعة يأخذ المقاتلون الأسلاب ~~والمتاع، والعتاد والأموال من الأسرى، فهذه تسمى غنائم، أما حين تجمع ~~الغنائم عند ولي الأمر فيصير اسمها القبض وقد سبق بيانه. وفي يوم بدر ~~حدثت واقعة يرويها الصحابي الجليل سعد بن مالك رضي الله عنه قائلا: # " قلت يا رسول الله: قد شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا ~~السيف، قال عليه الصلاة والسلام: " إن هذا السيف لا لك، ولا لي، فضعه " ، ~~قال: فوضعته، ثم رجعت، فقلت: عسى أن يعطي هذا السيف من لا يبلي بلائي، ~~قال: فإذا رسول الله يدعوني من ورائي. قال الصحابي: قد أنزل الله في ~~شيئا؟. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت سألتني السيف، وليس هو لي، ~~وأنه قد وهب لي، فهو لك " # ، قال: وأنزل الله هذه الآية: { يسألونك عن الأنفال قل ~~الأنفال لله والرسول } [الأنفال: 1]. أي أن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن ليحكم في أمر السيف إلا بعد أن ينزل حكم الله عز وجل. ~~ونعلم جميعا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى غزوة بدر ولم يكن يقصد ~~القتال، بل كان الخروج للعير التي تحمل بضائع قريش القادمة من الشام، ~~وليس معها إلا بعد أربعون رجلا يحرسونها، ولذلك خرج المسلمون وكان عددهم ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا وليس معهم عدة أو عتاد، بل لم يكن لديهم إلا ~~فرسان اثنان لأنهم لم يخرجوا لقتال، بل خرجوا للعير بغية أن يعوضوا ~~أنفسهم شيئا مما سلبوه في مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~أبا سفيان سلك طريق الساحل. أي سار في طريق بعيد عن المسلمين ولم يأت من ms3676 ~~جهة الرسول والذين معه، واستنفرت قريش كل رجالها ليحموا العير، وصار ~~الأمر بين أن يرجع المؤمنون دون حرب، وإما أن يواجهوا النفير، وهو ~~التعداد الكثير، وكانوا ألفا ومعهم العدة والعتاد، فأراد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يشجع الفتيان على الحرب فقال لهم: # " من قتل كافرا فله سلبه " # ، أي أنه خصهم بأمر زائد عن سهمهم في الغنيمة. فلما علم الكبار من ~~الصحابة والشيوخ، قالوا: يا رسول الله هم قاتلوا وقتلوا، لكن نحن كنا عند ~~الرايات، يفيئون إلينا إن وقعت عليهم هزيمة فلا بد أن نتشارك، وحدث لغط ~~وخلاف، فحسم الله سبحانه وتعالى هذا اللغط بأن أنزل قوله تعالى: { ~~يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ~~فاتقوا الله }. # فبين سبحانه أن الحكم في قسمة الغنائم بين الجميع لله وللرسول ~~وإياكم أن تخرجوا عن أمر الله فيها، واجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية. فلا ~~تنازعوا ولا تختلفوا { وأصلحوا ذات بينكم }. إن كان قد حصل ~~بين الطرفين، الشبان والشيوخ الكبار قليل من الخلاف فأصلحوا ذات بينكم. ~~وساعة تسمع { وأصلحوا ذات بينكم } قد تسأل: ما هو البين؟ ~~الجواب " البين " هو ما بين شيئين، فحين يجلس صف من الناس بجانب بعضهم ~~البعض، فما بين كل منهم هو ما يسمى " البين " ، وقد يكون الذي يفصلنا عن ~~بعض " بين مودة " أو بين جفوة، إذن فالبين له صورة وله هيئة، فإن كانت ~~الصورة التي بينكم وبين بعضكم فيها شيء من الجفوة فأصلحوا السبب الذي من ~~أجله وجد " البين " حتى لا يكون بينكم جفوة ونزاع. ثم يقول تبارك ~~وتعالى: { وأطيعوا الله ورسوله } [الأنفال: 1]. وقلنا إن ~~أمر الطاعة معناه الامتثال، والطاعة ليست للأمر فقط بل للنهي أيضا، لأن ~~الأمر طلب فعل، والنهي طلب عدم فعل، وكلاهما طلب. وحينما يقول الحق: { ~~وأطيعوا الله ورسوله } [الأنفال: 1]. تفهم هذا القول على ~~ضوء ما عرفناه من قبل وهو أن مسألة الطاعة أخذت في القرآن صورا ثلاثا، ~~الصورة الأولى: يقول الحق تبارك وتعالى: { وأطيعوا الله ~~ورسوله } وفيها يكرر المطاع وهو الله والرسول، ولكنه يفرد الأمر ms3677 ~~بالطاعة. ومرة ثانية يقول المولى عز وجل: # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول # [المائدة: 92]. أي أنه سبحانه يكرر المطاع، ويكرر الأمر بالطاعة. ومرة ~~ثالثة يقول سبحانه وتعالى: { وأطيعوا الرسول }. لأن منهج الله ~~فيه أمور ذكرها الله عز وجل، وذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتواردت السنة مع النص القرآني، فنحن نطيع الله والرسول في الأمر الصادر ~~من الله. وهناك بعض من التكاليف جاءت إجمالية، والإجمال لا بد له من ~~تفصيل، مثل الصلاة وفيها قال الحق تبارك وتعالى: # فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين ~~كتابا موقوتا # [النساء: 103]. إذن فالله عز وجل أمر بالصلاة إجمالا وقدم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لهذا الإجمال تفسيرا وتطبيقا فهي خمس صلوات، ركعتان ~~للصبح، وأربع ركعات للظهر، وأربع ركعات للعصر، وثلاث ركعات للمغرب، وأربع ~~ركعات للعشاء، وحدد الرسول عليه الصلاة والسلام الصلوات التي نجهر فيها ~~بقراءة الفاتحة وبضع آيات من القرآن، وحدد الصلوات التي لا نجهر فيها ~~بالتلاوة. إذن فحين يقول الحق تبارك وتعالى { أطيعوا الله } ، أي ~~أطيعوه في مجمل الحكم، وحين يقول: { وأطيعوا الرسول } أي ~~أطيعوه في تفصيل الحكم، وإذا ما قال: { أطيعوا الله والرسول ~~} فهذا يعني أن الحق قد أمر وأن الرسول قد بلغ، والمراد واحد، وإذا لم ~~يكن لله أمر، وقال الرسول شيئا فالحق يقول: { وأطيعوا الرسول } ~~، وسبحانه قد أعطى رسوله تفويضا بقوله: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. أي أن كل أمر من الرسول إنما يأتي من واقع التفويض الذي ~~أكرمه الله به، وهنا يقول سبحانه وتعالى: { يسألونك عن ~~الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن ~~كنتم مؤمنين } [الأنفال: 1]. أي إن كنتم مؤمنين حقا فاتقوا الله ~~الذي آمنتم به واتبعوا الأمر الصادر من الله ورسوله لكم، لأن مدلول ~~الإيمان هو اقتناع القلب بقضية لا تطفو للمناقشة من جديد، وكذلك اقتناع ~~بأن هذا الكون له إله واحد، وله منهج يبلغه الرسول المؤيد من الله عز وجل ~~بالمعجزة، وهذا الإيمان وهذا المنهج يفرض عليكم ms3678 تقوى الله بإصلاح ذات ~~البين، ويفرض عليكم طاعة الله والرسول في كل أمر، ومن هذه الأمور التي ~~تتطلب الطاعة هو ما أنتم بصدده الآن، لأنه أمر في بؤرة الشعور. ويأتي ~~الحق بعد ذلك ليبين من هم المؤمنون فيقول: { إنما المؤمنون ~~الذين إذا... }. ### || [8.2-3] # وفي هاتين الآيتين الكريمتين خمس صفات لها ترتيب عقائدي وحركي ~~وجوارحي، وبذلك يتحدد تشخيص كلمة " المؤمنين " ، هذه الصفات هي الأولى: ~~أنه إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وثانية الصفات أنه: إذا تليت عليهم آيات ~~الله زادتهم إيمانا، ثالثة الصفات: أنهم على ربهم يتوكلون، ورابعة ~~الصفات: أنهم يقيمون الصلاة، وخامسة الصفات: أنهم ينفقون مما رزقهم الله. ~~والصفة الأولى للمؤمنين هي: { إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~} [الأنفال: 2]. والوجل هو الخوف في فزع ينشأ منه قشعريرة، واضطراب في ~~القلب، وحينما أراد الشعراء أن يعطوا صورة بهذا الإحساس، نجد شاعرا منهم ~~يقول: # كأن القلب ليلة قيل يغدى # بليلى العامرية أو يراح # قطاط غرها شرك تجا # ذبه وقد علق الجناح # فالشاعر يصور حالة قلبه حين سمع بنبأ سفر حبيبته، كأنه صار مثل حمامة ~~تحاول أن تخلص نفسها من شبكة أو مصيدة وقعت فيها، إنها تجاذب المصيدة ~~حتى تخرج، وهي ترجف في مثل هذا الموقف، هكذا حال القلب لحظة فراق ~~المحبوبة عند الشاعر. وإذا كان ذكر الله عز وجل يدفع قلوب المؤمنين إلى ~~الوجل، ألا يتنافى ذلك مع قول الحق سبحانه وتعالى:؟ # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]. في الحقيقة لا يوجد تعارض بين القولين لأن ذكر الله تعالى ~~يأتي بأحوال متعددة، فإن كان الإنسان مسرفا على نفسه، فهو يرجف حين يذكر ~~الله الذي خالف منهجه. وإن كان الإنسان يراعي حق الله في كل عمل قدر ~~الاستطاعة، فلا بد أن يطمئن قلبه لحظة ذكر الله لأنه اتبع منهج الله ما ~~استطاع إلى ذلك سبيلا. إذن فالخوف أو الوجل إنما ينشأ من مهابة وسطوة ~~صفات الجلال. والاطمئنان إنما يجيء من إشراقات وحنان صفات الجمال. ولذلك ~~تجمعهما آية واحدة هي ms3679 قول الحق تبارك وتعالى: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله # [الزمر: 23]. فالجلود تقشعر خوفا ووجلا ومهابة من الله عز وجل، ثم ~~تلين اطمئنانا وطمعا في حنان المنان سبحانه وتعالى، لأن ربنا قال: # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم # [الحجر: 49]. إذن فلا يقولن أحد إن هناك تعارضا بين الوجل والاطمئنان، ~~فكلها من ذكر الله بالأحوال المتعددة للإنسان، فإذا ما وجل الإنسان فهو ~~يتجه إلى فعل الخير فيطمئن مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى: # إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين # [هود: 114]. وهل يزيد الإيمان أو ينقص؟ اختلف العلماء في هذا الأمر. ~~ونحن عندما ننظر إلى قول الحق نجده يؤكد زيادة الإيمان، وحينما نسأل ما ~~الإيمان؟ وما الإسلام؟.... إلخ نجد الجواب في توضيح الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ورده على السائل في الحديث الآتي والذي يرويه الصحابي الجليل سيدنا ~~أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بارزا للناس فأتاه رجل فقال ~~يا رسول الله: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ولقائه ~~ورسله وتؤمن بالبعث الآخر، قال يا رسول الله: ما الإسلام؟ قال: الإسلام ~~أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة ~~المفروضة وتصوم رمضان. قال يا رسول الله: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله ~~كأنك تراه فإنك إن لا تراه فإنه يراك. قال: يا رسول الله: متى الساعة؟ ~~قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل ولكن سأحدثك عن أشراطها، إذا ولدت ~~الأمة ربها فذلك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رءوس الناس فذاك ~~من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها في خمس ~~لا يعلمهن إلا الله. ثم تلا صلى الله عليه وسلم: إن الله عنده علم ~~الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما ~~تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير، ثم أدبر ms3680 الرجل فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: ردوا علي الرجل فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم ". # وجبريل عليه السلام حين جاء يسأل ليعلم بعضا من صحابة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال له الرسول عليه السلام عن الإيمان: # " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر " # ، وفي رواية أخرى ذكر القضاء والقدر خيره وشره. وهذه كلها أمور غيبية، ~~ولا يقال في الأمر المحس إيمان، فلا يقول واحد: أنا مؤمن أنى أتحرك على ~~الأرض لأن هذا أمر حسي. والإيمان لا يكون إلا بالأمور الغيبية وأولها ~~أن تؤمن بإله واحد لا تدركه الأبصار وهو غيب، وبملائكته وهي غيب، وصدقنا ~~وجودها لأنه أبلغنا بذلك الوجود. وكذلك أن نؤمن بالكتب المنزلة على ~~الرسل. وبالرسل، وصحيح أن الكتاب أمر حسي والرسول كذلك له وجود حسي، ~~لكن لم نشاهد الوحي وهو ينزل الكتاب على الرسول. إذن فهو أمر غيبي، وكذلك ~~الإيمان باليوم الآخر أمر غيبي أيضا، والايمان بالقضاء والقدر وهو ما ~~غابت عنا حكمته، وكلها إذن أمور غيبية. هذا الإيمان في القمة، لكن هناك ~~إيمان آخر يجيء لأننا نعلم أن التشريعات لم تأت مرة واحدة، بل كانت تأتي ~~على مراحل، فتشريع ينزل أولا بأن نؤمن أنه من الله. إذن فالذي يزيد ~~وينقص من الإيمان هو الإيمان بالتكليفات، وأنها صادرة من الله عز وجل، ~~وكلما كانت تنزل آية بتشريع جديد كانت تزيد المؤمنين إيمانا، فعندما نزل ~~الأمر بالصلاة آمنوا بإقامتها واستجابوا ونفذوا، ثم جاء الصوم فامتثلوا ~~للأمر به، ثم يجيء الأمر بالزكاة فتكون الطاعة والتنفيذ، وطبعا هناك فرق ~~بين أن تؤمن بالشيء، وأن تفعل الشيء. # فالإيمان شيء، وفعله شيء لأن الإسلام هو الانقياد الظاهري للمنهج، ~~وتطبيق كل ما يجيء به الإسلام هو إيمان مستمر متزايد لأننا آمنا بأن ما ~~يجيء من المنهج هو من الله. إذن فالذي يزيد هو توابع الإيمان من ~~التكليفات والامتثال لهذه التكليفات، مثال ذلك: كلنا نعرف قول الحق: # ولله ms3681 على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # [آل عمران: 97]. لكن هناك أناس يتمسكون بحرفية قوله الحق: # ومن كفر فإن الله غني عن العالمين # [آل عمران: 97]. والذين يتمسكون بحرفية القول الحق لم يتساءلوا: كفر ~~بماذا؟ هل كفر لأنه لم يحج؟ لا، إن كفره في هذه المسألة لا يكون إلا بأن ~~ينكر أن الحج ركن من أركان الإسلام، فالمطلوب منا إيمانيا أن نقر بالحج ~~كركن من أركان الإسلام في حدود الاستطاعة، فإن فعله الإنسان كان قد نفذ ~~الحكم، أما إن لم يفعله فقد يكون ذلك في حدود عدم الاستطاعة. ويذيل الحق ~~تبارك وتعالى هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها بقوله: { وعلى ~~ربهم يتوكلون }. ومتعلق الجار والمجرور دائما يكون ~~متأخرا، بينما هنا يتقدم الجار والمجرور لذلك ففي الأسلوب حصر وقصر، ~~مثلما نقول: " لزيد المال " أي أن المال ليس لغيره، وقول الحق: { ~~وعلى ربهم يتوكلون } أي لا يتوكلون على غيره، بل قصروا ~~توكلهم على الله سبحانه وتعالى، والتوكل: أن تؤمن بأن لك وكيلا يقوم لك ~~بمهام أمورك، بدليل أن الشيء الذي لا تقوى عليه تقول بصدده: " وكلت ~~فلانا ينجزه لي على خير وجه " وحتى تختار الذي توكله ويكون مناسبا ~~لأداء تلك المهمة فأنت تعلن باطمئنان: أنك قد وكلت فلانا. إذن معنى { ~~وعلى ربهم يتوكلون } أي أنهم يكلون أمورهم على من ~~ائتمنوه على مصالحهم، وهو الحق سبحانه وتعالى القادر العظيم الذي خلق ~~الكون، وخلق فيه أسبابا تؤدي إلى مسببات الأسباب مقدمة، والمسببات هي ~~النتيجة. وبعد ذلك ترك أمورا ليس فيها أسباب، إلا أن نلحظ دائما المسبب ~~وهو الله تعالى، فكل أمر يعز عليك في أسبابه إياك أن تيأس من أنه لا ~~يحدث، بل قل: تلك هي قضية الأسباب، أما أنا فلي رب خلق الأسباب. وهو ~~القادر فوق كل الأسباب، وفي حياتنا اليومية نلحظ أن الناس يخلطون بين عمل ~~الجوارح، وعمل القلوب، ويظن إنسان ما أنه متوكل ولا يأخذ بالأسباب ويركن ~~إلى الكسل ويقول: أنا متوكل على الله، وهذا نقول له: لا، إن هذا منك ms3682 ~~تواكل وليس توكلا لأن التوكل ليس عمل جوارح، التوكل عمل قلوب. والمؤمن ~~الذي يستقبل منهج الله بالفهم يجد الأسباب التي يجب أن يأخذها، وسبحانه ~~وتعالى هو المسبب الأعلى، والإيمان يؤكد أن الجوارح تعمل والقلوب تتوكل، ~~فعلى الجوارح أن تحرث الأرض، وأن تختار البذرة الطيبة، وتنثرها في الأرض، ~~ثم ترويها، وتتعهدها، وهذه العمليات اسمها الأسباب، ثم لا تركن إلى ~~الأسباب فقط، بل عليك أن تقول: إن فوق كل الأسباب هناك المسبب. # فمن الجائز أن يخضر الزرع وينمو، ثم تأتي له آفة من مطر أو حر وتضيعه. ~~ومن ينقل التوكل إلى الجوارح. نقول له: أنت تواكلت، أي نقلت عمل القلب ~~إلى الجوارح. ومن يقول ذلك إنما يكذب على نفسه وعلى الناس. لأنه تكاسل عن ~~الأخذ بالأسباب وادعى أنه متوكل على الله. ولو كان الواحد من هؤلاء ~~صادقا في توكله على الله لأخذ بالأسباب. وعادة فإني دائما أقول لمن ~~يدعي التوكل مع الكسل: لماذا لا تترك الطعام يأتي إلى فمك، لماذا تمد ~~إليه يديك؟. إن من يكسل إنما يكذب في التوكل، فلا أحد مثلا يترك قطعة ~~اللحم تقفز من طبق الطعام إلى فمه، لكنه يأخذها بيده. ويمضغها بأسنانه، ~~ويبلعها بعد المضغ، ولو كان صادقا في أن التوكل هو ألا تعمل جوارحه لما ~~فعل شيئا من ذلك، لكنه يكذب ويتواكل فيما يتعبه ويشغل جوارحه فيما ~~يريحه، ولا يستعملها في الأمور التي تتعبه. وقول الحق تبارك وتعالى: { ~~وعلى ربهم يتوكلون }. هذا القول يعني أنهم يؤمنون بأن ~~الأسباب من خلق الله. وحين يأخذ المؤمن بالأسباب فهو يؤمن أنه لاجىء إلى ~~الله ومعتمد عليه، لكن إن عزت عليه الأسباب فهو يعلم أن له ربا، ولذلك ~~قال: { وعلى ربهم } ، والرب هو الخالق من عدم، والممد من ~~عدم، وما دام قد خلقك وأمدك من عدم قبل أن يكلفك، فهل من المعقول أن ~~يظلمك؟ طبعا لا. لكن عليك أن تفطن أنه خلق لك جوارح، فاستعمل الجوارح ~~فيما خلقت من أجله. وتأتي الآية التالية لتوضح عمل الجوارح، وهي تحمل ~~الصفتين الرابعة ms3683 والخامسة من صفات المؤمنين: { الذين يقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } [الأنفال: 3]. والقيام ~~والقعود والقراءة والتسبيح والتكبير في الصلاة عمل جوارح، وكذلك الزكاة ~~هي عمل ناتج من عمل سبق، فحتى تخرج الزكاة لا بد أن تبذل الجهد وتأخذ ~~بالأسباب لتنتج ما يعولك أنت ودائرتك القريبة من زوجة وأبناء ثم أقارب، ~~ومن بعد ذلك يفيض من المال ما تستقطع منه الزكاة، وهذه بطبيعة الحال غير ~~زكاة الزروع التي تخرج في يوم الحصاد. # وآتوا حقه يوم حصاده # [الأنعام: 141]. ودائما ما نجد الصلاة والزكاة وهما مقترنتان ببعضهما، ~~ولا تجد آية فيها ذكر للصلاة إلا وفيها ذكر للزكاة أيضا لأن الصلاة تعني ~~ترك أمورك الحياتية التي تسعى فيها لدنيا الأسباب، وتذهب إلى الحق سبحانه ~~وتعالى وتقف بين يديه، أي أنك قد اقتطعت جزءا من الزمن الذي كنت تقضيه ~~في حركة حياتك لتقف فيه أمام ربك خالق الأسباب. # والزكاة تعني أنك تقتطع جزءا من مالك، ولذلك قلنا: إن الصلاة فيها زكاة ~~وزيادة، فأنت تخرج مقدار اثنين ونصف في المائة مما يتبقى معك من مال يبلغ ~~نصابا ويكون زائدا عن الحاجة الأصلية، لكنك بالصلاة تضحي ببعض الوقت ~~الذي تقضيه في العمل الذي يأتي لك بأصل المال، إذن ففي الصلاة زكاة ~~وأكثر. وأنت في الزكاة تتنازل عن بعض المال، لكنك في الصلاة تتنازل عن ~~الوقت الذي هو محل العمل، وهو الذي تنتج فيه الرزق، والرزق وعاء الزكاة. ~~ويذيل الحق سبحانه وتعالى هذه الآية قائلا: { ومما رزقناهم ~~ينفقون } ونعلم أن الرزق كما ذكر العلماء هو كل شيء ينتفع به ~~الإنسان، وحتى اللص الذي يسرق وينتفع بسرقته يعد هذا بالنسبة له رزقا ~~لكنه رزق غير طيب وله عقاب في الدنيا إن تم ضبطه، ولن يفلت من عقاب الله ~~الحاكم العادل في الدنيا والآخرة، وهو بطبيعة الحال غير الرزق الحلال ~~الذي يأتي من عمل مشروع، والمؤمن الحق هو من ينفق من هذا الرزق الحلال ~~سواء لمتطلبات حياته أو رعاية المجتمع الإيماني. وبعد ذلك يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { أولئك هم المؤمنون... }. ### || [8.4] ms3684 # و " أولئك " تشير إلى من أنعم الله عليهم بالصفات الخمس السابق ذكرها، ~~وهؤلاء هم من وجلت قلوبهم من ذكر الله، وزادتهم الآيات في إيمانهم، وعلى ~~ربهم يتوكلون ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، هؤلاء هم المؤمنون حقا { ~~أولئك هم المؤمنون حقا }. ولنعلم أن الحق هو الشيء ~~الثابت الذي لا يتغير ولا تذهب به الأغيار، ويخضع له كل الناس لأنه يتعلق ~~بمصالح حياتهم. وإن جاء الباطل ليزحزح الحق، نجد الحق ثابتا لا يتزحزح ~~لأنه قوي. ولنقرأ قول الحق تبارك وتعالى: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. وحين ينزل المطر من السماء، يأخذ من مائة كل واد من ~~الوديان على قدر اتساعه وعمقه، ويمتلىء، ترى الرغاوي وهي الزبد تطفو فوق ~~السيل، وهي عبارة عن هؤلاء سببه وجود الشوائب من قش وغيره، وهذا مثل ~~نراه في حياتنا، ونجد الأرض والناس وكل المخلوقات تنتفع بالمياه، لكنها ~~لا تنتفع بالزبد أو الرغاوي. ثم ينتقل الحق في ذات الآية من ضرب المثل ~~بالماء، إلى ضرب المثل بالنار فيقول: # ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو ~~متاع زبد مثله # [الرعد: 17]. وأنت حين ترى قطعة الحديد وهي تتحول إلى السيولة بالانصهار ~~في النار، تجد شررا يتطاير منها، ويطفو فوق سطح الحديد المصهور، وهو ما ~~يسمى ب " خبث الحديد " وتتم إزالة هذا الخبث ليبقى الحديد صافيا لتصنع ~~منه السيوف أو الخناجر وغيرها، وهذه الحالة تحدث في الذهب حين يصهره ~~الصائغ ليزيل عنه أية شوائب ويعيد تشكيله ليكون حليا. وزبد الماء وزبد ~~الحديد وزبد الذهب يتجمع على الجوانب ويبقى الماء صافيا، وكذلك الحديد ~~والذهب، ولهذا يقول الحق: # كذلك يضرب الله الحق والباطل # [الرعد: 17]. أي أن الحق يبقى صافيا ثابتا، أما الباطل فيعلو ليتجمع ~~على الجوانب ليذهب بغير فائدة. ويوضح الحق علو كلمته سبحانه وتعالى ms3685 في ~~آية أخرى فيقول: # وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله ~~هي العليا # [التوبة: 40]. ونلحظ أن الحق تبارك وتعالى جاء بالجعل لكلمة الكافرين، ~~أما كلمته سبحانه وتعالى فلها العلو الثابت. والحق هنا يبين أن المؤمنين ~~الذين يتصفون بهذه الصفات الخمس هم مؤمنون حق الإيمان فيقول عز وجل: { ~~أولئك هم المؤمنون حقا }. ومعنى هذا أن هناك مؤمنين ~~ليسوا على درجة عالية من الإيمان، أي أن هناك منازل ودرجات للإيمان ~~متفاوتة، ولكل قدر من الصفات منزلة وعطاء مناسب. ونحن نرى البشر حينما ~~يخصهم واحد بوده يفيضون عليه من خيراتهم، فنجد غير العالم يأخذ ممن يودهم ~~من العلماء بعض العلم، والضعيف الذي يعطي وده لقوي، يعينه القوي ببعض من ~~قوته، والفقير الذي يعطي وده لغني، يعطيه الغني بعضا من المال، والأرعن ~~يأخذ ممن يودهم من العقلاء قدرا من التعقل للأمور. # إذن أهل المودة والقرب والتقوى يفاض عليهم من المولى وهم ممن اختصهم ~~الله بالعطاءات، فالذي وجدت فيه هذه الصفات، ومؤمن حقا تكون له درجات ~~عند ربه تناسب حظه من الحق وحظه من الصفاء، ولنعرف أن السير في درب الحق ~~يعطي الكثير. والمثال الذي نقدمه على ذلك أننا نجد من يصلي الأوقات ~~الخمسة في مواعيدها، وهذا هو المطلوب العام، إذا ما صلى ضعف ذلك بالليل، ~~أو واظب على الصلاة في الجماعة ويلزم نفسه بمنهج الله، سوف يأخذ حظا من ~~الصفاء لم يكن موجودا عنده من قبل ذلك، وسيجد في قلبه إشراقات وتجليات، ~~وتسير أمور حياته بسهولة ويسر. وقد يكون الإنسان من هؤلاء - على سبيل ~~المثال - خارجا من البيت وسألته زوجته: ماذا نطبخ اليوم؟ ويجيبها: لنقض ~~هذا اليوم بما تبقى عندنا من الأمس. وعندما يعود قد يفاجأ بأن شقيقه قد ~~قدم من الريف، وأحضر له هدية من البط، والقشدة والفطائر. فتسأله زوجته: ~~أكنت تعلم بمجيء أخيك؟ فيقول: لم أكن أعلم، وهذا مجرد مثال، لكن عطاءات ~~الصفاء تكون أكثر من ذلك ماديا ومعنويا، ومن يستمر في العبادة ويزيد ~~عليها ويؤدي كل ذلك بحقه، سيزيد عطاء الله ms3686 له لأن الله لا يمل عطاء أهل ~~الصفاء أبدا. ومن يجرب مثل هذه العبادة ويزيدها سيجد عطاء الله وهو ~~يزيد. ودائما أضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى وهو منزه سبحانه ~~وتعالى عن التشبيه - لنفترض أن إنسانا أراد أن يسافر من القاهرة إلى ~~الإسكندرية، وسأل إنسانا آخر، فقال له: إن ذهبت من الطريق الفلاني ستجد ~~استراحة طيبة، عكس الطريق الفلاني. ويتبع المسافر نصائح من أرشده، فيجده ~~صادقا، فيرتاح من بعد ذلك لرأيه، وكذلك أهل الصفاء، هم أهل العطاء، وعلى ~~قدر صفائهم يكون هذا العطاء. والذي يشجع الناس الذين يبالغون في التعبد ~~هو هذا الإشراق، وهناك من يصف الواحد منهم بأنه مجذوب وإن من يطلق على ~~المتعبد الزاهد هذا الوصف يرى المنزلة العالية وهي تشد هذا المتعبد ~~إليها، وهو من جهة أخرى ينظر هذا الزاهد إلى من يتعثرون في طلب الدنيا، ~~ويصفهم بينه وبين نفسه بأنهم من " الغلابة " ويدعو لهم. وأقول لمن يرى ~~واحدا من هؤلاء: لا شأن لك بأي إنسان من هؤلاء وإياك أن تتعرض لهم ~~واتركهم في حالهم، ما دام الواحد منهم لا يسألك شيئا. { لهم ~~درجات عند ربهم }. والدرجات عند البشر هي ارتقاءات يسعى ~~إليها، فما بالنا بالدرجات التي عند الرب؟ وما دام الله سبحانه وتعالى قد ~~وعدهم بالدرجات العالية عنده فقد ضمنوا المغفرة لأن الواحد منهم سيطهر ~~بالمغفرة، وجاء الحق بعطاء الدرجات قبل المغفرة لأنه سبحانه خلق الخلق ~~ويعرف أنهم أهل أغيار، ويعلم أن هناك من أسرفوا على أنفسهم، ويحاولون فعل ~~الخيرات لأنهم يؤمنون بأن الحسنات يذهبن السيئات، وسبحانه علمنا أن معالم ~~الدين تأخذ حظها من المسرفين على أنفسهم، لأن من لم يسرف على نفسه تجده ~~يطيع الله طاعة هادئة رتيبة فليس وراءه ما يلهب ظهره. # أما من عملوا السيئات فإن هذه السيئات تقض مضاجعهم. والمسرف على نفسه ~~لحظة الإسراف يظن أنه أخذ من الله شيئا واحدا من خلف منهجه، فيوضح له ~~ربنا: إياك أن تظن أن هناك من يخدع الله. فأنت ستعمل كثيرا وبشوق لخدمة ~~منهج الله، ms3687 ونجد المسرف على نفسه لحظة الإفاقة والتوبة، وهو يندفع إلى ~~فعل الخيرات. مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى ليؤيد الدين بالرجل الفاجر ". # لأن فجر الفاجر يتجسد أمامه ويريه سوء المصير، فيندفع إلى فعل الخيرات ~~ليمحو السيئات، أما من لم يخطىء فنجده هادىء القلب، مطمئن النفس، لا يلهب ~~ظهره شيء. { لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق ~~كريم } [الأنفال: 4]. وهل هذا الرزق ناشىء من كريم؟ الجواب لا لأن ~~الكرم تعدى من الكريم الأصيل، إلى أن صار الرزق نفسه كريما، وكأن هذا ~~الرزق يتعشق صاحبه لأن ربنا ساعة يعطي إنسانا نعمة، ثم يستعملها العبد ~~في الطاعة، تحس النعمة أنها مسرورة بالذهاب إلى هذا الإنسان لأنه ~~استعملها في الطاعة وفيما يرضى الله عز وجل. ولك أن تعرف أن الرزق أعلم ~~بمكانك منك بمكانه. فلا أحد يعرف عنوان الرزق الذي قدره الله له، لكن ~~الرزق يعرف عنوان صاحبه، ويبحث عنه في كل مكان إلى أن يجده. هكذا نفهم أن ~~الكرم يتعدى إلى الرزق نفسه فيصبح الرزق كريما. وجاء كل هذا الحديث ~~بمناسبة الخلاف على الغنائم والأنفال، وفصل ربنا بالحكم وبين وأوضح ~~أن الأنفال لله والرسول ولم يعد لأحد كلام بعد كلام الله، وهذه الحادثة ~~في الأنفال حدثت في الخروج إلى الحرب، فحين أراد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أن يخرج للحرب، كان هناك فريق منهم كاره لهذا الخروج ثم رضي به. لكن ~~حالهم اختلف في الغنائم فطالب بعضهم بأكثر مما يستحق لذلك يقول المولى ~~سبحانه وتعالى: { كمآ أخرجك ربك من بيتك... }. ### || [8.5] # و " كما " تدل على تشبيه حالة بحالة، فهم قد رضوا بقسمة الله في الغنائم ~~بعد أن رفضوها، وكذلك قبلوا من قبل أن يخرجوا لملاقاة النفير بعد ~~كراهيتهم لذلك. لكنهم خرجوا وحاربوا وانتصروا ثم اختلفوا على الغنائم، ~~ورضوا أخيرا بقسمة الله تعالى والرسول عليه الصلاة والسلام. فهل ذكر ~~مسألة كراهيتهم للخروج إلى الحرب هي طعن فيهم؟ لا، فهذا القول له حيثية ~~بشرية لأن الذي يريد أن يخوض معركة لا بد ms3688 أن يغلب عليه الظن بأنه سوف ~~ينتصر، وإلا سينظر إلى أن عملية الخروج إلى القتال فيها مجازفة. وكان ~~المسلمون في ذلك الوقت قليلي العدد، وليس معهم عدد، بل لم يكن لديهم من ~~مراكب إلا فرسان اثنان. وكان خروجهم من أجل البضائع والعير، لا لملاقاة ~~جيش كبير، وهكذا لم تكن الكراهية لهذه المسألة نابعة من التأبي على أوامر ~~الله تعالى، أو مطالب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنهم نظروا إلى ~~المسألة كلها بالمقاييس البشرية فلم يجدوا فيها التوازن المحتمل. ويريد ~~الله أن يثبت لهم أنهم لو ذهبوا وانتصروا على العير فقط، لقيل عنهم إنهم ~~جماعة من قطاع الطرق قد انقضوا على البضائع ونهبوها، فلم يكن مع العير ~~إلا أربعون رجلا، والمسلمون ثلاثمائة ويزيدون، ومن المعقول أن ينتصروا، ~~ولكن ربنا أراد أن ينصرهم على النفير الذي استنفره الكفار من مكة، هذا ~~النفير الضخم في العدد والعدة ويضم جهابذة قريش وصناديدها، وتتحقق إرادة ~~الحق في أن يزهق الباطل. { كمآ أخرجك ربك من بيتك ~~بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } ~~[الأنفال: 5]. والخروج من البيت هنا مقصود به خروج الرسول من المدينة ~~لملاقاة الكفار، وهذا الفريق من المؤمنين لم تخرجهم الكراهية عن الإيمان ~~لأن معنى " فريق " هم الجماعة الذين يفترقون عن جماعة ويجمعهم جميعا ~~رباط واحد، فالجيش مثلا يتكون من فرق، يجمعهم الجيش الواحد. وهذه الفرق ~~التي يأتي الحديث عنها هنا هي الفرق التي كرهت أن تخرج إلى القتال رغم ~~أنهم مؤمنون أيضا، ونعلم أن كراهية القتال أمر وارد بالنسبة للبشر، ~~وسبحانه وتعالى القائل: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن ~~تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا ~~شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون # [البقرة: 216]. ويقول الحق بعد ذلك: { يجادلونك في الحق ~~بعد ما تبين... }. ### || [8.6] # و { يجادلونك في الحق } ، أي يجادلونك في مسألة الخروج ~~لملاقاة النفير، بعدما تبين لهم الوعد الحق من الله عز وجل وهو وعده ~~سبحانه وتعالى بأن تكون لهم إحدى الطائفتين، وهما طائفة العير أو النفير ms3689 ~~الضخم الذي جمعته قريش لملاقاتهم. وما دام الحق قد وعدكم إحدى الطائفتين، ~~فلماذا لا تأخذون الوعد في أقوى الطوائف؟ لماذا تريدون الوعد في أضعف ~~الطوائف؟! لقد وعدكم الحق سبحانه وتعالى أن إحدى الطائفتين ستكون لكم، ~~فكان المنطق والعقل يؤكدان أنه ما دام قد وعدنا الله عز وجل إحدى ~~الطائفتين، فلنقدم إلى الأنفع للإسلام والحق الذي نحارب من أجله، وأن ~~نواجه الطائفة ذات القوة والشوكة والمنعة لأنه قد يكون من الصحيح أن ~~النصر مؤكد على طائفة العير، لكن هذا النصر سيبقى من بعد ذلك مجرد نصر ~~يقال عنه: إنه نصر لقطاع طريق! لا أهل قضية إيمان ودين. ولذلك يقول الحق ~~تبارك وتعالى: # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ~~وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد ~~الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر ~~الكافرين # [الأنفال: 7]. فالمنطق إذن يفرض أن الله عز وجل ما دام قد وعد رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين، طائفة في عير والأخرى في نفير، كان ~~المنطق يفرض إقبال المؤمنين على مواجهة الطائفة القوية لأن النصر على ~~النفير هو أشرف من النصر على طائفة العير. { يجادلونك في الحق ~~بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ~~ينظرون } [الأنفال: 6]. ونلحظ أن هناك " سوق " ، وهناك " قيادة " ، ~~والقيادة تعني أن تكون من الأمام لتدل الناس على الطريق، و " السوق " ~~يكون من الخلف لتحث المتقدم أن يقصر المسافة مع تقصير الزمن، فبدلا من ~~أن نقطع المسافة فى ساعة - على سبيل المثال - فنقطعها في نصف ساعة. وقوله ~~تعالى: { يساقون إلى الموت وهم ينظرون } [الأنفال: 6]. ~~أي أنهم غير منجزين للسير. بل هم مدفوعون إليه دفعا، وهم ينظرون بشاعة ~~الموت، لأنهم تصوروا أن مواجهتهم لألف فتى من مقاتلي قريش مسألة صعبة، ~~فألف أمام ثلاثمائة مسألة ليست هينة لأن ذلك سيفرض على كل مسلم أن يواجه ~~ثلاثة معهم العدة والعتاد، فكأن الصورة التي تمثلت لهم صورة بشعة، لكنهم ~~حينما نظروا هذه النظرة لم يلتفتوا إلى أن معهم ربا ينصرهم على هؤلاء ~~جميعا. ويقول الحق ms3690 بعد ذلك: { وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين أنها لكم وتودون... }. ### || [8.7] # والوعد من الله عز وجل يجب أن يستقبل من الموعود بأنه حق لأن الذي يقدح ~~في وعد الناس للناس أن الإنسان له أغيار، فقد تعد إنسانا بشيء، وقد ~~حاولت أن تفي بما وعدت ولكنك لم تستطع الوفاء بالوعد. أو كانت لك قوة ~~وانتهت. أو قد يتغير رأيك. إذن فالوعد من المساوي من الخلق غير مضمون، ~~لكن الوعد من القادر القوي، الذي لا تقف عراقيل أمام إنفاذ ما يريد، هو ~~وعد حق ويجب أن يتلقوا هذا الوعد على أنه حق. { وإذ يعدكم ~~الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن ~~غير ذات الشوكة تكون لكم }. أي إن كنتم تميلون وتحبون أن ~~تكون لكم الطائفة غير ذات الشوكة التي تحرس العير - والشوكة هي شيء محدد ~~من طرف تحديدا ينفذ بسهولة من غيره، وأنت تجد الشوكة مدببة رفيعة من ~~الطرف ثم يزداد عرضها من أسفلها ليتناسب الغلظ مع القاعدة لتنفذ ~~باتساع. وذات الشوكة أي الفئة القوية التي تنفذ إلى الغرض المراد، ولا ~~يتأبى عليها غرض، ولذلك يقال " شاكي السلاح ". فإن كتم تتمنون وتريدون ~~عدم ملاقاة جيش الكفار في معركة فالمولى عز وجل يقول لكم { ويريد ~~الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر ~~الكافرين }. أي أن الله تعالى يريد أن ينصر الإسلام بقوة ضئيلة ~~ضعيفة بغير عتاد على جيش قوى فيعرفون أن ربنا مؤيدهم، وبذلك يحق الحق ~~بكلماته أي بوعده. وهناك الكلمة من الله التي قال فيها: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق ~~الأرض ومغربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ~~ربك الحسنى # [الأعراف: 137]. هكذا كان وعد الله الذي تحقق. { ويقطع دابر ~~الكافرين }. والدابر والدبر هي الخلف، وتقول: " قطعت دابره " أي لم ~~أجعل له خلفا. ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: { ليحق الحق ~~ويبطل الباطل... }. ### || [8.8] # ونلحظ أنه سبحانه وتعالى قال من قبل ويريد الله أن { يحق الحق } ~~، وهنا يقول: { ليحق الحق } والمراد بالحق الأول نصر الجماعة ~~الضعاف، القلة الضعيفة على الكثرة القوية، هذا هو الحق ms3691 الأول الذي وعد به ~~الحق بكلماته، ليحق منهج الإسلام كله، ولو كره المجرمون. ويقول الحق ~~تبارك وتعالى بعد ذلك: { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب ~~لكم... }. ### || [8.9] # ومادة " استغاث " تفيد طلب الغوث، مثل " استسقى " أي طلب السقيا، و " ~~استفهم " أي طلب الفهم، و " الألف " و " السين " و " التاء " توجد الطلب. ~~و " استغاث " أي طلب الغوث من قوى عنه قادر على الإغاثة، وأصلها من الغيث ~~وهو المطر، فحين تجدب الأرض لعدم نزول المطر ولا يجدون المياه يقال: ~~طلبنا الغوث، ولأن الماء هو أصل الحياة لذلك استعمل في كل ما فيه غوث، ~~وهو إبقاء الحياة، وفي حالة الحرب قد يفنى فيها المقاتلون لذلك يطلبون ~~الغوث من الله عز وجل { إذ تستغيثون ربكم }. و { ~~تستغيثون ربكم } بضمير الجمع، كأنهم كلهم جميعا يستغيثون في ~~وقت واحد، وقد استغاث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اصطف القوم وقال ~~أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره، ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يديه واستقبل القبلة وقال: # " اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم ائتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه ~~العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ". # ويدل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه كان يستغيث بالخالق الذي ~~وعد بالنصر، ورد القوم خلفه: آمين، لأن أي إنسان يؤمن على دعاء يقوله ~~إمام أو قائد فهو بتأمينه هذا كأنما يدعو مثلما يقول الإمام أو القائد. ~~فمن يقول: " آمين " يكون أحد الداعين بنفس الدعاء. والحق سبحانه وتعالى ~~هو القائل: # وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة ~~وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 88]. وهذا ما جاء في القرآن الكريم على لسان موسى عليه السلام. ~~ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعدها: # قد أجيبت دعوتكما # [يونس: 89]. مع العلم بأن سيدنا موسى عليه السلام هو الذي دعا، وقوله ~~سبحانه من بعد ذلك { أجيبت دعوتكما } دليل على أن موسى دعا ~~وهارون قال: " آمين " فصار ms3692 هارون داعيا أيضا مثل أخيه موسى. { إذ ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم } [الأنفال: 9]. { ~~فاستجاب لكم } الألف والسين والتاء - كما علمنا - تأتي للطلب، ~~وقول الحق سبحانه وتعالى { فاستجاب } يعني أنه طلب من جنود الحق في ~~الأرض أن يكونوا مع محمد وأصحابه لأن الله سبحانه وتعالى، خلق الكون، ~~وخلق فيه الأسباب. نراها ظاهرة، ووراءها قوى خفية من الملائكة. والملائكة ~~هم خلق الله الخفي الذي لا نراه ولا نبصره، إلا أن الله أخبرنا أن له ~~ملائكة. فالملائكة ليست من المخلوقات المشاهدة لنا، وإنما إيماننا بالله، ~~وتصديقنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الله تعالى جعلنا ~~نعرف أنه سبحانه وتعالى قد خلق الملائكة، وأخبرنا أيضا أنه خلق الجن ~~وصدقنا ذلك، إذن فحجة إيماننا بوجود الملائكة والجن هو إخبار الرسول ~~الصادق بالبلاغ عن الله تعالى ومن يقف عقله أمام هذه المسألة ويتساءل: ~~كيف يوجد شيء ولا يرى، نقول له: هذه أخبار من الله. # وهناك من أنكر وجود الملائكة والجن وقال: إنها القوى الميكانيكية في ~~الأسباب، ولم يلتفتوا إلى أن الحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن أمر غيبي، ~~فسبحانه يترك في مشهديات وجوده وكونه ما يقرب هذا الأمر الغيبي إلى ~~الذهن، فيجعلك لا تعرف وجود أشياء تشعر بآثارها، ثم بمرور الزمن تدرك ~~وجودها، وهذه الأشياء لم تخلق حين اكتشفتها، وإنما هي كانت موجودة لكنك ~~لم تتعرف عليها، وهناك فارق بين وجود الشيء وإدراك وجود الشيء. ومثال ذلك ~~كان اكتشاف الميكروب في القرن السابع عشر وهو موجود من قبل أن يكتشف، ~~وكان يدخل في أجسام الناس، وينفذ من الجلد، وحين اكتشفوه، دل ذلك على ~~أنه كان موجودا لكننا لم نكن نملك أدوات إدراكه. إذن فإن حدثت بأن لله ~~خلقا موجودا وإن لم تكن تدركه، فخذ مما أدركته بعد أن لم تكن تدركه ~~دليل تصديق لما لا تدركه. وأخبرنا الحق تبارك وتعالى بوجود الملائكة، وكل ~~شيء له ملائكة يدبرونه، وهم: " المدبرات أمرا " ، والملائكة الحفظة، ~~وسبحانه القائل: # له معقبت من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر ms3693 الله # [الرعد: 11]. وسبحانه أيضا القائل: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. وهؤلاء الملائكة هم الموكلون بمصالح الإنسان في الأرض، المطر ~~مثلا له ملكه، الزرع مثلا له ملكه، وكل شيء له ملك. وهو سبب خفي غير ~~منظور يحرك الشيء. { فاستجاب لكم أني ممدكم بألف ~~من الملائكة }. والإمداد هو الزيادة التي تجيء للجيش، لأن الجيش ~~إذا ووجه بمعارك لا يستطيع أن يقوم بها العدد الموجود من الرجال أو ~~السلاح، حينئذ يطلب قائد الجيش إرسال المدد من الرجال والعتاد. { أني ~~ممدكم بألف من الملائكة مردفين }. ونعلم أنه ~~ساعة أن أمر ربنا الملائكة أن تسجد لآدم، لم يكن الأمر لكل جنس الملائكة، ~~بل صدر الأمر إلى الملائكة الموكلين بمصالح الأرض. أما الملائكة غير ~~الموكلين بهذا، فلم يدخلوا في هذه المسألة، ولذلك قلنا إن الحق سبحانه ~~وتعالى حينما عنف إبليس، قال له: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75]. والمقصود ب " العالين " هم الملائكة الذين لم يشملهم أمر ~~السجود. والحق تبارك وتعالى هنا في هذه الآية يبين أنه سبحانه وتعالى قد ~~أمد المسلمين المحاربين في غزوة بدر ب: { بألف من الملائكة ~~مردفين } والردف هو ما يتبعك، ولذلك يقال: " فلان ركب مطيته ~~وأردف فلانا " ، أي جعله وراءه. # والمردف هو من يكون في الأمام، والمردف هو من يكون خلفه. والآية توضح ~~لنا أن الملائكة كانت أمام المسلمين لأن جيش المسلمين كان قليل العدد، ~~وجيش الكفار كان كثير العدد، وجاءت الملائكة لتكثير عدد جيش المسلمين، ~~فإذا كان العدد مكونا من ألف مقاتل، فقد أرسل الحق ملائكة بنفس العدد ~~ويزيد بذلك جيش المؤمنين بعدد المؤمنين. وكان يكفي أن يرسل الحق ملكا ~~واحدا، كما تحكي الروايات عما حدث لقوم لوط، فقد روي أن جبريل - عليه ~~السلام - أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط، وصعد بها إلى السماء حتى ~~سمع أهل السماء نهيق الحمار، ونباح الكلاب، وصياح الديوك، ولم تنكفىء لهم ~~جرة، ولم ينسكب لهم إناء، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض. وصيحة ~~واحدة زلزلت قوم ثمود. لماذا ms3694 إذن أرسل الحق تبارك وتعالى هنا ألفا من ~~الملائكة؟. حدث ذلك لتكثير العدد أمام العدو وليفيد في أمرين اثنين: ~~الأمر الأول: أن تأخذ العدو رهبة، والأمر الثاني: أن يأخذ المؤمنون قوة ~~لكن أكان للملائكة في هذه المسألة عمل؟ أو لا عمل لهم؟ هنا حدث خلاف. ~~ونجد الحق تبارك وتعالى يقول: { وما جعله الله إلا ~~بشرى... }. ### || [8.10] # أي أن الملائكة هي بشرى لكم، وأنتم الذين تقاتلون أعداءكم، وسبحانه ~~وتعالى هو القائل: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين # [التوبة: 14]. قال الحق سبحانه وتعالى ذلك للمؤمنين وهم يدخلون أول ~~معركة حربية، ويواجهون أول لقاء مسلح بينهم وبين الكافرين، لأنهم إن ~~علموا أن الملائكة ستقاتل وتدخل، فقد يتكاسلون عن القتال ويدخلون إلى ~~الحرب بقلوب غير مستعدة، وبغير حمية، فأوضح ربنا: أنا جعلت تدخل الملائكة ~~بشرى لكم، و { لتطمئن به قلوبكم } ، أي أن عدد الملائكة ~~يقابل عدد جيش الكفار، والزيادة في العدد هي أنتم يا من خرجتم للقتال. ~~واعلموا أن الملائكة هي لطمأنة القلوب. لكن الحق يريد أن يعذبهم بأيديكم ~~أنتم، لأن الله يريد أن يربي المهابة لهذه العصبة بالذات، بحيث يحسب لها ~~الناس ألف حساب. واختلفت الروايات في دور الملائكة في غزوة بدر، فنجد أبا ~~جهل يقول لابن مسعود: ما هذه الأصوات التي أسمعها في المعركة؟ فقد كانت ~~هناك أصوات تفزع الكفار في غزوة بدر - ويرد ابن مسعود على أبي جهل: إنها ~~أصوات الملائكة. قال: إذن بالملائكة تغلبون لا أنتم.. فإياكم أن تفتنوا ~~حتى بالملائكة لأن النصر لا منكم ولا من الملائكة، ولكن النصر من عندي ~~أنا لأن الذي تحب أن ينصرك، لا بد أن تكون واثقا أنه قادر على نصرتك، ~~والبشر مع البشر يظنون الانتصار من قبل الحرب، ومن الجائز أن يغلب الطرف ~~الآخر، لكن النصر الحقيقي من الذي لا يغلب وهو الله سبحانه وتعالى: { ~~وما النصر إلا من عند الله }. وأنت حين تستنصر أحدا ~~لينصرك على عدوك فهذا الذي تستنصر به إن كان من جنسك يصح أن ms3695 يغلب معك ~~ويصح أن تنغلب أنت وهو، لكنك تدخل الحرب مظنة أنك تغلب مع من ينصرك وقد ~~يحدث لكما معا الهزيمة أما الحق سبحانه وتعالى فهو وحده الذي لا ~~يغالب ولا يغلب. { وما النصر إلا من عند الله ~~إن الله عزيز حكيم }. وهو سبحانه وتعالى الناصر، وهكذا يكون ~~المؤمن الذي يقاتل بحمية الإيمان واثقا من النصر، لكن إياكم أن تظنوا أن ~~النصر من الله لا يصدر عن حكمة، إن وراء نصر الله للمؤمنين حكمة، فإن ~~تهاونتم في أي أمر يسلب منكم النصر لأن الله لا يغير سننه مع خلقه، وقد ~~رأينا ما حدث في غزوة أحد حين تخاذلوا ولم ينفذوا أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلم ينتصروا لأن الحكمة اقتضت ألا ينتصروا، ولو نصرهم الله ~~لاستهانوا بعد ذلك بأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقال بعض منهم: ~~خالفناه وانتصرنا، وهكذا نجد أن طاعة الله والرسول والأخذ بالأسباب أمر ~~مهم، فحين جاء الأمر من رسول الله في غزوة أحد بما معناه: يا رماة لا ~~تتركوا أماكنكم، ولو رأيتمونا نفر إلى المدينة، فلا شأن لكم بنا، وعلى كل ~~منكم أن يأخذ دوره ومهمته، فإذا رأى أخا له في دوره قد انهزم فليس له به ~~شأن، وعلى كل مقاتل أن ينفذ ما عليه. # لكنهم خالفوا فسلبهم الله النصر. وهكذا يتأكد لهم أن النصر من عند الله ~~العزيز الذي لا يغلب. وقال البخاري عن البراء بن عازب قال: لقينا ~~المشركين يومئذ وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة، وأمر ~~عليهم " عبد الله بن جبير " ، وقال عليه الصلاة والسلام: # " لا تبرحوا وإن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا ~~علينا فلا تعينونا ". # ونلحظ أن المدد بالملائكة ورد مرة بألف، ومرة بثلاثة آلاف في قول الحق ~~سبحانه # إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ~~ربكم بثلثة آلف من الملائكة منزلين # [آل عمران: 124]. فإن لم يكفكم ثلاثة آلاف سيزيد الله العدد، لذلك يقول ~~المولى عز وجل: # بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم ms3696 من فورهم ~~هذا يمددكم ربكم بخمسة ءالف من ~~الملائكة مسومين # [آل عمران: 125]. إذن المدد يتناسب مع حال المؤمنين، ويبين ذلك قوله ~~سبحانه: { بلى إن تصبروا وتتقوا }. فالصبر إذن وحده لا ~~يكفي بل لا بد أيضا من تقوى الله، ولا بد كذلك من المصابرة بمغالبة ~~العدو في الصبر لذلك يقول المولى تبارك وتعالى في موقع آخر: # اصبروا وصابروا # [آل عمران: 200] وذلك لأن العدو قد يملك هو أيضا ميزة الصبر لهذا يزيد ~~الله الصابر، فإن صبر العدو على شيء فاصبر أنت أيها المؤمن أكثر منه. وقد ~~جعل الله عز وجل الإمداد بالملائكة بشرى لطمأنة القلوب وثقة من أن النصر ~~من عند الله تعالى: { وما جعله الله إلا بشرى ~~ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند ~~الله إن الله عزيز حكيم } [الأنفال: 10]. وما أن بدأت ~~المعركة حتى بدأ توالي النعم التي سوف تأني بالنصر، إمداد بالملائكة، ~~بشرى لتطمئن القلوب، وثقة من أن النصر من عند الله العزيز الحكيم. ثم ~~يأتي التذكير بالدلالة على ذلك فيقول المولى سبحانه وتعالى: { إذ ~~يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من ~~السمآء مآء ليطهركم به... }. ### || [8.11] # والنعاس عبارة عن السنة الأولى التي تأخذ الإنسان عندما يحب أن ينام، ~~ويسميها العامة في مصر " تعسيلة " ويقولون: " فلان معسل " أي أخذته سنة ~~النوم، وهي ليست نوما بل فتور في الأعصاب يعقبه النوم، وهذا من آيات ~~الله تعالى في أن يهب الإنسان راحة مؤقتة وليست نوما. وسبحانه يقول عن ~~ذاته العليا: # لا تأخذه سنة ولا نوم.. # [البقرة: 255]. أي أنه - جل وعلا - لا يأخذه النوم الخفيف ولا النوم ~~الثقيل. لأن السنة هي إلحاح من الجسم في طلب النوم، ويكون نوما ~~خفيفا، وسبحانه وتعالى ليس كمثله شيء فهو عز وجل لا يتجسد أو يتمثل في ~~شيء، لا السنة تأخذه ولا النوم يقاربه، ونلحظ أن الإنسان إذا ما تكلم ~~بجانب من تأخذه السنة فهو يصحو وينتبه. أما النائم بعمق فقد لا يصحو. ~~فالسنة - إذن - هي الداعي الخفيف للراحة. أما النوم فهو الداعي الثقيل. ~~وهنا ms3697 أنزل الله عليهم النعاس بمثابة مقدمة للنوم ليستريحوا قليلا. ونعلم ~~أن النوم آية من آيات الله عز وجل في كونه لأن الجسم حين يعبر عن نفسه ~~بالحركة والطاقة ويأكل الغذاء ويشرب الماء ويتنفس الهواء، كل ذلك يتحول ~~إلى طاقة ثم إلى وقود للحركة. وهذه الطاقة تتكون بالتفاعل بين العناصر ~~المختلفة، من تمثيل للغذاء وتحويل الطعام إلى نوعيات مختلفة لتغذية كل ~~خلية من خلايا الجسم بما يناسبها، ثم استخلاص " الأوكسجين " عبر التنفس ~~وطرد ثاني أكسيد الكربون، وعشرات الآلاف من التفاعلات الكيميائية لا توجد ~~بها فضلات لتخرج، وهي تختلف عن التفاعلات الأخرى التي تخرج منها الفضلات ~~من أحد السبيلين، أو من صماخ الأذن أو غير ذلك. ومثل هذه الفضلات إنما ~~تنتج من الاحتراقات التي نقول عنها: " العادم " في الآلات الميكانيكية. ~~والعادم هو نتيجة الاحتراق وهي غازات تنفصل لتسير الحركة. وفي الإنسان ~~نجد العادم يتمثل في الغائط، وما خرج من صماخ الأذن، و " عماص العين " ، ~~والعرق، كلها عوادم. لكن هناك لون من تركيبة هذه التفاعلات يمثل لإيجاد ~~الطاقة وليس له عادم. والوسيلة الأساسية لاستعادة التوازن الكيميائي ~~المناسب للإنسان هي أن نريح الجسم، وتتفاعل مواد الجسم مع نفسها ويعود ~~طبيعيا. وهذا لا يحدث إلا بالنوم. ولذلك نجد الإنسان حين يسهر كثيرا ~~ويذهب إلى النوم يشعر برجليه وقد " خدلت " أو كما يقال: " نملت ". وهذا ~~نتيجة عجز مواد الجسم عن التفاعل الذي تحتاجه نتيجة اليقظة، وهذه كلها ~~مسائل لا إرادية. بدليل أن الإنسان يرغب أحيانا في أن ينام، ويتحايل ~~أحيانا على النوم فلا يأتيه لأن النوم من العمليات المختصة بالحق سبحانه ~~وتعالى، وهو آية من آيات الله في هذا الكون، ومن ضمن الآيات العجيبة. # واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغآؤكم ~~من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون # [الروم: 23]. وحين حاول العلماء الباحثون أن يفسروا ظاهرة النوم، وضعوا ~~عشرات النظريات، وآخر التجارب التي أجريت أنهم أحضروا إنسانا وعلقوه ~~كالرافعة من وسطه، وكأنه عصا مرفوعة من وسطها بتوازن، وجعلوا كل نصف من ms3698 ~~النصفين متساويا في الوزن، وحين جاء النوم لهذا الإنسان محل التجربة ~~وجدوا أن جهة من النصفين مالت، وكأن ثقلا ما جاءها من النصف الآخر فزادت ~~كتلتها، وهذا آخر ما درسوه في النوم، هذه التجربة أثبتت أن النوم عجيبة ~~من العجائب التي تستحق أن يقول الحق تبارك وتعالى عنها: # ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغآؤكم ~~من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون # [الروم: 23]. وانظر إلى كلمة " النهار " هذه ترى فيها الرصيد الاحتياطي ~~الموجود في آية النوم لأنه سبحانه وتعالى يقول: # ومن آياته منامكم بالليل.. # [الروم: 23]. وفي هذا القول رصيد احتياطي لمن جاء له ظرف من الظروف ولم ~~ينم بالليل، فيعوض هذا الأمر وينام بالنهار، ومن حكمة الله تعالى أنه ذيل ~~هذه الآية بقوله عز وجل: # إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون # [الروم: 23]. وهذا بسبب أن النوم يعطل كل طاقات الجسم، فعندما ينام ~~الإنسان لا يقدر جسمه على أن يتحرك التحرك الإرادي، إلا السمع فهو باق في ~~وظيفته لأن به الاستدعاء، وإن العين - مثلا - لا ترى أثناء النوم، ~~إنما الأذن تسمع ولا تتخلى عن السماع أبدا لأن بالأذن يكون الاستدعاء، ~~فإذا ما نادى الأب ابنه وهو نائم فهو يسمع النداء. لذلك قلنا سابقا: ~~إن الحق سبحانه وتعالى حينما أراد أن ينيم أهل الكهف ثلثمائة سنة ~~وازدادوا تسعا، قال تعالى: # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا # [الكهف: 11]. لأنه لو لم يضرب على آذان أهل الكهف لظل السمع باقيا، ~~فإذا ظل السمع، أهاجته الأعاصير، وعواء الذئاب، وزئير الأسود، ولما ~~استطاعوا النوم طيلة هذه المدة. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا ~~عنها: { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه.. } [الأنفال: ~~11]. وقد يتبادر إلى الأذهان سؤال هو: وهل هناك نعاس غير أمنة؟ والجواب ~~نعم لأنه مجرد الراحة من تعب لتنشط بعدها، هذا لنفهم أن " أمنة " جاءت ~~لمهمة هي تهدئة أعماق المؤمنين في المهيجات المحيطة، فهذا عدو كثير ~~العدد، وهم بلا عتاد لذلك شاء الحق تبارك وتعالى ألا يضيع منهم الطاقة ~~اللازمة للمواجهة، ولا تتبدد هذه ms3699 الطاقة في الفكر لذلك جعل نعاسهم ~~مخصوصا يغلبهم وهو " نعاس أمنة " ، وجعل المولى عز وجل من هذا النعاس ~~آية، حيث جاءهم كلهم جميعا، وهذه بمفردها آية من آياته سبحانه وتعالى ~~ولو غلبهم النوم العميق لمال عليهم الأعداء ميلة واحدة، ولكنهم أخذوا ~~شيئا من الراحة التي فيها شيء من اليقظة. # { إذ يغشيكم النعاس أمنة }. وهنا النعاس مفعول به، وهو ~~أمنة من الله، وسبحانه يقول في آية أخرى: # ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا.. # [آل عمران: 154]. هنا في آية الأنفال نعاس وأمنة، وهناك في آية آل عمران ~~أمنة ونعاس لأن الحالتين مختلفتان - فتوضح آية آل عمران أن النعاس قد غشى ~~طائفة واحدة من المقاتلين في غزوة أحد بعد أن أصابهم الغم في هذه الغزوة، ~~وهؤلاء هم المؤمنون الصادقون الملتفون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أما في سورة الأنفال فتبين الآية أن النعاس قد غشى الجيش كله حيث كان ~~الجميع على قلب رجل واحد والإيمان يملأ قلوبهم جميعا ولا يوجد بينهم ~~منافق أو مرتاب فغشيتهم جميعا هذه الأمنة بالنعاس لأنه يزيل الخوف، ومن ~~دلائل الأمن والطمأنينة والثقة بنصر الله. ويقول الحق تبارك وتعالى ~~متابعا في ذات الآية: { وينزل عليكم من السمآء مآء ~~ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان.. } ~~[الأنفال: 11]. ومعنى التطهير أن هناك حادثا يستحق التطهر منه وهم لم ~~يجدوا ماء ليتطهروا به حيث كان المشركون قد غلبوا المسلمين على الماء في ~~أول الأمر، فظمئ المسلمون وانشغلوا بالعطش، وبالرغبة في تطهير أجسامهم، ~~وهذا يدل على أن المؤمن يجب أن يظل نظيفا، رغم الوجود في المعركة التي ~~لو استمر فيها الواحد منهم يوما أو اثنين دون استحمام، لما لامه أحد على ~~ذلك، وجاء هذا القول ليدل على حرص المؤمن على النظافة إن خرج شيء من ~~الإفرازات والعرق، أو كان التطهر من رجز الشيطان لأن الشيطان خيل لهم ~~منامات جنسية، وأخذ يوسوس قائلا لهم: أنتم تقولون إنكم على حق، فكيف ~~تصلون وأنتم جنب؟ وكان مجرد حدوث هذا الأمر لهم جميعا هو ms3700 آية أخرى من ~~الآيات. فأغاظ الله الشيطان وأنزل عليهم الماء ليشربوا ويتطهروا. ويقول ~~المولى سبحانه وتعالى في ذات الآية: { وليربط على قلوبكم ~~ويثبت به الأقدام } وأراد الحق تبارك وتعالى أن يطمئن ~~المؤمنين فلا تتوزع أو تتشتت مشاعرهم، وما أن نزل المطر حتى حفروا الحفر ~~ليتجمع فيها الماء، وهكذا حماهم سبحانه وتعالى من نقص الماء، كما أن نزول ~~المطر على الأرض الرملية نعمة كبرى - من جهة أخرى - حيث يثبت الرمال على ~~الأرض فلا تثير غبارا، ونعلم أن الإنسان حين يسير على الأرض، فإن ثقله ~~يدك ما تحته مما يحتمل الدك على قدر وزنه، فالطفل الصغير حينما يمشي على ~~الرمال، فأثر سيره يكون بسيطا، عكس الرجل الضخم، وإن قستها بالنسبة لوزن ~~الصبي أو الغلام، وبوزن الرجل الممتلئ، تجد أن الأرض قد غاصت بنسبة ~~الكتلة التي سارت عليها، وحين يسير الناس دون عمل ولا يقصدون غير السير، ~~يكون الثقل خفيفا، أما حين يدخل الرجال الحرب فالأقدام قد تغوص في ~~الرمال وقد يصير جزء من جسد المقاتل معطلا عن الحركة لأن القدم هي التي ~~تحقق التوازن. # إن هذه من حكمة الله تعالى، ونحن نرى ذلك في حياتنا، فنجد أهل الريف ~~يضعون فوق جداول الماء جزع نخلة أو " عرقا " من الخشب ليسير عليه ~~الإنسان بين الشطين، وإن فكر السائر في هذه المسألة قد يقع في الماء، ~~لكنه إن ترك رجليه للسير تلقائيا، فهو يمشي محققا التوازن، ومثل هذا ~~الأمر يحدث في صناعة سلالم البيوت، إننا نجدها متساوية في ارتفاع درجاتها ~~ليصعد الإنسان صعودا رتيبا من غير تفكير، فإذا اختلت درجة واحدة في ~~السلم بأن كا ارتفاعها مختلفا عن بقية الدرجات يختل التوازن ويقع الإنسان ~~لأن الساق ضبطت نفسها آليا على هذا الوضع. ولذلك نجد الصعود على السلالم ~~الحلزونية متعبا لأن السلالم الحلزونية فيها جهة واسعة وأخرى ضيقة. وقد ~~يرتبك الإنسان أثناء الصعود، ولهذه الأسباب نجد الجيوش تكشف طبيا على ~~المجندين، ولا يختارون إلا الشخص المستوي القدمين لتستقبل أقدامه كل ~~الظروف ويكون قادرا على مواجهة الظروف ms3701 غير العادية، ومن عظمة الخالق ~~سبحانه وتعالى أن جعل كل عضو من الأعضاء له مواصفات خاصة. وسبحانه يذيل ~~هذه الآية بقوله عز وجل: { ويثبت به الأقدام }. وتثبيت ~~الأقدام من جهة يمثل أمرا معنويا، ومن جهة أخرى يكون تثبيت الأقدام " ~~بمعنى أن نزول المطر جعل الأرض ثابتة " ولا تثير الغبار أو الرمال، ~~وسبحانه هو القائل في مناسبة أخرى: # وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا والله يحب الصابرين * وما كان قولهم ~~إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا ~~في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين # [آل عمران: 146 - 147]. وهكذا نفهم أن تثبيت الأقدام له ألوان متعددة، ~~حسية ومعنوية. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { إذ يوحي ربك ~~إلى الملائكة أني معكم... }. ### || [8.12] # والمولى سبحانه وتعالى هنا يبين أنه أوحى إلى الملائكة بالإلهام: أني ~~معكم بالنصر والتأييد { فثبتوا الذين آمنوا }. أي قووا ~~عزائم المؤمنين وثبتوا قلوبهم. أي اجعلوا قلوبهم كأنها مربوطة عليها فلا ~~يخافون أية أغيار من عدوهم، ويزيد الإيضاح للمؤمنين: إياكم أن تظنوا أن ~~كثرة العدد أو قوة العدد هي التي تصنع النصر. بل النصر دائما من ~~عند الله تعالى وسبحانه القائل: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله.. # [البقرة: 249]. وذلك لأن النسبة بين المؤمنين والكافرين غير متوازنة ~~وتحتاج إلى مدد عال من الله تعالى. وقلنا إن السماء تتدخل إذا كان الأمر ~~فوق أسباب الخلق، ولذلك يقول سبحانه وتعالى: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه.. # [النمل: 62]. وإن قال قائل: أنا أدعو الله أكثر من مرة ولا يجيبني.. نرد ~~عليه ونقول له: أنت لم تدع دعوة المضطر، بل دعوت دعوة المترف، مثلما يدعو ~~ساكن في شقة بأن يرزقه الله بقصر صغير. أو يدعو من يسير على أقدامه ~~وتحمله سيارة العمل طالبا سيارة خاصة، أو يدعو من يملك " تليفزيونا " ~~بأن يهبه الله جهاز " فيديو " ، هذه كلها ليست دعوة اضطرار لأن المضطر هو ~~من فقد أسبابه. ويتابع الحق القول في ms3702 ذات الآية: { سألقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق ~~واضربوا منهم كل بنان } [الأنفال: 12]. وإذا ألقى الله عز ~~وجل الرعب والخوف في قلوب العدو مهما كان عدده ومهما كانت عدده، ~~فسيترك هذا العدو كل ما معه ويفر من حالة الرعب والفزع، وقد فعل بعض من ~~الكفار ذلك. وقد امتن الله سبحانه وتعالى على المؤمنين بأن أمدهم ~~بالملائكة بشرى واطمئنانا، وهيأ لهم الماء، وطهرهم، وأذهب عنهم رجز ~~الشيطان، وكل هذه مقدمات المعركة مستوفاة من جانب الحق تبارك وتعالى ~~إمدادا لكم، وما عليكم أيها المؤمنون سوى أن تقبلوا على المعركة بعزيمة ~~صادقة، عزيمة المقاتل الشجاع المحارب الذي له من العقل ما يفكر به ويدبر ~~في التخطيط، وفي الكر والفر. وكانت أدوات القتال قديما هي السيوف ~~والرماح والنبال، وكان المقاتل يحتاج رأسه ليخطط به، ويحتاج يديه وأنامله ~~ليمسك بها السيف، ولذلك ينبه الحق المؤمنين إلى هاتين النقطتين المؤثرتين ~~فيقول: { فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل ~~بنان }. والضرب لما فوق الأعناق هو ضرب الرأس فيفقد القدرة على ~~التفكير، أو تذهب حياته لينتهي، وإن بقي على قيد الحياة فسوف يشاهد مصارع ~~زملائه وذلتهم. والضرب منهم في كل بنان.. أي ضربهم بالسيوف في أيديهم لأن ~~الضرب في الأيدي إنما يجرحها ويجعلها عاجزة عن القتال. لماذا؟. يجيب الحق ~~في الآية التالية: { ذلك بأنهم شآقوا الله ~~ورسوله... }. ### || [8.13] # وهنا يوضح الحق سبحانه وتعالى: أن هذا النصر المؤزر للنبي وصحبه ~~والهزيمة للمشركين لأنهم شاقوا الله ورسوله، و " شاقوا " من " الشق " ~~ومعناه أنك تقسم الشيء الواحد إلى اثنين. وكان المفروض في الإنسان منهم ~~أن يستقبل منهج الله الذي نظم له حركته في هذا الكون، ولم يكن هناك داع ~~لتبديد الطاقة بالانشقاق إلى جماعتين جماعة مع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وجماعة مع الكفر والشرك لأن الطاقة التي كانت معدة لإصلاح أمر الإنسان ~~والكون للخلافة إنما يتبدد جزء منها في الحروب بين الحق والباطل، ولو ~~توقفت الحروب لصارت الطاقة الإنسانية كلها موجهة للإصلاح والارتقاء ~~والنهوض وتحقيق الخير لبني الإنسان، ms3703 لكنهم شاقوا الله ورسوله، فجعلوا ~~أنفسهم في جانب يواجه جانب المؤمنين بالله ورسوله لذلك استحقوا عذاب الله ~~وعقابه، وبسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، عليهم أن يتحملوا العقاب الشديد ~~من الله، فيقول سبحانه وتعالى: { ومن يشاقق الله ورسوله ~~فإن الله شديد العقاب } [الأنفال: 13]. وهذه قضية عامة، ~~وسنة من الله في كونه تشمل هؤلاء الذين شاقوا الله ورسوله من بدء ~~الرسالة، وإلى قيام الساعة. ويقول المولى سبحانه وتعالى بعد ذلك: { ~~ذلكم فذوقوه... }. ### || [8.14] # وذلكم إشارة للأمر الذي حدث في موقعة بدر من ضرب المؤمنين للكافرين فوق ~~الأعناق، وضرب كل بنان كافر، وإن ربنا شديد العقاب، وهذا الأمر كان يجب ~~أن يذوقه الكافرون. والذوق هو الإحساس بالمطعوم شرابا كان أو طعاما، ~~إلا أنه تعدى كل محس به ولو لم يكن مطعوما أو مشروبا ويقول ربنا عز ~~وجل: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. أي ذق الإهانة والمذلة لا مما يطعم أو مما يشرب، ولكن ~~بالإحساس لأن ذوق الطعام هو الحاسة الظاهرة في الإنسان قد يجده بالذوق ~~حريفا، أو حلوا، أو خشنا أو ناعما إلى غير ذلك. وها هو ذا الحق يضرب ~~لنا المثل على تعميم شيء: فيقول عز وجل: # وضرب الله مثلا قرية كانت ءامنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. والجوع سلب الطعام، فكيف تكون إذاقة الجوع؟ الجوع ليس مما ~~يذاق، ولا اللباس مما يذاق، ومن قول الحق تبارك وتعالى نفهم أن الإذاقة ~~هي الإحساس الشديد بالمطعوم، واللباس - كما نعلم - يعم البدن، فكأن ~~الإذاقة تتعدى إلى كل البدن، فالأنامل تذوق، والرجل تذوق، والصدر يذوق، ~~والرقبة تذوق وكأن الجوع قد صار محيطا بالإنسان كله. وهنا يقول المولى ~~سبحانه وتعالى: { ذلكم فذوقوه }. والذوق غير البلع والشبع، ونرى ~~ذلك في عالمنا السلعي والتجاري فساعة تشتري - على سبيل المثال - جوافة، ~~أو بلحا أو تينا، يقول لك البائع: إنها فاكهة حلوة، ذق منها، ولا يقول ~~لك كل منها واشبع، إنه يطلب منك أن تجرب ms3704 طعم الفاكهة فقط ثم تشتري لتأكل ~~بعد ذلك حسب رغبتك وطاقتك. وما نراه في الدنيا هو مجرد ذوق ينطبق عليه ~~المثل الريفي " على لساني ولا تنساني " ، والعذاب الذي رآه الكفار على ~~أيدي المؤمنين مجرد ذوق هين جدا بالنسبة لما سوف يرونه في الآخرة من ~~العقاب الشديد والعذاب الأليم، وسيأتي الشبع من العذاب في الآخرة، لماذا؟ # ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشاقق ~~الله ورسوله فإن الله شديد العقاب # [الأنفال: 13]. وهذا اللون من إذاقة الذل والإهانة في الدنيا لهؤلاء ~~الكفار المعاندين، مجرد نموذج بسيط لشدة عقاب الله على الكفر، وفي يوم ~~القيامة يطبق عليهم القانون الواضح في قوله سبحانه وتعالى: { وأن ~~للكافرين عذاب النار }. إذن فالهزيمة لمعسكر الكفر والذلة هي ~~مجرد نموذج ذوق هين لما سوف يحدث لهم يوم القيامة من العذاب الأليم والحق ~~سبحانه وتعالى هو القائل: # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك.. # [الطور: 47]. وعذاب الآخرة سيكون مهولا، و " العذاب " هو إيلام الحس، ~~إذا أحببت أن تديم ألمه، فأبق فيه آلة الإحساس بالألم، ولذلك تجد الحق ~~سبحانه وتعالى حينما يتكلم عن سليمان والهدهد يقول: # وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم ~~كان من الغآئبين * لأعذبنه عذابا شديدا أو ~~لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين # [النمل: 20 - 21]. كأن الذبح ينهي العذاب، بدليل أن مقابل العذاب في ~~هذا الموقف هو الذبح. وماذا عن عذاب النار؟. إن النار المعروفة في حياتنا ~~تحرق أي شيء تدخله فيها، لكن نار الآخرة تختلف اختلافا كبيرا لأن الحق ~~هو القائل: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء: 56]. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { يآأيها ~~الذين آمنوا إذا لقيتم... }. ### || [8.15] # ونعلم أن نداء الحق سبحانه وتعالى للمؤمنين بقوله: { يآأيها ~~الذين آمنوا } ، إما أن يكون بعدها أمر بمتعلق الإيمان ومطلوبه، ~~وإما أن يكون بعدها الإيمان نفسه، ومثال ذلك قول الحق سبحانه وتعالى: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا.. # [النساء: 136]. وبعضهم يقول: كيف ينادى مؤمنين ثم يقول لهم: " آمنوا ~~"؟، وهؤلاء المستفهمون لم يلتفتوا إلى أن الحق حين يكلم المؤمنين ms3705 يعلم ~~أنهم مؤمنون بالفعل، ولكن الأغيار في الاختيار قد تدعوهم إلى أن يتراخى ~~البعض منهم عن مطلوبات الإيمان. و " آمنوا " الثانية معناها: أنشئوا ~~دائما إيمانا جديدا أي مستمرا يتصل بالإيمان الحاضر والإيمان ~~المستقبل، ليدوم لكم الإيمان. فإذا كان ما بعد { يآأيها الذين ~~آمنوا } أمرا بمطلوب الإيمان، من حكم شرعي، أو عظة أخلاقية. يكون ~~أمرها واقعا، والمعنى: يا من آمنتم بي إلها قادرا حكيما، ثقوا في كل ~~ما آمركم به لأني لا آمركم بشيء فيه مصلحة لي لأن صفات الكمال لي أزلية، ~~فخلقي لكم لم ينشئ صفة كمال، فإن كلفتكم بشيء، فتكليفي لكم يعود عليكم ~~بالنفع والمصلحة لكم، وضربنا المثل - ولله المثل الأعلى منزه عن كل مثل ~~- أنت تذهب إلى الطبيب بعد أن تتشاور مع أهلك وزملائك وتكون واثقا بأن ~~هذا هو الطبيب الذي ينفع في هذه الحالة التي تشكو منها، وساعة تذهب إليه ~~يشخص لك المرض ويكتب لك الدواء، وسواء استخدمت الدواء أم لم تستخدمه فأنت ~~حر وأثر ذلك يعود عليك وعدم استعمالك الدواء لن يضر الطبيب شيئا، بل أنت ~~الذي تضر نفسك، كذلك منهج الله الذي جعله لصلاحية حركة الحياة. إن اتبعته ~~وطبقته تنفع نفسك، وإن تركته فلم تطبقه فسوف تضر نفسك، ولذلك يقول المولى ~~سبحانه وتعالى: # وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر.. # [الكهف: 29]. إذن فالاختيار لك والله سبحانه وتعالى قد خلقك، وخلق الكون ~~الذي يخدمك من قبل أن توجد، وأنت طارىء على هذا الكون، طارىء على الشمس ~~وعلى القمر، وعلى الأرض، وعلى الجبال، وعلى الماء وعلى أي شيء في هذا ~~الوجود. والذي خلق ما سبقك لا بد أن تكون له صفات الكمال المطلق. فهو ~~سبحانه وتعالى قد خلق كل شيء بالحكمة والنظام، وما دامت له سبحانه وتعالى ~~صفات الكمال المطلق المستوعبة، فهو لا يطلب منك بالتكاليف أن تنشىء له ~~صفات كمال جديدة، وهو غني عنك. فإذا اقتنعت بالإيمان فلمصلحتك أنت، ولم ~~يكلفك إلا بالأحكام التي تصلح من حالك. وحيثية كل حكم هو تصديره ب ms3706 { ~~يآأيها الذين آمنوا }. إياك أن تبحث عن علة في الحكم لأنك ~~لو ذهبت إلى الحكم لعلته، لاشتركت مع غير المؤمنين، فالمؤمن - مثلا - ~~حين سمع الأمر باجتناب الخمر، امتثل للحكم لأنه صادر من الله، من بعد ذلك ~~عرف غير المؤمنين - بالتحليل العلمي - أن الخمر ضارة فامتنعوا عنها، فهل ~~امتناعهم هو امتناع إيماني؟ لا. # إذن فإن المؤمن يأخذ الأمر من الله عز وجل لا لعلة الأمر بل لمجرد أنه ~~قد صدر من الله لذلك يمتثل للأمر وينفذه.. فالمسلم يمتثل لأوامر الله ~~ويؤدي العمل الصالح دون بحث أو تساؤل عن علته، فحين يقال - على سبيل ~~المثال - إن من فوائد الصيام أن يذوق الغني ألم الجوع، ويعطف على الفقير، ~~حين أسمع من يقول ذلك أقول له: قولك صحيح لأن فيه لمسة من فهم، لكن ماذا ~~عن صوم الفقير الذي ليس عنده ما يعطيه لغيره، ألا يصوم أيضا؟. إن المؤمن ~~يصوم لأن الأمر جاء من الله بالصيام. ومعظم أحكام الله تأتي مسبوقة ~~بقوله: { يآأيها الذين آمنوا } ، أي: يا من آمنتم بي إلها ~~أقبلوا علي، فإنكم إن بحثتم عن العلة، ثم نفذتم الحكم لعلته فأنتم غير ~~مؤمنين بالإله الآمر والمشرع، لكنكم مؤمنون بعلة المأمور به، والله يريدك ~~أن ترضخ له فقط، ولذلك يأمرك بأوامر وينهاك بنواه، فأنت - مثلا - حين ~~تحج بيت الله الحرام، تسلم على الحجر الأسود بأمر من الله، وقد تتيح لك ~~الظروف أن تقبل هذا الحجر كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت ~~في كل ذلك لا ترضخ للحجر. بل للآمر الأعلى الذي بعث محمدا بحرب على ~~الأصنام وعلى الأحجار، وأنت تتبع رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بمنتهى ~~التسليم والإيمان، وتذهب بعد ذلك لترجم الأحجار التي هي رمز إبليس. وتفعل ~~ذلك تسليما لأوامر الله تعالى التي بلغتك عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: { يآأيها الذين آمنوا ~~إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار } [الأنفال: 15]. فما دمت قد آمنت بالإله، لا بد أن تدافع عن ms3707 ~~منهج الإله لأن هذا أيضا لمصلحتك لأنك بإيمانك بالله أيها المؤمن ينتفع ~~المجتمع كله بخيرك، ولن يأمرك سبحانه إلا بالخير، فلن تسرق، ولن تزني، ~~ولن تشرب خمرا، ولن تعربد في الناس، ولن ترتشي، وبكل ذلك السلوك ينتفع ~~المجتمع لأن المجتمع يضار حين يوجد به فريق غير مهتد. وأنت حين تقاتل ~~لتفرض الكلمة الإيمانية هلى هؤلاء، فهذا يعود إلى مصلحتك، ولذلك فإن ~~اتصافك بالإيمان لا يتحقق إلا إن عديته لغيرك، ومن حبك لنفسك، أن تعدى ~~الإيمان بالقيم التي عندك إلى غيرك لتنتفع أنت بسلوك من يؤمن، وينتفع ~~غيرك بسلوكك معه، ومن مصلحتك أن يؤمن الجميع. وحين يكلفك الحق تبارك ~~وتعالى بالجهاد في سبيل الله فأنت تفعل ذلك لصالحك. { يآأيها ~~الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا. # . } [الأنفال: 15]. وزحفا مصدر زحف، والزحف في الأصل هو الانتقال ~~من مكان إلى مكان آخر بالنصف الأعلى من الجسم. وتقول: " الولد زحف " أي ~~تحرك من مكانه بنقل يديه وشد بذلك بقية جسمه. كما نقول: " حبا ". أي ~~استعمل الوركين والركبتين ليتحرك بجسده على الأرض، ثم نقول: " مشى " أي ~~وقف على قدميه وسار، فتلك إذن مراحل تبدأ من زحف ثم حبو ثم مشى، ~~والطفل يبدأ حركته الأولى بالزحف، بعد أن يتمكن من السيطرة على رأسه، ~~ويمتلك القدرة على تحريكها بإرادته، ويقوى نصفه الأعلى، فيقعد، ثم يزحف، ~~وبعد ذلك تقوى فخذاه فيحبو، ومن بعد ذلك تقوى الساقان فيمشي. إذن قوة ~~الطفل تبدأ من أعلى. ولكن ما حكاية " زحفا " هنا في هذه الآية الكريمة؟ ~~ولماذا لم يقل هرولوا إلى القتال؟. ونقول: إن الزحف هو انتقال كتلة لا ~~ترى الناقل فيها، فمن يراها يظن أن الكتلة كلها تتحرك. وكأن الحق تعالى ~~يقصد: أريد منكم أن تتحركوا إلى الحرب كتلة واحدة متلاصقين تماما فيظهر ~~الأمر وكأنكم تزحفون. وزحفا أصلها زاحفين، وقد عدل سبحانه وتعالى عن اسم ~~الفاعل وجاء بالمصدر، مثلما نقول عن إنسان عادل: إنه إنسان عدل، أي أن ~~عدله مجسم. ولذلك نجد الشاعر يقول عن الجيش الزاحف: # خميس بشرق الأرض والغرب ms3708 زحفه # وفي أذن الجوزاء منه زمازم # والخميس هو الجيش الجرار، ويريد الشاعر أن يصور الزحف كأنه كتلة ~~واحدة متماسكة ومترابطة، بحيث لا تستطيع أن تميز حركة جندي من حركة جندي ~~آخر، حتى ليخيل إليك أن الكتلة كلها تسير معا. ومن يريد أن يتأكد من ~~ذلك ندعو الله أن يكتب له الحج ويصعد إلى الدور الثاني من الحرم المكي ~~الشريف ويرى الطائفين، ويجدهم ملتحمين جميعا كأنهم كتلة واحدة تسير، ~~ولذلك سموها " السيل ". و " سالت بأعناق المطي الأباطح ". مثلهم مثل ~~السيل في تدفقه لا تفرق فيه نقطة عن أخرى. والحق تبارك وتعالى يوضح لنا ~~هنا أن لقاء الكفار يجب أن يكون زحفا أي كتلة واحدة متماسكة، فيصيب ~~المشهد الكافرين بالرعب حين يرون هذه الكتلة الضخمة التي لا يفرق أحد بين ~~أعضائها، وهكذا تكون المواجهة الحقيقية. ويواصل الحق سبحانه وتعالى ~~التنبيه فيقول: { فلا تولوهم الأدبار } [الأنفال: 15]. أي لا ~~تعطوهم ظهوركم، وهو سبحانه وتعالى في آية أخرى يقول: # ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين # [المائدة: 21]. ويريد الله أن يعطي صورة بشعة في أذن القوم لأن " ~~الأدبار " جمع " دبر " والدبر مفهوم أنه الخلف ويقابله القبل، وهذا ~~تحذير لك من أن تمكن عدوك من ظهرك أي دبرك، لأن هذا أمر مستهجن، ولذلك ~~نجد الإمام عليا - كرم الله وجهه - يرد على من قالوا له إن درعك له صدار ~~وليس له ظهار، أي مغطى من الصدر، وليس له ظهر. وهنا يقول الإمام علي رضي ~~الله عنه: " ثكلتني أمي إن مكنت عدوي من ظهري " ، وكأن شهامة وشجاعة ~~الإمام تحمله على أنه يترك ظهره من غير وقاية. وفي قول الحق جل وعلا { ~~فلا تولوهم الأدبار } تحذير من الفرار من مواجهة العدو. ~~ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: { ومن يولهم يومئذ دبره ~~إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة... }. ### || [8.16] # ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة لم يرتب الغضب منه ~~إلا على من يولي الدبر هربا وفرارا من لقاء الأعداء. أما الذي يولي ~~الدبر احتيالا ولإيهام العدو بأنه ينسحب ms3709 وفي ذات اللحظة يعاود الكرة ~~على العدو مطوقا له، فهذا هو المقاتل الحق والصادق في إيمانه الذي ~~يمكر بالعدو. وكذلك من يولي الدبر متحيزا إلى فئة مؤمنة ليعاود معها ~~الهجوم على الأعداء حتى لا تضيع منه حياته بلا ثمن، فهذا أيضا من أعمل ~~فكره لينزل بالعدو الخسارة لأن المؤمن يحرص دائما على أن يكون موته ~~بمقابل، فإذا ما وعده الله بالجنة. ألا يقاتل هو ليصيب الأعداء ~~بالهزيمة؟. وكان ثمن المؤمن من قبل عشرة كافرين، بمعنى أن الله تعالى منح ~~كل مؤمن قوة تغلب عشرة، مصداقا لقوله عز وجل: # يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن ~~يكن منكم عشرون صبرون يغلبوا مئتين وإن ~~يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ~~بأنهم قوم لا يفقهون # [الأنفال: 65]. ولكن علم الله أن بالمؤمنين ضعفا فجعل مقابل المؤمن في ~~المعركة اثنين من الكفار، مصداقا لقوله تعالى: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن ~~يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله ~~مع الصابرين # [الأنفال: 66]. ولذلك فإننا نجد الذي يفر أمام ثلاثة من الأعداء لا يسمى ~~فارا في الحكم الشرعي. لكن من يفر من مواجهة اثنين، يعد فارا لأن الحق ~~تعالى قال قبل أن يوجد فينا الضعف: # إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين.. # [الأنفال: 65]. أي أن المقاتل المؤمن كان يمكنه أن يواجه عشرة من ~~الكافرين. فإن كان المقابل أقل من عشرة كافرين، فعلى المؤمن أن يحافظ على ~~نفسه حتى لا يموت رخيص الثمن. ثم أوضح الحق سبحانه وتعالى أن الضعف سيصيب ~~المؤمنين لذلك قال: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن ~~يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين.. # [الأنفال: 66]. وهكذا انتقلت النسبة بين المؤمنين والكافرين من واحد ~~لعشرة، إلى مؤمن مقابل اثنين من الكفار، وهذا من رحمة الله تعالى، فمن ~~رأى نفسه في مواجهة أكثر من اثنين من الأعداء يوضح له الحق تعالى: عليك ~~أن تنحاز إلى فئة من المؤمنين تعصمك من نيلهم منك ms3710 بلا ثمن. { ومن ~~يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو ~~متحيزا إلى فئة } [الأنفال: 16]. وعرفنا أن المتحرف للقتال ~~هو صاحب الحيلة، ونقول في ألفاظنا التي تجري على ألسنتنا في حياتنا ~~اليومية: " فلان حريف " أي لا يغلبه أمر ويحتال عليه، وهكذا يكون المتحرف ~~في القتال الذي يكيد للكافرين ويدبر لهم أشياء فيظنون الانهزام، وهي في ~~الواقع مقدمات للنصر، وقوله سبحانه: " أو متحيزا " مأخوذ من " الحيز " ، ~~وهو المكان الذي يشغله الجسم، وكل واحد منا له " حيز " في مكان يشغله، أي ~~أن كل واحد منا متحيز، والحيز هو الظرف المكاني الذي يسع الإنسان منا ~~واسمه ظرف مكان، وكل واحد من المخاطبين له مكان وهو متحيز بطبيعته، وجاءت ~~كلمة " متحيز " في هذه الآية لتوجه كل مؤمن مقاتل أن يأخذ لنفسه حيزا ~~جيدا يمكنه من إصابة الهدف، وكذلك تفيد ضرورة انضمام المقاتل دائما إلى ~~فئة مع إخوانه بهدف تقوية المواجهة مع العدو. # ومن لا يفعل ذلك فعليه أن يتلقى العقاب من الله، وقد بينه تعالى في قوله ~~سبحانه: { فئة فقد بآء بغضب من الله.. } [الأنفال: ~~16]. و " باء " تعني رجع، والتعبير الأدائي في القرآن الكريم مناسب لما ~~فعلوه لأن من يعطي الأعداء دبره فهو الراجع عن الزحف والقتال. لكن من ~~يرجع بهدف الكيد للأعداء والمناورة في القتال أو لتقوية جماعة أخرى من ~~المؤمنين، فهذا له وضع مختلف تماما، إنه ناصر لدين الله، عكس المنسحب ~~الفار الذي يصحبه في انسحابه غضب من الله، والغضب من الله - كما نعلم - ~~هو سبب من أسباب إنزال العذاب، ولهذا يقول الحق تبارك وتعالى: { فقد ~~بآء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ~~} [الأنفال: 16]. والمأوى هو المكان الذي يأوي إليه الإنسان، ونعلم أن ~~الواحد منا حين يرغب في الراحة فهو يأوي إلى المكان الذي يجد فيه الراحة ~~والأمن من كل سوء. والفار من مواجهة العدو في معارك الإسلام لن يجد ~~مأوى إلا النار، بل وترحب به النار ويدور حوار بينها وبين الحق عز وجل ~~يوم القيامة توضحه الآية الكريمة: # يوم نقول لجهنم ms3711 هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30]. ويثبت الحق في قرآنه الكريم أن النار تغتاظ من الكافرين ~~لأنها جند من جنود الله تعالى ومسخرة لتنفيذ حكم الله، فمن خالف المنهج ~~في الدنيا تتلقاه النار بتغيظ وزفير، ويسمع الكافرون تغيطها حين تراهم من ~~بعد، والحق سبحانه هو القائل: # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا # [الفرقان: 12]. وحين تكون النار هي المأوى، أليس ذلك هو بئس المرجع؟. ~~كأن الراجع من الزحف والفار من مواجهة الأعداء ومخافة أن يقتل، سيذهب ~~إلى شيء شر من القتل. ثم يربب الحق في المؤمنين ويطلب منهم ألا يفتتنوا ~~بالأسباب فيقول سبحانه: { فلم تقتلوهم ولكن الله ~~قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى... ~~}. ### || [8.17] # وقول الحق تبارك تعالى: { فلم تقتلوهم ولكن الله ~~قتلهم.. } [الأنفال: 17]. مثل قوله تعالى في آية أخرى: # وما النصر إلا من عند الله.. # [آل عمران: 126]. وفي هذا ترتيب من الحق تبارك وتعالى للمؤمنين، فكما أن ~~النصر من عند الله عز وجل لمن أخذ بالأسباب، كذلك قتل الكافرين كان ~~بإرادته سبحانه لمن كفر ووقع هذا القتل بيد المؤمن، فالمؤمن يضرب بالسيف، ~~وينجرح العدو وينزف، لكن ألم تر جريحا لم يمت، وألم تر غير مجروح يموت؟. ~~إذن فالقتل هو من الله. # سبحان ربي إن أراد فلا مرد له يفوت # كم من جريح لا يموت وغير مجروح يموت # إذن فالمؤمنون حين حاربوا أهل الكفر. إنما يجرحونهم فقط، أما الموت فهو ~~واقع بهم من الله سبحانه وتعالى. { فلم تقتلوهم ولكن ~~الله قتلهم.. } [الأنفال: 17]. ولقائل أن يقول: إن الحق تبارك ~~وتعالى قال في موقع آخر: # قتلوهم يعذبهم الله بأيديكم.. # [التوبة: 14]. إذن فللمؤمن المقاتل مظهرية القتال، وللحق حقيقة القتل. ~~ولذلك يأتي سبحانه وتعالى بعد ذلك بقوله: { وما رميت إذ رميت ~~ولكن الله رمى.. } [الأنفال: 17]. وفي هذا القول الكريم ~~عطاء لشيء كان مجهولا لهم بشيء علم لهم، وبذلك قاس غير معلوم بمعلوم. ~~وعرفنا من قبل أنك إذا رأيت حدثا أو فعلا منفيا ومثبتا له في وقت ~~واحد، قد يبدو ms3712 لك أن في الكلام تناقضا. وهنا - على سبيل المثال - ينفي ~~الحق الحدث في قوله: " وما رميت " وثبته في قوله: " إذ رميت ". والرمي ~~معروف. والفاعل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف ينفي عنه الفعل ~~أولا، ويثبته له ثانيا؟. ونعلم أن القائل هو رب حكيم، وأسلوبه على أعلى ~~ما يكون. وحتى نفهم هذه المسألة، نحن نعرف أن كل حدث له هيئة يقع عليها ~~وله غاية ينتهي إليها، فمرة يوجد الحدث، لكن الغاية منه لا تتحقق، مثلما ~~يقول الوالد لولده: لقد قرب الامتحان فاجلس في حجرتك وذاكر. ويجلس الولد ~~في حجرته وأمامه كتاب ما يقلب صفحاته، وبعد ساعة يدخل الأب حجرة ابنه ~~ليقول: هات كتابك لأسألك فيما ذاكرته. ويسأل الأب ابنه سؤالا ثم ثانيا ~~فلا يعرف الابن الإجابة عن الأسئلة، فيقول الأب: ذاكرت وما ذاكرت. أي ~~كأنه لم يذاكر، بل فعل الفعل شكليا، بأن جلس إلى المذاكرة، ولم يؤد ما ~~عليه لأن أثر الفعل وهو المذاكرة لم يتحقق. وفي غزوة بدر استنجد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بربه واستغاث ودعا الله ورفع يديه فقال: # " يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا، فقال له جبريل: ~~خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم فأخذ صلى الله عليه وسلم قبضة من ~~التراب فرمى بها في وجوههم فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه ~~وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين " # ومعلوم أنه ساعة تأتي ذرة تراب في عيني الإنسان يشتغل بعينيه عن كل شيء. ~~إذن فقول الحق تبارك وتعالى: { وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى.. } [الأنفال: 17]. أي أنك يا رسول الله ما أرسلت بالرمية ~~الواحدة - حفنة التراب - إلى عيون كل الأعداء لأن هذه مسألة لا يقدر ~~عليها أحد، ولكنك " إذ رميت " أي أديت نصيحة جبريل لك، أما الإيصال إلى ~~عيون العدو فهذا من فعل الله القوي القادر. ويتابع سبحانه وتعالى قوله: ~~{ وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله ~~سميع عليم } [الأنفال:17]. والبلاء الحسن هنا هو خوض ms3713 المعركة وحسن ~~أداء القتال فيها. ويخطىء الإنسان حين يظن أن البلاء هو نزول المصائب، ~~لا، إن البلاء هو الاختبار بأية صورة من الصور. فالطالب الذي استذكر ~~دروسه يكون الامتحان بالنسبة له بلاء حسنا، ومن لم يستذكر يكون ~~الامتحان بالنسبة له بلاء سيئا. إذن فالابتلاء غير مذموم على إطلاقه، ~~ولا ممدوح على إطلاقه، لكن بنتيجة الإنسان فيه هل ينجح أم لا. وحتى نعرف ~~أن القرآن يفسر بعضه بعضا فلنقرأ قول الحق تبارك وتعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة.. # [الأنبياء: 35]. فالخير بلاء، كما أن الشر بلاء، وحين تستخدم الخير في ~~خدمة منهج الله تعالى ولا تطغى به، وحين تصبر على الشر ولا تتمرد على قدر ~~الله، فهذا كله اختبار من الله عز وجل، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن # [الفجر: 15]. وهذا هو الابتلاء بالخير، أما الابتلاء بالشر فيقول عنه ~~الحق سبحانه: # وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ~~ربي أهنن # [الفجر: 16]. والابتلاء بالخير أو بالشر هو مجرد اختبار، والاختبار كما ~~وضحنا غير مذموم على إطلاقه، ولا ممدوح على إطلاقه، ولكنه يذم ويمدح ~~بالنسبة لغايته التي وصل إليها المبتلي أو من يمر بالاختبار، فإن نجح، ~~فهذا ابتلاء حسن، وإن فشل، فهو ابتلاء سيىء. ونلحظ - على سبيل المثال - ~~أن الطالب الذي ركز فكره ووقته وحبس نفسه وبذل كل طاقته في التحصيل ~~والاستذكار طوال العام الدراسي، هذا الطالب حين يدخل الامتحان. فهو يحاول ~~أن يثأر من التعب الذي عاناه في التحصيل والإحاطة لذلك يجيب على الأسئلة ~~بدقة، وكلما انتهى من إجابة سؤال إجابة صحيحة، يشعر ببعض الراحة، وإن ~~حاول زميل له أن يشوش عليه فهو يصده ولا يلتفت إليه، بل قد يستدعي له ~~المراقب. والمؤمن الذي يشترك مع المؤمنين في البلاء الحسن هو مثل التلميذ ~~الذي يؤدي ما عليه بإخلاص. والذي يسمع همسة كل مؤمن ويرى فعله هو الحق ~~سبحانه وتعالى، ولذلك جاء بعد الحديث عن البلاء الحسن بقوله تعالى: { ~~إن الله سميع عليم } [الأنفال: ms3714 17]. إذن فالله سبحانه وتعالى ~~سميع بما تجهرون به وعليم بما تخفونه في صدوركم. وهو جل وعلا يعلم من ~~حارب بقوة الإيمان، ومن خالطته الرغبة في أن يرى الآخرون مهارته في ~~القتال ليشيدوا ويتحدثوا بهذه المهارة. ولا أحد بقادر على أن يدلس على ~~الله عز وجل. ويقول سبحانه وتعالى من بعد ذلك: { ذلكم وأن ~~الله موهن كيد... }. ### || [8.18] # و " ذلكم " إشارة إلى أن الأمر كان كذلك، وسبحانه وتعالى هنا يخبرنا أنه ~~موهن كيد الكافرين، أي يضعف هذا الكيد، ولسائل أن يقول: لماذا لا ينهاهم؟ ~~ولماذا يضعف الكفر فقط؟ ونقول: إن إضعاف الكفر يهيج على الإيمان ويحبب ~~المؤمنين في الإيمان حين يرون آثار الكفر التي تفسد في الأرض وهي تضعف، ~~ولأن الحمية الإيمانية تزيد حين يهاج الإسلام من خصومه. إذن فبقاء الكفر ~~لون من استبقاء الإيمان. ويقول سبحانه بعد ذلك: { إن تستفتحوا ~~فقد جآءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم... ~~}. ### || [8.19] # و " تستفتحوا " من الاستفتاح وهو طلب الفتح لأن الألف والسين والتاء ~~تأتي بمعنى الطلب، فنقول: استفهم أي طلب الفهم، و " إن تستفتحوا " ، أي ~~تطلبوا الفتح، ونعلم أن المعنويات مأخوذة كلها من الأمر الحسي لأن أول ~~إلف للإنسان في المعلومات جاء من الأمور الحسية ثم تتكون للإنسان ~~المعلومات العقلية. ومثال ذلك قولنا: " إن النار محرقة " ، وعرفنا هذا ~~القول من تجربة حسية مرت بأكثر من إنسان ثم صارت قضية عقلية يعرفها ~~الإنسان وإن لم ير نارا وإن لم ير إحراقا. وعندما تجتمع المحسات تتكون ~~عند الإنسان خمائر معنوية وقضايا كلية يدير بها شئونه العامة، ومثال ذلك: ~~إننا نعرف جميعا أن المجتهد ينجح، وأخذنا هذه الحقيقة من الواقع، تماما ~~كما أخذنا الحقيقة القائلة: إن المقصر والمهمل كل منهما يرسب. وسبحانه ~~وتعالى ينبهنا إلى هذه فيقول: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا.. # [النحل: 78]. أي أن الإنسان منا مخلوق وهو خالي الذهن، وخلو الذهن يطلب ~~الامتلاء، وكل معلومة يتلقاها الذهن الصغير يستطيع أن يستظهرها فورا، ~~ولذلك نجد التلميذ الصغير أقدر على حفظ القرآن الكريم ms3715 من الشاب الكبير ~~لأن هذا الشاب الكبير قد يزدحم ذهنه بالمعلوم العقلي. وقد شرح لنا علماء ~~النفس هذه المسألة حين قالوا: إن لكل شعور بؤرة هي مركز الشعور. والأمر ~~الذي تفكر فيه تجد المعلومات الخاصة به في ذهنك فورا. وقد تتزحزح هذه ~~المعلومات من ذاكرتك إذا فكرت في موضوع آخر، كما تتزحزح المعلومات الخاصة ~~بالموضوع السابق إلى حافة الشعور لتحل مكانها المعلومات الخاصة بالموضوع ~~الجديد في بؤرة الشعور. والحيز في المعنويات مثله مثل الحيز في ~~الحسيات، فأنت حين تملأ زجاجة بالمياه لا بد أن تكون فوهة الزجاجة ~~متسعة لتدخل فيها المياه ويخرج الهواء الذي بداخل الزجاجة. لكن إن كانت ~~فوهة الزجاجة ضيقة كفوهة زجاجة العطر مثلا فهذه يصعب ملؤها بالمياه إلا ~~بواسطة أداة لها سن رفيع كالسرنجة الطبية حتى يمكن إدخال المياه وطرد ~~الهواء الموجود بداخل الزجاجة ذات الفوهة الضيقة. وهكذا نرى أن الحيز في ~~الأمور المحسة لا يسع كميتين مختلفتي النوعية، ويكون حجم كل منهما ~~مساويا لحجم الحيز. وتقترب المسألة في المخ من هذا الأمر أيضا، فأنت لا ~~تتذكر المعلومات الخاصة بموضوع معين إلا إذا كان الموضوع في مركز الشعور، ~~فإذا ما ابتعد الموضوع عن تفكيرك بعدت المعلومات الخاصة به إلى حاشية ~~الشعور البعيدة. والطفل الصغير يكون خالي الذهن لذلك يستقبل المعلومات ~~بسرعة ويكون مستحضرا لها. ولذلك لا يجب أن نتهم إنسانا بالغباء وآخر ~~بالذكاء لمجرد قدرة واحد على سرعة التذكر وعجز الآخر عن مجاراة زميله ~~في ذلك، فالذكاء له مقاييس متعددة ما زال العلماء إلى الآن يختلفون ~~حولها. # لكن في موضوع التذكر اتفق جانب كبير من العلماء على أن الذهن كآلة ~~التصوير يأخذ المعلومة من أول لقطة شريطة أن تكون بؤرة الشعور خالية لهذه ~~المعلومة. أما إن كانت بؤرة الشعور مشغولة بأمر آخر فهي لا تلتقط ~~المعلومة. والحق سبحانه وتعالى هو القائل: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. والسمع والأبصار هما عمدة الحواس، نأخذ بهما محسات ~~ونكون منها ms3716 معلومات عقلية. والحق تبارك وتعالى هنا يقول: { إن ~~تستفتحوا فقد جآءكم الفتح وإن تنتهوا فهو ~~خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم ~~فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين ~~} [الأنفال: 19]. والفتح يطلق إطلاقات متعددة، منها الحسي، مثل فتح ~~الباب أو فتح الكيس ويقصد إزالة إغلاق شيء يصون شيئا، مثل فتح الباب، ~~والباب إنما يصون ما بداخل الغرفة. والفتح الحسي يمثله القرآن الكريم ~~بقول الحق تبارك وتعالى: # ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت ~~إليهم.. # [يوسف: 65]. أي إن إخوة يوسف حين فتحوا الأخراج - وكانت هي بديلة ~~الحقائب - وجدوا البضاعة التي كانوا قد أخذوها معهم ليستبدلوا بها سلعا ~~أخرى. وهذا هو الفتح الحسي. وقد يكون الفتح في الأمور المعنوية كالفتح ~~في الخير وفي العلم مثل قول الحق تبارك وتعالى: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها.. # [فاطر: 2]. إذن ففتح الرحمة فتح معنوي. وقد يكون الفتح في الحكم لأن ~~الحكم يكون بين أطراف مشتبكة في قضية، وكل طرف يدعي على الآخر، ويأتي ~~الحكم ليزيل خفاء القضية ويفتحها. ومثال ذلك ما حدث بين سيدنا نوح ~~عليه السلام وقومه. فقومه قالوا: # قالوا لئن لم تنته ينوح لتكونن من ~~المرجومين # [الشعراء: 116]. فماذا قال سيدنا نوح عليه السلام؟: # قال رب إن قومي كذبون * فافتح بيني وبينهم ~~فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين # [الشعراء: 117 - 118]. أي أن سيدنا نوحا عليه السلام قد دعا الله أن ~~يفصل في القضية التي بينه وبين قومه بالحق وهو يعلم أن الله تعالى معه. ~~لذلك طلب منه النجاة لنفسه ولمن معه من المؤمنين. وهنا في الآية الكريمة ~~التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد أن الفتح يأتي بمعنى الحكم الذي يفصل بين ~~المتنازعين، وهو صلب حكم يفصل بين فريقين، فريق الهدى والداعي إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه من المؤمنين، وفريق الضلال وهم كفار ~~قريش. وقد استفتح الفريقان، فقد قال أبو جهل حين التقى القوم: " اللهم ~~أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة ". لقد ظن أبو جهل أن ms3717 ~~سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم يقطع رحمهم، ويجعل الولد يترك أباه ~~وأمه، وأيضا كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة ~~فاستنصروا الله وقالوا: " اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين وخير ~~القبيلتين ". # هكذا كان دعاء الكفار. أما دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ~~قوله: # " يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا ". # والاستفتاح من الطرفين يدل على أن كلا منهما مجهد بأمر الآخر، فلو كان ~~أحدهما مرتاحا والآخر متعبا لطلب المتعب الفتح وحده. وجاء الحكم من ~~الله سبحانه وتعالى في القضية هذه، حيث حكم تبارك وتعالى على الكافرين ~~بأن يسلبوا ويقتلوا ويصبحوا مثار السخرية من أنفسهم وممن يرونهم وقد ~~استحقوا ذلك بسبب كفرهم وضلالهم وعنادهم ومحاربتهم للحق، والذي رجح أن ~~الفتح جاء أيضا من المؤمنين أن الحق قال: { فقد جآءكم الفتح ~~} [الأنفال: 19]. أي إن كنتم قد استفتحتم وطلبتم الفصل والحكم فقد جاءكم ~~الفتح، وهذا الفتح كان في صالح المؤمنين، وأيضا في صالح دعاء الكافرين، ~~إنه جاء في الأمرين الاثنين فتح للمؤمنين، وفي صالح دعاء الكفار. فأنتم - ~~أيها الكافرون - قد دعوتم، فإما أن تكونوا قد دعوتم والله أجاب دعاءكم ~~وهو شر عليكم، وهذا دليل على أنكم أغبياء في الدعاء، وما دام الفتح قد ~~جاء، كان الواجب أن ينتهي كل فريق عند الحد الذي وقع، وكان على الكافرين ~~أن يقتنعوا بأنهم انهزموا، وعلى المؤمنين أن يقتنعوا بأنهم انتصروا. { ~~وإن تنتهوا فهو خير لكم.. } [الأنفال: 19]. و " تنتهوا " ~~هذه صالحة أولا بظاهرها للكفار، أي إن تنتهوا عن معاداة الرسول وخصومته، ~~واللجج في أنكم جعلتموه عدوا، وتتكتلون وتتآمرون عليه، فإن تنتهوا فهذا ~~خير لكم في دنياكم لأنكم قد رأيتم النتيجة. حيث قتل البعض من صناديدكم، ~~وأسر البعض الآخر، وأخذت منكم الأسلاب والغنائم. فإن انتهيتم عن العمل ~~الذي سبب هذا فهو خير لكم في دنياكم، وخير لكم أيضا في أخراكم إذا كان ~~الانتهاء سيئول بكم إلى أن تنتهوا عن مخاصمة الدين الذي تخاصمونه وتصبحوا ~~من المنتمين إليه. ms3718 ويتابع سبحانه وتعالى قوله: { وإن تعودوا نعد ~~ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت.. } ~~[الأنفال: 19]. وإن لم تنتهوا وعدتم إلى العداء ومحاربة هذا الدين فسنعود ~~لنصرة المؤمنين، وإياكم أن تقولوا إنكم فئة كثيرة ففئتكم لن تغني من الله ~~عنكم شيئا، والدليل على ذلك أنكم هزمتم في بدر وأنتم كثرة، وأصحاب عدد، ~~وأصحاب عدة. فما أغنت عنكم كثرتكم ولا عدتكم شيئا. { ولن تغني ~~عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع ~~المؤمنين } [الأنفال: 19]. وكان المؤمنون قلة ورغم ذلك كانوا هم ~~الغالبين. وما تقدم إنما يعني الكلام بالنسبة للكفار، فماذا إذا كان ~~الكلام والاستفتاح بالنسبة للمؤمنين، ففي أي شيء ينتهون؟. # إن عليهم أن ينتهوا عن اللجاج والخلاف في الغنائم، الذي جاء فيه قول ~~الحق تبارك وتعالى: # قل الأنفال لله والرسول.. # [الأنفال: 1]. وهم قد اضطروا أن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ربه، ~~فإن عادوا للنزاع والجدل فيما بينهم وكأنهم فريقان متعارضان غير مجموعين ~~على إيمان، فلن تغني فئة عن أخرى شيئا، وعليكم أن تعلموا يا أهل الإيمان ~~أنه إن عزت طائفة منكم، فلتهن أمامها الطائفة الأخرى، ولا تظنوا أنكم ~~بالنصر قد صرتم كثيرا لأن النصر لم يكن لا بالفئة ولا بالملائكة، ولكن ~~النصر كان من عند الله العزيز الحكيم. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: ~~{ يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله... }. ### || [8.20] # وهذا نداء واضح من الله عز وجل للمؤمنين، وأمر محدد منه بطاعة الله ~~والرسول لأن الإيمان هو الاعتقاد الجازم القلبي بالله وبملائكته، وكتبه، ~~ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وعلى المؤمنين أن يؤدوا مطلوب ~~الإيمان. ومطلوب الإيمان - أيها المؤمنون - أن تنفذوا التكاليف التي يأتي ~~بها المنهج من الله عز وجل، ومن المبلغ عنه سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، في الأوامر وفي النواهي. وقد فصلنا من قبل مسألة الطاعة، ~~الطاعة لله تكون في الأمر الإجمالي، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~تكون في اتباع الحكم التفصيلي التطبيقي الذي يأتي به رسول الله للأمر ~~الإجمالي. وكذلك تكون طاعة الرسول واجبة ms3719 في أي أمر أو حكم لأن الله قد ~~فوض رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك: # من يطع الرسول فقد أطاع الله.. # [النساء: 80]. ويتمثل التفويض من الحق سبحانه وتعالى إلى الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في قول الحق تبارك وتعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد ~~الملحظ الجميل في الأداء القرآني: { يأيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم ~~تسمعون } [الأنفال: 20]. والتولي - كما نعلم - هو الإعراض، والأمر ~~هنا بعدم الإعراض، وما دمتم قد آمنتم فلا إعراض عما تؤمنون به. والملحظ ~~الجميل أنه سبحانه لم يقل: ولا تولوا عنهما. قياسا بالأسلوب البشري. ~~لكنه قال: { ولا تولوا عنه } أي أنه سبحانه وتعالى قد وحد ~~الكلام في أمرين اثنين طاعة الله وطاعة الرسول، ولأن الرسول مبلغ عن ~~الله فلا تقسيم بين الطاعتين لأن طاعة الرسول هي طاعة لله تعالى. أو ~~نقول: إن التولي لا يكون أبدا بالنسبة إلى الله، فلا أحد بقادر على أن ~~يتولى عن الله لأن الله لاحقه ومدركه في أي وقت. لذلك نجد الحق تبارك ~~وتعالى يقول في آية ثانية: # يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين # [التوبة: 62]. وهو سبحانه وتعالى في هذا القول يوحد بين رضاء الله ~~والرسول فيجعله رضاء واحدا، فالواحد من هؤلاء يقسم أنه لم يفعل الفعل ~~المخالف للإيمان إرضاء للمؤمنين، وليبرىء نفسه عند البشر، لكن هناك رضاء ~~أعلى هو رضاء مراعاة تطبيق المنهج الذي أنزله الله عز وجل وجاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، وهناك قيوم أعلى يرقب كل سلوك، ويعلم ما ظهر وما ~~بطن. فلو كنا متروكين لبعضنا البعض لكان لأي إنسان أن يواجه الآخر، كل ~~بقوته، لكن نحن في الإيمان نعلم أننا تحت رقابة المقتدر القيوم، فمن ظلم ~~أخاه وغفر المظلوم لظالمه، فالله سبحانه وتعالى رب الظالم ورب المظلوم - ~~لا يغفر للظالم بل يؤاخذه. # وسبحانه وحد أيضا في هذه الآية بين رضاء الله ms3720 ورضاء الرسول ولم ~~يقل: والله ورسوله أحق أن يرضوهما بظاهر الأسلوب في لغة البشر، لكنه شاء ~~أن يوحد الرضاء لأنه يدور حول أمر واحد بطاعة واحدة، وحول نهي واحد ~~بانتهاء واحد. { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون } [الأنفال: ~~20]. وهذا الأمر بطاعة الله تعالى والرسول بلاغ من الله، والبلاغ أول ~~وسيلة له الأذن، لأن الأذن أول وسيلة للإدراكات، ولذلك فإن الرسول ~~يبلغ الأوامر بالقول للناس، ولم يبلغهم بالكتابة لأن كل الناس لا ~~تقرأ، فأبلغ صلى الله عليه وسلم الناس قولا كما أمر أن يكتب القرآن ليظل ~~محفوظا. ونعلم أن السماع هو الأصل في القراءة. وأنت لا تقرأ مكتوبا، ~~ولا تكتب مسموعا إلا إذا عرفت القواعد، وعرفت كيفية نطق الحروف. والمعلم ~~يعلم طالب المعرفة القراءة والكتابة عن طريق السماع أولا، إذن فالسماع ~~مقدم في كل شيء، ولن يستطيع واحد أن يقول في عصر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: لم تبلغني الدعوة لأن الدعوة أبلغت للناس بالسماع، وقوله: { ~~وأنتم تسمعون } تعطينا أن الإنسان إن لم تبلغه الدعوة، فليس ~~مناطا للتكليف، لأن ربنا سبحانه وتعالى هو القائل: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. والمجتمعات التي تعيش في غفلة وليس عندهم رسول ولم ~~يبلغهم المنهج، لن يعذبهم الله، وهذا أمر وارد الآن في البلاد النائية ~~البعيدة عن الالتقاء بالإسلام وبمنهج الإسلام، وبالسماع عن الإسلام لأنهم ~~ما سمعوا شيئا عن الدين ولم يعرفوا منهجه. وهؤلاء ناجون من العذاب طبقا ~~لقول الله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. فثمرة بعث الرسول أن يبلغ الناس، ولذلك أخذنا حكما هاما ~~من الأحكام من قوله الحق تبارك وتعالى: { وأنتم تسمعون } ~~[الأنفال: 20]. أخذنا من هذا القول أن من لم يبلغهم المنهج لا يحاسبون. ~~ولكن أيكفي السماع في أن نعلم المنهج. لا، لا يكفي في السماع أن نعلم أن ~~هناك رسولا جاء ليعقب على رسول سبق، ولكن عليك أن تبحث أنت. فإن كان في ~~الأرض من لم يبلغه هذا فهو ناج، وإن كان ms3721 قد بلغه خبر رسول ولم يبلغه ~~المنهج الكامل فعليه أن يبحث بنفسه، بدليل أن الإنسان يبحث عن أهون ~~الأشياء بمجرد أن يسمع عنها، ويشغل نفسه بالبحث. ولنفرض أن إنسانا قال ~~في قرية: إن الدولة ستغير بطاقة التموين، ألا يتجه كل فرد في القرية ~~ليسأل عن هذا الأمر ويهتم به كل الاهتمام؟. إذن كان يكفي في وصول البلاغ ~~أن يسمع الإنسان رسولا في العرب قد جاء للناس كافة برسالة عامة، وأن هذه ~~الرسالة تعقب الرسالات السابقة، ومن سمع هذا السماع كان عليه أن يعامل ~~هذا الخبر معاملة المصالح الدنيوية الأساسية لأنه إذا كان أمر الدنيا ~~هاما فما بالنا بأمر صلاح الدنيا والآخرة؟. وجزء من التبعة في ذلك يقع ~~على المسلمين الذين لم يجدوا ويبلغوا منهج الله ودين الله إلى غيرهم. ~~ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { ولا تكونوا كالذين ~~قالوا سمعنا... }. ### || [8.21] # ففي هذه الآية الكريمة ينهانا الحق جل وعلا أن نكون مثل من قالوا: " ~~سمعنا " وحكم الله بأنهم لا يسمعون، وهؤلاء هم من أخذوا السمع بقانون ~~الأحداث الجارية على ظواهر الحركة فسمعوا ولم يلتفتوا لأن المراد بالسماع ~~ليس أن تسمع فقط، بل أن تؤدي مطلوب ما سمعت، فإن لم تؤد مطلوب ما سمعت، ~~فكأنك لم تسمع. بل تكون شرا ممن لم يسمع لأن الذي لم يسمع لم تبلغه ~~دعوة، أما أنت فسمعت فبلغتك الدعوة ولكنك لم تستجب ولم تنفذ مطلوبها. ~~إذن قول الله تعالى: { سمعنا وهم لا يسمعون } [الأنفال: ~~21]. يفسر لنا أن هذا السماع منهم كان مجرد انتقال الصوت من المتكلم إلى ~~أذن السامع بالذبذبة التي تحدث، ولم يأخذوا ما سمعوه مأخذا جادا ليكون ~~له الأثر العميق في حياتهم. فإذا لم يتأثروا بالمنهج، فكأنهم لم يسمعوا، ~~وياليتهم لم يسمعوا لأنهم صاروا شرا ممن لم يسمع. { ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } [الأنفال: 21]. ~~أو أن السمع يراد ويقصد به القبول، مثلما نقول: اللهم اسمع دعاء فلان، ~~وأنت تعلم أن الله سميع الدعاء وإن لم تقل أنت ذلك، لكنك تقول: ms3722 اللهم ~~اسمع دعاء فلان بمعنى " اللهم اقبله " ، فيكون المراد بالسمع القبول. ~~ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { إن شر الدواب عند ~~الله الصم البكم... }. ### || [8.22] # وكلمة " دابة " تعني كل ما يدب على الأرض، ولكنها خصت عرفا ~~بذوات الأربع. وجمع دابة دواب. و " الدواب " كما نعلم هي القسم الثالث ~~من الوجود، لأن الوجود مرتقي إلى حلقات أولها الجماد، وثانيها النبات، ~~وثالثها الحيوان، ورابعها الإنسان، ويجمع هذه الأشياء الأربعة رباط واحد، ~~فنجد أن أعلى مرتبة في الأدنى، هي أول مرتبة في الأعلى، فالأدنى هو ~~الجماد، وفوقه النبات، وأعلى شيء في الجماد، يمثل أول شيء في النبات، ~~مثل المرجانيات، كأن الجماد نفسه له ارتقاءات في ذاته تتوقف عند مرحلة ~~معينة لا يتعداها، فلا ترتقي إلى أن تصير نباتا، أو أن يصبح النبات ~~حيوانا، لا، إن كل قسم يظل مستقلا بذاته وفيه ارتقاءات تقف عند حد ~~معين. وإذا كان أعلى شيء في الجماد يكاد أن يماثل أول شيء في النبات، فهو ~~لا يتحول نباتا مثل ظاهرة نمو الشعاب المرجانية التي أخذت ظاهرة النبات، ~~لكنها لا تنتقل إلى نبات، بل تظل أعلى قمة في الجماد. وكذلك النبات، نجده ~~يرتقي إلى أن ينتهي إلى أعلى مرحلة فيه. فالنبات مراحل، وآخر مرحلة فيه ~~أن يوجد نبات يحس، لأن الإحساس فرع الحياة، وهذا ما نراه في نباتات ~~الظل التي نشاهدها وهي تتجه بطبيعة تكوينها إلى نور النهار. وكأن فيها ~~نوعا من الإحساس. وإن تغير مكان الضوء، فإنها تغير اتجاهها إلى ~~المكان الجديد. وهناك نوع من النبات يذبل فور أن تلمسه. ونسمع عن نبات ~~يسمى في الريف " الست المستحية " وهي تغلق أوراقها على ثمرتها فور اللمس، ~~وأخذت أعلى مرتبة في النبات، وهي أول مرتبة في الحيوان، لكنها لا ترتقي ~~إلى حيوان. بل تظل في حلقتها كنبات. ونأتي إلى الحيوانات لنجدها ترتقي، ~~فهناك حيوانات تستأنس، وحيوانات لا تستأنس، بل تظل متوحشة، وقد خلقها ~~ربنا لحكمة ما. فالإنسان يستأنس الجمل ولا يستطيع أن يستأنس الثعبان، ولا ~~البرغوث، كأن الله يريد بذلك ms3723 أن يعلمنا أننا لم نستأنس الحيوانات التي ~~نستأنسها بقدرتنا وبذكائنا بل هو الذي جعلك تأنس بها، فأنت أنست بالجمل، ~~وقد ترى البنت الصغيرة وهي تقوده، وتأمره بالقيام والقعود، بينما البرغوث ~~الصغير قد يجعل الإنسان ساهرا طوال الليل لا يعرف كيف يصطاده. إذن هذه ~~الأمور تعطينا حكمة أوجزها الحق تبارك وتعالى في قوله: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 71-72]. ولو لم يذلل الحق تبارك وتعالى هذه المخلوقات، لما استطاع ~~الإنسان تذليلها، ونرى المخلوق الصغير وقد عجز الإنسان أمام تذليله، ~~ليعرف أن المذلل ليس الإنسان، بل المذلل هو الله سبحانه وتعالى. # وفي المستأنس من الحيوانات تجد نوعا تعوده على بعض الأشياء فيعتادها ~~ويقوم بها مثل القرد الذي يقول له مدربه اعجن عجين الصبية، أو العجوزة، ~~فيقلد القرد الصبية أو " العجوزة " لأن فيه قابلية التقليد، فهو يملك ~~درجة من الفهم وهو أعلى مرتبة في الحيوان، ويقف عندها ولا يتطور إلى ~~خارجها، بدليل أنك إن علمت قردا كل شيء، فهو يصنع ما تعلمه له من ~~الحركات ويضحك الناس منه، لكن القرد لا يستطيع أن يعلمها لبني جنسه. ~~وكذلك نجد من يدرب الأسد والنمر ليؤدي فقرات ترفيهية في السيرك، لكن ~~الأسد لا يعلم أولاده من الأشبال ما تعلمه من مدرب السيرك. إذن فالوجود ~~بحلقاته الأربع جمادا ونباتا وحيوانا وإنسانا لا ترتقي فيه حلقة إلى ~~الأعلى منها بل تقف عند حد معين، وتلك هي الشبهة التي أصابت بعض المفكرين ~~في أن يظنوا أن أصل الإنسان قرد لأن المخلوقات حلقات يسلم بعضها لبعض، ~~وأدنى مرتبة في الأعلى لكل حلقة هي أعلى مرتبة في الأدنى وتقف في حدودها. ~~والذي يهدم نظرية داروين من أولها هو هذا الفهم لطبيعة التطور: # ومن كل شيء خلقنا زوجين.. # [الذاريات: 49]. أي أن كل الكائنات مخلوقة ابتداء من الله، ولا يوجد ~~جنس قد نشأ من جنس آخر. ونقدم هذا الدليل العقلي لغير المتدينين، فنقول: ~~لماذا لم تؤثر الظروف التي أثرت ms3724 في القرد الأول ليصير إنسانا، في بقية ~~القرود لتكون أناسا؟ وهكذا تنهدم النظرية - نظرية داروين - من أولها ~~لآخرها، وعلماء الأجناس يهدمونها الآن. والحق تبارك وتعالى أخبرنا أن هذه ~~المخلوقات التي تقع في المرتبة تحت الإنسان، لا تستطيع أن ترتب المقدمات، ~~وتأخذ منها النتائج. ولا تعرف البديلات في الاختيار، والحيوان وهو أرقى ~~الأجناس ليس عنده بديلات إنه يتعلم مهمة واحدة وتنتهي المسألة لأنها دواب ~~لا تعقل، لكن الإنسان يملك القدرة على الاختيار بين البديلات. وجرب أن ~~تعاكس قطة فإنك تجدها تهاجمك وتجرحك بمخالبها إلا إن كنت أنت مستأنسها ~~وتعرف أنك تداعبها. أما المؤمن العاقل المكلف فهو يتصرف في المواقف ~~بشكل مختلف. فإن قام إنسان بإيذائه فقد يعاقبه بمثل ما عوقب، وقد يعفو ~~عنه، وقد يكظم غيظه. # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.. # [آل عمران: 134]. إذن فأنت أيها المؤمن عندك بديلات كثيرة، لكن الحيوان ~~لا يملك مثل هذه البديلات. ولذلك ضربنا من قبل المثل: لو أنك علفت ~~حيوانا إلى أن أكل وشبع ثم جئت إليه بعد شبعه بشيء زائد من أشهى طعام ~~عنده تجده لا يأكله. بينما الإنسان إن شبع فقد لا يمانع أن يأكل فوق ~~الشبع من صنف يحبه. ومثال آخر: نرى في الريف أن الحمار حين يرى جدولا من ~~المياه ويكون اتساع الجدول فوق قدرته على أن يقفز عليه ليعبره، نجد ~~الحمار قد توقف رافضا القفز أو المرور فوق هذا الجدول. # فهل قاس الحمار المسافة بنظره ووازنها بقدرته؟! إنه يقفز فوق الجداول ~~التي في متناول قدرته، لكنه يرفض ما فوق هذه القدرة، رغم أننا نصف الحمار ~~بالبلادة. وهذا يبين لنا أن كل جنس يسير في ناموس تكوينه ليؤدي مهمته ~~التي أرادها له الله. ولقائل أن يقول: كيف يقول الحق تبارك وتعالى: { ~~إن شر الدواب عند الله } بينما الحيوانات كلها مسخرة؟ ~~ونقول: إذا كنت أيها الإنسان تأخذ وظيفة الأدنى فأنت تختار أن تكون شرا ~~من الدابة لأن الأدنى مسخر بقانونه ويفعل الأشياء بغرائزه لا بفكره، فكأن ~~فكر الاختيار بين البديلات غير موجود ms3725 فيه، لكنك أيها الإنسان ميزك الله ~~بالعقل الذي يختار بين البديلات، فإن أوقفت عقلك عن العمل، وسلبت قدرتك ~~على القبول لما تسمع من وحي ألا تكون شر الدواب؟ وحين نتأمل كلمة " شر ~~وخير " نقرأ قول الحق تبارك وتعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. فالخير يقابله الشر، وحين يقابل الخير الشر، فالإنسان ~~يميز الخير، لأنه نافع وحسن، ويميز الشر لأنه ضار وقبيح. ولكن كلمة " خير ~~" تستعمل أحيانا استعمالا آخر لا يقابله الشر، بل يقال: إن هذا الأمر ~~خير من الثاني، رغم أن الثاني أيضا خير، مثل قوله صلى الله عليه وسلم ~~فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه: # " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ". # إن كلا منهما - أي المؤمن القوي والمؤمن الضعيف - فيه خير، لكن في ~~الخير ارتقاءات، هناك خير يزيد عن خير، ويخبر المولى في قوله تعالى: { ~~إن شر الدوآب عند الله الصم البكم الذين لا ~~يعقلون }. أي أن الكفار شر ما دب على الأرض لأنهم قد افتقدوا ~~وسيلة الهداية وهي السماع، وبذلك صاروا بكما أي لا ينطقون كلمة الهدى. ~~ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { ولو علم الله فيهم ~~خيرا لأسمعهم ولو... }. ### || [8.23] # فهو سبحانه وتعالى قد علم أنه ليس فيهم خير، فلم يسمعهم سماع الاستجابة. ~~والمولى سبحانه وتعالى منزه من أن يبتدئهم بعدم إسماعهم لأنهم لم يوجد ~~فيهم خير، والخير هنا مقصود به الإيمان الأول بالرسول، وهم لم يؤمنوا. ~~فلم يستمعوا لنداء الهداية منه صلى الله عليه وسلم كمبلغ عن الله تعالى. ~~إذن فعدم وجود الخير بدأ من ناحيتهم، وسبحانه وتعالى القائل: # والله لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264]. وهم - إذن - سبقوا بالكفر فلم يهدهم الله. # والله لا يهدي القوم الظالمين # [البقرة: 258]. وهم سبقوا بالظلم فلم يهدهم الله. وسبحانه وتعالى ~~القائل: # والله لا يهدي القوم الفاسقين # [المائدة: 108]. وهم سبقوا بالفسق فلم يهدهم الله. والله منزه عن ~~الافتئات على بعض عباده، فلم يسمعهم سماع ms3726 الاستجابة لنداء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ~~ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون }. وعلم الله ~~تعالى أزلي، لكنه لا يحاكم عباده بما علم عنهم أزلا. بل ينزل لهم حق ~~الاختيار في التجربة الحياتية العملية. وأضرب هذا المثل - ولله المثل ~~الأعلى - تجد أبا يعاني من مأساة فشل ابنه في الدراسة أو في الاعتماد ~~على نفسه في الحياة، ويحيا الولد لاهيا غير مقدر لتبعات الحياة، فيقول ~~أصدقاء الوالد له: لماذا لا تقيم لابنك مشروعا يشغله بدلا من اللهو، ~~فيرد الأب: إنني أعرف هذا الولد، سيأخذ المشروع ليبيعه ويصرف ثمنه على ~~اللهو. والأب يقول ذلك بتجربته مع الابن. لكن ألا يحتمل أن يكون هذا ~~الابن قد مل الانحراف واللهو وأراد أن يتوب، أو على الأقل ليثبت للناس ~~أن رأى والده فيه غير صحيح؟ لذلك نجد الأب يفتح لابنه مشروعا، لكن الولد ~~يغلبه طبعه السيىء فيبيع المشروع ليصرف نقوده في الفساد. هل حدث ذلك من ~~نقص في تجربة الوالد؟ لا، بل عرف الأب عدم الجد عن ابنه، وسهولة انقياده ~~لهواه. فما بالنا بالحق الأعلى العليم أزلا بكل ما خفي وما ظهر من ~~عباده؟. ولكنه سبحانه وتعالى شاء ألا يحاسب عباده بما علمه أزلا، بل ~~يحاسبهم سبحانه وتعالى بما يحدث منهم واقعا، فهو القائل: # وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن ~~المنافقين # [العنكبوت: 11]. فسبحانه وتعالى العالم أزلا، لكنه شاء أن يعلم أيضا ~~علم الإقرار من العبد نفسه لأن الله لو حكم على العباد بما علم أزلا، ~~لقال العبد: كنت سأفعل ما يطلبه المنهج يا رب. لذلك يترك الحق الاختيار ~~للبشر ليعملوا على ضوء اختياراتهم ويكون العمل إقرارا بما حدث منهم. { ~~ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون } [الأنفال:23]. وحتى لو ~~أسمعهم الله عز وجل لتولوا هم عن السماع وأعرضوا عنه لأنه سبحانه وتعالى ~~يعلم أنهم اختاروا أن يكونوا شرا من الدواب عنده، وهم الصم الذين لا ~~يسمعون دعوة هداية، وبكم لا ينطقون كلمة توحيد، ولا يعقلون فائدة ms3727 ~~المنهج الذي وضعه الله تعالى لصلاح دنياهم وأخراهم. ويقول الحق تبارك ~~وتعالى بعد ذلك: { يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم... }. ### || [8.24] # وهنا نقل المسألة من سماع إلى استجابة لأن مهمة السماع أن تستجيب. { ~~يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا ~~دعاكم لما يحييكم }. أي استجيبوا لله تعالى تشريعا، وللرسول ~~صلى الله عليه وسلم بلاغا، وغاية التشريع والبلاغ واحدة، فلا بلاغ عن ~~الرسول إلا بتشريع من الله عز وجل، بل وللرسول صلى الله عليه وسلم تفويض ~~بأن يشرع. ورسول الله لم يشرع من نفسة، وإنما شرع بواسطة حكم من الله ~~تعالى حيث يقول: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى -: نسمع أن فلانا قد ~~فصل لأنه غاب خمسة عشر يوما عن عمله في وظيفته، ويعود المحامي إلى ~~الدستور الذي تتبعه البلد فلا يجد في مواد الدستور هذه الحكاية، ويسمع من ~~المحامي الأكثر خبرة أن هذا القانون مأخوذ من تفويض الدستور للهيئة التي ~~تنظم العمل والعاملين. ورسول الله صلى الله عليه وسلم مفوض من ربه ~~بالبلاغ وبالتشريع. { استجيبوا لله وللرسول إذا ~~دعاكم.. } [الأنفال: 24]. ونجد هنا أيضا أن الحق تبارك وتعالى قال: { ~~إذا دعاكم } ولم يقل: إذا دعواكم، وفي ذلك توحيد للغاية، فلم ~~يفصل بين حكم الله التشريعي وبلاغ الرسول لنا. ونعلم أن الأشياء التي حكم ~~فيها الرسول صلى الله عليه وسلم حكما ثم عدل الله له فيها الحكم، هذا ~~التعديل نشأ من الله، وهو صلى الله عليه وسلم لم ينشىء حكما عدله الله ~~تعالى إلا فيما لم ينزل الله فيه حكما. وحين ينزل الله حكما مخالفا ~~لحكم وضعه الرسول، فمن عظمته صلى الله عليه وسلم أنه أبلغنا هذا التعديل، ~~وهكذا جاءت أحكامه صلى الله عليه وسلم إذا وافقت حقا فلا تعديل لها، ~~وإن لم يكن الأمر كذلك فهو صلى الله عليه وسلم يعدل لنا. وبذلك تنتهي كل ~~الأحكام إلى الله تعالى. فإذا قال قائل: كيف تقول إن قول الرسول يكون ms3728 من ~~الله؟ نجيب: إنه سبحانه القائل: # وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3-4]. و " الهوى " - كما نعلم - أن تعلم حكما ثم تميل عن الحكم ~~إلى مقابله لتخدم هوى في نفسك، والرسول صلى الله عليه وسلم حينما عمد إلى ~~أي حكم شرعه ولم يكن عنده حكم من الله عز وجل، فإن جاءه تعديل أبلغنا. ~~إذن ما ينطق عن الهوى. أي من كل ما لم ينزله الله، وحكم فيه صلى الله ~~عليه وسلم ببشريته، ولم يكن له هوى يخدم أي حكم، ونجد في قول الله تعالى: ~~{ يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم.. } [الأنفال: 24]. # أن كلمة " دعاكم " مفردة، مثلها مثل كلمة " يرضوه " في قوله لكم: # والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين # [التوبة: 62]. ومثلها مثل الضمير في " عنه " في قوله تعالى: # أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه.. # [الأنفال: 20]. وفي هذه الآيات الكريمة توحيد للضمير بعد المثنى، وهذا ~~التوحيد كان مثار شبهة عند المستشرقين، فقالوا: كيف يخاطب اثنين ثم ~~يوحدهما؟ ونقول لمن يقول ذلك: لأنك استقبلت القرآن بغير ملكة العربية. ~~فلم تفهم، ولو وجد الكفار في أسلوب القرآن ما يخالف اللغة لما سكتوا، فهم ~~المعاندون، ولو كانوا جربوا في القرآن كلمة واحدة مخالفة لأعلنوا هذه ~~المخالفة. وعدم إعلان الكفار عن هذه الشبهات التي يثيرها الأعداء، يدل ~~على أنهم فهموا مرمى ومعنى كل ما جاء بالقرآن، وهم فهموا - على سبيل ~~المثال - الآية التي يكرر المستشرقون الحديث عنها ليشككوا الناس في ~~القرآن الكريم، وهي قول الحق تبارك وتعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله ~~يحب المقسطين # [الحجرات: 9]. وتساءل المستشرقون - مستنكرين -: كيف يتحدث القرآن عن ~~طائفتين، ثم يأتي الفعل الصادر منهما بصيغة الجمع؟. ونقول: إن " طائفتان ~~" هي مثنى طائفة، والطائفة لا تطلق على الفرد، إنما تطلق على جماعة، ~~مثلما نقول: المدرستان اجتمعوا وصحيح أن المدرسة مفرد. لكن كل ms3729 مدرسة ~~بها تلاميذ كثيرون، وكذلك " طائفتان " ، معناها أن كل طائفة مكونة من ~~أفراد، وحين يحدث القتال فهو قتال بين جمع وجمع لذلك كان القرآن الكريم ~~دقيقا حين قال: { وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~}. ولم يقل القرآن الكريم: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلا لأن هذا القول ~~لا يعبر بدقة عن موقف الاقتتال لأنهم كطائفتين، إن انتهوا فيما بينهم إلى ~~القتال. فساعة القتال لا يتحيز كل فرد لفرد ليقاتله، وإنما كل فرد يقاتل ~~في كل أفراد الطائفة الأخرى، وهكذا يكون القتال بين جمع كبير من أفراد ~~الطائفتين. وبعد ذلك يواصل الحق تبارك وتعالى تصوير الموقف من الاقتتال ~~بدقة فيقول سبحانه: # فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ~~فإن فآءت فأصلحوا بينهما.. # [الحجرات: 9]. وهنا يقول سبحانه وتعالى: { فأصلحوا بينهما } ~~، ولم يقل: أصلحوا بينهم. وهكذا عدل عن الجمع الذي جاء في الاقتتال إلى ~~المثنى لأننا في الصلح إنما نصلح بين فئتين متحاربتين، ونحن لا نأتي بكل ~~فرد من الطائفة لنصلحه مع أفراد الطائفة الأخرى. ويمثل كل طائفة رؤساؤها ~~أو وفد منها، وهكذا استخدم الحق المثنى في مجاله، واستخدم الجمع في ~~مجاله، وسبحانه وتعالى منزه عن الخطأ. وهنا في الآية التي ما زلنا بصدد ~~خواطرنا عنها وفيها يقول المولى سبحانه وتعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم. # . } [الأنفال: 24]. وفي أولها نداء من الله للمؤمنين، والنداء يقتضي ~~أولا أن يكون المنادى حيا لأنه سبحانه وتعالى القائل: # وما يستوي الأحيآء ولا الأموات إن الله يسمع ~~من يشآء ومآ أنت بمسمع من في القبور # [فاطر: 22]. إذن: كيف يقول سبحانه لمن يخاطبهم وهم أحياء: { دعاكم ~~لما يحييكم }؟. وهنا نقول: ما هي الحياة أولا؟. نحن نعلم أن ~~الحياة تأخذ مظهرين، مظهر الحس ومظهر الحركة، ولا يتأتى ذلك إلا بعد ~~أن توجد الروح في المادة فتتكون الحياة، وهذه مسألة يتساوى فيها المؤمن ~~والكافر. وثمرة الحياة أن يسعد فيها الإنسان، لا أن يحيا في حرب وكراهية ~~وتنغيص الآخرين له وتنغيصه للآخرين، والحياة الحقيقية أن يوجد الحس ~~والحركة، ms3730 شرط أن تكون حركة كل إنسان تسعده وتسعد من حوله، وبذلك تتآزر ~~الطاقات في زيادة الإصلاح في الأمور النافعة والمفيدة، أما إذا تبددت ~~الطاقات الناتجة من الحس والحركة وضاعت الحياة في معاندة البعض للبعض ~~الآخر، فهذه حياة التعب والمشقة، حياة ليس فيها خير ولا راحة. وهذا ما ~~يخالف ما أراده الحق سبحانه وتعالى للخلق، فقد جعل الله عز وجل الإنسان ~~خليفة له في الأرض ليصلح لا ليفسد، وليزيد الصالح صلاحا، ولا تتعاند ~~حركة الفرد مع غيره لأن كل إنسان هو خليفة لله، وما دمنا كلنا خلفاء لله ~~تعالى في الأرض. فلماذا لا نجعل حركاتنا في الحياة متساندة غير متعاندة؟ ~~وعلى سبيل المثال: إن أراد إنسان أن يخدم نفسه ومن حوله بحفر بئر، هنا ~~يجب أن يتعاون معه جميع من سوف يستفيدون من البئر فمجموعة تحفر، ومجموعة ~~تحمل التراب بعيدا، ليخرج الماء ويستفيد منه الجميع، لكن أن يتسلل إنسان ~~ليردم البئر، فهذا يجعل حركة الحياة متعاندة لا متساندة. وقد نزل المنهج ~~من الله عز وجل ليجعل حركة الحياة متساندة لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: ~~{ يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم } [الأنفال: 24]. والنداء هنا من الله ~~للمؤمنين فقط، فإذا قال الله: يأيها الذين آمنوا استجيبوا لما آمنتم به ~~فهو لم يطلب أن تستجيب لمن لم تؤمن به، بل يطلب منك الاستجابة إذا كنت قد ~~دخلت في حظيرة الإيمان بالله، واهتديت إلى ذلك بعقلك، وبالأدلة الكونية ~~واقتنعت بذلك، وصرت تؤمن أنه إذا طلب منك شيئا فهو لا يطلب منك عبثا بل ~~طلب منك لأنك آمنت به تعالى إلها، وربا، وخالقا، ورازقا، وحكيما، ~~وعادلا. حين يأمرك من له هذه الصفات، فمن الواجب عليك أن تستجيب لما ~~يدعوك إليه. ولله المثل الأعلى نجد في حياتنا الأب والأم يراعيان المصالح ~~القريبة للغلام، ويأمره الأب قائلا: اسمع الكلام لأني والدك الذي يتعب ~~من أجل أن تنعم أنت. # وتضيف الأم قائلة له: اسمع كلام والدك، فليس غريبا عنك، بل لك به صلة ~~وهو ليس ms3731 عدوا لك، وتجربته معك أنه نافع لك ويحب لك الخير، هنا يستجيب ~~الابن. وكلنا عيال الله، فإذا ما قال الله: يأيها الذين آمنوا استجيبوا ~~لله وللرسول المبلغ عن الله لأنه سيدعوكم لما يحييكم فعلينا أن ~~نستجيب للدعوة. الداعي - إذن - هو الله تعالى وقد سبقت نعمه عليك قبل أن ~~يكلفك، وهو سبحانه قد أرسل رسولا مؤيدا بمعجزة لا يستطيع واحد أن يأتي ~~بها، ويدعو كل إنسان إلى ما فيه الخير، ولا يمنع الإنسان من الاستجابة ~~لهذا الدعاء إلا أن يكون غبيا. ونلحظ في حياتنا اليومية أن الإنسان ~~المريض، المصاب في أعز وأثمن شيء عنده وهو عافيته وصحته، وهو يحاول ~~التماس الشفاء من هذا المرض ويسأل عن الطبيب المتخصص فيما يشكو منه، ~~وهناك لكل جزء من الجسم طبيب متخصص، فإذا كان له علم بالأطباء فهو يذهب ~~إلى الطبيب المعين، وإن لم يكن له علم فهو يسأل إلى أن يعرف الطبيب ~~المناسب، وبذلك يكون قد أدى مهمة العقل في الوصول إلى من يأمنه على صحته. ~~فإذا ما ذهب إلى الطبيب وشخص له الداء وكتب الدواء، في هذه اللحظة لن ~~يقول المريض: أنا لا أشرب الدواء إلا إن أقنعتني بحكمته وفائدته وماذا ~~سيفعل في جسمي لأن الطبيب قد يقول للمريض: إن أردت أن تعرف حكمة هذا ~~الدواء، اذهب إلى كلية الطب لتتعلم مثلما تعلمت. وطبعا لن يفعل مريض ذلك ~~لأن المسألة متعلقة بعافيته، وهو سيذهب إلى الصيدلية ويشتري الدواء ويسأل ~~عن كيفية تناوله، والمريض حين يفعل ذلك إنما يفعله لصالحه لا لصالح ~~الطبيب أو الصيدلي. والرسول صلى الله عليه وسلم حين يدعونا لما يحيينا ~~به، إنما يفعل ذلك لأن الله تعالى أوكل له البلاغ بالمنهج الذي يصلح ~~حالنا، وإذا كانت الحياة هي الحس والحركة، بعد أن تأتي الروح في المادة، ~~يواجه الإنسان ظروف الحياة من بعد ذلك إلى الممات. وهذه حياة للمؤمن ~~والكافر. وقد يكون في الحياة منغصات وتمتلىء بالحركات المتعاندة ، وقد ~~يمتلىء البيت الواحد بالخلافات بين الأولاد وبين الجيران، ويقول الإنسان: ~~هذه حياة ms3732 صعبة وقاسية. والموت أحسن منها. والشاعر يقول: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا # وشاعر آخر يقول: # ذل من يغبط الذليل بعيش # رب عيش أخف منه الحمام # والحمام هو الموت، وكأن الموت - كما يراه الشاعر - أخف من الحياة ~~المليئة بالمنغصات. إذن فليس مجرد الحياة الأولى هو المطلوب، بل المطلوب ~~حياة خليفة يأتي في مجتمع خلفاء لله في الأرض. وكل منا موكل بالتعاون ~~وإصلاح المجال الذي يخصه. ولا يصح للوكلاء أن يتعاندوا مع بعضهم البعض، ~~بل عليهم أن يتفقوا لأنهم وكلاء لواحد أحد. # كذلك خلف الله الإنسان، خلفه خليفة له في الأرض وأنجب الخليفة خلفاء ~~ليؤدوا الخلافة بشكل متساند لا متعاند. إننا - على سبيل المثال - حين ~~نرغب في تفصيل جلباب واحد، نجد الفلاح يزرع القطن، والغزال يغزله، ~~والنساج ينسجه، ومن بعد ذلك نشتريه لنذهب به إلى الخياط الذي يأخذ ~~المقاسات المناسبة للجسم، ثم يقوم بحياكة الجلباب على آلة اشتراها بعد أن ~~صنعها آخرون. إذن فجلباب واحد يحتاج إلى تعاون بين كثير من البشر، هكذا ~~تتعاضد الحياة. وإذا نظرنا إلى العالم الذي نحيا فيه نجده مليئا بالتعب، ~~خصوصا الأمم المتخلفة، وأيضا نجد التعب في الأمم المتقدمة لأننا نجد ~~صعاليك من أية دولة يصعدون إلى طائرة تتبع دولة كبرى ويهددون بتفجير ~~الطائرة بمن فيها ويفرضون الشروط، ويزلون الدولة الكبرى. إذن ~~فالحياة حتى في الدول الراقية متعبة. وعلى سبيل المثال: الحروب التي قامت ~~في منطقتنا منذ عام 1948 مع إسرائيل واستمرت كل هذه المدة الطويلة، ثم ~~الحرب الأهلية في لبنان، ثم الحرب التي دارت بين العراق وإيران هذه ~~الحروب تكلفت المليارات التي لو استخدمت في وجه آخر لرفعت من شأن تقدم ~~بلادنا. إذن الذي يتعب العالم هو الحركة المتعاندة، والحق سبحانه وتعالى ~~أنزل لنا المنهج القويم ليجعل حركة حياتنا متساندة. فإن اتبعنا المنهج ~~صرنا نأخذ الأوامر من إله واحد، وصار كل منا مكلفا بالتعاون مع غيره، ~~وهذا لن يحدث إلا إذا استجبنا لما يدعونا الله تشريعا والرسول بلاغا، ~~وبهذا تتساند الحياة وتصبح حياة لها ms3733 طعم. وينطبق عليها قول الحق تبارك ~~وتعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون # [النحل: 97]. أما من يحيا بغير منهج فتكون حالته كما يبينها قول الله ~~تعالى: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى # [طه: 124]. وعلى هذا: فالعقاب على عدم اتباع المنهج الإلهي لا يتأخر إلى ~~يوم القيامة، ولكن الحياة في الدنيا تكون مرهقة، والمعيشة ضنكا. إذن ~~إياكم أن تفهموا أن المنهج الديني لله غايته الآخرة فقط، لا. بل إن اتباع ~~المنهج الديني لله جزاؤه في الآخرة، وأما ثمرته ففي الدنيا. فمن يوفق في ~~هذه الدنيا، وحركته متساندة مع غيره، يعطي له الله الجزاء في الحياة ~~المستريحة في الدنيا بالإضافة إلى جزاء الآخرة. وهكذا نفهم أن موضوع ~~الدين هو الدنيا، أما الآخرة فهي جزاء على هذا الاختبار الدنيوي. وقوله ~~سبحانه وتعالى: { إذا دعاكم لما يحييكم.. } [الأنفال: 24]. ~~أي يعطيكم منهجا من إله واحد لا يعود بالخير عليه ولا على المبلغ عنه ~~وهو الرسول، وإنما يعود بالخير عليكم أنتم، وتلك هي حيثيات الاستجابة، ~~ومن لا يستجيب لهذه فهو الأحمق. # { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ~~يحييكم.. } [الأنفال: 24]. إذن فالخير يأتي من أمر إله واحد فلا ~~يجعل كل منا إلهه هواه، حتى لا تتعدد الأهواء: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ومن فيهن.. # [المؤمنون: 71]. ولذلك لا يتعرض التشريع من الله سبحانه وتعالى إلا ما ~~للأهواء فيه مدخل، أما الشيء الذي ليس للأهواء فيه مدخل فهو يترك ~~الإنسان ليواجهه بملكاته التي خلقها الله له، والشرع يتدخل فقط فيما يمكن ~~أن يخضع للهوى، أما الأمور التي لا تخضع للهوى فألد الأعداء يتفقون فيها. ~~والحياة الآن فيها موجة ارتقاء طموحي علمي، وهذا الطموح العلمي نشأ عن ~~التجربة في المعمل حيث يجلس العلماء الوقت الطويل ليخترعوا ويطوروا، مثال ~~ذلك: " أديسون " الذي قضى وقتا طويلا ليخترع المصباح الكهربي، وغيره من ~~العلماء طوروا مخترعاته وجاءوا باختراعات جديدة، ولم ندر عنهم شيئا إلا ms3734 ~~أننا نفاجأ بمخترع قد أتى منهم، والعالم من هؤلاء تجده أشعث أغبر، لا ~~يفكر في العناية بحسن مظهره وقد لا يأكل ولا يشرب، ولا تدري أنت به إلا ~~إذا الثمرة من عمله واختراعه جاءت، ويقال: فلان اخترع الشيء " الفلاني ". ~~وتنتفع أنت بما اخترع رغم أنك لم تشق شقاءه حين أخذت الخير الناتج ~~منه. ونرى المعسكرات المتضادة في عالمنا المعاصر تحاول أن تسرق تجارب ~~غيرها في العلوم، وهذه المعسكرات تختلف فقط في الأهواء، فذلك شيوعي، وآخر ~~رأسمالي، وثالث وجودي. الخلاف - إذن - في الأهواء غير المحكومة بالمادة ~~أو بالتجربة. ومن المؤسف حقا أن ما اتفقنا عليه كالعلوم المادية الكونية ~~التي هي وليدة التجربة، هذه المخترعات نستعملها في فرض ما نختلف فيه، ~~وهكذا تجد أن التعب في العالم إنما يأتي من الطموح الأهوائي لا الطموح ~~المادي العلمي لذلك يتدخل الشرع في الأهواء ويحسمها ليكون كل منا عبدا ~~لله تعالى، وكل منا حر أمام غيره. والرسول صلى الله عليه وسلم بمنهجه ~~الذي جاء به من الله يدعو الحي - صاحب الحس والحركة - إلى أن تكون ~~حياته حياة طيبة ليس فيها ضنك هذا إن نظرنا إلى كيفية الحياة. فإن قسنا ~~الحياة بعمر الآخرة، فهي لا تساوي إلا القليل لأن ما لا نختلف فيه كأفراد ~~في الخلافة يجب أن يكون غاية للخلفاء، فربنا قد يخلق واحدا ليموت في بطن ~~أمه، وواحدا يموت بعد ساعة من مولده، وثالثا يموت بعد شهر من ميلاده، ~~ومنا من يعمر مائة سنة، ولا يمكن أن يكون الأمر المختلف فيه غاية ~~للمتحدين في الجنس، فالغاية أن نعمر الدنيا بالعمل الصالح لنسعد بها، ~~ونعبر منها إلى ما هو أجمل وهي الآخرة، ومأمون فيها أننا لا نموت، ومأمون ~~فيها أننا لن نتعب أبدا، لأنه كلما اشتهيت شيئا ستجده أمامك. # وهذه قمة الحياة الطيبة. وعلى فرض أنك ستتعب في سبيل منهج الله حين ~~تبلغه للناس، دفاعا عنه بالحرب والقتال وبالتضحية بالأموال، فأنت رابح ~~لحياة طيبة أبدية، ويبين القرآن الكريم لنا هذه الحياة في قول الحق تبارك ms3735 ~~وتعالى: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. فالدار الآخرة ليست مجرد حياة، بل أكبر من حياة لأن ~~حياتك الدنيا موقوتة ومحددة، ونعيمك فيها على قدر إمكانياتك وتصوراتك، ~~ولكن الحياة الأخرى ليست موقوته بل ممتدة، ونعيمك فيها على قدر إمكانيات ~~خالقك المنعم القادر. وهكذا نتأكد أنه صلى الله عليه وسلم قد دعانا إلى ~~ما يحيينا. والحق سبحانه وتعالى حينما دعانا إلى الحياة الطيبة سمى ~~المعيشة في منهجه حياة، لأنها حياة سعيدة، وتسلم إلى حياة خالدة. ولذلك ~~سمى الحياة الأولى التي تأتي إذا نفخ الله الروح في المادة، وقال عن آدم ~~وكل بني آدم: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي.. # [ص: 72]. وأعطى الله سبحانه وتعالى هذه الحياة للمؤمن والكافر. وسمى ~~سبحانه وتعالى ما يحمل المنهج للناس وهو القرآن روحا: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا.. # [الشورى: 52]. والمنهج - إذن - روح من أمر الله سبحانه وتعالى نزل به ~~الروح الأمين، وهذه هي الحياة المطلوبة لله سعادة، وتساندا، وخلودا في ~~الجنة. ولذلك أنزل المنهج ليمنع التعاند والتعارض والتضاد بين المؤمنين، ~~وليحمي كل مؤمن نفسه من الزلل، فيقاوم المعصية وهي صغيرة قبل أن تكبر ~~وتستفحل. ثم يقول المولى سبحانه وتعالى: { واعلموا أن الله ~~يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون } ~~[الأنفال: 24]. وماذا يعني قوله تعالى: { واعلموا أن الله ~~يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون }؟. ~~وأقول: إياك أن تظن أن الكافر - على سبيل المثال - يعلن أن قلبه قد انعقد ~~على الكفر لأنه قد يجرب أن يخلع نفسه من هواه وينظر إلى حقيقة الإيمان ~~فيقتنع به، ولن يسيطر على هواه، وقد انقلب أكثر من قلب شرير إلى قلب خير، ~~مثل صناديد قريش من الكفار الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~لقد كانت قلوبهم معقودة على الشر، لكنها لم تستمر على الشر، بل حال الحق ~~بين كل إمرىء منهم وقلبه. والقلب هو محل التمنيات والأماني، وأول الأماني ~~أن تطول حياة الإنسان، خصوصا وهو يرى أن من في مثل عمره يموت، ومن في ~~مثل ms3736 عمر والده يموت. وأن جده يموت، ولأن الإنسان يحب أن تطول حياته، يرغب ~~في أن ينجب ولدا ليمتد ذكره، إنه يريد الحياة ولو من غيره، ما دام ~~منسوبا له. كما أن الإنسان يحب الآمال، ويبني في أحلامه الكثير مما يريد ~~أن يحققه، والواجب عليه ألا ينسى أن لهذا الكون إلها قادرا، قد ينهى ~~حياة أي منا رغم أن كل إنسان يحلم أن تطول حياته، وقد يقف بين الإنسان ~~وبين آماله التي يريد أن يحققها، ولا أحد منا معزول عن خالقه، وكل منا في ~~يد الخالق، وسبحانه وتعالى لم يخلق الخلق ثم يترك النواميس لتعمل دون ~~إرادته، بل كل النواميس في يده. وما دام الحق يحول بين المرء وتمنيات ~~قلبه استطالة حياة، وتحقيق آمال، وسترا للموت وأسبابه وزمنه، كل ذلك ~~لنتجه دائما إلى فعل الخير لنحيا في ضوء المنهج وأنت لا تعرف متى ينتهي ~~الأجل، وإلى الله المصير. ويقول الحق سبحانه وتعالى: { واتقوا ~~فتنة لا تصيبن... }. ### || [8.25] # ويأمرنا الحق عز وجل أن نتقي الفتن من بدئها قبل أن يستفحل شأنها. وأن ~~يتجنب الإنسان المعصية، وأن يضرب المجتمع على يد أي انحراف، فمن يسرق ~~الآن الخزائن قد بدأ أولا بسرقة اليسير، سرق من أخيه أو من البيت ثم من ~~الجيران ثم من البنك. ولو أن كل انحراف عوجل بالضرب على يد من فعله وهو ~~صغير لما كبر المنحرف والانحراف. ولتم وأد الجرائم الكبيرة في مهدها لأن ~~من ارتكب الصغيرة قد عوقب. وإياكم أن يقول أحدكم ما دام مثل هذا الانحراف ~~لا يمسني فليس لي به شأن لأن الذي اجترأ على مثلك، من السهل أن يجترىء ~~عليك. ونحن نعرف جميعا قصة الثيران الثلاثة الأحمر والأبيض والأسود، فقد ~~هاجم الأسد الثور الأبيض فأكله، ولم يدافع عنه الثور الأحمر أو الأسود. ~~وهاجم الأسد الثور الأحمر بعد ذلك فقال الثور الأسود لنفسه: ما دام الأسد ~~لم يأكلني فلا دخل لي بهذا الأمر. وجاء الأسد إلى الثور الأسود، بينما هو ~~يقترب منه قال: لقد أكلت يوم أكل ms3737 الثور الأبيض. إذن فقول الحق تبارك ~~وتعالى: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا ~~منكم خآصة.. } [الأنفال: 25]. هذا القول يدلنا على أن اتقاء ~~الفتنة يبدأ من الضرب على أيدي صانع الفتنة وهي في بدايتها. وأضرب هذا ~~المثل ليبقى في الذاكرة دائما إن الأم التي قسمت الأكل بما فيه من لحم ~~وخضر وفاكهة على الأبناء، فأكل أحد الأبناء نصيبه، ثم احتفظت الأم ببقية ~~أنصبة إخوته في الثلاجة، ومن بعد ذلك لاحظت الأم أن الابن الذي أكل نصيبه ~~يأكل نصيب أحد إخوته من خلف ظهرها ودون استئذانها، وهنا يجب أن تؤنبه ~~وتعاقبه على مثل هذا الفعل حتى لا يتمادى في ذلك. كذلك إن دخل الابن ~~بلعبة أو بشيء يفوق ثمنه قدرة مصروف يده على الشراء، فعلى الأب أن يضرب ~~على يد الابن حتى لا يتمادى الولد في إفساد نفسه. ولذلك نجد أن الحق ~~سبحانه وتعالى جعل الدية في القتل الخطأ على العاقلة وهم العصبة أي قرابة ~~القاتل من جهة أبيه، ويطلق عليهم العائلة - أي عائلة القاتل - لأن أفراد ~~العائلة حين يرون أن كلا منهم سوف يصيبه جزء من الغرم، فإنه يضرب على يد ~~من يتمادى في إرهاب الغير وتهديدهم إن كان من عائلته. ولذلك ترى أن الناس ~~إذا رأوا الظالم ثم لم يضربوا على يده فإن الله يعمهم بغضب من عنده لأن ~~الظالم يتمادى في ظلمه وطغيانه ويعربد في الآخرين. فيستشري الظلم في ~~المجتمع ويحق على الجميع عقاب الله. ولذلك نجد سيدنا أبا بكر رضوان الله ~~عليه - يقول، يبين لنا ذلك فيما رواه عنه الإمام أحمد. # فقد روى الإمام أحمد قال: قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس أنتم تقرأون هذه الآية: { يأيها ~~الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ~~إذا اهتديتم } وإنكم تضعونها على غير موضعها. وإني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه، يوشك الله - عز وجل - أن يعمهم ~~بعقابه ". # ويبين لنا رسول الله ms3738 صلى الله عليه وسلم الطريق الفاصل في القضايا ~~العقدية والحكمية ويأتي بمثال واضح يتفق عليه الكل، فيقول صلى الله عليه ~~وسلم: فيما يرويه عنه النعمان بن بشير: # " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، ~~فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من ~~الماء مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا خرقا في نصيبنا ولم ~~نؤذ من فوقنا. فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على ~~أيديهم نجوا ونجوا جميعا ". # والرسول صلى الله عليه وسلم يضرب لنا المثل بقوم ركبوا سفينة، وأجروا ~~فيما بينهم القرعة لينقسموا إلى جماعتين جماعة تجلس في النصف الأعلى من ~~السفينة أي على سطحها، وجماعة تسكن في بطن السفينة، حسب ما تأتي به قسمة ~~القرعة وهي ما تسمى بالاستهام. وهذا يدلنا على أنهم أناس طيبون، ولا توجد ~~فيهم جماعة قوية تفرض شيئا على جماعة ضعيفة. وكان الذين يسكنون أسفل ~~السفينة حين يريدون الماء يصعدون إلى أعلى لينزلوا الأواني من فوق سطح ~~السفينة إلى النهر. ولو ترك الذين في أسفل السفينة لتنفيذ رغبتهم في خرق ~~السفينة ليأخذوا الماء من النهر لغرقت السفينة، لكن إن ضرب الذين يعيشون ~~فوق السفينة على يد من يريدون خرقها لنجوا جميعا. وهكذا يكون فهمنا لقول ~~الحق تبارك وتعالى: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ~~ظلموا منكم خآصة واعلموا أن الله شديد ~~العقاب } [الأنفال: 25]. ولسائل أن يسأل ويقول: إن العقاب يقع هنا ~~على الظالم والمظلوم، والظالم هو الذي يستحق العقاب على ما وقع منه من ~~ظلم، ولكن ما ذنب المظلوم؟ والجواب: أن المظلوم قد كان في مكنته أن يرد ~~الظلم لكنه سكت عن ذلك فاستحق أن يشمله العقاب. وإن لم تنتبه المجتمعات ~~إلى مقاومة الفتن، أنزل الله بها العقاب، وعقاب الحق تبارك وتعالى أشد من ~~عقاب الخلق. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { يأيها الذين ~~آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل... }. ### || [8.26] # وبعد كل ما حدث من وقائع، يذكر الحق عز وجل هنا ms3739 صاحب الحال الأعلى ~~بالماضي الأدنى، ليثبت له: أن الذي نقلك من أدنى حياة إلى أعلى حياة، ~~موجود ولا يزال موجودا، وما دام قد شاءت قدرته أن ينقلك من الأدنى ~~للأعلى، فقدرته سبحانه وتعالى - إن شاءت - نقلتك من الأعلى إلى الأدنى. ~~فإذا كنت في حال أعلى إياك أن تنسى أنك كنت في حال أدنى. وعليك أن تعترف ~~بجميل عطاء الخالق المنعم المتفضل وتقول: إن ربي القوي العظيم هو الذي ~~وهبني ورفع مكانتي ولم أفعل ذلك بمهارتي، وحتى إن كنت قد ارتقيت ~~بالمهارة، فالمهارة عطاء منه سبحانه وتعالى، لذلك يقول المولى عز وجل ~~هنا: { واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في ~~الأرض }. أي اجعلوا هذا الأمر على بالكم دائما وإياكم أن تخافوا أية ~~قوة مهما بلغت هذه القوة، ولكن أعدوا لكل قوة ما يناسبها من أسلوب ~~المواجهة الكثير لأنكم حملة دعوة، ومن يحمل الدعوة قد يعاني من المصاعب ~~والمتاعب والمشقات لكن يجب ألا يفت ذلك في عضدكم. لقد كان المسلمون ~~الأوائل قلة تعاني من إذلال واضطهاد الكافرين الأقوياء. وكان المسلم من ~~الأوائل لا يجد أحيانا من يحميه من اضطهاد المتجبرين، فيلجأ إلى كافر ~~يتوسم فيه الرحمة ويقول له: أجرني من إخوانك الكفرة. وحين بلغ الضعف ~~بالمسلمين الأوائل أشده، ولم يجدوا حاميا لهم من ظلم وتعذيب الكفار، عرض ~~عليهم صلى الله عليه وسلم أن يهاجروا إلى الحبشة لأن فيها ملكا لا ~~يظلم عنده أحد. وكانت الهجرة إلى الحبشة هربا من قوة الخصوم، ولم ~~يظل حال المسلمين كذلك، بل نصرهم الله لا بقوتهم، ولكنه سبحانه وتعالى ~~شاء لهم أن يأخذوا بأسباب منهجه فانتصروا وعلت كلمة الله عز وجل. إننا ~~نتخذ من هذه المسألة حجة ومثلا نواجه به من يشككون في قدرة المسلمين على ~~إدارة الحياة والارتقاء بها لأن العالم كله قد شهد ألف عام كان المسلمون ~~فيها هم قادة العلم والفكر والابتكار، وكانت غالبية الدول تخضع لحكم دولة ~~الإسلام. لقد سبق أن قلت: إن هارون الرشيد الخليفة المسلم بعث لشارلمان ~~ملك فرنسا بهدية هي ساعة ms3740 دقاقة بالماء تم تصميمها بدقة عالية تفوق طاقة ~~خيال الناس في فرنسا، ولحظة أن شاهدوها في فرنسا ظنوا أن الشياطين هي ~~التي تحركها لأن التقدم العلمي والتطبيقي في بغداد في ذلك الوقت فاق كل ~~التصور الأوروبي حيث كانوا يعيشون في تخلف علمي شديد. لكن المسألة انعكست ~~في زماننا هذا وصرنا نعاني من تخلف في الأخذ بأسباب الله للاستفادة ~~بالعلم، فحين جاء " الراديو " وجاء " التليفزيون " إلى بعض البلاد ~~الإسلامية، وجدنا من يقول عن الراديو: إن بداخله شيطانا يتكلم ويلون ~~ويغير من صوته. # ولم يغير أصحاب هذا الرأي اندهاشهم ورفضهم لوجود محطة الإذاعة وأجهزة ~~الاستقبال في بلادهم إلا بعد أن قلنا لهم: حركوا مؤشر الراديو وستجدونه ~~يذيع القرآن الكريم، وحين فعلوا ذلك استمعوا إلى صوت الشيخ محمد رفعت، ~~وكان يقرأ في سورة مريم، وقلنا لأصحاب هذا الرأي: إن الشيطان لا يقرأ ~~القرآن، بل إن الإذاعة وأجهزة الاستقبال هي اختراعات علمية توصل إليها من ~~أخذوا بأسباب الله في العلم التطبيقي. وحين جاء اختراع " الميكروفون " ~~وطالب الكثير بوضعه في المساجد وقت صلاة الجمعة، وجدنا البعض يرفض دخول ~~الميكروفون إلى المسجد، متجاهلا أن هناك مساجد كبيرة يحتاج إسماع الناس ~~فيها لخطبة الجمعة وجود أكثر من " ميكروفون ". وقلت لواحد من هؤلاء: ~~ليصلح الله حالك وبالك، لماذا ترتدي نظارة طبية وتضعها على عينيك؟ ~~أجابني: لأن نظري ضعيف والنظارة تكبر لي الكتابة. فقلت: وهكذا " ~~الميكروفون " يكبر الصوت ليسمعه من يجلس بعيدا عن المنبر والإمام، أثناء ~~صلاة الجماعة وصلاة الجمعة. فإذا كان بعض من الدول الإسلامية قد وصل بها ~~الحال إلى هذا الحد من العجز في تقبل العلم، فهذا تنبيه لنا لأن نعيد ~~الأخذ بأسباب الله في الكون، ولنطور العلوم، ونخدم بها منهج الله، بدلا ~~من أن نظل متخلفين رغم أن منهج الله يحضنا على الأخذ بالأسباب الموجودة ~~في الكون، وكلنا يعلم أن كون الله في يده والنواميس في يده، يسخرها ~~سبحانه وتعالى لمن يأخذ بالأسباب. ويذكرنا الحق تبارك وتعالى بقوله: { ~~واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض ~~تخافون ms3741 أن يتخطفكم الناس.. } [الأنفال: 26]. والخطف هو ~~أخذ بسرعة، أي أن يأخذ إنسان أو جماعة غير الحق، وعرفنا من قبل أن أخذ ~~غير الحق له صور متعددة، والمثال: نجد تاجرا يعرض أي يفرش بضاعته من ~~تمر أو تفاح، ويأتي أحد المارة لينظر إلى البضاعة المعروضة والمفروشة ~~وليس معه نقود يشتري بها فيخطف تفاحة أو بعضا من التمر ويجري بسرعة، ~~ويحاول صاحب البضاعة أن يجري وراءه فلا يلحق به هذا هو الخطف، لكن إن ~~استطاع صاحب البضاعة أن يلحق به وحاول اللص أن يتخلص ويفلت منه فهذا اسمه ~~" غصب " ، أما السرقة، فهي أخذ المال خفية من حرز وصاحبه غير موجود. ~~ويختلف كل ذلك عن الاختلاس لأن الاختلاس هو أن تأخذ مما في حوزتك وأنت ~~مأمون عليه إذن أخذ غير الحق له عدة صور هي: خطف، أو غصب، أو سرقة أو ~~اختلاس. والحق تبارك وتعالى يقول: { تخافون أن يتخطفكم ~~الناس فآواكم وأيدكم بنصره.. } [الأنفال: 26]. أي ~~يأخذونكم دون أن يدافع عنكم أحد. وها أنتم أولاء قد صرتم أقوياء باستقرار ~~الإيمان في قلوبكم، وبمدد من الله عز وجل لذلك يجب أن تذكروه دائما ~~امتنانا وتقديرا وعبادة، وشكرا، وخشوعا. # فهو سبحانه وتعالى قد أعطاكم الاستقرار في المأوى الجديد - المدينة ~~المنورة - ورحب بكم مجتمع الإيمان في المدينة المنورة. وعندما دخلتم إلى ~~المدينة أقمتم المسجد وهو سمة استمرار النور من السماء هداية للأرض. كان ~~هذا هو أول عمل لكم ولم تنشغلوا من قبله بأي عمل آخر. واعتبركم الأنصار ~~إخوة، فصرتم أقوياء بأخوة الإيمان، وصاروا هم أيضا أقوياء بهذه الأخوة ~~بعد أن كان اليهود هناك يستفتحون عليهم بالرسول القادم، جاء الرسول وكان ~~في نصرة المستضعفين وصار منهجه قوة لكم وللأنصار، وكان المهاجر منكم يجد ~~الدعوة من الأنصارى إلى بيته، لا للطعام ولا للشراب فقط، بل للإقامة ~~أيضا. ثم حدث الملحظ العجيب، فالإنسان إذا أنعم الله عليه بنعم شتى، فقد ~~يحب أن يمتع صاحبه من هذه النعم، إلا المرأة، فالزوج يغار على نسائه. لكن ~~الأنصاري من هؤلاء إن كان متزوجا ms3742 من اثنين، يقول للمهاجر: لقد جئت من ~~مكة إلى المدينة دون أهلك. فانظر إلى زوجتي، فأيهما تعجبك أطلقها ~~وتتزوجها بعد انقضاء عدتها، هذا هو الملظ العجيب، وهي مسألة لا يمكن أن ~~تمر على خيال العربي أبدا. ويذيل الحق تبارك وتعالى الآية الكريمة ~~بقوله: { ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون } ~~[الأنفال: 26]. وقد رزقهم المولى سبحانه وتعالى وأمدهم بالخيرات والأسلحة ~~والنفائس وهزموا صناديد قريش، ولم تكن الغنائم تحل لأحد من الأنبياء من ~~قبل، لكنها أحلت لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن فالذي صنع لكم ~~كل ذلك حقيق أن يذكر فلا ينسى وأن يشكر دائما. ويقول الحق تبارك وتعالى ~~بعد ذلك: { يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ~~والرسول... }. ### || [8.27] # والخيانة مقابلها الأمانة، والأمانة هي الشيء يستودعه واحد عند آخر بدون ~~وثيقة عليه، ولا شهود. بل الأمر متروك إلى من عنده الأمانة، إن شاء ~~أقر بها وإن شاء أنكرها لأن الأمانة ليس عليها صك ولا عليها شهود. ~~ولا عليها " كمبيالة " ، وغير محكومة بأي شيء إلا بذمة من ائتمن، والحق ~~سبحانه تعالى يقول: # إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. وكل الأجناس التي في الوجود ودون الإنسان من حيوان ونبات ~~وجماد، كلها مسخرة، ولا تملك الاختيار في أن تفعل أو لا تفعل. الشمس ليس ~~لها اختيار في أن تقول: سأشرق اليوم على هؤلاء الناس، أو لن أشرق اليوم. ~~والهواء لا يملك إرادة الاختيار، كل الكائنات التي أوجدها الله في هذا ~~الوجود ما عدا الإنسان مسخرة للمؤمن وللكافر. ورفضت هذه الكائنات أن تحمل ~~أمانة الاختيار، لكن الإنسان قال: أنا لي عقل يختار بين البديلات وأقبل ~~تحمل الأمانة وسوف أؤدي كل مطلوبات الأمانة لأني أقدر على الاختيار. لكن ~~الإنسان ادعى لنفسه القدرة على أداء الأمانة. وكأنه قد وثق من نفسه أنه ~~سيؤديها، وهو لا يعلم بأي شيء حكم ذلك الحكم على أمر غيبي مستقبلي. صحيح ~~أنه ساعة التحمل كان في نيته أن يؤدي الأمانة، ms3743 لكن ماذا عن ساعة الأداء؟. ~~وأنت لا تعرف ماذا تجيء به الأحداث والأغيار معك، فقد يأتي لك ظرف تضطر ~~أن تبدد فيه الأمانة لذلك تجد العاقل هو من يقول: ابعد عني أمانة ~~الاختيار، لأني لا أعلم ماذا ستفعل بي الأغيار لحظة الأداء. وكل ما دون ~~الإنسان أعلن عدم تحمل الأمانة وقبل التسخير، أما الإنسان فأعلن قبول ~~الأمانة وأنه سيؤديها. ووصفه القرآن الكريم بقوله: # إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. " ظلوما " لنفسه لأنه حمل نفسه شيئا ليس في يده. و " ~~جهولا " لأنه قاس وقت التحمل ولم يذكر وقت الأداء. فلم يضع في الاعتبار ~~ما سوف تفعل به الأغيار. ويقول الحق عز وجل هنا: { لا تخونوا ~~الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم ~~تعلمون }. وكثير من التصرفات السلوكية للإنسان تكون مستترة عن أعين ~~الخلق لأن أعين الخلق حين ترى جريمة ما، فهي تستدعي رجال القانون ليأخذوا ~~حق المجتمع من المجرم، لكن ماذا عن الجرائم المستترة؟. نحن نعلم أن كل ~~جريمة تطفو وتظهر واضحة إنما توجد تحتها جرائم مختفية لأن الذي يقتل إنما ~~يخفي جرائم أخرى مثل شرائه السلاح بدون ترخيص، وإن كان لا يملك نقودا ~~فقد يسرق ليشتري السلاح، ثم يقوم بتجنيد غيره لمساعدته في القتل، وكل ذلك ~~جرائم مستترة، وبالتأكيد هناك سلوكيات باطنة يأتي بعدها السلوك المقلق ~~للمجتمع وهو الجريمة الظاهرة، وقصارى قانون البشر أن يحرس المجتمع من ~~الجرائم الظاهرة فقط، لكن عين القانون لا ترى الجرائم الباطنة والخفية، ~~أما عين الدين فتختلف، إنها ترشد الأعماق إلى الصواب لأن الدين أمانة ~~وضعها الحق - الذي خلق الخلق - في ضمير الإنسان. # فإياك أن تخون الأمانة في الأمور السرية التي لا يعرفها أحد سوى الله ~~لأن الأمور التي يعرفها الناس يمكن أن تدافع عنها أمام هؤلاء الناس، ~~بخلاف الأمور الباطنة وهي المهمة لأنها هي التي تسيطر على إيجاد السلوك. ~~فإياك أن تخون الله والرسول، وتخون الأمانة التي وضعت لك. ولا حجة لك - ~~في ذلك - إلا اختيارك. إن شئت فعلت وإن شئت تركت، وعلى الإنسان ألا يخون ~~الأمانة ms3744 التي بينه وبين ربه وإذا لم تتوافر الحراسة الإيمانية من ضميره ~~على الأعمال الباطنة قد ينحرف لأن كل جريمة ظاهرة إنما تتم بتبييت أمر ~~باطن. وما دمت قد آمنت بالله تعالى ربا بمحض اختيارك، فالتزم بالأشياء ~~التي جاء لك بها من آمنت به، وأنت تعلم: أن الإيمان هو علة كل تكليف، ~~وعلى سبيل المثال أنت تصلي خمسة فروض لأن المشرع أمرك بذلك تصلي في الصبح ~~ركعتين، وفي الظهر أربع ركعات، وفي العصر أربع ركعات، وثلاث ركعات في ~~المغرب، وأربع ركعات في العشاء لأن المشرع وهو المولى سبحانه وتعالى أمرك ~~بذلك. وأنت تصوم لأن الله أمرك أن تصوم، فإن أدركت من بعد الصيام أن فيه ~~منافع لك، فهذا موضوع آخر، ومع ذلك تظل علة الصيام أن الله أمرك به، ~~وهكذا تكون علة كل حكم هي الإيمان بمن حكم بهذا الحكم. { يأيها ~~الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول.. } [الأنفال: ~~27]. وما الخيانة؟ إن مادة الخيانة كلها الانتقاص وضده التمام، والكمال، ~~والوفاء. ويقابل كل ذلك الاختيان والغدر. فإذا كان الله يقول لنا: لا ~~تخونوا الله والرسول، فعلينا أن نلتزم لأن التشريع وصلنا من الله بواسطة ~~الرسول، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله لأن الله لم يخاطبنا مباشرة، بل ~~خاطب رسولا اصطفاه من خلقه وأيده بمعجزة. وكل بلاغ وصلنا إنما كان ~~بواسطة الرسول. { لا تخونوا الله والرسول }. فلا تخن الله ~~فيما جاء في القرآن، وجاء من الرسول المفوض من الله بأن يشرع. وتشريع ~~الرسول واتباعه جاء في قوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. فلله أمانة فيما نص عليها قرآنا، وللرسول أمانة فيما لم ~~ينص عليه القرآن إلا بتفويض قائل القرآن للرسول بأن يشرع، فإن أطعت هذا ~~الرسول، فقد أطعت الله. وعرفنا أن الاختيان هو الانتقاص، ومعنى الانتقاص ~~هو الوقوف بعيدا عن الكمال والإتمام المطلوب. والإنسان حين آمن يصبح ~~للإيمان في النفس أمانة. # فأنت قد آمنت أنه لا إله إلا الله، وأمانة هذا الإيمان تقتضيك ألا ~~تجعل لمخلوق ولاية عليك ولا ms3745 ولاء له إلا أن يكون هذا الولاء نابعا من ~~اتباع منهج الله تعالى. وهذه هي أمانة الشهادة، أما أمانة الرسالة فهي ~~الحرص على تطبيق كل ما بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه قدر ~~الاستطاعة. إذن فالأمانة مع الله تعالى أن تلتزم بكلمة الإيمان في أنه لا ~~إله إلا الله، وإياك أن تعتقد في أن أحدا يمكنه أن يتصرف فيك، أو يملك ~~لك ضرا أو نفعا، أو أن مصالحك ممكن أن تقضى بعيدا عن الله، فكل شيء ~~بيد الله سبحانه صاحب الحول والطول ولا إله إلا الله، وإياك أن تفهم أن ~~حكما يجيء لك عن غير طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنك إن خرجت عن ~~هذا الإطار تكون إنسانا لم يؤد أمانة الله ولا أمانة الرسول. والقمة في ~~الأمانة هي إيمان بالله، وإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم. والله قد ~~أمر بأحكام وحين تقبلها فلها أمانة، وأمانتها هي أداؤها من غير نقص في ~~شيء سواء كان عاما أو خاصا، ولو في الحديث يجري أمامك، وتمتد أمانة ~~الإيمان إلى كل شيء، مثل أمانة أي مجلس توجد فيه، فلا يحق لك ان تنقل ~~أسرار غيرك إلى هذا المجلس أو أسرار المجلس إلى آخرين. ونعرف رجلا من ~~قادة العرب هو زياد بن أبيه وكان شديد الحزم، فوشى واش بهمام بن عبد الله ~~السلولي إلى زياد، وتوقع القوم عقابا صارما بهمام لأن زيادا كان يأخذ ~~بالظن، لكن الله ألهم هماما كلمة ظلت دستورا يطبق، وحين استدعى زياد ~~هماما، قال زياد: بلغني أنك هجوتني. قال همام: كلا أصلحك الله. ما فعلت ~~ولا أنت لذلك بأهل. فقال: إن هذا الرجل - وأخرج الرجل من الخباء - ~~أخبرني. فنظر همام إليه فوجده جليسا وصديقا ومؤنسا، فلما رآه كذلك ~~أقبل عليه وقال: أنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا فخنت، وإما قلت قولا بلا ~~علم فأبت - رجعت - من الأمر الذي كان بيننا بمنزلة الخيانة والإثم، أي ~~إما أنك خائن أو آثم، فإن كنت قد ائتمنتك على كلمة نفست بها ms3746 عن نفسي فأنت ~~خائن، وإن كنت اختلقتها علي فأنت كاذب، فأعجب زياد هذا المنطق، وأقصي ~~الواشي ولم يتقبل منه. ويقال إنه خلع همام الصلة والعطايا. فكان همام حين ~~يرى الواشي يقول له: هل لك في وشاية أخرى تغنيني؟!! وفي سيرته صلى الله ~~عليه وسلم وقائع حدثت في تاريخه حتى من بعض الصحابة، وعلى سبيل المثال: ~~نحن نعلم أنه حينما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، جعل ~~عهدا بينه وبين اليهود، فاستقام لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~استقاموا للعهد، فلما خالفوا هم العهد أراد رسول الله أن يؤدبهم، فأدبهم، ~~وكان أول ذلك في بني النضير وأوضح لهم أنه لن يقتلهم، بل سيكتفي بإخراجهم ~~من ديارهم وإبعادهم إلى الشام. # ثم حدثت خيانة من بني قريظة، وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة ~~من الزمن. فبعثوا إلى رسول الله من يقول: يا رسول الله إن بني قريظة ~~يريدون ان تصنع بهم ما صنعته مع بني النضير، أي أن بني قريظة يعرضون ترك ~~البلاد إلى الشام، فرفض الرسول ذلك إلا بعد أن يحكم فيهم سعد بن معاذ، ~~وكان يحب بني قريظة وبينه وبينهم صلة، وعرف بنو قريظة أن رسول الله يطمئن ~~إلى حكم سعد بن معاذ فقالوا: لا ولكن أرسل لنا أولا أبا لبابة، وهذه ~~كنيته، أما اسمه فهو مروان بن عبد المنذر، وكان ماله في يد اليهود ~~يتاجرون له فيه، أي أن بينه وبينهم صلة مالية. ذهب أبو لبابة إلى ~~اليهود، فاستشاروه في الأمر متسائلين: أنرضى بحكم سعد بن معاذ؟ فماذا ~~قال أبو لبابة؟ قال: إنه الذبح، وأشار إلى حلقومه، وبعد ذلك لام أبو ~~لبابة نفسه وقال: والله ما جالت قدماي حتى تيقنت أني خنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ولكن انظروا إلى الإيمان، ويقين الإيمان، وترجيح أمر ~~الآخرة على أمر الدنيا، والنظر إلى أن افتضاح الإنسان في الدنيا أمر هين ~~بالنسبة لافتضاحه في الآخره. ذهب إلى سارية المسجد - أي عمود في وسط ~~المسجد - على مرأى ms3747 ومشهد من الناس، وحكم على نفسه بأن يربط نفسه بالسارية ~~بيده، وظل لا يطعم ولا يشرب سبعة أيام، حتى خارت قواه وغشي عليه ~~وسقط، فعطف الله عليه، وأبلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله قد ~~تاب عليه. فقالوا له: حل نفسك بنفسك لأنك أنت الذي ربطت نفسك، فقال: ~~والله لا أحلها حتى يحلني رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وحله من السارية. لماذا فعل أبو لبابة ذلك بنفسه؟ ~~لأنه شعر بأنه خان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنه قال لليهود إنه ~~الذبح. وهناك صحابي آخر هو حاطب بن أبي بلتعة وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد جمع أمره لفتح مكة وأراد أن يستر مقدمه حتى تفاجأ قريش. ~~وتكون المفاجأة سببا في عدم تولد اللدد وليتم الصلح. لذلك كتم ~~الأمر، وبعد ذلك جلس رسول الله بين صحابته وأعلمه الله أن حاطبا قد أرسل ~~إلى قريش يخبرها. فانتدب عليا ومعه صحابيان وأمرهم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أن يذهبوا إلى مكان حدده لهم في الطريق إلى مكة ليجدوا فتاة ~~معها كتاب إلى قريش، فلما ذهبوا إلى المكان المحدد وجدوا الفتاة، فقال ~~لها الإمام علي: أخرجي ما معك، فقالت: ليس معي شيء. # فمسك علي بن أبي طالب عقيصتها وأخرج الكتاب من المكان الذي تخبىء فيه ~~أشياءها، فوجد رسالة تحذير لقريش، وعاد علي - كرم الله وجهه - بالرسالة ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ~~حاطبا: ما حملك على هذا يا حاطب؟ قال: والله يا رسول الله لقد علمت أن ~~ذلك لا يضرك في شيء، وأن الله ناصرك.. ناصرك، ولكني أردت أن أتخذ لي يدا ~~عند قريش، لأنني رجل ضعيف ولا مال لي ولا أهل. فعفا عنه رسول الله صلى ~~الله وسلم رغم أن هذا نوع من اختيان الرسول. ولكن عليك أن تعلم أن كل ~~مخالفة لحكم قبلته من الله الذي آمنت به يعتبر خيانة للأمانة. ms3748 { لا ~~تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ~~وأنتم تعلمون } [الأنفال: 27]. أي لا تخونوا الله والرسول في ~~المنهج ولا تخونوا أماناتكم فيما بينكم وأنتم تعلمون، أي ألا يخون ~~أحدكم قومه عن عمد، ويؤخذ من هذا القول ثبوت المغفرة في حالة الخطأ ~~والنسيان، والممنوع أن تخون وأنت تعلم وتقصد، لكن إن حدث أمر بسبب فلتة ~~لسان، فاعلم أن ربنا سبحانه وتعالى غفور رحيم، وله فضل عظيم، لا يأخذك ~~بالسهو، وأنتم تعلمون بالفطرة أن مثل هذا الفعل رذيلة لا يقبل عليها ~~إنسان كريم، ولو لم يكن متدينا، وعليك أن تقيس الأمر بمقياس واضح هو: ~~أتحب أن يفعل أحد معك نفس ما تفعله مع غيرك؟. وهذا سؤال تكون إجابته دليل ~~الفطرة. فإن عرفت أن الفطرة ترفض الفعل ولا تتقبله، فعليك ألا تفعله، ~~لأنه مناف لهذه الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها، وعلى سبيل المثال: ~~إن اللص لو تخيل نفسه مسروقا لما رضي أن يسرق، والمعتدي على العرض، لو ~~تخيل أن هناك من يعتدي على عرضه لما اقترف الاعتداء على عرض الغير بهدف ~~تحقق شهوة في النفس. وما لا ترضاه لنفسك يجب عليك ألا ترضاه لغيرك. أتحب ~~أن يخونك أحد في حديث أو في أمانة؟ لا لذلك عليك أن تقيس كل أمر لا من ~~الطرف الآخر، بل من طرفك أنت. إذن فقول الحق تبارك وتعالى: { وأنتم ~~تعلمون } أي متعمدون، غير ناسين أو ساهين، أو جاء الأمر كفلتة لسان ~~لأنكم إذا كنتم تعلمون، ففي ارتكاب هذه الأفعال خيانة والله ينهي عن ذلك ~~فيقول: { يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ~~والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون } ~~[الأنفال: 27]. ونلحظ أن الخطاب هنا لجماعة المؤمنين، وجاءت الأمانات ~~أيضا جماعة، وأنت حين تفصل الأمانات المجموعة على القوم المخاطبين ~~بذلك، تعلم أن على كل إنسان تكليفا محدودا هو ألا يخون أمانته ~~مثلما يقول الأستاذ للتلاميذ: أخرجوا أقلامكم. فهذا أمر لجماعة التلاميذ ~~بأن يخرج كل واحد قلمه. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { ~~واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة... }. ### || [8.28] # وإذا بحثنا عن علاقة هذه ms3749 الآية بالآية السابقة عليها نجد أن العلاقة ~~واضحة لأن خيانة الله، وخيانة الرسول، وخيانة الأمانات إنما يكون لتحقيق ~~شهوة أو نفع في النفس، وعليك أن تقدر أنت على نفسك لأنك قد لا تقدر على ~~غيرك، ومثال ذلك: أنت قد لا تقدر على مطالب أولادك، وقد لا يكفي دخلك ~~لمطالبهم، فهل يعني ذلك أن تأخذ من أمانة استودعها واحد عندك؟ لا. هل ~~يعني ذلك أن تخون في البيع والشراء لتحقيق مصلحة ما؟ لا. هل تخون أمانات ~~الناس من أجل مصالح أولادك أو لتصير غنيا؟. لا. وقد جاد الحق هنا ~~بالأمرين، المال والأولاد وأخبرنا أنهما فتنة، والفتنة - كما علمنا من ~~قبل - لا تذم ولا تمدح إلا بنتيجتها فقد تكون ممدوحة إذا نجحت في ~~الاختبار، وتكون مذمومة حين ترسب في ذلك الاختبار المبين في تلك ~~الآية الكريمة. والمتتبعون لأسرار الأداء القرآني يعرفون أن لكل حرف ~~حكمة، وكل كلمة بحكمة، وكل جملة بحكمة لذلك نجد من يتساءل: لماذا قدم ~~الحق تبارك وتعالى الأموال على الأولاد؟. ونقول: لأن كل واحد له مال ولو ~~لم يكن له إلا ملبسه. وبطبيعة الحال ليس لكل واحد أولاد. ثم إن الأبناء ~~ينشأون من الزواج، ومجيء الزوج، يحتاج إلى المال لذلك كان من المنطق أن ~~يأتي الحق بالأموال أولا ثم يأتي بذكر الأولاد. وأساليب القرآن الكريم ~~تتناول هذا الموضوع بألوان مختلفة فيقول الحق سبحانه وتعالى: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة # [آل عمران: 14]. وفي هذا القول نجد أن القناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة تأخرت هنا عن النساء والبنين. ولم يأت بذكر الأموال أولا ثم ~~الأولاد كفتنة. وعلينا أن ننتبه أنه سبحانه وتعالى جاء هنا بالقناطير ~~المقنطرة، وهي تأتي بعد تحقيق الشهوة الأولى وهي النساء، والزينة الثانية ~~وهي الأبناء، ونعلم أن من عنده مال يكفيه للزواج والإنجاب قد يطمع في ~~المزيد من المال، فإن كانت الوحدة من القناطير المقنطرة هي القنطار، ~~فمعنى ذلك أن الإنسان الذي يملك قنطارا إنما يطمع في الزيادة مثلما يطمع ~~من ms3750 يملك ألف جنيه في أن يزيد ما يمتلكه ويصل إلى مليون جنيه، وهكذا. إذن ~~فالقناطير المقنطرة تعني الرغبة في المبالغة في الغنى. وهنا يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم ~~فتنة.. } [الأنفال: 28]. ويقول في آية ثانية: # يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم.. # [التغابن: 14]. وفي هذا القول نجد أن العداوة تأتي من الأزواج قبل ~~الأولاد، ونعلم أن الزوجة في بعض الأحيان هي التي تكره أولا ثم يتأثر ~~بكراهيتها ويتشبه بها الأبناء، وهذا كلام منطقي لأن الذي يتكلم هو رب ~~حكيم. # { واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة }. ~~وفي هذا القول تحذير واضح: إياكم أن ترسبوا في هذا الاختبار فمن يجمع ~~المال من حرام لترف أبنائه فهو خائن للأمانة، وهذا له عقاب، ولذلك يذكرنا ~~الحق تبارك وتعالى في آخر هذه الآية بما يحبب إلينا النجاح في الاختبار ~~فيقول سبحانه: { وأن الله عنده أجر عظيم }. ونعلم أن ~~النفس البشرية مولعة بحكم تكوينها الفطري من الله بحب النفع لنفسها، ولكن ~~المختلف فيه قيمة هذا النفع وعمر هذا النفع لأن الذي يسرق إنما يريد أن ~~ينفع نفسه بجهد غيره، ومن لا يسرق يريد أيضا أن ينفع نفسه ليبارك الله ~~له في المال وأن يعطيه الرزق الحلال. وهكذا تكون النفعية وراء كل عمل ~~سواء أكان إيجابا أم سلبا، والمثال الذي أضربه دائما لذلك هو الطالب ~~الذي يهمل في دروسه، ويوقظه أهله كل صباح بصعوبة، ثم يخرج من المنزل ~~ليتسكع في الشوارع، والطالب الثاني الذي استيقظ صباحا وذهب إلى مدرسته ~~وانكب على دروسه، إن كلا من الطالبين قد أراد نفع نفسه، الفاشل أراد ~~النفع الأحمق، والناجح أراد النفع في المستقبل. ونعرف أن النفع غاية ~~مطلوبة لكل نفس. والمهم هو قيمة النفع، وعمر النفع. فإذا كانت الخيانة ~~ستؤدي لك نفعا في أولادك أو أموالك فاذكر ما يقابل الأمانة من الأجر عند ~~الله عز وجل، وضع هذه في كفة، وضع تلك في الكفة الأخرى، وانظر أي كفة ~~ترجح، ولا بد أن ترجح كفة الأجر عند الله ms3751 عز وجل. ولذلك قال المتنبي: # أرى كلنا يبغي الحياة لنفسه # حريصا عليها مستهاما بها صبا # فحب الجبان النفس أورده التقى # وحب الشجاع النفس أورده الحربا # فكلنا نحب الحياة الجبان الخائف من الحرب يحب الحياة، والشجاع الذي يحب ~~نفسه ويعلم قيمتها عند خالقها يخوض الحرب رغبة في حياة الاستشهاد، وهي ~~حياة عند الله إلى أن تقوم الساعة، ثم تتلوها حياة الجنة حيث يخلد فيها ~~أبدا. إذن فالمعيار الذي نقيس به النفس هو محل الاختلاف. وفي عرف البشر ~~نجد أن الأجر يساوي قيمة العمل، لكن الأجر عند الله لا يساوي العمل فقط، ~~بل هو عظيم بطلاقة قدرة الحق سبحانه وتعالى: ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ~~ذلك: { يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر ~~لكم... }. ### || [8.29] # ويستهل الحق تبارك وتعالى هذه الآية الكريمة بنداء الإيمان، ثم يضع ~~شرطا هو: { إن تتقوا الله } ، ويكون جواب الشرط أن يجعل لنا ~~فرقانا، ويكفر عنا السيئات، ويغفر لنا وسبحانه هو الكريم وصاحب الفضل ~~العظيم. والمراد بالتقوى هنا أن تكون التزاما بالأحكام وقمة الالتزام ~~بالأحكام هي الإيمان بالله عز وجل، وإذا وجد الاثنان الإيمان بالله ~~والالتزام بالأحكام، لا بد أن يتحقق وعد الله المتمثل في قوله تعالى: { ~~يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ~~ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم } [الأنفال: 29]. ~~والفرقان من مادة " فرق " " الفاء والراء والقاف " ، وتأتي دائما للفصل ~~بين شيئين، مثلما ضرب موسى البحر بعصاه فكان كل فرق كالطود العظيم. ~~وسبحانه وتعالى يقول: # وإذ فرقنا بكم البحر.. # [البقرة: 50]. أي نزع الله سبحانه الاتصال بين متصلين فصار بينهما فرق ~~كبير. وافرض - على سبيل المثال - أنك أحضرت ثوبا من قماش متساو في ~~النسيج واللون، ثم شققت من الثوب جزءا منه هنا لا يقال إنك فرقت بين ~~القطعتين، بل فصلت بينهما، لكن لا يقال فرق إلا إذا كان الفصل يؤدي إلى ~~فرقتين فرقة هنا، وفرقة هناك وهذه لها أشياء ومتعلقات، وتلك لها أشياء ~~ومتعلقات. إذن فالفرق ليس هو الفصل بين متلاحمين فقط، ms3752 بل هو فصل يؤدي إلى ~~أن يكون لكل فرقة منهج، ومذهب، ورأي. و { يجعل لكم فرقانا } ~~أي يفصل بين شيئين لم يكن يوجد بينهما اتفاق لأنه لو كان بينهما اتفاق ~~لصارا فرقة واحدة، لكن لأنهما مختلفان لذلك لا بد من وجود تناقض بينهما. ~~وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: إنه يجعل لكم فرقانا، مثال ذلك، هناك من ~~يهتدي، وهناك من يضل. وبطبيعة الحال يوجد فرق بين الهدى وبين الضلال. ~~فالله شرح صدر المهتدي للإسلام، وجعل صدر الكافر ضيقا حرجا فيه غل وحقد ~~وحسد ومكر، وخديعة لذلك يفصل ربنا بين من بقلبه طمأنينة الإيمان وبين من ~~يمتلىء صدره بالضغينة، فالمؤمن من فرقة تختلف عن فرقة أصحاب القلوب ~~الحقودة. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: { يجعل لكم فرقانا.. ~~} [الأنفال: 29]. أي أنه سبحانه وتعالى يفصل بينكم أو يفصل بين عموم الحق ~~وعموم الباطل لأنه يريد أن تكون حركة الحياة وحدة متكاملة منسجمة، لا ~~يسودها هوى جماعة ضد جماعة لها هوى آخر لأنهم كلهم خلفاء لله في الأرض، ~~وكلهم مخلوقون لله، وكلهم متمتعون بخيرات الله لذلك يجب أن تكون حركاتهم ~~متساندة ومتناسقة غير متعاندة. والتفرق - كما نعلم - إنما ينشأ عن اشتباك ~~بين فريقين اثنين، واحد منهما يمثل فريق الهدى، والثاني هو من حق عليه ~~عذاب الله. { إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا. # . } [الأنفال: 29]. ويتمثل الفرقان في هدى القلب، والبصيرة والعلم وأي ~~شيء يفصل بين الحق والباطل، وأحوال الإنسان - كما نعلم - قسمان: أحوال ~~الدنيا، وأحوال الآخرة، وأحوال الدنيا فيها أمور قلبية مستترة، وفيها ~~أمور ظاهرة، وإن نظرنا إلى حالات الدنيا نجد منها الظاهر وهو الحركة ~~المحسة، ومنها القلبي الذي لا يعرفه من بعد الله إلا صاحب القلب. ~~والفرقان في أحوال الدنيا القلبية تلمسه حين تجد من اهتدى، ومن ضل ونجد ~~أن المهتدي قد شرح ربنا صدره للإسلام. ونجد أن الضال هو من لم يشرح الله ~~صدره للإسلام والمهتدي يعيش ضمن الفريق الذي لا غل فيه ولا حقد، والضال ~~هو من يعيش في فريق يتصف بالغل والحقد، هذا ms3753 في الأمور القلبية. أما في ~~الأعمال الظاهرة، فالحق يجعل الفرقان بين أهل الإيمان وأهل الكفر بالنصر، ~~والغلبة، والعزة. وماذا عن الفرقان في الآخرة؟. إن الحق يجعل الفرقان في ~~الآخرة بحيث يكون لأهل الإيمان النعيم المقيم والثواب العظيم، ويجعل لأهل ~~الكفر العذاب الشديد والمقت الكبير. { إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم.. } [الأنفال: ~~29]. وإذا كنا سنتقي الله فهل سيكون لنا سيئات؟. وأقول: إن أردت بقوله: { ~~إن تتقوا الله } إيمانا به، فسبحانه يكفر عنكم سيئاتكم ~~صغائرها وكبائرها. ولا يضر مع الإيمان معصية، بل تدخل في عفو الله ~~وغفرانه. وإن أردت بالتقوى " التزام أمر " فتكفير السيئات يعني أن نتقي ~~الله بترك الكبائر فيكفر عنا السيئات وهي الصغائر. والتكفير على نوعين ~~أولا أن يسترها عليك في الدنيا، أو يذهب عنك عقوبة الآخرة، ولذلك يقول ~~سبحانه في ختام جميل للآية: { ويغفر لكم والله ذو الفضل ~~العظيم } [الأنفال: 29]. وحين يوصف الفضل بأنه عظيم، فمعنى ذلك أن ~~هناك فضلا أقل من عظيم، كما أن هناك فضلا يعلوه تميزا. نعم، ~~ونعلم أن التفاضل موجود عند البشر هذا يتفضل على هذا بطعام، أو يتفضل ~~عليه بملبس، أو يتفضل عليه بشراب، أو يتفضل عليه بمسكن، أي أن هناك ~~أنواعا متعددة من الفضل، لكنها لا توصف بالعظمة لأن الفضل العظيم يكون ~~من الله تعالى فقط لأنه سيؤول إليه كل فضل من دونه، فمن أعطى آخر رغيف ~~خبز فلنعلم أن وراءه من أحضر الخبز من المخبز، ووراءه من جاء بالدقيق من ~~المطحن، ووراءه من زرع وحصد. إذن كل فضل هو من الله ومآله مردود إلى الله ~~عز وجل، وهذا هو الفضل العظيم. وأيضا نجد أن الذي يتفضل على واحد لا بد ~~أنه يبغي من وراء هذا الفضل شيئا، مثل كمال الذات، وأنه يود الحمد ~~والثناء، ويبغي راحة نفس إنسانية، ونرى أناسا يؤدون الفضل لغيرهم ~~ليقللوا من آلامهم، لا لأنهم يطبقون منهج الله، بل يرغبون في مجرد راحة ~~النفس، مثل الكفار الذين يصنعون أشياء تفيد الناس، فهم يفعلونها وليس في ~~بالهم ms3754 الله، بل في بالهم راحة النفس وانسجامها. # إذن فالذي يتفضل إنما يريد شيئا، إما كمال مال أو ثناء وإطراء، وراحة ~~نفس من مناظر الإيلام التي يراها، وهذا دليل على أنه يعاني من نقص ما ~~ويريد أن يكمله. فإذا كان الله عز وجل هو صاحب الفضل، ألله نقص في ~~كمال؟!! لا. إذن فهذا هو الفضل العظيم ويمنحه لعباده تفضلا منه دون رغبة ~~في كمال أو ثناء، وأيضا فكل فضل من دون الله يتضمن المن، لكن فضل الله ~~تعالى ليس فيه من وليس فيه ذلة لأحد. وقد يستنكف إنسان أن يأخذ شيئا ~~من إنسان آخر. لكن من الذي يستنكف على فضل الله؟. لا أحد. لأن الحياة ~~كلها هبة منه، ولذلك يضرب المثل بالفتاة التي قالت لمعن بن زائدة: # فعد إن الكريم له معاد # وظني بابن أروى أن يعودا # وكانت الفتاة تطالب ابن زائدة أن يعود إلى التفضل عليهم، فنهرها أبوها، ~~فقالت له: يا أبي إن الملوك لا يستحى من الطلب منهم. { والله ذو ~~الفضل العظيم } [الأنفال: 29]. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن ~~تنتبه إلى أن كل مظهر من مظاهر وجودك في الحياة ومظاهر استبقاء حياتك، ~~ومظاهر نعيمك كلها، إن نسبتها فستصل إلى الله، فإن كنت تشتري - على سبيل ~~المثال - أثاثا لبيتك، واخترت خشب الورد ليكون هو الخشب الذي يصنع ~~لك منه النجار هذا الأثاث، فأنت تأتي بهذا الخشب من أندونيسيا أو باكستان ~~مثلا لأن الغابات هناك تنتج مثل هذا النوع من الخشب، وكل شيء في حياتك ~~إن سلسلته ستجد أن أيدي المخلوقات من البشر تنتهي عند خلق لله وهبه ~~للإنسان، وهذا هو الفضل العظيم من الله تبارك وتعالى. وبعد أن أوضح الحق ~~سبحانه وتعالى بهذا التوجيه: لا تخونوا الله، ولا تخونوا الرسول، ولا ~~تخونوا أماناتكم، من أجل أولادكم أو أزواجكم، واعلموا أن مرد كل الفضل ~~إلى الله تعالى، واذكروا واقع الدنيا معكم، أصدقت هذه المسائل أم لم ~~تصدق؟ لقد صدقت كلها، كما قال الحق سبحانه وتعالى من قبل: # واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون ms3755 في الأرض ~~تخافون أن يتخطفكم الناس.. # [الأنفال: 26]. وكان هذا القول بالنسبة للمسلمين، فماذا عن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم؟. هنا يقول المولى سبحانه: { وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك... ~~}. ### || [8.30] # ونلحظ أنه سبحانه وتعالى لم يأت بمادة الذكر في جانب النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ولم يقل له: واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا لكنه في جانب ~~الصحابة جاء بمادة الذكر حيث قال: واذكروا إذ أنتم قليل، فما السبب؟ ذلك ~~لأنه لا يطرأ على البال أن يغفل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذكر ~~الله تعالى لأن الذكر هو مهمته عليه الصلاة والسلام، وسبحانه وتعالى ~~القائل: # فذكر إنمآ أنت مذكر # [الغاشية: 21]. هذا الذكر والتذكير هما وظيفة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ويختلف هذا عن مهمة الإيمان في حياة المؤمنين لأن الإيمان بالنسبة ~~لهم إنما ليعدل من حياتهم. لذلك جاء هنا بالظرف فقط. { وإذ يمكر ~~بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو ~~يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير ~~الماكرين } [الأنفال: 30]. وهذا كله شرط وحيثية لقولة تعالى: # والله ذو الفضل العظيم # [الأنفال: 29]. والمكر هو التبييت بشيء خفي يضر بالخصم. والذي ~~يمكر ويبيت شيئا خفيا بالنسبة لعدوه، لا يملك قدرة على المواجهة، ~~فيبيت من ورائه، ولو كانت عنده قدرة على المواجهة فلن يمكر لذلك لا يمارس ~~المكر إلا الضعيف. ونجد ربنا سبحانه وتعالى يقول: # إن كيد الشيطان كان ضعيفا # [النساء: 76]. ثم نجده سبحانه وتعالى يقول: # إن كيدكن عظيم # [يوسف: 28]. وما دام كيدهن عظيم فضعفهن أعظم. ولذلك نجد الشاعر العربي ~~يقول: # وضعيفة فإذا أصابت فرصة # قتلت كذلك قدرة الضعفاء # لأن الضعيف إن أصاب فرصة استغلها حيث يظن أنه قد لا تتاح له فرصة ثانية ~~لذلك يندفع إلى قتل خصمه. أما القوي فهو يثق في نفسه وقدراته ولذلك ~~يعطي خصمه فرصة ثانية وثالثة، ثم يعاقب خصمه على قدر ما أساء إليه. { ~~وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك.. } [الأنفال: 30]. أي يذكرون الكيد ~~والتبييت لك بالمكر، لكنهم ms3756 لا يعلمون أن من أرسلك يا رسول الله لا تخفى ~~عليه خافية، فقد يقدرون على المكر لمن هم في مثلهم من القدرة، لكنك يا ~~رسول الله محاط بعناية الله تعالى وقدرته وحامل لرسالته فأنت في حفظه ~~ورعايته. إذن فلست وحدك لأنك تأوي إلى الله، ويكشف الله لك كل مكرهم، ~~وهذا المكر والتبييت مكشوف ومفضوح من الله لذلك يقول لك المولى سبحانه ~~وتعالى: { ويمكرون ويمكر الله والله خير ~~الماكرين } [الأنفال: 30]. والمكر منهم له وسائل وغايات، هم يمكرون ~~ليثبتوك، ويمكرون ليقتلوك، ويمكرون ليخرجوك. وكل لقطة من الثلاثة لها ~~سبب. فحين علم كفار قريش أن أهل المدينة من الأوس والخزرج قد بايعوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أن ينصروه هنا فزع كفار قريش وأرادوا أن ~~يضعوا حدا لهذه المسألة، فاجتمعوا في دار الندوة يريدون أن يجدوا حلا ~~يوقف رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليهم أعرابي فوجدهم ~~يتشاورون وقالوا لنثبته، والتثبيت ضد الحركة، وقوله: " ليثبتوك " أي ~~ليقيدوا حركتك في الدعوة لأن هذه الدعوة تزلزلهم. # ولولا الرسالة، لظلوا على الترحيب بك يا رسول الله، فقد كنت في نظرهم ~~الصادق والأمين، ولم يرهقهم إلا التحرك الأخير لإشاعة منهج الله تعالى في ~~الأرض، لذلك أرادوا أن يقيدوا حركته صلى الله عليه وسلم. والتقييد إما أن ~~يكون بأن تمنع المتحرك عن الحركة، وإما أن تقيد المتحرك نفسه فتحدد مجال ~~حركته. إذن فالتثبيت يكون بالقيد أو السجن، وقيل لهم: إن هذا رأي غير ~~صائب لأنكم لو قيدتموه أو سجنتموه فسوف يقوم قومه ويغيرون عليكم، أو ~~يحتالون ليفكوا عنه القيد أو السجن، وقد سبق لكم أن حاصرتموه فلم تفلحوا، ~~وقال آخر: نخرجه من بلادنا، وناقشوا هذا الأمر فلم يجدوه صوابا، وقالوا: ~~إنه إن خرج، فلسوف يؤثر فيمن يخرج إليهم تأثيرا يجعل له منهم أتباعا، ~~يأتون إلينا من بعد ذلك ليقاتلونا، وأشار الأعرابي بقتل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، لكن كبار قريش قالوا: نخاف من قومه أن يأخذوا بثأره، ~~فاقترح أبو جهل قائلا: نأخذ من ms3757 كل قبيلة من قبائلنا فتى جلدا قويا، ~~وبعد ذلك يذهبون إلى محمد وهو في فراشه ويضربونه ضربة رجل واحد، فإذا مات ~~تفرق دمه في القبائل، ولن تستطيع قبيلة محمد أن تواجه القبائل كلها، ~~فيرضون بالدية، وندفعها لهم وننهي هذا الأمر. هكذا ناقش القوم تثبيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتقييد حركته أو إخراجه من بلده أو قتله، وكل ~~هذا بمكر وتبييت. وكشف الله لرسوله كل ذلك وأخرجه من مكة مهاجرا إلى ~~المدينة ليوضح لهم أنه سبحانه خير الماكرين حقا وصدقا. ويقول الحق ~~سبحانه وتعالى بعد ذلك: { وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~قالوا قد سمعنا... }. ### || [8.31] # وقول الحق: " آياتنا " يعني آيات القرآن لأننا عرفنا من قبل أن الآيات ~~إما أن تكون الآيات الكونية التي تلفت إلى وجود المكون الأعلى مثل ~~الليل والنهار والشمس والقمر، وإما أن تكون الآيات بمعنى المعجزات: # وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها.. # [الأعراف: 203]. وهذه الآيات المعجزة علامة على أنه صادق. أو الآيات ~~التي هي قسط من القرآن وهو المنهج. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: { ~~وإذا تتلى عليهم آياتنا.. } [الأنفال: 31]. ونفهم من ~~التلاوة أن المقصود هو آيات القرآن الكريم. فماذا قالوا؟ { قالوا قد ~~سمعنا لو نشآء لقلنا مثل هذا.. } [الأنفال: 31]. ~~وقولهم: " لو نشاء " هذا يدل على أنهم لم يقولوا لأن " لو " حرف امتناع ~~لامتناع، مثلما تقول: لو جئتني لأكرمتك، فامتنع الإكرام مني لامتناع ~~المجيء منك، فهذا يعني امتناع لامتناع، ومثلما يقول قائل: لو عندي مال ~~لاشتريت قصرا، ولأنه لا يملك مالا، فهو لم يشتر القصر - إذن هم لم ~~يشاءوا ولم يقولوا لذلك كان كلامهم مجرد " تهويش " وتهديد لا محل له. فلم ~~يحصل منهم هذا ولا ذاك. إذن ثبت الإعجاز. لقد ثبت لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم طلب منهم أولا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وحين قالوا: إن ~~القرآن كثير ولا يقدرون أن يأتوا بمثله، تحداهم بأن يأتوا بعشر سور، وحين ~~فشلوا، تحداهم بأن يأتوا بسورة، فلم يأتوا، وكان هذا تدريجا في الإعجاز. ~~لقد تحداهم رسول ms3758 الله صلى الله عليه وسلم، ومعنى التحدي حفز المتحدى ~~أن يجند كل ما يقوى عليه ليرد التحدي. فإن لم تتجمع لهم المواهب التي ~~تكفل قبول التحدي انسحبوا لكن واحدا منهم " النضر بن الحارث " ذهب ~~لفارس، ورأى كتابا هناك يضم أساطير وحكايات، وجاء ليقول وسط قريش: هأنذا ~~أقول مثل محمد. لكن كلامه لم يكن له هدف ولا يحمل منهجا ولا توجد لكل ~~كلمة فيه قدرة جذب لمعنى، ولم يوجد في قوله أي معنى جاذب للكلمة، لذلك ~~انصرف عنه القوم. { وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد ~~سمعنا لو نشآء لقلنا مثل هذا إن هذآ إلا ~~أساطير الأولين } [الأنفال: 31]. وهذا قولهم، وسبق أن اعترفوا ~~بأنه قرآن، وسبق لهم أن قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف ~~أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى ~~تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل ~~كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء:90 - 93]. وحين نقرأ هذه الآيات الكريمة ونقوم بتعداد ما طلبوا ~~منه، نجد أنهم طلبوا تفجير الأرض بينبوع ماء، وطلبوا أن تكون له جنة من ~~نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا، وطلبوا أن تسقط السماء كما زعم ~~عليهم كسفا، وطلبوا أن يأتي بالله والملائكة قبيلا، وطلبوا أن يكون له ~~بيت من زخرف، وطلبوا أن يرقى في السماء، وكل هذا كلام طويل أثبته القرآن ~~الكريم، فهل ما قالوه يعد قرآنا؟ لا، ولنلتفت إلى دقة أداء القرآن، فلم ~~يقل كل هذه الطلبات إنسان واحد، بل قال كل منهم طلبا، وبأسلوب مختلف، ~~ولكن بلاغة القرآن الكريم جمعت كل الأساليب فأدتها بتوضيح دقيق وبإعجاز ~~بالغ، ولذلك لنا أن نلتفت أننا ساعة نسمع نقلا لكلام الغير من القرآن، ~~فعلينا ألا نأخذه على أن هذا الكلام الذي قيل هو معان قيلت، وجاء القرآن ~~الكريم بها ms3759 بأسلوب الله. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إذا جئت ~~لابنك وقلت له: يا بني اذهب إلى عمك فلان وقل له: إن أبي يدعوك غدا ~~مساء لتناول العشاء معه لأن عنده ضيوفا ويحرص على أن تشاهدهم ويشاهدوك ~~وتقوي من مكانته. وحين ذهب الولد لعمه، هل قال له نفس الكلام؟ طبعا لا ~~لأن الأب قد يكون متعلما، ولا يستطيع الابن أن يقول ذات الكلمات. أو قد ~~يكون الأب أميا، والابن مثقفا ناضجا فينقل الابن رسالة أكثر بلاغة. ~~إذن فأنت إذا سمعت أو قرأت كلاما من غير الله على لسان أحد، فاعلم أن ~~هذا أداء الله لمطلوبات المتكلم. { وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل ~~هذا إن هذآ إلا أساطير الأولين } [الأنفال: 31]. ~~والأساطير جمع أسطورة، أي الحوادث والأحاديث الخرافية مثل ألف ليلة ~~وليلة، وكليلة ودمنة، والإلياذة وغيرها من كتب الأساطير. ويقول الحق ~~تبارك وتعالى بعد ذلك: { وإذ قالوا اللهم إن كان هذا ~~هو الحق من عندك... }. ### || [8.32] # و " إذ " تأتي للظرف أيضا، ولم يقل سبحانه وتعالى: واذكر أن قالوا، بل ~~قال: " إذ قالوا ". وقد بلغ بهم العجز إلى أن قالوا إن كان هذا القرآن هو ~~الحق القادم من عندك فأمطر علينا حجارة، أو ائتنا بعذاب أليم. أليس هذا ~~الكلام دليلا على غباء قائليه؟ بالله لو كان عندهم عقل ومنطق وتفكير، ~~أكانوا يقولون ذلك؟ ألم يكن من المناسب أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو ~~الحق من عندك فاهدنا إليه، أو فاجعلنا نقبله؟. وما داموا قد قالوا: " ~~اللهم " فالمنادى هو الله. { إن كان هذا هو الحق من ~~عندك.. } [الأنفال: 32]. إذن هم يعلمون أن لله عز وجل عندية، وفيها ~~حق، وهكذا نرى أنهم اعترفوا بوجود الله، وأن عند الإله حقا. فكيف إن ~~جاء إنسان وقال لكم: إنني رسول من عند الله، وهذا هو المنهج، وهو منهج ~~ومعجزة في وقت واحد، ألم يكن من الواجب أن تستشرف آذانكم إلى من يبلغ عن ~~الله هذا الحق وأن تستجيبوا له؟. لكن ما داموا ms3760 قد استمطروا على أنفسهم ~~اللعنة والعذاب، فهذا دليل كراهيتهم لمحمد، ومن أجل هذه الكراهية دعوا ~~الله أن ينزل عليهم العذاب كما فعل بالأمم السابقة - وطلبهم هذا للعذاب ~~يدل على أنهم علموا أن من يكذب الرسل ويرفض المنهج إنما يتلقى العذاب من ~~الله. وهكذا يتبين لنا أن ما ينقصهم لإعلان الإيمان هو عدم قبولهم لرسول ~~الله شخصيا، ويتمثل هذا في قول الحق تبارك وتعالى في آية أخرى: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إذن لو أن القرآن نزل على شخص آخر لآمنوا به. وفي هذا ~~اعتراف بأن القرآن معجزة، ومنهج. وقوله تعالى: { وإذ قالوا ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم } ~~ورد على لسان أبي جهل وهذا يدل على كثرة جهله وشدة تكذيبه وعناده وعتوه ~~هو ومن معه من المشركين المكذبين. فعن أنس بن مالك: قال أبو جهل بن هشام: ~~{ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم } ~~فنزلت: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما ~~كان الله معذبهم وهم يستغفرون }. وهؤلاء المعاندون ~~قالوا أيضا: # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا.. # [الإسراء: 92]. وهذا دليل على التخبط في الكلام، وفقدان الوعي العقلي. { ~~أو ائتنا بعذاب أليم } [الأنفال: 32]. والحق سبحانه وتعالى ~~قادر على أن يصيب بالعذاب قوما بعينهم وقادر على نجاة المؤمنين، وشاء ~~الله سبحانه ألا ينزل العذاب لأن رؤية المتألم حتى ولو كان عدوا، فيه ~~إيلام - لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: { وما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم... }. ### || [8.33] # لأن سنة الله مع خلقه المكذبين للرسل، أنه سبحانه وتعالى قبل أن ينزل ~~العذاب يخرج الرسول والمؤمنين به، مثال ذلك أمره نوحا عليه السلام بأن ~~يصنع السفينة لينجو من الطوفان. وكل رسول لم تستجب أمته أصابها شيء من ~~هذا، وعلى ذلك يخرج الرسول أولا، ثم ينزل الحق عذابه، كما أنه يقول ~~سبحانه وتعالى موضحا فضل اللجوء إلى الله بالاستغفار: ms3761 { وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون } [الأنفال: 33]. وهم إن ~~استغفروا الله فمعنى ذلك أنهم آمنوا به، ولكن الحق جاء بهذا القول ليدلهم ~~على المنقذ الذي يخلص الإنسان منهم من جريمة الكفر، وفي ذلك رحمة منه ~~سبحانه وتعالى، وكأنه يحضهم على أن يستغفروا حتى لا ينزل بهم العذاب. ~~ويرسم لهم وسيلة النجاة. { وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون } [الأنفال: 33]. وتسمى اللام في " ليعذبهم " ب " لام ~~الجحود " ، نجحد أن يعذبهم الله وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذن ~~فوجود الرسول فيما بينهم أمر له تقدير خاص، أما هم فالحق تبارك وتعالى ~~يقول بشأنهم: { وما كان الله معذبهم وهم ~~يستغفرون } [الأنفال: 33]. وهكذا نرى الحقائق الإيمانية، فالنفس ~~المؤمنة الصافية حين يكون لها عدو، ثم تحل بالعدو مصيبة، لا تأتي أبدا ~~كلمة الشماتة على بال المؤمن، هذا هو الخلق الإيماني الذي قد يؤلمه مظهر ~~الضعف والمهانة للعدو، فيضن الله على أن يعذب قوما وفيهم من يستغفر، ~~وكأنه يوضح لنا: هب مسيئنا لمحسننا، أي أن يداري المحسن على المسيء. ~~ولذلك نجد أن الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية صد عن البيت ~~الحرام، وهذا الصد تسبب في أنهم يعقدون معه معاهدة هي صلح الحديبية، وكان ~~هناك من المؤمنين من يعارض هذه المعاهدة، ومنهم من قال: فعلام نعطي ~~الدنية في ديننا؟. والقائل لذلك هو عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه -، # " وفي التفاوض، جاء علي بن أبي طالب ليكتب المعاهدة وفي بدئها " هذا ما ~~صالح عليه رسول الله " فاعترض المفاوض عن معسكر الشرك قائلا: لو كنا ~~مؤمنين بأنك رسول الله لما حاربناك، بل اكتب: " هذا ما تعاهد عليه محمد ~~بن عبد الله " ، فامتنع علي عن الكتابة، وقال: لا أكتبها إلا رسول الله. ~~فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكتبها كما يقولون لينهي الموقف، ~~وليعطي معجزة، فينظر لعلي وهو مغتبط به، فيقول له: " اكتب فإن لك مثلها ~~تعطيها وأنت مضطهد " # ويتحقق ذلك بعد حياة النبي، وخلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، ~~ثم تجيء الخلافة لعلي ms3762 وحدث فيها ما حدث. ويتحقق قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " اكتب فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد ". # أي سيقفون منك موقفا مثل هذا وسوف تقبله، ولما جاء الخلاف بين معاوية ~~وجنوده، وبين علي وجنوده، أرادوا أن يوقعوا معاهدة فيما بينهم ليمنعوا ~~النزاع بين المسلمين، فقال علي - كرم الله وجهه -: هذا ما تعاهد وتعاقد ~~عليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال المفاوض عن معاوية: لو كنت ~~أميرا للمؤمنين أكنا نحاربك؟، فتذكر علي كرم الله وجهه ما قاله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم صلح الحديبية: " أكتب فإن لك ~~مثلها..... إلخ ". ومعنى ذلك أن السياسة تقتضي ألا تتجمد كمن يكون في ~~قالب حديدي، بل تفترض السياسة فيمن يعمل بها شيئا من الليونة، وبعد ~~النظر لتنتهي المواقف الصعبة لأن كل طرف لو أصر على موقفه لما وقعت ~~المعاهدة، وكانت معاهدة صلح الحديبية مطلوبة ومناسبة ليتفرغ المسلمون - ~~بعد الأمن من قريش - للدعوة إلى منهج الله في الأرض، وهذا ما حدث خلال ~~السنوات العشر التي تلت هذه المعاهدة، وانتشر الإسلام في ربوع الجزيرة ~~العربية، ومن بعدها إلى آفاق الأرض كلها. إذن فولي الأمر عليه أن يملك ~~البصيرة التي لا تجعله جامدا، لأنه لو تجمد لأنهى الخير الموجود فيه وفي ~~قومه، وهكذا أراد رسول الله أن يعلمنا عدم الجمود بصلح الحديبية على ~~الرغم من أن بعض المسلمين ومنهم عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - قالوا: ~~لا، علام نعطي الدنية في ديننا؟ وبعضهم قالوا متسائلين، بل وعاتبين: ألم ~~تعدنا يا رسول الله أننا سندخل البيت الحرام؟ قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أقلت لكم هذا العام؟. ولم ينتبه المسلمون حين سمعوا ذلك إلى ~~أهمية أن تنضج القرارات السياسية لتأخذ طريقها إلى التنفيذ. وكادت ~~الفرقة أن تحدث بين المسلمين، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~زوجه أم سلمة مكروبا. وقال لها: يا أم سلمة هلك المسلمون. أمرتهم فلم ~~يمتثلوا. ونرى موقف أم سلمة رضي الله عنها وهي الزوجة الأمينة المشيرة ~~الناصحة، ms3763 لقد قالت: يا رسول الله إنهم مكروبون، لقد جاءوا وفي نيتهم أن ~~يذهبوا إلى البيت الحرام بعد طول فرقة واشتياق، ثم حرموا من ذلك وهم ~~بمرأى من البيت، ولكن قم يا رسول الله فاعمد إلى ما أمرك الله به، ولا ~~تقل لهم شيئا، بل اذبح هديك، وهم إذا رأوك فعلت فعلوا. وبالفعل خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وذبح الهدي، وفعل المسلمون مثله. ونجد ~~سيدنا أبا بكر - رضي الله عنه - يقول عن الحديبية: هي الفتح في الإسلام. ~~وما كان فتح أعظم من فتح الحديبية، ولكن الناس لم تتسع ظنونهم إلى السر ~~من الله. # والعباد دائما يعجلون، والله لا يعجل بعجلة عباده حتى تبلغ الأمور ما ~~يراد لها. وقد كان المخالفون لرسول الله صلى الله عليه وسلم غيورين على ~~دينهم، على قدر علمهم لا علم الله. وشاء الحق تبارك وتعالى أن يبين لهم ~~السبب في أنه لم يجعل من الحديبية أرض قتال أو التحام فقال: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال ~~مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ~~ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما # [الفتح: 25]. نعم فقد كان هناك مؤمنون ومؤمنات يختفون بين الكفار، فلم ~~يكن في مكة قبل الفتح - حي للمسلمين الذين يخفون إيمانهم، وحي للكفار، ~~بل كان الناس يسكنون معا، فإذا ما قامت الحرب بين أهل مكة وبين الجيش ~~القادم إلى الحديبية، لقتل المسلم أخاه المسلم الذي لم يعلن إسلامه، ولو ~~أمكن التفريق بين المسلمين الذين لم يعلنوا إسلامهم وبين الكفار، لعذب ~~الله الكفار بأيدي المؤمنين عذابا أليما. وهنا في هذه الآية الكريمة ~~التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق تبارك وتعالى: { وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون } [الأنفال: 33]. ويعني ~~بذلك أن بعضهم هو الذي يستغفر فيمنع الله عز وجل العذاب عن الكل، مثلما ~~منع تعذيب الكافرين بصلح الحديبية لأن هناك مؤمنين مستخفين فيما بينهم. ~~ويقول الحق ms3764 تبارك وتعالى بعد ذلك: { وما لهم ألا يعذبهم ~~الله وهم يصدون... }. ### || [8.34] # وهنا نتساءل: أي شيء يمنعهم من أن يعذبهم الله؟. إن تعذيبهم هو عدالة ~~لأنهم فعلوا ما يستحقون عليه التعذيب. لقد صدوا الرسول والمسلمين عن ~~زيارة المسجد الحرام لأنهم ظنوا أن لهم الولاية عليه، رغم أن منهم من سمع ~~خبر أبرهة الأشرم حين جاء بالأفيال ليهدم الكعبة. واستولى أبرهة الأشرم ~~على مائة من الإبل كانت لسيد قريش عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فذهب إليه عبد المطلب وقال له: إنك قد أصبت لي مائة بعير فأرجو أن ~~تردها إلي. فقال أبرهة الأشرم: جئت لأهدم بيتكم، وبيت آبائكم، ثم لا ~~تكلمني فيه وتكلمني في مائة من الإبل أصبتها منك؟ فقال عبد المطلب: أنا ~~رب هذه الإبل، أما البيت فله رب يحميه. وهذه كلمة لا يقولها إلا واثق من ~~أن للبيت الحرام ربا يحميه. وجاءت طير أبابيل ترمي بحجارة من جهنم ~~فجعلته هو وجيشه كعصف مأكول. إذن فكيف تصد قريش محمدا والمؤمنين معه عن ~~البيت الحرام، وهم بإقرار سيدهم قديما يعلمون أن للبيت ربا يحميه، ~~فكيف تكون لكم على البيت ولاية؟ وكان عليهم أن يعلموا أن ولاية أمر بيت ~~الله باختيار الله ولا تكون إلا للمتقين، ولم تكن قريش من المتقين. ~~وحيثيات التعذيب إذن هي صدهم عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه. ~~لماذا؟ { إن أوليآؤه إلا المتقون ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } [الأنفال: 34]. وإذا كان أكثرهم لا يعلم، ~~فأقلهم يعلم علم اليقين حقيقة البيت الحرام، فقداسة هذا البيت التي ~~تعلمها الأقلية ونسيتها الأكثرية من كفار قريش هو قول الحق تبارك وتعالى ~~على لسان سيدنا إبراهيم: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من ~~الثمرات.. # [إبراهيم: 37]. لقد جعلهم الله عز وجل في هذا المكان ليقيموا الصلاة ~~لأنه سبحانه وتعالى يحب أن يعبد في الأرض ولو بواحد في هذا المكان، ولتظل ~~عبادته دائمة. ومهما علت فئة من ms3765 البشر مثل قريش فهي بصدها عن البيت ~~الحرام قد اتبعت أهواءها، وسبحانه يحقق ما يريد، فهزم قريشا ونصر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وعادت للكعبة حرمتها وصارت مكانا للعبادة لله ~~بصفة مستمرة. وإننا نجد تشريعات الحق سبحانه في أوقات الصلاة، فالصبح عند ~~قوم هو ظهر عند قوم آخرين، والظهر عند قوم هو صبح عند قوم آخرين، والعصر ~~عند قوم هو صبح أو ظهر أو مغرب أو عشاء عند أقوام آخرين، وهكذا نجد كل ~~أجزاء النهار مشغولة بأوقات الاتجاه إلى الله، وهناك في كل لحظة من يتجه ~~إلى بيت الله الحرام بصلاة ما في ميقاتها، ولا تخلو بقعة في الأرض من ~~قول: " الله أكبر " ، وقد تم بناء البيت الحرام من أجل هذه الصلاة. لكن ~~قريشا حولت الصلاة من خضوع وخشوع وعبادة لله تعالى واستحضار لعظمته ~~وجلاله إلى ما يقول عنه الحق سبحانه وتعالى: { وما كان صلاتهم ~~عند البيت إلا مكآء وتصدية... }. ### || [8.35] # حيث كانت صلاتهم مظهرا من مظاهر اللهو واللعب يؤدونها بالمكاء والتصدية، ~~والمكاء هو الصفير الذي يصفرونه، والتصدية هي التصفيق، وكانت صلواتهم هي ~~صفير يسبب صدى للآذان، بالإضافة إلى التصفيق بإيقاع معين، فكيف تكون ~~الصلاة هكذا؟. وكيف يصدون عن البيت الحرام ولا ولاية لهم عليه لأن الذي ~~يلي أمر البيت الحرام لا بد أن يكون متقيا لله، لكن هؤلاء لم يكونوا ~~أهلا للتقوى لأنهم لم يقوموا بالصلاة المطلوبة للبيت الحرام والتي يجب ~~أن يذكر فيها الله ويعبد لذلك كان التعذيب لمن أصر على ذلك بعد أن نزل ~~منهج الله الخاتم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق ~~تبارك وتعالى بعد ذلك: { إن الذين كفروا ينفقون ~~أموالهم ليصدوا عن سبيل الله... }. ### || [8.36] # ويبين المولى في هذه الآية أن هؤلاء المشركين قد كفروا بالله وصرفوا ~~المال ليصدوا عن سبيل الله فلم يتحقق لهم ما أرادوا ولم يأت ذلك الأمر ~~بأدنى نتيجة، وكأن الحق يغري الكافر بأن يتمادى في الإنفاق ضد الإيمان، ~~فيخسر الكافر ماله ويتجرع آلام الحسرة لأن ms3766 الله يغلبه من بعد ذلك. وحين ~~سمعوا قول الله سبحانه وتعالى: { فسينفقونها ثم تكون ~~عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى ~~جهنم يحشرون } [الأنفال: 36]. لم ينتبهوا إلى أن الحق سبحانه ~~يتحدث عن المستقبل، وأنه مهما أنفق الكفار ضد دين الله فلن يصلوا إلى أية ~~نتيجة، ومصداق الأحداث يؤكد أن كل ما يجيء به القرآن الكريم حق. ولماذا ~~لم ينتبهوا إلى ذلك؟ ولم يدخروا أموالهم وقد نصر الله دينه؟. إذن هذا هو ~~فعل من فقد البصيرة والذكاء. وحين يأتي القرآن الكريم بقول الله تعالى: " ~~فسينفقونها " أي أن الإنفاق سيكون في المستقبل، والاستقبال له مرحلتان ~~استقبال قريب، واستقبال بعيد. فإن كان الاستقبال قريبا فهو يقول: " ~~فسينفقونها " ، وأما إن كان بعيدا فيقول: فسوف ينفقونها مثلما قال ~~القرآن أيضا: # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها.. # [البقرة: 142]. وقد أعلمنا القرآن صلاة من رسول الله، وجهرا من الصحابة ~~بالخبر، وأعلمهم القرآن الكريم أيضا، ولكنهم لم يلتفتوا إلى التحذير ~~الذي صار من بعد ذلك خبرا يروي دليل افتقادهم لصفاء الفطرة لذلك تجيء ~~لهم الحسرة بعد أن أنفقوا المال، وخسروه فلم يستفيدوا شيئا ولم يحققوا ~~مرادهم ولا آمالهم. ويتابع سبحانه وتعالى تذييل هذه الآية فيقول: { ~~والذين كفروا إلى جهنم يحشرون } [الأنفال: 36]. ~~وحينما يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن الأمور التي تحدث للكفار من عذاب ~~عظيم في جهنم، فسبحانه لا يريد بهذا الحديث أن يجعل مأواهم النار، لكنه ~~يخوفهم ويرهبهم من الكفر ويدعوهم إلى الإيمان، ويحضهم على ألا يكونوا ~~كافرين حتى لا يحشروا في جهنم. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { ~~ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث ~~بعضه على بعض... }. ### || [8.37] # وهذه الآية الكريمة تكشف لنا أن المعارك التي تنشأ بين الإسلام وأتباعه ~~من جهة، وبين خصوم الإسلام وأتباعهم من جهة أخرى: هذه المعارك إنما هي ~~أمر مراد من الله تعالى: لأن الزلزلة التي تحدث، حتى لمن آمن، إنما هي ~~تصفية لعنصر الإيمان، ومثال ذلك ما حدث في الإسراء، حيث وجدنا من كان ~~إيمانه ms3767 ضعيفا يتساءل: أمعقول أن يذهب محمد إلى بيت المقدس في ليلة؟! ~~بينما نجد ثابت الإيمان مثل الصديق أبي بكر يقول: إن كان قد قال فقد صدق. ~~إن الثابت والقوي إيمانه يصدق، أما من لم يثبت إيمانه فهو يكذب. وهكذا ~~كانت أحداث الإسلام، فقد جاءت كلها لتميز الخبيث من الطيب، وتجمع الخبث ~~بعضه إلى بعض ليصير ركاما ثم يضعهم الله في النار. لقد جاءت أحداث ~~الإسلام للتمحيص، مثلما تضع الحديد في النار لتستخرج منه الخبث ويصير ~~صافيا، وهكذا جاء الإسلام لتصفو به قلوب المؤمنين، ويقوي إيمانهم لأنهم ~~يحملون رسالة الله تعالى إلى الأرض كلها، بعد أن مروا بالتصفيات الكثيرة. ~~ومثل هذه التصفيات تحدث في المجال الرياضي، فحملة الأثقال - على سبيل ~~المثال - يدخلون في مباريات أولية، ومن يستطيع حمل الوزن الأثقل هو الذي ~~يكون مؤهلا لأن يدخل المباريات الدولية، ليبقى الأقوى. { ليميز ~~الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه ~~على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم ~~أولئك هم الخاسرون } [الأنفال: 37]. والحق سبحانه وتعالى ~~أعطانا أمثالا لأحداث تميز الخبيث من الطيب، فالناس في الأحوال العادية ~~الرتيبة لا تظهر معادن نفوسهم لأن الناس إذا كانوا آمنين لا يواجهون ~~خطرا، ادعوا الشجاعة والكرم والشهامة، وادعوا الإيمان القوي المستعد ~~لأي تضحية في سبيل الله، فإذا جاءت الأحداث فهي الاختبار الحقيقي لما في ~~القلوب. فقد يقول إنسان لصديقه: أنا ومالي لك. وإذا ما أصابت هذا الصديق ~~كارثة، يتهرب منه. فما الذي يحدد - إذن - صدق الحديث عن النفس؟ إنها ~~الأحداث. وهكذا أراد الله تعالى أن يميز الخبيث من الطيب فعركت المؤمنين ~~الحوادث، وزال الطلاء عن ذوي العقيدة الهشة ليكون الناس شهداء على ~~أنفسهم، ويبقى المؤمنون أصحاب صفاء القلب والعقيدة. وحين يميز الله ~~الخبيث من الطيب، فهو سبحانه وتعالى: يريد تمييز الطيب حتى لا يختلط ~~بالخبيث. والخبيث إنما يكون على ألوان مختلفة وأنواع متعددة، فهذا خبيث ~~في ناحية، وذلك خبيث في ناحية أخرى، وثالث خبيث في ناحية ثالثة، وغيرهم ~~في ناحية رابعة، وخامسة إلى ما شاء الله، ويجمع الله ms3768 كل الخبث فيركمه في ~~النار جميعا. ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف... }. ### || [8.38] # و " قل " أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، وما دام قد وجد ~~أمر، فلا بد من وجود المبلغ للأمر، أي أن هناك مخاطبا ومخاطبا، ~~والمخاطب هنا هو الله سبحانه، والمخاطب هو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأن الله تعالى قال له: " قل " ، والبلاغ المطلوب منه إبلاغه للناس ~~هو ما يتضمنه قول المولى سبحانه: { قل للذين كفروا إن ~~ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف.. } [الأنفال: 38]. أي إن ~~انتهوا عن الكفر غفرت لهم ذنوبهم التي ارتكبوها أيام كفرهم، ونلاحظ هنا ~~اختلافا في أسلوب الكلام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يخاطب ~~الكافرين كان الذي يفرضه السياق أن يقول لهم: إن تنتهوا يغفر لكم لأن ~~الخطاب لا بد أن ينسجم مع المخاطب، وعادة عندما توجه الخطاب لشخص تكون ~~هناك " لام التوجيه " ، تقول: وجهت الخطاب لفلان، وتخاطبه بشكل مباشر، ~~ولكن الله يقول هنا لرسوله صلى الله عليه وسلم: { قل للذين ~~كفروا إن ينتهوا يغفر لهم.. } [الأنفال: 38]. وكان سياق ~~الكلام يقتضي القول: إن تنتهوا يغفر لكم، ولكن الله سبحانه وتعالى عدل عن ~~إن تنتهوا إلى " إن ينتهوا " ، والكلام مخاطب به الكفار، والكفار حاضرون ~~فكيف يخاطبهم بصيغة الغائب؟ لقد أراد الله تعالى أن يأتي الخطاب ليعم كل ~~متكلم يقال له هذا الكلام من أي مؤمن، فكأنه قد عمم الخطاب ليقطع ~~المعاذير. ومثل ذلك مثل قول الحق تبارك وتعالى: # وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ~~ما سبقونآ إليه.. # [الأحقاف: 11]. وإذا أخذنا ذات المقياس لكان الكلام يقتضي أن يقال: لو ~~كان خيرا ما سبقتمونا إليه، ولأن هذه العبارة قيلت من أكثر من كافر في ~~أماكن متعددة للمؤمنين، وأراد الله سبحانه وتعالى: أن يلفتنا لذلك، فعمم ~~الخطاب حتى يشمل جميع الحالات ولا ينطبق على حالة واحدة فقط، بل ينطبق ~~على كل حالة مماثلة لذلك قال سبحانه: { إن ms3769 ينتهوا يغفر لهم ~~ما قد سلف.. } [الأنفال: 38]. وهذا يدلنا على أنهم إن انتهوا عن ~~مقاومة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنادهم معه فهو سبحانه وتعالى يغفر ~~لهم، لأن العناد والمقاومة ناشئان عن الكفر، فإن انتهوا عنهما، صاروا ~~مؤمنين. والإسلام يجب ما قبله. ولذلك عندما أعلن محارب عن إيمانه ~~واعتنق الإسلام وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم دخل ~~المعركة فاستشهد صار شهيدا لأنه قد غفر له بشهادة الإسلام كل ذنوبه ~~التي حدثت منه أثناء الكفر، وهي الذنوب التي تتعلق بحقوق الله تعالى، أما ~~ما يتعلق بحقوق الناس، فعلى ورثته أن يؤدوها عنه. # ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { وإن يعودوا فقد مضت سنة ~~الأولين } [الأنفال: 38]. وقوله هنا: { وإن يعودوا } أراد به ~~الله أن يعلمنا أن تجري هذه الكلمة على اللسان، فإن عادوا مرة أخرى إلى ~~الكفر والعناد، يطردوا من رحمة الله ومغفرته، إذن فشرط الغفران لهم أن ~~يستمروا في إيمانهم وألا يعودوا للكفر مرة أخرى، وقوله تعالى: { فقد ~~مضت سنة الأولين }. والسنة هي الطريقة أو الكيفية أو الحالة ~~التي يكونون عليها ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # ولن تجد لسنة الله تبديلا # [الأحزاب: 62]. أي الطريقة التي اختارها الله لمعالجة الأمور بالحق ~~والعدل، ومعنى قوله تعالى: { مضت سنة الأولين }. أي الطريقة ~~التي عرفتموها وعالج بها الله عز وجل أمر من عاند الرسل ووقف منهم موقف ~~المنازعة والمعارضة. ومثل ذلك حدث للكفار في بدر، فكأن من يقف أمام دعوة ~~الله ومنهجه لا بد أن يتعرض للهلاك كما حدث مع كل من قاوم الأنبياء، ~~فأنتم تعرفون ما صنعه الله بقوم هود وقوم عاد وقوم ثمود وقوم فرعون. ومر ~~كل ذلك عليكم، كسنة عامة تشمل كل من قاوم الأنبياء ووقف في طريق دعوتهم ~~إلى الله. والخطاب هنا إما أن يكون خطابا لهم على حالهم في وطنهم وما ~~حدث للمخالفين في بدر وقد رأوا مصارعهم، وإما أن يكون الخطاب مبينا ~~لسنة الله تعالى وقد شاءت سنته سبحانه إبادة كل مخالف لسنته. ثم ms3770 يقول ~~الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين كله لله... }. ### || [8.39] # وهذا أمر من الله عز وجل بالقتال، والقتال مفاعلة تحدث بين اثنين أو ~~أكثر، أي اشتباك بين مقاتل ومقاتل. ولذلك عندما تسمع كلمة " قتال " ~~يتبادر إلى ذهنك وجود طرفين اثنين وليس طرفا واحدا، أو بين فريق وفريق ~~آخر. وعندما يقول الحق سبحانه وتعالى: { وقاتلوهم } نفهم أن هذا ~~أمر للمؤمنين ليقاتلوا الكفار، ولا بد أن يكون الكفار قد فعلوا شيئا ~~يستحق أن يقاتلوا عليه، أو أنهم يبيتون للمؤمنين القتال وعلى المؤمنين ~~أن يواجهوهم ويقاتلوهم. ولم يقل الله سبحانه وتعالى: اقتلوهم بل قال: " ~~قاتلوهم " أي مواجهة فيها مفاعلة القتال. والتفاعل معناه أن الحدث لا ~~يأتي من طرف واحد بل لا بد من مقابل معه. فأنت تقول: " قابلت " أي أنك ~~قابلت شخصا، وهو قابلك أيضا، وهذه مفاعلة. أو تقول: " شاركت " أي أنك ~~اشتركت أنت وآخر في عمل ما. وهنا قال الحق سبحانه وتعالى: { ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة.. } [الأنفال: 39]. ومعنى ~~ذلك أن هناك قتالا يؤدي للقتال. وجاء القتال ليحسم الأمر لأن ترك هؤلاء ~~الكفار يعتدون على المسلمين، ويأخذون أموالهم بالباطل، فيرى الناس ~~المؤمنين أذلة مستضعفين، والكفار عالين أقوياء فتحدث فتنة في الدين، أي ~~يفتن الناس في دينهم وهم يرون الذل دون أي محاولة أو تحرك لدفعه. ويريد ~~الله سبحانه وتعالى أن تنتهي الفتنة. والفتنة هي الاختبار. وكما قلنا: إن ~~الاختبار ليس مذموما لذاته، ولكنه يذم بنتيجته. فإن رسب الطالب في ~~الاختبار تكون نتيجة الاختبار مذمومة. وإن نجح تكون محمودة. ولقد كان ~~كفار قريش يفتنون الناس في دينهم بتعذيبهم تعذيبا شديدا حتى تخور قواهم ~~ويخضعوا لأحكامهم. وأراد الله سبحانه وتعالى أن يضع نهاية لهذا الظلم. ~~فأذن بقتالهم لأنهم هم الذين فعلوا ما يستوجب قتالهم. ونجد قوله سبحانه ~~وتعالى: { ويكون الدين كله لله.. } [الأنفال: 39]. بينما نجد ~~أنه قد ذكر في سورة البقرة بدون " كله " ، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى ~~فيها: # ويكون الدين لله # [البقرة: 193]. دون أن تذكر كلمة " كله ms3771 " ولكل آية لقطة ومعنى لأن كل ~~لفظ في القرآن له معنى، فقوله تعالى: { ويكون الدين كله لله ~~}. يعني أنه لا يجب أن يجتمع دينان في جزيرة العرب وقد حدث. وأما قوله ~~تعالى: { الدين لله }. فقد أعطتنا لقطة أخرى، فالأولى تخص العرب ~~والجزيرة العربية، والثانية تعني أن الإسلام للعالم كله، ويقول الحق ~~سبحانه وتعالى في الآية التي نحن بصددها: { فإن انتهوا فإن ~~الله بما يعملون بصير } [الأنفال: 39]. وقوله تعالى: { ~~فإن انتهوا } أي استجابوا وأطاعوا، وقوله تعالى: { فإن ~~الله بما يعملون بصير } أي فليحذروا أن يتم هذا خداعا لأن ~~الله بصير بهم، ومطلع عليهم، وما داموا قد انتقلوا من حظيرة الكفر إلى ~~حظيرة الإيمان فالله يمحو سيئاتهم ويبدلها حسنات لأن قوما عاشوا على ~~الكفر وألفوا خصاله ثم تركوا ذلك إلى الإيمان فهذا أمر صعب يحتاج إلى ~~جهاد شديد مع النفس، فيثيبهم الله تعالى بقدر مجاهدتهم لأنفسهم، ويثيبهم ~~المولى سبحانه وتعالى بسخاء. # وهناك معنى ثان في قوله تعالى: { فإن الله بما يعملون ~~بصير } [الأنفال: 39]. أي: فيا من وقفتم موقف العداء من الإيمان، ~~وتعرضتم للكافرين التعرض الذي أعاد لهم التهذيب وحسن التعامل مع ~~المؤمنين، اعلموا أنه سبحانه وتعالى بصير بما عملتم ليكون الدين كله لله. ~~وهكذا نرى أن كلا من المعنيين يكمل الآخر. ويقول الحق بعد ذلك: { وإن ~~تولوا فاعلموا أن الله مولاكم... }. ### || [8.40] # والله سبحانه وتعالى يرغب الناس حتى يؤمنوا، ولكنه في ذات الوقت يبين ~~لهم أن كثرة عدد المؤمنين ليست هي التي تعلي راية الإسلام وتصنع النصر ~~للإيمان، فيقول سبحانه: { وإن تولوا }. وهنا شبهة في أن الله ~~تعالى يحنن هؤلاء على أن يؤمنوا، وأن يسلموا، وأن يعودوا إلى حظيرة الحق، ~~وربما ظن ظان أن الإسلام يريد أن يقوى بهم، ولذلك قال الحق: { وإن ~~تولوا } أي إياكم أن يفت ذلك في عضدكم، أو أن يقلل هذا الأمر من ~~همتكم وشجاعتكم لأنكم إنما تنتصرون بمدد من الله العلي القدير، فهم إن لم ~~يؤمنوا، فاعلموا أن الإسلام لا ينتصر بهم، وانتشاره ليس بكثرة المسلمين ~~أو ms3772 قلتهم لأن النصر من عند الله، وسبحانه ليس محتاجا لخلقه، وكثرة جنود ~~الإسلام لا تصنع النصر لأن نصر الله للمسلمين إن اتبعوا منهجه يتحقق سواء ~~قلوا أم كثروا. ولذلك يلفت نظرهم وينبههم إلى أنه إن تولى هؤلاء ولم ~~يؤمنوا، فإياكم أن يؤثر ذلك على شجاعتكم لأنكم لا تنتصرون بمدد من هؤلاء ~~الذين رفضوا الإيمان، ولكن بمدد من الله سبحانه وتعالى، فالله هو مولاكم. ~~وإذا كان الله مولى لكم أي ناصرا ومؤيدا فهو سبحانه وتعالى: { نعم ~~المولى ونعم النصير } [الأنفال: 40]. لماذا؟. لأن المولى ~~إذا كان غير الله فهو من الأغيار، قد يكون اليوم قويا قادرا على أن ~~يأخذ بيدنا وينصرنا، ولكنه قد يموت غدا لذلك فهو لا يصلح مولى. وقد يسقط ~~عنه سلطانه وقوته ويصبح ضعيفا محتاجا لمن ينصره فلا ينفع وليا ولا ~~معينا لأحد. والمولى الحق الذي يجب أن نتمسك به هو الذي لا تصيبه ~~الأغيار لأنه دائم الوجود لا ينتهي بالموت وهو دائم القوة والقدرة لا ~~يضعف أبدا، هذا هو المولى الذي تضع فيه ثقتك وتتوكل عليه. ولذلك نجد ~~الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا أننا يجب ألا نضع ثقتنا وأملنا إلا فيه ~~وتوكلنا إلا عليه سبحانه وتعالى فيقول: # وتوكل على الحي الذي لا يموت.. # [الفرقان: 58]. أي إذا أردت فعلا أن تتوكل، فتوكل على من هو موجود ~~دائما قوي دائما، فتوكل على الله. وقوله تعالى: { نعم المولى } ~~يؤكد أن الله قوي قادر دائم الوجود، وقوله تعالى: { ونعم النصير ~~}. يؤكد أنه سبحانه وتعالى محيط بكل ما يدبره لك أعداؤك، فلا يغيب عنه ~~شيء. أنت تحاربهم بما تعرفه من الحيل وفنون القتال وهم يفعلون ذلك. ولكن ~~الله سبحانه وتعالى يعلم حيلهم فيبطلها، ويحقق لكم النصر بأن يلهمكم من ~~الحيل ما لا يستطيعون مواجهته. يعطيكم مددا من السماء وهذا المدد هو ~~الذي يحقق لكم النصر. ويتحدث الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك عن الغنائم ~~فيقول: { واعلموا أنما غنمتم من شيء... }. ### || [8.41] # ما سبب ذكر الغنيمة هنا؟. وما المناسبة؟. ونقول: إن الله سبحانه وتعالى ~~يتحدث ms3773 عن القتال. ونهاية كل معركة ينتصر فيها المسلمون يكون فيها غنائم. ~~وهذه مناسبة الحديث عن الغنائم، وبما أن الله سبحانه وتعالى يتحدث عن ~~مدده للمؤمنين. وأنه ناصرهم، وأنه نعم النصير، ولكن الغنائم لا تجيء إلا ~~نتيجة للنصر، فكأن الله يريد من المؤمنين أن يتأكدوا أن النصر سيكون من ~~نصيبهم بدليل أن الحديث انتقل إلى الغنائم. والغنيمة هي كل منقول يأخذه ~~المسلم المقاتل من الكافر، والثابت أن الغنائم لم تكن تحل لأحد من ~~الأنبياء قبل رسول الله صلى عليه وسلم. ويقول الحق: { واعلموا ~~أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } [الأنفال: ~~41]. إذن فلله الخمس وتبقى أربعة أخماس توزع على المقاتلين. والخمس ~~الذي هو لله كيف نقسمه؟ لقد ذكر القرآن أسلوب توزيع هذا الخمس بطريقة ~~اختلف فيها العلماء فالآية تقول: { فأن لله خمسه ~~وللرسول.. } [الأنفال: 41]. ثم تزيد: { ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل.. } [الأنفال: 41]. ~~وقد قال بعض العلماء تمسكا بظاهر الآية الكريمة: إن خمس الغنائم يوزع ~~على من سماهم الله تعالى في كتابه العزيز وهم ستة: الله، الرسول، ذو ~~القربى، اليتامى، المساكين، ابن السبيل فتكون الأسهم ستة، وجمهور العلماء ~~على أن خمس الغنائم يقسم خمسة أسهم فيكون لله وللرسول سهم واحد لأنه لا ~~يوجد فصل بين الله ورسوله، والأسهم الأربعة الباقية من هذا الخمس توزع ~~على الأنواع الأربعة ذي القربى - اليتامى - المساكين - ابن السبيل لكل ~~نوع منهم سهم. واختلفوا أيضا في معنى { ولذي القربى } هل هم ~~القربى من رسول الله صلى الله عليه وسلم أم ممن؟ ثم بعد ذلك جاء نصيب ~~اليتامى والمساكين وابن السبيل فلم يحدث خلاف فيه - والخلاصة: أن الغنائم ~~كلها تقسم خمسة أقسام خمسها لهؤلاء الخمسة وأربعة أخماسها الباقية للجيش ~~المقاتل لأن الله تعالى بين حكم الخمس وسكت عن الباقي فدل ذلك على أنه ~~للغانمين ثم يقول الحق: { إن كنتم آمنتم بالله.. } [الأنفال: ~~41]. وهم بطبيعة الحال مؤمنون بالله، وكأن هذا القول جاء ليراجعوا ~~إيمانهم إذا اعترضوا على هذا التقسيم. فإن طمع أحد منهم في الخمس الذي هو ~~لله ورسوله ms3774 ولم يقنع بأربعة الأخماس المقسمة - كما قال الله تعالى - يكون ~~قد خدش إيمانه بمن أصدر هذا الأمر، وسبحانه هو الذي أنزل هذا التقسيم. ~~فمن زاغ وتطلعت عينه إلى شيء فليرد هذا الزيغ لأن الذي قسم هو الله الذي ~~نصر المقاتلين. وإذا كان النصر هو الذي جاء بالغنائم، فالذي أعطى النصر ~~هو الله سبحانه وتعالى، والنصر سبب من الله، وما يوهب للإنسان من الحق، ~~على العبد أن يقبل فيه قسمة الله. # ومثال ذلك ما أراده الله للإنسان المسلم من حسن التصرف في ماله، فهو في ~~حياته حر ويملك حق التصرف في هذا المال، واحتراما لمشاعرك الاجتماعية ~~والإنسانية والعاطفية في البيئة التي تحيا فيها، جعل الله لك الحق في ~~الوصية بأن تخصص ثلث مالك لما تريد ومن تريد، فقد ترى أن هناك إنسانا من ~~غير أقربائك وهو بطبيعة الحال لن يرثك، ولكنه خدمك في حياتك أو في مرضك ~~أو في شيخوختك، وأنت تريد أن تترك شيئا من ثروتك له، اعترافا بجميله، ~~أو لعل هناك أناسا من معارفك تعرف أنهم أحوج من أبنائك، فتخصص لهم بعضا ~~من المال، شرط ألا يتعدى الثلث، فيشاء الحق سبحانه وتعالى أن يضع للعواطف ~~الإيمانية الإنسانية في الناس مجالا، فتترك لك الحرية في أن تتصرف في ~~ثلث التركة ثم قسم الله سبحانه الثلثين على الورثة. إذن فقول الحق تبارك ~~وتعالى: { إن كنتم آمنتم بالله.. } [الأنفال: 41]. أي أنه ~~سبحانه قد جعل من الإيمان أن يتم توزيع الغنائم بالشكل الذي حدده الله عز ~~وجل، ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { ومآ أنزلنا على عبدنا ~~يوم الفرقان يوم التقى الجمعان } [الأنفال: 41]. ~~والفرقان هو الشيء الذي يفرق بين الحق والباطل فرقا واضحا بشدة بحيث ~~يكون ظاهرا للجميع. وقد أطلق الله الفرقان على القرآن الكريم في سورة آل ~~عمران فيقول تبارك وتعالى: # وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس ~~وأنزل الفرقان # [آل عمران: 3-4]. فحينما أنزل الله تعالى التوراة والإنجيل جاءت التوراة ~~لتفرق بين الحق والباطل، وأيضا جاء الإنجيل ليفرق بين الحق والباطل، ~~وشاء ms3775 الله سبحانه وتعالى ألا تطلق كلمة " الفرقان " إلا على القرآن ~~الكريم لأن القرآن هو الفارق النهائي الذي لن يأتي فارق من بعده، فلن ~~ينزل كتاب سماوي آخر. { ومآ أنزلنا على عبدنا يوم ~~الفرقان.. } [الأنفال: 41]. الله سبحانه وتعالى يقصد هنا بيوم ~~الفرقان يوم بدر الذي كان فرقا بين حق وباطل فرقا لافتا للأنظار، وقد ~~أخذت كلمة الفرقان المعنى العام وهو أن يفرق بين الحق والباطل، فالمسلمون ~~كانوا قلة والكفار كانوا كثرة، والمسلمون كانوا خارجين للاستيلاء على ~~القافلة والعير ولم يكن لديهم أي عدة أو عتاد للحرب، بينما استعد الكفار ~~للحرب والقتال بالعدد والعتاد والفرسان، وكان المسلمون يتمنون أن تكون ~~قافلة قريش لهم، وهي قافلة لا يحرسها إلا عدد قليل من الرجال، لا شوكة ~~لهم، وأراد الحق تبارك وتعالى أن يواجه المسلمون وهم قلة جيشا له شوكة ~~أي له عدة وعتاد لأن المسلمين ظنوا أن الاستيلاء على القافلة لن يستغرق ~~منهم وقتا طويلا أو جهدا كبيرا، فحراس القافلة عدد محدود وبلا سلاح ~~قوي. # لكن شاء الله عز وجل أن يخوض المؤمنون المعركة وهم قلة وأن ينتصروا، حتى ~~يعلم الجميع أن هذه القلة المؤمنة انتصرت بلا عدد ولا عدة على من ~~يملكون العدد والعدة، وبذلك يظهر الفرق بين الإيمان والكفر، وبين نصر ~~الله وزيف الشيطان، ولو استولى المسلمون على قافلة قريش لقيل: إن أية ~~مجموعة من المسلحين كانت تستطيع أن تنهب هذه القافلة، ولذلك لم يعطهم ~~الله العير، بل ابتلاهم بالنفير وهو الجيش الخارج من مكة بقصد الحرب وهو ~~مستعد لها ليلفت النظر إلى هؤلاء المؤمنين الذين خرجوا بغير قصد الحرب ~~وقد انتصروا على الكفار الذين خرجوا للحرب واستعدوا لها. وكان المؤمنون ~~ثلاثمائة وجيش الكفار ألفا، فإذا جاء النصر، تأكد الكل أن كفة المؤمنين ~~قد رجحت، وإذا تعجب أحد كيف ينتصر هذا العدد القليل غير المسلح على هذا ~~العدد الكثير والمسلح، يمكن أن يرددوا قول الله تعالى: { والله ~~على كل شيء قدير } [الأنفال: 41]. وهذه المشيئة الإلهية هي ~~التي قلبت الموازين. وفي أول سورة ms3776 البقرة يحكي الحق سبحانه وتعالى لنا ~~قصة طالوت وجالوت، ويروي كيف طلب بنو إسرائيل من نبي لهم أن تحدد السماء ~~شخصا يكون ملكا عليهم، ليقودهم في معركة ضد طاغية اسمه جالوت أخرجهم من ~~ديارهم وشردهم، فلما جاء الأمر بأن يكون طالوت هو الملك، جادل بنو ~~إسرائيل في قيادته لهم. # قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق ~~بالملك منه ولم يؤت سعة من المال.. # [البقرة: 247]. كانوا هم الذين طلبوا أن يكون لهم ملك، فلما جاء طالوت ~~باختيار الله اعترضوا عليه. ثم خرج طالوت مع الذين اتبعوه وابتلاهم الله ~~بنهر وهو عطاش، ويقول الحق سبحانه وتعالى: # فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله ~~مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم ~~يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده ~~فشربوا منه إلا قليلا منهم.. # [البقرة: 249]. وابتلاهم الله سبحانه وتعالى بأن مروا على نهر وهم عطاش، ~~وطلب منهم ألا يشربوا إلا أن يأخذ كل منهم قليلا من الماء في كف يده ~~ليرطب به فمه، فلما وصلوا إلى النهر، اندفعت أغلبيتهم ليعبوا ويشربوا ما ~~شاء لهم، والأقلية فقط هي التي امتثلت لأمر الله تعالى ولم تشرب، وهؤلاء ~~هم الذين بقوا مع طالوت وعبروا النهر، لكنهم حين رأوا جيش الأعداء، قالت ~~أغلبيتهم ما جاء في القرآن الكريم وحكاه لنا: # فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا ~~طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.. # [البقرة: 249]. أي أنهم خافوا من مواجهة جيش جالوت ورفضوا القتال، إلا ~~الأقلية منهم، وهكذا حدثت لهم التصفية مرتين بالاختيار والابتلاء الأولى ~~بالصبر على العطش، والثانية بمواجهة جيش العدو، وهذه هي الأقلية الصافية ~~التي رسخ إيمانهم، وقالوا ما جاء بالقرآن الكريم: # قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من ~~فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله ~~مع الصابرين # [البقرة: 249]. أي أن هذه الفئة المؤمنة التي بقيت والتي تخشى حساب الله ~~في الآخرة لم تخفهم قلتهم ولا كثرة جنود جالوت، بل قالوا: كم من فئة ~~قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، وانتصروا ms3777 بالفعل، وكان هذا فرقانا ~~ظاهرا من الله عز وجل. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: { يوم ~~الفرقان يوم التقى الجمعان.. } [الأنفال: 41]. أي يوم ~~التقاء جمع المؤمنين وجمع الكفار، وتحقق نصر المؤمنين، رغم قلة العدد ~~والعتاد. ولذلك يذيل الحق سبحانه وتعالى الآية بالقول الكريم: { ~~والله على كل شيء قدير } [الأنفال: 41]. أي أن الله عز ~~وجل قادر على أن ينصر المؤمنين وهم قلة وغير مستعدين للقتال. ويقول الحق ~~تبارك وتعالى بعد ذلك: { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم ~~بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم... }. ### || [8.42] # ساعة تسمع " إذ " تعرف أنها ظرف، ومعناها: اذكر هذا الوقت، اذكر إذ ~~أنتم بالعدوة الدنيا، والعدوة شاطيء الوادي وجانبه. وهي جبل مرتفع لأن ~~الجبال إن كان بينها فضاء نسمي هذا الفضاء واديا، فيكون الوادي هو ~~الفضاء بين جبلين، ويكون المكان العالي الذي على يمين الوادي وعلى شماله ~~عدوة. وقوله تعالى: { بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة ~~القصوى.. } [الأنفال: 42]. توضيح وبيان لجغرافية المعركة، وأهل ~~الإسلام كانوا من ناحية المدينة، وقوله تعالى: " دنيا " تأنيث الأدنى أي ~~الأقرب، فالمسلمون كانوا قريبين من المدينة. وكان الكفار قادمين من مكة، ~~ونزلوا في المكان الأبعد. فقوله تعالى: { أنتم بالعدوة ~~الدنيا.. } [الأنفال: 42]. أي في مكان قريب، وموقع غزوة بدر - كما ~~نعلم - قريب من المدينة، أما كفار قريش فقد جاءوا من مكة. وبذلك جاءوا من ~~مكان بعيد عن المدينة لذلك سماه الحق تبارك وتعالى هنا: { بالعدوة ~~القصوى } أي في المكان البعيد عن مكة، ويتابع المولى سبحانه وتعالى ~~قوله: { والركب أسفل منكم } والركب هو العير أي الجمال التي ~~تحمل التجارة، وكان المسلمون قد خرجوا ليأخذوها. ولما عرف أبو سفيان بذلك ~~غير سير القافلة واتجه إلى ساحل البحر، ويتكلم الحق سبحانه وتعالى عن ~~سلوك أبي سفيان حينما أمر أن تسير القوافل بجانب ساحل البحر. وساحل البحر ~~- كما هو معلوم - يكون دائما أسفل من أي أرض يابسة. ويتخذ سطح البحر ~~إلى الآن مقياسا للارتفاعات والانخفاضات بالنسبة للمقاييس البشرية، ~~فيقال: هذا ارتفاعه مائة متر أو مائتا متر أو أكثر أو أقل بالنسبة لمستوى ~~سطح ms3778 البحر. وساحل البحر بالنسبة لسطح البحر متساو، أما الأرض والجبال ~~والوديان فهي تختلف في العلو والانخفاض فلا تصلح مقياسا للارتفاعات ~~والانخفاضات، بينما سطح البحر مستطرق استطراقا سليما، بحيث لا توجد في ~~سطح الماء بقعة عالية وأخرى منخفضة. وهكذا يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى ~~أن أسفل ما في الأرض هو ساحل البحر وقد اتخذ الناس سطح البحر مقياسا ~~للارتفاعات. ويقول الحق سبحانه وتعالى: { ولو تواعدتم ~~لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا.. } [الأنفال: 42]. أي لو أن المؤمنين اتفقوا مع الكفار ~~على موعد ومكان، لجاء بعضهم متأخرا عن الموعد أو منحرفا عن المكان، ~~ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي حدد موعد المعركة ومكانها بدقة تامة فتم ~~اللقاء في الموعد والمكان المحددين ليتم الأمر كما قدره الله سبحانه ~~وتعالى، والأمر هو معركة بدر، وليلقى المؤمنون الكافرين، لينتصروا عليهم. ~~{ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة.. } [الأنفال: 42]. وهل يعني قول الحق { ليهلك من ~~هلك } أن الهلاك هنا هو الموت؟ لقد مات أيضا بعض المؤمنين واستشهدوا. # وقول الحق: { ويحيى من حي } وهل الحياة هنا تعني مجرد البقاء ~~على قيد الدنيا؟. لقد عاش أيضا من الكفار كثير رغم أنهم خاضوا معركة ~~بدر. إذن فليس معنى الهلاك هنا الموت، وليس معنى الحياة النجاة، ولكن قول ~~الحق: { ليهلك من هلك عن بينة } تنطبق على الكفار سواء ~~الذين ماتوا أو الذين نجوا لأن الهلاك هنا هلاك معنوي، فمن قتل من ~~الكفارهلك. ومن نجا هلك أيضا لأنه بقتاله المؤمنين قد أورد نفسه مورد ~~التهلكة بالعذاب الذي ينتظره في الآخرة، إلا إذا أدركته رحمة الله وآمن ~~قبل أن يأتي أجله. والذين حيوا هم المؤمنون، والمراد - إذن - ليكفر من ~~كفر، ويؤمن من آمن عن يقين. ولقد قلنا من قبل: إن الحق سبحانه وتعالى ~~أطلق الحياة على معان متعددة، فهناك الحياة التي فيها الحركة والحس، وهذه ~~تتحقق ساعة أن تدخل الروح الجسد ليكون للإنسان حياة. وهذه الحياة هي ~~للمؤمن والكافر. ولكن الحياة بهذا الشكل حياة منتهية إلى موت ms3779 غير موقوت ~~ننتظره في أي لحظة. ولكن الحياة المطلوبة لله هي الحياة التي لا يأتي فيه ~~موت. ولا يكون فيها تعب وشقاء، تلك هي الحياة الآخرة، ولذلك يقول الحق ~~تبارك وتعالى: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. أي أنها الحياة الحقيقية. إذن فالذي يؤمن إيمانا ~~حقيقيا يعطيه الله تعالى حياة الخلود في الجنة. ولذلك نستمع جميعا إلى ~~قول الحق تبارك وتعالى: { استجيبوا لله وللرسول إذا ~~دعاكم لما يحييكم.. } [الأنفال: 42]. ومنا من يتساءل: كيف ~~يخاطب الله الناس وهم أحياء ويقول لهم: إذا دعاكم لما يحييكم؟ ونقول: إن ~~الحق سبحانه وتعالى يريد لنا بالإيمان حياة خالدة في الجنة. ثم يختم الحق ~~سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله: { وإن الله لسميع عليم ~~}. ومعنى سميع وعليم أنه سبحانه وتعالى مدرك لكل الأشياء والخواطر، فما ~~بالسمع يسمعه، وما بالعين يراه، وما في الصدر يعلمه، وما هو في أي حس من ~~أحاسيس الإنسان هو عليم به لأنه أحاط بكل شيء علما. ووسائل الإدراك ~~العلمي في الإنسان هي السمع والبصر والذوق واللمس والشم، هذه هي الحواس ~~الخمس التي تعطي العلم للإنسان الذي لم يكن يعلم شيئا. وهو سبحانه ~~وتعالى القائل: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. أي أن هذه الحواس هي التي تعطي الإنسان ما لم يكن قد علمه، ~~وكلما علم شيئا، فليقل: الحمد لله. ويعلمنا الله سبحانه وتعالى كيف يتم ~~قدره فيقول: { إذ يريكهم الله في منامك... }. ### || [8.43] # والحق سبحانه وتعالى إذا أراد معركة فاصلة، يجعل الخواطر في كل قوم ~~مهيجة على الحرب لأنه سبحانه وتعالى يريد للفئتين أن يشتبكوا، ويفصل الحق ~~في المسألة، وهذا الاشتباك لو حدث بالمقاييس العادية ربما جبنت الفئة ~~القليلة عن أن تواجه الفئة الكثيرة. ولكي تتم المعركة لا بد أن يكون كل ~~من الفريقين المتحاربين واثقا من النصر لأنه لو أيقن أحدهما أنه سيهزم ~~لما دخل إلى المعركة. والله سبحانه وتعالى يعلم رسوله والمؤمنين كيف أعد ~~الله الإعداد النفسي ms3780 للمعركة، فأرى النبي في الرؤيا أن عدد الكفار قليل ~~حتى يؤمن أن المؤمنين سينتصرون عليهم بسهولة، فرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رأى في منامه رؤيا توضح أن عدد الكفار قليل في أعين المؤمنين، وأخبر ~~قومه بذلك، ولقد قلل الله عدد الكفار في أعين المؤمنين، وقلل عدد ~~المؤمنين في أعين الكفار، ليتم اللقاء وتحدث المعركة. وفي ذلك يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { وإذ يريكموهم إذ التقيتم... }. ### || [8.44] # إذن رأى المؤمنون الكفار قليلا، ورأى الكفار المؤمنين قليلا، ولو ~~كثر الله الكفار في أعين المؤمنين، أو كثر المؤمنين في أعين الكفار ما ~~حدثت المعركة.. ولكنه سبحانه وتعالى شاء أن يقلل كل فريق في نظر الآخر ~~ليبدأ القتال، ويحكي سيدنا عبد الله بن مسعود: لقد قلت لجار لي أظنهم ~~سبعين، فقال: لا بل مائة. وهكذا كان عدد الكافرين قليلا في نظر ~~المؤمنين، وكان عدد المؤمنين بالفعل قليلا في عيون الكافرين. وأيضا شاء ~~الحق سبحانه أن يجعل في ذلك بلاغا من إعلامات النبوة في رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقد رأى النبي عدد الكافرين في المنام وهم قليل، وأخبر ~~صلى الله عليه وسلم قومه بذلك. ودار القتال الذي أراده الله تعالى: { ~~ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع ~~الأمور } [الأنفال: 44]. والأمر الحاسم هو التقاء الفئتين المتقاتلتين ~~في معركة بدر ليفصل الله بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر حتى ترجع ~~الأمور إلى الله، فلكل واحد من جنود المعركة جزاء من عند الله سبحانه ~~وتعالى المؤمنون لهم جزاء على قدر نياتهم وإخلاصهم في الجهاد، الكافرون ~~عليهم غضب من الله تعالى. والغضب منازل، كل منزلة من الغضب حسب أحوال ~~صاحبها. وقول الحق سبحانه وتعالى: { وإلى الله ترجع الأمور ~~} نجد فيه كلمة " الأمور " وهي جمع أمر، وفي المعارك ألوان مختلفة من ~~الأوامر فلكل جندي أمر، وهناك أمر عام تنتهي إليه المعارك وهو انتصار طرف ~~وانهزام طرف آخر. ولكي يتم النصر للمؤمنين فإن الله يطلب منهم أن يثبتوا ~~في المعركة فيقول سبحانه وتعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم ms3781 فئة فاثبتوا... }. ### || [8.45] # وساعة تسمع كلمة " فئة " فاعلم أن معناها جماعة اختصت بخوض المعارك في ~~ميدان القتال، فليست مطلق جماعة، بل هي جماعة مترابطة من المقاتلين لأن ~~كل مقاتل يفيء لغيره من زملائه، أي جماعة أخرى غير مترابطة تستطيع ~~تفريقهم بصرخة أو عصا، أما المقاتلون فأنت لا تصرفهم إلا بقوة أكبر منهم، ~~ويحاول كل منهم أن يحمي زميله، إذن فكل منهم يفيء إلى الآخرين. والحق ~~تبارك يقول: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله.. # [البقرة: 249]. ويقول الحق سبحانه وتعالى: # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل ~~في سبيل الله وأخرى كافرة.. # [آل عمران: 13]. إذن فالفئة هي جماعة في الحرب. وقوله تعالى: { إذا ~~لقيتم فئة فاثبتوا.. } [الأنفال: 45]. يقصد به ساعة حدوث ~~المعركة ونشوب القتال لأن الحرب تقتضي أولا إعدادا، ثم تخطيطا يتم قبل ~~الإلتحام ثم ذهابا إلى مكان المعركة. وقوله تعالى: { إذا لقيتم } ~~أي أن المسألة قد وصلت إلى المواجهة مع الكفار. ويقول الحق تبارك وتعالى: ~~{ فاثبتوا } والثبات هنا معناه المواجهة الشجاعة، لأن الإنسان إذا ~~ما كان ثابتا في القتال، فالعدو يخشاه ويهابه، وإن لم يكن كذلك فسوف ~~يضطر إلى النكوص، وهذا ما يجرىء الكفار عليكم. وما دمتم قد جئتم إلى ~~القتال، فلا بد أن يشهد الأعداء شجاعتكم لأنكم إن فررتم فهذه شهادة ضعف ~~ضدكم. ولذلك لا بد من التدريب على الثبات والقتال، وهذا هو الإعداد ~~المسبق للحرب بالتدريب القوي والتخطيط الدقيق، وألا يتولى أحد منكم ~~ويفر لحظة الزحف لأن هذا العمل هو من أكبر الكبائر، والحق سبحانه وتعالى ~~يقول: # ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ~~أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله.. # [الأنفال: 16]. { يولهم } أي يعطيهم، و { دبره } أي ظهره، ~~وهذا تقبيح لعملية الفرار، لأن الدبر محل الصيانة ومحل المحافظة. ونعلم ~~أن هناك من قال للإمام علي - كرم الله وجهه -: إن درعك له صدار وليس ~~له ظهر، أي أن الدرع يحمي صدرك إنما وراءك لا يوجد جزء من الدرع ليحمي ~~ظهرك. فقال: لا ms3782 كنت إن مكنت خصمي من ظهري، أي أنه - كرم الله وجهه - ~~يفضل الاستشهاد على أن يمكن خصمه من ظهره، فلو أن درعه من الأمام ~~ومن الخلف، ففي هذه الحالة يكون في نيته أن يمكن خصمه من ظهره، ولذلك ~~جعل الدرع يحمي الصدر فقط، وهو على يقين أنه لن يدير ظهره لعدوه، ويسمون ~~تلك الحالة الأخرى " ظاهرة ضبط النفس " أي أنها طريق لمنع الشيء أن يحدث ~~ولو في ساعة الشدة لأن المقاتل حين يدخل المعركة، وهو يحمي صدره فقط فهو ~~لا يتولى ليفر لأنه يعلم أنه لو تولى فسيكشف لهم ظهره وسيتمكن منه عدوه ~~وسوف يقتل. # والحق سبحانه وتعالى حين يقول: { فاثبتوا } لا يطلب هذا الثبات على ~~إطلاقه، ولكن يريد من المؤمنين الثبات والقوة في القتال. أما إذا كانت ~~الفئة التي يواجهها المؤمنون كبيرة العدد أو كثيرة العتاد فذلك يتطلب ~~الدراسة والاستعداد، وهنا طلب الحق الثبات ليعلم المؤمنون يقينا أنهم لا ~~يواجهون عدوهم بقوتهم ولكن بقوة الله الذي يجاهدون من أجله. ولذلك يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { واذكروا الله كثيرا } ، أي تذكروا ~~وأنتم تقاتلون أن الله معكم بعونه ونصره، فإن لم تستطع أسبابكم أن تأتي ~~بالنصر، فإن خالق الأسباب يستطيع بقدرته أن يأتي بتالنصر. وكلنا نعلم أن ~~الحق تبارك وتعالى قد وضع في كونه الأسباب، فإذا استنفدنا أسبابنا، ~~اتجهنا إلى خالق الأسباب، ولذلك نجد أن من لا يؤمن بالله إذا خانته ~~الأسباب ينتحر أو ينهار تماما أو يصاب بالجنون، ولكن المؤمن يقول: إذا ~~خانتني الأسباب فمعي رب الأسباب وخالقها، ويأوي إلى ركن شديد. إن الطفل ~~الصغير إذا اعتدى عليه أحد يقول: إن لي أبا أو أخا سيرد عني الإيذاء ~~لأن الأسباب لا تعطيه قدرة الرد، فكيف لمن له رب قدرته فوق قدرة الكون ~~كله، وقوته موجودة دائما. ولذلك نجد قوم موسى حين وصلوا إلى شاطىء البحر ~~ووجدوا أمامهم الماء، ونظروا خلفهم ورأوا جنود فرعون مقبلين من بعيد، ~~قالوا: { إنا لمدركون }. وكانوا منطقيين فيما قالوه، فالبحر ~~أمامهم والعدو وراءهم. وليس لهم من طريق ms3783 للنجاة باستخدام الأسباب العادية ~~في هذا الكون، ولكن موسى عليه السلام بقوة إيمانه بالله تعالى يقول ما ~~جاء على لسانه في القرآن الكريم: # قال كلا # [الشعراء: 62]. أي إن فرعون وجنوده لن يدركونا، ولم يفهم قوم موسى لأن ~~البحر أمامهم وجنود فرعون وراءهم، وأضاف سيدنا موسى عليه السلام بملء فيه ~~قوله: # إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. أي أنه رفع الأمر من الأسباب إلى المسبب، وإذا بالله ~~يأمره أن يضرب بعصاه البحر فينفلق وتظهر الأرض اليابسة. ويعبر بنو ~~إسرائيل البحر، وعندما وصل موسى وقومه إلى شاطيء البحر بعد أن عبروا، ~~أراد موسى أن يضرب البحر مرة أخرى حتى يعود الماء إلى الاستطراق. فلا ~~يتمكن جنود فرعون من اللحاق بهم، ولكن الله سبحانه وتعالى قال لموسى: # واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون # [الدخان: 24]. أي لا تتعجل وتضرب البحر ليعود مرة أخرى لاستطراق الماء ~~بل اتركه على حاله ساكنا فما أنجى الله به بني إسرائيل سيغرق به آل ~~فرعون، وبذلك أنجي وأهلك بالشيء الواحد، وهذا لا يقدر عليه إلا هو سبحانه ~~وتعالى. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون } [الأنفال:45]. وسبحانه وتعالى هو خالق النفس ~~البشرية وهو العليم بها حين تكون أمام قوة لم تحسب حسابها وكيف تعاني ~~النفس من كرب عظيم، خصوصا إذا كان ذلك في ميدان القتال، ولذلك طلب من ~~المؤمنين لأن يتذكروا دائما أنهم ليسوا وحدهم في المعركة وأنه سبحانه ~~وتعالى معهم، فليذكروا هذا كثيرا ليوالي نصرهم على عدوهم لأنهم إذا ما ~~داوموا على ذكر الله تعالى فسيقوي هذا الذكر إيمانهم، ويجعل في قلوبهم ~~الشجاعة اللازمة لتحقيق النصر. # وذكر الحق كلمة { كثيرا } هنا يعني أن الإنسان قد يذكر الله عند ~~اليأس فقط، فإن جاءت الحياة بعد ذلك بالرخاء فقد ينسى ذكر الله لذلك يؤكد ~~سبحانه وتعالى هنا أن يكون ذكر الله كثيرا، ليوالي الله نصر المؤمن على ~~عدوه. ومثال ذلك: أننا نجده سبحانه وتعالى حينما يستحضر الخلق المؤمنين ~~للصلاة في يوم ms3784 الجمعة يقول: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت ~~الصلة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون # [الجمعة: 9-10]. يطلب الحق سبحانه وتعالى ذلك من المؤمنين وهو العليم ~~بأنهم يداومون الولاء له سبحانه كل يوم خمس مرات. ثم بعد صلاة الجمعة ~~يطالبهم بالانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله تعالى، وينبهنا أن ~~نداوم على ذكره فكأنه يقول إياكم أن تلهيكم أعمالكم ومصالحكم الدنيوية عن ~~ذكر الله، أو تعتقدوا أن ذكر الله في المسجد أو وقت الصلاة فقط، بل ~~داوموا على ذكر الله في كل أحداث الحياة. فإن فعلتم ذلك وذكرتم الله ~~كثيرا فستكونون من المفلحين. وذكر الله كثيرا معناه أنك تشعر في كل ~~لحظة أن الله سبحانه وتعالى معك فتخشاه وتحمده وتستعين به. وهكذا تكون ~~الصلة دائمة بينك وبين الله عز وجل في كل وقت. مثال ذلك ما حدث في عام ~~1973 في معركة العاشر من رمضان، كان ذكر الله يملأ القلوب واستمد الجند ~~من قولهم: { الله أكبر } طاقة هائلة واجهوا بها العدو، واقتحموا ~~خط " بارليف ". وأعانهم الحق بمدد الإيمان من عنده، وأوجد في نفس كل منهم ~~طاقة هائلة تحقق بها النصر وذلك بإجادة التدريب ومداومة الذكر لله تعالى. ~~ثم يقول الحق بعد ذلك: { وأطيعوا الله ورسوله ولا ~~تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا... }. ### || [8.46] # وعرفنا من قبل أن طاعة الله تعالى تتمثل في تنفيذ ما أمر به في المنهج، ~~وطاعة الرسول هي طاعة تطبيقية في السلوك، وهي طاعة لله أيضا لأن الرسول ~~مبلغ عن ربه، ولا بد للطائع أن يبتعد عن التنازع مع إخوته المؤمنين ~~لأن التنازع هو تعاند القوي، أي توجد قوة تعاند قوة أخرى، والقوى ~~المتعاندة تهدر طاقة بعضها البعض، فالتعاند بين قوتين يهدر طاقة كل منهما ~~فتصبح كل قوة ضعيفة وغير مؤثرة. فكونوا يدا واحدة لأنكم إن تنازعتم ~~فستضيع قوتكم وتقابلون الفشل، أي لن تحققوا شيئا ms3785 مما تريدون لأنكم ~~أهدرتم قوتكم في التنازع، ولم تعد لكم قوة تحققون بها ما تريدون وستذهب ~~ريحكم في هذه الحالة. والفشل هو إخفاق الإنسان دون المهمة التي كان ~~يرجوها من نفسه. وانظروا إلى عبارة الحق تبارك وتعالى: { وتذهب ~~ريحكم.. } [الأنفال: 46]. نحن نعرف أن الريح يطلق على الهواء الذي ~~حيزه الفضاء على سطح الأرض، إذن فمكان الهواء هو أي مكان خال على سطح ~~الأرض، ولذلك نجد العمود المكون من الأسمنت والحديد مثلا، لا يوجد فيه ~~هواء لأنه لا يوجد فيه فراغ، أما الفواصل التي بين الأعمدة فيوجد فيها ~~هواء لأن فيها فراغا. ونعلم أن مقومات الحياة طعام وشراب وهواء، ولكن ~~الهواء هو المقوم الأول للحياة لأنك لا تستطيع أن تصبر على الهواء مقدار ~~شهيق وزفير. إذن فالهواء هو المقوم الأول لحياتك وحياة كل من في هذا ~~الكون، وما دام الهواء محيطا بالشيء بحيث يتساوى الضغط من جميع نواحيه ~~يكون الشيء ثابتا، فإذا فرغت الهواء من ناحية قام ضغط الهواء بتحطيم ~~هذا الشيء. وفي التجارب المدرسية شاهدنا تأثير ضغط الهواء، وكانوا ~~يأتوننا بصفيحة وضع فيها ماء ويتركونها تغلي على النار، فيطرد بخار الماء ~~الهواء الموجود في الجزء الفارغ من الصفيحة ليملأ البخار هذا الفراغ، ثم ~~يغلقون الصفيحة بإحكام ويسكبون عليها من الخارج ماء باردا فيتكثف ~~البخار، ويقل حجمه، ويصبح جزء من الصفيحة خاليا من الهواء، فتنهار جدران ~~الصفيحة إلى الداخل بسبب ضغط الهواء خارج الجدران، وتفريغ الهواء داخل ~~الصفيحة. ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى حينما يعذب قوما أو ينزل بهم ~~عقابا، فهو يرسل عليهم ريحا. ويقول جل وعلا: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية * سخرها ~~عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى ~~القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 6-7]. وكذلك نجده سبحانه وتعالى يقول: # هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح ~~فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها.. # [الأحقاف: 24-25]. وأيضا يقول الحق سبحانه عن الريح التي تغرق بأمواجها ~~العالية: # إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ms3786 طيبة ~~وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من ~~كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم.. # [يونس: 22]. إذن فكلمة ريح تعبر عن القوة المدمرة للهواء لأن الريح إذا ~~اتحدت قوتها واتجاهها أصبحت مدمرة. ولكن إن قابلتها ريح ثانية فالتوازن ~~يحدث بين القوتين. ولذلك حين يستخدم الحق كلمة الريح لا يتكلم عنها إلا ~~للتخريب والتدمير. أما إن تكلم عنها للخير فسبحانه يأتي بكلمة " رياح " ~~لأن تعدد اتجاهات الرياح هو الذي يوجد التوازن في الحياة. فإذا أراد الله ~~أن يهلك بالريح جاء بها من جهة واحدة فتصير قوة الريح من ناحية لا ~~تعادلها قوة أخرى للريح من الجهة المقابلة لتتعادل القوتان. # وهو الذي أرسل الرياح بشرى بين يدي ~~رحمته.. # [الفرقان: 48]. ويقول سبحانه وتعالى: # وأرسلنا الرياح لواقح.. # [الحجر: 22]. أي أن الرياح تنقل اللقاح بين النبات، فيتم التلقيح وتنبت ~~الثمار ويأتي الخير. ولكن هناك آية واحدة جاءت فيها كلمة " ريح " وكانت ~~تحمل الخير في قوله تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها.. # [يونس: 22]. وسبحانه وتعالى عندما استخدم كلمة " ريح " في هذه الآية ~~وصفها بأنها " طيبة ". وهنا في الآية يقول سبحانه وتعالى: { وأطيعوا ~~الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم.. } [الأنفال: 46]. و " ريحكم " أي قوتكم لأن الريح هنا معناها ~~القوة التي تدمر عدوكم. ونعلم أن السفن في الماضي كانت تبحر بقوة الريح. ~~وعندما تقدم العلم وجاء البخار والكهرباء ألغي شراع المراكب واستخدم ~~بدلا منه ماكينات تدفع حركة السفينة. وتطلق كلمة " الريح " على الرائحة، ~~فيقال: " ريح عطرة " ، وهذه الرائحة تبقى في المكان حتى بعد أن يغادره من ~~استخدم هذه الرائحة، ولكل إنسان من رائحة خاصة، تماما كما أن لكل إنسان ~~بصمة خاصة، ولكننا لا نستطيع أن نميزها، ولكن الكلاب المدربة تميز ~~الرائحة الخاصة بالإنسان، فيأتي الكلب ويشم رائحة الإنسان ويتتبعه إلى ~~المكان الذي ذهب إليه. أو يستطيع أن يخرجه من بين عشرات الأشخاص. ولا ~~تختلط رائحة أحد بأحد رغم وجودهم في مكان واحد، وإلا لما استطاع الكلب ~~المدرب لأن يميز رائحة شخص ms3787 معين ضمن عشرات الأشخاص الموجودين. وقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { وتذهب ريحكم } يعني بأن تنتهوا ولا يكون لكم ~~أثر لأنه ما دام لكم أثر في الأرض فلكم ريح تميزكم. وتلك التي - كما قلنا ~~- أن الكلاب المدربة تميزها، ولكن الإنسان إذا مات ودفن فلا رائحة له. ~~ويدلنا القرآن الكريم على ذلك حين يتكلم عن قصة يوسف عليه السلام حين ~~ألقاه إخوته في الجب. وعثرت عليه قافلة، ثم اشتراه ملك مصر، ثم دخل السجن ~~وخرج وأصبح هو عزيز مصر. # وجاءه إخوته وأعطاهم يوسف عليه السلام قميصه ليلقوه على وجه أبيه يعقوب ~~ليرتد بصيرا، بعد أن أذهب الحزن بصره، يقول الحق عن خروج العير من مصر ~~إلى الشام حيث كان يعيش سيدنا يعقوب: # ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح ~~يوسف لولا أن تفندون # [يوسف: 94]. أي أن القافلة حين خرجت من بين المباني التي يمكن أن تكتم ~~الريح بقوة كتلتها لأن المباني لها إشعاعات قد تكتم الريح وتحجبه، وبعد ~~أن صارت القافلة في الخلاء عرف يعقوب عليه السلام ريح ابنه يوسف من ~~القميص الذي يحملونه: { قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف ~~لولا أن تفندون }. ثم يذيل الحق سبحانه وتعالى الآية التي نحن ~~بصدد خواطرنا عنها: { واصبروا إن الله مع الصابرين } ~~[الأنفال: 46]. وهذه تتمة الصورة التي يريدنا الله أن نلتفت إليها، فقد ~~أمرهم الله أن يثبتوا في القتال، والقتال يحتاج إلى قوة وإلى عدم تنازع ~~وإلى صبر على الشدائد خصوصا إذا كان عدوك صابرا شديد البأس. إذن ففي ~~المعركة يريد الله عز وجل من المؤمنين الثبات في القتال وعدم الفرار، ~~وذكر الله كثيرا، وعدم التنازع حتى لا تضيع قوة المؤمنين، ويوصيهم ~~سبحانه بالصبر لأن عدوهم قد يكون عنده صبر وجلد، فلا بد أن يمتلك المؤمن ~~رصيدا من الجلد والصبر يمكنه من هزيمة عدوه، وصفة الصبر تدل على ~~المنافسة. وهي مأخوذة عندما كانوا يغطسون في الماء، فالذي يبقى تحت الماء ~~أكثر من الآخر يكون نفسه أطول. ولذلك فسيدنا عباس وسيدنا عمر - رضي الله ~~عنهما - دخلا ms3788 في منافسة في الغطس. وقال له: نافسني، أي لنرى من الذي ~~سيمكث تحت الماء أكثر - ويكون { صابرا } أي يتحمل أكثر في المواقف ~~الصعبة ويصبر صبرا فوق صبر الخصوم. وقوله الحق عز وجل هنا: { إن ~~الله مع الصابرين } [الأنفال: 46]. يثبت به سبحانه وتعالى أن ~~كل مؤمن عليه أن يشعر أن الله تبارك وتعالى هو الذي انتدبه ليقوم بهذه ~~المهمة القتالية وهو معه، فلا تخور نفسه لأن الضعيف إذا ما تحصن بالقوي ~~أعطاه الجرأة والقدرة على الاحتمال، تماما كالولد الصغير، إذا مشى في ~~الشارع وحده قد يعتدي عليه الأولاد الآخرون، ولكن إذا كان يسير مع أبيه ~~لا يقترب منه أحد، فما بالك بالإنسان الذي هو مع ربه لذلك يوصي الحق كل ~~مقاتل أن يتذكر أنه في معية ربه وأن أي حدث ضار في الكون لا يستطيع أن ~~يناله مهما كان ضعيفا لأن قوة الله معه. ولذلك يروى أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: # " يابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ ~~قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده.. أما علمت أنك لو عدته ~~لوجدتني عنده. يابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب كيف أطعمك وأنت ~~رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه.. أما علمت ~~أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي. يابن آدم استسقيتك فلم تسقني؟ قال يا رب ~~وكيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما إنك ~~لو سقيته وجدت ذلك عندي " # فإذا مرض إنسان فقد سلبت منه العافية فلا يستطيع أن يسير ولا أن يتحرك، ~~بل يرقد في فراشه ليتألم، ويوضح لنا الحق سبحانه وتعالى: أنا إن سلبت منه ~~العافية، وهي نعمة فأنا عنده. ولذلك إياك أن تفزع إذا تركتك النعمة ما ~~دام المنعم معك. والمريض المؤمن يستشعر أن الله معه. وحين يكون المسلم في ~~معية الله فإن مقاييس المادة والبشريات لا تجيء أبدا، والمثال هو ms3789 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الغار، وقد جاء الكفار عند باب ~~الغار فرآهم أبو بكر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت ~~قدميه لرآنا. هذا كلام منطقي مع النظرة المادية، فلو انحنى أحد هؤلاء ~~الكفار ونظر من باب الغار لرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، ~~وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطمئن أبا بكر وينفي عنه ما جاء ~~في باله من خوف أن يراهما الكفار. كان المفروض أن يقول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يا أبا بكر اطمئن، إنهم لن ينظروا داخل الغار، ولكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما وفي ذلك قال ~~الإمام أحمد عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: # " قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى ~~قدميه لأبصرنا تحت قدميه قال، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ~~ثالثهما ". # وما دام الله ثالثهما تكون المعية موجودة، وإذا كنت في معية من لا ~~تدركه الأبصار، أتدركك الأبصار؟. طبعا لا تدركك أبصار الأعداء والخصوم.. ~~اللهم اجعلنا في معيتك دائما. ثم يكمل الحق سبحانه وتعالى ما يريد ألا ~~يكون عليه المؤمنون في ساعات الشدة فيقول تبارك وتعالى: { ولا ~~تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئآء ~~الناس... }. ### || [8.47] # والذين خرجوا من ديارهم بطرا هم الكفار عندما علموا أن أبا سفيان قد ~~نجا بالقافلة ولم يتمكن المسلمون من الاستيلاء عليها، وهم قد خرجوا من ~~مكة ليخلصوا القافلة من أيدي المسلمين، فلما قيل لهم إن القافلة نجت ~~بقيادة أبي سفيان فارجعوا. قالوا: لا يكفينا هذا، بل لا بد أن نخرج ~~ونقاتل محمدا ومن معه، وننتصر عليهم وندق الطبول ونذبح الذبائح ليعلم ~~أهل الجزيرة بخبر هزيمة محمد ومن معه فلا يجرؤ احد أن يتعرض لقافلة من ~~قوافلنا. إذن فهم لم يكتفوا بأن أموالهم قد رجعت إليهم، بل أرادوا أكثر ~~مما يقتضي الموقف، أرادوا أن يخرجوا في ms3790 مظاهرة ضلالية للمفاخرة والتكبر ~~تثبت أن لهم قوة. وكان يكفيهم نجاة القافلة وينتهي الأمر. وكان عليهم أن ~~يرجعوا، ولكنهم أرادوا أن يقوموا بمظاهرة لا لزوم لها. إذن فالمسألة ~~شماتة، وهذا لون من البطر أن تكون عندك نعمة فلا تقدرها حق قدرها، وتحب ~~أن تعلو عليها. ويقال فلان بطران إذا أحضروا له الإفطار من الفول مثلا ~~ويقول: إنه يريد المربى والزبد وعسل النحل.. وهكذا فعل كفار قريش، فلم ~~يكتفوا بنجاة القافلة، بل استخفوا هذه النعمة فلم يكتفوا بها وطلبوا ~~المزيد. وقوله سبحانه وتعالى: { ورئآء الناس } أي يريدون بالحرب ~~مع رسول الله والذين آمنوا السمعة بين الناس، وأن يعرف العرب أنهم خرجوا ~~إلى المدينة وقاتلوا محمدا وصحبه لتكون لهم سمعة وهيبة بين الناس في ~~الجزيرة العربية. وقوله تعالى: { ويصدون عن سبيل الله.. } ~~[الأنفال: 47]. لأن الناس حين يرون الكفار المعاندين لمنهج الله ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم وقد صارت لهم اليد العليا، وهم يرقصون ويغنون ~~لانتصارهم، ويرون المسلمين وهم مختفون خائفون من مواجهة الكفار، فسوف ~~يغري ذلك الناس باتباع منهج الكفر، فكأن الكفار برغبتهم في قتال رسول ~~الله وصحبه إنما يصدون عن سبيل الله. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى ليوضح: ~~لا تحسبوا أنهم بعيدون عن علمي. { والله بما يعملون محيط } ~~[الأنفال: 47]. أي أن الله سبحانه وتعالى محيط بكل أعمالهم، لا يغيب عنه ~~عمل واحد مما يفعلونه، هو محيط بهم تماما وهم لا يستطيعون أن يفلتوا ~~منه. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى دور الشيطان وأعوانه وما ~~يفعله بالكافرين فيقول تبارك وتعالى: { وإذ زين لهم ~~الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من ~~الناس وإني جار لكم... }. ### || [8.48] # وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه الكفار وهم قليل وذلك من ~~صنع الله تعالى لتتم المعركة، وبدأ الشيطان يزين للكفار أعمالهم ~~ويمتدحها، ويغويهم: أنتم كثيرون ولا أحد مثلكم في فنون القتال وستحصلون ~~على النصر في لمح البصر. لكن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يثبت المؤمنين ~~ويقويهم، ولذلك شاء الله سبحانه أن ms3791 يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الكفار وهم قليل. والواقع أنهم قليل لأن النصر ليس هنا بالعدد ولكن ~~بتأييد الله تعالى، ومهما كثر الكفار فهم أمام تأييد الله قليل. ويحاول ~~الشيطان أن يزين للكفار قتال المؤمنين، أي يجعله محببا إلى نفوسهم وأنهم ~~سيحققون النصر، ويصبحون حديث الجزيرة العربية كلها، وتخافهم الناس ~~وتهابهم ويصبحون هم الكبراء وأصحاب الكلمة. وهكذا صور الشيطان لهم عملية ~~قتال المسلمين في صور محببة إلى قلوبهم. وهنا نرى بوضوح غباء الشيطان ~~وعجزه عن أن يعلم قضاء الله، فلو علم ما ستنتهي إليه معركة بدر ما زين ~~للكفار دخول المعركة لأن المعركة انتهت بنصر المسلمين وقتل صناديد قريش، ~~وعلت صورة المؤمنين في الجزيرة العربية كلها. ولم يكن النصر هو ما يريده ~~الشيطان، ولكنه لجهله زين للكافرين المعركة. وفي ذلك يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا ~~غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم.. } ~~[الأنفال: 48]. أي أن وسوسة الشيطان للكفار كانت في صورة تضخيم قوتهم وأن ~~أحدا لن يغلبهم في قتالهم ببدر، وأنه - أي الشيطان - سيناصرهم في ~~المعركة ويجيرهم إن حدث لهم سوء، ولكن هل للشيطان سلطان على أن يعين ~~الكفار؟ نحن نعلم أن الشيطان ليس له سلطان إلا التزيين فقط، فكيف يكون له ~~سلطان على نتيجة المواجهة بين الحق والباطل؟. إن الشيطان يأتي في الآخرة ~~فيطلب منه الكفار أن يجيرهم من عذاب الله تعالى لأنه هو الذي أغواهم وزين ~~لهم سوء أعمالهم وجرهم إلى طريق النار، فيتبرأ منهم ويقول لهم: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ ~~أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22]. أي أنه يقول للكافرين: أنا لم أجبركم على المعاصي، فلم ~~يكن لي عليكم سلطان القهر لأقهركم على أن تفعلوا شيئا ولا سلطان الحجة ~~لأقنعكم بأن تفعلوا المعاصي، ولكن بمجرد أن دعوتكم استجبتم لي لأنكم ~~تريدون المعصية واتباع شهواتكم. وقوله: { مآ أنا بمصرخكم } ~~وأصرخ فلانا سمع صراخه فذهب إليه لينقذه، والإنسان ms3792 عندما يواجه قوة أكبر ~~منه يلجأ إلى الصراخ لعل أحدا يسمع صراخه ويأتي لنجدته. والذي يسمع ~~الصراخ إما أن يكون ضعيفا فلا يستجيب لأنه لا يستطيع أن ينقذ ذلك الذي ~~يواجه الخطر، وإما أن يكون قويا فيذهب لنجدته، فيقال: أصرخه أي أنقذه ~~وأزال سبب صراخه، وقوله تعالى: حاكيا ما يقوله الشيطان { مآ أنا ~~بمصرخكم }. # أي أن الشيطان لا يستطيع أن ينجيهم من العذاب وينقذهم منه، فيزيل سبب ~~صراخهم: { ومآ أنتم بمصرخي }. أي أنتم لا تستطيعون دفع ~~العذاب عني. وقد أخذ الشيطان يزين لهم أعمالهم ويعدهم كذبا بأنه سيجيرهم ~~ويؤازرهم ويعمل على نصرهم حتى اقترب المؤمنون والكفار من بعضهم البعض ~~وأصبحوا على مدى رؤية العين. { فلما ترآءت الفئتان نكص ~~على عقبيه وقال إني بريء منكم.. } [الأنفال: 48]. ~~أي أنه بمجرد الترائي بين المؤمنين والكفار، وقبل أن يلتحموا في المعركة ~~ويبدأ القتال هرب الشيطان وتبرأ من الكفار وجرى بعيدا، وهذا ما يشرحه ~~الله تعالى في قوله: # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر ~~قال إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين # [الحشر: 16]. وهذا كلام منطقي مع موقف الشيطان حينما طرده الله ولعنه ~~لأنه رفض تنفيذ أمر السجود لآدم فقال له الله عز وجل: # وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين # [ص: 78]. حينئذ تضرع الشيطان إلى الله تعالى أن يبقيه إلى يوم القيامة: # قال أنظرني إلى يوم يبعثون # [الأعراف: 14]. وهكذا أقر الشيطان بطلاقة القدرة لله تعالى وبأنه عاجز ~~لا يقدر على شيء أمام قوة الله، فقال الحق تبارك وتعالى: # قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت ~~المعلوم # [الحجر: 37-38]. إذن فالشيطان لا قدرة له ولا قوة على فعل شيء، وكل ما ~~يمكنه هو الخداع والتزيين والكذب، ولذلك أخذ يخدع الكفار ويكذب عليهم، ~~وما أن صار المؤمنون والكفار على مدى رؤية العين بعضهم لبعض، هرب الشيطان ~~وفزع ونكص على عقبيه، وأعلن خوفه من الله لأنه يعلم أن الله شديد العقاب. ~~إذن فمصدر خوف الشيطان هنا هو الخوف من العقاب ومن العذاب الذي سيصيبه ~~حتما، ms3793 ولم يفزع الشيطان - إذن - حبا لله تعالى. ثم يعطينا الحق سبحانه ~~وتعالى صورة أخرى: { إذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم... }. ### || [8.49] # " المنافق " كلمة مأخوذة من نافقاء اليربوع، وهو حيوان يشبه الفأر يعيش ~~في الجبال في سراديب، وحين يتتبعه حيوان آخر ليفترسه، فهو يسرع إلى جحره ~~الذي يشبه السرداب، وهو يفتح أكثر من فتحة لهذا الجحر لتكون مخارج له، ~~ومثل هذه الفتحات كالأبواب الخلفية، فينجو من الافتراس، فكأنه فتح لنفسه ~~نفقا، ينافق منه غيره فلا يقوى على اللحاق به. ولذلك نجد المنافق ~~متعارضا مع نفسه ينطق لسانه بما لا يؤمن به، وبينما المؤمن منسجم النفس ~~ينطق لسانه بما في قلبه، والكافر أيضا كذلك منسجم ينطق لسانه بما في ~~قلبه من الكفر، ولكن المنافق متخبط مع نفسه، لسانه يقول كلمات الإيمان ~~وقلبه يضمر الكفر، وهكذا تتعاند ملكات المنافق، وحينما يكون القلب ~~واللسان متعاندين لا توجد راحة نفسية، وحسبك من المنافق أنه متعاند في ~~الملكات. ويصف الحق سبحانه وتعالى المنافقين بقوله: # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا ~~إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن ~~مستهزئون # [البقرة: 14]. إذن فالذاتية ضائعة لأن الإنسان لا يفقد ذاته حينما تكون ~~ملكاته منسجمة ولا توجد ملكة تعارض ملكة أخرى ويكون عمله متوازنا، ولكن ~~الذي تتعاند ملكاته يعيش دائما في قلق نفسي وحيرة. ولذلك يحاول أن يهرب ~~من واقعه، فيلجأ إلى المخدرات أو غيرها، وليس الحل بأن يخدر الإنسان نفسه ~~أمام الأحداث، ولكن لا بد أن يواجه الإنسان الأحداث ويحاول إيجاد حل لها، ~~والمنافق لا يقدر على ذلك فينهار، ويقول الله تعالى: { إذ يقول ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء ~~دينهم.. } [الأنفال: 49]. وبعد أن ينتصر المؤمنون نجدهم وهم يزدادون ~~إيمانا وثقة في أنفسهم، وتملؤهم عزة الإيمان، فينظر إليهم المنافقون ~~بحسد وحقد لأنهم يكرهون المؤمنين ولا يتمنون لهم خيرا، فهم في نفاقهم ~~كفار، في قلوبهم غل للمؤمنين يخاطب بعضهم البعض ويقولون: أصاب هؤلاء ~~الغرور بدينهم. ولكن ما أصاب المؤمنين ليس غرورا لأن معنى ms3794 الغرور أن ~~تغار بخصلة فيك تجعلك متفوقا على غيرك والمؤمن ساعة النصر لا يغتر بنفسه ~~ولكنه يعتز بالله القوي العزيز، ويزداد تواضعا له ويكون مشغولا بشكر ~~الله على ما حققه له من نصر، أما المغرور فهو من يعزل النعمة عن المنعم ~~وينسبها لنفسه. والمؤمنون ينسبون كل شيء لله تبارك وتعالى لأنهم يعلمون ~~أن النعمة عطاء من يد الله الممدودة بالنعم التي لا تعد ولا تحصى وما ~~دامت النعمة لم تبعد الإنسان عن الله، فإن الله يزيده منها لأنه مأمون ~~على النعمة وينسبها لصاحبها، والمغرور يستعلي بأي خصلة يتميز بها عكس ~~المؤمن الذي لا يستعلي أبدا بها لأنه يعلم أنه لا ذاتية له، وأن الفضل ~~لله تعالى، وذلك يقول الحق تبارك وتعالى وهو يصف المؤمنين: # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم.. # [الفتح: 29]. والشدة هنا ليست غرورا، ولكنها طبع وملكة، ولو كانت ~~غرورا لبقيت كما هي، ولكن المؤمن شديد على الكفار ذليل على المؤمنين لا ~~يتكبر عليهم أبدا، ولا يمكن أن يجعله إيمانه في قالب جامد لأن الإيمان ~~يعطي المؤمنين مرونة أمام الأحداث، لذلك نجد المؤمن لا هو شديد على ~~إطلاقه، لأن هناك مواقف تتطلب الرحمة في التعامل مع المؤمنين، ولا هو ~~رحيم على إطلاقه لأن هناك مواقف تتطلب الشدة في مواجهة الكفار. وكان ~~سيدنا أبو بكر - رضي الله عنه - معروفا بأنه كان كثير البكاء من خوفه ~~وخشيته لله وقلبه مليء بالرحمة على المؤمنين. ولكن عندما جاءت حرب الردة ~~لمانعي الزكاة ماذا حدث؟. جلس هو وعمر بن الخطاب، والمعروف عن عمر أنه ~~كان شديدا، وجلسا يتشاوران، وكان رأي عمر ألا يقاتلوا من ارتدوا ~~بإنكارهم ومنعهم الزكاة لأنهم قالوا: لا إله إلا الله، فقال له أبو بكر: ~~" والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو ~~منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم ~~على منعه ". هذا هو أبو بكر الذي عرف عنه أنه كان كثير البكاء من خشية ~~الله تعالى، وكان قلبه يمتلىء بالرحمة للمؤمنين. ms3795 إنه يعلن في قوة وشدة في ~~الحق أنه سوف يقاتل الخارجين على حدود الله والمانعين المنكرين للزكاة. ~~ولو أن هذا الأمر حدث من عمر لقال الناس: شدة ألفناها، ولكن أن يحدث هذا ~~الأمر من هذا الرجل الطيب الرحيم المطبوع على الرقة وعلى اللين فهو أمر ~~يبين لنا شدة المؤمن في مواجهة الكفر. المؤمن - إذن - لا هو مطبوع على ~~الشدة المطلقة ولا هو مطبوع على الرحمة المطلقة، لكنه شديد حين تكون ~~الشدة مطلوبة للدين، ورحيم حينما تكون الرحمة مطلوبة للدين، وعزيز حين ~~تكون العزة للدين، وذليل حين تكون الذلة للدين. إذن فقول المنافقين: { ~~غر هؤلاء دينهم } لا يستند إلى حكم صحيح، بل هو مما يمليه ~~عليهم نفاقهم، لماذا؟. لأن المؤمنين يتوكلون على الله دائما وينسبون كل ~~الفضل لله تعالى: { فإن الله عزيز حكيم } [الأنفال: 49]. ~~وما دام الله عزيزا فالذي آمن به عزيز، وسبحانه وتعالى يقول: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.. # [المنافقون: 8]. وما دام الله حكيما فهو يعطي الحكمة للمؤمنين، والتوكل ~~على الله معناه أن تكل كل أمورك إليه سبحانه وتعالى، وأول هذه الأمور أنه ~~أمرك بالأخذ بالأسباب، فلا تترك الأسباب أبدا، بل خذ بها دائما مع ~~التوكل عليه فإذا لم تسعفك فهناك المسبب. فقد قال الحق تبارك وتعالى ~~لعباده المؤمنين: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم.. # [التوبة: 14]. # وأمرنا سبحانه وتعالى: بالسعي فقال عز وجل: # فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه.. # [الملك: 15]. فهو سبحانه وتعالى كما أمر المؤمنين بأن يقاتلوا ويأخذوا ~~بالأسباب لأنه سبحانه يريد أن يعذب الكفار بأيدي المؤمنين، أمرهم سبحانه ~~وتعالى كذلك أن يسعوا في سبيل الرزق. وأنت حين تتواكل تنقل صفة إلى صفة ~~لأن التوكل عمل القلوب، والعمل تقوم به الجوارح، فلا تجعل التواكل عمل ~~الجوارح لأن الجوارح تعمل بالأسباب. والقلوب تتوكل على الله، وهكذا نفهم ~~أن التوكل الحقيقي للجوارح هو أن تعمل ولذلك فلا بد من العمل والأخذ ~~بالأسباب مع التوكل، ولا بد لنا أن ننتبه إلى المنافقين في بدر الذين قال ~~عنهم الله سبحانه وتعالى: { إذ يقول المنافقون والذين ~~في ms3796 قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم.. } [الأنفال: 49]. ~~والمنافقون - كما قلنا - هم القوم الذين تتصارع ملكاتهم، وما على ألسنتهم ~~يتناقض مع ما في صدورهم، أما الذين في قلوبهم مرض فهم ضعيفو الإيمان ~~مسلمون ساعة الرخاء فارون من الدين ساعة الشدة. إذن فهناك فريقان ذكرهما ~~الحق سبحانه وتعالى المنافقون وهؤلاء كانوا من الأوس والخزرج ملكاتهم ~~متضاربة لأنهم كانوا يريدون السيادة على المدينة. وواحد منهم كان ينتظر ~~أن يلبس تاج الملك، وبمجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ~~تنتهي منه هذه الفرصة وتضيع فرصة الملك والزعامة، وقد أوجد ذلك في نفسه ~~حقدا وغيظا. ولكن ظاهرة الإقبال من أهل المدينة كلهم على الإيمان ~~والدخول في الإسلام جعلت هؤلاء المنافقين لا يستطيعون المقاومة لذلك ~~نطقوا الشهادتين بألسنتهم وبقي في قلوبهم حقد وضغينة على الإسلام، ~~فالواحد منهم تتجاذبه ناحيتان متعارضتان. والذين في قلوبهم مرض ليسوا ~~منافقين ولكنهم ضعيفو الإسلام، وقد دخلوا إلى الدين ليأخذوا وهم لا ~~يعطون، فإذا أعطاهم الإسلام بعضا من نعم الدنيا فرحوا بها، وإذا أصابتهم ~~شدة هربوا. ومن هؤلاء بعض الذين أسلموا في مكة. ولكن إسلامهم لم يصل بهم ~~إلى أن يهاجروا إلى المدينة خوفا من أن يتركوا أموالهم وأولادهم فظلوا ~~في مكة، ومرضى القلوب هؤلاء لا يعدمون الحياة لأن المرض لا يعدم الحياة، ~~لكنهم كانوا يعانون من عدم صحة الإيمان، ولما جاءت عملية القتال في غزوة ~~بدر تشاوروا: أيذهبون مع الكفار أو لا يذهبون؟ ومع أي من الفريقين ~~يقاتلون؟. وقالوا: نخرج مع الكفار فإن وجدنا أنهم أقوى كنا معهم، وإن ~~وجدنا المسلمين هم الأقوياء انضممنا إليهم. ومن هؤلاء قيس بن الوليد ~~المغيرة وعلي بن أمية بن خلف والعاصي ابن منية ابن الحجاج والحارث بن ~~زمعة بن الأسود بن المطلب وأبو القيس بن الفاكه ابن المغيرة. وتجمع هؤلاء ~~مع بعضهم وذهبوا إلى المعركة لينضموا إلى المنتصر، مؤمنا كان أو كافرا. ~~وهم أخذوا هذا الموقف لأن صحة الإيمان في قلوب هؤلاء غير موجودة فهم ~~أصحاب قلوب مريضة ومتعلقة بحب الدنيا. # وما قاله المنافقون ms3797 والذين في قلوبهم مرض يدل على الرغبة في اتقاء ~~الضرر، مع أن هؤلاء في المدينة وهؤلاء في مكة ولكنهم قالوا شيئا واحدا، ~~وهذا دليل على أن إغواء الشيطان للفريقين كان واحدا. ولذلك اتحدت ~~العبارة. وقال هؤلاء وهؤلاء: { غر هؤلاء دينهم }. قالها ~~الفريقان فريق المنافقين وفريق الذين في قلوبهم مرض مع اختلاف المكان، ~~فبعضهم - كما علمنا - من مكة وبعضهم من المدينة. إذن فلا بد من وجود قاسم ~~مشترك دفعهم أن يقولوا قولا واحدا، أي أن الشيطان وسوس إليهم بهذه ~~العبارة. ولذلك كان الوجب أن ينتبهوا إلى أن اتفاق القول دليل إغواء ~~الشيطان لهم. وما معنى: { غر هؤلاء دينهم }. غررت فلانا أي ~~زينت له الأمر تزيينا بحيث يقبل عليه إقبالا لا ترشحه قوته له، وقويت ~~استعداده لكي يقوم به، فإذا جئت لإنسان محدود الدخل مثلا وأردت أن تغريه ~~بشراء سيارة. فأنت تقول لتزين له المسألة: اقترض من فلان وفلان وادفع ~~الباقي بالتقسيط، كأنك تغريه أن يتخذ موقفا غير موقفه الذي كان ينوي ~~القيام به. ولكن ما وجه الغرور في الدين؟. إن المؤمنين المغترين بدينهم ~~قد أحسوا بكثرتهم رغم أن عددهم قليل. فأقبلوا على الحرب بالرؤيا التي ~~أراها الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن عدد الكفار ~~قليل، وبوعد الله لهم بالنصر، أو غرهم بأن أوضح لهم أن الذي يموت ~~مقتولا في هذه الحرب يصير شهيدا وتكتب له حياة خالدة، وقد جعل ذلك ~~القوي منهم والضعيف يقاتلان بقوة لأن الشهيد سيذهب إلى الجنة. وهكذا - في ~~رأي المنافقين - اغتر المؤمنون بدينهم. ويرد الله عز وجل عليهم بقوله ~~تعالى: { ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز ~~حكيم } [الأنفال: 49]. هذا هو الرد عليهم في أن المؤمنين لم يغرهم ~~دينهم، بل إنهم متوكلون على الله ومن يتوكل على الله فهو حسبه وكافيه، ~~وسبحانه عزيز لا يغلب، وحكيم يضع الهزيمة في موضعها والنصر في موضعه. ~~إذن فالمسألة أن هؤلاء المؤمنين قد اختاروا الله فأعزهم ونصرهم. ولكن هل ~~قيلت هذه العبارة من المنافقين علنا؟. لا، إنهم لم ms3798 يجرءوا أن يعلنوها بل ~~قالوها سرا في أنفسهم، فأعلم الله سبحانه وتعالى رسوله بما حدث في ~~نفوسهم، وكانت هذه لفتة من الله سبحانه وتعالى بأن فضح حقيقتهم لعلهم ~~ساعة يسمعون ما يدور في نفوسهم قد يتركون نفاقهم ويعودون إلى حظيرة ~~الإيمان الصحيح، خصوصا إذا انتبهوا إلى قول الحق سبحانه وتعالى: # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون # [التوبة: 52]. ففي هذه الآية الكريمة يوضح الله سبحانه وتعالى موقف ~~المؤمنين في كل معركة يخوضونها، فهم إما أن ينتصروا ويهزموا الكفار ~~ويقتلوهم ويأخذوا غنائمهم، وإما أن يستشهدوا فيدخلوا الجنة، وكل من ~~الأمرين خير. وكشف الحق ما يدور في صدور المنافقين، وكان ذلك تنبيها ~~للمؤمنين بألا يؤثر فيهم كلام المنافقين لأن المؤمنين قد توكلوا على ~~الله والله غالب على أمره. ويقول الحق بعد ذلك: { ولو ترى إذ ~~يتوفى الذين كفروا الملائكة... }. ### || [8.50] # والذي يوجه إليه هذا الخطاب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعناه ~~لو كشفنا لك الغيب لترى، وتلاحظ أن الله سبحانه وتعالى ترك الجواب، فلم ~~يقل ماذا يحدث لهذا الكافر والملائكة يضربونه، وإذا ما حذف الجواب فإنك ~~تترك لخيال كل إنسان أن يتصور ما حدث في أبشع صورة، ولو أن الحق سبحانه ~~وتعالى جاء بجوابه لحدد لنا ما يحدث، ولكن ترك الجواب جعل كلا منا يتخيل ~~أمرا عجيبا لا يخطر على البال، ويكون هذا تفظيعا لما سوف يحدث. ~~والصورة هنا تنتقل بنا من عذاب الدنيا للكفار إلى ساعة الموت. و { ~~يتوفى } أي لحظة أن تقبض الملائكة أرواح الكافرين، والتوفي وهو قبض ~~الأرواح يجيء مرة منسوبا لله سبحانه وتعالى مصداقا لقوله: { وهو ~~الذي يتوفاكم } ومرة يأتي منسوبا لرسل من الله: { توفته ~~رسلنا } ومرة يأتي منسوبا إلى ملك الموت وهو عزرائيل: { قل ~~يتوفاكم ملك الموت }. وبذلك يكون التوفي قد أسند مرة إلى ~~الله عز وجل ومرة إلى عزرائيل ومرة إلى رسل الموت، ونقول: لا تعارض في ~~هذه الأقوال ms3799 لأن الأمر في كل الأحوال يصدر من الله سبحانه وتعالى، إما أن ~~يقوم عزرائيل بتنفيذه وإما جنوده وهم كثيرون. الأمر الأصيل - إذن - من ~~الله، وينسب إلى المتلقي المباشر من الله وهو عزرائيل، وينسب إلى من ~~يطلب منهم ملك الموت أن يقوموا بهذه العمليات. وهذا العذاب يحدث ساعة ~~الاحتضار وهو اللحظة التي لا يكذب الإنسان فيها على نفسه لأن الإنسان قد ~~يكذب على نفسه في الدنيا، وقد يكون مريضا بمرض لا شفاء منه فيقول: سأشفى ~~غدا، ويعطي لنفسه الأمل في الحياة، وقد يكون فقيرا لا يملك من وسائل ~~الدنيا شيئا ويقول: سوف أغتني لأن الإنسان دائما يغلب عليه الأمل إلا ~~ساعة الاحتضار، فهذه لحظة يوقن فيها كل ميت أنه ميت فعلا ولا مفر له ~~من لقاء الله، ولذلك تجد أن الذي ظلم إنسانا لحظة يموت يقول لأولاده: ~~أحضروا فلانا لقد ظلمته فردوا له حقوقه نحوي وما ظلمته فيه، والإنسان ~~لحظة الاحتضار يرى كل شريط عمله. فإن كان مؤمنا رأى شريطا منيرا ~~فيبتسم ويستقبل الموت وهو مطمئن. وإن كانت أعماله سيئة فهو يرى ظلاما، ~~ويتملكه الذعر والخوف لأنه عرف مصيره. وحينما زين الشيطان للكفار أن ~~يقاتلوا المؤمنين ووعدهم بالنصر، وقال: إنني أجيركم إذا دارت عليكم ~~الدائرة، فلما أصبح المؤمنون والكفار على مدى الرؤية من بعضهم البعض هرب ~~الشيطان لأنه رأى من بأس الله ما لم يره الكفار، وهذا هو موقف الشيطان ~~دائما، إذا رأى بأس الله أسرع بالفرار، ويعترف أن كل حديثه لابن آدم ~~إنما هو وعد كاذب سببه الحقد الذي في قلبه لأنه تلقى العقاب من الله عز ~~وجل بعد أن رفض تنفيذ أمر الله له بالسجود لآدم، وهو الذي أوجب عليه ~~العذاب الذي سيلاقيه. # ونرى الشيطان مثلا كما يخبرنا الحق سبحانه وتعالى بقوله: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82]. أي أنه أقسم بجلال الله وعزته. ومعنى عزة الله أنه غني عن خلقه ~~جميعا لا يحتاج لأحد منهم، فهو الله بجلال وجمال صفاته قبل أن يوجد أحد ~~من خلقه قد خلق هذا الكون ms3800 وأوجده ولم يستعن بأحد، ولو آمن به الناس ~~جميعا ما زاد ذلك في ملكه شيئا. ولو كفر به الناس جميعا ما نقص ذلك من ~~ملكه شيئا. وقسم إبليس بعزة الله إقرار منه بها. وقد أقسم بعزة الله أن ~~يطلب الغواية للإنسان لأن الله سبحانه وتعالى ما دام لا يزيد ملكه ولا ~~ينقص بإيمان خلقه لذلك أعطاهم حرية الاختيار، ولو أراد الله الناس مؤمنين ~~ما استطاع إبليس أن يقترب من أحد منهم، ويحاول إبليس بحقده على الإنسان ~~وكرهه له أن يصرفه عن طريق الإيمان، ولكن هل يملك إبليس قوة إغواء على ~~مؤمن؟. لا، ولذلك فهناك استثناء: # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83]. أي أن إبليس لا يستطيع أن يقترب من عبد مؤمن مخلص في إيمانه. ~~ولذلك لا بد أن نلتفت إلى قول الشيطان الذي جاء على لسانه في الآية ~~الكريمة: # إني أخاف الله والله شديد العقاب # [الأنفال: 48]. إذن فما دام إبليس يخاف الله، وما دام يعلم أن الله شديد ~~العقاب فما الذي أذهب عنه هذا الخوف حين أمره الله بالسجود لآدم فعصى؟. ~~خصوصا وهو يعلم أن الله شديد العقاب، ولو كان قد عرف أن الله لا يعاقب ~~أو يعاقب عقابا خفيفا لقلنا أغرته بساطة العقاب بالمعصية. ولكن علمه ~~بشدة العقاب كان يجب أن يدفعه إلى الطاعة من باب أولى. ونقول: إنه في ~~ساعة الكبر نسي إبليس كل شيء!! فأنت في حين يأخذك الكبر تتعالى ولو في ~~مواقع الشدة، حتى وإن علمت أنه قد يصيبك عقاب شديد، ولكن يختفي كل هذا من ~~نفسك إذا دخل فيها الكبر. ولذلك قد تجد إنسانا يعذب بضرب شديد ولكن ~~الكبر في نفسه يجعله لا يصيح ولا يصرخ. ونجد إنسانا قد يتخذ في لحظة كبر ~~قرارا له عواقب وخيمة ولكنه يتحمله. وإبليس ساعة رفضه تنفيذ أمر السجود ~~كان يمتلىء بالكبر والغرور، فتكبر على أمر الله وملكه الغرور فقال: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61]. إذن ففي لحظة الكبر نسي إبليس كل شيء، واندفع في معصيته ~~يملؤه الزهو وأصر على ms3801 المعصية رغم علمه أن الله شديد العقاب. وفي قوله ~~تعالى: { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا ~~عذاب الحريق } [الأنفال: 50]. نجد أنه قد حذف جواب " لو " والمعنى ~~لو كشف الحجاب لترى الملائكة وهم يتوفون الذين كفروا لرأيت أمرا عظيما ~~فظيعا، وهل يحدث هذا ساعة القتال عندما يقتل الكفار في المعركة ~~وتستقبلهم الملائكة بالضرب، أم يحدث هذا الأمر لحظة الوفاة الطبيعية؟. # كلاهما صحيح والعذاب هذا أخذ صفة الإقبال ومحاولة الهرب، ولذلك قال الحق ~~سبحانه وتعالى: { يضربون وجوههم وأدبارهم.. } [الأنفال: ~~50]. فالمقبل منهم يضربونه على وجهه، فإذا أدار، وجهه ليتقي الضرب، ~~يضربونه على ظهره، وكان الكفار يعذبون المؤمنين بهذه الطريقة فالمقبل ~~عليهم من المؤمنين يضربونه على وجهه، فإذا حاول الفرار ضربوه على ظهره ~~وعلى رأسه. ويذيق الله الكافرين ما كانوا يفعلونه مع المؤمنين. ولكن ~~الفارق أن الضارب من الكفار كان يضرب بقوته البشرية المحدودة. أما الضارب ~~من الملائكة فيضرب بقوة الملائكة. ويقال: إن الملائكة معهم مقامع من ~~حديد. أي قطع حديد ضخمة يضربون بها وجوه الكفار وأدبارهم. ومن شدة الضربة ~~واحتكاك الحديد بالجسم تخرج منه شرارة من نار لتحرق أجساد الكفار. ولذلك ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: { وذوقوا عذاب الحريق } [الأنفال: ~~50]. إذن فهم يضربون الكفار ساعة الاحتضار ضربا مؤلما جدا هذا الضرب ~~رغم قسوته، والشرر الذي يخرج منه لا ينجيهم في الآخرة من عذاب الحريق. ~~ولذلك # " أقبل صحابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله.. ~~لقد رأيت في ظهر أبي جهل مثل شراك النعل. أي علامة من الضرب الشديد ظاهرة ~~على جسده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك ضرب الملائكة، وجاء ~~صحابي آخر وقال: يا رسول الله.. لقد هممت بأن أقتل فلانا فتوجهت إليه ~~بسيفي، وقبل أن يصل سيفي إلى رقبته رأيت رأسه قد طار من فوق جسده. فقال ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبقك إليه الملك " # وذلك مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ms3802 ~~الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان # [الأنفال: 12]. وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول ~~الحق تبارك وتعالى: { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم.. } [الأنفال: ~~50]. أي أن الضرب فيه إهانة أكثر من العذاب، ولو أن العذاب قد يكون أكثر ~~إيلاما. فقد يقوم مجرم بارتكاب جريمة ما فإذا أخذ وعذب ربما تحمل ~~العذاب بجلد، ولكنه إذا ضرب أمام الناس كان ذلك أشد إهانة له، فإذا ~~كان الضرب من الذي وقعت عليه الجريمة كانت الإهانة أكبر. ولكن هذا الضرب ~~والعذاب لا ينجيهم من عذاب النار، بل يدخلون إلى أشد العذاب يوم القيامة، ~~وهذه نتيجة منطقية لما يفعله الكفار من عدم الإيمان بالله، ومن قيامهم ~~بإيذاء المؤمنين به والإفساد في الأرض. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ~~ذلك: { ذلك بما قدمت أيديكم... }. ### || [8.51] # نحن نعلم أن معظم أعمال الإنسان يزاولها بيده، وقد يفعل أشياء بقدميه أو ~~بلسانه لكن معظم الأعمال تتم باليد لأن اليد تحمل القدرة على الفعل. ~~فسبحانه لم يفتئت عليهم. و " ذلك " إشارة إلى الضرب والعذاب الذي ينالونه ~~جزاء ما قدمت أيديهم. ويقول سبحانه وتعالى: { وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد } [الأنفال: 51]. أي أن العذاب الذي يصيب الكفار ~~يكون نتيجة أمرين ما قدمت أيديهم أي بما كسبت من الآثام والمعاصي، وعدل ~~الله سبحانه وتعالى. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول: # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله ~~فقير ونحن أغنيآء سنكتب ما قالوا وقتلهم ~~الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق * ~~ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد # [آل عمران: 181-182]. ويقول سبحانه وتعالى في سورة الحج: # ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد # [الحج: 10]. وهكذا نجد أن الحق سبحانه وتعالى قد قال: إنه ليس بظلام ~~للعبيد ثلاث مرات في القرآن الكريم، والذين يحبون أن يستدركوا على كتاب ~~الله يقولون: إنه جاء في القرآن أكثر من مرة أنه سبحانه وتعالى ليس ~~بظلام للعبيد. فهل ms3803 هذا يعني أن الله - معاذ الله - ظالم؟. ونقول: لا، ~~فسبحانه ينفي الظلم عن نفسه على إطلاقه. والإنسان حين يظلم فهو ظالم، ~~فإذا اشتد ظلمه وتعدد، يقال: " ظلام ". إذن فهذه صيغة مبالغة في الظلم، ~~مثلما تقول: فلان " آكل " وفلان " أكال " أي كثير الأكل مبالغة في تناول ~~الطعام. وتقول: فلان " ناجر " أي أمسك قطعة خشب بدون خبرة وصنع منها ~~شيئا. ولكنك إذا قلت: " نجار " كانت هذه صيغة مبالغة تبين إتقانه في ~~صنعته، كذلك " خائط " و " خياط " ، ونقول: فلان " جازر " أي يستطيع أن ~~يذبح، فإذا قلت: " جزار " أي عمله هو أن يذبح بإتقان. إذن " فعال " ~~صيغة مبالغة في الفعل. وصيغ المبالغة لها حالتان، حالة إثبات وحالة نفي. ~~فأنت حين تقول: فلان " أكال " أثبت له صفة المبالغة في الأكل - أي كثرة ~~الأكل، ومن باب أولى صفة الأكل مطلقا، وما دمت قد أثبت له الصفة الأعلى ~~تكون الصفة الأدنى ثابتة، فإذا قلت: إن فلانا " خياط " أثبت له أنه ~~يعرف الخياطة ويجيدها. وإن قلت: إنه " نجار " أثبت له أنه ناجر متقن ~~للنجارة، أما من ناحية النفي فإذا قلت: إن فلانا ليس أكالا تنفي ~~المبالغة ولكنها لا تنفي أنه يأكل، فإذا قلت: إن فلانا ليس نجارا نفيت ~~عنه إتقانه للنجارة ولكنك لا تنفي عنه أنه قد يكون ناجرا، وإذا قلت: إن ~~فلانا ليس علامة فقد يكون عالما. # وأنت عندما تثبت الأعلى تثبت الأدنى، وعندما تنفي الأعلى لا تنفي ~~الأدنى. وعندما تقول: إن فلانا ليس ظلاما، تكون قد نفيت الأعلى. ولكن ~~لا يلزم نفي الأدنى فقد يكون ظالما فقط وليس ظلاما. إذن فكلمة " ليس ~~ظلاما " نفت المبالغة فقط ولكنها لم تنف الظلم. وهذا ما قاله ~~المستشرقون: إن آيات القرآن يناقض بعضها بعضا، ففي آية مثلا يقول: { ~~ليس بظلام } فنفي الأعلى ولا يلزم من نفي الأعلى نفي الأدنى. ~~ويقول سبحانه وتعالى في آية أخرى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة.. # [النساء: 40]. فنفي الأدنى والأعلى. وهذا في رأيهم تضارب. نقول: هل إذا ~~نفي الأعلى يلزم أن يثبت الأدنى؟ طبعا لا، ms3804 إن نفي الأعلى لا يمنع أن ~~يوجد الأدنى ولكنه لا يلزم بوجوده. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: # إن الله لا يظلم مثقال ذرة.. # [النساء: 40]. نفي مبدأ الظلم، وقوله تعالى: { وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد } [الأنفال: 51]. نفي مبدأ المبالغة، والقرآن ~~يكمل بعضه بعضا، فإذا قيل: إن الله نفى الأعلى وهذا إثبات للأدنى نقول: ~~إن نفي الأعلى لا يلزم منه إثبات الأدنى ولا يمنع من وجود الأدنى، فإذا ~~جاءت آية أخرى ونفت الأدنى، إذن فلا هو بظلام ولا هو بظالم. ولا بد أن ~~نلتفت إلى الإعجاز القرآني في الأسلوب، فالمتكلم هو الله. نقول: هل قال ~~الله سبحانه وتعالى: ليس بظلام للعبد أم ليس بظلام للعبيد؟ لقد قال ~~الحق: { ليس بظلام للعبيد } وهي هنا صيغة مبالغة، ~~والمبالغة مرة تكون في قوة الحدث وإن لم يتكرر، ومرة تكون في المبالغة في ~~تكرار الحدث، والإنسان حين يظلم ظلما بينا مبالغا فيه يقال عنه: إنه ~~ظلام لأنه بالغ في الظلم، فإذا لم يبالغ في الظلم وكان ظلما بسيطا ~~ولكنه شمل عددا كبيرا من الناس يكون ظلاما نظرا لتعدد المظلومين. ~~وما دام الحق سبحانه وتعالى قال: { ليس بظلام للعبيد } ولم ~~يقل: ليس بظلام للعبد، وبما أن الظلم يتناسب مع القدرة. نجد مثلا قدرة ~~الحاكم على الظلم أكبر من قدرة محدود النفوذ وهذه أكبر من قدرة الشخص ~~العادي، فلو كان الله سبحانه وتعالى مع كل واحد من عباده ظالما ولو ~~مثقال ذرة لقيل: ظلام. وقد أراد الله سبحانه وتعالى بهذه الآية الكريمة ~~أن يخبرنا أنه لا يظلم أحدا ولو مثقال ذرة، إذن فهو ليس بظلام للعبيد ~~لأنه لو ظلم كل عبد من عباده ذرة لكانت كمية الظلم هائلة لكثرة العباد. ~~ولكن حتى هذه الذرة من الظلم لا تحدث من الله سبحانه لأن الله ليس ~~بظلام للعبيد. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى أمثلة قمة الكفر في الحياة ~~الدنيا فيقول تبارك وتعالى: { كدأب آل فرعون والذين من ~~قبلهم... }. ### || [8.52] # و { الدأب } هو العادة التي تتكرر مع الإنسان ويقال: دؤوب على ms3805 كذا أي ~~يفعله باستمرار. ويوضح الله سبحانه وتعالى هنا لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم: دأب هؤلاء الكفار معك يا محمد، أي عادتهم معك، كدأب آل فرعون مع ~~رسولهم، أي أنهم يفعلون معك يا محمد، أي عادتهم معك، كدأب آل فرعون مع ~~رسولهم، أي أنهم يفعلون معك كما فعل آل فرعون مع موسى عليه السلام. وقوله ~~تعالى: { والذين من قبلهم }. أي قوم نوح وهود وصالح ولوط ~~وغيرهم، ما الذي حدث لهؤلاء؟ هلاك أو اسئصال أو تعذيب أو إغراق أو خسف. ~~إذن فالكفار الذين يعادون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحاربونه، ~~ويقفون موقف الأذى منه، هذا الدأب والموقف منهم معه مثل دأب وموقف آل ~~فرعون مع موسى عليه السلام، وقوم لوط مع لوط عليه السلام، وكذلك الذين من ~~قبلهم، ويقول الحق تبارك وتعالى: { كفروا بآيات الله.. } ~~[الأنفال: 52]. فهل تركهم الله؟. لا. { فأخذهم الله ~~بذنوبهم } [الأنفال: 52]. فمنهم من أغرقوا، ومنهم من أصابتهم ~~الصاعقة، ومنهم من خسف الله بهم الأرض، وما دام الله سبحانه وتعالى قد ~~فعل ذلك مع الكفار السابقين كما هو ثابت. فسبحانه سوف ينزل عقابه على ~~الكفار الذين يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم لن يخرجوا عن ~~قاعدة التعامل مع المكذبين للرسل، وقد حدثت سوابق مشابهة في الكون وقضايا ~~واقعية. فآل فرعون مثلا بلغوا قمة التقدم والحضارة في عصرهم وسبحانه ~~وتعالى يقول عن حضارة الفراعنة: # وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 10]. وبالنسبة لثمود إذا ذهبنا إلى مدائن صالح في السعودية نجد ~~آثار ثمود وقد حفروا بيوتهم في صخور الجبال، ويقول الحق عن حضارة ثمود: # وثمود الذين جابوا الصخر بالواد # [الفجر: 9]. وكل الحضارات القديمة قد زالت في غالبيتها ولا أثر لها، وإن ~~وجد أثر، فهو أثر قليل وبسيط لا يحمل كل سمات الحضارة، إلا آثار الفراعنة ~~حيث تحوي مسلات ضخمة وأعمدة عالية وأهرامات كبيرة وهي باقية، أما حضارة ~~قوم عاد فالحق سبحانه قد طمس آثارها فلم نعثر منها على شيء حتى الآن. لقد ~~انطمست غالبية آثار الحضارات إلا آثار حضارة آل ms3806 فرعون التي يأتي إليها ~~الناس من أنحاء الدنيا كلها ليتعجبوا من جمال البناء وروعة الفن وقمة ~~التقدم في التصميم الهندسي، وكيف نقلت هذه الأحجار الضخمة إلى الأماكن ~~العليا بدون سقالات، وكيف ارتبطت الأحجار كلها مع بعضها البعض كل هذه ~~السنوات الطويلة دون استخدام الأسمنت أو غيره من مواد التثبيت للأحجار، ~~بل تم ذلك بتفريغ الهواء. فكيف استطاعت هذه الهندسة العجيبة أن تفرغ ~~الهواء بين حجرين كبيرين ضخمين ليلتصقا ببعضهما التصاقا محكما بغير ~~لاصق ولا يستطيع أحد أن يزحزحه، فإذا كانت حضارة الفراعنة قد وصلت إلى ~~هذا الفن الهندسي باستخدام تفريغ الهواء بين أثقال ضخمة فهي حضارة راقية ~~جدا. # هذا إن نظرت إلى فن البناء فقط، وكذلك إن نظرنا إلى تحنيط الجثث التي لا ~~يعرف أحد سرها حتى الآن، وكيف أمكن المحافظة على المومياوات آلاف السنين ~~دون أن تتحلل. وكذلك إن نظرت إلى الألوان التي طليت بها المعابد ~~والرسومات وبقيت زاهية كما هي رغم كل ذلك الزمن الطويل، وإلى الحبوب التي ~~حنطت وبقيت آلاف السنين دون أن يصيبها أي تلف، بل وصالحة للطعام، هذه ~~الحضارة التي احتفظت بأسرار هذه الأشياء فلم تصل إليها البشرية حتى الآن، ~~لا بد أن تكون حضارة قوية وعالية، ولكنها رغم قوتها وعلوها لم تستطع أن ~~تحفظ نفسها من الانهيار لتصبح أثرا وتظل آثارا. أين ذهب صناع هذه ~~الحضارة وقد بلغوا شأوا كبيرا وملكوا زمام الدنيا في عصرهم؟ لا بد - ~~إذن - من وجود قوة أعلى منهم، قد دكتهم. ولماذا أتى الله بآل فرعون في ~~هذه الآية بالاسم بينما أتى بالحضارات التي كانت قبلهم إجمالا؟، فقال ~~تعالى: { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم } ~~[الأنفال: 52]. لأن آثار آل فرعون قد كشف الله عنها ورغب فيها البشرية ~~كلها ليأتوا ويروا تلك الحضارة الهائلة التي لم تستطع أن تحمي نفسها، ~~وذلك الفرعون الذي ادعى أنه إله ولم يستطع أن يضمن لنفسه البقاء. وشاء ~~الله سبحانه أن تبقى آثار هذه الحضارة ليشاهدها الناس جميعا، ثم يروا أن ~~الله عز وجل قد أهلك ms3807 أصحابها وأصبحوا أثرا بعد عين ليعرفوا أن القوة لله ~~جميعا، وأن الألوهية لله وحده، وأن كل شيء هالك إلا الله لذلك ذكرت ~~حضارة آل فرعون مخصصة، وهذا الذكر لآثار قوم فرعون من إعجازات القرآن ~~لأنه ذكر هذه الحضارة تخصيصا ثم جاء الحق بخبر الحضارات الأخرى إجمالا ~~قوم نوح وعاد وإرم وثمود. وكلهم: { كفروا بآيات الله } ~~[الأنفال: 52]. وعرفنا أن الآيات تطلق ثلاث إطلاقات: الآيات الكونية التي ~~تثبت وجود الخالق الأعلى مثل قوله تعالى: # ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر # [فصلت: 37]. وكذلك المعجزات التي يؤتيها الله رسله لإثبات صدق بلاغهم عن ~~الله مثل انشقاق البحر لموسى عليه السلام، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء ~~الموتى بإذن الله لعيسى عليه السلام، ثم آيات القرآن الكريم التي هي محكم ~~منهج الله في الأرض. وقول الحق: { كفروا بآيات الله } ~~[الأنفال: 52]، نعلم منه أنهم أنكروا وجود الخالق، والأصل في الكفر هو ~~الستر، وكفر يعني ستر. ولذلك يسمون الزارع بالمعنى اللغوي: كافر لأنه ~~يحضر الحب ويستره بالتراب، ويسمون الليل لغويا: كافر لأنه يستر الأشياء. ~~والشاعر يقول: # لي فيك أجر مجاهد # إن صح أن الليل كافر # ومعنى " كفروا " أي ستروا وجود الله تعالى، إذن فالله عز وجل موجود ثابت ~~الوجود قبل أن يستروه بالكفر لأن الإيمان أصل في وجود الخلق، والخلق قد ~~وجدوا على الإيمان، ثم جاء أناس ستروا هذا الإيمان. إذن فكلمة الكفر التي ~~معناها الستر دليل من أدلة الإيمان، وإلا لو لم يكن الله موجودا فكيف ~~يسترون ما ليس له وجود؟، فإذا قال لك أحد: إنه كفر - والعياذ بالله - ~~تقول: الكفر هو الستر فماذا سترت؟ لا بد أنك سترت ما هو موجود، وقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { كفروا بآيات الله } [الأنفال: 52]. أي كفروا ~~بآياته الكونية فلم يؤمنوا رغم الآيات الظاهرة التي تملأ الكون، وكفروا ~~بآيات الرسل فكذبوا رسلهم رغم أنهم جاءوهم بمعجزات تخرق قوانين الحياة، ~~ولم يصدقوا آيات الكتاب التي أنزلت من السماء لتبين لهم منهج الله تعالى: ~~وقوله تعالى: { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ~~كفروا بآيات الله ms3808 } [الأنفال: 52]. إيجاز معبر يذكر لك لماذا ~~أخذهم الله بذنوبهم: { فأخذهم الله بذنوبهم إن الله ~~قوي شديد العقاب } [الأنفال: 52]. والأخذ في قوله تعالى: { ~~فأخذهم } [الأنفال: 52] كان بسبب ما ارتكبوه من ذنوب وإفساد في ~~الأرض. والإنسان حين يجد سوءا يحيط به وعذابا أليما يأتيه فهو يحاول ~~أن يفر منه، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في آية أخرى: # أخذ عزيز مقتدر # [القمر: 42]. أي أن قدرة الله تعالى تمسك الكافر مسكة محكمة فلا يستطيع ~~فرارا أو هروبا. وقوله سبحانه وتعالى: { إن الله قوي شديد ~~العقاب } [الأنفال: 52]. أي أن الله أقوى من كل ما تصنعون في كونه، ~~وعقابه تعالى شديد وأليم. ونعلم أن العقاب لا يعم الناس إلا بقدر ذنوبهم، ~~فليس معنى أن الله شديد العقاب أن تصيب شدة العذاب من فعل ذنبا ~~بسيطا، ولكن لكل جزاؤه على قدر ذنبه وهذا العقاب مهما كان بسيطا فهو ~~شديد أليم، لأن العقاب من الله إنما يحدث بقدرات الله، فهما كان بسيطا ~~فهو شديد أليم، وقول الحق سبحانه وتعالى: { فأخذهم الله ~~بذنوبهم } [الأنفال: 52]. هذا القول لا يدخل في الجبرية التي يقول ~~عنها الشاعر: # ألقاه في اليم مكتوفا وقال له # إياك إياك أن تبتل بالماء # ويخطىء من يظن أن الله قد كتب جبرا على إنسان أن يكون كافرا ثم يلقى ~~به في نار جهنم، لا لأن مثل هذا الأمر يتنافى مع عدالة الله سبحانه ~~وتعالى، فأنت أيها الإنسان مخير بين الطاعة وبين المعصية، بين الإيمان ~~وبين الكفر. وعلى هذا نفهم قول الحق: { فأخذهم الله ~~بذنوبهم } [الأنفال: 52]. أي بسبب ذنوبهم، وما دام الحق تبارك ~~وتعالى قد توعدهم بعقاب شديد فهذا دليل على شدة ظلمهم. ثم يعطينا الحق ~~سبحانه وتعالى الحيثية لذلك فيقول تعالى: { ذلك بأن الله لم ~~يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم... }. ### || [8.53] # و " ذلك " إشارة إلى ما تقدم، وأنت إن نظرت إلى بداية البشرية تجد أن ~~الله تعالى خلق آدم ليجعله خليفة في الأرض، وخلق حواء لإبقاء النوع ~~الإنساني. وقبل أن ينزل آدم على الأرض أعطاه الله سبحانه ms3809 وتعالى المنهج، ~~ومن آدم وحواء بدأت ذريتهما، ولو ساروا على المنهج الذي علمه آدم لهذه ~~الذرية، لصارت البشرية إلى سعادة. ولكن الذرية تغيرت، وجحدوا النعمة ~~وأنكروا أن للنعمة خالقا، فهل يبقي الله عليهم الأمن والسلامة والنعم ~~ما داموا قد تغيروا لا. بل لا بد - إذن - أن يغير الله نعمه عليهم، وإلا ~~لما أصبح هناك أي منطق للدين لأن الإنسان قد طرأ على النعم، بمعنى أن ~~الله لم يخلق الإنسان ثم خلق له النعم. بل خلق النعم أولا ثم جاء ~~الإنسان إلى كون أعد له إعدادا كاملا وفيه كل مقومات الحياة واستمرار ~~الحياة. وظل الإنسان فترة طويلة في طفولة الحياة يرتع في نعم الله، فقبل ~~أن يعرف الزراعة وجد الثمار التي يأكلها. وقبل أن يعرف كيف يبحث عن الماء ~~وجد الماء الذي يشربه، وعلمه الله كيف يعيش. وذلل له من الحيوان ما يعطيه ~~اللبن واللحم، وكل هذه النعم وغيرها كان لا بد أن يأخذها الإنسان بالشكر ~~واستمرار الولاء لله الخالق المنعم. ولكن الإنسان جحد نعمة الله تعالى ~~وجحد المنعم، أتبقى له سعادة وحياة مطمئنة في الأرض؟ طبعا لا، وما دام ~~الإنسان قد غير، لا بد أن يغير الحق النعمة إلى نقمة، ومن رحمته سبحانه ~~أنه شاء أن يكون الإنسان هو البادىء، فالحق سبحانه منزه أن يكون البادىء ~~بالظلم، بل بدأ الإنسان يظلم نفسه. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها ~~على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } [الأنفال: 53]. ~~إذن فذرية آدم بدأت أولا بتغيير نعمة الإيمان إلى الكفر، ومن شكر النعمة ~~إلى جحودها، فجزاهم الله تعالى بالطوفان وبالصواعق وبالهلاك لأنهم غيروا ~~ما بأنفسهم، ولو أنهم عادوا إلى شكر الله وعبادته لأعاد لهم الله نعم ~~الأمن والاستقرار والحياة الطيبة. ويلفتنا المولى سبحانه وتعالى إلى أن ~~اتباع المنهج يزيد النعم ولا ينقصها، فيقول: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض # [الأعراف: 96]. وطبقا لهذا القانون الإلهي نجد أن تغير الناس من ~~الإيمان إلى الكفر ms3810 لا بد أن يقابله تغيير من نعمة الله عليهم وإلا لأصبح ~~منهج الله بلا قيمة، والمثال أن كل طالب يدخل امتحانا، ولكن لا ينجح إلا ~~من ذاكر فقط، وأما من لم يستذكر فإنه يرسب حتى لا تكون الدنيا فوضى. ولو ~~أن الله سبحانه وتعالى أعطى لمن اتبعوا المنهج نفس العطاء الذي يعطيه ~~لمن لا يتبعون المنهج فما هي قيمة المنهج؟. # إذن لا بد أن يدخل الإنسان إلى الإيمان، وأن يكون هذا الإيمان متغلغلا ~~في أعماقك وليس أمرا ظاهريا فقط، فلا تدع الإصلاح وأنت تفسد، ولا تدع ~~الشرف والأمانة وأنت تسرق، ولا تدع العدل وأنت تظلم الفقير وتحابي الغني ~~لأن الحق سبحانه وتعالى لا يعطي نعمه الظاهرة والباطنة إلا لمن يتبعون ~~منهجه. وإذا رأيت قوما عم فيهم الفساد فاعلم أن نفوسهم لم تتغير رغم ~~أنهم يتظاهرون باتباع المنهج الإلهي. وإن شكونا من سوء حالنا فلنعرف ~~أولا ماذا فعلنا ثم نغيره إلى ما يرضي الله عز وجل فيغير الله حالنا. ~~ولذلك إذا وجدت كل الناس يشكون فاعلم أن هذا قد حدث بسبب أن الله غير ~~نعمه عليهم لأنهم غيروا ما بأنفسهم. أي أن حالتهم الأولى أنهم كانوا في ~~نعمة ومنسجمين مع منهج الله، فغيروا انسجامهم وطاعتهم فتغيرت النعمة، أي ~~أن هناك تغييرين أساسيين، أن يغير الله نعمة أنعمها على قوم، وهذا لا ~~يحدث حتى يغيروا ما بأنفسهم. وقوله تعالى: { وأن الله سميع ~~عليم } [الأنفال: 53]. أي أن الله تعالى يعلم حقيقة ما يفعلون ويسمع ~~سرهم وجهرهم، ولذلك إذا غيروا، سمع الله سبحانه وعلم لأن التغيير إما ~~أن يكون بالقول وإما أن يكون بالفعل، فإن كان التغيير بالقول فالحق ~~سبحانه يسمعه ولو كان مجرد خواطر في النفوس، وإن كان التغيير بالعمل ~~فالحق يراه ويعلمه ولو كان في أقصى الأرض. يعود الحق سبحانه وتعالى إلى ~~آل فرعون فيقول: { كدأب آل فرعون والذين من قبلهم ~~كذبوا بآيات ربهم... }. ### || [8.54] # يتساءل البعض: لماذا عاد الحق سبحانه وتعالى إلى آل فرعون ولم يأت بها ~~مع الآية الأولى؟. نقول: ms3811 لأن هناك فرقا دقيقا بين كل منهما. فالآية ~~الأولى يقول فيها الحق تبارك وتعالى: # كفروا بآيات الله # [الآنفال: 52]. وفي الآية الثانية يقول فيها: { كذبوا بآيات ~~ربهم } [الأنفال: 54]. والآية الأولى تدل على أنهم كفروا بالآيات ~~الكونية المثبتة لوجود الله تعالى وآيات الرسل وآيات الكتب التي أنزلت ~~إليهم، وفي هذه الآية كذبوا بآيات ربهم أي لم يصونوا النعم التي أعطاها ~~الله لهم، فنعم الله عطاء ربوبية، وتكاليفه ومنهجه عطاء ألوهية، وهم في ~~الآية الأولى كذبوا بعطاء الألوهية، أي كفروا بالله. وفي الآية الثانية ~~كذبوا بعطاء الربوبية أي بنعم الله، فعطاء الربوبية هو عطاء رب خلق من ~~عدم وأمد من عدم لتكتمل للإنسان مقومات حياته. والله يساوي في عطاء ~~الربوبية بين المؤمن والكافر وبين العاصي والطائع، ولا يفرق بينهم بسبب ~~الإيمان أو الكفر. وهنا يقول المولى سبحانه وتعالى: { وأغرقنآ آل ~~فرعون وكل كانوا ظالمين } [الأنفال: 54]. أي لم يكن بينهم ~~مؤمن وكافر بحيث يكون هنا تفرقة بأن ينجي المؤمنين ويغرق الكافرين، بل ~~كلهم ظلموا أنفسهم بالكفر لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: { وأغرقنآ ~~آل فرعون وكل كانوا ظالمين } [الأنفال: 54]، وذكر سبحانه ~~آل فرعون بالتخصيص لأنهم الأمة الوحيدة التي بقيت حضارتها تدل على مدى ~~تقدمها، هذا التقدم الذي لم نصل إلى كل أسراره حتى الآن. ولا يمكن أن ~~تنتهي مثل هذه الحضارة إلا بقوة أعلى من قوتها. فكأن الحق قد أراد أن ~~يلفتنا إلى آل فرعون بالذات لأنه قدر للبشرية أن تكتشف آثار آل فرعون، ~~وآثارهم لافتة للعالم أجمع، ووضع في قلوب البشر حب أن يأتوا ليروا حضارة ~~آل فرعون، ويتعجبوا كيف وصلوا إلى هذه المنزلة العالية من الحضارة، ثم ~~انهارت هذه الحضارة كدليل على وجود قوة أعلى وهي الله سبحانه وتعالى، وقد ~~أهلكهم الحق لأنهم كفروا بالألوهية واتخذوا فرعون إلها وربا من دون ~~الله، وكفروا بنعمة الربوبية التي أعطاها الله لهم، والتي يذكر الله جزءا ~~منها في قوله الكريم: # كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ~~ونعمة كانوا فيها فاكهين # [الدخان: 25-27]. إذن فالله ms3812 تعالى قد أعطاهم الزرع والماء ولم يعطهم ~~بتقتير، بل أعطاهم بوفرة وسعة لذلك قال تعالى: # جنات وعيون # [الدخان: 25]. وأعطاهم الثروة والقوة التي تحفظ لهم كرامتهم وتجعلهم ~~أسياد الأرض في عصرهم، وحققت لهم مقاما كريما ولم يجرؤ أحد على أن ~~يهينهم، ولا أن يعتدي عليهم، فقد كان عندهم كنوز الأرض وعندهم القوة التي ~~تحفظ لهم الكرامة في قوله تعالى: # وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها فاكهين # [الدخان: 26-27]. وأعطاهم من العلم ما يوفر لهم الترف والحياة الطيبة ~~الرغدة المريحة في كل شيء، ولكنهم كفروا بنعم الربوبية هذه، كما كفروا ~~بنعمة الألوهية فاستحقوا العقاب، وبقيت آثارهم تدل عليهم نجد فيها الذهب ~~والكنوز، وقد دفنت مع موتاهم، ونجد فيها الحضارة والقوة في المعارك التي ~~صوروها على معابدهم بتوضيح وإتقان. ونرى فيها النعمة الهائلة التي كان ~~يعيش فيها فرعون وقومه، ولكنهم لم يؤدوا حقها وكفروا بالخالق واهب النعم. ~~ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { إن شر الدواب عند ~~الله... }. ### || [8.55] # { الدوآب } [الأنفال: 55] جمع دابة، والدابة هي كل ما يدب على وجه ~~الأرض، فإذا كان هذا هو المعنى يكون الإنسان داخلا في هذا التعريف، ولكن ~~العرف اللغوي حدد الدابة بذوات الأربع، أي الحيوانات. وشرف الخالق سبحانه ~~وتعالى الإنسان بأن جعله لا يمشي على أربع، فلا يدخل في هذا التعريف. ~~وقول الحق سبحانه وتعالى: { إن شر الدواب عند الله ~~الذين كفروا } [الأنفال: 55]. يبين لنا أن الله سبحانه وتعالى قد ~~ألحق الكفار بالدواب واستثنى المؤمنين فقط، فسبحانه خلق الدواب وباقي ~~أجناس الكون مقهورة تؤدي مهمتها في الحياة بالغريزة وبدون اختيار والشيء ~~الذي يحدث بالغرائز لا تختلف فيه العقول، ولذلك نجد كثيرا من الأشياء ~~نتعلمها نحن أصحاب العقول من الحيوانات والحشرات التي لا عقول لها لأن ~~الحيوانات تتصرف بالغريزة، والغريزة لا تخطىء أبدا، فإذا قرأنا قول الحق ~~سبحانه وتعالى: # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ~~يواري سوءة أخيه # [المائدة: 31]. نجد أن الغراب الذي لا اختيار له، ولا عقل علم الإنسان ~~الذي له عقل واختيار. وقد حدث ms3813 ذلك لأن الغراب محكوم بالغريزة. إذن فكل ما ~~يقوم به الحيوان من سلوك هو باختيار الله سبحانه وتعالى لأن الحيوان ~~مقهور على التكاليف. ومن رحمة الله تعالى أن المخلوقات باستثناء الإنسان ~~خلقت مقهورة تفعل كل شيء بالغريزة وليس بالعقل، ولكن الإنسان الذي كرمه ~~الله بالعقل يكفر ويعصي. رغم أن الحق أنعم على الإنسان بنعمة الاختيار. ~~ومن العجيب أننا نجد الحيوان المحكوم بالغريزة لا يخرج سلوكه عن النظام ~~المجبول عليه ويؤدي مهمته كما رسمت له تماما، فالدابة مثلا تلد ويأخذون ~~وليدها ليذبحوه فلا تنفعل لأن هذه مهمتها في الحياة أن تعطي للإنسان ~~اللحم. والحمامة ترقد على بيضها وعندما يخرج الفرخ الصغير تتولاه لفترة ~~بسيطة جدا حتى يعرف كيف يطير وكيف يأكل ثم بعد ذلك تتركه ليؤدي مهمته ~~لأنه محكوم بالغريزة. والغرائز لا تخطىء. ويتصرف بها الحيوان بدون تعليم ~~له. فإذا جئنا للإنسان نجد أن ألوان السلوك المحكومة بالغريزة فيه لا ~~يتعلمها إذا جاع طلب الطعام دون أن يعلمه أحد كيف يشعر بالجوع، فهذه ~~غريزة. وإذا عطش طلب الماء دون أن يعلمه أحد معنى العطش ولا كيف يشرب. ~~وكل واحد منا في الغرائز متساو مع الآخر. ونجد الغني والفقير والحاكم ~~والغفير إذا شعروا بالجوع طلبوا الطعام، وإذا شعروا بالعطش طلبوا الماء. ~~فكل شيء محكوم بالغرائز لا يوجد فيه تغيير. ومن العجيب - مثلا - أن ~~الحمار حين يريد أن يعبر مجرى مائيا ينظر إليه، وبمجرد النظرة يستطيع أن ~~يعرف هل سيعبره أم لا، فإن كان قادرا قفز قفزة واحدة ليعبر، وإن لم ~~يقدر بحث عن طريق آخر. # ولا تستطيع أن تجبر حمارا على أن يعبر مجرى مائيا لا يقدر على عبوره، ~~ومهما ضربته فلن يستجيب لك ولن يعبر. أما الإنسان إن طلبت منه أن يعبر ~~قناة مائية فقد يقول لنفسه: سأجمع كل قوتي وأقفز قفزة هائلة، وإن لم يكن ~~قياسه صحيحا، يسقط في الماء، ذلك لأنه أخطأ وصورت له أداة الاختيار أنه ~~يستطيع أن يفعل ما لا يقدر عليه. إذن فالمحكوم بالغريزة هو الأوعى. ms3814 ~~وعندما نأتي إلى الأكل، نجد الحيوان المحكوم بالغريزة أكثر وعيا لأنه ~~يأكل فإذا شبع لا يذوق شيئا. ولو جئت له بأشهى الأطعمة. فأنت لا تستطيع ~~أن تجعل الحيوان يأكل عود برسيم واحدا، أو حفنة تبن، أو حبة فول بعد أن ~~يشبع، وتجده يدوس على ما زاد عن حاجته بقدميه. وتعال إلى إنسان ملأ بطنه ~~وشبع وغسل يديه، ثم قالوا له مثلا: أنت نسيت الفاكهة، أو نسيت الحلوى، ~~تجده يعود مرة أخرى ليأكل وهو شبعان فيتلف معدته ويتلف جسده. ولذلك تجد ~~الإنسان مصابا بأمراض كثيرة لا تصيب الحيوان لأنه يسرف في أشياء كثيرة، ~~بل تجد أن الأمراض التي تصيب الحيوان معظمها من تلوث بيئة الحيوان مما ~~يفعله الإنسان. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يخبرنا أن الدابة المحكومة ~~بالغريزة خير من الكافر لأن الدابة تؤدي مهمتها في الحياة تماما. بينما ~~لا يؤدي الكافر مهمته في الأرض، بل يفسد فيها ويسفك الدماء، وبذلك يكون ~~شرا من الدابة. ولقد قلنا: إن الدابة تحملك من مكان إلى مكان ولا تشكو، ~~وتحمل أثقالك ولا تتبرم. وتظل سائرة فترة طويلة وأنت جالس فوقها فلا ~~تضيق بك وتلقيك على الأرض، لقد خلقت لهذه المهمة وهي تؤديها كما خلقت ~~لها دون شكوى أو ضجر لأنها محكومة بنظام دقيق تتبعه وتنفذه. ولكن الإنسان ~~اخترع السيارة وطور فيها، وقد يجلس أمام مقعد القيادة ويصيبه التعب فينعس ~~ويقع في حادثة فيصاب فيها ويصيب غيره أيضا. وكان من المفروض أن يتبع ~~الإنسان في حياته منهج ربه الذي أنزله إليه، لكن من البشر من كفر وأخذ ~~يعربد في الكون، وبذلك يكون شرا من الدابة لأن الكافر لا يستخدم عقله في ~~أولويات الوجود، وهو لو استخدم عقله لعرف أنه أقبل على كون قد أعد ~~إعدادا دقيقا شمس تضيء نصف الكون لتعطيه النهار، وتغرب ليطل قمر يضيء ~~بالليل يؤنسه في الظلام ونجوم تهديه الطريق في البر والبحر، ومطر ينزل ~~لينبت الزرع. وحيوان مسخر له يعطيه اللبن واللحم ويحمل أثقاله. كان لا بد ~~- إذن - للإنسان صاحب العقل ms3815 أن يفكر: من الذي خلق له كل هذه النعم؟ لأن ~~هذه هي من أولى مهمات العقل الذي يفكر، ويدلنا على الخالق. وكان لا بد في ~~هذه الحالة أن يعرف الإنسان بعقله أن الذي صنع له كل هذه النعم وسخرها له ~~لا بد أنه يريد به خيرا. ولذلك إذا جاءه المنهج من السماء عليه أن يتبعه ~~لأنه يعلم أن هذا المنهج خير ما يصلح له لأنه جاء من خالقه. وفي هذه ~~الحالة كان لا بد لأمور الكون أن تستقيم. ولكن بعضا من بني الإنسان ~~ستروا وجود الله وكفروا به ولذلك يوضح لنا الحق تبارك وتعالى أنهم شر من ~~الدواب، لأنهم لا يؤمنون. ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { ~~الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم... }. ### || [8.56] # وبعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الكافرين الذين حاربوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ينتقل هنا للكلام عن الجماعة التي عاهدت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على أن يكفوا عنه شرهم، وألا يتعرض لهم الرسول، وهم ~~اليهود، فهل ظلوا على وفائهم بالعهد؟ لا. بل نقضوا العهد. بنو قريظة - ~~مثلا - عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ألا يعينوا عليه أحدا، ~~ولما جاءت موقعة بدر مدوا الكفار بالسلاح ونقضوا العهد، ثم عادوا وأعطاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا ثانيا، وعندما جاءت غزوة الخندق ~~اتفقوا على أن يدخل جنود قريش من المنطقة التي يسيطرون عليها ليضربوا جيش ~~المسلمين من الخلف في ظهره، فأرسل الله ريحا بددت شمل الكفار، إذن فقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { الذين عاهدت منهم ثم ينقضون ~~عهدهم في كل مرة } [الأنفال: 56]. وهم قد فعلوا ذلك لأنهم ~~تركوا منهج الله وخافوا من رسول الله فحاولوا أن يخدعوه بنقض المعاهدات. ~~وقوله تعالى: { وهم لا يتقون } [الأنفال: 56]. إنهم لا يتقون ~~الله - عز وجل - الذين يؤمنون به إلها لأنهم أهل كتاب جاءتهم التوراة، ~~وجاءهم رسول وهو موسى عليه السلام، وهم ليسوا جماعة لم يأتها كتاب بل نزل ~~عليهم كتاب سماوي هو التوراة، ومع ms3816 ذلك لا يتبعون ما في كتابهم ولا يتقون ~~الله تعالى، فهم أولا ينقضون العهد، والنقض ضد الإبرام، والإبرام هو أن ~~تقوي الشيء تماما كما تبرم الخيط أي تقويه، وعندما تقوي الخيط فأنت ~~تجعله ملفوفا على بعضه ليصبح متينا. فالخيط الذي طوله شبران عندما ~~تبرمه يصبح طوله شبرا واحدا ويصبح قويا، فإذا فككته أي نقضته أصبح ~~ضعيفا، ولذلك يقول المولى سبحانه وتعالى: # ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ~~أنكاثا # [النحل: 92]. ويعطينا الحق سبحانه وتعالى الحكم في هؤلاء أولئك الذين لا ~~يؤمنون، ولا يتقون وينقضون عهدهم فيأتي فيهم القول الحق: { فإما ~~تثقفنهم في الحرب... }. ### || [8.57] # أي إن وجدتهم في أي حرب فشرد بهم من خلفهم. ولنا أن نلحظ أن كلمة " إما ~~" هي إن الشرطية المدغمة في " ما " إذا ما حذفنا منها ما، نجد أنها تصبح ~~إن، كأنه يقول: " إن ما " ، وأدغمت نون " إن " في " ما " ، مثلها مثل ~~أن نقول: إن جاءك زيد فأكرمه هذه جملة شرطية فيها شرط وجواب وأداة شرط، ~~ولكنه إذا تم مرة واحدة يكون قد انتهى. ولكن " ما " مع إن الشرطية تدلنا ~~على أنه كلما حدث ذلك فإننا نفعل بهم ما أمر الله تعالى به، كما نقول: ~~كلما جاءك زيد فأكرمه لأن إما هذه تتضمن ما يفيد الاستمرارية، مثل " كلما ~~" فكلما جاءك تكرمه ولو جاء مائة مرة، ولو لم تجيء " ما " لكان يكفي أن ~~تصنعها مرة واحدة. وقوله تعالى: { تثقفنهم في الحرب } ، ثقف ~~بمعنى وجد، أي كلما وجدتهم في الحرب: فشرد بهم من خلفهم، أي اجعلهم أداة ~~لتشريد من خلفهم. وعليك أن تؤدبهم أدبا يجعل الذين وراءهم يخافون منكم، ~~ويبتعدون عنكم، وكلما رأوكم أصابهم الخوف والهلع، وكما يقول المثل ~~العامي: " اضرب الربوط يخاف السايب ". أي أن المطلوب أن نجاهدهم بقوة ~~وبدون شفقة، حتى لا يفكر في مساندتهم من جاءوا خلفهم لينصروهم أو ~~يؤازروهم بالدخول معهم في القتال، ولا تحدثهم أنفسهم في أن يستمروا في ~~المعركة، فشرد بهم، والتشريد هو التشتيت والتفريق والإبعاد ولكن بقسوة. ~~فحيثما يريدوا أن ms3817 يذهبوا امنعهم وشتتهم على غير مرادهم. وقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { لعلهم يذكرون } [الأنفال: 57]. أي لكي تكون هذه ~~التجربة درسا لهم كيلا يفكروا مرة أخرى في حرب معك لأنهم سوف يتذكرون ~~ما حدث لهم فيبتعدون عن مواجهتك. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { ~~وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء... }. ### || [8.58] # وسبحانه وتعالى يبدأ هذه الآية بقوله: " وإما " ومثلها مثل " فإما " في ~~الآية السابقة وقد تم التوضيح فيها، وهنا يتحدث عن الآخرين الذين لا ~~يواجهون بالحرب، بل يدبرون لخيانة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونقول: ~~هل هذه الخيانة مقطوع بها؟ أو أنت أخذت بالشبهات؟. الله سبحانه وتعالى ~~هنا يفرق بعدالته في خلقه بين الخيانة المقطوع بها والخيانة غير المقطوع ~~بها، فالخيانة المقطوع بها لها حكم، والخيانة المظنون بها لها حكم آخر. ~~ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { وإما تخافن من قوم ~~خيانة } [الأنفال: 58]. أي بلغك أنهم سيخونونك، ماذا تفعل فيهم؟. ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: { فانبذ إليهم على سوآء } ~~[الأنفال: 58]. أي أنه ما دام هناك عهد والعهد ملك لطرفين، هذا عاهد وذاك ~~عاهد، فإياك أن تأخذهم على غرة، بل انبذ إليهم، والنبذ هو الطرح ~~والإبعاد، أي عليك أن تلغي العهد الذي بينك وبينهم، وتنهيه، وتبعده ~~بكراهية. فساعة تخاف الخيانة أبعدهم، ولكن لا تحاربهم قبل أن تعلمهم ~~أنك قد ألغيت العهد بسبب واضح معلوم. وقد علم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن قبيلة خزاعة - كانت من حلفائه بعد صلح الحديبية - وكان الصلح ~~يقضي ألا تهاجم قريش حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألا يهاجم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حلفاء قريش، وذهب بعض من أفراد قريش إلى ~~قبيلة خزاعة وضربوهم، أي أن قريشا خانت العهد، ونقضت الميثاق الذي كان ~~بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بمعاونتها بني بكر في ~~الاعتداء على خزاعة حلفاء الرسول صلى الله عليه وسلم فماذا فعل الناجون ~~من خزاعة؟. أرسلوا عنهم عمرو بن سالم الخزاعي يصرخ عند رسول الله صلى ~~الله ms3818 عليه وسلم في المدينة وقال: إن قريشا أخلفتك الوعد ونقضت ميثاقك، ~~ولما حدث هذا لم يبق رسول الله صلى الله عليه وسلم المسألة سرا، بل ~~أبلغ قريشا بما حدث. وأنه طرح العهد الذي تم في صلح الحديبية بينه وبين ~~قريش. وعندما جاء أبو سفيان إلى المدينة ليحاول أن يبرر ما حدث. رفض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يقابله. إذن فإن وجدت من القوم الذين عاهدتهم ~~بوادر خيانة فانبذ العهد، أما إن تأكدت أنهم خانوك فعلا وحدثت الخيانة ~~ففاجئهم بالحرب، تماما كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود ~~بعد أن خانوه في غزوة الخندق ونقضوا العهد والميثاق. ثم يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { إن الله لا يحب الخائنين } [الأنفال: 58]. فكأن ~~الله تعالى بريء، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بريء، والمسلمون أبرياء ~~أن يخونوا حتى مع الذين كفروا وهذه تؤكد لنا أن الإسلام جاء ليعدل ~~الموازين في الأرض ليس بالنسبة للمؤمنين به فقط بل بالنسبة للناس جميعا. # ولذلك إن قرأت قول الحق سبحانه وتعالى: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله # [النساء: 105]. تلاحظ أن الآية لم تقل: بين المؤمنين، ولكن قالت: { ~~بين الناس } حتى لا تكون هناك تفرقة في العدل بين مؤمن وغير مؤمن، ~~فغير المؤمن مخلوق لله، استدعاه الله إلى هذا الوجود، وسبحانه قد أعد له ~~مكانه في هذا العالم لذلك لا بد أن تراعي العدل معه في كل الأمور ولا ~~تظلمه بل تعطيه حقه لأنك بذلك تكون أنت مددا من إمدادات الله. وقد كان ~~هذا السلوك العادل الذي أمر به الله سببا في دخول عدد كبير في الإسلام. ~~ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول: # ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105]. أي لا تناصر - يا محمد - الخائنين حتى وإن كانوا من ~~أتباعك. وقد نزلت هذه الآية عندما سرق درع من قتادة بن النعمان وهو من ~~الأنصار، وحامت الشبهة حول رجل من الأنصار من بيت يقال لهم: بنو أبيرق. ~~فجاء صاحب الدرع إلى رسول الله ms3819 صلى الله عليه وسلم، وقال: إن طعمة بن ~~أبيرق سرق درعي، فلما علم السارق بما حدث، وضع الدرع في جوال دقيق وأسرع ~~وألقاه في بيت رجل يهودي اسمه زيد بن السمين. وقال لعشيرته: إني وضعت ~~الدرع في منزل اليهودي زيد بن السمين، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله إن صاحبنا بريء. والذي سرق الدرع هو فلان ~~اليهودي. وذهب الصحابة فوجدوا الدرع في جوال دقيق في بيت اليهودي. ولكن ~~اليهودي أنكر أنه سرق الدرع وقال: لقد أتى به طعمة بن أبيرق ولم يلحظ ~~طعمة أثناء نقل جوال الدقيق أن بالجوال ثقبا صغيرا، تسرب منه الدقيق ~~ليصنع علامة على الأرض، وذلك من غفلته لأن الله لا بد أن يترك دليلا ~~للحق يهتدي به القاضي حتى لا يضيع الحق فتتبع المسلمون علامة الدقيق حتى ~~أوصلتهم إلى بيت طعمة بن أبيرق وأصبحت القضية أن السارق مسلم. ولكنه اتهم ~~اليهودي كذبا بالسرقة. وقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ~~حكمت لليهودي على المسلم يكون المسلمون في خسة ودناءة وحرج، وإذا بالوحي ~~ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعصمه من تعدي خواطره في هذه ~~المسألة: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105]. أي لا تكن لأجل ولصالح الخائنين مدافعا عن أي واحد منهم ~~ولو كان هذا الخائن مسلما. وهكذا كان عدل الإسلام في أن حكم الله تعالى ~~لا ينصر مسلما على باطل ولا يظلم يهوديا، ألا يرون هذا الدين وما فيه ~~من قوة الحق؟ ألا يدفعهم ذلك إلى أن يتجهوا إلى هذا الدين الإسلامي دين ~~العدالة والإنصاف ليكونوا في أحضانه؟! وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: { ~~وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء } [الأنفال: 58]. أي قل لهم إني ألغيت هذا العهد الذي بيني ~~وبينكم وأصبحت في حل منه. وقوله تعالى: { إن الله لا يحب ~~الخائنين } [الأنفال: 58]. يبين أنه سبحانه وتعالى لا يحب الخائنين ~~حتى ولو كانوا ms3820 من المنسوبين للإسلام. ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: ~~{ ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا... }. ### || [8.59] # حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الكفار في حرب، قتل فريق من ~~الكفار، وأسر فريق آخر منهم، وفر فريق ثالث، وأما الذين قتلوا والذين ~~أسروا فقد أخذوا جزاءهم، والذين فروا نجوا من القتل ومن الأسر، فكأنهم ~~سبقوا فلم يلحق بهم المسلمون الذين أرادوا أن يقتلوهم أو يأسروهم. والسبق ~~أن يوجد شيء يريد أن يلحق بشيء أمامه فيسبقه ولا يستطيع اللحاق به. فكأن ~~الكفار عندما فروا سبقوا المسلمين الذين لو لحقوا بهم لقتلوهم أو أسروهم. ~~الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نعرف أن هذا هو ظاهر ما حدث، ولكن الحقيقة ~~التي يريدنا الله عز وجل أن نفهمها هي أن هؤلاء الكفار الذين فروا ~~وسبقوا، ولم تلحقهم أيدي المسلمين، هؤلاء لا يعجزون الله تعالى ولا ~~يخرجون عن قدرته سبحانه وتعالى وسوف يأتيهم العذاب في وقت لاحق، إما ~~بانقضاء الأجل وإما في معركة ثانية. وعادة نجد أن كلا من السابق ~~والمسبوق يستخدم أقصى قوته، الأول ليفر والثاني ليلحق به. ولذلك عندما ~~تراهما فقد تتعجب من القوة التي يجري كل منهما بها، وهذه هي الطبيعة ~~الإنسانية، فساعة الأحداث العادية يكون للإنسان قوة وقدرة. وساعة الأحداث ~~المفاجئة تكون له أي للإنسان ملكات أخرى. فإذا غرقت سفينة في البحر مثلا ~~وتعلق واحد من ركابها بقطعة خشب من حطام السفينة، تجده يسبح لفترة طويلة ~~دون أن يشعر بالتعب. فإذا وصل إلى الشاطىء خارت قواه. ولقد عرفنا سر ذلك ~~عندما اكتشف علم وظائف الأعضاء أن الإنسان عنده غدة فوق الكلي هي الغدة ~~الكظرية، إذا وقع في مأزق مفاجيء تفرز مادة " الأدرينالين " وهذه مادة ~~يمكن أن تعطيه عشرة أضعاف قوته، ولكن إذا زال الخطر تتوقف الغدة عن إفراز ~~هذه المادة إلا بالنسبة التي يحتاجها الجسم، ولذلك تجد الإنسان الذي ~~يصارع الموج في البحر تمده هذه الغدة بالوقود، فإذا وصل إلى الشاطىء ~~توقفت الغدة عن الإفراز الزائد المناسب للخطر فتخور قواه وربما ms3821 يظل ثلاثة ~~أيام نائما من التعب. وهناك قصة خيالية رمزية تروى عن صائد أرسل كلبه ~~يجري وراء غزال ليأتيه به، والكلب يجري يريد اللحاق بالغزال، والغزال ~~يجري طلبا للنجاة، وفجأة التفت الغزال إلى الكلب وقال له: لن تلحقني ~~لأني أجري لحساب نفسي وأنت تجري لحساب صاحبك. فمن يفعل شيئا لينجو بنفسه ~~يكون قويا. وقول الحق سبحانه وتعالى: { إنهم لا يعجزون } ~~[الأنفال: 59]. أي إنهم في قبضة المشيئة لا يخرجون عن قدرة الله الذي ~~سيحضرهم ويحاسبهم. وبعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى عمن حارب، ومن عاهد ~~وغدر، ومن فر وسبق، ومن يريد أن يلحق به، أراد أن ينبهنا إلى حقيقة هامة ~~وهي ألا نقصر في إعدادنا للقوة التي تعيننا على ملاقاة الأعداء وقت الحرب ~~أو حتى تأتينا الحرب لأننا قد نفاجأ بها فلا نستطيع أن نستعد، ولذلك لا ~~يجب أن يقتصر استعدادنا للقتال إلى أن تأتي ساعة القتال ذاتها، لا، بل ~~يجب أن نستعد سلما وحربا. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم... }. ### || [8.60] # وقوله تعالى: { وأعدوا لهم } [الأنفال: 60] يعني أن يكون ~~الإعداد لكل من تحدث عنهم، وهم الذين قاتلوا وقتلوا وأصاب أهلهم ضرورة ~~الثأر لمقتلهم، والذين أسروا، والذين نقضوا العهد نقضا أكيدا أو نقضا ~~محتملا، كل هؤلاء لا بد أن تعد لهم ما جاء به قول الحق تبارك وتعالى: { ~~ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } [الأنفال: ~~60]. وهذا تكليف من الله تعالى لعباده المؤمنين الذين يجاهدون لإعلاء ~~كلمته بضرورة أن يعدوا دائما قدر إمكانهم ما استطاعوا من قوة. ولماذا ~~قدر استطاعتهم؟ لأن الإنسان محدود بطاقة، ووراء قدرة المؤمنين قدرة الله ~~سبحانه. ولذلك أنت تعد قدر ما تستطيع ثم تطلب من الله أن يعينك. وإذا ما ~~صنعت قدر استطاعتك، إياك أن تقول: إن هذه الاستطاعة لن توصلني إلى مواجهة ~~ما يملكه خصمي من معدات يمكن أن يهاجمني بها، فخصمك ليس له مدد من السماء ~~إنما أنت لك المدد ms3822 السماوي، وما دام لك هذا المدد فقوتك بمدد الله تجعلك ~~الأقوى مهما كان عدوك، ولذلك عندما يحدث الله تعالى المؤمنين يوضح لهم: ~~إياكم أن تخافوا من كثرة عدد عدوكم، والمطلوب منكم أن تعدوا له ما ~~استطعتم من قوة وحتى أطمئنكم أني معكم، تذكروا آية واحدة أنزلتها، وهي: # سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب # [آل عمران: 151]. وساعة يلقي الله عز وجل في قلوب الذين كفروا الرعب ~~سيلقون سلاحهم ويفرون من ميدان القتال ولو كانوا يحاربون بأقوى الأسلحة، ~~وسيتمكن المؤمنون منهم وينتصرون عليهم بأية قوة أعدوها. وقوله تعالى: { ~~ما استطعتم من قوة } [الأنفال: 60]. هذه القوة قد تكون ~~ذاتية في النفس بحيث لا تخاف شيئا، فجسم كل مقاتل قوي ممتلىء بالصحة وله ~~عقل يعمل باقتدار وإقبال على القتال في شجاعة، بالإضافة إلى قوة السلاح ~~بأن يكون سلاحا حديثا متطورا بعيد المدى، وأن يحرص المؤمنون على ~~امتلاك كل شيء موصول بالقوة. وكان الهدف قديما وحديثا أن يمتلك المقاتل ~~قوة تمكنه من عدوه ولا تمكن عدوه منه. وفي عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان مدى رمي السهام هو رمز القوة. فأول ما تبدأ الحرب يضربون العدو ~~بالنبال، فإذا زحف العدو وتقدم يستخدمون له الرماح، فإذا تم الالتحام كان ~~ذلك بالسيوف. وكانت أحسن قوة في الحرب هي السهام التي ترمي بها خصمك ~~فتناله وهو بعيد عنك، ولا يستطيع أن ينالك أو يقترب منك. ولذلك عندما فسر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم القوة قال فيما يرويه عنه عقبة بن عامر رضي ~~الله عنه قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: { ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } [الأنفال: 60] ثم ~~قال: " ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي " ". # لأنك بالرمي تتمكن من عدوك ولا يتمكن هو منك، فإذا تفوقت في الرمي كنت ~~أنت المنتصر عليه. ولكن كيف ينطبق ذلك على الحرب في العصر الحديث بعد أن ~~تطورت الأسلحة الفتاكة؟ لقد صارت المدفعية لفترة من الزمن هي ms3823 السلاح ~~لأنها المحقق للنصر لبعد مداها، ثم جاءت الطائرات لتصبح هي السلاح الأقوى ~~لأنها تستطيع أن تقطع مسافة طويلة وتلقي بقنابلها وتعود. وصارت قوة ~~الطيران هي التي تحدد المنتصر في الحرب لأنها تلحق بالعدو خسائر جسيمة ~~دون أن يستطيع هو أن يرد عليها ما دام غير متفوق في الطيران، ثم بعد ذلك ~~جاءت الصواريخ والصواريخ عابرة للقارات، إلى آخر الأسلحة المتطورة التي ~~تتسابق على اختراعها الدول الآن، وكلها أسلحة بعيدة المدى، والهدف أن ~~تنال كل دولة أرض عدوها ولا يستطيع هو أن ينال أرضها. ويضيف الحق تبارك ~~وتعالى: { ومن رباط الخيل } [الأنفال: 60]. ورباط الخيل هو ~~القوة التي تحتل الأرض، فمهما بلغت قدرتك في الرمي فأنت لا تستطيع أن ~~تستولي على أرض عدوك، ولكن راكبي الخيل كانوا يدخلون المعركة في الماضي ~~بعد الرمي ليحتلوا الأرض. وهذه عملية تقوم بها المدرعات الآن. فالمعركة ~~تبدأ أولا رميا بالصواريخ والطائرات حتى إذا حطمت قوة عدوك انطلقت ~~المدرعات لتحتل الأرض، فالطائرات والصواريخ تهلك العدو وتحطمه ولكنها لا ~~تأخذ الأرض. ولكن الذي يمكننا من الأرض والاستيلاء عليها هو: رباط الخيل، ~~أو المدرعات، ورباط الخيل هو عقده للحرب، أي أن الخيل تعد وتعلف وتدرب ~~وتكون مستعدة للحرب في أية لحظة، تماما كما تأتي للمدرعات وتعدها ~~إعدادا جيدا بالذخيرة، وتصلح ماكيناتها وتتدرب عليها لتكون مستعدا ~~للقتال في أي لحظة. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ~~عنه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من خير معاش الناس لهم رجل يمسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على ~~متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار على متنه يبتغي القتل أو الموت ~~مظانه، ورجل في غنيمة في شعفة من هذه الشعفاء وبطن واد من هذه ~~الأودية، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين ليس من ~~الناس إلا في خير ". # أي أنه لا ينتظر بل ينطلق لأي صيحة. ومن الإعجاز في الأداء القرآني أنه ~~أعطانا ترتيبا للحرب، فالحرب أولا ms3824 تبدأ بهجوم يحطم قوى العدو بالرمي، ~~سواء كان بالصواريخ أم بالطائرات أم بغيرهما، ثم بعد ذلك يحدث الهجوم ~~البري، ولا يحدث العكس أبدا. ورتب الحق سبحانه وتعالى وسائل استخدام ~~القوة أثناء القتال، فهي أولا الرمي، وبه نهلك مكينا ثم نستولي على ~~المكان، وكان ذلك يتم برباط الخيل الذي تقوم مقامه المدرعات الآن. # ونجد أن الحق سبحانه وتعالى جاء في القرآن الكريم بالأداء الذي يعلم ما ~~تأتي به الأيام من اختراعات الخلق، ونجد في زماننا هذا كل قوة للسيارة أو ~~المدرعة أو الدبابة إنما تقاس منسوبة إلى الخيل، فيقال قوة خمسة أحصنة أو ~~خمسمائة حصان. ويقول المولى سبحانه وتعالى: { وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به ~~عدو الله وعدوكم } [الأنفال: 60]. فالقصد - إذن - من إعداد ~~هذه القوة هو إرهاب العدو حتى لا يطمع فيكم لأن مجرد الإعداد للقوة، هو ~~أمر يسبب رهبا للعدو. ولهذا تقام العروض العسكرية ليرى الخصم مدى قوة ~~الدولة، وحين تبين لخصمك القوة التي تملكها لا يجترىء عليك، ويتحقق بهذا ~~ما نسميه بلغة العصر " التوازن السلمي ". والذي يحفظ العالم الآن بعد ~~سقوط الاتحاد السوفيتي هو التوازن السلمي بين مجموعات من الدول، بالإضافة ~~إلى العامل الاقتصادي المكلف للحرب، فالقوة الآن لا تقتصر على السلاح ~~فقط، ولكن تعتمد القوة على عناصر كثيرة منها الاقتصاد والإعلام وغيرهما. ~~وصار الخوف من رد الفعل أحد الأسباب القوية المانعة للحرب. وكل دولة تخشى ~~مما تخفيه أو تظهره الدولة الأخرى. وهكذا صار الإعداد للحرب ينفي قيام ~~الحرب. { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن ~~رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.. } ~~[الأنفال: 60]. ولا تظنوا أن من يواجهونكم هم أعداء الله فقط وقد سلطكم ~~سبحانه عليهم، لا بل عليكم أن تعرفوا أن أعداء الله هم أعداؤكم أيضا ~~لأنهم يفسدون الحياة على المؤمنين. وعدو الله دائما يحاول أن ينال من ~~المؤمنين. وأن ينكل بهم، وأن يجبرهم إن استطاع على الكفر وأن يغريهم على ~~ذلك. فالحق سبحانه وتعالى لا يغضب لأنهم لم يؤمنوا به، بل ms3825 لأنهم لا ~~يطبقون المنهج الذي يسعد الإنسان على الأرض، فسبحانه وتعالى لا يكرههم ~~ولكن يعاقبهم بسبب الإفساد في الأرض وبغيهم وطغيانهم. { وآخرين من ~~دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم } [الأنفال: 60]. ~~وهذه لفتة من الحق سبحانه وتعالى إلى أن أعداء المسلمين ليسوا هم فقط ~~الذين ظهروا أثناء الرسالة من كفار قريش واليهود والمنافقين وغيرهم، ~~ولكن هناك خلقا كثيرا سيأتون بعد ذلك لا تعلمونهم أنتم الآن ولكن ~~الله سبحانه وتعالى يعلمهم، كما يلفتنا سبحانه إلى أن أعداء المسلمين ~~ليسوا هم الذين يظهرون في ميدان القتال فقط ليحاربوا المسلمين، ولكن ~~هناك كثيرا ممن لا يظهرون في ميدان القتال يحاربون دين الله ويحاربون ~~المسلمين. وقد ظهر معنى هذه الآية الكريمة، ولا يزال يظهر للمسلمين، ~~فظهرت عداوة الفرس والروم وحربهم ضد المسلمين، وظهرت عداوة الصليبيين ~~وغيرهم. ومع الزمن سوف يظهر من يعلمهم الله ولا نعلمهم نحن. # وقد جاءت أحداث الحياة لتؤكد دقة تعبير القرآن الكريم. ثم يتناول الحق ~~سبحانه وتعالى هواجس النفس البشرية، وهي تنصت لهذه الآيات من الإعداد ~~العسكري، فالذي يخطر على البال أولا أن مثل هذا الإعداد يتطلب مالا، ~~ويتطلب جهدا، ويتطلب زمنا فوق الزمن لقضاء المصالح والحوائج. فإياكم أن ~~تنكصوا عن الاستعداد لأن كل ما تنفقونه في سبيل الله محسوب عند الله. ~~وإياكم أن تقولوا: إن الإعداد لقوة المجتمع يحتاج مالا ويقتر على ~~الأبناء لأن الله يرزقكم. ويقول سبحانه وتعالى: { وما تنفقوا من ~~شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا ~~تظلمون } [الأنفال: 60]. أي أن ما تنفقونه مما يقال له: شيء سواء ~~أكان قليلا أم كثيرا يرد إليكم، ولقد جاء التعبير ب # من شيء # [الأنفال: 41] في قوله تعالى: # واعلموا أنما غنمتم من شيء # [الأنفال: 41] أي مما يقال له شيء. ولو جاءت الآية: غنمتم شيئا، لما ~~شملت الأشياء البسيطة، ولكن قوله تعالى: { من شيء } أي من بداية ما ~~يقال له شيء، حتى قالوا: إن الخيط الذي يوجد عند العدو لا بد أن يذهب ~~للغنائم، وقوله تبارك وتعالى: { وما تنفقوا من شيء في سبيل ~~الله ms3826 } [الأنفال: 60]. يعني أي شيء تنفقونه في سبيل الله تعالى مدخر ~~لكم ما دمتم أنفقتموه وليس في بالكم إلا الله عز وجل. أما الإنفاق الذي ~~ظاهره لله وحقيقته للشهرة أو الحصول على الثناء أو للتفاخر أو لقضاء ~~المصالح. فكل ذلك اللون من الإنفاق خارج عن الإنفاق في سبيل الله، لكن ~~الإنفاق في سبيل الله سيرده الله لكم مصداقا لقوله تعالى: { يوف ~~إليكم وأنتم لا تظلمون } [الأنفال: 60]. أي أن ما ~~تنفقونه في سبيل الله لا ينقص مما معكم شيئا على أن الحق سبحانه وتعالى ~~يريدنا أن نأخذ طريق العدل وليس طريق الافتراء لذلك يطلب منا عز وجل ألا ~~يطغينا هذا الاستعداد للحرب على خلق الله، فما دام لدينا استطاعة وأعددنا ~~قوتنا وأسلحتنا فليس معنى ذلك أن نصاب بالغرور ونجترىء على خلق الله ~~ولهذا فإن الله عز وجل ينبهنا إلى ذلك بقوله: { وإن جنحوا ~~للسلم فاجنح لها وتوكل على الله... }. ### || [8.61] # أي أن الله لم يطالبنا بأن نكون أقوياء لنفتري على غيرنا، فهو لا يريد ~~منا إعداد القوة للاعتداء والعدوان، وإنما يريد القوة لمنع الحرب ليسود ~~السلام ويعم الكون لذلك ينهانا سبحانه وتعالى أن يكون استعدادنا للقتال ~~وسيلة للاعتداء على الناس والافتراء عليهم. ولهذا فإن طلب الخصم السلم ~~والسلام صار لزاما علينا أن نسالمهم. وإياك أن تقول: إن هذه خديعة وإنهم ~~يريدون أن يخدعونا لأنك لا تحقق شيئا بقوتك، ولكن بالتوكل على الله عز ~~وجل والتأكد أنه معك، والله عز وجل يريد الكون متساندا لا متعاندا. وهو ~~سبحانه وتعالى يطلب منك القوة لترهب الخصوم. لا لتظلمهم بها فتقاتلهم دون ~~سبب. وقول الحق سبحانه وتعالى: { وإن جنحوا للسلم فاجنح ~~لها } [الأنفال: 61]. أي إن مالوا إلى السلم ودعوك إليه فاتجه أنت ~~أيضا إلى السلم، فلا داعي أن تتهمهم بالخداع أو تخشى أن ينقلبوا عليك ~~فجأة لأن الله تعالى معك بالرعاية والنصر، وأنت من بعد ذلك تأخذ استعدادك ~~دائما بما أعددته من قوتك. وقول الحق: { وتوكل على الله } ~~[الأنفال: 61]. أي إياك أن تتوكل أو تعتمد على ms3827 شيء مما أعددت من قوة لأن ~~قصارى الأمر أن تنتهي فيه إلى التوكل على الله فهو يحميك. ثم يعطينا الحق ~~سبحانه وتعالى حيثية ذلك فيقول: { إنه هو السميع العليم } ~~[الأنفال: 61]. أي أنه لا شيء يغيب عن سمعه إن كان كلاما يقال، أو عن ~~علمه إن كان فعلا يتم. وإياك أن تخلط بين التوكل والتواكل، فالتوكل محله ~~القلب والجوارح تعمل فلا تترك عمل الجوارح وتدعي أنك تتوكل على الله، ~~وليعلم المسلم أن الانتباه واجب، وإن رأيت من يفقد يقظته لا بد أن تنبهه ~~إلى ضرورة اليقظة والعمل، فالكلام له دور هنا، وكذلك الفعل له دور لذلك ~~قال الله سبحانه وتعالى: { إنه هو السميع العليم } ~~[الأنفال: 61]. ولنلحظ أن قول الحق تبارك وتعالى: { وإن جنحوا ~~للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو ~~السميع العليم } [الأنفال: 61]. هذا القول إنما جاء بعد قوله ~~تعالى: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم # [الأنفال: 60]. وهي آية تحض على الاستعداد للقتال بإعداد العدة له. ~~ويريد الحق تبارك وتعالى أن ينبهنا إلى قوة المؤمنين واستعدادهم الحربي ~~يجب ألا يكونا أداة للطغيان، ولا للقتال لمجرد القتال. ولذلك ينبهنا ~~سبحانه وتعالى إلى أنهم لو مالوا إلى السلم فلا تخالفهم وتصر على الحرب ~~لأن الدين يريد سلام المجتمع، والإسلام لا ينتشر بالقوة وإنما ينتشر ~~بالإقناع والحكمة. فلا ضرورة للحرب في نشر الإسلام لأنه هو دين الحق الذي ~~يقنع الناس بقوة حجته ويجذب قلوبهم بسماحته، وكل ذلك لشحن مدى قوة ~~الإيمان، لنكون على أهبة الاستعداد لملاقاة الكافرين، ولكن دون أن تبطرنا ~~القوة أو تدعونا إلى مجاوزة الحد، فإن مالوا إلى السلم، علينا أن نميل ~~إلى السلم لأن الله سبحانه وتعالى يريد سلامة المجتمع الإنساني. وإن كنتم ~~تخافون أن يكون جنوحهم إلى السلم خديعة منهم حتى نستنيم لهم، ثم يفاجئونا ~~بغدر، فاعلم أن مكرهم سوف يبور لأنهم يمكرون بفكر البشر، والمؤمنون ~~يمكرون بفكر من الحق سبحانه وتعالى لذلك يقول الحق تبارك وتعالى: { وإن ~~يريدوا أن يخدعوك ms3828 فإن حسبك الله... }. ### || [8.62] # فإذا أحسست أن مبادرة السلم التي يعرضونها عليك هي مجرد خديعة حتى ~~يستعدوا لك ويفاجئوك بغدر ومكر، فاعلم أن الله تعالى عليم بمكرهم، وأنه ~~سيكشفه لك، وما دام الله معك فلن يستطيعوا خداعك، وإذا أردت أن يطمئن ~~قلبك فاذكر معركة بدر التي جاءك النصر فيها من الله تعالى وتمثلت أسبابه ~~المرئية في استعداد المؤمنين للقتال ودخولهم المعركة. وتمثلت أسبابه غير ~~المرئية في جنود لم يرها أحد، وفي إلقاء الرعب في قلوب الكفار، وكان ~~النصر حليفك بمشيئة الله تعالى: والحق سبحانه وتعالى يقول: { وإن ~~يريدوا أن يخدعوك } [الأنفال: 62]. والخداع هو إظهار الشيء ~~المحبوب وإبطان الشيء المكروه، وتقول: " فلان يخادعني " أي يأتي لي بشيء ~~أحبه، ويبطن لي ما أكرهه، ولأن الخداع في إخفاء ما هو مكروه، وإعلان ما ~~هو محبوب، فهل أنت يا محمد متروك لهم، أم أن لك ربا هو سندك، وهو الركن ~~الركين الذي تأوي إليه؟. وتأتي الإجابة من الحق سبحانه وتعالى: { وإن ~~يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي ~~أيدك بنصره وبالمؤمنين } [الأنفال: 62]. إذن فالله ~~سبحانه وتعالى حسبك وسندك وهو يكفيك لأنه نصرك وآزرك. وأنت ترى أن هذه ~~قضية دليلها معها، فقد نصرك ببدر رغم قلة العدد والعدد. والتأييد تمكين ~~بقوة من الفعل ليؤدى على أكمل وجه وأحسن حال، وما دام الله عز وجل هو ~~الذي يؤيد فلا بد أن يأتي الفعل على أقوى توكيد ليؤدي المراد والغاية ~~منه. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { وألف بين قلوبهم ~~لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين ~~قلوبهم... }. ### || [8.63] # والتأييد هنا عناصره ثلاثة: الله يؤيد بنصره، والله يؤيد بالمؤمنين، ~~والله يؤلف بين قلوب المؤمنين. والتأليف بين القلوب جاء لأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أرسل لقوم لهم عصبية وحمية، وهم قبائل متفرقة تقوم ~~الحروب بينهم لأتفه الأسباب لأن عناصر التنافر موجودة بينهم أكثر من ~~عناصر الائتلاف. إن القبيلة مجتمعة تهب للدفاع عن أي فرد فيها مهما كانت ~~الأسباب والظروف، حتى إنه ليكفي أن ms3829 يسب واحد من الأوس مثلا واحدا من ~~الخزرج لتقوم الحرب بين القبيلتين، ولو أن القلوب ظلت على تنافرها لما ~~استطاعت هذه القبائل أن تواجه أعداء الإسلام، ولشغلتها حروبها الداخلية ~~عن نصرة الدين والدفاع عنه ومواجهة الكفار. ولكن الله ألف بينهم، وبعد ~~أن كانوا أعداء أصبحوا أحبابا. وبعد أن كانوا متنافرين أصبحوا متوادين. ~~وهكذا ألف الله بين قلوب المسلمين بحيث أصبح الإسلام في قلوبهم ~~وأعمالهم وأسلوب حياتهم هو أقوى رابطة تربط بينهم. فأصبحت أخوة الدين ~~أقوى من أخوة النسب. وحين تتآلف القلوب فهذا أقوى رباط لأن كل عمل يقوم ~~به الإنسان إنما ينشأ عن عقيدة في القلب. إن القلب هو مصدر النية التي ~~يتبعها السلوك، فالذي يحرك إنسانا موتورا منك ويثير جوارحه ضدك، إنما ~~هو القلب، فإن وجدت إنسانا يعبس في وجهك فافهم أن في قلبه شيئا، وإن ~~لقيته وحاول أن يضربك فافهم أن في قلبه شيئا أكبر، وإن حاول أن يقتلك، ~~يكون في قلبه شعور أعمق بالبغض والكراهية. إذن فالينبوع لكل المشاعر هو ~~القلب. ولذلك نرى الإنسان يضحي بكل شيء وربما ضحى بحريته وبماله في ~~سبيل ما آمن به واستقر في قلبه، ونحن نرى العلماء في معاملهم يعيشون ~~سنوات طويلة ويحرمون أنفسهم من متع الحياة الدنيا لأن العلم قد تحول إلى ~~عقيدة في قلوبهم سواء أكانوا مسلمين أم غير ذلك، فكأنما نية القلب وما ~~يستقر فيها هي أقوى ما في الحياة. ثم يبين الله سبحانه وتعالى لنا أن هذا ~~فضل عظيم منه أن ألف بين قلوب المؤمنين فيقول: { وألف بين ~~قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت ~~بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه ~~عزيز حكيم } [الأنفال: 63]. والتأليف بين القلوب هو جماع التواد ~~والمساندة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي يرويه عنه ~~النعمان بن بشير رضي الله عنهما: # " ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله ". # والحديث بتمامه: # " ان الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير ~~من الناس فمن اتقى ms3830 الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في ~~الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى ~~ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ~~وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ". # ولم تكن المسألة في تأليف القلوب مسألة احتياج إلى مال لأن المال لا ~~يمكن أن يعطي الحب الحقيقي، ولذلك فهناك بين الناس ارتباط مصالح وارتباط ~~قلوب، وارتباط المصالح ينتهي بمجرد أن تهتز أو تنتهي هذه المصالح، لكن ~~ارتباط القلوب يتحدى كل الأزمات، وأنت لا تستطيع أن تجعل إنسانا يحبك ~~حقيقة مهما أعطيته من مال لأن الحب الحقيقي لا يشترى ولا يباع، إنما ~~يشترى النفاق والتظاهر وغير ذلك من المشاعر السطحية. والعرب الذين ألف ~~الله بين قلوبهم لم يكن يهمهم المال بقدر ما تهمهم الحمية والعصبية، ~~فغالبيتهم يملكون الثروات، ولكن الفرقة فيما بينهم نابعة من الحمية ~~والعصبية التي تجعل في القلوب غلا وحسدا وحقدا لذلك تنفعل جوارحهم. ~~يقول الحق تبارك وتعالى: { ولكن الله ألف بينهم ~~إنه عزيز حكيم } [الأنفال: 63]. وما دام الله سبحانه وتعالى له ~~عزة فهو لا يغلب، وما دام حكيما فهو يضع الأمور في مكانها السليم، ~~والله سبحانه وحده هو القادر على أن يجعل القلوب تتآلف لأن القلوب في يد ~~الرحمن يقلبها كما يشاء، لذلك ندعو بدعاء رسول الله: # " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " # ، فعن شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة رضي الله عنها يا أم المؤمنين ما ~~أكثر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر ~~دعائه # " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ". # وسبحانه وتعالى يقول: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه # [الأنفال: 24]. ثم يعطينا الله سبحانه وتعالى قضية إيمانية فيقول: { ~~يأيها النبي حسبك الله... }. ### || [8.64] # وإياك أن تظن أن الله عز وجل يعاقب الكفار لأنهم لم يؤمنوا برسل الله ~~فقط، ولكن لأن الكون يفسد بسلوكهم، وهو سبحانه غير محتاج لأن ms3831 يؤمن به ~~أحد، ثم إن دين الحق سينتصر سواء آمن الناس به أم لم يؤمنوا، وسبحانه ~~يريد بالمنهج الذي أنزله كل الخير والسعادة لعباده لذلك يقول الحق تبارك ~~وتعالى: # يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي ~~إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم ~~للإيمان # [الحجرات: 17]. فإذا دخل أحد في الإسلام فلا يمن على الله أنه أسلم لأن ~~إسلامه لن يزيد في ملك الله شيئا، وليعلم أن الله سبحانه وتعالى قد من ~~عليه بهدايته للإسلام وهي لصالحه. ويريد الله من رسوله ألا يلتفت إلى عدد ~~الكفار أو قوتهم لأن معه الأقوى، وهو الله سبحانه وتعالى ولذلك يقول: { ~~حسبك الله } [الأنفال: 64]. أي يكفيك الله. وقوله تعالى: { ~~حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } [الأنفال: ~~64]. هي داخلة في { حسبك الله }. لأن الله هو الذي هدى هؤلاء ~~المؤمنين للإيمان فآمنوا. ويكون المعنى: حسبك الله وحسب من اتبعك من ~~المؤمنين، أي يكفيكم الله، وعلى ذلك فلا تلتمس العزة إلا من الحق سبحانه ~~وتعالى. ويمكن أن يكون المعنى يكفيك الله فيما لا تستطيع أن تحققه ~~بالأسباب. ويكفيك المؤمنون فيما توجد فيه أسباب. ونلاحظ هنا أن الحق ~~سبحانه وتعالى قال: { يأيها النبي } [الأنفال: 64]. وهذا ~~النداء إنما يأتي في الأحداث أما البلاغ فيقول الله تعالى: # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك # [المائدة: 67]. إذن فالحق سبحانه وتعالى ينادي الرسول ب { يأيها ~~النبي } حين يكون الأمر متعلقا بالأسوة السلوكية، أما إذا كان ~~الأمر متعلقا بتنزيل تشريع، فالحق سبحانه يخاطبه صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: # يأيها الرسول # [المائدة: 67] ذلك أن الرسل جاءوا مبلغين للمنهج عن الله، ويسيرون وفق ~~هذا المنهج كأسوة سلوكية. على أننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قد ذكر ~~كل رسول باسمه في القرآن الكريم فقال: " يا موسى " ، وقال: " يا عيسى بن ~~مريم " ، وقال: " يا إبراهيم ". إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ~~خاطبه ب: " يأيها النبي " ، وب " يأيها الرسول " ، وهذه لفتة انتبه ~~إليها أهل المعرفة، وهذا النداء فيه خصوصية لخطاب الحضرة المحمدية، فالله ~~سبحانه وتعالى ms3832 يقول: # وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة # [البقرة: 35]. وينادي سيدنا نوحا قائلا سبحانه: # ينوح اهبط بسلام منا وبركات # [هود: 48]. وينادي سيدنا موسى فيقول: # أن يموسى إني أنا الله رب العالمين # [القصص: 30]. وينادي سيدنا عيسى فيقول: # يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله # [المائدة: 116]. فكل نبي ناداه الحق تبارك وتعالى ناداه باسمه مجردا ~~إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقل له قط: يا محمد، وإنما قال: " ~~يأيها النبي " ، و " يأيها الرسول ". والحق سبحانه وتعالى في الآية ~~الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها أراد أن يلفت نبيه صلى الله عليه ~~وسلم إلى أن يعلم أنه يكفيه الله والمؤمنين مهما قل عددهم لينتصروا على ~~الكفار. ثم يأتي النداء الثاني من المولى تبارك وتعالى في قوله: { ~~يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن ~~يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين... }. ### || [8.65] # وساعة تسمع أن فلانا يحرض فلانا، فهذا يعني أنه يحثه، ويثير ~~حماسه ويغريه على أن يفعل، وأنواع الطلب كثيرة، فهناك طلب نسميه نداء، أي ~~تناديه، وطلب نسميه أمرا أي تفعله، وطلب نسميه نهيا، أي لا تفعله. هذه ~~كلها أفعال طلب يسبقها النداء. هناك مثلا طلب أن يقبل عليه، وطلب آخر ~~أن يبتعد عنه، وطلب ثالث أن يقضي له حاجة، كل هذا يعني أن المتكلم يعرض ~~على السامع أن يفعل كذا أو لا يفعل كذا. وهناك لون من الطلب لا يحمل ~~الإلزام، بل هو عرض فقط وهو الطلب برفق ولين كقولك لمن تعلوه: أنا لا ~~آمرك، بل أعرض عليك فقط. وهناك لون ثالث من الطلب تحمله كلمة " حض " وهو ~~الطلب بشدة لأن المعروض معه دليل الإقبال عليه. فأنت حين تحض ابنك على ~~المذاكرة مثلا فهناك مبرر الإقبال على المذاكرة وهو النجاح. وأنت حين ~~تحض الإنسان على فعل، فأنت لا تنهاه أو تأمره لأنك تريد أن يقبل على ~~الشيء بحب، ولكن حين تأمره بقسوة قد يكره هذا الشيء. وقد تعرض على إنسان ~~شيئا فتجده يحب أن يفعله ولو بدون ms3833 أمر منك. إذن فقول الله تعالى: { ~~حرض المؤمنين } [الأنفال: 65]. أي حثهم وحضهم وحمسهم، والفعل ~~يتكون من الحاء والراء والضاد، ومنها " حرض " و " يحرض " ومادة هذه ~~الكلمة معناها القرب من الهلاك. ونجد قول الحق تبارك وتعالى على لسان ~~إخوة يوسف لأبيهم: # قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا ~~أو تكون من الهالكين # [يوسف: 85]. أي أنك ستستمر في ذكر يوسف حتى تقترب من الهلاك أو تهلك ~~بالفعل. ولكن هل معنى " حرض " هنا يعني: قرب المؤمنين من الهلاك؟ نقول: ~~لا لأن ما يسمونه الإزالة، وهي أن يأتي الفعل على صورة يزيل أصل اشتقاقه، ~~عندما تقول: " قشرت البرتقالة " أي أزلت قشرتها. وكذلك قولنا: " مرض " ~~الطبيب فلانا وليس المعنى أن الطبيب قد أحضر له المرض، ولكن معناها أزال ~~المرض، إذن فهناك أفعال تأتي وفيها معنى الإزالة. ويأتي معنى الإزالة مرة ~~بتضعيف الحرف الأوسط مثل " حرض " و " قشر " ومرة تأتي بهمزة، فتعطي ~~معنى الإزالة، فإذا قلت: " أعجم الكتاب ". فمعناها أنه أزال عجمته، ولذلك ~~نسمي كتب اللغة " المعاجم " ، أي التي تزيل خفاء اللغة وتعطينا معاني ~~الكلمات. ومن قبل شرحنا معنى " قسط " و " أقسط " وقسط تعني " الجور " أي ~~الظلم مصداقا لقوله تعالى: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15]. وأقسط أي أزال الظلم. # إذن فهناك حروف حين تزداد على الكلمة تزيل المعنى الأصلي لمادتها. وهناك ~~تشديد يزيل أصل الاشتقاق مثل " قشر " أي أزال القشر، و " مرض " أي ~~أزال المرض. و " حرض " أي أزال الحرض. ومعنى الآية الكريمة: اطلب منهم ~~يا محمد أن يزيلوا قربهم من الهلاك بالقتال. وهذه القاعدة اللغوية تفسر ~~لنا كثيرا من آيات القرآن الكريم. ففي قوله تعالى: # إن الساعة آتية أكاد أخفيها # [طه: 15]. الذين يأخذون بالمعنى السطحي يقولون: " أكاد أخفيها " أي أقرب ~~من أن أسترها ولا أجعلها تظهر، ونقول: الهمزة في قوله: " أكاد " هي همزة ~~الإزالة، فيكون معنى " أكاد " أي أنني أكاد أزيل خفاءها بالعلامات الصغرى ~~والعلامات الكبرى التي أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بها. وبعضهم ~~قد أرهق نفسه في شرح " أكاد أخفيها ms3834 " ولم ينتبهوا إلى أن إزالة الاشتقاق ~~تأتي إما بتضعيف الحرف الأوسط، وإما بوجود الهمزة. وقول الحق تبارك ~~وتعالى هنا: { يأيها النبي حرض المؤمنين على ~~القتال } [الأنفال: 65]. أي أن الله سبحانه وتعالى يطلب من رسوله صلى ~~الله عليه وسلم تحريض المؤمنين على الجهاد وكأنه يقول له: ادع قومك إلى ~~أن يبعدوا الدنو من الهلاك عن أنفسهم لأنهم إن لم يجاهدوا لتغلب عليهم ~~أهل الكفر، فأهل الكفر يعيشون في الأرض بمنهج السيطرة والغلبة والجبروت، ~~وحين يجاهدهم المؤمنون إنما ليوقفوهم عند حدهم. ولذلك قال الحق تبارك ~~وتعالى: { يأيها النبي حرض المؤمنين على ~~القتال } [الأنفال: 65]. فكأنهم إن لم يحاربوا أهل الكفر سوف يحيط ~~بهم الهلاك في الدنيا وفي الآخرة. والله سبحانه وتعالى يريد لهم الحياة ~~الآمنة الكريمة في الدنيا والجنة في الآخرة. ونلاحظ أن الحق سبحانه ~~وتعالى قد وضع معيارا إيمانيا في القتال بين المؤمن والكافر، والمعيار ~~هنا وضعه خالقهم، وخالق قواهم وملكاتهم وعواطفهم. والمعيار الإيماني هو ~~في قوله تعالى: { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من ~~الذين كفروا } [الأنفال: 65]. إذن فالمعيار الإيماني باختصار ~~يساوي واحدا إلى عشرة، أي أن القوة الإيمانية تجعل من قوة المؤمن ما ~~يعادل قوة عشرة من الكفار، هذا هو المقياس. وهنا يأتي بعض الناس ليقول: ~~أساليب القرآن مبنية على الإيجاز وعلى الإعجاز، فلماذا يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: " عشرون يغلبوا مائتين ". ثم يقول " مائة يغلبوا ألفا " ألم يكن ~~من الممكن أن يقال: إن الواحد يغلب عشرة وينتهي القول؟. نقول: إنك لم ~~تلاحظ واقع الإسلام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يذهب مع ~~المؤمنين في قتالهم ويحضر معهم بعضا من أحداث القتال التي نسميها " ~~غزوات ". أما البعثات القتالية التي لم يخرج فيها الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وكان يكتفي فيها بإرسال عدد من المؤمنين، فقد كانت تسمى سرايا، وهذه ~~السرايا كانت لا تقل عن عشرين مقاتلا ولا تزيد على مائة، فذكرها الله ~~تعالى مرة بالعشرين ومرة بالمائة. # وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ms3835 { إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مئتين } [الأنفال: 65]. ونحن نرى أن المقياس ~~هنا ليس بعدد المقاتلين فقط، ولكن لا بد أن يكونوا موصوفين بالصبر، وفي ~~آية أخرى بالصبر والمثابرة، فمن الجائز أن يصبر عدوك فعليك حينئذ أن ~~تصابره، أي إن صبر قليلا، تصبر أنت كثيرا، وإن تحمل مشقة القتال، تتحمل ~~أنت أكثر. إذن فالقوة القتالية لكي يتحقق بها ولها النصر لا بد أن تكون ~~قوة صابرة قوية في إيمانها قادرة على تحمل شدة القتال وعنفه. ثم يعطينا ~~الحق سبحانه وتعالى تعليل هذا الحكم الإيماني الذي أبلغنا به فيقول عز من ~~قائل: { يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال ~~إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن ~~يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ~~بأنهم قوم لا يفقهون } [الأنفال: 65]. إذن فالسبب في أن ~~المؤمن يغلب عشرة من الكفار، هو أن الكفار قوم لا يفقهون، وما داموا لا ~~يفقهون، يكون المقابل لهم من المؤمنين قوما يفقهون. وهنا نقارن بين ~~المؤمنين الذين يفقهون، والكفار الذين لا يفقهون ونقول: إن الكافر حين ~~يقاتل لا يعتقد في الآخرة، وليس له إلا الدنيا ويخاف أن يفقدها، ولذلك ~~حين يوجد الكافر في ساحة الحرب فهو يريد أن يحافظ على حياته ولو بالفرار، ~~ولكن الدنيا بالنسبة للمؤمن رحلة قصيرة والشهادة هي الفوز برضوان الله ~~ودخول الجنة بلا حساب، ولذلك فإنه يقبل على القتال بشجاعة من يريد ~~الاستشهاد. ونجد خالد بن الوليد يقول للفرس: أتيتكم برجال يحبون الموت ~~كما تحبون أنتم الحياة. فلو أن الكفار فقهوا أي فهموا أن الدنيا دار ممر ~~ومعبر للآخرة، وأن الآخرة هي المستقر لأنها الدار الباقية، لامتلكوا قوة ~~دافعة للقتال، ولكنهم يريدون هذه الحياة لأنها بالنسبة لهم هي كل شيء. ~~ولذلك يعلمنا القرآن الكريم فيقول: # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين # [التوبة: 52]. أي لن يحدث لنا في هذه الحرب إلا ما هو حسن، فإما أن ~~ننتصر ونقهركم ونغنم أموالكم، وإما أن نستشهد فندخل الجنة وكلاهما ~~حسن. ويكمل الحق سبحانه وتعالى: # ونحن نتربص بكم ms3836 أن يصيبكم الله بعذاب من ~~عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم ~~متربصون # [التوبة: 52]. أي أنكم أيها الكفار لن يصيبكم إلا السوء والخزي. إما ~~عذاب شديد من عند الله بغير أسباب، وإما عذاب بأيدينا أي بالأسباب. إذن ~~فالكافر حين يدخل المعركة لا ينتظر إلا السوء، إما أن يقتل ويذهب إلى ~~جهنم - والعياذ بالله - وإما أن يصيبه الله بعذاب يدفع الخوف في قلبه ~~أثناء المعركة. # والكفار في القتال لا يعتمدون إلا على قوتهم وعددهم وعدتهم أما ~~المؤمنون فيعتمدون أولا على الله القوي العزيز ويثقون في نصره. ولذلك ~~يقبلون على القتال ومعهم رصيد كبير من طاقة الإيمان وهي طاقة تفوق العدد ~~والعدة، ويكون المقاتل منهم قويا في قتاله متحمسا له لأنه يشعر أنه ~~مؤيد بنصر الله. ونعلم أن كل إنسان يحرص على الغاية من وجوده وغاية ~~الكفار متاع الحياة الدنيا المحدود، أما غاية المؤمنين فممتدة إلى ~~الآخرة. ولذلك فالكافر يحارب بقوته فقط وهو مجرد من الإيمان. ونلاحظ أن ~~النصوص خبرية في قوله الحق تبارك وتعالى: { يأيها النبي ~~حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة ~~يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا ~~يفقهون } [الأنفال: 65]. والنصوص الخبرية ليس فيها طلب، ، وإن كان ~~الطلب يخرج مخرج الخبر ليوهمك أن هذا أمر ثابت. وعندما قام بعض المتمردين ~~من سنوات ودخلوا الحرم بأسلحتهم وحاصروا الناس فيه قال بعض السطحيين: ~~إن القرآن يقول: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97]. وأن هذا خبر كوني معناه أن كل من دخل الحرم كان آمنا، ~~وقلنا: إن قول الحق تبارك وتعالى: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97] هذا كلام الله فمن أطاع الله فليؤمن من يدخل الحرم. ~~وقد تطيعون فتؤمنون من يدخل الحرم وقد تعصون فلا تؤمنونهم. إذن ~~فالمسألة هي حكم تطيعونه أو لا تطيعونه، كذلك قول الحق سبحانه وتعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء # [البقرة: 228]. هذا كلام خبري. فإن أطاعت المطلقة الله انتظرت هذه ~~الفترة، وإن عصت لم تنتظر، وكذلك قوله تعالى: # والطيبات ms3837 للطيبين والطيبون للطيبات # [النور: 26]. وقد نرى في الكون زيجات عكس ذلك تجد رجلا لئيما يتزوج ~~بامرأة طيبة وامرأة لئيمة تتزوج رجلا طيبا، وقد تتساءل: لماذا لم يتزوج ~~الطيب طيبة مصداقا لقول الحق، ولماذا لم يتزوج الخبيث خبيثة؟ ونقول: لقد ~~أخطأت الفهم لقول الله تعالى، فما قاله الله ليس خبرا كونيا، ولكنه خبر ~~تشريعي ومعناه: زوجوا الطيبات للطيبين، وزوجوا الخبيثات للخبيثين، فإن ~~فعلتم استقامت الحياة، وإن عصيتم لا تستقيم الحياة لأن الرجل الخبيث إن ~~عاير امرأته وأهانها فهي ترد عليه الإهانة بالمثل ويكون التكافؤ موجودا ~~حتى في القبح. ولكن الشقاء في الكون إنما يأتي من زواج الطيب بالخبيثة، ~~والخبيث بالطيبة، وليس معنى الآية - إذن - أنك لا تجد طيبا إلا متزوجا ~~من طيبة، ولا خبيثا إلا متزوجا من خبيثة لأن هذا أمر تكليفي تشريعي، ~~فإن فعلت تكون قد أطعت، وإن لم تفعل تكون قد عصيت. ويقول سبحانه وتعالى ~~بعد ذلك: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا ~~مئتين... }. ### || [8.66] # وفي هذا الحكم تخفيف عن الحكم السابق، الذي جاء فيه أن عشرين صابرين ~~يغلبوا مائتين، ونعلم أن هناك شروطا للقتال، أولها أن يكون المقاتل قوي ~~البدن وقوي الإيمان وعلى دراية بحيل الحرب وفنونها بحيث يستطيع أن يناور ~~ويغير مكانه في المعركة ويخدع عدوه لأن نتيجة المعركة لا تحسمها معركة ~~واحدة، بل لا بد من كر وفر وإقبال وإدبار وخداع للقتال ومناورات مثلما ~~فعل خالد بن الوليد في كثير من المعارك. إذن فلكي تضمن أن عشرين صابرين ~~يغلبون مائتين لا بد أن يتحقق في هؤلاء جميعا قوة وصبر وجلد، ولكن قد لا ~~تكون قوة البدن متوافرة والجلد ضعيفا. وقد تأتي للإنسان فترات ضعف، ~~وتأتيه أيضا فترات قوة. ومن رحمته سبحانه وتعالى بالمؤمنين أنه خفف عنهم ~~لأنه يعلم أن هناك فترات ضعف تصيب الإنسان لذلك جعل النسبة واحدا إلى ~~اثنين. وقال سبحانه وتعالى: { الآن خفف الله عنكم وعلم ~~أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة ~~يغلبوا مئتين ms3838 وإن يكن منكم ألف يغلبوا ~~ألفين بإذن الله والله مع الصابرين } [الأنفال: ~~66]. وهل معنى ذلك أن الآية الأولى قد نسخت؟ نقول: لا، ولكن الآية ~~الثانية أعطت حالات الأغيار والضعف البشري وحسبت لها حسابا. ولذلك نجد ~~الحكم الأول قائما وهو الحد الأعلى، كما أن الحكم الثاني - أيضا - قائم ~~وهو الحد الأدنى، فإذا لقي مؤمن ثلاثة كفار وفر منهم لا يعد فارا يوم ~~الزحف، ولا يؤاخذه الله على ذلك. لكن إن واجهه اثنان فانسحب وتركهما ~~يعتبر فارا لأن الحد الأدنى هو واحد لاثنين. وتكون هذه أقل نسبة ~~موجودة. والنسب تتفاوت بين واحد إلى اثنين حتى واحد إلى عشرة، حسب قوة ~~الصبر وقوة الجسم وعدم التحيز إلى فئة. وبطبيعة الحال نعلم أن القوي قد ~~يصير ضعيفا. وكذلك فإن بعضا من النفوس قد تضيق بالصبر، وأيضا حين زاد ~~عدد المؤمنين، فمن المحتمل أن يتكل بعضهم على بعض. ولكنهم عندما كانوا ~~قلة، كان كل واحد منهم يبذل أقصى قوته في القتال للدفاع عن عقيدته. ~~والمشرع لا يشرع للمؤمنين بما يحملهم ما لا يطيقون، ولكنه يشرع لهم ليخفف ~~عنهم، والمثال على ذلك نجد أن الله قد أباح الإفطار في رمضان إذا كان ~~الإنسان مريضا أو على سفر، وكذلك شرع الحق تبارك وتعالى قصر الصلاة ~~أثناء السفر، إذن فالمشرع قد عرف مواطن الضعف في النفس البشرية التي ~~تجعلها لا تقوى على التكليف. وفي هذه الحالة يقوم المشرع ذاته بالتخفيف، ~~ولا يتركنا نحن لنخفف كما نشاء. وبعض الناس يقول: إن الحياة العصرية لم ~~تعد تتحمل تنفيذ هذه التشريعات، وأنه ليس في وسعنا في هذا العصر أن ~~نلتزم، وأن ربنا سبحانه وتعالى يقول: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286]. ونقول لكل من يقول ذلك: لقد فهمت وسع النفس خطأ، وكأن ~~عليك أن تقيس وسعك بالتكليف، ولا تقيس التكليف بوسعك. والسؤال: هل كلف ~~الله سبحانه وتعالى أو لم يكلف؟ فإن كان قد كلف فذلك تأكيد على أنه في ~~استطاعتك، ولا تقل: أنا سأقيس استطاعتي. ثم ابحث هل التكليف في ms3839 نطاق هذه ~~الاستطاعة أم لا؟ وعليك أن تبحث أولا: هل كلفت بهذا الأمر أم لم ~~تكلف؟ فإذا كنت قد كلفت به يكون في استطاعتك أداء ما كلفت به لأن الله لا ~~يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يكلف نفسا إلا ما آتاها لا تفرض أنت استطاعة ~~ثم تخضع التكليف لها، ولكن اخضع استطاعتك للتكليف. وقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ~~} [الأنفال: 66]. و " الآن " تعني الزمن، وقد خفف الله أي هو سبحانه ~~وتعالى الذي رفع المشقة، وأنت تقول هذا الشيء خفيف وهذا الشيء ثقيل. لكن ~~أتعرف بأي شيء حكمت بمقدار المشقة التي تتحملها في أدائه؟. فإن رفعت ~~قلما تقول: هذا خفيف، وإذا رفعت قطعة حجر كبيرة تقول: هذه ثقيلة، بأي ~~شيء حكمت؟ هل بمجرد النظر؟ لا. فأنت لا تستطيع أن تفرق بالنظر بين ~~حقيبتين متماثلتين لتقول هذه ثقيلة وهذه خفيفة لأن إحداهما قد تكون ~~مملوءة بالحديد، والثانية فيها أشياء خفيفة ولا تستطيع أن تحكم باستخدام ~~حاسة السمع ولا حاسة اللمس لأنك باللمس لا تستطيع أن تحكم على حقيبة ~~بأنها خفيفة والأخرى ثقيلة، ولا بحاسة الشم أيضا. إذن فكل وسائل الإدراك ~~عاجزة عن أن تدرك خفة الشيء أو ثقله، فبأي شيء ندرك؟. ونقول: قد اهتدى ~~علماء وظائف الأعضاء أخيرا إلى أن الثقل والخفة لهما حاسة هي حاسة ~~العضل، فحين يجهد ثقل ما عضلات الإنسان ويحملك مشقة أنه ثقيل، فهو يختلف ~~عن تقل لا يؤثر على العضل ولا تحس فيه بأي إجهاد لأن هذا الثقل يكون ~~خفيفا. إذن فهناك وسائل للإدراك لم نكن نعرفها في الماضي واكتشفها العلم ~~الحديث. أنت مثلا حين تمسك قماشا بين أصابعك تقول: هذا قماش كثيف أو ~~سميك وهذا خفيف أو رقيق، ما هي الحاسة التي عرفت بها ذلك؟ نقول: إنها ~~حاسة " البين " فقد ابتعدت أصابعك قليلا في القماش الثقيل، وقربت من ~~بعضها في القماش الرقيق، وقد يصل الفرق إلى ملليمتر واحد أو أقل لا تدركه ~~بالنظر ولكن تدركه بحاسة البين. وإياكم أن تحسبوها ms3840 رياضيا وعدديا ~~وتقولوا إن النصر بالعدد لأنكم بذلك تعزلون أنفسكم عن الله، أو إنما ~~تفتنون بالأسباب، فكل نصر هو بإذن الله ومن عند الله تبارك وتعالى. ~~ولماذا لم يقل الحق سبحانه: علم فيكم ضعفا وخفف عنكم؟ لأنه سبحانه ~~وتعالى أراد أن يكون الترخيص في الحكم أثبت من الحكم، على أن هذا التخفيف ~~قد يعود إلى عدة أسباب منها أن حكم الله أزلي. # ولذلك وضع الله سبحانه وتعالى حدا أعلى يتناسب مع قوة الإيمان في ~~المسلمين الأوائل، وحدا أدنى يتناسب مع ضعف الإيمان الذي سيأتي مع مرور ~~الزمن، أو يتناسب مع العزوف عن الدنيا بالنسبة للمسلمين الأوائل، وعلى ~~الإقبال على الدنيا بالنسبة لأولئك الذين سيأتون من بعدهم، أو مع قلة ~~الفتن التي كانت في عصر النبوة وكثرة الفتن في عصر كالذي نعيش فيه. ويذيل ~~الحق سبحانه وتعالى الآية بقوله: { والله مع الصابرين } ~~[الأنفال: 66]. وأنت قد تقول: فلان سافر إلى الخليج ومعه عشرون جنيها. ~~فإذا اندهش من يسمعك وتساءل: " ماذا يفعل بهذا المبلغ الصغير "؟ تقول له: ~~إن معه فلانا " المليونير " فيطمئن السائل. فإن قلت: إن فلانا وهو رجل ~~كبير السن ذهب إلى الجبل ليحضر صخرة.. نتساءل: كيف؟. يقال لك: إن معه ~~فلانا القوي فتطمئن. إذن فمعية الضعيف للقوي أو الأدنى للأعلى تصنع ~~نوعا من الاستطراق، وتعطي من القوي للضعيف، ومن الغني للفقير، ومن ~~العالم للجاهل، إذن فالمعية تعطي من قوة التفوق قدرة للضعيف. وهنا يوضح ~~المولى سبحانه وتعالى للمؤمنين: إن قوتكم وقدرتكم على الصبر محدودة لأنكم ~~بشر، فلا تعزلوا هذه القوة المحدودة عن قدرة الله غير المحدودة، واصبروا ~~لأن الله مع الصابرين. ولأنه سبحانه معكم فهو يعطيكم من قوته فلا تستطيع ~~أي قوة أن تتغلب عليكم وتقهركم. ولقد تعرضنا لهذا وقت أن تكلمنا عن ~~الغار، حين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيدنا أبو بكر رضي الله ~~عنه الغار في طريق الهجرة إلى المدينة وجاء الكفار ووقفوا على باب الغار ~~فماذا قال أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ms3841 لو نظر أحدهم تحت ~~قدميه لرآنا. وهذا كلام منطقي مع الأسباب. فماذا قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم له ليطمئنه؟. قال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ولكن ما وجه ~~الحجة في ذلك؟. لقد قال: ما دام الله ثالثهما، والله لا تدركه الأبصار، ~~فالذين في معيته لا تدركهم الأبصار. وفي هذه الآية مثل سابقتها يتحدث ~~المولى سبحانه وتعالى عن المعارك والنصر. ومن الطبيعي أن يكون من معايير ~~النصر كسب الغنائم. والغنائم التي تمت في بدر قسمان منقولات، وقد نزل حكم ~~الله فيها بأن لله ولرسوله الخمس، بقي جزء آخر من الغنائم لم ينزل حكم ~~الله فيه وهم الأسرى، ففي معركة بدر قتل من قريش سبعون وأسر سبعون، ~~فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس. فقال: ما ترون في هؤلاء ~~الأسرى؟ إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس. # فقال أبو بكر: يا رسول الله أهلك وقومك، قد أعطاك الله الظفر ونصرك ~~عليهم، هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان استبقهم، وإني أرى أن تأخذ ~~الفداء منهم، فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن ~~يهديهم بك، فيكونوا لك عضدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تقول ~~يابن الخطاب؟ قال: يا رسول الله قد كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، ما أرى ما رأى ~~أبو بكر، ولكن أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضرب عنقه، وتمكن ~~عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان - أخيه - حتى يضرب عنقه، ~~حتى ليعلم الله تعالى أنه ليست في قلوبنا مودة للمشركين، هؤلاء صناديد ~~قريش وأئمتهم وقادتهم فاضرب أعناقهم، ما أرى أن يكون لك أسرى، فإنما نحن ~~راعون مؤلفون. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله أنظر واديا كثير ~~الحطب فأضرمه عليهم نارا. فقال العباس وهو يسمع ما يقول: قطعت رحمك. قال ~~أبو أيوب: فقلنا - يعني الأنصار - إنما يحمل عمر على ما قال حسد لنا. ~~فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، ~~وقال ms3842 أناس: يأخذ بقول عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم ~~خرج فقال: إن الله تعالى ليلين قلوب أقوام فيه حتى تكون ألين من اللبن، ~~وإن الله تعالى ليشد قلوب أقوام فيه حتى تكون أشد من الحجارة. مثلك يا ~~أبا بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرحمة، ومثلك في الأنبياء مثل ~~إبراهيم قال: # فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم # [إبراهيم: 36] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى بن مريم إذ قال: # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118]، ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس ~~والنقمة على أعداء الله تعالى، ومثلك في الأنبياء مثل نوح إذ قال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] ومثلك في الأنبياء مثل موسى، إذ قال: # ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 88] لو اتفقتما ما خالفتكما، أنتم عالة فلا يفلتن منهم أحد إلا ~~بفداء أو ضرب عنق، ومن بين الأسرى كان عدد من أغنياء قريش. وسبق له صلى ~~الله عليه وسلم أن استشار الصحابة في معركة بدر. وحدث أن اختار رسول الله ~~عليه الصلاة والسلام أماكن جيش المسلمين، فتقدم أحد الصحابة وهو الحباب ~~بن المنذر بن الجموح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له يا رسول ~~الله: أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر ~~عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟. # فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة. ~~فأشار الحباب بن المنذر بتغيير موقع المسلمين ليكون الماء وراءهم فيشربوا ~~هم ولا يشرب الكفار. إذن فلو أنه منزل أنزله الله لرسوله لما جرؤ أحد على ~~الكلام لأن لله علما آخر لا نعلمه، فنحن ببشريتنا لنا علم محدود والله ~~له علم بلا نهاية. وكذلك في مسألة الأسرى لم يكن فيها حكم قد نزل من ~~الله. ولذلك استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3843 صحابته، وكان أمامه رأي ~~فيه شدة لعمر بن الخطاب ومعه عبد الله بن رواحة، ورأي لين يخالف الرأي ~~السابق وكان لسيدنا أبي بكر الصديق. وكان قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوجز ما قاله الفريقان فريق اللين بقيادة أبي بكر رضي الله عنه ~~وفريق الشدة بقيادة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ثم مال النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى رأي الفداء. وجعل فدية الواحد من ألف درهم إلى أربعة آلاف ~~درهم، وكان في الأسر العباس وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، فسمع النبي ~~أنينه من قيده فقال: فكوا عنه قيده. وفسر بعض الناس هذا على أنه ميل من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه، ولكنه كان ردا على جميل فعله ~~العباس في بيعة العقبة حينما حضر وفد من أهل المدينة إلى مكة ليبايعوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام. وقد حضر العباس هذه البيعة، ~~وكان أول من تكلم فيه رغم أنه كان ما زال على دين قومه. فقال: يا معشر ~~الخزرج وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار الخزرج.. خزرجها ~~وأوسها. قال العباس: إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ~~ممن هو على مثل رأينا فيه فهو في عز من قومه ومنعة من بلده، أبى إلا ~~الانحياز إليكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه ~~إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم ~~مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من ~~قومه وبلده. إذن فالعباس قد وقف موقفا لا بد أن يجازى بمثله، ورغم أنه ~~كان كافرا وقتئذ، إلا أن الكفر لم يمنع عاطفة العباس أن ينجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وكذلك رد رسول الله صلى الله عليه وسلم الموقف بمثله ~~لأن المبدأ الإسلامي واضح في قول الحق: # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ~~ردوهآ # [النساء: 86]. فلا يؤخذ هذا التصرف - إذن - على ms3844 أنه مجاملة من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لعمه، ولكنها حق على رسول الله من موقف العباس في ~~بيعة العقبة. # وقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: يا عباس افد نفسك وابني أخيك عقيل ~~بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عقبة بن عمرو بن جحدم أخا بني الحارث ~~بن فهر فإنك ذو مال. فقال: يا رسول الله إني كنت مسلما ولكن القوم ~~استكرهوني. فقال رسول الله: الله أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقا فالله ~~يجزيك به. أما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك. وكان المسلمون قد ~~أخذوا من العباس عشرين أوقية من ذهب كغنيمة، فقال العباس: يا رسول الله ~~احسبها لي في فدائي، فقال الرسول: لا، ذلك شيء أعطاناه الله عز وجل منك. ~~قال العباس: فإنه ليس لي مال. لقد جعلتني يا محمد أتكفف قريشا، فضحك ~~النبي وقال: فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت من عند أم الفضل بنت ~~الحارث ليس معكما أحد، ثم قلت لها: إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا وكذا، ~~ولعبد الله كذا وكذا، ولقثم كذا وكذا، ولعبيد الله كذا وكذا. قال العباس: ~~والذي بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيري وغيرها، وإني لأعلم أنك رسول الله. ~~ففدى العباس نفسه بأربعة آلاف درهم، وفدى كلا من ابني أخيه وحليفه بألف ~~لكل منهم. إذن ففي التقييم المادي دفع العباس أربعة أمثال ما دفعه الأسير ~~العادي كفدية. ثم ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوج ابنته ~~زينب وكان في الأسارى أبو العاص ابن الربيع ختن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وزوج ابنته زينب، أسرة خراش بن الصمة، فلما بعثت قريش في فداء ~~الأسرى بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص ~~وأخيه عمرو ابن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها ~~بها على أبي العاص حين بنى بها، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رق لها رقة شديدة، وقال: إن ms3845 رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها ~~مالها فافعلوا فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوا وردوا عليها الذي لها. ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب إليه، ~~وكان فيما شرط عليه في إطلاقه، ولم يظهر ذلك منه ولا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيعلم. ما هو، إلا أنه لما خرج بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، مكانه، فقال: كونا ببطن يأجح ~~حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتياني بها، فخرجا مكانهما، وذلك بعد ~~بدر بشهر أو شيعة، فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها، فخرجت ~~تجهز. ومن بعد ذلك نزل قول الحق تبارك وتعالى: { ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض... }. ### || [8.67] # و " أسرى " جمع كلمة " أسير " ، وتعريف الأسير أنه مشدود عليه الوثاق ~~ممن أخذه بحيث يكون في قبضة يده، والأسير في الإسلام هو نبع العبودية ~~والرق لأن الأسير يقع في قبضة عدوه الأقوى منه ويمكنه أن يقتله أو يأخذه ~~عبدا. إذن ففي هذه الحالة لا نقارن بين أسير أصبح عبدا وبين حر، وإنما ~~نقارن بين قتل الأسير وإبقائه على قيد الحياة. وأيهما أنفع للأسير أن ~~يبقى على قيد الحياة ويصبح أسيرا أم يقتل؟. إن بقاءه على قيد الحياة أمر ~~مطلوب منه ومرغوب فيه. وبذلك يكون تشريع الله سبحانه وتعالى في تملك ~~الأسرى إنما أراد الله به أن يحقن دماءهم ويبقي حياتهم لأن الأسير مقدور ~~عليه بالقتل، وكان من الممكن أن يترك الأسرى ليقتلوا وتنتهي المشكلة. ~~ولكن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يحفظ حتى دم الكافر لأن الله هو الذي ~~استدعاه إلى هذه الحياة وجعله خليفة، ولذلك يحفظه. ولعله من بعد ذلك أن ~~يهتدي ويؤمن. ونعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن من يهدم بنيان ~~الله إلا بحقه. على أن الإسلام قد اتهم زورا بأنه هو الذي شرع الرق، ~~ولكن الحقيقة أنه لم يبتدع أو ينشىء الأسر ms3846 والرق، ولكنه كان نظاما ~~موجودا بالفعل وقت ظهور الإسلام، وكانت منابع الرق متعددة بحق أو بباطل، ~~بحرب أو بغير حرب، فقد يرتكب أحد جناية في حق الآخر ولا يقدر أن يعوضه ~~فيقول: " خذني عبدا لك " ، أو " خذ ابنتي جارية " ، وآخر قد يكون ~~مدينا فيقول: " خذ ابني عبدا لك أو ابنتي جارية لك ". وكانت مصادر ~~الرق - إذن - متعددة، ولم يكن للعتق إلا مصرف واحد. وهو إرادة السيد أن ~~يعتق عبده أو يحرره. ومعنى ذلك أن عدد الرقيق والعبيد كان يتزايد ولا ~~ينقص لأن مصادره متعددة وليس هناك إلا باب واحد للخروج منه، وعندما جاء ~~الإسلام ووجد الحال هكذا أراد أن يعالج مشكلة الرق ويعمل على تصفيته. ومن ~~سمات الإسلام أنه يعالج مثل هذه الأمور بالتدريج وليس بالطفرة فألغي ~~الإسلام كل مصادر الرق إلا مصدرا واحدا وهو الحرب المشروعة التي يعلنها ~~الإمام أو الحاكم. وكل رق من غير الحرب المشروعة حرام ولا يجوز الاسترقاق ~~من غير طريقها، وفي ذات الوقت، عدد الإسلام أبواب عتق العبيد، وجعله ~~كفارة لذنوب كثيرة لا يكفر عنها ولا يغفرها سبحانه وتعالى إلا بعتق رقبة، ~~بل إنه زاد على ذلك في الثواب الكبير الذي يناله من يعتق رقبة حبا في ~~الله وإيمانا به فقال سبحانه وتعالى: # فلا اقتحم العقبة * ومآ أدراك ما العقبة * فك ~~رقبة # [البلد: 11-13]. فإذا لم يرتكب الإنسان ذنبا يوجب عتق رقبة ولا أعتق ~~رقبة بأريحية إيمانية، فإنه في هذه الحالة عليه أن يعامل الأسير معاملة ~~الأخ له في الإسلام. فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه ~~سيدنا أبو ذر رضي الله عنه: # " إخوانكم خولكم جعلهم الله فتنة تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده ~~فليطعمه من طعامه وليلبسه من لباسه، ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما ~~يغلبه فليعنه ". # إذن فقد ساوى هذا الحديث الشريف بين العبد والسيد، وألغي التمييز بينهما ~~فجعل العبد يلبس مما يلبس سيده ويأكل مما يأكل أو يأكل معه وفي العمل ~~يعينه ويجعل يده بيده، ولا يناديه ms3847 إلا ب " يا فتاي " أو " يا فتاتي ". ~~إذن فالإسلام قد جاء والرق موجود وأبوابه كثيرة متعددة ومصرفه واحد فأقفل ~~الأبواب كلها إلا بابا واحدا، وفتح مصارف الرق حتى تتم تصفيته تماما ~~بالتدريج. وبالنسبة للنساء جاء التشريع السماوي في قول الله تعالى: # فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ~~أيمانكم # [النساء: 3]. وكان ذلك بابا جديدا من أبواب تصفية الرق لأن الأمة إن ~~تزوجت عبدا مثلها تظل على عبوديتها وأولادها عبيد، فإن أخذها الرجل إلى ~~متاعه وأصبحت أم ولده يكون أولادها أحرارا، وبذلك واصل الإسلام تصفية ~~الرق، وفي ذات الوقت أزاح عن الأنثى الكبت الجنسي الذي يمكن أن يجعلها ~~تنحرف وهي بعيدة عن أهلها مقطوعة عن بيئتها، وترى حولها زوجات يتمتعن ~~برعاية وحنان ومحبة الأزواج وهذه مسألة تحرك فيها العواطف، فأباح للرجل ~~إن راقت عواطفهما لبعضهما أن يعاشرها كامرأته الحرة وأن ينجب منها وهي ~~أمة، وفي ذلك رفع لشأنها لأنها بالإنجاب تصبح زوجة، وفي ذات الوقت تصفية ~~للرق. إن هذه المسألة أثارت جدلا كثيرا حول الإسلام، وقيل فيها كلام ~~كله كذب وافتراء. والآن بعد أن ألغي الرق سياسيا بمعاهدات دولية انتهت ~~إلى ذات المبادئ التي جاء بها الإسلام وهي تبادل الأسرى والمعاملة ~~بالمثل. وهو مبدأ أول ما جاء، إنما جاء به الإسلام، فليس من المعقول أن ~~يأخذ عدو لي أولادي يسخرهم عنده لما يريد، وأنا أطلق أولاده الأسرى عندي، ~~ولكن المعاملة بالمثل فإن منوا نمن، وإن فدوا نفد. ويشاء الحق سبحانه ~~وتعالى أن يجعل الرق الناشىء عن الأسر مقيدا في قوله تعالى: { ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض } [الأنفال: 67]. ونقول: إن هناك فرقا بين حكم يسبق الحدث فلا ~~يخالفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحكم يجيء مع الحدث، ولا بد أن ~~نفرق بين الحكمين حكم يسبق الحدث إن خولف تكون هناك مخالفة ولكن حكما ~~يأتي مع الحدث، فهذا أمر مختلف، لنفرض أنك جالس وجاء لك من يقول إن ~~قريبك فلان ذهب إلى المكان الفلاني، وأنه ms3848 ينفق على كذا، وأعطي كمبيالة ~~على نفسه بمبلغ كذا. # اذهب إليه لتمنعه، فتذهب إليه وتمنعه، هنا جاء الحكم مع الحدث، فلا تكون ~~هناك مخالفة. وقول الحق سبحانه وتعالى: { ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } [الأنفال: 67]. ~~قد جاء هذا الحكم بعد أن تم أسر كفار قريش وأخذوا إلى المدينة، وتشاور ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة بشأنهم ووصلوا إلى رأي. إذن ~~فالحكم جاء بعد أن انتهت العملية، والدليل على ذلك أن الله سبحانه وتعالى ~~لم يغير الحكم، فظل الأسر والفداء. إذن: { ما كان لنبي أن ~~يكون له أسرى } [الأنفال: 67] أي ما ينبغي لنبي أن يكون له أسرى ~~حتى يقسو على الكفار في القتال. ويريد الحق سبحانه وتعالى هنا أن ينبه ~~المؤمنين إلى أنهم لو كانوا يريدون الأسرى لعرض الدنيا، كأن يطمع أي واحد ~~في من يخدمه، أو يطمع في امرأة يقضي حاجته منها، أو في مال يبغي به رغد ~~العيش، كل ذلك مرفوض لأنه سبحانه وتعالى لا يريد من المؤمن أن يجعل ~~الدنيا أكبر همه، بل يريد الحق من المؤمنين أن يعملوا ويحسنوا الاستخلاف ~~في الأرض ليقيموا العدل على قدر الاستطاعة وليجزيهم الله من بعد ذلك ~~بالحياة الدائمة المنعمة في الجنة. ولذلك قال الحق تبارك وتعالى: { ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ~~والله عزيز حكيم } [الأنفال: 67]. وسبحانه العزيز الذي لا ~~يغلب، والحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه. ويجيء من بعد ذلك قوله ~~سبحانه وتعالى: { لولا كتاب من الله سبق لمسكم... ~~}. ### || [8.68] # هذه الآية الكريمة تشرح وتبين أن الحق سبحانه وتعالى لا يحاسب أحدا ~~إلا بعد أن ينزل التشريع الذي يرتب المقدمات والنتائج، ويحدد الجرائم ~~والعقوبات، ولولا ذلك لنزل بالمؤمنين العذاب لأخذ الأسرى، من قبل أن ~~تستقر الدعوة، وبما أن الحق تبارك وتعالى لا ينزل العذاب إلا بمخالفة ~~يسبقها التشريع الذي يحددها، لولا ذلك لأنزل العذاب بالمؤمنين، ولكن بما ~~أن هذا الفعل لم ms3849 يجرم من قبل فلا عقاب عليه. وينتقل الحق سبحانه وتعالى ~~إلى الغنائم التي حصل عليها المؤمنون في غزوة بدر فيقول تبارك وتعالى: { ~~فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا... }. ### || [8.69] # أي إياكم أن تنفقوا ما غنمتموه بسفاهة في أي شيء لا لزوم له، بل اتقوا ~~الله فيما أعطاكم ومنحكم من غنائم. سواء كانت منقولات أم مالا أم أسرى ~~تجعلونهم يقومون بأعمال يعود نفعها وعائدها إليكم. اتقوا الله في كل هذا ~~ولا تنفقوه بحماقة، وقوله تعالى: { إن الله غفور رحيم } أي ~~أن الله تعالى قد غفر لكم ما فعلتم قبل أن تنزل هذه الآية الكريمة: ثم ~~يخاطب الحق سبحانه وتعالى الأسرى بعد ذلك فيقول: { يأيها النبي ~~قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في ~~قلوبكم خيرا... }. ### || [8.70] # أي إن صح كلام العباس في إسلامه وأنه كتم الإسلام فالله يعلم ما في قلبه ~~وسوف يعطيه الله خيرا مما أخذ منه. وبالفعل فاء الله على العباس بالخير. ~~فقد أسند الطبري إلى العباس أنه قال: في نزلت - أي هذه الآية - حين ~~أعلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي وسألته أن يحاسبني بالعشرين ~~أوقية التي أخذت مني قبل المفاداة فأبى وقال: " ذلك فيء " فأبدلني ~~الله من ذلك عشرين عبدا كلهم تاجر بمالي. وفي الرواية التي ذكرها ابن ~~كثير قال العباس فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين ~~عبدا كلهم في يده مال يضرب به مع ما أرجوه من مغفرة الله عز وجل، وهكذا ~~تحقق قول الله عز وجل: { يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم } ~~[الأنفال: 70]. وبعد أن نزلت هذه الآية الكريمة، وكانت موافقة لما اتخذه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرارات، وأبلغ صلى الله عليه وسلم ~~الأسرى بالحكم النهائي من الله: لا تفكون إلا بالفداء أو بضرب الرقاب. ~~وهنا قال سيدنا عبد الله بن مسعود: يا رسول الله إلا سهل بن بيضاء ~~فإنني عرفته يذكر الإسلام ويصنع كذا وكذا، فسكت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فما رأيتني في يوم أخوف من ms3850 أن تقع علي حجارة من السماء مني في ذلك ~~اليوم، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا سهل بن بيضاء، وقول ~~الحق تبارك وتعالى: { ويغفر لكم والله غفور رحيم } ~~[الأنفال: 70]. أي ما دام في قلوبكم الخير وقد آمنتم أو ستدخلون في ~~الإسلام فالله يعلم ما في قلوبكم وسيغفر لكم لأنه غفور رحيم. وعندما ~~استقر الأمر قال بعض من الأسرى: يا رسول الله: إن عندنا مالا في مكة، ~~اسمح لنا نذهب إلى هناك ونحضر لك الفداء، وخشي صلى الله عليه وسلم أن ~~تكون هذه خدعة واحتيالا، فماذا يفعل؟ أيطلق سراحهم ويصدقهم فيحضرون ~~الفدية؟ أم هذه حيلة وقد أضمروا الخيانة والغدر؟. فنزل قول الحق سبحانه ~~وتعالى: { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من ~~قبل... }. ### || [8.71] # ويوضح الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: لا توافقهم على ما ~~يريدون، فهم إن أضمروا لك الخيانة فقد خانوا الله من قبل فمكنك منهم فلا ~~تأمن لهم، وسبحانه يعلم ما في صدورهم. وبعد أن تكلم سبحانه عن قصة بدر ~~وأسرى بدر، والمواقف التي وقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته في ~~هذه القصة، أراد سبحانه وتعالى أن يصنف الأمة الإسلامية المعاصرة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى عناصرها، ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صاح بالدعوة الإسلامية في مكة، ومكة هي مركز سيادة العرب، وكانت ~~قبيلة قريش هي سيدة جميع قبائل العرب وسيدة الجزيرة كلها، لأن قريشا ~~سيدة مكة، ومكة فيها بيت الله الحرام، وكانت كل قبيلة من قبائل العرب ~~يكون بعض من أبنائها في بطن سيادة قريش خلال الحج، وما دامت كل قبيلة ~~تذهب إلى مكة فهي تطلب حماية قريش، ولم توجد قبيلة تعادي قريشا أو تجرؤ ~~على مهاجمتها لأنها تعلم أنه سيجيء يوم تكون فيه تحت حماية قريش وتحت ~~رحمتها حتى الحج إلى بيت الله الحرام. إذن فسيادة قريش نشأت من وجود ~~البيت. ولو أن هذا البيت لم يكن موجودا لكان مركز قريش كمركز أي قبيلة ~~من ms3851 العرب، ولو أن البيت قد هدم من أبرهة، لكانت سيادة قريش قد انتهت. ~~ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في سورة الفيل: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم ~~يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم ~~كعصف مأكول # [الفيل: 1-5]. ثم تأتي بعدها مباشرة السورة الكريمة التي توضح لنا أن ~~الله سبحانه وتعالى حين حفظ بيته وفتك بجيوش المعتدين فجعلهم كعصف مأكول، ~~قد أكد هذه السيادة لقريش فيقول تبارك وتعالى في السورة التي سميت ~~باسمها: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * ~~فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 1-4]. إذن فالذي أعطى السيادة لقريش هو بيت الله الحرام. ولذلك ~~تذهب قوافلهم بالتجارة لليمن والشام ولا يجرؤ أحد من القبائل أن يتعرض ~~لها. ولو لم يكن بيت الله الحرام في مكة وقريش سادة مكة لما كان لهم هذا ~~الوضع المتميز والمكانة العالية، إذن فعز قريش في بيت الله الحرام، ~~وأمنهم وسيادتهم في أنهم جالسون في راحة وتنتقل قوافلهم إلى الشام وإلى ~~اليمن. ثم تعود محملة بالخير والربح وهم آمنون مطمئنون. وحين أعلن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دعوته كان ذلك الإعلان في مكة، وقد أعلنها صلى ~~الله عليه وسلم في وجه الجبابرة وأقوياء الجزيرة العربية كلها. # ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بدأ دعوته في قبيلة ضعيفة خارج ~~مكة لقالوا: استضعفهم وغرر بهم، أو لقالوا يريدون به السيادة، أي أنهم ~~كقبيلة مستضعفة لم يأخذوا رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إيمانا، ~~ولكنهم أخذوها سلما ليسودوا بها الجزيرة العربية. ولكن شاء الحق تبارك ~~وتعالى أن يكون ميلاد الرسالة في مكة وأول من سمعها هم سادة قريش لتأتي ~~في مركز السيادة ويكون المراد بها هو الحق، وإعلاءه في وجه سادة الجزيرة ~~العربية. ثم كانت المعركة بين سادة قريش والإسلام وآذوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والذين معه وحاولوا إيقاف الدعوة بكل الطرق وشتى الحيل. ~~لكن ms3852 هل انتصروا؟ ثم هل امتد الإسلام وانتشر من مكة؟. لا، بل كانت الهجرة ~~إلى المدينة، ومن هناك امتد الإسلام. إذن فقد بدأ الإسلام من مكان ~~السيادة في الجزيرة العربية، ولكنه انتشر من مكان لا سيادة فيه، لماذا؟ ~~لأن الإسلام لو انتشر من مكة لقالوا: قوم ألفوا السيادة على الناس، ~~وتعصبوا لواحد منهم ليمدوا سيادتهم من الجزيرة العربية إلى أماكن أخرى في ~~العالم. ولكن النصر جاء من المدينة لتعلم الدنيا كلها: أن الإيمان بمحمد ~~هو الذي خلق العصبية لمحمد، وهو الذي حقق النصر لمحمد، ولم يخلق العصبية ~~لرسول الله أنه من قريش، أو أنه من قبيلة اعتادت سيادة الجزيرة العربية. ~~ويصنف الحق سبحانه وتعالى لنا المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهؤلاء منهم المهاجرون. ومنهم الأنصار، ومنهم جماعة مؤمنة لم يهاجروا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم هاجروا بعد ذلك. ومنهم جماعة آمنوا ~~ولم يهاجروا من مكة وبقوا فيها حتى الفتح. إذن: هناك أربع طوائف: الذين ~~هاجروا مع الرسول إلى المدينة، والأنصار الذين استقبلوهم وآووهم. وطائفة ~~لم يهاجروا مع رسول الله ولكنهم هاجروا بعد ذلك، وطائفة بقيت في مكة حتى ~~الفتح. ويقول الحق تبارك وتعالى: { إن الذين آمنوا ~~وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل ~~الله والذين آووا ونصروا... }. ### || [8.72] # الفئة الأولى في هذه الآية هم المهاجرون وقال فيهم الحق تبارك وتعالى: { ~~إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله } [الأنفال: 72]. والفئة الثانية هم ~~الأنصار الذين قال فيهم الحق تبارك وتعالى: { والذين آووا ~~ونصروا } [الأنفال: 72]. ثم يوحد الله تعالى بين المهاجرين ~~والأنصار فيقول عز وجل: { أولئك بعضهم أوليآء بعض } ~~[الأنفال: 72]. وبعض من العلماء فسر قول الحق: { بعضهم أوليآء ~~بعض } [الأنفال: 72] على أنها تشمل الالتحام الكامل، لدرجة أنه كان ~~يرث بعضهم بعضا أولا - حسب قول العلماء - إلى أن نزلت آيات الإرث فألغت ~~ذلك التوارث الذي كان بينهم. وقول الحق تبارك وتعالى: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله # [الأنفال: 75]. أبعدت هذا المعنى، وبعض العلماء قال: إن الولاية ms3853 هي ~~النصر، وهي المودة، وهي التمجيد، وهي الإكبار، فقالوا: هذه صفات الولاية، ~~وهناك آية أخرى عن الأنصار يقول فيها الحق تبارك وتعالى: # والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ~~يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة # [الحشر: 9]. وقد عرفنا الكثير عن الإيثار من الأنصار الذي قد بلغ مرتبة ~~لا يتسامى إليها البشر أبدا إلا بصدق الإيمان، ذلك أن الرجل الذي يعيش ~~في نعمة وله صديق أو حبيب يحب أن يتحفه بمشاركته في نعمته، فإذا كان عنده ~~سيارة مثلا يعطيها له ليستخدمها، وإذا كان له بيت جميل قد يدعوه للإقامة ~~فيه بعض الوقت، وإذا كان عنده ثوب جميل أو فاكهة نادرة قد يعطيه منها، ~~إلا المرأة فهي النعمة التي يأنف الرجل أن يشاركه فيها أحد. ولكن عندما ~~وصل المهاجرون إلى المدينة وتركوا نساءهم في مكة، كان الأنصاري يجيء ~~للمهاجر ويقول له: انظر إلى نسائي والتي تعجبك منهن أطلقها لتتزوجها. هذه ~~مسألة لا يمكن أن يصنعها إلا الإيمان الكامل، وحين يصنعها الإيمان، فهذا ~~الإيمان يجدع أنف الغيرة ويمنعها أن تتحرك، ولا يكون هناك من له أكثر من ~~زوجة ومن هو محروم من المرأة. وقد حدد الحق لنا ميزة كل طائفة من طوائف ~~المؤمنين وبين أحكامهم: فالطائفة الأولى المهاجرون الذين آمنوا ~~وتركوا دينهم الذي ألفوه، ثم هاجروا وتركوا أوطانهم وبيوتهم وأموالهم ~~وزوجاتهم وأولادهم وجمالهم وزروعهم، ثم بعد ذلك عملوا لينفقوا على أنفسهم ~~بمال يكتسبونه وينفقون منه أيضا على الجهاد مع أنهم تركوا أموالهم وكل ~~ما يملكون في مكة، فكأنهم ضحوا بالمال وضحوا بالنفس. ودخلوا وهم قلة بلغت ~~ما بلغت فلن تزيد عن ثلاثمائة ودخلوا في معركة مع الكثرة المشركة، ولم ~~يكونوا واثقين من النصر ولكنهم كانوا يطلبون الشهادة. إذن فهم آمنوا، هذه ~~واحدة، وهاجروا، وهذه الثانية، وجاهدوا بأموالهم هذه الثالثة، وجاهدوا ~~بأنفسهم هذه الرابعة، وكانوا أسوة لأنهم سبقوا إلى الإيمان والجهاد ~~فشجعوا غيرهم على أن يؤمنوا، ولذلك فلهم أجر من سن سنة حسنة، ms3854 ولهم أجر من ~~عمل بها، وهؤلاء هم السابقون الأولون ولهم منزلة عالية وعظيمة عند الله ~~عز وجل. # والطائفة الثانية الأنصار وهم الذين آووا هذه واحدة، ونصروا هذه ~~الثانية، وأحبوا من هاجر إليهم، هذه الثالثة. وهؤلاء جمعهم الله في ~~الولاية أي النصرة والمودة والتعظيم والإكبار. ثم يأتي القول من الحق ~~تبارك وتعالى: { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم ~~من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا } [الأنفال: 72]. ~~وهؤلاء هم الطائفة الثالثة الذين آمنوا وتركوا دينهم الذي ألفوه. ولكنهم ~~لم يهاجروا ولم يتركوا أوطانهم ولا أولادهم ولا أزواجهم ولا أموالهم، إذن ~~فيهم خصلة تمدح وخصلة ثانية ليست في صالحهم فموقفهم بين بين، ولكن لأنهم ~~لم يهاجروا لذلك يأتي الحكم من الله: { ما لكم من ولايتهم ~~من شيء حتى يهاجروا } [الأنفال: 72]. إذن فهذه الطائفة ~~آمنت ولم تهاجر، ولكن عدم هجرتهم لا يجعل لهم عليكم ولاية، إلا أن قوله ~~تبارك وتعالى: { ما لكم من ولايتهم من شيء حتى ~~يهاجروا } [الأنفال: 72]. وفي هذا تشجيع لهم حتى يهاجروا، كأن تقول ~~لابنك: ليس لك عندي مكافأة حتى تذاكر. وفي هذا تشجيع له على المذاكرة. ~~ولم يقطع الله سبحانه وتعالى أمامهم الطريق إلى الهجرة لأنهم ربما فهموا ~~أن الهجرة لم تكن إلا في الأفواج الأولى لأنه قال: " والذين آمنوا ~~وهاجروا " أي أن الباب مفتوح. وكلمة " هاجروا " مأخوذة من الفعل الرباعي ~~" هاجر " ، والاسم " هجرة " والفعل " هاجر ". وهجر غير هاجر. فقد يترك ~~الإنسان مكانا يقيم فيه فيكون هذا معناه " هجر " أي ترك وهو عن قلة وضيق ~~تدفع إلى الهرب، إنما هاجر لا بد أن يكون هناك تفاعل بين اثنين ألجأه إلى ~~أن يهاجر، إذن فهناك عمليتان، اضطهاد الكفار للمسلمين لأنهم لو لم ~~يضطهدوهم وعاشوا في أمان يعلنون إيمانهم وإسلامهم، ما حدثت الهجرة. ولكن ~~الاضطهاد الذي لاقاه المسلمون كان تفاعلا أدى إلى هجرتهم، والمتنبي ~~يقول: # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا # ألا تفارقهم فالراحلون همو # أي أنك إذا تركت قوما دون أن يكرهوك على ذلك تكون أنت الذي رحلت عنهم، ~~ولكن المهاجرة التي ms3855 قام بها المسلمون كانت بسبب أن الكفار ألجأوهم إلى ~~ذلك، إذن هجر تكون من جهة واحدة، واسم الهجرة مأخوذ من هاجر، فكأن الله ~~سبحانه وتعالى يقول: إن الدار التي اضطهدتم فيها كان يصح أن تهجروها. ~~ويوضح الحق سبحانه وتعالى: { والذين آمنوا ولم يهاجروا ~~ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن ~~استنصروكم في الدين فعليكم النصر } [الأنفال: 72]. # أي لا بد أن يكون هناك التضامن الإيماني دون الولاية الكاملة للمؤمنين ~~الذين لم يهاجروا. فالإيمان له حقه في قوله تعالى: { وإن ~~استنصروكم في الدين فعليكم النصر } [الأنفال: 72]. ~~ولكن النصر هنا مشروط بشرط آخر هو: { إلا على قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق } [الأنفال: 72]. فاحفظوا هذا الميثاق لأن نقض ~~العهود الميثاقية ليس من تعاليم الدين الإسلامي. ولكن ما دام بينكم ~~وبينهم ميثاق فيجب أن تتم التسوية عن طريق التفاهم. فعليكم احترام ما ~~اتفقتم وتعاهدتم عليه. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { والله بما ~~تعملون بصير } [الأنفال: 72]. أي يعلم ويرى كل ما تصنعون وقد ~~جمعهم الله سبحانه وتعالى كمؤمنين في آية واحدة وكلهم في مراتب الإيمان ~~وهم قسم واحد. ثم يأتي الحديث بعد ذلك عن القسم الثاني المقابل فيقول ~~سبحانه وتعالى: { والذين كفروا بعضهم أوليآء بعض... ~~}. ### || [8.73] # فالكفار - كما نعلم - وكما تحدثنا الآية الكريمة بعضهم أولياء بعض. فإن ~~لم يتجمع المؤمنون ليترابطوا ويكونوا على قلب رجل واحد، فالكفار يتجمعون ~~بطبيعة كفرهم ومعاداتهم للإسلام. وإن لم يتجمع المسلمون بالترابط نجد قول ~~الحق تحذيرا لهم من هذا: { إلا تفعلوه تكن فتنة في ~~الأرض وفساد كبير } [الأنفال: 73]. فسبحانه يريد لنا أن نعلم ~~أننا إن لم نعش كمسلمين متحدين ننحاز لبعضنا البعض في جماعة متضامنة، ~~وتآلف وإيمان، إن لم نفعل ذلك فسوف تكون هناك فتنة شديدة وفساد كبير. ~~لماذا؟. لأن المؤمنين إن لم يتجمعوا ذابوا مع الكافرين، وستوجد ذبذبة ~~واختلال في التوازن الإيماني جيلا بعد جيل. ولو حدث مثل هذا الذوبان، ~~سيتربى الأولاد والأطفال في مجتمع يختلط فيه الكفر بالإيمان، فيأخذوا من ~~هذا، ويأخذوا من ذاك، فلا يتعرفون على قيم ms3856 دينهم الأصيلة، وقد يضعف ~~المسلمون أمام إغراء الدنيا فيتبعون الكافرين. ولكن إن عاش المسلمون ~~متضامنين متعاونين تكون هناك وقاية من أمراض الكفر، وكذلك لا يجترىء ~~عليهم خصومهم. أما إذا لم يتجمعوا ولم يتحدوا فقد يتجرأ عليهم الخصوم ~~ويصبحون قلة هنا، وقلة هناك وتضيع هيبتهم، ولكن إذا اتحدوا كانوا أقوياء، ~~ليس فقط بإيمانهم، ولكن بقدرتهم الإيمانية التي تجذب غير المسلمين لهذا ~~الدين. وينشأ الفساد الكبير حين لا يتضامن المسلمون مع بعضهم البعض ~~فيجترىء عليهم غير المسلمين ويصبحون أذلة وهم أغلبية، ولا يهابهم أحد ~~مع كثرة عددهم، ولا يكونون أسوة سلوكية. بل يكونون أسوة سيئة للإسلام. ~~ويقول الحق سبحانه وتعالى: { والذين كفروا بعضهم ~~أوليآء بعض } [الأنفال: 73]. فهل هذا توجيه من الله جل جلاله ~~لهم، أو إخبار بواقع حالهم؟ لقد طلب الحق سبحانه وتعالى من المؤمنين أن ~~يكونوا أولياء بعض، ولكن هل قوله تعالى: { والذين كفروا ~~بعضهم أوليآء بعض } هو طلب للكافرين، كما هو طلب من الله ~~للمؤمنين؟ نقول: لا، لأن الذين كفروا لا يقرأون كلام الله عز وجل، وإذا ~~قرأوه لا يعملون به. إذن فهذا إخبار بواقع كوني للكافرين. فعندما يطلب ~~الله سبحانه وتعالى من المؤمنين أن يكونوا أولياء بعض، فهذا تشريع يطلب ~~الله لأن يحرص عليه المؤمنون، أما إذا قال إن الكفار بعضهم أولياء بعض. ~~فهذا إخبار بواقع كوني لهم. إن الإسلام جاء على أهل أصنام من قريش، ويهود ~~في المدينة هم أهل كتاب، وكذلك كان الأوس والخزرج كفارا مثل قريش ولكن ~~الإسلام جمعهم وجعل بعضهم أولياء بعض، وكان بين الأوس والخزرج وبين ~~اليهود قبل الإسلام عداء، وإن لم يصل إلى الحرب لأنهم كانوا يحتاجون لمال ~~اليهود وعلمهم وأشياء أخرى، وكان اليهود يستفتحون على الأوس والخزرج ~~بمجيء النبي محمد المذكور عندهم في التوراة ويقولون لهم: أطل زمان نبي ~~سنتبعه ونقتلكم قتل عاد وإرم. # إذن كان اليهود يتوعدون الكفار، لما بينهم من عداء عقدي وديني، فلما بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر اليهود برسالته والتحموا مع كفار قريش ~~وقالوا: # هؤلاء ms3857 أهدى من الذين آمنوا سبيلا # [النساء: 51]. أي أن كفار قريش أهدى من الذين آمنوا بمحمد، فالولاء بين ~~الكافرين واليهود جاء لهم بعد أن كانوا أعداء، لكنهم اتحدوا بعد ذلك ضد ~~المؤمنين، فإذا كان هذا قد حدث بين الكفار واليهود فيجب على المؤمنين أن ~~يكون بعضهم أولياء بعض لأنهم اجتمعوا على شيء يعاديه الجميع. وهذا ينفي ~~مسألة الإرث التي قال بها بعض العلماء من أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض ~~أي يرث بعضهم بعضا لأنه لو كان هذا صحيحا فكأن الله يشرع للكافرين - ~~أيضا - أن يرث بعضهم بعضا لأنه استخدم كلمة أولياء بالنسبة لهم أيضا. ~~والحق سبحانه وتعالى لم يشرع للكافرين. وبعد أن بينا أقسام المؤمنين ~~الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفنا أنهم أربعة، ذكرنا ~~ثلاثة منهم هم المهاجرون والأنصار والذين آمنوا ولم يهاجروا، وبقي من هذه ~~الأقسام الذين آمنوا وهاجروا بعد ذلك، ويقول الحق تبارك وتعالى: { ~~والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~والذين آووا ونصروا... }. ### || [8.74] # أي إياكم أن تقولوا بأنهم لم يهاجروا معكم. وتنكرون أنهم منكم. بل هم ~~منكم وأولياؤكم فهم قد اتبعوكم بإحسان. وما الذي جعل الحق سبحانه وتعالى ~~يذكر هذا مرة أخرى؟. لقد تكلم سبحانه وتعالى عن الذين آمنوا وجاهدوا في ~~سبيل الله والذين نصروا، ولننتبه إلى أن هذا ليس تكرارا لأنه سبحانه ~~وتعالى يذكر لنا هنا أنهم جاهدوا بالمال والنفس. وقد جاءت هذه الآية ~~لتثبيت الحكم الشرعي. وانظر إلى عجز كل آية لتعرف. ففي عجز هذه الآية: { ~~أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق ~~كريم } [الأنفال: 74]. والحكم الشرعي بالنسبة لهم هو أن يكونوا أولياء ~~بعض، وهذا ما ذكره الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة حيث يقول: # إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا ~~أولئك بعضهم أوليآء بعض # [الأنفال: 72]. أي أعطانا الحكم الشرعي في ولاية بعضهم لبعض. وأوضح أن ~~هؤلاء لا بد أن يكونوا أولياء، وهذا هو الحكم المطلوب منهم، ولكنه سبحانه ~~في هذه الآية الكريمة: { والذين آمنوا ms3858 وهاجروا وجاهدوا ~~في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم ~~المؤمنون حقا } [الأنفال: 74]. فلم يتكلم الحق سبحانه وتعالى ~~هنا عن الولاية ولم يعط حكما بها، وإنما قال سبحانه وتعالى: { هم ~~المؤمنون حقا } وهذا حصر يسمونه قصرا، أي أن غيرهم لا يكون ~~مؤمنا حقا، مثلما تقول: فلان هو الرجل، يعني أن غيره لا تعد رجولته ~~كاملة من كل نواحيها. وهذه مبالغة إيمانية. ثم يذيل الحق سبحانه وتعالى ~~الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله الكريم: { لهم ~~مغفرة ورزق كريم } [الأنفال: 74]. وهنا يتكلم الحق سبحانه ~~وتعالى عن الجزاء. والجزاء إما أن يكون في الدنيا، ولذلك حكم الله لهم ~~بأنهم هم المؤمنون حقا، وإما أن يكون الجزاء في الآخرة. وجزاء الآخرة ~~يمحو السيئات ويرفع الدرجات فقوله: { لهم مغفرة } [الأنفال: ~~74] أي تمحي سيئاتهم. وقوله تعالى: { ورزق كريم } [الأنفال: 74] ~~أي تضاعف لهم الحسنات في الجنة. فكأن الآية الأولى كان مقصودا بها حكم ~~الولاية. وهو حكم مطلوب منهم. والآية الثانية تكلمت عن الجزاء وبينت ~~جزاءهم في الدنيا والآخرة. والجزاء في الدنيا أنهم هم المؤمنون حقا، ~~أما الجزاء في الآخرة فهو محو الذنوب حتى لا يعاقبوا. ورفع درجاتهم ~~بإعطائهم الثواب وهو رزق كريم. والمغفرة لهم على قليل الذنوب لأنه لا ~~يوجد أحد بلا كبوة في شيء من الأشياء ولا أحد معصوم مثل الرسل فهم وحدهم ~~الذين عصمهم الله من الوقوع في المعاصي، ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يغفر ~~- لمن ذكرهم في هذه الآية - النزوات الصغيرة، ولهم رزق كريم أيضا. ~~والرزق هو ما انتفع به الإنسان، وإن كان الناس ينظرون إلى الرزق على أنه ~~المادة فقط من مال وأرض وعقار وطعام ولباس، ولكن الحقيقة أن الرزق ~~مجموع أشياء متعددة منها ما هو مادي وما هو معنوي. # فالاستقامة رزق، والفضيلة رزق، والعلم رزق، والتقوى رزق، وكلما امتد نفع ~~الرزق يوصف بأنه حسن وجميل. وهنا وصف الحق الرزق بأنه كريم. والكرم هو ~~مجموع الأشياء التي فيها محاسن. وإذا جاء الرزق بلا تعب يكون كريما، ~~فالهواء رزق لا عمل لك فيه ms3859 يمر عليك فتتنفس، والماء رزق لا عمل لك فيه ~~لأنه يهبط عليك من السماء، والطعام رزق لك فيه عمل قليل، فأنت بذرت ورويت ~~وانتظرت حتى جاء الثمر. إذن فهناك رزق لا عمل لك فيه مطلقا وهو رزق في ~~قمة الكرم، وهناك رزق لك فيه عمل ضئيل وهو رزق كريم لأنه أكبر من العمل. ~~وأنت حين تعطي إنسانا أجره ليس هذا منا أو كرما منك لأنه مقابل عمل، ~~ولكن الكرم أن تعطيه بلا مقابل. ورزق الجنة بلا مقابل لأنه بمجرد أن يخطر ~~الشيء على بالك وتشتهيه تجده أمامك. إذن فهو رزق في قمة الكرم، والحق ~~سبحانه وتعالى قد جعل الكرم من صفات الرزق، فالرزق يعرف عنوانك ومكانك ~~وأنت لا تعرف عنوانه ولا مكانه لأنك قد تبذل جهدا كبيرا في زراعة أرضك ~~ثم تأتي آفة وتصيب الزرع فلا يعطيك رزقا. وقد تذهب إلى مكان وأنت خالي ~~الذهن فتأتيك صفقة فيها رزق وفير. إذن فالرزق يعرف مكانك ويأتي إليك ~~ولكنك لا تعرف أين هو. وقد حدد الله سبحانه وتعالى الرزق وقسمه على ~~عباده، وكل رزق مقسوم لك سيصل إليك ولن يذهب إلى غيرك، وأنت قد تأكل ~~طعاما تلتذ به ثم يهيج معدتك فتفرغ معدتك منه، ويأتي طائر ليلتقط بعضه ~~هذا رزق الطائر تعافه أنت. وقد تأكل الطعام ويتحول إلى مكونات في دمك ثم ~~تذهب تتبرع بهذا الدم إلى غيرك. إذن فهذا الطعام الذي أكلته وتحول إلى دم ~~في جسدك ليس رزقك ولكنه رزق من نقل إليه الدم. ولذلك إذا قرأت القرآن تجد ~~أن الحق سبحانه وتعالى يقول: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان # [النحل: 112]. والرزق يأتيك ولا تذهب أنت إليه، وإذا كان الرزق قد ربط ~~في الدنيا بأسباب العمل، فالرزق في الآخرة يأتيك بلا عمل. ويقول الحق ~~سبحانه وتعالى بعد ذلك: { والذين آمنوا من بعد وهاجروا ~~وجاهدوا معكم فأولئك منكم... }. ### || [8.75] # إذن فمن آمن بعد هؤلاء الأولين وهاجر وجاهد له أيضا مغفرة ورزق كريم. ~~هكذا حدد ms3860 الحق سبحانه وتعالى فئات المؤمنين وجعل لكل فئة مقامها، فالذين ~~آمنوا هم جميعا قد انتموا انتماء أوليا إلى الله، ولذلك نجد أن الحق ~~سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان مقهورا في أشياء ومختارا في أشياء يفعلها ~~أو لا يفعلها، والمؤمن يختار ما أراده الله تعالى له ففعل ما قال له: " ~~افعل " ، ولم يفعل ما قال له: " لا تفعل " ، فكأنه اختار مرادات الله في ~~التشريع. إن معنى الإيمان أن يستقر في قلبك وأن تؤمن أن الله تعالى بكل ~~صفات كماله خلق لنا هذا الكون وخلقنا، وأننا جئنا إلى هذا الكون فوجدناه ~~قد أعد لنا إعدادا جيدا، كل ما فيه مسخر لخدمة الإنسان، وأعطانا الله ~~سبحانه وتعالى الاختيار في أشياء، وجعلنا من رحمته مقهورين في أشياء. ~~مثلا دقات القلب والدورة الدموية وأجزاء جسمك الداخلية مقهورة لله عز ~~وجل لا دخل لاختيارك فيها، وكذلك التنفس فأنت تتنفس وأنت نائم ولا تعرف ~~كيف يحدث ذلك، ولكن الأفعال التي تصدر منك بعد فكر، تلك هي الأفعال التي ~~جعل الله لك فيها اختيارا. ولو أرادك الخالق أن تكون مقهورا لفعل، ولو ~~أراد أن يؤمن الناس جميعا لفعل ولكنه سبحانه وتعالى ترك لهم الاختيار ~~فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ليعرف من من عباده أحب الله فأطاعه في ~~التكليف، ومن من الخلق قد عصاه. إذن فالانتماء الأول للمسلم هو انتماء ~~الإيمان، وللإنسان انتماءات أخرى ينتمي لوطنه ولأهله ولأولاده ولماله، ~~ولكن الانتماء الأول يجب أن يكون لله تعالى، بحيث يترك الناس أوطانهم ~~وأموالهم وأهلهم إذا كان الإيمان يقتضي ذلك. والإنسان المؤمن هو الذي ~~يترك اختياره فيختار ما أمر به الله عز وجل، ويجعل كل ما يملكه في خدمة ~~ذلك فيجاهد بنفسه لأن الله أمره بذلك، ويجاهد بماله لأن الله أمره بذلك. ~~إذن فالمؤمن الحق لا انتماء له إلا لله. فالذين هاجروا والذين آووا ~~ونصروا، تركوا أموالهم وأولادهم وكل ما يملكون حبا في الله وطاعة له. ~~فالأنصار لم يهاجروا ولكنهم وضعوا كل إمكاناتهم في إيواء المهاجرين حبا ~~لله فتنازلوا عن ms3861 مساكن لهم وأموال لهم، وتنازلوا عن زوجاتهم في سبيل الله ~~كل منهم مؤمن حقا، أما الفئة الثانية فهناك نقص في إيمانهم ذلك أنهم لم ~~يهاجروا رغم إسلامهم وفضلوا أن يبقوا مع أولادهم وأهلهم. ولذلك قال الله ~~سبحانه وتعالى عنهم: # ما لكم من ولايتهم من شيء.. # [الأنفال: 72]. أي ليس مطلوبا أن توالوهم، لكن إذا استنصروكم في الدين ~~فعليكم النصر، لماذا؟ لأنهم لم يتركوا الانتماءات الأخرى مثل المال ~~والولد والأهل ومكان الإقامة. والفئة الثالثة هم الذين جاءوا بعد ذلك، لم ~~تكن هناك هجرة ليهاجروا ولكن من آمن منهم وجاهد وترك اختياره وخضع ~~لاختيار الله خضوعا تاما يكون كالمؤمنين الأوائل لأنهم تركوا كل ~~الانتماءات من أجل الله تعالى. ثم يختتم الحق سبحانه سورة الأنفال بهذه ~~الآية الكريمة: { والذين آمنوا من بعد وهاجروا ~~وجاهدوا معكم فأولئك منكم... }. ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1] # والبراءة - كما قلنا - هي انقطاع العصمة، والعصمة استمساك، والحق تبارك ~~وتعالى يقول: # ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم # [آل عمران: 101]. وهو أيضا يقول: # لا عاصم اليوم من أمر الله.. # [هود: 43]. إذن فالبراءة يلزم منها أنه كان هناك عهد واستمساك به، وجاءت ~~البراءة من الاستمساك بهذا العهد الذي عهده رسول الله معهم، وكانوا ~~معتصمين بالمعاهدة، ثم جاء الأمر الإلهي بقطع هذه المعاهدة. وكلمة " ~~براءة " تجدها في " الدين " ويقال: " برىء فلان من الدين ". أي ~~أن الدين كان لازما في رقبته، وحين سدده وأداه يقال: " برىء من ~~الدين ". ويقال: " برىء فلان من المرض " إذا شفي منه أي أن المرض ~~كان يستمسك به ثم انقطع الاستمساك بينه وبين المرض. وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد عاهد قريشا وعاهد اليهود، ولم يوف هؤلاء بالعهود، ~~وكان لزاما أن ينقض رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه العهود. وإذا سأل ~~سائل: لماذا لم ينقض هذه العهود من البداية، ولماذا تأخر نقضه لها إلى ~~السنة التاسعة من الهجرة. رغم أن مكة قد فتحت في العام الثامن من الهجرة؟ ~~لقد حرر الرسول صلى الله عليه وسلم الكعبة من ms3862 الأصنام والوثنية، وبعد أن ~~استقرت دولة الإسلام بدأ تحرير " المكين " وهو الإنسان الذي يحيا بجانب ~~البيت الحرام، وكان لا بد من تصفية تجعل المؤمنين في جانب، والكفار وأهل ~~الكتاب والمنافقين في جانب آخر، وقد حدث هذا في العام التاسع من الهجرة ~~حتى لا يحج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والمكان محرر والمسجد محرر ~~والناس محررون، ولذلك أوضح سبحانه وتعالى بهذه الآية لأصحاب العهود التي ~~كانت بينهم وبين محمد صلى الله عليه وسلم: أنتم لستم أهلا للأمان ولا ~~للوفاء بالعهود لذلك نحن قد قطعنا هذه العهود. وهذه القطيعة ليست من ~~إرادة بشرية من محمد وأصحابه ولكنها قطيعة بأمر الله تعالى، فقد يجوز أن ~~يعرف البشر شيئا ويغيب عنهم أشياء. لكن العالم الأعلى قال: { برآءة ~~من الله ورسوله.. } [التوبة: 1]. ولم يقل براءة من الله ~~وبراءة من الرسول، ذلك لأنها براءة واحدة، والبراءة صادرة من الله المشرع ~~الأعلى، ومبلغة من الرسول الخاتم، والبراءة موجهة إلى المشركين الذين ~~عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان له حلف مع قبيلة خزاعة، وكانت هناك قبيلة مضادة لها اسمها قبيلة بكر ~~متحالفة مع قريش. وقد أعانت قريش قبيلة بكر على قبيلة خزاعة، فذهب إلى ~~المدينة شاعر من خزاعة هو عمرو بن سالم الخزاعي وقال القصيدة المشهورة ~~ومنها هذه الأبيات: # يا رب إني ناشد محمدا # حلف أبينا وأبيه الأتلدا # كنت لنا أبا وكنا ولدا # ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا # فانصر هداك الله نصرا عتدا # وادع عباد الله يأتوك مددا # إن قريشا أخلفوك الموعدا # ونقضوا ميثاقك المؤكدا # هم بيتونا بالوتير هجدا # وقتلونا ركعا وسجدا # فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال: نصرت يا عمرو بن سالم، ~~لانصرت إن لم أنصرك. إذن فالمشركون هم الذين نقضوا العهد أولا، وصاروا ~~لا يؤمن لهم جانب لأنهم لا يحترمون عهدا أو معاهدة، ونزل قول الحق ~~سبحانه وتعالى: { برآءة من الله ورسوله إلى الذين ~~عاهدتم من المشركين } [التوبة: 1]. الخطاب هنا للمسلمين، ms3863 ~~والبراءة من المشركين. ونزل بعد ذلك قول الحق تبارك وتعالى: { فسيحوا ~~في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير ~~معجزي الله... }. ### || [9.2] # والخطاب هنا للمشركين. وتساءل البعض: كيف يتأتى أن يكون خطاب الحق في ~~الآية الأولى للمسلمين بالبراءة من المشركين، ثم يأتي خطاب من الله ~~للمشركين؟. وقال بعض العلماء إنه ما دامت البراءة قد صدرت من الله، فكأن ~~الله تعالى يقول للمؤمنين قولوا للمشركين: { فسيحوا في الأرض ~~أربعة أشهر.. } [التوبة: 2]. ولكننا نرد على هذا بأن المعاهدة ~~تكون بين اثنين، ولذلك لا بد أن يكون هناك خطاب للذين قطعوا، وخطاب ~~للمقطوعين، ويتمثل خطاب الذين قطعوا في قوله تعالى: # برآءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين # [التوبة: 1]. وخطابه للمقطوعين يتمثل في قوله سبحانه وتعالى: { ~~فسيحوا في الأرض أربعة أشهر.. } [التوبة: 2]. ومن سماحة ~~هذا الدين الذي أنزله الحق تبارك وتعالى أن المولى سبحانه يعطي مهلة لمن ~~قطعت المعاهدة معهم، فأعطاهم مهلة أربعة أشهر حتى لا يقال إن الإسلام ~~أخذهم على غرة، بل أعطاهم أربعة أشهر ومن كانت مدة عهده أكثر من أربعة ~~أشهر فسوف يستمر العهد إلى ميعاده. { فسيحوا في الأرض أربعة ~~أشهر.. } [التوبة: 2]. وكلمة " فسيحوا " تعطي ضمانا إيمانيا، ف " ~~ساح " معناها سار ببطء، وهناك " ساح الشيء " و " سال الشي " عندما تقول: ~~" سال الماء " أي تدفق وسال، وأنت تشاهده سائلا. وإن قلت: " ساح السمن " ~~أي سار ببطء لا يدرك حتى صار سائلا. ولماذا قال الحق سبحانه وتعالى { ~~فسيحوا في الأرض }؟. والإجابة: أن سماحة الإسلام تمنع أن نأخذكم ~~على غرة، وعلى الذين قطع الإسلام معهم العهد أن يسيروا وهم مطمئنون وفي ~~أمن وأمان ولا يتعرض لهم أحد. ووقف العلماء عند تحديد أربعة الأشهر، ونظر ~~بعضهم إلى تاريخ النزول، وقد نزلت هذه الآية في شوال إذن فتكون الأشهر ~~الأربعة هي: شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. وقال علماء آخرون: إن ~~ساعة النزول لا علاقة لها بالأشهر الأربعة، وإن الأشهر الأربعة تبدأ من ~~ساعة الإبلاغ أي في الحج لأن الله تعالى يقول: # وأذان من الله ms3864 ورسوله إلى الناس يوم الحج ~~الأكبر.. # [التوبة: 3]. وعلى ذلك فتكون من يوم العاشر من ذي الحجة إلى يوم العاشر ~~من ربيع الآخر. وقال بعض العلماء: إن نزول هذه الآية كان في عام النسيء ~~الذي كان الكفار يؤخرون ويقدمون في الأشهر الحرم، والذي قال فيه الله ~~سبحانه وتعالى: # إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين ~~كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا ~~عدة ما حرم الله.. # [التوبة: 37]. وأضاف صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي رواه أبو بكرة ~~حيث قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: # " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة ~~اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة ~~والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان ". # أي أنه صلى الله عليه وسلم حسب من بداية الكون إلى هذا الوقت فرجع ~~بالأمم إلى نصابه وألغي النسيء هذا النسيء الذي كانوا يقررونه أيام الشرك ~~لتقديم أو لتأخير الأشهر الحرم لأنهم كانوا إذا أتت الأشهر الحرم ويريدون ~~الحرب يؤجلون الشهر الحرام حتى يمكنهم الاستمرار في الحرب. ولذلك كان ~~الحج في هذه السنة في شهر ذي القعدة. وما دام الحج في شهر ذي القعدة، ~~تنتهي الشهور الأربعة في العاشر من ربيع الأول. وقيل إن اختيار أربعة ~~الأشهر جاء ليوافق ما شرعه الله في قوله سبحانه وتعالى: # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في ~~كتاب الله يوم خلق السموت والأرض منهآ ~~أربعة حرم.. # [التوبة: 36]. فيكون عدد الأشهر مناسبا لعدد الأشهر الحرم. ولكن هذه ~~المرة فيها ثلاثة أشهر حرم فقط هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، والشهر ~~الرابع هو رجب فكيف يقال أربعة؟ ونقول: إن الأشهر الأربعة الحرم التي ~~فيها رجب هي الأشهر الحرم الدائمة، أما الأشهر الأربعة التي ذكرت في هذه ~~الآية فهي أربعة أشهر للعهد تنتهي بانتهائها، ولكن أربعة الأشهر الحرم ~~الأصلية تبقى محرمة دائما، ولقد شرع الله عز وجل الأشهر الحرم ليحرم ~~دماء الناس من الناس ذلك ms3865 أن الحروب بين العرب كانت تستمر سنوات طويلة دون ~~نصر حاسم. فجعل الله الأشهر الحرم حتى يجنح الناس إلى السلم، ويتحكم فيها ~~العقل وتنتهي الحروب. وهنا يبلغنا الحق تبارك وتعالى أنه قد أعطى ~~المشركين أربعة أشهر يسيرون فيها آمنين، لماذا؟ لأن الذي يكون ضعيفا مع ~~خصمه ينتهز أي فرصة يقدر عليه فيها ليستغلها ويقضي عليه، ولا يمهله أربعة ~~أشهر حتى ولا أربعة أيام. ولكن القوي لا يبالي بمد الأجل لخصمه لأنه ~~يستطيع أن يأتي به في أية لحظة. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~واعلموا أنكم غير معجزي الله.. } [التوبة: 2]. ~~ويقال فلان أعجز فلانا، أي جعله ضعيفا عاجزا. ولذلك فإن كل شيء معجز ~~شرف للمعجز، والمثال: عندما جاء القرآن الكريم معجزا للعرب وكان ذلك ~~شرفا لهم لأنهم كانوا أمة بلاغة وفصاحة. والله لا يتحدى الضعيف وإنما ~~يتحدى القوي، فلغة القرآن أعجزت الفصيح والبليغ. وحين يعطي الحق سبحانه ~~وتعالى هذه المهلة للمشركين إنما كانت ببنود معينة، وكان أمير الحج في ~~هذا العام سيدنا أبو بكر وكان هو الذي سيبلغ البراءة. وهي أنه لا يدخل ~~المسجد الحرام مشرك ولا يحج مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولن يدخل الجنة ~~إلا من آمن، هذه هي البنود. # ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بفطنته النبوية كان يعرف أن العرب لا ~~يقبلون نقض العهود والمواثيق إلا من أهلها: فأرسل صلى الله عليه وسلم ~~سيدنا عليا بن أبي طالب ليعلن نقض العهود لأنه علم أن الكفار كانوا ~~سيقولون: لا نقبل نقض العهد من أبي بكر، بل لا بد أن يكون من واحد من آل ~~الناقض. وحينما قال المولى سبحانه وتعالى: { واعلموا أنكم ~~غير معجزي الله.. } [التوبة: 2]. أعطى هذه المهلة الطويلة، ~~لأنهم مهما فعلوا في هذه المهلة، فالله غالب على أمره. فلن يفوت أو يغيب ~~شيء عنه سبحانه وتعالى، ومهما حاولوا أن يجدوا حلفاء لهم فلن يستطيعوا ~~شيئا مع الله، صحيح أنهم ضعاف في هذه الفترة، وصحيح أن الضعيف قد تكون ~~قدرته على القوي مميتة لأنه يعرف أن ms3866 فرصته واحدة، وإن لم يقدر على خصمه ~~فسوف ينتهي، لكن الله غالب على أمره. وأراد الشاعر العربي أن يعبر عن ذلك ~~فقال: # وضعيفة فإذا أصابت فرصة # قتلت كذلك قدرة الضعفاء # لأن الضعيف ينتهز الفرصة ليقضي على خصمه. أما القوي فيعرف أنه قادر على ~~خصمه في أي وقت، ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { وأن الله مخزي ~~الكافرين } [التوبة: 2]. الإخزاء هو الإذلال بفضيحة وعار ولا يكون ~~ذلك إلا لمن كان متكبرا متعاليا. أي أن الله قادر على أن يخزي الكفار ~~بفضيحة وعار مهما بلغت قوتهم وكبرهم. ويقول الحق عز وجل بعد ذلك: { ~~وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج ~~الأكبر أن الله بريء من المشركين ورسوله... ~~}. ### || [9.3] # وبعض الناس يقول ما دام الله تعالى قد قال: # برآءة من الله ورسوله.. # [التوبة: 1]. فلماذا يعيد سبحانه وتعالى: { أن الله بريء ~~من المشركين ورسوله.. } [التوبة: 3]. ونقول: إن البراءة ~~جاءت إعلاما بالمبدأ، والأذان جاء لإبلاغ البراءة، و " أذان " معناها ~~إعلام يبلغ للناس كلهم، تماما كأذان الصلاة فهو إعلام للناس بدخول وقت ~~الصلاة. والأذان مأخوذ من الأذن. لأن الإنسان حين يعلم الناس بشيء لا بد ~~أن يخطب فيهم فيسمعون كلامه بآذانهم، ولذلك تجد الأذن هي الوسيلة الأولى ~~للإدراك، فقبل أن ترى تسمع، وقبل أن تتكلم لا بد أن تسمع، فإن لم تسمع ~~من يتكلم لا تقدر أنت على الكلام. ولذلك يقول الحق جل جلاله: # صم بكم.. # [البقرة: 18]. أي لا يسمعون، وما داموا لا يسمعون لا يتكلمون. وقد يأتي ~~بعض الناس ويقول: إن وسيلة الإعلام قد تعتمد على العين ويقرأ منها ~~الإنسان. ولكن من يقول ذلك ينسى أن الإنسان لا يستطيع أن يقرأ إلا إذا ~~سمع ألفاظ الحروف، وحين يقال له: هذه ألف وهذه باء وهذه تاء فهو يتعلم. ~~إذن كل بلاغ إنما يبدأ بالأذن، والأذن هي أول آلة إدراكية تؤدي مهمتها ~~فور ولادة الإنسان لأنك إن أشرت بأصبعك إلى عيني طفل مضى على ولادته أيام ~~لا يتأثر. ذلك أن العين لا تبدأ في أداء مهمتها قبل ms3867 بضعة أيام، ولكن إذا ~~صرخت بجوار الطفل يسمع وينزعج. والله سبحانه وتعالى حين يتحدث عن وسائل ~~الإدراك يأتي بالسمع أولا فيقول جل جلاله: # وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة # [النحل: 78]. لأن الأذن تبدأ عملها فورا - كما قلنا - والعين لا تبدأ ~~عملها إلا بعد أربعة أو خمسة أيام. والأذن تستقبل بها أصواتا متعددة ~~في وقت واحد. ولكن مجال الرؤية محدود. وأنت حين لا تريد أن ترى شيئا ~~تبعد عينيك عنه. ولكن الأصوات تصل إلى أذنك من كل مكان دون أن تستطيع ~~منعها. ولذلك يأتي السمع مفردا، والأبصار متعددة لأن هذا يرى شيئا وهذا ~~يرى شيئا. لكنك بالأذن تسمع نائما أو متيقظا، وتأتيك الأصوات ويتوحد ~~المدرك من السمع فهي آلة الاستدعاء والإيقاظ. ولذلك حين تكلم الله عن أهل ~~الكهف يريد أن ينيمهم ثلثمائة سنة وازدادوا تسعا. رغم أن أقصى ما ينامه ~~الإنسان هو يوم أو بعض يوم، قال سبحانه وتعالى عنهم في هذا الشأن: # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا # [الكهف: 11]. وكان الضرب على الآذان حتى لا يوقظهم صوت عال لإنسان أو ~~حيوان. وهم عندما قاموا: # قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم.. # [الكهف: 19]. لأن الإنسان عادة لا ينام أكثر من هذه المدة، وهذا يدل على ~~أنهم حين استيقظوا كانوا على الهيئة التي ناموا عليها لم يتغير فيهم شيء، ~~مما يدل على أن الله أوقف تأثير الزمن عليهم، ولولا أن الله قد ضرب على ~~آذانهم لأيقظهم صوت الرعد أو الحيوانات المفترسة أو غيرها من الأصوات. # وأثبت لنا العلم الحديث أن من يرقد في الفراش بسبب المرض مدة طويلة ~~يخاف الأطباء من إصابته بقروح الفراش، فلا يخاف الطبيب على المريض من ~~المرض فقط، بل يخاف أيضا من آثار الرقود على الجسد. والله يلفتنا إلى ~~هذه الحقيقة فيقول: # ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال.. # [الكهف: 18]. ولأن الأذن هي وسيلة السمع، نجد الحق سبحانه وتعالى يقول: # إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 1-2]. وهذا القول يدل على أن السماء فور سماعها من الله أمره ~~بأن تنشق ms3868 تستجيب على الفور وتطيع أمره بالانشقاق وذلك يوم القيامة، وإذا ~~كان الذي بلغ الأذان من الله ورسوله إلى كل الناس يوم الحج هو علي بن ~~أبي طالب فكيف يقال؟ { وأذان من الله ورسوله.. } [التوبة: ~~3]. نقول: إن الله تعالى أعلم رسوله، والرسول صلى الله عليه وسلم أعلم ~~عليا، وعلي هو الذي نادى وبلغ، لكن هناك من يقول: إن الله طلب البلاغ ~~إلى الناس. مع أن البراءة كانت للمشركين. ونقول: إن الإعلام كان لكل ~~الناس للمؤمن وغير المؤمن حتى يعرف جميع الناس موقفهم فيعرف المؤمن أن ~~العهد قد قطع، ويعرف غير المؤمن أن العهد قد قطع، فلا يؤخذ أحد على ~~غرة، وليرتب كل إنسان موقفه في ضوء البلاغ الصادر من الله عز وجل ~~والله سبحانه وتعالى أراد اعتدال الميزان بأيدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لذلك فهو لا يخاطب المؤمنين وحدهم، بل كان الخطاب للعالم كله، وإن ~~كان المؤمنون هم الذين سيجاهدون لتنسجم حركة الأرض مع منهج السماء. ومن ~~هذا يستفيذ المؤمن والكافر لأن الكل سينتفع بالعدل والأمانة والنزاهة ~~التي يضعها المنهج على الأرض. ولذلك يلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالمنهج لإصلاح الكون كله فقال سبحانه ~~وتعالى: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله.. # [النساء: 105]. أي أن الحكم بين الناس جميعا هو المطلوب من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حسب منهج السماء. وقوله سبحانه وتعالى: { وأذان ~~من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر.. ~~} [التوبة: 3]. وهذا القول فيه تعميم في المكان وتعميم في المكين، فيوم ~~الحج يجتمع الناس كلهم في مكان واحد. وقد يتساءل البعض: لماذا سمي ~~الحج الأكبر؟ نقول: لأنه الحج الوحيد الذي اجتمع فيه الكفار والمؤمنون. ~~وبعد ذلك لم يعد هناك حج للكفار أو المشركين. وبعض المفسرين يقولون: إن ~~كلمة الحج الأكبر جاءت لتميز بين الحج الأصغر وهي العمرة وبين الحج الذي ~~يكون فيه الوقوف بعرفات، ونقول: إن العمرة لا يطلق عليها الحج الأصغر. # وقيل إن يوم ms3869 الحج الأكبر هو يوم عرفة. ولكن بعض العلماء قالوا: إنه ~~يوم النحر لأن فيه مناسك كثيرة: رمي الجمرات والتقصير وطواف الإفاضة لذلك ~~سمي يوم النحر بالحج الأكبر لكثرة مناسكه، وقيل: إنها أيام الحج كلها ~~وأنها قد سميت بيوم الحج على طريقة العرب في أداء الحدث الواحد بظرفه ~~الملائم، ألم يقل الحق سبحانه وتعالى: يوم حنين؟. وحنين استغرقت أياما ~~فكأن اليوم يراد به الظرف الجامع لحدث كبير، فكأن أيام الحج كلها يطلق ~~عليها " يوم الحج ". أو أن الإعلان قاله سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه يوم عرفة، وبلغ هذا الإعلام كل من سمعه إلى غيره، والآية الكريمة ~~تقول: { وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم ~~الحج الأكبر أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله.. } [التوبة: 3]. وهذا إذن من الله لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم، ومن رسوله إلى علي كرم الله وجهه، ومن علي للمؤمنين، ومن المؤمنين ~~من سمع لمن لم يسمع، أن الله بريء من المشركين، وكان هذا إعلانا ~~بالقطيعة، ولكن الله برحمته لا يغلق الباب أمام عباده أبدا، ولذلك يقول: ~~{ فإن تبتم فهو خير لكم.. } [التوبة: 3]. أي فتح لهم باب ~~التوبة فإن تابوا عفا الله عنهم، وإن لم يتوبوا فالقول الفصل هو: { وإن ~~توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله ~~وبشر الذين كفروا بعذاب أليم } [التوبة: 3]. إذن ~~فالحق سبحانه وتعالى قادر عليهم وقادر أن يأتي بهم مهما كانوا، وعلى ~~النبي والمبلغين عنه أن يبشروا الكفار بالعذاب الأليم، والبشارة إعلام ~~بخبر سار، والإنذار إخبار بسوء. فهل العذاب بشارة أم إنذار؟. نقول: إن ~~هذا هو جمال أسلوب القرآن الكريم، يبشر الكفار فيتوقعون خبرا سارا: ثم ~~يعطيهم الخبر السيىء بالعذاب الذي ينتظرهم تماما كما تأتي إلى إنسان ~~يعاني من العطش الشديد، ثم تأتي بكوب ماء مثلج وعندما تصل به إليه ويكاد ~~يلمس فمه تفرغه على الأرض، فيكون هذا زيادة في التعذيب وزيادة في الحسرة، ~~فالنفس تنبسط أولا ثم يأتي القبض. وفي هذا يقول الشاعر: # كما أبرقت قوما عطاشا غمامة # فلما رأوها أقشعت وتجلت ms3870 # وهكذا تكون اللذعة لذعتين، ابتداء مطمع، وإنتهاء ميئس بينما في الإنذار ~~لذعة واحدة فقط. وانظر إلى قوله الحق تبارك وتعالى: # وإن يستغيثوا يغاثوا.. # [الكهف: 29]. حين تسمع " يغاثوا " تتوقع الفرج فيأتي الجواب: # يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه.. # [الكهف: 29]. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: { وإن توليتم ~~فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين ~~كفروا بعذاب أليم } [التوبة: 3]. والعذاب من الله يوصف مرة ~~بأنه عظيم ومرة أخرى يوصف بأنه مهين وثالثة يوصف بأنه أليم، والسبب هو أن ~~الوصف يختلف باختلاف المعذبين، وسيأخذ كل مسيء وعاص وكافر من العذاب ~~ما يناسبه، فهناك إنسان يحتمل العذاب ولا يحتمل الإهانة، وهناك إنسان ~~يحتمل الإهانة ولا يحتمل الألم، فكأن كل واحد من الناس سيأتيه العذاب ~~الذي يتعبه، فإن كان لا يتعبه إلا العذاب العظيم جاءه، وإن كان لا يتعبه ~~إلا الإهانة جاءته، وإن كان لا يتعبه إلا الألم جاءه. ويقول الحق تبارك ~~وتعالى بعد ذلك: { إلا الذين عهدتم من المشركين ~~ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظهروا عليكم ~~أحدا... }. ### || [9.4] # هذا استثناء، ولكنه استثناء مشروط بأن هؤلاء كانوا أمناء على العهد ~~وموفين به ولم ينقصوا منه شيئا، أي لم يصدوا لكم تجارة ولم يستولوا على ~~أغنام ولم يسرقوا أسلحتكم ولم يغروا بكم أحدا ولم يظاهروا عليكم أحدا ~~وهؤلاء هم بنو ضمرة وبنو كنانة، فلم يحدث منهم شيء ضد المؤمنين فجاء ~~الأمر بأن يستمر العهد معهم إلى مدته. ولقائل أن يقول: إن المستثنى يقتضي ~~مستثنى منه،، ونقول: المستثنى منه هم المشركون في قوله الحق تبارك ~~وتعالى: { إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا.. } ~~[التوبة: 4]. والإنقاص معناه تقليل الكم إما في الذوات، وإما في ~~متعلقات الذوات، والإنقاص في الذوات يكون بالقتل، والإنقاص في متعلقات ~~الذوات يكون بمصادرة التجارة أو الماشية، وسرقة السلاح. إذن ففي الإنقاص ~~هنا مرحلتان مرحلة في الذوات أي بالقتل، ومرحلة في تابع الذوات وهي ~~الأشياء المملوكة، ولذلك قال: { لم ينقصوكم شيئا } أي شيء كان، ~~سواء في الذوات أو متعلقات الذوات، وأيضا ms3871 لم يغروا عليكم أحدا ولم ~~يشجعوا أحدا على أي عمل ضد الرسول. { ولم يظاهروا عليكم ~~أحدا.. } [التوبة: 4]. ويظاهر أي يعادل، وكلها مأخوذة من مادة الظهر، ~~وهو يتحمل أكثر من اليد، فالإنسان لا يقدر أن يحمل جوال قمح بيده مثلا، ~~ولكنه يقدر أن يحمله على ظهره. ولذلك يقول المثل العامي: من له ظهر لا ~~يضرب على بطنه. إذن فالظهر للمعونة. والحق يقول: # فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ~~ظاهرين # [الصف: 14]. أي عالين. والحق سبحانه وتعالى حين قص علينا نبأ تآمر بعض ~~من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، قال: # وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل ~~وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4]. فظهير في الآية الكريمة أي معين. ويأتي الحق هنا إلى ~~منطقة القوة في الإنسان، لذلك يقال: فلان يشد ظهري. أي يعاونني بقوة. ~~ويقال: ظهر فلان على فلان. أي غلبه وتفوق عليه، ويقال: وعلا ظهره. أي ~~استولى على منطقة القوة منه لذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم ~~في سورة الكهف عن ذي القرنين ذكر بعض اللقطات وقال: # حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما ~~قوما لا يكادون يفقهون قولا * قالوا يذا ~~القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ~~فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا ~~وبينهم سدا * قال ما مكني فيه ربي خير ~~فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما # [الكهف: 93-95]. فالله سبحانه وتعالى لفتنا هنا إلى حقيقة علمية لم ~~نعرفها إلا في العصر الحديث. فالسد إذا كان كله من مادة صلبة يتعرض ~~للانهيار إذا ما جاءت هزة أثرت في كل جوانبه، أما إن كان هناك جزء من ~~بناء صلب على الحافة، وجزء صغير في المنتصف وجزء ثالث، ثم رابع، ويفصل ~~بين كل جزء ردم من تراب فالردم فيه تنفسات بحيث يمتص الصدمة، وهي نفس ~~فكرة الإسفنج التي نحيط بها الأشياء التي نخاف عليها من الكسر لنحفظها، ~~فلو أن الصندوق من الخشب أو الحديد أو أي مادة صلبة لتحطم الشيء الموضوع ~~فيه بمجرد ms3872 اصطدامه بالأرض صدمة قوية، ولكن إذا أحطناه بوسادة من الإسفنج ~~فهي تمتص الصدمات. # وأنواع السدود التي تتلقى الصدمات يقال عنها: السد الركامي. ونلتفت إلى ~~قول الحق سبحانه: # فأعينوني بقوة.. # [الكهف: 95]. وهذا يدلنا على أن القوي يجب أن يعين الضعيف معونة لا ~~تحوجه له مرة أخرى لذلك يقال: لا تعط الجائع سمكة ولكن علمه أن يصطاد ~~السمك ليعتمد على نفسه بعد ذلك، وهذه هي المعونة الصحيحة، ولذلك نجد أن ~~ذا القرنين رفض أن يأخذ مقابلا لبناء الردم لأنه مهمة الأقوياء في الأرض ~~من أصحاب الطاقة الإيمانية أن يمنعوا الظلم بلا مقابل حتى يعتدل ميزان ~~الحياة لأن الضعيف قد لا يملك ما يدفعه للقوي. ولو أن كل قوي أراد ~~ثمنا لنصرة الضعيف لاختل ميزان الكون وطغى الناس، ولكن الأقوياء في ~~عالمنا يريدون أن يظلموا بقوتهم لذلك يختل ميزان الكون الذي نعيش فيه. ~~ولننظر إلى تفويض الله لذي القرنين وكيف أحسن ذو القرنين الحكم بين ~~الناس، وأقام العدل فيهم وكيف ترصد الظالمين، قال القرآن الكريم على لسان ~~ذي القرنين: # قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ~~ربه فيعذبه عذابا نكرا * وأما من آمن وعمل ~~صالحا فله جزآء الحسنى.. # [الكهف: 87-88]. هكذا أقام ذو القرنين العدل، بتعذيب الظالم وتكريم ~~المؤمن صاحب العمل الصالح. وقول الحق سبحانه وتعالى على لسان ذي القرنين: ~~" أعينوني " يعطينا كيفية إدارة العدل في الكون، فذلك الذي أعطاه الله ~~الأسباب إن أراد أن يعين الضعفاء فعليه أن يشركهم في العمل معه، ولا يعمل ~~هو وهم يتفرجون وإلا تعودوا على الكسل فتفسد همة كل منهم. ولكن إذا ~~جعلهم يعملون معه سيتعلمون العمل ثم يتقنونه فتزداد مهارتهم وقوتهم في ~~مواجهة الحياة لذلك نجد أن ذا القرنين أشرك معه الضعفاء، وقال لهم: # آتوني زبر الحديد.. # [الكهف: 96]. إذن فقد جعلهم يعملون معه ويبنون، وهذه أمانة القوي فيما ~~آتاه الله تعالى من القوة، بل إننا نجده قد تفاهم معهم رغم أن الحق تبارك ~~وتعالى قال فيهم: # لا يكادون يفقهون قولا # [الكهف: 93]. كيف تفاهم معهم؟ ms3873 لعله استخدم لغة الإشارة وتحايل ليفهموا ~~مقصده. ويدلنا القرآن على تفهمهم له أن قال الحق على لسانهم: # قالوا يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون ~~في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل ~~بيننا وبينهم سدا # [الكهف: 94]. قد تم بناء السد بمعاونة هؤلاء الضعفاء، وكان بناء هذا ~~السد بصورة تتحدى طاقة العدوان في كل من يأجوج ومأجوج، وقد حاول كل منهما ~~أن يصعد فوق السد ليتغلب عليه، ولكنه كان فوق طاقة كل منهم فلم يستطيعا ~~اختراقه، وهذا وضحه لنا المولى سبحانه وتعالى في قوله: # فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا # [الكهف: 97]. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: { ولم يظهروا ~~عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى ~~مدتهم.. } [التوبة: 4]. أي لم يعينوا ولم يساعدوا أحدا من أعدائكم ~~حتى يتغلب عليكم، وسماحته سبحانه وتعالى بإتمام مدة العهد تعني أن هذه ~~المدة كانت أكثر من أربعة أشهر. وهكذا يعطينا سبحانه جلال عدالته، فسمح ~~لمن كان العهد معهم أقل من أربعة أشهر، أن يأخذوا مهلة أربعة أشهر، والحق ~~سبحانه لا يحب نقض العهد لذلك طلب من المؤمنين أن يعطوا المشركين الذين ~~عاهدوهم مدة العهد ولو كانت أكثر من أربعة أشهر حتى يتعلم المؤمن أن ~~يوفي بالعهد ما دام الطرف الآخر يحترمه. وزيادة المدة هنا أو زيادة ~~المهلة نابعة من قوة الله تعالى وقدرته لأن كل من في الأرض غير معجزي ~~الله، فإن طالت المدة أو قصرت فلن تعطي المشركين ميزة ما، فالله يستطيع ~~أن ينالهم في أي وقت وفي أي مكان. ويختم الحق سبحانه وتعالى الآية بقوله: ~~{ إن الله يحب المتقين } [التوبة: 4]. والمتقون هم الذين ~~يجعلون بينهم وبين أي شيء، يغضب الله وقاية. وإن تعجب بعض الناس من قول ~~الحق سبحانه وتعالى: { واتقوا الله } وقوله: { واتقوا ~~النار } فإننا نقول: إن معنى { اتقوا الله } أي اجعلوا بينكم ~~وبين صفات الجبروت لله وقاية، اتقوا صفات الجبروت في الله حتى لا يصيبكم ~~عذابه، فلله صفات جلال منها المنتقم والجبار والقهار، وله صفات جمال مثل ~~الرحيم، والوهاب، الرزاق، ms3874 الفتاح، إذن اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال في ~~الله وقاية لكم وحماية من أن تتعرضوا لغضب الله تعالى، والإنسان يتقي ~~صفات الجلال في الله بأن يتبع منهجه ويطيعه في كل ما أمر به لينال من فيض ~~صفات الجمال. وقوله الحق سبحانه وتعالى: { واتقوا النار } أي ~~اجعلوا بينكم وبين النار وقاية حتى لا تمسكم النار. ثم يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد... }. ### || [9.5] # و " انسلخ " يعني انقضت وانتهت الأشهر الحرم، ومادة " سلخ " و " انسلخ " ~~تدور كلها حول نزع شيء ملتصق بشيء، فتقول: " سلخت الشاة " أي نزعت الجلد ~~عن اللحم، والجلد يكون ملتصقا باللحم التصاقا شديدا. فكأن الله سبحانه ~~وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن الأشهر الحرم هي زمان، والزمان ظرف، فالناس ~~مظروفون في الزمان والمكان، فكأن الأشهر الحرم تحيطهم كوقاية لهم من ~~المؤمنين، فإذا مرت الأشهر الحرم تزول هذه الوقاية عنهم بعد أن كانت ~~ملتصقة بهم، والإنسلاخ له معنيان: فمرة يقال ينسلخ الشيء عن الشيء، ومرة ~~يقال: ينسلخ الشيء من الشيء، ولذلك تجد في القرآن الكريم قوله تبارك ~~وتعالى: # واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ءاياتنا ~~فانسلخ منها.. # [الأعراف: 175]. وهذه الآية الكريمة التي نزلت في ابن باعوراء الذي ~~أعطاه الله العلم والحكمة والآيات، ولكنه تهاون فيها وتركها، فكأنه هو ~~الذي انسلخ بإرادته وليست هي التي انسلخت منه، وصار بذلك مقابلا للشاة، ~~ونحن نسلخ جلد الشاة من الشاة. والحق سبحانه وتعالى أيضا يقول: # وآية لهم اليل نسلخ منه النهار.. # [يس: 37]. فكأن الليل مثل الذبيحة، ثم يأتي النهار فيسلخ منه الظلمة ~~وبزيلها عنه ويأتي بالضياء، فكأن الليل ثوب أسود يأتي عليه ثوب أبيض هو ~~النهار، فإذا جاء ميعاد الليل رفع الثوب الأبيض أو سلخ النور عن ظمة ~~الليل لتصبح الدنيا مليئة بظلام الليل، وكأن النور هو الذي يطرأ على ~~الظلمة فيكسوها بياضا، أي أن الضوء هو الذي يأتي ويذهب، بينما الظلمة ~~موجودة، فإذا جاءها ضوء الشمس صارت نهارا، وإذا انسلخ منها صارت ms3875 ليلا. ~~وماذا يحدث عندما تنتهي الأشهر الحرم؟ يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم ~~كل مرصد.. } [التوبة: 5]. فكأن الله سبحانه وتعالى بعد أن أعطى ~~المشركين مهلة أربعة أشهر، والذين لهم عهد أكثر من ذلك يتركون إلى أن ~~تنتهي مدة العهد، ومن بعد ذلك يكون عقاب المشرك هو القتل، لماذا؟ لأنه لا ~~يجتمع في هذا المكان دينان. ولقائل أن يقول: وأين هي حرية التدين؟ ونقول: ~~فيه فرق بين بيئة نزل فيها القرآن بلغة أهلها وعلى رسول من أنفسهم، أي ~~يعرفونه جيدا ويعرفون تاريخه وماضيه، وبيئة لها أحكامها الخاصة بحكم ~~التنزيل، فأولئك الذين نزل القرآن في أرضهم وجاءت الرسالة على رسول منهم ~~وهو موضع ثقة يعرفون صدقة وأمانته ويأتمنونه على كل نفيس وغال يملكونه، ~~وكان كل ذلك مقدمة للرسالة، وكانت المقدمة كفيلة إذا قال لهم إنني رسول ~~الله لم يكذبوه لأنه إذا لم يكن قد كذب عليهم طوال أربعين سنة عاشها ~~بينهم، فهل يكذب على الله؟ الذي لا يكذب على المخلوق أيكذب على الله؟ هذا ~~كلام لا يتفق مع العقل والمنطق لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # رسول من أنفسكم.. # [التوبة: 128]. أي ليس غريبا عليكم، تعرفونه جيدا حتى إنكم كنتم ~~تأتمنونه على أغلى ما تملكون، وتلقبونه بالأمين في كل شئون الدنيا، فكيف ~~ينقلب الأمين غير صادق عندكم؟ كما أن القرآن الكريم وهو معجزة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قد جاء بلغتكم وأسلوبه من جنس ما نبغتم فيه، فكان إعجازا ~~لكم، وتحداكم الله تعالى بأن تأتوا بسورة من مثله فعجزتم وأنتم ملوك ~~البلاغة والفصاحة، فكأن الإعجاز من أمانة الرسول وصدقه، والإعجاز من ~~بلاغة القرآن وتحديه يقتضي منكم الإيمان فيكون عدم الإيمان هنا مكابرة ~~تقتضي عقابا صارما. فإن سأل سائل: أين هي حرية التدين؟ وأين تطبيق قول ~~الحق تبارك وتعالى؟ # لا إكراه في الدين.. # [البقرة: 256]. نقول: نعم، لا إكراه في أن تؤمن بالله وتؤمن بدينه، ولكن ~~ما دمت قد آمنت فلا بد أن تلتزم بما يوجبه ms3876 هذا الإيمان، أما عند التفكير ~~في مبدأ التدين فأنت حر في أن تؤمن بالله أو لا تؤمن. ولكن إذا آمنت ~~فالواجب أن نطلب منك أن تلتزم. ثم إن الحق سبحانه وتعالى شاء ألا يجتمع ~~في الجزيرة العربية دينان أبدا. ولكن في أي مكان آخر مثل فارس، الروم، ~~فهم لن يعرفوا إعجاز القرآن الكريم كلغة، ولكن يسمعون أنه معان سامية ~~بقوانين فعالة تنظم الحياة وترتقي بها. أما الذين يعرفون الرسول وفصاحة ~~المعجزة التي جاء بها، فلن يقبل منهم إلا أن يسلموا، ولا يقبل منهم ~~أن يظلوا في أرض الرسالة دون إسلام، وإن أرادوا أن يظلوا على الشرك ~~فليرحلوا بعيدا عن هذه الأرض. وهناك من يقول: إن الإسلام انتشر بالسيف ~~أو الجزية، ونقول: إن الإسلام انتشر بالقدوة، أما السيف فكان دفاعا عن ~~حق اختيار العقيدة في البلاد التي دخلها الإسلام فاتحا، والجزية كانت ~~لقاء حماية من يريد أن يبقى على دينه. ونجد في حياتنا اليومية من يستخدم ~~{ لا إكراه في الدين } في غير موضعها، فحين يقول مسلم لآخر: ~~لماذا لا تصلي؟ يرد عليه بهذا القول: { لا إكراه في الدين }. ~~ونقول: إن { لا إكراه في الدين } مسألة تخص قمة التدين، أي ~~مسألة اعترافك بأنك مسلم أو غير ذلك، لكن ما دمت قد أعلنت الإسلام وحسبت ~~على المسلمين، فعليك الالتزام بما فرضه عليك الدين فلا تشرب الخمر ولا ~~تزن، إذن ف { لا إكراه في الدين } تعني لا إكراه على اختيار ~~الإسلام، ولكن لا بد من الحرص ممن أعلنوا الإسلام على مطلوبات الدين. إذن ~~فلماذا أكره العرب على الإسلام؟ قيل في ذلك سببان: الأول أن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم منهم، والثاني أن المعجزة جاءت بلسانهم. # ويتابع الحق سبحانه وتعالى قوله: { وخذوهم واحصروهم.. } ~~[التوبة: 5]. فإن عز عليكم أن تقتلوهم فخذوهم أسرى ما داموا لم يدافعوا ~~عن أنفسهم بقتالكم، ولم يهددوكم في حياتكم، وهنا يحقن الدم ويستفاد بهم ~~كأسرى. وإن خفتم من شرورهم فاحصروهم في مكان مراقب. إذا قاموا بأي حركة ~~معادية يكون من السهل عليكم ms3877 كشفها، وإنزال العقاب بهم. والحصر هنا تقييد ~~الحركة مع السماح لهم بحركة محدودة بحيث لا يغيبون عن نظركم. ثم يتابع ~~المولى سبحانه وتعالى قوله: { واقعدوا لهم كل مرصد.. } ~~[التوبة: 5]. أي ارصدوا حركاتهم حتى تأمنوا مكرهم وحتى لا يتصل بعضهم ~~بالبعض الآخر، وينشئوا تكتلا يعادي الإسلام. ارصدوا حركاتهم، وارصدوا ~~كلامهم، وارصدوا أفعالهم، ولا تجعلوهم يخرجون عن رقابتكم وافعلوا ما ~~بوسعكم لتكونوا في مأمن من شرورهم، ولكن لا تخرجوا بالاستطلاع إلى حيز ~~استذلالهم، فالاستدلال غير الاستذلال. وقد يتساءل البعض: لماذا هذا ~~الاختلاف في العقوبة حيث هناك القتل وهناك الحصر وهناك الرصد لهم في ~~طرقهم ومسالكهم؟. نقول: إن العقوبة تختلف باختلاف مواقع المشركين من ~~العداء للإسلام، فهناك أئمة الكفر الذين يحاربون هذا الدين ويدعون الناس ~~لعدم الإيمان، ويحرضون على قتال المسلمين وقتلهم وإيذائهم ولا ينصلحون ~~أبدا، ولا يكفون أذاهم عن المؤمنين أبدا: أولئك جزاؤهم القتل. وهناك من ~~لا يؤذون المسلمين، وإنما يجاهرون بالعداء للدعوة، هؤلاء شأنهم أقل ~~فنأخذهم أسرى. وهناك من الكفار من لا يفعل شيئا إلا أنه غير مؤمن فهؤلاء ~~نراقب حركاتهم ليتقي المسلمون شرهم ليكونوا على استعداد بصفة دائمة ~~لمواجهتهم إذا ما انقلبوا ليؤذوا المسلمين ويهاجموهم ويقاتلوهم. إذن فلم ~~توضع عقوبة واحدة تشمل الجميع. لأن الجميع غير متساوين في عدائهم للإسلام ~~فأئمة الكفر لهم حكم، والذين عداوتهم للإسلام أقل لهم حكم آخر. ثم تأتي ~~رحمة الله سبحانه وتعالى لأنه سبحانه وتعالى رحيم بعباده فلا ييئسهم ~~أبدا من الرجوع إليه فيقول: { فإن تابوا وأقاموا الصلوة ~~وآتوا الزكوة فخلوا سبيلهم إن الله غفور ~~رحيم } [التوبة: 5]. ويفتح سبحانه باب التوبة أمام عباده جميعا ولا ~~يغلقه أبدا، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه ~~أبو حمزة أنس بن مالك - خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم - رضي الله ~~عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ". # أي أنك وأنت مسافر في صحراء جرداء بعيدة تماما عن ms3878 أي عمران ثم جلست ~~لتستريح ومعك الجمل الذي تسافر عليه عليه الماء والطعام وكل ما تملك من ~~وسائل الحياة، ثم غفلت عن الجمل فانطلق شاردا وسط الصحراء، وتنبهت فلم ~~تجده ولا تعرف مكانه، وفجأة وأنت تمضي على غير هدى وجدت الجمل أمامك، ~~فكيف تكون فرحتك؟ إنها بلا شك فرحة كبيرة جدا لأنك وجدت ما ينجيك من ~~الهلاك، وهذه الفرحة تملأ النفس وتغمرها تماما، كذلك يفرح الله بتوبة ~~عباده، لذلك يوضح سبحانه وتعالى بأنه إن تاب هؤلاء الكفار من عدائهم لدين ~~الله ورسوله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فليخل المسلمون سبيلهم ~~وليتركوهم أحرارا. # وهنا نجد ثلاثة شروط: أولها التوبة والعودة إلى الإيمان. وإقامة الصلاة، ~~هذا هو الشرط الثاني، ثم يأتي الشرط الثالث وهو إيتاء الزكاة، ولا بد أن ~~يؤدي الثلاثة معا لأن التوبة عن الكفر هي دخول في حظيرة الإيمان، ~~والدخول إلى حظيرة الإيمان يقتضي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله. ثم إقامة الصلاة ثم إيتاء الزكاة ثم صوم رمضان ثم حج البيت ~~لمن استطاع إليه سبيلا. ولو نظرت إلى أركان الإسلام الخمسة تجد أن المسلم ~~قد يؤدي بعضها ولا يؤدي البعض الآخر، فالمسلم الفقير الذي لا يجد إلا ~~ضروريات الحياة تسقط عنه الزكاة ويسقط عنه الحج، والمسلم المريض مرضا ~~مزمنا يسقط عنه الصوم، وتبقى شهادة أن لا الله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله وهذه يكفي أن يقولها المسلم في العمرة مرة، ويبقى ركن إقامة الصلاة ~~لا يسقط أبدا، لا في الفقر ولا في الغنى ولا في الصحة ولا في المرض لأن ~~الصلاة هي الفارقة بين المسلم وغير المسلم، وهي عماد الدين لأنه تتكرر ~~كل يوم خمس مرات، فالمريض عليه أن يصلي بقدر الاستطاعة. فإن لم يستطع ~~أن يؤديها واقفا فجالسا وإن لم يستطع أن يؤديها جالسا فراقدا. إننا ~~نعلم أن كل صلاة إنما تضم كل أركان الإسلام ففي كل صلاة نشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله وكل صلاة فيها زكاة لأن الزكاة ms3879 إخراج بعض ~~المال للفقراء، والمال يأتي من العمل، والعمل محتاج لوقت، والصلاة تأخذ ~~بعض وقتك الذي يمكن أن تستخدمة في العمل فيعطيك رزقا تزكي به، فكأنك ~~وأنت تصلي أعطيت بعض مالك لله سبحانه وتعالى لأنك أخذت الوقت الذي كان ~~يمكن أن تعمل فيه فتكسب مالا للزكاة، فكأن الصلاة فيها زكاة الوقت. إن ~~الوقت هو ما نحتاج إليه في حركة الحياة للحصول على المال فتكون في الصلاة ~~زكاة. ونأتي بعد ذلك للصوم وأنت في الصوم إنما تمتنع عن شهوة البطن وشهوة ~~الفرج بعضا من الوقت من قبيل الفجر إلى المغرب، وكذلك في الصلاة. وفي ~~الصلاة أنت لا تستطيع أن تأكل أثناء الصلاة. فكأنك لا بد أن تصوم عن شهوة ~~البطن وأنت تصلي، كما أنك لا بد أن تصوم عن شهوة الفرج أثناء الصلاة، فلا ~~تستطيع وأنت تصلي أن تفعل أي شيء مع زوجتك، ولا تستطيع زوجتك أن تفعل معك ~~شيئا، بل أنت في الصلاة تكون في دائرة أوسع من الإمساك، لأنك ممنوع من ~~الحركة وممنوع من الكلام. # فإذا جئنا إلى حج بيت الله الحرام نقول إنك ساعة تصلي لا بد أن تتجه ~~إلى بيت الله الحرام، وتتحرى القبلة، إذن فكأن بيت الله الحرام في بالك ~~وفي ذكرك وأنت تتجه إليه في كل صلاة. وعلى ذلك فقد جمعت الصلاة أركان ~~الإسلام كلها. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه ~~سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: # " الصلاة عماد الدين " # وإذا كانت الصلاة هي عماد الدين كما بين النبي صلى الله عليه وسلم ~~فمن أقامها فقد أقام الدين - ومن عجائب ترتيب آيات القرآن أنك تجد ~~الصلاة مقرونة دائما بالزكاة لأن الزكاة بالمال، والصلاة زكاة بالوقت، ~~نحن محتاجون إلى الوقت لنعمل فيه حتى نأتي بالمال، والحق سبحانه وتعالى ~~يقول: { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم.. } [التوبة: 5]. ومعنى ذلك أنهم إذا لم يؤدوا ~~الثلاثة معا لا نخلي سبيلهم، وما دمنا لا نخلي سبيلهم فهم يدخلون تحت ~~العقوبات التي حددها ms3880 الله وهي: " اقتلوهم " أو " خذوهم " أو: { ~~واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد.. } [التوبة: 5]. ~~وأول العقوبات هو القتل وذلك لأئمة الكفر، فإذا آمن كافر وترك الصلاة لا ~~يكون قد تاب وآمن: وإذا لم يؤد الزكاة لا يكون قد تاب وآمن لذلك إذا لم ~~يقوموا بالعبادات الثلاث لا نخلي سبيلهم، ولقد أفتى بعض الأئمة بأن تارك ~~الصلاة يقتل، ونقول: لا، تارك الصلاة إما أن يكون قد تركها إنكارا لها ~~وجحودا بها، وإما أن يكون قد تركها عن كسل. فإن كان يتركها عن كسل لأنه ~~لا يقدر على نفسه والدنيا تجذبه بمشاغلها فعلينا أن نحاول بالحكمة ~~والموعظة الحسنة أن ننصحه ونستحثه حتى يعود إلى الصلاة ويؤديها في وقتها، ~~ثم من بعد ذلك إن تركها عمدا كسلا، يعاقب بالضرب الشديد، ولكن بعض ~~الأئمة يقولون: لقد قاتل أبو بكر أولئك الذين ارتدوا ومنعوا الزكاة، ~~ونقول: إنه لم يقاتلهم لأنهم عصاة، بل لأنهم قد ردوا الحكم على الله، ~~وأنكروا الزكاة فكانوا بذلك قد ارتدوا كفارا لأن هناك فارقا بين أن ترد ~~الحكم على الله وتنكره وبين أن تسلم بالحكم لله، وتعلن أنك مع إيمانك ~~بهذا الحكم لا تقدر على التنفيذ، أو تعترف أنك مقصر في التنفيذ. ولذلك ~~نقول للذين يحاولون أن يدافعوا عن الربا ويحلوه: قولوا هو حرام ولكننا لا ~~نقدر على أنفسنا حتى لا تعودوا كفارا: لأنك إذا قلت إن الربا ليس حراما ~~تكون قد رددت الحكم على الله ووقفت موقف الكافر، ولكنك إن قلت إن الربا ~~حرام ولكن ظروفي قهرتني فلم أستطع، تكون بذلك عاصيا. # وهذا كما قلنا هو الفرق بين معصية إبليس ومعصية آدم عليه السلام، فقد ~~أمر الله تعالى إبليس بالسجود فعصى، وآدم أمره الله فعصى، فلماذا قضى ~~الله على إبليس عليه اللعنة إلى يوم القيامة، بينما تلقى آدم من ربه ~~كلمات فتاب عليه وغفر له؟ نقول: لأن إبليس رد الحكم على الله فقال: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61]. وقال: # أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # [ص: 76]. فكأن إبليس رد ms3881 الحكم على الله عز وجل، ولكن آدم لم يقل ذلك. ~~وإنما قال: حكمك يا ربي صحيح وما أمرتني به هو الحق، ولكني لم أقدر على ~~نفسي فظلمتها فتب علي واغفرلي وذلك مصداقا لقوله سبحانه وتعالى: # قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # [الأعراف: 23]. وهذا هو الفرق بين المعصية والكفر. إذن فالتعامل مع ~~المشركين إن لو يتوبوا ولم يصلوا ولم يزكوا، ولم يقدر عليهم ~~المسلمون، ماذا يحدث؟. إن على المسلمين أن يحاولوا تطبيق ما أمر به الله ~~سبحانه وتعالى بشأنهم. ولكن ماذا إن استجار واحد من المشركين بالمسلمين؟. ~~وهنا ينزل قول الحق تبارك وتعالى: { وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلم الله... }. ### || [9.6] # وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى المهلة التي هي الأشهر الأربعة أو ~~مدة العهد إذا كان هناك عهد. وبعد أن بين أن الكفار إن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة وقرنوا الإيمان بالعمل فالحق سبحانه وتعالى يغفر لهم ~~ما قد سلف منهم، وبين الله سبحانه وتعالى عظمة الإسلام والرحمة التي نزل ~~بها هذا الدين فيخبرنا أن الذين لم يتوبوا من الكفار وظلوا على حالهم ولم ~~نقدر عليهم بأي عقوبة من العقوبات التي جاءت، ثم جاء أحدهم مستجيرا ~~بالمؤمنين فماذا يكون سلوكنا معه؟ جاء الحكم من الله تعالى بأنه ما دام ~~قد استجار بك فأجره، وإذا أجرته أسمعه كلام الله تعالى وحاول أن تهديه ~~إلى الإيمان وإلى الطريق المستقيم فإن آمن واقتنع وأعلن إسلامه أصبح ~~واحدا من المسلمين، وإن لم يسمع كلام الله ولم يقتنع فلا تقتله ولكن ~~أبلغه مأمنه، أي اسأله من أين جاء؟ فإذا قال لك اسم القبيلة التي ينتمي ~~إليها أو حدد المكان الذي جاء منه فتأكد أنه سوف يكون آمنا حتى يبلغ ~~المكان الذي يجد فيه الأمان. وهذه هي المرحلة الأخيرة من علاقة الإيمان ~~بالكفر، وهي مرحلة الإجارة والتأمين للمستجيرين بالمؤمنين. فالله سبحانه ~~وتعالى تفضل على خلقه في الأرض فأرسل إليهم رسوله محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، وكان ذلك ms3882 بعد أن مرت فترة طويلة على إرسال من سبقوه من الرسل. وكان ~~الناس قد نسوا منهج السماء، بل وحرف أهل الكتاب ما نزل إليهم من ~~تعاليم. وكان لا بد أن تتدخل السماء بإرسال خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ~~صلى الله عليه وسلم لأن الحق سبحانه وتعالى قد جعل في الإيمان مناعات ~~متعددة، توجد أولا في النفس، فحين تستشرف النفس إلى معصية، فالضمير ~~الإيماني يردعها عن تلك المعصية ويتوب الإنسان ويرجع إلى الله تعالى من ~~ذات نفسه وبضميره الإيماني وتلك هي النفس اللوامة. ومعنى وجود اللوم في ~~النفس هو أن الإيمان ما زال موجودا فيها، وهذا الإيمان هو الذي يكبح ~~الشهوة ويمنع النفس من الركون إلى المعصية ويرد صاحبه إلى الطريق الصحيح ~~والمنهج السوي. وهب أن نفسا ولعت بمخالفة المنهج ولم تعد نفسا لوامة، ~~وتظل ترتكب المعاصي حتى تعتاد على المعصية، ويموت فيها الوازع الإيماني، ~~فتجدها قد عشقت - والعياذ بالله - مخالفة المنهج، بل أصبحت نفسا أمارة ~~بالسوء، وهنا ينقل الله المناعة الإيمانية من النفس إلى المحيطين بها من ~~عباد الله، فتجد المحيطين بمرتكب المعاصي يردعونه عن المعصية، ويقفون منه ~~مواقف الإيمان من الردع والمقاطعة والجفوة حتى يفيء إلى ربه ويعود إلى ~~رشده. وتلك مرحلة ثانية من مراحل الإيمان. أما إن فسد المجتمع كله ولم ~~تعد هناك طائفة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فلا بد أن تتدخل السماء ~~برسالة جديدة وبرسول جديد مؤيد بمعجزة من السماء ليوقظ الناس من هذا ~~السبات العميق الذي شمل الأفراد والمجتمعات. # وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وواجه هذا المجتمع الذي انتشر ~~فيه الكفر أفرادا وجماعات كان لا بد أن يحدث تصادم بين الإيمان ومجتمع ~~الكفر ذلك أن العداوة الشرسة واجهت رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه ~~المواجهة للرسول إنما جاءت من المنتفعين بالفساد في الأرض. والمنتفعون ~~بالفساد هم السادة الذين استفادوا من ضياع الحق وانتشار الباطل فأخذوا ~~حقوق غيرهم واستعبدوا الناس، واستأثروا هم بالمنافع وبما فيه الخير لهم ~~ومنعوا ذلك عن باقي عباد الله. ms3883 والمنتفعون بالفساد يكرهون أي مصلح جاء ~~ليعدل ميزان حركة الحياة في الكون. فلا بد أن يقفوا في وجهه ليدافعوا عن ~~سيادتهم وعن منافعهم وأموالهم التي حصلوا عليها بالباطل والظلم، ومن ~~استعبادهم للناس. وكانت الجزيرة العربية في ذلك الوقت مكونة من قبائل ~~متعددة، وكان لكل قبيلة قانونها الذي يضعه شيخها ليستأثر لنفسه بكل شيء. ~~ومعنى ذلك أنه لا توجد رابطة تربط بين هذه القبائل، ولا يوجد قانون عام ~~يحكمها، وكل قبيلة لها عزوتها ولها شوكتها ولها حروبها. وكل فرد في قبيلة ~~لا بد أن يكون مقاتلا يحمل سلاحه مستعدا للحرب في أي وقت، لأنه مهدد في ~~أي لحظة أن تغير عليه قبيلة أخرى، إلا قبيلة واحدة هي قريش. فقد أخذت ~~السيادة ولا يعتدي عليها أحد ولا تهاجم قوافلها، ولا تستطيع قبيلة في ~~الشمال أو في الجنوب أن تهاجم تجارتها لأن هذه القبائل كلها ستأتي في يوم ~~من الأيام قاصدة حج بيت الله الحرام في مكة. وخلال الحج تكون هذه القبائل ~~في حاجة إلى الأمان من قريش ولذلك حرصت كل قبائل العرب أن تحافظ على ~~علاقتها مع قريش، لأن السيادة على بيت الله الحرام التي جعلها الله لقريش ~~هي الضمان. وقد تكفل الله سبحانه وتعالى بحماية البيت الحرام من أي ~~عدوان، حتى عندما جاء أبرهة بأفياله ليهدم الكعبة جعله الله هو وجيشه ~~كعصف مأكول مصداقا لقوله الحق تبارك وتعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم ~~يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم ~~كعصف مأكول # [الفيل: 1-5]. فإذا قرأت السورة التي بعد سورة الفيل مباشرة تجد أنها: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * ~~فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 1-4]. فكأن حفظ الكعبة من الهدم كان حفظا من الله سبحانه وتعالى ~~لسيادة قريش. ولذلك كان من الواجب أن تستقبل قريش رسالة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالإيمان والشكر وفهم هذه النعمة وتقديرها، بدلا من أن ~~تقف من الإسلام ms3884 هذا الموقف المتعنت وتحاربه هذه الحرب الرهيبة، ولكن ~~بدلا من ذلك فقد حدث العكس، وأحست قريش كذبا بأن الإسلام جاء ليهدم ~~سيادتها فقامت تحاربه. # وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تكن النداءات بالإسلام بعيدا عن هذه ~~السيادة؟ لأن الحق قد أراد أن تكون صيحة الحق في جبروت الباطل وأن يواجه ~~الإسلام في أول أيامه جبروت سادة الجزيرة العربية كلهم جميعا حتى يمحص ~~الله قلوب المسلمين الأوائل. فهم من يحملون من بعد ذلك دعوة الإسلام في ~~العالم فلا يعتنق الإسلام منافق أو ضعيف الإيمان، بل يعتنقه أولئك الذين ~~في قلوبهم إيمان حقيقي، ويتحملون كل مظاهر الاضطهاد والتعذيب بقوة ~~إيمانهم. لقد شاء الحق تبارك وتعالى أن يبدأ الإسلام في مكة ولم يجعل ~~الله له النصر من مكة، وشاء سبحانه وتعالى أن يجعل نصر الإسلام من ~~المدينة لأن قريشا لو انتصرت دعوة واحد منها فهم سيحاولون احتواءه ~~ليسودوا به الدنيا، وحينئذ سيقال: هم قوم قد تعصبوا لواحد منهم لتظل لهم ~~السيادة، ويكون اعتناق الإسلام نفاقا وليس إيمانا حقيقيا. ولذلك جعل ~~الله سبحانه وتعالى انتصار الإسلام من المدينة ليعلم الناس جميعا أن ~~العصبية لمحمد صلى الله عليه وسلم لم تخلق الإيمان برسالة محمد عليه ~~الصلاة والسلام، ولكن الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي ~~خلق العصبية لمحمد عليه الصلاة والسلام. ولذلك شاء الله سبحانه وتعالى أن ~~تكون هناك مواجهة شرسة بين حملة الإيمان وبين سادة الكفر. وهذه المواجهة ~~أخذت عدة مراحل: المرحلة الأولى كانت الدعوة للإيمان، والدعوة الى ~~المحبة، والدعوة إلى المساواة. وعدم مقابلة التعذيب والقتل بالعنف. وهذه ~~البداية لم تعجب سادة قريش بل جعلتهم يستهينون بالمؤمنين ويمنعون في ~~إيذائهم وتعذيبهم ويعتقدون أنهم سيقضون عليهم، فلما وجدوا الدعوة تقوى ~~رغم كل ما تواجهه من مراحل التعذيب والبطش ازدادوا تنكيلا بالمؤمنين، ~~فهاجر بعض من المؤمنين إلى الحبشة، وأصبحوا يبحثون عمن يحميهم ويستجيرون ~~به وشاء الحق تبارك وتعالى ذلك حتى لا يدخل الإسلام إلا من أشرب قلبه حب ~~الإسلام واستهان بكل الصعاب والاضطهاد والقتل ms3885 والتشريد وهؤلاء هم الذين ~~سيصبحون مأمونين على الدعوة. وبعد ذلك ظل الكفر على كفره، وظل الإيمان ~~يأخذ إليه بهدوء بعض الأفراد، وحاول الكفار أن يستميلوا المؤمنين بالحيلة ~~بعد أن فشلت القوة والبطش والإرهاب فقالوا: نعبد إلهكم فترة وتعبدون ~~إلهنا فترة، فأنزل الله سبحانه وتعالى سورة فيها ما يسمى بالعرف الحديث " ~~قطع العلاقات " ، فقال الحق عز وجل: # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم ~~* ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم دينكم ولي ~~دين # [الكافرون: 1-6]. وكان هذا إعلانا بمرحلة ثانية تتسم بأنه لا مهادنة ~~ولا حلول وسط بين الكفر والإيمان لأنه لو قبل المؤمنون عبادتهم لآلهة - ~~الكفار فهذا اعتراف منهم بأن آلهتهم حق، ولو قبلوا أن يعبدوا الإله ~~الواحد ويشركوا به آلهة أخرى لكان ذلك تفريطا، ولا يمكن أن يحدث ذلك. ~~وكان النهي هنا في هذه الآية الكريمة يشمل الحاضر والمستقبل. وهذا ما ~~يسمى في السياسة الدولية باسم قطع العلاقات، بل إن قطع العلاقات الدولية ~~إنما يكون بسبب طارئ، أما الخلاف بين المسلمين الأوائل وأهل الشرك فلم ~~يكن صراعا بين فكر بشر وفكر بشر آخرين، ولكن المسألة كانت صراعات بين ~~منهج تريده السماء لأهل الأرض، وبين المنتفعين بالفساد في الأرض لذلك كان ~~لا بد أن يكون القطع نهائيا، فلا لين ولا مهادنة ولا حلول وسط بين الكفر ~~والإيمان، وهكذا فشلت حيلة الكفار في تمييع وتضييع قضية الدين، وضاع ~~مكرهم، وبقي الوجود الإيماني قويا متحدا في مواجهة جبروت الكفار بعد أن ~~كان مهددا. ثم جاءت بعد ذلك المرحلة الثالثة مرحلة اعتراف الكفر بقوة ~~الإيمان، فقد كان الكفار يواجهون المؤمنين بالقهر والتعذيب، والمؤمنون ~~يواجهون هذا بالصبر والاحتمال حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة، وحدثت المواجهة المسلحة بين الإيمان والكفر في غزوة بدر، وانتصر ~~المؤمنون وأصبح لهم كيان يحميهم، فلم يعودوا هم القلة الضعيفة المستذلة ~~والمستكينة، بل أصبحت لهم قوة ولهم قدرة، وإن لم تصبح لهم سيطرة. ولكنهم ~~أصبحوا قوة ms3886 قادرة على مواجهة الكفار أو قوة مساوية لهم تستطيع أن تصد ~~الاعتداءات وتواجه الضربة بالضربة. وحين أصبح للإيمان هذه القوة والقدرة ~~على حماية أنفسهم والمساواة والكيان تجاه الكفار كانت هذه بداية المرحلة ~~التي أعطت الإسلام تفرغا لنشر الدعوة خارج محيط مكة، وأمن المسلمون ~~وهم ينشرون دعوتهم من هجوم الكفار وتنكيلهم بهم بعد صلح الحديبية، وكان ~~مجرد التعاقد والتعاهد هو اعتراف بدولة الإيمان، وهي المسألة التي فطن ~~لها سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وقد ظن البعض لأول وهلة أن معاهدة ~~الحديبية كان فيها إهدار لحق المؤمنين، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه قال: علام نعطي الدنية في ديننا. هذه المسألة أخذت جدلا كبيرا كاد ~~يصل إلى أن يصادم المؤمنون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما رأت ~~أم سلمة رضوان الله عليها خوف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين ~~من عدم إطاعة ما قاله لهم، ووجدت الحزن الشديد على وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، قالت: " يا رسول الله لا تحزن. إن القوم مكروبون لأن ~~أملهم أن يطوفوا بالبيت الحرام، وها هم أولاء الآن على مقربة من البيت ~~ولكنهم ممنوعون من الطواف به إن خير ما تفعله الآن ألا تكلم منهم ~~أحدا، وتنفذ ما أمرك به الله فإن فعلت عرفوا أن الأمر عزيمة لا نزاع فيه ~~" ، هذا ما حدث. # فقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بذبح الهدي وتحلل من إحرامه وفعل ~~المسلمون مثلما فعل، وشاءت قدرة الله سبحانه وتعالى قبل أن يعود المؤمنون ~~إلى المدينة، أن يبين لهم سبب قبول رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلح ~~الحديبية مع ما يبدو ظاهرا وليس حقيقة من أن فيه إجحافا بالمسلمين. لقد ~~كان الصلح ينص على أنه إن جاء أحد هاربا من قريش والتجأ إلى المدينة ~~ردوه إلى قريش مرة أخرى. وإن فر أحد بعد إسلامه والتجأ إلى كفار مكة لا ~~يردونه. وقد وجد البعض في هذا إجحافا وعدم مساواة، وكان الموقف غاية في ms3887 ~~الدقة، وعندما جاء سهيل بن عمرو ليتفاوض على المعاهدة، وكان على بن أبي ~~طالب رضي الله عنه يكتب عن رسول الله وأملى: هذا ما تعاقد عليه محمد ~~رسول الله وسهيل بن عمرو. اعترض سهيل قائلا: لو كنا نؤمن بأنك رسول الله ~~ما حدث بيننا هذا القتال، ولكن اكتب: هذا ما تعاقد عليه محمد بن عبد الله ~~وسهيل بن عمرو. هنا ثار علي بن أبي طالب رضوان الله عليه وقال: لا، لا بد ~~أن نكتب هذا ما تعاقد عليه محمد رسول صلى الله عليه وسلم ورفض سهيل بن ~~عمرو. وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينهي الموقف فنظر إلى علي ~~وقال: " يا علي اكتب فإن لك مثلها تعطيها وأنت مضطهد " أي أنه سوف ~~يحدث لك نفس الشيء الذي ترفضه الآن فتقبل، وكان هذا من علامات النبوة لأن ~~عليا وقف فعلا هذا الموقف عندما جاءت معاهدة صفين وأراد أن يكتب فيها ~~هذا ما تعاقد عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين فقالوا له: لو كنت أمير ~~المؤمنين ما حاربناك، اكتب هذا ما تعاقد عليه علي بن أبي طالب. وتذكر علي ~~بن أبي طالب قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اكتب فإن لك مثلها ~~تعطيها وأنت مضطهد ". على أن الحق سبحانه وتعالى أراد ألا يدخل المسلمون ~~المدينة إلا وقد صفت نفوسهم دون إحساس بأن منهم من انكسر وأن الآخرين قد ~~انتصروا، فنزل قول الحق تبارك وتعالى الذي يزيل من النفوس المرارة: وينزل ~~عليها السكينة والطمأنينة: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال ~~مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ~~ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما # [الفتح: 25]. وهكذا أخبر الله المؤمنين بسبب عدم السماح لهم بدخول مكة ~~لأن فيها عددا من المؤمنين والمؤمنات الذين يكتمون إيمانهم، وهؤلاء غير ~~مميزين لأنهم مختلطون بالكفار وليس لهم مكان محدد بحيث يستطيع المؤمنون ~~معرفتهم وتمييزهم، ms3888 فلا يتعرضون لهم في قتالهم داخل مكة، ولو نشب القتال ~~فعلا لتم قتل عدد كبير من هؤلاء المؤمنين والمؤمنات المقيمين في مكة ~~بأيدي المؤمنين، ولكان عارا أن يقتل مؤمن مؤمنا أو مؤمنة. # هنا عرف الصحابة العلة وهي صيانة دم المؤمنين. وفي الوقت ذاته نجد أن ~~صلح الحديبية جعل الدعوة الإسلامية تنتشر في الجزيرة العربية كلها. وقد ~~اعتبره بعض الصحابة رضوان الله عليهم الفتح الحقيقي للإيمان، وجاء في ذلك ~~تلك المقولة المأثورة: " لا فتح في الإسلام بعد فتح الحديبية " ولكن ~~الناس لم يتسع فكرهم إلى الحكمة مما حدث، والعباد دائما يعجلون. والله ~~لا يعجل لعجلة عباده حتى يبلغ الأمر ما أراد. وقد انتشر الإسلام في ~~الجزيرة العربية بالدعوة، وزاد عدد المسلمين زيادة كبيرة. إذن فمراحل ~~الإيمان بدأت بمرحلة التعذيب والاضطهاد، ثم مرحلة محاولة الخداع للقضاء ~~على هذا الدين، ثم المرحلة الثالثة وهي التعاهد والتعاقد، ولقد وفى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعهده، ولكن قريشا نقضت العهد بأن أعانت ~~قبيلة بني بكر وهم حلفاؤها على قبيلة خزاعة حلفاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقام بنو بكر بمهاجمة قبيلة خزاعة وقتلوهم وهم يصلون، وذهب ~~مندوب قبيلة خزاعة مستنجدا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنهاء المعاهدة التي أبرمت بينه وبين قريش لنقض ~~قريش العهد وأعد جيشا لفتح مكة وتطهير البيت الحرام من الأصنام، وبعد أن ~~تم فتح مكة في العام الثامن الهجري، أراد الله سبحانه وتعالى أن يطهر ~~بيته من المشركين وأن يعلن أنه لا مهادنة بين الإيمان والكفر. لقد أراد ~~الله أن يحرر " المكان " وهو أرض الكعبة أولا، ثم يحرر " المكين " وهم ~~البشر فلا بد - إذن - أن تتطهر الكعبة من الأوثان، وأن يمنع العراة من ~~الطواف حول البيت الحرام ويمنع المشركون من الوجود في البلد الآمن ~~بالإسلام. وسبق حج رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع العلاقات وإنهاء ~~المعاهدات، لكن سماحة الإيمان وحب الله لخلقه جميعا لم يجعله يأمر ~~الرسول صلى الله عليه ms3889 وسلم بقطع المعاهدة فورا، أو أن يقاتل المؤمنون ~~المشركين ويأسروهم فورا، لا، بل منحهم أربعة أشهر لعلهم يفيئون إلى ~~الإسلام وأن يتوبوا إلى بارئهم. لقد بين سبحانه وتعالى للكافرين أن ~~هذه المدة لن تفيدهم في حربهم ضد الإسلام لأنهم غير معجزي الله في الأرض، ~~أي لن يعجز الله استعدادهم أو مكرهم أو أي شيء يفعلونه خلال هذه الأشهر ~~الأربعة، فإذا انتهت هذه الأشهر وقعت العقوبة على الكفار إما بالقتل وإما ~~بالحصار، أو بالترصد، أو عليهم أن يدبروا أمر حياتهم بالسياحة في الأرض ~~ما داموا قد أصروا على الكفر لأن حكما من الله قد نزل بعدم وجود ~~المشركين في هذه البقعة المقدسة. # وأراد الحق سبحانه وتعالى برحمته أن يبقي الباب مفتوحا للكفار لكي ~~يعودوا إلى منهجه فقال عز وجل: { وإن أحد من المشركين ~~استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ~~أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون } ~~[التوبة: 6]. وبعد انقضاء مدة الأشهر الأربعة، إذا استجار بك أحد من ~~المشركين فأجره، ونحن نعلم في اللغة العربية أن " إن " الشرطية لا ~~تدخل إلا على فعل ولا تدخل على اسم أبدا فتقول: إن قام زيد قام عمرو، ~~وأما " إن " في قوله تعالى: # إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم.. # [المجادلة: 2]. فهذه ليست " إن " الشرطية ولكنها " إن النافية " وهي مع ~~" إلا " التي بعدها لإفادة التأكيد والقصر، أي قصر الأم على الوالدة، إلا ~~أنه من بلاغة إعجاز القرآن الكريم جاء بعد " إن " الشرطية اسم في قوله ~~تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره.. ~~} [التوبة: 6]. وكان القياس أن يقال: " إن استجار بك أحد المشركين فأجره ~~" ولكن الله سبحانه وتعالى جاء ب " أحد " بعد " إن " في أول الكلام، ~~ولذلك فعندما نعرب كلمة " أحد " في الآية الكريمة السابقة نعربها فاعلا ~~ونقدر له فعله من جنس المتأخر، والتقدير هو: وإن استجارك أحد من المشركين ~~فأجره. ولماذا هذه اللفتة من القرآن الكريم؟ نقول: إن هناك مستجيرا ~~وهناك طلب استجارة فهل الاستجارة عرف بها المستجير، أم عرفت الاستجارة ~~منه؟. وأقول: لنفرض أن واحدا من ms3890 المؤمنين قد جلس على الحدود قرب أماكن ~~الكفار، ثم سمع صوتا يقول: أنا مستجير بمحمد، ومستجير بالمؤمنين، ومن ~~بعد ذلك ظهر المستجير بجسده أمام المؤمنين، هنا تكون الاستجارة قد سبقت ~~ظهور المستجير، وكأن الأذن هي التي استجيرت أولا ثم رأت العين جسد هذا ~~المستجير، وقد يختلف الأمر فيظهر المستجير أولا، ثم يصرخ طالبا الأمان ~~والاستجارة، وبذلك تكون العين قد رأت أولا ثم سمعت الأذن طلب الاستجارة ~~ثانيا. وهنا يريد الحق سبحانه وتعالى أن ينبهنا إلى أهمية الالتفات إلى ~~صدق الاستجارة، ولا يتحقق ذلك إلا بأن يصرخ المستجير أولا، ويظهر من بعد ~~ذلك، ولا بد أن يأخذ المؤمن حذره حتى لا ينقلب عليه المستجير أو يكون قد ~~خدعه بطلب الاستجارة. والاستجارة تعني طلب الجوار والحماية، ولهذا فعادة ~~ما يكون المستجير ضعيفا لا يقدر على حماية نفسه. وحين يستجير إنسان بآخر ~~في مثل تلك الظروف، فعلى المجير أن يملك الفطنة ليتعرف على الهدف من ~~الاستجارة أهي استجارة لمجرد تطويل أمد البقاء على الكفر؟ أم هي رغبة في ~~معرفة أسس الإيمان كما وردت في كتاب الله تعالى، أو أنه يريد أن يسمع حكم ~~الله على الكفار في سورة براءة. # أو يريد أن يسمع كلام الله بما يقذف في قلبه الإيمان، أو أنه يريد أن ~~يسمع شيئا فيما يطلب فيه الدليل، أو يسمع كلام الله فيما يرد عليه ~~الشبهة؟. إن فطنة المؤمن يجب أن تتسع لتسبر أغوار المستجير، وطلب الجوار ~~أو الاستجارة كان معروفا عند العرب، فإذا استجار شخص بعدوه فعليه أن ~~يجيره، وهذا دليل على شهامته. وإذا كان الإيمان قد فرض على المسلمين ~~إجارة من يطلب الجوار، فهذا دليل على قوة الإيمان وعظمته وسماحته، ولعل ~~خميرة الإيمان الفطري في نفس الكفار قد استيقظت وتطلب معرفة قواعد ~~الإسلام. إن على الوالي أو أي واحد من المسلمين أن يجير المستجير، ولماذا ~~لا نسمعه ونتكلم معه عله يؤمن، ويدخل حظيرة الإسلام وفي الإسلام يجير ~~الوالي أو أي واحد من المسلمين لأن المسلمين تتكافأ دماؤهم ولا يوجد ms3891 دم ~~سيد ودم عبد، ولا دم شريف ودم رخيص وإنما يسعى بذمتهم أدناهم، ولذلك إذا ~~أجار أي مسلم إنسانا غير مسلم أو إنسانا كافرا يجار من جميع المسلمين ~~حتى الصبي الذي لم يبلغ الحلم وحتى المجنون الذي لا يعقل. لهذا أو لذاك ~~أن يجير بشرط أن يوافق الوالي أو المسلمون على ذلك. لماذا؟ لأننا نأخذ ~~على الكفر أنه يغدر بالتعاهد ويتناسى المروءة، فلا بد أن نتمسك نحن ~~المؤمنين بالعهد، فإذا استجار أحد من الكفار فلا بد أن نفي بالعهد. ولكن ~~كيف يكون للصبي والمجنون حق الإجارة؟. نقول: إن الصبي من المؤمنين انتفع ~~بالإسلام لأنه تمت تربيته تربية إيمانية وفقا لمنهج الله ونشأ في ضوء ~~قول الحق تبارك وتعالى: # وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء: 24]. بل إن الإسلام يعطي التربية الإيمانية للابن حتى قبل ~~الحمل، فيأمر الأب أن يختار الأم ذات الدين لتكون وعاء صالحا، ويأمر ~~الأم أن تختار الرجل المتدين ليكون أبا صالحا. إذن فالإسلام يخدم الصبي ~~قبل أن يولد باختيار الأب الصالح والأم الصالحة، ويخدمه بعد أن يولد ~~بتربيته التربية الإسلامية السليمة، وعلى ذلك فالصبي قد استفاد بكل هذه ~~القيم من الإسلام، والذي بلغنا منهج الإسلام هو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ومن هنا فالتربية الإسلامية لنا جميعا لذلك يجب علينا أن نرد ~~التحية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علمنا أن المؤمنين تتكافأ ~~دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم. فلو أن صبيا أعطى الأمان لكافر جاء ليسمع ~~كلام الله قبلت منه هذه الإجارة أو هذا الأمان، ذلك أن الصبي استفاد من ~~تربية إسلامية جاء بها المنهج المنزل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، واستفاد من أمه التي تحملت حمله وآلام وضعه، ولولا أن الإسلام حمى ~~النفس حين توجد في الرحم لأمكن للمرأة حين يتعبها الحمل أن تجهض نفسها أو ~~أن تطرح الصبي بعيدا، ولكن الإسلام حمى الطفل وهو في بطن أمه، وحماه حتى ~~تكتمل رضاعته، وتمتثل الأم المسلمة لكل أحكام الإسلام: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين ms3892 كاملين.. # [البقرة: 233]. لقد احترم الإسلام الطفل، وسانده، وطلب من الأب والأم أن ~~يحسنا تسمية أولادهما وأن يحسنا تربيتهما. وقبل أن يوجد هذا الطفل في رحم ~~أمه حماه الإسلام - كما قلنا - بأن أمر الرجل أن يختار الأم الصالحة ~~لتكون وعاء صالحا، فقد قال صلى الله عليه وسلم: فيما يرويه عنه أبو حاتم ~~المزني قال: # " " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في ~~الأرض وفساد كبير " قالوا يا رسول الله وإن كان فيه؟ قال " إذا جاءكم من ~~ترضون دينه وخلقه فأنكحوه " ثلاث مرات ". # وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: في حديث له: # " فاظفر بذات الدين تربت يداك ". # والحديث فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه يقول: قال صلى الله عليه ~~وسلم # " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات ~~الدين تربت يداك ". # فإذا كان الإسلام قد احترم هذا الصبي في كل حقوقه، ألا يحترمه ~~المسلمون؟. وقد يقال إن الصبي منتفع بالإسلام، أما المجنون فلا عقل له ~~حتى إن الله عز وجل قد أعفاه من التكاليف، ونقول: انظروا إلى المجنون ~~بالنسبة لأصحاب العقول، صاحب العقل قصارى ما يصل إليه أن تكون كلمته ~~نافذة لا يعترض عليه أحد، وأن يقول ما يريد ولا يحاسبه أحد، أما المجنون ~~فهو يصل إلى هذا لأنه إن قال قولا فلا أحد يعترض عليه، وإن فعل فعلا ~~غير لائق فلا أحد يحاسبه، بل إنه سبحانه وتعالى لا يحاسبه يوم القيامة. ~~إذن فالمجنون قد أخذ حظا أكثر مما يأخذه العقلاء، وصار جنونه حماية ~~وحصانة له إن قال كلمة الحق التي قد تؤذي ذوي النفوذ فلا يعاقبه أحد، ~~ويكفي أن يقال إنه مجنون حتى يعفى من العقاب، ورب كلمة حق واحدة تصدر ~~من مجنون تكون أرجح عند الله عز وجل من أصحاب عقول كثيرة ظلوا طوال ~~حياتهم ينافقون ويكذبون ويفعلون ما يغضب الله. إذن فهناك مهمة في الحياة ~~قد يؤديها المجنون ولا يؤديها العاقل، لأن بعض الناس يعتقد أنه إذا سلب ~~الله أحد البشر شيئا ms3893 فإنه يميز عنه الآخرين، نقول: لا، لأن عدل الله ~~يأبى إلا أن يعوضه، ولذلك تجد من فقد عينيه يجعل الله عز وجل عيون الناس ~~في خدمته هذا يأخذ بيده وهذا يقوده في الطريق، وهذا يحضر له الطعام ~~والشراب، وهذا يسقيه. # .. إلخ. وإن كان الإنسان أعرج مثلا، تجد هذا يعاونه، وهذا يأخذه معه ~~في سيارته، وقد تقف له سيارة أجرة تأخذه إلى حيث يريد. بينما يقضي السليم ~~الساعات يبحث عن سيارة الأجرة بلا فائدة. بل إنك إن نظرت إلى الفقير تجد ~~أن الله قد جعل له عددا من الأغنياء في خدمته، ففلان يحرث ويعزق ~~ويعطيه الله خير الزراعة ليبيعه ويفيض منه على الفقير، وآخر يصنع ويتعب ~~ويشقى ليعطي بعضا من دخله للفقير، بل إنه يشقى مرة أخرى ليعثر على ~~الفقير حقا ليعطيه بعضا من ماله، والفقير بالفعل يستحق أن يأخذ شريطة ~~ألا يكون مدعيا للفقر. فما دام قد قبل حكم الله بالفقر والعجز، يوضح له ~~ربه: لقد رضيت بأني أعجزتك، فخذ من قدرة الأغنياء ما يعينك في حياتك، ~~فهذا ملك كوني له نظام، وأقول ذلك حتى نفهم أن الغنى والفقر، ~~والصحة والمرض، والقوة والضعف، إنما هي أغيار، ولذلك لا أحد يضمن غده، ~~وعلى الواحد منا إن كان قادرا أن يعطي الفقير، حتى إذا ضاع منا المال ~~وجدنا من يعطينا، وأن نساعد المريض، حتى إذا مرضنا وجدنا من يساعدنا، وأن ~~نكون في خدمة الناس وقت شدتهم حتى يكونوا في خدمتنا وقت شدتنا. وفي نفس ~~الوقت حين نرى من حرمه الله من البصر يجب علينا أن نشكر نعمة الله علينا، ~~ولو رأينا إنسانا يعاني في مشيه تنبهنا إلى نعمة الله في أن أعطانا قدرة ~~المشي. وهكذا فالإنسان لا يتنبه إلى النعمة إلا إذا رأى من هو محروم ~~منها. وكذلك أراد الحق أن يرضي كل ذي آفة قبل آفته ولم يتمرد عليها لذلك ~~يفيض عليه بالخير. إذن فكل إنسان أسلم يستفيد من الإسلام حتى الصبي ~~والمجنون استفادا من الإسلام، ولذلك فلا بد أن نرد ms3894 التحية لمن بلغنا ~~هذا المنهج الذي أعطانا الحماية، فنقرأ المنهج ونعمل به. وحين نستقرئ ~~حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نجده يرد جميل كل من ساعده، ومثال ~~ذلك حليمة السعدية التي نالت شرف إرضاعه صلى الله عليه وسلم وهو صغير، ثم ~~أكرمها الرسول هي وأسرتها بعد أن صار نبيا. ثم ألم يذهب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى الطائف ليطلب النصير له في تبليغ الدعوة بعد وفاة ~~خديجة رضي الله عنها ووفاة عمه أبي طالب، وعز عليه النصير وفكر في العودة ~~إلى مكة، والتمس من يجيره حين يدخلها فأجاره واحد من الكفار هو المطعم بن ~~عدي، فإذا كان كافر قد أجار رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدعو ~~لمحاربة الكفر أفلا نجير واحدا من الكفار لنرد التحية بخير منها؟ وإذا ~~كان واحد من الكفار قد أجار رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة فلا بد ~~أن يرد المؤمنون كلهم التحية بأن يجيروا من يستجير بهم من الكفار. # وبعد أن يجير المسلمون من استنجد بهم من الكفار على أن يسمعوه كلام ~~الله. وبعد ذلك هناك أحد أمرين إما أن يعلن الكافر الإيمان، وفي هذه ~~الحالة أصبح من المؤمنين، وإما أن يصر على كفره وعناده، وفي هذه الحالة ~~يصبح على المسلمين مسئولية أن يبلغوه مأمنه، وذلك بأن يساعدوه على الوصول ~~إلى المكان الذي يصبح آمنا فيه على نفسه وماله، وبعد أن يبلغ مأمنه ~~ويسمع كلام الله فليس على المسلمين أن يطلقوا سراحه كما كان الأمر من ~~قبل: # فخلوا سبيلهم.. # [التوبة: 5]. لا، بل على المسلمين أن يبلغوه مأمنه، ثم ينفذون فيه حكم ~~الله إما أسرا، وإما حصارا، أو قتلا حسب الحكم النازل من الله. وعلة ~~تأمين الكافر هي أنه من قوم لا يعلمون حسبما قال الله تعالى: { ذلك ~~بأنهم قوم لا يعلمون } [التوبة: 6]. إذن فالإيمان ليس ~~بالفطرة فقط لأن العلم له وسائل كثيرة علم بالفطرة، وعلم بالاكتساب، ومرة ~~تكون أداة العلم الأذن، ومرة بالعين، ومرة بالعقل، والمعلومات كلها تنشأ ms3895 ~~عند الإنسان إما بالإذن مما يسمع، وإما بالعين مما يرى، ثم بعد ذلك تستقر ~~المعاني في نفس الإنسان. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة.. # [النحل: 78]. وهكذا حدد لنا القرآن الكريم وسائل العلم بالسمع والبصر، ~~فإذا استقرت هذه المعلومات في الفؤاد، لأنه الذي يحفظ كل القضايا العقلية ~~والفكرية. وإذا كان الإنسان يسمع ولا يفقه شيئا فهو لا يعلم. إذن ~~فالمستجير جاء ليطلب وسائل العلم وأدلة الإيمان وعذره أنه لا يعلم. ~~وعلينا أن نحسن الظن وأن نعتبر المستجير طالب علم بالحقيقة، ويريد أن ~~يأخذ أدلة الإيمان. ثم يعود الحق سبحانه وتعالى إلى مسألة العهد فيقول: { ~~كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله ~~إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام... }. ### || [9.7] # أي لقد جربتم العهود مع المشركين، وفي كل مرة يعاهدونكم ينقضون عهدهم، ~~وقد نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاهدة الحديبية، ~~إذن فالله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أننا يجب ألا نأمن لعهود ~~المشركين لأنهم لا يحفظون العهد ولكنهم ينقضونه، وعلى ذلك فعلة نقض ~~العهد أنهم لم يستقيموا للعهد من قبل. ويكون بقاء العهد هو الأمر العجيب. ~~و " كيف " هنا للاستفهام عن الحالة، يقال: كيف حالك؟. تقول: بخير والحمد ~~لله. إذن ف " كيف " يسأل بها عن الحال، والحال قد يكون عاما، أي كيف ~~حالك وحال أسرتك وأولادك ومعيشتك إلى آخره، وقد يكون خاصا أن تسأل عن ~~مريض فتقول: كيف حال فلان؟. فيقال: شفي والحمد لله. أو تسأل عن معسر ~~فتقول كيف حاله؟. فيقال: فرج الله ضائقته. أو تسأل عن ابن ترك البيت ~~هاربا فيقال: عاد والحمد لله. إذن ف " كيف " إن أطلقت تكون عامة، وإن ~~خصصت تكون خاصة، ولكنها تطلق مرة ولا يراد بها الاستفهام، بل يراد بها ~~التعجب إما تعجب من القبح، وإما تعجب من الحسن. كأن يقال لك: كيف سب فلان ~~أباه؟. هنا تعجب من القبح لأن ما حدث شيء قبيح ما كان ms3896 يصح أن يحدث. وتأتي ~~لإنسان اخترع اختراعا هاما وتقول: كيف وصلت إلى هذا الاختراع؟. وهذا ~~تعجب من الحسن. والتعجب من القبح يكون تعجب إنكار والتعجب من الحسن تعجب ~~استحسان كأن نقول: كيف بنيت هذا المسجد؟ وفي هذه الآية الكريمة يقول ~~سبحانه وتعالى: { كيف يكون للمشركين عهد.. } [التوبة: ~~7]. وهذا تعجب من أن يكون للمشركين شيء اسمه عهد لأنهم لا يعرفون إلا ~~نقض العهد، ولا يتمسكون بالعهود ولا يحترمونها، إذن يحق التعجب من أن ~~يكون لهم عهد بينما في الحقيقة لا عهد لهم. وهذا التعجب للاستهزاء ~~والإنكار، فأنت مثلا إذا جاء أحد يهددك، فقلت له: من أنت حتى تهددني؟. ~~يكون هذا استهزاء واستنكارا لأنك تعرفه، وأيضا تستهزىء أن يملك القدرة ~~على أن ينفذ تهديده لك. ومرة تكون استفهاما حقيقيا، كأن تسأل إنسانا ~~لا تعرفه: من أنت؟. فيقول لك: أنا فلان بن فلان. وأحيانا تكون الإجابة ~~عن الكيفية بالكلام، وأحيانا لا ينفع الكلام فلا بد أن يجاب بالفعل. ~~واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى.. # [البقرة: 260]. كيف هذه تحمل معنى التعجب الاستحساني لأنك إذا بعثت ~~الحياة في ما لا حياة فيه فهذه مسألة عجيبة تستوجب الاستحسان. ولم يجب ~~سبحانه وتعالى على سيدنا إبراهيم باللفظ، بل أجاب بتجربة عملية، ودار ~~حوار بين الحق سبحانه وتعالى وخليله إبراهيم عليه السلام فسأله المولى ~~سبحانه: # أولم تؤمن.. # [البقرة: 260]. رد إبراهيم عليه السلام: # قال بلى.. # [البقرة: 260]. أي أنني يا رب آمنت، وأضاف القرآن الكريم على لسان سيدنا ~~إبراهيم عليه السلام: # ولكن ليطمئن قلبي.. # [البقرة: 260]. والإيمان هو اطمئنان القلب، فكيف يقول إبراهيم آمنت؟ ~~أليس في ذلك تناقض؟. وأقول: إن إبراهيم واثق من أن الله سبحانه خلق ~~الكون كله ولكنه يريد أن يعرف كيفية الإحياء وكيف يحدث، حينئذ لم يجبه ~~الحق سبحانه وتعالى بالكلام، بل أراه تجربة عملية، فقال له: # فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك # [البقرة: 260]. أي عليك أن تختار أربعة طيور وتضمها إليك وتتأكد من ~~شكلها حتى إذا ماتت وأحييت تكون متأكدا ms3897 من أنها هي نفس الطير. # ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن ~~يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم # [البقرة: 260]. أي قطع هذه الطيور بنفسك، وضع على كل جبل قطعة، وبعد ~~ذلك ادعها أنت تأتيك سعيا أي مشيا، حتى لا يقال إنها طيور قد جاءت من ~~مكان آخر، بل تجيئك نفس الطيور سيرا، فإذا كان الله سبحانه وتعالى يعطي ~~القدرة لمخلوق عندما يستدعي الميت أن يأتيه حيا، فما بالك بقدرة الله عز ~~وجل؟ إذن فقول الحق: سبحانه وتعالى: { كيف يكون للمشركين ~~عهد عند الله وعند رسوله.. } [التوبة: 7]. وهذا استفهام ~~للإنكار والتعجب من أن المشركين ليس لهم عهد، بل تمردوا وتعودوا دائما ~~على نقض العهود ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { إلا الذين ~~عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم ~~فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين } [التوبة: ~~7]. أي أن الله عز وجل وهو يخبر المؤمنين بأن هؤلاء الكفار لا عهد لهم، ~~لا يطالب المؤمنين أن يواجهوا المشركين بالمثل، بل يأمر سبحانه وتعالى ~~المؤمنين أن يحافظوا على العهد ما دام الكافرون يحافظون عليه، إلى أن ~~يبدأ الكافرون في نقض العهد وهنا يلزم سبحانه المؤمنين أن يقابلوا ذلك ~~بنقض مماثل وهذا ما يفسره قوله تعالى: { إن الله يحب ~~المتقين } [التوبة: 7]. والمتقي هو الطائع لله فيما أمر وفيما نهى ~~ويجعل بينه وبين صفات الجلال من الله وقاية، إذن فأساس التقوى هو ألا ~~ينقض المؤمن عهدا سواء مع مؤمن أم مع كافر، وإنما الذي يبدأ بالنقض هو ~~الكافر، وعلى المؤمن أن يحترم العهد والوعد. ويقول الحق تبارك وتعالى من ~~بعد ذلك: { كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم ~~إلا ولا ذمة... }. ### || [9.8] # نلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى لم يقل كيف يكون للمشركين عهد، بل ~~اكتفى ب " كيف " ، لأن غدرهم صار معروفا، وكانت " كيف " الأولى ~~استفهاما عن أمر مضى. والتساؤل هنا يوضح لنا أنهم سيخونون العهد دائما، ~~كما فعلوا في الماضي، فكأن الذي يخبر في الماضي يخبر أيضا عن المستقبل ~~ويعلم ما يكون منهم. ms3898 ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله: { وإن ~~يظهروا عليكم.. } [التوبة: 8]. ومعنى " يظهروا " ، أي يتمكنوا ~~منكم، وهم إن تمكنوا من المؤمنين لا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة، و " يرقب ~~" من الرقيب الذي يراقب الأشياء. إذن فهم لا يراقبون بمعنى لا يراعون، أي ~~أنهم لو تمكنوا من المؤمنين لا يراعون ذمة ولا عهدا ولا ميثاقا، بل ~~يستبيحون كل شيء. وهذا إخبار من الحق سبحانه وتعالى عما في نفوس هؤلاء ~~الكفار من حقد على المؤمنين. ونلاحظ أن كلمة " يرقبون " غير " ينظرون " ، ~~وغير " يبصرون " ، وهي أيضا غير " يلمحون " وغير " يرمقون " ، مع أنها ~~كلها تؤدي معنى الرؤية بالعين، ولكن يرقب تعني يتأمل ويتفحص باهتمام حتى ~~لا تفوته حركة، لذلك إذا قلنا: إن فلانا يراقب فلانا، أي لا تفوته حركة ~~من حركاته وهو ينظر لكل حركة تصدر منه. أما كلمة " نظر " فتعني رأى بجميع ~~عينيه، وكلمة " لمح " تعني رأى بمؤخر عينيه، و " رمق " أي رأى من أعلى. ~~وقوله سبحانه وتعالى { لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة } ~~يعني لا يراعون فيكم عهدا، ولا يمنع الواحد منهم وازع من أن يفعل أي شيء ~~مهما كان قبيحا والمثال: أن يرفع الرجل القوي يده ليضرب طفلا صغيرا لا ~~يتحمل ضربته، هنا يمسك أحدهم بيده ويطلب منه أن يراعي أن الطفل صغير لا ~~يتحمل ضربته، وأنه ابن فلان قريبه، وأنهم جيران فلا يراعي هذا كله، وإنما ~~ينهال على الطفل ضربا. وقوله سبحانه وتعالى: " إلا " هي في الأصل ~~اللمعان أي البريق، و " إلا " أيضا هي الصوت العالي، واللمعان والصوت ~~العالي لافتان لوسائل الإعلام الحسية، وهي الأذن والعين، والإنسان إذا ~~عاهد عهدا فهذا العهد يصبح أمرا واضحا أمامه يلفت عيونه كما يلفتها ~~الشيء اللامع، ويلفت أذنه كما يلفتها الصوت العالي، وسمي العهد والكلام ~~" إلا " لأنه معلوم بالعين والأذن. هذا هو المعنى اللغوي، لكن المعنى ~~الاصطلاحي لكلمة " إلا " هو الغصب، بأن تشد شيئا كأنك تغصبه على عدم ~~الالتصاق بشيء آخر، ولذلك سمي سلخ جلد الشاة غصبا لأن اللحم ملتصق ~~بالجلد، وسمي أخذ المال غصبا لأن ms3899 صاحب المال متمسك بماله تمسك الشاة ~~الحية بجلدها. # وإذا أطلق الغصب في الفقه لا ينصرف إلى المعنى اللغوي وهو اللمعان ~~والصوت العالي، وللعلماء في هذا المعنى أكثر من رؤية، وكل واحد منهم أخذ ~~لقطة من ال " إل " وأصله اللمعان، أل.. يؤل.. إلا، بمعنى لمع.. ~~يلمع.. لمعا. وال " إل " أيضا هو الصوت العالي، وقال ابن عباس والضحاك ~~رضي الله عنهما: إن " إلا " هي القرابة لأن القرابة سبب للتراحم، فأنت ~~يعز عليك أن تخون قريبا لك لأن القرابة لا تحتاج إلى عهد، وقيل إن " ~~إلا " هي العهد. وقال سيدنا الحسن: إن " إلا " هي الجوار وما يوجبه من ~~حقوقه. وقال قتادة: إن " إلا " هي الحلف والتحالف. وقال أبو عميرة: إن " ~~إلا " هو اليمين أو القسم. والمعاني كلها تلفتنا إلى وجود نوع من ~~التراحم، بحيث لا تتملك الإنسان القسوة أو انفلات الانفعال، وليجعل ~~الإنسان لنفسه من يقول له: " اهدأ إنه جارك أو من قوم بينهم وبين من ~~تعاهدون صلة قرابة " لأن الذي يجعل الإنسان لا يميل إلى الشر ولا يشتري ~~فيه ساعة يحفزه الأمر هو مراعاة الملابسات كلها، وهكذا يتدخل الحوار، ~~ولكن قد توجد قرابة أو عهد أو قسم أو جوار ليمنع البطش بقسوة، أي إن " ~~إلا " هو الأمر الذي يمنع الرد بقسوة على شيء قد يكون وقع خطأ. والمعنى ~~أيضا هو عدم احترام لكل القيم عدم احترام للقرابة أو الجوار أو العهد أو ~~القسم، فإذا تمكن رجل قوي من طفل صغير لم يراع فيه أيا من هذه الأشياء. ~~ويريد الحق أن نعلم أن المشركين إذا تمكنوا من المؤمنين فهم لا يراعون ~~فيهم قرابة ولا عهدا ولا حلفا ولا جوارا ولا قسما ولا أي شيء. إذن ~~فكيف يكون للمشركين عهد؟ وهم إن تمكنوا من المؤمنين لا يراعون فيهم شيئا ~~أبدا. ثم يضيف الحق سبحانه وتعالى قوله: { ولا ذمة.. } [التوبة: ~~8]. والذمة هي الوفاء بالأمانة التي ليس عليها إيصال ولا شهود، فإذا ~~اقترض واحد مبلغا من شخص آخر إيصالا عليه بذلك المبلغ، فهذا الإيصال هو ~~الضامن ms3900 للسداد، وكذلك إن كان هناك شهود فشهادتهم تضمن الحق لصاحبه. ولكن ~~إن لم يكن هناك إيصال ولا شهود، يصبح الأمر موكولا إلى ذمة المقترض إن ~~شاء هذا المدين اعترف بالقرض، وإن شاء أنكره، وهناك ذمة أخرى هي التي ~~بينك وبين نفسك، والمثال على ذلك قد تعاهد نفسك بأن تعطي فلانا كل شهر ~~مبلغا من المال، وهذا أمر ليس فيه عهد مكتوب أو شهود لكنه متروك لذمتك، ~~إن شئت فعلته، وإن شئت لم تفعله. # وما في الذمة - إذن - هو شيء إن لم تفعله تفضح، مثال ذلك: أن تقرر ~~بينك وبين نفسك أن تساعد أسرة ما، وهذا أمر خاضع لإرادتك، فلا عهد يجبرك ~~على ذلك ولا قرابة ولا جوار، لا شيء إلا ذمتك، ولذلك فأنت تراعي الوفاء ~~بما وعدت نفسك به لتحافظ على سمعتك ورؤية الغير لك. وكذلك أيضا حين تأخذ ~~دينا بلا إيصال منك أو شهود عليك، ولكنك تحرص على أن ترده لأنه في ذمتك. ~~{ كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ~~ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ~~وأكثرهم فاسقون } [التوبة: 8]. وهكذا نعرف أن " كيف " هنا ~~تعجب من أن يكون للمشركين الآن أو في المستقبل عهد لأنهم يحترفون نقض ~~العهود ولو تمكنوا من المؤمنين فهم ينكلون بهم أبشع تنكيل دون مراعاة لأي ~~اعتبار، وقد يقول قائل: إنهم معنا على أحسن ما يكون بشاشة وجه وحسن ~~استقبال إلى آخره، فكيف إذا تمكنوا منا انقلبوا إلى وحوش لا ترحم؟. ~~ونقول: إن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يظهر وما يخفى، وقد علم ما يدور في ~~خواطر المؤمنين فرد عليهم حتى لا يترك هذه الأشياء معلقة داخل نفوسهم، ~~ولذلك يريد سبحانه وتعالى على هذا الخاطر: { يرضونكم ~~بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون } ~~[التوبة: 8]. أي أن الله عز وجل ينبه المؤمنين ويحضهم ألا يصدقوا الصورة ~~التي يرونها أمامهم من المشركين لأنها ليست الحقيقة، بل هو خداع ونفاق ~~فهم يقولون القول الحسن، ويقابلونك بوجه بشوش وألفاظ ناعمة، لكن قلوبهم ~~مليئة بالحقد عليكم أيها المسلمون بحيث إذا تمكنوا ms3901 منكم تظهر مشاعرهم ~~الحقيقية من البغض الشديد والعداوة، ولا يرقبون فيكم إلا ولا ذمة. فإذا ~~قال الله سبحانه وتعالى: { يرضونكم بأفواههم.. } [التوبة: ~~8]. فعلى المؤمنين أن يصدقوا ما جاء من الحق، ويكتشفوا أن اللسان الحلو ~~وحسن الاستقبال ليس إلا خداع، من هؤلاء الأعداء، وهو سبحانه بهذا الكشف ~~إنما يعطينا مناعة بألا ننخدع بما نراه على وجوههم فهذا مجرد أمر ~~استقبالي، لا يمثل ماضيا أو حاضرا، وحين يبرم سبحانه وتعالى أمرا ~~استقباليا فهو يخبر به عباده المؤمنين، ولذلك نجده سبحانه وتعالى يرد ~~بنفس الأسلوب على هذه الخواطر والمثال: في قوله سبحانه وتعالى: # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا.. # [التوبة: 28]. والبلاغ هنا نهي عن دخول المشركين المسجد الحرام أو ~~اقترابهم منه، ومن الطبيعي أن تدور الخواطر هنا في نفوس عدد من المؤمنين ~~الذين يستفيدون من المشركين في مواسم الحج، لأنهم أمة تعيش على اقتصاد ~~الحج، حيث يبيعون السلع لهؤلاء القوم ليكسبوا قوت العام، فإذا ما تم منع ~~المشركين من الحج أو الاقتراب من المسجد الحرام، فمن أين يأتي الرزق الذي ~~يحصلون عليه من البيع لهم؟ ولا بد أن يفكر المؤمنون: من أين سنأكل؟. # نحن نحضر بضاعتنا وننتظر طوال الموسم حتى الحج فإذا نقص عدد الحجاج فلمن ~~نبيع؟. فيرد الله سبحانه وتعالى على هذه الخواطر بقوله تعالى: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله.. # [التوبة: 28]. أي لا تخافوا الفقر، لأن الله يعلم ما سوف يحدث، والله هو ~~الغني وعنده مفاتيح كل شيء وسوف يغنيكم من فضله ويفتح لكم باب الرزق مما ~~يعوضكم وزيادة. وهكذا يرد الله سبحانه وتعالى على الخواطر التي تدور في ~~نفس المؤمن ساعة نزول القرآن حتى تطمئن قلوب ونفوس المؤمنين فيقول عز ~~وجل: { يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم ~~وأكثرهم فاسقون } [التوبة: 8]. وفي هذا القول رد على الخواطر ~~التي دارت في نفوس المؤمنين وهم يرون المشركين يستقبلونهم بألفاظ ناعمة ~~ووجوه تملؤها البشاشة، فأوضح لهم الحق سبحانه وتعالى: لا تنخدعوا فما في ~~القلوب عكس ما هو على الوجوه. وقوله ms3902 تعالى: { وأكثرهم فاسقون ~~} [التوبة: 8]. يبين أنهم بعيدون عن المنهج، فالفسق هو الخروج عن الطاعة، ~~وهل الكافر والمنافق له طاعة؟. نقول: إنك إن نظرت لهؤلاء تجدهم خارجين ~~حتى عن المنهج الذي اتخذوه لأنفسهم فهم لا يلتزمون بمنهج الباطل الذي ~~يعتنقونه، إذن فهم فاسقون حتى في المنهج الذي ينتسبون إليه، فإذا كانوا ~~كذلك مع منهج الباطل، فكيف بهم مع منهج الحق؟. وقوله تعالى: { ~~وأكثرهم فاسقون } يوضح بأنه قد تكون هناك قلة ملتزمة، وهذا ~~احتياط قرآني جميل، كما أنها ردت على السؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن أن ~~هؤلاء كافرون - وليس بعد الكفر ذنب - فكيف يقال إنهم فاسقون أي عاصون ~~أو خارجون عن الطاعة وهم غير مؤمنين أصلا؟. نقول: إنهم خارجون حتى عن ~~مناهج الكفر التي اختاروها لأنفسهم، ولذلك يبين الله سبحانه وتعالى وضعهم ~~حين يقول: { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا... }. ### || [9.9] # وهكذا يرينا الله عز وجل انقلاب المعايير عندهم، فما الشراء؟. الشراء ~~هو: الحصول على سلعة مقابل ثمن، فإذا قلت: اشتريت ساعة مثلا، تكون أنت ~~المشتري ما دمت تدفع الثمن، والذي أخذ الثمن هو البائع، وهنا يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا.. } ~~[التوبة: 9]. وكان المفروض - إذن - أن يكونوا قد دفعوا الثمن، لأن ~~المشتري هو الذي يدفع الثمن، ولكن هنا عكست القضية فجعل الحق سبحانه ~~وتعالى الثمن هو ما يشترونه، مع أن الثمن هو الذي يدفع، فتكون القضية ~~مخالفة لواقع البيع والشراء، والذي يجب أن نلاحظه أيضا هو أن الثمن ~~يساوي السلعة. فأنت تأخذ السلعة وتعطي للبائع ثمنا يساويها، لأن ثمن كل ~~شيء يجب أن يكون مناسبا له، فإذا اشتريت شيئا بسيطا دفعت له ثمنا ~~بسيطا، وإذا اشتريت شيئا ثمينا دفعت فيه ثمنا غاليا. هذا كله ملحوظ ~~حتى في الأعمال، وقد تكون ممن يرغبون في مشاكسة الغير، وقد تجد من يشاكس ~~غيره يطلب من أحد أتباعه أن يسب فلانا ويعطيه عشرة جنيهات، فإذا أراد أن ~~يجعل التابع يضرب خصمه، يقول له: اضرب وأعطيك خمسين، وإن أراد أن يقتل ~~التابع خصمه ms3903 فهو يعطيه الألوف من الجنيهات، وغالبا ما يقول هؤلاء الذين ~~بلا إيمان: كل ذمة قابلة للانصهار بالذهب، لكن المختلف قيمة هو الكمية ~~التي تصهر أي ذمة، فهناك من تنصهر ذمته بريال، وآخر تنصهر ذمته بعشرين أو ~~ثلاثين، وهناك من تنصهر ذمته بملايين. ويلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى أن ~~هؤلاء الكفار قد حولوا الإيمان إلى سلعة تباع وتشترى، فهم قد باعوا ~~إيمانهم، وبدلا من أن يتقاضوا عنه ما يساوي الإيمان والإيمان أغلى من ~~كنوز الدنيا كلها باعوا إيمانهم بثمن قليل، أي أنهم حتى لم يقدروا قيمة ~~الإيمان فباعوه رخيصا. كيف باعوا الإيمان بثمن رخيص؟. نقول مثلا: إن ~~الذي يرتشي يفعل ذلك ويريد أن يعوج ميزان الحق، والذي يغير ميزان الحق ~~يشكك الناس في العدالة، وإذا شك الناس في العدالة فقدوا سندهم الأمني لأن ~~كل مظلوم أمله أن يرفع الأمر للقضاء فينصفه، أو أن يرفع أمره للمسئول ~~فيعطيه حقه، فإذا أحس الناس بأن الحق قد ضاع نتيجة أنه أصبح هناك ثمن ~~للإيمان. وإن دفع اختلت الموازين، في هذه الحالة يفسد المجتمع كله، ~~فكأنهم باعوا فساد المجتمع كله بثمن قليل جدا. كما أن الحق سبحانه ~~وتعالى يريد أن يلفتنا إلى الحساب يوم القيامة وكيف أن المؤمنين سيخلدون ~~في الجنة وينعمون بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ~~وسيدخل هؤلاء الكافرون النار وبذلك يكونون قد باعوا إيمانهم مقابل ثمن ~~رخيص مهما كان المال الذي سيحصلون عليه لأن مال الدنيا كلها لا يساوي ~~يوما في الجنة لأن الدنيا موقوتة بزمن، ومتاعها محدود وقليل، فكأنهم ~~باعوا الخلود في النعيم بمتعة وقتية قد لا تستمر إلا أياما أو سنوات. # وحينئذ يعرف الكافرون أن الثمن الذي تقاضوه قليل جدا بالنسبة لما ~~خسروه. وليتهم جعلوا الإيمان ثمنا يدفعونه للحصول على متاع قليل في ~~الدنيا، ولكنهم زادوا على ذلك أنهم صدوا عن سبيل الله. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ~~فصدوا عن سبيله.. } [التوبة: 9]. والصد يحدث حين تكون هناك ~~دعوة معروضة ms3904 بأدلتها فتمنع الناس من أن يستمعوا إليها، لأنك تعرف أنهم لو ~~سمعوها لاعتنقوها واقتنعوا بها، ولذلك نجد الكفار مثلا حين نزل القرآن ~~والعرب أمة بلاغة وأمة بيان عرفوا أنه لو سمع الناس القرآن لأحسوا ~~بإعجازه وبلاغته وحلاوته ولآمنوا به، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى على ~~ألسنتهم في القرآن: # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون # [فصلت: 26]. لأن الكفار يعرفون أن الناس لو استمعوا للقرآن لآمنوا به، ~~ولذلك فهم ينهونهم عن السماع، وإن قرأ أحد القرآن يأمرون بعضهم البعض ~~باللغو فيه حتى لا يفهم شيئا، وهذه شهادة من الكفار بأن الآذان لو ~~استقبلت القرآن لآمنت، واللغو هو نوع من الصد عن سبيل الله، وكان هناك ~~نوع آخر من الصد عن سبيل الله أنهم كانوا يمنعون الناس من الاستماع إلى ~~دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم يعرفون أن حلاوة الدعوة ستجعل ~~من يستمع إلى دعوة الرسول يؤمن بها. ولذلك فهم يصدون الناس عن كلام الله ~~تعالى وعن الاستماع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا يقولون ~~لأهل الحجيج: لا تصدقوا الرجل الذي يقول إنه نبي، وهذه شهادة منهم أن ~~الآذان لو استقبلت القرآن لسحبت أفئدتهم إلى الإيمان، وهذه شهادة ضدهم ~~وليست لهم لأنهم واثقون أن سماع الحجيج لدعوة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ستبعدهم عن الكفر لذلك كانوا يخافون من أن يتأثر الناس بهذا الدين ~~الذي هو دين الحق فيؤمنوا به وهذا ما جعلهم يصدونهم عنه. ثم يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { إنهم سآء ما كانوا يعملون } [التوبة: ~~9]. وساء أي قبح، وليس هو قبح الآن فقط، ولكنه قبح حاليا وعظمت العقوبة ~~عليه مستقبلا. وقوله تعالى: { إنهم سآء ما كانوا يعملون ~~} [التوبة: 9]. يرينا دقة القرآن الكريم في أن السيىء منهم ليس عملا ~~واحدا ولكنه أعمال متعددة قول وفعل، أي هم يصدون الناس بالكلام ~~ويمنعونهم باستخدام القوة في بعض الأحيان. وباستخدام الحق لكلمة " يعملون ~~" يلفتنا إلى أن أعمالهم ليست قولا وليست فعلا فقط، فهناك القول وهناك ~~الفعل ms3905 وكلاهما عمل القول عمل اللسان، والفعل عمل الجوارح. فلو قال الحق: ~~ساء ما كانوا يفعلون، لقلنا فعلوا ولم يقولوا. ولو قال: ساء ما كانوا ~~يقولون، لقلنا: قالوا ولم يفعلوا. وسبحانه أوضح لنا أن القول والفعل ~~كلاهما عمل، وقال سبحانه: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2]. ليبين لنا أن هناك فرقا بين القول والفعل القول أداته ~~اللسان، والفعل أداته بقية الجوارح، والمعنى في قوله تعالى: { إنهم ~~سآء ما كانوا يعملون } أي ساء قولهم وفعلهم. ويتابع المولى ~~سبحانه وتعالى فيقول: { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ~~ذمة... }. ### || [9.10] # ومن لا يرقب إلا ولا ذمة في غيره إنما يظلمه، فإذا كان بيني وبينك ~~قرابة، أو عهد، أو إيمان، فإن لم تراع ذلك تكون قد اعتديت على حقوقي ~~عندك، وليتك قد اقتصرت في الاعتداء على حقوق الغير، لكنك - أيضا - ~~اعتديت على نفسك، لأنك أعطيتها متاعا قليلا في الدنيا، وتصلى في الآخرة ~~نارا، إذن فقد ظلمت نفسك. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم # [آل عمران: 135]. ويقول سبحانه وتعالى: # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 118]. وأليس الذي فعل فاحشة، يظلم نفسه؟ بلى، ظلمها في الآخرة ~~بعد أن أعطاها شهوة في الدنيا، أي أنه أخذ متعة عاجلة بعذاب آجل. لكن ~~الذي يظلم نفسه ظلما شديدا وبينا هو الذي يرتكب إثما دون أن يأخذ ~~متعة في الدنيا، فلا هو أخذ متعة دنيا ولا أخذ متعة آخرة، مثل الذي يتطوع ~~لشهادة الزور، هو يأخذ عذابا في الآخرة ولم يأخذ متعة في الدنيا. وقد ~~يقول قائل: إن هذه الآية مكررة لأن الله تعالى قال من قبل: # كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ~~ولا ذمة.. # [التوبة: 8]. ونقول: إن الموضوع يختلف، ففي الآية الثامنة من سورة ~~التوبة يبين الحق أنهم إن تمكنوا من المؤمنين فلن يراعوا قرابة ولا ~~جوارا ولا حلفا، وإن أظهروا عكس ذلك. أما في الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها فهم يظلمون أنفسهم ويبيعون إيمانهم بثمن قليل، ms3906 وهناك فرق ~~بين ظلم الغير وظلم النفس. وهم في صدهم عن سبيل الله تعالى وعدوانهم على ~~المؤمنين، لم يحصلوا على فائدة دنيوية، بل حاربوا الإيمان وحاربوا الدين ~~فأخذوا الإثم ولم يستفيدوا شيئا، فكأنهم لا يرقبون إلا ولا ذمة حتى مع ~~أنفسهم. ولذلك وصفهم الحق سبحانه وتعالى بأنهم هم المعتدون، لأنهم دون أن ~~يعتدى عليهم تطوعوا بالعدوان على دين الله وعلى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وعلى المؤمنين ثم قاموا بالعدوان على أنفسهم. ومن بعد ذلك تأتي رحمة ~~الله لترينا كيف أن الله تعالى رحيم بعباده وخلقه، فالحق سبحانه وتعالى ~~يخبرنا بأنهم مهما فعلوا فإنهم إن تابوا يقبل الله توبتهم، لذلك يقول ~~الحق جل جلاله: { فإن تابوا وأقاموا الصلوة وآتوا ~~الزكوة فإخوانكم في الدين... }. ### || [9.11] # وهذه الآية الكريمة تؤكد لنا أن الإسلام يجب ما قبله، وأن الباب ~~مفتوح دائما لتوبة المشركين والكافرين مهما كانت ذنوبهم، وهكذا تكون ~~رحمة الله تعالى. ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: { فإن تابوا } ~~ولم يقل إذا تابوا، لأنه لو قال: إذا تابوا تكون توبتهم مؤكدة، ولكن ~~قوله: { فإن تابوا } فيها شك، لأن ما فعلوه ضد الإيمان كثير، والذي ~~نأمله فيهم قليل، ولكن التوبة تفترض أن يباشر التائب بعدها مهمته ~~الإيمانية. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: { فإن تابوا وأقاموا ~~الصلوة وآتوا الزكوة.. } [التوبة: 11]. إذن فالمهمة ~~الإيمانية بعد التوبة إنما تكون بشهادة أن " لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله " ، وبطبيعة الحال لا بد من مباشرة الصلاة لأنها تجمع كل أركان ~~الإسلام، وهي عمل يومي، وليست عملا مطلوبا من الإنسان مرة واحدة كالحج، ~~وليست كالصوم، فالصوم مدته شهر واحد من السنة. إذن لكي تتأكد التوبة فلا ~~بد أن يؤدي التائب الصلاة في وقتها كل يوم فهي العمل اليومي الذي لا يؤجل ~~ولا يتأخر عن وقته، والصلاة قرنت غالبا بالزكاة في آيات القرآن الكريم ~~لأن الزكاة تضحية بالمال، والمال ناتج العمل، والعمل ناتج الوقت، والصلاة ~~تضحية بالوقت، فكأن الصلاة - كما قلنا - فيها زكاة. والحق سبحانه وتعالى ~~يقول: { فإن تابوا ms3907 وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة ~~فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون ~~} [التوبة: 11]. إنه لا بد أن نلاحظ في التفصيل هنا المراحل الإيمانية ~~التي بينها الله عز وجل لنا المرحلة الأولى وهي تحمل الاضطهاد والصبر، ~~والمرحلة الثانية أنه لا مهادنة بين الإيمان والكفر، وهذه حسمت محاولة ~~الكفار تمييع قضية الإيمان بأن نعبد إلهكم فترة وتعبدون إلهنا فترة، ~~وكانت هذه عملية مرفوضة تماما الآن وفي المستقبل وحتى قيام الساعة. ثم ~~جاءت مرحلة المعاهدات ثم نقض العهود ثم مهلة الأشهر الأربعة الحرم التي ~~أعطيت للكافرين. وكل هذه مسائل مقننة، ولم تكن الأمة العربية تعرف ~~التقنينات. إذن فكل هذه التقنينات جاءت من السماء، والتقنينات في الأمم ~~تأخذ أدوارا طويلة، ولا يوجد قانون بشري يولد سليما وكاملا، بل كل ~~قانون يوضع ثم تظهر له عيوب في التطبيق، فيعدل ويطور ويفسر ويحتاج إلى ~~أساطين القانون الذين يقضون عمرهم كله في التعديلات والتفصيلات، فكيف ~~ترتب هذه الأمة العربية الأمية التي لم يكن لها حظ من علم ولا ثقافة كل ~~هذه التقنينات؟. نقول: إنها لم ترتب، وإنما رتب لها ربها الذي أحاط بكل ~~شيء علما، فكل هذه المراحل التي مر بها الإيمان نزلت فيها تقنينات من ~~السماء تبين للمؤمنين ما يجب أن يفعلوه. { فإن تابوا وأقاموا ~~الصلوة وآتوا الزكوة فإخوانكم في الدين. # . } [التوبة: 11]. ونحن عادة نعرف أخوة النسب، فهذا أخي من أبي وأمي، أو ~~هذا أخي من الأب فقط، أو هذا من الأم فقط، وفي ذلك يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: # وجآء إخوة يوسف.. # [يوسف: 58]. هذه أخوة النسب، ونحن نعلم أن مادة الأخوة تأتي مرة لتعبر ~~عن أخوة النسب، وتأتي مرة كلمة " إخوان " لتعبر عن الأخوة في المذهب ~~والعقيدة، وشاء الحق سبحانه وتعالى أن يرفع الإيمان إلى مرتبة النسب، ~~فقال عز وجل: # إنما المؤمنون إخوة.. # [الحجرات: 10]. ليدلنا على أنهم ما داموا قد دخلوا معنا في حظيرة ~~الإيمان فلهم علينا حق أخوة النسب فيما يوجد من تواد وتراحم، وترابط ~~وحماية بعضهم البعض دائما، وحب ووفاق إلى آخر ما نعرفه عن ms3908 حقوق الأخوة ~~بالنسب. ولكن نلاحظ هنا أن الحق سبحانه وتعالى قال: { فإخوانكم ~~في الدين.. } [التوبة: 11]. ولم يقل إخوتكم، لماذا؟. نقول: ليس من ~~المعقول أن يخرجوا من كل ما كانوا فيه من آثام بالتوبة، ثم يصبحوا في نفس ~~التو واللحظة إخوة، لكن ذلك يحدث عندما يتعمق إيمانهم، ويثبت صدق توبتهم ~~حينئذ يصبحون إخوة. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { ونفصل الآيات ~~لقوم يعلمون } [التوبة: 11]. كيف يكون التفصيل لمن يعلم؟. وما ~~دام يعلم فلماذا التفصيل؟. ونقول: إن المعنى هنا أن الله سبحانه وتعالى ~~يفصل الآيات لمن يريدون أن يعلموا العلم الحقيقي الذي يأتي من الله، لأن ~~هذا العلم له أثر كبير على مستقبل الإيمان، ولذلك فغير المسلمين الذين ~~يهتمون بدراسة الدين الإسلامي دراسة جادة للبحث عن العلم الحقيقي ينتهون ~~إلى إعلان إسلامهم، لأنهم ما داموا أهل علم وأهل مواهب وأهل طموح في ~~فنونهم، وما دامت شهوة العلم قد غلبتهم، وأرادوا أن يدرسوا منهج الإسلام ~~بموضوعية، لذلك تجدهم يعلنون الإسلام لأنهم ينظرون النظرة الحقيقية للدين ~~الذي يدرسونه، وهم يأخذون الإسلام من منبعه الإيماني وهو القرآن الكريم ~~والسنة النبوية، ولا يأخذون الإسلام من المنسوبين للإسلام، أي من ~~المسلمين لأن المسلمين قد يكون فيهم عاص، وقد يكون فيهم سارق، وقد يكون ~~فيهم مرتش، وقد يكون فيهم كذاب، وقد يكون فيهم منافق، ولو أخذوا ~~الإسلام عن المسلمين لقالوا: ما هذا؟ معصية وسرقة وكذب ورشوة ونفاق؟! ~~إنني أقول دائما لمن لم يدرس الإسلام من أهل البلاد الأخرى: لا تنظر إلى ~~المنسوبين للإسلام، ولكن انظر إلى الإسلام في جوهره ومنهجه: القرآن ~~والسنة هل جرم الرشوة والسرقة والكذب والنفاق وجعل لها عقوبة أم لا؟ نعم ~~جرمها. إذن فهذه الأفعال كلها التي وجدتها في عدد من المسلمين ~~واستنكرتها ليست من الإسلام في شيء، ولكنك إذا ذهبت إلى الإسلام لتعرفه ~~من منابعه العلمية وهي معزولة عن المنسوبين إليه لانتهيت إلى الإيمان. ~~ولذلك لو عرف المسلمون الذين ينحرفون عن المنهج، ماذا يفعلون بالإسلام ~~وكيف يسيئون إليه لعلموا أنهم يفعلون شيئا خطيرا لأن الإسلام ms3909 منهج ~~وسلوك، وليس منهجا نظريا فحسب، بل هو منهج عملي يطبق في الحياة، ولذلك ~~فإذا كان القرآن الكريم يمثل قواعد المنهج، فسيرة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تمثل المنهج العملي التطبيقي للإسلام. # ويقول الحق سبحانه: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر.. # [الأحزاب: 21]. والمسلم حين يطبق منهج الإسلام يلفت نظر غير المسلم إلى ~~هذا الدين ويحببه فيه، وحين يفعل ما لا يرضاه الإسلام ينفر غير ~~المسلم من الدين، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2-3]. لأن فعلك حين يختلف مع الدين الذي تدعو إليه وتؤمن به، فهو ~~يتحول إلى حجة ضد الدين، فيقول غير المسلم: لقد رأيت المسلم يغش، ورأيته ~~يسرق، ورأيت يده تمتد إلى الحرمات، إذن فكل منحرف عن الدين إنما يحمل ~~فأسا يهدم بها الدين، ويكون عليه وزر عمله، ووزر من اتخذوه قدوة لهم. ~~ولقد قلنا: إننا حين ننظر إلى التمثيل الدبلوماسي في العالم الإسلامي، ~~نجد اثنتين وسبعين دولة إسلامية لها سفارات في معظم دول العالم، وأتساءل: ~~كم من أفراد هذه السفارات يتمسك بالمظهر الإسلامي؟. أقل القليل. وكم من ~~الجاليات الإسلامية في الدول الأجنبية يتمسكون بتعاليم الدين؟. أقل ~~القليل. ولو أنهم تمسكوا جميعا بتعاليم الإسلام لعرفت دول العالم أن ~~لهذا الدين قوة ومناعة تحميه. وأن هذه المناعة هي التي منعت الحضارة ~~المادية المنحرفة من أن تؤثر في هؤلاء، ولكان لفتة قوية لشعوب العالم لكي ~~تدرس هذا الدين، ولكنك تجدهم يذوبون ويتهافتون على الحضارة المادية للدول ~~التي يقيمون فيها، مما يجعل شعوب هذه الدول تقول: لو كان دينهم قويا ~~لتمسكوا به، ولم يتهافتوا على حضارتنا. وإذا درسنا تاريخ الإسلام نجد أنه ~~لم ينتشر بالقتال أو بالسيف لكنه انتشر بالأسوة الحسنة، وهنا يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { فإن تابوا وأقاموا الصلوة وآتوا ~~الزكوة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم ~~يعلمون } [التوبة: 11]. أي نبينها لقوم يبحثون عن ms3910 العلم الحقيقي، ~~الذي بينه الله عز وجل في منهجه، ولذلك نجد مثلا أنه إذا وصلت أمة ~~من الأمم إلى كشف جديد فأهل العلم في الإسلام يعرفون أنه ليس كشفا ~~جديدا لأن الإسلام ذكره منذ وقت طويل. فمثلا في القانون في ألمانيا ~~وصلوا إلى مادة في القانون سموها: " سوء استغلال الحق " فأنت لك حقوق، ~~ولكنك قد تسيء استغلالها. وبدأت الدولة في ألمانيا تتجه نحو تشريع قوانين ~~تهدف لمنع إساءة استغلال الحقوق ووضع شروح لهذه القوانين وتطبيقها إلى ~~آخره، وذهب محام مسلم من بني سويف ليحصل على الدكتوراه من ألمانيا، فاطلع ~~على هذه المسألة، وقد كان يحضر محاضرة يلقيها صاحب قانون نظرية " سوء ~~استغلال الحق " ، فقام المحامي المسلم وقال له: أنت تقول إنك واضع هذه ~~النظرية؟. # فقال المحاضر الألماني: نعم. فقال المحامي: لقد جاءت هذه النظرية منذ ~~أربعة عشر قرنا في منهج الإسلام. وارتبك المحاضر الألماني ارتباكا ~~شديدا، وجاء بالمستشرقين ليناقشوا هذا المحامي المسلم، وجاءوا بكتب ~~السيرة النبوية، وأخرج المحامي للمستشرقين قصة من سيرة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تقول: إن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان جالسا فجاءه ~~صحابي يشكو من أن أحد الصحابة له نخلة في بيته، والبيت مملوك للصحابي ~~الشاكي، والنخلة مملوكة لصحابي آخر، وقد تعود أن يأتي الصحابي صاحب ~~النخلة إليها كثيرا ليشذبها ويلقحها ويطمئن عليها، وكأنه قد جعلها " ~~مسمار جحا " كما يقول المثل الشعبي، فتعرضت عورة أسرة الصحابي صاحب البيت ~~إلى الحرج، فذهب يشكو الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحضر ~~الرسول صاحب النخلة وأوضح له بما معناه: إما أن تهب النخلة لصاحب البيت، ~~وإما أن تبيعها له بالمال، أو أن تقطعها. لقد أوضح له الرسول صلى الله ~~عليه وسلم: أن النخلة حقك ولكنك أسأت استعمال الحق بكثرة ذهابك إلى ~~مكانها بسبب وبغير سبب، مما عرض عورة صاحب البيت للمتاعب. وكان هذا ~~الفعل هو المثل الحي لسوء استغلال الحق. وكان من أمانة العلم أن يعدل ~~أستاذ القانون الألماني في محاضرته ويقول: لقد ظننت أنني ms3911 قد جئت بشيء ~~جديد، ولكن الإسلام سبقني إليه منذ أربعة عشر قرنا. وفعلا تم التعديل. ~~واعترف القانون الألماني بأن الإسلام قد سبقه في نظرية " سوء استغلال ~~الحق " منذ ألف وأربعمائة سنة. ولذلك تجد أن صفة الأمية في رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وفي أمته، كانت شهادة تفوق لأنها لم تأخذ علمها بالقراءة ~~عن حضارات الأمم السابقة، وإنما أخذته عن الله لأن أقصى ما يصل إليه غير ~~الأميين في علمهم أن يجيء إليهم العلم من بعضهم البعض، ولكن أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم جاء لها العلم من الله، وسادت الدنيا أكثر من ألف عام. ~~ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { وإن نكثوا أيمانهم ~~من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم... }. ### || [9.12] # ونكثوا الأيمان: أي لم ينفذوا بنود العهود، والله سبحانه وتعالى يعطينا ~~هنا حيثية قتال الكفار بعد كل المراحل التي حاربوا فيها الإيمان، فهم قد ~~نقضوا العهود، ولم يكتفوا بذلك بل طعنوا في الدين. أي عابوا في الدين ~~عيبا مقذعا. وعندما يقال: إن فلانا طعن في فلان، فلا بد أنه قد ~~تجاوز مرحلة السب إلى مرحلة أكبر بكثير. وهنا يأمرنا الحق - سبحانه ~~وتعالى - إما بقتالهم، وإما أن يعلنوا الإيمان. وهذا حق للمسلمين لأنهم ~~قدموا من قبل كل سبل المودة، لكن أئمة الكفر رفضوها. وقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { فقاتلوا أئمة الكفر } ، أي: أن القتل يأتي ~~أولا لزعماء الكفار الذين يحرضون أتباعهم على محاربة دين الله، فالأتباع ~~ليسو هم الأصل، ولكن أئمة الكفر لأنهم هم الذين يخططون وينفذون ويحرضون. ~~وهم - كما يقال في العصر الحديث - مجرمو حرب والعالم كله يعرف أن الحرب ~~تنتهي متى تخلص من مجرمي الحرب لأن هؤلاء هم الذين يضعون الخطط ويديرون ~~المعارك ويقودون الناس إلى ميادين القتال، تماما كأئمة الكفر، هؤلاء ~~الذين اجترأوا على أساليب القرآن الكريم، ومنعوا القبائل التي تأتي للحج ~~من الاستماع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاربوا الدين بكل السبل ~~من إغراء وتحريض، وتهديد ووعيد. والأمر العجيب أنك ترى من يبرر لك قتل ms3912 ~~مجرمي الحرب ويستنكر قتل أئمة الكفر، والحق سبحانه وتعالى يقول: { وإن ~~نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم.. } [التوبة: 12]. ~~ويقول الحق عز وجل في ذات الآية: { إنهم لا أيمان لهم.. } ~~[التوبة: 12]. وفي هذا يأتي المستشرقون ومن يميلون إليهم بقلوبهم ~~ويحسبون علينا بقوالبهم وظواهرهم ليقولوا: إن هناك تناقضا، فالله ~~يقول: { وإن نكثوا أيمانهم } أي أثبت أن لهم أيمانا، ثم ~~قال: { لا أيمان لهم }. فكيف يثبت لهم الأيمان ثم ينفيها عنهم؟. ~~والنفي والإثبات لا يجتمعان في وصف الشخص الواحد ونقول: إنهما لا يجتمعان ~~عند من يفكر تفكيرا سطحيا، أو يأخذ الأمور بظواهرها. ولكن من يعرف ~~مرامي الألفاظ، يعلم أن نفي الشيء وإثباته في القرآن الكريم يعني: أن ~~الجهة منفكة. فالله سبحانه وتعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة بدر: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.. # [الأنفال: 17]. فقوله: { وما رميت } نفي للرمي من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، و { إذ رميت } إثبات للرمي. ويجيء نفي الشيء ~~وإثباته في آية واحدة، والفاعل والفعل واحد. وهذه تسمى في الأسلوب انفكاك ~~الجهة، أي أن كل جهة تطلب معنى مختلفا عن الجهة الأخرى، تماما مثلما ~~يقال: إن فلانا يسكن أعلى مني. فهذا قول صحيح، ولكنه في ذات الوقت يسكن ~~أسفل بالنسبة لمن فوقه، إذن فهو عال وأسفل في نفس الوقت عال عمن تحته ~~وأسفل ممن فوقه. # أو تقول:- كمثال آخر - فلان أب وابن. هنا يبدو تناقض ظاهري، أي أنه أب ~~لابنه، وابن لأبيه، فهو أب من جهة الابن، وابن من جهة أبيه، ولا يوجد ~~تعارض. وهذا ما نسميه انفكاك الجهة. إذن فلا يوجد أدنى تعارض بين نفي ~~الرمي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإثباته له لأن رسول الله أخذ ~~حفنة من الحصى ورمى بها جيش الكفار، هذا ما فعله الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وهو من البشر، لكن قدرة الله سبحانه وتعالى أخذت هذا الحصى وأوصلته ~~إلى كل جندي من جيش الكفار، وفي قول الحق سبحانه وتعالى: # ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا ms3913 ~~من الحيوة الدنيا.. # [الروم: 6-7]. لقد قالوا: إن الله نفى العلم وأثبته لنفس الأشخاص، ~~ونقول: لا، إنه نفى العلم الحقيقي، وأثبت لهم ظاهر العلم، وهذا مختلف عن ~~ذلك تماما، وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: { وإن نكثوا ~~أيمانهم.. } [التوبة: 12]. أثبتت الآية أن لهم أيمانا، وفي آخر ~~الآية ينفي عنهم الأيمان فيقول: { إنهم لا أيمان.. } [التوبة: ~~12]. ونقول: فائدة الأيمان أو العهد أن يحافظ عليه، ومن لا يحافظ على ~~يمينه أو عهده يكون لا أيمان له لأن أيمانه أي عهده لا قيمة له لأنه مجرد ~~من الوفاء. وعندما يحلف الكذاب نقول: هذا لا يمين له. وهؤلاء أيمانهم لم ~~تأخذ قداسة الأيمان، فكأنهم لا أيمان لهم، كأن يكون لك ابن اقترب امتحانه ~~وتجبره على المذاكرة، وتجلس تراقبه فيقلب الكتاب ولكنه لا يفهم شيئا. ~~وإن حاولت أن تحسب حصيلة المذاكرة لم تجد شيئا، فتقول: ذاكرت وما ذاكرت، ~~وهذا نفي للفعل وإثباته ولا تناقض بينهما: لأن الجهة منفكة. ونفي الأيمان ~~في آخر الآية معناه: أنهم لا وفاء لهم، وما داموا بلا وفاء فلا قيمة ~~لأيمانهم. وقوله تعالى: { فقاتلوا أئمة الكفر إنهم ~~لا أيمان لهم لعلهم ينتهون } [التوبة: 12]. هذا أمر ~~بقتالهم لا بقتلهم، فيكون المعنى: قاتلوهم، فإن لم يقتلوا فقد يجعلهم ~~القتال ينتهون عن عدائهم للدين لأنهم حين يرون البعض منهم قد قتل وهم ~~أضعف من المواجهة، هنا ستخف حدة محاربتهم للإسلام، وتنتهي اللجاجة في أمر ~~الدين. ثم يقول الحق من بعد ذلك: { ألا تقاتلون قوما ~~نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم ~~بدءوكم أول مرة... }. ### || [9.13] # في هذه الآية الكريمة يحض المولى سبحانه وتعالى على جهاد، وقتال أئمة ~~الكفر، وعدم تركهم يستشرون في حربهم للدين، ومنع الناس عن الإيمان، وصدهم ~~عن سبيل الله. و " ألا " تسمى أداة تحضيض، مثل قولنا: ألا تذهب إلى ~~فلان، وهي حث على الفعل لأن التحضيض نوع من أنواع الطلب. وقوله تعالى: { ~~نكثوا أيمانهم } أي نقضوا عهودهم، وقوله تعالى: { وهموا ~~بإخراج الرسول } أي: هم الذين بدأوا بالعداوة ومحاولة إخراج ~~الرسول صلى الله عليه ms3914 وسلم من مكة، و { هموا } ، أي عقدوا النية على ~~العمل، وقوله تعالى: { وهم بدءوكم أول مرة } أي: أنهم هم ~~الذين بدأوا بعداوة المسلمين والصد عن الإسلام من أول أن بدأ يدعو إليه ~~سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم. والبدء هو: العمل الأول، و " المرة " ~~هو فعل لا يتكرر لأنه إن تكرر نقول: { مرتين } ، مثل قول الحق ~~سبحانه: # الطلاق مرتان.. # [البقرة: 229]. هم إذن الذين بدأوا الفعل الأول بالعداوة. والإسلام - ~~كما نعلم - قد واجه قوتين في مرحلتين مختلفتين من مراحل الدعوة للإسلام: ~~قوة المشركين من قريش، وقوة اليهود، وأما قريش فقد هموا بأن يخرجوا ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة، وقد يقول قائل: لكن المؤمنين هم الذين ~~بدأوا القتال في بدر. وأقول: لم يذهب المسلمون إلى بدر للقتال، بل ذهبوا ~~من أجل العير تعويضا عن مالهم الذي تركوه في مكة، ولكن الكفار قالوا: لن ~~نرجع حتى نستأصل محمدا ومن معه، وجاءوا بالنفير ليقاتلوا في بدر. إذن ~~فعلى الرغم من سلامة العير بحيلة من أبي سفيان إلا أن قريشا هي التي ~~أرادت القتال فجمعوا الجند والفرسان ليقاتلوا المسلمين. وكذلك فعل ~~اليهود، فقد نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول من المدينة. كما حاول ~~المشركون إخراجه من مكة، وكان بينه صلى الله عليه وسلم، وبين اليهود ~~معاهدة، وهذه المعاهدة كانت من أوائل أعمال رسول الله في المدينة، فهل ~~حافظ اليهود على هذه العهود؟. لا، فقد تعهدوا ألا يعينوا عدوا عليه، ~~ونكثوا أيمانهم ونقضوا العهد فأعانوا قريشا على المسلمين. وكذلك فعل بنو ~~النضير، فقد أرادوا اغتياله صلى الله عليه وسلم، وذلك بإلقاء صخرة عليه، ~~بل وتمادى اليهود في غزوة الأحزاب وأعانوا قريشا ضد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، واتفقوا معهم على أن يدخلوهم من أرضهم بالمدينة ليفاجئوا رسول ~~الله وجيش المسلمين من الخلف. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: { وهم ~~بدءوكم أول مرة } لها أكثر من حيثية، ونقضهم العهود ~~وبدؤهم القتال يجعلكم تقاتلونهم لتأمنوا شرهم. { ألا تقاتلون ~~قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول ~~وهم بدءوكم ms3915 أول مرة.. } [التوبة: 13]. وقوله تعالى: { ~~ألا تقاتلون } حث على القتال، أي: ما الذي يمنعكم من قتالهم إلا ~~أن تكونوا خائفين منهم، ولذلك يقول تبارك وتعالى: { أتخشونهم ~~فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين } [التوبة: ~~13]. # وهنا يلفت الحق سبحانه نظر المؤمنين إلى أنهم إن كانوا أمام حالين، خشية ~~من البشر وإيذائهم، وخشية من الله، فالأحق بالخشية هو الأشد والأعظم ~~والأدوم عقابا. ولأنكم إذا ما قارنتم قوة هؤلاء بقوة الله، فالله أحق ~~بالخشية قطعا. وإذا كنت بين اختيارين فأنت تقدم على أخف الضررين، فكيف ~~يخاف المؤمنون ما يمكن أن يصيبهم على أيدي الكفار؟ ولا يخشون ما يصيبهم ~~من الله. وأوضح الله سبحانه وتعالى أنه لا خشية من الكفار في آية أخرى من ~~ذات السورة، هي قوله سبحانه: # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون # [التوبة: 52]. وهكذا أزال الحق سبحانه وتعالى الخوف من نفوس المؤمنين، ~~فماذا سيحدث لكم من جنود الكفر؟ إما أن تستشهدوا فتدخلوا الجنة وإما أن ~~تنتصروا. وقوله تعالى: { أتخشونهم } استفهام استنكاري معناه: ما ~~كان يصح أبدا أن تخشوهم وتخافوهم لأنهم لو كانوا أقوى منكم وتغلبوا ~~عليكم فزتم بالشهادة، ولو كانوا أضعف منكم وتغلبتم عليهم فزتم بالنصر. ~~وكلاهما أمر جميل محبب لنفوس المؤمنين بالله يحدث تثبيتا لقلوبهم ~~وأقدامهم في مواقف القتال والنزال. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بالحكم ~~النهائي فيقول: { فالله أحق أن تخشوه إن كنتم ~~مؤمنين } [التوبة: 13]. أي: راجعوا إيمانكم، فإن كنتم مؤمنين بالله ~~فأنتم راغبون في الشهادة. وإن كنتم مؤمنين بالله القادر القوي القهار ~~فأنتم تعرفون الله وقدرته وقوته، وهي لا تقارن بالقوة البشرية. فإما ~~أن تنتصروا عليهم فتكون لكم فرحة النصر، وإما الاستشهاد وبلوغ الجنة، ~~وكلتا النتيجتين خير، أما ما يصيب الكفار فهو ينحصر في أمرين: إما أن ~~يصيبهم الله بعذاب بأيدكم، وإما أن يصيبهم بعذاب من عنده. إذن ففي أي ~~معركة يدخلها الإيمان مع الكفر، نجد أن الجانب الفائز هم المؤمنون، سواء ms3916 ~~استشهدوا أم انتصروا. والخاسر في أي حال هم الكفار لأنهم إما أن يعذبوا ~~بأيدي المؤمنين، وإما أن يأتيهم عذاب من الله تعالى في الدنيا أو في ~~الآخرة. وهكذا وضع الله المقاييس التي تنزع الخشية من نفوس المؤمنين في ~~قتالهم مع الكفار، فلا تولوهم الأدبار أبدا في أي معركة لأنه مهما كبرت ~~قوة الكفار المادية، فقوة الحق تبارك وتعالى أكبر. ويقول المولى سبحانه: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله.. # [البقرة: 249]. وهكذا لا يحسب حساب للفارق في القوة المادية، فهذه خشية ~~لا محل لها في قلوب المؤمنين في جانب الإيمان لأن الله مع الذين آمنوا. ~~ثم يؤكد الحق سبحانه وتعالى حثه للمؤمنين على القتال فيقول: { ~~قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم... }. ### || [9.14] # وقوله تعالى: { فقاتلوا } في الآية السابقة كانت حثا للمؤمنين على ~~القتال، و { قاتلوهم } الثانية التي في هذه الآية للتحريض والترغيب ~~في القتال، وأمر إيماني للمؤمنين بأن يقاتلوا الكفار. ثم يأتي المولى ~~سبحانه وتعالى في هذه الآية بالحكمة من الأمر بالقتال فيقول: { ~~يعذبهم الله بأيديكم } ونتساءل: إذا كان الله يريد أن ~~يعذبهم فلماذا لا يأتي بآية من عنده تخضعهم للعذاب؟ نقول: لو انتصر ~~المؤمنون بحدث كوني غير القتال لقال الكفار: حدث كوني هو الذي نصرهم. ~~ويشاء الله سبحانه وتعالى أن ينهزم هؤلاء الكفار بأيدي المؤمنين لأن ~~الكفار ماديون لا يؤمنون إلا بالأمر المادي، ولو أنهم كانوا مؤمنين بالله ~~لانتهت المسألة، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يري الكفار بأس ~~المؤمنين لتمتلىء قلوبهم هيبة وخوفا من المؤمنين، ويحسبوا لهم ألف حساب، ~~فلا تحدثهم أنفسهم بأن يجترئوا على الإيمان وعلى الدين أو أن يستهينوا ~~بالمؤمنين. ولقائل أن يقول: إن الحق هنا يأمر فيقول: { قاتلوهم ~~يعذبهم الله بأيديكم }. وفي آية أخرى يقول: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم.. # [الأنفال: 33]. فكيف يثبت الله العذاب وينفيه؟. ونقول: لقد نزلت الآيتان ~~في الكفار. وسبحانه وتعالى يقول: { قاتلوهم يعذبهم الله ~~بأيديكم } ولو قال: قاتلوهم تعذبوهم بأيديكم لاختلف المعنى، ولكن ~~الآيتين تثبت إحداهما العذاب والأخرى تنفيه، ms3917 ونقول: إن الجهة منفكة، ~~فقوله تعالى: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ~~أي: لا ينزل الله تعالى عليهم عذابا من السماء ما دمت فيهم، وقد وضح هذا ~~في قوله تعالى: # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم * وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال: 32-33]. فقد سبق أن طلب الكفار عذابا من السماء ينزل عليهم ~~إن كان القرآن هو الحق فرد الحق سبحانه وتعالى بأنه لا يعذبهم ما دام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم لأنه أرسله رحمة للعالمين. ولكن عدم ~~تدخل السماء بالعذاب بعد بعث رسول الله بالرسالة، لا يعني أن العذاب قد ~~انتهى بالنسبة للكفار. وائتمن سبحانه المؤمنين على نصرة منهجه ودينه وهو ~~معهم. ولكن العذاب يتم بالأسباب الأرضية، ولا يوجد تناقض. لأن العذاب من ~~السماء قد يكون استئصالا لكل الكافرين صغارا وكبارا، كأن يغرقهم ~~الطوفان، أو تأتي الصيحة فتبيدهم عن آخرهم، أو تجيئهم ريح صرصر عاتية ~~تدمرهم، أو تصيبهم الرجفة فتجمدهم، وفي كل هذه الحالات لا يبقى أحد من ~~الكفار، ولكن القتال البشري لا يقضي على الكفار نهائيا، فالإسلام يمنعنا ~~من قتال النساء والصبيان، ومن قتال الذين لم يقاتلونا. إذن فالعذاب بعد ~~رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس عذاب استئصال وإبادة كما كان في ~~الأمم السابقة. # ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد عذب الأمم السابقة بتلك الوسائل، فكان ~~على الرسول من السابقين على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم أن يبلغ ~~الرسالة، وإن لم يؤمن قومه برسالته تتدخل السماء ضدهم بألوان العذاب ~~السابقة. ولكن الحق تبارك وتعالى أمر محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته من ~~بعده أن تدعو لدين الله، وتؤدب من يختصم الإيمان، ويدخل في عداوة مع ~~المؤمنين فمنهم من يفر أو يقع في الأسر ويبقى الطفل والمرأة دون تعذيب. { ~~قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم.. } ~~[التوبة: 14]. وما الفرق بين العذاب والخزي؟ نقول: قد نجد ms3918 واحدا له ~~كبر وجلد، وإن أصابه العذاب فهو يتحمله ولا يظهر الفزع أو الخوف أو ~~الضعف، ويمنعه كبرياؤه الذاتي من أن يتأوه، ولمثل ذلك هناك عذاب آخر هو ~~الخزي، والخزي أقسى على النفس من العذاب لأن معناه الفضيحة، كأن يكون ~~هناك إنسان له مهابة في الحي الذي يسكن فيه، مثل فتوة الحي، ثم يأتي شاب ~~ويدخل معه في مشاجرة أمام الناس ويلقيه على الأرض، هذا الإلقاء لا يعذبه ~~ولا يؤلمه، وإنما يخزيه ويفضحه أمام الناس، بحيث لا يستطيع أن يرفع رأسه ~~بين الناس مرة أخرى، والخزي هنا أشد إيلاما لنفسه من العذاب. ولا يريد ~~سبحانه أن يعذب الكفار بأيدي المؤمنين فقط، بل يريد لهم الافتضاح أيضا، ~~بحيث لا يستطيعون أن يرفعوا رءوسم. وجاء الحق سبحانه وتعالى بنتيجة ثالثة ~~لهذا القتال فقال: { وينصركم عليهم.. } [التوبة: 14]. وعلى ~~هذا فعندما يقاتل المؤمنون الكفار يصيب الكفار العذاب والخزي والهزيمة. ~~إذن { يعذبهم الله بأيديكم } مرحلة، { ويخزهم } ، ~~مرحلة ثانية { وينصركم عليهم } مرحلة ثالثة، ثم تأتي المرحلة ~~الرابعة: { ويشف صدور قوم مؤمنين } [التوبة: 14]. أي: أن ~~النصر الذي سيحققه المؤمنون بعون الله تعالى في قتالهم مع الكفار سيشفي ~~صدور المؤمنين الذين استذلهم الكفار واعتدوا عليهم، فكأن هذا النصر يشفي ~~الداء، الذي ملأ صدور أولئك المؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم، أي: يخرج الغيظ ~~والانفعال المحبوس في الصدور، فكأن قتال المؤمنين للكفار لا يحقق فقط ~~العذاب والخزي للكفار والنصر للمؤمنين عليهم، ولكنه يعالج - أيضا - قلوب ~~المؤمنين التي ملأها الألم والغيظ من سابق اعتداء الكفار عليهم ومحاولتهم ~~إذلالهم وأخذ حقوقهم. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { ويذهب غيظ ~~قلوبهم ويتوب الله على من يشآء... }. ### || [9.15] # وهكذا يرى الذين غدروا بالعهد وتعاونوا ضد أنصار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، يرون انتقام الله تعالى منهم، فتشفي صدور المؤمنين ويذهب منها ~~الغيظ. والشفاء - كما نعلم - إنما يكون من داء، والدواء ضرورة للشفاء، ~~وكأن انتقام الله عز وجل فيه شفاء لصدور المؤمنين من كفار قريش الذين ~~أعانوا أبناء بكر على أبناء خزاعة حلفاء سيدنا رسول الله ms3919 صلى الله عليه ~~وسلم، فيعذبهم الله بأيديكم، وينصركم عليهم، ويخزهم سبحانه وتعالى. ونلمس ~~أنه - سبحانه وتعالى - رغم تعذيبه لهم، وتشديد النكير عليهم، إلا أنه ~~يفتح بابا للتوبة، وهي مسألة لا يقدر عليها إلا رب حكيم لأن الكل عبيد ~~له مؤمنهم وكافرهم، هو خالقهم، وسبحانه يغار على صنعته، فبعد أن يشتد ~~عليهم بالعذاب والخزي، ويشفي بهذا صدور القوم المؤمنين، بعد ذلك يفتح باب ~~التوبة، وبهذا يعطي المؤمنين قوة سماحة إيمانية، فلا يصطحبوا التعالي على ~~هؤلاء إن جاءوا تائبين مؤمنين فيقول سبحانه وتعالى: { ويتوب الله ~~على من يشآء والله عليم حكيم } [التوبة: 15]. أي: أنه ~~سبحانه يعلم كل متطلبات الأحكام، ولكل أمر عنده حكمة، فالقتال أراده الله ~~عز وجل ليدك به جبروتهم، والتوبة حكمتها لمنع تمادي الكفار وطغيانهم ~~في الشر لأن مشروعية التوبة هي رحمة من الحق سبحانه وتعالى بخلقه، ولو لم ~~يشرع الله التوبة لقال كل من يرتكب المعصية: ما دامت لا توجد توبة، وما ~~دام مصيري إلى النار، فلآخذ من الدنيا ما أستطيع، وبذلك يتمادى في الظلم ~~ويزيد في الفساد والإفساد لأنه يرى أن مصيره واحد ما دامت لا توجد توبة، ~~ولكن تشريع التوبة يجعل الظالم لا يتمادى في ظلمه، وبهذا يحمي الله ~~المجتمع من شروره، ويجعل في نفسه الأمل في قبول الله لتوبته والطمع في أن ~~يغفر له فيتجه إلى العمل الصالح عله يكفر عما ارتكبه من الذنوب ~~والمعاصي وفي هذا حماية للناس ومنع لانتشار الظلم والفساد. إذن فالقتال ~~له حكمة، والتعذيب له حكمة، والخزي له حكمة، والتوبة لها حكمة، وسبحانه ~~وتعالى حين يعاقب، إنما يعاقب عن حكمة، وحين يقبل التوبة فهو يقبلها عن ~~حكمة. ثم يقول الحق عز وجل بعد ذلك: { أم حسبتم أن تتركوا ~~ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم... }. ### || [9.16] # ساعة تسمع " أم " فاعلم أنها إضرابية، أي: ما كان الله سبحانه ليترككم ~~حتى يعلم - علم الواقع - من منكم يؤمن إيمانا يؤهله للجهاد في سبيل الله ~~فإن ظننتم أن الله تارككم بدون ابتلاء وبدون أن يختبركم ويمحصكم، فيجب ms3920 أن ~~تعرضوا عن ذلك وتفهموا ما يقابله. إذن فالابتلاء أمر ضروري لمن أراد الله ~~تعالى له أن يتحمل أمر الدعوة ليواجه شراسة التحلل والفساد، لذلك يصفي ~~الله من آمنوا حتى يقف كل واحد منهم موقف الانتماء إلى الله مضحيا في ~~سبيل الله. وساعة يقول الحق عز وجل في شيء كلمة { ولما يعلم } ~~فليس معنى ذلك أنه لم يعلم وسيعلم، لا، فسبحانه يعلم كل شيء أزلا، ولكن ~~العلم الأزلي لا يكون حجة على البشر. ودائما أضرب هذا المثل - ولله ~~المثل الأعلى - نجد عميد إحدى الكليات أحيانا يعلن عن جائزة علمية يريد ~~أن يعطيها للمتفوقين فيقول له المدرس الذي يشرف على تحصيل التلاميذ: إن ~~فلانا هو الأول وهو يستحق الجائزة، فيقول العميد: ولكني أريد أن تعقد ~~امتحانا ليكون حجة على غير المتفوقين وهذا هو علم الواقع العملي الذي ~~أراده الحق عز وجل من الابتلاء، وسبحانه وتعالى يعلم كل شيء أزلا، ولكن ~~العلم الواقعي هو حجة على المخالفين. { أم حسبتم أن ~~تتركوا.. } [التوبة: 16]. أي بدون ابتلاء أو تمحيص. وقوله تعالى: { ~~ولما يعلم الله.. } [التوبة: 16]. " ولما " للنفي، ومثلها ~~مثل قولنا: " لما يأت " أي: أنه لم يتحقق المجيء حتى الآن، وتختلف " لما ~~" عن " لم " ، ف " لم " لا تؤذن بتوقع ثبوت ما بعدها، فما يأتي بعدها لن ~~يتحقق أبدا، أما " لما " فتؤذن بتوقع ثبوت ما بعدها، أي أن ما بعدها.. ~~لم يتحقق إلى لحظة نطقها، ولكنه قد يتحقق بعد ذلك. فإن قلت: " لما يثمر ~~بستاننا " أي: أن البستان الذي تملكه لم يثمر، ولكنه قد يثمر بعد ذلك. ~~وسبحانه وتعالى يقول: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم.. # [الحجرات: 14]. ومعنى القول الكريم: أن الإيمان لم يدخل في قلوبهم إلى ~~الآن، ولكنه سوف يدخل بعد ذلك، وهذه بشارة لهم. فقد قالت الأعراب: " آمنا ~~" فأوضح الحق سبحانه وتعالى: بل أسلمتم ولم يدخل الإيمان قلوبكم لأن ~~الإيمان هو الاعتقاد القلبي الجازم، والإسلام انقياد لما يتطلبه إيمان ~~القلب من سلوك، أي: أنتم قد سلكتم ms3921 سلوك الإسلام، ولكنه سلوك سطحي لم يأت ~~من ينابيع القلب. وقول الحق هنا: { ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم. # . } [التوبة: 16]. لا يعني أن علمه متصل بوقت الكلام، فعلم الله تعالى ~~موصول أزلي وسبحانه منزه عن الأغيار. إذن فالعلم المراد هنا هو علم ~~الواقع الذي سوف يكون حجة عليكم لأن الله سبحانه وتعالى لو لم يختبركم ~~لقلتم: لو أمرتنا يا رب بالقتال لقاتلنا، ولو أمرتنا بالصبر في الحرب ~~لصبرنا، ولكنا أكبر المجاهدين. ولذلك جاءت الابتلاءات كتجربة عملية، ~~ومن هذه الابتلاءات مواجهة العدو في حرب، فمن هرب ثبت له التقصير في ~~المواجهة، ومن لم يصبر على الابتلاءات، عرف نقص إيمانه وأصبح ذلك علما ~~واقعا. { ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ~~ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا ~~المؤمنين وليجة.. } [التوبة: 16]. إذن فالله يريد بعلم الواقع ~~التمييز بين صدق الجهاد وبين الفرار منه، وأن يكون هناك سلوك إيماني واضح ~~يبين أن هؤلاء القوم لم يتخذوا من دون الله ولا رسوله وليجة، و " الوليجة ~~" من فعيلة، بمعنى فاعل، و " والجة " يعني " داخلة ". # ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل.. # [الحج: 61]. أي: يدخل الليل على النهار ويدخل النهار على الليل، ~~والمراد ب " الوليجة " الشيء الذي يدخل في شيء ليس منه، وهي من الكلمات ~~التي تطلق ويستوي فيها المفرد المذكر والمؤنث، والمثنى والمثناة وجمع ~~المذكر وجمع المؤنث، وتقول: " امرأة وليجة " و " رجل وليجة " ، و " ~~امرأتان وليجة " ، و " رجلان وليجة " ، و " نساء وليجة " و " رجال وليجة ~~". كما تقول: " رجل عدل " و " امرأة عدل " ، و " رجلان عدل " ، " امرأتان ~~عدل " ، و " رجال عدل " و " نساء عدل " ، لا تختلف في كل هذه الحالات. ~~والمراد بالوليجة هنا بطانة السوء التي تدخل على المؤمنين الضعاف، وتتخلل ~~نفوسهم ليفشوا أسرار المؤمنين ويبلغوها للكفار. ولذلك شاء الحق سبحانه ~~وتعالى أن يوضح لنا { ولما يعلم الله الذين جاهدوا } ~~أي: أن يعلم سبحانه علما واقعيا من جاهدوا، ولم يتخذوا بطانة سوء من ~~الكفار يدخلونهم في شئونهم دخولا يكتشفون أسرارهم. { ولم ~~يتخذوا ms3922 من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين ~~وليجة.. } [التوبة: 16]. فالممنوع هنا - إذن - أن يتخذ المؤمنون ~~الكفار وليجة لأن الكافر من هؤلاء سيأخذ أسرارهم ويفشيها لعدوهم. وبذلك ~~يتعرض المؤمنون للخطر. وعلى المؤمن أن يجعل الله عز وجل هو وليجته، وأن ~~يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم هو وليجته، وأن يجعل المؤمنين هم وليجته، ~~ويسمح لهم أن يتداخلوا معه، وهم مأمونون على ما يعرفونه من بواطن الأمور، ~~أما الأعداء والخصوم من الكفار فهم غير مأمونين على شيء من أسرار ~~المؤمنين. # ويذيل الحق سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله: { والله خبير ~~بما تعملون } [التوبة: 16]. والمعنى: إن كنتم تحسبون أنكم ~~تتداخلون مع الكفار وتعطونهم أسرار المؤمنين ولا أحد يعرف، فاعلموا أن ~~الله تعالى يسمع ويرى، وأن الله خبير لا تخفى عليه خافية، فلا تخدعوا ~~أنفسكم وتحسبوا أنكم إن أخفيتم شيئا عن عيون الخلق قد يخفى على الله ~~أبدا فلن يخفى شيء عن عيون الخالق لأنكم إن عميتم على قضاء الأرض، ~~فلن تعموا على قضاء السماء. وينقلنا الحق سبحانه وتعالى إلى قضية أخرى ~~في قوله عز وجل: { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله شاهدين على أنفسهم بالكفر... }. ### || [9.17] # وكأن هذه الآية قد جاءت حيثية للبراءة التي حملها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ليعلنها يوم الحج الأكبر لأن ~~البراءة هي القطيعة، ومعناها ألا يدخل المسجد مشرك، ولا يطوف بالبيت ~~عريان، فكأن البراءة من الله عز وجل ورسوله من المشركين منع لهم من ~~دخول المسجد الحرام، وكان عدد من المشركين قد جعلوا من المسجد الحرام ~~منتدى لهم، وكانوا يجلسون فيه للتسامر والتجارة ولغير ذلك، كما كانوا ~~يقومون بسقي الحجيج من شراب الزبيب الذي لم يختمر ومعهم حجاب البيت، ~~ويطعمون زوار بيت الله الحرام. كل ذلك كان يحدث في مكة من الكفار ولكن ~~هذا انتهى بالبراءة التي أعلنها علي بن أبي طالب عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي أوحى إليه ربه بأن يفعل ذلك، ولم يعد للمشركين حق ms3923 في { ~~أن يعمروا مساجد الله }. والعبارة لها معنيان المعنى الأول هو ~~الجلوس في هذه المساجد بحيث تكون عامرة بزوارها، والمعنى الثاني هو ~~المحافظة على بناية المسجد ونظافته وإصلاحه. وقد منع الله المشركين من ~~كلا النوعين من العمارة. والكلام هنا عن المسجد الحرام لقوله تعالى: # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا.. # [التوبة: 28]. نقول: إن المسجد الحرام هو مكان تتجه إليه كل اتجاهات ~~الناس في كل بقاع الأرض حين يقيمون الصلاة لأن كل مكان يسجد فيه إنسان ~~مسلم يسمى مسجدا، وبتعدد الساجدين، يعتبر المسجد الحرام مساجد، أو لأن ~~جهات السجود تتعدى في المسجد الحرام فواحد يسجد شمال الكعبة، وآخر جنوب ~~الكعبة وثالث شرق الكعبة، ورابع غرب الكعبة هذا في الجهات الأصلية، وهناك ~~الجهات الفرعية فهناك أناس يتجهون شمال شرق، وأناس يتجهون جنوب شرق، ~~وغيرهم يتجه جنوب غرب، وتتعدد الجهات الفرعية في الاتجاه إلى الكعبة إذن ~~فكل جهة متجهة هي مسجد وهناك ممن لا يرون الكعبة في بقاع الأرض يتجهون ~~إليها. وحين تسمع قول الحق سبحانه وتعالى يقول: { ما كان ~~للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي ~~النار هم خالدون } [التوبة: 17]. نلحظ أن " كان " هنا جاءت ~~منفية ومنها نفهم المعنى: ليس مقبولا في عرف العقل أو المنطق أو الدين ~~أن يقرب الكفار المسجد، ولا أن يرعى مشرك المسجد أو يصونه لأن المسجد ~~للعبادة، والعبادة تقتضي معبودا هو الله سبحانه وتعالى، والكفار يشركون ~~بالله، فمن المنطق - إذن - ألا يكون لهم دخل بالمساجد، إذن فمنعهم من ~~المسجد إقامة وعمارة وزيارة هو شيء منطقي بشهادتهم على أنفسهم بالكفر، ~~وهي سبب منعهم من الاقتراب من مساجد الله. # والشهادة إما أن تكون شهادة قول وإما أن تكون شهادة حال، أما شهادة ~~القول فذلك لأنهم كانوا يقولون لليهودي: على أي دين أنت؟ فيرد بديانته، ~~وكذلك القول للنصراني، وحين يسأل المشرك فهو يقر بشركه، هذه هي شهادة ~~القول. أما شهادة الحال فهي أنهم يسجدون للأصنام ويعبدونها من دون الله. ~~فكيف ms3924 يكون الإنسان مشركا ثم لا نقول له: ليس لك علاقة بالمسجد ارفع يدك ~~عنه؟ وما أغنى الإسلام عن أن يبني له مشرك مسجدا أو يعمر كافر بيتا من ~~بيوت الله وما أغنى الله أن يزوره في بيته من هو غير مؤمن به سبحانه. ~~ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: { شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر.. } [التوبة: 17]. وهم قد نسوا الشهادة الأولى بالحق حينما ~~أشهدهم الله سبحانه وتعالى على أنفسهم، فالحق سبحانه هو القائل: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون # [الأعراف: 172-173]. هم إذن قد أقروا لحظة الخلق الأولى بوحدانية الله ~~وعاهدوا الله تعالى على ذلك، لكنهم كفروا بتلك الشهادة وأشركوا به سبحانه ~~ووضعوا في بيت الله الحرام أصناما. وادعوا الكذب وقالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3]. وهذا هو الإشراك بعينه، وهذه هي شهادتهم على أنفسهم بالكفر. ~~{ أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر.. } [التوبة: 17]. والمسجد - كما نعلم - هو المكان الذي نسجد ~~فيه، وكل بقعة في الأرض بالنسبة للمسلمين تصلح للسجود وتعتبر مسجدا، ~~وهذا مما خص به الله تعالى أمة الإسلام، ويقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، ~~وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي ~~يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ". # فهذا الحديث يبين أن مما خص الله به الأمة المحمدية أن جعل لها كل بقاع ~~الأرض صالحة لأداء الصلاة فيها، كما جعل لها الأرض أيضا طهورا، ويكفي ~~المسلم أن يتيمم من الأرض ويصلي عليها، ولكن هناك فارق بين مكان يصلح لك ~~أن تصلي فيه، وأن تباشر نشاط حياتك، وبين مكان مخصص للعبادة، فالحقل الذي ~~تزرع فيه، ms3925 لك أن تصلي فيه وتزرع، والمصنع لك أن تصلي فيه، ولك أن تصنع، ~~وكذلك المدرسة لك أن تتعلم فيها، ولك أن تصلي فيها، وهذه كلها مساجد ~~بالمعنى العام، وهي أماكن سجود لله تعالى، لكن كلمة " مسجد " إذا أطلقت ~~انصرفت إلى الحيز المحدود من المكان الذي أخرج من نشاطات الحياة كلها، ~~وخص بأن يكون للصلاة والسجود فقط، فإذا حيزت مكانا بخط أبيض من الجير، ~~أو حيزته بسلك وقلت: هذا مسجد، فلا يزاول فيه نشاط إلا الصلاة، هذا هو ~~المسجد الاصطلاحي الشرعي. # وكل بيت لله بنيته في أي مكان يسمى مسجدا، وقبلة المساجد المنتشرة في ~~بقاع الأرض هي المسجد الحرام فهي أماكن حيزت للمسجدية، أو للعبادة، أو ~~للصلاة وليست لغير ذلك من حركات الحياة، ولكن تحييز المكان كان باختيار ~~البشر. وقبلته المسجد الحرام وهو المسجد الجامع الأكبر باختيار الله ~~تعالى، والحق سبحانه وتعالى هو القائل: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين # [آل عمران: 96]. ولأن هذا البيت الحرام هو باختيار الله، وموضوع للناس. ~~فلنا أن نسأل: هل الناس هم الذين وضعوه؟ لا، بل وضعه غير الناس، لأن ~~تعريف الناس هم آدم وذريته، ولا بد إذن أنه موضوع قبل آدم، وبمنطق القرآن ~~الكريم وجد البيت من قبل آدم، وإذا تعمقنا قليلا، نجد أن هذا البيت ~~الحرام هو { هدى للعالمين } ومن العالمين الملائكة. وهكذا نرى ~~أن قول بعض القوم: إن إبراهيم هو الذي حدد مكان وقواعد البيت، قول لا ~~يثبت صدقه، لأن البيت هو المكان لا المكين، فالبيت ليس هو الحجر أو ~~المبنى، وهو ما نسميه الكعبة، فالكعبة هي " المكين " أما البيت فهو ~~المكان الذي أقيمت فيه الكعبة لأنه إن جاء سيل وأزال الكعبة، جعلها أرضا ~~مسطحة فأين نصلي؟ نصلي إلى اتجاه المكان، فالسيل يذهب المكين لكن ~~المكان باق. وعندما جاء سيدنا إبراهيم عليه السلام كان أثر البيت ضائعا، ~~وأمره ربنا أن يرفع البيت، ولم يقل له: حدد المكان، بل أمره أن يبني ~~البعد الثالث لأن كل حيز له بعدان الطول ms3926 والعرض، وإن كان دائرة فله ~~المحيط، وإن كان مثلثا يكون من ثلاثة أضلاع. لكن الارتفاع يدخل بالشيء ~~إلى الحجم، وقد رفع الخليل إبراهيم القواعد من البيت. بعد أن حدد المولى ~~سبحانه وتعالى له المكان وأظهره له: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت.. # [البقرة: 127]. فكأن البيت مخصص قبل الرفع، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى ~~حينما تكلم عن مجيء هاجر وابنها إسماعيل الرضيع، وإسكان إبراهيم عليه ~~السلام لهما في هذا المكان قال: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم.. # [إبراهيم: 37]. وقد رفع إبراهيم عليه السلام القواعد وساعده ابنه ~~إسماعيل بعد أن كبر واشتد عوده، ولكن ساعة أن أسكنه وأمه بجانب البيت كان ~~طفلا صغيرا. إذن فالبيتية والمكانية موجودة، ولكن إبراهيم أقام المكين ~~وهو البعد الثالث أي الارتفاع. ويقول الحق سبحانه وتعالى أيضا: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت.. # [الحج: 26]. أي أظهرنا وحددنا المكان، وهو الذي سيبني فيه سيدنا إبراهيم ~~بالأحجار ليبرز البيت، فالبيت - إذن - كان موجودا من قبل. # ونلحظ أن المساجد المنتشرة في الأرض لا بد أن يكون لها متجه واحد، لإله ~~واحد، وحدد الحق هذا المكان بالقبلة إلى الكعبة. وبعض المتحللين يحاول أن ~~يقلب الفهم في قول الحق: # فأينما تولوا فثم وجه الله.. # [البقرة: 115]. يقولون: إننا إن اتجهنا إلى أي مكان سنجد وجه الله ~~تعالى، ونقول: الصحيح أن وجه الله عز وجل في كل الوجود، ولكن إياك أن ~~تفهم أن تحديد الله للكعبة لتكون متجهنا، أنها هي وجه الله، لا، لكننا ~~مأمورون بالاتجاه لها في الصلاة. وأنت إذا نظرت أيضا إلى المسلمين في كل ~~الدنيا سوف تجد أن كل مسلم في الأرض يتجه للكعبة في صلاته، وما دامت ~~الكعبة مركزا، وكلنا نتجه إليه فسوف تجد من يتجه وهو شرقه، وواحد يتجه ~~وهو غربه، وواحد يتجه وهو شماله، وواحد يتجه وهو جنوبه. إذن { ~~فأينما تولوا فثم وجه الله } ، وما دمنا قد عرفنا أن ~~المساجد محيزة ومخصصة للعبادة فلا يجوز أن يأتي إليها مشرك، ولا نقبل أن ~~يساهم في ms3927 إصلاحها ولا نظافتها مشرك لأن الله غني عن ذلك، وعلينا أيضا ~~ألا نناقش أمورنا الدنيوية في مسجد، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يأتي على الناس زمان يتحلقون في مساجدهم وليس همتهم إلا الدنيا، ليس ~~لله فيهم حاجة فلا تجالسوهم ". # كأنه لم يكفهم حب الدنيا خارج المسجد ويطمعون في الدقائق التي يخصصونها ~~للصلاة، فيجرجرون الدنيا معهم إلى المسجد، وأقول لهم: لماذا لا تتركون ~~مصالح الدنيا في تلك الدقائق؟ إن الواحد منكم إنما يحيا في سائر الدنيا ~~في نعمة الله. إذن فليجعل نصيبا من وقته لله صاحب النعمة. إذن لا بد أن ~~نعرف أننا ما دمنا قد خصصنا مكانا لعبادة الله، فلا بد أن نصحب هذا ~~التخصيص في المكانية إلى التخصيص في المهمة التي يدخل الإنسان من أجلها ~~للمسجد، فيتجه إلى الله لأن المسجد خاص لعبادة الله ومع أن الأرض كلها ~~تصلح للصلاة، لكنك حين تأتي إلى المسجد اصحب معك أخلاق التعبد. ويجب أن ~~يكون الانفعال، والتفاعل، والحركة والنشاط كله في الله، ولذلك فأفضل ما ~~تفعله ساعة تدخل المسجد، هو أن تنوي الاعتكاف فتنزع نفسك ممن ينوي أن ~~يتكلم معك في أحوال الدنيا. لقد ورد في الأثر النهي عن الحديث في المساجد ~~لأنه يحبط العمل ويمحو الحسنات، وأنت قد تصنع الحسنات كثيرا خارج ~~المسجد، ولكن عليك ألا تدخل المسجد إلا بأدب المسجد فالحضور بين يدي الله ~~تعالى في مسجده وفي بيته له آدابه وسلوكه، فيجب عليك ألا تتخطى الرقاب ~~وهذه لا تحتاج إلى تنظيم، بمعنى ألا تجعل الأماكن في الأمام خالية، ~~وفي الخلف مزدحمة حتى يستطيع أن يجلس كل من يحب أن يصلي دون أن يتخطى ~~الرقاب، ويكون الجلوس في المساجد، الأول فالأول، وهكذا يتحقق الأدب ~~الإيماني في المساجد. # ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بالبوار على كل صفقة تعقد في ~~المسجد. ودعا على كل من يريد شيئا دنيويا من المسجد ألا يوفقه الله ~~فيه، ودعا على كل من ينشد ضالة في المسجد ألا يرد الله عليه ms3928 ضالته، حيث ~~قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عنه أبو هريرة رضي الله ~~عنه: # " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك ~~وإذا رأيتم من ينشد ضالته فقولوا: لا ردها الله عليك " # وفي حديث آخر له رضي الله عنه قال: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " من سمع رجلا ينشد ضالته في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك فإن ~~المساجد لم تبن لهذا ". # فلنجعل الجلوس في المسجد - إذن - خاصا بالمنعم وهو الله، أما في خارج ~~المسجد وفي سائر الأوقات، فنحن نعيش مع النعمة التي أنعم الله بها علينا. ~~والحق سبحانه وتعالى يقول: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين * فيه آيات بينات.. # [آل عمران: 96-97]. وما دام بيت الله تعالى { هدى للعالمين } ~~أي أنه بيت لكل الناس وليس لمن يجلس فيه فقط، فكأن إشراقات الحق ~~وتجلياته، أعظم ما تكون في بيته أولا، ثم تشيع الإشراقات والتجليات في ~~جميع بيوت الله، وعلى عمارها والمتعبدين فيها، وبيوت الله هي الأماكن ~~التي تتنزل فيها الرحمات من الحق سبحانه وتعالى، بدليل أنه سبحانه وتعالى ~~حين تكلم عن نوره في سورة النور قال: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.. # [النور: 36]. أي أن الذين يرون هذا النور ويتنزل عليهم هم عمار المساجد، ~~وسورة النور جاء فيها - أيضا - قول الله تعالى: # الله نور السموات والأرض.. # [النور: 35]. أي: أن نوره يملأ السماوات والأرض. حين يضرب الحق سبحانه ~~وتعالى مثلا للمعنويات ليتعرف إليها الناس فهو يقدم لها بأمر مادي يتفق ~~عليه الكل، ليقرب الأمر المعنوي أو الغيبي إلى أذهان الناس لأن المعنويات ~~والغيبيات يصعب إدراكها على العباد. فلذلك فهو سبحانه وتعالى يقرب هذا ~~الأمر ويبينه بأن يضرب لنا مثلا من الأمور المادية المحسة حتى تقترب ~~الصورة من الأذهان لأننا جميعا نرى الماديات. وبهذا يلحق سبحانه الأمر ~~المعنوي وهو غير معلوم لنا بالأمر المادي الذي نعرفه فتقترب الصورة من ~~أذهاننا وتتضح لنا، وهكذا ms3929 شاء الحق سبحانه وتعالى أن يلحق المجهول ~~بالنسبة للناس بالمعلوم عندهم. وإذا كنا في كون الله تعالى نجد النهار ~~وإنما يكون نهارا بإشراق الشمس الواحدة التي تنير نصف الكرة الأرضية، ثم ~~تنير النصف الثاني من بعد غروبها عن النصف الأول، فيتميز النهار بالضوء، ~~ويتميز الليل بالظلمة، ومعنى النور في الحسيات أنه شعاع يجعل الإنسان يرى ~~ما حوله حتى يستطيع أن يتحرك في الحياة دون أن يصطدم بالأشياء المحيطة ~~به. # ولكن إن كانت الدنيا ظلاما فسيصطدم الإنسان بما حوله، وأمر من اثنين: ~~إما أن يكون الإنسان أقوى من الشيء الذي اصطدم به فيحطمه، وإما أن يكون ~~هذا الشيء أقوى من الإنسان فيصاب الإنسان إصابة تتناسب مع قوة الشيء الذي ~~اصطدم به. والذي يحميك من أن تحطم أو تتحطم هو النور الذي تسير على هداه. ~~إذن فساعة أن يأتي النور، تتضح أمامك معالم الدنيا، وتكون خطاك على ~~بينة من الأمر فلا ترتطم بما هو أضعف منك فتحطمه، ولا يرتطم بك ما ~~هو أقوى منك فيحطمك، هذا هو النور الحسي، وأكبر ما فيه نور الشمس الذي ~~يستفيد منه كل الخلق، المؤمن والعاصي، والكافر والمشرك، والمسخر من حيوان ~~أو نبات أو جماد، وهذا النور نعمة عامة خلقها الله سبحانه وتعالى بقانون ~~الربوبية الذي يعطي النعم لجميع خلقه في الدنيا سواء من آمنوا أم لم ~~يؤمنوا. فإذا غابت الشمس نجد كل واحد منا يستعين بنور يعطيه الضوء في حيز ~~محدود وعلى قدر إمكاناته فواحد يوقد شمعة، وواحد يأتي بمصباح " جاز " ~~صغير، وواحد يستخدم الكهرباء فيأتي بمصباح " نيون " ، وواحد يأتي بالعديد ~~من مصابيح الكهرباء ليملأ المكان بالنور، كل على قدر إمكاناته، فإذا طلعت ~~شمس الله فهل يبقى أحد على مصباحه مضاء؟ إن الجميع يطفئون مصابيحهم لأن ~~شمس الله قد سطعت تنير للجميع، ذلك هو النور الحسي. والفرق بين نور ~~بقدرات الإنسان ونور من خلق الله يتمثل في أن النور الذي من خلق الله ~~يطفىء المصابيح كلها لأنه يغمر الجميع. وفي المعنويات نور أيضا فالنور ~~المعنوي يهديك ms3930 إلى القيم حتى لا ترتطم بالمعنويات السافلة التي قد تقابلك ~~في مسيرة الحياة، إذن فكل ما يهدي إلى طريق الله يسمى نورا. ونجد الحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين # [المائدة: 15]. إنه نور المنهج الذي ينير لنا المعنويات، وينير لنا ~~القيم فلا يحقد أحدنا على الآخر، ولا يحسد أحدنا الآخر، ولا يرتشي أحد. ~~ويرعى كل منا حقوق غيره. وإذا كانت التجربة قد أثبتت أن نورا من خلق ~~الله وهو الشمس، إذا سطعت فالجميع يطفئون مصابيحهم. فكذلك إذا ما جاء نور ~~الهداية من الله سبحانه وتعالى فيجب أن تطفأ بقية الأنوار من مقترحات ~~أفكار البشر، فلا يأتي أحد بفكر رأسمالي، أو يأتي آخر بفكر شيوعي، أو ~~ثالث بفكر وجودي، لأن كل هذه القيم تمثل أهواء متنوعة من البشر، وتعمل ~~لحساب أصحابها، أما منهج الله تعالى فهو لصالح صنعة الله وهم البشر ~~جميعا، فلا يحاول أحد أن يضع قيما للحياة تخالف منهج الله لأن الله ~~قد بين لنا منهج العبادة ومنهج القيم، لذلك لا يصح أن يأتي إنسان بشرع ~~يخالف تعاليم الله. # ونقول لأصحاب الهوى في المذاهب والعقائد المخالفة لمنهج الله جميعا: ~~لماذا لا تقيسون الأمور المادية على الأمور المعنوية؟ لماذا إذا سطعت شمس ~~الله تطفئون مصابيحكم، ولا يحاول أحد أن يوقد مصباحا ليهديه في نور ~~الشمس؟. إذن. فما دام سبحانه وتعالى قد أنزل نور الهدى منه فلا بد أن ~~نطفىء جميعا مصابيح الأفكار القائمة على الهوى، ونأخذ النور كله من منهج ~~الله القويم والصالح لكل زمان ومكان، كما نأخذ النور في النهار من شمس ~~الله. وعلى الرغم من أن الله سبحانه وتعالى قد أعطانا التجربة الحسية ~~التي لا يختلف فيها اثنان، إلا أننا رفضنا أن نطبق هذا على منهج الله وهو ~~النور الذي أهداه لنا سبحانه وتعالى ليبين لنا الطريق، وأبى بعضنا إلا أن ~~يأخذ من ظلمات العقل البشري المحدود ما يعطيه طريقا معوجا في الحياة، ~~فامتلأت الدنيا بالشقاء والفساد، ونسينا أن السبب في ذلك أننا تركنا ms3931 نور ~~منهج الله عز وجل الذي يعطينا الحياة الآمنة الطيبة، ووضعنا لأنفسنا ~~مناهج سببت التعاسة والفساد في الكون. ويقرب لنا الحق سبحانه وتعالى ~~الأمر في مثل مادي عن معنى نور الله فيقول سبحانه وتعالى: # الله نور السموات والأرض.. # [النور: 35]. أي: أن نوره سبحانه وتعالى يملأ السموات والأرض، وأنه ~~يحيط بكل جوانب الحياة على الأرض فلا يترك جانبا منها مظلما، وقال جل ~~جلاله: # مثل نوره كمشكاة.. # [النور: 35]. والمشكاة هي " الطاقة المسدودة بالحائط " ، وهي عبارة عن ~~مكعب مفرغ في البناء داخل حجرة وكان أهل الريف يضعون فيها المصابيح ~~لتنير، واستبدله أهل الريف والبادية حاليا ب " رف " صغير يوضع عليه ~~المصباح، ودائرة صغيرة يخرج منها النور، ولأن ضوء المصباح مركز في هذه ~~الفتحة، فهي تمتلىء بالنور الذي بدوره يشع في الحجرة. وحيز المشكاة ~~بالنسبة للحجرة التي توجد فيها قليل وصغير، والنور الذي يخرج منها، هو ~~نور مركز يملأ الدائرة التي يخرج منها فلا يوجد فيها " ملليمتر " واحد ~~مظلم، بل كلها نور، وإلا ما استطاع ضوؤها أن ينير الحجرة. لأن هذا النور ~~قبل أن يضيء الحجرة لا بد أن يكون مركزا بأعلى درجة من التركيز في ~~الدائرة التي يخرج منها. إذن: فنور الله سبحانه وتعالى في السموات ~~والأرض نور شامل عام لا يدع مكانا مظلما. ولا مكانا يختفي فيه شيء ~~بسبب الظلام، تماما كمثل تلك الدائرة الصغيرة التي يشع منها نور المصباح ~~فلا تجد فيها ملليمترا واحدا من الظلام، وقد سمي ما يعطي النور مصباحا ~~لأنه يعطينا بشائر الصبح. # ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: # مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في ~~زجاجة.. # [النور: 35]. ونحن إذا أردنا أن نكثف النور فإننا نحيطه بالزجاج، ليحجب ~~عنه الهواء الذي قد يؤثر على النور ويمنع تركيزه، والزجاجة التي تحيط ~~بالمشكاة عاكسة للنور، وهذا كله يعطينا معنى للتكثيف والتركيز داخل ~~المشكاة. ثم ينتقل المثل من بعد ذلك إلى الحجرة، فيقول الحق: # الزجاجة كأنها كوكب دري # [النور: 35]. أي: أن الزجاجة ليست عادية، ولكنها مضيئة بنفسها لتزيد ~~النور نورا. ومن أي ms3932 شيء يوقد هذا المصباح؟ يجيب الحق سبحانه وتعالى: # من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية # [النور: 35]. أي: أن الشجرة المباركة ليست زيتونة فقط ولكنها { لا ~~شرقية ولا غربية } أي أن النور يخرج منها غير متأثر بمزاج ~~حار أو بارد بل يخرج منها النور الصافي في مزاج معتدل، وقد أطلقت كلمة " ~~النور الصافي " على آخر مرحلة من مراحل الترقي في الضوء. ومراحل الترقي ~~بدأت من مشكاة ضيقة فيها مصباح غير عادي، والمصباح في زجاجة غير عادية، ~~بل تكثف الضوء، فتظهر وكأنها كوكب دري مضيء بذاته، والزيت الذي يضيء يخرج ~~من زيتونة مباركة، بأعلى درجات النقاء. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: # يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.. # [النور: 35]. أي: أن كل شيء مضيء بذاته، ويضيف من قوة الضوء للنور، ~~فالدائرة الصغيرة مضيئة يزيد نورها زجاجة تكثف النور، والزجاجة ذاتها ~~مضيئة فتعطي إضافة، والزيت مبارك ليست فيه أية شوائب فيعطي ضوءا ساطعا، ~~وفوق ذلك كله تجد الزيت مضيئا بذاته، دون أن تمسه النار، فكأنه نور على ~~نور، فلا يصبح في هذه الدائرة الصغيرة أي نقطة مظلمة، كذلك تنوير الله ~~لكونه المتسع فلا توجد فيه نقطة واحدة مظلمة، بل كله مغمور بنور الله، ~~وإياك أن تظن أن هذا القول: { الله نور } هو تشبيه لله، بل هو تشبيه ~~لتنوير الله سبحانه وتعالى لكونه الذي يشمل السموات والأرض وما بينهما. ~~وهناك قصة مشهورة للشاعر أبي تمام حين كان يمتدح أحد الخلفاء فقال: # إقدام عمرو في سماحة حاتم # في حلم أحنف في ذكاء إياس # وهكذا جاء الشاعر بأولئك الذين اشتهروا بالإقدام والشجاعة كعمرو، ~~وبالسماحة والكرم كحاتم، وبالحلم كأحنف بن قيس، وبالذكاء كإياس، وقال ~~الشاعر ممتدحا الخليفة: إنك قد جمعت كل هذه الصفات، التي لم تجمع في ~~واحد من خلق الله من قبل. ولكن أحد المحيطين بالخليفة قال: كيف تمدح ~~الأمير بصفات موجودة في رعاياه، والأمير فوق كل ما وصفت، فهو أشجع من ~~عمرو، وأكرم من حاتم، وأحلم من أحنف، وأذكى من إياس. وأعطى الله الشاعر ms3933 ~~بصيرة ليرد على ارتجال ويقول: # لا تنكروا ضربي له من دونه # مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة والنبراس # أي: أن الشاعر قال مثلا فقط وليس تحديدا. والحق سبحانه وتعالى قال: # يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.. # [النور: 35]. وقال سبحانه وتعالى: # نور على نور.. # [النور: 35]. أي أن كل شيء مضيء بذاته ليضيف نورا على النور الموجود، ~~فكما أن الماديات تحتاج إلى نور يضيء لك الطريق، كذلك تحتاج المعنويات ~~إلى نور يضيء لك البصيرة والسلوك، فخذ منهج الله تعالى لأنه النور الساطع ~~الذي لا يمكن أن يضيء مثله ولا معه نور آخر، وإذا أردنا أن نقرب الصورة ~~إلى الأذهان، فالله سبحانه وتعالى قال للقوم الذين يستمعون إلى دعوة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24]. والذين يخاطبهم الله سبحانه وتعالى بهذا الكلام أحياء، ~~فكيف يقول لهم: { لما يحييكم }؟. نقول: إنه سبحانه وتعالى يريدنا ~~أن نفرق بين حياة وحياة. فالحياة المادية المتمثلة في الحس والحركة ~~والجري، هي الحياة الدنيا بأجلها المحدود، وإمكاناتها البسيطة، ولأنها ~~حياة أغيار لا تبقى فيها النعمة ولا تدوم لأحد، بل كل إنسان فيها إما ~~أن تفارقه النعمة بالزوال، وإما أن يفارقها هو بالموت، وهذه ليست هي ~~الحياة التي يريد الله من الإنسان أن يعمل لها وحدها. أو يسعى ليتمسك ~~بها. فبسببها يفعل كل ما يستطيع لكي يأخذ منها حلالا أو حراما، ولكن ~~الحياة التي يطالب الله سبحانه وتعالى عباده أن يعملوا لها هي الحياة ~~المستقيمة الحركة على منهج الله وتقود إلى حياة آخرة فيها نعيم لا يفارقك ~~ولا تفارقه، وفيها أبدية تبقى ولا تنتهي، وفيها نعم عظيمة تأتي بقدرة ~~الله تعالى، وليس بقدرة البشر المحدودة. إذن فقوله سبحانه وتعالى: # استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24]. معناه أن الحياة حياتان حياة تحرك هذه المادة فتتحرك ~~وتجري وتروح وتجيء، وهي تنصلح بالمنهج الذي يقود إلى حياة أخرى فوق ~~الحياة الدنيا. إذن فالحياة ms3934 الدنيا بما فيها من سعي وتعب وجهد وفناء ليست ~~هي الغاية التي يجب أن يسعى إليها الإنسان، بل على الإنسان أن يسعى إلى ~~الحياة الأرقى. وسبحانه لا يريدنا أن نأخذ المرحلة الأولى من الحياة التي ~~تحرك المادة فتتحرك وتجري، بل يريد لنا حياة تقودنا بالقيم، وإذا كان ~~الحق سبحانه وتعالى قد قال عن الحياة التي تحرك المادة: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [ص: 72]. فهذه حياة المرحلة الأولى التي لا يريدنا الله سبحانه وتعالى ~~أن نأخذها كغاية، ولكنه يريدنا أن نأخذها وسيلة لنصل بها إلى الحياة ~~الراقية في كل صورها الخالدة بكل معانيها المنعمة في كل درجاتها. وكما ~~سمى الحق سبحانه وتعالى الروح التي تنفخ في المادة فتعطيها المرحلة ~~الأولى من الحياة روحا، فإنه كذلك سمى المنهج الذي يعطينا المرحلة ~~الثانية من الحياة روحا، حيث يقول: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشآء من عبادنا وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم # [الشورى: 52]. هذه هي روح المنهج التي تعطينا المرحلة الثانية من ~~الحياة. فإن أخذنا نور الهداية من الله سبحانه وتعالى فهو ينير لنا ~~طريقنا في القيم والمعنويات، تماما كما تنير لنا شمس الله طريقنا في ~~الحياة المادية. إذن فالحق لم يترككم للنور المادي ليحافظ على ماديتكم من ~~أن تحطموا أو تتحطموا، وإنما أرسل إليكم نورا لتهتدوا به في مجال القيم. ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: # نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء.. # [النور: 35]. ولم يقل سبحانه: " نور مع نور " لأن الإنسان لا يكلف ~~من الله إلا بعد أن يصل إلى سن البلوغ، فالنور المادي يراه ويستفيد به ~~قبل التكليف، ثم يأتي النور المعنوي فيتلقاه من الكتاب الذي أنزل على ~~رسول الله عندما يبلغ سن التكليف فيتعرف على منهج الله. # نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء.. # [النور: 35]. فلا يحجب الحق سبحانه وتعالى نور الشمس عن أحد لأنه نور ~~لكل الخلق وكذلك أنزل سبحانه وتعالى ms3935 نور الهداية ليختاره كل من التمس ~~الطريق إلى الهداية، وهذا النور المعنوي يختلف عن النور المادي، فالحق لم ~~يحرم - إذن - أحد من النور المادي، وشاء أن يجعل النور المعنوي ضمن ~~اختيارات الإنسان إن شاء آمن واهتدى، وإن شاء ضل. وكل ذلك مجرد مثل من ~~الأمثال التي يضربها الله تعالى للناسلذلك قال عز وجل: # ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء ~~عليم # [النور: 35]. وجاءت الآية التي بعدها لتوضح لنا أين ينزل نور الله على ~~عباده فقال سبحانه وتعالى: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.. # [النور: 36]. وعندما تسمع جارا ومجرورا لا بد أن تبحث عن المتعلق ~~بهما، فما الذي في بيوت الله؟ إنك حين تبحث عن إجابة لن تجدها إلا في ~~قوله تعالى: # نور على نور.. # [النور: 35]. فكأن المساجد وهي بيوت الله هي أماكن تلقى النور المعنوي ~~من عند الله سبحانه وتعالى، وهو النور الذي يعطينا ارتقاء الروح لنصل إلى ~~المرحلة الثانية من الحياة، تماما كما يحدث في الدنيا عندما تصاب آلة ~~بعطب أو لا تؤدي مهمتها على الوجه الأكمل، فالذي يصلحها ويصونها لتؤدي ~~مهمتها المطلوبة منها هو المهندس الذي صنعها. والله سبحانه وتعالى هو ~~الذي خلق الإنسان، فلا أحد يستطيع أن يدعي مهما اجترأ على الله سبحانه ~~وتعالى أنه خلق نفسه أو خلق الناس. وهذه دعوى لم يدعها أحد قط. وما ~~دام الله عز وجل هو الذي خلق، إذن فهو سبحانه وتعالى الذي يضع المنهج ~~الذي يصون حياة الناس ويجعلها تؤدي مهمتها كاملة. # وما دام ربنا هو الذي يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، فكيف يأتي إنسان من ~~البشر ليفتئت على الحق سبحانه وتعالى ويقول: إنه وضع منهجا لحياة البشر، ~~ويعلم الإنسان ما يفسد حياته لا ما يصلحها. ونقول لكل من يفعل ذلك: لماذا ~~تلجأ إلى من يصنع التليفزيون ليصلح لك الجهاز إن أصابه عطل، ولماذا لا ~~تلجأ إلى صانعك الذي يصلح لك نفسك؟ إن تردد المسلم على بيت الله ليكون في ~~حضرة ربه دائما هو إصلاح لما في النفس، ms3936 فحين يقف المؤمن بين يدي الله ~~ويصلي، يمتلىء بالرضا والتوازن النفسي لأن الواحد منا لا يعرف ما الذي ~~يصيب أي ملكة من ملكاته بالارتباك. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا حزبه أمر يقوم إلى الصلاة، وما معنى حزبه أمر؟. أي: إن جاءه شيء ~~أو أمر، وكان فوق طاقته. وفوق أسبابه، ولا يستطيع أن يفعل شيئا تجاهه، ~~وتضيق عليه الأمور. فلماذا لا يتبع الواحد منا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كأسوة حسنة، فإن قابل أمرا مكروها وشاقا يقول: إن لي ربا أذهب ~~إلى بيته وأصلي فأقف في حضرته، فتحل أصعب وأعقد المشكلات. إذن فساعة ~~يأتينا أمر شديد، لا بد أن نتجه إلى الله عز وجل. وأفضل مكان نلتجىء فيه ~~إلى الله تعالى هو بيته. فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا كانت ليلة ريح ~~شديدة كان مفزعه إلى المسجد حتى تسكن الريح، وإذا حدث في السماء حدث من ~~خسوف شمس أو قمر كان مفزعه إلى الصلاة حتى تنجلي. وبعض من الذين يحترفون ~~الجدل واللجاجة يقول: ماذا سيفعل الله لي أو لذلك الذي يعاني من شيء فوق ~~طاقته؟ لقد دخل المسجد وخرج كما هو؟ ونقول: هذا الظاهر من الأمر، ولكنك ~~لا تعرف ماذا حدث في داخله، أنت تتحدث عن العالم المادي الذي فيه ~~العلاجات المادية، ولكن الله سبحانه وتعالى يعالج داخل النفس دون أن تحس ~~انت لأن المساجد هي مطالع أنوار الله تعالى وهي التي يتنزل فيها النور ~~على النور الذي يصلح الحياة الدنيا ويرتقي بها لأن أنوار الله تدخل ~~القلوب فتجعلها تطمئن، وتدخل النفوس فتجعلها تحس بالرضا والأمن. إذن ~~فالمساجد لها مهمة العيادة للطبيب الخالق الذي خلق هذه النفس ويعرف كيف ~~يداويها، وليس للطبيب الدارس في كلية الطب الذي يعرف أشياء وتغيب عنه ~~أشياء. ونحن في المساجد إنما نعيش في حضرة الحق تبارك وتعالى نتلقى منه ~~التجليات والفيوضات التي تعالج نفوسنا أكثر مما يعالجها أبرع أطباء ~~العالم، على أننا إذا دخلنا المسجد فلنعرف أن لهذا المكان قدسيته، ms3937 ولا بد ~~أن يحرص الإنسان على نظافته ومظهره، ولنرتد أحسن ثيابنا لأن الله لا ينظر ~~إلى نظافتنا أو أناقتنا، ولكن ليحرص كل منا على ألا يتأفف منه من يصلي ~~بجانبه فمن يعمل في مصنع ويحضر إلى المسجد بملابس العمل قد لا تتناسب ~~ملابسه مع المجيء إلى المسجد إلا بعد أن يغتسل إن ملابسه شرف له في عمله، ~~ولكن عليه أن يغيرها حين يذهب إلى المسجد، ومن يعمل في مكتب قد يكون الجو ~~حارا أو امتلأ جسده بالعرق، وملابسه التي يوجد بها في وظيفته هي شرف له ~~في عمله، ولكن عليه أن يغتسل، وأن تكون رائحته طيبة حين يدخل المسجد. # ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أكل ثوما أو بصلا أن يأتي ~~المسجد حتى لا يتأذى أحد بالرائحة التي تصدر من فمه. وقال صلى الله عليه ~~وسلم في حديثه الشريف الذي يرويه جابر رضي الله عنه: # " من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا ". # وفي رواية لمسلم: # " من أكل البصل والثوم والكرات فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى ~~مما يتأذى منه بنو آدم " # ولذلك على المسلم أن يحرص أن تكون الإقامة في المسجد طيبة، لتكون ~~الأفئدة منشرحة. ويجب أن نراعي جلال المسجد لأننا نعرف أن الرحمات تتنزل ~~على الصف الأول ثم الذي يليه، فلا يحاول واحد منا أن يحجز مكانا بالصف ~~الأول بأن يضع فيه سجادة خاصة أو كوفية، ثم يأتي أحيانا بعد إقامة ~~الصلاة ويحاول اقتحام الصفوف ليصل إلى الصف الأول. وإياك أن تعتقد أن ~~الصف الأول محجوز لشخص معين ولو أتى متأخرا، فكل إنسان يأتي للمسجد عليه ~~أن يأخذ دوره، ويقعد في المكان الخالي. وإياك أن تعتقد أن الله سبحانه ~~وتعالى لا يعرف الذين يتكون منهم الصف الأول، إنهم هؤلاء الذين جاءوا ~~للمسجد أولا. أما أن تحضر إلى المسجد وتحجز مكانا في الصف الأول لصديق ~~أو قريب بحيث إذا جاء إنسان آخر ليصلي في هذا المكان قلت له: إن المكان ~~محجوز. نقول لك: أنت حر ms3938 أن تفعل ذلك في بيتك، ولكن من جاء إلى بيت الله ~~أولا فليجلس أولا، وكثيرا ما تحدث مسألة الحجز للأماكن في مواسم الحج ~~والعمرة. وعلى من يجد مكانا قد حجز بسجادة أو أي شيء آخر أن يزيحها ~~بعيدا ويصلي. وأنت في بيت الله تكون في ضيافة الله. وأنت تعلم أنه إن ~~جاءك أحد في بيتك على غير دعوة فأنت تكرمه، فإذا كان المجيء على موعد ~~فكرمك يكون كبيرا. فما بالنا بكرم من خلقنا جميعا؟ إن الحق سبحانه ~~وتعالى يجزيك من فيض كرمه من ساعة أن تنوي زيارته في بيته، فأنت في صلاة ~~منذ أن تبدأ في الوضوء في بيتك استعدادا للصلاة في المسجد لأنه سبحانه ~~وتعالى يريد أن يطيل عليك نعمة أن تكون في حضرته. # وسبحانه وتعالى حين يدعونا إلى بيته بالأذان، فلك أن تعلم أنك إن خالفت ~~هذه الدعوة تعاقب، ولكن ليس معنى هذا أن الله لم ييسر لك بيته لتزوره في ~~أي وقت. فهذه الدعوة بالأذان للصلاة تمثل الحرص من الله سبحانه وتعالى ~~على أن يلقاك ليعطيك من فيوضاته ما تستعين به على مكدرات الحياة. ولكن إن ~~أحببت أن تجلس في المسجد قبل الصلاة أو بعدها فافعل. تعال في أي وقت ~~وصل كما تشاء، فإذا قلت: " الله أكبر " تكون في حضرة الله. وإن لم ~~تستطع فصلواتك الخمس في اليوم الواحد هي القسط الضروري لصيانة نفسك ~~المؤمنة لأنك تقابل ربك أثناء الصلاة وتعلن الولاء له. فالصلاة إذن خير ~~أراده الله لك حتى لا تأخذك أسباب الحياة، وأراد سبحانه بها أن تفيق إلى ~~منهجه الذي يصلح بالك، ويصلح الدنيا لك وبك فلا تأخذك الأسباب، بل تأخذ ~~أنت بالأسباب. وحين تسمع " الله أكبر " ينادي بها المؤذن لصلاة الظهر - ~~مثلا - فعليك أن تترك أسباب الدنيا وتذهب لتقف بين يدي الله عز وجل، ثم ~~تخرج من الصلاة إلى الأخذ بالأسباب إلى أن تسمع أذان العصر، ثم أذان ~~المغرب، ثم أذان العشاء، وكل هذا تذكير لك بالله الخالق العظيم حتى لا ~~تشغلك الدنيا فتنسى ms3939 أن صيانة نفسك بيد خالقك سبحانه. وأطول فترة بين ~~العشاء والفجر نكون فيها نائمين فلا يأخذنا متاع الدنيا. إذن فالله ~~سبحانه وتعالى يريد منا الولاء دائما. فإذا كنت تعتز بالله فأنت تديم ~~الولاء له باستمرار الصلاة، وأنت حين تسجد لله وتتذلل له، فإنه سبحانه ~~يزيدك عزة ويكون معك دائما، ويقيك ذل الدنيا. وقلنا قديما: إن الإنسان ~~إذا ما أراد أن يقابل عظيما من العظماء فهو يطلب المقابلة، وقد يقبل هذا ~~العظيم مبدأ اللقاء وقد لا يقبل، فإن قبل حدد اليوم والساعة والمكان ~~وفترة الزيارة. فإن أردت أن تطيل فهو يقوم واقفا إعلانا بأن الزيارة قد ~~انتهت. ولكن الحق سبحانه وتعالى بمطلق الكرم لا يعامل خلقه هكذا، فبيته ~~مفتوح دائما حين يدعوك للصلوات الخمس، فهذا أمر ضروري، ولكن بين الصلوات ~~الخمس إن إردت لقاء الله فسبحانه يلقاك في أي وقت وتدعوه بما تشاء، وتطيل ~~في حضرته كما تريد، ولا يقول لك أحد: إن الزيارة قد انتهت. وأذكركم ~~دائما بقول الشاعر: # حسب نفسي عزا بأني عبد # يختفي بي بلا مواعيد رب # هو في قدسه الأعز ولكن # أنا ألقى متى وأين أحب # ونعود إلى قول الحق سبحانه وتعالى: { ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مسجد الله.. } [التوبة: 17].لأن المساجد مخصصة لعباده ~~الله تعالى، فمن غير المنطقي أن يبنيها أو يجلس فيها مشرك أو كافر، وقوله ~~تعالى: " ما كان " أي ما ينبغي، وقوله تعالى: { شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر } أي هم الذين يشهدون على أنفسهم بالكفر ~~فشهادتهم بالحال، وبالمقال. # كما نشهد على أنفسنا بالإيمان حين نلبي في الحج والعمرة ونقول: لبيك ~~اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، أي أننا ننزه الله تعالى عن الشرك. ~~وقوله سبحانه وتعالى: { أولئك حبطت أعمالهم } ، و { ~~أولئك } إشارة إلى المشركين الذين شهدوا على أنفسهم بالكفر، وحكم ~~الله ألا يعمروا مساجد الله، و { حبطت } أي نزلت من مستوى عال إلى ~~مستواها الحقيقي دون مستواها الشكلي، فتجد العمل وكأنه منفوخ كالبالون ~~الضخم، وهو في حقيقة مجرد فقاعة ضخمة ما تلبث أن تنكمش ms3940 أو تسقط، فهي ~~أعمال لا قيمة لها، وليس لها حصيلة لأنها أعمال باطلة. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف: 103-104]. وتجد الواحد من هؤلاء يظل يعمل ويعمل، ويظن أنه سوف ~~يجني خيرا كثيرا من هذا العمل، وقد يكون العمل مفيدا لغيره من الناس. ~~ولكنه افتقد النية، ففسد نتيجة لذلك. والقرآن الكريم يعرض لحبوط الأعمال ~~في آيات كثيرة والمثال هو قول الحق تبارك وتعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه.. # [النور: 39]. والسراب هو ما يخيل إليك بلمعانه أنه ماء في الصحراء. ~~وعندما تذهب إليه لا تجد شيئا. والذي لا يحس بالظمأ قد لا يلتفت إلى ~~ذلك. ولكن الظمآن تتعلق نفسه بالماء، فيجيل بصره في كل مكان يبحث عنه، ~~فإذا رأى أي لمعان حسبه ماء، وعندما يجيء إليه لا يجد شيئا، وليت الأمر ~~يقتصر على ذلك، بل هو يجد الله عنده ليوفيه الحساب. ومثل هذا الانسان لم ~~يضع الله في باله يوما من الأيام، وليس لمثل هذا الإنسان عند الله تكريم ~~أو ثواب. لأن الإنسان يطلب أجره ممن عمل له، وهو لم يعمل عمله وفي باله ~~الله. وأنت إذا صنعت معروفا تقصد به وجه الله عز وجل جزاك الله عنه ~~خيرا، ولكن إن عملت معروفا لتحقق به مصلحة دنيوية خاصة بك أو تأخذ به ~~شهرة فلا جزاء لك عند الله، ولا بد أن يصنع الإنسان المؤمن كل عمل وفي ~~باله الله خالقه والمتفضل عليه بالنعم، فإن أطعمت فقيرا فلتطعمه لوجه ~~الله، وعليك ألا تفعل المروءة من أجل أن يقال عنك: إنك صاحب مروءة. ومن ~~يفعلون الخير عليهم أن يحرصوا على أن يكون الله عز وجل في بالهم، لا أن ~~ينالوا شهرة من هذا الخير، وألا يأتي منهم خبر هذا الخير لا بمقال ولا ~~بحال. وعلى سبيل المثال تلك اللافتات التي توضع على المساجد ms3941 بأسماء من ~~قاموا بتأسيسها. # فمن بني من أجله المسجد وهو الله عليم بكل شيء، ويعلم اسم من أقام ~~البناء، وعليك أن تسميه بأي اسم لا يمت لك بصلة، حتى لا تدخل في دائرة " ~~عملت ليقال وقد قيل ". وحتى المقاتل الذي يحارب بين صفوف المؤمنين عليه ~~أن يعقد النية لله، لا أن يقاتل من أجل أن يقال إنه شجاع، لأنه إن فعل، ~~حبط عمله وكان من الخاسرين لأن عمله قد شابه الرياء والسمعة. ويبين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم جزاء المرائين في حديثه الشريف الذي يقول فيه ~~عليه الصلاة والسلام: # " أول الناس يقضى لهم يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد فأتى به فعرفه ~~نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ~~ولكنك قاتلت ليقال فلان جرىء، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ~~ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به، فعرفه ~~نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك ~~القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال ~~قارىء فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل ~~وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها ~~فقال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت ~~فيها لك، قال: كذبت، ولكن ليقال إنه جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على ~~وجهه فألقي في النار ". # وعلى ذلك فالإنسان إن لم يضع الله في باله وهو يعمل فسوف يجد الله ~~يحاسبه على أساس أن عمله غير مقبول. ويقول الحق سبحانه وتعالى في آية ~~ثانية: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما ~~كسبوا على شيء.. # [إبراهيم: 18]. ولك أن تتصور ماذا تفعل العاصفة في الرماد إنها لا تبقي ~~منه شيئا. والمشرك الذي كان يدخل المسجد ويسقي الناس من عصير العنب غير ~~المخمر، ويقوم بعمارة المسجد الحرام ms3942 قبل تحريم الله لدخول أمثاله إلى هذا ~~المكان، هذا المشرك لم يكن ليأخذ ثوابا لأنه ارتكب خيانة عظمى بأن أشرك ~~بالله، بينما يأخذ المؤمن الثواب لأنه يدخل المسجد ويعمره وهو مؤمن بالله ~~ولا يشرك به شيئا. ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: { أولئك حبطت ~~أعمالهم وفي النار هم خالدون } [التوبة: 17]. لأنهم ~~عملوا لغير الله فلقوا الله بلا عمل. ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: { ~~إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر وأقام الصلوة... }. ### || [9.18] # الإيمان: هو إيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~والقدر خيره وشره، وقمة الإيمان شهادة أن " لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~رسول الله ". وكانت هناك حساسية عند أهل قريش من مسألة الرسول هذه، وأنه ~~محمد بن عبد الله، وبعضهم قد قال: القرآن جميل ورائع فلماذا جاء على لسان ~~محمد؟ وكان اعتراض كفار قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا القول ~~الذي حكاه القرآن عنهم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إذن فالمشكلة عندهم لم تكن في القرآن ذاته، بل كانت في ~~شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويرد الحق سبحانه وتعالى بقوله: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحيوة الدنيا.. # [الزخرف: 32]. أي أن رحمة الله تعالى خاصة به، لا يقسمها إلا هو ~~بمشيئته، يقسمها كيف يشاء كما قسم بينهم معيشتهم وأعطاهم الرزق المادي، ~~وإذا كان المولى سبحانه قد قسم رزقهم في الأدنى، فكيف يريدون هم أن ~~يتصرفوا في الأعلى؟ لقد قالوا ما جاء في القرآن على ألسنتهم: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وكان المنطق الصواب أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق ~~من عندك فاهدنا إليه، ولكنهم بغبائهم طلبوا الموت بدلا من الهداية. فقد ~~كانت عصبيتهم - إذن - ضد شخص الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان على من ~~يعلن إيمانه بالله منهم أن يشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم هو رسول ms3943 ~~الله. والحق تبارك وتعالى يقول: { إنما يعمر مساجد الله ~~من آمن بالله واليوم الآخر.. } [التوبة: 18]. وهذا القول ~~يحمل في مضمونه إيمانا برسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله يقول ~~بعدها: { وأقام الصلوة } وإقامه الصلاة لا تصح منهم إلا إذا ~~آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذي قال لنا إنها خمس، وهو ~~الذي علمنا كيف نؤديها وماذا نقول فيها، وهو الذي نشهد له ونحن نصلي في ~~الإقامة وفي التشهد، إذن فساعة نقيم الصلاة لا بد أن نكون مؤمنين برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وعلى ذلك فقوله تعالى: { وأقام الصلوة ~~} يقتضي ضرورة الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم. واشترط سبحانه ~~وتعالى في هذه الآية الكريمة الإيمان به وباليوم الآخر وإقام الصلاة وفي ~~طيها الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إيتاء الزكاة، وطلب منا ~~ألا نخشى غيره، والخشية هي الخوف. وسبحانه وتعالى قد قال لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم: # وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على ~~سوآء # [الأنفال: 58]. إذن فهناك خوف من أشياء أخرى، ونقول: إن الحق حين قال: { ~~ولم يخش إلا الله } أي لم يخش في دينه إلا الله، لكن لا مانع ~~من الخشية التي تجعلك تعد لعدوك وتحذر عدوانه عليك. وانظر إلى دقة القرآن ~~الكريم وعظمته، فقد جمع في آية واحدة بين الإيمان بالله واليوم الآخر ~~والصلاة والزكاة، ولم يأت فيها ذكر الإيمان بالرسول لأنه مسألة مطوية في ~~أركان الإيمان. ومن يفعل ذلك يدخل في زمرة من وصفهم الحق سبحانه وتعالى ~~بقوله: { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } ~~[التوبة: 18]. ولقائل أن يقول: كيف بعد أن آمنوا بكل هذا نقول: عسى؟.. ~~إذن فما حكم الذي لم يؤمن؟ ونقول: إن " عسى " و " لعل " أفعال رجاء، ~~وذكرها يعني الرجاء في أن يتحقق ما يأتي بعدها، ومراتب الرجاء بالنسبة ~~للنفس وبالنسبة للغير بالنسبة لله تختلف، أنت تقول مثلا: اسأل فلانا ~~لعله يعطيك، هذه مرتبة من الرجاء، وتقول: لعلي أعطيك، وهذه أقرب إلى ~~التحقيق من أن أرجو غيري ms3944 أن يعطيك. إذن فهي مرحلة أعلى في الإجابة، وأن ~~تقول: لعل الله يعطيك مرحلة ثالثة وعالية من الرجاء لأنك ترجو الله ولا ~~ترجو أحدا من البشر. والله سبحانه وتعالى كريم يعطي بسخاء. ولكن إذا قال ~~الله سبحانه وتعالى عن نفسه: لعلي أعطيك، فيكون هذا توقعا مؤكدا ~~للعطاء. إذن فمراحل الرجاء رجاء لغيرك من غيرك، ورجاء منك لغيرك، ورجاء ~~من الله لسواك، وقول من الله بالرجاء. فإذا قال الله سبحانه وتعالى: # عسى ربكم أن يرحمكم.. # [لإسراء: 8]. نقول: إنه الرجاء المحقق لأنه سبحانه وتعالى كريم يحب أن ~~يرحمنا ولا شيء يمنعه من أن يحقق ذلك. إذن فيكون الرجاء قد تحقق. وقوله ~~تعالى: { فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } ~~[التوبة: 18]. والهداية إما أن تكون هداية إلى سبيل يؤدي لغاية، أي ~~يهدينا الله للمنهج، فإن عملنا به نصل إلى الجنة، لأن المنهج هو الطريق ~~للجنة، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول عن الكفار: # ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنم.. # [النساء: 168-169]. إذن فالهداية مرة تكون للمنهج فنؤمن به ونعمل به، ~~وإما لطريق يوصل إلى غاية. والذين ذكرهم الله في هذه الآية الكريمة هم ~~كل: { من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلوة ~~وآتى الزكوة ولم يخش إلا الله.. } [التوبة: 18]. وما ~~داموا قد فعلوا ذلك فهذا هو تطبيق المنهج، وبذلك فهم - إن شاء الله - ~~لا بد أن تكون نهايتهم الجنة. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { ~~أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ~~كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل ~~الله... }. ### || [9.19] # جاءت هذه الآية ردا على كفار مكة الذين أسروا في غزوة بدر، وكان منهم ~~العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين تحدث إليه بعض من الصحابة ~~يدعونه للإسلام وللجهاد في سبيل الله فقال: إننا نسقي الحجيج ونرعى ~~البيت، ونفك العاني، ونقوم بعمارة البيت الحرام قال العباس ذلك ولم يكن ~~قد أسلم بعد. وما قاله العباس هو موجز رأي أهل الشرك من قريش، الذين ~~جعلوا هذه المسائل مقابل الإيمان بالله والجهاد في سبيله. ms3945 وجاء قول الحق ~~ليؤكد أن الكفة غير راجحة فقال: { أجعلتم سقاية الحاج.. } ~~[التوبة: 19]. وكلمة { سقاية } تطلق ثلاث إطلاقات: فهي المكان الذي ~~يجتمع فيه الماء ليشرب منه الناس والذي نسميه. السبيل. وكذلك تطلق ~~السقاية: على الإناء الذي نشرب منه الماء، والذي يرفع إلى الفم كالكوب ~~والكأس أو يسمى صواع الملك، وفي قصة يوسف عليه السلام يأتي القول الكريم: # فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل ~~أخيه.. # [يوسف: 70]. أما المعنى الثالث: فهو الحرفة نفسها فنقول: هذه خياطة، ~~وهذه حدادة وهذه سقاية، أي أنه عمل يتصل بسقاية الناس، فالسقاية - إذن - ~~هي المكان الواسع الذي يتجمع فيه الماء، أو الإناء الذي نستعمله في ~~الشرب، أو الحرفة التي يقوم بها السقا. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: { ~~أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ~~كمن آمن بالله واليوم الآخر.. } [التوبة: 19]. فإن كنتم ~~تفتخرون بأنكم تحترفون سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام وتجعلون هذا في ~~مقابل الإسلام، فذلك لا يصلح أبدا كمقابل للإيمان، ولا تتساوى كفة ~~الإيمان بالله واليوم الآخر أبدا مع كفة سقاية الحجيج، وعمارة المسجد ~~الحرام. ومن يقدر ذلك هو الله سبحانه وتعالى، وله مطلق المشيئة في أن ~~يتقبل العمل أو لا يتقبله. والمؤمن المجاهد في سبيل الله إنما يطلب ~~الجزاء من الله، أما من يسقي الحجاج ويعمر بيت الله دون أن يعترف ~~بوحدانية الله كالمشركين - قبل الإسلام - فهو يطلب الجزاء ممن عمل من ~~أجلهم، ولأنه سبحانه هو معطي الجزاء، فهو جل وعلا يوضح لنا: أن هذين ~~العملين لا يستويان عنده، أي لا يساوي أحدهما الآخر في الجزاء. ويقال: إن ~~سيدنا الإمام عليا رضي الله عنه، وكرم الله وجهه، مر على طلحة بن شيبة ~~والعباس ووجدهما يتفاخران، أي: يفاخر كل منهما الآخر بالمناقب التي يعتز ~~بها ليثبت أنه أحسن وأفضل منه. وكانت المفاخرة من طبع العرب حتى في ~~الأشياء التي ليس لهم فيها فضل، والممنوحة لهم من الله عز وجل مثل الشكل ~~والنسب إلى آخره، لأن أحدا لا يختار أباه وأمه ليتفاخر بهما، وإنما كل ~~ذلك هو ms3946 عطاء من الله سبحانه وتعالى. # لقد كان العرب مثلا يجلسون أمام مكان ممتلىء بالماء يتفاخرون أيهم يغطس ~~في الماء، ويبقى رأسه تحت الماء مدة أطول، أي: أيهم أطول نفسا من الآخر، ~~مع أن هذه مسألة خاضعة لبنية الجسم وتكوينها من الله الخالق، وليس لأحد ~~يد فيها، فهناك من أعطاه الله رئتين أقوى من الآخر، وهو الذي يستطيع أن ~~يغطس مدة أطول، ولكن هذه المسألة كانت من أوجه التفاخر عند العرب. جلس ~~طلحة والعباس يتفاخران، فقال طلحة بن شيبة: بيدي مفتاح الكعبة، ولو شئت ~~أن أنام فيها لنمت. فرد عليه العباس: وأنا معي سقاية الحاج، ولو شئت ألا ~~أسقي أحدا لاستطعت. ومر الإمام علي كرم الله وجهه عليهما وهما يتفاخران، ~~فلما سمع كلامهما قال: ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس، ~~وأنا صاحب الجهاد فنزلت الآية: { أجعلتم سقاية الحاج ~~وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم ~~الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله.. ~~} [التوبة: 19]. ولم يكد العباس يسمع هذه الآية حتى قال: " إنا قد ~~رضينا، إنا قد رضينا " ، قال ذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي حكم، ~~وفي هذا القول إشارة إلى أن المفاخرة التي كانت بين العباس وطلحة لم تكن ~~في موضعها. وكلمة { عند الله } في الآية الكريمة تفيد: أن المقاييس ~~عند الله تختلف عن المقاييس عند البشر لأن المقاييس عادة تختلف حتى بين ~~الناس، فلك مقاييس وللناس مقاييس. وقد تجامل نفسك في مقاييسك. وقد يجاملك ~~الناس في مقاييسهم، أو قد يقسون عليك. وكل مقياس يكون فيه هوى لأن كل ~~إنسان إنما يؤثر نفسه. وكل إنسان يحاول أن يأخذ كل شيء. ولكن المقاييس ~~التي لا هوى فيها والتي ليس فيها إلا العدل المطلق هي مقاييس الله، ولذلك ~~نجدها تجب كل شيء، وليس فيها أي فرصة للطعن. ثم يذيل الحق سبحانه ~~وتعالى الآية الكريمة بقوله: { والله لا يهدي القوم ~~الظالمين } [التوبة: 19]. وهذه أوجدت الحل لمشكلات متعددة يثيرها ~~بعض الناس حول الهداية، وكيف أنها من الله سبحانه ms3947 وتعالى وليست من العبد ~~لقوله تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء.. # [القصص: 56]. نقول: نعم، إن مشيئة الهدى من الله سبحانه وتعالى، لكنه ~~سبحانه قد أوضح لنا من لا يدخلهم في مشيئة هديه، فقال: # والله لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264]. وقال سبحانه: # والله لا يهدي القوم الظالمين # [البقرة: 258]. وقال سبحانه: # والله لا يهدي القوم الفاسقين # [المائدة: 108]. وقد ذكر الحق سبحانه وتعالى هذه الحقائق في الكثير من ~~آيات القرآن الكريم. وبعض الناس يقول: إن الهدى من الله، ولو أن الله ~~هداني ما قتلت، وما سرقت وما ارتشيت، ونقول: هذا فهم خاطىء، ولنرجع إلى ~~القرآن الكريم، فالحق تبارك وتعالى يقول: { والله لا يهدي } أي ~~نفي ما يستوجب الهداية عمن ظلم أو فسق أو كفر لأن الحق سبحانه لا ~~يهدي من قدم الكفر أو قدم الظلم أو قدم الفسق فكأن الكافر أو الظالم ~~أو الفاسق، هو الذي يمنع الهداية عن نفسه. # ولو قدم الإنسان الإيمان لدخل في هداية الله تعالى، فكأن خروج الإنسان ~~عن مشيئة هداية الله هي مسألة من عمل الإنسان وباختياره، فقد يختار ~~الإنسان طريق الغواية، ويترك طريق الهداية لذلك لا يهديه الله لأنه ~~سبحانه لا يهدي إلا المؤمن به. وإن اختار الإنسان طريق الهداية، فالحق ~~يعطيه المزيد من الهدى لأنه آمن بالله فاختار طريق الهداية، واستقبل منهج ~~الله بالرضى. وهكذا نفهم قول الحق تبارك وتعالى: # فإن الله يضل من يشآء ويهدي من يشآء.. # [فاطر: 8]. إذن فالحق يهدي من استمع إلى القرآن بروح الإيمان، واستقر في ~~يقينه أن له ربا، واعتقد أن له إلها، وقد فصلنا ذلك في مسألة القضاء ~~والقدر، وقلنا: إن الذين يقرأون القرآن لفهم قضية الهداية عليهم أن ~~يستقرئوا كل الآيات المتعلقة بالموضوع، فسبحانه وتعالى قد أوضح أنه لا ~~يهدي الكافر، إذن فهو يهدي المؤمن، وأوضح أنه لا يهدي الظالم، إذن فهو ~~يهدي العادل، وأوضح أنه جل وعلا لا يهدي الفاسق، إذن فهو يهدي الطائع، ~~فلا يقولن أحد: إن الله لم يشأ أن يهديني ms3948 لأن هذا فهم خاطىء لمعنى ~~الهداية من الله فسبحانه وتعالى قد بين لنا من شاء هدايته ومن شاء ~~إضلاله، وهو يهدي من قدم أسباب الهداية، وأسلم مقاليد زمامه للإيمان، ~~والله سبحانه وتعالى يقول: # ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا # [مريم: 76]. ويقول أيضا: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. إذن فالله أخبرنا مسبقا بمن يستحق هدايته ومن لا يدخل ~~فيها، وأنت باختيارك طريقك، إما أن تؤمن فتدخل في الهداية، وإما أن تختار ~~طريق الكفر والظلم والعياذ بالله فتمتنع عنك الهداية. فإذا جاء أحد ~~يجادلك ويقول لك: إن الله سبحانه وتعالى قد قال: # كذلك يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء.. # [المدثر: 31]. لك أن تقول له: لقد بين الله عز وجل من شاء له الهداية، ~~ومن شاء له الضلال، ولقد ضربنا لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - فقلنا: ~~إن الهداية قد وردت في القرآن الكريم على معنيين: المعنى الأول هو ~~الدلالة على الطريق، وهذه هداية للجميع، فقد دل الله المؤمن والكافر على ~~طريق الإيمان برسله وكتبه، أي: بين لهم ما يرضيه وما يغضبه وما يوجب ~~رحمته وما يوجب لعنته، فالهداية الأولى - إذن - وردت بمعنى الدلالة ~~للجميع، أي: أنها هداية عامة. ثم هناك هداية ثانية خاصة للمؤمنين، وهي ~~التي بينها الله سبحانه وتعالى في قوله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. أي: أعانهم على منهجه فيسر لهم الطاعة وصعب عليهم ~~المعاصي، فإذا امتثل المؤمن لمنهج الله وأطاعه، فالحق عز وجل يشرح صدره ~~بذلك، ويحبب الطاعة إليه فيزداد طاعة. وإذا شرع في ارتكاب المعصية ~~بغضها له وجعلها ثقيلة على نفسه حتى يتركها. وضربنا لذلك مثلا بالرجل ~~الذي يقود سيارته ذاهبا لمكان معين. وعند مفترق الطرق وجد رجلا من رجال ~~المرور فدله على الطريق، هذه دلالة عامة. وعندما يقدم الرجل الشكر لجندي ~~المرور. فرجل المرور يزيد من الإيضاح له: لا تتبع طريق كذا لأن فيها ~~متاعب ومصاعب، واتبع طريق كذا وكذا تصل في سرعة ويسر، وهذه ms3949 زيادة في ~~الدلالة، أو زيادة في الهداية. لكن إن قال سائق السيارة لنفسه: إن هذا ~~رجل مرور لا يعرف شيئا، وتجاهل شكره، فرجل المرور يتركه وشأنه. إذن ~~فالحق سبحانه قد هدى المؤمن والكافر إلى طريق الإيمان، فمن اتخذ طريق ~~الإيمان أعانه الله تعالى عليه. ومن اتخذ طريق الكفر - والعياذ بالله - ~~تركه الله يعاني ويضل. ولذلك لا بد لنا أن نتذكر دائما أن الهداية ~~هدايتان هداية دلالة لكل الناس، وهداية معونة للمؤمنين فقط، وفي الدلالة ~~العامة يقول الحق تبارك وتعالى: # وهديناه النجدين # [البلد: 10]. أما دلالة المعونة: فهي التي يقول فيها المولى عز وجل: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. وما يكشف لنا أن الهداية عامة، أن الحق سبحانه وتعالى حينما ~~تكلم عن قوم ثمود وهم الذين بعث الله إليهم أخاهم صالحا، قال سبحانه: # وأما ثمود فهديناهم.. # [فصلت: 17]. ولو كانت الهداية هنا بمعنى أنهم أصبحوا مهتدين، وسلكوا ~~سبيل الإيمان ما قال الله سبحانه بعدها: # فاستحبوا العمى على الهدى.. # [فصلت: 17]. إذن { فهديناهم } في هذه الآية الكريمة معناها ~~دللناهم على طريق الإيمان ولكنهم اختاروا طريق العمى والكفر. ويقول ~~المولى سبحانه وتعالى بعد ذلك: { الذين آمنوا وهاجروا ~~وجهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم... }. ### || [9.20] # وفي سورة الأنفال تصنيف آخر في قوله تعالى: # والذين آمنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله ~~والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون ~~حقا لهم مغفرة ورزق كريم # [الأنفال: 74]. وفي هذه الآية الكريمة من سورة الأنفال كان تصنيف ~~المؤمنين بعد الهجرة مباشرة، وانتهت الهجرة وأصبح الجميع سواء، فجاء ~~التصنيف الجامع في آية التوبة. لقد أوضح المولى سبحانه وتعالى أن هذه ~~الأعمال لم تكن مقبولة من المشركين، أما إن قام بها المؤمنون فلهم درجة ~~عند الله. وفي هذه الآية الكريمة يصفهم الحق بأنهم { أعظم درجة } ~~، و { أعظم } صيغة أفعل التفضيل، وهي تعطي قدرا زائدا عن الأصل ~~المعترف به، فيقال: فلان أعلم من فلان. وبهذا يكون الشخص الثاني عالما، ~~ولكن الشخص الأول أعلم منه. ويقال: فلان أكرم من فلان، أي أن الموصوف ~~الثاني كريم، ms3950 والموصوف الأول أكرم منه. والله سبحانه وتعالى أراد أن يبين ~~لنا الفوز عنده، فقال: { أعظم درجة عند الله وأولئك ~~هم الفائزون } [التوبة: 20]. فهؤلاء هم الذين يحصلون على أكبر ~~الأجر عند الله تعالى، وهم المؤمنون المهاجرون، والمجاهدون بأموالهم ~~وأنفسهم، والفوز حكم يؤدي إلى أن تأخذ ما تحبه نفسك. فقال الحق موضحا ما ~~يفوزون به: { الذين آمنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل ~~الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ~~وأولئك هم الفائزون } [التوبة: 20]. وما دام هؤلاء هم ~~الفائزون، فالفوز إنما يكون في مضمارين اثنين. فالذين يصنعون أمورا خاصة ~~بالدنيا قد يفوزون فيها بدرجة من النعيم، ولكن نعيمهم على قدر إمكاناتهم ~~وهو نعيم غير دائم لأنه إما أن يزول عنهم بذهاب النعمة، وإما أن يزولوا ~~هم عنه بالموت، إذن فهو نعيم ناقص. أما الذي يؤمن ويهاجر ويجاهد ويعمل ~~لآخرته، فسوف يفوز بنعيم لا على قدر إمكاناته، ولكن على قدر إمكانات ~~الله، ولا مقارنة بين إمكانات الله وإمكانات خلقه. وفوق ذلك فهو نعيم ~~دائم لا يتركك فيزول عنك، ولا تتركه لأنك في الجنة خالد لا تموت. ثم يذكر ~~الحق بعد ذلك قوله تعالى: { يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنت... }. ### || [9.21] # إذن فهذا قمة الفوز للقوم الذين يبشرهم الله في هذه الآية بالرحمة منه ~~وبالرضوان المقيم. والبشارة - كما نعلم - هي نوع من الإعلام بشيء سوف ~~يأتي مستقبلا، أي، أنك حين تبشر إنسانا فأنت تخبره بشيء قادم يسره. إذن ~~ففائدة البشارة أن تغري الإنسان بسلوك السبيل الذي يحققها، فأنا أبشرك ~~بالنجاح إن استقمت وذاكرت واستمعت للأساتذة، ويشجعك كلامي لتجتهد حتى ~~تحقق هذه البشارة، فكأن البشارة تجعلك تتخذ الوسيلة التي توصلك إليها. ~~ولذلك فقد قلنا: إن الأسباب والمسببات والعلة والمعلول والشرط والجواب ~~كلها يجب أن تحرر بشكل آخر، لأننا كنا نتعلم أن الشرط سبب في الجواب ~~كقولك: " إن تذاكر تنجح " ، وعلى ذلك فالشرط هو المذاكرة، وسبب الجواب هو ~~النجاح، ونقول: لا، إن الجواب هو السبب في الشرط لأنك لا تذاكر إلا إذا ~~تمثل لك النجاح بكل ما يحققه ms3951 لك من فرحة، إذن فالشرط سبب في وجود الجواب ~~واقعا. والجواب سبب في وجود الشرط دافعا، أي: أن الدافع لمذاكرتك هو ما ~~يمثله لك النجاح من قيمة مادية ومعنوية. وكل إنسان يرغب في النجاح، لكن ~~النجاح لا يتحقق بالدعاء فقط، بل بالمذاكرة التي تحقق النجاح كواقع. ~~بمعنى أنك لا تذاكر إلا وقد تمثل لك النجاح بمواهبه ومزاياه وبمكانته ~~ويفرح أهلك بك، وبفرحك بنفسك. ولهذا نقول: إن السبب هو الذي يوجد أولا ~~في الذهن. ومثال آخر: لنفترض أنك تريد أن تسافر إلى الطائف. فتكون الطائف ~~هي الغاية، وتكون أنت قد خططت للوسيلة وفي ذهنك الغاية، إذن فالجواب يوجد ~~دافعا، والشرط يوجد واقعا. وقوله تعالى: { يبشرهم ربهم } ~~أي: يخبرهم بالنهاية السارة التي سوف يصلون إليها ليتحملوا مشقة التكاليف ~~التي يأمرهم بها المنهج لأن الجنة محفوفة بالمكاره، ولأن التشريع الإلهي ~~تقييد لحرية الاختيار في العبد، والمؤمن مقيد بأوامر الله تعالى في " ~~افعل " و " لا تفعل ". ولكن غير المؤمن إنما يتبع هواه في كل حركاته، ~~ويفعل ما يشاء له من الهوى ويطيع نزواته كما يريد، أما المؤمن فحريته فقط ~~فيما لم يرد فيه تشريع من الله تعالى، أما ما يخضع للمنهج فهو مقيد ~~الحركة فيه بما قضى الله به. فكأن الإيمان جاء ليقيد، ولكن إذا قارنا بين ~~الجزاءين، نجد أن الذي يتبع شهواته في الدنيا إنما يحصل على لذة موقوتة، ~~وعمره في الدنيا محدود، إذن فهو الخاسر، لأن الذي قيد حركته بمنهج الله ~~يأخذ اطمئنانا في الدنيا ونعيما مقيما لا يزول ولا ينتهي في الآخرة. ~~والمثال الذي أضربه دائما هو الطالب الذي لا يذهب إلى المدرسة ولا ~~يذاكر، ولكن يقضي وقته في اللعب واللهو، وهو قد أعطى نفسه ما تريد، ولكنه ~~أخذ متعة محدودة، ثم بعد ذلك يعيش في شقاء بقية عمره. # أما الذي قيد حركته بالمذاكرة، فقد منع شهوات نفسه في اللعب واللهو. ~~وتكون الثمرة أنه يحقق لنفسه مستقبلا مريحا ومرموقا بقية عمره. إذن ~~فكل من الطالب الذي يجتهد وذلك الذي يلهو ويلعب، ms3952 كل منهما أخذ لونا من ~~المتعة. ولكن أحدهما أخذ متعة قصيرة جدا، ثم أصبح من صعاليك الحياة، أما ~~الثاني فقد قيد نفسه سنوات معدودة ليتمتع بمستقبل ناجح. كذلك أنت في ~~الدنيا إن قيدت نفسك بالتكاليف " افعل " و " لا تفعل " ، فظاهر الأمر أنك ~~قيدت حريتك، وإن فعلت ذلك برضا، فالله يعطيك راحة واطمئنانا ومتعة ~~في النفس. ولذلك نجد الصلاة وهي التي يؤديها المسلم خمس مرات في اليوم ~~على الأقل هذه الصلاة في ظاهرها أنها تأخذ بعضا من الوقت كل يوم، ولكنها ~~تعطي راحة نفسية، كما أنها تعطي اقتناعا يفوق التصور إن خشع فيها ~~الإنسان وأداها بحقها، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: # " يا بلال أرحنا بالصلاة ". # كما قال صلى الله عليه وسلم ضمن حديث رواه عنه أنس بن مالك رضي الله عنه # " وجعلت قرة عيني في الصلاة ". # لأن التكليف ينتقل من المتعة إلى الراحة. ويتمتع الإنسان فيها بتجليات ~~ربه وفيوضاته فترتاح نفسه وتهدأ. وانظر إلى قول الحق سبحانه وتعالى { ~~يبشرهم ربهم } ، تجد البشارة هنا آتية من رب خالق. والرب هو ~~المالك والمدبر الذي يرتب لك أمورك، وهو مأمون عليك. { يبشرهم ~~ربهم برحمة منه ورضوان.. } [التوبة: 21]. والرحمة ~~والرضوان من صفات الله وهي صفات ذاتية في الله، ومتعلقات العبد فيها أنه ~~سبحانه يهبها لمن يشاء. ويتابع المولى سبحانه وتعالى قوله: { وجنت ~~لهم فيها نعيم مقيم } [التوبة: 21]. ونجد أن هذا ترق ~~وتدرج في النعمة، فقد بشرهم الله سبحانه أولا بالرحمة، وهي ذاتية فيه، ~~ثم بنعمة دائمة في الحياة. ولنلحظ أن هناك فارقا بين النعمة والمنعم. ~~ونضرب لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - إذا دعاك إنسان في بيته وقت ~~الطعام ثم جاء بطبق فيه تفاح، لا بد أن يكون التفاح في الطبق يكفي كل ~~الجالسين بحيث يأخذ كل واحد منهم تفاحة، فإذا أمسك صاحب البيت بتفاحة ~~وأعطاها لأحد الجالسين. فهذا مظهر من مظاهر رعاية خاصة من صاحب البيت، ~~وتمييز لشخص ضيفه عن بقية الضيوف، وهذه تمثل درجة أعلى من الكرم ~~والاهمتام فهي تمثل الرحمة والرضوان. أما ms3953 التفاح نفسه فهو النعمة، ومثله ~~مثل الجنات. وهكذا نرى أن هناك اختلافا في التكريم. والمؤمنون حين ~~يرتقون في درجة الإيمان يعيشون دائما مع النعمة والمنعم، فإذا جاء ~~الطعام قالوا: " بسم الله " ، وإذا أكلوا قالوا: " الحمد لله " ، ولكنهم ~~إذا ارتقوا أكثر في الإيمان عاشوا مع المنعم وحده، ولذلك يباهي الله ~~بعباده الملائكة يباهي بعبادتهم وطاعتهم التي يلتزمون بها على أي حالة ~~يكونون عليها، ولو نزل بهم أشد البلاء وسلبت منهم النعم، وهؤلاء من أصحاب ~~المنزلة العالية. # ولذلك " فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل " ~~ليرى الحق سبحانه وتعالى من يحبه لذاته وإن سلب منه نعمة، وهذه منزلة ~~عالية. فمن عبد الله ليدخل الجنة أعطاها له، ومن عبده سبحانه لأنه يستحق ~~أن يعبد، فسوف يرتقي في الجنة ليرى وجه الله في كل وقت وأما الآخرون ~~فيرونه لمحات، ولذلك يكون الجزاء في الآخرة على قدر العمق الإيماني ~~للعبد، لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا # [الكهف: 110]. وقال أحد الصالحين: " إني لا أشرك بك أحدا حتى الجنة، ~~لأن الجنة أحد ". وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: { يبشرهم ~~ربهم برحمة منه } وقد ترحم ولكنك لا تنال الرضوان، فوضح ~~المولى سبحانه وتعالى ذلك وأضاف " الرضوان " إلى " الرحمة " ، ولذلك يقول ~~الحق عز وجل: { برحمة منه ورضوان } والرضوان هو ما فوق ~~النعيم. وبعد الرضوان يقول الحق سبحانه وتعالى: { وجنت لهم ~~فيها نعيم مقيم }. ولقائل أن يقول: هل هناك جنة ليس فيها نعيم؟ ~~ولماذا ذكرت النعيم؟ والجنة وجدت أصلا لينعم فيها الإنسان. ونقول لمثل ~~هذا القائل: انتبه والتفت جيدا إلى المعنى، فالمتحدث هو الله سبحانه ~~وتعالى. وقد يكون عند الإنسان نعمة واسعة، ولكن يحيا في الكثير من ~~المنغصات، مما يجعله لا يستمتع بالنعمة، كمرض يملؤه بالألم، أو ابن عاق ~~يكدر حياته، أو زوجة تملأ الحياة كدرا ونكدا، قد يحدث كل ذلك فلا ~~يستمتع الإنسان بما يملك من نعمة الله لأن المكدرات قد أحاطت به. وهنا ~~يريد الحق ms3954 سبحانه وتعالى أن يلفتنا إلى أن جنة الآخرة ليس فيها منغصات ~~الدنيا، بل هي صفاء واستمتاع، يعطي فيها الحق سبحانه وتعالى لعبده ما ~~تشتهيه نفسه ويبعد عنه جميع المنغصات، وقد يخاف الإنسان ألا يدوم مثل هذا ~~النعيم، لذلك يطمئن الحق العبد المؤمن أنه { نعيم مقيم } ، قد ~~ينظر إنسان إلى أن الإقامة مقولة تحمل التشكيك، فقد تستغرق الإقامة زمنا ~~طويلا ثم تنتهي، وشاء الله - عز وجل - أن يطمئن المؤمن بوعد حق، فوعد ~~المؤمنين بالخلود الأبدي في الجنة. فيقول سبحانه وتعالى: { خلدين ~~فيهآ أبدا إن الله عنده... }. ### || [9.22] # وهذا ما يؤكد الاطمئنان في قول الحق سبحانه وتعالى: { لهم فيها ~~نعيم مقيم } ، وكلمة { لهم } أعطت شبه الملكية لهذا النعيم. ~~ولذلك مهما تملك الإنسان في هذه الدنيا، فهذا الامتلاك لا يتجاوز حدود أن ~~يجلس ويقوم الخدم بتنفيذ أوامره لأن المتعة إما أن تكون بيدك، وإما أن ~~تنعم بالراحة ويقدمها لك غيرك. وعلى سبيل المثال حين تريد أن تأكل، فإما ~~أن تعد الطعام لنفسك، وإما أن يعده لك غيرك. ولا يوجد إنسان مهما أوتي من ~~ملك بإمكانه أن يحقق كل ما يريده بيده. بل لا بد من الالتجاء إلى مساعدة ~~الآخرين. ولكن المؤمن في الجنة ينال ما يتمناه بمجرد أن يخطر الشيء ~~بباله، وهذا يختلف عن الدنيا لأنك حين ترغب في شيء في دنيانا، لا بد أن ~~تقوم به بنفسك، أو تعتمد على غيرك لينفذه لك، حتى وإن كان ما تطلبه هو ~~مجرد فنجان من القهوة، وأنت تحدد لصانعها الهيئة والنوع إن كنت تريدها ~~بدون سكر، أو بقليل من السكر، أو بكثير من السكر، لأن كلا منا في الدنيا ~~إنما يحيا مع أسباب الله. ولكن المؤمن في الجنة إنما يحيا مع المسبب وهو ~~الله القادر العظيم. وحين يقول المولى سبحانه وتعالى: { يبشرهم ~~ربهم برحمة منه ورضوان وجنت } فنحن نلحظ مقابلة ~~الجمع بالجمع، وهي كما علمنا من قبل تقتضي القسمة آحادا، فإذا دخل ~~الأستاذ الفصل وقال لتلاميذه: أخرجوا أقلامكم، فكل تلميذ لا يخرج ~~أقلاما، بل يخرج ms3955 كل تلميذ قلمه. وإذا قلنا: اركبوا سياراتكم فليس معنى ~~هذا أن يركب كل واحد كل السيارات، ولكن معناه أن يركب كل واحد سيارته. ~~وقول الحق: { جنت } ليس معناه أن يدخل كل مؤمن كل الجنات، ولكن ~~المعنى والمقصود أن يدخل كل منهم جنته على حسب الأعمال التي اكتسبها ~~والمنزلة التي وصل إليها. ومن المهم أن نعلم أن صاحب الجنة عالية المنزلة ~~لن يتلقى حسدا من صاحب الجنة متوسطة المنزلة. وصاحب الجنة الدنيا لن ~~يحسد من هو أعلى منه، وكذلك لن يزهو صاحب الجنة عالية المنزلة على غيره. ~~وكل واحد منهم يفرح بمكانة الآخر. مثلما يحدث أحيانا في الدنيا حين ~~يتفوق إنسان في دراسته فقد نجد من هو أقل منه درجة يفرح له بصفاء نفس، ~~وكذلك لا يزهو متفوق بمكانته على الأدنى منه، وإذا كان ذلك هو ما يحدث في ~~الدنيا، فما بالنا بالآخرة؟ حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين # [الحجر: 47]. أي: أن كلا من أهل الجنة يفرح بمنزلته، ويفرح بمنزلة ~~الأعلى منه، لأنه سينال من فيوضات الخير، التي عند الأعلى منزلة. عندما ~~يأتي لزيارته وقد قالوا في قول الحق سبحانه وتعالى: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]. إن كل من علت منزلته في الجنة له جنة خاصة به، وجنة أخرى ~~ليتكرم بها على من هم دونه، وكأنها مضيفة لمن يحبهم، إذن ففي الآخرة يفرح ~~أهل الجنة بمن هم أعلى منهم، لأنهم سينالون منهم خيرا. وفي الدنيا إذا ~~أراد إنسان أن ينال نعم كل الخلق، فلا بد أن يفرح بالنعمة عند صاحبها ~~لأنه حين يفرح بالنعمة عند صاحبها أتت إليه واستفاد منها، وعلينا أن نوقن ~~بأن النعمة تعشق صاحبها أكثر من عشق صاحبها لها، لأنها تعرف أن الله قد ~~أرسلها إليه، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.. # [إبراهيم: 25]. وأنت حين تبذر بذرة الشجرة، تعطيك الشجرة الثمار، وهي ~~التي تعطيك نتاجها. ولست أنت الذي تنتزعه منها، ولذلك نقول دائما: ms3956 إن ~~الرزق يعرف عنوانك جيدا ولكنك لا تعرف مكانه أبدا، فأنت تبحث عن الرزق ~~في كل مكان وقد لا تجده. ولكن ما قسمه الله لك من الرزق تجده يسعى إليك ~~ويأتيك حتما. وأهل الجنة لا يعرفون الحقد ولا الحسد ولا الغل. وقد قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وهم جالسون معه ذات يوم: # " يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة ". # ودخل الرجل وعرفه الصحابة، فأرادوا أن يعرفوا ماذا يعمله هذا الصحابي ~~حتى يستحق بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة. قالوا له: ونحن ~~نريد أن نعرف ماذا تفعل لنكون معك. فقال الرجل: إني لأصلي كما تصلون ~~وأصوم كما تصومون وأزكي كما تزكون. ولكني أبيت وليس في قلبي غل لأحد. ~~فذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له: لقد قال الرجل كذا ~~وكذا. فقال صلى الله عليه وسلم: # " وهل فضلت الجنة على الدنيا إلا بهذا " # فالله سبحانه وتعالى يقول فيها: # ونزعنا ما في صدورهم من غل.. # [الحجر: 47]. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا آبآءكم وإخوانكم أوليآء إن ~~استحبوا الكفر على... }. ### || [9.23] # والولي هو الذي يليك وينجز ما تحبه، وتلجأ إليه في كل أمر، وتأخذ منه ~~النصيحة، كما أنه القادر أن يجيرك حين تفزع إليه، ويكون دائما بمثابة ~~المعين لك، والقريب الذي يسمع منك، إذا استغثت يغيثك وينصرك، ويكون معك ~~في كل أمورك. إن قارنا بين طلب المخلوق وطلب الخالق. والحق سبحانه وتعالى ~~يوضح لنا هنا: إن أردتم أن يكون بناء الإسلام قويا لا خلل فيه، فإياكم ~~أن يكون انتماؤكم غير انتماء الإيمان، فهو فوق انتماء النسب والحسب وغير ~~ذلك، وإن قارنا بين طلب المخلوق وطلب الخالق، فما يطلبه الخالق فوق ما ~~يطلبه المخلوق لأنك إن أغضبت المخلوق في رضا الخالق تكون أنت الفائز، ~~ويقذف الله في قلب كل من حولك رضاهم عنك، وسيقال عنك صاحب مبدأ وضمير، ~~ولا ترضى أن تغضب الله ليرضى عنك أحد. وإن أسخطت الله لإرضاء مخلوق مهما ms3957 ~~كان، تجد أن الله يجعل هذا المخلوق يسخط عليك ويحتقرك. فإن شهدت زورا ~~لصالح بشر. يعرف عنك هذا الذي شهدت زورا في حقه أنك شاهد زور فلا يأمنك، ~~وإن جئت بالصدفة لتشهد عنده فهو لا يقبل شهادتك ويحتقر كلامك. ولذلك قال ~~الحكماء: شاهد الزور قد يرفع رأسك على الخصم بشهادته، ولكنك تدوس بقدمك ~~على كرامته لأنه سقط في نظرك. والانتماء إذن هو انتماء لله، فإن صادفك ~~قريب يريد منك أن تفعل ما يغضب الله فلا تطعه، ولكن لا تكن فظا معه. ~~وخصوصا مع الوالدين لأن الله سبحانه وتعالى يقول عنهما: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15]. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: { يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا آبآءكم وإخوانكم أوليآء إن ~~استحبوا الكفر على الإيمن.. } [التوبة: 23]. إذن فالذي ~~يربط كل شيء هو الكفر أو الإيمان. وقد أعطانا صحابة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - المثل الخالد. فقد كان سيدنا مصعب بن عمير أكثر الفتيان ~~تدللا في مكة، وكانت حياته في مكة قبل إسلامه غاية في الترف، وكان يرفل ~~في الثياب الفاخرة، فلما هاجر إلى المدينة عاش ظروف الفقر المادي الصعب، ~~لدرجة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رآه في الطريق ساترا عورته ~~بجلد شاة فلفت النبي عليه الصلاة والسلام نظر الصحابة إلى حالته هذه وكيف ~~فعل الإيمان بمصعب حيث فضل الإيمان على نعيم الدنيا كلها. لقد رأى مصعب - ~~رضي الله عنه - أن شرفه بالانتماء إلى الإسلام أكبر من فاخر الثياب، وترف ~~العيش وانطبق عليه قول الحق تبارك وتعالى: # الذين آمنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله ~~بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ~~وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة ~~منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * ~~خالدين فيهآ أبدا إن الله عنده أجر عظيم # [التوبة: 20-22]. وأعطانا سيدنا مصعب ومن معه المثل العظيم في الانتماء ~~الإيماني، والمجاهدة في سبيل الله بالمال والنفس، وكيف نجعل اختيارنا مع ~~منهج الله، هذا المنهج ms3958 الذي يقيد الإنسان فيما له اختيار فيه. فالإنسان ~~مقهور في أشياء ومخير في أشياء. ونعلم أن التكليف لا يأتي في الأمور التي ~~نحن مقهورون عليها. وإنما يأتي فيما لنا فيه اختيار. فإذا ما كان لنا ~~اختيار، فلنراع أن نختار بين البدائل في إطار منهج الله تعالى، ولا نخرج ~~بعيدا عن هذا الإطار. وكان المسلمون الأوائل يضحون بالبيت والمال ~~والولد، ويهاجرون في سبيل الله. واستقبلوا كل هذه التضحيات الصعبة بصدور ~~مؤمنة، وصبر واحتمال شديدين لأنهم وثقوا في البشارة من الله سبحانه ~~وتعالى بأن لهم الجنة والرضوان، والنعيم المقيم خالدين فيه لا يفارقهم ~~ولا يفارقونه. وبهذا أقيم بناء الإسلام. وبعد أن بين لنا الحق أسس ~~الانتماء للدين، وجزاء هذا الانتماء، حذرنا أن ننحرف عنه لنرضى أبا أو ~~إخوة أو أقارب، فقال: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~آبآءكم وإخوانكم أوليآء إن استحبوا الكفر ~~على الإيمن ومن يتولهم منكم فأولئك هم ~~الظالمون } [التوبة: 23]. ويريدنا الله سبحانه وتعالى أن نعرف أن ~~الانتماء لله لا يعلو عليه شيء، فإذا ملنا عن الحق لنرضي أقارب، أو ~~لنحتفظ بمال أو منصب، فذلك ظلم للنفس لأن جزاء الحق ونعيمه أكبر، فلا ~~ينصرن أحد الباطل، ولا يجعل أحدنا الإيمان خادما لكفار لا يؤمنون بالله. ~~ويوضح الحق سبحانه وتعالى هذه الصورة بقوله تعالى: { إن استحبوا ~~الكفر على الإيمن } ، وكلمة " استحب " أي: طلب الحب ومثلها مثل ~~" استخرج " أي: طلب إخراج الشيء. وإذا قلنا " استجاب الله " معناها: ~~أجاب. إذن ف " استحب " معناها: أحب، ولكن " استحب " فيها افتعال. و " ~~أحب " فيها اندفاع بلا افتعال. وقول الحق تبارك وتعالى { إن ~~استحبوا الكفر على الإيمن } يدل على أن الكفر مخالف ~~للفطرة الإيمانية للإنسان، لأن الإنسان بفطرته مؤمن محب للإيمان، فإن ~~حاول أن يحب غير الإيمان، لا بد أن يتكلف ذلك وأن يفتعله لأنه غير مفطور ~~عليه وليس من طبيعته. ولذلك يقول القرآن الكريم: # كيف تكفرون بالله.. # [البقرة: 28]. وهذا التساؤل والتعجب يوضح لنا أن الذين يحكمون المنطق ~~والفكر والعقل يصعب عليهم الكفر بالله، لماذا؟ لأن الكون وجد ms3959 أولا، ثم ~~وجد الإنسان، فكان من الواجب حين نأتي إلى كون لم نصنع فيه شيئا أن ~~نسأل: من الذي أوجده؟ وكان من الطبيعي أن يبحث العقل عن الموجد، وخصوصا ~~أن في الكون أشياء، لا قدرة للبشر على إيجادها كالشمس، والأرض، والماء، ~~والهواء، والنبات، والحيوان. # وكلها تمثل الاستقبال الجامع لمقومات حياتك. كان من الطبيعي - إذن - أن ~~نسأل: من الذي أوجد هذا الكون؟. خصوصا أننا نفتش عمن اخترع لنا اختراعا ~~بسيطا مثل: مصباح الكهرباء وندرس تاريخ حياته، وكيفية اكتشافه، لمجرد ~~أنه أضاف إلى حياتنا اختراعا استفدنا منه، فما بالنا بمن خلق هذا ~~الكون؟. ولقد رحمنا سبحانه وتعالى من ضلالات الحيرة، فأرسل لنا رسولا ~~برحمة منه لينبهنا ويقول لنا: إن هذا الكون من خلق الله القادر العظيم. ~~لماذا إذن لا نصدق الرسول، ونتبع المنهج الذي أنزل إلينا؟ ولقد ضربنا ~~مثلا - ولله المثل الأعلى - بشخص سقطت به الطائرة وسط الصحراء وبقي ~~حيا، لكن لا ماء ولا طعام، ثم أخذته سنة من النوم واستيقظ ليجد ~~الطعام والشراب، وكل ما يحتاج إليه حوله ألا يفكر قبل أن يأكل من كل هذا: ~~من الذي جاء به؟. وأنت أيها الإنسان قد جئت إلى هذا الكون العظيم وقد ~~أعد إعدادا مثاليا لحياتك، وهو إعداد فوق القدرة البشرية، فكان يجب ~~أن تفكر من الذي أوجد هذا الكون؟. إذن: فالإيمان ضرورة فطرية وضرورة ~~عقلية أيضا، وإن ابتعدت عن الإيمان فهذا يحتاج إلى تكلف لأنك تبتعد عن ~~منطق الفطرة والعقل لتحقق شهوات نفسك. وما دمت قد اتبعت هواك وخضعت ~~لشهوات النفس، فهذا لون من التكلف الذي يصيب ملكاتك بالخلل، وعقلك ~~بالخبل، فحب الكفر لا يكون عاطفيا، أو فطريا، كما لا يكون منسجما مع ~~العقل السليم، بل هو حب متكلف. فالذي يفعل حلالا يحيا وملكاته كلها ~~منسجمة، والذي يفعل حراما يعيش وملكاته مضطربة، والمثال: حين ينظر الرجل ~~إلى زوجته، فهو ينظر إلى حلاله ويشعر أن ملكاته منسجمة، ولكن إن نظر إلى ~~امرأة أخرى، فهو.. يشعر باضطراب الملكات. فالسلوك المتفق مع الإيمان سلوك ~~سوي. ms3960 أما السلوك الخارج عن منهج الإيمان فهو الذي يحتاج إلى تكلف، وهذا ~~التكلف يعارض الطباع الإنسانية. بينما توابع الإيمان من الاستقامة لا ~~تكلف شيئا، فالمؤمن يكون مستقيما فلا يرتشي، ولا يسرق، ولا يدخل بنفسه ~~إلى مزالق الهوى أو الشهوة، ويحيا حياة طيبة، فإن فتح " دولابه " الخاص، ~~وأخذ منه شيئا فهو يأخذ ما يريد بهدوء واطمئنان، لكن المنحرف من يدخل ~~إلى غير حجرته ويأخذ شيئا من " دولاب " ما، حتى ولو كان " دولاب " الأب ~~النائم، لذلك نجده يسير على أطراف أصابعه متلصصا ليفتح " دولاب " أبيه. ~~إذن: فالاستقامة لا تحتاج إلى تكلف، ولكن الانحراف هو الذي يحتاج إلى ~~تكلف، ولذلك قال الله سبحانه: { استحبوا } ولم يقل " أحبوا " ، لأن ~~الحب أمر فطري، فالإنسان - مثلا - يحب ابنه حبا فطريا عاطفيا، والحب ~~العاطفي لا يقنن. # فأنت لا تستطيع أن تقول: سأحب فلانا وسأكره فلانا لأن العاطفة لا تأتي ~~بهذه الطريقة لذلك أنت تحب ابنك عاطفيا، حتى وإن كان فاشلا في دراسته. ~~لكنك تحب ابن عدوك عقليا إن كان متفوقا، إذن فالحب العقلي هو الذي يقنن ~~له. وكذلك أنت تكره الدواء المر بعاطفتك، لكنك تحبه بعقلك إن كان فيه ~~شفاؤك، فتبحث عنه، وتدفع المال من أجله، وتحرص على أن تتناوله، وكلنا ~~نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه ". # ووقف عند هذه سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال: يا رسول الله: ~~أنا أحبك عن مالي وأحبك عن ولدي، ولكن كيف أحبك عن نفسي؟ فكرر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الحديث قائلا: # " لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه ". # وكررها عليه الصلاة والسلام ثلاثا، فعلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ~~هذا تكليف. والتكليف لا يأتي إلا بالحب العقلي الذي يمكن أن يقنن. وقد ~~يتسامى المؤمن في الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليصير حبا عقليا ~~وعاطفيا. ولكن الحب العقلي هو مناط التكليف، أما الحب العاطفي فلا يكلف ~~به. ms3961 ولم يقنن الحق سبحانه وتعالى لانفعالات العواطف، لأنه سبحانه لا يمنع ~~العواطف أن تنفعل انفعالاتها الطبيعية، فأنت تحب من يسدي إليك معروفا، ~~وهناك من تحبه دون أن تعرف السبب. وهناك من تبغضه دون أن يكون قد عاداك ~~أو آذاك، وكل ذلك متروك لك، ولكن الله سبحانه وتعالى نهى أن يؤدي ذلك إلى ~~عدوان على الحق، فقال سبحانه وتعالى: # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا.. # [المائدة: 8]. أي: لا يدفعكم كره قوم على أن تخرجوا عن طريق الحق ~~وتظلموهم، فإن كرهتموهم فتمسكوا بالعدل معهم. إذن فالله سبحانه وتعالى لم ~~ينه عن الحب أو الكره ولكنه نهانا عن أن نظلم من نكره أو نجامل من نحب ~~على حساب الحق والعدل. ويعطينا سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~صورة حية لهذا فقد قتل أبو مريم الحنفي زيد بن الخطاب شقيق سيدنا عمر في ~~معركة اليمامة، ثم دخل في الإسلام فكان كلما مر أمام سيدنا عمر قال له: ~~إلو وجهك بعيدا عني، فإني لا أحبك. فقال له أبو مريم الحنفي: أو عدم حبك ~~لي يمنعني حقا من حقوقي. قال: لا. فقال الرجل: إنما يبكي على الحب ~~النساء. والحق سبحانه وتعالى حين قال: { إن استحبوا الكفر ~~على الإيمن } إنما يريد أن يلفتنا إلى أنهم عارضوا فطرتهم وعقولهم ~~ولذلك لا نجعل انتماءنا لهم فوق انتمائنا لله، فالولاء لله فوق كل حق حتى ~~لو كان حق الأبوة، صحيح أن الأب سبب وجودك، ولكنه سبحانه وتعالى خلق أباك ~~الأول آدم من عدم، فلا تجعل الخلق الفرعي يطغى على الخلق الأصلي. # ولذلك يذيل الحق هذه الآية الكريمة بقوله: { ومن يتولهم ~~منكم فأولئك هم الظالمون } لأنهم نقلوا الحق من الله ~~سبحانه وتعالى إلى الخلق، ولأنهم ظلموا أنفسهم فحرموها من الجزاء في ~~الآخرة ليحققوا نفعا عاجلا في الدنيا. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [البقرة: 57]. لأن أحدا لا يستطيع أن يظلم الله سبحانه وتعالى، والذي ~~يتمرد على الإيمان بعد أن يسمع الدعوة إليه ولا يؤمن، ومن يأمره ms3962 الحق ~~بالطاعة فيعصي، فهذا تمرد على الإيمان، وإن كنت من المتمردين وجاءك الله ~~بمرض فهل تقدر على دفع المرض ولا تمرض؟. وإذا جاءك الله بالموت. أتستطيع ~~أن تتمرد على الموت وتبعده عنك فلا تموت؟. إذن: هناك أقدار لا تستطيع ~~التمرد عليها، وأنت متمرد - فقط - فيما لك فيه اختيار. وبعد ذلك أراد ~~الحق سبحانه وتعالى أن يخاطبهم خطابا صريحا فقال: { قل إن كان ~~آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم... }. ### || [9.24] # والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليبلغه للمؤمنين. وقد جاء ~~سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة بمراحل القرابة، فذكر أولا صلة ~~النسب من آباء وأبناء وإخوة، ثم الزواج، وهو وسيلة التكاثر، ثم الأهل ~~والعشيرة، ثم الأموال التي نملكها فعلا، ثم الأموال التي نريد أن ~~نكسبها، ثم المساكن التي نرضى بها، وبعد ذلك ذكر التجارة التي تزيد من ~~المال. وفرق الله سبحانه بين الأموال التي في حوزتنا وبين التجارة لأن ~~التجارة قد تأتي لنا بأموال فوق الأموال، والإنسان لا يحصل على سكن إلا ~~إذا كان عنده فائض من المال. ويذكرنا الحق سبحانه هنا إن كانت أي مسألة ~~من هذه الأشياء، وهي زينة الحياة الدنيا أحب إليكم من الله ورسوله ~~والجهاد في سبيل الله { فتربصوا } أي انتظروا حتى يأتيكم أمر ~~الله، وجينئذ ستعرفون القيمة الحقيقية للدنيا وقيمة ما عند الله تعالى من ~~رضاء ونعيم. ولهذه الآية الكريمة أسباب نزول، وهو أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عندما أمر بالهجرة من مكة إلى المدينة، أمر المسلمين ~~بالهجرة، فتركوا أموالهم التي اكتسبوها بمكة وتجاراتهم ومساكنهم، وآبائهم ~~وأبنائهم، وإخوانهم وأزواجهم وعشائرهم، التي تستطيع حمايتهم، تركوا كل ~~هذا وهاجروا لأرض جديدة. ولكن من المسلمين من ركنوا للدنيا فبقوا بجوار ~~أموالهم وأزواجهم وأبنائهم المشركين، وكانت الواحدة من النساء المشركات ~~تتعلق بقدمي زوجها المسلم الذي يريد الهجرة حتى لا يتركها فكان قلبه ~~يرق لها، ومنهم من كان يخشى ضياع ماله وكساد تجارته، التي بينه وبين ~~المشركين، فنزلت هذه الآية. إن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يوضح قيمة ms3963 ~~الانتماء الإيماني ويدرب المؤمنين عليه. فقد كان المسلم لا يتم إيمانه ~~حتى يهاجر، ويصارم أهله وأقاربه ويقاطعهم، فشق ذلك عليهم. وقالوا: يا ~~رسول الله إن نحن اعتزلنا من خالفنا في ديننا قطعنا آباءنا وأبناءنا ~~وأزواجنا وأقاربنا، وخفنا على أموالنا وتجارتنا من الفساد، وخفنا على ~~مساكننا أن تخرب، وبذلك نضيع، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وكأنها تأمرهم ~~بأن كسب الإيمان أعلى من أي كسب آخر، فأنزل الحق سبحانه وتعالى الآية ~~الكريمة: { قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجرة تخشون كسادها ومسكن ترضونهآ أحب ~~إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا ~~يهدي القوم الفسقين } [التوبة: 24]. ولما نزلت هذه الآية ~~الكريمة أخذها الصحابة مأخذ الجد وهاجروا وقاطعوا آباءهم وأبناءهم، حتى ~~إن الواحد منهم كان يلقى أباه أو ابنه فلا يكلمه، ولا يدخله بيته، ولا ~~ينزله في منزله إن لقيه، ولا ينفق عليه، إلى أن نزلت الآية الكريمة: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15]. أي: أن المعروف معهم يقتصر فقط في المعاملة وفي الإنفاق ~~على المحتاج. أما الطاعة لهم فيما يغضب الله فهي محرمة. وحاول بعض ~~المستشرقين أن يطعن في القرآن، فمنهم من قال: إن هناك تعارضا بين آيات ~~القرآن الكريم، فالآيتان اللتان ذكرناهما الأولى تطلب مقاطعة الآباء ~~والأبناء إن استحبوا الكفر على الإيمان، والآية الثانية تطلب مصاحبتهم ~~بالمعروف أو عدم القطيعة، وآية ثالثة تقول: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.. # [المجادلة: 22]. ولم يفطن هؤلاء إلى أن هناك فارقا بين الود والمعروف، ~~فالود هو عمل القلب، فأنت تحب بقلبك، وتود بقلبك، ولكن المعروف ليس من ~~عمل القلب لأنك قد تصنع معروفا في إنسان لا تعرفه، وقد تصنع معروفا في ~~عدوك حين تجده في مأزق، ولكنك لا تحبه ولا توده. إذن: فالمنهي عنه أن ~~يكون بينك وبين ms3964 من يحادون الله ورسوله حب ومودة، أما المعروف فليس منهيا ~~عنه لأن الله يريد للنفس الإيمانية أن تعترف بفضل الأبوة، فإن وجدت أباك ~~وهو غير مؤمن في مأزق فاصنع معه معروفا وساعده، لكن عليك ألا تطيعه فيما ~~يغضب الله لأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يربي في النفس الإيمانية أن ~~تحترم من له فضل عليها. والأب والأم من أسباب الوجود الفرعي في الحياة، ~~لذلك جاء الأمر بمصاحبتهما بالمعروف في الدنيا، شرط ألا نقبل منهما ~~دعوتهما للكفر إن كانا من أهل الكفر، لأن إيمانك بالله لا بد أن يكون هو ~~الأقوى. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد ~~أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ". # وذلك حتى لا يكون مقياس الحب هو النسب أو القربى، وإنما يكون القرب من ~~الله سبب الحب، والبعد عن الله سبب الكره. فقضية الإيمان تجب قضية ~~العاطفة. ففي معركة بدر كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما ابنه فلم يكن قد أسلم بعد وكان مع ~~الكفار، فلما أسلم ابن أبي بكر وآمن قال لأبيه: لقد رأيتك يوم بدر فلويت ~~وجهي عنك حتى لا أقتلك. فرد سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: لو أني رأيتك ~~لقتلتك. وهذا منطقي مع الإيمان لأن الموازنة النفسية اقتضت أن يقارن ~~ابن أبي بكر بين أبيه وبين صنم يعبده فرجحت كفة أبيه، ولكن أبا بكر حين ~~رأى ابنه قارن بين ربه وابنه فرجحت كفة ربه. # وإذا كان ذلك عن القرابة، وكيف يجب الإيمان العاطفة، فماذا عن ~~المال؟ يتابع المولى سبحانه وتعالى: { وأموال اقترفتموها } ~~أي: أخذتموها بمشقة، وهي مأخوذة من " القرف " وهي القشر، وأنت إن أردت ~~إزالة القشر عن حبة نبات ما، قد تجد شيئا من المشقة لأن هناك التصاقا ms3965 ~~بين القشرة والحبة، والحق هنا يقول: { وأموال اقترفتموها } ~~أي: أخذتموها بجهد ومشقة، وهو غير المال الموروث الذي لم يتعب فيه صاحبه، ~~وإنما ورثه عن غيره، وفي هذه الحالة قد يكون أمره هينا على صاحبه. أما ~~المال الذي كسبه الإنسان بعرق جبينه وكده فصاحبه أكثر حرصا عليه من ~~المال الموروث. ويقال: " فلان اقترف كذا " ، أي: أنه قام بجهد حتى حصل ~~عليه، ويقال: " اقترف الكذب " و " اقترف السرقة " ، بمعنى أنه قد بذل ~~جهدا ليكذب، أو بذل جهدا ليسرق، أي: قام بعملية فيها مجهود. ثم يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره والله لا يهدي القوم الفسقين } وسبحانه هنا ~~يوضح لهم: انتظروا أمر الله الذي سوف يأتي، لأنه سبحانه لا يهدي فاسقا ~~خرج عن الإيمان، ولا يهدي من جعلوا حبهم للعلاقات الدنيوية فوق حب الله ~~فخرجوا عن مشيئة هداية الله تعالى، فسبحانه لا يهديهم كما لا يهدي ~~الظالمين أو الكافرين لأن هؤلاء هم من قدموا الظلم والكفر والفسق، فكان ~~ذلك سببا في أن الله لم يدخلهم في مشيئة هداية المعونة على الإيمان، أما ~~هداية الدلالة فقد قدمها لهم. ثم أراد الحق سبحانه وتعالى أن يبعث ~~الطمأنينة الإيمانية في نفوس المؤمنين، فيوضح لهم: إن كنتم تريدون ~~بالآباء والأبناء والعشيرة والأقربين والمال قوة، فاعلموا أن قوة المؤمن ~~من ربه، وإياك أن تنظر إلى ولي آخر غير الله لأن ولاية البشر عرضة للتغير ~~والتبدل، حيث إن الإنسان حدث يتقلب بين الأغيار، فالغني فيها قد يصبح ~~فقيرا، والسليم قد يصبح مريضا، والقوي قد يصير ضعيفا، ولكن الولاية ~~الدائمة إنما تكون من قادر قاهر لا يتغير، فإذا كان الله وليك فهو ~~القادر دائما، والقاهر دائما، والغالب دائما، والموجود دائما، ~~والناصر دائما، ولكن إذا كانت الولاية من إنسان لإنسان فالأغيار في ~~الدنيا تجعل الصديق ينقلب عدوا، والمعين يصبح ضعيفا لا يملك شيئا، ~~والموجود يصبح لا وجود له بالموت، إذن: فلا بد أن تجعل ولايتك مع الله ~~سبحانه وتعالى: لأنه هو الدائم الباقي. ولهذا يعلم المولى - عز وجل ms3966 - ~~عبده المؤمن أن يكون دائما يقظا، فطنا، لبيبا، فيقول سبحانه وتعالى: # وتوكل على الحي الذي لا يموت.. # [الفرقان: 58]. أي: لا تتوكل على من قد تصبح غدا فتجده ميتا، ولكن ~~توكل على الحي الموجود دائما، العزيز الذي لا يقهر، القوي الذي لا يغلب. # وينبه الحق سبحانه وتعالى المؤمنين: إن كنتم تخشون حين نعزلكم عن مجتمع ~~الكفر لما فيه من عزوة كاذبة بالآباء والأبناء والإخوان والأقارب والمال، ~~فاعلموا أن الله هو الذي ينصر، وهو الولي، ولكن الكافرين لا مولى لهم ~~لأنهم يتخذون موالي من أغيار، والأغيار لا ثقة فيها لذلك يقال: إذا وصل ~~الإنسان إلى القمة فهذه نهاية الكمال، لأنه ما دام قد وصل إلى القمة وكل ~~شيء في الدنيا يتغير، فلا بد أن يتغير هو. ويقول القائل: # إذا تم شيء بدأ نقصه # ترقب زوالا إذا قيل تم # لأن كل شيء ابن أغيار لا بد أن ينزل إلى أسفل، ويوضح الحق سبحانه وتعالى ~~للمؤمنين أنه إذا كان قد طلب منهم أن يعزلوا أنفسهم عن مجتمع الكفر ~~فأفقدهم بذلك قوة ونصيرا، فهم في منعة أكبر لأنهم حينئذ يكونون مع ~~الله، والله هو النصير، وليس هذا كلاما نظريا، وإنما هو كلام مؤكد ~~بالوقائع التي شهدتموها، وسبحانه وتعالى يقول بعد ذلك: { لقد ~~نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ ~~أعجبتكم كثرتكم... }. ### || [9.25] # وقوله: { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة } [التوبة: ~~25] يلفتنا إلى أن النصر يكون من عند الله وحده، والدليل على أن النصر من ~~عند الله أنه سبحانه قد نصر رسوله والذين معه في مواطن كثيرة، و { ~~مواطن } [التوبة: 25] جمع " موطن " والموطن هو ما استوطنت فيه. وكل ~~الناس مستوطنون في الأرض، وكل جماعة منا تحيز مكانا من الأرض ليكون ~~وطنا لها، والوطن مكان محدد نعيش فيه من الوطن العام الذي هو الأرض لأن ~~الأرض موطن البشرية كلها، ولكن الناس موزعون عليها، وكل جماعة منهم تحيا ~~في حيز تروح عليه وتغدو إليه وتقيم فيه. والله سبحانه هنا يقول: { لقد ~~نصركم الله في مواطن كثيرة } [التوبة: ms3967 25]، وما دام ~~الحديث عن النصر، يكون المعنى: إن الحق سبحانه قد نصركم في مواطن الحرب ~~أي مواقعها، مثل يوم بدر، ويوم الحديبية، ويوم بني النضير، ويوم الأحزاب، ~~ويوم مكة، وكل هذه كانت مواقع نصر من الله للمسلمين، ولكنه في هذه الآية ~~يخص يوما واحدا بالذكر بعد الكلام عن المواطن الكثيرة، فبعد أن تحدث ~~إجمالا عن المعارك الكثيرة يقول: { ويوم حنين إذ ~~أعجبتكم كثرتكم } [التوبة: 25] فكثرة عدد المؤمنين في يوم ~~حنين كان ظرفا خاصا، أما المواطن الأخرى، مثل يوم بدر فقد كانوا قلة، ~~ويوم فتح مكة كانوا كثرة، ولكنهم لم يعجبوا لم يختالوا بذلك، إذن: ففي ~~يوم حنين اجتمعت لهم الكثرة مع الإعجاب، وبذلك يكون يوم حنين له مزية، ~~فهو يوم خاص بعد الحديث العام. { ويوم حنين إذ أعجبتكم ~~} [التوبة: 25] هذا الإعجاب ظرف ممدود على اليوم نفسه، إذن فيوم حنين ليس ~~معطوفا على { مواطن كثيرة } [التوبة: 25] ولكنه جملة مستقلة ~~بنفسها لأن الكثرة والإعجاب بالكثرة لم تكن في بقية المواطن، وهذه دقة في ~~الأداء اللغوي تتطلب بحثا لغويا. فكلمة { مواطن } [التوبة: 25] هي ~~ظرف مكان، و { يوم حنين } [التوبة: 25] هي ظرف زمان، فكيف جاز أن ~~نعطف ظرف الزمان على ظرف المكان؟ ونقول: هذا هو ما يسميه العرب " احتباك ~~" لأن كل حدث مثل " أكل " و " شرب " و " ضرب " و " ذاكر " كل حدث لا بد ~~له من زمان ولا بد له من مكان، فإذا قلت: أكلت، نقول: متى؟ في الصبح، أو ~~في الظهر، أو في العصر، أو في العشاء؟ وأين؟ في البيت، أو في الفندق، أو ~~في المطعم، أو في الشارع. إذن: فلا بد لكل حدث من ظرف زمان وظرف مكان، ~~فإذا راعيت ذلك أخذت الظرفية المطلقة ظرفية مكان حدوث الفعل، وظرفية زمان ~~حدوث الفعل. # فإذا قلت: أكلت الساعة الثالثة ولم أسألك أين تم الأكل؟ أو إذا قلت: ~~أكلت في البيت ولم أسألك عن موعد الأكل ظهرا أو عصرا أو ليلا، يكون ~~الحدث غير كامل الظرفية. ومعلوم أن الزمان والمكان يشتركان في الظرفية، ~~ولكنهما يختلفان، ms3968 فالمكان ظرف ثابت لا يتغير. والزمان دائم التغير، فهناك ~~الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء. والزمان يدور، هناك ماض وحاضر ~~ومستقبل، وهكذا يشترك الزمان والمكان في الظرفية، ولكن الزمان ظرف متغير، ~~أما المكان فهو ظرف ثابت. وجاءت الآية هنا بالاثنين، ف { ويوم ~~حنين } [التوبة: 25] هو زمان ومكان لحدث عظيم، وأخذت الآية ظرف ~~المكان في { مواطن كثيرة } [التوبة: 25] وظرف الزمان في { ~~ويوم حنين } [التوبة: 25] فإذا قيل: لم يحضر ظرف الزمان والمكان ~~في كل واحدة، نقول: لا، لقد حضر ظرف المكان في ناحية وظرف الزمان في ~~ناحية ثانية، وهذا يسمونه كما قلنا " احتباك ". وقد حذف من الأول ما يدل ~~عليه الثاني، وحذف من الثاني ما يدل عليه الأول، فكان المعنى: لقد نصركم ~~الله يوم مواطن كذا وكذا. فإذا عطفت عليها يوم حنين يكون المعنى " ومواطن ~~يوم حنين " ، أي: جاء بالاثنين هنا. ولكن شاء الله سبحانه وتعالى ألا ~~يكون هناك تكرار، فأحضر واحدة هنا وواحدة هنا، وهذا يظهر واضحا في قوله ~~تعالى: # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل ~~في سبيل الله وأخرى كافرة # [آل عمران: 13]. فما دامت الأخرى { كافرة } تكون الأولى " مؤمنة " ، ~~ولكن حذفت " مؤمنة " لأن { كافرة } تدل عليها، وما دامت الأولى ~~المؤمنة تقاتل في سبيل الله، فالفئة الكافرة تقاتل في سبيل الشيطان. وحذف ~~تقاتل في سبيل الشيطان لأن { تقاتل في سبيل الله } دلت ~~عليها. وذلك حتى لا يحدث تكرار. ونجد أن المؤمن الذي يستمع إلى كلام الله ~~تعالى لا بد أن يكون عنده عمق فهم، وأن يكون كله آذانا صاغية حتى يعرف ~~ويتنبه إلى أنه حذف من واحدة ما يدل على الثانية. إذن: فيكون ظرف الزمان ~~موجودا في واحدة، وظرف المكان موجودا في واحدة، وكلاهما يدل على الآخر. ~~والمثال على ذلك أنه بعد أن انتهت هذه الغزوة، وعاد المسلمون إلى المدينة ~~مجهدين لم يخلعوا ملابس الحرب، قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ". # فانطلق المسلمون دون أن يستريحوا إلى أرض بني ms3969 قريظة، وهم اليهود الذين ~~كانوا يسكنون المدينة، وخانوا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحالفوا ~~مع الكفار ضد المسلمين، وبينما الصحابة في طريقهم إلى بني قريظة كادت ~~الشمس تغيب، فقال بعض الصحابة: إن الشمس ستغيب ولا بد أن نصلي العصر، ~~وصلوا. # وفرقة ثانية من الصحابة قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب منا ~~ألا نصلي العصر إلا في بني قريظة ولم يصلوا حتى وصلوا إلى هناك. ~~ونقول: إن الفريقين استخدما المنطق لأن الصلاة تحتاج إلى ظرف زمان وظرف ~~مكان، فالذي نظر إلى ظرف الزمان قال: الشمس ستغيب، وصلى، والذي نظر إلى ~~ظرف المكان الذي حدده رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يصل. وأقر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الفريقين، واحترم اجتهادهما في: ظرفية ~~الزمان، وظرفية المكان. وفي هذا يروي نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم الأحزاب: # " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " # فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم، وقال ~~بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فلم يعنف واحدا منهم. { ويوم حنين إذ أعجبتكم ~~كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا } [التوبة: 25] والغنى هو ~~عدم الحاجة إلى الغير، وحنين هو موضع في واد بين مكة والطائف، تجمع فيه ~~الكفار الذين ساءهم فتح المسلمين لمكة، فأرادوا أن يقوموا بعملية مضادة ~~تضيع قيمة هذا النصر. فاجتمعت قبائل هوازن وثقيف، واختاروا مالك بن عوف ~~ليكون قائدهم في هذه المعركة. واستطاع مالك بن عوف أن يجمع أربعة آلاف ~~مقاتل، وانضم إليهم عدد من الأعراب المحيطين بهم. ووضع مالك خطته على ~~أساس أن يخرج الجيش ومعه ثروات المشاركين في الجيش من مال، وبقر وإبل. ~~وأن يخرج مع الجيش النساء والأطفال. وذلك حتى يدافع كل واحد منهم عن عرضه ~~وماله فلا يفر من المعركة، ويستمر في القتال بشجاعة وعنف لأنه يدافع عن ~~نسائه وأمواله وأولاده. وبذلك وضع كل العوامل التي ms3970 تضمن له النصر. بينما ~~المؤمنون عندما تبدأ المعركة سيقاتلون مدافعين عن دين الله ومنهجه. ~~واجتمع الكفار ونزلوا بواد اسمه " وادي أوطاس ". وكان فيهم رجل كبير ~~السن ضرير. اسمه " دريد بن الصمة ". وكان رئيسا لقبيلة " جشم ". فلما ~~وصل إلى مكان المعركة سأل: بأي أرض نحن؟ فقالوا: نحن بوادي أوطاس.. ~~فابتسم وقال: لا حزنا ضرس ولا سهلا دهس، أي أنها أرض مناسبة ليس فيها ~~أحجار مدببة، تتعب الذي يسير عليها، وليست أرضا رخوة تغوص فيها أقدام من ~~يسير عليها، من " الحزن " فالحزن هو: الخشونة والغلظة، و " ضرس " هو: ~~التعب أثناء السير، وأيضا ليست أرضا سهلة منبسطة رملية تغوص فيها ~~الأقدام. وعندما سمع العجوز بكاء الأطفال وثغاء الشاة، قال: أسمع بكاء ~~الصبيان وخوار البقر. فقالوا له: إن مالك بن عوف استصحب ذراريه واصطحب كل ~~أمواله، فقال: أما الأموال فلا بأس، وأما النساء والذراري فهذا هو الأرعن ~~- أي: لا يفهم في الحرب - أرسلوه لي، فأحضروه له. # فلما حضر قال: يا مالك ما حملك على هذا؟ قال: وماذا تريد؟ قال: ارجع ~~بنسائك وذراريك إلى عليا دارك، فإن كان الأمر لك لحقك من وراءك. وإن ~~كان الأمر عليك لم تفضح أهلك وذراريك. فقال له مالك: لقد كبرت وذهب علمك ~~وذهب عقلك. وأصر على رأيه. ثم بدأ مالك بن عوف يرتب الجيش في الشعاب ~~وتحت الأشجار حتى لا يراهم المسلمون عند مجيئهم. فيتقدمون غير متنبهين ~~للخطر، وحينئذ يتم الهجوم عليهم من كل جهة ومن كل مكان. وعندما جاء جيش ~~المسلمين لم ينتبهوا إلى وجود الكفار المختفين عن الأعين. وحينئذ أعطى ~~مالك بن عوف إشارة البدء بالهجوم، فخرج الكفار من كل مكان. وفاجأوا ~~المسلمين بهجوم شديد، قال المتحدث: فوالله ما لبث المسلمون أمامهم إلا ~~زمن حلب شاة، حتى إنه من قسوة المعركة وضراوتها وقوة المفاجأة انهزم جيش ~~المسلمين في الساعات الأولى للمعركة، ووصل بعض الفارين من القتال إلى مكة ~~ولم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ساحة المعركة إلا تسعة بينهم ~~العباس عم رسول الله ms3971 صلى الله عليه وسلم. وكان ممسكا بالدابة التي ~~يركبها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسيدنا علي بن أبي طالب وكان يحمل ~~الراية. وسيدنا الفضل، وكان يقف على يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وسيدنا أبو سفيان بن الحارث ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ~~يقف على يساره. وكان معهم أيمن بن أم أيمن وعدد من الصحابة. وهنا نتساءل: ~~لماذا حدثت هذه الهزيمة للمسلمين في بداية المعركة؟ لأنهم عندما خرجوا ~~إلى الحرب قالوا: نحن كثرة لن نهزم من قلة، وبذلك ذهبوا إلى الأسباب ~~وتناسوا المسبب، فأراد الله أن يعاقبهم عقابا يخزيهم ويعلي من قدر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~حدث، قال العباس - وكان العباس صاحب صوت عال: أذن في الناس، فقال ~~العباس بصوت عال: يا معشر الأنصار - يا أهل سورة البقرة، يا أهل بيعة ~~الشجرة. فلما سمع الناس نداء العباس، قالوا: لبيك لبيك. وكان الذي يقول: ~~" لبيك " يسمعه من هم وراءه ويقولون مثله، حتى عاد عدد كبير من المؤمنين ~~إلى القتال، وحمى القتال واشتدت الحرب وصار لها أوار، فضحك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: الآن حمى الوطيس، أي اشتدت الحرب، ثم قال عليه الصلاة ~~والسلام: # " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ". # ويروى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم البراء بن عازب، فقد جاء ~~في الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه. # " أن رجلا قال له: يا أبا عمارة أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، إن هوازن ~~كانوا قوما رماة، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس ~~على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام بغلته البيضاء وهو يقول: ~~" أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد المطلب " # أي: أنه رسول الله، والله لن يتخلى عنه ms3972 ولن يخذله، ولم يثبت أمام ~~المؤمنين واحد من هوازن وثقيف، وانتهت المعركة عن ستة آلاف أسير من ~~النساء، كما غنم المسلمون أموالا لا حصر لها وعددا كبيرا من الإبل ~~والبقر والغنم والحمير. وأحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم بديل بن ~~ورقاء وقال له: أنت أمير على هاذ المغنم. اذهب به وأنا سأتتبع الهاربين. ~~وانطلق جيش المسلمين إلى الطائف ليطارد الفارين. واختبأ مالك بن عوف قائد ~~العدو. ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك وقسم الغنائم، وكاد ~~تقسيم الغنائم أن يحدث فتنة بين المسلمين لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أعطى الغنائم للمؤلفة قلوبهم، ولسائر العرب ولم يعط منها الأنصار، لقد ~~أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقارن بين شيئين، بين سبايا هي ~~أيضا من متاع الدنيا فيعطي منها المؤلفة قلوبهم وبين حب الله ورسوله ~~فيكون حظ الأنصار منه، فالأنصار الذين آووه صلى الله عليه وسلم في رأيه ~~صلى الله عليه وسلم يستغنون بحبهم لرسول الله وقوة إيمانهم بالله عن مثل ~~هذا المتاع الدنيوي، إلا أنه على الرغم من ذلك شعر بعض من الأنصار ~~بالغصة، وتأثر هذا البعض بذلك. لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما أعطي من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها ~~شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة، حتى قال ~~قائلهم: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه فدخل عليه سعد بن عبادة ~~فقال: يا رسول الله إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا ~~الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم ~~يكن في هذا الحي من الأنصار شيء. قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: يا ~~رسول الله ما أنا إلا امرؤ من قومي وما أنا. قال: فاجمع لي قومك في هذه ~~الحظيرة. قال: فخرج سعد فجمع الناس في تلك الحظيرة. قال: فجاء رجال من ~~المهاجرين فتركهم ms3973 فدخلوا وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا أتاه سعد فقال: ~~قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار قال: فأتاهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو له أهل. # ثم قال: يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم وجدة وجدتموها في ~~أنفسكم، ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف ~~الله بين قلوبكم. قالوا: بل الله ورسوله أمن وأفضل. قال: ألا تجيبوني ~~يا معشر الأنصار؟ قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله ولله ولرسوله المن ~~والفضل؟ قال: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم وصدقتم، أتيتنا مكذبا ~~فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فأغنيناك أي: أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لهم ثلاثة أشياء من فضل الإسلام عليهم، ~~وهي أنه نقلهم من الضلال إلى الهدى، ومن الفقر إلى الغنى، ومن العداوة ~~إلى الأخوة والمحبة. وعندما تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فضل ~~الأنصار على الدعوة ذكر أربع فضائل، وهي أن أهل مكة كانوا قد حاولوا قتل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فهاجر منها فآواه أهل المدينة، وجاء الرسول ~~والمؤمنون إلى المدينة لا يملكون شيئا، فأعطاهم الأنصار من أموالهم ~~وزوجاتهم، وكان الكفار يحاولون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه ~~الأنصار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خذله قومه من قريش فنصره ~~الأنصار. عندما سمع الأنصار قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذكر ~~مفاخرهم. قالوا: المنة لله ولرسوله، أي: إننا معشر الأنصار لا نقول هذا ~~الكلام الذي قلته أبدا لأن حلاوة الإيمان وجزاء الإيمان أكبر من هذا ~~بكثير، وبهذا لا يكونون هم الذين أعطوا، بل الإيمان هو الذي أعطاهم. ~~فالإيمان نفعه نفع أبدي. والحق تبارك وتعالى يقول: # قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمن # [الحجرات: 17]. وعندما قال الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وسلم: بل ~~المنة لله ولرسوله، قال لهم رسول الله عليه الصلاة والسلام: # " أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار لعاعة من الدنيا ms3974 تألفت بها ~~قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب ~~الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم، ~~فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس ~~شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار ~~وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار " # فلما سمعوا هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم بكوا حتى ~~اخضلت لحاهم وقالوا: رضينا بالله وبرسوله قسما وحظا وانتهت المسألة. ~~وهكذا نرى أنه حين تأتي مقارنة بين شيئين، لا بد أن نتفاخر بالشيء الدائم ~~الباقي الذي حصلنا عليه، أما الشيء الذي مآله إلى فناء فإن من ليس معه ~~يعيش كمن عاش معه، وهو متاع الدنيا، تعيش معه وتعيش بدونه. # ولكن لا أحد يستغني عن الإيمان، نستغني عن الدنيا نعم، أما عن الإيمان ~~وعن الله ورسوله فلا. وبعد أن قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم، ~~جاء وفد هوازن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وقد أسلموا. ~~فقالو: يا رسول الله إن أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى ~~عليك فامنن علينا من الله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ قالوا: يا رسول الله خيرتنا بين ~~أحسابنا وبين أموالنا بل ترد علينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب إلينا فقال ~~لهم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فإذا صليت للناس الظهر ~~فقوموا فقولوا: إنا نستشفع برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسلمين ~~وبالمسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أبنائنا ونسائنا ~~فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالناس الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. قال المهاجرون: وما كان ~~لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو ~~لرسول الله ms3975 صلى الله عليه وسلم. قال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم ~~فلا. وقال عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر: أما أنا وبنو فزارة فلا. قال ~~عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، قالت بنو سليم: لا، ما كان لنا ~~فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عباس: يا بني سليم وهنتموني. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي ~~فله بكل إنسان ست فرائض من أول شيء نصيبه، فردوا على الناس أبناءهم ~~ونساءهم.. ذلك هو ما يشير إليه قول الحق، تبارك وتعالى: { لقد ~~نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ ~~أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت ~~عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين } ~~[التوبة: 25]. أي: أنكم بدأتم المعركة ولم يكن الله في حسبانكم، بل كنتم ~~معتمدين على كثرتكم فلم تنفعكم ولم تحقق لكم النصر ولذلك فررتم خوفا من ~~الهزيمة ووجدتم الأرض ضيقة أمامكم، أي: تبحثون هنا وهناك عن مكان تختبئون ~~فيه فلا تجدون، مع أن الأرض رحبة أي واسعة، ولكنها أصبحت ضيقة في نظركم ~~وأنتم تفرون من المعركة. إلا أن الحق سبحانه وتعالى لم يرد أن ينهي ~~المعركة هذا الإنهاء. ولكنه أراد فقط أن ينزع من قلوب المسلمين المباهاة ~~بكثرة العدد وظنهم أن اللجوء إلى الأسباب الدنيوية هو الذي سيحقق لهم ~~النصر. أراد منهم سبحانه وتعالى أن يعلموا جيدا أنهم إنما ينتصرون بالله ~~عز وجل، وأن كثرتهم دون الاعتماد عليه سبحانه لا تحقق لهم شيئا. ثم يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { ثم أنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين... }. ### || [9.26] # أي: أن الله تبارك وتعالى أنزل سكينته أولا على رسوله وعلى المؤمنين ~~الذين ثبتوا معه، ثم أنزلها على المؤمنين الذين فروا من المعركة ثم عادوا ~~إلى القتال مرة أخرى، وقوله تعالى: { وأنزل جنودا لم تروها ~~وعذب الذين كفروا وذلك جزآء الكافرين } [التوبة: ~~26]. وقد حدثونا عن أن الملائكة نزلت وثبتت المؤمنين، وألقت الرعب في ~~قلوب الكافرين وأنزلت العذاب بهم. ms3976 والذين آمنوا هم الذين شهدوا بذلك ~~لأنهم وصفوا كائنات على جياد بلق ولم يكن عندهم مثلها. وإذا حدثنا ~~القرآن الكريم بأن الملائكة قد نزلت وأن هناك من رآهم، فعلى الإنسان منا ~~أن يقف موقف المؤمن، وأن يثق في القائل وهو صادق فليؤمن بما قال ولا يبحث ~~عن الكيفية. وإن كان منكم من يقف أمام هذه المسألة فعليه ألا يقف وقفة ~~الرافض لوجودها، ولكن وقفة الجاهل لكيفيتها لأن وجود الشيء مختلف تماما ~~عن إدراك كيفية وجوده. وهناك أشياء كثيرة في الكون، موجودة وتزاول ~~مهمتها، ونحن لا ندرك كيفية هذا الوجود. وليس معنى عدم إدراكنا لها أنها ~~غير موجودة. وكل الاكتشافات التي قدمها لنا العلم المعاصر كانت موجودة. ~~ولكننا لم نكن ندرك كيفية وجودها من قبل. فالجاذبية الأرضية كانت موجودة. ~~لكننا لم ندرك وجودها ولا كيفية عملها، وكذلك الكهرباء كانت موجودة في ~~الكون منذ بداية الخلق، ولكننا لم نكن ندرك وجودها حتى كشف الله تعالى ~~لنا وجودها فاستخدمناها، والميكروبات كانت موجودة في الكون تؤدي مهمتها ~~ولم نعرفها، حتى كشف الله لنا عنها فعرفنا وجودها وكيفية هذا الوجود، فكل ~~هذه الأشياء كانت موجودة في كون الله منذ خلق الله الكون. ولكننا لم نكن ~~ندرك وجودها. وعدم معرفتنا لم ينقص من هذا الوجود شيئا ولذلك إذا ~~حدثت بشيء لا يستطيع عقلك أن يفهمه فلا تنكر وجوده لأن هناك أشياء لم ~~نكن نعرف عنها شيئا، ثم أعطانا الله تعالى العلم فوجدنا أنها تعيش ~~بقوانين مادية محددة. إذن: فوجود الشيء يختلف تماما عن إدراك هذا ~~الوجود. وقول الحق سبحانه وتعالى: { ثم أنزل الله سكينته ~~على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم ~~تروها } [التوبة: 26] كلمة { لم تروها } [التوبة: 26]. تعطي ~~العذر لكل من لم ير، ويكفي أن الله قال ليكون هذا حقيقة واقعة. والحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31]. وحين كان يقال لنا: إن لله خلقا هم الجن، كما أن له ~~خلقا آخرين هم الملائكة، والجن يروننا ونحن لا نراهم. كان البعض يقف ms3977 ~~موقف الاستنكار. وكذلك قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ". # وكان بعض الناس ينكرون هذا الكلام ويتساءلون: كيف يدخل الشيطان عروق ~~الإنسان ويجري منها مجرى الدم؟! وعندما تقدمنا في العلم التجريبي ~~واكتشفنا الميكروبات ورأينا من دراستها أنها تخترق الجسم وتدخل إلى الدم ~~في العروق، هل يحس أحد بالميكروب وهو يخترق جسمه؟ هل علم أحد بالميكروب ~~ساعة دخوله للجسم؟ طبعا لا، ولكن عندما يتوالد ويتكاثر ويبدأ تأثيره ~~يظهر على أجسامنا نحس به، وهذا يدل على أن الميكروب بالغ الدقة مبلغا لا ~~تحس به شعيرات الإحساس الموجودة تحت الجلد. ومن فرط دقته يخترق هذه ~~الشعيرات أو يمر بينها ونحن لا ندري عنه شيئا، ويدخل إلى الدم ويجري في ~~العروق ونحن لا نحس بشيء من ذلك، والدم يجري في عروق يحكمها قانون هو: أن ~~مربع نصف القطر يوزع على الكل، ومثال ذلك ما يحدث في توزيع المياه، فنحن ~~نأتي بماسورة رئيسية نصف قطرها ثماني بوصات وندخلها إلى قرية، تكون كمية ~~الصب هي 8 × 8.. أي 64 بوصة مربعة، حينما نأتي لنوزعها على مواسير أخرى ~~فرعية نأخذ منها ماسورة نصف قطرها أربع بوصات، ومنها نأخذ ماسورة نصف ~~قطرها بوصتان، ومنها نأخذ ماسورة نصف قطرها بوصة أو نصف بوصة، المهم أن ~~مربع أنصاف أقطار المواسير الفرعية يساوي ما تصبه الماسورة الكبيرة. ~~وهكذا عروق الدم، فالدم يجري في شرايين واسعة وأوردة وشعيرات دقيقة.. ~~ولكن دقة حجم الميكروب تجعله يخترق هذه الشعيرات فلا ينزل منها دم، ~~وعندما تضيق هذه الشرايين تحدث الأمراض التي نسمع عنها، من تراكم ~~الكوليسترول أو حدوث جلطات، فيتدخل الطب ليوسع الشرايين لأنها مواسير ~~الدم. وهناك جراحات تجري بأشعة الليزر أو غيرها من الاكتشافات الحديثة ~~تخترق هذه الأشعة الجلد بين الشعيرات لأنها أشعة دقيقة جدا فلا تقطع أي ~~شعيرة ولا تسيل أي دماء. إذن: فكل ما في داخل الجسم محسوب بإرادة الله ~~تعالى، ولكل ميكروب فترة حضانة يقضيها داخل الجسم دون أن نحس به، ثم بعد ms3978 ~~ذلك يبدأ تأثيره فيظهر المرض وتأخذ عمليات توالد الميكروب في الدم ~~ومقاومة كرات الدم البيضاء له فترة طويلة، بينما نحن لا نحس ولا ندرك ما ~~يحدث. فإذا كان " الميكروب " وهو من مادتك، أي: شيء له كثافة وله حجم ~~محدد ولا تراه إلا بالميكروسكوب فتجد له شكلا مخفيا، وهو يتوالد ~~ويتناسل وله دورة حياة، إذا كان هذا " الميكروب " لا تحس به وهو في داخل ~~جسمك فما بالك بالشيطان الذي هو مخلوق من مادة أكثر شفافية من مادة ~~الميكروب، هل يمكن أن تحس به إذا دخل جسدك؟ لا، وإذا كان الشيء المادي قد ~~دخل جسدك ولم تحس به، فما بالك بالمخلوق الذي خلقه الله تعالى من مادة ~~أشف وأخف من الطين؟ ألا يستطيع أن يدخل ويجري من ابن آدم مجرى الدم؟! ~~فإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم " # . فلا تتعجب ولا تكذب لأنك لا تحس به. فالله أعطاك في عالم الماديات ~~ما هو أكثر كثافة في الخلق ويدخل في جسدك ولا تحس به. إذن: فالعلم أثبت ~~لنا أن هناك موجودات لا نراها. ولو أننا باستخدام الميكروسكوبات ~~الإلكترونية الحديثة فحصنا كل خلية في جسم الإنسان فإننا سنرى العجب، ~~سنرى في جلد الإنسان الذي نحسبه أملس آبارا يخرج منها العرق، وغير ذلك ~~من تفاصيل بالغة الدقة لا تدركها العين، فإذا حدثنا الله سبحانه وتعالى ~~بأن هناك ملائكة تنزل وتقاتل، فنحن نصدق، وقد جعل الحق تبارك وتعالى لنا ~~ما يطمئن بشريتنا فقال: { وأنزل جنودا لم تروها } [التوبة: ~~26] فإن قال واحد: إنه رآها، وقال آخر: لم أر شيئا، نقول: إن قول ~~الحق: { لم تروها } [التوبة: 26] أي: لم تروها مجتمعين، فهناك من ~~لمحها، وهناك من لم يرها. وقول الحق سبحانه وتعالى: { وعذب الذين ~~كفروا } [التوبة: 26] أي: بالقتل أو بالأسر أو بسلب أموالهم، وقوله ~~تعالى: { وذلك جزآء الكافرين } [التوبة: 26] أي: أن ما لحق ~~بهم من هزيمة كان جزاء لهم على كفرهم. ولكن البعض يتساءل: لماذا لم ينزل ~~الجزاء وتتم ms3979 الهزيمة من أول لحظة في القتال؟ نقول: إن الله أراد أن يزيد ~~عذابهم، فلو أنه ألحق بهم الهزيمة من أول لحظة، لكان ذلك أخف على أنفسهم ~~وأقل عذابا، ولكنه أعطاهم أولا فرحة النصر حتى تأتي الهزيمة أكثر قسوة ~~وأكثر بشاعة، والشاعر يقول: # كما أدركت قوما عطاشا غمامة # فلما رأوها أقشعت وتجلت # فحين تمر سحابة على قوم يعانون من شدة العطش، هم يحلمون أن تمطر عليهم، ~~لكن الحلم يتبدد تماما كالمسجون الذي يعاني من عطش شديد. فيطلب من ~~السجان شربة ماء فيقول له السجان: سأحضرها لك. وفعلا يذهب السجان ويحضر ~~له كوب ماء مثلج فيعطيه له ويمسك المسجون الكوب بيده ونفسه تمتلئ فرحا. ~~وإذا بالسجان يضربه بشدة على يده فيسقط الكوب على الأرض، فيصاب المسجون ~~بصدمة شديدة. وهذه أبشع طرق التعذيب. ولو أن السجان رفض إحضار كوب الماء ~~من أول الأمر لكان ذلك أقل إيلاما للسجين. لكن بعد أن يحضر كوب الماء ~~للمسجون ويضعه في يده ثم يحرمه منه فهذا أكثر عذابا. وهكذا أراد الله أن ~~يزيد من عذاب الكافرين فأعطاهم مقدمات النصر وحلاوته أولا، ثم جاءت من ~~بعد ذلك مرارة الهزيمة لتسلبهم كل شيء، وبذلك تجتمع لهم فجيعتان: فجيعة ~~الإيجاب، وفجيعة السلب. ثم تأتي لمحة الرحمة التي يغمر بها الله سبحانه ~~وتعالى كونه كله، ويفتح الباب لكل عاص ليعود إلى طريق الإيمان فيتقبله ~~الله، ويقول الحق تبارك وتعالى: { ثم يتوب الله من بعد ~~ذلك على من يشآء... }. ### || [9.27] # وهذه هي عظمة الخالق، الرحمن الرحيم، فهو يفتح الباب دائما لعباده لأنه ~~هو خالق هذا الكون، وكل من عصى يفتح الله أمامه باب التوبة، وهذه مسألة ~~منطقية لأن الذي يكفر والذي يعصي لا يضر الله شيئا، ولكنه يؤذي نفسه ~~ويحاول أن يفتري على نواميس الحق، وحين يعلم العاصي أنه لا ملجأ له إلا ~~الله، فالله عز وجل يفتح له باب التوبة. وبعد أن بين الله سبحانه ~~وتعالى لنا في هذه السورة أن الله ورسوله بريء من المشركين، وكشف عن ~~طبيعتهم بأنهم لا ms3980 عهد لهم ولا ذمة، ويصفي هذه المسائل تصفية عقدية في # برآءة من الله ورسوله # [التوبة: 1]، وطلب منا أن ننهي العقود التي بيننا وبينهم.. فمن نقض ~~العهد انتهى عهده، ومن حافظ عليه حافظنا نحن على العهد إلى مدته، ثم طلب ~~من المشركين ألا يقربوا المسجد الحرام، وصفى أي ضغينة أو ذنب بفتح باب ~~التوبة. ومن بعد ذلك ينتقل سبحانه من المعاهدة التي انتهت مع ذوات الكفار ~~إلى ذوات الكفار بأنفسهم، فيقول تبارك وتعالى: { يأيها الذين ~~آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا... }. ### || [9.28] # أي: أنه لا يكفي أن يقطع المؤمنون كل عهودهم مع المشركين، بل لا بد أن ~~يبرأوا أيضا من المشركين أنفسهم لأنهم نجس، والنجس هو الشيء المستقذر ~~الذي تعافه النفس وتنفر منه، وقد يكون المشرك من هؤلاء مقبولا من ناحية ~~الشكل والملبس، ولكن هذا هو القالب، والحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم ~~إنما يتكلم عن المعاني وعن الخلق. فالله عز وجل لا ينظر إلى القوالب، بل ~~إلى القلوب، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يرويه عنه ~~أبو هريرة رضي الله عنه: # " إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ". # فقد تكون الصورة مقبولة شكلا، لكن العقيدة التي توجد في قلوب تلك ~~الأجساد قذرة ونجسة، وسبحانه لا يأخذ بالظواهر ولا بالصور، بل بالقيم. ~~وأنت إذا ما نظرت إلى القيم وإلى العقائد الحقة الصادقة، تجد كل عقيدة ~~تنبئ عن تكوين مادتها، وعلى سبيل المثال، حينما تكون فرحا، يتضح ذلك على ~~أساريرك، ومن سيقابلك سيلحظ ذلك ويعرف أنك مبتهج، وإن كنت غاضبا أو ~~تعاني من ضيق، فهذا يتضح على أساريرك. إذن: فالمادة تنفعل بانفعال القيم، ~~وما دامت القيم فاسدة فالمادة التي يتكون منها جسده تكون متمردة على ~~صاحبها لأن المادة بطبيعتها عابدة مسبحة لله، وكذلك الروح بطبيعتها عابدة ~~مسبحة لله تعالى، ولا ينشأ الفساد إلا بعد أن توضع الروح في المادة، ثم ~~تتكون النفس من الاثنين معا، المادة والروح، فإن غلبت ms3981 النفس منهج الله ~~صارت مطمئنة، وإن تأرجحت النفس بين الطاعة والمعصية، فإما أن تطيع ~~فتكون نفسا لوامة، وإما أن تكفر وتتخذ طريق الشر فتكون نفسا أمارة ~~بالسوء. أما قبل أن تنفخ الروح في المادة، فكل منها مسبح لله تعالى لأن ~~كل شيء في الوجود عابد مسبح، والنفس في كل سلوكها مقهورة لإرادة صاحبها ~~بتسخير من الله عز وجل، وحين يأتي الموت، تنتهي الإرادة البشرية وتسقط ~~سيطرة الإنسان على جسده، بل إن هذا الجسد يشهد على صاحبه يوم القيامة. ~~والإنسان في الحياة الدنيا يعيش وإرادته تسيطر على مادته بأمر من الله، ~~فاليد قد تضرب إنسانا، وقد تعين إنسانا آخر وقع في عسرة، ولسان المسلم ~~يشهد أن لا إله إلا الله، ولسان الكافر يشرك مع الله آلهة أخرى. إذن: ~~فمادة الإنسان خاضعة لإرادة صاحبها في دنيا الأغيار، فإذا انتقل إلى ~~الآخرة فلا تأثير له على المادة، وتتحرر المادة من طاعة صاحبها في ~~المعصية، وتتمرد عليه، وتشهد على صاحبها بأنه كان يستخدمها في المعصية. ~~والحق سبحانه وتعالى يقول: # حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله ~~الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة ~~وإليه ترجعون # [فصلت: 20-21]. فكأن جوارح الإنسان تقول له يوم القيامة: لقد أتعبتني في ~~الدنيا وأكرهتني على فعل أشياء لم أكن لأفعلها لأنني عابدة مسبحة لله، ~~وإن ما أمرتني به يخرج عن طاعة الله عز وجل، وسبق أن ضربت المثل بقائد ~~الكتيبة الذي يصدر أوامر خاطئة فيطيعه الجنود، فإذا ما عادوا إلى القائد ~~الأعلى شكوا له مما كان قائد الكتيبة يكرههم عليه، كذلك أعضاء الجسم تشهد ~~عليه عند خالقها يوم القيامة. فإن كنت عابدا مسبحا كانت جوارحك معك. ~~وإن كنت غير ذلك كانت جوارحك ضدك، فاللسان مثلا عابد مسبح في ذاته، فإذا ~~أكرهته على أن يشرك بالله فهو مكره في الدنيا، ويصير شاهدا عليك يوم ~~القيامة. والحق سبحانه وتعالى ينادي يومئذ قائلا: # يوم هم بارزون لا يخفى ms3982 على الله منهم شيء ~~لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وهنا يقول الحق عز وجل: { إنما المشركون نجس } ~~[التوبة: 28] أي: أن عقيدتهم الفاسدة تنضح على تصرفاتهم، وسبحانه وتعالى ~~يربب المعاني الإيمانية في النفوس أي يزيدها، ومثال ذلك: نحن نرجم إبليس ~~كمنسك من مناسك الحج، نرجم قطعة من الحجر رمزنا إليها بالشيطان، ونحن لا ~~نرى الشيطان وقد وضعنا له رمزا وأرسينا في أعماقنا أن الشيطان عدو لنا ~~ويجب أن نرجمه لنبتعد عن مراداته، وبذلك أبرزنا هذه المعاني في أمر حسي ~~لنوضح للنفس البشرية أن الشيطان عدو لنا، وكلما وسوس الشيطان لنا بأمر ~~نرجمه بأن نبيت لأنفسنا قضايا الإيمان الناصعة فيهرب منا. وكل منا عليه ~~أن يتذكر أن الشيطان سوف يضحك على العاصين والكافرين في يوم القيامة، ~~ويقول ما أورده الحق سبحانه وتعالى على لسانه: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي # [إبراهيم: 22]. وفي هذا القول سخرية ممن صدقوه لأن السلطان إما سلطان ~~القهر بأن تأتي لإنسان بما هو أكبر منه وتقهره على فعل شيء بالقوة، وإما ~~سلطان الإقناع بأن تقنع إنسانا بأن يفعل شيئا. والشيطان ليس له سلطان ~~القهر والحجة. والحق سبحانه وتعالى عندما يقول: { إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا } [التوبة: 28] فإنه يوضح لنا أن نجسهم يحتم علينا أن ~~نمنعهم من دخول الأماكن التي لا يدخلها إلا الإنسان الطاهر. وجعل الحق ~~سبحانه وتعالى النجاسة المعنوية مثلها مثل النجاسة المادية، ولذلك قال ~~العلماء: ما دام الحق قد وصفهم بأنهم نجس فلا بد أن يكون فيهم نجس مادي، ~~ولذلك إذا اقتربت منهم تجد لهم رائحة غير طيبة، لأنهم لا يتطهرون من حدث، ~~ولا يغتسلون من جنابة. وعندما ذهبنا إلى الجزائر بعد تحريرها من فرنسا، ~~لم نجد في البيوت حمامات لأن الواحد من المستعمرين لا يذهب إلى الحمام ~~إلا كل عشرين يوما مثلا، لذلك جعلوا الحمامات بعيدا عن المساكن، ولكن ~~بعد أن تحررت الجزائر صار في البيوت حمامات لأن الثقافة الإسلامية مبنية ~~على الطهارة، ms3983 ويتوجب على المسلم أنه كلما دخل الإنسان الحمام تطهر، ~~وكلما كان جنبا اغتسل. # ولقد قال البعض: لو أنني سلمت على مشرك ويده رطبة.. فلا بد أن أغسل ~~يدي. فإذا كانت يده جافة فيكفي أن أمسح على يدي. وفي هذا احتياط وتأكيد ~~على اجتناب هؤلاء المشركين. وإذا كنا نجتنبهم أجسادا وقوالب، ألا يجدر ~~بنا أن نجتنبهم قلوبا؟ وقد أنزل الحق سبحانه وتعالى هذه الآية الكريمة ~~في العام التاسع من الهجرة وهو العام الذي صدر فيه منع المشركين من ~~الاقتراب من المسجد الحرام والبراءة من هؤلاء المشركين، وتساءل العلماء: ~~هل الممنوع والمحرم هو اقتراب المشرك من المسجد الحرام، أم من الحرم كله؟ ~~وحدد الإمام الشافعي التحريم على المشركين بالوجود في المسجد الحرام. ومع ~~احترامنا لاجتهاد الإمام الشافعي نقول: إن الحق سبحانه وتعالى قال: { ~~فلا يقربوا } ولم يقل: فلا يدخلوا. وتحريم الاقتراب يعني ألا ~~يكونوا قريبين منه، وأقرب شيء للمسجد الحرام هو كل الحرم، ولو كان المراد ~~هو المسجد فقط لمنع الحق دخولهم إليه بالنص على ذلك. وهكذا نرى كيف يمكن ~~أن يجتهد الإنسان ويبحث في المعاني ليستخرج المضمون الحق. ويتابع المولى ~~سبحانه وتعالى قوله: { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم ~~الله من فضله إن شآء إن الله عليم حكيم } ~~[التوبة: 28]. وفي هذا القول الكريم حديث عن الغيب. والغيب - كما عرفنا - ~~هو ما يغيب عنك وعن غيرك، أما الشيء الذي يغيب عنك ولا يغيب عن غيرك فلا ~~يكون غيبا، فإذا سرق منك مال مثلا فأنت لا تعرف من الذي سرق، والسارق ~~في هذه الحالة غيب عنك، ولكنه ليس غيبا عن غيرك فالسارق يعرف نفسه والذي ~~دبر له الجريمة يعرفه، ومن رآه وستر عليه يعرفه. وأنت - أيضا - لا تعرف ~~مكان المسروقات، ولكن السارق يعرف المكان الذي خبأها فيه. إذن: فهي غيب ~~عنك وليست غيبا عن غيرك. وهذه لعبة الأفاقين والنصابين الذين يسخرون ~~الجن، فما دام الشيء معروفا ومعلوما لغيرك من الناس فالكشف عنه مسألة ~~سهلة، ولكن هناك غيبا عنك وعن غيرك، وهذا هو ما ينفرد ms3984 به الحق سبحانه ~~وتعالى في قوله سبحانه: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول... # [الجن: 26-27]. ولكن هناك غيب عن الناس جميعا، ولكنه لن يظل غيبا ~~إلى آخر الزمان، فمثلا الكهرباء كانت غيبا واكتشفناها، وتفتيت الذرة ~~كان غيبا وعرفناه، وقوانين الجاذبية كانت غيبا ثم دخلت في علم الإنسان ~~فأصبحت معلومة له وليس هذا هو الغيب الذي يقصده الله سبحانه وتعالى في ~~قوله: { عالم الغيب } ، فهذا غيب يختص نفسه به، لا تقل: إن فلانا ~~يعلم الغيب، ولكن قل: إنه معلم غيب، والمسائل الغيبية: إما أن يحجبها ~~الزمان أو يحجبها المكان، فالآثار المطمورة مثلا، تعبر عن شيء ماض ~~واندثر، وفيه أخبار الأمم السابقة، ولا يعرفها أحد، وستره حجاب الزمن ~~الماضي، إلى أن يتم الكشف عنها ويهيئ الله لها من يفك ألغازها. # أما إبلاغ الله رسوله من أنباء الأمم السابقة مما جاء في القرآن الكريم ~~فهو اختراق لحجاب الزمن الماضي، نحو قوله تعالى: # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون # [آل عمران: 44]. ويقول سبحانه وتعالى: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر وما كنت من الشاهدين * ولكنآ أنشأنا ~~قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في ~~أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا ~~مرسلين # [القصص: 44-45]. وقوله سبحانه: { وما كنت } في آيات أخرى دليل على ~~أن الله سبحانه وتعالى أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بما كان مستورا في ~~الزمن الماضي. أما الشيء الذي سوف يحدث في المستقبل، فهو محجوب عنك بحجاب ~~الزمن المستقبل، وقد اخترق القرآن الكريم حجاب المستقبل في آيات كثيرة ~~كلها تبدأ بحرف السين، وحرف السين دليل على أن الشيء لم يحدث بعد، وقوله ~~تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم # [فصلت: 53]. دليل على أنه من الزمن المستقبل يكشف الله لنا عن آياته ~~الموجودة في الأرض، وقوله تعالى: # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون # [الروم: 1-3]. وهذا اختراق لحجاب المستقبل لأن ms3985 النصر حدث بعد نزول هذه ~~الآية بتسع سنوات. إذن: فالذي يحدث في المستقبل محجوب عنك بالزمن ~~المستقبل، ولكن هناك شيئا يحدث في الحاضر ولا نعرفه وهو محجوب عنك بحجاب ~~المكان، فما يحدث في مكان لست موجودا فيه لا تعرفه، فأنت إن كنت جالسا ~~في مكة مثلا، فأنت لا تعرف ما يحدث في المدينة المنورة لأنه محجوب عنك ~~بحجاب المكان، وهناك أيضا حجاب النفس، أي: أن ما يدور في نفسك لا يعرفه ~~أحد غيرك لأنه محجوب بحجاب النفس. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا } [التوبة: 28] فسبحانه وتعالى ~~يخاطب قوما يريد منهم أن ينفذوا هذا الأمر، ولكنه سبحانه يعلم السرائر ~~التي تستقبل النص. مثلما يأتي إنسان ويخبرك أن المخبز القريب من منزلك ~~سوف يغلق فأول ما يتبادر إلى ذهنك السؤال: ومن أين سنأتي بالخبز؟ أو أن ~~يقال لك: " إن الباخرة التي تحمل اللحم والخضروات ضلت الطريق " فأول ما ~~يخطر على بالك لحظتها: ومن أين نأكل؟ وكان المشركون يأتون إلى الحج ومعهم ~~أموالهم ويتاجرون وينفقون، هذه الفترة تمثل بالنسبة لمن يعيشون حول بيت ~~الله الحرام فترة الرواج المادي الذي يعيشون عليه طوال العام. # فإذا كان الحق سبحانه وتعالى يقول لهم: { إنما المشركون ~~نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ~~هذا } [التوبة: 28] فأي شيء يختلج في نفوس المسلمين؟ لا بد أن يدور ~~في أعماقهم السؤال: ومن الذي سيشتري بضائعنا؟ لكن هل ترك الله عز وجل مثل ~~هذا القول دون أن يرد عليه؟ لا، فقد رد على التساؤل بقوله تعالى: { ~~وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن ~~شآء إن الله عليم حكيم } [التوبة: 28]. وهكذا كشف الله ~~حجاب النفس، ورد على ما سيدور في نفوس المؤمنين في نفس الآية التي حرم ~~فيها على المشركين أن يقتربوا من المسجد الحرام، ولم ينتظر الحق سبحانه ~~وتعالى حتى يعلن المؤمنون ما في أنفسهم، بل رد على ما يجول بخواطرهم قبل ~~أن يعلنوه. وحين يكشف الله عز وجل حجاب ms3986 النفس بهذا الشكل، فالمؤمن الذكي ~~يقول: هذا ما جاء في بالي. ولأطمئن لأنه عرف ما بنفسي فسوف يرزقني. ولو ~~لم يأت ذلك في بالهم لكذبوا النص. ولو كذبوا النص لما بقوا على ~~الإيمان، وما داموا قد بقوا على الإيمان فقد جاء النص معبرا عما يجول ~~بأنفسهم تماما. والله سبحانه وتعالى كشف حجاب النفس في آيات كثيرة في ~~القرآن الكريم، منها قوله تعالى عن المنافقين والكفار: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول # [المجادلة: 8]. وقول النفس لا يسمعه أحد، ولو أن هؤلاء لم يقولوا هذا في ~~أنفسهم لقالوا: والله ما خطر ذلك في نفوسنا. ولأنهم قالوه في أنفسهم فقد ~~بهتوا لكشف القرآن الكريم لما يدور داخل أنفسهم. ولقد رد الله سبحانه ~~وتعالى في الآية الكريمة على ما سيدور في خواطر المؤمنين عندما يستمعون ~~إليها، فلم ينتظر الحق سبحانه وتعالى حتى يشكو المؤمنون لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خوفهم الفقر وقلة الرزق، بل أجاب سبحانه وتعالى على ذلك ~~قبل أن يخطر على بالهم. فكأن الحق سبحانه وتعالى يشرع حتى للخواطر قبل ~~أن تخطر على البال، ولا يترك الأمور حتى تقع ثم يشرع لها. وهنا يقول ~~المولى سبحانه وتعالى: { وإن خفتم عيلة } [التوبة: 28] ~~والعيلة هي الفقر، ويتابع الحق جل وعلا: { فسوف يغنيكم الله ~~من فضله } [التوبة: 28]، ولم يقل الحق " سيغنيكم " بل قال: { ~~فسوف } [التوبة: 28] وهي تقتضي زمنا سيمر ولكنه زمن قريب لأن الخير ~~الذي سيأتي له أسباب كثيرة كفيلة بتحقيقه كأن يعوضهم الله عما كان يأتي ~~به الكفار بأن تمطر السماء مطرا فينبت النبات، وهذه تحتاج إلى زمن، وأن ~~يأخذوا بالأسباب بأن يروج لهم تجارة على غير المشركين، أو يكشف لهم من ~~كنوز الأرض ما يغنيهم. ولذلك قال: { فسوف } [التوبة: 28] والأسباب ~~تحتاج إلى وقت، فنزلت الأمطار قرب جدة التي أسلمت ونبت الزرع في وادي ~~خليط، وتبالي باليمن وجرش وصنعاء، وجاءت أحمال البعير بالخير لأهل مكة ~~وحدثت الفتوحات الإسلامية، فجاء الخير من الجزية والخراج. # وهكذا نرى أن { فسوف } [التوبة: 28] امتدت لمراحل كثيرة، ms3987 وما زالت ~~موجودة ممتدة حتى الآن. إذن: فقد أخذت الأمد الطويل. على أننا لا بد ~~نلتفت إلى قول الحق سبحانه وتعالى: { وإن خفتم عيلة } ~~[التوبة: 28] هي حيثية بأن المؤمن عليه ألا يتهاون في أمر دينه رغبة في ~~تحقيق أمر من أمور الدنيا، فكل من يرتكب معصية خوفا من أن تضيع منه ~~فائدة مادية أو دنيوية، كأن يخشى قول الحق خوفا من أن يضيع منه منصبه، ~~أو يغضب عليه صاحب العمل فيطرده من وظيفته، نقول له: لا عذر لك لأن الله ~~سبحانه وتعالى قال: { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم ~~الله من فضله } [التوبة: 28]. وحيث إن الرزق من عند الله سبحانه ~~وتعالى، وهذا هو كلام الله عز وجل، فلا عذر لأحد أن يرتكب معصية بحجة ~~المحافظة على رزقه، أو بحجة أنه يدفع الفقر عن نفسه وبيته وأولاده. على ~~أن قوله تعالى: { إن شآء } [التوبة: 28] قد تجعل الإنسان يظن أن الزمن ~~سوف يباعد بينه وبين الرزق لأنه سبحانه قد يشاء أو لا يشاء، فكيف يكون ~~هذا الأمر وهو سبحانه أراد بالآية طمأنة المسلمين. وإذا كان الله قد قال: ~~{ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } ~~[التوبة: 28]. فإننا نقول: إن الحق سبحانه وتعالى يريد الصلة الدائمة ~~بعبده وألا يفسد على العبد الرجاء الدائم في الله تعالى. وقوله عز ~~وجل: { إن شآء } [التوبة: 28] هو إبقاء لهذا الرجاء لأن العبد سيظل في ~~رجاء إلى الله عز وجل فيظل الله تعالى في باله ولأنه سيطلب دائما رضا ~~الله فإن هذا يجعله يبتعد عن المعصية ويتمسك بالطاعة. وفوق ذلك كله، فإن ~~الحق تبارك وتعالى له طلاقة القدرة في كونه، فقدر الله وقضاؤه ليسا حجة ~~على الله سبحانه وتعالى تقيد مشيئته سبحانه، فمشيئة الله مطلقة لا يقيدها ~~حتى قدر الله فهو إن شاء حدث القدر. وإن شاء لم يحدث. وهكذا تظل طلاقة ~~قدرة الله في كونه. وبعض العارفين بالله يكشف لهم الله لمحة من لمحات ~~الغيب، فيخبر الواحد منهم الناس، فيخلف الله سبحانه وتعالى ما كشفه حتى ~~يظل ms3988 الله وحده عالم الغيب فما دام ذلك اصطفاه الله بغيب أطلع الناس عليه. ~~فسبحانه يغير أحداث الغيب ولا يعطي لذلك الشخص خبرا عن أي غيب آخر. ~~إذن فكلمة: { إن شآء } [التوبة: 28] هي إثبات لطلاقة قدرة الله في ~~كونه، فإن شاء أعطاكم، وإن شاء لم يعطكم، فالإعطاء له حكمة، والمنع له ~~حكمة، فقد يفتري البعض بالنعمة فيحجبها الحق عنهم، وهذا ما حدث في كثير ~~من البلاد التي طغت وكفرت بنعمة الله عليها لأنه سبحانه لو ترك النعمة ~~هكذا بدون ضوابط لاستشرى في تلك البلاد الفساد والمعاصي، إذن: فالمشيئة ~~تقتضي إعطاء، أو منعا، والإعطاء له حكمة، والمنع له حكمة لأن الحق ~~سبحانه وتعالى يعامل خلقه على أنهم من الأغيار القلب منهم من تأتيه ~~النعمة فتطغيه، ولذلك يقول سبحانه وتعالى: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن # [الفجر: 15-16]. أي: أن الإنسان إذا أنعم الله تعالى عليه، عد هذا ~~كرما من الله عز وجل، وإذا ما ضيق الله عليه الرزق اعتبر ذلك إهانة وعدم ~~رضا من الله. ويرد الله تبارك وتعالى ليصحح المفهوم فيقول: { كلا } ~~[الفجر: 17] أي لا المال دليل على الإكرام، ولا قلة المال دليل على ~~الإهانة. # كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحآضون على ~~طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلا لما * ~~وتحبون المال حبا جما # [الفجر: 17-20]. إذن: فالمال إذا جاء ليطغيك يكون نقمة عليك وليس نعمة ~~لك، وإذا كانت قلة المال تمنع طغيانك فهي نعمة وليست نقمة. ولذلك قال ~~تبارك وتعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. قد يمنع عنك المال الذي إن وصل إليك غرك فتحسب أنك في ~~غنى عن الله تعالى وتطغى، وهذا المنع نعمة وليس نقمة، إذن فقوله تبارك ~~وتعالى: { فسوف يغنيكم الله من فضله } [التوبة: 28] هو ~~إبقاء لطلاقة القدرة في الكون حتى يكون الإغناء لا بالمادة وحدها ولا ~~بالمال وحده، ولكن بالقيم أيضا، فلا يذهب المال قيم السماء ولا يبعد ms3989 عن ~~منهج الله. وقوله سبحانه وتعالى: { إن شآء } [التوبة: 28] يعني: أنه ~~سبحانه إن شاء أعطى، وإن شاء منع، فلا مانع لنا أعطى، ولا معطي لما منع، ~~وهي طلاقة المشيئة، في حدود حكمة الله عز وجل، فلا تقل حين يمنع: إنه لم ~~يحقق قوله: { فسوف يغنيكم الله من فضله } [التوبة: 28] ~~لأن الإغناء كما يكون بالمادة، يكون أيضا إغناء بالقيم. ويؤكد هذا ~~قوله سبحانه وتعالى: { إن الله عليم حكيم } [التوبة: 28] ~~أي: عليم بالأمر الذي يصلح لكم، حكيم في وضع العطاء في موضعه والمنع في ~~موضعه. ثم يقول الحق بعد ذلك: { قتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم ~~الله ورسوله ولا يدينون دين الحق... }. ### || [9.29] # وهنا يعود الحق سبحانه وتعالى إلى التحدث عن القتال، ونعلم أن الذين ~~تحدث عنهم المولى سبحانه في هذه السورة، هم المشركون وأحوالهم، والأمر ~~بإلغاء المعاهدة معهم، وإبعاد ذواتهم عن المسجد الحرام، وتقتيل من يحاول ~~البقاء منهم ليحض على الشرك حتى لا يجتمع في جزيرة العرب دينان. وعرفنا ~~من قبل السبب، وأما الذين يتحدث عنهم الله في هذه الآية فهم غيرهم.. فرغم ~~أن الحق سبحانه وتعالى أرسل لمشركي العرب محمدا صلى الله عليه وسلم وهو ~~رسول من أنفسهم، فهم يعرفونه حق المعرفة، كما أن المعجزة التي جاء بها ~~صلى الله عليه وسلم من جنس فصاحتهم، فإذا كذبوه فهم مخطئون، ورغم هذا ~~فكذبوه ولم يؤمنوا به، أما خارج الجزيرة فالرسول ليس منهم، والقرآن لم ~~ينزل بلغتهم، وكان عليهم أن يأخذوا من المنهج التطبيق المناسب. وهكذا نرى ~~أن مصادمة الإيمان لم تكن من مشركي مكة فقط، بل كانت أيضا من بعض يهود ~~المدينة وبعض من نصارى نجران، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد حدد في هذه ~~السورة موقف الإيمان من المشركين به، فقد أراد أيضا أن يحدد موقف ~~الإيمان من أهل الكتاب. ونحن نعرف أن هناك فرقا بين أهل الشرك وأهل ~~الكتاب، فالمشركون لم يكونوا يؤمنون بالله إلها واحدا بل معه شركاء، ~~ولكن أهل الكتاب يؤمنون ms3990 بالإله ويؤمنون برسول وكتاب سماوي، وهم بذلك أقرب ~~إلى الإيمان. ولذلك نجد القرآن الكريم يعرض لنا مثل هذه القضية كطبيعة ~~فطرية، فنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حزن هو وصحابته حين غلبت ~~الروم في أدنى الأرض. لماذا حزن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أن ~~الروم سيقفون أيضا ضده؟ لقد حزن صلى الله عليه وسلم لأنهم يؤمنون أن ~~للكون خالقا واحدا وأن له رسلا يوحي إليهم وأن له كتبا منزلة، لكن ~~الأمر يختلف بالنسبة للمشركين، فهم يكفرون بالله وهذا قمة الكفر. صحيح أن ~~بعضا من أهل الكتاب وقفوا مع المشركين في موقف العداء لرسول الله، لكن ~~قلبه صلى الله عليه وسلم معهم لأنهم أهل إيمان بالقمة. ويسري الحق عن ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول: # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون # [الروم: 1-3]. وهنا يبرز سؤال يقول: متى سيغلبون؟ تأتي الإجابة من الحق ~~تبارك وتعالى: # في بضع سنين # [الروم: 4]. والبضع بالنسبة للزمن هو فترة تتراوح من ثلاث لتسع سنوات، ~~ولم يحدد الحق سبحانه وتعالى البضع هنا لأن المعارك لها أوليات ونهايات، ~~لهذا جاء قول الحق تبارك وتعالى مراعيا لما تستغرقه هذه المراحل كلها، ~~وجاء القول بأن نصر الروم على الفرس سوف يأتي بعد بضع سنين. # وبالله قولوا لي: كيف يتحكم نبي أمي في جزيرة تسكنها أمة أمية، ولا علم ~~لهذا الرسول بأخبار الأمم وكيف لهذا النبي أن يأتي بأخبار نصر أمة على ~~أخرى؟ ويظل هذا الخبر في الكتاب الذي يحمل منهج رسالته قرآنا يتلى ~~ويتعبد به إلى قيام الساعة؟ لقد قالها بثقة في حدوث ما جاء في القرآن في ~~المستقبل القريب لأنها جاءته عن ربه، وهو واثق أن قائل هذا الخبر قادر ~~على إنفاذ ما يقول. وإلا، فماذا كان يحدث لو أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قال ذلك ثم مر بضع سنين ولم يأت نصر الروم؟ وماذا يكون موقف الذين ~~آمنوا به كرسول من عند الله؟ إذن: هو صلى الله عليه ms3991 وسلم لم يكن ليجازف ~~وينطقها إلا بثقة في أن القائل هو الحق سبحانه الذي شاء أن ينزل بالخبر ~~في آية قرآنية تتلى، وتكتب، وتحفظ، ويصلى بها في كل وقت إلى أن ~~تقوم الساعة. وينزلها سبحانه على محمد صلى الله عليه وسلم وقت أن كان ~~ضعيفا لا يعرف ميزان القوي، ولا يعلم هل ستستعد الروم لتنتصر أم لا؟ ثم ~~ألم يكن من الممكن أن يتصالح الروم والفرس؟ كل ذلك لم يكن في حسبان محمد ~~صلى الله عليه وسلم لأن الخبر جاء من الله سبحانه القادر على إنفاذ ما ~~يقول. ألم يكن هناك إخبار عن أمور خالفت النواميس؟ نعم كانت هناك أمور ~~خارجة عن النواميس وجاء بها الخبر من الله سبحانه وتعالى.. ألم يقل زكريا ~~عليه السلام حين بشر بالولد: # قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا ~~وقد بلغت من الكبر عتيا * قال كذلك قال ربك ~~هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 8-9]. أي: ما دام الله سبحانه وتعالى قد قال فقد تأكد الحدوث. ~~وكان المؤمنون أقرب إلى الروم لأنهم أهل كتاب ولأن لهم صلة بالسماء، ومن ~~له صلة بالسماء يمتلئ بالحنين إلى أخبار السماء، ويتسمع أخبار المؤمنين ~~في القمة العقدية. ومن العجيب أن هذه الآية تصدق في الروم وفارس، فينتصر ~~الروم على الفرس، وتصدق في محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فينتصر رسول ~~الله وأصحابه في بدر. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله.. # [الروم: 4-5]. وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ~~ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتب ~~حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } [التوبة: ~~29]. ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى قد وصفهم هنا بأنهم لا يؤمنون بالله مع ~~أنهم أهل إيمان. والمعنى أنهم لا يؤمنون بالله الإيمان الذي يعطي الله ~~جلال الصفات وكمالها لأن بعضهم قال: إن الله ms3992 له ابن اسمه عزير، وقال ~~البعض الآخر: المسيح ابن الله، إذن فهم لم يؤمنوا بالله حق الإيمان ~~تسبيحا وتنزيها لذاته الكريمة عما لا يليق بها، وكذلك يختلف إيمانهم ~~باليوم الآخر عن الإيمان الحق به، إنه إيمان لا يتفق مع مرادات الله ~~تعالى فهم يقولون مثلا: إن النعيم في الآخرة ليس ماديا ولكنه نعيم ~~روحي. # ونقول: عندما يحدثنا الله عن نعيم الآخرة فلا بد أن نعرف هذا النعيم حتى ~~نفهم المعنى، ونتساءل: ما هو النعيم الروحي؟ هل النعيم الروحي هو خواطر ~~في النفس فقط لا علاقة لها بالحقيقة؟ أيكون هذا هو نعيم الآخرة؟ لقد أوضح ~~المولى سبحانه وتعالى بما لا يدع مجالا للظن أو الشك أنه قد أعد جنة ~~للمؤمنين وأعد نارا للكافرين، وحكى لنا الحق سبحانه وتعالى عن هذه ~~الحياة بما فيها من ثواب ومن عقاب بما يقنعنا أن فيها نعيما مثل الذي ~~نعرفه، فإذا كان هذا النعيم روحيا ونحن لا نعرف النعيم الروحي ولا نعلم ~~شيئا عنه، فكيف يغرينا الله عز وجل بشيء لا نعلمة؟ إذن: فإيمان هؤلاء ~~الناس باليوم الآخر ليس إيمانا كما يريده الله. فسبحانه حين يحدثنا عن ~~الجنة إنما يحدثنا عن أشياء من جنس ما نعرف وليس من جنس ما لا نعرف. ~~وصحيح أن الله سبحانه وتعالى قد بين لنا بعض صور النعيم في الجنة، ~~وقال: إنها مثل كذا وكذا. قال الحق جل جلاله: # مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها ~~الأنهار أكلها دآئم وظلها تلك عقبى الذين ~~اتقوا وعقبى الكافرين النار # [الرعد: 35]. إذن: فالله عز وجل يعطي مثلا فقط. ومعلوم أن اللفظ في ~~اللغة لا بد أن يوضع لمعنى معروف. ولذلك فعندما يحدثنا الله عن نعيم ~~الجنة لا بد أن يحدثنا بكلام نعرف معانيه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال عن الجنة: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # إذن: فلا توجد في اللغة ألفاظ تعبر عن نعيم الجنة لأن المعنى غير معروف ~~لنا، ولكن الله أراد ms3993 أن يحببنا فيها فأعطانا صورة نفهمها عن النعيم، ~~فيقول عز وجل: # مثل الجنة # [الرعد: 35] وهو يريدنا أن نعرف أن فيها نعيما خاليا من كل المنغصات ~~التي تكون في المثل. فمثلا الخمر في الدنيا فيها خصلتان الأولى أنها ~~تغتال العقول والثانية: أنها لا تشرب بقصد اللذة، والذي يشرب الخمر لا ~~يشربها مثلما يشرب عصير المانجو أو عصير الليمون الذي يستطعمه ويشربه على ~~مهل، ولكنه يسكب الكأس في فمه دفعة واحدة لأن طعمها غير مستساغ وليقلل ~~زمن مرور الخمر على الحس الذائق، ومعنى هذا أن طعمها غير مستطاب، ثم إنها ~~تذهب بوعي الشارب لها فيفقد السيطرة على سلوكه، ويعتذر في الصباح عما فعل ~~أثناء احتسائه للخمر ويقول خجلا: " لم أدر موقع رأسي من موقع قدمي " هذه ~~خمر الدنيا، ولكن الخمر في الجنة لا غول فيها. # . أي: لا تغتال العقول، حلوة المذاق، ولذلك يصفها الله سبحانه وتعالى ~~بقوله: # لذة للشاربين # [محمد: 15]. أي: أنها مختلفة تماما عن تلك الخمر التي حرمها الله في ~~الدنيا. وتتجلى الحكمة في معنى الاستطعام في قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في ~~الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ". # ومن رحمة الله تعالى بخلقه أنه لم يجعل الطعام وقودا للطاقة فقط، بل ~~يغري الناس على وقود الطاقة لاستبقاء الحياة بأن يستلذ الإنسان الطعام، ~~ويطيل أمد اللذة ساعة تناوله، لا أن ينتظر النفع بعد أن يهضم الطعام. ~~فكأن الإيمان لا يستمر إلا لمن يحب في الله ويكره في الله فذلك يعطيه ~~الطاقة التي تستبقي إيمانه، كما تستبقي طاقة الطعام حياة الإنسان. وشاء ~~الله سبحانه وتعالى أن يعطينا في تصوير الجنة المثل لما في الجنة، لا ~~بتشخيص وتحديد لما في الجنة فعلا، ويقول سبحانه وتعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ~~جزآء بما كانوا يعملون ms3994 # [السجدة: 17]. وإذا كانت النفس لا تعلم شيئا، فهي لا تملك ألفاظا تضع ~~فيها ما لا تعلمه، فإذا خاطبها الله تعالى بواقع الجنة فهي لن تفهم، لذلك ~~شاء الحق تبارك وتعالى أن يخاطبها بواقع المثل، فيقول عز وجل: # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم ~~جنت تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها ~~من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ~~وأتوا به متشابها ولهم فيهآ أزواج مطهرة ~~وهم فيها خالدون # [البقرة: 25]. إذن: فهو رزق يشبه الرزق الموجود في الدنيا ولكن ليس هو، ~~أما أن يقال: إن نعيم الجنة هو النعيم الروحي أو نعيم الخواطر أو ما ~~نسميه آمال النفس، كأن يتخيل إنسان جائع أنه أكل كمية من اللحم أو السمك ~~فتسعد روحه بذلك من غير واقع يحدث، فكل هذا غير حقيقي، ولكنهم يقولون هذا ~~الكلام لأنهم إذا ما تصوروا نعيم الجنة كالخواطر، فسوف يكون عذاب النار ~~مقابلا أيضا لنعيم الجنة، أي سيكون عذاب الخواطر، وفي هذا تصور لعذاب ~~سهل لأنهم يخافون عذاب النار فيريدونه عذابا روحيا. ولكن الإحساس ~~بالنعيم والعذاب لا بد أن يكون له واقع يشبهه في الدنيا، وإلا ما وجد ~~في أنفسنا ما يجعلنا نرغب في نعيم الجنة ونخاف من عذاب النار. # لذلك فإن نعيم الجنة حق، وعذاب النار حق. وشاء الله سبحانه أن يصفي ~~النعيم من كل الشوائب، فقال عز وجل عن أنهار الجنة: # وأنهار من عسل مصفى # [محمد: 15]. أي: ليس فيه كل الشوائب الموجودة في عسل الدنيا. وكذلك قال ~~عن لبن الجنة: # وأنهار من لبن لم يتغير طعمه # [محمد: 15]. وكلمة { لم يتغير طعمه } لها عند العرب أيام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى لأن العربي كان يحلب الجمال ويضع ~~ألبانها في الأواني، وكان اللبن يتغير طعمه ويصير حامضا، لكنه كان ~~مضطرا أن يشربه لذلك فحين يسمع # وأنهار من لبن لم يتغير طعمه # [محمد: 15] فهو يعطيه المثل من حياته، بعد أن ينقيه من كل الشوائب ~~التي تفسد طعم اللبن في الحياة الدنيا. وهنا يقول الحق ms3995 سبحانه وتعالى: { ~~قتلوا الذين لا يؤمنون بالله } [التوبة: 29] أي ~~الإيمان الواجب بعظمة الله وتنزيهه. واليهود يؤمنون إيمانا إجماليا ~~بالله، ولكنهم يجسمونه ويقولون: إنه جلس على صخرة ومد قدميه في قصعة ~~من الزمرد ثم استنكف الله أن يمده لبني إسرائيل، وهذا تصوير لا يليق ~~بكمال الله ولا بذاته المقدسة، وهذا خطأ في التصور. وكذلك كان خطؤهم في ~~تصور نعيم الجنة وعذاب النار، وبذلك لم يؤمنوا إيمانا حقا باليوم ~~الآخر، ولهذا جاء قول الحق: { ولا باليوم الآخر } [التوبة: 29] ~~وهم لم يقفوا فقط ضد الإسلام كمنهج، بل وقفوا أيضا من أديانهم مثل هذا ~~الموقف، ويقول المولى سبحانه وتعالى: { ولا يحرمون ما حرم ~~الله ورسوله } [التوبة: 29]. وهم كأهل كتاب حرفوا وبدلوا في ~~دينهم فأحلوا ما حرم الله. ولذلك يقول سبحانه: { ولا يدينون دين ~~الحق } [التوبة: 29]. والحق - كما نعلم - هو الشيء الثابت الذي لا ~~يتغير. وإذا نظرنا إلى كل رسول في عصره نجده قد جاء بالحق، وإذا جاء رسول ~~من بعده فهو لا ينسخ العقائد، ولكنه ينسخ في الأحكام، وهكذا نعلم أن كل ~~رسول جاء بالعقائد الثابتة وبالأحكام التي تناسب الزمان إلى أن بعث الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، فكان النبي الخاتم إلى أن تقوم الساعة، ولا ~~بد أن يكون الحق الذي جاء به هو الحق الثابت الذي لا يتغير لأنه خاتم ~~الأنبياء والمرسلين فلا رسول بعده، إذن فقوله: { ولا يدينون دين ~~الحق من الذين أوتوا الكتب } أي: أنهم لا يؤمنون حتى ~~بما جاء في كتبهم من بشارة به صلى الله عليه وسلم، وهذا حكم خاص بهم لأن ~~المشكلة معهم أنهم لم يصدقوا بلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله ~~وأنه مرسل إليهم، وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملتهم ما ~~شرعه الله تعالى، وذلك أن يعاملوا معاملة مختلفة عن المشركين، فمعاملة ~~المشركين كانت براءة من العهد، وإبعادا عن المسجد الحرام، وقتالا إن ~~وجدناهم، أو أن يسلموا. # أما معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب فكانت: إما ms3996 أن ~~يسلموا، وإما أن يعطوا الجزية مع استبقاء الحياة، ولذلك قال الحق تبارك ~~وتعالى: { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ~~[التوبة: 29]. أي: حتى يؤدوا ما فرض عليهم دفعة من أموال مقابل حصولهم ~~على الأمان والحماية، وفي هذا صون لدمائهم، ولذلك نجد أن المسلمين قد ~~فتحوا بلادا غير إسلامية وصاروا قادرين على رقابهم ولم يقتلوهم، بل ~~أبقوا عليهم، وإبقاء الحياة نعمة من نعم الإسلام عليهم، وهناك نعمة ثانية ~~وهي أنه لم يفرض عليهم دينا، وإنما حمى اختيارهم الدين الذي يرونه، وفي ~~ذلك رد على من يقول: إن الإسلام انتشر بالسيف، ونقول: إن البلاد التي ~~فتحت بالمسلمين أقرت أهل الأديان على أديانهم، وحمت فقط حرية الاختيار، ~~بل وقف المسلمون بالسيف أمام القوم الذين يقفون أمام اختيار الناس، ~~وتركوا الناس أحرارا. لكننا نجد المغالطات تملأ كتابات الغرب حول مسألة ~~السيف. ونرد دائما أن الإسلام لو انتشر بالسيف لما وجدنا في البلاد التي ~~فتحها أناسا باقين على دياناتهم، بل كان الإسلام يأخذ الجزية ممن ~~بقوا على دياناتهم من أهل الكتاب. وأخذ الجزية دليل على أنهم ظلوا ~~على دينهم وظلوا أحياء، وهاتان نعمتان من نعم الإسلام، وكان يجب أن يؤدوا ~~جزاء على ذلك، وكان الجزاء هو الجزية. وهي مادة " جزى " و " يجزي ". فكأن ~~الجزية فعلة من " جزى " " يجزي " لأن الإسلام قدم لهم عملا طيبا بأن ~~أبقى على حياتهم وأبقاهم على دينهم من غير إكراه، فوجب أن يعطوا جزاء ~~على هذه النعمة التي أنعم الله تعالى بها عليهم بالإسلام. وأيضا فإنهم ~~سيعيشون في مجتمع إيماني الولاية فيه للإسلام، ويتكفل المسلمون بحمايتهم ~~وضمان سلامتهم في أنفسهم وأهلهم وفي أموالهم وفي كل شيء، فإذا كان المسلم ~~يدفع لبيت المال زكاة تقوم بمصالح الفقراء والمسلمين، فأهل الكتاب ~~الموجودون في المجتمع الإسلامي ينتفعون - أيضا - بالخدمات التي يؤديها ~~الإسلام لهم، ويجب عليهم أن يؤدوا شيئا من مالهم نظير تلك الخدمات، ~~والإسلام مثلا لا يكلف أهل الكتاب أن يدخلوا جندا في حرب ضد أي عدو ~~للمسلمين إلا إذا تطوعوا هم بذلك، ms3997 إذن: فالجزية ليست فرض قهر، وإنما هي ~~مقابل منفعة أداها الإسلام لهم إبقاء على حياتهم وإبقاء على دينهم الذي ~~اختاروه، وقرر الحق أن يعطوا الجزية { عن يد } [التوبة: 29] واليد هي ~~الجارحة التي تؤدي بها الأعمال، وأغلب الأعمال إنما تزاول باليد، ~~ونجد القرآن الكريم يقول: # ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا ~~يشكرون # [يس: 35]. واللسان أيضا آلة الكلام، والحق تبارك وتعالى يجازي على ~~القول الطيب أو السيىء، ولكن الأصل في العمل هو " اليد " ، وتطلق اليد ~~ويراد بها القدرة التي تعمل، أو يراد بها النعمة، مثل قولنا: فلان له يد ~~على فلان، وفلان له أياد بيضاء على الناس. # وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: { حتى يعطوا الجزية عن ~~يد وهم صاغرون } [التوبة: 29]. فهل المقصود ب { عن يد } ~~[التوبة: 29] أي من يعطون الجزية، أم أيدي الآخرين الآخذين للجزية؟ ~~إن هذا القول: { عن يد } [التوبة: 29] مثلما يقال: فلان نفض يده من ~~هذا الأمر، أي خرج عن الأمر ولم يعد يعاون عليه. إذن يكون معنى { عن ~~يد } [التوبة: 29] أي غير رد للنعمة. وعن يد منهم أي من المعطين ~~للجزية، أو { عن يد } [التوبة: 29] أي: يدا بيده فلا يجلس الواحد من ~~أهل الكتاب في الأمة الإسلامية المحكومة بالإسلام في مكانه ويرسل رسولا ~~من عنده ليسلم الجزية، لا، بل عليه أن يدفعها ويحضرها بيده. أو نقول: { ~~عن يد } [التوبة: 29] من معنى القدرة، فمن عنده قدرة، فتأخذ الجزية من ~~القادر ولا نأخذها من العاجز. إذن: يشترط في اليد إن كانت منهم ثلاثة ~~ملاحظ الملحظ الأول: أن يكونوا موالين لا نافضين لأيديهم منا ومن حكمنا، ~~والملحظ الثاني: أن يأتي بها بنفسه لا أن يرسل بها رسولا من عنده، وإن ~~جاء بها لا بد أن يأتي بها وهو ماش وأن يعطيها وهو واقف ومن يأخذ الجزية ~~قاعد، وهذا هو معنى { وهم صاغرون } [التوبة: 29]. ولماذا يعطونها ~~عن صغار؟ لأن الحق عز وجل أراد للإسلام أن يكون جهة العلو، وقد صنع فيهم ~~الإسلام أكثر من جميل، فلم يقتلهم ولم يرغمهم على الدخول إلى ms3998 الإسلام ~~لذلك فعليهم أن يتعاملوا مع المسلمين بلا كبرياء ولا غطرسة، وأن يخضعوا ~~لأحكام الإسلام، وأن يكونوا موالين للمسلمين، لا نافضين الأيدي، وأن ~~يؤدوا الجزية يدا بيد، وأما العاجز وغير القادر فيعفى من دفع الجزية. { ~~حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } [التوبة: ~~29] والصغار من مادة الصاد والغين والراء، وتدل على معنيين إن أردتها ~~عن السن يقال " صغر " " يصغر " مثل قولنا: فلان كبر يكبر. وإن ~~أردتها في الحجم والمقام نقول " صغر " " يصغر " ، أي: صغر مقاما أو ~~حجما، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا # [الكهف: 5]. وهنا في قوله: { حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون } [التوبة: 29] تعني أن يؤدوها عن انكسار لا عن علو، ~~حتى إن من يعطي لا يظن أنه يعطي عن علو، ونقول له: لا، إن اليد الآخذة ~~هنا هي اليد العليا. ثم أراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا حيثيات قتال ~~الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، فقال بعد ذلك: { وقالت ~~اليهود عزير ابن الله... }. ### || [9.30] # هذا الادعاء فيه مساس بجلال الله تعالى، فالإنسان يتخذ ولدا لعدة أسباب ~~إما لأنه يريد أن يبقى ذكره في الدنيا بعد أن يرحل، والله سبحانه ~~دائم الوجود وإما لكي يعينه ابنه عندما يكبر ويضعف، والله سبحانه ~~وتعالى دائم القوة وإما ليرث ماله وما يملك، والله تبارك وتعالى يرث ~~الأرض ومن عليها. وإما ليكون عزوة له، والله جل جلاله عزيز دائما. ~~وهكذا تنتفي كل الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى هذا الادعاء. ولا يعقل أن ~~يرسل الله سبحانه رسولا ليبين للناس منهج الحق فإذا به يقول للناس: ~~إنه ابن الله. إذن فهم لم يؤمنوا الإيمان الكامل بالله. ويسوق الحق ~~تبارك وتعالى قول كل من اليهود والنصارى: { وقالت اليهود ~~عزير ابن الله وقالت النصرى المسيح ابن الله ~~} [التوبة: 30]. وهكذا نجد أنهم لم ينزهوا الله وأخلوا بالإيمان الحق. ~~ولا بد أن نعلم أن من قالوا: إن عزيرا ابن الله ليسوا هم كل اليهود، ~~بل جماعة منهم فقط ms3999 هي التي جعلت عزيرا ابنا لله لما رأى أفرادها على ~~يديه نعمة أفاءها الله تعالى عليه، فقالوا: هذه نعمة عظيمة جدا لا يمكن ~~أن يعطيها ربنا لشخص عادي، بل أعطاها لابنه. ذلك أن اليهود بعد سيدنا ~~موسى عليه السلام قتلوا الأنبياء، وعاقبهم الله بأن رفع التوراة من صدور ~~الحافظين لها، ولكن طفلا لم يعجبه مشهد قتل الأنبياء فخرج شاردا في ~~الصحراء مهاجرا وهاربا، فقابله شخص في الطريق فسأله: لماذا أنت شارد؟ ~~فقال: خرجت أطلب العلم. وكان هذا الشخص هو جبريل عليه السلام، فعلمه ~~أن لله توراة، فحفظها فصار واحدا من أربعة، هم فقط من حفظوا التوراة: ~~موسى، وعيسى، وعزير، واليسع، ولأن الكتب قديما لم تكن تكتب على ورق رقيق ~~مثل زماننا، بل كانت تكتب على الأحجار وسعف النخيل، لذلك كان وزن التوراة ~~يقدر بسبعين حمل بعير، وحين رجع عزير حافظا للتوراة، اندهش قومه ~~وقالوا: لا بد أنه ابن الله لأن الله أعطاه التوراة وآثره على القوم ~~جميعا. ونشأت جماعة من اليهود تؤمن بذلك، وكان منهم سلام بن مشكم، ~~وشاس بن قيس، ومالك ابن الصيف، ونعمان بن أوفى. وحينما أنزل الله قوله: { ~~وقالت اليهود عزير ابن الله.. } [التوبة: 30] لم ينكر ~~اليهود المعاصرون لهذا النزول تلك المسألة ولم يكذبوها، فكأن هناك من ~~اليهود الذين كانوا بالمدينة من كان يؤمن بذلك، وإلا لاعترضوا على هذا ~~القول، وهذا دليل على أن ما جاء بالآية يصدق على بعضهم أو هم عالمون بأن ~~قوما منهم قد قالوا ذلك. وكذلك قالت النصارى عن عيسى عليه السلام، فجاء ~~قول الحق تبارك وتعالى: { وقالت النصرى المسيح ابن ~~الله } [التوبة: 30]. # ويتابع الحق: { ذلك قولهم } [التوبة: 30] فيوضح لنا سبحانه أن ~~البنوة لله جاءت فيها مشبهة، كان يجب أن يلتفتوا إليها وينزهوا الله عن ~~ذلك لأن الحق سبحانه وتعالى يصف عباده بأنهم عباد الله، وأن الخلق كلهم ~~خلق الله تعالى. فالمولى سبحانه وتعالى وهو الخالق والقادر على كل شيء ~~خلق كل الخلق من عدم ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا. ولكن الشبهة عند ms4000 بعض من ~~أتباع المسيح جاءت من أنه أوجد من دون أب، ونقول لهم: لو أن هذا الأمر ~~جاء لكم من هذا الطريق، فكان من الأولى أن تجيء ذات الشبهة في خلق آدم ~~لأن قصارى ما في المسيح أنه جاء من غير أب، ولكن آدم جاء من غير أب ومن ~~غير أم، فأيهما كان أولى أن يكون ابن إله؟ ولذلك يقول القرآن الكريم: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم # [آل عمران: 59]. والحق سبحانه وتعالى يخلق الشيء - أي شيء - بأسباب، وكل ~~الأسباب مخلوقة له، والولد منا - في جمهرة الناس - ينشأ من اجتماع الأب ~~والأم، والشيء المردود بين شيئين له صور منطقية أربعة: إما أن يوجد ~~بوجود شيئين ذكر وأنثى، وإما أن يوجد بانعدام الشيئين مثل آدم، وإما أن ~~يوجد بوجود واحد من الشيئين وهو الذكر مثل حواء، فقد خلقها الله من آدم ~~مصداقا لقوله: # وخلق منها زوجها # [النساء: 5]، وإما بوجود واحد من الشيئين وهي الأنثى وخلق عيسى عليه ~~السلام منها بدون وجود الذكر. وليعلمنا الله سبحانه وتعالى جميعا أن ~~الأسباب لا دخل لها في التكوين، وأن المسبب هو القادر على أن يوجد من ~~غير أب وأم كما أوجد آدم، وأن يوجد من أب وأم كما أوجد جمهرة الناس، وأن ~~يوجد من أم دون أب كما أوجد عيسى، وأن يوجد من دون أم كما أوجد حواء. ~~إذن: فالقسمة دائرة بقدرة الله وإرادته، ولا دخل لأحد إلا إرادة الحق ~~سبحانه وتعالى، فالأسباب ليست هي الفاعلة في ذاتها، بل إرادة الخالق ~~سبحانه هي الفاعلة، ولذلك يقول المولى سبحانه وتعالى: # لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما ~~إنه عليم قدير # [الشورى: 49-50]. أي: قد يوجد الذكر والأنثى ولا يعطي لهما الحق عز وجل ~~أولادا، وهذه طلاقة قدرة من الله تعالى، فإياك أن تقول إنها بأسباب، بل ~~سبحانه وتعالى يهب لمن يشاء إناثا، ويهب لمن يشاء ذكورا، ويجمع لمن ~~يشاء ms4001 بين الذكور والإناث، ويجعل من يشاء عقيما، وكان استقبال الناس ~~للمواليد يختلف فالعرب كانوا يحبون إنجاب الذكر لأنه قوي ويحقق العزوة ~~ويركب الخيل، ويحارب الأعداء. ولم يكونوا يحبون إنجاب الفتاة لأنها قد ~~تأتي منها الفضائح، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر ~~به.. # [النحل: 58-59]. وجاء الإسلام ليوضح: أنه ما دام لا دخل لك في الإنجاب ~~والإنسال، فدع الأمر لمن يهب الأبناء. وقد سمى الحق تبارك وتعالى ~~الأبناء " هبة " ليذكرك أن الإنجاب شيء أعطاه سبحانه لك بلا مقابل منك، ~~فالذكور هبة، والإناث أيضا هبة. فلا تفضل تلك الهبة عن هذه الهبة. ~~ودائما أقول للذي ينجب بنات، ويذهب هو وزوجته إلى الأطباء: لو استقبلتم ~~هبة الله في الإناث كما تستقبلونها في الذكور، فإن الحق سبحانه وتعالى ~~يجزيكم جزاء لا يخطر لكم على البال، فيحسن الله كل ابنة لكم في عين رجل ~~صالح ويتزوجها، فإن كن عشر بنات فهن يأتين بعشرة رجال أزواج يعاملون ~~الأب والأم لكل زوجة معاملة الأب والأم، وهكذا يرزق الله من يرضى بقسمة ~~الله في الإنجاب، ويصبح أزواج البنات أطوع من الأبناء الذكور، فالذي يرضى ~~بالهبة في الإناث يوضح له الله: رضيت بهبتي فيك ولم تكن على سنة العرب ~~من كراهة الإناث لذلك أهبك من أزواج البنات أبناء لم تتعب في تربيتهم ~~ويكونون أكثر حنانا وولاء من أي أبناء تنجبهم أنت. ولذلك إذا ما وجدت ~~إنسانا قد وفق في زيجات بناته، من رجال يصونون أعراضهم ويحسنون ~~معاملة أهل الزوجة، فاعلم أن الأب قد استقبل ميلاد الأنثى بالرضا لأنها ~~هبة الله. ويقول المولى سبحانه وتعالى: # ويجعل من يشآء عقيما إنه عليم قدير # [الشورى: 50]. إذن: فالعقم أيضا هبة إلهية لأن الإنسان إذا ما استقبل ~~العقم برضا الله لوجد في كل رجل يراه ابنا له لأنه استقبل الهبة في ~~المنع برضا، مثله مثل من استقبل الإناث كاستقبال الذكور. إذن: ما دامت ~~المسألة هبة من الله فيجب أن ms4002 تستقبل عطاء الله ومنعه بالرضا. وعيسى عليه ~~السلام جاء بنسبة طلاقة القدرة من الخالق سبحانه وتعالى لأن القسمة ~~العقدية والعقلية لا تتم إلا به، ولن تتكرر لأن آدم وجد أولا، ومن ~~وجدوا بعد آدم جاء كل منهم من أبوين، وكذلك حواء وجدت من قبلهم، فهذه ~~ثلاث صور قد وجدت في الكون وبقيت صورة ناقصة، هي أن يوجد إنسان من أم دون ~~أب، فأتمها الله عز وجل بعيسى عليه السلام: { وقالت النصرى ~~المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم } [التوبة: ~~30]. وقول الحق { ذلك } [التوبة: 30] إشارة إلى القول بأن المسيح ابن ~~الله أو عزير ابن الله، ويضيف الحق عز وجل توضيحا { قولهم ~~بأفواههم } [التوبة: 30]. ونسأل: وهل يوجد قول بغير أفواه؟ إن كل ~~قول إنما يكون بالأفواه حتى قول المؤمنين بأن الله واحد وأن محمدا رسول ~~الله هو قول بالأفواه. ونقول: هناك قول بالفم فقط دون أن يكون له معنى من ~~المعاني، وهناك قول بالفم أيضا وله معنى، إلا أنه غير حقيقي، وكاذب. # ولنعرف أولا: ما هو القول؟ إنه كلام يعبر به كل قوم عن أغراضهم كأن ~~تقول للطفل: اجلس، ولا بد أن يكون الطفل فاهما لمعنى الجلوس، وإن قلتها ~~بالعربية لطفل إنجليزي فلن يفهم معناها. إذن: فاللغة ألفاظ يعبر بها كل ~~قوم عن أغراضهم، والغرض هو معنى متفق عليه بين المتكلم والسامع، ولا بد ~~أن يعرف الاثنان ما يشير إليه اللفظ من موضوعات. فإن لم يعرف السامع ~~اللفظ الذي يتكلم به المتكلم فهو لا يفهم شيئا. وهكذا نعلم أن الفهم بين ~~المتكلم والمخاطب يشترط فيه أن يكونا عليمين باللفظ، فإذا تكلم متكلم ~~بشيء لا علم للسامع به فهو لا يفهم. وكانوا يضربون لنا المثل قديما ~~بعلقمة النحوي وكان مشهورا في النحو والألفاظ واللغة، ويتقعر في استخدام ~~الكلمات، ولا يتكلم إلا باللغة الفصيحة الشاذة التي لا يعرفها الناس، ~~وكان عند علقمة خادم، فمرض علقمة النحوي مرة وذهب إلى طبيب اسمه " أعجز " ~~ليشكو له علة عنده، وقال علقمة للطبيب: قد أكلت من لحوم هذه الجوازىء ms4003 ~~فقصأت منها قصأة أصابني منها وجع من الوابية إلى دأبة العنق، ولم يزل ~~يمني حتى خالط الخلب وأملت منه السراسيب. ولم يكن الطبيب متخصصا في ~~اللغة ولا معاجم عنده، فوقف مستغربا من كلمات علقمة وقال له: أعد علي ~~ما قلته فإني لم أفهم، فأعاد علقمة عليه ما قاله بغضب ولوم لأنه لم يفهم ~~لغته، وعرف الطبيب تقعر علقمة فقال له: هات القلم والورقة لأكتب لك ~~الدواء، وكتب له: خذ حرقة وسلقة ورهرقة واغسله بماروس واشربه بماء ماء. ~~فقال علقمة: أعد علي فوالله ما فهمت شيئا، فقال الطبيب: لعن الله ~~أقلنا إفهاما لصاحبه. وعرف علقمة أنه متقعر في اللغة ويأتي بألفاظ ~~ليست من الألفاظ الدائرة على ألسن الناس. وقال أساتذتنا لنا: ولم يؤدبه ~~عن هذا إلا غلامه أي خادمه، فقد استيقظ علقمة ذات ليلة وقال: يا غلام ~~أصعقت العتاريف، ولأن الغلام لم يفهم فقد رد قائلا: زقفيلا، وقال علقمة ~~للغلام: وما زقفيل؟ قال: وأنت ما أصعقت العتاريف؟ فقال له: يا بني لقد ~~أردت أصاحت الديكة؟ فقال: وأنا أردت لم تصح. وهنا يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { ذلك قولهم بأفواههم } [التوبة: 30] إذن: القول ~~هو اللفظ الملفوظ من الفم، وهذا القول إما أن يكون له معنى، وإما ليس ~~له معنى. مثل كلمة " زقفيل " التي قالها خادم علقمة، هذه الكلمة ليس لها ~~وجود في اللغة فهي قول باللسان ليس له معنى. وقد يكون القول له معنى إلا ~~أنه كلام باللسان لا يؤيده واقع، فهو كذب. وقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~ذلك قولهم بأفواههم } [التوبة: 30] يحتمل الأمرين. # إما أنهم يقولون كلاما لا يقصدونه ولا يعرفون معنى ما يقولون، والمثال: ~~أن نقول: " كتب " ، وهي كلمة مكونة من الكاف والتاء والباء، ويمكن أن ~~نستخدم ذات الحروف فنقول: " كبت " وهي نفس الحروف أيضا ولها معنى. أو ~~نقول: " تكب " وهو لفظ غير مستعمل، وهو كلام بالفم ولا معنى له في اللغة، ~~بل هو لفظ مهمل. فإذا قال إنسان كلاما له معنى فهمناه مثل قول: " زيد ~~كان بالأمس بالمكان الفلاني " وهنا زيد ms4004 معلوم، والمكان معلوم، وأمس ~~معلوم. لكن زيدا لم يذهب إلى ذلك المكان، وبذلك يكون القول في حقيقته ~~كذبا لم يحدث. ويكون كلاما بالفم، ولا واقع له في الحياة. إذن: فالقول ~~بالفم إما أن يكون لا معنى له أبدا، فيستعمل كلفظ مهمل لا وجود له في ~~اللغة، وإما أن يكون له معنى في ذاته إلا أنه ليس له واقع يؤيده. والحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه # [الأحزاب: 4]. والله سبحانه يقول: # وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن ~~أمهاتكم وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم ذلكم ~~قولكم بأفواهكم # [الأحزاب: 4]. هذا إذن كلام لا وجود له في الواقع، فالزوجة لا تصير أما ~~لزوجها والولد المتبني لا يكون ابنا للرجل أو المرأة، لذلك يقول الحق ~~تبارك وتعالى: # ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله # [الأحزاب: 5]. والحق سبحانه وتعالى يقول: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتب ولم ~~يجعل له عوجا * قيما لينذر بأسا شديدا من ~~لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا حسنا * ماكثين فيه أبدا ~~* وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا # [الكهف: 1-4]. أي: أن هذا القول منهم كلام له معنى في اعتقادهم، ولكن ~~ليس له واقع، ولذلك قال المولى سبحانه وتعالى: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم # [الكهف: 5] أي: لا واقع لهذا القول يسنده فهو كذب. { ذلك قولهم ~~بأفواههم } [التوبة: 30] وهل هذا القول بالأفواه أهم ابتكروه أم ~~ابتدعوه؟ إن الحق سبحانه يوضح لنا: { يضهئون قول الذين ~~كفروا من قبل } [التوبة: 30] أي: أنهم لم يأتوا بهذا التصور من ~~عندهم، بل من شيء له واقع، فقد قال المشركون ما أورده الحق على ألسنتهم: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف: 19]. فقد توهم المشركون أن لله تعالى بنات والعياذ بالله - ~~وسبحانه منزه عن ذلك، في ذلك يخاطبهم المولى # ألكم الذكر وله الأنثى # [النجم: 21] - إذن: فهذا كلام قديم لذلك قال الحق عنهم: { يضهئون ~~} [التوبة: 30] أي: يشابهون ويماثلون الذين من قبلهم حينما قالوا مثل ~~ذلك، كما أن البوذية في الصين واليابان قالت ببنوة ms4005 الإله والحلول وقد حفظ ~~بعضهم من هؤلاء، ولم يطرأ جديد من ألسنتهم، وهم كما وصفهم القرآن الكريم ~~{ يضهئون } [التوبة: 30] أي: يشابهون ويماثلون به قول الذين كفروا ~~من قبل، و " المضاهاة " هي المماثلة والمشابهة، وقالوا: إن مادتها مأخوذة ~~من امرأة " ضهياء " وهي التي ضاهت وشابهت الرجل، في عدم الحيض أو الحمل ~~أو الولادة، وهي بذلك تكون شبيهة بالرجل. # { يضهئون قول الذين كفروا من قبل } [التوبة: 30] ~~والتعقيب هنا إنما يصدر من الحق تبارك وتعالى عليهم، ولم يتركه الحق لنا، ~~وساعة تسمع: # اتخذ الله ولدا # [الكهف: 4] فالفطرة الإنسانية تفرض أن يقول السامع لهذا الكلام: قاتلهم ~~الله كيف يقولون هذا؟ وشاء الحق هنا أن يتحملها عنا جميعا لأننا إن قلنا ~~نحن: " قاتلهم الله أو لعنهم الله " فلا أحد منا يضمن استجابة الدعاء ~~عليهم، فالأمر قد لا يتحقق، ولكن حين يقولها الحق سبحانه وتعالى. فتكون ~~أمرا مقضيا. لذلك يقول الحق: { قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون } [التوبة: 30]، وما معنى قاتلهم الله؟ أنت إذا رأيت فعلا ~~قبيحا من فرد، تقول: قاتله الله. لأن حياته تزيد المنكرات، ومثال ذلك من ~~يسب أباه، يقول من يسمعه " قاتله الله " بينما يقول الإنسان منا لإنسان ~~يفعل الخير: " فليعش هذا الرجل الطيب " لأنك ترى أن حياته فيها خير ~~للناس. وقول الحق: { قاتلهم الله } [التوبة: 30] أي لعنهم ~~وطردهم، ويقول سبحانه وتعالى: { أنى يؤفكون } [التوبة: 30]، ~~وكلمة { أنى } [التوبة: 30] ترد بمعنيين، فمرة تعني " من أين؟ " ، ~~ومرة أخرى تعني " كيف؟ " ، والمثال على معناها الأول قول الحق سبحانه ~~وتعالى على لسان سيدنا زكريا لما دخل على مريم البتول: # أنى لك هذا # [آل عمران: 37]. قال ذلك لأنه رأى عندها أشياء من الخيرات لم يأت بها ~~إليها، مع أنه هو الذي يكفلها، والمفترض فيه أن يأتي لها بمقومات حياتها، ~~وعندما دخل عليها ووجد شيئا هو لم يأت به، سألها: { أنى لك ~~هذا } [آل عمران: 37] أي: من أين لك هذا؟ فأجابت مريم المصطفاة بما ~~جاء في القرآن الكريم: # قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء ~~بغير حساب # [آل ms4006 عمران: 37]. وجاء الحق بهذه الكلمة لتخدم أمورا إيمانية كثيرة ~~جدا، وجاء بها على لسان مريم المصطفاة لأن المسألة ليست مجرد طعام ~~يأتيها من مصدر لا يعلمه البشر حتى من هي في كفالته. بل هي تقديم لما سوف ~~يحدث. فلا تظن أن الأمور تسير سير المسألة الحسابية بأسباب ومسببات، وعلل ~~ومعللات، ومقدمات ونتائج، بل هي بإرادة الله تعالى لأنها لو كانت من عند ~~الإنسان لفعلها بحساب، ولكن الحق سبحانه وتعالى يعطي بلا حساب لأنه خالق ~~الأسباب، وهو قادر على أن يخلق المسبب على الفور: # يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. # وحين أنطق الحق سبحانه وتعالى مريم بهذا إنما كان ليوضح لها ولزكريا في ~~آن واحد: إنك يا زكريا تأتي لها بالرزق في حدود قدراتك وحساباتك البشرية، ~~ولكن الله يأتيها بالرزق بغير حساب، وهو ما لا تستطيع أن تأتي به قدرات ~~البشر، فقد يكون الرزق الذي رآه سيدنا زكريا عند سيدتنا مريم لونا من ~~الأطعمة لا يأتي إلا في الصيف، بينما كان الوقت شتاء، أو العكس، وقد يصح ~~أن هذا الرزق ليس في بلادهم مثله، ولذلك قال: { أنى لك هذا } ~~وقول الحق تبارك وتعالى: { أنى لك هذا } هو قضية تربوية ~~اجتماعية بمعنى أن الكفيل على قوم حينما يرى عندهم أشياء لم يأت بها هو، ~~وجب عليه أن يسأل عن مصدرها، فحينما ترى في يد ابنك قلم حبر غالي الثمن ~~وأنت لم تحضره له، لا بد أن تسأله: من أين جئت به؟ وذلك لتعرف التأثيرات ~~الخارجية عليه، هل سرقه؟ أم أن أحدا أراد استدراجه إلى غرض سيئ ~~فأغراه بهذا القلم؟ لا بد إذن أن تسأل ابنك: من أين لك هذا؟ وكذلك إن ~~رأيت ابنتك ترتدي ثوبا لم تأت لها به ولا أتت به أمها بعلمك، لا بد أن ~~تسأل ابنتك: من أين لك هذا؟ وهذه القضية إن سيطرت على كل بيت من بيوتنا ~~فلن يحدث في البيوت ما يشينها، لكننا للأسف الشديد نرى في بعض البيوت ~~طفلا يدخل ومعه قطعة من الشيكولاتة، ms4007 ولا تسأله الأم: من أين لك هذا؟ بل ~~تربت عليه وتأخذ منه قطعة من " الشيكولاته " لتأكل معه. لكن الأم التي ~~تجيد التربية تماما تسأل الابن: من أين أتيت بها؟ حتى تعرف هل ثمنها ~~مناسب لمصروف يده أم لا، فإن لم تجد أنه قد جاء بهذه " الشيكولاتة " من ~~مصدر معلوم لها وحلال فهي تحذره وتضرب على يده. ولا بد لنا أن نعلم أن ~~قانون: " من أين لك هذا؟ " يحكم العالم كله لأنه يتحكم في التربية ~~الاجتماعية كلها. وقد سبق الإسلام العالم بأربعة عشر قرنا حين أنزل الحق ~~تبارك وتعالى قوله: { أنى لك هذا } ، وأجابت سيدتنا مريم ~~الإيجاب الإيماني، وأوضحت لسيدنا زكريا عليه السلام: أنت تتكلم بحسابك ~~ولكني أتكلم بحساب الله تعالى لأن الله يرزق من يشاء بغير حساب، أنطقها ~~الحق ذلك لأن هذا القول سوف يخدم قضايا عقدية متعددة في الكون: القضية ~~الأولى: أنها ساعة أن قالت: # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. نبهت زكريا إلى قضية عقدية، وهي أن الله سبحانه وتعالى ~~غير محكوم بالأسباب، وسبحانه يعطي بلا حساب، ونظر زكريا إلى نفسه ~~متسائلا: ما دام الله عز وجل يعطي بغير حساب، وأنا قد بلغت من الكبر ~~عتيا، وامرأتي عاقر، فلماذا لا أطلب منه أن يعطيني الولد؟ إذن: فقد نبهت ~~مريم سيدنا زكريا عليه السلام ولفتت نظره إلى قضية عقدية، وهي أن الله ~~يعطي بلا أسباب، وبلا حساب، فدعا الله أن يرزقه غلاما فلما بشره الحق ~~بالغلام تساءل: كيف يرزق بالغلام وامرأته عاقر، وهو قد بلغ من الكبر ~~عتيا؟ وجاءت الإجابة من الحق سبحانه وتعالى: # قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك ~~من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 9]. وهكذا انتفع زكريا بعطاء الله بالابن، ولم يكتف الحق سبحانه ~~وتعالى بذلك، بل تكفل عن زكريا بتسميته، ولله ملحظ في تسميته، ونحن نعلم ~~أن الناس تسمي الوليد الصغير بأسماء تتيمن بها، مثل أن يسمى رجل ابنه " ~~سعيدا " رجاء أن يكون سعيدا، وقد يسمونه " فارسا " ، رجاء أن يكون ms4008 ~~فارسا، ويسمونه " فضلا " رجاء أن يكون كريما، ويسمون الفتاة " قمرا " ~~لعلها تكون جميلة. إذن: فالتسمية باسم يحمل معنى شريفا على أمل أن يكون ~~الوليد هكذا، وهناك شاعر كان أولاده يموتون بعد الولادة، فجاءه ابن ~~وسماه يحيى، فمات هذا الابن أيضا فقال الشاعر متحسرا: # سميته يحيى ليحيا فلم # يكن لرد قضاء الله فيه سبيل # إذن: فالتسمية بالاسم الشريف، أو بالاسم الذي يدل على الشيء المؤمل هو ~~رجاء أن يكون الوليد هكذا، لكن المسمى لا يملك أن يكون سعيدا، ولا أن ~~يكون فارسا، ولا أن يعيش لأن الذي يملك كل ذلك هو الله سبحانه وتعالى، ~~فإذا كان الله هو الذي سمى يحيى، فلا بد أن يكون الأمر مختلفا لأن الذي ~~يملك هو الذي سمى، فهل سيعيش يحيى بن زكريا كالحياة التي نحياها وفيها ~~الموت محتم على الجميع؟ نعم لذلك شاء له الله أن يموت لتبقى حياته ~~موصولة إلى أن تقوم الساعة. وهكذا رأت سيدتنا مريم آثار ذلك منذ أن قال ~~لها زكريا عليه السلام { أنى لك هذا } وأجابت: # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. لقد رأيت كل ذلك في سيدنا زكريا وفي ميلاد يحيى، وجعل ~~الله كل ذلك مقدمات لها لأنها ستمتحن في عرضها فهي التي ستنجب ولدا ~~من غير أب، وعليها أن تتذكر دائما قولها: # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. ولذلك تجد القرآن الكريم في قصصه العجيب يقول على لسان ~~مريم: # أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر # [مريم: 20]. وقد بشرها الحق تبارك وتعالى بذلك في سورة آل عمران: # إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح ~~عيسى ابن مريم # [آل عمران: 45]. وما دام قد نسبه الله لها فلن يكون له أب، فتساءلت: كيف ~~يكون لي غلام من غير أب. ويذكرها الحق عز وجل بهذا القول: # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. # وقال لها: # كذلك قال ربك.. # [مريم: 21]. مثلما قال لزكريا من قبل، إذن { أنى } هذه هي مفتاح ~~الموضوع العقدي كله، في ms4009 زكريا ويحيى، وفي مريم وعيسى، وهذا هو معنى { ~~أنى } وقلنا إن " أنى " تأتي بمعنى كيف؟ مثل قول الحق تبارك وتعالى ~~على لسان إبراهيم عليه السلام: # رب أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة: 260]. وسيدنا إبراهيم لا يكذب أن الله قادر على الإحياء، ~~ولكنه يسأل عن الكيفية، وهنا يقول الحق: { قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون } أي: كيف يعدلون عن الحق؟ فالقضية منطقية، وما كان يصح أن ~~تغيب عنهم، فكيف يصرفون عن هذه الحقيقة التي توجبها الفطرة الإيمانية؟ ~~وكيف يضلون عن الحق وهو ظاهر ويعدلون إلى الباطل؟ ويقول سبحانه بعد ذلك ~~عن أهل الكتاب: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ~~من دون الله والمسيح ابن مريم... }. ### || [9.31] # و " الحبر " هو لقب عند اليهود، وهو العالم. ويقال في اللغة " حبر " ~~أو " حبر " أي رجل يدقق الكلام ويزنه بأسلوب عالم. والرهبان عند ~~النصارى والمقصود بهم المنقطعون للعبادة، فالحبر عالم اليهود، والراهب ~~عابد النصارى، أما عالم النصارى فيسمى " قسيس " ولذلك قال الحق سبحانه ~~وتعالى: # قسيسين ورهبانا # [المائدة: 82]. فإن قصدنا عالم الدين المسيحي قلنا: " قسيس " ، وإن ~~قصدنا رجل التطبيق أي العابد قلنا: " الراهب " والراهب هو من يقول: إنه ~~انقطع لعبادة الله فوق ما طلب الله منه من جنس ما طلب، ونعلم أنه لا ~~رهبانية في الإسلام، ولكن الإنسان يستطيع أن يتقرب إلى الله كما يحلو له ~~من جنس ما طلب الله منه، فإن كان الحق عز وجل قد أمر بإقامة الصلاة خمس ~~مرات في اليوم، فالمسلم الذي يرغب في زيادة التقرب إلى الله يمكنه أن ~~يصلي ضعف عدد مرات الصلاة، وإذا كان الحق سبحانه قد فرض أن تكون الزكاة ~~بمقدار اثنين ونصف في المائة، فالعبد الصالح قد يزيد ذلك بضعفه أو ~~أضعافه. وهذه زيادة من جنس ما فرض الله تعالى وزيادة، وهذا يعني في ~~الإسلام الدخول إلى مقام الإحسان، واقرأ إن شئت قول الحق تبارك وتعالى: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين # [الذاريات: 15-16]. أي: أنهم قد دخلوا إلى مقام الإحسان أي ارتقوا ms4010 فوق ~~مقام الإيمان. ويزيدنا الحق علما بمقام الإحسان فيقول: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار ~~هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم # [الذاريات: 17-19]. وسبحانه لا يطلب منا في فروض الدين ألا نهجع إلا ~~قليلا من الليل، بل نصلي العشاء وننام إلى الفجر. لكن إن قام الإنسان ~~منا وتهجد فذلك زيادة عما فرض الله ولكنه من جنس ما فرض الله. وكذلك ~~الاستغفار فمن تطوع به فهو خير له. وكذلك الصدقة على غير المحتاج، فهنا ~~زيادة في العطاء على ما فرضه الله من الزكاة التي حددت من قبل في ~~قول الحق تبارك وتعالى: # والذين في أموالهم حق معلوم # [المعارج: 24]. والرهبانية كانت رغبة من بعضهم في الدخول إلى مقام ~~الإحسان، ولكن الحق لم يفرضها عليهم لأنه هو الذي خلق وعلم أزلا قدرات ~~من خلق، لذلك قال سبحانه وتعالى: # ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم # [الحديد: 27]. هم إذن قد ابتدعوها ابتغاء رضوان الله وزيادة في العبادة، ~~وليس في ذلك ملامة عليهم، ولكنها ضد الطبيعة البشرية لذلك لم يراعوا ~~الرهبانية حق رعايتها، ويقول المولى سبحانه وتعالى هنا في الآية الكريمة ~~التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا } [التوبة: 31]. # فهل معنى ذلك أنهم يقولون للحبر أو الراهب " رب "؟ لا، ولكن كانت ~~معاملتهم لهم كمن يعامل ربه لأن الله هو الذي يحل ويحرم ب " افعل " و " ~~لا تفعل " ، فإذا جاء هؤلاء الأحبار وأحلوا شيئا حرمه الله أو حرموا ~~شيئا أحله الله، فهم إنما قد أخذوا صفة الألوهية فوصفوهم بها لأن ~~التحليل والتحريم هي سلطة الله، فلذلك # " عندما دخل عدي بن حاتم على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في عنق الرجل صليبا من الذهب أو من الفضة قال ~~سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اخلع هذا الوثن " # ، ومن أدب الرجل مع الرسول خلع الصليب. وقال صلى الله عليه وسلم: # " " إنكم لتتخذون الأحبار والرهبان أربابا ". فقال الرجل: نحن لا ~~نعبدهم.. قال له رسول الله صلى الله عليه ms4011 وسلم: أولا تطيعونهم فيما حرموا ~~وأحلوا؟ قال: نعم. قال: تلك هي العبادة ". # { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله والمسيح ابن مريم } [التوبة: 31]. ولسائل أن يسأل: ~~وما معنى عطف المسيح على الأرباب، وعلى الأحبار والرهبان؟ والإجابة: إن ~~الذي يحلل ويحرم إن لم يكن رسولا، فهو إنسان يطلب السلطة الزمنية، وذلك ~~لا يتأتى من الرسول لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما جاء ليلفت الناس ~~إلى عبادة الله بما شرعه الله، وعيسى عليه السلام هو رسول لم يقم إلا ~~بالبلاغ عن الله، ولكن البعض أخطأ التقدير وظن أنه ابن الله، ولذلك يتابع ~~الحق قوله: { ومآ أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ~~لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } [التوبة: ~~31] وهكذا يذكر الحق أن الأمر لم يصدر منه سبحانه وتعالى إلا بأن يعبد من ~~يؤمن بالرسالات الإله الواحد. ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: # " خير ما قلته أنا والنبيون: لا إله إلا الله ". # وأنت حين تنظر إلى " لا إله إلا الله " تجد النفي في " لا " والاستثناء ~~من النفي والإثبات في " إلا " ، وهذا نفي الألوهية عن غير الله وإثباتها ~~له وحده، وحين نقول: " الله واحد " فهذا يتضمن الإثبات فقط. ويأخذ ~~الفلاسفة الذين يملكون قوة الأداء والبيان من هذه القضية " الإثبات ~~والنفي " ، أو " الموجب والسالب " ، ويقولون: كل التقاء بين موجب وسالب ~~إنما يعطي طاقة، والطاقة يمكن استخدامها في الإنارة أو تدار بها آلة، ~~وكذلك الطاقة الإيمانية تحتاج إلى " سالب وموجب " ، ويقول الشاعر إقبال: # إنما التوحيد إيجاب وسلب # فيهما للنفس عزم ومضاء # ويقول سبحانه وتعالى تذييلا للآية الكريمة: { سبحانه عما ~~يشركون } [التوبة: 31] وحين تسمع كلمة { سبحانه } [التوبة: 31] ~~فاعرف أنها للتنزيه، فلا ذات مثل ذات الله، ولا صفة مثل صفات الله، فالله ~~غني وأنت غني، فهل غناك الحادث مثل غنى الله الأزلي؟ وأنت حي والله حي، ~~فهل حياتك الموقوتة مثل حياته؟ فحياته ذاتية وحياتك موهوبة، فسبحانه حي ~~بذاته، ولذلك يجب أن تفرق بين اسمه " الحي " واسمه " المحيي " ، فهو حي ~~في ذاته، ومحي لغيره، وإن كانت الصفة لله ms4012 في الذات فهي لا تتعدى إلى ~~الغير، إن الله يوصف بها ولا يوصف بنقيضها، فتقول " حي " ولا تقول ~~المقابل، ولكن إن قلت: " محيي " فأنت تأتي بالمقابل وتقول: " مميت ". # وتقول: " قابض وباسط " و " رحيم وقهار ". إذن: فصفة الذات يتصف الله بها ~~ولا يتصف بمقابلها، وأما صفة الفعل فيتصف بها ويتصف بمقابلها لأنها في ~~غيره، فسبحانه هو محي لغيره، ومميت لغيره، لكنه حي في ذاته. إذن فكلمة { ~~سبحانه } [التوبة: 31] تعني التنزيه ذاتا، وصفات، وأفعالا، وإذا ~~جاء فعل من الله، ويأتي مثله فعل من البشر، نقول: إن فعل الله عز وجل غير ~~فعل البشر لأن فعل الله بلا علاج، ولكن فعل البشر بعلاج، بمعنى أن كل ~~جزئية من الزمن تأخذ قدرا من الفعل، كأن تنقل شيئا من مكان إلى مكان، ~~فأنت تأخذ وقتا وزمنا على قدر قوتك، أما فعل الله عز وجل فلا يحتاج إلى ~~زمن، وقوته سبحانه وتعالى لا نهائية. ولذلك حين قال سيدنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: لقد أسري بي إلى بيت المقدس، قال من سمعوه: أتدعي ~~أنك أتيتها في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا؟ لكن لم يلتفت ~~أحد منهم إلى أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يقل: لقد ذهبت إليها ~~بقوتي، بل قال: لقد أسري بي من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إذن: ~~فالذي أسرى هو الله القوي القادر ولا يحتاج الله إلى زمن. إذن: { ~~سبحانه } [التوبة: 31] هي تنزيه لله سبحانه وتعالى عن أي شيء يوجد ~~في البشر. ولا تقارن قدرة الله سبحانه وتعالى بقدرة البشر مهما كان، بل ~~إن العمل ينسب لقدرة صاحبه، وكلما زادت القوة زادت القدرة والله هو ~~القوي. وقوله تعالى: { سبحانه عما يشركون } [التوبة: 31] هو ~~تنزيه لله، ولا تجد بشرا يقول لبشر حتى من الكفار الذين يعاندون ~~الإيمان، لا يقول واحد منهم لآخر " سبحانك " لأن التنزيه أمر يختص به ~~الله عز وجل. والناس تضع أسماء أولادها، فالأسماء مقدور عليها من البشر، ~~ولكنك لا تجد كافرا معاندا محاربا لدين الله عز وجل ms4013 يسمى ابنه " الله ~~" فالمؤمن لا يجرؤ على هذه التسمية لأنه يؤمن بالله، والكافر لا يجرؤ ~~عليها أبدا بقدرة الله وقهره. # لذلك فكلمة { سبحانه } [التوبة: 31] ولفظ الجلالة " الله " لفظان ~~يختص بهما الله وحده بالقدرة المطلقة لله سبحانه وتعالى، وسبحانه القائل: # رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده ~~واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا # [مريم: 65]. إذن: فالله سبحانه وتعالى - بالقدرة والقهر - حجز ألسنة ~~البشر جميعا أن يقول أحدهم لأحد: " سبحانك " ، أو أن يسمى أحد ابنه " ~~الله ". والله عز وجل يقول هنا: { لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون } [التوبة: 31]، وموقف المشركين وأهل الكتاب واقع تحت ~~هذه الآية لأن منهج السماء لا يأتي إلا إذا عم الفساد والله سبحانه ~~وتعالى يريد من الإنسان الخليفة في الأرض أن يكون صالحا ومصلحا، وأقل ~~درجات الصلاح أن تترك الصالح فلا تفسده، فإن استطعت أن ترتقي به فهذا هو ~~الأفضل. فإن كانت هناك بئر يشرب منها الناس، فالصلاح أن تترك هذه البئر ~~ولا تردمها، والأصلح من ذلك أن تحمي جدرانها بالطوب حتى لا تنهار الأتربة ~~وتسدها، وأن تحاول أن تسهل حصول الناس على الماء من البئر، والأصلح ~~منه أن تصنع خزانا عاليا، ومن هذا الخزان تمتد المواسير ليصل الماء إلى ~~الناس في منازلهم بدون تعب، هذا إصلاح لأنك بذلك إنما تأخذ بأسباب الحق ~~القائل عن تميز الفكر عند ذي القرنين: # إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء ~~سببا * فأتبع سببا # [الكهف: 84-85] أي: أن الله سبحانه وتعالى أعطى لذي القرنين الأسباب، ~~وهو زاد باجتهاده أسبابا أخرى إذن: فالحق سبحانه يريد من الإنسان أن ~~يصلح في الأرض حتى يسعد المجتمع بأي إصلاح في الأرض ويستفيد منه الكل، ~~ولذلك يعطي الحق سبحانه وتعالى اختيارات في أشياء ولا يعطيها في أشياء ~~أخرى، فالإنسان له اختيار في أن يصلي أو لا يصلي، يتصدق أو لا يتصدق، ~~يعمل أو لا يعمل إلى آخر ما نعلمه، ولكن الكون الأعلى محكوم بالقهر، ~~فالشمس والقمر والنجوم والهواء والماء وكل هذا له نظام دقيق، فلا ms4014 الشمس ~~ولا القمر ولا النجوم، ولا غيرها من الكون الأعلى يخضع لاختيار الإنسان، ~~وإلا لفسد الكون. وكل شيء مقهور سليم بالفطرة ولا يحدث فساد إلا في الشيء ~~الذي فيه اختيار للإنسان لأن الاختيار قد يتبع الشهوة وهوى النفس، حتى ~~المخلوقات المقهورة كالحيوانات التي سخرها الله للإنسان لا يأتي منها ~~الشر. بل إن مخلفاتها تستخدم في زيادة خصوبة الأرض. ولكن الأشياء ~~التي صنعها الإنسان ملأت أجواء الدنيا بالسموم ولوثت الجو لأن الأولى ~~مخلوقة بهندسة إلهية، والثانية بهندسة بشرية علم صانعها أشياء وغابت عنه ~~أشياء. وقد يعتقد الناس أن هناك بعضا من الاكتشافات قد حلت مشكلات ~~الكون، ثم بعد ذلك وعندما تمر السنوات يعرفون أنه جاءت بالشقاء للبشرية، ~~ولعل تلوث البيئة الذي بدأ يؤثر على حياة الكون أخيرا يلفتنا إلى ذلك، ~~حتى إن الإنسان الذي قطع الأشجار وأزال الغابات التي خلقها الله في هذا ~~الكون لتكون مصدرا للهواء النقي وأنشأ بدلا منها مصانع ومدنا بدأ ~~الآن يحاول أن يعيد زراعة هذه الأشجار بعد أن علم أن تدخله في الكون قد ~~أفسد جوه وماءه وأفسد على جميع الكائنات حياتهم، ولو أن الإنسان ~~المختار عاش في الدنيا وفقا لمنهج الله تعالى لاستقام أمر الدنيا، كما ~~استقام الكون الأعلى. # ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه ~~البيان * الشمس والقمر بحسبان * والنجم ~~والشجر يسجدان * والسمآء رفعها ووضع الميزان # [الرحمن: 1-7]. إذن: فالميزان للعلويات لا يختل أبدا، فإذا عرفتم ذلك ~~فنفذوا أمر الحق سبحانه وتعالى في قوله: # ألا تطغوا في الميزان # [الرحمن: 8]. فإذا سرتم على ضوء منهج الله تعالى، تستقيم أموركم الدنيا ~~كما استقامت أموركم العليا، وها هو ذا الكون أمامكم يسير منضبطا، وهذا ~~شأن الشيء الذي فيه اختيار للإنسان إن لم يسر على منهج الله عز وجل ~~تجدوه غير مستقيم. وعلى هذا إذا رأيت عورة في الكون من أي لون، فاعلم أن ~~منهجا من مناهج الله قد عطل. ولذلك نجد - أيضا - أن المفسدين ساعة ~~يرون أن مصلحا قد جاء ليضرب على أيدي ms4015 المفسدين، تجدهم يحاولون إفساده ~~وجذبه إليهم ليعيش فسادهم، وإذا لم يتحقق لهم ذلك فهم يقفون أمام هذا ~~المصلح لأنهم إنما يعيشون بالفساد وعلى الفساد، ويصنعون لأنفسهم السيادة ~~والجبروت ويستعبدون غيرهم، وحين يرى المفسدون رجلا يريد أن يعدل ميزان ~~الكون فهم يحاربونه. وأنت حين تشتري سلعة، فالبائع يزن لك بمقدار ما ~~تدفع من ثمن، ويحتاج البائع إلى ميزان منضبط ليزن لك به ما تشتريه، فإن ~~كان بائعا مخادعا، فهو يعبث بالميزان ليبيع لك الأقل بالثمن الأكبر، ~~وليبخسك حقك. ومثل هذا البائع مثل المفسدين الذين يرهقهم أن يأتي مصلح ~~يعيد ميزان الكون لما أمر الله عز وجل من إقامة العدل وإصلاح المعوج. ومن ~~قبل قلنا: إن الحق ضرب المثل فجعل له سبحانه نورين.. النور الأول حسي ~~وهو في الماديات، والنور الثاني معنوي وهو في القيم، وكما أن النور الحسي ~~يهدي الإنسان إلى طريقه دون أن يصطدم بأي شيء لأن الإنسان إن اصطدم بشيء ~~أقل منه، فإنه يحطمه، وإذا كان الشيء أكبر من الإنسان فهو يحطم الإنسان، ~~وهكذا يلعب النور دورا في الحسيات، وكذلك جعل الله للمعنويات نورا، ~~لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: # نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء # [النور: 35]. والمفسد يكره أن يوجد مثل هذا النور، بل يريد أن يطفئه، ~~ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { يريدون أن يطفئوا ~~نور الله... }. ### || [9.32] # لكن هل يستطيعون أن يطفئوا نور الله؟ لا لأن الإنسان في الأمر الحسي لا ~~يستطيع أن يطفئ النور لأن هناك فرقا بين مصدر النور وبين أداة التنوير، ~~فالإنسان يمكنه أن يحطم الدائرة الزجاجية التي تحمل النور، لكن لا أحد ~~بإمكانه أن يطفئ " المنور " والمنور الأعلى هو الله، ولا أحد ~~يستطيع إطفاءه. { يريدون أن يطفئوا نور الله ~~بأفواههم ويأبى الله.. } [التوبة: 32] أي: لا يريد الله ~~شيئا { إلا أن يتم نوره } [التوبة: 32]، وسبحانه قد أرسل ~~الرسل حاملة لمنهج النور ولم يرسل الرسل لينتصر عليهم الكفر، ولذلك ~~يقول لنا: { ويأبى الله } [التوبة: 32] أي لا يريد { إلا أن ~~يتم نوره } [التوبة: ms4016 32]. ويتابع الحق جل جلاله قوله: { هو ~~الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق... }. ### || [9.33] # والرسول صلى الله عليه وسلم إنما جاء بالقيم التي تهدي إلى الطريق ~~المستقيم، جاء بالدين الحق. فكلمة " دين " أخذت واستعملت أيضا في ~~الباطل، ألم يأمر الحق سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول ~~لكفار ومشركي مكة: # لكم دينكم ولي دين # [الكافرون: 6]. فهل كان لهم دين؟ نعم كان لهم ما يدينون به مما ابتكروه ~~واخترعوه من المعتقدات لكن { ودين الحق } [التوبة: 33] هو الذي ~~جاء من السماء. { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على الدين كله } [التوبة: 33] ولنلحظ أن ~~الحق سبحانه وتعالى جاء بهذا القول ليؤكد أن الإسلام قد جاء ليظهر فوق أي ~~ديانة فاسدة، ونحن نعلم أن هناك ديانات متعددة جاءت من الباطل، فسبحانه ~~القائل: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموت ~~والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ~~ذكرهم معرضون # [المؤمنون: 71]. ونتوقف عند قول الحق سبحانه وتعالى: { على الدين ~~كله } [التوبة: 33]، فلو أن الفساد كان في الكون من لون واحد، كان ~~يقال ليظهره على الدين الموجود الفاسد، ولكن هناك أديانا متعددة منها ~~البوذية وعقائد المشركين، وديانات أهل الكتاب والمجوس الذين يعبدون النار ~~أو بعض أنواع من الحيوانات، وكذلك الصابئة. ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى ~~لا يريد أن يظهر دينه الذي هو دين الحق على دين واحد من أديان الباطل ~~الموجودة، ولكن يريد سبحانه أن يظهره على هذه الأديان كلها، وأن يعليه ~~حتى يكون دين الله واقفا فوق ظهر هذه الأديان كلها، والشيء إذا جاء ~~على الظهر أصبح عاليا ظاهرا. والحق سبحانه وتعالى يقول: # فما اسطاعوا أن يظهروه # [الكهف: 97]. أي: أن يأتوا فوق ظهره. وكل الأديان هي في موقع أدنى بكثير ~~من الدين الإسلامي. بعض الناس يتساءل: إذن كيف يكون هناك كفار ومجوس ~~وبوذيون وصابئون وأصحاب أديان أخرى كاليهودية والنصرانية، فما زالت ~~دياناتهم موجودة في الكون وأتباعها كثيرون، نقول: لنفهم معنى كلمة ~~الإعلاء، إن الإعلاء هو إعلاء براهين وسلامة تعاليم، بمعنى أن العالم ~~المخالف ms4017 للإسلام سيصدم بقضايا كونية واجتماعية، فلا يجد لها مخرجا إلا ~~باتباع ما أمر به الإسلام ويأخذون تقنيناتهم من الإسلام، وهم في هذه ~~الحالة لا يأخذون تعاليم الإسلام كدين، ولكنهم يأخذونها كضرورة اجتماعية ~~لا تصلح الحياة بدونها. وأنت كمسلم حين تتعصب لتعاليم دينك، فليس في هذا ~~شهادة لك أنك آمنت، بل دفعك وجدانك وعمق بصيرتك لأن تؤمن بالدين الحق، ~~ولكن الشهادة القوية تأتي حين يضطر الخصم الذي يكره الإسلام ويعانده إلى ~~أن يأخذ قضية من قضايا الإسلام ليحل بها مشكلاته، هنا تكون الشهادة ~~القوية التي تأتي من خصم دينك أو عدوك. ومعنى هذا أنه لم يجد في أي فكر ~~آخر في الكون حلا لهذه القضية فأخذها من الإسلام. # فإذا قلنا مثلا: إن إيطاليا التي فيها الفاتيكان الذي يسيطر على ~~العقائد المسيحية في العالم الغربي كله، وكانت الكنيسة الكاثوليكية في ~~الفاتيكان تحارب الطلاق وتهاجم الإسلام لأنه يبيح الطلاق، ثم اضطرتهم ~~المشكلات الهائلة التي واجهت المجتمع الإيطالي وغيره من المجتمعات ~~الأوروبية إلى أن يبيحوا الطلاق لأنهم لم يجدوا حلا للمشكلات الاجتماعية ~~الجسيمة إلا بذلك. ولكن هل أباحوه لأن الإسلام أباحه، أم أباحوه لأن ~~مشاكلهم الاجتماعية لا تحل إلا بإباحة الطلاق؟ وساعة يأخذون حلا ~~لقضية لهم من ديننا ويطبقون الحل كتشريع، فهذه شهادة قوية، يتأكد لهم بها ~~صحة دين الله ويتأكد بها قول الحق سبحانه وتعالى: { ليظهره على ~~الدين كله } [التوبة: 33] # ولو كره الكافرون # [التوبة: 32]، وبالله لو كان الإظهار غلبة عقدية، بمعنى ألا يوجد على ~~الأرض أديان أخرى، بل يوجد دين واحد هو الإسلام لما قال الحق هنا: { ~~ولو كره المشركون } [التوبة: 33] ولما قال في موضع آخر من ~~القرآن: { ولو كره المشركون } وهذا يعني أن الحق سبحانه ~~وتعالى قد جعل من المعارضين للإسلام من يظهر الإسلام على غيره من الأديان ~~لا ظهور اقتناع وإيمان، لا، بل يظلون على دينهم ولكن ظروفهم تضطرهم إلى ~~أن يأخذوا حلولا لقضاياهم الصعبة من الإسلام. ومثال آخر من قضية أخرى، ~~هي قضية الرضاعة، يقول الحق سبحانه وتعالى: # والوالدات يرضعن ms4018 أولادهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة # [البقرة: 233]. وقامت في أوروبا وأمريكا حملات كثيرة ضد الرضاعة ~~الطبيعية، وطالبوا الناس باستخدام اللبن المجفف والمصنوع كيميائيا بدلا ~~من لبن الأم، وكان ذلك في نظرهم نظاما أكمل لتغذية الطفل، ثم بعد ذلك ~~ظهرت أضرار هائلة على صحة الطفل ونفسيته من عدم رضاعته من أمه. واضطر ~~العالم كله إلى أن يعود إلى الرضاعة الطبيعية وبحماسة بالغة. هل فعلوا ~~ذلك تصديقا للقرآن الكريم أم لأنهم وجدوا أنه لا حل لمشكلاتهم إلا ~~بالرجوع إلى الرضاعة الطبيعية؟ وكذلك الخمر نجد الآن حربا شعواء ضد ~~الخمر في الدول التي أباحتها من قبل وتوسعت فيها، ولكن شنوا عليها هذه ~~الحروب بعد أن اكتشف العلم أضرارها على الكبد والمخ والسلوك الإنساني، ~~هذا هو معنى { ليظهره على الدين كله } [التوبة: 33] أي: ~~يجعله غالبا بالبرهان والحجة والحق والدليل على كل ما عداه. ولذلك يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { ليظهره على الدين كله ولو ~~كره المشركون } [التوبة: 33] فقد ظهر هذا الدين وغلب في مواجهة ~~قضايا عديدة ظهرت في مجتمعات المشركين والكافرين الذين يكرهون هذا الدين ~~ويحاربونه، وهو ظهور غير إيماني ولكنه ظهور إقراري، أي رغما عنهم. وبعد ~~أن بين الله سبحانه وتعالى أن الأحبار والرهبان لا يؤمنون بالله ~~الإيمان الصحيح، ولا باليوم الآخر بالشكل السليم، ويحلون ما حرم الله، ~~ويحرمون ما أحل الله، ويتخذهم أتباعهم أربابا من دون الله. هنا يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { يأيها الذين آمنوا إن كثيرا ~~من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل... }. ### || [9.34] # وبعد أن شرح سبحانه لنا ما يدور في ذواتهم، وانحرافهم عن منهج الله ~~تعالى، والغرق في حب الدنيا وحب الشهوات، وهم قد اشتروا بآيات الله ثمنا ~~قليلا، وحرفوا تعاليم السماء حتى يأكلوا أموال الناس بالباطل، ولكن هل ~~الأموال تؤكل؟ طبعا لا، بل نشتري بالمال الطعام الذي نأكله، فلماذا ~~استخدم الحق سبحانه عبارة { ليأكلون أموال الناس } [التوبة: ~~34]؟ أراد الحق سبحانه وتعالى بذلك أن يلفتنا إلى أنهم لا يأخذون المال ~~على قدر حاجتهم من الطعام والشراب، ولكنهم يأخذون ms4019 أكثر من حاجتهم ~~ليكنزوه. ولذلك يأتي قوله تعالى في ذات الآية أنهم { ويصدون عن ~~سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } ~~[التوبة: 34]. هم إذن أكلوا أموال الناس بالباطل، مصداقا لقول الحق ~~سبحانه { ليأكلون أموال الناس بالباطل } [التوبة: 34] ~~ومعنى ذلك أن هناك أكلا من أموال الناس بالحق في عمليات تبادل ~~المنافع، فالتاجر يأخذ مالك ليعطيك بضاعة ويذهب التاجر ليشتري بها بضاعة ~~وهكذا، وقانون الاحتياط هنا في أن يكون هناك رهبان وأحبار محافظون على ~~تعاليم الدين، ولا يأكلون أموال الناس بالباطل، وهذا ظاهر في قول الحق ~~سبحانه وتعالى: { إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل } [التوبة: 34] ولم يقل ~~جل جلاله: كل الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل، بل قال { ~~إن كثيرا من الأحبار والرهبان } [التوبة: 34] لأنه قد ~~يوجد عدد محدود من الأحبار والرهبان ملتزمون، والله لا يظلم أحدا لذلك ~~جاء بالاحتمال. فلو أن الله سبحانه وتعالى عمم ووجد منهم من هو ملتزم ~~بالدين. فمعنى ذلك أن يكون القرآن الكريم لم يغط كل الاحتمالات، ومعاذ ~~الله أن يكون الأمر كذلك لأن الحق سبحانه وتعالى في قرآنه يصون ~~الاحتمالات كلها. إذن: فاستيلاء بعض من هؤلاء الأحبار والرهبان على أموال ~~الناس لا يكون بالحق، أي لا يحصلون فقط على ما يكفيهم، بل بالباطل أي ~~بأكثر مما يحتاجون. وهم يأخذون المال ليصدوا به عن سبيل الله، وهم في ~~سبيل الحصول على الأموال الدنيوية يغيرون منهج الله بما يتفق مع ~~شهوتهم للمال، وما يحقق لهم كثرة الأموال التي يحصلون عليها، ولهذا تأتي ~~العقوبة في ذات الآية فيقول المولى سبحانه وتعالى: { والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل ~~الله فبشرهم بعذاب أليم } [التوبة: 34] والكنز مأخوذ من ~~الامتلاء والتجمع، ولذلك يقال: " الشاة مكتنزة " ، أي مليئة باللحم ~~وتجمع فيها لحم كثير. إذن: فيكنزون أي يجمعون، وقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { يكنزون الذهب والفضة } وهذان المعدنان هما أساس ~~الاقتصاد الدنيوي، فقد بدأ التعامل الاقتصادي بالتبادل، أي سلعة مقابل ~~سلعة، وهي ما يسمى ms4020 عمليات عمليات المقايضة، وعندما ارتقى التعامل ~~الاقتصادي اخترعت العملة التي صارت أساسا للتعامل بين الناس والدول. # والعملة من بدايتها حتى الآن ترتكز على الذهب والفضة. وحتى عندما وجدت ~~العملة الورقية، كان لا بد أن يكون لها غطاء من الذهب لكي تصبح لها قيمة ~~اقتصادية لأن العملة الورقية لا يكون لها قيمة إلا بما يغطيها من الذهب ~~والفضة. ومن إعجاز القرآن الكريم أن الحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن ~~الذهب والفضة وهما معدنان، يجعلهما الأساس في النقد والتجارة، ولقد وجدت ~~معادن أخرى أغلى من الذهب وأغلى من الفضة كالماس مثلا. لكن لا يزال ~~الأساس النقدي في العالم هو الذهب والفضة. وعلى مقدار رصيد الذهب الذي ~~يغطي العملة الورقية ترتفع قيمة عملة أي بلد أو تنخفض.. فمثلا في مصر في ~~عهد الاحتلال البريطاني كان النقد المتداول ثمانية ملايين جنيه، ورصيدنا ~~من الذهب عشرة ملايين جنيه فيكون الفائض من الذهب مليوني جنيه، وبذلك ~~كانت قيمة الجنيه المصري تساوي جنيها من الذهب مضافا إليه قرشان ونصف ~~القرش. والذي يهبط بالنقد إلى الحضيض أن يكون رصيد الذهب قليلا وكمية ~~النقد المتداولة كثيرة، وهكذا يبقى الذهب هو الحجة والأساس في الاقتصاد ~~العالمي. إذن: فالحق سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أراد أن يلفتنا ~~إلى أن الذهب والفضة هما أساس التعامل في تسيير حركة العالم الاقتصادية، ~~وأن هذا التعامل يقتضي الحركة الدائمة للمال لأن وظيفة المال هي الانتفاع ~~به في عمارة الأرض، ولو أنك لم تحرك مالك وكنت مؤمنا، فإنه ينقص كل عام ~~بنسبة 25% وهي قيمة الزكاة. ولذلك يفنى هذا المال في أربعين سنة. فإن ~~أراد المؤمن أن يبقي على ماله فيجب أن يديره في حركة الحياة ليستثمره ~~وينميه ولا يكنزه حتى لا تأكله الزكاة وهي نسبة قليلة تدفع من المال. ~~ولكن إذا أدار صاحب المال ما يملكه في حركة الحياة، فسينتفع به الناس وإن ~~لم يقصد أن ينفعهم به لأن الذي يستثمر أمواله مثلا في بناء عمارة ليس في ~~باله إلا ما سيحققه من ربح لذاته، ms4021 ولكن الناس ينتفعون بهذا المال ولو لم ~~يقصد هو نفعهم فمن وضع الأساس يأخذ أجرا، ومن جاء بالطوب يأخذ قدر ثمنه، ~~ومن أحضر أسمنتا أخذ، ومن جاء بالحديد أخذ، والمعامل التي صنعت مواد ~~البناء أخذت، وأخذ العمال أجورهم في مصانع الأدوات الصحية وأسلاك ~~الكهرباء وغيرها، والذين قاموا بتركيب هذه الأشياء أخذوا، إذن: فقد انتفع ~~عدد كبير في المجتمع من صاحب العمارة، وإن لم يقصد هو أن ينفعهم. ولذلك ~~فإن الذي يبني عمارة يقدم للمجتمع خدمة اقتصادية ينتفع بها عدد من الناس، ~~وكذلك كل من يقيم مشروعا استثماريا. إذن: سبحانه وتعالى لا يريد من ~~المال أن يكون راكدا، ولكنه يريده متحركا ولو كان في أيدي الكافرين ~~لأنه إذا تحرك أفاد الناس جميعا فيحدث بيع وشراء وإنتاج للسلع وإنشاء ~~للمصانع، وتشغيل للأيدي العاملة إلى غير ذلك، ولكن إن كنز كل واحد منا ~~ماله فلم يستثمره في حركة الحياة، فالسلع لن تستهلك، والمصانع ستتوقف، ~~ويتعطل الناس عن العمل. # وكما يحث الإسلام على استثمار المال، يطالبنا أيضا بألا يذهب المال إلى ~~الناس بغير عمل حتى لا يعتادوا على الكسب مع الكسل وعدم العمل ولذلك قيل: ~~إذا كثر المال ولم تكن هناك حاجة إلى مشروعات جديدة، فلا تترك الناس ~~عاطلين بل عليك أن تأمرهم ولو بحفر بئر ثم تأمرهم بطمها أي وردمها، في ~~هذه الحالة سيأخذ العمال أجر الحفر والردم، فلا تنتشر البطالة ويتعود ~~الناس أن يأكلوا بدون عمل لأن هذا أقصر طريق لفساد المجتمع. إذن: فالحق ~~سبحانه وتعالى يريد للمال أن يتحرك ولا يكتنز ولذلك قال المولى سبحانه ~~وتعالى: { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } ~~[التوبة: 34] لأنهم بكنزهم المال إنما يوقفون حركة الحياة التي أرادها ~~الله تعالى لكونه. وأنت ترى العالم الآن يعيش في غائلة البطالة لأن المال ~~لا يتحرك لعمارة الكون، بل هناك من يكتنزون فقط. ولقائل أن يقول: ولكن ~~الناس الآن يتعاملون بالنقد الورقي، بينما ذكر الله سبحانه وتعالى الذهب ~~والفضة نقول: إن العملة الورقية ليست ms4022 نقدا بذاتها، ولكنها استخدمت لتعفي ~~الناس من حمل كميات كبيرة وثقيلة من الذهب والفضة، قد لا يقدرون على ~~حملها، إذن فهي عملية للتسهيل، وهي منسوبة إلى قيمتها ذهبا، إذن: فالذين ~~يكنزون العملة الورقية ولا ينفقونها فيما يعمر بها الكون وتتم عمارته ~~تنطبق عليهم الآية الكريمة. ولكن الكنز في هذه الآية لا يأتي فقط بمعنى ~~الجمع ولكنه أيضا بمعنى أنهم لا يؤدون حق الله فيها. ولذلك فإن المال ~~الذي أخرجت زكاته لا يعد كنزا، لأنه يتناقص بالزكاة عاما بعد آخر ~~أما المال المكنوز فهو المال الذي لا تؤدى زكاته. والذي يملك مالا ~~مهما كانت قيمته ويؤدي حق الله فيه لا يعتبر كانزا للمال. بل الكنز في ~~هذه الحالة ما لم يؤد فيه حق الله. وإذا عدنا إلى نص الآية الكريمة: { ~~والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ~~سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } [التوبة: 34] نتساءل: ~~لماذا لم يقل الله: ولا ينفقونهما مع أنهما معدنان؟ ونقول: إن الحق ~~سبحانه وتعالى استخدم أسلوب الجمع لأن الذهب يطلق إطلاقات كثيرة، فهناك ~~من يملك ألف دينار من الذهب، وغيره يملك مائة دينار من الذهب، وثالث ليس ~~لديه إلا دينار ذهبي واحد وكذلك الفضة، وما دام الجمع هنا موجودا فلا ~~بد أن تستخدم { ينفقونها } [التوبة: 34]. ولم تقل الآية الكريمة: ~~والذي يكنز. # ولكنها قالت: { والذين يكنزون } [التوبة: 34]، إذن: ~~فالمخاطبون متعددون، فهذا عنده ذهب، وهذا عنده ذهب، وثالث عنده فضة، إذن ~~فلا بد من استخدام صيغة الجمع. ويلفتنا القرآن الكريم إلى هذه القضية في ~~قوله تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9]. ولم يقل " اقتتلا " لأن الطائفة اسم لجماعة مكونة من ~~أفراد كثيرين، فإذا جاء القتال لا تقوم طائفة وتمسك سيفا وتقاتل ~~الثانية، وإنما كل فرد من الطائفة الأولى يقاتل كل فرد من الطائفة ~~الثانية، إذن فهما طائفتان ساعة السلام، ولكن ساعة الحرب يتقاتل كل أفراد ~~الطائفة الأولى مع كل أفراد الطائفة الثانية ولذلك قال الحق سبحانه ~~وتعالى: { اقتتلوا } ، ولم يقل " اقتتلا ". أما في حالة الصلح فقد ~~قال سبحانه ms4023 وتعالى: # فأصلحوا بينهما # [الحجرات: 9]. واستخدم هنا " المثنى " لأننا ساعة نصلح بين طائفتين، لا ~~نأتي بكل فرد من الطائفة الأولى ونصلحه على كل فرد من الطائفة الثانية، ~~ولكن نأتي بزعيم الطائفة الأولى ونصالحة على زعيم الطائفة الثانية فيتم ~~الصلح. ولذلك هنا تجب التثنية. وكذلك في قوله تعالى: { والذين ~~يكنزون الذهب والفضة } [التوبة: 34] لم يقل ولا ~~ينفقونهما، ولكن قال سبحانه وتعالى: { ولا ينفقونها في سبيل ~~الله } والإنفاق في سبيل الله يشمل مجالات متعددة، ففي سبيل الله تحدث ~~حركة في المجتمع يستفيد منها الناس، فحين تخرج الزكاة يستفيد منها ~~الناس، وحين تجهز بها جيوش المسلمين يستفيد منها الناس، ونظرية عدم ~~كنز المال ربما ظهرت حديثا في الاقتصاد العالمي ولكنها موجودة منذ نزول ~~القرآن الكريم. فأنت إن أنفقت ولم تكنز حدث رواج في السوق. والرواج معناه ~~إيجاد العمل ووسائل الرزق. وإيجاد الحافز الذي يؤدي إلى ارتقاء البشرية، ~~وأنت حين تشتري لبيتك غسالة أو ثلاجة أو بنيت بيتا صغيرا فإنك توجد ~~رواجا اقتصاديا في المجتمع. وفي نفس الوقت ارتقيت بوسائل استخداماتك. ~~والرواج يدفع إلى اكتشاف الأحسن الذي يفيد البشرية، ولكن إذا كنزت كل ~~مالك ساد الكساد الاقتصادي. وليس معنى ذلك أن ينفق صاحب المال كل ماله ~~وزيادة لأن الحق سبحانه وتعالى يريد الوسط في كل الأشياء. ولذلك يقول ~~سبحانه وتعالى: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67]. والحق سبحانه وتعالى في هذه الآية يحذر من سفاهة ~~الإنفاق، وعدم الإبقاء على جزء من المال لمواجهة أي أزمة مفاجئة. لكنك إن ~~قترت حدث كساد في السوق وتوقف الإنتاج وتعطل العمال، والإسلام يريد نفقة ~~معتدلة توجد الرواج السلعي، وادخارا تستخدمه في الارتقاء بحياتك ومواجهة ~~الأزمات. والإنفاق أنواع: إنفاق في المساوي لإبقاء الحركة الدائمة بين ~~المنتج والمستهلك، وإنفاق في غير المساوي بإعطاء الزكاة للفقير والمحتاج ~~والمعدم، والزكاة تنقي المجتمع من مفاسد كثيرة فهي تمنع الحقد بين الناس ~~لأن الفقير إذا وجد من يعطيه فهو يتمنى له دوام النعمة حتى يستمر العطاء ~~فلا يسخط الفقير ms4024 على الغني، والغني والفقير متساويان في الانتفاع لأن ~~الفقير عندما يأخذ لا يسخط على أنه فقير، ولكنه يحس بالعطاء حوله، والغني ~~حين يعطي يحس أن هذا أمان له لأنه إن ذهبت عنه النعمة فسوف يجد من يعطيه. # وهكذا يحدث توازن في المجتمع بين الناس، فلا يوجد من لا يستطيع الحصول ~~على ضروريات الحياة، ولا يوجد من لديه فائض يحبسه عن الناس. ولهذا يدعونا ~~الإيمان إلى العمل بما يزيد عن قدر الحاجة، ليكون هناك فائض للزكاة ~~والصدقة. والإنسان إذا عمل فإنه لا يفيد نفسه فقط بل يفيد المجتمع أيضا. ~~فسائق " التاكسي " مثلا إذا كسب مائة جنيه في اليوم قد يظن أنه نفع نفسه ~~فقط، ولكنه في الحقيقة نفع المجتمع كله بأن يسر على العباد مصالحهم، ~~فنقل هذا إلى عمله ونقل ذلك إلى المستشفى، ونقل غيرهما إلى السوق ليشتري ~~ما يحتاج إليه، ونقل رابعا ليزور قريبا أو ليحقق مصلحة وهكذا. إذن: ~~فالذي يعمل يكون عمله خيرا لنفسه وخيرا للمجتمع، وإن عمل كل الناس على ~~قدر حاجاتهم فقط، فمن أين يعيش غير القادر على العمل؟ من أين يعيش ~~المستحق للزكاة والصدقة؟ إنه لا يعيش إلا بفائض القادر على العمل، ولذلك ~~لا بد للإنسان المسلم أن يعمل على قدر طاقته، وليس على قدر حاجته. والعمل ~~على قدر الحاجة يجعله يوفي بحاجات من يعولهم، ولا يضطرهم إلى أن يمدوا ~~أيديهم للآخرين أي أنه يقيهم شر الحاجة. أما العمل على قدر الطاقة فيجعله ~~يأخذ حاجته، ويعطي لغير القادر ما يقيم حياته، وبذلك يقدم الخير لنفسه ~~ومن يعولهم وللآخرين. إن المجتمع الذي يجد فيه غير القادر حاجته، هو ~~مجتمع يملؤه الاطمئنان بالنسبة للقادر وغير القادر. ونحن نعلم أننا نعيش ~~في دنيا أغيار، ولا يوجد من يدوم غناه أو من يدوم فقره لأن دوام الحال من ~~المحال، إن عاش الغني في مجتمع متكافل يجد فيه الفقير حاجته فهو لن يخشى ~~تقلبات الزمن لأنه وهو الآن يعطي الفقير، إن أصبح فقيرا فسوف يجد مقومات ~~حياته، والفقير إذا أغناه الله ms4025 تعالى فسيذكر أنه كان يأخذ من الأغنياء، ~~فيبادر ليعين الفقراء كنوع من رد الجميل. وبذلك يعيش المجتمع كله حياة ~~آمنة، كما أن الحياة في مثل هذا المجتمع إنما تهيىء الاطمئنان للناس على ~~أولادهم وذريتهم، ذلك أن الأعمار بيد الله، وعندما يحس الإنسان بأنه إن ~~مات وترك أولادا صغارا ضعافا فسوف يتكفل المجتمع بهم، عندئذ يحس ~~بالأمان في حياته، ولكن إذا كان المجتمع قاسيا يضيع في حق اليتيم، فالأب ~~يعيش غير مطمئن على أولاده الصغار، ولهذا نجد أن الحق تبارك وتعالى قد ~~أمر بكفالة اليتيم ليعوضه عن أب واحد بآباء متعددين يرعونه، فيحس ~~الأب بالأمان وتحس الأم بالأمان ويحس الصغار بالأمان، ولذلك يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]. وتقوى الله تكون ضمانا في أن يكفل المجتمع اليتيم فيدخل ~~الأمن في قلب كل أب يخشى أن يموت وأولاده صغار. إذن: فساعة يكفل المجتمع ~~اليتيم فالطفل لن يسخط على القدر الذي حرمه من أبيه لأنه وجد آباء ~~يرعونه، وهناك قصة يرويها عدد من إخواننا العلماء، فقد مات زميل من ~~زملائهم وأولاده صغار، وكانت الأم تبكي على أطفالها لأنهم تيتموا، ثم مرت ~~السنوات وكبر الأطفال فصار هذا مهندسا وصار ذلك طبيبا، والثالث أصبح ~~محاميا، بينما من لا يزال آباؤهم على قيد الحياة كانوا متعثرين في ~~دراستهم، فقال أحدهم للآخر: ليتنا نموت حتى يفتح الله باب الرزق على ~~أولادنا. إذن: فهناك آباء محابس رزق، إذا ذهبوا فاض الله بالرزق على ~~أولادهم، وهذه صورة نراها في الكون فنعرف أن المسألة في يد الله سبحانه ~~وتعالى القائل: # إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين # [الذاريات: 58]. إذن: فالاقتصاد الإسلامي مبني على وجود حركة في الكون، ~~ولا بد أن تكون هذه الحركة على قدر طاقة المتحركين، وليس على قدر حاجاتهم ~~حتى يكون هناك فائض يأخذه غير القادر من المتحرك القادر. ثم يعطينا الله ~~سبحانه وتعالى لمحة إيمانية، حينما نرى الفقير غير القادر وهو يتلقى ~~العطاء ms4026 من أي إنسان غني يتعب في عمله، وكأن من هم أغنى منه يعملون ~~ليعطوه، وسبحانه وتعالى حين سلب القوة من هذا الرجل فقد عوضه بأن أعطاه ~~ثمرة من جهد وناتج عمل غيره فلا يسخط على اختبار الله تعالى له ~~بالابتلاء. { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم } ~~[التوبة: 34]. وساعة تسمع كلمة { فبشرهم } [التوبة: 34] تعرف أن ~~البشارة عادة تكون في خبر سار، وإن جاءت في خبر محزن تكون تهكما، ~~فالإنسان الذي هو عزيز قومه ويجعل الناس له اعتبارا، إن ظلم وطغى وخاف ~~الناس أن يردوه لأنه لا يخشى الله فيهم، هذا الظالم يؤتى به يوم ~~القيامة ويعذب أشد العذاب، ويقال له: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. وبطبيعة الموقف في النار هو مهان بعذاب جهنم ولا يمكن أن ~~يكون عزيزا كريما، ولكن قول ملائكة النار: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]، هو تهكم شديد، وهو في ذلك كقول الحق تبارك وتعالى: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه # [الكهف: 29]. وهم ساعة يسمعون كلمة { يغاثوا } يفرحون لأن عطشهم ~~شديد وهم قد استغاثوا فقيل لهم إنهم سيغاثون، وهذا خبر سار بالنسبة لهم، ~~ولكن الإغاثة تأتيهم بماء يشوي وجوههم، فهل هذه إغاثة؟ إنه تهكم عليهم ~~وزيادة في عذابهم، كذلك قول الحق سبحانه وتعالى هنا: { فبشرهم ~~بعذاب أليم } [التوبة: 34]. ويصف لنا الحق هذا العذاب الأليم الذي ~~سيتعرضون له، ويبين لنا خبر المغيب عنا في الآخرة بصورة محسة ~~لنا فيقول: { يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى ~~بها جباههم وجنوبهم وظهورهم... }. ### || [9.35] # نحن نعلم أن النار لا تحمى إلا للمعادن، فإن كان ما كنزوه أوراق نقد ~~فكيف يحمى عليها؟ وإن كان ما كنزوه معادن فهي صالحة لأن تكوى بها ~~أجسادهم، أما الورق فكيف يتم ذلك؟ ونقول: إن القادر سبحانه وتعالى يستطيع ~~أن يجعل من غير المحمى عليه محمى، أو يحولها إلى ذهب وفضة وتكوى بها ~~نواح متعددة من أجسادهم، والكية هي أن تأتي بمعدن ساخن وتلصقه بالجلد ~~فيحرقه ويترك أثرا. وحين ms4027 مات أحد الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وبحثوا في ثيابه فوجدوا فيها دينارا، قال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم: # " هذه كية من النار " # لأن صاحبه كان حريصا على أن يكنزه، كما وجدوا مع صحابي آخر دينارين ~~كنزهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هاتان كيتان ". # كان هذا قبل أن تشرع الزكاة، أما إذا كان صاحب المال قد أدى حق الله فيه ~~فلا يعد كنزا، وإلا لو قلنا: إن الإنسان إذا أبقى بعضا من المال ~~لأولاده حتى ولو أدى زكاته فإن ذلك يعتبر كنزا، لو قلنا ذلك لكنا قد ~~أخرجنا آيات الميراث في القرآن الكريم عن معناها لأن آيات الميراث جاءت ~~لتورث ما عند المتوفي. والمال المورث المفترض فيه أنه قد أتى عن طريق ~~حلال وأدى فيه صاحبه حق الله، لذلك لا يعتبر كنزا. وهنا يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم } [التوبة: 35]، لماذا خص الله هذه الأماكن بالعذاب؟ ~~لأن كل جارحة من هذه الجوارح لها مدخل في عدم إنفاق المال في سبيل الله. ~~كيف؟ مثلا: تجدون الوجه هو أداة المواجهة، وإذا رأيت إنسانا فقيرا ~~متجها إليك ليطلب صدقة، وأنت تعرف أنه فقير وقد جاءك لحاجته الشديدة، ~~فإن كان أول ما تفعله حتى لا تؤدي حق الله أن تشيح بوجهك عنه، أو تعبس ~~ويظهر على وجهك الغضب، فإن هذا الفقير يحس بالمهانة والذلة لأن الغني قد ~~تركه وابتعد عنه، فإذا لم تنفع إشاحة الوجه واستمر الفقير في تقدمه من ~~الغني، فإنه يعرض عنه بأن يدير له جنبه ليحس بعدم الرضا، فإذا استمر ~~الفقير واقفا بجانبه فإنه يعطي له ظهره. إذن: فالجوارح الثلاث قد تشترك ~~في منع الإنفاق في سبيل الله، وهي الوجه الذي أداره بعيدا، ثم أعطاه ~~جانبه، ثم أعطاه ظهره. هذه هي الجوارح الثلاث التي تشترك في منع حق الله ~~عن الفقير، ولذلك لا بد أن تعذب فتكوى الجباه والجنوب والظهور. ثم ~~يقول الحق تبارك وتعالى: { هذا ما كنزتم لأنفسكم } ~~[التوبة: 35]، أي: هذا ما ms4028 منعتم فيه حق الله، فإن كنز الإنسان مالا ~~كثيرا فسيكون عذابه أشد ممن كنز مالا قليلا لأن الكي سيكون بمساحة ~~كبيرة، أما إن كان الكنز صغيرا فتكون الكية صغيرة. # ولهذا لا يجب أن يغتر المكتنز بكمية ما كنز لأن حسابه سوف يكون على قدر ~~ما كنز. وقوله سبحانه وتعالى: { فذوقوا ما كنتم تكنزون } ~~[التوبة: 35] أي: أن عذابكم في الآخرة سيكون بسبب كنزكم المال، فالمال ~~الذي تفرحون بكنزه في الدنيا كان يجب أن يكون سببا في حزنكم لأنكم ~~تكنزون عذابا لأنفسكم يوم القيامة، ومهما أعطاكم كنز المال من تفاخر ~~وغرور في الحياة الدنيا، فسوف يقابله في الآخرة عذاب، كل على قدر ما ~~كنز. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { إن عدة الشهور ~~عند الله اثنا عشر شهرا في كت ب الله يوم خلق ~~السموات والأرض منهآ أربعة حرم... }. ### || [9.36] # والشهر: هو دورة القمر كما هو معلوم، ونحن نعرف أن الكون فيه شمس وقمر ~~وفيه نجوم، هذه هي الأشياء المرئية لنا، وهناك كواكب أخرى بعيدة عنا ~~تستطيع أن تأخذ مليون شمس في جوفها، كل هذا يعطيك فكرة عن مدى اتساع ~~الكون، فلا تعتقد أن الشمس هذه موجودة بذاتها، بل هي تأخذ أشياء من كواكب ~~أعلى منها كثيرة، ولكن ما نراه بأعيننا محدود، وهناك ما لا يمكننا أن ~~نراه لأنه غير منظور لنا. وأنت إذا نظرت إلى مصباح كهربائي، فنور المصباح ~~ليس ذاتيا، بل إن وراءه أجهزة كثيرة تمده بالكهرباء من أسلاك وكابلات ~~وأكشاك، ثم محطة توليد الكهرباء التي تولد التيار الكهربائي، ثم المصانع ~~التي أنتجت الآلات التي تعمل في محطة الكهرباء، إذن: فوراء هذا المصباح ~~الصغير حجم هائل من العمل والأجهزة المختلفة. ونحن نرى الشمس فيها ضياء، ~~والقمر فيه نور، فما الفرق بين الضياء والنور؟ الضياء: فيه نور وفيه ~~حرارة. والنور: فيه ضوء وليس فيه حرارة. ولذلك يسمون ضوء القمر " الضوء ~~الحليم " ، أي: أنك عندما تجلس في ضوء القمر لا تحتاج إلى مظلة تحميك ~~منه، ولكن إن جلست تحت ضوء الشمس فأنت ms4029 تحتاج إلى مظلة تحميك من حرارة ~~الشمس الشديدة. والحق سبحانه وتعالى يسمى الشمس سراجا وهاجا، والسراج ~~فيه حرارة وفيه ضوء. أما القمر فسماه منيرا لأن أشعة الشمس تنعكس عليه ~~فينير، وهذان الكوكبان العلويان - الشمس والقمر - وضع الله فيهما موازين ~~الزمن. والزمن له حالات كثيرة تتطلب موازين وقياسات مختلفة، وأساس الزمن ~~هو اليوم والليلة، وأساس اليوم هو صباح وظهر وعصر ومغرب، وهناك الفجر ~~الصادق والفجر الكاذب والشروق، وهناك أوقات يتساوى فيها الشيء وظله، ~~وأوقات يكون الظل مثلي الشيء. والليل فيه الظلام، ويأتي بعد النهار ~~والليل - في مقاييس الزمن - الشهور، وبعد الشهور تأتي السنوات. إذن: ~~فمقاييس الزمن محتاجة لآلات تقاس بها، وأنت تعرف بداية اليوم بشروق ~~الشمس. إذن فالشمس معيار اليوم. وأنت تعرف بداية الليل بغروب الشمس. ~~وهكذا فالشمس تعطينا بداية ونهاية الليل والنهار، ولكنها لا تعطينا شيئا ~~عن الشهور، فإذا نظرت إلى الشمس فإنك لا تعرف هل أنت في أول الشهر أو في ~~منتصفه أو في آخره. ولكنك إذا نظرت إلى القمر عرفت، ففي أول الشهر يكون ~~القمر هلالا، وفي منتصفه يكون بدرا، وفي آخره المحاق. والشهور عند الله ~~اثنا عشر شهرا. وهكذا نرى أن الحق سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الإنسان، ~~ويجعله خليفة في الأرض خلق له كونا معدا إعدادا حكيما لاستقباله، ~~فقدر في الأرض الأقوات وجعل الشمس والقمر وأنزل المطر، فكل ما يقيم ~~حياة الإنسان كان موجودا في الكون قبل أن يأتي الإنسان إليه. # والإنسان جعله الله خليفة في الأرض وله حركة، وهي الأحداث التي تقع منه ~~أو تقع فيه أو تقع عليه، والأحداث تتطلب زمانا ومكانا، ولذلك خلق الله ~~لها الزمان والمكان. إذن: فالحياة كلها تفاعل بين حركة الإنسان الخليفة ~~وبين الزمان والمكان. وكما أعد الله سبحانه وتعالى للإنسان في كونه ~~مقومات حياته اليومية.. أنزل له القيم التي تحفظ له معنويات حياته، وأراد ~~بها الحق سبحانه وتعالى أن تتساند حركة الإنسان ولا تتعاند، ومعنى ~~التساند أن تتحد حركة الناس جميعا في إيجاد النافع لمزيد من الإصلاح في ~~الأرض، ms4030 أما إن تعاندت حركات البشر ضد بعضها البعض، فإن الفساد يظهر في ~~الأرض لأن كل واحد يريد أن يهدم ما فعله الآخر. ولكي تتساند حركات ~~الإنسان في الكون فلا بد من مشرع واحد - وهو المشرع الأعلى - يعطي ~~قوانين الحركة البشرية لكل الناس. وإن ابتعد الناس عن تشريعات الله ~~تعالى، وأخذوا يقننون لأنفسهم، نجد قوانين البشر تتبع أهواءهم، وكل ~~واحد يحاول أن يحصل على ميزات لنفسه، ويأخذ حقوق الآخرين فتفسد الحياة، ~~ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموات ~~والأرض # [المؤمنون: 71]. إن اتباع الحق لأهوائهم سيخضع الكون لأهواء البشر، ~~هذا يريد وهذا لا يريد، والحق سبحانه يريد في الكون حركة السلام والأمن ~~والاطمئنان، وهذه لا تتم إلا إذا التزم كل إنسان بمنهج الله حينئذ يوجد ~~سلام دائم ومستوعب شامل، مستوعب لسلام الإنسان مع نفسه، ولسلام الإنسان ~~مع الكون، ولسلام الإنسان مع الله، لكن الإنسان الذي خلقه الله مخيرا ~~وأنزل له المنهج بالتكليف، في إمكانه أن يطيع هذا المنهج أو أن يعصيه. ~~وإن عصى الإنسان المنهج فهو يفسد في الأرض وينشر فيها الظلم والفساد. ~~وأراد الحق سبحانه أن يضع للسلام ضمانا، وهو أن توجد قوة تقف أمام ~~الفساد في الأرض لذلك شاء الحق أن يكون للحرب وجود في هذا الكون لتتصارع ~~الإرادات، فما دام للإنسان اختيار، وما دام هناك من يعصي ومن يطيع، فلا ~~بد أن يحدث الصراع. أما الأمور التي لا اختيار للإنسان فيها فهي لا تعكر ~~السلام في الكون، فلن تقوم ثورة - مثلا - لكي تشرق الشمس، أو تشتعل حرب ~~لإنزال المطر لأن هذه الأمور تسير بقوانين القهر التي أرادها الله لها، ~~وتعطي نفعها للجميع، ولكن الفساد يأتي من انحراف الناس عن منهج الله، وما ~~دام في الكون حراس للمنهج من البشر، بحيث إذا انحرف إنسان ضربوا على يده ~~حتى يعود إلى الطريق السليم فإن الحياة المطمئنة الآمنة تبقى. ولكن إن ~~عم الفساد، ولم يوجد في المجتمع من يقف ضده تعاندت حركات الحياة وتعب ~~الناس في حياتهم وأرزاقهم. ms4031 # ولكي يسود السلام في الكون وضع الحق سبحانه في الزمن وفي المكان حواجز ~~أمام طغيان النفوس علها تفيق وتعود إلى الحق، فجعل في الزمان أشهرا ~~حرما يمتنع فيها القتال، ويسود فيها السلام بأمر السماء، وأراد الحق أن ~~يكون هذا السلام القسري فرصة تجعل هؤلاء المتحاربين يفيقون إلى رشدهم ~~وينهون الخلاف بينهم، كذلك خص الله بعض الأماكن بتحريم القتال فيها، ~~فإذا التقى الناس في هذه الأماكن كانت هناك فرصة لتصفية النفوس وإنهاء ~~الخلاف. والإنسان في حربه مع أخيه الإنسان ينهك بنيران ونتائج الحرب، ~~تنهكه دما، وتنهكه مالا، وتنهكه عتادا، ويصيب الضعف الإنسان نتيجة ~~هذه الإنهاكات منتصرا كان أم مهزوما، ولكنه أمام عزة نفسه في مواجهة ~~خصمه يريد أن يستمر في الحرب حتى لا يظهر أمام الخصم بأنه قد ذل. ~~فيشاء الله برحمته لخلقه أن يجعل في الزمان وفي المكان ما يحرم فيه ~~القتال حتى لا يقال: إن قبيلة ما أو جماعة ما قد أوقفت القتال خوفا من ~~خصومها، أو لأن خصومها هم الأقوى ولكن ليقول الناس: إنهم أوقفوا الحرب ~~بأمر الله. وبهذا يحتفظ كل طرف من الأطراف المتحاربة بكرامته فيسهل الصلح ~~وتسلم الأرواح والنفوس. وكذلك إن لجأ واحد من المتحاربين إلى المكان أو ~~الأماكن التي يحرم الله فيها القتال، أمن على نفسه، وفي هذا منع للشر أن ~~يستمر، وصون للنفوس من المهانة والذلة والانكسار أمام الغير لذلك أراد ~~الله أن يوضح لنا: أنا خالقكم، وأنا الرحيم بكم، وسأجعل لكم من الزمان ~~زمانا أحرم فيه القتال، وأجعل لكم مكانا من دخله كان آمنا، فاستتروا ~~وراء ذلك وكفوا عن القتال. وهذه هي بعض من رحمة الله، يعطي بها سبحانه ~~للناس فرص الحياة، وهذا من عطاءات الربوبية، وعطاء الربوبية من الله هو ~~لخلقه جميعا، المؤمن منهم والكافر، والطائع والعاصي، وكل نعم الكون من ~~عطاءات ربوبية الله. إن عطاءات الله سبحانه لا تفرق بين المؤمن والكافر، ~~فالأرض مثلا لا تعطي الزرع للطائع وتمنعه عن العاصي، والشمس لا تضيء ~~وتسقط دفئها وحرارتها للمؤمن دون الكافر فنعم ms4032 الكون المادية كلها من ~~عطاء ربوبية الله سبحانه وتعالى لخلقه. الأسباب - إذن - هي للناس جميعا، ~~ولهم أن يتخذوا الأزمان المواتية لحركة الحياة كما يحبون، فيسيرون ~~الزراعات على أي تقويم، ويحددون المواسم على حسب ما يفيدهم، وهم يحددون ~~بذلك مصالحهم المادية التي هي من عطاء الربوبية. ولكن الله رب قيم، ~~ولذلك فهناك عطاء ألوهية لله في المنهج الذي أرسل به الرسل للناس فأوضح: ~~أنا أختار الزمان الذي أجده مناسبا للقيم والمعاني السامية، وأختار ~~الأماكن المناسبة للقيم والمعاني السامية. وأراد الحق برسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم أن يشيع اصطفاء المكان والزمان لكل الزمان والمكان. ~~والشهور والأزمان عند الله هي اثنا عشر شهرا، وما دام قد قال: { عند ~~الله } ، فهناك " عند " غير الله وهناك " عند " الناس. # وأوضح سبحانه لخلقه: قدروا أزمانكم بمصالحكم، وهذا ما يحدث في الواقع ~~المعاش.. إنك تجد من يزرع حسب التقويم القبطي، حيث تكون شهور الصيف فيه ~~ثابتة، وكذلك شهور الشتاء والربيع والخريف لأن التقويم القبطي قائم على ~~التقويم الشمسي. ولكن الحق سبحانه وتعالى يريد للقيم أزمانا مخصوصة لذلك ~~قال: { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } ~~وأوضح سبحانه: لا تجعلوا زمن القيم كالأزمان التي تجعلونها لمصالحكم. ~~وأراد الله سبحانه أن تعم القيم كل الزمن، ولا تكون مقصورة على أزمان ~~معينة، ولذلك اختار سبحانه أزمانا للصلاة مثلا، فصلاة الصبح لها وقت، ~~وصلاة الظهر لها وقت، والعصر لها وقت، والمغرب لها وقت، والعشاء لها وقت. ~~ولكن أوقات الصلاة رغم أنها محدودة فهي تشمل الزمن كله فالصلاة تقام ~~مثلا في أسوان، وبعد دقائق في الأقصر، وبعد دقائق في القاهرة، وبعد ~~دقائق في الإسكندرية، ثم تتدرج إلى دول أوربا، وهكذا. فكأنها لا تتوقف ~~عند فترة معينة، بل هي مستمرة حسب اختلاف الأوقات في الدول المختلفة، ~~فصلاة الفجر - على سبيل المثال - قبل شروق الشمس. والشمس تشرق في كل ~~دقيقة على بقعة مختلفة من الأرض. فكأن الصلاة دائمة على سطح الأرض. بل ~~أكثر من ذلك نجد أننا في الوقت الذي نصلي فيه نحن ms4033 الظهر، قد يصلي غيرنا ~~العصر في شمال أوروبا، والمغرب في أمريكا، والعشاء في كندا مثلا، فكأن ~~الصلاة تقام في كل وقت على ظهر الأرض ذلك لأن الكون كله مسبح لله. ~~ونأتي بعد ذلك إلى اختيار الله ليوم وقفة عرفات، ولشهر الصوم وغير ذلك من ~~الأوقات، فشهر رمضان يأتي مرة في الصيف، كما يأتي في الشتاء وفي الربيع، ~~وفي الخريف. كذلك الحج يأتي في فصول السنة المختلفة. وهكذا شاء عدل الله ~~أن تكون الأيام المفضلة عنده موزعة على الزمن كله. وجعل الحق سبحانه ~~وحدة الزمن هي اليوم، واليوم يتكون من الليل والنهار، والأيام وحدتها ~~الشهر، والشهور وحدتها العام، وجعل من مهمة الشمس أن تحدد لنا اليوم، ومن ~~مهمة القمر أن يحدد لنا الشهر فهو في أول الشهر هلال، ثم تربيع أول ~~وتربيع ثان فبدر إلى آخره. إذن فالقمر هو الذي يحدد بداية الشهر ~~ونهايته. ولقد حدد الحق سبحانه شهور العام، فقال: { إن عدة ~~الشهور عند الله اثنا عشر شهرا } وقال: { منهآ ~~أربعة حرم }. ولكن لماذا لم يجعل الحق الأشهر سلاما؟ نقول: إن ~~الحق في تشريعه أراد أن يسود السلام، ولكن الحرب أيضا قد تكون سببا ~~لتحقيق السلام، فليس كل إنسان أو مجتمع يسير على الجادة، فمن الممكن أن ~~تخرج جماعة عن الجادة، ولهذا لا بد من قتال تلك الجماعة، ولا بد كذلك من ~~وقفة للخير أمام الشر، وما دام الإنسان له اختيار فقد يسير في اختياره ~~إلى ناحية السوء لذلك لا بد أن يضرب المجتمع على يد المسيء، وإذا ما ~~اختارت دولة قتال دولة أخرى اعتداء، فالحرب ضرورة للدفاع. # وكذلك لو أن الحق قد جعل العام كله أياما حرما لأذل الكفار ~~والمشركون المؤمنين لأن الكفار والمشركين سيعصون الله ويحاربون، ~~والمؤمنون ملتزمون بأمر الله، فكأن الله قد فرض العبودية على المؤمن به. ~~وأعطى السيادة لغير المؤمن. ثم إن قوى الخير والشر تتصارع في هذا الكون، ~~وقوى الحق والباطل تتقاتل، ولا بد من وقفة للحق أمام الباطل، ولذلك أباح ~~الحق في الأشهر الحرم ms4034 القتال، حتى إذا استشرى الباطل تصدى له الحق ~~بالقوة، ولذلك قال شوقي: # الحرب في حق لديك شريعة # ومن السموم النافعات دواء # إذن: فقد شاء الله أن يوجد من يقاوم الباطل، وضمن للحق أن يحارب الباطل ~~ويواجهه لذلك لم يشرع تحريم القتال في العام كله. ولكنه شرع هذا التحريم ~~فقط أربعة أشهر يذوق الناس فيها حلاوة السلام ويتوقف فيها القتال وتتاح ~~الفرصة للصلح. ولقد أوجد سبحانه في الكون سنة، هي أنه إذا ما التقى حق ~~وباطل في المعركة فالباطل ينهزم في وقت قصير. وإن رأيت معركة تطول سنوات ~~طويلة فاعرف أنها بين باطل وباطل، وإذا قامت الحرب بين باطل وباطل فإن ~~السماء لا تتدخل، وأما إذا قامت المعركة بين حق وباطل فإن السماء تنصر ~~الحق على الباطل. ولا تقوم معركة بين حقين أبدا لأن الحق في الدنيا ~~كلها واحد، فلا يوجد حقان، بل حق وباطل، وإن وجد الصراع فإنه لا يطول ~~بينهما لأن الباطل زهوق بطبيعته، وإن وجدت حرب بين باطلين، فالسماء توضح ~~لنا أنه لا يوجد باطل منهما أولى بأن ينصره الله على الآخر بل يترك ~~سبحانه هذا الصراع لأسبابهم مما يطيل أمد الحرب. وحين شرع الله الأشهر ~~الحرم، ضمن الناس مطلوبات السلام الدائم لأن الناس تنهكهم الحرب ويحبون ~~أن يرتاحوا منها، فإذا جاءت الأشهر الحرم كانت فرصة للناس ليوقفوا الحرب، ~~دون أن يشعر أحدهم بالذل والهوان والهزيمة. ونحن نلجأ إلى ذلك أحيانا، ~~فإذا كنا في بيت يسكنه عدد من الناس - كما يحدث في الريف - وسرق شيء ~~ثمين من هذا البيت، والسارق من السكان ونريد منه أن يعيده دون أن ينكشف ~~أمره فهم يحددون مكانا معينا، وكل واحد من سكان البيت يأتي ليلا ويضع ~~حفنة من التراب في هذا المكان، لعل السارق يضع ما سرقه بين حفنة التراب، ~~وهو بذلك يأخذ فرصة من مجتمعه الصغير ليعيد ما سرقه دون أن يعرفه أحد، ~~وفي هذا ستر له فلا ينفضح أمام الناس. والأشهر الحرم فرصة للسلام دون أن ~~ينفضح أحد من الأطراف ms4035 المتحاربة أمام الناس بأنه ضعيف أو غير قادر على ~~الاستمرار في الحرب، وتتوقف خلالها الحرب وقد ستر الله كل أطرافها، وتقوى ~~خلالها فرص أكبر للسلام والصلح، وبذلك تكون فرص السلام أكبر من فرص الحرب ~~بكثير. # ولكن ماذا يحدث عندما يعتدي عصاة غير مطيعين لله على المؤمنين في الأشهر ~~الحرم التي حرم الله القتال فيها؟ إن الحق سبحانه لا يعني بتشريعاته ~~أبدا أن تكون مصدر إذلال للمؤمنين وإعزاز للكافرين ولذلك ينبهنا إلى ~~أننا يجب ألا نسمح لأعداء الله بأن يستغلوا حرمة الأشهر الحرم ليتمادوا ~~في العدوان على المؤمنين، فأباح للمؤمنين القتال في هذه الأشهر إذا ~~قاتلهم الكفار فيها، وكذلك في الأماكن المحرم فيها القتال، فقال: # يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير... # [البقرة: 217]. وهكذا أباح الله القتال في الشهر الحرام ليدافع المؤمنون ~~فيه عن أنفسهم إذا بدأهم الكفار بالقتال، وأباح الحق سبحانه أيضا القتال ~~في المسجد الحرام إذا قام الكفار بقتال المؤمنين فيه، رغم أننا نعلم أن ~~تحريم القتال في المسجد الحرام هو تحريم دائم، ولكن الحق سبحانه وضع ~~استثناء فقال: # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك ~~جزآء الكافرين # [البقرة: 191]. وهكذا جاء التقنين الإلهي ليحمي المؤمنين من طغيان ~~الكافرين، فالمؤمنون يلتزمون بعدم القتال في الأشهر الحرم كما أمر الله ~~بشرط التزام الطرف الآخر الذي يقاتلهم، فإن لم يلتزم الكفار بهذا ~~التحريم، فسبحانه لا يترك المؤمنين للهزيمة، وهكذا شاء الحق أن يضع ~~التشريعات المناسبة لهذا الموقف. فإن احترمها الطرفان كان بها، أما إن ~~خالفها الكفار فقد سمح الله للمؤمنين بالقتال. وهنا يقول سبحانه: { إن ~~عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب ~~الله } والكتاب يطلق على الشيء المكتوب المدون، ولا يدون الكلام ~~إلا إذا كانت له أهمية ما، أما الأحاديث التي تتم بين الناس فهم لا ~~يكتبونها ولا تدون. بينما الكلام المهم وحده هو الذي يكتب حتى يكون ~~حجة في الاستشهاد به في حالة وجود خلاف. ولكن أين { كتاب الله } ~~الذي كتب ms4036 فيه هذا؟ إنه اللوح المحفوظ عند الله، والمهيمن على كل الكتب ~~التي نزلت في مواكب الرسل، ويقصد بالكتاب - أيضا - القرآن الكريم الذي ~~نزلت فيه هذه الآية، وقد جاء القرآن جامعا لمنهج الله بدءا بآدم عليه ~~السلام إلى أن تقوم الساعة. وتغير في القرآن كثير من الأحكام الموجودة في ~~الرسالات السابقة، أما العقائد فهي واحدة. كما أن القرآن قد تضمن الحقائق ~~الكونية التي لم تكن معروفة وقت نزوله، والمثال هو قوله الحق: # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج... # [البقرة: 189].وأيضا يقول الحق سبحانه: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق ~~الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم ~~يعلمون # [يونس: 5]. فكأنه ربط السنين والحساب بالقمر، وهذا الحساب هو من ضمن ~~إعجازات الأداء البياني في القرآن لأن العالم قد بحث عن أدق حساب للزمن، ~~فلم يجد أدق من حساب القمر، وكل الأحياء المائية تعتمد في حسابها على ~~الحساب القمري، والله سبحانه يريد منا حين نقرأ كتابا أن نتمعن في وضع ~~الألفاظ في موضعها. فيقول سبحانه: { إن عدة الشهور عند ~~الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~السموات والأرض } وبعد ذلك يأتي باستثناء هو: { منهآ } أي ~~من الاثني عشر شهرا { أربعة حرم ذلك الدين القيم ~~فلا تظلموا فيهن أنفسكم } ، ولقائل أن يقول: لماذا لم ~~يقل الله: " فيها " بدلا من { فيهن } ما دام قد قال من قبل: { ~~منهآ أربعة حرم }؟ ونقول: إن الحق ينهى عن الظلم العام في كل ~~الشهور، وإن كان المقصود الأشهر الحرم الأربعة، فالمقصود النهي عن ظلم ~~الحرب. وهنا قاعدة لغوية يجب أن نلتفت إليها وعندنا في اللغة جمع قلة ~~وجمع كثرة جمع القلة من ثلاثة إلى عشرة، ويختلط الأمر على بعض الناس في ~~مسألة جمع القلة وجمع الكثرة، وجمع التكسير وجمع الصحيح. فجمع القلة وجمع ~~الكثرة، غير جمع التكسير، والجمع الصحيح لأن التكسير هو أن تكسر بنية ~~الكلمة، فمثلا بيت جمعها بيوت، ورسول جمعها رسل هنا كسرت بنية الكلمة ms4037 ~~أي: غيرتها. أما إن قلت: " مسلم " فجمعها " مسلمون " ، وهنا تضيف " ~~واوا ونونا " ، ولكن كلمة " مسلم " صحيحة، أي أننا لم نكسر المفرد. ~~ولكن إن قلت: " سفينة " وجمعها " سفن " تكون قد كسرت المفرد. وقول الحق ~~هنا: { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا ~~في كتاب الله } فما دام العدد هو اثنا عشر شهرا تكون قد زادت عن ~~جمع القلة لأن جمع القلة من ثلاثة إلى عشرة، وجمع القلة يعاملونه معاملة ~~الجماعة. وإن زاد على عشرة يعاملونه معاملة المفرد المؤنث، مثل وضع ~~الشهور الأربعة المحرمة في كتاب الله، ولذلك قال: { فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم } وجاء هنا ب " نون النسوة " للجمع. والقاعدة - ~~كما قلنا - إن جمع القلة يعامل معاملة الجماعة، فإن كان جمع كثرة عومل ~~معاملة المفرد المؤنث لأن الفرد يكون معصوما بالجماعة، أي أنه بمفرده ~~ضعيف. فإن وجد جماعة ينتمي إليها فهو يحس بالقوة. إذن: فالفرد يعصم ~~بالجماعة، وبهذا تعامل الجماعة كلها كهيئة واحدة، وهناك شاعر يستهزىء ~~بقوة جماعة ما، فيقول: # لا أبالي بجمعهن فجم # عهن كل جمع مؤنث # إذن: فكل جمع يكون مؤنثا، وهذا ما ينطبق على قوله سبحانه وتعالى هنا: { ~~فلا تظلموا فيهن أنفسكم }. # وأكرر: إن أردت الظلم العام فإن الله قد حرم الظلم في كل شهور السنة ~~سواء ظلمك لنفسك أم ظلمك للناس، وإن أردت من معنى الكلام تحريم الحرب في ~~الأشهر الحرم تكون: { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } قد أتت ~~بالمؤنث. ومعنى قوله: { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } أي: ~~إياكم أن تظنوا أن مخالفتكم لمنهج الله يحدث منها شيء يضر الحق سبحانه، ~~فكل ما يحدث من ظلمكم لأنفسكم هو أن تضروا أنفسكم أو غيركم، لكن لن يضر ~~أحدكم الله لأن صفات الله في الكون لا تتأثر أطاع الخلق أم عصوا. ولذلك ~~فإن اتباع منهج الله هو أمر لصالح الناس، لصالحنا نحن، فانصرافنا عن ~~المنهج لا يضر الله سبحانه شيئا ولكن يضرنا نحن، فكل ما أنزله الله من ~~قيم هو لصالحنا حربا وسلاما، وتحريما وتحليلا. ولكن لماذا خص الحق ~~سبحانه الشمس ms4038 بحساب اليوم، والقمر بحساب الشهر؟ وأقول: لأن الله سبحانه ~~يريد أن يوزع الفضل على كل الزمن، وأن ييسر على الناس أداء مناسكه وما ~~يكلفهم به. فلو حسبت الشهور بالشمس لكان ميعاد الحج كل عام في أشهر الصيف ~~دائما، ومن يعيش مثلا في بلاد باردة إن ذهب إلى الحج صيفا يتعرض ~~لأخطار شديدة، فكأنه ليس هناك عدل بين الذين يعيشون في مناطق باردة، ~~والذين يعيشون في مناطق حارة في أداء مناسك الحج، فلو كان ميعاد الحج هو ~~الصيف دائما، فسوف يؤديه الذين يعيشون في المناطق الحارة بسهولة، بينما ~~يؤديه من يحيا في المناطق الباردة بصعوبة، ولتمام عدل الله بين خلقه نجده ~~سبحانه قد أدار الأشهر القمرية في السنة الميلادية، فلا يأتي الحج أبدا ~~في طقس واحد، وبذلك تستوي كل البيئات وكل الناس في أحكام الله. وأيضا ~~صوم رمضان لو كان يأتي في الصيف دائما، لوجدنا بعض الناس سيصومون ثماني ~~أو تسع ساعات، والذين يعيشون قرب القطب الشمالي يصومون عشرين ساعة في ~~اليوم، ولكن مجيء رمضان في فصول السنة كلها يجعل أولئك الذين يعيشون قرب ~~القطب الشمالي يصومون مرة تسع عشرة ساعة مثلا، ومرة ساعتين أو ثلاثا، ~~وهذه تعوض تلك، فيتم العدل، وإذا أخذنا متوسط ساعات الصيام بالنسبة ~~لهؤلاء الناس على مدار السنة، نجد أن فترات صومهم تسع عشرة ساعة وفترات ~~ثلاث ساعات، وبذلك يتساوون في المتوسط مع أولئك الذين يصومون ثماني أو ~~تسع ساعات يوميا. ونجد بالحساب أن تقويم الهلال ينقص عن تقويم الشمس ~~بمقدار أحد عشر يوما وثلث يوم كل عام، ويكون الفرق عاما كاملا كل ثلاث ~~وثلاثين سنة وثلث العام، أي أن رمضان يأتي مرة في يناير ومرة في فبراير ~~ومرة في مارس، وكذلك الحج، وبذلك تتكافأ الفرص بين المؤمنين جميعا، ~~فالذين يصومون في الصيف المعروف بيومه الطويل، يصومون في الشتاء ويومه ~~قصير. # والذين يعانون من الصوم في حرارة الجو، يصومون أيضا في برد الشتاء، ~~وهكذا يدور رمضان والحج في شهور العام كله، وبذلك يتم عدل الله على ~~الجميع ms4039 بالتشريع الحق، ويدور التكليف مشقة ويسرا وصعوبة وسهولة على ~~جميع المؤمنين. وإذا نظرنا إلى ربط اليوم بالشمس نجد أن الحق سبحانه ~~وتعالى الذي ربط أوقات الصلاة بالشمس، كفل لها الدوام التكليفي، لماذا؟ ~~لأن القمر نراه أياما، ولكننا لا نراه في أيام المحاق، فلو ربطنا الصلاة ~~بالقمر لضاع منا الدوام، مضافا إلى ذلك أن القمر يظهر لنا في أوقات غير ~~متساوية فعندما يكون هلالا لا يظهر للعين في الأفق إلا دقائق معدودة، ~~ولكن الشمس تشرق كل يوم في وقت محدد، وتغيب كل يوم في وقت محدد، وهي ~~بضوئها ظاهرة للناس كل الناس من الشروق إلى الغروب، فلا يجدون مشقة في ~~رؤيتها. ولذلك فربط الصلاة بالشمس فيه يسر التكليف ودوامه، وكما قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الصلاة عماد الدين، من أقامها أقام الدين " # وهي الركن الوحيد من أركان الإسلام الذي لا يسقط أبدا لأن الفقير تسقط ~~عنه الزكاة، والمريض يسقط عنه الصوم، وغير المستطيع يسقط عنه الحج، ~~وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يكفي أن تقال مرة واحدة ~~في العمر، ولكن إقامة الصلاة لا تسقط أبدا. إذن فهي عماد الدين، ولذلك ~~تتكرر خمس مرات يوميا لكل أهل الأرض، فالصبح في دولة قد يكون ظهرا في ~~دولة ثانية، وعصرا في دولة ثالثة ومغربا في دولة رابعة وعشاء في دولة ~~خامسة وذلك بسبب فروق التوقيت بين دول العالم، وهكذا تكون في كل لحظة من ~~الزمن جميع أوقات الصلاة قائمة على الأرض، فيظل الله سبحانه وتعالى ~~معبودا بالصلاة في كل الزمن في كل بقاع الأرض. وهكذا يرتفع الأذان: الله ~~أكبر أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله في كل لحظة على ~~الأرض. قد نجد رجلا أميا لا يعرف القراءة أو الكتابة، لكن له إشراقات ~~نورانية، أفاض الله عليه يقول: يا زمن وفيك كل الزمن، أي يا فجر وفيك كل ~~أوقات الصلاة على سطح الأرض. ولذلك فظاهر الأمر أن الصلوات خمس، والحقيقة ~~أن الصلاة دائمة على ms4040 وجه الأرض في كل ثانية، ولا يوجد جزء من الزمن إلا ~~والله معبود فيه بعبادات كل الزمن، أي أنه في كل لحظة تمر نجد الله ~~معبودا بالصلوات الخمس على ظهر الأرض. وهذا سبب ربط الصلاة بالشمس. وإذا ~~عرفنا هذه الحقيقة، وعلمنا أن الكون كله يصلي لله في كل لحظة من الزمن، ~~فإننا نعلم أن القرآن يتسع لأشياء كثيرة، وأن كل جيل يأخذ من القرآن على ~~قدر عقله، فإذا ارتقى العقل أعطى القرآن عطاء جديدا. # وهذا ما يؤكد أن آيات القرآن يتسع إدراكها في الذهن كلما مر الزمن، ~~فنتنبه إلى معان جديدة لم نكن ندركها. وعندما يأتي المستشرقون ليقولوا: ~~إن في القرآن تناقضا في الكونيات. نقول لهم: مستحيل. فيقولون: لقد جاء ~~في القرآن: # قال رب المشرق والمغرب وما بينهمآ إن كنتم ~~تعقلون # [الشعراء: 28]. ويقول: # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17]. ويقول: # فلا أقسم برب المشرق والمغرب... # [المعارج: 40]. وبين هذه الآيات تناقض ظاهر. ونرد: إن التقدم العلمي ~~جعلنا نفهم بعمق معنى هذه الآيات، فكل مكان على الأرض له مشرق وله مغرب، ~~هذه هي النظرة العامة، إذن فقوله تعالى: { رب المشرق ~~والمغرب } صحيح، ثم عرفنا أن الشمس حين تشرق عندي، تغرب عند قوم ~~آخرين، وحين تغرب عندي تشرق عند قوم آخرين، إذن فمع كل مشرق مغرب ومع كل ~~مغرب مشرق، فيكون هناك مشرقان ومغربان. ثم عرفنا أن الشمس لها مشرق كل ~~يوم ومغرب كل يوم يختلف عن الآخر. وفي كل ثانية هناك شروق وغروب، إذن ~~فالقسم هنا { برب المشرق والمغرب } لأن المشارق ~~والمغارب مختلفة على مدار السنة. فإذا سأل أحدهم: لماذا تخصون القمر ~~لحساب الزمن وتخصون الشمس لحساب اليوم؟ نقول: إن الشمس مرتبطة بعلامة ~~يومية ظاهرة وهي النهار، واختفاؤها عنك مرتبط بعلامة يومية ظاهرة وهي ~~الليل. ولكن القمر غير مرتبط بعلامة يومية، صحيح أن القمر موجود دائما، ~~ولكن الإنسان لا يستطيع أن يدركه أو يراه إلا في أوقات محددة. بعض الناس ~~يقول: إذا كان المقصود بهذه الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - هو ~~بيان ms4041 الأشهر الأربعة الحرم، فما فائدة باقي أشهر السنة؟ ونقول: إنك لن ~~تستطيع أن تحدد الأشهر الحرم إلا من خلال بيان وتوضيح أمر السنة ومعرفة ~~عدد أشهرها، وهذا أمر ضروري أيضا حتى تستطيع أن تحدد الأشهر الأربعة ~~الحرم في العام. وإلا كيف يمكن أن نميز هذه الأشهر وزمنها؟ لا بد لنا إذن ~~من أن نعلم أن هناك عاما، وأن العام فيه اثنا عشر شهرا لنستطيع أن نحدد ~~الأشهر الحرم. والأشهر الحرم منها ثلاثة متتابعة وشهر فرد، والأشهر ~~المتتابعة هي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وشهر رجب هو الشهر الفرد. ~~وتحديد الحق لهذه الأشهر الأربعة يعني أنها تتميز بخصوصيات لأن الحق ~~سبحانه وتعالى لو أراد أن تكون هذه الشهور في أي وقت من السنة لتركها لنا ~~لنحددها بمعرفتنا فنختار أي أربعة أشهر على هوانا، لنمتنع فيها عن ~~القتال، ولكن كون الله تبارك وتعالى حددها فذلك لخصوصيات فيها. جاء البعض ~~وقال: ما دام سبحانه وتعالى قد جعل الشهور اثني عشر شهرا وجعل منها ~~أربعة حرما، ونحن نريد أن نحارب في شهر المحرم فلنفعل ذلك ونمتنع عن ~~القتال في شهر آخر غيره، وبذلك نكون قد حافظنا على عدد الأشهر الحرم وهي ~~أربعة كما حددها الله. # ونقول: إنكم حافظتم على العدد ولم تحافظوا على المعدود. ولو أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يبين الأربعة الأشهر المقصودة بالآية الكريمة ~~من الاثني عشر شهرا، لأصبح من حق كل جماعة أن تختار ما تريده من أشهر ~~السنة، ولكنه صلى الله عليه وسلم خصصها لأننا علمنا بذلك كيف نحافظ على ~~الفرق بين العدد والمعدود. إن مسألة العدد والمعدود حلت لنا إشكالات ~~كثيرة، منها إشكالات أثارها المستشرقون الذين يريدون أن يسيئوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الزواج كان مطلقا عند العرب، ثم حدد ~~الله سبحانه وتعالى عدد الزوجات بأربع، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام ~~الذين كانوا قد تزوجوا بأكثر من أربع زوجات أن يمسك الواحد منهم أربعا ~~ويفارق الباقيات، وأضاف المستشرقون تساؤلا: إذا كان ms4042 الرسول قد شرع ~~للناس، فلماذا لم يطبق هذا الأمر على نفسه، ولماذا اتخذ تسع زوجات؟ ~~ونقول: إننا إذا قمنا بعملية حسابية منصفة، لوجدنا أنها ليست توسعة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإنما هي تضييق عليه، فأنت حين تأخذها من ناحية ~~العدد فقط تقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ تسع زوجات وأمته ~~أخذت أربعا، ولكنك لم تلاحظ مع العدد المعدود، أي أنه إذا ماتت زوجاتك ~~الأربع أحلت لك أربع أخريات، وإن ماتت واحدة أحلت لك أخرى، إذن فأنت - ~~كمسلم - عندك عدد لا معدود، بحيث إذا طلقت واحدة أو اثنتين حلت لك ~~زوجة أو زوجتان أخريان، فأنت مقيد بالعدد، ولكن المعدود أنت حر ~~فيه. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد نزلت هذه الآية الكريمة: # لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن... # [الأحزاب: 52]. وهكذا نجد أن التشريع ضيق على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في المعدود. وكان استثناؤه عليه الصلاة والسلام في العدد ~~للتشريع، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتزوج بإرادة التشريع التي ~~يشاؤها الله. وسبحانه يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { إن ~~عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب ~~الله يوم خلق السموات والأرض } وعرفنا أن قوله ~~سبحانه: { في كتاب الله } معناها اللوح المحفوظ أو القرآن، وقوله ~~تعالى: { يوم خلق السموات والأرض } معناه: أنها مسألة لم ~~تطرأ على الكون، ولكنها محسوبة من قبل أن يخلق الإنسان. فهي إذن مسألة ~~من النظام الكوني الذي خلق عليه الكون. وهو سبحانه قد خلق الكون بدقة ~~وإحكام، فكأن الحق يريد أن يلفتنا إلى أن من مهام الشمس والقمر أن يكونا ~~حسابا للزمن لليوم والشهر والعام، ولذلك يقول سبحانه: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5]. # أي: أنهما خلقا بحساب دقيق، ويقول سبحانه: # فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس ~~والقمر حسبانا # [الأنعام: 96]. أي: أنه سبحانه يطالبنا بأن نستخدم الشمس والقمر حسابا ~~لنا. وهذا يتفق مع منطق الأمور، فالشيء الذي ms4043 تريد أن تتخذه حسابا لك، لا ~~بد أن يكون مصنوعا بحساب دقيق. ولذلك فإن الساعة مثلا إن لم تكن مصنوعة ~~بدقة فإنها لا تصلح قياسا للوقت لأنها تقدم أو تؤخر. ولكن إن كانت ~~مصنوعة بحساب دقيق فهي تعطيك الزمن الدقيق. إذن: فدقة قياس الزمن تعتمد ~~أساسا على دقة صناعة آلات القياس. وقبل أن ينزل الحق هذه الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها، كان العرب يعترفون بالأشهر الأربعة الحرم، ولكنهم ~~كانوا يغيرون في مواعيدها، فكانت الجماعة منهم تقاتل الأخرى، فإذا ما ~~أحسوا بقرب انتصارهم وجاءت الأشهر الحرم قالوا: نستبدل شهرا بشهر، أي ~~نقاتل في الشهر الحرام، ثم نأخذ شهرا آخر نمتنع عن القتال فيه، وحسبوا ~~أنهم ما داموا قد حافظوا على العدد يكونون بذلك قد أدوا مطلوبات الله، ~~ولكنهم نسوا أنهم لم يحافظوا على المعدود، ونسوا أن الدين مجموعة من ~~القيم التي لا بد أن نؤمن بها ونطبقها. والإيمان - كما نعلم - هو انقياد ~~وتسليم لله سبحانه وتعالى، فإذا أمر الله بأمر من الأمور فلا اختيار لنا ~~فيه لأنه سبحانه وتعالى يرى بحكمته وعلمه هدفا أو أهدافا أو حكمة، وهنا ~~يجب أن يقف الاختيار البشري، بمعنى أنه لا أحد يملك تعديل مرادات الله ~~بأي شكل من الأشكال لأننا في حياتنا اليومية حين نرى واحدا من البشر قد ~~اشتهر بحكمته وعلمه في أمر من الأمور أكثر منا، نقول له: وكلناك في ~~هذا الأمر، وسنسير وراءك فيما تقرره. ومعنى هذا أننا سنسلم اختيارنا ~~لاختيارات هذا الحكيم. إننا لا نعطي أحدا هذه الصلاحية إلا إذا تأكدنا ~~بالتجربة أنه عليم بهذه المسألة، وأنه حكيم في تصرفه. وإن سألك أحد من ~~الناس: لماذا تتصرف في ضوء ما يقوله لك فلان؟ فتقول: إنه حكيم وخبير في ~~هذه المسائل، وهذا دليل منك على أنك واثق في علمه، وواثق في صدقه، وواثق ~~في حكمته. والمثال الحي المتجدد أمامنا هو سيدنا أبو بكر رضي الله عنه ~~عندما قيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلن أنه نبي الله، قال ms4044 ~~أبو بكر رضي الله عنه: إن كان قد قال فقد صدق. قال أبو بكر رضي الله عنه ~~هذا القول لأنه عرف ولمس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكذب قط في ~~كل الأحداث السابقة، فإذا كان عليه الصلاة والسلام لا يكذب على أهل الأرض ~~أيكذب على السماء؟ طبعا هذا غير معقول. وأنت لا تسلم زمام أمرك للمساوي ~~لك إذا كانت هناك مقدمات أثبتت أنه أعلى منك في ناحية معينة، صحيح أنه ~~مساويك في الفردية وفي الذاتية، ولكنه أعلى منك علما في المجال الذي ~~يتفوق فيه. # فما يقوله تنفذه بلا نقاش لأنك وثقت في علمه. وأنت إذا مرضت - لا قدر ~~الله - وكان هناك طبيب تثق في علمه وقال لك: خذ هذا الدواء أتناقشه أو ~~تجادله؟ طبعا لا، بل تفعل ما يأمرك به بلا نقاش. فإذا سألك أحدهم: لماذا ~~تتناول هذا الدواء؟ تقول: لقد كتبه لي الطبيب الذي أثق فيه. وهذا يكفي ~~كحيثية للتنفيذ. فإذا جئنا إلى الله سبحانه الذي أعد لنا هذا الكون ~~وأنزل إلينا منهجا وطالبنا أن نسلم له وجوهنا، وأن نفعل ما يأمرنا به ~~في كل أمور الحياة، فإن احتجنا إلى حكمة فهو الحكيم وحده، وإن احتجنا إلى ~~قدرة فهو القادر دائما، وإذا احتجنا إلى قهر فهو القاهر فوق عباده، وإن ~~احتجنا إلى رزق فهو الرازق، وعنده كنوز السماوات والأرض. أيوجد من هو أحق ~~من الحق سبحانه لنسلم زمامنا له ونفعل ما يأمرنا به؟ طبعا لا يوجد، ~~وإذا سألنا أحد: لماذا نتبع هذا المنهج؟ نقول: إنه سبحانه قد أمرنا ~~باتباعه. وهذا هو الإسلام الحقيقي أن تسلم اختيارك في الحياة لمرادات ~~الخالق الأعلى، فالدين معناه الالتزام والانقياد لله، ولذلك يقول سبحانه: ~~{ ذلك الدين القيم } [التوبة: 36] أي قيم على كل أمور ~~حياتنا، والدليل على ذلك قائم فيما تحدثنا عنه، فما دام الله سبحانه ~~وتعالى قد قال، فنحن نفعل. إذن: فالدين قيم علينا. والدين قيم ~~أيضا على غيره من الرسالات السماوية، أي مهيمن عليها، وفي هذا يقول ~~الحق: # وأنزلنآ إليك ms4045 الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه... # [المائدة: 48]. حددت الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - أشهرا ~~حرما يحرم فيها القتال وحذرت من الظلم بالحرب أو غيرها، وقد يقال: إن ~~معنى هذا أن تضعف حمية الحرب عند من يريد الحرب ضد الباطل، فنرى الباطل ~~أمامنا خلال الأشهر الحرم ولا نحارب. نقول: إن هذا غير صحيح، ففترة ~~السلام هذه تكون شحذا لهمم المقاتلين ضد الكفر والظلم لأنك قد ترى ~~الباطل أمامك لكنك تمتثل لأمر الله في وقف القتال، فإن ذلك يزيد الانفعال ~~الذي يحدثه الباطل في تحديه للنفس المؤمنة، فإذا انتهت الأشهر الحرم كنت ~~أكثر حماسة. تماما كالإنسان الحليم الذي يرى إنسانا يضايقه باستمرار ~~فيصبر عليه شهرا واثنين وثلاثة، فإذا نفذ صبره كان غضبه قويا ~~شديدا، وقتاله شرسا، ولذلك قيل: " اتقوا غضب الحليم " لأن غضبه أقوى من ~~غضب أي إنسان آخر. وكذلك يكون حلم المؤمن على الكافر في الأشهر الحرم ~~شحذا لهمته إذا استمر الباطل في التحدي، وفي هذا تحذير للمسلمين من أن ~~تضعف في نفوسهم فكرة القتال وعزيمتهم فيه، ولذلك يقول الحق سبحانه: { ~~وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة } ~~[التوبة: 36]. # وكلمة { كآفة } هنا سبقها أمران: { وقاتلوا } فإلي أي طرف ترجع ~~{ كآفة } هنا؟ هل ترجعها إلى المؤمنين المقاتلين، أم إلى المقاتلين ~~من الكفار؟ وهذا إثراء في الأداء القرآني في إيجاد اللفظ الذي يمكن أن ~~نضعه هنا ونضعه هناك فيعطيك المعنى. ولكن هل يريدنا الحق أن نقاتل ~~المشركين حالة كوننا - نحن المؤمنين - كافة؟ أم نقاتل المشركين حالة ~~كونهم كافة؟. إن { كآفة } كما نعرف لفظ لا يجمع ولا يثنى، ~~فالرجل كافة، والرجلان كافة، والقوم كافة، وهي مأخوذة من الكف. وتطلق ~~أيضا على حافة الشيء لأنها منعت امتداده إلى حيز غيره. وفي لغة من ~~يقومون بحياكة الملابس يقال: " كافة الثوب " حين يكون الثوب قد تنسل، ~~فيقوم الحائك بمنع التنسيل بتكفيف الثوب. والحق سبحانه هنا يقول: { ~~وقاتلوا المشركين كآفة } أي: يأيها المؤمنون كونوا ~~جميعا في قتال المشركين. وهي تصلح للفرد، أي: للمقاتل الواحد، ms4046 ~~وللمقاتلين، ولجماعة المقاتلين. وقوله: { وقاتلوا المشركين ~~كآفة كما يقاتلونكم كآفة } ذلك أن الباطل يتجمع مع ~~الباطل دائما، والمثال الواضح في السيرة أن يهود المدينة تحالفوا مع ~~الكفار ضد المسلمين، فكما أن الباطل يجتمع مع بعضه البعض فاجمعوا أنتم ~~أيها المؤمنون وأصحاب الحق قوتكم لتواجهوا باطل الكفر والشرك. ويقول ~~الإمام علي كرم الله وجهه: " أعجب كل العجب من تضافر الناس على باطلهم ~~وفشلكم عن حقكم " ويتعجب الإمام علي رضي الله عنه من أن أهل الحق يفرطون ~~في حقهم رغم اجتماع أهل الباطل على باطلهم. ويعطينا القرآن صورة من ~~تجمع أهل الباطل في قول اليهود لكفار مكة: # هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا... # [النساء: 51]. أي أن اليهود قالوا: إن عبدة الأصنام أهدى من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأتباعه، قالوا ذلك رغم أن كتبهم قد ذكرت لهم أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سيأتي بالدين الخاتم حتى إنهم كانوا يقولون لأهل ~~المدينة من المشركين: لقد أطل زمان نبي سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. ~~كذلك في كتب أهل الكتاب نبأ رسول الله وأوصافه وزمانه. وعندما تحقق ما في ~~كتبهم كفروا به واجتمعوا مع أهل الباطل. وهنا يوضح لنا الحق: ما دام ~~الباطل قد اجتمع عليكم وأنتم على الحق فلا بد أن تجتمعوا على دحض الباطل ~~وإزهاقه ولذلك يقول سبحانه وتعالى: { وقاتلوا المشركين ~~كآفة كما يقاتلونكم كآفة واعلموا أن الله ~~مع المتقين } إذن: فالله يأمر المؤمنين بأن يجتمعوا على قتال ~~الكافرين، ولأن الله مع الذين آمنوا لذلك فهو ينصر المؤمنين، وإذا وجد ~~الله مع قوم ولم يوجد مع آخرين، فأي الكفتين أرجح؟ لا بد من رجحان كفة ~~المؤمنين. { واعلموا أن الله مع المتقين }. # والعلم - كما قلنا - حكم يقين عليه دليل، أي لا يحتاج إلى دليل لأن ~~العلم هو أن تأتي بقضية غير معلومة، م تقيم الدليل عليها لتصبح يقينا. ~~وإذا قال الله سبحانه وتعالى: { واعلموا } فالعلم هنا ينتقل من علم ~~يقين إلى عين يقين. والعلم - كما نعرف - قضية معلومة في النفس ms4047 يؤيدها ~~الواقع وتستطيع أن تقيم عليها الدليل. فإذا علمت بشيء أخبرت به، ويقينك ~~بما علمت يكون على قدر ثقتك بمن أخبرك. والمثال: حين قيل لأبي بكر رضي ~~الله عنه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعرج به إلى ~~السماء السابعة، هنا قال الصديق: إن كان قد قال فقد صدق " # ، وكانت هذه هي ثقته في القائل، وهو يستمد منها الثقة فيما قال وروي. ~~وحينما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدتنا خديجة رضي الله عنها ~~بخبر الوحي وأبدى خوفه مما يرى، قالت: " كلا والله ما يخزيك الله أبدا، ~~إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين ~~على نوائب الحق " ، وهي بذلك قد أخذت من المقدمات حيثيات الحكم وكانت أول ~~مجتهدة في الإسلام عملت بالقياس. فقد قاست الحاضر بالماضي. وعندما يقول ~~الحق: { واعلموا أن الله مع المتقين } فيكفينا أن ~~يكون هذا كلام الله سبحانه ليكون يقينا في نفوسنا، وهناك علم يقين يأتيك ~~ممن تثق في علمه وصدقه، وأنت إن رأيت الشيء الذي أخبرت به وشاهدته يصبح ~~عين يقين، فإذا اختبرته وعشت فيه يصبح حق يقين. وحين قال الحق: { ~~واعلموا أن الله مع المتقين } وجدنا بعض المؤمنين قد ~~أخذوها على أنها علم يقين، أو عين يقين، أو حق يقين لأنهم شاهدوا ذلك في ~~المعارك حين كانوا قلة، فمن أخذ كلام الله دون مناقشة عقلية - لأن الله ~~هو القائل - أخذه علم يقين. والذي أخذ الكلام على أنه يصل إلى درجة ~~المشاهدة أخذه على أنه حق يقين، والذي أخذ الكلام كأنه عايشه فهذا عين ~~يقين، ولكي نعرف هذه المنازل نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا ~~سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو ~~تعلمون علم اليقين # [التكاثر: 1-5]. وهذه أولى الدرجات: علم يقين لأنه صادر عن الحق سبحانه ~~وتعالى: # لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر: 6-7]. أي: أنكم في الآخرة سوف ترونها بأعينكم بعد أن ms4048 كنتم ~~مؤمنين بها كعلم يقين، أما الآن فقد أصبحت عين يقين أي مشاهدة بالعين. ~~وفي هذه السورة أعطانا الحق مرحلتين من مراحل اليقين هما: علم اليقين ~~وعين اليقين، ففي الآخرة سوف يضرب الصراط على جهنم، ويرى الناس - كل ~~الناس، المؤمن منهم والكافر - نار جهنم، وهم يمرون فوق الصراط، ويرونها ~~مشتعلة متأججة، وحين يمر المؤمن فوق الصراط ويرى جهنم وهولها، يعرف كيف ~~نجاه الإيمان من هذا العذاب الرهيب فيفرح فإذا دخل الجنة ورأى نعيمها ~~يزداد فرحة فله فرحة بأنه نجا من العذاب، وفرحة بالنعم وبالمنعم، ويقول ~~المؤمن: الحمد لله الذي أنقذني من النار. # وهذه نعمة كبيرة وفوز عظيم، ولذلك يقول الحق: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز... # [آل عمران: 185]. فالنجاة من النار وحدها فضل كبير، ودخول الجنة فضل ~~أكبر، والحق هو القائل: # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا # [مريم: 71]. ويرد الشيء أي يصل إليه دون أن يدخل فيه، ويقال: ورد ~~الماء أي وصل إلى مكانه دون أن يشرب منه. إذن فكل منا سوف يرى جهنم، ~~ويعرف المؤمن نعمة الله عليه لأنه أنجاه منها، ويندم الكافر لأنه يعذب ~~فيها. وقد ضربت من قبل مثلا - ولله المثل الأعلى - بالقراءة عن مدينة ~~نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية، ويعرف القارىء أنه مبنية على عدة ~~جزر، وفيها ناطحات سحاب وأنها مزدحمة بالسكان، وهذه القراءة هي علم يقين، ~~فإذا ركب الإنسان الطائرة ورآها من الجو يكون ذلك عين يقين، فإذا ما نزل ~~وعاش على أرضها بين ناطحاتها وعايش ازدحامها بالسكان يكون ذلك حق اليقين. ~~وفي سورة التكاثر جاء الله سبحانه وتعالى بمرحلتين فقط من مراحل اليقين، ~~وجاء بالمرحلة الثالثة في سورة الواقعة، فقال: # فأمآ إن كان من المقربين * فروح وريحان ~~وجنت نعيم * وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * ~~فسلام لك من أصحاب اليمين * وأمآ إن كان من ~~المكذبين الضآلين * فنزل من حميم * وتصلية ~~جحيم * إن هذا لهو حق اليقين # [الواقعة: 88-95]. وحق اليقين هو آخر مراحل العلم، والإنسان قد يكابر ~~في حقيقة ms4049 ما حين يقرؤها، وقد يجادل في حقيقة يشاهدها، ولكنه لا يستطيع أن ~~يكابر في واقع يعيشه، وقد حدث ذلك وحملته لنا سطور الكتب عن سيدنا عمر ~~وقد قال عن أحد المعارك: " وحينما شهرت سيفي لأقصف رأس فلان وجدت شيئا ~~سبقني إليه وقصف رأسه " أي: هناك من شاهد ذلك بنفسه. وبعد ذلك يعطي الله ~~الحكم فيمن يغير الأشهر الحرم أو يبدلها فيقدمها شهرا، أو يؤخرها ~~شهرا، فيقول: { إنما النسيء زيادة في الكفر يضل ~~به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه ~~عاما... }. ### || [9.37] # والنسيء هو التأخير، فكأنهم إذا ما دخلوا في قتال وجاء شهر حرام قالوا: ~~ننقله إلى شهر قادم، واستمروا في قتالهم وهم بذلك قد أحلوا الشهر الذي ~~كان محرما وجعلوا الشهر الذي لم تكن له حرمة شهرا حراما، وهنا يوضح ~~الحق سبحانه أن هذا العمل زيادة في الكفر لأنه أدخل في المحلل ما ليس ~~منه، وأدخل في المحرم ما ليس منه لأن الكفر هو عدم الإيمان فإذا بدلت ~~وغيرت في منهج الإيمان، فهذا زيادة في الكفر. ثم يقول سبحانه: { ~~يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه ~~عاما } و { يضل } هنا مبنية للمجهول ومعنى ذلك أن هناك من يقوم ~~بإضلال الذين كفروا، وهذه مهمة الشيطان لأن هناك فرقا بين الضلال ~~والإضلال، فالضلال في الذات والنفس، أما الإضلال فيتعدى إلى الغير، فهناك ~~ضال لا يكتفي بضلال نفسه، بل يأتي لغيره ويضله ويغويه على المعصية بأن ~~يزينها له. ولذلك هناك جزاء على الضلال، وجزاء أشد على الإضلال، فإذا كان ~~هناك إنسان ضال فهو في نفسه غير مؤمن، أي أن ضلاله لم يتجاوز ذاته، ولم ~~ينتقل إلى غيره. ولكن إذا حاول أن يغري غيره بالضلال والمعصية يكون بذلك ~~قد ضل وأضل غيره. ويتخذ بعض المستشرقين هذه القضية مطعنا في القرآن ~~- بلا وعي منهم أو فهم فيقولون: إن القرآن يقول: # ولا تزر وازرة وزر أخرى... # [فاطر: 18]. ثم يأتي في آية أخرى فيقول: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم... # [العنكبوت: 13]. فكيف يقول القرآن: إن أحدا لا يتحمل إلا ms4050 وزره، ثم ~~يقول: إن هناك من سيتحمل وزره ووزر غيره؟ ونقول لهم: أنتم لم تفهموا ~~المعنى، فالأول: هو الضال الذي يرتكب المعاصي ولكنه لم يغر بها ~~غيره، أي: أنه عصى الله ولم يتجاوز المعصية. أما الثاني: فقد ضل وأضل ~~غيره.. أي: أنه لم يكتف بارتكاب المعصية بل أخذ يغري الناس على معصية ~~الله. وكلما أغرى واحدا على المعصية كان عليه نفس وزر مرتكب المعصية. ~~وهنا يقول الحق: { يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما } وطبعا التحليل والتحريم هنا حدث منهم لظنهم ~~أن هذه مصلحتهم، أي أنهم أخضعوا الأشهر الحرم لشهواتهم الخاصة، وخرجوا عن ~~مرادات الله في كونه، يوم خلق السماوات والأرض. ولكن لماذا يحلونه ~~عاما ويحرمونه عاما؟ تأتي الإجابة من الحق: { ليواطئوا ~~عدة ما حرم الله } أي: ليوافقوا عدة ما أحله الله حتى يبرروا ~~ويقولوا لأنفسهم: نحن لسنا عاصين، فإن كان الله يريد أربعة أشهر حرم، ~~فنحن قد التزمنا بذلك! ولكن تشريع الله ليس في العدد فقط ولكن في المعدود ~~أيضا، وقد حدد لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشهر الحرم. # وكان عمرو بن لحي أو نعيم بن ثعلبة هما أول من قاما بعملية النسيء هذه، ~~فأحل شهر المحرم، وحرم غيره. وهؤلاء الذين قاموا بهذا العمل كانوا ~~يعرفون أن هناك أربعة أشهر حرم بدليل أنهم أحلوا وحرموا. ولو لم يعرفوها ~~ما أحلوا ولا حرموا، ولكن هم أرادوا أن يخضعوا تشريع الله لأهوائهم. ~~وهذا هو المغزى من تحليل شهر المحرم وتحريم شهر آخر، وأرادوا بذلك إخضاع ~~مرادات الله لشهوات نفوسهم لأن المحرم ثابت فيه التحريم، وهو شهر حرام ~~سواء قام الإنسان بتأجيله أم لم يؤجله، فهو شهر حرام بمشيئة الله لا ~~مشيئة الناس. ولذلك حكم الحق سبحانه على النسيء بأنه زيادة في الكفر لأنك ~~حين تؤخر حرمة شهر المحرم إلى شهر غيره، تكون قد قمت بعمليتين أحللت ~~شهرا حراما وهذا كفر، وحرمت شهرا حلالا وهذا كفر آخر.. أي: زيادة في ~~الكفر. ثم يقول الحق سبحانه: { ليواطئوا عدة ما حرم ms4051 ~~الله فيحلوا ما حرم الله } وقد حكم الله عليهم بالكفر ~~بأنهم أحلوا ما حرمه الله. ثم يقول الحق: { زين لهم سوء ~~أعمالهم } والتزيين: هو أمر طارئ أو زائد على حقيقة الذات مما ~~يجعله مقبولا عند الناس، فالمرأة مثلا لها جمال طبيعي، ولكنها تتزيين ~~بأن تبالغ في إظهار مفاتنها حتى تكون أجمل في عيون الرجال، هذا هو ~~التزيين. إذن: فالتزيين تغيير في المظهر وليس في الجوهر. وهناك تزيين في ~~أشياء كثيرة، تزيين في الفكر مثلا، بأن يكون هناك استعداد للقتال فيأتي ~~القائد فيزين للمقاتلين دخول المعركة، ويقول: أنتم ستنتصرون في ساعات، ~~ولن يصاب منكم أحد وسيفر عدوكم هذا تزيين محمود. ولذلك أراد الحق أن ~~يكشف لنا حقيقة التزيين الذي قاموا به حين حللوا حرمة الأشهر الحرم، ~~وكشف لنا سبحانه أن هذا لون من التزيين غير المحمود فقال: { زين ~~لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم ~~الكافرين } وما دام قد زين لهم السوء فهذا العمل قد خرج عن منطقة ~~الهداية، وخرج عن نطاق التزيين المحمود إلى التزيين السيىء. وما داموا قد ~~خرجوا عن هداية الله فلن يعينهم الله لأنه سبحانه لا يعين من كفر، ولا ~~يعين من ظلم، ولا يعين من فسق. ولذلك قال سبحانه: { والله لا ~~يهدي القوم الكافرين } أي: أنهم بكفرهم قد أخرجوا أنفسهم عن ~~هداية الله، فالحق سبحانه لم يمنع عنهم الهداية، بل هم الذين منعوها عن ~~أنفسهم بأن كفروا فأخرجوا أنفسهم عن مشيئة هداية الله لهم، وهذا ينطبق ~~فقط على هداية المعونة، ونحن نعلم أن لله سبحانه هداية دلالة وهداية ~~معونة هداية الدلالة هي للمؤمن وللكافر، ويدل الله الجميع على المنهج، ~~ويريهم آياته، وتبلغ الرسل منهج السماء الذي يوضح الطريق إلى رضاء الله ~~والطريق إلى سخطه وعذابه. فمن آمن بالله دخل في مشيئة هداية المعونة، ~~فيعينه الله في الدنيا ويعطيه الجنة في الآخرة. # أما من يرفض هداية الدلالة من الله، فالله لا يعطيه هداية المعونة لأن ~~الكفر قد سبق من العبد. وكذلك الظلم والفسق، فيكون قد منع عن ms4052 نفسه هداية ~~المعونة بارتكابه لتلك الآثام. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~والله لا يهدي القوم الكافرين } [التوبة: 37]. # والله لا يهدي القوم الظالمين # [التوبة: 19]. # والله لا يهدي القوم الفاسقين # [التوبة: 24]. إذن: هم الذين قدموا الكفر والظلم والفسوق، فمنعوا عن ~~أنفسهم هداية المعونة التي قال الحق عنها: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. وبعد أن طلب الحق سبحانه وتعالى من المؤمنين أن يواجهوا ~~الباطل جميعا، كما يجتمع الباطل عليهم ويقاتلهم جميعا. يقول سبحانه: { ~~يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا ~~في سبيل الله اثاقلتم... }. ### || [9.38] # وساعة تسمع { يأيها الذين آمنوا } فهذا نداء خاص بمن آمن ~~بالله لأن الله لا يكلف من لم يؤمن به شيئا، ولكنه كلف الذين آمنوا، فلا ~~يوجد حكم من أحكام منهج الله فيه تكليف لكافر أو غير مؤمن. ولكن أحكام ~~المنهج موجهة كلها للمؤمنين. ولذلك ساعة تسمع: { يأيها الذين ~~آمنوا } تعرف أن الله يخاطب أو يأمر من آمن به لأنك أنت الذي آمنت ~~باختيارك، ودخلت على الإيمان برغبتك، فالحق سبحانه لم يأخذك إلى الإيمان ~~قهرا، ولكنك جئت للإيمان اختيارا، ولذلك يقول سبحانه وتعالى لك: ما ~~دمت قد آمنت بي إلها قادرا قيوما، له مطلق صفات الكمال، فاسمع ~~مني ما أريده لحركة حياتك. ولا يحسب أحد أنه قادر على أن يدخل في ~~الإيمان ولا ينفذ المنهج، ولا يحسب أحد أنه قادر أن يضر الله شيئا، وسبق ~~أن ضربنا المثل بالمريض الذي يختار أبرع الأطباء، ولم يجبره أحد على أن ~~يذهب إليه، وأجرى الطبيب الكشف على المريض، وحدد الداء وكتب الدواء، ولكن ~~المريض بعد أن خرج من العيادة أمسك بتذكرة الدواء ومزقها، أو أنه اشترى ~~الدواء ولم يتناوله. أيكون بذلك قد عاقب الطبيب أم عاقب نفسه؟ إن الطبيب ~~لن يتأثر ولن يضره شيء مما فعله هذا المريض، ولكنه هو الذي سيزداد عليه ~~المرض ويقود نفسه إلى الهلاك، وكذلك الإنسان إن لم يتبع منهج الله، فإنه ~~يضيع نفسه ويغرقها في الشقاء لأن الحق سبحانه قد وضع هذا المنهج ms4053 وفيه ~~علاج لكل أمراض الإنسان، فإن عمل به الإنسان نجا من بلاء الدنيا، وإذا ~~عمل به مجتمع لن يظهر فيه الشقاء. بل يمتلىء بالرخاء والأمن والطمأنينة، ~~ومن لم يعمل به فلن يضر الله شيئا، بل يحصل على الشقاء ويهلك نفسه. وحين ~~يخاطب الحق سبحانه الذين آمنوا يوضح: خذوا مني هذا التكليف ففيه سعادة ~~الإنسان في الدنيا والآخرة، ولهذا نجد أن الحق سبحانه وتعالى لا يذكر ~~أمرا من أوامره بأي تكليف أو نهيا من نواهيه، إلا مسبوقا بقوله ~~سبحانه: { يأيها الذين آمنوا } مثل قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام... # [البقرة: 183]. وقوله سبحانه: # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص... # [البقرة: 178]. وهذه التكليفات لم تأت مبنية للمعلوم، فمن الذين يكتب؟ ~~إنه الحق سبحانه، كما أنها صيغة مبنية دائما لما لم يسم فاعله، أي: ~~أن الكتابة أتت من كثير. ونقول: صحيح أن الله سبحانه وتعالى هو الذي كتب، ~~فلماذا لم يقل: يأيها الذين آمنوا كتبت عليكم. ولماذا يقول: { ~~يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام }؟. ونقول: ~~لأن الله وإن كان قد كتب، إلا أنه لم يكتبها على كل خلقه، بل كتبها على ~~الذين آمنوا به، وأنت بإيمانك أصبحت ملتزما بعناصر التكليف، فكأن الحق ~~سبحانه لم يكتب ثم يلزمك، ولكن التزامك تم في نفس اللحظة التي دخلت فيها ~~باختيارك في الإيمان. # وبذلك تكون كل هذه الأحكام قد كتبت علينا باختيار كل منا، فمن لم ~~يختر الإيمان ليس مكتوبا عليه أن ينفذ أحكام الإيمان لأنها لا تنفذ ~~إلا بالعقد الإيماني بيننا وبين الحق سبحانه وقد احترم سبحانه دخولنا في ~~هذا العقد، فلم ينسبه لذاته العلية فقط، بل شمل أيضا كل من دخل في ~~الإيمان. ولذلك فإن سأل أحد عن حكمة التكليف من الله، نقول له: إن الحكمة ~~تنبع من أنه سبحانه هو الذي كلف. ثم إن معرفة الحكمة لا تكون إلا من ~~المساوي للمساوي، فإن ذهب المريض إلى الطبيب وكتب له الدواء، وظل المريض ~~يناقش الطبيب في الدواء وفوائده فالطبيب يرفض المناقشة، ويقول للمريض: ~~ادخل ms4054 كلية الطب واقض فيها سبع سنوات، واحصل على الدرجات العلمية، ثم ~~تعال وناقشني. إذن: فأنت تربط علة التكليف بأمر المكلف، مع أن المكلف ~~من البشر قد يخطئ. أما إذا جئنا بمجموعة من الأطباء ليكشفوا على مريض ~~احتار الطب فيه، ثم جلسوا بعد الكشف يتناقشون، فكل منهم يقبل مناقشة ~~الآخر لأنه مساو له في الفكر والثقافة والعلم إلى آخره، لكن إن أردت ~~أن تسأل عن الحكمة في تكليف من الله فلن تجد مساويا لله سبحانه وتعالى، ~~وبذلك تكون المناقشة مرفوضة. إذن: فالمكلف لا بد أن تكون له منزلة سابقة ~~على التكليف، ومنزلة الحق أنك آمنت به، ولهذا أرى أن البحث عن أسباب ~~التكليف هو أمر مرفوض إيمانيا، فإذا قيل: إن الله فرض الصوم حتى يشعر ~~الغني بألم الجوع ليعطف على الفقير، نقول: لا، وإلا سقط الصوم عن الفقير ~~لأنه يعرف ألم الجوع جيدا. وإذا قيل لنا: إن الصوم يعالج أمراض كذا وكذا ~~وكذا. نقول: إن هذا غير صحيح، وإلا لما أسقط الله فريضة الصوم عن المريض ~~في قوله تعالى: # ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر... # [البقرة: 185]. فإذا كان الله قد أباح للمريض أن يفطر، فكيف يأتي إنسان ~~ويقول: إن علة فرض الصوم هي شفاء الأمراض؟ كما أن هناك بعض الأمراض لا ~~يسمح معها بالصوم. إذن: فنحن نصوم لأن الله فرض علينا الصوم، وما دام ~~الله قد قال فسبب التنفيذ هو أن القول صادر من الله سبحانه، ولا شيء غير ~~ذلك، فإذا ظهرت حكمة التكليف فإنها تزيدنا إيمانا، مثلما ثبت ضرر لحم ~~الخنزير بالنسبة للإنسان لأن لحم الخنزير مليء بالميكروبات والجراثيم ~~التي يأكلها مع القمامة، ونحن لا نمتنع عن أكل لحم الخنزير لهذا السبب، ~~بل نمتنع عن أكله لأن الله قد أمرنا بذلك، ولو أن هذه الحكمة لم يكشف ~~عنها الطب ما قلل هذا من اقتناعنا بعدم أكل لحم الخنزير لأننا نأخذ ~~التكليف من الله، وليس من أي مصدر آخر. # ونعود إلى خواطرنا حول الآية الكريمة: { يأيها الذين ms4055 آمنوا ~~ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الأرض } ، ونجد كلمة: { ما لكم } تأتي حين ~~نتعجب من حال لا يتفق مع حال، وكأن حرب المؤمنين للكفار أمر متوقع ~~وتقتضيه الحال لأن المؤمنين حين يقاتلون الكفار إنما يدخلون شيئا من ~~اليقين على أهل الاستقامة، فأهل الاستقامة إن لم يجدوا من يضرب على أيدي ~~الكافرين فقد ينحرف على أيدي الكفار، فإنه بفعله هذا يربب في المؤمن ~~إيمانه لأنه يرى عدوه وهو يتلقى النكال. كأن تقول للتلميذ: ما لك تهمل في ~~مذاكرتك وقد قرب الامتحان؟ أي: أن المفروض أنه إذا قرب الامتحان لا بد ~~أن يجتهد الطالب في المذاكرة. فإن أهمل التلميذ عمله فنحن نتعجب من سلوكه ~~لأنه لا يتفق مع ما كان يجب أن يحدث. وبذلك نستنكر أن يحدث مثل هذا ~~الإهمال، مثلما نستنكر ونتعجب من مريض يترك الدواء بينما هو يتألم. ~~ويتعجب الحق سبحانه هنا من تثاقل المؤمنين حين يدعون إلى القتال لأن ~~قوة الإيمان تدعو دائما إلى أن يكون هناك استعداد مستمر للقتال، وهذا ~~الاستعداد يخيف الكفار ويمنع عدوانهم واستهتارهم بالمؤمنين أولا، كما ~~أنه ثانيا يجعل المؤمنين قادرين على الرد والردع في أي وقت. ويعطي ~~ثالثا شيئا من اليقين للمجتمع المؤمن عندما يرى أن هناك من يضرب على يد ~~الكافرين إذا استهانوا بمجتمع الإيمان وحاولوا أن يستذلوا المؤمنين. إذن: ~~فلكي يبقى المجتمع المؤمن قويا وآمنا لا بد أن يوجد استعداد دائم ~~للقتال في سبيل الله ورغبة في الشهادة، وهنا يقول الحق: { ما لكم ~~إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله } فكأن الاستعداد ~~المستمر للقتال في سبيل الله أمر لا بد أن يوجد بالفطرة وبالعقل، فإذا ~~ضعف هذا الاستعداد أو قل صار هذا الأمر موطنا للتعجب لأن المؤمنين ~~يعرفون أن مجتمع الكفر يتربص بهم دائما، وعليهم أن يكونوا على استعداد ~~دائم مستمر للمواجهة، ويستنكر الحق أن يتثاقل المؤمنون إذا دعوا للقتال ~~في سبيل الله أو أن يتكاسلوا. وقوله سبحانه: { انفروا } من " النفرة " ~~وهي الخروج إلى أمر يهيج ms4056 استقرار الإنسان، فحين يكون الإنسان جالسا في ~~مكانه، قد يأتي أمر يهيجه فيقوم ليفعل ما يتناسب مع الأمر المهيج، فأنت ~~مثلا إذا رأيت إنسانا سيسقط في بئر، فهذا الأمر يهيجك، فتنطلق من مكانك ~~لتجذبه بعيدا، ومنه النفره التي تحدث بين الأحباب الذين يعيشون في ~~ود دائم، وقد يحدث بينهم أمر يحول هذا الود إلى جفوة. إذن: فكلمة ~~{ انفروا } تدل على الخروج إلى أمر مهيج، وهو المنطق الطبيعي الذي يجب ~~أن يكون لأن عمل الكفار يهيج المؤمنين على مواجهتهم. # وقول الحق سبحانه: { انفروا } يدل على الاستفزاز المستمر من الكفار ~~للمؤمنين. ويقول الحق تعالى: { ما لكم إذا قيل لكم انفروا ~~في سبيل الله اثاقلتم }. والثقل معناه: أن كتلة الشيء تكون ~~زائدة على قدرة من يحمله، فإن قلت: إن هذا الشيء ثقيل فهذا يعني أن وزنه ~~مثلا أكبر من قوة عضلاتك فلا تستطيع أن تحمله. أما التثاقل فهو عدم ~~موافقة الشيء لطبيعة التكوين. كأن تقول: فلان ثقيل أي أن وزنه ضخم ولا ~~يستطيع أن يقوم من مكانه إلا بصعوبة، ولا أن يتحرك إلا بمشقة. ولكن ~~التثاقل معناه تكلف المشقة، أي: لك قدرة على الفعل، ولكنك تتصنع أنك غير ~~قادر، كأن يكون هناك - على سبيل المثال - شيء وزنه رطل، ثم تدعي أنه ~~ثقيل عليك ولا تستطيع أن تحمله. إذن: فقوله تعالى: { اثاقلتم إلى ~~الأرض } أي: تكلفتم الثقل بدون حقيقة، فأنتم عندكم قدرة على القتال ~~ولكنكم تظاهرتم بأن لا قدرة لكم. وهكذا نعرف أن الموقف يقتضي النفرة ~~ليواجهوا الكفر لأن المنهج الذي ارتضوه لأنفسهم والتزموا به يحقق السلامة ~~والأمن والاطمئنان لهم ولغيرهم، وكأن التثاقل إلى الأرض له مقابل، ~~فالنفرة تكون في سبيل الله، والمقابل في سبيل الشيطان أو في سبيل شهوات ~~النفس. لقد تحدث العلماء في المسائل التي تجعل الإنسان يقبل على ~~المعصية، وهي النفس التي تحدث الإنسان بشيء، فالإنسان يقبل على ~~المعصية بهذين العاملين فقط. فما الفرق بين الاثنين؟ وكيف يتعرف الإنسان ~~على ذلك؟ قال العلماء: إذا كانت النفس تلح عليك أن تفعل معصية ms4057 بعينها ~~بحيث إذا صرفتها عنها عادت تلح عليك لاقتراف نفس المعصية لتحقق متعة ~~عاجلة، فهذا إلحاح من النفس الأمارة بالسوء. ولكن الشيطان لا يريد منك ~~ذلك، إنه يريدك مخالفا لمنهج الله على أي لون، فإذا استعصى عليه أن ~~يجذبك إلى المال الحرام، فهو يزين لك شهوة النساء، فإذا فشل جاء من ناحية ~~الخمر. إذن: فهو يريدك عاصيا بأي معصية، ولكن النفس تريدك عاصيا بنفس ~~المعصية التي تشتهيها. وهذا هو الفرق. وهكذا نعرف أن هناك واقعين، واقعا ~~يدعو المؤمنين إلى قتال الكفار الذين يفسدون منهج الله في الأرض، وواقعا ~~يدعوهم إلى أن يتثاقلوا عن هذا القتال، وذلك إما بسبب حب الدنيا لتحقيق ~~شهوة النفس أو إغراء الشيطان، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~أرضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة } والرضا هو حب ~~القلب، فيقال: فلان راض لأنه مسرور بالحال الذي هو فيه. ومعنى تثاقل ~~المؤمنين عن القتال في سبيل الله، أن هناك شيئا قد غلب شيئا آخر في ~~داخل نفوسهم، فالرضا بالحياة الدنيا قد تغلب على حب الآخرة. ولكن ~~المنطق الإيماني يقول: إنه إذا كان هناك أمر آخر غير الدنيا، أو حياة ~~أخرى غير حياتنا الدنيوية، فلا بد أن نقارن بين ما تعطيه الدنيا وبين ما ~~تعطيه الآخرة، فإذا رضينا بما تقدمه لنا هذه الحياة المادية، يكون المؤمن ~~بلا طموح وبلا ذكاء لأنه رضي بمتاع قليل زائل وترك متاعا أبديا ممتدا ~~بقدرة الله. # وأنت لو نظرت إلى الدنيا نظرة فاحصة، تجد أنها متغيرة متبدلة، فالصحيح ~~يصبح مريضا، والغني يصبح فقيرا، والقوي يصبح ضعيفا. إذن: فمتاع الدنيا ~~متغير ولا عصمة لك فيه، وأنت لا تستطيع أن تعصم نفسك من المرض أو من ~~الضعف أو من الفقر لأن هذه كلها أغيار تحكمك ولا تحكمها أنت تقهرك ولا ~~تستطيع أنت أن تقهرها. فإن رضيت بمتاع الدنيا اليوم فأنت لا تضمن ~~استمراره إلى غد. ولهذا ينبغي ألا تؤخر تنفيذ ما يكلفك به الله لأنك الآن ~~تستطيع أن تؤديه، لكن أنت لا تضمن إن كنت قادرا غدا أم ms4058 لا. كذلك لا ~~تأخذ التكليف على أنه قد يسلبك حريتك أو مالك، بل هو يسلبك ويعطيك في نفس ~~الوقت. فإذا أمر الله سبحانه بأن تخرج الزكاة، قد تعتقد أن هذا ينقص ~~مالك، أو تقول: هذه غرامة. نقول: إن هذا في ظاهر الأمر قد يكون صحيحا، ~~ولكنه سبحانه يأخذ منك هذا المال فيزيده لك وينميه فإذا بالجنيه الواحد ~~قد تضاعف إلى سبعمائة مثل، ثم تضاعف إلى ما شاء الله، كما أن هذا الحكم ~~الذي يأخذ منك الآن وأنت غني، هو بذاته الذي سوف يعطيك إن افتقرت ولجأت ~~إلى الناس. فإذا كان الحكم الذي سيأخذ هو الذي سيعطي تكون هذه عدالة ~~وتأمينا ضد الأغيار، وعليك أن تقارن الصفقة النفعية بمقابلها، وساعة ~~تعطي أنت الذي لا يملك، لا بد أن تتذكر أنه قد يأتي عليك يوم لا تملك ~~فيه. وكلمة دنيا بالنسبة لحياتنا أعطتنا الوصف الطبيعي الذي ينطبق عليها ~~لأن " الدنيا " مقابلها " العليا ". والحياة العليا تكون في الآخرة. فإذا ~~كانت هذه هي الحياة الدنيا. فلماذا تربط نفسك بالأدنى إلا أن يكون ذلك ~~خورا في العزيمة؟ والمثال للقوة الإيمانية هو: سيدنا عمر بن عبد ~~العزيز رضي الله عنه، وكان قبل أن يصبح خليفة المؤمنين يرتدي أفخر الثياب ~~ويتعطر بأجمل العطور، وكان الناس يدفعون أموالا لمن يغسل ثياب عمر بن ~~عبد العزيز ليدخلوا ثيابهم مع ثيابه حتى تمتلئ عطرا. وذلك من غزارة وجود ~~العطر الذي كان يضعه عمر بن عبد العزيز على ثيابه فتخرج كل الثياب مليئة ~~بالعطر. وعندما أصبح عمر بن عبد العزيز خليفة، كانوا يأتونه بالثوب الخشن ~~الذي كان يرفض ارتداءه قبل الخلافة، فيرفضه ويقول: هاتوا أخشن منه، ~~وامتنع عن العطر، أي: أن معاييره قد تغيرت وليس في هذا أدنى تناقض، بل هو ~~علو في الحياة، ولذلك قال: اشتاقت نفسي إلى الإمارة فقلت لها: اقعدي يا ~~نفس، فلما نلتها اشتاقت نفسي إلى الخلافة فنهيتها عن ذلك، فلما ~~نلتها أي نال الخلافة، اشتاقت نفسي إلى الجنة فسلكت كل طريق يؤدي ~~إليها. # وهكذا نعرف أن ms4059 سلوكه رضي الله عنه لم يكن في تناقض بل تعلية للصفقة ~~الإيمانية. كان دائما في علو يريد أن يواصله، فقد اشتاق أولا إلى ~~الإمارة، فلما تحققت أراد أن يعلو فاشتاق للخلافة، فلما تحققت أراد أن ~~يعلو فاشتاق إلى الجنة، إذن: فهو دائما في علو. وأقول: ليس في ~~سلوكه أدنى تناقض لأن علماء النفس يفسرون التناقض في السلوك البشري على ~~أنه اختلاف في المقارنة، فالإنسان يقارن بشيء ثم يقارن بشيء آخر وهكذا ~~لأن كل شيء في الدنيا نسبي. ومعنى النسبية أن ينسب الشيء لما حوله، فإذا ~~قلت: إنني أسكن فوق فلان، فأنت في نفس الوقت تسكن تحت فلان الذي يعيش في ~~الطابق الذي يعلوك. إذن: فأنت فوق فلان وتحت فلان في نفس الوقت، فلا تأخذ ~~نقطة وتغفل عن الأخرى، وهذا اسمه " معنى إضافي " أي: أن المعاني لا تتحقق ~~بذاتها، ولكن بالنسبة إلى شيء تقاس به، وكذلك المقاييس بين الأشياء يجب ~~أن نقيسها بالأمور التي تصعد لك القيمة. فأنت إذا نظرت إلى الدنيا تجد ~~أن الحق سبحانه أسماها: دنيا ولم يجد اسما أقل من هذا ليسميها به، ~~لماذا؟ لأنك تتنعم في الدنيا على قدر وجودك فيها، أي على قدر عمرك، وهو ~~مهما زاد وطال فهو سنوات معدودة، وقد يكون متاعك منها حتى سن الثلاثين ~~أو الأربعين أو الخمسين. أو أكثر من ذلك أو أقل. ومتاعك فيها بما تحققه ~~قدراتك، فالذي عنده ألف جنيه يتمتع على قدرها، والذي عنده عدة ألوف متاعه ~~على قدرها، وصاحب الملايين متاعه أكبر. إذن: فكل واحد يتمتع بقدر ما عنده ~~من مال. وحتى إن وصل الإنسان إلى أعلى متاع في الدنيا متاع صاحب ~~الملايين، فهذه الملايين إما أن تزول عن صاحبها، وإما أن يترك هو هذه ~~الملايين بالموت. وهذه تتحقق وهذه تتحقق. إذن: فنعمة الدنيا إما أن تنخلع ~~منك أو تنخلع أنت منها. فإذا جئت إلى المقابل وهو الآخرة تجد أن النعيم ~~فيها دائم لا يزول عنك، وأنت خالد لا تزول عن النعمة بالفناء أو الموت، ~~وأنت لا ms4060 تتمتع في الآخرة بقدراتك أنت، بل بقدرة الله سبحانه. فكأن المتاع ~~أكبر كثيرا من قدرتك، وأعلى كثيرا من كل ما تستطيع أن تحققه. فمثلا: ~~إن كان معك ريال وجاءك رجل فقير فأعطيته له ليأكل به، تكون في ظاهر الأمر ~~قد آثرت الفقير على نفسك لأنك أعطيته كل ما تملك ليأكل به وحرمت نفسك ~~منه، ولكنك في الحقيقة فضلت نفسك على الفقير لأنك أعطيته هذا الريال ~~ليكون عند الله عشرة إلى سبعمائة ضعف، فمن منكما الذي استفاد؟ ومن ~~منكما الذي انتفع؟ إنه أنت. # ولذلك نجد أن الدين الصحيح ضد الأنانية الحمقاء، ويعلي فيك الأنانية ~~العاقلة بأن يجعلك تحب نفسك حبا أعلى. فأنت حين تتصدق تحب نفسك، ولذلك ~~تريد أن تعطيها الأعلى والأنفع. فظاهر الأمر أنك أعطيت، وفي حقيقته أنك ~~قد أخذت. وأنت حين تعطي إنسانا مساويا لك كأن تقدم له هدية في مناسبة ~~معينة، تنتظر أن يرد إليك الهدية بمثلها في مناسبة أخرى. إذن: فالعطاء ~~متساو، وقد يرد هذا الإنسان الهدية، وقد لا يردها. وقد ينوي ردها ولكن ~~تصادفه ظروف لا تمكنه من أن يردها لك. لكن الحق سبحانه يقول: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة... # [البقرة: 245]. إذن: فحينما تعطي ابتغاء وجه الله فأنت لا تحصل على عطاء ~~مساو لما أعطيت. لكنك تحصل على عطاء مضاعف أضعافا مضاعفة. والذي ~~يعطيك الثواب هو الله سبحانه وتعالى دائم الوجود، ولن ينفد عطاؤه لك لأنه ~~دائم القدرة، ولن يأتي عليه وقت يكون غير قادر على أن يرد لك ما أعطيت ~~لأن عنده كنوز السماوات والأرض وهو سبحانه قادر على أن يضاعف لك مهما ~~كانت قيمة عطائك. فإن فضلت الحياة الدنيا على الآخرة، فأنت تقيس ~~بمقاييس الكمال عندك وهي مقاييس ساقطة وهابطة، ولو كنت تملك المقياس ~~الصحيح لعرفت أن الذي يحقق لك النفع الأكبر هو أن تعطي وتعمل طلبا ~~للآخرة وليس للدنيا. ولذلك فالحق سبحانه يقول هنا: { أرضيتم ~~بالحيوة الدنيا من الآخرة } أي: أنكم أردتم الحياة الدنيا ~~بدل الآخرة. وهذه ms4061 مقارنة غير عاقلة وغير حكيمة. وكلمة { من } تدل على ~~البدل في قوله: { بالحيوة الدنيا } ومادة البدل والاستبدال ~~البيع والشراء، ونعرف أن الباء تدخل على المتروك، فأنت تقول: اشتريت ~~الشيء بكذا درهم، أي: تركت الدراهم مقابل شرائك الشيء، كأن هؤلاء الراضين ~~بالحياة الدنيا قد أخذوا الدنيا بدلا من الآخرة، وهذه صفقة تخلو من ~~العقل والحكمة. وبعد أن استنكر الله سبحانه وتعالى على المؤمنين أن يرضوا ~~بالحياة الدنيا ويتركوا الآخرة يقول سبحانه: { فما متاع الحيوة ~~الدنيا في الآخرة إلا قليل } والمتاع: هو ما يستمتع به. ~~والإنسان لا يستطيع أن يوقن أنه سيستمتع بالحياة، وهذا أمر مطعون فيه، ~~فليس كل كائن حي مستمتعا بالحياة، هناك أشقياء وهناك تعساء، وهناك من ~~حياتهم كلها تعب، وحتى أولئك المستمتعون بالحياة في الحاضر، من يدريهم ~~ماذا يحمل المستقبل لهم؟ ألا يمكن أن يكون استمتاعهم هذا وقتيا؟ ألا ~~يمكن أن يأتيهم ظرف من الظروف أو قدر من الأقدار يملأ حياتهم بالشقاء؟ ~~إننا نجد العقلاء - حين يرون في نعمة الله عليهم ما يكدر حياتهم - يشكرون ~~الله، بينما نجد الإنسان السطحي التفكير والفهم يستاء وينفعل ويزيد ~~الموقف معاناة. # العاقل - إذن - يعرف أن الإنسان يعيش في دنيا أغيار، ومعنى أننا نعيش في ~~دنيا أغيار أنه تأتي أحداث تنقلنا من حال إلى حال، أي من الغنى إلى ~~الفقر. أو من الصحة إلى المرض إلى غير ذلك من أحوال الدنيا المتقلبة ~~المتغيرة، ففي الدنيا لا يدوم حال، وما دامت الدنيا أغيارا فأحوال الناس ~~تتغير فيها دائما. وهب أن إنسانا وصل إلى القمة التي لا يوجد أعلى ~~منها. نقول له: لا داعي أن يأخذك الفرح والكبر والخيلاء، ولا تنس أنك ~~تعيش في دنيا أغيار، وأن دوام الحال من المحال، فلو دامت لغيرك ما وصلت ~~أنت إلى القمة لأن من كان عليها سقط فصعدت أنت. إذن: فمعنى هذا أنك ~~وإن وصلت للقمة فلن تثبت عليها وتبقى هكذا بلا تغيير. وما دمت قد وصلت ~~إلى أعلى ما يمكن، فالتغيير الوحيد الذي يمكن أن يحدث لك هو ms4062 أن تنزل لأنك ~~وصلت إلى قمة الصعود، ولم يعد بعدها شيء تصعد إليه. فالتغيير المتوقع ~~لا بد أن يكون إلى أسفل، ويقال: " ترقب زوالا إذا قيل تم " ، ~~ولهذا نجد أهل الحكمة والبصيرة يقولون: إن المصائب في الأموال والأنفس من ~~تمائم النعمة، وكأن الحق لا يريد أن يتمم النعم لأنها إن تمت تزول لأن ~~المصيبة ما دامت قد حدثت فلا بد أن تزول. وسبحانه حين يقول: { فما ~~متاع الحيوة الدنيا في الآخرة إلا قليل } يريد أن ~~يبين لنا أن متاع الآخرة أكبر، فأنت حين تقول: شيء في شيء. فأيهما يكون ~~أكبر؟ إنه الذي يدخل فيه الشيء الآخر، فإذا قلنا: فلان في البيت، فمعنى ~~ذلك أن البيت أكبر من فلان هذا، وإلا لما احتواه داخله. وإن قلنا: محمد ~~في جدة أو في المملكة العربية السعودية أو في مصر يكون هناك ظرف ومظروف، ~~والمظروف عادة أوسع من الظرف، وسعته كبيرة لدرجة أنه تحيط بالظرف من كل ~~جوانبه. وقول الحق سبحانه: { فما متاع الحيوة الدنيا في ~~الآخرة إلا قليل } معناه: أن متاع الدنيا يتوه في متاع الآخرة ~~لأن متاع الآخرة أوسع ويحتوي متاع الدنيا ويزيد، وما دام الكلام بقدرة ~~الله سبحانه وتعالى، فمعنى ذلك أن سعة متاع الآخرة بالنسبة لمتاع الدنيا ~~لا نهائية. فإذا زاد الحق سبحانه وقال: { فما متاع الحيوة ~~الدنيا في الآخرة إلا قليل } فهو لإعطاء صورة لسعة متاع ~~الآخرة. لكن هذا الاستثناء في قوله تعالى { إلا قليل } إنما هو ~~لمخاطبة العقول بالنسبة لقمة المتمتعين في الدنيا. ومثال هذا: أنك تجد ~~إنسانا قد أعطاه الله قمة متاع الدنيا، وتجده يعتقد أن المتاع لا يمكن ~~أن يزيد على ما وصل إليه، فيوضح الحق سبحانه وتعالى له: لو أنك متمتع بكل ~~ما تستطيع أن تعطيه لك الدنيا فهو بالنسبة لمتاع الآخرة قليل. # وإذا كان غير المتمتع بشيء من متاع الدنيا ينظر إلى من أعطاه الله ~~سبحانه وتعالى قمة متاع الدنيا ويتساءل: هل هناك متاع أكثر من ذلك؟ إن ~~هذا الإنسان متمتع بكذا وكذا وكأنه ms4063 يعيش في الجنة، ولا أعتقد أنه يمكن أن ~~يكون هناك متاع أكثر من هذا. نقول له: لا، إن ما تحسبه نهاية لما يمكن أن ~~يتمتع به الإنسان هو بالنسبة لمتاع الآخرة قليل. إذن: فقوله سبحانه { ~~إلا قليل } ليس مقصودا به المتعة العادية للدنيا التي يتمتع بها ~~الناس، ولكن المقصود به متاع القمة الذي لا يصل إليه ولا يحدث إلا لأفراد ~~قليلين في العالم. فقد يعيش إنسان في قصر ضخم، وحوله المئات من الناس ~~يخدمونه، وعنده من الأجهزة الإلكترونية وغيرها ما يجعله بمجرد أن يريد ~~شيئا يضغط على زر صغير فيجد ما يريده أمامه، وكل شيء حوله يحقق له ~~رغباته، بل إنه يعيش في درجة الحرارة التي يريدها داخل قصره، وعنده أفخر ~~أنواع الطعام والشراب، وإذا أراد أن ينتقل من مكان إلى آخر ضغط على زر ~~فيتحرك به الكرسي إلى المكان الذي يريده وكل من حوله يطيعونه طاعة ~~عمياء، فكل رغباته أوامر، وحياته تشبه الحلم الجميل. إذا عاش إنسان في ~~هذا الجو وانبهر بهذه النعم كلها يستوقفه رب العزة سبحانه ويوضح له: لا ~~تنبهر، فهذا المتاع الذي تعيش فيه بالنسبة للآخرة قليل. فإذا قرأ الناس ~~أو سمعوا أو شاهدوا ما يعيش فيه هذا الإنسان من متعة وانبهروا بها، يوضح ~~لهم الله: لا تنبهروا ولا يأخذكم العجب، فكل هذا الذي ترونه أمامكم ~~بالنسبة لمتاع الآخرة قليل. إذن: فقوله سبحانه { إلا قليل } يدل ~~على أن فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تحب القليل من النعم بل تريد ~~الكثير، ولهذا نجد الحق سبحانه وتعالى ينفر عباده من أن تفتنهم نعم ~~الدنيا مهما بلغت، فيوضح لهم: لا تظنوا أن هذه النعم كثيرة، بل إنها نعم ~~قليلة بالنسبة لما ينتظركم في الآخرة، فإذا كان الإنسان بفطرته يحب كثرة ~~النعم، ففي هذه الحالة لن تفتنه نعم الدنيا، بل سوف يطلب نعم الآخرة. ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لو أن ابن آدم أعطي واديا ملآن من ذهب أحب إليه ثانيا، ولو أعطي ~~ثانيا أحب إليه ms4064 ثالثا " # أي: أن الإنسان الذي امتلك واديين يريد أن يحتفظ بالواديين كما هما ~~ويطمع في امتلاك الوادي الثالث، رغم أنه قد لا يعيش لينفق مقدار واد ~~واحد. فالإنسان بطبعه لا يحب القليل من النعم بل يطلب الكثير، لماذا؟ لأن ~~كثيرا من الناس ينسون الآخرة، ويعتقدون أن هذه الحياة الدنيا هي كل شيء، ~~ولهذا تجد الإنسان منهم يريد أن يحتاط لنفسه، فإذا أخذ ما يكفيه يريد أن ~~يحتاط لأولاده، فإذا كان عنده ما يكفيه هو وأولاده يريد أن يحتاط ~~لأحفاده. # ولكن المؤمن الحق هو من يعرف أن الحياة الدنيا طريق العبور إلى الآخرة، ~~وأنها رحلة قصيرة تنتهي، فلا يهتم بهذا اللون من الاحتياط، ولكن الذي ~~يحرص على عملية الاحتياط هذه هو من يظن أن الحياة الدنيا هي الغاية من ~~الخلق، ولا يتنبه إلى أنها وسيلة للآخرة. إننا نجد أولئك الذين يسرفون ~~على أنفسهم ويتبعون شهواتهم وهم يحاولون أن يأخذوا من الدنيا كل شيء يمكن ~~أن تعطيه لهم حلالا أو حراما، وهذا واضح في سلوكهم الدنيوي. أما المؤمن ~~فهو كالطالب الذي يجد في دروسه ويجتهد ويستيقظ مبكرا ويذهب إلى ~~المدرسة، ويظل ساهرا ليذاكر ويحرم نفسه من متع كثيرة لأنه بفطنته ~~وذكائه يعرف أن هذا حرمان مؤقت. وهو إنما يفعل ذلك لفترة قصيرة ليستريح ~~بقية العمر، ويحصل على المركز المرموق والدخل المرتفع إلى آخر ما يمكن أن ~~يعطيه له المستقبل. أما المسرف على نفسه فهو كالطالب الذي لا يذهب إلى ~~المدرسة ويقضي وقته في اللعب والاستمتاع وهو بمثل هذا السلوك كان قصير ~~النظر، وأعطى لنفسه شهوة عاجلة ليظل في معاناة بقية حياته. إذن: فكل من ~~الطالبين أعطى نفسه ما تريد الأول: أعطى نفسه مستقبلا مريحا ممتدا، ~~وصار قمة من قمم المجتمع، والثاني: أعطى نفسه متعة عاجلة زائلة، ثم صار ~~بعد سنوات قليلة صعلوكا في المجتمع لا يساوي شيئا. إذن: فإياك أن تنظر ~~تحت أقدامك فقط لأن العالم لا ينتهي عند موقع وقوف قدميك هاتين، ولكنه ~~ممتد إلى آفاق بعيدة، فإذا نظرت إلى هذه ms4065 الآفاق، فلا يليق بك أن تختار ~~متعة وقتية قليلة. وقول الحق سبحانه: { يأيها الذين آمنوا ~~ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحيوة الدنيا من ~~الآخرة فما متاع الحيوة الدنيا في الآخرة إلا ~~قليل } [التوبة: 38]. نزل في غزوة تبوك، وهي أول غزوة للمسلمين مع غير ~~العرب، وسبقتها كل المعارك بين المسلمين وبين الكفار والمشركين، ودارت ~~على أرض الجزيرة العربية معارك مع المشركين في بدر أو في مكة، أو مع ~~اليهود في مجتمع المدينة، فقد كانت هذه معارك في محيط الجزيرة العربية، ~~ولكن غزوة تبوك كانت مع الروم على الحدود الشمالية للجزيرة العربية. ~~وحينما بدأ تجهيز الجيش ليذهب إلى تبوك لمحاربة الروم تثاقل المسلمون. ~~وهنا يبرز استفهام: كيف يحارب المسلمون الروم، وهم الذين حزنوا حين انتصر ~~الفرس على الروم؟ أيحزن المسلمون لهزيمة الروم ثم يذهبون ليحاربوهم؟ ~~نقول: نعم لأن المواقف الإيمانية ليست مواقف في قالب من حديد، ولكنها ~~تتكيف تبعا لمواقف الكفار من الإيمان والإسلام. # ولذلك فإن المؤمن الحق ينفعل للأحداث انفعالا إيمانيا، وعلى سبيل ~~المثال، نجد قلب سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه مملوءا رقة ورحمة، ~~بينما قلب سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان مملوءا قوة وحزما، ~~انظر إلى موقف الاثنين عندما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الرفيق الأعلى وارتد عدد من المسلمين عن الإسلام، ومنعوا الزكاة وقرر أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه أن يحارب هؤلاء المرتدين لأنهم أنكروا ركنا من ~~أركان الإسلام، هنا وقف عمر بن الخطاب ضد رأي أبي بكر وقال: يا أبا بكر ~~أنحارب أناسا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فقال أبو ~~بكر: أجبار يا عمر في الجاهلية خوار في الإسلام؟ والله لو منعوني عقال ~~بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه. وهكذا انقلبت المواقف ~~فالقوة والشدة ملأت قلب أبي بكر الذي كان مشهورا بالرقة والرحمة والعطف، ~~بينما امتلأ قلب عمر باللين، وهو المشهور بالشدة والقوة. ولو أن ms4066 عمر هو ~~الذي قال كلمة أبي بكر لقالوا: شدة ألفها الناس من عمر. ولكن الناس قالوا ~~عن عمر الشديد: " قد لان قلبه بينما اشتد قلب أبي بكر " هذه هي المواقف ~~الإيمانية التي تملأ نفس كل مؤمن. فالذي يصنع موقف المؤمن هو إيمانه لا ~~طبعه ولذلك قال الحق في وصفه للمؤمنين: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين... # [المائدة: 54]. وكيف يكون الإنسان عزيزا وذليلا في الوقت نفسه؟ وكيف ~~يوصف الشخص نفسه بأنه عزيز وذليل؟ وكيف يمكن أن يجتمع النقيضان في شخص ~~واحد؟ لكنك تقرأ ما يطمئنك في قول الحق: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم... # [الفتح: 29]. لقد وصف الحق سبحانه المؤمنين بأنهم أشداء، ووصفهم أيضا ~~بأنهم رحماء، ولكي تفهم هذا المعنى عليك أن تعلم أن المواقف الإيمانية هي ~~التي تحدد مشاعر المؤمن، ولا تحددها طباعه الخاصة والشخصية، وهو يكيف ~~مواقفه حسب الموقف الإيماني وما يتطلبه، فهو شديد ورحيم، وذليل وعزيز. ~~ونعود إلى غزوة تبوك التي نزلت فيها الآية التي نتناولها بخواطرنا وإلى ~~السؤال: كيف يحارب المسلمون الروم، وقد حزنوا يوم هزيمة الروم من الفرس؟ ~~ونقول: لقد حزن المسلمون لأن إلحادا ينكر الألوهية قد انتصر على إيمان ~~مرتبط برسالات السماء ولأن الروم - وهم نصارى - مرتبطون برسالات السماء. ~~ولذلك فهم أقرب إلى قلوب المؤمنين من الكفار، إذن: فالمسألة قد أخذت ~~من ناحية الوجود الإلهي. أما في غزوة تبوك فقد أخذت من ناحية قبول ~~المنهج الناسخ ومنع الدعوة له، ولهذا تحول الموقف في غزوة تبوك إلى عداء ~~إيماني، وهذا هو السبب الذي أدى إلى الحرب. فإذا نظرنا إلى الغزوة ~~نفسها نجد أن تبوك تبعد عن المدينة بمسافة كبيرة، ووقت الغزوة كان صيفا ~~شديد الحرارة، كما أنها كانت بعد غزوة حنين التي قاتل المؤمنون فيها ~~قتالا شديدا. # وكان العام عام عسرة، فلم يكن مع الجيش ما يكفيه من طعام أو خيل أو ~~جمال. إذن: فقد اجتمعت المشقة في هذه الغزوة مع حرارة الجو وبعد ~~المسافة، وكانت ms4067 قوى المسلمين منهكة من غزوة حنين. وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا أراد الخروج لغزوة، لا يخبر عنها أصحابه إلا عندما ~~يصلون إلى مكان القتال إلا هذه الغزوة فقد بينها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لصحابته قبل أن يغادروا المدينة لكي يستعدوا للمشقة التي ~~تنتظرهم. وتباطأ المسلمون، وبعضهم كان يستمتع بالجلوس في ظل البساتين ~~الموجودة في المدينة ويأكل من ثمارها. واستطاب - هذا البعض - الثمار ~~والظلال لذلك تباطأوا في الذهاب إلى القتال، فنزلت هذه الآية ببيان ~~اللوم، ثم جاءت الآية التي بعدها لتوضح وتبين العقوبة، فقال الحق: { ~~إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل ~~قوما غيركم ولا تضروه شيئا... }. ### || [9.39] # أي: إن لم تذهبوا إلى القتال فإن الله ينذركم بالعذاب. وإذا أنذر الحق ~~فلا بد أن يتحقق ما أنذر به، فأنتم إن لم تنفروا مخافة العذاب المظنون، ~~وهو الإرهاق والتعب، فما بالكم بالعذاب المحقق إن لم تنفذوا أمر الله ~~بالنفرة إلى القتال؟ وإذا كانت المقارنة بين مشقة السفر والقتال والحر ~~الشديد، وبين عذاب الله، فالمؤمن سوف يختار - بلا شك - مشقة الحرب مهما ~~كانت لأن كل فعل إنما يكون بقياس فاعله، فمظنة العذاب بالحر، أو مشقة ~~السفر، وقسوة القتال لا يمكن قياسها بعذاب الله لأن العذاب الذي ينتظر ~~من يتباطأ أو يفر من الزحف أكبر من مشقة الاستجابة للزحف مهما كانت ~~مرهقة. ثم يقول الحق سبحانه: { ويستبدل قوما غيركم } إذن: ~~فلا تظنوا أنكم بتباطئكم وعدم رغبتكم في القتال ستضرون الله شيئا لأن ~~الله قادر على أن يأتي بخلق جديد، وهو على ذلك قدير، لذلك يقول: { ~~والله على كل شيء قدير }. وفي آية أخرى يقول الحق ~~سبحانه: # ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ~~فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن ~~نفسه والله الغني وأنتم الفقرآء وإن ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم # [محمد: 38]. فلا تظنوا أنكم بما معكم من ثراء أو قوة قادرون على عرقلة ~~منهج الله بالبخل أو التخاذل لأنه سبحانه قادر على أن يستبدلكم ms4068 بقوم ~~غيركم، يملكون حمية القتال والتضحية في سبيل الله لأنه القادر فوق كل ~~الخلق. وقوله سبحانه: { والله على كل شيء قدير } هو ~~حيثية للأحكام التي سبقتها من قوله: { إلا تنفروا يعذبكم ~~عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه ~~شيئا } وإن ظن واحد منهم أن هذا كلام نظري، فالحق سبحانه يضرب لهم ~~المثل العملي من الواقع الذي شاهدوه وعاصروه حينما اجتمع كفار قريش ~~ليقتلوه فنصره الله عليهم، فقال جل جلاله: { إلا تنصروه فقد ~~نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين ~~إذ هما في الغار إذ يقول لصحبه... }. ### || [9.40] # ووقف المستشرقون عند قول الحق سبحانه: { إلا تنصروه فقد ~~نصره الله } وكعادتهم - كمشككين في الإسلام - نجدهم يبذلون جهدا ~~كبيرا في محاولة التصيد لأخطاء يتوهمونها في القرآن الكريم فيقولون: إن ~~مهابة القرآن وقدسيته عندكم أيها المسلمون لا تمكن أذهانكم من الجراءة ~~اللازمة للبحث في أساليبه لتكتشفوا ما فيه من الخلل. ولكن إن نظرتم إلى ~~القرآن ككتاب عادي لا قداسة له فسوف تجدون فيه التضارب والاختلاف. وخصص ~~المستشرقون بابا كبيرا للبحث في مجال النحو بالقرآن الكريم، وجاءوا إلى ~~مسألة الشرط والجزاء، ومن يقرأ نقدهم يتعرف فورا على حقيقة واضحة هي ~~جهلهم بعمق أسرار اللغة العربية، فهم قد أخذوا ظاهر اللغة العربية، ولا ~~يملكون فيها ملكة أو حسن فهم، وقالوا: إن أساليب الشرط في اللغة ~~العربية تقتضي وجود جواب لكل شرط، فإن قلت: إن جاءك زيد فأكرمه، تجد ~~الإكرام يأتي بعد مجيء زيد، وإن قلت: إن تذاكر تنجح، فالنجاح يأتي بعد ~~المذاكرة. إذن: فزمن الجواب متأخر عن زمن الشرط. وهم قدموا كل تلك ~~المقدمات ليشككونا في القرآن. ونقول لهم: إن كلامكم عن الشرط وجوابه ~~صحيح، ولكن افهموا الزائد، فحين نحقق في الأمر نجد أن الجواب سبب في ~~الشرط لأنك حين تقول: إن تذاكر تنجح، فالطالب إن لم يستحضر امتيازات ~~النجاح فلن يذاكر، بل لا بد أن يتصور الطالب في ذهنه امتيازات النجاح ~~ليندفع إلى المذاكرة، إذن: فالجواب سبب دافع في الشرط، ولكن الشرط سبب في ms4069 ~~الجواب ولكنه سبب واقع، فتصور النجاح أولا هو سبيل لبذل الجهد في ~~تحقيق النجاح، وهكذا تكون الجهة منفكة لأن هذا سبب دافع، وهذا سبب واقع. ~~وقوله تعالى: { إلا تنصروه } فعل مضارع، زمنه هو الزمن الحالي، ~~ولكن الحق يتبع المضارع بفعل ماض هو: { فقد نصره الله } فهل ~~يكون الشرط حاضرا ومستقبلا، والجواب ماضيا؟ ونقول: إن المعنى: إلا ~~تنصروه فسينصره الله. بدليل أنه قد نصره قبل ذلك. وهذا ليس جواب شرط، ~~وإنما دليل الجواب، فحين يكون دليل الجواب ماضيا، فهو أدل على الوثوق من ~~حدوث الجواب، فحين دعاهم الله لينفروا فتثاقلوا، أوضح لهم سبحانه: أتظنون ~~أن جهادكم هو الذي سينصر محمدا وينصر دعوته؟ لا لأنه سبحانه قادر على ~~نصره، والدليل على ذلك أن الله قد نصره من قبل في مواطن كثيرة، وأهم موطن ~~هو النصر في الهجرة، وقد نصره برجل واحد هو أبو بكر على قريش وكل كفار ~~مكة، وكذلك نصره في بدر بجنود لم تروها، إذن: فسابقة النصر من الله ~~لرسوله سابقة ماضية، وعلى ذلك فليست هي الجواب، بل هي دليل الجواب. ونرى ~~في قوله تعالى: { إلا تنصروه فقد نصره الله } أن نصر ~~الله له ثلاثة أزمنة، ف { إذ } تكررت ثلاث مرات، فسبحانه يقول: { إذ ~~أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في ~~الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } ~~أي: أننا أمام ثلاثة أزمنة: زمن الإخراج، وزمن الغار، والزمن الذي قال ~~فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: { لا تحزن إن ~~الله معنا } ، وقد جاء النصر في هذه الأزمنة الثلاثة ساعة الإخراج ~~من مكة، وساعة دخل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر إلى ~~الغار، وساعة حديثه مع أبي بكر. # ولسائل أن يسأل: هل أخرج الكفار رسول الله من مكة، أم أن الله هو الذي ~~أخرجه؟ ونقول: إن عناد قومه وتآمرهم عليه وتعنتهم أمام دعوته، كل ذلك ~~اضطره إلى الخروج، ولكن الحق أراد بهذا الخروج هدفا آخر غير الذي أراده ~~الكفار، فهم أرادوا ms4070 قتله، وحين خرج ظنوا أن دعوته سوف تختنق بالعزل عن ~~الناس، فأخرجه الله لتنساح الدعوة، وأوضح لهم سبحانه: أنتم تريدون إخراج ~~محمد بتعنتكم معه، وأنا لن أمكنكم من أن تخرجوه مخذولا، وسأخرجه أنا ~~مدعوما بالأنصار. وقالوا: إن الهجرة توأم البعثة. أي: أن البعثة ~~المحمدية جاءت ومعها الهجرة، بدليل # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أخذته أم المؤمنين خديجة رضي ~~الله عنها إلى ورقة بن نوفل، بعد ما حدث له في غار حراء، قال له ورقة: ~~ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. قال ورقة بن نوفل ذلك لرسول الله قبل أن ~~يتثبت من النبوة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمخرجي هم؟ قال ~~ورقة بن نوفل: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي ". # إذن: فالهجرة كانت مقررة مع تكليف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالرسالة، لماذا؟ لأنه صلى الله عليه وسلم كان أول من أعلن على مسامع ~~سادة قريش رسالة الحق والتوحيد. ففكرة الهجرة مسبقة مع البعثة ولأن ~~البعثة هي الصيحة التي دوت في آذان سادة قريش وهم سادة الجزيرة. ولو ~~صاحها في آذان قوم ليسوا من سادة العرب لقالوا: استضعف قوما فصاح فيهم، ~~ولكن صيحة البلاغ جاءت في آذان سادة الجزيرة العربية كلها، فانطلقوا في ~~تعذيب المسلمين ليقضوا على هذه الدعوة. وشاء الله سبحانه وتعالى ألا ~~ينصره بقريش في مكة لأن قريشا ألفت السيادة على العرب، فإذا جاء رسول ~~لهداية الناس عامة إلى الإسلام، لقال من أرسل فيهم: لقد تعصبت له قريش ~~لتسود الدنيا كما سادت الجزيرة العربية. فأراد الحق سبحانه أن يوضح لنا: ~~لا. لقد كانت الصيحة الأولى في آذان سادة العرب، ولا بد أن يكون نصر ~~الإسلام والانسياح الديني لا من هذه البلدة بل من بلد آخر حتى لا يقال: ~~إن العصبية لمحمد هي التي خلقت الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. # ولكن الإيمان برسالة محمد هو الذي خلق العصبية لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. ويلاحظ في أمر الهجرة أن ms4071 فعلها " هاجر ". وهذا يدلنا على أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم يهجر مكة، وإنما هاجر، والمهاجرة مفاعلة من ~~جانبين، فكأن قومه أعنتوه فخرج، والإخراج نفسه فيه نصر لأن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم خرج وحده من بيته الذي أحاط به شباب أقوياء من كل قبائل ~~العرب ليضربوه ضربة رجل واحد، وينثر عليهم التراب فتغشى أبصارهم، وكان ~~أبو بكر رضي الله عنه ينتظره في الخارج، وكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن ~~يثبت لهم أنهم لن ينالوا من محمد لا بتآمر خفي، ولا بتساند علني. وهذا ~~نصر من الله. ويتابع الحق سبحانه: { إذ هما في الغار } ، ويتأكد ~~في الغار نصر آخر. ذلك أن قصاص الأثر الذي استعانت به قريش واسمه كرز بن ~~علقمة من خزاعة قد تتبع الأثر حتى جاء عند الغار، وقال: هذه محمد وهو ~~أشبه بالموجود في الكعبة، أي أشبه بأثر قدم إبراهيم عليه السلام، ثم قال: ~~هذه قدم أبي بكر أو قدم ابنه وما تجاوزا هذا المكان. وكان قصاص الأثر ~~يتعرف على شكل القدم وأثره على الأرض. وأضاف: إنهما ما تجاوزا هذا ~~المكان، إلا أن يكونا قد صعدا إلى السماء أو دخلا في جوف الأرض. وبالرغم ~~من هذا التأكيد فإنهم لم يدخلوا الغار، ولم يفكر أحدهم أن يقلب الحجر أو ~~يفتش عن محمد وصاحبه، مع أن هذا أول ما كان يجب أن يتبادر إلى الذهن، فما ~~دامت آثار الأقدام قد انتهت عند مدخل الغار كان يجب أن يفتشوا داخله. لكن ~~أحدا لم يلتفت إلى ذلك. وجاء واحد منهم وأخذ يبول، فجاء بعورته قبالة ~~الغار، وهذا هو السبب في قول أبي بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لأو ~~أن أحدهم نظر تحت قدميه لرآنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بفطنة ~~النبوة: لو رأونا ما استقبلونا بعوراتهم وهذا دليل على أن العربي كان ~~يأنف أن تظهر عورته، أو هي كرامة لمحمد صلى الله عليه وسلم ألا يريه ~~عورة غيره، وليأخذها القارىء كما يأخذها، وهي على ms4072 كل حال فيض إلهامي ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك جعل الحق سبحانه العنكبوت ينسج ~~خيوطه على مدخل الغار، وجعل الحمام يبني عشا فيه بيض، وجعل سراقة بن ~~مالك يقول: لا يمكن أن يكون محمد وصاحبه دخلا الغار، وإلا لكانا قد ~~حطما عش الحمام، وهتكا نسيج العنكبوت. ونحن نعلم أن أوهن البيوت هو ~~بيت العنكبوت، فالحق سبحانه وتعالى يقول: # وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 41]. ويظهر الإعجاز الإلهي هنا في: أن الله سبحانه قد صد ~~مجموعة كبيرة من المقاتلين الأقوياء بأوهى البيوت، وهو بيت العنكبوت، ~~وقدرة الله تجلت في أن يجعل خيط العنكبوت أقوى من الفولاذ، وكذلك شاء ~~الحق أن يبيض الحمام وهو أودع الطيور، وإن أهيج هاج. وهذا نصر، ثم هناك ~~نصر ثالث نفسي وذاتي، # " فحين قال أبو بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لو نظر ~~أحدهم تحت قدميه لرآنا، نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد في ثقة ~~بربه: " ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". # هذا الرد ينسجم مع سؤال أبي بكر لأن أبا بكر كان يخشى أنهم لو نظروا تحت ~~أقدامهم لرأوا من في الغار، وكان الرد الطبيعي أن يقال: " لن يرونا " ، ~~ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يلفتنا لفتة إيمانية إلى ~~اللازم الأعلى، فقال: # " ما ظنك باثنين الله ثالثهما " # ، لأنه ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في معية الله، ~~والله لا تدركه الأبصار فمن في معيته لا تدركه الأبصار. وتكون كلمة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذي تعود أبو بكر منه الصدق في كل ما يقول، ~~تكون هي الحجة على صدق ما قال، فعندما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~إنه أسرى به إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء، قال أبو بكر: إن كان ~~قد قال فقد صدق. فحين يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر فيما ~~يحكيه سبحانه: { لا تحزن إن الله معنا } ، فلا بد ms4073 أن يذهب ~~الحزن عن أبي بكر، وقد خشي سيدنا أبو بكر حين دخل الغار ووجد ثقوبا، خشي ~~أن يكون فيها حيات، أو ثعابين، فأخذ يمزق ثوبه ويسد به تلك الثقوب حتى لم ~~يبق من الثوب إلا ما يستر العورة، فسد الثقوب الباقية بيده وكعبه. ~~إذن: فأبو بكر يريد أن يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه لأنه إن ~~حدث شيء لأبي بكر فهو صحابي، أما إن حدث مكروه لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فالدعوة كلها تهدم. إذن: فأبو بكر لم يحزن عن ضعف إيمان، ولكنه حزن ~~خوفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصاب بمكروه. ويأتي الحق ~~سبحانه وتعالى فيقول: { لا تحزن إن الله معنا فأنزل ~~الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها } ~~اختلف العلماء في قوله تعالى { عليه } ، هل المقصود بها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؟ أو أن المقصود بها أبو بكر؟ وما دامت السكينة قد ~~نزلت فلا بد أنه نزلت على قلب أصابه الحزن. ولكن العلماء يقولون: إن ~~الضمائر في الآيات تعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالحق قال: { ~~إلا تنصروه } أي محمدا عليه الصلاة والسلام، وسبحانه يقول: { ~~فقد نصره الله } أي محمدا صلى الله عليه وسلم، ويقول أيضا: { ~~إذ أخرجه } أي محمدا صلى الله عليه وسلم، فكل الضمائر في الآية ~~عائدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ثم يأتي قول الله سبحانه وتعالى: { فأنزل الله سكينته ~~عليه } إذن: فلا بد أن يعود الضمير هنا أيضا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأقول: ولكن لماذا لا نلتفت إلى قول الحق سبحانه وتعالى: { ~~إذ يقول لصحبه لا تحزن إن الله معنا } وهذا قول ~~رسول الله ولا بد أن قوله يجعل السكينة تنزل على قلب أبي بكر. إذن: ~~فالضمير هنا عائد على أبي بكر. ويقول الحق سبحانه وتعالى: { وأيده ~~بجنود لم تروها } وقد رأى الكفار عش الحمام وبيت العنكبوت، ~~وهذا ما منعهم من أن يروا الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن ليس ms4074 هذا هو ~~المقصود - فقط - بالآية لأن الله سبحانه وتعالى يقول: { بجنود لم ~~تروها } والعنكبوت والحمام مرئيان، وأول الجنود غير المرئية هو أنه ~~لم يخطر على بال القوم ولا فكرهم أن ينظروا في الغار، مع أن آثار الأقدام ~~انتهت إليه. لكن الله طمس على قلوبهم وصرفهم عن هذه الفكرة بالذات، ولم ~~تخطر على بالهم. ثم جاء حدث آخر حين استطاع سراقة بن مالك وهو من الكفار ~~أن يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وهما في طريقهما إلى ~~المدينة، وكلما حاول الاقتراب منهما ابتلعت الأرض قوائم فرسه في الرمال، ~~وعلى أية حال ما دام الحق سبحانه وتعالى قال: { بجنود لم ~~تروها } وقال في آية أخرى: # وما يعلم جنود ربك إلا هو.. # [المدثر: 31]. إذن: فالجنود الذين سخرهم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~ليحفظوه خلال الهجرة لا يعلمهم إلا الله. وكل شيء في هذا الكون من جنود ~~الله فهو سبحانه وتعالى الذي سخر الكافر لخدمة الإيمان، ألم يكن دليل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة هو عبد الله ~~بن أريقط، وكان ما زال على الكفر، فكأن الله سبحانه وتعالى يسخر له ~~الكافر ليكون دليله في رحلته من مكة إلى المدينة. وهكذا عمل الكافر في ~~خدمة الإيمان، وفي الوقت نفسه فكل ما رصدته قريش من جعل لمن يدلها ~~على مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يغر الدليل الكافر ~~بالخيانة، بل أدخل الله على قلب الكافر ما يجعله أمينا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. الحق سبحانه يقول: { وأيده بجنود لم ~~تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى } ، ولقد ~~أراد الكفار القضاء على الدعوة بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ~~نفيه بإخراجه إلى مكان بعيد، أو سجنه، وأراد الله سبحانه وتعالى أن ~~يلفتنا إلى أن الباطل لا يمكن أن يعلو على الحق، وأن الحق دائما هو ~~الأعلى، ولذلك قال سبحانه وتعالى: { وجعل كلمة الذين ~~كفروا السفلى } ولا يجعل الله كلمة الكفار السفلى ms4075 إلا إذا كانت ~~في وقت ما في علو. # وإن كان علوها هو علو الزبد على الماء الذي قال عنه الحق سبحانه ~~وتعالى: # فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض.. # [الرعد: 17]. ولقد ضرب الله هذا المثل فقال: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها.. # [الرعد: 17]. أي: أن كل واد أخذ ما قدره الله له من الماء. # فاحتمل السيل زبدا رابيا # [الرعد: 17]. وهذا نلاحظه عندما يحدث سيل، ونجده يأخذ معه القش ~~والقاذورات التي لها كثافة قليلة لتطفو على سطح الماء، ولكن أتظل عليه؟. ~~لا، بل تطرد إلى الجوانب بقوة التيار ويبقى الماء نظيفا. ثم يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: # كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض.. # [الرعد: 17]. إذن: فالحق سبحانه وتعالى يخبرنا أن كلمة الكفار كانت في ~~علو كالزبد، ولكن: لماذا أوجد الله علوا ولو مؤقتا للكفر؟ أراد ~~الحق ذلك حتى إذا جاء الإسلام وانتصر على الكفر يكون قد انتصر على شيء ~~عال فيجعله أسفل ولذلك جاء الله سبحانه وتعالى بالمقابل وقال: { وجعل ~~كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي ~~العليا } ، فالنسق الأدائي في القرآن كان لا بد أن يتم على أساس لذلك ~~جاء القول: { وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ~~وكلمة الله هي العليا } لأن كلمة الله دائما وأبدا هي ~~العليا، وليست كلمة الله عليا جعلا، فهي لم تكن في أي وقت من ~~الأوقات إلا وهي العليا. ولهذا لم يعطفها بالنصب لأن كلمة الحق سبحانه ~~وتعالى هي العليا دائما وأبدا وأزلا. وإن كان الكفار قد أرادوا قتل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن يخرجوه إلى مكان بعيد لا يستطيع فيه ~~أن يمارس دعوته، أو يحبسوه، فإنهم لم يظفروا بشيء من هذا لأن الله عزيز ~~لا يغلب، وعزته مبنية على الحكمة. وهنا يريد الحق سبحانه وتعالى أن ~~يلفت المؤمنين إلى أن تثاقلهم عن الجهاد في غزوة تبوك لن يضر الدعوة ~~شيئا لأن الله قد نصر رسوله وهو وحده، ونصره ms4076 بجنود لم يروها، فإذا ~~كان النصر لا يحتاج إلا لكلمة الله، ولا يتم إلا بإرادة الله، فلماذا إذن ~~التثاقل؟ ويقول سبحانه بعد ذلك: { انفروا خفافا وثقالا ~~وجهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله... }. ### || [9.41] # وهكذا يفتح الحق باب الوصول إليه ليهبوا إلى نصرة الرسول ويزيل الضباب ~~من أذهانهم، ويفتح لهم باب الوصول إليه لأنهم خلق الله وعياله، فهو ~~سبحانه يريد منهم أن يكونوا جميعا مهديين، وأن يشاركوا في نصرة الدعوة ~~إليه. والقتال في سبيل الله قد يكون مشقة في ظاهر الأمر، ولكنه يهب ~~الدعوة انتشارا واستقرارا. وحين يقوم المسلمون بنصر الدعوة إلى الله، ~~ففي هذا القيام مغفرة وتوبة، وهو رحمة من الله بهم. ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هو القائل: # " الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ". # ويقول الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي: # " قالت السماء: يا ربي إئذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم لأنه طعم ~~خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب إئذن لي أن أغرق ابن آدم لأنه ~~طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الأرض مثلهما ". # فماذا قال الحق سبحانه وتعالى؟ قال: # " دعوني وعبادي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، ~~وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". # وهكذا نرى رحمة الله بخلقه. وبعد أن لام الحق سبحانه المسلمين لأنهم لم ~~يتحمسوا للجهاد، يفتح أمامهم باب التوبة فقال: { انفروا } أي: اخرجوا ~~للقتال، وهذا أمر من الله يوقظ به سبحانه الإيمان في قلوب المسلمين، وفي ~~الوقت نفسه يفتح أمامهم باب التوبة لتباطئهم عن الخروج للقتال في غزوة ~~تبوك. ولذلك قال: { انفروا خفافا وثقالا } والنفرة: هي الخروج ~~إلى شيء بمهيج عليه، والمثال: هو التباعد بين إنسان وصديق له كان بينهما ~~ود، ثم حدث من هذا الصديق سلوك أو قول يهيج على الخروج عليه، فينفر ~~منه الإنسان. والحق سبحانه هنا يأمر: { انفروا } والذي يهيج على ~~النفور هو رفعة دين الله وكلمته، وحين ترفعون كلمة الله إنما يفتح لكم ~~باب الارتفاع بها فقال: { انفروا خفافا ms4077 وثقالا }. والخفيف: هو ~~الصحيح السليم القوي الذي لا تتبعه ولا ترهقه الحركة. والثقيل: هو المريض ~~أو كبير السن. والله يريد من الجميع أن يسارعوا إلى القتال لينجوا من ~~العذاب الأليم، وينالوا توبته ورضاه. ولكن الصحيح خفيف الحركة يمكنه أن ~~يقاتل، فماذا يفعل المريض؟ يفعل مثلما فعل سيدنا سعيد بن المسيب وكان ~~مريضا، إذ قالوا له: إن الله أعفاك من الخروج إلى المعركة في قوله ~~تعالى: # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج.. # [الفتح: 17]. فقال: والله أكثر سواد المسلمين وأحرس متاعهم. ومن ~~الممكن أن يكون المريض متميزا بالذكاء وصحة العقل، ويمكن أن يستشار في ~~مسألة ما. وقد يكون المريض أسوة في قومه، فإذا خرج للقتال هاج قومه ~~وخرجوا معه، ويمكن أن يكون المريض أو الضعيف حافزا للأقوياء على القتال. # فحين يرى الأقوياء المريض وهو يخرج للقتال فإنهم يخجلون أن يتخلفوا هم. ~~واختلف العلماء في تفسير قوله تعالى: { انفروا خفافا وثقالا } ~~فبعضهم قال: إن هذه إشارة إلى ذات الإنسان، فهناك ذات خفيفة وذات ثقيلة ~~في الوزن لا تستطيع الحركة بسهولة، وقال آخرون: إن الفرد الواحد يمكن أن ~~يكون فيه الوضعان، وقوله تعالى: { انفروا } هو أمر للجماعة، و { ~~خفافا } جمع " خفيف " ، و { ثقالا } جمع " ثقيل " ، ومقابلة الجمع ~~بالجمع تقتضي القسمة إلى آحاد. والمعنى: أن ينفر كل واحد من المسلمين ~~سواء كان خفيفا أم ثقيلا. وسبق أن ضربنا المثل حينما يدخل الأستاذ على ~~الطلبة ويقول: أخرجوا كتبكم، ومعنى هذا الأمر أن يخرج كل تلميذ كتابه، ~~وإن قلت: اركبوا سياراتكم، فمعنى ذلك أن يركب كل واحد منكم سيارته. إذن: ~~فالآية تعني: لينفر كل واحد منكم سواء كان ثقيلا أم خفيفا. ولكن: كيف ~~يكون الإنسان ثقيلا وخفيفا في وقت واحد؟ نقول: يكون خفيفا أي: ذا نشاط ~~للجهاد، وثقيلا أي: أنه سيدخل في مشقة تجعل المهمة ثقيلة على نفسه. ~~والله سبحانه وتعالى يقول: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم # [البقرة: 216]. والدخول فيما هو مكروه في سبيل الله أمر يرفع درجات ~~الإيمان. إذن: ms4078 فالآية تحتمل أكثر من معنى، فهي تحمل المعنى العام: أن ~~يكون البعض خفيفا والبعض ثقيلا في ذاته، أو: أن يجمع القتال بين الخفة ~~في الحركة والثقل في المشقة، أو: أن يكون الذي يملك دابة هو الخفيف لأن ~~الدابة تزيل المشقة وأسرع في الطريق، والثقيل هو من يجاهد ماشيا لأنه ~~سيتحمل طول المسافة. وساعة يشحن الحق سبحانه وتعالى قلوب المؤمنين، فهو ~~يطلب منهم ما يكلفهم به بقوة، ثم تتجلى رحمته فيخفف التكليف. ولو جاء ~~الحكم خفيفا في أول التشريع، ثم يصعد فإن هذا الأمر يكون صعبا على ~~النفس، ولكن عندما يأتي الحكم ثقيلا، ثم يخفف يكون أقرب إلى النفس، ~~والمثال في قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: # يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن ~~يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن ~~يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا # [الأنفال: 65]. وهنا يعطي الحق مقياسا لقدرة المؤمن بالنسبة للكافر. ~~فالعشرون يغلبون مائتين، أي: أن النسبة هي واحد من المؤمنين إلى عشرة من ~~الكافرين، ولذلك فعندما نزلت هذه الآية كان على المؤمن الواحد أن يقتل ~~عشرة من الكافرين، لكن الحق سبحانه وتعالى قد علم أن هذا الأمر شديد على ~~نفوس المؤمنين بأن يواجه المؤمن الواحد عشرة من الكفار، فإنه لا يقدر على ~~ذلك إلا أولو العزم، فقال سبحانه: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا # [الأنفال: 66]. # وما دام هناك ضعف فلا بد أن يخفف الأمر بالنسبة للمؤمنين في مواجهة ~~الكفار أثناء القتال. ونقل الحق سبحانه وتعالى النسبة من: واحد إلى عشرة، ~~إلى: واحد إلى اثنين، فقال سبحانه وتعالى: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن ~~يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن ~~منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله ~~مع الصابرين # [الأنفال: 66]. لذلك: من فر من قتال اثنين يكون قد فر من الزحف، ~~ولكن إن فر من مواجهة ثلاثة لا يحسب فارا لأنهم أكثر من النسبة التي ~~قررها الله. وقول الحق في الآية التي نحن بصدد ms4079 خواطرنا عنها { انفروا ~~خفافا وثقالا } هو أمر يشمل الجميع على اختلاف أشكالهم، أي: أنها ~~تحمل أمرا عاما لكافة المسلمين. ولكن هناك قول آخر في سورة التوبة، ~~أعفى بعض حالات معينة من المؤمنين الذين أخلصوا قلوبهم لله، فيقول ~~سبحانه: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور ~~رحيم * ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم ~~قلت لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم ~~تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون # [التوبة: 91-92]. أي: ليس على هؤلاء الذين جاءت الآيتان الكريمتان ~~بذكرهم أي حرج في أن يقعدوا عن القتال. وكان هذا هو الاستثناء من ~~القاعدة العامة التي فرضت على كل مؤمن أن يقاتل في سبيل الله، وهو ما ~~جاءت به الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { انفروا خفافا ~~وثقالا وجهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ~~الله } والمال هو الذي يجعلك تعد السلاح للحرب، وحين يذهب الجيش ~~إلى القتال لا بد أن يكون مزودا بالسلاح، وبالمركبات وهي مثل الخيل ~~على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضا لا بد من الزاد الذي يكفي ~~لأيام القتال، لذلك جاء الله سبحانه وتعالى بذكر المال أولا، ثم بعد ذلك ~~ذكر الأنفس والأرواح، ومن يملك القوة والمال فعليه أن يجاهد بهما، ومن ~~يملك عنصرا من الاثنين القوة أو المال، فعليه أن يجاهد به. فإن كان ~~ضعيفا فعليه أن يعين بماله القوي القادر على القتال بأن يوفر له الأسلحة ~~والخيول والدروع وغير ذلك من وسائل القتال. وهنا يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { وجهدوا } ، و " جاهد " و " قاتل " مبنية على المفاعلة، ~~بمعنى: إن قاتلك واحد من الكفار، فلا بد أن تبذل كل جهدك في قتاله، و " ~~جاهد " مثل " شارك " ، فهل تقول: شارك زيد ثم تسكت، أم تقول: شارك زيد ~~عمرا، وقاتل زيد عمرا؟ إذن: فهناك مفاعلة. ولكن الحق سبحانه وتعالى ~~يقول في آية أخرى: # يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ~~واتقوا ms4080 الله لعلكم تفلحون # [آل عمران: 200]. وهذا القول هو أمر بالصبر على القتال. ولكن هب أن ~~عدوك صبر مثلك، هنا يأتي أمر آخر من الحق سبحانه وتعالى: { وصابروا ~~} أي: اغلبه في الصبر بأن تصبر أكثر منه. وكذلك { وجهدوا } أي: ~~اغلبوهم في الجهاد، بأن تجاهدوا أكثر منهم. ونعود إلى قول الحق سبحانه ~~وتعالى: { وجهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ~~الله } وسبيل الله هو: الطريق الموصل إلى الغاية التي هي رضا الله ~~والجنة. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { ذلكم خير لكم } ، و " ~~ذا " اسم إشارة ويشير إلى المفرد المستفاد من قوله تعالى: { وجهدوا ~~بأموالكم وأنفسكم } إذن: ف " ذا " تشير إلى الجهاد بالمال ~~والنفس، و { لكم } تشير للخطاب لأن الحق سبحانه وتعالى يخاطب جماعة. ~~وبعض من لا يفهم اللغة يقول: { ذلكم } كلمة واحدة خطابا أو إشارة، ~~ونقول لهم: لا، بل هي كلمتان إشارة وخطاب. والإشارة هنا لشيء واحد، ~~والخطاب لجماعة. ومثال هذا أيضا قول الحق سبحانه على لسان امرأة العزيز ~~في قصة يوسف عندما جمعت امرأة العزيز النسوة، وأخرجت يوسف عليهن، وصارت ~~هناك جماعة من النسوة، وهناك يوسف - أيضا -: # فذلكن الذي لمتنني فيه # [يوسف: 32]. و " ذا " المقصود بها يوسف، و " لكن " هن: النسوة ~~المخاطبات. ومثال آخر أيضا هو قول الحق سبحانه: # فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه # [القصص: 32]. و " ذان " إشارة لاثنين، وهما معجزتان من معجزات موسى عليه ~~السلام العصا واليد البيضاء، وحرف الكاف للمخاطب وهو موسى عليه السلام. ~~إذن: فقول الحق: { ذلكم } في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها مكون ~~من كلمتين: الإشارة لواحد والخطاب لجماعة. وقوله تعالى: { ذلكم ~~خير }.. عن أي خير يتحدث سبحانه؟ إن نفرتم وجاهدتم بأموالكم وأنفسكم ~~فهو خير، ولا بد أن يكون خيرا من مقابل له. والمقابل له هو القعود عن ~~الجهاد بأموالكم وأنفسكم. إذن: فالجهاد خير من القعود. وكلمة { خير } ~~تستعمل في اللغة استعمالين الاستعمال الأول أن يراد بها الخير العام، ~~كقوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. ويكون ms4081 مقابلها في هذه الحالة هو الشر. ومرة تأتي " خير ~~" بمعنى " أفعل التفضيل " ، كأن تقول: هذا خير من هذا. وفي هذه الحالة ~~يكون كل من الأمرين خيرا، ولكن أحدهما أفضل من الآخر، مثل قول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ~~" # فإن جاءت " خير " دون أن تسبقها " من " فالمراد بها المقابل لها، وهو " ~~الشر ". ونجد بعضا من أساتذة اللغة العربية يقولون: عندما تستخدم كلمة " ~~خير " كأفعل تفضيل لا تقل: " خير " ، بل قل: " الخير " ، ولكن اللفظ ~~المستخدم هنا هو " خير " ، فإن استعمل في أفعل التفضيل فهو يعطي الصفة ~~الزائدة لواحد دون الثاني، والاثنان مشتركان في الخيرية. # وعلى سبيل المثال # " كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد اسمه زيد بن حارثة اشترته ~~خديجة رضي الله عنها، وأهدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعرف أبو ~~زيد وعمه مكانه فذهبا إلى مكة ليروه، فقال له رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " فأنت قد علمت ورأيت محبتي لك فاخترني أو اخترهما ". فقال زيد: ما ~~أنا بالذي أختار عليك أحدا، أي: أنه اختار أن يبقى مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا يذهب مع أهله، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يكافئه فألحقه بنفسه وقال: " يا من حضر اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه ~~" # وكان التبني مباحا عند العرب، وأراد الحق أن يلغي التبني وأن يطبق ~~رسول الله هذا الإلغاء بنفسه، فجاء قول الحق سبحانه وتعالى: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله # [الأحزاب: 40]. وهكذا أنهى الحق سبحانه وتعالى التبني، وقال سبحانه ~~وتعالى: # ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله # [الأحزاب: 5]. و { أقسط } يعني " أعدل " ، كأن الحق سبحانه وتعالى ~~لم ينف عن رسوله صلى الله عليه وسلم العدل، ولكنه أنزل ما هو أعدل. ~~إذن: فساعة ترى أفعل التفضيل فاعلم أنه يعطي الصفة الزائدة ويبقي الصفة ~~الأصلية. وفي الآية التي نحن بصددها { ذلكم خير } ومقابلها: أن ~~القعود عن الجهاد ms4082 بالمال والنفس شر. يقول الحق سبحانه: { ذلكم خير ~~لكم إن كنتم تعلمون } إذن: فهناك موازين نعرف بها ما هو خير ~~وما هو شر.. وحينما قال الحق: { إن كنتم تعلمون } فكأن هناك ~~مقدمات للعلم، فإن لم يكونوا يعلمون فالله يعلمهم، ذلك أن الذي يجاهد ~~بماله ونفسه يكون قد اقتنع بيقين أنه سوف يحصل من الجهاد على ما هو خير ~~من المال والنفس. وأيضا: إن قتل فهو باستشهاده صار أسوة حسنة لمن يأتي ~~بعده. وحين أوضح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من يقاتل صابرا ~~محتسبا يدخل الجنة، جاء له صحابي في فمه تمرة يمضغها فيقول: أليس بيني ~~وبين أن أدخل الجنة إلا أن أقاتل فيقتلوني؟ فلما أجاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم: نعم. استبطأ الصحابي أن يضيع مضغ التمرة وقتا، وأن يتأخر عن ~~القتال بسببها، فرماها من فمه وقاتل حتى استشهد. وكان هذا دليلا على أنه ~~واثق تمام الثقة أن الاستشهاد يعطيه جزاء أعلى بكثير مما ترك. ثم بعد ~~ذلك يعود الحق سبحانه وتعالى إلى الذين يتثاقلون عن الجهاد ليصفي المسائل ~~كلها، فيقول جل جلاله: { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا ~~لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة... }. ### || [9.42] # والعرض هو ما يقابل الجوهر، والجوهر هو ما لا تطرأ عليه أغيار، ~~فالصحة عرض والمرض عرض لأن كليهما لا يدوم، إذن فكل ما يتغير يسمى ~~عرضا يزول. ويقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر. ~~إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: { لو كان عرضا قريبا } أي: لو ~~كان أمرا من متاع سهل التناوب، ومحببا للنفس وليس فيه مشقة السفر ~~والتضحية بالمال والنفس لأسرعوا إليه. { وسفرا قاصدا } ، والقاصد ~~هو المقتصد الذي في الوسط وبعض الناس يسرف في الكسل، فلا يستنبط الخير من ~~السعي في الأرض ومما خلق الله، وبعض الناس يسرف في حركة الدنيا ويركض ~~كركض الوحوش في البرية، ولا يكون له إلا ما قسمه الله. وأمزجة الناس ~~تتراوح ما بين الإسراف والتقتير، أما المؤمن فعليه أن يكون من الأمة ~~المقتصدة. والحق هو القائل: ms4083 # منهم أمة مقتصدة # [المائدة: 66]. لأن المؤمن لا يأخذه الكسل فيفقد خير الدنيا، ولا يأخذه ~~الإسراف فينسى الإيمان. إذن: فالحق سبحانه وتعالى يوضح لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم أنه لو كان هناك متاع من متاع الدنيا أو سفر بلا مشقة ولا تعب ~~لاتبعوك، فهم لم يتبعوك لأنه ليست هناك مغانم دنيوية لأن هناك مشقة، ~~فالرحلة إلى تبوك، ومقاتلة الروم، وهم أصحاب الدولة المتحضرة التي تضع ~~رأسها برأس دولة الفرس، وهذه أيضا مشقة، والعام عسر والحر شديد، ولو ~~أن الأمر سهل ميسر لاتبعوك. ويتابع سبحانه: { ولكن بعدت ~~عليهم الشقة } أي: أن المشقة طويلة، ثم يقول: { ~~وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم } هم ~~إذن لم يتبعوك لأن المسألة ليست عرضا قريبا ولا سفرا سهلا، بل هي ~~رحلة فيها أهوال، وتضحيات بالمال والنفس، وحين تعود من القتال سوف يحلفون ~~لك أنهم لو استطاعوا لخرجوا معكم للقتال. وقد قال الحق ذلك قبل أن تأتي ~~أوان الحلف، وهذه من علامات النبوة لكي يعرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المنافقين من صادقي الإيمان. وسبحانه وتعالى يفضح غباء المنافقين ~~لذلك قال: { وسيحلفون بالله } واستخدام حرف السين هنا يعني ~~أنهم لم يكونوا قد قالوها بعد، ولكنهم سيقولونها في المستقبل، ولو أنهم ~~تنبهوا إلى ذلك لامتنعوا عن الحلف. ولقالوا: إن القرآن قال سنحلف، ولكننا ~~لن نحلف. ولكن الله أعماهم فحلفوا، وهكذا يأتي خصوم الإسلام ليشهدوا - ~~رغم أنوفهم - للإسلام. ومثال آخر على نفس الأمر عندما حولت القبلة من ~~بيت المقدس إلى الكعبة الشريفة قال الحق سبحانه وتعالى: # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها # [البقرة: 142]. وقوله هنا { سيقول } معناها أنهم لم يقولوا بعد، ~~وإلا ما استخدم فيها حرف السين. وهذه الآية نزلت في القرآن يتلى ولا ~~يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة. # . ورغم أنه كان في استطاعتهم ألا يقولوا ذلك القول، ولو فعلوا لساهموا ~~في التشكيك بمصداقية القرآن، ولهدموا قضية الدين التي يتمنون هدمها، ~~ولكنهم مع ذلك قالوا: { ما ولاهم عن قبلتهم } وجاءوا مثبتين ~~ومصدقين للقرآن. ms4084 وفي هذه الأيام نجد شيئا عجيبا نجد من يقول: أنا لا ~~أتبع إلا ما جاء في القرآن، أما السنة فلست مطالبا بالالتزام بها. ~~وتقول لمن يردد هذا الكلام: كم عدد ركعات الصبح وركعات الظهر والعصر ~~والمغرب والعشاء؟ وسوف يرد قائلا: صلاة الصبح ركعتان، والظهر أربع، ~~والعصر أربع، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع. ونقول: من أين أتيت بهذا؟ ~~يقول: من السنة. نقول: إذن فلا بد من اتباع السنة حتى تستطيع أن تصلي، ~~ولن تفهم التطبيق العملي لكثير من الأحكام إلا باتباع السنة. ويجبر الحق ~~سبحانه هذا الذي يحارب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدعو إلى عدم ~~الالتزام بها يجبره سبحانه على الاعتراف بضرورة اتباع السنة، وبهذا يصدق ~~قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يوشك الرجل يتكىء على أريكته يحدث بحديثي، فيقول: بيني وبينكم كتاب ~~الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما كان فيه حراما حرمناه، ~~وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله ". # وقد قالوا ذلك القول طعنا في الكتاب، ولكنهم من حيث لا يدرون أكدوا ~~صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم لم يمتلكوا الذكاء لأن الذكاء ~~الذي لا يهدي للإيمان هو لون من الغباء وعمى البصيرة، وكذلك كان حال من ~~حلفوا بعدم استطاعتهم الخروج للقتال فقد سبقهم قول الله: { ~~وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم } ~~وجاءوا من بعد ذلك وحلفوا ليؤكدوا صدق القرآن. وهم في حلفهم يدعون عدم ~~استطاعتهم للقتال، مع أن لديهم المال والقدرة. ويقول الحق عنهم: { ~~يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون } ~~وما داموا قد حلفوا بالله كذبا، فقد أدخلوا أنفسهم في الهلاك، فهم لم ~~يكتفوا بعدم الجهاد بل كذبوا وفضح الله كذبهم. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك... }. ### || [9.43] # وكلمة { عفا } تدل على أن هناك أثرا قد محي تماما كما يمشي إنسان ~~في الرمال فتحدث أقدامه أثرا، ثم تأتي الريح فتملأ مناطق هذا الأثر ~~بالرمال وتزيله. وهي تطلق في الدين على محو ms4085 الله سبحانه وتعالى لذنوب ~~عباده فلا يعاقبهم عليها. وما دام الإنسان قد استغفر من ذنبه وقال: ~~أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، فلا يجب أن ~~يحرجه أحد بعد ذلك، ولا أن يعايره أحد، فقد استغفر عند من يملك الملك ~~كله، وهو وحده سبحانه الذي يملك العفو والمغفرة، فلا يدخلن أحدكم ~~نفسه في هذه المسألة، ولا يجب أن يحرج إنسان مذنبا ما دام قد استغفر ~~من يملك العفو، ومن يسمع مستغفرا عليه أن يقول: عفا الله عنك. ولا أحد ~~يعرف إن كان الله قد عفا عنه أم لا، فلتعنه بالدعاء له، ومن يعاير ~~مذنبا نقول له: تأدب لأنه لم يرتكب الذنب عندك، ولكنه ارتكبه عند ربه، ~~وإذا كان من يستغفر من ذنبه لا يحرج به بين الناس، فما بالنا بعفو الله ~~سبحانه القادر وحده على العفو. وهنا يقدم الحق سبحانه العفو عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الذي أذن لهم بالقعود عن القتال، ثم يأتي القرآن من ~~بعد ذلك ليؤكد أن ما فعله رسول الله بالإذن لهم بالقعود كان صوابا، ~~فيقول في موضع آخر من نفس السورة: # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا # [التوبة: 47]. إذن: فلو أنهم خرجوا لكانوا سببا في الهزيمة، لا من ~~أسباب النصر. وصوب الحق عمل الرسول، وهو صلى الله عليه وسلم له ~~العصمة. وهنا نحن أمام عفو من الله، على الرغم من عدم وجود ذنب يعفى ~~عنه، وهنا أيضا إذن من الرسول لهم بالقعود، ونزل القرآن ليؤكد صوابه. ~~وهناك من فهم قول الحق: { لم أذنت لهم } على أنها استفهام ~~استنكاري، وكأن الحق يقول: كيف أذنت لهم بالعفو؟ إذن: فرسول الله بين ~~أمرين: بين عفو لا يذكر بعده ذنب، واستفهام يفيد عند البعض الإنكار. ~~ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى أيد رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا # [التوبة: 47]. فكأن الرسول قد هدي إلى الأمر بفطرته الإيمانية، وقد ~~أشار القرآن إلى ذلك ليوضح لنا أن رسول ms4086 الله صلى الله عليه وسلم معصوم ~~وفطرته سليمة، وكان عليه أن يقدم البيان العقلي للناس لأنه الأسوة حتى لا ~~يأتي من بعده واحد من عامة الناس ليفتي في مسألة دينية ويقول: أنا رأيت ~~بفطرتي كذا، بل لا بد أن يتبين الإنسان ما جاء في القرآن والسنة قبل أن ~~يفتي في أمر من أمور الدين. # وعلى سبيل المثال: اختلف الأمر بين المسلمين في مسألة الفداء لأسرى بدر ~~ونزل القول الحق: # لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيمآ أخذتم ~~عذاب عظيم # [الأنفال: 68]. وأيد الله حكم رسوله وأبقاه. إذن فرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هدي إلى الأمر بفطرته الإيمانية، ولكن هذا الحق لا يباح لغير ~~معصوم. وقد أباح الحق سبحانه الاستئذان في قوله: # فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت ~~منهم # [النور: 62]. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا في الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها: { عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى ~~يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين } وهكذا ~~يتبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أذن لهم بالمقدمات والبحث ~~والفطرة، ورأى أن الإذن لهؤلاء المتخلفين هو أمر يوافق مراد الحق سبحانه ~~لأنهم لو خرجوا مع جيش المسلمين ما زادوهم إلا خبالا، لعدم توافر النية ~~الصادقة في الجهاد لذلك ثبطهم الله، وأضعف عزيمتهم حتى لا يخرجوا. والعفو ~~هنا جاء في شكلية الموضوع، حيث كان يجب التبين قبل الإذن، فيقول الحق ~~سبحانه: { حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين } أي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو لم يأذن لهم ~~لكانوا قد انكشفوا، ولكن إذنه لهم أعطاهم ستارا يسترون به نفاقهم، فهم ~~قد عقدوا النية على ألا يخرجوا، ولو فعلوا ذلك لافتضح أمرهم للمسلمين ~~جميعا، فشاء الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسترهم. ثم يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر... }. ### || [9.44] # ويلفتنا سبحانه: أن الذين طلبوا ذلك الإذن بالقعود فضحوا أنفسهم، فقد ~~استأذنوا بعد مجيء الأمر من الله { انفروا خفافا وثقالا } ، ~~وكل مؤمن بالله واليوم الآخر ms4087 - في تلك الظروف - لا يمكن أن يتخلف عن ~~الجهاد في سبيل الله. والمؤمن الحق لن يقدم الأعذار ليتخلف، حتى وإن كانت ~~عنده أعذار حقيقية، بل سيحاول إخفاءها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليخرج معه مجاهدا بل إنه يسرع إلى الجهاد، حتى ولو كان الله قد أعطاه ~~رخصة بعدم الجهاد. وهذه الآية - إذن - تحمل التوبيخ للذين استأذنوا، بل ~~وتحمل أكثر من ذلك، فالمؤمن إذا دعي للجهاد مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبأمر من الله لا يكون تفكيره كالشخص العادي لأن الإنسان في ~~الأمور العادية إذا طلب منه شيء أدار عقله وفكره هل يفعله أو لا ~~يفعله؟ ولكن المؤمن إذا دعي للجهاد في سبيل الله، ومع رسول الله، وبأمر ~~من الله لا يدور في عقله الجواب، ولا تأتي كلمة " لا " على خاطره أبدا، ~~بل ينطلق في طريقه إلى الجهاد. وكيف يكون الأمر بالخروج إلى القتال ~~صادرا من الله، ثم يتحجج هؤلاء بالاستئذان بعدم الخروج؟ إذن: فمجرد ~~الاستئذان دليل على اهتزاز الإيمان في قلوبهم لأن الواحد منهم في هذه ~~الحالة قد أدار المسألة في عقله، يخرج للجهاد أو لا يخرج، ثم اتخذ قرارا ~~بالتخلف. والغريب أن هؤلاء استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم ~~الخروج، مع أن أمر الجهاد صادر من الله سبحانه وتعالى، ولم تكن المسألة ~~تحتاج إلى أن يأذن لهم الرسول بالتخلف. إلا أنهم كانوا يبحثون عن عذر ~~يحتمون به. والمثال من حياتنا اليومية أننا نجد أولاد البلد يسخرون من ~~البخيل الذي لا يكرم ضيفه ويدعي أنه سيكرمه، فتجده ينادي ابنه ويقول له ~~أمام الضيف: انزل إلى السوق وابحث لنا عن خروف نذبحه للضيف ولا تتأخر ~~فنحن منتظرون عودتك.. وما إن يقول الضيف أدبا منه: لا. تجد البخيل يصرف ~~ابنه. ويتخذ من رفض الضيف حجة لعدم إكرامه، وكأنه يريد ذلك، ولكن الواقع ~~يقول: إنه لا يريده من أول الأمر. ونعلم جميعا أن الإنسان لا يستأذن في ~~إكرام ضيوفه. والمثال: هو إبراهيم عليه السلام عندما جاءته ms4088 الملائكة في ~~هيئة رجال، وأراد أن يكرمهم فلم يستأذنهم في أن يذبح لهم عجلا، بل جاء ~~به إليهم مذبوحا ومشويا، هذا سلوك من أراد إكرام الضيف بذبيحة فعلا، ~~أما من يريد أن يبحث عن العذر، فهو يتخذ أساليب مختلفة يتظاهر فيها ~~بالتنفيذ، بينما هو في حقيقته لا يريد أن يفعل، مثلما يقال لضيف: أتشرب ~~القهوة أم أنت لا تحبها؟ أو يقال له: هل تريد تناول العشاء أم تحب أن ~~تنام خفيفا؟ أو يقال: هل تحب أن تنام عندنا أم تنام في الفندق، وهو أكثر ~~راحة لك؟ وما دام هناك من سأل الرسول: أأخرج معك للقتال أم أقعد، فهذا ~~السؤال يدل على التردد، والإيمان يفترض يقينا ثابتا لأن التردد يعني ~~الشك، وهو الذهاب والرجوع على التوالي، وهو يعني أن صاحب السؤال متردد ~~لأن طرفي الحكم عنده سواء. # إذن: فالمؤمنون بالله لا يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~دعوا إلى الجهاد لأن مجرد الاستئذان في الخروج إلى الجهاد لا يليق ~~بمؤمن. وقوله تعالى: { والله عليم بالمتقين } أي: أن الله ~~يعلم ما في صدورهم من تقوى، فهم إن خدعوا الناس، فلن يستطيعوا خداع الله ~~لأنه مطلع على ما تخفي الصدور. ### || [9.45] # ثم ينزل الله حكمه في هؤلاء فيقول: { إنما يستأذنك ~~الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت ~~قلوبهم فهم في ريبهم يترددون } وهكذا أصدر الله ~~حكمه فيمن أقدموا على الاستئذان، فما دام الإنسان قد تردد بين أن يخرج ~~للجهاد أو لا يخرج، فهذا يكشف عن اهتزاز إيمانه، وهذا الاهتزاز يعني وجود ~~شك في نفسه، فيما أعد الله له في الآخرة لأنه إذا كان واثقا في داخله ~~يقينا أنه سيدخل الجنة بلا حساب إن استشهد، ما تردد ثانية واحدة، ولا ~~أدار الأمر في رأسه هل يذهب أو لا يذهب؟ فما دامت الجنة هي الغاية، فأي ~~طريق موصل إليها يكون هو الطريق الذي يتبعه من في قلبه يقين الإيمان، ~~وكلما كان الطريق أقصر كان ذلك أدعى إلى فرح الإنسان المؤمن لأنه يريد أن ms4089 ~~ينتقل من شقاء الدنيا إلى نعيم الآخرة، وحتى لو كان يحيا في نعيم في ~~الدنيا، فهو يعرف أنه نعيم زائل وهو لا يريد هذا النعيم الزائل، بل يريد ~~النعيم الباقي الذي لا يزول. والتردد والاستئذان هنا معناهما: أن الشك قد ~~دخل في قلب الإنسان، ومعنى الشك - كما نعلم - هو وجود أمرين متساويين في ~~نفسك لا يرجح أحدهما حتى تتبعه. والنسب الكلامية والقضايا العقلية تدور ~~بين أشياء متعددة، فأنت حين تجزم بحكم فلا بد أن يكون له واقع يؤيده لأنك ~~إن جزمت بشيء لا واقع له فهذا جهل، والجهل - كما نعلم - أن تعتقد أن ~~شيئا ما هو حقيقة، وهو غير ذلك ولا واقع له. فإذا أنت على سبيل المثال ~~قلت: إن الأرض مبسوطة، ثم جاءوا لك بصورة الأرض كروية وأصررت على أنها ~~مبسوطة، فهذا جهل وإصرار عليه. وفرق بين الجاهل والأمي، فالأمي الذي لم ~~يكن يعرف أن الأرض كروية، ثم علم حقيقة العلم وصدقها فهو متى عرف الواقع ~~صدقه وآمن به. ولكن الجاهل يؤمن بما يخالف الواقع. فإن جئت له بالحقيقة ~~أخذ يجادل فيها مصرا على رأيه. ولذلك نجد مصيبة الدنيا كلها ليست من ~~الأميين، ولكن من الجهلة لأن الأمي يحتاج إلى مجهود فكري واحد، أن تنقل ~~له المعلومة فيصدقها، أما الجاهل فإقناعه يقتضي مجهودين: الجهد الأول: أن ~~تخرج ما في عقله من معلومات خاطئة، وأوهام ليست موجودة في الواقع، والجهد ~~الثاني: أن تقنعه بالحقيقة. وإذا كان هناك واقع في الحياة تستطيع أن تدلل ~~عليه فهذا هو العلم. فإن لم تستطع التدليل عليه فهذا هو التلقين، ~~والمثال: أننا حين نلقن الطفل الصغير أن الله أحد، وهو لم يبلغ السن ~~التي تستطيع عقليا أن تدلل له فيها على ذلك. ولكنك قلت له: إن الله أحد، ~~وجزم بها الطفل، وهذه حقيقة واقعة، ولكنه لا يستطيع أن يدلل عليها. # وهو في هذه الحالة يقلد أباه أو أمه أو من لقنه هذا الكلام حتى ينضج ~~عقله ويستطيع أن يدلل على ما اعتقده في صغره بالتلقين. ms4090 إذن: فالعلم يقتضي ~~أن تؤمن بقضية واقعية عليها دليل، ولكن إن كنت لم تصل إلى مرحلة الجزم ~~تكون في ذهنك نسبتان وليست نسبة واحدة. فإن لم ترجح نسبة على الأخرى، ~~فهذا هو الشك. وإن ظننت أنت أن إحداهما راجحة فهذا هو الظن، فإن أخذت ~~بالنسبة غير الراجحة فهذا هو الوهم. الحق سبحانه وتعالى يقول: { إنما ~~يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~} ولو استقر في قلوبهم الإيمان اليقيني بالله واليوم الآخر، وأن مردهم ~~إلى الله سبحانه وتعالى، وأنهم سوف يحاسبون على ما قدموا، واعتبروا أن ~~تضحيتهم بالمال والنفس عمل قليل بالنسبة للجزاء الكبير الذي ينتظرهم في ~~الآخرة، لو كان الأمر كذلك لما استأذنوا، ولكن ما دام الشك قد دخل قلوبهم ~~فمعنى هذا أن هناك ريبة في أمر ملاقات الله في اليوم الآخر. وهل هذا ~~الأمر حقيقة يقينية؟ ولأنهم يرتابون في هذه المسألة فهل يضحون بأموالهم ~~وأنفسهم من أجل لا شيء، ولذلك يقول عنهم الحق سبحانه وتعالى: { ~~وارتابت قلوبهم }. إذن: فالارتياب محله القلب، والعلم أيضا ~~محله القلب، ويمر كل من الارتياب والعلم على العقل لأن العقل هو الذي ~~يصفي مثل تلك المسائل بعد أن يستقبل المحسات ويناقش المقدمات ~~والنتائج، فإن صفى العقل هذه الأمور واستقر على الإيمان، هنا يصبح ~~الإيمان قضية يقينية ثابتة مستقرة في القلب، ولا تطفو مرة أخرى إلى العقل ~~لتناقش من جديد، ولذلك سموها عقيدة، أي عقدت الشيء حتى يستقر في ~~مكانه ولا يتزحزح. إن الطفل - مثلا - إن قرب يده إلى شيء مشتعل فأحس ~~بلسعة النار. هنا يعرف أن النار محرقة ولا يحاول تكرار نفس التجربة، ولا ~~يناقشها في عقله ليقول: لن تلسعني النار في هذه المرة، بل تستقر في ذهنه ~~المسألة، وتنتقل من قضية حسية إلى قضية عقدية لا تخضع للتجربة من جديد ~~ولا يحتاج فيها إلى دليل. وهنا يقول الحق سبحانه: { وارتابت ~~قلوبهم } ، وفي آية أخرى يقول سبحانه: { ختم الله على ~~قلوبهم } والقلب هو محل القضايا التي انتهت من مرحلة التفكير العقلي، ~~وصارت قضايا ثابتة لا ms4091 يبحثها العقل من جديد. وقوله هنا: { وارتابت ~~قلوبهم } معناه: أن الإيمان عندهم لم يصل إلى المرتبة التي لا يطفو ~~فيها مرة أخرى للتفكير العقلي.. أيؤمن أو لا؟، أي: لم يصل إلى مرتبة ~~اليقين، بل ما زال في مرحلة الشك الذي يعيد القضايا من القلب إلى العقل ~~لمناقشتها من جديد، ولذلك يصفهم الحق سبحانه وصفا دقيقا فيقول: { ~~فهم في ريبهم يترددون } أي: أن الإيمان عندهم يتردد بين ~~العقل والقلب، فينزل إلى القلب ثم يطفو إلى العقل ليناقش من جديد، ثم ~~ينزل إلى القلب مرة أخرى، وهكذا يتردد الأمر بين العقل والقلب، ولا يستقر ~~في مكان، وهم بذلك على غير يقين من الآخرة، وما أعد الله لهم فيها من ~~جزاء. ويشكون في لقاء الله في اليوم الآخر. ويدور كل ذلك في نفوسهم، ~~ولكنه لا يصل إلى مرتبة اليقين. ويريد الله سبحانه وتعالى أن يوضح لنا ~~الصورة أكثر فيقول: { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له.. ~~}. ### || [9.46] # ففي ترددهم دلالة على أنهم لا يريدون الخروج للجهاد ولو كانوا عازمين ~~بالفعل على ذلك لأعدوا ما يلزمهم للحرب من الزاد الراحلة والسلاح، ولكنهم ~~لم يفعلوا شيئا من هذا قط لأنهم افتقدوا النية الصادقة للجهاد في سبيل ~~الله بأموالهم وأنفسهم. ولقائل أن يقول: ألم يكن من الجائز أن يعدوا كل ~~شيء للقتال في آخر لحظة؟ نقول: لا، فالذاهب إلى القتال لا يمكن أن يستعد ~~في آخر لحظة. بل لا بد أن يشغل نفسه بمقدمات الحرب من سلاح وزاد وراحلة ~~وغير ذلك، ولو لم يشغل نفسه بهذه المسائل قبل الخروج بفترة وتأكد من ~~صلاحية سلاحه للقتال ووجود الطعام الذي سيحمله معه وغير ذلك، لما استطاع ~~أن يخرج مقاتلا. فليست المسألة بنت اللحظة. بل كان عدم استعدادهم للقتال ~~يعد كشفا للخميرة المبيتة في أعماقهم بألا يخرجوا، وسبحانه قد ~~اطلع على نواياهم، وما تخفي صدورهم، وقد جازاهم بما أخفوا في أنفسهم. ~~لذلك يقول: { ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم ~~وقيل اقعدوا مع القاعدين } وسبحانه وتعالى لا يحتاج إلى ~~أحد من خلقه، بل ms4092 الخلق هم الذين في احتياج دائم إليه سبحانه لذلك ثبط ~~هؤلاء عن الخروج، وكره سبحانه خروجهم للقتال، و " ثبطهم " أي جعلهم في ~~مكانهم، ولم يقبل منهم أن يعدوا العدة للقتال كراهية منه سبحانه أن ~~يخرجوا بنشاط إلى القتال. والكره: عملية وجدانية. والتثبيط: عملية ~~نزوعية. وأضرب هذا المثل دائما - ولله المثل الأعلى - أنت ترى الوردة، ~~فتدرك بعينيك جمالها، فإن مددت يدك إليها لتقطفها، هنا يتدخل الشرع ~~ليقول لك: لا لأن هذا نزوع إلى ما لا تملك. وإن أردت أن تحوز وردة مثلها، ~~فإما أن تشتريها وإما أن تزرع مثلها، إذن: فالمشرع يتدخل - فقط - في ~~الأعمال النزوعية. وكراهية الله لنزوعهم تجلت في تثبيطهم وخذلهم ~~وردهم عن الفعل، وزين لهم في نفوسهم ألا يخرجوا للقتال مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وذلك لحكمة أرادها الحق سبحانه، فوافقت ما أذن فيه ~~رسول الله في التخلف، وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: { وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين } وإذا كان التثبيط من الله، فكأنه أوضح ~~لهم: اقعدوا بإذن الله من الإرادة الإلهية. أو أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أذن لهم بالقعود والتخلف لما استشف تراخيهم، أو أن الشياطين ~~أوحت لهم بالقعود، فالحق هو القائل سبحانه: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا # [الأنعام: 112]. وهكذا نجد أن كلمة: { قيل } قد بنيت لما يسم ~~فاعله لإمكان أن يتعدد القائلون، فالله بتثبيطه لهم كأنه قال لهم: ~~اقعدوا، والرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم: اقعدوا، والشياطين حينما ~~زينوا لهم القعود كأنهم قالوا لهم: اقعدوا. # وقولهم بعضهم لبعض زين لهم القعود، وهكذا أعطتنا كلمة واحدة عطاءات ~~متعددة. وهل ينفي عطاء عطاء؟. لا، بل كلها عطاءات تتناسب مع الموقف. { ~~ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل ~~اقعدوا مع القاعدين } والمقصود بالقاعدين هنا: هم الذين لا ~~يجب عليهم الجهاد من النساء والأطفال والعجائز. فكأنهم قد تخلوا بعدم ~~خروجهم عن رجولتهم التي تفرض عليهم الجهاد. وهذه مسألة ما كان يصح أن ~~يرتضوها لأنفسهم. ms4093 وفي موقع آخر من نفس السورة قال الحق سبحانه: # رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على ~~قلوبهم # [التوبة: 87]. وقد كانت الرجولة تفترض فيهم أن يهبوا للقتال، لكنهم ~~ارتضوا لأنفسهم، ضعف النساء والأطفال. ونجد الشاعر العربي عندما أراد أن ~~يستنفر أفراد قبيلته الذين تكاسلوا عن القتال معه، فقال: # وما أدري ولست إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # والقوم تطلق على الرجال دون النساء. ثم يبين لنا الحق حكمة التثبيط، ~~فإن كان قعودهم من جانب الخير، فتثبيط الله لهم حكمة، وإذن الرسول لهم ~~بعدم الخروج حكمة. وإن كانت مسألة قعودهم من وسوسة الشياطين لهم أو وسوسة ~~النفوس، فقد خدمت وسوسة الشياطين ووسوسة النفوس قضية الإيمان، وأعانوا ~~على مراد الله، وهذا هو الغباء الكفرى، فزينت الوسوسة لهؤلاء المنافقين ~~عدم الخروج للجهاد في سبيل الله لأنهم لو خرجوا لحدث منهم ما قاله الحق ~~سبحانه وتعالى فيهم: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا ~~خبالا.. }. ### || [9.47] # والخبال مرض عقلي ينشأ معه اختلال موازين الفكر، فتقول: فلان مخبول، أي: ~~أنه يحكم في القضايا بدون عقل، إذن فقوله تعالى: { ما زادوكم ~~إلا خبالا } أي: أنهم لن يكونوا إلا مصدرا لبلبلة الأفكار لو ~~خرجوا معكم للقتال، فلا تستطيعون اتخاذ القرار السليم. فكأنهم عين عليكم، ~~وضدكم وليسوا معكم، وقد يكونون من عوامل الهزيمة التي لم يردها الله ~~لكم، وليسوا من عوامل النصر، فكأن عدم خروجهم هو دفع لشر، كان سيقع لو ~~أنهم خرجوا معكم. وشاء الحق عدم خروجهم حفاظا على قوة المؤمنين وقدرتهم ~~على الجهاد. وقوله تعالى: { ولأوضعوا خلالكم } أي: أنهم كانوا ~~سيحدثون فرقة بين صفوف المؤمنين ويفرقونهم، وسيتغلغلون بينهم ~~للإفساد لأن الخلال هو الفرجة بين الشيئين أو الشخصين، فيدخل واحد ~~منهم بين فريق من المؤمنين فيفسد، وآخر يفسد فريقا آخر، وهكذا يمشون ~~خلال المؤمنين ليفرقوا بينهم. ولكن التساؤل: هل كانوا سيخرجون معهم أو ~~فيهم؟ هم كانوا سيدخلون في الفرج بين المؤمنين ليبلبلوا أفكارهم. ونقول: ~~إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض، وعندما تسمع كلمة " فيكم " اعلم أنها ~~تغلغل ms4094 ظرف ومظروف ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن ~~ما يوضح لنا الظرف والمظروف، قال الحق: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71]. هل كان فرعون سيصلب السحرة في داخل الجذوع أم على الجذوع؟ وإن ~~كان أهل اللغة قد قالوا: إن حروف الجر ينوب بعضها عن بعض. فإننا لا نرضى ~~هذا الجواب لأننا إن رضيناه في أساليب البشر، لا يمكن أن نقبله في أساليب ~~كلام الله لأن هناك معنى " في " الظرفية ومعنى آخر في استخدام حرف " على ~~". ولو قال الحق سبحانه وتعالى: " لأصلبنكم على جذوع النخل " ، فإن لها ~~معنى أن يكون الصلب على الجذع أي: أنه صلب عادي، ولكن قوله تعالى: ~~{ ولأصلبنكم في جذوع النخل } معناه: أن عملية الصلب ~~ستتم بقوة بحيث تدخل أجزاء من جسم المصلوب في المصلوب فيه، أي: أن جنود ~~فرعون كانوا سيدقون على أجساد السحرة حتى تدخل في جذوع النخل، وتصبح ~~هذه الأجساد وجذوع النخل وكأنها قطعة واحدة، هذه صورة لقسوة الصلب وقوته. ~~لكن إذا قلنا: على جذوع النخل لكان المعنى أخف، ولكان الصلب أقل ~~قسوة، فكأن القرآن الكريم قد استعمل ما يعطينا دقة المعنى. بحيث إذا ~~تغير حرف اختل المعنى. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول في موضع آخر من ~~القرآن الكريم: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم # [آل عمران: 113]. أي: أن سرعتنا في العمل الصالح تنتهي بنا إلى المغفرة، ~~إذن: فنحن قبل أن نسرع إلى الصالح من الأعمال لم نكن في المغفرة، وعندما ~~نسارع نصل إليها. # ثم نجد قول الحق سبحانه وتعالى أيضا: # إنهم كانوا يسارعون في الخيرات # [الأنبياء: 90]. ولم يقل: يسارعون إلى الخيرات لأن عملهم الآن خير، وهم ~~سيسارعون فيه أي سيزيدونه إذن: إن سارعت إلى شيء كأنه لم يكن في بالك، ~~ولكنك ستسرع إليه، ولكن سارعت في الخير، فكأنك في الخير أولا ثم تزيد ~~في فعل الخير. وإذا تدبرنا قول الحق سبحانه: { ولأوضعوا خلالكم ~~} نجد أن " أوضع " تعني: أسرع بدرجة بين الإبطاء والسرعة، فيقال: " أوضعت ~~الدابة أي مشت بخطى غير بطيئة وغير سريعة ms4095 في نفس الوقت، ولو نظرت إلى ~~حالة هؤلاء المنافقين لو خرجوا مع المؤمنين للقتال، لرأيتهم وهم يزينون ~~لهم الفساد، ويعملون على أن تصاب عقول المقاتلين بالخبل، ولوجدت أن هذا ~~الأمر يتطلب آخر البطء وأول السرعة في الحركة، كانوا يحتاجون إلى البطء ~~لأنهم كانوا سيهمسون في آذان المؤمنين بتزيين الباطل وهذا يقتضي بطئا، ~~ثم ينتقل الواحد منهم إلى مؤمن ثان ليقوم معه بنفس العملية، ولا بد أن ~~يسرع إلى التواجد بجانب المؤمن الآخر. إذن: فالحركة هنا تحتاج إلى البطء ~~في الوسوسة وسرعة في الانتقال من مؤمن لآخر. وهذا أدق وصف ينطبق على ما ~~كان سيحدث. ولكن ما هدف هؤلاء المنافقين من أن يضعوا الخبل في عقول ~~المؤمنين؟ ويفرقوهم جماعات؟ الهدف: أن ينالوا من وحدتهم وقوتهم، ويقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { يبغونكم الفتنة } أي: يطلبون لكم ~~الفتنة لأن الإنسان الشرير حين يرى خيرا يقوم به غيره، يجد الملكات ~~الإيمانية في أعماقه تصيبه بنوع من احتقار النفس، فيحاول التقليل من شأن ~~فاعل الخير بأن يسخر مما يفعله أو أن يستهزئ به، وهذا أوضح ما يكون في ~~مجالس الخمر، حين يحس الجالسون في هذه المجالس بالذنب الشديد إن وجد ~~بينهم إنسان لا يشرب الخمر، فتجدهم يحاولون أن يغروه بكل طريقه لكي ~~يرتكب نفس الإثم، فإذا رفض أخذوا يعيرونه ويستهزئون به، ويسخرون منه، ~~ويدعون أنه لم يبلغ مبلغ الرجال، وغير ذلك من أساليب السخرية. وأيضا ~~تجد الكذاب يحاول دفع الناس إلى الكذب، والسارق يغري الناس بالسرقة، ~~والمرتشي يحاول نشر الرشوة بين جميع زملائه، فإذا وجد إنسان نزيه وسط ~~هؤلاء الذين يرتكبون هذه الألوان من السلوك السيء فهم يضطهدونه ويسخرون ~~منه. والمثال: حين يقوم إنسان للصلاة بين عدد من تاركي الصلاة، تجدهم ~~يحاولون السخرية منه، فهذا يقول له: خذني على جناحك، وهذا يقول له ~~مستهزئا: يجعلنا الله من بركاتك. ويبين لنا القرآن الكريم هذه القضية ~~ليعطينا المناعة الإيمانية فيقول: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين ms4096 * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 29-36]. وهذه الآيات تعطينا صورة لما يحدث عندما يعم ~~الفساد في الأرض، فالذين سخروا من المؤمنين يضحكون ضحكات ستزول حتما ~~طال الوقت أو قصر يتبعها عذاب في الآخرة، أما أهل الإيمان فهم يخشون ~~الله في الدنيا فيثيبهم الله في الآخرة، ويضحكون ضحكة خالدة مستمرة. إذن: ~~فقوله تعالى: { يبغونكم الفتنة } أي: إنهم من فرط حقدهم ~~عليكم وعلى إيمانكم، يحاولون أن يفتنوكم في دينكم حتى تنزلوا إلى ~~مستواهم، تماما كأنماط السلوك التي بيناها من قبل. ثم يبين الحق ~~سبحانه وتعالى أن الصف الإيماني لن يكون في منعة مما كان سيفعله هؤلاء ~~المنافقون، فصحيح أنهم لم يخرجوا مع المؤمنين، ولكن هناك بين المؤمنين من ~~كان يستمع لهم، ويقول الحق تبارك وتعالى: { وفيكم سماعون لهم ~~والله عليم بالظالمين } وسمعت لفلان، أي: سمعت أذني ما ~~قاله، وسمعت من فلان، أي: لصالح شخص آخر، أي: من يستمع منهم أو من يستمع ~~أخباركم فهو ينقلها إليهم. إذن: فاللام تأتي بالمعنيين، فمن المؤمنين من ~~كان سيسمع لهؤلاء المنافقين مما يحدث بلبلة في فكرهم، ومن هؤلاء ~~المبلبلين للأفكار جواسيس لهم ينقلون إليهم أخبار المؤمنين ويعملون ~~لحسابهم، وهناك من المؤمنين من سيسمع لهم أولا، فإذا أصيبوا بالخبل ~~بدأوا في نقل أخبار المؤمنين إليهم، وهكذا جاءت " اللام " فاصلة بين " ~~سمعت له " أو " سمعت من غيره لصالحه " ويزيد الله سبحانه هذا الأمر ~~إيضاحا في قول الحق تبارك وتعالى: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105]. فنجد السطحي التفكير يقول: إن هذا تحذير من مخاصمة ~~الخائنين خوفا من ألا يقدر عليهم، أو أن يزدادوا في إثمهم بسبب هذه ~~الخصومة. ونقول: إنك لم تفهم المعنى، فالمعنى الواضح هو: لا تكن لصالح ~~الخائنين خصيما، أي: لا تترافع عن الخائنين أو تدافع عنهم. وقوله تعالى ~~{ والله عليم بالظالمين } لأن الذي كان ms4097 سيسمع، والذين سيسمع ~~لصالحهم كلاهما ظالم والله عليم بهم. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~لقد ابتغوا الفتنة.. }. ### || [9.48] # والحق سبحانه وتعالى يريد أن يذكر المؤمنين بالوقائع السابقة التي ~~ارتكبها المنافقون والكفار تجاه الإسلام والمسلمين من: مؤامرات على ~~الإسلام، ومحاولات للإيقاع بين المسلمين والتآمر على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. وقوله تعالى: { ابتغوا الفتنة من قبل } له صلى ~~الله عليه وسلم دليل على تلك الوقائع السابقة. أما قوله تعالى { ~~وقلبوا لك الأمور }. فالتقليب: هو جعل أسفل الشيء عاليه، ~~وعاليه أسفله حتى لا يستتر منه شيء. وهذا مظهر نراه في السوق عندما تذهب ~~عند الفاكهي وتجد ما هو موجود في أعلى الفاكهة منتقى بعناية، فإذا ~~اشتريت منه ملأ لك الكيس من الصنف الرديء الذي أخفاه أسفل القفص. وهكذا ~~يأتي لك بالأسفل أو بالشيء الرديء المكشوف عورته. والذي لا يمكن أن ~~تشتريه لو رأيته ويضعه لك. وهكذا يفعل المنافقون حين يقلبون الأمر على ~~الوجوه المختلفة حتى يصادفوا ما يعطيهم أكبر الشر للمؤمنين دون أن يصابوا ~~هم بشيء. والمثال الواضح: عندما تآمرت قريش على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وجاءوا من كل قبيلة بشاب ليضربوه ضربة رجل واحد ليضيع دمه بين ~~القبائل. لكن الحق سبحانه يأتي إلى كل هذه الفتن ويجعلها لصالح المؤمنين، ~~ولذلك يقول جل جلاله: { حتى جآء الحق وظهر أمر الله ~~وهم كارهون } فالتآمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاولة ~~قتله جعل الأمور تؤدي إلى هجرته صلى الله عليه وسلم من مكة وخروجه منها ~~مما جعله الله سبحانه وتعالى سببا في إظهار الحق وانتشار الإسلام لأن ~~الله لا يرسل رسولا ثم يخذله، فما دام قد أرسل رسولا فلا بد أن ينصره، ~~فأريحوا أنفسكم، ولا تبغوا الفتنة لأن السابق من الفتن انقلب عليكم ~~وأدى إلى خير كثير للمؤمنين. وفي هذا يقول الحق سبحانه وتعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. وقوله تعالى: { وإن جندنا لهم ~~الغالبون } وهو قضية كونية عقدية، فإذا ms4098 رأيت قوما مؤمنين التحموا ~~بقتال قوم كافرين وانهزموا، فاعلم أنهم ليسوا من جنود الله حقا، وأن ~~شرطا من شروط الجندية لله قد اختل. ولذلك علينا أن نحاسب أنفسنا أولا. ~~فمثلا في غزوة أحد، عندما طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرماة ~~ألا يتركوا أماكنهم فخالفوه، هنا اختل شرط من شروط الجندية لله وهو طاعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فماذا كان يحدث للإسلام لو أن هؤلاء الرماة ~~خالفوا رسول الله وانتصروا؟ لو حدث ذلك لهانت أوامر الرسول عليه ~~الصلاة والسلام على المؤمنين. ويوم حنين، حين اعتقد المؤمنون أنهم ~~سينتصرون بكثرتهم وليس بإيمانهم، وكانت النتيجة أن أصيبوا بهزيمة قاسية ~~أول المعركة لتكون لهم درسا إيمانيا. # ولذلك إذا رأيت إيمانا انهزم أمام كفر، فاعلم أن شرطا من شروط الجندية ~~الإيمانية قد اختل. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا والله يحب الصابرين * وما كان قولهم ~~إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا ~~في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم ~~الكافرين # [آل عمران: 146-147]. إذن: فأول شيء فعله هؤلاء المقاتلون أنهم عرفوا أن ~~الذنوب يمكن أن تأتي إليهم بالهزيمة، فاستغفروا الله وتابوا إليه وحاربوا ~~فنصرهم الله، وإذا حدث لهم ولم ينتصر المؤمنون فمعنى هذا أن هناك خللا ~~في إيمانهم لأن الله لا يترك قضية قرآنية لتأتي حادثة كونية فتكذبها. ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: { ومنهم من يقول ائذن لي }. ### || [9.49] # هؤلاء هم الذين استأذنوا رسول الله في عدم الخروج للجهاد، ومنهم من قال ~~هذه العبارة: لا تفتني بعدم إعطاء الإذن، ولكن ما موضوع الفتنة؟ هل هو ~~عذاب، أم سوء، أم شرك وكفر - والعياذ بالله -؟ إن كل ذلك - وغيره - تجوز ~~فيه الفتنة. والقول: { ائذن لي ولا تفتني } ظاهره أنه أمر، ~~ولكنه هنا ليس أمرا لأن الأمر إذا جاء من الأدنى للأعلى فلا يقال إنه ~~أمر، بل هو دعاء أو رجاء، وإن جاء من المساوى يقال: " مساو ms4099 له " ، أما إن ~~جاء من الأعلى إلى الأدنى فهذا هو ما يقال له أمر، وكلها طلب للفعل. وكان ~~الجد بن قيس - وهو من الأنصار - قد جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: ائذن لي ولا تفتني لأن رسول الله إن لم يأذن له فسيقع في فتنة ~~مخالفة أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن هذا الأنصاري لم ~~يكن له جلد على الحرب وشدائدها. وقيل: إنه كان على ولع بحب النساء ~~وسمع عن جمال بنات الروم، وخشي أن يفتن بهن، خصوصا أن المعركة ~~ستدور على أرض الروم. ومن المتوقع أن يحصل المقاتلون على سبايا من بنات ~~الروم. وقوله تعالى: { ائذن لي ولا تفتني } أوقعه في الفتنة ~~فعلا لذاك جاء قول الحق: { ألا في الفتنة سقطوا }. وكان هذا ~~الأنصاري سمينا، وشكا من عدم قدرته على السفر الطويل والحر، فجاء الرد: ~~إن كنتم من الحر والبرد تفرون فالنار أحق بالفرار منها ولذلك قال ~~الحق سبحانه وتعالى: { وإن جهنم لمحيطة بالكافرين }. ~~وفي آية أخرى قال سبحانه: # قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون # إذن: فجحيم النار أشد قسوة وحرارة من نار القتال، وحر الدنيا مهما اشتد ~~أهون بكثير من نار الآخرة وهي تحيط بالكافرين. ويقول الحق بعد ذلك: { إن ~~تصبك حسنة تسؤهم... }. ### || [9.50] # وما يزال الحديث عن المنافقين، فبعد أن بين الحق سبحانه وتعالى كيف ~~حاول المنافقون الهروب من الحرب لأسباب وأعذار مختلقة، أراد سبحانه ~~وتعالى أن يزيد الصورة توضيحا في إظهار الكراهية التي تخفيها قلوب ~~المنافقين بالنسبة للمؤمنين. وهنا يقول سبحانه: { إن تصبك حسنة ~~} والمقصود بالحسنة هنا هي: الانتصار في الحرب، والنصر في الحرب هو من ~~وجهة نظر المنافقين ينحصر في حصول المؤمنين على الغنائم، وهذه مسألة تسوء ~~المنافقين وتحزنهم لأن الهم الأول للمنافقين هو الدنيا، وهم يريدون ~~الحصول على أكبر نصيب منها. وبما أنهم لم يخرجوا للجهاد والتمسوا الأعذار ~~غير الصحيحة للهروب من الحرب لذلك فهم يحزنون إذا انتصر المؤمنون لأنهم ~~حينئذ لن يكون لهم حق في ms4100 الغنائم. وفي هذه الحالة يقولون: يا ليتنا كنا ~~معهم إذن لأصبنا الغنائم وأخذنا منها. أما إذا كانت الدائرة قد دارت ~~على المسلمين وهزموا في الحرب فهذه سيئة بالنسبة لكل مؤمن، ولكن ~~المنافقين يعتبرون الهزيمة لأهل الإيمان حسنة، وسيقولون لأنفسهم: لقد كنا ~~أكثر رجاحة في الفكر واحتطنا للأمر، ولم نخرج معهم ولذلك نجونا مما ~~أصابهم. والمصيبة في الحرب تكون في: الأرواح، والرجال والمال، والعتاد ~~بالإضافة إلى مرارة الهزيمة. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { إن ~~تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد ~~أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون } ~~وكأنهم قد احتاطوا قبل أن يبدأ القتال فلم يخرجوا، وهم كمنافقين يمكن أن ~~يفرحوا؟إن أصابت المسلمين كارثة أو مصيبة، وهي هنا الهزيمة في الحرب. ~~وسيقولون: { قد أخذنا أمرنا من قبل } أي: قاموا بالاحتياط ~~فلم يخرجوا للقتال، بينما لم يحتط محمد وصحبه وجيشه. ثم يديرون ~~ظهورهم ليخفوا فرحتهم. وحين يقول الحق: { إن تصبك حسنة ~~تسؤهم } يوضح لنا أن أي نصر للإيمان يحزن المنافقين في نفوسهم، ~~ويصير هذا القول قرآنا يتلى ويتعبد به ويسمعونه بآذانهم، بالله لو لم ~~تحزنهم الحسنة التي ينالها المنافقين في نفوسهم، ويصير هذا القول قرآنا ~~يتلى ويتعبد به ويسمعونه بآذانهم، بالله لو لم تحزنهم الحسنة التي ~~ينالها المؤمنون، ألم يكن ذلك دافعا لأن يقولوا: نحن لم نفرح ولم نحزن؟ ~~بالله حين يفاجئهم القرآن بالكشف عن خبايا نفوسهم بالقرآن ألم يكن ذلك ~~داعيا لهدايتهم؟ لقد عرف محمد صلى الله عليه وسلم الغيب الذي في قلوبهم ~~وفضح ضمائرهم وسرائرهم بعد أن أطلعه الحق على ذلك. ومع هذا أضمروا النفاق ~~في قلوبهم وانتظروا مساءة تحل بمحمد صلى الله عليه وسلم وصحبه. ويرد ~~الحق سبحانه وتعالى عليهم: { قل لن يصيبنآ إلا... }. ### || [9.51] # { قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا } الحديث هنا ~~عما يصيب الإنسان أو ما يحدث له، فإن حدث للإنسان شيء يأتي منه خير، يكون ~~بالنسبة له حسنة وإن أتى منه شر يكون من وجهة نظره سيئة، إذن فالإصابة هي ~~التقاء هدف ms4101 بغاية، إذا تحقق الهدف وجاء بخير فهو حسنة، وإن جاء بشر ~~فهو سيئة. والمصائب نوعان: مصيبة للنفس فيها غريم، ومصيبة ليس فيها غريم، ~~فإن اعتدى علي واحد بالضرب مثلا يصبح غريمي، وتتولد في قلبي حفيظة ~~عليه، وغيظ منه، وأرغب في أن أرد عليه وأثأر لنفسي منه، ولكن إن مرضت ~~مثلا فمن هو غريمي في المرض؟ لا أحد. إذن: فالمصائب نوعان نوع لي فيه ~~غريم، ونوع لا يوجد لي غريم فيه النوع الأول الذي يكون لي فيه غريم يمتلئ ~~قلبي عليه بالحقد، ويرغبنا الحق سبحانه وتعالى في عدم الحقد والعفو عن ~~مثل هذا الغريم، فيقول: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # [آل عمران: 134] وهنا ثلاث مراحل: الأولى كظم الغيظ، والثانية هي العفو، ~~والثالثة هي أن تحسن فترتقي إلى مقام من يحبهم الله وهم المحسنون. وكذلك ~~يقول الحق: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. أي: من صبر على ما أصابه، وغفر لغريمه وعدوه، فالصبر ~~والمغفرة من الأمور التي تحتاج إلى عزم وقوة حتى يطوع الإنسان نفسه على ~~العفو وعدم الانتقام. أما المصائب التي ليس للإنسان فيها غريم فهي لا ~~تحتاج إلى ذلك الجهد من النفس، وإنما تحتاج إلى صبر فقط، إذ لا حيلة ~~للإنسان فيها. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول في هذا اللون من المصائب: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17]. لأن العزم المطلوب هنا أقل، ولذلك لم تستخدم " لام التوكيد ~~" التي جاءت في قوله تعالى: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. ولا بد أن نلتفت إلى قول الحق سبحانه عن المشاعر البشرية ~~حين قال: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. هذه الآية الكريمة تمثل مراحل ما يحدث في النفس، ~~فالمطلوب أولا أن يكظم الإنسان غيظه، أي أن الغيظ موجود في القلب، ~~ويتجدد كلما رأى الإنسان غريمه أمامه، ويحتاج هذا من الإنسان أن يكظم ~~غيظه كلما رآه، ثم يرتقي المؤمن في انفعاله الإيماني، فيأتي العفو، وهذه ms4102 ~~مرحلة ثانية وهي أن يخرج الغيظ من قلبه، ويحل بدلا منه العفو. ثم تأتي ~~المرحلة الثالثة: # والله يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. أي: أن هذا إحسان يحبه الله ويجزي عليه، وهو أن تحسن ~~لمن أساء إليك، فتنال حب الله، وهذا من كمال الإيمان لأن العبيد كلهم ~~عيال الله، واضرب لنفسك المثل - ولله المثل الأعلى - هب أنك دخلت ~~البيت، ووجدت أحد أولادك قد ضرب الثاني، فمع من يكون قلبك وأنت رب البيت؟ ~~لا بد أن يكون قلبك مع المضروب، لذلك تربت على كتفه وتصالحه، وقد ~~تعطيه مالا أو تشتري له شيئا لترضيه، أي أنك تحسن إليه. # وما دمنا كلنا عيال الله، فإن اجترأ عبد على عبد فظلمه فالله يقف في صف ~~المظلوم. إذن فمن أساء إليك إنما يجعل الله إلى جانبك. أفلا يستحق في هذه ~~الحالة أن ترد له هذه التحية بالإحسان إليه؟ إن الولد الظالم يرى أخاه ~~المظلوم وقد انتفع بعطف أبيه، وقد يحصل الابن المظلوم على شيء يريده، ~~والظالم في هذه الحالة إنما يحلم أن يكون هو الذي حدث عليه الاعتداء ~~ليحصل على بعض من الخير. والحق هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ~~يوصينا حين تأتي المصائب أن نرد على الكافرين ونقول: { قل لن ~~يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا } وهكذا ترد المسائل ~~كلها إلى حكمة خالق الكون ومدبر أمره فقد يحدث لي شيء أكرهه ولكنه في ~~حقيقة الأمر يكون لصالحي، فإن ضربني أبي لأنني أهمل مذاكرتي، أيكون ذلك ~~عقابا لي أم لصالحي؟ إن أنت نظرت إلى المستقبل والنجاح الذي سوف تحققه ~~في الحياة إن ذاكرت، فهذا العقاب لصالحك وليس ضدك، وكذلك لا بد أن نأخذ ~~أحداث الله في كونه بالنسبة للمؤمنين، فإن هزموا في معركة، فالحق سبحانه ~~وتعالى يريد أن يلفتهم إلى الخير في دينهم وإلى أنهم لا بد أن يعرفوا أن ~~النصر له أسباب وهم لم يأخذوا بها فلهذا انهزموا. ولله المثل الأعلى، ~~فنحن نجد الأستاذ - وهو يأخذ الكراسات من التلاميذ ليصحح لهم أخطاءهم - ~~يعاقب المخطئ ms4103 منهم، وفي هذا تربية للتلاميذ. إذن: إن رأيتم مصيبة قد نزلت ~~بنا وظننتم أنها تسيئنا فاعلموا أننا نثق فيمن أجراها، وأنه أجراها لحكمة ~~تأديبية لنا، وأن كل شيء مكتوب لنا لا علينا، الذي كتبه وهو الحق سبحانه ~~وتعالى هو القائل: # لأغلبن أنا ورسلي... # [المجادلة: 21]. إذن: فنحن نعلم بإيماننا أن كل ما يصيبنا من الله هو ~~الخير، وأن هناك أحداثا تتم للتأديب والتهذيب والتربية، لنسير على ~~المنهج الصحيح فلا نخرج عنه، فالإنسان لا يربي إلا من يحب، أما من لا يحب ~~فهو لا يهتم بتربيته، فما بالنا بحب الخالق لنا؟ إن الأب إن دخل البيت ~~ووجد في فنائه عددا من الأولاد يلعبون الورق وبينهم ابنه، فهو ينفعل على ~~الابن، ولكن إن دخل البيت ووجد أولاد الجيران يلعبون الورق فقد لا يلتفت ~~إليهم، فإذا أصابت المسلمين ما يعتبره المنافقون والكافرون مصيبة يفرحون ~~بها، فهذا من غبائهم لأن كل ما كتبه الله هو لصالح المؤمنين به، إما ~~أدبا وإما ثوابا وإما ارتقاء في الحياة، ولذلك فهو خير، ومن هنا كانت ~~الآية الكريمة { قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا } ~~وما كتب الله للمؤمنين إنما هو في صالحهم. # ثم يزيد الحق سبحانه وتعالى المعنى تأكيدا فيقول سبحانه: { هو ~~مولانا } وما دام الحق سبحانه وتعالى هو الذي يتولى أمور المؤمنين ~~وهو ناصرهم، فالمولى الأعلى لا يسيء إلى من والاه، ثم يأتي الإيضاح ~~كاملا في قوله تعالى: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~} لأن الله الذي آمنت به هو إله قادر حكيم، فإذا جرت عليك أمور فابحثها ~~إن كانت من فعل نفسك، هنا عليك أن تلوم نفسك، أما إن كانت من مجريات الله ~~عليك، فلا بد أن تفهم أنها تحدث لحكمة. والحق سبحانه وتعالى قد يعطي ~~الكافر مقومات حياته، ولكنه يعطي المؤمن مقومات حياته المادية والقيمية ~~معا. وبهذا المفهوم نعرف أنه إن أصابنا شيء نكرهه، فليس معنى ذلك أن ~~الله تخلى عنا، ولكنه يريد أن يؤدبنا أو يلفتنا لأمر ما، فإنه لو لم ~~يؤدبنا أو يلفتنا لكان ms4104 قد تخلى عنا حقا. والحق سبحانه وتعالى حين يخطئ ~~المؤمن تجده سبحانه يلفته إلى خطئه، وفي هذه الحالة يعرف المؤمن أن الله ~~لم يتركه لذلك لا يقولن أحد: إن الله تخلى عنا، فهذا ضعف في الإيمان ~~وبالتالي فإنه ضعف في التوكل. ولكن قل: إن الله حين يؤدبك فهو لا يتخلى ~~عنك، فساعة تأتي المصيبة اعلم أنه لا يزال مولاك. وما دام مولاك يحاسبك ~~على أي خطأ ويصوبه لك، فثق به سبحانه وتوكل عليه. وعلى سبيل المثال: ~~لنفترض أن إنسانا اتكل عليك في أمر من الأمور، ثم أخطأت أنت في هذا ~~الأمر، لا بد أن يأتي لينبهك إلى ما أخطأت فيه ويقترح عليك وسيلة لإصلاح ~~الخطأ، وفي هذه الحالة ستجد نفسك ممتلئة بالثقة في هذا الإنسان، فما ~~بالنا بالله سبحانه وتعالى حين نتوكل عليه ويصوب لنا كل أمر؟ ولكن ~~إياكم أن تنقلوا التوكل من القلوب إلى الجوارح. ولذلك يقال: الجوارح تعمل ~~والقلوب تتوكل. فأنت تحرث الأرض وتضع فيها البذور وترويها، وهذا من عمل ~~الجوارح لا بد أن تؤديه، وبعد ذلك تتوكل على الله وتأمل في محصول وفير ~~ينبته الزرع، فلا تأتي آفة أو ظاهرة جوية مثل مطر غزير أو ريح شديدة ~~فتضيع كل ما عملته، وبعد إتقانك لعملك يأتي دعاؤك لله سبحانه وتعالى أن ~~يحفظ لك ناتج عملك. أما الذين لا يعملون بجوارحهم ويعلنون أنهم متوكلون ~~على الله، فنقول لهم: أنتم كاذبون لأن التوكل ليس من عمل الجوارح بل من ~~عمل القلوب، فالجوارح تعمل والقلوب تتوكل. لكن على من نتوكل؟ إنك حين ~~تتوكل على الحي الذي لا يموت، فلن يضيع عملك، أما إن اتكلت على إنسان ~~مثلك حتى وإن كان ذا قوة، فقد تنقلب قوته ضعفا، وقد يكرهك أو ~~يذلك، وقد تصيبه كارثة فيموت. ويبلغ الحق سبحانه رسوله أن يرد ~~على الذين يفرحون في مصائب المسلمين ليكشف لهم أن فرحهم بالمصيبة هو فرح ~~أغبياء. فيأتي قوله الحق: { قل هل تربصون بنآ إلا... }. ### || [9.52] # وسبحانه وتعالى بهذه الآية إنما يرد على من ms4105 يحزن إن أصابت الحسنة ~~المؤمنين، ويفرح إن أصابتهم مصيبة، فيأتي قول الحق سبحانه ليوضح: إن كل ~~ما يصيب المؤمنين هو لصالحهم. ولذلك قال: { لن يصيبنآ إلا ما ~~كتب الله لنا } فلم يكتب سبحانه الأمور علينا، بل لنا، و " لنا " ~~تفيد الملكية إما: تأديبا وإما تكفيرا عن ذنوب، وإما اتجاها إلى الحق ~~بعد زيغ الباطل، وكل ذلك لصالحنا. وجاء سبحانه بعد ذلك بالقول { ~~فتربصوا } أي: تمهلوا وانتظروا وترقبوا نهايتنا ونهايتكم. أما ~~نهايتكم فاستدامة عذاب في الدنيا وفي الآخرة. وأسباب العذاب مجتمعة لكم ~~في الدنيا، وأسباب الخير ممتنعة عنكم في الآخرة، ونتيجة تربصنا لكم أن ~~نرى السوء يصيبكم، وتربصكم لنا يجعلكم ترون الخير وهو يسعى إلينا، إذن ~~فنتيجة المقارنة ستكون في صالحنا نحن. وبعد أن بين الله ذلك يطرأ على ~~خاطر المؤمن سؤال: ألا يصدر من هؤلاء الأقوام فعل خير؟ وألا يأتي إليهم ~~أدنى خير؟ ونحن نعلم أن الحق سبحانه يجزي دائما على أدنى خير. ونقول: إن ~~الحق شاء أن يبين لنا بحسم مسألة الخيانة العظمى وهي الكفر والعياذ ~~بالله، وبين أن كل كافر بالله لا يقبل منه أي عمل طيب لأن الكفر ~~يحبط أي عمل، وإن كان لعملهم خير يفيد الناس، فالحق يجازيهم ماديا ~~في الدنيا، ولكن ليس لهم في الآخرة إلا النار، ويقول: { قل أنفقوا ~~طوعا.. }. ### || [9.53] # إذن: فشرط تقبل الله لأي عمل إنما يأتي بعد الإيمان بالله، أما أن ~~تعمل وليس في بالك الله، فخذ أجرك ممن كان في بالك وأنت تعمل. لذلك ضرب ~~الله مثلا بأعمال الذين كفروا في قوله تعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. ويعطينا الله سبحانه مثلا آخر في قوله تعالى: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما ~~كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد # [إبراهيم: 18]. ويقول الحق سبحانه وتعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ms4106 ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. وهذا ما يشرح لنا ما استغلق على بعض العلماء فهمه في قول ~~الحق: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. فقد تساءل بعض من العلماء: أيجزي الحق سبحانه هؤلاء ~~الكفار في الآخرة أم في الدنيا؟ وقد استغلق عليهم الأمر لأن الآية عامة. ~~ونقول: إن الحق يعطي في الدنيا الجزاء لمن عمل للدنيا، ويعطي في الآخرة ~~لمن عمل للدنيا والآخرة وفي قلبه الله. ولذلك فالذين يحسنون اتخاذ ~~الأسباب المخلوقة لله بمنح الربوبية ينجحون في حياتهم. والذين يتقدمون ~~دنيويا في زراعة الأرض وانتقاء البذور والعناية بها يعطيهم الله جزاء ~~عملهم في الدنيا، ولا يبخس منه شيئا ولكن الحق سبحانه يقول أيضا: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. هذا القول يوضح عطاء الآخرة، ولذلك فالخير الذي يعمله ~~غير المؤمن لا يجزى عليه في الآخرة لأنه عمل وليس في باله الله، فكيف ~~ينتظر جزاءه ممن لم يؤمن به؟ إن الله سبحانه يجزي من آمن به وعمل من ~~أجله. ولكن من كفر بالله حبط كل عمله. وهذا أمر طبيعي لأنك ما دمت قد ~~عملت الخير وليس في بالك الله، فلا تنتظر جزاء منه. إن عملت للإنسانية ~~أعطتك الإنسانية، وإن عملت للمجتمع أعطاك المجتمع وصنعوا لك التماثيل ~~وأطلقوا اسمك على الميادين والشوارع، وأقيمت باسمك المؤسسات، وتحقق لك ~~الخلود في الدنيا، وهذا هو جزاؤك. ولكن إن كنت مؤمنا بالله، راجيا ~~ثوابه تجيء يوم القيامة لتجد يد الله ممدودة لك بالخير الذي قدمته. والحق ~~سبحانه وتعالى يقول هنا: { قل أنفقوا طوعا أو كرها } ~~والطوع: هو الفعل الذي تقبل عليه بإرادتك دون أن تكون مكرها، فكيف ~~لا تجازى على خير فعلته بإرادتك؟ ولا بد لنا أن نفرق بين " طوع " و " ~~طائع " ، وكذلك نفرق بين هذا وبين الفعل الذي تقوم به حين يحملك غيرك ~~ويكرهك أن تفعله. # والأفعال كلها إما أن تكون بالطواعية وبالإرادة، وإما ms4107 أن تكون بالإكراه. ~~ولو كان الحق قد قال: أنفقوا، طاعة لما قال: { لن يتقبل منكم ~~} لأن الطاعة معناها انصياع عابد لإرادة معبود، ولكن قوله هنا: { طوعا ~~} يكشف أن ما ينفقونه هو أمر اختياري من عندهم. وكانت أحوال المنافقين ~~كذلك، فمنهم من قدم أولاده للجهاد، ومنهم من قدم بعضا من ماله، وكانوا ~~يفعلون ذلك طائعين لأنفسهم ويستترون بمثل هذه الأفعال حتى لا يفتضح ~~نفاقهم، وكان الواحد منهم يتقدم إلى الصف الأول من صفوف الصلاة في ~~المسجد، ويفعل ذلك طوع إرادته، خوفا من افتضاح نفاقه لا طاعة لله، ~~فطاعة الله هي طاعة عابد لمعبود، أما مثل تلك الأفعال حين تنبع من طوع ~~النفس فهي للمظهر وليست للعبادة. { قل أنفقوا طوعا أو كرها ~~} هل هذا أمر بالإنفاق؟ أو هل الله يريد منهم أن ينفقوا فعلا، خاصة أنه ~~سبحانه لن يتقبل منهم؟ لا ليس هذا أمرا بالإنفاق بل هو تهديد ووعيد. ~~مثلما تقول لإنسان: اصبر، فذلك ليس أمرا بالصبر ولكن تهديد بمعنى: اصبر ~~فسترى مني هولا كثيرا. وهذا مثل قوله تعالى: # فاصبروا أو لا تصبروا.. # [الطور: 16]. وقوله تعالى: # اعملوا ما شئتم.. # [فصلت: 40]. أي: أنكم إن صبرتم أو لم تصبروا فإن ذلك لن يغير شيئا من ~~الجزاء الذي سوف تلاقونه، فالأمر سواء. ولو كان قوله تعالى: { اعملوا ~~ما شئتم } أمرا لكان كل من عمل معصية داخلا في الطاعة لأن الله ~~أمره أن يفعل ما يشاء. ولكن هذا أمر تهديدي، أي: افعلوا ما شئتم فأنتم ~~عائدون إلى الله وسيحاسبكم على ما عملتموه. ولن تستطيعوا الفرار من الله ~~سبحانه. وقوله تعالى: { أنفقوا } هو - إذن - أمر تهديدي لأنه لن ~~يجديكم أن تنفقوا طوعا أو كرها. وكلمة { كرها } وردت في القرآن ~~الكريم في أكثر من سورة، فهي في سورة آل عمران، وفي سورة النساء، وفي ~~سورة التوبة، وفي سورة الأحقاف، وفي سورة الرعد، وفي سورة فصلت، قد ذكرت ~~{ كرها } بفتح الكاف وقرأها بعضهم بضم الكاف. وقال البعض: إن " ~~كرها " بفتح الكاف و " كرها " بضم الكاف بمعنى واحد. نقول لهم: ms4108 لا، ~~إن المعنى ليس واحدا، فمثلا قول الحق سبحانه وتعالى: # حملته أمه كرها ووضعته كرها... # [الأحقاف: 15]. فالكره هنا ليس للحمل ولا للوضع، ولكن للمشقة التي ~~تعانيها الحامل أثناء حملها وعند الولادة. فلم يكرهها أحد على هذا الحمل. ~~ولكن البعض يقول: إن الحمل يحدث وليس للمرأة علاج في أن تحمل ولا أن تضع، ~~فلا توجد امرأة تقول لنفسها: " سوف أحمل الليلة " لأن الحمل يحدث دون أن ~~تعي هي حدوثه، فالحمل يحدث باللقاء بين الرجل والمرأة. # والمرأة لا تستطيع أن تختار ساعة الحمل ولا أن تختار ساعة الولادة، ولا ~~تستطيع أن تقول: سألد اليوم أو لن ألد اليوم. فكل هذا يحدث إكراها بغير ~~اختيار منها. ولذلك نقول لمن يقولون أن " كرها " بفتح الكاف و " ~~كرها " بضم الكاف بمعنى واحد: لا لأن " الكره " بضم الكاف هو ما لا ~~يريده الإنسان لأن فيه مشقة، و " الكره " بفتح الكاف هو ما فيه إكراه من ~~الغير. إذن ف " كرها " بفتح الكاف تختلف في معناها عن " كرها " ~~بضم الكاف. الحق سبحانه وتعالى يقول: { قل أنفقوا طوعا أو ~~كرها لن يتقبل منكم } أي: لن يقبل الله منكم ما تنفقونه. ~~ولكن ما الفرق؟ لقد كان المنافقون يدفعون الزكاة ويقبلها الرسول منهم ولم ~~يرفضها أدبا منه صلى الله عليه وسلم، فكل عمل يؤدى ثم يذهب إلى الرقيب ~~الأعلى وهو الحق سبحانه وتعالى. ولكن حدث أن واحدا من هؤلاء هو ثعلبة ~~طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بالغنى، فلما دعا له ~~ورزقه الله الرزق الوفير بخل عن الزكاة، وحاول أن يتهرب من دفعها فنزل ~~القول الكريم: # ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله ~~لنصدقن ولنكونن من الصالحين * فلمآ آتاهم ~~من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * ~~فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه ~~بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون # [التوبة: 75-77]. وعندما نزلت هذه الآيات جاء ثعلبة ليدفع الزكاة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها منه. وعندما توفي رسول الله صلى ms4109 الله ~~عليه وسلم جاء ثعلبة إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبل منه الزكاة. وبعد ~~أبي بكر جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلم يقبلها منه. ومات ثعلبة ~~في عهد عثمان. هذا هو عدم القبول. ولكن هناك في عهد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من دفع الزكاة من المنافقين وقبلت منه، ولكن الله لم يتقبلها ~~منه. إذن: فكل عمل قد يقبل من فاعله، ولكن الله سبحانه وتعالى قد يتقبله ~~أو قد لا يتقبله. إذن فالآية معناها: أن الله لن يتقبل من هؤلاء ~~المنافقين إنفاقهم في الخير ولو تقبله البشر. ثم يعطينا الحق سبحانه ~~وتعالى السبب في ذلك فيقول: { إنكم كنتم قوما فاسقين } ~~وكما قلنا: إن كلمة الفاسق مأخوذة من " فسقت الرطبة " أي انفصلت ~~القشرة عن الثمرة. وقشرة البلح مخلوقة لتحفظ الثمر. وعلمنا أن المعاني في ~~التكليف الشرعي قد أخذت من الأمور الحسية ولهذا تجد أن الدين سياج يمنع ~~الإنسان من أن يخرج على حدود الله ويحفظه من المعصية، والإنسان حين ينفصل ~~عن الدين إنما يصبح كالثمرة التي انفصلت عن سياجها. فالذي يشرب الخمر أو ~~يرتكب الجرائم أو الزنا يعاقب على معصيته، أما إن كان الإنسان منافقا ~~بعيدا عن الإيمان بالله فطاعته لا تقبل. وهب أن الإنسان مؤمن بالله ~~ولكنه ضعيف أمام معصية ما، هنا نقول: لا شيء يجور على شيء، إن له ثواب ~~إيمانه وعليه عقاب معصيته. إذن: فالفسق في هذه الآية الكريمة ليس هو ~~الخروج عن مطلق الطاعة. ولكنه فسق من نوع خاص لأن هناك فسقا محدودا وهو ~~أن يخرج الإنسان عن مجرد تكليف. ولكن الفسق الكبير هو أن يكفر الإنسان ~~بالله. ولذلك جاءت الآية الكريمة التالية: { وما منعهم أن ~~تقبل منهم نفقاتهم.. }. ### || [9.54] # إذن: فالفسق نوعان: فسق عام، وفسق خاص. وقد يقول البعض: إنك إن ارتكبت ~~معصية فصلاتك وزكاتك وكل عباداتك لا تنفعك. ونقول: لا فما دامت القمة ~~سليمة إيمانا بالله وإيمانا بالرسول عليه الصلاة والسلام وتصديقا ~~بالمنهج، فلكل عمل عبادي ثوابه، ولكل ذنب عقابه ms4110 لأن الحق سبحانه مطلق ~~العدالة والرحمة، ولا يمكن أن يضع كل الشرور في ميزان الإنسان. فمن كان ~~عنده خصلة من خير فسوف يأخذ جائزتها وثوابها، ومن كان عنده خصلة من شر ~~فسوف ينال عقابها. وقوله الحق هنا { وما منعهم أن تقبل ~~منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله } ، هذا القول الكريم هو حيثية للحكم بعدم قبول نفقاتهم، ~~وفي هذا تحديد لعموم الفسق وهو الكفر، لا في خصوص الفسق، وحدد الحق ثلاثة ~~أشياء منعت التقبل منهم: الكفر بالله ورسوله وهو كفر القمة، ثم قيامهم ~~إلى الصلاة وهم كسالى، ثم الإنفاق بكراهية. ونفعهم المنع على أنه رد ~~الفعل إلى ما ينقض العمل أو ينافيه كأن يريد إنسان القيام فتقعده، أي ~~أنك رددت إرادة القيام إلى القعود، وهو ما ينافيه، أو أن يحاول إنسان ضرب ~~آخر فتمنع يده، فتكون بذلك قد منعت غيره من أن يعتدى عليه. إذن فالمنع ~~مرة يأتي للفاعل ومرة للمفعول. فأنت حين تمنع زيدا من الضرب تكون قد ~~منعت الفاعل، وحين تمنع عنه الضرب تكون قد منعت المفعول، وكل فلسفة ~~الحياة قائمة على المنع، الذي يوجزه الفعل ورد الفعل، تجد ذلك في الإنسان ~~وفي الزمان وفي المكان. وإذا بحثت هذه المسألة في الإنسان تجد أن حياته ~~تقوم على التنفس والطعام والشراب، والتنفس هو الأمر الذي لا يصبر الإنسان ~~على التوقف عنه، فإن لم تأخذ الشهيق انتهت حياتك، وإن كتمت الزفير انتهت ~~حياتك. وإذا منعت الهواء من الدخول إلى الرئتين يموت الإنسان، وإذا منعت ~~خروج الهواء من الرئتين يموت الإنسان أيضا. وحركة العالم كله مبنية على ~~الفعل وما يناقضه. فإذا حاول إنسان أن يضرب شخصا آخر وأمسكت يده، وقلت ~~له: سيأتي أبناؤه أو إخوته أو عائلته ويضربونك، حينئذ يمتنع عن الفعل ~~خوفا من رد الفعل. والعالم كله لا يمكن أن يعيش في سلام إلا إذا كان ~~هناك خوف من رد الفعل القوي يواجه قويا، والكل خائف من رد فعل ~~اعتدائه على الآخر. ولكن إذا واجه قوي ضعيفا، تجد القوي يفتك ms4111 بالضعيف. ~~وهكذا العالم كله، فالكون إما ساكن وإما متحرك. وتجد الكون المتحرك فيه ~~قوى متوازية تعيش في سلام خوفا من رد الفعل. وكذلك تجد العالم الساكن ~~فالعمارة الشاهقة تستمد ثباتها وسكونها من أن الهواء لا يأتي من جهة ~~واحدة، ولكن من جهات متعددة تجعل الضغط متوازنا على كل أجناب العمارة، ~~ولكن لو فرغت الهواء من ناحية وجعلته يهب من ناحية أخرى لتحطمت ~~العمارة، تماما كما تفزغ الهواء من إناء مغلق فيتحطم. # وقول الحق سبحانه وتعالى: { إلا أنهم كفروا بالله ~~وبرسوله } لا يعني أن ألسنتهم لم تنطق بالشهادة، لا، فقد شهد ~~المنافقون قولا، ولكن هناك فرق بين قولة اللسان وتصديق الجنان فالإيمان ~~محله القلب، والمنافقون جمعوا بين لسان يشهد وقلب ينكر، فأعطاهم الرسول ~~حق شهادة اللسان، فلم يتعرض لهم ولم يأسرهم ولم يقتلهم، وأعطاهم نفس ~~الحقوق المادية المساوية لحقوق المؤمنين، وكل ذلك احتراما لكلمة " لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله " التي نطقوا بها ولأن باطنهم قبيح، فالحق ~~سبحانه يجازيهم بمثل ما في باطنهم، ويعاقبهم، فلا يأخذون ثوابا على ما ~~يفعلونه ظاهرا وينكرونه باطنا. وهكذا كان التعامل معهم منطقيا ~~ومناسبا. فما داموا قد أعطوا ظاهرا، فقد أعطاهم الله حقوقا ظاهرة ~~ولأنهم لم يعطوا باطنا طيبا، فلم يعطهم الله غيبا من ثوابه وغيبا ~~من جنته وعاقبهم بناره. ونأتي إلى السبب الثاني في قوله تعالى: { ولا ~~يأتون الصلوة إلا وهم كسالى } والكسل: هو التراخي في ~~أداء المهمة. إذن فهم يصلون رياء، فإن كانوا مع المؤمنين ونودي للصلاة ~~قاموا متثاقلين. وإن كانوا حيث لا يراهم المؤمنون فهم لا يؤدون الصلاة. ~~إذن فسلوكهم مليء بالازدواج والتناقض. والسبب الثالث: { ولا ينفقون ~~إلا وهم كارهون } والنفقة هي بذل ما عندك من فضل ما أعطاه الله ~~لك سواء أكان ذلك مالا أم علما أم جاها أم قوة، وهذا ما يحقق التوازن ~~في المجتمع لأن كل مجتمع به أعراض كثيرة، تجد القوي والضعيف، الغني ~~والفقير، العالم والجاهل، الصحيح والمريض. ولو أن كل إنسان تحرك في حياته ~~على قدر حاجته ms4112 فقط لهلك الضعفاء والمرضى والعاجزون والفقراء. ولكن لابد ~~أن يعمل كل إنسان على قدر طاقته، وليس على قدر حاجته، ولابد أن يأخذ من ~~ناتج عمله على قدر حاجته ومن يعول، فأنت تأخذ حاجتك من ثمرة طاقتك، ثم ~~تفيء على غيرك بفضل الله عليك، خصوصا على هؤلاء الذين لا يقدرون على ~~الحركة في الحياة، فالصحيح يعطي المريض من قوته ما يعينه على الحياة. ~~والغني يعطي الفقير من ماله ما يعينه على الحياة. والقادر على الحركة ~~يعطي من لا يقدر عليها، هذا هو المجتمع المتكافل. ومثل هذا السلوك هو ~~لصالح الجميع لأن الغني اليوم قد يكون فقيرا غدا، والقوي اليوم قد يكون ~~ضعيفا غدا، فلو أحس الإنسان بأنه يعيش في مجتمع متكافل فهو لن يخشى ~~الأحداث والأغيار. وهذا هو التأمين الصحيح للقادر والغني ويشعر فيه كل ~~إنسان بالتضامن والتكافل، فلا ينشغل الفقير خوفا من الأحداث المتغيرة، ~~وإن مات فلن يجوع عياله، وإن افتقر الغني فسوف يجد المساندة، وإن مرض ~~الصحيح فسوف يجد العلاج. # إذن: فالنفقة أمر ضروري لسلامة المجتمع، ونجد أن السوق توصف بأنها ~~نافقة، وهي التي يتم فيها بيع كل السلع وشراؤها. فمن أراد أن يبيع باع، ~~ومن أراد أن يشتري اشترى، إذن فالحركة فيها متكافئة. وأنت حين تذهب إلى ~~السوق لتبيع أو تشتري، فإما أن تأخذ مالا نقديا مقابل ما بعت، وإما ~~أن تدفع مالا ثمنا لما اشتريت. وقديما كان الإنسان يبادل السلعة بسلعة ~~أخرى. وبعد اختراع النقود أصبح الإنسان يشتري السلع بثمن، ومن ينفق ماله ~~ويقدمه عند الله، فالحق سبحانه يأتي له بكل خير. وقد أراد الحق سبحانه ~~للمنافقين العذاب الباطني في الدنيا، والعذاب الواقع أمام الكل في ~~الآخرة، وبين لهم أن إنفاقهم طوعا أو كرها لن يأتي لهم بالخير. ~~ولكن من ينظر إلى المنافقين قد يجد أنهم يستمتعون بالمال والولد. ولا ~~يلتفت الإنسان الناظر إليهم إلى أن المال والولد هما أدوات عذابه. وقد ~~يقول إنسان: إن الله قد قال: # المال والبنون زينة الحيوة الدنيا.. # [الكهف: 46]. ونقول لمن يقول ms4113 ذلك: أكمل الآية: # والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~أملا # [الكهف: 46]. والحق سبحانه وتعالى يقول: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة.. # [التغابن: 15]. والله يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي طي هذا ~~الخطاب خطاب لجميع المسلمين، وهنا يقول الحق سبحانه: { فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم.. }. ### || [9.55] # وإياكم أن تروا واحدا من هؤلاء ممن رزقهم الله المال والولد ثم تقولون: ~~كيف يكون عذابهم في الدنيا وهم يملكون المال والولد؟ ومثل هذا التعجب ~~يعني استحسان المال والولد، والظن أن فيهما الخير كله، لكنك إن نظرت بعمق ~~إلى المال والولد وكل حطام الدنيا فستجده لا يستحق الإعجاب، وإياك أن ~~تغتر بشيء يمكن أن يتركك، ويمكن أن يكون سببا في عذابك، فالمال والولد ~~قد يجعلان الإنسان ملتفتا إلى النعمة ويلهيانه عن المنعم. وإن لم يلتفت ~~الإنسان إلى المنعم لا يذكره. وإن لم يذكر الله أهمل منهجه. والمال ~~والولد في الحياة الدنيا قد يكونان سببين في أن يخاف الإنسان ترك الدنيا. ~~فإن لم يكن لك إيمان بما عند الله في الآخرة، فقد تخاف أن يتركك المال أو ~~الولد. والذي لا يؤمن باليوم الآخر فالدنيا هي كل زمنه وإن فاتها كان ذلك ~~مصيبة له، وإن فاتته كان ذلك مصيبة عليه. وإن آمن الإنسان بالله واليوم ~~الآخر لقال: لئن فاتتني الدنيا فلي عند الله خير منها. ويريد الحق سبحانه ~~أن يمنع عن المؤمنين به فتنة النعمة التي تلهي عن المنعم، فيقول ~~سبحانه: { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم } والآية ~~الكريمة تدلنا على أن للمال وحده إعجابا، وللأولاد وحدهم إعجابا، فمن ~~عنده مال معجب بما عنده. ومن ليس عنده مال وعنده أولاد معجب بهم أيضا. ~~فإذا اجتمع الاثنان معا يكون الإعجاب أكبر وأشمل. والحق سبحانه وتعالى ~~يريدنا أن نفهم أن اجتماع المال والولد يجب ألا يثير الإعجاب في نفوسنا، ~~بل إن سياق الآية يحذرنا من أن نعجب بمن عنده المال وحده، أو بمن عنده ~~الأولاد وحدهم، لذلك كرر الحق سبحانه وتعالى كلمة: { لا } فقال: { فلا ~~تعجبك أموالهم ولا أولادهم }. وأفهمنا ms4114 الحق سبحانه ~~وتعالى أنه إذا أمد الكافر أو المنافق بالمال والولد فلذلك ليس رفعة من ~~شأنه، وإنما ليعذبه بهما في الدنيا والآخرة. فقال: { إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها } ، واللام هنا في " ليعذبهم " هي ~~لام تدخل على الفعل واسمها " لام العاقبة ". وهي تعني أننا ربما نقوم ~~بالفعل لهدف معين، ولكن قد تكون عاقبته شيئا آخر تماما غير الذي ~~قصدناه، بل ربما تكون عكس الذي قصدناه. وعندما نقرأ القرآن نجد قول الحق ~~سبحانه وتعالى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا... # [القصص: 8]. هل التقط آل فرعون موسى عليه السلام ليكون لهم عدوا؟ أم ~~ليكون قرة عين لهم؟ هم قد التقطوه ليكون قرة عين لهم، ولكن الذي حدث كان ~~عكس ما قصدوه ساعة قيامهم بفعل الالتقاط، فبدلا من أن يصبح موسى قرة ~~عين، أصبح عدوا لفرعون، بل كان سببا في زوال ملكه، إذن هذه هي لام ~~العاقبة. # والله سبحانه وتعالى أعطى لبعض الكفار أموالا وأولادا، وهذا في ظاهره ~~رفعة في الدنيا، ولكنهم بدلا من أن يستخدموا هذه النعمة في التقرب إلى ~~الله ألهتهم عن الإيمان بالله، ووصل بهم الأمر إلى أن يدخلهم الحق في ~~العذاب. ولم يرد الحق العذاب لهم، ولكنهم بحركتهم وفتنتهم بالمال ~~والولد استحقوا أن يدخلوا في العذاب. والعمل غير الشرعي في تنمية المال ~~أو إرضاء الأولاد هو الذي أوصلهم إلى العذاب. { إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا } وأول ألوان العذاب: ~~أن تلهيهم تلك النعم عن المنعم. وتبعدهم عن منهج الله فيصيرون في عداء مع ~~المؤمنين بمنهج الله، ويخافون إعلان هذا العداء لذلك حينما كان يرسل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في طلب واحد من المنافقين أو اليهود كانوا ~~يرتعدون ويتساءلون: هل اكتشف الرسول أمرنا أم كشف الله له بعض خبايانا؟ ~~وكانوا في خوف أن يفتضح أمرهم، فيعاملهم معاملة المشركين ويشردهم. ~~وثانيا: كانوا يخافون من أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم في حرب ~~لأنهم ما داموا قد أعلنوا الإيمان فهم مطالبون ببذل المال، وأن يذهب ~~أولادهم الذين بلغوا ms4115 سن القتال مع جيش المسلمين، وكانوا يقولون بينهم ~~وبين أنفسهم: ما لنا نبذل المال ونضحي بالأولاد في سبيل ما لا نؤمن به. ~~وهم بمشاعرهم تلك يختلفون عن مشاعر المؤمنين الذين يلبون نداء رسول ~~الله طمعا في الجنة أو النصر. وهذا لون من ألوان العذاب. وهناك لون آخر ~~من العذاب: عندما يخرج هؤلاء المنافقون إلى إحدى الغزوات، فهم يخافون على ~~أنفسهم من القتل أو الأذى بالأسر أو سبي النساء، فيكونون في عذاب نفسي ~~طوال الرحلة إلى الغزوة وفي أثناء الحرب. ولون ثالث من ألوان العذاب: أن ~~عابد المال يجمع المال من حرام ومن حلال، لا يهمه من أين جاء المال؟ ولكن ~~يهمه أن يأتي، والذي يكسب حلالا يكون واضح الحركة في الحياة، والذي يكسب ~~حراما هو لص يخاف أن ينكشف أمام الناس، ويعيش في عذاب أليم دائم من أن ~~يأتي يوم يكشف الله ستره فيعرف الناس أنه ارتشى، أو أنه اختلس، أو أنه ~~زور وزيف. أو أنه فعل شيئا يحقره في أعين الناس أو يعرضه ~~للعقوبة كأن يكون قد تاجر في المخدرات أو في الأعراض. أو في غير ذلك، ~~وخوفه من انكشاف أمره يجعله يعيش في عذاب دائم وصراع مستمر. وإذا أردنا ~~أن نعرف الفرق بين الحلال والحرام نضرب هذا المثل: أنت إن أعجبك شيء في ~~بيت جارك، وطلبته منه وأعطاك إياه، فأنت لا تخشى أن يعرف الناس ما حدث. ~~ولكن إذا أعجبك شيء في بيت جارك وأردت أن تسرقه، فأنت لا تأتي في النهار ~~ولا أمام الناس، بل تأتي ليلا وتحرص على ألا يراك أحد. # ولا تدخل من باب الشقة، بل تظل تدور وتخطط لتجد منفذا تدخل منه دون أن ~~يراك أحد. وتضع خطة للسرقة. وتدخل المنزل على أطراف أصابعك وأنت ترتعد. ~~فإذا شعرت وأنت تنفذ الخطة بصوت أقدام تنزعج وتجري لتختبئ وتأخذ الشيء ~~وتكون حريصا على إخفائه وإن رآه أحد عندك انزعجت، وكل هذا عذاب يمر به ~~كل من يجمع المال الحرام، إذن فجمع المال الحرام عذاب. وكل من ms4116 يربي ~~أولاده من مال حرام لا يبارك الله لهم فيهم، فإما أن ينشأ الواحد منهم ~~عذابا لأبيه في تربيته فيرسب في الامتحانات. ويتلف المال في الإنفاق ~~بلا وعي. فكلما أعطيته أكثر احتاج إلى المزيد من المال أكثر. ومثل هذا ~~الابن لا يطيع أباه. ويكون العذاب الأكبر حينما ينشأ أحد أبناء هذا ~~الإنسان ويكون الابن مؤمنا إيمانا صادقا بالله، فيرفض أن يأكل أو يلبس ~~من مال أبيه، أو أن يناقشه من أين جاء بهذا المال ويسمع منه ما يكره، ~~ويتمرد دائما عليه. وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبو عامر ~~عدوا لله ورسوله. وكان ابنه حنظلة مؤمنا، وكلما رأى أبو عامر ابنه كان ~~قلبه يغلي بالغيظ، وعندما نودي للقتال، وسمع حنظلة نداء الجهاد بعد أن ~~فرغ من الاستمتاع مع زوجته فلم يصبر إلى أن يغتسل من الجنابة، بل سارع ~~إلى الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واستشهد في المعركة ولكن كيف ~~عرف الصحابة قصة حنظلة، مع أن هذه المسألة تكون سرا بين الرجل وزوجته لا ~~يعرفه أحد؟ لقد عرف المؤمنون بخبر حنظلة حين رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بإشراقات الله أن الملائكة تنزل من السماء وتغسل حنظلة. ولما كان ~~الشهيد لا يغسل، فقد عرف الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا ليس غسلا ~~من الشهادة، وإنما هو غسل حتى لا يقبل الشهيد على الله وهو جنب، ~~رأى الرسول صلى الله عليه وسلم ما حدث لحنظلة، وعندما عاد إلى المدينة ~~بعث إلى زوجة حنظلة وسألها: ماذا حدث ساعة ساعة خروج حنظلة إلى المعركة؟ ~~فقالت إنه عندما سمع نداء القتال، خرج بدون غسل. وتأمل كيف نزلت ~~الملائكة لتغسل شهيدا هو ابن عدو لله ورسوله. وكيف يكون هذا غيظا في ~~قلب الأب. وقصة أخرى: سيدنا عبد الله بن عبد الله بن أبي والده عبد الله ~~بن أبي كان زعيم المنافقين في المدينة، وهو الذي انسحب يوم أحد ومعه ثلث ~~المقاتلين من المعركة. ويسمع عبد الله أن صحابة ms4117 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، يطلبون منه الإذن بقتل والده ابن أبي، انظروا إلى الإيمان. فها هو ~~الابن يذهب إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ويقول له: يا رسول الله ~~إن كنت آمرا بقتل أبي فأمرني أنا بقتله حتى لا ألقى قاتله من المسلمين ~~وفي قلبي غل عليه. # وعندما يسمع الأب أن ابنه يطلب أن يكون هو قاتله، أليس هذا عذابا في ~~قلبه؟ وهكذا نرى أن الأموال والأولاد الذين كان من المفروض أن يكونوا ~~نعمة يصبحون نقمة، أليس هذا عذابا في الدنيا؟ ولكن غير المؤمنين لا ~~يلتفتون إلى واهب النعمة، ولا إلى الجزاء الذي ينتظرهم في الآخرة، ولا ~~ينتبهون إلى حكمة الخلق التي تؤكد أن الإنسان خليفة الله في الأرض، وأن ~~الله قد أعد الأرض بكل ما فيها من إمكانات ومن خيرات لتكون في خدمة هذا ~~الخليفة، أي: أنه أقبل على عالم كامل من كل شيء معدا له إعدادا فوق ~~قدراته وطاقاته. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي: # " خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما هو لك عما أنت ~~له " # أي: لا تشتغل بالنعمة عن المنعم، تماما كما يدخل الإنسان إلى وليمة ~~كبيرة، فيجد المائدة معدة بكل ألوان الطعام، وصاحب المائدة واقف فلا ~~يحييه ولا يسلم عيه ويذهب مباشرة إلى الطعام، فيحس الناس أن هذا ~~الإنسان جاحد بكرم الضيافة. بينما نجد رجلا آخر يدخل فيسلم على صاحب ~~الوليمة ويشكره على كرمه ويشيد به، الأول: انشغل بالنعمة، والثاني: لم ~~ينسه انشغاله بالنعمة أن يشكر من أعدها له. ومثال آخر: إن الصحة هي ~~من أثمن النعم. أما المرض فإنه أقسى ما يمكن أن يصاب به الإنسان لأن ~~الصحة هي التي تجعل الإنسان يتمتع بنعم الحياة، أما المرض فيحرمه هذه ~~النعمة. ولذلك فعندما يمرض الإنسان يعوضه الله بأنه بدلا من أن يكون في ~~معية النعمة، يكون في معية المنعم وهو الله سبحانه. ولذلك يقول في حديث ~~قدسي: # " عبدي فلان مرض فلم تعدني. فيقول له: يا رب وكيف ms4118 أعودك وأنت رب ~~العالمين؟ فيقول له: أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده " # قولوا لي بالله: أيضيق أي مريض عندما يعرف أن الصحة كانت نعمة من الله ~~وفارقته، ولكن المرض جعله مع المنعم، وهو الله سبحانه وتعالى؟ لا، بل إن ~~ذلك يخفف عنه وطأة المرض، ويجعله يشعر أن الأنس بالله يخفف عنه الآلام. ~~لكنك للأسف تجد الإنسان غير منطقي مع نفسه، فالعالم خلق من أجل الإنسان. ~~والإنسان خلق ليعبد الله. ولكنك تجده لا يلتفت لما خلق من أجله، بل ~~يلتفت للأشياء التي خلقت له. وقد كان من المنطقي أن ينشغل بما خلق من ~~أجله. وإذا أخذنا مثلا منطق الإنسان مع الزمن، نجد أن الزمن إما أن يكون ~~حاضرا أو ماضيا أو مستقبلا. فإذا أردنا أن نذهب إلى ما لا نهاية نقول: ~~إن الزمن حاضر وأزلي وأبدي. # والأزلي: هو القديم بلا بداية. والأبد: هو المستقبل بلا نهاية. والحاضر: ~~هو ما نعيش فيه. والوجود الذي تراه أمامك خلقه الحق سبحانه واجب الوجود ~~وبكلمة " كن " جاء كل " ممكن الوجود " لأن كل وجود يحتاج إلى موجد هو ~~وجود ممكن، وسيأتي له عدم. أما الوجود غير المحتاج إلى موجد فهو وجود لا ~~ينتهي. أي: أن واجب الوجود هو وجود الله وحده سبحانه وتعالى. ولذلك فهو ~~وجود أزلي قديم بلا نهاية، وأبد باق بلا نهاية. وبذلك فهو يخرج عن ~~الزمن. نأتي بعد ذلك إلى المخلوقات الممكنة، أي التي لها موجد، وهي كل ~~ما في الكون ما عدا الله سبحانه وتعالى، ومنها هذه الدنيا التي يعبدها ~~بعض الناس من دون الله، هذه الدنيا ليس لها أزل ولا أبد، فالدنيا لم توجد ~~إلا عندما خلق الله السماوات والأرض، أي ليس لها وجود بلا نهاية. ولكن ~~كان وجودها ببداية. إذن فهي ليست أزلا، وهي ليست أبدا لأنها تنتهي بيوم ~~القيامة. ولذلك لا يجتمع في قلب المؤمن حب الله وحب الدنيا لأن الله أزل ~~وأبد، والدنيا لا أزل ولا أبد، بل عمر الدنيا بالنسبة للإنسان هي بمقدار ~~عمره فيها. وقبل ms4119 ميلاده لا علاقة له بها، وبعد الموت لا علاقة له بها. ~~وحتى إذا أخذنا الدنيا في عمومها فإن لها بداية ونهاية، فكيف يمكن أن ~~يجتمع في قلب المؤمن حب من لا بداية له ولا نهاية، وحب من له بداية ~~ونهاية؟ لا يجتمعان. ولذلك قال شيخنا الزمخشري رضي الله عنه: ما دام هذا ~~الكون فيه وجود، يكون الوجود: إما واجبا، وإما ممكنا. والوجود الواجب ~~لله وحده. والوجود الممكن هو كل ما عدا الله، ولا يوجد أزل ولا أبد إلا ~~للحق سبحانه وتعالى. فإذا قلنا: إن هناك وجودا فيه أزل وليس فيه أبد، ~~نقول: إن هذا ممتنع عقلا لأن الذي لا تكون له بداية لا تكون له نهاية. ~~أي: يكون دائم الوجود. إذن: فيبقى أن يكون الوجود له أبد وليس له أزل، ~~أي: له بداية وليس له نهاية. ونقول: إن هذا يجتمع في اثنتين الآخرة ~~والإنسان الإنسان له بداية وهي تاريخ خلقه، وليس له نهاية لأنه بعد أن ~~يموت يبعث مرة أخرى، إما أن يخلد في النعيم، وإما أن يعذب قليلا، ~~ويدخل الجنة وإما يخلد - والعياذ بالله - في النار. وكذلك الآخرة لم يأت ~~زمنها بعد. إذن فهي لم تبدأ بعد، ولكنها متى بدأت فليس لها نهاية لأن ~~هناك حياة أبدية في الجنة أو في النار. إذن: فالإنسان والآخرة اشتركا في ~~شيء واحد، ولا بد أن يربط الإنسان نفسه بالآخرة فالذي يأخذ الدنيا إنما ~~أخذ شيئا له بداية ونهاية، ولكن الذي يطبق منهج الله ويعبده عن حب ~~واختيار أخذ من لا بداية له ولا نهاية له. # والذي عمل للآخرة، عمل لما لا نهاية له أو للذي سيخلد فيه، وتكون فيه ~~حياته الحقيقية. ولذلك حين نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. نعرف أن الحياة الحقيقية هي في الآخرة وليست الدنيا لأن ~~الغايات في أي شيء يجب أن تكون متساوية، فمثلا: إذا أردنا أن نصنع ~~كرسيا. فالغرض من الكرسي أن نجلس عليه. إذن: فكل الكراسي مهما اختلفت ms4120 ~~أشكالها وألوانها لها غاية واحدة وهي أن نجلس عليها. والإنسان غايته لابد ~~أن تكون متساوية. وما دمنا أفرادا لجنس واحد فلا بد أن تكون لنا غاية ~~واحدة: ما هي؟ أهي الصحة؟ بعضنا مريض. أهي القدرة؟ بعضنا عاجز. أهي طول ~~العمر؟ بعضنا عمره في الدنيا ساعات. وإذا استعرضنا كل ما في الدنيا فلا ~~نجد شيئا نتفق فيه إلا الموت، وفيما عدا ذلك فنحن نختلف. إذن فلا بد أن ~~نلتفت في حياتنا الدنيا من أول يوم إلى أننا سوف نموت ونلقى الله، وعلينا ~~أن نعد العدة لذلك، وكلنا سائرون إلى هذه النهاية. والحق سبحانه وتعالى ~~يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها { فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا } لم يقف عز وجل عند ~~هذا الحد، بل قال سبحانه: { وتزهق أنفسهم وهم كافرون } ~~و { تزهق } أي تخرج بصعوبة، لماذا؟ لأن عابد الدنيا عمل من أجلها ~~فقط. ولم يعمل شيئا من أجل الآخرة، فعندما يأتي له الموت، يجد أنه لم ~~يقدم شيئا لآخرته، وأن ما ينتظره هو العذاب، ولذلك يكره أن يترك نعيم ~~الدنيا إلى عذاب الآخرة. أما صاحب الأعمال الطيبة عندما يأتي له الموت ~~فهو يستبشر لأن الذي ينتظره خير يفوق كل الذي سيتركه. كمثل إنسان يعيش في ~~كوخ صغير ثم ينتقل إلى قصر فاخر، ألا يكون سعيدا؟ وكذلك المؤمن عندما ~~يأتيه الموت يصبح كالذي ينتقل من كوخ صغير إلى قصر فاخر. أما صاحب الدنيا ~~فمثل الذي يؤخذ من قصر إلى نار محرقة، ولذلك فهو يكره ساعة الموت. ~~والمؤمن يفرح حين ينتقل من الدنيا الفانية إلى الحياة الخالدة الباقية، ~~ومن النعمة إلى المنعم، ومن الحياة بالأسباب إلى الحياة مع المسبب، ~~فنحن في الدنيا لا بد أن نأخذ بالأسباب لنصنع ما نريد، والمثال: أنك إن ~~أردت أن تأكل فلا بد من أن تطهو الطعام أو أن يعده لك غيرك، وإن أردت ~~أن تلبس فلا بد لك ممن يصنع لك القماش ويحيك الثوب. ووراء كل نتيجة توجد ms4121 ~~سلسلة طويلة من الأسباب. فهناك الذي يزرع، والذي يحصد، والذي ينقل إلى ~~المطحن أو إلى المصنع، والذي يطحن الدقيق أو ينسج القماش، أما في الآخرة ~~فلا توجد أسباب، بل بمجرد أن يخطر الشيء على بالك تجده أمامك، أليست هذه ~~حياة نعيم؟ إذن: فالذي تنفرج أساريره ساعة الموت هو المؤمن، والذي ~~ينقبض وجهه ويتشنج عندما يأتيه ملك الموت هو الكافر والعاصي لأنه ~~سينتقل من نعيم حتى ولو كان نسبيا إلى عذاب رهيب. # وقد قيل للإمام علي رضي الله عنه: يا إمام، أريد أن أعرف نفسي أأنا من ~~أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟ فقال الإمام علي: الله أرحم من أن يجعل ~~جواب هذا السؤال عندي وجعل جواب السؤال عندك أنت، إن كنت تحب من يدخل ~~عليك وهو يريد أن يأخذ منك أكثر مما تحب من يدخل عليك وهو يريد أن يعطيك ~~هدية تكون من أهل الآخرة. أي: إذا دخل عليك إنسان يطلب صدقة أو مالا ~~فاستقبلته بترحاب وتحية وتعطيه وأنت مسرور تكون من أهل الآخرة لأنك تعرف ~~أنه أخذ منك في الفانية ما يحمله لك أجرا في الآخرة التي تعمل من أجلها، ~~ولذلك تحبه. أما إن كنت تحب من جاء يعطيك هدية أكثر ممن جاء يسألك تكون ~~من أهل الدنيا لأنه معطي الهدية يزيدك في دنياك. وما دمت تفرح بذلك ~~أكثر من فرحك بالذي يزيد آخرتك فأنت من أهل الدنيا. ويقال: إن فلانا ~~أحسن الله خاتمته لأنهم دخلوا عليه لحظة الموت فوجدوا وجهه أبيض وملامحه ~~سمحة مستريحة. نقول: إن هذا صحيح، فهذه لحظة لا يكذب الإنسان فيها على ~~نفسه. ونحن نعلم أن الإنسان حين يشتد عليه المرض فهو يتشبث بالأمل في أن ~~ينال الشفاء على يد طبيب بارع. لكن الأمر يختلف ساعة الاحتضار حين يعلم ~~الإنسان أن الموت يتخلله وأنه ميت لا محالة، مصداقا لقول الحق سبحانه: # فلولا إذا بلغت الحلقوم # [الواقعة: 83]. ويرى ما كان محجوبا عنه في الدنيا. حينئذ يستعرض ~~أعماله. فإن رأى شريط الحياة حلوا منيرا، ابتسم وانفرجت أساريره ms4122 ~~فيقبض على هذا الوضع. أما من امتلأت حياته بالسوء والمعاصي فوجهه ~~يسود وتنقبض أساريره فيقبض على هذا الوضع. وهذا ما نسميه الخاتمة، ~~فلحظة الاحتضار فيها يقين بالموت، تماما كساعة الامتحان حيث تجد التلميذ ~~الخائب مصفر الوجه مرتعدا ومتشنجا، أما التلميذ المجتهد فيكون مبتسما ~~منفرج الأسارير. وفي ساعة الاحتضار يخلو الذهن من أي شيء إلا صحيفة ~~عمله، فهي التي تبقى في بؤرة شعوره، وبؤرة الشعور هي المكان الذي إن ~~استقر فيه شيء فإنه لا ينسى أبدا. فإذا عرف طالب قبل الامتحان بفترة ~~قصيرة، أن هناك سؤالا سيأتي في جزء معين من الكتاب وأمسك هذا الجزء ~~وقرأه مرة واحدة تجد أنه وهو يقرؤه لا يفكر في شيء آخر غيره، ومجرد ~~قراءته مرة تجعله يجيب الإجابة المتميزة لأن بؤرة الشعور مثل آلة ~~التصوير، تأخذ صورة ما ترى مرة واحدة. # إذن: فساعة الالتقاط هذه حيث لا شيء يشغل الذهن، تجد أن الشعور لا يتسع ~~إلا لخاطر واحد، فلا يأتي خاطر إليها إلا إذا تزحزح الخاطر الأول عنها. ~~ولذلك إذا سمعت شيئا وحفظته من أول مرة، فهذا دليل على أن بؤرة شعورك ~~كانت خالية ومستعدة ساعة التقاط هذا الشيء. كذلك عند الموت ساعة الاحتضار ~~لا يجد الميت في بؤرة شعوره خاطرا آخر يناقض أو يزاحم أمر الآخرة، فإن ~~كانت حياته خيرة أشرق وجهه وانفرجت أساريره، وإن كانت حياته سيئة ~~انقبضت أساريره واسود وجهه والعياذ بالله. وقوله تعالى: { وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون } يعطينا معنيين: المعنى الأول: أن النعمة ~~تظل معهم تلهيهم عن الله حتى تأتي ساعة الموت. والمعنى الثاني: أن ساعة ~~الموت تكون شاقة وصعبة على الكافر والمنافق لأنه يترك الأموال والأولاد ~~ويذهب إلى العذاب. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { ويحلفون ~~بالله إنهم... }. ### || [9.56] # لماذا أتى الله بهذه الآية بعد أن حذرنا من أن نعجب بأموال المنافقين ~~وأولادهم؟ لأن هذه ليست نعمة لهم ولكنها نقمة عليهم، وأراد الحق سبحانه ~~وتعالى أن يشحننا ضد المنافقين وأن يجعلنا نحذر منهم كل الحذر، ويضرب لنا ~~المثل باليمين، واليمين لا ms4123 ينطق بها الإنسان عادة إلا بعد شبهة إنكار. ~~فإذا جئت لإنسان بخبر وصدقه فأنت لا تضطر لأن تحلف له. ولكن إذا أنكره ~~فأنت تحلف لتزيل شبهة الإنكار من نفسه، ولذلك فأنت حين تروي الخبر لأول ~~مرة لا تحلف، فإن أنكره سامعك حلفت. ولكن لماذا يحلف المنافقون دون ~~سابق إنكار؟ إنهم يسمعون القرآن الذي ينزل من السماء مملوءا بالغضب ~~عليهم، وهم يشعرون في داخل صدورهم أن كل مسلم في قلبه شك من ناحية ~~تصرفاتهم، فيبدأون كلامهم بالحلف حتى يصدقهم المؤمنون، والمؤمنون قد ~~متعهم الله بمناعة إيمانية، في صدورهم فلا يصدقون ما يقوله المنافقون، ~~حتى يأخذوا حذرهم ويكونوا بمنجاة مما يدبره هؤلاء المنافقون من أذى، ~~ولذلك حذر سبحانه وتعالى المؤمنين من تصديق كلام المنافقين حتى ولو ~~حلفوا. ولو لم يعط الله المؤمنين هذه المناعة الإيمانية لصدقوا قول ~~المنافقين بقداسة اليمين. وبماذا حلف المنافقون؟ لقد حلفوا بأنهم من ~~المؤمنين والحقيقة أنهم في مظاهر التشريع يفعلون كما يفعل المؤمنون، ولكن ~~قلوبهم ليس فيها يقين أو صدق. وما داموا على غير يقين وغير صدق، فلماذا ~~يحلفون؟ نقول: إن هذا هو تناقض الذات، وأنت تجد المؤمن غير متناقض مع ~~نفسه لأنه مؤمن بقلبه ومؤمن بذاته، ومؤمن بجوارحه، ولا توجد ملكات ~~تتناقض فيه، والكافر أيضا غير متناقض مع نفسه لأنه يعلن صراحة أنه لا ~~يؤمن بالله ولا برسوله، فليس هناك تناقض بين ظاهره وباطنه، صحيح أن فيه ~~ملكة واحدة، ولكنها فاسدة، ولكن ليس فيه تناقض بين ما يفعل ظاهرا وما في ~~قلبه. أما المنافق فتتناقض ملكاته. فهو يقول بلسانه: " أنا مؤمن وأشهد أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ". لكن قلبه يناقض ما يقوله، فلا ~~يشهد بوحدانية الألوهية لله، ولا يصدق رسالة رسوله صلى الله عليه وسلم. ~~ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة " المنافقون ": # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1]. كيف يقول الحق سبحانه وتعالى { إن المنافقين ~~لكاذبون } ، مع أنهم شهدوا بما ms4124 شهد به الله، وهو أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم رسول الله؟ نقول: إن الحق أراد أن يفضحهم، فهم قد شهدوا ~~بألسنتهم فقط ولكن قلوبهم منكرة. وفضح الله ما في قلوبهم وأوضح أن ~~ألسنتهم تكذب لأنها لا تنقل صدق ما في قلوبهم. # إذن: فالمنافق يعيش في تناقض مع نفسه، وهو شر من الكافر لأن الكافر يعلن ~~عداءه للدين فهو عدو ظاهر لك فتأخذ حذرك منه. أما المنافق فهو يتظاهر ~~بالإيمان، فتأمن له ويكون إيذاؤه أكبر، وقدرته على الغدر أشد. ولذلك ~~قال الحق سبحانه وتعالى: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار.. # [النساء: 145]. ونحن نعلم أن تناقض الذات هو الذي يتعب الدنيا كلها، ~~ويبين لنا المتنبي هذه القضية، ويشرح كيف أنها أتعب شيء في الوجود، ~~فيقول: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى # عدوا له ما من صداقته بد # هذا هو تناقض الملكات حين تجد عدوا لك، وتحكم عليك الظروف أن تصادقه. ~~وفي ذلك يقول شاعر آخر: # على الذم بتنا مجمعين وحالنا # من الخوف حال المجمعين على الحمد # وشاعر ثالث يريد أن يصور التناقض في المجتمع الذي يجعل الناس يمجدون هذا ~~وهم كارهون له، فيقول: # كفانا هوانا من تناقض ذاتنا # متى تصدق الأقوال بالألسن الخوف # إذن: فالمنافقون يحلفون بألسنتهم بأنهم من المؤمنين، وهم كذلك في ظاهر ~~التشريع، ولكنهم ليسوا منكم في حقيقتهم، فهم في قلوبهم ليسوا منكم. ويكمل ~~الحق سبحانه وتعالى الصورة بقوله: { ويحلفون بالله إنهم ~~لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون } ~~والفرق معناه: الخوف، أي أنهم في فزع دائم، ويخافون أن يفتضح أمرهم ~~فيعزلهم مجتمع الإسلام ويحاربهم محاربته للكفار. ويشردهم ويأخذ ~~أموالهم ويسبي نساءهم وأولادهم. إذن: فالخوف هو الذي جعلهم يحلفون ~~كذبا وخوفا من افتضاح أمرهم ولذلك قال الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~عنهم: # ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول... # [محمد: 30]. وفي هذا القول دعوة لفحص ما يقوله أهل النفاق، حتى وإن ~~بدا القول على ألسنتهم جميلا. ثم يقول الحق جل وعلا: { لو يجدون ~~ملجئا.. ms4125 }. ### || [9.57] # والملجأ: هو ما نلجأ إليه ليحمينا من الأذى مثل الحصون، وكذلك المغارة ~~وهي الكهف في الجبل. والمدخل: هو شيء يشبه النفق تحت الأرض تدخل فيه ~~بمشقة والتواء، إذن: فهناك ثلاثة ملاجئ يفرون إليها إن وجدوا في ~~المعركة لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. وهم يتمنون الذهاب ~~إلى مكان بعيد ليسبوا الإسلام على ما هم فيه من مشقة القتال، وهم لا ~~يستطيعون أن يفعلوا ذلك أمام المسلمين لذلك تجدهم في حالة بحث عن مكان لا ~~يسمعهم فيه أحد. { لو يجدون ملجئا أو مغرات أو ~~مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون } فالكلام إذن عن ~~المنافقين الذين ذكر الحق أوصافهم، وعهودهم التي نقضوها، وحلفهم كذبا، ~~وما يعيشه كل منهم من تناقض ملكاته، ذلك التناقض الذي يورثه الشقاء لأن ~~كل واحد منهم يظهر غير ما يبطن ويخاف من انكشاف أمره. فيظل مضطربا ~~لأن ما بداخله يتناقض مع واقع حياته. إن هذه الحالة هي عكس حالة المؤمن ~~الذي يعيش حياة منسجمة لأن ما في قلبه هو ما يحكيه لسانه، فضلا عن ~~انسجامه بالإيمان مع الكون الذي يعيش فيه، وكذلك فحالة المنافق تختلف عن ~~حالة الكفر، فالكافر قد أعلن الكفر الذي في قلبه بلسانه. أما المنافق فله ~~قلب يكفر ولسان ينطق كذبا بالإيمان. ولذلك فهو في تعب مستمر من أن ينكشف ~~أمره، أو يعرف المؤمنون ما في قلبه لأنه يكن الحقد لمنهج الله وإن كان ~~يعلن الحب ظاهرا. والإنسان إذا اضطر أن يمدح من يعاديه وأن يتظاهر له ~~بالحب، فإن هذا السلوك يمثل ثقلا نفسيا رهيبا يحمله على ظهره، وهكذا ~~نرى أن المنافقين يتعبون أنفسهم قبل أن يتعبوا المجتمع، تماما كالرجل ~~البخيل الذي يتظاهر بأنه كريم، وكلما أنفق قرشا ليؤكد هذا التظاهر فإن ~~هذا القرش يذبحه في نفسه ويسبب له آلاما رهيبة. وحتى يرتاح الإنسان مع ~~الدنيا لا بد أن يرتاح مع نفسه أولا ويتوافق مع نفسه. ومن هنا نجد ~~المنافقين حين يريدون أن ينفثوا عما في صدورهم، فهم يختلون ببعضهم ~~بعضا بعيدا عن أعين ms4126 وآذان المسلمين ليظهروا ما في نفوسهم من حقد وغل ~~وكراهية لهذا الدين، ويبحثون عن ملجأ يكونون آمنين فيه، أو مغارة في ~~الجبل بعيدا عن الناس حتى لا يسمعهم أحد، أو مدخلا وهو المكان الضيق ~~الذي لا تستطيع أن تدخل فيه إلا بصعوبة. هم إذن يبحثون عن مكان يغيبون ~~فيه عن سمع المؤمنين وأنظارهم ليخرجوا الكراهية المحبوسة في صدورهم، ~~ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { لو يجدون ملجئا أو ~~مغرات أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون } ~~و { ولوا } أي: انطلقوا إليه وقد شغلهم الإسراع للذهاب إلى المكان ~~عن أي شيء آخر، { وهم يجمحون } والجماح هو أن تفقد السيطرة على ~~الفرس الذي تركبه، فلا تقدر على كبح جماحه أو التحكم فيه، فينطلق ~~بسرعة، وحين يقال هذا عن الإنسان فهو يعني الانطلاق بسرعة إلى المكان ~~الذي يقصد إليه ولا يستطيع أحد منعه، وإن تعرض له أحد دفعه بعيدا ~~لينطلق في طريقه بسرعة. # والآية هنا تعطينا صورة دقيقة لحالة المنافقين في أي معركة. فبمجرد ~~بدء القتال تجدهم لا يتجهون إلى الحرب، ولا إلى منازلة العدو، ولا ~~يطلبون الاستشهاد، ولكنهم في هذه اللحظة التي يبدأ فيها القتال يبحثون عن ~~مكان آمن يهربون إليه، أو مغارة يختبئون فيها، أو مدخل في الأرض ~~ينحشرون فيه بصعوبة ليحميهم من القتال. فإذا انتهت المعركة خرجوا لينضموا ~~إلى صفوف المسلمين، ذلك أنهم لا يؤمنون. فكيف يقاتلون في سبيل دين لا ~~يؤمنون به؟ ولذلك كنت تجدهم في المدينة إذا نودي للجهاد فهم أول من يحاول ~~الهروب ويذهبون للقاء النبي صلى الله عليه وسلم طالبين التخلف عن ~~المعركة، ويقول الواحد منهم: # ائذن لي ولا تفتني... # [التوبة: 49]. وفي الصدقة يحاولون التشكيك في توزيع الصدقة وكيف يتم ~~فيقول الحق سبحانه وتعالى عنهم: { ومنهم من يلمزك في... }. ### || [9.58] # وإذا جلسوا مع بعضهم البعض تجدهم يحاولون النيل من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بغرض إيذائه ولمزه، ويقول الله سبحانه وتعالى عنهم: # ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ~~قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين ms4127 ورحمة للذين آمنوا منكم والذين ~~يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم # [التوبة: 61]. هذه بعض صفات المنافقين التي يفضحهم الله بها بكشفها ~~للمؤمنين. وقد جاء الحق سبحانه لنا بمزيد من الكشف لقبائحهم وفضائحهم. ~~فقال فيهم: { ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن ~~أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون } [التوبة: 58]. كلنا أيضا نقرأ قول الله سبحانه: # ويل لكل همزة لمزة # [الهمزة: 1]. فما هي الهمزة وما هي اللمزة؟ " الهمزة ": هو من يعيب ~~في الآخرين عيبا خفيا ويسخر منهم خفية، ويكون ذلك بإشارة من عينه أو ~~بأي حركة من جوارحه، ومثال هذا: حين تكون هناك مجموعة من الناس جالسين، ~~ويحاول أحدهم النيل من أحد الحضور خفية، فيغمز بطرف عينه لإنسان آخر، ~~أو يكون باللسان همسا في أذن إنسان أو بأي طريقة أخرى، المهم أن ~~يشار إلى العيب بطريقة خفية لا يلحظها معظم الحاضرين. أما اللمزة ~~العيابون في غيرهم في حضورهم. فهناك القوي الذي يكشف العيوب بشجاعة ~~وصراحة وهو اللماز، أما الضعيف فهو يعيب خفية وهو الهماز. واللمزة ~~تطلق على من يعيب كثيرا في الناس. وهمزة لمزة، من صيغة المبالغة " ~~فعلة " وتدل على كثرة فعل الشيء. فتقول " فلان أكلة " - بضمة على ~~الألف - أي: يأكل كثيرا. وفلان ضحكة - بضمة على الضاد - أي: كثير ~~الضحك. إذن: فاللمزة هي كثرة العيب في الغير، وهي تدل على ضعف من يقول ~~بها، ولو لم يكن ضعيفا لقال ما يريد بصراحة. والحق سبحانه وتعالى يقول: ~~{ ومنهم من يلمزك في الصدقات } واللمز كما عرفنا هو ~~البحث عن العيب، وهو هنا مظروف في شيء هو الصدقات. وكان بعض من المنافقين ~~يغتابون تشريع الصدقة، وكانوا يعيبون أن يتعب الغني ويشقى في الحصول على ~~المال ثم يأخذ الفقير المال بلا تعب، فهل يعيبون التشريع نفسه؟ أم يعيبون ~~كمية الصدقات المفروضة عليهم ويرونها كثيرة؟ أم يعيبون حث الله للناس ~~على الصدقة؟ أم يعيبون الطريقة التي يتم بها صرف الصدقة للفقراء، وأن ~~بعضهم يعطى كثيرا وبعضهم يعطى قليلا؟ لقد كانوا يعيبون في كل هذه ms4128 ~~الأمور أو بعضها. إذن: فاللمز إما أن يكون في التشريع، وإما أن يكون في ~~كمية الصدقات أو في طريقة الصرف، والحادثة التي وقعت ونزلت فيها هذه ~~الآية الكريمة كانت في مصارف الصدقة، فقد قام حرقوص بن زهير، وهو رأس ~~الخوارج، وهو ابن ذي الخويصرة، وقال: اعدل يا محمد. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلك! ومن يعدل إن لم أعدل؟ قد ~~خبت وخسرت إن لم أعدل. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله ~~إئذن لي فيه أضرب عنقه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " دعه، فإنه له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم. ~~يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية. ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا ~~يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء، ثم ~~ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء. سبق الفرث والدم. آيتهم رجل أسود ~~إحدى عضديه مثل ثدي المرأة. أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين ~~فرقة من الناس " # قال أبو سعيد الخدري: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه. فأمر بذلك ~~الرجل - أي الرجل الأسود - فالتمس فوجد فأتي به، حتى نظرت إليه على ~~نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت. ويقول الحق سبحانه موضحا ~~حال هؤلاء { ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن ~~أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم ~~يسخطون } أي: أن هؤلاء الناس إن أعطوا من الصدقة كانوا راضين ~~مهللين، وإن لم يعطوا منها ملأ قلوبهم السخط، وبدأوا باللمز. ~~إذن: فالكمية المعطاة لهم من الصدقة كانت هي أساس اللمز. ومثل هذا قد حدث ~~في غزوة حنين. فقد وزع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم على قريش ~~وأهل مكة، ولم يعط الأنصار شيئا. فلما لم يدخل صلى الله عليه ms4129 وسلم ~~الأنصار في هذه القسمة، استاء بعضهم من ذلك، فجمعهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال لهم: # " ألا ترضون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون أنتم برسول الله؟ ~~المحيا محياكم والممات مماتكم، ولو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار ~~شعبا لسلكت شعب الأنصار " # وهنا بكى الأنصار، وعرفوا أنهم سيعودون بما هو أكبر كثيرا من الغنائم ~~سيعودون بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يعطي رسول الله صلى ~~الله عليه حديث عهد بالإسلام شيئا من الصدقة ليربطه بهذا الدين، ~~وقد يعطى لتأليف القلوب، وقد يعطي لفقير تأبى عزة نفسه أن يعترف أمام ~~الناس بحاجته. ولذلك كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ملاحظة في توزيع ~~الصدقات والغنائم، قد لا يلحظها أحد. وكان الواجب على المسلمين أن يقبلوا ~~عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن سلوكه هو الحكم، ولا بد أن نقبله. # ففي الحديبية مثلا حيث حدث عهد بين رسول الله صلى الله عليه وبين كفار ~~قريش بألا يتعرض أحد منهم للآخر مدة عشرة أعوام، هذا الصلح أثار غضب عدد ~~من المؤمنين وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنرضى بالدنية في ~~ديننا؟ أي: كيف نعطيهم هذه العهود وهي مجحفة بالنسبة لنا؟ حتى إن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه انفعل وأراد أن يقسو في الكلام وقال لرسول الله عليه ~~الصلاة والسلام: ألست على حق يا رسول الله؟ فقال له أبو بكر: الزم غرزك ~~يا عمر - أي اعرف مكانك - إنه رسول الله. وبعد أن مرت فترة من الزمن وعرف ~~المسلمون الحكمة من صلح الحديبية، وما أتاحه هذا الصلح للإسلام من انتشار ~~وقوة أدت إلى فتح مكة، قال أبو بكر رضي الله عنه: ما كان نصر في الإسلام ~~أعظم من نصر الحديبية. ولكن المسلمين في هذا الوقت لم يحط فكرهم بما ~~بين محمد وربه لأن العباد دائما يعجلون، والله لا يعجل عجلة العباد ~~حتى تبلغ الأمور ما أراد. وقد أراد الحق سبحانه وتعالى أن يهدئ نفوس ~~المؤمنين، وقبل أن يصلوا إلى ms4130 المدينة عائدين بعد صلح الحديبية، نزل قوله ~~تعالى: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال ~~مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ~~ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما # [الفتح: 25]. وهكذا أطلع الله المؤمنين على علة قبول صلح الحديبية ~~وعدم القتال مع المشركين في هذا الوقت وذلك المكان، فقد كان هناك مؤمنون ~~في مكة يكتمون إيمانهم ويعيشون في مجتمع المشركين الذين يمكنهم البطش ~~بهؤلاء المسلمين لو علموا بوجودهم. كما أن المسلمين القادمين مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفون هؤلاء المؤمنين، فإذا قامت المعركة ~~فقد يقتل المسلم مسلما، لأن الذين قدموا من المدينة لو دخلوا مع أهل مكة ~~في قتال فقد يقتلون بعضا من إخوانهم في الإيمان الموجودين في مكة، فهم ~~لا يعرفونهم. ولو كان المؤمنون في ناحية والكفار في ناحية لعذب الحق ~~الكفار بأيدي المؤمنين عذابا أليما. إذن: فقد علم رسول الله من ربه ~~سرا ولم يعلنه إلا لوقته، رغم تعجل من كانوا معه صلى الله عليه ~~وسلم. ومثل هذا يحدث في حياتنا، قد نجد مؤمنا يدعو الله ولا تجاب دعوته ~~وعلى هذا المؤمن ألا يحزن، بل عليه أن يعلم أنه قد يكون في عدم الإجابة ~~خير لا يعلمه. وأن من رحمة الله أنه لم يجب هذه الدعوة، مثلما تحمي ~~ابنك الشاب من أن يحمل سلاحا خوفا من أن يتهور في أي مشاجرة ويقتل ~~أحدا، رغم أن السلاح معه حماية له، ولكنه أسلوب حماية قد يحمل الضرر، ~~وقد يؤدي إلى عواقب وخيمة. # وحين تدعو الله ولا يجيب دعاءك، فثق أنه سبحانه يحميك من نفسك لأنك ~~لا تعلم والله سبحانه وتعالى يعلم. فقد تدعو بشيء تحسبه خيرا والله ~~سبحانه يعلم أنه شر. إذن: فعدم إجابة هذه الدعوة هو عين الإجابة لها. ~~الحق سبحانه وتعالى يقول: { ومنهم من يلمزك في الصدقات ~~فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا ms4131 ~~هم يسخطون } والسخط هو: عدم الرضا في القلب، ثم يتعدى ذلك إلى ~~اللسان، مثلما قال حرقوص بن زهير لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اعدل يا ~~محمد. أي: أنه سخط بقلبه أولا، ثم أساء بلسانه ثانيا. وساعة يعرض الحق ~~سبحانه لنا الداء في المجتمع الإيماني فهو جل وعلا يعطي الدواء الذي يحمي ~~المجتمع من هذا الداء، وهؤلاء الناس كانوا يعيبون تشريع الصدقة، رغم أنهم ~~إن أعطوا منها رضوا، وإن لم يعطوا سخطوا، إذن: فموازينهم مختلة، وليست ~~موازين حق ثابت، بل هي موازين هوى النفس، لكن موازين الحق لا تتبع ولا ~~تتوقف على هوى النفس، بل هي موازين ثابتة يعدل فيها الإنسان حتى مع ألد ~~أعدائه. ولكن هؤلاء الناس تختلف انفعالاتهم باختلاف مصلحتهم، إذا ~~أخذوا رضوا، وإذا منعوا سخطوا لأن ميزانهم هو المصلحة الخاصة ~~البعيدة عن كل عدل. وهنا يأتي الحق سبحانه وتعالى بالعلاج فيقول جل ~~جلاله: { ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله... }. ### || [9.59] # كيف يقول الحق سبحانه وتعالى: { مآ آتاهم } مع أنهم لم يأخذوا ~~شيئا، بل إنهم قد سخطوا لأنهم لم يأخذوا شيئا. نقول: إن الله يريد أن ~~يلفتهم إلى أن له عطاء في المنح وعطاء في المنع. فعطاء الحق سبحانه لمن ~~أخذ، وحرمان الحق سبحانه للبعض، كل ذلك فيه عطاء من الحق جل وعلا، ولكن ~~الناس لا يلتفتون إلى ذلك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين منع ~~الغنائم عن الأنصار في حنين أخذوا المعية مع رسول الله عليه أفضل الصلاة ~~والسلام، وهذا أكبر وأسمى من الغنائم، وقال لهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " المحيا محياكم، والممات مماتكم. لو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار ~~شعبا لسلكت شعب الأنصار ". # وبذلك أخذوا ما هو أكبر وأهم وأعظم من الغنائم. إذن فقد يكون في المنع ~~إيتاء. الحق سبحانه وتعالى يقول: { مآ آتاهم الله ورسوله } ~~وهو عز وجل المشرع، والرسول عليه الصلاة والسلام هو المبلغ ~~والمنفذ، فإذا ما رضوا بقسمة الله، فالرضاء عمل قلبي كان عليهم أن ~~يترجموه بكلام نزوعي هو: { وقالوا ms4132 حسبنا الله } فكأن الرضا ~~عمل القلب، والتعبير عن الرضا عمل اللسان، وما داموا قد احتسبوا الأمر ~~عند الله، فالله هو الذي يرعى، وفي عطائه خير وفي منعه خير. ولذلك نجد ~~الطيبين من الناس إن غلبوا على أمرهم يقولون: إن لنا ربا، أي: إياك ~~أن تفهم أنك حين منعتني أو أخذت حقي بأن اعتديت علي ستمضي بهذا الفعل ~~دون عقاب لأن لي ربا يغار علي، وسبحانه سيعوضني أكثر مما أخذت، ويجعل ~~ما أخذته مني قسرا نقمة عليك. ولذلك فأهم ما يجب أن يحرص عليه المؤمن ~~ليس هو الصلة بالنعمة ولكن الصلة بالمنعم. وفي أن الله هو القادر على أن ~~يعوض أي شيء يفوت. ويوضح لنا سبحانه الصورة أكثر فيقول: { سيؤتينا ~~الله من فضله } أي سيعوضنا عنها بخير منها. وعطاء الله دائما ~~فضل لأنه يعطي الإنسان قبل أن يكون قادرا على عبادته، حتى وهو في بطن ~~أمه لا يقدر على شيء، فإذا كنت في الدنيا قد فكرت بالعقل الذي خلقه لك ~~الله، وعملت بالطاقة التي خلقها لك الله، وفي الأرض التي خلقها الله، ~~فإنك في بطن أمك لم تكن قادرا على أي شيء. وحين تخرج وتنمو وتكبر فأنت ~~تحيا في كون مليء بنعم الله، لم تخلق فيه شيئا، ولم توجد فيه خيرا. ~~وإنما جئت إلى الكون وهو كامل النعم، فلا أنت أوجدت الأرض ولا صنعت ~~الشمس، بل إن نعمة واحدة من نعم الله، وهي المطر إن توقفت هلك كل من في ~~الأرض. ونلمس أثر ذلك حين تأتي مواسم الجفاف في أي منطقة من العالم، ونرى ~~كيف يهلك كل شيء الزرع والإنسان والحيوان. # والحق سبحانه وتعالى قد خلقنا في عالم أغيار، فالقادر اليوم قد يصبح غير ~~قادر غدا، والصحيح اليوم قد يصبح مريضا معلولا غدا، والقوي يضعف، حتى ~~نعرف أن ما نملكه من قدرة وقوة ليست أمورا ذاتية فينا، ولكنها منحة من ~~الله يأخذها وقتما يشاء، ونرى القوى الذي كان يفتك بيده ويؤذي بها غيره ~~ويذل الناس بها. نراه وقد أصيبت يده، فلا ms4133 تصل إليها الأوامر من المخ ~~فتشل. إذن: فقدرة أي إنسان ليست ذاتية فيه، بل هي من فضل الله سبحانه ~~وتعالى، وكل شيء في الكون هو من فضل الله. والحق سبحانه وتعالى يقول: { ~~سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنآ إلى الله ~~راغبون } ويقال: رغب في كذا أي أراده، ويقال: رغب عن كذا، أي ترك هذا ~~الأمر. ويقال: رغب إلى كذا أي سار في الطريق نحوه. وهنا قال الحق: { ~~إنآ إلى الله راغبون } وما دمنا إلى الله راغبين، كان يجب ~~ألا نعزل عطاء الدنيا عن عطاء الآخرة، فالدنيا ليست كل شيء عندك ما دمت ~~راغبا إلى الله الذي سيعطيك نعيما لا حدود له في الآخرة. ولذلك فرغبتنا ~~في الله كان يجب ألا تجعلنا نسخط على نعيم فاتنا في الدنيا لأن هناك ~~نعيما بلا حدود ينتظرنا في الآخرة. وأراد الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك أن ~~يبين مصارف الصدقة حتى يعرف هؤلاء الراغبون في متاع الدنيا هذه المصارف ~~ويتعرفوا إلى حقيقة الأمر، وليتبينوا هل هم يستحقون الصدقة أم لا، فقال ~~جل جلاله: { إنما الصدقت للفقرآء.... }. ### || [9.60] # وعندما تسمع كلمة { إنما } فافهم أنه يراد بها القصر، فإن قلت: ~~إنما الرجل زيد، أي: أنك قصرت الرجولة على زيد. وإن قلت: إنما الكريم ~~حاتم، تكون قد قصرت الكرم على حاتم. وقول الحق سبحانه وتعالى: { إنما ~~الصدقت } معناها: أن الصدقات محصورة في هؤلاء ولا تتعداهم. فمن هم ~~هؤلاء الذين حصر الحق سبحانه وتعالى فيهم الصدقة؟ وما المراد هنا ~~بالصدقة؟ هل هي صدقة التطوع أو الزكاة؟ نقول: ما دام الحق سبحانه وتعالى ~~قد حدد لها مصارف فهي الزكاة، ولسائل أن يسأل: لماذا لم يقل الحق ~~سبحانه وتعالى الزكاة وقال الصدقة؟ ونقول: ألا ترى - في المجتمعات غير ~~الإيمانية الملحدة - أن من الناس من يفكرون في إنشاء مؤسسات اجتماعية ~~لرعاية الفقراء؟ إن عطف الإنسان على أخيه الإنسان هو أمر غريزي خلقه الله ~~فينا جميعا، ولذلك كان يجب أن نفهم أن الزكاة صدقة، ولو لم يشرعها الله ~~لكان يجب أن يقدمها الإنسان ms4134 لأخيه الإنسان. وحوادث الكون كلها تدل على ~~صدق وصف الحق سبحانه وتعالى للزكاة بأنها صدقة لأنها تأتي تطوعا من غير ~~المؤمن وغير الملتزم بالتشريع، ويحس القادر بالسعادة وهو يعطي لغير ~~القادر، وهي غريزة وضعها الله في خلقه ليخفف من الشقاء في الكون. وهنا ~~يقول الحق: { إنما الصدقت للفقرآء والمسكين } وقد ~~احتار العلماء في ذلك، فقال بعضهم: إن الفقير هو الذي لا يجد شيئا فهو ~~معدم. والمسكين هو من يملك شيئا ولكنه لا يكفيه، وعلى هذا يكون المسكين ~~أحسن حالا من الفقير، واستندوا في ذلك إلى نص قرآني في قوله تعالى: # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في ~~البحر... # [الكهف: 79]. وما دام هؤلاء المساكين يملكون سفينة إذن فعندهم شيء ~~يملكونه. ولكن العائد الذي تأتي به السفينة لا يكفيهم. ولكن بعض العلماء ~~قالوا عكس ذلك، ورأوا أن المسكين هو من لا يملك شيئا مطلقا، والفقير ~~هو الذي يجد الكفاف. وعلى هذا يكون الفقير أحسن حالا من المسكين، ولا ~~أعتقد أن الدخول في هذا الجدل له فائدة لأن الله أعطى الاثنين.. الفقير ~~والمسكين. وكلمة " فقير " معناها الذي أتعبت الحياة فقار ظهره أي فقرات ~~ظهره، وحاله يغني للتعبير عنه، والمسكين هو الذي أذهلته المسكنة. ثم يأتي ~~بعد ذلك: { والعاملين عليها } أي: الذين يقومون بجمع الصدقات ~~ويأخذونها ممن يعطيها ويضعونها في بيت المال، ونلاحظ هنا أن { ~~والعاملين عليها } جاءت مطلقة فلم تحدد هل يستحق الصدقة من ~~كان يجمعها وهو فقير، أو من كان يجمعها وهو غير محتاج. ونقول: إن جمع ~~الصدقة عمل، ولو قلنا: إن غير المحتاج ويعمل في جمع الصدقة لا يجب أن ~~يأخذ أجرا، هنا يصبح عمله لونا من التفضل، وما دام العمل تفضلا فلن ~~يكون بنفس الكفاءة التي يعمل بها، إذا كان العمل بالأجر. # وأيضا حتى لا يحرم المجتمع من جامع صدقة ذكي نشيط لأنه غير محتاج، ~~ولكن نعطيه أجرا ليكون مسئولا عن عمله، والمسئولية لا تأتي إلا إذا ~~ارتبطت بالأجر. والعامل على جمع الصدقة إنما يعمل لصالح الدولة ~~الإيمانية، فهو يجمع الصدقات ms4135 ويعطيها للحاكم أو الوالي الذي يوزعها. وفي ~~هذا مصلحة لمجتمع المسلمين كله. خصوصا إن كانت الصدقة توزع من بيت المال ~~فلا يتعالى أحد على أحد، ولا يذل أحد أمام أحد، وفي هذا حفظ لكرامة ~~المؤمنين لأن من يأخذ من غير بيت المال سيعاني من انكسار يده السفلى. ~~ومن يعطي لغير بيت المال قد يكون في عطائه لون من تعالى صاحب اليد ~~العليا، وكذلك فإن أولاد الفقير لن يروا أباهم وهو ذاهب إلى رجل غني ~~ليأخذ منه الصدقة ويصاب بالذلة والانكسار. ولا يرى أولاد الغني هذا ~~الفقير وهو يأتي إلى أبيهم ليأخذ منه الصدقة فيتعالون على أبناء ~~الفقير. فإن أخذ الفقراء الصدقة من بيت المال، كان ذلك صيانة لكرامة ~~الجميع، وإن حدث خلاف بين غني وفقير فلن يقول الغني للفقير: أنا أعطيك ~~كذا وكذا، أو يقول أولاد الغني لأولاد الفقير: لولا أبونا لمتم ~~جوعا. إذن: فقد أراد الحق سبحانه بهذا النظام أن يمنع طغيان المعطي، ~~ويمنع - أيضا - ذلة السؤال، فالكل يذهب إلى بيت المال ليأخذ أو يعطي. ~~وحين يذهب الفقير ليأخذ من بيت المال بأمر من الوالي فلا غضاضة لأن كل ~~المحكومين تحت ولايته مسئولون منه. ثم يأتي الحق إلى فئة أخرى فيقول: { ~~والمؤلفة قلوبهم } وهم من يريد الإسلام أن يستميلهم، أو على ~~الأقل أن يكفوا آذاهم عن المسلمين. وكان المسلمون في الزمن الأول للإسلام ~~ضعافا لا يقدرون على حماية أنفسهم. وعندما أعز الله دولة المسلمين ~~بالقوة والعزة والمكانة، منع الخليفة عمر بن الخطاب إعطاء المؤلفة قلوبهم ~~نصيبا من الزكاة لأنه لم يجد أن قوة الإسلام تحتاج أحدا غير صحيحي ~~الإيمان لذلك لم يدخلهم عمر بن الخطاب في فئات الزكاة. وقول الحق سبحانه: ~~{ والمؤلفة قلوبهم } يثير سؤالا: هل يؤلف القلب؟. نقول: ~~نعم، فالإحسان يؤلف قلب الإنسان السوي، وكذلك يؤلف جوارح الإنسان غير ~~السوي، فلا يعتدى على من أحسن إليه باللسان أو باليد. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وفي الرقاب } ومعناها العبيد الذين أسروا في حرب ~~مشروعة. وكانت تصفية الرق من أهداف الإسلام ms4136 لذلك جعل من مصارف الزكاة ~~تحرير العبيد. وبعض من الناس يدعون أن الإسلام جاء بالرق وأقره. ~~ونقول: لم يأت الإسلام بالرق لأن الرق كان موجودا قبيل البعثة المحمدية، ~~وجاء الإسلام بالعتق ليصفي الرق، فجعل من فك الرقبة كفارة لبعض ~~الذنوب. # وجعل من مصارف الزكاة عتق العبيد. وقد نزل القرآن وقت أن كانت منابع ~~الرق متعددة. وكان من المعتاد في تلك الأيام أن المدين الذي يعجز عن سداد ~~ما عليه من دين، فالدائن يأخذه أو يأخذ أحد أبنائه كعبد له. وإذا ~~فعلت جناية، فالجاني يأخذ العفو من المجني عليه مقابل أن يعطيه أحد ~~أولاده عبدا. وإذا سرق شيء فإن السارق لا يعاقب، بل يعطي أحد أولاده ~~عبدا للمسروق منه. وكان الأقوياء يستعبدون الضعفاء فيخطفون نساءهم ~~وأولادهم بالقوة ويبيعونهم في سوق الرقيق، وهكذا كانت منابع الرق في ~~العالم متعددة، ولا يوجد إلا مصرف واحد هو إرادة السيد إن شاء حرر وإن ~~شاء لم يحرر. وقد كان الرق موجودا في أوروبا وفي آسيا وفي أفريقيا ~~ووجد أيضا في أمريكا. إذن: كانت هناك منابع متعددة للرق ومصرف واحد هو ~~إرادة السيد، وقد كان الرق يتزايد، وجاء الإسلام والعالم غارق في الرق، ~~لماذا؟ لأن الرق في ذلك الوقت كان يشبه حوضا تصب فيه صنابير متعددة، ~~وليس له إلا بالوعة واحدة. ولم يعالج الإسلام المسألة طفرة واحدة، شأن ~~معظم تشريعات الله، ولكنه عالجها على مراحل، تماما كتحريم الخمر حين بدأ ~~التحريم بالمنع عند الصلاة، فقال الحق سبحانه وتعالى: # لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا ~~ما تقولون... # [النساء: 43]. ثم حرمها تحريما قاطعا. وحين جاء الإسلام ليعالج قضية ~~الرق ويحرر الإنسان من العبودية، بدأ بإغلاق مصادر الرق. وجعل المصدر ~~الوحيد هو الحرب الإيمانية المشروعة من ولي الأمر. أما كل الوسائل ~~والألوان الأخرى من أبواب الرق، كأن يتم استعباد أحد كعقوبة جنائية أو ~~لعجزه عن تسديد دين أو غير ذلك، فقد أغلقها الإسلام بالتحريم. أما ~~ناحية المصرف فلم يجعله مصرفا واحدا هو إرادة السيد، بل جعله مصارف ~~متعددة ms4137 فالذي يرتكب ذنبا يعرف أن الله لن يغفر له إلا إذا أعتق رقبة، ~~ومن حلف يمينا ويريد أن يتحلل منها يعتق رقبة. فإذا لم يفعل هذا كله ~~وأراد أن يحسن إحسانا يزيد من أجره عند الله أعتق رقبة. وفي ذلك يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: # فلا اقتحم العقبة * ومآ أدراك ما العقبة * فك ~~رقبة # [البلد: 11-13]. وهكذا جعل الإسلام مصارف كثيرة لتصفية الرق حتى ينتهي ~~في سنوات قليلة، ثم وضع بعد ذلك ما ينهي الرق فعلا، وإن لم ينهه ~~شكلا. فإذا كان عند أي سيد لون من الإصرار على أن يستبقي عبده، فلا بد ~~أن يلبسه مما يلبس، ويطعمه مما يطعم، فإن كلفه بعينه. وهكذا أصبح ~~الفارق متلاشيا بين السيد وعبده. وحين ألغت بعض الدول الإسلامية الرق ~~بالقانون، ذهب الرقيق إلى أسيادهم وقالوا: دعونا نعش معكم كما كنا. وهم ~~قد فعلوا ذلك لأن حياتهم مع أسيادهم كانت طيبة. وهكذا ألغى الإسلام فوارق ~~الرق كلها، وأصبحت مسألة شكلية لا تساوي شيئا. # ولكن بعض الناس يتساءل: وماذا عن قول الحق سبحانه وتعالى: # وما ملكت أيمانكم... # [النساء: 36]. نقول: افهم عن الله، فهذا الأمر لا يسري إلا إذا كانت ~~المرأة المملوكة مشتركة في الحرب، أي: كانت تحارب مع الرجل ثم وقعت في ~~الأسر، والذي يسري على الرجل في الأسر يسري عليها، ثم من أي مصدر ستعيش ~~وهي في بلد عدوة لها إن تركها في المجتمع فيه خطورة على المجتمع ~~وعليها. كما أن لهذه المرأة عاطفة سوف تكبت، فأوصى الإسلام السيد بأنه ~~إذا أحب هذه الأمة فلها أن تستمتع كما تستمتع زوجة السيد، وإن أنجبت ~~أصبحت زوجة حرة وأولادها أحرارا، وفي هذا تصفية للرق. ويقول الحق سبحانه ~~وتعالى عن لون آخر من مستحقي الزكاة: { والغارمين } والغارم: هو من ~~استدان في غير معصية، ثم عجز عن الوفاء بدينه. ولم يمهله صاحب ~~الدين كما أمر الله في قوله تعالى: # فنظرة إلى ميسرة... # [البقرة: 280]. ولم يسامحه ولم يتنازل عن دينه، وفي هذه الحالة يقوم ~~بيت المال بسداد هذا الدين. ms4138 لكن لماذا هذا التشريع؟ لقد شاء الحق ~~إعطاء الغارم الذي لا يجد ما يسد به دينه حتى لا يجعل الناس ينقلبون عن ~~الكرم وعن إقراض الذي يمر بعسر، وبذلك يبقى اليسر في المجتمع، وتبقى ~~نجدة الناس للناس في ساعة العسرة، فلا يمتنع أحد عن إعطاء إنسان في عسرة ~~لأنه يعلم أنه إن لم يدفع فسيقوم بيت المال بالسداد من الزكاة. أو: أن ~~الغارم هو الذي أراد أن يصلح بين طرفين، كأن يكون هناك شخصان مختلفان على ~~مبلغ من المال، فيقوم هو بفض الخلاف ودفع المبلغ، ثم تسوء حالته لأنه ~~غرم هذا المال بنخوة إيمانية، فنقول له: خذ من بيت المال حتى يشيع في ~~النفوس تصفية الخلافات وإشاعة الحب بين الناس. إذن: فالغارم هو المستدين ~~في غير معصية ولا يقدر على سداد الدين، أو المتحمل لتكلفة إصلاح ذات ~~البين بين طرفين، وهو مستحق لهذا اللون من المال. ويقول الحق سبحانه: { ~~وفي سبيل الله }. يقول جمهور الفقهاء: إنها تنطبق على الجهاد لأن ~~الذي يضحي بماله مجاهدا في سبيل الله، لو لم يعلم أن الجهاد باب يدخله ~~الجنة لما ضحى بماله، وعندما تضحي بالمال أو النفس في سبيل الله يكون ~~هذا من يقين الإيمان. فلو لم تكن على ثقة أنك إذا استشهدت دخلت الجنة ما ~~حاربت. ولو لم تكن على ثقة بأنك إذا أنفقت المال جهادا في سبيل الله ~~دخلت الجنة ما أنفقت. والإسلام يهدف إلى أمرين: دين يبلغ ومنهج ~~يحقق، والمجاهد في سبيل الله أسوة لغيره من المؤمنين. والأسوة في ~~الإسلام هي التي تقويه وتثبته في النفوس لأنها الإعلام الحقيقي بأن ~~ما تعطيه من نفسك أو مالك لله ستجازى عنه بأضعاف أضعاف ما أعطيت. # { وفي سبيل الله } أيضا كل ما يتعلق بمصارف البر مثل: بناء ~~المساجد والمدارس والمستشفيات. ثم يقول سبحانه موضحا لمصرف جديد من ~~مصارف الصدقة والزكاة: { وابن السبيل } ، ونحن نعلم أن كل إنسان ~~ينسب إلى بلده. فهذا دمنهوري وهذا طنطاوي، إلى آخره حسب البلد الذي هو ~~منه. ولكن لنفرض أن ms4139 إنسانا مشى في الطريق في غير بلده فإلى من تنسبه ~~وأنت لا تعرف بلده؟ تنسبه إلى الطريق فيصبح: ابن السبيل لأن السبيل ~~هو الطريق. وهذا الإنسان الغريب عن بلده لا بد أن تعينه حتى يصل إلى ~~بلده، وإن وجد الإنسان من يعينه في هذه الحالة، فسوف يشجع ذلك سفر ~~الشباب إلى الدول الأخرى لطلب الرزق، وأيضا هناك من يسافر ليزداد خبرة ~~أو يسافر للسياحة، وهناك من يسافر للتجارة، وقد يكون غنيا ولكنه قد يفقد ~~ماله في الطريق. ويريد الحق سبحانه أن يكفل عباده وهم غرباء من أي مفاجأة ~~قد تجعلهم في عسر، فالذين سافروا سياحة مثلا ثم أصيبوا بكارثة أوجب الحق ~~مساعدتهم، والذين سافروا طلبا للرزق ولم يوفقوا أوجب الله سبحانه ~~وتعالى مساعدتهم لأن الحق سبحانه وتعالى يريد من عباده أن يسيروا في ~~الأرض ليروا آياته، وليبتغوا الرزق، إذن: فابن السبيل هو كل غريب صادفته ~~ظروف صعبة، ولا يجد ما يعود به إلى بلده. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~فريضة من الله } أي: أن كل من حدد الله سبحانه وتعالى استحقاقه ~~للصدقة إنما يستحقها بفرض من الله، فالصدقة فريضة للفقراء، فريضة ~~للمساكين، فريضة للعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب، ~~والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: ~~{ والله عليم حكيم } ، والله هو واجب الوجود وخالقه، خلق ~~الإنسان وكرمه فجعله خليفة في الأرض. وقبل أن يخلق سبحانه الإنسان ~~أعد له الكون الذي يعيش فيه الأرض والشمس والقمر والسماء والكواكب ~~والنجوم. ثم جاء الإنسان إلى الكون ليجد كل شيء قد أعد لخدمته خاضعا ~~له، فلا يوجد جنس من الأجناس يتأبى عن خدمة الإنسان، فلا الأرض إذا ~~زرعت رفضت إنبات الزرع، ولا الحيوان الذي سخره الله جل جلاله لخدمة ~~الإنسان يتأبى عليه فالحمار تحمله السباخ والقاذورات فلا يرفض، وتنظفه ~~وتجعله مطية تنقلك من مكان إلى آخر فلا يتأبى عليك. وما دام سبحانه ~~الذي خلق، فهو أدرى بمن خلق، وبما يصلحه وما يفسده - ولله المثل الأعلى - ~~نحن نعرف أن المهندس الذي يصمم ms4140 آلة إنما يضع لها قانون صيانتها. فما ~~بالنا بخالق الإنسان المتعدد المشاعر والأطوار؟ إن خلق الإنسان لا يقتضي ~~علما فقط، ولكنه يقتضي أيضا حكمة لأنك قد تعلم، ولكنك لا تستخدم العلم ~~فيما تفعل، كأن تعلم قانون صيانة آلة معينة ثم لا تطبقه وتحاول أن تأتي ~~بقانون من عندك لذلك فلا بد مع العلم من حكمة لتضع الشيء في موضعه ~~السليم. # ولذلك قال الحق سبحانه: { والله عليم حكيم }. ونحن نعلم أن ~~الصدقات تقتضي متصدقا وهو المعطي، ومتصدقا عليه وهو مستحق الصدقة ~~أو بالذي يأخذها، ومتصدقا به وهو الشيء الذي تتصدق به، إذن فهناك ~~ثلاثة عناصر: المتصدق، والمتصدق عليه، والمتصدق به. قد يتساءل بعض ~~الناس: لماذا خلق الله الإنسان الخليفة في الأرض وجعل بعضهم قادرا ~~وبعضهم عاجزا، وهذا يعطي وهذا يأخذ، ولماذا لم يجعل الكل قادرين؟ نقول: ~~إن مفارقات التقابل في الأشياء تجعلها تتكامل، فهناك ليل وهناك نهار، فهل ~~الليل ضد النهار؟ لا لأن الليل مكمل للنهار، والنهار مكمل لليل. ~~ولو لم يخلقا معا متكاملين لاختل التوازن في الكون. والحق سبحانه ~~وتعالى يقول: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون # [القصص: 72]. إذن: فالإنسان يحتاج إلى ضوء النهار للحركة والعمل، ويحتاج ~~إلى ظلمة وسكون الليل للنوم، وإن لم ينم الإنسان ويسترح فهو لا ~~يستطيع مواصلة العمل. وهكذا نرى الليل والنهار متكاملين وليسا متضادين. ~~كذلك الرجل والمرأة. وقد لا يفهم بعض الناس أن الرجل والمرأة متكاملان، ~~ويقولون: لا بد أن تساوي المرأة الرجل، ونقول: إنكم تعتقدون أن المرأة ~~والرجل جنسان مختلفان، ولكنهما جنس واحد مخلوق من نوعين، وكل نوع له مهمة ~~وله خاصية. وللإنسان المكون من الرجال والنساء مهمة وخصائص يشتركون ~~فيها، ويتضح لنا ذلك عندما نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى في سورة الليل: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما ms4141 ~~خلق الذكر والأنثى # [الليل: 1-3]. كأن الذكر والأنثى، مثل الليل والنهار متساندان متكاملان، ~~فلا تجعلهما أعداء بل انظر إلى التكامل بينهما، ثم يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: # إن سعيكم لشتى # [الليل: 4]. أي: كل له مهمة في الحياة، واقتضت حكمته سبحانه في خلق ~~الكون أن يجعل كل شيء يخدم الإنسان الجماد يخدم الإنسان، وكذلك النبات، ~~وكذلك الحيوان، حتى يكون الإنسان مستجيبا لمنهج الله ولعبادته. وكذلك ~~اقتضت الحكمة أيضا أن يخلق الله سبحانه وتعالى أشياء لا تستجيب للإنسان ~~حتى يعرف الناس أن هذا الكون ليس مذللا بقدراتهم هم، بل بقدرة الله ~~سبحانه وتعالى لأن الحق سبحانه وتعالى يقول: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. فتجد مثلا الجمل بضخامته ينقاد لطفل صغير، بينما الثعبان ~~الصغير على دقة حجمه لا يجرؤ الإنسان أن يقترب منه. وفي الوقت نفسه، ~~فإن هذه الحكمة تقتضي أن يحس الإنسان أن قدراته وقوته موهوبة له من الله ~~سبحانه وتعالى، وأنها ليست من ذات الإنسان. # ولذلك يخلق الله أناسا ضعافا لا يقدرون على الكسب، ليلفت أنظارنا إلى ~~أن قوة القوى هي هبة من الله، وليست في ذاتية الإنسان، وإلا لو كانت ~~ذاتية في الإنسان ما وجد عاجز. ولا بد أن يفهم كل قوي أن قوته هبة من ~~الله يمكن أن تسلب منه فيصبح ضعيفا مثل من يراهم أمامه من ضعاف البشر. ~~والضعيف غير القادر على العمل، والأعمى غير القادر على الكسب، والكسيح ~~غير القادر على السير، كل هؤلاء موجودون في الكون ليلفتوا الأصحاء ~~والأقوياء إلى أن الصحة والقوة من الله، فلا يغتر الأصحاء والأقوياء ~~بأنفسهم ويرتكبوا المعاصي، بل عليهم أن يخافوا الله، فسبحانه الذي أعطى ~~يستطيع أن يأخذ. كما اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يقسم الأرزاق ~~بيننا لتسير حركة الكون. وإلا لو أصبحنا كلنا ميسورين، فمن الذي يقوم ~~بتنظيف الشارع؟ ومن الذي يقوم بتسليك البالوعات؟ ومن الذي يحمل الطوب ~~والأسمنت على كتفيه للبناء؟ وإن كنا جميعا نملك المال فلن يرضى أحد أن ~~يقوم بالأعمال البسيطة والمزعجة والمرهقة، ms4142 وشاء الله أن يربط هذه الأعمال ~~بالرزق، بحيث يقوم بها بعضنا ليحصل على قوت أولاده، وإلا لما أمسك أحد ~~بمكنسة لتنظيف الطريق، وما عمل أحد في إصلاح المجاري لذلك قد ترى من ~~يقومون بهذه الأعمال سعداء عندما تسد المجاري، أو يحتاج الطريق إلى ~~نظافة لأن رزقهم يأتي من هذا العمل. ولكن أيبقى هذا الحال على ما هو ~~عليه؟ لا لأن الأيام تتداول بين الناس، وكل واحد له عرس وله مأتم. ~~وتأتي أيام تكون فيها هذه الأعمال اليدوية هي مصدر الرزق الوفير، وهي ~~التي يملك أصحابها سعة الرزق، أكثر من الذين درسوا في الجامعات وأهلوا ~~للمناصب، لكنهم أقل دخلا وأقل رزقا. وهكذا نعلم أن الكون يحتاج إلى ~~المواهب المتعددة التي تتكامل فيه، فأنت إذا أردت أن تبني بيتا تحتاج ~~إلى مهندس ومقاول ونجار وحداد وبناء إلى غير ذلك، ولا يمكن لإنسان أن ~~يملك هذه المواهب كلها في وقت واحد. فلا بد أن تتكامل وأن يرتبط هذا ~~التكامل بالرزق ولقمة العيش. بل وتجد أن الإنسان قد يتخصص في عمل ويتقنه ~~بينما يحتاج هو لبعض من وقته ليقوم بمثل هذا العمل لبيته فلا يجد، ولذلك ~~يقال: " باب النجار مخلع " لأن الأبواب الأخرى التي يصنعها مرتبطة برزقه ~~وهو يحاول أن يحسن صناعتها، أما بابه هو فلا رزق له فيه، ولذلك قد يكسل ~~عن صيانته. ولا بد أن يعرف الإنسان أنه ليس أصيلا في الكون، بل مستخلف ~~فيه لأن الفساد ينشأ دائما حين يعتبر الإنسان نفسه أصيلا في الكون. ~~وإياك أن تفهم أن المعطى مفضل على الآخذ، أو أن الآخذ مفضل على ~~المعطي، بل هما متعادلان، فالإيمان نصفان: نصف شكر ونصف صبر. # إما أنك في نعمة فتشكر. وإما أنك في محنة فتصبر. وعندما نتأمل الغني ~~المستخلف في النعمة تجد أنه قد أخذ النصف الذي يخصه كشاكر، وحرم من ~~النصف الآخر الإيماني وهو الصبر ولذلك يأتي الإسلام له بتشريع يأخذ منه ~~بعضا من ماله الذي حصل عليه بعرقه وعمله ويعطيه لغير القادر على العمل، ~~وبذلك يحصل ms4143 على جزء من الصبر لأنه يعطي بعضا من فائدته عمله للعاجز عن ~~العمل، ويكون الفقير قد أخذ نصف الشكر ونصف الصبر. فقد صبر على فقره، ~~وجاء له المال بلا تعب فشكر الله على نعمته. وهكذا نجد أن الاثنين إذا ~~طبقا منهج الله أخذا نصف الصبر ونصف الشكر. وعلى العاجز عن الكسب ألا ~~يغضب لأن الله سبحانه وتعالى يعطيه الرزق بلا تعب. بل إنك قد تجد الغني ~~وهو يبحث عن مصارف الزكاة ويسأل عن الفقراء ليعطيهم. وكثيرا ما نرى ~~إنسانا عزيزا في أزمة، ونجد من أصدقائه من يقترض ليعطيه. والله سبحانه ~~وتعالى قال: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ~~ترجعون # [البقرة: 245]. ومع أن المال مال الله فقد احترم سبحانه عمل الإنسان ~~الذي يأتيه بالمال، وطلب منه أن يعطي بعضا منه أخاه المحتاج ابتغاء ~~مرضاة الله، واعتبر سبحانه وتعالى هذا العمل إقراضا له جل جلاله، وكأن ~~الذي يعطي المال للمحتاج يقرض الله، ولله المثل الأعلى كالأب الذي يعطي ~~مصروفا لأولاده، فيضعه كل منهم في حصالته، ثم تأتي للأب أزمة مالية، ~~فيستأذن أولاده حتى يأخذ ما في حصالاتهم، رغم أن مال الأولاد هو من مال ~~الأب، ورغم ذلك نجد الأب قد احترم ما وهبه من المال لأولاده فاعتبره ~~مالهم. كذلك الحق سبحانه وتعالى احترم عمل الإنسان، فاعتبر المال ماله، ~~وطلب منه أن يقرضه. وفي هذا ميزة للغني والفقير، فالغني يأخذ ميزة وشرف ~~أنه أعطى لله، والفقير أخذ ميزة لأن الله سبحانه وتعالى اقترض من أجله. ~~وجعل الله الزكاة من أركان الإسلام، وجعل هذا الركن لمصلحة الفقير. ~~فالغني ليس له ركن في إيمان الفقير، ولكن الفقير له ركن من إيمان الغني. ~~والغني حين يعطي جزءا من ماله فهو يستغني عن هذا الجزء. وهناك فرق بين ~~أن تستغني عن الشيء وتستغني بالشيء. والحق سبحانه وتعالى مستغن عن الكون ~~وما فيه، فكأنه أعطى الغني صفة من صفات الحق لأن الله مستغن عن مال ~~الدنيا كله، والمال ليس ms4144 سلعة مفيدة فائدة مباشرة للإنسان. والمثال الذي ~~أقوله دائما، يوضح ذلك: لنفرض أن رجلا عنده جبل من ذهب وتاه في صحراء ~~لا يجد فيها لقمة خبز أو شربة ماء، فما هي فائدة جبل الذهب هذا؟ إنه لا ~~يساوي شيئا. # إذن: فالمال ليس غاية في حد ذاته، ولكنه وسيلة. وعندما يمنع الغني ماله ~~عن الفقير يكون قد جعل المال غاية فلا ينفعه. أما إذا أعطى الغني بعضا ~~من المال للفقير فهو قد أعاد إلى المال وظيفته في أنه وسيلة من وسائل ~~الحياة. وأنت تشتري بالمال ما تعتقد أنه ينفعك فعليك أن توظفه في أكمل ما ~~ينفعك وهو رضا الله سبحانه وتعالى وثوابه. واحترم الحق سبحانه حركة ~~الحياة في العمل حتى يعمل كل إنسان على قدر طاقته، وليس على قدر حاجته ~~لأن الإنسان إذا عمل على قدر حاجته فقط لما وجد فائض من مال للزكاة. ~~ولذلك سمى الحق سبحانه وتعالى المال الذي يكسبه الإنسان في الدنيا مال ~~الإنسان، حتى يعمل كل منا على قدر طاقته لأن المال ماله. وعندما يزيد ما ~~عندك من مال على حاجتك فأنت لا تحب أن يفارقك المال الزائد، وفي الوقت ~~نفسه تحرص على أن تنفقه فيما ينفعك، فيرشدك الحق إلى إنفاق بعض المال في ~~خير ما ينفعك، وهو أن تعمل لآخرتك. إذن: فأنت محتاج إلى التصدق ببعض من ~~المال الزائد لتحسن آخرتك. والفقير محتاج إلى بعض من المال الزائد عن ~~حاجتك ليعيش. فكلاكما يحتاج الآخر، ولكن الله سبحانه وتعالى احترم عمل ~~الإنسان، فجعل له النصيب الأكبر مما يكسب، وللفقير نصيب أقل. وعلى سبيل ~~المثال: إن عثر الإنسان على كنز فزكاته عشرون في المائة، وإذا زرع ~~الإنسان وروى وحصد فزكاته هي عشرة في المائة، أما إذا كان رزق الإنسان من ~~عمل يومي كالتجارة، فالزكاة هي اثنان ونصف في المائة ذلك أنه كلما كثرت ~~حركة الإنسان في عمله قلت الزكاة. وكلما قل عمل الإنسان فيما يكسب ~~زادت الزكاة لأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يشجع العامل على العمل. ~~والمجتمع ms4145 هو المستفيد بالعمل وإن لم يقصد صاحبه ذلك. فالذي يبني عمارة - ~~مثلا - إنما يفتح باب العمل لمن يحضر الرمال، ولمن يحضر الطوب والأسمنت ~~والحديد، وهو يدفع لوسائل نقل هذه المواد إلى موقع البناء، ويدفع أجورا ~~لمن قاموا بصناعة وتركيب الأدوات الصحية، والكهرباء، وغير ذلك وقد لا ~~يستفيد صاحب العمارة منها لانتهاء أجله. إذن: فالمجتمع كله يستفيد من ~~بناء العمارة، حتى ولو لم يكن في بال صاحبها أن يفيد المجتمع، ويعتقد بعض ~~الناس أن العمل وحده هو الذي يأتي بالمال، وينسون أن الله هو الذي ييسره ~~لهم، ويمكنهم منه. ويلفتنا سبحانه إلى ذلك حين تأتي آفات تتلف الزرع ~~وتضيع تعب من قاموا بالحرث والبذر والسقي لعلنا نلتفت إلى أن كل ~~شيء يتم بإرادة الله، وليس بالأسباب وحدها. وسبحانه وتعالى حين يقضي ~~بذلك، يلفتنا أيضا لفتة أخرى فيبارك في زرع في بلد آخر أو مكان آخر، ~~فإذا هلك محصول القمح في دولة، كانت هناك دولة أخرى يزيد فيها محصول ~~القمح، فيشتري هؤلاء من هؤلاء، أو ترسل الدول التي جاءها محصول وفير إلى ~~الدول التي هلك فيها الزرع كمعونة أو إغاثة، وبذلك تتعادل سبل الحياة. # ولا بد لنا أن نتذكر دائما أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أعطانا ~~القدرة، ولا أحد يستطيع أن يعطي القدرة للإنسان غير الله تبارك وتعالى. ~~فالقدرة المطلقة هي لله سبحانه وتعالى، وسبحانه يمرر بعضا من أثر ~~قدرته إلى خلقه، فنجد إنسانا يستطيع بقدراته أن يعين إنسانا آخر في ~~حمل شيء ثقيل لا يستطيع صاحبه أن يحمله. وفرق بين أن تتبرع أنت بأثر ~~قوتك وبين أن تهب الغير هذه القوة. فالبشر يعطي أثر القوة، ولكن الحق ~~سبحانه وتعالى يهب القوة لمن يشاء. المال - إذن - لا ينفع بذاته، وإنما ~~هو يحضر الشيء النافع للإنسان، فإذا احتجت إلى طعام أو شراب أو ملابس أو ~~سيارة أو غير ذلك اشتريتها بالمال. إذن: فالمال هو وسيلة البشر للحصول ~~على احتياجاتهم. ولذلك يعتز به الإنسان. والمثال: أن الأبناء الذين ~~يأخذون المصروف كل شهر من ms4146 الأب، تجدهم يحرصون على لقاء الأب في أول ~~الشهر، وقد لا يلتفتون إليه باقي الأيام. أما إذا كان المصروف في كل يوم ~~فتجد الأولاد يحرصون على لقاء أبيهم في كل يوم. والحق سبحانه وتعالى هو ~~خالق النفس البشرية، يعلم ما في صدور الناس ولذلك يلفت القادر إلى ضرورة ~~أن يخرج بعضا من ماله للعاجز عن الكسب. ونحن نعيش في عالم أغيار، ومن ~~الممكن ان يصبح القادر اليوم عاجزا غدا. ولذلك نجد القادر يمتلئ بالقلق ~~إن رأى عاجزا. وهنا يتذكر نعمة الله عليه فيسرع ليدفع بعضا من ماله إلى ~~العاجز وهو راض، خوفا من أن يحدث له مثل ما حدث لهذا العاجز. ويقول ~~الحق: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم ~~بها... # [التوبة: 103]. إذن: فالصدقة تطهر الإنسان من الغفلة التي قد تصيبه، ~~وتزكي الإنسان أيضا، وشاء سبحانه أن تكون الزكاة نموا وزيادة وإن ~~بدت في ظاهرها على أنها نقص. فالمائة جنيه تصبح سبعة وتسعين ونصفا بعد ~~إخراج الزكاة، وهي عكس الربا الذي قد تصبح فيه المائة مائتين، وظاهر ~~الربا أنه زيادة، ولكنه يمحق كل خير، وظاهر الزكاة أنها نقص، ولكنها في ~~حقيقتها نماء. والنماء أن يترقى الشيء في مراتب الكمال فينمو طهارة، ~~وينمو تزكية، وينمو بالزيادة والبركة. والإنسان يحتاج إلى المال ليحصل ~~على ضروريات الحياة وكمالياتها فيطمئن إلى حاضره ومستقبله. لكن لنفرض أن ~~المال دام لك طول العمر، وأنت تعرف أن العمر مهما طال، قصير. ولا بد أن ~~يأتي يوم تفارق فيه هذا المال بالموت. في هذه اللحظة يكون ما كنزت من ~~المال قد صار إلى ورثتك، ولا يصحبك منه إلى آخرتك إلا ما أنفقت في سبيل ~~الله، أي: أن ما أنفقت هو ما يبقى لك في عالم الخلود لا يفارقك ولا ~~تفارقه. # وشاء الحق أن يضاعف لك الجزاء والثواب. ويقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يقول ابن آدم: مالي مالي.. وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت ~~فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت؟ " # إذن: فالذي يحب ms4147 ماله عليه أن يصحب معه هذا المال لمدة أطول، وأن يتعدى ~~به مجرد الوجود في الدنيا، وأن يصل به إلى دار الخلود. ومن يعشق المال - ~~إذا أراد أن يبقيه - فلينفقه في الصدقة. # " ولنا الأسوة الحسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءته شاة ~~كهدية، فقال للسيدة عائشة رضي الله عنها: " تصدقي بلحمها ". وكانت السيدة ~~عائشة رضوان الله عليها تعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب لحم ~~الكتف، فتصدقت بلحم الشاة كلها، وأبقت قطعة من لحم الكتف لرسول الله ~~عليه الصلاة والسلام. وعندما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، سألها: ~~ماذا فعلت بلحم الشاة؟ قالت: تصدقت بها كلها وأبقيت كتفها. فقال: " بل ~~قولي أبقيتها كلها إلا كتفها ". # وذلك لأن ما تصدقت به السيدة عائشة هو الباقي. وما أبقته لهما هو الذي ~~سيفنى. وهكذا سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشياء بحقيقة مسمياتها. ~~فالذي يحب صحبة ماله في الدنيا والآخرة، عليه أن يقدم بعضا منه صدقة ~~للفقير والمحتاج، ليبارك الله له في الدنيا، ويجزيه خير الثواب في ~~الآخرة. وقد سأل رجل الإمام عليا رضي الله عنه: أريد أن أعرف: هل أنا من ~~أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟. قال الإمام علي كرم الله وجهه: الجواب ~~عندك أنت، لا عندي، انظر إذا دخل عليك من يعطيك، ودخل عليك من يطلب منك، ~~أيهما ترحب به وتقابله ببشاشة أيهما تحب؟ إن كنت تحب من يأخذ منك فأنت من ~~أهل الآخرة، وإن كنت تحب من يعطيك فأنت من أهل الدنيا لأن من يأخذ منك ~~يحمل حسناتك إلى الآخرة، وأما من يعطيك فيزيدك من الدنيا ولا يعطي آخرتك ~~شيئا. ونقول للذي يحب المال: اجعل حبك للمال يبقيه لك فترة أطول من عمر ~~الدنيا فالدنيا ليست هي المقياس، ودنياك قدر عمرك فيها. أما الآخرة فأنت ~~خالد فيها، فتصدق ببعض مالك يكن لك خيرا في الآخرة. ويذيل الحق الآية ~~بقوله: { والله عليم حكيم } أي: أنه سبحانه وتعالى يضع الأشياء ~~في موضعها عن علم ms4148 وحكمة مصداقا لقوله تعالى: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. وأما الحكمة فيدير بها الحق سبحانه حياة كل الناس، وكلهم ~~عبيد لله، ولا فرق بين غني وفقير. # وشاء الحق أن يجعل التفرقة فقط في الدنيا لأن العالم لا يحتاج إلى أفراد ~~مكررين، ولا يمكن أن تستقيم الحياة إن كنا كلنا أطباء أو كلنا مهندسين أو ~~كلنا قضاة لذلك شاء سبحانه أن تتوزع المواهب على قدر ضروريات الحياة، ~~فنبغ كل واحد منا في شيء أنا أتقن شيئا ولا أعرف الباقي، وغيري يتقن ~~شيئا آخر ولا يعرف الباقي. فأكون في حاجة إلى عمل غيري، وغيري يحتاج ~~عملي، وبذلك يصير الرباط بيننا رباط حاجة ورباط رزق، لا رباط تفضل وتطوع. ~~إذن: فالحكمة اقتضت أن يوزع سبحانه وتعالى المواهب على الخلق بقدر ما ~~تتطلب الخلافة في الأرض من حركات الحياة فأعطى هذا زاوية من نبوغ، وأعطى ~~الآخر زاوية أخرى من النبوغ، ومن مجموع هذه الزوايا يتكون المجتمع، وسبق ~~أن قلنا: إن مجموع كل إنسان يساوي مجموع الآخر، ولكن الناس لا تنظر إلا ~~للمال، ولا يلتفتون إلى ما هو أهم من المال، كالصحة، والأخلاق، وراحة ~~البال، وسعادة الأولاد وتوفيقهم، ثم البركة في الرزق وغير ذلك. إنك لو ~~وضعت لكل هذه الأشياء رقما من عشرة مثلا تجد أن مجموع كل إنسان في ~~النهاية يتساوى مع مجموع أي إنسان آخر، ولا تفاضل إلا بالتقوى. وإن رأى ~~إنسان عاجز غيره ممن يملكون المال ولا يخرجون منه زكاة أو صدقة، فماذا ~~يكون موقفه؟ لا بد أنه سيتمنى زوال النعمة عن هؤلاء. ولكن إن عادت نعمة ~~القادر الغني على من لا نعمة عنده، فهذا يجعل العاجز الفقير محبا ~~لدوام النعمة عند صاحبها لأنه إن حرم الغني القوة، حرم العاجز الفقير ~~من آثارها ولذلك فعندما يعطي الغني للفقير، فهو يدعو له بالبركة، وحين ~~يبارك الله في تلك النعمة سيعود على الفقير بعض منها. وإن لم يأخذ الفقير ~~المحتاج صدقة من الغني، فقد يأخذها تلصصا بأن يتحايل عليه ليسرقه أو ms4149 ~~ينهبه، أو ربما دفعه الحقد والحسد إلى أن يقتله أو يتآمر على قتله. إذن: ~~فالزكاة في المجتمع تدفع شرورا كثيرة عن صاحبها. وهي ضرورة من ضروريات ~~الحياة. ولذلك رأينا القادرين في المجتمعات التي لا تؤمن بدين وهم ~~يتطوعون لإقامة المؤسسات الاجتماعية لرعاية غير القادرين لدقع شرور ~~العاجزين عن مجتمعاتهم لذلك تجد في معظم دول العالم من يحاول تخصيص جزء ~~من المال لكفالة العجزة والمتعطلين ليعيشوا حياة الكفاف، وبذلك يأمن ~~المجتمع شرورهم. على أن قول الحق سبحانه وتعالى: { إنما الصدقت ~~للفقرآء والمسكين والعاملين عليها ~~والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي ~~سبيل الله وابن السبيل } معناه: أن الصدقات قد فرضت لهؤلاء، ~~والذي فرضها هوالحق سبحانه بقوله: { فريضة من الله }. وقد ~~تفرض الصدقات من البشر كضريبة اجتماعية، أو غير ذلك، لدفع الشرور عن ~~المجتمع، ولكن هذا لا يحدث إلا بعد أن تقع أحداث جسام يشقى بها مجتمع ~~القادرين من مجتمع العاجزين، ويخرج من يقول: لكي تأمنوا شرهم لا بد أن ~~نعطيهم حاجاتهم حتى يستقيم الأمر. # وهكذا نجد أن تشريعات البشر لا تأتي إلا بعد أن يشقى المجتمع لفترة ~~طويلة من وضع موجود، ولكن الحق سبحانه وتعالى رحمة منه بخليفته في الأرض ~~جاء بالتشريع من أول الخلق، بل من قبل الخلق حتى يرتب للإنسان حياة سعيدة ~~خالية من الشقاء. ولذلك شرع الدين ورتب أحكامه لينزل إلى البشر فيكون ~~منهجا لهم يحميهم من شرور قاسية قبل أن تقع. وشاء الحق سبحانه أن يجعل " ~~سورة براءة " فاضحة كاشفة للمنافقين لذلك كان من بين أسمائها: " السورة ~~الحافرة " لأن المنافق ربما يستر كفره، ويفضح الله هذا الكفر بأن يحفر ~~عليه ليخرجه - ولله المثل الأعلى - فالإنسان يحفر الأرض ليكشف المخبوء ~~فيها، وهذه السورة ذكرت من صفات المنافقين الكثير. فقد قال الحق: # ومنهم من يقول ائذن لي... # [التوبة: 49]. وقال عز وجل: # ومنهم من عاهد الله... # [التوبة: 75]. وقال سبحانه: # ومنهم من يلمزك في الصدقات... # [التوبة: 58]. ولذلك يسمونها " مناهم التوبة ". وهنا يبين الحق صورة ~~جديدة للمنافقين وتصرفاتهم فيقول: { ومنهم الذين يؤذون ~~النبي... ms4150 }. ### || [9.61] # ونعلم أن الإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بعد النبوة، وكان ~~بعض الكفار يقولون ما حكاه القرآن على ألسنتهم: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وهذا دعاء من لا عقل له، ولو كانوا يعقلون لقالوا: إن ~~كان هذا الحق من عندك فاهدنا يا رب إليه، أو اجعلنا نؤمن به. ولكنهم من ~~فرط حقدهم وضلالهم، تمنوا العذاب على الإيمان بالحق. وهذا يكشف لنا ~~تفاهة عقول الكفار. وهنا يقول الحق سبحانه: { ومنهم الذين ~~يؤذون النبي } والذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم هم ~~السادة، وهم أصحاب النفوذ الذين يخافون أن يذهب منهج هذا النبي بنفوذهم ~~وثرواتهم وما أخذوه ظلما من الضعفاء. والضعفاء - كما نعلم - هم أول من ~~دخل إلى دين الإسلام لأنهم أحسوا أن هذا الدين يحميهم من بطش الأغنياء ~~واستغلالهم ونفوذهم. وشاء الحق أن يبدل خوف الضعفاء قوة وأمنا، وشاء ~~سبحانه أن يضم إلى الإيمان عددا من الأغنياء ومن رجال القمة مثل: أبي ~~بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب وغيرهم رضي الله عنهم ~~أجمعين، حتى لا يقول أقوياء قريش مثلما قال قوم نوح لنبيهم: # وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا... # [هود: 27]. وهكذا كان الإيذاء له صلى الله عليه وسلم بعد الرسالة، أما ~~قبل الرسالة فكان في نظر الجميع هو: الأمين والصادق والمؤتمن. ومن العجيب ~~أنهم، بعد أن نزل الوحي، كانوا لا يستأمنون أحدا مثلما يستأمنون محمدا ~~صلى الله عليه وسلم. فإذا كان هناك شيء ثمين عند الكافرين المعارضين، ~~ذهبوا إلى رسول الله ليحفظوا هذه الأشياء الثمينة عنده. وهذا التناقض لا ~~يفسره إلا وثوقهم في أخلاقه صلى الله عليه وسلم. ورغم ذلك كانوا في غيظ ~~وكمد لأن القرآن قد نزل عليه. والحق هو القائل ما جاء على ألسنتهم: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. وهم بذلك قد اعترفوا بألسنتهم بعظمة القرآن، بعد أن ~~اعترفوا بسلوكهم بأمانة محمد صلى ms4151 الله عليه وسلم، ولكنهم اعترضوا على ~~اختيار الحق سبحانه له، وتمنوا لو كان هذا القرآن قد نزل على أحدهم ~~عظمائهم. ورد الحق سبحانه عليهم: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحيوة الدنيا... # [الزخرف: 32]. وفي هذا دعوة لأن يتأدبوا مع الله سبحانه، فهو لم يوكلهم ~~في اختيار من ينزل عليه رحمته، ورسالته، ولكنه سبحانه هو الذي يختار. وهو ~~الذي قسم بين العباد معيشتهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. وإذا كان لأحد ~~نعمة من مال أو جاه أو مجد، أو غير ذلك، فهذا ليس من قدرات البشر أو من ~~ذواتهم، ولكنه نعمة من الله. # وهنا يقول الحق سبحانه: { ومنهم الذين يؤذون النبي } ~~إذن: فالإيذاء سببه أنه صلى الله عليه وسلم جاء بدعوة الخير، ولا يجيء ~~رسول بدعوة الخير إلا إذا كان الشر قد عم المجتمع. وحين يعم الشر في ~~المجتمع فهناك مستفيدون منه، فإذا أتى رسول الله بالخير أسرع جنود الشر ~~ليؤذوا صاحب رسالة الخير، إذن: فمن الطبيعي أن يكون للنبي أعداء. والحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا... # [الأنعام: 112]. بل إن كل من يحمل من العلماء رسالة رسول الله ليبلغها ~~إلى الأجيال التالية، إن لم يكن له أعداء، أنقض ذلك من حظه في ميراث ~~النبوة، وكل من له أعداء ويقوم بهداية الناس إلى منهج الله، نقول له: لا ~~تنزعج، واطمئن لأن معنى وجود من يعاديك، أن فيك أثرا من آثار النبوة. ~~وتمثل إيذاء المنافقين له صلى الله عليه وسلم في عدة صور منها قولهم: { ~~ويقولون هو أذن }. وللإنسان - كما نعلم - وسائل إدراك متعددة: ~~فالأذن وسيلة إدراك، والعين وسيلة إدراك، والجوارح كلها وسائل إدراك. وكل ~~إنسان له ملكات متعددة، منها ملكات إدراكية وملكات نفسية، والملكات ~~الإدراكية هي التي يدرك بها الأشياء مثل: السمع والبصر والشم والذوق. أما ~~الملكات النفسية فهذه يوصف بها الناس. وعلى سبيل المثال: نحن نسمي ~~الجاسوس عينا لأنه يتجسس وينقل ما يراه إلى غيره. ms4152 ونسمي الرجل الذي يسمع ~~كل حدث " أذن " ، ونسمي اللص الذي يتعدى على ماله غيره صاحب اليد ~~الطويلة وهكذا. إذن: كل جارحة لها حاسة، والنظر والسمع والشم واللمس ~~والذوق كلها من وسائل الإدراك الحسية التي تتكون منها الخمائر المعنوية، ~~ثم تصبح عقائد، فوسائل الإدراك هذه تتلقى من العالم الحسي ما يعطيه لها ~~من معلومات، وتخزنها لتتصرف بعد ذلك على أساسها، وتكون في مجموعها هي ما ~~يعلمه الإنسان ولذلك نجد الحق سبحانه يمتن على خلقه، فيقول: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. والشكر لا يكون إلا على النعمة، فكأن وسائل الإدراك هذه ~~مما تسمعه أو تراه ببصرك، أو تدركه بفؤادك هي من نعم الله التي يجب أن ~~نشكره عليها لأنها أعطتنا العلم الحسي بعد أن كنا لا نعلم شيئا. وإذا ~~أطلق على الإنسان اسم جارحة من جوارحه، فاعلم أن هذه الجارحة هي العمدة ~~فيه، فكأن قول المنافقين وصفا للرسول { هو أذن } هو سب للرسول، ~~وكان الواحد منهم يقول: احذروا أن يبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيكشف نفاقهم ويؤذيكم لأن محمدا عليه الصلاة والسلام في رأيهم يصدق ~~كل شيء. أرادوا أن يتهموه صلى الله عليه وسلم أنه لا يمحص القول الذي ~~ينقل إليه ويصدق كل ما يقال له، كما نقول نحن في العامية " فلان ودني ~~" أي: يعطي أذنه لكل ما يقال له. # فيرد عليهم الله: { قل أذن خير لكم } لأنه صلى الله عليه ~~وسلم يستمع لمنهج السماء ويبلغه للبشر ليهدي أهل الأرض، إذن: فهو خير ~~للناس كلهم. وحتى إذا أخذنا كلامهم في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصدقهم إن كذبوا عليه، فهذا خير لهم لأنه صلى الله عليه وسلم لا يؤذيهم، ~~وهو صلى الله عليه وسلم { أذن خير } لأنه لا يسمع إلا من الله ~~بالوحي. ولذلك قلنا: إن الحكمة من أمية رسول الله عليه الصلاة والسلام، ~~أنه لم يستمع من مساو له، وإنما كان علمه من الله. فإذا ms4153 كانت الأمية ~~فينا نحن نقيصة فإنها الكمال كله في حق رسول الله عليه الصلاة والسلام ~~لأنه لم يأخذ إلا من خالقه، وهو أذن خير لأنه الأذن التي استمعت إلى آخر ~~إرسال ينزل من السماء لهداية الأرض. فإذا كان المنافقون قد قالوا: { هو ~~أذن } فقد قال سبحانه: { قل أذن خير لكم } ، وهو خير يعود ~~نفعه على البشرية كلها، ولكن ليس بالمعنى الذي تعيبونه عليه، فهو قد يسمع ~~إساءاتكم، ثم يسمع اعتذاركم فلا يؤذيكم ويعفو عنكم. وما دام هذا هو سلوك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلماذا تؤذونه وترهقونه؟ وفي اللغة ما ~~يسمونه " القول بالموجب " ، فإن قال لك واحد شيئا تصدقه وتقول له: نعم، ~~ولكن قد تأخذها على محمل آخر، فإن كان هناك إنسان يكثر الزيارة ~~لإنسان ويقول له: أنا أثقلت عليك، ويرد عليه: أنت أثقلت كاهلي ~~بأياديك، أي أن أفضالك علي كثيرة. وإن قال لك واحد: " أنا طولت عليك " ~~، يرد عليه صديقه: لا، أنت تطولت علي، أي: أعطيتني نعمة بأنك أسعدتني ~~بمجلسك. إذن: فهو قد وافقه على ما قال، ولكنه رد عليه بعكس ما قال. وهم ~~قد عابوا على الرسول أنه أذن، فكأن أذنه تتحكم في كل تصرفاته، وإن سمع ~~شيئا تأثر به. وإن سمع شيئا ينغصه ينقلب موقفه من النقيض إلى النقيض. ~~وحاولوا أن يدعوا عليه أنه يصدق كل ما يسمعه ولا يحتاط تجاه من يبلغه، ~~وقالوا: إنه صلى الله عليه وسلم { أذن } ، ورد الحق سبحانه { قل ~~أذن خير } وبطبيعة الحال لم يكن قول الحق موافقا لما قالوه لأن " ~~أذن " عندهم غير { أذن } التي أقرها الله سبحانه وتعالى. وقد يقول ~~بعض السطحيين: إن المنافقين قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم { ~~هو أذن } وهم يقصدون بذلك أنه يسمع ويصدق كل ما يقال له، وليس له ~~حكمة التمحيص والاختيار. لكن لنلتفت إلى أن الحق قد قال: { أذن خير ~~لكم } لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسمع إلا من الله، وما ~~يسمعه من الله أطاعه وطبقه، وما سمعه ms4154 من الناس عرضه على منهج الله فإن ~~وافق المنهج نفذه، وإن تعارض مع المنهج رفضه. # إذن: فهو أذن للخير لا يسمع إلا من الله، ولا يأتي من رسالته إلا الخير ~~لمن اتبعه. ولكن لماذا لم يقل الحق سبحانه وتعالى: أذن خير للمؤمنين، ~~وقال: { أذن خير لكم }؟ لأن خيرية رسول الله قد شملت الجميع، ~~وتعدت المؤمنين إلى المنافقين وإلى الكفار. فكان رسول الله صلى الله ~~عليه لا يفضح منافقا، إلا إذا فضح الله المنافق بقرآن نزل من السماء. ~~وعلى سبيل المثال: كان المنافقون يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~ويعتذرون عن الجهاد في سبيل الله ويطلبون الإذن بالقعود. وكان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعطيهم الإذن. وحين كان المنافقون يأتون إلى الرسول ~~الكريم ويحلفون له كذبا، كان يصدقهم، أو على الأرجح لا يفضح كذبهم أمام ~~الناس. إذن: فالخيرية فيه عليه الصلاة والسلام شملت المنافقين لأن ~~خلقه الكريم أبى أن يفضحهم أمام الناس. أما الكفار فد شملتهم الخيرية ~~أيضا لأن دعوته لهم إلى الإسلام، وإصراره صلى الله عليه وسلم على هذه ~~الدعوة، جعل عددا من الكفار يسلم ويؤمن، وأصابهم خير عميم من اهتدائهم ~~لدين الحق. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: { قل أذن خير لكم ~~} أي: للبشرية كلها. وهكذا فرق الحق سبحانه وتعالى بين ما يريدونه، وما ~~يقصده الله جل جلاله. هم قصدوا وصف الرسول أنه أذن سماعة. والله يقول: ~~إنها أذن خير وهذا ما يسمونه في اللغة - كما قلنا -: " بالقول الموجب " ، ~~أي: أن تتفق مع خصمك فيما قاله، إلا أنك تحول ما قاله من الشر إلى الخير. ~~والمثال أيضا فيما يقوله الحق سبحانه وتعالى على ألسنة المنافقين حين ~~قالوا: # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل... # [المنافقون: 8]. كانوا يقصدون أنهم هم الأعز، أما الأذل فهم المؤمنون. ~~ووافقهم الحق سبحانه وتعالى على ما قالوا نعم سيخرج منها الأعز ~~الأذل. ولكنه أراد أن يبين لهم من هو العزيز ومن هو الذليل فقال: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين... # [المنافقون: 8]. فكأن الحق سبحانه وتعالى ms4155 يؤكد لهم أن الأعز سيخرج ~~الأذل، ولكنهم يحسبون أنفسهم هم الأعزاء فيقول لهم: { ولله ~~العزة ولرسوله وللمؤمنين }. هذا ما يسمونه بالقول ~~الموجب، أي: أن تتفق مع من يقول، ويقصد أن يوجه كلامه وجهة الشر فتقلب ~~المقصود من الكلام وتوجهه وجهة الخير. وهذا مقصود به هنا أن تزيد من ذلة ~~المخاطب، فأنت تجعله يعتقد أنك توافقه، فتنفرج أساريره ويشعر بالسعادة ثم ~~بعد ذلك تنقض ما قاله فيصاب بالذل. تماما كما يأتي الحارس لسجين يشعر ~~بظمأ شديد ويلح في طلب كوب ماء. # فيقول له الحارس: سأحضر لك كوب الماء. وفعلا يحضر الكوب مليئا بالماء ~~المثلج، ويفرح السجين ويظن أنه سينال ما يريده، ولكن ما إن يقرب الحارس ~~الكوب من فم السجين، حتى يفرغه على الأرض، فيكون تعذيبه أكبر مما لو رفض ~~منذ البداية إحضار كوب الماء. وهكذا شاء الحق سبحانه وتعالى أن يزيد ذلة ~~المنافقين، فوافقهم على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أذن " ثم ~~جاء بنقيض ما كانوا يقصدونه فقال: { أذن خير لكم يؤمن ~~بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا ~~منكم } وما دام صلى الله عليه وسلم يؤمن بالله فهو يأخذ منهجه من الله ~~سبحانه وتعالى، ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم. إذن: فهناك ثلاثة ~~أدلة على خيرية رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه يؤمن بالله وينفذ ~~منهجه. ثم يؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا. ونلاحظ أن هناك اختلافا بين ~~قوله تعالى: { يؤمن بالله } وبين قوله عز وجل: { ويؤمن ~~للمؤمنين }. فبالنسبة للإيمان بالله جاء بالباء في قوله: { ~~بالله } وبالنسبة للمؤمنين جاء باللام في قوله: { للمؤمنين }. ~~بعض الناس يقولون: إن هذه مترادفات لأن معنى { يؤمن بالله } أي: ~~يصدق بوجوده. والمنافقون كفرة بالله، { ويؤمن للمؤمنين } ~~معناها أنه صلى الله عليه وسلم يصدق المؤمنين. أما المنافقون فهو صلى ~~الله عليه وسلم يعرف أنهم كاذبون فلا يصدقهم. ولكنه لا يفضحهم أمام ~~المؤمنين حتى لا يقطع عليهم خط الرجعة إن كانوا ينوون الإيمان فعلا. ولو ~~فضحهم صلى الله عليه وسلم أمام المؤمنين لضاعت هيبتهم تماما. ms4156 وإن فكر ~~أحدهم في ترك النفاق إلى الإيمان، لوجد صعوبة شديدة في ذلك لأن أحدا لن ~~يصدقه. ولكن أراد صلى الله عليه وسلم أن يسترهم أمام المؤمنين فجعل باب ~~الإيمان مفتوحا على مصراعيه لأنه صلى الله عليه وسلم إنما جاء رحمة ~~للعالمين، ولذلك فهو يحرص على أن يبقى باب التوبة وباب الإيمان أمامهم ~~مفتوحا دائما مع حفظ كرامتهم. قول الحق سبحانه وتعالى: { ويؤمن ~~للمؤمنين } أي: يصدقهم، وكلمة الإيمان بالنسبة للناس جاءت في آيات ~~كثيرة، منها قوله تعالى حين أعلن السحرة إيمانهم برب موسى وسجدوا قال لهم ~~فرعون: # آمنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم ~~الذي علمكم السحر... # [طه: 71]. ومعنى { آمنتم له } أي: صدقتموه، ولكن ما هو الفرق بين ~~الباء واللام؟ أنت حين تقول: آمنا بالله. فأنت تعلن أنك قد آمنت بالذات ~~بكل صفات الكمال فيها، وحين تقول: آمنت للمؤمنين فيما قالوه، أي صدقتهم ~~لأنهم مؤمنون. ومادة " آمن " تدور كلها حول الأمن والطمأنينة، ولكنها ~~تأتي مرة لازمة ومرة متعدية. مثلما تقول: " آمنت الطريق " أي: اطمأننت ~~إلى أنه لن يصيبني فيه شر. ومنها قول يعقوب عليه السلام لبنيه: # قال هل آمنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه ~~من قبل... # [يوسف: 64]. أي: أن السابقة هنا أنه آمنهم على يوسف فلم يرعوا الأمانة، ~~فصار لا يأمنهم على أخي يوسف، وهذه آمن اللازمة. أما المتعدية فهي التي ~~يتعدد فيها الأمن، مثل قوله تعالى: # وآمنهم من خوف... # [قريش: 4]. والخوف متعدد في أشكاله، فهناك مثلا خوف من الظلام، وخوف من ~~العدو، وخوف من مخاطر الطريق، إذن: فالأمن هنا شمل أشياء متعددة وقد ~~أدخلهم الحق سبحانه في الأمان والطمأنينة من أشياء متعددة. وقوله تعالى: ~~{ يؤمن بالله } هو إيمان بالذات، وإيمان بالصفات، وإيمان ~~بالمنهج، وإيمات يسع أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها، فكأن ~~الإيمان هنا قد تعددت جوانبه. أما الإيمان للمؤمنين فهو تصديق لهم وهذا ~~هو الخير الثاني. وقوله سبحانه { ورحمة للذين آمنوا } لأنه ~~صلى الله عليه وسلم شفيع لهم يوم القيامة، وقال: " أمتي أمتي ". وهو ms4157 رحمة ~~لهم في الدنيا لأنه يقودهم إلى الخير الذي يقودهم إلى سعادة الدنيا ثم ~~إلى جنة الآخرة، ويبعدهم عن الشر والنار فهو صلى الله عليه وسلم رحمة ~~تدفع الضرر وتأتي بالخير، والرحمة إنما تأتي باتقاء الضرر. والله سبحانه ~~وتعالى يقول: # شفآء ورحمة... # [الإسراء: 82]. الشفاء يعني أن يكون هناك مرض ويشفى الإنسان منه، ~~والرحمة ألا يأتي المرض، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر بمنهج ~~إذا اتبعه الناس وآمنوا به كان لهم وقاية فلا يصيبهم شر في الدنيا ولا ~~نار في الآخرة. ويتساءل بعض الناس: لقد قال الحق سبحانه وتعالى: { ~~ورحمة للذين آمنوا منكم } والمنافقون قد آمنوا بألسنتهم ~~فقط فما موقفهم؟ نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه رحمة فقد ~~احترم كلمة اللسان وصدقهم أمام الناس، أما الحق سبحانه فينزلهم في جهنم. ~~ثم يقول سبحانه وتعالى: { والذين يؤذون رسول الله لهم ~~عذاب أليم }. وإيذاء المنافقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يكن بالمواجهة لأنهم أعلنوا كلمة الإيمان، وكان الإيذاء لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من المنافقين في قلوبهم وفيما بينهم في مجالسهم، ولذلك لم ~~يكن الإيذاء منهم مباشرة قط، ولكن الآيات بينت أنواع الإيذاء بأنهم ~~يلمزون في الصدقات، ويقولون: إنه أذن، ويحلفون له كذبا ليضللوه، إلى ~~آخر ما كانوا يفعلون. ثم يأتي الحق بصورة أخرى من صور المنافقين فيقول ~~سبحانه: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم... }. ### || [9.62] # ومن العجيب أن سورة التوبة فيها أكبر عدد من لفظ " يحلفون " ، ولم ترد ~~مادة " يحلف " في سورة المائدة إلا مرة واحدة، وفي سورة النساء مرة، وفي ~~سورة المجادلة ثلاث مرات، أما في سورة التوبة فقد جاءت سبع مرات، وفي ~~سورة القلم جاءت " حلاف " ، حتى إن سورة التوبة سميت " سورة يحلف " لأن ~~فيها أكبر عدد من { يحلفون } في القرآن الكريم. ويقول الحق سبحانه: ~~{ يحلفون بالله لكم ليرضوكم } وفي هذا إصرار من ~~المنافقين على الحلف كذبا، وهو ما يوضح غباءهم وعدم فطنتهم. وأيضا يقول ~~الحق: # سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ~~لتعرضوا عنهم... # [التوبة: 95]. واستخدام ms4158 الحق سبحانه وتعالى حرف السين معناه أنهم لم ~~يحلفوا بعد، ولكنهم سيحلفون بعد فترة، أي في المستقبل، أي: أن الآية ~~الكريمة نزلت ولم يحلفوا بعد، إنما هم سيحلفون بعد نزول الآية الكريمة، ~~ولو كان عندهم ذرة من ذكاء ما حلفوا، ولقالوا: إن القرآن قال سنحلف ~~ولكننا لم نحلف. ولكنهم ورغم نزول الآية جاءوا مصدقين للقرآن مثبتين ~~للإيمان وحلفوا. وكلمة " حلف " هي القسم أو اليمين. وحين نتمعن في القرآن ~~نجد أن الحلف لا يطلق إلا على اليمين الكاذبة، أما القسم فإنه يطلق على ~~اليمين الصادقة واليمين الكاذبة. فمثلا عندما نقرأ في سورة المائدة: # ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم... # [المائدة: 89]. وما دامت هناك كفارة يمين يكون الحلف كذبا لأن الذي ~~يستوجب الكفارة هو الكذب. وإذا استعرضنا بعد ذلك كل " حلف " في القرآن ~~نجد أنه يقصد بها اليمين الكاذبة ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: # ولا تطع كل حلاف مهين # [القلم: 10]. فالحلف هنا مقصود به القسم الكاذب. ولكن إذا قال الحق ~~سبحانه وتعالى { أقسموا } فقد يكون اليمين صادقا وقد يكون كاذبا. ~~والحق سبحانه وتعالى يقول: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم ~~} أي: أن هدف الحلف كذبا هو إرضاء المؤمنين حتى يطمئنوا للمنافقين ولا ~~يتوقعوا منهم الشر، ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بالحقيقة: { والله ~~ورسوله أحق أن يرضوه } إذن: فهم يحلفون لترضوا أنتم ~~عنهم، أما المؤمن الحق فهو لا يقسم إلا ليرضى الله لأن الإنسان قد يخدع ~~البشر، وقد يفلت من عدالة الأرض، ولكنك لا تخدع الله ولا تلفت من عدالته ~~أبدا. ومن مهام الإيمان أن الإنسان يرعى الله في كل معاملة له مع البشر ~~ويبتغي رضاه ويخاف من غضبه، ذلك هو المؤمن الحق. وهنا نلاحظ أن الحق ~~سبحانه وتعالى قال: { والله ورسوله أحق أن يرضوه } ~~وكان القياس اللغوي على حسب كلام البشر أن يقول: والله ورسوله أحق أن ~~ترضوهما. وشاء الحق أن يأتى بها { والله ورسوله أحق أن ~~يرضوه } لأن رضا الله ورضا رسوله هو رضا واحد لأن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لا يأتي بالقرآن ms4159 من عنده، ولكنه وحي من عند الله. # وإرضاء الرسول هو اتباع المنهج الذي فيه رضا الله. لذلك يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله... # [الفتح: 10]. ويقول سبحانه: # قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم ~~الله... # [آل عمران: 31]. ويقول سبحانه: # من يطع الرسول فقد أطاع الله... # [النساء: 80]. إذن: فلا توجد طاعة لله وطاعة للرسول، ولا رضا لله ورضا ~~للرسول لأن الرضا منهما رضا واحد. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~والله ورسوله أحق أن يرضوه } دليل على اتحاد الرضا من ~~الله ومن رسوله، فما يرضي الله يرضي الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ~~يغضب الله يغضب الرسول. أو: أن الحق سبحانه وتعالى يريدنا أن نتأدب مع ~~ذاته، في أنه إذا اجتمع أمران لله ولرسوله لا نجعل أحدا مع الله، وإنما ~~نجعله له سبحانه وهو الواحد. ولذلك فعندما ارتكب رجل ذنبا، وقالوا له: ~~أعلن توبتك أمام رسول الله، قال الرجل: إني أتوب إلى الله ولا أتوب إلى ~~محمد. فقال له رسول الله: " وقعت على الخير ". انظر إلى عظمة الرسول ~~الكريم الذي يثني على رجل يقول أمامه: إني لا أتوب إلى محمد، وإنما أتوب ~~إلى الله. وقول الحق سبحانه: { إن كانوا مؤمنين } أي: إن كان ~~إيمانهم حقيقة، وليس نفاقا. إذن: فنحن لا نطلب الرضا من خلق الله، ولكن ~~نطلبه من الله. ورضا الله سبحانه وتعالى ورضا المبلغ عنه رسوله صلى ~~الله عليه وسلم رضا واحد. ولذلك وحد الضمير { والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه } ولم يقل يرضوهما. ثم يقول الحق بعد ذلك: { ~~ألم يعلموا أنه من يحادد... }. ### || [9.63] # إذا سمعت { ألم } ، فافهم أن هذا استنكار، كأن وسائل العلم قد تقدمت، ~~وكان من الواجب أن تعلم. فإذا قلت لإنسان: ألم تعلم أنه حدث كذا وكذا؟ ~~فمعنى ذلك أنه قد أعلن عن هذا الحادث عدة مرات، ومع ذلك لم يعلمه. وهذا ~~استنكار لتخلف هذا الإنسان عن العلم. وهنا يستنكر الحق عدم علم ~~المنافقين بقضية أعلنها الله مرات ومرات، وكان يجب أن يعلموها وألا تزول ms4160 ~~عن خواطرهم أبدا. وسبق أن قلنا: إن الاستفهام فيه نفي، والهمزة همزة ~~استفهام. ولم تأت للنفي، وإذا دخلت همزة الاستفهام على النفي يكون ~~استنكارا. فإن قلت لإنسان: ألم أكرمك؟ كأنك أكرمته عدة مرات وهو منكر ~~لذلك. وقول الحق سبحانه وتعالى: { ألم يعلموا } هو إقامة للحجة ~~على أن الحكم قد بلغهم لأنه من الجائز أن يقولوا: إن الحكم لم يبلغنا، ~~فيوضح لهم الحق: بل بلغكم الحكم وقد أعلمتكم به عدة مرات. { ألم ~~يعلموا أنه من يحادد الله } ما معنى يحادد؟ نجد في ~~الريف أن أهل الريف يضعون علامات من الحديد تفصل بين قطعة أرض وأخرى ~~مجاورة لها، كعلامة على الشيء الذي يفصل بين حق وحق ويسمونها حدا، ~~والذين يحادون الله هم الذين يجعلون الله في جانب وهم في جانب، وبذلك لا ~~يعيشون في معية الله ولا ينعمون بنعمة الإيمان به سبحانه ولا يطبقون ~~منهجه. بل يجعلون حدا بينهم وبين ما أمر به الله. وعندما أراد العلماء ~~تفسير هذه الآية قالوا: { يحادد } تعني: يعادي، وقالوا: بمعنى يشاقق ~~أي: يجعل نفسه في شق والله ورسوله ودينه في شق آخر. أو: يحارب دين الله ~~فيكون هو في وجهة ودين الله في وجهة أخرى. وهناك علاقة بين كلمة " يحارب ~~" وكلمة " حد " ، فحد السيف هو الجزء القاطع منه الذي يفصل أي شيء ~~يقطعه إلى جزءين، فكأن الذي يحادد هو من يحارب منهج الله ورسوله. فهو لا ~~يكفر بالله فقط، ولكنه يحمل السلاح ليجعل خلق الله يكفرون أيضا. والحق ~~سبحانه وتعالى يريد من المؤمنين أن يكونوا دائما في جانب الإيمان، وألا ~~يقيموا حدا بينهم وبين الإيمان به. والأحكام الشرعية تسمى حدودا، أي: ~~أن كل حكم قد وضع ليحدد حدا من حدود الله، تحفظ به الحقوق والأوامر. ~~ومنهج الله إما أن يكون أوامر، وإما أن يكون نواهي لأن منهج الدين كله في ~~" افعل " و " لا تفعل " ، ويضع الحق سبحانه وتعالى عقابا لمن يتعدى ~~حدوده سبحانه، فيقول سبحانه: # تلك حدود الله فلا تقربوها... # [البقرة: 187]. ويقول: # تلك حدود الله فلا ms4161 تعتدوها... # [البقرة: 229]. ويسأل بعض الناس: ما الفرق بين اللفظين { تعتدوها } ~~و { تقربوها }. # ونقول إذا كانت هناك أوامر فلا تتعد الأمر، وإذا كانت هناك نواه فلا ~~تقترب من المنهى عنه. ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى حين نهى آدم وحواء عن ~~الأكل من الشجرة المحرمة لم يقل: لا تأكلا من الشجرة، بل قال: # فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة... # [الأعراف: 19]. وبذلك أباح سبحانه الأكل من كل ثمار الجنة، ولكنه أمر { ~~ولا تقربا هذه الشجرة } لأن القرب من هذه الشجرة إغراء ~~بالمعصية فقد يعجبهما منظر الثمرة. وقد تغريهما رائحتها، وقد يفتنهما ~~لونها. ولكن عندما لا يقتربان من هذه المغريات كلها فهما يحميان نفسيهما ~~من المعصية. وعندما تكلم الحق سبحانه وتعالى عن الخمر قال: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه... # [المائدة: 90]. والحق لم يقل: لا تشربوا الخمر، ولكن أمر باجتناب الخمر، ~~أي: لا تقرب أي مكان فيه خمر لأن وجود الإنسان في مكان فيه خمر قد يوحي ~~إليه بتناولها. وقد يجد من الجالسين من يحاول إغراء من لا يشرب بأن ~~يتناول ولو جرعة. إذن: فالحق سبحانه يريد أن يقي النفس المؤمنة من أن ~~تغرى بالمعصية فتقع فيها. ويقول سبحانه في أدب الاعتكاف: # ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك ~~حدود الله... # [البقرة: 187]. المنهي عنه هنا هو المباشرة، أي: إن تواجدت الزوجة مع ~~زوجها في المسجد، فليس في هذا الأمر معصية شرط ألا يباشرها الزوج، ثم ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: { تلك حدود الله } ولم يقل: فلا ~~تفعلوها، ولكنه قال: # فلا تقربوها... # [البقرة: 187]. إذن: ففيهما نهى الله سبحانه وتعالى عنه مطلوب من المسلم ~~ألا يقرب منه، أي: لا تكن أنت والشيء الذي نهى الله عنه في مكان واحد، بل ~~عليك أن تبتعد عن المكان لأن المعصية لها إغراءات، وما دمت بعيدا عن ~~الإغراءات فأنت تعصم نفسك، أما إن اقتربت منها فقد تقع فيها. أما في ~~الأوامر فيقول الحق سبحانه وتعالى: { فلا تعتدوها }. وعلى سبيل ~~المثال: إن نشأ خلاف بين الزوجين ms4162 وفشلت كل محاولات الصلح بينهما، يقول ~~الحق سبحانه: # فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا ~~تعتدوها... # [البقرة: 229]. إذن: ففي الأوامر يقول الحق: { فلا تعتدوها } ، ~~وفي النواهي يقول سبحانه: { فلا تقربوها }. وهنا في الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها ينذر الحق سبحانه وتعالى الذين يحادون الله ورسوله ~~فيقول: { ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله ~~فأن له نار جهنم خالدا فيها ذلك الخزي ~~العظيم } والإنذار هنا يتمثل في أنه يوضح لهم أن ما ينتظرهم ليس هو ~~العذاب الجسدي فقط، ولكنه عذاب فيه خزي وهوان، فمثلا بعض الناس قد يتحمل ~~ويتجلد أمام الألم حتى لا يشمت فيه عدوه لذلك فالعذاب الذي يعدهم الله به ~~في الآخرة ليس أليما فقط، ولكن فيه خزي وهوان. ويتمثل الخزي في أن ~~المتكبر في الدنيا يأتي إلى الآخرة ويهان أمام الخلق جميعا، ويكفي خزيا ~~أن يكون في النار. والمؤمنون الذين تكبر عليهم في الدنيا يعيشون في ~~نعيم الجنة، وتلك حسرة تصيبه ليس بعدها حسرة. ثم يفضح الحق سبحانه وتعالى ~~المنافقين فيقول: { يحذر المنافقون أن تنزل... }. ### || [9.64] # والحذر معناه الاستعداد لدفع خطر أو ضرر متوقع، وعلى سبيل المثال يقال ~~لمن يسافر في طريق محفوف بالأخطار: خذ حذرك وأنت تسير في هذا الطريق. ~~وهنا قد يصحب المسافر معه رفيقا، أو يأخذ معه سلاحا يدافع به عن نفسه ~~إن قابلته عصابة من قطاع الطرق. إذن: فالحذر هو الإعداد لدفع خطر أو ضرر ~~متوقع. ولكن إذا كانت السورة تتنزل من عند الله على رسوله فكيف يحذرون ~~ويستعدون لنزول هذه السورة؟ نقول: إن هذا استهزاء بهم لأنهم أظهروا ~~الإيمان وأبطنوا الكفر، ولأن آيات سابقة نزلت تفضح ما يخبئونه في نفوسهم. ~~فهم دائما خائفون من أن تنزل آية جديدة تفضحهم أمام المسلمين. الحق ~~سبحانه وتعالى يريدهم أن يعرفوا أنه عليم بما في نفوسهم، ويخوفهم من أن ~~تنزل آيات تكشفهم، فهم يخشون أن يخرج ما في بطونهم من كفر يخفونه، وهو ~~غيب عن المؤمنين. والغيب ms4163 - كما نعلم - محجوب بزمان ومكان، وغيب الزمان ~~محجوب بالماضي أو بالمستقبل، فإن كان هناك حدث قد مضى ولم تشهده، فهو غيب ~~عنك ما لم تعلمه من كتب التاريخ، وكذلك إن كان هناك حدث سوف يأتي في ~~المستقبل، فهو لم يقع بعد، فهو إذن محجوب بالمستقبل، أما حجاب المكان فهو ~~حجاب الحاضر، وعلى سبيل المثال: إن كنا الآن في القاهرة فنحن لا نعلم ما ~~يحدث في الإسكندرية. والله سبحانه وتعالى هتك كل هذه الحجب في القرآن ~~الكريم، فهتك الحق سبحانه حجاب الماضي في أمثلة كثيرة أخبر بها رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، مثل قوله سبحانه: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر وما كنت من الشاهدين # [القصص: 44]. وأيضا يقول سبحانه: # وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم ~~آياتنا ولكنا كنا مرسلين # [القصص: 45]. فكأن الحق سبحانه وتعالى قد كشف لرسوله من حجب الزمن ~~الماضي، ما لم يكن يعلمه أحد، وذلك مصداقا لقوله تعالى: # تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك ما كنت ~~تعلمهآ أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن ~~العاقبة للمتقين # [هود: 49]. وكشف الله سبحانه وتعالى - أيضا - لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين حجاب الزمن المستقبل فقال: # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن ~~قبلتهم... # [البقرة: 142]. وهؤلاء السفهاء سمعوا الآية قبل أن يتساءلوا عن تحويل ~~القبلة، ورغم ذلك تساءلوا عن تحويل قبلة الصلاة. وأيضا قال الحق من ~~أمثلة كشف حجب المستقبل: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. وقد نزلت هذه الآية والمسلمون يلاقون عذابا شديدا من ~~الكفار، حتى إن عمر بن الخطاب قال: أي جمع هذا؟ وعندما حدثت غزوة بدر قال ~~عمر: صدقت ربي: { سيهزم الجمع ويولون الدبر }. وكذلك ~~كشف الحق سبحانه وتعالى حجاب المستقبل حين قال: # غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من ~~قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر ~~الله ينصر من يشآء وهو العزيز الرحيم # [الروم: 2-5]. أي: أن الله تبارك وتعالى أعطى نتيجة المعركة بين الروم ms4164 ~~والفرس قبل أن تحدث بسنوات طويلة، وحدد الجانب المنتصر وهو الروم، وكذلك ~~أنبأ سبحانه وتعالى رسوله بما يحدث في أعماق النفس. وما يدور في صدور ~~الخلق، وساعة ما ينتهك حجاب النفس، كأنه يوضح لكل إنسان: إن سرك ~~الذاتي مفضوح عند الله، والمثال على هذا قول الحق سبحانه: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول... # [المجادلة: 8]. هم قالوا في أنفسهم، ولو لم يقولوا لعارضوا ما أخبرهم به ~~محمد صلى الله عليه وسلم عما قالوه في أنفسهم وأعلنوا أنه كذب. ولكنهم لم ~~يكذبوا رسول الله فيما أبلغ عن الله. وهذا يدلنا أيضا على أن ~~المنافقين كانوا في حذر، وكان يغلب على ظنهم صدق رسول الله. والمثال هو ~~قول الحق هنا: { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم ~~سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن ~~الله مخرج ما تحذرون } [التوبة: 64]. وإن كان البعض منهم ~~قد استهزأ قائلا: لا داعي أن نتكلم حتى لا ينزل فينا قرآنا، فالحق ~~يبلغ رسوله أن يرد عليهم: { قل استهزءوا إن الله ~~مخرج ما تحذرون } [التوبة: 64]. وما تحذرون منه أيها ~~المنافقون سيكشفه الله لرسوله وللمؤمنين. ويقول الحق بعد ذلك: { ولئن ~~سألتهم ليقولن إنما... }. ### || [9.65] # وإن سألتهم يا رسول الله: هل تناولتم الإسلام بسوء أو عيب في مجالسكم، ~~فسوف يقولون: إن كان هذا قد حدث فهو مجرد خوض ولعب، وكلام مجالس لا قيمة ~~له. والخوض أن تدخل نفسك في سائل، مثل الذي يخوض في الماء أو يخوض في ~~الطين، وقد أطلق على كل خوض، ثم اقتصر على الخوض في الباطل، أي: أن ~~المسألة لم تكن جدية بل كانت مجرد تسلية ولعب. ويقول الله لرسوله: { قل ~~أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون } أي: إذا ~~قالوا لك: إن هذا حديث تسلية ولعب فاللعب هو أمر لا فائدة منه إلا قتل ~~الوقت، قل: أليس عندكم إلا الاستهزاء بآيات الله ورسوله وأحكام الإسلام ~~تقتلون به الوقت؟ فهل هذه المسائل خوض ولعب؟ ثم يعطيهم الله الحكم: { لا ~~تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم... }. ### || [9.66] # وهل سبق للمنافقين ms4165 إيمان ثم جاء كفر؟ لا، ولكن قوله تعالى { قد ~~كفرتم } يعني: أنكم أيها المنافقون قد فضحتم أنفسكم لأنكم كنتم ~~تعلنون الإيمان فقط، ثم أظهر الحق أن إيمانكم إيمان لسان لا إيمان وجدان. ~~ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { إن نعف عن طآئفة منكم ~~نعذب طآئفة بأنهم كانوا مجرمين } انظر إلى رحمة ~~الله، وكيف أنه - جل وعلا - لم يوصد باب التوبة أمامهم، بعد أن كشف ما ~~في نفوسهم، هنا يعلن له الحق أن الطائفة التي ستتوب توبة صادقة، والتي لم ~~تشترك في هذا الخوض سيغفر لهم الله. أما الذين بقوا على نفاقهم ~~وإجرامهم - والإجرام هو القطع، وجرمت الثمرة أي قطعتها، وسمي إجراما ~~لأنه قطع حقا عن باطل - أي الذين قطعوا واقعهم بقلوبهم وسلوكهم عن ~~الإيمان، فسوف يعذبهم الحق سبحانه. ### || [9.67] # ثم يعود سبحانه وتعالى إلى الأحكام التكليفية، وعادة تكون الأحكام ~~التكليفية من الله كلها على الذكورة، وليس فيها على الأنوثة إلا عدد قليل ~~من الآيات مثل قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى ~~أن يكن خيرا منهن... # [الحجرات: 11]. وقوله تعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى... # [النحل: 97]. أما باقي الأحكام فتنصب على الذكورة، وتدخل الإناث في ~~الأحكام لأن الأنوثة مبنية على الستر في الذكورة. ولكنه كان لا بد هنا ~~من ذكر المنافقين والمنافقات على كل حدة لأن للرجال مجالس، وللنساء ~~مجالس، ولكل منهما أفعال وأقوال تختلف عن الآخرين.. ولذلك كان لا بد من ~~النص على المنافقات. وقوله الحق سبحانه: { بعضهم من بعض } أي: ~~لا يتميز أحد من المنافقين والمنافقات عن الآخر في الخسة والقبح ~~والفضائح، ويحدد الله خصالهم في قوله تعالى: { يأمرون بالمنكر ~~وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم } فهم إن فعل ~~الناس معروفا ينهونهم عنه، بل إنهم يشجعونهم على فعل المنكر، وهم لا ~~ينفقون في سبيل الله إذا طلب منهم الإنفاق. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~نسوا الله فنسيهم } وهل ينسى الحق سبحانه وتعالى بالفطرة؟ ~~لا، ولكن المقصود أنهم ms4166 نسوا مطلوبات الله وتكاليفه فنساهم الله أي ~~أهملهم، فمن يبعد عن الله يزده الله بعدا، مصداقا لقوله تعالى: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا... # [البقرة: 10]. فإن كنت مسرورا من أنك نسيت الله فسيزيدك نسيانا، ويختم ~~على قلبك فلا يخرج منه الكفر أبدا. ثم يعطي الحق سبحانه الحكم: { إن ~~المنافقين هم الفاسقون } وكلمة " منافق " - كما نعرف - ~~مأخوذة من نفقاء اليربوع، وهو حيوان يشبه الفأر ويسكن في الصحراء ويحفر ~~لنفسه نفقا في الأرض له بابان، وإن ترصد له الصائد عند أحدهما خرج من ~~الثاني، وهكذا ترى أن المنافق له وجهان. والفسوق معناه الخروج عن منهج ~~الطاعة وهو مأخوذ من " فسقت الرطب " أي: انفصلت القشرة عن الثمرة. ~~والقشرة - كما نعلم - مخلوقة لصيانة الثمرة فإذا فسقت عنها تلفت الثمرة. ~~والإنسان إذا فسق خرج عن طاعة الله. ثم يأتي الله بما أعده للمنافقين ~~فيقول: { وعد الله المنافقين والمنافقات... }. ### || [9.68] # والوعد للخير والوعيد للشر، ويقال: " أوعد " في الشر، وفي بعض الأحيان ~~تستخدم كلمة " وعد " بدلا من " أوعد " حتى إذا استمع السامع لها ~~يتوقع خيرا. فإذا جاء الأمر بالعذاب كان ذلك أليما على النفس. وهذا ~~استهزاء بالمنافقين والكفار، مثل قوله تعالى: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي ~~الوجوه... # [الكهف: 29]. كأن الله أعطاهم وعدا أنهم إن يستغيثوا سيأتيهم الغوث ثم ~~يقلبه عليهم ويجعله ماء يغلي ويشوي وجوههم - والعياذ بالله - ونلحظ أيضا ~~أن الحق سبحانه قد قدم المنافقين والمنافقات على الكفار، وهذا يؤيده ~~قول الحق سبحانه وتعالى: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن ~~تجد لهم نصيرا # [النساء: 145]. وهنا يقول الحق سبحانه: { وعد الله المنافقين ~~والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي ~~حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم }. وهكذا نرى ~~أن المنافقين موقعهم الدرك الأسفل من النار. والكفار موقعهم الدرك ~~الأعلى، وقد يسأل سائل: كيف يكون ذلك؟ ونقول: إن الكافر بكفره قد أعطانا ~~مناعة فلأنه أعلن الكفر فنحن نأخذ حذرنا دائما منه، فلا يلحق بنا إلا ~~ضررا محدودا، أما المنافق فهو قد تظاهر بالإيمان فآمناه، ويستطيع أن ~~يلحق ms4167 بنا شرا رهيبا لأنه بحكم ما أخذه من أمان منا، يعرف أسرارنا ~~ومواطن الضعف فينا، وقد تكون طعنته قاتلة. والعدو الخفي - كما نعلم - شر ~~من العدو الظاهر لأننا نكون على حذر من العدو الظاهر، لكننا لا نأخذ ~~الحذر من العدو الخفي، وهو يعرف ما في نفسي، ويعرف كل تحركاتي، ويستطيع ~~أن يغدر بي في أي وقت دون أن أكون منتبها لهذا الغدر. ولذلك إذا أراد ~~قوم أن يكيدوا للإسلام دون أن يسلموا، فكيدهم يفشل لأنهم وهم على الكفر ~~سيجدون مناعة عند المسلمين من الاستماع إليهم. أما إن احتالوا ودخلوا على ~~الإسلام من داخل المسلمين أنفسهم، فهم يجندون عددا من ضعاف الإيمان ~~ليطعنوا في هذا الدين، وتكون طعنات هؤلاء المسلمين بالاسم، هي القاتلة ~~وهي المؤثرة. هنا نلاحظ في قول الحق سبحانه وتعالى: { نار جهنم ~~خالدين فيها } ولم يقل الحق بالخلود أبدا في النار إلا في ثلاث ~~آيات فقط في القرآن الكريم. في قوله تعالى: # إلا طريق جهنم خالدين فيهآ أبدا وكان ذلك ~~على الله يسيرا # [النساء: 169]. وقوله عز وجل: # إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * ~~خالدين فيهآ أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا # [الأحزاب: 64-65]. وقوله جل جلاله: # ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيهآ أبدا # [الجن: 23]. ولكنه ذكر الخلود في الجنة أبدا مرات كثيرة. ونقول: إن ~~الجنة هي بشرى النعيم للمؤمنين. ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يؤنس خلقه ~~بالنعيم الذي ينتظرهم، ولكن بالنسبة للنار فهي دار عذاب، وتأبى رحمة الله ~~وهو الخالق الرحيم بعباده ألا يذكر الخلود في النار متبوعا بكلمة أبدا ~~إلا في ثلاث آيات حتى لا يظن الكفار أن الله سبحانه وتعالى بقوله: { ~~خالدين } دون ذكر الأبدية أنه خلود مؤقت في النار لذلك يذكرهم ~~بأنه خلود أبدي. # وفي نفس الوقت تأبى رحمته سبحانه وتعالى أن يكون ذلك في كل آية تذكر ~~فيها النار حتى يفتح طريق التوبة والرحمة لكل عاص، عله يتوب ويرجع ~~إلى الله. والحق سبحانه يقول: # فأما الذين شقوا ففي النار لهم ms4168 فيها زفير ~~وشهيق * خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ~~إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما يريد * ~~وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما ~~دامت السموات والأرض إلا ما شآء ربك عطآء ~~غير مجذوذ # [هود: 106-108]. وثار الحديث بين المستشرقين: كيف يقول الحق سبحانه ~~وتعالى عن النار والجنة خالدين فيها أبدا؟ ثم يأتي في هذه الآيات ~~ويستثنى ويقول: { إلا ما شآء ربك } والاستثناء وارد على المؤمن ~~والكافر؟ ونقول: إن الذين يثيرون هذا الاعتراض لم يفهموا القرآن ولا ~~المنهج، فالذين سيدخلون النار قسمان: قسم آمن ولكنه عصى وارتكب سيئات ~~فيعذب في النار على قدر سيئاته، ثم يخرجه الله من النار إلى الجنة ~~لأنه مؤمن، وقسم آخر كافر أو منافق، الاثنان يدخلان النار، ولكن أولهما - ~~وهو المؤمن - يعذب على قدر سيئاته. والثاني يبقى خالدا فيها لأنه ~~كفر أو نافق. إذن: فالمؤمن العاصي لا يخلد في النار ولذلك قال الحق ~~سبحانه وتعالى: { إلا ما شآء ربك } لأنه لن يبقى في النار إلا ~~بقدر سيئاته، فكأن خلوده في النار من البداية مؤقت وهو لا يبقى خالدا ~~فيها لأن مشيئة الله سبحانه وتعالى تدركه، فتخرجه من النار إلى الجنة. ~~أما الكافر والمنافق فهما خالدان في النار لا يخرجان منها، فكأن هناك من ~~يدخل النار ولا يكون خلوده فيها أبديا، وهذا هو المؤمن العاصي. وهناك ~~من يدخل النار ويخلد فيها أبدا، وهذا هو الكافر أو المنافق. وإذا جئنا ~~إلى الجنة، فهناك من سيدخل فيها خالدا أبدا أي منذ انتهاء الحساب إلى ~~ما لا نهاية. وهذا هو المؤمن الذي غلبت حسناته سيئاته وأدخله الحق الجنة. ~~ولكن هناك من سيدخل الجنة، ولكن خلوده فيها يكون ناقصا وهو المؤمن ~~العاصي لأنه سيدخل النار أولا ليجازى بمعاصيه. إذن: فالمؤمن العاصي ~~خلوده في النار ناقص لأنه لن يبقى فيها أبدا. وكذلك يفتقد الخلود في ~~الجنة فور انتهاء لحظة الحساب لأنه لن يدخل فيها بعد الحساب مباشرة، بل ~~سيدخل النار أولا بقدر معاصيه. فقول الحق سبحانه وتعالى: { إلا ما ~~شآء ms4169 ربك } ينطبق على عصاة المؤمنين الذين سيأخذون حظهم من العذاب ~~أولا على قدر سيئاتهم، ثم بعد ذلك يدخلون الجنة. # وقول الحق عن خلود المنافقين في النار: { هي حسبهم } أي تكفيهم، ~~كأن يكون هناك إنسان شرير وأنت تريد أن تؤدبه، فيأتي إنسان قوي ويقول لك: ~~اتركه لي، أنا وحدي كفيل أن أؤدبه، فتقول: هذا حسبه، أي يكفيه هذا ليتم ~~التأديب المطلوب. كذلك النار، فسبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنها ~~تكفيهم، أي: أن ما سيعانونه فيها من ألم وعذاب كاف جدا لمجازاتهم على ~~ما فعلوه من سيئات. ثم يقول الحق: { ولعنهم الله } أي: طردهم من ~~رحمته ومن طاعته فلا يقبل لهم توبة ولا عودة لأن مكان التوبة هو الدنيا. ~~وأما ما بعد الموت والآخرة، فلا محل فيهما لتوبة ولا رجوع عن معصية لأن ~~زمان ذلك قد انتهى. لذلك فالعذاب لمن لم يتب في الدنيا هو عذاب مقيم ~~في الآخرة. { ولهم عذاب مقيم } وقد وصف الحق عذاب جهنم مرة ~~بأنه عذاب أليم، ومرة بأنه عذاب مهين، ومرة بأنه عذاب مقيم لأنه يريدنا ~~أن نعلم أن كل أنواع العذاب ستصيب أهل جهنم، فإن كان الإنسان متجلدا ~~له كبرياء يتحمل الألم الشديد ولا يظهر ما يعاني، فالعذاب لن يكون ~~أليما فقط، ولكنه مهين أيضا، والهوان هو إيلام النفس، وإن كان ذا ~~كبرياء متجلد فإنه يجر على وجهه ويهان. وبعض الناس قد يتحمل ~~الألم، ولكن لا يتحمل الإهانة التي تصيبه بعذاب نفسي أكثر من العذاب ~~البدني، فقد تأتي لكبير قوم وتهينه أمام أتباعه، أو لأب وتهينه أمام ~~أولاده، ويكون هذا أكثر إيلاما لنفسه من أن تضربه. وقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { عذاب مقيم } أي: عذاب دائم، فإن كان أليما يبقى الألم ~~على شدته ولا يخفف أبدا، وإن كان مهينا تبقى الإهانة مستمرة ولا ~~تزول أبدا. وفي كلتا الحالتين هو عذاب فيه إقامة وفيه دوام واستمرار. ثم ~~يخاطب الحق سبحانه وتعالى الكفار والمنافقين، ويقول جل وعلا للخارجين عن ~~منهجه: { كالذين من قبلكم كانوا... }. ### || [9.69] # وهنا يذكرهم سبحانه ms4170 بمواكب الكفر التي صاحبت الرسل السابقين، وقد ~~كانت هذه المواكب فيها المنافقون وفيها الكفار، وسبحانه وتعالى عندما ~~يرسل رسولا يؤيده ضد أعداء منهج الخير. والحق سبحانه يريدنا أن نتذكر ما ~~حدث للأمم السابقة الذين كانوا أكثر قوة وأكثر أموالا وأولادا من أولئك ~~الكفار والمنافقين الذين يواجهون رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولنقرأ ~~قول الحق جل جلاله: # والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * والليل ~~إذا يسر * هل في ذلك قسم لذى حجر * ألم تر ~~كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم ~~يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا ~~الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * الذين ~~طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب ~~عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 1-14]. ونحن لم نشهد { إرم ذات العماد } التي وصفها ~~الحق سبحانه وتعالى بقوله: { لم يخلق مثلها في البلاد } ، ~~ولكن القرآن أكد لنا أنها وصلت إلى درجة من الحضارة التي لم يصل إليها ~~أحد. وقد يتساءل بعض الناس: أين { إرم ذات العماد } من حضارات ~~اليوم؟. ونقول: إن هناك أسرارا لله في كونه قد أعطاها بعض خلقه ولم ~~يعطها لأحد حتى الآن. وإذا نظرنا إلى الفراعنة مثلا نجد أن الحق ~~سبحانه وتعالى قد وصفهم في القرآن بقوله: { وفرعون ذى الأوتاد ~~}. والأهرامات أوتاد، والمسلات أوتاد، وما زالت علوم حضارة الفراعنة تغيب ~~عن البشر حتى الآن، فهناك من مظاهر هذه الحضارة ما نعجز عنه حتى الآن، ~~مثل سر التحنيط وبناء الأهرام فهذه الكتل الحجرية الضخمة التي ارتفعت ~~ويمسك بعضها البعض، دون أية مواد مثبتة، وما زال العلم الحديث عاجزا حتى ~~اليوم عن أن يوجد هرما مبنيا بنفس طريقة قدماء المصريين دون استخدام ~~أي مواد مثبتة، ومع ذلك فهؤلاء الفراعنة لم يستطيعوا أن يسودوا الكون رغم ~~قوتهم وحضارتهم، بل أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. وجاءت الرمال فدفنت ~~حضارتهم. ثم شاء الله لنا أن نكشف عن جزء بسيط منها فإذا بهذا الجزء ~~البسيط يبهر الدنيا كلها. وإذا بالعالم كله يأتي ليشاهد حضارة الفراعنة، ~~ويتعجب من هذا ms4171 الفن وهذا الرقي في العلم. فإذا كانت هذه هي حضارة آل ~~فرعون، فما بالك بحضارة إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد؟ ~~وهكذا نعلم أن بعض حضارة إرم ذات العماد ما زالت مخفية حتى الآن لا يعلم ~~أحد عنها شيئا. ومدفونة في باطن الأرض. ولعل الله سبحانه وتعالى قد ~~أبقاها ليكشفها في زمن قادم يزداد فيه بعد الناس عن الدين لأن الإنسان ~~كلما تقدم في الحضارة ابتعد عن الإيمان لإحساسه بأنه متمكن في الكون ~~مسيطر عليه حينئذ ربما يكشف الحق سبحانه وتعالى عن حضارة { إرم ذات ~~العماد } ليعرف الناس أن ما وصلوا إليه لا يساوي شيئا مما كشفه الله ~~لهؤلاء القوم. # وإن سأل سائل: أين هي حضارة { إرم ذات العماد }؟ نقول له: إنها ~~في وادي الأحقاف والهبة الواحدة من الرياح في هذا الوادي تستر قافلة ~~بأكملها أي إذا هبت ريح، فإن الرمال لا تداري الطريق وحده ولكنها تداري ~~القافلة كلها، فكم عاصفة رملية هبت على المكان الذي كانت تقطنه { إرم ~~ذات العماد } فأخفت حضارتهم؟ لا بد إذن من حفريات على مستوى عميق ~~جدا لنعثر على تلك الحضارة لأننا نعلم ونرى أن كل الكشوف الأثرية تحتاج ~~أن نحفر لها لأن الرمال تتراكم فوق الآثار. بل إننا نرى البيوت القديمة ~~في القرى، لا بد أن تنزل لها بدرجة أو درجتين لتدخل إليها من الباب لأن ~~العوامل الطبيعية والرصف وغير ذلك تزيد من علو الطريق. فإذا كان هذا هو ~~عمل الرياح العادية في وقت قصير، فما بالك بالأعاصير في أزمان طويلة؟ ~~وأنت إذا سافرت وأغلقت نوافذ مسكنك إغلاقا محكما، وعدت بعد شهر ~~واحد تجد الأثاث مغطى بطبقة من التراب، فإن غبت عاما وجدت كمية كثيفة ~~من التراب، هذا بالنسبة لبيت محكم الإغلاق، فما بالك بحضارة معرضة لكل ~~هذه الظواهر الطبيعية، وتستر كل شهر بطبقة جديدة كثيفة من التراب؟ ~~ويقول سبحانه: { كانوا أشد منكم قوة } أي: أن حضارتهم أكبر ~~من حضارتنا لأن الحضارة كلما كانت متقدمة كانت الأمة قوية، وكلما تأخر ~~شعب ms4172 حضاريا كان ضعيفا. إذن: فالذين من قبلنا كانوا أكثر حضارة وأكثر ~~أموالا وأولادا. ولسائل أن يسأل: كيف تكون لهم كثرة أولاد والعالم ~~يزداد عددا كل عام، وكيف تكون لهم كثرة أموال ونحن نكشف كنوز الأرض ~~جيلا بعد جيل؟ نقول: لا تأخذ الكثرة على أنها كثرة عددية، بل خذها ~~بنسبتها لأنك إذا جئت بمائة شخص ووضعتهم في حجرة، يقال عنهم: " كثير ". ~~فإذا أخذت كل واحد منهم ووضعته في مكان بعيد عن الآخر يكون العدد قليلا. ~~وكان العالم في الماضي مسكونا بأماكن محدودة، بدليل أننا اكتشفنا قارات ~~وأماكن لم يكن يعرفها أحد. إذن: فالكثرة هنا بالنسبة للحيز، وهم في حيزهم ~~الذي يعيشون فيه كانوا كثرة، وبالأموال التي كانت بين أيديهم بعددهم ~~المحدود كانوا أكثر منكم أموالا بعددكم الكبير، أي أن نصيب الفرد كان ~~أكبر، وكذلك الأولاد. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { فاستمتعوا ~~بخلاقهم } والخلاق هو النصيب أو الحظ الذي يصيب الإنسان من أي نعمة، ~~ويقول سبحانه: # فمن الناس من يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له ~~في الآخرة من خلاق # [البقرة: 200]. أي: ليس له في الآخرة نصيب من نعم الله، فالذين عملوا ~~للدنيا وحدها ولم يكن في بالهم الله، يأبى عدل الحق سبحانه وتعالى أن ~~يضيع عليهم نتيجة عملهم، ولذلك فهو يعطيه لهم في الدنيا، ولكن من يعمل ~~وفي باله الله يعطيه الله من الدنيا ويوفيه أجره في الآخرة. # ولذلك نجد بعضا من المؤمنين يسألون: كيف يكون الكفار أحسن حالا من ~~المؤمنين في الحضارة المادية، ولماذا يأخذ الكفار من خيرات الأرض ما ~~يكفيهم ويزيد، لدرجة أنهم في بعض البلاد يلقون بالفائض في البحر، بينما ~~تجد المسلمين يعيشون في حضارة مادية محدودة، ويستوردون ما يأكلون؟ ~~ولنتذكر الحقيقة الواضحة التي أكررها دائما لكل مسلم: إياك أن يغيب عنك ~~أن هناك " عطاء للرب " و " عطاء للإله ". فعطاء الرب للجميع لأن الرب هو ~~الذي خلق وربى، وأمدنا بالأقوات، وسبحانه ليس رب المؤمن فقط. لكنه رب ~~المؤمن والكافر. ولذلك إذا أخذ المؤمن أو الكافر بالأسباب أعطاه الله ms4173 ~~فالأرض تعطى محصولا وفيرا لمن يحسن زراعتها وينتقي لها التقاوي ~~ويرعاها، لا تفرق في ذلك بين مؤمن وكافر، والكون يعطي كنوزه لمن يبحث ~~عنها ويجتهد، لا فرق بين مؤمن وكافر، وهذا عطاء الربوبية. أما عطاء ~~الألوهية فقد خص الله سبحانه وتعالى به عباده المؤمنين الذين يتبعون ~~منهجه، هذا عطاء العبادة يجزي به الإنسان في الآخرة، والذي يأخذ العطاءين ~~هو السعيد، يأخذ عطاء الربوبية فيستغل أسباب الحياة فيعطيه الله خير ~~الدنيا، ويأخذ عطاء الألوهية بأن يجعل حياته وفقا لمنهج الله، فيعطيه ~~الله النعيم في الآخرة. والأسباب في الدنيا لا تفرق بين مؤمن وكافر، ~~فالشمس تشرق على المؤمن والكافر، والمطر ينزل على الطائع والعاصي لأن هذا ~~عطاء ربوبية. من أحسن استخدامه أعطاه بصرف النظر عن الطاعة أو المعصية. ~~ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. لماذا؟ لأنك عملت للدنيا وحدها.. وكنت تعمل ليقال إنك ~~مخترع أو مكتشف.. أو لتحصل على الأموال أو الأوسمة.. أو النفوذ والجاه في ~~الدنيا، ولكنك لم تكن تعمل وفي بالك الله. وبعض الناس يأتي ليقول لك: هل ~~الذي اكتشف علاجا لميكروب كان يفتك بالبشر، أو اكتشف الكهرباء أو اكتشف ~~كذا مما أسعد البشرية كلها، أيكون هذا كافرا ويعذب في النار؟ نقول ~~له: نعم لأنه فعل هذا وليس في باله الله.. وإنما فعله وفي باله الحصول ~~على المجد أو المال أو النفوذ في الأرض ولذلك أعطاه الله، ما عمل من ~~أجله، فأصبح له ثروة طائلة وتاريخ يدرس في المدارس، وأعطوه النياشين ~~وأطلقوا اسمه على الشوارع والميادين. فما دام قد عمل للدنيا فإن الله ~~سبحانه وتعالى يعطيه أجره في الدنيا، ولكن الذي عمل وفي باله الله يأخذ ~~من الدنيا بالأسباب، ولكنه يأخذ في الآخرة من المسبب مباشرة؟ فالإنسان قد ~~ارتقى حضاريا، حتى إنك الآن في بعض الدول المتقدمة تضغط زرا يعطي لك ~~القهوة أو الشاي، وآخر يعطيك الطعام. # نقول: إن هذا كله متاع الأسباب، فقبل أن تضغط أنت هذا الزر، كان هناك ms4174 ~~بشر أعدوا لك القهوة أو الطعام، والآلة أوصلته إليك. ولكن مهما ارتقى ~~الإنسان تكنولوجيا فلن ياتي اليوم الذي يجعل الشيء يخطر ببالك فتجده ~~أمامك.. ولكنك في الجنة بمجرد أن يخطر الشيء على بالك تجده أمامك لأن ~~عطاء الدنيا عطاء أسباب، وعطاء الآخرة عطاء مسبب. فالله سبحانه وتعالى ~~أعطانا الاختيار والأسباب في الدنيا، ولكن في الآخرة يأتي لك الشيء بلا ~~عمل، مختلفا في مذاقه ورائحته عن الدنيا. إذن: فالذي يعمل وفي باله ~~الأسباب فقط يعطى في الدنيا، والذي يعمل وفي باله خالق الأسباب يعطى في ~~الحياتين ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده.. # [النور: 39]. والسراب الذي تمشي له متخيلا أنه ماء فإنك حين تصل إليه ~~لا تجده شيئا، هكذا الكافر يوم القيامة، يفاجأ بأن الله موجود، وجد الله ~~سبحانه الذي لم يؤمن به، ويطلب من الله الأجر فيقال له: أجرك ممن عملت ~~له. وما دمت لم تعمل لله فلا يوجد لك أجر في الآخرة لأن الله هو الذي ~~يجزي في الآخرة. وهنا يقول الحق سبحانه: { فاستمتعوا ~~بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع ~~الذين من قبلكم بخلاقهم } أي: أنهم أخذوا نصيبهم من ~~الدنيا، ولكن الآخرة ليس لهم فيها نصيب لأن النصيب في الآخرة يأتي ب " ~~افعل " و " لا تفعل " في التكليف، فإذا فعلت الاثنين ترتقي، بدليل أن ~~حضارة المسلمين استمرت ألف سنة حين أخذوا بالأسباب، ولم ينسوا المسبب.. ~~بل حرسوا الأسباب بقيم المسبب في " افعل " و " لا تفعل " فملكوا الدنيا ~~ألف سنة. ولا توجد حضارة مكثت مثل هذه المدة، ولئن زالت الحضارة من أمم ~~الإسلام سياسيا، فقد بقي دينهم في نفوسهم، ولا توجد حضارة عاشت مبادئها ~~بعد زوال الحضارة إلا الإسلام. فقد بقي منارة هادية، رغم ضعف المسلمين ~~سياسيا. وقول الحق سبحانه: { فاستمتعوا بخلاقهم ~~فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من ~~قبلكم بخلاقهم } أي: خذوا نصيبكم من الدنيا بالأسباب، ولكن ~~تذكروا أنه استمتاع موقوت بزمن لا يملكه الإنسان لأن ms4175 عمر الفرد في الدنيا ~~هو بعمر حياته فيها لا بعمر الدنيا نفسها لأن الدنيا لك ولمن يأتي من ~~بعدك. وعمرك فيها له حدود لا تعرف طوله. هل هو شهر أم سنة أم عشر سنين أم ~~مائة عام؟ إذن: عمرك في الدنيا مظنون موقوت، فعملك لأسباب الدنيا محدودة ~~المدة، بمقدار عمرك في الدنيا. وهب أن عمرك طال وصرت من المعمرين فسوف ~~ينتهي حتما. # ويقول الحق سبحانه: { كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلاقهم } أي: أنتم تبعتموهم ومشيتم على أثرهم، وكلما فعلوا إثما ~~فعلتم إثما، وهم خاضوا في الأنبياء، وأنتم خضتم أيضا في الأنبياء، ~~فأنتم شركاء الذين ذهبوا من قبلكم في أنكم أخذتم نصيبكم وحظكم في الدنيا، ~~ولم تدعوا للآخرة شيئا. فلكم نصيب فيما فعلوا هذه واحدة. أما الثانية: ~~فقد بدلتم الحق بالباطل. إذن: فأنتم أخذتم المقدمات مثلهم فقادتكم إلى ~~نفس النتائج. { أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة } أي: فشلت وضاعت أعمالكم في الدنيا، كما حبطت أعمال من ~~سبقوكم في الدنيا وكانوا قسمين: قسما وقف يحارب دعوة الخير حتى قتل ولم ~~يأخذ شيئا، وقسما لم ينله قتل فأفلت بدنياه، ولكنه خرج منها دون أن ~~يفعل شيئا لآخرته فلم يأخذ شيئا في الآخرة. فالذين حبطت أعمالهم في ~~الدنيا هم الذين قتلوا وأسروا وشردوا وغنمت أموالهم بأيدي المؤمنين، ~~فكأنهم خسروا الدنيا فلم يأخذوا من متاعها شيئا، وأيضا خسروا الآخرة، ~~وهذا هو الخسران المبين، أي الخسران المحيط بطرفي الزمن الدنيا والآخرة. ~~ويقول الحق بعد ذلك: { ألم يأتهم نبأ الذين من... }. ### || [9.70] # وبعد أن ذكر الحق في الآية السابقة القضية العامة في قوله: { كما ~~استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم } جاء في هذه الآية ~~بالأعلام والأشخاص وهم الرسل ومن عاداهم فقال: { ألم يأتهم ~~نبأ الذين من قبلهم } وساعة يقول: { ألم يأتهم } ~~فهنا همزة الاستفهام، ولام النفي. والهمزة تنفي هذا النفي، أي أتاهم نبأ ~~هؤلاء. وحين ينفى النفي في أمر فالمراد إثبات الأمر، وأنت لا تستفهم ~~الاستفهام الإنكاري، إلا وأنت واثق من أن الجواب عند من تسأله هو: " نعم ms4176 ~~" ، فحين تقول لإنسان: أنت تخليت عني في محنتي. فيقول: ألم أزرك في يوم ~~كذا؟ ألم أعطك كذا؟ ألم أصنع مع ابنك كذا؟ فهو واثق أنك لا تستطيع إنكار ~~شيء من هذا لأنه ثابت ثبوتا حقيقيا. ونلحظ هنا أن الحق جاء بالخطاب ~~للغيبة فقال: { ألم يأتهم } ولم يقل: " ألم يأتكم " ، ~~فسبحانه يخاطبهم ترقيقا لهم، ثم يتكلم عنهم مرة ثانية وكأنهم غائبون. ~~وكأن هذا أيضا مزيد من حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم في غيبتهم، فهو ~~صلى الله عليه وسلم حريص على هدايتهم. { ألم يأتهم نبأ ~~الذين من قبلهم } والنبأ: هو الخبر الهام. ونحن لا نقول عن كل ~~خبر: نبأ، بل نقول عن الخبر الهام فقط إنه نبأ، والنبأ أصله من النبوة، ~~والنبوة واضحة ظاهرة وليست مطموسة ولذلك فكل شيء هام ظاهر قد حدث يقال ~~عنه نبأ. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم * الذي هم فيه ~~مختلفون # [النبأ: 1-3]. ولا يوجد نبأ أعظم من نبأ يوم القيامة. وقد جاء الحق ~~سبحانه وتعالى بالقضية الأولى التي كان الخطاب فيها مباشرا كقضية عامة، ~~وجاء بالقضية الثانية التي تكلم فيها عنهم غيبا كقضية خاصة. ثم حدد ~~الحق سبحانه المقصود بالذين من قبلهم، وهم قوم نوح الذين أغرقهم الله ~~بالطوفان. وكان قوم نوح كلما مروا عليه وهو يصنع السفينة سخروا منه، وفي ~~ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى ردا على من سخروا من نوح: # إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون # [هود: 38]. أي أنتم يا من تسخرون من نوح عليه السلام جاهلون بالغيب، ~~ولكن الله أعلم نوحا وقومه بما سوف يكون، ولذلك فالسخرية الحقيقية هي من ~~أولئك الذين رفضوا الإيمان، ولم يعلموا بما أعده الله لهم. ثم ذكر الحق ~~بعد ذلك عادا وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين وهم قوم شعيب، والمؤتفكات ~~أي قوم لوط. ومعنى المؤتفك أي المنقلب. وقد جعل الله عاليها سافلها. ~~ويقول الحق سبحانه: # والمؤتفكة أهوى * فغشاها ما غشى # [النجم: 53-54]. أي: كانت عالية فأنزلها للهاوية. والإفك هو ms4177 الصرف عن ~~الحقيقة، كما قالوا لإبراهيم: # أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنآ ~~إن كنت من الصادقين # [الأحقاف: 22]. أي: لتصرفنا عنهم. ما قصة هؤلاء الأنبياء وأقوامهم؟ يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { أتتهم رسلهم بالبينات فما ~~كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون } أي أن قوم نوح وقوم إبراهيم وغيرهم أتتهم رسالات السماء ~~ولم تأتهم الرسالة كمنهج فقط، بل جاءتهم معجزات تثبت صدق بلاغ الرسل عن ~~ربهم، فكأنه لا حجة لهم أن ينصرفوا عن منهج السماء أو أن يكذبوا به لأن ~~كل منهج مؤيد بمعجزة تثبت صدق الرسول في رسالته. وقد تتابع هؤلاء ~~الرسل على البشر ليهدوهم إلى منهج السماء، ويبينوا لهم طريق الحق. وكان ~~تعدد الرسالات في أول الخلق لأن العالم كان منعزلا عن بعضه البعض، حتى ~~إن أقواما عاشوا على الأرض في زمن واحد وأماكن متفرقة ولم يعلم أحد منهم ~~عن الآخر شيئا، ولكن العالم الآن اتصل ببعضه البعض، بحيث إذا وقعت ~~الحادثة في مكان، نراها عن طريق الأقمار الصناعية في ثوان، وربما في نفس ~~الوقت الذي تحدث فيه إن كان الحادث معدا له مسبقا، وقد رأى العالم ~~كله أول إنسان ينزل فوق سطح القمر في نفس اللحظة التي نزل فيها. وعندما ~~كان العالم يعيش في انعزال، كانت كل بيئة لها لون من المعصية والفساد، ~~فكان الرسول يأتي ليحارب هذا اللون من المعصية والفساد الموجود في في ~~بيئة معينة، ولا يوجد هذا اللون من المعصية والفساد في بيئة أخرى. ولكن ~~عندما توحد العالم توحدت الداءات فالداء يظهر في أمريكا مثلا، وبعد فترة ~~قصيرة جدا يظهر في أوروبا أو في مصر. ولذلك كان لا بد أن يأتي رسول ~~واحد لأن الداءات أصبحت واحدة، واقتضى الأمر وحدة المعالجة لذلك كانت ~~رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالة عامة لكل الأزمان وكل الأمكنة. ~~وحين يقول سبحانه: { أتتهم رسلهم بالبينات } فالبينات ~~هي الشيء الذي يبين لك ما هو الحق، والمعجزات التي صاحبت الرسالات ~~السماوية بينت وأكدت أن الرسول مبلغ عن ربه، وكانت المعجزة ms4178 ~~واضحة تماما ليراها كل قوم رؤية تسمح باستيعابها. ولذلك كان كل رسول ~~يأتي بآية يجمع الكل على أنها معجزة. فأنت قد تأتي بشيء عجيب، ولكن لا ~~يجمع الناس على أنه معجزة، فعندما اخترع الفانوس السحري، قال بعض ~~الناس: إنه شيء عجيب. وبعضهم قال: إنه خداع نظر. ولكن معجزات الرسل لا بد ~~أن تستوعبها كل مستويات العقول، يستوعبها المتعلم والذي لم يقرأ حرفا في ~~حياته لأن الدين دين فطرة يخاطب أكبر العقول وأكثرها علما كما يخاطب عقل ~~البدوي الذي يقضي حياته كلها في الصحراء لا يعرف شيئا ولم يعش حضارة ~~ولم يدرس علما. إذن: فالمعجزات لا بد أن تكون واضحة لكل المستويات حتى ~~لا يكون هناك عذر لأحد. # ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { فما كان الله ليظلمهم } ~~، وهذا دليل على أن الحق سبحانه وتعالى يحاسبهم على قدر استيعابهم ~~للمعجزة، فكأن كل العقول قد فهمت وأيقنت أن هناك معجزة. والذين استقبلوا ~~المعجزة بالكفر ظلموا أنفسهم لأنهم بعد أن استوعبوا المعجزة، وتحققوا ~~أنها خرق لقوانين الكون ولا يمكن أن يأتي به إلا الله سبحانه وتعالى، ~~ولكنهم رغم ذلك رفضوا الإيمان. ويقول الحق عنهم: { فما كان الله ~~ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } والظلم ~~أنك تأخذ حقا وتنقله إلى الباطل. ولكن الحقوق مختلفة، فأي حق ذلك ~~الذي نقلته إلى الباطل؟ إنه حق الوجود الأعلى الواجب الإيمان به وعبادته. ~~وكيف يظلم الإنسان نفسه؟ يظلم الإنسان نفسه حين تزين له النفس شهوة ~~فيرتكبها ليأخذ لذة عاجلة ويحرمها من نعيم دائم. وهناك من يظلم نفسه بظلم ~~غيره، مثل شاهد الزور هذا الذي ينصر صاحب باطل على صاحب حق. ومن يشهد ~~الزور يسقط حتى في عين ذلك الذي شهد له. فإن جاء ليشهد أمامه في قضية، ~~فهو لا يقبل شهادته وينظر إليه باحتقار، وكان يجب على من يطلب من إنسان ~~شهادة زور أن يضربه لأنه يريد أن يسقطه في نظر الناس، وفي نظر هذا الذي ~~شهد من أجله لأن شاهد الزور حين أعان إنسانا على خصمه، فالكل ينظر إلى ms4179 ~~مثل هذا الشاهد بالاحتقار. ويقول الحق بعد ذلك: { والمؤمنون ~~والمؤمنات... }. ### || [9.71] # جاءت هذه الآية بعد آية سابقة وصف فيها المنافقون في قوله تعالى: # المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض... # [التوبة: 67]. فناسب أن يقابلهم بالمؤمنين والمؤمنات، وتلك مناسبة الضد ~~بالضد لأن قياس الضد إلى ضده يظهر الأمرين معا. والمثال قول الشاعر حين ~~يمدح محبوبته فيقول: # فالوجه مثل الصبح مبيض # والشعر مثل الليل مسود # ضدان لما استجمعا حسنا # والضد يظهر حسنه الضد # وبعد أن ذكر الحق فضائح المنافقين ومعايبهم، وحنثهم فيما يحلفون، وخلفهم ~~فيما يعاهدون، أراد أن يجعل تقابلا بينهم وبين المؤمنين والمؤمنات. لكن ~~التقابل هنا اختلف في شيء لأنه سبحانه قال في المنافقين: { ~~المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } ، وحين تكلم ~~عن المؤمنين قال: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أوليآء بعض } فالمنافقون والمنافقات وصفهم الحق { بعضهم ~~من بعض } أي أنهم كلهم متشابهون وسلوكهم مبني على التقليد والاتباع، ~~فهم يقلدون بعضهم بعضا. وبما أنهم قد أقاموا عقيدتهم على الشر، فكلهم ~~شر، ولا يوجد بينهم من ينصحهم بالخير أو يحاول ردهم عن النفاق، بل هم ~~يمضون في تيار الشر إلى آخر مدى. أما المؤمن فعقيدته مبنية على الاقتناع ~~وعلى الخير. فإن وجد في مؤمن شر فوليه من المؤمنين يبعده عن الشر ~~ويعيده إلى طريق الخير ذلك لأن النفس البشرية لها أغيار متعددة، ولا يسلك ~~كل مؤمن السلوك الملتزم تمام الالتزام بمنهج الله في كل شيء. بل هناك ~~خصلة ضعف في كل نفس بشرية. فإن وجد في المؤمن ضعف فأولياؤه من ~~المؤمنين يبينون له نقطة ضعفه ويبصرونه وينصحون له، ويرد في نقطة ~~ضعفه، والمؤمن أيضا ينبه غيره ويبصره، وهكذا نجد أنه في المجتمع ~~المؤمن، كل واحد يرد الآخر في نقطة ضعفه، وكل منهم ينصح الآخر ويعظه، ~~ليكتمل إيمان الجميع، ومن يقصر في شيء يجد القريب منه وهو يسد الثغرة ~~الطارئة في سلوكه. أما المنافقون فيصفهم الحق { بعضهم من بعض } ~~أي: أنهم جميعا من بعض، فلا يتناهون عن منكر فعلوه، ولا يوجد بينهم ~~ناصح. وقول الحق سبحانه وتعالى: { والمؤمنون ms4180 والمؤمنات ~~بعضهم أوليآء بعض } لم يبين لنا من المولى ومن الموالى، ~~فكل مؤمن وهو ولى وهو موال لأن الولاية مأخوذة من " يليه " ، أي صار ~~قريبا، وضدها عاداه أي بعد عنه وتركه. إذن: فالموالاة ضدها العداوة. ~~وفائدة القرب أن يكون الولي نصير أخيه المؤمن في الأمر الذي هو ضعيف فيه. ~~فإذا كنت ضعيفا في أمر ما، فأخي المؤمن ينصرني فيه. وما دام أخي المؤمن ~~ينصرني في أمر ما، فإن صار هو ضعيفا في شيء أنصره أنا فيه، فنتفاعل ~~ونتكامل ويصبح كل منا وليا وموالى. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3]. ولو قيل: " وصوا " لكان هناك أناس يوصون وأناس ~~يتواصون، لكن الحق قال: { وتواصوا } ومعناها أن كل مؤمن عليه أن ~~يوصي أخاه المؤمن. فإن كان عندي نقطة ضعف فأنت توصيني وتقول: اعدل عن هذا ~~ولا تفعله فأنت مؤمن. وإن كانت فيك نقطة ضعف أقول لك: لا تفعل هذا فأنت ~~مؤمن. إذن: فكل واحد منا موص وموصى. كذلك الولاية فأنت وليي، أي قريب ~~مني تنصرني في ضعفي، وأنا وليك، أي قريب منك، أنصرك في ضعفك لأننا ~~أبناء أغيار؟ وكل واحد منا فيه نقطة ضعف تختلف عن نقطة ضعف الآخر. ~~والولاية تكون أيضا في الحق، فقد أميل إلى الباطل في نقطة فيقول لي أخي ~~المؤمن: اعدل. وقد يميل هو إلى الباطل فأقول له: اعدل. وهكذا يتكامل ~~الإيمان، ولذلك تجد كلمة الولاية بمعنى القرب والنصرة في قول الحق في ~~ذاته: # هنالك الولاية لله الحق... # [الكهف: 44]. أي: أن النصر الحقيقي والقرب الحقيقي لله لأننا نعيش في ~~عالم أغيار، فقد تطلب النصر عندي فتكون قوتي قد ذهبت، أو يكون مالي قد ~~فنى، أو يكون نفوذي قد انتهى، ولكن الحق سبحانه وتعالى هو وحده القوي ~~دائما، والغني دائما، الذي يغير ولا يتغير، وعندما ينصرك الله فهذا ~~هو النصر الحقيقي الدائم لا نصر الأغيار. ونجد الحق سبحانه وتعالى يقول: # ألا إن أوليآء الله لا ms4181 خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # [يونس: 62]. أي: أن الحق سبحانه وتعالى جعل أولياء لله. وكذلك يقول ~~تبارك وتعالى: # الله ولي الذين آمنوا... # [البقرة: 257]. إذن: فالحق سبحانه وتعالى مرة يكون مواليا. ومرة يكون ~~موالى، فإن واليت الله بطاعتك يواليك سبحانه بنصره. ويقول تعالى: # إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم # [محمد: 7]. أي: إذا تقربت إلى الله بطاعته ونصرة منهجه، فهو يقرب منك في ~~أزماتك وينصرك ويثبت أقدامك. إذن: فالولاية في الأصل هي القرب ~~والتناصر، وما دام هناك تناصر فلا بد أن تكون هناك نقطة ضعف في مؤمن، ~~ونقطة قوة في مؤمن آخر، ولكن من الذي سيكون في ضعف دائما، أو في قوة ~~دائما؟ لا أحد. إذن: فكل واحد ينصر، وكل واحد ينصر. وما دام الحق ~~سبحانه وتعالى قد قال: { أوليآء بعض } ولم يعين البعض فكل واحد ~~صالح لأن يكون ناصرا ومنصورا. ولكي يتضح المعنى اقرأ قول الحق سبحانه ~~وتعالى: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إذن: فقد اعترف الكفار بصدق القرآن وإعجازه ولكنهم لا ~~يؤمنون لأن القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ينزل على ~~أحد من زعماء قريش، فيرد الله سبحانه وتعالى عليهم: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحيوة الدنيا ورفعنا بعضهم ~~فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا... # [الزخرف: 32]. وشاء الحق سبحانه وتعالى أن يجعل منكم السادة والعبيد، ~~ويجعل منكم الأغنياء والفقراء، وذلك في أمور الدنيا، فإن كنتم تريدون أن ~~تقسموا أمور الدين، فاقسموا أولا معايشكم لأن الحق سبحانه وتعالى هو ~~الذي قسمها بينكم، وحياتكم في الدنيا تتبع قوانين الأسباب، ومن السهل ~~عليكم أن تقسموها بدلا من أن تأتوا لتقسموا رحمة الله التي هي حق لله ~~سبحانه وتعالى وحده. ونلاحظ في قول الحق سبحانه وتعالى: { ورفعنا ~~بعضهم فوق بعض } أن البعض مرفوع والبعض الآخر مرفوع عليه، وما ~~دامت كلمة { بعض } مبهمة، فإن كلا منا مرفوع ومرفوع عليه. ولا يوجد ~~واحد من البشر مرفوع على الجميع، بحيث يكون وحده ms4182 مجموعة متكاملة من ~~المواهب. ولكن كلا منا متميز في ناحية وغير متميز في ناحية أخرى، حتى ~~يكون التلاحم في الكون تلاحم ضرورة حياة وليس تفضلا ولذلك فإن الإنسان ~~المؤمن إذا كان مرفوعا عليه في شيء فلا بد أن يسأل نفسه: في أي الأشياء ~~أنا مرفوع فيه؟ وفي أي الأشياء الناس أحسن مني؟ ونقول له: أنت تتقن عملا ~~معينا ولذلك أنت مرفوع فيه، ولكن في باقي الأشياء لا تعلم شيئا، فأنت ~~مرفوع عليك. إذن: فأنا في الشيء الذي لا أجيده مرفوع علي، وفي الشيء ~~الذي أجيده مرفوع على الناس ولذلك تجد كل واحد في كون الله مرفوعا مرة ~~ومرفوعا عليه مرة، وهذا هو معنى: { ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض }. ولكن الآفة أننا لا ننظر في الرفعة إلا إلى مجال واحد هذا غني ~~وهذا فقير، ولكننا لا ننظر إلى الصحة، أو العلم، أو الأولاد، أو صلاح ~~الزوجة أو البركة في الحياة، وزوايا كثيرة، وبعضنا إذا أخذ درجة عالية في ~~زاوية، فإنه قد يأخذ صفرا في زاوية أخرى. ومجموع كل إنسان في نهاية ~~الأمر يساوي مجموع أي إنسان آخر، ولا تفاضل إلا بالتقوى. فإن رأيت واحدا ~~متفوقا عليك في شيء. فإياك أن تحسده ولكن اسأل نفسك في أي مجال أنت ~~تتفوق عليه، وستجد هناك مجالات وزوايا أخرى تكون فيها أفضل من غيرك. إذن: ~~فكل منا مرفوع ومرفوع عليه، ولا بد أن نفهم أن كل صاحب موهبة يفيد ~~المجتمع بموهبته، وربما كان نفعه للمجتمع خيرا من نفعه لنفسه. انظر إلى ~~النجار مثلا تجده يتقن عمل الأبواب والنوافذ للناس، أما لنفسه فلا ~~يتقنها، لماذا؟ لأن الباب الذي يصنعه لنفسه هو الباب الوحيد الذي لا ~~يتقاضى عليه أجرا. ولقد ضربنا مثلا باليد اليمنى واليد اليسرى، فعند ~~غالبية الناس نجد أن اليد اليمنى تؤدي الأعمال بسهولة، واليسرى تزاولها ~~ببطء وتعثر، فإذا أردت أن تقص أظافر يديك مثلا، فأنت تمسك المقص بيمينك ~~وتقص أظافر اليد اليسرى بسهولة، ثم تمسك المقص بشمالك وتتعثر في قص ~~أظافر اليد اليمنى. # وهكذا نرى ms4183 أنه لا يوجد إنسان يستمتع بالمواهب المكتملة. بل هو يتقن ~~شيئا ولا يتقن أشياء، ولكن مجموع مواهب كل إنسان، تساوي مجموع مواهب كل ~~إنسان آخر. والعدل الإلهي يتدخل هنا، فنجد - على سبيل المثال - الرجل ~~الغني الذي يأكل خبزا من الدقيق الأبيض الفاخر، ثم يأتي عليه وقت من ~~الأوقات لا يستطيع أن يأكل إلا الدقيق الأسود أو السن. وتجد من يسرف في ~~الطعام لا بد أن يأتي عليه وقت ويحرمه الأطباء من الطعام لأنه أخذ منه ~~أكثر من حقه. وتكون صحته في أن يحرم. والحق سبحانه وتعالى وضع نظاما ~~كونيا يتساند فيه الجميع لكي يلتحم الجميع. فأنت تحتاج لي فيما أتقنه ~~وأنا أحتاج إليك فيما تتقنه، وهكذا يتساند الناس ويتكون المجتمع السليم. ~~ولذلك يقال: الناس بخير ما تباينوا لأنهم لو لم يختلفوا وأصبحوا أصحاب ~~موهبة واحدة أو عمل واحد لفسد الكون، كأن نكون كلنا قضاة مثلا، فمن الذي ~~يعالج المريض؟ ومن الذي يحفر الأرض؟ ومن الذي يحمل الطوب؟ ومن الذي ينظف ~~الطريق؟ إننا لو تشابهنا في الموهبة أو الثراء أو العمل فلن نجد أحدا ~~يقوم بهذه الأعمال لأننا لو كنا كلنا أطباء أو مهندسين أو صيادلة أو قضاة ~~أو مشرعين لما استطعنا أن نعيش، بل لا بد أن نختلف لأكون أنا محتاجا لك ~~وأنت محتاج لي. وبذلك يتماسك المجتمع، وتقضى مصالح الكون بسبب الحاجة، ~~وليس بالتفضل بين الناس. ويصف الحق سبحانه المؤمنين بأنهم: { يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر } فإذا فعل مؤمن منكرا ~~جاء أخوه المؤمن فنهاه عنه، وإذا لم يفعل معروفا جاء أخوه المؤمن وأمره ~~بالمعروف وكل واحد منا ناه عن منكر، ومنهي عن منكر. وأنت لا يمكن أن ~~تأمر بمعروف وأنت تفعل عكسه، أو أنت بعيد عنه، فلا يمكن أن تكون في يدك ~~كأس من الخمر ثم تطلب من إنسان آخر يمسك كأس خمر أن يحطم الكأس التي في ~~يده، لا يمكن إذن أن تنهى عن منكر وأنت تفعله والذي يأمر بمعروف لا بد أن ~~يكون فاعله، والذي ينهى عن ms4184 المنكر لا بد أن يكون بعيدا عنه. فكل مؤمن ~~آمر ومأمور بالمعروف. وناه عن المنكر. ويضيف الحق وصفا للمؤمنين: { ~~ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة } وإقامة الصلاة هي ~~إعلان الولاء للخالق الأعلى، ومن له ديمومة لا نهاية لها. والمؤمنون ~~أولياء بعض، ولكن من وليهم جميعا؟ إنه الله سبحانه وتعالى، ولا بد ~~أن يلتحموا بمنهج الولي الأعلى الذي لا نستغني عنه جميعا. والله سبحانه ~~وتعالى حين وصف المؤمنين أولياء بعض، قال لنا: # إن تنصروا الله ينصركم... # [محمد: 7]. إذن: فلا بد أن نتجه جميعا إلى الوالي الكبير. فهو سبحانه ~~فوق أسبابنا، وفوق قوتنا وهو الذي ينصرنا إن عزت ولاية الأفراد ~~المؤمنين لبعضهم البعض، فنلجأ للولي الكبير. # وما دامت الولاية لله الحق، فلا بد أن نستديم في ولائنا له سبحانه ~~وتعالى. واستدامة الولاء لا تكون إلا بالصلاة. وساعة تسمع المؤذن يقول: " ~~الله أكبر " تسرع إلى الصلاة. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى - وهو ربك ~~وصانعك ووليك - قد دعاك إلى الصلاة، فلا بد أن تجيب الدعوة. فإذا أحببت ~~أن تزيد على الصلوات الخمس وتكون في معية الله دائما فافعل، بعد أن تكون ~~قد أديت ما فرضه سبحانه عليك من خمس صلوات في اليوم الواحد، وحين ~~تعرض الصنعة على صانعها خمس مرات كل يوم ففي هذا صلاح الإنسان. وأنت ~~إن جئت بأي آلة وجعلت المهندس الذي صنعها يراها كل يوم خمس مرات فلن ~~تعطب أبدا. كذلك الإنسان وهو صنعة الله، إذا عرض نفسه على الله خمس مرات ~~كل يوم فإن العطب لا يدخل إلى نفسه. والصانع من البشر حين تعرض عليه ~~الآلة فيصلحها بماديات، سواء كان باكتشاف نقص في الوصلات الكهربية أو كسر ~~في أي شيء، فالمادة تصلح بالمادة، ولكن الله سبحانه غيب، ولذلك فهو ~~يصلحنا بالغيب، فلا تعرف ماذا فعل بك وأنت واقف أمامه تصلي. لكنك تشعر ~~بلا شك أن شيئا فيك قد انصلح. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا حزبه أمر - أي كان هذا الأمر فوق طاقته - قام إلى الصلاة لأن أسبابه ~~لم ms4185 تستطع أن تفعل شيئا فيتجه إلى المسبب، ويقف بين يديه لأنه سبحانه ~~وتعالى هو الذي يملك الحل. ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول لبلال: ~~أرحنا بها يا بلال كأن الراحة بها، أي اجعل ملكاتنا تعتدل بالصلاة. لذلك ~~كان لا بد أن يقول الحق سبحانه وتعالى: { ويقيمون الصلوة } لأن ~~الصلاة استدامة الولاء لله، والحق تبارك وتعالى يريدنا أن نكون موصولين ~~به سبحانه، وهذه الصلة تتم بالصلاة فرضا خمس مرات في اليوم، وترك سبحانه ~~الباب مفتوحا لتطوعك، فلا تترك ساعة تستطيع أن تكون فيها بين يدي الله ~~إلا فعلت. ولكي تعرف الفرق بين سيادة الله وسيادة البشر، فإنك إذا ضعفت ~~أسبابك أمام شيء، فإنك تطلب أن تقابل من هو أعلى منك مركزا، فهو يملك ~~أسبابا لقضاء حاجتك، فإذا طلبت مقابلته قد يقول نعم، وقد يقول لا.. فإذا ~~قال نعم، يسألك عم ستتكلم فيه.. فإذا قلت: إنك ستتكلم في كذا، حدد لك ~~الساعة واليوم والمكان ومدة المقابلة. ولكن الحق سبحانه وتعالى لا يفعل ~~هذا. أنت تذهب له في أي وقت تشاء، وفي أي مكان تشاء، وتتكلم فيما تريد، ~~وهو سبحانه لا ينهي المقابلة أبدا، أنت الذي تنهي المقابلة مع ربك. ~~ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يمل الله حتى تملوا ". # والحق جل جلاله لا يشغله شيء عن شيء ولذلك فهو يقابل كل عباده في وقت ~~واحد، ويستمع إليهم في وقت واحد، ويجيبهم إلى ما يطلبون في وقت واحد. ~~ويقول سبحانه: { ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة } ~~والصلاة تأتي مع الزكاة باستمرار لأن في الصلاة استدامة ولاء لله المعطي، ~~وفي الزكاة استبقاء حياة من يستحق أن تعطيه، فأنت تعطيه لتستبقي له حياته ~~فيواصل الولاء لله معك لأنه لا ولاء إلا بحياة، وأنت تساعده على استبقاء ~~هذه الحياة ولأن الزكاة إعطاء مال للفقير، والمال يأتي بالعمل، والعمل ~~يحتاج إلى وقت، إذن: فأنت ضحيت بجزء من وقتك لتتصدق به، وفي الصلاة ضحيت ~~بوقتك في أوقات محددة. وفي الأوقات التي تعمل فيها هناك استدامة الولاء، ~~بأن ms4186 تخصص جزءا من أثر هذا الوقت للزكاة، فلا يكون كل وقتك للعمل، وإنما ~~يكون وقتك فيه عمل وفيه عبادة، فحين تخصص جزءا من مالك الذي سيأتيك من ~~العمل للزكاة تكون قد زكيت الوقت بالصلاة، وزكيت المال بالعطاء. ويقول ~~الحق: { ويقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة ويطيعون ~~الله ورسوله }. وقد ذكر الحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. وهذه كلها طاعة لله بإقامة أركان الإسلام، ~~فلماذا يقول سبحانه: { ويطيعون الله }؟ نقول: الله سبحانه ينبهنا ~~إلى أن أركان الإسلام الخمسة وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن ~~استطاع إليه سبيلا، هذه الأركان ليست هي كل الإسلام. بل هي القواعد التي ~~بني عليها الإسلام لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بني الإسلام ~~على خمس ". إذن: فهذه هي الأعمدة أو الأسس التي بني عليها الإسلام. ولكن ~~الإسلام هو كل حركة في الحياة تصلح ولا تفسد، وتسعد ولا تشقى، ولذلك أراد ~~الحق سبحانه وتعالى أن نفهم أن الإسلام ليس فقط بالأسس التي وضعت، ولكن ~~لا بد من طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمرنا به في كل ~~حركة الحياة. وحركات الحياة كلها متكاملة، وإذا نظرت للشيء الذي تستفيد ~~به تجده وليد حركات متعاقبة ممن سبقوك حتى آدم عليه السلام، فإذا أخذنا ~~أبسط الأشياء وهي وضع خميرة في عجينة الخبز وكيف عرفنا هذا؟ نجد أننا ~~أخذناها جيلا عن جيل. والذي بدأها ألهمه الله بحادث يقع أو بخطأ يتم إلى ~~أن وصل إلى قيمة وضع الخميرة في العجين ليكسب الخبز طعما، ومعظم مبتكرات ~~الحياة قد أتت بالصدفة أو نتيجة أخطاء. فالبنسلين - على سبيل المثال - ~~اكتشف نتيجة خطأ. وقاعدة أرشميدس التي بنيت عليها نظريات الغواصات ~~اكتشفت نتيجة ملاحظة ألهمها الله لأرشميدس. وحين يأتي ميلاد كشف جديد ~~للبشرية، فسبحانه يهدي خلقه إلى هذا الكشف ولو كان بخطأ يقع منهم. # ومثال آخر: ما الذي جعلك تفهم أن اللحم حين ينضج على ms4187 النار أو يشوى ~~يكون طعمه أحلى؟ ما الذي جعلك تطهو بعض أنواع الخضراوات ولا تطهو أنواعا ~~أخرى. كل هذا هدانا إليه الله. # الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. إذن: فكل ما ننتفع به في حركة الحياة، قد أتانا من أجيال ~~مضت ولذلك من يأتي ليقول: سأنقطع للعبادة صلاة وصوما لأن الحق سبحانه ~~وتعالى قال في كتابه العزيز: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. نقول: سنوافقك على انقطاعك للصلاة والصوم فقط. ولكنك ~~لكي تصلي أنت تحتاج إلى طعام يعطيك القوة والقدرة لتصلي وإلا فسيستحيل ~~عليك أداء الصلاة. هب أنك ستأكل رغيفا من الخبز فقط، من أين تأتي بهذا ~~الرغيف؟ من البقال. ومن أين أتى به البقال؟ من المخبز. ومن أين جاء ~~المخبز بالدقيق؟ من المطحن. ومن أين جاء المطحن بالقمح؟ من مخزن الغلال. ~~ومن أين جاء المخزن بالقمح؟ من المزارع. والمزارع أتى بمحاريث وآلات من ~~المصانع لكي يحرث الأرض، وجاء بآلات لكي يسقي. إذن: فأنت لا تستطيع ~~الانقطاع للعبادة إلا إذا استفدت بحركة غيرك، وكل عمل ذكرت فيه الله هو ~~عبادة، وكل حركة في الحياة تعينك على أداء العبادة هي عبادة. ومثال آخر: ~~لكي تصلي لا بد أن تستر عورتك في الصلاة، إذن: فأنت تحتاج إلى قماش تأتي ~~به من التاجر، والتاجر أتى به من مصنع النسيج، ومصنع النسيج أتى به من ~~مصنع الغزل، ومصنع الغزل أتى بالقطن من المحلج، والمحلج جاء به من الحقل، ~~والحقل جندت له معامل الدنيا ليعطيك أوفر محصول، ويقي القطن من ~~الآفات. كل هذه هي من حركات الحياة التي مكنتك أن تستر عورتك في ~~الصلاة، وكل منها عبادة. إذن: كان من الضروري أن يقول { ويطيعون ~~الله ورسوله }. بعد { ويقيمون الصلوة ويؤتون ~~الزكوة }... فبعد أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة عليهم أن يطيعوا ~~الله في الإسلام الذي بني على هذه الأركان. ثم يقول الحق: { أولئك ~~سيرحمهم الله } وأولئك إشارة إلى كل المؤمنين والمؤمنات الذين ~~هم أولياء بعض، والذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة، ms4188 ~~والذين يؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله، هؤلاء سيرحمهم الله. وأيهما ~~أبلغ: أن يقال أولئك يرحمهم الله، أو يقال سيرحمهم الله؟ الأبلغ أن يقال: ~~{ سيرحمهم الله } لأن السين تهتك ستار الزمن وبذلك يحيا المؤمن ~~دائما في رحمة الله التي لا تنقطع. ولذلك حكى الحق سبحانه وتعالى عن ~~المؤمنين الذين يعملون الصالحات فقال: # سيجعل لهم الرحمن ودا # [مريم: 96]. أي أن الود سيكون مستمرا، حتى لمن استمع إلى هذه الآية ثم ~~مات، إنه أيضا ينتفع بود الله. وأيضا قال سبحانه لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5]. ولم يقل: يعطيك ربك، بل جاء ب { ولسوف يعطيك } ~~لترى عطاء الحق مستمرا. وأنت حين تهدد أحدا لا تقل له: أنا أنتقم منك، ~~بل تقول: سأنتقم منك، أي: أن الانتقام سيستمر مع الزمن. وقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { سيرحمهم الله } تعطي أن صفة الرحمة في حق الله ~~سبحانه أعلى من صفة الرحمة في المخلوق لأن التراحم من الخلق على قدر ~~الأسباب، أما الرحمة من الحق سبحانه فتكون بصفات الكمال التي لا تتناهى ~~ولا تنتهي. ومن الرحمة ألا يقع داء، والشفاء أن يوجد داء فيشفى ولذلك ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة... # [الإسراء: 82]. والاثنان يؤديان إلى سلامة المجتمع من الأمراض ~~الاجتماعية التي تشقي الإنسان، وهناك سلامة من أول الأمر. وهناك سلامة ~~ليست من أول الأمر. ومن عنده خصلة سيئة - وهي داء - يشفيه منها القرآن، ~~أما الرحمة فهي ألا يأتي داء ابتداء، ولذلك فالرحمة ممتدة. ثم يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { إن الله عزيز حكيم } ومعنى عزيز: أنه غالب ~~على أمره، وما يريده يقع ولا يغلب. ولكن إياك أن تفهم أن ذلك عن جبروت ~~ظالم، لا لأنه سبحانه لا يظلم أحدا، ولأنه عزيز بحكمة. وهناك عزيز بلا ~~حكمة، تغريه عزته أن يطغى. لكن الله عزيز حكيم، وعزته ليس فيها ظلم ولا ~~طغيان، ولكنها بحكمة إلهية. ويأتي بعد ذلك وعد الله للمؤمنين والمؤمنات ~~بالجزاء والنعيم في الآخرة، فيقول الله سبحانه وتعالى: { وعد الله ms4189 ~~المؤمنين... }. ### || [9.72] # والوعد: بشارة بخير يأتي زمانه بعد الكلام. والوعيد: إنذار بسوء يأتي ~~بعد الكلام. الوعد يشجع السامع على أن يبذل جهده ويعمل حتى يتحقق له ~~الخير الذي وعد به. والوعيد يعطي السامع فرصة أن يمتنع عما يغضب الله ~~فلا يناله عذاب الله. على أننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى قال: { ~~وعد الله المنافقين والمنافقات } ثم ذكر العذاب الذي ~~ينتظرهم، وبعد ذلك قال: { وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنات } ثم وصف النعيم الذي ينتظرهم، مع أن الشائع في اللغة ~~أن الوعد يكون بالخير والوعيد يكون بالشر، فكان من المناسب في عرف البشر ~~أن يقول الحق سبحانه وتعالى: " أوعد الله المنافقين " لأن الذي سيأتي بعد ~~ذلك عذاب ونار وشر، وأن يقول في المؤمنين: وعد الله لأن الذي سيأتي ~~بعد ذلك جنة ونعيم وخير. ولكن الأسلوب جاء مخالفا للعرف البشري، فجاء ~~بكلمة " وعد " ، وهي تقال دائما للخير في حديثه سبحانه وتعالى عن ~~المنافقين والمؤمنين، واستخدام وعد بالنسبة للمؤمنين والمؤمنات موافق ~~للمنطق البشري لأنه وعد بخير. ولكن بالنسبة للمنافقين فقد جاء الحق ~~سبحانه وتعالى بكلمة " وعد " مكان " أوعد ". فالذي يتكلم هنا هو الحق ~~سبحانه، فلا تقس كلام الله على كلام البشر لأن البشر يفوتهم في كلامهم ~~ملاحظ، ولكنها لا تفوت ولا تخفى على الله، والبشر يتفاوتون في الأداء ~~وأساليبه ولكن الحق أسلوبه واحد. فلماذا جاء سبحانه - إذن - بكلمة " وعد ~~" بدلا من " أوعد "؟ نقول: إن الحق سبحانه وتعالى بعد أن عرف ~~المنافقين والمنافقات، ثم تكلم عن جزائهم إن إصروا على نفاقهم، كان ذلك ~~تحذيرا حتى لا يصروا على النفاق مخافة العذاب الذي ينتظرهم علهم ~~يقلعون عن النفاق وينصرفون إلى الخير من الإيمان. إذن: فالحق سبحانه ~~وتعالى حين حذرهم بالوعيد نصحهم، كما تقول لمن يهمل في دروسه: سترسب إذا ~~أهملت دروسك. فتكون بذلك قد خدمت إقباله على المذاكرة. وأوصلته بالوعيد ~~إلى أن يتجنب الأمر الذي أوعد به ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36]. هل ms4190 الشواظ من النار نعمة حتى يقول الحق سبحانه وتعالى: ~~{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } أي: فبأي نعم ربك تكذب؟ ~~نقول: نعم إنه نعمة لأن الحق سبحانه وتعالى حين يوضح لك: إن خالفت هذا ~~فستذهب إلى النار، يكون قد قدم لك العظة والنصيحة، والعظة والنصيحة نعمة ~~لأنه يجعلك تتجنب طريق النار وتختار طريق الجنة. إذن: فحين يحذر الله ~~المنافقين والمنافقات بالمصير الذي ينتظرهم، يكون هذا خيرا ونعمة لأنهم ~~إن اتعظوا وأقلعوا عن النفاق إلى الإيمان فهم ينجون أنفسهم من عذاب ~~النار، وفي هذا خير عميم. # ولذلك استخدم الحق سبحانه وتعالى كلمة " وعد " ولم يستخدم " أوعد " ، ~~وتكون الكلمة مؤدية للمعنى الذي أراده الله. وهنا يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { وعد الله المؤمنين والمؤمنات } والوعد كما ~~قلنا بشارة بخير مستقبلي، والوعيد إنذار بشر يأتي في المستقبل، والوعد ~~والإيعاد هما ميزان الوجود دنيا وآخرة لأنك إن وعدت من يلتزم بمنهج الله ~~خيرا، استحسن الناس جميعا أن يصلوا إلى الخير باتباعهم المنهج، وإن ~~أوعدتهم بشر إن خالفوا منهج الله نفر الناس من المخالفة والمعصية خوفا ~~من العذاب وتجنبوا الشر. فإن صدق وعدك لأهل الخير بالخير، وصدق وعيدك ~~لأهل الشر بالشر استقام ميزان الحياة. ولذلك نقول للذي يذاكر: إنك ستنجح، ~~فإن أتقنت المذاكرة حصلت على المجموع الذي يؤهلك لدخول الكلية التي ~~تختارها، وإن أهملت دروسك رسبت وفصلت من التعليم وضاع مستقبلك. هنا ~~وعد ووعيد. إن وفيت ما وعدت ووقيت ما توعدت، استقام ميزان الحياة. ~~ولكن إذا جئت لإنسان لم يذاكر وأنجحته وأعطيته أعلى الدرجات مخالفا بذلك ~~وعيدك له، فأنت تهدم قضية كونية يترتب عليها مصالح الخلق كلهم. وإن وعدت ~~من يحصل على 90% مثلا أنه سيدخل كلية الطب، ثم أخلفت وعدك فدخل كلية ~~الطب من حصل على 70% واستبعد الحاصل على 90% بسبب تدخل الأهواء تكون ~~أيضا قد اعتديت على حركة الحياة كلها وتفسد قضية العمل الجاد في حركة ~~الحياة، وكل من لا يملك القدرة على تنفيذ ما وعد به أو أوعد به، لا يكون ~~لكلامه وزن في حركة الحياة. على ms4191 أنه إذا كان الوعد والوعيد من الحق ~~سبحانه وتعالى فإنه مختلف مع منطق البشر لأننا أهل أغيار، فقد أعد بخير ~~لا استطيع تنفيذه، وقد أعد بعقاب ثم أضعف بسبب ظروف معينة فلا أقوى على ~~التنفيذ. إذن: فلكي تستقيم حركة الحياة، لا بد أن يأتي الوعد والوعيد من ~~القادر دائما، القوي دائما، الموجود دائما صاحب الكلمة العليا بحيث لا ~~يوجد شيء يمكن أن يجعله لا يفي بوعده أو لا يتم وعيده، فإذا قرأت ~~سورة المسد تجد الحق سبحانه يقول فيها: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد # [المسد: 1-5]. وقد حكم الله سبحانه وتعالى في هذه السورة الكريمة بأن ~~أبا لهب وامرأته سيموتان كافرين وسيدخلان النار، ولكن كثيرا ممن كانوا ~~كفارا وقت نزول هذه السورة مثل: خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، ~~وعمرو بن العاص وغيرهم آمنوا وحسن إسلامهم وجاهدوا في سبيل الله، ~~فلماذا حكم رسول الله بأن أبا لهب وامرأته لن يؤمنا كما آمن عمرو، وكما ~~آمن عكرمة، وكما آمن خالد بن الوليد وغيرهم؟ نقول: إن هذا ليس حكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه الحق سبحانه وتعالى، وإذا حكم الله فإياك ~~أن تشك في هذا الحكم لأنه لا إله إلا الله وهو على كل شيء قدير. # لذلك جاءت هذه السورة، وبعدها في المصحف الشريف في سورة الإخلاص: # قل هو الله أحد * الله الصمد # [الإخلاص: 1-2]. وما دام الله أحدا فأمره نافذ حتى في الأمور ~~الاختيارية في الحياة، فإذا قال الله: { لا مبدل لكلماته }. ~~وإذا وعد بخير فإنه سيأتي لا محالة، وإذا أوعد بشر فسوف يقع حتما. إذن: ~~فلكي تستقيم موازين الحياة، كان لا بد أن يأتي الوعد والوعيد من الحق ~~سبحانه وتعالى حتى نكون على يقين بأنه سيحدث لأنه لا أحد يشارك الله في ~~ملكه، ولا يوجد قوي إلا الله، ولا غالب إلا الله لأنه هو الله أحد. وقد ~~يأتي الحق ms4192 سبحانه وتعالى بسنة كونية واقعة، فأنت حين تزرع الأرض وتحسن ~~حرثها، وريها ووضع البذور فيها يأتيك المحصول بخير عميم. وإذا أهملت ~~الأرض وتركتها بلا حرث ولا زرع ولا بذور فهي لا تعطيك شيئا. إذن: ~~فالسنة الكونية هنا أعطت وعدا للذي يجد في زراعة أرضه بالمحصول ~~الوفير، وأعطت وعيدا للذي لا يقبل على زراعة أرضه بأنه لا يحصل على ~~ثمرة واحدة منها. ولو اختلف الأمر ووجدنا من زرع وحرث وسقي لم يحصل على ~~الثمار، ومن لم يزرع ولم يفعل شيئا أعطته الأرض من ثمارها الكثير، ~~لانقلبت المعايير في الكون، وما وجدنا أحدا يزرع أرضه. إذن: فلكي تستقيم ~~سنة الحياة، إما أن يكون الوعد والوعيد من قادر على التنفيذ لا يضعف ولا ~~يتغير. وإما أن يكون بسنة كونية نراها أمامنا في كل يوم ولا يقع ما هو ~~مخالف لها. فالذي يجتهد ينجح، والذي لا يذاكر يرسب. سنة كونية. لو صدقت ~~مع الواقع يعتدل ميزان الحياة. ولو لم تصدق مع الواقع وتدخلت الأهواء ~~لتجعل من لا يذاكر ينجح ومن يذاكر يرسب اختلف حركة الحياة المثمرة ~~الناجحة. إذن: فميزان الوعد والوعيد هو دولاب حركة الحياة، فإن اختل هذا ~~الميزان وجاء الوعد مكان الوعيد أي كوفئ الذي لا يعمل وعوقب الذي يعمل ~~فسد الكون. لماذا؟ لأن كل إنسان يحب النفع لنفسه، ولا يختلف في ذلك مؤمن ~~أو عاص أو كافر، ولكن العاصي والكافر يحبان نفسيهما حبا أحمق فيحققان ~~لها نفعا قليلا زمنه محدود بعذاب مستمر زمنه بلا حدود. أما المؤمن فهو ~~إنسان يمتاز بالذكاء وبعد النظر لذلك فهو حرم نفسه من متعة عاجلة في ~~زمن محدود، ليحقق لها متعة أكبر في زمن لا ينتهي. ولقد ضربنا مثلا لذلك ~~- ولله المثل الأعلى - فقلنا: هب أن هناك أخوين: أحدهما يستيقظ من ~~النوم مبكرا، فيصلي ويفطر ويأخذ كتبه ويذهب إلى المدرسة، ويحسن الإنصات ~~للمدرسين ويعود إلى البيت ليذاكر دروسه. # والآخر يظل نائما يتمتع بالنوم، ويقوم عند الضحى، فيخرج ليتسكع في ~~الشوارع، وحين تحدثه نفسه بأي متعة فهو يحققها ms4193 بصرف النظر عن منهج ~~الله وقيم الحياة. إن كلا الأخوين يحب نفسه، لكن الأول أحب نفسه فأعطاها ~~مشقة محتملة في سنوات الدراسة لتعطيه راحة ومركزا ومالا بقية حياته، ~~أما الأخ الثاني فقد أحب نفسه أيضا وأعطاها المتعة العاجلة ولكنه أضاع ~~مستقبله كله، فلم يعد يساوي شيئا في المجتمع. إذن: فكل منا يحب نفسه، ~~ولكن مقاييس الحب هي التي تختلف. فمنا من يأخذ المقياس السليم، فيتحمل ~~مشقة قليلة ليأخذ نعيما أبديا، ومنا من يعطي نفسه متعة عابرة ليفقد ~~نعيما مقيما. والعجيب أنك تجد أن هذه هي سنة الحياة الدنيا، فلا تجد ~~إنسانا ارتاح في حياته إلا إذا كان قد أجهد نفسه في سنواته الأولى ليصل ~~إلى الراحة بقية عمره، ولا تجد إنسانا فاشلا عالة على المجتمع إلا إذا ~~كان قد أخذ حظه من الحياة في أولها ليشقى بقية عمره. لذلك يقال دائما: ~~إنه لا يوجد من يأخذ حظه من الحياة مرتين أبدا، فالذي يتعب في أول حياته ~~يرتاح بقية عمره، والذي يرتاح أول حياته يتعب بقية عمره. والمثل الشائع ~~يقول: من جار على شبابه، أي: ضيعه فيما لا يفيد جارت عليه شيخوخته. ~~والقائمون على الأمر عليهم أن ينبهوا المقبلين على الحياة بالوعد والوعيد ~~حتى يستقيم أمر حياتهم، وعليهم ألا يؤجلوا الوعد إلى أن تنضج الثمرة. ~~ولا الوعيد إلى أن يحدث الشر ويقع. وعلى كل ولي أمر في أي مكان أن يراقب ~~حركة المقبلين على الحياة من أبنائه أو من يتولى أمرهم، فيشجع ويعد ~~المجتهد، ولا ينتظر حتى ينجح، بل لا بد من الوعد لكي يتم الاجتهاد. ولا ~~بد من الوعيد قبل أن يرسب الابن أو يضيع حياته، فلا ننتظر حتى يفسد ~~الإنسان ثم بعد ذلك نتوعده لأن الوعد والوعيد هما اللذان يزنان حركة ~~الحياة. ولكن إذا رأينا في مجتمع ما أن الذي يعمل لا يأخذ شيئا، والذي ~~لا يعمل يأخذ كل شيء، نعرف أن مقاييس العمل قد اختلت. وأن المتاعب قد ~~بدأت في المجتمع لأن الذي يعمل حين يجد أن العمل ms4194 لا يوصله إلى شيء فهو ~~يوجه حركة حياته إلى غير عمله، فيبذل جهده كله في النفاق والرياء، وقلب ~~الحقائق وإرضاء الذي يملك الأمر. وتكون النتيجة هي فقدان المجتمع لقيمة ~~العمل فيصبح المجتمع بلا عمل منتج، ويصير مجتمعا بارعا في النفاق ~~والرياء وضياع الحق. وقد وضع الحق سبحانه وتعالى مقياس حركة الحياة في ~~الوعد والوعيد فلا تعط حافزا إلا لمستحق، ولا مكافأة إلا لمجتهد ~~ولكنك إذا بعثرت الحوافز على المنافقين، والذين يحققون لك أهدافك ~~الشخصية، كأن يخدموك في بيتك أو يقضوا لك مصالحك الخاصة، ومنعت الحوافز ~~عن الذي يعمل في جد، تكون بذلك قد أفسدت حركة الوعد والوعيد فتختل حركة ~~الحياة في المجتمع لأن حركة كل إنسان يتقن العمل ويجيده، هي حركة تنفع ~~المجتمع كله، بصرف النظر عن صاحب الحركة نفسه، فإذا وجد عامل نشيط أنجز ~~مصالح عشرات الناس، أو موظف مخلص ارتاح كل من يتعاملون معه، فإن أضعت ~~أنت هؤلاء، فكأن المجتمع هو الذي خسر. # لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى في سورة الكهف - ومعنى الكهف مغارة في جبل، ~~والحقائق أيضا لها كهوف - حين ضرب سبحانه وتعالى مثلا عن ذي القرنين ~~قال: # ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم ~~منه ذكرا # [الكهف: 83] فما هو الذكر الذي يعنيه الله سبحانه وتعالى هنا؟ بعض الناس ~~يحاول أن يدخل نفسه في متاهة بالسؤال عمن يكون ذو القرنين، هل هو ~~قورش؟ أو الإسكندر الأكبر أو غيرهما؟ نقول: إن هذا لا يعنينا، بل ما ~~يعنينا هو أن نلتفت إلى أن ذا القرنين هو إنسان مكنه الله في الأرض. ~~وهذا ينطبق على كل إنسان مكنه الله في الأرض في أي زمان، وفي أي مكان. ~~ومهمة من يمكنه الله في الأرض ألا يكتفي بعطاء الله من الأسباب، بل عليه ~~أن يولد من الأسباب قوة مصداقا لقوله تعالى: # إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء ~~سببا * فأتبع سببا # [الكهف: 84-85]. مهمته - إذن - أن يثيب من يحسن عمله، ويعاقب من أساء ~~عمله، وفي هذا يقول الحق سبحانه وتعالى: ms4195 # قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن ~~تتخذ فيهم حسنا * قال أما من ظلم فسوف ~~نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا ~~نكرا * وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء ~~الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا # [الكهف: 86-88]. وأول ما يجب أن يهتم به كل ممكن في الأرض، بعد توليد ~~الطاقة من الأسباب، هو معاقبة الظالم لتستقيم الأمور بالضرب على يده. وفي ~~هذا إصلاح لحركة الحياة في الدنيا، أما في الآخرة فللظالم عذاب آخر، ذلك ~~أن الذين يعيثون فسادا في الأرض لا يمكن أن نتركهم لعذاب الآخرة لأنهم ~~لا يؤمنون بالآخرة. ولو تركناهم ولم نضرب على أيديهم لملأوا الأرض ~~فسادا. والفساد في المجتمع لا يصيب المفسد فقط، ولكن يكتوي به المجتمع ~~كله. إذن: فلا بد أن نعجل لهم بالعقوبة في الدنيا، لنحمي المجتمع من ~~الفساد، ثم يعذبهم الله في الآخرة، وهو سبحانه لم يؤمنوا به، ولم يحسبوا ~~حساب لقائه يوم القيامة، وأما من آمن وأصلح في المجتمع وصلح المجتمع ~~بإيمانه، فلا بد أن نجازيه خيرا ونشجعه. # هذا هو قانون صلاح الكون، وتلك هي معاييره. وكما قلنا، يشترط فيمن يقوم ~~بتنفيذ الوعد والوعيد القدرة الدائمة وعدم التغيير والوجود الدائم، فإذا ~~كانت القدرة مطلوبة، فلا يوجد أقدر من الله، أما التغير فالله يغير ولا ~~يتغير، وأما البقاء فلا بقاء ولا دوام لغير الله ولذلك نجد أن المؤمن ~~الحق هو من يعلم أن وعد الله لا تمسه الأغيار، أما وعد البشر فهو ~~عرضة للأغيار. لذلك يطلب منك الحق أن تقول: " إن شاء الله " حين تعد ~~بشيء لتكون صادقا. ويقول سبحانه: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن ~~يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا # [الكهف: 23-24]. وليس معنى هذا أن نمتنع عن التخطيط ووضع خطط لعام قادم ~~أو لخمس سنوات قادمة، ولكن قل: إن شاء الله سوف أفعل ذلك غدا، و: إن شاء ~~الله سأفعل كذا في العام القادم لأن الذي تعد ms4196 به، قد يأتي وقت الوفاء ~~ولا تجد عندك القدرة على أن تفعله. فإذا قلت - مثلا - لإنسان: سنتقابل ~~غدا في مسجد السيدة زينب رضي الله عنها ونتكلم في موضوع كذا. هل أملك أن ~~أعيش لغد؟ أو يملك من وعدته أن يعيش لغد؟ أو أملك أن يظل سبب اللقاء ~~موجودا؟ يجوز أني كنت سأقابله لأقترض منه عشرة جنيهات، وجاءني مال في ~~أثناء الليل، أو غيرت رأيي. إذن: فساعة تقول " سأفعل ذلك غدا " ، قل: ~~" إن شاء الله " لأنك لا تملك شيئا من أسباب الفعل. فكل فعل إنما يحتاج ~~لفاعل وأنت لا تضمن بقاءك كفاعل. ويحتاج كل فعل إلى مفعول يقع عليه، وأنت ~~لا تضمن بقاء المفعول، وكل فعل يحتاج إلى قوة ليتم، وأنت لا تضمن بقاء ~~قوتك فيجوز أن تمرض ولا تقدر على الحركة. كذلك يحتاج كل فعل إلى سبب كي ~~تفعله، وقد يتغير السبب. إذن: فأنت لا تضمن شيئا من أسباب الفعل لذلك لا ~~تقل سأفعل ذلك غدا لأن الذي يملك أن يبقيك لغد، أو يبقي السبب أو يبقي ~~القدرة هو الله، إذن: فكل شيء نقوله لا بد أن نقول: " إن شاء الله " لأنه ~~سبحانه وتعالى وحده الذي يملك عناصر الفعل. ولكن إذا كان الذي وعد هو ~~الحق سبحانه وتعالى، فوعده محقق التنفيذ لأنه باق لا يموت، قادر دائما ~~لا تضعف قدرته، فعال لما يريد. وبعد أن تكلم الحق جل جلاله عن المؤمنين ~~والمؤمنات بأنهم أولياء بعض، وأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ~~ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله، وقد وعد سبحانه ~~بأنه سيرحمهم. فكيف ستكون هذه الرحمة؟ لذلك يقول سبحانه وتعالى: { وعد ~~الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات ~~عدن } إذن: فالحق سبحانه وتعالى وعد المؤمنين والمؤمنات بالجنة، ~~والجنة تطلق على البستان والأماكن الجميلة تملؤها الزهور والأشجار، وهذه ~~عامة للمؤمنين يتمتعون بها جميعا، ثم يأتي قوله تعالى: { ومساكن ~~طيبة في جنات عدن } وهذه المساكن زيادة على هذه الجنة، وهنا ~~وعد من الله لكل ms4197 مؤمن بجنة خاصة بمفرده يكون له فيها مسكن طيب. # إذن: فعندنا جنات، وهي لجميع المؤمنين، ثم مساكن طيبة، أي مسكن طيب لكل ~~مؤمن، وما هو الطيب في هذه المساكن؟ لنا أن نلاحظ أن الإنسان يحب الشيوع ~~أولا، ثم يحب الانكماش ثانيا، وإذا أراد أن يملك فهو يريد أن يملك ~~مكانا متسعا خاصا به، ثم يخصص في هذا المكان مأوى طيبا خاصا به. ~~وقول الحق سبحانه وتعالى: { ومساكن طيبة } أي: ليس فيها ما ~~يسيء أو يضايق، بل كل ما فيها يملأ النفس بالسرور والبهجة. وكلمة " جنة " ~~هي المكان الذي فيه زروع وخضرة، وهذه الزروع تسترك وتخفيك عن الأعين، أو ~~أنها تسترك فلا تحتاج إلى أن تخرج منها لأن فيها كل مقومات حياتك من طعام ~~وشراب. والحق سبحانه وتعالى أطلق لفظ " الجنة " على بساتين الأرض، فقال: # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل ~~وأعناب... # [البقرة: 266]. ويقول تعالى أيضا: # إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة... # [القلم: 17]. وعندما أراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطينا صورة الجنة في ~~الآخرة كيف بينها لنا سبحانه مع أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟ نقول: الوجود المعروف في الكون هو الوجود ~~الذي تراه أو تسمعه، وفي هذه الحالة يكون الوجود أوسع لأنك ستسمع الذي ~~رآه غيرك حين يقصه عليك. إذن: فالسماع أوسع من الرؤية لأنه يأخذ مجالك ~~ومجال غيرك. فأنت إذا قلت: إنك ذهبت إلى نيويورك مثلا تكون قد رأيت، ~~فإذا لم تذهب ونقل إليك أحد أصحابك صورة هذه المدينة، تكون دائرة ~~معلوماتك أوسع لأنك أضفت إلى علمك ما رأيته وما رآه غيرك. وأما الأشياء ~~التي لا تخطر على بال بشر، فهي أوسع كثيرا مما ترى وتسمع لأنها أشياء ~~فوق الحصر. والكلمات توضع لمعان معلومة، فألفاظ اللغة لا بد أن توضع ~~لمعان مرت على العين، أو مرت على السمع، أو مرت على الخاطر. فقبل أن ~~يخترع التليفزيون لم يكن له اسم، إذن: فلا يمكن أن يكون هناك اسم، إلا ms4198 ~~إذا كان هناك وجود أولا، ولكن قبل الوجود لا يكون هناك في اللغة ما يعبر ~~عن شيء غير موجود. ولكن الألفاظ تضاف إلى اللغة بعد وجود الشيء. وهذه ~~مهمة المجامع اللغوية في العالم. فالأشياء توجد أولا، ثم تجتمع هذه ~~المجامع لتختار لها أسماء. # ولكن الجنة في الآخرة سيكون فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، فليس ~~عندنا ألفاظ تعبر عما في جنة الآخرة، فإذا أضفنا إلى ذلك " ولا خطر على ~~قلب بشر " تكون اللغة عاجزة تماما عن أن تعبر عما في جنة الآخرة. ~~وسبحانه وتعالى حين يريد أن يعطينا صورة عن الجنة التي وعد بها المتقين ~~فهو يوضح: أنتم لا تستطيعون أن تأخذوا هذه الصورة من لغتكم لأن لغتكم ~~قاصرة فأنتم لم تروا هذه الأشياء، ولم تسمعوا عنها ولا تستطيع عقولكم أن ~~تستوعب ما في جنة الآخرة لأن فيها ما لم يخطر على قلب بشر. ولذلك فهو ~~سبحانه وتعالى يعطينا فقط مثلا ليقرب لنا الصورة فلا يقول الجنة، وإنما ~~يقول: # مثل الجنة التي وعد المتقون... # [محمد: 15]. أي: أن هذا مثل فقط يقرب الصورة، ولكنه ليس حقيقة ما هو ~~موجود في الجنة. وهنا يقول سبحانه: { وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار } و { ~~جنات } جمع " جنة ". ومادة الجيم والنون هذه مأخوذة من الستر ~~والتغطية. اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ~~ربي فلمآ أفل قال لا أحب الآفلين # [الأنعام: 76]. يعني: ستر وأظلم، والجنون ستر العقل. والجنة تستر من ~~فيها لأن أشجارها كبرت ونمت وترعرعت. بحيث يكون من يسير فيها مستورا ~~بأغصان الشجر وأوراقه فلا يراه أحد. ويكون مستورا في كل مطلوبات حياته. ~~فلا يحتاج أن يخرج منها لأن فيها كل مطلوبات الحياة من الماء والطعام ~~والمكان يجلس أو يتريض فيه، وغيرها من النعم التي أنعم الله بها عليه. ~~فإذا كان الحق سبحانه وتعالى قد وعد المؤمنين والمؤمنات جنات، فإن ~~المؤمنين جماعة، والمؤمنات جماعة، والموعود به جنات جمع، وتقابل الجمع ~~بالجمع يقتضي القسمة ms4199 لآحاد، فيكون المعنى: أن الله وعد كل مؤمن جنة، ووعد ~~كل مؤمنة جنة، والأفراد ستتكرر. إذن: فالموعود به جنات لا بد أن تتكرر، ~~فإذا قسمناها عرفنا نصيب كل مؤمن ومؤمنة، تماما مثلما يقول الأستاذ ~~لتلاميذه، أخرجوا كتبكم. و " أخرجوا " أمر لجماعة، وكتبكم جمع، أي: أن ~~يخرج كل تلميذ كتابه. وقول المعلم " أمسكوا أقلامكم " يعني: أن يمسك كل ~~تلميذ قلمه. إذن: فقول الحق سبحانه { وعد الله المؤمنين ~~والمؤمنات جنات } أي: أن لكل واحد جنة. ولكن الحق سبحانه ~~وتعالى يقول في سورة الرحمن: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]. وهنا لا بد أن ننتبه لمعطيات الألفاظ في سياقها ومقامها ~~فسورة الرحمن لا تتكلم عن الإنس فقط، وإنما تتكلم عن الإنس والجن. ~~فسبحانه وتعالى يقول: # خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجآن ~~من مارج من نار # [الرحمن: 14-15]. وكذلك قوله جل جلاله: # سنفرغ لكم أيه الثقلان # [الرحمن: 31]. إذن: فيكون للإنس جنة وللجن جنة لذلك يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]. من خاف مقام ربه من الإنس له جنة، ومن خاف مقام ربه من ~~الجن له جنة. ويمكن أن يكون المعنى أن لكل واحد جنتين لأن الحق سبحانه ~~وتعالى علم أزلا ما سيصير إليه أمر عباده من التقوى أو الفجور، ولكنه ~~تبارك وتعالى لم يخلق للمتقين جنات تكفيهم وحدهم، أو يخلق للكفار نارا ~~تكفيهم وحدهم، بل خلق لكل واحد من خلقه إلى أن تقوم الساعة جنة، ولكل ~~واحد من خلقه إلى أن تقوم الساعة نارا، فإذا دخل أهل الجنة الجنة بقيت ~~الجنات التي خلقت ولم يدخلها أحد لأن أصحابها من أهل النار، فيقوم الحق ~~بتوزيعها على المؤمنين أصحاب الجنة مصداقا لقوله تعالى: # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الزخرف: 72]. أي: أنها لم تكن مخلوقة لكم، ولكنكم ورثتموها لأن أصحابها ~~من أهل النار. ونزيد الأمر هنا توضيحا، فالقرآن الكريم له أسلوب مميز ~~لأن الذي يتكلم هو الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن كل لفظ من ألفاظ القرآن ~~الكريم يأتي مطابقا للمعنى ms4200 تماما. وفي اللغة، قبل أن تتكلم لا بد أن ~~تكون عالما بمعنى اللفظ. وأن يكون محدثك أيضا عارفا معناه حتى يستطيع ~~أن يفهمك. فإذا قلت لإنسان مثلا: أحضر لي كوبا من الماء لأشرب، فلا بد ~~أن يكون عارفا لمعنى الماء ومعنى الكوب، وإلا فإنه لن يفهم. إذن: ~~فبالتخاطب توجد المعاني أولا ثم توجد لها الألفاظ ولذلك قبل أن يتم ~~اختراع التليفزيون لم يكن المعنى موجودا، وعندما اخترع وفهمنا معناه وضع ~~له الاسم. فإذا وجدت لفظا في اللغة، فاعلم أن المعنى قد وجد أولا قبل ~~أن يوضع اللفظ أو الاسم، ولعل هذا هو أكبر دليل لغوي ضد من ينكرون وجود ~~الواجد الأعلى. نقول لهم: إن الله موجود في كل لغة وبما أن المعنى في ~~اللغة يوجد أولا. فوجود الله سبحانه وتعالى سابق لمعرفتنا باسمه سبحانه ~~وتعالى لأن الاسم لا يمكن أن يوجد إلا بعد أن يوجد المعنى، وما دمت قد ~~نطقت بالاسم، فهذا دليل على أن الله موجود. إذن: فقولك: إن الله غير ~~موجود باطل لأنك ما دمت قلت: " الله " ، ووجد لفظ الجلالة في لغتك فلا بد ~~أن الله سبحانه وتعالى موجود قبل وجود لفظ الجلالة. والكفر طرأ على ~~اللفظ، فحاول أن يستره ولذلك سمى الكفر سترا لوجود الله. والستر لا يكون ~~إلا لموجود. إذن: فالذي كفر، ستر موجودا فأعطى دليل الإيمان لأنك أيها ~~الكافر - والعياذ بالله - تعرف لفظ الله في لغتك، ولو لم يكن الله ~~موجودا ما وجد لفظ " الله " سبحانه وتعالى في اللغة. إذن: فوجود الله ~~سابق لمعرفتنا اسم الله، ومحاولة ستر ذلك بالكفر إنما هي دليل على وجود ~~الله، لأنك لا تستر إلا ما هو موجود. # ولفظ الجنة في القرآن الكريم أطلق على معان كثيرة، في قوله تعالى: # إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين # [القلم: 17]. وقوله جل جلاله: # جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما ~~بنخل... # [الكهف: 32]. إذن: فالجنة أطلقت في القرآن على المكان الذي فيه زروع ~~وثمار وأشجار، فهو يحجب من دخله، أو يمنع ms4201 الإنسان بالخير الذي في داخله ~~من الحاجة للخروج إلى مكان آخر لأن فيه كل مقومات الحياة. وحين يريد الحق ~~سبحانه وتعالى أن يبشرنا بشيء في الآخرة، لا بد أن يشبهه لنا بشيء نفهم ~~معناه في الدنيا لأن اللغة مكونة من ألفاظ وأسماء سبقتها معان حتى ~~نستطيع أن نفهمها، ولذلك إياك أن تفهم أن جنة الدنيا هي جنة الآخرة لأن ~~الحق سبحانه وتعالى يستخدم اللفظ الذي تفهم أنت معناه. ولكن جنة الآخرة ~~فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولكن من أين نأتي ~~بالألفاظ التي يمكن أن تعبر لنا عن ذلك؟ إن اللفظ لا يوجد إلا إذا كان ~~المعنى موجودا أولا، ومن يستطيع أن يأتي بلفظ لم تره عين، ولا سمعته ~~أذن ولا خطر على قلب بشر؟ مستحيل لأن المعنى غير موجود. ولذلك ينبهنا ~~الحق سبحانه إلى هذه النقطة، ويوضح لنا أنه يعطينا معنى تقريبيا حتى ~~نستطيع أن نفهمه فيقول سبحانه وتعالى: # مثل الجنة التي وعد المتقون... # [محمد: 15]. أي: أنها ليست هي، ولكنه مثل فقط يقرب المعنى إلى ذهنك. خذ ~~صورة من المجتمع الذي تعيش فيه، أنت تحتاج إلى مسكن لتسكن وتستريح فيه من ~~عناء الحياة. وهناك من عنده مسكن من حجرة واحدة، فإذا ترقى يكون المسكن ~~من حجرة وصالة أو حجرتين وصالة، ثم بعد ذلك يزداد الرقي، فيبحث عن شقة ~~واسعة، فإذا ارتقى كان له مسكن خاص فيلا، فإذا ارتقى جعل حول مسكنه ~~حديقة، وهكذا يزداد الرقي. إذن: فالمسألة لم تعد مكانا تأوي إليه ~~فقط، بل ترتقي في الإيواء كلما ارتقيت في الحياة. فتتحقق لك المتعة في ~~الإيواء، وهذا موضوع آخر. ولهذا يقول الحق سبحانه: { ومساكن ~~طيبة } أي: هناك جنات وهناك مساكن لأن الإنسان يحب في بعض الأوقات ~~أن يجلس بمفرده وحوله المتعة التي تخصه، وفي أحيان أخرى يحب أن يجلس مع ~~الناس في مكان جميل مثلما يحدث في الأعياد والمناسبات، عندما نخرج إلى ~~الحدائق والبساتين، ونجلس معا، فكأن الجنات هي للرفاهية الزائدة عندما ms4202 ~~تحب أن تجتمع مع الناس أتمتع بها أنا وأنت وغيرنا. أما المساكن فهي ~~للخصوصية. فيكون لكل واحد مكان خاص يجلس فيه ويتمتع بما حوله. إذن: ~~فالجنات صورة من البساتين، ولكنها ليست مصنوعة بالأسباب، بل هي من صناعة ~~المسبب جل وعلا. # ونحن حينما نذهب إلى بيت إنسان ثري، قد نجد أن للبيت حديقة يشرف عليها ~~بستاني متمكن من عمله ويقوم بتنسيق الزهور والأشجار بشكل يناسب ثراء ~~المالك. ويكون إعجابنا في هذه الحالة بالحديقة إعجابا كبيرا، بحيث نجلس ~~فيها، ونكره أن نغادرها، فإذا كان هذا هو ما يحدث بقدرات البشر، فكيف ~~بهذه الحقائق التي صنعت بقدرة الله سبحانه وتعالى؟ وكيف يكون جمالها ~~وحلاوتها والمتعة فيها؟ إن الذي وعدنا بهذه الجنات هو الحق سبحانه ~~وتعالى. وهو قادر على أن ينفذ ما وعدنا به، من جنات فيها من الكماليات ~~والرفاهية مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وجعل هذه ~~الجنات واسعة شاسعة، فيها زروع وأزهار وأشكال تسر العين بجمالها، وتمتع ~~اللمس بنعومتها وتملأ الأنوف برائحتها الزكية. ومن ميزات جمالها أن ~~الأنهار تجري من خلالها، ولكنها لا تجري من فوقها بل تجري من تحتها، ~~ومنابعها من مكان آخر، أو تحتها، ومنابعها ذاتية، أي ينبع من نفس المكان. ~~وكأن كل نهر ينبع من تحت جنة خاصة به. وإذا أردت أن تعرف جمال هذه ~~الأنهار فهو جمال قد صنعه الحق سبحانه وتعالى. وإذا كنا في حياتنا نرى أن ~~لكل نهر شاطئين، فإن أنهار الجنة تجري من غير شواطئ وإنما يمسكها الذي ~~أمسك السماء أن تقع على الأرض، ثم تجد الأنهار قد تشترك في المجرى نهر ~~اللبن، ونهر العسل، ونهر الماء، ونهر الخمر، وكلها تجري في مجرى واحد ~~ولكنها لا تختلط ببعضها البعض، فكل منها منفصل لأن الحق سبحانه وتعالى هو ~~الصانع وتبارك من صنع. ويعطينا سبحانه وتعالى بعد كل ذلك، ميزة الخلود في ~~هذه الجنات فيقول: { خالدين فيها } ونحن نعلم أن المتعة في الدنيا ~~قد توجد للإنسان، ولكنها لا توجد خالدة أبدا ms4203 فقد تزول عنك النعمة وتذهب ~~المتعة كأن تصاب بكارثة مالية مثلا أو تخسر خسارة كبيرة في تجارتك أو ~~غير ذلك، وقد تزول أنت عن النعمة بالموت. ولكنك في جنات الآخرة تستمتع ~~بقدر ما فيها من كمال وجمال، ويزيدك الله فيها بأن يعطيك الخلود، فلا ~~تفارق النعمة ولا تفارقك لأنه ليس هناك أغيار، وليس هناك موت. وكل إنسان ~~في الدنيا يتمتع على قدر قدراته، وتصورات الخلق لأنواع النعيم تختلف ~~باختلاف بيئاتها ومقاماتها، فقد تكون من الفلاحين وكل متعتك أن تجلس على ~~مصطبة أمام بيتك، وقد يكون عند إنسان آخر بيت فيه صالون كبير، والثالث له ~~بيت فيه عدة صالونات، فكل واحد على قدر إمكاناته في الدنيا، ولكننا في ~~الآخرة نتمتع كلنا على قدر قدرات الحق سبحانه وتعالى، ويكون متاعنا بقدرة ~~لا تفوقها قدرة، ويكون الجزاء بقدر ما فعلت من خير في الدنيا، واتبعت ~~منهج الله. # إذن: فأنت الذي تحدد المساحة التي لك في الجنة، وتحدد المسكن وأنواع ~~النعيم بقدر عملك. ثم ما الذي يهددك في نعيم الدنيا؟ الذي يهدد الناس في ~~الدنيا أحد شيئين: إما أن تزول عنهم النعمة فيفتقروا، وإما أن يزولوا هم ~~عن النعمة بالموت. ولكن نعمة الآخرة ليس فيها هذا التهديد. إنها النعمة ~~الخالدة وأهل الجنة فيها خالدون. لذلك يقال: يا أهل الجنة، خلود بلا موت ~~ونعيم بلا بؤس. ولقد زاد الحق تبارك وتعالى في وصف الخلود فقال: { ~~خالدين فيهآ أبدا } والخلود بقاء طويل جدا، والأبدية لا تنتهي. ~~وسبحانه حين تكلم عن الخلود استثنى فيه، فقال سبحانه وتعالى: # وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما ~~دامت السموات والأرض إلا ما شآء ربك... # [هود: 108]. أي سماء وأي أرض تلك التي تحدث عنها الحق سبحانه ~~وتعالى؟ هل هي السماء التي نراها؟ إننا نعلم أن الأرض التي نعيش عليها ~~ستبدل وأن السماوات ستمور. ولكن الحق سبحانه وتعالى حين يتحدث عن ~~السماوات والأرض بالنسبة للآخرة. فهو يتحدث عن السماوات والأرض المبدلتين ~~مصداقا لقوله تبارك وتعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ms4204 وبرزوا ~~لله الواحد القهار # [إبراهيم: 48]. إذن: فما دامت السماوات والأرض ستتبدل، فالله سبحانه ~~وتعالى يحدثنا عن السماوات والأرض في الآخرة غير حديثه عن السماوات ~~والأرض في الدنيا. ولكن بعض السطحيين يقول: إن القرآن يتحدث عن بقاء ~~المؤمنين في الجنة ما دامت السماوات والأرض ثم يقول: # إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا ~~الجبال سيرت # [التكوير: 1-3]. فكأن هذه الأرض التي نعيش فيها، والسماء التي تظلنا ~~ستدمر يوم القيامة، فلماذا يقول الحق: # خالدين فيها ما دامت السموات والأرض... # [هود: 108]. فأين هو الخلود إذن؟ نقول لهؤلاء: اقرأوا القرآن كله ~~لتعرفوا أن الحق سبحانه وتعالى قال: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات... # [إبراهيم: 48]. إذن: فهذه الأرض هي أرض معاش وما فوقها من سماء هي سماء ~~معاش ستتبدل بأرض معاد لأن الأرض التي نعيش عليها فيها مقومات الحياة ~~بالأسباب، تزرع وتحصد وتصنع، أما في الآخرة فحياتك كلها بدون أسباب منك ~~ولذلك ساعة يخطر الشيء على بالك تجده أمامك دون أن تتحرك أو تحرث أو تزرع ~~أو تتحمل أي مشقة. أما هنا في هذه الدنيا، الأرض أرض المعاش تنعم فيها ~~وتأخذ منها بقدر إمكاناتك، ولكن أرض المعاد تأخذ منها بإمكانات الحق ~~سبحانه وتعالى. ومهما ارتقت الدنيا وارتقت أسبابها، لا يمكن أن تصل إلى ~~أنك يخطر على بالك الشيء فتجده أمامك. وسبحانه يقول: { خالدين فيها ~~ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك } فكأنه ~~استثنى بعض الناس من الخلود. # فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير ~~وشهيق * خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ~~إلا ما شآء ربك... # [هود: 106-107]. أي: أن الجنة والنار لهما خطان، وبمجرد أن يحاسب ~~الإنسان، إما إلى الجنة وإما إلى النار، فإن كان الذي يحاسب من الكفار أو ~~المنافقين، يكون بدء خلوده من أول لحظة دخل فيها النار ويبقى فيها ~~خالدا. وأما إن كان الذي يحاسب مؤمنا عاصيا، فهو يدخل النار على قدر ~~ما عمل من السيئات، ثم بعد ذلك يدخل الجنة. إذن: فالذي دخل النار أولا ~~حالتان: حالة أبدية وهم ms4205 المنافقون والكفار، وحالة مؤقتة وهم عصاة ~~المؤمنين، والخلود في النار بالنسبة لعصاة المؤمنين ناقص من الآخر، أما ~~الذين عملوا الصالحات فهم يدخلون الجنة ابتداء وخلودا، أما عصاة ~~المؤمنين فلا يدخلون الجنة إلا بعد أن ينالوا جزاءهم من العقاب. وبذلك ~~يكون خلود عصاة المؤمنين في الجنة ناقصا من البداية لأنهم لم يدخلوها ~~بعد الحساب مباشرة، وخلودهم في النار ناقص من الآخر لأنهم لم يخلدوا ~~فيها: ويقول سبحانه: { ومساكن طيبة في جنات عدن } أي: ~~أن مساكن المؤمنين في الجنة ستكون أيضا جنات خاصة بها، وكلمة { عدن } ~~مادتها العين والدال والنون معناها الإقامة. و " عدن في المكان " ، أي ~~أقام فيه. إذن: فهي جنات إقامة لأن هناك فارقا بين أن تسكن في فندق ~~مثلا، أو في مكان مؤقت، وبين أن تقيم خالدا. وحين يعطي الحق سبحانه ~~للمؤمن بشرى بأشياء، فهو يريد دائما ألا ننسى أنها منسوبة إلى قدرته ~~سبحانه، والشيء يتناسب مع قدرة صاحبه أو فاعله. فالرجل الفقير حين يبني ~~مسكنا يكون المسكن متواضعا مجرد حوائط تستر الإنسان، أما صاحب ~~الإمكانات الضخمة فيبني قصرا كبيرا، فإن كان واجد الوجود الأعلى هو ~~الذي صنع، فكل شيء إنما يتم على مقتضى قدرته وإمكاناته فهو الذي يمسك ~~الأمور كلها، ويأتي تنفيذه لأي شيء وفق ما يريد. إذن: فالخلود في جنات ~~عدن خلود دائم، وهي جنات يعلو فيها التنعيم لدرجة من علوها لا يحب ~~الإنسان أن يتركها أبدا لأنها أعلى مراتب الجنة ولا يوجد أحسن منها. ~~والإنسان حينما يكون بمكان فإنه لا ينتقل منه إلا إذا زهد ما فيه، فلو ~~كان ما في جنات عدن مما يزهد فيه بعد فترة ما وصفها الله بهذا الوصف. ~~ولكي يصل الإنسان إلى النعيم لا بد من موجد لهذا النعيم وهو الله سبحانه ~~وتعالى، وما يتمتع الإنسان به وهو الجنة، والمنعم عليهم بالنعمة، وهم ~~المؤمنون والمؤمنات. ومن أطاع الله طمعا في الحصول على نعيم الله في ~~الآخرة، يأخذ هذا النعيم. والذي أطاع الله لذات الله، ولأنه سبحانه ~~وتعالى يستحق أن يعبد لذاته ms4206 ويطاع، يكون في الآخرة مع التعظيم والتكريم ~~والمحبة واللقاء بالمنعم. إذن: فكل إنسان لما عمل له، فإذا زادت ~~عبادتك عما فرض الله عليك، وأحببت أن تكون دائما في لقاء مع الله، بأن ~~تقوم الليل وتتهجد، وتقرأ القرآن وتصلي والناس نيام، وتتقن العمل الذي ~~ترتقي به حياتك وحياة غيرك، وتفعل ذلك محبة في الله الذي يستحق التعظيم، ~~فأنت تستحق المنزلة الأعلى، وهي أن تكون في معية الله. # ويقول سبحانه: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]. والحق سبحانه وتعالى يتجلى على أهل الجنة فترات، ~~ويتجلى على أهل محبوبية ذاته دائما، وعندما يتجلى الحق سبحانه على أهل ~~الجنة ويقول: # " يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك. فيقول: هل ~~رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا مالم تعط أحدا من ~~خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ~~ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ". # ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى بعد أن تحدث عن المتعة والنعيم والجنات ~~التي تجري من تحتها الأنهار، والمساكن الطيبة التي في جنات عدن. أوضح ~~سبحانه أن هناك شيئا أكبر من هذا كله، وهو رضوان الله في قوله تعالى: { ~~ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم } ~~فالذي عمل للجنة يعطيه الله الجنة، والذي عمل لذات الله يعيش في معية ~~الله سبحانه. ويذيل الحق الآية الكريمة بقوله: { ذلك هو الفوز ~~العظيم } فما هو المقصود بالفوز العظيم؟ لقد تقدمت أشياء كثيرة تقدمت ~~جنات تجري من تحتها الأنهار، وجنات عدن، ومساكن طيبة، ورضوان الله، فأيها ~~هو الفوز العظيم؟ نقول: كلها فوز عظيم، فالذي فاز بالنعيم الأول في الجنة ~~أخذ فوزا عظيما، والذي فاز بالمساكن الطيبة في جنات عدن أخذ فوزا ~~عظيما، والذي أخذ رضوان الله يكون قد أخذ الفوز الكبير والعظيم. ونلحظ ~~أن القرآن حين يعرض منهج الله، فهو لا يتحدث عن الجزاء في باب منفصل، ~~والمنهج في باب منفصل، بل يجمع بين المنهج ms4207 والجزاء وبين الوعد والوعيد ~~لأنه ساعة يصف لي الجنة وما فيها من نعيم، لابد أن ينبهني إلى المنهج ~~الذي يوصلني إليها. وحين يعطيني صورة من المنزلة العالية التي تنتظر ~~المؤمن في الآخرة، لا بد أن ينبهني - أيضا - إلى العذاب الذي ينتظر ~~المنافق والكافر حتى أتجنب الطريق الذي يؤدي بي إلى النار والعياذ بالله. ~~ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى بعد أن حدثنا عن جنته ورضوانه يقول: { ~~يأيها النبي جاهد... }. ### || [9.73] # إذن: فبعد أن ذكر الحق لنا الجنة وما فيها، وما يجعل النفس مشتاقة إلى ~~الجنة، فهو يذكرنا بما يجب علينا أن نفعله لخدمة منهج الله - ولله ~~المثل الأعلى - مثلما تقول لابنك: عندما تتخرج طبيبا ستكون لك عيادة ~~كبيرة ثم مستشفى، وترتقي معه فيما ينتظره من مستقبل كبير، وتذكره ~~بضرورة أن يجتهد في المذاكرة حتى يصل إلى ما يتمناه. وبذلك تكون قد ~~حببته في الغاية التي سيصل إليها، ثم انتقلت لتحببه في الوسيلة التي ~~ستوصله إلى هذه الغاية. وهنا يقول الحق سبحانه: { يأيها النبي ~~جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } والحق ~~جل وعلا يخص رسوله صلى الله عليه وسلم بالتكريم والتعظيم، فلم يناده ~~باسمه. بل قال: { يأيها النبي } وفي مواقع أخرى يناديه: { ~~يأيها الرسول }. ولكن النداء من الحق لباقي الأنبياء، يكون مثل ~~قوله تعالى: # وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة... # [البقرة: 35]. وقوله تعالى: # قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات... # [هود: 48]. ونادى الحق إبراهيم: # يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ... # [الصافات: 104-105]. ونادى الحق موسى: # يموسى * إني أنا ربك... # [طه: 11-12]. وخاطب الحق سيدنا عيسى: # يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني ~~وأمي إلهين من دون الله... # [المائدة: 116]. فكل رسول ناداه الحق سبحانه وتعالى باسمه، إلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقد ناداه بقوله: { يأيها النبي } ، و ~~{ يأيها الرسول } تكريما للرسول عليه الصلاة والسلام، ورفعا ~~لمقامه عند ربه. وهنا يطلب الحق من رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجاهد ~~الكفار والمنافقين. ونحن نعلم أن السماء لا تتدخل لإرسال رسول إلا إذا ~~فسد المجتمع فسادا عاما. ms4208 ونعلم أن النفس الإنسانية فيها قد فطرت ~~على محبة الخير، فإن لم يحكمها هواها فهي تفعل الخير وتحبه، فإن حكمها ~~هواها ستر عنها الخير وفتح الهوى للنفس أبواب الشر. وقد يطيع الإنسان ~~هواه في أمر من الأمور، ثم يفيق فتلومه نفسه على ما فعل، هذه هي النفس ~~اللوامة، التي تلوم صاحبها على الشر، وتدفعه إلى الخير. ولكن هناك نفس ~~تتوقف فيها ملكات الخير فتفعل الشر، ولا تندم عليه، ثم ترتقي النفس في ~~الشر فتصبح أمارة بالسوء، وتأبى ألا تكتفي بفعل الشر، بل تأمر به الناس ~~وتحببه لهم. إذن: فمراحل النفس البشرية كثيرة، فهناك النفس التي تطمئن ~~لمنهج الله وتطيعه. وهذه هي النفس المطمئنة التي يقول فيها الحق: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي # [الفجر: 27-30]. وإذا وجدت النفس المطمئنة والنفس اللوامة، فاعلم أن ~~المجتمع بخير لأن النفس المطمئنة تطيع، وتأمر بالطاعة، والنفس اللوامة ~~تلوم صاحبها على الشر، ولكل مؤمن نقطة ضعف، فإذا ضعف مؤمن، يسرع له أخوه ~~المؤمن ليلومه على ضعفه، ويصحح له مساره ولأن نقط الضعف مختلفة، نجد أن ~~المجتمع يستقيم كلما وجد من يلتفت النظر إلى المنكر وينهى عنه، وهؤلاء ~~هم الذين يقول الحق عنهم: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا ~~بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3]. ولكن عندما تصدأ النفوس جميعا، ولا يصبح هناك من يأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر، بل تجد من ينهى عن المعروف ويأمر بالمنكر، ~~حينئذ لا بد أن يتدخل الحق سبحانه ليعيد للحق مكانه في الدنيا. إذن: فرب ~~العزة لا يتدخل في حالة وجود نفوس مطمئنة تطبق منهج الله وتأمر بطاعته، ~~أو وجود نفوس لوامة، سواء في ذات النفس البشرية أو في المجتمع تراجع من ~~يرتكب الإثم وتلومه، ولكن إذا عم الفساد في المجتمع، ولم يصبح هناك من ~~ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف، وأصبح أهل الخير فيه عاجزين عن أن يفعلوا ~~شيئا، جاءت الرسل لتعيد منهج الحق لينظم حياة هذا المجتمع. وحين يأتي ~~الرسول فهو يعلم أنه ما ms4209 أرسل إلا بعد أن عم الشر في الكون، وأن أهل ~~الفساد هم الأغلبية، وهم أصحاب النفوذ والسلطان، وينتفعون بالفساد ~~والانحراف المستشري في المجتمع. وهؤلاء إذا سمعوا بصيحة الحق فلن يقفوا ~~متفرجين، بل سيحاربون كل من يحمل منهج الحق إليهم. ولا بد للرسول من أن ~~يصمد أمامهم، وأن يجاهدهم. و " جاهد " من " فاعل " ، مثل " شارك " ، فأنت ~~تشارك فلانا، ومثل: " قاتل " فأنت تقاتل فلانا، إذن: فلا بد أن تحدث ~~مفاعلة بين الرسول ومن اتبعوه، وبين أئمة الكفر والفساد في المجتمع. ولا ~~بد أن يستعد الرسول والمؤمنون بمنهجه لتحمل الإيذاء من غير المؤمنين ~~بالمنهج لأن الكفار منتفعون بالفساد، ولكي يستمر هذا الانتفاع، لا بد أن ~~يقف الكفار ضد حملة منهج الحق، وأن يقاوموهم ليضمنوا لأنفسهم استمرار ~~الميزات التي يعطيها الباطل لهم. وينبه الله سبحانه وتعالى لرسوله إلى ~~حقيقة هؤلاء الكفار المنتفعين بالفساد، وأنهم سيحاربونه. ولذلك لم يقل ~~سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: اتحد معهم، ولكنه قال: { ~~جاهد الكفار والمنافقين } ، أي: اصمد أمامهم في المعركة، ~~وجاءت الكثير من الآيات التي يأمر فيها الله رسوله والمؤمنين بالصبر على ~~الجهاد، والجهاد يقتضي المواجهة، لذلك قال سبحانه: { اصبروا }. ولكن ~~لنفرض أن عدوي صبر أيضا في الحرب، إن أنا صبرت وعدوي صبر تساوت ~~الكفتان ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # اصبروا وصابروا... # [آل عمران: 200]. أي: إن واجهكم عدوكم بالصبر، فليكن صبركم أقوى منه، ~~فتغلبوه بالصبر والتحمل، فقف صابرا في مواجهتهم ومعك المؤمنون برسالتك، ~~فمعسكر الإيمان لا بد أن يواجه معسكر الكفر والنفاق، والكافر هو الذي جحد ~~الإيمان بقلبه وأعلن الكفر بلسانه، أما المنافق فهو من كفر في باطنه ~~ويعلن الإيمان في ظاهره. # وهذا هو الذي يجب أن نحذر منه أشد الحذر لأننا لا نعرفه فنتقي شره مثل ~~الكافر، فقد يطعنا المنافق من الخلف ونحن آمنون له مطمئنون إليه، فتكون ~~طعنته مؤثرة وأليمة. ويوضح الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم: إن العداوة ~~التي سيواجهها وهو يبشر بمنهج الله ستأتيه من اثنين من كافر أو منافق، ~~أي من مجاهر ms4210 بعدم الإيمان، أو ممن كفر بقلبه وتظاهر بالإيمان بلسانه. أما ~~المنافق فإنه عدو صعب لأنه يغشنا فلا نأمنه، رغم أن النفاق في حد ذاته ~~بالنسبة لمنهج الله هو دليل قوة هذا المنهج لأنه لا ينافق إلا القوي، ~~أما الضعيف فلا ينافقه أحد. ولذلك لم يكن هناك منافقون أثناء وجوده صلى ~~الله عليه وسلم في مكة قبل الهجرة لأن المسلمين كانوا قلة ضعافا، وكانوا ~~معذبين مضطهدين. ولم يكن هناك ما يغري أحدا بنفاقهم لأنه لا توجد ~~استفادة من هذا النفاق، بل سيتعرض من يتعاطف معهم للتعذيب والاضطهاد. ~~والمنافق في إظهاره غير ما يبطن إنما يحقق لنفسه مصلحة ذاتية. واختلف ~~الحال بعد أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وظهر ~~المنافقون بعد أن أصبح للإسلام دولة وقوة. والمنافق في هذه الحالة إنما ~~يعلن إيمانه زيفا، ليستفيد من قوة المسلمين لصالحه. إذن: فالنفاق ~~ظاهرة مرضية في المنافق، ولكنها دليل قوة للمؤمن الذي ينافقه. ونلحظ أنه ~~سبحانه وتعالى قد قدم في هذه الآية ذكر الكفار على المنافقين. وقدم ~~في آيات أخرى المنافقين على الكفار. والصدام - كما نعلم - قد حدث أولا ~~مع الكفار، ففي أول الدعوة لم يوجد هذا الصنف المنافق، بل كان هناك ~~مؤمنون وكفار، وجهاد الكفار جاء على مراحل، وليس على مرحلة واحدة، وكانت ~~أولى مراحل الجهاد هي الجهاد بالحجة لأن المؤمنين في أول الأمر كانوا قلة ~~ضعيفة لا يملكون قوة يواجهون بها هذا المد الكبير من الكفار. وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعرض قضايا الإيمان بالحجة لإقناع العقل لعل ~~عقولهم تفيق فيؤمنون بمنهج الحق. فيسألهم مثلا عمن خلق السماوات ~~والأرض؟ وحين يديرها الكافر في عقله لا يجد أن أحدا ادعى - أو يستطيع أن ~~يدعي - أنه خلق السماوات والأرض، فلا يكون جوابهم إلا أن الخالق هو الله ~~سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأن الإنسان في تكوينه قد يدعي أشياء ليست له، ~~ولكنه لا ينفي أمرا هو صاحبه. فمخترع أي شيء أو صانعه لا يمكن أن ينكر ~~أنه صنع أو اخترع، ms4211 بل يحب أن تعرف الدنيا كلها أنه اخترع أو صنع ولهذا ~~فأنت لا تجد شيئا ينتفع به في الكون مهما كان تافها إلا وعرفنا تاريخه، ~~ومن أين جاء، ومن الذي اخترعه أو اكتشفه أو صنعه، والمثال هو ما درسناه ~~في المدارس عن الذي اكتشف الكهرباء، والذي صنع المصباح الكهربائي، ومن ~~الذي طوره. # وكذلك اختراع الطائرة، ومعروف لنا كيف نشأت فكرة الطيران بعباس بن فرناس ~~الذي حاول الطيران بذاته بواسطة أجنحة كبيرة، وهكذا كانت البداية. إذن: ~~فكل شيء نافع في الكون معروف من الذي اكتشفه أو صنعه أو اخترعه. فإذا كان ~~هذا هو الحال بالنسبة للصناعات البشرية المحدودة، فما بالك بالنسبة ~~للكون؟ وحين نسأل: من الذي أوجد الشمس؟ ألا يستحق خالقها أن نعرف من هو، ~~خصوصا ونحن نعرف من الذي اخترع مصباح الكهرباء وأوجده في حياتنا؟ وإذا ~~كنا نملأ الدنيا بالحديث عن مخترع مصباح الكهرباء الذي ينير حجرة محدودة ~~لوقت، وقامت مصانع كبيرة لتنتج هذا الاختراع، أفلا نستحق أن نعرف من الذي ~~أوجد الشمس التي تنير نصف الكرة الأرضية في نفس اللحظة؟ هذه الشمس التي ~~تشرق منذ ملايين السنين، ولم تنطفئ مرة واحدة، ولا احتاجت قطعة غيار طوال ~~هذ العمر الطويل، ولا بد أن يكون لها صانع تتناسب قوته وقدرته مع ذلك ~~الإعجاز الذي نراه سواء في الضوء، أو في خصائص هذا الضوء، أو في دقة ~~الصنع فهي لا تتأخر ثانية ولا تتقدم ثانية عن الظهور، ولا بد أن يكون ~~صانعها له من القوة ما يتناسب مع عظمة هذا الخلق. فإذا جاء الرسول ~~وأبلغنا أن الله هو الذي خلق الشمس، فإما أن يكون صادقا فنسلم جميعا ~~بأن الله هو الخالق والموجد. وإما أنه غير صادق، فنقول: لماذا لم يخرج ~~إذن أحد يدعي أنه هو الذي خلقها. ولكن دقة وإعجاز الخلق الذي لا يمكن أن ~~تصل إليه قوة بشرية مفردة، أو قوى بشرية متعددة متعاونة، جعل القضية ~~محسومة له سبحانه وتعالى. وإلى أن يأتي من يدعي أنه خلق الشمس، ولن يأتي ~~فقضية ms4212 الخلق محسومة لله سبحانه وتعالى، ولا يوجد هناك منازع. ويأتي رسول ~~ليقول: إن خالق الأرض والشمس والسماوات والكون هو الحق سبحانه وتعالى، ~~فلم يأت أحد ويدعي أنه قد خلق شيئا من هذا، مما يؤكد صحة دعوى ~~الرسول، مما يؤكد أن من أوجد هذا الكون هو قوة بلا حدود، وقدرة بلا قيود، ~~وهو الأحق بالعبادة من هذه الأصنام والآلهة التي يدعونها. وتمضي الدعوة ~~بالمنطق ليسألهم من الذي خلقهم؟ مصداقا لقول الحق سبحانه وتعالى: # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون # [الطور: 35]. فإذا كان الجواب: لا هذا ولا هذه، إذن: فلا بد أن هناك ~~خالقا وموجدا لنا، فإذا جاء لنا الرسول وأبلغنا: إن خالق هذا الكون ~~وخالقنا هو الله، فلا بد أن نصدقه لأنه لم يدع أحد ولا يستطيع أن يدعي ~~أنه خلق هذا الكون أو خلق نفسه، تماما كما نكون قد جلسنا في مكان. وبعد ~~أن انصرفنا، وجدت حافظة نقود، فجاء صاحب المكان وسأل كل الذين كانوا ~~حاضرين، فنفوا جميعا ملكيتهم لحافظة النقود، عدا واحدا، حينئذ تكون ~~حافظة النقود ملكه لأنه هو وحده الذي ادعاها ولا يوجد معارض. # وفي خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان لا يجرؤ بشر أن يعارض الحق سبحانه ~~وتعالى ويدعي أنه خلق. إذن: فالقضية محسومة تماما لله. هذا هو جهاد ~~الحجة حيث يقتنع العقلاء بالمنطق، أو يقتنع من يستمع إليه فيفهمه، فإذا ~~وصلنا إلى أن الحق سبحانه وتعالى هو الخالق والموجد، يمكننا أن نتساءل: ~~من الذي يضع المنهج للإنسان على الأرض؟ لا بد أن نقدر أن من يضع ~~المنهج للإنسان على الأرض هو خالقه وموجده، تماما كما نثق أن صانع أي ~~آلة هو الأقدر على وضع أسلوب عملها، فهو يعلم ما يصلحها وما يفسدها. ~~والمثال: أن الإنسان منا يعطي ساعة يده لمن تخصص في إصلاح الساعات، ~~ويستدعي المتخصص في إصلاح الثلاجة إن أصابها عطب، ويستدعي الإنسان كل ~~متخصص لإصلاح الآلة التي درس تفاصيلها، وكل متخصص يعود إلى كتاب التصميم ~~الذي وضعه من اخترع الآلة، وبين فيه ما ms4213 يصلحها وما يفسدها، ولذلك فأنت ~~لن تستدعي نجارا ليصلح التليفزيون. إذن: فما دام سبحانه وتعالى قد وضع ~~منهجا فلا بد أن نتبعه لأنه هو موجد هذا الكون وموجدنا، ويعلم ما يصلحنا ~~وما يفسدنا. فإن فشل جهاد الحجة، يقول الحق سبحانه وتعالى: { واغلظ ~~عليهم } وبماذا يغلظ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم؟ إنه يغلظ ~~لإيضاح المصير الذي ينتظرهم، وكل كافر هو عابد للدنيا ويخاف أن تضيع منه ~~الدنيا لأنه لا يؤمن بالآخرة، فأنذره بالآخرة، وانذره بالعذاب الذي ~~ينتظره، وقل له: أنت لست خالدا في الدنيا، وما ينتظرك في الآخرة هول ~~كبير. ولكن المؤمن يعرف أن الدنيا وراءها آخرة وجنة ولذلك وجدنا المؤمن ~~الذي يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرب: ادع لي يا رسول الله ~~لأستشهد. ويقول آخر: أليس بيني وبين دخول الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء ~~فيقتلوني؟ فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فيلقي الرجل ~~بتمرة كان يأكلها وينطلق إلى المعركة ويستشهد. هذا هو معنى الإيمان، ولو ~~لم يكن المؤمن واثقا تمام الثقة أنه سيذهب إلى نعيم ليس بعده نعيم، لما ~~انطلق إلى المعركة طالبا الشهادة. إذن: وهم يقدمون على الشهادة بهذه ~~الشجاعة تمتلئ أعماقهم بالإيمان وبأحكام الله فيه، وتدفعهم القناعة ~~التامة - بأن هناك جنة في الآخرة - إلى الاستشهاد، وفي المقابل نعرف أن ~~الذي ينتظر الكفار هو النار. وهكذا نفهم قوله الحق: { واغلظ ~~عليهم } أي: أنذرهم بالعذاب الرهيب الذي ينتظرهم علهم يفيقون. ~~والشاعر يقول: # أناة فإن لم تغن عقب وعيدا # فإن لم يغن أغنت عزائمه # وما هو إلا السيف أو حد طرفه # يقيم زباه أخدع كل مائل # فهذا دواء الداء من كل جاهل # وذاك دواء الداء من كل عاقل # فمن آمن بالمنطق آمن، ومن لا يؤمن نقول له: دع كلمة الحق تعلن على ~~الناس جميعا، وأنت حر في أن تؤمن أو لا تؤمن، وإن أردت الحياة في كنف ~~الأمة الإسلامية فأهلا بك، ولا يهم أن تؤمن أو لا تؤمن لأن الحق قال: # فمن شآء ms4214 فليؤمن ومن شآء فليكفر... # [الكهف: 29]. واعلم أنه يشترط في كل من يدخل الإسلام أن يكون مقتنعا ~~بهذا الدين، ومقتنعا أيضا بأنه الدين الحق. والذي لا يؤمن، يعيش في كنف ~~الأمة الإسلامية وله حريته الكاملة في اتباع عقيدته، ولكن منهج الحياة ~~وحركتها لا بد أن تسير وفقا لمنهج الله، وما دام الإيمان هو الذي يسيطر ~~على حركة الحياة { فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر } ~~فذلك لا يؤثر في حركة المجتمع المؤمن ما دام المجتمع كله سائرا بالمنهج، ~~وتسير الحياة كما أرادها الحق سبحانه وتعالى. والله هو خالق الإنسان، وهو ~~الذي جعله خليفة في الأرض، وهو يغار على خلقه، تماما كما تأتي لشيء جميل ~~صنعه فنان أو عامل، وتحطم أنت هذا الشيء أمام صانعه. إن قلب الصانع - في ~~هذه الحالة - يمتلئ بالغضب، ويسرع بعقابك. والحق سبحانه وتعالى عندما يرى ~~إنسانا يفسد صنعته في الكون، ويحاول أن يحطمها، فسبحانه يغار على صنعته ~~لأن الله خلقنا مختارين، ولكي يكون الحساب عدلا، لا بد من البلاغ ~~أولا، وأن تصل الدعوة إلى آذان الناس، فمتى وصلت الدعوة فهذا إتمام ~~لرسالة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يختار الإنسان من بعد ذلك أن ~~يؤمن أو لا يؤمن، لذلك طلب الحق من رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجاهد ~~الكفار والمنافقين، وأن تكون الدعوة أولا بالبرهان والإقناع. فإن لم ~~يأت البرهان بنتيجة، وحاول أحدهم أن يقاوم الدعوة بالسلاح فليردع ~~بالسلاح. لذلك يقول الحق سبحانه: { واغلظ عليهم } ولا تأخذك بهم ~~رأفة لأن الرأفة قد تغرى بالذنب والمثال: حين يسرق الإنسان ثم تتركه بلا ~~عقاب فقد يغريه ذلك ويغري غيره على السرقة. ولكن تنفيذ العقوبة ولو مرة ~~واحدة، إنما يمثل رادعا وحماية للمجتمع كله، ولذلك نجد أن عقاب القاتل ~~بالقتل أنفى للقتل، وأنت حين تأتي بالقاتل وتقتله أمام عدد من الناس، ~~فهذا العمل يمنع أي إنسان أن يفكر في القتل، أو أن يقتل. إذن: فنحن ~~بالعقوبة نحمي المجتمع من أن تنتشر فيه الجرائم. وبعض السطحيين يقول لك: ~~هل من ms4215 يسرق تقطع يده؟ نقول لهم: نعم لأنني لو قطعت يد فرد لمنعت جريمة ~~السرقة في المجتمع، فليس الهدف أن أقطع يدا. ولكن الهدف هو ألا يسرق ~~أحد، وأنت حين تأتي بالعقوبة وتتأكد من الجريمة إياك أن تأخذك الرحمة في ~~تنفيذ العقاب. # فلو أخذتك الرحمة في هذه اللحظة فأنت تشجع الجريمة. وفي ذلك يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ~~إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد ~~عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2]. ولكن الحوار حول العقوبات في الإسلام لا يتوقف، ونقول ~~لهؤلاء: هل هناك مجتمع ليس فيه تجريم أو عقوبات؟ وانظر إلى المجتمعات غير ~~الدينية، ألا توجد بها جرائم وعقوبات؟ إن كل مجتمع إنما يحمي نفسه بتوصيف ~~الأفعال التي تعتبر جرائم، ويضع لها عقوبات، ولا عقوبة إلا بتجريم، ولا ~~تجريم إلا بنص. إذن: فكل دولة وكل مجتمع لا بد أن تكون فيه عقوبات، وإلا ~~أصبحت الحياة فوضى يستحيل معها العيش في أمان. فإذا كان حاكم أي دولة ~~بسيطة قد وضع تجريما وعقوبات، وهو يحكم فيما لا يملك، أفليس لله أن يضع ~~التوصيف لما يرى أنه جرائم، وأن يشرع العقوبة الملائمة لكل جريمة، وهو ~~سبحانه يحكم فيما يملك؟ وإذا كان سبحانه قد حكم بقطع يد هو خالقها فهو ~~أراد ذلك ليمنع ملايين الأيدي من أن تمتد إلى مال الغير. ولذلك يجب ألا ~~تطول الفترة بين تنفيذ العقوبة ووقت وقوع الجريمة لأن الذي يتعب الناس في ~~الدنيا، هو طول الإجراءات والأخذ والرد، فينسى الناس الجريمة، وتأخذهم ~~الشفقة والرحمة بالمجرم، مع أنه لو وقعت العقوبة فور حدوث الجريمة ~~لما طلب أحد الرأفة بالمجرم. والحق تبارك وتعالى يقول: { يأيها ~~النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ~~} وقد عرفنا كيف يكون الجهاد مع الكافرين، فماذا يكون الجهاد مع ~~المنافقين وهم الذين يتظاهرون بالإيمان؟ نقول: إن الجهاد معهم هو توقيع ~~العقاب عليهم، وقد كان المنافقون يرتكبون الإثم، ويسألهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فينكرونه، فيصفح ms4216 عنهم، ويوضح الحق سبحانه لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم: اغلظ عليهم إذا ارتكبوا إثما، وقد وجدنا في سورة التوبة ~~أن المنافقين يحلفون كذبا في كثير من الأمور، فيذكر الحق سبحانه: # ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم... # [التوبة: 56]. # يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة ~~الكفر... # [التوبة: 74]. # يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه... # [التوبة: 62]. وفي سورة المجادلة يقول سبحانه: # ويحلفون على الكذب وهم يعلمون # [الآية: 14] فكأنما كلما حلفوا صدقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعفا عنهم، ففضحهم الله بأنهم كاذبون، وطلب من رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أن يغلظ عليهم في العقوبة. ولكن هل غلظة الرسول صلى الله عليه وسلم معهم ~~تعفيهم من عقاب الآخرة؟ نقول: لا لأن الغلظة عليهم في الدنيا لضمان سلامة ~~حركة الحياة، وليعلم كل منافق أنه مفضوح من الله. ولكن هذا لا يعفي من ~~عقاب الآخرة. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { ومأواهم جهنم ~~وبئس المصير } والمصير هو المرجع الأخير لأي شيء، وكل عقوبة يكون ~~لها مظنة ألا تمتد إلى الفترة المقررة لها، فالذي عاقب قد يعفو، وقد يخرج ~~الإنسان قبل انتهاء مدة العقوبة كأن يكون هناك إفراج صحي، أو بقضاء ثلاثة ~~أرباع المدة أو غير ذلك. ولكن العقوبة للمنافقين تكون بلا خروج، وفي هذا ~~ترهيب منها لأنك لو علمت يقينا أن العقوبة أبدية، فسوف تخشى الإقدام على ~~الجريمة. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى عن الحلف والكذب الذي ~~كان يفعله المنافقون فيقول سبحانه: { يحلفون بالله ما ~~قالوا... }. ### || [9.74] # وفي هذه الآية الكريمة يبين لنا الحق سبحانه وتعالى حلقات الحلف بالكذب ~~للمنافقين فهم يحلفون أنهم ما قالوا، ويجعلون الله عرضة لأيمانهم مع أنهم ~~قالوا كلمة الكفر، وكفروا بعد أن أعلنوا الإسلام بلسانهم، وإسلامهم ~~إسلام مدعى. ولهذه الآية الكريمة قصة وقعت أحداثها في غزوة تبوك ~~التي حارب المسلمون فيها الروم، وكانت أول قتال بين المسلمين وغير العرب، ~~حيث دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغزوة في فترة شديدة ~~الحرارة، وكان ms4217 كل واحد في هذه الفترة يفضل الجلوس في الأخياف، أي الحدائق ~~الصغيرة، ويجلسون تحت النخيل والشجر في جو رطب ولا يرغبون في القيام من ~~الظل. وعندما دعا رسول الله للجهاد في سبيل الله، والذهاب إلى قتال ~~الروم، تلمس المنافقون الأعذار الكاذبة حتى لا يذهبوا للجهاد فظل ~~القرآن ينزل في هؤلاء الذين تخلفوا عن هذه الغزوة شهرين كاملين، فقال رجل ~~اسمه الجلاس بن سويد: والله إن كان ما يقوله محمد عن الذين تخلفوا عن ~~القتال صدقا فنحن شر من الحمير. وهنا قال عامر بن قيس الأنصاري: لقد ~~صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم شر من الحمير. وأنت يا جلاس شر ~~من الحمار. وهنا قام عدد من المنافقين ليفتكوا بعامر بن قيس الأنصاري لأن ~~الجلاس بن سويد كان من سادة قومه. وذهب عامر بن قيس إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأخبره بما حدث، فاستدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ابن سويد وسأله عن الخبر، فحلف بالله أن كل ما قاله عامر بن قيس لم يحدث. ~~وتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن حلف بالله. وهنا رفع عامر بن ~~قيس يده إلى السماء، وقال: اللهم إني أسألك أن تنزل على عبدك ونبيك محمد ~~صلى الله عليه وسلم تصديق الصادق وتكذيب الكاذب. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " آمين ". ولم ينتهوا من الدعاء حتى نزل الوحي بقول الحق جل ~~جلاله: { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة ~~الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ~~ينالوا }. وهكذا حسمت هذه الآية الكريمة الموقف. وأظهرت من هو الصادق ~~ومن هو الكاذب فيما رواه عامر بن قيس وأنكره الجلاس. ولكن الآية الكريمة ~~تجاوزت ما عرف من الحادثة إلى ما لم يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال سبحانه: { وهموا بما لم ينالوا } ذلك أن الله تبارك ~~وتعالى أراد أن يعلم المنافقين أن سبحانه يخبر نبيه بما يخفيه المنافقون ~~عنه، ولو نزلت الآية فقط في حادثة الحلف الكذب، لقال المنافقون: ms4218 ما عرف ~~محمد - عليه الصلاة والسلام - إلا ما قاله عامر، ولكن هناك أشياء لم ~~يسمعها عامر وهم قالوها، ذلك أن المنافقين كانوا قد تآمروا على حياة ~~النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا على قتله عند عبوره العقبة، والعقبة ~~هذه هي مجموعة من الصخور العالية التي تعترض الطريق، فيتحايلون على ~~اجتياز هذه العقبة بأن يعبروها أحيانا من أنفاق منخفضة، وأحيانا ~~يعبرونها بأن يصعدوا فوقها ثم ينزلوا. # ودبر المنافقون أن يدفعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعلى الصخور، ~~فيسقط في الوادي، ولكن حذيفة بن اليمان الذي كان يسير خلف ناقة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تنبه للمؤامرة، فهرب المنافقون، وهكذا لم ينالوا ما ~~يريدون، مثلما لم ينالوا ما أرادوه عندما أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مهاجرا إلى المدينة، فقد كانوا يعدون العدة ليجعلوا عبد الله بن ~~أبي ملكا عليهم، ولكن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمكنهم من ~~ذلك. وقيل: إنهم تآمروا على قتل عامر بن قيس لأنه أبلغ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما قاله الجلاس بن سويد، ولكنهم لم يتمكنوا. وقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ~~ورسوله من فضله } و { نقموا } تعني: كرهوا، والغنى - كما ~~نعلم - أمر لا يكره، ولكن وروده هنا دليل على فساد طبعهم وعدم الإنصاف ~~في حكمهم لأن الغنى والأمن الذي أصابهم ليس عيبا ولا يولد كراهية. بل ~~كان من الطبيعي أن يولد حبا وتفانيا في الإيمان. والحق سبحانه وتعالى ~~يوضح لهم: ماذا تعيبون على محمد؟ وماذا تكرهون فيه؟ هل تكرهونه وقد جاءكم ~~بالعزة والغنى؟ وقبل أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان الذين ~~كرهوا مجيء الرسول إلى المدينة فقراء لا يملكون شيئا، ولكنهم لما نافقوا ~~ودخلوا في الإسلام، أخذوا من الغنائم، وأغناهم الله بل إن الجلاس بن سويد ~~لما قتل له غلام دفع له رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألف ~~درهم دية. إذن: فقد جاء على يد الرسول صلى ms4219 الله عليه وسلم الغنى للجميع، ~~فهل هذا أمر تكرهونه؟ طبعا لا. ولكنه دليل على فساد طباعكم وعدم إنصافكم ~~في الحكم، وما دام الله سبحانه وتعالى قد أغناكم بمجيء رسوله ما كان يصح ~~أن يعاب ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان يجب أن يمدح به، ~~وأن تتفانوا في الإيمان به ونصرته. وقول الحق سبحانه وتعالى: { من ~~فضله } يلفتنا إلى أسلوب القرآن الكريم. ولقد قال الحق سبحانه ~~وتعالى: { الله ورسوله } وكان قياس كلام البشر أن يقال " الله ~~ورسوله من فضلهما " ، ولكنه قال: { من فضله } لأن الله لا يثنى ~~مع أحد، ولو كان محمد بن عبد الله. ولذلك عندما سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خطيبا يخطب ويقول: من أطاع الله ورسوله فقد نجا، ومن عصاهما ~~فقد هلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس خطيب القوم أنت لأن ~~الخطيب جمع جمع تثنية بين الله ورسوله. # وهنا توقف الخطيب وقال: فماذا أقول يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: قل ومن يعص الله ورسوله فقد هلك، ولا تقل: عصاهما، لا ~~تجمع مع الله أحدا ولا تثن مع الله أحدا ولذلك نجد القرآن الكريم لم ~~يقل " أغناهم الله ورسوله من فضلهما " ، ولكنه قال: { من فضله } ~~لأن الفضل واحد. فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضل فهو من فضل ~~الله. وعلى أية حال فالله لا يثنى معه أحد ولذلك نجد في القرآن ~~الكريم: # يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله ~~أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين # [التوبة: 62]. وهنا نرى أيضا أن الحق سبحانه قد استخدم صيغة المفرد في ~~الرضا لأن رضا الله سبحانه وتعالى ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم يتحدان، ~~ولأنه إذا جاء اسم الله فلا يثنى معه أحد. وبعد أن فضح الحق سبحانه ~~وتعالى المنافقين وبين ما في قلوبهم لم تتخل رحمته عنهم لأنه سبحانه ~~وتعالى رحيم بعباده، ولذلك فتح لهم باب التوبة فقال: { فإن يتوبوا ~~يك خيرا لهم } ، وفتح باب التوبة رحمة ms4220 لحركة الحياة كلها فلو ~~أغلق الله باب التوبة لأصبح كل من ارتكب ذنبا مصيره للنار. وإذا علم ~~الإنسان أن مصيره للعذاب مهما فعل، فلا بد أن يستشري في الذنب، ويزداد في ~~الإثم، ما دام لا فرق بين ذنب واحد وذنوب متعددة. ولكن حين يعلم أي إنسان ~~يخطئ أن باب التوبة مفتوح فهو لا يستشري في الإثم، ثم إن الذي يعاني من ~~الشرور والآثام حقيقة هو المجتمع ككل، فإذا وجد لص خطير مثلا فالذي ~~يعاني من سرقاته هو المجتمع. وإذا وجد قاتل محترف فالذي يعاني من جرائمه ~~هم الذين سيقتلهم من أفراد المجتمع. إذن: ففتح باب التوبة رحمة للمجتمع ~~لأنها لا تدفع المجرم إلى الاستشراء في إجرامه. وإذا نظرت إلى الآية ~~الكريمة، فالله سبحانه وتعالى بعد أن أظهر الحق، وبين للرسول صلى الله ~~عليه وسلم وللمؤمنين أشياء كان المنافقون يخفونها فتح للمنافقين باب ~~التوبة، وحينئذ قال الجلاس بن سويد زعيم المنافقين: يا رسول الله. لقد ~~عرض الله علي التوبة. والله قد قلت ما قاله عامر، وإن عامرا لصادق ~~فيما قاله عني. وتاب الجلاس وحسن إسلامه. أما الذين تعرض عليهم التوبة ~~ولا يتوبون إلى الله، فقد قال سبحانه: { وإن يتولوا ~~يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة ~~وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير }. إذن: فجزاء من ~~يرفض التوبة ولا يعترف بخطئه هو العذاب الأليم، لا في الآخرة فقط، ولكن ~~في الدنيا والآخرة. # وعذاب الدنيا إما بالقتل وإما بالفضيحة، وعذاب الآخرة في الدرك الأسفل ~~من النار. ولكن قول الحق سبحانه وتعالى: { وما لهم في الأرض من ~~ولي ولا نصير } قد يفهمه بعض الناس فهما خاطئا، بأن العذاب في ~~الدنيا فقط، ولكن هناك أرض في الدنيا وأرض في الآخرة هي أرض المعاد ~~مصداقا لقوله تعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات... # [إبراهيم: 48]. إذن: فكلمة { الأرض } تعطينا صورتين في الدنيا وفي ~~الآخرة. وقوله تعالى: { وما لهم في الأرض من ولي ولا ~~نصير } يوضح لنا أن الولي هو القريب منك الذي تفزع إليه عند ms4221 الشدائد، ~~ولا تفزع عند الشدائد إلا لمن تطمع أن ينصرك، أو لمن هو أقوى منك، أما ~~النصير فهو من تطلب منه النصرة. وقد يكون من البعيدين عنك ولا ترتبط به ~~ولاية، إذن: فلا الولي القريب منك، ولا الغريب الذي قد تفزع إليه لينصرك ~~يستطيعان أن يفعلا لك شيئا، فلا نجاة من عذاب الله لمن كفر أو نافق. ثم ~~يعرض الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى من صور المنافقين فيقول: { ومنهم ~~من عاهد الله لئن... }. ### || [9.75] # { ومنهم } أي: من المنافقين الذين عرض الله صورا كثيرة لهم في هذه ~~السورة الكريمة، فقال: { ومنهم } ، و { ومنهم } و { ومنهم ~~} ، واختلفت روايات المفسرين والرواة في مدلول قوله تعالى { ومنهم ~~من عاهد الله }. فقال بعضهم: إنه ثعلبة بن حاطب، وقال آخرون: ~~إنه معتب بن قشير، وقال رأي ثالث: إنه الجد بن قيس، وقال قائل رابع: ~~إنه حاطب بن أبي بلتعة. كل هذه خلافات تحتملها الآية الكريمة لأن الحق ~~سبحانه وتعالى قال: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا ~~من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين } ولم ~~يقل الحق: " فلما آتيناه من فضلنا بخل به " بحيث ينطبق على حالة واحدة، ~~ولكن الحق تبارك وتعالى جاء بها بصيغة الجمع فقال سبحانه: # فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به... # [التوبة: 76]. إذن: فهناك جمع. والروايات كلها يمكن أن تكون صحيحة في أن ~~الآية الكريمة نزلت في أفراد متعددين، وسبحانه يقول: { ومنهم من ~~عاهد الله } فكيف يكون للمنافقين عهد مع الله؟ نقول: لقد عومل ~~هؤلاء المنافقون بظواهر ألسنتهم، فهم قد أعلنوا إسلامهم، وكان الواحد ~~منهم يقول: أعاهد الله على كذا وكذا تماما كما يأتي الواحد منهم للصلاة ~~ويحرص بعضهم على التواجد في الصف الأول للمصلين، فهل منعه النفاق من ~~الصلاة ظاهرا؟ لم يمنعه أحد، كذلك عندما يعاهد الله فهو يعاهده بظاهر ~~لسانه. وقصة الآية: أن رجلا فقيرا من الأنصار ذهب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: إني فقير مملق - أي شديد الفقر - فادع لي الله يا ~~رسول الله أن يوسع علي دنياي. وبفطنة ms4222 النبوة قال صلى الله عليه وسلم: إن ~~قليلا تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فعاوده وقال: ادع الله لي أن ~~يوسع علي. فدعا له فوسع الله عليه. ولسائل أن يسأل: كيف يستجيب الرسول ~~ويدعو لمنافق؟ وإذا كان الرسول قد دعا ترضية له وتأليفا لقلبه فكيف يجيب ~~الله رسوله في طلب منافق منه؟ ونقول: ربما كان ذلك لأن المنافق أراد أن ~~يجرب: أرسول الله رسول حق، بحيث إن دعا الله أجيب؟ فلما دعا رسول الله ~~أراد الحق سبحانه وتعالى أن يعلم هذا المنافق أنه: نعم هو رسول الله ~~وإن دعا لأي أحد يجبه الله، فتكون هذه للنبي صلى الله عليه وسلم. فلما ~~دعا رسول الله لثعلبة، أو للجد بن قيس، أو لحاطب بن أبي بلتعة استجاب ~~الله لدعاء رسوله وأعطى من سأل الدعاء مالا وفيرا، وقالوا: ولقد ~~تكاثر مال ثعلبة، وكانت ثروته من الأغنام قد تناسلت حتى ضاقت بها شعاب ~~المدينة فهرب بها إلى شعاب الجبال، وإلى الصحراء الواسعة، فامتلأت، ~~فشغلته أمواله أول ما شغلته عن صلاة الجماعة، وأصبح لا يذهب للصلاة إلا ~~في يوم الجمعة فلما كثرت كثرة فاحشة شغلته أيضا عن صلاة الجمعة. # وفي ذلك دليل صدق لتنبؤ رسول الله له. إذن: فكل الأمر إنما جاء تأييدا ~~لمنطق الرسول معهم حتى يسفههم في أنهم نافقوا في الإسلام. وبعد ذلك ~~سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إنه في الشعاب شغله ماله. ~~فقال: يا ويح ثعلبة. وأرسل إليه عامل الصدقة لأن ثعلبة قد عاهد الله ~~وقال: { لئن آتانا من فضله لنصدقن } فذهب عامل الصدقة ~~إليه، فلما قال له: هات ما كتب الله عليك من الصدقة من مالك. قال: أهي ~~أخت الجزية؟ وذكره عامل الصدقة: أنت الذي عاهدت، ومن ضمن عهدك أنك إن ~~أوتيت تصدقت وكنت من الصالحين، فما لك لا توفي بالعهد. ورد ثعلبة على ~~عامل الصدقة: اذهب حتى أرى رأيي. إذن: هو قد عاهد الله، ودعا رسول الله، ~~واستجاب الله له، وكثرت أمواله، وبعد ذلك صدق ms4223 الله نبيه في قوله: " ~~قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه " ، فلما عاد عامل الصدقة إلى رسول ~~الله برد ثعلبة. قال صلى الله عليه وسلم: ويح ثعلبة. فلما علم ثعلبة أن ~~قرآنا قد نزل فيه، انزعج انزعاجا شديدا، وأسرع إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وعرض عليه الزكاة. فلم يقبلها رسول الله منه، فأخذ يتردد عليه ~~للقبول، فلم يقبلها رسول الله منه. لقد أراد صلى الله عليه وسلم بذلك أن ~~يثبت أن الله وفقراء الله في غنى عن مالك يا ثعلبة. فلما انتقل رسول الله ~~إلى الرفيق الأعلى جاء ثعلبة بالصدقات المؤخرة عليه كلها إلى أبي بكر، ~~فقال أبو بكر: ما كان لرسول الله أن يمتنع عنها ثم يأخذها أبو بكر. لما ~~توفي أبو بكر جاء إلى عمر، فقال عمر مقالة أبي بكر. وجاء لعثمان، إلا أنه ~~قبل أن يصل إليه كان قد هلك في عهد عثمان. { لئن آتانا من فضله ~~} ، وكلمة { لئن } قسم، والقسم هو صورة العهد، فكأنه قال: أقسم ~~بالله إن أتاني الله مالا لأفعلن كذا. وقد فهمنا أنها قسم من وجود ~~اللام في جواب القسم { لنصدقن } و " الصدقة " هي الصدقة ~~الواجبة أي الزكاة، و { لنكونن من الصالحين } أي: نزيد في ~~التطوعات، والمروءة، والأريحية، وكل ما يدل على الصلاح. ويقول الحق بعد ~~ذلك: { فلمآ آتاهم من فضله بخلوا... }. ### || [9.76] # ولله عطاءان: عطاء الأسباب، وعطاء التفضل. و " عطاء الأسباب " يتمثل في ~~أن يجد الإنسان في أي عمل من الأعمال فيعطيه الله ثمرة عمله مؤمنا ~~كان أو كافرا طائعا أو عاصيا لأن الإنسان قد أخذ الأسباب وأتقنها، ~~ولذلك تجد بعضا من الكافرين بالله وهم يعيشون في سعة لأنهم يحسنون ~~الأسباب، وما داموا قد أحسنوا الأسباب، وهم عبيد الله أيضا، وسبحانه هو ~~الذي استدعاهم للوجود، فضمن لهم أن تستجيب لهم الأسباب، ولا تضن عليهم ~~فالشمس تشرق على المؤمن والكافر، وعلى الطائع والعاصي، والمطر ينزل على ~~الأرض. وكذلك كل شيء في الأرض تستجيب عناصره لما يزرعون أو لما يفعلون، ~~إذن ms4224 فهذا عطاء الأسباب. ولكن الحق سبحانه يستر عطاء الفضل في عطاء ~~الأسباب، كمن يسير في طريق مجهول فيجد كنزا، أو أن ثمار محصوله لا يأتي ~~عليها ريح أو إعصار يقلل من ناتج المحصول. ويبارك له الحق سبحانه في بيع ~~محصوله، ويبارك له في رزقه منه، فلا يصرفه فيما يضيع ويذهب ماله. وهذا ~~كله اسمه عطاء الفضل. وعطاء الأسباب عام للناس جميعا. أما عطاء الفضل ~~فهو خاص بأولياء الله الذين أخلصوا عملهم لله طاعة وامتثالا. وقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { فلمآ آتاهم من فضله } دليل على أن الرزق ~~الذي جاءهم لم يخضع للأسباب وحدها. بل زاد عما تعطيه الأسباب بفضل من ~~الله. فالتكاثر الذي حدث في أغنام ثعلبة لم يكن تكاثرا بالأسباب فقط، بل ~~فيه بركة جعلت البطن الواحدة من الشاة تأتي بأكثر من وليد، والعشب الذي ~~ترعاه يدر كمية كبيرة من اللبن. { فلمآ آتاهم من فضله ~~بخلوا به } ما هو البخل؟ هناك في اللغة أسماء للامتناع عن العطاء، ~~فهناك بخل، وشح، وكزازة، وكلها أسماء للامتناع عن عطاء شيء، لكن منازل ~~العطاء والبخل تختلف بمعنى أن هناك إنسانا لا يعطي إلا من سأله تلك ~~منزلة، وإنسانا آخر لا يعطي كل من سأله، بل يعطي من سأله بأسباب تثير ~~عواطفه نحوه، كأن يقول: ولدي مريض، أو احترق بيتي، فالسائل هنا لا يسأل ~~فقط، ولكنه يجيء بعلة السؤال مثيرة للعواطف. وهناك من يعطي بغير سؤال. هي ~~إذن: ثلاث مراحل للعطاء واحد يعطي من يراه هكذا مظنة أن حالته رقيقة من ~~غير أن يسأل، وهذه منزلة من منازل القرب من الله، ينير الله بها بصائر ~~قوم لتكون يدهم هي يد الله عند خلق الله. بل إن هناك أناسا يعاتبون ~~أنفسهم إذا جاء إنسان فسألهم صدقة أو معونة كالرجل الذي ذهب فطرق الباب، ~~فخرج إليه صاحب البيت فسأله عما يريد، فطلب السائل منه مالا فدخل صاحب ~~البيت بيته وأخذ شيئا من مال وأعطاه للسائل، فعلمت امرأته أنه جاء يسأله ~~مالا فأعطاه، ولكن الزوج الذي أعطى مالا ms4225 رجع يبكي. # فقالت له: وما يبكيك وقد أجبته إلى مطلبه؟ فقال: يبكيني أنني تركته ~~ليسألني، أي: أنه يبكي لأنه لم يملك فطنة تجعله يستشف مسائل الناس ~~من حوله ليعطي المحتاجين بغير سؤال. إذن: فواحد يعطي عن مسألة تلك مرتبة، ~~وهناك من يعطي من غير مسألة، بل يعطي عن فضل عنده، أي: يملك الكثير ويعطي ~~منه. وثالث: يعطي نصف ما عنده يقاسمه فيما يملك، أو يعطي أكثر ما عنده ~~حسب ما ينقدح في ذهنه من حاجة الإنسان المعطي. هي إذن ثلاث مراحل: رجل ~~يعطي من غير سؤال، ورجل يعطي بسؤال فيه أسباب مثيرة ومهيجة للعاطفة، ~~ورجل يعطي بمجرد السؤال. فمن هو البخيل؟ أفظع درجة للبخل أن يبخل الرجل ~~على من يسأله مسألة مسببة بأحداث تهيج العواطف، ومع ذلك لا يرق قلبه، ~~هذا هو البخيل. { فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به ~~وتولوا وهم معرضون } واحد من هؤلاء لم يبخل فقط، بل ~~انصرف عن الذي يسأله، مثل الذي انصرف عن العامل الذي جاء يأخذ الصدقة، ~~وقد كان عليه - مثلا - أن يجلس العامل، ويقدم له التحية الواجبة ثم ~~يقول له سنرى رأينا، ولكنه تولى وأعرض عنه. ويأتي الحق هنا بعقاب من ~~يسلك مثل هذا السلوك فيقول: { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ~~إلى... }. ### || [9.77] # وقوله سبحانه: { فأعقبهم } أي: جعل العاقبة لهذا التصرف أن جعل ~~في قلوبهم النفاق { إلى يوم يلقونه } أي: إلى يوم القيامة. ~~وما دام الله قد قال هذا فمعناه أن الذي عمل مثل هذا العمل، وسئل الصدقة ~~فمنعها وبخل وتولى وأعرض، فهذا إعلام من الله أن هذا الإنسان لا يموت على ~~إيمان أبدا. ولم يمت واحد من هؤلاء على الإيمان، وقد كان هذا العقاب ~~بسبب أنهم أخلفوا الله ما وعدوه فقال سبحانه: { بمآ أخلفوا ~~الله ما وعدوه } وكذلك جاءهم العقاب بسبب أنهم: { كانوا ~~يكذبون } فكأن الواحد منهم قد كذب كلمة العهد أولا، وكذب ثانيا في ~~أنه قال: أهي أخت الجزية؟ مع أنه يعرف أن الزكاة عن المال هي ركن من ~~أركان الإسلام. ويقول الحق ms4226 بعد ذلك: { ألم يعلموا أن الله ~~يعلم... }. ### || [9.78] # والعلم هنا مقصود به معرفة الخبر الذي لم يكن معروفا قبل ذلك، وقوله ~~سبحانه: { ألم يعلموا } فيه همزة الاستفهام ولم النافية مثل قول ~~الحق سبحانه: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. ونحن نعرف أن الإخبار بين المتكلم والمخاطب له عدة صور: ~~الصورة الأولى أن يخبر المتكلم المخاطب بما عنده، وهذا " خبر ". والصورة ~~الثانية: أن لا يخبر المتكلم مخاطبه بالخبر، بل يجعل المتكلم نفسه يقول ~~الخبر، مثل قول أحد المحسنين: ألم أحسن إليك؟ وكان في استطاعته أن يقول " ~~أنا أحسنت إليك " ، فيكون خبرا من جهته، لكنه يريد أن يعطي للخبر قوة، ~~فجعل الكلام من المستفهم منه، وكأن عرض الأمر معرض السؤال في معرض ~~النفي ثقة في أن المخاطب لن يجد إلا جوابا واحدا هو: نعم أحسنت إلي. ~~إذن: فالخبر إما أن يكون خبرا مجردا عن النفي، أو خبرا معه النفي، أو ~~خبرا معه الاستفهام. وأقوى أنواع الإخبار: الخبر الموجود معه النفي، ~~والموجود مع النفي الاستفهام لأن الخبر على الصورة الأولى يكون من ~~المتكلم، والخبر من المتكلم قابل لأن يكون صادقا وأن يكون كاذبا. ولكن ~~الاستفهام يقتضي جوابا من المخاطب، ولا يجيب المخاطب إلا بما كان في ~~نفس المتكلم ولو كان المتكلم يعلم أن المخاطب قد ينكر فلن يسأله. أو ~~يقول لإنسان: أنا راضي ذمتك، وهذا القول يعني أن قائله علم أنه لا حق غير ~~هذا، ومن يدير الكلام في عقله لن يجد إلا أن ما يسمعه هو الحق. { ألم ~~يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم } وما هو ~~السر؟ وما هي النجوى؟ السر: هو ما تكتمه في نفسك ولا تطلع عليه أحدا، ~~فليس السر هو ما تسر به للغير لأن هذه هي النجوى، وأصل النجوى ~~البعد. ويقال: فلان بنجوة عن كذا، أي: بعيد عن كذا. وأصل النجوى أيضا ~~المكان المرتفع في الجبل، فكأن المرتفع بالجبل بعيد عن مستوى سطح الأرض. ~~وحين يرغب إنسان أن يكلم أحدا بكلام لا يسمعه غيرهما فهو يستأذنه ms4227 في ~~الابتعاد عن بقية الجلوس ليتكلم معه كما يريد، أو يخفض من صوته فلا ~~يسمعه سوى الإنسان الذي يريد أن يهمس له بكلمة، ولا يسمعها أحد آخر، ~~ولذلك سموها المناجاة وهي كلام لا يسمعه القريب لأنك خفضت صوتك خفضا ~~يخفى على القريب، فكأنه صار بعيدا. إذن: فالسر: هو ما احتفظت به في ~~نفسك، والنجوى: هو ما أسررت به للغير بحيث لا يعلمه من يجالسك. والذين ~~منعوا الصدقة، لا بد أنهم اتفقوا على ذلك فيما بينهم، وأنهم تكلموا في ~~هذا الأمر - منع الصدقة - بعد أن صاروا أغنياء ولهم أموال كثيرة، وتمردوا ~~على منطق الإسلام مع أنهم كانوا حريصين دائما أن يظهروا في إسلامهم ~~مظهرا يفوق المسلمين الحقيقيين، فكانوا دائما في الصفوف الأولى للصلاة ~~كي يستروا نفاقهم. # وحين يوضح الحق سبحانه وتعالى أنهم أسروا في نفوسهم كلاما فهذا ~~الإسرار في النفس حين يخبر به الله هو هتك لحجاب المكان والزمان معا، ~~وأعلم سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بما دار في هذا الإسرار، كما هتك ~~له من قبل حجب الزمان الماضي. وذلك في الأمور التي لم يشهدها، ولم يسمعها ~~من معلم، ولم يقرأها في كتاب لأنه أمي، فأخبر رسول الله عن أكثر من أمر ~~لم يشهده ولم يسمعه ولم يقرأه. إذن: من أين جاء بذلك؟ أعلمه به الحق ~~سبحانه الذي يعلم خبأة السماوات والأرض، وهتك له أيضا حجاب الزمن ~~المستقبل فعلم صلى الله عليه وسلم الأحداث قبل أن تقع، وأعلمه إياها من ~~ملك ناصية الزمان، وملك ناصية المكان، وملك ناصية الأحداث. وهذا هو ~~هتك حجاب الزمن المستقبل، وهتك سبحانه لرسوله حجاب المكان، فكان صلى ~~الله عليه وسلم يخبرهم عن شيء في نفوسهم، فقد أوحى له الحق: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول... # [المجادلة: 8]. بالله عندما يسمع الرجل من هؤلاء لما قاله في نفسه، ~~ويخبره رسول الله بما قال، فمن الذي هتك الحجاب لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ إن الذي هتك الحجاب لرسول الله هو من يعلم السر وأخفى فلا ms4228 توجد ~~حجب غائبة عن الله لأن حجب الغيب إنما تكون على البشر حجاب ماض، وحجاب ~~مستقبل، وحجاب مكان، وحجاب زمان. { ألم يعلموا أن الله ~~يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب } ~~أي: أن علم الله ليس مقصورا على معرفة أمورهم هم، بل علم الله سرهم ~~ونجواهم لأن صفته القيومية، وأنه علام الغيوب يعلم غيب هذا، وغيب هذا، ~~وغيب هذا، وغيب هذا، وجاءت المبالغة من تكرار علم غيب كل أحد. إذن: { ~~علام الغيوب } تعني أنه يعلم حتى ما حاولت كتمه وستره، فقد قال ~~سبحانه: # إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في ~~صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها ~~الله... # [لقمان: 16]. إذن: فعلم الحق جل جلاله لا يغيب عنه شيء. ثم ينقلنا الحق ~~سبحانه وتعالى إلى صورة أخرى من صور المنافقين وما يفعلونه بالمؤمنين.. ~~فقال جل جلاله: { الذين يلمزون المطوعين... }. ### || [9.79] # واللمز: معناه العيب، ولكن بطريق خفي، كإشارة بالعين أو باليد أو بالفم ~~أو بغير ذلك. إذن: فهناك مجموعة من المنافقين يعيبون في المطوعين لجمع ~~الزكاة من المؤمنين، ومن هؤلاء المنافقين من يعيب بالقول، ومن يعيب ~~بالفعل، ومن يعيب بالإشارة، والمطوعون هم الذين يتطوعون بشيء زائد من ~~جنس ما فرض الله. فالله فرض مثلا خمس صلوات، وهناك من يصلي خمس صلوات ~~أخرى تطوعا، وفرض الحق الزكاة اثنين ونصفا بالمائة، وهناك من يصرف عشرة ~~بالمائة تطوعا، وفرض الحق صيام شهر رمضان، وهناك من يصوم فوق ذلك كل ~~اثنين وخميس. وهذا ما نسميه دخول المؤمن في مقام الإحسان بأن تتقرب إلى ~~الله بما يزيد على ما فرضه الله عليك، من جنس ما فرضه الله. وأنت إن أديت ~~المفروض تكون قد التزمت بالمنهج، وقد سأل رجل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن فرائض الإسلام ثم قال: لا أزيد ولا أنقص، فقال الرسول الكريم: # " أفلح إن صدق ". # والزيادة على ما فرضه الله، ومن جنس ما فرض يكون لها ملحظان: الأول: ~~أن العبد يشهد لربه بالرحمة لأنه كلف دون ما يستحق. والملحظ ms4229 الثاني: ~~هو أن عمل الطاعة قد خفف على المؤمن فاستراح بها. ألم يقل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الصلاة: # " أرحنا بها يا بلال ". # إذن: فالمطوع هو الذي يزيد على ما فرض الله عليه من جنس ما فرض الله ~~وهؤلاء هم المحسنون الذين قال الحق عنهم في سورة الذاريات: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم ~~يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم # [الذاريات: 15-19]. فالمنهج لا يلزمني بأن أنام قليلا من الليل وأقضي ~~بقيته في الصلاة، ولم يلزمني أحد بالاستغفار في الأسحار. ولم يقل الله ~~سبحانه في هذه الآية إن في المال حقا معلوما لأن الإنسان المؤمن هنا ~~يعطي بأكثر مما فرض. وعندما يتطوع مؤمن ويزيد على ما فرض الله، أيستحق ~~أن يذم ويعاب ويلمز؟ أم أنه يستحق أن يكرم ويقدر؟ ولكنه ~~اختلال موازين المنافقين في الحكم على الأشياء. لذلك اعتبروا الحسنة ~~نقيصة، تماما كالذي يخرج ماله للفقراء، ونجد من يسخر منه بالقول عنه " ~~إنه أبله " ، مع أن المؤمن حين يتصدق كثيرا فهو يشيع فائدة ماله في ~~المجتمع، وهو الأكثر ذكاء منهم لأنهم أنفقوا المال على أنفسهم ~~فأفنوه، بينما تصدق هو به فأبقاه. وقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في ~~الصدقات } لها واقعة، فقد هاجر عبد الرحمن بن عوف إلى المدينة، وترك ~~أمواله وكل ما يملك في مكة، وآخى رسول الله بين المهاجرين والأنصار، فجعل ~~لكل رجل من الأنصار رجلا من المهاجرين يشاركه في ماله. # ولما جاء عبد الرحمن بن عوف قال له أخوه من الأنصار: أقاسمك مالي. قال: ~~بارك الله لك في مالك، دلني على السوق. وذهب إلى السوق. وبارك الله له ~~في تجارته. فكان يقسم ربحه نصفين نصفا للصدقة ونصفا لأهله. وقد جاء عبد ~~الرحمن بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله ~~اكتسبت ثمانية آلاف درهم أقرض الله أربعة وأبقي لأهلي أربعة، فقال ms4230 له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بارك الله لك فيما أقرضت وفيما أبقيت " # وحينما مات عبد الرحمن بن عوف أحصوا ثروته، وحدث خلاف في تقديرها، وأراد ~~الورثة أن يسترضوا زوجته الرابعة، وكان اسمها " تماضر " بأن يعطوها ~~ثمانين ألف درهم، ولما كانت تماضر واحدة من أربع نساء، والنساء الأربع ~~يرثن ثمن الثروة، أي: أن قيمة الثروة كلها على أقل تقدير بلغت مليونين ~~وخمسمائة وستين درهما. وكان عبد الرحمن لا يتاجر إلا في ماله. فلما بلغ ~~المنافقين ما تصدق به عبد الرحمن بن عوف قالوا: ما تصدق عبد الرحمن إلا ~~رياء وسمعة. وهل الرياء يطلع عليه الناس أم يعرفه الله وحده؟ وجاء عاصم ~~بن عدي، وكان صاحب بستان أعطى ثمرا كثيرا، فجاء بمائة حمل من التمر ~~وتصدق بها، فقال المنافقون: والله ما فعل عاصم هذا إلا رياء. وجاء رجل ~~يدعى أبا عقيل الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا ~~رسول الله، لقد بت ليلتي أعمل، وأخذت أجري صاعين من التمر، احتفظت ~~لأهلي بصاع وجئتك بصاع لأتصدق به. قال المنافقون: تصدق بصاع من التمر، ~~الله ورسوله غني عن صاعك يا أبا عقيل. هم إذن قد عابوا على عبد الرحمن بن ~~عوف الذي تصدق بالكثير وقالوا هذا رياء، وعندما جاء عاصم بن عدي قالوا: ~~يرائي بالتصدق بنصف ثمار حديقته، وعندما جاء من لا يملك إلا صاع تمر ~~يتصدق به قالوا: الله ورسوله غني عن تمرك، لقد سخروا ممن أعطى الكثير، ~~وسخروا ممن أعطى القليل. وكان يجب أن يمدح المتصدقون ولا يسخر منهم ~~لأن كلا منهم تصدق على قدر طاقته، وهم أعطوا منه فضل ما أعطاهم الله ~~قل أو كثر. ولذلك فمن يسخر من هؤلاء المؤمنين لا بد أن يلام على ~~الخلق السيىء الذي تمثل في مقابلة السلوك الإيماني بالسخرية والاستهزاء، ~~ولذلك كان جزاء الساخرين أن سخر الله منهم، وجعل لهم عذابا أليما. ~~والسخرية هي الاستهزاء بفعل شخص ما. وهؤلاء المنافقون حين يسخرون من ~~المؤمنين، فسخريتهم لم تتجاوز عدم رضاهم عمن ms4231 فعل الخير، وهم بسخريتهم ~~لم يستطيعوا إلا الإيذاء المعنوي للمؤمنين المتصدقين، ولكن حين يسخر الله ~~فهذه أولا عدالة الجزاء لأنها من جنس ما فعلوا، ولكن هل سخرية الحق ~~سبحانه وتعالى تقتصر على عدم الرضا أم أن هناك جزاء؟ هناك جزاء من الله. # وإذا كان الجزاء يتفاوت بتفاوت قدرة الساخر. فهناك فارق شاسع بين قدرات ~~الله وقدرات البشر. والذين سخروا من المؤمنين حين تصدقوا بالقليل الذي ~~يملكونه تصدى الله سبحانه وتعالى ليرد عليهم وعلى سخريتهم. ويريد الحق ~~بذلك أن يعطينا صورة عن كيفية دفاعه عن المؤمنين المخلصين في إيمانهم. ~~فإذا أضفنا إلى ذلك أن الحق تبارك وتعالى، هو الذي سيعاقب المنافقين، ~~فالعقاب سيكون أليما مهينا. وقلنا من قبل: إن الذي يخطئ في حق غيره، ~~فهذا الغير يرد الخطأ بعقاب على حسب قدرته. ولكن إن عفا عنه، نقول لمن ~~أخطأ: لا تعتبر هذا العفو لصالحك، بل هو عكس ذلك تماما لأن الذي يعفو ~~إنما ترك الحكم لله، وسوف يكون عقابك لا قدر قوة وطاقة من عفا عنك، ~~ولكنه ترك عقابك لله، وسيكون عقابك على قدر قدرات الله. إذن: فالذي ينتقم ~~ويرد على من أخطأ في حقه، إنما يأخذ على قدر قوته، وأما الذي يعفو فهو ~~يأخذ على قدر قدرات الله، وهناك مرتبة أعلى من ذلك جعلها الله سبحانه ~~وتعالى للمذنب، والذي وقع الاعتداء عليه لأن الحق سبحانه وتعالى رب ~~الاثنين: فإن أساء إليك إنسان قد ترد عليه الإساءة بطاقتك، وقد تعفو فيرد ~~الله عليه بقدرته وطاقته. ولكن خير من ذلك أن تحس أن الذي أساء إليك في ~~حقيقة الأمر قد أحسن إليك، مع أنه لم يقصد ذلك، كيف؟ إذا دخلت بيتك ووجدت ~~أحد أبنائك قد ضرب أخاه وأساء إليه، مع من يكون قلبك وعطفك؟ إن قلبك يكون ~~مع الذي اعتدي عليه وأسيء إليه فتحاول أن ترضيه، وتأتي إليه بهدية أو ~~تعطيه مبلغا من المال، أو غير ذلك من أنواع الإرضاء، وقيل: من آداب دينك ~~- الإسلام - أن تحسن إلى من أساء إليك لأنه ms4232 يقدم معروفا دون أن يقصد. ~~ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يطلب منك أن تعفو عمن أساء إليك. ويقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { فيسخرون منهم سخر الله منهم } وإذا ~~سمعت فعلا من البشر يقابله فعل من الله، إياك أن تفهم الفعل من الله كما ~~فهمت فعل البشر، فحين يقول سبحانه: # ومكروا ومكر الله... # [آل عمران: 54]. وحين يقول: # يخادعون الله وهو خادعهم... # [النساء: 142]. هنا نجد فعلا من صنع الله، وقد نرى من البشر من يفعل ~~نفس الفعل، لكن نحن المسلمين نأخذ الفعل من الله على غير الفعل من البشر. ~~وعلى سبيل المثال: إذا جئنا لقول الله: { ومكروا ومكر الله } ~~المكر هو التغلب بالحيلة على الخصم بأن توهمه أنك تفعل له خيرا، بينما ~~أنت تضمر له الشر، كأن تحفر حفرة كبيرة مثلا وتغطيها ببعض الحشائش ~~والزهور، ثم تطلب من خصمك أن يأتي لك بزهرة، فيسقط في الحفرة وتتكسر ~~عظامه. # إذن: فأنت قد كدت له كيدا خفيا. والكيد والمكر لا يدلان على ~~القوة إنما يدلان على الضعف لأن الشجاع القوي هو الذي يجاهر بعدائه لأنه ~~قادر على عدوه، لكن الضعيف هو الذي يستخدم الحيلة والمكر ليوقع بخصمه. ~~ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في النساء: # إن كيدكن عظيم # [يوسف: 28]. وما دام كيدهن عظيما، فضعفهن عظيم لأن الضعيف هو من يكيد، ~~ولكن القوي لا يعجزه طلب خصمه ويقول له: اذهب حيثما شئت، وسآتي بك عندما ~~أريد، لا يوجد مكان تهرب فيه مني، إنما الضعيف إذا تملك من خصمه فإنه ~~يقضي عليه تماما لأنه يعرف أنها فرصة لن تتكرر. ولذلك قال الشاعر: # وضعيفة فإذا أصابت فرصة # قتلت كذلك فرصة الضعفاء # أما القوي فإنه يقدر ويعفو لأنه يعرف أنه يستطيع الإتيان بخصمه وقتما ~~يشاء. والأصل في المكر هو الشجرة الملتفة الأغصان كأنها مجدولة بحيث لا ~~تستطيع أن تميز الورقة التي تراها من أي فرع نبتت، فيلتبس عليك الأمر، ~~كذلك المكر تختلط عليك الأمور بحيث لا تعرف أين الحقيقة. وأنت تمكر بقدر ~~تفكيرك وعقلك، ولكن الحق سبحانه وتعالى حين يجازيك ms4233 بمكرك يكون الجزاء ~~رهيبا لأن مكرك مفضوح عند الله، ولكنك لا تعرف شيئا مما أعده الله ~~لك. ولقد نصر الحق سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الأمور ~~العلنية في المعارك، ونصره أيضا في كل أمر مكروا فيه وبيتوه له. وعلى ~~سبيل المثال، حين وقف الكفار على باب بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليقتلوه في ليلة الهجرة. أوحى له ربه أن: اخرج ولا تخش مكرهم، فخرج ~~صلى الله عليه وسلم ليجدهم نياما وهم واقفون، أعينهم مفتوحة ولكن لا ~~تبصر. ويخرج صلى الله عليه وسلم من وسطهم. ويأخذ التراب، ويلقيه عليهم ~~وهو يقول: # " شاهت الوجوه ". # وعندما يبتعد صلى الله عليه وسلم عن المكان يستيقظون مرة أخرى، ويتعجبون ~~كيف أفلت منهم. وقد أراد الحق سبحانه أن يعلموا أنهم لن يستطيعوا ~~النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا بالمعارك المفتوحة ولا ~~بالمكر الخفي. وقوله تبارك وتعالى: { فيسخرون منهم سخر ~~الله منهم } تعرف منه أن سخرية الله جاءت جزاء لهم على سخريتهم، ~~والساخر من البشر لا يتجاوز في فعله أكثر من العيب في غيره. ولكن سخرية ~~الله تتجاوز إلى العذاب. ولذلك قال الحق سبحانه: { ولهم عذاب ~~أليم } وهذا هو التميز في فعل الله عن فعل البشر، فالذين سخروا من ~~المؤمنين عابوا عليهم ما فعلوه، يسخر منهم الحق يوم القيامة أمام خلقه ~~جميعا، ثم يزيد على ذلك بالعذاب الأليم. # لقد عرفنا من قبل أن هناك عذابا أليما، وهناك عذاب عظيم، وعذاب مهين، ~~وكلها صفات للعذاب، فالعذاب هو الإيلام، ولكن هناك من يفزعه الألم فيصرخ. ~~وهناك من يحاول أن يتجلد ويتحمل لأن كبرياءه يمنعه أن يصرخ، وفي هذه ~~الحالة يكون عذابه مهينا لأنه بكبريائه تحمل الألم فيهان في ~~كبريائه وبذلك يكون عذابه مهينا. والعذاب قد يأخذ زمنا طويلا أو ~~قصيرا، وهناك عذاب عظيم في الإيلام وعظيم في الإهانة. والعذاب العظيم في ~~الإيلام أي مبالغ فيه من ناحية الألم. والعذاب العظيم في الإهانة مبالغ ~~فيه من ناحية الإهانة. والعذاب العظيم في الوقت ms4234 مبالغ فيه من ناحية ~~الزمن، ولذلك يقال عنه " عذاب مقيم " أي: يأخذ الزمن كله لا يتوقف ولا ~~يقل. ثم يعرض الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى من صور تعامل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مع المنافقين. ومع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف ~~المنافقين، وقد أعلمه سبحانه بأمرهم حين قال: # ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم... # [محمد: 30]. أي: بمجرد نظر رسول الله إليهم، وكأن على جبهة كل منهم توجد ~~كلمة " منافق " وهو يعرفهم مصداقا لقوله الحق: # ولتعرفنهم في لحن القول... # [محمد: 30]. وبمجرد أن ينطقوا يعرفهم صلى الله عليه وسلم من طريقة ~~نطقهم. ولكن الله يريد أن يخرج رسوله إلى المؤمنين به وبرسالته سليم ~~الصدر، بدون انقباض عن أحد، حتى يتجلى نوره على الجميع، ولعل شعاعا من ~~النور يمس منافقا فيتوب إلى الله ويعود إلى الإيمان الصحيح، كما حدث ~~لكثير من المنافقين، فقد أعلن بعضهم التوبة وحسن إسلامهم. ونحن نعرف ~~أن رأس المنافقين عبدالله بن أبي بن سلول، كان سيتوج ملكا على ~~المدينة. وأثناء الإعداد لمهرجان التتويج فوجئوا بوصول رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة. وكان هذا من أسباب حقد عبد الله بن ~~أبي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ضاع منه الملك. وكان لعبد ~~الله بن أبي ولد أسلم وحسن إسلامه اسمه عبد الله بن عبد الله بن أبي. ~~وكان من حسن إسلام هذا الابن أنه ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين علم أنه صلى الله عليه وسلم سيأمر بقتل أبيه لأنه قال في غزوة من ~~الغزوات. # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل # [المنافقون: 8]. وكان ابن أبي يعني ب " الأعز " المنافقين في المدينة ~~وب " الأذل " المسلمين من المهاجرين والأنصار. ورد الله سبحانه بأن ~~صدق على قوله أن الأعز سيخرج الأذل، فقال الحق سبحانه وتعالى: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين... # [المنافقون: 8]. فكأن الحق سبحانه وتعالى قد أقر على أن الأعز هو الذي ~~سيخرج الأذل من المدينة، ولكن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ms4235 إذن: فسيخرج ~~المنافقون من المدينة، وسيبقى فيها المؤمنون، وتكون لهم العزة. # ولما علم عبد الله بن عبد الله بن أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سيأمر بقتل والده عبد الله بن أبي، ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وقال: يا رسول الله إن كنت ولا بد آمرا بقتل أبي فأمرني أنا بقتله ~~لأني أخاف أن يقتله أخ مؤمن فأكرهه، وأنا لا أحب أن أكره مؤمنا. وهكذا ~~نرى قوة وصدق الإيمان، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكرم ذلك ~~المنافق من أجل ابنه فلم يأمر بقتله، ومن بعد ذلك قال الابن: يا رسول ~~الله استغفر لأبي، أي: اطلب له من الله المغفرة ولأنه صلى الله عليه وسلم ~~يعلم أنه قد أرسل رحمة للعالمين لذلك طلب المغفرة لعبد الله بن أبي. ~~وحينئذ نزلت الآية الكريمة: { استغفر لهم أو لا ~~تستغفر... }. ### || [9.80] # ووقف العلماء في هذه الآية عند شيء اسمه مفهوم المخالفة لأن الحق سبحانه ~~وتعالى حدد مرات الاستغفار غير المقبول بسبعين مرة، وقد أوضح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الذي أرسل رحمة للعالمين أنه ما دامت مرات الاستغفار ~~قد حددت بسبعين مرة فلأزيد على السبعين قليلا وبذلك غلب الرسول الكريم ~~جانب الرحمة، وجانب الإكرام لعبد الله بن عبد الله بن أبي الذي أسلم ~~وحسن إسلامه. وكانت السبعة دائما هي نهاية العدد عند العرب، وعندما ~~يأتي عدد آخر يكون زائدا، فالأصل في العدد هو مكررات الواحد، أي: أن ~~الواحد أصل العدد، يضاف له واحد يكون اثنين، ويضاف لهما واحد فيكون ~~المجموع ثلاثة، وتستمر الإضافة حتى يصير العدد سبعة، وإذا تركنا الواحد ~~جانبا لأنه الأصل، نجد عندنا ثلاثة أعداد زوجية، هي: اثنان وأربعة وستة، ~~وثلاثة أعداد فردية هي: ثلاثة وخمسة وسبعة، ويكون العدد سبعة جامعا ~~للمفرد والمثنى والجمع. ولذلك كانوا إذا أرادوا الزيادة على سبعة فلابد ~~أن يأتوا بحرف العطف. ونجد قول الحق سبحانه وتعالى في سورة الكهف: # سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة ~~سادسهم كلبهم رجما ms4236 بالغيب ويقولون سبعة ~~وثامنهم كلبهم... # [الكهف: 22]. ولم يقل: ثامنهم كلبهم، بل جاء بواو العطف لأن الثمانية ~~كانت من نوع آخر. وحين سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم " السبعين " ~~قال: نزيد على السبعين، وبذلك يكون قد احترم قول الله، واحترم تكريمه ~~لعبد الله بن عبد الله بن أبي الذي طلب منه أن يستغفر لأبيه. وهنا ~~قالوا: كيف يغيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي يقول عن نفسه: ~~" أنا أفصح العرب بيد أني من قريش " ، أن عدد السبعين يقصد به الكثرة ~~مهما بلغت، والشاعر القديم يقول: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # أي: افعلي ما تشائين. فكأن الحق سبحانه وتعالى في قوله: { استغفر ~~لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين ~~مرة } شاء أن يأتي بمضاعفات العدد النهائية وهي السبعون ليحسم الأمر. ~~وجاء قول الحق سبحانه: # سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم... # [المنافقون: 6]. أي: مهما استغفرت بأي عدد من الأعداد فلن يغفر الله ~~لهم. ونقول: إن الأمر هنا له شقان الشق الأول: أن يغفر الله. والشق ~~الثاني: هو مجاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عبد الله ~~بن أبي، فهو صلى الله عليه وسلم يعلم أن الله لن يغفر للمنافقين. وفي ~~استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو لاحترام طلب الابن، وأيضا ~~فالاستغفار من رسول الله كان مجرد مجاملة لعلمه أن الله لن يغفر ~~للمنافقين لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن استغفاره من أجل منافق لن ~~يقبله الله، وهناك استغفار تنشأ عنه المغفرة، واستغفار ينشأ عنه إرضاء ~~عبد الله بن عبد الله بن أبي. # ولكن ألا توجد ذاتية للأب؟ نقول: إن التاريخ يقول إن عبد الله بن أبي ~~نال حظه من الدنيا، والحق سبحانه يقول: # إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا # [الكهف: 30]. وجزاء العمل يعطى للبعض في الدنيا، ويعطى للبعض في ~~الآخرة مصداقا لقوله تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث ms4237 الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. ولقد حدثنا علماء السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إن أبا لهب يخفف عنه العذاب يوم الاثنين " # ، وأبو لهب نزل فيه قول الحق سبحانه وتعالى: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب # [المسد: 1-3]. ولماذا يخفف العذاب عن أبي لهب يوم الاثنين؟ لأن هذا ~~اليوم هو الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد سر أبو لهب ~~بميلاد الرسول الكريم، فأعتق الجارية التي بشرته بميلاد الرسول ومن هنا ~~يخفف العذاب عن أبي لهب يوم الاثنين جزاء عمله. كما أن عبد الله بن ~~أبي كان له موقف يحسب له في واقعة الحديبية حين ذهب المسلمون لأداء ~~العمرة، وصدهم الكفار عن بيت الله الحرام وانتهت بصلح الحديبية وهي أول ~~معاهدة بين الإيمان والكفر، ورغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصحابته ردوا عن بيت الله الحرام، فقد فطن أبو بكر لما في يوم ~~الحديبية من عطاءات الله من اعتراف كفار قريش بمحمد وبالمسلمين حين وقعوا ~~معاهدة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرغ نبينا الكريم ~~للدعوة في الجزيرة العربية، وهو آمن من قريش، وانتشر الإسلام إلى أن نقضت ~~قريش العهد وتم فتح مكة. نعود إلى قصة عبد الله بن أبي يوم الحديبية: ~~لقد كان الكفار يعلمون أن في نفسه شيئا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأن مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم منع تتويج عبد الله بن أبي ملكا ~~على المدينة. وكانوا يعلمون أيضا أنه أسلم نفاقا فأرادوا أن يحدثوا ~~ثغرة في نفوس المسلمين، فقالوا: محمد وأصحابه لا يدخلون، ولكننا نسمح ~~لعبد الله بن أبي ومن معه بدخول مكة وأداء العمرة فرفض عبد الله بن أبي ~~وقال: إن لي في رسول الله أسوة حسنة، لا أريد أن أذهب للعمرة إلا إذا ذهب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا موقف يحمد له. كذلك كان ms4238 له موقف آخر ~~في غزوة بدر، حينما أسر العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وكان العباس طويل القامة وثيابه تمزقت في المعركة، فلم يجدوا طويلا ~~مثله إلا عبد الله بن أبي، فأعطاهم قميصه ليلبسه العباس، فلم ينس ~~رسول الله ذلك له. ومن أجل هذا استغفر له رسول الله، لكن الحكم الأعلى قد ~~جاء { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر ~~لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } فليس المهم ~~فقط هو استغفار رسول الله لأن هناك ممحصات للذنب، فمن أذنب عليه أن يأتيك ~~أولا يا رسول الله، ليستغفر الله، ثم يسألك أن تستغفر له الله، حتى يجد ~~الله توابا رحيما، فسبحانه القائل: # ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك ~~فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا ~~الله توابا رحيما # [النساء: 64]. فالذي يريد أن يتوب ويستغفر، لا يستغفر له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، إلا إذا استغفر مرتكب الذنب أولا، فلا بد أن يستغفروا ~~الله من الذنوب أولا ثم يستغفر لهم الرسول. ولا يستغفر لهم الرسول وهم ~~لا يستغفرون، وهكذا نعلم أن عبد الله بن أبي لم يفطن إلى كيفية ~~الاستغفار، فقد كان عليه أن يأتي لرسول الله صاغرا ليستغفر الله أمامه، ~~لا أن يبحث عمن يطلب له الاستغفار. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى موضحا ~~سبب عدم غفرانه، فيقول: { ذلك بأنهم كفروا بالله ~~ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين } وحين ينفي ~~الحق سبحانه وتعالى الهداية عن إنسان، فليس معنى هذا أن يقول الفاسق: ~~الله لم يهدني فماذا أفعل؟ ويحمل المسألة كلها لله. بل نسأل ~~الفاسق: لماذا لم يهدك؟ لأنك فسقت. إذن: فعدم الهداية من الله لك كان ~~بسبب أنك أخذت طريق الفسق والبعد عن منهج الله، ومن هنا فالهداية ~~المقصودة في هذه الآية ليست هي الهداية بمعنى الدلالة على طريق الخير لأن ~~الدلالة إلى طريق الخير تأتي من الله للمؤمن والكافر فمنهج الله الذي ~~يبلغ للناس كافة، يريهم طريق الخير ويدلهم عليه. ولكن المقصود هنا هو ~~الهداية الأخرى التي ms4239 يعطيها الحق لمن دخل في رحاب الإيمان وآمن وحسن ~~عمله، وتتمثل في قوله الحق: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. إذن: فكل من مشى في طريق الإيمان أعانه الله عليه. وفي ~~المقابل نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # إن الله لا يهدي القوم الظالمين # [الأحقاف: 10]. وكذلك قوله سبحانه: # والله لا يهدي القوم الكافرين # [التوبة: 37]. وأيضا قوله الكريم: # والله لا يهدي القوم الفاسقين # [الصف: 5]. لا نقول أبدا: إن هؤلاء معذورون لأن الله لم يهدهم لأنه ~~سبحانه قد هداهم ودلهم جميعا على طريق الخير، ولكنهم هم الذين أخذوا ~~طريق الكفر والظلم والفسوق. واقرأ إن شئت قول الله عز وجل: # وأما ثمود فهديناهم # [فصلت: 17]. فماذا صنعوا في هدايته لهم: { فاستحبوا العمى ~~على الهدى } ، أي: أن الحق سبحانه بين لثمود طريق الخير، ولكنهم ~~اختاروا الضلالة. إذن: فهداية الدلالة للجميع، وهداية المعونة للمؤمنين. ~~ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى للمنافقين فيقول: { فرح ~~المخلفون بمقعدهم... }. ### || [9.81] # والفرح هو السرور من فعل تبتهج النفس به. والمخلفون هم الذين أخلفهم ~~نفاقهم، وتركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وذهب إلى ~~الجهاد. بعد أن جاءوه بالمعاذير الكاذبة التي قالوها، وقد تركهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأن الحق سبحانه قال: # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا # [التوبة: 47]. ومن لا يريد أن يجاهد في سبيل الله إن أخذته معك كرها، ~~يكون ضدك وليس معك. وسيشيع الأكاذيب بين المؤمنين، ويحاول أن يخيفهم من ~~الحرب، وإذا بدأ القتال فهو أول من يهرب من المعركة. ويبحث عن مغارة أو ~~حجر يختفي خلفه. إذن: فهو ليس معك ولكنه ضدك لأنه لن يقاتل معك، بل ربما ~~أعان عدوك عليك. وفي نفس الوقت هو يضر بالمسلمين، ويحاول أن يشيع بينهم ~~الرعب بالإشاعات الكاذبة. ويبين الحق سبحانه وتعالى هنا فطرة رسول ~~الله الإيمانية بأنه أذن لهؤلاء بعدم الخروج للجهاد مع أن عذرهم كاذب ~~فجاء قوله: { فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول ~~الله } والمقعد هو مكان القعود. والقعود رمز للبقاء في أي مكان. ~~والقيام ms4240 رمز لبداية ترك المكان إلى مكان آخر، والذين غزوا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قاموا واستعدوا للقتال، أما الذين تخلفوا فقد قعدوا ~~ولم يقوموا رغبة في البقاء في أماكنهم. ويقول تعالى: { خلاف رسول ~~الله } وحين نسمع كلمة { خلاف } نعرف أن مصدرها خالف خلافا ~~ومخالفة كما تقول: قاتل قتالا ومقاتلة. وهي إما أن تكون مخالفة في ~~الرأي، كأن تقول: فلان في خلاف مع فلان، أي: أن لكل منهما رأيا. وإما أن ~~تكون في السير، كأن تقوم أنت لتغادر المكان ويخالفك زميلك أو من معك ~~فيقعد، أو تقعد أنت، فيخالفك هو ويمشي. والخلاف من ناحية الرأي هون عملية ~~قلبية، والخلاف من ناحية الحركة يشترك فيها القلب أو الجسد، وهم حين ~~فرحوا بالقعود بعد قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين للجهاد، ~~فهذا دليل على أن مسألة القعود هذه صادفت هوى في نفوسهم وارتاحوا لها ~~وبذلك خالفوا شرط الإيمان لأن الذين يحق لهم أن يتخلفوا عن الجهاد قد ~~حددهم القرآن الكريم في قول الحق سبحانه وتعالى: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله # [التوبة: 91]. وقوله: # ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا ~~أجد مآ أحملكم عليه # [التوبة: 92]. أي: أوضحت لهم أنك لا تملك ما يركبون عليه، ليصلوا معك ~~إلى موقع القتال. وقد بين لنا الحق حال هؤلاء الذين لم يخرجوا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بسبب هذه الأعذار فقال عنهم: # تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا ~~يجدوا ما ينفقون # [التوبة: 92]. إذن: فهؤلاء الذين تخلفوا بأعذار يملؤهم الحزن، وتفيض ~~أعينهم بالدمع لأنهم حرموا ثواب الجهاد في سبيل الله. أما الذين يفرحون ~~بالتخلف عن الجهاد فهم منافقون. وقوله سبحانه: { خلاف رسول الله ~~} نجد فيه أيضا أن كلمة { خلاف } تستعمل أيضا بمعنى " بعد " ، أي ~~بعد رسول الله، فما أن ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم للغزوة قعدوا هم ~~بعده ولم يذهبوا. وجلسوا مع الضعيف والمريض وأصحاب ms4241 الأعذار الحقيقية، ~~وكذلك الذين لم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم دواب ليركبوها، ~~هؤلاء هم من تخلفوا. ويبين الحق سبحانه سبب تخلف المنافقين فيقول: { ~~وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله }. أي: أنهم كرهوا أن يقاتلوا، وكرهوا الجهاد. وليت ~~الأمر قد اقتصر على هذا، بل أرادوا أن يثبطوا المؤمنين ويكرهوهم في ~~القتال في سبيل الله { وقالوا لا تنفروا في الحر } فهم لم ~~يكتفوا بموقفهم المخزي، بل أخذوا في تحريض المؤمنين على عدم القتال. وقد ~~كانت هذه الغزوة " غزوة تبوك " في أيام الحر. وكانت المدينة تمتلئ بظلال ~~البساتين وثمارها، بينما الطريق إلى الحدود مع الروم طويلة. إذن: فهي ~~غزوة كلها مشقة. وقال المنافقون للمؤمنين { لا تنفروا } ، والنفور ~~هو كراهية الوجود لشيء ما. ويقال: فلان نافر من فلان، أي: يكره وجوده معه ~~في مكان واحد. ويقال: فلان بينه وبين فلان نفور، أي: يكرهان وجودهما في ~~مكان واحد. والذي يخرج للحرب كأنه نفر من المكان الذي يجلس فيه ذاهبا ~~إلى مكان القتال. ويكون القتال والتضحية بالمال والنفس في سبيل الله أحب ~~إليه من القعود والراحة. إذن: فقوله تعالى: { وقالوا لا تنفروا ~~في الحر } أي: أنهم يريدون أن يعطوا لأنفسهم عذرا لعدم الخروج ~~للجهاد لأن الجو حار وفيه مشقة. ولكنهم أغبياء لأنهم لو خافوا من الحر ~~ومشقته وجلسوا في الظل ومتعته، لأعطوا لأنفسهم متعة زمنها قصير ليدخلوا ~~إلى مشقة زمانها طويل. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم: { قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا ~~يفقهون } فإن كانوا قد اعتقدوا أنهم بهروبهم من الحر قد هربوا من ~~مشقة، فإن مشقة نار جهنم والخلود فيها أكبر بكثير. والإنسان إن بشر ~~بأشياء تسره عاما أو أعواما، ثم يأتي بعدها أشياء تسوؤه وتعذبه، فهو ~~بمعرفته بما هو قادم يعاني من الألم ولا يستطيع الاستمتاع بالحاضر لأن ~~الإنسان يحاول دائما أن يتحمل ليؤمن مستقبله. ولذلك تجد من يعمل ~~ليلا ونهارا وهو سعيد، فإذا سألته كيف تتحمل هذا الشقاء؟ يقول: لأؤمن ~~مستقبلي. إذن: ms4242 فسرور عام أو أعوام تفسده أيام أو أعوام قادمة فيها سوء ~~وعذاب، فماذا عن خلودهم في النار؟ ولكن هل قالوا: { لا تنفروا في ~~الحر } في خواطرهم دون أن ينطقوا بهما، أم قالوها لبعضهم البعض سرا؟ ~~ومن الذي أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوه؟ نقول: قد يكون ذلك ~~هو ما دار في خواطرهم. # وشاء الله أن يعلموا أنه سبحانه وتعالى يعلم ما في نفوسهم. وشاء أن يفضح ~~ما في سرائرهم، لعل هذا يدخل الخوف في قلوبهم، من أنه سبحانه مطلع على ~~كل شيء، فيؤمنوا خوفا من عذاب النار. ومثال هذا أن الحق حين أراد أن ~~يمنع المشركين من حج بيته الحرام قال: # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا... # [التوبة: 28]. وكان المشركون حين يذهبون إلى الحج ينعشون اقتصاد مكة، ~~وكان الخير يأتي من كل مكان إلى مكة في موسم الحج، بل إنهم كانوا يقولون: ~~إياكم أن تطوفوا بالبيت في ثياب عصيتم الله فيها، وكأن التقوى تملأ ~~نفوسهم! وحقيقة الأمر أنهم كانوا بعيدين عن التقوى لأنهم كانوا يعبدون ~~الأوثان. وكانوا يقولون ذلك حتى يضطر الحجاج أن يخلعوا ثيابهم ويشتروا ~~ثيابا جديدة ليطوفوا بها ومن لا يملك المال يطوف عاريا. إذن: فقد كان ~~الحج موسما اقتصاديا مزدهرا لأهل مكة يربحون خلاله ما يكفي معيشتهم ~~طوال العام، فلما جاء البلاغ من الله سبحانه وتعالى: { إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا }. فالخاطر الذي يأتي في النفس البشرية وكيف سنعيش؟. ~~هذا هو أول خاطر يأتي على البال لأنه سؤال عن مقومات الحياة، والذي خلقهم ~~عليم بما يدور في خواطرهم. وإن لم يجر على ألسنتهم، حينئذ جاء قول الحق ~~سبحانه: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله... # [التوبة: 28]. إذن: فالله سبحانه وتعالى قد علم ما يدور في خواطرهم، فرد ~~عليه قبل أن ينطقوه. كذلك قول الحق سبحانه: { قل نار جهنم ~~أشد حرا لو كانوا يفقهون } والفقه هو الفهم الدقيق. ~~فأنت حين تعرف شيئا بسطحياته تكون قد ms4243 عرفته، ولكنك إن عرفته بكل معطياته ~~الخلفية تكون قد فقهته. وأنت إذا ذهبت للجهاد في الحر قد تتعب، ولكن إذا ~~قعدت عن الجهاد سوف تكون عقوبتك أكبر وتعبك أشد. إذن: فعلمك بشيء وهو ~~الحر الذي ستواجهه إن خرجت للجهاد، يجب ألا ينسيك ما غاب عنك، وهو أن ~~نكوص الإنسان عن الجهاد يدخله نارا أشد حرارة، يخلد فيها. ومعنى ذلك أنه ~~لم يفقه لأنه علم شيئا وغاب عنه أشياء. ومن هذا المنطق القرآني، رد ~~الإمام علي كرم الله وجهه على القوم حينما دعاهم إلى الجهاد ضد الخوارج ~~فقال: " أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فمن تركه رغبة عنه سيم ~~الخسف ". ثم يقول بعد ذلك: " إن قلت لكم: اغزوهم في الشتاء، قلتم: هذا ~~أوان قر وصر.. أي برد شديد. وإن قلت لكم: اغزوهم في الصيف، قلتم: أنظرنا ~~- أي أمهلنا - حتى ينصرف الحر عنا، فإذا كنتم في البرد والحر تفرون، ~~فأنتم والله في النار. يا أشباه الرجال ولا رجال ". وقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا ~~يفقهون } أي: أنهم لو كانوا قد فرحوا وابتهجوا بأنهم لم يجاهدوا في ~~الحر، فهم سوف يندمون كثيرا على ذلك، مصداقا لقوله تعالى: { ~~فليضحكوا قليلا وليبكوا... }. ### || [9.82] # والضحك هو انفعال غريزي فطري، يحدث للإنسان عندما يقابل شيئا يسره، أو ~~أحداثا يجد فيها مفارقة لم يكن يتوقعها. أما البكاء فهو انفعال غريزي ~~أيضا تجاه أحداث تدخل الحزن أو الشجن، وهو تذكر ما يحزن بالنسبة ~~للإنسان. وكلتاهما ظاهرتان فطريتان، أي أنهما تحدثان بفطرة بشرية واحدة ~~بالنسبة للناس جميعا، ولا دخل فيها للجنس أو اللون أو البيئة، فلا يوجد ~~بكاء روسي وبكاء أمريكي، أو ضحك روسي وضحك إنجليزي، أو ضحك شرقي وضحك ~~غربي. ذلك أن الضحك والبكاء انفعال طبيعي موحد لا تؤثر فيه البيئة ولا ~~الثقافة ولا الجنس. وقد أسنده الحق تبارك وتعالى لنفسه. فكما قلنا: إن ~~الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يحيي، وهو سبحانه وحده الذي يميت. فهو ~~سبحانه وحده الذي يضحك، وهو ms4244 سبحانه وحده الذي يبكي. مصداقا لقوله تعالى: # وأنه هو أضحك وأبكى * وأنه هو أمات وأحيا ~~* وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى # [النجم: 43-45]. ولذلك فالضحك والبكاء يأتيان بلا مقدمات، لا أقول ~~لنفسي: سأضحك الآن فأضحك، ولا أقول: سأبكي الآن فأبكي لأن هذا انفعال ~~غريزي لا دخل للإرادة ولا للاختيار فيه. ولكننا أحيانا نلجأ إلى التضاحك ~~أو إلى التباكي وهو مجرد ادعاء بلا حقيقة. ويكون ظاهرا فيه الافتعال. ~~فحين يروي لك إنسان نكتة سخيفة، والمفروض أنه قالها لتضحك، ولكنها لا ~~تضحكك، وفي نفس الوقت أنت تريد أن تجامله فتفتعل الضحك، أي تضحك بافتعال. ~~وكذلك البكاء فيه افتعال أيضا مثل بكاء النادبة التي تجلس وسط أهل الميت ~~وتبكي. وقد تضع بعض نقط الجلسرين في عينيها لتفتعل الدموع، وهذا كله ~~افتعال. أما الضحك والبكاء الحقيقي، فأمران بالفطرة يملكهما الله سبحانه ~~وتعالى وحده. وقول الحق سبحانه وتعالى: { فليضحكوا قليلا ~~وليبكوا كثيرا } جاء بعد قوله: { فرح المخلفون ~~بمقعدهم خلاف رسول الله } أي: أنهم فرحوا عندما بقوا ~~هم في المدينة، وخرج المؤمنون للجهاد. جلسوا في حدائق المدينة وهم فرحون ~~في راحة وسرور يضحكون لأنهم يعتقدون أنهم قد فازوا بعدم اشتراكهم في ~~الجهاد. ولكن هذا الضحك هو لفترة قليلة. وسيأتي بعدها بكاء وندم لفترة ~~طويلة وأبدية، عندما يدخلون جهنم والعياذ بالله. ونلحظ أن الحق سبحانه ~~وتعالى قال: { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } ولم ~~يقل: سيضحكون قليلا وسيبكون كثيرا، لماذا؟ نقول: عندما يسند الفعل إلى ~~المخلوق الذي يعيش في عالم الأغيار، والمختار في عدد من أفعاله، يحتمل ~~أن يحدث أو يجوز ألا يحدث. ولكن الحق سبحانه وتعالى حين يقول: { ~~فليضحكوا } أي: أمر بالضحك، ثم يجيء في البكاء ويقول: { ~~وليبكوا } أي: ابكوا والأمر بالضحك والبكاء هو أمر اختياري من الله ~~سبحانه وتعالى، تجوز فيه الطاعة وتجوز فيه المعصية؟ إذا كان كذلك، فهل ~~سيطيع المنافقون أمرا اختياريا لله؟ ونقول: إن ذلك أمر غير اختياري لأن ~~الحق سبحانه هو وحده الذي يضع في النفس البشرية انفعال الضحك أو انفعال ~~البكاء للأحداث. # وكما بينا ms4245 فإن الإنسان لا يستطيع الانفعال بالضحك أو البكاء. والحق ~~حين يقول: { فليضحكوا قليلا } معناها: أن انفعال الضحك قضاء ~~عليهم لا بد أن يحدث. وإذا قال الحق سبحانه وتعالى: { وليبكوا ~~كثيرا } فلا بد أن يبكوا لأن انفعال البكاء مكتوب عليهم من الله، وكما ~~يقولون: إن الذي يضحك أخيرا يضحك كثيرا، وكذلك الذي يبكي أخيرا يبكي ~~كثيرا. إذن: فالأمور كلها مرهونة بالخاتمة. فقد يأتي للإنسان حادث ~~يسره، ثم تأتيه ساعة بؤس تمحو هذا السرور كله، والعكس صحيح. وإذا كان ~~هؤلاء المنافقون قد ضحكوا قليلا في الدنيا. فعمر كل منهم في الدنيا قليل ~~لأنه حتى وإن عاش في الدنيا ضاحكا طوال عمره فكم سيضحك؟ أربعين سنة؟ ~~خمسين سنة؟ إن كلا منا له في الدنيا مدة محدودة، فأنت إذا نسبت الحدث ~~إلى الدنيا على إطلاقها فهو قليل. وإذا نسبته إلى عمرك في الدنيا فهو أقل ~~القليل، ثم تأتي الآخرة بالخلود الطويل الذي لا ينتهي، ويكون بكاء ~~المنافق فيه طويلا طويلا. ولذلك فلا بد لكل إنسان ان يضع مع المعصية ~~عقوبتها، ومع الطاعة ثوابها لأن الإنسان قد يرتكب المعصية لإرضاء شهوات ~~نفسه، وساعة ارتكاب المعصية فهو لا يستحضر العقوبة عليها، ولو أنه استحضر ~~العقوبة لامتنع عن المعصية. فالسارق لو استحضر ساعة قيامه بالسرقة، أنه ~~قد يضبط، وقد يحاكم وتقطع يده، لو تأكد من هذا فلن يسرق أبدا. ولكنه ~~يقوم بالسرقة لأنه يعتقد أنه سيفلت من العقاب. وما من لص خطط لسرقة وفي ~~باله أنه سيضبط، بل يكون متأكدا أنه سيسرق ويفلت. ولذلك قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ~~". # لأنه ساعة يزني لو تخيل أو تأكد أنه سيلقى في النار جزاء ما فعل، فلن ~~يقدم على الزنا أبدا. وكذلك شارب الخمر لا يمكن أن يضع الكأس في فمه. ~~إذا تخيل النار وهو يعذب فيها. ولكن الغفلة عن الإيمان تحدث لحظة ~~ارتكاب المعصية لأن الإيمان يقتضي أن تستحضر العقوبة ساعة تقدم على ms4246 ~~المعصية، وأن تعلم يقينا أن كل ما تفعله ستحاسب عليه في الآخرة، وسيكون ~~هناك جزاء. فإذا ضحكت من مطلوبات الإيمان فلا بد أن تبكي في الآخرة. فإن ~~فرحت - مثلا - بترك الصلاة أو الزكاة، واعتقدت أنك قد غنمت في الدنيا، ~~فلا بد أن تندم ويصيبك الغم في الآخرة. وإذا تنعمت بمال حرام فلا بد أن ~~تعذب به في الآخرة. والحق سبحانه يقول: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين # [المطففين: 29-31]. هكذا يعطينا الله عدة صور من السخرية التي يتعرض لها ~~المؤمنون في الدنيا، وأولى هذه الصور هي ضحك المنافقين والكفار من ~~المؤمنين، كأن يقول أحدهم لإنسان مؤمن يقوم إلى الصلاة: خذنا على جناحك ~~في الآخرة. ثم بعد ذلك يأتي الغمز واللمز، ثم إذا ذهب المنافق إلى أهله ~~أخذ يسخر من الطائعين ويقول: لقد فعلت كذا وكذا لإنسان متدين. وسخرت منه ~~ولم يستطع أن يرد. ويشعر بالسرور وهو يحكي القصة فرحا بما عمل. وينسى ~~أنه قد ارتكب ثلاثة جرائم: جريمة العمل، وجريمة الفرح بالعمل، وجريمة ~~الإخبار بالعمل. فلو أنه سخر من المؤمن، ثم ندم بعد ذلك، ربما كانت ~~عقوبته هينة. ولكن ما دام قد فرح بذلك تكون له عقوبة أكبر، فإذا انقلب ~~إلى أهله يروي لهم ما حدث، وهو فخور مسرور تكون له عقوبة ثالثة. وليتهم ~~توقفوا عند ذلك بل اتهموا المؤمنين بالضلال مصداقا لقوله تعالى: # وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ ~~أرسلوا عليهم حافظين # [المطففين: 32-33]. أي: أنهم زادوا على كل هذا باتهام المؤمنين بالضلال. ~~هذا ما صنعوه في الدنيا. وهي فانية وعمرها قليل. ثم يأتي سبحانه وتعالى ~~بالمقابل في الآخرة فيقول: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على ~~الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون # [المطففين: 34-36]. فكما ضحك الكفار من المؤمنين في الدنيا سيضحك ~~المؤمنون من الكفار في الآخرة، وسيجلس المؤمنون على الأرائك في الجنة وهم ~~ينظرون إلى الكفار وهو يعذبون في النار، أي: أن ms4247 الله جزاهم بمثل عملهم ~~مع الفارق بين قدراتهم المحدودة وقدراته - سبحانه - التي لا حدود لها. ~~ولم يقل الحق سبحانه وتعالى: " سيضحكون " ككلام خبري، يجوز أن يحدث أو لا ~~يحدث، بل جاء به مؤكدا. وقوله هنا في المنافقين { فليضحكوا }. ~~يعني: أن الضحك لا بد أن يحدث لأن هذا كلام من الله سبحانه وتعالى. فقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ~~جزآء بما كانوا يكسبون } يعطينا العلة أو السبب في أن ضحكهم ~~سيكون قليلا، وبكاءهم سيكون كثيرا لأن هذا جزاء ما فعلوه في الدنيا. ~~لقد فرحوا بالفرار من الجهاد. وسروا بالراحة في المدينة، فلا بد أن ~~يلاقوا في الآخرة جزاءهم عن هذا العمل، كما سيثاب المؤمنون على ~~ذهابهم للجهاد في الحر. إذن: فالحق سبحانه لم يظلمهم، بل أعطاهم جزاء ~~ما عملوه. كما قال: { جزآء بما كانوا يكسبون } وكلمة { ~~يكسبون } هنا لها ملحظ لا بد أن نبينه، فقد كان من الممكن أن ~~يقال " جزاء ما كانوا يعملون " أو " جزاء ما كانوا يفعلون " ، فلماذا ~~جاء الحق ب { يكسبون } ، وما الفرق بينها وبين " ما يفعلون " و " ~~ما يعملون "؟ نعلم أن لكل جارحة من جوارح الإنسان مجال عمل فالأذن تسمع، ~~والعين ترى، واليد تمسك، والقدم تمشي، والأنف يشم، والأنامل تملس. # إذن: فكل عضو له مهمة. فإن كانت المهمة هي النطق باللسان نسميها القول. ~~وإن كانت مهمة من مهام باقي الجوارح عدا اللسان نسميها الفعل. فاللسان ~~وحده أخذ القول، وكل الجوارح أخذت الفعل. والقول والفعل معا نسميهما ~~عملا. فإذا قال الحق سبحانه وتعالى: " يفعلون " يكون ذلك مقابل يقولون ~~لأن الإنسان قد يقول بلسانه ولا يفعل بجوارحه. وتوضح ذلك الآية الكريمة: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2-3]. ولكن إذا اتحد القول والفعل يكون هناك عمل. وكل شيء لا ~~يتسق منطقيا مع قيم المنهج يكون فيه افتعال، فالكسب عمل، والاكتساب ~~افتعال الكسب لأن الكسب عمل طبيعي، والاكتساب هو افتعال الكسب. وسبحانه ~~يقول: # لها ما كسبت ms4248 وعليها ما اكتسبت... # [البقرة: 286]. لأن الاكتساب بالحرام فيه افتعال يتعب النفس، ولا يجعلها ~~منسجمة مع جوارحها، فالرجل مع زوجته في البيت مستقر الجوارح لا يخشى ~~شيئا. لكنه مع زوجة غيره يهيج جوارحه فيقفل النوافذ ويطفئ الأنوار. ~~وإن دق جرس الباب يصاب بالذعر والهلع لأن ملكات النفس ليست منسجمة مع ~~العمل. أما إذا اعتادت النفس الإثم مثل من اعتاد الإجرام، فلا يهيجها ~~الحرام. وفي هذه الحالة تنقلب عملية الاكتساب إلى كسب، وتعتاد النفس على ~~المعصية وعلى الإثم، ويصبح جزاؤها عند الله أليما وعذابها عظيما. ويقول ~~الحق سبحانه في هذه الآية: { جزآء بما كانوا يكسبون } وكان ~~مقتضى الكلام أن يقال: " جزاء بما كانوا يكتسبون " لأن هذه عملية فيها ~~إثم وفيها معصية، فلا بد أن يكون فيها افتعال، ولكن الحق سبحانه وتعالى ~~يلفتنا إلى أن هؤلاء المنافقين قد اعتادوا المعصية، وعاشوا في الكفر، ~~فأصبحت العملية سهلة بالنسبة لهم، ولا تحتاج منهم أي افتعال. واقرأ قول ~~الحق: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما ~~كسبا نكالا من الله... # [المائدة: 38]. والسرقة ليست أمرا طبيعيا، لذلك يقوم بها السارق خفية ~~ويبيت لها ويفتعل ولذلك كان من المنطقي أن يقال " اكتسبوا " لكن شاء ~~الحق أن نعرف أن السرقة قد أصبحت في دم هؤلاء، ومن كثرة ما ارتكبوها فهي ~~بالنسبة لهم عملية آلية سهلة. وقد وضع التشريع لها نطاقا وهو ربع دينار ~~مثلا. والذي يسرق دون هذا النطاق لا يطبق عليه حد قطع اليد. لماذا؟ ~~لأن ربع الدينار في ذلك الوقت كان يكفي لقوت أسرة متوسطة العدد لمدة يوم ~~واحد. فإذا سرق أي إنسان ما يكفي قوت أسرة لمدة يوم واحد، يقال: ربما ~~فعلها لأن أسرته لا تجد ما تأكله، فإذا أخذ أكثر من الضرورة، يكون قد أخذ ~~أكثر مما يحتاج إليه، وتكون السرقة قد حدثت ويقام عليه الحد. # ونحن نعلم أن العقل البشري وظيفته الاختيار بين البدائل، ومفروض أن ~~يقدر الإنسان العقوبة ويستحضرها ساعة وقوع المعصية، وأن يستحضر ~~الثواب ساعة القيام بالطاعات ترغيبا للإنسان في الطاعة. ونحن نأتي ms4249 ~~للطالب المجتهد ونطلب منه أن يخفف من المذاكرة، لكنه لا يترك الكتاب ~~لأنه استحضر النجاح وما سيحدث بعد النجاح من دخوله الكلية التي يريدها، ~~أو بعد تخرجه من الجامعة إن كان قد وصل إلى مرحلة التخرج، وكذلك استحضر ~~نظرة أهله وأساتذته وزملائه إليه، وهو يستحضر كل ذلك مما يدفعه لقضاء ~~ساعات طويلة في المذاكرة دون أن يشعر بالتعب. إذن: فالذي يحببك في ~~الطاعة هو استحضار لذة الثواب القادم. والذي يكرهك في المعصية هو ~~استحضار ألم العقاب الذي لا بد أن يحدث. ولكن هؤلاء المنافقين والكفار قد ~~اعتادوا المعصية والكفر حتى أصبح سلوكهم المخالف للإيمان إنما يحدث منهم ~~دون أن يستحضروا عقوبة المعصية، فهم يرتكبون المعاصي وهم فرحون. ولو قال ~~الحق كلمة: " يقولون " لكان كلامهم بغير فعل. ولو قال: " يفعلون " لكان ~~فعلا لا يشترك فيه اللسان بالقول. ولو قال " يعملون " لكان فعلا وقولا ~~فقط. ولو قال " يكتسبون " لفهمنا أن المعصية تثير انفعالا وتهيجا في ~~داخلهم لأنهم لم يعتادوها. ولكن جاء قوله تعالى: { يكسبون } ليعطينا ~~المعنى الصحيح في أنهم قد اعتادوا المعصية حتى أصبحوا يفعلونها بلا ~~افتعال. ويأتي الحق سبحانه وتعالى ليرينا حكمه في الدنيا على هؤلاء ~~المنافقين الذين فرحوا بتخلفهم عن الجهاد في سبيل الله، فيقول: { فإن ~~رجعك الله إلى طآئفة... }. ### || [9.83] # والله سبحانه وتعالى يوضح لرسوله صلى الله عليه وسلم: عندما تنتهي ~~الغزوة وتعود إلى المدينة، فهناك حكم لا بد أن تطبقه مع هؤلاء المنافقين، ~~الذين تخلفوا وفرحوا بعدم الجهاد. وقوله: { فإن رجعك } كلمة " رجع ~~" من الأفعال، وكل فعل يجب أن يكون له فاعل ومفعول، فلا يمكن أن تقول: " ~~ضرب محمد " ثم تسكت لأنه عليك أن تبين من المضروب. ولا يمكن أن تقول " ~~قطف محمد " ، بل لا بد أن تقول ماذا قطف؟ وهكذا نحتاج إلى مفعول يقع عليه ~~الفعل. ولكن هناك أفعالا لا تحتاج إلى مفعول. كأن تقول: " جلس فلان " ~~والفعل الذي يحتاج إلى مفعول اسمه " فعل متعد " أما الفعل الذي لا ~~يحتاج إلى مفعول فاسمه " فعل لازم ". إذن: فهناك ms4250 فعل متعد وفعل لازم. ~~وهنا في هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه: { فإن رجعك الله ~~} والحق سبحانه هو الفاعل، والكاف في { رجعك } هي المفعول به. ولكن ~~لأنها ضمير ملتصق بالفعل يتقدم المفعول على الفاعل. إذن: { فإن ~~رجعك الله } رجع فعل متعد، والفاعل لفظ الجلالة. والمفعول هو ~~الضمير العائد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أي: أن الله رجعك يا ~~محمد. ولكن هناك آية في القرآن الكريم تقول: # ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا... # [الأعراف: 150]. في الآية التي نحن بصددها { فإن رجعك الله } ~~الفاعل هو الله، أما في قوله الحق: { ولما رجع موسى } نجد أن ~~موسى هو الفاعل ولا يوجد مفعول به، إذن ف " رجع " يمكن أن يكون فعلا ~~لازما، كأن تقول: " رجع محمد من الغزوة ". ويمكن أن يكون فعلا متعديا ~~كقوله سبحانه: { فإن رجعك الله } أي: يا محمد من الغزوة. إذن: ~~فرجع تستعمل لازمة وتستعمل متعدية. ولكن في قصة سيدنا موسى عليه السلام ~~عندما ألقته أمه في البحر والتقطه آل فرعون ومشت أخته تتبعه ثم حرم ~~الله عليه المراضع ليعيده إلى أمه كي يزيل حزنها، يقول الحق سبحانه: # إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من ~~يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا ~~تحزن... # [طه: 40]. ما هو الفرق بين الآيات الثلاث؟ ولماذا استعمل فعل " رجع " ~~لازما ومتعديا؟ نقول: إنه في قول الحق سبحانه وتعالى: { ولما ~~رجع موسى إلى قومه } هنا هيئ لموسى من ذاته أن يرجع، أي: ~~أنه قرار اختياري من موسى، أما قوله تعالى: { فرجعناك إلى ~~أمك } ، فموسى في هذه المرحلة كان طفلا رضيعا لا يستطيع أن يرجع ~~بذاته، ولا بد أن يهيئ له الحق طريقة لإرجاعه، أي: من يحمله ويرجعه. # أما قوله تعالى: { فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم ~~} فقد كان من الممكن أن يقال: " وإذا رجع إلى طائفة منهم " مثلما قال في ~~موسى عليه السلام: { ولما رجع موسى } ولكن الحق استخدم { ~~رجعك } ليدل على أن زمام محمد عليه الصلاة والسلام في الفعل والترك ~~ليس ms4251 بيده. وكأنه سبحانه وتعالى يوضح: إياكم أن تنسبوا الأحداث إلى بشرية ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فإن محمدا إذا ذهب إلى مكان فالله هو الذي ~~أذهب إليه. وإن عاد من مكان فهو لا يعود إلا إذا أرجعه الله منه. كما ~~كانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بإذن من الله، فقبل ~~أن يأذن الله له بالهجرة، لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ببشريته ~~يستطيع أن يهاجر. إذن: فالحق سبحانه وتعالى يريد أن نعرف دائما: أن ذهاب ~~محمد صلى الله عليه وسلم ورجوعه من أي مكان، ليس ببشرية رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، بل بإرادة الحق سبحانه. ولكن لماذا قال الحق سبحانه ~~وتعالى: { فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم } وكان من ~~الممكن أن يقول " فإن رجعك الله إليهم " أو: " فإن رجعك الله إلى المدينة ~~"؟ نقول: إن الحق سبحانه وتعالى يريد الحديث هنا عن الطائفة التي حدثت ~~منها المخالفة، فهناك من بقوا في المدينة رغما عنهم ولم يكن لديهم ما ~~ينفقونه أو لم يكن لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحملهم عليه. ~~كذلك المرضى وكبار السن الذين لا يستطيعون قتالا. وهؤلاء حسن إسلامهم ~~وقبل الله ورسوله أعذارهم. ولكن الحق سبحانه يتحدث هنا عن الطائفة التي ~~تخلفت عن الجهاد وهي قادرة، والتي امتنعت عن الخروج، وهي تملك المال ~~والسلاح وكل مقومات الجهاد، هذه الطائفة هي التي فرحت بالتخلف عن القتال. ~~أما الطوائف الأخرى فكانت عيونها تفيض بالدمع من الحزن على عدم اشتراكهم ~~في الجهاد. إذن: فالحق يقصد هنا طائفة المنافقين الذين استمروا على ~~نفاقهم، فمن تاب منهم قبل نزول هذه الآية قبلت توبته، ومن مات منهم قبل ~~نزول هذه الآية فإنما حسابه على الله. وبقيت طائفة المنافقين الذين فرحوا ~~وضحكوا عندما بقوا في المدينة، وكان عقاب الله لهم بأن مسح أسماءهم من ~~ديوان المجاهدين في سبيل الله، ومنعهم الثواب الكبير للجهاد. ويقول ~~سبحانه: { فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم ~~فاستأذنوك للخروج } فكيف استأذنوا أول الأمر ms4252 للقعود وتحايلوا ~~عليه، وكيف يستأذنون الآن للخروج؟ نقول: إنهم عندما رأوا المؤمنين وقد ~~عادوا بالغنائم، كان ذلك حسرة في قلوبهم لأنهم أهل دنيا. وحينئذ طلبوا ~~الخروج حتى يحصلوا على الغنائم والمغانم الدنيوية. ولكن الحق سبحانه ~~وتعالى طلب من رسوله عليه الصلاة والسلام ألا يأذن لهم بالجهاد مع ~~المسلمين، فقال: { فقل لن تخرجوا معي أبدا } أي: أن ~~أسماءكم قد شطبت من ديوان المجاهدين والغزاة، ولما قرر الحق سبحانه ~~وتعالى ألا يعطيهم شرف الجهاد وثواب الخروج مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ يقول الحق سبحانه: { إنكم رضيتم بالقعود أول ~~مرة }. # ولكن الحق يقول أيضا هنا: { فاستأذنوك للخروج } وهذا أمر ~~لا يحدث إلا في الغزوات، فما هو موقفهم إذا حدث اعتداء على المدينة؟ ~~ويبين الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ألا يقبل منهم قتالا حتى ~~في هذه الحالة، فطلب من رسوله عليه الصلاة والسلام أن يعلمهم بذلك، ويقول ~~لهم: { ولن تقاتلوا معي عدوا } إذن: فقد حسمت المسألة، فلا ~~هم مسموح لهم بالخروج في الغزوات، ولا بقتال الأعداء إذا هاجموا المدينة ~~لأنهم أسقطوا تماما من ديوان المجاهدين، ولا جهاد لهم داخل المدينة أو ~~خارجها ما داموا قد فرحوا بالقعود، ورفضوا أن يشتركوا في الجهاد وهم ~~قادرون لذلك حكم الحق أن يبقوا مع الخالفين. وما معنى خالفين؟ المادة هي ~~" خاء " و " لام " و " فاء " ، فيها " خلف " و " خلاف " و " خلوف " وغير ~~ذلك. و " خالفين " إما أن يكونوا قد تخلفوا عن الخروج مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وإما أن يكونوا خالفوا الرسول بأنهم رفضوا الخروج، وإما ~~أن يكونوا خلوفا. ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث عن الصيام: # " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك " # والخلوف هو تغير الرائحة، وتغير الرائحة يدل على فساد الشيء، فكأنهم ~~أصبحوا فاسدين. ومخالفين تعني فاسدين لأنهم قد خالفوا أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وتعني أنهم تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ~~يقتصر جزاء هؤلاء المتخلفين فقط أن ms4253 تشطب أسماؤهم من سجلات المجاهدين، بل ~~هناك جزاء آخر يبينه قول الحق سبحانه وتعالى: { ولا تصل على ~~أحد... }. ### || [9.84] # وصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميت هي رحمة له، وغفران لذنوبه ~~لأن الصلاة على الميت أن تطلب له الرحمة والمغفرة، وأن تطلب له من الله ~~أن يلحقه بالصالحين. وإذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ~~الكلام، ودعا بهذا الدعاء، فإن دعوة رسول الله مستجابة من الله. وهكذا ~~حرمهم الله سبحانه وتعالى من رحمة يكون الإنسان في أشد الحاجة إليها حين ~~ينتقل من الحياة الدنيا إلى حياة البرزخ. وقول الحق لرسوله: { ولا ~~تصل على أحد منهم مات أبدا } معناها نهى عن فعل لم ~~يأت زمنه. وقوله تعالى: { ولا تقم على قبره } أي: لا تذهب ~~إلى قبره وتطلب له الرحمة، ولكن الحق سبحانه وتعالى قال: { ولا تصل ~~على أحد منهم مات أبدا } مع أن النهي عن المستقبل، أي: ~~من مات بعد نزول هذه الآيات، فلماذا لم يقل الحق " يمت " أو " يموتوا " ~~واستخدم الفعل الماضي { مات }؟. ونقول: لأن الموت عملية حتمية مقررة ~~عند الله ومقدرة، فموعد الموت مكتوب ومعروف عند الله، وهو شيء لا ~~يقرره الله مستقبلا، بمعنى أن موعد الموت لا يحدد قبل حدوثه بليلة أو ~~ليلتين، ولكن الموعد قد حدد وانتهى الأمر. أما قوله الحق: { ولا ~~تصل على أحد منهم } فهو يدلنا على أن هذا الأمر ليس خاصا ~~بسبب، ولكنه عموم حكم، فهناك: سبب للحكم، وهناك عموم حكم. وسبب الحكم مثل ~~الآية التي نزلت في زعيم المنافقين عبد الله ابن أبي، فعندما مرض عبد ~~الله بن أبي مرض الموت جاء ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وطلب منه أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن ~~يصلي عليه، فقام رسول الله صلى الله عليه ليصلي عليه ويستغفر له. وذهب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مجاملة لابنه عبد الله بن أبي الذي أسلم ~~وحسن إسلامه. وعندما وقف رسول الله صلى الله ms4254 عليه وسلم بجوار عبد الله ~~بن أبي، قال له: # " أهلكك حب يهود " # لأن ابن أبي كان يجامل اليهود ويعاونهم، ونفاقه في الإسلام كان مجاملة ~~لليهود وكان يظهر أمام اليهود الكفر، ويظهر أمام المسلمين الإيمان. ~~وهنا قال ابن أبي: يا رسول الله، إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل ~~إليك لتؤنبني. فاستغفر له الرسول صلى الله عليه وسلم، وهنا نزلت الآية ~~الكريمة: # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر ~~لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم... # [التوبة: 80]. وطلب عبد الله بن أبي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يهبه ثوبه لكي يكفن به، فلما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~بيته، أرسل له الثوب الأعلى. # وقد كان صلى الله عليه وسلم يلبس ثوبين ثوبا يلي جسده وثوبا فوقه. ~~فلما جاء ابن أبي الثوب الأعلى، قال: أنا أريد الثوب الذي لامس جسد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. انظر إلى زعيم المنافقين والذي كان يملؤه ~~الكبرياء في حياته، كبرياء على المؤمنين ها هو ذا يطلب كل هذه الطلبات ~~ساعة احتضاره. فماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أرسل له القميص ~~الذي لامس جسده الشريف. وكان كل هذا إرضاء لابنه عبد الله بن عبد الله بن ~~أبي. ولم يتقبل هذا الفعل عدد من المؤمنين ولم يشعروا بالارتياح، فعندما ~~مات ابن أبي جاء ابنه عبد الله، وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يصلي عليه. وعندما هم النبي أن يصلي عليه، وقف عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه بين الرسول وبين القبلة. وهنا حسم الحق سبحانه وتعالى الموقف ~~ونزلت الاية الكريمة: { ولا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا } فقد أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي على ابن أبي ~~لأنه رسول رحمة للعالمين. ولكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقف بينه وبين ~~القبلة حتى لا يصلي، فأنزل الحق قوله: { ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا } وقالوا: تلك من الأمور التي وافق الوحي ms4255 فيها ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ومن المسائل التي وافق الوحي فيها عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه تغيير القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام. ~~فقد كان عمر يرجوها، وكان يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول ~~الله، لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى. ومن هذه الأمور أيضا رأيه في أسرى ~~بدر، وأن من الواجب قتلهم، وكان رأي أبي بكر أن يقوم الأسرى بتعليم ~~المسلمين القراءة والكتابة أو يؤخذ فيهم الفداء، فنزلت الآية الكريمة: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة # [الأنفال: 67]. بعض الناس يتساءل: كيف يستدرك عمر على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ نقول: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لن يخلد في أمته ~~لذلك أراد أن يعطيهم الأسوة بأنه صلى الله عليه وسلم متى رأى رأيا ~~حسنا نزل عليه. وبعض المستشرقين يقولون: إنكم تقولون دائما عمر فعل ~~كذا، ولماذا لا تقولون لنا محمد فعل كذا؟ ونقول: إذا فعل محمد فهو رسول ~~الله، أما غير الرسول عندما يفعل فهو دليل على أن الفطرة الإسلامية من ~~الممكن أن ترى شيئا يتفق مع ما يريده الله. وبعد أن نزل قول الحق: { ~~ولا تصل على أحد منهم مات أبدا } صار الحكم عاما ~~في ألا يصلي رسول الله على المنافقين. # لكن من أراد من الناس أن يصلي فليصل. وكان الرسول عليه الصلاة ~~والسلام يكرم كل مسلم بالصلاة عليه، فلما نزلت هذه الآية امتنع عن الصلاة ~~على المنافقين. كذلك # " امتنع صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على الميت وعليه دين، فكان يسأل ~~أهل الميت: هل عليه دين؟ فإن قالوا: نعم. سأل: هل ترك ما يسده؟. فإن ~~قالوا: لا، قال: " صلوا على صاحبكم " ، وامتنع هو عن الصلاة. " # ولكن ما ذنب من عليه دين حتى يحرم صلاة رسول الله عليه؟ نجد الإجابة ~~في قوله صلى الله عليه وسلم: # " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد ~~إتلافها ms4256 أتلفه الله ". # فلو كان هذا الميت المدين ينوي سداد دينه لأعانه الله على أن يسدده، ~~أما إذا ترك ما يفي بهذا الدين من عقارات أو أراض أو أموال في البنوك فلا ~~يكون مدينا. ويقول الحق سبحانه هنا: { ولا تقم على قبره } ~~ونحن نعلم أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يذهب إلى قبر حمزة رضي ~~الله عنه، ويقف على قبور المؤمنين: # " السلام عليكم دار قوم مؤمنين " # ومنعه الحق من ذلك العمل على قبور المنافقين. ويعطينا الحق سبحانه العلة ~~في ذلك فيقول: { إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا ~~وهم فاسقون } وعرفنا كيف كفروا بالله ورسوله، لكن ماذا عن قوله ~~الحق: { وماتوا وهم فاسقون }. فهل ماتوا وهم خارجون عن ~~المنهج؟ نعم، تماما مثلما نقول: فسقت الرطبة لأن البلح في نضجه يكون ~~أحمر اللون أو أصفر وتلتصق قشرته به، فإذا رطب انفصلت القشرة عن البلحة، ~~بحيث تستطيع أن تنزعها بسهولة، فكأن منهج الله بالنسبة للمؤمن لا بد أن ~~يلتصق به كقشرة البلحة الحمراء، وإذا انفصل عنه مثل قشرة الرطبة يصاب ~~بالفساد. ولكن هنا نتساءل: أليس الكفر أكبر مرتبة من الفسق؟ لأننا نعلم ~~أنه ليس بعد الكفر ذنب؟ فكيف يقول الحق سبحانه وتعالى: { وماتوا ~~وهم فاسقون } مع أنهم كفروا، والكفر أكبر الذنوب؟ ونقول: إن الكفر ~~هو عدم الإيمان بالله ورسوله وعدم الدخول في الإسلام، ولكن الفسق هو عدم ~~الالتزام بأية قيم، ذلك أن الدين قد أوجد في النفوس عامة قيما معروفة ~~يتبعها حتى الذين كفروا، فمثلا عندما أرادوا بناء الكعبة قبل الإسلام، ~~قالوا: نريد أن نبنيها بمال حلال، لا يدخل فيه مال بغي. وكانوا في ~~الماضي يحضرون البغايا، ويقيمون لهن الرايات، ويأخذون من أموالهن. لم ~~يكن الإسلام قد جاء بعد، ولكن كانت هناك قيم من مناهج السماء التي جاءت ~~قبل الإسلام. وجاء الإسلام موافقا لبعضها. إذن: فقوله الحق: { كفروا ~~بالله ورسوله } ، أي: لم يكونوا مسلمين. { وماتوا وهم ~~فاسقون } أي: لم يلتزموا بأية قيم. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما... }. ### || [9.85] # ونعلم ms4257 أن الحق قال في آية سابقة: # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون # [التوبة: 55]. والنص القرآني إذا ما اتفق مع نص آخر، نقول: إن الأداء ~~الخاص ومقتضيات الأحوال تختلف، ومن ينظر إلى خصوصيات ومقتضيات الأحوال ~~يعلم أن هذا تأسيس وليس تكرارا، فقد تحمل آيتان معنى عاما واحدا، ~~ولكن كل آية تمس خصوصية العطاء، ولنأخذ مثالا من قوله الحق: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم... # [الأنعام: 151]. وقوله تعالى: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم... # [الإسراء: 31]. وقد ادعى بعض المستشرقين أن في القرآن تكرارا، وهذا غير ~~صحيح لأنهم ينظرون إلى عموم الآية ولا ينظرون إلى خصوصية العطاء. وخصوصية ~~العطاء في الآية توافق مقتضى كل حال. ففي قوله سبحانه عن رزق الأولاد لم ~~يلتفتوا إلى صدري الآيتين بل التفتوا إلى عجز الآيتين، وذلك من جهلهم ~~بملكة الأداء في البيان العربي. ولنا أن نسأل هؤلاء المستشرقين الذين ~~يثيرون مثل هذه الأقاويل: هل ترون أن آية من الآيتين أقل بلاغة من ~~الأخرى؟ ولن نجد إجابة عندهم لأنهم لا يعرفون دقة البيان العربي. ونقول ~~لهم: أنتم إن نظرتم إلى عجز كل آية وصدرها لوجدتم أن آخر الآية يقتضي ~~أولها، وإلا لما استقام المعنى، فالله سبحانه وتعالى لم يقل في ~~الآيتين: { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق } وإنما ~~قال: { من إملاق } ، وقال: { خشية إملاق } ولم يقل في ~~الآيتين: { نحن نرزقهم وإياكم } بل قال: { نحن ~~نرزقهم وإياكم } وقال: { نحن نرزقكم وإياهم ~~}. إذن: فبداية الآيتين مختلفة الآية الأولى: { ولا تقتلوا ~~أولادكم من إملاق }. والإملاق هو الفقر، فكأن الفقر موجود ~~فعلا. وقوله تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق } ، فكأن الفقر غير موجود، ولكن الإنسان قد يخشى أن يأتي الفقر ~~بمجيء الأولاد. إذن: فالآية الأولى تخاطب الفقراء فعلا، والآية الثانية ~~تخاطب غير الفقراء الذين يخشون مجيء الفقر إن رزقوا بأولاد والفقير - ~~كما نعلم - يشغل برزقه أولا قبل أن يشغل برزق أولاده. ولذلك يطمئنه ~~الحق سبحانه وتعالى على أن ms4258 أولاده لن يأخذوا من رزقه شيئا، فيقول: { ~~نحن نرزقكم وإياهم } أي: اطمئن أيها الفقير على رزقك فلن ~~يأخذ أولادك منه شيئا لأن الحق سبحانه وتعالى يرزقك أولا ويرزق أولادك ~~أيضا. أما غير الفقير الذي يخشى أن يجيء الولد ومعه الفقر فقد ينشغل بأن ~~المولود الجديد سيأتي ليحول غناه إلى فقر. ويخاطبه الحق سبحانه وتعالى ~~بقوله: { نحن نرزقهم وإياكم } أي: أن رزقهم يأتي من عند ~~الله قبل رزقكم أنتم، فلا تخشوا الفقر وتقتلوا أولادكم لأن الحق سبحانه ~~وتعالى سيرزقهم، فلن يصيبكم الفقر بسبب الأولاد. # وهكذا نرى أن معنى الآيتين مختلف تماما وليس هناك تكرار. كذلك في الآية ~~التي نحن بصددها، يقول بعض الناس: إن هذه الآية قد وردت في نفس السورة، ~~نقول لهم: نعم. ولكن هذه لها معنى والأخرى لها معنى آخر فأين الاختلاف في ~~الآيتين حتى نعرف أنهما ليستا مكررتين؟ الآية الأولى تقول: # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون # [التوبة: 55]. والآية الثانية التي نحن بصددها تقول: { ولا تعجبك ~~أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن ~~يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون } [التوبة: 85]. أول اختلاف نجده في بداية الآيتين ففي الآية ~~الأولى: { فلا تعجبك } ، والثانية: { ولا تعجبك }. ففي ~~الآية الأولى جاء الحق سبحانه وتعالى بالفاء، والفاء تقتضي الترتيب. إذن: ~~فهذه الآية مترتبة على ما قبلها، وهي قوله تعالى: # وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم ~~كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلوة إلا ~~وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون # [التوبة: 54]. فكأن هذه حيثيات كفرهم فهم لا يصلون إلا نفاقا، ولا ~~ينفقون مالا في سبيل الله إلا وهم يكرهون ذلك. والمتعة في المال أن ~~تنفقه فيما تحب، فإذا أحببت طعاما اشتريته، وإذا أحببت ثوبا ابتعته. ~~وتكون في هذه الحالة مسرورا وأنت تنفق مالك، ولكن هؤلاء ينفقون المال ~~وهم كارهون. والمؤمن عندما ينفق ماله في صدقة أو زكاة فهو يفعل ذلك ~~إيمانا منه بأن الله سبحانه وتعالى سيعطيه أضعاف أضعاف ms4259 الأجر في الدنيا ~~والآخرة. إذن: فحين ينفق المؤمن ماله في الزكاة، يكون فرحا لأنه عمل ~~لدنياه ولآخرته. أما المنافق الذي يضمر الكفر في قلبه، فهو لا يؤمن ~~بالآخرة ولا يعرف البركة في الرزق، فكأنه أنفق ماله دون أن يحصل على شيء، ~~أي: أن المسألة في نظره خسارة في المال ولا شيء غير ذلك. وإن أنفق ~~الإنسان وهو كاره، فالمال الموجود لديه هو ذلة وتعب لأنه حصل على المال ~~بعد عمل ومشقة، ثم ينفقه وهو لا يؤمن بآخرة ولا بجزاء. ويريد الحق سبحانه ~~أن يلفتنا إلى أن رزقه لهؤلاء الناس هو سبب في شقائهم وإذلالهم في الدنيا ~~فيجعلهم يجمعون المال بعمل وتعب ثم ينفقونه بلا ثواب، أي: يخسرونه. ~~والواحد منهم يذهب إلى الحرب نفاقا، فينفق على سلاحه وراحلته، ولا يأخذ ~~ثوابا، ويربي أولاده ثم تأتي الحرب، فيذهبون نفاقا للقتال فيموتون ~~دون استشهاد إن كانوا منافقين مثل آبائهم. وهكذا نجد أن كل أموال المنافق ~~الذي يتظاهر بالإسلام، وهو كافر، تكون حسرة عليه. ومن هنا فإياك أيها ~~المؤمن أن تعجبك أموالهم لأنها ذلة لهم في الدنيا فهم يبذلونها نفاقا ~~فإذا امتنعوا عن الإنفاق وعن الجهاد وهم يتظاهرون بالإسلام فكأنهم قد ~~أعلنوا أنهم منافقون، وهكذا نجد إنفاقهم كرها هو إذلال لهم، وإن لم ~~ينفقوا فهذا أمر يفضحهم، فكأن الأموال والأولاد عذاب لهم، وهذا أمر لا ~~يقتضي الإعجاب، وإنما يقتضي الإشفاق عليهم. # ولا تظن أنك حين حذفتهم من ديوان الغزاة والمجاهدين بعدم الخروج معك ~~وأنهم لن يقاتلوا معك عدوا، أن في أموالهم عوضا عن الخروج، فلا تعجبك ~~فإنها عقاب وفضيحة وإذلال لهم. ولكن في الآية الأولى، يقول الحق سبحانه: ~~{ فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم } لماذا؟ لأن منهم ~~من له مال يعتز به، ومنهم من له أولاد كثيرون هم عزوته، ومنهم من له ~~المال والولد. إذن: فهم مختلفون في أحوالهم لذلك جاء القول: { ~~أموالهم ولا أولادهم } لتؤدي المعاني كلها. ولتشمل من عنده ~~مال فقط، ومن عنده أولاد فقط، ومن عنده المال والولد. أما في الآية ~~الثانية ms4260 التي نحن بصددها: { ولا تعجبك أموالهم ~~وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون } إذن: فالحق ~~سبحانه وتعالى قد أعطاهم المال والولد للعذاب. ولكن هناك من يقول: ما دام ~~الحق يريد تعذيبهم بالأموال والأولاد، فهل المال والأولاد علة للعذاب؟ ~~وهل لأفعال الله علة؟ ألا يقول المسلمون: إن أفعال الله لا علة لها ~~ونقول: لقد قالوا مثل ذلك القول في قوله الحق: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. ولم يلتفتوا إلى أن العلة في الخلق لا تعود إلى الله، ~~ولكنها علة ترجع للمخلوق لأن في العبادة مصلحة ومنفعة للمخلوق. فسبب ~~الخلق هو العبادة، وهذا السبب ليس راجعا إلى الخالق ولا تعود على الله ~~أدنى منفعة، فلا شيء يزيد في ملكه ولا شيء ينقصه. أو هي لام العاقبة. ~~ومعنى " لام العاقبة " أن تفعل شيئا فتأتي العاقبة بغير ما قصدت مصداقا ~~لقوله الحق: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا... # [القصص: 8]. هل التقط آل فرعون موسى ليكون لهم عدوا؟ أم التقطوه ليكون ~~لهم قرة عين؟. لقد التقطوه ليكون قرة عين لهم، ولكن النهاية جاءت بغير ~~ما قصدوا فأصبح الذي التقطوه ليكون وليا ونصيرا لهم هو الذي جاءت على ~~يديه نهايتهم، ولو كان فرعون يعلم الغيب لما التقط موسى بل لقتله، وشاء ~~الحق أن يخفي عنه الغيب ليقوم هو بتربية من سيقضي على ملكه، تماما كما ~~تدخل ابنك إلى المدرسة فيفشل، وتنفق عليه فلا يتخرج، هل أنت أدخلته ~~المدرسة ليخيب؟ طبعا لا. كذلك قول الحق سبحانه وتعالى: { ~~ليعذبهم } ويريدنا الله أن نفهم أن العذاب ليس هو سبب جمعهم ~~المال، وإنما السبب هو في ذلك هو حبهم للمال والمتعة، وكذلك الأولاد ~~ليس الهدف منهم أن يكونوا سببا في عذاب آبائهم، بل هم يريدون الأولاد ~~عزوة لهم. ولكن الحق سبحانه وتعالى شاء أن يعذبهم بالمال والأبناء في ~~الدنيا. فالمال يجمعه المنافق من حلال ومن حرام، ثم بعد ذلك إما أن ~~يفارقه المال بكارثة تصيبه، وإما أن يفارق هو المال بالموت، ms4261 وإما أن يكون ~~هذا المال عذابا له فيعيش مع خشية الفقر وزوال النعمة، كذلك الأولاد ~~يربيهم ويتعب في تربيتهم، ثم بعد ذلك إما أن يفارقوه بالموت، وإما أن ~~يكبروا فاسدين فيكونوا مصدر عذاب لهم. # فكأن قول الحق سبحانه وتعالى: { فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون } هو ~~كلام من الحق سبحانه وتعالى للمؤمنين لأن هؤلاء المنافقين قد يعطيهم الله ~~الأموال والأولاد ولكنها ليست خيرا لهم، بل هي عذاب لهم لأنهم بإبطانهم ~~الكفر وتظاهرهم بالإيمان يفرضون على أنفسهم تكاليف تأخذ جزءا من أموالهم ~~وأولادهم، وحينئذ تكون عذابا لهم لأنهم خسروا كل شيء ولم يكسبوا شيئا، ~~فليس لهم أجر على موت أبنائهم إن قتلوا، ولا أجر الزكاة والصدقة فيما ~~ينفقونه رياء ونفاقا. أما الآية الثانية: { ولا تعجبك ~~أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن ~~يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون } فهي حكم عام على من يعطيهم الله نعمة الدنيا ويكفرون به، ~~وتكون هذه النعمة عليهم عذابا، فهم في خوف من ضياع المال أو فقد الولد ~~لذلك يعانون من العذاب. وهم من خوفهم من الموت وترك النعمة معذبون، ~~فهم لا يريدون أن يموتوا لأنهم لا يعتقدون في الآخرة، ويكون المال والولد ~~حسرة عليهم لأن المؤمن إن مات منه ولد، علم أن افتقاد الابن إنما يسد ~~طاقة جهنم، ويقوده إلى رحمة الله، وله أجر على ذلك، فإن كان الولد صغيرا ~~كان ذخرا له في الآخرة، وإن كان كبيرا فهو يتذكر قول الحق: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم... # [الطور: 21]. وفي هذا سلوى عن افتقاد الولد، لكن المنافق يحيا في خوف ~~وحسرة. وفي هذا عذاب. ويلفتنا الحق سبحانه إلى أن مال الكافر هو حسرة ~~عليه دائما فيقول: # إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن ~~سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ~~ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون # [الأنفال: 36]. أي أن الله سبحانه وتعالى يعاقب من ينفق لمحاربة دينه ~~بأن يتركه ينفق، ثم ينصر الله دينه ms4262 ليجعل ذلك حسرة في نفسه حين يرى المال ~~الذي أنفقه وقد جاء بنتيجة عكسية هي انتصار الدين وانتشاره. وقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { وتزهق أنفسهم وهم كافرون } وهذه هي ~~الحسرة الكبرى، فحين يموت الكافر ولا يجد له رصيدا في الآخرة إلا النار ~~لأنه مات على غير يقين بالجنة وعلى غير يقين بأنه قد قدم شيئا، يلقى ~~في النار محسورا على ما تركه في الدنيا، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل ~~نقرأ قول الله: # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم... # [الأنفال: 50]. وهكذا يذوقون العذاب. ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة ~~أخرى للمنافقين في قوله: { وإذآ أنزلت سورة أن آمنوا... ~~}. ### || [9.86] # وهكذا شاء الحق أن يفضح المنافقين، هؤلاء الذين استمرأوا الاستمتاع بنفس ~~حقوق المؤمنين لمجرد إعلانهم الإسلام، بينما تبطن قلوبهم الكفر والكيد ~~للمسلمين. وقوله الحق: { وإذآ أنزلت سورة أن آمنوا ~~بالله وجاهدوا مع رسوله } هو خطاب للمنافقين يكشف بطلان ~~إيمانهم ولذلك جاء قوله الحق: { أن آمنوا } أي: اجعلوا قلوبكم صادقة ~~مع ألسنتكم، فالله يريد إيمانا بالقلب واللسان، فيتفق السلوك مع ~~العقيدة. وقول الحق: { وجاهدوا مع رسوله } أي: انفروا للجهاد ~~مع رسول الله، فهذا هو التعبير العملي عن الإيمان، ولا تفرحوا بتخلفكم عن ~~القتال في سبيل الله لأن الجهاد والقتال في سبيل الله شرف كبير له ثواب ~~عظيم. وامتناع إنسان عن الجهاد هو تنازل عن خير كبير، فالحق سبحانه يعطي ~~جزيل الأجر لمن جاهد جهادا حقيقيا. ويقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~استأذنك أولوا الطول منهم } و " استأذن " من مادة ~~استفعل، وتأتي للطلب، كأن تقول: " استفهم " أي: طلب أن يفهم، و " استعلم ~~" أي: طلب أن يعلم. إذن: فقوله: { استأذنك } أي: طلبوا الإذن، ~~ولأنهم يتظاهرون بالإيمان ويبطنون الكفر، تجدهم ساعة النداء للجهاد لا ~~يقفون مع المؤمنين، وكان من المفروض أن يكونوا بين المجاهدين، وأن يجدوا ~~في ذلك فرصة لإعلان توبتهم ورجوعهم إلى الحق فيكون جهادهم تكفيرا عما ~~سبقه من نفاق، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل طلبوا الإذن بالقعود. ومن الذي ~~طلب الإذن؟ إنهم ms4263 أولو الطول. و " أولو " معناها أصحاب القوة والقدرة. ~~و " الطول " هو أن تطول الشيء، أي: تحاول أن تصل إليه، فإذا لم تصل ~~يدك إليه يقال: إن هذا الشيء يدك لم تطله، أي: لم يكن في متناول يدك. ~~و { أولوا الطول } أي: الذين يملكون مقومات الجهاد من سلامة ~~البدن من الأمراض ووجود القوة، ولا يعانون من ضعف الشيخوخة، وأن يكون ~~الإنسان قد بلغ مبلغ الرجولة وليس صبيا صغيرا لأن الشيخ الكبير ضعيف ~~لا يقدر على الجهاد، وكذلك الصبي الصغير لا يملك جلدا على الحرب. ~~وأيضا نجد المريض الذي قد يعوقه مرضه عن الحركة. أما أولو الطول فهم ~~الذين يملكون كل مقومات الحرب، من قوة بدنية وسلاح، والذين لم يبلغوا سن ~~الشيخوخة، ولا هم صبيان صغار ولا مرضى. إذن: فعندما تنزل آية فيها ~~الجهاد، فالذين يستأذنون ليسوا أصحاب أعذار - لأنهم معفون - لكن ~~الاستئذان يأتي من المنافقين الذين تتوافر فيهم كل شروط القتال، ~~ويستأذنون في القعود وعدم الخروج للقتال. ويقولون ما يخبرنا الحق به: { ~~وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين } والقاعد مقابله القائم. ~~والقيام - كما نعلم - هو مقدمة للحركة. فإذا أراد الإنسان أن يمشي، قام ~~من مكانه أولا، ثم بدأ المشي والحركة، ومن القيام أخذت مادة القوم أي: ~~الجماعة القائمة على شئونها، والقوم هم الرجال، أما النساء فلا يدخلن في ~~القوم، مصداقا لقول الحق: # يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى ~~أن يكن خيرا منهن... # [الحجرات: 11]. إذن: فالقيام يقابله القعود، والقوم يقابلهم النساء. ~~والقعود هو مقدمة للسكون، فمتى جلس الإنسان فهناك مقدمة لفترة من السكون، ~~وقعود المنافقين وتخلفهم واستئذانهم أن يبقوا مع النساء والعجزة والمرضى ~~والصبية هو حط من شأنهم. ولذلك يقول عنهم الحق سبحانه وتعالى: { ~~رضوا بأن يكونوا مع الخوالف... }. ### || [9.87] # و { الخوالف } ليست جمع " خالف " ولكنها جمع " خالفة " لأن " ~~خالف " لا تجمع على " فواعل " ، وإنما " خالفة " هي التي تجمع على " ~~فواعل " ، وهم قد ارتضوا لأنفسهم أن يطبق عليهم الحكم الذي يطبق ms4264 على ~~النساء. ولذلك كانوا { لا يفقهون } لأنهم ارتضوا لأنفسهم وصفا لا ~~يليق بالرجال وفرحوا بهذا الوصف دون أن ينتبهوا لما فيه من إهانة لهم ~~لأنهم يهربون من القتال كما تهرب النساء. والمنافق - كما قلنا - له ~~ملكتان: ملكة قولية، وملكة قلبية. فقول المنافق إعلان بالإيمان، أما قلبه ~~فهو ممتلئ بالكفر وفي هذه الحالة تتضارب ملكاته. والله سبحانه وتعالى ~~يوضح لهم: سوف نعاملكم في الدنيا بظاهر كلامكم، ونعاملكم في الآخرة بباطن ~~قلوبكم، وسوف نطبع على هذه القلوب فلا يخرج منها كفر، ولا يدخل إليها ~~إيمان، ولذلك قال الحق سبحانه هنا { وطبع على قلوبهم }. وقد ~~قال الحق سبحانه: # ختم الله على قلوبهم... # [البقرة: 7]. وقال سبحانه: # وطبع الله على قلوبهم... # [التوبة: 93]. وما دام الكافر قد أعجبه كفر قلبه فالحق سبحانه يختم على ~~قلبه، بحيث لا يخرج ما فيه من كفر، ولا يدخل إلى قلبه ما هو خارجه من ~~إيمان، تماما كما تختم الشيء بالشمع الأحمر فيظل ما في داخله كما هو، ~~وما في خارجه كما هو. ويطبع الله على قلبه فيمنع ما فيه من الكفر أن ~~يخرج، ويمنع ما في خارجه من الإيمان أن يدخل إليه. ويقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { فهم لا يفقهون } والفقه هو الفهم، أي: لا يفهمون ما ~~حرموا منه من ثواب ونعيم الآخرة لأنهم قد فرحوا بتخلفهم عن الجهاد، وهم ~~يحسبون أن هذا خير لهم ولكنه شر لهم. ثم يريد الحق سبحانه أن يضع ~~الطمأنينة في نفوس المؤمنين، ويطلب منهم ألا يفزعوا لتخلف هؤلاء القادرين ~~عن القتال رغم أنهم أصحاب الطول الذين يملكون الأموال والأولاد. ويزيل ~~الحق أثر ذلك من نفوس المؤمنين، فيقول سبحانه: { لكن الرسول ~~والذين... }. ### || [9.88] # أي: إياكم أن تحزنوا على هؤلاء المنافقين بسب قعودهم عن الجهاد معكم ولا ~~تقولوا: نحن خسرناهم في قتالنا لأن الحق لا يحتاج إليهم ولا إلى جهادهم. ~~وسبحانه القائل: # فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين # [الأنعام: 89]. ويقول سبحانه: # فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له ~~بالليل والنهار وهم لا ms4265 يسأمون # [فصلت: 38]. وكذلك يقول الحق سبحانه: # ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ~~فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن ~~نفسه والله الغني وأنتم الفقرآء وإن ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم # [محمد: 38]. وأيضا نجد قوله الحق: # يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه... # [المائدة: 54]. إذن: فتخلف بعض أصحاب القوة والمال والجاه عن الجهاد، ~~يجب ألا يشيع الفزع أو الحزن في نفوس المؤمنين لأن الله معهم، ولأنهم لهم ~~الخيرات، أي: لهم كل ما يطلق عليه خير: { وأولئك لهم ~~الخيرات وأولئك هم المفلحون } والمفلح: هو الفائز ~~الناجي المستفيد بثمرة عمله، وأصلها فلح الأرض أي: شقها لأن الزراعة ~~تقتضي أن تحرث الأرض أولا، وهذه مهمة الإنسان ليخرج الزرع. والحق سبحانه ~~وتعالى يقول: # أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة: 64]. ونحن حيث نحرث الأرض نهيجها، وبدلا من أن تكون صلبة لا ~~يدخلها هواء ولا تتخللها أشعة الشمس، تصير بعد الحرث مستقبلة للهواء ~~وتتخللها أشعة الشمس فتخلصها من أي ماء راكد في داخلها، وبذلك يتوافر ~~للأرض الهواء اللازم لنمو جذور النبات لأن إذا وضعت الحب في أرض غير ~~محروثة، فالزرع لا ينبت لعدم وجود الهواء الذي تتنفس منه الجذور. ولكن ~~إذا حرثت الأرض جعلت أشعة الشمس تتخلل ما هو تحت السطح وتبخر الماء ~~المخزون ليدخل الهواء بدلا منه فتستطيع جذور النبات أن تنمو. إذن: فكل ~~عمل يؤدي إلى نتيجة طيبة نسميه فلاحا. وهو مأخوذ من الأمر الحسي، ~~الذي نراه كل يوم وهو الفلاحة. وحين يريد الحق سبحانه وتعالى أن يوضح ~~لنا أمرا معنويا، فهو سبحانه يستحضر لنا صورة محسة من الذي نراه ~~أمامنا حتى نستطيع أن نقرب المعنى إلى الأذهان خصوصا في الغيبيات ~~التي لا نراها، فإذا أراد سبحانه أن يقربها إلى أذهاننا فهو يضرب لنا ~~الأمثال بأمور حسية. والإنسان حين يفلح الأرض ويشقها ويبذر فيها الحب، ~~تعطيه محصولا وفيرا، وكذلك فإن كل عمل يؤدي إلى نتيجة طيبة نسميه ~~فلاحا. وعندما ms4266 يحدثنا الحق سبحانه، فهو يعطينا المثل مما نراه كل يوم ~~ليقرب إلى أذهاننا جزاء الصدقة والزكاة، ومضاعفته لنا الأجر، فيقول: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء... # [البقرة: 261]. فإذا كانت الحبة عندما تضعها في الأرض تنبت سبعمائة حبة، ~~وإذا كانت الأرض، وهي مخلوقة لله، قد أعطتك عن الشيء الواحد سبعمائة ضعف، ~~فكم يعطي خالق الأرض؟ وكم يضاعف؟ إنها صورة محسة للجزاء على الصدقة ~~والزكاة. وأنت ساعة تزرع الأرض لا تقول: أنا أنقصت المخزون عندي كيلة من ~~القمح أو إردبا من القمح لأنك تعلم أنك تأخذ مما عندك إردبا من القمح ~~لتزرعه في الأرض. ولكنك لا تنظر إلى الإردب الذي أخذته من المخزون عندك، ~~بل انظر إلى ما سوف يجيء لك من هذا الإردب ساعة الحصاد، وكذلك الزكاة: ~~إياك أن تنظر إلى ما سينقص من مالك عندما تؤدي الزكاة، ولكن انظر إلى كم ~~سيضاعف الله لك هذا المال. وقد ضرب الحق مثلا بشيء محس يعلمه ~~الجميع، ومن صورة ما نراه أمامنا لنفهم ما ينتظرنا، فإذا كانت الأرض - ~~وهي المصدر الأول للاقتيات - تلقى فيها الحبة الواحدة، فتعطي لك سبع ~~سنابل في كل سنبلة مائة حبة، وإذا كانت الأرض المخلوقة لله تعوضك عما ~~وضعته فيها بسبعمائة ضعف، فكم يعطيك خالق الأرض؟ إذن: فهو سبحانه قادر أن ~~يضاعف لمن يشاء بغير حساب. ولذلك يبشر الحق سبحانه وتعالى المؤمنين ~~بقوله: { وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم ~~المفلحون } وهذا جزاء المؤمنين في الدنيا، ولكن هناك جزاءا آخر في ~~الآخرة. وفي هذا يبشرنا الحق سبحانه في قوله: { أعد الله ~~لهم جنات تجري... }. ### || [9.89] # وقد عرفنا من قبل أخبار الجنات والأنهار، وهنا يوضح لنا الحق الخير الذي ~~يخلد فيه المؤمنون. ولماذا سمى الله سبحانه وتعالى جزاء الآخرة بأنه: { ~~الفوز العظيم }. ذلك لأن هناك فارقا بين الخير والفلاح في ~~الدنيا، والفوز في الآخرة فالدنيا موقوتة بعمرك وتتمتع فيها بقدر أسبابك. ~~إذن: ففيها فوز محدود لا يسمى ms4267 فوزا عظيما. أما الآخرة فالنعمة فيها لا ~~تفارقك، ولا تفارقها أنت، فالنعمة خالدة، وأنت خالد، وهذه النعمة - في ~~الوقت نفسه - ليست بقدراتك أنت، بل بقدرات خالقك سبحانه وتعالى، ولا ~~تحتاج منك أي تعب أو عمل أو اجتهاد، بل يأتيك الشيء بمجرد أن يخطر على ~~بالك، وهذا لا يحدث إلا في الآخرة وفي الجنة وهذا هو الفوز العظيم لأنه ~~دائم وبلا نهاية. ويقول الحق بعد ذلك: { وجآء المعذرون من... ~~}. ### || [9.90] # والحديث هنا المنافقين الذين كانوا يعيشون حول المدينة وكانوا يسمون ~~" الأعراب " ، وقد تحدثت الآيات السابقة عن منافقي المدينة الذين جاء ~~فيهم قول الحق: # ومن أهل المدينة مردوا على النفاق... # [التوبة: 101]. وهنا يأتي الحديث عن المنافقين الذين كانوا يسكنون في ~~البوادي التي حول المدينة وهم الأعراب. والحق سبحانه وتعالى يقول: { ~~المعذرون } ، وهناك " معذرون " و " معتذرون " ، والمعذرون هم ~~المعتذرون فالمعتذر جمعه معتذرون بفتحة فوق التاء، لكن إذا وضعت ~~الفتحة فوق العين فالحرف الذي بعدها يسكن، وعندما يسكن ما بعد العين، ~~فهذا يعني أن هناك افتعالا. إذن: فالمعذرون أو المعتذرون هم الذين ~~يريدون أن يتخلفوا عن القتال بأعذار مفتعلة، وهم أرادوا القعود والسكون ~~ولم يتحركوا للقتال، وقد فعلوا ذلك دون عذر حقيقي. ويقال: " المعذرون " ، ~~و " المعذر " ، و " أعذره " أي: أذهب عذره، مثل: " أعجم الكتاب " أي: ~~أذهب عجمته. ويقول الحق سبحانه وتعالى: { وجآء المعذرون ~~من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا ~~الله ورسوله } لقد كذبوا الرسول في الإيمان نفسه لأنهم لم يكلفوا ~~أنفسهم حتى مجرد الاعتذار وتخلفوا، ولو كانوا قد صدقوا في الإيمان لما ~~تقاعسوا عن القتال، أو لاستأذنوا رسول الله في القعود. ثم يقول الحق: { ~~سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم } والكفر - كما ~~نعلم - هو ستر الإيمان. والمنافقون من الأعراب أظهروا الإيمان وكانت ~~قلوبهم تمتلئ بالكفر. ويقول الحق سبحانه وتعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم... # [الحجرات: 14]. أي أنهم يؤدون أمور الإسلام الظاهرية بينما قلوبهم لم ~~يدخلها الإيمان. ويعرفنا الحق سبحانه بالجزاء الذي ينتظر هؤلاء المتخلفين ms4268 ~~من الأعراب فيقول: { سيصيب الذين كفروا منهم عذاب ~~أليم } وعرفنا من قبل أن وصف العذاب في القرآن إما أن يكون أليما، ~~وإما أن يكون مهينا، وإما أن يكون عظيما، وإما أن يكون مقيما. وأراد ~~الحق سبحانه أن يعطي رخصة للذين لا يقدرون على القتال ولهم العذر في أن ~~يتخلفوا عنه فقال: { ليس على الضعفآء... }. ### || [9.91] # ونحن نعلم أن الضعيف هو من لا يقدر على العمل، لا بسبب المرض، بل لكبر ~~سنه، أو هو صغير السن لا يقدر على الحرب، وكذلك يعفي الحق المرضى من ~~القتال وهم من أصيبوا بعاهة طارئة تجعلهم غير قادرين على القتال. وكذلك ~~أعفى الله الذين لا يجدون ما ينفقون لأنهم من شدة فقرهم لا يستطيعون شراء ~~دابة تحملهم أو معدات قتال يقاتلون بها. والنفقة - كما نعلم - هي أن تقدر ~~أن تعول نفسك في الذهاب والإقامة مدة الحرب والعودة. وكان على كل مجاهد ~~أن يعد مطلوبات الحرب. فالله سبحانه قد رفع الحرج عن الذين لا يجدون ~~ما ينفقونه، وجعل لهم وظيفة أخرى تخدم الجهاد، فقال سبحانه وتعالى: { ~~إذا نصحوا لله ورسوله } أي: ينصحون ويشجعون أولئك القادرين ~~على الجهاد ليحمسوهم على القتال، ثم يكونون في عون أهل المجاهدين، ~~ويواجهون الإشاعات والأكاذيب التي يطلقها المنافقون في المدينة للنيل من ~~الروح المعنوية للمسلمين فيردون عليها ليخرسوا ألسنة السوء. ثم يقول ~~الحق: { ما على المحسنين من سبيل والله غفور ~~رحيم } والسبيل: هو الطريق، ومعناها: ما عليهم من إثم أو لوم أو ~~توبيخ أو تعنيف. وكل هذا لا يجد سبيلا على المحسنين، ولم يقل الحق: " ~~ما على المحسنين من سبيل " لأن السبيل يمر عليهم ولا ينتهي ~~إليهم بلوم لأن هناك فارقا بين أن يمر عليهم وأن ينتهي إليهم، فالمرور ~~أمر عادي، وليس هو الغاية لذلك يوضح الحق أنه لا يوجد سبيل إليهم ولا إلى ~~عتابهم لأنهم أدوا كل ما تطلبه الجهاد منهم، ولكنهم لم يذهبوا إلى ميدان ~~القتال لأسباب خارجة عن إراداتهم، وفعلوا كل ما يتطلبه الإيمان. أما إذا ~~كان المجاهد لديه ms4269 ما ينفقه، ولكنه لا يملك راحلة يركبها، فعليه أن يذهب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويطلب منه راحلة، فإذا قال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: { لا أجد مآ أحملكم عليه } فهذا ~~إذن بالقعود، وفي هذا يقول الحق سبحانه: { ولا على الذين إذا ~~مآ... }. ### || [9.92] # إذن: فالمعفون من الجهاد هم: الضعيف والمريض، والذي لا يجد قوتا، ولا ~~يجد راحلة فيطلبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول له رسول الله: ~~{ لا أجد مآ أحملكم عليه } ومن في مثل هذه الحالة يحزن ~~مرتين ولا يفرح الحزن الأول: بسبب عجز المسلمين في ذلك الوقت أن يملكوا ~~ما ينهض بنفقات المقاتلين أو أن يجهزوا لهم وسائل الانتقال إلى ميدان ~~القتال، والحزن الثاني: بسبب عدم تواجده في ميدان القتال مشاركا ~~ومجاهدا، ولا يبقى له إلا مشاركة الاستطاعة بجهاد يختلف عن الجهاد في ~~ميدان القتال. إنه جهاد حماية القاعدين من إشاعات المنافقين. ذلك أن ~~المنافقين لن يسكتوا عن محاربة الإيمان، بل سيرجفون بنقل الأخبار الكاذبة ~~إلى أهالي المقاتلين، وهم من نسميهم في الاصطلاح الحديث " الطابور الخامس ~~" ، وهم من يثبطون همم ومعنويات أهالي المقاتلين. إذن: فمن قعد عن ~~القتال بسبب عذر حقيقي فله جهاد آخر في حماية الجبهة الداخلية من أهالي ~~المقاتلين في مواجهة حرب الإشاعات التي يقودها المنافقون. وهكذا نجد ~~الجهاد فريضة من فرائض الإسلام، ومجاهدة غير المسلمين تكون لأمرين: الأمر ~~الأول: حين يعارض غير المسلمين الدعوة إلى الإيمان، وأن يقفوا في سبيل ~~الداعي ليسكتوه عن الدعوة إلى الله، والأمر الثاني: أن ينتشر المسلمون في ~~الأرض ليعلوا كلمة الله، ليس إكراها عليها، فالدين لا إكراه فيه، ~~والسيف الذي حمل في الإسلام، لم يحمل ليفرض دينا، وإنما حمل ليكفل ~~حرية الاختيار للإنسان في أن يختار الدين الذي يريد اعتناقه بلا إكراه. ~~وتحرير اختيار الإنسان إنما ينشأ بإزاحة العقبات التي تفرض عليه دينا ~~آخر، ثم يستقبل الإنسان الأديان كلها، فيختار بحرية الدين الذي يرتضيه. ~~إذن: فالإسلام لم يفرض بالسيف، وإلا فمن الذي فرض ms4270 الإسلام على الذين ~~سبقوا إليه حين كان ضعيفا لا يملك أن يحمي من دخل فيه؟! وما دام الجهاد ~~فريضة بهذا المعنى، فكل مسلم مكلف بأن يجاهد، إما فرض عين - إن غلب ~~المؤمنون على أمر مكروه، وإما فرض كفاية - إن قام به البعض سقط عن ~~الباقين. ولم يعذر الله من الجهاد إلا هذه الطوائف الضعفاء بشيخوخة أو ~~صغر، والمرضى أصحاب الداءات، والذين لا يجدون ما ينفقون، وهم قسمان: قسم ~~لا يجد ما ينفقه على نفسه، وقسم لا يجد ما ينفقه على الحرب، أي: لا يجد ~~أدوات القتال أو الراحلة التي يركبها. ورفع الحق سبحانه الحرج عن هؤلاء، ~~ووظفهم سبحانه في وظيفة إيمانية تخدم الجهاد بأن يكونوا في عون أهل ~~المجاهدين، ويقمعوا المرجفين الذين يريدون النيل من الروح المعنوية ~~للمسلمين، وأن يردوا عليها، ويخرسوا ألسنة السوء، هذا بالنسبة للذين لا ~~يجدون ما ينفقونه على أنفسهم خلال الجهاد من طعام وسلاح وغير ذلك. # أما الذي يجد ما ينفق، ولا يجد الوسيلة التي تنقله إلى ساحة القتال ~~فعليه أن يذهب إلى ولي الأمر ليسأله الراحلة، وكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم هو قائد الجهاد في حياته، فإن قال لأحد: ليس عندي ما أنقلك ~~عليه إلى مكان القتال. فهذا إذن بالقعود، لكنه إذن لا يكفي لرفع الحرج ~~عنه، بل يجب أن يعلن بوجدانه انفعاله في حب الجهاد، وحزنه على أنه لم يكن ~~مع الذين يجاهدون. ولذلك قال الحق: { تولوا وأعينهم تفيض ~~من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون } وكلمة " تفيض ~~أعينهم " توضح ما في قلب هؤلاء المؤمنين. والفيض دائما للدموع، والدموع ~~هي ماء حول العين يهيجه الحزن فينزل، فإذا اشتد الحزن ونفد الدمع وجمدت ~~العين عن البكاء يؤخذ من سائل آخر فيقال: " بكيت دما ". وأراد الحق ~~سبحانه وتعالى أن يبين لنا شدة حزن المؤمنين على حرمانهم من الجهاد، فلم ~~يقل سبحانه وتعالى: " فاضت دموعهم " ، ولم يقل: " بكوا دما بدل الدموع " ~~، وإنما قال: { وأعينهم تفيض } ، فكأن العين ليس فيها ماء، ~~ولا دم، ولم يعد إلا ms4271 أن تفيض العين على الخد، وذلك إظهار لشدة الحزن في ~~القلب، وهذا المجاهد لا لوم عليه ولا ذنب لأنه فعل ما في وسعه وما في ~~طاقته وعبر عن ذلك بحرقة مواجيده على أنه لم يكن من أهل الجهاد. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { إنما السبيل على... }. ### || [9.93] # هناك قال سبحانه: { ما على المحسنين من سبيل } الذين كانت ~~لهم أعذارهم في التخلف عن الجهاد، ولكن كانوا محسنين في تخلفهم هذا فقال ~~تعالى: { إذا نصحوا لله ورسوله }. إذن: فعلى من يكون ~~السبيل؟ وهنا تأتي إجابة الحق سبحانه: { إنما السبيل على ~~الذين يستأذنونك وهم أغنيآء }. أي: أن طريق الإثم ~~واللوم والتعنيف والتوبيخ إنما يتجه إلى هؤلاء الأغنياء الذين استأذنوا ~~في أن يقعدوا عن القتال، ونعلم أن الغني إذا أطلق ينصرف إلى غنى المال، ~~ولكن الغنى إذا جاء بالمعنى الخاص، يكون معناه ما يدل عليه النص. فالذي ~~لا يجد ما ينفقه أعفي. إذن: فمن يجد ما ينفقه فهو غني بطعامه. والضعيف ~~قد أعفي، إذن: فالقوي غني بقوته. والمريض أعفي، إذن: فالصحيح غني ~~بصحته، ومن لا يجد ما ينقله إلى مكان الجهاد قد أعفي، إذن: فمن يملك ~~راحلة فهو غني براحلته. وعلى ذلك لا تأخذ كلمة " الغنى " على المال فقط، ~~بل انظر إلى من تنطبق عليه شروط الجهاد؟ إذن: فاللوم والتوبيخ والتعنيف ~~والإثم على الأغنياء بهذه الأشياء، وطلبوا أن يقعدوا عن الجهاد. ولسائل ~~أن يقول: ولماذا يستأذنون وهم أغنياء؟ نقول: لأنهم منافقون، وقد وضعهم ~~نفاقهم في موضع الهوان، حتى قال الحق سبحانه وتعالى عنهم: { رضوا ~~بأن يكونوا مع الخوالف } ومن يرض أن يكون وضعه مع ~~الخوالف، فهو يتصف بدناءة النفس وانحطاط الهمة فهم رضوا أن يعاملوا ~~معاملة النساء، والخوالف - كما نعلم - جاءت على مراحل، فهم قالوا: # ذرنا نكن مع القاعدين # [التوبة: 86]. وقلنا من قبل: إن القعود مقابل للقيام، والقيام من صفات ~~الرجولة لأن الرجل قيم على أهله. والقعود للنساء، والخوالف ليست جمع ~~خالف، وإنما هي جمع " خالفة " ، ولا يجمع بها إلا النساء، وكذلك كلمة " ~~القواعد " يقول ms4272 سبحانه: # والقواعد من النسآء... # [النور: 60]. أي: أنهم ارتضوا لأنفسهم دناءة وخسة فتنازلوا عن مهام ~~الرجال، وارتضوا أن يكونوا مع النساء هربا من القتال، والشاعر يقول: # وما أدري ولست إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # أي: " القوم " في مقابل " النساء ". ثم يعلمنا الحق سبحانه وتعالى ~~بعقابهم، فيقول: { وطبع الله على قلوبهم فهم لا ~~يعلمون }. وفي الآية السابقة يقول سبحانه: # وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون... # [التوبة: 87]. ما الفرق بين النصين؟ إذا رأيت فعلا تكليفيا مبنيا ~~للمجهول، كقوله تعالى: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم... # [البقرة: 216]. وقوله سبحانه: # كتب عليكم الصيام... # [البقرة: 183]. قد يقول قائل: كان المفروض أن يقال: " كتب الله عليكم ~~القتال " و " كتب الله عليكم الصيام " ، لأنه صار أمرا لازما مفروضا، ~~فكان الأولى أن يقول: كتب الله، أي أن الذي يفرض هو الله. # رغم أن الحق سبحانه هو الذي يكلف، إلا أن كل التكليفات تأتي بصيغة ~~المبني للمجهول كقوله تعالى: # كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى... # [البقرة: 178]. وقوله سبحانه: # كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك ~~خيرا الوصية للوالدين والأقربين... # [البقرة: 180]. والسبب في ذلك أن الله سبحانه وتعالى لم يكلف كافرا بأي ~~تكليفات إيمانية فسبحانه لم يكلف بأي حكم من أحكام الإيمان إلا من آمن به ~~وأسلم له لذلك فعندما يخاطب سبحانه بالتكليف يقول: # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم... # [البقرة: 178]. ومن هذا نعلم أنه سبحانه لم يكتب فرضا أو مهمة على من ~~لم يؤمن، والإنسان يدخل في الإيمان باختياره، فإذا دخل في الإيمان كتب ~~الله عليه. إذن: فالإيمان هو مدخل الفريضة. وما دمت قد آمنت فقد ~~أصبحت طرفا فيما فرضه الحق سبحانه وتعالى عليك لأنك لو لم تؤمن فليست ~~عليك فرائض، إذن: فأنت الذي ألزمت نفسك بحكم الله لأنك آمنت به إلها ~~خالقا معبودا. وبإيمانك أنت فرض الله عليك، فأنت طرف في كل فريضة عليك. ~~ورغم أنه سبحانه وتعالى هو الذي فرض، فقد أحب فيك أنك دخلت في نطاق ~~التكليف بإيمانك فبنى الفعل ms4273 للمجهول. وإذا جئنا إلى قوله سبحانه وتعالى: ~~{ وطبع على قلوبهم } نجد أن الحق يلفتنا هنا إلى أن ~~المنافقين هم الذي جلبوا لأنفسهم هذا الطبع على القلوب لأنهم وضعوا في ~~قلوبهم الكفر، ثم أخذوا يتحدثون بألسنتهم عن الإيمان، ويحاولون خداع ~~المؤمنين، ويخادعون الله فأراد الله سبحانه وتعالى أن يوضح لهم: ما دمتم ~~قد اخترتم النفاق والكفر في قلوبكم فسنطبع على هذه القلوب، ونختم عليها ~~حتى لا يخرج الكفر منها ولا يدخل إليها الإيمان. فسبحانه وتعالى - إذن - ~~هو الذي طبع على قلوبهم، ولكن بعد أن ملأوا قلوبهم بالكفر ونافقوا، وهم ~~الذين تسببوا بهذا الطبع لأنفسهم، بعد أن بدأوا بالكفر، فطبع الحق سبحانه ~~وتعالى على قلوبهم بما فيها من مرض، ولو لم يبدأوا بالكفر لما طبع الله ~~على قلوبهم ولهذا جاء الفعل مبينا للمجهول، فهم مشتركون فيه. أما الآية ~~التي نحن بصددها فيقول تعالى: { وطبع الله على قلوبهم ~~فهم لا يعلمون } وساعة ينسب الطبع إلى الله يكون أقوى طبع ~~على القلوب، ويأتي الطبع من الله سبحانه وتعالى كحكم نهائي من أن الله ~~قضى عليهم به، فلا يخرج من قلوبهم ولو كان قدرا ضئيلا من النفاق، ولا ~~تغادر قلوبهم ذرة من كفر، ولا يتسرب إلى قلوبهم ذرة من إيمان لأنهم لا ~~يعلمون قدر الإيمان الحق، والإنسان قد لا يفهم شيئا، أي: لا يفقهه. ولكن ~~قد يفهمه غيره ويعلمه هو عنه. لذلك فنفي الفقه أو الفهم لا ينفي العلم، ~~ولكن حين ينفي العلم فهو ينفي الفهم عن الذات، وينفي الفهم عن الغير، ~~ولذلك حين يقال: { لا يفقهون } أي: لا يفهمون بذواتهم، ولكن قد ~~يتعلمون العلم من غيرهم. # أما إذا قلنا: { لا يعلمون } فالمقصود أنهم لا يفهمون ولا ~~يتعلمون. إذن: نفي العلم ينسب إلى طبع الله على قلوبهم، أما نفي الفقه ~~فينسب نسبة عامة للفعل المبني للمجهول. فعندما نفى الحق سبحانه وتعالى ~~الفقه عنهم بالفعل المبني للمجهول أوضح أنهم بنفاقهم لا يفقهون، ولكنه ~~سبحانه وتعالى لم ينف احتمال أن يعلموا من غيرهم في المستقبل. ولكن ~~عندما ms4274 قال الحق: { فهم لا يعلمون } قد نفى عنهم - أيضا - العلم ~~بذواتهم، وكذلك نفى قدرتهم على العلم من غيرهم، وهذه أقوى أثرا، وبذلك ~~يكون الطبع على قلوبهم أقوى لأنهم رفضوا العلم من ذواتهم ورفضوه من ~~غيرهم. ولذلك نجد { لا يفقهون } في موضع، ونجد { لا يعلمون } ~~في موضع آخر، وكل تناسب موقعها الذي قيلت فيه. ثم يقول سبحانه: { ~~يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم... }. ### || [9.94] # ومعنى " يعتذر " أي: يبدي عذرا عن شيء يخرجه من اللوم أو التوبيخ، ~~ويقال: " اعتذر فلان " أي: فعل شيئا مظنة أنه ذم، فيريد أن يعتذر عنه. ~~والحق هنا يقول: { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم ~~} وفي آية سابقة يقول مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم: # فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم... # [التوبة: 83]. وهكذا نلاحظ أنه سبحانه حين نسب الرجوع إلى الصحابة ~~والمجاهدين قال: { رجعتم } ، وعندما نسبه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: { فإن رجعك الله } مما يدلنا على أن زمام محمد ~~صلى الله عليه وسلم بيد ربه وحده، ولكن زمام أتباعه يكون باختيارهم. وهنا ~~يقول الحق: { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم } ~~ويأتي بعدها ذلك الرد الواضح على محاولة المنافقين في الاعتذار: { قل ~~لا تعتذروا } ، وفي هذا رد حاسم، فأنت حين يعتذر إليك إنسان فقد ~~تستمع لعذره ولكنك لا تقبله، ومجرد استماعك للعذر معناه أن هناك احتمالا ~~في أن يكون هذا العذر مقبولا أو مرفوضا، ولكن حين ترفض مجرد سماع ~~العذر، فمعنى ذلك ألا وجه للمعذرة. والحق سبحانه وتعالى يقول لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: { قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم } فكأنما ~~ساعة أقبل المنافقون على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وتهيأوا ~~للاعتذار وقبل أن ينطقوا بالعذر أوضح لهم الرسول عليه الصلاة والسلام: لا ~~تعتذروا، ورفض مجرد إبدائهم للعذر. ثم فاجأهم بالحكم في قوله تعالى: { ~~لن نؤمن لكم } ومادة " آمن " تدور حول عدة معان، نقول " آمن " ~~أي: اعتقد وصدق مثل قولنا: " آمن بالله " ، ويقال: " آمن بالشيء " أي: ~~صدقه، و " آمن بكذا " أي: صدق ما قيل. والحق هو ms4275 القائل: # فمآ آمن لموسى... # [يونس: 83]. وقال إخوة يوسف لأبيهم: # ومآ أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين # [يوسف: 17]. أي: لن تصدقنا. وآمن إذا تعدت بالباء فمعناها الاعتقاد، ~~وإن تعدت باللام فمعناها التصديق، وإن تعدت بغير الباء وغير اللام ~~فمعناها إعطاء الأمان، مثل قوله تعالى: # فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4]. وتجيء أيضا " آمن " و " أمن " بمعنى الائتمان، مثل قول ~~الحق سبحانه وتعالى على لسان يعقوب: # هل آمنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه من ~~قبل... # [يوسف: 64]. إذن: ف " آمن " إن تعدت بالباء فيكون معناها الاعتقاد ~~الإيماني، وإن تعدت باللام فمعناها التصديق، وإن تعدت بنفسها إلى ~~الفعل فهي إعطاء الأمان والسلام والاطمئنان، وإن تعدت بالمفعول أيضا ~~فمعناها القدرة على أداء الأمانات، مصداقا لقوله الحق: # ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك ~~إلا ما دمت عليه قآئما... # [آل عمران: 75]. وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم } أي: لن نصدقكم. فقد جاء ~~المنافقون ليعتذروا بأعذار كاذبة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يرفض مجرد سماع الاعتذار، وأعلن لهم: لن نصدقكم. ولو امتلك المنافقون ذرة ~~من ذكاء لفهموا أن رب محمد عليه الصلاة والسلام قد أخبره بكل شيء حتى بما ~~في قلوبهم قبل أن ينطقوه، ولو امتلكوا ذرة من فطنة لرجعوا عن نفاقهم، ~~ولدخلوا في الإيمان، ولكنهم لم يستوعبوا الدرس، فجاء الحق سبحانه وتعالى ~~بالأمر واضحا في قوله سبحانه: { قد نبأنا الله من ~~أخباركم } فكأن المسألة ليست فراسة استنتاج، ولكنها وحي من الله. ~~ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { وسيرى الله عملكم ورسوله ~~}. ما هو العمل الذي سيراه الله سبحانه وتعالى ورسوله، بعد أن رفض رسول ~~الله عذرهم، وأخبرهم بأن الله قد أخبره بما يخفونه من كذب في صدورهم؟ ~~فسبحانه العالم بالسرائر كلها، لقد شاء سبحانه ألا يغلق أمامهم باب ~~المرجع إليه، وكان يجب من بعد ذلك أن يرتدعوا وأن يتيقنوا أن رب محمد صلى ~~الله عليه وسلم لا ms4276 تخفى عليه حتى نواياهم. وما دمتم قد علمتم صدق محمد ~~صلى الله عليه وسلم في كل ما أبلغكم به، أصبح عليكم - إذن - أن ترجعوا ~~وتخرجوا من دائرة النفاق لتدخلوا حظيرة الإيمان وتراكم الدنيا من بعد ذلك ~~وقد اختلفت أعمالكم من النفاق إلى الإيمان، أما إن أصررتم على ما أنتم ~~فيه فمعنى ذلك أنكم لم تستفيدوا من العملية الإعجازية التي أنبأ الله ~~فيها رسوله بكذبكم. إذن: فقد فتح الله باب التوبة أمامكم رحمة منه ~~سبحانه، فانتهزوا هذه الفرصة لأنه سبحانه سيرى أعمالكم في المستقبل، وعلى ~~أساس هذه الرؤية يرتب لكم الجزاء على ما يكون منكم. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه: { ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون } [التوبة: 94]. وما دام ~~سبحانه عالم الغيب، فمن باب أولى أنه عليم بعالم الشهادة. والغيب - كما ~~نعرف - هو ما غاب عنك، فلم تعرف عنه شيئا. ولكن إن غاب عنك ولم يغب ~~عن غيرك فهو غيب نسبي لأن هناك حجبا منعت عنك العلم، والمثال: إن ~~سرق منك شيء فأنت لا تعرف السارق ولكن السارق نفسه يعرف، ومن شاركه ~~يعرف. والذي أخفى السارق عنده المسروقات يعرف. والذي ابتاع المسروقات ~~يعرف. إذن: فهو غيب عنك وليس غيبا على غيرك. أما الغيب المطلق فهو ما ~~غاب عنك وعن غيرك، وهناك من يلجأ إلى الدجالين ممن يدعون قراءة الأفكار، ~~ويسمونهم المنومين المغناطيسيين، ويطلب المنوم من أي واحد أن يخرج ما ~~في جيبه من نقود وأن يقوم بعدها، ثم يخبره بعددها، وإن أردت أن تكشف ~~ألاعيبه ضع يدك في جيبك وأخرج كمية من النقود لا تعرف أنت مقدارها، ~~واسأله عن هذا المقدار فلن يعرف، لماذا؟ لأنك نقلت المسألة من غيب قد ~~يعرفه غيرك إلى غيب مطلق. # إذن: فالغيب المطلق هو ما غاب عنك عن غيرك، وهو أيضا ما لا تكون له ~~مقدمات توصلك إليه، فأنت إذا أعطيت ابنك تمرينا هندسيا ليحله فالحل ~~غيب عنه ساعة يقرأ المسألة، ثم يستخدم المقدمات والنظريات حتى يصل إلى ~~الحل، فكأن هناك أشياء لها ms4277 مقدمات توصل إلى النتائج، وهذه ليست غيبا ~~لذلك لا يقال لمن اكتشف الكهرباء والذي اكتشف تفتيت الذرة أنهما علما ~~الغيب. فقد كانت هناك مقدمات في الكون أوصلتهما إلى كشف بعض القوانين ~~الموجودة بالفعل، لكننا لم نكن نعرفها. وفي بعض التدريبات، نجد من يضع ~~المسألة المطلوب حلها، ويضع النتيجة الأخيرة بجانبها لأنه لا يهدف إلى ~~معرفة النتيجة، ولكنه يهدف لتعليم التلميذ كيف يصل إلى أسلوب الحل ~~الصحيح. ولذلك إذا أردت أن تحل شيئا في الهندسة مثلا، فلا بد لك من ~~معطيات توصلك إلى الحل كأن يطلب منك - مثلا - إثبات أن الخطين ~~متوازيان، وفي هذه الحالة يجب أن تكون كل زاويتين متناظرتين متساويتين، ~~وكل زاويتين متبادلتين متساويتين. إذن: فانت قد أخذت مقدمات أو معطيات ~~أوصلتك إلى النتيجة، وكذلك في تساوي ضلعي المثلث أو أضلاعه يكون إثباته ~~بتساوي الزوايا. فهل في هذه الحالة يقال: إنك اهتديت إلى الغيب؟ أم أنك ~~استخدمت مقدمات أوصلتك إلى نتائج؟ وأنت حين تبرهن على صحة النظرية ~~المباشرة، تقول: إن هذا يساوي هذا حسب النظرية رقم تسعة مثلا، وإن هذا ~~مقابل لهذا حسب النظرية الجديدة، وإذا وصلت في براهينك إلى نظرية رقم ~~واحد فهي النظرية التي لا مقدمات لها، ولا بد أن تكون بديهية. وهكذا نجد ~~أن كل علم في هذا الكون بني على نظريات أو مقدمات بديهية، ثم تطورت بعد ~~ذلك إلى اكتشاف ما أودعه الله في كونه من أسرار. أما الحق سبحانه وتعالى ~~فهو يقول عن نفسه: { عالم الغيب والشهادة } أي أنه سبحانه ~~عالم بالغيب المطلق، الذي لا توجد له مقدمات توصلنا إليه ولذلك لا نستطيع ~~أن نعرف الغيب المطلق لأنه ليس معروفا عند البعض، ومجهولا عند غيرهم، ~~وليس له مقدمات توصلنا إليه لأنه الغيب الذي ينفرد به الحق عز وجل. ~~ونجد الحق سبحانه يقول: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول... # [الجن: 26-27]. فسبحانه عالم الغيب المطلق، وهو يختلف عن الغيب المستور ~~عن البعض، ويقول الحق عن مواعيد الكشف عن أسرار ms4278 الغيب المستور: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء... # [البقرة: 255]. وحين يشاء الله أن يكشف عن بعض أسرار الغيب فهو يحدد ~~الوقت الذي يشاؤه لذلك، وكل شيء في الكون له ميعاد ميلاد مثل: الكهرباء، ~~والذرة، والوصول إلى القمر، وغزو الفضاء، وهذه كلها أشياء لها مواعيد ~~ميلاد. # ويبحث العلماء عنها باستخدام المقدمات. ولكنهم لا يصلون إلى سر ميلاد أي ~~اكتشاف إلا بإذن الله حين يلفتهم إلى هذا السر إما بالبحث العلمي، وإما ~~أن يتم معرفته صدفة. وهكذا نجد أن البشر يحاطون علما بهذه الأسرار ~~بعد مقدمات وبإذن من الله. وما دام الحق سبحانه هو عالم الغيب فيكون ~~سبحانه عالما بالشهادة من باب أولى، وقد يظن ظان أنه إن جلس في مكان ~~معزول مستور ويفعل ما يريد، فلن يشهده الله لأنه قد يفعل ما يريد دون أن ~~يراه أحد، لكن ذلك غير حقيقي لأن الحق سبحانه عالم الغيب والشهادة، فلا ~~يوجد مستور عنه في هذا الكون، فلا الغيب يغيب عن علمه، ولا العالم ~~المشهود يغيب عن علمه. وما دام قد جاء الحق هنا بقوله: { عالم ~~الغيب والشهادة } فلا بد أن يأتي من بعدها { ينبئكم ~~بما كنتم تعملون } أي: يخبركم مقدما بجزاء ما ستفعلونه من خير ~~أو شر حتى لا يقول أحد: إنه لم يكن يعرف، أو أنه لو علم أن فعله يؤدي إلى ~~الشر لما فعل وحتى يكون كل إنسان شهيدا على نفسه لأن الله أبلغه ~~بالجزاء، فيكون الجزاء عدلا لا ظلما. ولذلك يقول الحق سبحانه: # كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. فأنت الذي تحكم على نفسك. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~سيحلفون بالله لكم... }. ### || [9.95] # وكلمة { سيحلفون } فيها سر إعجازي من الله لأن حرف " السين " هنا ~~تدلنا على أنهم لم يحلفوا بعد، أي أن الآية نزلت وقرئت وسمعها المؤمنون ~~والمنافقون قبل أن يحلف المنافقون، وآيات القرآن تتلى وتقرأ في ~~الصلاة، ولا تتغير ولا تتبدل إلى يوم القيامة. ولو كان للمنافقين قدرة ~~على التدبر لما جاءوا وحلفوا. ولقالوا: إن رسول الله صلى ms4279 الله عليه وسلم ~~قال في قرآن يوحى إليه: إننا سنأتي ونحلف، ونحن لن نأتي ولن نحلف ولكن ~~لأن الله هو القائل وهو الخالق وهو الفاعل، فقد شاء أن تغيب الفطنة عن ~~أذهانهم، مثلما قال سبحانه من قبل: # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن ~~قبلتهم... # [البقرة: 142]. وهم قد قالوا ذلك بعد نزول الآية. والحق سبحانه وتعالى ~~يقول هنا: { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم ~~إليهم } والانقلاب معناه التحول من حال إلى حال. ومعنى الانقلاب في ~~هذه الآية مقصود به العودة إلى المدينة مقر السلام والأمن بعد الحرب، ~~فكأن الاعتدال في القتال والانقلاب في العودة إلى المدينة. ولكن لماذا ~~سيحلف المنافقون بالله للمؤمنين؟ يقول الحق سبحانه: { لتعرضوا ~~عنهم } أي: لتعرضوا عن توبيخهم ولومهم وتعنيفهم لأنهم لم يجاهدوا ~~معكم. فقال الحق: { فأعرضوا عنهم } أي أعطوهم مطلوبهم من ~~الإعراض ولكنه لون آخر من الإعراض، فلا تلوموهم ولا توبخوهم ولا تؤثموهم، ~~بل أعرضوا عنهم إعراض احتقار وإهانة، لا إعراض صفح ومغفرة جزاء لهم على ~~ما فعلوا لأن التأنيب والتوبيخ هما من ألوان الجزاء على المخالفة، ولكنه ~~قد يحمل الأمل في المخالف ليعود إلى الصواب. فأنت إن لم يذهب ابنك إلى ~~المدرسة مثلا توبخه وتعنفه، وأنت تفعل ذلك لأنك تأمل في أن ينصلح ~~حاله، ولكن إذا استمر على مثل هذه الحال فأنت تهمله، والإهمال دليل على ~~أنك فقدت الأمل في إصلاحه. كذلك كان الأمر بالنسبة للمنافقين، لو أن ~~التوبيخ والإهانة كانت ستجعلهم يفيقون ويعودون إلى حظيرة الإيمان، فهذا ~~دليل على أن هناك أملا في الإصلاح، وهم لن ينصلح حالهم، وهم في ذلك ~~يختلفون عن المؤمنين، فالمؤمن إن ارتكب إثما فهو يستحق العتاب والتوبيخ ~~من إخوته في الإيمان، وفي هذا إيلام له. والمؤمن عرضة أن تصيبه غفلة ~~فيرتكب إثما، فإذا حدث بعد هذا الإثم إيلام له من نفسه، أو بواسطة ~~إخوانه المؤمنين، فهو يفيق ويشعر بالذنب، وشعوره بالذنب وصول به إلى ~~التوبة. أما هؤلاء المنافقون فلا ينفع معهم التوبيخ أو الإيلام النفسي ~~لأنهم لن يعودوا أبدا إلى ms4280 حظيرة الإيمان، ولذلك جاء الأمر: فأعرضوا عنهم ~~لأنهم لا يستحقون - حتى - اللوم، فالتوبيخ جزاء على ذنب قد يقلع عنه من ~~ارتكبه. ولكن هؤلاء لا أمل فيهم، والعلة يأتي بها القرآن: { إنهم ~~رجس ومأواهم جهنم جزآء بما كانوا يكسبون } ~~والرجس يطلق على معان متعددة، وقوله: { إنهم رجس } أي: هم ~~الخباثة بذاتها، ويقول العلماء: أي أن فيهم خبثا وقذارة. # وأقول: إن الرجس هو القذارة نفسها، فلا نقول: إنهم قذرون لأننا إن قلنا ~~ذلك فالمعنى يفيد أنهم طهر أصابهم قذر، وهم ليسوا كذلك، إنهم " قذر " ~~في حد ذواتهم، ولا يطهرهم شيء لأن الذي يخرج من القذارة يكون مثلها فهم ~~خباثة لا يطهرها لوم أو توبيخ. وأطلق الرجس هنا مثلما قال الحق: # إنما المشركون نجس... # [التوبة: 28]. ولم يقل: " نجسون " بل هم أنفسهم نجس. والرجس يطلق أيضا ~~على الشيء القذر حسيا مثل الميتة، والحق سبحانه يقول: # قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو ~~لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله ~~به... # [الأنعام: 145]. إذن: فالميتة قذارة حسية، كذلك الخمر التي يقول فيها ~~الحق: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان... # [المائدة: 90]. فالخمر نفسها رجس، أي: قذارة حسية، وعطف عليها الحق - ~~سبحانه - الميسر والأنصاب، والأزلام وأخذوا حكم الخمر، وهكذا نفهم أن ~~الخمر رجس حسي، بينما الأنصاب والأزلام والميسر رجس معنوي. وهناك أيضا ~~الرجز، ويطلق على وسوسة الشيطان، فالحق يقول: # إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم ~~من السمآء مآء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز ~~الشيطان... # [الأنفال: 11]. إذن: فالرجس له متعلقات معناه هنا الكفر، والكافر هو ~~قذارة في حد ذاته لا أنه إنسان أصابته قذارة. ويقول الحق: { ~~فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم ~~جزآء بما كانوا يكسبون } والمأوى: هو المكان الذي يؤويك من ~~شر يلحقك، ويقال: " آوى إلى كذا " أي: هرب من شر يراد به، فإذا كان ~~المأوى الذي يفزعون إليه هو جهنم، فمعنى ذلك أنهم بحثوا عن منفذ فلم ~~يجدوا منفذا ms4281 إلا أن يدخلوا جهنم، وهي بطبيعة الحال بئس المصير. وهل ذلك ~~افتئات عليهم أم جزاء؟ يقول الحق: { جزآء بما كانوا يكسبون ~~} ونعرف أن الحسنة يقال عنها: " كسب " ، والسيئة يقال عنها " اكتسب " ، ~~والحق هو القائل: # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت... # [البقرة: 286]. وذلك لأن عمل الحرام المخالف لمنهج الله لا بد أن يشوبه ~~الافتعال، أما عمل الحلال فهو أمر فطري لا يكلف النفس مشقة، ولا تتنازع ~~فيه ملكات، لكن بعض الناس الذين يعملون السيئات يألفونها إلفا بحيث ~~تصبح سهلة فلا تكلفهم شيئا، ويعتبر الواحد منهم السيئة كسبا، كأن تأتي ~~لإنسان، فيحدثك بمغامراته في الخارج، ويروي عن رحلاته في باريس ولندن، ~~وما فعل فيهما من منكرات. هو يظن أنه يحكي عن مكاسب، ولا يعلم أنه يحكي ~~عن مصائب وقع فيها باختياره. مثل هذا الإنسان يفعل السيئة، وهو معتاد ~~عليها فتصير كسبا. وهو عكس إنسان آخر وقعت عليه المعصية فيظل يبكي ~~ويبكي ويبكي، ويندم، وقد يضرب نفسه كلما تذكر المعصية، ويندم عليها. ~~فالأول فرح بخطاياه ومعاصيه واعتبرها كسبا وصارت له دربة وله رياضة ~~وله إلف بتلك المعاصي. وهنا يقول الحق سبحانه: { يحلفون لكم ~~لترضوا عنهم... }. ### || [9.96] # والرضا هو اطمئنان القلب إلى أمر فيه نفع فحين أقول: أنا راض بالشيء ~~الفلاني، فمعنى هذا أن كمية النفع التي آخذها منه تكفيني. ومرحلة الإرضاء ~~تختلف من إنسان إلى آخر، فقد ترضى أنت بنفع ما، وعند غيرك ما هو أحسن منه ~~لكنه غير راض، ويتميز المؤمن بأن كل ما يجري عليه من غير كسب منه، لا بد ~~أن يرضى به لأن مجريه رحيم. وقد تكون الرحمة لأمر لا يعلمه المؤمن الآن ~~فقد يضن عليه بمال لأنه سبحانه لو زوده بالمال فقد يبعثره على ~~أولاده، ويصبح المال وسيلة انحرافهم، فالحق سبحانه يعطيه المال بقدر ما ~~يطعم أولاده إلى أن يمر أبناؤه من فترة المراهقة، ثم ينعم ربنا عليه ~~بالمال بعد أن وصل الأبناء إلى النضج، وضن الحق على العبد أحيانا هو ~~عين العطاء، ولذلك يقال: " إذا لم يكن ms4282 ما تريد، فلترد ما يكون ". ~~ولماذا يحلف المنافقون؟ وتأتي الإجابة من الحق: { لترضوا عنهم ~~} وماذا يحقق رضا المؤمنين لهؤلاء المنافقين؟ ثم هل للمؤمن رضاء من خلف ~~رضاء رسول الله؟ وهل لرسول الله رضا من خلف رضاء ربه؟ إن ما يفرح هو رضا ~~من يملك النفع، فأنتم حين ترضون عنهم بعد أن يحلفوا لكم، وتقتنعوا ~~ببشريتكم فترضوا عنهم، فليس لكم رضا ينفعهم، ولا لرسول الله رضا من وراء ~~رضا ربه، فالرضا الحق هنا هو رضا الله، فإياكم أن يخدعوكم بمعسول الكلام، ~~وزيف الأساليب كي ترضوا عنهم. ثم يقول الحق: { فإن ترضوا عنهم ~~}. أي: إن تحقق هذا الرضا منكم عنهم، فهو رضا بعيد عن رضا الله ورسوله، ~~وليس من باطن رضا رسول الله، ولا من باطن رضا الله لذلك ينهي الحق ~~الآية بقوله: { فإن الله لا يرضى عن القوم ~~الفاسقين } وإن لم يرض الله فرضاكم لن ينفعكم، وطلبهم الرضا منكم ~~غباء منهم، فإن رضاكم عنهم لن يقدم، ولن يؤخر إلا إن كان من باطن رضا ~~الله، ورضا رسوله. وهنا ملحظ: هم فاسقون أم كافرون؟ نقول: إن الحق سبحانه ~~أوضح لنا: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار... # [النساء: 145]. أي أن مكان المنافق في النار أسفل من مكان الكافر. وكيف ~~يكون المنافق فاسقا مع أن المؤمن قد يكون فاسقا؟ فالمؤمن قد يفسق بأن ~~يرتكب كبيرة من الكبائر، وسبحانه يقول: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزآء بما ~~كسبا نكالا من الله... # [المائدة: 38]. فالمؤمن قد يسرق، وقد يزني أيضا. فسبحانه يقول: # الزانية والزاني... # [النور: 2]. وما دام سبحانه قد جرم الفعل، ووضع له عقوبة فمن الممكن أن ~~يرتكبه المؤمن، ولكن علينا أن نفرق بين الفاسق والعاصي، فمن يرتكب ~~الكبائر فهو فاسق، ومن يرتكب الصغائر فهو عاص. فكيف يصف الله المنافقين ~~بالفسق؟ ولنذكر ما نقوله دائما من أن الكفر، إنما هو كفر بمحمد ~~وبالإسلام، والفسق إذا جاء مع الكفر فهو ليس فسق ارتكاب المعصية والإنسان ~~على دين الإسلام، لكنه الخروج عن الطاعة حتى في الأديان التي يتبعها أي ms4283 ~~قوم، فالأديان كلها تضم قدرا من القيم، وأتباعها محاسبون على القيم التي ~~في أديانهم، لكنهم أيضا يفسقون عنها. ويقول الحق بعد ذلك: { الأعراب ~~أشد كفرا... }. ### || [9.97] # وقد تكلم الحق من قبل في المنافقين من غير الأعراب، وهم العرب الذين نزل ~~لهم وللناس كافة منهج الله، وهنا يتكلم سبحانه عن الأعراب، فما الفرق بين ~~العرب والأعراب؟ العرب هم سكان القرى المتوطنون في أماكن، يذهبون منها أو ~~فيها إلى مصالحهم ويأوون إليها وهذه مظهرها البيوت الثابتة، والتأهيل ~~المستقر، لكن الأعراب هم سكان البوادي، وليس لهم استقرار في مكان، إنما ~~يتتبعون مواضع الكلأ وليس لهم توطن، ولا أنس لهم بمقام ولا بمكان. ~~ومعنى ذلك أن كلا منهم ليس له سياسة عامة تحكمه في تلك البادية، وكل ~~واحد منهم - كما يقال - صوته من دماغه، أو من دماغ رئيس القبيلة، وما ~~داموا بهذا الشكل، وليس عندهم توطن يوحي بالمعاشرة التي تقتضي لين الجانب ~~وحسن التعامل لذلك يقال عن كل واحد منهم " مستوحش " أي: ليس له ألفة ~~بمكان أو جيران أو قانون عام. أما الذي يحيا في القرية ويتوطنها فله ~~جيران، وله قانون يحكمه، وله إلف بالمكان، وإلف بالمكين، ويتعاون مع ~~غيره، ويتطبع بسكان القرية ويألفهم ويألفونه ومع الإلف والائتلاف يكون ~~اللين في التعامل، عكس من يحيا في البادية، فهو يمتلئ بالقسوة، والفظاظة، ~~والشراسة لأن بيئته نضحت عليه والوحدة عزلته. فإذا سمعت " أعراب " فاعلم ~~أنهم سكان البادية المشهورون بالغلظة لأنه لا يوجد لهم تجمع يوحي لهم ~~بلطف سلوك، وأدب تعامل، وكلمة " الأعراب " مفردها " أعرابي ". وهناك ~~أشياء الفرق بين مفردها وجمعها التاء، مثل " عنب " و " عنبة " هي المفرد، ~~وقد يفرق بين الجمع والمفرد " ياء " مثل " روم " والمفرد " رومي ". ف " ~~أعراب " - إذن - هي جمع " أعرابي " وليس جمع عرب. وهؤلاء مقسومون قسمين: ~~قسم له إلف بالحضر لأن كل أهل حضر قد يكون لهم بادية يلجأون إليها، أي أن ~~الأعرابي حين يذهب إلى البادية فهو ينزل ضيفا عليهم، ويسمون " المعارف " ~~، وكل واحد في البادية قد يكون له واحد في الحضر، ms4284 إذا اضطر للذهاب ~~للمدينة أو للقرية فهو ينزل عنده. وهناك قسم آخر لا بادية لهم ولا حاضرة. ~~وبعد أن تكلم الحق عن العرب ونفاقهم، يتكلم هنا عن الأعراب فيقول: { ~~الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا ~~حدود مآ أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم ~~} ولماذا هم أشد كفرا ونفاقا؟ لأنهم بعيدون عن مواطن العلم والدعوة، ~~وعندهم غلظة، وعندهم جفاء، وقوله سبحانه: { وأجدر ألا ~~يعلموا حدود مآ أنزل الله على رسوله } يعني: أحق ~~ألا يعلموا حدود ما أنزل الله لأن عرفان حدود ما أنزل الله من الأوامر ~~والنواهي، والحلال والحرام، يأتي من التواصل مع العلم، وهذا لا يتأتى ~~بالتنقل من مكان إلى آخر، بل لا بد من الاستقرار. # والعلم - كما نعرف - ألا تغيب عن العالم قضية من قضايا الكون وكل واحد ~~منا يعلم علما على قدر تجربته ومراسه في الحياة، وعلى قدر جلوسه إلى ~~العلماء، لكن الله وحده يعلم علم الجميع. والعلم عند البشر قد يوظف، وقد ~~لا يوظف، وكثير من الناس عندهم العلم لكنهم لا يوظفونه، ومن لا ~~يوظف علمه يصير علمه حجة عليه. أما من يوظف علمه، ويضع الأمر في ~~محله، والنهي في محله، والحلال في محله، والحرام في محله، والمشتبه يضع ~~له حكما مناسبا، فهو يوصف بالحكيم لأنه وضع كل شيء في محله. فإذا شرع ~~الله أمرا، فسبحانه قد شرع عن " علم " وعن " حكمة " ، وما دام قد شرع ~~يجب ألا نخالفه لأن كل تشريع ينزله الله على رسوله إنما هو لتنظيم حركة ~~الحياة لأنه سبحانه هو الذي خلق الحياة وخلق كل المخلوقات، وإياك أن تدس ~~أنت أنفك فتشرع ما يغضب الحق لأن فساد الكون كله قد جاء من الذين ~~أرادوا أن يقننوا للخلق، رغم أنهم لم يخلقوهم. ونقول لهم: دعوا ~~التقنين للخلق لمن خلق الخلق، فهو الصانع العالم بحدود ما صنع ووضع ~~قوانين صيانة ما خلق، وهو سبحانه الذي يمكنه أن يصلحها إن أصابها عطب أو ~~فساد. ومن هؤلاء الأعراب - الذين هم أشد كفرا ونفاقا، وأجدر ألا ms4285 يعلموا ~~حدود ما أنزل الله على رسوله - قوم آخرون يقول عنهم الحق: { ومن ~~الأعراب من يتخذ... }. ### || [9.98] # وعلى سبيل المثال: إذا ذهب إليهم داعية من الدعاة، وقال لهم فكرة عن ~~الإسلام. فالواحد من هؤلاء الأعراب يدعي في ظاهر الأمر أنه يتبع ~~الإسلام، وإن علم أن في الإسلام زكاة فهو يعطي عامل الزكاة النصاب ~~المقرر عليه، ويعتبر ما دفعه " مغرما " أي غرامة لأنه أعطى النصاب وهو ~~كاره. وما دمت كارها فأنت لا تؤمن بحكمته، وتظن أن ما دفعته مأخوذ ~~منك. وتقول: " أخذوا عرقي " و " أخذوا ناتج حركتي " وأعطوه لمن لم يعرق ~~ولم يتحرك في الحياة، متناسيا أن هذا الأخذ هو تأمين لحياتك لأنك حين ~~تعجز ستجد من يعطيك، والإسلام يأخذ منك وأنت قادر، ويعطيك إذا عجزت، وفي ~~هذا تأمين لحياتك. وأنت تعلم أن الأشياء أعراض في الكون القوة عرض، ~~والمرض عرض، والصحة عرض، والعجز عرض، وأنت عرضة إن كنت قادرا أن تصير ~~عاجزا، وإن كنت صحيح الجسد فأنت عرضة لأن تمرض، فإذا ما طمأنك المشرع ~~على أن أخاك العاجز حين عجز أخذنا منك له حين قدرت وبذلك تواجه أنت ~~الحياة برصيد قوي من الإيمان والشجاعة، ويبين الحق لك أنك لا تعيش وحدك، ~~ولكنك تعيش في مجتمع متكافل، إن أصابك شيء من عجز، فقدرة الباقي هي ~~المرجع لك. وكان الواحد من هؤلاء الأعراب يؤدي نصاب الزكاة وهو كاره ~~ويعتبرها مغرما، ومنهم من كان يتمنى أن تصيب المسلمين كارثة حتى لا ~~يأخذوا منه الزكاة، وهكذا كان الواحد منهم يتربص بالمسلمين الدوائر، ~~مصداقا لقول الحق: { ويتربص بكم الدوائر }. أي يتمنى ~~وينتظر أن يصيب المسلمين كارثة فلا يأخذوا منه الزكاة التي اعتبرها ~~مغرما. ولماذا قال الحق: { الدوائر }؟ نعلم أن الخطب الشديد حين ~~يصيب الإنسان أو القوم إن كان فظيعا وقويا يقال: " دارت عليهم الدوائر ~~". أي أن المصيبة أحاطت بهم فلا منفذ لهم يخرجون منه، وكان بعض من ~~الأعراب يتربصون بالمسلمين الدوائر لأنهم كارهون لدفع الزكاة ويظنون أنها ~~غرامة، ولا يستوعبون أن الزكاة تكتب في الميزان، ms4286 وأنها تطهير ونماء ~~للمال، وأنها حمل لعجز العاجز، إن عجز الواحد منهم فسوف يجد من يحمله. ~~والذي يتربص بكم الدوائر، ولا يفطن إلى حكمة الأخذ منه، هو الذي تأتي ~~عليه دائرة السوء مصداقا لقوله الحق: { عليهم دآئرة السوء ~~والله سميع عليم } لأن أيا منهم لم يفطن وينتبه لقيمة الوجود ~~في المجتمع الإيماني الذي يعطي له الزكاة إن عجز، فإن تربصت الدائرة بمن ~~يأخذ منك، ولم تفطن إلى أن من يأخذ منك يصح أن يأخذ من الغير لك فسوف ~~تأتي الدائرة عليك. وقوله الحق: { عليهم دآئرة السوء } تبدو ~~كأنها دعوة، ومن الذي يدعو؟ إنه الله. # وهناك فرق بين أن يدعو غير قادر، وبين أن يدعو قادرا. إن كان ربنا هو ~~من يقول: { عليهم دآئرة السوء } ، فدائرة السوء قادمة لهم ~~لا محالة. وينهي الحق الآية: { والله سميع عليم } ، فسبحانه ~~يسمع كلماتهم حين يأتي عامل الزكاة ليأخذ نصاب الزكاة، وكيف كانوا ~~يستقبلونه بما يكره، وقد يكرهون في طي نفوسهم ولا يتكلمون، فإن تكلموا ~~فالله سميع، وإن لم يتكلموا، وكتموا الكراهية في قلوبهم، فالله عليم، ~~إذن: فهم محاصرون بعلم الله وسمعه. وبعد ذلك جاء الحق سبحانه للصنف ~~الثاني، وهم من لهم قليل من الإلف، فإن كان من أهل البادية فله أهل من ~~الحضر، أو كان من الحضر فله أهل من البادية فيقول سبحانه: { ومن ~~الأعراب من يؤمن... }. ### || [9.99] # ومن هؤلاء من يؤمن بالله، ويؤمن باليوم الآخر، وما ينفقه من زكاة أو ~~صدقة فهو يتخذه قربى إلى الله الذي آمن به، وكنزا له في اليوم الآخر، و ~~" قربى ": أي: شيء يقربه إلى الله يدخره له في اليوم الآخر، وقوله الحق: ~~{ وصلوات الرسول } أي: يجعل ما ينفق قربة إلى الله وكذلك طلبا ~~لدعاء الرسول لأن الصلاة في الأصل هي الدعاء، فساعة يصل إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نفقة للمسلمين الضعاف ممن يعتبرها قربة، فهو صلى الله ~~عليه وسلم يدعو له. وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " اللهم اغفر لآل أبي أوفى، وبارك لهم " # وقد ms4287 دعا بذلك حين جاء له ما تزكى وتصدق به بنو أبي أوفى، ودعوة الرسول ~~مجابة إلا ما قال الله إنه سبحانه لا يجيبه لحكمة. ولقائل أن يقول ألا ~~يعلم من يقدم الزكاة والصدقة قربى، أنه سبحانه غير مستفيد من هذا العمل؟ ~~ألا يعلم أنها قربى له شخصيا؟ نعم إنه يعلم، ويعلم أن الله يثيبه على ~~أمر ينتفع به الفقراء، وفي هذه إشارة إلى أن كل تكليف من الله إنما يعود ~~نفعه إلى المكلف لا إلى المكلف. وما دام العائد إلى المكلف فالله ~~يدعو لصالح ذاتك وإلى خير لك. ومن اعتبرها قربى إلى الله يأت لهم القول ~~الحق: { ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في ~~رحمته } وقد قال ذلك للأعراب الذين أنفقوا قربى لله، وطمعا في ~~دعوات الرسول صلى الله عليه وسلم، فأوضح لهم سبحانه أنها قربى لهم لأنهم ~~المنتفعون بها، وأنه سيدخلهم في رحمته. ورحمة الله هي نعيم مقيم، وهي ~~دائمة وباقية ببقاء الله الذي لا يحد، أما الجنة فباقية وخالدة. ~~بإبقاء الله لها. إذن: فدخولك في رحمة الله أعلى من دخولك جنته. فحين ~~يقال: " دخل في الرحمة " فمعنى ذلك أن الرحمة ستظله إلى ما لا نهاية. ~~وحينما يسمع أي أعرابي قول الحق: { ومن الأعراب من يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند ~~الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم ~~سيدخلهم الله في رحمته } فعندما سمع الأعرابي هذه الآية ~~جلس يحدث نفسه بالعطاءات الإلهية. فيكبح جماح خطرات السوء في نفسه، أو ~~بالزلات أو بالهفوات التي قد ينطق بها، وقد يقول الأعرابي لنفسه: إني ~~أخاف ألا يغفر الله الخطرات أو السيئات والهفوات، فتأتي الآية مطمئنة له ~~ما دام قد فعل السيئة بغفلة أو بسهو، وعليه أن يعلم أن الله غفور رحيم، ~~ولا داعي أن يعكر على نفسه بالظن بأنه لن يدخل في رحمة الله. لذلك جاء ~~سبحانه بالقول: { إن الله غفور رحيم } لعل واحدا ممن يسمع ~~هذا يظن أن الجزاء والقربى والدخول في رحمة الله خاص بمن لم يذنب ms4288 ذنبا ~~أبدا، فيوضح له القول: اطمئن. إن كانت قد حصلت منك هفوة أو غفلة، فاعلم ~~أن الله غفور رحيم، فلا يعكر عليك ذنبك إيمانك بأنك سوف تدخل في رحمة ~~الله. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { والسابقون الأولون... }. ### || [9.100] # و " السابق " هو الذي حصل منه الفعل - بصدد ما هو فيه - قبل غيره، وكلنا ~~والحمد لله مؤمنون، ومن آمنوا أولا، ومن آمنوا بعد ذلك كلهم مؤمنون، ~~لكن هناك أناس سبقوا إلى الإيمان، فهل كان سبقهم سبق زمان أم سبق اتباع؟ ~~إن سبق الزمان يتحدد في الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن ~~ظن ظان أن المقصود بالسابقين هم الذين سبقونا سبق زمان، فقد يقول منا ~~قائل: وما ذنبنا نحن وقد جئنا بعد زمانهم؟ ولذلك نقول: إنما السبق يعتبر ~~من معاصر، أي: كان معهم أناس غيرهم وهم سبقوهم ولذلك جاء القول: { من ~~المهاجرين } ونعلم أن الذين هاجروا مع الرسول لم يكن كل مسلمي مكة، ~~وجاء قوله: { من المهاجرين والأنصار } وأيضا لم يكن كل ~~الأنصار من أهل المدينة هم من السابقين. وينحصر المعنى في الذين سبقوا ~~إلى الإيمان في مكة، وسبقوا إلى النصرة في المدينة، هؤلاء هم { ~~السابقون }. وفي سورة الواقعة يقول الحق: # والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في ~~جنات النعيم # [الواقعة: 10-12]. ثم يأتي من بعدهم في المرتبة: # وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين # [الواقعة: 27]. ثم يحدد الحق هؤلاء فيقول: # ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين # [الواقعة: 13-14]. ولذلك حينما يأتي من يقول: لن يستطيع واحد من أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم تأخر عن عصر محمد صلى الله عليه وسلم أن يصل إلى ~~منزلة الصحابة لأن الله قال: { والسابقون } ، نقول له: لا، بل افطن ~~إلى بقية قوله سبحانه: { ثلة من الأولين * وقليل من ~~الآخرين } ، وهذا دليل على أن بعضا من الذين جاءوا بعد زمان رسول ~~الله صلى الله عليه سينالون المرتبة الرفيعة، وهكذا لم يمنع الحق أن يكون ~~من أمة محمد صلى الله عليه وسلم سينالون المرتبة الرفيعة، وهكذا لم يمنع ~~الحق ms4289 أن يكون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن تقوم الساعة من ~~يصل إلى منزلة الصحابة. وقد طمأن النبي صلى الله عليه وسلم الناس الذين ~~لم يدركوا عهده حين قال: # " " وددت أني لقيت إخواني ". فقال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أو ~~ليس نحن إخوانك؟. قال: " أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم ~~يروني " # وهذا قول صادق من المصطفى صلى الله عليه وسلم لأن منا من تنحصر أمنيته ~~في أن يحج ويزور القبر الشريف. ويضيف النبي صلى الله عليه وسلم في وصف ~~أحبابه: # " " عمل الواحد منهم كخمسين ". قالوا: منهم يا رسول الله أم منا؟ ~~قال: " بل منكم لأنكم تجدون على الخير أعوانا، وهم لا يجدون على الخير ~~أعوانا " # وهذا ما يحدث في زماننا بالفعل. ولكن من هم السابقون المقصودون في ~~الآية التي نحن بصددها؟ { والسابقون الأولون من ~~المهاجرين } ونعلم أن السابقين من المهاجرين هم أهل بدر، الذين ~~دخلوا أول معركة في الإسلام، مع أنهم خرجوا من المدينة، لا ليشهدوا ~~حربا، ولكن ليتعرضوا عيرا تحمل بضائع، ويرجعوا بالغنائم. ومع ذلك دخلوا ~~الحرب، لا مع القوافل التي ضمت العير والحراس والرعاة، ولكن دخلوا ~~الحرب مع النفير، وهم من جاءوا ونفروا من مكة، وهم صناديد قريش. وهكذا ~~كانت منزلة أهل بدر، أنهم من سبقوا إلى الجهاد في أول معركة للإسلام. ~~ولذلك حين وشى حاطب بن أبي بلتعة بغزوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~مكة، فجاء به صلى الله عليه وسلم وقال له: ما الذي حملك على هذا؟ وكان ~~صلى الله عليه وسلم يريد أن يفتح مكة دون أن يعلم أحد حتى لا يقاتل ~~المسلمون القادمون بعضا من المؤمنين الموجودين في مكة ولم يعرفهم أحد ~~لذلك أراد صلى الله عليه وسلم المفاجأة في الفتح حتى تهبط الشراسة ~~الكفرية، لكن حاطب بن أبي بلتعة كتب خطابا إلى بعض أهل قريش، فأخبر الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله ~~عنه ومن معه: اذهب ms4290 إلى مكان اسمه " روضة خاخ " في الطريق بين مكة ~~والمدينة، فستجد ظعينة مسافرة معها كتاب إلى أهل مكة، خبأته في عقيصتها. ~~فلما ذهب علي - رضي الله عنه - ومن معه يبحثون عن المرأة في الموضع الذي ~~ذكره لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدوا المرأة ولكنها أنكرت أن ~~معها كتابا، فهددوها فأخرجته من عقيصتها فوجده من حاطب بن أبي بلتعة إلى ~~ناس من مشركي قريش. وعاد به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأحضر النبي ~~صلى الله عليه وسلم حاطبا، وقال له: ما حملك على هذا يا حاطب؟ قال له: يا ~~رسول الله: أنا لصيق بقريش ولي فيها أهل ومال، وليس لي بها عزوة فأردت أن ~~أتخذ يدا عند قريش يعرفونها لي فيحافظوا على أهلي وعلى مالي، وعرفت أن ~~ذلك لا يضرك شيئا وأن الله ناصرك. وما فعلته ينفعني ولا يضرك، قال: ~~صدقت. وأراد عمر - رضي الله عنه - أن ينزل عليه بسيفه، فقال النبي صلى ~~الله عيله وسلم: # " إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: ~~اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". # لأن أهل بدر دخلوا المعركة بدون عدة، وبدون استعداد، ومع ذلك هانت ~~نفوسهم عليهم، فكأن الله قال: أنتم عملتم ما عليكم، وقد غفرت لكم كل ما ~~تفعلونه من السيئات. # إذن: فالسابقون من المهاجرين هم أهل بدر وأهل الحديبية، وهم أهل بيعة ~~الرضوان الذين ردوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العمرة، ثم ~~عقد النبي صلى الله عليه وسلم مع القرشيين المعاهدة. والسابقون من ~~الأنصار هم من جاءوا للنبي في مكة، وأعطوا له العزوة وأعطوا له الأمان ~~والعهد، وكانوا اثني عشر في بيعة العقبة الأولى، وخمسة وسبعين في العقبة ~~الثانية. هؤلاء هم السابقون، وأضاف الحق إليهم { والذين ~~اتبعوهم بإحسان } أي: من يأتي من بعدهم. وسيدنا عمر له وقفة في ~~هذه الآية، فقد رضي الله عنه يقرأها هكذا: " والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار " أي: يعطف كلمة الأنصار على " السابقون " وكانت قد ~~نزلت: { والسابقون ms4291 الأولون من المهاجرين ~~والأنصار } ويكمل سيدنا عمر بعد " والأنصار " " الذين اتبعوهم ~~بإحسان " أي: أنه جعل " الذين اتبعوهم " صفة للأنصار. وجاء زيد بن ثابت ~~ليقول لسيدنا عمر: " قرأناها على غير هذا الوجه يا ابن الخطاب ". قال: ~~فماذا؟ قال: { والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم }. فقال عمر: ابعث إلى أبي بن ~~كعب، وكان ابن كعب حجة في القرآن فقال أبي: هكذا سمعتها - كا قال زيد - ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت تبيع القرظ في البقيع. أي أن ~~أبي بن كعب كان ملازما للنبي صلى الله عليه وسلم بينما عمر يبيع القرظ، ~~فضحك عمر وقال: لو قلت شهدت أنت وغبنا نحن، وقرأها عمر من بعد ذلك ~~كما نزلت. { والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان } خصوصا أن سيدنا ~~أبيا البصير بالقرآن جاء بأكثر من دليل من غير هذه الآية فقد قال الحق: # وآخرين منهم لما يلحقوا بهم... # [الجمعة: 3]. وقوله الحق في سورة الحشر: # والذين جآءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان... # [الحشر: 10]. وهي معطوفة أيضا. وهنا في الآية التي نحن بصددها يقول ~~الحق: { رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم ~~جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ~~ذلك الفوز العظيم } [التوبة: 100]. وفي هذا القول ما يطمئن ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يأت لنا فقط بخبر الفئة السيئة من ~~المنافقين من العرب، والمنافقين من الأعراب، ولكنه أوضح لنا أن هناك ~~أناسا وصلوا لنا جمال هذا الإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: { وممن ~~حولكم من الأعراب... }. ### || [9.101] # أوضح سبحانه: وطنوا أنفسكم على أن من حولكم من الأعراب ومن أهل ~~المدينة منافقون، وهذا التوطين يعطي مناعة اليقظة حتى لا يندس واحد من ~~المنافقين على أصحاب الغفلة الطيبين من المؤمنين، فينبههم الحق: انتبهوا ~~فأنتم تعيشون في مجتمع محاط بالمنافقين. والتطعيم ضد الداءات التي تصيب ~~الأمم وسيلة من وسائل محاربة العدو، ونحن نفعل ذلك ماديا حين نسمع عن ~~قرب انتشار وباء فنأخذ المصل الواقي منه، رغم أنه داء إلا ms4292 أنه يعطينا ~~مناعة ضد المرض. وهكذا يربي الحق المناعة بحيث لا يمكن أن يهاجم ~~المؤمنون عن غفلة، فيقول: { وممن حولكم من الأعراب ~~منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق } و ~~" مرد " يمرد أي: تدرب وتمرن، ويبقى الأمر عنده حرفة، وكأن الواحد منهم ~~يجيد النفاق إجادة تامة. وكل ذلك ليوجد مناعة في الأمة الإسلامية حتى ~~يكون المؤمن على بصيرة في مواجهة أي شيء، فإذا رأى أي سلوك فيه نفاق ~~اكتشفه على الفور. واليقظة تدفع عنك الضر، ولا تمنع عنك الخير. وافرض أن ~~واحدا قال لك: إن هذا الطريق مخوف لا تمش فيه وحدك بالليل. ثم جاء ~~آخر وقال: إنه طريق آمن ومشينا فيه ولم يحدث شيء، فلو أنك احتطت وأخذت ~~معك سلاحا أو رفيقا فقد استعددت للشر لتتوقاه، فهب أنه لم يحدث شيء، ~~فما الذي خسرته؟ إنك لن تخسر شيئا. وهذه قضية منطقية فلسفية يرد بها ~~على الذين يشككون في دين الله، مثل المنجمين، ومن يدعون الفلسفة، ~~ويزعمون أنه لا يوجد حساب ولا حشر ولا يوم آخر، فيقول الشاعر: # زعم المنجم والطيب كلاهما # لا تحشر الأجساد قلت إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر # أو صح قولي فالخسار عليكما # أي: إن كان كلامكم صحيحا من أنه لا يوجد بعث - والعياذ بالله - فلن ~~أخسر شيئا لأني أعمل الأعمال الطيبة. وإن كان هناك بعث - وهو حق - فسوف ~~ألقى الجزاء في الجنة وبذلك لم أخسر، بل كسبت. لكن افرضوا أنكم عملتم ~~الشر كله وجاء البعث فأنتم الخاسرون. والقضية الفلسفية المنطقية هنا هي: ~~إن لم أكسب فلن أخسر، وأنتم إن لم تخسروا فلن تكسبوا. والحق في هذه الآية ~~يقول: { وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن ~~أهل المدينة مردوا على النفاق.. } وكلمة { وممن ~~حولكم } تفيد أنكم محاصرون، لا ممن حولكم فقط، بل أيضا ببعض من ~~الموجودين بينكم في المدينة، وهم من تدربوا على النفاق حتى صارت لهم ألفة ~~به. وهذه الآيات - كما نعلم - قد نزلت تحكي حال المنافقين. والنفاق ~~تتعارض فيه ملكات النفس الإنسانية بأن توجد ملكة ms4293 كفر في القلب، بينما ~~توجد ملكة إيمان في اللسان، فلا يتفق اللسان مع القلب، فالذين آمنوا ~~يوافق ما ينطقون به ما في قلوبهم، والذين كفروا وافقت قلوبهم ألسنتهم. # أما الصنف الثالث: وهم الذين نطقوا بالإيمان بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، ~~فهؤلاء هم المنافقون. وهو لفظ مأخوذ من " نافقاء اليربوع " وهو حيوان ~~صحراوي يشبه الفأر، ويخدع من يريد صيده، فيجعل لبيته أو جحره عدة فجوات، ~~فإذا طارده حيوان أو إنسان يدخل من فجوة، فيتوهم الصائد أنه سيخرج منها، ~~ويبقى منتظرا خروجه، بينما يخرج اليربوع من فجوة أخرى، فكأنه خادع ~~الصائد، فالصائد يظن أن للجحر بابا واحدا، ولكن الحقيقة أن للجحر أكثر ~~من مدخل ومخرج. والنفاق بهذه الصورة فيه ظاهرتان: ظاهرة مرضية في ~~المنافق، وظاهرة صحية في المنافق ولذلك لم ينشأ النفاق في مكة، وإنما ~~نشأ في المدينة. ومن العجيب أن ينشأ النفاق في المدينة التي آوت الإسلام ~~وانتشر منها، وانساح إلى الدنيا كلها، ولم يظهر في مكة التي أرادت أن ~~تطمس الإسلام، وحارب سادتها وصناديدها الدعوة. إذن: فلا بد أن نأخذ من ~~النفاق ظاهرتين: الظاهرة الأولى وهي الظاهرة المرضية، حيث قال الحق: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا... # [البقرة: 10]. أما الظاهرة الثانية فهي الظاهرة الصحية، فقد أصبح ~~الإسلام قويا بالمدينة غيره عند بدء الدعوة في مكة. إنما ينافق ~~القوي لأن المنافق يريد أن ينتفع بقوة القوي، كما أن المنافق يعرف أنه لن ~~يستطيع مواجهة القوي، أو أن يقف منه موقف العداء الظاهر. إذن: فالنفاق ~~حين يظهر، إنما يظهر في مجالات القوة، لا في مجالات الضعف، فالرجل الضعيف ~~لا ينافقه أحد، والرجل القوي ينافقه الناس. إذن: فالنفاق ظاهرة مرضية ~~بالنسبة للمنافق، وظاهرة صحية في المنافق. وأراد الحق سبحانه أن يكشف ~~للمؤمنين أمر المنافقين الذين يتلصصون عليهم، أي: يتخذون مسلك اللصوص في ~~أنهم لا يواجهون إلا في الظلام، ويحاولون أن يدخلوا من مداخل لا يراهم ~~منها أحد، ويتلمسون تلك المداخل التي لا تظهر، ويخفون غير ما يظهرون. ~~أما مواجهة الكافر فهي مسألة واضحة، صريحة ms4294 فهو يعلن ما يبطن، ويواجهك ~~بالعداء. وأنت تواجهه بجميع قوتك وكل تفكيرك لأنه واضح الحركة. أما ~~المنافق الذي يظهر الإيمان وفي قلبه الكفر، فهو يتلصص عليك، وعليك أن ~~تحتاط لمداخله لأنه ينتظر اللحظة التي يطعنك فيها من الخلف. وينبهنا الحق ~~إلى ضرورة الاحتياط، وأن يمتلك المؤمنون الفطنة والفراسة وصدق النظر إلى ~~الأشياء، وعدم الانخداع بمظاهر تلك الأشياء، فكشف لنا سبحانه كل أوجه ~~النفاق كشف منافقي المدينة حيث يوجد منافقون وغير منافقين، ومنافقي ~~الأعراب الذين يوجد بينهم منافقون وغير منافقين، وعلم الحق سبحانه ~~المؤمنين كيف يتعرفون على المنافقين بالمظاهر التي تكشف ما يدور في ~~صدورهم. وسبحانه القائل عن المنافقين: # ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول... # [محمد: 30]. ولكن هناك لون من النفاق، نفاق فني دقيق، يغيب على فطنة ~~المتفطن، وعلى كياسته. ولذلك يوضح لنا سبحانه: أنا لا أكلكم إلى فطنتكم ~~لتعلموا المنافقين، وإنما أنا أعلمه وأنتم لا تعلمونه لأنهم قد برعوا في ~~النفاق { لا تعلمهم نحن نعلمهم } ورغم فطنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وكياسته فقد أوضح له الحق أنه سيغيب عنه أمرهم لأنهم ~~احتاطوا بفنية النفاق فيهم حتى لا يظهر. لقد عبر القرآن التعبير ~~الدقيق، فقال: { مردوا على النفاق } والمادة نفسها في كلمة { ~~مردوا } هي من مرد، يمرد، مرودا، وماردا، ومريدا، هذه المادة تصف ~~الشيء الناعم الأملس الذي لا تظهر فيه نتوءات، ومنه الشاب الأمرد، يعني ~~الذي لم ينبت له شعر يخترق بشرته، إذن: المادة كلها تدل على الثبات على ~~شيء، وعدم وجود شيء فيه يخدش هذا الثبات. ويوضح سبحانه: تنبهوا، فممن ~~حولكم من الأعراب منافقون، وقوله الحق: { وممن حولكم } يشعر ~~بأنهم محاطون بالنفاق، ولماذا يحاطون بالنفاق؟ لأن الدعوات الإيمانية لا ~~تظهر إلا إذا طم الفساد في بيئة. ونعلم أن الحق قد جعل في النفس أشياء ~~تطرد الباطل، وإن ألح الباطل عليها فترة، تتنبه النفس إليه وتطرده. ~~وهؤلاء هم الذين يتوبون، يقترفون الذنب ثم ترجع إليهم نفوسهم الإيمانية ~~فتردعهم. إذن: فالردع إما أن يكون ذاتيا في النفس، ms4295 وإما أن يكون من ~~المجتمع للنفس التي لا يأتيها الردع من الذات، فهي نفس أمارة بالسوء، ~~وهي لا تأمر بالسوء مرة وتنتهي، بل هي أمارة به، أي: اتخذت الأمر بالسوء ~~حرفة لأن صيغة " فعال " تدلنا على المزاولة والمداومة. وإذا كانت ~~المناعة في النفس فهذا أمر يسير ويأتي من النفس اللوامة، وقد يكون ~~المجتمع الذي حول الإنسان هو الذي يردع النفس إن ضعفت في شيء. وبهذا تكون ~~المناعة في المجتمع، أما إذا طم الفساد أيضا في المجتمع فلا النفس تملك ~~رادعا ذاتيا، ولا المجتمع فيه رادع هنا لا بد أن تتدخل السماء، وتأتي ~~دعوة الحق بآياتها، وبيناتها، ومعجزة الرسول. هنا يقف أصحاب الفساد - ~~وتكون نفوسهم أمارة بالسوء - موقفا ينافقون به القوة الطارئة الجديدة، ~~بينما تظل نفوسهم أمارة بالسوء، فتظهر ظاهرة النفاق. وقوله الحق: { ~~وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل ~~المدينة } أي أنكم مطوقون في ذاتكم ومن حولكم، فالنفاق في ذات ~~المكان الذي تقيمون فيه، وفيما حولكم أيضا. وأخشى ما يخشاه الإنسان، أن ~~يوجد الأمر الضار حوله وفيه لأنه إن كان الأمر الضار في المكان الذي يعيش ~~فيه، فمن حوله يستطيعون إنقاذه أو يستطيع هو أن يهجر المكان، لكن إن كان ~~محاصرا بالضرر ممن حوله ومن المكان الذي يحيا فيه، فإلى أين يذهب؟ ويريد ~~سبحانه أن ينبه المؤمنين إلى أن ظاهرة النفاق متفشية منها ما تستطيعون - ~~أيها المؤمنون - معرفته بمعرفة حركات المنافقين وسكناتهم ولحن قولهم ~~وتصرفاتهم، ومنها أمر دقيق خفي لا تعلمونه، ولكنه سبحانه يعلمه ولأنكم ~~غير مسلمين لأنفسكم، ولكم رب يعلمكم ما لا تعلمون فاطمئنوا فسوف يفضحهم ~~لكم. # ونتيجة هذا العلم أنكم سترون فيهم العقوبات فيأتي فيهم القول الحق: { ~~سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم }. ~~هم إذن سيعذبون مرتين في الدنيا، ثم يردون لعذاب الآخرة، وأول عذاب لمن ~~يستر نفاقه أن يفضح نفاقه ولذلك خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " قم يا فلان فأنت منافق، قم يا فلان فأنت منافق، قم يا فلان فأنت منافق ~~". # أو تأتي ms4296 له مصائب الدنيا. ولقائل أن يقول: وهل المصائب عذاب للمنافق، إن ~~المصائب قد تصيب المؤمن أيضا؟ ونرد: إن المصائب تأتي للمؤمن لإفادته، ~~ولكنها تأتي للمنافق لإبادته. فالمؤمن حين يصاب إما أن يكفر الله به عنه ~~ذنبا وإما أن يرفعه درجة به لكن المصائب حين تصيب المنافق فهي مغرم فقط ~~لأن المنافق لا يرجو الآخرة ولذلك يقال: إن المصاب ليس من أصيب فيما يحب، ~~ولكن المصاب هو من حرم الثواب. فإن استقبل المؤمن المصيبة بالرضا، وعلم ~~أن الذي أجراها عليه حكيم، ولا يجري عليه إلا ما يعلم الخير وإن لم يعلمه ~~فهو ينال الثواب على الصبر والأجر على الرضا، وهكذا يخرج من دائرة الألم ~~العنيف. أما غير المؤمن فهو يتمرد على القدر، وبعدم إيمانه يحرم من ~~الثواب. أو أن العذاب مرتين، غير الفضيحة بنفاقهم، فيتمثل في محاولتهم أن ~~يظهروا بمظهر الإيمان والإسلام، فيخرج الواحد منهم الزكاة من ماله، ~~والمال محبب للنفس لذلك فهو يخرج الزكاة مرغما ويشعر أنه قد خسر المال ~~لأنه لا يؤمن بإله لذلك فمصيبته كبيرة. وقد يرسل المنافق ابنه للحرب وهو ~~يعلم أنه ليس له في ذلك ثواب، وهذا لون آخر من العذاب. وهذا العذاب متحقق ~~بقول الحق: # ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد ~~الله أن يعذبهم بها في الدنيا... # [التوبة: 85]. أو أن يكون العذاب في الدنيا هو ما يرونه حين تغرغر ~~النفس، لحظة أن تبلغ الروح الحلقوم، ويرى المغرغر الملائكة مصداقا ~~لقوله الحق: # ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق # [الأنفال: 50]. وكل هذه ألوان من العذاب في الدنيا. والإنسان - كما نعلم ~~- في استقبال الزمن له ثلاث حالات: زمن هو حياته الدنيا، وزمن هو زمن ~~موته، وزمن هو زمن آخرته. فحين يصاب المؤمن في الزمن الأول - زمن حياته - ~~يعزيه في مصابه الزمن الأخير، وهو زمن آخرته. أما حين يصاب الكافر أو ~~المنافق في زمن حياته، فلا شيء يعزيه أبدا لأنه لا يؤمن بالله ولا هو ~~يطمع في شيء من خيره سبحانه. # ويأتيه ms4297 الزمن الثاني، وهو زمن الموت، وفيه عذاب القبر. والعذاب إنما ~~يكون بأحد اثنين: إما عرض ما يعذب به، أو دخول فيما يعذب به، وهذا يكون ~~في الآخرة. أما عرض العذاب فهو القبر كأنه يقول لك: انظر ما ينتظرك. وما ~~دام الإنسان يرى الشر الذي ينتظره، أليس هذا عذابا؟ إنه عذاب مؤكد. { ~~سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم } ~~ولو قال الحق: " نعذبهم مرتين " فقط بدون السين، لصار لها معنى آخر مختلف ~~تماما. يتلخص في أن من يصيبه عذاب، فقد انتهى حسابه. لكن قوله: { ~~سنعذبهم } يؤكد لنا كلما قرأناه أن العذاب متصل. وينهي الحق ~~الآية الكريمة بقوله: { ثم يردون إلى عذاب عظيم } وكلمة ~~{ يردون } مثلها مثل { يرجعون } أو { يرجعون } ونحن نقول مرة: " ~~يرجعون " وأخرى " يرجعون " ، فكأن النفس البشرية تألف جزاءها في ~~قولنا: " يرجعون " ، أما قولنا: " يرجعون " ففي الكلمة قوة عليا ~~تدفعهم ألا يتقاعسوا. وهكذا نجد المعذب إما مدفوع بقوة عليا، وإما أن ~~توجد فيه بقوة ذاتية تجعله يذهب إلى العذاب. والإنسان قد يتصرف تصرفا ~~ما، ثم يرد إلى أفكاره فلا يعجبه هذا التصرف، ويستقبل نفسه بالتوبيخ ~~وبالتعنيف لأن هناك إلحاحا من النفس على العقوبة، وهو إلحاح يأتي من ذات ~~النفس. والنفس الأمارة بالسوء قد تقضي حياتك معها في أمر بالسوء، ثم حين ~~يأتي العقاب فأنت تقول لها: " اشربي أيتها النفس نتيجة ما فعلت ". إذن ~~فالمعذب يدفع مرة للعذاب، وأخرى يندفع بذاته. { ثم يردون ~~إلى عذاب عظيم } ومثلما قلنا من قبل: فإن هناك ألوانا متعددة ~~من العذاب، فهناك العذاب العظيم، والأليم، والمهين، والمقيم. والعذاب ~~العظيم يأتي إما بأسباب وإما بمسبب، وعذاب الدنيا كله بأسباب، فقد يكون ~~العذاب بالعصا، أو بالكرباج، أو بالإهانة، والأسباب تختلف قوة وضعفا، ~~أما عذاب الآخرة فهو بمسبب، والمعذب في الآخرة واحد وقوته لا نهاية ~~لها، وإن قست عذاب الآخرة بالعذاب في الدنيا فمن المؤكد أن عذاب الآخرة ~~عذاب عظيم. ويقول الحق من بعد ذلك: { وآخرون اعترفوا... }. ### || [9.102] # وقوله الحق: { وآخرون } معطوفة على قوله: { ومن أهل ~~المدينة مردوا على ms4298 النفاق } ، فهل يظلون جميعا على ~~النفاق، أم أن منهم من يثوب إلى رشده ليجد أن موقفه مخز حتى أمام نفسه؟ ~~لأن أول ما ينحط المنافق إنما ينحط أمام نفسه لأنه نافق ولم يقدر على ~~المواجهة، واعتبر نفسه دون من يواجهه فيحتقر نفسه، ولا بد أن منهم من ~~يأنف من هذا الموقف، ويرغب في حسم المسألة: إما أن يؤمن وإما أن يكفر، ~~ثم يرجح الإيمان، ويتخلص من النفاق بأن يعترف بذنوبه. وبذلك يصبح ممن ~~يقول الحق عنهم: { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } أي: ممن لم ~~يصروا على النفاق، واعترفوا بذنوبهم، والاعتراف لون من الإقرار. ~~والإقرار بالذنب أنواع، فهناك من يقر بالذنب إفاقة، وآخر يقر الذنب في ~~صفاقة، مثلما تقول لواحد: هل ضربت فلانا؟ فيقول: نعم ضربته، أي أنه ~~اعترف بذنبه، وقد يضيف: وسأضرب من يدافع عنه أيضا، وهذا اعتراف فيه ~~صفاقة. أما من يعترف اعتراف إفاقة، فهو يقر بأنه ارتكب الذنب ويطلب الصفح ~~عنه، وهذا هو الاعتراف المقبول عند الله. وهم قد { اعترفوا ~~بذنوبهم } اعتراف إفاقة، بدليل أن الله قال فيهم: { خلطوا ~~عملا صالحا وآخر سيئا } وعملهم الصالح هنا هو إقرارهم ~~بالذنب ومعرفتهم أن فضيحة الدنيا أهون من فضيحة الآخرة، أما عملهم السيىء ~~فهو التخلف عن الجهاد والإنفاق. واعترافهم هذا هو اعتراف الإفاقة، واختلف ~~العلماء: هل هذا الاعتراف يعتبر توبة أم لا؟ نقول: إن الحق سبحانه وتعالى ~~حينما قال: { اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا } ثم قوله: { عسى الله أن يتوب عليهم ~~إن الله غفور رحيم } أي: رجاء أن يتوب عليهم، وهذه مقدمات ~~توبة وليست توبة، فإن صاحبها الندم على ما مضى، والإصرار على عدم العودة ~~في المستقبل فينظر هل هذا كان منه مخافة أن يفضح أم موافقة لمنهج الله؟ ~~إن كان الأمر موافقة لمنهج الله فتكون التوبة مرجوة لهم. وكلمة { ~~خلطوا } تؤدي معنى جمع شيئين كانا متفرقين، وجمع الشيئين أو الأشياء ~~التي كانت متفرقة له صورتان الصورة الأولى: أن يجمعهم على هيئة الافتراق، ~~كأن تأتي بالأشياء التي لا تمتزج ببعضها مثل: ms4299 الحمص واللب والفول، وتخلط ~~بعضها ببعض في وعاء واحد، لكن يظل كل منها على هيئة الانفصال، فأنت لم ~~تدخل حبة اللب في حبة الحمص، ولم يتكون منهما شيء واحد لأنه لو حدث هذا ~~لصار مزيجا لا خلطا، مثلما تخلط الشاي باللبن لأنك بعد أن تجمعهما ~~يصيران شيئا واحدا، بحيث لا تستطيع أن تفصل هذا عن ذاك. إذن: فهم حين ~~خطلوا العمل الصالح والعمل السيئ، لم يجعلوا من العمل الصالح والعمل ~~السيئ مزيجا واحدا. # لكن العمل الصالح ظل صالحا، والعمل الفاسد ظل فاسدا. وقوله سبحانه: { ~~عسى الله أن يتوب عليهم } كلمة { عسى } معناها الرجاء ~~وهو ترجيح حصول الخير. وهو لون من توقع حصول شيء محبوب. والرجاء يخالف ~~التمني لأن التمني هو أن تحب شيئا وتتمنى أن يكون موجودا، لكنه لا يأتي ~~أبدا، مثل قول الشاعر: # ألا ليت الشباب يعود يوما # فأخبره بما فعل المشيب # إنه قد تمنى أن يعود شبابه، وهذا دليل على أن فترة الشباب محبوبة، لكن ~~ذلك لا يحدث. إذن: فإظهار الشيء المحبوب له لونان: لون يتأتى، ولون لا ~~يتأتى، فالذي يتأتى اسمه رجاء، والذي لا يتأتى نسميه التمني، مثل قول ~~الشاعر: # ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها # عقود مدح فما أرضى لكم كلما # فالشاعر يتمنى حدوث ذلك، ولكنه لن يحدث. أما الرجاء فهو أمل يمكن أن ~~يحدث، والرجاء له منازل ومراحل بالنسبة للنفس الإنسانية. فأنت عندما ترجو ~~لواحد شيئا فتقول: " عسى فلان أن يمنحك كذا " ، فأنت هنا مترج، ~~وهناك مترجى له، هو من تخاطبه، ومترجى منه، وهو من يعطي، فهذه ثلاثة ~~عناصر. لكن ألك ولاية على من يمنح؟ لا، لكن إن قلت: عسى أن أمنحك أنا ~~كذا، فأنت ترجو لواحد غيرك أن تمنحه أنت، وهذا أرجى أن يتحقق. وحين تقول: ~~" عسى أن أمنحك " فقد تقولها في لحظة إرضاء للذي تتحدث معه. ثم قد يبلغك ~~عنه شيء يغير من نفسك، أو جئت لتعطيه، فلم تجد ما تعطيه له، هنا لم يتحقق ~~الرجاء. لكن عندما تقول: " عسى الله أن يمنحك " ، فأنت ms4300 ترجو له من الله، ~~وهو القادر على كل شيء ولا تؤثر فيه أغيار، أما إذا قال الله عن نفسه: ~~" عسى الله أن يفعل " ، فهذا أقوى وسائل الرجاء. إذن: فنحن أمام أربع ~~وسائل للرجاء. أن تقول: " عسى فلان أن يمنحك " أو أن تقول: " عسى أن ~~أمنحك أنا " ، أو تقول: " عسى الله أن يمنحك " وقد يجيبني الله، أو لا ~~يجيب دعائي، لكن حين يقول الحق: " عسى أن أفعل " فهذا هو اللون الرابع من ~~ألوان الرجاء، وقالوا: الرجاء من الله إيجاب. { عسى الله أن ~~يتوب عليهم } ، فهذا رجاء أن يتوب الله عليهم، أما توبة العبد ~~فمسألة تقتضي الندم على ما فات، والرجوع إلى منهج الله، والعزم ألا يغضب ~~الله في المستقبل. أما توبة الله فهي تضم أنواع التوبة، فتشريع الله ~~للتوبة رحمة بمن ارتكب الذنب، ورحمة بالناس الذين وقع عليهم السلوك الذي ~~استوجب التوبة. فإن تبت فقبول التوبة رحمة ثانية، فلو لم يشرع الله ~~التوبة لاستشرى كل من ارتكب ذنبا واصطلى المجتمع بشروره. لكن حين يشرع ~~الله التوبة فهناك أمل أن يرجع العبد إلى الله، ويتخلص المجتمع من ~~إمكانية عودته للذنب، وانتهى هو من أن يوقع مصائب بغيره. # فإذا قبل الله التوبة، يقال: " تاب الله على فلان " ، فلله إذن أكثر ~~من توبة، ولذلك حين تقرأ قوله الحق: # ثم تاب عليهم ليتوبوا... # [التوبة: 118]. أي: شرع لهم التوبة ليتوبوا، فإذا تابوا فسبحانه قابل ~~التوب. إذن: فالتوبة ثلاث مراحل: تشريع للتوبة، ثم توبة واقعة، فقبول ~~للتوبة. والتوبة رجوع عن شيء، وهي بالنسبة للعبد رجوع عن ذنب، وبالنسبة ~~لله إن كان الذنب يستحق أن يعاقب الله به، فإذا تبت أنت، فالحق يعفو ~~ويرجع عن العقوبة. وينهي الحق الآية: { إن الله غفور رحيم ~~} لأن المغفرة بالنسبة للعبد صعبة، فإن سرق واحد منك شيئا فهو يضرك، ~~ويلح عليك حب الانتقام منه لأن الضرر أتعبك، لكن أيتعب أحد ربه ~~بالمعصية؟ لا لأنك إن كنت قد أضررت بأحد فإنما أضررت بنفسك، ولم تضر الله ~~سبحانه لأنه سبحانه لا يلحقه ضرر بذنبك، ms4301 وإنما الذنب لحقك أنت. فحين يقول ~~سبحانه: { غفور } فهو غفور لك، و { رحيم } بك. والمصائب أو ~~الكوارث نوعان نوع للإنسان فيه غريم، ونوع يصيب الإنسان ولا غريم له. فإن ~~مرض إنسان فليس له غريم في المرض، أما إذا سرق إنسان فاللص هو غريمه، ~~ومصيبة الإنسان التي فيها غريم تدفع النفس إلى الانفعال برد العقوبة ~~إليه، أما حين تكون المصيبة من غير غريم فهي تحتسب عند الله، ويقال: إن ~~المصيبة التي ليس فيها غريم هي التي تحتاج لشدة إيمان، والحق يقول: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. هنا يؤكدها لأن غريمه يلح عليه، فساعة يراه يتذكر ما فعله ~~غريمه به، فتكون هناك إهاجة على الشر. أما قوله سبحانه: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17]. فلم يؤكدها، فالمصيبة هنا من سيكون غريمه فيها؟ والذين ~~اعترفوا بذنوبهم هم قوم تخلفوا بغير عذر، ثم جاءوا وقالوا: ليس لنا عذر، ~~ولم يختلقوا أعذارا لأننا نعلم أن هناك أناسا لم يعتذروا، وأناسا ~~آخرين اعتذروا بأعذار صادقة، وآخرين اعتذروا باعتذارات كاذبة، وهم قد { ~~اعترفوا بذنوبهم } أي: أعلنوا أن اعتذاراتهم عن الغزوة لم تكن ~~حقيقية وأنه لم يكن عندهم ما يبرر تخلفهم عن الغزو فهؤلاء تاب الله عليهم ~~في نفوسهم أولا، ورسول الله لا يزال في الغزوة في تبوك التي تخلفوا ~~عنها. ثم # " عاد الرسول من الغزوة، ودخل المسجد كعادته حين يرجع إلى المدينة، وأول ~~عمل كان يعمله بعد العودة هو أن يدخل المسجد، ويصلي فيه ركعتين. فوجد ~~أناسا قد ربطوا أنفسهم بسواري المسجد وهي الأعمدة فسأل عن هؤلاء، ~~فقالوا: هؤلاء قوم تخلفوا وكانت أعذارهم كاذبة لكنهم اعترفوا بذنوبهم، ~~وقد عاهدوا الله ألا يحلوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تحلهم وترضى عنهم ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى ~~أؤمر بإطلاقهم رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين " # فلما أنزل الله هذه الآية حلهم رسول الله ومنهم: أبو لبابة. ولذلك من ~~يذهب ليزور المدينة إن ms4302 شاء الله، سيجد أسطوانة اسمها " أسطوانة أبي لبابة ~~" وهو أول من ربط نفسه على الساري، وقلده الآخرون. وهذا يدلك على أن ~~المؤمن حين تختمر في نفسه قضايا الإيمان فهو لا ينتظر أن يعاقب من الله، ~~بل يبادر هو إلى أن يعاقب نفسه. ومثال ذلك: المرأة التي زنت، والرجل الذي ~~زنا، واعترفا لرسول الله ليرجمهما، ومعنى ذلك أنهما لم ينتظرا حتى ~~يعذبهما الله، بل ذهب كل منهما بنفسه. ولذلك حين جاء سيدنا عمر، وكاد أن ~~يركل جثة أحدهما قال الرسول: " دعها يا عمر فقد تابت توبة لو وزعت على ~~أهل الأرض لوسعتهم ". وكون أبي لبابة يربط نفسه بالسارية، فهذا يدل على ~~أن المؤمن إذا اختمرت في نفسه قضية الإيمان، فإنه لا يترك نفسه إلى أن ~~يلقاه الله بعذابه، بل يقول: لا، أنا أعذب نفسي كي أنجو من عذاب الله، ~~فهو قد تيقن أن هناك عذابا في الآخرة أقسى من هذا العذاب. فلما اعترفوا ~~بذنوبهم وراجعوا أنفسهم متسائلين: ما الذي شغلنا عن الغزو، وجعلنا نعتذر ~~بالكذب؟ وجدوا أنهم في أثناء غزوة تبوك وقد كانت في الحر، وفيه كانت تطيب ~~جلسات العرب تحت الظلال وأن يأكلوا من التمر. فقالوا: والله، إن المال هو ~~الذي شغلنا عن الغزو وجعلنا نرتكب هذا الذنب، ولا بد أن نتصدق به لذلك ~~قلنا: إن هذه لم تكن الصدقة الواجبة، بل هي صدقة الكفارة. وهؤلاء قالوا ~~للرسول صلى الله عليه وسلم: خذ هذا المال الذي شغلنا عن الجهاد، فلم يقبل ~~حتى ينزل قول من الله، فأنزل الحق قوله: { خذ من أموالهم ~~صدقة... }. ### || [9.103] # هذه هي الصدقة غير الواجبة لأنها لو كانت الصدقة الواجبة لما احتاجت إلى ~~أمر جديد، بل هي صدقة الكفارة. وقوله الحق: { من أموالهم } يعني ~~أموال من اعترفوا بذنوبهم، وقد نسب الأموال وملكيتها لهم، رغم أن المال ~~كله لله، مصداقا لقوله: # وآتوهم من مال الله الذي آتاكم... # [النور: 33]. ولكن الحق ينقله إلى خلقه تفضلا منه، وأوضح سبحانه إذا ~~قلت لكم: أخرجوا شيئا من المال الذي وهبتكم إياه ms4303 فلن أرجع فيما وهبته ~~لكم، ولذلك إذا احتاج مؤمن شيئا من مؤمن مثله، فالحق سبحانه وتعالى ~~يقول: # من ذا الذي يقرض الله... # [البقرة: 245]. وسبحانه واهب المال وهو يحترم هبته لصاحب المال. وقوله: ~~{ خذ من أموالهم صدقة } لاحظ فيه العلماء أن المال حين ~~يضاف إلى صاحبه فهو تطمين له، حتى يتحرك في الحياة حركة فوق ما يحتاج، ~~ويبقى له شيء يتموله، وبذلك يحرص الإنسان على الحركة التي ينتفع بها ~~الغير، وإن لم يقصد. فيوضح له الحق: اطمئن إلى أن كل شيء سيزيد عن حاجتك ~~يصبح ملكا لك، ولا يخرج المال عن ملكية صاحبه إلا إذا كان صاحبه غير أهل ~~للتصرف، مصداقا لقوله الحق: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم... # [النساء: 5]. لأن السفيه لا يصح أن يتملك لأنه بالحمق قد يضيع كل شيء، ~~فينزل الحق الحكم: إن مال السفيه الذي يملكه ليس ماله إنما هو مالكم. ~~ولكن إلى متى؟ فيأتي القول الحق: # فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم... # [النساء: 6]. أي: ردوا إليهم أموالهم متى عادوا إلى الرشد وصاروا أهلا ~~للملكية. والحق في هذه الآية يقول: { خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم بها } والله سبحانه وتعالى هو صاحب ~~المال، وهو يأتي بالمال، بالأسباب التي جعلها للبشر في حركة الحياة، ~~وأمنهم على عرقهم، وأمنهم على ما يملكون حتى لا يزهد أحد في الحركة ~~فلو أخذ كل واحد من حركته على قدر نفسه، ولم يتملك المال لضن الناس ~~بالحركة. وإذا ضن الناس بالحركة فلن يستفيد غير القادرين على الحركة، ~~فأراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما يزيد على حاجات الناس ملكا لهم ~~لأن النفس تحب أن تتملك، والتملك أمر غريزي في النفس بدليل أن الله ~~سبحانه وتعالى هو الذي طلب أن يؤخذ من الأموال، وأوضح أنه يضاعفها له، ~~ومعنى أنه يضاعفها عنده أنه ينمي فيه غريزة التملك. وقوله الحق: { خذ ~~من أموالهم } نلحظ فيه أن الأموال أضيفت لأصحابها، ما لم يكن ~~فيهم سفه في التصرف أو عدم رشد بأن يكون وارث المال قاصرا لا يقدر على ms4304 ~~التصرف فيه، فأوضح لنا سبحانه: لا تعتبروا مال السفيه ولا مال القاصر ~~ماله، ولكن ليرعى الوصي المال باعتبار أنه ماله هو، وحذر سبحانه ~~الوصي: إياك أن تتعدى في ملكية هذا المال لأن الذي جعله مالك، إنما جعل ~~الملكية من أجل القيامة على المال، ولأجل هو أن يبلغ القاصر رشده، أو ~~يرجع السفيه إلى عقله. # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل الله ~~لكم قياما... # [النساء: 5]. فإياك أيها الوصي، أن تظن أن الله قد أعطى لك هذا المال، ~~بل جعل لك حق القيام عليه فقط، ثم يقول سبحانه: { فإن آنستم ~~منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } ولم يقل: " ~~فادفعوا إليهم أموالكم " وإلا كان الأمر صعبا على الناس. وهنا ملحظية ~~لحظها العلماء رضي الله عنهم، وهو أن المال إذا كان فيه حق معلوم للسائل ~~والمحروم، فلا يصح أن ينسب الإنسان المال كله لنفسه لأن له شركاء فيه هما ~~السائل والمحروم، فالمال - إذن - ملكية صاحبه باستثناء حق السائل ~~والمحروم. وفي آية أخرى قال الحق: # والذين في أموالهم حق معلوم * للسآئل ~~والمحروم # [المعارج: 24-25]. و " الحق المعلوم " هو الزكاة المفترضة من نصاب معلوم ~~بقدر معلوم، وأما الأمر الثاني فهو حق أيضا، ولكن الذي يوجبه ويحدده هو ~~صاحب المال على نفسه، وهو التطوع، ولذلك لم يقل: حق معلوم كما في سورة ~~الذاريات: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم ~~يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم # [الذاريات: 15-19]. لقد ذكر سبحانه هنا الحق ولم يقل إنه معلوم لأن صاحب ~~المال داخل في مقام الإحسان، وهو المقام الذي يلزم الإنسان فيه نفسه بشيء ~~فوق ما فرض الله من جنس ما فرض الله. والله سبحانه لم يفرض على الإنسان ~~أن يقوم الليل كله، أو يظل الليل يستغفر، بل إن المسلم له أن يصلي العشاء ~~وينام، ثم يقوم لصلاة الفجر. لكن إن وجد في نفسه نشاطا، فهو يقوم الليل ~~لأنه يريد أن يدخل في مرتبة الإحسان. ms4305 وكذلك يؤدي المسلم الزكاة وهذا حق ~~معلوم، أما إن رغب المسلم في أن يدخل في مقام الإحسان فهو يزيد على ~~الزكاة، وقد جعل الله هذا حقا لكنه غير معلوم ليفسح لأريحيات الكرام أن ~~يتجاوزوا الحق المعلوم، فبدلا من اثنين ونصف بالمائة، قد يجعلها الداخل ~~إلى مقام الإحسان ضعف ذلك أو أكثر. ووقف العلماء رضي الله عنهم هنا ~~قالوا: إن قوله الحق: { خذ من أموالهم } لا يعني اعتبار الجزء ~~المأخوذ من المال للفقير هو حق الفقير، بل هو مال المؤدي، ولو بين الله ~~حق الفقير وعزله عن مال صاحبه، فهذا يعني أن المال إن هلك فليس للفقير ~~شيء، ولكن لأن المال مال الغني فحق الفقير محفوظ في ذمة صاحب المال، وهذا ~~أفضل للفقير، فإن الغني لو لم يؤد الزكاة في ساعتها، وبعد ذلك حدث أن هلك ~~المال، فالغني ضامن لحق الفقير. # { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم } والصدقة تطهرهم لأن ~~الذنب الذي فعلوه واعترفوا به تسبب في تقذير أنفسهم بالمعصية، وما داموا ~~قد قذروا أنفسهم بالمعصية، فهم في حاجة أن يطهروا بالمال الذي كان ~~سببا في عدم ذهابهم إلى الغزوة. وانظر هنا إلى ملحظ " الأداء البياني " ~~في القرآن، فالحق سبحانه يقول: { خذ } وهو أمر للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، ويقول: { من أموالهم صدقة } من أموال الأغنياء، هذه ~~الصدقة ستذهب للمحتاج، إذن هنا أربعة عناصر: آخذ هو رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ومأخوذ منه هو صاحب المال، ومأخوذ هو المال، ومأخوذ له هو ~~الفقير المحتاج. وما دام الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا ~~الأمر ينسحب بالتالي على كل من ولي أمرا من أمور المسلمين. ولقائل أن ~~يقول: ولكنها صدقة وليست زكاة. ونقول: ما دام الله هو الذي أمر بها ~~تطهيرا فقد صارت واجبا، والآية صريحة، وتقتضي أنه ما دامت هناك ولاية ~~شرعية، فولي الأمر هو الذي يأخذ من الناس ويؤدي للفقراء، أو لأوجه الصرف ~~التي شرعها الله لأن الله لا يريد أن يعذب الفقير بأن يمد يده آخذا من ~~مساو ms4306 له، أما إن أخذ من الوالي وهو المسئول عن الفقراء، فلن يكون ~~عيبا، كما أن الحق سبحانه يريد أن يحمي أهل الفقير من أن يعلموا أن ~~البيت الفلاني يعطي لهم زكاة، فيعاني أولاد الآخذ من المذلة أمام أولاد ~~المعطي، ويعيش أبناء المعطي في تعال لا لزوم له. إذن: فحين يكون الوالي ~~هو الذي يعطي فلن يكون هناك مستعل أو مستعلى عليه. أما إن لم تكن ~~هناك ولاية إسلامية، ولا يعلم الإنسان إلى أين ستذهب الأموال، فهنا يصبح ~~كل إنسان أن يراعي محيط دينه وهو يخرج الزكاة وحينئذ يكون عندنا معط ~~هو صاحب المال، ومال معطى، ومعطى له هو الفقير. وعلى من يعود قوله ~~الحق: { تطهرهم وتزكيهم }؟ السطحيون في الفهم يقولون: إنها ~~تطهر من نأخذ منه المال، وتزكى المال الذي نأخذ منه. لكن من يملك عمقا ~~في الفهم يقول: ما دامت هناك في هذه الآية عناصر، فضروري أن يعود التطهير ~~والتزكية عليها، وإنها تطهر وتزكي المأخوذ منه صاحب المال، وكذلك تطهر ~~وتزكي المال المأخوذ، وأيضا تطهر وتزكي المأخوذ له وهو الفقير، لأن ~~التطهير معناه إزالة قذر، والتزكية نماء. القذارة أمر عارض على الشيء ~~الذي نغسله ونطهره، وتنمية له بشيء عائد عليه فيزداد، وهكذا تطهر الصدقة ~~وتزكى عناصر الفعل كلها. والتطهير لمن يعطى، له معنى معه، والزكاة لها ~~معنى معه لأنك إن أخذت منه المال، فقد يكون قد غفل وأدخل في ماله شيئا ~~فيه شبهة، فالصدقة والزكاة تطهران هذا المال. # أما كيف تنمي صاحب المال؟ أنت إن أخذت منه وهو قادر، معنى ذلك أنك ~~تطمئنه أنه إذا احتاج فستعطيه، وبهذا يعرف أنه لا يعيش في المجتمع ~~بمفرده، ولا يخاف أن يضيع منه المال، واطمأن لحظة أن أخذت منه المال وهو ~~قادر كي تعطي المحتاج، فكأنك تطمئنه وتقول له: أنت لو احتجت فلن تضيع، ~~وبذلك تنمي تواجده وثقته، وطهرته أيضا من أن يكون في ماله شبهة، هذا ~~من ناحية صاحب المال. أما من ناحية المال نفسه، فالصدقة تطهر المال لأن ~~المال قد يزيد ms4307 فيه شيء فيه شبهة فالزكاة تطهره. وقد يخيل إليك أنك حين ~~تأخذ من المال فهو ينقص، عكس الربا الذي يزيد المال، فالربا مثلا يحقق ~~زيادة للمائة جنيه فتصبح مائة وعشرة مثلا، أما المزكي فالمائة جنيه ~~تصير سبعة وتسعين ونصفا، والسطحي يرى أن الزكاة أنقصت المال وأن الربا ~~يزيده، ولكن هذا بمقاييس البشر، لا بمقاييس من يملك الأشياء فالزكاة التي ~~تعتبرونها نقصا تنمي، والربا الذي تعتبرونه ينمي إنما ينقص، والحق ~~يقول: # يمحق الله الربا ويربي الصدقات... # [البقرة: 276]. إذن: فهناك مقاييس عند البشر، ومقاييس أخرى عند الحق، ~~فما رأيته منقصا لك، هو عند الله زيادة، وما رأيته مزيدا لك، هو في ~~الواقع نقص، كيف؟ لأن الناس لا ينظرون إلا إلى رزق الوارد الإيجابي، ~~ويظنون أن هذا هو الرزق، ولا يتذكرون أن هناك رزقا اسمه " رزق السلب " ، ~~فرزق الإيجاب قد يزيد دخلك مثلا من مائة إلى مائة وعشرة. ورزق السلب ~~يتمثل في أنك تصرف سبعين فقط، بدلا من أن تصرف مائة، فيبقى لك ثلاثون، ~~بالإضافة إلى أنه يمنع عنك مصارف الشر، هذا من ناحية المال. والحق يقول: # ومآ آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا ~~يربو عند الله ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه ~~الله فأولئك هم المضعفون # [الروم: 39]. وكيف تكون الصدقة تطهيرا للآخذ وهو لم يذنب ذنبا يحتاج ~~إلى تطهير، بل هو معطى له لأنه محتاج؟ ونقول: إن الآخذ حين يأخذ من مال ~~غيره، وهو عاجز عن الكسب فهو يتطهر من الحقد على ذي النعمة لأنه وصله بعض ~~من المال الذي عند ذي النعمة، فلا يحقد عليه ولا يحسده، فهو إن رأى عنده ~~خيرا، دعا له بالزيادة لأن بعضا من الخير يعود عليه. والفلاحون في ريف ~~مصر يهدون بعضهم بعضا من لبن ماشيتهم، أو بعضا من الخير الخارج من ~~لبنها، وساعة أن تمر إحداها على أهل القرية يدعون الله بحمايتها، وهكذا ~~تتطهر نفس الفقير من الحقد والحسد. هذا عن التطهير، فماذا عن التزكية ~~والنماء؟ إن الفقير ساعة يرى نفسه فقيرا، ويرى ms4308 أن المجتمع الإيماني يقوم ~~برعايته ولا يتركه وحيدا، ويتسابق أهل الخير لنجدته، فنفسه تنمو ~~بالاطمئنان لأنه في مجتمع إيماني. # إذن: فقوله الحق: { تطهرهم وتزكيهم } راجع لكل العناصر في ~~الآية. ثم يقول سبحانه: { وصل عليهم } أي: ادع لهم بالخير ولذلك ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما أتاه قوم بأي صدقة قال: " اللهم صل ~~عليهم " فأتاه أبو أوفى بصدقته، فقال: " اللهم صل على آل أبي أوفى " ، ~~هذه هي التزكية القولية التي يحب كل مسلم أن يسمعها فيعطي، ويجد ~~ويجتهد من ليس عنده ليسمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله ~~الحق: { إن صلوتك سكن لهم } أي: اطمئنان لهم، وما دام ~~الرسول صلى الله عليه وسلم قد دعا له، فهو قد اطمأن إلى أن صدقته وصلت ~~إلى مرتبة القبول حيث جازاها رسول الله بالدعاء. وإذا ما سمعها الآخذ ~~للصدقة يقول بينه وبين نفسه: ولماذا لا أجد في حياتي وأجتهد حتى أظفر ~~بتلك الدعوة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وينهي الحق الآية بقوله: ~~{ والله سميع عليم } أي أنه سبحانه { سميع } لكل ما تعتبره ~~قولا. و { عليم } بكل ما تعتبره فعلا. ويقول الحق بعد ذلك: { ألم ~~يعلموا أن الله... }. ### || [9.104] # و { ألم يعلموا } مكونة من ثلاث كلمات هي: همزة استفهام، " لم ~~" حرف نفي، و " يعلم " وهو فعل. فهل يريد الله هنا أن ينفي عنهم العلم أم ~~يقرر لهم العلم؟ لقد جاء سبحانه بهمزة يسمونها " همزة الاستفهام الإنكاري ~~" والإنكار نفي، فإذا دخل نفي على نفي فهو إثبات، أي " فليعلموا ". ~~ولماذا لم يأت بالمسألة كأمر؟ نقول: إن الحق حين يعرضها معرض الاستفهام ~~فهو واثق من أن المجيب لا يجيب إلا بهذا، وبدلا من أن يكون الأمر ~~إخبارا من الله، يكون إقرارا من السامع. { ألم يعلموا أن ~~الله هو يقبل التوبة } لماذا جاء الحق بكلمة { هو } ، ~~وكان يستطيع سبحانه أن يقول: " ألم يعلموا أن الله يقبل التوبة " ولن ~~يختل الأسلوب؟ أقول: لقد شاء الحق أن يأتي بضمير الفصل، مثلما نقول: فلان ~~يستطيع أن يفعل ms4309 لك كذا. وهذا القول لا يمنع أن غيره يستطيع إنجاز نفس ~~العمل، لكن حين تقول: فلان هو الذي يستطيع أن ينجز لك كذا. فهذا يعني أنه ~~لا يوجد غيره. وهذا هو ضمير الفصل الذي يعني الاختصاص والقصر ويمنع ~~المشاركة. لذلك قال الحق: { ألم يعلموا أن الله هو ~~يقبل التوبة... } [التوبة: 104]. وهل كانت هناك مظنة أن أحدا ~~غير الله يقبل التوبة؟ لا. بل الكل يعلم أننا نتوب إلى الله، ولا نتوب ~~إلى رسول الله. ونحن إذا استعرضنا أساليب القرآن، وجدنا أن ضمير الفصل أو ~~ضمير الاختصاص هو الذي يمنع المشاركة فيما بعدها لغيرها وهو واضح في قصة ~~سيدنا إبراهيم حين قال: # إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون * قالوا نعبد ~~أصناما فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم ~~إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل ~~وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون * قال أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون * أنتم وآبآؤكم الأقدمون * ~~فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 70-77]. ولم يقل سيدنا إبراهيم: " إنهم أعداء " ، بل جمعهم ~~كلهم في عصبة واحدة وقال: { فإنهم عدو لي }. و { إنهم } ~~- كما نعلم - جماعة، ثم يقول بعدها { عدو } وهو مفرد، فجمعهم سيدنا ~~إبراهيم وكأنهم شيء واحد. وكان بعض من قوم إبراهيم يعبدون إلها ~~منفردا، وجماعة أخرى يعبدون الأصنام ويقولون: إنهم شركاء للإله. إذن: ~~كانت ألوان العبادة في قوم إبراهيم عليه السلام تتمثل في نوعين اثنين. ~~ولما كان هناك من يعبدون الله ومعه شركاء، فقول إبراهيم قد يفسر على أن ~~الله داخل في العداوة لذلك استثنى سيدنا إبراهيم وقال: { فإنهم ~~عدو لي إلا رب العالمين } ، أي: أن الله سبحانه ليس ~~عدوا لإبراهيم عليه السلام، وإنما العداوة مقصورة على الأصنام. # أما إن كان قومه يعبدون آلهة دون الله، أي: لا يعبدون الله، لم يكن ~~إبراهيم ليستثنى. والاستثناء هنا دليل على أن بعضا من قومه هم الذين ~~قالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى... # [الزمر: 3]. وهكذا تبرأ سيدنا إبراهيم عليه السلام من الشركاء فقال: { ~~فإنهم عدو لي إلا رب العالمين } وهذا كلام ms4310 دقيق ~~محسوب. وأضاف: # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء: 78]. ولم يقل: " الذي خلقني يهديني " ، بل ترك " خلقني " بدون ~~" هو " وخص الله سبحانه وحده بالهداية حين قال: { فهو يهدين } ~~لأن " هو " لا تأتي إلا عند مظنة أنك ترى شريكا له، أما مسألة الخلق فلا ~~أحد يدعي أنه خلق أحدا. فالخلق لا يدعى، ولذلك لم يقل " الذي هو ~~خلقني ". والحق سبحانه هو القائل: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله... # [الزخرف: 87]. فليس هناك خالق إلا هو سبحانه. إذن: فالأمر الذي لا يقول ~~به أحد غير الله لا يأتي فيه الضمير. لكن الأمر الذي يأتي فيه واحد مع ~~الله، فهو يخصص ب " هو " تأكيدا على تخصيصه لله وحده { الذي ~~خلقني فهو يهدين } فليس لأحد أن يدخل أنفه في هذه المسألة ~~لأن أحدا لم يدع أنه خلق أحدا، فمجيء الاختصاص - إذن - كان في مجال ~~الهداية بمنهج الحق، لا بقوانين من الخلق. فمن الممكن أن يقول بشر: أنا ~~أضع القوانين التي تسعد البشر، وتنفع المجتمع، وتقضي على آفاته، ونقول: ~~لا، إن الذي خلقنا هو وحده سبحانه الذي يهدينا بقوانينه. إذن: فما لا ~~يدعى فلا تأتي فيه هو، أما ما يمكن أن يدعى فتأتي فيه هو. وقوله ~~سبحانه: # والذي هو يطعمني ويسقين # [الشعراء: 79]. وجاء هنا أيضا بضمير الفصل لأن الإنسان قد يرى والده ~~وهو يأتي له بالطعام والشراب فيظن أن الأب شريك لله لذلك جاء ب { هو } ~~، فأنت إن نسبت كل رزق يأتي به أبوك، لانتهيت إلى مالم يأت به الأب لأن ~~كل شيء فيه سبب للبشر ينتهي إلى ما ليس للبشر فيه أسباب، فكل شيء من ~~الله لذلك قال سيدنا إبراهيم: # والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو ~~يشفين # [الشعراء: 79-80]. وخصص الشفاء أيضا حتى لا يظن ظان أن الطبيب هو الذي ~~يشفي، وينسى أن الله وحده هو الشافي، أما الطبيب فهو معالج فقط ولذلك تجد ~~أننا قد نأخذ إنسانا لطبيب، فيموت بين يدي الطبيب ولذلك يقول الشاعر عن ~~الموت: # إن نام عنك فأي طب نافع # أو ms4311 لم ينم فالطب من أذنابه # فقد يعطي الطبيب دواء للمريض، فيموت بسببه هذا المريض. وجاء سيدنا ~~إبراهيم بالقصر في الشفاء لله حتى لا يظن أحد أن الشفاء في يد أخرى غير ~~يد الله سبحانه. # ثم يقول سيدنا إبراهيم: # والذي يميتني... # [الشعراء: 81]. ولم يقل: " هو " يميتني لأن الموت مسألة تخص الحق وحده، ~~وقد يقول قائل: كان يجب أن يقول: " هو يميتني " ، ونقول: انتبه إلى أن ~~إلا الموت غير القتل، فالموت يتم بدون نقض للبنية، والقتل لا يحدث إلا ~~بنقض البنية، ويضيف الحق على لسان سيدنا إبراهيم: # والذي يميتني ثم يحيين # [الشعراء: 81]. وأيضا لم يقل: " هو يحييني " لأن هذا أمر خارج عن أي ~~توهم للشركة فيه، فقد جاء ب " هو " في الأمور التي قد يظن فيها الشركة، ~~وهو كلام بالميزان: # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين # [الشعراء: 82]. لم يأت أيضا ب " هو " لأن المغفرة لا يملكها إلا الله. ~~إذن فكل أمر معلوم أنه لا يشارك فيه جاء بدون " هو " ، وكل ما يمكن أن ~~يدعى أن فيه شركة يجيء ب " هو ". وهنا يقول الحق: { ألم ~~يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } ~~وظاهر الأمر أن يقال: ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة " من " عباده، ~~ولكنه ترك " من " وجاء ب " عن ". والبعض يقولون: إن الحروف تنوب عن ~~بعضها، فتأتي " من " بدلا من " عن ". ونقول: لا، إنه كلام الحق سبحانه ~~وتعالى ولا حرف فيه يغني عن حرف آخر لأن معنى التوبة، أن ذنبا قد حدث، ~~واستوجب المذنب العقوبة، فإذا قبل الله التوبة، فقد تجاوز الله عن ~~العقوبة ولذلك جاء القول من الحق محددا: { ألم يعلموا أن ~~الله هو يقبل التوبة } أي: متجاوزا بقبول التوبة عن ~~العقوبة. وهكذا جاءت " عن " بمعناها لأنه سبحانه هو الذي قبل التوبة، ~~وهو الذي تجاوز عن العقوبة. ثم يقول سبحانه: { ويأخذ الصدقات } ~~صحيح أن الله هو الذي قال للرسول: { خذ } ولكن الرسول هو مناول ليد ~~الله فقط، و " يأخذ " هنا معناها " يتقبل " واقرأ قول الحق: # إن المتقين ms4312 في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم... # [الذاريات: 15-16]. أي: متلقين ما آتاهم الله. ومثال هذا ما يروى عن ~~السيدة فاطمة حينما دخل عليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدها ~~تجلو درهما، والدرهم عملة من فضة. والفضة من المعادن التي لا تصدأ، ~~والفضة على أصلها تكون لينة لذلك يخلطونها بمعدن آخر يكسبها شيئا من ~~الصلابة. والمعدن الذي يعطي الصلابة هو الذي يتأكسد فتصدأ الفضة لذلك ~~أخذت سيدتنا فاطمة تجلو الدرهم. فلما دخل عليها سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سألها: ما هذا؟ قالت: إنه درهم. واستفسر منها لماذا تجلو ~~الدرهم؟ فقالت: كأني رأيت أن أتصدق به، وأعلم أن الصدقة قبل أن تقع في يد ~~الفقير تقع في يد الله فأنا أحب أن تكون لامعة. # فعلت سيدتنا فاطمة ذلك لأنها تعلم أن الله وحده هو الذي يأخذ الصدقة. { ~~ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن ~~عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب ~~الرحيم }. كل هذه الآية نفي لمظنة أن يتشككوا إذا فعلوا ذلك مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ رسول الله الصدقات، فإن توبتهم قد ~~قبلت، ولكن الذي يقبل التوبة هو الله، والذي يأخذ الصدقات هو الله ~~لأنه هو التواب الرحيم لذلك جاء قول الحق من بعد ذلك: { وقل ~~اعملوا فسيرى الله... }. ### || [9.105] # إذن: هم أعلنوا التوبة بعد أن اعترفوا بذنوبهم، وخلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا، وربطوا أنفسهم في سواري المسجد، وقالوا: لا نحل أنفسنا حتى ~~يحلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: خذ من أموالنا صدقة ~~لتطهرنا كل هذا جعل هناك حدا فاصلا بين ماض ندموا عليه، ومستقبل ~~يستأنفونه قد ولدت الآن. وبدأت صفحة جديدة، فهل أنتم ستسيرون على مقتضى ~~هذه التوبة أم لا؟ ولا تظنوا أن أموركم ستكون في الخفية بل ستكون في ~~العلن أيضا، أما أموركم الخفية فسيعلمها الله لذلك قال: { فسيرى ~~الله }. أما الأمور التي تحتاج لفطنة النبوة فالرسول صلى الله عليه ~~وسلم بفطرته سيراها بنوره في سلوككم. أما الأمور ms4313 الظاهرة الأخرى فسيراها ~~{ المؤمنون }. نحن هنا أمام ثلاثة أعمال: عمل يراه المؤمنون ~~جميعا، فالتزموا بهذا المنهج حتى يشهد لكم المؤمنون بما يرون من ~~أعمالكم، وإياكم أن تخادعوا المؤمنين لأن رسول الله بفطنته ونورانيته ~~وصفائه وشفافيته سيعرف الخديعة، أما إن كانت المسألة قد تتعمى على ~~المؤمنين وعلى الرسول، فالله هو الذي يعلم. { وقل اعملوا } أي: ~~اعملوا عملا جديدا يناسب اعترافكم بذنوبكم، ويناسب إعلانكم التوبة، ~~ويناسب أنكم ربطتم أنفسكم في المسجد، ويناسب أنكم تصدقتم بالأموال، عمل ~~تستأنفون به حياتكم بصفحة جديدة، واعلموا أننا سنرقب عملكم، الله يرقبه ~~فيما لا يعلمه البشر، وهو النيات، ورسول الله يعلمه فيما يطابق ~~نورانيته وإشراقه، والمؤمنون يعلمونه في عاديات الأمور. وهذه الرؤية من ~~الله ومن الرسول ومن المؤمنين لا تكون لها قيمة إلا إذا ترتب عليها ~~الجزاء ثوابا أو عقابا، فهي ليست مجرد رؤية، بل إن الرائي يملك أن يثيب ~~أو أن يعاقب. وأنكم راجعون إليه لا محالة. وإذا كنتم في الدنيا تعيشون في ~~الأسباب التي يعيش فيها الكافر والمؤمن، ويعيش فيها الطائع والعاصي، ~~فهناك عالم الغيب الذي يملكه الله وحده: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. إذن: سيعامل التائب معاملة جديدة، وما دام قد تاب، فلعله ~~بسبب الغفلة التي طرأت عليه فأذنب غفل عن اليوم الآخر، فيحتاج إلى تجديد ~~التذكير بالإيمان. لذلك قال: { وقل اعملوا فسيرى الله ~~عملكم ورسوله والمؤمنون }. قوله سبحانه: فسيرى ذكر ~~الفعل مرة واحدة، فالرؤية واحدة ملتحمة بعضها ببعض لتروا هل أنتم على ~~المنهج أم لا؟ { وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~} أما علم الغيب فانفرد به الله سبحانه، وأما عالم الشهادة فالرسول سوف ~~يعلم عنكم أشياء، وكذلك المؤمنون يعلمون أشياء، وربنا عالم بالكل. ~~وسبحانه لا يجازي على مجرد العلم، بل بنية كل إنسان بما فعل، وسبحانه ~~يقول: # كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. ولذلك ينهي الحق هذه الآية بقوله: { فينبئكم ~~بما كنتم تعملون } وهؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم، وربطوا ~~أنفسهم في السواري، وتصدقوا بالأموال، وأعطى الله فيهم حكمه بأن جعل رسول ~~الله هو ms4314 من يحل وثاقهم من السواري، وقبل منهم الصدقات ليسوا وحدهم، فهناك ~~أناس آخرون فعلوا نفس الأمر، لكنهم لم يربطوا أنفسهم في سواري المسجد، ~~ولا اعترفوا بذنوبهم لذلك يجيء قوله الحق: { وآخرون مرجون ~~لأمر... }. ### || [9.106] # والمقصودون بهذه الآية هم الثلاثة الذين سيخصهم القرآن بآيات خاصة يقول ~~فيها: # وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت ~~عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم ~~وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب ~~عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم # [التوبة: 118]. وهؤلاء الثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة ~~بن الربيع. وهم قد تخلفوا أيضا عن غزوة تبوك، ولم يكن لهم عذر في التخلف ~~أبدا، فكل واحد يملك راحلته، وعندهم مالهم، وعندهم كل شيء، وقد قص واحد ~~منهم حكايته، وبين لنا أنه لم يكن له عذر: " وما كنت في يوم من الأيام ~~أقدر على المال والراحلة مني في تلك الغزوة، كنت أقول: أتجهز غدا، ويأتي ~~الغد ولا أتجهز، حتى انفصل الركب، فقلت ألحق بهم، ولم ألحق بهم ". هؤلاء ~~هم الثلاثة الذين جاء فيهم القول: { وآخرون مرجون لأمر ~~الله } و { مرجون } أو " مرجئون " والإرجاء هو التأخير. أي: أن ~~الحكم فيهم لم يظهر بعد لأن الله يريد أن يبين للناس أمرا، وخاصة أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينشئ في الدولة الإسلامية سجنا يعزل ~~فيه المجرم وهذا لحكمة، فكونك تأخذ المجرم وتعزله عن المجتمع وتحبسه في ~~مكان فهذا جائز. لكن النكال في أن تدعه طليقا، وتسجن المجتمع عنه. وهكذا ~~تتجلى عظمة الإيمان لذلك أصدر صلى الله عليه وسلم أمرا بأن يقاطعهم ~~الناس، فلا يكلمهم أحد، ولا يسأل عنهم أحد، حتى أقرباؤهم ولا يختلط بهم ~~أحد في السوق أو في المسجد. وكان أحدهم يتعمد أن يصلي قريبا من النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويختلس النظرات ليرى هل ينظر النبي له أم لا؟ ثم يذهب ~~لبيت ابن عمه ليتسلق السور، ويقول له: أتعلم أنني أحب الله ورسوله؟ فيرد ~~عليه: الله ورسوله أعلم. وهكذا ms4315 عزل رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع ~~عنهم، ولم يعزلهم عن المجتمع. وكذلك عزلهم عن زوجاتهم، وهو الأمر الذي ~~يصعب التحكم فيه. وحذر صلى الله عليه وسلم زوجاتهم أن يقربوهم إلى أن ~~يأتي الله بأمره. { وآخرون مرجون لأمر الله إما ~~يعذبهم وإما يتوب عليهم } هذا بالنسبة لنا - إما أن ~~يعذبهم وإما أن يتوب عليهم. لكن الحق سبحانه وحده هو الذي يعلم مصير كل ~~واحد منهم. فالتشكيك إذن هو بالنسبة لنا لأنهم مرجون لأمر الله ولم ~~يبت فيهم بحكم لا إلى النار ولا إلى الجنة، ولم يبت فيهم بالعفو. أما ~~أمرهم فهو معلوم له سبحانه إما أن يعذب وإما أن يتوب لأن كل حكم من الله ~~له ميعاد يولد فيه، ولكل ميلاد حكمة، وهناك قوم عجل الله بالحكم فيهم، ~~وقوم أخر الله الحكم فيهم ليصفى الموقف تصفية تربية، لهم في ذاتهم، ولمن ~~يشهدونهم. # وقد استمرت هذه المسألة أكثر من خمسين يوما ليتأدبوا الأدب الذي يؤدبهم ~~به المجتمع الإيماني، فلم يشأ الله أن يبين الحكم حتى يستوفي هذا ~~التأديب. وإذا أدب هؤلاء، فإن تأديبهم سيكون على مرأى ومسمع من جميع ~~الناس، فيأخذون الأسوة من هذا التأديب. ولو أن الله عجل بالحكم، لمرت ~~المسألة بغير تأديب للمعتذرين كذبا وغيرهم، فقال: { وآخرون ~~مرجون لأمر الله } وما دام سبحانه قد حكم هنا بأنهم مؤخرون ~~لأمر الله، فليس لنا أن نتعجل قصتهم، إلى أن يأتي قول الله فيهم: # وعلى الثلاثة الذين خلفوا... # [التوبة: 118]. وأراد الله أن يقص لنا قصة أخرى من أحوالهم، فقال: { ~~والذين اتخذوا مسجدا... }. ### || [9.107] # يقص لنا القرآن هنا حالا من أحوال المنافقين، وأحوالهم مع الإيمان ~~متعددة. وقد ذكر الحق سبحانه عنهم أشياء صدرها بقوله: { ومنهم } ، ~~{ ومنهم } و { ويحلفون } ، { ويحلفون } ولذلك يسميها ~~العلماء " مناهم التوبة " ، مثل قوله: # ومنهم من عاهد الله... # [التوبة: 75]. وقول الحق: # ومنهم الذين يؤذون النبي... # [التوبة: 61]. وقوله الحق: # ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني... # [التوبة: 49]. وقال الحق عنهم أيضا: { ويحلفون } ، { ~~ويحلفون } ، { ويحلفون } ويقولون عنها: " محالف التوبة " ، ~~ويقص الحق هنا ms4316 حالا آخر من أحوال المنافقين، وقد قص له نظيرا فيما سبق، ~~وهؤلاء المنافقون - كما قلنا - متعارضون في ملكاتهم، ملكة لسانية تؤمن، ~~وملكة قلبية تكفر. والمزاوجة بين الملكات المتناقضة أمر عسير على النفس ~~وشاق، ويتطلب مجهودا عاطفيا، ومجهودا عقليا، ومجهودا حركيا، ~~فهم إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا كلاما، وإذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا كلاما، ويقص الحق ذلك حين يعلنون الإيمان بألسنتهم في قوله: # وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا... # [البقرة: 14]. أما إذا خلوا إلى أنفسهم فالحق يصف حالهم: # وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم... # [البقرة: 14]. وهكذا تكبت ملكات لسانهم في أن يقولوا وقت أن يكونوا ~~مع المؤمنين، أما حين يكونون مع إخوانهم فهم ينفسون عن ملكاتهم ~~فيقولون قولا مختلفا، وهذه مسألة متناقضة ولذلك قال القرآن فيما سبق: # لو يجدون ملجئا أو مغارات أو مدخلا لولوا ~~إليه وهم يجمحون # [التوبة: 57]. أي: لو أنهم يجدون مكانا أمينا، لا يراهم فيه المؤمنون، ~~لنفسوا عن أنفسهم، وسبوا النبي، وسبوا المؤمنين، وقالوا ما يريدون، ~~إلا أنهم لا يجدون هذا المكان، إنهم يتمنون لو وجدوا ملجأ يلجأون إليه، ~~أو مغارة يدخلون فيها لكي ينفسوا عن أنفسهم إذن: { لولوا ~~إليه وهم يجمحون } ، لكنهم لا يجدون. ويقص الحق سبحانه ~~وتعالى هنا قصة أخرى من أحوالهم فيقول عز وجل: { والذين اتخذوا ~~مسجدا ضرارا وكفرا... } [التوبة: 107]. نحن نعلم أن كلمة " ~~مسجد " في عمومها هي مكان السجود، وفي الخصوص هي مكان يحجز للسجود ~~وللصلاة فقط، فإن أردت المعنى العام، فكل الأرض مسجد، وتستطيع أن تصلي في ~~أي مكان فيصير مسجدا، لا بالمكان ولكن بالمكين، وبعد ذلك تزاول فيه ~~أعمال الحياة، وقد تصلي في الفصل الدراسي أو المكتب أو المصنع أو الحقل ~~أو في أي مكان تزاول فيه أسباب الحياة. وبذلك يصبح المكان الذي تصلي فيه ~~مسجدا بالمكين، ولكن هناك مسجد آخر مخصص دائما للصلاة حين يؤخذ حيز من ~~المكان، ويقال: " حجز ليكون مسجدا " ، فلا تباشر فيه أي عملية من عمليات ~~الحياة إلا الصلاة وهو مسجد - بالمكان -، ونحن نعلم أن أول مسجد ms4317 أسس هو ~~مسجد قباء والذين بنوه هم بنو عمرو بن عوف، ثم أراد المنافقون أن ~~ينفسوا عن أنفسهم في صورة طاعة، فبنوا مسجدا ضرارا، وقد بناه بنو ~~غنم بن عوف وأرادوا بهذا المسجد أن ينافسوا مسجد قباء. # ونعلم كيف يكون الضرار بين المتنافسين على شيء، كما يحدث الآن تماما، ~~وتسمع من يقول: ولماذا أقام الحي الفلاني مسجدا، ولم نقم نحن مسجدا؟ ~~وعلى ذلك فكل مسجد فيه هذه الصفة صفة التنافس للحصول على سمعة أو تحيز ~~لجهة على جهة، أو رياء، فهذا يعتبر مسجدا ضرارا لأن كل هذه المسائل ~~فرقت جماعة المسلمين. وقد يقول قائل: ولكن هذا الأمر ظاهرة صحية، ونقول: ~~لا، إن لنا أن نعرف أنها ظاهرة مرضية في الإيمان لأنك حين ترى المسجد ~~وليس فيه صفان مكتملان، ثم يوجد بعده بعدة أمتار مسجد، وهناك مسجد ثالث ~~بعد عدة أمتار، ثم مسجد رابع، فهذه كلها مساجد ضرار. إذن: ف " المسجد " ~~بمعناه الخاص هو المكان الذي يحيز حتى يصير مسجدا، لا يزاول فيه شيء غير ~~المسجدية، ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم حين رأى واحدا ينشد ضالته ~~في المسجد، قال له: # " لا رد الله عليك ضالتك " # لأن المسجد حين تدخله فأنت تعلن نية الاعتكاف لتكون في حضرة ربك، وعندك ~~من الوقت خارج المسجد ما يكفيك لتتكلم في مسائل الدنيا. إذن: فهؤلاء ~~القوم أرادوا أن ينفسوا عن نفاقهم بمظهر من مظاهر الطاعة، فقالوا: ~~نقيم مسجدا، وبذلك نفرق جماعة المسلمين، فجماعة يصلون هنا، وجماعة يصلون ~~هناك، وإن قعدنا نحن نصلي فيه فنكون أحرارا، ونتكلم مثلما نريد، أما حين ~~نذهب للصلاة في المسجد الآخر، فنحن نجلس هناك مكبوتين، وغير قادرين على ~~الكلام، ونحن نريد أن ننفس عن أنفسنا. فهم بنوا المسجد، ثم طلبوا من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي معهم في المسجد الجديد أثناء خروجه ~~لغزوة تبوك فاعتذر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوضح لهم: إننا في حال ~~لا يسمح بذلك، وإن شاء الله عند عودتنا من الغزوة نصلي ms4318 فيه. وبعد أن عاد ~~من الغزوة حاولوا أن يستوفوه وعده، ويطلبوا منه الوفاء بوعده، فإذا ~~بجبريل ينزل عليه بالآيات التي توضح حكاية هذا المسجد، وكيف أنه مسجد ~~ضرار لأن الله علم نيتهم في ذلك. ومعنى " الضرار " من المضارة، وأنهم ~~أرادوا أن يأخذوا راحتهم في كل الزمن، وأن يبتعدوا عن التواجد مع ~~المؤمنين في المسجد الذي يصلي فيه رسول الله، ويريدون أن يخلو بعضهم ~~ببعض، وأن يتكلموا كما يريدون في مضارة المسلمين، ويفرقوا بين جماعة ~~المسلمين. ثم يقول سبحانه: { وتفريقا بين المؤمنين }. إذن: ~~فكل ما يفتت جماعة المسلمين هو أمر ضار بمصلحة الإسلام لأن الإسلام يريد ~~أن يعلم الناس أنهم قوة مجتمعة، ويكون أمر هذه القوة واضحا ولهذا أباح ~~الحق أن تصلي الصلوات في أي مكان، وحتم أن نصلي جميعا يوم الجمعة في ~~مكان واحد ليفرح المسلمون حين يرون أنفسهم مقبلين على الدين، ويلتقي كل ~~واحد منهم بالآخر ولذلك كان مسجد الضرار هذا تفريقا بين المسلمين. # ثم يقول سبحانه: { وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ~~من قبل } والإرصاد هو الترقب، ولذلك يقال: لقد استمر القوم في المكان ~~الفلاني لرصد فلان، أي: أنهم أناس يترقبون مجيئه بمكان ليفتكوا به، وهذا ~~هو ترقب الكراهية لا ترقب الحب. والذين أقاموا هذا المسجد أرصدوه مترقبين ~~ومنتظرين إنسانا له سابقة في عداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ~~الذي طلب منهم إقامة هذا المسجد وهو " أبو عامر الراهب " وقد سماه رسول ~~الله " الفاسق ". وأبو عامر هذا رجل تنصر في الجاهلية، ولم تكن ~~الجاهلية بيئة ديانات، فمن كان مثلا يسافر إلى مكان ويسمع بدين فهو يأتي ~~به ليدعوا لهذا الدين ويترأس من يتبعونه، وأبو عامر من هؤلاء الذين ~~تنصروا وصاروا في المدينة، فلما جاء رسول الله ليبطل كل هذه الأشياء في ~~المدينة وزالت رياسته، عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى قال له ~~في أحد: ما رأيت قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم. وحين تمكن الإسلام في ~~المدينة فر إلى مكة، ولما فتحت مكة فر إلى الطائف، ms4319 فلما آمن أهل الطائف، ~~لم يجد له وطنا فذهب إلى الروم " بالشام ". ثم كتب للمافقين أن أعدوا ~~مسجدا لأني سأتي لكم بقوة من ملك الروم لأهاجم محمدا وأحاربه وأخرجه من ~~المدينة. إذن: فهم قد بنوا ذلك المسجد ضرارا، وكفرا، وتفريقا، ~~وإرصادا، أي: ترقبا وانتظارا لذلك الراهب الذي سيذهب إلى الشام ويأتي ~~بجنود لمحاربة الله ورسوله. ورغم أنهم قد فعلوا ذلك، فقد امتلكوا جراءة ~~الطلب من رسول الله أن يصلي معهم فيه بهدف ترسيم هذا المكان مسجدا ليصلي ~~فيه الناس ما دام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى فيه، وظنوا أن هذه ~~المكيدة سوف تفلح، ولكن الله الذي يحرس نبيه، ويحرس دينه من المنافقين، ~~كشف له حقيقة هذا المسجد. وقد يتغافل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~المنافقين بعض الشيء لحكمة، فهم قد أخذوا بالإسلام لونا من الصحبة، ولم ~~يفضحهم أولا حتى لا يقال: إن محمدا يحارب أصحابه لذلك فرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كان يعلم ما لم يكن يعلمه غيره لذلك أراد أن يحمي الإسلام ~~من لسان من لم يعلم. ولكن بعد أن انكشف الأمر أرسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم " مالك بن الدخشم " و " عامر بن السكن " ، و " وحشي " قاتل ~~حمزة، و " معن بن عدي " ليهدموا هذا المسجد، وأن يجعلوا في موضعه مكان " ~~القمامة ". # وبذلك فضح المنافقون، فأسروها في نفوسهم. وأنت إذا رأيت من عدوك ~~فعلا تكرهه، فعليك أولا أن تفسد عليه الفعل، هذه أول مرحلة، فإذا تكرر ~~الفعل منه، ولم يرتدع، لا بد أن تضعه في مكانه اللائق به. والمنافقون ~~أرادوا بهذا المسجد الضرر والإضرار بالإسلام، وكان يجب أن يكفوا عن مثل ~~هذا العمل ما دام الحق قد كشفهم. لكنهم لم يكفوا، وظلوا سادرين في ~~العداوة للإسلام لذلك كان لا بد كما تخلصت أولا من الفعل أن تتخلص من ~~الفاعل لذلك أصبحوا خائفين من أن يتجه الردع إلى الفاعل، والحق سبحانه ~~يقول: # يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ~~تنبئهم بما في قلوبهم قل ms4320 استهزءوا إن الله ~~مخرج ما تحذرون # [التوبة: 64]. ونعلم أن المريب يكاد أن يقول: خذوني. إنه بسلوكه إنما ~~يدل على نفسه، ويأتي القرآن في سورة ثانية فيقول: # وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا ~~تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون ~~كل صيحة عليهم... # [المنافقون: 4]. وهم يتصرفون هكذا لأن الريبة تملأ أعماقهم، وكلما رأى ~~واحد منهم مؤمنا يسير إلى ناحيته يظن أنه جاء ليؤدبه ضربا أو قتلا. ~~والحق سبحانه يقول هنا: { وإرصادا لمن حارب الله ~~ورسوله من قبل } ، وكلمة { من قبل } فيها إيحاء بأن لهم ~~سوابق في محاربة رسول الله بغرض أن يؤذوه صلى الله عليه وسلم، ولكن الحق ~~سبحانه يحميه دائما، ولم يعد هناك مكر أو حرب يمكن أن ينالوا بها منه ~~صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الأمر أمثلة كثيرة، فالقرآن حينما يقص على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أحوال اليهود ويوضح له: # ويقتلون النبيين بغير الحق... # [البقرة: 61]. أليس هذا القول يدفع في خاطره احتمال أن يقتلوه؟ بلى فهم ~~ما دامت عندهم الجرأة على قتل الأنبياء فما الذي يمنعهم من قتله؟ لكن ~~الحق يطمئنه ويكبتهم ويقطع عندهم الأمل، ويأتي قوله الحق: # فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل... # [البقرة: 91]. وقوله: { من قبل } هنا يعني أن ذلك لن يحدث الآن، فقد ~~اختلف الموقف. وهكذا طمأن الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وبذلك كبتت ~~هذه الفكرة إن فكروا فيها. وأيضا حين يأتي القرآن بشيء في نيتهم أن ~~يفعلوه، ولم يفعلوا بعد، ويفضحهم القرآن بإعلان ما في نيتهم، ومن غبائهم ~~فهم يفعلون الأمر المفضوح، ولو كان عندهم قليل من ذكاء لامتنعوا عن فعل ~~ما فضحهم به القرآن. ويتمثل ذلك في أحد المواقف التي يحلفون فيها، ولو ~~كان فيهم رجل رشيد يملك التفكير المتوازن لقال لهم: إنكم سوف تحلفون { ~~إن أردنا إلا الحسنى } فلا تحلفوا حتى يشك المسلمون في ~~القرآن، ومن غبائهم أيضا أنهم حلفوا في أمر لهم فيه اختيار أن يفعلوه أو ~~لا يفعلوه، مثلما قال الحق سبحانه: # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم ms4321 عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها... # [البقرة: 142]. إنهم لم يكونوا قد قالوا بعد، وأنزل الحق ذلك في قرآن ~~يتلى كل صلاة، ويعرفه كل مسلم، فيكف يقولون نفس القول بعد أن نزل به ~~القرآن؟ لقد فعل اليهود ذلك وهم بهذا الفعل قد اختاروا أن يكونوا سفهاء، ~~ولم يخرج منهم عاقل واحد يحثهم على ألا يقولوا. وهنا يقول الحق: { ~~وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى } والحق هنا قد أكد ~~الأمر حين جاء بلام القطع. وهم قد أقسموا وقالوا: ما أردنا باتخاذ هذا ~~المسجد إلا مصلحة المسلمين ولنيسر على المعذورين والمرضى، والعاجزين عن ~~السير إلى المسجد الآخر، وإن كانت ليلة مطيرة أو ليلة شاتية، فيستطيع ~~الناس أن يجدوا مسجدا ثانيا ليصلوا فيه، ولكن حكم الله ينزل { ~~والله يشهد إنهم لكاذبون }. ويقول الحق بعد ذلك: { لا ~~تقم فيه أبدا لمسجد أسس على... }. ### || [9.108] # فهل قوله الحق: { لا تقم فيه أبدا } معناه أن يظل المسجد قائما ~~ولا تقام فيه صلاة؟ هل { لا تقم فيه أبدا } صيغتها النهي، أي لا ~~تصل فيه، أم أنها إخبار من الحق بأنك لن تقيم فيه صلاة أبدا لأنه لن ~~يكون له وجود؟ إن قوله الحق سبحانه يعني أن هذا المسجد يجب ألا يكون له ~~وجود، ثم تجد الله سبحانه يقول: { لمسجد أسس على التقوى ~~من أول يوم أحق أن تقوم فيه } إذن: فالمسألة ليست في ~~بناء المسجد، ولكنها فيمن يدخل المسجد ويعمره، فهنا مسجد، وهناك مسجد، ~~أما المسجد الأول فقد أسس على التقوى، وفيه أناس يحبون أن يتطهروا، أما ~~مسجد الضرار فقد أقامه منافقون يحبون أن يتقذروا لأنهم المقابل لمن ~~يحبون أن يتطهروا. ومعنى الحب هو ميل الطبع إلى شيء تنبسط له النفس ~~وتخف لعمله. وحينما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، فما طهوركم هذا؟ ~~قالوا: يا رسول الله نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: فهل مع ذلك من غيره؟ ". # وهنا قال ms4322 أهل قباء: " لا، غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي ~~بالماء " ، وكان الواحد منهم يمسك الحجر ويمسح به محل قضاء الحاجة فيخفف ~~من استخدام المياه لأن المياه كانت قليلة عندهم، ثم يستخدم الماء بعد ~~الأحجار ليكمل ويتم نظافته، وأضافوا: " ولا نبيت على جنابة، ولا نصر ~~على ذنب، فإن غلبنا الذنب تعجلنا التوبة ". { يحبون أن ~~يتطهروا والله يحب المطهرين } والحب هنا متبادل، ~~فلا شيء أقسى على النفس من أن يكون الحب من طرف واحد، وهذا هو الشقاء ~~بعينه. والشاعر يقول: # أنت الحبيب ولكني أعوذ بك # من أن أكون حبيبا غير محبوب # وشقاء المحبين أن يكون الحب من جانب واحد، أما حين يكون الحب متبادلا ~~من الجانبين فهو قمة الإسعاد، وكذلك حين تكون العداوة من جانبين فهي تأخذ ~~قمة الإيعاد والإبعاد، فحين تكون العداوة من جانب واحد، تنتهي بسرعة، لكن ~~عندما تكون من الجانبين فإنها لا تنتهي بل تزداد اشتعالا. إذن: فحين ~~يكون الحب متبادلا تجد المحب كلما رأى حبا من حبيبه رد عليه بحب، ~~فينمو الحب ويزداد، ولا يكون الأمر كذلك إلا إذا كان حب القلوب فيما لا ~~يتغير وهو " الحب في الله " ، فإذا رأيت حبا بين اثنين يتناقص بمرور ~~الزمن فاعلم أنه حب لغير الله، وإن رأيت الحب ينمو كل يوم، فاعلم أنه حب ~~في الله. والحق سبحانه يقول في قصة فرعون وموسى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا... # [القصص: 8]. هم لم يلتقطوه ليكون عدوا لهم فهذا الاحتمال لو كان قد جاء ~~في بال آل فرعون لقتلوه، ولكنهم التقطوه ليكون قرة عين لهم، فانظر كيف ~~يدخل الله على تغفيل الكافرين به، فآل فرعون هم من يربون موسى ولذلك قال ~~له فرعون: # ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ~~سنين # [الشعراء: 18]. ولكن موسى عليه السلام لا يجامل في الحق لأن الحق سبحانه ~~وتعالى هو من رباه، أما تربية فرعون فلم يكن لها اعتبار في ميزان الحق، ~~وقد تكون العداوة هينة لو كانت من جانب موسى وحده، ms4323 ولكن شاء سبحانه ألا ~~تكون العداوة من جانب موسى فقط، بل من جانب فرعون أيضا، فيقول سبحانه: # يأخذه عدو لي وعدو له... # [طه: 39]. ويقول سبحانه في مجال الحب المتبادل: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه... # [المائدة: 54]. فحين يحبون الله يرد سبحانه على تحية الحب بحب زائد، وهم ~~يردون على تحية الحب منه سبحانه بحب زائد، وهكذا تتوالى زيادات وزيادات ~~حتى نصل إلى قمة الحب، ولكن الحب عند الله لا نهاية له، وأنت حين تقرأ ~~تجد قوله سبحانه وتعالى: # قل الحمد لله وسلام على عباده الذين ~~اصطفى... # [النمل: 59]. ويقول سبحانه أيضا: # تحيتهم يوم يلقونه سلام... # [الأحزاب: 44]. لم يأت سبحانه هنا ب " ال " التعريفية لأنها لو جاءت ~~لانحصر السلام في لون واحد. فأنت حين تقول: لقيت الرجل، فأنت تحدد ~~الرجل. لكنك إن قلت: لقيت رجلا. فقد يكون الرجل هذا أو ذاك أو غيرهما. ~~فإن جاء الاسم نكرة صار شائعا، أما إن كان بالتعريف فيكون محددا. والحق ~~حين تكلم عن يحيى عليه السلام قال: # وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث ~~حيا # [مريم: 15]. لأنه يريد أن يكثر السلام. وحين تكلم عيسى عليه السلام عن ~~نفسه قال: # والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم ~~أبعث حيا # [مريم: 33]. وحين يلقاك إنسان فهو يقول لك: " سلام عليكم " ، وأنت ترد: ~~" وعليكم السلام " ، لماذا؟ لأن " سلام عليكم " معناها أن السلام مني ~~يكون عليك وعلى غيرك، أما ردك " وعليكم السلام " فيعني أنك خصصته ~~بهذا السلام. وهنا الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها زادت في التحية حيث ~~يقول الحق سبحانه: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا ~~والله يحب المطهرين } وهذا لأن الذي يحب أن يكون طاهرا ~~دائما، قد أنس بفيوضات الله عليه، وما دامت ذراته كلها طاهرة من ~~النجاسات المعنوية ومن النجاسات الحسية يصبح جهاز استقبال الفيوضات من ~~الله عنده صالحا دائما للاستقبال، والحق سبحانه وتعالى يرسل إمداداته ~~في كل لحظة، ولا تنتهي إمداداته على الخلق أبدا، وسبحانه يصف نفسه بأنه ~~القيوم فاطمئنوا أنتم، فإن كنتم تريدون أن تناموا فناموا ms4324 فربكم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم. # إذن: فقد جاء الإيمان ليريحنا لا ليتعبنا، كما أنه سبحانه يصف نفسه: # بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء... # [المائدة: 64]. أي: يطمئن الخلق أنهم بمجرد إيمانهم ستأتيهم إمدادات ~~الله وفيوضاته المعنوية والمادية. فصحح جهاز استقبالك بألا توجد فيه ~~نجاسة حسية أو نجاسة معنوية ولذلك إذا رأيت إنسانا عنده فيوضات من الحق ~~فاعلم أن ذرات جسمه مبنية من حلال، ولا توجد به قذارة معنوية، ولا قذارة ~~حسية، ويتضح ذلك كله على ملامح وجهه، وكلماته، وحسن استقباله. وإن كان ~~أسمر اللون فتجده يأسرك ويخطف قلبك بنورانيته. وقد تجد إنسانا أبيض ~~اللون لكن ليس في وجهه نور لأن فيوضات ربنا غير متجلية عليه. وكيف تأتي ~~الفيوضات؟ إنها تأتي بتنقية النفس لأن الإنسان إن افتقر إلى الفيوضات ~~الربانية، فعليه أن يبحث في جهازه الاستقبالي. وأضرب هنا مثلا بالإرسال ~~الإذاعي، فمحطات الإذاعة ترسل، ومن يملك جهاز استقبال سليم فهو يلتقط ~~البث الإذاعي، أما إن كان جهاز الاستقبال فاسدا فهذا لا يعني أن محطات ~~الإذاعة لا تبث برامجها. ولذلك قال الحق: # بل يداه مبسوطتان... # [المائدة: 64]. فاحرص دائما على أن تتناول من يد ربك المدد الذي لا ~~ينتهي، والحديث الشريف يقول: # " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب ~~مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها " # والليل قد ينتهي عند إنسان، ويبدأ عند إنسان آخر، وهكذا النهار، فالليل ~~مستمر دائما والنهار مستمر دائما، فيداه سبحانه مبسوطتان دائما ولا ~~تنقبضان أبدا. ثم يقول سبحانه: { أفمن أسس بنيانه على ~~تقوى... }. ### || [9.109] # وقوله: { أفمن } استفهام، وكأنه يقول: وكيف تساوون بين مسجد أسس ~~على التقوى من أول يوم، ومسجد اتخذ للضرار وللكفر ولتفريق جماعة ~~المسلمين وإرصادا لمن حارب الله؟ إنهما لا يستويان أبدا، وساعة يطرح ~~الحق هذه العملية بالاستفهام فسبحانه واثق من أن عبده سيجيب بما يريد ~~الله. وقوله الحق: { أفمن أسس بنيانه } نجد كلمة " بنيان " ~~وهي مصدر " بنى " " بنيانا " ، لكن أطلق على الشيء المبني، فنقول، إن ~~هذا البنيان جميل، أو نقول ms4325 مثلا: إن طراز هذا البنيان فرعوني. إذن: هناك ~~فرق بين عملية البناء وبين الشيء الذي ينشأ من هذه العملية، وكلمة ~~البنيان اسم جنس جمعي لأنه يصح أن يكون جمعا ومفرده " بنيانة " مثلما ~~نقول: " رمان " ، ومفرده " رمانة " ، و " عنب " ومفرده " عنبة " ، وأيضا ~~" روم " مفرده " رومي " فياء النسب هنا دخلت على الجمع فجعلته مفردا. ~~إذن: يفرق بين الواحد والجمع، إما بالياء وإما بالتاء. وقد حكم سبحانه ~~بألا يصلوا في مسجد الضرار، وعليهم أن يصلوا في المسجد الآخر، وهو مسجد ~~قباء، ثم يرد سبحانه الأمر إلى المؤمنين، ليعرفوا أن ما حكم به سبحانه هو ~~ما تقبله العقول، وأن حكمهم يوافق حكم ربهم. ثم يقول سبحانه: { أم من ~~أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في ~~نار جهنم } وهنا ثلاث كلمات: شفا، وجرف، وهار. والشفا مأخوذ من ~~الشفة، و " الشفا " حرف الشيء وطرفه. وسكان سواحل البحار يعرفون أن ~~البحار لها نحر من تحت الأرض، وتجد الماء يحفر لنفسه مساحة تحت الأرض ~~ويترك شفة من الأرض، ولو سار عليها الإنسان لوقع لأنها الطرف الذي ليس له ~~قاعدة وأسفله منحور. و " شفا جرف " أي طرف سينهار لأنه " هار " أي ~~غير متماسك، فتكون الصورة أن الماء ينحر في الساحل، فيصنع شفة لها سطح ~~وليس لها قاعدة تحتها، وهذه اسمها " شفا جرف ". وقد قال القرآن في موضع ~~آخر: # واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ~~وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم ~~منها... # [آل عمران: 103]. إنها الحفرة في النار، فكيف يكون شكلها؟ لا بد أنه ~~مرعب. ونحن نعلم أنهم كانوا حين يحفرون الآبار ليأخذوا منها الماء، كانوا ~~يضعون في جدار البئر أحجارا تمنع ردمه لأن البئر إن لم يكن له جدار من ~~حجارة قد ينهار بفعل سقوط الرمال من على فوهته، وهكذا تمنع الأحجار أي ~~جزء متآكل من سطح البئر من الوقوع فيه، والجزء المتآكل هو جرف هار، ~~وهكذا كان مسجد الضرار، ينهار بمن فيه في نار جهنم. # ويذيل الحق الآية: ms4326 { والله لا يهدي القوم الظالمين } ~~وهم كانوا ظالمين بالنفاق لذلك لم يهدهم الله إلى عمل الخير لأن الله ~~لا يهدي الظالم. وسبحانه يقول في أكثر من موضع بالقرآن: # والله لا يهدي القوم الفاسقين # [المائدة: 108]. ويقول سبحانه: # والله لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264]. ويقول عز وجل: # والله لا يهدي القوم الظالمين # [البقرة: 258]. والهداية - كما علمنا من قبل - قسمان: هداية الدلالة، ~~وهي لجميع الخلق ويدل بها الله الناس على طريق الخير، ولهم أن يسلكوه أو ~~لا يسلكوه، فهم أحرار، فلله هداية شملت الجميع، وهي هداية الدلالة، أما ~~الهداية المنفية هنا فهي هداية المعونة. ويقول الحق بعد ذلك: { لا ~~يزال بنيانهم الذي... }. ### || [9.110] # البنيان الذي بنوا هو مسجد الضرار، وأرادوا به ضررا وكفرا وتفريقا ~~وإرصادا لمن حارب الله ورسوله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~وعدهم أن يصلي فيه، وكشف له الحق أنهم أرادوا بصلاة رسول الله فيه ذريعة ~~وأن يرسموا الصلاة فيه. ولما عاد صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أنزل ~~الله عليه: { لا تقم فيه أبدا } وأرسل صلى الله عليه وسلم بعضا ~~من صحابته ليهدموا هذا المسجد، ولم يكتف بالهدم، بل أمر أن يجعل مكان ~~المسجد قمامة إشعارا منه صلى الله عليه وسلم بأن المسجد بنيته الأولى ~~كانت نجاسته نجاسة معنوية، وحين توضع فيه النجاسة الحسية، تكون طهارة ~~بالنسبة للنجاسة المعنوية، فكأنه طهر المكان من النجاسة المعنوية ~~بالنجاسة الحسية. ورسول الله يعلمنا هنا أن الأمر ليس أمر نجاسات حسية، ~~وإنما النجاسات المعنوية أفظع من النجاسات الحسية، فالإنسان قد يتحرز من ~~النجاسات الحسية، لكن النجاسات التي تخامر القلوب والعقائد والعواطف فهي ~~التي تسبب للإنسان الشقاء. وهنا يقول الحق: { لا يزال بنيانهم ~~الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع ~~قلوبهم } فبعد أن هدم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا البنيان ~~وصار موقعه موضع القذارة، بقي أمر هذا البنيان موضع شك منهم وصاروا ~~يتوجسون أن ينزل بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم العقاب، وظلوا في شك ~~من أن ms4327 يصيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء، ولن يذهب هذا الشك من ~~قلوبهم إلا أن تقطع تلك القلوب بالموت. إن الشك والريبة محلها القلب، ~~والقلب هو العضو الثاني في استبقاء الحياة، أما العضو الأول في استبقاء ~~الحياة فهو المخ، فما دامت خلايا المخ سليمة، فمن الممكن أن تعود الحياة ~~إلى الإنسان ولكن برتابة، أما القلب فحين يتوقف فالأطباء يحاولون أن ~~يعيدوا له الحركة، إما بشق الصدر أو تدليك القلب ليعود إليه النبض، وقد ~~يفلحون ما دامت خلايا المخ سليمة، فالمخ في الإنسان هو سيد الجسم كله، ~~ولذلك تجدون أن الحق قد صان المخ بأقوى الصيانات بعظام الجمجمة. وكذلك ~~النخاعات التي تتحكم في إدارة الجسد، نجده سبحانه قد كفل لها من العظام ~~أعلى درجات الصيانة. ونرى في الحفريات أن الجماجم هي أبقى شيء، مما يدل ~~على أنه للحفاظ على المخ قد جعل الله له أقوى العظام، وما دام المخ سيد ~~الجسم سليما فمن الممكن أن تستمر الحياة، ولذلك نجد أن الجسم كله يخدم ~~المدبر للجسم، ويحافظ على صيانته. والإنسان إن تعرض للجوع يأكل من شحمه، ~~وحين يفوته ميعاد تناوله للطعام، يعرض عليه الطعام يقول: ليس لي رغبة في ~~الأكل، وهذا ليس إلا تعبيرا علميا لما حدث في الجسم، فأنت أكلت ~~بالفعل، فما دام قد مر ميعاد طعامك ولم تأكل فإن جسمك يأخذ ما يحتاجه من ~~الدهون المخزونة به، وإذا ما انتهى الدهن يأخذ الإنسان من لحمه، وإذا ما ~~انتهى اللحم يأخذ الإنسان غذاءه من عظامه، وكل ذلك من أجل أن يبقى السيد ~~وهو " المخ " مصانا. # ولذلك تجد القرآن حينما عرض مسألة سيدنا زكريا، قال على لسانه: # رب إني وهن العظم مني... # [مريم: 4]. أي: أن آخر مخزن للقوت قد قارب على الانتهاء، أما النبات فهو ~~عكس الإنسان، فسيد النبات أسفل شيء فيه وهو الجذر، ويحاول النبات ~~المحافظة على جذره، فإن امتنع الغذاء عن النبات بامتناع المياه عنه، بدأت ~~أوراق النبات في الذبول لأنها تعطي حيويتها ومائيتها للجذر، ثم تجد الساق ~~تجف ms4328 لأنها تعطي حياة للجذر ليستمر إلى أن يأتي قليل من المياه أو قليل من ~~الغذاء، فيعود الجذر قويا. والقلب هو محل العقائد والاعتقادات، وهي ~~الأشياء التي تنشأ من المحسات، وتتكون في الفؤاد لتصير عقائد لا تطفو ~~للمناقشة من جديد، أما العقل فهو يناقش كل المسائل، وما إن ينتهي من ~~الاقتناع بفكرة حتى تستقر في القلب. وهنا يوضح لنا الله أن هذا البنيان ~~سيظل أثره في قلوبهم، ولن ينتهي منهم أبدا إلا بشيء واحد هو: { أن ~~تقطع قلوبهم } والقلوب لا تتقطع إلا بالموت، وكأن الشك من هذا ~~البنيان سيظل يلاحقهم إلى أن يموتوا. أو: { إلا أن تقطع ~~قلوبهم } أي: أن تتقطع توبة وأسفا وحزنا. وهذا تهديد لهم بأن ~~مسيئاتهم ليست من الخارج، وإنما مسيئاتهم من ذوات نفوسهم. ووجود الريبة ~~في نفوسهم، يعني أنها لن تجعلهم يستشرون في الإفساد لخوفهم المستمر من ~~العقاب. ثم يقول سبحانه: { والله عليم حكيم } وعلمه سبحانه ~~شامل فلا تخفى عليه خافية، وحكمته سبحانه أنه يضع كل شيء في مكانه. ثم ~~يقول سبحانه: { إن الله اشترى... }. ### || [9.111] # بعد أن تكلم الحق عن الذين تخلفوا عن الغزو، وعن الذين اعتذروا بأعذار ~~كاذبة، وعن الذين أرجأ الله فيهم الحكم، أراد أن يبين سبحانه أن تخلفهم ~~ليس له أي أهمية لأن الله سبحانه وتعالى عوض الإيمان وعوض الإسلام ~~بخير منهم، فإياكم أن تظنوا أنهم بامتناعهم عن الغزو سوف يتعبون ~~الإسلام، لا لأن الحق سبحانه ينصر دينه دائما. فيقول الله سبحانه: { ~~إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم } يقول العلماء: كيف يشتري الله من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم، وهو الذي خلق الأنفس وهو الذي وهب المال؟ وقالوا: ولكن هبة ~~الله لهم لا يرجع فيها، بدليل أن المال مال الله، وحين أعطاه لإنسان ~~نتيجة عمله أوضح له: إنه مالك بحيث إذا احتاجه أخ لك في الدين، فأنا ~~أقترضه منك، ولم يقل: " أسترده ". فسبحانه القائل: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ~~ترجعون # [البقرة: 245]. لقد احترم الحق ms4329 الهبة للإنسان، واحترم عرقه وسعيه، وكأنه ~~سبحانه حينما وهب البشر الحياة، ووهبهم الأنفس أعلن أنها ملكهم حقا، ~~ولكنه أعطاها لهم، وحين يريد أخذها منكم فلا يقول: إنه يستردها بل هو ~~يشتريها منكم بثمن ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: # " إن سلعة الله غالية، إن سلعة الله غالية، إن سلعة الله هي الجنة ". # أي: اجعلوا ثمنها غاليا. { إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم وأموالهم }. وكلمة { اشترى } تدل ~~على أن هناك صفقة، عملية شراء وبيع. وإذا كان هذا ملكا لله، فالله هو ~~المشتري، والله هو البائع، فلابد أن لهذا الأمر رمزية، وهذه الرمزية ~~يلحظها الإنسان في الولي على اليتيم أو السفيه، فقد يصح أن يكون عندي شيء ~~وأنا ولي على يتيم، فأشتري هذا الشيء بصفتي، ثم أبيعه بصفتي الأخرى، ~~فالشخص الواحد يكون هو الشاري وهو البائع، فكأن الله يضرب لنا بهذا ~~المثل: " إنكم بدون منهج الله سفهاء، فدعوا الله يبيع ودعوا الله يشتري ~~". وما الثمن؟ يأتي التحديد من الحق: { بأن لهم الجنة } هذا ~~هو الثمن الذي لا يفنى، ولا يبلى، ونعيمك فيها على قدر إمكانيات الله ~~التي لا نهاية لها، أما نعيمك في حياتك فهو على قدر إمكانياتك أنت في ~~أسباب الله، وهكذا يكون الثمن غاليا. # " وحينما جاء الأنصار في بيعة العقبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~له عبدالله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. قال: " أشترط لربي أن ~~تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه ~~أنفسكم وأموالكم ". # قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ ماذا قال رسول الله؟ أقال لهم ستفتحون ~~قصور بصرى والشام وتصيرون ملوكا، وينفتح لكم المشرق والمغرب؟ لم يقل ~~صلى الله عليه وسلم شيئا من هذا، بل قال: " الجنة " لأن كل شيء في ~~الدنيا تافه بالنسبة لهذا الثمن، قالوا: " ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل ~~" وبمجرد عقد الصفقة العهدية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ~~الأنصار، كان من الممكن أن يموت واحد أو اثنان أو ثلاثة قبل أن يبلغ ms4330 ~~الإسلام حظه وذروته، وقد يقال: فلان مات ولم يأخذ شيئا من ماديات ~~الحياة. # لكنه صلى الله عليه وسلم حين قال: " الجنة " ، فمن مات يدخلها. { ~~بأن لهم الجنة } هذا هو الثمن، وهو وعد بشيء يأتي من بعد، ~~ولكنه وعد ممن يملك إنفاذه لأن الذي يقدح في وعود الناس للناس، أنك قد ~~تعد بشيء ولكن تظل حياتك ولا تفي به، أو أن تقل إمكاناتك عن التنفيذ. ~~إذن: الوعد الحق هو ممن يملك ويقدر، وحي لا يموت، لذلك يقول في هذه ~~الآية: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة } ويقول في آخرها: { وعدا ~~عليه حقا } و " وعد " مصدر، فأين الفعل، إننا نفهمها: أي وعدهم ~~الله بالجنة وعدا منه سبحانه وهو الذي يملك وهو وعد حق. والقرآن حين ~~يأتي بقضية كونية، فالمؤمن يستقبلها بأنها سوف تحدث حتما، فإذا ما جاء ~~زمنها وحدثت صارت حقا ثابتا، مثلما يقول سبحانه: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. هذه قضية قرآنية، حدثت من قبل وثبتت في الكون. وماذا ~~بعد أن اشترى الله من المؤمنين أموالهم وأنفسهم؟ هنا يحدد الحق المهمة ~~أمامهم: { يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ~~} و " قاتل " ، من " فاعل " ، و " قتل " غير " قاتل ". فالقتل ~~عمل من جهة واحدة، لكن " قاتل " تقتضي مفاعلة، مثلها مثل " شارك ~~زيد عمرا ". وكل مادة " فاعل " و " تفاعل " توضح لنا الشركة في ~~الأمر، فكل واحد منهم فاعل، وكل واحد منهم مفعول. ولذلك تجد في أساليب ~~العرب ما يدلك على أن ملحظ الفاعلية في واحد هو الغالب، وملحظ المفعولية ~~في الآخر هو الغالب، ولكن على التحقيق فإن كل واحد منهم فاعل من جهة، ~~ومفعول من الجهة الأخرى. فمثلا: الرجل الذي سار في الصحراء التي فيها ~~حيات وثعابين، ولم يهج الرجل أثناء سيره الحيات ولا الثعابين، بل ~~تجنبها، والثعبان ما دمت لا تهيجه فهو لا يفرز سما لأن سم الثعبان ~~لا يفرز إلا دفاعا. وساعة يرى الثعبان أنك ستواجهه يستعمل سمه، فإذا ~~كان الرجل سائرا وله قدرة المحافظة على عدم إهاجة الثعابين ms4331 ولا الحيات، ~~فهو قد " سالمها " ، والشاعر يقول: # قد سالم الحيات منه القدما # والأفعوان والشجاع الشجعما # والأفعوان هو الثعبان الفظيع، ونلحظ أن " الأفعوان " منصوب، وأن " ~~الحيات " مرفوعة، إذن: فالقدم مفعول، والحيات فاعل وجاء بالقدم منصوبة، ~~وكذلك الشجعم لما في الحيات من المفعولية لأن الحيات إذا سالمت القدم ~~فقد سالمها القدم، فكأنه قال: سالم القدم الحيات، ثم جعل الأفعوان ~~بدلا منها. وهنا يقول الحق: { بأن لهم الجنة يقاتلون } ~~فمن يقاتل: إما أن يقتل وإما أن يقتل، وفي قراءة الحسن يقدم الثانية ~~على الأولى، ويقول: " فيقتلون ويقتلون " فالمسألة صفقة بمقتضى ~~قوله: { بأن لهم الجنة } لذلك يقدم قتلهم، وهو الأقرب لمعنى ~~الصفقة. وأيضا فإن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وإذا ما جاء ~~المؤمنون في جانب والكفار في جانب آخر فالمؤمنون بنيان، والحق هو القائل: # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص # [الصف: 4]. فإذا ما سبق قوم من المؤمنين بأن يقتلوا، فكأن الكل قتل. ~~إذن: فحين قتل بعض المؤمنين، يمكننا أن نقرأ قول الحق على قراءة الحسن ~~ونقول: " فيقتلون ويقتلون ". أو: أنهم حينما دخلوا إلى ~~القتال وضعوا في أنفسهم أن يقتلوا، ولم يغلبوا جانب السلامة. وكلنا نعرف ~~قصة الصحابي الذي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس بيني وبين ~~الجنة إلا أن ألقى هؤلاء فيقتلوني؟ قال له: " نعم " فأخرج الصحابي تمرة ~~كانت في فمه، ودخل إلى القتال وكأنه يستعجل الجنة. { وعدا عليه ~~حقا في التوراة والإنجيل والقرآن } ، وهذا تأكيد بأن ~~لهم الجنة، وهو وعد من الحق في التوراة والإنجيل والقرآن لمن يدخلون ~~المعارك دفاعا عن الإيمان. وكل دين في وقته له مؤمنون به، ويدخلون ~~المعارك دفاعا عنه. إذن: فالقتال في سبيل نصرة الدين والدفاع عنه ليس ~~مسألة مقصورة على المسلمين، لكنها لم تكن عامة عند الرسل، فقد كان الحق ~~سبحانه وتعالى هو الذي يتدخل لعقاب أهل الكفر، وكان الرسول يبلغ، فإذا ~~لم يستجب له قومه عاقبهم الله سبحانه، والقرآن يقول: # فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من ~~أخذته الصيحة ms4332 ومنهم من خسفنا به الأرض ~~ومنهم من أغرقنا... # [العنكبوت: 40]. ولم تأت مسألة القتال في سبيل الله إلا عندما طلب ~~اليهود من بعد سيدنا موسى عليه السلام أن يقاتلوا في سبيل الله: # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى ~~إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في ~~سبيل الله... # [البقرة: 246]. إذن: فهذا وعد من الله في التوراة للذين آمنوا بموسى ~~عليه السلام، وطالبوا بالقتال في سبيل الله، وكذلك في الإنجيل للذين ~~آمنوا بعيسى عليه السلام، وأخيرا في القرآن للذين آمنوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. أو: أن هذا الوعد خاص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنها ~~الأمة المأمونة للدفاع عن كلمة الله بالمجهود البشري. # وبهذا يكون الوعد في التوراة والإنجيل والقرآن هو وعد لأمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فكأن التوراة قد بشر فيها بهذا للمسلمين المؤمنين ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك الإنجيل قد بشر فيه بهذا الوعد للأمة ~~المسلمة. والدليل على ذلك هو قول الحق سبحانه في آخر سورة الفتح: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم... # [الفتح: 29]. إذن: فالدين لا يطبع المتدين لا على الشدة ولا على الرحمة، ~~إنما يطبعه انطباعا يصلح لموقف الشدة فيكون شديدا، ولموقف الرحمة فيكون ~~رحيما. ولو أنه مطبوع على الشدة لكان شديدا طوال الوقت، ولو طبع على ~~الرحمة فقط لكان رحيما كل الوقت، ولكن شاء الحق أن يطبع المؤمنين ~~ليكونوا أشداء على الكفار رحماء بينهم ولذلك فالدين لا يطبع الناس على ~~ذلة ولا على عزة، إنما يجعلهم أذلة على المؤمنين، وأعزة على الكفار. ~~وبذلك يطوع المؤمن نفسه، فهو شديد ورحيم، عزيز وذليل، فهو طوع للمنهج، ~~فحين يتطلب منه منهج الله أن يكون شديدا يشتد، وحين يتطلب منهج الله منه ~~أن يكون رحيما يرحم، وحين يتطلب الله من أن يكون ذليلا بالنسبة لإخوانه ~~المؤمنين يذل، وحين يتطلب الله منه أن يكون عزيزا على الكافرين يعز. # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم... # [الفتح: ms4333 29]. وتتابع صفات المؤمنين في قوله سبحانه: # تراهم ركعا سجدا... # [الفتح: 29]. وهم في ركوعهم وسجودهم إنما يعبرون عن قيم الولاء لله. ثم ~~يصفهم سبحانه: # يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود... # [الفتح: 29]. وهم لا يريدون إلا رضاء الله وفضله، والنور يشع من وجوههم ~~لأنهم أهل للقيم، ويضيف سبحانه: # ذلك مثلهم في التوراة... # [الفتح: 29]. أي: أن التوراة جاءت فيها البشارة بأن محمدا سيجيء بأمة ~~فيها الخصال الإيمانية والقيمية التي لا توجد في اليهود، هؤلاء الذين ~~تغلب عليهم المادية ولا ترتقي أرواحهم بالقيم الدينية، فأنت إن نظرت إلى ~~التوراة المحرفة فلن تجد فيها أي شيء عن اليوم الآخر، بل كلها أمور ~~مادية. أما في الإنجيل فقد جاءت المسيحية بالرهبنة، والماديات فيها ضعيفة ~~ولذلك جاء القرآن منهجا متكاملا تنتظم به الحياة، قيما حارسة، ومادة ~~محروسة فالعالم يفسد حين تأتي المادة فتطغى وتنحسر القيم، أو حين توجد ~~قيم ليس لها قوة مادية تدافع عنها، فيأبى القوي الظالم إلا أن يطغى بقوته ~~المادية على القيم الروحية فيكون الخلل في البناء الاجتماعي. إذن: فنحن ~~في حاجة دائمة إلى قيم تحرسها مادة، ومادة تحرسها قيم. وأخبر الله قوم ~~موسى: أنتم لا تملكون القيم المعنوية، وتعتزون بالقيم المادية، لذلك ~~ستأتي أمة محمد وهي تملك قيم الروح والمادة، فهم ركع، سجد، يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا، وسيماهم في وجوههم من أثر السجود. # وأبلغ سبحانه قوم عيسى عليه السلام أنه سيأتي في أمة محمد بمنهج يعطيهم ~~ما فقدتموه من المادة بسبب أنكم انعزلتم عن الحياة وابتدعتم رهبنة ما ~~كتبها الله عليكم، بينما نحن نريد حركة في الحياة. # ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل ~~كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على ~~سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار... # [الفتح: 29]. ومن حق المسلمين أن يقولوا: أيها الكافرون ليست لكم مادة ~~تطغون بها علينا لأن الإسلام يريد من حركة حياتنا على ضوء منهجه في الأرض ~~أن تتوازن المادة مع القيم لأن القيم هي التي تحرس الحضارة، والمادة إنما ~~تحرس القيم، ms4334 وحين يمتلك المسلمون القوة المادية فسيرتدع أي إنسان عن أن ~~يطمع في فتنة المسلمين في دينهم ولذلك قال الحق سبحانه: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم... # [الأنفال: 60]. فالكفار إذا رأوك قد أعددت لهم يتهيبون. وفي الآية ~~التي نحن بصدد خواطرنا عنها، يقول الحق: { وعدا عليه حقا في ~~التوراة والإنجيل والقرآن } وما دام الحق قد أعطى الوعد، ~~فلن يوجد من هو أوفى منه لذلك يقول: { ومن أوفى بعهده من ~~الله } وبذلك يطمئننا سبحانه على أن وعده محقق لأن العهد ارتباط بين ~~معاهد ومعاهد، والذي يخرج عن هذا الارتباط أمران: الأول: ألا يكون ~~صادقا حين أعطى عهدا، بل كان في نيته ألا يوفي، ولكنه أقام العهد خديعة ~~حتى يستنيم له المعاهد. والأمر الثاني: أن يكون قد أعطى وعدا بما لا ~~يستطيع تنفيذه، فهو كاذب. والله لا يليق به لا الكذب ولا الخديعة فسبحانه ~~منزه عن كل ذلك، ولا أحد أوفى بالعهد من الله. فقد يطعن في العهد ~~والوفاء به عدم القدرة، لكن قدرة الحق مستوفية. إذن: فالعهد الحقيقي إنما ~~يؤخذ من الله، وقد جاء الحق بهذه القضية بشكل استفهامي { ومن أوفى ~~بعهده من الله }؟ فالإجابة: لا أحد لأن الذي يقدح في مسألة ~~العهد الخلف والكذب وغير ذلك. والله سبحانه منزه عن الكذب والخديعة ~~لأن الخديعة لا تأتي إلا من ماكر، وإذا سمع أي إنسان { ومن أوفى ~~بعهده من الله } ثم أدار فكره في الكون ليبحث عن جواب، فلا يجد ~~إلا أن يقول: " الله " ، ولا أحد أوفى من الله بالعهد. وما دام الوعد ~~بالجنة، فالجنة لا يملكها إلا هو سبحانه ووعده حق، وكلها تأكيدات بأن ~~المسألة واقعة وحادثة. ولهذا يقول سبحانه: # فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم # [التوبة: 111]. فالنتيجة لهذه المسألة كلها من شراء الله من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، ثم وعده الحق المبين في التوراة ~~والإنجيل والقرآن، وكلها شهادات مسجلة هي الاستبشار بما باعه المؤمن لله. # فالإنسان - ولله المثل ms4335 الأعلى - لا يسجل إلا ما يكون في صالح قضيته، ولا ~~يسجل للخصم، فعندما يكون عندك صك على فلان، فأنت الذي تحتفظ به وتحرص ~~عليه لأنه يؤيد حقك. والحق سبحانه يقول: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. والقرآن هو الحجة الكاملة الشاملة في كل أمور الدنيا ~~والآخرة، ومن فرط صدق القرآن أن البشر قد يصلون إلى قضية كونية ما، ومن ~~بعد ذلك تخالف، وحين تعود إلى القرآن تجد أن كلام القرآن هو الذي صدق، ~~وقد حفظ الحق سبحانه القرآن لأن قضايا الكون الذي خلقه الله لا يمكن أن ~~تخرج عن قضايا القرآن لأن منزل القرآن وخالق الكون واحد، فلا شيء يصادمه. ~~{ فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به } قوله الحق: ~~{ فاستبشروا } مأخوذ من " البشرة " ، وهي الجلد عامة، وإن كان ~~الظاهر منه هو الوجه. وحين يقول الحق سبحانه: { إن الله اشترى ~~من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } فقد يفهم أحد أن ~~النفس سوف تضيع، وأن الأموال سوف تنفق، وهذا قد يقبض النفس فهذا فيه ~~الموت، وخسارة للمال، وكان من الطبيعي أن يشحب وجه الإنسان ويفزع ويخاف. ~~ولكن ساعة يقول الحق سبحانه: { إن الله اشترى } تجد بشرة ~~المؤمن تطفح بالسرور. والبشر، ويحدث له تهلل وإشراق، مع أنه هنا سيأخذ ~~نفسه، ولكن المؤمن يعرف أنه سبحانه سيأخذ نفسه ليعطيه الحياة الخالدة. ~~إذن: قضايا الإيمان كلها هكذا لا يجب أن تصيبنا بالخوف، بل علينا أن ~~نستقبلها بالاستبشار، ولذلك يقول الحق: { فاستبشروا } أي: فليظهر ~~أثر ذلك على بشرتكم إشراقا وسرورا وانبساطا. { فاستبشروا ~~ببيعكم } وهل يستبشر الإنسان بالبيع؟ نعم لأن الإنسان لا يبيع إلا ~~ما يستغني عنه عادة، ويشتري ما يحتاج إليه، فهنا الاستبشار بالبيع وليس ~~بالشراء، فالمؤمن هنا يبيع فانيا بباق. { فاستبشروا ببيعكم ~~الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم } وأنت إذا ~~ما نظرت إلى الذين يخالفون العهد الذي أخذ عليهم، تجد الواحد منهم يحتاج ~~للمخالفة لأن وفاءه يتعبه. لكن الحق سبحانه ليس في حاجة لأحد وهو غني عن ~~الجميع، ولا يوجد أدنى مبرر لخلف الوعد أبدا. وتأتي ms4336 { وذلك } ~~إشارة إلى الصفقة التي انعقدت بينكم وبين ربكم. { وذلك هو ~~الفوز العظيم } والفوز هو بلوغ الغاية المأمولة في عرف العقل ~~الواعي، كما تقول لابنك: " ذاكر لتفوز بالنجاح " وتقول للتاجر: " اجتهد ~~في عملك بإخلاص لتفوز بالربح ". إذن: فهناك " فوز " ، وهناك " فوز عظيم " ~~والفوز في الدنيا أن يتمتع الإنسان بالصحة والمال وراحة البال. وهناك فوز ~~أعظم من هذا أن تضمن أن النعمة التي تفوز بها لا تفارقك ولا أنت تفارقها، ~~فيكون هذا هو الفوز الذي لا فوز أعظم منه. ويقول الحق بعد ذلك: { ~~التائبون العابدون... }. ### || [9.112] # وبعد أن عرض الحق هذه الصفقة، فمن هم المقبلون عليها؟ إنهم التائبون، ~~والتوبة: هي الرجوع عن أي باطل إلى حق. وعم يتوب هؤلاء التائبون؟ نحن ~~نعلم أن هناك إيمانا اسمه إيمان الفطرة. نجد ذلك في قول الحق سبحانه ~~وتعالى: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون # [الأعراف: 172-173]. إذن: فالإيمان أمر فطري، والكفر هو الذي يطرأ عليه، ~~وقلنا من قبل: إن الكفر هو الدليل الأول على الإيمان لأن الكفر هو الستر، ~~فمن يكفر بالله - والعياذ بالله - إنما يستر وجوده، فكأن وجوده هو الأصل، ~~ثم يطرأ الكفر فيستره، ثم يأتي من ينبه في الإنسان مشاعر اليقين والإيمان ~~فيرجع الإنسان إلى الإيمان بالله بعد أن يزيل الغشاوة التي طرأت على ~~الفطرة. و { التائبون }: منهم التائبون عن الكفر الطارئ على إيمان ~~الفطرة، وأخذوا منهج الله الذي آمنوا به، ومن هنا نشأت العبادة التي ~~تقتضي وجود عابد ومعبود، والعبادة تعني الانصياع من العابد لأوامر ونواهي ~~المعبود. { التائبون العابدون الحامدون } والعبادة كلها ~~طاعة تتمثل في تطبيق ما جاء به المنهج من " افعل " و " لا تفعل " ، وقد ~~يتدخل المنهج في حريتك قليلا، وأنت بقوة الإيمان تعتبر أن هذا التدخل في ~~هذه الحرية نعمة يجب أن تحمد الله ms4337 عليها لأنه لو تركك على هواك، كما يترك ~~ولي أمر التلميذ ابنه على هواه فهو يفشل، ولكن الأب الذي يحث ابنه على ~~المذاكرة وينهاه عن اللعب والعبث، فلا بد أن ينجح. إذن: الأوامر والنواهي ~~هنا نعمة، كان يجب أن نحمد ربنا عليها، وكل ما يجريه الله على العبد ~~المؤمن يجب أن يأخذه العبد على أساس أنه نعمة. إذن: فالذين تابوا عن ~~الكفر الطارئ على إيمان الفطرة هم تائبون يأخذون منهج الإيمان من ~~المعبود، ويصبحون بذلك عابدين لله، أي: منفذين الأوامر، ومبتعدين عن ~~النواهي، وهم يعلمون أن الأوامر تقيد حركة النفس وكذلك النواهي، ولكنهم ~~يصدقون قوله صلى الله عليه وسلم: # " حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات " # حين تعرف أن العبادة أوصلتك إلى أمر ثقيل على نفسك، فاعرف أن هذا ~~لمصلحتك وعليك أن تحمد الله عليه وبذلك يدخل المؤمن في زمرة الحامدين. ~~وأنت حين تؤمن بالله، يصبح الله في بالك، فلا يشغلك كونه عنه سبحانه، ~~وإياك أن تشغل بالنعمة عن المنعم، واجعل الله دائما في بالك، والحق ~~سبحانه يقول: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. لذلك يفكر المؤمن في الله دائما ويشكر المنعم على النعمة ~~وآثارها من راحة في بيت وأولاد وعمل. و { الحامدون } أيضا لا بد أن ~~يستقبلوا كل قدر لله عليهم بالرضا لأن الذي يجرى عليهم القدر - ما دام ~~لم يأمرهم بما لم يقع في اختيارهم - فهو حكيم ولا يجري سبحانه عليهم ~~إلا ما كان في صالحهم. وبعد أن ترضى النفس بما أجرى عليها تعرف الحكمة ~~ولذلك يقول سبحانه: # واتقوا الله ويعلمكم الله... # [البقرة: 282]. ويتابع الحق صفات المقبلين على الصفقة الإيمانية فيقول: ~~{ السائحون } ومعنى " سائح " هو من ترك المكان الذي له موطن، فيه ~~بيته وأهله وأولاد وأنس بالناس، ثم يسيح إلى مكان ليس له فيه شيء ما، قد ~~يتعرض فيه للمخاطر، والمؤمن إنما يفعل ذلك لأنه لا شيء يشغله في الكون عن ~~المكون، ويقول الحق سبحانه: # قل سيروا في الأرض ثم انظروا... # [الأنعام: 11]. إذن: فالسياحة هي السير ms4338 المستوعب، والسير في الأرض منه ~~سير اعتبار لينظر في ملكوت السماوات والأرض، وليستنبط من آيات الله ما ~~يدل على تأكيد إيمانه بربه، ومنه سير استثمار بأن يضرب في الأرض ليبتغي ~~من فضل الله. إذن: فالسياحة إما سياحة اعتبار، وإما سياحة استثمار، أما ~~سياحة الاستثمار فهي خاصة بالذين يضربون في الأرض، وهم الرجال. أما سياحة ~~الاعتبار فهي أمر مشترك بين الرجل والمرأة، بدليل أن الله قال ذلك في وصف ~~النساء: # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات ~~سائحات... # [التحريم: 5]. إذن: { سائحات } هنا مقصود بها سياحة الاعتبار، أو ~~السياحة التي تكون في صحبة الزوج الذي يضرب في الأرض. وقيل أيضا: إن ~~السياحة أطلقت على " الصيام " لأن السياحة تخرجك عما ألفت من إقامة في ~~وطن ومال وأهل، والصيام يخرجك عما ألفت من طعام وشراب وشهوة. إذن: ~~القدر المشترك بين الرجال والنساء هو في سياحة الاعتبار وسياحة الصوم. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { الراكعون الساجدون } أي: المقيمون ~~للصلاة، وقد جاء بمظهرين فقط من مظاهر الصلاة، مع أن الصلاة قيام وقعود ~~وركوع وسجود لأن الركوع والسجود هما الأمران المختصان بالصلاة، وأما ~~القيام فقد يكون في غير الصلاة، وكذلك القعود. إذن: فالخاصيتان هما ~~ركوع وسجود والحق يقول: # يمريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع ~~الراكعين # [آل عمران: 43]. أي: صلي مع المصلين، وهكذا نجد أن الركوع والسجود ~~هما الأمران اللذان يختصان بالحركة في الصلاة. ثم يقول سبحانه: { ~~الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر } والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر هو حيثية تخص الأمة المحمدية لتكون خير أمة ~~أخرجت للناس، فالحق سبحانه يقول: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر... # [آل عمران: 110]. فإذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فلا بد أن تكون ~~بمنأى عن هذا المنكر فليس معقولا أن تنهى عن شيء أنت مزاول له. # إذن: فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، صلاح أو هدى متعد من النفس ~~إلى الغير، بعد أن تكون النفس قد استوفت حظها منه. ويقتضي الأمر ~~بالمعروف والنهي عن ms4339 المنكر أن تعرف المعروف الذي تأمر به، وأن تعرف ~~المنكر الذي تنهى عنه لذلك لا بد أن تكون من أهل الاختصاص في معرفة أحكام ~~الله، ومعرفة حدود الله حلا وحرمة، أما أن يأتي أي إنسان ليدخل نفسه ~~في الأمر ويقول: أنا آمر بمعروف وأنا أنهى عن منكر، هنا نقول له: لا تجعل ~~الدين، ولا تجعل التقوى في مرتبة أقل من المهن التي لا بد أن يزاولها أهل ~~فكر ومتخصصون فيها. ثم يقول سبحانه: { والحافظون لحدود الله ~~} و " الحدود " جمع " حد " وتأتي الحدود في القرآن على معنيين: المعنى ~~الأول هو المحافظة على الأوامر، وتلك التي يردفها الحق بقوله: # تلك حدود الله فلا تعتدوها... # [البقرة: 229]. وكل أمر يقول فيه ذلك هو حد الله فلا تتعد هذا الحد، ~~أما المعنى الثاني: فهو البعد عن المنهيات فلا يقول لك: لا تتعداها، بل ~~يقول سبحانه: # تلك حدود الله فلا تقربوها... # [البقرة: 187]. وينهى الحق سبحانه الآية بقوله: { وبشر ~~المؤمنين } أي: بشر هؤلاء الذين يسلكون هذا السلوك مطابقا لما ~~اعتقدوه من اليقين والإيمان، لا هؤلاء المنافقين الذين قد يصلون أو ~~يصومون ظاهرا. وكلمة { وبشر } و " استبشر " و " البشرى " و " ~~البشير " كلها مادة تدل على الخبر السار الذي يجعل في النفس انبساطا ~~وسرورا بحيث إذا رأيت وجه الإنسان وجدته وجها متهللا تفيض بشرته ~~بالسرور. وبعد ذلك يتكلم الحق عن أمر شغل بال المؤمنين الذين كان لهم ~~آباء على الكفر ومن حقوق هذه الأبوة على الأبناء أن يستغفروا لهم لعل ~~الله يغفر، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يبين لنا أن رعاية حدود الله ~~وحقوقه أولى من قرابة الدم، وأولى من عاطفة الحنو والرحمة فالحق ~~سبحانه وتعالى أولى بأن يكون الإنسان بارا به من أن يكون بارا بالأب ~~الكافر، وقد جعل الحق سبحانه النسب في الإسلام نفسه. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ما كان للنبي والذين... }. ### || [9.113] # قبل أن يحظر الحق سبحانه على المؤمنين الاستغفار لآبائهم المنافقين، بدأ ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: { ما كان للنبي } ، وإذا ~~كان النبي ms4340 ينهى، فالمؤمنون من باب أولى ليس لهم الحق في ذلك لأن الله لو ~~أراد أن يكرم أحدا من الآباء لأجل أحد، لأكرم أباء النبي إن كانوا غير ~~مؤمنين. وكلمة { ما كان } تختلف عن كلمة " ما ينبغي " فساعة تسمع " ما ~~ينبغي لك أن تفعل ذلك " فهذا يعني أن لك قدرة على أن تفعل، لكن لا يصح أن ~~تفعل، ولكن حين يقال: " ما كان لك أن تفعل " ، أي: أنك غير مؤهل لفعل هذا ~~مطلقا. ومثال ذلك أن يقال لفقير جدا: " ما كان لك أن تشتري فيديو " ~~لأنه بحكم فقره غير مؤهل لشراء مثل هذا الجهاز، لكن حين يقال لآخر: " ما ~~ينبغي لك أن تشتري فيديو " أي: عنده القدرة على الشراء، لكن القائل له ~~يرى سببا غير الفقر هو الذي يجب أن يمنع الشراء. إذن: فهناك فرق بين ~~نفي الإمكان، ونفي الانبغاء. وهنا يقول الحق سبحانه: { ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ~~ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم ~~أنهم أصحاب الجحيم } أي: ما كان للنبي ولا المؤمنين أن ~~يستغفروا للذين ماتوا على الشرك والكفر، ولو كانوا أولي قربى. فهذا أمر ~~لا يصح. وحتى لا يحتج أحد من المؤمنين بأن سيدنا إبراهيم عليه السلام قد ~~استغفر لأبيه جاء الحق بالقول الكريم: { وما كان استغفار ~~إبراهيم... }. ### || [9.114] # فقد وعد سيدنا إبراهيم عليه السلام أباه ما ذكره القرآن: # سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي ~~حفيا # [مريم: 47]. { حفيا } أي: أن رب إبراهيم يحبه وسيكرمه في استغفاره ~~لأبيه. { فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ ~~منه } ويأتي الحق سبحانه بالحيثية الموحية، بأن إبراهيم له من صفات ~~الخير، الكثير جدا، لدرجة أن الله خالقه يقول فيه: # إن إبراهيم كان أمة... # [النحل: 120]. أي: أن خصال الخير في إبراهيم عليه السلام لا توجد مجتمعة ~~في إنسان واحد، ولا في اثنين ولا في ثلاثة، بل خصال الخير موزعة على ~~الناس كلها، فهذا فيه صفة الأمانة، وثان يتحلى بالصدق، وثالث يتميز ~~بالشهامة، ورابع موهوب في العلم، ms4341 إذن: فخصال الخير دائما ينشرها الله في ~~خلقه، حتى يوجد تكافؤ الفرص بين البشر، كالمهن، والحرف، والعبقريات، ~~والمواهب، فلا يوجد إنسان تتكامل فيه المواهب كلها ليصبح مجمع مواهب. لكن ~~شاء الحق أن يجمع لسيدنا إبراهيم عليه السلام خصال خير كثيرة فقال: { ~~إن إبراهيم كان أمة } أي: فيه عليه السلام من خصال الخير ~~التي تتفرق في الأمة. وبعد ذلك يعطينا الحيثية التي جعلت من سيدنا ~~إبراهيم أمة، وجامعا لصفات الخير بهذا الشكل، فإن أعطاه الله أمرا فهو ~~ينفذه بعشق، لا مجرد تكليف يريد أن ينهيه ويلقيه من على ظهره، بل هو ينفذ ~~التكليف بعشق، واقرأ قول الله سبحانه: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن... # [البقرة: 124]. أي: أتى بها على التمام، فلما أتمهن أراد الله أن ~~يكافئه، فقال: # إني جاعلك للناس إماما... # [البقرة: 124]. فهو - إذن - مأمون على أن يكون إماما للناس لأنه قدوة، ~~أي أنه يشترك مع الناس في أنه بشر، ولكنه جاء بخصال الخير الكاملة فصار ~~أسوة للناس، حتى لا يقول أحد: إنه فعل الخير لأنه ملك، وله طبيعة غير ~~طبيعة البشر، لا.. إنه واحد من البشر، قال فيه الحق سبحانه: # إني جاعلك للناس إماما... # [البقرة: 124]. أي: أسوة وقدوة، والأسوة والقدوة يشترط فيها أن تكون من ~~الجنس نفسه فلا تكون من جنس مختلف، فلا يجعل الله للبشر أسوة من الملائكة ~~حتى لا يقول أحد: وهل أنا أستطيع أن أعمل مثل عمله؟ ولذلك يقول الحق ~~سبحانه وتعالى في عرض هذه القضية: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. فحين تعجب بعض الناس من أن ربنا قد بعث من البشر ~~رسولا أنزل الحق هذا القول وأضاف سبحانه: # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. فما دمتم أنتم بشر فلا بد أن يرسل لكم رسولا منكم ~~لتحقق الأسوة، لهذا يقول الحق سبحانه: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9]. ولنر كيف أتم سيدنا إبراهيم ms4342 عليه السلام بعض التكاليف ~~بعشق، فلننظر إلى قول الحق سبحانه: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت... # [البقرة: 127]. ومعنى رفع القواعد أي إيجاد البعد الثالث، وهو الارتفاع ~~لأن البيت الحرام له طول وهذا هو البعد الأول، وله عرض وهو البعد الثاني ~~وبهما تتحدد المساحة. أما الارتفاع فبضربه في البعدين الآخرين يعطينا ~~الحجم، وقد أقام سيدنا إبراهيم عليه السلام البعد الثالث الذي يبرز ~~الحجم، وقد قال بعض السطحيين: إن سيدنا إبراهيم عليه السلام هو الذي بنى ~~الكعبة، لا لم يبن الكعبة، بل رفع القواعد التي تبرز حجم الكعبة بدليل ~~أنه حينما جاء هو وامرأته هاجر ومعها الرضيع إسماعيل عليه السلام قال: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم... # [إبراهيم: 37]. وهذا دليل على أن البيت كان معروفا من قبل إبراهيم عليه ~~السلام، وقد استقرت به هاجر وطفلها إسماعيل إلى أن كبر واستطاع أن يرفع ~~مع أبيه القواعد، ولذلك نقول: إن هناك فرقا بين " المكان " و " المكين " ~~فالذي فعله إبراهيم هو إقامة " المكين " أي المبنى نفسه، أما المكان فقد ~~كان معروفا. ولنفترض أنه جاء سيل على الكعبة وهدمها فإلى أي شيء سنصلي؟ ~~إلى أن نقيم المكين. إذن: عملية البناء هذه للمكان، وليست للمكين. ويقول ~~الحق عن البيت الحرام: # فيه آيات بينات... # [آل عمران: 97]. وآيات جمع، وبينات جمع، ولم يأت من الآيات البينات إلا ~~" مقام إبراهيم ": # فيه آيات بينات مقام إبراهيم... # [آل عمران: 97]. أي: أن " مقام إبراهيم " هو مجموع الآيات البينات لأن ~~الله قد أمره أن يرفع القواعد، وكان لا بد أن يبحث عن الإمكانات التي ~~تساعده في الرفع لأنه لو رفعها على قدر ما تطول يده لما بلغ طول الكعبة ~~فوق مستوى ما تطوله اليدان لذلك فكر سيدنا إبراهيم وتدبر وجاء بحجر ليقف ~~فوقه ليطيل في ارتفاع جدران الكعبة، وهذا من دلائل أنه ينفذ التكليف ~~بعشق، وعلى أتم وجه لذلك قال الحق: # فيه آيات بينات مقام إبراهيم # [آل عمران: 97] وفي هذا آيات واضحة على أن الإنسان إذا كلف أمرا ms4343 فعليه ~~ألا ينفذ الأمر لينهى التكليف بأية طريقة، ولكن عليه أن يؤدي ما يكلف به ~~بعشق، ويحاول أن يزيد فيه، وبذلك يؤدي " الفرض " والزائد على الفرض وهو " ~~النافلة ". ونحن هنا في قضية الاستغفار { وما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدهآ إياه ~~فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن ~~إبراهيم لأواه حليم } وهنا وقفة توضح لنا طبع سيدنا إبراهيم ~~كأواه حليم، والأواه هو الذي يكثر التوجع والتأوه على نفسه مخافة من ~~الله، وعلى الناس إن رأى منهم معصية، فيحدث نفسه بما سوف يقع عليهم من ~~عذاب، إنه يشغل نفسه بأمر غيره، فهذه فطرته، وهو أواه لأن التأوه لون من ~~السلوى يجعلها الله في بعض عباده للتسرية عن عباد له آخرين. # ولذلك يقول الشاعر: # ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة # يواسيك أو يسليك أو يتوجع # أي: أنه إذا أصابت الإنسان مصيبة فهو يشكو إلى صاحب المروءة، فإما أن ~~يساعده في مواجهة المشكلة، وإما أن يواسيه ليحمل عنه المصيبة، بأن يتأوه ~~له ويشاركه في تعبه لمصيبته، وهذا التأوه علامة رقة الرأفة وشفافية ~~الرحمة في النفس البشرية. فإبراهيم { أواه } ، وهذا طبع فيه يسلكه مع ~~كل الناس، فما بالك إن كان لقريب له؟ لا بد إذن أن يكثر من التأوه، ~~وخصوصا إن كان الأمر يتعلق بأبيه، ومع ذلك أراد الله أن يضع طبع إبراهيم ~~عليه السلام في التأوه في موضعه الصحيح، ولكن الله أوضح له: إياك أن ~~تستغفر لأبيك ولا شأن لك به، فالمسألة ليست في الطبع، ولكن في رب الطبع ~~الذي أمر بذلك. وهنا قضية هامة أحب أن تصفى بين مدارس العلم والعلماء في ~~العالم كله لأنها مسألة تسبب الكثير من المشاكل، وتثار فيها أقضية كثيرة. ~~لقد أمر الحق سبحانه إبراهيم عليه السلام ألا يستغفر لأبيه، بعد أن تبين ~~له أنه عدو لله، وما دام والد إبراهيم قد وصف بهذه الصفة وأنه عدو لله ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم من نسل إبراهيم إذن: فلماذا يقول الرسول: # " إنني خيار من ms4344 خيار من خيار " # ؟ ولو فهمنا قول الحق: إن أبا إبراهيم عدو لله، ففي هذا نقض لحديث رسول ~~الله، وما دام أبو إبراهيم كان عدوا لله وتبرأ منه وقال له الحق: لا ~~تستغفر. إذن: ففي نسبه صلى الله عليه وسلم أحد أعداء الله، وفي ذلك نقض ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: # " خيار من خيار خيار، ما زلت أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام ~~الطاهرات ". # ولهذا نريد أن نصفي هذه المسألة تصفية علماء، لا تصفية غوغاء، ولنسأل من ~~هو الأب؟ الأب هو من نسلك وأنجبك، أو نسل من نسلك. إذن: فهناك أب ~~مباشر وأبوه يعتبر أبا لك أيضا إلى أن تنتهي لآدم، هذا هو معنى كلمة " ~~الأب " كما نعرفه، لكننا نجد أن القرآن قد تعرض لها بشكل أعمق كثيرا من ~~فهمنا التقليدي، وأغنى السور بالتعرض لهذه المادة " سورة يوسف " لأن مادة ~~" الأب " جاءت ثماني وعشرين مرة خلال هذه السورة، فمثلا تجد في أوائل ~~سورة يوسف، قول يوسف عليه السلام: # إذ قال يوسف لأبيه يأبت إني رأيت أحد عشر ~~كوكبا... # [يوسف: 4]. وبعد ذلك جاءت السورة بأن الله سوف يجتبي يوسف ويعلمه من ~~تأويل الأحاديث: # وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب ~~كمآ أتمهآ على أبويك من قبل... # [يوسف: 6]. والأبوان المقصودان هنا هما إبراهيم وإسحاق عليهما السلام، ~~ثم قال الحق من بعد ذلك: # إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا... # [يوسف: 8]. ثم جاء قوله الحق على لسان إخوة يوسف: # ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين # [يوسف: 8]. وفي نفس السورة يقول الحق عن إخوة يوسف: # اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه ~~أبيكم... # [يوسف: 9]. ثم يمهد إخوة يوسف للتخلص منه، فيبدأون بالحوار مع الأب: # قالوا يأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا ~~له لناصحون * أرسله معنا غدا يرتع ويلعب ~~وإنا له لحافظون # [يوسف: 11-12]. وبعد أن ألقوه في غيابة الجب، وعادوا إلى والدهم: # وجآءوا أباهم عشآء يبكون # [يوسف: 16]. وكانت هذه هي المرة الثامنة في ذكر كلمة ms4345 أب في سورة يوسف، ~~ثم تأتي التاسعة: # قالوا يأبانآ إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف ~~عند متاعنا... # [يوسف: 17]. ثم تدور أحداث القصة إلى أن دخل سيدنا يوسف السجن، وقابل ~~هناك اثنين من المسجونين وأخبراه أنهما يريانه من المحسنين، وأن عندهما ~~رؤى يريدان منه أن يفسرها لهما فقال لهما: # لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله... # [يوسف: 37]. وينسب ذلك الفضل إلى الحق سبحانه فيقول: # ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم ~~لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * ~~واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب... # [يوسف: 37-38]. وهكذا ذكر اسم ثلاثة من آبائه: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~عليهم السلام. ثم خرج يوسف من السجن وتولى أمر تنظيم اقتصاد مصر، وجاء ~~إخوته للتجارة فعرفهم، ويحكي القرآن عن لقائه بهم دون أن يعرفوه، وقال: # ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم ~~من أبيكم... # [يوسف: 59]. وقال أيضا: # قالوا سنراود عنه أباه... # [يوسف: 61]. ثم عادوا إلى أبيهم يرجونه أن يسمح لهم باصطحاب أخيهم ~~الأصغر معهم، وسمح لهم يعقوب عليه السلام باصطحابه بعد أن آتوه موثقا من ~~الله أن يأتوه به إلا أن يحيط بهم أمر خارج عن إرادتهم، ونزلوا مصر ~~وطلبوا الميرة. # فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل ~~أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم ~~لسارقون * قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون * ~~قالوا نفقد صواع الملك ولمن جآء به حمل بعير ~~وأنا به زعيم * قالوا تالله لقد علمتم ما ~~جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين * قالوا ~~فما جزآؤه إن كنتم كاذبين * قالوا جزآؤه من وجد ~~في رحله فهو جزاؤه... # [يوسف: 70-75]. قالوا: # إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا ~~نراك من المحسنين # [يوسف: 78]. قال يوسف: # معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا ~~عنده... # [يوسف: 79]. ويأمرهم سيدنا يوسف عليه السلام: # ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يأبانا إن ابنك ~~سرق وما شهدنآ إلا بما علمنا وما كنا للغيب ~~حافظين # [يوسف: 81]. ويعودون إلى أبيهم الذي يعاتبهم: # بل سولت لكم أنفسكم أمرا... # [يوسف: 83] ثم يأمرهم أن يعودوا مرة ms4346 أخرى قائلا: # يبني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه... # [يوسف: 87]. وعندما عرفهم يوسف بنفسه وعلم منهم أن والدهم قد صار أعمى ~~قال لهم: # اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت ~~بصيرا # [يوسف: 93]. ثم يأمرهم يوسف عليه السلام بأن يأتوا بأهلهم أجمعين. # ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح ~~يوسف لولا أن تفندون # [يوسف: 94]. ثم يقول الحق سبحانه: # ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال ~~يأبت هذا تأويل رؤياي من قبل... # [يوسف: 100]. وما يهمنا في كل ذلك آيتان اثنتان: الأولى هي قوله سبحانه: # وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل ~~الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب ~~كمآ أتمهآ على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق ~~إن ربك عليم حكيم # [يوسف: 6]. وإسحاق هو أبو يعقوب، وإبراهيم هو الأب الثالث. وحين قال ~~يوسف: # واتبعت ملة آبآئي... # [يوسف: 38]. و " أبائي " جمع أب. وعندما أراد أن يذكر الأعلام من آبائه ~~قال: # إبراهيم وإسحاق ويعقوب... # [يوسف: 38]. ويعقوب هو أبو يوسف، وإسحاق أبو يعقوب، وإبراهيم أبو إسحاق، ~~إذن: فإبراهيم أب، وإسحاق أب، ويعقوب أب. وهكذا نرى أن كلمة " الأب " ~~تطلق على الجد، وآباء الجد إلى آدم. وإذا نظرت في سورة البقرة تجد قول ~~الحق سبحانه: # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق... # [البقرة: 133]. ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، وهكذا يكون ~~إبراهيم أبا، وإسماعيل أبا، وإسحاق أبا، ولكن إسماعيل أخ لإسحاق، إذن ~~فقد أطلق الأب هنا وأريد به العم، وهكذا ترى أنه إذا ألحق بكلمة " أب " ~~اسم معين هو المقصود بها، فالمعنى ينصرف إما إلى الجد وإما إلى العم، وإن ~~جاءت من غير تحديد الاسم، فهي تنصرف إلى الأب المباشر فقط. والحق يقول في ~~شأن إبراهيم مع أبيه: # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر... # [الأنعام: 74]. لقد ذكر الحق هنا اسم الأب وحدده ب " آزر " ولو أنه ~~أبوه حقيقة لما قال آزر، مثلما يأتيك إنسان ليسأل: أين أبوك؟ هنا نفهم أن ~~السؤال ينصرف ms4347 إلى الأب المباشر، لكن إذا قال: هل أبوك محمد هنا؟ فهذا ~~التحديد قد ينصرف إلى العم. إذن: قول الله: { وإذ قال إبراهيم ~~لأبيه آزر } يبين لنا أن آزر ليس هو الصلب الذي انحدر منه رسول ~~الله، ولكنه عمه، وبذلك نحل الإشكال واللغز الذي حير الكثيرين. وهنا يقول ~~الحق سبحانه: { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا ~~عن موعدة وعدهآ إياه فلما تبين له أنه ~~عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم } ~~[التوبة: 114]. # و " الحليم " هو خلق يجعل صاحبه صبورا على الأذى صفوحا عن الذنب. وقد ~~شغل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخوانهم المؤمنين، الذين ماتوا ~~قبل أن تكتمل عندهم أحكام الإسلام لأن منهج الإسلام نزل في " ثلاثة ~~وعشرين عاما ". وليس من المفروض فيمن آمن أن يأتي بكل أحكام الإسلام عند ~~بداية إيمانه، بل قد يكون قد آمن فقط بالشهادة، فاعتبر مسلما، ومثال هذا ~~مخيريق اليهودي الذي لم يصل ركعة واحدة في الإسلام لأن الحرب قامت بعد ~~إسلامه مباشرة، وقال: مالي كله لمحمد وسأذهب لأحارب معه، وحارب فقتل، ~~وهكذا صار شهيدا. لأنه لم يمكث زمنا ينفذ فيه ما جاء به الإسلام قبل ~~ذلك. ومن باب أولى أن الذي مات قبل أن تتم أحكام الإسلام يعتبر مسلما، ~~والذي مات مثلا قبل أن تحرم الخمر تحريما نهائيا، أيقال: إنه عاص أو ~~كافر؟ لا، إنه مسلم، والذي مات قبل أن يعلم أن القبلة قد حولت من بيت ~~المقدس إلى الكعبة يعتبر مسلما وشاء الحق أن يبين للمسلمين ألا يحزنوا ~~على هؤلاء، فنزل الوحي: # وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى ~~يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم # [التوبة: 115]. وهذا يوضح ما نعرفه في عرف التقنين البشري أنه لا جريمة ~~إلا بنص، ولا عقوبة إلا بتشريع، فنحن لا نعاقب إلا بعد تحديد الفعل الذي ~~يعاقب عليه، وأن يكون النص المحدد للجريمة والعقوبة سابقا على الفعل. ~~إذن: لا عقوبة بتجريم، ولا تجريم إلا بنص. والذي لم يبلغه النص لأنه مات ms4348 ~~قبل أن يوجد النص لا نأخذه بالعقاب لأنه لا رجعية في القانون السماوي، ~~إنما الرجعية فقط عند البشر ولذلك نجد الحق يقول في كثير من الآيات: # إلا ما قد سلف... # [النساء: 22]. إذن: فلا تحزنوا على من مات من إخوانكم قبل أن يستكمل ~~الإسلام كل أحكامه. فإسلامهم هو ما بلغهم من هذه الأحكام فإن أدوها ~~استووا بالذي يؤديها بعد أن تتم أركان الإسلام كلها لذلك جاء قوله الحق: ~~{ وما كان الله ليضل... }. ### || [9.115] # وهنا الهداية هي هداية الدلالة حتى يبين لهم ما يتقون { وما كان ~~الله ليضل قوما } أي: ما كان الله ليحكم بضلالة قوم حتى يبين ~~لهم ما يتقون. والتقوى التزام أمر الله ونهيه، فإذا وافقوا البيان هداهم ~~هداية معونة، وإذا لم يوافقوا كانوا ضالين، وقد حكم الله بضلالة عم ~~إبراهيم وما حكم الله بضلالته إلا بعد أن بين له منهج الهداية. وقد بين ~~إبراهيم لعمه منهج الهداية فلم يهتد. ولذلك أمر الله سبحانه وتعالى ~~إبراهيم ألا يستغفر له. ويقول الحق بعد ذلك: { إن الله له ~~ملك... }. ### || [9.116] # ومادة ال م. ل. ك يأتي منها " مالك " ، و " ملك " ، و " ملك " ، ~~ومنها " ملك " ، ومنها " ملكوت " ، و " الملك " هو ما تملكه أنت في ~~حيزك، فإن كان هناك أحد يملكك أنت ومن معك ويملك غيرك، فهذا هو الملك، ~~أما ما اتسع فيه مقدور الإنسان أي الذي يدخل في سياسته وتدبيره، فاسمه ~~ملك، فشيخ القبيلة له ملك، وعمدة القرية له ملك، وحاكم الأمة له ملك، ~~ويكون في الأمور الظاهرة... وأما الملكوت فهو ما لله في كونه من أسرار ~~خفية. مثل قوله تعالى: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض... # [الأنعام: 75]. وساعة ترى " تاء المبالغة " في مثل " رهبوت " ، و " ~~عظموت " تدرك أنها رهبة عظيمة. إذن: إياك أن تفهم أن الله حين يمنعك أن ~~تستغفر لآبائك، وأنك إن قاطعتهم فذلك يخل بوجودك في الحياة لأنهم هم ومن ~~يؤازرهم داخلون في ملك الله، وما دام الله له ملك السماوات والأرض، فلا ~~يضيرك أحد أو شيء ولا يفوتك مع ms4349 الله فائت، وما دام الله سبحانه موجودا ~~فكل شيء سهل لمن يأخذ بأسبابه مع الإيمان به. والحق سبحانه يبين لنا أنه ~~سبحانه وحده الذي بيده الملك فقال: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء بيدك الخير... # [آل عمران: 26]. وفي هذا القول الكريم أربعة أشياء متقابلة: { تؤتي ~~الملك } و { وتنزع الملك } ، وإيتاء الملك في أعراف الناس ~~خير، ونزعه في أعراف الناس شر، وإعزاز الناس خير، وإذلالهم شر، ولم يقل ~~الله بيده: " الخير والشر ". وإنما قال في كل: { بيدك الخير }. ~~إذن: فحين يؤتي الله إنسانا ملكا نقول: هذا خير وعليك أن تستغله في ~~الخير. وحينما ينزع الله منه الملك نقول له: لقد طغيت وخفف الله عنك ~~جبروت الطغيان، فنزعه الله منك فهذا خير لك. وإن أعزك الله، فقد يعذبك ~~حقا، وإن أذلهم الله، فالمقصود ألا يطغوا أو يتجبروا. إذن: فكلها خير. # تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء ~~وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك الخير... # [آل عمران: 26]. ساعة تجد ملكا عضوضا، إياك أن تظن أن هذا الملك ~~العضوض قد أخذ ملكه دون إرادة الله، لا، بل هو عطاء من الله. ولو أن ~~المملوك راعى الله في كل أموره لرقق عليه قلب مالكه. ولذلك يقول لنا في ~~الحديث القدسي: # " أنا الله ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيها بيدي، فإن العباد أطاعوني ~~جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسب ~~الملوك، ولكن أطيعوني أعطفهم عليكم ". # وما دام الأمر كذلك، فلا بد أن نعرف أن كل حادث له حكمة في الوجود. وإن ~~رأيت واحدا قد أخذ الملك وهو ظالم، فاعلم أن الله قد جاء به ليربي به ~~المملوكين، وسبحانه لا يربي الأشرار بالأخيار لأن الأخيار لا يعرفون كيف ~~يربون وقلوبهم تمتلئ بالرحمة ولذلك يعلمنا سبحانه: # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا... # [الأنعام: 129]. والخير لا يدخل المعركة بل يشاهد الصراع من بعيد، ~~ويجري كل شيء بعلم الله لأنه سبحانه له ملك ms4350 السماوات والأرض وهو الذي ~~يحيي ويميت، فإياك أن تفتن في غير خالقك أبدا لأن الخلق مهما بلغ من ~~قدرته وطغيانه، لا يستطيع أن يحمي نفسه من أغيار الله في كونه ولذلك ~~فليأخذ المؤمن من الله وليا له ونصيرا. وبعد أن قال لنا سبحانه: { ~~إن الله له ملك السموات والأرض } يأتي لنا بالأمر ~~الذي يظهر فيه أثر القدرة، ولا يشاركه فيه غيره، فقال: { يحيي ~~ويميت }. وقال بعض العلماء في قوله: { يحيي ويميت } أنه ~~سبحانه " يحيي الجماد " ، و " يميت الحيوان " لأنهم ظنوا أن الحياة هي ~~الحس والحركة التي نراها أمامنا من حركة وكلام وذهاب وإياب، ونسوا أن ~~الحياة هي ما أودعه الله في كل ذرة في الكون، مما تؤدي به مهمتها، ففي ~~ذرة الرمل حياة، والجبل فيه حياة، وكل شيء فيه حياة، بنص القرآن حيث ~~يقول: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة... # [الأنفال: 42]. إذن: فالحياة مقابلها الهلاك، وفي آيات أخرى يقابل ~~الحياة الموت، فالهلاك هو الموت. فإذا قال الحق سبحانه: # كل شيء هالك إلا وجهه... # [القصص: 88]. إذن: فكل شيء قبل أن يكون هالكا كان حيا، وهكذا نعرف أن ~~الحياة ليست هي الحس والحركة الظاهرتين، وبعد التقدم العلمي الهائل في ~~المجاهر الدقيقة تكشفت لنا حركة وحس كائنات كنا لا نراها، وإذا كان ~~الإنسان قد توصل بالآلات التي ابتكرها إلى إدراك ألوان كثيرة من الحياة ~~فيما كان يعتقد أنه لا حياة فيها، إذن: فكل شي في الوجود له حياة تناسبه ~~فلو جئت بمعدن مثلا وتركته ستجده تأكسد، أي حدث فيه تفاعل مع مواد ~~أخرى.. فهذه حياة. بعد ذلك يقول الحق: { لقد تاب الله على ~~النبي... }. ### || [9.117] # قلنا: إن التوبة لها مراحل، فهناك توبة شرعها الله، ومجرد مشروعية ~~التوبة من الله رحمة بالخلق، وهي أيضا رحمة بالمذنب لأن الحق سبحانه لو ~~لم يشرع التوبة لاستشرى الإنسان في المعاصي بمجرد انحرافه مرة واحدة، ~~وإذا استشرى في المعاصي فالمجتمع كله يشقى به، إذن: فمشروعية التوبة ~~نفسها رحمة بمن يفعل الذنب، وبمن يقع عليه ms4351 الذنب، وقبول التوبة رحمة أخرى ~~بمن عمل الذنب. وأنت إذا سمعت قوله الحق سبحانه: # ثم تاب عليهم ليتوبوا... # [التوبة: 118]. فافهم أن تشريع التوبة إنما جاء ليتوب العباد فعلا، ~~وبعد أن يتوبوا، يقبل الله التوبة. والحق هنا يقول: { لقد تاب الله ~~على النبي } وعطف على النبي صلى الله عليه وسلم { ~~المهاجرين والأنصار } ، فأي شيء فعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى يقول الله: { لقد تاب الله على النبي }؟! ونقول: ~~ألم يقل الحق سبحانه له: # عفا الله عنك لم أذنت لهم... # [التوبة: 43]. فحين جاء بعض المنافقين استأذنوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم في التخلف عن الغزوة، فأذن لهم، مع أن الله سبحانه قال: # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا... # [التوبة: 47]. إذن: فرسول لله صلى الله عليه وسلم كان بالفطرة السليمة ~~قد اتخذ القرار الصائب، ولكن الحق سبحانه لا يريد ان يتبعوا فطرتهم فقط، ~~بل أراد أن يضع تشريعا محددا. وشاء الحق سبحانه أن يخبرنا بأنه قدم ~~العفو لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه أذن لمن استأذنه من المنافقين ~~ألا يخرجوا إلى القتال، وهناك أشياء يأخذها الله على عبده لأن العبد قام ~~بها ضد صالح نفسه، ومثال هذا من حياتنا ولله المثل الأعلى: أنت إذا رأيت ~~ولدك يذاكر عشرين ساعة في اليوم فإنك تدخل عليه حجرته لتأخذ منه الكتاب ~~أو تطفئ مصباح الحجرة، وتقول له: " قم لتنام ". وأنت في هذه الحالة إنما ~~تعنف عليه لأنك تحبه، لا، لأنه خالف منهجا، بل لأنه أوغل في منهج ~~وأسلوب عمل يرهق به نفسه. وحين سمح النبي صلى الله عليه وسلم لقوم أن ~~يتخلفوا، فهل فعل ذلك ضد مصلحة الحرب أم مع مصلحة الحرب؟ إنهم لو اشتركوا ~~في الحرب لكثر ثوابهم حتى ولو حرسوا الأمتعة أو قاموا بأي عمل، إذن: ~~فإذنه صلى الله عليه وسلم لهم بالتخلف هو تصعيب للأمر على نفسه. ولذلك ~~نجد أن كل عتب على نبي الله، إنما كان عتبا لصالحه لا عليه فسبحانه يقول ~~له: # لم تحرم مآ أحل الله ms4352 لك... # [التحريم: 1]. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحل ما حرم الله بل حرم على ~~نفسه ما أحل الله له، وهذا ضد مصلحته، وكأن الحق يسائله: لماذا ترهق ~~نفسك؟. # إذن: فهذا عتب لمصلحة النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضا حين جاء ابن أم ~~مكتوم الأعمى يسأل رسول الله في أمر من أمور الدين، وكان ذلك في حضور ~~صناديد قريش، فالتفت صلى الله عليه وسلم إلى الصناديد وهم كافرون، يريد ~~أن يلين قلوبهم، وترك ابن أم مكتوم فنزل القول الحق: # عبس وتولى * أن جآءه الأعمى # [عبس: 1-2]. وابن أم مكتوم جاء ليستفسر عن أمر إيماني، ولن يجادل مثلما ~~يجادل صناديد قريش، فلماذا يختار الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر الصعب ~~الذي يحتاج إلى جهد أكبر ليفعله؟. إذن: العتب هنا لصالح محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وحين يقول الحق له: # عفا الله عنك لم أذنت لهم... # [التوبة: 43]. ثم جاء هنا في الآية بالمهاجرين والأنصار معطوفين على ~~رسول الله، وذلك حتى لا يتحرج واحد من المهاجرين أو الأنصار من أن الله ~~تاب عليه، بل التوبة تشمله وتشمل الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه فلا ~~تحرج. وهذه المسائل التي حدثت كان لها مبررات، فقد قال الحق: { من ~~بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم } ويزيغ: يميل، أي: ~~يترك ميدان المعركة كله لأنها كانت معركة في ساعة العسرة، ومعنى العسرة ~~الضيق الشديد، فالمسافة طويلة، والجنود الذين سيواجهونهم هم جنود الروم، ~~والجو حار، وليس عندهم رواحل كافية، فكل عشرة كان معهم بعير واحد، ~~يركبه واحد منهم ساعة ثم ينزل ليركبه الثاني، ثم الثالث، وهكذا، ولم ~~يجدوا من الطعام إلا التمر الذي توالد فيه الدود. وقد بلغ من العسرة أن ~~الواحد منهم كان يمسك التمرة فيمصها بفيه يستحلبها قليلا، ثم يخرجها من ~~فيه ليعطيها إلى غيره ليستحلبها قليلا، وهكذا إلى أن تصير على النواة، ~~وكان الشعير قد أصابه السوس، وبلغ منه السوس أن تعفن، وقال من شهد ~~المعركة: " حتى إن الواحد منا كان إذا أخذ حفنة من ms4353 شعير ليأكلها يمسك ~~أنفه حتى لا يتأذى من رائحة الشعير ". كل هذه الصعاب جعلت من بعض ~~الصحابة من يرغب في العودة. ولا يستكمل الطريق إلى الغزوة. إذن: فالتوبة ~~كانت عن اقتراب زيغ قلوب فريق منهم. وجاء الحق بتقدير ظرف العسرة، ولذلك ~~تنبأ بالخواطر التي كانت في نواياهم ومنهم أيضا من هم ألا يذهب، ثم ~~حدثته نفسه بأنه يذهب مثل أبي خيثمة الذي بقي من بعد أن رحل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى الغزوة ومرت عشرة أيام، ودخل الرجل بستانه فوجد ~~العريشين، وعند كل عريش زوجة له حسناء، وقد طهت كل منهما طعاما، ~~وهكذا رأى أبو خيثمة الظلال الباردة، والثمر المدلى، فمسته نفحة من ~~صفاء النفس فقال: " رسول الله في الفيح - أي الحرارة الشديدة جدا - ~~والريح، والقر والبرد، وأنا هنا في ظل بارد، وطعام مطهو، وامرأتين ~~حسناوين، وعريش وثير، والله ما ذلك بالنصفة لك يا رسول الله، وأخذ ~~زمام راحلته وركبها فكلمته المرأتان، فلم يلتفت لواحدة منهما وذهب ليلحق ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم. # فقال صحابة رسول الله: يا رسول الله إنا نرى شبح رجل مقبل. فنظر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " كن أبا خيثمة " ، ووجده أبا خيثمة، ~~هذا معنى الحق: { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين ~~والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ~~ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم ~~إنه بهم رءوف رحيم } [التوبة: 117]. وفي واقعة الصحابة ~~الذين راودتهم أنفسهم أن يرجعوا وتاب الله أيضا على آخرين اعترفوا ~~بذنوبهم، فتاب الحق عليهم حين قال: # وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله ~~غفور رحيم # [التوبة: 102]. وأرجأ الحق أمر آخرين نزل فيهم قوله: # وآخرون مرجون لأمر الله... # [التوبة: 106]. وما دام الله قد قال: { مرجون لأمر الله } ~~أي: ما بت الله سبحانه في أمرهم بشيء فلا بد من الانتظار إلى أن يأتي ~~أمر الله، ويجب ألا نتعرض لهم حتى يأتي قول الله. وتاب أيضا على الثلاثة ms4354 ~~الذين خلفوا، في قوله سبحانه: { وعلى الثلاثة الذين ~~خلفوا... }. ### || [9.118] # قد يظن أحد أن خلفوا هنا تدل على أن أحدا قال لهم: اقعدوا عن ~~الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يقل لهم أحد هذا. إنما ~~خلفوا معناها: لم يظهر أمر الشارع فيهم كما ظهر في غيرهم، بل قال ~~الحق فيهم من قبل: # وآخرون مرجون لأمر الله # [التوبة: 6]، وما دام قد تأخر فيهم الحكم فلا بد من الانتظار. { وعلى ~~الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم ~~الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا ~~أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم } [التوبة: ~~118]. ونعلم أن الإنسان إذا شغله هم يحدث نفسه بأن يترك المكان الذي ~~يجلس فيه، ويسبب له الضيق، لعل الضيق ينفك. ولكن هؤلاء الثلاثة قابلوا ~~الضيق في كل مكان ذهبوا إليه حتى ضاقت عليهم الأرض بسعتها، فلم يجد واحد ~~منهم مكانا يذهب إليه، وهذا معناه أن الكرب الذي يحيطهم قد عم، ~~والإنسان قد تضيق عليه الأرض بما رحبت ولكن نفسه تسعه. والحق يقول عنهم: ~~{ وضاقت عليهم أنفسهم } أي: ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ~~وضاقت عليهم أنفسهم أيضا، فقد تخلف الثلاثة عن الغزوة، لا لعذر إلا مجرد ~~الكسل والتواني، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بمقاطعتهم، ~~فكان كعب بن مالك يخرج إلى السوق فلا يكلمه أحد، ويذهب إلى أقربائه فلا ~~يكلمه أحد، ويتسور عليهم الحيطان لعلهم ينظرون إليه، فلا ينظرون إليه. ~~وبعد ذلك يتصاعد الأمر في عزل هؤلاء، حتى تعدى إلى نسائهم، فأمرهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بألا يقربوا نساءهم هكذا بلغ العزل مبلغا ~~شديدا ودقيقا، فقد كان التحكم أولا في المجتمع، ثم في الأقارب، ثم في ~~خصوصيات السكن وهي المرأة، حتى إن امرأة هلال بن أمية ذهبت إليه وقالت: ~~يا رسول الله إن هلال بن أمية، رجل مريض ضعيف، وأنا أستأذنك في أن أصنع ~~له ما يقيمه، قال لها: " ولكن لا يقربنك ". قالت والله ms4355 يا رسول الله ما ~~به حركة إلى شيء، ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه ~~هذا. وذهب بعض المسلمين إلى كعب بن مالك ليبلغوه أن رسول الله صرح لامرأة ~~هلال أن تخدمه، وقالوا له: اذهب إلى رسول الله واستأذنه أن تخدمك امرأتك. ~~قال: إن هلالا رجل شيخ، فماذا أقول لرسول الله وأنا رجل شاب؟ والله لا ~~أذهب له أبدا. وظل الثلاثة في حصار نفسي ومجتمعي لمدة خمسين يوما إلى ~~أن جاء الله بالتوبة، وفي هذا تمحيص لهم، فكعب بن مالك - على سبيل المثال ~~- يقص عن حاله قبل الغزوة قائلا: " لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين ~~تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في ~~تلك الغزوة ". # أي: أنه لم يكن له عذر يمنعه. بعد ذلك يجيء البشير بأن الله قد تاب ~~عليه، فيأتي واحد من جبل سلع فيقول: يا كعب أبشر بخير يوم مر عليك. ~~فقد أنزل الله فيك قرآنا وأنه تاب عليك. قال كعب: فلم أجد عندي ما أهديه ~~له لأنه بشرني إلا ثوبي فخلعتهما وأعطيتهما له، ثم استعرت ثوبين ذهبت ~~بهما إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال: يا رسول الله، إن من ~~تمام توبتي أن أنخلع من مالي - الذي سبب لي هذا العقاب - صدقة إلى الله ~~وإلى رسوله صلى الله عليه. إذن: فتأخر الحكم كان المراد منه تمحيص هؤلاء، ~~وإعطاء الأسوة لغيرهم. فحين يرون أن الأرض قد ضاقت عليهم بما رحبت، وكذلك ~~ضاقت عليهم أنفسهم يتيقنون من قول الحق: { وظنوا أن لا ملجأ ~~من الله إلا إليه } [التوبة: 118]. أي: أن أحدا لا يجير إلا ~~الله، وسبحانه يجير من نفسه. كيف؟ أنت تعلم أنك ساعة لا يجيرك إلا من ~~يتعقبك، فاعلم أنه لا سلطان لأحد أبدا ولذلك نقول: أنت تلجأ إلى الله لا ~~من خلقه، ولكنك تلجأ إلى الله ليحميك من الله، فسبحانه له صفات جلال ~~وصفات جمال، وتتمثل صفات الجلال في أنه: قهار، ms4356 وجبار، ومنتقم، وشديد ~~البطش، إلى آخر تلك الصفات. وفي الحق سبحانه صفات جمال مثل غفور، ورحيم، ~~وغيرها، فإذا ما أذنب الإنسان ذنبا، فالمجال في هذه الحالة ان يعاقب من ~~صفات الجلال، ولا ينفع العبد وقاية من صفات الجلال إلا صفات الجمال. ~~وكلنا يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعا الله بقوله: # " أعوذ بك منك " # أي: أعوذ بصفات الجمال فيك من صفات جلالك، فلن يحميني من صفات جلالك إلا ~~صفات جمالك. ولذلك حينما جاء في الحديث الشريف عن آخر ليلة من رمضان قوله ~~صلى الله عليه وسلم. # " فإذا ما كان آخر ليلة من رمضان تجلى الجبار بالمغفرة ". # يظن بعض الناس أن هذه المسألة غير منطقية، فكيف يتجلى الجبار ~~بالمغفرة؟ ألم يكن من المناسب أن يقال: " يتجلى الغفار "؟ ونقول: لا ~~فإن المغفرة تقتضي ذنبا، ويصبح المقام لصفة الجبار، وهكذا تأخذ صفة ~~الرحمة من صفة الجبار سلطتها، وكأننا نقول: يا جبار أنت الحق وحدك، ~~لكننا نتشفع بصفات جمالك عند صفات جلالك. هذا هو معنى: " يتجلى الجبار ~~بالمغفرة ". وقد سمع الأصمعي - وهو يطوف - مسلما عند باب الملتزم، يقول: ~~اللهم إني أستحي أن أطلب منك المغفرة لأني عصيتك، ولكني تطلعت فلم ~~أجد إلها سواك. فقال له: يا هذا، إن الله يغفر لك لحسن مسألتك. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { ثم تاب عليهم ليتوبوا } والتوبة ~~أولا - كما عرفنا - هي تشريعها، ثم تأتي التوبة بالقبول، وقوله: { ~~ليتوبوا } أي: أنها تصبح توبة رجوع وعودة إلى ما كانوا عليه قبل ~~المعصية. وينهي الحق الآية بقوله: { إن الله هو التواب ~~الرحيم } فلا تواب ولا رحيم سواه سبحانه وتعالى. ويقول الحق بعد ~~ذلك: { يأيها الذين آمنوا... }. ### || [9.119] # وساعة ينادي الحق عز وجل عباده المؤمنين، فهو سبحانه إما أن يناديهم ~~بحكم يتعلق بالإيمان، وإما أن يناديهم بالإيمان ويطلب منهم الإيمان مثل ~~قوله الحق: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله... # [النساء: 136]. والحق سبحانه يبين للذين آمنوا به قبل أن يخاطبهم، أنه ~~من الممكن أن يؤمن الإنسان ثم يتذبذب في إيمانه، ms4357 فيطلب منه الحق " دوام ~~الإيمان ". فإذا طلب الله من عباده ما كان موجودا فيهم ساعة الخطاب، ~~فالمطلوب دوامه، وإن طلب منهم حكما يتعلق بالإيمان، فهو يوجههم إلى ~~الاستماع وتطبيق ما يطلب منهم، ومثال هذا قول الحق سبحانه: { اتقوا ~~الله } [التوبة: 119]. وكلمة { اتقوا } تعني: اجعلوا بينكم وبين ~~الله وقاية، ويتساءل البعض: هل يطلب أحد من الإنسان أن يجعل بينه وبين ~~ربه وقاية؟ إن العبد المؤمن يطلب أن يكون في معية الله. وهنا تأتي ~~ضرورة فهم صفات الجمال وصفات الجلال. إن قوله سبحانه: { اتقوا ~~الله } يعني: اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال وقاية، مثلما قال سبحانه: # فاتقوا النار # [البقرة: 24]. لأن النار من جنود صفات الجلال، فاجعلوا بينكم وبين الله ~~وقاية من صفات الجلال. وهنا يقول الحق: { اتقوا الله وكونوا ~~مع الصادقين } ، وفسر بعض العلماء قوله: { وكونوا مع ~~الصادقين } بمعنى كونوا من الصادقين، أي: أن " مع " هنا بمعنى " من ~~" والمقصود أن يعطي هذا القول معنى إجماليا عاما. لكني أقول: هناك ~~فرق بين { وكونوا مع الصادقين } و " كونوا من الصادقين " ، ~~فقوله الحق: { وكونوا مع الصادقين } أي: التحموا بهم فتكونوا ~~في معيتهم، وبعد أن تلتحموا بهم يأتي الذين من بعدكم ويجدونكم مع ~~الصادقين. ويقتضي الأمر هنا أن نتذكر ما سبق أن قلناه عن النسبة الكلامية ~~والنسبة الذهنية، فأي قضية تمر على ذهنك قبل أن تقولها هي نسبة ذهنية، ~~مثل قولك: " محمد زارني " ، وأنت قبل أن تقول هذه العبارة جاء إلى ذهنك ~~أن تنطقها، وهذه " نسبة ذهنية ". ومن يسمعك لا يدري بها، ولكونك المتكلم ~~فأنت وحدك الذي تدري بها، فإذا ما نطقتها وسمعها منك المخاطب علم أن نسبة ~~ذهنية جاءت في ذهنك فترجمتها قولا بالنسبة الكلامية. فحين قلت: " محمد ~~زارني بالأمس " جاءت في ذهنك قبل أن تقولها، فلما سمعها السامع عرف أن ~~هناك نسبتين نسبة سمعها عن نسبة عندك. وحين يمحص السامع هذا القول يعلم ~~أن هناك واحدا في الواقع اسمه محمد وعلم منك أنه قد زارك، وخبرته معك ~~دائما أنك صادق، إذن: فالصدق هو أن تتطابق ms4358 النسبة الكلامية مع الواقع. ~~أما إذا قلت: إن محمدا قد سافر إلى أمريكا، وهو لم يسافر، فهذا يعني أن ~~النسبة الكلامية لم تتطابق مع النسبة الواقعية وهذا هو الكذب. # إذن: فهناك " نسبة ذهنية " و " نسبة كلامية " و " نسبة واقعية ". فإن ~~تطابقت النسبة الكلامية مع النسبة الواقعية، فذلك هو الصدق، وإن لم ~~تتطابق يكون الكذب. وكل نسبة تقولها تحتمل أن تكون صادقة أو كاذبة، ~~والفيصل في هذا الأمر هو الواقع، هل يتطابق ما تقول مع الواقع أم لا؟. ~~أما إن قلت لك: " زر فلانا " فهذه نسبة إنشاء لأن الواقع يأتي بعدها، ~~لا قبلها. وهنا يقول الحق سبحانه: { اتقوا الله وكونوا مع ~~الصادقين } والصدق هو الخلة التي تجمع كل الإيمان، ولنر التطبيق ~~لذلك في قصة الرجل البدوي الذي ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: يا رسول الله، إن في خلالا ثلاثة لا أقدر على التخلي عنها ~~أبدا، أما الأولى فهي النساء، وأما الثانية فهي الخمر، وأما الثالثة فهي ~~الكذب، وقد جئتك يا رسول الله، لتختار لي خصلة من الثلاثة وتقويني ~~عليها، وأعاهد ربنا عليها. فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي ~~أن يتوب عن الكذب، وأن يتحلى بالصدق، فقال له: كن صادقا وما عليك. وحين ~~أحب الأعرابي أن يشرب كأس خمر تساءل: وماذا إن سألني النبي صلى الله عليه ~~وسلم أشربت الخمر؟ وامتنع عن الخمر حتى لا يكذب على الرسول. وحين جاء ~~ليختلس النظر إلى امرأة قال لنفسه: " وماذا إن سألني صلى الله عليه وسلم ~~وكيف أخزي نفسي بصفة لا تليق بمسلم فامتنع عن النظر إلى المحارم، وهكذا ~~سيطر الصدق على الرجل فهذب سلوكه. وحين سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: أيكون المؤمن جبانا؟ فقال: نعم. فقيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ ~~فقال: نعم. فقيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ فقال: لا. لأن مدخل الإيمان هو ~~التصديق بالقضية العقدية الجازمة، وهكذا تجد أن الصدق هو " رأس الأمر كله ~~". وقوله الحق: { وكونوا مع الصادقين } أي: لا تقولوا كلاما ~~لا يصادفه ms4359 الواقع، وكذلك إياكم أن تقولوا كلاما تناقضه أفعالكم، لهذا ~~يقول الحق سبحانه: # لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله ~~أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2-3]. وفي سورة البقرة يقول الحق سبحانه: # ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم ~~الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال ~~على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلوة وآتى الزكوة... # [البقرة: 177]. ولننتبه إلى الملاحظ الدقيقة في هذه الآية، فقد قال الحق ~~هنا: { وآتى المال على حبه ذوي القربى } [البقرة: ~~177]. ثم ذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فلماذا إذن ذكر { وآتى ~~المال }؟ أقول: لقد ذكر الحق هنا المال الذي ينفقه المؤمن دون أن يكون ~~مفروضا عليه إخراجه مثل الزكاة، فالزكاة واجبة، أما إيتاء المال تصدقا، ~~فهذا فوق الواجب. # ثم يقول سبحانه: # والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في ~~البأسآء والضراء وحين البأس أولئك الذين ~~صدقوا وأولئك هم المتقون # [البقرة: 177]. هذه هي صفات من صدقوا، وهم هنا في الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها قد صدقوا واتقوا. { يأيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } [التوبة: 119]. وقد ~~جاء الحق بصفة " الصدق " هنا لأن المجال هو الحديث عمن تخلف عن الغزوات، ~~وكذب في الأعذار التي افتعلها لذلك يأتي التوجيه السماوي أن ادخلوا من ~~باب الصدق. يقول الحق بعد ذلك: { ما كان لأهل المدينة ~~ومن... }. ### || [9.120] # والحديث هنا فيه رجوع إلى الذين تخلفوا عن الغزوة، وعرفنا من قبل أنك ~~ساعة تقول: " ما كان لك أن تفعل كذا " أي: أنك تنفي القدرة على الفعل، ~~أما إن قلت: " ما ينبغي " أي: عندك قدرة على الفعل، ولا يجب أن تفعله. ~~وهنا يقول الحق: { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم ~~من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله } وبعضهم قد ~~تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو. ثم يقول سبحانه: { ولا ~~يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } وهنا حديث عن نوعين من ~~الأنفس: أنفس من قالوا بالتخلف، ونفس رسول الله صلى ms4360 الله عليه وسلم، وأنت ~~إذا قلت: " رغبت " ، معناها: أنك ملت ميلا قلبيا، فإن قلت: " رغبت في ~~" كان الميل القلبي إلى ممارسة الفعل وفيها التغلغل، أما إن قلت: " رغبت ~~عن " وفيها التجاوز، هذا يعني أن الميل القلبي يهدف إلى الابتعاد عن ~~الفعل. إذن: فحرف الجر هو الذي يحدد لون الميل القلبي. وقوله الحق: { ~~ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه } أي: أنهم زهدوا في أمر ~~صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضلوا أمر نفوسهم على أمر رسول ~~الله، فيبين الحق لهم أنهم ما كان لهم أن يفعلوا ذلك لأنكم ما دمتم آمنتم ~~بالله، فإيمانكم لا يكمل حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب ~~إليكم من نفوسكم. ولذلك نجد سيدنا عمر رضي الله عنه لما سمع أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه " # ، فقال: يا رسول الله، أنا أحبك عن أهلي وعن مالي إنما عن نفسي، فلا. ~~وهكذا كان صدق عمر رضي الله عنه، فكرر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~القول: # " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه " # فعلم عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حازم في هذه القضية ~~الإيمانية، وعلم أن الحب المطلوب ليس حب العاطفة، إنما هو حب العقل، ~~وهناك فرق بين حب العاطفة وحب العقل فحب العاطفة لا تكليف فيه، لكن حب ~~العقل يأتي بالتكليف. وعلى سبيل المثال: فأنت تحب ابنك بعاطفتك، حتى وإن ~~لم يكن ذكيا، لكنك تحب بعقلك ابن عدوك إن كان ذكيا وأمينا وناجحا. ~~وضربنا المثل من قبل وقلنا: إن الإنسان قد يحب الدواء المر لأن فيه ~~الشفاء، والإنسان لا يحب هذا الدواء بعواطفه، ولا يتلذذ به وهو يشربه، بل ~~يحبه بعقله لأن هذا الدواء قد يكون السبب في العافية، وإن لم يجده في ~~الصيدليات يغضب ويشكو، ويسر بمن يأتي له به من البلاد الأخرى. # إذن: فالذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة أو ~~ممن ms4361 حولهم ما كان لهم أن يتخلفوا لأن هذا يناقض إيمانهم في أن يكون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أحب إليهم من أنفسهم، وكان من الواجب أن يرغبوا ~~في رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنفسهم، أما أن يكون الأمر بالعكس، ~~فلا. لأن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يأتي لهم بالخير. أما ~~اتباع حبهم لأنفسهم فهو حب ضيق البصيرة، سيأتي لهم بالشرور، وإن جاء لهم ~~بخير فخيره موقوت، وبحسب إمكاناتهم، ولكن حبهم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن أنفسهم يأتي لهم بالخير الثابت الدائم الذي يتناسب مع قدرة الله ~~سبحانه. ثم يقول سبحانه: { ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ } ~~و { ذلك } إشارة إلى حيثيات الترغيب التي يأخذون بها الجزاء الطيب من ~~الحق سبحانه بأنهم { لا يصيبهم ظمأ } ، ونعلم أن الظمأ قد ~~أصابهم في جيش العسرة لدرجة أن المقاتل كان يذبح البعير، ويصفي الماء ~~الذي في معدته ليبل ريقه، وريق زملائه. { ولا نصب } والنصب: ~~هو التعب، وكانت الغزوة في جو حار مرهق. { ولا مخمصة } أي: ~~المجاعة، وقد كانوا يأكلون التمر الذي أصابه الدود، والشعير الذي انتشر ~~فيه السوس. وإن كانوا قد عانوا من كل ذلك فهو في سبيل الله القادر على أن ~~يمن عليهم بكل خير جزاء لما يقدمونه في سبيل نصرته. { ولا يطأون ~~موطئا يغيظ الكفار } نعلم أن الكفار كان لهم رقعة من الأرض ~~يتمركزون فيها، فحين يغير عليهم المؤمنون ويزحزحونهم عن هذا المكان، ~~وينزلون إلى الوديان والبساتين التي يملكها الكفار، فهذا أمر يغيظ أهل ~~الكفر، إذن: فهم حين يطأون موطئا، فهذا يغيظ الكفار. { ولا ينالون ~~من عدو نيلا } أي: يأخذون من عدو منالا، والمعنى: أن يقهروا ~~العدو فيتراجع ويشعر بالخسران، حينئذ يأخذون الجزاء الخير من الله، وكل ~~ما حدث أن الظمأ والنصب والمخمصة ووطء موطىء يغيظ الكفار والنيل من عدوهم ~~نيلا. كل واحدة من هذه الأحداث لها جزاء يحدده الحق: { إلا كتب ~~لهم به عمل صالح }. إذن: فالذين رغبوا عن رسول الله بأنفسهم ~~ولم يخرجوا ms4362 للغزوة قد خسروا كثيرا خسروا ما كتبه الحق سبحانه من عمل ~~صالح جزاء لكل حادث قابله من خرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم. ~~وينهي الحق سبحانه الآية: { إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين } فهؤلاء الذين أحسنوا لا يضيع الله أجرهم أبدا. ثم يأتي ~~بأحداث أخرى غير الظمأ والنصب والمخمصة ووطء الموطىء الذي يغيظ الكفار، ~~والنيل من عدو الله نيلا، فيقول سبحانه: { ولا ينفقون نفقة ~~صغيرة ولا... }. ### || [9.121] # كل شيء - إذن - محسوب، فحتى هؤلاء الذين أنفقوا، فالله سبحانه يعلم ماذا ~~أنفقوا وسيجازيهم عليه، وهؤلاء الذين ساروا الطريق الطويل وقطعوا الوديان ~~ليلحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته، فالله سبحانه يكتب لهم ~~الخير. وبعد ذلك تدفق المسلمون على تنفيذ أوامر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، حتى كادت المدينة تفرغ من المسلمين ليلحقوا بالسرايا التي يبعثها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لنشر الدعوة. وجاء قول الحق: { وما كان ~~المؤمنون لينفروا... }. ### || [9.122] # هذه الآية جاءت عقب آيات المتخلفين عن الغزو مع رسول الله، وجاءت بعد أن ~~بين الله سبحانه مزايا المجاهدين وما يثيبهم الله به جزاء هذا الجهاد في ~~قوله سبحانه: # ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ ~~الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب ~~لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين * ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ~~ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله ~~أحسن ما كانوا يعملون # [التوبة: 120-121]. كانت تلك هي الحيثيات التي ترغب الناس في الجهاد ~~ترغيبا يخرجهم عما ألفوا من العيش في أوطانهم وبين أهليهم وأموالهم لأن ~~الثمن الذي يتلقونه مقابل ذلك ثمن كبير، ثم جاءت هذه الآية. وحينما ~~استقبل العلماء هذه الآية قالوا: إنها تتمة لآيات الجهاد، وما دام الله ~~قد رغب في الجهاد هذا الترغيب، فإن الناس أقسموا بعده ألا يتركوا غزوة ~~من الغزوات ولا سرية من السرايا إلا ذهبوا إليها، فنشأ عن ذلك أن المدينة ~~كادت تخلو ms4363 على رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يسقبل وحي الله. واستقبال وحي الله يقتضي وجود سامعين ليبلغوه، ~~فلما انصرف الناس إلى مسألة الجهاد أراد الله أن يعدل هذه الموجة من ~~الرغبة في الجهاد، فبين أن الإسلام منزل من الله على رسوله ليبلغه ~~للناس لأن دين الله يحتاج إلى أمرين: أمر يحمله إلى الناس، وأمر يثبت ~~صدقه في الناس، وحين يرى الناس إنسانا يضحي بنفسه ويدخل معركة، وآخر ~~يضحي بماله، حينئذ يعلم الناس أن من يفعل ذلك لا بد أنه متيقن تمام ~~التيقن من العقيدة التي يبذل في سبيلها الغالي والرخيص. لكن يبقى أمر ~~آخر، هو ضرورة وجود من يحملون العلم بالإسلام، فإذا كان المناضلون ~~المضحون بالنفس، والمنفقون المضحون بالمال هم دليل صدق الإيمان، فهذا ~~لا يعني الاستغناء عن هؤلاء الذين عليهم أن يسمعوا من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما يوحي به الله. إذن: فهناك منهج من الله، وهناك استقبال لهذا ~~المنهج من رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا، ومن السامعين لرسول الله ~~ثانيا ليسيحوا به في البلاد، سياحة إعلام بدين الله لنشر الإسلام، وهكذا ~~كانت الإقامة مع رسول الله هي استقبال لذلك الإعلام، وإلا فماذا ~~يعلمون؟ إذن: فلا بد أن يحافظ المسلمون على أمرين: أمر بقاء الاستقبال ~~من السماء، وأمر الإعلام بما استقبلوه إلى البلاد. فإن كنتم قد انصرفتم ~~إلى الجهاد في سبيل الله فقد حققتم أمرا واحدا، ولكنكم لم تحققوا ~~الأمر الآخر وهو أن تظلوا لتستقبلوا من رسول الله. # فأراد الله سبحانه أن يقسم الأمرين بين مجاهدين يجاهدون للإعلام، وباقين ~~مع رسول الله ليستقبلوا إرسال السماء لهذه الأرض، فقال: { وما كان ~~المؤمنون لينفروا كآفة }. وساعة تسمع " كان " منفية ~~فاعلم أنها جحود لهذه المسألة، أي: ما كان يصح أن ينفر المسلمون كافة، ~~أي: جميعا، بدون أن يبقى منهم أحد. و { كآفة } مأخوذة من كف الشيء، ~~وأنت تسمع خائط الثياب يقول: " أريد أن أكفف الثوب " معنى هذا أن الخائط ~~حين يقص ms4364 القماش، فهناك بعض من الخيوط تخرج منه فيكففها حتى لا يتفكك نسيج ~~الثوب، إذن: فمعنى كلمة { كآفة }: جميعا. ولنا أن نتساءل: لماذا لا ~~ينفر المسلمون إلى الجهاد جميعا، أليس الجهاد إعلاما بمنهج الله؟ نقول: ~~نعم هو إعلام وسياحة بمنهج الله في الأرض، ولكن الذي يسيح للإعلام بمنهج ~~الله لا بد أن تكون عنده حصيلة يعلم بها، وهذه الحصيلة كانت تأتي في ~~زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من منهج السماء حين ينزل على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. إذن: فلا بد من أناس يسمعون وحتى السماء ثم يعلمون ~~به ويرسلونه لأهل الأرض جميعا، ولو انصرف كل هؤلاء المؤمنين إلى الجهاد ~~لما تحقق أمر حمل الدعوة للإسلام لذلك قال الحق: { وما كان ~~المؤمنون لينفروا كآفة } وفي هذا نفي أمر فيه انبغاء أي: ~~لهم قدرة عليه، ويستطيعون تنفيذ ما يطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منهم. ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأ في أمة عربية لها ~~فصاحة وبلاغة، أمة بيان وأداء قوي يسحر، وكان في هذه الأمة أناس كثيرون ~~يتمتعون بموهبة الشعر والقول، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشتهر ~~بهذا، وحاول بعضهم أن يقلل من فصاحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالوا: إنها فصاحة دون من خطب، ودون من قال، ودون من شعر، فجاء الرد ~~عليهم من الحق: # وما علمناه الشعر وما ينبغي له... # [يس: 69]. أي: أنه صلى الله عليه وسلم كان يستطيع أن يتفوق في ذلك، لكن ~~الحق سبحانه لم يعلمه الشعر لأنه لا ينبغي له أن يتعلمه، لماذا؟ لأن ~~العرب يعلمون أن أعذب الشعر أكذبه، وما دام أعذبه أكذبه، فالحق سبحانه لا ~~يريد أن يعلم الناس أن محمدا صلى الله عليه وسلم مرتاض على صناعة ~~البيان وأساليب الأدب، وبعد ذلك يفاجئ الدنيا بالبيان الأعلى في القرآن، ~~ويعلن صلى الله عليه وسلم أن هذا البيان ليس من عنده. وقد عاش الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بينهم مدة طويلة، ولم يسمعوا ms4365 منه شعرا، فكل ما جاء به ~~بلاغا عن الله لا ينسب لمحمد، ولكنه منسوب إلى رب محمد. وقوله الحق: # وما ينبغي له # [يس: 69] أي: لا يصح أن يكون الأمر، رغم استعداد محمد صلى الله عليه ~~وسلم لذلك، وكان من الممكن أن يعلمه ربه الشعر وفنون القول ولذلك حينما ~~قال أناس: إن القرآن من عند محمد، جاء القول الحق مبلغا محمدا: # فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. وقد عاش بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين عاما ~~ولم يقل قصيدة أو مقالة. ومن الذي يستطيع أن يؤخر عبقريته إلى الأربعين؟ ~~نحن نعلم أن ميعاد بدء العبقرية إنما يظهر من قبل العشرين، أي: في ~~العقد الثاني من العمر، ولا أحد يؤخر ظهور عبقريته. إذن: فرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حينما نزل عليه القرآن بالترغيب في الجهاد كادت المدينة ~~تخلو من المسلمين فجاء قوله الحق: { وما كان المؤمنون ~~لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طآئفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم ~~إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } [التوبة: 122]. ~~وفي هذا القول الكريم محافظة على أمرين أمر استقبال وحي الله، وأمر ~~الإعلام به، وبذلك يتنوع الجهاد، طائفة تستقبل، وطائفة تعلم وترسل ~~لأنهم لو تركوا الرسول صلى الله عليه وسلم جميعا، فكيف يصل الوحي من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المؤمنين؟ ولو أنهم جلسوا جميعا في ~~المدينة فمن الذي يسيح في الأرض معلما الناس؟ أما إذا بقي الرسول صلى ~~الله عليه وسلم والمؤمنون معه، في فترة لا قتال فيها، فهذا أمر مختلف ~~لأنها ستكون فترة استقبال فقط. وكذلك إن خرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى القتال فعلى المؤمنين القادرين على القتال أن يصحبوه لأن الرسول ~~القادر على استقبال الوحي من الله موجود معهم، وكذلك الإعلام بالرسالة ~~موجود. إذن: فالمشكلة كانت في حالة عدم وجود رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مع الخارجين للجهاد، فإذا ما خرج المقاتلون للجهاد، وظل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في المدينة، ms4366 فعليهم أن ينقسموا قسمين: قسما يبقى مع ~~رسول الله ليتعلم منهج الله، وقسما يخرج إلى القتال. حين كان الرسول ~~يخرج إلى القتال فالمهمة تسمى غزوة، وإذا لم يخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأرسل جماعة للقتال سميت العملية ب " السرية ". ولم ~~يخرج عن التسمية بالسرية إلا عملية واحدة سميت غزوة ولم يخرج فيها ~~رسول الله، وكان المفروض أن تسمى سرية ولكنها سميت غزوة. وقد خرجت ~~المهمة عن اصطلاح السرية إلى اصطلاح الغزوة، رغم أن رسول الله لم يحضرها ~~لأن المعركة حدث فيها أشياء كالتي تحدث في الغزوات، فقد كانت معركة حاسمة ~~وقتل فيها عدد من المسلمين، وحمل الراية مقاتل واستشهد فحملها غيره ~~وقتل، فحملها ثالث، وكانت المعركة حامية الوطيس فقالوا: لا يمكن أن نسمي ~~تلك المعركة ب " السرية " بل هي غزوة لأن فيها عنفا شديدا. # لم يلحظوا شيئا واحدا وهو أن التسمية بالغزوة انطبقت تمام الانطباق ~~على مؤتة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المدينة والمسلمون ~~خارجون للغزو وأرسل إلى القوات: إن مات فلان في القتال فيليه فلان، وإن ~~مات فلان ففلان يخلفه، أي: أنه صلى الله عليه وسلم قد سلسل أمور الغزوة ~~قبل أن تبدأ. وهي الحملة القتالية الوحيدة التي خرجت بهذه التعليمات، من ~~بين مثيلاتها، من الحملات المحددة التي لم يخرج فيها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مع المقاتلين، وكأنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم مقدما بمن ~~سيموت من هؤلاء الخارجين إلى القتال. ثم وصلت الحملة إلى موقعها ودار ~~القتال، وكان الرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة والتفت الصحابة ~~فسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم قال: أخذ الراية فلان فقتل، ~~ثم أخذها بعده فلان فقتل. ثم قال: وأخذها بعده فلان، وكان صلى الله ~~عليه وسلم يقص المعركة وهو في المدينة فقالوا: لم يقل ذلك إلا لأنه شهد. ~~وحينما عاد المقاتلون عرف الصحابة منهم أن الأمر قد دار كما رواه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ms4367 المدينة، وقد حدث مطابقا غاية ~~التطابق، فقالوا: شهدها رسول الله وما دام قد شهدها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهي غزوة. ونعود إلى الآية التي يقول فيها الحق: { فلولا ~~نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في ~~الدين... } [التوبة: 122]. وساعة تسمع كلمة " لولا " فلك أن تعرف أن ~~في اللغة ألفاظا قريبة من بعضها، ف " لو " و " لولا " و " لوما " و " ~~هلا " ، هي - إذن - ألفاظ واردة في اللغة، وإذا سمعت كلمة " لو " فهذا ~~يعني أن هناك حكما بامتناع شيئين. شيء امتنع لامتناع شيء، مثل قولك: " ~~لو كان عندك زيد لجئتك " وهنا يمتنع مجيئك لامتناع مجيء زيد، فكلمة " لو ~~" حرف امتناع لامتناع، وتقول: لو جئتني في بيتي لأكرمتك. إذن: فأنا لم ~~أكرمك لأنك لم تأت. وتقول: " لولا زيد عندك لجئتك " أي: أنه قد امتنع ~~مجيئي لك لوجود زيد. إذن: ف " لولا " حرف امتناع لوجود. ونلحظ أن " لولا ~~" هنا جاء بعدها اسم هو " زيد " ، فماذا إن جاء بعدها فعل، مثل قولك: " ~~لولا فعلت كذا "؟ هنا يكون في القول حض على الفعل، مثل قوله الحق: # لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا... # [النور: 12]. ومثل قوله: # لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء... # [النور: 13]. ومثلها أيضا " لوما " مثل قوله الحق: # لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين # [الحجر: 7]. وأيضا قولك: " هلا ". فهي أيضا تحضيض مثل قولنا: " هلا ~~ذاكرت دروسك "؟ وأنت بذلك تستفهم ب هل، وجئت بالمد لتصبح هلا لتحثه ~~على المذاكرة. أو قولك: " هلا أكرمت فلانا؟ " وفي هذا حث على أن تكرم ~~فلانا. والأسلوب هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يجمع المؤمنين ~~ويقول لهم: { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة } ثم ~~يأتي الحث على أن ينقسموا إلى قسمين في قوله: { فلولا نفر من ~~كل فرقة } ، والقسمان يذهب أحدهما للإعلام وللجهاد. والقسم الثاني ~~يظل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستقبل منهج السماء. وقوله ~~الحق: { فلولا نفر من كل فرقة } فيه كلمة { نفر } وهي ~~من النفور. لكنها استعملت دائما في مسألة الخروج ms4368 للحرب، مثل قوله الحق: # ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحيوة الدنيا من ~~الآخرة فما متاع الحيوة الدنيا في الآخرة إلا ~~قليل * إلا تنفروا... # [التوبة: 38-39]. ولماذا يجيء الحق بالنفرة في الجهاد؟ نقول: لأن الذي ~~يعوق الإنسان عن الجهاد حبه لدعته، ولراحته، ولسعادته بمكانه، وبأهله، ~~وبماله، فإذا ما خرج للقتال شق ذلك على نفسه، ولذلك يقول الحق: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم... # [البقرة: 216]. وفي ذكر أمر الكره إنصاف لهم، فصحيح أن القتال أمر صعب ~~ويكرهه الإنسان، لكن الحق قد كتبه، والمسلم إذا استحضر الجزاء عليه فهو ~~يحتقر ما يتركه لأنه قليل بالنسبة لعطاء الله لذلك ينفر المؤمن الحق من ~~الذي يملكه، ويذهب للثواب الأعلى، وهذا هو معنى التحديد في أنهم سموا ~~الجهاد نفرة، فحين يقارن المؤمن بين حصيلة ما يأخذه من الجهاد وما يمسكه ~~عن الجهاد لتساءل: ما الذي يجعلني أتمسك بالأقل ما دام هناك عطاء أكثر؟ ~~فلما جاءت { فلولا نفر } فهموا أن هذه الآية من تتمة الكلام عن ~~الجهاد، ولتبقى طائفة من المؤمنين لتسمع من رسول الله الوحي، وقد يتساءل ~~المسلم حين يقرأ الآية ويجد قوله الحق: { فلولا نفر من كل ~~فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين } ، هنا ~~يقول المسلم لنفسه: وهل تنفر الطائفة التي تتفقه في الدين، إنها الفرقة ~~الباقية والمستقرة مع رسول الله في المدينة؟ ونجيب: إن قوله الحق: { ~~فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة } نجد فيه كلمة ~~{ فرقة } وهي الجماعة، والجماعة إنما تنقسم إلى طوائف. مثلما نسمي في ~~الجيوش " الفرقة الأولى " و " الفرقة الثانية " و " الفرقة الثالثة " ، ~~ثم نقسم الفرقة الواحدة إلى: " جماعة الاستطلاع " و " جماعة التموين " و ~~" الشئون المعنوية " ، ونجد كلمة { طآئفة } وهي تعني " بعض الكثرة ". # وما دام الحق قد قال: { فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طآئفة } فهذا يعني أنه سبحانه قسمهم إلى طائفتين، إحداهما تنفر، ~~والأخرى تبقى لتتفقه في الدين. إذن: فكأن أسلوب القرآن أسلوب أدائي كل ~~ينفر لمهمته. { فلولا نفر من كل فرقة ms4369 منهم طآئفة ~~} يبين أن طائفة منهم تكون قتالية والأخرى إعلامية مهمتها { ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم } فمن يجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليستمع إليه، فهو يجهز للمقاتل حيثيات ما يجاهد على مقتضاه، وحين يرجع ~~المقاتلون يبلغهم من جلس مع الرسول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم من ~~وحي، ويتناوب المسلمون الجلوس مع الرسول في المدينة، والقتال، وكل طائفة ~~تؤدي مهمتها. وهناك من العلماء من رأى رأيا آخر، وأخذ المسألة كلها ~~مكتملة على بعضها، وقال: إن من بقي مع رسول الله له لون آخر من المجاهدة، ~~ولأنه يأخذ من الرسول صلى الله عليه وسلم علما جديدا، يتبادله مع ~~المقاتلين في ساحة القتال بعد أن يعودوا، فالمقاتلون في ساحة الجهاد ~~يعودون بما يؤكد نصرة الله للقلة على الكثرة، وإمداد الله سبحانه ~~للمؤمنين بالملائكة، وتهدم العدو، والمعجزات التي رأوها من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كنبوع الماء من بين أصابعه في حال قلة المياه عند العطش. ~~ثم إنهم يسمعون من المجاهدين الجالسين لتلقي العلم أخبار الوحي والفقه، ~~وهكذا يتكافأ المؤمنون في المهام، وكأنهم البنيان المرصوص يشد بعضه ~~بعضا. وما تقدم هو فهم للآية إذا كانت خاصة بالجهاد، فماذا إذا كان ~~للآية موضوع آخر غير الجهاد؟ نقول: إن الجهاد إعلام بمنهج الله في الأرض، ~~والإعلام بمنهج الله في الأرض يقتضي المنهج المعلوم من السماء الذي يوضح ~~مصير المجاهدين، ومصير المتخلفين. وهو هنا سبحانه يوضح أمر استقبال ما ~~نجاهد من أجله. { فلولا نفر من كل فرقة } أي: يذهب بعض ~~المسلمين إلى البلاد التي حول المدينة ليقولوا للناس حقيقة الإسلام، ~~وأيضا أن يأتي آخرون من البلاد الأخرى ليعلموا أمر الدين، ويعلموه ~~لأهاليهم. ويكون قول الحق: { فلولا نفر من كل فرقة ~~منهم طآئفة } مقصود به هؤلاء الذين يأتون من الأماكن البعيدة عن ~~المدينة ليجلسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمعوا، ويتفقهوا في ~~الدين ليرجعوا إلى مجتمعاتهم، ويعلموهم أمور الإيمان. إذن: فالآية إما أن ~~تكون من تتمة آيات ms4370 الجهاد، وإما أن تكون أمرا مستقلا للذين يبعد بهم ~~المكان عن منبع المنهج، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو صلى الله ~~عليه وسلم يعلم من يأتون إليه من أي مجتمع ليرجعوا بعد ذلك لقومهم، ~~ويبلغوهم مطلوبات المنهج، وهذه مسألة بعيدة عن القتال. إذن: تكون النفرة ~~للتفقه في الدين على أي معنى، ليس هناك فرق بين الطائفة الباقية التي ~~تتفقه لتعلم الطائفة التي تجاهد، أو الطائفة التي تجاهد تتفقه ~~بالمعجزات وبالأحداث التي حدثت أثناء قتالهم وتعلمها للطائفة التي لم ~~تخرج للقتال. # أو أن المعنى هو الأمر الثاني الذي لا قتال فيه، بل يتناول أمر استقبال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لطائفة من كل بلد ليسمعوا منه صلى الله عليه ~~وسلم، وقد سماها الحق " نفرة " لأنها جهاد في البحث في المنهج وتعلمه، ~~وهي نفرة النفرة لأن النفرة للجهاد بالقتال تتطلب فهما لحيثيات الدفاع ~~عن هذا المنهج المنزل من الله. وقوله الحق: { فلولا نفر من ~~كل فرقة } علمنا منه أن الفرقة هي الجماعة، والجماعة إما أن تنقسم ~~إلى أفراد وإما إلى طوائف، والفرقة أقلها ثلاثة لأنها جمع. وحينما يذهب ~~اثنان من هذه الفرقة للتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعودان ~~للبلاغ عنه صلى الله عليه وسلم نكون أمام خبر من شاهدين اثنين بأن النبي ~~قال كذا وأبلغ بكذا، وكذلك قد يصح أن يكون المبلغ عن الرسول شاهدا ~~واحدا، واختلف العلماء المسلمون فيما بينهم، هل يأخذون الخبر عن واحد ~~فقط مبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا بد من الأخذ بالخبر من ~~شاهدين اثنين؟ وقد جاءت الآية صريحة في أنه { فلولا نفر من كل ~~فرقة منهم طآئفة } والفرقة أقلها ثلاثة، والطائفة إما أن ~~تكون اثنين وإما أن تكون شخصا واحدا يرجع إلى قومه ليفقههم في الدين، ~~ويؤدي البلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتحفظ البعض على ذلك ~~بأن قالوا: إن الذي نفر ليس فردا من الفرقة، بل طائفة من الفرقة، ~~ومفردات الفرقة طوائف لا واحد، ms4371 وكلمة طائفة مقصود بها الجماعة. والنفرة ~~لها علة محددة يذكرها الحق: { ليتفقهوا في الدين } ~~فالتفقه إذن هو سبب النفرة، مثلما نبعث بعثة في أي بلد متقدم لنأخذ ~~بعلوم الحضارة، فإن خرج واحد عن حدود البعثة ليلعب، ويلهو، فهو لم يحقق ~~النفرة. لا بد إذن من أن يستوعب كل واحد في البعثة أنه قد جاء للتفقه. ~~والفقه في اللغة: هو الفهم، ويقال عن أي أمر تفهمه: فقهت الأمر الفلاني. ~~فإن فهمت في الهندسة فهذا فقه، وإن فهمت في العلوم فهذا فقه، ولكن المعنى ~~الذي غلب هو الفقه لأحكام الله لأن هذا الأمر هو أهم أمور الحياة، ~~فالفقيه في الدين هو من يبين للناس حدود المنهج ب " افعل " و " لا تفعل ~~". إذن: الفقه مطلقا هو الفهم، لكنه أصبح مصطلحا يعني فهم أحكام الله ~~لأنه هو الذي يحدد الصواب والخطأ. ولا يقال: " الفقيه " إلا لمن فقه. ~~وهناك فرق بين فقه وفقه. فقه في دين الله، أي: أصبح الفقه عنده ~~ملكه، وساعة تسأله في أي موضوع لا يتردد، بل يجيب لأن الفقه صار ملكه ~~عنده، والملكة: الصفة التي ترسخ في النفس من مزاولة أي عمل فيسهل أداء ~~هذا العمل. # وكذلك الفقه. وهكذا نعرف أن معنى فقه: " فهم شيئا ". أما فقه ~~فمعناها: صار الفقه عنده ملكة. وقوله الحق: { ليتفقهوا } أي: ~~ليعلموا أحكام الله، ويصير هذا العلم: من بعد ذلك ملكة عندهم. ولكن ~~ماذا إن نفروا لشيء آخر مثلما ينفر واحد من البدو ليسأل جماعته: إلى أين ~~تذهبون؟ فيجيبون: نذهب إلى رسول الله لنسمع منه، فيذهب معهم. لكنه لا ~~يسمع بل يذهب هنا أو هناك، ولا يجلس لتفقه العلم، على الرغم من أن علة ~~نفوره مع غيره هي التفقه في الدين وليعلم حقائق هذا الدين لينذر به قومه ~~حين يعود إليهم، فالفقيه لا يطلب جاها، أو رئاسة، أو وظيفة، بل هو يبين ~~للناس متطلبات الحركة على هذا المنهج الحق، ولينذرهم { لعلهم ~~يحذرون } أي: يتجنبون ما يضرهم. وحين ندقق في هذا الأمر نجده ~~عدة مراحل: { فلولا نفر ms4372 من كل فرقة منهم طآئفة } ~~هذه هي المرحلة الأولى، ثم { ليتفقهوا في الدين } هذه هي ~~المرحلة الثانية وهي التفقه، أما الثالثة فهي { ولينذروا ~~قومهم إذا رجعوا إليهم } ، ومن تفقه لغير هذا ليشار ~~إليه بالبنان مثلا نقول له: أنت من الذين قال الله فيهم: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف: 103-104]. إذن: فالتفقه يكون للدعوة تبشيرا وإنذارا حتى يتجنب ~~القوم ما يضرهم. ويقول سبحانه بعد ذلك: { يأيها الذين آمنوا ~~قاتلوا... }. ### || [9.123] # ينقلنا الحق هنا إلى الحديث عن الجهاد مرة أخرى. ولنا أن نتساءل: لماذا ~~- إذن - جاء الحديث عن النفرة والفقه كفاصل بين حديث متصل عن الجهاد؟ ~~أجيب: شاء سبحانه هنا أن يعلمنا أن كل من ينفر لتعلم الفقه، وليعلم ~~غيره هذا المسلم في حاجة إلى مرحلة التعلم، ومعرفة الأسباب التي يقاتل ~~من أجلها المسلمون وحيثيات الجهاد في سبيل الله. وقد قسم الحق سبحانه ~~الناس في آيات الجهاد إلى قسمين: فرقة تنفر، وطائفة منها تبقى مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. فإذا استوى الأمر، فرقة تجاهد، وفرقة تتعلم ~~وتعلم، وتتبادل الفرقتان الخبرة الإيمانية والقتالية، تصبح الملكات ~~الإيمانية متساندة غير متعاندة، ومن بعد ذلك يتجهون إلى الكفار. { ~~يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم } وهذا ~~يعني أن هناك قوما قريبين منهم ما زالوا كافرين، وهناك قوم أبعد منهم، ~~والحق قد قال: # وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم ~~كآفة... # [التوبة: 36]. إذن: فهناك أولويات في القتال، وقتال الكفار القريبين منك ~~فيه تأمين لمعسكر الإيمان لذلك جاء الأمر بقتال الأقرب لأنه قتال لن ~~يتطلب رواحل ولا مؤونة للسفر البعيد، كما أن العدو القريب منك أنت أعلم ~~بحاله أكثر من علمك بحال الكفار البعيدين عنك لذلك فأنت تعلم مواطن قوتهم ~~وضعفهم، وكيفية تحصيناتهم. فإذا تيسر أمر قتال العدو الأقرب كان ذلك ~~طريقا لمجابهة العدو الأبعد، بدلا من أن تواجه العدو البعيد فيتفق مع ~~العدو القريب، ويصنع الاثنان حولك " كماشة " بلغة الحرب، فلا بد أن تحمي ~~ظهرك أولا، ms4373 من شر العدو الأقرب. إذن: فلا تعارض بين محاربة العدو البعيد ~~والعدو القريب. ولا تعارض بين قوله الحق: { قاتلوا الذين ~~يلونكم من الكفار } وقوله سبحانه: { وقاتلوا ~~المشركين كآفة } لأن معنى { كآفة } أي: جميعا، ولكن ~~الجماعة لها أولوية. فخذ القريب منك لتضمه إليك، ومتى ضممته إليك نقصت ~~أرضا من عدوك، وأصبح زائدا فيك، فإذا كان الخصم معه سيف ومعك سيف، وبعد ~~ذلك دخلت المعركة فأوقعت سيفه من يده فأخذته فبذلك يصبح معك سيفان وهو لا ~~سيف معه. ولذلك يوضح الحق سبحانه وتعالى للكفار: اعتبروا أيها الكفار، ~~فأنتم لا ترون الأرض كل يوم وهي تنقص من تحت أقدامكم، وما ينقص من أرض ~~الكفار يزيد في أرض الإيمان. وما دام الحق قد جاء بكلمة " قتال " فهذه ~~الكلمة تحتاج إلى عزيمة، وجرأة تجرىء على القتال، وصبر عليه، فقد تجد ~~في مواجهتك من هو أقوى منك أو من هو أشجع منك، فإن رأى شجاعة منك تفوق ~~شجاعته، وأحس منك قوة ومثابرة تفوق قوته ومثابرته، فهذا ينزع من قلبه ~~الأمل في الانتصار عليك ولذلك يقول الحق: { وليجدوا فيكم ~~غلظة } والغلظة صفة، ويقال: غلظة، وغلظة، وغلظة، والمعروف ~~أنها الشدة، فحين تضرب عدوك اضربه بقوة، وبجرأة، وبشجاعة. # وحين يحاول عدوك أن يضربك استقبل الضربة بتحمل، وهكذا نجد أن الغلظة ~~مطلوبة في حالتين اثنتين في حالة الإرسال منك، وفي حالة الاستقبال منه، ~~فلا يكفي أن تضرب عدوك ضربة قوية، وحين يرد لك الضربة تخور وتضعف. إن ~~الحق يطلب منك غلظة تحمل على عدوك، وغلظة تتحمل من عدوك. ولذلك نجد ~~آية آل عمران يقول فيها الحق: # اصبروا... # [آل عمران: 200]. ولكن هب أن عدوك يصبر أيضا، فيأتي الأمر من الحق: # وصابروا... # [آل عمران: 200]. أي: حاول أن تغلبه في الصبر. وحذر الحق من إلقاء ~~السلاح بعد انتهاء المعركة لأن العدو قد يستنيم المؤمن لذلك جاء الأمر من ~~الحق: # ورابطوا... # [آل عمران: 200]. أي: استقر أيها المؤمن في الأرض ليعلم العدو أنك ~~تنتظره إن حاول الكرة من جديد أو حدثته نفسه بالقتال مرة أخرى. ms4374 إذن: ~~فالغلظة تطلب منك أن تهاجم، وتطلب منك أن تتحمل، والتحمل يقتضي صبرا، ~~والتحامل يقتضي شجاعة، فإذا ما كان في خصمك صبر وشجاعة فعليك أن تصابره ~~أي: تصبر أكثر منه، وهي مأخوذه في الأصل من " نافس فلان فلانا.. أي سابقه ~~وحاول أن يسبقه " ، والمنافسة من النفس، والحق يقول: # وفي ذلك فليتنافس المتنافسون # [المطففين: 26]. أي: تنافسوا في الخير، ونحن نعلم أن تركيبة النفس ~~الإنسانية تحتاج إلى شيء مرة أو مرتين في اليوم، وتحتاج إلى شيء آخر خمس ~~أو ست مرات في اليوم. وتحتاج إلى شيء ثالث دائما. فأنت في الأكل تأكل ~~ثلاث وجبات، وفي الشراب تحتاج إلى لترين أو أربعة من الماء أو أكثر. أما ~~التنفس فأنت لا تصبر على الانقطاع عنه، وهو أهم الضروريات لحياة الإنسان. ~~وقلنا قديما: إن من رحمة الله سبحانه وتعالى أنه قد يملك إنسان طعام ~~إنسان، وقد يستطيع الإنسان الصبر عن الطعام لأسابيع، ولا يصبر الإنسان عن ~~انقطاع الماء إلا أياما تتراوح من ثلاثة إلى عشرة، حسب كمية المياه التي ~~في جسمه لذلك لم يملك الحق سبحانه الماء مثلما ملك الطعام، وأما ~~الهواء فأنت لا تصبر على افتقاده للحظات ولذلك لم يملك الله الهواء ~~لأحد أبدا، وكأنه سبحانه علم أن عباده غير مأمونين على بعضهم البعض، ~~ولذلك سمي استنشاق الهواء وزفيره بالتنفس، وهو من النفس، وهو سبب وجود ~~النفس وهي مزيج من المادة والروح، والأساس هو نفس الهواء الذي يضمن ~~استمرار النفس في الحياة. وإذا ما نافست العدو فأنت تصطاد الشيء النفيس، ~~وهو إعلاء منهج الله. وحين تصابر أهل الباطل، فكل واحد من أهل الباطل قد ~~يصابر لجاجة لمدة قصيرة ثم يتراجع لأن الباطل زهوق، وهنا يقول سبحانه: { ~~وليجدوا فيكم غلظة } أي: غلظة تحمل بها على العدو، وغلظة ~~تتحمل من العدو، وأن تصبر، وتصابر، وترابط. # وكيف يطلب الله منا أن تكون لنا غلظة عليهم مع أنه قال لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم: # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك... # [آل عمران: 159]. فإن هذا ينفي الغلظة، ms4375 وأقول: لنفرق بين أمرين، أمر ~~الغلظة في أن تكون الحجة قوية، وأمر الغلظة التي يتطلبها القتال، أما ~~المعايشة والمآكلة والملاطفة، فهذه تحتاج إلى لين ورقة. وقوله الحق: { ~~وليجدوا فيكم غلظة } يفيد أن الغلظة ليست صفة دائمة، بل ~~تعني أنك إن تطلب الأمر فيجب أن تتوافر فيك، وكذلك قلنا: إن الله لم ~~يطبع المؤمن على الغلظة، ولم يطبعه على الشدة، ولم يطبعه على العزة، بل ~~قال: # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم... # [الفتح: 29]. وقال: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين... # [المائدة: 54]. وينهي الحق الآية: { واعلموا أن الله مع ~~المتقين }. إياك أن تفهم أنك تواجه أعداءك من الكفار بعددك ~~وعدتك، ولكن العدد والعدة أمران مطلوبان لتدخل المعركة، وعندك شيء من ~~الاطمئنان. ومثال هذا من يسلك مفاوز أو صحارى مقفرة أو طريقا موحشا، ~~ويحتمل أن يصادف قطاع طريق، نجده يستعد بحمل سلاح فهو يعطيه شيئا من ~~الاطمئنان فقط، وهكذا الحال مع العدد والعدة. أما النصر فهو من المدد ~~الرباني من الحق سبحانه وتعالى. وما دام الله مع المتقين، ولله ~~معية مع المتقين فلا بد أن يمدهم بمدده لذلك جاء الحق هنا بقوله: { ~~أن الله مع المتقين } لننتبه إلى أن الداخل في الحق هو من ~~سيسلك سلوكا غليظا مع الأعداء، وقد يسلك بالغلظة طمعا في المغنم، ~~فيدخل على الكافر بالقسوة، وقد يكون قلب هذا الكافر مستعدا للإيمان، ~~فيقول: أسلمت واستسلمت، لكن من دخل عليه تعجبه مطية هذا الكافر، ويعتبرها ~~مغنما. لذلك يأتي التحذير في قول الحق سبحانه: { أن الله مع ~~المتقين } فإن سلم لك واستسلم فاستأسره، وإياك أن تؤذيه أو تأخذ ~~معداته على أنها مغنم، فأنت لم تذهب للقتال من أجل الغنائم، أو لتكسب ~~مكانة في مجتمعك كمقاتل، بل أنت تقاتل حين يكون القتال مطلوبا، وتسلك ~~بالخلق الإيماني اللائق في إطار أنك من المتقين لله، وتحارب لتكون كلمة ~~الله هي العليا وهنا تكون معيه الله لك { أن الله مع ~~المتقين }. إذن: فالغلظة لا تعني أنها طبع أصبح فيك، ولكن عدوك يجد ~~فيك غلظة إن احتاج ms4376 الأمر إلى غلظة. فإن لم يحتج الأمر إلى غلظة فلا بد أن ~~يوجد في طبعك اللين والموادعة. ولذلك يقولون: الرجل كل الرجل هو من كانت ~~له في الحرب شجاعة، وفي السلم وداعة، وخيركم من كان في الجيش كميا وفي ~~البيت صبيا، فلا يصطحب غلظته مع العدو إلى البيت والزوجة والأبناء لأن ~~ذلك وضع للطاقة في غير مجالها. هكذا نفهم قوله الحق: { يأيها ~~الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ~~وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع ~~المتقين } [التوبة: 123]. أي: كونوا في حربكم غلاظا بما يناسب ~~الموقف لأن الحرب تتطلب القسوة والشدة، ولكن إياك أن تستعمل هذه الأمور ~~لصالحك، ولكن استعملها لله لتضمن أن تكون في معية الله ويقول سبحانه بعد ~~ذلك: { وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم... }. ### || [9.124] # قوله الحق: { وإذا مآ أنزلت } يعني: إذا نزلت، ونعلم أن هناك " ~~نزل " و " أنزل " و " نزل " ف " أنزل " للتعدية، فالقرآن نزل ~~من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا. ثم نزله الحق نجوما. فالتنزيل ~~معناه: موالاة النزول لأبعاض القرآن، فالقرآن قد أنزل كله، ثم بعد ذلك ~~نزله الحق، ونزل به جبريل - عليه السلام - على سيدنا محمد صلى الله عليه ~~وسلم. وقد جمعت الآية تنزيل الحق للقرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء ~~الدنيا، ثم نزول جبريل - عليه السلام - بالقرآن على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، والحق سبحانه يقول: # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل... # [الإسراء: 105]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. وهنا يقول الحق: { وإذا مآ أنزلت سورة } ~~والسورة هي الطائفة من القرآن المسورة بسور خاص أوله مثلا: { بسم الله ~~الرحمن الرحيم } وآخره تأتي بعده سورة أخرى تبدأ بقوله الحق: { ~~بسم الله الرحمن الرحيم } ومأخوذة من السور الذي يحدد المكان. ~~وهل المقصود بقوله الحق هنا نزول سورة كاملة من القرآن أم نزول بعض من ~~القرآن؟ إن المقصود هو نزول بعض من القرآن. وتتابع الآية: { فمنهم ~~من يقول أيكم زادته هذه إيمانا } والمقصود بهذا ~~المنافقون الذين رجعوا عن الإيمان. ونحن نعلم أن القرآن حق ms4377 وأنه من عند ~~الله، وله أسر وفاعلية إشراقية في صفاء النفس، وقد سمعه الكفار من قبل، ~~وشهدوا له، أما المؤمنون فحين سمعوه فقد أسرهم. وهذا الأمر بسبب ~~الاستعداد لتلقيه لأن المسألة في كل الأحداث ليست من الفاعل وحده، ولكن ~~من الفاعل والقابل للفعل - ولله المثل الأعلى - أنت تأتي بمطرقة مثلا، ~~وتطرق قطعة حديد فترق وتزيد مساحتها، أما إن طرقت بالمطرقة قطعة صلب أقوى ~~من المطرقة فلن تؤثر فيها. إذن: فالطرق شيء وقابلية الطرق شيء آخر، وهكذا ~~لا بد للفاعل من قابل، والمطلوب من القابل للشيء أن يستقبله بغير خصومة ~~له نابعة من قلبه. فإذا أراد أحد أن يسمع القرآن فعليه أن يخرج ما في ~~قلبه مما هو ضد القرآن، ويضع القرآن وضده خارج قلبه وليسمع هذا وهذا وما ~~ينفذ إلى قلبه بعد هذا فليصدقه. لكن أن يستقبل القرآن بما في قلبه من ~~كراهية القرآن فلن يتأثر به، مثلما قابل بعض المنافقين القرآن وقالوا: لم ~~نتأثر به. وسبب هذا أن هناك ما يسمى بالحيز، وعدم التداخل في الحيز، ~~فالقلب حيز لا يسع الشيء ونقيضه، فلا تملأ قلبك ببغضك للدين، ثم تقول: ~~لقد سمعت القرآن ولم يؤثر في. هنا نقول لك: أخرج من قلبك ما يكون ضد ~~القرآن، واجعل القرآن أيضا خارج قلبك، ثم انظر في الاثنين لترى ما الذي ~~يستريح له قلبك، لكن أن تكون مشحونا ضد القرآن ثم تقول: إن القرآن لم ~~يؤثر فيك، فهذا يعني أنك لم تنتبه إلى الفرق بين الفاعل والقابل، ولم ~~تنتبه إلى ما يسمى بالحيز، ومدى قدرته على الاستيعاب. # فالزجاجة ذات الفوهة الضيقة لا تستقبل بداخلها الماء إن أغرقتها فيه لأن ~~ضيق الفوهة لا يساعد الهواء الذي بداخلها على الخروج، ولا يساعد الماء ~~على الدخول لأن الماء لن يدخل إلا إذا خرج الهواء لذلك لا بد أن تكون ~~فوهة الزجاجة واسعة تسمح بخروج الهواء ودخول الماء، وعند ذلك سترى فقاقيع ~~الهواء وهي تعلو الفوهة. وإذا كان الأمر كذلك في الحسيات، فما بالك في ~~الأمور المعنوية ms4378 وهي مثل الأمور الحسية. إذن: فأخرج ما يناقض الحق من ~~قلبك، واجعل الباطل والحق خارجا، ثم استقبل الاثنين. لا يمكن لك في ~~مثل هذه الحالة إلا أن تستقبل الحق. ويصف سبحانه المصرين على الكفر: # وطبع الله على قلوبهم... # [التوبة: 93]. أي: أن ما هو خارج هذه القلوب لا يدخل إليها، وما في ~~داخلها لا يخرج منها. إذن: ما دام الحق قد ختم على قلوبهم فلن تنفتح هذه ~~القلوب للإيمان، وستظل محتفظة بالكفر. فإذا كان من هؤلاء الكافرين أو ~~المنافقين من يسمع القرآن، ولا يأسره بيانه فذلك بسبب عجزهم عن النظر إلى ~~ما فيه من معان وقيم لأن الإنسان حينما يسمع القرآن، وتكون نفسه صافية ~~ليس فيها ما يشوش على ما في القرآن من جاذبية وبيان يؤثر فيه وتطمئن إليه ~~نفسه. ولذلك حين قرأ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - القرآن، وكان من قبل ~~ذلك شديدا على الإسلام، ثم ذهب إلى أخته ليتحقق من أمر إسلامها، وحين ~~سال منها الدم رقت عاطفته لها، ثم قرأ القرآن فاستقر في قلبه. إذن: لا بد ~~أن تخرج ما في ذهنك أولا لتستقبل القرآن. فإذا ما أنزلت سورة يستقبلها ~~المؤمن بصفاء. أما الكافرون والمنافقون، فمنهم من يقول: { أيكم ~~زادته هذه إيمانا } وتعطينا الآية معنى أننا أمام فريقين: ~~واحد يقرأ، والثاني يسمع. ونفهم من سياق الآية أن الذي يتساءل مثل هذا ~~السؤال إنما يوجهه لفريقين: أحدهما من ضعاف الإيمان، أو حديثي الإسلام، ~~أو المنافقين، وهؤلاء هم الذين لم يخرجوا الكفر أو بعضه من قلوبهم، ~~وقابلية بعضهم لاستقبال الإيمان لم تتأكد بعد، ومنهم من قال فيهم الحق: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا... # [محمد: 16]. ويقول: # والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم ~~عمى... # [فصلت: 44]. إذن: الفاعل شيء، والقابل شيء آخر. هم سمعوا القرآن بدليل ~~أن الحق يقول: { وإذا مآ أنزلت سورة } وسياق الآية يوحي لنا ~~أن هناك همسا من بعضهم: { أيكم زادته هذه إيمانا } ~~وهذا الهمس يأتي ms4379 بلهجة المستهزئ، وقائل الهمس يعني أن سماعه للقرآن لم ~~يزد شيئا عنده، ولم ينقص، وهو يهمس لمنافق مثله، أو لضعيف الإيمان { ~~أيكم زادته هذه إيمانا } فيرد الله على القضية النفسية، ~~ويعلمنا أنه سبحانه قد قسم الناس قسمين: قسم كافر أو منافق، وهذا القسم ~~يزيده القرآن كفرا، أما القسم المؤمن فاستقباله للقرآن يزيد من إيمانه. # إذن: الفاعل شيء والقابل مختلف. ووقف العلماء أمام هذه الآية موقفا فيه ~~اختلاف بينهم { وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول ~~أيكم زادته هذه إيمانا } فقال بعضهم: إن الإيمان ينقص ~~ويزيد، وقال بعضهم: إن الإيمان لا ينقص ولا يزيد، وقامت معركة بين علماء ~~الكلام، ولا تتسرب معركة بين عقلاء إلا إذا كانت جهة الفهم في الأمر الذي ~~يختلفون فيه منفكة، فمنهم من يذهب فكره إلى ناحية، ومنهم من يتجه فكره ~~إلى ناحية أخرى. فالذين قالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فلحظة أن ~~يتألق الإيمان في القلب يستقر فيه، وهو الإيمان بالله، وأن لا إله إلا ~~الله ولا معبود سواه، وأن محمدا رسوله المبلغ عنه هذا الإيمان لا يزيد ~~ولا ينقص. والمثال: هو قول الإمام على كرم الله وجهه: لو انكشف عني ~~الحجاب ما ازددت يقينا. أما العلماء الذين قالوا بأن الإيمان يزيد ولا ~~ينقص، فقد قصدوا بذلك تطبيق مستلزمات الإيمان من الآيات، فكل آية تحتاج ~~ممن يصدقها أن يكون مؤمنا بالله أولا، ثم ينفذ متطلبات الآية. وكل ~~المسلمين مؤمنون بالله، ولكن في جزئيات التطبيق نجد من يطبق عشرين جزئية ~~وآخر يطبق ثلاثين، أما أصل الإيمان الذي استقبل به الإنسان التكليف وهو ~~التوحيد، فلا يزيد أو ينقص. وهؤلاء المنافقون عندما قالوا: { أيكم ~~زادته هذه إيمانا } هل تداولوا ذلك سرا أم قالوه علنا؟ لا ~~بد أنهم قالوا ذلك سرا وفضحهم الحق سبحانه، وكان يكفي أن يعلموا أن ~~الله يخبر رسوله صلى الله عليه وسلم بكل ما يكتمونه، ولكنهم احترفوا ~~اللجاجة لذلك قالوا: { أيكم زادته هذه إيمانا }. ويرد ~~الحق سبحانه: { فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا ~~وهم يستبشرون } و ms4380 " يستبشر " أي: يملأ السرور بشرته، فترى ~~البريق، والفرحة، والانبساط. وكلها من علامات الاستبشار، ومن يستبشر بآية ~~من آيات الحق فهو الذي يفهم من الآية شيئا جديدا يدخل على نفسه السرور ~~ولذلك فهو يرتاج لنزول تكليفات إيمانية جديدة، ليعظم ويزداد ثوابه، وهو ~~غير ذلك الذي يكره أن ينزل حكم جديد من الله. هذا هو معنى " يستبشر ". ~~أما الآخرون فيقول الحق سبحانه عنهم: { وأما الذين في ~~قلوبهم... }. ### || [9.125] # والرجس: هو الشيء المستقذر، وتكون القذارة حسية، ومرة تكون معنوية. ~~فالميتة مثلا قذارتها حسية لأنها ماتت ودمها فيها، والدم - كما نعلم - ~~له مجريان مجرى للدم قبل أن يكرر، ومجرى آخر للدم بعد أن يكرر، والدم قبل ~~أن يكرر يمر على الرئة والكلى فتنقيه الرئة والكلى من الأشياء الضارة ~~التي تصل إليه نتيجة تفاعلات أعضاء الجسم المختلفة. وبعد أن تتم تنقيته ~~عن طريق الرئتين والكلى يصير دما صالحا. فإذا مات الحيوان بقي فيه دمه ~~الصالح ودمه الفاسد لذلك نحن نذبح الحيوان قبل أن نأكله، ونضحي بدمه ~~الصالح مع الفاسد حتى لا يصيبنا الدم الفاسد بالأمراض ولذلك تعتبر الميتة ~~رجسا. والخمر أيضا نجاسة حسية ورجس. وهناك رجس معنوي، ولذلك قال الحق: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه... # [المائدة: 90]. إذن: فهناك رجس حسي، ورجس معنوي، ويطلق الرجس على الكفر ~~أيضا، ومرة يطلق الرجس على همسات الشيطان ووسوسته. وفي ذلك يقول الحق: # إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم ~~من السمآء مآء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز ~~الشيطان... # [الأنفال: 11]. وهنا يقول الحق: { وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ولأنهم يكفرون بالله ~~وبآياته فهذا يزيدهم رجسا على رجسهم ويصبح كفرهم مركبا، وهكذا نجد ~~البشارة للمؤمنين، أما الكافرون فلهم النذارة لأن كفرهم يزيد، ويموتون ~~على ذلك الكفر. ويقول سبحانه بعد ذلك: { أولا يرون أنهم ~~يفتنون في... }. ### || [9.126] # وقوله الحق: { أولا يرون } أي: ألا يستشهد المنافقون تاريخهم مع ~~الإسلام، ويعلمون أنهم يفتنون في كل عام مرة بالمصائب ومرة بالفضيحة، ~~فتجد رسول الله حين يراهم ms4381 يخرج بعضهم من بين الصفوف ويقول لهم: " اخرج يا ~~فلان فإنك منافق ". ثم بعد شهور يتكرر الموقف، وهنا يذكرهم الحق سبحانه ~~بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصفيهم كل عام مرة أو مرتين. الأصل في ~~الفتنة أنها امتحان واختبار، وهي ليست مذمومة في ذاتها، لكنها تذم ~~بالنتيجة التي تأتي منها، فالامتحان - أي امتحان - غير مذموم، لكن ~~المذموم هو أن يرسب الإنسان في الامتحان. إذن: الابتلاء أو الفتنة في ~~ذاتها ليست مذمومة، إنما المذموم أن تأتي النتيجة على غير ما تشتهي، وهم ~~يفتنون حين يرون انتصار المسلمين رغم نفاقهم وكيدهم للمسلمين، وكان يجب ~~أن يعلموا أنهم لن يستطيعوا عرقلة سير الإسلام لأنه منتصر بالله. وكان ~~يجب أن يعتبروا ويتوبوا لينالوا خير الإسلام، فخيره ممدود رغم أنوفهم، ~~والخسارة لن تكون على الإسلام، وإنما الخسارة على من يكفر به. ونحن نعلم ~~أن الإسلام بدأ بين الضعفاء إلى أن سار الأقوياء إليه، وتلك سنة الله في ~~الكون، بل إننا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم في بدء الرسالة كان ~~مطلوبا منه أن يؤمن بأنه رسول. وكما تقول أنت: أشهد أن لا إله إلا الله، ~~وأشهد أن محمدا رسول الله، كان على النبي صلى الله عليه وسلم أيضا أن ~~يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. وسبحانه جل ~~شأنه، الخالق الأكرم، آمن بنفسه أولا، بدليل قوله سبحانه: # شهد الله أنه لا إله إلا هو... # [آل عمران: 18]. فأول شاهد بالألوهية الحقة هو الله، وقد شهد لنفسه، ~~ومعنى ذكر شهادته لنفسه لنا أن نؤمن بأنه سبحانه يزاول قيوميته وطلاقة ~~قدرته بكلمة " كن " وهو عالم أن مخلوقاته تستجيب قطعا، وكان لا بد أن ~~يعلمنا أنه آمن أولا بأنه الأول، وأنه الإله الحق، بحيث إذا أمر أي كائن ~~أمرا تسخيريا فلا بد أن يحدث هذا الأمر، وسبحانه لا يتهيب أن يأمر لذلك ~~قال لنا: { شهد الله أنه لا إله إلا هو } شهادة ~~الذات للذات، وشهدت الملائكة شهادة المشهد وشهد أولو العلم شهادة ms4382 ~~الاستدلال، وحين يشهد محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله فهو يؤمن ~~بأنه رسول، ولو لم يؤمن برسالته لتهيب أن يبلغنا بالرسالة، وبعد أن آمن ~~صلى الله عليه وسلم أنه رسول من الله جاءه التكليف من الحق: # وأنذر عشيرتك الأقربين # [الشعراء: 214]. وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام، ~~ويبلغ آيات الحق إلى أن جاءت آيات الدفاع عن دين الله، وقال الحق: # قاتلوا الذين يلونكم... # [التوبة: 123]. إذن: في البداية كان لا بد أن يؤمن أنه رسول، وأن يبلغ ~~الدعوة إلى قريش وسائر الجزيرة، وتعبر دعوته بعد ذلك من الجزيرة إلى ~~الشام، وتتعدى الرسالة الشام بالإعلام وإن لم تتعد بالفعل حتى يأتي ~~أتباعه من الصحابة وينساحوا بالإسلام في كل بقاع الأرض، ولذلك كانت ~~الرمزية في إرسال الكتب: كتاب لفلان وكتاب لفلان وكتاب لفلان ليفهم ~~العالم أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان والإسلام دعوة متعدية ~~لأنها خالفت دعوات الرسل عليهم السلام، فقد كان كل رسول إنما يعلم أن ~~حدود دعوته هي أمته. أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد كانت لرسالته ~~مراحل: آمن بذاته أولا، ثم دعا الأقربين، ثم من بعد ذلك قريش، ثم أبلغ ~~العرب، ثم الشام، وتعدت الدعوة بالكتب إلى جميع الملوك في العالم، وصارت ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم مؤتمنة على حمل الدعوة ونشرها في أي مكان ~~ومعها حجتها وهي القرآن. وشاء الله أن يختم رسول الله الرسالات، وأرسله ~~بالإسلام الذي يغلب الحضارات، رغم أنه صلى الله عليه وسلم من أمة أمية لا ~~تعرف شيئا حتى لا يقال عن الإسلام أنه مجرد وثبة حضارية، وجاء لهم منهج ~~غلب الحضارات المعاصرة له: فارس والروم في وقت واحد. إذن: فالمسألة كانت ~~مسألة قبيلة، يحكمهم واحد منهم هكذا، دون تمرس بالنظم الاجتماعية، ولم ~~يعرفوا شيئا قبل الإسلام، بل هم أمة متبدية لا شأن لها بالنظم السياسية ~~أو الاقتصادية، وطن الواحد منهم جمله وخيمته وبضعة أدوات تعينه على ~~الحياة، وتستقر كل جماعة في أي مكان يظهر به ms4383 العشب ويوجد به الماء، وبعد ~~أن تأكل الأغنام والأنعام العشب، ينتقل العربي مع جماعته إلى مكان آخر، ~~بعد أن ينظر الواحد منهم إلى السماء ليعرف مسار الغمام وأين ستمطر السحب، ~~ثم ينساح هؤلاء بالدعوة بعد ذلك، فلو كان لهم انتماء إلى وطن أو بيت أو ~~مكان لصار الرحيل صعبا عليهم، لكنهم كانوا متمرسين بالسياحة في الأرض. ~~والآية التي نحن بصددها تكشف ضعف إيمان البعض، ونفاق البعض، فيقول الحق: ~~{ أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو ~~مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون } أي: كان لا ~~بد أن يتوبوا أو يتعظوا ويعلموا أن وقوفهم ضد الإسلام لم ولن يحجب ~~الإسلام وأنهم سينسحقون ويضيعون، فلماذا لا يتذكر كل منهم نفسه، ويرى ~~مصلحته في الإيمان. ويقول الحق بعد ذلك: { وإذا مآ أنزلت ~~سورة نظر بعضهم إلى... }. ### || [9.127] # ومن قبل جاء قول الحق: # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا... # [التوبة: 124]. أي: أن هؤلاء المنافقين يشعرون بالضيق والحصار، ويخافون ~~أن يتكلموا لأنهم موجودون مع المسلمين، ولكنهم لا يعدمون وسيلة للتعبير ~~عن كفرهم، فيغمز الواحد منهم بعينه، أو يشير إشارة بيده، فإذا ما كانوا ~~قد تساءلوا من قبل ب { أيكم زادته هذه إيمانا } فقد ~~كان هذا السؤال يتعلق بالتكاليف، أما في الآية التي نحن بصدد خواطرنا ~~عنها فليس فيها تكاليف جديدة. لقد كانوا يريدون أن يقولوا شيئا، ولكنهم ~~لم يستطيعوا أن يتكلموا بأفواههم، فتكلموا بأعينهم ونظراتهم، فكأن النظر ~~نفسه كان فيه هذه الكلمة: { هل يراكم من أحد } ، وهذا قد ~~تراه من واحد يسمع خطبة الخطيب، ولكنه يرى بها أشياء لا تعجبه، فتجده ~~يعبر بانفاعالات وجهه عن عدم رضاه. إذن: فهناك نظر، وهناك كلام، وهم قد ~~تساءلوا: هل يراكم من أحد؟ ومثلها مثل قولك: ما عندي من مال؟ أي أنك لا ~~تملك بداية ما يقال عنه مال، والقول الكريم أبلغ بالقطع من أن تقول: هل ~~يراكم أحد. إن قوله الحق: { هل يراكم من أحد } دليل على أنهم ~~في خوف من ms4384 أن يضبطهم أحد، ومن بعد ذلك تجدهم يتسللون خارج دائرة الاستماع ~~للقرآن أو للرسول لأنهم لا يطيقون الاستمرار في الاستماع لأن منطق الحق ~~يلجم الباطل، والواحد منهم غير قادر على أن يؤمن بالحق وغير قادر على ~~إعلان الكفر فينسحبون، وينصرف كل واحد منهم لذلك نجد أن بعضهم قد قال من ~~قبل: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه... # [فصلت: 26]. وقد قالوا ذلك لأن الكافر أو المنافق قد تأتيه لحظة غفلة عن ~~الباطل، فيتسلل الإيمان إلى قلبه، كما أن المؤمن قد تأتيه لحظة غفلة عن ~~الحق، لكنه يستغفر الله عنها. وإذا ما أتت للمنافق أو الكافر لحظة غفلة ~~عن كفره أو نفاقه فتأتيه هجمة الإيمان فيخافها، فيقول لمن هم مثله: من ~~الأفضل أن نقول لمن معنا لا تسمعوا هذا القرآن. لماذا؟ حتى لا يصادف فترة ~~غفلة عن النفاق، فإذا صادف فترة غفلة عن النفاق فمن الممكن أن يدخل ~~الإيمان القلب. ولذلك قالوا: { لا تسمعوا لهذا القرآن } ، ~~ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل طلبوا من الأتباع ان يلغوا فيه، أي: أن ~~يشوشوا عليه: # والغوا فيه لعلكم تغلبون... # [فصلت: 26]. إذن: لا غلبة لهم مطلقا إلا بعدم الاستماع إلى القرآن، أو ~~أن يشوشوا عند سماع القرآن حتى لا ينفذ القرآن إلى القلوب. وهنا يقول ~~الحق سبحانه عن هؤلاء المنافقين: { وإذا مآ أنزلت سورة ~~نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد } كانوا ~~يقولون ذلك لأنهم كمنافقين سبق لهم إعلان الإسلام، وكانوا يدعون أنهم ~~متقدمون في تطبيق أحكام الإيمان، وكانوا يصرون على الوقوف أثناء الصلاة ~~في الصف الأول حتى يدفعوا عن أنفسهم تهمة النفاق، وكما يقول المثل: يكاد ~~المريب أن يقول خذوني. # وينظر بعضهم إلى بعض متسائلين: { هل يراكم من أحد ثم ~~انصرفوا } لأنهم لا يطيقون الجلوس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو ~~إلى المؤمنين. وينهي الحق الآية: { صرف الله قلوبهم ~~بأنهم قوم لا يفقهون } وذلك نتيجة لانصرافهم نفسيا إلى ~~النفاق فيساعدهم سبحانه على ذلك، فما داموا لا يعرفون قيمة الإيمان ~~فليذهبوا بعيدا عنه، فالحق ms4385 لهم يصرفهم إلا باختيارهم، حتى لا يقول أحد: ~~إن الله هو مصرف القلوب، فما ذنبهم؟ لا، لقد انصرفوا هم بما خلقه الله ~~فيهم من اختيار، فصرف الله قلوبهم، لماذا؟ لأنهم { قوم لا ~~يفقهون } أي: لا يفهمون. والفهم أول مرحلة من مراحل الذات ~~الإنسانية، وهناك فرق بين الفهم والعلم. فالفهم يعني أنك تملك القدرة على ~~تفهم ذاتية الأشياء بملكة فيك، لكن العلم يعني أنك قد لا تفهم أنت ~~بذاتك، وإنما يفهم غيرك ويعلمك. فأنت قد تعلم جزئية لا من عندك وإنما من ~~معلم لك. ولكن قد يقول قائل: ما داموا لا يفقهون فما ذنبهم؟ ونقول: الذي ~~لا يفهم عليه أن يتقبل التعليم، لكن هؤلاء لم يفهموا ولم يتعلموا، ~~وأصروا على عدم قبول العلم. وبعد ذلك يأتي ختام سورة التوبة. والسورة ~~بدأت بالقطيعة: # برآءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين # [التوبة: 1]. ووردت لنا أحوال الكفار والمنافقين وتكاليف الجهاد الشاقة، ~~وأراد الحق أن يختم السورة بما يبرر هذه المشقات المتقدمة، فبين لنا: ~~إياكم أن تنفضوا عن الرسول أو تغضبوه لأنه وإن جاء لكم ببلاغ فيه أمور ~~شاقة عليكم فخذوا هذه الأمور الشاقة على أنها من حبيب لكم، لا من عدو ~~لكم. إنك مثلا إن رأيت عدوا ضرب ابنك وجرحه، يكون وقع هذا الأمر شديدا ~~عليك لأنه عدو. لكنك إذا أخذت ابنك للطبيب وقرر الطبيب إجراء جراحة ~~للابن، فأنت تقبل ذلك لتزيل عن ابنك خطرا. إذن: فهناك فارق بين جرح عدوك ~~لابنك وجرح الطبيب له رغم أن الإيلام قد يكون واحدا. إذن: لا ترفض ~~الأمور الشاقة عليك لمجرد ورود المشاق عليك، ولكن اعرف أولا من الذي ~~أجرى المشاق عليك، فإن كان ربك، فربك بك رحيم. وإن كان الرسول فخذ أوامر ~~الرسول وطبقها لأنها من حبيب يريد لك الخير. وهنا يقول الحق: { لقد ~~جآءكم رسول من أنفسكم عزيز... }. ### || [9.128] # ونلحظ هنا أن الحق قد نسب المجيء هنا للرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ~~يقل: جئتكم برسول. وكلنا يعلم أن الرسول صلى الله عليه ms4386 وسلم لم يأت من ~~عند نفسه، ولم يدع هذا الأمر الجليل لنفسه، ولكن الشحنة الإيمانية تفيد ~~أنه خلق بما يؤهله للرسالة، وبمجرد أن نزل عليه الوحي امتلك اندفاعا ~~ذاتيا لأداء الرسالة، ولم يحتج لمن يدفعه لأداء الرسالة لذلك أراد الحق ~~سبحانه أن يثبت للرسول صلى الله عليه وسلم المجيء ذاتيا، ولكن هذا ~~المجيء الذاتي ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم في البداية، بل هو ~~رسول من عند الله، فأتى الحق سبحانه هنا بكلمة " جاء ". وكلمة { رسول ~~} تدل على أنه ليس من عنده، وكلمة " جاء " تدل على أن الشحنة الإيمانية ~~جعلت لذاته عملا، فهو صلى الله عليه وسلم يعشق الجهاد من أجل الرسالة، ~~ويعشق الكفاح من أجل تحقيق هذه الرسالة. إذن: لا تنظروا إلى ما جاءكم به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم نظرتكم إلى الأمور الشاقة التي تتعبكم، ولكن ~~انظروا ممن جاءت، إن كانت من الأصل الأصيل في إرسال الرسل، فالرب رحيم، ~~خلقكم من عدم وأمدكم من عدم، ويوالي نعمة عليكم حتى وأنتم في معصيته. ~~فأنت تعصاه ويحب الله سبحانه من يستر عليك، فلا تشكك ولا تتشكك. وعليك أن ~~تأخذ التكاليف على أنها من حبيب فلا تقل: إنها مشقة. فأنت - ولله المثل ~~الأعلى - تطلب من ابنك أن يستذكر دروسه، وتراجعها معه قهرا عنه في بعض ~~الأحيان، وأنت قد تمسك بيدي ابنك ليعطيه الطبيب حقنة من الدواء الذي جعله ~~الله سببا للشفاء. إذن: فلا تأخذ الأحوال بوارداتها عليك، ولكن خذها ~~بوارداتها ممن قدرها وقضاها وهو الحق سبحانه وتعالى. وهنا يقول الحق ~~سبحانه: { لقد جآءكم رسول من أنفسكم } أي: أن الحق ~~سبحانه لم يأت بإنسان غريب عنكم، بل جاء بواحد منكم قادر على التفاهم ~~معكم. ولقوله الحق: { من أنفسكم } معان متعددة، فمرة يكون معناها ~~ب " من جنسكم " ، مثلما قال الحق عن حواء: # وخلق منها زوجها... # [النساء: 1]. أي: خلق حواء من نفس جنس آدم البشري، فلا يقولن أحد: كيف ~~بعث الله لنا بشرا رسولا؟ لأن الحق أراد الرسول من البشر رحمة بالناس ms4387 ~~ولذلك يؤكد صلى الله عليه وسلم على بشريته أكثر من مرة وفي مواقع كثيرة. ~~والقرآن يقول: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. إذن: فبشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تؤخذ على ~~الله، ولكن تؤخذ لله لأنه أرسل واحدا من نفس الجنس ليكون قادرا على أن ~~يتفاهم مع البشر، وتكون الأسوة به سهلة. # ولذلك قال سبحانه: # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. وقوله الحق: { من أنفسكم } أي: من جنس العرب، ~~ولم يأت به من الروم أو من فارس، لكن اختار لكم من هو أعلم بطبائعكم. أو ~~أن معنى { من أنفسكم } أي: من نفس القبيلة التي تنتمون إليها ~~معشر قريش. أو أن { من أنفسكم } تعني: أنكم تعلمون تاريخه، ~~وتعرفون أنه أهل لتحمل أمانة السماء للأرض، كما تحمل أماناتكم من الأرض ~~للأرض ولأن هذا هو سلوكه، فهو قادر على أن يتحمل أمانة السماء للأرض. ~~ولقد سميتموه الصادق الأمين، والوفي، وكلها مقدمات كانت توحي بضرورة ~~الإيمان به كرسول من عند الله. وإن كانت سلسلة أعماله معكم تثير فخركم، ~~فمجيئة كرسول إنما يرفع من ذكركم، ويعلي من شأنكم. فأنتم أهل قريش ومكة ~~ولكم السيادة في البيت الحرام، وقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم ليزيد من ~~رقعة السيادة لكم، فإذا كنتم قبل بعثته صلى الله عليه وسلم سادة البيت، ~~فأنتم بعد بعثته سوف تصيرون سادة العالم. ويقول الحق سبحانه: # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون # [الزخرف: 44]. فهو نبي الله للعالم أجمع ومن العرب ومن قريش، وكان يجب ~~أن يفرحوا برسالته وأن يؤيدوها، لكن الله لم يشأ ذلك لأن قريشا قبيلة قد ~~ألفت السيادة على العرب، وهذا جعل العرب يعملون لها حسابا، وخافت منها ~~كل قبائل العرب في أنحاء الجزيرة العربية، وكانت لها مهابة هائلة لأن كل ~~العرب مضطرون للحج إلى الكعبة، وأثناء الحج تكون القبائل كلها في أرض ~~قريش لذلك كانت كل القبائل ترعى ms4388 قوافل قريش، ولا تتعرض أي قبيلة لقريش ~~أبدا، فقوافلها تروح وتغدو، جنوبا وشمالا، ولا تقدر قبيلة أن تقف في ~~مواجهة قريش، أو أن تتعرض لها. وكل هذه المكانة وتلك المهابة أخذتها قريش ~~من خدمتها لبيت الله الحرام ولذلك شاء الحق ألا يمكن أبرهة من هدم البيت ~~لتظل السيادة لقريش، فلو انهدم البيت الحرام وانصرف الحج إلى اليمن كما ~~كان يريد أبرهة، فمن أين تأتي السيادة لقريش؟ لذلك قال الحق عن أبرهة ~~وقومه: # فجعلهم كعصف مأكول # [الفيل: 5]. وأتبعها بقوله: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف # [قريش: 1-2]. وما دام الحق سبحانه قد شاء هذا فيأتي أمره في الآية ~~التالية: # فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4]. وشاء الحق سبحانه أن يبعث بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا ~~يدعو أولا الصناديد، والقبيلة ذات المهابة والمكانة، وأن تكون الصيحة ~~الإيمانية في آذان سادة الجزيرة الذين تهابهم كل القبائل، حتى لا يقال: ~~إن محمدا قد استضعف قلة من الناس وأعلن دعوته بينهم، لا، بل جاءت دعوته ~~في آذان الصناديد، والسادة، وسفه أحلامهم، وحين رفضوا دعوته هاجر، ثم ~~جاءه الإذن بقتالهم، ولم تأت نصرة الإسلام من السادة، بل آمن به الضعاف ~~أولا، ثم هاجر إلى المدينة لتأتي منها النصرة. # فلو أن النصرة جاءت من السادة لقالوا: جاءت نصرة الإسلام من قوم ألفوا ~~السيادة، ولما ظهر واحد منهم يقول: إنه رسول أرادوا أن يسودوا به، لا ~~الجزيرة العربية، بل الدنيا كلها، فتكون العصبية لمحمد هي التي خلقت ~~الإيمان بمحمد، والله يريد أن تكون النصرة من الضعيف حتى يفهم الجميع أن ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم هو السبب في العصبية لمحمد. هكذا نفهم ~~معنى: { لقد جآءكم رسول } أي: مرسل من الله و { من ~~أنفسكم } بكل ما تعنيه مراحل النفس، وهو مبلغ عن الله، فلم يأت بشيء ~~من عنده، بل كل البلاغ الذي جاء به من ربه، والرب بإقراركم هو الذي خلق ~~لكم ما تنتفعون به من السماوات والأرض. وسبحانه يقول: ms4389 # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله... # [الزخرف: 87]. ويقول: # ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ~~ليقولن الله... # [لقمان: 25]. إذن: فالمخلوق هو الخليفة الإنسان، وما خلقه الله في ~~الكون، إنما خلقه لخدمتكم كلكم، وأنتم تقرون ذلك، فإذا كان الرب قد سبق ~~لكم بهذه النعم، وجاء الرسول الذي جاء لكم من عنده بما يسعدكم، وقد ~~استقبلتم خيره قبل أن يأتي لكم بالتكاليف، واستقبلتم نعمته قبل أن تكونوا ~~مخاطبين له، إذن: فالله الذي أرسل رسوله بالتكاليف والمنهج لكم، لا بد أن ~~يكون قد كلف من هو مؤتمن عليكم، وهو صلى الله عليه وسلم لم يأت من جنس ~~الملائكة، بل هو بشر مثلكم، فإذا قال لكم: افعلوا كذا وكذا وأنا أسوة لكم ~~في الفعل، فلا تتعجبوا، لكن غبار الكافرين بالله جعلهم يريدون أن يكون ~~الرسول ملكا، فقال الحق: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا * قل لو ~~كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ~~عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 94-95]. أي: إن كنتم تريدون ملكا، فالملك له صورة لا ~~ترونها، ولا بد أن نجعله ملكا في صورة بشر ليخاطبكم، إذن: فهل المشكلة ~~مشكلة هيئة وشكل؟ ثم إن الملائكة بحكم الخلق: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. فإذا قال لكم الرسول الملك: أنا أسوة لكم في العمل ~~الصالح، أكانت تصح الأسوة؟ من المؤكد أن بعضنا سيقول: لا، لن تنفع الأسوة ~~لأنك ملك مطبوع على الخير، وليس لك شهوة بطن، ولا شهوة فرج، إذن: ~~فأسوتنا بك لا تصلح. إذن: فمن رحمته سبحانه بكم أن جعل لكم رسولا من ~~أنفسكم، ومن قبيلتكم، ومن العرب، لا من فارس أو الروم، وهو يخاطبكم ~~بلغتكم لأنكم أنتم أول آذان تستقبل الدعوة فلا بد أن يأتي الرسول ~~بلسانكم، وجاءكم محمد صلى الله عليه وسلم بالأنس والألفة لأن من قريش ~~التي لها بطون في كل الجزيرة ولها قرابات، وأنس وألفة بكل العرب، وأنس ~~ثالث أنه من البشر، وجاء به الحق سبحانه ms4390 فردا من الأفراد، محكوم له ~~بالصدق والأمانة قبل أن يبلغكم رسالته من الله. # إذن: فإذا جاءكم الرسول بتكليف قد يشق عليكم، فاستصحبوا كل هذه الأشياء ~~لتردوا على أنفسكم: هو بشر وليس ملكا. هو من العرب وليس من العجم. هو ~~من قبيلتكم التي نشأ بينكم فيها. هو من تعرفون سلوكه قبل أن يبلغ عن ~~الله، فما كذب على البشر في حق البشر. أفيكذب على البشر بحق الله؟ وقرأ ~~عبد الله بن قسيط المكي هذه الآية: { من أنفسكم } أي: أنه صلى ~~الله عليه وسلم بالمقياس البشري هو من أقدركم وأحسنكم. ولذلك حينما جاء ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة عن الله، هل انتظرت سيدتنا خديجة رضي ~~الله عنها أن يأتي لها بمعجزة؟ هل انتظر أبو بكر أن يأتي له بمعجزة؟ لا، ~~لم ينتظر أحدهما لأن كلا منهما أخذ المعجزة من ناحية تاريخه الماضي. ~~وحينما قال لخديجة: " يأتيني ويأتيني ويأتيني " وكانت ناضجة التكوين ~~والفكر والعقل، وعلمنا مما قالت لماذا اختار الله له أن يتزوجها وعمره ~~خمسة وعشرون عاما، وعمرها أربعون سنة، مع أن المألوف أن يحب الإنسان ~~الزواج ممن هي دونه في العمر. لكن المسألة لم تكن زواجا بالمعنى ~~المعروف، لكنه زواج لمهمة أسمى مما نعرف، ففي فترة هذا الزواج ستكون ~~الفترة الانتقالية بين البشرية العادية إلى البشرية التي تتلقى من ~~السماء، وهذه فترة تحتاج إلى قلب أم، ووعاء أم تحتضنه وتربت عليه. فلو ~~كانت فتاة صغيرة وقال لها مثلما قال صلى الله عليه وسلم لخديجة لشكت في ~~قواه العقلية، لكن خديجة العاقلة استعرضت القضية استعراضا عقليا ~~بحتا. فحين قال لها: أنا أخاف أن يكون الذي يأتيني رئى من الجن. قالت ~~له: " إنك لتصل الرحم، وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق، والله لا ~~يخزيك الله أبدا ". إذن: فقد أخذت من مقدمات حياته قبل البعثة ما يدل ~~على صدقه بعد البعثة. وكذلك أبو بكر رضي الله عنه، حينما قالوا له: إن ~~صاحبك يدعي أنه رسول. قال: أهو قالها؟ قالوا: نعم. قال: إنه رسول من ms4391 الله ~~لأنه لم يكذب طوال عمره. وبعد ذلك يقول الحق: { عزيز عليه ما ~~عنتم }. وكلمة { عزيز } أي: لا ينال ولا يقدر عليه أحد، والشيء ~~العزيز أي نادر الوجود. وقد تقول لإنسان: " قد تكن وزيرا " فيصمت رجاء، ~~لكن إن قلت له: " ستصبح رئيس وزراء " فيقول: هذه مسألة مستعصية وكبيرة ~~علي بعض الشيء. # إذن: فالعزة تأتي لامتناع شيء إما لقدرته، أو عزيز بمعنى نادر، أو ~~يستحيل. والعزيز - هو الأمر الذي يعز على الناس أن يتداولوه، فيقال: " عز ~~علي أن أصل إلى قمة الجبل ". { عزيز عليه } أي: شاق عليه أن ~~يعنتكم بحكم فقلبه رحيم بكم، وهو لا يأتي لكم بالأحكام لكي تشق عليكم، بل ~~تنزل الأحكام من الله لمصلحتكم، فهو نفسه يعز عليه أن يشق عليكم. ولذلك ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم # " مثلي كمثل رجل استوقد نارا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه ~~الدواب التي في النار يقعن فيها. وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها. قال: ~~فذلكم مثلي ومثلكم. أنا آخذ بحجزكم عن النار. هلم عن النار. هلم عن ~~النار. فتغلبوني تقحمون فيها. " # فإذا كان الرسول صفته أنه من أنفسكم أو من أنفسكم أو يحبكم حبا يعز ~~عليه أن تكونوا في مشقة. إذن: فخذوا توجيهاته بحسن الظن وبحسن الرأي ~~فيها، وذلك هو القانون التربوي الذي يجب أن يسود الدنيا كلها. فقد يقسو ~~والد على ولده بأوامر ونواه: " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " لا تذهب إلى ~~المكان الفلاني، ولا تجلس إلى فلان، ولا تسهر خارج المنزل بعد الساعة ~~كذا. كل هذه أوامر قد تشق على الولد فنقول له: مشقة التكليف ممن صدرت؟ ~~لقد صدرت من أبيك الذي تعرف حبه لك، والذي يشقى ليوفر لك بناء المستقبل، ~~ويتعب لترتاح أنت، فكيف تسمح لنفسك أن تصادق صعاليك يخرجونك عن طاعة أبيك ~~إلى اللهو وإلى الشر. وانظر إلى والدك الذي تحمل المشقة حتى لا تتحمل أنت ~~المشقة، ويشق عليه أن تتعب فهو أولى بأن تسمع كلامه. ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عزيز عليه مشقتكم، ms4392 والمشقات أنواع: مشقات في الدنيا تتمثل في ~~التكاليف التي يتطلبها الإيمان، ولكنها تمنع مشقات أخلد في الآخرة لذلك ~~فالرسول صلى الله عليه وسلم يحزن أن ينالكم في الآخرة تعب، وتعب الدنيا ~~موقوت وينتهي، لكن تعب الآخرة هو الذي يرهق حقا ويتعب. ولذلك يقول الحق ~~في تصوير هذه المسألة بقوله: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. لماذا؟ لأنك تعرف يا محمد أنهم إن لم ينتهوا فسوف يجدون ~~العنت كله في الآخرة. أو أن مشقة الآخرة هي التي يجب أن نتلافاها، وأن ~~نتحمل المشقات الزائلة العرضية التي تورد ثمارا. فنحن قد نجد الرجل يقول ~~لابنه مثلا: اخرج إلى الحقل، واحمل السباخ فوق الحمار واحرث وارو، كل ~~هذه مشقات ستجد لذتها يوم الحصاد، وتعطيك الأرض من خير الله كذا إردب ~~قمحا أو غير ذلك. ولو ترك الأب ابنه لكسله فهذه هي المشكلة الأكبر، وحث ~~الأب لابنه على العمل هو دفع لمغبة الضياع. # وقد يأخذ الأب ابنه للطبيب، ويجد الطبيب مشغولا، ويرجوه الأب أن يجري ~~للابن جراحة تنجيه وتنقذه من خطر رغم أن الأب يعلم أن الطبيب سيستخدم مع ~~ابنه أدوات جراحية كالمشارط وغيرها، ولكن ليعلم الابن أن هذا المشرط ~~سيمس أباك قبل أن يمسك، وعلى ذلك إذا أمرت بتكليف شاق فانظر من ~~أمرك؟ أهو ممن تعز عليه ومن تحبه وممن يريد لك الخير؟ إن كان الأمر كذلك ~~فعليك أن تقبل ولا تسيء الظن، ولا ترهق من يحبك. واعلم أن والدك حين ~~يصرفك عن أصدقاء السوء - مثلا - فهو يرد عنك مصارف الشر لأنك إن اجتهدت ~~في عملك فسوف تحصد النتيجة الطيبة، أما إن اتجهت إلى مصارف الشر فسوف ~~تشرد وتجوع، وسوف تدق باب بيت أبيك. وعندئذ ستسمع مثلا عاميا يلخص ~~الحكمة التي تقول " من يأكل لقمتي فليسمع كلمتي ". وهنا يقول الحق: { ~~لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم } ومعنى الحرص: أن يحوطكم بالرعاية حتى لا ~~تقعوا في المشقة الأكبر. ولذلك قلنا: إن الرسول صلى ms4393 الله عليه وسلم قد ~~صور هذه المسألة بقوله صلى الله عليه وسلم: # " مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو ~~يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار - أي أمسككم من خلفكم حتى لا تذهبوا ~~إلى النار - وأنتم تفلتون من يدي " # والحق يسري عن رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم... # [الكهف: 6]. ويقول الحق أيضا لرسوله: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى إتقان العمل ~~في الدنيا ليصلوا إلى الجنة في الآخرة لأن كل مؤمن عزيز عليه صلى الله ~~عليه وسلم ويخشى أن يرهق إنسان واحد في الآخرة، ولذلك قال الحق: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. أي: إياك أن تحزن أنك حريص على أن يؤمنوا لأن الحق ~~سبحانه يقدر أن ينزل عليهم آية تجعل رقابهم خاضعة، ولكن الرب لا يريد ~~رقابا تخضع وإنما يريد قلوبا تخشع. { عزيز عليه ما عنتم ~~حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم } والرأفة ~~والرحمة قد تلتقيان في المعنى العام، ولكن هناك أمورا تسلب مضرة، ~~وأمورا تجلب منافع. وسلب المضرات - دائما - مقدم على جلب المنافع، ~~فحين نواجه عملا يضر وعملا ينفع نقدم على العمل لدرء ما يضر، ثم ننجز ~~العمل النافع. وساعة يطرأ عليك أمر يضر، وأمر ينفع، وأنت في حال متساوية ~~ولا بد أن تدرأ عن نفسك الأمر الضار الذي يخرجك عن الاستواء، ثم تقبل على ~~الأمر الذي يزيد من الارتقاء. # وحتى نقرب هذه المسألة إلى الذهن، سأضرب هذا المثل الحسي: هب أن ~~واحدا معه حجر يريد أن يضربك به، وآخر يريد أن يقذفك بتفاحة، فهل تنشغل ~~بالتقاط التفاحة أو تنشغل برد الحجر؟ إنك تنشغل أولا بدرء الضرر، ثم ~~تقبل على جلب المنفعة. ومثال آخر: هب أنك ترى إنسانا يغرق أمامك في ~~البحر، فهل توبخه لأنه نزل البحر دون أن يتعلم العوم؟ أم تنقذه أولا ~~وتدفع الأذى عنه، ms4394 ثم توبخه وتعاقبه بعد ذلك جزاء إهماله؟ إنك تنقذه ~~أولا، وبذلك تكون قد قدمت الإحسان بدفع المضرة أولا، وحتى إن عاقبته ~~فهو يتقبل منك العقاب أو النهر لأن صنيعك أنقذه من الموت. والحق يقول: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز... # [آل عمران: 185]. إذن: فمراحل الفوز أن يزحزح الإنسان أولا عن النار، ~~ففي هذا سلب للمضرة، وجلب للمنفعة، وإن ظل الإنسان في موقعه لا هو في ~~الجنة ولا هو في النار فهذا هين أيضا. وإن أدخل الجنة فهذا هو الخير ~~كله. وإذا كانت هذه هي بعض من خصال الرسول صلى الله عليه وسلم: { رسول ~~من أنفسكم } ، و { عزيز عليه ما عنتم } ، و { ~~حريص عليكم } ، و { بالمؤمنين رءوف رحيم } ، فهذه ~~خصال إن استوعبها الإنسان فهو يندفع إلى اتباع هذا الرسول. وقوله الحق: { ~~بالمؤمنين رءوف رحيم } نرى فيه الوصف ب " الرءوف " ~~والرأفة هي سلب ما يضر من الابتلاء والمشقة، و " رحيم " هو الذي يجلب ما ~~ينفع من النعيم والارتقاء. وحسبكم من هاتين الصفتين أن الله سبحانه ~~وتعالى وصف رسوله بهذين الوصفين { رءوف رحيم } وقد ثبت أنه سبحانه ~~قد وصف نفسه بقوله سبحانه: # إن ربكم لرؤوف رحيم # [النحل: 7]. إذن: فالرسول صلى الله عليه وسلم لا يسلك بما عنده، بل يسلك ~~برأفة مستمدة من رأفة العلي الأعلى، وكذلك رحمته صلى الله عليه وسلم ~~مستمدة من رحمة العلي الأعلى. وكأن الحق سبحانه يبين لنا أنه أعطى ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بعضا من الصفات التي عنده، فكما يبلغكم ~~المشقات في التكاليف، فهو يبلغكم السلامة من المشقات في الرأفة، وترقية ~~المنعمات بالرحمة ولذلك يقول الحق سبحانه: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين # [الإسراء: 82]. ونعلم أن الشفاء إنما يكون من المرض، أي: أن القرآن يسلب ~~المضرة أولا، ثم يأتي لنا بالمنفعة بعد ذلك وهي الرحمة. وقوله الحق: { ~~لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم } هذا ~~القول خلاصته: إن استقبلتم مشقات التكليف من رسول الله صلى الله عليه ms4395 ~~وسلم فاعلموا ممن جاءت هذه المشقات، واعلموا أن مجيئه بها إنما هو ليرفع ~~عنكم مشقات أكبر وأخلد لأن مشقات التكليف تنتهي بانتهاء زمن التكليف وهو ~~الدنيا، ثم يذهب المؤمن إلى الجنة ليحيا بلا تكليف، وما يخطر على باله من ~~أشياء، يجده فورا بدءا من الطعام والشراب وجميع ما خلقه الله لأهل ~~الجنة من نعيم. # وإن نظرنا إلى متع الدنيا نجد أن من اجتهدوا في حياتهم، يستأجرون من ~~يقوم لهم بالأعمال التي كانوا يقومون بها لأنفسهم فالثري الذي كان يطهو ~~طعامه قبل الثراء، يستأجر طاهيا ليعد له طعامه، والفلاح الذي كان يبني ~~بيته لنفسه، ثم رزقه الله بالرزق الوفير فاستأجر من يبني له، وكل الأعمال ~~التي تسعد الإنسان وكان يقوم بها بنفسه ولنفسه، صار يستأجر من يقوم له ~~بها، فما بالنا بالآخرة حيث تعيش في رضا الله وبأسرار كلمة { كن }. ~~وهكذا نجد الحق سبحانه وتعالى قد جاء في هذه السورة بمشقات التكليف، ~~والثواب عليها وطمأن المؤمنين بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يتميز بكل ~~المواصفات الموحية: من أنه بشر، وأنه حريص عليهم، وأنه لا يكلفهم إلا ~~بالمشقات التي تنجيهم من المشقات الأبدية، وأنه رءوف بهم ورحيم. فإن ~~استعموا إلى هذه الحيثيات وآمنوا، فأهلا بهم في معسكر الإيمان، وإن ~~تولوا ولم يسمعوا لهذه الحيثيات ولم يدخل القرآن قلوبهم، فإياك أن تظن - ~~يا رسول الله - أنك منصور بهم لأنك منصور بالله، فإن تولوا عنك وأعرضوا ~~عن الإيمان بالله، وأعرضوا عن الاستماع لك، فاعلم أن ركنك الشديد هو ~~الله، لذلك يختم الحق السورة بقوله: { فإن تولوا فقل ~~حسبي... }. ### || [9.129] # ولم يقل الحق لرسوله: " إن تولوا وأعرضوا فاعتقد أن حسبك الله " لا، بل ~~أعلنها للناس كافة حتى يسمعوها، ولعل في إعلانك لها ما يلفتهم إلى ~~الحقيقة لأنك إن قلتها فلن تقولها إلا وعندك رصيد إيماني بها، وإن فعل ~~أحدهم شيئا ضدك فسوف يعاقبه الله. وحين تعلن: { حسبي الله } بعد ~~أن كذبوك، فالأحداث التي سوف تأتي بعد إعلانك { حسبي الله } ستؤكد ~~أن حسبك في مكانه الصحيح، ms4396 ولله المثل الأعلى - أنت تقول: " حسبي نصرة ~~فلان " لأنك تثق في قدرة فلان هذا، ولكن القوة في الحياة أغيار، وحين ~~تقول: { حسبي الله } فلا إله غيره سبحانه، ولا إله آخر يعارضه في ~~هذا أو في غيره. وقل: { حسبي الله } برصيد { لا إله إلا ~~هو } و { لا إله } نفي، و { إلا هو } إثبات، إذن: ففي هذا ~~القول { لا إله إلا هو } نفي منطقي مع سلب، وإثبات منطقي مع ~~الإيجاب، وهنا نفي أي ألوهية لغير الله، والاستثناء من ذلك هو الله، ~~ورحم الله شيخنا عبد الرحمن عزام حين ترجم عن محمد إقبال شاعر باكستان ~~الكبير، فقال: # إنما التوحيد إيجاب وسلب # فيهما للنفس عزم ومضاء # إيجاب في { إلا هو } ، وسلب في { لا إله } ، فيهما للنفس عزم ~~ومضاء، أي: هما للنفس قطبا الكهرباء، فاسلب الألوهية من غير الله وأثبتها ~~لله. والناس - كما نعلم - ثلاثة أقسام: قسم ينكر وجود إله للكون مطلقا، ~~وهم الملاحدة، وقسم ثان يقول: إن هناك الله الذي يوحده المسلمون لكن له ~~شركاء ينفعوننا عند الله. وقسم ثالث يقول بوحدانية الله. وساعة نقول { ~~لا إله إلا هو } نكون قد أثبتنا الألوهية لله، وأثبتنا أن لا ~~شريك له، وأثبتنا ألا إله غيره، وسبحانه يقول: { فإن تولوا ~~فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت ~~} وهذا أمر طبيعي، ويمكن أن نعرفه بالحساب ولذلك جاء ب { حسبي } من ~~الحساب. واحسبها فلن تجد إلا الله. وما دام حسبك الله ولا إله إلا هو، ~~فسبحانه يبسط عليك حمايته ونصرته لك، فمن العقل أن تضع نفسك بين يدي ~~رسولك، الذي أبلغك البلاغ الكامل عن الله، وأن تتوكل عليه سبحانه. وما ~~دام سبحانه هو حسبك ولا إله إلا هو، والواجب يفرض عليك أن تظل في ~~معيته سبحانه، ومعية الله مرحلتان: الأولى بأخذ الأسباب التي أمد ~~بها خلقه، ومعية إيمانك المطلق بأن الأسباب إن عجزت معك، فأنت تلجأ إلى ~~مسبب الأسباب الموجود وهو رب الوجود. وترى - مثلا - الناس وهي تحتاج ~~إلى المياه لأنها ضرورة للحياة فيذهبون إلى البئر فلا ms4397 يجدون الماء رغم ~~وجود البئر لأن المياه التي تأتي من جوف الأرض لم تعد تتسرب إليه، ~~ولماذا؟ لأن المخزون من ماء المطر الذي كان يأتي من أعالي الجبال ويتسرب ~~تحت الأرض قد نفد، ولهذا نحتاج إلى مدد من أمطار السماء لتجري إلى ~~المسارب تحت الأرض وتعود المياه إلى البئر. # وإذا جفت الآبار المحيطة بنا، هل نيأس؟ لا لأن ربنا بين لنا: ارفعوا ~~أيديكم لربكم. إذن: فنحن إذا استنفدنا الأسباب نطلب من المسبب، ولذلك ~~أتحدى أن يستنفد واحد أسباب الله الممدودة إليه، ويلجأ إلى الله فيرده. ~~إن يد الله ممدودة لنا بالأسباب ولا يصح أن يهمل إنسان ولا يأخذ ~~بالأسباب، ويقول: أنا متوكل على الله، إن على الإنسان أن يأخذ أولا ~~بالأسباب وأن يستنفدها، وبعد ذلك يقول: ليس لي ملجأ إلا أنت سبحانك، ~~واقرأ إن شئت قول الله سبحانه: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه # [النمل: 62]. والمضطر: هو من استنفد أسبابه، وليس له إلا الله. لكن أن ~~يقول إنسان: أنا أدعو الله ليل نهار وأسبحه سبحانه وأقرأ سورة يس ~~مثلا، ولا يستجيب الله لدعائي. ونقول لمثل هذا القائل: أنت لا تدعو عن ~~اضطرار ولم تأخذ بالأسباب، خذ بالأسباب التي خلقها الله، أولا، ثم ادع ~~بعد ذلك. ولا تدع إلا إذا استنفدت الأسباب فيجيبك المسبب، وبذلك لا ~~تفتن بالأسباب، فحين تمتنع الأسباب تلجأ إلى الله. ولو كانت الأسباب تعطى ~~كلها لفتن الإنسان بالأسباب، والحق سبحانه يقول: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. لذلك نجد الحق يبين دائما أن كل الأسباب بيده، فنرى من ~~يحرث ويبذر ويروي ويرعى، ثم يقترب الزرع من النضج، وبعد ذلك تأتي موجة ~~حارة تميته، أو ينزل سيل يجرفه. إذن: خذ بالأسباب واجعل المسبب دائما في ~~بالك، وهنا يصح توكلك على الله. وكثير من الناس يخطئ في فهم كلمة " ~~التوكل " ، وأقول: إن التوكل يعني أن تأخذ، أولا، أسباب الله التي ~~خلقها سبحانه في كونه، فإن عزت الأسباب ولم تصل إلى نتيجة فاتجه إلى ~~الله، مصداقا لقوله: { أمن ms4398 يجيب المضطر إذا دعاه }. ~~ونحن ندعو أحيانا عن غير اضطرار ونهمل الأسباب، والمثال تجده في حياتنا ~~حين يقول الابن لأمه: " ادعي لي حتى أنجح " وتجيب الأم الأمية قائلة كلمة ~~بسيطة هي: " ساعد الدعاء بقليل من المذاكرة " ، وهي بذلك تدل ابنها على ~~ضرورة الأخذ بالأسباب. إذن: فمعنى التوكل، أن تستنفد الأسباب التي ~~مدتها يد الله إليك. فإذا استنفدتها إياك أن تيأس لأن لك ربا، وهو ~~سبحانه ركن شديد ترجع إليه. ومثال آخر: إذا كنت سائرا في الشارع ومعك ~~جنيه واحد مثلا ثم وقع منك أو سرق، ولا تملك في البيت أو في البنك ~~مليما واحدا، هنا تغضب وتحزن، أما إن كان في البيت عشرة جنيهات فنسبة ~~الغضب والحزن ستكون قليلة، وإذا كان في البيت عشرة جنيهات وفي البنك مائة ~~جنيه فلن تحزن أو تغضب لضياع الجنيه الواحد. # وهكذا تثق بالمثل عوضا عن المثل، أفلا تثق بواهب هذا المثل عن عوض ~~المثل؟ إذن: فالتوكل هو أن تعمل الجوارح وتتوكل القلوب. والكسالى هم من ~~يريدون أن يكون التوكل للجوارح وليس القلوب. وكان من الممكن أن يغير ~~الحق الأسلوب في الآية فيقول: توكلت عليه. بدلا من { عليه ~~توكلت } ولكن إن وفقت الفهم عن قوله الحق، ستجد أن الإنسان إن قال: ~~" أنا اعتمدت عليك " فقد تعطف قائلا: " وعلى فلان وعلى فلان ". لكن ~~قولك: عليك توكلت لا يمكن أن تعطف من بعدها، وفيها تنزيه لله ولا أحد ~~غيره يتوكل عليه الخلق، مثلما تقول في الفاتحة: { إياك نعبد } ~~أي: لا نعبد غيرك، فتكون قد قصرت العبادة عليه سبحانه. وتوكلك على الله ~~له رصيد لأن ربك ورب الكون الذي استقبلك، ولا تصل قدرتك إليه، فأنت في ~~الأرض تحرثها، وتبذرها، وترويها، ثم تأخذ من عطاء الله لك فهو ربك، ورب ~~الكون الذي استقبلك، وأصبح هذا الكون مسخرا لك، وأنت لم تكن قادرا على ~~تسخير الكون. صحيح أنك قد تسخر الدابة وتربطها وتمتطيها وتحمل عليها ~~السماد مثلا وكل ذلك مسخر لك وفي قدرتك، وهذا من فضل الله عليك. ويزيد ~~فضله ms4399 سبحانه، وترى مخلوقات مسخرة لك، وليست في قدرتك فالشمس مسخرة ~~لك تشرق كل يوم بالدفء وبالحرارة، وكذلك القمر، والغمام، وكل هذه مخلوقات ~~ليس في قدرتك السيطرة عليها، بل سخرها الله لخدمتك. وربك رب الكون الذي ~~استقبلك سخر لك ما ليس في يدك، وهو سبحانه رب الملكوت الذي يدير كل ذلك ~~وأنت لا تراه، وهو الذي يدير كل هذه الأشياء. فلا تنظر إلى ظواهر العطاء ~~فقط، بل انظر إلى مسببات العطاء في ظواهر العطاء، ولا تلتفت إلى ظاهرة ~~إلا لتعرف ما وراء هذه الظاهرة. وما وراء أي ظاهرة كثير. ويقول الحق ~~سبحانه: { وهو رب العرش العظيم } نعم، هو رب الكون الذي ~~استقبلك وسخر لك ما في يدك وما ليس في يدك، وما وراء المرئيات من عالم ~~الملكوت ليدير بكمال قدرته كل شيء، وكل ما في الكون ملك لله. وله سبحانه ~~العرش العظيم، فما هو العرش؟ نعرف لأول وهلة أن العرش هو السقف، فحين ~~تبني دورا واحدا تصنع له السقف ليحميك من وهج الشمس والمطر، وإن كانت ~~الأرض رخوة فالمباني تهبط، وبنينا السقوف حتى تحمي الجدران من عوامل ~~التعرية. وقول الله سبحانه: { العرش العظيم } معناها: استواء ~~الأمر استواء يدخل فيه كل مقدور ولذلك عبر سبحانه عن الملك مثلا في ~~ملكة سبأ على لسان الهدهد فقال: # إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ~~ولها عرش عظيم # [النمل: 23]. العرش، إذن، رمز السيطرة، وفي حياتنا - ولله المثل الأعلى ~~- نجد أن الذي يأخذ الملك من واحد قبله يبدأ في تطهير الجيوب المحيطة به ~~ويبحث عن الأنصار ليعيد ترتيب الملك بما يراه مناسبا له حتى تستقر له ~~الأمور، ثم يجلس بعد ذلك على العرش. إذن: فالجلوس على العرش معناه ~~استتباب الأمر استتبابا نهائيا للمالك الأعلى. وسبحانه يقول: # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم... # [غافر: 7]. وساعة تسمع كلمة " العرش " خذها على أنها رمز لاستتباب الأمر ~~لله، وأن كل شيء دخل في حيز قدرته، وفي حيز { كن } ، كما يستقر الأمر ~~للملك المحس، فلا يجلس على العرش، ms4400 ولا يهدأ، إلا إذا استقرت الأمور. ~~هذا ما نراه في الأمور الدنيوية، فما بالنا باستقرار كل الكون من الأزل ~~لله سبحانه وتعالى؟ يقول الحق سبحانه: # إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش... # [الأعراف: 54]. أي: أن الأمور قد استتبت له. وهكذا نجد أن كلمة " ~~العرش " وردت في عروش الدنيا، وفي عرش الله سبحانه، فعروش الدنيا ~~ترمز إلى استتباب الأمر لمن يجلس عليها، والعرش بالنسبة لله رمز ~~للاستتباب أمر الكون كله له سبحانه لا ينغص عليه شيء ولا يخرج من ملكه ~~شيء. والكون كله، بكل ما فيه مستتب لكلمة " كن " ومخلوق بها وخاضع لسلطان ~~الحق سبحانه وتعالى. وهنا يقول الحق: { وهو رب العرش ~~العظيم } ولا يوصف العرش بأنه عظيم إلا وفي أذهان الناس عروش الملوك ~~التي نراها في حياتنا، مثلما قال الهدهد عن ملكة سبأ: # ولها عرش عظيم # [النمل: 23]. أي: بمقاييس البشر. أما قوله تعالى هنا: { وهو رب ~~العرش العظيم } [التوبة: 129]. فهو بمقاييس رب البشر، إنه عرش ~~الخالق العظيم سبحانه وهو فوق التصور البشري لذلك نفهمه في إطار # ليس كمثله شيء... # [الشورى: 11]. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1] # و { الر } ثلاثة حروف، وقد سبقتها سورة البقرة ب { الم } و { الم ~~} في أول سورة آل عمران، وفي أول سورة الأعراف { المص } وهنا { الر } ~~في أول سورة يونس. ونلاحظ أن { الم } و { المص } و { الر } كلها ~~أسماء حروف. وكل شيء له اسم وله مسمى، أنا اسمي الشعراوي صحيح، والمسمى ~~هو صورتي. فإذا أطلق الاسم جاءت صورة المسمى في الذهن. فساعة نقول: " ~~السماء " يأتي إلى الذهن " ما علاك ". وساعة تقول: " المسجد " يأتي إلى ~~الذهن المكان المحيز للصلاة. إذن: فهناك فرق بين الاسم والمسمى. وكل ~~إنسان أمي، أو متعلم، له قدرة على الكلام، لكن لا ينطق بأسماء الحروف ~~إلا من تعلم. وفي الإنجليزية نطلب ممن يتعلمها أن يتهجى أسماء الحروف. ~~إذن: فالكل - كل متكلم - يعرف النطق بمسميات الحروف ولكن الذي يعرف ~~المسميات ويعرف الأسماء هو من جلس إلى معلم. وعرف أنك ms4401 حين تقول: " أكلت ~~" ، فهذه الكلمة مكونة من همزة، وكاف، ولام، وتاء. فإن كانت بعض سور ~~القرآن قد بدأت ب { الم } وهذه أسماء حروف، لا مسميات حروف، ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم أمي لم يتعلم، فمن الذي علمه أسماء الحروف؟ هي، ~~إذن، رمزية على أنه - بإقرار الجميع - أمي ولم يجلس إلى معلم، ولم يقل له ~~أحد شيئا، ثم نطق بعد ذلك بأسماء الحروف " ألف لام ميم " ولو نظرت إلى ~~المنطوق بالأسماء تجدها أربعة عشر حرفا تكررت، وهي نصف حروف الهجاء. ومن ~~العجيب أن توصيف حروف الهجاء جاء بعد أن نزل القرآن. وقسمناها نحن إلى ~~حروف مهجورة وحروف مهموسة وحروف رقيقة وحروف رخوة. وقد حدث هذا التقسيم ~~بعد أن نزل القرآن. وبالاستقراء تجد الأربعة عشر حرفا التي تأتي في ~~فواتح السور تمثل كل أنواع الحروف. من: رقيق، ومفخم، ومجهور، ومهموس، ~~ومستعل، وبدأ الله بها على أشكال مختلفة، فمرة يبدأ بحرف واحد: # ص والقرآن ذي الذكر # [ص: 1]. ويقول سبحانه: # ق والقرآن المجيد # [ق: 1]. ويقول سبحانه: # ن والقلم وما يسطرون # [القلم: 1]. إذن: فثلاث سور ابتدأت بحرف واحد. وهناك سور ابتدأت بحرفين ~~اثنين مثل: { طه }. { يس }. { طس } ، { حم }. وهناك سور بدئت بثلاثة ~~حروف: { الم } مثلما بدأت سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة ~~العنكبوت، وسورة الروم، وسورة السجدة. وهناك سور قد بدئت ب { الر }. ~~وثلاث سور تتفق في الألف واللام. وتختلف في " الميم والراء " و { الر } ~~في أول سورة يونس و { الر } في أول سورة يوسف. و { الر } في أول سورة ~~إبراهيم، و { الر } في أول سورة الحجر. وهناك سورة قد بدئت بأربعة حروف ~~مثل: { المص } في أول سورة الأعراف، وكذلك سورة الرعد بدأت ب { ~~المر }. # وهناك سور قد بدأت بخمسة حروف مثل سورة مريم { كهيعص }. وكذلك سورة ~~الشورى بدأت ب { حم * عسق }. ومرة يطلق الحرف أو الحرفان في أول ~~السورة ولا تعتبر آية وحدها بل جزءا من آية، وهناك سورتان تبدآن بأحرف ~~وتعتبر آية مثل { طه } ، و { يس }. أما في سورة النمل فهي تبدأ ب ms4402 { طس ~~} ولا تعتبر آية وحدها. إذن: فمرة تنطق الحروف وحدها كآية مكتملة، ومرة ~~تكون الحروف بعضا من آية، ومرة تأتي خمسة حروف مثل { كهيعص } ، وكل ~~هذا يدلك على أن القرآن توقيفي. ولم تأت آياته على نسق واحد لننتبه إلى ~~أن الحق سبحانه أنزل هذه الحروف هكذا، وكذلك نجد كلمة " اسم " في القرآن ~~في { بسم الله } وتكتب من غير ألف، وهي ألف وصل، أي: تنطقها حين تقرأها ~~لكن الحرف يسقط عند الكتابة، ولكنها لا تسقط عندما نكتب الآية الأولى من ~~سورة العلق: # اقرأ باسم ربك الذي خلق # [العلق: 1]. ومثال آخر لو استعرضت في القرآن الكريم كلمة " تبارك " ، ~~ستجد فيها ألفا بعد الباء، وتأتي مرة من غير ألف، وكلمة " البنات " ~~نجدها مرة بألف ومرة من غير ألف، كل ذلك لنفهم أن المسألة ليس لها رتابة ~~كتابة لأنها لو كانت رتابة كتابة لجاءت على نظام واحد. وقد شاء الحق هذا ~~الأمر لتكون كتابة القرآن معجزة، كما كانت ألفاظه وتراكيبه معجزة. وقد ~~قال البعض: إن العرب المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكونوا ~~أهل إتقان للكتابة، ونقول: لو كانوا على غير دراية بالكتابة لما كتبوا " ~~بسم " من غير ألف في موقعها، لقد علموا أن القرآن يجب أن يكتب كما نزل به ~~جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابة توقيفية، أي: ~~كما أمر الحق سبحانه. وعجيبة أخرى أن كل آيات القرآن مبنية على الوصل، ~~فأنت لا تقرأ ختام السورة بالسكون، بل تلتفت لتجد الكلمة التي في ختام أي ~~سورة مشكلة بغير السكون. والمثال هو: { وهو رب العرش ~~العظيم } وجاء الحرف الأخير بالكسر لا بالسكون لتقرأ موصولة بما ~~بعدها، فتقرأ كالآتي: { وهو رب العرش العظيم بسم الله ~~الرحمن الرحيم }. وهذه الحركة دلت على أن جميع آيات القرآن ~~موصولة ببعضها، وإياك أن تجعل القرآن { عضين } فلا تأخذ بعضا من ~~آياته مفصولا عن غيرها، بل القرآن كله موصول، فليس في القرآن من وقف ~~واجب، بل الآيات كلها مبنية على الوصل، وإن كانت ms4403 الكلمة الأخيرة تنتهي ~~بالفتحة فأنت تقرأها منصوبة ومن بعدها { بسم الله الرحمن ~~الرحيم } فنحن لا نسكن الحرف الأخير في أي سورة لأنها موصولة بما ~~بعدها. وحتى في الحكم التجويدي إن وجد إقلاب ننطقه إقلابا، وإن وجد ~~إظهاء ننطقه إظهارا لأن آيات القرآن مبنية على الوصل. # ولقائل أن يقول: إذا كان القرآن قد بني على الوصل، فكان المفروض أن آيات ~~القرآن التي بدئت بحروف المعجم تنبني على طريقة المعجم. فلا نقول ألف لام ~~ميم بل نقول " ألم ". ونقول لمثل هذا القائل: لا، إن حروف القرآن التي ~~بدئت بها السور يجب أن ننطقها كما هي، فننطق " ألف " ثم نقف، ونقرأ " لام ~~" ثم نقف، ونقرأ " ميم " ثم نقف لأن هذه الحروف جاءت هكذا، وعلمها جبريل ~~عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا، حتى لا نقول رتابة ~~كلام، بل إن لذلك حكمة عند الله سواء فهمتها أنت الآن أم لم تفهمها. وقد ~~نزل القرآن على أمة عربية وظل أناس على كفرهم، وكانوا يعاندون رسول الله، ~~ويترصدون لأي هفوة ليدخلوا منها للتشكيك في القرآن، ولكن أسمعتم رغم وجود ~~الكافرين الصناديد أن واحدا قال: ما معنى { الم }؟ لم يقل أحد من ~~الكافرين ذلك، رغم حرصهم على أن يأتوا بمطاعن في القرآن، بل اعترفوا ~~بمطلق بلاغة القرآن الكريم، مما يدل على أنهم فهموا شيئا من { الم } ~~بملكتهم العربية، ولو لم يفهموا منها شيئا لطعنوا في القرآن. لكنهم لم ~~يفعلوا. وأيضا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أهل حرص على ~~الفهم، هل سمعت أن أحدا سأل رسول الله عن معنى { الم }؟ لم يحدث، مما ~~يدل على أنهم انفعلوا لقائلها بسر الله فيها، لا بفهم عقولهم لها لأن ~~الوارد من عند الله لا يوجد له معارض من النفس، وإن لم يقبله العقل فهو ~~لا يرفضه مع استراحة النفس له. وضربنا من قبل مثلا، فقلنا: إن آل فرعون ~~حين استحيوا نساء بني إسرائيل وذبحوا الذكور، فماذا فعلت أم موسى؟ لقد ~~أوحى لها الله ما جاء خبره ms4404 في القرآن: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم... # [القصص: 7]. هات أي أم وقل لها: حين تخافين على وليدك فارميه في ~~البحر، طبعا لن تنفذ أي أم هذا الاقتراح. كان من الممكن أن تحاول أم ~~موسى إخفاء موسى بأي وسيلة. أما أن تلقيه في البحر مظنة أن تنجيه من ~~الذبح، فهذا أمر غير متخيل، ولكن هذا أمر وارد من الرحمن بالإلهام ~~والوحي، فلا يأتي الشيطان ليعارضه أبدا ولذلك طمأنها الحق سبحانه لأن ~~الآيات وردت: # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم... # [القصص: 7]. وكأن هناك تمهيدا يعلمها الاستعداد للأمر قبل أن يقع، ~~وحين جاء الأمر: # إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم... # [طه: 38-39]. والكلام هنا كلام عجلة لأن هذا وقت التنفيذ، وطمأنها ~~سبحانه بأن أصدر أوامره للبحر أن يقذفه إلى الشاطئ: # فليلقه اليم بالساحل... # [طه: 39]. وأصدر الحق أوامره إلى العدو أن يأخذه ليربيه: # فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو ~~له... # [طه: 39]. إذن: وارد الرحمن لا يأتي له رد أبدا. وكذلك يستقبل المؤمن { ~~الم } بسر الله فيها، لا بفهم عقله. وأنا أنصح من يريد أن يقرأ القرآن ~~تعبدا ألا يشغل نفسه بالمعنى، على خلاف من يقول: " اقرأ لتستنبط " لأن ~~من يريد أن يستنبط هو الذي يقف عند اللفظ، ويطلب معناه. فإذا قرأت القرآن ~~للتعبد فلتقرأه بسر الله فيه حتى لا تحدد القرآن بمعلوماتك فتأخذه أخذا ~~ناقصا بنقصك البشرى لذلك في قراءة التعبد نأخذ اللفظ بسر الله في اللفظ ~~فليس كل قارئ للقرآن متخصصا في اللغة ليعرف أصل كل كلمة، والكثير منا ~~أمي، يريد التعبد بالقرآن، إذن - فليأخذ القرآن بسر الله فيه. والمثال من ~~حياتنا - ولله المثل الأعلى - نجد الجيش يضع كلمة اسمها: " كلمة السر " ، ~~وهذه الكلمة قد لا يكون لها معنى، ولكن لا أحد يتحرك أو يخرج أو ينضم إلى ~~المعسكر إلا إذا قالها. ولتكن الكلمة " عدس " على سبيل المثال، ومن ~~يعرفها يعرف أنها منجية من الموت، وساعة يعود مقاتل ms4405 إلى كتيبته وينطق ~~بكلمة " عدس " ، هنا يعرف حارس بوابة المعسكر أنه منهم، أما من لا يعرفها ~~فقد يقتل. ومن يقولها، إنما ينطقها بسر من لقنه إياها. وقد فهم العربي ~~القديم عن الحروف التوقيفية في أوائل بعض السور أشياء، وللغته فيها نظائر ~~لأنه مثلا حين يقرأ الشعر، ويلتفت إلى شاعر يقول: # ألا هبي بصحنك فاصبحينا # ويقول: # ألا لايجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # ما معنى ألا هنا، ولماذا جاءت؟ فالمعنى واضح بدونها، لكن العربي القديم ~~قد نطق هذا البيت، وعرف أن الكلام وسيلة إفهام وفهم بين المتكلم والسامع. ~~والمتكلم هو مالك الزمام في أن يتكلم، أو لا يتكلم، والسامع مفاجأ ~~بالكلام، فإذا ما ألقيت الكلام إلى السامع قد يكون ذهنه مشغولا، وإلى أن ~~ينتبه لكلماتك، قد تفوته جزئية من جزئيات الكلام فتنبه أنت إلى ما قلت ~~فيتنبه ليستوعب كل ما قلت. إذن: فما المانع أن يكون الحق سبحانه وتعالى ~~يريد أن يهيئ الأذهان ب { الم } حتى نسمع، ثم تأتي الآيات الحاملة ~~للمنهج من بعد ذلك؟ وما المانع في أن نفهم أن النبي الأمي لا يعرف كيف ~~ينطق بأسماء الحروف، فهو إن نطق فإنما يصدر ذلك بعد تعليم الله له؟ ~~ولماذا لا نفهم منها أيضا أن وسائل الفهم لا تنتهي إلى أن تقوم الساعة؟ ~~وإلا لو انتهت عند البشر لكان كلام الله قد حددت صفته بفهم البشر، ~~وسبحانه قد شاء أن نغترف من معاني كلماته الكثير على مدى الأزمان، ~~والقرآن كلام الله، وكلام الله صفته، وصفته لا تتناهى في الكمال، فإن ~~عرفت كل مدلولاتها، تكون قد حددت الكمال بعلم، لكن القرآن لا نهاية له. # ولماذا لا نفهم أن القرآن الذي بين الحق سبحانه وتعالى أنه معجزة محمد ~~صلى الله عليه وسلم هو من جنس ما نبغ فيه قومه فتحداهم من جنس ما برعوا ~~فيه. ويقول لهم: هاتوا مثيلا له، ولن تستطيعوا، ولو أنه جاء بالقرآن على ~~غير لغتهم في الكلام لقالوا: لا نستطيع لأن حروف هذه اللغة جديدة علينا. ~~وقد شاء ms4406 الحق أن يكون القرآن من نفس الحروف التي يتحدثون بها، وبالكلمات ~~التي يعرفونها في لغتهم، وشاء سبحانه أن يجعل حروف وكلمات وآيات وأساليب ~~القرآن غير قابلة للتقليد لأن المتكلم مختلف، وبهذا جاءت عظمة القرآن لا ~~من ناحية المادة الخام التي تبنى منها الكلمات وهي الحروف بل بالمعاني ~~والنسق الذي جاءت به الحروف، فالمادة الخام - وهي الحروف - واحدة. وصار ~~القرآن معجزة لأن المتكلم هو الله. وضربنا من قبل المثل لنقرب ذلك إلى ~~الأذهان: هب أننا نريد أن نقيس مهارة من ينسجون الأقمشة، ونضع أمام كل ~~منهم مجموعة من غزل الصوف وغزل القطن، وغزل الحرير، وهذه مواد خام يختلف ~~كل منها عن الآخر، ونقول لهم: كل واحد منكم عليه أن ينسج قطعة من كل صنف ~~لنعرف الأفضل في النسج. وسنسمع من يقول: إن نتيجة نسج الصوف نسيج خشن، ~~وناسج القطن سينسج قطعة تأخذ صفات القطن، وناسج الحرير سينسج لنا نسيجا ~~ناعما، أما إن أعطينا كلا منهم نوعا واحدا من الغزل صوفا أو قطنا ~~أو حريرا، هنا سنعرف من الأقدر على النسج. إذن: لو أن القرآن جاء بغير ~~حروف العرب، وبغير كلمات العرب لقالوا: لو كانت عندنا هذه الحروف وهذه ~~الكلمات لأتينا بأحسن منها. لذلك شاء الحق أن يأتي القرآن من جنس الحروف ~~والكلمات. ولذلك تحوم العقول حول مقدمات آيات السور لتعرف شيئا من ~~الإيناسات بعد أن تواصلت الثقافات، ولم تعد اللغة العربية متوافرة مثلما ~~كان الحال أيام نزول القرآن، ومن كانوا يملكون هذه الملكة الصافية أيام ~~الرسول صلى الله عليه وسلم سمعوا الحروف التي في أوائل بعض السور ~~وقبلوها، والحق سبحانه يقول: { الر تلك آيات الكتاب الحكيم ~~} [يونس: 1]. و { تلك }: إشارة، ولا بد أن نفرق بين الإشارة والخطاب ~~لأن البعض يخلط بينهما، فالإشارة هي التي تشير إلى شيء مثل قولنا: هذا ~~وذا، أو تلك، وهذا: إشارة لمذكر، والمثال هو قولنا: هذا القلم جميل، أما ~~قولنا: تلك الدواة جميلة، فهذه إشارة لمؤنثة. أما " الكاف ": فهي حرف ~~للخطاب، فالتاء: إشارة للآيات وهي مؤنثة، و ms4407 " الكاف " في { تلك }: ~~للمخاطب، وهو محمد صلى الله عليه وسلم. # فالله يقول لرسوله: تلك الآيات يا محمد. وعلى ضوء الفوارق بين الإشارة ~~والخطاب تختلف أساليب القرآن، مثل قوله الحق: # فذانك برهانان من ربك... # [القصص: 32]. و { فذانك }: إشارة لشيئين اثنين: للعصا. و # وأدخل يدك في جيبك... # [النمل: 12]. ويقول الحق أيضا: # ذلكما مما علمني ربي... # [يوسف: 37]. وهذا ما قاله سيدنا يوسف عليه السلام للسجينين اللذين كانا ~~معه. وتظهر لنا العبارة أنه كان يخاطب اثنين، ولكنه يشير إلى التأويل ب ~~" ذا ". وحين دعت امرأة العزيز النسوة ليشاهدن جمال سيدنا يوسف، وأعطت كل ~~واحدة منهن سكينا وقالت: اخرج عليهن، ولأنه مفرد مذكر، وهن جماعة إناث، ~~فالعبارة تأتي بخطاب لجماعة الإناث، وإشارة إلى المفرد المذكر فقالت: # فذلكن الذي لمتنني فيه... # [يوسف: 32]. و " ذا " إشارة إلى سيدنا يوسف، و " كن " خطاب للنسوة. ~~والقرآن حين يخاطب جماعة يقول: # وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم... # [فصلت: 23]. إذن فهناك فرق بين الإشارة والآيات، فال " ت " إشارة ~~للآيات، والآيات مؤنثة، والمخاطب الأول بالتكليف هو رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. والآيات - كما عرفنا من قبل - جمع آية، والآية هي الأمر ~~العجيب، وكل منا يسمع من يقول: إنها آية في الحسن أو آية في الجمال، أو ~~آية في الفن، أو آية في الروعة. فالآية إذن هي الشيء العجيب، أو الشيء ~~الذي بلغ من الحسن ومن الجمال درجة هائلة. وتطلق الآيات إطلاقات متعددة: ~~فهي إما أن تكون المعجزات التي أمد الله بها رسله ليثبت صدقهم. # مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن ~~لك بمؤمنين # [الأعراف: 132]. وإما أن تطلق الآيات على الأشياء العجيبة في الكون مثل ~~قوله الحق: # وآية لهم اليل نسلخ منه النهار... # [يس: 37]. وقوله سبحانه: # وجعلنا اليل والنهار آيتين... # [الإسراء: 12]. وقوله الحق: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية... # [المؤمنون: 50]. إذن: فالآية إما أن تكون شيئا في الكون، وإما أن تطلق ~~على المعجزة التي جاء بها الرسل لتثبت صدقهم في البلاغ عن الله، وقد يكون ~~المقصود بها آيات القرآن. إذن: فالآيات تطلق ms4408 على ثلاثة أمور: الآيات ~~الكونية للنظر والاعتبار، وآيات إعجازية لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ~~في البلاغ عن الله، وآيات قرآنية تحمل الأحكام والتحدي للمشركين أن يأتوا ~~بمثلها. وهنا في قوله الحق: { الر تلك آيات الكتاب } المراد ~~بها: الآيات القرآنية، وما دام الله هو خالق الآيات الكونية الحسية، ~~وخالق المعجزات وهو منزل القرآن فلا تعارض بين الآيات لأن مصدرها ~~واحد. وقوله: { الر تلك آيات الكتاب الحكيم } [يونس: 1]. ~~وكلمة { الحكيم } معناها: الذي يضع الشيء في موضعه الدقيق بحكمة، فلا ~~ينظر إلى ظاهر معطيات الشيء الآن ويغفل ما قد يأتي به من مضرة. # ولله المثل الأعلى أقول: إنك قد تصل إلى الشيء، وتظن أنه يخلصك من متاعب ~~أخرى، لكنه قد يؤدي إلى شيء أضر، وهذا هو السبب في اختلاف ألوان ووظائف ~~العقاقير المختلفة، ولذلك نجد الطبيب الحاذق يكتب عددا من الأدوية ~~ليستخلص المريض منها ما يشفيه، ويحاول بقدر الإمكان أن يجنبه الآثار ~~الجانبية لتلك الأدوية. إذن: فهذه حكمة لأن الطبيب لا يكتب الدواء الواحد ~~الذي قد يأتي منه أثر ضار، بل يكتب معه دواء يخفف من ضرره، وهذه حكمة ~~منه لأنه يعمل احتياطات لما قد ينشأ من ضرر أو أثر جانبي. وفي أوائل ~~الخمسينات، حاول العلماء أن يقللوا من أثر تهديد الحشرات للزروع، ~~واخترعوا مادة اسمها " د. د. ت " لمقاومة الحشرات، وافتخروا بهذا كل ~~الفخر حتى علا كل صوت، وهذا لأن البشرية وصلت إلى مادة تقضي على الحشرات، ~~ولكنهم اكتشفوا أن هذه المادة تضر الكائنات الحية الأخرى، والآن توقع ~~العقوبة على من يستخدم تلك المادة لأن ذلك عمل قد تم بغير حكمة. قد نأخذ ~~منه ظاهر النفع، لكن له جوانب متعددة من الضرر، فقد سمم الحيوانات وسمم ~~الزروع. إذن: فالحكمة تعني: أن تضع الشيء في موضعه ليعطيك فائدة لا تحدث ~~ضررا فيما بعد. وقد أنزل الله المنهج في الكتاب ليقود حياتنا إلى كل ~~صلاح. فإن طبقناه فلسوف يأتي منه كل نفع، ولن يأتي لنا أي ضرر، وضربنا ~~المثل في المعطيات التي أعطاها ms4409 الحق لنا في الكون، فسبحانه خلق لنا ~~الحيوانات لنأخذ من لبنها، ونأخذ من أصوافها، ونأخذ من جلودها، ونأكل من ~~لحومها. وهو القائل: # وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس... # [النحل: 7]. أي: أنها ستعطينا درجة من الراحة، وإذا كان الإنسان قد ~~اخترع أدوات أخرى تحمل عنا هذه المشقات، وتبلغنا غاياتنا بدون تعب فهذه ~~اختراعات تحقق مصلحة البشرية - وقد كانت البشرية تحمل أمتعتها فوق الحمار ~~أو البغل - وقد صنع الإنسان هذه الاختراعات فصارت عندنا السيارات الكبيرة ~~التي تحمل أطنانا من المواد والمتاع، ولكن لم نلتفت إلى ما تحدثه من ~~عوادم تسبب فساد الهواء، وتلوثه على عكس فضلات الحمار أو البغل، التي ~~تفيد في خصوبة الأرض. إذن: فصناعة السيارات إن لم تتخلص من عيوب عوادمها ~~بأسلوب ما، فهي اختراع بلا حكمة، ويجب البحث عن وسائل لإزالة أضرار ~~احتراق الوقود، وبذلك نستفيد من سرعة السيارات، وقدرتها على حمل البضائع، ~~ونتخلص مما تسببه من ضرر. وهكذا نعرف أن الحكمة هي: وضع الشيء في موضعه ~~المفيد فائدة دائمة لا يأتي من بعدها ضرر. ولقائل أن يقول: وما معنى قول ~~الحق: { الكتاب الحكيم } هل الكتاب بمفرده له حكمة؟ أم أن الحكيم ~~هو من أنزل الكتاب؟ ونقول: إن معنى { الكتاب الحكيم } أنه ~~الكتاب الذي يمتلئ بالحكمة الصادرة من الله، أو الكتاب الذي أنزله الرب ~~الحكيم. # وكلمة " حكيم " على وزن " فعيل " ، ومثلها مثل " كريم " و " رحيم " ~~وتأتي مرة بصيغة فاعل، ومرة بصيغة فعيل، وموضعها هو الذي يبين لنا ذلك. ~~ومعنى كلمة " الحكيم " يتضح لنا من سياقها: فإن نسبت الأمر إلى الحكم ~~فهو كتاب صادر من الحق سبحانه، وإن أردت الوصف بمعنى فاعل فهو من حاكم ~~والحاكم هو الذي يحكم في قضايا ليبين وجه الحق فيها، والقرآن يحكم في كل ~~قضايا الإيمان. وقمة العقيدة التي يحكم فيها القرآن هي لا إله إلا الله. ~~ومن يفعل عكس ذلك هو الظالم، وسبحانه القائل: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. والقرآن يحسم هذه القضايا، وهو حاكم فاصل فيها. فإن قلت: " ~~محكم ms4410 " تكون قد نسبته لله، وإن قلت: " حاكم " فهو الفاعل وهو يحكم في قمة ~~العقيدة " لا إله إلا الله " ، وهي شهادة ذات لذات، وشهادة مشهد من ~~الملائكة، وشهادة أدلة من الخلق: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم... # [آل عمران: 18]. وساعة يفصل القرآن في هذه القضية، فهو يحكم فيها حكما ~~عدلا يبين وجه الحق في قمة العقائد. وهو حاكم في الأفعال فيبين الحلال ~~من الحرام ويضع حدا فاصلا في الأحكام بين الحلال والحرام. وحاكم في ~~الأخلاق. إذن: " حاكم " تعني ما بين وجه الحق فيما تتعارض فيه الآراء ~~والأفكار والمعسكرات المتضاربة. و " حكيم ": إما أن تكون بمعنى " فاعل " ~~وإما أن تكون بمعنى مفعول ووقعت الحكمة من قائله عليه، فصار " محكما " ، ~~وإن كانت كلمة الحكيم بمعنى فاعل تكون بمعنى " حاكم " وكلمة حاكم تدل على ~~أن هناك فريقين: فريق يقول قضية، وفريق آخر يناقضه، فيأتي الحاكم ليفصل ~~بين الأمرين، وليعدل وينصف. وقد جاء القرآن هكذا: حاكما في أمر القمة ~~التي اختلف الخلق فيها فمنهم من أنكر وجود إله وهم الملاحدة. ومنهم من ~~قال: إن الإله هو غير الله، ومنهم من قال: الإله شريك لغيره، فجاء القرآن ~~ليفصل في هذه المسألة، وحكم فيها حكما واضحا، وبين: يا من تقولون: لا ~~إله أنتم كذابون، ويا من تقولون: إن الإله غير الله أنتم كذابون، ويا من ~~تقولون: إن الإله له شركاء مع الله أنتم كذابون، بل هو إله واحد، وهذا ~~أول حكم في قضية القمة. وما دام الحكم في قضية القمة قد صح إذن: ~~فالاستقبال للمنهج سيكون واحدا، فلا آلهة متعددة يضارب هذا ذاك، أو ~~يناقضه، بل هو إله واحد، يصدر عنه حكم واحد يحقق الوحدة في التكاليف ~~للناس جميعا، ويخرج جميع الناس من أهوائهم إلى مراده هو سبحانه، ويكون ~~القرآن حاكما أيضا في الأفعال، فقد يختلف الناس في تقييمهم لفعل واحد. # فهذا يقول فعل حسن، وآخر يقول: فعل قبيح، ويحسم القرآن الأمر ويحدد ~~الفعل الحسن فيأمر به ويحدد الفعل القبيح فينهى عنه، ويبين ms4411 القرآن لنا ~~الحلال من الحرام. إذن: فالقرآن حكم في العقائد وفي الأفعال وفي ذوات ~~الأشياء حلا وحرمة، وهو يحكم أيضا في قضية هامة تلي قضية الحكم في ~~قمة العقيدة، وهي صدق البلاغ عن الله، فهذا الرسول الذي يحمل البلاغ عن ~~الله لا بد أن يكون صادقا، وقد جاء القرآن بالحكم في هذه القضية بمعنى ~~أنه قد جاء معجزا، فإن لم تكونوا قد صدقتم بأن هذا رسول فأتوا بمثل ما ~~جاء به هذا الرسول. فإن عجزتم فالرسول بنفسه يخبركم أن القرآن ليس من ~~عنده، بل من عند خالقه وخالقكم. وسواء أكانت " حكيم " بمعنى " فاعل " أم ~~بمعنى " مفعول " فقد دلتنا على أنها تعني وضع الأشياء في نصابها وضعا ~~يحقق النفع منها دائما، ولا ينتج عنها ضارة أبدا. ثم يقول الحق بعد ~~ذلك: { أكان للناس عجبا أن أوحينآ... }. ### || [10.2] # ما هو العجيب - إذن - في أن الله أوحى إلى رجل منكم أن يبلغكم إنذار ~~الله وبشارته؟ ما الذي تعجبتم منه؟ وما موضع العجب فيه؟ وجاء تحديد العجب ~~فيه ما ذكرته الحيثية في آخر السورة السابقة من أنه: # رسول من أنفسكم... # [التوبة: 128]. أي: من البشر، ومن العرب، ومن قبائلكم، ومن أنفسكم ممن ~~تعرفون كل خلقه، فما العجيب في أن يرسله الله رسولا إليكم؟ إنكم قد ~~ائتمنتموه على أموركم من قبل أن ينزل عليه الوحي من الله، فكأنكم احترمتم ~~طبعه الكريم، وأنكم في كثير من الأشياء قبلتم منه ما يصل إليه من أحكام. ~~ودليل هذا أنكم حين اختلفتم في بناء الكعبة، وقالت كل قبيلة: نحن أولى ~~بأن نضع بأيدينا أقدس شيء في الكعبة، وهو الحجر، حين ذلك اختلفت القبائل ~~فما كان إلا أن حكموا أول داخل فشاء الله أن يكون أول داخل هو محمد بن ~~عبد الله، فكيف يحل محمد بن عبد الله هذه المشكلة، ولم يكن قد نزل عليه ~~وحي بعد؟ إنها الفطرة التي جعلته أهلا لاستقبال وحي الله فيما بعد، ~~فماذا صنع لينهي هذا الخلاف؟ جاء برداء، ووضع الحجر على الرداء، ثم قال ~~لكل ms4412 قبيلة: أمسكوا بطرف من الرداء، واحملوا الحجر إلى مكانه. وتلك هي ~~الفطرة السليمة. ورأينا أيضا سيدنا أبا بكر عندما قالوا له وهو راجع من ~~الرحلة التي كان يقوم بها: لقد ادعى صاحبك النبوة، قال: " إن كان قد ~~قالها فقد صدق ". من أي أحداث جاء حكم أبي بكر. أهو سمع من رسول الله ~~كلاما معجزا؟ أسمع منه قرآنا؟ لا، بل صدقه بمجرد أن أعلن أنه رسول. ~~فقد جربه في كل شيء ووجده صادقا، وجربه في كل شيء ووجد أنه أمين، فما ~~كان محمد ليصدق فيما بين البشر، ليكذب على الله. وكذلك خديجة بنت ~~خويلد حينما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتيني كذا وأخاف أن ~~يكون كذا، فبينت له أن المقدمات التي في حياته لا توحي بأن الله يخذله ~~ويفضحه ويسلط عليه الجن: " إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل وتنصف المظلوم، ~~ولن يخزيك الله أبدا " وبذلك كانت السيدة خديجة أول فقيه مستنبط في ~~الإسلام. وقوله سبحانه: { أكان للناس عجبا } يعني: التعجب من ~~أن يصدر منهم العجب، والقرآن يتعجب كيف يصدر منهم هذا العجب؟ وما دام ~~يتعجب كيف يصدر منهم هذا العجب؟ فمن المنطقي ألا يكونوا قد تعجبوا لأنك ~~حين تتعجب من شيء فإما أن تتعجب منه لأنه بلغ من الحسن مبلغا فوق مستوى ~~ما تعرف من البشر، مثلما ترى صنعة جميلة وتقول: ما أحسن هذه الصنعة، ~~وتتساءل: ما الذي جعل هذه الصنعة جميلة إلى هذا الحد غير المتصور؟ وأنت ~~تقول ذلك لأن الصنعة قد بلغت من الجمال مبلغا لا تصدق به أن أحدا من ~~الموجودين في إمكانه أن يصنعها. # والمثال على ذلك: نجد من يقول: ما أحسن السماء وهو يتعجب من الشيء الذي ~~يفوق تصوره. وقد يتعجب من شيء قبيح، ما كان يجب أن يرد على الخاطر، ولذلك ~~يقول القرآن: # كيف تكفرون بالله... # [البقرة: 28]. أي: قولوا لنا: كيف قبلتم لأنفسكم الكفر؟ لأن الكفر مسألة ~~عجيبة تتنافى مع الفطرة. وهنا يقول الحق: { أكان للناس عجبا ~~أن أوحينآ إلى رجل منهم... } [يونس: ms4413 2]. وهنا نتساءل: ~~كيف تتعجبون وقد جئناكم برسول من أنفسكم، # عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين ~~رءوف رحيم # [التوبة: 128]. أليس هذا هو المطلوب في الرائد، فكيف تعجبون؟. إن عجبكم ~~يدل على أن بصيرتكم غير قادرة على الحكم على الأشياء، وما كان يصح أن ~~يستقبل الرسول بالعجب، ونحن نتعجب من عجبكم هذا. وحين تتعجب من العجب ~~فأنت تبطل التعجب. { أكان للناس عجبا أن أوحينآ... } ~~[يونس: 2]. أي: أن إيحاءنا لرجل منكم كان عجيبا عندكم، وما كان يصح أن ~~يكون أمرا عجيبا لأنه أمر منطقي وطبيعي. ثم ما هو الوحي؟ لقد سبق أن ~~أوضحنا أن الوحي هو الإعلام بخفاء. وهناك إعلام واضح مثل قولك لابنك: يا ~~بني اسمع كذا، وافعل كذا. هذا إعلام واضح. وهناك إعلام بخفاء، كأن يدخل ~~عندك ضيف ثم يسهو خادمك - مثلا - عن تحيته، فتشير للخادم إشارة تعني بها ~~أن يسرع بتقديم التحية للضيف من مرطبات، أو حلوى، وهكذا تكون قد أعلمت ~~خادمك بخفاء. والحق سبحانه وتعالى يوحي إلى الجماد، فسبحانه يقول: # إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض ~~أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث ~~أخبارها * بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 1-5]. أي: أنه سبحانه وتعالى قد أعلمها إعلاما خفيا وهي قد ~~فهمت بطريقة لا نعرفها. وسبحانه يوحي للحيوانات، فهو القائل: # وأوحى ربك إلى النحل... # [النحل: 68]. وأنت لا يمكنك أن تقول: أنا سمعت الله وهو يوحي للنحل لأن ~~الوحي إعلام بخفاء، وهو سبحانه أعلم بالطريقة التي تم بها هذا الوحي، ~~والنحل قد فهم عنه سبحانه، ولا شأن لك بذلك، فلا تسأل عن كيفية هذا ~~الوحي. # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون # [النحل: 68]. أي: أنها فهمت عن الله بما أودع فيها من الغرائز. وسبحانه ~~يوحي للملائكة وهو القائل: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة... # [الأنفال: 12]. ويوحي الحق سبحانه إلى غير الرسل كما أوحى إلى أم موسى # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم... # [القصص: 7]. وأوحى سبحانه إلى الرسل جميعا. # إذن: ms4414 فسبحانه يوحي للجماد، ويوحي للحيوان، ويوحي للملائكة ويوحي ~~للصالحين من غير الأنبياء، ويوحي للأنبياء وللرسل. والوحي - كإعلام بخفاء ~~- يقتضي معلما، وهو الحق سبحانه وتعالى، ومعلما وهو إما: الأرض، ~~وإما النحل، وإما الملائكة، وإما إلى بعض الصالحين من غير الأنبياء، وإما ~~إلى الرسل والأنبياء. وقد يأتي الوحي من غير الله، فسبحانه يقول: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا... # [الأنعام: 112]. إذن: فالشياطين يعلمون بعضهم البعض إعلاما خفيا. ~~ويقول الحق: # إنآ أوحينآ إليك... # [النساء: 163]. والموحى إليه هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهو وحي خاص ~~بالرسول، فلا تقل: أنا لم أسمع ماذا أوحي إلى محمد، ولا أعرف كيف نزل ~~الوحي، فقد جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغه أن يعلن ~~ما أوحي إليه، ولو كنت أنت قادرا على سماع الوحي من جبريل، فما ضرورة ~~إرسال الرسول إذن؟ إن الطاقة والقدرة العالية المرسلة إلى الموحى إليه ~~تحتاج إلى قوة تحمل، وضربنا المثل من قبل بأن الإنسان حين ينقل طاقة من ~~مصدر عال قوي إلى مصدر ضعيف فهو لا يسرب الطاقة من القوي إلى الضعيف ~~دفعة واحدة، وإلا لما تحمل الضعيف تلك الطاقة القادمة إليه من القوي، ~~ولذلك نحن نأتي بمحول يتحمل طاقة القوي، ثم ينقل للضعيف ما يناسب ~~قدرته، ومثال ذلك هو شراؤنا لمحول كهربي حين ننقل الكهرباء من مصدر طاقة ~~عالي الجهد إلى مصدر آخر ضعيف قليل الجهد مثل المصباح الصغير الذي تضيئه ~~في المنزل ليلا لينير بالقدر المناسب كيلا نرتطم بالأشياء، وهو ما نسميه ~~بالعامية " وناسة ". إذن: فمهمة المحول أن يستقبل من مصدر الطاقة القوي ~~ليضيء لمصدر الطاقة الضعيف. فإذا كان الله سبحانه وتعالى هو الذي يوحي ~~للرسول، والرسول من البشر لا يمكنه التلقي المباشر عن الله لذلك لا بد من ~~واسطة تبلغ في الارتقاء بما يمسح لها بالتلقي عن الله، وتستطيع أن تلتقي ~~بالبشر وهذه خاصية الملك. ورغم هذا أصاب الجهد والتعب سيدنا رسول صلى ~~الله عليه وسلم في ms4415 أول تلقيه للوحي، وكان صلى الله عليه وسلم يعرق حتى ~~يتفصد العرق من جبينه، وإذا انصرف عنه الوحي قال: " زملوني.. زملوني " ~~ويرتعد. وكان الصحابة يقولون: كان إذا نزل الوحي على رسول الله، وهو قاعد ~~وقد تكون ركبته على فخذ أحد الصحابة، فيجد الصحابي ثقلا على رجله من شدة ~~وطأة ركبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا نزل الوحي، والرسول يركب مطيه ~~فهي تئط منه. إذن: كان الوحي يتعب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد ~~أن يسرى عنه التعب تبقى له حلاوة ما أوحي إليه فيتشوق ثانية للوحي. # وقد شاء الحق أن يشوق النبي صلى الله عليه وسلم، للوحي ففتر الوحي لمدة ~~من الزمن. وحين اشتاق النبي للوحي كان ذلك يعني أنه قد شحن نفسه بطاقة ~~متقبلة لاستقبال هذا الوحي بما فيه من تعب. ولله المثل الأعلى دائما، ~~قس أنت الجهد المبذول في رحلة إلى من تحب، أثناء المطر، والأرض موحلة ~~ومليئة بالشوك، ورغم ذلك أنت تقطع الرحلة دون أن تلتفت لما فيها من إرهاق ~~وتعب. وشاء سبحانه أن يرغب رسوله شوقا إلى الوحي، رغم ما فيه من جهد ~~لأنه التقاء ملك ببشر، وهذا اللقاء يكون على صورتين: إما أن ينقلب ~~الملك إلى مرتبة بشرية وهذه الصورة ليس فيها إجهاد على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأن عملية التحويل جاءت في الأعلى بينما يظل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كما هو،مثلا # " دخل جبريل على رسول الله، وكان معه بعض من الصحابة، وسأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم: ما الإيمان؟ وما الإسلام؟ وما الإحسان؟ ثم اختفى السائل، ~~فسأل الصحابة رسول الله عن هذا السائل فقال: " هذا جبريل جاءكم يعلمكم ~~أمور دينكم ". # هذه هي الصورة الأولى في الوحي، والتحول فيها كان من جهة الإرسال فلا ~~مشقة فيها على النبي صلى الله عليه وسلم. أما الصورة الثانية، فقد كان ~~فيها مشقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الملك يظل على طبيعته، ~~والتحول إنما يحدث لمحمد صلى الله عليه وسلم، ms4416 وكان التحول يقتضي عملية ~~كيمياوية تصيبه بالجهد فيقول بعد أن يسرى عنه: " زملوني ". وشاء الحق ~~أن يتلطف برسوله، ففتر الوحي فترة من الزمن. وقال الكافرون من العرب: إن ~~رب محمد قد قلاه وهذا غباء منهم لأنهم اعترفوا أن لمحمد ربا. وما داموا ~~قد اعترفوا، فعدم إيمانهم صلف وغباء، وأرادوا بذلك أن ينسبوا النقص لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن الله قد قلى محمدا. وقد شاء الحق أن ~~ينقطع الوحي عن محمد صلى الله عليه وسلم هذه المدة ليكشفهم أمام أنفسهم ~~وأمام غيرهم، لتنكشف نواياهم، وتثبت قلة بصيرتهم، وافتقادهم للمنطق ~~السليم، فهم حين اعترفوا أن لمحمد ربا، كان عليهم أن يحتكموا إلى ~~عقولهم ليعرفوا أنهم قد أقروا بالألوهية، لكنهم أرادوا بهذا الاعتراف أن ~~ينسبوا النقص لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو قاضيناهم إلى عقولهم، ~~وإلى الكون الذي عاشوا فيه، وإلى الظواهر المادية المحسوسة لهم، لعرفوا ~~أن الأحداث لا بد لها من زمان ومكان لأن كل حديث يتطلب زمانا ومكانا، ~~وإذا لم يوجد حدث لا يوجد زمان أو مكان. ولذلك أقول دائما لمن يسأل: أين ~~كان الله؟ أقول له: أنت جئت بالأينية من الزمان، والمكانية من المكان، ~~وهذا لا يتأتى إلا بوجود حدث. # وما دام الله غير حدث، فلا زمان يحدده، ولا مكان يحيزه لأن الزمان كان ~~به، والمكان كان به. والأحداث هي عند البشر، فهم من يستقرون في المكان، ~~ويتوالى عليهم الزمان. والزمان الذي يحدث فيه أي حدث اسمه " ظرف زمان " ، ~~والمكان الذي يحدث فيه الحدث اسمه " ظرف مكان " وظرف المكان ظرف قار ~~ثابت، بينما ظرف الزمان غير قار، بل هو حال، وبعد قليل يصبح الحال ~~زمنا ماضيا ويأتي المستقبل ليكون حاضرا، ثم يصبح ماضيا. وهكذا نعلم ~~أن زمنا يحدث فيه التناوب بين المستقبل والحال والماضي، والليل والنهار ~~هما أوضح صور ظرف الزمان وفيهما اختلاف، فالليل يأتي والنهار خلفه لأن ~~النهار جعله الله ضياء للحركة والكدح والعمل، وجعل سبحانه الليل ظلاما ~~للسكون والراحة، فإن لم ترتح بالليل لا تقوى ms4417 على العمل في الصباح، وهكذا ~~يكون الليل مكملا للنهار لا مناقضا له. وكذلك شاء الحق أن يكون الوحي ~~بهذا الشكل، فحين جاء الوحي لأول مرة أجهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم فتر الوحي ليستريح صلى الله عليه وسلم وتتجدد قدرته على استقبال الوحي ~~من بعد ذلك. وحين قال الكافرون: إن رب محمد قد قلاه، رد عليهم الحق ~~سبحانه وتعالى: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى # [الضحى: 1-3] والضحى ضحوة النهار وهي - كما قلنا - للعمل والحركة، فإذا ~~جاء الليل فهو يبدو وكأنه ضد النهار، لكنه غير ذلك، بل هو مكمل له ~~ويساعده. إذن: ففتور الوحي لمدة من الزمن كان لمساعدة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لتجديد الحيوية. وقد أقسم الحق سبحانه بالضحى والليل، وهو قسم ~~بالظاهرة الكونية المشاهدة والتي يعترف بها كل إنسان، مؤمنهم، وكافرهم! ~~أقسم الحق بالضحى أنه ما قلى رسوله، بل شاء بفتور الوحي أن يعطيه طاقة ~~تزيد من حركته، وتزيد من جهده ليشتاق صلى الله عليه وسلم لأمر الوحي. ~~وبذلك أعانه الحق على مهمته، وفي هذا أبلغ رد على من قالوا: إن رب محمد ~~قد قلاه، وإثبات أن الحق قد شاء لفترة فتور الوحي أن تكون كالليل سكونا، ~~ليهدأ صلى الله عليه وسلم بعد الضحى المجهد الذي استقبل به الوحي. وبعد ~~أن تتجدد حيويته صلى الله عليه وسلم يأتي الوحي من جديد لذلك قال الحق: # وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى # [الضحى: 4-5]. وبعد هذه السورة يقول الحق سبحانه في سورة الشرح: # ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 1-4]. وهكذا بين لنا الحق أن مسألة فتور الوحي وعودته هي ~~عملية متكاملة، لكن الأغبياء فقط هم من يظنون أنها متناقضة ويقولون: ظلمة ~~- وضوء، وليل - ونهار والحق أنها متكاملة. # ومثل هذا الأمر تجده أيضا فيمن يحاولون خلق عداوة بين الرجل والمرأة، ~~ولم يتفهموا أن الذكر متمم للأنثى، وأن الأنثى متممة للذكر. وهنا ~~يقول ms4418 الحق: { أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل ~~منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا... } ~~[يونس: 2]. والإنذار - كما نعلم - هو الإخبار بشيء يمكن أن تتلافاه. أما ~~البشارة فهي الإخبار بخير يحثك من يبشرك على أن تقتنيه. وأنت تنذر من ~~يهمل في دراسته بأنه قد يرسب، وأنت حين تنذره إنما تطالبه بأن يجتهد، وفي ~~المقابل فأنت تبشر المجتهد بالنجاح وبالمستقبل الطيب. إذن: فالإنذار يعني ~~أن تحث الإنسان على ألا يقبل أو يقدم على ما يضره. والتبشير يعني أن ~~تحث الإنسان على أن يجتهد لينال ما يحبه. والأمور في الأحداث كلها تدور ~~بين سلب وإيجاب. ولسائل أن يقول: ولماذا جاء سبحانه بالإنذار قبل ~~البشارة؟ فنقول: إن كلمة " الإنذار " كلمة عامة لكل الناس، حتى يتجنبوا ~~ما يقودهم إلى النار، لكن البشارة تكون لمن آمن فقط. أو أن الإنذار ~~والبشارة للمؤمنين، ولكن شاء الحق أن يجعل المؤمنين في صف البشارة ~~دائما، وأن يكون الإنذار لونا من ضرورة التخلية من العيوب، قبل التحلية ~~بالكمال. فأنت تدفع عن نفسك الأمر الذي يأتي بالضر أولا، ثم تتجه إلى ~~ما يجلب النفع من بعد ذلك لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. ~~ونجد الحق سبحانه يحدد الإنذار بأنه للناس، والناس: هم الجنس المنحدر من ~~آدم إلى أن تقوم الساعة. وقد وقف بعض المستشرقين عند كلمة " الناس " ، ~~وأرادوا أن يدخلونا من خلالها إلى متاهات التشكيك في القرآن، وقالوا: إن ~~القرآن فيه تكرار لا لزوم له. وأهم سورة أخذها هؤلاء المستشرقون هي سورة ~~" الناس " حيث يقول الحق: # قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * ~~من شر الوسواس الخناس * الذى يوسوس في صدور ~~الناس * من الجنة والناس # [الناس: 1-6]. وهذا الجمع من المستشرقين فهموا أن المعنى لكلمة " الناس ~~" في كل آية من آيات هذه السورة هو معنى واحد. ولأنهم لم يتمتعوا بملكة ~~اللغة لم يلتفتوا إلى أن معنى كلمة " الناس " في كل موقع هو معنى مختلف ~~وضروري لأن الحق سبحانه أراد بكل كلمة في القرآن أن تكون جاذبة لمعناها، ~~وأن ms4419 يكون كل معنى جاذبا للكلمة المناسبة له. والمثال أيضا في كلمة " ~~الناس " هو قول الحق سبحانه: # أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله... # [النساء: 54]. فهل كل الناس تتلقى الحسد؟ لو كان الأمر كذلك فمن الحاسد؟ ~~إذن: فقوله الحق: # أم يحسدون الناس... # [النساء: 54]. إنما يعني أن هناك أناسا حاسدين، وآخرين محسودين. # ولا تكون كلمة " الناس " عامة شاملة لكل الأفراد إلا في حالة الحكم ~~العام. والمثال هو قوله الحق: # إن أول بيت وضع للناس... # [آل عمران: 96]. وهذا القول الحق يحل لنا إشكالا عاما، فالبيت الحرام ~~موضوع لكل الناس، من لدن آدم، وآدم هو أبو الناس. ولا بد - إذن - أن ~~يكون البيت موضوعا قبل أن يكون آدم، وأن الذي وضعه هو من غير الناس، ~~فالذي وضعه هو بأمر من الحق سبحانه، فلا يقولن أحد: إن إبراهيم - عليه ~~السلام - هو الذي وضع البيت الحرام لأن مهمة إبراهيم - عليه السلام - ~~كانت هي رفع القواعد من البيت لأننا لو قلنا: إن إبراهيم - عليه السلام - ~~هو الذي بنى البيت فكيف ينسجم هذا مع قوله الحق: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل... # [البقرة: 127]. وهو قول نفهم منه أن إسماعيل كان شريكا لوالده في الرفع ~~والبناء، ولا بد أن يكون قد امتلك درجة من القوة تجعله قادرا على مساعدة ~~الأب في العمل. وهذا القول أيضا نفهم منه أن عملية رفع القواعد من البيت ~~لم تتم وقت أن كان إسماعيل رضيعا لأن الحق سبحانه قال على لسان إبراهيم ~~عليه السلام: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم... # [إبراهيم: 37]. وهذا يعني أن البيت كان موجودا قبل ذلك. وقولنا هذا يرد ~~على بعض العلماء الذين قالوا: إن إبراهيم - عليه السلام - هو أول من بنى ~~الكعبة فنقول لهم: وماذا عن الخلق البشري من قبل إبراهيم إلى لدن آدم، ~~أليسوا ناسا فلماذا لم يكن لهؤلاء الناس من قبل إبراهيم بيت محرم؟ ~~وهكذا شاء الحق سبحانه أن يكون البيت الحرام لكل الناس من لدن آدم، وأنه ~~موضوع ms4420 من قبل الله. وكلمة الناس - إذن - عامة حين يتعلق الأمر بحكم ~~عام، وتكون خاصة في مواقع أخرى، مثل قوله: # أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله... # [النساء: 54]. وأما سورة " الناس " التي قال بعض المستشرقين: إن فيها ~~تكرارا. فالأمر ليس كذلك، بل هيأ لهم ذلك عجزهم عن امتلاك ملكة فهم ~~اللغة. وحين نتناول كلمة " الناس " بالاستقراء الدقيق في هذه السورة، نجد ~~الحق سبحانه يقول: # قل أعوذ برب الناس # [الناس: 1]. وهذا إعلان للربوبية لكل الخلق، فهو الرب الذي أوجد وأعطى ~~الصفات لكل مخلوق. ولا تحسب أنك تستطيع أن تشرد منه فهو سبحانه يقول: # ملك الناس # [الناس: 2]. أي: أنه يملك كل الخلق، وجعل لهم الاختيار في أشياء ومنع ~~عنهم الاختيار في أشياء، ولم يقل سبحانه: " مليك الناس " لأن هذا القول ~~يعني أنهم مجبورون على الإيمان، ولا يسعهم غير هذا، ولكن الله جعلهم ~~مختارين في الأمور التي هي مناط للتكليف، وغير مختارين في أمور هي ليست ~~محلا لهذا. # وأقول لأي واحد ممن تمردوا على الإيمان فكفروا بالله أقول: أنت متمرد ~~على الله، وتكفر به، وتنكر الألوهية، فلماذا لا تكون منطقيا مع نفسك، ~~وتتمرد على كل الأحداث التي تصيبك، فإن أصابك مرض قل له: لا، لن أمرض. ~~فلا أحد يستطيع أن يدفع عن نفسه قدرا شاءه الله لأن الأحداث ستنال من كل ~~إنسان ما قدره الله له. إذن: فكل إنسان هو مملوك لله. وهكذا نجد الفرق ~~بين أن يقول سبحانه: # قل أعوذ برب الناس # [الناس: 1]. وان يقول: # ملك الناس # [الناس: 2]. و " الناس " في الآية الأولى هم المربوبون، والناس في الآية ~~الثانية هم " المملوكون لله " فلا أحد يخرج عن قدرة الله في الأمور ~~القهرية. وتأتي " الناس " في الآية الثالثة: # إله الناس # [الناس: 3]. لتؤكد أن الحق هو الإله المعبود بحق، وهو الذي يقيك مما ~~ستأتي به الآية الرابعة: # من شر الوسواس الخناس # [الناس: 4]. والآية الخامسة: # الذى يوسوس في صدور الناس # [الناس: 5]. والوسواس الخناس: هو الذي يزين لك أفعال الشر في أذنك، وهو ~~خناس لأنه يخنس ms4421 ساعة يسمع قولك: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " وهو ~~يوسوس في صدور الناس الموسوس إليهم. وهكذا نجد أن كلمة " الناس " قد ~~جاءت لتعبر عن المربوبين، والمملوكين، والمألوهين، والموسوس إليهم، وأن ~~من يوسوس قد يكون من الجن، وقد يكون من الناس. إذن: فليس هناك تكرار بل ~~جاءت الكلمة الواحدة بمعنى يناسب كل موضع جاءت فيه. والمثال في حياتنا - ~~ولله المثل الأعلى - قد أكون معلما متميزا واختارتني الكلية التي ~~أقوم بالتدريس فيها لأكون رائدا للطلاب، ورئيسا لجمعيتهم الصحفية، ~~ومشرفا عليهم في الرحلات، ومراجعا لتصحيح أوراق إجاباتهم، وهكذا تكون ~~كلمة " الطلاب " لها معنى مختلف في كل موقع. والحق يقول في الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها: { أن أنذر الناس وبشر الذين ~~آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم... } [يونس: 2]. ~~والحديث موجه لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو الرسول الخاتم. إذن: فالمراد ~~بإنذار الناس هنا هم جميع الناس. وما المقصود بقوله: { أن لهم ~~قدم صدق عند ربهم } [يونس: 2]. إن القدم كما نعرفه: هو آلة ~~السعي إلى الحركة، كما أن اليد آلة الإعطاء فتقول: فلان له يد عندي، أو ~~تقول: أنا لا أنسى أياديك علي حين يقدم لك صديق هدية ما، وهو قد سار على ~~قدميه ليحضر لك الهدية، ولكنه يناولك لها بيديه. إذن: فكل جارحة لها ظاهر ~~في الحركة وفي الأعمال. فالقدم تسعى إلى الأشياء، واليد تتحرك في العطاء، ~~والأذن في السمع، والعين في الرؤية. وهكذا يكون معنى { قدم صدق } ~~هو سابقة فضل لأنهم حين استمعوا إلى منهج الله، وأدوا مطلوبات هذا ~~المنهج كما يحب الله فعليك يا محمد ان تبشرهم بالجنة. # ذلك أن لهم سابق قدم، سعي إلى الخير، وهو قدم صدق. لكن هل هناك ما يمكن ~~أن نسميه " قدم كذب "؟ نعم، وهو ما يخلعه الأفاقون على تواريخ الناس، ~~فيصفونهم بما لم يكن فيهم، وهكذا نفرق بين قدم الصدق وقدم الكذب. قدم ~~الصدق - إذن - هو سابقة في الفضل أهلتهم لأن يكونوا موضع البشارة، فهم ~~قد صدقوا المنهج، وأعطوا من واعد حق. والصدق - كما ms4422 نعلم - هو الخصلة التي ~~لا يمكن لمؤمن أن يتنحى عنها لأنه لو تنحى عنها، فهذا يعني التنحي عن ~~الإيمان. وحينما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيكون المؤمن جبانا؟ ~~فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ فقال: نعم، فقيل له: أيكون ~~المؤمن كذابا؟ فقال: لا. إذن: فالصدق هو جماع الخير. وعلى الصدق تدور ~~الحركة النافعة في الكون. وحين يصدق التاجر في ثمن الأشياء ويصدق العامل ~~في إخلاصه للعمل ويصدق الصحفي في نقل الخبر، ويصدق كل فرد في المجتمع، ~~هنا يتكامل المجتمع وينسجم لأن الفساد في الكون إنما ينشأ من الكذب، ~~والكذب هو الذي يخل بحركة الحياة. لذلك أتى الله بكلمة الصدق في القرآن ~~في أكثر من موضع، فهو القائل: # ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق... # [يونس: 93]. فحين قالوا: # لن نصبر على طعام واحد... # [البقرة: 61]. أنزلهم الله بمكان يحقق لهم ما طلبوا من طعام، فلم يخدعهم ~~سبحانه، ويأتي الحق مرة ثانية بكلمة الصدق فيقول: # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 84]. أي: اجعل لي ذكرا حسنا فيمن يأتون من بعدي، فلا يقال ~~في تاريخي كلام كذب، وألا يخلع علي الناس ما ليس في. وقد قال الحق ~~سبحانه وتعالى حينما تكلم عن الإنسان: # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه ~~كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ~~حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب ~~أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ~~وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي ~~في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين # [الأحقاف: 15]. ثم يقول الحق سبحانه: # أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ~~ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد ~~الصدق الذي كانوا يوعدون # [الأحقاف: 16]. ولماذا يصف الحق الوعد هنا بأنه وعد صدق؟ لأن هناك من ~~يعد الوعد الكاذب، حين يعد أحدهم بما لا يملك، أو أن تعد بما لا تقدر ~~عليه، أو أن تعد بما لا تمهلك الحياة لإنفاذه. ولذلك قال الحق لنا: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء ms4423 الله... # [الكهف: 23-24]. إذن: لا بد لك أن تسبق أي وعد بمشيئة الله لأنك حين ~~تعد قد لا تملك إنفاذ ما وعدت به، فقد تعد إنسانا بأن تلقاه في الغد في ~~مكان ما لتتحدثا في أمر ما. # ونقول: أضمنت أن تستمر حياتك إلى الغد؟ هذا هو أول عنصر قد يفقد ثم ~~أضمنت أن تستمر حياته؟ هذا هو العنصر الثاني الذي قد يفقد، ثم أضمنت ألا ~~يتغير السبب الذي من أجله تلقاه؟ ثم أضمنت إن اجتمعت كل هذه العناصر ألا ~~تغير أنت رأيك في هذه المسألة؟ إذن: لا تجازف بأن تعد بشيء ليس عندك ~~عنصر من عناصر الوفاء له، وأسند كل عمل إلى من يملك كل العناصر، وقل: # إلا أن يشآء الله... # [الكهف: 24]. إذن: فوعد الصدق معناه أن يكون الوعد ممن هو قادر على أن ~~يحققه قطعا ولا تخرج الأشياء مهما كانت عن قدرته، ولم يترك الأشياء لأنه ~~باق. ولن يتغير رأيه لأنه ليس حدثا يتغير. بل بيده كل شيء وهو على كل ~~شيء قدير. وسبحانه وتعالى يقول: # إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر # [القمر: 54-55]. هكذا وعد الحق عباده المتقين بأنهم سوف يقعدون في حضرته ~~مقعد صدق وهو المليك المقتدر. وسبحانه يقول: # أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق... # [الإسراء: 80]. أي: أدخلني في هذه البلدة مدخل صدق للغاية التي لا أستحي ~~من أن أقولها، لا أن أدخل بغرض أمام الناس وأنا أخفي غرضا آخر، وكذلك ~~أخرجني منها مخرج صدق. إذن: فكلمة الصدق دائرة { قدم صدق } و { ~~مبوأ صدق } و { مقعد صدق } و { مدخل صدق } و { ~~مخرج صدق } وكل هذا يحببنا في الصدق لأن كل أمور الحياة وفضائلها ~~وخيراتها، وما ينتظر الناس من سعادة كل ذلك قائم على كلمة الصدق. وهنا في ~~الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: { وبشر ~~الذين آمنوا أن لهم قدم صدق } [يونس: 2]. أي: أن لهم ~~سابقة فضل عند ربهم يجازيهم بها لأنهم عملوا بمقتضى منهجه، أما موقف ~~الكافرين فهو مختلف ms4424 لذلك يقول فيه الحق سبحانه: { قال الكافرون ~~إن هذا لساحر مبين } [يونس: 2]. ولماذا جاء سبحانه بخبر ~~الكافرين هنا رغم أن الموقف هو إنذار وبشارة؟ ونقول: إن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم حين أبلغ المنهج عن الله، استقبله أهل الإيمان بالتصديق، أما ~~الكافرون فقد اختلف موقفهم، فاتهم بعضهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بأنه ساحر. وجاء قول الحق على هذه الصورة المبينة بالآية لأن القرآن ~~يحذف أشياء أحيانا، لأن لباقة السامع ستنتهي إليها، فلا يريد أن يكرر ~~القول. وانظر إلى قصة بلقيس، حيث نجد الهدهد يقول لسيدنا سليمان: # أحطت بما لم تحط به... # [النمل: 22]. هذا هو الهدهد وهو المخلوق الأقل من سليمان عليه السلام ~~يقول له: لقد عرفت ما لم تعرفه أنت، وكأن هذا القول قد جاء ليعلمنا حسن ~~الأدب مع من هو دوننا، فهو يهب لمن دوننا ما يعلمه لنا، ألم ~~يعلمنا الغراب كيف نواري سوأة الميت؟ # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض... # [المائدة: 31]. ويقول قابيل: # ياويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ~~فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين # [المائدة: 31]. وهكذا يتعلم الإنسان ممن هو دونه، وممن سخره الله له. ~~وانظر كيف أبرز لنا الله أن الأدنى إن رأى خبرا، لا بد أن يبلغه للأعلى، ~~فتتحقق سيولة المعلومات، التي يتخذ الأعلى على ضوئها القرار المناسب ~~فالهدهد يقول لسيدنا سليمان: # أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين # [النمل: 22]. ويتخذ سليمان قرارا ينفذه الهدهد: # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول ~~عنهم فانظر ماذا يرجعون # [النمل: 28]. وتتتابع الحكاية من بعد ذلك فيقول الحق: # قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم # [النمل: 29]. فكأن الهدهد أخذ الكتاب وألقاه إلى بلقيس فلما قرأته جمعت ~~قومها لتخبرهم. وهكذا حذف القرآن بعضا من التفاصيل التي إن رويت تكون ~~تكرارا ولكن جاءت المسألة بهذه الصورة ليدلنا الحق على أن أوامر التلقي ~~كانت سريعة بحيث لا يوجد فاصل بين الأمر وتنفيذ الأمر، فالتحم الأمران ~~معا. إذن: فقوله الحق: { قال الكافرون إن هذا لساحر ~~مبين ms4425 } [يونس: 2]. جاء منسجما مع ما يفهم من النص، فهم لم يقولوا ~~ذلك الاتهام إلا بعد أن بلغهم صلى الله عليه وسلم أن الله قال له: بشر ~~وأنذر، فلما بشر وأنذر، جاء قولهم بأن الرسول ساحر، وهكذا نفهم كيف ~~تكون موقفهم هذا من سياق الآية لأنهم لم يقولوا ذلك إلا بعد بلاغ ~~الإنذار، أو بلاغ البشارة. وهكذا نجد أن القرآن قد لا يذكر الأشياء التي ~~إذا سمع السامع الأسلوب أخذها من نفسه دون أن يتطلبها كلام منطوق، ومثل ~~هذا الأمر جاء في لقطة أخرى في قصة سبأ، فبعد أن ائتمر الهدهد بأمر ~~سليمان وذهب بالكتاب فألقاه إلى ملكة سبأ، وقرأته، وجمعت القوم لتأخذ ~~رأيهم فيما تفعله مع سليمان، فكان من أمرها معهم ما ذكره القرآن ثم علم ~~سيدنا سليمان بأمر مقدمها مع قومها، فنجد سيدنا سليمان عليه السلام يسأل ~~من حوله: # أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين # [النمل: 38]. إذن: فهو قد علم أنهم مقبلون عليه بالإسلام، فأراد أن ~~ينقل العرش من مملكتها إلى مملكته قبل أن يجيئوا، وما داموا قادمين في ~~الطريق، فعلى من يذهب ليفك العرش وينقله، لا بد أن تكون له طاقة تفوق ~~قدرة الإنسان العادي، ولذلك لم يتكلم الإنس العادي، لكن الذي تكلم جني ~~غير عادي، ذكي، فمن الجن من يتميز بالذكاء، ومنهم غير ذلك. وجاء قول الحق ~~سبحانه: # قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم ~~من مقامك وإني عليه لقوي أمين # [النمل: 39]. ومقام سليمان مع قومه قد يستمر ساعة أو ساعتين أو ثلاث ~~ساعات. # وسيدنا سليمان يريد التعجيل بنقل عرش بلقيس، لذلك تجده يستمع إلى من ~~عنده علم من الكتاب: # قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك... # [النمل: 40]. ألم يكن مثل هذا القول يحتاج إلى إذن من سيدنا سليمان، وأن ~~يقول سليمان اذهب فيذهب ويحل العرش ويعود به؟ نعم، الأمر يحتاج كل ذلك، ~~ولكن القرآن جاء بالقصة في تصوير متتابع للسرعة، وجاء القرآن بخبر العرش، ~~وقد ms4426 جاء إلى حيث يجلس سليمان عليه السلام: # فلما رآه مستقرا عنده... # [النمل: 40]. وهكذا حذف التفاصيل التي يسهل معرفتها، والتي وقعت بين قول ~~من عنده علم من الكتاب، وبين تنفيذ نقل عرش بلقيس. وكذلك حذف القرآن ~~قدرا من الأحداث في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فعندما بلغهم ~~رسول الله الإنذار، هنا قال الكافرون: { إن هذا لساحر ~~مبين } [يونس: 2]. وقد قال الكافرون هذا الاتهام أكثر من مرة، فمرة ~~يقولون عن القرآن: إنه سحر، ومرة يقولون عن محمد: إنه ساحر. ولنسأل: ما ~~معنى كلمة ساحر؟ إن الساحر هو الذي يصنع أشياء، ويوهمك أنها حقيقة وهي ~~ليست بحقيقة. ولذلك يجب أن نفرق بين السحر وبين معجزة موسى، حتى لا يقال: ~~إن معجزة موسى عليه السلام وهي العصا كانت من جنس ما برع فيه سحرة فرعون، ~~صحيح أنها من جنس ما برع فيه قوم فرعون، ولكنها ليست سحرا لأن الحق شاء ~~أن يغير من حقيقة العصا فجعلها أفعى، أما سحر قوم فرعون فهو لا يغير ~~حقيقة الأشياء، بل يوهم من يراها بأنها تغيرت. والسحر يقتضي ساحرا، ~~ويقتضي مسحورا، ويقتضي عملية السحر ذاتها. أما عن الساحر فهو الذات التي ~~تقوم بعملية السحر. ويقول الحق عن السحرة: # سحروا أعين الناس... # [الأعراف: 116]. أي: سحروا الأعين التي ترى الأمر المسحور على غير ~~حقيقته، رغم بقاء الشيء المسحور على حقيقته. إذن: فهم قد أوهموا ~~المسحورين بغير واقع، لكن المعجزة - معجزة موسى - ليست كذلك لأنها لا ~~تغير من الرائي، بل تغير من حقيقة المرئي فعلا. وقد دلنا القرآن ~~على حقيقة هذه المسألة بالتجربة العملية حين اختار الله موسى وقال له: # وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى # [طه: 17-18]. وحين أمر الحق سبحانه موسى بإلقاء العصا، رآها موسى عليه ~~السلام حية تسعى: # قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية ~~تسعى # [طه: 19-20]. فعندما رأى موسى عصاه، قد تحولت إلى حية تسعى على ~~الأرض، فر هاربا خائفا، ولكن الله أراد أن ms4427 يثبت قلبه ويؤمنه إعدادا ~~له للموقف الذي سيقفه فيما بعد أمام سحرة فرعون فقال له رب العزة: # خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى # [طه: 21]. إذن: فلم يكن هناك سحر في عيني موسى، ولكن كان هناك تغير ~~فعلي في حقيقة العصا. فلما خاف طمأنه الحق سبحانه وأمره بأن يلتقط العصا ~~لأنها ستعود - بإذن الله - إلى سيرتها الأولى. والدليل على أن التغير قد ~~حدث في حقيقة العصا، أن السحرة الذين جمعهم فرعون من كل مكان، ووقفوا في ~~منافسة مع سيدنا موسى، وقالوا له: # إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول من ألقى # [طه: 65]. وقبل موسى عليه السلام التحدي، وتجد القرآن يصور المسألة ~~فيقول: # قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل ~~إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66]. وقوله: { يخيل إليه } يعني: أن الحبال والعصي لم ~~تتغير حقيقتها ولم تسع. وما إن رمى موسى عصاه حتى تحولت إلى حية فعلية ~~تلقف ما صنعوا، وهذا ما جعل السحرة يسجدون ويعلنون الإيمان لأنهم رأوا ~~حقيقة واضحة، وهي أن العصا قد تحولت بالفعل إلى حية. إذن: فالساحر يرى ~~الشيء على حقيقته، والمسحور هو الذي تتغير رؤيته إلى الشيء، فيخيل ~~إليه أنه شيء آخر ولذلك لم يقل أحد: إن موسى تعلم السحر، وإن من علمه ~~غلبهم، لا، بل عرفوا أنها مسألة أكبر من طاقة البشر لأن حقيقة العصا ~~نفسها قد تغيرت، فقالوا: # آمنا برب هرون وموسى # [طه: 70]. ولم يقولوا: آمنا بموسى. إذن: فالتخييل إنما يحدث في عيني ~~المسحور. أقول ذلك حتى نفهم غباء كفار قريش حين اتهموا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بأنه ساحر، يسحر الناس، فيخرج الولد على أبيه، وأهله. ~~ويجعل العبيد يتمردون على سادتهم. ولو كان رسول الله ساحرا، فلماذا لم ~~يسحر من قالوا هذا الاتهام. وبقاء من يقول بمثل هذا الاتهام دليل على ~~أن مسألة الإيمان بالمنهج وبالرسول لا علاقة لها بالسحر. ### || [10.3] # ومن بعد ذلك يرد الحق على حكاية العجب من أن الله أوحى لرسوله، وكذلك ~~مسألة اتهام الرسول بالسحر، فيلفتهم إلى قضية ms4428 فوق هذه القضية، وأنهم كان ~~عليهم أن يروا العجب في غير مسألة الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. ~~أي: كان عليكم أن تروا هذه المسألة العجيبة، وهي خلق السماوات والأرض ~~وتتأملوا صنعها، وكيف حدثت؟ وإذا كان الله هو الذي خلق السماوات والأرض، ~~وجعلك أيها الإنسان تطرأ على عالم، وعلى كون معد لك إعدادا دقيقا، ~~فكان يجب أن تلتفت إلى هذه المسألة قبل أي شيء آخر. وضربنا من قبل المثل، ~~وقلنا: هب أن إنسانا ركب طائرة، ثم نفد وقودها وسقطت في الصحراء، ~~وكتبت له النجاة وتلفت حوله فلم يجد ماء أو طعاما أو أي دليل من أدلة ~~الحياة، ثم غلبه النوم، فلما استيقظ من نومه، وجد مائدة عليها من أطايب ~~الطعام، وأطايب الشراب، أما كان يسأل نفسه قبل أن يأكل ويشرب: من الذي ~~صنع وأحضر كل هذا الطعام، وكل هذا الشراب؟ وهذا الكون قد أعد لك أيها ~~الإنسان، أما كان يصح أن تفكر فيمن أعد لك هذا الكون، وخلق لك كل ما ~~ليس في متناول قدرتك، وسخر كل ذلك لك؟ وقد أبلغك الحق: أنا خلقت السماء، ~~وخلقت الأرض، والشمس، والنجوم، وحين وصلك هذا البلاغ، فإما أن يكون ~~صدقا، فلتنفذ ما أمر به الخالق. وإن لم يكن هذا الكلام صدقا، فمن الذي ~~خلق إذن؟ إن كان هناك إله غيره قد خلق الكون، وسمع مثل هذا البلاغ، ولم ~~يتحرك لبيان صدق المسألة، لما كان هذا الآخر يستحق أن يكون إلها. وما دام ~~لم يظهر معارض له سبحانه، فهو الخالق لأن الدعوى إذا ما صدرت من واحد، ~~ولم يظهر لها معارض، فصاحبها هو من أصدرها إلى أن يوجد له معارض. وقد ~~ضربنا مثلا فقلنا: هب أن جماعة من أصدقائك جاءوا لزيارتك، ثم خرجوا من ~~عندك، ووجدت أنت حافظة نقود، ولم تعرف لمن هي، ثم بعثت بخادمك ليسأل من ~~كانوا في زيارتك، وقال كل واحد منهم: إن حافظة نقوده لم تضع منه، إلا ~~واحدا قال: نعم، هي حافظة نقودي. وهكذا تثبت ملكية هذا القائل ms4429 لحافظة ~~النقود، إلى أن يثبت العكس. والحال هنا هكذا، فحين أبلغنا الحق أنه خلق ~~السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم وجعل في الأرض رزق البشر، ولم ~~يعارضه أحد، إذن: يجب أن نصدق أنه الخالق. وإذا كان الله سبحانه وتعالى ~~قد خلق لكم كل هذا الكون مسخرا أفلا تتركون له حرية أن يختار رسولا ~~منكم إليكم؟ فما وجه الاعتراض إذن؟ يكشف الحق منطقهم حين قالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إذن: هم قد اعترفوا أن القرآن لا غبار عليه، لكنهم ساخطون ~~ويعيشون في ضيق لأن هذا القرآن قد جاء على يد يتيم أبي طالب. ويكشفهم ~~الحق أيضا فيأتي بما جاء على ألسنتهم: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء... # [الأنفال: 32]. ولم يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا. ~~فالعداوة هي لرسول الله، وهي عداوة حاقدة غير منطقية لأن كل واحد منكم ~~كان إذا ملك شيئا نفيسا عزيزا عليه، فهو لا يجد أمينا عليه إلا ~~محمدا. إذن: فلماذا لا تغشون أنفسكم في مسألة استئمان محمد على الأشياء ~~النفيسة، ولو كنتم غير مؤمنين بصدقه. فلماذا استأمنتموه على نفائسكم؟ ~~أليس هو محمد بن عبد الله الذي هاجر وترك علي بن أبي طالب ليرد ~~الأمانات لأصحابها؟ إذن: فلا محمد دون مستوى الرسالة والأمانة، ولا ~~القرآن دون المستوى، بشهادتكم أنتم بشهادتي القول والفعل. وهنا يقول ~~الحق: { إن ربكم الله الذي خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام... } [يونس: 3]. وفي موقع آخر بالقرآن ~~يقول سبحانه: # لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. وما دام هذا الخلق العجيب قد صدر منه، فالتصرفات التي دون ~~ذلك لا بد أن تكون مقبولة منه سبحانه وتعالى، وأن تكون لحكمة ما. وتعالوا ~~نتحاكم إلى أنفسكم، أنتم تقولون: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إذن: لا شك عندكم في أن القرآن لا طعن فيه، بل تطعنون ~~في مسألة أنه جاء على ms4430 يد محمد صلى الله عليه وسلم، وتمنيتم لو أن القرآن ~~قد جاء على يد واحد آخر تقبلونه. وأنتم في هذه المسألة غير منطقيين لأنكم ~~تريدون أن تتدخلوا في قسمة الله ورحمته في أن ينزل الوحي على من ~~تشاءون، لا من يشاء هو سبحانه. وأنتم بذلك تريدون أن تتحكموا في الرحمة ~~العليا من الله في أن يختار رسولا ليبلغكم عنه. وتتناسون أنكم في هذه ~~الدنيا لا تقسمون الأرزاق لذلك يقول الحق: # أهم يقسمون رحمت ربك... # [الزخرف: 32]. فإذا كنتم تريدون أن تقسموا رحمة الله، فاعلموا هذا القول ~~من الله: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا... # [الزخرف: 32]. وهذا الأمر السهل تقسيم المعيشة في الحياة الدنيا تصرف ~~فيه الحق سبحانه، فكيف لكم - إذن - أن تطمعوا في تقسيم الأمر العلوي وهو ~~رحمة الله العليا في أن يرسل رسولا. والحق سبحانه يقول في الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها: { إن ربكم الله }. وساعة تسمع كلمة " ~~رب " ينصرف الذهن إلى الخلق وإلى التربية، ولذلك نحن نستعمل هذه الكلمة ~~ونقول: " فلان رب هذه الأسرة " أي: أنه المتولي تربيتها، وكلمة " الرب " ~~بمعناها المطلق تنصرف إلى الله، فهو الخالق الذي خلق من عدم وأمد من ~~عدم، وهو بهذا الوصف رب لكل خلقه: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. # وما دام الله سبحانه ربا لكل الخلق، فهو الرازق لكل خلقه، فهو الذي ~~استدعى خلقه إلى هذه الدنيا، وهو الذي يعطي كل مخلوق الرزق الذي كتبه ~~الله له، وهو سبحانه يأمر نواميس الكون وأسبابه أن تعطى له أو لا تعطى، ~~فإن زرع الأرض وأحسن زراعتها أعطى سبحانه الأمر للأرض أن تعطي هذا ~~المخلوق الرزق. وكل مخلوق يأخذ بالأسباب، يوفر له الحق النجاح في ~~الأسباب. وأقول دائما لمن يرون تقدم الكفار في أمور الدنيا، ويتساءلون: ~~لماذا يتقدم الكفار في أمور الدنيا ونتأخر نحن؟ أقول لهم: لقد أخذوا من ~~عطاء الربوبية في الأسباب، وأنتم لم تأخذوا من عطاء الربوبية. وعليكم ~~أيها المسلمون أن تأخذوا بالأسباب، وهي عطاء الربوبية حتى لا يسبقكم ~~الكافرون إليها، ولا تجلسوا ms4431 في موقع المتفرج، بل المفروض فيكم أن تسبقوا ~~الكفار إلى عطاء الربوبية. أما عطاء الألوهية، وهو أن يقر الإنسان ~~بأن الله هو المعبود بحق، وهو المطاع في " افعل " و " لا تفعل " ، فهذا ~~العطاء لا يناله إلا من آمن به. إذن: فالله رب الجميع، ولكنه إله من ~~آمن به. إذن: هناك فارق بين عطاء الإله، وهو المنهج المتمثل في " افعل " ~~و " لا تفعل " ، وعطاء الربوبية المتمثل في الأمور المادية وهي شركة بين ~~كل الناس: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. وحين يحسن الكافر الأخذ ~~بالأسباب فهو يأخذ نتائجها. والحق سبحانه هو القائل: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. إذن: فواجب على المؤمنين أن يستقبلوا عطاء الربوبية بحسن ~~الأخذ بالأسباب ليأخذوا النتيجة، ولا يتقدم أهل الكفر عليهم لأن الكافر ~~حين يسبقك في الأخذ بالأسباب، ربما استغل هذه المسألة في أن يفرض عليك ما ~~يخالف دينك. وهنا يقول سبحانه: { إن ربكم الله... } [يونس: ~~3]. أي: أن الذي ربى، هو الذي كلف، ويجب أن تستمعواإلى منهجه. ثم ~~يقول سبحانه: { الذي خلق السموات والأرض في ستة ~~أيام... } [يونس: 3]. وكلمة { ستة أيام } هذه وردت في كل ~~آيات القرآن التي تحدثت عن زمن مدة الخلق للأرض والسماوات، لكن هناك آية ~~جاءت بتفصيل ويظهر من أسلوبها أن الخلق قد استغرق ثمانية أيام، وهي في ~~سورة فصلت: # قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 9-10]. وهذه ستة أيام. # ثم يقول سبحانه: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين * فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى ~~في كل سمآء أمرها وزينا السمآء الدنيا ~~بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم # [فصلت: 11-12]. وهكذا يكون المجموع ثمانية أيام، وهذا هو الفهم السطحي ~~لأن آيات الإجمال جاءت كلها ms4432 بخبر الخلق في ستة أيام. وتعلم أن كل مجمل ~~يفسره مفصله إلا العدد فإن مفصله محمول على مجمله، فالأرض خلقها ~~الله في يومين، وجعل فيها رواسي، وبارك فيها، وكل مخلوق ثان هو تتمة ~~للأول، فاليومان الأولان إنما يدخلان في الأربعة الأيام، وأخذت بقية ~~الخلق اليومين الأخيرين، فصار المجموع ستة أيام. إذن: فالزمن تتمة الزمن، ~~ولذلك تجد أن اليوم على كوكب الزهرة أطول من عامها لأن عامها بتوقيت ~~الأرض هو مائتان وخمسة وعشرون يوما، أما طول اليوم فيها فهو بتوقيت ~~الأرض مائتان وأربعة وأربعون يوما. إذن: فاليوم على كوكب الزهرة أطول من ~~العام فيها. والسر في ذلك أن كوكب الزهرة يخضع لدورة تختلف في سرعتها عن ~~سرعة الدورة التي تخضع لها الأرض، فدورة كوكب الزهرة حول نفسه بطيئة، ~~ودورته حول الشمس سريعة. إذن: فكل كائن له نظام. وما هو اليوم إذن؟ اليوم ~~في اعتبارنا هو دورة الأرض حول نفسها دورة يتحقق فيها الليل والنهار. ~~ولكننا نجد القرآن الكريم يطلق كلمة اليوم ويفصلها عن الليل، فيقول ~~سبحانه: # سيروا فيها ليالي وأياما... # [سبأ: 18]. وهنا جعل الحق اليوم للضوء والكدح، والليل للظلمة والراحة. ~~والحساب الفلكي يسمى الليل والنهار يوما. ويبين القرآن لنا أن هناك ~~يوما للدنيا، ويوما للآخرة، ويوم الدنيا هو ما نحسبه نحن من شروق إلى ~~شروق آخر، وكذلك هناك يوم عند الله هو بحساب الدنيا يقدر بألف سنة مما ~~يحسبه البشر: # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج: 47]. ويقول الحق في موضع آخر: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4]. إذن: فالأزمنة متعددة، ومنوعة، وتختلف من قياس إلى آخر، ~~ومن كوكب إلى آخر. وما أظهره الله لنا في القرآن من الأزمنة إنما يدل على ~~اختلافها، لا على التعارض والتناقض. ثم يقول الحق سبحانه في الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها: { ثم استوى على العرش } ووقف ~~العلماء عند كلمة " استوى " طويلا، واستعرضوا القرآن كله ليحصروها في ~~كتاب الله فوجدوها قد جاءت في اثنتي عشرة سورة: البقرة ms4433 والأعراف ويونس ~~والرعد وطه والفرقان والقصص والسجدة وفصلت والفتح والنجم والحديد. وأول ~~سورة جاء فيها ذكر استواء الله على العرش هي " الأعراف " يقول الحق: # الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يغشي اليل النهار يطلبه ~~حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ~~ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين # [الأعراف: 54]. وما دام الله سبحانه هو الذي خلق فلا تعترض أن يكون ~~الأمر له، وأن يبعث سبحانه من شاء ليكون رسولا لذلك فلا عجب أن أرسل لكم ~~رجلا منكم لأنه لو كان هناك غيره سبحانه هو الذي خلق، ثم جاء ليفتئت ~~فيأمر فيما خلق، لكان للخلق شأن آخر، لكن الله هو الذي خلق، وهو سبحانه ~~الذي أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم. والآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ~~يقول فيها الحق: { إن ربكم الله الذي خلق السموات ~~والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } ، ~~أي: استتب له الأمر. ثم تأتي آية سورة الرعد: # الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ~~ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات ~~لعلكم بلقآء ربكم توقنون # [الرعد: 2]. أما الصفات التي توجد في البشر، ووصف الله نفسه بها، هذه ~~الصفات لا تؤخذ على مقتضى ما هي في البشر، فكل إنسان هو ممكن الوجود. ~~ولكن الحق سبحانه وتعالى هو واجب الوجود لذلك تؤخذ تلك الصفات في إطار # ليس كمثله شيء... # [الشورى: 11]. ومثال هذا: أن الحق سبحانه وتعالى له علم بأنك تقرأ ~~الآن في التفسير، وفي أي مكان تقرأه، والذين من حولك يعلمون ذلك، ولكن ~~أعلم الله يساوي علمك وعلم من حولك؟ لا، فعلمه سبحانه وتعالى هو ~~علم أزلي، علم قبل أن توجد أنت أو يوجد غيرك لذلك فأنت إذا علمت ~~شيئا، وعلم الله شيئا، فعلم الله يناسبه، وعلم البشر يناسبك. ~~وأي صفة من صفات الله مطلقة، وأي صفة من صفاتك نسبية لأن الحق سبحانه ~~هو واجب الوجود الأزلي، وأنت في هذه الحياة مجرد حدث محدود ms4434 العمر بين ~~قوى الميلاد والموت. فالله غني، وقد تكون أنت غنيا، لكن غناك لا يمكن ~~أن يتساوى مع غنى الله. وأنت موجود والله موجود، ولكن وجودك لا يمكن أن ~~يقاس بوجود الله. فذات الله ليست كذواتنا، وكذلك صفات الله ليست ~~كصفاتنا، وفعله ليس كفعلنا، واستواؤه سبحانه ليس كاستوائنا، بل في إطار ~~{ ليس كمثله شيء } لأن الذي يفسد الفهم أن يقال: " استوى " ~~بمعنى: قعد. أو فلنأخذ الاستواء كتمثيل للسيطرة، وسبحانه مسيطر على كل ~~شيء، والاستواء: يعني التمكن. وسبحانه القائل: # ولما بلغ أشده واستوى... # [القصص: 14]. إذن: فاستوى: تعني بلوغ تكوين الكمال في الذات. والإنسان ~~منا وهو صغير - قبل البلوغ - إنما تنقصه بعض من درجات النضج في الجهاز ~~العصبي، وكذلك في الجهاز التناسلي، فإذا ما بلغ اكتمل النضج، ويقال: ~~استوى أي: صار قادرا على إنجاب مثله، وتمت له رجولته. ويقال عن ~~الثمرة: إنها استوت # فاستوى على سوقه # [الفتح: 29]. أي: نضجت نضجا يبلغها أن تعطي من ثمرتها مثل ذاتها، ~~وبذلك تضمن بقاء نوعها. # وحين بلغ الطوفان تمامه استوت مركب سيدنا نوح ومعه المؤمنون من قومه، ~~وقال الحق: # واستوت على الجودي... # [هود: 44]. أي: استقرت على الجبل واستتب الأمر. إذن: فكل استواء لله يجب ~~أن يؤخذ على أنه استواء يليق بذاته، وصفاته، التي قد يوجد في البشر ~~مثلها، لكنها صفات مطلقة في إطار: # ليس كمثله شيء... # [الشورى: 11]. وفعل الله لا يمكن أن يتساوى مع فعل البشر ولذلك قلنا ~~في حديث الإسراء: إن الكفار المعاصرين للإسراء حينما كذبوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أنه قد أسري به، قالوا: أتدعي أنك أتيت بيت المقدس ~~في ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا؟ وهذا القول المستنكر يؤكد ~~أنهم قد فهموا أن الإسراء قد حدث حقيقة. ورغم ذلك تجد بعض المعاصرين - ~~الذين يدعون المعاصرة والفهم - يتساءلون: ولماذا لا تقولون: إن الإسراء ~~قد تم بالروح؟ ونقول لهم: إن كفار قريش أنفسهم الذين عاصروا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يقولوا ذلك، وفهموا أن الإسراء قد تم بالجسد ~~لذلك قالوا: ms4435 " أنضرب إليها أكباد الإبل شهرا، وتدعي أنك أتيتها في ~~ليلة؟ " بل، ولم يقولوا له: إنه رأى بيت المقدس في رؤيا أو حلم لأنه لا ~~أحد يكذب رؤيا أو حلما، وهكذا كان تكذيبهم دليلا على التصديق ~~للإسراء إلى أن تقوم الساعة. ونقول لمن يدعي أن الإسراء إنما تم ~~بالروح: افهم جيدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أسري بي ". ~~إذن: فعل الإسراء منسوب لله، فلا تأخذ الإسراء بالقانون البشري، ولكن ~~بالقانون الإلهي. والزمن في مسألة الإسراء منسوب لله، لا لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم. والقرآن يقول: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا... # [الإسراء: 1]. وما دام الحق قد قال: سبحان أي: أن الله منزه ~~عما في بال البشر من المسافات والقوة وغيرها. ولقد ضربنا مثلا لهذا - ~~ولله المثل الأعلى - برجل يصعد بابنه الرضيع قمة جبل " إفرست " ، فلا ~~يقال: وهل يصعد الرضيع قمة الجبل؟ فالصعود منسوب هنا للرجل، ولقدرة الرجل ~~وقوته، لا إلى الطفل. وهكذا - ولله المثل الأعلى - فالزمن والقدرة على ~~الإسراء منسوبان لله سبحانه، لا إلى محمد صلى الله عليه وسلم. ونحن في ~~مجالنا البشرى تختلف قدراتنا في قطع المسافات وأزمانها، فمن يركب عربة ~~يجرها حصان فقد يصل من القاهرة إلى الإسكندرية في أيام، ومن يركب ~~سيارة فقد يصلها في ساعتين. ومن يركب طائرة فقد يصلها في نصف ساعة. ~~إذن: فكلما زادت القوة تجد الزمن يقل، فما بالنا بقوة القوي أيكون معها ~~زمن؟ طبعا لا. وقال الحق سبحانه لسيدنا نوح: # فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك... # [المؤمنون: 28]. أي: بعد أن ركب معك يا نوح من آمن من قومك، واطمأننت ~~على نجاتهم، ستسير السفينة بإذن ربها. # إذن: فقول الحق عن ذاته: { استوى على العرش... } [يونس: 3]. ~~يعني: أن الأمور قد استتبت وتمت. وهكذا نفهم أن كل شيء يتعلق بالحق ~~سبحانه وتعالى نأخذه في إطار: # ليس كمثله شيء... # [الشورى: 11]. وأن كل صفة من صفاته يأتي تمثيلها ليقرب المعنى فقط ولا ~~يعطى حقيقة المعنى لأنه سبحانه ليس كمثله شيء. وهكذا فسبحانه له استواء ~~يليق ms4436 بذاته، لا كاستواء البشر. والشاعر أبو تمام حين جاء ليمدح الخليفة ~~المعتصم، نظر إلى الصفات التي اشتهر بها بعض القوم، " فحاتم " على سبيل ~~المثال كان قمة الكرم. و " عنترة " هو قمة الشجاعة، " والأحنف بن قيس " ~~قمة الحكمة، فقال الشاعر أبو تمام عن الخليفة: # إقدام عمرو في سماحة حاتم # في حلم أحنف في ذكاء إياس # وهكذا صار الخليفة مجمع فضائل لأنه أخذ إقدام عمرو، وكرم حاتم، وحلم ~~الأحنف، وذكاء إياس. ولكن حاسد الشاعر قال: إن الأمير فوق كل من ~~وصفت، فهؤلاء جميعا بالنسبة للخليفة صغار. وقال أحد الشعراء: # وشبهه المداح في البأس والندى # بمن لو رآه كان أصغر خادم # ففي جيشه خمسون ألفا كعنتر # وفي خزائنه ألف ألف حاتم # وحين سمع الشاعر الأول ذلك، وكانت قصيدته الأولى " سينية " ، أي: أن آخر ~~حرف في كل أبياتها هو حرف السين، فجاء بأبيات أخرى من نفس بحر القصيدة ~~الأولى: وقال: # لا تنكروا ضربي له من دونه # مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة والنبراس # إذن: فهناك فرق بين تمثيل الشيء، وبين حقيقة الشيء، فحين قال الحق: # مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في ~~زجاجة... # [النور: 35]. فهذا مثل توضيحي للبشر. وشاء الحق ذلك ليعطينا مجرد صورة ~~لأنه يتكلم عن أشياء لا وجود لها عندك. ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم يقول عن الجنة: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # وأنت حين ترى فللرؤية حدود. وحين تسمع فأنت تسمع مرائي غيرك، وما لا ~~يخطر على البال هو القمة، فقد ارتقى الرسول في وصفه للجنة من حدود ما ~~تراه العين إلى آفاق ما تسمعه الأذن، ثم ارتقى من حدود السمع إلى ما لا ~~يخطر على البال لأنه صلى الله عليه وسلم علم أن اللغة هي ألفاظ تعبر عن ~~معان، والمعاني توجد أولا ثم نأتي لها بالألفاظ ولذلك فالأمثال لمجرد ~~التوضيح باللغة. وهكذا نكون قد استوفينا فهم قوله الحق: { ثم ~~استوى على العرش } بما ms4437 يليق بذات الله، فلا نأخذ الاستواء على ~~المعنى الذي يدل على مكان محيز لأنه سبحانه منزه عن أن يكون متحيزا ~~في مكان فذاته سبحانه ليست كالذوات، وفعله ليس كالأفعال، وصفاته ليست ~~كالصفات. # ثم يقول بعد ذلك: { يدبر الأمر } أي: أنه يرتب الوجود ترتيبا ~~يجعل كل شيء موضوعا في مكانه بحكمة. والحق سبحانه وتعالى له صفة علم، ~~وصفة إرادة، وصفة قدرة، وصفة العلم هي التي تضع كل شيء في مكانه بحكمة. ~~وصفة الإرادة هي التي تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه. وصفة القدرة تبرز ~~المراد لله. إذن: فهناك علم، وهناك إرادة، وهناك قدرة تبرز المراد على ~~وفق العلم. ومن المنطقي أن يدبر الله كل أمر لأنه سبحانه هو الذي خلق ~~السماوات وخلق الأرض. واستوت له الأمور بحيث لم يعد هناك خلق جديد إلا ما ~~يبرزه ب " كن ". وهو سبحانه بعد أن خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان ~~وسخر له السماوات والأرض لذلك لا بد أن يدبر سبحانه للإنسان أمور ~~مادياته، وأمور قيمه. أما أمور الماديات فقد ظهرت في خلق السماوات والأرض ~~والشمس والقمر والنجوم والماء والهواء. وما في الأرض من عناصر تنبت ~~للإنسان ما يحتاج إليه في قوام حياته، وهو سبحانه الذي خلق كل ذلك قبل أن ~~يخلق الإنسان، ثم جاء بالإنسان ليكون الخليفة والسيد. إذن: فالإنسان هو ~~الذي طرأ على هذه الأمور المادية، وكان لا بد أن ينزل الحق سبحانه ~~قيما يحيا بها الإنسان كخليفة في هذه الأمور المادية. وهكذا خلق الله ~~القيم المعنوية، فلا تقولوا: لماذا أرسل رسولا لا يحسب في نظر بعض ~~الناس من عظماء أقوامهم، ولا تقولوا لماذا أرسل محمدا بالتحديد لأن هذا ~~الإرسال هو من ضمن تدبير الأمور، و # الله أعلم حيث يجعل رسالته... # [الأنعام: 124]. إذن: فقوله: { يدبر الأمر } جاء ليؤكد نفي ~~التعجب من أن يكون الوحي لمحمد صلى الله عليه وسلم: # أكان للناس عجبا أن أوحينآ... # [يونس: 2]. وعلتها أن الله هو ربكم وهو الذي خلق، ولا يجادل أحد الله ~~فيما خلق، وفيمن خلق. وإذا كان هو ms4438 سبحانه الذي خلق الإنسان والكون، فلا ~~بد أن ينظم حركة الوجود بين الإنسان والكون لذلك اختار الرسول المناسب ~~ليحمل منهج القيم للإنسان في " افعل كذا " و " لا تفعل كذا ". ثم ترك ~~الحق للإنسان أمورا لا يقول له فيها: افعلها أو لا تفعلها، فهي من ~~المباحات. وإذا استقرأت الأفعال والأحداث، ستجد أن الذي قال الله فيه " ~~افعل " قليل، والذي قال الله فيه " لا تفعل " قليل. وبذلك تجد المباحات ~~أكثر من " افعل " وأكثر من " لا تفعل ". وما دام سبحانه هو الذي شاء ذلك، ~~وترك لك أيها الإنسان الكثير من الأمور المباحة، فاترك القيم لله لأن ~~الكون المادي المخلوق لله في غاية الدقة وفي غاية النظام، ولم تمتنع ~~الشمس أن تشرق أو تعطي ضوءها وحرارتها للناس، وما امتنع القمر أن يعطي ~~نوره، وما امتنع السحاب أن يسقط مطرا مدرارا، وما امتنعت الأرض أن ~~تتفاعل مع أي غرس تغرسه فتعطيك الغذاء، وكل شيء داخل في نطاق القدرة في ~~النواميس العليا محكم ولا خلل فيه. # وإذا نظرتم إلى غير ذلك وجدتم الخلل قد حدث لأن الشيء الذي لا تدخل فيه ~~قدرة الإنسان وإرادته هو على أتم ما يكون من النظام، ولا يفسد إلا الشيء ~~الذي للإنسان فيه عمل واختيار، ولا يعني ذلك أن كل أعمال الإنسان تعاني ~~من الخلل، لكن الأعمال التي تعاني من الخلل هي الأعمال التي يقبل عليها ~~الإنسان دون منهج الله. ولو اخترنا البدائل على ضوء منهج الله، لاستقامت ~~القيم كلها، كما استقامت لنا نواميس الكون العليا. فإذا رأيتم فسادا ~~فلوموا أنفسكم لأن الأمر الذي لا تتناولونه بأيديكم ولا دخل لكم فيه، ~~يعمل غاية في الدقة، فإن أردتم أن تعمل أموركم الاختيارية بغاية الدقة ~~فخذوا منهج الله في الأفعال، ولا تفسدوها أنتم بأن تختاروا البدائل على ~~غير مرادات الله. ولذلك أقول دائما: إنك إذا ما رأيت عورة في الوجود، ~~يتعب منها المجتمع، فاعلم أن حدا من حدود الله قد عطل. وإن وجدت أمة ~~متخلفة، فاعلم أنها عطلت حدود الله، وإن وجدت أمة ms4439 تعاني من أمراض ~~اجتماعية جسيمة، فاعلم أنها لا تطبق منهج الله. ويخطئ من يقصر فهم ~~عبادة الله على أنها الانقطاع في المسجد، أو الصوم، أو إخراج الزكاة في ~~ميعادها، أو الذهاب إلى الحج، فكل هذه هي رؤوس الإسلام تشحن العبد ليعمل ~~وفق منهج الله، فالصلاة هي إعلان الولاء لله خمس مرات في اليوم، ومدة ~~الصيام شهر كل عام، والزكاة إنما هي من فائض المال، والحج هو ترك ~~للمال والأهل والولد. كل ذلك من أجل شحن الطاقة، فإذا ما شحنت الطاقة، ~~فوجه الطاقة إلى عمل آخر. ولنأخذ الصلاة مثلا: فأنت تحتاج إلى طاقة ~~تقيمك وتقعدك وتستبقي حياتك وقوة حركتك تحتاج كل ذلك لتصلي! إذن: فأنت ~~تحتاج إلى طعام، ولن تطعم ما لم يكن لك عمل يتيح لك شراء الطعام، ~~وحتى يبيع لك التاجر الخضر واللحم، والفاكهة والخبز، هو يحتاج إلى من ~~ينتج ذلك، ومن ينتج الأطعمة يحتاج إلى من يدرس طبيعة الأرض والبذور ~~ومعرفة الأوقات، وكل هذه الأمور تحتاج إلى أجهزة منظمة لإنتاج الطعام. ~~فمن يزرع يحتاج إلى محاريث تحرث، وهذا يستلزم وجود الحديد وآخرين ليصهروه ~~ويستخرجوا منه ما يصلح لصناعة المحاريث. إذن: فقيامك إلى الصلاة يحتاج ~~إلى كل هذه الأعمال. وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهكذا تجد أن كل ~~الأعمال التي تسهل لك العبادة هي أعمال واجبة. والمثال: أنك حين تصلي ~~تحتاج إلى ستر عورتك لذلك تشتري القماش ليفصل لك الخائط ما ترتديه ~~من ملابس، وكل هذه الأعمال التي تنتج القماش وتصنع الثياب هي أعمال ~~واجبة، بدءا من زراعة القطن أو الكتان أو التيل وغيرها إلى المغازل ~~ومصانع النسيج، وغير ذلك. # وهكذا تجد أن كل الأعمال التي يتم الواجب بها هي أعمال واجبة، فستر ~~العورة أمر شرعي، وهكذا يتسع مفهوم العبادة ليكون معناها: كل حركة تؤدي ~~إلى إبقاء الصالح على صلاحه وزيادة الصالح إلى ما هو أصلح. والمثال الذي ~~أضربه دائما: هو حاجة الإنسان إلى الماء للشرب، والغسل من الجنابة ~~وطهو الطعام وغير ذلك، وكان الإنسان قديما ms4440 يشرب من الآبار، ثم تطور ~~التفكير إلى إقامة شبكات لتوزيع المياه بعد تنقيتها، كل هذه أعمال تزيد ~~الأمر الصالح صلاحا لأنك أخذت الماء من المطر الذي ملأ النهر، وأعليت ~~الماء في خزانات لتنقيته، ثم اكتشفت قوانين الاستطراق ومضخات المياه ليصل ~~الماء الطاهر إلى كل من يحتاجه. وهكذا تزيد الصالح صلاحا بالتفكير ~~واستخدام العلم بما يفيد الإنسان، إذن: فهذا عمل عبادي ما دامت النية فيه ~~لله. وانظر إلى يوم السوق في أي قرية، تجد من يدخله ومعه الماشية ~~والأنعام التي يرغب في بيعها، وتجد من يدخل بالفواكه والأطعمة، ومن ~~يدخل ومعه الثياب أو أدوات المنزل، وتجد من يدخل ليس معه شيء، وبعد ~~انتهاء السوق تجد كل إنسان قد خرج بما يحتاج، لا بما دخل لبيعه. وهكذا ~~ألقى الله الخواطر في قلب وتفكير إنسان ما ليبيع ما لا يحتاجه، وآخر ~~ليشتري ما يحتاجه من إنتاج غيره. وأنت إذا نظرت إلى قرية ما، ستجد واحدا ~~من أعيانها يرغب في بيع أرضه وقصره، ويرغب في الرحيل إلى بلدة أخرى، ~~وهكذا ترى الميزان الاقتصادي الإلهي، الذي يوزع العباد في الأماكن التي ~~تليق بكل واحد منهم، فإذا ما زاد واحد عن الحاجة في مكان، فهو يرحل إلى ~~مكان آخر يحتاجه. وهذا هو التدبير الإلهي على أحسن ما يكون. وقد تجد - ~~مثلا - الطفل يكتب بيده اليسرى، على عكس أقرانه، وقد تضربه على ذلك، ~~فيعجز عن الكتابة باليمنى وباليسرى، وحين يقول لك الطبيب: لقد شاء الله ~~أن يجعل ابنك موهوبا في الخط الجميل، وهو يكتب بيده اليسرى، فأنت تتعجب، ~~وتكتشف بالفعل أن خط الطفل باليد اليسرى جميل. وأقول دائما لمن يشكون أن ~~بعضا من أولادهم يكتبون باليد اليسرى أو يأكلون باليد اليسرى، أقول لهم: ~~إن هذه مسألة تتعلق بالجهاز العصبي للإنسان، فهناك من خلقه الله ليعمل ~~باليد اليمنى، وهناك من خلقه الله ليعمل باليد اليسرى، وهناك من خلقه ~~الله ليعمل بيديه الاثنتين، مثل سيدنا عمر - رضي الله عنه - وكان " أضبط ~~" أي: يعمل بيديه الاثنتين. وعلينا أن نحترم أقدار ms4441 الله فيما خلق ومن ~~خلق. # فسبحانه يخلق ما يريد، لا وفق قوالب، بل يخلق ما يشاء، ومع كل خلق ~~مراد معين. وكما أحسن الحق تدبير ما ليس لكم دخل فيه، فاعلموا أنه قد ~~أنزل المنهج ليحسن مما لكم فيه دخل، ويجعل أموركم منتظمة، وكل ذلك ~~يدخل ضمن تدبير الأمر. وأنت إذا نظرت إلى معنى كلمة " أمر " تجد أنها ~~كل شيء ينشأ، ولماذا عدل سبحانه عن قول: " شيء " إلى قول: " أمر " لأن كل ~~شيء لا يوجد في الوجود إلا ب " كن " وهي أمر. وسبحانه القائل: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. وسبحانه يدبر الأمر في السنن المادية التي لا تتناولها يد ~~الإنسان، فإن أراد الإنسان أن يضبط أمور حياته، فليأخذ بالمنهج الذي ~~أنزله الله ب " افعل " و " لا تفعل " ، وأما المباحات فهي كثيرة، ~~والإنسان حر فيها. وإذا ما سأل سائل: ولماذا اتبع المنهج؟ أقول: إن ~~الحق شاء أن يخلق الإنسان على هيئتين: هيئة إرغامية قهرية، وهيئة ~~اختيارية، فأنت أيها الإنسان مقهور في أشياء، ومختار في أشياء أخرى أنت ~~مقهور في التنفس، وتتنفس آليا دون تدخل منك، تتنفس مستيقظا أو ~~نائما، ولو كان التنفس باختيارك، لاحتجت إلى من يدير حركة تنفسك ~~وأنت نائم؟ إذن: فمن رحمته سبحانه أن جعلك مقهورا في مثل هذه المسألة ~~وكذلك نبضات قلبك، أنت مقهور فيها، وكذلك أنت مقهور في الحركة الدودية ~~للأمعاء، وللحركة الانبساطية والانقباضية في المعدة، وإفراز العصارات ~~الهضمية، كل ذلك أنت مقهور فيه، وأنت مختار في أشياء أخرى، كأن تشتري من ~~البائع الفلاني، أو بائع غيره، وأنت مخير في أن تختار أصناف الطعام ~~التي تهواها. والمباحات في الوجود كثيرة، وما أكثر ميادين الحرية في ~~الحياة، وما حدده لك الحق سبحانه وتعالى ب " افعل " و " لا تفعل " ، لا ~~يخرج عن أمور محصورة تصونك وتصون مجتمعك، وكذلك الكون الذي تحيا فيه. ~~وإن مارست أيها الإنسان حريتك في الأمور المباحة على أي لون شئت، فذلك ~~لا يفسد الكون. وقد شاء الحق سبحانه - أيضا ms4442 - أن تكون مقهورا في بعض ~~الأمور حتى لا يفسد الكون، فإن أكلت ما شئت من المأكولات غير المحرمة ~~فأنت حر، وإن سلك كل إنسان كما يهوى في الأمور المباحة فلا مانع لذلك. ~~وكل البشر يختلفون. وأراد سبحانه أن يحمي الإنسان والكون لأنه علم أزلا ~~أن أهواء البشر تتضارب، وهو القائل: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض... # [المؤمنون: 71]. ولهذا نرى أن تدبير الله فيما لا دخل لنا فيه، تدبير ~~محكم، وما يسير بدون تدخل من البشر إنما يتبع نظاما مستقيما، ~~وشاء الحق أن يجعل نواميس الكون تعمل بدقة يندهش لها المؤمنون بالله ~~والكافرون به، فسبحانه يحكم في ملكه بدقة متناهية حتى إن بعض العلماء ~~ممن لا يؤمنون بمنهج الله قد حددوا مواعيد الكسوف الكلي أو الجزئي للشمس ~~أو القمر بدقة متناهية وذلك باستقرائهم لمعطيات الكون. # وما دمتم أنتم تتميزون على الكافرين بالإيمان بالله، فخذوا منهج الله ~~في حياتكم لتستقيم أموركم بمثل استقامة الكون. ولذلك قال سبحانه: { ~~يدبر الأمر... } [يونس: 3]. ويضيف: { ما من شفيع إلا من ~~بعد إذنه } وجاء الحق بمسألة الشفاعة بعد مسألة تدبير الأمر لأن ~~هؤلاء الكافرين الذين تعجبوا من إرسال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، ~~كانوا يعبدون ما لا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون: إن تلك الأصنام تشفع لهم ~~عند الله، مصداقا لقوله الحق: # ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله... # [يونس: 18]. ولذلك يفصل الحق سبحانه مسألة الشفاعة. فالإنسان لا ~~يحتاج إلى شفاعة عند من يملك الأمر إلا إذا ارتكب جرما أو حدث منه ~~تقصير في أمر ما. والآية أوضحت أنهم يعبدون ما لا يضرهم إن لم يعبدوه، ~~وما لا ينفعهم إن عبدوه. وأقروا أن مثل هذه الأصنام إنما تشفع لهم، ~~والشفاعة من الشفع، والشفع ضد الوتر. والوتر هو ما لا يقبل القسمة على ~~اثنين، فيكون الوتر رقما فرديا. والعبد من هؤلاء له موقف من الإله ~~الذي يعبده، وهو غير قادر على مواجهته لأنه مقصر، فبدلا من أن يقابله ~~فردا يأتي ms4443 بآخر معه ليشفع له، وهكذا يكون معنى الشفع هو تعضيد الفرد ~~بواحد آخر فينتقل من كونه وترا إلى كونه شفعا. وكان الكفار على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون عن تلك الأصنام: إنهم شفعاء لهم عند ~~الله، فيقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { ما من ~~شفيع إلا من بعد إذنه... } [يونس: 3]. لأن الشفاعة تقتضي ~~شافعا ومشفوعا عنده، ومشفوعا له، ومشفوعا فيه، هذه هي الأربعة ~~العناصر في الشفاعة. والذي يستشفع هو المقصر، وهؤلاء الكفار قالوا عن ~~الأصنام: إنها شفعاء لهم عند الله، وهذا إقرار منهم بالتقصير، وأقروا بأن ~~المشفوع عنده هو الله، وأما المشفوع فيه فهو تخفيف العذاب أو إنهاء ~~العذاب. إذن: فالمشفوع فيه أمر مشترك، والمشفوع عنده أمر مشترك، أما ~~الأمر في الشافع، والأمر في المشفوع له، فهما مختلفان. وأنت - على سبيل ~~المثال، لا تأتي بإنسان يسير في الطريق وترسله ليشفع لك مثلا عند ~~المحافظ أو عند الوزير إن كانت لك حاجة عند أي منهما، بل تأتي بإنسان ~~تعلم رضا المحافظ عنه أو رضا الوزير عنه، وله منزلة ومكانة، وهذه المنزلة ~~والمكانة تسمحان له بالإذن في أن يكلم المحافظ أو الوزير في أمور ~~الناس. # وإذا كان هذا هو الحال في الشفاعة من البشر لدى البشر، فما بالنا ~~بالشفاعة للإنسان لدى الله؟ لذلك بين الحق هنا أن الشفيع لا بد أن يكون ~~بإذن منه سبحانه { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } [يونس: ~~3]. وفي سورة البقرة يقول سبحانه: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه... # [البقرة: 255]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن ورضي له قولا # [طه: 109]. إذن: فالشفيع لا بد له من إذن ورضا من الله. أما المشفوع له ~~فقد قال الحق: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى... # [الأنبياء: 28]. هكذا بين لنا الحق عناصر الشفاعة: الشافع، والمشفوع ~~له، والمشفوع عنده وهو الله سبحانه، والمشفوع فيه هو الذنوب وهي معروفة. ~~ولقائل أن يتساءل: ما دام الحق سبحانه قد رضي ms4444 عن عبد، فلماذا يحتاج العبد ~~إلى الشفاعة؟ وأقول: لننتبه إلى أن الإنسان يتعرض لأعمال كثيرة، وله نقاط ~~ضعف في حياته قد تكون كثيرة، وقد تكون قليلة، فإذا جاء في نقطة الضعف ~~وأذنب ذنبا، فعليه أن يزيد من فعل النقاط القوية التي تكتب له بها ~~الحسنات لأن المعيار هو: # إن الحسنات يذهبن السيئات # [هود: 114]. فالعبد حين يزيد من الحسنات فالحق سبحانه قد يمحو السيئات، ~~وليعلم كل إنسان أنه إن اختلس من الله حكما فهو لن يستطيع أن يهرب من ~~العقاب، وعليه أن يزيد من الحسنات، ويرجو المغفرة من الله وقبول التكفير ~~بالحسنات عن السيئات، ولن يفلت أحد من ملكوت الله. وهب أن إنسانا فيه ~~نقطة ضعف، وأذنب ذنبا، وعنده نقطة قوة يطيع فيها الله بسهولة ويسر، ~~هذا الإنسان له أن يعلم أن الله يحبه لأجل نقطة قوته هذه، وقد يرحمه الله ~~سبحانه فيما أذنب من الذنوب، ويجعل المأذون له في الشفاعة يشفع له عنده ~~سبحانه. فلماذا أراد الحق ذلك؟ شاء الحق ذلك حتى لا يحرم العالم من ~~الحسنات التي يجيدها ذلك الإنسان. ويحكي لنا الحديث النبوي الشريف عن ~~الرجل الذي لقي كلبا يلهث من العطش، ولم يجد الرجل إناء يملأه ماء من ~~البئر ليسقي الكلب، فنزل البئر وملأ خفه، وعاد إلى الكلب ليسقيه. وبطبيعة ~~الحال لم يكن هذا الرجل لينافق الكلب، بل منتهى الرحمة بهذا الحيوان، ~~كذات خلقها الله لذلك غفر الحق سبحانه لهذا الرجل. وهكذا نفهم أن الحق ~~يغفر ويمحو السيئات. وقد جعل الحق سبحانه الشفاعة لرسول الله تكريما له ~~صلى الله عليه وسلم، وكذلك في المأذون له في الشفاعة، حتى يعلم المسلم أن ~~الرسول قد يشفع له، وأن المؤمن قد يشفع لأخيه، وأن الأب قد يشفع لابنه، ~~وحين يعلم المسلم ذلك، فهو يحسن إلى كل هؤلاء لعله يحصل على الشفاعة ~~منهم، ويحسن اتباع سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحسن معاملة ~~المؤمنين، ويحسن الابن معاملة والديه، وهكذا يعيش المجتمع في كرامة ~~الشفاعة بعمل الخير وإخلاص النية. # وإذا رأيت إنسانا ms4445 محسنا في دينه، فلا بد لك أن تحترمه لأن إحسانه في ~~دينه قد ينفعك أنت ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة يقول: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. وكان الحق سبحانه قادرا أن ينزلها " إياك أعبد وإياك ~~أستعين " ولكنه شاء أن تنزل على صورتها تلك حتى يأذن سبحانه بقبول الصفقة ~~من كل قائليها، فيتقبل من عباده أعمالهم بما يغفر لبعضهم الأشياء ~~المعيبة. ولذلك أقول: إن رأيت إنسانا مستغرقا في العبادة فلا تسخر منه ~~ولا تهزأ به لأن حرصه على الطاعة وانشغاله بالعبادة قد تنفعك أنت. وساعة ~~تتلقى أمرا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجده شاقا، فعليك أن ~~تتذكر أنه المرجع الذي قد يشفع لك في الأمور التي لم تقدر عليها. ولا بد ~~أن يرضى الحق عن المشفوع له لأنه قد أجاد فعل حسنات. وإن كانت له سيئات، ~~وقد رأى رجل سيدنا عمر في رؤيا، فسأل الرائي سيدنا عمر بن الخطاب: ماذا ~~فعل الله بك يا ابن الخطاب؟ فقال سيدنا عمر: غفر الله لي. فسأل الرائي: ~~بماذا؟ أجاب سيدنا عمر: لأني رأيت غلاما يعبث بعصفور فاشتريته حتى لا ~~أفجعه في عصفور يملكه، وأخذت العصفور وأطلقته. واعترض أحد السامعين ~~للرؤيا متسائلا: ألم يفعل ابن الخطاب أعمالا تؤهله لمغفرة الله إلا ~~مسألة العصفور هذه؟ فقال له قائل: أحسن الفهم يا رجل فمسألة إطلاق ~~العصفور إنما تخص غفر الخطايا، وأما أعمال عمر بن الخطاب الجليلة فهي ~~لرفع الدرجات. وفي القرآن آيتان جاءتا بنص متقارب، فالحق يقول: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل... # [البقرة: 48]. والآية الثانية تقول: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة... # [البقرة: 123]. ومن حاولوا المقارنة بين الآيتين بغرض الطعن في القرآن، ~~هم من الغرباء عن اللغة ولا يملكون ملكة البيان التي يمكن أن يستقبلوا ~~الأساليب بها، ولو امتلكوا هذه الملكة لعلموا أن الصدر في الآيتين محتمل ~~لوجهين، فهناك نفس جازية هي ms4446 التي تتشفع ونفس مجزي عنها هي التي يتشفع ~~لها. والضمير الذي يأتي في قوله الحق: { ولا يقبل منها } و { ~~ولا يؤخذ منها } و { ولا تنفعها } ، هذا الضمير يصح أن ~~يرجع إلى النفس الشافعة، ويصح أن يرجع إلى النفس المشفوع لها. والإنسان ~~منا إذا ما كان عليه شيء لإنسان آخر، وغير قادر على أن يستبرئ ذمته منه، ~~فهو يلجأ إلى صديق لهذا الآخر، له مكانة عنده ليستشفع له. وفور أن يذهب ~~صاحب المكانة إلى هذا الآخر فهو يقول له: هل تقبل شفاعتي لفلان؟ فإن قال ~~صاحب الأمر: لن أقبل الشفاعة، فالمستشفع عنده يقول له: إذن: سأدفع العدل، ~~أي: ما يساوي قيمة ما كنت سأتشفع له فيه. # وهكذا نجد أنفسنا أمام نفسين: شافعة، ومشفوع لها. والضمير يعود على أي ~~من النفسين. وهكذا نجد أن صدر كل آية من الآيتين اللتين يقال عنهما: ~~إنهما متشابهتان، صدر كل منهما منسجم مع عجزها. وينهي الحق سبحانه الآية ~~التي نحن بصدد خواطرنا عنها بعد أن أوجزت الآية فكرة عن خلق الله تعالى ~~للكون، وأنه يشفع لمن شاء ويختار من يقدم له الشفاعة، فيقول: { ذلكم ~~الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون } [يونس: 3]. ~~فسبحانه خلق الكون، واستتبت بيده مقاليد الأمور، وخلق الإنسان ليعمر ~~هذا الكون، ونعلم أنه سبحانه قد شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو، وحين يشهد ~~الحق لنفسه، فسبحانه على ثقة تامة بأن أوامره في كونه نافذة. وقوله ~~سبحانه: { ذلكم } أي: إشارة إلى ما تقدم من خلق السماوات والأرض، ~~والاستواء على العرش، وتدبير الأمر كله، ولا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، ~~هذا هو الله ربكم، وما دام هو ربكم فاعبدوه لأنه هو الذي خلق من عدم، ~~وأمد من عدم، وله كل صفات الكمال المطلق. وهذه العبادة لا تعود عليه ~~سبحانه بأي فائدة، فسبحانه منزه عن فائدة تعود عليه لأنكم إن عبدتموه ~~فلن تزيدوا في ملكه شيئا، وإن لم تعبدوه فلن تنقصوا من ملكه شيئا. ~~والعبادة يعود نفعها عليكم لأنكم ستأخذون بها منهجا يخرج كل الخلق عن ~~أهوائهم، ms4447 ويصير هوى الموجه واحدا، فلا تصطدم إرادة بإرادة، بل تتساند ~~الإرادات فيتكامل العالم. إذن: فالعبادة توحد أهواء الخلق إلى مراد ~~واحد، لا يأنف الإنسان منا أن يخضع له لأن هذا ليس خضوعا من بشر لبشر، ~~بل خضوعا من مخلوق لخالق، وبذلك تستقيم أموركم الاختيارية، كما استقامت ~~أموركم غير الاختيارية. وهكذا لا تنحصر العبادة في أركان الإسلام الخمسة ~~فقط، بل تكون هذه الأركان الخمسة هي الدعائم التي تقوم عليها عمارة ~~الإسلام، وكل الإسلام هو كل أمر لله وكل نهي له سبحانه ولذلك حين نتابع ~~تسلسل الأمور، سنجد أن أركان الإسلام الواجبة تعتمد على حركة الحياة ~~كلها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ويقول الحق في آخر الآية: { ~~أفلا تذكرون } والذهن أو المخ - كما نسميه - فيه ملكات متعددة ~~مثل: ملكة التخيل، وملكة الحفظ والاختزان، وكثير من الملكات الأخرى ~~منها ملكة التذكر. ومعنى التذكر أن شيئا سبق لك إلف به، فطرأ ~~عليك ما أنساك، وحين تنسى أمرا يخص أحد أقرانك، فهو يقول لك: تذكر يا ~~أخي الأمر الفلاني، وهو لا يأتي لك بأمر مجهول لم تعرفه أولا، بل يأتي ~~لك بأمر كان معلوما لك، ولكنك نسيته. # والإنسان حين ينظر إلى الكون نظرة غير متحيزة لا بد أن يؤمن بأن لهذا ~~الكون إلها، وهذا الأمر لا نأخذه من الفلاسفة، بل من رجل الشارع، وراعى ~~الشاة فقد جاء في الأثر أن راعيا كان يسير في الصحراء فرأى بعرا في ~~الطريق، فقال: إذا كان البعر يدل على البعير، والسير يدل على المسير، ~~أفلا يدل كل هذا الكون على وجود اللطيف الخبير؟! والمثال من حياتنا ~~اليومية: أن غسالة الملابس الكهربية - وهي لا تدل على شيء ضروري في ~~الحياة، بدليل أن السابقين علينا كانوا يغسلون ملابسهم بدونها، فهي تمثل ~~ترفا، لا ضرورة - نجد الناس يعرفون من الذي ابتكرها، ومن أوصلها ~~بالكهرباء ومن صنع لها توقيتات دورات الغسيل، ومثلها مثل المصباح ~~الكهربي الذي يفسد بعد عدد معين من الساعات، ونجد التلاميذ يدرسون تاريخ ~~من صنعه، فهل يمكن ms4448 أن ننسى من خلق الشمس التي تضيء الكون؟ بل ونجد في ~~زماننا العالم والكافر وهو يمدنا بأدلة الإيمان، فكل اختراع نجد من ~~يسجله حتى لا يسرقه غيره، فما بالنا بالشمس التي تضيء وتدفئ، والقمر ~~الذي يحدد الشهور، والنجوم التي تدل الناس على الاتجاهات ولا شيء في كون ~~الله يحتاج إلى قطع غيار، ألا نعترف بمن خلق كل ذلك، ها هو ذا سبحانه ~~يدلنا على من خلق ويبلغنا ما يسجل له ملكية ما خلق، فأنزل القرآن على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ليدلنا على أنه سبحانه الذي خلق، وأبقى الله ~~الكافرين ليتحدى من يناقض قضية الخلق. وسجل الحق سبحانه ما خلقه لنفسه، ~~ولم يقدر أحد من الكافرين على إنكار ذلك. ولن نأخذ الأدلة على وجود الله ~~من الفلاسفة الذين يرتبون النتائج على المقدمات، ومطابقة قياس الشكل على ~~الموضوع، بل سوف نأخذ الدليل من كلمة " الكفر " نفسها، هذه الكلمة كفر ~~تعني: ستر، فهل يستر إلا موجود؟ إذن: فالكفر بالله دليل على وجود ~~الله، وما دام الكفر سترا، فالكفر أمر طارئ، نتيجة للغفلة، والغفلة ~~إنما تأتي لأن مقتضيات الإيمان تقيد النفس في حركتها لذلك قد يغفل ~~الإنسان متناسيا أن قيود المنهج لا تطبق عليه وحده، بل تطبق على كل ~~الناس. فحين يحرم الله السرقة، فهو لم يحرمها على إنسان واحد، بل ~~حرمها على كل إنسان، فقيد الآخرين ومنعهم من أن يسرقوا منك. وحين يأمرك ~~بغض بصرك عن محارم جارك، فهو يحمي محارمك أن ينظر إليها غيرك. إذن: ~~فالإيمان جاء بالنفعية لكل إنسان. وما دام الأمر كذلك، نجد الحق سبحانه ~~يقول: # اذكروا... # [فاطر: 3]. وحين يجلس الإنسان بمفرده ولا تحركه شهواته فهو يهتدي إلى ~~الإيمان بأن هذا الكون لم يأت صدفة. واسم الخالق للكون لا يمكن أن ~~يعرفه الإنسان بعقله لأن التصورات تختلف من إنسان لآخر. # وتجد أن الفلاسفة حين أقروا بأن هذا الكون لا بد له من خالق لم ~~يتعرفوا على الاسم، بل أخطأ بعضهم التصور وظنوا أن من خلق الكون ترك ~~النواميس لتعمل، ms4449 وتناسوا أن الخالق لا يباشر سلطانه في الكون مرة واحدة. ~~لذلك جاء الرسل بالمعجزات التي تخرق النواميس ليدلنا سبحانه على أنه هو ~~الذي خلق، وله قيومية على ما خلق، فليست المسألة مسألة نواميس تعمل ~~بذاتها، بل شاء سبحانه أن يدلنا على عدم الآلية في الكون. ونحن نعلم أن ~~الآلية التي يصممها البشر في بعض المعدات تتسبب في إحداث جمود، فالعقل ~~الإلكتروني ليست له قيومية على المعلومات المختزنة فيه، فلا يستطيع أن ~~يخفي منها شيئا إذا طلبت منه. أما عقل الإنسان فله سيطرة على معلوماته ~~ويستطيع أن يخفي ما شاء منها، ولذلك قال الحق سبحانه: # ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق ~~وأنتم تعلمون # [البقرة: 42]. فما دام قيل للإنسان: لا تكتم الحق. إذن: فله قدرة على ~~الإخفاء. والوردة الطبيعية - على سبيل المثال - حيويتها في ذبولها على ~~عكس الوردة الصناعية التي تظل على جمودها ليس فيها حياة. والحق حين يقول: # أفلا تعقلون... # [المؤمنون: 80]. أو # أفلا تتذكرون... # [السجدة: 4]. فهو يحرض الإنسان على أن يتذكر، ويتفكر، ويعتبر. ولو كان ~~القرآن يريد أن يخدع الإنسان، لما أثار انتباهه إلى ضرورة التذكر والتفكر ~~والتدبر والاعتبار. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى: هب أنك ذهبت ~~إلى محل للصوف لتشتري قماشا متميزا، فتجد البائع يفرد أمامك القماش، ~~ويشده بيديه ليبين لك متانته، ثم يأخذ منه خيطا ويحرقه ليبين لك أنه صوف ~~خالص نقي، إن هذا البائع يحاول أن يشرح لك خبايا صناعة الصوف لأنه واثق ~~من جودة ما يبيع. هذا ما يحدث فيما بين البشر، فما بالنا حين يعرض خالق ~~الكون على مخلوقاته أسرار الكون ويدعوهم عبر منهجه إلى التذكر ~~والتعقل والتفكر والتدبر والاعتبار. والحق سبحانه يطلب منا ذلك ثقة ~~منه في أن الإنسان منا، إن فعل ذلك فسيصل إلى مراد الحق من الخلق. وإياكم ~~أن تظنوا أن الله خلق لكم، ثم خلق لكم، ثم أنزل لكم المنهج ليسعد ~~حياتكم في الدنيا والآخرة، ثم اعتزلكم. لا، بل هو قيوم حياتكم ولا ~~تأخذه سنة ولا نوم، ولا يفلت منه شيء، ms4450 ولا أحد بقادر على أن يختلس منه ~~شيئا. وفي الحديث القدسي: # " يا عبادي إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم. وإن كنتم ~~تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم ". # وأنت في الحياة اليومية تعرف أن أحدا لا يقترب من إنسان قوي منتبه. ~~ويقول سبحانه بعد ذلك: { إليه مرجعكم جميعا وعد ~~الله... }. ### || [10.4] # وحين يقول سبحانه: { إليه مرجعكم جميعا } فهذا إعلام لكل ~~الخلق أن كل الأمور معلومة له سبحانه، فقد أنزل التكليف الذي قد يطاع ~~وقد يعصى. فمن أطاع يفرح بقوله سبحانه: { إليه مرجعكم ~~جميعا } ، ومن عصى يحزن لأنه سيلقى عقاب العصاة حين يرجع إلى الله. ~~ونجد القرآن يقول مرة: " يرجعون " ومرة يقول: " يرجعون " ، فمن ~~عمل صالحا فهو يفرح بالرجوع إلى الله، ومن عصى وكفر فهو يحزن ويخاف ~~ويتردد ويحاول ألا يرجع، لكنه يرجع رغم أنفه، والحق سبحانه يقول: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13]. وقوله سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { ~~إليه مرجعكم جميعا... } [يونس: 4]. وسمي هذا المرجع في ~~نفس الآية: { وعد الله حقا... } [يونس: 4]. ولقائل أن يقول: ~~ولكن الوعد يطلق على الأمر الذي سيأتي بخير، فإن كان المرجع للطائع فهذا ~~هو الخير، ولكن العاصي لن يرى في الرجوع خيرا، فلماذا لم يقل الله: إن ~~المرجع للعاصي وعيد؟ وأقول: إن الحق سبحانه إنما ينبه الإنسان لما ينتظره ~~في المستقبل، ويعظه، وترك له الاختيار، وهذا تقديم للخير، وهكذا تصبح ~~المسألة كلها وعدا. والصيغة التي يتقدم فيها المجرور رغم أن من حقه ~~التأخير، فهي تعني تفرد المرجع، فكلنا نرجع إليه سبحانه، مثل قوله ~~سبحانه: # إياك نعبد... # [الفاتحة: 5] إذن: فالطائع يفرح بجزاء الله له، وعلى العاصي أن يراجع ~~نفسه قبل أن يرجع إلى الله. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت ~~تنبه التلاميذ إلى أن يذاكروا طوال العام، فالذي يذاكر فعلا، يفرح ~~بالامتحان لأنه سوف ينجح فيه، والذي لا يذاكر قد يراجع نفسه ويقبل على ~~المذاكرة خوفا من الرسوب، والتذكير لون من ألوان الإنذار ليتهيب الموقف ms4451 ~~ويرتدع، وهكذا يصير التذكير وعدا لا وعيدا. ويضيف الحق سبحانه لوصف ~~وعده بأنه حق، فيقول: { وعد الله حقا } ولقائل أن يقول: أليس كل ~~وعد من الله حقا؟ ونقول: نعم. كل وعد من الله هو حق، وشاء الحق سبحانه ~~هنا أن يصف وعده بأنه حق ليذكرنا بأن الحق هو الشيء الثابت فإن خيل ~~إليك في بعض الأوقات أن الباطل هو السائد والسيد، فلتعلم أن الباطل لا ~~ثبات له ولا سيادة. وسبحانه يقول: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. فحين ينزل المطر نجد كل واد يأخذ من الماء على قدر ~~حاجته، وساعة ينزل المطر ويتجمع، نجد القش يطفو ومعه الحشائش والأشياء ~~التي لا فائدة منها لأن الماء في لحظة النزول إنما ينظف المكان الذي ~~ينزل عليه لذلك تطفو الأشياء الخفيفة وغير المفيدة. # كذلك الباطل إنما يطفو على السطح لكنه لا يفيد ولا يزعزع الحق الذي ~~يستقر وينفع الأرض والناس، وطفو الباطل إنما هو تنبيه لجنود الحق، ~~والباطل مثله مثل الألم الذي ينبه للمرض، وأخطر الأمراض هو الذي لا ~~ألم فيه، فيستفحل إلى الدرجة التي يصبح علاجه صعبا ومستحيلا. إذن: ~~فالألم كالباطل ينبه جنود الحق ولذلك أنت تلحظ أنه إذا ما أهيج الإسلام ~~من أي عدو، تجد الحماسة وقد دبت في الناس جميعا، حركة وتعاونا، ~~ونسيانا للأحقاد للدفاع عن الإسلام. وفي الأمراض التي تنتقل ببعض ~~الفيروسات، نجد الأطباء وهم يطعمون الناس من نفس ميكروبات أو فيروسات ~~المرض بجرعات ضعيفة لتستثير مقاومة الجسم، إذن: فالباطل جندي من جنود ~~الحق، كما أن الألم جندي من جنود العافية. وإذا كان الحق هو القائل: { ~~إليه مرجعكم جميعا } فلا بد أنه الوعد الحق لأنه سبحانه ~~يملك ما يعد به، وسبحانه منزه عن الكذب وعن الخديعة لأنه القائل: # ومن أصدق من الله ms4452 قيلا # [النساء: 122]. ولأنه أقوى مما خلق وممن خلق. ولا تخونه إمكاناته ~~لأنه يملك الكون كله. وكلمة " الرجوع " في قوله تعالى: { إليه ~~مرجعكم جميعا } تفيد أن تكون على شيء ثم تفارق هذا الشيء وبعد ~~ذلك ترجع له، فهي وجود أولا، ثم خروج عن الوجود، ثم عودة إلى الوجود ~~الأول. فإذا كنت في مكان، ثم ذهبت إلى مكان آخر، وترجع إلى المكان الأول، ~~فهذا هو الرجوع. والقول هنا يفيد أننا سنموت جميعا، مصداقا لقوله الحق: # كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام # [الرحمن: 26-27]. وقد قال الكافرون ما ذكره القرآن: # أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد # [ق: 3]. كأنهم قد استبعدوا فكرة البعث، وقالوا أيضا: # أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد... # [السجدة: 10]. أي: أنهم تساءلوا: هل بعد الموت والدفن وتحلل الجثمان ~~إلى عناصر تمتزج بعناصر الأرض، أبعد كل ذلك بعث ونشور؟ وجاء هنا قوله ~~سبحانه: { إليه مرجعكم جميعا } ليفيد أن الخروج إلى الوجود ~~بالميلاد إلى الحياة، ثم بعد ذلك خروج على الحياة إلى مقابلها وهو الموت، ~~ومن بعد ذلك البعث. وقد وقف الكافرون عند هذه النقطة واستبعدوها، فأراد ~~الله أن يبين لنا هذه المسألة لأنها تتمة التمسك بالمنهج، وكأنه يقول ~~لنا: إياكم أن تظنوا أنكم أخذتم الحياة، وأفلتم بها وتمتعتم، ثم ينتهي ~~الأمر؟ لا، إن هناك بعثا وحسابا. لذلك قال: { إليه مرجعكم ~~جميعا وعد الله حقا } [يونس: 4]. فإن قال قائل: كيف يكون ~~ذلك. يأتي القول الحق: { إنه يبدأ الخلق ثم يعيده } ~~فالذي قدر على أن يخلق من عدم أيعجز أن يعيد من موجود؟ إنه الحق القائل: # وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 9]. فإذا شاء أن يعيدكم فلا تتساءلوا كيف؟ لأن ذراتكم موجودة، ~~والحق سبحانه يقول: # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد # [ق: 15]. هكذا يستدل الحق سبحانه بالخلق الأول على إمكان الخلق الثاني، ~~فإن كنتم تتعجبون من أنكم تعودون بعد أن أوجد الحق أجزاءكم وذراتكم ~~ومواصفاتكم فانظروا إلى الخلق الأول فقد خلقكم ms4453 من لا شيء أفيعجز أن ~~يعيدكم من شيء؟ { أفعيينا بالخلق الأول }. وجاء الفلاسفة ~~وأقاموا ضجة، فجاء الحق سبحانه وتعالى من الكون بالأدلة، وقال: # وترى الأرض هامدة... # [الحج: 5]. أي: أرضا ميتة وليس فيها أي حياة. # فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت ~~من كل زوج بهيج # [الحج: 5]. إذن: فلا عجب أن تصدر حياة عن موت، وأنتم ترون ذلك كل ساعة. ~~والحياة التي تراها أمامك ليست إلا دورة لأن الله حين خلق الكون، خلق ~~عناصره، ولا زيادة على هذه العناصر. وخذ مادة واحدة وهي المياه، فمنذ أن ~~خلق الحق سبحانه المياه لم تزد ولم تنقص، ويشرب منها الإنسان والحيوان، ~~ولو أخذ كل واحد في حياته أي قدر من المياه، تظل المياه كما هي لأن هذا ~~الإنسان يفرز ما شربه على هيئة عرق وإفرازات مختلفة، وكل ذلك يخرج منه، ~~ويبقى ما يمثل وزنه. إذن: فما أخذته من المياه إنما يخرج منك مختلطا ~~بأشياء نتيجة التفاعل الذي يعطيك طاقة الحياة، وبعد ذلك يتبخر الماء، ~~وعملية التبخير هي تقطير للماء، فأنت إذا أردت تقطير المياه تسخنها إلى ~~درجة الغليان فتتحول بعد ذلك إلى بخار، ثم تكثفها لتعود مياها من جديد. ~~إذن: فالماء له دورة، نروي منه الزرع فيأخذ المائية ويصير أخضر اللون، ~~ويخرج منه الماء الزائد عن حاجته في عملية النتح، ثم يجف، بعد أن تخرج ~~منه المياه بالتبخر، وكل ذلك دون أن يشعر أحد بحكاية التبخير هذه. وأنت ~~حين تحضر كوبا من الماء المقطر في الصيدلية، تتكلف كثيرا، وتحتاج ~~موقدا وإناء وأنابيب، ثم إلى مياه أخرى باردة لتكثف البخار، ولكن هذه ~~مسألة تحدث في الكون ملايين المرات، ولا يدري بها أحد. وبعد أن تتبخر ~~المياه تصير سحابا، ثم ينهمر المطر وهو مياه مقطرة. ولذلك تجد أن مساحة ~~رقعة الماء ثلاثة أرباع الأرض لتخدم الربع الباقي اليابسة لأن الله يريد ~~اتساع سطح الأرض، وهذا الاتساع هو الذي يساعد على التقطير والتبخير ~~والتكثيف. مثلما تجيء أنت بكوب ماء، وتضعه في حجرة، ثم تغيب شهرا عن ~~الحجرة، ms4454 فعند عودتك إليها قد تجد الكوب نقص ما مقداره نصف سنتيمتر ~~تقريبا، لكنك إن أخذت كوب الماء نفسه وألقيت ما فيه من ماء ليسيح على ~~أرض الغرفة، فستجد أن الأرض جفت خلال ساعات قليلة، وهكذا نجد أن اتساع ~~الرقعة إنما يساعد على سرعة البخر. # إذن: الكمية التي خلقها الله من المياه كما هي، لم تزد ولم تنقص، تدور ~~الدورة التي شاءها الحق، وهكذا نرى أن الشيء يعود إلى أصله مرة أخرى، ~~ويمكن أن نرى ذلك في كل أوجه الحياة، والحق سبحانه يقول: # والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات ~~يسرا * فالمقسمات أمرا * إنما توعدون لصادق # [الذاريات: 1-5]. يقسم الحق سبحانه هنا بالرياح التي تحمل السحاب، وتمطر ~~كل سحابة على الموقع المحدد لها بأمر من الله، ويلفتنا الحق سبحانه هنا ~~إلى دورة الماء، الذي هو قوام الحياة، بأن الوعد منه سبحانه يتحقق حتما. ~~تأمل الوردة، تجد لها نعومة ونضارة لأن فيها شيئا كثيرا من المائية، ~~ولها لون جميل ورائحة ذكية تفوح، فإذا قطفتها تتساقط أوراقها وتجف لأن ما ~~فيها من المائية يتبخر فما أخذته الوردة من الماء عاد إلى مخزنه مرة ~~أخرى، وكذلك الرائحة تظل في أرواقها الذابلة إلى أن تنتهي، وكذلك اللون، ~~ثم تخرج وردة جديدة. إذن: حياة كل كائن في الوجود والعالم في حركته ناشئة ~~عن هذه الدورة، فإذا كانت مائية حياتكم تدور أتستبعد أن تدور أنت ~~بمكوناتك؟ هب أن إنسانا وجد ومات بخروج الروح من الجسد ويوارى ~~الجثمان ويتبخر ما فيه من ماء، وتتحلل مواد الجثمان مع عناصر الأرض لتصير ~~ترابا، فهل يعجز الحق أن يعيد إلى الوجود أبعاض هذا الإنسان؟ طبعا لا ~~يمكن أن يعجز. الحياة - إذن - احتكاك هذه الدورات لتلك العناصر، فلم يزد ~~شيء عليها، ولم ينقص منها شيء. واقرأ القرآن بتبصر تجد قوله الحق: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4]. وهكذا يبين لنا الحق أن العناصر كلها موجودة في الكون، قد ~~تزيد في مخلوق عن الآخر، لكن المجموع الكلي لكل العناصر ثابت، وإذا ms4455 كان ~~العلم قد توصل إلى أن هناك ستة عشر عنصرا تكون الكائنات، فهذه العناصر ~~ثابتة الكمية، وإن اكتشفوا زيادة في عددها، فالزيادة في عدد العناصر ~~ستكون أيضا ثابتة الكم لكل عنصر. وقال العلماء: إن الستة عشر عنصرا ~~هي: الأوكسوجين، والكربون، والهيدروجين، والنتروجين، والمغنسيوم، ~~والبوتاسيوم، والصوديوم، وغيرها. كل هذه العناصر تعود إلى أصلها بعد أن ~~تموت الكائنات وتتحلل. هكذا يصدق قول الحق: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4]. وقد حاول بعض الفلاسفة أن يعترضوا اعتراضا ثانيا وقالوا: هب ~~أن إنسانا مات، ثم تحللت عناصره في الأرض. ألا تذهب عناصره إلى كائنات ~~أخرى، مثل شجرة أنتجت ثمرة أو غير ذلك، ثم أكلها إنسان آخر، فدخلت في ~~أجزائه، إذن: فمن مات ونشأت على أنقاضه ثمرة، أو غير ذلك، ودخلت المكونات ~~في إنسان آخر، فكيف يبعث الله كل إنسان من جديد؟ ونقول: أنت عرفت ~~شيئا، وغابت عنك أشياء. # انظر مثلا إلى السمنة والنحافة كظاهرة موجودة في الناس وتراها كل ~~يوم، ومعنى السمنة أن كمية من مادة معينة تزيد في الإنسان السمين أكثر من ~~مادة الإنسان الآخر النحيف. وقد يطرأ على السمين ما يجعله نحيفا أو ~~العكس. فهل هذا يغير من شخصيته؟ طبعا لا، وهكذا نجد فارقا بين ~~المشخصات وبين تكوين المشخصات من العناصر. وما دام الحق سبحانه قد أعلمنا ~~أنه لا شيء ينقص من الأرض إلا بمقدار مكونات الكائنات الموجودة عليها، ~~فالعناصر التي في الأرض تكفي كل الكائنات، ويوزعها سبحانه بالنسب ~~اللازمة، وأنت إن جمعت هذه العناصر فستجدها ثابتة الكم وإن اختلفت في ~~كيفية تكوين الكائنات. مثال ذلك: أنك تجد إنسانا وزنه مائة كيلو جرام، ~~ويمرض فيهزل وينقص وزنه إلى سبعين كيلو جراما، ومعنى ذلك أن الثلاثين ~~كيلو جراما الأخرى ذهبت إلى الأرض، فلكل جسم قاعدة يقف عندها الوزن إلى ~~سن معينة، وتعتبر هذه هي القاعدة التي يزيد فوقها الوزن، أو يقل عنها ~~حسب ظروف التغذية والصحة. وأنت ترى الطفل يفرز أقل مما يتناول من الغذاء ~~حتى ينمو، ولو كان ms4456 يخرج إفرازات تساوي - في الكمية - ما يأكل ويشرب ~~لما كبر. ومن بعد ذلك يكبر إلى أن يصل إلى وزن ثابت تقريبا، فتخرج منه ~~إفرازات تساوي ما يدخل إليه، ثم تأتي الشيخوخة فيخف الوزن، وهذا يعني أن ~~ما يخرج منه أكثر مما يدخل إليه فتنشأ النحافة. وهب أن طبيبا حاذقا ~~استطاع أن يعلم الداء الذي يسبب إصابة مريض ما بالهزال، وأعطاه من الدواء ~~ما جعله يسترد عافيته، ومعها ما فقد من الوزن، وتتحسن تغذية هذا المريض ~~أثناء فترة العلاج، فهل تتغير شخصية هذا المريض؟ طبعا لا لأن ما خرج منه ~~أثناء الهزال ذهب إلى الأرض، ثم استرد مثله من الأغذية أثناء الشفاء. ~~إذن: فلا تقل: إن هناك شيئا نقص، فعند الله كتاب حفيظ فيه مكونات كل ~~الكون، ويأتي بعناصر معينة، ويأمرها ب " كن " فتكون إنسانا، أو تكون ~~كائنا آخر حسب مشيئة الله سبحانه. وإذا كنا نتحدث الآن كيميائيا فنحن ~~نتكلم بذلك ليثبت عقديا وعقليا لأننا آمنا بأن هناك منهجا من ~~المكلف، والمنهج عرضة لأن يطاع أو يعصى، ومن يطع الله في المنهج، ~~فهو يحدد حريته، والذي لم يطع الله واستسلم للضياع فهو الخاسر لأن منطق ~~العقل يؤكد أن من يأخذ المنهج ويلتزم به ويكبح شهواته لا يمكن أن يستوي ~~مع من عبث، ولا بد أن يفترض منطق العقل أن يوجد بعث يجازي بالطيبات من ~~سار على المنهج، ويعاقب من خرج على المنهج. وما دام قد وجد إله، ووجد ~~بلاغ عن الله بواسطة الرسل، ووجد تكليف ب " افعل " و " لا تفعل " ، ~~ووجدت طاعة للتكليف، ومعصية للتكليف، إذن: لا بد بعد هذه الحياة من بعث، ~~ويأخذ من أحسن جزاءه، وينال من أساء عقابه ولذلك قال الحق: { ~~إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ ~~الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات بالقسط. # .. } [يونس: 4]. جاء هذا القول مطمئنا الملتزمين بالمنهج بأن هناك ~~بعثا وحسابا لأن المؤمن المطيع لا بد أن ينال حسن الثواب، وأن ينال ~~العاصي الشرير الذي شقيت الدنيا كلها بعصيانه العقاب، ms4457 ولذلك لا بد من ~~الإعادة ليجزي الله كل واحد بعمله بالقسط. والقسط - كما أوضحنا من قبل - ~~معناه العدل، والمادة هي القاف والسين والطاء. ننطقها مرة " القسط " بكسر ~~القاف. وننطقها مرة أخرى " القسط " بفتح القاف والقسط " بالكسر " هو ~~العدل والقسط " بالفتح " هو الظلم، ولذلك نجد قوله الحق: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15]. والمقصود بالقاسطين: الجائرون على حقوق غيرهم. ونجد قوله ~~الحق: # وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله ~~يحب المقسطين # [المائدة: 42]. والمقسطون: هم العادلون بين الناس. إذن: فهناك " قسط ~~" و " قسط " ، وهناك شيء اسمه " قسط " بالفتحتين وهو الانحراف في ~~الرجلين. إلا أن المستعمل في كلمة " قسط " هنا مقصود به العدل، واسم ~~الفاعل منها " قاسط " واستعملت في الجور. وهي مأخوذة من القسط لا من ~~القسط، وتجد من أسماء الله " المقسط " ، ولم يصف نفسه بالقاسط بمعنى ~~العادل، أي: ابتدأ بالعدل أولا، وشاء سبحانه فوصف نفسه بالمقسط، لأنه ~~هو الذي يرفع الجور فيحقق العدل. وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق ~~سبحانه: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~بالقسط } أي: جزاء منه بالعدل، وأيضا يمكن أن نقول: إنه سبحانه ~~يجزيهم لأنهم عدلوا في العقيدة لأن القرآن الحكيم - كما نعلم - جاء ~~حاكما وفيصلا بين قضايا العقائد وقضايا الاختيار في الأفعال وقضايا ~~الأخلاق، وهؤلاء قد أخذوا المنهج بدون ظلم لله فلم يشركوا به أحدا، ~~والحق سبحانه هو القائل: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. إذن: فهم بعدلهم وبقسطهم في أمر العقيدة وأنهم لم يرتكبوا ~~إثم الشرك الذي هو ظلم عظيم وبذلك لم يظلموا أنفسهم أيضا، ولم يأخذ واحد ~~منهم لنفسه متعة عاجلة لذلك أنقذهم الله من الشقاء الأبدي الطويل، وهم لم ~~يظلموا الناس. ولكل ما تقدم لا بد أن يجزيهم الله على العمل الصالح بسبب ~~عدلهم وقسطهم. وقد يقال: إن الجزاء بالقسط لا زيادة فيه ولا نقصان، فإذا ~~كان الجزاء من الله، فالعدل على مقتضى التشريع أن تكون الحسنة بعشر ~~أمثالها، ويضاعف سبحانه لمن شاء، هذا هو عدل الله بالتشريع. أو أن الجزاء ~~يعطى بلا زيادة ولا ms4458 نقصان جزاء العدل، ولكن ذلك لم يحدد الفضل في هذه ~~الآية. # ولذلك حدث إشكال بين علماء الكلام في قول الله سبحانه: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]. فقال بعضهم: إذا كان الإنسان لا يأخذ إلا جزاء ما سعى، ~~فكيف يجزى جزاء على الحسنة بعشر أمثالها؟ وكذلك ماذا عن صلاة الجنازة؟ ~~وهل ينتفع بها الميت حين ندعو له بالمغفرة؟ وإن كان الإنسان لا يأخذ إلا ~~ما سعى فلن ينتفع بها الميت، فلماذا كلفنا الحق سبحانه بصلاة الجنازة ~~كفرض كفاية، لا فرض عين؟ ونقول: إن وجود اللام في قوله: { وأن ليس ~~للإنسان } يفيد الملك، أي: الحق، والآية تعطي الحق ولكنها لم تمنع ~~الفضل، أو نقول: هل نصلي على كل ميت؟ نحن نصلي على الميت المؤمن، ~~والإيمان من عمله، وهو يجازي بصلاتنا عليه، أي: جزاء عمله. ويقول ~~سبحانه: { والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب ~~أليم بما كانوا يكفرون } وهكذا نعرف أن العذاب الأليم قد ~~جاء لهم بسبب الكفر، مثلما يجيء الجزاء على الأعمال الصالحة للمقابل لهم ~~بسبب الإيمان والعمل الصالح. إذن: فالقسط هنا تعود على قسط الله، وهو ~~العدل، وكذلك قسطهم هم لأنهم حكموا في الربوبية بالعدل. أما الكافرون، ~~فالعدل معهم أن يذيقهم الله شرابا من حميم بما كانوا يكفرون، وهذا ما ~~يرجح أن القسط هنا هو قسطهم هم. وكلمة { حميم } مأخوذة من مادة " ~~الحاء " و " الميم " و " الميم " وهي مادة كل موارد معانيها فيها الحرارة ~~والسخونة. والحق سبحانه يقول في آية أخرى: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي ~~الوجوه... # [الكهف: 29]. و { كالمهل } أي: أنه يغلي، وحين تكون المادة من غير ~~الماء، فدرجة حرارتها أثناء الغليان تكون أعلى من درجة حرارة غليان الماء ~~فالنحاس مثلا حين يغلي تكون درجته أعلى من درجة غليان الماء، وكذلك ~~الحديد والذهب وغيرها، وسبحانه يقول: # إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي ~~في البطون * كغلي الحميم # [الدخان: 43-46]. إذن: فدرجة غليان المهل أعلى من درجة غليان الماء، ~~والمادة كلها تفيد الحرارة. وإن نظرنا إلى كلمة " حمام ms4459 " و " استحم " ، ~~فهي تعني أن الماء حين ينزل على البدن يكون له ثلاث صور: الصورة الأولى ~~مسح، والصورة الثانية غسل، والصورة الثالثة استحمام. والمسح أن تبل الشيء ~~بالماء بدون أن يقطر منه شيء، والغسل أن تسيل الماء من الجسد ~~المغسول، والاستحمام أيضا فيه سيولة للماء. والغسل للتطهير، لكن ~~الاستحمام للتنظيف، فإن أحدثت فأنت تقوم لتتوضأ. # فاغسلوا وجوهكم... # [المائدة: 6]. تنفيذا لأمر الله وهو غسل التطهير، ويقوم مقامه التراب ~~في حالة عدم وجود الماء وهو التيمم. أما إذا كانت المسألة تنظيفا فهي ~~تحتاج إلى الاستحمام لأن مسام الإنسان لها إفرازات قد تكون دهنية، وبعد ~~ذلك تطرأ عليها أتربة تسدها، وهذه المسام أبعاض من الإنسان وأبعاض من ~~تراب طاهر جاء على الجسم، وهي لا تنجسه، فإن اغتسلت فيكفي أن تصب الماء ~~على الجسم، ولو بقي بعض من ذرات التراب على البدن فهذا لا يمنع الطهارة، ~~لكن حين يستحم الإنسان فهو يأتي بماء حار ليذيب القذارة وينقي المسام، ~~وتخرج بعض الأتربة ومعها الخلايا الجلدية الميتة وكأنها خيوط رفيعة. # إذن: هناك فرق بين الغسل وهو للتطهير وبين الاستحمام الذي هو للنظافة. ~~ونأخذ منه الحمام، إذن: مادة الحاء والميم والميم فيها الحرارة وفيها ~~السخونة. ويقول الحق هنا: { والذين كفروا لهم شراب من ~~حميم } ، وكلمة { شراب } تفيد الارتواء، فلماذا جاء بها الله هنا؟ ~~إنها تصعيد للعذاب لأن الإنسان يرغب في الشراب ليرطب جوفه، فإذا ألهبه ~~ما يشرب، فهذا أكثر إيلاما مثل قوله تعالى: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه ~~بئس الشراب... # [الكهف: 29]. وحين تسمع هذه الآية تجد انبساط الأمل في صدر الآية { ~~وإن يستغيثوا يغاثوا } وهم يستشرفون للنجاة، ثم يأتيهم غوث ~~من لون يناسب ما اقترفوه من ذنوب { يغاثوا بمآء كالمهل }. ~~إذن: ف { والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب ~~أليم بما كانوا يكفرون } أي: بسبب كفرهم. وعرفنا أنهم كفروا ~~بالقضايا العقدية. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { هو الذي جعل ~~الشمس... }. ### || [10.5] # وبعد أن بين الحق أنه خلق السماء والأرض وخلق الكون كله وسخره للإنسان ~~جاء ms4460 لنا بنعم من آياته التي خلقها لنا، والتي جعلها الله سبحانه وتعالى ~~سببا لقوام الحياة فالشمس هي التي تنضج لنا كل شيء في الوجود، وتعطي ~~لكل كائن الإشعاع الخاص به، كما أن الشمس تبخر المياه - كما قلنا من قبل ~~- لينزل الماء بعد ذلك عذبا فراتا، يرتوي منه الإنسان وتشرب منه ~~الأنعام ونروي به الزرع. والشمس هي الأم لمجموعة من الكواكب التي تدور ~~حولها، فدورة الأرض حول الشمس تمثل السنة، ودورة الأرض حول نفسها تمثل ~~اليوم. فيقول الحق سبحانه هنا: { هو الذي جعل الشمس ضيآء ~~والقمر نورا } ولو نظرت إلى المعنى السطحي في الشمس والقمر لقلت: ~~إن الشمس تعطي نورا وكذلك القمر، ولكن النظرة الأعمق تتطلب منك أن ~~تفرق بين الاثنين فالشمس تعطي ضياء، والقمر يعطي نورا. والفرق بين ~~الضياء والنور يتمثل في أن الضياء تصحبه الحرارة والدفء، والنور إنارة ~~حليمة، ولذلك يسمى نور القمر النور الحليم فلا تحتاج إلى الظل لتستظل من ~~حرارته، لكن الشمس تحتاج إلى مظلة لتقيك حرارتها. إذن: فالنور هو ضوء ليس ~~فيه حرارة، والحرارة لا تنشأ إلا حين يكون الضوء ذاتيا من المضيء مثل ~~الشمس. أما القمر فضوؤه غير ذاتي ويكتسب ضوءه من أشعة الشمس حين تنعكس ~~عليه، فهو مثل المرآة حين تسلط عليها بعضا من الضوء فهي تعكسه. إذن: ~~القمر مضيء بغيره، أما الشمس فهي تضيء بذاتها. لذلك قال الحق هنا: { ~~جعل الشمس ضيآء والقمر نورا }. وكلمة { ضيآء } إما ~~أن تعتبرها مفردا مثل صام صياما، وقام قياما، وضاء ضياء. وإما أن ~~تعتبرها جمعا، مثلها مثل حوض جمعه: حياض، ومثل روض جمعه رياض، وكذلك ~~جمع ضوء هو ضياء. إذن كلمة { ضيآء } تصلح أن تكون جمعا وتصلح أن تكون ~~مفردا، وحين يجيء اللفظ صالحا للجمع وللإفراد، لا بد أن يكون له عند ~~البليغ ملحظ لأنه يحتمل هذه المعاني كلها، وقبل معرفتنا أسرار ضوء الشمس ~~وقبل تحليله، كنا نقول: إنه ضوء، لكن بعد أن حللنا ضوء الشمس، وجدنا أن ~~ألوان الطيف سبعة منها ضوء أحمر، وضوء أخضر، وضوء ms4461 أصفر، وغيرها. إذن: ف ~~" ضياء " تعبر عن تعدد الألوان المخزونة في ضياء الشمس، فإن قلت: ضياء ~~جمع ضوء، فهذا بتحليل الضوء إلى عناصره كلها، وإن قلت: ضياء مثل قيام، ~~ومثل صيام، فهذا يصلح في المعنى العام. ولذلك كان القرآن ينزل بما تحتمله ~~العقول المعاصرة لنزوله التي لا تعرف المعاني العلمية للظواهر. ولو قال ~~القرآن هذه الحقائق، لقال واحد: إنني أرى الشمس حمراء لحظة الغروب، ~~وأراها صفراء لحظة الظهيرة، وهو لا يعلم أن الحمرة وقت الغروب هي حمرة في ~~الرؤية لطول الأشعة الحمراء، وهي لا تظهر إلى حين الغروب حيث تكون الشمس ~~في أبعد نقطة، فلا يصل إلينا إلا الضوء الأحمر، أما بقية الأضواء فهي تشع ~~في الكون ولا تصل إلينا. # إذن: كلمة { ضيآء } ، إما أن تعتبرها جمع ضوء، مثل سوط وسياط، وحوض ~~وحياض، وروض ورياض، وإما أن تعتبرها مفردة. هذه صالحة للمعنى العام، وتلك ~~صالحة للمعنى التحليلي ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى: # تبارك الذي جعل في السمآء بروجا وجعل فيها ~~سراجا وقمرا منيرا # [الفرقان: 61]. والسراج هو ما يعطي الضوء والحرارة، وهو وصف مناسب ~~للشمس. وهنا يقول الحق: { هو الذي جعل الشمس ضيآء ~~والقمر نورا وقدره منازل } ، وكلمة { وقدره } ~~تعود في ظاهر الأمر إلى القمر. لكن في الواقع أن الشمس لها منازل أيضا، ~~وقال الحق: { وقدره } لأن هناك شيئا اسمه " الجعل " ، فهو سبحانه ~~جعل الشمس ضياء، وجعل القمر نورا. إذن: فالجعل جاء بأمرين اثنين جعل ~~للشمس ضياء وجعل للقمر نورا، هذا الجعل نفسه جعله الله لنقدر به الزمن، ~~فهو صالح للاثنين للشمس وللقمر لنعلم عدد السنين والحساب. وفي العبادات ~~نحتاج إلى تحديد بداية شهر رمضان لنمارس عبادة الصوم، ونحتاج إلى تحديد ~~أشهر الحج، وكذلك تحتاج المرأة مثلا إلى حساب شهور العدة، وكل هذه ~~التقديرات تخضع للهلال، فهو علامة واضحة للكل، فهو يبدأ صغيرا ويكبر ثم ~~يصغر. # والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم # [يس: 39]. و " العرجون " هو ما نسميه " السباطة " التي تحمل " شماريخ " ~~البلح، وكانوا يصنعون منها قديما المكانس ms4462 التي يكنسون بها بيوت البادية ~~والريف، وهكذا أعطانا الله تشبيها من البيئة التي عاش فيها العربي ~~القديم. وفي أول كل شهر كلنا نرى الهلال كعلامة مخبرة عن ميلاد الشهر، ~~وهكذا تعلم الإنسان أن يحسب الشهور بتقدير منازل القمر، وبالنسبة للسنة ~~فالحق سبحانه يقول: # إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في ~~كتاب الله يوم خلق السموت والأرض... # [التوبة: 36]. والتقدير هنا اثنا عشر شهرا هلاليا. أما اليوم فيقدر ~~بالشمس لذلك فهي تدخل في تقدير المنازل. وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد شاء ~~أن يجعل " الجعل " لأمرين مجعول الشمس، ومجعول القمر، مصداقا لقوله: { ~~وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما ~~خلق الله ذلك إلا بالحق }. والحق - كما أوضحنا - هو ~~الشيء الثابت الذي لا يتغير. وحين نتأمل مسار الأفلاك، ومسار الشمس، ~~ومسار القمر، لا نجد فيها خلافا، بل نجد مراصد الكفار تعلن مواعيد تواجد ~~القمر بين الأرض والشمس، وقد توجد الأرض بين القمر والشمس، ويتسبب هذا في ~~ظاهرتي الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، وكل هذه الأمور تجدها عندهم غاية في ~~الدقة. # ولا اليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. وهذا القول الحكيم قد أثبت للعرب حكما يعتقدونه، ونفى حكما ~~آخر يعتقدونه، فالعرب كانت تعتقد أن الليل قبل النهار، بدليل أن تحديد ~~الليلة الأولى في رمضان هو الميعاد الذي يبدأ فيه شهر الصوم، وما داموا ~~قد حكموا بأن الليل هو الذي يسبق النهار، فلا بد من حكم مقابل وهو أن ~~النهار لا يسبق الليل. وجاء القرآن إلى القضية المتفق عليها وتركها، وهي ~~أن النهار لا يسبق الليل مثلما اعتقد العرب، ونفى القرآن أن يسبق الليل ~~النهار. وكان المخاطب - إذن - يعتقد أن الليل يسبق النهار، ويصحح الله ~~المفاهيم فلا الليل يسبق النهار ولا النهار يسبق الليل. وهكذا عرض الحق ~~سبحانه للكونيات عرضا رمزيا في القرآن لأنه لو جاء بالتوضيح العلمي ~~لذلك لكذب العرب القرآن، فلو قال القرآن بصريح العبارة: إن الأرض ~~كروية، لعارض الناس ذلك وقت نزول القرآن، وما زلنا نجد من يعارض تلك ms4463 ~~الحقيقة في أواخر القرن العشرين لذلك لم يكشف الحق كل الحقائق الكونية، ~~بل أشار إليها بما يحتمل قبول العربي البسيط لها. وما دام لا يسبق ~~النهار، والنهار لا يسبق الليل، فكيف جاء هذا الأمر - إذن؟ ونقول: هل خلق ~~الله الشمس مواجهة لسطح الأرض أولا، ثم غابت الشمس فجاء الليل؟ كان ~~هذا الأمر يصح لو أن الأرض كانت مسطوحة، ولكن الحق سبحانه خلق الأرض ~~كروية، وذلك دليل على أن الحق سبحانه خلق الشمس والأرض على هيئة يوجد ~~فيها الليل والنهار معا، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الأرض كروية، فالنصف ~~المواجه للشمس يكون الوقت فيه نهارا، وغير المواجه لها يكون الوقت فيه ~~ليلا، ثم تدور الأرض فيأتي النهار إلى القسم الذي كان ليلا، ويأتي ~~الليل للقسم الذي كان نهارا. إذن: فالحق سبحانه حكى في القرآن الكريم عن ~~الأمور الكونية - التي سوف تستكشفها العقول بعد نزول القرآن - وعالجها ~~بحكمة ودقة، وعلى سبيل المثال نجد قوله الحق: # وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة... # [الفرقان: 62]. ثم يأتي التعليل: # لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا # [الفرقان: 62]. فالليل خلفة النهار، ومعنى خلفة أي: يخلف غيره. والمثال ~~من حياتنا نجده في دوريات الحراسة، نجد إنسانا يحرس موقعا ما - مدة ست ~~ساعات مثلا - وبعد انتهاء فترة الحراسة يسلم المهمة لحارس ثان، وبذلك ~~يخلف واحد الآخر، لكن من الذي بدأ المهمة الأولى في الحراسة قبل أن يأتي ~~إنسان ليتسلم منه دورية الحراسة؟ وكذلك الأمر في الليل والنهار، فبين ~~الحق سبحانه أن الليل والنهار خلفة، ومعنى ذلك أن كلا منهما كان ~~موجودا من البدء ولأن الأرض تدور جاء النهار في البلاد التي تشرق فيها ~~الشمس، وجاء الليل في البلاد التي تغيب عنها الشمس، وتتابع الليل ~~والنهار. هكذا فصل الحق سبحانه آياته لنا، وقال سبحانه: { يفصل ~~الآيات لقوم يعلمون }. ويقول سبحانه بعد ذلك: { إن في ~~اختلاف اليل... }. ### || [10.6] # وهكذا بين الحق اختلاف الليل عن النهار مما يؤكد أنهما وجدا معا، وعطف ~~عليها { وما خلق الله في السماوات والأرض } لأنه ~~سبحانه ms4464 خلق الكون بما فيه من مقومات حياة من مأكل ومشرب وهواء، وغير ذلك، ~~ثم سخر الكون كله لخدمة السيد وهو الإنسان. ولو نظرت إلى مقومات ~~الحياة لوجدت فيها احتياجات أساسية تتمثل في نفس هواء، وشراب ماء، وطعام ~~هذه أهم احتياجات الإنسان من مقومات الحياة. ويصبر الإنسان على المأكل ~~أكثر مما يصبر على المشرب، ويصبر على المشرب أكثر مما يصبر على نفس ~~الهواء، بل ولا يملك الإنسان الصبر على نفس الهواء مقدار شهيق وزفير. ~~لذلك شاء الحق أن يملك قوم طعام غيرهم، لأن الجسم يمكنه أن يصبر على ~~الطعام لمدة قد تصل إلى الشهر ويعتمد في ذلك على إذابة الدهن المتراكم ~~بداخله، عكس ما اخترع البشر من آلات، فالسيارة لا يمكن أن تسير لمتر واحد ~~دون وقود، أما الجسم فيتحمل لعل من يملك الطعام يخفف من القيود، أو لعل ~~الإنسان الجائع يجد طريقه لينال ما يقتات به. أما الماء فقد شاء الحق أن ~~يقلل من احتكار البشر له لأن الإنسان أكثر احتياجا للماء من الطعام. أما ~~الهواء فسبحانه وتعالى لم يملك الهواء لأحد لأن الهواء هو العنصر ~~الأساسي للحياة ولذلك اشتق منه لفظ النفس، ونفس ونفس. ولو نظرت إلى ~~الهواء في الوجود كله لوجدته عامل صيانة لكل الوجود من ثبات الأرض، إلى ~~ثبات المباني التي عليها، إلى ثبات الأبراج، إلى ثبات الجبال، كل ذلك ~~بفعل الهواء لأن تياراته التي تحيط بجوانب كل الأشياء هي التي تثبتها، ~~وإن تخلخل الهواء في أي ناحية حول تلك المباني والجبال فهي تنهدم على ~~الفور. إذن: الهواء هو الذي يحفظ التوازن في الكون كله. ولذلك قلنا: إنك ~~لو استعرضت ألفاظ القرآن لوجدت أن الحق سبحانه حينما يتكلم عن تصريف ~~الرياح، فهو سبحانه يتكلم بدقة خالق، بدقة إله حكيم، فهو يرسل من ~~الرياح ما فيه الرحمة، مثل قوله الحق: # وأرسلنا الرياح لواقح... # [الحجر: 22]. لكن إذا جاء بذكر ريح ففي ذلك العقاب، مثل قوله: # بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6]. ومثل قوله: # فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا ~~هذا عارض ms4465 ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح ~~فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها ~~فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزي ~~القوم المجرمين # [الأحقاف: 25]. لأن الرياح تأتي من كل ناحية، فتوازن الكائنات، أما ~~الريح فهي تأتي من ناحية واحدة فتدهم ما في طريقها. وهنا يقول سبحانه: { ~~وما خلق الله في السماوات والأرض } أي: أنه جاء ~~بالمخلوقات الأخرى مجملة بعد أن جاء بذكر الشمس والقمر كآيتين منفصلتين، ~~ثم ذكر السماوات والأرض وما فيهما من آيات أخرى: من رعد، وبرق، وسحاب، ~~ونجوم وعناصر في الكون، كل ذلك مجمل في قوله: { وما خلق الله في ~~السماوات والأرض } لأنه لو أراد أن يفصل لذكر كثيرا من ~~الآيات والنعم، وهو القائل: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها... # [إبراهيم: 34]. والقرآن ليس كتابا لبسط المسائل كلها، بل هو كتاب منهج، ~~ومن العجيب أنه جاء ب " إن " وهي التي تفيد الشك في قوله: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # لأن أحدا مهما أوتي من العلم ليس بقادر أن يحصي نعم الله في الكون ~~ولأن الإقبال على العد فرض إمكان الحصر، ولا يوجد إمكان لذلك الحصر ~~لذلك لم يأت ب " إذا " ، بل جاء ب " إن " وهي في مقام الشك. والأعجب ~~من هذا أنك تجد أن العد يقتضي التكرار، ولم يقل الله سبحانه: وإن ~~تعدوا نعم الله، بل جاء ب " نعمة " واحدة، وإذا استقصيت ما في النعمة ~~لوجدت فيها آلاف النعم التي لا تحصى. وينهي الحق الآية بقوله: { ~~لآيات لقوم يتقون } ، والآيات تطلق ثلاث إطلاقات: الإطلاق ~~الأول آيات القرآن، والإطلاق الثاني على المعجزة الدالة على صدق الرسول، ~~والإطلاق الثالث للآية أنها تحمل عجيبة من عجائب الكون الواضحة في الوجود ~~الدالة على عظمة الله سبحانه. وهذه الآيات خلقها الله لتلفت إلى ~~مكون هذه الآيات، واللفتة إلى مكون هذه الآيات ضرورة لينشأ ~~الإنسان في انسجام مع الكون الذي أنشىء من أجله، بحيث لا يأتي له بعد ذلك ~~ما ينغص هذا الانسجام، فهب أن إنسانا ارتاح في حياته الدنيا ثم استقبل ~~الآخرة ms4466 بشقاء وجحيم، فما الذي استفاده من ذلك؟ إذن: كل المسائل التي ~~تنتهي إلى زوال لا يمكن أن تعتبر نعمة دائمة لأن النعمة تعني أن تتنعم ~~بها تنعما يعطيك يقينا أنها لا تفارقك وأنت لا تفارقها، والدنيا في ~~أطول أعمارها إما أن تفوت النعمة فيها الإنسان، وإما أن يفوت هو ~~النعمة. والحق - سبحانه وتعالى - يبقي الذين يريدون أن يتقوا الله ~~ليصلوا إلى نعيم لا يفوت ولا يفات، ويجب أن ينظروا في آيات الكون لأنهم ~~حين ينظرون في آيات الكون بإمعان يكونون قد أفادوا فائدتين: الفائدة ~~الأولى أن يفيدوا مما خلق الله، والفائدة الثانية أن يعتبروا بأن هذا ~~الكون الذي خلقه الله إنما جعله وسيلة ومعبرا إلى غيره، فقد خلق فيه ~~الخلق ليعيش بالأسباب، ولكنه يريد أن يسلمه بعد ذلك إلى حياة يعيش فيها ~~بالمسبب وهو الله. فالذين يتقون هم الذين يلتفتون، والذين لا يتقون لا ~~يعتبرون بالنظر في الكون وتمر على الإنسان منهم الأشياء فلا يعتبرون بها، ~~كما قال الله: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. إذن: فهم لا يلتفتون إلى ما في آيات الحق من الآيات الدالة ~~على عظمة قدرة الله سبحانه فهم غير حريصين على أن يقوا أنفسهم عذاب ~~الآخرة. ويقول الحق بعد ذلك: { إن الذين لا يرجون ~~لقآءنا... }. ### || [10.7] # والرجاء هو طلب شيء محبوب متوقع، والتمني طلب شيء محبوب إلا أنه غير ~~ممكن الحدوث، ولكنك تعلن بتمنيك أنه أمر تحبه، مثل من قال: # ألا ليت الشباب يعود يوما # فأخبره بما فعل المشيب # هو بهذا القول يبين أن الشباب أمر محبوب ومرغوب. لكن هل يتأتى هذا؟ ~~طبعا لا. إذن: التمني هو طلب شيء محبوب لا يمكن أن يقع ومثل قول الشاعر: # ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها # عقود مدح فما أرضى لكم كلمي # وهذا غير ممكن. أما الرجاء فهو أن تطلب شيئا محبوبا من الممكن أن يقع. ~~وهنا يقول الحق سبحانه: { إن الذين لا يرجون لقآءنا } ، ~~فلماذا لا يرجون لقاء الله؟ لأن الذي يرجو ms4467 لقاء الله هو من أعد نفسه لهذا ~~اللقاء ليستقبل ثواب الله، لكن الذي لم يفعل أشياء تؤهله إلى ثواب الله، ~~وعمل أشياء تؤهله إلى عقاب الله فكيف له أن يرجو لقاء الله؟ إنه لا يرجو ~~ذلك. وعلى سبيل المثال: إن الرجل الذي يستشهد ويقدم نفسه للشهادة، ونفسه ~~هي أعز شيء عنده، إنما يفعل ذلك لوثوقه بأن ما يستقبله بالاستشهاد خير ~~مما يتركه من الحياة. إذن: فالذي يرجو لقاء الله هو الذي يعد نفسه ~~لهذا اللقاء بأن يتقي الله في أوامره، ويتقي الله في نواهيه ولذلك تمر ~~على الإنسان أحداث شتى وهي في مقاييس اليقين بين أمرين اثنين: حسنات ~~وسيئات، وكل واحد يعلم أية حسنات قد فعل، وأية سيئات قد اقترف، ولا يغش ~~أحد نفسه، فإذا ما كان حيا فقد يجعله الأمل يكذب نفسه، ولا يرى إلا ما ~~فات من المغريات. أما إذا جاءته لحظة الغرغرة في الموت، فهو يستعرض كل ~~صفحته. فإن كانت حسنة استبشر وجهه، وإن كانت سيئة اكفهر وجهه، ولذلك ~~يقال: " فلان كانت خاتمته سيئة، وفلان كانت خاتمته متهللة ". وهذا كلام ~~صحيح لأن الروح ساعة أن تقبض فهي تترك الجسم على ما هو عليه ساعة ~~فراقها، فإن كان ضاحكا ومستبشرا، فقد رأى بعضا مما ينتظره من خير. ~~والإنسان وقت الغرغرة لا يكذب على نفسه، فهو ساعة يمرض بمرض فهو يأمل في ~~العافية، فإذا أتى وقت انتهاء الحياة تعرض عليه أعماله عرضا ~~سريعا، فإن كانت الأعمال حسنة تنفرج أساريره لأنه يستشرف ما سوف يلقاه ~~من جزاء. وهذا مثل التلميذ حين يكون مجدا ومجتهدا ثم يقولون له: ~~هناك من جاء لك بالنتيجة فيجري عليه مطمئنا. وإن كان غير مجد لم ~~يجب، ويخاف من لقاء من يحمل النتيجة. كذلك الذين يرجون لقاء الله عملوا ~~استعدادا لهذا اللقاء وينتظرون الجزاء من الله، أما من لم يعملوا فهم ~~يخافون من لقاء الله ولا يرجونه وسبب ذلك أنهم لم يعملوا للآخرة { ~~ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها } وكأنهم قد ~~اكتفوا بها ولم يرغبوا في الآخرة. ms4468 # وقد سمى الله هذه الدار اسما كان يجب بمجرد أن نسمعه ننصرف عنها، فقال: ~~{ بالحياة الدنيا } ولا يوجد اسم أقل من ذلك، والمقابل للحياة ~~الدنيا هي الحياة العليا. والإنسان قد يبحث في عمر الدنيا ويقول: إنها ~~تستمر عشرة ملايين من السنين، أو مائة مليون سنة، وقد لا يلتفت إلى أن ~~عمره هو موقوت في هذه الدنيا. إذن: فالدنيا بالنسبة لك هي مقدار عمرك ~~فيها، لا مقدار عمرها الحقيقي إلى أن تقوم الساعة، وماذا تستفيد منها وهي ~~تطول لغيرك؟ إن عمر الدنيا بالنسبة للإنسان هو مقدار مكث الإنسان فيها، ~~وهو مظنون وغير متيقن، وقد يموت وهو في بطن أمه أو يموت وهو ابن شهر، أو ~~ابن سنة، أو بعد أن يبلغ المائة. فالذي يرضي بغير المتيقن قصير النظر. ~~ولذلك انظر إلى القرآن وهو يقول: # أرضيتم بالحيوة الدنيا من الآخرة فما متاع ~~الحيوة الدنيا في الآخرة إلا قليل # [التوبة: 38]. وحتى إن قست عمر الدنيا من بدء الخلق إلى أن تقوم ~~الساعة، فهي إلى فناء، وما دامت إلى فناء، فهي متاع قليل، ومن يطمئن إلى ~~هذا المتاع القليل فهو غافل لذلك ينهي الحق الآية: { والذين هم ~~عن آياتنا غافلون } عكس ما قال في الذين يعرفون قيمة العمل ~~للآخرة. حين يقول الحق: # لآيات لقوم يتقون # [يونس: 6]. والغفلة: هي ذهاب المعنى عن النفس، فما دام المعنى موجودا ~~في النفس، فاليقظة توجد، والغفلة تذهب. إذن: الغفلة ذهاب المعنى عن ~~النفس، واليقظة هي استقرار المعنى في النفس. ونحن نعرف أن المعلومات التي ~~يستقبلها الذهن البشري إنما تلتقطها بؤرة الشعور، مثلما تلتقط آلة ~~التصوير الفوتوغرافية أية صورة. وإياك أن تظن أن الإنسان يعرف المعلومة ~~من تكرارها مرتين مثلا أو أكثر لأن كل الأذهان تتفق في أنها تلتقط ~~المعلومة من مرة واحدة، ويتميز إنسان عن آخر في قدرته على أن يستقبل ~~المعلومة بذهن مستعد لها لأن بورة الشعور لا تلتقط إلا معنى واحدا، ثم ~~يتزحزح المعنى إلى حاشية الشعور لتأتي المعلومة الثانية، فإن استقبلت ~~المعلومة وفي بؤرة شعورك معنى ms4469 آخر لا تثبت المعلومة لذلك تكرر القراءة ~~مرة واثنتين وثلاث مرات، حتى تصادف المعلومة خلو بؤرة الشعور. ومثال ~~هذا: الطالب حين يحاول حفظ قصيدة، فلو كان ذهنه مستعدا لاستقبال القصيدة ~~فهو يحفظها من مرة واحدة. إذن: الذهن كآلة الفوتوغرافيا ولذلك فالحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه... # [الأحزاب: 4]. فإن كنت تريد أن تستقبل معلومة ما، فكن حريصا على أن ~~تفرغ ذهنك، من أي معلومة لتأتي المعلومة الجديدة، فتصادف خلاء لبؤرة ~~الشعور فتستقر فيها. والمدرس الناجح هو الذي يلفت أذهان كل التلاميذ لما ~~يقول، وما دامت الأذهان قد التفتت إليه فلن تمر كلمة دون أن يستوعبها ~~التلاميذ، عكس المدرس غير الناجح الذي يؤدي عمله برتابة وركاكة تصرف ~~عنه التلاميذ. # ونجد المدرس الناجح، وهو يلفت انتباه تلاميذه ويقطع الدرس ليسأل أي ~~واحد منهم عما قال فيستمع إليه التلاميذ من بعد ذلك بانتباه لأن كل ~~واحد منهم يتوقع أن يسأل عن المعلومة التي قيلت من قبل. والتلميذ ~~المجتهد هو الذي يقرأ الدرس بعقلية قادرة على مناقشة ما فيه من أساليب ~~ومعلومات، وهو يستصحب حضور الذهن أثناء القراءة، أما التلميذ الفاشل فهو ~~يقرأ دون يقظة أو انتباه. مثال آخر: إن الفلاح الذي ينام على حافة بئر ~~الساقية لا يقع في بئرها لأنه ينام وهو مستصحب لفكرة أنه إن تقلب على ~~جنب ما فسوف يقع في البئر. وكذلك الإخوة حين ينام اثنان منهم على سرير ~~واحد، يقوم كل واحد منهما في الصباح وهو مستصحب أن هناك آخر بجانبه، ولكن ~~إذا نام كل منهما في سرير منفصل، فهو يستيقظ ليجد رأسه في ناحية وساقيه ~~في ناحية أخرى، وتسمى هذه عملية الاستصحاب واليقظة، ويقال " فلان يقظ " ، ~~وكلمة " يقظ " ضد " نائم " لأن اليقظان يحتفظ بالوعي والانتباه. إذن: ~~فالغفلة هي ذهاب المعنى من النفس وانطماسه، والذين يمرون بالآيات وهم ~~غافلون عنها لن ينتفعوا بشيء من هذه الآيات، ثم تأتي لهم محصلة غفلتهم في ~~الآخرة. ويقول الحق سبحانه عنهم: { أولئك مأواهم... }. ### || [10.8] # وأنت تقول: " أويت ms4470 إلى كذا " ، إذا كان هذا هو المكان الذي يعصمك من ~~شيء، وهنا يقول الحق: { مأواهم النار } فإذا كان ذلك هو المأوى، ~~فلا بد أن ما خارجها بالنسبة لهم أشد عذابا. وهم يأوون إلى النار { ~~بما كانوا يكسبون } أي: بسبب ما كانوا يعملون من ذنوب وسيئات. ~~ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { إن الذين آمنوا... }. ### || [10.9] # هنا يتحدث الحق سبحانه عن المقابل، وهم الذين آمنوا، ويعلمنا أنه ~~سبحانه: { يهديهم ربهم بإيمانهم }. والهداية - كما قلنا ~~من قبل - معناها الدلالة على الخير، بالمنهج الذي أرسله الحق سبحانه لنا، ~~وبه بين الحق السبل أمام المؤمن والكافر، أما الذي يقبل على الله ~~بإيمان فيعطيه الحق سبحانه وتعالى هداية أخرى بأن يخفف أعباء الطاعة على ~~نفسه، ويزيده سبحانه هدى بالمعروف لذلك قال سبحانه: # واستعينوا بالصبر والصلوة وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين # [البقرة: 45]. وهكذا يتلقى المؤمن مشقات الطاعة بحب فيهونها الحق ~~سبحانه عليه ويجعله يدرك لذة هذه الطاعة لتهون عليه مشقتها، ويمده سبحانه ~~أيضا بالمعونة. يقول الحق سبحانه: { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم }. وما ~~داموا قد آمنوا فسبحانه ينزل لهم الأحكام التي تفيدهم في حياتهم ~~وتنفعهم في آخرتهم، أو أن الهداية لا تكون في الدنيا بل في الآخرة، فما ~~دامو قد آمنوا، فهم قد أخذوا المنهج من الله سبحانه وتعالى وعملوا ~~الأعمال الصالحة، يهديهم الحق سبحانه إلى طريق الجنة. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه: # يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ~~أيديهم وبأيمانهم... # [الحديد: 12]. ويقول سبحانه: # والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم ~~وبأيمانهم... # [التحريم: 8]. أي: أن نورهم يضيء أمامهم. أما المنافقون فيقولون للذين ~~آمنوا: # انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم ~~فالتمسوا... # [الحديد: 13]. أي: أن هذا ليس وقت التماس النور، فالوقت - لالتماس ~~النور - كان في الدنيا باتباع المنهج والقيام بالصالح من الأعمال. إذن: ~~فالحق سبحانه يهدي للمؤمنين نورا فوق نورهم في الآخرة. والآية تحتمل ~~الهداية في الدنيا، وتحتمل الهداية في الآخرة. ويصف الحق سبحانه حال ~~المؤمنين في الآخرة فيقول: { تجري من تحتهم الأنهار في ~~جنات ms4471 النعيم } [يونس: 9]. وقلنا: إن الجنة على حواف الأنهار ~~لأن الخضرة أصلها من الماء. وكلما رأيت مجرى للماء لا بد أن تجد خضرة، ~~والجنات ليست هي البيوت، بدليل قول الحق سبحانه: # ومساكن طيبة في جنات عدن... # [التوبة: 72]. ونجد الحق سبحانه يقول مرة: # تجري تحتها الأنهار... # [التوبة: 100]. ويقول سبحانه في مواضع أخرى: # تجري من تحتها الأنهار... # [البقرة: 25]. والحق سبحانه يعطينا صورا متعددة عن الماء الذي لا ~~ينقطع، فهي مياه ذاتية الوجود في الجنة لا تنقطع أبدا. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { دعواهم فيها سبحانك اللهم ~~وتحيتهم... }. ### || [10.10] # دعواهم: أي دعاؤهم. وهل الآخرة دار تكليف حتى يواصلوا عبادة الله؟ لا، ~~ولكنها عبادة الالتذاذ، وهم كلما رأوا شيئا يقولون: لقد أكلنا ذلك من ~~قبل، ولكنهم يعرفون حين يأكلون ثمار الجنة أن ما في الأرض كان يشبه تلك ~~الثمار، لكنه ليس مثلها. # قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به ~~متشابها... # [البقرة: 25]. أو يقولون: { سبحانك اللهم } اعترافا بالنعمة، ~~وأنت حين ترى شيئا يعجبك تقول: سبحانك يا رب. وبعد أن تأتي لك النعمة ~~وتقول: سبحان الله، وتفاجأ بأشياء لم تكن في الحسبان - من فرط جمالها ~~فتقول: الحمد لله. إذن: فأنت تستقبل النعمة " بسبحان الله " ، وينتهي من ~~النعمة " بالحمد لله ". ولذلك يقول الحق سبحانه: { وآخر دعواهم ~~أن الحمد لله رب العالمين } والذي يجعل للحياة الدنيا ~~معنى، ويجعل لها طعما ويجعل لها استقرارا، أن يكون الإنسان في سلام، ~~ومعنى السلام: الاطمئنان والرضا فلا مهيجات، ولا معكرات، ولا يأتي ~~ذلك إلا بعدم اصطدام في ملكات النفس فيتحقق سلام الإنسان مع نفسه، وسلام ~~الإنسان مع أهله، وهذا هو المحيط الثاني، وسلام الإنسان مع قومه، وسلام ~~الإنسان مع العالم كله، كل ذلك اسمه سلام، لا منغص، لا من نفسه، ولا ~~من أهله، ولا من قومه، ولا من العالم. وكلما اتسعت رقعة السلام زاد ~~الإحساس الإنسان بالاطمئنان. وحين يقول الحق سبحانه: { وتحيتهم ~~فيها سلام } ، فالسلام وارد في أشياء متعددة، والحق سبحانه يقول: # إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون * هم ~~وأزواجهم في ms4472 ظلال على الأرآئك متكئون * لهم ~~فيها فاكهة ولهم ما يدعون * سلام قولا من ~~رب رحيم # [يس: 55-58]. وهذا هو السلام الذي له معنى فهو سلام من الله. ولم يقل ~~سبحانه: " سلام يورثك اطمئنانا ونفسا راضية " فقط، بل هو سلام بالقول ~~من الله، وانظر أي سعادة حين يخاطبك الحق سبحانه وتعالى مباشرة. وهناك ~~فرق بين أن يشيع الله فيك السلام وبين أن يحييك كلامه بالسلام. وهذا هو ~~السبب في قوله: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. وهذا سلام الله، ثم من بعده هذه المنزلة يأتي سلام الملائكة: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام ~~عليكم... # [الرعد: 23-24]. إذن: فقول الحق هنا: { وتحيتهم فيها سلام ~~} نجد فيه كلمة السلام رمز الرضا والاستقرار في الجنة فالسلام هو أول ~~الأحاسيس التي تحبها في نفسك، ولو كانت الناس كلها ضدك. لكنك ساعة تستقر، ~~فأنت تسائل نفسك: ماذا فعلت ليكون البعض ضدي؟ وحين تجيب نفسك: " إنني لم ~~أفعل إلا الخير " فأنت تحس السلام في نفسك، وإذا ما رحب الآخرون بما ~~تفعل، فالحياة تسير، بلا ضد ولا حقد، وهذا ما قاله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة " فيدخل رجل عرفه القوم ~~فلما انصرف قام واحد من الصحابة، وذهب إلى الرجل ليعلم ماذا يصنع، وسأله: ~~ماذا تفعل حتى يبشرك الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة؟ فوجد سلوك الرجل ~~مستقيما ومتبعا للمنهج دون زيادة، فسأله الصحابي: لماذا - إذن - بشرك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة؟ قال الرجل: والله إني لأصلي كما ~~تصلون، وأصوم كما تصومون، وأزكي كما تزكون، ولكني أبيت وما في قلبي ~~غل لأحد. # هذا هو السلام النفسي، وإذا ما وصل الإنسان إلى السلام مع النفس فلا ~~تضيره الدنيا إن قامت، وبعد ذلك يضمن أن يوجد سلامه مع الله تعالى، ومن ~~عنده سلام مع نفسه، ومع بيئته، ومع مجتمعه فهو ينال سلاما من الله ~~سبحانه. ويقول لنا القرآن عن الذين يعانون من مأزق في الآخرة: # يوم يأت لا تكلم نفس ms4473 إلا بإذنه فمنهم ~~شقي وسعيد # [هود: 105]. هؤلاء هم الذين شقوا في النار، أما الذين سعدوا ففي الجنة، ~~فماذا عن حال الذين لا هم شقوا ولا هم سعدوا - وهم أهل الأعراف لأن ~~الموقف يوم القيامة ينقسم الناس فيه إلى ثلاثة أقسام فقد قال الله ~~سبحانه: # فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * ~~وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية # [القارعة: 6-9]. ولم يقل الحق سبحانه لنا أمر الذين تساوت الكفتان لهم ~~أثناء الحساب لأنه سبحانه قال في حديث قدسي: # " إن رحمتي غلبت غضبي ". # ويبين لنا الحق سبحانه رحمته فيقول: # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ~~ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم ~~حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة ~~الله على الظالمين # [الأعراف: 44]. ويأتي أمر رجال الأعراف فيقول سبحانه: # وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم... # [الأعراف: 46]. لقد عرفوا المؤمنين بسيماهم، وعرفوا الكفار بسيماهم، ~~وجليس البعض على الأعراف ينتظرون وينظرون لأهل الجنة قائلين: # سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون # [الأعراف: 46]. ثم يعطينا الحق سبحانه صورة ثانية فيقول: # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا ~~علينا من المآء أو مما رزقكم الله قالوا إن ~~الله حرمهما على الكافرين # [الأعراف: 50]. أهل الأعراف - إذن - يسعدون بعطاء الله لأهل الجنة، ~~ويطمعون أن يغفر الله - سبحانه وتعالى - لهم. ونحن في حياتنا نسمع ~~المشرفين على المساجين أو المحكوم عليهم بالإعدام يقولون: قبل أن يحكم ~~على المجرم بالإعدام ينخفض وزنه، ثم يزيد بعد الحكم لأن الأمر قد استقر. ~~والذين يشغلون بأن يعرفوا مكانهم في الآخرة، أهو في الجنة أو في النار، ~~لا ينسون أن يقولوا للمؤمنين: # أن سلام عليكم... # [الأعراف: 46]. وهنا يقول الحق سبحانه عن أهل الجنة: { وتحيتهم ~~فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب ~~العالمين } وقد تكون آخر دعواهم، أي: آخر كلمة. فالواحد منهم يقول: ~~أنا حمدت ربنا على الشيء الفلاني والشيء الفلاني. وآخر حمد هو قمة ~~الحمد لأنهم حمدوا الله على النعمة في الدنيا التي تزول، ويحمدونه في ~~الآخرة على النعمة ms4474 التي لا تزول، فلئن يوجد حمد على النعمة التي لا ~~تزول فهو قمة الحمد. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ولو يعجل ~~الله للناس الشر استعجالهم... }. ### || [10.11] # وهذه الآية تتناول قضية عقدية قد تكون شغل الناس الشاغل في الدعاء لله ~~تعالى، وقد لا يجاب دعاؤهم مع كثرة الدعاء، ويحزنهم على أنفسهم، ويقول ~~الواحد منهم: لماذا لا يقبل الله دعائي؟ أو يقع بعضهم في اليأس. ونقول ~~لكل إنسان من هذا الفريق: لا، أنت تدعو، مرة تدعو بالشر ومرة تدعو ~~بالخير، فلو أن الله سبحانه وتعالى قد أجابك في جميع الدعاء، فسوف يجيب ~~دعاءك في الشر ودعاءك في الخير، ولو أن الله سبحانه وتعالى عجل لك دعاء ~~الشر، كما تحب أن يعجل لك دعاء الخير، لقضي إليك أجلك وانتهت ~~المسألة، وهناك من قالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. ولو استجاب الحق لمثل هذا الدعاء، لكان وبالا على من ~~دعوا ذلك الدعاء. إذن: فمن مصلحتك حين تدعو على نفسك أو تدعو بأي وبال ~~ألا يجيبك الله تعالى، وافهم أن لله تعالى حكمة في الإجابة لأنه سبحانه ~~وتعالى منزه عن أن يكون موظفا عند الخلق، ومن يدعه بشيء يجبه ~~عليه، بل لا بد من مشيئته سبحانه في تقرير لون الإجابة لأنه لو كان الأمر ~~عكس ذلك لانتقلت الألوهية للعبد. لقد صان الحق سبحانه عباده بوضع رقابة ~~على الدعاء وأنت تعتقد أن دعاءك بخير، ولكن رقابة الحق سبحانه التي تعلم ~~كل شيء أزلا تكاد أن تقول لك: لا، ليس خيرا. وانتظر الخير بعدم استجابة ~~دعائك لأنه القائل سبحانه: # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم... # [البقرة: 216]. إذن: فمعرفتك ليست نهائية في تقرير الخير والشر لذلك ~~دع الإله الأعلى - وهو المأمون عليك - أن يستجيب أو لا يستجيب لما ~~تدعوه وأنت في ظنك أنه الخير، فالمعرفة العليا هي التي تفرق بين الخير ~~والشر، وفي المنع - أحيانا - عين العطاء ms4475 ولذلك يقول الحق: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # [الإسراء: 11]. وقد تلح في دعاء لو استجيب لك لكان شرا. والله سبحانه ~~يعلم ما هو الخير لك، وهو سبحانه يجيب أحيانا بعض خلقه في أشياء كان ~~الإنسان منهم يتمنى أن توجد، ثم يكتشف الإنسان أنها لم تكن خيرا، ~~وأحيانا يأتي لك بأشياء كنت تظن أنها شر لك، فتجد فيها الخير. وهكذا ~~يصحح لك الحق سبحانه بحكمته تصرفاتك الاختيارية. وقد قال الكافرون لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. ومن قالوا هذا القول هم: العاص بن وائل السهمي، والوليد ~~بن المغيرة، والأسود بن عبد المطلب والأسود بن عبد يهود، وكانوا قد وصلوا ~~إلى قمة الاضطراب فهم قد اضطربوا أولا حين اتهموه بأنه ساحر، ولم ~~ينتبهوا إلى غباء ما يقولون لأنه إن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قدرة السحر فلماذا لم يسحرهم هم ليؤمنوا أيضا؟ واضطربوا مرة ثانية، ~~وحاولوا أن يقولوا: إن القرآن شعر، أو له طبيعة الشعر والكلام المسجوع، ~~والقرآن ليس كذلك. # ولو أن جماعة غيرهم قالت مثل هذا القول لكان لهم عذرهم لأنهم ليسوا أهل ~~لغة، أما هؤلاء فهم قوم أهل دربة على الفصاحة والبلاغة، وكانوا يعقدون ~~أسواق الشعر والخطابة، ثم اضطربوا مرة ثالثة، وحاولوا الطعن في مكانه ~~محمد صلى الله عليه وسلم وهم يقرون بعظمة القرآن فقالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. والحق سبحانه وتعالى حينما يتعرض لحادثة وقعت في زمن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مع الكافرين لا يقتصر في الحدث على ما وقع، ~~ولكنه يعالج قضية عامة كونية إلى أن تقوم الساعة، ويجعل الحدث الحاصل في ~~زمنه سببا فقط ليعطي عموم الحكم في كل زمان وفي كل مكان. وإلا اقتصر ~~الأمر على معالجة حدث وقع لشخص الحدث وشخص الحكم في القوم الموجودين مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاء القرآن ms4476 للناس كافة، وجاء للزمان ~~عامة، فلا بد أن تكون القضية المعروضة - أي قضية - أمام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من قوم عاصروه لها سبب خاص، ولكن العبرة بعموم الموضوع لا ~~بخصوص السبب. ويعالج الله سبحانه وتعالى في هذه المسألة الشخصية من هؤلاء ~~الذين قالوا ذلك قضية كونية ستظل إلى أن تقوم الساعة. فقد دعوا على ~~أنفسهم: # إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. كما قال قوم عاد لهود: # أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد ~~آباؤنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # [الأعراف: 70]. إذن: هم قد دعوا بشر على أنفسهم. ويعالج الله قضية ~~الدعاء بالخير أو الدعاء بالشر، لأن الإنسان قد يضيق ذرعا بأمور تحيط ~~بذاته أو بالمحيط به فإذا ضاق ذرعا بأمور تحيط به في ذاته من ألم كمرض - ~~مثلا، أو عاهة لا يقوى على الصبر عليها، أو لا يقوى على تحملها فيقول: ~~" يا رب، أرحني يا رب " ، وهو هنا يدعو على نفسه بالموت. فلو أن الله ~~سبحانه وتعالى استجاب دعاءه لقضيت المسألة. ولكن الله هو الحكيم ~~العزيز، لا يأتمر بأمر أحد من خلقه، ولا يعجل بعجلة العباد، وكما يؤجل ~~لك استجابته لدعوة الخير منك، فهو يؤجل أيضا إجابتك لدعوة الشر منك على ~~نفسك وفي ذلك رحمة منه سبحانه. وإذا كنت تقول: أنا أدعو بالخير، والله ~~سبحانه وتعالى لا يعطيني، فخذ مقابلها: أنك تدعو بالشر على نفسك، ولا ~~يجيبك الله. # ثم ألا يضيق الأب أحيانا ذرعا بمن حوله، فيقول: فليأخذني الله ~~لأستريح من وجوهكم؟ هب أن الله سبحانه أجابه إلى هذه الدعوة، فماذا ~~يكون الموقف؟ وقد تجد من يقول: يا رب أصبني بالعمى فلا أراهم، أو تدعو ~~المرأة على نفسها أو على أولادها. وأنتم تحبون أن يجيب الله تعالى ~~دعاءكم، فلو كان يجيبكم على دعاء الشر لانتهت حياتكم إلى الفزع، مثل هذه ~~الأم التي تدعو بالمتناقضات فتقول لولدها - مثلا: " ربنا يسقيني نارك " ~~فتطلب السقيا بالنار، رغم ms4477 أن السقيا للري، والنار للحرارة. إذن: قد ~~يضيق الإنسان ذرعا بنفسه، أو يضيق ذرعا بمن حوله فيدعو على نفسه ~~بالشر، وحين يدعو الإنسان فيجب عليه أن ينزه الحق سبحانه وتعالى عن أن ~~ينفذ ما يدعو العبد به دون أن يمر الدعاء على حكمته سبحانه وتعالى. { ~~ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضي إليهم أجلهم } ، فكما قبلتم أن يؤجل الله ~~تعالى لكم دعاء الشر على أنفسكم فاقبلوا منه تأجيل دعائكم بالخير لأن ~~الخير فيما تطلبون غير الخير فيما يعلم الله فهو العليم الخبير. وقد تطلب ~~خيرا تعلمه ولكن الله يعلم فيه شرا فمن مصلحتك ألا يجيبك. وكما تحترم ~~عدم إجابته لك في الشر على نفسك، أو على من تحب، فاحترم عدم إجابته لك ~~فيما تظنه خيرا لك، أو لمن تحب لأن الله لا يعجل بعجله عباده لأنه ~~سبحانه هو الذي خلقهم، وهو أعلم بهم، فهو القائل: # خلق الإنسان من عجل... # [الأنبياء: 37]. وهو سبحانه القائل: # سأوريكم آياتي فلا تستعجلون # [الأنبياء: 37]. والحق سبحانه لو استجاب لهؤلاء الذين دعوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة... # [الأنفال: 32]. لكانت نهايتهم بجنس ما دعوا به، وقضي عليهم، ثم انتهوا ~~بعد ذلك إلى عذاب الجحيم. ولكن الحق سبحانه شاء لهم البقاء ليؤمن من ~~يختار الإيمان، أما من اختار الكفر فعليه أن يتحمل تبعة الطغيان التي ~~تتمثل في أن الواحد منهم لا يختار الكفر فقط، بل يتجاوز الحد، ويطلب ممن ~~آمن أن يرتد عن إيمانه، وفي ذلك مجاوزة للحد ولذلك فهم يعمهون في هذا ~~الطغيان، أي: تتكاثر عليهم الظروف، ويثبت - لهم ولمن بعدهم - عجز الكفر ~~عن مواجهة قدرة الحق. وفي الحياة أمثلة - ولله المثل الأعلى - فهناك من ~~يملك عدوه، فيضربه لكنه لا يقتله، ثم يتكرر من هذا الخصم الإساءة، فيضربه ~~من جديد، ثم تتكرر الإساءة فيضربه، وهو لا يقتله أبدا ليداوم على ~~إذلاله، والقوي لا يقتل خصمه، بل يؤلمه فلا يرفع الخصم رأسه. والحق ~~سبحانه يقول: { فنذر الذين لا يرجون لقآءنا في ~~طغيانهم ms4478 يعمهون }. # أي: أن الحق سبحانه يترك أهل الباطل لتتجمع عليهم سيئاتهم، ويذوقون ويل ~~خصومة الإسلام فلا يرفعون رءوسهم لأن أهل الإسلام يردون لهم الإساءة ~~مضاعفة، ولسوف ييأس أهل الباطل من أنهم سينتصرون على الحق بأي شكل وبأي ~~لون. وهم مهما تحايلوا في أساليب النكاية في الإسلام، تجد الحق سبحانه ~~وتعالى ينصر المسلمين. والمثل أمامنا من سيرته حين أمره الحق سبحانه بأن ~~يهاجر، وكان الكفار يحاصرون بيته بشباب من القبائل، فخرج صلى الله عليه ~~وسلم ولم يشعروا، وقال صلى الله عليه وسلم: # " شاهت الوجوه ". # وشاء سبحانه ذلك ليعلموا أنهم لن يستطيعوا الانتصار على محمد صلى الله ~~عليه وسلم، لا بالمواجهة، ولا بتبييت المكر. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ~~{ وإذا مس الإنسان... }. ### || [10.12] # يصور الحق سبحانه حال البشر الذين لم يرتبطوا دائما بالإله، وبمنهج ~~الإله هؤلاء الذين يتجهون إلى الله في لحظات الأزمات، ثم ينسون الإيمان ~~وتكاليفه من بعد ذلك. وحياتنا مليئة بهذا الصنف من البشر. وفي قريتنا - ~~على سبيل المثال - كان الذي يشرف على رعاية صحة الناس حلاق الصحة، إلى ~~أن تخرج أحد أبناء القرية في كلية الطب، فأخذ حلاق الصحة يشيع عنه ما ~~لا يليق. وفي أحد الأيام لاحظ الفلاحون خروج حلاق الصحة مبكرا وهو يحمل ~~لفافة كبيرة، فأرادوا أن يعرفوا ما بها، واكتشفوا أن ابن حلاق الصحة ~~مريض وهو يريد أن يذهب به إلى الطبيب، هو - إذن - لا يخدع نفسه، رغم ~~محاولته خداع أهل القرية بالشائعات الكاذبة عن الطبيب. وكذلك الإنسان مع ~~منهج الله، قد يخدع الآخرين في لحظة اليسر، لكنه لا ينسى الله لحظة ~~العسر. وساعة يأتيه الضر، وحين تعز الأسباب عليه فهو لا يجد إلا كلمة " ~~يا رب ". وأنت تجدها من أعتى الفجار، ومن أقسى العتاة، تجد الواحد من ~~هؤلاء وهو يدعو الله ساعة الضر. وهذا ما يقوله الحق سبحانه هنا: { ~~وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه }. والمثل من حياة ~~هؤلاء الكافرين الذين دعوا على أنفسهم، ولو كانوا يرغبون في إنهاء ~~الحياة، فلماذا يدعون الله وهم قد ms4479 كفروا به؟ إنه كذب مفضوح، والإنسان حين ~~يضيق بنفسه قد يدعو على نفسه بالضر مثلما قال المتنبي: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا # وحسب المنايا أن يكن أمانيا # أي: يكفي أن يصل الإنسان إلى الدرجة التي يتمنى فيها الموت. ونلحظ أن ~~الحق سبحانه قد جاء بموقف الإنسان من الضر في أكثر من موضع، فنجد آية ~~تفرد الإنسان بمعنى وآية ثانية تفرده بمعنى آخر، وآية ثالثة تصور وضع ~~الإنسان بشكل آخر. يقول سبحانه: # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم ~~إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه ~~من قبل... # [الزمر: 8]. ويقول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { وإذا ~~مس الإنسان الضر دعانا }. ويقول سبحانه في موضع آخر: # وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم ~~الضر فإليه تجأرون * ثم إذا كشف الضر عنكم ~~إذا فريق منكم بربهم يشركون # [النحل: 53-54]. إذن: فالحق سبحانه يأتي بها مفردة مرة، ومرة يأتي بها ~~جمعا. ومرة يأتي بها مفردة على ألوان شتى، ومرة يأتي بها جمعا بألوان ~~شتى، ومرة يذكرها في البر، ومرة يذكرها في البحر: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه... # [الإسراء: 67]. إذن: فالآيات تستوعب حالات الإنسان المختلفة إذا ما ~~أصابه ضر، ولم يجد مفزعا له لا من ذاته ولا من البيئة المحيطة به، ~~فلا يجد من يلجأ إليه إلا ربه. # ومن الأسف أن هذا الإنسان يكون كافرا بالله. والآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها تعطينا صورا متعددة فالحق سبحانه يقول: { دعانا ~~لجنبه } أي: وهو مضطجع، { أو قاعدا أو قآئما }. وهكذا ~~تتناول الآية الإنسان في تصرفاته في الكون. والآية متمشية مع أطوار تكوين ~~الإنسان فالطفل الصغير لا يستطيع أن يتقلب، بل يقلبه أهله لينام على ~~جنبه، يكبر قليلا فهو يتقلب بمفرده ثم تأتي حركة القوة الثانية فيقعد ~~الطفل، ثم يقف دون أن يمشي، ثم يمشي من بعد ذلك. والآية هنا تعطينا ~~التصوير الدقيق لثلاث حالات: { دعانا لجنبه أو قاعدا أو ~~قآئما } ، ولم ms4480 تأت حركة المشي لأن المتحرك للمشي لا يقعده الضر، لكن ~~من يمر بالمراحل الأخرى قائما أو قاعدا أو راقدا على الجنب، فقد يناله ~~الضر. وتلك هي مراحل النقض لمظاهر الحياة، فالإنسان يعيش الطفولة، ثم ~~فتوة الشباب، ثم يأتيه الضعف والشيب، فلا يستطيع أن يمشي بقوة الشاب، ~~وإن كان يستطيع الوقوف، ثم تدخل عليه الشيخوخة فيقعد، ولا يستطيع أن يقف، ~~ثم تتقدم به الشيخوخة فلا يمشي، ولا يقف، ولا يقعد، ويظل راقدا على ~~جنبه، وقد يقلبه أهله. إذن: نقض كل شيء إنما يأتي على عكس بنائه فكما ~~بنيت مراحل الإنسان هكذا جنبا، فقعودا فقياما، فسعيا وحركة، فهي ~~تنتهي بالعكس لأن النقض دائما على عكس البناء. ومن هذا خرجنا بالاستدلال ~~على صدق الله في إخباره لخلقه بكيفية الخلق لأننا لم نشاهد عملية الخلق، ~~مصداقا لقوله سبحانه: # مآ أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. ولأن الحق لم يشهد أحدا على كيفية خلق السماء والأرض ~~وخلق الإنسان، فنحن لا نأخذ معلومات عن كيفية الخلق بعيدا عن القرآن ~~لذلك لا نصدق الافتراضات القائلة بأن الأرض كانت قطعة من الشمس وانفصلت ~~عنها ثم انخفضت درجة حرارتها فكل هذه افتراضات لم تثبت صحتها، والحق ~~سبحانه قد قال: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم... # [الكهف: 51]. وهذا القول يدل على أن العقل البشري لا يمكن أن يصل إلى ~~معرفة كيفية خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان، وهو معزول عن منهج ~~السماء. فإن حدثتم كيف خلقتم بصورة تختلف عما جاء في القرآن ~~فقولوا: كذبتم، وإن حدثتم كيف خلقت السماوات والأرض بغير ما جاء في ~~كتاب الله فقولوا: كذبتم لأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض والإنسان ~~وحده، ولا أحد معه، وما شهد أحد من هؤلاء مشهدا ليخبركم به. ويقول الحق ~~سبحانه: # وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. والمضلون: هم الذين يقولون لكم افتراضات غير صحيحة عن تطور ~~القرد حتى صار إنسانا، وأن الأرض كانت قطعة من الشمس وانفصلت عنها كل ~~هذه افتراضات ms4481 قالها من سماهم الحق سبحانه: { المضلين }. # ولو لم يقل الله تعالى هذه الآية، ثم جاء قوم ليقولوا: الإنسان كان في ~~الأصل قردا، لقلنا: إن القرآن لم يتعرض لذلك، وكان من الممكن أن نصدقهم، ~~لكن الله سبحانه شاء لنا أن تكون لدينا المناعة ضد هذا الإضلال. وعملية ~~الخلق غيب عنا، أخبرنا عنها من خلقنا سبحانه، فلم يكن معه شاهد رأى هذا ~~المشهد ليقول لنا. والخلق الذي به الحياة ينقضه الموت، ولكن الموت مشهد ~~نشهده، وأي نقض لشيء - كما عرفنا - إنما يأتي على عكس بنائه، فإن بنينا ~~عمارة من عشرين طابقا، وأردنا أن نهدمها لسبب أو لآخر فنحن نهدم الطابق ~~العشرين أولا، ثم نوالي الهدم بعد ذلك، فما بني أولا يهدم أخيرا لأن ~~نقض كل شيء يأتي على عكس بنائه. وبما أن الموت نقض للحياة فالروح ~~إذا ما خرجت من الجسم، وترك الجثمان بلا دفن، فالجثمان يتصلب، ثم يصير ~~جيفة، ثم يتبخر منه الماء، ويتحلل الجسد إلى العناصر الأولى في التراب، ~~هذه مراحل الموت. وقد أخبرنا الحق عن كيفية الخلق، فبين أنه سبحانه خلق ~~الإنسان من التراب والماء فصار طينا، ثم استوى الطين، فصوره الحق صورة ~~الإنسان ونفخ فيه الروح، وآخر مراحله في الإيجاد هي الروح لذلك فخروج ~~الروح هو أول مرحلة في الموت. والله سبحانه وتعالى في هذه الآية جاء بوضع ~~الإنسان على الجنب وقائما وقاعدا، ولم يأت بالمشي لأن الماشي عنده قدرة ~~فلا ضر في ذاته، وإن أصابه ضر فمن غيره، والضر مقابل النفع، والنافع ~~هو من يبقي الشيء على صلاحه الممتع المريح، في الذات أو في الخارج. ~~فساعة تكون ذاتك مستقيمة وملكاتها وأعضاؤها كلها سليمة فليس عندك ضر، ~~لكن إذا حدث خلل في أي عضو من الأعضاء فالمتاعب تبدأ، ولذلك يقال عن ~~السلامة العامة: هي ألا تشعر بأن لك أعضاء لأنك حين تشعر أن لك عينا - ~~مثلا - فاعرف أنها تؤلمك، وإذا شعرت بأذنك فاعرف أنها تؤلمك. وأنت تطحن ~~الطعام بضروسك وتأكل ولا تدري بها. ويوم أن تدري بها فهذا ms4482 يعني أن ألما ~~قد بدأ. وهكذا لا يشعر الإنسان بفقد السلامة إلا إذا عرف وانتبه إلى أن ~~له عضوا من أعضائه، فيقول: " آه يا عيني " ، و " آه يا أذني ". ونقول: ~~إن وجع العين مؤلم ألما مخصوصا، وكذلك نقول: على أي عضو من الأعضاء، ~~أما من لا يشكو بأعضائه فهو لا يشعر بها لأنها تؤدي أعمالها على الوجه ~~المناسب. والسلامة فيمن حولك تتمثل في أن يحققوا لك المتعة والصفاء بدون ~~كدر. وبذلك تظهر منفعتهم لك. وكل إنسان له كبرياء ذاتي، يبينها قول الحق ~~سبحانه وتعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. ولا يذل الإنسان إلا حين يعاني من آفة ما، ولا يأتي ~~طغيانه إلا عند استكمال النعمة في الخارج والنعمة في الداخل، وإن بدأت ~~النعمة في الانقباض عن الإنسان، فكبرياؤه تتطاير. ومن كان يستعرض قوته ~~على الناس، قد يرجو القيام من الوقود ليخطو بضع خطوات فلا يستطيع. ~~والإنسان لا يستغني إلا بما هو ذاتي فيه لا بما هو موهوب له لذلك فعليه ~~ألا يغتر لأن الواهب الأعلى قد يقبض هبته، فقد يأخذ منك العافية، ~~وكثيرا ما رأينا أصحاء قد مرضوا، ورأينا أغنياء قد افتقروا، وأصحاب جاه ~~قد خرجوا من جاههم. إذن: فلا داعي للغرور لأن الله قد وهبك كل شيء، وليس ~~لك شيء ذاتي فيك أبدا لذلك يجب أن ينعدم الغرور، فما دام كل ما فيك ~~موهوبا من الواهب الأعلى سبحانه، فالواهب قد يسلب ما وهب، وما إن تسلب ~~من الإنسان نعمة فهو ينتبه. فلا داعي - إذن - لأن يغتر أحد حتى لا يسلم ~~نفسه رخيصة للضياع. والمثال: قد تكون عاديت طبيبا، وهو الوحيد في ~~المكان الذي تقطنه، وقد يحاول البعض الإصلاح بينك وبين هذا الطبيب، ~~فتتأبى أنت، ثم يأتي لك مرض فتلجأ إليه لأن الله قد وهبه القدر السليم ~~من التشخيص بالعلم، فلا يجب - إذن - أن تغتر أو تتعالى على أحد. لكن ~~الإنسان هو الإنسان لذلك يقول الحق سبحانه: { وإذا مس الإنسان ~~الضر... } [يونس: 12]. والكافر ما إن يمسه ms4483 الضر حتى يقع في بئر ~~الهوان. أما المؤمن فهو مع ربه دائما، وإذا مسه الضر فهو يدعو الله ~~تعالى دائما ولا ينساه لذلك يتلطف به سبحانه، عكس الكافر الذي يدعو الله ~~ساعة الضر فقط. وأين كان ذلك الكافر ساعة أن دعاه الله سبحانه بالرسل ~~إلى الإيمان؟ ونسيان الإنسان أمر وارد في تكوينه الفطري الأول لأن ~~الإنسان حين يعيش في محيط ما. فهو يحب النفع من خارجه، وإذا امتنع عنه ~~هذا النفع الخارجي، فهو يأخذ النفع من ذاته من تحرك أبعاضه وخدمتها ~~لبعضها البعض. ثم لا يجد له مفزعا إلا أن يؤمن بمن خلقه أولا. وانظر ~~إلى التعبير القرآني: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه.. # [الإسراء: 67]. إذن: فمن يعبد غير الله - سبحانه وتعالى - يضل عنه ~~معبوده، ولا يعرف كيف ينقذ من يعبده لذلك يعود المشرك إلى الله، ولا يجد ~~سواه سبحانه، فهو الذي ينقذ الإنسان لحظة الخطر لأنه الرب الخالق هو أرحم ~~بصنعته، وهذه الرحمة تنقذ الإنسان حتى لو كان كافرا، وهذا كلام منطقي ~~لأننا شهدنا بوحدانية الله تعالى في عالم الذر حينما أخذ الله سبحانه ~~علينا العهد الأول، وقال لنا: # ألست بربكم... # [الأعراف: 172]. قلنا: # بلى... # [الأعراف: 172]. وهذا إيمان الفطرة قبل أن توجد الغفلة أو التقليد لذلك ~~حين تتفرق الآلهة الباطلة من حول الكافر فهو يرجع إلى نفسه ويدعو الله، ~~بل ويوسط من يسأله أن يدعو له الله سبحانه. # وقد يدعو الإنسان من يواسيه لحظة المرض فلا يجد ولدا من أبنائه، أو ~~قريبا من أقربائه، ولكنه فور أن يدعو الله تعالى تلمسه رحمته سبحانه، ~~وقد تجد إنسانا حين يستجيب الحق سبحانه لدعائه قد تركبه حماقة الغرور من ~~جديد، ويقول ما جاء به الحق على لسان قارون: # إنمآ أوتيته على علم عندي... # [القصص: 78]. ويقول: كنت محتاطا وقد رتبت أموري، ثم يأخذه الحق سبحانه ~~وتعالى أخذ عزيز مقتدر. فإذا مسكم الضر فلن تجدوا من البيئات الخارجة ~~عنكم، ولا من ذوات نفوسكم، ما يغنيكم عن خالقكم، وفي لحظة الخطر لا ms4484 ~~تستطيعون الكذب على أنفسكم فلا تسألون حينئذ أحدا إلا الله سبحانه، ~~وتتذكرون في تلك اللحظة عهد الذر الأول، وتعودون إليه سبحانه. وهنا ~~يقول الحق سبحانه: { وإذا مس الإنسان الضر دعانا ~~لجنبه أو قاعدا أو قآئما }. وقوله الحق: { فلما ~~كشفنا عنه ضره } يصور الضر وكأنه يغطي الإنسان ويلفه، فلا ~~منقذ له أبدا لأن الكشف هو رفع لغطاء يغطي كل الإنسان، وهكذا يعطينا ~~الله تعالى صورة لاستيعاب الضر للجسم كله حتى وإن كان بأداة من أدوات ~~الإدراك مثل قوله سبحانه: # فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا ~~يصنعون # [النحل: 112]. فكأن الجوع والخوف قد لف القرية كلها، فلم تعد البطون ~~وحدها هي الجائعة، بل كل ما في الأجسام جائع وخائف. وهنا يقول الحق ~~سبحانه: { فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه }. وكلمة { مر } تفيد أن هنا وقفة، ~~فحين يقال: إن فلانا مر علي مقابلها: وقف عندي. ونفهم من قوله الحق: ~~إن هذا الذي مسه الضر كان له وقفة عند الله سبحانه حين لفه الضر ولم ~~يجد معينا له غير الله تعالى، أما قبل ذلك فقد كان يأخذ الخير من الله ~~ولا يتذكر الإيمان به سبحانه، وبعد أن يذهب عنه الضر وينسى الإيمان { ~~كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه } وكأنه قد نسي تذلله إلى ~~الله، فهو يمر من مرحلة الذلة والخضوع والدعاء إلى الله إلى مرحلة ~~الاستكبار، فلم يقف عند من أنقذه من ضره، وهذه هي الصفاقة. وينهي الحق ~~سبحانه وتعالى الآية بقوله: { كذلك زين للمسرفين ما ~~كانوا يعملون } وهنا تأتي قضية ثانية فالحادثة حادثة خاصة ~~وينقلها الحق سبحانه إلى عمومية تأتي في الكون كله فالمسرفون قديما حصل ~~لهم هذا، والذي زين لهم المرور إما أن يكون الشيطان، وإما أن يكون ~~الحمل من الحق على صفات موجودة فيه، فالحق سبحانه هو القائل: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا... # [البقرة: 10]. وقوله تعالى هنا: { فلما كشفنا عنه ضره ~~مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه. # .. } [يونس: 12]. وهذا ما حدث للمسرفين سابقا، وما ms4485 سوف يحدث من ~~المسرفين لاحقا. والإنسان له عمل مكون من القول والفعل، والعمل هو كل ~~حادثة متفرعة عن جوارح الإنسان، وإن كان القول مقابله الفعل فالاثنان ~~عمل. وبعد أن يعرض الحق سبحانه هذه القضية في عمومها، وفي خصوصها، وفي ~~انسحابها على الكون كله، يبين لنا ضرورة الانتباه للكافرين برسالة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، ويحذر الكافرين: أأسلمنا رسولا إلى خصومه أم نصرنا ~~كل رسول جاء على خصومه؟ إن السوابق تدل على أن كلا أخذناه بذنبه، ~~فاحذروا أن تكونوا كذلك. ويقول سبحانه بعد ذلك: { ولقد أهلكنا ~~القرون من قبلكم... }. ### || [10.13] # فإياكم أن تسول لكم أنفسكم أن تظلوا على عداوتكم لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم لأنكم لن تنالوا منه شيئا، وسيتم الله نوره، فلستم بدعا عن سابق ~~الخلق. و { القرون }: جمع قرن، والقرن من المقارنة، وكل جماعة ~~اقترنوا في شيء نسميهم " قرنا ". وقد يكون القرن في الزمنية، ولذلك حسبوا ~~القرن مائة سنة، والبشر الذين يجتمعون في مائة سنة يسمونهم قرنا. أو ~~القرن جماعة يقترنون في شيء يجمعهم، مهما طال بهم الأمد. وقوله الحق: { ~~ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ~~وجآءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا } ~~فهل لو أمهلهم الله - تعالى - كانوا سيؤمنون؟ لا، فلله علم أزلي، يعلم ~~الأشياء على وفق ما تكون عليه اضطرارا أو اختيارا. والمثل من حياتنا ~~وأعرافنا - ولله المثل الأعلى - نجد الإنسان حين يريد بناء بيت، فالأمر ~~يختلف حسب مقدرته الفقير مثلا يطلب بناء حجرتين فيخطط رجل البناء لبناء ~~حجرتين، وإذا كان الإنسان متوسط الحال فهو يتجه إلى مهندس يصمم له بناء ~~على قدر سعته، وإن كان الإنسان ثريا فهو يستدعي المهندس الذي يبني له ~~بيتا حسب إمكانات ورغبات هذا الثرى، ويصمم المهندس نموذجا للبناء قبل ~~أن يبدأ فيه، وتظهر فيه كل التفاصيل، حتى ألوان النوافذ والأبواب ~~والحجرات. والعالم قبل أن يخلقه الله سبحانه وتعالى كانت هيئته مقدرة ~~أزلا عنده سبحانه، وهذا هو مطلق القدرة من الحق تعالى، ويأتي واقع الكون ~~على وفق ما قدره الخالق سبحانه أزلا ms4486 حتى ولو كان هناك اختيار للمخلوق ~~الكافر، فالله سبحانه يعلمه. وقد صح أن القلم جف حتى في الأمور ~~الاختيارية، وسبحانه يعلم ما تجري به الأمور القهرية وما يقضيه على خلقه ~~بدون اختيار منهم، أما في الأمور الاختيارية فقد أعطى لخلقه الاختيار. ~~وقد علم ما سوف يفعلونه غيبا فصمم المسألة على وفق ما علم. وإياك أن تظن ~~أنه أراد بذلك أن يلزمك، لا، فقد علم أنك ستختار. وهكذا علم الحق سبحانه ~~من سيظلم نفسه - أزلا - وسبق في علمه أن أهل القرون السابقة الذين ~~أهلكهم لا يؤمنون. { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم ~~لما ظلموا } والظلم معناه نقل الحق من صاحبه إلى غيره، والحقوق ~~الموهوبة من الخالق للبشر قد يظلمون فيها بعضهم البعض، لكن أعلى درجات ~~الظلم حين يظلم أحد حق الإله الأعلى في أن يكون إلها واحدا، وأن ~~ينقل ذلك لغيره. تلك هي قمة الظلم لذلك قال سبحانه: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. وهم قد ظلموا في قضية العقيدة الأولى، أو ظلموا في الحقوق ~~بينهم وبين أنفسهم مصداقا لقوله تعالى: # ولكن الناس أنفسهم يظلمون # [يونس: 44]. والواحد منهم ظالم ومظلوم في آن واحد لأن الإنسان ملكاته ~~متعددة، ومن هذه الملكات ملكة الإيمان الفطري، وملكة النفع العاجل ~~الذاتي. # فإذا تغلبت ملكة النفع العاجل تخرج النفس اللوامة لتعيد الأمر إلى ~~صوابه، أما إن كانت نفس تأمر بالسوء فهي تطلب تحقيق الشهوات فقط لأنها ~~نفس أمارة بالسوء. أما إن اطمأنت النفس إلى حكم الله تعالى ورضيت به ~~ونفذت ما قاله الله سبحانه، فهي نفس مطمئنة. ومن يظلم نفسه فهو الذي يتبع ~~شهوات نفسه، وهو قد أعطاها متعة عاجلة ليستقبل بعد ذلك شقاء آجلا فيكون ~~قد ظلم نفسه. { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ~~ظلموا وجآءتهم رسلهم بالبينات } والحق سبحانه لم ~~يتركهم، بل أرسل الرسل مؤيدين بالمعجزات ليبصروهم. لكن الله تعالى ~~يعلم أنهم لا يؤمنون لذلك قال: { وما كانوا ليؤمنوا } أي: أنه ~~سبحانه لو تركهم أحياء فلن يؤمنوا، فهو الذي خلقهم وقد علم أزلا أنهم لن ~~يختاروا ms4487 الإيمان. والحق سبحانه هو العالم الأعلى الذي يعلم الأشياء على ~~وفق ما تكون عليه، لا على وفق ما يقهر خلقه عليه، فلو كان علمه - سبحانه ~~- على وفق ما يقهر الخلق عليه لكانت المسألة منتهية. والمثال - ولله ~~المثل الأعلى - أنت في البيت وتريد أن تقوم وزوجتك برحلة، فإن كان ~~الأولاد صغارا فأنت تغلق عليهم الباب بعد أن تقول لهم: إن طعامكم في ~~الثلاجة لحما وسمكا وجبنا وزيتونا. وبعد أن تخرج أنت وزوجتك تقول ~~لها: إن أبناءنا لن يأكلوا إلا جبنا وزيتونا لأنهم سوف يستسهلون هذا ~~الطعام. ولو لم يكن في الثلاجة إلا الجبن، لما قلت ذلك لأن هذا هو لون ~~الطعام القهري. لكن ما دام في الأمر اختيار فأنت تستشف من سابق سلوك ~~الأبناء. وعندما ترجع تجد أبناءك قد تصرفوا وفق ما حكمت به، رغم أنك تركت ~~لهم الاختيار. ومثال هذا في القرآن قوله الحق: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب # [المسد: 1-3]. وفي هذا حكم من الله تعالى بأن أبا لهب سيموت كافرا، ~~وهذا حكم معلن ويردد في الصلاة، ونحفظه، وأبو لهب هو عم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكان كافرا مثل غيره من الكفار. وقد آمن من الكفار ~~الكثير. ألم يسلم عمر؟ ألم يسلم عكرمة بن أبي جهل؟ ألم يسلم عمرو بن ~~العاص؟ ألم يسلم خالد بن الوليد؟ فما المانع أن يسلم أبو لهب هو الآخر؟ ~~لا، لم يسلم وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه أن ذلك لن يكون ~~منه. وما كان من الممكن أن يمكر أبو لهب ويعلن إسلامه تكذيبا للقرآن لأن ~~الحق علم أزلا سلوك أبي لهب. { ولقد أهلكنا القرون من ~~قبلكم لما ظلموا وجآءتهم رسلهم بالبينات ~~وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين ~~}. وقوله: { كذلك } أي: مثل هذا الجزاء الذي كان للأمم السابقة التي ~~أهلكت في القرون الماضية تجزي ممن يحدد كل شيء لأن القضايا في الكون ~~واحدة. فالقضية الإيمانية موجودة من أول ms4488 ما أرسلت الرسل إلى أن تنتهي ~~الدنيا. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ثم جعلناكم خلائف... ~~}. ### || [10.14] # و { خلائف }: جمع خليفة، وهو من يخلف غيره. والحق سبحانه وتعالى ~~حينما وصف الإنسان أصدر أول بيان عن الإنسان قال للملائكة: # إني جاعل في الأرض خليفة... # [البقرة: 30]. والله سبحانه وتعالى قادر، وسميع، وعليم، وله من كل صفات ~~الكمال المطلق، وأنت قد تكون لك قدرة وقد تعدي أثر قدرتك إلى غيرك، ~~ولكنك لن تستطيع أن تعدي قدرتك إلى سواك، فإن كنت قويا فلن تستطيع أن ~~تهب ضعيفا قدرا من قوتك. بل كل الذي تستطيعه هو أن تهبه أثر قدرتك، ~~فإن كان غير قادر على أن يحمل شيئا فأنت قد تحمله عنه، وإن كان غير قادر ~~على المشي فأنت تأخذ بيده، لكنك لا تستطيع أن تهبه جزءا من قوتك ~~الذاتية، فيظل هو عاجزا، وتظل أنت قادرا - كما أنت. هذا هو حال الخلق: ~~تجد غنيا وآخر فقيرا، ويعطي الغني للفقير من غناه، ويعطي العالم ~~للجاهل بعض العلم، لكنه لا يهبه ملكة العلم ليعلم. أما الحق الأعلى ~~سبحانه فهو وحده القادر على أن يهب من قدرته المطلقة للخلق قدرة موهوبة ~~محدودة، وقد أعطاهم سبحانه أثر القدرة العالية في الأفلاك التي صنعها ولا ~~دخل للإنسان فيها من شمس، وقمر، ونجوم، ورياح، ومطر. وأعطى الحق سبحانه ~~للإنسان طاقة من قدرته في الأمور التي حوله فأصبح قادرا على أن يفعل بعض ~~الأفعال التي تتناسب مع هذه الطاقة الموهوبة. وبذلك عدى له الحق سبحانه ~~من قدرته ليقدر على الفعل، ومن غناه ليعطي الفقير، ومن علمه ليعطي ~~الجاهل، ومن حلمه ليحلم على الذي يؤذيه. إذن: فالخلق لا يعدون صفاتهم ~~إلى غيرهم ولكنهم يعدون آثار صفاتهم إلى غيرهم، وتظل الصفة هنا قوة، ~~والصفة هناك ضعفا. أما الواحد الأحد فهو الذي يستطيع أن يهب من قدرته ~~للعاجز قدرة فيفعل. فهل كل الكون هكذا؟ إن الكون قسمان: قسم وهبة الله ~~سبحانه وتعالى للإنسان بدون مجال له فيه. وقد أقامه الحق بقدرته، وهذا ~~القسم من الكون مستقيم ms4489 في أمره استقامة لا يتأتى لها أي خلل، مثل: ~~نظام الأفلاك والسماء ودوران الشمس والقمر والريح وغيرها، ولا تعاني من ~~أي عطب أو خلل، ولا يتأتى لهذا القسم فساد إلا بتدخل الإنسان. وقسم آخر ~~في الكون تركه الحق سبحانه للإنسان حتى يقيمه بالقوة الموهوبة له من ~~الله. وأنت لا تجد فسادا في كون الله تعالى إلا وجدت فيه للإنسان يدا، ~~أما الأمور التي ليس للإنسان فيها يد فهي مستقيمة، ولذلك يقول الحق ~~سبحانه: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5]. والمراصد تحدد موقع الأرض بين الشمس والقمر، وموقع القمر ~~بين الأرض والشمس بدقة تتناسب مع قوله الحق: { بحسبان } لأن الإنسان ~~ليس له دخل في هذه الأمور. # وفيما لنا فيه اختيار علينا أن نتدخل بمنهج الله تعالى لتستقيم حركتنا ~~مثل استقامة الحركة في الأكوان العليا التي لا دخل لنا فيها. إذن: فالذي ~~يفسد الأكوان هو تدخل الإنسان - فيما يحيط به، وفيما ينفعل له وينفعل ~~به - على غير منهج الله ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه ~~البيان * الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 1-5]. أي: هذه الأكوان مخلوقة بحساب، وتستطيعون أن تقدروا ~~أوقاتكم وحساباتكم على أساسها. ويقول سبحانه: # الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر ~~يسجدان * والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا ~~تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا ~~تخسروا الميزان # [الرحمن: 5-9]. وحتى تستقيم لكم الأمور الدنيا في حركتكم في الكون - كما ~~استقامت لكم الأمور العليا وازنوا كل الأمور بالعدل فلا يختل لكم ميزان ~~لأن الذي يفسد الكون أنكم تتدخلون فيما أعطي لكم من مواهب الله قدرة ~~وعلما وحركة على غير منهج الله. فادخلوا على أمور حياتكم بمنهج الله في ~~" افعل " و " لا تفعل " ليستقيم لكم الكون الأدنى كما استقام لكم الكون ~~الأعلى. وهنا يقول الحق سبحانه: { ثم جعلناكم خلائف في ~~الأرض } وقد خلف الإنسان الله تعالى في الأرض، في أنه - مثلا - ~~يحرث الأرض ويسقيها فيخرج له الزرع، وحين يأخذ الإنسان أسباب الله فهو ~~ينال نتيجة الأخذ بالأسباب. ولكن آفة الإنسان بغروره، حين تستجيب ms4490 له ~~الأشياء، فهو يظن أنه قادر بذاته، لا بأسباب الله. والحق سبحانه وتعالى ~~يعطي بعطاء ربوبيته للمؤمن، وللكافر لأنه سبحانه هو الذي استدعى الإنسان ~~إلى الوجود، لكنه جل وعلا ميز المؤمن، لا بعطاء الأسباب فقط، ولكن ~~بالمنهج، والتكليف المتمثل في " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " ، فإن أخذ ~~العطاءين من الله يبق له حسن الجزاء في الدنيا والآخرة، وإن أخذ العطاء ~~الثاني في " افعل " و " لا تفعل " ، فهو يأخذ الآخرة، أما دنياه فتظل ~~متخلفة. ومن يرد أن يأخذ حسن الدنيا والآخرة، فليأخذ عطاء ربوبية ~~الله تعالى بالأخذ بالأسباب، وعطاء الألوهية باتباع المنهج. إلا أن آفة ~~الخليفة في الأرض أنه يرى بعض الأمور مستجيبة له فيطغى، ويظن أنه أصيل في ~~الكون، ونقول له: ما دمت تظن أنك أصيل في الكون فحافظ على روحك، وعلى ~~قوتك، وعلى غناك، وأنت لن تستطيع ذلك. فأنت إن تمردت على أوامر الله ~~بالكفر - مثلا، فلماذا لا تتمرد على المرض أو الموت؟ إذن: أنت مقهور ~~للأعلى غصبا عنك، ويجب أن تأخذ من الأمورالتي تنزل عليك بالأقدار ~~لتلجمك، وتقهرك، إلى أن تأخذ الأمور التي لك فيها اختيار بمنهج الله ~~سبحانه. ولو ظن الخليفة في الأرض أنه أصيل في الكون، فعليه أن يتعلم مما ~~يراه في الكون، فأنت قد توكل محاميا في العقود والتصرفات فيتصرف في ~~الأمور كلها دون الرجوع إليك ولا يعرض عليك بيانا بما فعل، فتقوم أنت ~~بإلغاء التوكيل. # فيلتفت مثل هذا المحامي إلى أن كل تصرف له دون التوكيل قد صار غير ~~مقبول. فماذا عن توكيل الله للإنسان بالخلافة؟ يقول الحق سبحانه: { ثم ~~جعلناكم خلائف في الأرض } فاذا كنتم قد خلفتم من ~~هلكوا، فمن اللازم أن تأخذوا العظة والعبرة في أن الله تعالى غالب على ~~أمره، ولا ترهقوا الرسل، بل تأخذوا المنهج، أو على الأقل، لا تعارضوهم إن ~~لم تؤمنوا بالمنهج الذي جاءوا به من الله. واتركوهم يعلنون كلمة الله، ~~وليعيدوا صياغة حركة المؤمنين برسالاتهم في هذا الكون على وفق ما يريده ~~الله سبحانه، وأنتم أحرار ms4491 في أن تؤمنوا أو لا تؤمنوا. # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر... # [الكهف: 29]. والدليل على ذلك أن الإسلام حينما فتح كثيرا من البلاد ~~ترك لهم حرية اعتناق الإسلام أو البقاء على أديانهم، مع أنه قد دخل ~~بلادهم بالدعوة أو الغلبة، ولكنه لم يقهر أحدا على الدين، وأخذ المسلمون ~~منهم الجزية مقابل حماية المسلمين لهم. ولو كان الإسلام قد انتشر بالسيف ~~لما أبقى أحدا على دينه، ولكن الإسلام لم يكره أحدا، وحمى حرية ~~الاختيار بالسيف. ولأن الذين لم يؤمنوا بالإسلام عاشوا في مجتمع تتكفل ~~الدولة الإسلامية فيه بكل متطلبات حياتهم، والمسلم يدفع زكاة لبيت المال، ~~فعلى من لم يؤمن - وينتفع بالخدمات التي يقدمها المجتمع المسلم - أن يدفع ~~الجزية مقابل تلك الخدمات. وإذا اعتقد الإنسان أنه خليفة، وظل متذكرا ~~لذلك، فهو يتذكر أن سطوة من استخلفه قادرة على أن تمنع عنه هذه الخلافة. ~~إذن: فخذوا الأمر بالتسليم، وساعدوا النبي صلى الله عليه وسلم على دعوته، ~~وآمنوا به أولا، وإن لم تؤمنوا به فاتركوه ليعلن دعوته، ولا تعاندوه، ~~ولا تصرفوا الناس عنه لأن الحق هو القائل: # ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر ~~كيف تعملون # [يونس: 14]. وساعة تأتي لأمر يعلله الله بكلمة # ليعلم... # [المائدة: 94]. أو { لننظر... } [يونس: 14]. فاعلم أن الله عالم ~~وعليم، علم كل الأمور قبل أن توجد، وعلم الأشياء التي للناس فيها اختيار، ~~وهو القائل: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم ~~الله من ينصره ورسله بالغيب... # [الحديد: 25]. وقد علم الحق سبحانه أزلا كل شيء، وإذا قال الله: { ~~وليعلم } فليس معنى ذلك أن هناك علما جديدا لم يكن يعلمه سوف ~~ينشأ له، لكنه يعلم علم مشهد وإقرار منك حتى لا يقول قائل: لماذا يحاسبنا ~~الله على ما علم أزلا؟ بل يأتي سبحانه بالاختبار الذي يحدد للعبد ~~المعايير التي تتيح للمؤمن أن يدخل الجنة، وللعاصي أن يحاسب ويجازى. # وبذلك يعلم الإنسان أن الحق سبحانه شاء ذلك ليعرف كل عبد علم ms4492 الواقع، ~~لا علم الحصول. إذن: فذكر كلمة { وليعلم } وكلمة { لننظر } ~~في القرآن معناها علم واقع، وعلم مشهد، وعلم حجة على العبد فلا يستطيع ~~أن ينكر ما حدث، وقوله الحق: # وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب # [الحديد: 25]. هذه الآية تبين لنا أدوات انتظام الحكم الإلهي: رسل جاءوا ~~بالبرهان والبينة، وأنزل الحديد للقهر، قال الحق سبحانه: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. # [الحديد: 25]. وقرن ذلك بالرسل، فقال: { وليعلم الله من ~~ينصره } والنصرة لا تكون إلا بقوة، والقوة تأتي بالحديد الذي يظل ~~حديدا إلى أن تقوم الساعة، وهو المعدن ذو البأس، والذي لن يخترعوا ما هو ~~أقوى منه، وعلم الله سبحانه هنا علم وقوع منكم، لا تستطيعون إنكاره ~~لأنه سبحانه لو أخبر خبرا دون واقع منكم فقد تكذبون لذلك قال سبحانه: { ~~وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب } وفي هذا ~~لون من الاحتياط الجميل. وقوله: { وليعلم الله من ينصره } ~~كأن الله يطلب منكم أن تنصروه، لكن إياكم أن تفهموا المعنى أنه سبحانه ~~ضعيف، معاذ الله، بل هو قوي وعزيز. فهو القائل: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم # [التوبة: 14]. بل يريد سبحانه أن يكون أعداء الإيمان أذلاء أمامكم لأنه ~~سبحانه يقدر عليهم. إذن: فقول الحق سبحانه: { وليعلم الله من ~~ينصره } إنما يعني: أن يكون علم الله بمن ينصر منهجه أمرا غيبيا ~~حتى لا يقول أحد إن انتصار المنهج جاء صدفة، بل يريد الحق سبحانه أن ~~يجعل نصرة منهجه بالمؤمنين، حتى ولو قلت عدتهم، وقل عددهم. إذن: ~~قوله سبحانه وتعالى: { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من ~~بعدهم لننظر } [يونس: 14]. أي: نظر واقع، لا نظر علم. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ~~قال الذين لا يرجون... }. ### || [10.15] # نحن نعرف أن الآيات ثلاثة أنواع: آيات كونية، وهي العجائب التي في الكون ~~ويسميها الله سبحانه آيات، فالآية هي عجيبة من العجائب، سواء في الذكاء ~~أو الجمال أو الخلق، وقد سمى الحق سبحانه الظواهر الكونية آيات فقال ~~تعالى: # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر.. # [فصلت: 37]. وقال سبحانه: ms4493 # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا.. # [الروم: 21]. وهذه من الآيات الكونية. وهناك آيات هي الدليل على صدق ~~الرسل عليهم السلام في البلاغ عن الله، وهي المعجزات لأنها خالفت ~~ناموس الكون المألوف للناس. فكل شيء له طبيعة، فإذا خرج عن طبيعته فهذا ~~يستدعي الانتباه. مثلما يحكي القرآن عن سيدنا إبراهيم عليه السلام أن ~~أعداءه أخذوه ورموه في النار فنجاه الحق سبحانه من النار فخرج منها ~~سالما، ولم يكن المقصود من ذلك أن ينجو إبراهيم من النار، فلو كان ~~المقصود أن ينجو إبراهيم عليه السلام من النار لحدثت أمور أخرى، كألا ~~يمكنهم الحق عز وجل من أن يمسكوه، لكنهم أمسكوا به وأشعلوا ~~النار ورموه فيها، ولو شاء الله تعالى أن يطفئها لفعل ذلك بقليل من ~~المطر، لكن ذلك لم يحدث فقد تركهم الله في غيهم، ولأنه واهب النار ~~للإحراق قال سبحانه وتعالى لها: # ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. وهكذا تتجلى أمامهم خيبتهم. إذن: الآيات تطلق على ~~الآيات الكونية، وتطلق على الآيات المعجزات، وتطلق أيضا على آيات القرآن ~~ما دامت الآيات القرآنية من الله والمعجزات من الله، وخلق الكون من الله، ~~فهل هناك آية تصادم آية؟ لا لأن الذي خلق الكون وأرسل الرسل بالمعجزات ~~وأنزل القرآن هو إله واحد، ولو كان الأمر غير ذلك لحدث التصادم بين ~~الآيات، والحق سبحانه هو القائل: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82]. وقوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا ~~بينات.. } [يونس: 15] أي: آيات واضحة. ثم يقول الحق سبحانه: { قال ~~الذين لا يرجون لقآءنا } وعرفنا أن الرجاء طلب أمر محبوب ~~ومن الممكن أن يكون واقعا، مثلما يرجو إنسان أن يدخل ابنه كلية الطب أو ~~كلية الهندسة. ومقابل الرجاء شيء آخر محبوب، لكن الإنسان يعلم استحالته، ~~وهو التمني، فالمحبوبات إذن قسمان: أمور متمناه وهي في الأمور ~~المستحيلة، لكن الإنسان يعلن أنه يحبها، والقسم الثاني أمور نحبها، ومن ~~الممكن أن تقع، وتسمى رجاء. { الذين لا يرجون لقآءنا } هم ~~من لا يؤمنون، لا ms4494 بإله، ولا ببعث فقد قالوا: # ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنآ إلا الدهر # [الجاثية: 24]. وقالوا: # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون.. # [المؤمنون: 82]. وإذا كان الإنسان لا يؤمن بالبعث فهو لا يؤمن بلقاء ~~الله سبحانه لأن الذي يؤمن بالبعث يؤمن بلقاء الله، ويعد نفسه لهذا ~~اللقاء بالعبادة والعمل الصالح، ولكن الكافرين الذين لا يؤمنون بالبعث ~~سيفاجأون بالإله الذي أنكروه، وسوف تكون المفاجأة صعبة عليهم ولذلك قال ~~الحق سبحانه: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا.. # [النور: 39]. السراب: هو أن يمشي الإنسان في خلاء الصحراء، ويخيل إليه ~~أن هناك ماء أمامه، وكلما مشى ظن أن الماء أمامه، وما إن يصل إلى ~~المكان يجد أن الماء قد تباعد. وهذه العملية لها علاقة بقضية انعكاس ~~الضوء، فالضوء ينعكس ليصور الماء وهو ليس بماء: # حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله ~~عنده.. # [النور: 39]. إنه يفاجأ بوجود الله سبحانه الذي لم يكن في باله، فهو ~~واحد من الذين لا يرجون لقاء الله، وهو ممن جاء فيهم القول: # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق ~~جديد بل هم بلقآء ربهم كافرون # [السجدة: 10]. رغم أن الكون الذي نراه يحتم قضية البعث لأننا نرى أن ~~لكل شيء دورة، فالوردة الجميلة الممتلئة بالنضارة تذبل بعد أن تفقد ~~مائيتها، ويضيع منها اللون، ثم تصير ترابا. وأنت حين تشم الوردة فهذا ~~يعني أن ما فيها من عطر إنما يتبخر مع المياه التي تخرج منها بخارا، ثم ~~تذبل وتتحلل بعد ذلك. إذن: فللوردة دورة حياة. وأنت إن نظرت إلى أي عنصر ~~من عناصر الحياة مثل المياه سوف تجد أن الكمية الموجودة من الماء ساعة ~~خلق الله السماوات والأرض هي بعينها لم تزد ولم تنقص. وقد شرحنا ذلك ~~من قبل. وكل شيء تنتفع به له دورة، والدورة تسلم لدورة أخرى، وأنت ~~مستفيد بين هذه الدورات هدما وبناء. والذين لا يرجون لقاء الله، ولا ~~يؤمنون بالبعث، ولا بثواب أو عقاب، لا يلتفتون ms4495 إلى الكون الذي يعيشون فيه ~~لأن النظر في الكون وتأمل أحواله يوجب عليهم أن يؤمنوا بأنها دورة من ~~الممكن أن تعود. وسبحانه القائل: # كما بدأنآ أول خلق نعيده.. # [الأنبياء: 104]. وهؤلاء الذين لا يرجون لقاء الله يأتي القرآن بما جاء ~~على ألسنتهم: { ائت بقرآن غير هذآ أو بدله.. } ~~[يونس: 15]. هم هنا يطلبون طلبين: { ائت بقرآن غير هذآ } ، ~~{ أو بدله }. أي: يطلبون غير القرآن. ولنلحظ أن المتكلم هو الله ~~سبحانه لذلك فلا تفهم أن القولين متساويان. { ائت بقرآن غير ~~هذآ أو بدله } هما طلبان: الطلب الأول: أنهم يطلبون قرآنا ~~غير الذي نزل. والطلب الثاني: أنهم يريدون تبديل آية مكان آية، وهم قد ~~طلبوا حذف الآيات التي تهزأ بالأصنام، وكذلك الآيات التي تتوعدهم بسوء ~~المصير. ويأتي جواب من الله سبحانه على شق واحد مما طلبوه وهو المطلب ~~الثاني، ويقول سبحانه: { قل ما يكون لي أن أبدله من ~~تلقآء نفسي } ولم يرد الحق سبحانه على قولهم: { ائت بقرآن ~~غير هذآ }. # وكان مقياس الجواب أن يقول: " ما يكون لي أن آتي بقرآن غير هذا أو أبدله ~~" لكنه اكتفى بالرد على المطلب الثاني { أو بدله } لأن الإتيان ~~بقرآن يتطلب تغييرا للكل. ولكن التبديل هو الأمر السهل. وقد نفى الأسهل ~~ليسلموا أن طلب الأصعب منفي بطبيعته. وأمر الحق سبحانه لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم: { قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء ~~نفسي } أي: أن أمر التبديل وارد، لكنه ليس من عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. بل بأمر من الله سبحانه وتعالى، إنما أمر الإتيان بقرآن ~~غير هذا ليس واردا. إذن: فالتبديل وارد شرط ألا يكون من الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، ولذلك قال الحق سبحانه: # وإذا بدلنآ آية مكان آية والله أعلم بما ~~ينزل.. # [النحل: 101]. وهو ما تذكره هذه الآية: { قل ما يكون لي أن ~~أبدله من تلقآء نفسي } و { تلقآء } من " لقاء " ~~فتقول: " لقيت فلانا " ، ويأتي المصدر من جنس الفعل أو حروفه، ويسمون " ~~التلقاء " هنا: الجهة. والحق سبحانه يقول في آية أخرى: # ولما ms4496 توجه تلقآء مدين.. # [القصص: 22]. و { تلقآء مدين } أي: جهة مدين. و " التلقاء " قد ~~تأتي بمعنى اللقاء لأنك حين تقول: " لقيته " أي: أنا وفلان التقينا في ~~مكان واحد، وحين نتوجه إلى مكان معين فنحن نوجد فيه. ويظن بعض الناس ~~أن كل لفظ يأتي لمعنيين يحمل تناقضا، ونقول: لا، ليس هناك تناقض، بل ~~انفكاك جهة، مثلما قال الحق سبحانه: # فول وجهك شطر المسجد الحرام # [البقرة: 144]. والشطر معناه: الجهة ومعناه أيضا: النصف، فيقال: " أخذ ~~فلان شطر ماله " ، أي: نصفه، و " اتجهت شطر كذا " ، أي: إلى جهة كذا. ~~وهذه معان غير متناقضة فالإنسان منا ساعة يقف في أي مكان يصبح هذا المكان ~~مركزا لمرائيه، وما حوله كله محيطا ينتهي بالأفق. ويختلف محيط كل إنسان ~~حسب قوة بصره، ومحيط الرؤية ينتهي حين يخيل لك أن السماء انطبقت على ~~الأرض، هذا هو الأفق الذي يخصك، فإن كان بصرك قويا فأفقك يتسع، ~~وإن كان البصر ضعيفا يضيق الأفق. ويقال: " فلان ضيق الأفق " أي: أن ~~رؤيته محدودة، وكل إنسان منا إذا وقف في مكان يصير مركزا لما يحيطه من ~~مراء ولذلك يوجد أكثر من مركز، فالمقابل لك نصف الكون المرئي، وخلفك ~~نصف الكون المرئي الآخر، فإذا قيل: إن " الشطر " هو " النصف " ، فالشطر ~~أيضا هو " الجهة ". وهنا يقول الحق سبحانه: { قل ما يكون لي ~~أن أبدله من تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما ~~يوحى إلي }. أي: أنه صلى الله عليه وسلم لا يأتي بالقرآن من عند ~~نفسه صلى الله عليه وسلم، بل يوحى إليه. # وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: { إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم.. } [يونس: 15]. أي: أنه صلى الله عليه ~~وسلم لو جاء بشيء من عنده، ففي هذا معصية لله تعالى، ونعلم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يعرف عنه أنه كان شاعرا، ولا كان كاتبا، ولا ~~كان خطيبا. وبعد أن نزل الوحي عليه من الله جاء القرآن في منتهى ~~البلاغة. وقد نزل الوحي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الأربعين من ~~عمره ms4497 ولا توجد عبقرية يتأجل ظهورها إلى هذه المرحلة من العمر، ولا يمكن ~~أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أجل عبقريته إلى هذه السن لأنه ~~لم يكن يضمن أن يمتد به العمر. ويأتي لنا الحق سبحانه بالدليل القاطع على ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتبع إلا ما يوحى إليه فيقول: { ~~إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم } [يونس: 15]. ويأتي الأمر ~~بالرد من الحق سبحانه على الكافرين: { قل لو شآء الله ما ~~تلوته عليكم... }. ### || [10.16] # وهنا يبلغ محمد صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين طلبوا تغيير القرآن ~~أو تبديله: لقد عشت طوال عمري معكم، ولم تكن لي قوة بلاغة أو قوة شعر، أو ~~قوة أدب. فمن له موهبة لا يكتمها إلى أن يبلغ الأربعين، ورأيتم أنه صلى ~~الله عليه وسلم لم يجلس إلى معلم، بل عندما اتهمتموه وقلتم: # إنما يعلمه بشر.. # [النحل: 103]. وفضحكم الحق سبحانه بأن أنزل في القرآن قوله تعالى: # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. ولم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من شبه الجزيرة ~~العربية، ولم يقرأ مؤلفات أحد. فمن أين جاء القرآن إذن؟ لقد جاء من ~~الله سبحانه، وعليكم أن تعقلوا ذلك، ولا داعي للاتهام بأن القرآن من عند ~~محمد لأنكم لم تجربوه خطيبا أو شاعرا، بل كل ما جاء به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، بعد أن نزلت عليه الرسالة، هو بلاغ من عند الله. وبطبيعة ~~الحال لا يمكن أن ينسب الكمال إلى إنسان فينفيه، فالعادة أن يسرق شاعر ~~ مثلا قصيدة من شاعر آخر، أو أن ينتحل كاتب مقالة من آخر. لكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يبلغكم أن كمال القرآن ليس من عنده، بل هو ~~مجرد مبلغ له، وكان يجب أن يتعقلوا تلك القضية بمقدماتها ونتائجها ~~فلا يلقوا لأفكارهم العنان ليكذبوا ويعاندوا، فالأمر بسيط جدا. يقول ~~الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: { قل لو شآء الله ما ms4498 ~~تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم ~~عمرا من قبله أفلا تعقلون } [يونس: 16]. إذن: فالمقدمة ~~التي يريد الحق سبحانه وتعالى أن يقنع بها الكافرين أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد أرسله الله رسولا من أنفسهم، فإن قلت: # إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم.. # [آل عمران: 164]. أي: أنه صلى الله عليه وسلم من جنس الناس، لا من جنس ~~الملائكة، أو { من أنفسهم } أي: من أمة العرب، لا من أمة ~~العجم، أو { من أنفسهم } أي: من قبيلتهم التي يكذب أصحابها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن: فحياته صلى الله عليه وسلم معروفة ~~معلومة لكم، لم يغب عنكم فترة لتقولوا بعث بعثة ليتعلم علما من ~~مكان آخر، ولم يجلس إلى معلم عندكم ولا إلى معلم خارجكم، ولم يتل ~~كتابا، فإذا كان الأمر كذلك، فيجب أن تأخذوا من هذا مقدمة وتقولوا: ~~فمن أين جاءت له هذه الحكمة فجأة؟ أنتم تعلمون أن المواهب والعبقريات لا ~~تنشأ في الأربعينات، ولكن مخايل العبقرية إنما تنشأ في نهاية العقد ~~الثاني وأوائل العقد الثالث، فمن الذي آخر العبقرية عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليقول هذا القول البليغ الذي أعجزكم، وأنتم أمة البلاغة ~~وأمة الفصاحة المرتاضون عليها من قديم، وعجزتم أمام ما جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم؟ كان يجب أن تقولوا: لم نعرف عنه أنه يعلم شيئا من هذا، ~~فإذا حل لكم اللغز وأوضح لكم: أن القرآن ليس من عندي كان يجب أن تصدقوه ~~لأنه صلى الله عليه وسلم يعزوه إلى خالقه وربه سبحانه. # والدليل على أنكم مضطربون في الحكم أنكم ساعة يقول لكم: القرآن بلاغ عن ~~الله، تكذبونه، وتقولون: لا، بل هو من عندك، فإذا فتر عنه الوحي ~~مرة قلتم: قلاه ربه. لماذا اقتنعتم بأن له ربا يصله بالوحي ~~ويهجره بلا وحي؟ أنتم إذن أنكرتم حالة الوصل بالوحي، واعترفتم بالإله ~~الخالق عندما غاب عنه الوحي، وكان يجب أن تنتبهوا وتعودوا إلى عقولكم ~~لتحكموا على هذه الأشياء، وقد ذكر الحق سبحانه ذلك ms4499 الأمر في كثير من ~~آياته، يقول سبحانه: # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم # [آل عمران: 44]. ويقول سبحانه: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر.. # [القصص: 44]. ويقول سبحانه: # وما كنت ثاويا في أهل مدين.. # [القصص: 45]. ويقول سبحانه: # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون # [العنكبوت: 48]. فمن أين جاءت تلك البلاغة؟ كان يجب أن تأخذوا هذه ~~المقدمات لتحكموا بأنه صادق في البلاغ عن الله لذلك ينهي الحق سبحانه ~~الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: { أفلا تعقلون }. وحين ~~ينبهك الحق سبحانه وتعالى إلى أن تستعمل عقلك، فهذا دليل على الثقة في ~~أنك إذا استعملت عقلك وصلت إلى القضية المرادة. والله سبحانه وتعالى ~~منزه عن خديعة عباده، فمن يخدع الإنسان هو من يحاول أن يصيب عقله ~~بالغفلة، لكن الذي ينبه العقل هو من يعلم أن دليل الحقيقة المناسبة لما ~~يقول، يمكن الوصول إليه بالعقل. وقول الحق سبحانه في آخر الآية: { ~~أفلا تعقلون } يدلنا على أن القضية التي كذبوا فيها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نشأت من عدم استعمال عقولهم، فلو أنهم استعملوا ~~عقولهم في استخدام المقدمات المحسة التي يؤمنون بها ويسلمون لانتهوا ~~إلى القضية الإيمانية التي يقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو ~~أنهم فكروا وقالوا: محمد نشأ بيننا ولم نعرف له قراءة، ولا تلاوة كتاب ~~ولا جلوسا إلى معلم، ولم يغب عنا فترة ليتعلم، وظل مدة طويلة إلى ~~سن الأربعين ولم يرتض على قول ولا على بلاغة ولا على بيان فمن أين ~~جاءته هذه الدفعة القوية؟ كان يجب أن يسألوه هو عنها: من أين جاءتك هذه؟ ~~وما دام قد قال لهم: إنها جاءته من عند الله، فكان يجب أن يصدقوه. ~~ومهمة العقل دائما مأخوذة من اشتقاقه، " فالعقل " مأخوذ من " عقال " ~~البعير. # وعقال البعير هو الحبل الذي تربط به ساقي الجمل حتى لا ينهض ويقوم ~~لنوفر له حركته فيما نحب أن يتحرك فيه، فبدلا من أن يسير هكذا بدون ~~غرض، ms4500 وبدون قصد، فنحن نربط ساقيه ليرتاح ولا يتحرك، إلى أن نحتاجه في ~~حركة. إذن: فالعقل إنما جاء ليحكم الملكات لأن كل ملكة لها نزوع ~~إلى شيء، فالعين لها ملكة أن ترى كل شيء، فيقول لها العقل: لا داعي أن ~~تشاهدي ذلك لأنه منظر سيؤذيك، والأذن تحب أن تسمع كل قول، فيقول لها ~~العقل: لا تسمعي إلى ذلك حتى لا يضرك. إذن: فالعقل هو الضابط على بقية ~~الجوارح. وكذلك كلمة " الحكمة " ، مأخوذة من " الحكمة " وهي في " ~~اللجام " الذي يوضع في فم الفرس حتى لا يجمح، وتظل حركته محسوبة فلا ~~يتحرك إلا إلى الاتجاه الذي تريده. إذن: شاء الحق سبحانه أن يميز ~~الإنسان بالعقل والحكمة ليقيم الموازين لملكات النفس فخذوا المقدمات ~~المحسة التي تؤمنون بها وتشهدونها وتسلمونها لرسول الله صلى الله ~~عليه سلم لتستنبطوا أنه جاء بكلامه من عند الله تعالى. ويقول الحق سبحانه ~~بعد ذلك: { فمن أظلم ممن افترى... }. ### || [10.17] # وهنا يوضح القرآن على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم: أأكذب على الله؟ ~~إذا كنت لم أكذب عليكم أنتم في أموري معكم وفي الأمور التي جربتموها، ~~أفأكذب على الله؟! إن الذي يكذب في أول حياته من المعقول أن يكذب في ~~الكبر، وإذا كنت لم أكذب عليكم أنتم، فهل أكذب على الله؟ وإذا لم أكن ~~قد كذبت وأنا غير ناضج التفكير، في طفولتي قبل أن أصل إلى الرجولة، فأنا ~~الآن لا أستطيع الكذب. فإذا كنتم أنتم تتهمونني بذلك، فأنا لا أظلم نفسي ~~وأتهمها بالكذب، فتصبحون أنتم المكذبين لأنكم كذبتموني في أن القرآن مبلغ ~~عن الله، ولو أنني قلت: إنه من عند نفسي لكان من المنطق أن تكذبوا ذلك ~~لأنه شرف يدعى. ولكن أرفعه إلى غيري إلى من هو أعلى مني ومنكم. وقوله ~~الحق: { فمن أظلم } أي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله سبحانه ~~كذبا لأن الكاذب إنما يكذب ليدلس على من أمامه، فهل يكذب أحد على من ~~يعلم الأمور على حقيقتها؟ لا أحد بقادر على ذلك. ومن يكذب على البشر ~~المساوين ms4501 له يظلمهم، لكن الأظلم منه هو من يكذب على الله سبحانه. ~~والافتراء كذب متعمد، فمن الجائز أن يقول الإنسان قضية يعتقدها، لكنها ~~ليست واقعا، لكنه اعتقد أنها واقعة بإخبار من يثق به، ثم تبين بعد ذلك ~~أنها غير واقعة، وهذا كذب صحيح، لكنه غير متعمد، أما الافتراء فهو كذب ~~متعمد. ولذلك حينما قسم علماء اللغة الكلام الخبري قسموه إلى: خبر ~~وإنشاء، والخبر يقال لقائله: صدقت أو كذبت، فإن كان الكلام يناسب الواقع ~~فهو صدق، وإن كان الكلام لا يناسب الواقع فهو كذب. وقوله الحق: { ~~افترى على الله كذبا أو كذب بآياته } يبين لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قلتم إنني ادعيت أن الكلام من عند ~~الله، وهو ليس من عند الله. فهذا يعني أن الكلام كذب وهو من عندي أنا، ~~فما موقف من يكذب بآيات الله؟ إن الكذب من عندكم أنتم، فإن كنتم ~~تكذبونني وتدعون أني أقول إن هذا من الله، وهو ليس من الله، وتتمادون ~~وتكذبون بالآيات وتقولون هي من عندك، وهي ليست من عندي، بل من عند ~~الله فالإثم عليكم. والكذب إما أن يأتي من ناحية القائل، وإما من ناحية ~~المستمع، وأراد الرسول صلى الله عليه وسلم عدالة التوزيع في أكثر من ~~موقع، مثلما يأتي القول الحق مبينا أدب النبوة: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين.. # [سبأ: 24]. وليس هناك أدب في العرض أكثر من هذا، فيبين أن قضيته صلى ~~الله عليه وسلم وقضيتهم لا تلتقيان أبدا، واحدة منهما صادقة والأخرى ~~كاذبة، ولكن من الذي يحدد القضية الصادقة من الكاذبة؟ إنه الحق سبحانه. # وتجده سبحانه يقول على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: { أو في ~~ضلال مبين } وفي ذلك طلب لأن يعرضوا الأمر على عقولهم ليعرفوا أي ~~القضيتين هي الهدى، وأيهما هي الضلال. وفي ذلك ارتقاء للمجادلة بالتي هي ~~أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق سبحانه: # قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما ~~تعملون... # [سبأ: 25]. أي: كل واحدة سيسأل ms4502 عن عمله، فجريمتك لن أسأل أنا عنها، ~~وجريمتي لا تسأل أنت عنها. ونسب الإجرام لجهته ولم يقل: " قل لا تسألون ~~عما أجرمنا ولا نسأل عما تجرمون " وشاء ذلك ليرتقي في الجدل، فاختار ~~الأسلوب الذي يهذب، لا ليهيج الخصم فيعاند، وهذا من الحكمة حتى لا ~~يقول للخصم ما يسبب توتره وعناده فيستمر الجدل بلا طائل. وهنا يقول الحق ~~سبحانه: { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ~~فإذا كان الظلم من جهتي فسوف يحاسبني الله عليه، وإن كان من جهتكم ~~فاعلموا قول الحق سبحانه: { إنه لا يفلح المجرمون } ولم ~~يحدد من المجرم، وترك الحكم للسامع. كما تقول لإنسان له معك خلاف: سأعرض ~~عليك القضية واحكم أنت، وساعة تفوضه في الحكم فلن يصل إلا إلى ما تريد. ~~ولو لم يكن الأمر كذلك لما عرضت الأمر عليه. ويقول الحق سبحانه من بعد ~~ذلك: { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم... }. ### || [10.18] # وكلمة { ويعبدون } تقتضي وجود عابد ووجود معبود ووجود معنى ~~للعبادة. والعابد أدنى حالا من المعبود، ومظهر العبادة والعبودية كله ~~طاعة للأمر والانصراف عن المنهي عنه. هذا هو أصل العبادة، ووسيلة القرب ~~من الله. وحتى تكون العبادة في محلها الصحيح لا بد أن يقر العابد أن ~~المعبود أعلى مرتبة في الحكم على الأشياء، أما إن كان الأمر بين متساويين ~~فيسمونه التماسا. إذن: فهناك آمر ومأمور، فإن تساويا فالمأمور يحتاج إلى ~~إقناع، وأما إن كان في المسألة حكم سابق بأن الآمر أعلى من المأمور ~~كالأستاذ بالنسبة للتلميذ، أو الطبيب بالنسبة للمريض، ففي هذا الوضع يطيع ~~المأمور الآمر لأنه يفهم الموضوع الذي يأمر فيه. وكذلك المؤمن لأن معنى ~~الإيمان أنه آمن بوجود إله قادر له كل صفات الكمال المطلق فإذا اعتقدت ~~هذا فالإنسان ينفذ ما يأمر به الله ليأخذ الرضاء والحب والثواب. وإن لم ~~ينفذ فسوف ينال غضب المعبود وعقابه. إذن: فأنت إن فعلت أمره واجتنبت نهيه ~~نلت الثواب منه، وإن خالفت تأخذ عقابا لذلك لا بد أن يكون أعلى منك ~~قدرة، ويكون قادرا على إنفاذ ms4503 الثواب والعقاب، والقادر هو الله جل علاه. ~~أما الأصنام التي كانوا يعبدونها، فبأي شيء أمرتهم؟ إنها لم تأمر بشيء ~~لذلك لا يصلح أن تكون لها عبادة لأن معنى العبادة يتطلب أمرا ونهيا، ~~ولم تأمر الأصنام بشيء ولم تنه عن شيء، بل كان المشركون هم الذين يقترحون ~~الأوامر والنواهي، وهو أمر لا يليق لأن المعبود هو الذي عليه أن يحدد ~~أوجه الأوامر والنواهي. إذن: فمن الحمق أن يعبد أحد الأصنم لأنها لا تضر ~~من خالفها، ولا تنفع من عبدها، فليس لها أمر ولا نهي. ومن أوقفوا أنفسهم ~~هذا الموقف نسوا أن في قدرة كل منهم أن ينفع الصنم وأن يضره، فالواحد ~~منهم يستطيع أن يصنع الصنم، وأن يصلحه إذا انكسر، أو يستطيع أن يكسره بأن ~~يلقيه على الأرض. وفي هذه الحالة يكون العابد أقدر من المعبود على الضر ~~وعلى النفع، وهذا عين التخلف العقلي. إذن: فمثل هذه العبادة لون من ~~الحمق، ولو عرضت هذه المسألة على العقل فسوف يرفضها العقل السليم. ~~وعندما تجادلهم، وتثبت لهم أن تلك الأصنام لا تضر ولا تنفع، تجد من يكابر ~~قائلا: { هؤلاء شفعاؤنا عند الله } وهم بهذا القول ~~يعترفون أن الله هو الذي ينفع ويضر، ولكن أما كان يجب أن يتخذوا شفيعا ~~لهم عند الله، وأن يكون الشفيع متمتعا بمكانة ومحبة عند من يشفع عنده؟ ~~ثم ماذا يقولون في أن من تقدم له شفاعة هو الذي ينهى عن اتخاذ الأصنام ~~آلهة وينهى عن عبادتها؟ وهل هناك شفاعة دون إذن من المشفوع عنده؟ من أجل ~~ذلك جاء الأمر من الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: { قل ~~أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض. # . } [يونس: 18]. إذن: فمن أين جئتم بهذه القضية قضية شفاعة الأصنام لكم ~~عند الله؟ إنها قضية لا وجود لها، وسبحانه لم يبلغكم أن هناك أصناما ~~تشفع، وليس هذا واردا، فقولكم هذا فيه كذب متعمد وافتراء. فهو سبحانه ~~الذي خلق السماوات وخلق الأرض، ويعلم كل ما في الكون، وقضية شفاعة ~~الأصنام عنده ms4504 ليست في علمه، ولا وجود لها، بل هي قضية مفتراة، مدعاة. ~~وقوله الحق هنا: { أتنبئون الله } مثلها مثل قوله الحق: # قل أتعلمون الله بدينكم.. # [الحجرات: 16]. ويعني هذا القول بالرد على من قالوا ويقولون: إن المطلوب ~~هو تشريعات تناسب العصر، وكلما فسد العصر طالبوا بتشريعات جديدة، وما ~~داموا هم الذين يشرعون، فكأنهم يرغبون في تعليم خالقهم كيف يكون الدين، ~~وفي هذا اجتراء وجهل بقدرة وحكمة من خلق الكون، فأحكمه بنظام. وقوله ~~الحق: { قل أتنبئون الله بما لا يعلم في ~~السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما ~~يشركون } فيه تنزيه له سبحانه، فهو الخالق لكل شيء، خالق الملك ~~والملكوت ويعلم كل شيء، وقضية شفاعة الأصنام إنما هي قضية مفتراة لا وجود ~~لها لذلك فهي ليست في علم الله، والحق سبحانه منزه أن توجد في ملكه ~~قضية لها مدلول يقيني ولا يعلمها، ومنزه جل وعلا عن أن يشرك به لأن ~~الشريك إنما يكون ليساعد من يشركه، ونحن نرى على سبيل المثال صاحب مال ~~يديره في تجارة ما، ولكن ماله لا ينهض بكل مسئوليات التجارة، فيبحث عن ~~شريك له. وسبحانه وتعالى قوي وقادر، ولا يحتاج إلى أحد في ملكية الكون ~~وإدارته، ثم ماذا يفعل هؤلاء الشركاء المدعون كذبا على الله؟ إن الحق ~~سبحانه يقول: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. وهذا القول الحكيم ينبه المشركين إلى أنه بافتراض جدلي ~~أن لهؤلاء الشركاء قوة وقدرة على التصرف، فهم لن يفعلوا أي شيء إلا ~~بابتغاء ذى العرش، أي: بأمره سبحانه وتعالى. وهم حين ظنوا خطأ أن لكل فلك ~~من الأفلاك سيطرة على مجال في الوجود، وأن النجوم لها سيطرة على الوجود، ~~وأن كل برج من الأبراج له سيطرة على الوجود، فلا بد في النهاية من ~~الاستئذان من مالك الملك والملكوت. ومن خيبة من ظنوا مثل هذه الظنون، ~~ومعهم الفلاسفة الذين أقروا بأن هناك أشياء في الكون لا يمكن أن يخلقها ~~إنسان، أو أن يدعى لنفسه صناعتها لأن الجنس ms4505 البشري قد طرأ على هذه ~~المخلوقات، فقد طرأ الإنسان على الشمس والقمر والنجوم والأرض، ولا بد إذن ~~أن تكون هناك قوة أعلى من الإنسان هي التي خلقت هذه الكائنات. # كل هذه الكائنات تحتاج إلى موجد، ولم نجد معامل لصناعة الشمس أو القمر ~~أو الأرض أو وجدنا من ادعى صناعتها أو خلقها. ولكن الفلاسفة الذين قبلوا ~~وجود خالق للكون لم يصلوا إلى اسمه ولا إلى منهجه، وقوة الحق سبحانه ~~مطلقة، ولا يحتاج إلى شريك له، وإذا أردنا أن نتأمل ولو جزءا بسيطا من ~~أثر قوة الله التي وهبها للإنسان، فلنتأمل صناعة المصباح الكهربي. وكل ~~منا يعلم أنه لا توجد بذرة نضعها في الأرض، فتنبت أشجارا من المصابيح، ~~بل استدعت صناعة مصباح الكهرباء جهد العلماء الذين درسوا علم الطاقة، ~~واستنبطوا من المعادلات إمكان تصور صناعة المصباح الكهربي، وعملوا على ~~تفريغ الهواء من الزجاجة التي يوضع فيها السلك الذي يضيء داخل المصباح، ~~وهكذا وجدنا أن صناعة مصباح كهربي واحد تحتاج إلى جهد علماء وعمل مصانع، ~~كل ذلك من أجل إنارة غرفة واحدة لفترة من الزمن. فما بالنا بالشمس التي ~~تضيء الكون كله، وإذا كان أتفه الأشياء يتطلب كمية هائلة من العلم والبحث ~~والإمكانات الفنية والتطبيقية، وتطوير للصناعات، فما بالنا بالشمس التي ~~تضيء نصف الكرة الأرضية كل نصف يوم، ولا أحد يقدر على إطفائها، ولا تحتاج ~~إلى صيانة من البشر، وإذا أردت أن تنسبها فلن تجد إلا الله سبحانه. وأنت ~~بما تبتكره وتصنعه لا يمكن أن يصرفك عن الله، والذكي حقا هو من يجعل ~~ابتكاراته وصناعاته دليلا على صدق الله فيما أخبر. وإذا كان الحق سبحانه ~~قد خلق الشمس - ضمن ما خلق - وإذا أشرقت أطفأ الكل مصابيحهم لأنها هي ~~المصباح الذي يهدي الجميع، وإذا كان ذلك هو فعل مخلوق واحد لله، فما ~~بالنا بكل نعمة من سائر مخلوقاته. ونور الشمس إنما يمثل الهداية الحسية ~~التي تحمينا من أن نصطدم بالأشياء فلا تحطمنا ولا نحطمها، فكذلك يضيء لنا ~~الحق سبحانه المعاني والحقائق. وإياك أن تقول: ms4506 إن الفيلسوف الفلاني جاء ~~بنظرية كذا فخذوا بها، بل دع عقلك يعمل ويقيس ما جاء بهذه النظرية على ~~ضوء ما نزل في كتاب الحق سبحانه، وإن دخلت النظرية مجال التطبيق، وثبت أن ~~لها تصديقا من الكتاب، فقل: إن الحق سبحانه قد هدى فلانا إلى اكتشاف سر ~~جديد من أسرار القرآن لأن الحق يريد منا أن نتعقل الأشياء وأن ندرسها ~~دراسة دقيقة، بحيث نأخذ طموحات العقل لتقربنا إلى الله، لا لتبعدنا عنه، ~~والعياذ بالله. وإذا قال الحق سبحانه: { سبحانه وتعالى عما ~~يشركون } فذلك لأن الشركة تقتضي طلب المعونة، وطلب المعونة يكون إما ~~من المساوي وإما من الأعلى، ولا يوجد مساو لله تعالى، ولا أعلى من الله ~~سبحانه وتعالى. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وما كان الناس ~~إلا أمة واحدة... }. ### || [10.19] # وقد جاءت آية في سورة البقرة متشابهة مع هذه الآية وإن اختلف الأسلوب، ~~فقد قال الحق سبحانه في سورة البقرة: # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين # [البقرة: 213] والذين يقرأون القرآن بسطحية وعدم تعمق قد لا يلتفتون إلى ~~الآيات المشابهة لها في المعنى العام، وهذه الآيات توازن بين المعاني فلا ~~تضارب بين آية وأخرى. ولذلك نجد بين المفكرين العصريين من يقول: إن الناس ~~كانوا كلهم كفارا، ثم ارتقى العقل محاولا اكتشاف أكثر الكائنات قوة ~~ليعبدوه، فوجدوا أن الجبل هو الكائن العالي الصلب فعبدوه. وأناس آخرون ~~قالوا: إن الشمس أقوى الكائنات فعبدوها، وآخرون عبدوا القمر، وعبد قوم ~~غيرهم النجوم، واتخذ بعض آخر آلهة من الشجر، وكل جماعة نظرت إلى جهة ~~مختلفة تتلمس فيها القوة. وهم يأخذون من هذا أن الإنسان قد اهتدى إلى ~~ضرورة الدين بعقله، ثم ظل هذا العقل في ارتقاء إلى أن وصل إلى التوحيد. ~~ونرد على أصحاب هذا القول: أنتم بذلك تريدون أن تعزلوا الخلق عن خالقهم، ~~وكأن الله الذي خلق الخلق وأمدهم بقوام حياتهم المادية قد ضن عليهم ~~بقوام حياتهم المعنوية، وليس هذا من المقبول أو المعقول، فكيف يضمن لهم ~~الحياة المادية، ولا يضمن لهذه المادية قيما تحرسها ms4507 من الشراسة وتحميها ~~من الفساد والإفساد؟ وقوله الحق: # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف ~~فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جآءتهم ~~البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي ~~من يشآء إلى صراط مستقيم # [البقرة: 213]. لذلك فهم البعض أن الناس كانوا أمة واحدة في الكفر، ~~وحين جاء النبيون، اختلف الناس لأن منهم من آمن ومنهم من ظل على الكفر، ~~ولكن لو أحسن الذين قالوا مثل هذا القول الاستنباط وحسن الفهم عن الله ~~لوجدوا أن مقصود الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها الآن إنما هو: ما كان ~~الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين ليخرجوهم عن الخلاف ~~ويعيدوهم إلى الاتفاق على عهد الإيمان الأول الذي شهدوا فيه بربوبية الحق ~~سبحانه وتعالى لأن الأصل في المسألة هو الإيمان لا الكفر. ومن أخذ آية ~~سورة البقرة كدليل على كفر الناس أولا، نقول له: اقرأ الآية بأكملها ~~لتجد قوله الحق: # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.. # [البقرة: 213]. وهكذا نرى أن الاختلاف الذي حدث بين الناس جاء في آية ~~البقرة في المؤخرة، بينما جاء الاختلاف في هذه الآية في المقدمة، وهذا ~~دليل على أن الناس كانوا أمة واحدة على الإيمان، فليس هناك أناس أولى ~~من أناس عند الخالق سبحانه وتعالى، ولم يكن عدل الله ليترك أناسا ~~متخبطين في أمورهم على الكفر، ويرسل الرسل لأناس آخرين بالهداية فالناس ~~بالنسبة لله سواء. # وما دام الحق سبحانه قد أوجد الخلق من البشر فلا بد أن ينزل لهم منهجا ~~ولذلك حين نقرأ قول الحق سبحانه: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين # [آل عمران: 96]. نجد فيه الرد على من يقول إن إبراهيم عليه السلام هو ~~أول من بنى الكعبة لأن الحق سبحانه وتعالى لم يترك الخلق من آدم إلى ms4508 ~~إبراهيم دون بيت يحجون إليه، ولكن الحق سبحانه وضع البيت ليحج إليه الناس ~~من أول آدم إلى أن تقوم الساعة، والذي وضع البيت ليس من الناس، بل شاء ~~وضع البيت خالق الناس، وما فعله سيدنا إبراهيم - عليه السلام - هو رفع ~~القواعد من البيت الحرام. أي: أنه أقام ارتفاع البيت بعد أن عرف مكان ~~البيت طولا وعرضا، مصداقا لقول الحق سبحانه: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت.. # [الحج: 26]. وهكذا يصدق قول الحق سبحانه بأن البيت قد وجد للناس قبل ~~آدم، وهو للناس إلى أن تقوم الساعة، وهكذا نعلم أن الحق سبحانه خلق الخلق ~~وأنزل لهم المنهج، والأصل في الناس هو الإيمان، لكن الكفر هو الذي طرأ ~~على البشر من بابين: باب الغفلة، وباب تقليد الآباء. والدليل على ذلك أن ~~الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن ميثاق الذر، قال: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون # [الأعراف: 172173]. إذن: فالتعصي عن الحكم الإيماني مدخله بابان: ~~الأول باب الغفلة، أي: أن تكون قد علمت شيئا، ولم تجعله دائما في بؤرة ~~شعورك لأن عقلك يستقبل المعلومات، ويستوعبها من مرة واحدة، إن لم تكن ~~مشتت الفكر في أكثر من أمر، فإن كنت صافي الفكر ومنتبها إلى ~~المعلومة التي تصلك فإن عقلك يستوعبها من مرة واحدة، ومن المهم أن ~~يكون الذهن خاليا لحظة أن تستقبل المعلومة الجديدة. ولذلك نجد فارقا ~~بين إنسان وإنسان آخر في حفظ المعلومات، فواحد يستقبل المعلومة وذهنه ~~خال من أي معلومة غيرها، فتثبت في بؤرة الشعور، بينما يضطر الآخر إلى ~~تكرار قراءة المعلومة إلى أن يخلو ذهنه من غيرها فتستقر المعلومة في بؤرة ~~الشعور، وحين تأتي معلومة أخرى، فالمعلومة الأولى تنتقل إلى حاشية الشعور ~~إلى حين أن يستدعيها مرة أخرى. وإذا أراد طالب على سبيل المثال أن ~~يستوعب ما يقرأ ms4509 من معلومات جديدة، فعليه أن ينفض عن ذهنه كل المشاغل ~~الأخرى ليركز فيما يدرس لأنه إن جلس إلى المذاكرة وباله مشغول بما سوف ~~يأكل في الغداء، أو بما حدث بينه وبين أصدقائه، أو بما سوف يرتدي من ~~ملابس عند الخروج من البيت، أو بغير ذلك من المشاغل، هنا سوف يضطر ~~الطالب أن يعيد قراءة الدرس أكثر من مرة حتى يصادف الدرس جزئية خالية من ~~بؤرة الشعور فتستقر فيها. # وقد نجد طالبا في صباح يوم الامتحان وهو يسمع من زملائه أن الامتحان قد ~~يأتي في الجزء الفلاني من المقرر فيفتح الكتاب المقرر على هذا الجزء ~~ويقرأه مرة واحدة فيستقر في بؤرة الشعور، ويدخل الامتحان، ليجد السؤال في ~~الجزء الذي قرأه مرة واحدة قبل دخوله إلى اللجنة فيجيب عن السؤال بدقة. ~~ولذلك فالتلميذ الذكي هو من يقوم بما يسميه علم النفس " عملية ~~الاستصحاب " ، أي: أن يقرأ الدرس ثم يغلق الكتاب ليسأل نفسه: " ما الجديد ~~من المعلومات في تلك الصفحة؟ " ويحاول أن يتذكر ذلك، ويحاول أن يتعرف حتى ~~على الألفاظ الجديدة التي في تلك الصفحة، وما هي الأفكار الجديدة التي ~~صححت له معلومات أو أفكارا خاطئة كانت موجودة لديه. وهكذا يستصحب ~~الطالب معلوماته بتركيز وانتباه. وكذلك الأستاذ المتميز هو من يشرح الدرس ~~ثم يتوقف ليسأل التلاميذ ليثير انتباههم حتى لا ينشغل أحدهم بما هو خارج ~~الدرس، والأستاذ المتميز هو الذي يلقي درسه بما يستميل التلاميذ، كما ~~تستميلهم القصة المروية، وحتى لا تظل المعلومات الدراسية مجرد معلومات ~~جافة. وبهذا يستمر الذهن بلا غفلة، والغفلة تأتي إلى القضايا الدينية لأن ~~في الإنسان شهوات تصادم الأوامر والنواهي فيتناسى الإنسان بعض الأوامر ~~وبعض النواهي إلى أن يأتي الران الذي قال عنه الحق سبحانه: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14]. ويبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالحديث الشريف: # " نزلت الأمانة في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن ~~وعلموا من السنة " # ثم يحدثنا صلى الله عليه وسلم عن رفع الأمانة فيقول: # " ينام ms4510 الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوكت " # أي: مثل لسعة النار وهكذا تتوالى حتى يأتي الران على القلب. إذن: ~~فالغفلة تتلصص على النفس الإنسانية، وكلما غفل الإنسان في نقطة، ثم يغفل ~~عن أخرى وهكذا. ولكن من لا يغفل فهو من يتذكر الحكم، ويطبقه، ويذوق ~~حلاوته. ومثال هذا: المسلم الذي يشرح الله تعالى قلبه للصلاة، فإن لم ~~يصل يظل مرهقا وفي ضيق. ولذلك جاء في الحديث أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت ~~فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين: ~~على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود ~~مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب ~~من هواه ". # إذن: فالغفلة هي أول باب يدخل منه الشيطان فيبعد الإنسان عن أحكام الله. ~~وإذا ما غفل الأب، فالأبناء يقلدون الآباء، فتأتيهم غفلة ذاتية. وهكذا ~~يكون الغافل أسوة لمن بعده. ولذلك قال الحق سبحانه عن الأبناء الذين ~~يتعبون غفلة الآباء: # بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ.. # [البقرة: 170]. وإلف تقليد الآباء قضية كاذبة لأننا إن سلسنا مسألة ~~الإيمان إلى آدم عليه السلام، وهو الأب الأول لكل البشر لوجدنا أن آدم ~~عليه السلام قد طبق كل مطلوب لله، فإن قلت: { بل نتبع مآ ~~ألفينا عليه آبآءنآ } فهذا القول يحتم عليك ألا تنحرف عن ~~الإيمان الفطري، وإلا كنت من الكاذبين غير المدققين فيما دخل على الإيمان ~~الفطري من غفلة أو غفلات، تبعها تقليد دون تمحيص. والحق سبحانه قد شاء أن ~~تكون كل كلمة في القرآن لها معنى دقيق مقصود، فالحق سبحانه يقول على ~~ألسنة الكافرين في القرآن: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون # [الزخرف: 23]. ولم يقل: " مهتدون " بل قال: " مقتدون " ، والمقتدي من ~~هؤلاء هو من اتخذ أباه قدوة، لكن المهتدي هو من ظن أن أباه على حق. ~~إذن: فالمقتدي هو من لا ms4511 يهتم بصدق إيمان أبيه، بل يقلده فقط، وتقليد ~~الآباء نوعان: تقليد على أنه اقتداء مطلق لا صلة له بالهدى أو الضلال، ~~وتقليد على أنه هدى صحيح لشرع الله تعالى. وقد حدث خلاف حول آدم عليه ~~السلام أهو رسول أم نبي فقط؟ فهناك من قال: إن أول الرسل هو نوح عليه ~~السلام ونقول: وهل من المعقول أن يترك الله الخلق السابقين على نوح عليه ~~السلام دون رسول؟ إن الحق سبحانه وهو القائل: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24]. والذي أشكل على هؤلاء المفسرين الذين قالوا: إن أول رسول هو ~~نوح عليه السلام أنهم قد فكروا تفكيرا سطحيا، وفهموا أن الرسول يطرأ ~~على المرسل إليهم، وما دام لم يكن هناك بشر قبل آدم فكيف يكون آدم ~~مبعوثا برسالة، ولمن تكون تلك الرسالة؟ ولم يفطن هؤلاء المفسرون إلى أن ~~آدم عليه السلام كان رسولا وأسوة إلى أبنائه، فالحق سبحانه قد قال له: # .. فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 38]. وسبحانه قد قال لآدم عليه السلام: # .. فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى # [طه: 123]. وما دام الحق سبحانه قد ذكر الهدى، فهذا ذكر للمنهج، وهو ~~الذي طبقه سلوكا يقلده فيه الأبناء. # وغفل هؤلاء المفسرون أيضا عن استقراء قوله الحق: # واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا ~~قربانا.. # [المائدة: 27]. وابنا آدم عليه السلام قد قدما القربان إلى الله ~~تعالى. إذن: فهما قد عرفا أن هناك إلها. وحين قال قابيل لأخيه: # لأقتلنك # [المائدة: 27]. بعد ما تقبل الله قربان أخيه ولم يتقبل منه. قال هابيل: # إنما يتقبل الله من المتقين # [المائدة: 27]. ثم في قول هابيل: # لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط ~~يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العالمين # [المائدة: 28]. إذن: لو لم يكن آدم عليه السلام رسولا فمن بلغ أبناءه ~~بأن الله يثيب ويعاقب؟ والحق سبحانه يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا ~~عنها: { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ~~فيما فيه يختلفون ms4512 } وفي هذا إشارة إلى أن الله سبحانه - قبل ~~رسالة محمد عليه الصلاة والسلام - كان يعاقب من يكذب البلاغ عنه وما ~~جاء به السابقون من الرسل، يقول سبحانه: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [العنكبوت: 40]. إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال الله تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال: 33]. أي: أنه سبحانه قد أجل الجزاء والعقوبة عن أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم إلى الآخرة. وهذه الكلمة التي سبقت، أنه سبحانه لا ~~يؤاخذ أمة محمد صلى الله عليه وسلم بذنوبهم في الدنيا، ولكنه يؤخر ذلك ~~إلى يوم الجزاء. ويقضي سبحانه في ذلك اليوم بين من اتبعوا الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ومن عاندوه، وبطبيعة الحال يكون الحق سبحانه في جانب من ~~أرسله، لا من عاند رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول سبحانه بعد ذلك: ~~{ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه... }. ### || [10.20] # والآية كما عرفنا هي الشيء العجيب، وإما أن تكون آية كونية، أو آية ~~إعجاز، أو آية قرآن تشتمل على الأحكام. ولماذا لم يصدقوا آيات القرآن، ~~وهي معجزة بالنسبة إليهم؟ نقول: إن استقبال القرآن فرع تصديق للرسول ~~صلى الله عليه وسلم، وقد حدث اللبس عندهم لأنهم ظنوا أن الآية هي الآيات ~~المحسة الكونية المشهودة، وما علموا أن الآيات التي سبق بها الرسل إنما ~~جاءت لتناسب أزمان رسالاتهم، ولتناسب مواقعهم من المرسل إليهم. فقد كان ~~الرسل السابقون لرسول الله صلى الله عليه وسلم - وعلى جميع الرسل السلام ~~- قد بعث كل منهم لأمة محدودة زمانا ومكانا ولذلك كانت الآيات التي ~~اصطحبوها آيات حسية، وكل آية كانت من جنس ما نبغ فيه القوم المبعوث ~~إليهم. أما رسالة محمد عليه الصلاة والسلام فهي لعامة الزمان وعامة ~~المكان. فلو جعل الله سبحانه له آية حسية لآمن بها من شاهدها، ~~ولصارت خبرا لمن ms4513 لم يشاهدها. ونحن على سبيل المثال كمسلمين لم نصدق ~~أن موسى - عليه السلام - قد ضرب البحر فانشق له البحر إلا لأن القرآن قال ~~ذلك لأن كل أمر حسي يقع مرة واحدة فمن شاهده آمن به، ومن لم يره إن ~~حدث به له أن يكذب، وله أن يصدق، ولكنا صدقنا لأن القائل هو الحق ~~سبحانه وقد أبلغنا ذلك في القرآن. وثقتنا فيمن قال هي التي جعلتنا نصدق ~~معجزات الرسل السابقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يتساءل ~~البعض عن السر في عدم إرسال معجزات حسية مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فنقول: لقد شاء الله سبحانه أن يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بمعجزة باقية إلى أن تقوم الساعة وهي معجزة القرآن. وتتحدث كتب السيرة أن ~~الماء نبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، فمن صدق صدق، وإن قرأت ~~ولم تصدق ذلك، فاعلم أنك لست المقصود بها، فقد كان المقصود بها هم ~~المعاصرون لها، وقد جاءت لتربيب الإيمان في القوم المعاصرين لأنهم كانوا ~~في حاجة إلى شد أزرهم الإيماني، وحدثتنا كتب السيرة أيضا عن حفنة ~~الطعام التي أكل منها عدد كبير من الرجال، ومن صدق الرواية فليصدقها، ~~ومن لم يصدقها، فهذه الآية لم تأت له، لكنها جاءت للمعاصرين له صلى ~~الله عليه وسلم. وهذا لا يمنع أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم معجزات ~~حسية كباقي إخوانه من الرسل علينا أن نؤمن بها بالثقة فيمن أخبر بها. ~~وهنا يقول الحق سبحانه: { ويقولون لولا أنزل عليه آية ~~من ربه } وإن دخلت " لولا " على جملة اسمية، فالمقصود بها عدم شيء ~~لوجود شيء، كقول إنسان لآخر: لولا زيد عندك لأتيتك، وبذلك ينعدم ذهابه ~~إلى فلان لوجود زيد عنده. # وهكذا تكون " لولا " حرف امتناع لوجود، وكذلك كلمة " لوما " إن وجدتها ~~تدخل على جملة اسمية فاعرف أنها امتناع شيء، لوجود شيء وإن دخلت " لولا " ~~على جملة فعلية فاعلم أنها حث وتحضيض. وهم هنا قد قالوا: { لولا ~~أنزل عليه آية } وكأنهم لا يعترفون ms4514 بالقرآن، وطلبوا آية حسية ~~لذلك نجد الحق سبحانه يقول في موقع آخر بالقرآن الكريم: # لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى # [القصص: 48]. وهذا تأكيد أنهم طلبوا الآية الحسية لأنهم علموا بالآيات ~~الحسية للرسل السابقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن قولهم هذا ~~كان تشبثا بالكفر رغم أنهم شهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل ~~أحواله، وقد حدثت الآيات الحسية ورآها من آمن به، وزاد تمسكهم ~~بالإيمان. والذين طلبوا أن يأتي لهم محمد صلى الله عليه وسلم بمعجزة ~~حسية، كمعجزة موسى عليه السلام، نسوا أن موسى عليه السلام قد بعث إلى ~~قوم محدودين هم بنو إسرائيل. أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد بعث إلى ~~الناس كافة لذلك كان لا بد أن تكون معجزته متجددة العطاءات، وتحمل ~~المنهج المناسب لكل زمان ومكان. أما المعجزة الحسية فهي تنقضي بانقضاء ~~زمانها ومكانها. أو هم طلبوا الآيات التي اقترحوها مثل قولهم: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف ~~أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك.. # [الإسراء: 9093]. إذن: فهم قد طلبوا آيات اقترحوها بأنفسهم، والآيات لا ~~تكون باقتراح المرسل إليهم، بل بتفضل المرسل. ولقائل أن يقول: ~~ولماذا لم يرسل الحق سبحانه لهم آية حسية معجزة كما قالوا؟ فنقول: إن ~~الحق سبحانه قد قال: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون.. # [الإسراء: 59]. وعلى ذلك يكون قولهم بطلب الآيات مدحوضا لأن الحق ~~سبحانه قد أرسل الآيات من قبل وكذب بها الأولون، أو هم طلبوا آيات ~~اقترحوها، ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم: { لولا أنزل ~~عليه آية من ربه } وفي هذا إقرار منهم بأن لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم ربا، وهو صلى الله عليه وسلم يبلغ عنه، فكيف - إذن - ~~ينكرون أنه رسول؟! ونعلم أنهم قالوا من قبل: " إن رب ms4515 محمد قد قلاه " حين ~~فتر الوحي عنه صلى الله عليه وسلم، ولكن الحق سبحانه رد عليهم: # ما ودعك ربك وما قلى # [الضحى: 3]. إذن: هم قد ناقضوا أنفسهم، ففي الوصل منعوا وأنكروا أن يكون ~~له رب، وفي الهجر سلموا بأن له ربا، وهذا تناقض في الشيء الواحد، ~~وهو لون من التناقض يؤدي إلى اضطراب الحكم، واضطراب الحكم يدل على يقظة ~~الهوى. # ثم يقول الحق سبحانه ردا على طلبهم للآية الحسية: { فقل إنما ~~الغيب لله } وهكذا يعلم الحق سبحانه وتعالى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم جوابا احتياطيا، فمن الممكن أن ينزل الحق سبحانه الآية ~~الحسية، ومن الممكن ألا ينزلها، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحكم ~~على ربه لأن الغيب أمر يخصه سبحانه، إن شاء جعل ما في الغيب مشهدا، وإن ~~شاء جعل الغيب غيبا مطلقا، وليس عليكم إلا الانتظار، ويعلن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه معهم من المنتظرين { فانتظروا إني ~~معكم من المنتظرين } [يونس: 20]. ويقول الحق سبحانه بعد ~~ذلك: { وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ضرآء... }. ### || [10.21] # والرسول صلى الله عليه وسلم حين ضاق ذرعا بالكافرين من صناديد قريش دعا ~~عليهم أن يهديهم الحق بسنين الجدب كالسنين التي أصابت مصر واستطاع سيدنا ~~يوسف عليه السلام أن يدبر أمرها، فسلط الحق سبحانه على قريش الجدب ~~والقحط، ثم جاء لهم بالرحمة من بعد ذلك. وكان من المفروض أن يرجعوا إلى ~~الله، وأن يؤمنوا برسالة رسوله صلى الله عليه وسلم، بعد أن علموا أن ما ~~مسهم من القحط ومن الجدب كان بسبب دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم: # " اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ". # وانتهت السنوات السبع وجاءت لهم الرحمة ممثلة في المطر، ولم يلتفتوا إلى ~~ضرورة شكر الله والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم ظلوا يبحثون ~~عن أسباب المطر، فمنهم من قال: لقد جاء مطرنا نتيجة لنوء كذا، ولأن ~~الرياح هبت على مناطق كذا، وفعلوا ذلك دون التفات لانتهاء دعوة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، مثلهم مثل من ms4516 جلس يبحث في أسباب النصر في ~~الحرب، وجعلوا أسبابها مادية في العدة والعتاد، ولا أحد ينكر أهمية ~~الاستعداد للقتال وجدواه، ولكن يبقى توفيق الله سبحانه وتعالى فوق كل ~~اعتبار لأن المؤمنين بالله الذين استعدوا للقتال ودخلوا المعارك وجدوا ~~المعجزات تتجلى بنصر الله لأن الحق سبحانه ينصر من ينصره. أما الذين ~~يحصرون أسباب النصر في الاستعداد القتالي فقط، فالمقاتلون الذين خاضوا ~~الحرب بعد التدريب الجاد، يعلمون أن التدريب وحده لا يصنع روح المقاتل، ~~بل تصقل روحه رغبته في القتال ونيل الشهادة ودخول الجنة. إذن: فلمدد ~~السماء مدخل، ومن رأى من المقاتلين آية مخالفة لنواميس الكون، فليعلم ~~علم اليقين أن يد الله كانت فوق أيدي المؤمنين المقاتلين. ومن يدعي أن أي ~~نصر هو نتيجة للحضارة، يجد الرد عليه من المقاتلين أنفسهم بأن الحضارة ~~بلا إيمان هي مجرد تقدم مادة هش لا يصنع نصرا، والنصر لا يكون بالمادة ~~وحدها، وقد أمرنا الله بحسن الاستعداد المادي، ولكن النصر يكون بالإيمان ~~فوق المادة. ولذلك نجد من خاضوا حربنا المنتصرة في العاشر من رمضان ~~1393ه يعلمون أن مدد الله كان معهم بعد أن أحسنوا الاستعداد، ولا أحد من ~~المقاتلين يصدق أن الاستعداد المادي وحده يمكن أن يكفي للنصر، إنه ضرورة، ~~ولكن بالإيمان وحسن استخدام السلاح يكون النصر ولذلك لا يصدق المقاتلون ~~من ينسب النصر للمادة وحدها، وينسحب عدم التصديق على كل ما يقوله من ينكر ~~دور الإيمان في الانتصار. وهكذا نجد أن من يجرد النصر من قيمة الإيمان ~~إنما يخدم الإيمان لأن إنكار الإيمان يقلل من قيمة الرأي المادى. وهكذا ~~ينصر الله دينه حتى يثبته في قلوب جنده، ويقلل من قيمة ومكانة من ~~ينكرون قيمة الإيمان. # ومثال هذا في تاريخ الإسلام أن اليهود الذين كانوا يستفتحون على أهل ~~المدينة من الأوس والخزرج بأن رسولا سوف يظهر، وأنهم - أي: اليهود - ~~سيتبعونه، وسوف يقتلون العرب من الأوس والخزرج قتل عاد وإرم. ولما جاء ~~وقت ظهور محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بمكة، أسرعت الأوس والخزرج ~~إلى ms4517 الإيمان به، وقالوا: إنه النبي الذي تهددنا به يهود، فلنسبق إليه ~~حتى لا يسبقونا. هكذا كانت كلمة اليهود هي دافع الأوس والخزرج إلى ~~الإيمان. إذن: فالله ينصر دينه بالفاجر، رغم ظن الفاجر أنه يكيد للدين. ~~وكذلك حين جاءت لهم الرحمة بعد القحط أرجفوا وظلوا يحللون سبب سقوط المطر ~~بأسباب علمية محدودة بالمادة، لا بالإيمان الذي فوق المادة. ولذلك يقول ~~الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { وإذآ ~~أذقنا الناس رحمة من بعد ضرآء مستهم إذا ~~لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن ~~رسلنا يكتبون ما تمكرون } [يونس: 21]. والمكر: هو الكلام ~~الملتوي الذي لا يريد أن يعترف برحمة الله، والادعاء بأن نوء كذا هو ~~السبب في سقوط المطر، وبرج كذا هو السبب في سقوط المطر. وقوله الحق: { ~~مكر في آياتنا } والمكر هو الكيد الخفي، والمقصود به هنا محاولة ~~الالتفاف لتجريد العجائب من صنع الله لها، وحتى العلم وقوانينه فهو هبة ~~من الله، والحق هو القادر على أن يوقف الأسباب وأن يفعل ما يريد وأن يخرق ~~القوانين، فهو سبحانه رب القوانين، فلا تنسبوا أي خبر إلا له سبحانه حتى ~~لا نضل ضلال الفلاسفة الذين قالوا بأن الله موجود، وهو الذي خلق الكون ~~وخلق النواميس لتحكم الكون بقوانين. ونقول: لو خلق الحق سبحانه القوانين ~~والنواميس وتركها تتحكم لما شذ شيء عن تلك القوانين، فالمعجزات مع ~~الرسل على سبيل المثال كانت خروجا عن القوانين. وأبقى الله في يده ~~التحكم في القوانين، صحيح أنه سبحانه قد أطلقها، ولكنه ظل قيوما ~~عليها، فيعطل القانون متى شاء ويبرزه متى شاء ويوجه كيفما شاء. والمكر ~~كما نعلم مأخوذ من التفاف أغصان الشجرة كالضفيرة، فلا تتعرف على منبت ~~ورقة الشجر ومن أي غصن خرجت، فقد اختلطت منابت الأوراق حتى صارت خفية ~~عليك، وأخذ من ذلك الكيد الخفي، وأنت قد تكيد لمساويك، لكنك لن تقدر على ~~أن تكيد لمن هو أعلى منك، فإن كنتم تمكرون فإن الله أسرع مكرا، والحق ~~سبحانه يقول: { قل الله أسرع ms4518 مكرا } ، وهذه اسمها " مشاكلة ~~التعبير ". أي: عليك أن تأخذ ذلك في مقابله في ذات الفاعل والفعل، ولكن ~~لا تأخذ من هذا القول اسما لله، فإياك أن تقول: إن الله - سبحانه وتعالى ~~- ماكر لأن المكر كيد خفي تفعله أنت مع مساويك، ولكنك لن تستطيع ذلك مع ~~من هو مطلع على كيدك، ولا تطلع أنت على ما يشاء لك. # وانظر إلى أي جماعة تكيد لأي أمر، وستجد من بينهم من يبلغ عنهم السلطات، ~~وأجهزة الأمن، فإذا كان كيد البشر للبشر مفضوحا بمن يشي منه بالآخرين، ~~بل هناك من البشر غير الكائدين من يستطيع بنظرته أن يستنبط ويستكشف من ~~يكيدون له. وهناك من الأجهزة المعاصرة ما تستطيع تسجيل مكالمات الناس ~~والتنصت عليهم وكل ذلك مكر من البشر للبشر، فما بالنا إن كاد الله ~~لأحد، وليس هناك أحد مع الله سبحانه وتعالى ليبلغنا بكيده، ولا أحد ~~يستطيع أن يتجسس عليه؟! مكر الله سبحانه - إذن - أقوى من أي مكر بشري ~~لأن مكر البشر قد يهدم من بعض الماكرين أو من التجسس عليهم، لكن إذا ~~كاد الله لهم، أيعلمون من كيده شيئا؟ طبعا لا يعلمون. وكلمة { أسرع ~~مكرا } تلفتك إلى أن هناك اثنين يتنافسان في سباق، وحين تقول: فلان ~~أسرع من فلان، فمعنى ذلك: أن كلا منهما يحاول الوصول إلى نفس الغاية، ~~لكن هناك واحدا أسرع من الآخر في الوصول إلى الغاية. ومكركم البشري هو ~~أمر حادث، لكن الله - سبحانه - أزلي الوجود، يعلم كل شيء قبل أن يقع، ~~ويرتب كل أمر قبل أن يحدث لذلك فهو الأسرع في الرد على مكركم، إن ~~مكرتم. وهناك يقول الحق سبحانه: { وإذآ أذقنا الناس رحمة ~~من بعد ضرآء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا } ~~و " إذا " الأولى ظرف، أما إذا الثانية فهي " إذا الفجائية " مثلما تقول: ~~خرجت فإذا الأسد بالباب. وهم حين أنزل الحق لهم الأمطار رحمة منه، فهم لا ~~يهدأون ويستمتعون ويذوقون رحمة الله تعالى بهم من الماء الذي جاءهم من ~~بعد الجدب، بل دبروا المكر فجأة، فيأتي قول ms4519 الحق سبحانه: { قل الله ~~أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون }. وهكذا ~~ترى أن ما يبطل كيد الماكرين من البشر، يكون بإحدى تلك الوسائل: إما أن ~~يكون بوشاية من أحد الماكرين، وإما أن يكون بقوة التخابر من الغير، وإما ~~أن يكون من رسل العلي القدير وهم الملائكة الذين يكتبون كل ما يفعله ~~البشر، فسبحانه القائل: # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ~~ما تفعلون # [الانفطار: 1012]. واقرأ أيضا قول الحق سبحانه: # اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. وجاء الحق سبحانه بكل ما سبق لأنه سبحانه قد شاء أن يعطي ~~لقريش فرصة التراجع في عنادها للرسول صلى الله عليه وسلم، هذا العناد ~~الذي قالوا فيه: إنهم يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم، وهذا قول مغلوط لأن ~~الآباء في الأصل كانوا مؤمنين، ولكن جاءهم الضلال كأمر طارىء، والأصنام ~~التي عبدوها طارئة عليهم من الروم، جاء بها إنسان ممن ساحوا في بلاد ~~الروم هو " عمرو بن لحي " ، فإن رجعتم إلى الإيمان بعد عنادكم فهذا هو ~~الطريق المستقيم الذي كان عليه آباؤكم بالفطرة والميثاق الأول. ويقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك: { هو الذي يسيركم في البر ~~والبحر... }. ### || [10.22] # وهذه الآية الكريمة جاءت مرحلة من مراحل إخبار الله سبحانه وتعالى عن ~~المعاندين لدعوة الإسلام، التي بدأها الحق سبحانه بأنه قد رحمهم فأجل ~~لهم استجابة دعائهم على أنفسهم بالشر، ولو أنه أجابهم إلى ما دعوا به ~~على أنفسهم من الشر في قولهم: # إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا ~~حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم.. # [الأنفال: 32]. لقضي أمرهم: فمن رحمة الله تعالى أنه لم يجبهم إلى ~~دعائهم. وإذا كان الله سبحانه قد أجل استجابة دعائهم على أنفسهم بالشر ~~رحمة بهم، فيجب أن يعرفوا أن تأجيل استجابتهم بدعاء الخير رحمة بهم أيضا ~~لأنهم قد يدعون بالشر وهم يظنون أنهم يدعون بالخير، وبعد ذلك دلل على ~~كذبهم في دعائهم على أنفسهم بالشر بأنهم إذا مسهم ضر دعوا الله تعالى ~~مضطجعين وقاعدين وقائمين. فلو كانوا يحبون الشر لأنفسهم ms4520 لظلوا على ما هم ~~فيه من البلاء إلى أن يقضي الله تعالى فيهم أمرا. ثم عرض سبحانه قضية ~~أخرى، وهي أنه سبحانه إذا مسهم بضر ليعتبروا، جاء الله سبحانه برحمته ~~لينقذهم من هذا الضر. فياليتهم شركوا نعمة الله تعالى في الرحمة من بعد ~~الضر، ولكنهم مروا كأن لم يدعوا الله سبحانه إلى ضر مسهم. وهنا في ~~الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، يصور لنا الحق سبحانه وضعا آخر، هو ~~وضع السير في البر والبحر، فيقول: { هو الذي يسيركم في ~~البر والبحر.. } [يونس: 22]. وكلمة { يسيركم } تدل على ~~أن الذي يسير هو الله، ولكن في القرآن آيات تثبت أن السير ينسب إلى ~~البشر حين يقول: # قل سيروا في الأرض.. # [النمل: 69]. وحين يقول الحق سبحانه: # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله.. # [القصص: 29]. وهو سبحانه يقول: # سيروا فيها ليالي وأياما آمنين.. # [سبأ: 18]. فكأن هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد نسبت التسيير ~~إلى الله سبحانه، وبعض الآيات الأخرى نسبت التسيير إلى النفس الإنسانية، ~~ونقول لمن توهموا أن في ذلك تعارضا: لو أنكم فطنتم إلى تعريف الفاعل عند ~~النحاة وكيف يرفعونه لعرفتم أن تحقق أي فعل إنما يعود إلى مشيئة الله ~~سبحانه، فحين نقول: " نجح فلان " فهل هو الذي نجح، أم أن الذي سمح له ~~بالنجاح غيره؟ إن الممتحن والمصحح هما من سمحا له بالنجاح تقديرا ~~لإجاباته التي تدل على بذل المجهود في الاستذكار. وكذلك نقول: " مات ~~فلان " ، فهل فلان فعل الموت بنفسه؟ خصوصا ونحن نعرب " مات " كفعل ماض، ~~ونعرب كلمة فلان " فاعل " أو نقول: إن الموت قد وقع عليه واتصف به لأن ~~تعريف الفاعل: هو الذي يفعل الفعل، أو يتصف به. # وإذا أردنا أن ننسب الأشياء إلى مباشرتها السببية قلنا: " سار الإنسان ~~". وإذا أردنا أن نؤرخ لسير الإنسان بالأسباب، وترحلنا به إلى الماضي ~~لوجدنا أن الذي سيره هو الله تعالى. وكل أسباب الوجود إن نظرت إليها ~~مباشرة وجدتها منسوبة إلى من هو فاعل لها لكنك إذا تتبعتها أسبابا ~~وجدتها تنتسب إلى الله سبحانه. ms4521 فمثلا: إذا سئلت: من صنع الكرسي؟ ~~تجيب: النجار. وإن سألت النجار: من أين أتيت بالخشب؟ سيجيبك: من ~~التاجر. وسيقول لك التاجر أنه استورده من بلاد الغابات، وهكذا. إذن: إذا ~~أردت أن تسلسل كل حركة في الوجود لا بد أن تنتهي إلى الله تعالى. وحين ~~قال الحق سبحانه: # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله.. # [القصص:29]. نفهم من ذلك أن موسى عليه السلام قد سير بأهله لأن ~~التسيير في كل مقوماته من الله تعالى. والمثال الآخر: نحن نقرأ في القرآن ~~قوله الحق: # وأنه هو أضحك وأبكى # [النجم: 43]. فهو سبحانه الذي خلق الضحك، وخلق البكاء. فنجد من يقول: ~~كيف يقول الله سبحانه إنه خلق الضحك والبكاء وهو الذي يقول في القرآن: # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا # [التوبة: 82]. ونقول: أنت إن نظرت إلى القائم بالضحك، فهو الإنسان الذي ~~ضحك، وإن نظرت إلى من خلق غريزة الضحك في الإنسان تجده الله سبحانه. ~~وغريزة الضحك موجودة باتفاق شامل لكل أجناس الوجود، وكذلك البكاء فلا ~~يوجد ضحك عربي، وضحك انجليزي، ولا يوجد بكاء فرنسي، أو بكاء روسي. إذن: ~~فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الضحك والبكاء. وقد صدق قوله الحق: # وأنه هو أضحك وأبكى # [النجم: 43]. لكن الضاحك والباكي يقوم به الوصف. وكذلك قوله الحق: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.. # [الأنفال: 17]. فقد شاء الحق سبحانه أن يمكن رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بالبشرية أن يرمي الحصى، ولكن إيصال الحصى لكل فرد في الجيش المقابل له، ~~فتلك إرادة الله. إذن: فقول الحق سبحانه: { هو الذي يسيركم ~~في البر والبحر }. لا يتعارض مع أنهم هم الذين يسيرون، وأنت ~~إذا عللت السير في الأرض أو في البحر ستجد أن السير هو انتقال السائر من ~~مكان إلى مكان، وهو يحدد غاية السير بعقله، والأرض أو البحر الذي يسير ~~في أي منهما بأقدامه أو بالسيارة أو بالمركب، هذا العقل خلقه الله تعالى، ~~والأرض كذلك، والبحر أيضا، كلها مخلوقات خلقها الله سبحانه وتعالى. وأنت ~~حين تحرك ساقيك لتسير، لا تعرف كيف بدأت السير ms4522 ولا كم عضلة تحركت في ~~جسدك، فالذي أخضع كل طاقات جسمك لمراد عقلك هو الله تعالى. إذن: فكل أمر ~~مرجعه إلى الله سبحانه. وهنا ملحظ في السير في البر والبحر، فكلاهما ~~مختلف، فالإنسان ساعة يسير في الأرض على اليابسة، قد تنقطع به السبل، ~~ويمكنه أن يستصرخ أحدا من المارة، أو ينتظر إلى أن يمر عليه بعض المارة ~~ليعاونه. # أما المرور في البحر فلا توجد به سابلة أو سالكة كثيرة حتى يمكن للإنسان ~~أن يستصرخهم. إذن: فالمرور في البحر أدق من المرور في البر ولذلك نجد أن ~~الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول عن ~~السير في البحر: { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ~~بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف ~~وجآءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ~~بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا ~~من هذه لنكونن من الشاكرين } [يونس: 22]. وهكذا لا ~~نجد أن في الآية نفسها حديثا عن السير في البر لأن الحق سبحانه ما دام ~~قد تكلم عن إزالة الخطر للمضطر في البحر، فهذا يتضمن إزالته عمن يسير في ~~البر من باب أولى. وإذا ما جاء الدليل الأقوى، فهو لا بد أن ينضوي فيه ~~الدليل الأقل. ومثال هذا قول الحق سبحانه: # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا # [الأحقاف: 15]. وجاءت كل الحيثيات بعد ذلك للأم، ولم يأت بأي حيثية ~~للأب، فيقول: # حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله ~~وفصاله ثلاثون شهرا # [الأحقاف: 15]. وشاء الحق سبحانه ذلك لأن حيثية الأم مبنية على الضعف، ~~فيريد أن يرقق قلب ابنها عليها، فالأب رجل، قد يقدر على الكدح في الدنيا، ~~كما أن فضل الأب على الولد يدركه الولد، لكن فضل أمه عليه وهو في بطنها ~~لا يعيه، وفي طفولته الأولى لا يعي أيضا هذا الفضل. ولكنه يعي من بعد ~~ذلك أن والده يحضر له كل مستلزمات حياته، من مأكل وملبس، ويبقى دور الأم ~~في نظر الطفل ماضيا خافتا. إذن: فحيثية الأم هي المطلوبة لأن تعبها في ~~الحمل والإرضاع ms4523 لم يكن مدركا من الطفل. وكذلك هنا في هذه الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها، ترك الحق سبحانه حيثية البر وأبان بالتفصيل حيثية ~~البحر: { هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى ~~إذا كنتم في الفلك } [يونس: 22]. وكلمة الفلك تأتي مرة مفردة، ~~وتأتي مرة جمعا، والوزن واحد في الحالتين ومثال هذا أنه حين أراد الله ~~سبحانه أن ينجي نوحا عليه السلام، وأن يغرق الكافرين به، قال لسيدنا ~~نوح: # واصنع الفلك بأعيننا.. # [هود: 37]. إذن هي تطلق على المفرد، وعلى الجمع، ولها نظائر في اللغة في ~~كلتا الحالتين، فهي في الإفراد تكون مثل: قفل، وقرط. وعند الجمع تكون ~~مثل: أسد. والحق سبحانه وتعالى يصف الريح هنا بأنها طيبة، والقرآن ~~الكريم طبيعة أسلوبه حين يتكلم عن الريح بلفظ الإفراد يكون المقصود بها ~~هو العذاب، مثل قوله الحق: # فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا ~~هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح ~~فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها.. # [الأحقاف: 24-25]. وإن تكلم عنها بلفظ الجمع فهي للرحمة، وسبحانه ~~القائل: # وأرسلنا الرياح لواقح.. # [الحجر: 22]. ويقول سبحانه أيضا: # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل ~~الثمرات.. # [الأعراف: 57]. والرياح هنا جاءت في صيغة الجمع، وعلة وجود ريح للشر، ~~ورياح للخير، يمكنك أن تستشفها من النظر إلى الوجود كله هذا النظر يوضح ~~لك أن الهواء له مراحل، فهواء الرخاء هو الذي يمر خفيفا، مثل النسيم ~~العليل، وأحيانا يتوقف الهواء فلا تمر نسمة واحدة، ولكننا نتنفس الهواء ~~الساكن الساخن أثناء حرارة الجو، ثم يشتد الهواء أحيانا فيصير رياحا ~~قوية بعض الشيء، ثم يتحول إلى أعاصير. والهواء - كما نعلم - هو المقوم ~~الأساسي لكل كائن حي، ولكل كائن ثابت غير حي، فإذا كان الهواء هو المقوم ~~الأساسي للنفس الإنسانية، فالعمارات الضخمة - مثل ناطحات السحاب - لا ~~تثبت بمكانها إلا نتيجة توازن تيارات الهواء حولها، وإن حدث تفريغ للهواء ~~تجاه جانب من جوانبها فالعمارة تنهار. ms4524 إذن: فالذي يحقق التوازن في الكون ~~كله هو الهواء. ولذلك نجد القرآن الكريم قد فصل أمر الرياح وأوضح ~~مهمتها، وهنا يقول الحق سبحانه: { حتى إذا كنتم في الفلك ~~وجرين بهم بريح طيبة } وكأنه سبحانه يتكلم هنا عن السفن ~~الشراعية التي تسير بالهواء المتجمع في أشرعتها. وإذا كان التقدم في ~~صناعة السفن قد تعدى الشراع، وانتقل إلى البخار، ثم الكهرباء، فإن كلمة ~~الحق سبحانه: { بريح طيبة } تستوعب كل مراحل الارتقاء، خصوصا وأن ~~كلمة " الريح " قد وردت في القرآن الكريم بمعنى القوة أيا كانت: من هواء، ~~أو محرك يسير بأية طاقة. وسبحانه القائل: # ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.. # [الأنفال: 46]. وهكذا نفهم أن معنى الريح ينصرف إلى القوة. وأيضا كلمة ~~" الريح " تنسجم مع كل تيسيرات البحر. وقوله الحق: { حتى إذا ~~كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا ~~بها } هذا القول الكريم يضم ثلاثة وقائع: الوجود في الفلك، وجرى ~~الفلك بريح طيبة، ثم فرحهم بذلك هذه ثلاثة أشياء جاءت في فعل الشرط، ثم ~~يأتي جواب الشرط وفيه ثلاثة أشياء أيضا: أولها: { جآءتها ريح ~~عاصف } وثانيها: { وجآءهم الموج من كل مكان } ~~وثالثها: { وظنوا أنهم أحيط بهم }. أما الريح العاصف: ~~فهي المدمرة، ويقال: فلان يعصف بكذا، وفي القرآن: # كعصف مأكول.. # [الفيل: 5]. إذن: { ريح عاصف } هي الريح المدمرة المغرقة. وقوله ~~الحق: { وجآءهم الموج من كل مكان }. فالموج يأتي من ~~أسفل، والريح تأتي من أعلى، وترفع الريح الموج فيدخل الموج إلى المركب، ~~ونعلم أنهم يقيسون ارتفاع الموج كل يوم حسب قوة الريح: فحين تكون الريح ~~خفيفة يظهر سطح مياه البحر مجعدا، وحين تكون الريح ساكنة فأنت لا تجد ~~صفحة المياه مجعدة، بل مبسوطة، وقد جاءتهم الريح عاصفا فيزداد عنف ~~الموج، ويتحقق نتيجة لذلك الظن بأنهم قد أحيط بهم. # ومعنى الإحاطة هو عدم وجود منفذ للفرار ولذلك نجد الحق سبحانه يتكلم عن ~~الكافرين بقوله: # والله محيط بالكافرين.. # [البقرة: 19]. أي: ليس هناك منفذ يفلتون منه. ولحظة ظنهم أنه قد أحيط ~~بهم لا يسلمون أنفسهم لهذه الحالة بدعوى الاعتزاز بأنفسهم ms4525 غريزيا، بل ~~يتجهون إلى الله بالدعاء، هذا الإله الذي أنكروه، لكنهم لحظة الخطر لا ~~يكذب أحد على نفسه أو يخدعها. ولذلك نجد سيدنا جعفر الصادق يجيب على سائل ~~سأله: أهناك دليل على وجود الصانع الأعلى؟ فيقول سيدنا جعفر: ما عملك؟ ~~فيجيب السائل: تاجر أبحر في البحر. فسأله سيدنا جعفر: أولم يحدث لك فيه ~~حال؟ قال الرجل: بل حدث. فسأل سيدنا جعفر: ما هو؟ قال: حملت بضائعي في ~~سفينة، فهبت الريح وعلا الموج وغرقت السفينة وتعلقت بلوح من الخشب. قال ~~سيدنا جعفر: الم يخطر على بالك أن تفزع إلى شيء؟ قال الرجل: نعم. قال ~~سيدنا جعفر: هذا الصانع الأعلى. وكذلك لجأ هؤلاء الذين كفروا بالله إلى ~~الله تعالى حين عصفت بهم الريح، وعلا عليهم الموج، وظنوا أنهم قد أحيط ~~بهم ويقول الحق سبحانه وتعالى - وهم في مثل هذه الحالة: { دعوا ~~الله مخلصين له الدين } وهذا يعني أنهم لم يدعوه فقط، بل ~~دعوه بإخلاص وأقروا بوحدانيته، وألا شريك له أبدا لأنهم يعلمون أن ~~مثل هذا الشريك لن ينفعهم أبدا. ثم يجيء الحق سبحانه بصيغة دعائهم: { ~~لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين } ~~فهل وفوا بالعهد؟ لا لأن الحق سبحانه يقول بعد ذلك: { فلمآ ~~أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض... }. ### || [10.23] # وبعد أن أنجاهم الحق سبحانه مباشرة تأتي " إذا " الفجائية لتوضح لنا ~~أنهم لم ينتظروا إلى أن يستردوا أنفاسهم، أو تمر فترة زمنية بينهم وبين ~~الدعاء، وتحقق نتيجة الضراعة، لا، بل بغوا - على الفور - في الأرض { ~~فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير ~~الحق }. والبغي: هو تجاوز الحد في الظلم وهو إفساد لأن الإنسان إذا ~~ما أخرج أي شيء عن صلاحه، يقال: " بغى عليه " ، فإن حفرت طريقا ممهدا ~~فهذا إفساد، وإن ألقيت بنفاية في بئر يشرب منه الناس فهذا إفساد وبغي، ~~وأي شيء قائم على الصلاح فتخرجه عن مهمته وتطرأ عليه بما يفسده فهذا بغي. ~~والبغي: أعلى مراتب الظلم لأن الحق سبحانه هو القائل: # إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم.. ms4526 # [القصص: 76]. ويعطينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة البغي ~~الممثلة في الاعتداء بالفساد على الأمر الصالح، فيقول صلى الله عليه ~~وسلم: # " أسرع الخير ثوابا: البر وصلة الرحم، وأسرع الشر عقوبة: البغي ~~وقطيعة الرحم ". # والحق سبحانه لا يؤخر عقاب البغي وقطيعة الرحم إلى الآخرة، بل يعاقب ~~عليهما في الدنيا حتى يتوازن المجتمع لأنك إن رأيت ظالما يحيا في رضا ~~ورخاء ثم يموت بخير، فكل من يراه ويعلم ظلمه ولم يجد له عقابا في ~~الدنيا، سوف يستشري في الظلم. ولذلك تجد أن عقاب الله تعالى لمثل هذا ~~الظالم في الدنيا وأن يري الناس نهايته السيئة، وحين يرى الناس ذلك ~~يتعظون فلا يظلمون، وهذا ما يحقق التوازن في المجتمع. وإلا فلو ترك الله ~~سبحانه الأمر لجزاء الآخرة لشقي المجتمع بمن لا يؤمنون بالآخرة ويحترفون ~~البغي ولذلك يرى الناس عذابهم في الدنيا، ثم يكون لهم موقعهم من النار في ~~الآخرة. ويقول صلى الله عليه وسلم محذرا: # " لا تبغ، ولا تكن باغيا ". # فالباغي إنما يصنع خللا في توازن المجتمع. والذي يبغي إنما يأخذ حق ~~الغير، ليستمتع بناتج من غير كده وعمله، ويتحول إلى إنسان يحترف فرض ~~الإتاوات على الناس، ويكسل عن أي عمل غير ذلك. وأنت ترى ذلك في أبسط ~~المواقع والأحياء، حين يحترف بعض ممن يغترون بقوتهم الجسدية، وقد تحولوا ~~إلى فتوات يستأجرهم البعض لإيذاء الآخرين، والواحد من هؤلاء إنما احترف ~~الأكل من غير بذل جهد في عمل شريف. والبغي - إذن - هو عمل من يفسد ~~الناس حركة الحياة لأن من يقع عليهم ظلم البغي، إنما يزهدون في الكد ~~والعمل الشريف الطاهر. وإذا ما زهد الناس في الكد والعمل الشريف تعطلت ~~حركة الحياة، وتعطلت مصالح البشر، بل إن مصالح الظالم نفسها تتعطل ولذلك ~~قال الحق سبحانه: { إذا هم يبغون في الأرض بغير ~~الحق. # . } [يونس: 23]. ولقائل أن يسأل: وهل هناك بغي بحق؟ أقول: نعم لأن ~~البغي اعتداء على الصالح بإفساد. وأنت ساعة ترى إنسانا يفسد الشيء ~~الصالح، فتسأله: لماذا تفعل ذلك وقد يجيبك بأن غرضه ms4527 هو الإصلاح، ويعدد ~~لك أسبابا لهذا البغي، فهذا بغي بحق، أما إن كان بغيا بدون سبب شرعي ~~فهذا هو البغي، بل قمته. ومثال البغي بحق، أقول: ألم يستول النبي صلى ~~الله عليه وسلم على أرض " بني قريظة " ، وأحرق زرعهم وقطع الأشجار في ~~أراضيهم، وهدم دورهم؟ أليس في ذلك اعتداء على الصالح؟ لقد فعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذلك لأنه رد على عدوان أقسى من ذلك. وهكذا نرى أن ~~هناك بغيا بحق، وبغيا بغير حق. ولذلك يسمى الله جزاء السيئة سيئة ~~مثلها، ويقول سبحانه: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # [البقرة: 194]. ويسميه الحق سبحانه " اعتداء " رغم أنه ليس اعتداء، بل ~~رد الاعتداء. ويطلقها الحق سبحانه وتعالى قضية تظل إلى الأبد بعد ما ~~تقدم، فيقول: { يأيها الناس إنما بغيكم على ~~أنفسكم متاع الحياة الدنيا } [يونس: 23]. وهنا يبين ~~الله سبحانه وتعالى وكأنه يخاطب الباغي: يا من تريد أن تأخذ حق غيرك، ~~اعلم أن قصارى ما يعطيك أخذ هذا الحق هو بعض من متاع الدنيا، ثم تجازى من ~~بعد ذلك بنار أبدية. وأنت إن قارنت زمن المتعة المغتصبة الناتجة عن البغي ~~بزمن العقاب عليها لوجدت أن المتعة رخيصة هينة بالنسبة إلى العقاب الذي ~~سوف تناله عليها ولا تأخذ عمرك في الدنيا قياسا على عمر الدنيا نفسها ~~لأن الحق سبحانه قد يشاء أن يجعل عمر الدنيا عشرين مليونا من السنوات، ~~لكن عمرك فيها محدود. فاربأوا على أنفسكم وافهموا أن متاع الدنيا قليل، ~~إن كان هذا المتاع نتيجة ظلمكم لأنفسكم لأن نتيجة هذا الظلم إنما تقع ~~عليكم لأن مقتضى ما يعطيكم هذا الظلم من المتعة والنعمة هو أمر محدود ~~بحياتكم في الدنيا، وحياتكم فيها محدودة، ولا يظن الواحد أن عمره هو عمر ~~البشرية في الدنيا، ولكن ليقس كل واحد منكم عمره في الدنيا وهو محدود. ~~ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى: # قل متاع الدنيا قليل.. # [النساء: 77]. وهنا يؤكد الحق سبحانه: { إنما بغيكم على ~~أنفسكم } [يونس: 23]. وقد يتمثل جزاء البغي في أن يشاء الحق سبحانه ms4528 ~~ألا يموت الظالم إلا بعد أن يرى مظلومه في خير مما أخذ منه ولذلك أقول ~~دائما: لو علم الظالم ما ادخره الله للمظلوم من الخير لضن عليه ~~بالظلم. وعلى فرض أن الظالم يتمتع بظلمه وهو من متاع الدنيا القليل، نجد ~~الحق سبحانه يقول: { ثم إلينا مرجعكم.. } [يونس: 23]. وحين ~~نرجع إلى الله تعالى فلا ظلم أبدا لأن أحدكم لن يظلم أو يظلم فكل منكم ~~سوف يلقى ما ينبئه به الله سبحانه إن ثوابا أو عقابا مصداقا لقوله ~~الحق: { ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم ~~تعملون } [يونس: 23]. وقد جاء الخبر عن نبأ الجزاء من قبل أن يقع ~~ليعلم الجميع أن لكل فعل مقابلا من ثواب أو عقاب، كما أن في ذكر النبأ ~~مقدما تقريعا لمن يظلمون أنفسهم بالبغي. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ~~{ إنما مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من ~~السمآء... }. ### || [10.24] # والماء الذي ينزل من السماء، هو الماء الصالح للري وللسقي لأن المياه ~~الموجودة في الوجود، هي مخازن للحياة، وغالبا ما تكون مالحة، كمياه ~~البحار والمحيطات، وشاء الحق سبحانه ذلك، لحمايتها من العفن والفساد، ثم ~~تتم عملية تقطير المياه بأشعة الشمس التي تحول الماء إلى بخار، ويتجمع ~~البخار كسحاب، ثم يسقط ماء عذبا مقطرا صالحا للشرب والري. والحق ~~سبحانه يقول هنا: { كمآء أنزلناه من السمآء فاختلط ~~به نبات الأرض } [يونس: 24]. والاختلاط: اجتماع شيئين أو أشياء ~~على هيئة الانفصال بحيث يمكن أن تعزل هذا عن ذاك، فإن خلطت بعضا من حبات ~~الفول مع بعض من حبات الترمس فأنت تستطيع أن تفصل أيا منهما عن الأخرى، ~~ولكن هناك لونا آخر من جمع الأشياء على هيئة المزج، مثلما تعصر ليمونة ~~على ماء محلى بالسكر، وهذا ينتج عنه ذوبان كل جزيء من الليمون والسكر في ~~جزيئات الماء. وهنا يقول الحق سبحانه: { كمآء أنزلناه من ~~السمآء فاختلط به نبات الأرض } وقد يفهم من ذلك أن ~~الماء والنبات قد اختلطا معا، لكن النبات كما نعلم ككائن حي مخلوق ~~من الماء مصداقا لقول الحق سبحانه: # وجعلنا من المآء ms4529 كل شيء حي.. # [الأنبياء: 30]. وهنا لا بد أن نلتفت إلى الفارق بين " باء " الخلط، و " ~~باء " السببية فالباء هنا في هذه الآية هي باء السببية، وبذلك يكون ~~المعنى: فاختلط بسببه نبات الأرض. وأنت ترى بعد سقوط المطر على الأرض أن ~~المياه تغطي الأرض، ثم تجد بعد ذلك بأيام أو أسابيع، أن سطح الأرض مغطى ~~بالزروع، وكلها مختلطة متشابكة، وكلما تشابكت الزروع مع بعضها فهذا دليل ~~على أن الري موجود والخصوبة في هذه الأرض عالية، وهذا نتيجة تفاعل الماء ~~مع التربة. أما إن كانت الأرض غير خصبة، فأنت تجد نبتة في منطقة من ~~الأرض، وأخرى متباعدة عنها، وهذا ما يطلق عليه أهل الريف المصري أثناء ~~زراعة الذرة - على سبيل المثال: " الذرة تفلس " أي: أن كل عود من أعواد ~~الذرة يتباعد عن الآخر نتيجة عدم خصوبة الأرض. إذن: فخصوبة الأرض لها ~~أساس هام في الإنبات والماء موجود لإذابة عناصر الغذاء للنبات، فتنتشر ~~بها جذور النبات. وإن سمحت لك الظروف بزيارة المراكز العلمية للزراعة في ~~" طوكيو " أو " كاليفورنيا " فلسوف ترى أنهم يزرعون النباتات على خيوط ~~رفيعة تسقى بالماء الذي يحتوي على عناصر الغذاء اللازمة للإنبات لأنهم ~~وجدوا أن أي نبات يأخذ من الأرض المواد اللازمة لإنباته بما لا يتجاوز ~~خمسة في المائة من وزنه، ويأخذ من الهواء خمسة وتسعين في المائة من وزنه. # إذن: فالمطر النازل من السماء خلال الهواء هو الذي يذيب عناصر الأرض ~~ليمتصها النبات. والحق سبحانه وتعالى هنا أراد أن يضرب لنا المثل، ~~والمثل: هو قول شبه مضربه بمولده، أي: شيء نريد أن نمثله ~~بشيء، ولا بد أن يكون الشيء الممثل به معلوما، والشيء المأخوذ كمثل هو ~~الذي نريد أن نوضح صورته ولذلك لا يصح أن نمثل مجهولا بمجهول، وإنما ~~نمثل مجهولا بمعلوم. وتجد من يقول لك: ألا تعرف فلانا؟ فتقول: لا ~~أعرفه، فيرد عليك صاحبك: إنه مثل فلان في الشكل. وهكذا عرفت المجهول ~~بمعلوم. وبعض من الذين يحاولون الاعتراض على القرآن، دخلوا من هذه ~~الناحية، وقالوا: إذا كان الشيء ms4530 مجهولا ونريد أن نعرف به، ألا نعرفه ~~بمعلوم؟ فما بال الله - سبحانه وتعالى - يقول في شجرة الزقوم: # إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم * طلعها ~~كأنه رءوس الشياطين # [الصافات: 64-65]. ما بال الله سبحانه يبين شجرة الزقوم، وهي شجرة في ~~النار لا نعرفها، فيعرفها للمؤمنين به بأن طلعها يشبه رءوس الشياطين، ~~وبذلك يكون سبحانه قد مثل مجهولا بمجهول. والذين قالوا ذلك فاتهم أن ~~الذي يتكلم هو الله تعالى. وقد أراد الحق سبحانه أن يمثل لنا شجرة ~~الزقوم بشيء بشع معلوم لنا، والبشع المعلوم هو الشيطان. وشاء الحق سبحانه ~~ألا يحدد البشاعة حتى لا ينقضي التشبيه لأن الشيء قد يكون بشعا في نظرك، ~~وغير بشع في نظر غيرك. ويريد الله سبحانه أن يبشع طلع شجرة الزقوم فاختار ~~الشيء المتفق على بشاعته، وهو رءوس الشياطين، وليتصور كل إنسان صورة ~~الشيطان، بما ينفر منه ويقبحه، وهكذا تتجلى عظمة الحق سبحانه في أن ~~جعل شكل الشيطان مبهما. وأما المثل الذي نحن بصدده هنا وهو تشبيه الحياة ~~الدنيا بأنها كالماء الذي أنزله الحق سبحانه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض، والحياة الدنيا نحن ندرك بعضها، وكل منا يدرك فترة منها، ولم ~~يدرك أولها، وقد لا يدرك آخرها، فجاء الحق سبحانه بمثل يراه كل واحد منا، ~~وهو الزرع الذي يرتوي بالمطر، فأراد الحق سبحانه أن يجمع لنا صورة الدنيا ~~في مثل معروف لنا جميعا، وندركه جميعا فندرك ما سبق، وما يلحق، فكل ~~شيء يأخذ حظه في الازدهار، والجمال، ثم ينتهي، كذلك الدنيا. يقول الحق ~~سبحانه: { كمآء أنزلناه من السمآء فاختلط به ~~نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذآ ~~أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلهآ ~~أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا أو ~~نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس } ~~[يونس: 24]. والزخرف: هو الشيء الجميل المستميل للنفس وتسر به حينما ~~تراه، وتتزين الدنيا بالألوان المتنوعة في تنسيق بديع، ثم يصبح كل ذلك ~~حصيدا وهذا ما نراه في حياتنا، وهكذا جمع الله سبحانه وتعالى مثل الحياة ~~الدنيا من أولها ms4531 إلى آخرها بالصورة المرئية لكل إنسان، حتى لا يخدع إنسان ~~بزخرف الدنيا ولا بزينتها. # والحق سبحانه هو القائل: # فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا المآء ~~صبا * ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فيها حبا ~~* وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدآئق غلبا * ~~وفاكهة وأبا * متاعا لكم ولأنعامكم * فإذا ~~جآءت الصآخة * يوم يفر المرء من أخيه * ~~وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه * لكل امرىء ~~منهم يومئذ شأن يغنيه # [عبس: 24-37]. إذن: فالدنيا بكل جمالها الذي تراه إنما تذوي، وما تراه ~~من بديع ألوانها إنما يذبل، ومهما ازدانت الدنيا فهي إلى زوال، فإياك أن ~~تبغي لأن البغي فيه متاع الدنيا، والدنيا كلها إلى زوال كزوال الروض التي ~~ينزل عليها المطر فتنبت الأرض الأزهار، ثم يذوي كل ذلك. وقد قال الحق ~~سبحانه: # إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * ~~فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون * ~~فأصبحت كالصريم # [القلم: 17-20]. إذن: فالدنيا بهذا الشكل وعلى هذا الحال. وهنا يقول ~~الحق سبحانه: { حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها ~~وازينت } [يونس: 24]. والأرض تتزين بأمر ربها، والحق سبحانه ينسب ~~الإدراكات إلى ما لا نعرف أن له عقلا أو إرادة. ألم يقل الحق سبحانه في ~~قصة العبد الصالح: # فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ ~~أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا ~~يريد أن ينقض.. # [الكهف: 77]. فهل يملك الجدار إرادة أن ينقض؟ ولو حققنا الأمر جيدا ~~لوجدنا أن الحق سبحانه جعل لكل كائن في الوجود حياة تناسبه، وله إرادة ~~تناسبه، وله انفعال يناسبه. وقد ضرب الحق سبحانه لنا في ذلك صورا شتى، ~~فنجد أن الشيء الذي يعز على عقولنا أن تفهمه يبرز لنا ببيان من الله ~~تعالى. ومثال هذا: معرفة الهدهد في قصة سليمان عليه السلام بالتوحيد، ~~وكيف أخبر هذا الهدهد سيدنا سليمان عليه السلام بحكاية مملكة سبأ حيث ~~يسجد الناس هناك للشمس من دون الله، فكأن الهدهد قد علم من يستحق ~~السجود له إذ قال: # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السماوات والأرض.. # [النمل: 25]. ومن كان ms4532 يظن أن الهدهد، وهو طائر، يكون على هذه البصيرة ~~بالعقائد على أصفى ما تكون؟ لأن الحق سبحانه أراد أن يبين لنا أن هذا ~~الطائر لا هوى له يفسد عقيدته، وأن أهواءنا هي التي تفسد العقائد، ومن ~~أعطاه الله سبحانه البدائل هو الذي يفسد الاختيار ما دام لا يحرس ~~الاختيار بالإيمان، وأن يختار في ضوء منهج الله تعالى. ونحن نرى أن ما ~~دون الإنسان من طائر أو حيوان لا يفسد شيئا لأن غريزته تقوده، فلا نجد ~~حيوانا يأكل فوق طاقته، لكننا نجد إنسانا يصيب نفسه بالتخمة، ولا نجد ~~حمارا يقفز فوق قناة من الماء لا يقدر عليها، بل نراه وهو يتراجع عنها، ~~وكلنا نجد إنسانا يشمر عن ساعديه ليقفز فوق قناة مياه فيقع فيها. # إذن: فنحن بأهوائنا التي تسيطر على غرائزنا نوقع أنفسنا فيما يضرنا، ما ~~لم نحرس أنفسنا بمنهج الله سبحانه وتعالى. ونجد في مثال الهدهد صفاء ~~عقديا في التوحيد كأصفى ما يكون المتصوفة، ويأتي بما يهمه { ألا ~~يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات ~~والأرض } لأن الخبء هو رزق الهدهد، فهو لا يأكل من الشيء الظاهر على ~~سطح الأرض، بل يضرب بمنقاره الأرض ليأتي لنفسه بما يطعمه. ويعطينا الحق ~~سبحانه مثلا آخر بالنملة التي قالت: # يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون # [النمل: 18]. وهذه دقة عدالة من هذه النملة، فإنها لم تقل: إن سليمان ~~وجنوده سيحطمون أخواتها من النمل ظلما لهم، بل قالت: { وهم لا ~~يشعرون } لأنكم لا تظهرون تحت أرجلهم. إذن: كل كائن في الوجود له ~~حياة تناسبه، ولكن الآفة أننا نريد أن نتصور الحياة في كل كائن، كتصورها ~~في الكائن الأعلى وهو الإنسان. ولا بد لنا أن نعلم أن النبات له حياة ~~تناسبه، والحيوان له حياة تناسبه، والجماد له حياة تناسبه، وكل شيء في ~~الحياة له لون من الحياة المناسبة له. وقد أوضحنا من قبل أن الحق سبحانه ~~قد قال: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة.. # [الأنفال: 42]. والهلاك مقابل ms4533 للحياة، والحياة مقابلة للموت، والهلاك ~~يساوي الموت. والحق سبحانه يصور الحالة يوم القيامة فيقول: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88]. إذن: فالجماد هالك، ولكنه يتمتع بلون من الحياة لا نعرفه، ~~وكذلك كل كائن له حياة تناسبه، والآفة أن الإنسان يريد أن يعرف الحياة ~~التي في الجماد كالحياة في الإنسان. وانظر إلى دقة الأداء القرآني في ~~قوله الحق: { حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت ~~وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ~~ليلا أو نهارا } [يونس: 24]. وقد جاء هذا القول من قبل أن يتقدم ~~العلم ويثبت أن الأرض تشبه الكرة، وأنها تدور، وأن كل ليل يقابله نهار، ~~وكذلك جاء قول الحق سبحانه: # أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا ~~وهم نآئمون * أو أمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا ضحى.. # [الأعراف: 97-98]. إذن: فأمر الله سبحانه يتحقق حين يشاء، وهو أمر واحد ~~عند من يكونون في ضحى أو في ليل. ثم يقول الحق سبحانه: { فجعلناها ~~حصيدا كأن لم تغن بالأمس } [يونس: 24]. أي: كأنها لم يكن ~~لها وجود. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: { كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يتفكرون } [يونس: 24]. فإذا كانت الدنيا كلها ~~مثل عملية الزرع في الأرض الذي ينمو ويزدهر ويزدان، ثم ينتهي، ألا يجب أن ~~ننتبه إلى أن كل زخرف إلى زوال وعلينا ألا نفتتن بزينة الدنيا ومتاعها في ~~شيء، وأن نحرص على ألا نبغي في الأرض لأن البغي متاع الحياة الدنيا، وهي ~~إلى زوال. # ونجد القرآن يأتي بذكر التفصيل للآيات، ويتبع ذلك بأن هذا التفصيل لقوم ~~" يتفكرون " ، أو " يتذكرون " ، أو " يعقلون " ، أو " يتدبرون ". وكل هذه ~~عمليات تتناول المعلوم الواحد في مراحل متعددة، فالتعقل: هو أن تأتي ~~بالمقدمات لتستنبط ولترى إلى أي نتائج تصل. والتذكر يعني: ألا تنسى ~~وألا تغفل عن الأمر الهام. والتفكر: هو أن تعمل الفكر. والفارق بين ~~الفكر والعقل هو أن العقل أداة التفكر. والتدبر: هو ألا تنظر إلى ~~ظواهر الأشياء، بل إلى المعطيات الخفية في أي أمر. والحق سبحانه يقول: # أفلا يتدبرون القرآن.. # [النساء: 82]. أي: اجعل بصيرتك تمحص ms4534 البدايات والنهايات لتعرف أن ~~المرجع والمصير إلى الله تعالى. والعاقل هو من يعد نفسه للقاء الله ~~سبحانه، وقد يرهق نفسه في الدنيا الفانية ليستريح في الآخرة. وإذا نظرنا ~~إلى الدنيا والآخرة من خلال معادلة تجارية، سنجد أن الآخرة لا بد وأن ~~ترجح كفتها لأن عمر الإنسان في الدنيا مظنون، ولا يعرف فرد هل يحيا في ~~الدنيا عاما أو عشرة أو سبعين أو مائة عام. ومهما طالت الدنيا مع كل ~~الخلق فهي منتهية، والنعيم فيها على قدر إمكاناتك البشرية وعلى قدر ~~تصورك للنعيم، أما الآخرة فهي بلا نهاية، وأمر الإنسان فيها متيقن، ~~والنعيم فيها على قدر عطاءات الله تعالى ومراده سبحانه للنعيم. فإن قارنت ~~هذا بذاك وقارنت الدنيا بالآخرة لرجحت كفة الآخرة. لذلك يقول الحق ~~سبحانه: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. وفي قوله سبحانه: { لهي الحيوان }. مبالغة في ~~كونها حياة لا فناء فيها. فاتبع منهج الله سبحانه ليأخذك هذا المنهج إلى ~~دار السلام والسلامة من الآفات. واضمن لنفسك الخروج من دار الفناء ~~والأغيار، وضع يدك في يد من يدعوك إلى دار السلام. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه: { والله يدعوا إلى دار السلام... }. ### || [10.25] # ودار السلام: هي الآخرة التي تختلف عن دار الدنيا المليئة بالمتاعب، هذه ~~الدنيا التي تزهو وتتزخرف، وتنتهي إلى حطيم لذلك يدعو الله تعالى إلى دار ~~أخرى، هي دار السلام لأن من المنغصات على أهل الدنيا، أن الواحد منهم ~~قد يأخذ حظه جاها، ومالا، وصحة، وعافية، ولكن في ظل أرق من أمرين: ~~الأول هو الخوف من أن يفوته هذا النعيم وهو حي، والثاني أن يفوت هو ~~النعيم. أما الآخرة فالإنسان يحيا فيها في نعيم مقيم ولذلك يقول الله ~~سبحانه: { والله يدعوا إلى دار السلام }. وهذه الآخرة ~~لن يشاغب فيها أحد الآخر، ولن تجد من يأكل عرق غيره مثلما يحدث في ~~الدنيا، وإذا كنا نعيش في الدنيا بأسباب الله، فنحن في الآخرة نعيش بالله ~~سبحانه وتعالى، فكل ما يخطر على بالك تجده. فإذا كانت الأسباب تتنوع في ms4535 ~~الدنيا وتختلف قدرات الناس فيها مع أخذهم بالأسباب، فإنهم في الآخرة ~~يعيشون مع عطاء الله سبحانه دون جهد أو أسباب لأن دار السلام هي دار الله ~~تعالى، فالله تعالى هو السلام. ولله المثل الأعلى، فأنت إذا دعاك ولي ~~أمرك إلى داره، فهو يعد لدعوتك على قدره هو، وبما يناسب مقامه، فما ~~بالك حين يدعوك خالقك سبحانه وقد اتبعت منهجه. إنه سبحانه هو القائل: # إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون * هم ~~وأزواجهم في ظلال على الأرآئك متكئون * لهم ~~فيها فاكهة ولهم ما يدعون * سلام قولا من ~~رب رحيم # [يس: 55-58]. وهذا السلام ليس من البشر لأن من البشر من يعطيك السلام ~~وهو يكن لك غير السلام، أو قد يعطيك السلام وهو يريد بك السلام، ~~ولكنه من الأغيار فيتغير فلا يقدر أن يعطيك هذا السلام، لكن إذا ما جاء ~~السلام من الله تعالى، فهو سلام من رب لا يعجزه شيء، ولا يعوزه شيء، ولا ~~تلحقه أغيار لذلك يقول سبحانه: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام ~~عليكم # [الرعد: 23-24]. والملائكة حين يقولون ذلك إنما أخذوا سلامهم من باطن ~~سلام الله تعالى، وحتى أصحاب الأعراف الذين لم يدخلوا الجنة، ويرون أهل ~~الجنة وأهل النار، هؤلاء يلقون السلام على أهل الجنة. وهكذا يحيا أهل ~~الجنة في سلام شامل ومحيط ومطمئن لأن الداعي هو الله سبحانه، ولا أحد ~~يجبره على أن ينقض سلامه. ودعوة الله سبحانه هي منهجه الذي أرسل به الرسل ~~ليحكم به حركة الحياة حركة إيمانية، يتعايش فيها الناس تعايشا على وفق ~~منهج الله تعالى، بما يجعل هذه الدنيا مثل الجنة، ولكن الذي يرهق الناس ~~في الدنيا أن بعض الناس يعطلون جزئية أو جزئيات من منهج الله سبحانه. # وأنت إذا رأيت مجتمعا فيه لون من الشقاء في أي جهة فاعلم أن جزءا من ~~منهج الله تعالى قد عطل. ولو أن الناس قد ساروا على منهج الله سبحانه ~~وتعالى لما كان بالوجود عورة واحدة فالذي يظهر عورات الوجود هو غفلة بعض ~~الناس عن ms4536 منهج الله سبحانه. وأنت إن رأيت فقراء لا يجدون ما يأكلونه ~~فاعلم أن هناك من عطل منهج الله تعالى، إما من الفقراء أنفسهم، ~~الذين استمرأ بعضهم الكسل، وإما أن الأغنياء قد ضنوا برعاية حق الله ~~تعالى في هؤلاء الفقراء وبذلك يتعطل منهج الله سبحانه. أما إذا سيطر منهج ~~الله تعالى على الحياة لصارت الحياة مثل الجنة. ويقول الحق سبحانه: { ~~ويهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } ونعلم أن الهداية ~~نوعان: هداية الدلالة بالمنهج، فمن أخذ المنهج سهل الله تعالى له طريق ~~الصراط المستقيم وبذلك انتقل العبد من مرحلة الهداية بالدلالة إلى ~~الهداية بالمعونة، وحين تقوم القيامة يهديهم الله سبحانه بالنور إلى ~~الجنة: # يهديهم ربهم بإيمانهم.. # [يونس: 9]. إذن: فمن أخذ هداية الله بالدلالة وهي المنهج، واتبع هذا ~~المنهج فالحق سبحانه يجعل له نورا يسعى بين يديه: # نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم.. # [التحريم: 8]. والحق سبحانه يقول: { ويهدي من يشآء } [يونس: ~~25]. لأن كل شيء في هذا الكون لا يخرج عن مشيئته سبحانه، فالقوانين لا ~~تحكمه، بل هو الذي يحكم كل شيء. وإذا كان الله قد بين من شاء هدايته، ~~فهو أيضا قد بين لنا من شاء إضلاله بقوله سبحانه: # والله لا يهدي القوم الكافرين # [التوبة: 37]. وقوله سبحانه: # والله لا يهدي القوم الفاسقين # [التوبة: 24]. إذن: فقد بين الحق سبحانه لنا من الذين يهديهم إلى الجنة ~~ومن الذين لا يهديهم، فلا يقولن أحد: وما ذنب الكافرين والفاسقين؟ لأن ~~الحق سبحانه قد بين منهجه، فمن أخذ به جعل له نورا يسعى بين يديه، ~~ويدخله الجنة. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { للذين أحسنوا ~~الحسنى وزيادة ولا يرهق... }. ### || [10.26] # وكلمة { الحسنى } مثلها مثل قولنا: " امرأة فضلى " ونقول أيضا: ~~امرأة كبرى، وهي أفعل تفضيل، أي: مبالغة في الفضل. والمقصود بقوله ~~سبحانه: { للذين أحسنوا الحسنى } أي: بالغوا في أداء ~~الحسنات، والحسنة كما نعلم بعشرة أمثالها، وهنا يقول الحق سبحانه: { ~~للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } فما هذه الزيادة؟ ~~نقول: هي عطاء زائد في الحسنات، فهناك " كادر " للجزاء بالحسنات، يبدأ ~~بعشرة أمثال الحسنة ويصل ms4537 إلى سبعمائة ضعف، أما السيئة فبواحدة. وهذا " ~~الكادر " لا يحدد فضل الله تعالى، بل الحق سبحانه يزيد من فضله من ~~يشاء. ولذلك يجب ألا نفرق بين عدل الله سبحانه في أن الشيء يساوي الشيء، ~~وفضل الله تعالى في أن يجزى على الشيء الحسن بأضعاف أضعاف ما نتصور. ~~والحق سبحانه يقول: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا # [يونس: 58]. وقال قوم من العارفين بالله: إن الزيادة المقصودة هي في ~~العشرة الأمثال والسبعمائة ضعف، والفضل هو ما فوق ذلك. وهكذا تتعدد مراتب ~~الجزاء: فهناك العشرة الأمثال، والسبعمائة ضعف، والحسنى، والزيادة عن ~~الحسنى، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: # " إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا ~~أزيدكم. فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من ~~النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ~~عز وجل ". # ثم يقول الحق سبحانه: { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ~~ذلة } أي: لا يغطي وجوههم غبار، وهو سبحانه القائل: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]. وهو سبحانه القائل: # ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة # [عبس: 40-41]. وترهقها: أي تغطيها، وقترة تعني: الغبار، وهي مأخوذة من ~~القتار وهو الهواء الذي يمتلىء بدخان الدهن المحترق من اللحم المشوي، ~~وقد تكون رائحته أخاذة ويسيل لها اللعاب، ولكن من يوضع على وجهه هذا ~~القتار يصنع له طبقة سوداء. ويقول الحق سبحانه: { ولا يرهق ~~وجوههم قتر ولا ذلة } [يونس: 26]. لأنهم اتقوا الله سبحانه ~~وأحبوا منهجه. ويقول الحق سبحانه: # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.. # [آل عمران: 106]. فليس المقصود هو لون الوجه في الدنيا لأنك قد تجد ~~إنسانا أسود اللون لكنه بالإيمان قد أشرق وجهه، وأحاطت ملامحه هالة من ~~البهاء. وهناك من هو أبيض الوجه ولكنه من فرط معصية الله صار وجهه بلا ~~نور. ويقول الحق سبحانه: { أولئك أصحاب الجنة هم ~~فيها خالدون } [يونس: 26]. أي: أنهم ملازمون للجنة ملازمة الصاحب ~~لصاحبه، أو " أصحاب الجنة " أي: من يملكونها. يقول الحق سبحانه ms4538 بعد ~~ذلك: { والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة ~~بمثلها... }. ### || [10.27] # وما دام الحق سبحانه قد جاء بمن دعاهم إلى دار السلام وأعطاهم الجنة ~~جزاء للعمل الحسن، فذكر مقابل الشيء يجعله ألصق بالذهن، والحق سبحانه هو ~~القائل: # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا.. # [التوبة: 82]. وأيضا من أمثلة المقابلة في القرآن قوله الحق: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14]. إذن: فمجيء المقابل للشيء إنما يرسخه في الذهن ~~ولأن الحق سبحانه قد تكلم عن الدعوة إلى دار السلام، ومن دخل هذه الدعوة ~~فله الجنة خالدا فيها، لا يرهق وجهه قتر ولا ذلة، كان لا بد أن يأتي ~~بالمقابل، وأن يبشع رفض الدعوة لدار السلام، ويحسن الأمر عند من ~~يقبلون الدعوة. ولا بد - إذن - أن يفرح المؤمن لأنه لن يكون من أهل ~~النار، ولا بد أيضا أن يخرج بعض من الذين ضلوا عن الغفلة ليهربوا من ~~مصير النار، ويتحولوا إلى الإيمان. وهنا يقول الحق سبحانه: { والذين ~~كسبوا السيئات.. } [يونس: 27]. ونحن نعلم أن الكسب إنما يكون ~~في الأمر الفطري ويناسب الطاعات لأن الطاعة أمر مناسب وملائم للفطرة، فلا ~~أحد يستحي أن يصلي، أو يتصدق، أو يصوم، أو يحج، لكن من الناس من يستحي ~~أن يعرف عنه أنه كاذب، أو مراب، أو شارب خمر. والإنسان حين يرتكب ~~السيئة يمر بتفاعلات متضاربة فالذي يسرق من دولاب والده وهو نائم، تجده ~~يتسلل على أطراف أصابعه ويكون حذرا من أن يرتطم بشيء يفضح أمره، كذلك ~~الذي ينظر إلى محارم غيره. كل هذا يدل على أن ارتكاب الشيء المخالف فيه ~~افتعال، أي: يحتاج إلى اكتساب، ولكن الكارثة أن يستمر الإنسان في ارتكاب ~~المعاصي حتى تصير دربة، ويسهل اعتياده عليها فيمارس المعصية باحتراف ~~فتتحول من اكتساب إلى كسب. أو أن يصل الفاسق من هؤلاء إلى مرتبة من ~~الاستقرار على الانحلال فيروي ما يفعله من معاص وآثام بفخر، كأن يقول: " ~~لقد سهرنا بالأمس سهرة تخلب العقل، وفعلنا كذا وكذا " ، ويروى ذلك، وكأنه ~~قد كسب تلك السهرة بما فيها من معاص وآثام. ms4539 ومن رحمة الله سبحانه بالخلق ~~أنه يجازي مرتكب السيئة بسيئة مثلها، فيقول سبحانه: { جزآء سيئة ~~بمثلها } ، وتتجلى أيضا رحمة الحق سبحانه وتعالى حين يعطي من لا ~~يرتكب السيئة مرتبة فيصير ضمن من قال عنهم الحق سبحانه: { ولا يرهق ~~وجوههم قتر ولا ذلة } لكن الذين لم يهتدوا منهم من يقول ~~الحق سبحانه عنهم: { ما لهم من الله من عاصم } أي: لن ~~يجيرهم أحد عند الله تعالى، ولن يقول أحد لله سبحانه: لا تعذبهم. أو ~~أن لا عاصم لهم بمعنى: أن الله تعالى لن يأمر بعد ذلك بألا يعذبوا. # ولا يقتصر أمرهم على ذلك فقط، بل يقول الحق سبحانه: { كأنما ~~أغشيت وجوههم قطعا من اليل مظلما } أي: كأن ~~قطعا من الليل المظلم قد غطت وجوههم، ويكون مأواهم النار { أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون }. هذا هو حال الذين كذبوا ~~بآيات الله تعالى وكذبوا الرسل، وتأبوا عن دعة الله سبحانه وتعالى إلى ~~دار السلام واتبعوا أهواءهم واتخذوا شركاء من دون الله تعالى. وشاء الحق ~~سبحانه أن يجلي لنا ذلك كله في الدنيا حتى يكون الكون كله على بصيرة ~~بما يحدث له في الآخرة لأنه نتيجة حتمية لما حدث من هؤلاء في الدنيا. ~~يقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ويوم نحشرهم جميعا ثم ~~نقول للذين أشركوا مكانكم... }. ### || [10.28] # والحشر: هو أخذ الناس من أمكنة متعددة إلى مكان واحد، وستقذف هذه ~~الأمكنة المتعددة من فيها من الكفرة ليصيروا في المكان الذي شاءه ~~الله سبحانه لهم. وكلما اقترب الناس من هذا المكان ازدحموا، وذلك شأن ~~الدائرة بمحيطها، والمحيطات الداخلة فيها إلى أن تلتقي في المركز، فأنت ~~إذا نظرت إلى محيط واسع في دائرة، وأخذت بعد ذلك الأفراد من هذا المحيط ~~الواسع لتلقي بهم في المركز فلا شك أنك كلما اقتربت من المركز فالدوائر ~~تضيق، ويحدث الحشر. فكأننا سنكون مزدحمين ازدحاما شديدا، ولهذا ~~الازدحام متاعب، ولكن الناس سيكونون في شغل عنه بما هم فيه من أهوال يوم ~~القيامة. وقوله الحق: { ويوم نحشرهم جميعا } تفيد الجمع ~~المؤكد لحالات الذين ms4540 لم يستجيبوا لمنهج الله تعالى، ولا لدعوة الله ~~سبحانه لهم لدار السلام، وكذبوا رسلهم، واتخذوا من دون الله تعالى ~~أندادا، فيجمع الله سبحانه المتخذ أندادا، والمتخذ ندا، ~~ويواجههم لتكون الفضيحة تامة وعامة، بين عابد عبد باطلا، ومعبود لم ~~يطلب من عابده أن يعبده، أو معبود طلب من عابده أن يعبده. لذلك يقول الحق ~~سبحانه: { ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركآؤكم } [يونس: 28]. وهكذا يتلاقى من عبد الملائكة مع ~~الملائكة، ويتلاقى من عبد رسولا وجعله إلها، ومن عبد صنما، أو عبد ~~شمسا، أو عبد قمرا، أو جنا أو شيطانا من شياطين الإنس أو شياطين ~~الجن. إذن: فالمعبودون متعددون، وكل معبود من هؤلاء له حكم في ذلك الحشر، ~~وستكون المواجهة علنية مكشوفة. فإذا نظرنا إلى العابد الذي اتخذ إلها ~~باطلا سواء أكان من الملائكة أو رسولا أرسل إليهم ليأخذهم إلى عبادة ~~إله واحد - هو الله سبحانه وتعالى - ففتنوا في الرسول وعبدوه، أو عبدوا ~~أشياء لا علم لها بمن يعبدها: كالأصنام، والشمس، والقمر، والأشجار. أما ~~المعبود الذي له علم، وله دعوة إلى أن يعبده غيره، فهو يتركز في شياطين ~~الإنس، وشياطين الجن، وإبليس. أما الملائكة فإن الله - سبحانه وتعالى - ~~يواجههم بمن عبدهم، فيسألهم: أأنتم وعدتم هؤلاء ليتخذوكم آلهة، فيقولون: ~~سبحانك أنت ولينا، ويتبرأون من هؤلاء الناس، مصداقا لقول الحق سبحانه: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا.. # [البقرة: 166]. والملائكة لا علم لهم بمن اتخذهم آلهة، وإذا انتقلنا إلى ~~البشر وعلى قمتهم الرسل عليهم السلام، فيأتي سيدنا عيسى ابن مريم عليه ~~السلام، ويقول الحق سبحانه له: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله.. # [المائدة: 116]. فيقول سيدنا عيسى عليه السلام ما جاء على لسانه في ~~القرآن الكريم: # سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته.. # [المائدة: 116]. فكأن هؤلاء قد عبدوا من لا علم له بهذا التأليه، ولم ~~يدع إليه. والأصنام كذلك ليس لها علم بمن ادعى ألوهيتها، ولكن الذي ~~له علم بتلك الدعوة هو إبليس، ذلك ms4541 أنه حينما عز عليه أنه عاص لله، أغوى ~~آدم، ثم تاب آدم عليه السلام وقبل الله سبحانه وتعالى توبته، أما إبليس ~~فلم يتب عليه الحق سبحانه لأنه رد حكم المولى - عز وجل - بالسجود لآدم، ~~واستكبر، وظن نفسه أعلى مكانة. أما آدم عليه السلام فلم يرد الحكم على ~~الله تعالى. يقول الحق سبحانه: # ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس لم ~~يكن من الساجدين * قال ما منعك ألا تسجد إذ ~~أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين # [الأعراف: 11-12]. ومن ذلك نأخذ مبدأ إيمانيا موجزه أن الذين لا يقدرون ~~على أنفسهم في أخضاعها لمنهج الله تعالى، فمن الخير لهم أن يقولوا: إن ~~منهج الله سبحانه هو الصدق، وحكمه سبحانه هو الحق، ولكننا لم نستطع أن ~~نخضع أنفسنا للحكم وبذلك يخرجون من دائرة رد الأمر على الآمر، ~~وبإمكانهم أن يتوبوا بنية عدم العودة إلى المعصية. إذن: فالمخاصمة ~~والمحاجة موجهة من إبليس لذرية آدم، فقد أقسم إبليس بعزة الله سبحانه أن ~~يغوي كل أبناء آدم إلا الذين استخلصهم الله لعبادته سبحانه وتعالى فقد ~~علم إبليس أنه غير قادر على إغوائهم. وهكذا تكون عزة الله سبحانه هي التي ~~تمكن إبليس - وذريته من الشياطين - من غواية أو عدم غواية خلق الله ~~سبحانه وتعالى. والشياطين هم الجن العصاة لأننا نعلم أن الجن جنس يقابل ~~جنس البشر، ومن الجن من هو صالح طائع، ومنهم من هو عاص، ويسمى ~~شيطانا، ويخدم إبليس في إغواء البشر، فيتسلط على الإنسان فيما يعلم ~~أنها نقطة ضعف فيه. فمن يحب المال يدخل الشيطان إليه من ناحية المال، ومن ~~يحب الجمال يدخل له الشيطان من ناحية الجمال، ومن يجب الجاه يجد الشيطان ~~وهو يزين له الوصول إلى الجاه بأية وسيلة تتنافى مع الأخلاق الكريمة ~~ومنهج الله عز وجل. وكل إنسان له نقطة ضعف في حياته يعرفها الشيطان ~~ويتسلل منها إليه، وقد يجند إبليس وذريته أناسا من البشر يعملون بهدف ~~إغواء الإنسان لإفساده. فهناك - إذن ms4542 - ثلاثة يطلبون أن ينصرف الناس عن ~~منهج الله تعالى ودعوة الحق وهؤلاء الثلاثة هم: إبليس، والعاصون من الجن ~~أي: الشياطين، ثم البشر الذين يشاركون إبليس في الإغواء، وهم شياطين ~~الإنس الذين يعملون أعمالا تناهض منهج الرسل. وهل يكون الحوار - يوم ~~القيامة - بين الملائكة ومن عبدوهم من البشر؟ وهل يكون الحوار بين ~~الأصنام والذين عبدوها دون علمها؟ وهل يكون الحوار بين عيسى عليه السلام ~~ومن اتخذوه إلها دون علمه؟ ها نحن نجد عارفا بالله يقول على لسان ~~الأصنام: # " عبدونا ونحن أعبد لله # من القائمين بالأسحار " # لأن الحق سبحانه هو القائل: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده.. # [الإسراء: 44]. ويكمل العارف بالله: # " اتخذوا صمتنا علينا دليلا # فغدونا لهم وقود النار " # والحق سبحانه هو القائل: # فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة.. # [البقرة: 24]. ويتابع العارف بالله: # " قد تجنوا جهلا كما تجنوا # على ابن مريم والحواري " # فما موقف الله سبحانه من هؤلاء وأولئك؟ فنقول: # إن للمغالي جزاءه، والمغالى # فيه تنجيه رحمة الغفار " # وهكذا وضح موقف كل من يعبد غير الله سبحانه أو يشرك به، هؤلاء الذين ~~يشملهم قول الحق سبحانه: { ويوم نحشرهم جميعا.. } [يونس: ~~28]. وهكذا يحشر من عبدوا الأصنام أو الكواكب أو أشركوا بالله، وكذلك ~~شياطين الجن والإنس، الجميع سيحشرون في الموقف يوم الحشر، وليتذكر الجميع ~~في الدنيا أن في الحشر ستكشف الأمور ويفضح فيه كل إنسان أشرك مع الله ~~غيره، سبحانه، وستحدث المواجهة مع من أشركه بالعبادة مع الله سبحانه ~~دون علم من الملائكة أو الرسل أو الكواكب أو الحجارة بأمر هؤلاء، ~~ويأتيهم جميعا أمر الحق سبحانه: { ثم نقول للذين أشركوا ~~مكانكم.. } [يونس: 28]. وحين تسمع الأمر: " مكانك " فهو يعني: " ~~الزم مكانك " وهي لا تقال للتحية، بل تحمل التهديد والوعيد، وانتظار ~~نتيجة موقف لن يكون في صالح من تقال له، ونعرف أن الملائكة، والرسل، ~~والكواكب، والحجارة ليس لها علم بأمر هؤلاء الذين عبدوهم. إذن: فالذين ~~ينطبق عليهم هذا الأمر هم هؤلاء المشركون الذين ظنوا أن بإمكانهم ~~الإفلات من الحساب، لكنهم يسمعون الأمر { مكانكم أنتم ~~وشركآؤكم } ، فهل ms4543 يعني ذلك أنهم سوف يأتون مع الملائكة ومن عبد ~~من الرسل والكواكب والحجارة في موكب واحد؟ لا لأن هؤلاء العبيد اتفقوا ~~على موقف باطل، ويشاء الحق سبحانه أن يفصل بين الحق والباطل. لذلك يقول ~~الحق سبحانه: { فزيلنا بينهم وقال شركآؤهم ما ~~كنتم إيانا تعبدون } [يونس: 28]. أي: جعل من المشركين ~~فريقا، وجعل من الذين عبدوا دون علمهم فريقا آخر، وأعلن فريق من ~~عبدوا دون علمهم: { ما كنتم إيانا تعبدون.. } [يونس: ~~28]. أي: ما كنتم تعبدوننا بعلمنا. وانظروا إلى الموقف المخزي لمن ~~عبدوا غير الله سبحانه، أو أشركوا به، إن الواحد منهم قد عبد معبودا دون ~~أن يدري به المعبود، مع أن الأصل في العبادة هو التزام العابد بأمر ~~المعبود، وهذا المسألة تصدق على الملائكة وسيدنا عيسى عليه السلام، ~~وتصدق أيضا على الكواكب والأحجار لأن الحق سبحانه الذي ينطق أبعاض ~~الإنسان يوم القيامة لتشهد على صاحبها، قادر على أن ينطق الأحجار. # والحق سبحانه هو القائل: # ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون ~~* حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله ~~الذي أنطق كل شيء.. # [فصلت: 19-21]. ونجد الصنم يوم القيامة وهو يلعن من عبده، تماما ~~مثلما يتبرأ الجلد من صاحبه إن عصى الله تعالى، فالحق سبحانه يقول: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. ولكن لا تترك عقلك يتخيل كيفية تكلم الصنم، فأنت آمنت أن ~~جوارح الإنسان من يد ورجل وجلد ستنطق يوم القيامة، فهل تعقلت كيف تنطق ~~اليد، وكيف ينطق الجلد، وكيف تنطق الرجل في الآخرة، أنت تؤمن بخبر ~~الآخرة فلا تنظر إلى معطيات أمور الآخرة بقوانين الدنيا لأن كل شيء ~~يتبدل في الآخرة، ألم تخبرك السنة أنك ستأكل في الجنة، ولا تخرج ~~فضلات؟ وهذا أمر غير منطقي بقوانين الدنيا ولكننا نؤمن به، وإذا كان ~~الحق سبحانه وتعالى يخبرنا بأشياء سوف تحدث في الجنة، لو قسناها بعقولنا ~~على ما نعرف في الدنيا لوقفت أمامها عاجزة، لكن ms4544 القلب المؤمن يعقل أمور ~~القيامة والآخرة على أساس أنها غيب، والمقاييس تختلف فيها لأن الإنسان ~~مظروف بين السماء والأرض. وللدنيا أرض وسماء، وللآخرة أيضا أرض وسماء؟ ~~والحق سبحانه يقول: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات # [إبراهيم: 48]. إذن: فكل شيء يتبدل يوم القيامة، فإذا حدثت أن ~~الأصنام تنطق مستنكرة أن تعبد من دون الله تعالى، وأن الملائكة تلعن من ~~عبدوها من دون الله سبحانه، فلا تتعجب. ثم يقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ~~فكفى بالله شهيدا... }. ### || [10.29] # إذن: فالكائنات التي عبدت من دون الله تعالى تعلن رفضها لمسألة ~~عبادتها، فإذا كان الطير - ممثلا في الهدهد - قد أعلن من قبل اندهاشه من ~~أن بعضا من البشر قد عبد غير الله تعالى. واستدل الهدهد - على قدرة الحق ~~سبحانه - بما يخصه هو من الرزق، حيث يعلم أن الحق سبحانه قد علم ~~الخبء في السماوات والأرض، إذا كان الهدهد قد عرف ذلك فالاستنكار أمر ~~منطقي من غيره من المخلوقات، سواء أكانت من الملائكة، أو من عيسى عليه ~~السلام، أو من الأصنام والأشجار والكواكب. ولذلك نجد الحق سبحانه يضرب ~~المثال بسؤاله للملائكة: # أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون.. # [سبأ: 40]. فيجيب الملائكة بقولهم: # سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ~~الجن.. # [سبأ: 41]. والحق سبحانه وتعالى يعرض هذه المواقف في سور القرآن ~~الكريم عرضا منثورا مكررا بما لا يدع للغفلة أن تصيب الإنسان، فمثلا ~~يقول الحق سبحانه: # ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد ~~استكثرتم من الإنس.. # [الأنعام: 128]. ويقول على ألسنة من اتخذوا الشياطين أولياء: # وقال أوليآؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا.. # [الأنعام: 128]. وقولهم هذا يتضمن الحديث عن ذواتهم والحديث عن الجن. ~~ولسائل أن يسأل: وكيف يأخذ الجن كثيرا من الإنس؟ ونقول: إن الحق سبحانه ~~قد خلق الجن على هيئة تختلف عن هيئة الإنس، فجعل للجن خواصا تختلف عن ~~خواص الإنس، ومن هذه الخواص ما قال عنه الحق سبحانه: # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم.. # [الأعراف: 27]. وأعطى الحق سبحانه للجن قوة أكثر مما ms4545 أعطى للإنس، ~~وأعطاهم القدرة على النفاذ من السواتر الحديدية والجدران وغيرها، وهذا ~~أمر منطقي مع أصل تكوين الجن، فالجن مخلوق من النار، والإنسان مخلوق من ~~الطين. وهناك اختلاف بين طبيعة كل من النار والطين، فما يخرج من الطين ~~قار، أي: لا يشع، وما يخرج من النار له إشعاع وحرارة. بمعنى: أنك لو ~~كنت تجلس في حجرة، وخلف ظهرك في الحجرة الأخرى نار موقدة فالساتر - أيا ~~كان - سوف يحمل لك بعضا من حرارة النار، إلا لو كان عازلا للحرارة. أما ~~لو كانت هناك تفاحة - وهي مخلوقة من الطين - موجودة في الحجرة الأخرى، ~~فلن ينفذ طعمها أو رائحتها إليك. إذن: فالنار لها قانونها، والطين له ~~قانونه. وقانون المادة المخلوقة من الطين لا ينتقل إلا إذا نقلت ~~الجرم إلى المكان الذي توجد فيه. ونلمح هذه المسألة التقنينية في قصة ~~سيدنا سليمان عليه السلام حين علم أن ملكة سبأ تسير في الطريق إليه لتعلن ~~إسلامها، وأراد سيدنا سليمان عليه السلام أن يأتي لها بعرشها من مكانه ~~قبل أن تصل. # فقال لمن هو في مجلسه: # أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين.. # [النمل: 38]. وهذا يدل على أنه كان في مجلسه أجناس مختلفة، ولكل جنس ~~منهم قدرات مختلفة عن قدرات الجنس الآخر، ونقل العرش من اليمن إلى مكان ~~سيدنا سليمان عليه السلام يحتاج إلى زمن وإلى قوة، فلو أنهم كانوا ~~متساوين في قدراتهم ما قال: # أيكم يأتيني.. # [النمل: 38]. فكان أول من تقدم لتنفيذ ما أراده سليمان عفريت من الجن - ~~لا جنا عاديا، فمن الجن من هو خائب قليل الذكاء، ومنهم من هو ذكي، ~~فهم وإن كانوا من جنس واحد فهم متفاوتون أيضا، وكان عفريت الجن هو أول ~~من تكلم، وقال: # أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك.. # [النمل: 39]. ولكن مقام سليمان قد يستمر ساعة أو بضع ساعات، والمتكلم هو ~~عفريت من الجن الذي يعلم أن له صفات أقوى من صفات الإنس. أما الإنس ~~العادي - ممن كان حاضرا مجلس سليمان - فلم يتكلم لأن المطلوب ليس في ms4546 ~~قدرته، أما الذي تكلم من الإنس فهو من عنده علم من الكتاب، فقال: # أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك.. # [النمل: 40]. ولم يأخذ الأمر شيئا من الزمن لذلك عبر القرآن التعبير ~~السريع بعد ذلك، فقال: # فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي.. # [النمل: 40]. إذن: فللجن قوة على أشياء لا يقوى عليها الإنس، ولم يأخذ ~~الجني خواصه في الخفة والقدرة ومهارة اختزال الزمن بذات تكوينه، ولكن ~~بإرادة المكون سبحانه ولذلك شاء الحق أن يذكر الجن أنهم قد أخذوا ~~تلك الخصوصيات بمشيئته سبحانه، والحق هو القادر على أن يجعل الإنس وهو ~~الأدنى قدرة، قادرا على تسخير الجن ولذلك يحاول الإنس أن يأخذ من تسخير ~~الجن قوة له فيقوى على نظيره من الإنس. ولكن الحق سبحانه أصدر الحكم على ~~من يحاول ذلك بأن تسخير الجن يزيد رهقا. واقرأوا قول الحق سبحانه: # واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ~~وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ~~يعلمون الناس السحر ومآ أنزل على الملكين ~~ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر.. # [البقرة: 102]. إذن: فتعليم الجن السحر للإنس دليل على تفوق قدرات الجن ~~وتميزها عن قدرات الإنس. ولكن الملكين هاروت وماروت حينما علما ~~الإنسان السحر حذراه أولا من أن يأخذ من ذلك فرصة زائدة تطغيه على بني ~~جنسه ويظلم بها، إنما الأمر كله اختبار، فإن تعلمته فذلك لتقي نفسك من ~~الشر لا لتوقعه بغيرك، ثم إنك - أيها الإنسان - من الأغيار قد تضمن نفسك ~~وقت التحمل، ولكن ماذا عن وقت الأداء؟ مثلما يأتي لك إنسان ليودع ~~عندك ألفا من الجنيهات كأمانة، ولكن أتظل على الأمانة، أم أنك قد تنكر ~~المال أصلا حين يطالبك به صاحبه، أو قد تمر بك أزمة مالية فتتصرف بهذا ~~المال؟ ولذلك تجد الذكي هو من يقول لمودع هذا المال: " احفظ عليك ~~مالك، لأني من الأغيار ". # وتلك هي القضية الإيمانية الأصيلة في الكون كله لأن الحق سبحانه هو ~~القائل: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ms4547 ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. والأمانة هي ما يكون في ذمة المؤتمن، ولا حجة للمؤتمن ~~عنده إلا ذمته، ولا شهود عليه، ولا يوجد إيصال بتلك الأمانة، بل هي وديعة ~~لا توثيق فيها إلا ذمة المؤتمن، قد يقر بها، وقد ينكرها. وعلى ذلك ~~فحق المؤتمن عند المؤتمن خاضع لخيار المؤتمن ولذلك وجدنا السماء ~~والأرض والجبال قالت: يا رب لا نريد أن ندخل أنفسنا في هذه التجربة، ~~افعل بنا ما شئت واجعلنا مقهورين ولا اختيار لنا، ولا نريد تحمل ~~الأمانة. أما الإنسان فقد ميزه الله بالعقل، وقدرة الاختيار بين ~~البدائل لذلك قبل الإنسان حمل الأمانة، وحين جاء وقت الأداء لم يجد ~~نفسه أمينا على الأشياء مثلما ظن في نفسه وقت التحمل. وكذلك الذين ~~يتعلمون السحر، يقول الواحد منهم لنفسه: سوف أتعلمه لأدفع الضر عن ~~نفسي، ونقول له: أنت لا تضمن نفسك لأنك من الأغيار، فقد يغضبك أو يثير ~~أعصابك إنسان فتستخدم السحر فتصيب نفسك بالرهق. إذن: فحين قال الله ~~سبحانه: # يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس # [الأنعام: 128]. أي: أخذتم من الإنس كثيرا بأن أعطيتموهم سلاحا يحقق ~~لهم فرصة وقوة على غيرهم من البشر. وقد ذكر الحق - سبحانه وتعالى - لنا ~~أن بعض البشر الذين استجابوا للجن قالوا: # استمتع بعضنا ببعض.. # [الأنعام: 128]. واستمتاع الإنس بالجن مصدره أن الإنس يأخذ قوة فوق غيره ~~من البشر، واستمتاع الجن بالإنس مصدره أنه سوف يعين هذا الإنسان على ~~معصيته تطبيقا لقسم إبليس اللعين: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين.. # [ص: 82]. ولكن هذا الاستمتاع في النهاية لا يعطي أمرا زائدا عن ~~المقدور لكل جنس ولذلك تجد أن كل من يعمل بالسحر وتسخير الجن إنما ~~يعاني مصداقا لقول الحق سبحانه: # فزادوهم رهقا.. # [الجن: 6]. وأنت تجد رزق الذي يقوم بالسحر أو تسخير الجن يأتي من يد ~~من لا يعلم السحر، ولو كان في تعلم ذلك ميزة فوق البشر لجعل رزقه من ~~مصدر آخر غير من لا يعلمون السحر أو تسخير الجن. وأنت حين ترى الواحد ms4548 من ~~هؤلاء، تجد على ملامحه غبرة، وفي ذريته آفة أو عيبا، فمنهم من هو ~~أعور أو أكتع أو أعرج لأنه أراد أن يأخذ فرصة في الحياة أكثر من غيره من ~~البشر بواسطة الجن، وهذه الفرصة تزيده رهقا ولذلك فليلزم كل إنسان أدبه ~~وقدره الذي شاءه الله - سبحانه وتعالى - له فلا يفكر في أخذ فرصة تزيد من ~~رهقه. # ونحن نرى في البشر من يستخدم صاحب القوة الجسدية أو قدرة تصويب السلاح ~~ليرهب غيره، وقد ينجح في ذلك مرة أو أكثر، ثم ينقلب هذا الفتوة أو ~~ذلك القاتل المأجور على من استأجره. إذن: فلا بد أن يحترم كل إنسان ~~قدر الله - سبحانه وتعالى - في نفسه، وألا يأخذ فرصة من جنس آخر يظن ~~أنها تزيده في دنياه شيئا، لكنها في الواقع ستزيده تعبا وتزيده رهقا. ~~ولذلك نجد الحق - سبحانه وتعالى - يقول عنهم: # ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا ~~الذي أجلت لنا قال النار مثواكم.. # [الأنعام: 128]. وهكذا نرى أن مصير الاستمتاع بقوة الجن هو النار للإنس ~~الذي استخدم الجن، وللجن الذي أغوى الإنس. ثم يعرض لنا الحق - سبحانه ~~وتعالى - قضية أخرى في هذه المسألة فيقول سبحانه: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. والأخلاء: هم الجماعة التي يجمع أفرادها صحبة ومودة، ~~ويتخلل كل منهم حياة الآخر. وأنت تجد الناس صنفين: أناسا اتخذوا ~~الخلة في الله تعالى، فيذهبون إلى المساجد، ويستذكرون العلم، ولا ~~يأكلون إلا من حلال، ويقرأون القرآن، وإن هم واحد منهم بمعصية وجد من ~~صديقه ما يرده عن المعصية، ويحجون إلى بيت الله الحرام، ويعتمرون، ~~وتدور حياتهم في إطار حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: # " رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه " # وهذا لون من الخلة. واللون الآخر يضم أناسا يساعد بعضهم البعض على ~~المعصية، ويشربون الخمر، ويلعبون الميسر، ويفعلون كل المعاصي، فإذا جاء ~~يوم القيامة يقابلون حكم الله تعالى: # لا بيع فيه ولا خلة.. # [البقرة: 254]. فلا خلة إلا خلة اللقاء في الله تعالى، فإذا التقى ~~الأخلاء في الله تعالى فرحوا ms4549 ببعضهم لأن كلا منهم حمى أخاه من معصية، ~~أما من كانوا يجتمعون في الدنيا على المعصية، فكل منهم يلعن الآخر، ويصدق ~~حكم الله سبحانه وتعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. ولذلك نجد الحوار بين الذين استضعفوا والذين استكبروا، ~~ونجد الحق سبحانه وتعالى يأتي لنا بهذا الحوار في القرآن: # فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم ~~تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من ~~شيء.. # [إبراهيم: 21]. فيرد الآخرون: # لو هدانا الله لهديناكم سوآء علينآ أجزعنآ ~~أم صبرنا ما لنا من محيص.. # [إبراهيم: 21]. وبعد ذلك يأتي اعتراف الشيطان الذي يقول عنه الحق ~~سبحانه: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ~~ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22]. وهذا الحوار هو الذي يكشف لنا ما سوف يحدث يوم القيامة، ~~ونجد الحق سبحانه يقول: # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر ~~قال إني بريء منك إني أخاف الله.. # [الحشر: 16]. هذه كلها لقطات من مشاهد يوم القيامة، جاءت في خواطرنا ~~ونحن نتناول قول الحق سبحانه: { فكفى بالله شهيدا بيننا ~~وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين } [يونس: 29]. ~~هكذا يعلن كل من عبد من الملائكة أو الرسل أو الأصنام، وبذلك تتم ~~فضيحة الذين عبدوهم من دون الله سبحانه ويأخذون طريقهم إلى النار. ولذلك ~~نجد الحق سبحانه يقول: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون # [الصافات: 22]. ولننتبه هنا إلى أن الأزواج متقدمون في الإغواء والتوجيه ~~إلى الشر، قبل الأعداء لأن الزوج أو الزوجة قد يكون هو الشيطان الملازم ~~الذي يهيىء الانحراف إلى ما يريد. ونجد الحق سبحانه يقول بعد ذلك: # وقفوهم إنهم مسئولون.. # [الصافات: 24]. ومثلها مثل قوله سبحانه: { مكانكم } نفهم من ذلك ~~أنهم كانوا معا في الدنيا وهي دار الاختبار، وهم الآن في دار جبرية ~~الاقتدار لذلك يقول الحق سبحانه: # وقفوهم إنهم مسئولون * ما لكم لا تناصرون * ~~بل هم اليوم مستسلمون * وأقبل بعضهم ms4550 على ~~بعض يتسآءلون * قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن ~~اليمين # [الصافات: 24-28]. أي: كنتم تستعملون قوتكم لتجعلونا نتبعكم، فلا يظنن ~~ظان أنها قوة البطش فقط، أو قوة التذليل، بل المقصود بذلك أي قوة، حتى ~~وإن كانت قوة الإغواء. إذن: فالمواقف مفضوحة، وهذا لون ومقدمة من ألوان ~~العذاب ليبين الله - سبحانه وتعالى - صدقه في قوله: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. وشاء الحق سبحانه ذلك ليبين لنا كيف يختار الإنسان خليله ~~في الدنيا، فلا يختار الخليل الذي يزين الخطأ والمعصية، بل يختار الذي ~~يعينه على الطاعة. ويذكر الحق سبحانه موقفا من مواقف يوم القيامة فيقول ~~سبحانه: # وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا ~~من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا ~~من الأسفلين # [فصلت: 29]. هكذا يكون حال الذين ضلوا يوم القيامة، يتبرأون ممن ~~أوقفهم هذا الموقف بل يطلبون من أضلهم لإيقاع العذاب بهم بأنفسهم لذلك ~~يقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { فكفى ~~بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن ~~عبادتكم لغافلين } [يونس: 29]. هكذا يتبرأ الملائكة والرسول ~~الذي عبد، وحتى الأصنام، من الذين عبدوهم في الدنيا. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت... ~~}. ### || [10.30] # وقول الحق سبحانه: { هنالك } يعني: في هذا الوقت، أو في هذا المكان. ~~والزمان والمكان هما ظرفا الحدث لأن كل فعل يلزم له زمان ومكان، فإن ~~كان الزمان هو الغالب، فيأتي ظرف الزمان، وإذا كان المكان هو الغالب ~~فيأتي ظرف المكان. وجاءت { هنالك } أيضا في قصة سيدنا زكريا عليه ~~السلام، إذ يقول الحق سبحانه: # هنالك دعا زكريا ربه.. # [آل عمران: 38]. أي: في ذلك الوقت الذي قالت فيه مريم - رضي الله عنها - ~~قولة أدت بها قضية اعتقادية إيمانية لكفيلها، وهو سيدنا زكريا عليه ~~السلام وهو الذي يأتي لها بالطعام، وشاء لها الحق - سبحانه وتعالى - أن ~~تعلمه هي. يقول سبحانه: # كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا.. # [آل عمران: 37]. والرزق ما به انتفع، وكان زكريا - عليه السلام - يكفلها ~~بكل شيء تحتاجه، لكنه ms4551 فوجىء بوجود رزق لم يأت هو به بدليل أنه قال: # أنى لك هذا # [آل عمران: 37]. وهذه ملحظية ويقظة الكفيل حين يجد مكفوله يتمتع بما لم ~~يأت به. وهذه هي قضية " من أين لك هذا "؟، وهي قضية الكفيل العام ~~للمجتمع حين يرى واحدا يتمتع بما لا تؤهله له حركته في الحياة، وبذلك ~~يكتشف مختلس الانتفاع بما يخص الغير دون أن يعرف كافله، ولو أن كافله ~~أصر على معرفة من أين تأتي مصادر دخله لحمى المجتمع من الفساد. وانظر ~~إلى جواب مريم عليها السلام على قول زكريا عليه السلام الذي ذكره رب ~~العزة سبحانه: # أنى لك هذا.. # [آل عمران: 37]. قالت مريم: # هو من عند الله.. # [آل عمران: 37]. ثم تعلل الجواب: # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب.. # [آل عمران: 37]. قالت ذلك، لأنه وجد عندها أشياء لا توجد في مثل هذا ~~الوقت من السنة، فعجب سيدنا زكريا عليه السلام - إذن - كان من أمرين ~~اثنين: شيء لم يأت هو به، وشيء مخالف للفترة التي هو فيها، كأن وجد ~~عندها عنبا في زمن غير أوانه، أو وجد برتقالا في غير أوانه، وسؤاله كان ~~دليل يقظة الكفيل، وإجابتها كانت قضية إيمانية عقدية # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب.. # [آل عمران: 37]. وما دام { من عند الله } - سبحانه وتعالى - ما ~~طرح حسابك أنت للأشياء في ضوء هذه القضية. ولكن هل غفل سيدنا زكريا - ~~عليه السلام - عن قضية الإيمان بأن الله تعالى يرزق من يشاء بغير حساب؟ ~~فنقول: لا، لم يغفل عنها، ولكنها لم تكن في بؤرة شعوره حينئذ فجاءت بها ~~قولة السيدة مريم لتذكر بهذه القضية، وهنا تذكر زكريا نفسه، كرجل بلغ ~~من الكبر عتيا، وامرأته عاقر، وما دام الله سبحانه يرزق من يشاء بغير ~~حساب، فليس من الضروري أن يكون شابا أو تكون زوجته صغيرة لينجب، فجاء ~~الحق معبرا عن خاطر زكريا في قوله: # هنالك دعا زكريا ربه.. # [آل عمران: 38]. أي: في هذا الوقت أو ذلك المكان، أو في الاثنين معا ~~زمانا ومكانا، وهنا جاءته الإجابة ms4552 من ربه سبحانه وتعالى: # قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ~~ولم تك شيئا # [مريم: 9]. وقد جاء الحق سبحانه بهذه القضية ليمنع أي ظان من أن ~~يسيء الظن بعفة مريم عليها السلام لأنها في موقف اللجوء فأنطقها الحق ~~بقوله: # يرزق من يشآء بغير حساب.. # [آل عمران: 37]. وما دام الرزق بغير حساب وفي غير وقته وغير مكانه وبلا ~~سبب وبغير علم كافلها، فعند ذلك تحقق اللجوء إلى الله بالقبول الحسن الذي ~~دعت به امرأة عمران: # وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ~~* فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا ~~حسنا وكفلها زكريا.. # [آل عمران: 36-37]. ويطبقها زكريا عليه السلام على نفسه، ثم تتعرض هي ~~لها، حين يبشرها الحق سبحانه بغلام اسمه المسيح عيسى ابن مريم - عليهما ~~السلام. فهي ستلد من غير أن يمسسها ذكر، وهي تعلم أن الأسباب جارية في ~~أنه لا يوجد تناسل إلا بوجود ذكر وأنثى، وشاء الحق سبحانه أن يقدر لها ~~أن تلد دون هذه العملية، فجاء سبحانه بتلك المقدمة على لسانها # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب.. # [آل عمران: 37]. وحين تساءلت: # رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر.. # [آل عمران: 47]. جاءتها الإجابة بأن اسمه المسيح عيسى ابن مريم، يقول ~~سبحانه: # إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح ~~عيسى ابن مريم.. # [آل عمران: 45]. فبيقظتها الإيمانية فطنت إلى أن هذا الطفل سينسب إلى ~~أمه فعرفت أن أباه ملغى وأدركت أن هذا الولد لن يأتي نتيجة زواج ولو فيما ~~بعد، وبذلك كان عليها أن تعود إلى القضية الإيمانية التي ذكرتها: # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق ~~سبحانه: { هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت.. } [يونس: ~~30]. أي: في ذلك الوقت تختبر كل نفس، وترى هل الجزاء طيب أم لا؟ فإن ~~كانت قد عملت الشر فستجد الجزاء شرا. إذن: فالإنسان وقت النتائج يختبر ~~نفسه بما كان منه. ثم يقول الحق سبحانه: { وردوا إلى الله ~~مولاهم الحق.. } [يونس: ms4553 30]. وكأنهم كانوا في الدنيا عند مولى ~~آخر غير الإله الحق سبحانه، والمولى غير الحق هو الشريك أو الشركاء ~~الذين اتخذهم بعض الناس موالي لهم، وهنا في اليوم الآخر يردون إلى ~~الإله الحق والمولى الحق سبحانه. # وكلمة " ردوا إلى كذا " لا تدل على أنهم كانوا مع الضد، وجاءوا ~~له، بل تدل على أنهم كانوا معه أولا، ثم ذهبوا إلى الضد، ثم ردوا ~~إليه ثانيا، مثل قول الحق سبحانه عن موسى عليه السلام: # فرددناه إلى أمه.. # [القصص: 13]. فدلت على أنه كان مع أمه، ثم فارقها، ثم رد إليها. ~~وقول الحق سبحانه هنا: { وردوا إلى الله مولاهم ~~الحق.. } [يونس: 30]. أي: أنهم كانوا مع الله أولا، ثم أخذهم ~~الشركاء، وفي هذا اليوم الآخر يرجعون لربهم سبحانه. والإنسان يكون مع ~~ربه أولا بالفطرة التكوينية المؤمنة، ثم يتجه به أبواه إلى المجوسية أو ~~أي ديانة أخرى تحمل الشرك بالله تعالى، وهم في ظل تلك الديانات المشركة، ~~كانوا عند مولى وسيد وآمر ومشرع، لكنه مولى غير حق لأن الحق ~~هو الثابت الذي لا تدركه الأغيار. { هنالك تبلوا كل نفس ~~مآ أسلفت.. } [يونس: 30]. أي: عرفت كل نفس ما فعلت، ويعرف كل ~~إنسان بفضيحته في جزئيات ذاته، وكذلك الفضيحة العامة لكل إنسان أشرك ~~بالله سبحانه. ثم يقول الحق سبحانه: { وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون } [يونس: 30]. أي: أن الآلهة التي عبدوها لا تتعرف إلى ~~أمكنتهم ومواقعهم، وأنهم في خطر فتأخذ بأيديهم لأن هذه الآلهة لا علم لها ~~بهم، ولو أن هذه الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله - سبحانه - على ~~شيء من الحق ووجدوهم في مأزق لكان يجب أن يدافعوا عنهم، لكنهم لم يعرفوا ~~أماكنهم { وضل عنهم ما كانوا يفترون.. } [يونس: 30]. ~~أي: ما كانوا يكذبونه كذبا متعمدا. وبعد أن كشف - سبحانه - المسألة وما ~~سوف يحدث في الآخرة، وخوفهم وبشع لهم ما سوف ينتظرهم من مصير إن ~~ظلوا على الكفر لعلهم يرتدعون، ويتذكرون ضرورة العودة إلى عبادة الإله ~~الحق سبحانه، يأتي الحق سبحانه وتعالى بما يعيد إليهم رشد الإيمان في ~~نفوسهم، ms4554 فيقول: { قل من يرزقكم من السمآء والأرض... ~~}. ### || [10.31] # أي: أن الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: اسألهم هذا السؤال، ~~ولا يسأل هذا السؤال إلا من يثق في أن المسئول لو أدار في ذهنه كل ~~الأجوبة، فلن يجد جوابا غير ما عند السائل. ومثال ذلك من حياتنا - والله ~~المثل الأعلى - إن جاء لك من يقول: أبي يهملني، فتمسك به، وتسأله: من جاء ~~لك بهذه الملابس وذلك القلم ويطعمك ويعلمك؟ سيقول لك: أبي. وأنت لا ~~تسأله هذا السؤال إلا وأنت واثق أنه لو أدار كل الأجوبة فلن يجد جوابا ~~إلا الذي تتوقعه منه، فليس عنده إجابة أخرى لأنك لو كنت تعرف أنه سوف ~~يجيبك إجابة مختلفة لما سألته فكأنك ارتضيت حكمه هو في المسألة. والحق ~~سبحانه وتعالى قال في بداية هذه الآية الكريمة: { قل } كما أنزل عليه ~~مثيلاتها مما بدىء بقوله سبحانه: { قل } مثل قوله سبحانه: # قل هو الله أحد # [الصمد: 1]. وهذا ما اقتضاه خطاب الحق سبحانه دائما للخلق، ويختلف عن ~~خطاب الخلق للخلق، فحين تقول لابنك: " اذهب إلى عمك، وقل له كذا ~~". فالابن يذهب إلى العم ويقول له منطوق رسالة الأب، دون أن يقول له: " ~~قل " ، أما خطاب الحق سبحانه للخلق، فقد شاء سبحانه أن يبلغنا به ~~رسوله الله صلى الله عليه وسلم كما نزل { قل } فالرسول صلى الله عليه ~~وسلم أمين في البلاغ عن الله تعالى، لا يترك كلمة واحدة من الوحي دون أن ~~يبلغها للبشر، وما دام الحق سبحانه وتعالى هو الذي أمره، فهو يبلغ ما ~~أمر، حتى لا يحرم آذان خلق الله تعالى من كل لفظ صدر عن الله سبحانه. ~~وكذلك أمر الحق - سبحانه - هنا لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول: { ~~من يرزقكم من السمآء والأرض.. } [يونس: 31]. ونحن نعلم ~~أن الرزق هو ما ينتفع به، والانتفاع الأول مقوم حياة، والثاني ترف ~~أو كماليات حياة، والرزق الذي هو أصل الحياة هو ماء ينزل من السماء، ~~ونبات يخرج من الأرض. وهكذا قال الحق سبحانه السؤال والإجابة معروفة ms4555 ~~مقدما، فلم يقل لرسوله صلى الله عليه وسلم: " أجب أنت " بل ترك ~~لهم أن يجيبوا بأنفسهم. وكذلك جاء الحق سبحانه بسؤال آخر: { أمن ~~يملك السمع والأبصار.. } [يونس: 31]. والسمع والبصر هما ~~السيدان لملكات الإدراك لأن إدراك المعلومات له وسائل متعددة، إن ~~أردت أن تدرك رائحة فبأنفك، وإن أردت أن تدرك نعومة فبلمسك وببشرتك، ~~وإن أردت أن تدرك مذاق شيء فبلسانك، وإن أردت أن تتكلم فبأجهزة الكلام ~~وعمدتها اللسان، وإن أردت أن تسمع فبأذنك. وكذلك تتجلى لك المرائي ~~بعينيك، ثم تأتي إدراكات متعددة من الحواس لتكون أشياء نسميها ~~الخميرة، توجد منها القضية العقلية الأخيرة، فالطفل أمام النار يجد ~~منظرها جميلا جذابا، لكن ما إن يلمسها حتى تلسعه فلا يقرب منها أبدا ~~من بعد ذلك لأنه اختبرها بحواسه فارتكزت لديه القضية العقلية وهي أن هذه ~~نار محرقة، واستقر هذا لديه يقينا. # وهكذا تكون الإدراكات الحسية إدراكات متعددة تصنع خميرة في النفس تتكون ~~منها الإدراكات المعنوية. إذن: فوسائل العلم للكائن الحي هي الحواس، وهذه ~~الحواس تعطي العقل معطيات تنغرز فيه لتستقر من بعد ذلك في الوجدان فتصبح ~~عقائد. إذن: فمراحل الإدراك هي: إدراك حسي، وتفكر عقلي، فانتهاء ~~عقدي ولذلك نسمي الدين عقيدة. أي: أنك عقدت الشيء في يقينك بصورة ~~لا تحله بعدها من جديد لتحلله، فهذا يسمى عقيدة. ولذلك حينما أراد ~~الله - سبحانه وتعالى - أن يقص علينا مراحل الإدراك في النفس الإنسانية ~~ليربي الإنسان معلوماته، قال الحق سبحانه: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. لذلك يقال: " كما ولدته أمه " ، أي: لم يعط القدرة على ~~استخدام حواسه بعد، ثم يجعل له الحق سبحانه الحواس، ويجعله قادرا على ~~استخدامها. ولم يذكر بقية الحواس، بل جاء بالسيدين، وهما السمع والبصر ~~لأن آيات الكون تحتاج إلى الرؤية، وإبلاغ الرسل يحتاج للسماع، وهما أهم ~~آلتين في البلاغ، فأنت ترى بالعين آيات الكون ومعجزات الرسل، وتسمع ~~البلاغ بمنهج الله سبحانه وتعالى من الرسل. وقد لفتنا الإمام علي بن أبي ~~طالب ms4556 - رضي الله عنه - إلى العجائب فقال: " اعجبوا لهذا الإنسان، ينظر ~~بشحم، ويتكلم بلحم، ويسمع بعظم، ويتنفس من خرم ". فالصوت يطرق ~~عظمة الأذن، ويرن على طبلتها، ونرى بشحمة العين، وننطق بلحمة اللسان. ~~وأضاف البعض: " ونشم بغضروف، ونلمس بجلد، ونفكر بعجين ". فالإنسان يولد ~~وكأن مخه قطعة من العجين التي تعمل في استقبال المعلومات من الكون ~~وتخزينها فيه، وهي التي ستكون ركيزة لتشكيل الفؤاد من بعد ذلك. وجاء قول ~~الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بوسيلتين من وسائل ~~الإدراك، وترك بقية الوسائل الثلاث الأخرى الظاهرة، مع أن العلم الحديث ~~حين تكلم عن وظائف الأعضاء، احتاط للأمر وقرر أن هذه الحواس هي الحواس ~~الخمس الظاهرة. وهذا يعني أن هناك حواسا أخرى غير هذه سيكشف عنها، وهي ~~حواس لم يكن القدماء يعرفونها، مثل حاسة البين بين، التي نفرق بها ~~بين أنواع الأقمشة والأوراق وغيرها، وكثافة هذا النوع من ذاك، وهذه ~~الحاسة توجد بين لمستين من إصبعين متقاربين. وكذلك حاسة العضل التي تزن ~~ثقل الأشياء، وتعرف حين تحمل ثقلا ما مدى الإجهاد الذي يسببه لك، وهل ~~يختلف عن إجهاد حمل ثقل آخر. # وحين نظر العلماء في معاني الألفاظ قالوا: " النظائر حين تخالف فلا بد ~~من علة للمخالفة " فالسمع آلة إدراك، والبصر آلة إدراك، فلماذا قال الحق ~~سبحانه في آلة الإدراك " السمع " ، وقال في الآلة الثانية " الإبصار "؟، ~~ولماذا جاء السمع بالإفراد، وجاء الإبصار بالجمع، ولم يأت بالاثنين على ~~وتيرة واحدة؟ فنقول: إن المتكلم هو الله تعالى، وكل كلمة منه لها حكمة ~~وموضوعة بميزان، وأنت حين تسمع، تسمع أي صوت قادم من أي مكان، لكنك ~~بالعين ترى من جهة واحدة، فإن أردت أن ترى ما على يمينك فأنت تتجه ~~بعينيك إلى اليمين، وإن أردت أن ترى ما خلفك، فأنت تغير من وقفتك، ~~فالأذن تسمع بدون عمل منك، لكن البصر يحتاج إلى عمليات متعددة لترى ما ~~تريد. وأيضا فالسمع لا اختيار لك فيه، فأنت لا تستطيع أن تحجب أذنك عن ~~سماع شيء، أما الإبصار فأنت ms4557 تتحكم فيه بالحركة أو بإغلاق العين. وجاء ~~الحق - سبحانه وتعالى - بالسمع أولا لأن الأذن هي أول وسيلة إدراك تؤدي ~~مهمتها في الإنسان، أما العين فلا تبدأ في أداء مهمتها إلا من بعد ثلاثة ~~أيام إلى عشرة أيام غالبا. وهنا يقول الحق سبحانه: { أمن يملك ~~السمع والأبصار... } [يونس: 31]. والحق سبحانه يملكها لأنه ~~خالقها وهو القادر على أن يصونها، وهو القادر سبحانه على أن يعطلها، ~~وقد أعطانا الحق مثالا لهذا في القرآن فقال عن أصحاب الكهف: # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا # [الكهف: 11]. فعطل الله سبحانه أسماعهم بأن ضرب على آذانهم، فذهبوا ~~في نوم استمر ثلاثة قرون من الزمن وازدادوا تسعا. كيف حدث هذا؟.. إن ~~أقصى ما ينامه الإنسان العادي هو يوم وليلة، ولذلك عندما بعثهم الله ~~تساءلوا فيما بينهم: # قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما ~~أو بعض يوم.. # [الكهف: 19]. ولكن هيئتهم لم تكن تدل على هذا، فإن شعورهم قد طالت ~~جدا، بل إن لونها الأسود قد تبدل وأصبحوا شيبا وكهولا، ولذلك قال ~~الحق سبحانه: # لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت ~~منهم رعبا.. # [الكهف: 18]. ونلحظ هنا ملحظا يجب الانتباه إليه، ففي هذه الآية ~~الكريمة يقول الحق سبحانه: { أمن يملك السمع والأبصار.. } ~~[يونس: 31]. بينما يقول في آية أخرى في سورة السجدة: # وجعل لكم السمع والأبصار.. # [السجدة: 9]. ولا بد أن ننتبه إلى الفارق بين " الخلق " و " الجعل " ~~، و " الملك " ، فالخلق قد عرفنا أمره، وملكية كل شيء لله - تعالى - أمر ~~ملزم في العقيدة، ومعروف، أما " الجعل " ، فهو توجيه ما خلق إلى ~~مهمته. فأنت تجعل الطين إبريقا، والقماش جلبابا، هذا على المستوى ~~البشري، أما الحق سبحانه وتعالى فقد خلق المادة أولا، ثم جعل من المادة ~~سمعا وبصرا، وزاد من بعد ذلك { أمن يملك } ، فمن خلق هو الله ~~تعالى، ومن جعل هو الله تعالى، ومن ملك هو الله تعالى. # وهو سبحانه ينبهنا إلى ذلك، فالأشياء النافعة لابن آدم يخلقها الله ~~سبحانه، ويجعلها، ثم يملكها له. أما ذات الإنسان وأبعاضه من سمع وبصر ~~وغيرهما ms4558 وإن كانت قد خلقت في الإنسان، وجعلت له للانتفاع بها، ولكنها ~~ستظل ملكا لله، يبقيها على حالها، أو يخطفها أو يصيبها بآفة، أو ~~يعطلها. إذن: فهي خلقت لله، وجعلت من الله، وتظل مملوكة لله، ~~ويصيرها كيف يشاء، فدقات القلب والحب والكراهية والأمور اللا إرادية ~~التي تعمل لصالح الإنسان هي مملكة الله. والحق سبحانه - على سبيل المثال ~~- جعل لكل حيوان جلدا ننتفع به وندبغه إلا جلدين اثنين: جلد الإنسان ~~وجلد الخنزير، وقد حرم استخدام جلد الإنسان لكرامته عند خالقه، ~~وحرم استخدام جلد الخنزير ليدل على حرمته ونجاسته. وعلينا أن ننتبه ~~إلى أن الحق سبحانه قد خلق وجعل وملك، ودليل ملكية الحق - ~~سبحانه وتعالى - أنه حرم الجنة على المنتحر لأنه لا يأخذ الحياة إلا ~~واهب الحياة، فأنت أيها الإنسان لست ملك نفسك. ولا عذر لأحد ما دام ~~قد وصله هذا البلاغ، وعليه أن يستوعبه أما من لا يستوعب فيلقى مصيره. ~~لذلك فإنه سبحانه هو الذي رزق، وهو - سبحانه - الذي يملك. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ومن يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي.. } [يونس: 31]. ونحن نعلم أن لكل كائن في ~~الوجود حياة تناسبه، بدليل قول الحق سبحانه: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88]. وما دام كل شيء سيأتي له وقت يهلك فيه، فمعنى ذلك أن لكل ~~شيء حياة، إلا أن حياتنا نحن في ظاهر الأمر عبارة عن الحس والحركة، ~~والإنسان يأكل الخضروات والخبز والفاكهة، ومن هذه المأكولات وغيرها ~~يكون الجسم الحيوانات المنوية في الرجل، والبويضات في المرأة، ومنهما ~~يأتي الإنسان، وكذلك يخرج الكتكوت من البيضة المخصبة لأن البيضة غير ~~المخصبة لا تخرج كتكوتا فهي بدون حياة ولذلك لا يتكون منها جنين، ~~فهناك فرق بين قابلية الحياة، وبين الحياة نفسها. وكذلك نواة التمرة، إذا ~~ما ألقيت دون أن توضع في الأرض، فلن تكون نخلة أبدا، ولكن إذا ما ~~زرعت في الأرض، ووجدت لها البيئة المناسبة خرجت نخلة. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ومن يدبر الأمر.. } [يونس: 31]. والتدبير هو عملية ~~الإدارة لأي شيء حتى يؤدي ms4559 مهمته، وبالله من يدير قلبك؟ ومن يدير حركة ~~أمعائك؟ لتستخلص من الطعام ما يفيدك، ثم تخرج ما لا يفيدك. إياك أن تقول: ~~إنني أنا الذي أدير ذلك؟ ونقول: كنت طفلا في مرحلة الطفولة، فهل كنت ~~تدير حركة قلبك أو أمعائك؟ ومن الذي يدير حركة رئتيك؟ إن الذي يديرها ~~هو خالقها لذلك اطمئنوا على حركة أجهزتكم التي لا دخل لكم فيها لأن الذي ~~خلقها فيكم قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يؤوده حفظ ذلك. # ويجيب من يسألهم الرسول صلى الله عليه وسلم على كل تلك الأسئلة - بأمر ~~الله تعالى - الإجابة التي حددها الله سبحانه سلفا { فسيقولون ~~الله.. } [يونس: 31]. إذن: أما كان يجب أن نرهف الآذان، ونعمل ~~الأبصار لنرى قدرة الله سبحانه الذي وهب لنا كل تلك النعم من رزق، وسمع، ~~وبصر، وإحياء، وإماتة، وإحياء من ميت، وتدبير الأمر كله؟ أما كان يجب أن ~~نقول: يا من خلقتنا ماذا تنتظر منا لنعمر الكون الذي أوجدتنا ~~فيه؟ فكيف - إذن - يتجه البعض بالعبادة لغير الله تعالى لشمس أو قمر، ~~أو ملائكة، أو نبي، أو صنم؟ كيف ذلك والعبادة معناها إطاعة العابد ~~للمعبود فيما يأمر به؟ وهل هناك إله بغير منهج يأمر به عباده، ومن عبد ~~الشمس هل كلفته بشيء؟.. لا. إذن: يتساوى عندها من عبدها، ومن لم ~~يعبدها، وفي هذا نقض لألوهية كل معبود غير الله تعالى. ولذلك ينهي الحق ~~سبحانه الآية بقوله: { أفلا تتقون.. } [يونس: 31]. فما دام الله ~~سبحانه هو الذي خلق كل ذلك، وأنزل منهجا، فعليكم أن تجعلوا بينكم وبينه ~~وقاية تحميكم من صفات الجلال، وتقربكم من آثار صفات الجمال وأن تسمعوا ~~إلى البلاغ من الرسل عليهم السلام، وإلى مطلوباته سبحانه. وما دام كل ~~إنسان سيجيب عن أسئلة هذه الآية، ويعترف أن الخالف سبحانه والمالك هو ~~الله تعالى، فعلى الإنسان أن يقي نفسه النار. والعجيب أن الجميع يجيب بأن ~~الله سبحانه هو الذي خلق، فالحق سبحانه يقول: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # [الزخرف: 87]. ويقول أيضا: # ولئن سألتهم من خلق السماوات ms4560 والأرض ~~ليقولن الله.. # [لقمان: 25]. وما دام الله تعالى هو الذي خلق، ورزق، ودبر الأمر، فكيف ~~تتركون عبادته وتتجهون لعبادة غيره؟ ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ~~فذلكم الله ربكم الحق... }. ### || [10.32] # وقد جاء قول الحق سبحانه: { فذلكم } إشاره منه إلى ما ذكره ~~قبلا من الرزق، وملكية السمع والأبصار، وقدرة إخراج الحي من الميت، ~~وأخراج الميت من الحي، وتدبير الأمر. إذن: فقوله سبحانه: { فذلكم } ~~إشارة إلى أشياء ونعم كثيرة ومتعددة أشار إليها بلفظ واحد لأنها كلها ~~صادرة من إله واحد. { فذلكم الله ربكم الحق } [يونس: ~~32]. ولا يوجد في الكون حقان، بل يوجد حق واحد، وما عداه هو الضلال ~~لذلك يقول الحق سبحانه: { فماذا بعد الحق إلا الضلال } ~~[يونس: 32]. إذن: أنتم إن وجهتم الأمر بالربوبية إلى غيره تكونون قد ~~ضللتم الطريق، فالضلال أن يكون لك غاية تريد أن تصل إليها، فتتجه إلى ~~طريق لا يوصل إليها. فإن صرفتم من الإله الحق فأنتم تصلون إلى الضلال. ~~ولذلك ينهي الحق سبحانه الآية بما يبين أنه لا يوجد إلا الحق أو الضلال، ~~فيقول سبحانه: { فأنى تصرفون.. } [يونس: 32]. أي: أنكم إن ~~انصرفتم عن الحق - سبحانه وتعالى - فإلى الضلال، والحق واحد ثابت لا ~~يتغير. ومن عبد الملائكة أو الكواكب أو النجوم أو بعض رسل الله - ~~عليهم السلام - أو صنما من الأصنام فقد هوى إلى الضلال. وإن كنتم تريدون ~~أن نجادلكم عقليا، فلنقرأ معا قول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { ~~كذلك حقت كلمت ربك.. }. ### || [10.33] # قوله: { كذلك } إشارة إلى ما تقدم من رزق الله تعالى للبشر جميعا، ~~ومن ملك السمع والبصر، ومن تدبير الأمر كله، ومن إخراج الحي من الميت، ~~وإخراج الميت من الحي، ذلك هو الإله الحق سبحانه، وقد ثبت ذلك بسؤاله ~~سبحانه وتعالى هذا السؤال الذي علم مقدما ألا إجابة له إلا بالاعتراف ~~به إلها حقا: # فماذا بعد الحق إلا الضلال.. # [يونس: 32]. ومثل هذه القضية تماما قول الحق سبحانه: { حقت ~~كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ~~} [يونس: 33]. لأنهم أساءوا الفهم في الوحدانية، وفي العقيدة، واستحقوا ms4561 ~~أن يعذبوا لأنهم صرفوا الحق إلى غير صاحب الحق. وقد كان هذا خطابا ~~للموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بعضهم آمن بالله تعالى ~~ولذلك فالعذاب إنما يحل على من لم يؤمن. وهذا القول متحقق فيمن سبق ~~في علم الله سبحانه أنهم لا يؤمنون، وكذلك حقت كلمة ربك على هؤلاء ~~الذين فسقوا ولا ينتهون عن فسقهم وكفرهم، وإصرارهم على الانحراف ~~بالعبودية لغير الله الأعلى والرب الحق سبحانه وتعالى. والدليل على ~~العلم الأزلي لله سبحانه ما نقرأه في سورة البقرة: # إن الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم أم ~~لم تنذرهم لا يؤمنون # [البقرة: 6]. إذن: معلوم لله تعالى من يؤمن ومن لا يؤمن، ومن ~~يستمر ويصر على كفره هو الذي يلقى العذاب، بعلم الله تعالى فيه أنه ~~لن يؤمن. ثم يذكر الحق بعد ذلك ما يمكن أن يجادل به الكافرون بمنطق ~~أحوالهم، ففي ذوات نفوس غير المؤمنين بإله توجد نزعة فطرية لفعل الخير، ~~وتوجيه غيرهم إليه، وهو موجود حتى في الأمم غير المؤمنة، فكل قوم ~~يوجهون إلى الخير بحسب معتقداتهم، فنجد بين الشعوب غير المؤمنة بإله ~~حكماء وأطباء وعلماء، وهؤلاء يوجهون الناس إلى بعض الخير الذي يرونه. ~~ونجد الطفل الصغير يكتسب المعتقدات والعادات والاتجاهات من والديه، ومما ~~يسمعه من توجيهاتهم، فنجده يبتعد عن النار مثلا أو الكهرباء لأنه ترسخت ~~في ذهنه توجيهات ونصائح غيره بل إنه يتعلم كيف يتعامل مع هذه الأشياء دون ~~أن تصيبه بالضرر. إذن: يوجد توجيه من الخلق إلى الخلق لجهات الخير، ألا ~~نجد في الدول غير المؤمنة بإله من يرشد الناس إلى الطرق التي يمكن أن ~~يسيروا فيها باتجاهين، والطرق التي عليهم أن يسيروا فيها باتجاه واحد؟ ~~ألا يوجد من يدل الناس على المنحنيات الخطرة على الطرق، وكذلك يوجههم ~~إلى ضرورة خفض سرعة السيارات أمام مدارس الأطفال؟ نعم، يوجد في البلاد ~~غير المؤمنة من يفعل ذلك. إذن: فالتفكير في الخير لصالح الأمم أمر ~~طبيعي غريزي موجود في كل المجتمعات، وإذا كان التوجيه للخير يحدث من ~~الإنسان المساوي ms4562 للإنسان، ألا يكون الله سبحانه هو الأحق بالتوجيه إلى ~~الخير، وهو سبحانه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما يقيم حياته على الأرض، ~~ولذلك يقول الحق سبحانه: { قل هل من شركآئكم من يبدأ ~~الخلق... }. ### || [10.34] # وهنا يأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسألهم: { هل من ~~شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده.. } [يونس: 34]. ~~ومعنى أن الله يسأل القوم هذا السؤال أنه لا بد أن تكون الإجابة كما ~~أرادها هو سبحانه. وإن قال قائل: وكيف يأمنهم على مثل هذا الجواب، ألم ~~يكن من الجائز أن ينسبوا هذا إلى غير الله؟ نقول: إن هذا السؤال: لا ~~يطرح إلا وطارحه يعلم أن له إجابة واحدة، فلن يجد المسئول إجابة إلا أن ~~يقول: إن الذي يفعل ذلك هو الله سبحانه ولا يمكن أن يقولوا: إن الصنم ~~يفعل ذلك لأنهم يعلمون أنهم هم الذين صنعوا الأصنام، ولا قدرة لها على ~~مثل هذا الفعل. فالإجابة معلومة سلفا: إن الله سبحانه وتعالى وحده هو ~~القادر على ذلك، وهذا يوضح أن الباطل لجلج والحق أبلج، وللحق صولة فأنت ~~ساعة تنطق بكلمة الحق في أمر ما، تجدها قد فعلت فعلها فيمن هو على ~~الباطل، ويأخذ وقتا طويلا إلى أن يجد كلاما يرد به ما قلته، بل يحدث ~~له انبهار واندهاش، وتنقطع حجته. ولذلك لم يقل الحق سبحانه هنا مثلما ~~قال من قبل: # فسيقولون الله.. # [يونس: 31]. بل قال: { قل الله يبدأ الخلق ثم ~~يعيده.. } [يونس: 34]. وجاء بها الحق سبحانه هكذا لأنهم حينما سئلوا ~~هذا السؤال بهرهم الحق وغلب ألسنتهم وخواطرهم فلم يستطيعوا قول أي شيء. ~~ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - نجد وكيل النيابة يضيق الخناق على ~~المتهم بأسئلة متعددة إلى أن يوجه له سؤالا ينبهر المتهم من فرط دقته ~~وليس له إلا إجابة واحدة تتأبى طباعه ألا يجيب عنه، فيجيب المتهم ~~معترفا. والإنسان - كما خلقه الله تعالى - صالح لأن يؤمن، وصالح لأن ~~يكفر، فإرادته هنا تتدخل، لكن أبعاضه مؤمنة عابدة مسبحة، فاللسان الذي قد ~~ينطق الكفر، هو في الحقيقة ms4563 مؤمن مسبح، حامد، شاكر، لكن إرادة الإنسان ~~التي شاءها الله - سبحانه - متميزة بالاختيار قد تختار الكفر - والعياذ ~~بالله - فينطق اللسان بالكفر. وقد تأتمر اليد بأمر صاحبها فتمتد لتسرق، ~~أو تسعى الأقدام - مثلا - إلى محل احتساء الخمر، ولكن هل هذه الفاعلات ~~راضية عن تلك الأفعال؟ لا، إنها غير راضية، إنما هي خاضعة لإرادة الفاعل. ~~وحين يسأل السؤال: من يبدأ الخلق ثم يعيده؟ فاللسان بفطرية تكوينه ~~المؤمنة يريد أن يتكلم لكنه لا يملك إرادة الكلام، فيبين الحق سبحانه ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجيب نيابة عن الأبعاض المؤمنة، فيقول ~~سبحانه: { قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده.. } [يونس: ~~34] وهو بذلك يؤكد الصيغة، ويكفي أن يقول محمد صلى الله عليه وسلم هذا ~~القول مبلغا عن ربه، وينال هذا القول شرف العندية: { قل الله ~~يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون } [يونس: 34]. # والإفك: هو الكذب المتعمد، وهو الافتراء، وهناك فارق بين الكذب غير ~~المتعمد والكذب المتعمد، فالكذب غير المتعمد هو من ينقل ما بلغه عن غيره ~~حسبما فهم واعتقد، وهو لون من ألوان الكذب لا يصادف الحق، ويتراجع عنه ~~صاحبه إن عرف الحق. أما الافتراء فهو الكذب المتعمد، أي: أن يعلم الإنسان ~~الحقيقة ويقلبها ولذلك نجد العلماء قد وقفوا هنا وقفة فمنهم من قال: هناك ~~صدق، وهناك كذب، لكن علماء آخرين قالوا: لا، إن هناك واسطة بين الصدق ~~والكذب. ومثال ذلك: أن يدخل ابن على أبيه، بعد أن سمع هذا الابن من ~~الناس أن هناك حريقا في بيت فلان، فيقول الابن لوالده: هناك حريق في بيت ~~فلان فيذهب الأب ليعاين الأمر، فإن وجد حريقا فقول الابن صدق، وإن لم ~~يكن هناك حريق فالخبر كاذب، ولكن ناقل الخبر نقله حسبما سمع. إذن: فهناك ~~فرق بين صدق الخبر وصدق المخبر، فمرة يصدق الخبر ويصدق المخبر، ~~ومرة يصدق الخبر ولا يصدق المخبر، ومرة يصدق المخبر ولا يصدق الخبر. ~~فهنا أربعة مواقف، والذين قالوا إن هناك واسطة بين الصدق والكذب هم من ~~قالوا: إن الصدق يقتضي مطابقة بين الواقع ms4564 والخبر. أما الكذب فهو ألا ~~يطابق الواقع الخبر. لذلك يجب أن نفرق بين صدق الخبر في ذاته، وصدق ~~المخبر، بأنه يقول ما يعتقد. أما صدق الخبر فهو أن يكون هو الواقع. وقول ~~الحق سبحانه: { فأنى تؤفكون } أي: فكيف تقلبون الحقائق لأنكم ~~تعرفون الواقع وتكذبونه كذبا متعمدا؟ وكلنا نعلم قول الحق سبحانه: # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53]. والمؤتفكة: هي القرى التي كفئت أعلاها إلى أسفلها، كذلك ~~الكذاب يقلب الحقيقة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { قل هل من ~~شركآئكم من يهدي إلى الحق... }. ### || [10.35] # وهذا أمر للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يسألهم سؤالا جديدا، لا إجابة ~~له إلا ما يفرضه الواقع، والواقع يؤكد أن الهداية لا تكون إلا للحق لأن ~~كل كائن مخلوق لغاية، فلا شيء يخلق عبثا. ونحن بقدرتنا المحدودة نصنع ~~الميكرفون والتليفزيون أو الثلاجة أو السرير وغيرها، كل منها له غاية، ~~وكل له قوانين صيانته الخاصة به، والذي يحدد الغاية من هذا المصنوع أو ~~ذاك هو صانعه، ويضع لها قوانين صيانتها لتؤدي غايتها، فالغاية من أي شيء ~~توجد قبل الشيء نفسه ليوجد الشيء على مقتضى الغاية منه. وآفة العالم الآن ~~أنهم يعلمون أن الله سبحانه خلق الإنسان، ولكنهم يصنعون من عندهم قوانين ~~لصيانة الإنسان وحركة الإنسان، وهذا غباء وغفلة من الذين يفعلون ذلك، كان ~~عليهم أن يتركوا أمر صيانة الإنسان للقوانين التي وضعها خالق الإنسان ~~سبحانه. فالحق سبحانه وتعالى قد حدد الغاية من خلق الإنسان وحدد ~~قوانين صيانته، والشر الموجود حاليا بسبب الجهل بغاية الإنسان، والعدول ~~عن المنهج الذي يجب أن يسير عليه الإنسان، فقال الحق سبحانه: { قل هل ~~من شركآئكم من يهدي إلى الحق.. } [يونس: 35]. أي: هل ~~من هؤلاء الشركاء من يهدي الإنسان إلى غايته؟ هل قالت الشمس - مثلا - ~~غايتها؟ هل قالت الملائكة غايتها؟ هل قالت الأشجار أو الأحجار أو الرسل ~~الذين عبدتموهم شيئا غير مراد الله تعالى؟ إنهم آلهة لا يعرفون الغاية ~~من العابد لهم، ولا يعرفون الطريق الموصل إلى تلك الغاية. ولذلك يأتي ~~القول الفصل: { قل الله يهدي ms4565 للحق.. } [يونس: 35]. فالله ~~هداك أيها الإنسان إلى الحق في كل حركة تتحركها بالمنهج الذي أنزله الله ~~سبحانه مكتملا على رسوله صلى الله عليه وسلم من بدء " لا إله إلا الله " ~~إلى إماطة الأذى عن الطريق، وهو منهج مستوعب مستوف لكل حركات الإنسان. ~~وجاءت الإجابة من الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لأنهم ~~انبهروا بالسؤال وتلجلجوا ولم يوجد عند أي منهم قدرة على المعارضة، ~~فالغاية من خلق الإنسان وغيره يوجزها قول الحق سبحانه: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. والعبادة ليست أركان الإسلام فقط، بل هي عمارة الكون ~~كبنيان حي للإسلام، والذي حدد الغاية هو الخالق سبحانه، وهو سبحانه الذي ~~يحدد طريق الوصول إليها. ونحن حين نرغب في الوصول إلى مكان في الصحراء ~~مثلا، إنما نحدد أولا المكان، ونختار طريق الوصول، فإن كان الطريق ~~المستقيم مليئا بالعقبات والجبال، فإنك ستضطر للانحراف عن هذا الطريق ~~وصولا إلى غايتك، فهذا الطريق المعوج هو الطريق المستقيم لأنه الطريق ~~الذي يجنبنا العقبات. ومثال ذلك: السيول التي تنزل على هضباب الحبشة، ~~فاختارت لنفسها المجرى السهل فكان نهر النيل، فلا أحد قد حفر النيل مثلما ~~حفرنا الرياحات أو قناة السويس، بل نزل السيل واختار لنفسه الطريق السهل ~~فسار فيه بين التعاريج والرمال والصخور. # ولذلك أنت تجد كل ما لا دخل للبشر به قد يتعرج لينفذ، أما ما صنعه البشر ~~فلا يستطيع ذلك. وكل خلق لا بد له من غاية لذلك نجد سيدنا إبراهيم عليه ~~وعلى نبينا السلام يقول: # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء: 78]. فمن خلق هو الذي يحدد الغاية لأن هذه الغاية توجد عنده ~~أولا ليخلق، وتتجلى الدقة في قول القرآن على لسان سيدنا إبراهيم عليه ~~السلام، فلم يقل: الذي خلقني يهديني، بل قال: { الذي خلقني فهو ~~يهدين } مما يدل على أن هذه القضية ستخالف، وبعد أن يخلق الإنسان ~~سيقوم بعض الناس - حماية لمصالحهم - بوضع طريق أخرى تخالف الغاية فتوصل ~~إلى الضلال. أما الحق سبحانه فقد أنزل القرآن فيه الهداية الحقة، فالذي ~~خلق ms4566 هو الذي يقنن، ولذلك يذكر القرآن على لسان سيدنا إبراهيم عليه ~~السلام: # والذي هو يطعمني ويسقين # [الشعراء: 79]. وبهذا القول وصل سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى أن الذي ~~رزق الآباء قدرة استنباط الرزق مطعما ومشربا هو الله سبحانه. وذكر ~~القرآن على لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام: # والذي يميتني ثم يحيين # [الشعراء: 81]. فالإماتة والإحياء هما من الحق سبحانه، فلا أحد يسأل عمن ~~يملك الإماتة والإحياء، أما عن شفاء المرض فقال: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80]. فأنت قد تذهب إلى الطبيب وتظن أنه هو الذي يشفيك بل هو ~~يعالج، ولكن الله هو الذي يشفي. وهكذا نعلم أن قول سيدنا إبراهيم عليه ~~السلام: # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء: 78]. هو كلام منطقي لأن خالق الشيء هو الذي يهدي إلى الغاية ~~من الشيء فالغاية أولا، ثم الخلق، ثم توضيح الطريق الموصل إلى تلك ~~الغاية، فإذا خولف في شيء من ذلك فلا صلاح لكون أبدا. وتجد في القرآن ~~على لسان سيدنا موسى عليه السلام: # قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]. فما دام الحق سبحانه قد خلق فهو يهدي إلى السبيل الموصل إلى ~~الغاية، ويقول القرآن أيضا: # سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * ~~والذي قدر فهدى # [الأعلى: 13]. وهكذا يتأكد لنا أنه ما دامت هناك غاية، فلا بد من وجود ~~طريق يهدينا إليه من خلقنا. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا ~~عنها يقول الحق سبحانه: { قل الله يهدي للحق.. } [يونس: 35] ~~لأنه سبحانه هو الذي خلق ولذلك فمن المنطقي أن يأتي بعد ذلك التساؤل: { ~~أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا ~~يهدي إلا أن يهدى.. } [يونس: 35]؟ وسبب وجود اللام في قوله: ~~{ يهدي إلى الحق } هو النظرة إلى الغاية، وسبب وجود: { إلى ~~الحق } هو لفت الانتباه إلى أن الوصول إلى الغاية يقتضي طريقا، ~~فأراد الحق سبحانه في آية واحدة أن يجمع التعبيرين معا. # ونحن نعلم أن هذه الآية قد نزلت في الذين اتخذوا لله شركاء، فهم يعترفون ~~بالله تعالى ولكنهم يشركون به غيره، ms4567 فالله سبحانه وتعالى تفرد ~~بالألوهية بربوبيته للخلق لأنه خلق من عدم، ورزق من عدم، وخلق ~~لنا وسائل العلم ودبر لنا الأمر، وأخرج الحي من الميت، وأخرج الميت من ~~الحي، وهدى للحق. فأين - إذن - هؤلاء الشركاء الذين اتخذتموهم مع الله ~~تعالى؟ وهل صنع واحد منهم أو كلهم مجتمعين شيئا واحدا من تلك ~~الأشياء؟ لذلك قال سبحانه: { هل من شركآئكم من يهدي إلى ~~الحق.. } [يونس: 35]. إذن: فالذي يهدي هو الذي خلق، وهؤلاء الذين ~~أشركوا اعترفوا بالله خالقا بشهاداتهم حين قال الحق سبحانه: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # [الزخرف: 87]. إذن: فالذين أشركوا قد ارتكبوا الإثم العظيم، وهؤلاء ~~الشركاء إما أن يكونوا من الملائكة، أو من الأنبياء والرسل الذين فتن ~~بهم بعض الناس، وهناك من اتخذ وسائط أخرى مثل: الشمس والقمر والنجوم ~~وهذه أشياء علوية، وبعض الناس اتخذوا وسائط سفلية كالأشجار والأحجار، ~~فهل أي شيء من كل ذلك يهدي إلى الحق؟ وما منهج أي منهم إذن؟ وكيف ~~بلغوكم به؟ إن كل هؤلاء يعلمون أن أيا منهم لا يستطيع أن يهدي، بل ~~هو يهدى من الله سبحانه وتعالى، فمن أين قلتم إن الملائكة ستهديكم؟ أو ~~من أين جاء الذين فتنوا برسولهم واتخذوه إلها؟ ومن أين جاء هذا الرسول ~~بمنهجه؟ إن كل كائن لا يهدي إلا بعد أن يهدى من الله أولا، وإن كانت ~~الأشياء - المتخذة شركاء - لا هداية لها، ولا منهج، ولا عقل، ولا تفكير، ~~كالشمس والقمر والنجوم في العلويات، والأشجار والأحجار في السفليات، ~~فماذا قالت هذه الأشياء؟ إنها لم تقل شيئا. وهكذا لا يستقيم أمر اتخاذهم ~~شركاء مع الله، حتى الملائكة، فالله هو الذي يختار منهم الملك الذي ~~يبلغ عن الله سبحانه، وكذلك الرسل عليهم السلام: { أفمن يهدي ~~إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن ~~يهدى.. } [يونس: 35]. { لا يهدي } تقرأ هكذا، وللغة فيها ~~عملية تخفيف جرس لسلامة نطقها واستقامة اللغة العربية، فنحن نعرف أن { ~~يهدي } يعنى: يهتدي.. أصلها يهتدي.. ويهتدي فيها هاء ساكنة وتاء ~~ودال وياء.. وفيها تقارب لمخارج الحروف، ms4568 وهذا التقارب يجعل المعنى ~~غائما، والنطق ثقيلا، فتقوم اللغة بعملية إبدال وإدغام، وتخلص من ~~التقاء الساكنين فتصل إلى مسامعنا كما أنزلها الله تعالى لسلامة النطق ~~وجمال المعنى لأن القرآن أدب اللغة بكلام السماء لتكون خالدة اللفظ ~~والمعنى. فإذا كنتم على طريق هداية، فالأصل في الهداية هو الله تعالى. # وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: { فما لكم كيف ~~تحكمون.. } [يونس: 35]. أي: ماذا أصاب عقولكم لتحكموا هذا الحكم ~~فتشركوا بالله ما لا منهج له، أو له منهج ولكنه موصول بالله تعالى جاء ~~ليبلغه لهم؟ وساعة تسمع { كيف } فهي للاستفسار عن عملية عجيبة ما كان ~~- في عرف العاقل - أن تحدث. كأن تقول: " كيف ضربت أباك؟ " أو " كيف ~~سببت أمك؟ " ، وهذا كله من الأمور التي تأباها الفطرة ويأباه الطبع ~~والدين. وقوله سبحانه: { فما لكم كيف تحكمون } كأنه أمر ~~عجيب ما كان يصح أن يحدث لأن الحق سبحانه وحده هو الإله، والحق هو الشيء ~~الثابت الذي لا يتغير غاية وطريقا. والله سبحانه وحده هو الذي حدد لنا ~~الغاية والطريق الموصل إليها، وهو سبحانه القائل: # والله يدعوا إلى دار السلام.. # [يونس: 25]. والمنهج هو الطريق الذي يوصل إلى دار السلام من آفة الأغيار ~~لأن الدنيا كلها أغيار، فأنت قد تكون قويا ثم تضعف أو صحيحا فيصيبك ~~المرض، أو غنيا فتفتقر، أو مبصرا فيضيع منك بصرك، أو تكون صحيح الأذن ~~سمعيا فتصير أصم بعد ذلك. إذن: فهي دنيا أغيار، وهب أن إنسانا أخذ من ~~دنياه كل نصيبه عافية وأمنا وسلامة وغنى وكل شيء سنجده في قلق من ~~جهتين: الجهة الأولى أنه يخاف أن يفارقه كل هذا النعيم، أو يخاف أن يترك ~~هو هذا النعيم، هذا ما نراه في حياتنا. إذن: فالدنيا بما فيها من أغيار ~~لا أمان لها لنفهم أن كل عطاءات المخلوق إنما هي هبة من الخالق سبحانه ~~وتعالى لأنها لو كانت من ذاتك لاستطعت الحفاظ عليها، ولكنها هبات من ~~الحق الأعلى سبحانه. والأمر الموهوب قد يصبح مسلوبا. ثم يقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { وما يتبع أكثرهم ms4569 إلا ظنا... }. ### || [10.36] # وقول الحق سبحانه: { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا.. } ~~[يونس: 36] يفيد أن بعضهم كان يتبع يقينا لأن مقابل الظن هو اليقين، ~~فالنسب التي تحدث بين الأشياء تربط بين الموضوع والمحمول، أو المحكوم ~~والمحكوم عليه، وهي نسب ذكرناها من قبل، ونذكر بها، فهناك شيء أنت تجزم ~~به، وشيء لا تجزم به. وما تجزم به وتدلل عليه هو علم يقين، أما ما لا ~~تستطيع التدليل عليه فليس علم يقين، بل تقليد، كأن يقول الطفل: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. وهذا حق، لكن الطفل لا يستطيع أن يدلل عليه أو أن يقال ~~شيء ومن يقوله جازم به، وهو غير واقع فذلك هو الجهل. والعلم هو القضية ~~المجزوم بها، وهي واقعة وعليها دليل، على عكس الجهل الذي هو قضية مجزوم ~~بها وليس عليها دليل. والظن هو تساوي نسبتين في الإيجاب والسلب، بحيث لا ~~تستطيع أن تجزم بأي منهما لأنه إن رجحت كفة كانت قضية مرجوحة، والقضية ~~المرجوحة هي شك أو ظن أو وهم. فالظن هو ترجيح النسب على بعضها. والشك هو ~~تساوي الكفتين. وقول الحق سبحانه: { وما يتبع أكثرهم إلا ~~ظنا.. } [يونس: 36] يبين لنا أن الذين كانوا يعارضون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فعلوا ذلك إما عنادا - رغم علمهم بصدق ما يبلغ عنه، وإما ~~أنهم يعاندون عن غير علم، مصداقا لقول الحق سبحانه: # بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه.. # [يونس: 39]. وكان الواحد منهم إذا تمعن في البلاغ عن الله تعالى ~~والأدلة عليه، يعلن الإيمان، لكن منهم من تمعن في الأدلة وظل على عناده، ~~والذين اتبعوا الظن إنما اتبعوا ما لا يغني من الحق شيئا. لذلك يبين ~~لهم الحق سبحانه أنه عليم بخفايا نفوسهم، ويعلم إن كان إنكارهم للإيمان ~~نابعا من العناد أو من العجز عن استيعاب قضية الإيمان لذلك يقول الحق ~~سبحانه: { إن الله عليم بما يفعلون.. } [يونس: 36]. إذن: ~~فقد علم الله سبحانه أزلا أن بعضهم في خبايا نفوسهم يوقنون بقيمة ~~الإيمان، لكنهم يجحدونها، مصداقا لقول الحق سبحانه: # قد نعلم إنه ms4570 ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33]. إذن: فالحق سبحانه وتعالى عليم، ولا يخفى عليه أنهم ~~كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وبعضهم لم يفهم قيمة الإيمان، ومن علم منهم ~~قيمة الإيمان جحدها، عنادا واستكبارا. يقول الحق سبحانه: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # [النمل: 14]. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { وما كان هذا ~~القرآن أن يفترى... }. ### || [10.37] # وحين تستمع للقرآن وما فيه من سر الأعداد والإخبار بالمغيبات التي لا ~~تخضع لمنطق الزمان، ولا لمنطق المكان، فالفطرة السليمة توقن أن هذا ~~القرآن لا يمكن أن يفترى، بل لا بد أن قائله ومنزله عليم خبير لأن ~~القرآن جاء مصدقا لما بين يديه من الكتب السابقة. أي: أن ما به دائما ~~هو أمام الناس، أو مواجه لهم، وهو كتاب مصدق للكتب السابقة من قبل ~~تحريفها كالتوراة والإنجيل والزبور، وهي الكتب التي سبقت القرآن نزولا، ~~لا واقعا، فجاء القرآن مصدقا لها. أي: هي تصدقه، وهي يصدقها من قبل ~~تحريفها، وهي الكتب التي بشرت بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، مثلما ~~جاء في القرآن عن تصديق عيسى عليه السلام بمجيء محمد عليه الصلاة ~~والسلام: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد.. # [الصف: 6]. فلما جاء أحمد محمد صلى الله عليه وسلم ونزل عليه القرآن ~~صدق الإنجيل في قوله هذا، وما جاء في القرآن من عقائد أصيلة هي عقائد ~~جاءت بها كل الكتب السماوية، فالحق سبحانه يقول: # إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح ~~والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى ~~وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود ~~زبورا # [النساء: 163]. ويقول الحق سبحانه: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. # [الشورى: 13]. إذن: فهناك أصول جاءت بها كل الكتب السماوية، وهناك كذلك ~~أخبار أخبرت عن حدوثها الكتب السماوية، وأبلغنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالقرآن وفيه تلك الأخبار، فمن أين جاء محمد صلى الله ms4571 عليه وسلم ~~بتلك العقائد الصحيحة، وتلك الأخبار الموجودة في الكتب السابقة، وهو صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن من أهل الكتاب، ولا علم منهم شيئا؟ إذن: ~~فعندما يقول محمد صلى الله عليه وسلم ما جاء ذكره في الكتب السابقة على ~~القرآن، فهذه الكتب مصدقة لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لأن هذه ~~الأخبار قد وقعت، وهذا تأكيد لصدقه لأنه بشهادة أهل زمانه لم يجلس إلى ~~معلم، ولم يقرأ كتابا، وتاريخه وسيرته معروفة لأنه من أنفسكم، ولم ~~يعلم عنه أنه قد زاول كلاما بليغا، أو خطب في قوم قبل الرسالة، أو ~~قال شعرا. وبعد ذلك فوجىء هو - كما فوجئتم أنتم - بمجيء هذا البيان ~~الرائع، فمن أين جاء به؟ أنتم تقولون إنه هو الذي جاء به، لكنه صلى الله ~~عليه وسلم ينسب الرفعة لصاحبها، ويعلن أنه صلى الله عليه وسلم مبلغ ~~فقط، فيقول ما أمره الله به أن يقوله: # قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. ويحض القرآن الكريم النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يسألهم: هل لاحظوا على كلماته - من قبل - البلاغة والفصاحة أو ~~الشعر؟! ولننظر في " ماكنات " القرآن الكريم، وهي الآيات التي يقول ~~فيها الحق سبحانه: { وما كنت } مثل قوله سبحانه: # ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت ~~لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم.. # [آل عمران: 44]. وهذا أمر ثابت في الأخبار. وقول الحق سبحانه: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر وما كنت من الشاهدين # [القصص: 44]. والوحي إلى موسى - عليه السلام - والمكان الذي نزل فيه ذلك ~~الوحي أمر ثابت في الأخبار. وقول الحق سبحانه: # ولكنآ أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما ~~كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ~~ولكنا كنا مرسلين # [القصص: 45]. وكثير من هذه الآيات تجعل محمدا صلى الله عليه وسلم وكأنه ~~يسأل المعاصرين له: كيف أخبرت بوقائع وأخبار لم أكن موجودا في زمانها أو ~~مكانها؟ لا بد - إذن - أن ms4572 الله الحق - سبحانه - هو الذي أخبرني بما وافق ~~ما عندكم من أخبار. وبعد ذلك جاء القرآن الكريم مصدقا لما بين يديه: # فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا ~~لما بين يديه.. # [البقرة: 97]. أي: أنه الكتاب الذي يضم صدق كل حدث قادم لأن القرآن خرق ~~حجب وحجز الماضي والمستقبل. ونحن نعلم أن الأشياء الغيبية تحدث ~~بسببين الأول: أن يتكلم عن شيء سبق الزمان الذي نزل فيه، فهو يتكلم في ~~الماضي الذي لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الاطلاع والتعلم ~~ليعرفه ويعلمه. وكذلك خرق القرآن الكريم حجب الحاضر الذي عاصر نزوله، هذا ~~الحاضر الذي قد يكون محجوبا بالمكان. وأضرب هذا المثل - ولله المثل ~~الأعلى - فقد يحدث حادث في الإسكندرية في نفس الوقت الذي تكون أنت فيه ~~موجودا بالقاهرة، وأنت لا تعلم هذا الحدث لأنه محجوب عنك ببعد المكان، ~~وحاجز المكان يتمثل - غالبا - في الأمور الحاضرة، أما أمور المستقبل فهي ~~محجوبة عنا بالزمان والمكان معا. وحين يخبرنا القرآن الكريم بحدث ماض ~~لم يشهده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتعلمه، ولم يقرأ عنه إذن: ~~فالقرآن إنما يخرق أمامنا حجاب الزمن الماضي. وإذا أخبر القرآن بحدث حاضر ~~في غير مكان نزوله على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا خرق ~~لحجاب المكان مثل قول الحق سبحانه: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول.. # [المجادلة: 8]. وحين سمع المنافقون والكفار هذا القول الكريم، لم ينكروا ~~أنهم قالوا في أنفسهم ما جاء به القرآن، وهكذا خرق القرآن حاجز المكان في ~~أنفسهم هم. # إذن: فأخبار الغيب في القرآن إما خرق لزمان ماض أو خرق لزمان الحال، ~~وإما خرق لزمان ومكان الاستقبال. ونحن نعلم أن القرآن كان ينزل والمسلمون ~~ضعاف، لا يستطيعون حماية أنفسهم، ولا أحد يجير على أحد، ويتجه النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى الطائف ليعرض الإسلام على أهلها، لعله يلتمس لهم ~~مجيرا من أهل الطائف ولكنه صلى الله عليه وسلم لا يجد إلا الإيذاء ~~والإعراض، ويوصي بعضا من صحابته ms4573 أن يهاجروا إلى الحبشة. وفي ظل كل هذه ~~الأزمات، ينزل قول القرآن: # سيهزم الجمع ويولون الدبر.. # [القمر: 45]. حتى إن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يتساءل: أي جمع ~~هذا الذي يهزم، ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ ثم تأتي غزوة بدر ~~ويشهد عمر هزيمة وفرار مقاتلي قريش فيرى رأي العين صدق ما جاء به الوحي ~~من قبل. وهكذا تأكد الجميع أن القرآن الكريم غير مفترى، فكيف يتهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه افتراه؟ وإذا كان هذا القرآن مفترى، ~~فلماذا لا تفترون مثله؟ وفيكم الشعراء والبلغاء والخطباء؟! ولم يقل محمد ~~صلى الله عليه وسلم أنه بليغ أو خطيب أو شاعر، ولم يطلب القرآن الكريم ~~منهم أن يأتوا بواحد مثل محمد صلى الله عليه وسلم، لا صلة له بالبلاغة أو ~~الفصاحة، بل يطلب منهم أن يأتوا بالفصحاء كلهم، ويدعوهم أن يقولوا مثل ~~آية واحدة من القرآن. وإن قالوا: إن ما جاء به هو السحر، وإن محمدا ساحر ~~قد سحر العبيد والضعاف، وأدخلهم في الإسلام، فلماذا لم يسحركم محمد؟ إن ~~بقاءكم من غير سحر يدل على أن إطلاقكم كلمة السحر على ما جاء به دعوى ~~كاذبة. ثم يقول الحق سبحانه: { وتفصيل الكتاب لا ريب فيه ~~من رب العالمين } [يونس: 37]. فالقرآن قد جاء فيه تفصيل كل ~~الأحكام الصالحة إلى قيام الساعة، أما الكتب السابقة على القرآن فكانت ~~تضم الأحكام المناسبة لزمانها، ولأمكنة نزولها. وهو كتاب { لا ريب ~~فيه } أي: لا شك فيه، يكشف الكفار، ويفضح ارتيابهم وكذبهم، فهم قد ~~اعترفوا بعظمة القرآن وقالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم.. # [الزخرف: 31]. إذن: فهم قد عرفوا أن القرآن لا عيب فيه، ولا ريب، حتى من ~~الكافرين به. ويأتي الرد على قولهم بالافتراء، في قول الحق سبحانه: { ~~أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله... }. ### || [10.38] # وقد سبق هذا المجيء بالتحدي أسباب عجزهم عن النجاح في التحدي لأن الآية ~~السابقة تقرر أن الكتب السماوية السابقة تصدق نزول القرآن الكريم، ~~وبينها وبين القرآن تصديق ms4574 متبادل. فهم مهزومون فيه قبل أن ينزل. ويقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { قل فأتوا بسورة مثله.. } [يونس: ~~38]. وقد جاء التحدي مرة بالكتاب في قول الحق سبحانه: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # [الإسراء: 88]. ولم يستطيعوا، فنزلت درجة التحدي وطالبهم أن يأتوا: # بعشر سور مثله مفتريات.. # [هود: 13]. فلم يستطيعوا الإتيان بعشر سور، فطالبهم أن يأتوا بسورة ~~تقترب - ولو من بعيد - من أسلوب القرآن، فلم يستطيعوا # فأتوا بسورة من مثله.. # [البقرة: 23]. فكيف - إذن - من بعد كل ذلك يدعون أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم قد افترى القرآن، وهو صلى الله عليه وسلم لم تكن له صلة ~~بالأساليب البلاغية أو الفصاحة؟! لقد دعاكم أن تأتوا بكل الفصحاء ~~والبلغاء ليفتروا، ولو سورة من مثله، ووضع شرطا فقال: { وادعوا من ~~استطعتم من دون الله.. } [يونس: 38]. لأن الله سبحانه ~~وتعالى هو القادر الوحيد على أن ينزل قرآنا لذلك دعاهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يدعوا الشركاء وذلك حتى لا يقول الكفار وبعضهم من أهل ~~اللجاجة: سندعوا الله ولذلك يأتي القرآن بالاستنثاء { وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين } [يونس: 38]. ~~وهم بطبيعة الحال غير صادقين في هذا التحدي. والله - سبحانه وتعالى - حين ~~يرسل رسولا إلى قوم ليعلمهم منهجه في حركة الحياة، إنما يريد سبحانه ~~أن تؤدي حركة الحياة إلى الغاية المطلوبة من الإنسان الخليفة في الأرض ~~ولذلك يأتي الرسول من جنس المرسل إليهم ليكون أسوة لهم لأن الرسول إن جاء ~~ملكا لما صحت الأسوة، بل لا بد أن يكون بشرا. والحق سبحانه لا يرسل ~~أي رسول إلا ومعه بينة ودليل صدق على أنه رسول يبلغ عن الله تعالى. ~~والبينة لا بد أن تكون من جنس نبوغ القوم، فلا يأتي لهم بمعجزة في شيء لم ~~يعرفوه ولم يألفوه حتى لا يقولوا: لو تعلمنا هذا لجئنا بمثل ما جاء. وقد ~~جاء القرآن ليثبت عجزهم عما نبغوا فيه من صناعة الكلام شعرا ونثرا ~~وخطابة. ms4575 وكان القرآن هو معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم فصحاء ~~يعقدون للشعر أسواقا، ويعلقون الفائز من هذا الشعر على جدران الكعبة ~~شهرة له وشهادة به. إذن: فهم أصحاب دراية بصناعة الكلام، وجاءت المعجزة ~~مع الرسول صلى الله عليه وسلم من جنس ما نبغوا فيه لتتحداهم. # والتحدي يستدعي استجماع قوة الخصم ليرد على هذا المتحدي، فإذا عجز مع ~~التحدي، يصير العجز ملزما. وقد تحدى الحق سبحانه العرب جميعا بالقرآن ~~كله: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # [الإسراء: 88]. فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، فتدرج القرآن معهم في ~~التحدي فطلب منهم ما هو أقل من ذلك، وهو أن يأتوا بعشر سور مثله في قوله ~~تعالى: # قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات.. # [هود: 13]. ثم تحداهم بالإتيان بمثل سورة من القرآن. وعند التأمل نجد أن ~~الأسلوب الذي جاء بطلب سورة كان على لونين: فمرة يقول: { بسورة ~~مثله.. } [يونس: 38]. ومرة يقول: # بسورة من مثله.. # [البقرة: 23]. وكل من اللونين بليغ في موضعه ف { بسورة مثله.. ~~} [يونس: 38] تبين أن المثلية هنا محققة، أي: مثل ما جاء من سور القرآن. ~~وقوله: # بسورة من مثله.. # [البقرة: 23]. أي: سورة من مثل محمد - صلى الله عليه وسلم - في أنه لم ~~يجلس إلى معلم، ولم يقرأ، ولا عرف عنه أنه تكلم بالبلاغة في أي فترة ~~من مراحل حياته قبل الرسالة. وقال الحق سبحانه: # قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. إذن: # بسورة من مثله.. # [البقرة: 23]. أي: مثل محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يتعلم وكان ~~أميا، ولكن لماذا يأتي هذا اللون من التحدي؟ لأنهم قالوا عن القرآن: # أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه ~~بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5]. بل واتهموه في قمة غفلتهم أنه يتعلم من رجل كان بمكة، ~~فيلفتهم القرآن إلى أن الرجل - الذي قالوا إنه معلم للرسول صلى الله عليه ~~وسلم - كان أعجميا غير ms4576 عربي، يقول الحق سبحانه: # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين.. # [النحل: 103]. ويريد الحق سبحانه أن يصنفهم، فيقول بعد ذلك: { بل ~~كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه... }. ### || [10.39] # وهذا الصنف من الناس الذين { كذبوا بما لم يحيطوا ~~بعلمه.. } [يونس: 39]، وهم من أخذتهم المفاجأة حين حدثوا بشيء لا ~~يعرفونه، والناس أعداء ما جهلوا فكذبوا ما جاء به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من القرآن قبل أن يتبينوا جمال الأداء فيه، ونسق القيم ~~العالية، وإذا ما سنحت لهم فرصة يتبينون فيها جمال الأداء، ودقة الإعجاز ~~فهم يتجهون إلى الإيمان. ومثال ذلك: عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقد ~~كان كافرا ثم علم أن أخته وزوجها قد أسلما فذهب إليها في منزلها وضربها، ~~فأسال دمها، وسيل الدم من أخت بضربة أخيها مثير لعاطفة الحنان، وهذا ما ~~حدث مع عمر فهدأت موجة عناده، فاستقبل القرآن بروح لا عناد فيها فذهب ~~فآمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من قبل ذلك ممن: { كذبوا ~~بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله.. } ~~[يونس: 39] أي: لم يعرفوا مراميه، وبمجرد أن سمعوا عن رسالته صلى الله ~~عليه وسلم فجأة، اتهموه بالكذب والعياذ بالله. ولذلك اقرأ قول الحق ~~سبحانه: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا.. # [محمد: 16]. وهذا يدل على أنهم لم يفهموا ما نزل على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من القرآن، وتأتي الإجابة من الحق سبحانه وتعالى: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى.. # [فصلت: 44]. إذن: فالقرآن هدى لمن تتفتح قلوبهم للإيمان، أما القلوب ~~المليئة بالبغض لقائله وللإسلام فهؤلاء لا يمكن أن يصح حكمهم. وإن أراد ~~أي منهم حكما صحيحا فليخرج من قلبه ما يناقض ما يسمع، ثم عليه أن ~~يستقبل الأمرين ولسوف يدخل قلبه الأقوى حجة، وهو الإسلام. إذن: فمن امتلأ ~~قلبه بعقيدة كاذبة لا يمكن له أن يهتدي. { بل كذبوا بما لم ~~يحيطوا بعلمه ولما ms4577 يأتهم تأويله.. } [يونس: 39]. ~~والتأويل هو ما يرجع الشيء إليه، وهذا يوضح لنا أن هناك أقضية من القرآن ~~لم يأت تفسيرها بعد، ستفسرها الأحداث، وقد يقول القرآن الكريم قضية ~~غيبية، ثم يأتي الزمن ليؤكد هذه القضية، هنا نعرف أن تأويلها قد جاء. ~~وهؤلاء القوم قد كذبوا من قبل أن يأتي لهم التأويل، وكان عدم مجيء ~~التأويل هو السبب في تأخر بيان الحق في المسألة لتأخر زمنه. وعلى سبيل ~~المثال، ها هو ذا عمار بن ياسر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~قامت المعركة بين معاوية بن أبي سفيان والإمام علي - رضي الله عنه - ~~وقاتل عمار في صف علي، وقتل. # هنا تنبه الصحابة إلى تأويل حديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ~~قال: # " ويح عمار.. تقتله الفئة الباغية ". # وهكذا جاء تأويل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما تحقق في ~~الواقع، وكان هذا سببا في انصراف بعض الصحابة عن جيش معاوية. وهنا يقول ~~الحق سبحانه: { ولما يأتهم تأويله.. } [يونس: 39]. أي: أن ~~التأويل لم يظهر لهم بعد. ومن أدوات النفي: " لم " مثل قولنا: " لم ~~يجيء فلان " ، ونقول أيضا: " لما يجيء فلان " ، والنفي في الأولى جزم ~~غير متصل بالحاضر، كأنه لم يأت بالأمس. أما النفي ب " لما " فيعني أن ~~المجيء منتف إلى ساعة الكلام، أي: الحاضر، وقد يأتي من بعد ذلك لأن " ~~لما " تفيد النفي، وتفيد توقع الإثبات. والحق سبحانه يقول: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا.. # [الحجرات: 14]. وهؤلاء القوم من الأعراب قالوا: { آمنا } رغم أنهم ~~راءوا المسلمين وقلدوهم زيفا ونفاقا، ولم يكن الإيمان قد دخل قلوبهم ~~بعد، وحين سمعوا قول الحق سبحانه: # ولما يدخل الإيمان في قلوبكم.. # [الحجرات: 14]. قالوا: الحمد لله لأن معنى ذلك أن الإيمان سوف يدخل ~~قلوبهم. وكذلك قول الحق سبحانه: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين # [آل عمران: 142]. فحين سمعوا ذلك قالوا: إذن: وثقنا أنه سيأتي علم الله ~~سبحانه بنا كمجاهدين وصابرين. وهكذا نعرف أن ms4578 { لما } تعني أن المنفي ~~بها متوقع الحدوث. والتأويل كما نعلم هو مرجع الشيء. وقد جاء في القرآن ~~الكثير من الأخبار لم تكن وقت ذكرها بالقرآن متوقعة، أو مظنة أن توجد. ~~وحين وجدت ولا دخل لبشر في وجودها، فهذا يعني أن قائل هذا الكلام قد ~~أخذه عمن يقدر على أن يوجد، مثلما جاء في خبر انتصار الروم على الفرس ~~رغم هزيمة الروم. قال الحق سبحانه: # غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من ~~قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر ~~الله.. # [الروم: 2-5]. جاء هذا الخبر وانتظر المسلمون تأويله، وقد جاء تأويله ~~طبقا لما أخبر القرآن. أو أن التأويل سيأتي في الآخرة، وما يؤول الأمر ~~في التكذيب سيعلمونه من بعد ذلك. والحق سبحانه يقول: # ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون * هل ينظرون إلا ~~تأويله.. # [الأعراف: 52-53]. هم ينتظرون ما يؤول إليه القرآن وما يؤولون إليه، إن ~~كان في الدنيا فنصر أهل القرآن، وإن كان في الآخرة، فهذا قول الحق ~~سبحانه: # يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد ~~جآءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعآء ~~فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي كنا ~~نعمل.. # [الأعراف: 53]. هذا هو التأويل الذي كذبه البعض من قبل. إذن: فالتأويل ~~إما أن يكون لمن بقي من الكفار فيرى ما أخبر به القرآن وقد جاء على وفق ~~ما أخبر به نبي لا يملك أن يتحكم في مصائر الأشياء، وتأتي على وفق ما ~~قال. فكأن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يجازف بأن يقول كلاما لا يتحقق ~~فينصرف عنه الذين آمنوا به، ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يقل إلا ما هو ~~واثق ومطمئن من وقوعه لأن الخبر به جاء من لدن عليم خبير. وإما أن ~~التأويل - أيضا - يأتي في الآخرة. وهنا قال الحق سبحانه: { بل ~~كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم ~~تأويله.. } [يونس: 39]. والحق سبحانه هنا يلفت رسوله صلى الله عليه ~~وسلم ms4579 إلى أن ما حدث معه قد حدث مع رسل من قبله، فقال سبحانه في نفس ~~الآية: { كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف ~~كان عاقبة الظالمين } [يونس: 39]. أي: انظر لموكب الرسل كلهم ~~من بدء إرسال الرسل، هل أرسل الله رسولا ونصر الكافرين به عليه؟.. لا، ~~لقد كانت الغلبة دائما لرسل الحق عز وجل مصداقا لقوله سبحانه: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي.. # [المجادلة: 21]. وعرفنا ما حدث للظالمين، فمنهم من أغرقه الله، ومنهم من ~~خسف به الأرض، ومنهم من أخذه بالصيحة. إذن: فالتأويل واضح في كل مواكب ~~الرسل التي سبقت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا كان كل قوم من ~~الظالمين قد نالوا ما يناسب رسالة رسولهم، فسينال القوم الظالمين ~~الكافرين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ما يناسب عمومية رسالته صلى ~~الله عليه وسلم. وحين يقول الحق سبحانه: { فانظر كيف كان ~~عاقبة الظالمين } [يونس: 39] لا بد لنا أن نعرف معنى الظلم، إنه ~~نقل الحق لغير صاحبه، والحقوق تختلف في مكانتها، فهناك حق أعلى، وحق ~~أوسط، وحق أدنى. فإذا جئت للحق الأدنى في أن تنقل الألوهية لغير الله ~~سبحانه وتعالى فهذا قمة الظلم، والحق سبحانه يقول: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. لأن في هذا نقل الألوهية من الله سبحانه إلى غيره، ويا ليت ~~غيره كان صاحب دعوة بينه وبين الله تعالى، لا، فليس ذلك المنقول له ~~الألوهية بصاحب دعوة، بل تطوع الظالم من نفسه بذلك، واتخذ من دون الله ~~شريكا لله، وفي هذا تطوع بالظلم بغير مدع. وهب أن الله تعالى قال: ~~لا إله إلا أنا، فإما أن القضية صحيحة، وإما أنها غير ذلك، فإن افترض أحد ~~- معاذ الله - عدم صحتها، فالإله الثاني كان يجب أن يعلن عن نفسه، ولا ~~يترك غيره يسمع له ويعلن عنه، وإلا كان إلها أصم غافلا، ولكن أحدا ~~لم يعلن ألوهيته غير الله سبحانه لذلك تثبت الألوهية الواحدة للإله الحق ~~سبحانه وتعالى. # وقد بين لنا الحق سبحانه: لا إله إلا أنا، أنا الخالق، أنا الرازق. ~~ولم ms4580 يصدر عن أحد آخر دعوى بأنه صاحب تلك الأعمال، إذن: فقد صحت الدعوى ~~في أنه لا إله إلا الله. والدرجة التالية في الظلم هي الظلم في الأحكام، ~~فإذا حكم أحد بحل الربا فهذا ظلم في قضية كبيرة، ولكن إن حكم قاض على ~~مدين بأن يرد الدين فقط فهذا عدل وكذلك القاضي الذي يظلم في أحكامه ~~إنما ينقل حقوق الناس إلى غيرهم. إذن: فالظلم يأخذ درجات حسب الشيء الذي ~~وقع فيه الظلم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ومنهم من يؤمن ~~به ومنهم من لا يؤمن... }. ### || [10.40] # والكلام هنا في الذين كذبوا، فكيف يقسم الله المكذبين - وهم ~~بتكذيبهم لا يؤمنون - إلى قسمين: قسم يؤمن، وقسم لا يؤمن؟ ونحن نعلم أن ~~الإيمان عمل قلوب، لا عمل حواس، فنحن لا نطلع على القلوب، والحق سبحانه ~~يعلم من من هؤلاء المكذبين يخفي إيمانه في قلبه. إذن: فمن هؤلاء من ~~يقول بالتكذيب بلسانه ويخفي الإيمان في قلبه، ومنهم من يوافق تكذيبه ~~بلسانه فراغ قلبه من الإيمان، ومن الذين قالوا: إن هذا القرآن افتراء ~~إنما يؤمن بقلبه أن محمدا رسول من الله، وصادق في البلاغ عن الله، ولكن ~~العناد والمكابرة والحقد يدفعونه إلى أن يعلن عدم الإيمان. وكذلك منهم ~~قسم آخر لا يؤمن ويعلن ذلك. إذن: فالمقسم ليس هو الإيمان الصادر عن القلب ~~والمعبر عنه باللسان، ولكن المقسم هو إيمان بالقلب غير معبر عنه، ~~ولم يصل إلى مرتبة الإقرار باللسان. والذي جعل إيمان بعضهم محصورا في ~~القلب غير معبر عنه باللسان هو الحقد والحسد والكراهية وعدم القدرة ~~على حكم النفس على مطلوب المنهج. وبعض العرب حين أعلن لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يقولوا: لا إله إلا الله فيضمن لهم السيادة على الدنيا ~~كلها. ورفضوا أن يقولوا الكلمة لأنهم يعلمون أنها ليست كلمة تقال: بل ~~فهموا مضمون ومطلوب الكلمة، وعرفوا أن " لا إله إلا الله " تعني: ~~المساواة بين البشر، وهم يكرهون ألا تكون لهم السيادة والسيطرة في ~~أقوامهم. وهذا يدل أيضا على أن الحق سبحانه ms4581 قد شاء أن يبدأ الإسلام في ~~مكة، حيث الأمة التي تعلن رأيها واضحا ولذلك نجد أن النفاق لم ينشأ إلا ~~في " المدينة " ، أما في مكة، فهم قوم منسجمون مع أنفسهم، فهم حين أعلنوا ~~الكفر لم يعانوا من تشتت الملكات، لكن المنافقين في المدينة وغيرها هم ~~الذين كانوا يعانون من تشتت الملكات، ومنهم من كان يلعب على الطرفين، ~~فيقول بلسانه ما ليس في قلبه. ولذلك يعزي الحق رسوله الكريم صلى الله ~~عليه وسلم ويسري عنه ويبين له: إياك أن تحزن لأنهم يكذبونك لأنك ~~محبوب عندهم وموقر، فيقول الحق سبحانه: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك.. # [الأنعام: 33]. أي: أنك يا محمد منزه عن الكذب؟ ويقول الحق سبحانه: # ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33]. أي: أنه سبحانه يحملها عن رسوله صلى الله عليه وسلم لأن ~~الحق سبحانه يعلم أن رسوله أمين عند قومه، وهم في أثناء معركتهم معه، نجد ~~الواحد منهم يستأمنه على أشيائه النفيسة. والذين آمنوا برسالته صلى الله ~~عليه وسلم ولم يعلنوا إيمانهم، والذين لم يؤمنوا، هؤلاء وأولئك أمرهم ~~موكول إلى الله تعالى ليلقوا حسابهم عند الخالق سبحانه لأنه سبحانه ~~الأعلم بمن كذب عنادا، ومن كذب إنكارا. # والحق سبحانه هو الذي يعذب ويعاقب، وكل إنسان منهم سوف يأخذ على ~~قدر منزلته من الفساد لذلك ينهي الحق سبحانه الآية بقوله: { وربك ~~أعلم بالمفسدين } [يونس: 40]. والمفسد كما نعلم هو الذي يأتي ~~إلى الشيء الصالح فيصيبه بالعطب لأن العالم مخلوق قبل تدخل الإنسان - ~~على هيئة صالحة، وصنعة الله سبحانه وتعالى - لم يدخل فيها الفساد إلا ~~بفعل الإنسان المختار، وصنعة الله تؤدي مهمتها كما ينبغي لها. وأنت أيها ~~الإنسان إن أردت أن يستقيم لك كل أمر في الوجود، فانظر إلى الكون الأعلى ~~الذي لا دخل لك فيه، وستجد كل ما فيه مستقيما مصداقا لقول الحق سبحانه: # والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في ~~الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان # [الرحمن: 7-9]. أي: أتقنوا أداء مسئولية ما في أيديكم وأحسنوه كما أحسن ms4582 ~~الله سبحانه ما خلق لكم بعيدا عن أياديكم، والمطلوب من الإنسان - إذن - ~~أن يترك الصالح على صلاحه، إن لم يستطع أن يزيده صلاحا حتى لا يدخل في ~~دائرة المفسدين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وإن كذبوك فقل ~~لي عملي ولكم عملكم... }. ### || [10.41] # وهذه آية تضع الاطمئنان في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقل ~~الله سبحانه: " إذا كذبوك " بل قال: { إن كذبوك.. } [يونس: 41] ~~وشاء الحق سبحانه أن يأتي بالتكذيب في مقام الشك، وأتبع ذلك بقوله للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: { فقل لي عملي ولكم عملكم.. } ~~[يونس: 41] أي: أبلغهم: أنا لا أريد أن أحملكم على ما أعمل أنا، ~~إنما أريد لكم الخير في أن تعملوا الخير، فإن لم تعملوا الخير فهذا لن ~~يؤثر في حصيلتي من عملي. وبذلك يتضح لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا ~~يجازى على عدد المؤمنين به، بل بأداء البلاغ كما شاءه الله سبحانه. وقد ~~شاء الحق سبحانه أن ينقل محمد صلى الله عليه وسلم الخير إلى أمته، فإن ~~ظلوا على الشر فهذا الشر لن يناله لأن خير البلاغ بالمنهج يعطيه صلى الله ~~عليه وسلم خيرا، لأنه يطبقه على نفسه، وشر الذين لا يتبعونه إنما يعود ~~عليهم لأن الذين يتأبون على الاستجابة لأي داع إنما يظنون أن الداعي سوف ~~يستفيد. والبلاغ عن الله، إنما يطبقه الرسول صلى الله عليه وسلم منهجا ~~وسلوكا ويجازى عليه. فلا يجوز الخلط في تلك المسائل { لي عملي ~~ولكم عملكم.. } [يونس: 41]. ثم يقول الحق سبحانه على لسان رسوله ~~صلى الله عليه وسلم: { أنتم بريئون ممآ أعمل وأنا ~~بريء مما تعملون } [يونس: 41]. وكلمة { بريء } تفيد أن ~~هناك ذنبا، وهذا القول الحق فيه مجاراة للخصوم، وشاء الحق سبحانه أن ~~يعلم رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أدب الحوار والمناقشة، ~~فيقول: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24]. أي: أننا - الرسول ومعه المؤمنون - وأنتم أيها الكافرون إما ~~على هدى، أو في ضلال. والرسول صلى الله عليه وسلم موقن أنه على ms4583 هدى وأن ~~الكافرين على الضلال، ولكنه يجاريهم عدالة منه صلى الله عليه وسلم ~~ومجاراة لهم. كذلك يعلمه ربه سبحانه أن يقول: # قل لا تسألون عمآ أجرمنا.. # [سبأ: 25]. أي: أنه يبين لهم: هبوا أني أجرمت فأنتم لن تسألوا عن ~~إجرامي، ومن أدب الرسول صلى الله عليه وسلم شاء له الحق سبحانه أن يقول: # ولا نسأل عما تعملون # [سبأ: 25]. ولم يقل: " ولا نسأل عما تجرمون ". وكذلك شاء الحق سبحانه ~~أن تأتي هنا في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { أنتم ~~بريئون ممآ أعمل وأنا بريء مما تعملون } ~~[يونس: 41]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ومنهم من يستمعون ~~إليك... }. ### || [10.42] # وكلمة " من " تطلق وقد يراد بها المفرد، وقد يراد بها المفردة، وقد ~~يراد بها المثنى، وقد يراد بها الجمع، ومرة يطابق اللفظ فيقول سبحانه: # ومنهم من يستمع إليك.. # [الأنعام: 25]. ومرة يقصد المعنى فيقول: { ومنهم من ~~يستمعون.. } [يونس: 42]. لأن { من } صالحة للموقعين. والسماع كما ~~نعلم هو استقبال الأذن للصوت، فإن كان صوتا مبهما كأصوات الحيوانات ~~أو أصوات الأعواد، فهذه الأصوات لا تفيد إلا ما تفيده النغمة في الجسم من ~~هزة أو ارتجاج. وإما أن يكون الصوت له معنى تواضعي، كاللغات المختلفة ~~التي يتخاطب بها الناس في البلدان المختلفة، فإن تكلمت بالإنجليزية في ~~بلد يتكلم أهله بهذه اللغة فهموك وفهمت عنهم. هذا هو معنى التواضع في ~~اللغة، أي: أن المتكلم والسامع على درجة. واحدة من الاتفاق على اللغة. ~~والنبي صلى الله عليه وسلم عربي يتحدث بلسان عربي مبين لقوم من العرب، ~~فما العائق عن السمع إذن؟ إن العائق عن السمع نفض الأذن لما يأتي من جهة ~~الخصم، والسماع - كما نعلم - هو استشراف المخاطب إلى ما يفهم من المتكلم، ~~فإن لم يوجد عند المخاطب استشراف إلى أن يسمع، فالكلام يقال ولا يصل. ~~إذن: لا بد للسامع من حالة الاستشراف إلى فهم ما يقوله المتكلم. وكما ~~يقول المثل: " أذن من طين وأخرى من عجين ". أو كما تقول المزحة أن واحدا ~~مال على أذن صديق له وقال: " أريد ms4584 أن أقول لك سرا " فاقترب الصديق ~~مستشرفا سماع السر، فقال الرجل: " أريد مائة جنيه كقرض " فقال الصديق: " ~~كأني لم أسمع هذا السر ". إذن: فالكلام ليس مجرد صوت يصل إلى الأذن، لكن ~~لا بد من استشراف نفسي للتلقي. وهم لا يملكون هذا الاستشراف لذلك قال ~~الحق سبحانه: { أفأنت تسمع الصم.. } [يونس: 42] أي: كان ~~سمعهم لا يسمع. ومثال ذلك: أننا نجد المدرس الذي يشرح الدرس للتلاميذ، ~~وبين التلاميذ من يستشرف السمع ولذلك يفهم الدرس، أما الذي لا يستشرف ~~فكأنه لم يسمع الدرس. وهم قد فاتوا الصم لأن الأصم قد يفهم بالحركة ~~أو الإشارة أو لغة العين، ولكن هؤلاء لا يسمعون ولا يعقلون { أفأنت ~~تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون } [يونس: 42]. ويقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك: { ومنهم من ينظر إليك... }. ### || [10.43] # والرؤى أيضا تحتاج إلى استشراف، وأن يقبل المرء على ما يريد أن ~~يراه، وأحيانا لا يكون الرائي مستشرفا لأن قلبه غير متجه للرؤية. وسئل ~~واحد: إنك تقول: من رأى فلانا الصالح يهده الله. فرد عليه السامع ~~متسائلا: كيف تقول ذلك؟! فرد القائل: لقد رأى أبو جهل خيرا من هذا، ~~ومع ذلك ظل كافرا. فرد السامع: إن أبا جهل لم ير محمدا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولكنه رأى يتيم أبي طالب. وهكذا شرح الرجل أن أبا ~~جهل لم ينظر إلى محمد صلى الله عليه وسلم على أنه رسول لأنه لو نظر إليه ~~بهذا الإدراك لتسللت إليه سكينة الإيمان وهيبة الخشوع وجلال الورع. ونحن ~~قد نلقى رجلا صالحا في بشرته أدمة أو سواد، وصلاحه يضيء حوله، وله ~~أسر من التقوى، وجاذبية الورع. ولو أن أبا جهل رأى محمدا صلى الله عليه ~~وسلم على أنه رسول لتغير أمره. وها هو # " " فضالة " يحكي عن لحظة أراد فيها أن يقتل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما اقترب منه قال له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله. ~~قال: فضحك ms4585 النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده ~~على صدر فضالة ". # وساعة سمع فضالة هذا، ورأى محمدا صلى الله عليه وسلم وهو يقول ذلك ~~القول، قال: ما كان أبغض إلي من وجهه، ولكني أقبلت عليه فما كان أحب ~~إلي في الأرض كلها من وجهه. هذا هو السماع، وهذا هو البصر، وكلاهما - ~~السمع والبصر - أكرم المتعلقات وأشرفها لأن السمع هو وسيلة الاستماع ~~لبلاغ الله عنه، والإنسان قبل أن يقرأ لا بد له من أن يكون قد سمع. ~~والمقصود هنا بالعمى في قول الحق سبحانه: { أفأنت تهدي العمي ~~ولو كانوا لا يبصرون } [يونس: 43] هو عمى البصيرة. ويقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك: { إن الله لا يظلم الناس شيئا... ~~}. ### || [10.44] # كلمة " الله " هي اسم علم على واجب الوجود المتصف بكل صفات الكمال ~~التي عرفناها في أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين، وإن كان لله تعالى ~~كمالات لا تتناهى لأن الأسماء أو الصفات التي يحملها التسعة والتسعون ~~اسما لا تكفي كل كمالات الله سبحانه، فكمالاته سبحانه لا تتناهى. ولذلك ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو ~~استأثرت به في علم الغيب عندك ". # وإن سأل سائل: ولماذا يستأثر الله سبحانه ببعض من أسمائه في علم الغيب؟ ~~أقول: حتى يجعل لنا الله سبحانه في الآخرة مزيدا من الكمالات التي لم ~~نكن نعرفها ولذلك نجد الحق سبحانه يفتح على رسوله صلى الله عليه وسلم " ~~من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبله ". وهذا بعض من ~~فيض لا ينفد من آفاق اسم علم على واجب الوجود، وصفات علم واجب الوجود، ~~والتسعة والتسعون اسما التي نعلمها هي اللازمة لحياتنا الدنيا، ولكننا ~~سنجد في الآخرة صفات كمال أخرى، وكلمة " الله " هي الجامعة لكل هذه ~~الأسماء، ما عرفناها وما لم نعرفها. والإنسان منا حين يقبل على عمل، ~~فهذا العمل يتطلب تكاتف صفات متعددة، يحتاج إلى قدرة، وعلم، وحكمة، ~~ولطف، ورحمة، وغير ذلك من الصفات، فإن ms4586 قلت: باسم القوي فأنت تحتاج إلى ~~القوة، وإن قلت باسم القادر فأنت تحتاج إلى القدرة، وإن قلت: باسم الحليم ~~فأنت تحتاج إلى الحلم، وإن قلت: باسم الحكيم فأنت تحتاج إلى الحكمة، ~~وإن قلت: " باسم الله " فهي تكفيك في كل هذا وغيره أيضا ولذلك يكون بدء ~~الأعمال ب " بسم الله " ، فإذا احتجت إلى قدرة وجدتها، وإن احتجت إلى ~~غنى وجدته، وإن احتجت إلى بسط وجدته. وكل صفات الكمال أوجزها الحق ~~سبحانه لنا في أن نقول: " بسم الله ". وحين تبدأ عملك باسم الله فأنت ~~تقر بأن كل حول لك موهوب من الله، والأشياء التي تنفعل لك، إنما ~~تنفعل باسم الله، وكل شيء إنما يسخر لك باسم الله، وهو القائل: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 71-72]. ولو لم يذلل الله لنا الأنعام والأشياء لتنفعل لنا ما ~~استطعنا أن نملكها، بدليل أن الله تعالى قد ترك أشياء لم يذللها لنا حتى ~~نتعلم أننا لا نستطيع ذلك، لا بعلمنا، ولا بقدرتنا، إنما الحق ~~سبحانه هو الذي يذلل. فأنت ترى الطفل في الريف وهو يسحب الجمل، ويأمره ~~بالرقود فيرقد، ويأمره بالقيام فيقوم. # أما إن رأينا ثعبانا فالكثير منا يجري ليهرب، ولا يواجهه إلا من له ~~دربة على قتله. والبرغوث الصغير الضئيل قد يأتي ليلدغك ليلا، فلا تعرف ~~كيف تصطاده لأن الله لم يذلله لك. وكذلك الثمرة على الشجرة إذا قطفتها ~~قبل نضجها تكون غير مستساغة، أما إن قطفتها بعد نضجها فأنت تستمتع ~~بطعمها، ثم تأخذ منها البذرة لتعيد زراعتها، وتضمن بقاء النوع، بل إن ~~الثمرة تسقط من على الشجرة حين تنضج وكأنها تنادي من يأكلها. وكذلك ~~الإنسان حين يبلغ، أي: يصبح قادرا على أن ينجب غيره، فيكلفه الله بعد ~~ذلك بالتكاليف الإيمانية لأنه لو كلفه قبل ذلك ثم طرأت عليه مشاكل ~~المراهقة فقد لا يستطيع أن يتحمل التكليف. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يخلق ~~من عدم، وأن يربى حتى يكتمل الإنسان، ثم ms4587 حدد التكليف من لحظة البلوغ، ~~ووضع شرط اكتمال العقل والرشد، وألا توجد آفة أو جنون. ولا أقوى من الله ~~سبحانه يمكن أن يكلف لتفعل غير ما يريد الله لذلك شاء الحق سبحانه أن ~~يكتمل للإنسان الرشد ساعة التكليف، أم المجنون فلم يكلفه الله سبحانه، ~~وكذلك يسقط التكليف عن المكره لأن التكليف في مضمونه هو اختيار بين ~~البدائل، وهذه منتهى العدالة في التشريع. وأنت حين تستقبل التكليف عليك ~~ألا تنظر إلى ما تأخذه منك العبادات، لأنها لا تأخذ من حريتك، بل تحترم ~~أنت حرية الآخرين، ويحترمون هم حريتك، فإن حرم عليك أن تسرق، فهو ~~سبحانه قد حماك بأن حرم على جميع الخلق أن يسرقوا منك. إذن: فالقيد قد ~~جاء لصالحك. وهب أنك أطلقت يدك في الناس، فماذا تصنع لو أطلقوا هم ~~أياديهم فيما تملك؟ وحين حرم عليك التكليف أن تنظر إلى محارم غيرك، فهو ~~قد حرم على الغير أن ينظروا إلى محارمك. وحين أمرك أن تزكي، فهو قد أخذ ~~منك ليعطي الفقير من المال الذي استخلفك الله فيه. فلا تنظر إلى ما أخذ ~~منك، بل انظر إلى ما قد يعود عليك إن أصابك القدر بالفقر، والشيء الذي ~~تستشعر أنه يؤخذ منك فالله سبحانه يعطيك الثواب أضعافا كثيرة. وبعد ذلك ~~انظر إلى حركة الحياة، وانظر إلى ما حرم الله تعالى عليك من أشياء، ~~وما حلل لك غير ذلك فستجد المباح لك أكثر مما منعك عنه. إذن: فالتكليف ~~لصالحك. ثم بعد كل ذلك: أيعود شيء مما تصنع من تكاليف على الحق سبحانه؟ ~~لا. أيعطيه صفة غير موجودة؟ لا لأن الحق سبحانه قد خلقنا بكل صفات كماله، ~~وليس في عملنا ما يزيده شيئا. إذن: فمن المصلحة أن تطبق التكاليف لأنها ~~تعود عليك أنت بالخير. وانظر - مثلا - إلى الفلاح في الحقل، إنه يحرث ~~الأرض، وينقل السماد، ويبذر، ويروى ويتعب، وبعد ذلك يستريح في انتظار ~~الثمار. # وأنت حين تنفذ تكاليف الحق سبحانه فأنت تجد العائد، وأنت ترى في حياتك ~~أن الفلاح الكسول يصاب بحسرة يوم الحصاد، ms4588 فما بالنا بحساب الآخرة. ~~والفلاح الذي يأخذ من مخزنة إردبا ليزرعه، وهو في هذه الحالة لا ينقص ~~مخزنه لأنه سيعود بعد فترة بخمسة عشر إردبا. وهكذا من ينفذ التكاليف ~~يعود عليه كل خير ولذلك أقول: انظر في استقبالات منهج الله تعالى فيما ~~تعطيه، لا فيما تأخذه. وهكذا ترى أنه لا ظلم لأننا صنعة الله، فهل رأيتم ~~صانعا يفسد صنعته؟ إذن: فالصانع الأعلى لا يظلم صنعته ولا يفسدها أبدا، ~~بل يحسنها ويعطيها الجمال والرونق لذلك يقول الحق سبحانه: { إن ~~الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم ~~يظلمون } [يونس: 44]. أي: أن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم، ومن ~~الظلم جحد الحق، وهذا هو الظلم الأعلى، ومن الظلم أن يعطي الإنسان نفسه ~~شهوة عاجلة ليذوق من بعد ذلك عذابا آجلا، وهو بذلك يحرم نفسه من النعيم ~~المقيم، وهو حين يظلم نفسه يكون قد افتقد القدرة على قياس عمره في ~~الدنيا، فالعمر مهما طال قصير، وما دام الشيء له نهاية فهو قصير. والحق ~~سبحانه وتعالى حين يخاطب الناس، فهو قد نصب لهم آيات باقية إلى أن تقوم ~~الساعة، وكلهم شركاء فيها، وهي الآيات الكونية، وبعد ذلك خص كل رسول ~~بآية ومعجزة، وأنزل منهجا ب " افعل " و " لا تفعل " ، وبين في آيات ~~الكتاب ما المطلوب فعله، وما المطلوب أن نمتنع عنه، وترك لك بقية الأمور ~~مباحة. والمثال الذي أضربه دائما: هو التلميذ الذي يرسب آخر العام، هذا ~~التلميذ لم تظلمه المدرسة، بدليل أن غيره قد نجح لذلك لا يصح أن يقال: إن ~~المدرسة أسقطت فلانا، ولكن الصحيح أن نقول: إن فلانا قد أسقط نفسه، وأن ~~زميله قد أنجح نفسه، ودور المدرسة في ذلك هو إعلان النتيجة. ومن الظلم ~~أيضا أن يستكثر الظالم نعمة عند المظلوم، فيريد أن يأخذها منه، ولا يمكن ~~أن يكون الحق سبحانه وتعالى ظالما يستكثر نعم عباده لأنه منزه عن ~~ذلك فضلا عن أن خلقه ليس عندهم نعم يريدها هو، فهو الذي أعطاها لهم ~~ولذلك لا يأتي منه سبحانه أي ظلم، وإن ms4589 جاء الظلم فهو من الإنسان لنفسه. ~~ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ويوم يحشرهم كأن لم ~~يلبثوا إلا ساعة... }. ### || [10.45] # فهذه الدنيا التي يتلهف عليها الإنسان، ويأخذ حظه فيها، وقد ينسى ~~الآخرة، فإذا ما قامت القيامة فأنت تشعر كأنك لم تمكث في الدنيا إلا ~~ساعة، والساعة هي الساعة الجامعة التي تقوم فيها القيامة، ولكن الساعة في ~~الدنيا هي جزء من الوقت، ونحن نعلم أن اليوم مقسم لأربع وعشرين ساعة، ~~وأيضا تطلق الساعة على تلك الآلة التي تعلق على الحائط أو يضعها ~~الإنسان على يده، وهي تشير إلى التوقيت. والتوقيت ثابت - بمقدار الساعة ~~والدقيقة والثانية - منذ آدم عليه السلام وإلى من سوف يأتون بعدنا، ولكن ~~التوقيت يختلف من مكان إلى آخر، فتشير الساعة في القاهرة - مثلا - إلى ~~الثانية ظهرا، وتكون في نيويورك السابعة صباحا، وتشير في بلد آخر إلى ~~الثالثة بعد منتصف الليل، ولا تتوحد الساعة بالنسبة لكل الخلق إلا يوم ~~القيامة. ولذلك يقول الحق سبحانه: # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة.. # [الروم: 55]. وهم - إذن - يفاجأون أن دنياهم الطويلة والعريضة كلها ~~مرت وكأنها مجرد ساعة، وهكذا يكتشفون قصر ما عاشوا من وقت، ولا ~~يقتصر الأمر على ذلك، بل إنهم لم ينتفعوا بها أيضا فهي مدة من الزمن لم ~~تكن لها قيمة. والحق سبحانه يقول: # كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ~~ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون # [الأحقاف: 35]. أي: أن الدنيا تمر عليهم في لهو ولعب ومشاغل، ولم يأخذوا ~~الحياة بالجد اللائق بها فضاعت منهم وكأنها ساعة. ولذلك يقول الحق سبحانه ~~هنا: { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة ~~من النهار.. } [يونس: 45]. ويوم الحشر ينقسم الناس قسمين: قسم ~~من كانوا يتعارفون على البر، وقسم من كانوا يتعارفون على الإثم، ~~فالذين تعارفوا في الحياة الدنيا على البر يفرحون ببعضهم البعض، وأما ~~الذين تعارفوا في الحياة الدنيا على الإثم فهم يتنافرون بالعداء، والحق ~~سبحانه هو القائل: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. وكذلك قال في ms4590 الذين تعارفوا على الإثم: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا.. # [البقرة: 166]. هم سيتعارفون على بعضهم البعض، ولكن هذه المعرفة لا ~~تدوم، بل تنقلب إلى نكران، فالواحد منهم لا يريد أن يرى من كان سببا ~~في أن يؤول إلى هذا المصير، وتعارفهم سيكون تعارف تعنيف. ويقول الحق ~~سبحانه: { قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله.. } ~~[يونس: 45]. وساعة تسمع كلمة " خسر " فاعرف أن الأمر يتعلق بتجارة ما، ~~والخسارة تعنى: أن يفقد الإنسان المتاجر إما جزءا من رأس المال، أو رأس ~~المال كله. ومراحل التجارة - كما نعرف - إما كسب يزيد رأس المال المتاجر ~~فيه، وإما ألا يكسب التاجر ولا يخسر لكنه يشعر بأن ثمن عمله ووقته في ~~هذه التجارة قد ضاع، وكل ذلك يحدث في الصفقات. # ونجد الحق سبحانه وتعالى يصف العملية الإيمانية في الدنيا بقوله: # يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون # [الصف: 10-11]. ويقول سبحانه: # إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة ~~وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون ~~تجارة لن تبور # [فاطر: 29]. والتجارة تعتمد على أنك لا تقبل على عقد صفقة إلا إذا غلب ~~على ظنك أن هذه الصفقة سوف تأتي لك بأكثر مما دفعت فيها. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه عن الصفقات الخاسرة: # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ~~ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين # [البقرة: 16]. ويقول أيضا: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قآئما.. # [الجمعة: 11]. وشاء الحق سبحانه أن يجعل معنى التجارة واضحا ومعبرا ~~عن كثير من المواقف لأن التجارة تمثل جماع كل حركة الحياة فهذا يتحرك ~~في ميدان لينفع نفسه، وينفع غيره، وغيره يعمل في ميدان آخر فينفع نفسه، ~~وينفع غيره. وبهذا يتحقق نفع الإنسان من حركة نفسه وحركة غيره، وهو ~~يستفيد من حركة غيره أكثر مما يستفيد من حركته هو، ومن مصلحة أي إنسان أن ~~يحسن كل إنسان حركته فيرتاح هو لأن ما سوف يصل إليه من حركة ms4591 الناس ~~سيكون جيد الإتقان. والتجارة تحمل أيضا الوساطة بين المنتج والمستهلك. ~~ولذلك حين أراد الله سبحانه أن نستجيب لأذان الجمعة قال: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون # [الجمعة: 9]. ولم يقل الله سبحانه: اتركوا الزراعة أو اتركوا الصناعة، ~~أو اتركوا التدريس، بل اختار من كل حركات الحياة حركة البيع لأن فيه ~~تجارة، والتجارة هي الجامعة لكل حركات الحياة. والتاجر وسيط بين منتج ~~ومستهلك وتقتضي التجارة شراء وبيعا، والشراء يدفع فيه التاجر ثمنا، ~~أما في البيع فهو يأخذ الثمن، والغاية من كل شيء أن يتمول الإنسان. ~~لذلك فالبيع أفضل عند التاجر من الشراء، فأنت قد تشتري شيئا وأنت كاره ~~له، لاحتياجك إليه، ولكنك عند بيع البضاعة تشعر بالسعادة والإشراق، ولأن ~~الشراء فيه أخذ، والبيع فيه عطاء، والعطاء يرضي النفس دائما لأن ثمرة ~~الصفقة تأتيك في لحظتها. وإن كنت مزارعا فأنت تعد الأرض، وتحرثها، ~~وتبذر البذور، وترويها، وتشذب النبات، وتنتظر إلى أن ينضج الزرع، ~~وكذلك تقضي الكثير من الوقت في إتقان الصنعة إن كنت صانعا، لكن البيع في ~~التجارة يأتي لك بالكسب سريعا، فكأن ضرب المثل في التجارة، جاء من ~~أصول التجارة بالبيع ولم يأت بالشراء. # إذن: لا بد أن نعتبر أن دخولك في صفقة الإيمان تجارة، تأخذ منها أكثر من ~~رأسمالك، وتربح، أما إن تركت بعضا من الدين فأنت تخسر بمقدار ما تركت، ~~بل وأضعاف ما تركت. وأنت في أية صفقة قد تعوض ما خسرت فيما بعد، وإن ~~استمرت الخسارة فإن أثرها لا يتجاوز الدنيا، ويمكن أن تربح بعدها، وإذا ~~لم تربح، فسيضيع عليك تعبك فقط ولأن الدنيا محدودة الزمن فخسارتها ~~محتملة، أما الخسارة في الزمان غير الموقوت - الزمن الدائم - فهي خسارة ~~كبيرة لأن الآخرة ليس فيها أغيار كالدنيا، وأنت في الآخرة: إما في جنة ~~ذات نعيم مقيم، وفي هذا ربح وكسب كبير، وإما إلى نار، وهذه هي الخسارة ~~الحقيقة. والخسران الحقيقي أن يكذب الإنسان، لا بنعيم ms4592 الله فقط، ولكن ~~بلقاء الله أيضا. يقول الحق سبحانه: { قد خسر الذين كذبوا ~~بلقآء الله.. } [يونس: 45]. أي: أن الله سبحانه لم يكن في بالهم، ~~وهو حين تقوم الساعة يجدون الله - سبحانه وتعالى - أمامهم. ولذلك يقول ~~الحق سبحانه: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء.. # [النور: 39]. والسراب كما نعلم يراه السائر في الصحراء، وهو عبارة عن ~~انعكاس للضوء فيظن أن أمامه ماء، ولكن إن سار إليه الإنسان لم يجده ماء، ~~وهكذا شبه الحق سبحانه عمل الكافر بمن يسير في صحراء شاسعة، ويرى ~~السراب فيظنه ماء، لكنه سراب، ما إن يصل إليه حتى ينطبق عليه قول الحق ~~سبحانه: # حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله ~~عنده.. # [النور: 39]. أي: أنه يفاجأ بوجود الله سبحانه وتعالى، فيوفيه الله ~~حسابه. ولذلك فالذي يكفر بالله ويعمل ما يفيد البشر، فإنه يأخذ حسابه ممن ~~عمل له، ولا يحسب له ذلك في الآخرة، وتجد الناس يكرمونه، ويقيمون له ~~التماثيل أو يمنحونه الجوائز وينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " فعلت ليقال، وقد قيل ". # وهنا يقول الحق سبحانه عن الذين كذبوا بلقاء الله تعالى: { وما ~~كانوا مهتدين } [يونس: 45]. أي: لم يكونوا سائرين على المنهج ~~الذي وضعه لهم خالقهم سبحانه هذا المنهج الذي يمثل قانون الصيانة لصنعة ~~الله تعالى، وقد خلق الله سبحانه الإنسان لمهمة، والله سبحانه يصون ~~الإنسان بالمنهج من أجل أن يؤدي هذه المهمة. والهداية هي الطريق الذي إن ~~سار فيه الإنسان فهو يؤدي به إلى تحقيق المهمة المطلوبة منه لأن الحق ~~سبحانه قد جعله الخليفة في الأرض. ومن لا يؤمن برب المنهج سبحانه وتعالى ~~ولا يطبق المنهج فهو إلى الخسران المبين، أي: الخسران المحيط. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { وإما نرينك بعض الذي نعدهم... }. ### || [10.46] # وقول الحق سبحانه: { وإما } مكونة من " إن " و " ما " مدغومتين، ~~وهنا يبين لنا الحق سبحانه أنه يعد الذين كذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بالعذاب والهوان والعقاب والفضيحة. أي: يا محمد، إما أن ترى ما قلناه ~~فيهم من خذلان ms4593 وهوان، وإما أن نتوفينك قبل أن ترى هذا في الدنيا، ولكنك ~~ستراه في الآخرة حين تشاهدهم في الهوان الأبدي الذي يصيبهم في اليوم ~~الآخر. وفي هذا تسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقول الحق سبحانه: ~~{ وإما نرينك } [يونس: 46] أي: أن نريك ما وعدناهم من الخذلان ~~والهوان في هذه الحياة، وإن لم تره في الحياة الدنيا فلسوف ترى هوانهم في ~~الآخرة، حيث المرجع إلى الله تعالى لأنه سبحانه سيصيبهم في أنفسهم بأشياء ~~فوق الهوان الذي يرى في الناس كحسرة في النفس، وكبت للأسى حين يرون نصر ~~المؤمنين. أما الذي يرى فهو الأمر الظاهر، أي: الخذلان، والهزيمة، ~~والأسى، والقتل، وأخذ الأموال، وسبي النساء والأولاد، أو غير ذلك مما ~~سوف تراه فيهم - بعد أن تفيض روحك إلى خالقها - فسوف ترى فيهم ما وعدك ~~الله به. وأنت لن تحتاج إلى شهادة من أحد عليهم، لأنه سبحانه: { شهيد ~~على ما يفعلون } [يونس: 46]. وكفاك الله سبحانه شهيدا: # وكفى بالله شهيدا # [النساء: 79]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ولكل أمة رسول ~~فإذا جآء رسولهم... }. ### || [10.47] # والحق سبحانه لا يظلم أحدا، ولا يعذب قوما إلا بعد أن يكفروا بالرسول ~~الذي أرسله إليهم، وهو سبحانه القائل: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24]. وهو سبحانه القائل أيضا: # لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها ~~غافلون # [الأنعام: 131]. فلا تجريم ولا عقوبة إلا بنص وببيان لتجريم هذا الفعل ~~أو ذاك، بإرسال الرسل حتى لا يحتج أحد بأنه لم يصل إليه شيء يحاسب ~~بمقتضاه. والحق سبحانه هنا يبين أن لكل أمة رسولا يتعهدها بأمور ~~المنهج. وقد خلق الحق سبحانه كل الخلق، وكانوا موحدين منذ ذرية آدم - ~~عليه السلام - ثم اقتضت الأحداث أن يتباعدوا، وانتشروا في الأرض، وصارت ~~الالتقاءات بعيدة، وكذلك المواصلات، وتعددت الآفات بتعدد البيئات. ولكن ~~إذا تقاربت الالتقاءات، وصارت المواصلات سهلة، فما يحدث في الشرق تراه في ~~لحظتها وأنت في الغرب، فهذا يعني توحد الآفات أو تكاد تكون واحدة لذلك ~~كان لا بد من الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، ms4594 أما في الأزمنة القديمة، ~~فقد كانت أزمنة انعزالية، تحيا كل جماعة بعيدة عن الأخرى ولذلك كان لا بد ~~من رسول لكل جماعة ليعالج داءات البيئة، أما وقد التقت البيئات، فالرسول ~~الخاتم يعالج كل الداءات. ولذلك يقول الحق سبحانه: { ولكل أمة ~~رسول فإذا جآء رسولهم قضي بينهم بالقسط ~~وهم لا يظلمون } [يونس: 47]. وقد حكى التاريخ لنا ذلك، فكل رسول ~~جاء آمن به البعض، وكفر به البعض الآخر، والذين آمنوا به انتصروا، ومن ~~كفروا به هزموا. أو أن الآية عامة { ولكل أمة رسول } أي: ~~تنادي كل أمة يوم القيامة باسم رسولها، يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ويا أمة موسى، ويا أمة عيسى... إلخ. والحق سبحانه يقول: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا * يومئذ يود الذين كفروا ~~وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون ~~الله حديثا # [النساء: 41-42]. إذن: فالحق سبحانه هنا يبين أن لكل أمة رسولا جاءها ~~بالبلاغ عن الله، وقد آمن به من آمن، وكفر به من كفر، وما دام ~~الإيمان قد حدث - وكذلك الكفر - فلا بد من القضاء بين المؤمنين ~~والكافرين. لذلك يقول الحق سبحانه: { فإذا جآء رسولهم قضي ~~بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } [يونس: 47]. وما دام في ~~الأمر قضاء، فلا بد أن المؤمن يعتبر الكافر منازعا له، وأن الكافر ~~يعتبر المؤمن منازعا له، ويصير الأمر قضية تتطلب الحكم لذلك يقول الحق ~~سبحانه: { قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } ~~[يونس: 47]. أي: يقضى بينهم بالعدل، فالمؤمنون يتقصى الحق سبحانه ~~حسناتهم ويزيدها لهم، أما الكافرون فلا توجد لهم حسنات لأنهم كفروا بالله ~~الحق فيوردهم النار، وهم قد أبلغهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~سيأتي يوم يسألون فيه عن كل شيء، فاستبعدوا ذلك وقالوا: # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ~~* أو آبآؤنا الأولون # [الصافات: 16-17]. لقد تعجبوا من البعث وأنكروه، لكنهم يجدونه حتما ~~وصدقا. ويشاء الحق سبحانه أن يدخل عليهم هذه المسألة دخولا إيمانيا، ~~فيقول: # أفعيينا بالخلق الأول.. # [ق: 15]. فأنتم إذا ms4595 متم وتحللتم في التراب، أيعجز الله سبحانه أن ~~يخلقكم من جديد؟ لا إنه سبحانه القائل: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4]. أي: أنه سبحانه يأمر العناصر الخاصة بكل إنسان أن تتجمع كلها، ~~وليس هذا بعسير على الله الذي خلقهم أولا. وهم قد كذبوا واستنكروا ~~واستهزأوا بمجيء يوم القيامة والبعث، وبلغ استهزاؤهم أن استعجلوا هذا ~~اليوم، وهذا دليل جهلهم، وكان على الواحد منهم أن يفر من هول ذلك اليوم. ~~ولذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك على ألسنتهم: { ويقولون متى ~~هذا الوعد... }. ### || [10.48] # هذا الإنكار والتكذيب والاستهزاء هو منطق المشركين والملحدين في كل زمان ~~ومكان، وفي العصر القريب قاله الشيوعيون عندما قاموا بثورتهم الكاذبة، ~~وذبحوا الطبقة العليا في المجتمع بدعوى رفع الظلم عن الفقراء. وإذا ما ~~كانوا قد آمنوا بضرورة الثواب والعقاب، فمن الذي يحكم ذلك؟ هل الظالم ~~يحكم على ظالم، فتكون النتيجة أن الظالم سيهلك بالظالم، وقد حدث، فأين ~~الشيوعيون الآن؟ لماذا لم يلتفتوا إلى أن لهذا الكون خالقا يعاقب من ~~ظلموا من قبل، أو من يظلمون من بعد؟ إنهم لم يلتفتوا لأنهم اتخذوا المادة ~~إلها، وقالوا: لا إله، والحياة مادة، فأين هم الآن؟ وإن كنتم قد تملكتم ~~في المعاصرين لكم، وادعيتم أنكم نشرتم العدل بينهم، فماذا عن الذين ~~سبقوا، والذين لحقوا؟ هم - إذن - لم يلتفتوا إلى أن الله سبحانه وتعالى ~~قد شاء ألا يموت ظالم إلا بعد أن ينتقم الله منه. وهم لم يلتفتوا إلى أن ~~وراء هذه الدار دارا أخرى يجازى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. ~~وكان المنطق يقتضي أن يؤمن هؤلاء بأن لهذا الكون إلها عادلا، ولا بد أن ~~يجيء اليوم الذي يجازي فيه كل إنسان بما عمل، ولكنهم سخروا مثل سخرية ~~الذين كفروا من قبلهم، وجاء خبرهم في قول الله سبحانه على ألسنتهم: { ~~ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } [يونس: ~~48]. ولكن وعد الله حق، ووعد الله قادم، ومحمد صلى الله عليه وسلم رسول ~~من الله، يبلغ ما جاء من عند الله تعالى، ms4596 فرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لا يملك لنفسه شيئا. ولذلك يقول القرآن بعد ذلك: { قل لا أملك ~~لنفسي ضرا ولا نفعا... }. ### || [10.49] # والرسول صلى الله عليه وسلم يبرىء نفسه من كل حول وطول، ويعلن ما ~~أمره الحق سبحانه أن يعلنه، فهو صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ~~ولا ضرا لأن النفع أو الضر بيد خالقه سبحانه، وهو سبحانه وتعالى ~~خالقكم، وكل أمر هو بمشيئته سبحانه. وهذه الآية جاءت ردا على سؤالهم ~~الذي أورده الحق سبحانه في الآية السابقة: # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # [يونس: 48]. لقد تساءلوا بسخرية عن هذا الوعد بالعذاب، وكأنهم استبطأوا ~~نزول العذاب تهكما، وهذا يدل على أن قول الحق سبحانه: # ولكل أمة رسول فإذا جآء رسولهم قضي ~~بينهم بالقسط وهم لا يظلمون # [يونس: 47]. هذه الآية لم تنزل ليوم القيامة، بل نزلت لتوضح موقف من ~~كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم والذين قالوا بعد ذلك: # متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # [يونس: 48]. وهذا يعني أنهم قالوا هذا القول قبل أن تقوم القيامة، ~~والآية التي توضح أن لكل أمة رسولا تؤيدها آيات كثيرة، مثل قوله سبحانه: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. وكذلك قول الحق سبحانه: # لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها ~~غافلون # [الأنعام: 131]. وكذلك قول الحق سبحانه: # ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا.. # [طه: 134]. وكل ذلك يؤيد أن الرسول المرسل إلى الأمة هو الرسول الذي جاء ~~بمنهج الله تعالى، فآمن به قوم، وكذب به آخرون، وقضى الله بين المؤمنين ~~والكافرين بأن خذل الكافرين ونصر المؤمنين. وإن استبطأ الكافرون الخذلان ~~فلسوف يرونه ولذلك أمر الحق سبحانه رسول الله صلى الله عليه وسلم: { قل ~~لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا.. } [يونس: 49]. أي: أنكم ~~إن كنتم تسألون محمدا صلى الله عليه وسلم عن الضر والنفع، فهو صلى الله ~~عليه وسلم مبلغ عن الله تعالى، ولا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا ~~عن أن يملك لهم هم ضرا ms4597 أو نفعا، وكل هذا الأمر بيد الله تعالى، ولكل ~~أمة أجل ينزل بالذين كفروا فيها بالعذاب، ويقع فيها القول الفصل. وقول ~~الحق سبحانه: { إلا ما شآء الله لكل أمة أجل.. } ~~[يونس: 49]. يفيد أن مشيئة الله هي الفاصلة، ويدل على أن النبي والناس ~~لا يملكون لأنفسم الضر أو النفع لأن الإنسان خلق على هيئة القسر في ~~أمور، وعلى هيئة الاختيار في أمور أخرى، والاختيار هو في الأمور ~~التكليفية مصداقا لقوله سبحانه: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29]. وأنت حر في أن تطيع أو أن تعصي، وكل ذلك داخل في نطاق ~~اختيارك، وإن صنع الإنسان طاعة، فهو يصنع لنفسه نفعا، وإن صنع معصية، ~~صنع لنفسه ضرا. # إذن: فهناك في الأمور الاختيارية ضر ونفع. ومثال ذلك: من ينتحر بأن يشنق ~~نفسه، فهو يأتي لنفسه بالضر، وقد ينقذه أقاربه، وذلك بمشيئة الله سبحانه. ~~إذن: ففي الأمور الاختيارية يملك الإنسان - بمشيئة الله - الضر أو النفع ~~لنفسه، والله سبحانه يبين لنا أن لكل أمة أجلا، فلا تحددوا أنتم آجال ~~الأمم لأن آجالهم - استئصالا، أو عذابا - هي من عند الله سبحانه ~~وتعالى. والعباد دائما يعجلون، والله لا يعجل بعجلة العباد، حتى تبلغ ~~الأمور ما أراد سبحانه، فالله تعالى منزه أن يكون موظفا عند الخلق، ~~بل هو الخالق الأعلى سبحانه وتعالى. وهو سبحانه القائل: # سأوريكم آياتي فلا تستعجلون # [الأنبياء: 37]. وهو سبحانه القائل: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # [الإسراء: 11]. إذن: فالحق سبحانه يؤخر مراداته رحمة بالخلق، وإذا ~~جاء الأجل فهو لا يتأخر عن ميعاده، ولا يتقدم عن ميعاده. لذلك يقول الحق ~~سبحانه: { إذا جآء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون } [يونس: 49]. وقوله سبحانه: { يستقدمون } ليست ~~من مدخلية جواب الشرط الذي جاء بعد { إذا جآء أجلهم.. } [يونس: ~~49]. لأن الجواب هو: { فلا يستأخرون }. فهم لا يستقدمون قبل أن ~~يحين الأجل. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { قل أرأيتم إن ~~أتاكم عذابه بياتا... }. ### || [10.50] # وهذا رد شاف على استعجالهم للعذاب، فإن جاءكم العذاب فلنر ماذا ~~سيكون موقفكم. وهم باستعجالهم ms4598 العذاب يبرهنون على غبائهم في السؤال عن ~~وقوع العذاب. وقول الحق سبحانه: { أرأيتم }. أي: أخبروني عما سوف ~~يحدث لكم. وشاء الحق سبحانه أن يأتي أمر العذاب هنا مبهما من جهة الزمان ~~فقال سبحانه: { إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا.. } ~~[يونس: 50]. والبيات مقصود به الليل لأن الليل محل البيتوتة، والنهار محل ~~الظهور. والزمن اليومي مقسوم لقسمين: ليل، ونهار. وشاء الحق سبحانه إبهام ~~اليوم والوقت، فإن جاء ليلا، فالإنسان في ذلك الوقت يكون غافلا نائما ~~في الغالب، وإن جاء نهارا، فالإنسان في النهار مشغول بحركة الحياة. ~~والحق سبحانه يقول في موضع آخر: # أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا ~~وهم نآئمون # [الأعراف: 97]. ويقول سبحانه: # أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم ~~يلعبون # [الأعراف: 98]. ولو نظرت إلى الواقع لوجدت أن العذاب يأتي في الليل وفي ~~النهار معا، لأن هناك بلادا يكون الوقت فيها ليلا، وفي ذات الوقت يكون ~~الزمن نهارا في بلاد أخرى. وإذا جاء العذاب بغتة، وحاولوا إعلان ~~الإيمان، فلن ينفعهم هذا الإيمان لأن الحق سبحانه يقول فيمن يتخذ هذا ~~الموقف: # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين # [يونس: 91]. فإن جاءكم العذاب الآن لما استقلتم منه لأنه لن ينفعكم ~~إعلان الإيمان، ولن يقبل الله منكم، وبذلك يصيبكم عذاب في الدنيا، ~~بالإضافة إلى عذاب الآخرة، وهذا الاستعجال منكم للعذاب يضاعف لكم العذاب ~~مرتين، في الدنيا، ثم العذاب الممتد في الآخرة. ويقول الحق سبحانه بعد ~~ذلك: { أثم إذا ما وقع آمنتم به... }. ### || [10.51] # أي: إذا ما وقع العذاب فهل ستؤمنون؟ إن إعلان إيمانكم في هذا الوقت لن ~~يفيدكم، وسيكون عذابكم بلا مقابل. إذن: فاستعجالكم للعذاب لن يفيدكم على ~~أي وضع لأن الإيمان لحظة وقوع العذاب لا يفيد. ومثال ذلك: فرعون حين جاءه ~~الغرق # قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل.. # [يونس: 90]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ثم قيل للذين ~~ظلموا ذوقوا عذاب... }. ### || [10.52] # وهذا إخبار عن العذاب القادم لمن كفروا ويلقونه في اليوم الآخر، فهم ~~بكفرهم قد ظلموا ms4599 أنفسهم في الدنيا، وسيلقون العذاب في الآخرة، وهو { ~~عذاب الخلد } أي: عذاب لا ينتهي. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: ~~{ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون }. أي: أن الحق ~~سبحانه لم يظلمهم، فقد بلغهم برسالة الإيمان عن طريق رسول ذي معجزة، ومعه ~~منهج مفصل مؤيد، وأمهلهم مدة طويلة، ولم يستفيدوا منها لأنهم لم ~~يؤمنوا. إذن: فسيلقون عذاب الخلد، وقد جاء سبحانه هنا بخبر عذاب الخلد ~~لأن عذاب الدنيا موقوت، فيه خزي وهوان، لكن محدوديته في الحياة يجعله ~~عذابا قليلا بالقياس إلى عذاب الآخرة المؤبد. وجاء الحق سبحانه بأمر ~~عذاب الخلد كأمر من كسبهم، والكسب زيادة عن الأصل، فمن يتاجر بعشرة ~~جنيهات، قد يكسب خمسة جنيهات. وهنا سؤال: هل الذي يرتكب معصية يكسب زيادة ~~عن الأصل؟ نعم لأن الله سبحانه حرم عليه أمرا، وحلله هو لنفسه، فهو ~~يأخذ زيادة في التحليل، وينقص من التحريم وهو يظن أنه قد كسب بمفهومه ~~الوهمي الذي زين له مراد النفس الأمارة، وهذا يعني أنه ينظر إلى واقع ~~اللذة في ذاتها، ولا ينظر إلى تبعات تلك اللذة، وهو يظن أنه قد كسب، رغم ~~أنه خاسر في حقيقة الأمر. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { ~~ويستنبئونك أحق هو... }. ### || [10.53] # وهم قد قالوا من قبل: # متى هذا الوعد.. # [يونس: 48]. وهم هنا قد عادوا للتساؤل. { ويستنبئونك } أي: ~~يطلبون منك النبأ. والنبأ هو الخبر المتعلق بشيء عظيم، وهم يطلبون الخبر ~~منك يا رسول الله ويتساءلون: أهو حق؟ وكلمة " حق " هنا لها معطيات كثيرة ~~لأن { هو } يمكن أن تعود على أصل الدين قرآنا ونبوة، وتشريعا، وهي ~~كلمة تحمل التصديق بأن القرآن حق، والتشريع حق، والنبوة لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم حق، والقيامة والبعث حق، والكلام عن العذاب في الدنيا بخذلانهم ~~ونصرة المؤمنين عليهم حق. إذن: فقولهم: { ويستنبئونك أحق ~~هو.. } [يونس: 53] لها أكثر من مرجع، كأنهم سألوا: هل القرآن الذي جئت ~~به حق؟ وهل النبوة التي تدعيها حق؟ وهل الشرائع - التي تقول: إن الله ~~أنزلها كمنهج يحكم حركة الإنسان - حق؟ وهل القيامة والبعث حق؟ ms4600 وهل العذاب ~~في الدنيا حق؟ إنها كلمة شاملة يمكن أن تؤول إلى أكثر من معنى. ويأتي ~~الجواب من الله تعالى: { قل إي وربي إنه لحق.. } [يونس: ~~53]. وأنت حين يستفهم منك أحد قائلا: هل زيد موجود؟ فأنت تقول: نعم ~~موجود. ولا تقول له: والله إن زيدا موجود لأنك لن تؤكد الكلام لمن يسألك ~~لأنه لا ينكر وجود زيد. إذن: فأنت لن تؤكد إجابة ما إلا إذا كان هناك في ~~السؤال شبهة إنكار. إذن: فأنت تستدل من قول الحق سبحانه: { ~~ويستنبئونك أحق هو.. } [يونس: 53] على أن سؤالهم يحمل ~~معاني الإنكار والاستهزاء ولذلك جاء الجواب ب " إي " وهو حرف جواب يعني: ~~" نعم " ، وتأتي " إي " دائما مع القسم. ولكل حرف من حروف الجواب مقام، ~~فهناك " بلى " وهي تأتي في جواب سؤال منفي، في مثل قوله تعالى: # ألست بربكم قالوا بلى.. # [الأعراف: 172]. وقول الحق سبحانه هنا: { إي وربي.. } [يونس: 53]. ~~تعني: نعم وأقسم بربي إنه لحق. وأنت لا تقسم على شيء إلا إذا كان السائل ~~عنده شبهة إنكار، وتأتي ب " إن " لمزيد من هذا التأكيد. ومثال ذلك في ~~قوله سبحانه: # واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جآءها ~~المرسلون * إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما ~~فعززنا بثالث فقالوا إنآ إليكم مرسلون # [يس: 13-14]. وماذا كان رد من بعث اليهم الثلاثة؟ # قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا ومآ أنزل ~~الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون # [يس: 15]. هكذا كان إنكار المكذبين للرسل الثلاثة شديدا. فقال لهم ~~الرسل: # ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون # [يس: 16]. فكان قولهم هذا مناسبا لإنكار الكافرين الشديد. إذن: ~~فالتأكيد في أسلوب المسئول إنما يأتي على مقدار الإنكار، فإن لم يكن هناك ~~إنكار فلا يحتاج الأمر إلى تأكيد. # أما إذا صادف الكلام إنكارا قليلا، فالتأكيد يأتي مرة واحدة. وإن صادف ~~الكلام لجاجة في الإنكار جاء التأكيد مرتين. أما إذا ما صادف الكلام ~~تبجحا في الإنكار فالتأكيد يأتي ثلاث مرات. وقد علم الحق سبحانه ~~رسوله صلى الله عليه وسلم هنا أن يرد على استنبائهم بأن يقول لهم: { إي ms4601 ~~وربي إنه لحق.. } [يونس: 53]. وهنا يقسم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بالرب لأن الرب هو من كلفه، ثم يؤكد { إنه لحق } لأن ~~سؤالهم تضمن الإنكار والاستهزاء. وما دام قد قال: { إي وربي ~~إنه لحق } فهم إن لم يؤمنوا فسوف يلقون العذاب لأنه ليس هناك ~~منجى من الله تعالى، ولن تعجزوا الله هربا، ولن تعجزوه شفاعة من ~~أحد، ولن تعجزوه بيعا، ولن تعجزوه خلة تتقدم لتشفع لكم. ثم يأتي قوله ~~سبحانه في نهاية الآية: { ومآ أنتم بمعجزين } [يونس: 53]. وقد ~~أراد الحق سبحانه أن يفسر لمحة من الإعجاز، ذلك أن الله سبحانه وتعالى من ~~الممكن أن يقبل شفاعة الشافعين، ومن الممكن أن يقبل الفداء ولذلك جاء ~~الإيضاح في الآية التالية، فيقول سبحانه: { ولو أن لكل نفس ~~ظلمت ما في الأرض... }. ### || [10.54] # وساعة يأتي العذاب فالإنسان يرغب في الفرار منه، ولو بالافتداء. وانظر ~~كيف يحاول الإنسان أن يتخلص من كل ما يملك افتداء لنفسه، حتى ولو كان ~~يملك كل ما في السماوات وما في الأرض. ولكن هل يتأتى لأحد - غير الله ~~سبحانه - أن يملك السماوات والأرض؟ طبعا لا. إذن: فالشر لا يتأتى. ~~وهب أنه تأتى، فلن يصلح الافتداء بملك ما في السماوات وما في الأرض ~~لأن الإنسان الظالم في الدنيا قد أخذ حق الغير، وهذا الغير قد كسب بطريق ~~مشروع ما أخذه الظالم منه، والظالم إنما يأخذ ثمرة عمل غيره، ولو صح ~~ذلك لتحول البعض إلى مغتصبين لحقوق الغير، ولأخذوا عرق وكدح غيرهم، ~~ولتعطلت حركة الحياة. ولذلك إن لم يردع الله - سبحانه وتعالى - الظالم في ~~الدنيا قبل الآخرة لاستشرى الظلم، وإذا استشرى الظلم في مجتمع، فالبطالة ~~تنتشر فيه، ويحاول كل إنسان أن يأخذ من دم وعرق غيره، وبهذا يختل ميزان ~~العدل وتفسد حركة الحياة كلها. وهب أن الظالم أخذ ملك الدنيا كلها، ~~وأراد أن يفتدى به نفسه ساعة يأتي العذاب، ويفاجأ بأن كسبه من حرام لا ~~يقبل فداء، أليس هذا هو الخسران الكبير؟ وهذه ظاهرة موجودة في دنيا ~~الناس. وهب أن واحدا ارتشى ms4602 أو اختلس أو سرق، ويفاجئه القانون ليمسكه ~~من تلابيبه فيقول: خذوا ما عندي واتركوني. ولن يقبل القائمون على القانون ~~ذلك. وإن كان مثل هذا التنازل يحدث في الجمارك فنرى من يتنازل عن البضائع ~~المهربة مقابل الإفراج عنه، هذا ما يحدث في الدنيا، لكنه لن يحدث في ~~الآخرة. وفي سورة البقرة يقول الحق سبحانه: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ~~ينصرون # [البقرة: 48]. وقال الحق سبحانه في آية أخرى: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ~~ينصرون # [البقرة: 123]. وقال بعض المشككين أن الآيتين متشابهتان، ولم يلتفتوا ~~إلى أن كل آية تختلف عن الأخرى في التقديم للعدل، والتأخير للشفاعة. ~~والبلاغة الحقة تتجلى في الآيتين لأن القارىء لصدر كل آية منهما، ~~والفاهم للملكه اللغوية العربية أن عجز كل آية يناسب صدرها. ومن يقرأ ~~قول الحق سبحانه: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس.. # [البقرة: 48]. يرى أنه أمام نفسين: النفس الأولى هي التي تقدم ~~الشفاعة، والنفس الثانية هي المشفوع لها. والشفاعة هنا لا تقبل من النفس ~~الأولى الشافعة، وكذلك لا يقبل العدل. وفي الآية الثانية لا تقبل ~~الشفاعة ولا العدل من النفس المشفوع لها، فهي تحاول أن تقدم العدل أولا، ~~ثم حين لا ينفعها تأتي بالشفيع. # وهكذا جاء التقديم والتأخير في الآيتين مناسبا للموقف في كل منهما. ~~وهنا يقول الحق سبحانه: { ولو أن لكل نفس ظلمت ما في ~~الأرض لافتدت به.. } [يونس: 54]. وفي هذا القول تعذر ملك ~~النفس الواحدة لكل ما في الأرض، ولو افترضنا أن هذه النفس ملكته فلن ~~تستطيع الافتداء به وتكون النتيجة هي ما يقوله الحق سبحانه: { ~~وأسروا الندامة لما رأوا العذاب.. } [يونس: 54]. ~~أي: أخفوا الحسرة التي تأتي إلى النفس، وليس لها ظاهر من انزعاج لفظي أو ~~حركي. إن كلا منهم يكتم همه في قلبه لأنه ساعة يرى العذاب ينبهر ~~ويصعق ويبهت من هول العذاب، فتجمد دماؤه، ولا يستطيع حتى ms4603 أن يصرخ، ~~وهو بذلك إنما يكبت ألمه في نفسه لأن هول الموقف يجمد كل دم في عروقهم، ~~ويخرس ألسنتهم، ولا يستطيع أن ينطق لأنه يعجز عن التعبير الحركي من ~~الصراخ أو الألم. ونحن نعلم أن التعبير الحركي لون من التنفيس البدني، ~~وحين لا يستطيعه الإنسان، فهو يتألم أكثر. هم - إذن - يسرون الندامة ~~حين يرون العذاب المفزع المفجع، والكلام هنا عن الظالمين، وهم على الرغم ~~من ظلمهم، فالحق سبحانه يقول: { وقضي بينهم بالقسط وهم ~~لا يظلمون } [يونس: 54]. وهؤلاء رغم كفرهم واستحقاقهم للعذاب يلقون ~~العدل من الله، فهب أن كافرا بالله بمنأى عن الدين ظلم كافرا آخر، ~~أيقف الله سبحانه من هذه المسألة موقفا محايدا. لا لأن حق خلق الله ~~سبحانه - الكافر المظلوم - يقتضي أن يقتص الله سبحانه له من أخيه الكافر ~~الظالم لأن الظالم الكافر، إنما ظلم مخلوقا لله، حتى وإن كان هذا ~~المظلوم كافرا. ولذلك يقضي الله بينهم بالحق، أي: يخفف عن المظلوم ~~بعضا من العذاب بقدر ما يثقله على الظالم. هذا هو معنى { وقضي ~~بينهم } لأنها تتطلب قضاء، أي: عدم تحيز، وتتطلب الفصل بين خصومتين. ~~ويترتب على هذا القضاء حكم لذلك يبين لنا الحق سبحانه أنهم - وإن كانوا ~~كافرين به - إلا أنه إن وقع من أحدهم ظلم على الآخر، فالحق رب الجميع ~~وخالق الجميع، كما أعطاهم بقانون الربوبية كل خير مثلما أعطى المؤمنين، ~~فهو سبحانه الذي أعطى الشمس، والماء، والهواء، وكل وسائل الرزق والقوت ~~لكل الناس - مؤمنهم، وكافرهم - فإذا ما حدث ظلم بين متدينين بدين واحد، ~~أو غير متدينين، فلا بد أن يقضي فيه الحق سبحانه بالفصل والحكم بالعدل. ~~ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ألا إن لله ما في السماوات ~~والأرض... }. ### || [10.55] # و " ألا " في اللغة يقال عنها " أداة تنبيه " وهي تنبه السامع أن ~~المتكلم سيقول بعدها كلاما في غاية الأهمية، والمتكلم - كما نعلم - يملك ~~زمام لسانه، بحكم وضعه كمتكلم، لكن السامع يكون في وضع المفاجأ. وقد ~~يتكلم متكلم بما دار في ذهنه ليبرزه على لسانه للمخاطب، ولكن المخاطب ms4604 ~~يفاجأ، وإلى أن ينتبه قد تفوته كلمة أو اثتنان مما يقوله المتكلم. والله ~~سبحانه وتعالى يريد ألا يفوت السامع لقوله أي كلمة، فأتى بأداة تنبيه ~~تنبه إلى الخبر القادم بعدها، وهو قول الحق سبحانه: { إن لله ما ~~في السماوات والأرض.. } [يونس: 55]. هكذا شاء الحق سبحانه أن ~~تأتي أداة التنبيه سابقة للقضية الكلية، وهي أنه سبحانه مالك كل شيء، فهو ~~الذي خلق الكون، وخلق الإنسان الخليفة، وسخر الكون للإنسان الخليفة، ~~وأمر الأسباب أن تخضع لمسببات عمل العامل فكل من يجتهد ويأتي بالأسباب ~~فهي تعطيه، سواء أكان مؤمنا أو كافرا. وإذا خدمت الأسباب الإنسان، ~~وكان هذا الإنسان غافلا عن ربه أو عن الإيمان به، ويظن أن الأسباب قد ~~دانت له بقوته، ويفتن بتلك الأسباب، ويقول مثلما قال قارون: # قال إنمآ أوتيته على علم عندي.. # [القصص: 78]. فالذي نسي مسبب الأسباب، وارتبط بالأسباب مباشرة، فهو ~~ينال العذاب، إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة فكأن الحق سبحانه ينبههم: ~~تنبهوا أيها الجاهلون، وافهموا هذه القضية الكبرى: { إن لله ما ~~في السماوات والأرض.. } [يونس: 55]. فإياك أيها الإنسان أن ~~تغتر بالأسباب، أو أنك بأسبابك أخذت غير ما يريده الله لك، فهو سبحانه ~~الذي أعطاك وقدر لك، وكل الأسباب تتفاعل لك بعطاء وتقدير من الله عز ~~وجل. وفي أغيار الكون الدليل على ذلك، ففكرك الذي تخطط به قد تصيبه آفة ~~الجنون، والجوارح مثل اليد أو القدم أو اللسان أو العين أو الأذن قد ~~تصاب أي منها بمرض فلا تعرف كيف تتصرف. وكل ما تأتي فيه الأغيار فهو ~~ليس من ذاتك، وكل ما تملكه موهوب لك من مسبب الأسباب. فإياك أن تنظر ~~إلى الأسباب، وتنسى المسبب لأن لله ملك الأشياء التي تحوزها والأدوات ~~التي تحوز بها بدليل أنه سبحانه حين يشاء يسلبها منك، فتنبه أيها الغافل، ~~وإياك أن تظن أن الأسباب هي الفاعلة، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يخلق ~~الأسباب ثم يشاء ألا تأتي بنتائجها، كمن يضع بذور القطن - مثلا - ويحرث ~~الأرض، ويرويها في مواعيدها، ثم تأتي دودة القطن ms4605 لتأكل المحصول. إذن: ~~فمرد كل مملوك إلى الله تعالى. واعلم أن هناك ملكا، وإن هناك ~~ملكا، والملك هو ما تملكه جلبابا أو بيتا، أو حمارا، إلى غير ~~ذلك، أما الملك فهو أن تملك من له ملك، وتسيطر عليه، فالقمة - إذن - ~~في الملك. # وانظر إلى قول الحق سبحانه: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء.. # [آل عمران: 26]. إذن: فالملك في الدنيا كله لله سبحانه. وكلمة " ألا " ~~جاءت في أول الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - لتنبه الغافل عن ~~الحق لأن الأسباب استجابت له وأعطته النتائج، فاغتر بها، فيجعل الله ~~سبحانه الأسباب تختلف في بعض الأشياء ليظل الإنسان مربوطا بالمسبب. ~~ويقول الحق سبحانه في نفس الآية: { ألا إن وعد الله حق.. } ~~[يونس: 55]. والوعد إن كان في خير فهو بشارة بخير يقع، وإن كان بشر ~~فهو إنذار بشر يقع ويغلب عليه كلمة " الوعيد ". إذن: ففي غالب الأمر ~~تأتي كلمة " وعد " للاثنين: الخير والشر، أما كلمة " وعيد " فلا تأتي إلا ~~في الشر. والوعد: هو إخبار بشي سيحدث من الذي يملك أن يحدث الشيء. ~~وإنفاذ الوعد له عناصر: أولها الفاعل، وثانيها المفعول، وثالثها الزمان، ~~ورابعها المكان، ثم السبب. والحدث يحتاج إلى قدرة، فإن قلت: " آتيك غدا ~~في المكان الفلاني لأكلمك في موضوع كذا " فماذا تملك أنت من عناصر هذا ~~الحدث إنك لا تضمن حياتك إلى الغد، ولا يملك سامعك حياته، وكذلك المكان ~~الذي تحدد فيه اللقاء قد يصيبه ما يدمره، والموضوع الذي تريد أن تتحدث ~~فيه، قد يأتي لك خاطر ألا تتحدث فيه من قبل أن يتم اللقاء. وهب أن كل ~~العناصر اجتمعت، فماذا تملك أنت أو غيرك من عناصر الوعد؟ لا شيء أبدا. ~~ولذلك يعلم الله سبحانه خلقه الأدب في إعطاء الوعود، التي لا ~~يملكونها، فيقول سبحانه: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24]. وحين تقدم المشيئة فإن حدث لك ما يمنع إنفاذ الوعد ~~فلن تكون كذابا. وهكذا يعلمنا ربنا صيانة أخبارنا عن ms4606 الكذب، وجعلنا ~~نتكلم في نطاق قدراتنا، وقدراتنا لا يوجد فيها عنصر من عناصر الحدث، ~~لكن إذا قال الله سبحانه، ووعد، فلا راد لما وعد به سبحانه لأنه منزه ~~عن أن يخلف الميعاد لأن عناصر كل الأحداث تخضع لمشيئته سبحانه، ولا ~~تتأبى عليه، ووعده حق وثابت. أما أنت فتتحكم فيك الأغيار التي يجريها ~~الحق سبحانه عليك. وهب أنك أردت أن تبني بيتا، وقلت للمهندس المواصفات ~~الخاصة التي تريدها في هذا البيت، لكن المهندس لم يستطع أن يشتري من ~~الأسواق بعضا من المواد التي حددتها أنت، فأنت - إذن - قد أردت ما لا ~~يملك المهندس تصرفا فيه. لكن الأمر يختلف بالنسبة للخالق الأعلى ~~سبحانه فهو الذي يملك كل شيء، وهو حين يعد يصير وعده محتم النفاذ، ~~ولكن الكافرين ينكرون ذلك ولذلك قال الله سبحانه: { ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } [يونس: 55]. أي: أنهم لا يعلمون هذه ~~الحقيقة، فقد سبق أن قالوا: # متى هذا الوعد.. # [يونس: 48]. أو أن { أكثرهم لا يعلمون } تعني: أن الإنسان ~~يجب ألا يضع نفسه في موعد دون أن يقدم المشيئة لأنه لا يملك من عناصر ~~أي وعد إلا ما يشاؤه الله تعالى. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { هو ~~يحيي ويميت... }. ### || [10.56] # ونحن نعلم أن حركة الحياة، والملك والملك، هي فروع من الأحياء، وهو ~~سبحانه حي لأنه مالك الأصل، وهو القادر على أن يميت، وكل ما يصدر عن ~~الحياة يسلبه الله سبحانه بالموت، فهو مالك الأشياء، والأسباب التي تنتج ~~الأشياء، ولا يفوته شيء من وعد ولا وعيد، ونحن نحيا بمشيئته سبحانه، ~~ونموت بمشيئته سبحانه، فلن نفلت منه. لذلك قال سبحانه: { وإليه ~~ترجعون } فمن لا يعتبر بأمر الأحياء عليه أن يرتدع بخوف الرجعة. ~~ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { يأيها الناس قد جآءتكم ~~موعظة... }. ### || [10.57] # والخطاب هنا للناس جميعا لأن الحق سبحانه حين يخاطب المؤمنين بقوله ~~تعالى: # ياأيها الذين آمنوا.. # [البقرة: 104]. فهذا خطاب لمن آمن بالمنهج. والحق سبحانه وتعالى يخاطب ~~الناس كافة بأصول العقائد، مثل قول الحق سبحانه: # يأيها الناس اتقوا ربكم.. # [النساء: 1]. أما المؤمنون ms4607 فسبحانه يكلفهم بخطابه إليهم، من مثل قول ~~الحق سبحانه: # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام.. # [البقرة: 183]. ومثل قول الحق: # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في ~~القتلى.. # [البقرة: 178]. أي: أن خطابه سبحانه للمؤمنين يكون دائما في الأحكام ~~التي يخطاب بها المؤمنين، أما في أصول العقائد والإيمان الأعلى بالواجد ~~الموجد، فهذا يكون خطابا للناس كافة. والحق سبحانه يقول هنا: { ~~يأيها الناس قد جآءتكم موعظة.. } [يونس: 57]. ~~والأية هنا تصور الموعظة وكأنها قد تجسدت وصار لها مجيء، رغم أن ~~الموعظة هي كلمات، وأراد الله تعالى بذلك أن يعطي للموعظة صورة الحركة ~~التي تؤثر وتحض على الإيمان. والموعظة هي الوصية بالخير والبعد عن ~~الشر بلفظ مؤثر، ويقال: فلان واعظ متميز، أي: أن كلامه مستميل ~~وأسلوبه مؤثر وجميل، والموعوظ دائما أضعف من الواعظ، وتكون نفس الموعوظ ~~ثقيلة، فلا تتقبل الموعظة بيسر إلا ممن يجيد التأثير بجمال الكلمة وصدق ~~الأداء لأن الموعوظ قد يقول في نفسه: لقد رأيتني في محل دونك وتريد أن ~~ترفعني، وأنت أعلى مني. فإذا قدر الواعظ هذا الظرف في الموعوظ فهو ~~يستميل نفسه. ولنتذكر الحكمة التي تقول: " النصح ثقيل، فلا تجعلوه ~~جدلا، ولا ترسلوه جبلا، واستعيروا له خفة البيان " وذلك لتستميل ~~أذن السامع إليك فتأتي له بالأسلوب الجميل المقنع الممتع الذي يعجبه، ~~وتلمس في نفسه صميم ما ترغب أن يصل إليه. والموعظة تختلف عن الوصية لأن ~~الوصية عادة لا تتأتى إلا في خلاصة حكمة الأشياء، وهب أن إنسانا ~~مريضا وله أولاد، وحضرته الوفاة، فيقولم بكتابة وصيته، ويوصيهم ~~بعيون المسائل. والحق سبحانه يقول هنا: { قد جآءتكم موعظة.. ~~} [يونس: 57]. والموعظة إما أن تسمعها أو ترفضها، ولأنها موعظة قادمة { ~~من ربكم } فلا بد من الالتفات والانتباه، وملاحظة أن الحق سبحانه ~~قد اختص الموعظة بأنها من الرب، لا من الإله لأن الإله يريدك عابدا، لكن ~~الرب هو المربي والكفيل، وإن كفرت به. وهذه الموعظة قادمة من الرب، أي: ~~أنها من كمالات التربية، ونحن نعلم أن متعلقات الربوبية تتوزع ما بين ~~قسمين: القسم الأول هو مقومات الحياة ms4608 التي يعطيها الحق سبحانه من قوت ~~ورزق - وهذه المقومات للمؤمن، وللكافر - والقسم الآخر هو مقومات القيم ~~التي ترسم منهج حركة الحياة، وهذه للمؤمن فقط. إذن: فالموعظة هي نوع من ~~التربية جاءت من ربكم المأمون عليكم لأنه هو الذي خلق من عدم وأمد ~~من عدم، ولم يختص بنعمة الربوبية المؤمنين فقط، بل شملت نعمته كل ~~الخلق. # إذن: فالموعظة تجيء ممن يعطي ولا ينتظر منك شيئا، فهو سبحانه منزه ~~عن الغرض لأنه لن ينال شيئا منك فأنت لا تقدر على شيء مع قدرته سبحانه. ~~والموعظة القادمة بالمنهج تخص العقلاء الراشدين لأن حركة العاقل الراشد ~~تمر على عقله أولا، ويختار بين البدائل، أما حركة المجنون فهي غير ~~مرتبة ولا منسقة، ولا تمر على عقله لأن عقله مختل الإدراك وفاقد ~~للقدرة على الاختيار بين البدائل. ولكن لماذا يفسد العاقل الاختيار بين ~~البدائل؟ إن الذي يفسد حركة اختيار العاقل هو الهوى، والهوى إنما ينشأ ~~مما في النفس والقلب ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في الآية التي نحن ~~بصدد خواطرنا عنها: { قد جآءتكم موعظة من ربكم ~~وشفآء لما في الصدور.. } [يونس: 57]. أي: أنه سبحانه قد أنزل ~~عليكم ما يشفي صدوركم من غل يؤثر في أحكامكم، وحقد، وحسد، ومكر، ~~وينقي باطن الإنسان لأن أي حركة من حركات الإنسان لها نبع وجداني، ولا ~~بد أن يشفى النبع الوجداني ليصح حتى تخرج الحركات من الجوارح وهي ~~نابعة من وجدان طاهر مصفى وسليم وبذلك تكون الحركات الصادرة من الإنسان ~~سليمة. ولذلك قال الحق سبحانه: { وشفآء لما في الصدور ~~وهدى ورحمة للمؤمنين } [يونس: 57]. وجاءت كلمة " الشفاء ~~" أولا، لتبين أن الهداية الحقة إلى الطريق المستقيم تقتضي أن ~~تخرج ما في قلبه من أهواء، ثم تدله إلى المنهج المستقيم. وإن سأل ~~سائل عن الفارق بين الشفاء والرحمة؟ نجيب: إن الشفاء هو إخراج لما ~~يمرض الصدور، أما الرحمة فهي اتباع الهداية بما لا يأتي بالمرض مرة ~~أخرى، واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين # [الإسراء: 82]. وهكذا يتبين ms4609 لنا أثر الموعظة: شفاء، وهدى، ورحمة، إنها ~~تعالج ليس ظواهر المرض فقط، ولكن تعالج جذور المرض. إذن: فشفاء الصدور ~~يجب أن يتم أولا لذلك نجد الطبيب الماهر هو من لا ينظر إلى ظواهر المرض ~~فقط ليعالجها، ولكنه يبحث عما خلف تلك الظواهر، على عكس الطبيب غير ~~المدرب العجول الذي يعالج الظواهر دون علاج جذور المرض. ومثال ذلك: ~~طبيب الأمراض الجلدية غير الماهر حين يرى بثورا فهو يعالجها بما يطمسها ~~ويزيلها مؤقتا، لكنها تعود بعد قليل، أما الطبيب المدرب الفاهم فهو ~~يعالج الأسباب التي تنتج البثور، ويزيلها بالعلاج الفعال فيقضي على ~~أسباب ظهورها. وفي القرآن الكريم نجد قصة ابتلاء سيدنا أيوب عليه السلام، ~~فقد قال له الحق سبحانه: # اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب # [ص: 42]. أي: اضرب برجلك ذلك المكان يخرج لك منه ماء بارد، تغتسل منه ~~فيزيل الأعراض الظاهرة، وتشرب منه ليعالج أصل الداء. إذن: فالموعظة ~~وكأنها تجسدت، فجاءت من ربكم - المأمون عليكم - شفاء حتى تعالج ~~المواجيد التي تصدر عنها الأفعال، وتصبح مواجيد سليمة مستقيمة، لا تحلل ~~فيها، وهدى إلى الطريق الموصل إلى الغاية الحقة، ورحمة إن اتبعها ~~الإنسان لا يصاب بأي داء، وهذه الموعظة تؤدي إلى العمل المقبول عند ~~الله سبحانه. ولكن إن صحت لك الأربعة النابعة من الموعظة: الشفاء، ~~والهدى، والرحمة والعمل الصالح، فإياك أن تفرح بذلك ففوق كل ذلك فضل ~~الله عليك ولذلك يقول الحق سبحانه: { قل بفضل الله ~~وبرحمته... }. ### || [10.58] # وأنت وكل المؤمنين مهما عملوا في تطبيق منهج الله، فكلنا بعبادتنا لن ~~نؤدي حق النعم الموجودة عندنا قبل أن نكلف، وعلينا أن نتدبر قول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ~~ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # إذن: فإن افتخر إنسان بطاعته لله، فهذه الطاعة تعود على العبد في دنياه، ~~وهو لن يؤدي بطاعته حق كل النعم التي أسبغها الله عليه. ومثال ذلك: إن ~~العبد لا يكلف إلا عند البلوغ، أي: في سن الخامسة ms4610 عشر تقريبا، فإن ~~نظر إلى النعم التي أسبغها الله تعالى عليه حتى وصل إلى هذه السن، ~~فهو لن يحصيها، فما بالنا بالنعم التي تغمرنا في كل العمر، وحين يجازينا ~~الحق في الآخرة، فهو لا يجازينا بالعدل، بل يعاملنا بالفضل. إذن: إياك أن ~~تقول: أنا تصدقت بكذا، أو صليت كذا حتى لا تورثك استجابتك لمنهج الله ~~غرورا بعملك التعبدي، وتذكر القول المأثور: " رب معصية أورثت ~~ذلا وانكسارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا ". ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم... }. ### || [10.59] # إن تمتع الإنسان في الحياة بالملك والملك، فكل ذلك يحتاج إلى ~~استبقاء الحياة بالرزق الذي يهبنا الحق سبحانه إياه، وكذلك استبقاء ~~النوع بالتزواج بين الذكر والأنثى. ولكن الرزق الذي يستبقي الحياة لا ~~بد أن يكون حلالا لذلك حدد لنا الحق سبحانه وتعالى المحرمات فلا ~~تقربها، وأنت عليك بالالتزام بما حدده الله، فلا تدخل أنت على ما حلل ~~الله لتحرمه لأن الحق سبحانه حدد لك من الطعام ما يستبقي حياتك ~~ويعطيك وقودا لحركة الحياة، فعامل نفسك كما تعامل الآلة التي تصنعها، ~~فأنت تعطي كل آلة الوقود المناسب لها لتؤدي مهمتها، كذلك جعل الله سبحانه ~~لك المواصفات التي تنفعك وتستفيد منها وتؤدي حركات الحياة بالطاقة التي ~~يمدك بها ما حلله الله لك. وكذلك حرم الله عليك ما يضرك. وإياك ~~أن تقول: ما دامت هذه الأشياء تضرني فلماذا خلقها الله لأن عليك أن تعرف ~~أن هناك فارقا بين رزق مباشر، ورزق غير مباشر، وكل ما في الكون هو رزق، ~~ولكنه ينقسم إلى رزق مباشر تستفيد منه فورا، وهناك رزق غير مباشر. ومثال ~~ذلك: النار، فأنت لا تأكل النار، لكنها تنضج لك الطعام. إذن: فهناك شيء ~~مخلوق لمهمة تساعد في إنتاج ما يفيدك. والحق سبحانه قد حلل لك - على ~~سبيل المثال - لحم الضأن والماعز، والإبل والبقر وغيرها، وحرم عليك لحم ~~الخنزير، فلا تسأل: لماذا خلق الله الخنزير لأنه خلقه لمهمة أخرى، ~~فهو يلملم قاذورات الوجود ويأكلها، فهذا رزق غير مباشر، ms4611 فاتركه للمهمة ~~التي أراده الله لها. وبعض الناس قد حرم على نفسه أشياء حللها الله ~~تعالى، وهم بذلك يضيقون على أنفسهم، ويظن البعض أنه حين يحلل ما حرم ~~الله أنه يوسع على نفسه، فيأمر الحق سبحانه رسول صلى الله عليه وسلم أن ~~يقول: { أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق.. } ~~[يونس: 59]. أي: أخبروني ما أنزل الله لكم من رزق، وهو كل ما تنتفعون ~~به، إما مباشرة، وإما بالوسائط، فكيف تتدخلون بالتحليل والتحريم، رغم أن ~~الذي أنزل الرزق قد بين لكم الحلال والحرام؟! وكلمة { أنزل } تفيد ~~أن الرزق كله قادم من أعلى، وكل ما ترونه حولكم هو رزق، تنتفعون به ~~مباشرة، أو بشكل غير مباشر، فالمال الذي تشترى به أغلب الأرزاق لا يأكله ~~الإنسان، بل يشتري به ما يأكله. وكلمة { أنزل } تعني: أوجد، وخلق ~~من أعلى، وما دام كل شيء قد وجد بمشيئة من هو أعلى من كل الوجود، ~~فكل شيء لصالحك مباشرة أو بوسائط. ولا تأخذ كلمة { أنزل } من جهة ~~العلو الحسية، بل خذها من جهة العلو المعنوية، فالمطر - مثلا - ينزل ~~من أعلى حسيا، ويختلط بالأرض فيأخذ النبات غذاءه منها، والرزق بالمطر ~~ومن الأرض مقدر ممن خلق، وهو الأعلى سبحانه. # وقد قال الحق سبحانه: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. # [الحديد: 25]. نعم، فقد أنزل الحق سبحانه منهجه على الرسل عليهم السلام ~~لتصلح حياة الناس، وأنزل الحديد أيضا، هذا الذي نستخرجه من الجبال ومن ~~الأرض. إذن: فالمراد هنا بالإنزال، أي: الإيجاد ممن هو أعلى منك لصالحك ~~أيها الإنسان. وما دام الحق سبحانه هو الذي أنزل الرزق، وبين الحلال ~~والحرام، فلماذا تدخلون أنوفكم في الحلال والحرام، وتجعلون بعض الحلال ~~حراما، وبعض الحرام أو كل الحرام حلالا؟ لماذا لا تتركون الجعل ~~لمن خلق وهو سبحانه أدرى بمصلحتكم؟ { قل ءآلله أذن لكم.. ~~} [يونس: 59]. أي: هل أعطاكم الله سبحانه تفويضا في جعل الحلال ~~حراما، والحرام حلالا؟ { أم على الله تفترون } [يونس: 59] ~~أي: على ms4612 الله تتعمدون الكذب. وقد جاء الحق سبحانه بالحلال والحرام ~~ليبين لنا مدى قبح السلوك في تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم ~~الله. ويشير الحق سبحانه - في إجمال هذه الآية - إلى آيات أخرى فصلت ~~الحرام، وسبق أن تناولناها بخواطرنا، مثل قوله تعالى: # ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ~~ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله ~~الكذب وأكثرهم لا يعقلون # [المائدة: 103]. والبحيرة - كما ذكرنا - هي الناقة التي أنجبت خمس ~~بطون آخرها ذكر، وكانوا يشقون أذنها، ويعلنون أنها قامت بواجبها ~~ويتركونها سائمة غير مملوكة، لا يركبها أحد، ولا يحمل عليها أحد أي ~~حمل، ولا يحلبها أحد، ولا يجز صوفها أحد، ثم يذبحها خدام الآلهة ~~التي كانوا يعبدونها، وسموها " بحيرة " لأنهم كانوا يشقون آذانها ~~علامة على أنها أدت مهمتها. أما السائبة فهي غير المربوطة لأن الربط ~~يفيد الملكية، وكان الواحد منهم إذا شفي من مرض أو أراد شيئا وهب أن ~~يجعل ناقة لخدام الأصنام، واسمها سائبة، وهي أيضا لا تركب، ولا ~~تحلب، ولا يحمل عليها، ولا أحد يتعرض لها. والوصيلة: هي الأنثى تلدها ~~الناقة في بطن واحدة مع ذكر، فيقولون: " وصلت أخاها " فلا يذبحونه ~~للأصنام من أجل أخته. { ولا حام } والحام: هو الفحل الذي يحمي ظهر ~~نفسه بإنجاب عشرة أبطن، فلا يركبه أحد بعد ذلك، ولا يحمل عليه، ويترك ~~لخدام الأصنام. هذه هي الأنعام المحللة التي حرموها على أنفسهم، ~~بينما يأكلها خدام الأصنام، وفي ذكر عدم تحريم تلك الأنعام رأفة بهم. ~~وهناك أيضا قول الحق سبحانه: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء ~~إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين # [الأنعام: 143-144]. إذن: فقد حرموا بعضا مما أحل الله لهم، ms4613 وقالوا ~~ما أورده القرآن: # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركآئنا فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله ~~وما كان لله فهو يصل إلى شركآئهم سآء ما ~~يحكمون # [الأنعام: 136]. وأجمل الحق سبحانه كل ذلك في قوله الحق: { قل ~~أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم ~~منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم أم على ~~الله تفترون } [يونس: 59]. وهكذا تدخلوا في تحريم بعض الحلال ~~وحللوا بعضا من الحرام، وفي هذا تعد ما كان يجب أن يقترفوه لأن الحق ~~سبحانه هو خالقهم، وهو خالق أرزاقهم، وفي هذا كذب متعمد على الله ~~سبحانه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وما ظن الذين يفترون ~~على الله الكذب... }. ### || [10.60] # وهذه الآية توضح أن كل أمر بحساب، فالذين يفترون على الله الكذب سيجدون ~~حسابهم يوم القيامة عسيرا، فالحق سبحانه منزه عن الغفلة، ولو ظنوا أنه ~~لا توجد آخرة ولن يوجد حساب فهم يخطئون الظن. ولو استحضروا ما أعده ~~الله لهم من العذاب والنكال يوم القيامة لما فعلوا ذلك، ولكنهم كالظان ~~بأن الله - سبحانه وتعالى - غافل عن أفعالهم، وكأنها أفعال لا حساب ~~عليها، ولا كتابة لها، ولا رقيب يحسبها. ثم يقول الحق سبحانه: { إن ~~الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا ~~يشكرون } [يونس: 60]. إن الله سبحانه متفضل على كل خلقه - وأنتم ~~منهم - بأشياء كثيرة فلم تحرمون أنفسكم من هذا الفضل؟! ولو شكرتم الله ~~تعالى على هذا التفضل لزاد من عطائكم، لكنكم تنسون الشكر. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { وما تكون في شأن وما تتلوا منه من ~~قرآن... }. ### || [10.61] # والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: ما تكون يا محمد في ~~شأن. والشأن: هو الحال العظيم المتميز الذي يطرأ على الأمر. ونحن في ~~حياتنا اليومية نقول: ما شأنك اليوم أو ما حالك؟ وهنا يجيب السامع بالشيء ~~الهام الذي حدث له أو فعله، ويتناسى التافه من الأمور. ولذلك يصف الله ~~تعالى نفسه فيقول: # كل يوم هو في شأن # [الرحمن: ms4614 29]. أي: لا تظنوا أن ربنا - سبحانه وتعالى - خلق النواميس ~~والقوانين، وقال لها: اعملي أنت، لا فهو سبحانه كل يوم في شأن. ولذلك ~~حين سئل أحد العلماء: ما شأن ربك الآن وقد صح أن القلم قد جف؟ ~~فقال: " أمور يبديها ولا يبتديها ". أي: أنه سبحانه قد رسم كل شيء، وجعل ~~له زمانا ليظهر، فهو سبحانه قيوم، أي: مبالغ في القيام على مصالحكم ~~ولذلك يطمئننا سبحانه - وقد جعل الليل لنومنا وراحتنا - بأنه سبحانه قيوم ~~لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو يراعينا. فالحديث في الآية التي نحن بصددها ~~موجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: { وما تكون في شأن.. } ~~[يونس: 61]. وشأن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يهتم به ليس المأكل ~~ولا المشرب، إنما المهم بالنسبة له هو بلاغ الرسالة بالمنهج ب " افعل " ~~و " لا تفعل ". { وما تكون في شأن وما تتلوا منه من ~~قرآن.. } [يونس: 61]. و " منه " هنا بمعنى اللام، أي: ما تتلو له، ~~وتعني تأبيدا لآيات القرآن. وهناك في موضع آخر من القرآن يقول الحق ~~سبحانه: # مما خطيئاتهم أغرقوا.. # [نوح: 25]. أي: أغرقوا لأجل خطيئاتهم. وهنا في الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها نفهم ما تكون في شأن وما تتلو لأجل هذا الشأن من قرآن، ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم في شأن هام هو الرسالة، ويتلو من القرآن ~~تأبيدا لهذا الشأن وهو البلاغ بالمنهج. ويدخل في هذا الشأن ما فوض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه حسب قول الحق سبحانه: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. ومثال ذلك: تحديد كيفية الصلاة وعدد ركعات كل صلاة، وكذلك ~~نصاب الزكاة، وهذه أمور لم يأت بها القرآن تفصيلا، ولكن جاءت بها ~~الأحاديث النبوية. إذن: فهناك تفويض من الحق للرسول صلى الله عليه وسلم ~~ليكتمل البلاغ بمنهج الله، بنصوص القرآن، وبتفويض الله تعالى له أن ~~يشرع. إذن: فكل شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إما بلاغ عن الله ~~بالنص القرآني، وإما تطبيق فعلي للنص القرآني بالحديث النبوي، وبالأسوة ~~التي تركها ms4615 لنا صلى الله عليه وسلم في سنته. # والحجة على الحكم - أي حكم - يأتي بها القرآن، فإن كانت الأحكام ~~غير صادرة من الله مباشرة، فيكفي فيها أنها صدرت عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بتفويض من الله تعالى ليشرع. وبذلك نرد على المنافقين ~~الذين إذا حدثوا بشيء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالوا: " ~~بيننا وبينكم كتاب الله " وهدفهم أن يردوا حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - فعلا، أو قولا أو إقرارا. ثم ينقل الحق سبحانه الخطاب ~~من المفرد إلى الجماعة فيقول جل شأنه: { ولا تعملون من ~~عمل إلا كنا عليكم شهودا.. } [يونس: 61]. وفي هذا ~~انتقال للسامعين للقرآن، المبلغ إليهم هذا المنهج، فكل عمل إنما يشهده ~~الحق سبحانه. والعمل هو مجموع الأحداث التي تصدر عن الإنسان، فكل حدث ~~يصدر من الإنسان - ولو بنية القلب - يسمى عملا لأن عمل القلوب هو ~~النية. ولكن إذا صدر الحدث من اللسان كان قولا، وإذا صدر الحدث من بقية ~~الجوارح كان فعلا. وهكذا ينقسم العمل إلى قسمين: قول، وفعل. وقد اختص ~~حدث اللسان باسم القول لأن أصل مستندات التكليف كلها قولية. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { إذ تفيضون فيه } أي: تسرعون إلى العمل بنشاط وحيوية ~~وإقبال مما يدل على حسن الاستجابة للمنهج فور أن يبلغه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. والإقبال على العمل التكليفي بهذا الشوق، وتلك اللهفة، وحسن ~~الاستقبال، وإخلاص الأداء، كل هذه المعاني يؤول إليها قول الحق سبحانه: { ~~إذ تفيضون فيه } كما يفيض ماء الإناء إذا امتلأ لينزل. أي: أن ~~تقبلوا على أعمال التكليف بسرعة وانصباب وانسكاب. وقد قال الحق سبحانه: # فإذآ أفضتم من عرفات.. # [البقرة: 198]. أي: شرعتم في الذهاب مسرعين لأنكم أديتم نسكا ~~أخذتم منه طاقة، وتقبلون بها على نسك ثان. إذن: فالحق سبحانه يشهد كل ~~عمل منكم، لكن ماذا عن النيات وما يبيت فيها من خواطر. ها هو الحق ~~سبحانه يخبرنا أن كل شيء مهما صغر واختفى فهو معلوم ومحسوب. يقول الحق ~~سبحانه: { وما يعزب عن ربك من مثقال ms4616 ذرة في ~~الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ~~إلا في كتاب مبين } [يونس: 61]. أي: أن كل أمورك، وأمور ~~الخلق، والمخلوقات كلها معلومة لله تعالى، ومكتوبة في كتاب مبين واضح، ~~فلا أحد بقادر على أن يختلس حركة قلب، أو يختلس حركة ضمير، وكلمة " يعزب ~~" تعني: يغيب ويختفي. والحق سبحانه يخبرنا أنه لا يضيع عنده جزاء أي عمل ~~أو نية مهما بلغ العمل أو النية أدنى درجة من القلة. ولم يوجد عند ~~العرب ما يضرب به المثل على الوزن القليل إلا الذرة، وهي النملة ~~الدقيقة الصغيرة جدا، ثم أطلقت الذرة على الهباء الشائع في الجو، ~~ويمكنك أن ترى هذا الهباء إن جلست في حجرة مظلمة مغلقة، ثم دخلها شعاع ~~من ضوء، هنا ترى هذا الضوء وهو يمر من الثقب وكأنه سهم، وترى مكونات ~~هذا السهم من ذرات الهباء المتحركة الموجودة في الجو، تلك الذرات التي لا ~~تراها وأنت في الضوء فقط أو في الظلام فقط، ولكن التناقض بين الضوء ~~والظلام يبرزها. # وأنت لا تدرك الشيء ولا تحسه لأمرين: إما لتناهيه في الصغر، وإما ~~لتناهيه في الكبر فلا تحيط به، وحين تقدم العلم التطبيقي اخترعوا ~~المجاهر التي تكبر الشيء المتناهي في الصغر آلاف، أو ملايين المرات. ~~وأنت لو وضعت جلدك تحت عدسة المجهر فسترى فجوات وكأنها آبار لم تكن تراها ~~أو تحسها من قبل لأنها بلغت من الدقة والصغر بحيث لا تستطيع عيناك أن ~~تدركها، فإن رأيتها بالمجهر كبرت فترى فجوات وتعاريج وعلوا ~~وانخفاظا - مهما كان الجلد الذي تراه تحت المجهر ناعما. وكذلك أنت لا ~~تقدر على إدراك الشيء الضخم، وقد تفصل بينك وبين الشيء الكبير مسافة ~~فتراه أصغر من حجمه، وكلما ابتعد صغر، فأنت إذا رأيت - مثلا - رجلا ~~طويلا على مسافة كبيرة، فأنت تراه وكأنه طفل صغير، وكلما اقترتب منه زاد ~~طوله في عينيك. إذن: لا الضخامة ولا البعد ولا القلة تمنع من علم ~~الحق سبحانه لأي شيء. وقد خاطب الحق سبحانه العرب بأصغر ما عرفوه، وهو ~~الذرة، ms4617 أي: النملة الصغيرة. وأنت إذا وطأت نملة في أرض رملية فهي لا ~~تموت، بل تدخل في فجوات الرمل، وتجد لنفسها طريقا إلى سطح الأرض مرة ~~أخرى. قد بين الحق سبحانه هذه المسألة حين تحدث عن سليمان - عليه ~~السلام - في وادي النمل، فقال تعالى: # قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون # [النمل: 18]. لأنهم لا يرونهم لحجمهم المتناهي في الصغر. وهكذا يعطينا ~~الحق سبحانه بيانا عن كل أمة في الحياة، وأن من بينهم جنودا يحرسون ~~بيقظة، فالنملة قامت بإنذار قومها من سليمان وجنوده، لأنهم لن يروا النمل ~~الصغير. إذن: الذر إما أن يكون النمل الصغير، وإما أن يكون الذرات ~~الهبائية. وأراد الله سبحانه أن يضرب لنا مثلا بإحاطة علمه في أنه لا ~~يعزب عنه مثقال ذرة. ويعزب، أي: يغيب، ويقال: " هذا البئر ماؤه عازب " ، ~~أي قادم من عمق بعيد، ويحتاج استخراجه إلى دلو وحبال طويلة. ونسمي ~~الرجل الذي يبعد عن أهله " عزب ". وقول الحق سبحانه: { وما يعزب ~~}. أي: لا يبعد ولا يغيب عنه أصغر شيء ولا أكبر شيء. يقول سبحانه ذلك ~~ليطمئننا أن كل خاطرة من خواطر الإنسان إنما يشهدها الله، ويعلمها، ~~وهو المجازي عليها. # وإن استطاع إنسان أن يعمي على قضاء الأرض، فلن يستطيع أن يعمي على ~~قضاء السماء. ومسألة الذرة والصغر يقول عنها الحق سبحانه: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. هذا للمتساوي في الثقل والوزن، أما إن كان أصغر من ~~الذرة، فقد ذكره الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ~~فقال: { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.. } [يونس: 61]. وعلى ~~زمن نزول القرآن الكريم لم يكن أحد يعرف أن هناك ما هو أصغر من الذرة، ~~وكنا جميعا حتى ما قبل الحرب العالمية الأولى لا نعلم أن هناك شيئا ~~أصغر من الذرة، وكان العلماء يعتقدون أن الذرة هي الجزء الذي لا يتجزأ ~~لأنها أصغر ما يقع عليه البصر، فضرب الله مثلا بالأقل في زمن ms4618 نزول ~~القرآن. ولما تقدم العلم بعد الحرب العالمية الأولى واخترعت ألمانيا آلة ~~لتحطيم الذرة قيل عنها: إنها آلة تحطيم الجوهر الفرد. أي: الشيء الذي لا ~~ينقسم، وهذه الآلة مكونة من اسطوانتين مثل اسطوانتي عصارة القصب، ~~والمسافة بين الاسطوانتين لا تكاد ترى، وحين حطمت ألمانيا ما قيل ~~عنه " الجوهر الفرد " تحول إلى ما هو أقل منه، وتفتتت الذرة. وقد جعل ~~الحق سبحانه المقياس في الصغر هو الذرة. وحين اخترعت ألمانيا تلك الآلة ~~توجس المتصلون بالدين وخافوا أن يقال: إن الحق سبحانه لم يذكر ما هو ~~أقل من الذرة، ولكنهم التفتوا إلى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، ~~فقرأوا قول الحق سبحانه: { وما يعزب عن ربك من مثقال ~~ذرة في الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ذلك ~~ولا أكبر إلا في كتاب مبين } [يونس: 61]. و { وما ~~يعزب } أي: لا يبعد أو يغيب { عن ربك } أي: عن علمه { من ~~مثقال ذرة }. أي: وزن ذرة. وقديما قلنا: إن البعض يقول: إن ~~" من " قد تكون حرفا زائدا في اللغة، كقولنا: " ما جاءني من رجل " ~~وتعرب كلمة " من ": حرف جر زائد، و " رجل ": فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة ~~التي منع من ظهورها اشتعال المحل وهو " اللام " بحركة حرف الجر الزائد. ~~ولكن في كلام الله لا يوجد حرف زائد، ف " من " في قوله: { من ~~مثقال ذرة }. أي: من بداية ما يقال له " مثقال ". ويقول الحق ~~سبحانه في آية أخرى: # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.. # [سبأ: 3]. وكلمة { وربي } مقسم به، وحرف " الواو " هو حرف الجر، ~~ولم يأت هنا بالشهادة، وجاء بالغيب، ولم يأت بعلم الغيب في الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها. # وعالم الشهادة، تعني: أنه عالم بكل ما يشهد، ويظن البشر أنها غير ~~محاط بها لعظمتها أو لأن الله غيب فلا يرى إلا الغيب، لكن الحق سبحانه ~~يرى ويعلم الغيب والشهادة. لقد قال الحق كلمة " مقال ذرة " ثلاث مرات: ~~مرة ms4619 حين قال سبحانه: # فمن يعمل مثقال ذرة.. # [الزلزلة: 7]. ومرة حين قال هنا: { من مثقال ذرة في الأرض ~~ولا في السمآء.. } [يونس: 61]. وجاء ب " من " هنا ليبين أنه لا ~~يغيب عن الله تعالى من بداية ما يقال له " مثقال ". وقال الحق سبحانه في ~~موضع آخر: # لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض.. # [سبأ: 3]. وجاء بالسماوات أولا، وجاء في الآية - التي نحن بصدد خواطرنا ~~عنها - بالأرض أولا، وهو في الآيتين يتكلم عن علمه للغيب، فيأتي بمثقال ~~الذرة ويقدم السماء ويأتي بها مفردة، ثم يأتي بما هو أقل من الذرة ~~ويقدم الأرض. وهذا كله من إعجاز أساليب القرآن التي أراد البعض من ~~المستشرقين أن يعترضوا عليها، وكانت جميع اعتراضاتهم نتيجة لعجزهم عن ~~امتلاك ملكة الأداء البياني. وإن عرضنا الرد على تساؤلاتهم نجد أن ~~الحق سبحانه قدم الأرض في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لأنه ~~سبحانه يتكلم عن أهل الأرض: { ولا تعملون من عمل إلا ~~كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه.. } [يونس: 61]. وجاء ~~أيضا بالسماء، وهي السماء الدنيا التي يراها أهل الأرض. أما الآية ~~الأخرى فهو سبحانه يقول: # وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى ~~وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.. # [سبأ: 3]. والكلام هنا عن الساعة، وعلمها عند الله تعالى، ولم تنزل من ~~السماوات إلى السماء الدنيا حتى نقول للمكلفين في الأرض: قوموا ها هي ~~الساعة. ولذلك جاء الحديث هنا عن السماوات أولا لأن علم الساعة عند ~~ربي، ولن ينزل إلا بمشيئته سبحانه. وهكذا جاء كل أسلوب لا بإجمال ~~المعنى، ولكن بدقة جزئياته، فتكلم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، ~~وآية سبأ عن العلم والذرة، والسماء والأرض، وكل آية جاءت الكلمات فيها ~~بتقديم أو تأخير يناسب مجالها. ثم يقول الحق سبحانه: { إلا في ~~كتاب مبين } [يونس: 61]. ولنا أن نلتفت إلى أن الاستثناء هنا لا ~~يخرج ما قبله، بل كل شي مكتوب في الكتاب المبين، ونحن في الدنيا نجد ~~الإنسان إن ms4620 كان له دين عند آخر فهو يحتفظ بالوثائق المكتوبة التي ~~تسجل ما له وما عليه. ولكن، أيحتفظ الحق سبحانه بأعمالنا ونياتنا ~~مكتوبة كحجة له، أم حجة لنا؟ إنه سبحانه يعلم أزلا كل أعمالنا، ولكنه ~~يسجل لنا بالواقع تلك الأعمال والنيات لنعلم عن أنفسنا ماذا فعلنا ~~لتنقطع حجة من أساء إذا وقع به العقاب. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ~~ألا إن أوليآء الله... }. ### || [10.62] # وجاءت هذه الآية بعد كلامه الحق عن نفسه سبحانه بأنه عالم الغيب، ولا ~~يخفى عليه شيء، وشاء الله سبحانه بذلك أن يعلمنا أنه قد يفيض على بعض ~~خلقه فيوضات الإمداد على قدر رياضات المرتاضين، فهب أن الله قد امتن ~~عليك بنفحة، فإياك أن تقول إنها من عندك، بل هي من عند عالم الغيب سبحانه ~~الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وعلى ذلك فلا يقال: إن ~~فلانا قد علم غيبا لأنه ولي لله، بل لنقل: " إن فلانا معلم ~~غيب " لأن الغيب ما غاب عن الناس، وما يغيب عنك ولا يغيب عن غيرك فهو ~~ليس غيبا مطلقا. ومثال ذلك: الرجل الذي سرق منه شيء، هو لا يعرف أين ~~يوجد الشيء الذي سرق منه، ولكنه اللص يعرف، وكذلك من ساعد اللص وأخفاه ~~وأخفى له المسروقات، كل هؤلاء يعلمون، وأيضا الجن الذين كانوا في نفس ~~مكان السرقة يعلمون، وهذا ليس غيبا مطلقا. وأيضا أسرار الكون التي ~~كانت غيبا موقوتا، مثل جاذبية الأرض، والسالب والموجب في الكهرباء، ~~وتلقيح الرياح للسحاب لينزل الماء، كل ذلك كان غيبا في زمن ما، ثم شاء ~~الحق سبحانه فحدد لكل أمر منها ميعاد كشف، فصارت أمورا مشهورة. وقد ~~شاء الحق سبحانه ذلك ليعمل الإنسان ويجتهد ليكشف أسرار الكون. ومن العجيب ~~أن الباحث قد يعمل من أجل كشف معين، فيصادف كشفا آخر لأن الله تعالى قد ~~أذن لذلك الكشف الذي كان غيبا أن يولد، وإن لم يبحث عنه أهل الأرض. ومن ~~اكتشف " البنسلين " رأى العفن الأخضر حول بعض المواد العضوية فبحث عن ~~أسرار ذلك، ms4621 واكتشف " البنسلين ". و " أرشميدس " الذي اكتشف قانون الطفو، ~~واستفادت منه صناعات السفن والغواصات، وكل ما يسير في البحر، وقد تم ~~اكتشاف قانون الطفو صدفة. إذن: ففي الكون غيب قد يصير مشهدا، إما ~~بمقدمات يتابعها خلق الله بالبحث، وإما أن تأتي صدفة في أثناء أي ~~بحث عن شيء آخر. ومثال ذلك: عصر البخار الذي بدأ من رجل رأى إناء مغطى ~~يغلي فيه الماء، فضل غطاء الإناء يرتفع ليخرج بعضا من البخار، وانتبه ~~الرجل إلى أن البخار يمكن أن يتحول إلى طاقة تجر العربات التي تسير على ~~عجل، وهكذا جاء عصر البخار. إذن: فميلاد بعض من أسرار الكون كان ~~تنبيها من الله تعالى لأحد عباده لكي يتأمل ليكتشف سرا من تلك ~~الأسرار. وأغلب أسرار الكون تم اكتشافها صدفة، لنفهم أن عطاء الله ~~بميلادها - دون مقدمات من الخلق - أكثر مما وصل إليه بالعطاء من ~~مقدمات الخلق. ولذلك تجد التعبير الأدائي في القرآن عن لوني الغيب، ~~تعبيرا دقيقا لنفهم أن هناك غيبا عن الخلق جميعا وليست له مقدمات، ~~ولا يشاء الله سبحانه له ميلادا، واستأثر الله بعلمه فلا يعلمه إلا هو ~~سبحانه. # يقول الحق سبحانه: # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شآء.. # [البقرة: 255]. هذا هو الغيب الذي يكشفه الله سبحانه لهم، إما ~~بالمقدمات، أو بالصدفة، وقد نسب المشيئة له سبحانه، والإحاطة من البشر، ~~وهذا هو غيب الابتكارات. أما الغيب الآخر الذي لا يعلمه أحد إلا هو ~~سبحانه ولا يجليه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم، فيقول الحق عنه: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول.. # [الجن: 26-27]. إذن: فالحق سبحانه يفيض من غيبه الذاتي على بعض خلقه، ~~والقرآن الكريم فيه الكثير من الغيب، وأفاضة الله تعالى على رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، وتحققت الأحداث كما جاءت في القرآن. والحق سبحانه يهب ~~بعضا من خلقه بعضا من فيوضاته، وقد أعطى الله سبحانه رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بعضا من الهبات وحدد من يعطيه ms4622 بعضا من الغيب: # إلا من ارتضى من رسول.. # [الجن: 27]. وهي ليست للحصر لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أسوة، وقال ~~فيه الحق سبحانه: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا # [الأحزاب: 21]. ومن يعمل بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم ويقتدي به يهبه ~~الله تعالى هبة يراها الناس فيعرفون أن من يتبع الرسول صلى الله ~~عليه وسلم كقدوة يعطيه الله سبحانه الهبات النوارنية، ولكن هذه الهبة ~~ليست وظيفة، وليست دكانا للغيب، بل هي من عطاءات الله تعالى. وانظر ~~إلى دقة القرآن حين يقول: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو.. # [الأنعام: 59]. أي: أنه سبحانه لم يعط مفتاح الغيب لأحد، والولي من ~~أولياء الله إنما يأخذ الهبة منه سبحانه، لكن مفتاح الغيب هو عند الله ~~وحده. وعندما نتأمل قول الحق سبحانه: { ألا إن أوليآء الله ~~لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } [يونس: 62]. نجد أن كلمة ~~" ولي " من وليه، يليه، أي: قريب منه، وهو أول مفزع يفزع إليه إن ~~جاءه أمر يحتاج فيه إلى معاونة من غيره، وإن احتاج إلى نصرة فهو ينصره، ~~وخيره يفيض على من والاه. ومن يقرب عالما يأخذ بعضا من العلم، ~~ومن يقرب قويا يأخذ بعضا من القوة، ومن يقرب غنيا، إن احتاج، ~~فالغني يعطيه ولو قرضا. إذن: فالولي هو القريب الناصر المعين ~~الموالي. وتطلق " الولي " مرة لله سبحانه، وقد قال القرآن: # فالله هو الولي.. # [الشورى: 9]. لأنه سبحانه القريب من كل خلقه، عكس الخلق الذين ~~يقتربون من بعضهم أو يتباعدون حسب إمكاناتهم، أما الله سبحانه وتعالى فهو ~~الولي المطلق، فقربه من خلق لا يبعده عن خلق، ولا يشغله شيء ~~عن شيء، فهو الولي الحق، وهو سبحانه يقول: # هنالك الولاية لله الحق.. # [الكهف: 44]. فمن يحتاج إلى الولاية الحقة فليلجأ إلى الله، وهو ~~سبحانه يفيض على الأوفياء لمنهجه من الولاية. ونجد التعبير القرآني ~~الدقيق: # الله ولي الذين آمنوا.. # [البقرة: 257]. فهو سبحانه يقرب من عباده المؤمنين، والمؤمنون يقربون من ~~الله تعالى في ms4623 قول الحق سبحانه: { ألا إن أوليآء الله.. } ~~[يونس: 62]. إذن: فالولاية المطلقة لله، وإن قيدت بشيء مضاف ومضاف ~~إليه، فهي مرة تكون من المؤمنين لله، ومرة تكون من الله للمؤمنين. والحق ~~سبحانه لا تحكمه قوانين فبطلاقة قدرته سبحانه إذا رأى في إنسان ما ~~خصلة من خير، فيكرمه أولا، فيصير هذا العبد طائعا من بعد ذلك. وتسمع ~~من يقول: إن فلانا قد خطف من المعصية أي: أنه كان عاصيا، ثم أحب الله ~~تعالى خصلة خير فيه، فهداه. ومثال ذلك: الرجل الذي سقى كلبا، بل ~~احتال ليسقيه بأن ملأ خفه بالماء من البئر ليروي ظمأ الكلب فغفر الله ~~- سبحانه وتعالى - له سيئاته. هذا الرجل لم يكن ليروي الكلب نفاقا ~~للكلب، ولكن لأن الرجل شعر بالعطف على كائن ذي كبد رطبة. إذن: فليست ~~المسائل عند الله تعالى آلية أو ميكانيكية، بل طلاقة قدرته سبحانه تقدر ~~كل موقف كما قدرت اختلاف الخلق، ولذلك قال سبحانه: # ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم.. # [الروم: 22]. فليس عند الله تعالى قالب يضع فيه الخلق، بل سبحانه يخلق ~~الطويل والقصير والسمين والرفيع والأشقر والزنجي، وهذا بعض من طلاقة ~~قدرته سبحانه، وبرحمته سبحانه قرب من خلقه الذين آمنوا أولا، وقربه ~~سبحانه منهم: # يخرجهم من الظلمات إلى النور.. # [البقرة: 257]. فمن يتبع المنهج يأخذ النور، فإذا علم الله سبحانه عمله ~~بمنهجه فهو سبحانه يقربه قربا أكثر فيعطيه هبة اصطفائية يراها ~~الذين حوله وقد يقتدون به. والحق سبحانه يريد من المؤمن الأدب مع خلق ~~الله، فإذا علم سيئة عن إنسان فعليه أن يسترها، لأن الحق سبحانه يحب ~~الستر ويحب من يستر. وأنت قد تكره إنسانا تعلم عنه سيئة ما، وقد ~~تكره كل حسنة من حسناته، فيريد الله ألا يحرمك من حسنات من له سيئة ~~فيسترها عنك لتأخذ بعضا من حسناته، ويأمرك الحق ألا تحتقر هذا المسيء ~~لأنه قد يتمتع بخصلة خير واحدة، فيكرمه الله سبحانه من أجلها أولا، ثم ~~يطيعه هذا العبد ثانيا. والحق سبحانه يقول في الحديث القدسي: # " يا ابن آدم ms4624 أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبا ". # ويقول الله سبحانه في حديث قدسي: # " أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في ~~نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ". # وفي هذا القول يضع مسئولية القرب من الله في يد الخلق، ويضيف الحق ~~سبحانه: # " وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا ~~تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ". # ومن يريد أن يأتيه الله هرولة فليذهب إلى الله ماشيا. إذن: فالإيمان ~~بالله يسلم المؤمن مفتاح القرب من الله. ومن يكن من أصحاب الخلق ~~الملتزمين بالمنهج يقربه الله منه أكثر وأكثر. إذن: فمن الناس من ~~يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، ويدق على باب الحق، فينفتح له الباب، ومن ~~الناس من يصل بكرامة الله أولا إلى طاعة الله ثانيا. ولله المثل ~~الأعلى: أنت كواحد من البشر قد يدق بابك إنسان يحتاج إلى لقمة أو صدقة ~~فتعطيه، وهناك إنسان آخر تحب أنت أن تعطيه، وعندما تعطيه يطيعك من منطلق ~~الإحسان إليه، فما بالنا بعطاء الحق لعباده؟ إذن: فمنهم من يصل بكرامة ~~الله إلى طاعة الله، ومنهم من يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، وحين يصل ~~الإنسان إلى القرب من الله، ويقرب الله من العبد، هنا يكون العبد في معية ~~الله، وتفيض عليه هذه المعية كثيرا. وقد قال أبو العلاء المعري ~~لمحبوبته: # أنت الحبيب ولكني أعوذ به # من أن أكون حبيبا غير محبوب # أي: أنه يستعيذ بالله من أن يكون محبا لمن يرفض حبه، ولكن محبة الله ~~تختلف عن محبة البشر، وسبحانه لا يعامل محبيه كذلك، فأنت حين تحب الله ~~يقربك أكثر وأكثر، ويسمى ذلك " المصافاة " ، فإذا أفاض الله سبحانه ~~على بعض خلقه هبات من الكرامات فعلى العباد الذين اختصهم الحق سبحانه ~~بذلك أن يحسنوا الأدب مع الله، وألا يتبجح واحد منهم متفاخرا بعطاء ~~الله سبحانه له. فالمباهاة بالكرامات تضيعها، ويسلبها الحق سبحانه من ~~الذي يتبجح بها ويتفاخر ويتباهى، فمن ms4625 تظاهر بالكرامة ليس له كرامة. ~~إذن: فالحق سبحانه يريد أن يكون العبد دائما في معيته، وهو سبحانه الذي ~~بدأ وبين بالآية الواضحة أنه سبحانه ولي المؤمنين ولذلك سيخرجهم من ~~الظلمات إلى النور. فقال: # الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات ~~إلى النور.. # [البقرة: 257]. ونحن نعلم أنه سبحانه يأتي بالمحسات ليبين المعنويات ~~لأن إلف الإنسان أولا بالمحسات، وهي أقرب إلى تقريب المراد، فحين ~~يضرب الحق سبحانه لنا المثل بالكفر والإيمان، يصف الكفر بالظلمة، ~~والإيمان بالنور، إنما يريد الحق أن يجعل لك المراد واضحا موصولا ~~بمفهومك. وإذا كنا نتجنب معاطب الظلمات الحسية، أليس الأجدر بنا - ~~أيضا - أن نتجنب معاطب الظلمات المعنوية، إن الظلمة الحسية تستر الأشياء ~~فلا نرى الأشياء، وقد نرتطم بأضعف شيء فنحطمه أو نصطدم بأقوى شيء ~~فيحطمنا. # إذن: فحجب المرائي يسبب الكوارث، أما حين يأتي النور فهو يبين ~~ملامح الأشياء فتسير على هدى وأنت مطمئن. وهب أنك في مكان مظلم ويوجد ~~شيء آخر في مكان منير، فأنت في الظلمة ترى من يوجد في النور، وهذه ~~مسألة لم يفطن لتفسيرها علماء ما قبل الإسلام، حيث كانوا يظنون أن الرؤية ~~إنما تحدث من انتقال شعاع من عين الرائي إلى المرئي، حتى جاء " الحسن ~~بن الهيثم " العالم الإسلامي واكتشف قوانين الضوء، وكشف خطأ ما سبقه من ~~نظريات، وحدد أن المرئي هو الذي يصدر منه شعاع إلى الرائي، وإذا ما كان ~~المرئي في ظلمة فلن يراه أحد، ولو كان هناك شعاع يخرج من الرائي لرأى ~~الإنسان في الظلام. إذن: أول ولاية من الله للمؤمنين أنه سبحانه يخرجهم ~~من الظلمات إلى النور، والظلمة المعنوية أقوى من الظلمة الحسية، وكذلك ~~النور المعنوي أقوى من النور الحسي، فعالم القيم قد يكون أقوى من عالم ~~الحس لأن الجبر في عالم الحس يمكن أن يحدث، أما في عالم القيم فهو أمر ~~شاق ولذلك قال الشاعر: # جراحات السنان لها التئام # ولا يلتام ما جرح اللسان # ويقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { ألا إن ~~أوليآء الله لا ms4626 خوف عليهم ولا هم يحزنون } ~~[يونس: 62]. و " ألا " كما أوضحنا من قبل أداة تنبيه من المتكلم للمخاطب ~~حتى لا تفوته كلمة واحدة مما يجيء في الخطاب. وقوله سبحانه: { لا خوف ~~عليهم.. } [يونس: 62]. أي: لا خوف عليهم من غيرهم { ولا هم ~~يحزنون } [يونس: 62] أي: أن الحزن لن يأتي منهم، والخوف يكون من ~~توقع شيء ضار لم يقع حتى الآن، ولكنه قد يحدث في المستقبل. وفي حياتنا ~~اليومية نجد الأب يمسك بيد ابنه في الزحام خوفا عليه، وقد ترى وليا من ~~أولياء الله وقد أصيب ابنه في حادث أو مات الابن، تجد الولي في ثبات ~~لأنه يعلم حكمة الله في قضائه، فلا تتطوع أنت بالخوف عليه. إذن: فالخوف ~~يأتي من المستقبل، وهو أمر مرتقب، أما الحزن فهو إحساس يحدث على شيء فات. ~~والحق سبحانه يقول: # لكيلا تأسوا على ما فاتكم.. # [الحديد: 23]. والحزن على ما فات عبث لأن ما فات لا يعود. وأولياء الله ~~تعالى لا خوف عليهم لأنهم دائما بصدد معرفة حكمة الله، ومن لا يعرف ~~حكمة الله تعالى في الأشياء قد يقول: " إن فلانا هذا مسكين " لأنك لا ~~تعرف ماذا جرى له. وأما الحزن فهو مشاعر قلبية يريد الله من المؤمن أن ~~تمر على باله. وقد قال صلى الله عليه وسلم حين افتقد ابنه: # " وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون " # ولكنه حزن الورع الذي يتجلى في قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ". # وبين الله سبحانه لنا شروط الولاية فيقول: { الذين آمنوا ~~وكانوا... }. ### || [10.63] # والإيمان هو الأمر الاعتقادي الأول الذي يبنى عليه كل عمل، ويقتضي ~~تنفيذ منهج الله، الأمر في الأمر، والنهي في النهي، والإباحة في الإباحة. ~~والتقوى - كما علمنا - هي اتقاء صفات الجلال في الله تعالى، وأيضا اتقاء ~~النار، وزاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفات من تصدر عنه التقوى ~~لأنها مراحل، # " فقال صلى الله عليه وسلم يصف المتقين: " هم قوم تحابوا بروح الله ~~على غير أرحام بينهم، ولا أموال ms4627 يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم ~~لعلى نور ". # وقد سئل عمر - رضي الله عنه - عن المتقين فقال: " الواحد منهم يزيدك ~~النظر إليه قربا من الله ". وكأنه رضي الله عنه يشرح لنا قول الحق ~~سبحانه: # سيماهم في وجوههم من أثر السجود.. # [الفتح: 29]. وساعة ترى المتقي لله تسر وتفرح به، ولا تعرف مصدر هذا ~~السرور إلا حين يقال لك: إنه ملتزم بتقوى الله، وهذا السرور يلفتك إلى أن ~~تقلده لأن رؤياه تذكرك بالخشوع، والخضوع، والسكينة، ورقة السمت، ~~وانبساط الأسارير. والواحد من هؤلاء ينظر إلى الكون ولا يجد في هذا الكون ~~أي خلل، بل يرى كل شيء في موضعه تماما، ولا يرى أي قبح في الوجود، ~~وحتى حين يصادف القبح، فهو يقول: إن هذا القبح يبين لنا الحسن، ولولا ~~وجود الباطل ومتاعبه لما عشق الناس الحق، وهكذا يصير الباطل من جنود ~~الحق. إن وجود الشر يدفع الناس إلى الخير ولذلك يقال: كن جميلا في ~~دينك تر الوجود جميلا لأنك حين ترى الأشياء وتقبل قدر الله فيها، هنا ~~يفيض الله عليك بهبات من الفيض الأعلى، وكلما تقربت إلى الله زاد ~~اقتراب الله سبحانه منك، ويفيض عليك من الحكمة وأسرار الخلق. ومثال ذلك: ~~العبد الصالح الذي آتاه الله من عنده رحمة وعلمه من لدنه علما، هذا ~~العبد يعلم موسى عليه السلام، فحين قارن بين خرق العبد الصالح لسفينة ~~سليمة، ولم يكن يعلم أن هناك حاكما ظالما يأخذ كل سفينة غصبا ولذلك ~~ناقش موسى العبد الصالح، وتساءل: كيف تخرق سفينة سليمة؟ وهنا بين له ~~العبد الصالح أن الملك الظالم حين يجد السفينة مخروقة فلن يأخذها، وهي ~~سفينة يملكها مساكين. وحين قتل العبد الصالح غلاما، كان هذا الفعل في ~~نظر سيدنا موسى جريمة، ولم يعلم سيدنا موسى ما علمه العبد الصالح أن هذا ~~الولد سوف يسيء إلى أهله، وأمر الله العبد الصالح بقتله قبل البلوغ حتى ~~لا يفتن أهله، وسوف يدخل هذا الولد الجنة ويصير من دعاميص الجنة. ويقال: ~~إن من يموت من قبل البلوغ ليس له ms4628 مسكن محدد في الجنة، بل يذهب حيث يشاء ~~فهو كالطفل الصغير الذي يدخل قصرا، ولا يطيق البقاء في مكان واحد، بل ~~يذهب هنا وهناك، وقد يذهب إلى حيث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أو أبو ~~بكر الصديق، أو عند أي صحابي جليل. # وأيضا حين دخل سيدنا موسى - عليه السلام - مع العبد الصالح إلى قرية ~~واستطعما أهلها فرفضوا أن يطعموهما - وطلب الطعام. هو أصدق ألوان السؤال ~~- فأبى أهل القرية أن يطعموهما، وهذا دليل الخسة واللؤم فأقام العبد ~~الصالح الجدار الآيل للسقوط في تلك القرية. ولم يكن سيدنا موسى - عليه ~~السلام - قد علم ما علمه العبد الصالح من أن رجلا صالحا قد مات وترك ~~لأولاده كنزا تحت هذا الجدار، وبناه بناية موقوتة بزمن بلوغ الأبناء لسن ~~الرشد فيقع الجدار ليجد الأبناء ما ترك لهم والدهم من كنز، ولا يجرؤ أهل ~~القرية اللئام على السطو عليه. إذن: هذه هبات من فيض الحق سبحانه على ~~عباده الصالحين، وهو سبحانه وتعالى يجعل مثل هؤلاء العباد كالصواري ~~المنصوبة التي تهدي الناس، أو كالفنار الذي يهدي السفن في الظلمة. ويقول ~~الحق سبحانه: { لهم البشرى في الحياة الدنيا... }. ### || [10.64] # والبشرى: من البشر والبشارة والتبشير، وكلها مأخوذة من البشرة، وهي ~~الجلد لأن أي انفعال في باطن النفس الإنسانية إنما ينضح على البشرة، فإذا ~~جئت للإنسان بأمر سار تجد أثر هذا السرور على أساريره، وإن جئت للإنسان ~~بخبر سيىء تجد الكدر وقد ظهر على بشرته، فالبشرة هي أول منفعل بالأحداث ~~السارة أو المؤلمة. وحين يقال: " بشرى " فهذا يعني كلاما إذا سمعه ~~السامع يظهر على بشرته إشراق وسرور لأنه كلام مبشر بخير. وحين # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البشرى، قال: " إنها الرؤية ~~الصالحة ترى للمؤمن أو يراها " " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " إنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ". # وقد أوحي للنبي صلى الله عليه وسلم بالرؤيا ستة أشهر، وأوحي إليه في ~~اليقظة ثلاثة وعشرين عاما، فإذا نسبت الستة أشهر إلى الثلاثة والعشرين ~~عاما، تجد أن ms4629 الستة أشهر تمثل جزءا من ستة وأربعين جزءا. والرؤيا ليست ~~هي الحلم لأن الرؤيا هي شيء لم يشغل عقلك نهارا، وليس للشيطان فيه ~~دخل. والمثل العامي يقول: " الجوعان يحلم بسوق العيش " فإن كان ما يراه ~~الإنسان في أثناء النوم له علاقة بأمر يشغله، فهذا هو الحلم، وليس ~~للرؤيا، وإن كان ما يراه الإنسان في أثناء النوم شيئا يخالف منهج الله، ~~فهذه قذفة من الشيطان. إذن: فهناك فارق بين الرؤيا والحلم، وأضغاث ~~الأحلام. البشرى - إذن - هي الرؤيا الصالحة، أو هي المقدمات التي تشعر ~~خلق الله بهم فتتجه قلوب الناس إلى هؤلاء الأولياء، وقد تجد واحدا ~~أحبه الله تعالى في السماء، # " فيقول الله سبحانه وتعالى لجبريل عليه السلام: " إني أحب فلانا ~~فأحبه. قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في السماء فيقول: إن الله ~~يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء. قال: ثم يوضع له القبول في ~~الأرض ". # وساعة تراه مكتوبا له القبول، فالكل يجمعون على أن في رؤيتهم لهذا ~~المحبوب من السماء سمتا طيبا، وهذه هي البشرى. أو أن البشرى تأتي ~~لحظة أن يأتي ملك الموت، فيلقي عليه السلام، ويشعر أن الموت مسألة ~~طبيعية، مصداقا لقول الحق سبحانه: # الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام ~~عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون # [النحل: 32]. أو ساعة يبيض الوجه حين يأخذ الإنسان من هؤلاء كتابه ~~بيمينه، وهذه بشرى في الدنيا وفي الآخرة. والحق سبحانه يقول: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * ~~نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا.. # [فصلت: 30-31]. إذن: فهؤلاء الأولياء يتلقون من فيوضات الله عليهم ~~بواسطة الملائكة ويتميزون عن غيرهم لأن الواحد منهم قد يفرض على نفسه ~~نوافل فوق الفروض لأن الفروض هي أقل القليل من التكاليف. # وقد يرى واحد منهم أن القيام بالفروض لا يتناسب مع حبه لله تعالى فيزيد ~~من جنسها على ما فرض الله، ويصلي - بدلا من خمسة فروض - عشرة أخرى ~~نوافل، أو يصوم مع رمضان شهرا أو اثنين، أو ms4630 يصوم يومي الاثنين والخميس ~~من كل أسبوع. وهذا دليل على أنه وجد أن الفروض قليلة بالنسبة لدرجة حبه ~~لله تعالى، وأن الله تعالى يستحق أكثر من ذلك، وهذا معناه أن مثل هذا ~~العبد قد دخل في مقام الود مع الله تعالى، وهنا يفيض الله سبحانه وتعالى ~~عليه بما يشاء، وينال من رضوان الله ما جاء في الحديث القدسي: # " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب ~~إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، ~~فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش ~~بها، ورجله التي يمشي عليها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني ~~لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت ~~وأنا أكره مساءته ". # وهكذا تختلف المقاييس بين عبد يحب الله تعالى ويؤدي فوق ما عليه، وعبد ~~آخر يقوم بالتكاليف وحدها. وينهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها بقوله: { لا تبديل لكلمات الله ذلك هو ~~الفوز العظيم } [يونس: 64]. وما دام الحق سبحانه قد قال: { لا ~~تبديل لكلمات الله.. } فلن تجد أحدا قادرا على ذلك، كما أن ~~الخلق مقهورون كلهم يوم القيامة ومن كان يبيح له الله تعالى أن يملك ~~شيئا في الدنيا لم يعد مالكا لشيء، بدليل أن الكل سيسمع قول الحق ~~سبحانه: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وما دام الحق سبحانه قد وعد ببشرى الدنيا وبشرى الآخرة، فلا ~~تبديل لما حكم به الله، فلا شيء يتأبى على حكم الله تعالى، والوعد ~~بالبشريات في الدنيا وفي الآخرة فوز عظيم مؤكد. ويقول الحق سبحانه بعد ~~ذلك: { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا... ~~}. ### || [10.65] # تجيء هذه الآية بعد أن بين لنا الله سبحانه وتعالى اعتراضات الكفار، ~~وإيذاءهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم له وقولهم فيه ما ~~قالوه، وفيما قالوه ما أحزنه صلى الله عليه وسلم لذلك طلب منه الحق ~~سبحانه ألا ينفعل لما قالوه انفعال الحزين، ms4631 فقد قالوا: ساحر، وكاذب، ~~ومفتر، ومجنون، وقد نفى عنه الحق سبحانه كل ما قالوه، فلو كان محمد ~~صلى عليه وسلم ساحرا فلماذا لم يسحرهم هم أيضا، وهل للمسحور إرادة مع ~~الساحر؟! إذن: كذب قولهم في أنه صلى الله عليه وسلم سحر عبيدهم ~~وأولادهم. وقالوا: مجنون، ولم يكن في سلوكه صلى الله عليه وسلم أدنى أثر ~~من جنون، وفند أقوالهم هذه بقوله سبحانه: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4]. فالمجنون لا يكون على خلق عظيم أبدا. وحين قالوا: إنه ~~افترى القرآن، تحداهم أن يأتوا بسورة من مثل ما قال، وعجزوا عن ذلك رغم ~~أنهم مرتاضون للشعر والأدب والبيان. وقول الحق سبحانه: { ولا يحزنك ~~قولهم.. } [يونس: 65] لأن أقوالهم لا حصيلة لها من الوقوف أمام ~~الدعوة لأن {.. العزة لله جميعا.. } [يونس: 65] والعزة هي ~~القوة، والغلبة، ويقال: هذا الشيء عزيز، أي: لا يوجد مثله، وهو سبحانه ~~العزيز المطلق لأنه لا إله إلا هو لا يغلب ولا يقهر. وتلحظ حين ~~تقرأ هذه الآية وجود حرف " الميم " فوق كلمة { قولهم } وتعني: ضرورة ~~الوقف هنا. ولسائل أن يقول: كيف يلزم الوقف هنا مع أن القرآن الكريم ~~مبني على الوصل وآخر حرف في كل سورة تجده منونا، وليس في القرآن ما ~~يلزم الوقف للقارىء؟ وأقول ردا على هذا التساؤل: إن العلماء حين ~~لاحظوا ضعف ملكة اللغة جاءوا بهذا الوقف ليتفهم القارىء - الذي لا علم ~~له بالبيان العربي - كيف يقرأ هذه الآية، فهب أن واحدا لا يملك فطنة ~~الأداء، فينسب {.. إن العزة لله جميعا.. } [يونس: 65] إلى ~~{ ولا يحزنك قولهم.. } [يونس: 65]. ويخطىء الفهم، ويظن - معاذ ~~الله - أن العزة لله هي أمر يحزن النبي صلى الله عليه وسلم لذلك جاء ~~العلماء بالوقف هنا لندقق القراءة ونحسن الفهم. ولذلك علينا أن نقرأ ~~{.. ولا يحزنك قولهم.. } [يونس: 65] ثم نتوقف قبل أن نتابع ~~القراءة { إن العزة لله جميعا.. } [يونس: 65] وبهذا نفهم ~~المعنى: يجب ألا تحزن يا محمد لأن أقوالهم لن ms4632 تغير في مجرى حتمية ~~انتصارك عليهم. ويريد الحق سبحانه هنا أن يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم ~~في أمر محدد، هو أنه صلى الله عليه وسلم مهمته هي البلاغ فقط، وليس عليه ~~أن يلزمهم بالإيمان برسالته والتسليم لمنهجه. # وبين له الحق سبحانه: أنهم إذا ما صدوا بعد بلاغك، فلا تحزن مما ~~يقولون فأقوالهم لا يقوم عليها دليل، ولا تنهض لها حجة، وقد جاء فيهم ~~قول الحق سبحانه: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم.. # [النمل:14]. وأقوالهم لن تقف في سبيل دعوتك، وسيتم الله نوره، ولا ~~يوجد أعز من الله سبحانه وتعالى، ولن يجير أحد على الله أحدا، فهو ~~سبحانه يجير ولا يجار عليه. وإذا كانت العزة هي القهر والغلبة، وقد ~~تكون عزة حجة، وقد تكون عزة حلف، وقد تكون عزة حكمة، وكل واحد من خلق ~~الله سبحانه قد توجد له عزة مجال ما أو محيط ما، لكن العزة لله سبحانه ~~شاملة مطلقة في كل محيط وفي كل مجال، شاملة لكل شيء وأي شيء. ولماذا لم ~~يأت الحق سبحانه بأسلوب القصر في هذه الآية؟ أي: أن تأتي الصفة للموصوف ~~وتنفيها عما عداه كأن نقول: " لزيد مال ليس لغيره ". وإذا قدمنا الجار ~~والمجرور - وهو المتعلق - فنقول: " لفلان كذا " ، وهذا يعني أن غير ~~فلان ليس له كذا. وإن قلنا: " فلان له كذا " فيصح أن نقول: " ولفلان ~~كذا، ولفلان كذا، ولفلان كذا ". أما إذا قلت: " لفلان كذا " فمعناها: ~~امتناع أن يكون لغير فلان شيء من مثل ما قلت. وهنا يقول الحق سبحانه: {.. ~~إن العزة لله جميعا.. } [يونس: 65] وجاء بالتأكيد ولم يأت ~~لها بأسلوب القصر الذي يعطي العزة لله سبحانه وينفيها عن غيره لأنه لا ~~يوجد لهذه الآية مناهض، وهو كلام ابتدائي يخبر به الله سبحانه خبرا ~~كونيا بأن العزة لله جميعا. وما دام الحق سبحانه هو الذي يقول ذلك - ~~وهو خالق الخلق - فلن تأتي قضية كونية تناقضها، ولو وجدت - معاذ الله - ~~قضية كونية تناقضها، فالآية لن تكون صادقة. وهذا لم ولن يحدث أبدا مع ~~آيات الحق سبحانه ms4633 لأنه هو خالق الكون، وهو منزل الآيات فلا يمكن أن يحدث ~~تناقض أبدا بين الكون وكلام خالق الكون سبحانه وتعالى. وقد حدث أن ادعى ~~بعضهم العزة لنفسه وقالوا: # .. لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل.. # [المنافقون: 8]. وكان مغزى قولهم هو ادعاء العزة لأنفسهم، وادعاء الذلة ~~للمؤمنين. إذن فالعزة قد ادعيت، وما دامت قد ادعيت فلماذا لم تأت ~~بأسلوب القصر؟ نقول: لا، لقد شاء الحق سبحانه أن يقول: # .. ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.. # [المنافقون: 8]. فالعزة لله لا تتعداه، ولكنه سبحانه شاء أن تكون عزة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم وعزة المؤمنين من باطن عزة الله تعالى. # وقول الحق سبحانه هنا: {.. إن العزة لله جميعا.. } أي: في ~~كل ألوانها هي لله سبحانه وتعالى، إن كانت عزة حكمة فهو الحكيم، وإن ~~كانت عزة القبض على الأمور فهو العزيز، وإن كانت عزة الحلم فهو الحليم، ~~وإن كانت عزة الغضب والانتقام فهو المنتقم الجبار، وكل ألوان العزة ~~لله تعالى: {.. هو السميع العليم } [يونس: 65]. وما دامت العزة ~~هي الغلبة والقهر، فالله سبحانه يسمع من يستحق أن يقهر منه، وما دام ~~الأمر فيه قول فهو يجيء بالسمع، وإن كان فيه فعل، فهو يأتي بصفة العليم، ~~فهو السميع لما يقال والعليم بما يفعل. ونحن نعلم أن المنهي عنه هنا ~~هو: { ولا يحزنك قولهم.. } [يونس: 65]. لذلك كان المناسب أن ~~يقال: { هو السميع.. } أولا. ويريد الحق سبحانه أن يدلل على هذه ~~القضية دلالة كونية في آيات الله تعالى في الكون، وليس في الوجود أو ~~الكون من يقف أمامه سبحانه لذلك لا بد أن نلحظ أن قانون " العزة لله ~~جميعا " محكوم بأن لله تعالى ما في السماوات وما في الأرض. لذلك يقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك: { ألا إن لله من في السماوات... }. ### || [10.66] # فالحق سبحانه - إذن - لن يخرج كائن من كان عن ملكه. وساعة تجد الحق ~~سبحانه يبين الشيء وضده، فهو يأتي بالقانون والإطار # لله ما في السماوات وما في الأرض.. # [البقرة: 284]. ومثال ذلك: حين تبع قوم فرعون موسى - عليه السلام ms4634 - ~~وقومه، قال أصحاب موسى: # إنا لمدركون # [ الشعراء: 61]. قالوا ذلك لأنهم رأوا البحر أمامهم، فشاء الحق سبحانه ~~أن يبين لهم أن البحر لن يعوق مشيئته سبحانه، ولم ينفلت البحر من قوة ~~الله تعالى لأن لله ما في السماوات وما في الأرض، والبحر منها لذلك انفلق ~~البحر، فكان فرق كالطود العظيم. فلا شيء يخرج عن ملكه سبحانه تعالى ~~ولذلك يأتي الحق سبحانه بالنقيض، فبعد أن جعل الحق سبحانه لهم مسلكا في ~~البحر، وكل فرق كالطود العظيم، ويظل البحر مفلوقا فيدخل قوم فرعون فيه. ~~والحق سبحانه يقول لموسى عليه السلام: # واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون # [الدخان: 24]. فيأمر الحق سبحانه البحر أن يعود كما كان فيغرق قوم فرعون ~~بعد أن أنجى الله - سبحانه وتعالى - موسى - عليه السلام - ومن معه، فأهلك ~~وأنجى بالشيء الواحد لأنه سبحانه له ما في السماوات وما في الأرض، ~~وليبين الحق سبحانه لنا أنه لا شيء في كون الله تعالى يقوم مقام عزته ~~سبحانه أبدا. وهناك مثال آخر: حين يقول نوح - عليه السلام - لابنه: # يبني اركب معنا.. # [هود: 42]. فيرد الابن قائلا: # سآوي إلى جبل يعصمني من المآء.. # [هود: 43]. وهذا كلام صحيح من ناحية أن الجبل يعلو مستواه عن مستوى ~~المياه، ولكن ابن نوح نسي أن لله تعالى جنديا آخر هو الموج فكان من ~~المغرقين. صحيح أن ابن نوح فطن إلى أن السفينة سوف تستوي على " الجودي " ~~، وأن من يركبها لن يغرق، وكذلك من يأوي إلى الجبل العالي، لكنه لم يفطن ~~إلى الموج الذي حال بينه وبين الجبل فكان من المغرقين. إذن: فكل كائن هو ~~مؤتمر بأمر من الله تعالى، وما دامت العزة لله جميعا فمصداقها أن لله ~~تعالى ما في السماوات وما في الأرض، وليس هناك كائن في الوجود يتأبى ~~على أن يكون جنديا من جنود الحق سبحانه، فيكون جنديا للإهلاك، وجنديا ~~للنجاة في نفس الوقت. وقول الحق سبحانه هنا: ألا نعلم منه أن ألا أداة ~~تنبيه للسامع فلا يؤخذ على غرة ولا تفوته حكمة من حكم الكلام، وينتبه ~~إلى ms4635 أن هناك خطابا عليه أن يجمع عقله كله ليحسن استقبال ما في هذا ~~الخطاب. ويقول الحق سبحانه: { ألا إن لله من في السماوات ~~ومن في الأرض.. } [يونس: 66]. # ولقائل أن يقول: هناك كثير من الكائنات غير العاقلة، وقوله هنا { من } ~~مقصود به الكائنات العاقلة؟ ولنا أن نتساءل للرد على هذا القائل: وهل ~~هناك أي شيء في الوجود لا يفهم عن الله؟ طبعا لا، والله سبحانه وتعالى ~~هو القائل عن الأرض: # يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 4-5]. إذن: فكل الكائنات في عرف الاستقبال عن الله سبحانه ~~سواء ب " من " أو ب " ما " ، وكل من في الوجود يفهم عن الله. ونلحظ ~~أن الحق سبحانه يأتي مرة بالقول: # وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها.. # [آل عمران: 83]. ومرة يقول الحق سبحانه: { ألا إن لله من في ~~السماوات ومن في الأرض.. } [يونس: 66]. كما جاء في هذه الآية ~~التي نحن بصددها الآن. شاء الحق سبحانه ذلك، لأن هناك جنسا في الوجود ~~يوجد في السماء ويوجد في الأرض، وهم الملائكة المدبرات أمرا، ~~هؤلاء هم المقصودون بأن لله ما في السماوات والأرض. ولله سبحانه وتعالى ~~أيضا جنس في السماوات لا يوجد في الأرض وهم الملائكة المهيمون العالين، ~~وليس لهم وجود على الأرض، كما أن لله تعالى جنودا في الأرض ليس لهم وجود ~~في السماء، فإن لاحظنا الملائكة المدبرات أمرا، نجد أن قول الحق سبحانه: # لله ما في السماوات وما في الأرض.. # [البقرة: 284]. مناسب لها. وإن لاحظنا أن لله ملائكة مهيمين في السماء، ~~وجنودا في الأرض لا علاقة لهم بالسماء يكون مناسبا لذلك قول الحق ~~سبحانه: { ألا إن لله من في السماوات ومن في ~~الأرض.. } [يونس: 66]. وما دام كل شيء في الكون مملوكا لله تعالى فلا ~~شيء يخرج عن مراده سبحانه، فلا يوجد مثلا غار يدخله كائن فرارا من الله ~~لأنه سبحانه قادر على أن يسد الغار، وإن شاء الله سبحانه أن يساعد من دخل ~~الغار فهو تعالى يعمي بصر من يرقب الغار. إذن: فلن ms4636 يجير شيء على الله ~~تعالى، وستظل له صفة العزة لا يخدشها خادش من وجود الله في الكون. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وما يتبع الذين يدعون من دون ~~الله شركآء.. } [يونس: 66]. ومعنى اتباعهم شركاء كأن هناك شركاء، ~~رغم أن الأصل والحقيقة ألا شركاء له سبحانه. إذن: فهم يتبعون غير شيء ~~والدليل على ذلك موجود في طي القضية، فهم يبعدونهم من دون الله تعالى، ~~ومعنى العبادة أن يطاع أمر وينهى نهي، وما يعبدونه من أشياء لا أوامر لها ~~ولا نواهي فليس هناك منهج جاءوا به. إذن: فلا ألوهية لهم. إذن: فالأصل ~~ألا شركاء لله تعالى، ولو كان له شركاء لأنزلوا منهجا ولأوجدوا أوامر، ~~وكان لهم نواه لأن الذي يقول: " اعبدني " إنما يحدد طريقة وأسلوب ~~العبادة. # وهاتوا واحدا من الذين تتبعونهم وتدعون لهم يكون له منهج، ولن يستطعيوا ~~ذلك، ولاحق سبحانه هو القائل: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. أي: أننا لو افترضنا أن هناك آلهة ولها مظهر قوة كالشمس ~~التي تضيء والقمر الذي ينير، والمطر الذي ينزل من السماء، والملائكة التي ~~تدبر الأمر، لو صدقنا أن كل هؤلاء آلهة، فهم سيبحثون عن الإله الواحد ~~الأحد ليأخذوا منه القوة التي ظننتم أنها لهم. ولذلك يقول الحق سبحانه: # وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما ~~يصفون # [المؤمنون: 91]. إذ لو كان هذا الأمر صحيحا لكانت هناك ولايات إلهية. ~~ولذلك قال الحق سبحانه: # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة.. # [الإسراء: 57]. وهم قالوا إنهم يعبدون الملائكة، وعليهم أن يعلموا أن ~~الملائكة نفسها تعبد الله سبحانه وتعالى، وما دام لا يوجد شركاء لله ~~لتتبعوهم إذن: فأنتم تتبعون الظن. لذلك جاء قول الحق سبحانه: { إن ~~يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون } [يونس: ~~66]. ونحن نجد الذين أولعوا بأن يوجدوا في القرآن ظاهر تعارض ليشككوا ~~فيه، قالوا: إن هذه الآية مثال على ذلك فيقولون: في بداية الآية يقول: { ~~وما يتبع ms4637 الذين يدعون من دون الله شركآء.. } ~~[يونس: 66]. فينفي أن المشركين يتبعون شركاء لله، ثم يأتي في آخر الآية ~~فيقول إنهم يتبعون الظن والخرص، ففي أولها ينفي الاتباع، وفي آخرها ~~يثبته. وهذا جهل ممن قال بهذا وادعى أن هناك تناقضا في الآية، فالله ~~سبحانه ينفي أن يكون ما يدعوه هؤلاء المشركون شركاء لله في ملكه، فلله ~~من في السماوات ومن في الأرض، ولكنه يثبت أنهم يتبعون الظن والخرص ~~والتخمين. ونقول: ما هو الظن؟ وما هو الخرص؟ إن الظن حكم بالراجح كما ~~أوضحنا من قبل في النسب من أن هناك نسبة إن لم تكن موجودة فهي مشكوك ~~فيها، أو نسبة راجحة، أو أن نسبة يتساوى فيها الشك مع الإثبات، فإن كان ~~الشك مساويا للإثبات فهذا هو الشك. وإن رجحت، فهذا هو الظن. أما المرجوح ~~فنسميه وهما. الظن - إذن - حكم بالراجح. والخرص: هو التخمين، والقول ~~بلا قاعدة أو دليل. والحق سبحانه يقول هنا: { إن يتبعون إلا ~~الظن وإن هم إلا يخرصون } [يونس: 66]. والقرآن حين يوجه ~~خطابا فهو يأتي بالخطاب المستوعب لكل ممكن، وهو سبحانه حكم عليهم هنا ~~أنهم يتبعون الظن والخرص. ونحن نعلم أن الكافرين قسمان: قسم يعلم ~~حقيقة الشيء، ولكنه يغير الحقيقة إلى إفك وإلى خرص، وقسم آخر لا يعرف ~~حقيقة الشيء، بل يستمع إلى من يعتقد أنه يعرف. إذن: فهناك متبع - ~~بكسر الباء - وهناك متبع - بفتح الباء - المتبع - بفتح الباء - ~~يعلم أن ما يقوله هو كلام ملتو، يشوه الحقيقة ويزينها، أما المتبع - ~~بكسر الباء - فيظن أنه يتبع أناسا عاقلين أمناء فأخذ كلامهم بتصديق. # إذن: فالمتبع بكسر الباء يكون الظن من ناحيته، أما المتبع بفتح الباء ~~فيكون الخرص والكذب والافتراء من ناحيته ولذلك يقول لنا الحق سبحانه: # ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ~~وإن هم إلا يظنون # [البقرة: 78]. هؤلاء - إذن - يصدقون ما يقال لهم لأنهم أميون، ~~والكلام الذي يقال لهم راجح، وهم لو فكروا بعقولهم لما انتهوا إلى أنه ~~كلام راجح. أما الآخرون فيقول فيهم الحق سبحانه: # فويل للذين يكتبون الكتاب ms4638 بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا.. # [البقرة: 79]. وهؤلاء هم الذين يأتي منهم الخرص والإفك وقول الزور ~~والبهتان. إذن: فالكفار إن كانوا من الأميين فهم من أهل الظن، وينطبق ~~عليهم قول الحق سبحانه: { إن يتبعون إلا الظن.. } [يونس: ~~66]. وإن كانوا من القادة والرؤساء فهؤلاء هم من ينطبق عليهم قول الحق ~~سبحانه: { وإن هم إلا يخرصون } [يونس: 66]. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا ~~فيه... }. ### || [10.67] # وشاء الحق سبحانه بعد أن بين الإيمان والمؤمنين، وما يمكن أن يدعيه ~~الكافرون في نبي الرسالة، وبعد أن بين المنهج، ها هو سبحانه يأتي ~~بالكلام عن آياته سبحانه في الكون تأييدا للمطلوب بالموجود. فالمطلوب أن ~~نؤمن برسول يبلغ منهجا عن الله ليكون هذا المنهج نافعا لنا، وإن ~~أراد أحد دليلا على ذلك فلينظر إلى الآيات التي وجدت للإنسان من قبل أن ~~يكلف، أهي في مصلحته أم غير مصلحته؟ وما دامت الآيات الموجودة في ~~الكون - والمسخرة للإنسان - تفيد الإنسان في حياته، فلماذا لا يشكر من ~~أعطاه كل تلك النعم، وقد أعطى الحق - سبحانه وتعالى - الإنسان من قبل ~~التكليف الكثير من النعم، وفور أن يصل إلى البلوغ يصير مكلفا. إذن: ~~فالله سبحانه لم يكلف أحدا إلا بعد أن غمره بالنعم النافعة له باعتقاد ~~من العبد وصدق من الواقع. فإذا ما جاء لك التكليف، فقس ما طلب منك ~~على ما وجد لك، فإذا كنت تعتقد أن الآيات الكونية التي سبقت التكليف ~~نافعة لك قبل أن يطلب منك " افعل كذا " و " لا تفعل كذا " فخذ منها ~~صدقا واقعا يؤيد صدق ما طلب منك تكليفا، فكما نفعك في الأولى، فالحق ~~سبحانه سينفعك باتباعك التكليف، واستقبل حركة الحياة على ضوء هذا ~~التكليف لتسعد. ونحن نعلم أن الأصل في الإنسان أن يرتاح أولا ليتحرك، ثم ~~يتعب، ثم يرتاح ولذلك نجد التكاليف قد جاءت على نفس المنوال، فقد أراحك ~~الحق سبحانه إلى سن البلوغ وأخذت نعم الله تعالى وتمتعت بها إلى سن ~~البلوغ، ارتحت اختيارا، ms4639 وارتحت في مراداتك، ثم تجيء " افعل " و " لا ~~تفعل " لتلتزم بما يصلح لك كل أحوالك. وإذا كان التكليف سيأخذ منك ~~بعضا من الجهد، فهناك فاصل زمني للراحة، وأنت في حياتك تجد وقتا ~~للراحة، ووقتا للحركة، والراحة تجعلك تسعى بنشاط إلى الحركة، والحركة ~~تأخذ منك الجهد الذي تحب أن ترتاح بعده. إذن: فالحركة تحتاج للراحة، ~~والراحة تحتاج للحركة. وجاء الحق سبحانه إلى الفترة الزمنية المسماة " ~~اليوم " ، فبين لنا أنه كما قسم الوجود الإنساني إلى مرحلتين: ~~الأولى: هي ما قبل البلوغ ولا تكليف فيها. والثانية: هي ما بعد البلوغ ~~وفيها التكليف. فقد قسم الله سبحانه أيضا " اليوم " إلى وقت للراحة ~~ووقت للحركة، فقال تعالى { هو الذي جعل لكم اليل ~~لتسكنوا فيه والنهار مبصرا.. } [يونس: 67]. فكما خلق ~~الحق سبحانه لنا اليوم وفيه وقت للراحة، ووقت للحركة، كذلك شرع الحق ~~سبحانه منهج الدين لتستقيم حركة الحياة لأن الإنسان - الخليفة في الأرض - ~~لا بد أن يتحرك، ولا بد أن تكون حركته على مقتضى " افعل كذا " و " لا ~~تفعل كذا " ، وما لم يرد فيه " افعل " و " لا تفعل " فهو مباح إن شاء ~~فعله، وإن شاء لم يفعله. # وكل فعل، وكل نهي يتطلب حركة، وإياك أن تتصور أن النهي لا يتطلب حركة ~~لأنك تتحرك في أمر ما ثم يأتيك قرار التوقف، وقد تتوهم أن التوقف لا ~~يحتاج إلى حركة لأنه سلبك ملكة القيام بما تعمل، ولكنك تنسى أن هناك حركة ~~داخلية، وهي الدوافع التي كانت تلح عليك أن تقوم بما تشتهيه نفسك ولا ~~يواكب منهج الله، وأنت تكبت تلك الدوافع وتكبح جماحها لأن الله سبحانه قد ~~أمرك بذلك. وما دامت هناك حركة فلا بد أن يأتي منها تعب لذلك جعل الله ~~تعالى لك حقا في الراحة. وكذلك عمر الإنسان، لم يكلف الله - تعالى ~~- الإنسان إلا بعد البلوغ، وترك له الفترة الأولى من عمره دون تكليف منه ~~وحساب، لكنه سبحانه لم يقطع عنه التكليف في تلك المرحلة بتاتا، وإنما ~~منع حسابه على ما " يفعل " أو " لا يفعل " ، وترك ms4640 مسئولية التدريب على ~~التكليف للأب مثلا، فالأب يقول لابنه: " لا تكذب " فإن كذب فالأب ~~يعاقبه، وهكذا يكون الأمر من الوالد، والنهي للولد والأمر والنهي يتطلب ~~ثوابا أو عقابا. ويبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر ~~فيقول: # " مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين ". # والذي يأمر هنا الابن بالصلاة هو الأب، وهو أيضا الذي يعاقب على ترك ~~الصلاة، وهو الذي يثيب ابنه إن أراد أن يجعل الصلاة محبوبة للابن، وأن ~~يجعل للابن أنسا بالعبادة. وحين يكلف الأب ابنه بالصلاة، فالابن يطيع ~~لأن الأب هو الذي يقضي حاجات الابن، ويحقق له مصالحه، والابن يعلم أن ~~والده لن يكلفه إلا بما يحقق تلك المصالح، وهو يفعل ذلك لأنه يحبه لذلك ~~جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر والنهي من النافع للابن لتوجد ~~حيثية قبول في النفس. وما إن يأت البلوغ فيكون التكليف من الله والأمر من ~~الله، والثواب والعقاب منه سبحانه. إذن: فالأمر والنهي قبل البلوغ يأتيان ~~من الأب ليتعود الإنسان استقبال الأمر والنهي من ربه ورب أبيه. وإذا كانت ~~الحياة والسير فيها على ضوء منهج الله تعالى يقتضي حركة في " افعل " و " ~~لا تفعل " فلا بد أن يحتاج الإنسان إلى راحة من الحركة، لذلك يبين لنا ~~الله سبحانه أنه جعل في " اليوم " ليلا ونهارا، ولكل مهمة، فإياك أن ~~تضع مهمة شيء مكان شيء آخر حتى لا ترتبك الأمور، ولكن الظروف قد تضطرك ~~إلى ذلك، فهناك من يسهر للحراسة، وهناك من يسهر للعمل في المخابز، أو ~~إعداد طعام الإفطار للناس ولذلك فهناك احتياط قدري، فقال الحق سبحانه في ~~آية ثانية: # ومن آياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم ~~من فضله.. # [الروم: 23]. لأن الحق سبحانه قد علم أزلا أن هناك مصالح لا يمكن إلا ~~أن تكون ليلا، فالذي يعمل ليلا يرتاح نهارا، ولو أن الآية جاءت عمومية ~~لقلنا لمن ينام بالنهار: لا، ليس هذا وقت السكن والراحة. ولكن شاء الحق ~~سبحانه أن يضع الاحتياطي القدري ليرتاح من يتصل عمله بالليل. ms4641 وهنا ~~يقول الحق سبحانه: { هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا ~~فيه.. } [يونس: 67]. ونحن نعلم أن هناك فارقا بين " الخلق " ، و " ~~الجعل " ، و " الملك " ، والمثال على الخلق: أنه سبحانه خلق الزمن، ~~ثم جاء لهذا الزمن ليجعل منه ليلا ونهارا. إذن: فالجعل هو توجيه شيء ~~مخلوق لمهمة. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - وهو منزه عن أي تشبيه ~~أو مثل: تجد صانع الفخار وهو يمسك بالطين ليجعل منه إبريقا، فهو يصنع ~~الطين أولا بأن يخلط الماء بالتراب ويعجنهما معا، ثم يجعل من الطين ~~إبريقا أو أصص زرع أو زهرية ورد، وهو بذلك إنما يحول مخلوقا إلى ~~شيء له مهمة. والزمن كله لله سبحانه، جعل منه قسم الليل، وقسم النهار، ~~مثلما خلق الإنسان، ووجه جزءا منه ليجعله سمعا، وجزءا آخر ليجعله ~~بصرا، وجزءا آخر ليصير مخا، وجزءا آخر ليكون رئة، كل ذلك مأخوذ مما ~~خلقه الحق سبحانه. أي: أنه سبحانه جعل أشياء مما خلق أصلا لتؤدي مهمة ~~للمخلوق. وفي حياتنا - ولله المثل الأعلى - نجد من يغزل من القطن خيوطا، ~~وهناك من ينسج من تلك الخيوط قماشا، وبعد ذلك نجد من يأخذ هذا القماش ~~ليجعل منه جلبابا أو بنطلونا أو قميصا أو لحافا. إذن: فالجعل هو أخذ ~~من شيء مخلوق لمهمة. والخلق قد يترتب عليه ملك، والجعل أيضا قد يترتب ~~عليه ملك فمن عمل قدرا من الطين هو مالكه، ومن جعل من الطين إبريقا ~~إنما يملكه. وهكذا نجد الخلق والجعل قد يترتب عليهما ملكية ما، لكن ~~الملكية المنسحبة بعد الخلق والجعل تجعلك تنتفع بالأشياء وقد لا تملكها ~~لذلك نجد قول الحق سحبانه: # أمن يملك السمع والأبصار.. # [يونس: 31]. والحق سبحانه خلق لنا الأنعام، وذللها لنا، وملكها لنا، ~~وإذا قال الحق سبحانه: " ملك " فملكيته سبحانه لا تنتهي لأحد أبدا ~~سواء من الخلق أو الجعل، بل يظل مملوكا ولذلك قلنا: إن نقل الأعضاء هو ~~تحكم فيما لا يملكه المخلوق، بل يملكه الخالق سبحانه وتعالى. يذكر الحق ~~سبحانه الليل والنهار فيقول: { هو الذي جعل لكم اليل ~~لتسكنوا فيه والنهار ms4642 مبصرا. # . } [يونس: 67]. وكان مقتضى الكلام أن يقول: جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ~~والنهار لتتحركوا. وشاء سبحانه أن يأتي هنا بالأداء القرآني المعجز فقال: ~~{ والنهار مبصرا }. فهل النهار هو الذي يبصر أم نحن؟ هل النهار ~~مبصر أم مبصر فيه؟ وقديما لم يكونوا قد وصلوا إلى الحقيقة العلمية ~~التي وصلنا إليها الآن، فقد كانوا يعتقدون أن الضوء يخرج من العين إلى ~~المرئي فتراه، إلى أن جاء " الحسن بن الهيثم " العالم العربي المسلم، ~~وأوضح بالتجربة أن الضوء إنما ينعكس من المرئي إلى العين، بدليل أن ~~المرئي إن كان في النور وأنت في الظلام، فأنت تراه وإذا كان الأمر بالعكس ~~فأنت لا تراه. إذن: فقد سبق القرآن كل النظريات، وبين لنا أن النهار ~~إنما يأتي بالضوء فينعكس الضوء من الكائنات والموجودات إلى العين فتراه. ~~إذن: فالنهار هو المبصر لأنه جاء بالضوء اللازم لانعكاس هذا الضوء من ~~المرائي إلى العيون. ونحن نجد القرآن حين يتعرض لليل والنهار يقول: # ومن آياته اليل والنهار.. # [فصلت: 37]. ويقول: # وجعلنا اليل والنهار آيتين فمحونآ آية ~~اليل وجعلنآ آية النهار مبصرة.. # [الإسراء: 12]. وهي مبصرة كما أثبت الحسن بن الهيثم العالم المسلم، وإن ~~كانت في ظاهر الامر مبصر فيها. ويعطي لنا الحق سبحانه تجربة حية مع ~~موسى عليه السلام، وذلك في قوله سبحانه لموسى - عليه السلام: # وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى * قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي ~~حية تسعى # [طه: 17-20]. وشاء الحق سبحانه ذلك ليتعرف موسى بالتجربة على ما سوف ~~يحدث من عصاه أمام فرعون، ثم أمام السحرة، ثقة منه سبحانه أن موسى حين ~~يراها تنقلب إلى حية أمام عينيه لأول وهلة سوف يفزع فيطمئنه الحق سبحانه ~~بقوله: # .. خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى # [طه: 21]. وكانت المرة الأولى لتحول العصا إلى حية، هي تجربة ~~للاستعداد حتى لا يجزع موسى - عليه السلام - أو يخاف لحظة أن يمر ~~بالتجربة العملية، وحتى يقبل على تقديم المعجزة وهو واثق تمام الثقة أمام ~~فرعون. ms4643 ثم قال الحق سبحانه لموسى - عليه السلام: # وأدخل يدك في جيبك.. # [النمل: 12]. والجيب: هو المكان الذي تنفذ منه الرقبة في الجلباب ويسمى ~~القبة، فلا يظن أحد أن الجيب المقصود هنا هو مكان وضع النقود لأن مكان ~~وضع النقود قديما كان يوجد من داخل الجلباب، مثل جيب الصديري الذي ~~يرتديه أهل الريف، وقد سمي الجيب الذي نضع فيه النقود جيبا لأن اليد ~~لا تذهب إلى الجيب إلا إذا دخلت في الفتحة التي تخرج منها الرقبة. وقد ~~قال الحق سبحانه لموسى - عليه السلام: # وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير ~~سوء.. # [النمل: 12]. ويخبره الحق سبحانه: # في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا ~~قوما فاسقين * فلما جآءتهم آياتنا مبصرة.. # [النمل: 12-13]. هكذا كانت الآيات مبصرة وكأنها تقول للعين: أبصريني. ~~وهنا في الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - يقول الحق سبحانه: { هو ~~الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه والنهار ~~مبصرا.. } [يونس: 67]. ولم يقل: لتتحركوا فيه، بل جاء بما يضمن سلامة ~~الحركة، فقال سبحانه: { مبصرا } لأن الضوء الذي ينعكس على الأشياء هو ~~الذي يحفظ للإنسان سلامة الحركة. ولكن البعض من الناس في زماننا يستخدمون ~~نعمة الكهرباء في الإسراف في السهر، وحين يأتي الليل يسهرون حتى الصباح ~~أمام جهاز التلفزيون أو الفيديو أو في غير ذلك من أمور الترفيه، ثم ~~ينامون في النهار، وينسون أن الليل للرقود، والنهار للعمل. وقد ثبت أن ~~للضوء أثرا على الأجسام، فالضوء يؤثر في الكائن الحي، وقد سبق النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذلك الاكتشاف بزمان طويل وقال: " أطفئوا المصابيح إذا ~~رقدتم " وذلك حتى لا ينشغل الجسم بإشعاعات الضوء التي تتسبب في تفاعلات ~~كيماوية في الجسم. لذلك أقول دائما: خذوا الحضارة بقواعد التحضير لها ~~لأننا يجب أن نتيح للفلاح أن يذهب إلى حقله والعامل إلى مصنعه لأن السهر ~~ضار، وإذا ادعى الإنسان أنه هو الذي تحضر، فليحترم قيمة العمل الذي ~~يصنع الحضارة لأن الآلة التي يسهر لمراقبتها ومشاهدتها هي إنتاج أناس ~~يلتزمون بقواعد الحضارة واحترام قيمة العمل في النهار، ms4644 وقيمة الترفيه في ~~الوقت المخصص. نحن نسيء استخدام أدوات الحضارة، فالزمن الذي وفرته ~~الثلاجة للزوجة حتى لا تقف في المطبخ نصف النهار لتعد الطعام، وصارت تطهو ~~وجبات ثلاثة أيام وتحفظها في الثلاجة، وتستخدم الغسالة الكهربائية فتنهي ~~الغسيل في ساعة من الزمن، لكن بقية الوقت يضيع أمام التلفزيون ولا تلتفت ~~إلى تربية الأبناء. وهكذا يسيء البعض استخدام الآلات المتحضرة، وفي هذه ~~الإساءة نوع من التخلف، فإذا أخذنا الحضارة بمنطقية فهذا هو التحضر. وعلى ~~سبيل المثال: أقول لمن يركب سيارة: إياك أن تسرع بها في طريق متربة حتى ~~لا يثور الغبار ويملأ صدور الناس بالحساسية. وإياك أن تهمل صيانة سيارتك ~~حتى لا يفسد الموتور ويخرج العادم الضار بصحة الناس والبيئة، فلا يسافر ~~الإنسان في الطريق المتربة أو بسيارة غير جيدة الصيانة فيصيب صدور الناس ~~بالمرض، ويصيب الزروع ويفسد الهواء. ويجب ألا نأخذ الحضارة بتلصص، إنما ~~علينا أن نرتقي إلى مدارجها بصيانة أساليبها لأن من لا يأخذ الحضارة ~~بقواعدها هو من يتخلف رغم تقدم الآلة، فتصير الآلة أكثر تحضرا منه. ~~إذن: فإن أخذنا كل أمر بمهمته فحن نحقق الراحة لأنفسنا ولغيرنا. # ولذلك قلنا في تفسير قول الحق سبحانه: # واليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى # [الليل: 1-2]. وإن بدا للإنسان أن هناك تعارضا بين غشيان الليل أي: ~~تغطيته للمرئيات وتجلى النهار أي: كشف المرئيات فهذا ليس تعارضا، بل ~~هو التكامل لأن حركة النهار تتولد من الليل، وراحة الليل تتولد من ~~النهار. ثم يقول الحق سبحانه: # وما خلق الذكر والأنثى # [الليل: 3]. وهذا الخلق للذكر والأنثى هو للتكامل، لا للتناقض، هكذا جاء ~~الحق سبحانه بنوعين: الأول: هو الزمن ليلا ونهارا. والثاني: هو الإنسان ~~ذكرا وأنثى. ويقول الحق سبحانه: # إن سعيكم لشتى # [الليل: 4]. أي: أن حركتكم هي الموصلة إلى غايتكم، والحركات شتى أي: ~~مختلفة، سواء في الليل أو النهار أو للذكر أو للأنثى، فإن خلطنا الحركة ~~وعبثنا بأنظمة الحياة، فالحياة ترتبك، ونعاني من مرارة التجربة إلى أن ~~تتعقد الأمور، فنبحث لها عن حلول. وقد نادينا أن تعمل ms4645 المرأة نصف الوقت ~~لتعطي البيت بعضا من الوقت، أو أن تعتني بالبيت إن كان لها ما يكفيها من ~~دخل، أو كان لزوجها ما يكفي لحياة الأسرة، ولكن أحدا لم يلتفت إلى ذلك ~~إلا بعد مرارة التجارب. وهناك مثال آخر: في قول البعض أن الليل في تلك ~~البلاد المتحضرة لا ينتهي وأنت تجد السهر هناك حتى الصباح، وعندما أسمع ~~مثل هذا القول أقول: إن هذا ليس في مصلحة سكان تلك البلاد لأن الليل يجب ~~أن يكون سباتا لتأتي الحركة المنتجة في النهار. إذن: فالآفة أن تنقل ~~مهمة نوع إلى مهمة نوع آخر، سواء أكان في الزمان أو في الإنسان، واقرأ ~~جيدا قول الحق سبحانه: # إن سعيكم لشتى # [الليل: 4]. فكل فرد من أفراد الكون له مهمة وله سعي يختلف عن سعي ~~الآخرين. وهنا في الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - ينهي الحق ~~سبحانه الآية فيقول: { إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون } ~~[يونس: 67]. ولقائل أن يقول: لم يقل " إن في ذلك لآيات لقوم يبصرون ". ~~ونقول: لننتبه إلى أن الحق سبحانه حين يتكلم عن زمان فهو يبين في هذا ~~الزمان مهمته، وهو القائل في صدر الآية ووسطها: { جعل لكم اليل ~~لتسكنوا فيه والنهار مبصرا.. } [يونس: 67]. فالعلة في ~~هذه الآية هي سكون الليل، لا حركة النهار، والعين في الليل لا تؤدي ~~مهمتها، بل السمع هو الذي يؤدي مهمته. والحق سبحانه هو القائل: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم اليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون # [القصص: 71]. أي: أن أحدا لن يستطيع الحركة في مثل هذا الليل السرمدي ~~ولا أحد سيتبين شيئا. والحق سبحانه هو القائل: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون # [القصص: 72]. إذن: فقد جاء الحق سبحانه في آية الليل بالسمع، وجاء في ~~آية النهار بالأبصار، وبعد أن تكلم الله سبحانه عن مجال الحركة بالنهار ~~والراحة في الليل، يأتي الكلام عن الينبوع الذي يجب ms4646 أن تصدر عنه ~~الحركة أو السكون، وهو ضرورة الامتثال لأمر إله واحد حتى لا تصطدم حركتك ~~بأمر إله آخر يقول ما يناقض حركة الإله الأول. وكما تتحرك في النهار، ~~وترتاح في الليل لا بد أن تكون حركتك صادرة عن أمر واحد، هذا الأمر ~~الواحد صادر من الآمر الواحد، وهو الله تعالى الذي تعبده بلا شريك، ومن ~~يقول بغير ذلك إنما يربك حركة الحياة. والله سبحانه يقول: # إذا لذهب كل إله بما خلق.. # [المؤمنون: 91]. ولذلك يقول الله سبحانه بعد ذلك: { قالوا اتخذ ~~الله ولدا سبحانه... }. ### || [10.68] # ونفس نص الآية الكريمة يكذبهم فيما يدعونه. ومثال ذلك: أنك حين ~~تقول: " اتخذ فلان بيتا " أي: أن فلانا له ذاتية سابقة على اتخاذه ~~للبيت، وبها اتخذ البيت، فإذا قيل: { اتخذ الله ولدا.. } ~~[يونس: 68]. فهذا اعتراف منهم بكمال الله تعالى وذاتيته قبل أن يتخذ ~~الولد. وهم قد اختلفوا في أمر هذا الولد، فمنهم من قال: إن الملائكة هن ~~بنات الله وكذبهم الحق سبحانه في ذلك، ومنهم من قال: عزير ابن الله وهم ~~اليهود وقد كذبهم الله سبحانه في ذلك، وطائفة من المسيحيين قالوا: إن ~~المسيح ابن الله، وكذبهم الحق سبحانه في ذلك. ثم ما الداعي أن يتخذ ~~الله الولد؟ هل استنفد قوته حتى يساعده الولد؟! وهل يمكن أن يضعف سبحانه ~~- معاذ الله - فيمتد بقوة الولد أو يعتمد عليه؟! مثلما يقال حين يواجه ~~شيخ شابا، ويعتدي الشاب على الشيخ، فيقال للشاب: احذر إن لهذا الشيخ ~~ولدا أقوى منك فيرتدع الشاب، أو أن يقول الشيخ للشاب: إن أبنائي يفوقونك ~~في القوة، وفي هذا اعتداد بالأولاد. ويريد الحق سبحانه أن يغفل كل هذه ~~الدعاوي ولتكون حركة الحياة متماسكة متلازمة، لا متعارضة ولا متناقضة ~~لذلك ينبغي أن يكون المحرك إلها واحدا تصدر منه كل الأوامر، فلا ~~تعارض في تلك الأوامر لأن الأوامر إن صدرت عن متعدد فحركة الحياة تتصادم ~~بما يبدد الطاقة ويفسد الصالح. ولذلك لا بد أن يكون الأمر صادرا من آمر ~~واحد يسلم له كل أمر، وهذا الإله ms4647 منزه عن كل ما تعرفه من الأغيار، ~~فله تنزيه في ذاته فلا ذات تشبه ذاته، ومنزه في صفاته فلا صفة تشبه ~~صفته، ومنزه في أفعاله فلا فعل يشبه فعله. وحتى نضمن هذه المسألة لا بد ~~أن يكون الإله واحدا، ولكن بعضا من القوم جعلوا لله شركاء، ومن لم يجعل ~~له شريكا، توهم أن له ابنا وولدا. ونقول لهم: إن كلمتكم: { اتخذ ~~الله ولدا } [يونس: 68] ترد عليكم لأن معنى اتخاذ الولد أن ~~الألوهية وجدت أولا مستقلة، وبهذه الألوهية اتخذ الولد. ومن ~~المشركين من قال: إن الملائكة بنات الله. فرد عليهم الحق سبحانه: # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22]. والكمال كله لله سبحانه فهو كمال ذاتي ولذلك يأتي في ~~وسط الآية ويقول تعالى: { سبحانه هو الغني.. } [يونس: 68]. ~~وسبحانه تعني: التنزيه، وهو الغني أي: المستغني عن معين كما تستعينون ~~أنتم بأبنائكم، وهو دائم الوجود فلا يحتاج إلى ابن مثل البشر، وهم أحداث ~~تبدأ وتنتهي لذلك يحبون أن يكون لهم أبناء كما يقول الشاعر: # ابني يا أنا بعد ما أقضى # ويقال: " من لا ولد له لا ذكر له " ، كأن الإنسان لما علم أنه يموت لا ~~محالة أراد أن يستمر في الحياة في ولده. ولذلك حين يأتي الولد للإنسان ~~يشعر الإنسان بالسرور والسعادة، والجاهل هو من يحزن حين تلد له زوجته ~~بنتا لأن البنت لن تحمل الاسم لمن بعدها، أما الولد والحفيد فيحملان اسم ~~الجد، فيشعر الجد أنه ضمن الذكر في جيلين. إذن: فاتخاذ الولد إما ~~استعانة وإما اعتداد، والحق سبحانه غني عن الاستعانة، وغني عن الاعتداد ~~لأنك تعتد بمن هو أقوى منك، وليس هناك أقوى من الله تعالى، وهو سبحانه لا ~~يحتاج لامتداد لأنه هو الأول وهو الآخر، وعلى ذلك ففكرة اتخاذ الولد ~~بالنسبة لله تعالى لا تصح على أي لون من ألوانها. ولذلك يقول الحق سبحانه ~~مرادفا لتلك الفكرة: { سبحانه } لأنها تقطع كل احتمالات ما سبقها، ~~ويتبع ذلك بقوله: { هو الغني } لأنه غني عن اتخذا الولد، وغني ~~عن كل ms4648 شيء، وقوله: { سبحانه } تنزيه له، والتنزيه: ارتفاع ~~بالمنزه عن مشاركة شيء له - في الذات أو الأفعال. وإذا ورد شيء هو ~~لله وصف ولخلقه وصف، فإياك أن تأخذ هذه الصفة مثل تلك الصفة. فإن ~~قابلت غنيا من البشر، فالغني في البشر عرض، أما غنى الله تعالى ففي ~~ذاته سبحانه. وأنت حي والله سبحانه حي، ولكن أحياتك كحياته؟ لا لأن حياته ~~سبحانه لم يسبقها عدم، وحياتك سبقها عدم، وحياته سبحانه لا يلحقها عدم، ~~وأنت يلحق حياتك العدم. والله موجود وأنت موجود، لكن وجوده سبحانه وجود ~~ذاتي، ووجودك وجود عرضي. وإذا قال الحق سبحانه: إن له - سبحانه ~~وتعالى - يدا # يد الله فوق أيديهم.. # [الفتح: 10]. فلا يمكن أن تكون يد الله سبحانه مثل يدك لأن ذاته سبحانه ~~ليست كذاتك، وصفاته سبحانه ليست كصفاتك، وهو سبحانه القادر الأعلى، ولا ~~يمكن أن يكون مقدورا لأحد. ولذلك حين يتجلى الله سبحانه لخلقه، فسوف ~~يتجلى بالصورة التي تختلف عن كل خيال العبد، وهذه الصورة تختلف من عبد ~~إلى آخر، ولو كانت الصورة التي يتجلى بها الله سبحانه مقدورا عليها لكان ~~معنى ذلك أن هناك ذهنا بشريا قد قدر على الإحاطة بها. وما خطر ببالك ~~فالله سبحانه بخلاف ذلك لأن ما خطر بالبال مقدور عليه لأنه خاطر، والله ~~سبحانه لا ينقلب أبدا إلى مقدور عليه. وأنت حين تأتي بمسألة في الحساب ~~أو الهندسة - مثلا - وتعطيها لتلميذ ويقوم بحلها، فمعنى ذلك أن عقله قد ~~قدر عليها، أما إن جئت لتلميذ في المرحلة الإعدادية - مثلا - بمسألة ~~هندسية مقررة على طلبة كلية الهندسة فعقله لن يقدر عليها. إذن: لو أن ~~الإنسان قد أدرك شيئا عن الله غير ما قاله الله لانقلب الإله إلى مقدور ~~عليه، والحق سبحانه منزه عن ذلك لأنه القادر الأعلى الذي لا ينقلب ~~أبدا إلى مقدور. # لذلك يعلمنا الحق سبحانه أن نقول تنزيها لله تعالى كلمة { ~~سبحانه } ، وهو التنزيه الواجب عن كل شيء يخطر ببال الإنسان عن الله ~~تعالى، وهذه السبحانية أو هذا التنزيه هو صفة ذاتية في الله ms4649 تعالى، قبل ~~أن يوجد شيء، وبعد أن خلق الخلق، فعلى كل المخلوقات تنزيهه، وبدأ ~~الخلق في التسبيح. والتسبيح فعل مستمر لا ينقطع ولا ينقضي لذلك تجد ~~استدلالات القرآن في السور التنزيهية تؤكد ذلك، فيقول الحق سبحانه: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله # [الإسراء: 1]. وإياك أن تظن أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد سرى بقرار ~~من نفسه، بل الذي أسرى به هو الحق سبحانه، فلا تظن أن المسافة يمكن أن ~~تمنع مشيئة الحق المطلقة، ولا المكان، ولا الزمن لأن الفعل منسوب لله ~~تعالى، ولا يمكن أن نقيس فعلا منسوبا لله تعالى بقياس الزمان أو ~~المكان، أو حسب قانون الحركة النسبية، لأن الحق سبحانه له طلاقة القدرة، ~~وأنت بشر مجرد حادث محدود الزمان والمكان. وأنت إذا سرت من هنا إلى ~~الإسكندرية - مثلا - على قدميك فستقطع المسافة في أسابيع، وإن امتطيت ~~دابة فقد تأخذ في الوصول إلى الإسكندرية أياما، وإن ركبت سيارة فسوف ~~تقطع المسافة في ساعتين، وإن ركبت صاروخا، فستصل خلال دقائق. أي: أنك ~~كلما زادت قوة أداة الوصول قل زمن الوصول، وهذا موجز نظرية الحركة، ~~وإذا كان الذي أسرى هو الله سبحانه، وهو قوة القوى، لذلك لا يمكن أن يقاس ~~بالنسبة لمشيئة قوة أخرى، أو أن يقاس الأمر ببعد أو قرب المكان أو ~~كيفية الزمان الذي تعرفه. وإياك أن تفهم أن إسراء الله تعالى مثل إسرائك ~~لأن الفعل إنما يأخذ قوته من الفاعل، وما دام الفاعل هو الله سبحانه فلا ~~أحد بقادر أن يحد أفعاله بزمن. وقد استهل الحق سبحانه سورة الإسراء ~~بالسبحانية وآياتها الأولى تتكلم في أدق شيء تكلم فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن ذاته بأنه قد أسري به، وبذلك أثبت بحادث الإسراء حقيقة ~~المعراج، وأن الناموس قد خرق له، وحدثنا عما نعلم لنصدق حديثه عما ~~لا نعلم، وحتى نقيس ما لا نعلم على ما نعلم، فيتأكد لنا صدقه صلى الله ~~عليه وسلم في حديثه عما لا نعلم. ms4650 كلمة " سبحانه " - إذن - هي للتنزيه، ~~وهي لله تعالى أزلا قبل أن يخلق الخلق، فقد شهد سبحانه لذاته أنه إله ~~واحد، ثم شهدت الملائكة، ويتكرر التسبيح من كل المخلوقات التي أوجدها ~~الله سبحانه. وأنت تجد سور القرآن الكريم التي جاء فيها التسبيح مؤكدة ~~أنه سبحانه منزه، وله التسبيح من قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق ~~ليسبحوا، ففي سورة الحديد يقول سبحانه: # سبح لله ما في السماوات والأرض.. # [الحديد: 1]. ويقول سبحانه في سورة الحشر: # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض.. # [الحشر: 1]. فهل سبح كل من في السماوات ومن في الأرض مرة واحدة وانتهى ~~الأمر؟ لا لأن الله سبحانه يقول: # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك ~~القدوس.. # [الجمعة: 1]. ويقول سبحانه في سورة التغابن: # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له ~~الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير # [التغابن: 1]. إذن: فالسبحانية لله أزلا، وسبح ويسبح الخلق وكل ~~الوجود بعد أن خلقه الله سبحانه، سماوات وأرض وما فيهما ومن فيهما، وما ~~بقي إلا أنت أيها الإنسان فسبح باسم ربك الأعلى. وفي الآية التي نحن ~~بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: { قالوا اتخذ الله ~~ولدا سبحانه.. } [يونس: 68]. وعلة التسبيح والتنزيه عن أن يكون ~~له ولد تأتي في قوله تعالى: { هو الغني } لأن اتخاذ الولد إنما ~~يكون عن حاجة، إما استعانة، وإما اعتمادا، وإما اعتدادا، وإما ~~امتدادا، وكل هذه أمور باطلة بالنسبة له سبحانه، وهو الحق الأعلى، وهو ~~سبحانه القائل في آية أخرى: # وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في ~~السماوات والأرض كل له قانتون # [البقرة: 116]. والقنوت معناه: الإقرار بالعبودية لله تعالى والخضوع له ~~وإطاعته. ويقول سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { إن ~~عندكم من سلطان بهذآ أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون } [يونس: 68]. و " إن " قد تأتي للنفي في مثل قول الحق ~~سبحانه: # إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم.. # [المجادلة: 2]. وفي قول الحق سبحانه هنا: { إن عندكم من ~~سلطان بهذآ.. } [يونس: 68]. أي: ليس عندكم ms4651 حجة تدل على أن ~~الله تعالى اتخذ ولدا. ولذلك ينهي الحق سبحانه الآية بقوله: { ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون } [يونس: 68] أي: أنكم لا ~~تملكون إعلاما من الله تعالى بذلك، فلا إعلام عن الله إلا من الله، وليس ~~لأحد أن يعلم عن ربه، فهو سبحانه من يعلم عن نفسه. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { قل إن الذين يفترون على الله ~~الكذب... }. ### || [10.69] # والحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم عن الإيمان وثمرته ونهايته يأتي ~~بالفلاح كنتيجة لذلك الإيمان، فهو سبحانه القائل: # قد أفلح من زكاها # [الشمس: 9]. وهو سبحانه القائل: # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1]. ويقول أيضا: # أولئك هم المفلحون # [الأعراف: 157]. وكلها من مادة " الفلاح " وهي مأخوذة من الأمر الحسي ~~المتصل بحياة الكائن الحي، فمقومات وجود الكائن الحي: نفس، وماء، ~~وطعام، والتنفس يأتي من الهواء الذي يحيط بالأرض، والماء ينزل من السماء ~~أو يستنبط مما تسرب في باطن الأرض. والطعام يأتي من الأرض، وكل ما أصله ~~من الأرض يستخرج بالفلاحة. لذلك نقول: إن الفلاحة هي السبب الاستبقائي ~~للحياة، فكما يفلح الإنسان الأرض، ويشقها ويبذر فيها البذور، ثم ~~يرويها، ثم تنضج وتخرج الثمرة، ويقال: أفلح، أي: أنتجت زراعته نتاجا ~~طيبا. وشاء الحق سبحانه أن يسمي الحصيلة الإيمانية الطيبة بالفلاح. ~~وبين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، فإن ~~كنت تريد ثمرة فابذل الجهد. وإياك والظن أن الدين حينما يأخذ منك شيئا ~~في الدنيا أنه ينقص ما عندك، لا، بل هو ينمي لك ما عندك. والمثل ~~الذي أضربه دائما - ولله المثل الأعلى - نجد الفلاح حين يزرع فدانا ~~بالقمح، فهو يأخذ من مخزنه إردبا ليستخدمه كبذور في الأرض، ولو كانت ~~امرأته حمقاء لا تعرف أصول الزراعة ستقول له: " أنت أخذت من القمح، وكيف ~~تترك عيالك وأنت تنقصهم من قوتهم؟ " هذه المرأة لا تعلم أنه أخذ إردب ~~القمح المخزن ليعود به بعد الحصاد عشرة أو خمسة عشر إردبا من ~~القمح. كذلك مطلوب الله سبحانه في الدنيا قد يبدو وكأنه ينقصك أشياء، ~~لكنه يعطيك ثمار ms4652 الآخرة ويزيدها. إذن: فالفلاح مادة مأخوذة من فلح الأرض ~~وشقها وزرعها لتأخذ الثمرة. وكما أنك تأخذ حظك من الثمار على قدر حظك من ~~التعب ومن العمل، فذلك أمر الآخرة وأمر الدنيا. ومثال ذلك: الفلاح الذي ~~يحرث الأرض، ويحمل للأرض السماد على المطية، ثم يستيقظ مبكرا في مواعد ~~الري، تجد هذا الفلاح في حالة من الانشراح والفرح في يوم الحصاد، وأمره ~~يختلف عمن يهمل الأرض ويقضي الوقت على المقهى، ويسهر الليل أمام ~~التلفزيون، ويأتي يوم الحصاد ليحزن على محصوله الذي لم يحسن زراعته. وقول ~~الحق سبحانه: { إن الذين يفترون على الله الكذب لا ~~يفلحون } [يونس: 69]. أي: هؤلاء الذين يقولون عن الله تعالى أو في ~~الله تعالى بغير علم من الله، هم الذين لا يفلحون. وأوضحت من قبل أن كل ~~ما يتعلق بالله تعالى لا يعلم عنه إلا عن طريق الله. لكن ما الذي ~~يحملهم على الافتراء؟ نعم، إن كل حركة في الحياة لا بد أن يكون الدافع ~~إليها نفعا، وتختلف النظرة إلى النفع وما يترتب عليه، فالطالب الكسول ~~المتسكع في الشوارع، الرافض للتعلم، نجده راسبا غير موفق في مستقبله، ~~أما التلميذ الحريص على علومه، فهو من يحصل على المكانة اللائقة به في ~~المجتمع، والتلميذ الأول كان محدود الأفق ولم ير امتداد النفع وضخامته، ~~بل قصر النفع على لذة عاجلة مضحيا بخير آجل. # والذي جعل هؤلاء يفترون على الله الكذب هو انهيار الذات، فكل ذات لها ~~وجود ولها مكانة، فإذا انهارت المكانة، أحس الإنسان أنه بلا قيمة في ~~مجتمعه. والمثل الذي ضربته من قبل بحلاق الصحة في القرية، وكان يعالج ~~الجميع، ثم تخرج أحد شباب القرية في كلية الطب وافتتح بها عيادة، فإن ~~كان حلاق الصحة عاقلا، فهو يذهب إلى الطبيب ليعمل في عيادته ممرضا، أو ~~تمرجيا، أما إن أخذته العزة بالإثم، فهو يعاند ويكابر، ولكنه لن يقدر ~~على دفع علم الطبيب. وكذلك عصابة الكفر ورؤساء الضلال حينما يفاجأون ~~بمقدم رسول من الله، فهم يظنون أنه سوف يأخذ السيادة لنفسه، رغم أن ms4653 أي ~~رسول من رسل الله تعالى - عليه السلام - إنما يعطي السيادة لصاحبها، ألا ~~وهو الحق الأعلى سبحانه. وحين يأخذ منهم السيادة التي كانت تضمن لهم ~~المكانة والوجاهة والشأن والعظمة، فهم يصابون بالانهيار العصبي، ويحاولون ~~مقاومة الرسول دفاعا عن السلطة الزمنية. ومثال ذلك: هو مقدم النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان البعض يعمل على تنصيب عبد الله بن ~~أبي ليكون ملكا ولذلك قاوم الرجل الإسلام، وحين لم يستطع آمن نفاقا، ~~وظل على عدائه للإسلام، رغم أنه لو أحسن الإسلام واقترب من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لنال أضعاف ما كان سيأخذه لو صار ملكا. وهكذا قادة ~~الضلال وأئمة الكفر، هم مشفقون على أنفسهم وخائفون على السلطة الزمنية ~~لأن الرسول حينما يجيء إنما يسوي بين الناس لذلك يقفون ضد الدعوة ~~حفاظا على السلطة الزمنية. ولذلك يقول الحق سبحانه عن سبب افترائهم ~~الكذب: { متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم... }. ### || [10.70] # ويعز - إذن - على قادة الكفر وأئمة الضلال أن يسلبهم الرياسة والسيادة ~~داع جديد إلى الله سبحانه وتعالى، ويخافون أن يأخذ الداعي الجديد لله ~~الأمر منهم جميعا، لا إلى ذاته، ولكن إلى مراد ربه. ولو كان الداعي إلى ~~الله تعالى يأخذ السلطة الزمنية لذاته لقلنا: ذات أمام ذات، ولكنه صلى ~~الله عليه وسلم أوضح أنه يعود - حتى فيما يخصه - إلى الله سبحانه وتعالى. ~~ويكشف لنا الحق سبحانه الكسب القليل الذي يدافعون عنه أنه: { متاع في ~~الدنيا.. } [يونس: 70] لأن كلا منهم يحب أن يقنع نفسه، بحمق ~~تقدير المنفعة، وكلمة " الدنيا " لا بد أن منها حقيقة الشيء المنسوبة ~~إليه. والاسماء - كما نعلم - هي سمات مسميات، فحين تقول: إن فلانا طويل، ~~فأنت تعطيه سمة الطول. وحين تقول: " دنيا " فهي من " الدنو " أو " ~~الدناءة ". وإن اعتبرت الدنو هو طريق موصل إلى القمة، فهذا أمر مقبول لأن ~~الدرجة الأولى في الوصول إلى الأعلى هي الدنو، وتلتزم بمنهج الله تعالى ~~فتصعد علوا وارتفاعا إلى الآخرة. إذن: فمن يصف الدنيا بالدناءة على ~~إطلاقها نقول له: لا، بل هي ms4654 دنيا بشرط أن تأخذها طريقا إلى الأعلى، ولكن ~~من لا يتخذها كذلك فهو من يجعل مكانته هي الدنيئة، أما من يتخذها طريقا ~~إلى العلو فهو الذي أفلح باتباع منهج الله تعالى. إذن: فالدنيا ليست من ~~الدناءة لأن الدين ليس موضوعه الآخرة، بل موضوعه هو الدنيا، ومنهج الدين ~~يلزمك ب " افعل " و " لا تفعل " في الدنيا، والآخرة هي دار الجزاء، ~~والجزاء على الشيء ليس عين موضوعه، وأنت تستطيع أن تجعل الدنيا مفيدة لك ~~إن جعلتها مزرعة للآخرة. وإياك أن تعمل على أساس أن الدنيا عمرها ملايين ~~السنين لأنه لا يعنيك كعائش في الدنيا إن طال عمرها أم قصر، بل يعنيك ~~في الدنيا مقدار مكثك فيها، وعمرك فيها مظنون، بل وزمن الدنيا كله ~~مظنون، وهناك من يموت وعمره ستة أشهر، وهناك من يموت وعمره مائة سنة، ~~وكل يتمتع بقدر ما يعيش، ثم يرجع إلى الله سبحانه وتعالى. وهؤلاء الذين ~~ضلوا وقالوا على الله سبحانه افتراء، هؤلاء لن يفلتوا من الله لأن ~~مرجعهم إليه سبحانه ككل خلقه، وهؤلاء المضلون لم يلتفتوا إلى عاقبة ~~الأمر، ولا إلى من بيده عاقبة الأمر، ولم يرتدعوا. ولكن من نظر إلى عاقبة ~~الأمر وأحسن في الدنيا فمرجعه إلى حسن الثواب والجنة، ومن لم ينظر إلى ~~عاقبة الأمر وافترى على الله - سبحانه وتعالى - الكذب فالمآب والمآل إلى ~~العذاب مصداقا لقوله تعالى: { ثم نذيقهم العذاب الشديد ~~بما كانوا يكفرون } [يونس: 70]. # ودرجة العذاب تختلف باختلاف المعذب، فإن كان المعذب ضعيفا، فتعذيبه ~~يكون ضعيفا، وإن كان المعذب متوسط القوة فتعذيبه يكون متوسطا، أما إن ~~كان المعذب هو قوة القوى فلا بد أن يكون عذابه شديدا، وهو سبحانه الحق ~~القائل: # إن أخذه أليم شديد # [هود: 102]. وبعد أن تكلم الحق سبحانه عن مبدأ تنزيه الألوهية عن اتخاذ ~~الولد، فهو سبحانه الغني الذي له ما في السماوات والأرض، وبين لنا ~~سبحانه أننا يجب أن نأخذ المنهج من مصدر واحد وهو الرسل المبلغون عن ~~الله تعالى، شاء الحق سبحانه أن يكلمنا عن موكب الرسالات لأن الكلام ms4655 حين ~~يكون كلاما نظريا ليس له واقع يسنده، فقد تنسحب النظرية عليه. أما إن ~~كان للكلام واقع في الكون يؤيد الكلام النظري، فهذا دليل على صحة الكلام ~~النظري ولذلك فنحن حين نحب أن نضخم مسألة من المسائل في داء اجتماعي، ~~نحاول أن نصنع منه رواية، أي: أمرا لم يحدث حقيقة، ولكننا نتخيل أنه ~~حقيقة لنبين الأمر النظري في واقع متخيل. ويقص علينا الحق سبحانه في ~~القرآن قصصا من الموكب الرسالي ليبين للكفار: أنكم لن تستطيعوا الوقوف ~~أمام هذه الدعوة، وأمامكم سجل التاريخ وأحداث الرسل مع أممهم المؤيدين ~~بالمؤمنين والكفار المعاندين والمعارضين، فإن كان قوم من السابقين قد ~~انتصروا على رسولهم، فللكفار الحق في أن يكون لهم أمل في الانتصار على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا بد أن يكون هذا الكلام موجها إلى ~~أناس لهم علم ببعض أحداث الموكب الرسالي. ولكن قد يكون علم هذا قد بهت ~~لأن الزمان قد طال عليه. وهنا يقول الحق سبحانه: { واتل عليهم ~~نبأ نوح إذ قال لقومه يقوم... }. ### || [10.71] # ولقائل أن يقول: ولماذا جاء الله سبحانه هنا بخبر نوح - عليه السلام - ~~ولم يأت بخبر آدم - عليه السلام - أو إدريس - عليه السلام - وهما من ~~الرسل السابقين على نوح عليه السلام؟ ومن هنا جاءت الشبهة في أن آدم لم ~~يكن رسولا لأن البعض قد ظن أن الرسول يجب أن يحمل رسالته إلى جماعة ~~موجودة من البشر، ولم يفطن هؤلاء البعض إلى أن الرسول إنما يرسل لنفسه ~~أولا. وإذا كان آدم - عليه السلام - أول الخلق فهو مرسل لنفسه، ثم ~~يبلغ من سوف يأتي بعده من أبنائه. وقد أعطى الله سبحانه وتعالى التجربة ~~لآدم - عليه السلام - في الجنة، فكان هناك أمر، وكان هناك نهي هو # وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا ~~منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه ~~الشجرة.. # [البقرة: 35]. وحذره من الشيطان، ثم وقع آدم عليه السلام في إغواء ~~الشيطان، وأنزله الله تعالى إلى الأرض واجتباه، وتاب عليه، ومعه تجربته، ~~فإن خالف أمر ربه فسوف ms4656 يقع عليه العقاب، وحذره من اتباع الشيطان حتى لا ~~يخرج عن طاعة الله تعالى. إذن: فقد أعطاه الحق سبحانه المنهج، وأمره أن ~~يباشر مهمته في الأرض في نفسه أولا، ثم يبلغه لمن بعده. وكما علمه ~~الحق سبحانه الأسماء كلها، علم آدم الأسماء لأبنائه فتكلموا: وكما نقل ~~إليهم آدم الأسماء نقل لهم المنهج، وقد علمه الحق سبحانه الأسماء ليعمر ~~الدنيا، وعلمه المنهج ليحسن العمل في الدنيا ليصل إلى حسن جزاء الآخرة. ~~واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]. ويتبعها الحق سبحانه بقوله تعالى: # ثم اجتباه.. # [طه: 122]. ومعنى الاجتباء: هو الاصطفاء بالرسالة لنفسه أولا، ثم لمن ~~بعده بعد ذلك، والحق سبحانه هو القائل: # فإما يأتينكم مني هدى.. # [البقرة: 38]. والهدى: هو المنهج المنزل على آدم عليه السلام، ~~والرسالة ليست إلا بلاغ منهج وهدى من الله سبحانه للخلق. وإذا كان الحق ~~سبحانه وتعالى هو القائل: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. فالسابقون لنوح - عليه السلام - هم من أبلغهم آدم عليه ~~السلام، والدليل هو ما جاء من خبر ابني آدم في قول الحق سبحانه: # واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا ~~قربانا.. # [المائدة: 27]. وهما قد قدما القربان إلى الله تعالى. إذن: فخبر ~~الألوهية موجود عند ابني آدم بدليل قول الحق سبحانه: # إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم ~~يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما ~~يتقبل الله من المتقين # [المائدة: 27]. إذن: فهم قد أقروا بوجود الله تعالى، وأيضا عرفوا النهي ~~لأنه في إحدى الآيتين قال: # لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط ~~يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب ~~العالمين # [المائدة: 28]. إذن: فالذين جاءوا بعد آدم - عليه السلام - عرفوا الإله ~~الواحد، وعلموا المنهج. إذن: فالذين يقولون: إن آدم - عليه السلام - لم ~~يكن رسولا، نقول لهم: افهموا عن الله جيدا، كان يجب أن تقولوا: هذه ~~مسألة لا نفهم فيها، وكان عليهم أن يسألوا أهل الذكر ليفهموا عنهم أن ~~آدم - عليه السلام - رسول، وأن من أولاده قابيل وهابيل، وقد تكلما في ms4657 ~~التقوى. أما لماذا جاء الحق سبحانه هنا بالحديث عن نوح، عليه السلام، ~~فلنا أن نعلم أن آدم عليه السلام هو الإنسان الأول، وأنه قد نقل لأولاده ~~المنهج المبلغ له، ودلهم على ما ينفعهم، ثم طال الزمن ونشأت الغفلة، ~~فجاء إدريس عليه السلام، ثم تبعته الغفلة، إلى أن جاء نوح عليه السلام. ~~وهنا يأتي لنا الحق سبحانه بخبر نوح - عليه السلام - في قوله: { واتل ~~عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه.. } [يونس: 71]. والنبأ: ~~هو الخبر الهام الذي يلفت الذهن، وهو الأمر الظاهر الواضح. والحق سبحانه ~~يقول: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم * الذي هم فيه ~~مختلفون # [النبأ: 1-3]. إذن: فالنبأ هو الخبر الهام الملفت، وقد جاء هنا خبر ~~نوح - عليه السلام - الذي يبلغ قومه أي: يخاطبهم، وهو قد شهد لنفسه ~~أنه رسول يبلغ منهجا. وكلمة " قوم " لا تطلق في اللغة إلا على ~~الرجال، يوضح القرآن ذلك في قوله الحق سبحانه: # لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا ~~منهن.. # [الحجرات: 11]. إذن: فالقوم هم الرجال، والمرأة إنما يبنى أمرها على ~~السر، والحركة في الدنيا للرجل، وقد شرحنا ذلك في حديث الحق سبحانه لآدم ~~- عليه السلام - عن إبليس، فقال تعالى: # إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى # [طه: 117]. ولأن الخطاب لآدم فقد قال الحق سبحانه: # فتشقى # [طه: 117]. ولم يقل: فتشقيا مما يدل على أن المرأة لا شأن لها بالأعمال ~~التي خارج البيت والتي تتطلب مشقة، فالمرأة تقر في البيت لتحتضن ~~الأبناء، وتهيىء السكن للرجل بما فيها من حنان وعاطفة وقرار واستقرار. ~~أما القيام والحركة فللرجل. والحق سبحانه يقول: # فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى # [طه: 117]. إذن: فالكدح للرجل ومتطلبه القيام لا القعود. ثم يقول الحق ~~سبحانه على لسان نوح - عليه السلام: { يقوم إن كان كبر ~~عليكم مقامي.. } [يونس: 71]. وهنا يحنن نوح قومه بإضافات ~~التحنن، أي: جاء بالإضافة التي تشعر المخاطبين بأنه منهم وهم منه، ~~وأنه لا يمكن أن يغشهم فهم أهله، مثل قول ms4658 النائب الذي يخطب في أهل دائرته ~~الانتخابية: " أهلي وعشيرتي وناخبي " وكلها اسمها إضافة تحنن. # وكذلك مثل قول لقمان لابنه: # يبني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. وقوله: # يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن ~~في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها ~~الله إن الله لطيف خبير # [لقمان: 16]. وقوله: # يبني أقم الصلاة.. # [لقمان: 17]. وهذا إضافات التحنن وفيها إيناس للسامع أن يقرب ويستجيب ~~للحق. { يقوم إن كان كبر عليكم مقامي.. } [يونس: 71]. ~~و " الكاف والياء والراء " تأتي لمعنيين: الأول: كبر السن، وهي: كبر ~~يكبر. والثاني: العظمة والتعظيم، إلا أن التعظيم يأتي ليبين أنه أمر ~~صعب على النفس، مثل قول الحق سبحانه: # .. كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون ~~إلا كذبا # [الكهف: 5]. أي: أن هذه الكلمة التي خرجت من أقوالهم أمر صعب وشاق، وهي ~~قولهم: # .. قالوا اتخذ الله ولدا # [الكهف: 4]. وهذه الكلمة إنما تعظم على المؤمن، وهي مسألة صعبة لا يمكن ~~قبولها فلا يوجد مؤمن قادر على أن يقبل ادعاء خلق من خلق الله تعالى أن ~~له سبحانه ولدا. ومرة تكون العظمة من جهة أخرى، مثل قول الحق سبحانه: # كبر على المشركين ما تدعوهم إليه.. # [الشورى: 13]. أي: عظم على المشركين، وصعب على أنفسهم، وشق عليهم ~~ما تدعوهم إليه من أن الإله هو واحد أحد، ولا سلطان إلا له سبحانه. ~~وهكذا، إن كانت الكلمة مناقضة للإيمان فهي تكبر عند المؤمنين، وإن كانت ~~الكلمة تدعو الكافرين إلى الإيمان فهي تشق عليهم. وهنا يأتي على لسان ~~سيدنا نوح عليه السلام: { إن كان كبر عليكم مقامي.. } ~~[يونس: 71]. ونحن نعلم أن سيدنا نوحا - عليه السلام - مكث في قومه ألف ~~سنة إلا خمسين عاما. أي: أن حياته طالت كثيرا بين قومه، كما أن تقريعه ~~للكافرين جعله ثقيلا عليهم. أو أن: { كبر عليكم مقامي.. } ~~[يونس: 71]. تعني: أنه حملهم ما لا يطيقون لأن نوحا - عليه السلام - ~~أراد أن يخرجهم عما ألفوا من عبادة الأصنام، فشق عليهم ذلك. إذن: ~~فمبدأ عبادة الإله الواحد يصعب عليهم. أو ms4659 أن الأصل في الواعظ أو المبلغ ~~أن يكون على مستوى القيام وهم قعود، وكان سيدنا عيسى عليه السلام يتكلم ~~مع الحواريين وهو واقف، والوقوف إشعار بأن مجهود الهدى يقع على سيدنا ~~عيسى - عليه السلام - بينما يقعد الحواريون ليستمعوا له في راحة. إذن: ~~فقول الحق سبحانه: { إن كان كبر عليكم مقامي.. } [يونس: ~~71]. أي: إن صعب عليكم ما أدعوكم إليه. ويصح أن نأخذها من ناحية طول ~~الوعظ والتكرار في ألف سنة إلا خمسين عاما، أو أن مقامي كبر عليكم، ~~بمعنى: أننا انقسمنا إلى قسمين لأن المنهج الذي أدعو إليه لا يعجبكم، ~~وكنت أحب أن نكون قسما واحدا. # وها هو ذا سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه، وأرضاه - حين أحس أن ~~الخلافة تقتضي أن يسمي من يخلفه من بعده، قال له بعض الناس: لماذا ~~لا تولي علينا عبد الله بن عمر، فقال ابن الخطاب: بحسب آل خطاب أن يسأل ~~منهم عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم رجل واحد. ثم أضاف: أعلم أنكم ~~مللتم حكمي لأني شديد عليكم. إذن: فقد أحس نوح - عليه السلام - أنه ~~انقسم هو وقومه إلى قسمين: هو قد أخذ جانب الله سبحانه الذي يدعو إلى ~~عبادته، وهم أخذوا جانب الأصنام التي ألفوا عبادتها. لذلك يقول الحق ~~سبحانه على لسان نوح - عليه السلام: { فعلى الله توكلت.. } ~~[يونس: 71]. أي: أنني لن أتنازل عن دعوتي، ونلحظ أنك إن قلت: " توكلت ~~على الله " فقد يعني هذا أنك قد تقول: وعلى فلان، وفلان، وفلان، لكنك إن ~~قلت: { فعلى الله توكلت.. } [يونس: 71]. فأنت قد قصرت ~~توكلك على الله فقط. وهكذا واجه نوح - عليه السلام - قومه، ورصيده في ~~ذلك هو الاعتماد والتوكل على من أرسله سبحانه، ويحاول أن يهديهم، لكنهم ~~لم يستجيبوا، وقال لهم: { فأجمعوا أمركم وشركآءكم ~~ثم لا يكن أمركم عليكم غمة.. } [يونس: 71]. ومعنى ~~جمع الأمر: أي: جمع شتات الآراء كلها في رأي واحد، أي: اتفقوا يا قوم على ~~رأي واحد، وأنتم لن تضروني. وجمع أمر الأجيال التي ظل سيدنا نوح - عليه ~~السلام - يحاول ms4660 هدايتها تحتاج إلى جهد لأن الجيل العقلي ينقسم إلى عشرين ~~سنة. وقد ظل سيدنا نوح - عليه السلام - يدعو القوم بعدد ما عاش فيهم، أي: ~~ألف سنة إلى خمسين، فكم جيل - إذن - ظل نوح يعالجه؟ إنها أجيال متعددة، ~~ومع ذلك لم يظفر إلا بقدر قليل من المؤمنين بحمل سفينة واحدة، ومعهم ~~الحيوانات أيضا، فضلا عن أن ابنه خرج - أيضا - مع القوم الكافرين، ~~وناداه نوح - عليه السلام - ليركب معه وأن يؤمن، فرفض، وآثر أن يظل في ~~جانب الكفر، بما فيه من فناء للقوم الكافرين، وظن أنه قادر على أن يأوي ~~إلى جبل يعصمه من الطوفان، ولم ينظر ابن نوح إلى جندي آخر من جنود الله ~~سبحانه يقف عقبة في سبيل الوصول إلى الجبل، وهو الموج. إذن: فقول نوح ~~عليه السلام: { فعلى الله توكلت.. } [يونس: 71]. له رصيد ~~إيماني ضمني، فلا يوجد مجير على الله من خلق الله لأن الخلق كله - جماده ~~ونباته وحيوانه - إنما ينصاع لأمر الله تعالى في نصرة نوح - عليه السلام ~~- ولن يتخلف شيء. # هكذا كان توكل نوح - عليه السلام - على الله تعالى بما في هذا التوكل ~~من الرصيد الإيماني المتمثل في: # لله ملك السماوات والأرض.. # [المائدة: 120]. و # لله ما في السماوات وما في الأرض.. # [البقرة: 284]. ولن يخرج شيء عن ملكه سبحانه. ومن العجيب أنه لم يخرج عن ~~مراد الله في " كن " إلا الإنسان المختار، لم يخرج بطبيعة تكوينه، ولكن ~~الحق سبحانه وهبه من عنده أن يكون مختارا، ولو لم يهبه الله تعالى أن ~~يكون مختارا لما استطاع أن يقف، ولكان كل البشر من جنود الحق. وقد قال ~~نوح - عليه السلام: { فعلى الله توكلت فأجمعوا ~~أمركم وشركآءكم.. } [يونس: 71]. والإنسان حين يهمه أمر من ~~الأمور يظل مترددا بين خواطر شتى، ويحاول أن يرى ميزات كل خاطر، ويختار ~~أفضلها، وإذا ما جمع الإنسان خواطره كلها من خاطر واحد، فهذا يعني ~~استقراره على رأي واحد، وجمع أمره عليه. أما إذا كان الأمر متعدد الناس، ~~فكل واحد منهم له رأي، فإن اجتمعوا وقرروا الاتفاق على ms4661 رأي واحد، فهذا ~~جمع للأمر. والاتفاق على رأي واحد إنما يختلف باختلاف هوية المجتمعين، ~~فإن كانوا أهل خير فهم ينزلون بالشر، وإن كانوا أهل شر فهم يصعدون بالشر. ~~ومثال ذلك: أبناء يعقوب - عليه السلام - حينما حدث بينهم وبين أخيهم من ~~الحسد لمكانة يوسف - عليه السلام - فقالوا: # اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه ~~أبيكم.. # [يوسف: 9]. أي: أن الاقتراح بقتل يوسف هدفه ألا يلتفت وجه يعقوب وقلبه ~~إلى أحد سواهم، وأتبعوا اقتراحهم بقتل يوسف باقتراح التوبة، فقالوا ~~لبعضهم البعض: # وتكونوا من بعده قوما صالحين # [يوسف: 9]. وهم قد ظنوا أن التوبة إن نفذوا القتل ستصبح مقبولة. وهذا ~~الشر البادي في حديثهم لم يقبله بعضهم في بادىء الأمر لأنهم أبناء نبوة، ~~وما يزالون هم الأسباط، لا يصعد فيهم الشر، بل ينزل، فقال واحد منهم: لا ~~تقتلوه بل # اطرحوه أرضا.. # [يوسف: 9]. أي: أنه خفف المسألة من القتل إلى الطرح أرضا، وهذه أول ~~درجة في نزول الأخيار عن الشر الأول، وأيضا تنازلوا عن الشر الثاني، وهو ~~طرحه أرضا حتى لا يأكله حيوان مفترس، وجاء اقتراح: # وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة ~~إن كنتم فاعلين # [يوسف: 10]. ثم أجمعوا أمرهم أخيرا حتى نزل الشر مرة أخرى لاحتمال ورود ~~النجاة. إذن: فالأخيار حين يجتمعون على شر لا بد أن ينزل. ومثال ذلك: رجل ~~طيب رأى ابنه وهو يضرب من آخر، فيفكر للحظة في أن يضرب غريم ابنه بطلقة ~~من مسدس، ثم يستبدل هذه الفكرة بفكرة الاكتفاء بضربه ضربا مبرحا ~~بالعصا، ثم يتنازل عن ذلك بأن يفكر في صفعه صفعتين، ثم يتنازل عن فكرة ~~الصفع ويفكر في توبيخه، ثم يتنازل عن فكرة التوبيخ ويكتفي بالشكوى ~~لوالده، وهكذا ينزل الشر عند أهل الخير. # أما إن كان الرجل من أهل الشر، فهو يبدأ بفكرة الشكوى لوالد من ضرب ~~ابنه، ثم يرفضها ليصعد شره إلى فكرة أن يصفعه هو، ثم لا ترضيه فكرة ~~الصفع، فيفكر في أن يضربه ضربا شديدا، ولا ترضيه هذه الفكرة، يقول ~~لنفسه: " سأطلق عليه الرصاص ". وهكذا ms4662 يتصاعد الشر من أهل الشر. وهنا يقول ~~الحق سبحانه على لسان سيدنا نوح عليه السلام: { فأجمعوا ~~أمركم وشركآءكم.. } [يونس: 71]. أي: اجتمعوا والزموا رأيا ~~واحدا تحرصون على تنفيذه أنتم وشركاؤكم، وهو ينصحهم رغم أنهم أعداؤه، ~~وكان عليه أن يحرص على اختلافهم، ولكن لأنه واثق من توكله على ربه فهو ~~يعلم أنهم مهما فعلوا فلن يقدروا عليه، ولن ينتصروا على دعوته إلا ~~بالإقدام على إهلاك أنفسهم. أو أنه مثلما يقول العامة: " أعلى ما في ~~خيولكم اركبوه " أي: أنه يهددهم، ولا يفعل ذلك إلا إذا كان له رصيد من ~~قوة التوكل على الله تعالى. ولا يكتفي بذلك بل يضيف: { ثم لا يكن ~~أمركم عليكم غمة.. } [يونس: 71]. والغمة: منها الغمام، ~~ومنها الإغماء، أي: فقد الوعي وستر العقل، أي: أنه قال لهم: لا تتبعوا ~~أنفسكم بتبادل الهمسات فيما بينكم بل افعلوا ما يحلو لكم، ولا تحاولوا ~~ستر ما سوف تفعلون. إن عليكم أن تجتمعوا على رأي واحد أنتم وشركاؤكم ~~الذين تعتمدون عليهم، وتعبدونهم، أو شركاؤكم في الكفر، ولم يأبه نوح - ~~عليه السلام - بتقوية العصبية المضادة له لأنه متوكل على الله فقط. لذلك ~~يقول: { ثم اقضوا إلي ولا تنظرون } [يونس: 71]. أي: أنه ~~يحفزهم على الاجتماع على أمر واحد ومعهم شركاؤهم - سواء من الأصنام ~~التي عبدوها أو من أقرانهم في الكفر - وأن يصمموا على المضي في تنفيذ ما ~~اتفقوا عليه. و " قضى " أي: حكم حكما، ولكن الحكم على شيء لا يعني ~~الاستمرار بحيث ينفذ، فقد يقضي على إنسان بحكم ويوقف التنفيذ. لكن ~~قوله: { اقضوا إلي } يعني: أصدروا حكمكم وسيروا إلى تنفيذ ما ~~قضيتم به. ثم يقول: { ولا تنظرون } أي: لا تمهلوني في تنفيذ ما ~~حكمتم به علي. والمتأمل للآية الكريمة يجد فيها تحديا كبيرا، فهو ~~أولا يطلب أن يجتمعوا على أمر واحد، هم وشركاؤهم، ثم لا يكون على هذا ~~الأمر غمة، ثم اقضوا إلي ما اتفقتم عليه من حكم ونفذوه ولا ~~تؤجلوه، فهل هناك تحد للخصم أكثر من ذلك؟ لقد كانوا خصوما معاندين، ظل ~~نوح - عليه السلام ms4663 - يترفق إليهم ويتحنن لهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ~~وصبر عليهم كل هذا الوقت، ولا بد - إذن - من حدوث فاصل قوي، ولهذا كان ~~الترقي في التحدي، فدعاهم إلى جمع الأمر ومعهم الشركاء، ثم بإصدار ~~حكمهم عليه وعدم الإبطاء في تنفيذه، كان هذا هو التحدي الذي أخذ يترقى ~~إلى أن وصل إلى قبول تنفيذ الحكم. # والنفسية العربية - على سبيل المثال - حين سامحت، وصبرت، وصفحت في أمر ~~لا علاقة له بمنهج الله، بل بأمر يخص خلافا على الأرض، تجد الشاعر ~~العربي يقول عن " بني ذهل " الذين أتعبوا قوم الشاعر كثيرا، ولكن قومه ~~صفحوا عنهم يقول الشاعر: # صفحنا عن بني ذهل # وقلنا: القوم إخوان # عسى الأيام أن يرجع # ن قوما كالذي كانوا # فلما صرح الشر # فأمسى وهو عريان # ولم يبق سوى العدوا # ن دناهم كما دانوا # مشينا مشية الليث # غدا والليث غضبان # بضرب فيه توهين # وتخضيع وإقران # وطعن كفم الزق # غدا والزق ملآن # وفي الشر نجاة حي # ن لا ينجيك إحسان # وبعض الحلم عند الجه # ل للذلة إذعان # إذن: فالمناجزة بين نوح - عليه السلام - وقومه اقتضت التشديد، لعل ~~بشريتهم تلين، ولعل جبروتهم يلين، ولعلهم يعلنون الإيمان بالله تعالى، ~~ولكنهم لم يرتدعوا. لذلك يقول الحق سبحانه على لسان نوح بعد ذلك: { فإن ~~توليتم فما سألتكم من أجر... }. ### || [10.72] # أي: إن توليتم عن دعوتي لعبادة الإله الحق، فأنا لا أدعوكم إلى مثيل لكم ~~هو أنا، بل أدعوكم إلى من هو فوقي وفوقكم، فأنا لا أريد أن أستولي على ~~السلطة الزمنية منكم، ولا أبحث عن جاه، فالجاه كله لله تعالى. والله لا ~~يحتاج إلى جاه منكم لأن جاهه سبحانه ذاتي فيه، ولكن لنمنع جبروتكم ~~وتجبركم لتعيشوا على ضوء المنهج الحق لتكون حياتكم صالحة، وكل ذلك ~~لمصلحتكم. { فإن توليتم فما سألتكم من أجر.. } ~~[يونس: 72] فهل يمالىء نوح - عليه السلام - أعداءه. إن الإنسان ~~يمالىء العدو لأن يخاف أن يوقع به شرا، ونوح عليه السلام لا يخافهم ~~لأنه يعتمد على الله تعالى وحده، بل هو يدلهم على مواطن القوة ms4664 فيهم، ~~وهو يعلم أن قوتهم محدودة، وأن شرهم مهما بلغ فهو غير نافذ، وقد لا يكون ~~منهم شر على الإطلاق، فهل هناك نفع سيعود على نوح - عليه السلام - ~~ويمنع عنه؟ لا لأنه يعلن أنه لا يأخذ أجرا على دعوته. هم - إذن - لا ~~يقدرون على ضره، ولا يقدرون على نفعه، وهو لا يريد منهم نفعا لأن ~~مركزه بإيمانه بالله الذي أرسله مركز قوي. وهو لا يسألهم أجرا، وكلمة ~~" أجر " تعني: ثمن المنفعة، والأثمان تكون عادة في المعاوضات، إما أن ~~تكون ثمنا للأعيان والذوات، وإما أن تكون ثمنا للمنفعة. ومثال ذلك: أن ~~إنسانا يرغب في شراء " شقة " في بيت فيذهب إلى رجل يملك بيتا، ويطلب ~~منه أن يبيع له عددا من الأسهم بقيمة الشقة. وهناك آخر يريد أن يستأجر ~~شقة فيذهب إلى صاحب البيت ليدفع له قيمة إيجار شقة في البيت، اي: يدفع له ~~قيمة الانتفاع بالشقة، والأجر لا يدفع إلا لطلب منفعة ملحة. وكان ~~على نوح - عليه السلام - أن يطلب منهم أجرا لأنه يهديهم إلى الحق، هذا ~~في أصول التقييم للأشياء لأنه يقدم لهم نفعا أساسيا، لكنه يعلن أنه ~~لا يطلب أجرا وكأنه يقول: إن عملي كان يجب أن يكون له أجر لأن منفعته ~~تعود عليكم، وكان من الواجب أن آخذ أجرا عليه. ولكن نوحا - عليه السلام ~~- تنازل عن الأجر منهم لأنه أراد الأجر الأعلى، فلو أخذ منهم فلسوف يأخذ ~~على قدر إمكاناتهم، ولكن الأجر من الله تعالى هو على قدر إمكانيات الله ~~سبحانه وتعالى، وفارق بين إمكانات المحدود العطاء وهو البشر، ومن له قدرة ~~عطاء لا نهاية لها وهو الله سبحانه وتعالى. وهنا يقول: { فإن ~~توليتم.. } [يونس: 72]. فهذا التولي والإعراض لا يضرني ولا ~~ينفعني لأنكم لا تملكون لي ضرا ولا تملكون لي نفعا لأني لن آخذ منكم ~~أجرا. # ومن العجيب أن كل مواكب الرسل - عليهم السلام - حين يخاطبون أقوامهم ~~يخاطبونهم بهذه العبارة: # مآ أسألكم عليه من أجر.. # [ص: 86]. إلا في قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وقصة موسى عليه ~~السلام، فعن ms4665 قصة سيدنا إبراهيم يأتي قول الحق سبحانه: # واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه ~~وقومه ما تعبدون * قالوا نعبد أصناما فنظل ~~لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ~~ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنآ آبآءنا ~~كذلك يفعلون # [الشعراء: 69-74]. ولم يأت الحق سبحانه فيها بشيء عن عدم السؤال عن ~~الأجر. وأيضا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - قال الحق سبحانه: # قال رب إني أخاف أن يكذبون * ويضيق صدري ~~ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون * ولهم علي ~~ذنب فأخاف أن يقتلون * قال كلا فاذهبا بآياتنآ ~~إنا معكم مستمعون * فأتيا فرعون فقولا إنا ~~رسول رب العالمين * أن أرسل معنا بني ~~إسرائيل # [الشعراء: 12-17]. وهنا أيضا لا نجد قولا لموسى - عليه السلام - في ~~عدم السؤال عن الأجر. أما هنا في قصة نوح - عليه السلام - فنجد قول الحق ~~سبحانه: { فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن ~~أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من ~~المسلمين } [يونس: 72]. وكذلك جاء نفس المعنى في قصة هود عليه ~~السلام، حيث يقول الحق سبحانه: # كذبت عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ~~ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله ~~وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري ~~إلا على رب العالمين # [الشعراء: 123-127]. وجاء نفس المعنى أيضا في قوم ثمود، إذ قال الحق ~~سبحانه: # كذبت ثمود المرسلين * إذ قال لهم أخوهم ~~صالح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا ~~الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين # [الشعراء: 141-145]. وكذلك جاء نفس القول على لسان لوط عليه السلام، ~~فيقول الحق سبحانه: # كذبت قوم لوط المرسلين * إذ قال لهم أخوهم ~~لوط ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا ~~الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن ~~أجري إلا على رب العالمين # [الشعراء: 160-164]. ونفس القول جاء على لسان شعيب عليه السلام في قول ~~الحق سبحانه: # كذب أصحاب الأيكة المرسلين * إذ قال لهم ~~شعيب ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * ~~فاتقوا الله وأطيعون * ومآ ms4666 أسألكم عليه من ~~أجر إن أجري إلا على رب العالمين # [الشعراء: 176-180]. إذن: فغالبية الموكب الرسالي يأتي على ألسنتهم ~~الكلام عن الأجر: # ومآ أسألكم عليه من أجر # [الشعراء: 164]. # فكأن الرسل عليهم السلام يقولون للبشر الذين أرسلوا إليهم: لو أنكم ~~فطنتم إلى حقيقة الأمر لكان من الواجب أن يكون لنا أجر على ما نقدمه لكم ~~من منفعة، لكنا لا نريد منكم أنتم أجرا، إنما سنأخذ أجرنا من رب ~~العالمين لأن المنفعة التي نقدمها لكم لا يستطيع بشر أن يقومها، وإنما ~~القادر على تقييمها هو واضع المنهج - سبحانه - ومنزله على رسله. وها هو ~~القرآن الكريم يأتي على لسان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ويقول: # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى.. # [الشورى: 23]. أما لماذا لم تأت مسألة الأجر على لسان سيدنا إبراهيم - ~~عليه السلام - فنحن نعلم أن إبراهيم عليه السلام أول ما دعا دعا عمه، ~~وكان للعم حظ تربية إبراهيم، وله على سيدنا إبراهيم حق الأبوة. وكذلك ~~سيدنا موسى عليه السلام، فقد دعا فرعون، وفرعون هو الذي قام بتربية موسى، ~~وكانت زوجة فرعون تريده قرة عين لها ولزوجها، حتى إن فرعون فيما بعد قد ~~ذكره بذلك، وقال: # قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من ~~عمرك سنين # [الشعراء: 18]. أما هنا في دعوة سيدنا نوح - عليه السلام - فيأتي قول ~~القرآن على لسان نوح بما يوضح الأمر لقوم نوح: فإن توليتم فلا حزن لي، ~~ولا جزع لأنكم لن تصيبوني بضر، ولن تمنعوا عني منفعة لأنكم لم تسألوني ~~أن آتي لكم بالهدى لآخذ أجري منكم، ولكن الحق سبحانه هو الذي بعثني، وهو ~~الذي سيعطيني أجري، وقد أمرني سبحانه أن أكون من المسلمين له حقا ~~وصدقا. وفي حياتنا نجد أن صديقا يرسل إلى صديقه عاملا من عنده ليصلح ~~شيئا، فهو يأخذ الأجر من المرسل، لا من المرسل إليه، وهذا أمر منطقي ~~وطبيعي. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { فكذبوه فنجيناه ومن ~~معه في الفلك... }. ### || [10.73] # وكأن الأمر الذي وقع من الحق سبحانه نتيجة ms4667 عدائهم للإيمان كان من الممكن ~~أن يشمله لأنه لا يقال: نجيتك من كذا إلا إذا كان الأمر الذي نجيتك ~~منه، توشك أن تقع فيه، وكان هذا بالفعل هو الحال مع الطوفان، فالحق ~~سبحانه يقول: # ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر * وفجرنا ~~الأرض عيونا.. # [القمر: 11-12]. ومن المتوقع أن تشرب الأرض ماء المطر، لكن الذي حدث أن ~~المطر انهمر من السماء والأرض أيضا تفجرت بالماء ولذلك نجد الحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # فالتقى المآء على أمر قد قدر # [القمر: 12]. أي: أن ذلك الأمر كان مقدرا حتى لا يقولن أحد: إن هذه ~~المسألة ظاهرة طبيعية. لا إنه أمر مقدر، وقد كانت السفينة موجودة ~~بصناعة من نوح عليه السلام لأن الحق سبحانه قد أمره بذلك في قوله تعالى ~~في سورة هود: # واصنع الفلك بأعيننا ووحينا.. # [هود: 37]. ويقول الحق سبحانه في الآية التي بعدها: # ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه ~~سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر ~~منكم كما تسخرون # [هود: 38]. ويركب نوح - عليه السلام - السفينة، ويركب معه من آمن بالله ~~تعالى، وما حملوا معهم من الطير والحيوان من كل نوع اثنين ذكرا ~~وأنثى. وقول الحق سبحانه: { فنجيناه ومن معه.. } [يونس: ~~73]. يوحي أن الذي صعد إلى السفينة هم العقلاء من البشر، فكيف نفهم مسألة ~~صعود الحيوانات والطيور إلى السفينة؟ نقول: إن الأصل في وجود هذه ~~الحيوانات وتلك الطيور أنها مسخرة لخدمة الإنسان، وكان لا بد أن توجد ~~في السفينة لأنها ككائنات مسخرة تسبح الله، وتعبد الحق سبحانه، فكيف ~~يكون علمها فوق علم العقلاء الذين كفر بعضهم، ثم أليس من الكائنات ~~المسخرة ذلك الغراب الذي علم " قابيل " كيف يواري سوأة أخيه؟! إنه ~~طائر، لكنه علم ما لم يعلمه الإنسان! والحق سبحانه هو القائل: # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ~~يواري سوءة أخيه # [المائدة: 31]. ثم يقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصددها الآن: { ~~فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك ~~وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } [يونس: ~~73]. وكلمة ms4668 " الفلك " من الألفاظ التي تطلق على المفرد، وتطلق على ~~الجماعة. وقول الحق سبحانه: { فنجيناه } نعلم منه أن الفعل من ~~الله تعالى، وهو سبحانه حين يتحدث عن أي فعل له، فالكلام عن الفعل يأتي ~~مثل قوله سبحانه: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. ولكنه حين يتحدث عن ذاته، فهو يأتي بكلمة تؤكد الوحدانية ~~وتكون بضمير الإفراد مثل: # إنني أنا الله.. # [طه: 14]. وهنا يقول الحق سبحانه: { فنجيناه ومن معه في ~~الفلك. # . } [يونس: 73]. كلمة " أنجى " للتعددية، وكلمة " نجى " تدل على أن ~~هناك معالجة شديدة للإنجاء، وعلى أن الفعل يتكرر. وقول الحق سبحانه: { ~~وجعلناهم خلائف.. } [يونس: 73]. تعني: أن الخليفة هو من يجيء ~~بعد سابق، وكلمة " الخليفة " تأتي مرة للأعلى، مثل الحال هنا حيث جعل ~~الصالح خليفة للصالح، فبعد أن أنجى الله سبحانه العناصر المؤمنة في ~~السفينة، أغرق الباقين. إذن: فالصالحون على ظهر السفينة أنجبوا الصالحين ~~من بعدهم. ومرة تأتي كلمة " الخليفة " للأقل، مثل قول الحق سبحانه: # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات.. # [مريم: 59]. فهنا تكون كلمة الخليفة موحية بالمكانة الأقل، وهناك معيار ~~وضعه الحق سبحانه لتقييم الخليفة، هو قول الحق سبحانه: # ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر ~~كيف تعملون # [يونس: 14]. ولأن الإنسان مخير بين الإيمان والكفر، فسوف يلقى ~~مكانته على ضوء ما يختار. ويقول الحق سبحانه: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا.. # [النور: 55]. إذن: فالخليفة إما أن يكون خليفة لصالح، وإما أن يكون ~~صالحا يخلف فاسدا. وهنا يقول الحق سبحانه: { وجعلناهم ~~خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا.. } [يونس: ~~73]. والآيات - كما قلنا من قبل - إما آيات الاعتبار التي تهدي إلى ~~الإيمان بالقوة الخالقة، وهي آيات الكون كلها، فكل شيء في الكون يدلك ~~على أن هذا الكون مخلوق على هيئة ولغاية، بدليل أن الأشياء في هذا الكون ~~تنتظم انتظاما حكيما. وإذا أردت أن تعرف دقة هذا الخلق، فانظر إلى ما ~~ليدك ms4669 فيه دخل، وما ليس ليدك فيه دخل ستجد كل ما ليس ليدك فيه دخل على ~~درجة هائلة من الاستقامة، والحق سبحانه يقول: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. أما ما ليدك فيه دخل، فاختيارنا حين يتدخل فهو قد يفسد ~~الأشياء. وهكذا رأينا أن الآيات الكونية تلفت إلى وجود الخالق سبحانه وهي ~~مناط الاستدلال العقلي على وجود الإله، أو أن الآيات هي الأمور العجيبة ~~التي جاءت على أيدي الرسل - عليهم السلام - لتقنع الناس بأنهم صادقون في ~~البلاغ عن الله سبحانه وتعالى. ثم هناك آيات القرآن الكريم التي يقول ~~فيها الحق سبحانه: # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب.. # [آل عمران: 7]. وهي الآيات التي تحمل المنهج. وحين يقول الحق سبحانه: { ~~وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا.. } [يونس: 73]. فهو ~~يعلمنا أنه أغرق من كذبوا بالآيات الكونية ولم يلتفتوا إلى بديع صنعه ~~سبحانه، وحكمة تكوين هذه الآيات، وترتيبها ورتابتها، وهم أيضا كذبوا ~~الآيات المعجزات، وكذلك كذبوا بآيات الأحكام التي جاءت بها رسلهم. # وينهي الحق سبحانه وتعالى هذه الآية بقوله: { فانظر كيف كان ~~عاقبة المنذرين } [يونس: 73]. والخطاب هنا لكل من يتأتى منه ~~النظر، وأولهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أول مخاطب ~~بالقرآن. وأنت حين تقول: " انظر " فأنت تلفت إلى أمر حسي، إن وجهت ~~نظرك نحوه جاء الإشعاع من المنظور إليه، ليرسم أبعاد الشيء فتراه. ~~والكلام هنا عن أمور غائبة، فهي أحداث حسية وقعت مرة واحدة ثم صارت ~~خبرا، فإن أخبرك بها مخبر فيكون تصديقك بها على مقدار الثقة فيه. فمن ~~رأى عصا موسى - عليه السلام - وهي تلقف الحبال التي ألقاها السحرة آمن ~~بها، مثلما آمن من شاهد النار عاجزة عن إحراق إبراهيم عليه السلام، ومن ~~رأى عيسى عليه السلام وهو يشفي الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن ~~الله تعالى، فقد آمن بما رأى، أما من لم ير تلك المعجزات فإيمانه يتوقف ~~على قدر توثيقه لمن أخبر، فإن كان المخبر بذلك هو الله ms4670 سبحانه وفي القرآن ~~الكريم فإيماننا بتلك المعجزات هو أمر حتمي لأننا آمنا بصدق المبلغ عن ~~الله تعالى. ونحن نفهم أن الرسالات السابقة على رسالة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، كانت رسالات موقوتة زمانا ومكانا، لكن الإسلام جاء لينتظم الناس ~~الموجه إليهم منذ أن أرسل الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أن ~~تقوم الساعة. لذلك جاء القرآن آيات باقيات إلى أن تقوم الساعة، وهذا هو ~~السبب في أن القرآن قد جاء معجزة عقلية دائمة يستطيع كل من يدعو إلى منهج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: محمد رسول من عند الله تعالى، ~~وتلك هي معجزته. وساعة يقول الحق سبحانه: { فانظر } فمثلها مثل قول ~~الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. وحادثة الفيل قد حدثت في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وبطبيعة الحال فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~ير حادثة الفيل، ولكن الذين رأوها هم الذين كانوا يعيشون وقتها، وهذا ما ~~يلفتنا إلى فارق الأداء، فعيونك قد ترى أمرا، وأنذك قد تسمع خبرا، ولكن ~~من الجائز أن تخدعك حواسك، أما الخبر القادم من الله تعالى، وإن كان ~~غائبا عنك الآن وغير مسموع لك فخذه على أنه أقوى من رؤية العين. ولقائل ~~أن يقول: لماذا لم يقل الحق: " ألم تعلم " وجاء بالقول: # ألم تر.. # [الفيل: 1]. وأقول: ليدلنا الله سبحانه على أن العلم المأخوذ من الله ~~تعالى عن أمر غيبي عليك أن تتلقاه بالقبول أكثر من تلقيك لرأي العين. # إذن: { فانظر } تعني: اعلم الأمر وكأنه مجسم أمامك لأنك مؤمن ~~بالله تعالى وكأنك تراه، ومبلغك عن الله سبحانه هو رسول تؤمن برسالته، ~~وكل خبر قادم من الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يتسرب ~~إليه الشك، ولكن الشك لا يمكن أن يتسرب إلى المخبر الصادق أبدا. ولقائل ~~أن يقول: ولماذا لم يقل الحق: " فانظر كيف كان عاقبة الكافرين " بدلا من ~~قول ms4671 الحق سبحانه: { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } ~~[يونس: 73]. وهنا نقول: إن الحق سبحانه وتعالى قد بين أنه لم يعذب ~~قبل أن ينذر، فهو قد أنذر أولا، ولم يأخذ القوم على جهلهم. " فانظر " ~~- كما نعلم - هي خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخطاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يشمل أمته أيضا، وجاء هذا الخبر تسلية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فإن صادف من قومك يا محمد ما صادف قوم نوح - عليه ~~السلام - فاعلم أن عاقبتهم ستكون كعاقبة قوم نوح. وفي هذا تحذير وتخويف ~~للمناوئين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ~~ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم... }. ### || [10.74] # وكلمة " بعث " هنا تستحق التأمل، فالبعث إنما يكون لشيء كان موجودا ثم ~~انتهى، فيبعثه الله تعالى. وكلمة { بعثنا } هذه تلفتنا إلى الحق ~~سبحانه أول ما خلق الخلق أعطى المنهج لآدم عليه السلام، وأبلغه آدم ~~لأبنائه، وكل طمس أو تغيير من البشر للمنهج هو إماتة للمنهج. وحين يرسل ~~الحق سبحانه رسولا، فهو لا ينشىء منهجا، بل يبعث ما كان موجودا، ~~ليذكر الفطرة السليمة. وهذا هو الفرق بين أثر كلمة " البعث " عن كلمة " ~~الإرسال " ، فكلمة البعث تشعرك بوجود شيء، ثم انتهاء الشيء، ثم بعث ذلك ~~الشيء من جديد، ومثله مثل البعث في يوم القيامة، فالبشر كانوا يعيشون ~~وسيظلون في تناسل وحياة وموت إلى يوم البعث، ثم يموت كل الخلق ليبعثوا ~~للحساب. ولم يكن من المعقول أن يخلق الله سبحانه البشر، ويجعل لهم ~~الخلافة في الأرض، ثم يتركهم دون منهج وما دامت الغفلة قد طرأت عليهم من ~~بعد آدم - عليه السلام - جاء البعث للمنهج على ألسنة الرسل المبلغين عن ~~الله تعالى. وبعد نوح - عليه السلام - بعث الحق سبحانه رسلا، وهنا يقول ~~الله سبحانه وتعالى: { ثم بعثنا من بعده.. } [يونس: 74]. أي: ~~من بعد نوح، فمسألة نوح - عليه السلام - هنا تعني مقدمة الركب الرسالي ~~لأن نوحا عليه السلام قد قالوا عنه إنه رسول عام للناس جميعا أيضا، ~~مثله مثل محمد ms4672 صلى الله عليه وسلم، وهو لم يبعث رسولا عاما للناس ~~جميعا، بل كان صعوده إلى السفينة هو الذي جعله رسولا لكل الناس لأن ~~سكان الأرض أيامها كانوا قلة. والحق سبحانه قد أخذ الكافرين بذنبهم ~~وأنجى المؤمنين من الطوفان، وكان الناس قسمين: مؤمنين، وكافرين، وقد صعد ~~المؤمنون إلى السفينة، وأغرق الحق سبحانه الكافرين. وهكذا صار نوح - عليه ~~السلام - رسولا عاما بخصوصية من بقوا وهم المرسل إليهم بخصوصية ~~الزمان والمكان. وهنا يقول الحق سبحانه: { ثم بعثنا من بعده ~~رسلا إلى قومهم.. } [يونس: 74]. فهل قص الله تعالى كل ~~أخبار الرسل عليهم السلام؟ لا لأنه سبحانه وتعالى هو القائل: # منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص ~~عليك.. # [غافر: 78]. وجاء الحق عز وجل بقصص أولي العزم منهم، مثلما قال سبحانه: # وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147]. فمن أرسله الله تعالى إلى من هم أقل من مائة ألف، فقد ~~لا يأتي ذكره، ونحن نعلم أن الرسول إنما كان يأتي للأمة المنعزلة لأن ~~العالم كان على طريقة الانعزال، فنحن مثلا منذ ألف عام لم نكن نعلم ~~بوجود قارة أمريكا، بل ولم نعلم كل القارات والبلاد إلا بعد المسح الجوي ~~في العصر الحديث، وقد توجد مناطق في العالم نعرفها كصورة ولا نعرفها ~~كواقع. # ونحن نعلم أن ذرية آدم - عليه السلام - كانت تعيش على الأرض، ثم انساحت ~~في الأرض لأن الأقوات التي كانت تكفي ذرية آدم على عهده، لم تعد تكفي ~~بعدما اتسعت الذرية، فضاق الرزق في رقعة الأرض التي كانوا عليها، وانساح ~~بعضهم إلى بقية الأرض. والحق سبحانه هو القائل: # ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما ~~كثيرا وسعة.. # [النساء: 100]. وهكذا انتقل بعض من ذرية آدم - عليه السلام - إلى مواقع ~~الغيث، فالهجرة تكون إلى مواقع المياه لأنها أصل الحياة. ويلاحظ مؤرخو ~~الحضارات أن بعض الحضارات نشأت على جوانب الأنهار والوديان، أما البداوة ~~فكانت تتفرق في الصحارى، مثلهم مثل العرب، وكانوا في الأصل يسكنون عند سد ~~مأرب، وبعد أن تهدم السد وأغرق الأرض، خاف الناس ms4673 من الفيضان لأن ~~العدوين اللذين لم يقدر عليهما البشر هما النار والماء. وحين رأى ~~الناس اندفاع الماء ذهبوا إلى الصحارى، وحفروا الآبار التي أخذوا منها ~~الماء على قدر حاجتهم لأنهم عرفوا أنهم ليسوا في قوة المواجهة مع ~~الماء. وهكذا صارت الانعزالات بين القبائل العربية، ومثلها كانت في بقية ~~الأرض ولذلك اختلفت الداءات باختلاف الأمم ولذلك بعث الحق سبحانه إلى كل ~~أمة نذيرا، وهو سبحانه القائل: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير.. # [فاطر: 24]. وقص علينا الله سبحانه قصص بعضهم، ولم يقصص قصص البعض ~~الآخر. يقول الحق سبحانه: # منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص ~~عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن ~~الله.. # [غافر: 78]. وهنا يقول الحق سبحانه: { ثم بعثنا من بعده ~~رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات.. } [يونس: 74]. ~~فهل هؤلاء هم الرسل الذين لم يذكرهم الله؟ لا لأن الحق سبحانه أرسل بعد ~~ذلك هودا إلى قوم عاد، وصالحا إلى ثمود، وشعيبا إلى مدين، ولم يأت ~~بذكر هؤلاء هنا، بل جاء بعد نوح - عليه السلام - بخبر موسى عليه السلام، ~~وكأنه شاء سبحانه هنا أن يأتي لنا بخبر عيون الرسالات. وما دام الحق ~~سبحانه قد أرسل رسلا إلى قوم، فكل قوم كان لهم رسول، وكل رسول بعثه الله ~~تعالى إلى قومه. وكلمة " قوم " في الآية جمع مضاف، والرسل جمع، ومقابلة ~~الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا، مثلما نقول: هيا اركبوا سياراتكم، ~~والخطاب لكم جميعا، ويعني: أن يركب كل واحد منكم سيارته. وجاء كل رسول ~~إلى قومه بالبينات، أي: بالآيات الواضحات الدالة على صدق بلاغهم عن الله ~~تعالى. ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية: { فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع ~~على قلوب المعتدين } [يونس: 74]. # أي: أن الناس جميعهم لو آمنوا لانقطع الموكب الرسالي، فموكب إيمان كل ~~البشر لم يستمر، بل جاءت الغفلة، وطبع الله تعالى على قلوب المعتدين. ~~والطبع - كما نعلم - هو الختم. ومعنى ذلك أن القلب المختوم لا يخرج ما ~~بداخله، ولا يدخل إليه ما هو ms4674 خارجه فما دام البعض قد عشق الكفر فقد طبع ~~الله سبحانه على هذه القلوب ألا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها الكفر، ~~والطبع هنا منسوب لله تعالى. وبعض الذين يتلمسون ثغرات في منهج الله ~~تعالى يقولون: إن سبب كفرهم هو أن الله هو الذي طبع على قلوبهم. ونقول: ~~التفتوا إلى أنه سبحانه بين أنه قد طبع على قلوب المعتدين، فالاعتداء ~~قد وقع منهم أولا، ومعنى الاعتداء أنهم لم ينظروا في آيات الله تعالى، ~~وكفروا بما نزل إليهم من منهج، فهم أصحاب السبب في الطبع على القلوب ~~بالاعتداء والإعراض. وجاء الطبع لتصميمهم على ما عشقوه وألفوه، والحق ~~سبحانه وتعالى هو القائل في الحديث القدسي: # " أنا أغنى الشركاء عن الشرك ". # ولله المثل الأعلى، فأنت تقول لمن يسدر في غيه: ما دمت تعشق ذلك ~~الأمر فاشبع به. ومثل هؤلاء الذين طبع الله سبحانه وتعالى على قلوبهم، ~~مثل الذين كذبوا من قبل وكانوا معتدين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ~~ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون... }. ### || [10.75] # وكل من موسى وهارون - عليهما السلام - رسول، وقد أخذ البعث لهما مراحل، ~~والأصل فيها أن الله تعالى قال لموسى - عليه السلام: # وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى # [طه: 13]. وقال الحق سبحانه وتعالى لموسى - عليه السلام: # اذهبآ إلى فرعون إنه طغى # [طه: 43]. ثم سأل موسى - عليه السلام - ربه سبحانه وتعالى أن يشد ~~عضده بأخيه، فقال الحق سبحانه وتعالى: # قال قد أوتيت سؤلك يموسى # [طه: 36]. لأن موسى - عليه السلام - أراد أن يفقه قوله، وقد رجى موسى ~~ربه سبحانه وتعالى بقوله: # واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي # [طه: 27-28]. وبعد ذلك جاء تكليف هارون بالرسالة مع موسى عليه السلام. ~~وقال الحق سبحانه: # اذهب إلى فرعون إنه طغى # [طه: 24]. فالأصل - إذن - كانت رسالة موسى - عليه السلام - ثم ضم الله ~~سبحانه هارون إلى موسى إجابة لسؤال موسى، والدليل على ذلك أن الآيات كلها ~~المبعوثة في تلك الرسالة كانت بيد موسى، وحين يكون موسى هو الرسول، وينضم ~~إليه هارون، لا بد - إذن - أن يصبح هارون رسولا. ms4675 ولذلك نجد القرآن ~~معبرا عن هذا: # إنا رسولا ربك.. # [طه: 47]. أي: أنهما رسولان من الله. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: # فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين # [الشعراء: 16]. فهما الاثنان مبعوثان في مهمة واحدة، وليس لكل منهما ~~رسالة منفصلة، بل رسالتهما واحدة لم تتعدد، وإن تعدد المرسل فكانا موسى ~~وهارون. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - حين يوفد ملك أو رئيس وفدا إلى ~~ملك آخر، فيقولون: نحن رسل الملك فلان. وفي رسالة موسى وهارون نجد الأمر ~~البارز في إلقاء الآيات كان لموسى. ولكن هارون له أيضا أصالة رسالية ~~لذلك قال الحق سبحانه: # إنا رسولا.. # [طه: 47]. ذلك أن فرعون كان متعاليا سمجا رذل الخلق، فإن تكلم ~~هارون ليشد أزر أخيه، فقد يقول الفرعون: وما دخلك أنت؟ ولكن حين يدخل ~~عليه الاثنان، ويعلنان أنهما رسولان، فإن رد فرعون هارون، فكأنه يرد موسى ~~أيضا. أقول ذلك حتى نغلق الباب على من يريد أن يتورك القرآن متسائلا: ~~ما معنى أن يقول القرآن مرة " رسول " ومرة " رسولا "؟ وفي هذا رد كاف ~~على هؤلاء المتوركين. ويقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها: { ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون ~~إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا.. } [يونس: ~~75]. والملأ: هم أشراف القوم، ووجوهه وأعيانه والمقربون من صاحب ~~السيادة العليا، ويقال لهم: " ملأ " لأنهم هم الذين يملأون العيون، أي: ~~لا ترى العيون غيرهم. # وفرعون - كما نعلم - لم يصبح فرعونا إلا بالملأ لأنهم هم الذين نصبوه ~~عليهم، وكان " هامان " مثلا يدعم فكرة الفرعون، وكان الكهنة يؤكدون أن ~~الفرعون إله. ولكل فرعون ملأ يصنعونه، والمثل الشعبي في مصر يقول: " ~~قالوا لفرعون من فرعنك، قال: لم أجدا أحدا يردني ". أي: أنه لم يجد ~~أحدا يقول له: تعقل. ولو وجد من يقول له ذلك لما تفرعن. والآيات ~~التي بعث بها الله سبحانه إلى فرعون وملئه مع موسى وهارون من المعجزات ~~الدالة على صدق نبوة موسى وهارون - عليهما السلام، وفيها ما يلفت إلى ~~صدق البلاغ عن الله. أو أن الآيات هي المنهج ms4676 الذي يثبت وجود الخالق ~~الأعلى، لكن فرعون وملأه استكبروا. والاستكبار: هو طلب الكبر، مثلها مثل ~~" استخرج " أي: طلب الإخراج، ومثل " استفهم " أي: طلب الفهم. ومن يطلب ~~الكبر إنما يفتعل ذلك لأنه يعلم أن مقوماته لا تعطيه هذا الكبر. وينهي ~~الحق سبحانه هذه الآية بقوله: {.. وكانوا قوما مجرمين } ~~[يونس: 75]. وشر الإجرام هو ما يتعدى إلى النفس، فقد يكون من المقبول ~~أن يتعدى إجرام الإنسان إلى أعدائه، أما أن يتعدى الإجرام إلى النفس فهذا ~~أمر لا مندوحة له، وإجرام فرعون وملئه أودى بهم إلى جهنم خالدين مخلدين ~~فيها ملعونين، وفي عذاب عظيم ومهين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ~~فلما جآءهم الحق من عندنا... }. ### || [10.76] # وقد جاءهم الحق على لسان الرسل عليهم السلام وعلى كل إنسان أن يفهم ~~أنه حين يستقبل من الرسول رسالة الحق، فليفهم أنها رسالة ليست ذاتية ~~الفكر من الرسول، بل قد أرسله بها الله الخالق الأعلى سبحانه وتعالى. ~~ولذلك فالمتأبي على الرسول، لا يتأبى على مساو له لأن الرسول هو ~~مبلغ عن الله تعالى، والله سبحانه هو الذي بعثه، ويجب على الإنسان أن ~~يعرف قدر البلاغ القادم من الله الحق، لأنه سبحانه هو الحق الأعلى، وهو ~~الذي خلق كل شيء بالحق: سماء مخلوقة بالحق، وأرض مخلوقة بالحق، وشمس تجري ~~بالحق، ومطر ينزل بالحق، وكل شيء ثابت ومتحرك بقوانين أرادها الحق ~~سبحانه. ولو سيطر الإنسان - دون منهج - على قوانين الكائنات لأفسدها لأن ~~الفساد إنما يتأتى مما للإنسان دخل فيه، ويدخل إليه بدون منهج الله. ~~والفساد إنما يجيء من ناحية اختيار الإنسان للبدائل التي لا يخضع فيها ~~لمنهج الله تعالى. ولذلك إن أردتم أن تستقيم حياتكم استقامة الكائنات ~~العليا التي لا دخل لكم فيها، فامتثلوا لمنهج الحق وميزانه لأنه سبحانه ~~هو القائل: # والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في ~~الميزان # [الرحمن: 7-8]. أي: إن كنتم تريدون أن تعتدل أموركم، وتنضبط انضباط ~~الكائنات الأخرى فلتكن إرادة الاختيار المخلوقة لكم خاضعة لمنهج الله ~~تعالى، وتسير في إطار هذا المنهج الرباني. وحين نتأمل قول ms4677 الحق سبحانه: { ~~فلما جآءهم الحق من عندنا.. } [يونس: 76]. نجد في هذا ~~القول توجيها إلى أن الحق لم يأت من ذوات الرسل فهذه الذوات لا دخل لها ~~في الموضوع، وإياك أن تهاجم رسالة حق جاءتك من إنسان لا تحبه، بل ناقش ~~الحق في ذاته، ولا تدخل في متاهة البحث عمن جاء بهذا الحق، وانظر إلى ~~من كفروا بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم من قالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم.. # [الزخرف: 31]. وهم بذلك قد أدخلوا النازل عليه القرآن في الحكم، مع أن ~~العقل كان يقتضي أن ينظروا إلى القرآن في ذاته، وأن يأخذوا الحكمة من أي ~~وعاء خرجت. وعليك أنت أن تستفيد من هذا الأمر، وخذ الحكمة من أي قائل ~~لها، ولا تنظر إلى من جاءت الحكمة منه، فإن كنت تكرهه فأنت ترفض أن تأخذ ~~الحكمة منه، وإن كنت تحبه أخذتها. لا، إن عليك أن تأخذ الحكمة ما دامت قد ~~جاءت بالحق لأنك إن لم تأخذها أضعت نفسك. والحق هو الشيء الثابت، وإن ظهر ~~في بعض الأحيان أن هناك من طمس الحق، وأن الباطل تغلب عليه، فهذا يعني ~~ظهور المفاسد فيصرخ الناس طالبين الحق. # وانتشار المفاسد هو الذي يجعل الناس تستدعي الحق، وتتحمس له لأن الباطل ~~حين يعض الناس، تجدهم يتجهون إلى الحق ليتمسكوا به. والحق سبحانه هو ~~القائل: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. والحق سبحانه هنا يضرب المثل النازل كسيل من السماء على ~~الجبال، فيأخذ كل واد أسفل الجبال على قدر احتماله، ويرتوى الناس، ~~وترتوي الأرض، لكن السيل في أثناء نزوله على الجبال إنما يحمل بعضا من ~~الطمي، والقش، ويستقر الطمي في أرض الأودية لتستفيد منه، أما القش ~~والقاذورات فتطفو على سطح الماء، وتسمى تلك الأشياء ms4678 الطافية زبدا، ~~وساعة تضعها في النار، فهي تصدر أصواتا تسمى الطشطشة. ومثال ذلك: حين ~~نوقد النار لنصهر الحديد، نجد الخبث هو الذي يطفو، ويبقى الحديد النقي في ~~القاع. هذا الزبد الذي وجد فوق الماء ينزاح على الجوانب، ومثال ذلك: ما ~~نراه على شواطىء البحر حين يقذف الموج بقاذورات على الشاطىء، هذه ~~القاذورات التي ألقتها البواخر، فيلفظها البحر بالموج، وهذا الزبد يذهب ~~جفاء، أما ما ينفع الناس فيبقى في الأرض لذلك يقول الحق سبحانه: # كذلك يضرب الله الحق والباطل.. # [الرعد: 17]. إذن: فالله سبحانه يترك للباطل مجالا، ولكن لا يسلم له ~~الحق، بل يترك الباطل ليحفز غيرة الناس على الحق، فإن لم يغاروا على الحق ~~غار هو عليه. وهنا يقول الله سبحانه وتعالى: { فلما جآءهم ~~الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين } ~~[يونس: 76]. ولأنهم كانوا مشهورين بالسحر ظنوا أن الآيات التي جاءت مع ~~موسى - عليه السلام - هي السحر المبين، أي: السحر الظاهر الواضح. ويقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك: { قال موسى أتقولون للحق لما ~~جآءكم... }. ### || [10.77] # وفي هذه الآية ما يوضح رد سيدنا موسى عليه السلام: { أتقولون ~~للحق لما جآءكم أسحر هذا.. } [يونس: 77]. والذين ~~يتوركون على القرآن يقولون: كيف يأتي القرآن ليؤكد أنهم قالوا إن هذا ~~لسحر مبين، ثم يأتي في الآية التي بعدها ليقول إنهم قالوا متسائلين: ~~أسحر هذا؟ وفهم هؤلاء الذين يتوركون على القرآن أن كلمة { أسحر ~~هذا } من كلماتهم، ولكن هذا هو قول موسى عليه السلام، وكأن موسى عليه ~~السلام قد تساءل ليعيدوا النظر في حكمهم: هل ما جاء به سحر؟ وهذا استفهام ~~استنكاري، وأريد به أن يؤكد أن هذا ليس بسحر، ولكن جاء بصيغة التساؤل ~~لأنه واثق أن الإجابة الأمينة ستقول: إن ما جاء به ليس سحرا. ولو جاء ~~كلام موسى - عليه السلام - كمجرد خبر لكان يحتمل الصدق، ويحتمل الكذب، ~~لكنه جاء بصيغة الاستفسار لأن المكذب له سيجيب بلجلجة. ومثال ذلك - ~~ولله المثل الأعلى - أنت حين تذهب لشراء قماش، فيقول لك البائع: إنه صوف ~~خالص ونقي، فتمسك بعود ms4679 كبريت وتشعل النار في خيط من القماش، فإن احترق ~~الصوف كما يحترق البلاستيك أو القماش الصناعي، فأنت تقول للبائع: وهل هذا ~~صوف نقي يا رجل؟ وهنا لن يجيب البائع إلا بالموافقة، أو بصمت العاجز عن ~~حجب الحقيقة. إذن: أنت إن طرحت الأمر باستفهام إنكاري فهذا أبلغ من أن ~~تقوله كخبر مجرد لأن السامع لك لا بد أن يجيب. وقول الحق سبحانه وتعالى ~~على لسان موسى عليه السلام: { أتقولون للحق لما جآءكم.. ~~} [يونس: 77]. يفيد ضرورة النظر إلى الحق مجردا عمن جاء به. ولذلك لم ~~يقل موسى عليه السلام: أتقولون للحق لما جئناكم به: إنه سحر مبين؟ إن ~~القول الحكيم الوارد في الآية الكريمة هو تأكيد على ضرورة النظر إلى الحق ~~مجردا عمن جاء به. وينهي الحق سبحانه هذه الآية بقوله: {.. أسحر ~~هذا ولا يفلح الساحرون } [يونس: 77]. إذن: فسيدنا موسى - ~~عليه السلام - قد أصدر الحكم بأن السحر لا ينفع، ولكن الآيات التي جاء ~~بها من الحق سبحانه قد أفلحت، فقد ابتلعت عصاه - التي صارت حية - كل ما ~~ألقوه من حبالهم وكل ما صنعوه من سحر. وأراد الحق سبحانه لعصا موسى أن ~~تكون آية معجزة من جنس ما نبغ فيه القوم. فالله سبحانه حين يرسل معجزة ~~إلى قوم يجعلها من جنس ما نبغوا فيه لتكون المعجزة تحديا في المجال الذي ~~لهم به خبرة ودربة ودراية فأنت لن تتحدى رجلا لا علم له بالهندسة ليبني ~~لك عمارة، ولكنك تتحدى مهندسا أن يبني لك هرما لأن العلوم المعاصرة لم ~~تتوصل إلى بعض ما اكتشفه القدماء ولم يسجلوه في أوراقهم، أو لم يعثر على ~~كشف يوضح كيف فرغوا الهواء بين كل حجر وآخر فتماسكت الحجارة. # وقول الحق سبحانه وتعالى هنا: {.. ولا يفلح الساحرون } ~~[يونس: 77]. يبين لنا أن الفلاح مأخوذ من العملية الحسية التي يقوم بها ~~الفلاح من جهد في حرث الأرض ووضع البذور، وري الأرض وانتظار الثمرة بعد ~~بذل كل ذلك الجهد. والفلاح أيضا مأخوذ من فلح الحديد، أي: شق الحديد، ~~ككتل أو كقطع، ولا يصلح ms4680 إلا إذا أخذ الحديد الشكل المناسب للاستعمال. ~~وقول الحق سبحانه: { ولا يفلح الساحرون } [يونس: 77]. هو ~~لفت لنا أن السحر نوع من التخييل، وليس حقيقة واقعة. ولذلك قال الحق ~~سبحانه في موضع آخر من القرآن: # سحروا أعين الناس.. # [الأعراف: 116]. وقال الحق سبحانه أيضا: # .. فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من ~~سحرهم أنها تسعى # [طه: 66]. إذن فالسحر هو تخييل فقط وليس تغييرا للحقيقة. ولأن معجزة ~~موسى - عليه السلام - تحدت كل القدرات لذلك أعلن فرعون التعبئة العامة ~~بين كل من له علاقة بالسحر، الذي هم متفوقون فيه، أو حتى من لهم شبهة ~~معرفة بالسحر. ولأن السحر مجرد تخييل، وجدنا السحرة حين اجتمعوا وألقوا ~~حبالهم وعصيهم، ثم ألقى موسى عصاه، فإذا بعصاه قد تحولت إلى حية تلقف ما ~~صنعوا، وهنا ماذا فعل السحرة؟ يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة طه: # فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون ~~وموسى # [طه: 70]. لأن الساحر يرى ما يفعله على حقيقته، وهم خيلوا لأعين ~~الناس، لكنهم يرون حبالهم مجرد حبال أو عصيهم مجرد عصي. أما عصا موسى - ~~عليه السلام - فلم تكن تخييلا، بل وجدها السحرة حية حقيقية، ولقفت ~~بالفعل ما صنعوا ولذلك خروا ساجدين، وأعلنوا الإيمان برب موسى وهارون. ~~هم - إذن - لم يعلنوا الإيمان بموسى وهارون، بل أعلنوا الإيمان: # برب هارون وموسى # [طه: 70]. لأنهم عرفوا بالتجربة أن ما ألقاه موسى ليس سحرا، بل هو من ~~فعل خالق أعلى. وكان ثبات موسى - عليه السلام - في تلك اللحظة نابعا من ~~التدريب الذي تلقاه من ربه، فقد سأله الحق سبحانه: # وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي # [طه: 17-18]. وقد أجمل موسى وفصل في الرد على الحق سبحانه إيناسا ~~وإطالة للأنس بالله تعالى، وحين رأى أنه أطال الإيناس أوجز وقال بأدب: # ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18]. إذن: فقد أدركته أولا شهوة الأنس بالله تعالى، وأدرك ثانيا ~~أدب التخاطب مع الله تعالى، ودربه الحق سبحانه على مسألة العصا حين ~~أمره أولا أن يلقيها، فصارت أمامه حية تسعى، ولو ms4681 كانت من جنس السحر لما ~~أوجس منها خيفة ولرآها مجرد عصا. إذن: فالفرق بين معجزة موسى وسحرة ~~فرعون، أن سحرة فرعون سحروا أعين الناس وخيل إلى الناس من سحرهم أن ~~عصيهم وحبالهم تسعى، لكن معجزة موسى - عليه السلام - في إلقاء العصا، ~~عرفوا هم بالتجربة أن تلك العصا قد تغيرت حقيقتها. والعصا - كما نعلم - ~~أصلها فرع من شجرة، وكان باستطاعة الحق سبحانه وتعالى أن يجعلها تتحول ~~إلى شجرة مثمرة، لكنها كانت ستظل نباتا. وشاء الحق سبحانه أن ينقلها إلى ~~المرتبة الأعلى من النبات وهي المرحلة الحيوانية، فصارت حية تلقف كل ما ~~ألقاه السحرة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { قالوا أجئتنا ~~لتلفتنا عما وجدنا... }. ### || [10.78] # وهنا نجد سحرة فرعون ينسبون مجيء معجزة تحول العصا إلى حية، ينسبونها ~~لموسى - عليه السلام - رغم أن موسى عليه السلام قد نسب مجيء المعجزة إلى ~~الله تعالى. وكان واجب المرسل إليه - فرعون وملئه - أن ينظر إلى ما جاء ~~به الرسول، لا إلى شخصية الرسول. ولو قال فرعون لموسى: " جيء بك " لكان ~~معنى ذلك أن فرعون يعلن الإيمان بأن هناك إلها أعلى، ولكن فرعون لم يؤمن ~~لحظتها لذلك جاء قوله: { أجئتنا } فنسب المجيء على لسان فرعون لموسى ~~عليه السلام. ولماذا المجيء؟ يقول الحق سبحانه على لسان فرعون وقومه: { ~~أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا.. } ~~[يونس: 78]. والالتفات هو تحويل الوجه عن شيء مواجه له، وما دام الإنسان ~~بصدد شيء فكل نظره واتجاهه يكون إليه، وكان قوم فرعون على فساد وضلال، ~~وليس أمامهم إلا ذلك الفساد وذلك الضلال. وجاء موسى عليه السلام ليصرف ~~وجوههم عن ذلك الفساد والضلال، فقالوا: { أجئتنا لتلفتنا ~~عما وجدنا عليه آباءنا.. } [يونس: 78]. وهكذا يكشفون حقيقة ~~موقفهم، فقد كانوا يقلدون آباءهم، والتقليد يريح المقلد، فلا يعمل ~~عقله أو فكره في شيء ليقتنع به، ويبني عليه سلوكه. والمثل العامي يصور ~~هذا الموقف بعمق شديد حين يقول: " مثل الأطرش في الزفة " أي: أن فاقد ~~السمع لا يسمع ما يقال من أي جمهرة، بل يسير مع الناس حيث تسير ولا ms4682 يعرف ~~له اتجاها. والمقلد إنما يعطل فكره، ولا يختار بين البدائل، ولا يميز ~~الصواب ليفعله، ولا يعرف الخطأ فيتجنبه. وفرعون وملؤه كانوا على ضلال، ~~هو نفس ضلال الآباء، والضلال لا يكلف الإنسان تعب التفكير ومشقة ~~الاختيار، بل قد يحقق شهوات عاجلة. أما تمييز الصواب من الخطأ واتباع ~~منهج السماء، فهو يحجب الشهوة، ويلزم الإنسان بعدم الانفلات عكس الضلال ~~الذي يطيل أمد الشهوة. إذن: فالمقلد بين حالتين: الحالة الأولى: أنه لا ~~يعمل عقله، بل يفعل مثل من سبقوه، أو مثل من يحيا بينهم. والحالة ~~الثانية: أنه رأى أن ما يفعله الناس لا يلزمه بتكليف، ولكن الرسول الذي ~~يأتي إنما يلزمه بمنهج، فلا يكسب - على سبيل المثال - إلا من حلال، ولا ~~يفعل منكرا، ولا يذم أحدا، وهكذا يقيد المنهج حركته، لكن إن اتبع حركة ~~آبائه الضالين، فالحركة تتسع ناحية الشهوات. ولذلك أقول دائما: إن مسألة ~~التقليد هذه يجب أن تلفت إلى قانون التربية، فالنشء ما دام لم يصل إلى ~~البلوغ فأنت تلاحظ أنه بلا ذاتية ويقلد الآباء، لكن فور أن تتكون له ~~ذاتية يبدأ في التمرد، وقد يقول للآباء: أنتم لكم تقاليد قديمة لا تصلح ~~لهذا الزمان، لكن إن تشرب النشء القيم الدينية الصحيحة فسيمتثل لقانون ~~الحق، ويحجز نفسه عن الشهوات. # ونحن نجد أبناء الأسر التي لا تتبع منهج الله في تربية الأبناء وهم ~~يعانون من أبنائهم حين يتسلط عليهم أقران السوء، فيتجهون إلى ما يوسع ~~دائرة الشهوات من إدمان وغير ذلك من المفاسد. لكن أبناء الأسر الملتزمة ~~يراعون منهج الله تعالى فلا يقلدون آحدا من أهل السوء لأن ضمير الواحد ~~منهم قد عرف التمييز بين الخطأ والصواب. ثم إن تقليد الآباء قد يجعل ~~الأبناء مجرد نسخ مكررة من آبائهم، أما تدريب وتربية الأبناء على إعمال ~~العقل في كل الأمور، فهذه هي التنشئة التي تتطور بها المجتمعات إلى ~~الأفضل إن اتبع الآباء منهج الله تعالى، وتتكون ذاتية الابن على ضوء منهج ~~الحق سبحانه، فلا يتمرد الابن متجها إلى الشر، بل قد يتمرد ms4683 إلى تطوير ~~الصالح ليزيده صلاحا. التقليد - إذن - يحتاج إلى بحث دقيق لأن الإنسان ~~الذي سوف تقلده، لن يكن مسئولا عنك لأن الحق سبحانه وتعالى هو القائل: # يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا ~~يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا.. # [لقمان: 33]. إذن: فأمر الابن يجب أن يكون نابعا من ذاته، وكذلك أمر ~~الأب، وعلى كل إنسان أن يعمل عقله بين البدائل. ولذلك تجد القرآن ~~الكريم يقول على ألسنة من قلدوا الآباء: # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ.. # [البقرة: 170]. ثم يرد عليهم الحق سبحانه: # .. أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا ~~يهتدون # [البقرة: 170]. فإذا كانت المسألة مسألة تقليد، فلماذا يتعلم الابن؟ ~~ولماذا لا ينام الأبناء على الأرض ولا يشترون أسرة؟ ولماذا ينجذبون ~~إلى التطور في الأشياء والأدوات التي تسهل الحياة؟ فالتقليد هو إلغاء ~~العقل والفكر، وفي إلغائهما إلغاء التطور والتقدم نحو الأفضل. إذن: ~~فالقرآن يحثنا على أن نستخدم العقل لنختار بين البدائل، وإذا كان المنهج ~~قد جاء من السماء، فلتهتد بما جاء لك ممن هو فوقك، وهذا الاهتداء ~~المختار هو السمو نحو الحياة الفاضلة. يقول الحق سبحانه: # وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ.. # [المائدة: 104] أي: أنهم أعلنوا أنهم في غير حاجة للمنهج السماوي فرد ~~عليهم القرآن: # .. أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا ~~يهتدون # [المائدة: 104]. وهكذا نجد أن القرآن قد جاء بموقفين في آيتين مختلفتين ~~عن المقلدين: الآية الأولى: هي التي يقول فيها الحق سبحانه وتعالى: # .. بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان ~~آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة: 170]. والآية الثانية: هي قول الحق سبحانه وتعالى: # .. حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ أولو كان ~~آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # [المائدة: 104]. وهم في هذه الآية أعلنوا الاكتفاء بما كان عليه آباؤهم. ~~وهناك فارق بين الآيتين، فالعاقل غير من لا يعلم لأن العاقل قادر على ~~الاستنباط، ولكن من لا ms4684 يعلم فهو يأخذ من استنباط غيره. إذن: فالذين ~~اكتفوا بما عند آبائهم، وقالوا: # حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ.. # [المائدة: 104]. هؤلاء هم الذين غالوا في الاعتزاز بما كان عند آبائهم ~~لذلك جاء في آبائهم القول بأنهم لا يعلمون. أي: ليس لهم فكر ولا علم على ~~الإطلاق، بل يعيشون في ظلمات من الجهل. وهنا يقول الحق سبحانه على لسان ~~فرعون وقومه: { قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا ~~عليه آباءنا وتكون لكما الكبريآء في الأرض.. } ~~[يونس: 78]. أي: هل جئت لتصرفنا، وتحول وجوهنا أو وجهتنا أو طريقنا ~~وتأخذنا عن وجهة آبائنا الذين نقلدهم لتأخذ أنت وأخوك الكبرياء في الأرض؟ ~~وهكذا يتضح أنهم يعتقدون أن الكبرياء الذي لهم في الأرض قد تحقق لهم ~~بتقليدهم آباءهم، وهم يحبون الحفاظ عليه، والأمر هنا يشمل نقطتين: ~~الأولى: هي ترك ما وجدوا عليه الآباء. والثانية: هي الكبرياء والعظمة ~~في الأرض. ومثال ذلك: حين يقول مقاتل لآخر: " ارم سيفك " وهي تختلف عن ~~قوله: " هات سيفك " ، فرمي السيف تجريد من القوة، لكن أخذ السيف يعني ~~إضافة سيف آخر إلى ما يملكه المقاتل الذي أمر بذلك. وهم هنا وجدوا في ~~دعوة موسى عليه السلام مصيبة مركبة. الأولى: هي ترك عقيدة الآباء. ~~والثانية: هي سلب الكبرياء، أي: السلطة الزمنية والجاه والسيادة والعظمة ~~والائتمار، والمصالح المقضية، فكل واحد من بطانة الفرعون يأخذ حظه حسب ~~اقترابه من الفرعون. ولذلك أعلنوا عدم الإيمان، وقالوا ما ينهي به الحق ~~سبحانه الآية الكريمة التي نحن بصددها: { وما نحن لكما ~~بمؤمنين } [يونس: 78]. أي: أن قوم فرعون والملأ أقروا بما حرصوا ~~عليه من مكاسب الدنيا والكبرياء فيها، ورفضوا الإيمان بما جاء به موسى ~~وهارون - عليهما السلام. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وقال ~~فرعون ائتوني... }. ### || [10.79] # وكان فرعون يعلم تقدم السحرة في دولته، ويكفي أنه شخصيا خيل للناس ~~أنه إله، وجاء أمره أن يأتي أعوانه بالسحرة، وفور أن قال الأمر جيء ~~بالسحرة. وأورد الحق سبحانه في الآية التي بعد ذلك: { فلما جآء ~~السحرة... }. ### || [10.80] # وكأن المسافة بين نطق فرعون بالأمر وبين تنفيذ ms4685 الأمر هي أضيق مسافة ~~وقتية، وذلك حتى نفهم أن أمر صاحب السلطان لا يحتمل من الناس التأجيل أو ~~التباطؤ في التنفيذ. والقرآن حينما يعالج أمرا من الأمور فهو يعطي صورة ~~دقيقة للواقع، ولا يأتي بأشياء تفسد الصورة. يقول الحق سبحانه: { ~~فلما جآء السحرة قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ~~ملقون } [يونس: 80]. وفي هذه الآية تلخيص للموقف كله، فحين علم ~~السحرة أن فرعون يحتاجهم في ورطة تتعلق بالحكم، فهذه مسألة صعبة وقاسية، ~~وعليهم أن يسرعوا إليه. ولم يأت الحق سبحانه هنا بالتفصيل الكامل لذلك ~~الموقف لأن القصة تأتي بنقاطها المختلفة في مواضع أخرى من القرآن، وكل ~~آية توضح النقطة التي تأتي بذكرها. لذلك لم يقل الحق سبحانه هنا: إن ~~أعوان فرعون نادوا في المدائن ليأتي السحرة، مثلما جاء في مواضع أخرى من ~~القرآن. ولم يقل لنا إن السحرة أرادوا أن يستفيدوا من هذه المسألة، ~~وقالوا للفرعون: # .. إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين # [الأعراف: 113]. ووضع مثل هذا الشرط يوضح لنا طبيعة العلاقات في ذلك ~~المجتمع، فطلبهم للأجر، يعني أن عملهم مع الفرعون من قبل ذلك كان تسخيرا ~~وبدون أجر، ولما جاءتهم الفرصة ورأوا الفرعون في أزمة طالبوا بالأجر. ~~ووعدهم فرعون بالأجر، وكذلك وعدهم أن يكونوا مقربين لأنهم لو انتصروا ~~بالسحر على معجزة موسى ففي ذلك العمل محافظة وصيانة للملك، ولا بد أن ~~يصبحوا من البطانة المستفيدة، ووعدهم الفرعون بذلك شحذا لهمتهم ليبادروا ~~بإبطال معجزة موسى ليستقر عرش الفرعون. وشاء الحق سبحانه الإجمال هنا في ~~هذه الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - وجاء ببقية اللقطات في المواضع ~~الأخرى من القرآن. وهنا يقول الحق سبحانه: { فلما جآء السحرة ~~قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون } [يونس: 80]. ~~وألقى السحرة عصيهم وحبالهم. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { ~~فلمآ ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر... }. ### || [10.81] # ونحن نعلم أن الحق سبحانه هنا شاء الإجمال، ولكنه بين بالتفصيل ما ~~حدث، في آية أخرى، قال فيها سبحانه عن السحرة: # قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن ms4686 نكون نحن ~~الملقين # [الأعراف: 115]. ونحن نعلم أن المواجهة تقتضي من كل خصم أن يدخل بالرعب ~~على خصمه ليضعف معنوياته. وهنا أوضح لهم موسى - عليه السلام - أن ما أتوا ~~به هو سحر ومجرد تخييل. وقد أعلم الحق سبحانه نبيه موسى - عليه السلام - ~~أن عصاه ستصير حية حقيقية، بينما ستكون عصيهم وحبالهم مجرد تخييل للعيون. ~~وقال لهم موسى - عليه السلام - حكم الله تعالى في ذلك التخييل: {.. ما ~~جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا ~~يصلح عمل المفسدين } [يونس: 81]. وهكذا جاء القول الفصل ~~الذي أنهى الأمر وأصدر الحكم فيما فعل فرعون وملؤه والسحرة، فكل ~~أعمالهم كانت تفسد في الأرض، ولولا ذلك لما بعث الله سبحانه إليهم رسولا ~~مؤيدا بمعجزة من صنف ما برعوا فيه، فهم كانوا قد برعوا في السحر، ~~فأرسل إليهم الحق سبحانه معجزة حقيقية تلتهم ما صنعوا، فإن كانوا قد ~~برعوا في التخييل، فالله سبحانه خلق الأكوان بكلمة " كن " وهو سبحانه ~~يخلق حقائق لا تخييلات. ولذلك يقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ويحق ~~الله الحق بكلماته... }. ### || [10.82] # فالمسألة التي يشاؤها سبحانه تتحقق بكلمة " كن " فيكون الشيء. وقوله ~~سبحانه وتعالى: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. و " كن فيكون " عبارة طويلة بعض الشيء عند وقوع المطلوب، ولكن ~~لا توجد عبارة أقصر منها عند البشر لأن الكاف والنون لهما زمن، وما يشاؤه ~~الله سبحانه لا يحتاج منه إلى زمن، والمراد من الأمر " كن " أن الشيء ~~يوجد قبل كلمة " كن " لأن كل موجود إنما يتحقق ويبرز بإرادة الله تعالى. ~~ويريد الحق سبحانه هنا أن يبين لنا أن الحق إنما يأتي على ألسنة الرسل، ~~ومعجزاتهم دليل على رسالتهم ليضع أنوف المجرمين في الرغام، وليريح ~~العالم من إضلالهم ومن مفاسدهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { فمآ ~~آمن لموسى إلا ذرية من قومه... }. ### || [10.83] # وإذا كان السحرة - وهم عدة فرعون وعتاده لمواجهة موسى - أعلنوا ~~الإيمان، فعاقبهم الفرعون وقال: # آمنتم له قبل أن ءاذن لكم.. # [طه: 71]. فهذا يدل على أن فكرة ms4687 الألوهية كانت ما تزال مسيطرة على عقله ~~ولذلك خاف الناس من إعلان الإيمان ولذلك قال الحق سبحانه: { فمآ آمن ~~لموسى إلا ذرية.. } [يونس: 83]. وكلمة " ذرية " تفيد الصغار ~~الذين لم تلمسهم خميرة من الفساد الذي كان منتشرا، كما أن الصغار ~~يتمتعون بطاقة من النقاء، ويعيشون في خلو من المشاكل، ولم يصلوا إلى ~~مرتبة السيادة التي يحرص عليها، ومع ذلك فهم قد آمنوا: { على ~~خوف من فرعون وملئهم.. } [يونس: 83]. وكلمة { على ~~خوف } تفيد الاستعلاء، مثل قولنا: " على الفرس " أو " على الكرسي " ~~ويكون المستعلي في هذه الحالة متمكنا من المستعلى عليه " ومن يستعلي ~~إنما يركب المستعلي، ويحمل المستعلي العبء. ولكن من استعمالات " على " ~~أنها تأتي بمعنى " مع ". ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه: # ويطعمون الطعام على حبه.. # [الإنسان: 8]. أي: يطعمون الطعام مع حبه. وحين يأتي الحق سبحانه بحرف ~~مقام حرف آخر فلا بد من علة لذلك. ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه وتعالى: # فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل.. # [طه: 71]. جاء الحق سبحانه بالحرف " في " بدلا من " على " ليدل على أن ~~عملية الصلب ستكون تصليبا قويا، بحيث تدخل أجزاء المصلوب في المصلوب ~~فيه. وكذلك قول الحق سبحانه وتعالى: # ويطعمون الطعام على حبه.. # [الإنسان: 8]. فكأنهم هم المستعلون على الحب ليذهب بهم حيث يريدون. ~~وكذلك قول الحق سبحانه وتعالى: { على خوف.. } [يونس: 83]. أي: أنهم ~~فوق الخوف يسير بهم إلى دهاليز توقع الآلام. وهم هنا آمنوا: { على ~~خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم.. } [يونس: 83]. ~~والكلام هنا من الحق الأعلى سبحانه يبين لنا أن الخوف ليس من فرعون لأن ~~فرعون إنما يمارس التخويف بمن حوله، فمثلهم مثل زوار الفجر في أي دولة ~~لا تقيم وزنا لكرامة الإنسان. وفرعون في وضعه ومكانته لا يباشر التعذيب ~~بنفسه، بل يقوم به زبانيته. والإشارة هنا تدل على الخوف من شيعة فرعون ~~وملئهم. وقال الحق سبحانه هنا: { يفتنهم } ، ولم يقل: " يفتنوهم " ~~ليدلنا على ملحظ أن الزبانية لا يصنعون التعذيب لشهوة عندهم، بل يمارسون ~~التعذيب لشهوة عند الفرعون. وهكذا جاء ms4688 الضمير مرة جمعا، ومرة مفردا، ~~ليكون كل لفظ في القرآن جاذبا لمعناه. وحين أراد المفسرون أن يوضحوا ~~معنى ذرية قالوا: إن المقصود بها امرأة فرعون آسية، وخازن فرعون، وامرأة ~~الخازن، وماشطة فرعون، ومن آمن من قوم موسى - عليه السلام - وكتم ~~إيمانه. # كل هؤلاء منعتهم خشية عذاب فرعون من إعلان الإيمان برسالة موسى لأن ~~فرعون كان جبارا في الأرض، مدعيا للألوهية، وإذا ما رأى فرعون ~~إنسانا يخدش ادعاءه للألوهية فلا بد أن يبطش به بطشة فاتكة. لذلك كانوا ~~على خوف من هذا البطش، فقد سبق وأن ذبح فرعون - بواسطة زبانيته - أبناء ~~بني إسرائيل واستحيا نساءهم، وهم خافوا من هولاء الزبانية الذي نفذوا ~~ما أراده فرعون. ولذلك جاء الضمير مرة تعبيرا عن الجمع في قوله سبحانه ~~وتعالى: { وملئهم.. } [يونس: 83]. وجاء الضمير مفردا معبرا عن ~~فرعون الآمر في قوله سبحانه وتعالى: { أن يفتنهم.. } [يونس: 83]. ~~فهم خافوا أن يفتنهم فرعون بالتعذيب الذي يقوم به أعوانه. والحق سبحانه ~~وتعالى هو القائل: { وإن فرعون لعال في الأرض وإنه ~~لمن المسرفين } [يونس: 83]. والمسرف: هو الذي يتجاوز الحدود. ~~وهو قد تجاوز في إسرافه وادعى الألوهية. وقد قال الحق سبحانه ما جاء ~~على لسان فرعون: # .. أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]. وقال الحق سبحانه أيضا: # وقال فرعون يأيها الملأ ما علمت لكم من ~~إله غيري.. # [القصص: 38]. وعلا فرعون في الأرض علو طاغية من البشر على غيره من ~~البشر المستضعفين. وقال الحق سبحانه على لسان فرعون: # أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي.. # [الزخرف: 51]. إذن: فقد كان فرعون مسرفا أشد الإسراف. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { وقال موسى يقوم... }. ### || [10.84] # وهنا شرطان، في قوله تعالى: { إن كنتم آمنتم بالله.. } ~~[يونس: 84]. وجاء جواب هذا الشرط في قوله سبحانه: { فعليه ~~توكلوا.. } [يونس: 84]. ثم جاء بشرط آخر هو: { إن كنتم ~~مسلمين } [يونس: 84]. وهكذا جاء الشرط الأول وجوابه، ثم جاء شرط ~~آخر، وهذا الشرط الآخر هو الشرط الأول وهو الإسلام لله لأن الإيمان بالله ~~يقتضي الإسلام وأن يكونوا مسلمين. ومثال ذلك في حياتنا: حين ms4689 يريد ناظر ~~إحدى المدارس أن يعاقب تلميذا خالف أوامر المدرسة ونظمها، ويستعطف ~~التليمذ الناظر، فيرد الناظر على هذا الاستعطاف بقوله: " إن جئت يوم ~~السبت القادم قبلتك في المدرسة إن كان معك ولي أمرك ومجيء ولي الأمر ~~هنا مرتبط بالموعد الذي حدده الناظر لعودة التلميذ لصفوف الدراسة، وهكذا ~~نجد أن الشرط الآخر مرتبط بالشرط الأول. وهنا يتجلى ذلك في قول الحق ~~سبحانه: {.. إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا ~~إن كنتم مسلمين } [يونس: 84]. والإيمان - كما نعلم - عملية ~~وجدانية قلبية، والإسلام عملية ظاهرية، فمرة ينفذ الفرد تعاليم الإسلام، ~~وقد ينفك مرة أخرى من تنفيذ التعاليم رغم إيمانه بالله، ومرة تجد واحدا ~~ينفذ تعاليم الإسلام نفاقا من غير رصيد من إيمان. ولذلك نجد الحق سبحانه ~~وتعالى يقول: # الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. # [البقرة: 25]. ونجده سبحانه يبين هذا الأمر بتحديد قاطع في قوله ~~تعالى: # قالت الأعراب آمنا.. # [الحجرات: 14]. والإيمان عملية قلبية لذلك يأتي الأمر الإلهي: # قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما ~~يدخل الإيمان في قلوبكم.. # [الحجرات: 14]. أي: أنكم تؤدون فروض الإسلام الظاهرية، لكن الإيمان لم ~~يدخل قلوبكم بعد. وهنا يقول الحق سبحانه: { إن كنتم آمنتم ~~بالله فعليه توكلوا.. } [يونس: 84]. وهكذا نرى أن التوكل ~~مطلوب الإيمان، وأن يسلم الإنسان زمامه في كل أمر إلى من آمن به ولذلك ~~لا ينفع الإيمان إلا بالإسلام، فإن كنتم مسلمين مع إيمانكم فتوكلوا على ~~الله تعالى. لكن إن كنتم قد آمنتم فقط ولم تسلموا الزمام لله في التكاليف ~~إلى الله في " افعل " و " لا تفعل " ، فهذا التوكل لا يصلح. وهكذا يتأكد ~~لنا ما قلناه من قبل من أنك إذا رأيت أسلوبا فيه شرط تقدم، وجاء جواب ~~بعد الشرط، ثم جاء شرط آخر، فاعلم أن الشرط الأخير هو المقدم، لأنه شرط ~~في الشرط الأول، وبالمثل هنا فإن التوكل لن ينشأ إلا بالإسلام مع ~~الإيمان. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { فقالوا على الله ~~توكلنا... }. ### || [10.85] # أي: أنهم استجابوا لدعوة موسى - عليه السلام - بمجرد قولهم: { على ~~الله توكلنا }. وإذا تقدم الجار على المجرور ms4690 فمعنى ذلك قصر ~~وحصر الأمر، وهنا قصر وحصر التوكل على الله تعالى، ولا توكل على سواه. ~~ويأتي بعد ذلك دعاؤهم: {.. ربنا لا تجعلنا فتنة ~~للقوم الظالمين } [يونس: 85]. والفتنة: اختبار، وهي - كما ~~قلنا من قبل - ليست مذمومة في ذاتها، بل المذموم أن تكون النتيجة في غير ~~صالح من يمر بالفتنة. ويقال: فتنت الذهب، أي: صهرت الذهب، واستخلصته من ~~كل الشوائب، ونحن نعلم أن صناع الذهب يخلطونه بعناصر أخرى ليكون ~~متماسكا لأن الذهب غير المخلوط بعناصر أخرى لا يتماسك. والفتنة التي ~~قالوا فيها: {.. ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم ~~الظالمين } [يونس: 85]. هي فتنة الخوف من أن يرتد بعضهم عن الإيمان ~~لو انتصر عليهم فرعون وعذبهم، وكأنهم يقولون: يا رب لا تسلط علينا ~~فرعون بعذاب شديد. هذا إن كانوا مفتونين، فماذا إن كانوا هم الفاتنين؟ ~~إنهم في هذه الحالة لو لم يتبعوا الدين التتبع الحقيقي لما علم فرعون ~~وآله أن هؤلاء الذين أعلنوا الإيمان هم مسلمون بحق، وهم لو انحرفوا عن ~~الدين لقال عنهم آل فرعون: إنهم ليسوا أهل إيمان حقيقي. ونجد سيدنا ~~إبراهيم - عليه السلام - وهو أبو الأنبياء وله قدره العظيم في النبوة، ~~يقول: # ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا.. # [الممتحنة: 5]. ودعوة إبراهيم عليه السلام تعلمنا ضرورة التمسك بتعاليم ~~الدين حتى لا ينظر أحد إلى المسلم أو المؤمن ويقول: هذا هو من يعلن ~~الإيمان ويتصرف عكس تعاليم دينه. ولذلك كان سيدنا إبراهيم - عليه السلام ~~- يؤدي الأوامر بأكثر مما يطلب منه، ويقول فيه الحق سبحانه: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن.. # [البقرة: 124]. أي: أنه كان يتم كل عمل بنية وإتقان لأنه أسوة، فلم يقم ~~بعمل إيماني بمظهر سطحي. إذن: فإن كانوا هم المفتونين، فهم يدفعون الفتنة ~~عن أنفسهم، وإن كانوا هم الفاتنين فعليهم التمسك بتعاليم الدين حتى لا ~~يتهمهم أحد بالتقصير في أمور دينهم، فيزداد الكافرون كفرا وضلالا. وجاء ~~قول الحق سبحانه: {.. ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم ~~الظالمين } [يونس: 85]. ليدل على انشغالهم بأمر الدين، فاتنين أو ~~مفتونين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ونجنا برحمتك ms4691 من ~~القوم... }. ### || [10.86] # وهنا توضح الآية الكريمة أنهم إن كانوا مشغولين بأمر الغير من الكافرين ~~فهذا يعني أنهم طمعوا في إيمان العدو لعل هذا العدو يعود إلى رشد ~~الإيمان. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". # وهم أرادوا إيمان العدو رغم أنه ظالم. وهكذا يعلم الحق - سبحانه وتعالى ~~- الخلق أنه من حمق العداوة أن يدعو الإنسان على عدوه بالشر لأن الذي ~~يتعبك من عدوك هو شره، ومن صالحك أن تدعو له بالخير لأن هذا الخير ~~سيتعدى إليك. وعلى المؤمن أن يدعو لعدوه بالهداية، لأنه حين يهتدي ~~فلسوف يتعدى النفع إليك، وهذه من مميزات الإيمان أن نفعه يتعدى إلى ~~الغير. وهم حين دعوا ألا يجعلهم الله فتنة للقوم الظالمين، فإن ذلك ~~يوضح لنا أن الظلم درجات، وأن فرعون وملأه كانوا في قمة الظلم لأن الحق ~~سبحانه وتعالى هو القائل: # .. إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. فقمة الظلم أن تأخذ حق الغير وتعطيه لغير صاحب الحق. ~~وفرعون وملؤه أشركوا بالله - سبحانه وتعالى - فظن فرعون أنه إله، وصدقه ~~من حوله. فقمة الظلم هو الشرك بالله سبحانه، ثم بعد ذلك يتنزل إلى الظلم ~~في الكبائر، ثم في الصغائر. وقولهم في دعائهم للحق سبحانه: { ونجنا ~~برحمتك من القوم الكافرين } [يونس: 86]. أي: اجعلنا ~~بنجوة من هؤلاء. وكان الذي يخيف الأقدمين هو سيول المياه، حين تتدفق، ~~ولا ينجو إلا من كان في ربوة عالية - والنجوة هي المكان المرتفع - ~~وهذا هو أصل كلمة " النجاة ". وهنا يقول الحق سبحانه على لسانهم: { ~~ونجنا برحمتك من القوم الكافرين } [يونس: 86]. ~~والرحمة هي الوقاية من أن يجيء الداء. والحق سبحانه يقول: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة.. # [الإسراء: 82]. والشفاء إذا وجد الداء، والرحمة هي ألا يجيء الداء. ~~وأراد الحق سبحانه أن يكرم - بعد ذلك - موسى عليه السلام وقومه فقال ~~سبحانه وتعالى: { وأوحينآ إلى موسى وأخيه... }. ### || [10.87] # وأوضحنا من قبل أن موسى وهارون عليهما السلام رسولان برسالة واحدة، وأن ~~الوحي قد جاء للاثنين برسالة واحدة. ms4692 فالحق سبحانه ساعة يختار نبيا ~~رسولا، فإنما يختاره بتكوين وفطرة تؤهله لحمل الرسالة والنطق ~~بمرادات الله تعالى. وإذا كان الخلق قد صنعوا آلات ذاتية الحركة من ~~مواد جامدة لا فكر لها ولا روية، مثل الساعة التي تؤذن، أو المذياع ~~الذي يذيع في توقيت محدد، إذا كان البشر قد صنعوا ذلك فما بالنا بالله ~~سبحانه الخالق لكل الخلق والكون ومرسل الرسل؟ إنه سبحانه وتعالى يختار ~~رسله بحيث يسمح تكوين الرسول أن يؤدي المهمة الموكولة إليه في أي ظرف من ~~الظروف. وقول الحق سبحانه هنا: { وأوحينآ إلى موسى ~~وأخيه.. } [يونس: 87]. يبين لنا أن الوحي شمل كلا من موسى وهارون ~~عليهما السلام، بحيث إذا جاء موقف من المواقف يقتضي أن يتكلم فيه موسى، ~~فهارون أيضا يمكن أن يتكلم في نفس الأمر لأن الشحنة الإيمانية واحدة، ~~والمنهج واحد. وقد حدث ذلك بعد أن غرق فرعون وقومه، وخلا لهم الجو، فجاء ~~لهم الأمر أن يستقروا في مصر، وأن يكون لهم فيها بيوت. ولكن لنا أن نسأل: ~~هل فرعون هذا هو شخص غرق وانتهى؟ لا.. إن فرعون ليس اسما لشخص، بل هو ~~تصنيف لوظيفة، وكان لقب كل حاكم لمصر قديما هو " فرعون " لذلك لا داعي ~~أن نشغل أنفسنا: هل هو تحتمس الأول؟ أو رمسيس؟ أو ما إلى ذلك؟ فهب أن ~~فرعون المعني هنا قد غرق، ألا يعني ذلك مجيء فرعون جديد؟ نحن نعلم من ~~التاريخ أن الأسر الحاكمة توالت، وكانوا فراعنة، وكان منهم من يضطهد ~~المؤمنين، ولا بد أن يكون خليفة الفرعون أشد ضراوة وأكثر شحنة ضد هؤلاء ~~القوم. وقول الحق سبحانه وتعالى في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا ~~عنها: { وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا ~~لقومكما بمصر بيوتا.. } [يونس: 87]. نجد فيه كلمة " مصر " ~~وهي إذا أطلقت يفهم منها أنها " الإقليم ". ونحن هنا في بلدنا جعلنا ~~كلمة " مصر " علما على الإقليم الممتد من البحر المتوسط إلى حدود ~~السودان، أي: وادي النيل. ومرة أخرى جعلنا من " مصر " اسما لعاصمة وادي ~~النيل. ونحن نقول أيضا عن محطة ms4693 القطارات في القاهرة: " محطة مصر ". وقول ~~الحق سبحانه هنا: {.. أن تبوءا لقومكما } [يونس: 87]. نفهم ~~منه أن التبؤ هو اتخاذ مكان يعتبر مباءة أي: مرجعا يبوء الإنسان ~~إليه. التبؤ - إذن - هو التوطن في مكان ما، والإنسان إذا اتخذ مكانا ~~كوطن له فهو يعود إليه إن ذهب إلى أي بلد لفترة. # ويعتبر الخروج من الوطن مجرد رحلة تقتضي العودة، وكذلك البيت بالنسبة ~~للإنسان فالواحد منا يطوف طوال النهار في الحقل أو المصنع أو المكتب، ~~وبعد ذلك يعود إلى البيت للبيتوتة. والبيوت التي أوصى الله سبحانه وتعالى ~~بإقامتها لقوم موسى وهارون - عليهما السلام - كان لها شرط هو قول الحق ~~سبحانه: { واجعلوا بيوتكم قبلة.. } [يونس: 87]. والقبلة ~~هي المتجه الذي نصلي إليه. ومثال ذلك: المسجد، وهو قبلة من هو خارجه، ~~وساعة ينادي المؤذن للصلاة يكون المسجد هو قبلتنا التي نذهب إليها، وحين ~~ندخل المسجد نتجه داخله إلى القبلة، واتجاهنا إلى القبلة هو الذي يتحكم ~~في وضعنا الصفي. والأمر هنا من الحق سبحانه: { واجعلوا ~~بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة.. } [يونس: 87]. فإقامة ~~البيوت هنا مشروطة بأن يجعلوا بها قبلة لإقامة الصلاة بعيدا عن أعين ~~الخصوم الذين يضطهدونهم، شأنهم شأن المسلمين الأوائل حينما كان الإسلام - ~~في أوليته - ضعيفا بمكة، وكان المسلمون حين ذاك يصلون في قلب البيوت، ~~وهذا هو سر عدم الجهر بالصلاة نهارا، وعدم الجهر يفيد في ألا ينتبه ~~الخصوم إلى مكان المصلين. وأما الجهر بالصلاة ليلا وفجرا، فقد كان ~~المقصود به أن يعلمهم كيفية قراءة القرآن. وهنا يقول الحق سبحانه: { أن ~~تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم ~~قبلة.. } [يونس: 87]. وقد يكون المقصود بذلك أن تكون البيوت متقابلة. ~~وإلى يومنا هذا أنت إن نظرت إلى ساحات اليهود في أي بلد من بلاد الدنيا ~~تجد أنهم يقطنون حيا واحدا، ويرفضون أن يذوبوا في الأحياء الأخرى. ففي ~~كل بلد لهم حي يسكنون فيه، ويسمى باسم " حي اليهود ". وكانت لهم في مصر " ~~حارات " كل منها تسمى باسم " حارة اليهود ". وقد شاء الحق - سبحانه ~~وتعالى - ذلك وقال في كتابه العزيز: # وضربت عليهم ms4694 الذلة والمسكنة.. # [البقرة: 61]. وهم يحتمون بتواجدهم معا، فإن حدث أمر من الأمور يفزعهم ~~يصبح من السهل عليهم أن يلتقوا. أو { واجعلوا بيوتكم ~~قبلة.. } [يونس: 87]. أي: أن يكون تخطيط الأماكن والشوارع التي تبنى ~~عليها البيوت في اتجاه القبلة. وأي خطأ معماري مثل الذي يوجد في تربيعة ~~بناء مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، هذا الخطأ يوجب الاتجاه إلى اليمين ~~قليلا مما يسبب بعض الارتباك للمصلين لأن الانحراف قليلا إلى اليمين في ~~أثناء الصلاة يقتضي أن يقصر كل صف خلف الصف الآخر. وحين نصلي في المسجد ~~الحرام بمكة، نجد بعضا من المصلين يريدون مساواة الصفوف، وأن تكون ~~الصفوف مستقيمة، فنجد من ينبه إلى أن الصف يعتدل بمقدار أطول أضلاع ~~الكعبة، ثم ينحني الصف. وكذلك في الأدوار العليا التي أقيمت بالمسجد ~~الحرام نجد الصفوف منحنية متجهة إلى الكعبة. # ولذلك أقول دائما حين أصلي بالمسجد الحرام: إن معنى قول الإمام: " سووا ~~صفوفكم " أي: اجعلا مناكبكم في مناكب بعضكم بعض، أما خارج الكعبة فيكفي ~~أن نتجه إلى الجهة التي فيها الكعبة، ونحن خارج الكعبة لا نصلي لعين ~~الكعبة، ولكننا نصلي تجاه الكعبة لأننا لو كنا نصلي إلى عين الكعبة لما ~~زاد طول الصف في أي مسجد عن اثني عشر مترا وربع المتر، وهو أطول أضلاع ~~الكعبة. وقول الحق سبحانه هنا: { واجعلوا بيوتكم قبلة.. } ~~[يونس: 87]. أي: خططوا في إقامة البيوت أن تكون على القبلة، وبعض الناس ~~يحاولون ذلك، لكن تخطيط الشوارع والأحياء لا يساعد على ذلك. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وأقيموا الصلاة.. } [يونس: 87]. وهذا الأمر نفهم منه ~~أن الصلاة فيها استدامة الولاء لله تعالى، فنحن نشهد ألا إله إلا الله ~~مرة واحدة في العمر، ونزكي - إن كان عندنا مال - مرة واحدة في السنة، ~~ونصوم - إن لم نكن مرضى - شهرا واحدا هو شهر رمضان، ونحج - إن استطعنا ~~- مرة واحدة في العمر. ويبقى ركن الصلاة، وهو يتكرر كل يوم خمس مرات، وإن ~~شاء الإنسان فليزد، وكأن الحق سبحانه وتعالى هنا ينبه إلى عماد الدين ~~وهي الصلاة. ولكن من الذي اختار ms4695 المكان في الآية التي نحن بصدد خواطرنا ~~عنها؟ هل هو موسى وأخوه هارون؟ أم أن الخطاب لكل القوم. نلحظ هنا أن ~~الأمر بالتبوء هو لموسى وهارون - عليهما السلام - أما الأمر بالجعل فهو ~~مطلوب من موسى وهارون والأتباع لذلك جاء الجعل هنا بصيغة الجمع. وينهي ~~الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {.. وبشر المؤمنين } [يونس: ~~87]. وفي هذا تنبيه وإشارة إلى أن موسى هو الأصل في الرسالة لذلك جاء له ~~الأمر بأن يحمل البشارة للمؤمنين. ونلحظ هنا في هذه الآية أن الحق سبحانه ~~جاء بالتثنية في التبوء، وجاء بالجمع في جعل البيوت، ثم جاء بالمفرد في ~~نهاية الآية لينبهنا إلى أن موسى - عليه السلام - هو الأصل في الرسالة ~~إلى بني إسرائيل. والبشرى على الأعمال الصالحة تعني: التبشير بالجنة. ~~ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وقال موسى ربنآ إنك آتيت ~~فرعون... }. ### || [10.88] # والزينة: هي الأمر الزائد عن ضروريات الحياة ومقوماتها الأولى، فاستبقاء ~~الحياة يكون بالمأكل لأي غذاء يسد الجوع، وبالمشرب الذي يروي العطش. ~~أما إن كان الطعام منوعا فهذا من ترف الحياة، ومن ترف الحياة الملابس ~~التي لا تستر العورة فقط، بل بالزي الذي يتميز بجودة النسج والتصميم ~~والتفصيل. وكذلك من ترف الحياة المكان الذي ينام فيه الإنسان، بحيث يتم ~~تأثيثه بفاخر الرياش، ولكن الضرورة في النوم يكفي فيها مكان على الأرض، ~~وأي فراش يقي من برودة الأرض أو حرارتها. إذن: فالزائد عن الضرورات هو ~~زينة الحياة، والزينة تأتي من الأموال، والرصيد الأصيل في الأموال هو ~~الذهب، ثم تأخذ الفضة المرتبة الثانية. ومن مقومات الاقتصاد أن الذهب ~~يعتبر قيمة الرصيد لغنى أية دولة، مهما اكتشفوا من أحجار أغلى من الذهب. ~~وهذه الأحجار الكريمة - كالماس مثلا - إن كسرت أو خدشت تقل قيمتها، ~~لكن الذهب مهما تفتت فأنت تعيد صهره، فتستخلص ذهبا مجمعا. ~~وكان الفراعنة الأقدمون يحكمون مصر حتى منابع النيل، وكانوا يسخرون ~~الناس في كل الأعمال، حتى استخراج الذهب سواء من المناجم أو من غربلة ~~رمال بعض الجبال لاستخلاص الذهب منها. وأنت قد تستطيع استخلاص الذهب من ms4696 ~~أماكن معينة، ولكن الفرق دائما إنما يكون في القيمة الاقتصادية لاستخراج ~~الذهب، فحين يكون المنجم وفير العطاء، فيه كثير من عروق الذهب، هنا يصبح ~~استخراج الذهب مسألة مربحة اقتصاديا. أما إن كانت التكلفة أعلى من ~~القيمة الاقتصادية للذهب المستخرج، فلا أحد يستخرج هذا الذهب. وأنت إن ~~نظرت إلى زينة الفراعنة تجد قناع " توت عنخ آمون " آية في الجمال، وكذلك ~~كانت قصورهم في قمة الرفاهية، ويكفي أن ترى الألوان التي صنعت منها ~~دهانات الحوائط في تلك الأيام لتعرف دقة الصنعة ومدى الترف، الذي هو أكثر ~~بكثير من الضرورات. وفي هذه الآية الكريمة يقول الحق سبحانه: { وقال ~~موسى ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة ~~وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك.. } [يونس: 88]. وهم لم يضلوا فقط بل أرادوا أن يضلوا ~~غيرهم لذلك تحملوا وزر ضلالهم، ووزر إضلال غيرهم. فهل أعطاهم الله ~~سبحانه المال والزينة للضلال والإضلال؟ لا، فليس ذلك علة العطاء، ولكن ~~هناك لام العاقبة، مثلما تعطي أنت إبنك عشرة جنيهات وتقول له: افعل بها ~~ما تريد، وأرجو أن تتصرف فيها تصرفا يعود عليك بالخير. وقد ينزل هذا ~~الابن ليشتري شيئا غير مفيد ولا يشتري - مثلا - كتبا تفيده. هنا أنت ~~أعطيت هذا الابن قوة شرائية لكنه لم يحسن التصرف فيها، وغاية الاختيار ~~هدته إلى اللعب. وهذا ما يسمى لام العاقبة، ولام العاقبة لا يكون ~~المقصود بها سبب الفعل، ولكنها تأتي لبيان عاقبة الفعل. # وحين أراد الحق سبحانه وتعالى أن ينجي موسى - عليه السلام - في طفولته ~~من القتل أوحى إلى أم موسى - عليهما السلام - بقوله تعالى: # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا ~~تحزني.. # [القصص: 7]. ولا توجد أم تقبل على تنفيذ مثل هذا الأمر لأنه موت محقق ~~لأن الابن إن خطف أو فقد فهذا كله موت مظنون، أما إلقاؤه في الماء ~~فليس فيه موت مظنون، بل موت مؤكد، إن لم ينجه الله تعالى. ولكن أم ~~موسى - لإيمانها بالله - فعلت ما أوحى به الله - سبحانه وتعالى - لها لأن ~~الوارد من الله ms4697 تعالى لا يجد في الفطرة منازعا له. أما نزغات الشيطان ~~فهي تجد ألف منازع لها في النفس، وكذلك هواجس النفس. ولذلك نفذت أم ~~موسى ما أوحى الله تعالى به إليها، وإن كان مخالفا للعقل والمنطق. وحين ~~التقطه آل فرعون، وقد كانوا يقتلون الأطفال، وألقى الحق سبحانه وتعالى ~~محبة موسى في قلوبهم، قال: # .. وألقيت عليك محبة مني # [طه: 39]. فهم ساعة رؤيتهم لموسى - عليه السلام - وهو طفل، أحبوه فلم ~~يقتلوه، وهكذا نفذت مشيئة الله تعالى ووعده لأمه: # .. إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7]. أي: أن لموسى - عليه السلام - مهمة مسبقة أرادها له الحق ~~سبحانه. ولذلك نجد أن هناك أوامر متتابعة جاء بها القرآن الكريم في مسألة ~~إلقاء أم موسى لابنها، فقال الحق سبحانه: # إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل.. # [طه: 38-39]. وكلها أوامر من الحق سبحانه، فتراه زوجة فرعون فتقول ~~لزوجها: # قرة عين لي ولك.. # [القصص: 9]. فهل كان فرعون يعلم أن هذا الطفل الذي التقطه سيكون عدوا ~~له؟ لا، لقد التقطه وأعطاه حياة الترف ليكون قرة عين له، وهذه علة ~~الالتقاط، ولكن العاقبة انتهت إلى أن يكون عدوا ولو كانت العلة هي ~~العداوة لما التقطه فرعون أو لقتله لحظة الالتقاط. ولذلك يترك الحق ~~سبحانه وتعالى في كونه أشياء تكسر مكر البشر فأخذه فرعون ورباه، وكانت ~~العاقبة غير ما كان يتوقع فرعون. وقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن ~~بصددها: { ليضلوا } نفهم منه أن - سبحانه وتعالى - لم يعطهم ~~المال ليضلوا، ولكنهم هم الذين اختاروا الضلال. وقد أعطى الله سبحانه ~~وتعالى الكثير من الناس مالا وجاها وأرادوا به الخير، وهكذا نرى اختيار ~~الإنسان، إن له أن يضل أو يهتدي. وقد قال موسى عليه السلام تنفيسا عن ~~نفسه: { ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة ~~وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم. # . } [يونس: 88]. ومعنى الطمس أي: إخفاء المعالم مثل قول الحق سبحانه: # من قبل أن نطمس ms4698 وجوها فنردها على أدبارهآ.. # [النساء: 47]. ومعنى الطمس هنا: إخفاء معالم تلك الوجوه فتكون قطعة ~~واحدة بلا جبهة أو حواجب أو عينين أو أنف أو شفاه أو ذقن. إذن: فالطمس هو ~~إهلاك الصورة التي بها الشيء. ودعوة موسى - عليه السلام - هنا: { اطمس ~~على أموالهم.. } [يونس: 88]. أي: امسخها. وقال بعض الرواة أنها ~~مسخت، فمن كان يملك بعضا من سبائك الذهب وجدها حجارة، ومن كان يملك ~~أحجارا كريمة كالماس وجدها زجاجا. أو أن { اطمس على ~~أموالهم.. } [يونس: 88]. أي: أذهبهما لأن الأموال كانت وسيلة ~~إضلال. وقوله عليه السلام بعد ذلك: {.. واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } [يونس: 88]. ~~أي: أحكم يا رب الأربطة على تلك القلوب فلا يخرج ما فيها من كفر، ولا ~~يدخل ما هو خارجها من الإيمان لأن هؤلاء قد افتروا افتراء عظيما، وأن ~~تظل الأربطة على قلوبهم حتى يروا العذاب الأليم. ولماذا دعا موسى - عليه ~~السلام - على آل فرعون هذا الدعاء، ولم يدع مثلما دعا سيدنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم: # " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " # والإجابة: لا بد أن الحق سبحانه وتعالى قد أطلعه على أن هؤلاء قوم لن ~~تفلح فيهم دعوة الإيمان. وكان خوف موسى - عليه السلام - لا من ضلال قوم ~~فرعون، ولكن من استمرار إضلالهم لغيرهم. إذن: فقد دعا عليهم موسى - عليه ~~السلام - بما جاء في هذه الآية: {.. ربنا اطمس على ~~أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى ~~يروا العذاب الأليم } [يونس: 88]. وفي موضع آخر من القرآن ~~الكريم يقول الحق سبحانه: # فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا.. # [غافر: 85]. وهكذا يتبين لنا الفارق بين إيمان الإلجاء والقصر وبين ~~إيمان الاختيار. فحين يأتي الرسول داعيا إلى الإيمان يصبح من حق السامع ~~لدعوته أن يؤمن أو أن يكفر لأن الله تعالى قد خلق الإنسان وله حق ~~الأختيار، أما إيمان الإلجاء والقصر فهو لا ينفع الإنسان. ومثال ذلك: ~~فرعون، فساعة أن جاءه العذاب أعلن الإيمان. فالحق سبحانه وتعالى يقول: # .. حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا ~~إله ms4699 إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا ~~من المسلمين # [يونس: 90]. وإذا كان موسى - عليه السلام - قد دعا على قوم فرعون، فقد ~~سبقه نوح عليه السلام في مثل هذا الدعاء مما أورده القرآن في قوله: # .. رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا # [نوح: 26-27]. واستجاب الحق سبحانه لدعوة موسى عليه السلام: { قال ~~قد أجيبت دعوتكما فاستقيما... }. ### || [10.89] # ويلاحظ أن الذي دعا هو موسى عليه السلام، ولكن قوله سبحانه: { قد ~~أجيبت دعوتكما.. } [يونس: 89] يدل على أن هارون - عليه السلام ~~- قد دعا مع موسى. وقد قلنا من قبل: إننا إن نظرنا إلى الأصالة في ~~الرسالة لوجدنا موسى - عليه السلام - هو الأصيل فيها، وجاء هارون ليشد ~~عضده، وإن نظرنا إلى طبيعة الاثنين فكل منهما رسول، والاثنان لهما رسالة ~~واحدة. وما دام الحق سبحانه قد أرسل الاثنين لمهمة واحدة، فإن انفعل واحد ~~منهما لشيء فلا بد أن ينفعل الآخر لنفس الشيء لذلك فلا يوجد ما يمنع أن ~~هارون ساعة سمع أخاه داعيا بمثل هذا الدعاء، قد دعا هو أيضا بالدعاء ~~نفسه، أو أنه - أي: هارون - قد دعا بهذا الدعاء سرا. والدعاء معناه: ~~أنك تفزع إلى من يقدر على تحقيق ما لا تقدر عليه، فأنت لا تدعو إلا في ~~أمر عزت عليك أسبابه فتقول: إن لي ربا أومن به، وهو يقدر على ~~الأسباب لأنه خالق الأسباب، وقادر على أن يعطي بلا أسباب، والمؤمن الحق ~~يستقبل الأحداث، لا بأسبابه، ولكن بقدرة من آمن به، وهو المسبب ~~الأعلى سبحانه. ولذلك تجد موسى عليه السلام ومعه قومه حين وصلوا إلى ~~شاطىء البحر، وكان من خلفهم قوم فرعون يطاردونهم، فقال قوم موسى: # .. إنا لمدركون # [الشعراء: 61]. فرد موسى عليه السلام: # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. أي: لا ترتبوا الأمر بترتيب البشر لأن معي رب البشر، ~~فجاءه الإنقاذ: # فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # [الشعراء: 63]. إذن: فالدعاء إنما يكون فزعا إلى من يقدر ms4700 على أمر لا ~~تقدر عليه. والموضوع الذي كان يشغل موسى وهارون عليهما السلام هو بقاء آل ~~فرعون على ضلالهم وإصرارهم على إضلال غيرهم، فلا بد أن يدعو كل منهما نفس ~~الدعاء، ومثل هذا نجده في غير الرسل ونسميه " التخاطر " ، أي: التقاء ~~الخواطر في لحظة واحدة. ومثال ذلك في التاريخ الإسلامي، لحظة أن كان ~~سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مشغولا بالتفكير في جيش المسلمين ~~المقاتل في إحدى المعارك، وكان عمر في المدينة يخطب على المنبر، فإذا به ~~يقول فجأة: " يا سارية الجبل " وهي كلمة لا موضع لها في منطق الخطبة، ~~ولكن كان فكره مشغولا بالقائد الذي يحارب، وسمع القائد - وهو على البعد ~~- الأمر فانحاز إلى الجبل. ويقال في هذه المسألة: إن الخاطر قد شغل مع ~~الخاطر، مثلما تطلب أحدا في الهاتف فيرد عليك الشخص الذي تريد الكلام ~~معه قائلا: لقد كنت على وشك أن أتصل بك هاتفيا، وهذا يعني أن الخاطرين ~~قد انضبطا معا. # وإذا كان هذا ما يحدث في حياتنا العادية، فما بالنا بما يحدث في الأمور ~~الصفائية وفي أرقى درجاتها وهي النبوة؟ أو أن الذي دعا هو موسى وما كان ~~هارون إلا مؤمنا، والمؤمن هو أحد الداعيين، وما دام الحق سبحانه قد ~~قبل دعوة موسى عليه السلام، فقد قبل أيضا دعوة المؤمن معه. ويظن ~~بعض الناس أن إجابة الدعوة هي تحقيق المطلوب فور الدعاء، ولكن الحقيقة أن ~~إجابة الدعوة هي موافقة على الطلب، أما ميعاد إنجاز الطلب، فقد يتأجل بعض ~~الوقت، مثلما حدث مع دعوة موسى عليه السلام على فرعون وملئه، فحين دعا ~~موسى، وأمن هارون، جاءت إجابة الدعاء: { قد أجيبت ~~دعوتكما.. } [يونس: 89] بعد أربعين عاما، ويحقق الله سبحانه ~~الطمس على المال. فالسماء ليست موظفة عند من يدعو، وتقبل أي دعاء، ولكن ~~قبول الدعوة يقتضي تحديد الميعاد الذي تنفذ فيه. وهذه أمور من مشيئة الله ~~سبحانه فالحق سبحانه وتعالى منزه عن أن يكون منفذا لدعاء ما، ولكنه ~~هو الذي بيده مقاليد كل أمر، فإذا ما أجيبت دعوة ms4701 ما، فهو سبحانه بمشيئته ~~يضع تنفيذ الدعوة في الميعاد الملائم لأنها لو أجيبت على الفور فقد تضر. ~~والحق سبحانه وتعالى هو القائل: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # [الإسراء: 11]. لذلك يحدد الحق سبحانه ميعاد تطبيق الدعوة في مجال ~~التنفيذ والواقع. وهو سبحانه وتعالى يقول: # .. سأوريكم آياتي فلا تستعجلون # [الأنبياء: 37]. والإنسان يعرف أنه قد يكون قد دعا بأشياء، فحقق الله ~~سبحانه الدعاء وكان شرا، وكم من شيء يدعو به الإنسان ولم يحققه الله ~~تعالى وكان عدم تحقيقه خيرا. إذن: فالقدرة العليا رقيبة علينا، وتعلم ما ~~في صالحنا لأننا لسنا آلهة تأمر بتنفيذ الدعوات، بل فوقنا الحكيم الأعلى ~~سبحانه. ولذلك نقول في بيان قول الحق سبحانه: # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضي إليهم أجلهم.. # [يونس: 11]. لأن الإنسان قد يدعو بالشر على نفسه، ألا تسمع أما تدعو ~~على ابنها أو ابنتها رغم حبها لهما، فلو استجاب الله لدعائها على أولادها ~~الذين تحبهم أليس في ذلك شر بالنسبة للأم. والولد قد يقول لأمه مغاضبا: ~~يا رب تحدث لي حادثة حتى تستريحي مني. فهب أن الله استجاب لهذا الدعاء، ~~أيرضي ذلك من دعا على نفسه أو يرضي أمه؟ طبعا لا فإذا كان الله سبحانه ~~قد أبطأ عليك بدعاء الشر فهذا خير لك، فعليك أن تأخذ إبطاء الله سبحانه ~~عليك بدعاء الخير على أنه خير لك. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يقول لموسى ~~وهارون عليهما السلام: {.. قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ~~ولا تتبعآن سبيل الذين لا يعلمون } [يونس: 89]. ~~أي: ابقيا على الطريق السوي، ولا تدخلا نفسيكما فيما لا علم لكما به. ~~أليس الحق سبحانه هو القائل: # ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي ~~وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين * قال ~~ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ~~فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن ~~تكون من الجاهلين # [هود: 45-46]. أي: كن مؤدبا مع ربك حين تدعو وتنفس عن نفسك، ~~ودع لحكمة الحكيم الإجابة أو عدمها، وقد ms4702 تكون الإجابة فورية أو مؤجلة ~~إلى حين أوانها، وكلاهما خير. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وجاوزنا ~~ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون ~~وجنوده... }. ### || [10.90] # قال الحق سبحانه: { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر.. } ~~[يونس: 90] لأن الاجتياز لم يكن بأسباب بشرية، بل بفعل يخرج من أسباب ~~البشر، فلو أن موسى عليه السلام قد حفر نفقا تحت الماء، أو لو كان قد ~~ركب سفنا هو وقومه لكان لهم مشاركة في اجتياز البحر، لكن المجاوزة كانت ~~بأسباب غير ملوحظة بالنسبة للبشر، فالحق سبحانه هو الذي أوحى لموسى: # أن اضرب بعصاك البحر.. # [الشعراء: 63]. ومياه البحر كأية مياه أخرى تخضع لقانون السيولة، ~~والاستطراق هو وسيلة السيولة، وهي عكس التجمد الذي يتسم بالتحيز. ~~والاستطراق هو الذي قامت عليه أساليب نقل المياه من صهاريج المياه التي ~~تكون في الأغلب أعلى من طول أي منزل، ويتم ضخ المياه إليها لتتوزع من بعد ~~ذلك حسب نظرية الأواني المستطرقة على المنازل، أما إذا كانت هناك بناية ~~أعلى طولا من الصهريج، هنا يقوم سكان المبنى بتركيب مضخة لرفع المياه ~~إلى الأدوار العالية. وإذا كان قانون البحر هو السيولة والاستطراق، فكيف ~~يتم قطع هذا الاستطراق؟ يقول الحق سبحانه: # .. فكان كل فرق كالطود العظيم # [الشعراء: 63]. فكيف تحول الماء إلى جبال يفصل بينها سراديب وطرق يسير ~~فيها موسى عليه السلام وقومه؟ كيف يسير موسى وقومه مطمئنين؟ لا بد أنها ~~معية الله سبحانه التي تحميه، وهي تفسير لقول الحق سبحانه: # .. إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. ورغم ذلك يتبعهم فرعون وجنوده لعله يدركهم، وأراد سيدنا ~~موسى - عليه السلام - بمجرد نجاحه في العبور هو وقومه أن يضرب البحر ~~بعصاه ليعود إلى قانون السيولة، ولو فعل ذلك لما سمح لفرعون وجنوده أن ~~يسيروا في الممرات التي بين المياه التي تحولت إلى جبال، ولكن الله - ~~سبحانه وتعالى - يريد غير ذلك، فقد أراد الحق سبحانه أن ينجي ويهلك ~~بالشيء الواحد، فأوحى لموسى عليه السلام: # واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون # [الدخان: 24]. أي: اترك البحر على حاله فينخدع فرعون وجنوده، وما إن ~~ينزل آخر ms4703 جندي منهم إلى الممر بين جبال الماء سيعود البحر إلى حالة ~~السيولة فيغرق فرعون وجنوده، وينجو موسى وقومه. ويقول الحق سبحانه: { ~~فأتبعهم فرعون وجنوده.. } [يونس: 90]. فهل كان هذا ~~الإتباع دليل إرادة الشر؟ أكان من الممكن أن تكون نية الفرعون أن يدعو ~~موسى وقومه إلى العودة إلى مصر ليستقروا فيها؟ لا، لم تكن هذه هي نية ~~الفرعون لذلك قال الحق سبحانه عن هذا الإتباع: { بغيا وعدوا.. } ~~[يونس: 90]. أي: أنه اتباع رغبة في الانتقام والإذلال والعدوان. ويصور ~~القرآن الكريم لحظة غرق فرعون بقوله: { حتى إذآ أدركه ~~الغرق قال آمنت.. } [يونس: 90]. والإدراك: قصد للمدرك أن يلحق ~~بالشيء، والغرق معنى، فكيف يتحول المعنى إلى شيء يلاحق الفرعون؟ نعم، ~~فكأن الغرق جندي من الجنود، وله عقل ينفعل فيجري إلى الأحداث: {. # . حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا ~~من المسلمين } [يونس: 90]. والإيمان إذا أطلق فهو الإيمان بالقوة ~~العليا، بدليل أن الحق سبحانه وتعالى قد قال: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا.. # [الحجرات: 14]. لأن الإيمان يتطلب انقياد القلب، والإسلام يقتضي اتباع ~~أركان الإسلام، فالإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " قل آمنت بالله ثم استقم " # وفي هذا القول ذكر محدد بأن الإيمان إنما يكون لله الأعلى. لكن لو قلت - ~~مثلا: " آمنت أنك رجل طيب " فهذا إيمان له متعلق، أما إذا ذكر الإيمان ~~بإطلاق فهو ينصرف إلى الإيمان بالله تعالى ولذلك قال الله سبحانه ~~للأعراب: # ولكن قولوا أسلمنا.. # [الحجرات: 14]. وهنا يأتي القول على لسان فرعون: {.. آمنت أنه لا ~~إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا ~~من المسلمين } [يونس: 90]. والخلاف هنا كان بين الفرعون كجهة ~~كفر، وبين موسى وهارون وقومهما كجهة إيمان، وأعلن فرعون إيمانه، وقال ~~أيضا: {.. وأنا من المسلمين } [يونس: 90]. ولم يقبل الله ~~ذلك منه بدليل قوله الحق سبحانه: { آلآن وقد عصيت قبل... }. ### || [10.91] # وهذا يعني: أتقول إنك آمنت الآن وإنك من المسلمين. إن قولك هذا مردود ~~لأنه جاء في غير وقته، فهناك ms4704 فرق بين إيمان الإجبار وإيمان الاختيار، ~~أتقول الآن آمنت وأنت قد عصيت من قبل، وكنت تفسد في الأرض. وكان من ~~الممكن أن يقبل الله سبحانه منه إيمانه وهو في نجوة بعيدة عن الشر الذي ~~حاق به. فالحق سبحانه لا يقبل إيمان أحد بلغت روحه الحلقوم، فهذا إيمان ~~إجبار، لا إيمان اختيار. ولو كان المطلوب إيمان الإجبار لأجبر الحق ~~سبحانه الخلق كلهم على أن يؤمنوا، ولما استطاع أحد أن يكفر بالله تعالى، ~~وأمامنا الكون كله خاضع لإمرة الله - سبحانه وتعالى - ولا يتأبى فيه أحد ~~على الله تعالى. وقدرة الحق - عز وجل - المطلقة قادرة على إجبار البشر ~~على الإيمان، لكنها تثبت طلاقة القدرة، ولا تثبت المحبوبية للمعبود. وهذه ~~المحبوبية للمعبود لا تثبت إلا إذا كان لك خيار في أن تؤمن أو لا تؤمن. ~~والله سبحانه يريد إيمان الاختيار. إذن: فالمردود من فرعون ليس القول، ~~ولكن زمن القول. ويقال: إنها ردت ولم تقبل - رغم أنه قالها ثلاث ~~مرات - لأن قوم موسى في ذلك الوقت كانوا قد دخلوا في مرحلة التجسيم لذات ~~الله وادعوا - معاذ الله - أن الله - تعالى الله عما يقولون - جلس على ~~صخرة وأنزل رجليه في حوض ماء، وكان يلعب مع الحوت.. إلى آخر الخرافات ~~التي ابتدعها بنو إسرائيل. وحين أعلن فرعون أنه آمن بالإله الذي آمنت به ~~بنو إسرائيل، فهذا يعني أنه لم يؤمن بالإله الحق سبحانه. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن ~~خلفك... }. ### || [10.92] # ونحن نعرف أن الإنسان مكون من بدن، وهو الهيكل المادي المصور على ~~تلك الصورة التي نعرفها، وهناك الروح التي في البدن، وبها تكون الحركة ~~والحياة. وساعة نقول: " بدن " ، فافهم أنها مجردة عن الروح، مثلما نقول: ~~جسد. وإذا أطلقت كلمة " جسد " فمعناها الهيكل المادي المجرد من الروح. ~~والحق سبحانه هو القائل: # ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه ~~جسدا.. # [ص: 34]. وكان سيدنا سليمان - عليه السلام - يستمتع بما آتاه الله ~~سبحانه من الملك ما لا ينبغي لأحد من بعده، وسخر له الجن والرياح ~~وعلمه كل ms4705 اللغات، وكان صاحب الأوامر والنواهي والهيمنة، ثم وجد نفسه ~~قاعدا على كرسيه بلا حراك وبلا روح، ويقدر عليه أي واحد من الرعية، ثم ~~أعاد الله له روحه إلى جسده، وهو ما يقوله الحق سبحانه: # .. ثم أناب # [ص: 34]. أي: أنه أفاق لنفسه، فعلم أن كل ما يملكه هو أمر مفاض عليه، ~~لا أمر نابع من ذاته. وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصددها الآن يقول ~~الحق سبحانه: { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن ~~خلفك آية.. } [يونس: 92]. وبالله، لو لم يأمر الحق البحر بأن يلفظ ~~جثمان فرعون، أما كان من الجائز أن يقولوا: إنه إله، وإنه سيرجع مرة ~~أخرى؟ ولكن الحق سبحانه قد شاء أن يلفظ البحر جثمانه كما يلفظ جيفة أي ~~حيوان غارق حتى لا يكون هناك شك في أن هذا الفرعون قد غرق، وحتى ينظر من ~~بقي من قومه إلى حقيقته، فيعرفوا أنه مجرد بشر، ويصبح عبرة للجميع، بعد ~~أن كان جبارا مسرفا طاغية يقول لهم: # ما علمت لكم من إله غيري.. # [القصص: 38]. وبعض من باحثي التاريخ يقول: إن فرعون المقصود هو " تحتمس ~~" ، وإنهم حللوا بعضا من جثمانه، فوجدوا به آثار مياه مالحة. ونحن ~~نقول: إن فرعون ليس اسما لشخص، بل هو توصيف لوظيفة، ولعل أجساد الفراعين ~~المحنطه تقول لنا: إن علة حفظ الأبدان هي عبرة وليتعظ كل إنسان ويرى كيف ~~انهارت الحضارات، وكيف بقيت تلك الأبدان آية نعتبر بها. وقد تعرض القرآن ~~لمسألة الفرعون، فقال الحق سبحانه: # وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 10]. ويقول سبحانه في نفس السورة عن كل جبار مفسد: # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]. ونلحظ أن كلام الحق سبحانه عن فرعون في سورة الفجر كان ~~كلاما يضم إلى جانب حضارة الفراعنة حضارات أخرى قديمة، مثل حضارة عاد ~~وحضارة ثمود. وكذلك تكلم الحق سبحانه عن الفرعون في أثناء لقطات قصة موسى ~~عليه السلام، ولكن الكلام يختلف في قصة يوسف عليه السلام، فلا تأتي وظيفة ~~الفرعون، بل يحدثنا الحق سبحانه عن وظائف أخرى، هي وظية " عزيز مصر " - ~~أي: رئيس وزرائها - ويحدثنا الله ms4706 سبحانه عن ملك مصر بقوله: # وقال الملك ائتوني به # [يوسف: 50]. ولم يكتشف الفارق بين وظيفة " الفرعون " ووظيفة " الملك ~~" في التاريخ المصري إلا بعد أن جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر وفك " ~~شامبليون " رموز اللغة الهيروغليفيه من خلال نقوش حجر " رشيد " ، فعرفنا ~~أن حكام مصر القديمة كانوا يسمون " الفراعنة " إلا في فترة كانت فيها مصر ~~تحت حكم " ملوك الرعاة " أو " الهكسوس " الذين أغاروا على مصر، وحكموها ~~حكما ملكيا وقضوا على حكم الفراعنة، ثم عاد الفراعنة إلى حكم مصر بعد ~~أن خلصوها من سيطرة " الهكسوس ". وهكذا نجد أن إشارة القرآن في قصة يوسف ~~- عليه السلام - كانت إلى الملك، ولم يأت فيها بذكر فرعون، وهذا دليل على ~~أن القرآن قد سبق بعلمه أي اكتشاف، وكلما جاء اكتشاف جديد أو ابتكار ~~حقيقي، نجده يؤيد كتاب الله. وينهي الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها بقوله: {.. وإن كثيرا من الناس عن آياتنا ~~لغافلون } [يونس: 92]. وهذا القول يوضح أن هناك من يغفل عن الآيات، ~~وهناك من لا يغفل عنها، وينظر إلى تلك الآيات ويتأملها ويتدبرها، ويتساءل ~~عن جدوى كل شيء، فيصل إلى ابتكارات واختراعات ينتفع بها الإنسان، أذن ~~بميلادها عند البحث عنها لتستبين عظمة الله في خلقه. وحين ينظر الإنسان ~~في تلك الابتكارات سيجدها وليدة أفكار من نظروا بإمعان، وامتلكوا قدرة ~~الاستنباط، ولو لم يغفل الناس عن النظر في آيات الكون، والسماوات والأرض، ~~لزادت الابتكارات والاختراعات، والحق سبحانه هو القائل: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. وحين ننظر إلى مكتشف قانون الجاذبية " نيوتن " الذي رأى ~~ثمرة تفاح تسقط من شجرتها، نجد أن هناك عشرات الآلاف أو الملايين من ~~البشر شاهدوا من قبله مشهد سقوط ثمرة من على شجرة، ولكن نيوتن وحده هو ~~الذي تفكر وتدبر ما يحدث أمامه إلى أن أهتدى إلى اكتشاف قانون الجاذبية. ~~وجاء من بعد نيوتن من بنى سفن الفضاء التي تستفيد من هذا القانون وغيره. ~~وكذلك نجد من صمم الغواصات، والبواخر العملاقة التي تشبه المدن ~~العائمة، ms4707 هؤلاء اعتمدوا على من اكتشف قانون " الطفو " وقاعدة " أرشميدس " ~~الذي لاحظ أنه كلما غطس شيء في المياه، ارتفع الماء بنفس حجم الشيء ~~الغاطس فيه. كل هؤلاء اكتشفوا - ولم يخلقوا - أسرارا كانت موجودة في ~~الكون، وهم تميزوا بالانتباه لها. وكذلك العالم الذي اكتشف " البنسلين ~~" قد لاحظ أن أصيصا من المواد العضوية كانت تنزل منه قطرات من الماء ~~العفن، ورأى الحشرات التي تقترب من هذا الماء تموت، فأخذ عينة من هذا ~~العفن وأخذ يجري عليها بعض التجارب في معمله إلى أن اكتشف " البنسلين ". # وقول الحق سبحانه: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. فكأنهم لو لم يعرضوا لاستنبطوا من آيات الكون الشيء ~~الكثير. وكذلك القصص التي تأتي في القرآن، إنما جاءت ليعتبر الناس ~~ويتأملوا، فحين يرسل الله رسولا مؤيدا بمعجزة منه لا يقدر عليها ~~البشر فعلى الناس أن يسلموا ويقولوا: " آمنا " ، لا أن يظلوا في حالة ~~إعادة للتجارب السابقة لأن ارتقاءات البشر في الأمور المادية قد تواصلت ~~لأن كل جيل من العلماء يأخذ نتائج العلم التي توصل إليها من سبقوه، ~~فلماذا لا يحدث هذا في الأمور العقدية؟ ولو أن الناس بدأوا من حيث انتهى ~~غيرهم لوجدنا الكل مؤمنا بالله تعالى، ولأخذ كل مولود الأمر من حيث ~~انتهى أبوه، ولوصل خير آدم إلى كل من ولد بعد ذلك، لكن آفة البشر أن ~~الإنسان يريد أن يجرب بنفسه. ونحن نجد ذلك في أمور ضارة مثل: الخمر، ~~نجدها ضارة لكل من يقرب منها، فإذا حرمها الدين وجدنا من يتساءل: لماذا ~~تحرم؟ وكذلك التدخين نجد من يجربه رغم أن التجارب السابقة أثبتت ~~أضراره البالغة، ولو أخذ كل إنسان تجارب السابقين عليه فهو يصل عمره بعمر ~~الآخرين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ولقد بوأنا بني ~~إسرائيل مبوأ صدق... }. ### || [10.93] # وكلمة " تبوأ " تعني إقامة مباءة أي: البيوت التي يكون فيها السكن ~~الخاص، وإذا أطلقت كلمة " مبوأ " فهي تعني الإقليم أو الوطن. والوطن أنت ~~تتحرك فيه وكذلك غيرك، أما البيت فهو للإنسان وأسرته كسكن ms4708 خاص. أما الثري ~~فقد يكون له جناح خاص في البيت، وقد يخصص الثري في منزله جناحا لنفسه، ~~وآخر لولده وثالثا لابنته. أما غالبية الناس فكل أسرة تسكن في " شقة " ~~قد تتكون من غرفة أو اثنتين أو ثلاثة حسب إمكانات الأسرة. إذن: فيوجد فرق ~~بين تبؤء البيوت وتبوء المواطن، فتبؤء المواطن هو الوطن. وسبق أن قال ~~الحق سبحانه لموسى وهارون عليهما السلام: # أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا.. # [يونس: 87]. هذا في التبوء الخاص، أما في التبوء العام فهو يحتاج إلى ~~قدرة الحق تعالى، وهو سبحانه يقول هنا: { ولقد بوأنا بني ~~إسرائيل مبوأ صدق.. } [يونس: 93]. والحق سبحانه أتاح لهم ~~ذلك في زمن موسى - عليه السلام - وأتاح لهم السكن في مصر والشام، وهو ~~سبحانه القائل: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله.. # [الإسراء: 1]. وما دام الحق سبحانه قد بارك حوله فلا بد أن فيه خيرا ~~كثيرا، ولا بد أن تكون الأرض التي حوله مبوأ صدق. وكلمة " الصدق " ~~تعني جماع الخير والبر # " ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم حينما سئل: أيكون المؤمن جبانا؟ ~~قال: " نعم " وحين سئل: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: " نعم ". وحين سئل ~~أيكون المؤمن كذابا؟ قال: " لا ". # ولذلك فأنت تجد في الإسلام عقوبة على الزنا، وعقوبة تقام على السارق، ~~أما الكذب فهو خصلة لا يقربها المسلم لأن عليه أن يكون صادقا. وكل خصال ~~الخير هي مبوأ الصدق. ولذلك نجد قول الحق سبحانه: # وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج ~~صدق # [الإسراء: 80]. وقول الحق سبحانه: # وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم.. # [يونس: 2]. وقول الحق سبحانه: # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 84]. أي: اجعل لي ذكرى حسنة فلا يقال فلان كان كاذبا، وأما ~~قدم الصدق فهي سوابق الخير التي يسعى إليها ولذلك كان الجزاء على الصدق ~~هو ما يقول عنه الحق سبحانه: # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]. وهو مقعد عند مليك لا يبخل، ولا يجلس في رحابه إلا من ~~يحبه، ولا ms4709 يضن بخيره على من هم في رحابه. ومقعد الصدق هو جزاء لمن استجاب ~~له ربه فأدخله مدخل صدق، وأخرجه مخرج صدق، وجعل له لسان صدق، وقدم صدق. # وبعد أن بوأ الحق سبحانه بني إسرائيل مبوا صدق، في مصر والشام، ~~وبعد أن قال لهم: # اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم.. # [البقرة: 61]. أي: أن الحق سبحانه حقق قوله: { ورزقناهم من ~~الطيبات.. } [يونس: 93]. وأنجاهم من فرعون، وكان من المفترض أن ~~تستقيم أمورهم. ويقول الحق سبحانه: { فما اختلفوا حتى ~~جآءهم العلم.. } [يونس: 93]. والمقصود بذلك هو معرفتهم بعلامات ~~الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، ومنهم من ترقب مجيء النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليؤمن به، ومنهم من تمادى في الطغيان لذلك قطعهم الله - ~~سبحانه - في الأرض أمما. وحين ننظر إلى دقة التعبير القرآني نجده يحدد ~~مسألة التقطيع هذه، فهم في كل أمة يمثلون قطعة، أي: أنه سبحانه لم ~~يذبهم في الشعوب. بل لهم في كل بلد ذهبوا إليه مكان خاص بهم، ولا ~~يذوبون في غيرهم. والحق سبحانه يقول: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض.. # [الإسراء: 104]. وقد يقول أحد السطحيين: وهل هناك سكن في غير الأرض؟ ~~ونقول: لنا أن نلحظ أن الحق سبحانه لم يحدد لهم في أية بقعة من الأرض ~~يسكنون، فكأن الحق سبحانه قد بين ما أصدره من حكم عليهم بالتقطيع في ~~الأرض أمما فهو سبحانه القائل: # وقطعناهم في الأرض أمما.. # [الأعراف: 168]. وإذا كنا نراهم في أيامنا هذه وقد صار لهم وطن، فاعلم ~~أن الحق سبحانه هو القائل: # وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن ~~في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا # [الإسراء: 4]. وقد قال في آخر سورة الإسراء: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ~~فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا # [الإسراء: 104]. والمجيء بهم لفيفا إنما يعني أن يجمعهم في وطن قومي ~~لتأتي لهم الضربة القاصمة التي ذكرها الحق سبحانه في قوله: # .. فإذا جآء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ~~وليتبروا ما علوا تتبيرا # [الإسراء: 7]. لأننا لن ms4710 نستطيع أن نحاربهم في كل بلد من البلاد التي ~~قطعهم الله فيها، لكنهم حين يجتمعون في مكان واحد، إنما يسهل أن ينزل ~~عليهم قضاء الله. وحين ننظر إلى رحلتهم نجد أن " يثرب " كانت المكان الذي ~~اتسع لهم بعد اضطهادات المجتمعات التي دخلوا إليها، وحين اجتمعوا في يثرب ~~صار لهم الجاه لأنهم أهل علم، وأهل اقتصاد، وأهل حرب. وهم قد اجتمعوا في ~~المدينة لأن المخلصين من أهل الكتاب أخبروهم أن هذه المدينة هي المهجر ~~لنبي ورسول يأتي من العرب في آخر الزمان فمكثوا فيها انتظارا له، وكانوا ~~يقولون لكفار قريش: " لقد أظل زمان يأتي فيه نبي نتبعه، ونقتلكم فيه قتل ~~عاد وإرم ". وكان من المفروض أن يؤمنوا برسالته صلى الله عليه وسلم، لكنه ~~ما إن أطل رسول الله صلى الله عليه وسلم بنور رسالته حتى أنكروه خوفا ~~على سلطتهم الزمنية. # وهو ما تقول عنه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { فما ~~اختلفوا حتى جآءهم العلم.. } [يونس: 93]. أي: أن علمهم ~~بمجيء الرسول صلى الله عليه وسلم هو مصدر اختلافهم، فمنهم من سمعوا ~~إشارات عنه صلى الله عليه وسلم وعرفوا علاماته صلى الله عليه وسلم فآمنوا ~~به، ومنهم من لم يؤمن به. وهم لم يختلفوا من قبل وكانوا متفقين، ~~وتوعدوا المشركين من قريش. وما إن أهل الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وعلمت به " الأوس " و " الخزرج " أنه رسول من الله تعالى قد ظهر بمكة، ~~فقالت الأوس والخزرج: إنه النبي الذي توعدتنا به يهود، فهيا بنا لنذهب ~~ونسبقهم إليه قبل أن يسبقونا، فيقتلونا به. فكأن اليهود هم الذين تسببوا ~~في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لأن الأوس والخزرج سبقوهم ~~إليه وهذا لنعلم كيف ينصر الله تعالى دينه بأعدائه. ولذلك نجد أنهم في ~~اختلافهم يأتي عبد الله بن سلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: ~~إن اليهود قوم بهت، وإذا أنا آمنت بك يا رسول الله سيقولون في ما ~~يسيء إلي لذلك فقبل أن أعلن إسلامي اسألهم عني. وكان ms4711 ابن سلام في ذلك ~~يسلك سلوكا يتناسب مع كونه يهوديا، ولما اجتمع معشر اليهود، سألهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ما تقولون في ابن سلام؟ قالوا: حبرنا ~~وشيخنا وهو الورع فينا، وبعد أن أثنوا عليه ثناء عظيما، قال ابن سلام: ~~يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. وهنا بدأ اليهود ~~يكيلون له السباب، فقال ابن سلام: ألم أقل لك يا رسول الله إنهم قوم ~~بهت؟ إذن: فمعنى قوله سبحانه: { فما اختلفوا حتى جآءهم ~~العلم.. } [يونس: 93]. أي: أن أناسا منهم بقوا على الباطل، وأناسا ~~منهم آمنوا بالرسول الحق صلى الله عليه وسلم. وينهي الحق سبحانه الآية ~~الكريمة بقوله تعالى: {.. إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } [يونس: 93]. أي: أن ~~الله سبحانه وتعالى سوف يقضي بين ما جاءوا في صف الإيمان، وبين من ~~بقوا على اليهودية المتعصبة ضد الإيمان. ونحن نلحظ أن كلمة { ~~بينهم } توضح أن الضمير عام، لهؤلاء ولأولئك. ونقول: إن الحق سبحانه ~~وتعالى يقضي يوم القيامة بين المؤمنين والكافرين، ويقضي أيضا بين ~~الكافرين، فمنهم من كان ظالما لكافر، ومنهم من كان مختلسا أو مرتشيا، ~~ومنهم من عمل على غير مقتضى دينه لذلك يقضي الله سبحانه بينهم. والآية ~~تفيد العموم في القضاء ماضيا وحاضرا ومستقبلا بين كل مؤمن وكافر، وبين ~~كل تائب وعاص. ويقو الحق سبحانه بعد ذلك: { فإن كنت في شك ~~ممآ أنزلنآ إليك... }. ### || [10.94] # والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ونحن نعلم أن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم قد قال من البداية إنه لا يشك في رسالته، وحين وعده أهله ~~بالسيادة قال: # " والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا ~~الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته ". # نقول: إن الحق سبحانه وتعالى يضمر خطاب الأمة في خطاب رسوله صلى الله ~~عليه وسلم لأن الأتباع حين يقرأون ويسمعون الخطاب وهو موجه بهذا ~~الأسلوب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فهم لن يستنكفوا ms4712 عن أي أمر يصدر ~~إليهم. ومثال ذلك: لو أن قائدا يصدر أمرا لاثنين من مساعديه اللذين ~~يقودان مجموعتين من المقاتلين، فيقول القائد الأعلى لكل منهما: إياك أن ~~تفعل كذا أو تصنع كذا. والقائد الأعلى بتعليماته لا يقصد المساعدين له، ~~ولكنه يقصد كل مرءوسيهم من الجند. وجاء الأمر هنا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لتفهم أمته أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان ليتأبى على ~~أمر من أوامر الله، بل هو صلى الله عليه وسلم ينفذ كل ما يؤمر به بدقة ~~وذلك من باب خطاب الأمة في شخصية رسولها صلى الله عليه وسلم. وقول الحق ~~سبحانه: { فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل ~~الذين يقرءون الكتاب من قبلك.. } [يونس: 94]. هذا ~~القول دليل على أن الذين عندهم علم بالكتاب من السابقين على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، يعرفون الحقائق الواضحة عن رسالته صلى الله عليه ~~وسلم. وإن الذين يكابرون ويكفرون برسول الله صلى الله عليه وسلم ورسالته ~~إنما يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. وقد قال عبد الله بن سلام: " لقد عرفت ~~محمدا حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد ". إذن: فالحق عندهم ~~واضح مكتوب في التوراة من بشارة به صلى الله عليه وسلم، وهذا يثبت أنك ~~يا محمد صادق في دعوتك، بشهادة هؤلاء. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله ~~تعالى: {.. لقد جآءك الحق من ربك فلا تكونن من ~~الممترين } [يونس: 94]. والحق القادم من الله تعالى ثابت لا يتغير ~~لأنه واقع، والواقع لا يتعدد، بل يأتي على صورة واحدة. أما الكذب فيأتي ~~على صور متعددة. ولذلك فمهمة المحقق الدقيق أن يقلب أوجه الشهادات ~~التي تقال أمامه في النيابة أو القضاء حتى يأتي حكمه مصيبا لا مدخل فيه ~~لتناقض، ولا يعتمد على تخيل أو أكاذيب. وقول الحق سبحانه: { لقد ~~جآءك الحق.. } [يونس: 94]. إنما يدل على أن الذين قرأوا الكتاب قد ~~عرفوا أنك رسول الله حقا، ومنهم من ترك معسكر اليهودية، وجاء إلى معسكر ~~الإيمان بك لأن الحق الذي جاء لا دخل للبشرية ms4713 فيه، بل جاء من ربك: {. # . فلا تكونن من الممترين } [يونس: 94]. ومجيء الخطاب ~~بهذا الشكل، هو كما قلت موجه إلى الأمة المؤمنة في شخص الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. والحق سبحانه يقول: # لئن أشركت ليحبطن عملك.. # [الزمر: 65]. هذا القول نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن غير ~~المعقول أن يشرك النبي صلى الله عليه وسلم، وكل الآيات التي تحمل معاني ~~التوجيه في الأمور المنزه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ~~بأمته. وأيضا يقول الحق سبحانه: # ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون ~~من الخاسرين # [يونس: 95]. والقول الحكيم ساعة يوجه إلى الخير قد يأتي بمقابلة من ~~الشر لتتضح الأشياء بالمقارنة. ونحن في حياتنا اليومية نجد الأب يقول ~~لابنه: اجتهد في دروسك، واستمع إلى مدرسيك جيدا حتى تنجح، فلا تكن ~~مثل فلان الذي رسب، والوالد في هذه الحالة يأتي بالإغراء الخير، ~~ويصاحبه بمقابله، وهو التحذير من الشر. وقد قال الشاعر: # فالوجه مثل الصبح مبيض # والشعر مثل الليل مسود # ضدان لما استجمعا حسنا # والضد يظهر حسنه الضد # ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ولا تكونن من الذين ~~كذبوا... }. ### || [10.95] # وآيات الله سبحانه كما نعرفها متعددة إما آيات كونية وهي الأصل في ~~المعتقد الأول بأن خالقها هو الخالق الأعلى سبحانه، وتلفت هذه الآيات ~~إلى بديع صنعه سبحانه، ودقة تكوين خلقه، وشمول قدرته. وكذلك يقصد ~~بالآيات المعجزات المنزلة على الرسل - عليهم السلام - لتظهر صدق كل رسول ~~في البلاغ عن الله تعالى. وآيات القرآن الكريم التي تحمل منهج الله. وهم ~~كانوا يكذبون بكل الآيات. والخطاب في هذه الآية هو خطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وجاء معطوفا على ما في الآية السابقة، حيث يقول الحق ~~سبحانه: # فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك.. # [يونس: 94]. وكل ما يرد من مثل هذا القول لا يصح أن نفهم منه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الممكن أن يشك، أو من المحتمل أن يكون من ~~الذين كذبوا بآيات الله - سبحانه وتعالى - ولكن إيراد مثل هذا ms4714 الأمر، ~~هو إيراد لدفع خواطر البشرية، أيا كانت تلك الخواطر، فإذا وجدنا الخطاب ~~المراد به رسول الله صلى الله عليه وسلم في التنزيل، فغاية المراد اعتدال ~~موازين الفهم في أمته تعليما وتوجيها لأن المنهج منزل عليه لتبليغه ~~لأمته فهو شهيد على الأمم. وإذا كانت الآية التي سبقت توضح: إن كنت في شك ~~فاسأل، فهو سبحانه يعطيه السؤال ليستمع منه إلى الجواب، وليسمعه لكل ~~الأمة الجواب القائل: أنا لا أشك ولا أسأل، وحسبي ما أنزل الله سبحانه ~~علي. ألم يرد في القرآن الكريم أن الحق سبحانه وتعالى يقول للملائكة ~~يوم القيامة بمحضر من عبدوا الملائكة، ويشير إلى هؤلاء الذين عبدوا ~~الملائكة ومخاطبا ملائكته. # .. أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون # [سبأ: 40]. ونحن نعلم أن الملائكة: # .. لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون # [التحريم: 6]. والحق سبحانه يعلم مسبقا جواب الملائكة، وهم يقولون: # سبحانك أنت ولينا من دونهم.. # [سبأ: 41]. ولكنه سبحانه وتعالى أراد أن يسمع من في الحشر كلهم جواب ~~الملائكة وهم يستنكرون أن يعبدهم أحد من الخلق، فهؤلاء الخلق إنما عبدوا ~~الجن. إذن: فالسؤال جاء ليبين الرد عليه، مثلما يرد عيسى عليه السلام حين ~~يعبد من بعض قومه، ويسأله سبحانه عن ذلك: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله.. # [المائدة: 116]. فيأتي الجواب: # سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق.. # [المائدة: 116]. إذن: فالمراد أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: أنا ~~لا أشك ولا أسأل. والشك - كما نعلم - معناه: تساوي كفة النفي وكفة ~~الإثبات، فإن رجحت واحدة منهما فهذا ظن، وتكون المرجوحة وهما وافتراء ~~وكذبا. وكلمة " الشك " مأخوذة من مسألة حسية، فنحن نرى الصيادين وهم ~~يصعون كل سمكة بعد اصطيادها في خيط يسمى " المشكاك ". # وكذلك نرى من يقوم ب لضم العقود، وهو يشك الحبة في الخيط. من هذا نأخذ ~~أن الشك معناه: ضم شيء إلى شيء، ومنه الشكائك، وهي البيوت المنتظمة ~~بجانب بعضها البعض. ومنه " شاك السلاح " أي: الذي ضم نفسه إلى الدرع. ~~فالشك هو ضم شيء إلى شيء، وفي ms4715 النسب تضم النفي والإثبات معا لأنك غير ~~قادر على أن ترجح أحدهما. وكل خطاب في الشك يأتي على هذا اللون. والآية ~~التي نحن بصددها تقول: { ولا تكونن من الذين كذبوا ~~بآيات الله فتكون من الخاسرين } [يونس: 95]. ونحن نعلم ~~أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو نفسه آية من الآيات، وهكذا نرى أن ~~الخطاب موجه لأمته، فمن المستحيل أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم ~~من المكذبين لآيات الله - سبحانه وتعالى - لأن التكذيب بآيات الله ~~تعالى يعني: إخراج الصدق إلى الكذب، وإخراج الواقع إلى غير الواقع. ~~والذين كذبوا بالآيات إما أنهم لا يؤمنون بإله، أو يؤمنون بإله ولا ~~يؤمنون برسول، أو يؤمنون بإله ويؤمنون برسول ولا يؤمنون بما أنزل على ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. والذي يؤيد هذا وجود آية في آخر السورة يقول ~~فيها الحق سبحانه: # قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا ~~أعبد الذين تعبدون من دون الله.. # [يونس: 104]. فكأن الخطاب المقصود منه الأمة. ويقول الحق سبحانه بعد ~~ذلك: { إن الذين حقت... }. ### || [10.96] # وهذا القول يوضح لنا أن الحق سبحانه وتعالى قد علم علما أزليا ~~بأنهم لن يوجهوا اختيارهم للإيمان. فحكمه هنا لا ينفي عنهم مسئولية ~~الاختيار، ولكنه علم الله الأزلي بما سوف يفعلون، ثم جاءوا إلى الاختيار ~~فتحقق علم الله سبحانه وتعالى بهم من سلوكهم. وحكمه سبحانه مبني على ~~الاختيار، وهو حكم تقديري. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - حين يأتي ~~وزير الزراعة، ويعلن أننا قدرنا محصول القطن هذا العام، بحساب مساحة ~~الأراضي المنزرعة قطنا، وبالمتوسط المتوقع لكل فدان، وقد يصيب الحكم، ~~وقد يخيب نتيجة العوامل والظروف الأخرى المحيطة بزراعة القطن، فمن ~~المحتمل أن يصاب القطن بآفة من الآفات، مثل: دودة اللوزة، أو دودة ~~الورقة. إذن: ففي المجال البشري قد يصيب التقدير وقد يخطىء لأن الإنسان ~~يقدر بغير علم مطلق، بل بعلم نسبي. أما تقدير الحق سبحانه فهو تقدير ~~أزلي، وحين يقدر الحق سبحانه فلا بد من وقوع ما قدره. ولذلك يجب أن ~~نفرق بين قضاء ms4716 حكم لازم قهري ليس للإنسان فيه تصرف، وبين قدر قد قدر ~~من الله تعالى أن يفعله الإنسان باختياره، وهذه هي عظمة علم الغيب. ومثال ~~ذلك: هو سلوك أبي لهب، فقد نزل فيه قرآن يتلى: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب # [المسد: 12]. وقد نزلت السورة وأبو لهب على قيد الحياة لأن الحق سبحانه ~~قد علم أزلا أن خواطر أبي لهب لن تدفعه إلى الإيمان، ولو أن أبا لهب ~~امتلك ذرة من ذكاء لجاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: أنت قلت ~~عني إنني سأصلى النار، لكن ها أنذا أعلن أنني أشهد ألا إله إلا الله ~~وأشهد أنك رسول الله. لكن ذلك الذكاء لم يكن يملكه أبو لهب، فقد علم الله ~~أزلا أن خواطره لن تدفعه إلى الإسلام، مثلما دفعت حمزة بن عبد المطلب عم ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن ~~العاص. وكان إسلام هؤلاء رغم وقوفهم ضد النبي صلى الله عليه وسلم أمرا ~~واردا. وقد يقدر البشر التقدير، لكن هذا التقدير إنما يتم حسب ~~المعلومات المتاحة لهم، ولا يملك إنسان علما كونيا أزليا بتقديراته، ~~فعلمه محدود، وقد يأتي الأمر على غير ما يقدر لأن الإنسان لا يملك ما ~~يقدر. ولا يقولن أحد: إن الله يعاقب بعد أن قدر مسبقا لأن تقدير ~~الحق سبحانه نابع من علمه الأزلي، وهم كانوا يتمتعون بحق الاختيار. والله ~~سبحانه هو القائل: # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون # [التوبة: 124-125]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ولو جآءتهم ~~كل آية حتى يروا... }. ### || [10.97] # إذن: فمجيء الآيات وتكرارها لن يفيدهم في الاتجاه إلى الإيمان لأن الحق ~~سبحانه يعلم أنهم سيتوجهون باختيارهم إلى الكفر فقد قالوا - من قبل - ما ~~أورده الحق سبحانه في كتابه العزيز: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من ms4717 الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف ~~أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى ~~تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل ~~كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 90-93]. وكأن الحق سبحانه يأمر رسوله أن يقول موضحا: لست ~~أنا الذي ينزل الآيات، بل الآيات من عند الله تعالى، ثم يأتي القرآن ~~بالسبب الذي لم تنزل به تلك الآيات التي طلبوها، فيقول سبحانه: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون.. # [الإسراء: 59]. إذن: فقد نزلت آيات كثيرة لمن سبق في المعاندة ~~والمعارضة، ويقابل قضية عرض الإيمان عليه بكفر يملأ قلبه. فإن كان هناك ~~من يبحث عن الإيمان فليدخل على بحث الإيمان بدون معتقد سابق، ولينظر إلى ~~المسألة، وما يسمح به قلبه فليدخله فيه وبهذا الاختيار القلبي غير ~~المشروط بمعتقد سابق هو قمة القبول. وقد قال الحق سبحانه في الآيات ~~السابقة كلاما في الوحدانية، وكلاما في الآيات المعجزات، وكلاما في ~~صدق النبوة، وكلاما عن القيامة، وقص لنا سبحانه بعضا من قصص مواكب ~~الرسل، من نوح عليه السلام، ثم فصل قليلا في قصة موسى وهارون عليهما ~~السلام، ثم سيأتي من بعد ذلك بقصة يونس عليه السلام. ونحن نلحظ أن الحق ~~سبحانه جاء بقصة نوح عليه السلام في إطناب، ثم جاء بخبر عن رسل لم يقل ~~لنا عنهم شيئا، ثم جاء بقصة موسى وهارون عليهما السلام، ثم سيأتي من بعد ~~ذلك بقصة يونس عليه السلام، فالسورة تضم ثلاثا من الرسالات: رسالة نوح، ~~ورسالة موسى وهارون، ورسالة يونس: وهو الرسول الذي سميت السورة باسمه. ~~ولسائل أن يقول: ولماذا جاء بهؤلاء الثلاثة في هذه السورة؟ وأقول: لقد ~~تعبنا كثيرا، ومعنا كثير من المفسرين حتى نتلمس الحكمة في ذلك، ولماذا ~~لم تأت في السورة قصة هود، وثمود، وشعيب، وكان لا بد أن تكون هناك حكمة ~~من ذلك. هذه الحكمة فيما تجلى ms4718 لنا أن الحق سبحانه وتعالى يعرض موكب ~~الرسالة وموكب المعارضين لكل رسول، والنتيجة التي انتهى إليها أمر ~~الأعداء، وكذلك النتيجة التي انتهى إليها أمر الرسول ومن آمن به. ونجد ~~الذين ذكرهم الله سبحانه هنا قد أهلكوا إهلاكا متحدا بنوع واحد في ~~الجميع، فإهلاك قوم نوح كان بالغرق، وكذلك الإهلاك لقوم فرعون كان ~~بالغرق، وكذلك كانت قصة سيدنا يونس لها علاقة بالبحر، فقد ابتلعه الحوت ~~وجرى في البحر. # إذن فمن ذكر هنا من الرسل كان له علاقة بالماء، أما بقية الموكب ~~الرسالي فلم تكن لهم علاقة بالماء. ونحن نعرف أن الماء به الحياة، وبه ~~الإهلاك لأن واهب الحياة يهب الحياة بالشيء، ويهلك بالشيء نفسه. وكأن ~~الحق سبحانه يبين لنا الحكمة: أنا أهلكت بالغرق هناك، ونجيت من ~~الغرق هنا. إذن: فطلاقة القدرة الإلهية هي المستولية على هذه السورة، كما ~~تظهر طلاقة القدرة في مجالات أخرى، وبألوان أخرى. وسميت هذه السورة ~~باسم يونس لأن الحق سبحانه أرسله إلى أكثر من مائة ألف، وهم الأمة ~~الوحيدة في هذا المجال التي استثناها الحق سبحانه من الإهلاك، فقد أغرق ~~قوم نوح، وأغرق قوم فرعون فكلاهما قد كذب الرسل، ولكن قوم يونس أول ما ~~رأوا البأس آمنوا فأنجاهم الله سبحانه. وسميت السورة باسم من نجا لأنه ~~عاد إلى الحق سبحانه قبل أن يعاين العذاب، ولكنهم رأوا فقط بشائر العذاب، ~~فنجوا أنفسهم بالإيمان. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: { فلولا ~~كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها... }. ### || [10.98] # وهكذا يبين لنا الحق سبحانه أن هناك كثيرا من القرى لم تؤمن إلا وقت ~~العذاب، فلم ينفع أيا منهم هذا الإيمان، ولكن قوم يونس قبل أن تأتي ~~بشائر العذاب والبأس أعلنوا الإيمان فقبل الحق سبحانه إيمانهم لأنه ~~سبحانه لا يظلم عباده. فمن وصل إلى العذاب، وأعلن الإيمان من قلب ~~العذاب لا يقبل منه، ومن أحس واستشف بواكير العذاب وآمن فالحق ~~سبحانه وتعالى يقبله. وكلمة " لولا " إذا سمعتها فمثلها مثل " لوما " ، ~~وإذا دخلت " لولا " على جملة اسمية فلها حكم يختلف عن حكمها لو دخلت ms4719 على ~~جملة فعلية، فحين تدخل على جملة اسمية مثل: " لولا زيد عندك لأتيتك " ~~تفيد أن امتناع المجيء هو بسبب وجود زيد، لكنها إن دخلت على جملة فعلية ~~فيقال عنها: " أداة تحضيض وحث " مثل قول الحق سبحانه: # فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ~~ليتفقهوا في الدين.. # [التوبة: 122]. أي: أنه كان يجب أن ينفر من كل طائفة عدد ليتدارسوا أمور ~~الدين. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: { فلولا كانت قرية ~~آمنت.. } [يونس: 98]. أي: أنه لو أن هناك قرية آمنت قبل أن ينزل بها ~~العذاب لأنجيناها كما أنجينا قوم يونس، أو كنا نحب أن يحدث الإيمان من ~~قرية قبل أن يأتيها العذاب. إذن: فقوم يونس هنا مستثنون لأنهم آمنوا ~~قبل أن يأتيهم العذاب. وهناك آية أخرى تتعلق بهذه القصة، يقول فيها الحق ~~سبحانه: # فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون # [الصافات: 143-144]. أي: أن الذي منع يونس عليه السلام أن يظل في بطن ~~الحوت إلى يوم البعث هو التسبيح. وهنا يبين الحق سبحانه الاستثناء الذي ~~حدث لقوم يونس حين يقول: { فلولا كانت قرية آمنت ~~فنفعهآ إيمانها إلا قوم يونس لمآ آمنوا ~~كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~ومتعناهم إلى حين } [يونس: 98]. أي: أن الإيمان نفع قرية ~~قوم يونس قبل أن يقع بهم العذاب. ولذلك يقول الحق سبحانه: {.. لمآ ~~آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~ومتعناهم إلى حين } [يونس: 98]. ونحن نعلم أن كلمة " قرية " ~~تعني: مكانا مهيأ، أهله متوطنون فيه، فإذا ما مر عليهم زائر في أي ~~وقت وجد عندهم قرى أي: وجبة طعام. ونحن نجد من يقول عن الموطن كثير ~~السكان كلمة " بلد " ، وهؤلاء من يملكون طعاما دائما، أما من يكونون ~~قلة قليلة في موطن ففي الغالب ليس عندهم من الطعام إلا القليل الذي ~~يكفيهم ويكفي الزائر لمرة واحدة. وتسمى مكة المكرمة " أم القرى " لأن كل ~~القرى تزورها. # وقرية قوم يونس اسمها " نينوى " قد حكى عنها النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قصة الذهاب للطائف، وهي ms4720 قرية العبد الصالح يونس بن متى، وهي في ~~العراق ناحية الموصل، ويونس هو من قال عنه الله سبحانه: # وذا النون إذ ذهب مغاضبا.. # [الأنبياء: 87]. وكلمة " مغاضب " غير كلمة " غاضب " ، فالغاضب هو الذي ~~يغضب دون أن يغضبه أحد، لكن المغاضب هو من أغضبه غيره. وكذلك كلمة " هجر ~~" ، ومهاجر، فالمهاجر هو من أجبره أناس على أن يهاجر، لكن من هجر هو من ~~ذهب طواعية بعيدا. والمغاضبة - إذن - تكون من جهتين، وتسمى " مفاعلة ". ~~والحق سبحانه يقول: # وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر ~~عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين # [الأنبياء: 87]. وسمي سيدنا يونس عليه السلام بذى النون لأن اسمه ~~اقترن بالحوت الذي ابتلعه. وكلنا نعرف القصة، حينما دعا قومه إلى الإيمان ~~وكفروا به في البداية لأن الرسول حين يجيء إنما يجيء ليقوم الحياة ~~الفاسدة فيضطهده من يعيشون على الفساد لأنهم يريدون الاحتفاظ بالجبروت ~~الذي يسمح لهم بالسرقة والاختلاس وإرواء أهواء النفس، فلما فعلوا ذلك مع ~~سيدنا يونس - عليه السلام - خرج مغاضبا، أي: أنهم أغضبوه. والمغاضبة - ~~كما قلنا - من المفاعلة وتحتاج إلى عنصرين، مثلما أوضحنا أن الهجرة أيضا ~~مفاعلة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يهجر مكة، بل ألجأه قومه إلى أن ~~يهاجر، فكان لهم مدخل في الفعل. وأبو الطيب المتنبي يقول في هذا المعنى: # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا # ألا تغادرهم فالراحلون هم # أي: إن كنت تعيش مع قوم، وأردت أن تفارقهم وقد قدروا أن تعيش معهم، ~~فالذي رحل حقيقة هم هؤلاء القوم. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد خروج يونس ~~مغاضبا: # فظن أن لن نقدر عليه.. # [الأنبياء: 87]. أي: أنه رجح أن الحق سبحانه لن يضيق عليه الأرض ~~الواسعة، وسيهيىء له مكانا آخر غير مكان المائة الألف أو يزيدون الذين ~~بعثه الله تعالى إليهم. وكان من المفروض أن يتحمل الأذى الصادر منهم ~~تجاهه، لكن هذا الظن - والظن ترجيح حكم - يدلنا على أن معارضة دعوته كانت ~~شديدة تحفظ وتملأ القلب بالألم والتعب. وكان ms4721 عليه أن يوطن نفسه على ~~مواجهة مشقات الدعوة. والقرية التي أرسل إليها يونس عليه السلام هي ~~قرية: " نينوى " ، وهي التي جاء ذكرها في أثناء حوار بين النبي صلى الله ~~عليه وسلم والغلام النصراني " عداس " الذي قابله صلى الله عليه وسلم في ~~طريق عودته من الطائف. # " وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذهب إلى الطائف ليطلب من أهلها ~~النصرة بعد أن آذاه قومه في مكة فلم يجد النصير، وجلس النبي صلى الله ~~عليه وسلم قريبا من حائط بستان. فلما رآه صاحبا البستان - عتبة وشيبة ~~ابنا ربيعة - وما لقي من السفهاء تحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما ~~نصرانيا، يقال له عداس، فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب، فضعه ~~في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ~~ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له: ~~كل، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده، قال: باسم الله، ~~ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل ~~هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ومن أهل أي ~~البلاد أنت يا عداس، وما دينك؟ ". قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرية الرجل الصالح يونس بن ~~متى " فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي " ، فأكب عداس على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه. ولما سأل صاحبا ~~البستان عداسا عن صنيعه هذا. قال لهما: لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا ~~نبي ". # ونحن نعلم أن العبد الصالح - يونس عليه السلام - قد تأثر وحزن وغضب من ~~عدم استجابة قومه لرسالته الإيمانية، إلى أن رأوا غيما يملأ السماء ~~وعواصف، وألقى الله تعالى في خواطرهم أن هذه العواصف هي بداية عذاب الله ~~لهم فهرعوا إلى ms4722 ذوي الرأي فيهم، فأشاروا عليهم بأن هذه هي بوادر ~~العذاب، وقالوا لهم: عليكم بإرضاء يونس لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي ~~أرسله، فآمنوا به ليكشف عنك الغمة. وهرع الناس إلى الإيمان بالحي ~~الذي لا يموت، الحي حين لا حي، والقيوم والمحيي والمميت. وذهب قوم ~~يونس عليه السلام لاسترضائه وحين رضي عنهم بدأوا ينظرون في المظالم التي ~~ارتكبوها، حتى إن الرجل منهم كان ينقض ويهدم جدار يته لأنه فيه حجرا قد ~~اختلسه من جار له. وكشف الله سبحانه وتعالى عنهم العذاب، وهنا يقول ~~سبحانه: {.. كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا ومتعناهم إلى حين } [يونس: 98]. ومن لوازم قصة ~~يونس عليه السلام، ليست المغاضبة فقط، بل قصته مع الحوت، فقد كان عليه ~~السلام بعد مغاضبته لقومه قد ركب سفينة، فلعبت بها الأمواج فاضطربت ~~اضطرابا شديدا، وأشرفت على الغرق بركابها فألقوا الأمتعة في البحر ~~لتخف بهم السفينة فاستمر اضطرابها، فاقترعوا على أن يلقوا إلى البحر ~~من تقع عليه القرعة، فوقعت القرعة على نبي الله يونس عليه السلام. # مثلما نركب مصعدا، فنجد الضوء الأحمر وقد أضاء إنذارا لنا بأن الحمولة ~~زائدة، وأن المصعد لن يعمل فيخرج منه واحد أو أكثر حتى يتبقى العدد ~~المسموح به، وعادة يكون الخارج من أحسن الموجودين خلقا، لأنهم أرادوا ~~تسهيل أعمال الآخرين. كذلك كان الأمر مع السفينة التي ركبها يونس عليه ~~السلام، كادت أن تغرق، فاقترعوا، وصار على يونس أن ينزل إلى البحر. والحق ~~سبحانه يقول: # فساهم فكان من المدحضين # [الصافات: 141]. ونزل يونس عليه السلام إلى البحر فالتقمه الحوت ~~وابتلعه. ويقول الحق سبحانه وتعالى عن وجود سيدنا يونس عليه السلام في ~~بطن الحوت: # فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون # [الصافات: 143-144]. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول ~~الحق سبحانه: { كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا.. } [يونس: 98]. وعذاب الخزي في الحياة الدنيا يمكن أن تراه ~~مجسدا فيمن افترى وتكبر على الناس، ثم يراه الناس في هوان ومذلة، ~~هذا هو عذاب الخزي ms4723 في الدنيا، ولا بد أن عذاب الآخرة أخزى وأشد. ~~وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: {.. ومتعناهم إلى حين } ~~[يونس: 98]. أي: أنهم نجوا من الهلاك بالعذاب إلى أن انتهت آجالهم ~~بالموت الطبيعي. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { ولو شآء ~~ربك لآمن... }. ### || [10.99] # والحق سبحانه وتعالى يبين لنا أنه إن قامت معركة بين نبي مرسل ومعه ~~المؤمنون به، وبين من كفروا به، فلا بد أن ينزل الحق سبحانه العذاب بمن ~~كفروا. وإياك أن تفهم أن الحق سبحانه يحتاج إلى عبادة الناس لان الله ~~عز وجل قديم أزلي بكل صفات الكمال فيه قبل أن يخلق الخلق، وبكماله ~~خلق الخلق، وقوته سبحانه وتعالى في ذاته، وهو خالق من قبل أن يخلق الخلق، ~~ورازق قبل أن يخلق الرزق والمرزوق، والخلق من آثار صفات الكمال فيه، وهو ~~الذي أوجد كل شيء من عدم. ولذلك يسمون صفاته سبحانه وتعالى صفات الذات ~~لأنها موجودة فيه من قبل أن يوجد متعلقها. فحين تقول: حي، ومحي، ~~فليس معنى ذلك أن الله تعالى موصوف ب " محي " بعد أن وجد من يحييه، ~~لا، إنه محي، وبهذه الصفة أحيا. ولله المثل الأعلى، وهو سبحانه منزه ~~عن كل تشبيه: قد نرى المصور أو الرسام الذي صنع لوحة جميلة، هنا نرى ~~أثر موهبة الرسم التي مارسها، واللوحة ليست إلا أثرا لهذه الموهبة. الحق ~~سبحانه وتعالى - إذن - له كل صفات الكمال قبل أن يخلق الخلق، وبصفات ~~الكمال خلق الخلق. فإياك أن تفهم أن هناك أمرا قد جد على الله ~~تعالى، فلا شيء يجد على الحق سبحانه، وهو سبحانه لا ينتفع من خلقه بل ~~هو الذي ينفعهم. ونحن نعلم أن الإيمان مطلوب من الإنسان، وهو الجنس ~~الظاهر لنا ونحن منه، ومطلوب من جنس آخر أخبرنا عنه الله - تبارك وتعالى ~~- وهو الجن. وأما بقية الكون فمسبح مؤمن بالله تعالى، والكون عوالم لا ~~حصر لها، ولكل نظام لا يحيد عنه. ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن ~~يدخل الثقلين - الإنس والجن - في نظام التسخير ما عز عليه ذلك لكن ~~هذا ms4724 التسخير يثبت له القدرة ولا يثبت له المحبوبية. ولذلك ترك الحق ~~سبحانه الإنسان مختارا ليؤمن أو لا يؤمن، وهذا ما يثبت له المحبوبية إن ~~جئته مؤمنا، وهذا يختلف عن إيمان القسر والقهر، فالإيمان المطلوب من ~~الإنسان أو الجن هو إيمان الاختيار. وأما إيمان القسر والقهر، فكل ما في ~~الكون من عوالم مؤمن بالحق سبحانه، مسبح له. والحق سبحانه وتعالى ~~يقول: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. وهذا ليس تسبيح دلالة ورمز، بل هو تسبيح حقيقي، بدليل ~~قوله سبحانه وتعالى: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. فإن فقهك الله تعالى في لغاتهم لعلمت تسبيح الكائنات، ~~بدليل أنه علم سليمان عليه السلام منطق الطير، وسمع النملة تقول: # .. يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون # [النمل: 18]. والهدهد قال لسليمان عليه السلام ما رآه عن بلقيس ملكة ~~سبأ: # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ~~وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل فهم لا يهتدون # [النمل: 24]. إذن: فكل ما في الكون مسبح لله تعالى، يسير على منهجه ~~سبحانه ما عدا المختار من الثقلين: الإنسان والجان لأن كلا منهما فيه ~~عقل، وله ميزة الاختيار بين البدائل. ومن عظمة الحق سبحانه وتعالى أن ~~خلق للإنسان الاختيار حتى يذهب المؤمن إليه اختيارا، ولو شاء الحق ~~سبحانه وتعالى أن يجبر الإنسان على الإيمان لفعل. أقول ذلك حتى لا ~~يقولن أحد: ولماذا كل هذه المسائل من خلق وإرسال رسل، وتكذيب أناس، ثم ~~إهلاك المكذبين؟ ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: { ولو شآء ربك ~~لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس ~~حتى يكونوا مؤمنين } [يونس: 99]. إذن: فالحق سبحانه خلق ~~الإنسان وسخر له كل الأجناس، ولم يجبره على الإيمان، بل يقول سبحانه ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم محبا مخلصا لقومه ~~وعشيرته، وذاق حلاوة الإيمان، وحزن لأنهم لم يؤمنوا، فينبهه الحق سبحانه ~~وتعالى أن عليه مهمة البلاغ فقط، فلا ms4725 يكلف نفسه شططا. والحق سبحانه ~~وتعالى شاء أن يجعل للإنسان حق الاختيار وسخر له الكون، ومن الناس من ~~يؤمن، ومن الناس من يكفر، بل ومن المؤمنين من يطيع مرة، ويعصي أخرى، وهذه ~~هي مشيئة الحق ليتوازن الكون، فكل صفة خيرة إن وجد من يعارض فيها فهذا ~~ما شاءه الله سبحانه وتعالى للإنسان، فلا تحزن يا رسول الله فالحق سبحانه ~~وتعالى شاء ذلك. وإن غضب واحد من أن الآخرين لم يعترفوا بصفاته الطيبة ~~نقول له: إن الحق سبحانه هو خالق الكون وهو الرازق، قد كفروا به وألحدوا، ~~وجعلوا له شركاء، فتخلقوا بأخلاق الله؟ ولذلك قال الحق سبحانه: { ~~ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } [يونس: ~~99]. إنه سبحانه وتعالى يريد إيمان المحبة وإيمان الاختيار. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن ~~الله... }. ### || [10.100] # هكذا يبين لنا الحق سبحانه أن أحدا لا يؤمن إلا بإذن من الله تعالى ~~لأن معنى أن تؤمن أن يكون إيمانك إيمان فطرة نتيجة تفكر في سماء ذات ~~أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار تزخر، ورياح تصفر، كل ذلك يدل على ~~وجود الخالق سبحانه. لكن أترك الله سبحانه وتعالى الناس للفطرة؟ لا، ~~بل أرسل سبحانه لهم الرسل ليذكروهم بالآيات الموجودة في الكون، ولينتبه ~~الغافل لأنه سبحانه لا يريد أن يأخذ الناس على حين غفلة. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه: # .. لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها ~~غافلون # [الأنعام: 131]. لذلك ينبههم الحق سبحانه بأن هناك أشياء كان يجب أن ~~تذكر، وكأن الحق سبحانه يبين لنا: إياكم أن تفهموا أن أحدا يخرج عن ~~ملكي إلا بإرادتي، فأنا بخلقي له مختارا سمحت له أن يكفر أو يؤمن، ~~وسمحت له أن يطيع أو أن يعصي. كل ذلك من أجل أن يثبت لي صفة المحبوبية. ~~لذلك فلا أحد يؤمن إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، ولا أحد يكفر إلا بإذنه ~~سبحانه لأن من خلقه مختارا علم برضاء منه بما يكون من المخلوق، ~~فالكافر لم ms4726 يكفر قهرا، والمؤمن لم يؤمن قهرا من الله سبحانه. وساعة ~~يأتي الرسول ليعرض قضية الإيمان، يتذكر الإنسان إيمان الفطرة ويقول: لقد ~~جاء هذا الرسول بهذا المنهج ليعدل لي حياتي، فلا بد أن أرهف له ~~السمع. وساعة يقبل العبد على الله تعالى، فسبحانه يأذن له أن يدخل إلى ~~حظيرة الإيمان. إن العبد منا إذا ما ذهب للقاء عبد مثله له سيادة ~~وجاه، ويدرك العبد صاحب السيادة والجاه بفضل من الله السبب الذي جاء ~~من أجله العبد الآخر فيقول صاحب السيادة لمعاونيه: لا تدخلوه. وهو ~~يقول ذلك لأن الله سبحانه أطلعه على ما في قلب العبد الآخر من غل ومن ~~حقد ومن نفاق. أما إذا دق بابه عبد آخر، فتجده يأمر معاونيه أن ~~يدخلوه وأن يفسحوا له لأنه علم بما في قلبه من محبة ورغبة في صدق ~~اللقاء والمودة. إذا كان هذا يحدث بين العباد، وهم كلهم أغيار، فما بالنا ~~بالحق سبحانه وتعالى؟ والله سبحانه هو القائل في حديث قدسي: # " من ذكرني في نفسه ذكرته في ملأ خير منه ". # ما بالنا بالعبد إذا دخل على الإيمان بالله غير مشحون بعقيدة عدا الله. ~~إذن: أقبل على الله سبحانه وعلى ذكر الله، وأنت إن ذكرت الله في ~~نفسك، فالله يذكرك فيه نفسه، وإن ذكرته في ملأ ذكرك في ملأ خير منه، ~~فالملأ الذي ستذكره فيه ملأ خطاء، والله سبحانه سيذكرك في ملأ طاهر. ~~ويقول الحق سبحانه في ذات الحديث القدسي: # " إن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ". # والذراع أطول من الشبر. ويقول: # " وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ". # فالمشي قد يتعب العبد، لذلك يسرع إليه الحق عز وجل، وهو سبحانه بكل ~~ربوبيته ما إن يعلم أن عبدا قد صفا قلبه من خصومة الله تعالى في شيء، ~~حتى يفتح أمامه أبواب محبته سبحانه، فيحبب فيه خلقه، ويجعل له مدخل صدق ~~في كل أمر ومخرج صدق من كل ضيق، وهو الحق القائل: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. ونلحظ أن الحق سبحانه يؤكد في الآية التي ms4727 نحن بصدد خواطرنا ~~عنها أنه لو شاء لآمن من في الأرض جميعا ليبين لنا أنه حتى إبليس ~~الذي دخل في جدال مع الله، لو شاء الحق سبحانه لآمن إبليس. وجاء الحق ~~سبحانه بهذا التأكيد ليحكم الأمر حول كل خلقه ومخلوقاته، فلا يشذ ~~منهم أحد. ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية: # .. أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين # [يونس: 99]. أراد الحق سبحانه أن ينبه رسوله صلى الله عليه وسلم وكل ~~المؤمنين أنه: # لا إكراه في الدين.. # [البقرة: 256]. لأن مطلوبات الدين ليست هي المطلوبات الظاهرة فقط التي ~~تقع عليها العين، فهناك مطلوبات أخرى مستترة، فهب أنك أكرهت قالبا ~~أتستطيع أن تكره قلبا؟ والحق سبحانه وتعالى يريد قلوبا لا قوالب. ~~وهكذا لا يصلح الإكراه في قضية الدين، ولكن على الإنسان ألا يسحب ~~الإكراه إلى غير موضعه أو مجاله لأنك قد تجد مسلما لا يصلي فينهره ~~صديقه، فيرد: لا إكراه في الدين. وهذا استخدام غير صحيح واستدلال خاطىء ~~لأن الإكراه في الدين إنما يكون ممنوعا في القضية العقدية الأولى. ولكن ~~من أعلن أنه مسلم، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فهذا ~~إعلان بالالتزام بكل أحكام الإسلام، وهو محسوب على الإسلام، فإن أخل ~~بحكم من أحكام الإسلام فلا بد من محاسبته. ولا إكراه في الدين، فيما ~~يخص القضية العقدية الأولى، وأنت حر في أن تدخل إلى الإسلام أو لا ~~تدخل، فإن دخلت الإسلام فأنت ملتزم بأحكام الإسلام لأنك آمنت به وصرت ~~محسوبا عليه، واحفظ حدود الإسلام ولا تكسرها لأنك على سبيل المثال - لا ~~قدر الله - إن سرقت تقطع يدك، وإن زنيت ترجم أو تجلد، وإن شربت ~~الخمر تجلد لأنك قبلت قواعد الإسلام وشريعته. وإن رأى واحد مسلما ~~يسرق، فلا يقولن إن الإسلام يسرق،ولكن إن رآه يعاقب، فهو يعرف أن ~~الإسلام يعاقب من يجرم. إذن: ف # لا إكراه في الدين.. # [البقرة: 256]. تخص المنع عن الإكراه على أصل الدين، ولكن بعد أن تؤمن ~~فأنت ملتزم بفرعيات الدين، وتعاقب إن خرجت على الحدود. والرسول ms4728 صلى ~~الله عليه وسلم يقول: # " مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على ~~سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا ~~استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في ~~نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا ~~جميعا، وأن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا ". # إذن: فالالتزام بفروع الدين أمر واجب ممن دخل الدين دون إكراه، وإن خدش ~~حكما من الأحكام يعاقب. وهناك ما هو أشد من ذلك، وهو حكم من ارتد ~~عن الإسلام، وهو القتل. وقد يقول قائل: إن هذا الإمر يمثل الوحشية. فنقول ~~له: إن من التزم بالدين، إنما قد علم بداية أنه إن آمن ثم ارتد، فسوف ~~يقتل ولذلك فليس له أن يدخل إلى الإسلام إلا بيقين الإيمان. وهذا الشرط ~~للدين لا على الدين. فلا تدخل على الدين إلا وأنت متيقن أن أوامر الدين ~~فوق شهواتك، واعلم أنك إن دخلت على الدين ثم تخليت عنه فسوف ~~تقتل، وفي هذا تصعيب لأمر دخول الدين، فلا يدخله أحد إلا وهو واثق من ~~يقينه الإيماني، وهذا أمر محسوب للدين لا ضد الدين. وهنا يقول الحق ~~سبحانه: {.. ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون } ~~[يونس: 100]. والرجس: هو العذاب، وهو الذنب، ويجعله الحق سبحانه وتعالى ~~على الذين لا يعقلون لأن قضية الدين إذا طرحت على العقل بدون هوى ~~لا بد أن ينتهي العقل إلى الإيمان. ولذلك تجد القمم الفكرية حين ~~يدرسون الدين فهم يتجهون إلى الإسلام لأنه هو الدين الذي يشفي الغلة، ~~أما الذين أخذوا الدين كميراث عن الآباء، فهم يظلون على حالهم. وبعض ~~القمم الفكرية في العالم التي اتجهت إلى اعتناق الإسلام، لم تتجه إليه ~~بسبب رؤيتهم لسلوك المسلمين لأن سلوك المنسوبين للإسلام في زماننا قد ~~ابتعد عن الدين. ولذلك فقد اتجهت تلك القمم الفكرية للإسلام إلى دراسة ~~مبادىء الإسلام، وفرقوا بين مبادىء الدين، وبين المنتمين للدين، وهذا ~~إنصاف في البحث العقلي لأن الدين حين يجرم عملا، فليس في ms4729 ذلك التجريم ~~إذن من الدين بحدوث مثل هذا الفعل المجرم، بدليل تقدير العقاب حسب ~~خطورة الجريمة. فالحق سبحانه قد قال: # والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما.. # [المائدة: 38]. إنه الإذن باحتمال ارتكاب السرقة، وكذلك الأمر بالنسبة ~~للزنا، وغير ذلك من الجرائم التي جعل لها الحق سبحانه عقوبات تتناسب مع ~~الضرر الواقع على النفس أو المجتمع من وقوعها، فإذا رأيت مسلما يسرق، ~~فتذكر العقاب الذي أوقعه الإسلام على السارق، وإن رأيت مسلما يزني، ~~فتذكر العقوبة التي حددها الحق سبحانه للزاني. وهكذا الحال في جميع ~~الجرائم. وكبار المفكرين العالميين الذين يتجهون إلى الإسلام إنما يدرسون ~~مبادىء الدين مفصولة عن سلوك المسلمين المعاصرين، الذين ابتعدوا عن ~~مبادىء الدين الحنيف. # وها هو ذا " جينو " المفكر الفرنسي يقول: " الحمد لله الذي هداني ~~للإسلام قبل أن أعرف المسلمين، فلو كنت قد عرفت المسلمين قبل الإسلام ~~لكان هناك احتمال لزلزلة في النفس تجعلني أتردد في الدخول إلى هذا الدين ~~الرفيع المقام ". إذن: فإعمال العقل الراقي لا بد أن يؤدي إلى الإسلام ~~لأنه فطرة الله، والإسلام ينميها، ويرتقي بها، والعقل هو مناط ~~التكليف. والرجس والذنب والعذاب كله إنما يقع على الذين لا يعملون ~~عقولهم، وإعمال العقل المتعقل للقيم ينفي الرجس لأنهم سيقبلون على ~~التدين بإذن الله تعالى لهم أن يدخلوا على الإيمان به. وإذا سألني سائل: ~~ما هو العقل؟ وما هو مناط التكليف؟ نجد أن كلمة " عقل " مأخوذة من ~~عقال البعير، وهو ما يشد على ركبته حتى لا ينهض، ويظل ساكنا، ~~وحين يريد صاحبه أن ينهضه فهو يفك العقال. وأهل الخليج يضعون على ~~رؤوسهم غطاء للرأس غترة ويثبتونه بنسيج مغزول على هيئة حلقتين، ويسمون ~~هاتين الحلقتين " العقال " لأنه يمنع غطاء الرأس من أن يحركه الهواء، أو ~~يطيره. إذن: فالعقل أراده الله سبحانه لنا ليحجزنا عن الانطلاق والفوضى ~~في تحقيق شهوات النفس لأنه سبحانه قد خلق النفس البشرية، ويعلم أنها تحب ~~الشهوات العاجلة، فأراد سبحانه للإنسان أن يكبح جماح تلك الشهوات بالعقل. ~~فحين يفكر الإنسان في تحقيق الشهوة العاجلة، يجد عقله وهو ms4730 يهمس له: إنك ~~ستستمتع بالشهوة العاجلة دقائق، وأنت قد تأخذها من غيرك من محارمه أو من ~~ماله، فهل تسمح لغيرك أن يأخذ شهوته العاجلة منك؟ إذن: عليك أن تعلم أن ~~العقل إنما أراده الله سبحانه لك ليعقلك عن الحركة التي فيها هوى، وتحقق ~~بها شهوة ليست لك، ومغبتها متعبة. ويخطىء من يظن أن العقل يفتح الباب ~~أمام الانطلاق اللا مسئول باسم الحرية، ونقول لمن يظن مثل هذا الظن: إن ~~العقل هو مناط التكليف، وهو الذي يوضح لك آفاق المسئولية في كل ~~سلوك. ومن عدالة الحق سبحانه أنه لم يكلف المجنون لأن حكم المجنون على ~~الأشياء والأفعال هو حكم غير طبيعي لأنه يفتقد آلة الاختيار بين البدائل. ~~وكذلك لم يكلف الله سبحانه من لم ينضج بالبلوغ لأنه غير مستوف ~~للملكات، ولم تستو لديه القدرة على إنجاب مثيل له. وقد ضربنا من قبل ~~المثل بالثمرة، وقلنا: إنه لا يقال إن الثمرة نضجت وصار طعمها مقبولا ~~مستساغا إلا إذا أصبحت البذرة التي فيها قادرة على أن تنبت منها شجرة إن ~~زرعناها في الأرض. وأنت مثلا حين تقطع البطيخة، وتجد لبها أبيض اللون ~~فأنت لا تأكلها، وتحرص على أن تأكل البطيخة ذات البذر الذي صار أسود ~~اللون لأنه دليل نضج البطيخة، وأنت حين تأخذ هذا اللب وتزرعه ينتح لك ~~بطيخا. # إذن: فاكتمال الإنسان بالبلوغ يتيج لعقله أن يزن السلوك قبل الإقدام ~~عليه، والتكليف إنما يكون للعاقل البالغ غير المكره بقوة تقهره على أن ~~يفعل ما لا يعقله. أما قبل البلوغ فالتكليف ليس من الله، بل من الأسرة، ~~لتدربه على الطاعة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنا: # " مروا أولادكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين، وفرقوا ~~بينهم في المضاجع ". # وهنا نجد أن الذي يأمر هو الأب وليس الله، والذي يعاقب هو الأب، وليس ~~الله، وما إن يصل الابن إلى مرحلة البلوغ يبدأ تكليفه من الله. أما إذا ~~جاء من يكرهه على أن يرتكب معصية بقوة تفوق قوته كأن يمسك مسدسا ~~ويقول له: ms4731 إن لم تشرب الخمر أطلقت عليك النار، فهنا يرفع عنه التكليف. ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الشريف: # " إن الله تجاوز عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه ". # فالعقل - إذن - هو مناط التكليف، وعمله أن يختار بين البدائل في كل شيء، ~~ففي الطعام مثلا نجد من يهوى وضع الشطة فوق الطعام لأنها تفتح شهيته ~~للطعام، وبعد أن يأكل نجده صارخا من الحموضة، ويطلب المهضمات، وقد لا ~~تفلح معه، بل وقد تفسد له الغشاء المخاطي الموجود على جدار المعدة ~~لحمايتها، فرب أكلة منعت أكلات ولذلك نجد عقله يقول له: احذر من ~~هذا اللون من المشهيات لأنه ضار بك. وهكذا نجد العقل هو الذي يوضح ~~للإنسان نتائج كل فعل، وهو الذي يدفع إلى التأني والإجادة في العمل ليكون ~~ناتج العمل مفيدا لك ولغيرك باستمرار، ولم يأت العقل للإنسان ليستمرىء ~~به الخطأ والخطايا. وهكذا نجد أن العقل يدرك ويختار السلوك الملائم لكل ~~موقف، بل إن العقل يدعو الإنسان إلى الإيمان حتى في مرحلة ما قبل ~~التكليف، فحين يتأمل الإنسان بعقله هذا الكون لا بد أن يقوده التأمل ~~إلى الاعتراف بجميل صنيع الخالق سبحانه وتعالى. ويقول الحق سبحانه بعد ~~ذلك: { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض... }. ### || [10.101] # وهنا يحدثنا الحق سبحانه عن عالم الملك الذي تراه، ولا يتكلم عن ~~عالم الملكوت الذي يغيب عنك، وكأنك إن اقتنعت بعالم الملك، وقلت: إن لهذا ~~العالم خالقا إلها قادرا قويا، وتؤمن به هنا تهب عليك نفحات الغيب ~~لتصل إلى عالم الملكوت لأنك اكتشفت في داخلك أمانتك مع نفسك، وأعلنت ~~إيمانك بالخالق سبحانه، ورأيت جميل صنعه في السماء والكواكب، وأعجبت ~~بدقة نظام سير تلك الكواكب. وترى التوقيت الدقيق لظهور الشمس والقمر ~~ومواعيد الخسوف الكلي أو الجزئي، وتبهر بدقة المنظم الخالق سبحانه ~~وتعالى، ولن تجد زحام مرور بين الكواكب يعطل القمر أو يعطل الأرض، ولن ~~يتوقف كوكب ما لنفاد وقوده، بل كما قال الله سبحانه وتعالى: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق ms4732 النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. ونحن في حياتنا حين نرى دقة الصنعة بكثير فيما هو أقل من ~~السماء والشمس والقمر، فنحن نكرم الصانع، وقد أكرمت البشرية مصمم ~~التلغراف، ومصمم جهاز التليفزيون، فما بالنا بخالق الكون كله سبحانه. ~~ويكفي أن نعلم أن الشمس تبعد عنا مسافة ثماني دقائق ضوئية، والثانية ~~الضوئية تساوي ثلاثمائة ألف كيلو متر، وهي شمس واحدة تراها، غير آلاف ~~الشموس الأخرى في المجرات الأولى، وكل مجرة فيها ملايين من المجموعات ~~الشمسية، ويكفي أن تعلم أن الحق سبحانه قد أقسم بالشمس، وقال عن كوكب ~~الشعرى: # وأنه هو رب الشعرى # [النجم: 49]. لأن كوكب الشعرى أكبر من الشمس. وحين تتأمل السماوات ~~والأرض تجد في الأرض جبالا شامخة، وتمر عليها فتدهش من دقة التكوين ~~ودقة التماسك، وتجد في داخلها نفائس ومعادن بدرجات متفاوتة، وقد تجد أسطح ~~الجبال مكونة من مواد خصبة بشكل هش، فإذا ما نزل عليها المطر، فهو ~~يصحبها معه إلى الأرض لأنها تكون مجرد ذرات كذرات برادة الحديد، وتتخلل ~~الأرض التي شققتها حرارة الشمس. والمثل الواضح على ذلك هو ما كان يحمله ~~النيل من غرين في أثناء الفيضان إلى الدلتا قبل بناء السد العالي، ~~وكانت مياه النيل في أيام الفيضان تشبه مادة " الطحينة " من فرط امتزاجها ~~بذرات الغرين، وفي مثل هذا الغرين يوجد الخصب الذي نأخذ منه الأقوات. ~~ولو أن الجبال كلها كانت هشة التكوين، لأزالها المطر مرة واحدة، وجعلها ~~مجرد مسافة نصف متر مضاف لسطح الأرض، ولاختفى الخصب من الأرض بعد سنوات، ~~لكن شاء الحق سبحانه أن يجعل الجبال متماسكة، وجعل سطحها فقط هو الهش ~~لينزل المطر في كل عام مرة ليحمل الخصب إلى الأرض. ومن يتأمل هندسة ~~التكوين في الاقتيات يجد الجبال مخازن للقوت. فالبشر يحتاجون إلى الحديد ~~ليصنعوا منه ما يفيدهم، سواء أكان آلات لحرث الأرض، أو أي آلات أخرى ~~تساعد في تجميل الحياة، وتجد الحديد مخزونا في الجبال. # وكذلك نجد المواد الأخرى مثل الفوسفات أو المنجنيز، أو الرخام، أو ~~الفيروز أو الغازات. إذن: فالمطمور في ms4733 الجبال إما للاقتيات، أو وسيلة إلى ~~الاقتيات، أو وسيلة للترف فوق الاقتيات. وحين ينزل المطر فوق الجبال ~~فهو يأخذ الخصب من الطبقة الهشة على سطح الجبال وتبقى المواد الأخرى ~~كثروات للناس، ففي إفريقيا مثلا توجد مناجم للفحم والماس، وفي بلاد أخرى ~~تجد عود الطيب، وهو عبارة عن جذور أشجار. وأنت لو شققت الأرض كقطاع من ~~محيط الأرض إلى المركز تجد الأرض الخصبة مع الصحراء، مع المياه، مع ~~الجبال، متساوية في الخير مع القطاع المقابل للقطاع الأول. وقد تختلف ~~نوعيات العطاء من موقع إلى آخر على الأرض، فأنت لو حسبت مثلا ما أعطاه ~~المطر للنيل من خصب الجبال من يوم أن خلق الله - عز وجل - النيل في أرض ~~وادي النيل في إفريقيا، وحسبت ما أعطاه النفط البترول، في صحراء الإمارات ~~مثلا، ستجد أن عطاء النيل يتساوى مع عطاء البترول، رغم أن اكتشاف ~~البترول قد تم حديثا. وكل قوت محسوب من مخازن القوت، وكل قوت له ~~زمن، فهناك زمن للفحم، وزمن للبترول، كل ذلك بنظام هندسي أنشأه الحكيم ~~الأعلى سبحانه. وما دام الحق سبحانه وتعالى قد قال: { يعقلون } في ~~مجال النظر في السماوات وفي الأرض، فهذه دعوة لتأمل عجائب السماوات ~~والأرض. ومن تلك العجائب أن الجبال الشاهقة لها قمة، ولها قاعدة، مثلها ~~مثل الهرم، وتجد الوديان على العكس من الجبال لأن الوادي يكون بين جبلين، ~~وتجد رأس الوادي في أسفله، ورأس الجبل في قمته. وحين ينزل المطر فهو ~~يمر برأس الجبل الضيق ليصل إلى أسفل قاع الوادي الضيق، وكلما نزل المطر ~~فهو يأخذ من سطح الجبل ليملأ مساحة الوادي المتسعة، وكلما ازداد الخلق، ~~زاد الله سبحانه رقعة الاقتيات. ومثال ذلك تجده في الغرين القادم من ~~منابع النيل ليأتي إلى وادي النيل والدلتا، وكانت هذه الدلتا من قبل مجرد ~~مستنقعات مالحة، وشاء لها الحق سبحانه أن تتحول إلى أرض خصبة. وحين نتأمل ~~ذلك نرى أن كل شيء في الكون قد أوجده الحق سبحانه بحساب. والذي يفسد ~~الكون هو أننا لا نقوم بتكثير ما ms4734 تكاثر، بل ننتظر إلى أن تزدحم الأرض بمن ~~عليها، ثم نفكر في استصلاح أراض جديدة، وكان يجب أن نفعل ذلك من قبل. ~~وكلما نزل المطر على الجبال فهي تتخلخل وتظهر ما فيها من معادن، يكتشفها ~~الإنسان ويعمل عقله في استخدامها. والمؤمن حين يرى ذلك يزداد إيمانا، ~~وكلما طبق المؤمن حكما تكليفيا مأمورا به، يجد نور الإيمان وهو ~~يشرق في قلبه. وليجرب أي مسلم هذه التجربة، فليجرب أن يعيش أسبوعا في ~~ضوء منهج الله سبحانه وتعالى، ثم يزن نفسه ويقيمها ليعرف الفارق بين ~~أول الأسبوع وآخر الأسبوع، سيكتشف في هذا الأسبوع أنه يصلي في مواقيت ~~الصلاة، وسيجد أنه يعرق في عمله ليكسب حلالا، وسيجد أنه يصرف ماله في ~~حلال. # زن نفسك يقينيا في آخر الأسبوع ستجد أن نفسك قد شفت شفافية رائعة ~~لتجد ضوء ونور الإيمان وهو يصنع انسجاما بينك وبين الكون كله في أبسط ~~التفاصيل وأعقدها أيضا. ومثال ذلك: إنك قد تجد الرجل من هؤلاء الذين ~~أسبغ عليهم تطبيق منهج الله الشفافية تسأله زوجته: ماذا نطبخ اليوم؟ ~~فيقول لها: فلنقض اليوم بما بقي من طعام أمس، ثم يفاجأ بقريب له ~~يزوره من الريف، وقد جاءه ومعه الخير. لقد وصل الرجل إلى درجة من ~~الشفافية تجعله منسجما مع الكون كله، فيصله رزق الله تعالى له من أي ~~مكان. وتجد الشفافية أيضا في أعقد الأمور، ألم يقل يعقوب عليه ~~السلام: # إني لأجد ريح يوسف.. # [يوسف: 94]. وكان إخوة يوسف - عليه السلام - ما زالوا على أبواب مصر ~~خارجين منها للقاء أبيهم، حاملين قميص يوسف، الذي أوصاهم يوسف بإلقائه ~~على وجه أبيه ليرتد إليه بصره. لقد جاءت ريح يوسف عليه السلام لأبيه ~~يعقوب لأن يعقوب عليه السلام قد عاش في انسجام مع الكون، ولا توجد مضارة ~~بينه وبين الكون. والمثال الحي لذلك هو فرح الكون لمجيء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، يوم مولده، لقد فرح الكون بمقدم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لأن الكون عابد مسبح لله سبحانه، فحين يأتي من يدعو العباد إلى ms4735 ~~التوحيد لا بد أن يفرح الكون، أما من يعص الله تعالى، فالكون كله ~~يكرهه ويلعنه، ويتلاعن الاثنان. وقد فرح الكون بمجيء الرسول الذي أراد ~~الله سبحانه أن تنزل عليه الرسالة الإلهية ليعتدل ميزان الإنسان مع ~~الكون. وهنا يقول الحق سبحانه: { قل انظروا ماذا في ~~السماوات والأرض.. } [يونس: 101]. والكون كله أمامهم، فلماذا لا ~~ينظرون؟ إنهم يبصرون ولا يستبصرون، مثل الذي يسمع ولا يسمع ولذلك يقول ~~الله سبحانه وتعالى: {.. وما تغني الآيات والنذر عن قوم ~~لا يؤمنون } [يونس: 101]. إذن: فعدم إيمانهم أفقدهم البصيرة ~~والتأمل. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { فهل ينتظرون إلا ~~مثل أيام... }. ### || [10.102] # وهؤلاء الذين لا يؤمنون يظلون في طغيانهم يعمهون، وكأنهم ينتظرون أن ~~تتكرر معهم أحداث الذين سبقوا ولم يؤمنوا، لقد جاءهم الرسول ببيان ككل ~~المكذبين السابقين. ونحن نعلم أن اليوم هو وحدة من وحدات الزمن، وبعده ~~الأسبوع، وبعد الأسبوع نجد الشهر، ثم نجد السنة، وكلما ارتقى الإنسان ~~قسم اليوم إلى ساعات، وقسم الساعات إلى دقائق، وقسم الدقائق إلى ~~ثوان. وكلما تقدمت الأحداث في الزمن نجد المقاييس تزداد دقة، واليوم - ~~كما قلنا - جعله الله سبحانه وتعالى وحدة من وحدات الزمن، وهو مكون من ~~ليل ونهار. ولكن قد يذكر اليوم ويراد به ما حدث فيه من أحداث ملفتة، ~~مثلما نقول: " يوم ذي قرد " و " يوم حنين " و " يوم أحد ". إذن: فقد ~~يكون المقصود باليوم الحدث البارز الذي حدث فيه، وحين ننظر في التاريخ، ~~ونجد كتابا اسمه " تاريخ أيام العرب " ، فنجد " يوم بعاث " و " يوم ~~أوطاس " وكل يوم يمثل حربا. إذن: فاليوم ظرف زمني، ولكن قد يقصد به ~~الحدث الذي كان في مثل هذا اليوم. ومثال ذلك أنك قد تجد من أهل الزمن ~~المعاصر من عاش في أزمنة سابقة فيتذكر الأيام الخوالي ويقول: كانت ~~الأسعار قديما منخفضة، وكان كل شيء متوفرا، فيسمع من يرد عليه ~~قائلا: لقد كانت أياما، أي: أنها أيام حدث الرخاء فيها. إذن: فقد ~~ينسب اليوم إلى الحدث الذي وقع فيه. وهنا يقول الحق سبحانه: { فهل ~~ينتظرون إلا ms4736 مثل أيام الذين خلوا.. } [يونس: ~~102]. والذين خلوا منهم قوم نوح عليه السلام وقد أغرقهم الله سبحانه، ~~وقوم فرعون الذين أغرقهم الله تعالى أيضا. والله سبحانه هو القائل: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [العنكبوت: 40]. وهذه أيام حدثت فيها أحداث يعلمونها، فهل هم ينتظرون ~~أياما مثل هذه؟ بالطبع ما كان يصح لهم أن يستمرئوا الكفر، حتى لا ~~تتكرر معهم مآس كالتي حدثت لمن سبقهم إلى الكفر. ونحن نجد في العامية ~~المثل الفطري الذي ينطق بإيمان الفطرة، فتسمع من يقول: " لك يوم يا ظالم ~~" أي: أن اليوم الذي ينتقم فيه الله تعالى من الظالم يصبح يوما مشهورا ~~لأن الظالم إنما يفتري على خلق الله لذلك يأتي له الحق سبحانه بحدث ضخم ~~يصيبه فيه الله تعالى ويذيقه مجموع ما ظلم الناس به. وقول الحق سبحانه ~~وتعالى: {.. قل فانتظروا إني معكم من ~~المنتظرين } [يونس: 102]. وقوله هنا: { فانتظروا } فيه ~~تهديد، وقوله: { إني معكم من المنتظرين } [يونس: 102] ~~فيه بشارة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سينتظر هذا اليوم ليرى عذابهم، ~~أما هو صلى الله عليه وسلم فسوف يتحقق له النصر في هذا اليوم. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا... }. ### || [10.103] # والحق سبحانه قد أنجى - من قبل - رسله ومن آمنوا بهم، لتبقى ~~معالم للحق والخير. ومن ضمن معالم الخير والحق لا بد أن تظل معالم الشر، ~~لأنه لولا مجيء الشر بالأحداث لتي تعض الناس لما استشرف الناس إلى ~~الخير. ونحن نقول دائما: إن الألم الذي يصيب المريض هو جندي من جنود ~~العافية لأنه ينبه الإنسان إلى أن هناك خللا يجب أن يبحث له عن تشخيص ~~عند الطبيب، وأن يجد علاجا له. والألم يوجد في ساعات اليقظة والوعي، ~~ولكنه يختفي في أثناء النوم، وفي النوم ردع ذاتي للألم. وقول الحق ~~سبحانه هنا: { ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك ~~حقا علينا ننج المؤمنين ms4737 } [يونس: 103]. هذا القول يقرر ~~البقاء لعناصر الخير في الدنيا. وكلما زاد الناس في الإلحاد زاد الله ~~تعالى في المدد، ففي أي بلد يفترى فيها على الإيمان ويظلم المؤمنون، ~~ويكثر الطغاة تجد فيها بعض الناس منقطعين إلى الله تعالى، لتفهم حقيقة ~~القيم، وحين تضيق الدنيا بالظلمة والطغاة تجدهم يذهبون إلى هؤلاء ~~المنقطعين لله، ويسألونهم أن يدعوا لهم. وقد ألزم الحق - سبحانه وتعالى - ~~هنا نفسه بأن ينجي المؤمنين في قوله سبحانه: {.. كذلك حقا ~~علينا ننج المؤمنين } [يونس: 103]. ويقول الحق سبحانه وتعالى ~~بعد ذلك: { قل يأيها الناس إن كنتم في شك... }. ### || [10.104] # والشك معناه: وضع أمرين في كفتين متساويتين. وهنا يأمر الحق ~~سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يعرض على الكافرين قضية الدين، وأن ~~يضعوها في كفة، ويضعوا في الكفة المقابلة ما يؤمنون به. ويترك لهم الحكم ~~في هذا الأمر. هم - إذن - في شك: هل هذا الدين صحيح أم فاسد؟ وعرض ~~الرسول صلى الله عليه وسلم لأمر الدين للحكم عليه، يعني: أن أمر الدين ~~ملحوظ أيضا عند أي كافر، وهو ينتبه أحيانا إلى قيمة الدين. فإن كنتم ~~في شك من الدين الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهل ~~ينتصر الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه عليهم، أم تكون لهم الغلبة؟ ~~وحين يعرض الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الدين عليهم، ويترك لهم الحكم، ~~فهذه ثقة منه صلى الله عليه وسلم بأن قضايا دينه إن نظر إليها الإنسان ~~ليحكم فيها، فلا بد أن يلتجىء الإنسان إلى الإيمان. ويحسم الحق سبحانه ~~وتعالى أمر قضية الشرك به، ويستمر أمره إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أن ~~يقول: { فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ~~ولكن أعبد الله.. } [يونس: 104]. أي: أنه صلى الله عليه ~~وسلم لا يمكن أن يعبد الشركاء وأن يعبد الله لأنه لن يعبد إلا الله { ~~ولكن أعبد الله.. } [يونس: 104]. ثم جاء سبحانه بالدليل ~~الذي لا مراء فيه، الدليل القوي، وهو أن الحق سبحانه وتعالى وحده هو ~~المستحق للعبادة لأنه ms4738 { الذي يتوفاكم } ، ولا يوجد من يقدر ~~أو يتأبى على قدر الله سبحانه حين يميته. وهنا قضيتان: الأولى: قضية ~~العبادة في قوله سبحانه: { فلا أعبد الذين تعبدون من ~~دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم.. } ~~[يونس: 104]. وكان لا بد أن يأتي أمر المسألتين معا: مسألة عدم عبادة ~~الرسول لمن هم من دون الله، ومسألة تخصيص الله تعالى وحده بالعبادة. ~~والفصل واضح بما يحدد قطع العلاقات بين معسكر الإيمان ومعسكر الشرك، ~~كما أورده الحق سبحانه في قوله: # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم ~~* ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم دينكم ولي ~~دين # [الكافرون: 1-6]. والذين يقولون: إن في سورة الكافرون تكرارا لا ~~يلتفتون إلى أن هذا الأمر تأكيد لقطع العلاقات ليستمر هذا القطع في كل ~~الزمن، فهو ليس قطعا مؤقتا للعلاقات. وهذا أول قطع للعلاقات في ~~الإسلام، بصورة حاسمة ليست فيها أية فرصة للتفاهم أو للمساومة، ويظل كل ~~معسكر على حاله. يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة النصر: # إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان توابا # [النصر: 1-3]. هنا يتأكد الأمر، فبعد أن قطع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~العلاقات مع معسكر الشرك، جاء نصر الله سبحانه وتعالى وفتحه، فهرع ~~الناس من معسكر الشرك إلى معسكر الإيمان. هم - إذن - الذين جاءوا إلى ~~الإيمان.. هذه هي القضية الأولى: { فلا أعبد الذين تعبدون ~~من دون الله ولكن أعبد الله.. } [يونس: 104]. وهم ~~كانوا يعبدون الأصنام المصنوعة من الحجارة. وأنت إذا نظرت إلى الأجناس ~~في الوجود، فأكرمها هو الإنسان الذي سخر له الحق سبحانه بقية الأجناس ~~لتكون في خدمته. والجنس الأقل من الإنسان هو الحيوان. ثم يأتي الجنس ~~الأقل مرتبة من الإنسان والحيوان، وهو النبات. ثم يأتي الجماد كأدنى ~~الأجناس مرتبة، وهم قد اتخذوا من أدنى الأجناس آلهة، وهذه هي قمة ~~الخيبة. وتأتي القضية الثانية في قول الحق سبحانه وتعالى: {.. وأمرت ~~أن أكون من ms4739 المؤمنين } [يونس: 104] فإذا كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد رفض العبادة لمن هم دون الله سبحانه، فمعنى ذلك أنه ~~لن يعبد سوى الله تعالى. وليس هذا موقفا سلبيا، بل هو قمة الإيجاب لأن ~~العبادة تقتضي استقبال منهج الله بأن يطيع أوامره، ويجتنب نواهيه. ويقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك: { وأن أقم وجهك للدين حنيفا... }. ### || [10.105] # وما دام الخطاب موجها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ككل خطاب ~~من الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، إنما ينطوي على الأمر لكل ~~مؤمن. وإذا ما عبد المؤمن الله سبحانه فهو يستقبل أحكامه ولذلك يأتي ~~الأمر هنا بألا يلتفت وجه الإنسان المؤمن إلى غير الله تعالى، فيقول الحق ~~سبحانه: { وأن أقم وجهك للدين حنيفا.. } [يونس: 105]. ~~فلا يلتفت في العبادة يمينا أو يسارا، فما دام المؤمن يعبد الله ولا ~~يعبد غيره، فليعلم المؤمن أن هناك - أيضا - شركا خفيا، كأن يعبد ~~الإنسان من هم أقوى أو أغنى منه، وغير ذلك من الأشخاص التي يفتن بها ~~الإنسان. ونحن عرفنا من قبل قول الحق سبحانه: # ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ~~واتبع ملة إبراهيم حنيفا.. # [النساء: 125]. والحنف أصله ميل في الساق، وتجد البعض من الناس حين ~~يسيرون تظهر سيقانهم متباعدة، وأقدامهم ملتفة، هذا اعوجاج في ~~التكوين. أما المقصود هنا بكلمة حنيفا أي: معوج عن الطريق المعوج، أي: ~~أنه يسير باستقامة. ولكن: لماذا يأتي مثل هذا التعبير؟ لأن الدين لا يجيء ~~برسول جديد ومعجزة جديدة، إلا إذا كان الفساد قد عم فيأتي الدين ليدعو ~~الناس إلى الميل عن هذا الفساد. وفي هذا اعتدال لسلوك الأفراد والمجتمع. ~~ويحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن نقع في الشرك الخفي بعد ~~الإيمان بالله تعالى. ويأتي الكلام عن هذا الشرك الثاني في قول الحق ~~سبحانه: {.. ولا تكونن من المشركين } [يونس: 105]. وهذا ~~الشرك الثاني هو أقل مرحلة من شرك العبادة، ولكن أن تجعل لإنسان أو لأي ~~شيء مع الله عملا. فإن رأيت - مثلا - للطبيب أو للدواء ms4740 عملا، فقل ~~لنفسك: إن الطبيب هو من يصف الدواء كمعالج، ولكن الله سبحانه وتعالى هو ~~الذي يشفي، بدليل أن الطبيب قد يخطىء مرة، ويأمر بدواء تحدث منه مضاعفات ~~ضارة للمريض. وعلى المؤمن ألا يفتن في أي سبب من الأسباب. ونذكر ~~مثالا آخر لذلك، وهو أن بلدا من البلاد ذات الرقعة الزراعية المتسعة ~~أعلنت في أحد الأعوام أنها زرعت مساحة كبيرة من الأراضي بالقمح بما يكفي ~~كل سكان الكرة الأرضية، ونبتت السنابل وأينعت، ثم جاءتها ريح عاصف أفسدت ~~محصول القمح، فاضطرت تلك الدولة أن تستورد قمحها من دول أخرى. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك... ~~}. ### || [10.106] # والمشرك من هؤلاء لحظة أن عبد الصنم ودعاه من دون الله تعالى، فهل ~~استجاب له؟ وحين عبده هل قال الصنم له: افعل كذا، ولا تفعل كذا؟ إن ~~الأصنام التي اتخذها المشركون آلهة لم يكن لها منهج، ولا أحد منها ينفع ~~أو يضر، وحين يجي النفع لا يعرف الصنم كيف يمنعه، وحين يجيء الضر لا ~~يقدر الصنم أن يدفعه. إذن: فمن يدعو من دون الله - سبحانه وتعالى - هو ~~دعاء لمن لا ينفع ولا يضر. ومن يفعل ذلك يكون من الظالمين لأن الظلم هو ~~إعطاء حق لغير ذي حق، سواء أكان في القمة، أو في غير القمة. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف ~~له... }. ### || [10.107] # هذا كلام الربوبية المستغنية عن الخلق، فالله سبحانه وتعالى خلق الناس، ~~ودعاهم إلى الإيمان به، وأن يحبوه لأنه يحبهم، ويعطيهم، ولا يأخذ منهم ~~لأنه في غنى عن كل خلقه. ويأتي الكلام عن الضر هنا بالمس، { وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو.. } [يونس: ~~107]. ونحن نعلم أن هناك " مسا " و " لمسا " و " إصابة ". وقوله سبحانه ~~هنا عن الضر يشير إلى مجرد المس، أي: الضر البسيط، ولا تقل: إن الضر ~~ما دام صغيرا فالخلق يقدرون عليه، فلا أحد يقدر على الضر أو النفع، ~~قل الضر أم كبر، وكثر النفع أو ms4741 قل، إلا بإذن من الله تعالى. ~~والحق سبحانه وتعالى يذكر الضر هنا بالمس، أي: أهون الالتصاقات، ولا ~~يكشفه إلا الله سبحانه وتعالى. ومن عظمته - جل وعلا - أنه ذكر مع المس ~~بالضر، الكشف عنه، وهذه هي الرحمة. ثم يأتي سبحانه بالمقابل، وهو " ~~الخير " ، وحين يتحدث عنه الحق سبحانه، يؤكد أنه لا يرده. ونحن نجد كلمة ~~{ يصيب } في وصف مجيء الخير للإنسان، فالحق سبحانه يصيب به من يشاء ~~من عباده. وينهي الحق سبحانه وتعالى الآية بهذه النهاية الجميلة في ~~قوله تعالى: {.. وهو الغفور الرحيم } [يونس: 107]. وهكذا تتضح ~~لنا صورة جلال الخير المتجلي على العباد، ففي الشر جاء به مسا، ويكشفه، ~~وفي الخير يصيب به العباد، ولا يمنعه. والله تعالى هو الغفور الرحيم لأنه ~~سبحانه لو عامل الناس - حتى المؤمنين منهم - بما يفعلون لعاقبهم، ولكنه ~~سبحانه غفور ورحيم لأن رحمته سبقت غضبه ولذلك نجده سبحانه في آيات النعمة ~~يقول: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ.. # [النحل: 18]. وجاء الحق سبحانه بالشك، فقال { إن } ولم يقل: " إذا ~~تعدون نعمة الله " لأن هذا أمر لن يحدث، كما أن الإقبال على العد هو ~~مظنة أنه يمكن أن يحصي فقد تعد النقود، وقد يعد الناظر طلاب ~~المدرسة، لكن أحدا لا يستطيع أن يعد أو يحصى حبات الرمال مثلا. ~~وقال الحق سبحانه وتعالى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ.. # [النحل: 18]. وهذا شك في أن تعدوا نعمة الله. ومن العجيب أن العد ~~يقتضي التجمع، والجمع لأشياء كثيرة، ولكنه سبحانه جاء هنا بكلمة مفردة هي ~~{ نعمة } ولم يقل: " نعم " فكأن كل نعمة واحدة مطمور فيها نعم ~~شتى. إذن: فلن نستطيع أن نعد النعم المطمورة في نعمة واحدة. وجاء ~~الحق سبحانه بذكر عد النعم في آيتين: الآية الأولى تقول: # .. وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان ~~لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]. # والآية الثانية تقول: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله ~~لغفور رحيم # [النحل: 18]. وصدر الآيتين واحد، ولكن عجز كل منهما مختلف، ففي ~~الآية الأولى: # .. إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]. وفي الآية ms4742 الثانية: # .. إن الله لغفور رحيم # [النحل: 18]. لأن النعمة لها منعم ومنعم عليه، والمنعم عليه - ~~بذنوبه - لا يستحق النعمة لأنه ظلوم وكفار، ولكن المنعم سبحانه وتعالى ~~غفور ورحيم، ففي آية جاء ملحظ المنعم، وفي آية أخرى جاء ملحظ المنعم ~~عليه. ومن ناحية المنعم عليه نجده ظلوما كفارا لأنه يأخذ النعمة، ~~ولا يشكر الله عليها. ألم تقل السماء: يارب! ائذن لي أن أسقط كسفا ~~على ابن آدم فقد طعم خيرك، ومنع شكرك. وقالت الأرض: ائذن لي أن أنخسف ~~بابن آدم فقد طعم خيرك، ومنع شكرك. وقالت الجبال: ائذن لي أن أسقط على ~~ابن آدم. وقال البحر: ائذن لي أن أغرق ابن آدم الذي طعم خيرك، ومنع ~~شكرك. هذا هو الكون الغيور على الله تعالى يريد أن يعاقب الإنسان، لكن ~~الله سبحانه رب الجميع يقول: # " دعوني وعبادي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، ~~وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". # ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { قل يأيها الناس قد جآءكم ~~الحق... }. ### || [10.108] # إذن: فالحق سبحانه لم يقصر مع الخلق، فقد خلق لكم العقول، وكان يكفي ~~أن تفكروا بها لتؤمنوا من غير مجيء رسول، وكان على هذه العقول أن تفكر ~~في القوي الذي خلق الكون كله، بل هي التي تسعى لتطلب أن يرسل لها ~~القوي رسولا بما يطلبه سبحانه من عباده، فإذا ما جاء رسول ليخبرهم أنه ~~رسول من الله ويحمل البلاغ منه، كان يجب أن تستشرف آذانهم لما يقول. إذن: ~~كان على العباد أن يهتدوا بعقولهم ولذلك نجد أن الفلاسفة حين بحثوا عن ~~المعرفة، قالوا: إن هناك " فلسفة مادية " تحاول أن تتعرف على مادية ~~الكون، وهناك " فلسفة ميتافيزيقية " تبحث عما وراء المادة. فمن أعلم ~~الفلاسفة - إذن - أن هناك شيئا وراء المادة. وكأن العقل المجرد ساعة ~~يرى نظم الكون الدقيقة كان يجب أن يقول: إن وراء الكون الواضح ~~المحس قوة خفية. ولم يذهب الفلاسفة إلى البحث فيما وراء المادة، إلا ~~لأنهم أخذوا من المادة أن وراءها شيئا مستورا. والمستور الذي وراء ~~المادة هو الذي ms4743 يعلن عن نفسه، فهو أمر لا نعرفه بالعقل. وقديما ضربنا ~~مثلا في ذلك، وقلنا: هب أننا جالسون في حجرة، ودق جرس الباب، فعلم ~~كل من في الحجرة أن طارقا بالباب، ولم يختلف أحد منهم على تلك ~~الحقيقة. وهذا ما قاله الفلاسفة حين أقروا بوجود قوة وراء المادة، ~~ولكنهم تجاوزوا مهمتهم، وأرادوا أن يعرفونا ماهية أو حقيقة هذه القوة، ~~ولم يلتفتوا إلى الحقيقة البديهية التي تؤكد أن هذه القوة لا يمكن أن ~~تعرف بالعقل لأننا ما دمنا قد عرفنا أن بالباب طارقا يدق فنحن لا ~~نقول من هو، ولا نترك المسألة للظن، بل نتركه هو الذي يحدد لنا من هو، ~~وماذا يطلب؟ لأن عليه هو أن يخبر عن نفسه. اطلبوا منه أن يعلن عن اسمه ~~وصفاته، وهذه مسائل لا يمكن أن نعرفها بالعقل. إذن: فخطأ الفلاسفة أنهم ~~لم يقفوا عند تعقل أن هناك قوة من وراء المادة، وأرادوا أن ينتقلوا من ~~التعقل إلى التصور، والتصورات، لا تأتي بالعقل، بل بالإخبار. وهنا يقول ~~الحق سبحانه: { قل يأيها الناس قد جآءكم الحق من ~~ربكم.. } [يونس: 108]. والحق - كما نعلم - هو الشيء الثابت الذي لا ~~يتغير أبدا، وأن يأتي الحق من الرب الذي يتولى التربية بعد أن خلق من ~~عدم وأمد من عدم، ولا يكلفنا بتكاليف الإيمان إلا بعد البلوغ، وخلق ~~الكون كله، وجعلنا خلفاء فيه. وهو - إذن - مأمون علينا، فإذا جاء الحق ~~منه سبحانه وتعالى، فلماذا لا نجعل المنهج من ضمن التربية؟ لماذا أخذنا ~~تربية المأكل والملبس وسيادة الأجناس؟ كان يجب - إذن - أن نأخذ من ~~المربي - سبحانه وتعالى - المنهج الذي ندير به حركة الحياة فلا نفسدها. # وحين يقول الحق سبحانه: { جآءكم الحق من ربكم.. } [يونس: ~~108]. فمعنى ذلك أنه لا عذر لأحد أن يقول: " لم يبلغني أحد بمراد ~~الله " ، فقد ترك الحق سبحانه العقول لتتعقل، لا أن تتصور. وجاء التصور ~~للبلاغ عن الله تعالى، حين أرسل الحق سبحانه رسولا يقول: أنا رسول من ~~الله، وهو القوة التي خلقت الكون، وكان علينا أن نقول للرسول بعد ms4744 أن ~~تصدق معجزته: أهلا، فأنت من كنا نبحث عنه، فقل لنا: ماذا تريد ~~القوة العليا أن تبلغنا به؟ ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية: { فمن ~~اهتدى فإنما يهتدي لنفسه.. } [يونس: 108]. لأن حصيلة ~~هدايته لا تعود على من خلقه وهداه، بل تعود عليه هو نفسه انسجاما مع ~~الكون، وإصلاحا لذات النفس، وراحة بال، واطمئنانا، وانتباها لتعمير ~~الكون بما لا يفسد فيه، وهذا الحال عكس ما يعيشه من ضل عن الهداية. ~~ويقول الحق سبحانه عن هذا الصنف من الناس: { ومن ضل فإنما ~~يضل عليها.. } [يونس: 108]. وكلمة { ضل } تدل على أن الإنسان ~~الذي يضل كانت به بداية هداية، لكنه ضل عنها. وينهي الحق سبحانه ~~الآية بقوله: { ومآ أنا عليكم بوكيل } [يونس: 108]. وأنت ~~لا توكل إنسانا إلا لأن وقتك لا يسع، وكذلك قدرتك وعلمك وحركتك، وهنا ~~يبلغ الرسول القوم: أنا لا أقدر أن أدفع عنكم الضلال، أو أجبركم على ~~الهداية لأني لست وكيلا عليكم، بل علي فقط مهمة البلاغ عن الله سبحانه ~~وتعالى، وهذا البلاغ إن استمعتم إليه بخلاء القلب من غيره، تهتدوا. وإذا ~~اهتديتم فالخير لكم لأن الجزاء سيكون خلودا في نعيم تأخذونه مقابل تطبيق ~~المنهج الذي ضيق على شهوات النفس، ولكنه يهدي حياة نعيم لا يفوته ~~الإنسان، ولا تفوت النعم فيه الإنسان. وإذا كان الإنسان منا يقبل أن ~~يتعب ليتعلم حرفة أو عملا أو صنعة أو مهنة ليكسب الإنسان من إتقان هذا ~~العمل بقية عمره. أليس على هذا الإنسان أن يقبل على العبادة التي تصلح ~~باله، وتسرع به إلى الغاية انسجاما مع النفس، ومع المجتمع، وتقويما ~~وتهذيبا لشهوات النفس، وينال من بعد ذلك خلود النعيم في الآخرة. أما من ~~يستكثر على نفسه الجد والاجتهاد في تحصيل العلم، أو تعلم مهنة أو ~~حرفة، فهو يحيا في ضيق وعدم ارتقاء، فهو لا يبذل جهدا في التعلم. ونرى ~~من يتعلم ويبذل الجهد، وهو يرتقي في المستوى الاجتماعي والاقتصادي ليصل ~~إلى درجة الدكتوراة - مثلا - أو التخصص الدقيق الذي يأتي له بسعة ~~الرزق. وكلما كانت الثمرة ms4745 التي يريدها الإنسان أينع وأطول عمرا كانت ~~الخدمة من أجلها أطول. # وقارن بين خدمتك لدينك في الدنيا بما ينتظرك من نعيم الآخرة وسوف تجد ~~المسافة بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة شاسعا، ولا مقارنة. وقول الحق ~~سبحانه: { ومن ضل فإنما يضل عليها.. } [يونس: 108]. ~~نجد فيه كلمة { عليها } وهي تفيد الاستعلاء على النفس، أي: أنك ~~بالضلال - والعياذ بالله - تستعلي على نفسك، وتركب رأسك إلى الهاوية. وفي ~~المقابل تجد قول الحق سبحانه: { فمن اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه.. } [يونس: 108]. وتجد " اللام " هنا تفيد الملك لذلك يقال: ~~" فلان له " و " فلان عليه ". وبعد ذلك يقول الحق سبحانه في ختام سورة ~~يونس: { واتبع ما يوحى إليك... }. ### || [10.109] # وإذا كان الحق سبحانه قد أورد على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: # يأيها الناس قد جآءكم الحق من ربكم.. # [يونس: 108]. فهذا يعني البلاغ بمنهج الله - تعالى - النظري، ولا بد ~~أن يثق الناس في المنهج، بأن يكون الرسول هو أول المنفذين للمنهج، لأنه - ~~معاذ الله - لو غش الناس جميعا لما غش نفسه. إذن: فبعد البلاغ عن ~~الحق سبحانه، وتعريف الناس بأن الهداية لا يعود نفعها على الحق، بل هي ~~للإنسان، فيملك نفسه ويملك زمام حياته، فيسير براحة البال في الدنيا إلى ~~نعيم الآخرة، وأن الضلال لا يعود إلا باستعلاء الإنسان على نفسه ليركبها ~~إلى موارد التهلكة. والرسول صلى الله عليه وسلم ليس وكيلا عنكم، يأتي ~~لكم بالخير حين لا تعملون خيرا، ولا يصرف عنكم الشر وأنتم تعملون ما ~~يستوجب الشر. ولذلك كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون هو ~~النموذج والأسوة: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا # [الأحزاب: 21]. وهنا يقول الحق سبحانه: { واتبع ما يوحى ~~إليك.. } [يونس: 109]. أي: عليك أن تكون الأسوة، وحين تتبع ما ~~يوحى إليك ستجد عقبات ممن يعيشون على الفساد، ولا يرضيهم أن يوجد ~~الإصلاح، فوطن العزم على أن تتبع ما يوحى إليك، وأن تصبر. ومجيء الأمر ~~بالصبر دليل على أن هناك ms4746 عقبات كثيرة، وعليك أن تصبر وتعطي النموذج ~~لغيرك، والثقة في أنه لو لم يكن هناك خير في اتباع المنهج لما صبرت عليه ~~حتى يأتي حكم الله {.. واصبر حتى يحكم الله وهو خير ~~الحاكمين } [يونس: 109]. وليس هناك أعدل ولا أحكم من الله سبحانه ~~وتعالى. وهذه السورة التي تختم بهذه الآية الكريمة، تعرضت لقضية ~~الإيمان بالله، قمة في عقيدة لإله واحد يجب أن نأخذ البلاغ منه سبحانه ~~لأنه الرب الذي خلق من عدم، وأمد من عدم، ولم يكلفنا إلا بعد ~~مرور سنوات الطفولة وإلى البلوغ حتى يتأكد أن المكلف يستحق أن يكلف ~~بعد أن انتفع بخيرات الوجود كله، وتثبت من صدق الربوبية. ومعنى ~~الربوبية هو التربية، وأن يتولى المربي المربى إلى أن يبلغ حد ~~الكمال المرجو منه. وقد صدقت هذه القضية في الكون. إذن: نستمع إلى الرب ~~- سبحانه وتعالى - الذي خلق، حين يبين لنا مهمتنا في الحياة بمنهج ~~تستقيم به حركة الحياة، ويستقيم أمر الإنسان مع الغاية التي يعرفها قبل ~~أن يخطو أي خطوة. ومن المحال أن يخلق الله - سبحانه وتعالى - المخلوق ثم ~~يضيعه، بل لا بد أن يضع له قانون صيانة نفسه لأن كل صنعة إنما يضع ~~قانونها ويحدد الغاية لها من صنعها، فإذا ما خالفنا ذلك نكون قد ~~أحلنا وغيرنا الأمور، وأدخلنا العالم في متاهات، وصار لكل امرىء ~~غاية، ولكل امرىء منهج، ولكل عقل فكر، ولصار الكون متضاربا لأن الأهواء ~~ستتضارب، فتضعف قوة الأفراد لأن الصراع بين الأنداد يضعف قوة الفرد عن ~~معالجة الأمر الذي يجب أن يعالجه. # فأراد الله - سبحانه وتعالى - توحيدا في العقيدة، وتوحيدا في المنهج. ~~وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يضرب لنا مثلا تطبيقيا في مواكب الرسالات، ~~فذكر لنا في هذه السورة قصة نوح - عليه السلام - وقصة موسى وهارون - ~~عليهما السلام - وذكر بينهما القصص الأخرى. ثم ذكر قضية يونس عليه ~~السلام. ثم ختم السورة بقوله سبحانه: { واتبع ما يوحى ~~إليك.. } [يونس: 109]. بلاغا عن الله تعالى. وما دمت تبلغ، ~~وأمتك أمة محسوبة - إلى قيام الساعة - أنها وارثة النبوة، ms4747 ولم تعد ~~هناك نبوة بعدك يا محمد صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. وأراد الحق ~~سبحانه لأمتك أن يحملوا الدعوة للمنهج الذي نزل إليك. إذن: فرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سيكون شهيدا بأنه قد بلغ، ويجب أن تكون أمته شهيدة ~~بأنها بلغت، وأوصلت رسالة الله إلى الدنيا، وهذا شرف مهمة أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم. ولم يكن لأمة غيرها مثل هذا الشرف فقد كان الأمر قبل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دعوة أي رسول تفتر، وتبهت تكاليفه، ~~ويغفل عنها الناس، فيرسل الله - سبحانه وتعالى - رسولا، ولكن الأمر ~~اختلف بعد رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، فلم تعد هناك نبوة، ولا ~~رسالة، ولكن صار هناك من يحملون منهج الله تعالى. والرسول صلى الله ~~عليه وسلم هو الأسوة؟ لأنه مبلغ منهج الله، وهو أسوة في تطبيق قانون ~~صيانة الإنسان وحركته، ونموذج تطبيقي حتى لا يكلف الناس فوق ما تطيقه ~~إنسانيتهم ولذلك كان يصر على أنه بشر، وأوضح القرآن الكريم ذلك بلا ~~أدنى غموض: # إنمآ أنا بشر مثلكم.. # [فصلت: 6]. ليؤكد صدق الأسوة لأنه صلى الله عليه وسلم لو لم يكن بشرا ~~وطلب من الناس أن يفعلوا مثله لقالوا: لن نستطيع لأنك لست مثلنا. ولذلك ~~نلحظ أن القرآن يؤكد على بشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه صلى ~~الله عليه وسلم يزيد عن البشر باصطفاء الله سبحانه له ليكون رسولا ~~يوحى إليه، فمهمته الرسالية الأولى أن يبلغ هذا الوحي، والمهمة ~~الثانية أن يؤكد بسلوكه أنه مقتنع بهذا الوحي ويطبقه على نفسه. ويقول ~~الحق سبحانه وتعالى: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.. # [الأحزاب: 21]. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من ناحية الثراء ~~أقل الناس مالا، وهو غير متكبر، ولا جبار، وهو كنموذج سلوكي تتوازن ~~فيه وبه كل الفضائل فلم يطلب لنفسه شيئا، بل إنه منع أقاربه وأهله من ~~حقوق أقرها لغيرهم من المسلمين، فأقاربه لم يعطهم الحق في أن يرثوا ~~شيئا مما يملكه بعد وفاته وقد حرمهم ليكون ms4748 كل عمل صادر منه صلى الله ~~عليه وسلم أو ممن ينتسبون بالقرابة إليه هو عمل خالص لوجه الله تعالى. # وهذا السلوك هو عكس سلوك الرئاسات البشرية، أو السلطات الزمنية، فهذه ~~الرئاسات أو تلك السلطات تفيض أول ما تفيض على نفسها بالخير، ثم تفيضه ~~على الدوائر القريبة منها حسب أقطار القرب فالقريب جدا يأخذ أولا ~~وكثيرا، ومن يبعد في القرابة يأخذ الأقل حسب درجة بعده. لكن الذي في ~~دائرة القرابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ حتى ما يأخذه ~~الفقير في أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وكأن الله سبحانه وتعالى يدلنا ~~بذلك على أنه من العيب أن يكون الإنسان منسوبا لآل بيت النبوة، ويكون ~~موضعا لأخذ الزكاة. إذن: فالاتباع الذي أمر الله تعالى به، هو اتباع ~~الوحي بلاغا، واتباع ما يوحى به تطبيقا، وسيتطلب هذا مواجهة متاعب ~~كثيرة، وسيلقى عقبات من الجبابرة المنتفعين بالفساد في الأرض، فلا بد ~~أن يصادموا هذه الدعوات ليحافظوا على سلطتهم الزمنية، فيأمر الحق سبحانه ~~وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يصبر، وفي الأمر بالصبر إشارة إلى ~~أن الرسول صلى الله عليه وسلم مقبل على عقبات فليعد نفسه لتحمل ~~هذه العقبات بالصبر. وفي آية أخرى يأمره الحق سبحانه وتعالى أن يصبر ~~ويصابر هو والمؤمنون.. يقول سبحانه: # اصبروا وصابروا ورابطوا.. # [آل عمران: 200]. أي: إن صبرت، فقد يصبر خصمك أيضا، وهنا عليك أن ~~تصابره، وكلمة " اصبر " توضح أن دعاة منهج الحق سبحانه لا بد أن يتعرضوا ~~لمتاعب، وإلا ما كانت هناك ضرورة لأن يجيء، فلو كان العالم مستقيم ~~الحركة، فما ضرورة المنهج إذن؟ ولكن المنهج قد جاء لأن الفساد قد عم ~~الكون، ويحتاج إلى إصلاح، وإلى مواجهة المفسدين، وهذا ما يرهق الداعين ~~إلى الله تعالى، وليوطن كل داعية نفسه على ذلك، ما دام قد قام ليدعو ~~إلى منهج الحق سبحانه وتعالى. وكل داع إلى الله لا يصيبه أذى، فهذا ينقص ~~من حظه في ميراث النبوة لأن الذي يأتي له الأذى هو الذي يأخذ حظا من ms4749 ~~ميراث النبوة، فالأذى لا يجيء إلا بمقدار خطورة الداعي إلى الله سبحانه ~~على الفساد والمفسدين، وهم الذين يتجمعون ضده. ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، فرب حامل فقه ~~إلى من هو أفقه منه ". # إذن: فنحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قد ورثنا منه البلاغ، وورثنا منه ~~الأسوة الحسنة: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجوا الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا # [الأحزاب: 21]. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: { واتبع ما يوحى ~~إليك.. } [يونس: 109]. هو دليل على أن الوحي بصدد الإنزال لأن الوحي ~~لم ينزل بالقرآن دفعة واحدة، فقد كان الوحي ينزل على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طوال حياته. وهكذا تكون حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هي مقام الاستقبال للوحي. وقول الحق سبحانه: { واصبر حتى ~~يحكم الله.. } [يونس: 109]. يوضح لنا أنه سبحانه قد وضع حدا ~~تؤمل فيه أن الأمر لن يظل صبرا، وأن القضية ستحسم من قريب بحكم من الله ~~تعالى. وكلمة { يحكم } توضح أن هناك فريقين كل يدعي أنه على حق، ~~ثم يأتي من يفصل في القضية، والحجة إما الإقرار أو الشهود، وبطبيعة ~~الحال لن يقر الكفار بكفرهم، والشهود قد يكونون عدولا، أو يكونون ~~ممن يدارون فسقهم في ظاهر العدالة. فإذا كان الله سبحانه وتعالى هو ~~الحاكم، فهو لا يحتاج إلى شهود لأنه خير الشاهدين، والله سبحانه لا يحكم ~~فقط دون قدرة إنفاذ الحكم، لا بل هو يحكم وينفذ. إذن: فهو سبحانه قد شهد ~~وحكم ونفذ، ولا توجد قوة تقف أمام قدرة الله تعالى، أو تقف أمام حكم ~~الله عز وجل. ونحن في زماننا نرى القوى وهي تختلف، فنجد القوي من ~~الدول وقد تسلط على الضعيف، فيلجأ الضعيف إلى الأمم المتحدة ومجلس ~~الأمن، ويصدر كل منهما قرارات، وحتى لو افترضنا عدالة الحكم، فأين قوة ~~التنفيذ؟ إنها غير موجودة. ولكن قدرة الحق الأعلى سبحانه هي قدرة خير ~~الحاكمين، لأنه هو سبحانه الذي يشهد، وهو ms4750 سبحانه لا يحتاج إلى من ~~يدلس عليه في الشهادة لأنك إن عميت على قضاء الأرض، فلن تعمي على ~~قضاء السماء. وبعد ذلك يحكم الحق سبحانه حكما لا هوى فيه لأن آفة ~~الأحكام أن يدخلها الهوى فتميل، والحق سبحانه لا هوى له لأنه لا مصلحة له ~~عند العباد، فهو الخالق عز وجل، ولن يأخذ مصلحة من مخلوق. ويطمئنا الحق ~~سبحانه على أن رسوله صلى الله عليه وسلم أيضا لا ينطق عن الهوى. فيقول ~~رب العزة سبحانه: # وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3-4]. أي: اطمئنوا إلى حكمه لأنه لا ينطق عن هوى فليس في نفسه ~~ما يريد تحقيقه إلا دعوة الخلق إلى حسن عبادة الخالق سبحانه. وقد يقول ~~قائل: ولكن الحق - عز وجل - عدل للرسول بعضا من الأحكام. ونقول: لقد ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد ببشريته فيما لم ينزل الله فيه ~~حكما، وحين ينزل الله حكما، فهو صلى الله عليه وسلم ينزل على أمر ~~الله تعالى، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه سلم يحكم حتى فيما اجتهد ~~فيه عن هوى، بل حكم بما رآه عدلا، وحين ينزل الحق سبحانه وتعالى ~~حكما مغايرا فهو يبلغ المسلمين ويعدل من الحكم. # إذن: فالتعديل للحكم هو قمة الأمانة مع البلاغة عن الله سبحانه وتعالى، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل على الحكم في أمر لم ينزل فيه حكم ~~من الله، فهو قد حكم بما عنده من الرأي، فيبلغ صلى الله عليه وسلم الحكم ~~من الله، والذي عدل له ليس مساويا له بل هو خالقه. ثم إن الذي أخبرنا ~~أن الله سبحانه قد عدل له هو النبي صلى الله عليه وسلم، فهل يوجد من ~~يضعف مركز كلمته، ويبلغ أن الحكم الذي صدر منه قد عدل له؟ ولكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذي استقبل الوحي تحلى بأمانة البلاغ عن الله، ~~وهو الذي نقل لنا عتاب ربه له. وهذه قمة الصدق في البلاغ عن الله، وكان ms4751 ~~اجتهاد رسول الله صلى الله عليه وسلم محصورا في الأمور التي لم يصدر ~~فيها حكم من الله، وكان في ذلك أسوة حسنة لنا لنتجرأ ونجتهد. # " وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى اليمن فقال: ~~كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن ~~في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم يكن ~~في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال: وضرب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ". # والحق سبحانه وتعالى خير الحاكمين لأنه الشاهد الذي يعلم خائنة الأعين ~~وما تخفي الصدور، وهو سبحانه لا تخفى عليه خافية، ولا هوى له، وهو الذي ~~يصدر الحكم بمطلق عدله وبفضله، وهو القادر على إنفاذ ما يحكم به، ولا ~~توجد قوة تجير عليه، ولا يوجد حاكم بقادر على كل هذا إلا الله سبحانه. ~~وشاء الحق - عز وجل - أن يكرم المؤمنين الذين يحكمون بين الناس بأن جعل ~~ذاته ضمنية بتفوق الخيرية على الحاكمين. وواقع الأمر أن هناك بشرا ~~يحكمون غيرهم، ولكن الحق سبحانه حكم بأنه خيرهم، فمن الحاكمين من قد ~~يدلس عليه غيره، ومن الممكن أن يدخل الهوى في أحكام هؤلاء الحاكمين، ~~لكنه سبحانه لا تخفى عليه خافية، ولا يمكن أن يدخل الهوى إلى حكمه، ~~وأحكامه نافذة بطلاقة قدرته سبحانه لذلك فهو خير الحاكمين إطلاقا. وإذا ~~سمعت جمعا يدخل الله ذاته مع خلقه فيه فاعلم أن ذلك إيذان بأن تأخذ من ~~واقع ما تشهد حقيقة من لا تشهد فالحق سبحانه يقول: # .. فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. ويقول تعالى: # .. والله خير الرازقين # [الجمعة: 11]. ويقول تعالى: # .. رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين # [الأنبياء: 89]. ويقول تعالى: # أليس الله بأحكم الحاكمين # [التين: 8]. وكلما وجدت جمعا أدخل الله ذاته مع عباده ممن لهم ms4752 هذا ~~الوصف، فهذا يدلك على أن الموصوفين معه لهم تلك الصفات المذكورة، ~~ولكنه سبحانه وتعالى أزلي مطلق الصفات، وهم أحداث وأغيار تنتابهم ~~القوة والتغير والضعف. وتجد الله سبحانه وتعالى وهو يصف نفسه بأنه: # .. أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. وكلنا نعلم أن الله سبحانه هو خالق كل شيء من عدم، ولكن ~~هناك من الخلق من يخلق شيئا من موجود ولذلك فالله سبحانه وتعالى هو ~~أحسن الخالقين. والحق سبحانه يصف نفسه بأنه: # .. خير الرازقين # [الجمعة: 11]. والرزق هو ما به ينتفع، وقد يأتي لك ولي أمرك بالمأكل ~~والمشرب والملبس، ويعطيك ما تنتفع به، ولكن الحق سبحانه وتعالى هو الذي ~~خلق الرزق في الكون كله. ويقول الحق سبحانه واصفا نفسه: # ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين # [آل عمران: 54]. والإنسان حين يمكر قد يداري مسألة، ويغفل عن ركن ~~فيها، لكن الله تعالى لا يغفل عن شيء. إذن: فالخيرية في الحكم لها نصيب ~~من طلاقة قدرة الله تعالى، ونحن عرفنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين ~~حكم في بعض الأحكام وعدلها له الله سبحانه وتعالى، لم يكن لله تعالى ~~حكم قبل أن يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثال ذلك: # " قصة زيد بن حارثة، وكان مولى أو عبدا لخديجة بن خويلد رضي الله عنها، ~~ووهبته لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم علم أهله الذين كانوا ~~يبحثون عنه أنه في مكة، وكان قد خطف صغيرا من بلده وبيع في مكة، كعادة ~~العرب في الجاهلية مع الرقيق، فلما علموا بذلك ذهبوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليستردوا ابنهم، فقال لهم رسول الله: " والله إني ~~لأخيره، فإن اختاركم فخذوه، وإن اختارني فهو لي ". فاختار زيد أن يبقى ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يكن رسول الله بعد ذلك ليفرط فيه ~~فأعطاه شرف البنوة، فأسماه زيد بن محمد ". # وهكذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم في التبني وسيلة تكريم، ولكن الله ~~عز وجل يريد أمرا غير هذا، فقال سبحانه وتعالى: # ما كان محمد أبآ ms4753 أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل ~~شيء عليما # [الأحزاب: 40]. لأن الأبوة بالتبني قد تحدث خلطا في الأنساب، ~~فالابن بالتبني له حق الزواج من ابنة من تبناه، فكيف نمنع عنه هذا ~~الحق، والابن بالتبني قد تحرم عليه زوجة من تبناه إن رحل عنها أو ~~طلقها. # لذلك شاء الحق سبحانه وتعالى أن يحفظ للأنساب حقوقها ومسئولياتها، فقال ~~سبحانه: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله وخاتم النبيين.. # [الأحزاب: 40]. ومهمته صلى الله عليه وسلم كرسول من الله بالنسبة لكم ~~أفضل من الأبوة لكم. وقال الحق سبحانه في تعديل حكم التبني: # ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله.. # [الأحزاب: 5]؟ وهذا رد لحكم من رسول الله بتكريم لرسول الله، فما ~~صنعه محمد صلى الله عليه وسلم عدل وقسط بعرف البشر، لكن حكم الله ~~سبحانه وتعالى هو الأقسط والأعدل، فينتهي بذلك نسب زيد بن محمد، ويعود ~~إلى نسبه الفعلي " زيد بن حارثة ". وحتى لا يؤثر هذا الأمر في نفس زيد، ~~نجد الحق سبحانه وتعالى يكرمه تكريما لم يكرمه لصحابي غيره، فهو ~~الصحابي الوحيد الذي ذكر اسمه بالشخص والعلم في القرآن، فقال الحق ~~سبحانه: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها.. # [الأحزاب: 37]. وصار اسم " زيد " كلمة في القرآن تتلى ويجهر بها ~~في الصلاة، فإذا كان قد نفي عنه النسب إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقد ~~أعطاه ذكرا ثانيا خالدا في القرآن المحفوظ، ومنحه بذلك شرفا ~~كبيرا. وقول الحق سبحانه وتعالى: {.. واصبر حتى يحكم ~~الله وهو خير الحاكمين } [يونس: 109]. يفيد أن حكم الله ~~تعالى أعم من أن يكون حكما في الدنيا أو الآخرة فقط، فحكم الله سبحانه ~~في الدنيا نصر لدين الله، ومن مات من المؤمنين أو الكفار لهم حكم ~~آخر. وختم الله تعالى سورة يونس بهذا الحكم، وأهدى الله سبحانه كل مؤمن ~~بيونس - كنبي من أنبياء الله تعالى - قضية عندما ذهب مغاضبا، قال فيه ~~الحق سبحانه: # وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر ~~عليه فنادى في الظلمات أن ms4754 لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين # [الأنبياء: 87]. وأهداه الحق سبحانه وساما بقوله: # فاستجبنا له ونجيناه من الغم.. # [الأنبياء: 88]. وأشركنا الحق سبحانه وتعالى في هذا الوسام بقوله تعالى: # .. وكذلك ننجي المؤمنين # [الأنبياء: 88]. وهكذا أسدى إلينا سيدنا يونس جميلا كبيرا، حين هداه ~~الله إلى قوله: # .. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87]. واستجاب الله تعالى لدعائه، وأنجاه من الغم، وهو ~~أعنف جنود الله لأن الشيء الذي يضايقك هو الذي لا تستطيع له دفعا. ~~ولذلك يقال: إن العدو كلما لطف عنف لأن العدو إن كان ضخم الحجم، ~~تكون الوقاية منه أسهل من العدو الصغير سريع الحركة، فإن كان العدو ~~ضخما، فالإنسان يرى ضخامته من على البعد، فيجري منه الإنسان أو ~~يختبىء، لكن إن كان العدو ثعبانا رفيعا - مثلا - فقد لا يراه الإنسان، ~~وقد لا يستطيع الفرار منه، وإن كان ميكروبا أو فيروسا لا يرى بالعين ~~المجردة فهو أعنف قدرة وقوة في مهاجمة الإنسان. # إذن: كل متعب في الدنيا من الممكن أن تحتاط منه إلا ما يتلصص عليك ~~بدقة ولطف فإنك لا تعرف مدخله. ونحن نسمع أن فلانا قد أصيب بمرض ~~ما، لأنه أخذ عدوى من فيروس ما، هذا الإنسان لا يعرف متى اخترق الفيروس ~~جسده، لكنه فوجىء بأعراض المرض تظهر عليه بعد كمون الفيروس في جسده ~~لأسبوعين، وهكذا نجد أن العدو كلما لطف عنف. والغم من أشد وأقسى ~~أنواع البلاء، وكلنا نعرف قصة الإمام علي - كرم الله وجهه - وهو ~~المشهور بالفتيا، وكان الناس يستفتونه فيما يعجزون عن العثور على حل ~~له، واجتمع بعض من الناس وقالوا: نريد أن نجمع بعض الأشياء الصعبة ونسأله ~~عنها لنختبره، فلما اجتمعوا قالوا لعلي كرم الله وجهه: نريد أن نستعرض ~~كون الله تعالى، فقد جلسنا معا لنعرف أقوى ما خلق الله، واختلفنا فقال ~~كل واحد اسم القوة على حسب ما يراها. لم يترو علي بن أبي طالب، ولم ~~يقل كلاما مسرودا بحيث إن وقف، لا يطالبه أحد بزيادة، بل حدد من ~~الجملة ms4755 الأولى عدد القوى حسب ترتيبها وقوتها، حتى تطابق العدد على ~~المعدود، وهذا دليل على أنه مستحضر للقضية استحضار الواثق. وفرد ~~أصابع يديه وقال: أشد جنود الله عشرة: الجبال الرواسي، والحديد يقطع ~~الجبال، والنار تذيب الحديد، والماء يطفىء النار، والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض يحمل الماء، والريح تقطع السحاب، وابن آدم يغلب الريح، ~~يستتر بالثوب أو الشيء ويمضي لحاجته، والسكر يغلب ابن آدم، والنوم ~~يغلب السكر، والهم يغلب النوم، فأشد جنود الله - سبحانه - الهم. ~~هكذا قال سيدنا علي بن أبي طالب، فالهم والغم من أشد جنود الله تعالى، ~~وكان سيدنا يونس عليه السلام سببا في أن قدم الله سبحانه لكل مؤمن به ~~إلى أن تقوم الساعة منجى من الهم والغم بالدعاء الذي ألهمه ليونس ~~عليه السلام في قوله تعالى: # .. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم ~~وكذلك ننجي المؤمنين # [الأنبياء: 87-88]. وهكذا تعدت " النجاة من الغم " من الخصوصية إلى ~~العمومية، وقد أخذها جعفر الصادق - رضي الله عنه - وجعل منها " تذكرة ~~طبية " للمؤمن حتى يستقبل أحداث الحياة كلها، في كل جوانبها المفزعة لأن ~~الإنسان يهدده الخوف مما يعلم. أما الهم فلا يعرف الإنسان فيه سبب الخطر، ~~ولا يعلم الإنسان مكر الناس به لأن الإنسان لا يعلم ما بيتوا له. وشغل ~~الإنسان بأمر الدنيا وأن يكون منعما ومرفها في كل أمور الحياة، ~~يجعله عرضة للهموم. # وكان سيدنا جعفر الصادق له بصر وبصيرة بآيات القرآن ومتعلقاتها، فقال: " ~~عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قول الحق سبحانه: # .. حسبنا الله ونعم الوكيل # [آل عمران: 173]. ولا يتعجب لمن يخيفه شيء إلا إذا كان عند المتعجب شيء ~~يزيل الخوف. فمن عنده صداع يمكنه أن يعالجه بالأسبرين، أما الخوف فقد وصف ~~سيدنا جعفر دواءه، بقول الله سبحانه: # .. حسبنا الله ونعم الوكيل # [آل عمران: 173]. فذلك هو الدرع من كل خوف. ويقدم جعفر الصادق لنا السبب ~~فيقول: لأن الله سبحانه قال عقبها: # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء.. # [آل عمران: 174]. أي: أن ms4756 سيدنا جعفرا جاء بالحيثية من نفس القرآن، ~~وأضاف جعفر الصادق: " وعجبت لمن اغتم - وهو الموضوع الذي نبحثه الآن - ~~ولم يفزع إلى قول الله سبحانه: # .. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87]. فإني سمعت الله تعالى بعقبها يقول: # فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي ~~المؤمنين # [الأنبياء: 88]. وعجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قول الله سبحانه: # .. وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير ~~بالعباد # [غافر: 44]. لأني سمعت الله تعالى بعقبها يقول: # فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون ~~سوء العذاب # [غافر: 45]. وعجبت لمن طلب الدنيا وزينتها كيف لا يفزع إلى قول الله ~~سبحانه: # ما شآء الله لا قوة إلا بالله.. # [الكهف: 39]. لأني سمعت الله تعالى بعقبها يقول: # فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل ~~عليها حسبانا من السمآء فتصبح صعيدا زلقا # [الكهف: 40]. وهكذا وجد جعفر الصادق رضي الله عنه في كتاب الله أربع ~~آيات لأربع حالات نفسية تصيب البشر، وجاء مع كل حالة دليلها من القرآن ~~الكريم. وقول الحق سبحانه وتعالى في آخر سورة يونس: { واتبع ما ~~يوحى إليك.. } [يونس: 109]. مناسب لقوله سبحانه في الآية الأولى ~~من السورة التي تليها: # الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير # [هود: 1]. لأن الوحي كتاب أحكمت آياته حقا وصدقا. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1] # وتبدأ الآية بحروف توقيفية مقطعة من الحروف التي تبدأ بها بعض سور ~~القرآن الكريم، أي: أن كل حرف من تلك الحروف ينطق بمفرده، والحرف - كما ~~نعلم - له اسم، وله مسمى، ونحن حين نكتب أو نتكلم نكتب أو ننطق بمسمى ~~الحرف لا باسمه. ولكن بعض سور القرآن الكريم تبدأ بحروف نقرأها باسم ~~الحرف، وما عداها ينطق فيها بمسميات الحرف. وإن أردنا معرفة الفارق ~~بينهما، فنحن نقرأ في أول سورة البقرة ونقول: " ألف. لام. ميم " رغم أنها ~~مكتوبة: # الم # [البقرة: 1]. إذن: فنحن ننطقها بمسميات الحروف عكس قراءتنا لقول الحق ~~سبحانه: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1]. ونحن ننطقها بأسماء الحروف.. لماذا؟ لأن الرسول صلى الله ms4757 ~~عليه وسلم سمعها هكذا من جبريل عليه السلام، والقرآن أصله سماع، وأنت لا ~~تقرأ قرآنا إلا إذا سمعت قرآنا لتعرف كيف تقرأ الحروف المقطعة بأسماء ~~الحروف، وتقرأ بقية الآيات بمسميات الحروف. وكنا قديما قبل أن نحفظ ~~القرآن " نصحح " اللوح، أي: أن يقرأ الفقيه أولا ليعلمنا كيف نقرأ قبل ~~أن نحفظ. والذي يتعب الناس أنهم يريدون أن يقرأوا القرآن الكريم دون أن ~~يجلسوا إلى فقيه أو دون أن يستمعوا إلى قارىء للقرآن. ونقول لهم: إن ~~القرآن ليس كتابا عاديا نقرأه، إن القرآن كتاب له خاصية مميزة، فصور ~~الحروف تختلف، فمرة ننطق اسم الحرف، ومرة نقرأ مسمى الحرف. وقول الحق ~~سبحانه: { الر } في أول سورة هود يجعلنا نلحظ أنه من العجيب في فواتح ~~السور - التي بدأت بهذه الحروف - أن القرآن مبني على الوصل دائما، ~~فأنت لا تأتي إلى آخر الآية وتقف، لا، بل كل القرآن وصل، مثلما نقرأ ~~قول الله سبحانه: # مدهآمتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * فيهما ~~عينان نضاختان # [الرحمن: 64-66]. وإن كان هناك فاصل بين كل آية وغيرها، إلا أن الآيات ~~كلها مبنية على الوصل. وفي آخر سورة يونس يقول الحق سبحانه: # .. وهو خير الحاكمين # [يونس: 109]. فلو لم تكن موصولة لنطقت الحرف الأخير مبنيا على السكون، ~~ولكنك تقرأه منصوبا بالفتحة. وهي موصولة بما بعدها بسم الله الرحمن ~~الرحيم. ومن العجيب أن فواتح السور مع أنها مكونة من حروف مبنية على ~~الوصل إلا أننا نقرأ كل حرف موقوفا، فلا نقول: " ألف لام ميم " بل ~~نقول: " ألف لام ميم ". وكذلك نقرأ في أول سورة مريم " كاف هاء ياء ~~عين صاد " ، ولا نقرأ الحروف بتشكيلها الإعرابي، وهذا يدل على أن لها ~~حكمة لا نعرفها. وفي القرآن الكريم آيات بدئت بحرف واحد مثل قول الحق ~~سبحانه: # ص والقرآن ذي الذكر # [ص: 1]. وقول الحق سبحانه: # ق والقرآن المجيد # [ق: 1]. وقول الحق سبحانه: # ن والقلم وما يسطرون # [القلم: 1]. ونلحظ أن الحرف في هذه السور ليس آية، ولكنك تقرأ قول الحق ~~سبحانه: # حم # [الشورى: 1]. وهي آية، وكذلك تقرأ ms4758 قول الحق سبحانه: # عسق # [الشوى: 2] كآية مع أنها حروف مقطعة، وتقرأ قول الحق سبحانه: # كهيعص # [مريم: 1] كآية بمفردها. وتقرأ قول الحق سبحانه: # طه # [طه: 1] كآية بمفردها. وكذلك تقرأ قول الحق: # يس # [يس: 1] كآية بأكملها. وتجد أيضا: # المص # [الأعراف: 1] كآية. و # طسم # [الشعراء: 1 والقصص: 1] كآية. وتجد أيضا # المر # [الرعد: 1] ملتحمة بما بعدها في آية واحدة. وتقرأ في أول سورة النمل: # طس # [النمل: 1] ملتحمة بما بعدها في آية واحدة. إذن: فالمسألة لا نسق لها، ~~ومعنى ذلك أن لكل موقف وكل حرف حكمة، والحكمة نجدها حين نتأمل العالم ~~المادي في الحياة، فنفطن إلى عبر الله سبحانه وتعالى في آيات الكون ~~المحسة، ويجد الدليل على صدق الله تعالى فيما لم نعلم. ومثال ذلك: حين ~~ينزل الإنسان في فندق راق فهو يجد لكل غرفة مفتاحا، وهذا المفتاح لا ~~يفتح إلا باب غرفة واحدة، ولكن في كل طابق من طوابق الفندق هناك مفتاح مع ~~المسئول عن الطابق يسمى " سيد المفاتيح " وهو يفتح كل غرف الطابق، وقد ~~صنعوا ذلك حتى لا يفتح كل نزيل غرفة الآخر. ومع التقدم العلمي جعلوا الآن ~~لكل غرفة بطاقة الكترونية، ما إن يدخلها الإنسان من فتحة معينة من باب ~~الغرفة حتى ينفتح الباب، وكل غرفة لها بطاقة معينة، وأيضا يوجد مع مسئول ~~الطابق في الفندق بطاقة واحدة، تفتح كل غرف الطابق. وأنت حين تقرأ فواتح ~~السور فافهم أن كل آية لها مفتاح، وكل حرف في هذه الفواتح قد يشبه ~~المفتاح، وإن لم يكن معك المفتاح ذو الأسنان التي تفتح باب الغرفة فلن ~~تنفتح لك السورة. إذن: فكتاب الله له مفاتيح، ونحن نقرأ حروفا مقطعة ~~على أنها آية، أو نقرأها كجزء من آية. وتقول من قبل القراءة: " أعوذ ~~بالله من الشيطان الرجيم " لتخلص نفسك من الأغيار المناقضة لمنهج قائل ~~القرآن، ثم تضع البطاقة الخاصة مثل قول الحق سبحانه وتعالى: # الم # [البقرة: 1]. فينفتح لك باب القراءة. وهكذا نعرف أن هناك مفتاحا، وأن ~~هناك فاتحا. وخذ فواتح السور على أنها مفاتيح، وكل مفتاح له ms4759 شكل ونحت ~~معين، إن نقلته لسورة أخرى فهو لا يفتحها. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: ~~{ الر } وهي مكونة من ثلاثة حروف، مثل { الم } ، وقد وردت في خمس سور ~~من القرآن الكريم هي: يونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والحجر. ولكن { الم ~~} تقرأ كآية، ولكنها هنا في مقدمة سورة " هود " جزء من آية رغم أنك ~~تقرأها مثلها مثل سورة يونس، وسورة هود، وسورة يوسف وسورة إبراهيم، ~~وتقرأها كآية. # وايضا { المص } هي أربعة حروف تقرأها آية في سورة الأعراف، وهناك ~~أربعة حروف في أول سورة الرعد، وتقرأها كجزء من آية في سورة الأعراف. ~~إذن: فليس هناك قانون لهذه الحروف التي في أوائل السور، بل كل حرف له ~~خصوصية لم تتكشف كل أسرارها بعد، لهذا ذهب بعض المفسرين إلى قولهم " الله ~~أعلم بمراده ". وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: { الر كتاب أحكمت ~~آياته } [هود: 1]. والله سبحانه يقول مرة عن القرآن أنه: { كتاب } ~~ومرة يقول: # قرآن # [يونس: 61]. والقرآن يقرأ، والكتاب يكتب، وشاء الحق سبحانه ذلك ~~ليدلك على أن الحافظ للقرآن مكانان: صدور، وسطور. فإن ضل الصدر، ~~تذكر السطر. ولذلك # " حين أراد المسلمون الأوائل جمع القرآن، ومطابقة ما في الصدور على ما ~~في السطور، وضعوا أسسا لتلك العملية الدقيقة، من أهمها ضرورة وجود ~~شاهدين على كل آية، ووقفوا عند آخر آيتين في سورة التوبة، ولم يجدوا إلا ~~شاهدا واحدا هو " خزيمة " ، وصدقوا " خزيمة " وكتبوا الآيتين عنه لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد منحه وساما، حين قال عنه: " من شهد ~~له خزيمة فهو حسبه ". # إذن: فإطلاق صفة الكتاب على القرآن، سببها أنه مكتوب، وهو قرآن لأنه ~~مقروء. ولم تكن الكتابة في الأزمنة القديمة مسألة سهلة، فلم يكن يكتب ~~إلا النفيس من الأعمال، أو لأن القرآن كتاب لأنه في الأصل مكتوب في اللوح ~~المحفوظ. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى واصفا القرآن: { كتاب ~~أحكمت آياته.. } [هود: 1]. ومادة الحاء والكاف والميم تدل على ~~أمر محس وهو إتقان البناء، بحيث يمنع عنه الفساد فلا خلل فيه، ولا ~~تناقض، ولا تعارض ms4760 ولا انهيار. ولا بد من توازن هندسي لكل فتحة في البناء ~~حتى لا تكون الفتحات التي في البناء متوازية على خط واحد، فتحدث شروخ في ~~الجدران أو انهيار البناء كله. هذا هو إحكام البناء في عالم المحسات. ~~وشاء الحق سبحانه أن يصف القرآن، وهو الجامع لكل المنهج بأنه: { كتاب ~~أحكمت آياته.. } [هود: 1]. فخذوا من هذا الإحكام ما يمنع فسادكم ~~لأن القرآن جاء على هيئة تمنع الفساد فيه، وعقد منع الفساد يكون الإصلاح ~~والصلاح. ولو نظرت إلى أن القرآن الكريم في اللوح المحفوظ ستجده قد نزل ~~جملة واحدة، من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وجاء الوحي بعد ذلك حسب ~~الأحداث التي تتطلب الأحكام، وقد نثر الحق سبحانه في القرآن أحكاما ~~وفصولا ونجوما. إذن: فالقرآن قد أحكم أولا، ثم فصل. ولذلك يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت.. } ~~[هود: 1]. والفواصل الكبيرة في القرآن هي السور، والفواصل الصغيرة هي ~~الآيات، وأراد المسلمون أن يشجعوا حفظ القرآن، فقسموه إلى ثلاثين جزءا، ~~وكل جزء قسموه إلى حزبين، وكل حزب قسموه إلى أربعة أرباع، لكن التفصيل ~~الذي جاء لنا من القرآن أنه سور، وكل سورة هي مجموعة من الآيات. # وقد يكون المعنى أن القرآن قد أحكم وفصل لأنه نزل منهجا جامعا ~~من الله سبحانه وتعالى. وحين تنظر إليه تجده منوعا، فمرة يتكلم في ~~العقيدة وقمتها، ومرة يتكلم في النبوة وموكبها الرسالي، والمعجزات، ومرة ~~يتكلم في الأحكام، ومرة يتكلم في القصص، والأخلاقيات، والكونيات. ومرة ~~يتكلم في علم الفرائض. إذن: فهو مفصل في اللفظ أو في المعنى، وهو يتناول ~~معاني كثيرة، وكل معنى تتطلبه العقيدة، قمة في الشهادة بأن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله، ويتناول الجزئيات حتى أدق التفاصيل. أو أحكم ~~نزولا لأنه قد نزل مرة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم فصل حسب ~~الحوادث، وهذا أدعى إلى أن تتعلق النفس بكل نجم من نجوم القرآن حين ~~ينزل وقت طلبه. وأنت حين تعد لنفسك صيدلية صغيرة في البيت، قد تأتي ~~فيها بكل الأدوية، لكن ms4761 إن أصابك صداع، فقد تفتش عن أقراص " الأسبرين " ~~فلا تجدها. أما إذا أرسلت إلى الصيدلية الكبيرة، فسوف تجد " الأسبرين " ~~حين تحتاجه. وكذلك حين تكون ظمآن، قد تفتح ثلاجة بيتك فلا تجد زجاجة ~~الماء رغم أنها أمامك، وذلك بسبب لهفة العطش. إذن: فنزول القرآن منجما ~~شاءه الحق - سبحانه - لتنتعش النفس الإنسانية وهي تعشق استقبال القرآن. ~~ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ~~ونزلناه تنزيلا # [الإسراء: 106]. وقد جاء في القرآن على لسان الكافرين: # لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة.. # [الفرقان: 32]. فيكون الرد من الحق سبحانه: # .. كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا # [الفرقان: 32]. ولو كان القرآن قد نزل مرة واحدة على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لما التفت الناس إلى كل ما جاء فيه، ولكن شاء الحق سبحانه ~~وتعالى أن ينزل القرآن منجما على الرسول صلى الله عليه وسلم، ليكون ~~في كل نجم تثبيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المواقف المختلفة، ~~والرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك أمته من بعده في حاجة إلى تثبيتات ~~متعددة حسب الأحداث التي تعترضهم، ولذلك قال الحق سبحانه: # .. كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا # [الفرقان: 32]. فساعة أن يسمع المؤمنون نجما من نجوم القرآن، يكونون ~~أقدر على استيعابه وحفظه وتطبيق الأحكام التي جاءت فيه. ولم ينزل الحق ~~سبحانه آية واحدة، بل أنزل آيات، بدليل أنهم إن جاءوا بحكم ما، فهو ~~سبحانه وتعالى ينزل الحق في هذا الحكم وأكثر تفصيلا ولذلك يقول سبحانه: # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا # [الفرقان: 33]. # ولو نزل القرآن جملة واحدة، فكيف يعالج أسئلتهم التي جاءت في القرآن: { ~~يسألونك عن }. ويضرب الله مثلا بالبعوضة، فيتساءلون ساخرين: كيف ~~يضرب الله مثلا بالبعوضة. فينزل قول الحق سبحانه: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها.. # [البقرة: 26]. ولو كانوا عقلاء لتساءلوا: كيف ركب الحق سبحانه في هذا ~~الكائن الضئيل - البعوضة - كل أجزاء الكائن الحي من محل الغذاء إلى ~~قدرة الهضم، إلى محل التنفس، إلى محل الدم، ms4762 إلى محل الأعصاب. وكان يجب أن ~~يأخذوا من هذا الخلق دلائل العظمة لأن عظمة الصنعة تكون في أمرين: إما ~~ضخامة الشيء المصنوع، وإما أن يكون الشيء المصنوع تحت إدراك الحس. ومثال ~~ذلك - ولله المثل الأعلى - أن الفنيين حين صنعوا ساعة " بج بن " التفت ~~الناس إلى ضخامة تلك الساعة، ودقة أدائها، وحين صنع الفنيون في " سويسرا ~~" ساعة دقيقة وصغيرة جدا في حجمها، زاد إعجاب الناس بدقة الصنعة. وهكذا ~~نجد أن القدرة تتجلى في صناعة الشيء الكبير في الحجم، أو صناعة الشيء ~~الدقيق جدا فما بالنا بخالق الكون كله، بأكبر ما فيه وأصغر ما فيه. ~~والحق سبحانه وتعالى يضرب المثل بالذبابة فيقول: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له.. # [الحج: 73]. فول اجتمع الخلق المشركون أو المتجبرون وسألوا أصنامهم أن ~~يخلقوا لهم ذبابة، أو حتى لو حاولوا هم خلق ذبابة لما استطاعوا، ولا ~~يقتصر الأمر على ذلك العجز فقط، بل يتعداه إلى عجز آخر: # وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ~~ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73]. فإن جاءت ذبابة على أي طعام، وأخذت بعضا من الطعام، فهل ~~يستطيع أحد أن يستخلص من الذبابة ما أخذته؟ لا، وكذلك نرى ضعف الاثنين: ~~الطالب والمطلوب. وهنا يقول الحق سبحانه: { الر كتاب أحكمت ~~آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } [هود: 1]. ~~فالإحكام لا يتناقض مع التفصيل لأن الحق سبحانه هو الذي أحكم، وهو سبحانه ~~الذي فصل، وهو سبحانه حكيم بما يناسب الإحكام، وهو سبحانه خبير بما ~~يناسب التفصيل، بطلاقة غير متناهية. وهو سبحانه حكيم يخلق الشيء محكما ~~لا يتطرق إليه فساد، وهو سبحانه خبير عنده علم بخفايا الأمور. ويقول الحق ~~سبحانه وتعالى في آية أخرى: # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف الخبير # [الأنعام: 103]. فالله سبحانه لا تدركه عين، وعينه - سبحانه وتعالى - لا ~~تغفل عن أدق شيء وأخفى نية. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: { الر ~~كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ~~خبير } [هود: 1]. يبين لنا أن القرآن كلام الله القدير ms4763 الذي بني ~~على الإحكام، ونزل محكما جملة واحدة، ثم جاءت الأحداث المناسبة لينزل ~~من السماء الدنيا نجوما مفصلة تناسب كل حدث. وإحكام الكتاب ثم تفصيله له ~~غاية، هي الغاية من المنهج كله، ويبينها الحق سبحانه في الآية التالية: ~~{ ألا تعبدوا إلا الله... }. ### || [11.2] # إذن: فقد أحكمت آيات الكتاب وفصلت لغاية هي: ألا نعبد إلا الله. ~~والعبادة هي طاعة العابد للمعبود فيما أمر، وفيما نهى. وهكذا نجد أن ~~العبادة تقتضي وجود معبود له أمر وله نهي، والمعبود الذي لا أمر له ولا ~~نهي لا يستحق العبادة، فهل من عبد الصنم تلقى من أمرا أو نهيا؟ ~~وهل من عبد الشمس تلقى منها أمرا أو نهيا؟ إذن: فكلمة العبادة ~~لكل ما هو غير الله هي عبادة باطلة لأن مثل تلك المعبودات لا أمر لها ولا ~~نهي، وفوق ذلك لا جزاء عندها على العمل الموافق لها أو المخالف لها. ~~والعبادة بدون منهج " افعل " و " لا تفعل " لا وجود لها، وعبادة لا جزاء ~~عليها ليست عبادة. وهنا يجب أن نلحظ أن قول الحق سبحانه: { ألا ~~تعبدوا إلا الله.. } [هود: 2]. غير قوله سبحانه: # اعبدوا الله.. # [المائدة: 72]. ولو أن الرسل تأتي الناس وهم غير ملتفتين إلى قوة ~~يعبدونها ويقدسونها لكان على الرسل أن يقولوا للناس: # اعبدوا الله.. # [الأعراف: 59]. ولكن هنا يقول الحق سبحانه: { ألا تعبدوا ~~إلا الله.. } [هود: 2]. فكأنه سبحانه يواجه قوما لهم عبادة متوجهة ~~إلى غير من يستحق العبادة فيريد سبحانه أولا أن ينهي هذه المسألة، ثم ~~يثبت العبادة لله. إذن: فهنا نفي وإثبات، مثل قولنا: " أشهد ألا إله إلا ~~الله " ، هنا ننفي أولا أن هناك إلها غير الله، ونثبت الألوهية لله ~~سبحانه. وأنت لا تشهد هذه الشهادة إلا إذا وجد قوم يشهدون أن هناك ~~إلها غير الله تعالى، ولو كانوا يشهدون بألوهية الإله الواحد الأحد ~~سبحانه لكان الذهن خاليا من ضرورة أن نقول هذه الشهادة. ولكن قول الحق ~~سبحانه { ألا تعبدوا إلا الله.. } [هود: 2]. معناه النفي ~~أولا للباطل، وإذا نفي الباطل لا بد أن يأتي ms4764 إثبات الحق، حتى يكون كل ~~شيء قائما على أساس سليم. ولذلك يقال: " درء المفسدة مقدم دائما على ~~جلب المنفعة " فالبداية ألا تعبد الأصنام، ثم وجه العبادة إلى الله ~~سبحانه. وما دامت العبادة هي طاعة الأمر، وطاعة النهي، فهي - إذن - تشمل ~~كل ما ورد فيه أمر، وكل ما ورد فيه نهي. وإن نظرت إلى الأوامر والنواهي ~~لوجدتها تستوعب كل أقضية الحياة من قمة الشهادة بأن لا إله إلا الله، إلى ~~إماطة الأذى عن الطريق. وكل حركة تتطلبها الحياة لإبقاء الصالح على صلاحه ~~أو زيادة الصالح ليكون أصلح، فهذه عبادة. إذن: فالإسلام لا يعرف ما يقال ~~عنه " أعمال دنيئة " ، و " أعمال شريفة " ولكنه يعرف أن هناك عاملا ~~دنيئا وعاملا شريفا. # وكل عامل يعمل عملا تتطلبه الحياة بقاء للصالح أو ترقية لصلاحه وعدم ~~الإفساد، فهذا عامل شريف وقيمة كل امرىء فيما يحسنه. وهكذا نجد أن كلمة ~~العبادة تستوعب كل أقضية الحياة لأن هناك أمرا بما يجب أن يكون، وهناك ~~نهيا عما يجب ألا يكون، وما لم يرد فيه نهي لك الخيار في أن تفعله أو لا ~~تفعله، فإذا نظرت إلى نسبة ما تؤمر به، ونظرت ألى ما تنهى عنه بالنسبة ~~لأعمال الحياة، لوجدت أنها نسبة لا تتجاوز خمسة في المائة من كل أعمال ~~الحياة، ولكنها الأساس الذي تقوم عليه كل أوجه الحياة. ولذلك قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ". # وأعداء الإسلام يحاولون أن يحددوا الدين في هذه الأركان الخمسة، ولكن ~~هذه الأركان هي الأعمدة التي تقوم عليها عمارة الإسلام. وأركان الإسلام ~~هي إعلان استدامة الولاء لله تعالى، وكل أمر من أمور الحياة هو مطلوب ~~للدين لأنه يصلح الحياة. وهكذا نجد أن العلم بالدين ضرورة لكل إنسان على ~~الأرض، أما العلوم الأخرى فهي مطلوبة لمن يتخصص فيها ويرتقي بها ليفيد ~~الناس كلهم، وكلما كان المتفوق من المسلمين كان ذلك تدعيما لرفعة ms4765 ~~الإسلام. إذن فالقاسم المشترك في الحياة هو العلم بالدين، ولكن يجب أن ~~نفهم هذه القضية على قدرها، فلا يأتي إنسان لا يعرف صحيح الدين ليتكلم ~~والعول، والرد لأن المسلم قد تمر حياته كلها ولا يحتاج رأيا في قضية ~~التوريث، أو أن يتعرف على المستحقين للميراث وأنصبتهم، وغير ذلك. وإن ~~تعرض المسلم لقضية مثل هذه، نقول له: أنت إذا تعرضت لقضية مثل هذه ~~فاذهب إلى المختصين بهذا العلم، وهم أهل الفقه والفتوى، لأنك حين تتعرض ~~لقضية صحية تذهب إلى الطبيب، وحين تتعرض إلى قضية هندسية تذهب إلى ~~المهندس، وإن تعرضت لعملية محاسبية تذهب إلى المحاسب، فإن تعرضت إلى أي ~~أمر ديني، فأنت تسأل عنه أهل الذكر. وأنت إذا نظرت إلى العبادة، تجد أنها ~~تتطلب كل حركة في الحياة، وسبق أن ضربت لذلك مثلا وقلت: هب أن إنسانا ~~يصلي، ولا يفعل شيئا في الحياة غير الصلاة، فمن أين له أن يشتري ثوبا ~~يستر به عورته ما دام لا يعمل عملا آخر غير الصلاة، وهو إن أراد أن ~~يشتري ثوبا، فلا بد له من عمل يأخذ مقابله أجرا، ويشتري الثوب من تاجر ~~التجزئة، الذي اشترى الأثواب من تاجر الجملة، وتاجر الجملة اشتراها من ~~المصنع، في الدين لأن العلم بالدين يقتضي اللجوء إلى أهل الذكر. فإن قيل: ~~الدين للجميع، نقول: صدقت بمعنى التدين للجميع، أما العلم بالدين فله ~~الدراسة المتفقهة. # وأهل الذكر أيضا في العلوم الأخرى يقضون السنوات لتنمية دراساتهم، كما ~~في الطب أو الهندسة أو غيرهما، وكذلك الأعمال المهنية تأخذ من الذي يتخصص ~~فيها وقتا وتتطلب جهدا، فما بالنا بالذي يصلح أسس إقامة الناس في ~~الحياة، وهو التفقه في الدين. لذلك يقول الحق سبحانه: # فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون # [التوبة: 122]. فنحن لا نطلب من كل مسلم - مثلا - أن يدرس المواريث ~~ليعرف العصبة وأصحاب الفروض، وأولي الأرحام، والمصنع قام بتفصيل الثياب ~~بعد أن نسجها مصنع آخر، والمصنع الآخر نسج الثياب من غزل ms4766 القطن أو الصوف. ~~والقطن جاء من الزراعة، والصوف جاء من جز شعر الأغنام. وهكذا تجد أن مجرد ~~الوقوف أمام خالقك لتصلي يقتضي أن تكون مستور العورة في صلاتك، هذا الستر ~~يتطلب منك أن تتفاعل مع الحياة بالعمل. وانظر لنفسك واسألها: ما أفطرت ~~اليوم؟ وأقل إجابة هي: أفطرت برغيف وقليل من الملح، وستجد أنك اشتريت ~~الرغيف من البقال، وجاء البقال بالرغيف من المخبز، والمخبز جاء بالدقيق ~~من المطحن، والمطحن أنتج الدقيق بعد طحن الغلال التي جاءت من الحقل. ~~وكذلك تمت صناعة ألات الطحن في مصانع أخرى قد تكون أجنبية. وهكذا تمت ~~صناعة الرغيف بسلسلة هائلة من العمليات، فهناك الفلاح الذي حرث، وهناك ~~مصمم آلة الطحن الذي درس الهندسة، وهناك عالم " الجيولوجيا " الذي درس ~~طبقات الأرض ليستخرج الحديد الخام من باطنها، وهناك مصنع الحديد الذي صهر ~~الحديد الخام ليستخلص منه الحديد النقي الصالح للتصنيع. وهكذا تجد أن كل ~~حركة في الحياة قد خدمت قضية دينك، وخدمت وقوفك أمام خالقك لتصلي، فلا ~~تقل: " سأنقطع للعبادة " بمعنى أن تقصر حياتك على الصلاة فقط، لأن كل ~~حركة تصلح في الحياة هي عبادة، وإن أردت ألا تعمل في الحياة، فلا تنتفع ~~بحركة عامل في الحياة. وإذا لم تنتفع بحركة أي عامل في الحياة، فلن تقدر ~~أن تصلي، ولن تقدر أن يكون لك قوة لتصلي. إذن فالعبادة هي كل حركة ~~تتطلبها الحياة في ضوء " افعل " و " لا تفعل ". وهنا يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه ~~نذير وبشير } [هود: 2]. والنذير: هو من يخبر بشر زمنه لم يجيء، ~~لتكون هناك فرصة لتلافي العمل الذي يوقع في الشر، والبشير هو من يبشر ~~بخير سيأتي إن سلك الإنسان الطريق إلى ذلك الخير. إذن: الإنذار والبشارة ~~هي أخبار تتعلق بأمر لم يجيء. وفي الإنذار تخويف ونوع من التعليم، وأنت ~~حين تريد أن تجعل ابنك مجدا في دراسته تقول له: إن لم تذاكر فسوف تكون ~~كابن فلان الذي أصبح صعلوكا تافها في الحياة. # إذن: فأنت تنذر ابنك ليتلافى ms4767 من الآن العمل الذي يؤدي به إلى الفشل ~~الدراسي. وكذلك يبشر الإنسان ابنه أو أي إنسان آخر بالخير الذي ينتظره ~~حين يسلك الطريق القويم. إذن: فالعبادة هي كل حركة من حركات الحياة ما ~~دام الإنسان متبعا ما جاء بالمنهج الحق في ضوء " افعل " و " لا تفعل ~~" ، وما لم يرد فيه " افعل " و " لا تفعل " فهو مباح. وعلى الإنسان ~~المسلم أن يبصر نفسه، ومن حوله بأن تنفيذ أي فعل في ضوء " افعل " هو ~~العمل المباح، وأن يمتنع عن أي فعل في ضوء " لا تفعل " ما دام الحق ~~سبحانه وتعالى قد نهى عن مثل هذا الفعل، وعلى المسلم تحري الدقة في ~~مدلول كل سلوك. ونحن نعلم أن التكليفات الإيمانية قد تكون شاقة على ~~النفس، ومن اللازم أن نبين للإنسان أن المشقة على النفس ستأتي له بخير ~~كبير. ومثال ذلك: حين نجد الفلاح وهو يحمل السماد العضوي من حظيرة ~~البهائم ليضعه على ظهر الحمار ويذهب به إلى الحقل ليخلطه بالتربة، وهو ~~يعمل هذا العمل بما فيه من مشقة انتظارا ليوم الحصاد. ويبين الحق - ~~سبحانه وتعالى - هنا على لسان رسوله أن الأمر بعدم عبادة أي كائن غير ~~الله، هو أمر من الله سبحانه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو نذير ~~وبشير من الله. وقول الحق سبحانه وتعالى: { ألا تعبدوا إلا ~~الله.. } [هود: 2]. فيه نفي لعبادة غير الله، وإثبات لعبودية الله ~~تعالى. وهذا يتوافق ويتسق مع الإنذار والبشارة لأن عبادة غير الله تقتضي ~~نذيرا، وعبادة الله في الإسلام تقتضي بشيرا. ولأن الحق سبحانه وتعالى ~~هو خالق الإنسان ويعلم ضعف الإنسان، ومعنى هذا الضعف أنه قد يستولي عليه ~~النفع العاجل، فيذهبه عن خير آجل أطول منه، فيقع في بعض من غفلات ~~النفس. لذلك بين الحق سبحانه أن من وقع في بعض غفلات النفس عليه أن ~~يستغفر الله لأن الله سبحانه وتعالى لا يبخل برحمته على أحد من خلقه. ~~وإن طلب العبد المذنب مغفرة الله، فسبحانه قد شرع التوبة، وهي الرجوع عن ~~المعصية إلى طاعة الله ms4768 تعالى. ولا يقع عبد في معصية إلا لأنه تأبى على ~~منهج ربه، فإذا ما تاب واستغفر، فهو يعود إلى منهج الله سبحانه، ويعمل ~~على ألا يقع في ذنب جديد. وهنا يقول الحق سبحانه: { وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه... }. ### || [11.3] # وهكذا يبين الحق سبحانه أن على العبد أن يستغفر من ذنوبه السابقة التي ~~وقع فيها، وأن يتوب من الآن، وأن يرجع إلى منهج الله تعالى، لينال الفضل ~~من الحق سبحانه. المطلوب - إذن - من العبد أن يستغفر الله تعالى، وأن ~~يتوب إليه. هذا هو مطلوب الله من العاصي لأن درء المفسدة مقدم على جلب ~~المصلحة، وحين يعجل العبد بالتوبة إلى الله تعالى فهو يعلم أن ذنبا قد ~~وقع وتحقق منه، وعليه ألا يؤجل التوبة إلى زمن قادم لأنه لا يعلم إن كان ~~سيبقى حيا أم لا. ولذلك يقول الحق سبحانه: { وأن استغفروا ~~ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا ~~إلى أجل مسمى.. } [هود: 3]. والحق سبحانه يجمل قضية اتباع ~~منهجه في قوله تعالى: # .. فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى # [طه: 123]. وقال في موضع آخر: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة.. # [النحل: 97]. فالحياة الطيبة في الدنيا وعدم الضلال والشقاء متحققان لمن ~~اتبع منهج الله تعالى. وظن بعض العلماء أن هذا القول يناقض في ظاهره قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأن # " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " # و # " إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل ". # وقال بعض العلماء: فكيف نقول: { يمتعكم متاعا حسنا.. } ~~[هود: 3]. هنا نقول: ما معنى المتاع؟ المتاع: هو ما تستمتع به وتستقبله ~~بسرور وانبساط. ويعلم المؤمن أن كل مصيبة في الدنيا إنما يجزيه الله ~~عليها حسن الجزاء، ويستقبل هذا المؤمن قضاء الله تعالى بنفس راضية لأن ما ~~يصيبه قد كتبه الله عليه، وسوف يوافيه بما هو خير منه. وهناك بعض من ~~المؤمنين قد يطلبون زيادة الابتلاء. إذن: فالمؤمن كل أمره خير وإياك أن ~~تنظر إلى من أصابته الحياة بأية مصيبة على ms4769 أنه مصاب حقا لأن المصاب حقا ~~هو من حرم من الثواب. ونحن نجد في القرآن قصة العبد الصالح الذي قتل ~~غلاما كان أبواه مؤمنين، فخشي العبد الصالح أن يرهقهما طغيانا وكفرا، ~~فهذا الولد كان فتنة، ولعله كان سيدفع أبويه إلى كل محرم، ويأتي لهما ~~بالشقاء. إذن: فالمؤمن الحق هو الذي يستحضر ثواب المصيبة لحظة وقوعها. ~~ومنا من قرأ قصة المؤمن الصالح الذي سار في الطريق من المدينة إلى ~~دمشق، فأصيبت رجله بجرح وتلوث هذا الجرح، وامتلأ بالصديد مما يقال عنه ~~في الاصطلاح الحديث " غرغرينة " وقرر الأطباء أن تقطع رجله، وحاولوا أن ~~يعطوه " مرقدا " أي: مادة تخدره، وتغيب به عن الوعي ليتحمل ألم ~~بتر الساق، فرفض العبد الصالح وقال: إني لا أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين. # ومثل هذا العبد يعطيه الله سبحانه وتعالى طاقة على تحمل الألم، لأنه ~~يستحضر دائما وجوده في معية الله، ومفاض عليه من قدرة الله وقوته ~~سبحانه. وحينما قطع الأطباء رجله، وأرادوا أن يكفنوها وأن يدفنوها، فطلب ~~أن يراها قبل أن يفعلوا ذلك، وأمسكها ليقول: اللهم إن كنت قد ابتليت في ~~عضو، فإني قد عوفيت في أعضاء. إذن: فصاحب المصيبة حين يستحضر الجزاء ~~عليها، إنما يحيا في متعة، ولذلك لا تتعجب حين يحمد أناس خالقهم على ~~المصائب لأن الحمد يكون على النعمة، والمصيبة قد تأتي للإنسان بنعمة أوسع ~~مما أفقدته. ولذلك نجد اثنين من العارفين بالله وقد أراد أن يتعالم كل ~~منهما على الآخر فقال واحد منهما: كيف حالكم في بلادكم أيها الفقراء؟ - ~~والمقصود بالفقراء هم العباد الزاهدون ويعطون أغلب الوقت لعبادة الله ~~تعالى - فقال العبد الثاني: حالنا في بلادنا إن أعطينا شكرنا، وإن ~~حرمنا صبرنا. فضحك العبد الأول وقال: هذا حال الكلاب في " بلخ " أي: أن ~~الكلب إن أعطيته يهز ذيله، وإن منعه أحد فهو يصبر. وسأل العبد الثاني ~~العبد الأول: وكيف حالكم أنتم؟ فقال: نحن إن أعطينا آثرنا، وإن حرمنا ~~شكرنا. إذن: فكل مؤمن يعيش في منهج الله سبحانه وتعالى فهو يستحضر في ms4770 كل ~~أمر مؤلم وفي كل أمر متعب، أن له جزاء على ما ناله من التعب ثوابا ~~عظيما خالدا من الله سبحانه وتعالى. ولذلك يقول الحق سبحانه: { ~~يمتعكم متاعا حسنا.. } [هود: 3]. والحسن هنا له مقاييس، ~~يقاس بها اعتبار الغاية فحين تضم الغاية إلى الفعل تعرف معنى الحسن. ~~ومثال ذلك: هو التلميذ الذي لا يترك كتبه، بل حين ياتي وقت الطعام، فهو ~~يأكل وعيناه لا تفارقان الكتاب. هذا التلميذ يستحضر متعة النجاح وحسنه ~~ونعيم التفوق، وهو تلميذ يشعر بالغاية وقت أداء الفعل. ويقول الحق سبحانه ~~في نفس الآية: { ويؤت كل ذي فضل فضله.. } [هود: 3]. أي: ~~يؤتى كل ذي فضل مجزول لمن لا فضل له، فكأن الحق سبحانه يمني الفضل ~~للعبد. ومثال ذلك: الفلاح الذي يأخذ من مخزن غلاله إردبا من القمح ~~ليبذره في الأرض ليزيده الله سبحانه وتعالى بزراعة هذا الإردب، ويصبح ~~الناتج خمسة عشر إردبا. والفضل هو الأجر الزائد عن مساويه، فمثلا هناك ~~فضل المال قد يكون عندك، أي: زائد عن حاجتك، وغيرك لا يملك مالا يكفيه، ~~فإن تفضلت ببعض من الزائد عندك، وأعطيته لمن لا مال عنده فأنت تستثمر هذا ~~العطاء عند الله سبحانه وتعالى. والحق سبحانه وتعالى قد يعطيك قوة، فتعطى ~~ما يزيد منها لعبد ضعيف. وقد يكون الحق سبحانه قد أسبغ عليك فضلا من ~~الحلم، فتعطي منه لمن أصابه السفه وضيق الخلق. # إذن: فكل ما يوجد عند الإنسان من خصلة طيبة ليست عند غيره من الناس، ~~ويفيضها عليهم، فهي تزيد عنده لأنها تربو عند الله، وإن لم يفضها على ~~الغير فهي تنقص. ولذلك يقول الحق سبحانه: # ومآ آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا ~~يربو عند الله ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه ~~الله فأولئك هم المضعفون # [الروم: 39]. ويقول الحق سبحانه وتعالى في الآية التي نحن بصدد خوطرنا ~~عنها: { ويؤت كل ذي فضل فضله.. } [هود: 3]. وبعض من أهل ~~المعرفة يفهم هذا القول الكريم بأن الإنسان الذي يفيض على غيره مما آتاه ~~الله، يعطيه الحق سبحانه بالزيادة ما ms4771 يعوضه عن الذي نقص، أو أنه سبحانه ~~وتعالى يعطي كل صاحب فضل فضل ربه، وفضل الله تعالى فوق كل فضل. ثم يقول ~~الحق سبحانه: {.. وإن تولوا فإني أخاف عليكم ~~عذاب يوم كبير } [هود: 3]. فإن أعرضوا عنك فأبلغهم أنك تخاف ~~عليهم من عذاب اليوم الآخر، ويوصف العذاب مرة بأنه كبير، ويوصف مرة بأنه ~~عظيم، ويوصف مرة بأنه مهين لأنه عذاب لا ينتهي ويتنوع حسب ما يناسب ~~المعذب، فضلا عن أن العذاب الذي يوجد في دنيا الأغيار هو عذاب يجري في ~~ظل المظنة بأنه سينقضي، أما عذاب اليوم الآخر فهو لا ينقضي بالنسبة ~~للمشركين بالله أبدا. ويقول الحق من بعد ذلك: { إلى الله ~~مرجعكم... }. ### || [11.4] # أي: إلى الله مرجعكم في الإيجاد والإمداد، والبداية والنهاية، وبداية ~~النهاية التي لا انتهاء معها وهي الآخرة، فيثيب المحسن على إحسانه، ~~ويعاقب المسيء على إساءته، فيؤتي سبحانه لكل ذي عمل صالح في الدنيا أجره، ~~وثوابه في الآخرة. ومن كثرت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن زادت ~~سيئاته على حسناته دخل النار. وفي الدنيا من زادت حسناته على سيئاته وعاش ~~بين القبض والبسط. والقبض والبسط هو إقبال على الله بتوبة وباعتراف ~~بالذنب، والإقرار بالذنب هو بداية التوبة. ومن كثرت سيئاته على حسناته ~~كان في ضنك العيش وقلق النفس. ويؤتي الحق سبحانه كل ذي فضل فضله، فمن عمل ~~لله عز وجل وفقه الله فيما يستقبل على طاعته، والذين أعرضوا يخاف عليهم ~~من عذاب يوم كبير. {.. وهو على كل شيء قدير } [هود: 4]. ~~لأنه سبحانه القادر على الإيجاد وعلى الإمداد، وعلى البداية والنهاية ~~المحدودة، وبداية الخلود إما إلى جنة وإما إلى نار، فهو القادر على كل ~~شيء. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ألا إنهم يثنون ~~صدورهم ليستخفوا منه... }. ### || [11.5] # وإذا وجدت " ألا " في أول الكلام فأنت تعلم أنها للتنبيه، ومعنى التنبيه ~~أنه أمر يوقظ لك السامع إن كان غافلا لأنك تحب ألا تفوته كلمة من الكلام ~~الذي تقوله. وحين تنبهه بغير أداء الأسلوب الذي تريده منه، هنا يكون ~~التنبيه قد ms4772 أخذ حقه، ومن بعد ذلك يجيء الكلام الذي تقوله، وقد تهيأ ذهن ~~السامع لاستقبال ما تقول. ف " ألا " - إذن - هي أداة تنبيه لأن الكلام ~~ستار بين المتكلم والمخاطب، والمخاطب لا يعرف الموضوع الذي ستكلمه فيه، ~~والمتكلم هو الذي يملك زمام الموقف، وهو يهيىء ذهنه لترتيب ما يقول من ~~كلمات، أما المستمع فسوف يفاجأ بالموضوع وحتى لا يفاجأ ولا تضيع منه ~~الفرصة ليلتقط كلمات المتكلم من أولها، فهو ينبهه بأداة تنبيه ليستمع. ~~ويقول الحق سبحانه هنا: { ألا إنهم يثنون صدورهم ~~ليستخفوا منه.. } [هود: 5]. ويقال: ثنيت الشيء أي: طويته، ~~وجعلته جزئين متصلين فوق بعضهما البعض. وحين يثني الإنسان صدره، فهو ~~يثنيه إلى الأمام ناحية بطنه، ويداري بذلك وجهه، والغرض هنا من مداراة ~~الوجه هو إخفاء الملامح لأن انفعال مواجيد النفس البشرية ينضح على ~~الوجوه؟ وهم كارهون للرسول صلى الله عليه وسلم، وحاقدون عليه ولا يريدون ~~أن يلحظ الرسول صلى الله عليه وسلم ما على ملامحهم من انفعالات تفضح ~~مواجيدهم الكارهة. ومثل ذلك جاء من قوم نوح عليه السلام، حين قال الحق ~~سبحانه على لسان نوح: # وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا ~~واستكبروا استكبارا # [نوح: 7]. ومن البداهة أن نعرف أن الإصبع لا تدخل كلها إلى الأذن، إنما ~~الأنملة تسد فقط فتحة السمع، وعدل القرآن الكريم ذلك بمبالغة تكشف موقف ~~نوح - عليه السلام -، فكل منهم أراد أن يدخل إصبعه في أذنه حتى لا يسمع ~~أي دعوة، وهذا دليل كراهية، وهذه شهادة ضدهم لأنهم يفهمون أنهم لو سمعوا ~~فقد تميل قلوبهم لما يقال. ولذلك نجد القرآن الكريم وهو ينقل لنا ما قاله ~~مشركو مكة لبعضهم البعض: # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه.. # [فصلت: 26]. فكأنهم تواصوا بالتشويش على القرآن، ثقة منهم في أن القرآن ~~لو تناهى إلى الأذن فقد يؤثر في نفسية السامع لأن النفس البشرية أغيار، ~~وقد تأتي للنفس ما يجعلها تميل دون أن يشعر صاحبها. ولو كان هذا القرآن ~~باطلا، فلماذا خافوا من سماعه؟ ولكنه ms4773 الغباء في العناد والكفر. وهنا ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: { ألا إنهم يثنون صدورهم ~~ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ~~ما يسرون وما يعلنون.. } [هود: 5]. وهم قد استغشوا ثيابهم ~~ليغطوا وجوههم مداراة للانفعالات التي تحملها هذه الوجوه، وهي انفعالات ~~كراهية، أو أنها قد تكون انفعالات أخرى، فساعة يسمع واحد منهم القرآن قد ~~ينفعل لما يسمع، ولا يريد أن يظهر الانفعال. # إذن: فالانفعال قد يكون قسريا، وكان كفار قريش رغم كيدهم وحربهم لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، يتسللون ناحية بيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليسمعوا القرآن، وكانوا يضبطون بعضهم البعض هنالك، ويدعي كل منهم أنه ~~إنما مر على بيت النبي صلى لله عليه وسلم مصادفة. وفي ذلك يقول الشاعر: # اذكروهم وقد تسلل كل # بعد ما انفض مجلس السمار # اختلاسا يسعى لحجرة طه # لسماع التنزيل في الأسحار # عذرهم حسنه فلما تراءوا # عللوها ببارز الأعذار # وجاء الحق سبحانه وتعالى هنا في نفس الآية ب " ألا " في قوله: {.. ألا ~~حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون إنه عليم بذات الصدور } [هود: 5]. فهم إن ~~داروا على محمد صلى الله عليه وسلم، فهل هم قادرون على المداراة على رب ~~محمد؟ والذي لا يدركه بصر محمد فرب محمد سيعلمه به. وما دام الحق ~~سبحانه يعلم ما يسرون، فمن باب أولى أنه سبحانه وتعالى يعلم ما يعلنون. ~~والحق سبحانه وتعالى غيب، وربما ظن ظان أنه قد يفلت منه شيء، ولكن الحق ~~سبحانه يحصي ولا يحصى عليه، فإن ظن ظان أن الحق سبحانه يعلم الغيب فقط ~~لأنه غيب، فهذا ظن خاطىء لأنه يعلم السر والعلن، فهو عليم بذات الصدور، ~~وكلمة " عليم " صيغة مبالغة، وهي ذات في كنهها العلم. وقول الحق سبحانه: ~~{.. عليم بذات الصدور } [هود: 5]. نجد فيه كلمة { ذات } وهي ~~تفيد الصحبة، وذات الصدور أي: الأمور المصاحبة للصدور. ونحن نعلم ~~أن الصدر محل القلب، ومحل الرئة، والقلب محل المعتقدات التي انتهي ~~إليها، وصارت حقائق ثابتة، وعليها تدور حركة الحياة. ويقصد ب { بذات ~~الصدور } أي: المعاني التي ms4774 لا تفارق الصدور، فهي صاحبات دائمة الوجود ~~في تلك الصدور، سواء أكانت حقدا أو كراهية، أو هي الأحاسيس التي لا تظهر ~~في الحركة العادية، سواء أكانت نية حسنة أو نية سيئة. وكل الأمور التي ~~يسمونها ذات الصدور، أي: صاحبات الصدور، وهي القلوب، وكأن الجرم نفسه ~~وهو القلب معلوم للحق سبحانه وتعالى، فخواطره من باب أولى معلومة. ويقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك: { وما من دآبة في الأرض... }. ### || [11.6] # وحين يذكر القرآن الكريم لقطة توضح صفة ما، فهو يأتي بما يتعلق بهذه ~~الصفة، وما دام الحق سبحانه عليما بذات الصدور، فهذا علم بالأمور ~~السلبية غير الواضحة، والحق سبحانه يعلم الإيجابيات أيضا، فهو يعلم ~~النية الحسنة أيضا، ولكن الكلام هنا يخص جماعة يثنون صدورهم. وجاء في ~~الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، وبين أنه عليم بكل شيء. وقال ~~سبحانه: { وما من دآبة في الأرض إلا على الله ~~رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها.. } [هود: 6]. ~~والدابة: كل ما يدب على الأرض، وتستخدم في العرف الخاص للدلالة على أي ~~كائن يدب على الأرض غير الإنسان. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: # وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم.. # [الأنعام: 38]. وذكر الحق سبحانه وتعالى عن موسى عليه السلام أنه شغل ~~- حينما كلف - بخواطر عن أهله، وتساءل: كيف أذهب لأداء الرسالة وأترك ~~أهلي؟ فأوحى له الله سبحانه أن يضرب حجرا فانفلق الحجر عن صخرة، فأمره ~~الحق سبحانه أن يضرب الصخرة، فضربها فانفلقت ليخرج له حجر، فضرب الحجر ~~فانشق له عن دودة تلوك شيئا كأنما تتغذى به، فقال: إن الذي رزق هذه في ~~ظلمات تلك الأحجار كلها لن ينسى أهلي على ظهر الأرض. ومضى موسى عليه ~~السلام إلى رسالته. وهذا أمر طبيعي لأن الحق سبحانه خالق كل الخلق، ولا ~~بد أن يضمن له استبقاء حياة واستبقاء نوع فاستبقاء الحياة بالقوت، ~~واستبقاء النوع بالزواج والمصاهرة. إذن: فمن ضمن ترتيبات الخلق أن يوفر ~~الحق سبحانه وتعالى استبقاء الحياة بالقوت، واستبقاء النوع بالتزاوج. ~~ولذلك نقول دائما: يجب أن ms4775 نفرق بين عطاء الإله وعطاء الرب، فالإله ~~سبحانه هو رب الجميع، لكنه إله من آمن به. وما دام الحق سبحانه هو رب ~~الجميع، فالجميع مسئولون منه فالشمس تشرق على المؤمن وعلى الكافر، وقد ~~يستخرج الكافر من الشمس طاقة شمسية وينتفع بها، فلماذا لا يأخذ المؤمن ~~بالأسباب؟ والهواء موجود للمؤمن والكافر لأنه عطاء ربوبية، فإن استفاد ~~الكافر من الهواء ودرسه، واستخدم وخواصه أكثر من المؤمن فعلى المؤمن أن ~~يجد ويكد في الأخذ بالأسباب. إذن: فهناك عطاء للربوبية يشترك فيه ~~الجميع، لكن عطاء الألوهية إنما يكون في العبادة، وهو يخرجك من مراداتك ~~إلى مرادات ربك، فحين تطلب منك شهواتك أن تفعل أمرا فيقول لك المنهج: ~~لا. وفي هذا تحكم منك في الشهوات، وارتقاء في الاختبارات، أما في الأمور ~~الحياتية الدنيا، فعطاء الربوبية لكل كائن ليستبقي حياته. وهنا يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { وما من دآبة في الأرض إلا على الله ~~رزقها.. } [هود: 6]. وكلمة " على " تفيد أن الرزق حق للدابة، لكنها ~~لم تفرضه هي على الله سبحانه وتعالى، ولكنه سبحانه قد ألزم نفسه بهذا ~~الحق. # ويقول سبحانه: { ويعلم مستقرها ومستودعها.. } [هود: ~~6]. ولأنه سبحانه هو الذي يرزق الدابة فهو يعلم مستقرها وأين تعيش ليوصل ~~إليها هذا الرزق. والمستقر: هو مكان الاستقرار، والمستودع: هو مكان ~~الوديعة. والحق سبحانه يعلمنا بذلك ليطمئن كل إنسان أن رزقه يعرف ~~عنوانه، والإنسان لا يعلم عنوان الرزق. فالرزق يأتي لك من حيث لا تحتسب، ~~لكن السعي إلى الرزق شيء آخر فقد تسعى إلى رزق ليس لك، بل هو رزق لغيرك. ~~فمثلا: أنت قد تزرع أرضك قمحا فيأتي لك سفر للخارج، وتترك قمحك ليأكله ~~غيرك، وتأكل أنت من قمح غيرك. ولذلك يقول الحق سبحانه: {.. ويعلم ~~مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين } [هود: ~~6]. أي: أن كل أمر مكتوب، وهناك فرق بين أن تفعل ما تريد، ولكن لا يحكم ~~إرادتك مكتوب فما يأتي على بالك تفعله، وبين أن تفعل أمرا قد وضعت ~~خطواته في خطة واضحة مكتوبة، ثم تأتي أفعالك وفقا لما كتبته. ومن ms4776 عظمة ~~الخالق سبحانه أن كتب كل شيء، ثم يأتي كل ما في الحياة وفق ما كتب. ~~والدليل على ذلك - على سبيل المثال - أن الله سبحانه كان يوحي إلى رسوله ~~بالسورة من القرآن الكريم، وبعد ذلك يسري عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الوحي، فيتلو السورة على أصحابه، فمن يستطيع الكتابة فهو يكتب، ومن ~~يحفظ فهو يحفظ. ثم يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة، فيقرأ ~~السورة كما كتبت، ويأتي كل نجم من القرآن في مكانه الذي قاله النبي ~~صلى الله عليه وسلم لصحابته، فكيف كان يحدث ذلك؟ لقد حدث ذلك بما جاء به ~~الحق سبحانه، وأبلغه لرسوله صلى الله عليه وسلم: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض... }. ### || [11.7] # وقد تعرض القرآن الكريم لمسألة خلق الأرض والسماء أكثر من مرة. وقلنا من ~~قبل: إن الحق سبحانه وتعالى قد شاء أن يخلق الأرض والسماوات في ستة أيام ~~من أيام الدنيا، وكان من الممكن أن يخلقها في أقل من طرفة عين بكلمة " كن ~~" وعرفنا أن هناك فارقا بين إيجاد الشيء، وطرح مكونات إيجاد الشيء. ~~ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - حين يريد الإنسان صنع " الزبادي " ، فهو ~~يضع جزءا من مادة الزبادي - وتسمى " خميرة " - في كمية مناسبة من اللبن ~~الدافىء، وهذه العملية لا تستغرق من الإنسان إلا دقائق، ثم يترك اللبن ~~المخلوط بخميرة الزبادي، وبعد مضي أربع وعشرين ساعة يتحول اللبن المخلوط ~~بالخميرة إلى زبادي بالفعل. وهذا يحدث بالنسبة لأفعال البشر، فهي أفعال ~~تحتاج إلى علاج، ولكن أفعال الخالق سبحانه وتعالى لا علاج فيها لأنها ~~كلها تأتي بكلمة " كن ". أو كما قال بعض العلماء: إن الله شاء أن يجعل ~~خلق الأرض والسماوات في ستة أيام، وقد أخذ بعض المستشرقين من هذه الآية، ~~ومن آيات أخرى مجالا لمحاولة النيل من القرآن الكريم، وأن يدعوا أن ~~فيه تعارضا، فالحق سبحانه وتعالى هنا يقول: { وهو الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام.. } [هود: 7]. وجاءوا إلى ~~آية التفصيل وجمعوا ms4777 ما فيها من أيام، وقالوا: إنها ثمانية أيام، وهي قول ~~الحق سبحانه: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين * ~~ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين.. # [فصلت: 9-12]. وهنا قال بعض المستشرقين: لو كانت هذه قصة الخلق للأرض ~~والسماوات لطابقت آية الإجمال آية التفصيل. وقال أحدهم: لنفرض أن عندي ~~عشرة أرادب من القمح، وأعطيت فلانا خمسة أرادب وفلانا ثلاثة أرادب، ~~وفلانا أعطيته إردبين، وبذلك ينفد ما عندي لأن التفصيل مطابق للإجمال. ~~وادعى هذا البعض من المستشرقين أن التفصيل لا يتساوى مع الإجمال. ولم ~~يفطنوا إلى أن المتكلم هو الله سبحانه وتعالى، وهو يكلم أناسا لهم ملكة ~~أداء وبيان وبلاغة وفصاحة وقد فهم هؤلاء ما لم يفهمه المستشرقون. هم ~~فهموا، كأهل فصاحة، أن الحق - سبحانه وتعالى - قد خلق الأرض في يومين، ثم ~~جعل فيها رواسي وبارك فيها، إما في الأرض أو في الجبال، وقدر فيها ~~أقواتها، وكل ذلك تتمة للحديث عن الأرض. ومثال ذلك: حين أسافر إلى ~~الإسكندرية فأنا أصل إلى مدينة طنطا في ساعة - مثلا - وإلى الإسكندرية ~~في ساعتين، أي: أن ساعة السفر التي وصلت فيها إلى طنطا هي من ضمن ساعتي ~~السفر إلى الإسكندرية. # وكذلك خلق الأرض والرواسي وتقدير القوت، كل ذلك في أربعة أيام متضمنة ~~يومى خلق الأرض، ثم جاء خلق السماء في يومين. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ وكان عرشه على المآء.. } [هود: 7]. كل هذه المسائل الغيبية ~~لها حجة أساسية، وهي أن الذي أخبر بها هو الصادق، فلا أحد يشك أن الأرض ~~والسماوات مخلوقة، ولا أحد يشك في أن السماوات والأرض أكبر خلقا من خلق ~~الناس، وليس هناك أحد من البشر ادعى أنه خلق الأرض أو خلق السماوات. ~~وكل المخترعات البشرية نعرف أصحابها، مثل: المصباح الكهربي، والهاتف، ~~والميكروفون، والتليفزيون، والسيارة، وغيرها. ولكن ms4778 حين نجيء إلى السماوات ~~والأرض لا نجد أحدا قد ادعى أنه قد خلقها. وقد أبلغنا الحق سبحانه أنه ~~هو الذي خلقها، وهي لمن ادعاها إلى أن يظهر معارض، ولن يظهر هذا ~~المعارض أبدا. وكل هذا الخلق من أجل البلاء: { ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا.. } [هود: 7]. أي: ليختبركم أيكم أحسن عملا، ولكن من ~~الذي يحدد العمل؟ إنه الله سبحانه وتعالى. وهل الحق سبحانه في حاجة إلى ~~أن يختبر مخلوقاته؟ لا، فالله سبحانه يعلم أزلا كل ما يأتي من الخلق، ~~ولكنه سبحانه أراد بالاختبار أن يطابق ما يأتي منهم على ما علمه أزلا ~~حجة عليهم. وهكذا فاختبار الحق سبحانه لنا اختبار الحجة علينا. ثم يقول ~~الحق سبحانه: {.. ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد ~~الموت ليقولن الذين كفروا إن هذآ إلا سحر ~~مبين } [هود: 7]. وهنا يصور الحق - سبحانه وتعالى - تكذيب المعاندين ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم يلقون بالألفاظ على عواهنها من قبل ~~أن تمر على تفكيرهم. فلو أنهم قد مروا بهذه الكلمات على تفكيرهم لاستحال ~~منطقيا أن يقولوها. والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرهم ببلاغ الحق ~~سبحانه وتعالى لهم بأنهم مبعوثون من بعد الموت. وهذا كلام إخباري بأنهم ~~إن ماتوا - وهم سيموتون لا محالة - سيبعثهم الله سبحانه، فما كان منهم ~~إلا أن قالوا: {.. إن هذآ إلا سحر مبين } [هود: 7]. ~~والخبر الذي يقوله لهم هو خبر، فما موقع السحر منه؟ إنهم يعلمون أنه صلى ~~الله عليه وسلم لم يقل ذلك إلا من نص القرآن الكريم، وهم يقولون عن ~~القرآن الكريم إنه سحر، فكأن النص نفسه من السحر الذي حكموا به على ~~القرآن. وأوضحنا من قبل أن إبطال قضية السحر في القرآن الكريم دليله ~~منطقي مع القول لأنهم إن كانوا قد ادعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو أن محمدا - في عرفهم - قد سحر القوم الذين اتبعوه. # فالساحر له تأثير على المسحور، والمسحور لا دخل له في عملية السحر، فإذا ~~كان محمد قد سحر القوم الذين اتبعوه، فلماذا لم يسحر هؤلاء المنكرين ms4779 ~~لرسالته بنفس الطريقة التي سحر بها غيرهم؟ وحيث إنهم قد بقوا على ما هم ~~عليه من عناد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا دليل على أن المسألة ~~ليست سحرا، ولو كان الأمر كذلك لسحرهم جميعا. وقولهم: {.. إن هذآ ~~إلا سحر مبين } [هود: 7]. يدل على أنه سحر محيط، لا سحر لأناس ~~خاصين، فكلمة { سحر مبين } تعني: سحرا محيطا بكل من يريد سحره. ~~وبقاء واحد على الكفر دون إيمان برسول الله يدل على أن المسألة ليست ~~سحرا. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ولئن أخرنا عنهم ~~العذاب إلى أمة... }. ### || [11.8] # وساعة تجد { لئن } فافهم اللام الأولى التي بعد " و " إنما جاءت لتدل ~~على أن الكلام فيه قسم مؤكد، وإن كان محذوفا، واكتفى باللام عن القسم، ~~وتقديره: " والله لئن ". والقسم يأتي لتأكيد المقسم عليه بالمقسم به، ~~وتأكيد المقسم عليه إنما يأتي لأن هناك من يشك فيه. فأنت لا تقسم لإنسان ~~تلقاه وتقول له: والله لقد كنت عند فلان بالأمس. إذن: فالقسم يأتي لشك ~~طرأ عند السامع، وأنت لا تقسم ابتداء. ويأتي القسم على مقدار مراتب الشك، ~~وتأكيدا بأدواته. والقرآن الكريم يقول هنا: { ولئن أخرنا ~~عنهم العذاب إلى أمة معدودة.. } [هود: 8]. فالواو ~~هنا هي واو القسم، وهنا أيضا شرط، والقسم يحتاج لجواب، والشرط أيضا ~~يحتاج إلى جواب. وإذا اجتمع الشرط والقسم فبلاغة الأسلوب تكتفي بجواب ~~واحد، مثلما نقول: " والله إن فعلت كذا لأفعلن معك كذا ". وهكذا يغني ~~جواب القسم عن جواب الشرط، والمتقدم سواء أكان قسما أو شرطا هو الذي ~~يغني جوابه عن الآخر. مثلما نقول: " والله إن جاء فلان لأكرمته " ، ~~فالقسم هنا متقدم، وأغنى جوابه عن جواب الشرط. وإن قلت: إن جاءك فلان ~~والله لتكرمه، فهنا الشرط هو المتقدم. والاثنان متحدان، لكن غاية ما هناك ~~أن القسم تأكيد والشرط تأسيس، فإذا تقدم ذو خبر على الاثنين - على الشرط ~~وعلى القسم - نأتي بجواب الشرط فورا، مثلما نقول: " زيد والله إن جاءك ~~أكرمه " لأن الشرط كما قلنا تأسيس، والقسم تأكيد، ويرجح هنا الشرط، لأن ~~التأسيس ms4780 أولى من التأكيد. وهنا يقول الحق سبحانه: { ولئن أخرنا ~~عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما ~~يحبسه.. } [هود: 8]. والجواب هنا للقسم، وهو يغني عن جواب الشرط. ~~أي: أن العذاب يؤخر. وقد أوعد الحق - سبحانه - الكافرين بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم بأن يعذبهم، وكان العذاب للأمم السابقة هو عذاب استئصال، ~~منهم من أرسل الله سبحانه عليه عاصفة، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من ~~أغرقه، ومنهم من خسف به الأرض. فكأن مهمة الرسل السابقين أن يبلغوا ~~الدعوة، ثم تتلوى السماء تأديب الكافرين بالرسالات. ولكن الحق سبحانه ~~وتعالى قد شاء أن يفضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم على الأمم كلها، ~~وأن تعذب الكافرين في المعارك. وحين يتوعدهم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بعذاب، فللعذاب ميلاد، وقد يؤخر ليرى المحيطون بالكافرين الضلال ~~والفساد، فإذا ما وقع عذاب الله سبحانه على هؤلاء الكافرين، فلن يحزن ~~عليهم أحد. وهكذا أراد الله سبحانه الإمهال والإملاء ليكون لهما معنى ~~واضح في الحياة، والإملاء للظالم لتزداد مظالمه زيادة تجعل الأمة التي ~~يعيش فيها تكره ظلمه، فإذا وقع عليه عذاب، لا يعطف عليه أحد. # ونحن نعلم أن النفس البشرية بنت المشهد، فحين يقتل واحد وتمر سنوات على ~~قضيته، ثم يصدر الحكم بإعدامه، فالناس تنسى لذعة القتل الأول، وتعطف على ~~القاتل حين يصدر الحكم بإعدامه. ولذلك أقول دائما: إن من دواعي استمرار ~~الجرائم إبطاءات المحاكمة، تلك الإبطاءات التي تجعل عواطف الناس من ~~المجرم لأن مشهد المقتول أولا قد انتهى من ذاكرتهم. ولكن لو استحضر ~~الناس - وقت العقوبة - ظرف الجريمة لفرحوا بالحكم على القاتل بالقتل. ~~ولذلك نجد الحق - سبحانه وتعالى - حينما يريد أن يعذب أحدا يقول: # .. وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2]. وذلك ليتم التعذيب أمام المجتمع الذي شقى بإفسادهم وشقى ~~بمظالمهم، فمن يعتدى على عرضه، ويرى عذاب المعتدي فهو يشفى. وهنا ~~يبين الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: لقد توعدتهم ~~بالعذاب. ونحن نبطن العذاب بالإمهال لهم، ولكنهم جعلوا من ذلك مناط ~~السخرية والاستهزاء والتهكم، وتساءلوا: أين هو العذاب؟ ms4781 ونحن نجد القرآن ~~يقول على ألسنتهم: # وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب # [ص: 16]. والقط: هو جزاء العمل، وهو مأخوذ من القط أي: القطع. والعذاب ~~إنما يتناسب مع الجرم، فإن كانت الجريمة كبيرة فالعذاب كبير، وإن كانت ~~الجريمة صغيرة فالعذاب يكون محدودا، فكان العذاب موافقا للجريمة. ومن ~~العجيب أن منهم من قال: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وجاء على ألسنتهم ما أورده القرآن الكريم في قولهم: # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا.. # [الإسراء: 92]. ولا شك أن الإنسان لا يتمنى ولا يرجو أن يقع عليه ~~العذاب، ولكنهم قالوا ذلك تحديا وسخرية واستهزاء. وشاء الحق سبحانه ~~وتعالى ألا يعذب الكافرين المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما ~~عذب الكافرين الذين عاصروا الرسالات السابقة لأن الحق سبحانه وتعالى هو ~~القائل: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم.. # [الأنفال: 33]. فضلا عن أن هناك أناسا منهم ستروا إيمانهم لأنهم لا ~~يملكون القوة التي تمكنهم من مجابهة الكافرين، ولا يملكون القوة ليرحلوا ~~إلى دار الإيمان بالهجرة، وحتمت عليهم ظروفهم أن يعيشوا مع الكافرين. ~~وهناك في سورة الفتح ما يوضح ذلك، حين قال الحق سبحانه وتعالى: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال ~~مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ~~ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما # [الفتح: 25]. أي: لو تميز الكافرون عن المؤمنين لسلط الحق سبحانه ~~العذاب الأليم على الكافرين، لكن لو دخل المسلمون بجيشهم الذي كان في ~~الحديبية على مكة، ودارت هناك معركة، فهذه المعركة ستصيب كل أهل مكة، ~~وفيهم المؤمنون المنثورون بين الكافرين، وهم غير متحيزين في جهة بحيث ~~يوجد المسلمون الضربة للجانب الكافر. # إذن: فلو ضرب المسلمون المقاتلون، لضربوا بعضا من المؤمنين، وهذا ما لا ~~يريده الحق سبحانه وتعالى. وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: { ولئن ~~أخرنا عنهم العذاب إلى ms4782 أمة معدودة.. } [هود: ~~8]. والأمة: هي الطائفة أو الجماعة من جنس واحد، مثل أمة الإنس، وأمة ~~الجن، وأمة النمل.. وغير ذلك من خلق الله. والحق سبحانه هو القائل: # وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ~~ثم إلى ربهم يحشرون # [الأنعام: 38]. والأمة: طائفة يجمعها نظام واحد وقانون واحد، وأفرادها ~~متساوون في كل شيء، فتكون كل واحدة من هذه الأمم أمة، وهناك الأمة: ~~الطائفة من الزمن. مثل قول الحق سبحانه: # وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة.. # [يوسف: 45]. أي: أن هذا الذي تذكر بعد فترة من الزمن، وقد تكون الفترة ~~المسماة " أمة " ، هي الزمن الذي يتحمل جيلا من الأجيال. الأمة - إذن - ~~هي جماعة وطائفة لها جنس يجمعها، ولها تميزات أفرادية، وهي تلتقي في معنى ~~عام. فأمة الإنسان هي حيوان ناطق مفكر، وهناك قدر عام يجمع كل إنسان، ~~ولكن هناك تفاوتات في المواهب. ولا توجد نفس بشرية واحدة تملك موهبة ~~الهندسة والطب والتجارة والصيدلة والمحاسبة لأن كل حرفة من تلك الحرف ~~تحتاج إلى دراسة. ولا يملك إنسان من العمر ما يتيح له التخصص في كل تلك ~~المجالات ولذلك يتخصص كل فرد في مجال ليخدم غيره فيه، وغيره يتخصص في ~~مجال آخر ويخدم الباقين، وهكذا. وفي هذا تكافل اجتماعي، يشعر فيه كل فرد ~~بأنه يحتاج للآخرين، وأنه لا يستطيع أن يحيا مستقلا بذاته عن كل الخلق. ~~ولو عرف واحد كل الحرف التي في الدنيا، من طب وهندسة وقضاء، وسباكة، ~~ونجارة، وزراعة، وغيرها فلن يسأل عن الباقين؟ لذلك شاء الله سبحانه ~~وتعالى أن تلتحم المجتمعات ضرورة وقسرا، لا تفضلا من أحد على أحد. ~~والذي يكنس الشارع أو يعمل في تنظيف الصرف الصحي لا يفعل ذلك تفضلا، ~~بل يفعل ذلك احتياجا لأنه يحتاج إلى العمل والرزق لأن جسمه يحتاج إلى ~~الطعام، وإلى الستر بالملابس، وأولاده يطلبون الطعام والمأوى والملبس، ~~ولولا ذلك لما عمل في تلك المهنة. وإذا أخلص في عمله فالله سبحانه يحببه ~~فيها، وإن ارتقت ms4783 أحواله، يظل في هذا العمل لأنه عشق إتقان مهنته. ولقد ~~رأيت رجلا كان يعمل في هذه المهنة، ويحمل الأقذار على كتفه، وحين وسع ~~الله عليه، اشترى عربة يجرها حمار ليحمل فيها ما ينزحه من تلك المجاري. # وحين وسع الله عليه أكثر، اشترى سيارة فيها ماكينة شفط للقاذورات، ~~وصار يجلس على الكرسي، ويدير " موتور " نزح المجاري لداخل خزان السيارة ~~المخصص لذلك. إذن: فارتباطات المجتمع لا بد أن تنشأ عن حاجة، لا عن ~~تفضل لأن التفضل ليس فيه إلزام بالعمل، لكن الحاجة هي التي فيها إلزام ~~بالعمل لتسير حركة الحياة. ومن يعشق عمله على أي وضع كان، يوفقه الله ~~تعالى فيه أكثر لأنه احترم قدر الله تعالى في نفسه، ولم يستنكف، ويعطيه ~~الله سبحانه كل الخير من هذا العمل، بقدر حبه للعمل وإخلاصه فيه. وإن ~~نظرت إلى العظماء في كل مهنة مهما صغرت، فستجد أن تاريخهم بدأ بقبولهم ~~لقدر الله سبحانه وتعالى فيهم. ونحن نعلم أن قيمة كل امرىء فيما يحسنه ~~ولذلك تجد الأمة مكونة من مواهب متكاملة لا متكررة، حتى يحتاج كل إنسان ~~إلى عمل غيره. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: # ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا.. # [الزخرف: 32]. لأن أحدا لا يسخر الآخر لعمل إلا إذا كان المسخر في ~~حاجة إلى هذا العمل. ولذلك تجد من يطرق بابك ويسأل: ألا تحتاج إلى سائق؟ ~~ألا تحتاج إلى خادم؟ وصاحب الحاجة هو الذي يعرض نفسه لعله يجد العمل الذي ~~يتقنه. ولذلك يجب ألا يتصور أهل أي إنسان أنه حين يخدم في أي حرفة من ~~الحرف أنه يخدم المخدوم، لا.. إنه يخدم حاجة نفسه. وهكذا تترابط الأمة ~~ارتباط حاجات، لا ارتباط تفضل. وقد قال الحق سبحانه وتعالى عن سيدنا ~~إبراهيم عليه السلام: # إن إبراهيم كان أمة.. # [النحل: 120]. لأن هناك مواهب متعددة قد اجتمعت فيه، وهي مواهب لا تجتمع ~~إلا في أمة من الناس. وكلمة " أمة " تطلق على الزمن، وتطلق على الجماعة ~~من كل جنس، وتطلق على الرجل الجامع لكل خصال الخير. ms4784 وهنا يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى ~~أمة معدودة.. } [هود: 8]. وعادة ما تأتي كلمة { معدودة } ~~لتفيد القلة مثل قول الحق سبحانه: # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه ~~من الزاهدين # [يوسف: 20]. وما دام الثمن بخسا فلا بد أن تكون الدراهم معدودة. ~~والسبب في فهمنا لكلمة { معدودة } أنها تفيد القلة، هو أننا لا ~~نقبل على عد شيء إلا مظنة أننا قادرون على عده لأنه قليل، لكن ~~مالا نقبل على عده فهو الكثير. ومثال ذلك: أن أحدا لم يعد الرمل، أو ~~النجوم. ولذلك جاء قول الحق سبحانه: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. # [إبراهيم: 34]. و " إن " - كما نعلم - تأتي للشك، ونعم الله سبحانه ليست ~~مظنة الحصر. ورغم أن البشرية قد تقدمت في علوم الإحصاء فهل تفرغ أحد ~~ليحصي نعم الله؟ طبعا لا. # . وبطبيعة الحال يمكن إحصاء السكان والعاملين في أي مجال أو تخصص. ~~وقديما كان القائمون على فتح صناديق النذور ليحسبوا ما فيها، فيضعوا ~~الورق من فئة المائة جنيه معا، والورق من فئة العشرة جنيهات معا، وكذلك ~~بقية الفئات من الأوراق المالية، إلى أن يصلوا إلى القروش، فيقوموا بوزن ~~كيلو جرام منها، ويحسبوا كم قرشا في الكيلو جرام، ويزنوا بعد ذلك بقية ~~القروش ليحسبوا المجموع على حساب عدد القروش التي حصروها في الكيلو جرام ~~الأول. وقول الحق سبحانه هنا: { ولئن أخرنا عنهم العذاب ~~إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه.. } [هود: 8]. ~~كأنهم يتساءلون سخرية واستهزاء: لماذا يتأخر العذاب الذي توعدهم به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الإنسان لا يتشوق إلى ما يؤلمه، ولا ~~يقال مثل هذا الكلام إلا على سبيل التهكم. ويأتي الرد عليهم بأداة ~~التنبيه، وهي " ألا " أي: تنبهوا إلى هذا الرد. ويقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم.. } [هود: 8]. ~~وهذا تأكيد أن العذاب سيأتي، ولكن العباد دائما يعجلون. والله سبحانه لا ~~يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد، وكل أمر له وقت وله ميلاد، ~~وسيأتيهم ما كانوا يستعجلون لأن الحق سبحانه وتعالى يقول: ms4785 {.. وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزءون } [هود: 8]. وقد جاء تأكيد ~~وصول العذاب إليهم بأشياء: أولها: " ألا " وهي أداة تنبيه، وكذلك قوله ~~سبحانه وتعالى: { يوم يأتيهم } ، وهذا خبر بأن العذاب آت لا ~~محالة لأن الذي يخبر به هو الله سبحانه وتعالى. وأيضا فهذا العذاب: { ~~ليس مصروفا عنهم.. } [هود: 8]. أي: أنه عذاب مستمر. وقول الحق ~~سبحانه وتعالى: {.. وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون } ~~[هود: 8]. يعني: أنه حل بهم ونزل عليهم، ووقع لهم العذاب الذي استهزأوا ~~به من قبل. ونحن نعلم أن كلمة حاق فعل ماض، والكلام على أمر مستعجل، ~~ويعبر عن الأمر المستعجل بالمضارع لأن الفعل المضارع يدل على الحال أو ~~الاستقبال، فكيف يستعجلون أمرا، ويأتي التعبير عنه بالفعل الماضي؟ ولكن ~~القائل هنا هو الله الحق سبحانه وتعالى، والكلام مأخوذ بقانون المتكلم، ~~وكل فعل ينسب إلى قوة فاعله، والله سبحانه هو قوة القوى. وقال الحق ~~سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1]. وكلمة " أتى " في عرفنا اللغوي فعل ماض، أي: أن الكلام جاء ~~من المتكلم بعد وقوع النسبة خارجا، مثلما نقول: " نجح محمد " فهذا يعني ~~أن النجاح قد حدث بالفعل. وحين يقول الله سبحانه: { أتى أمر ~~الله } نفهم أن { أتى أمر الله } نسبة كلامية سبقتها نسبة ~~واقعية. وقوله سبحانه بعد ذلك: { فلا تستعجلوه } يدل على أن ~~الأمر لم يقع، ولكن المتكلم هنا هو الله سبحانه وتعالى. # والمعنى أن الأمر واقع لا محالة ذلك لأن كل فعل إنما ينسب لقوة الفاعل. ~~ومثال ذلك من حياتنا - ولله المثل الأعلى - أنك قد ترغب في أن تنقل حقيبة ~~ضخمة وثقيلة، فيقول ابنك الشاب: دعني أحملها لك، وهو يقول ذلك لأنه قادر ~~على أن يحملها في زمن يناسب قوته. وإن جاءك ابنك الصغير وقال: سأحملها ~~أنا. فهو لن يحمل الحقيبة إلا في مقدار زمن يناسب قوته، وهي قوة ضعيفة. ~~إذن: ففي المجال البشري أنت تحكم على الماضي، وقد يكون الحكم صادقا أو ~~كاذبا، ولكنك بالنسبة لأمر مستقبل، لا تستطيع أن تحكم ms4786 عليه لأنك لا تملك ~~من المستقبل شيئا. أما إذا كان قائل الكلام قادرا على إنفاذ ما يقوله ~~الآن في المستقبل، ولا عائق يعوقه، فاعلم أن الأمر قادم لا محالة. وهنا ~~نجد الإخبار من الله سبحانه وتعالى، ولا شيء في الكون يتأبى على الله ~~سبحانه. وما دام الحق سبحانه قد قال إنه أمر قد أتى، فهو آت لا محالة. ~~ولذلك قال سبحانه: { وحاق بهم.. } [هود: 8]. مع أن السياق في العرف ~~البشري أن يقال: وسيحيق بهم ما كانوا به يستهزئون لأنهم كانوا يستعجلون ~~العذاب. وجاء قول الحق سبحانه وتعالى: { وحاق } لأن الأمر بالنسبة له ~~سبحانه لن يحول بينه وبين وقوعه أي عائق. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ~~ولئن أذقنا الإنسان... }. ### || [11.9] # وهنا أيضا تبدأ الآية الكريمة بقوله سبحانه: { ولئن } وهذا يعني أن ~~اللام قد سبقت لتدل على القسم، وكأنه يقول: لئن أذقنا الإنسان رحمة، ثم ~~نزعناها منه لوقع في اليأس. وهنا أيضا قسم وشرط، والقسم متقدم، فالجواب ~~يكون للقسم. وكلمة { أذقنا } توضح أن الإذاقة محلها الأول الفم، ~~ومعناها: تناول الشيء لإدراك طعمه: حلو أو مر، لاذع أوغير لاذع، قلوي أم ~~حامض. ومن العجيب في دقة التكوين الإنساني أن كل منطقة في اللسان لها طعم ~~تنفعل له، فطرف اللسان ينفعل لطعم معين، ووسط اللسان ينفعل لطعم آخر، ~~وجوانب اللسان تنفعل لطعم ثالث، وهكذا. كل ذلك في عضو واحد شاء له الحق ~~سبحانه هذه الدقة في التركيب. وكل " حلمة " من مكونات اللسان لها شيء ~~تحس به ولذلك نجد الإنسان يذوق الطعام، فيقول: إن هذا الطعام ينقصه ~~الملح، أو يذوق الحلوى - مثل الكنافة - فيقول: إن السكر المحلاة به ~~مضبوط. وكذلك حرارة الجسم، يقيس الإنسان حرارته، فإن وجدها سبعة وثلاثين ~~درجة ونصف الدرجة فيقول: إنها حرارة طبيعية. وإن نقصت حرارة الإنسان عن ~~ذلك يقال: إنه مصاب بالهبوط. وإن ارتفعت يقال: مصاب بالحمى. وهذا قياس ~~للحرارة بالجملة لجسم الإنسان، ولها المنافذ الخاصة بها. ولكن كل عضو في ~~الجسم تلزمه درجة حرارة خاصة به ليؤدي عمله. فالكبد إن ms4787 قلت درجة حرارته ~~عن أربعين درجة لا يؤدي مهمته. وجسم الإنسان فيه جوارح متعددة وحرارة ~~العين مثلا تسع درجات لأنها لو زادت حرارتها عن ذلك لانفجرت العين، ~~وحرارة الأذن ثماني درجات. وأنت لا تستطيع أن تأتي بأشياء مختلفة الحرارة ~~وتضعها مع بعضها، ولكن الحق سبحانه وتعالى شاء ذلك بالنسبة للجسم ~~الإنساني. وهنا يقول الحق سبحانه: { ولئن أذقنا الإنسان.. } ~~[هود: 9]. والذوق هو للإدراك، لا للأكل، فأنت حين تشتري فاكهة يقول لك ~~البائع: " تفضل ذق " فتأخذ واحدة منها لتستطيب طعمها. فالذوق - إذن - ~~هو تناول الشيء لإدراك طعمه. والنعمة حين يشاء الحق سبحانه وتعالى أن ~~تصيب الإنسان، ثم تنزع منه، هنا يصاب الإنسان بالقلق أو الحزن أو ~~الهلع، أو اليأس. والنعمة مهما قلت فالإنسان يستطيبها، وإن نزعت منه ~~فهو يئوس كفور. واليأس: هو قطع الأمل من حدوث شيء، ولأن الإنسان لا يملك ~~الفعل، ولو كان يقدر عليه لما يئس. والمؤمن لا ييأس أبدا لأن الله ~~سبحانه هو القائل: # .. إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون # [يوسف: 87]. اليأس - إذن - هو أن تقطع الأمل من أمر مراد لك، ولا تملك ~~الوسائل لتحققه. والذي ييأس هو الذي ليس له إله يركن إليه لأن الله تعالى ~~هو الركن الرشيد الشديد، والمؤمن إن فقد شيئا يقول: " إن الله ~~سيعوضني خيرا منه ". # أما الذي لا إيمان له بإله فهو يقول: " إن هذه الصدفة قد لا تتكرر مرة ~~أخرى ". فالإنسان الذي يسرق منه جنيه قد يحزن، ولكن إذا ما كان عنده ~~في المنزل عشرة جنيهات فهو يحزن قليلا على الجنيه المفقود. والإنسان لا ~~ييأس إلا عند عدم يقينه بمصدر يرد عليه ما يريده، ولكن حين يؤمن بمصدر ~~يرد عليه ما يريده فلا تجده يائسا قانطا. والمؤمن يعلم أن النعمة لها ~~واهب، إن جاءت شكر الله عليها، وإن سلبت منه، فهو يعلم أن الحق سبحانه ~~قد سلبها لحكمة. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا: { ولئن أذقنا ~~الإنسان منا رحمة.. } [هود: 9]. ونحن نعلم أن الإنسان مقصود ~~به كل أبناء آدم - عليه ms4788 السلام - وهم كثيرون، منهم المؤمن، ومنهم الكافر. ~~وهنا تأتي كلمة " الإنسان " على إطلاقها، ولكن الحق سبحانه وتعالى يستثنى ~~المؤمن في موضع آخر حين يقول الحق سبحانه: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا.. # [العصر: 1-3]. و " الإنسان " مفرد يدل على الإنسان في كل مدلولاته، ~~ويستثنى من نوع الإنسان من آمن به. فإن رأيت كلمة إنسان فاعلم أن المراد ~~بالإنسان أفراد الإنسان كلهم. والإنسان لو عزل نفسه عن منهج الله تعالى ~~فهو في خسران إلا إذا اتبع منهج الله، فالمنهج يحميه من الزلل، وتسير ~~غرائزه إلى ما أراد الحق سبحانه لها. فقد خلق الحق سبحانه الغرائز لمهام ~~أساسية، فغريزة الجوع تجعل الإنسان يطلب الطعام، والعطش أراده الله ~~سبحانه وتعالى لينتبه الإنسان إلى طلب الارتواء بالماء. وغريزة بقاء ~~النوع تدفع الإنسان للزواج، وغريزة حب الاستطلاع هي التي تدفع الإنسان ~~إلى كشف المخترعات. والحق سبحانه وتعالى هو القائل عن الساهين عن استكشاف ~~آيات الله تعالى: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. والباحث العلمي التجريبي المعملي ينظر في ظواهر الكون ~~ليستطلع أسرار الكون. وهناك فارق بين حب الاستطلاع لاكتشاف أسرار الكون، ~~وحب الاستطلاع لأخبار الناس. إن حب الاستطلاع عموما هو مدار التقاءات ~~الكون، ولكن الدين والخلق هو الذي يوجه حب الاستطلاع. إذن: فالقرائن لها ~~مهمة يجب ألا تنفلت إلى غيرها، والدين قد جاء ليعلي من الغرائز ويوجهها ~~إلى مهامها. لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول: # ولا تجسسوا.. # [الحجرات: 12]. أي: لا تتبعوا العورات لأننا لو أبحنا لواحد أن يتتبع ~~عورات الناس لأبحنا لكل الآخرين أن يتتبعوا عوراته. وحين منع الحق - ~~سبحانه وتعالى - الإنسان من تتبع عورات غيره، فهو قد حماه من تتبع ~~عوراته. وهنا يقول الحق سبحانه: { ولئن أذقنا الإنسان منا ~~رحمة ثم نزعناها منه. # . } [هود: 9]. وكلمة " النزع " تفيد أن الإنسان حريص على ما وهبه له ~~الله تعالى من خير وصحة وعافية ويسر. وحين تؤخذ منه النعمة فهو يقاوم. ~~والنزع يعني: استمساك المنزوع منه بالشيء المنزوع. ولذلك يقول ms4789 الحق ~~سبحانه في سورة آل عمران: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء.. # [آل عمران: 26]. كأن الموجود في الملك يتشبث به جدا. وهنا يقول الحق ~~سبحانه: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم ~~نزعناها منه إنه ليئوس كفور } [هود: 9]. وفي نفس ~~السورة يأتي الاستثناء، فيقول الحق سبحانه: # إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك ~~لهم مغفرة وأجر كبير # [هود: 11]. وسنأتي لها بالخواطر من بعد ذلك. ويقول الحق - سبحانه وتعالى ~~- في المقابل لمن نزعت منه الرحمة واليئوس الكفور: { ولئن ~~أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته... }. ### || [11.10] # وهنا نجد الضراء هي الموجودة، والنعماء هي التي تطرأ، عكس الحالة ~~الأولى، حيث كانت الرحمة - من خير ويسر - هي الموجودة. فالنزع في الأولى ~~طرأ على رحمة موجودة، والنعماء طرأت على ضراء موجودة. وهناك فرق بين ~~نعماء ونعمة، وضراء وضر فالضر هو الشيء الذي يؤلم النفس، والنعمة هي ~~الشيء الذي تتنعم به النفس. لكن التنعم والألم قد يكونان في النفس، ولا ~~ينضح أي منهما على الإنسان، فإن نضح على الإنسان أثر النعمة يقال فيها " ~~نعماء " ، وإن نضح عليه أثر من الضر يقال: " ضراء ". وهنا يقول الحق ~~سبحانه: { ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته ~~ليقولن ذهب السيئات عني.. } [هود: 10]. ولا يفطن من ~~يقول ذلك إلى المذهب الذي أذهب السيئات لأن السيئة لا تذهب وحدها. ~~ولو كان القائل مؤمنا لقال: رفع الله عني السيئات. لكنه غير مؤمن ولذلك ~~يغرق في فرح كاذب وفخر لا أساس له. ويصفه الحق سبحانه وتعالى بقوله: {.. ~~إنه لفرح فخور } [هود: 10]. وكأن الفرح بالنعمة أذهله عن ~~المنعم، وعمن نزع منه السيئة. وأما الفخر، فنحن نعلم أن الفخر هو ~~الاعتداد بالمناقب، وقد تجد إنسانا يتفاخر على إنسان آخر بأن يذكر له ~~مناقب وأمجادا لا يملكها الآخر. ونحن نعلم أن التميز لفرد ما يوجد في ~~المجتمع، ولكن أدب الإيمان يفرض ألا يفخر الإنسان بالتميز. ولذلك نجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ". # وفي أحدى المعارك نجده ms4790 صلى الله عليه وسلم يقول: # " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ". # وقد اضطر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك لأن الكافرين في تلك ~~المعركة ظنوا أنهم حاصروه هو ومن معه وأنه سوف يهرب، لكنه صلى الله عليه ~~وسلم بشجاعته أعلن: # " أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب " # وكان أقرب المسلمين إلى مكان الأعداء الكافرين وفي مواجهتهم. ونحن نجد ~~المتصارعين أو المتنافسين، واحدهم يدخل على الآخر بصوت ضخم ليهز ثقة ~~الطرف الآخر بنفسه. والفخور إنسان غائب بحجاب الغفلة عن واهب المناقب ~~التي يتفاخر بها، ولو كان مستحضرا لجلال الواهب لتضاءل أمامه، ولو اتجهت ~~بصيرة المتكبر والفخور إلى الحق سبحانه وتعالى لتضاءل أمامه، ولرد كل ~~شيء إلى الواهب. ومثال ذلك في القرآن الكريم هو قول الحق سبحانه على لسان ~~صاحب موسى عليهما السلام: # وما فعلته عن أمري.. # [الكهف: 82]. وهذا سلوك العابد المتواضع. أما حال الفخورين اللاهين عن ~~الحق سبحانه وتعالى، فقد صوره القرآن في قول قارون: # إنمآ أوتيته على علم عندي.. # [القصص: 78]. وكان مصيره هو القول الحق: # فخسفنا به وبداره الأرض.. # [القصص: 81]. ولذلك قلنا: إنك تحصن كل نعمة عندك بقولك عند رؤيتها: " ~~بسم الله ما شاء الله " لتتذكر أن هذه النعمة لم تأت بجهدك فقط، ولكنها ~~جاءت لك أولا بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وذلك لتبقي عين الواهب حارسة ~~للنعمة التي عندك. أما حين تنسى الواهب فلن يحفظ تلك النعمة لك. ونحن ~~نلحظ أن الحق سبحانه وتعالى لم يمنع الفرح المنبعث عن انشراح الصدر ~~والسرور بنعمة الله بل طلبه منا في قوله سبحانه: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا.. # [يونس: 58]. ولكن الحق سبحانه يطلب من المؤمن أن لا يكون الفرح المنبعث ~~لأتفه الأسباب، والملازم له، وإلا كان من الفرحين الذين ذمهم الله تعالى. ~~يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { إلا الذين صبروا ~~وعملوا الصالحات... }. ### || [11.11] # وكلمة { صبروا } هنا موافقة للأمرين الذين سبقا في الآيتين ~~السابقتين، فهناك نزع الرحمة، وكذلك هناك " نعماء " من بعد " ضراء " ، ~~وكلا الموقفين يحتاج ms4791 للصبر لأن كلا منا مقدور للأحداث التي تمر به، ~~وعليه أن يصبر لملحظية حكمة القادر سبحانه. وبدأ الحق سبحانه وتعالى هذه ~~الآية بالاستثناء، فقال جل وعلا: { إلا الذين صبروا.. } [هود: ~~11]. ولولا هذا الاستثناء لكان الكل - كل البشر - ينطبق عليهم الحكم ~~الصادر في الآيتين السابقتين، حكم باليأس والكفر، أو الفرح والفخر دون ~~تذكر واهب النعم سبحانه. ولكن هذا الاستثناء قد جاء ليطمئن الذين ~~صبروا على ما قد يصيبهم في أمر الدعوة، أو ما يصيبهم في ذواتهم لا من ~~الكافرين لكن بتقدير العزيز العليم. أو أنهم صبروا عن عمل إخوانهم ~~المؤمنين. إذن: فالصبر معناه حد النفس بحيث ترضى عن أمر مكروه نزل بها. ~~والأمر المكروه له مصادر عدة، منها: * أمر لا غريم لك فيه كالمرض مثلا. ~~* أو أن يكون لك غريم في الأمر كأن يسرق منك متاع، أو يعتدى عليك، وفي ~~هذه الحالة تنشغل برغبة الانتقام، وتتأجج نفسك برغبة النيل من هذا ~~الغريم، أكثر مما تتأجج في حالة عدم وجود الغريم، فحين يمرض الإنسان فلا ~~غريم له. وفي حالة الرغبة من الانتقام فالصبر يختلف عن الصبر في حالة ~~وجود الغريم. ولذلك عرض الحق سبحانه وتعالى لتأتي الصبر حسب هذه ~~المراحل، فسيدنا لقمان يقول لابنه: # .. واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17]. وفي موضع آخر يقول الحق سبحانه: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. وفي هذه الآية " لام " التوكيد لتؤكد أن هذا الأمر يحتاج ~~إلى عزم قوي لأن لي فيها غريما يثير غضبي. فساعة أرى من ضربني أو أهانني ~~أو سرقني أو أساء إلي إساءة بالغة، فالأمر هنا يحتاج صبرا وقوة ~~وعزيمة. أما في الحالة الأولى - حالة عدم وجود غريم - فالحق سبحانه يكتفي ~~فقط بالقول الكريم: # واصبر على مآ أصابك.. # [لقمان: 17]. ولكنه سبحانه أضاف في الآية الأخرى " اللام " لتأكيد ~~العزم، وليضيف سبحانه في حالة وجود غريم طلب الغفران، فيقول سبحانه: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. وهكذا نجد المستثنى، وهم الصابرون على ألوانهم المختلفة. ms4792 ~~وهنا يقول سبحانه: { إلا الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات.. } [هود: 11]. وما دام هنا صبر، فالصبر لا يكون إلا على ~~إيذاء. ولكن إياك أن يكون الإيذاء من خصمك في الإيمان، أو من خصمك في ما ~~دون الإيمان، صارفا لك عن نشاطك في طاعة الله سبحانه لأن الصبر لا يعني ~~أن تكبت غضبك وتعذب نفسك بهذا الكبت بما يصرفك عن مهامك في الحياة، بل ~~يسمح لك الحق سبحانه أن تتخلص من غلك وحقدك، بمعايشة الإيمان الذي ~~يخفف من غلواء الغضب. # ولكسر حدة الغل أباح لك الحق سبحانه وتعالى أن تعتدي على من اعتدى عليك ~~بمثل ما اعتدى لأنه سبحانه وتعالى لا يريد لك أن تظل في حالة غليان ~~بالغضب أو القهر بما يمنعك من العمل، بل يريد الحق سبحانه أن تتوجه ~~بطاقاتك إلى أداء عملك. ولذلك لا يلزمك الحق سبحانه إلا بحكم العدل فيقول ~~عز وجل: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم.. # [البقرة: 194]. ولكن هناك القادر على التحكم في نفسه، ولذلك يقول الحق ~~سبحانه: # والكاظمين الغيظ.. # [آل عمران: 134]. ومعنى كظم الغيظ: أن الغيظ موجود، لكن صاحبه لا يتحرك ~~بنزوع انتقامي، مثلما تقول: " كظمت القربة " لأن حامل القربة لو لم ~~يكظم الماء فيها، لتفلت الماء منها، أي: أنه يحبس الماء فيها. وكظم ~~الغيظ درجة ومنزلة، قد لا تكون إيجابية لأن الغيظ ما زال موجودا ولذلك ~~تأتي مرحلة أرقى، وتتمثل في قول الحق سبحانه: # والعافين عن الناس.. # [آل عمران: 134]. أي: أن تخرج الغيظ من قلبك وتتسامح. إذن: فأنت هنا ~~أمام مراحل ثلاث: أن ترد الاعتداء عليك بمثله، والمثلية في رد ~~الاعتداء أمر لا يمكن أن يتحقق، فمن صفعك صفعة، كيف تستطيع أن تضبط كمية ~~الألم في الصفعة التي تردها إليه؟ إن المتحكم في رد الاعتداء هو الغضب، ~~والغضب لا يقيس الاعتداء بمثله، فلا يتحقق العدل المطلوب لهذا يكون الصبر ~~خيرا مصداقا لقوله تعالى: # .. ولئن صبرتم لهو خير للصابرين # [النحل: 126]. فإن أزدت من قوة صفعتك تكون معتديا. ولعلنا نذكر مسرحية ~~" تاجر البندقية " لشكسبير، ms4793 وبطلها هذا التاجر اليهودي الذي أقرض رجلا ~~مالا، وكان صك القرض يفرض أن يقتطع اليهودي رطلا من لحم المقترض إن ~~تأخر في السداد. وتأخر المقترض في السداد، وأراد المرابي اليهودي أن ~~يقتطع رطلا من لحم المقترض، وعرض الأمر على القاضي، وكان القاضي رجلا ~~حكيما، وأراد أن يصدر حكما يتلمس فيه العدالة، فقال القاضي: لا مانع أن ~~تأخذ رطلا من لحم الرجل هات السكين، واقطع رطلا واحدا بلا زيادة أو ~~نقصان لأننا سنأخذ مقابل تلك الزيادة من لحمك أنت بنفس السكين، وكذلك إن ~~قطعت من اللحم ما يقل عن الرطل، فسنقطع الناقص لك من لحمك أنت عقابا لك. ~~وتردد المرابي اليهودي لأن الجزار - أي جزار - لا يمكن أن يضبط يده ~~ليقطع رطلا مكتمل الوزن، بل يقطع أحيانا ما يزيد عن الوزن المطلوب، ~~ويقطع أحيانا ما يقل عن الوزن المطلوب، ثم يكمل أو ينقص الوزن حسب كل ~~حالة. # وانسحب المرابي اليهودي وتنازل عن دعواه، والذي دفعه إلى ذلك هو عدم ~~قدرته على أخذ المثل، فلو كان قد ارتقى قليلا في مشاعره لما وصل إلى هذا ~~الحكم. والحق سبحانه وتعالى يحضنا على أن نرد العدوان بمثله، وإن أردنا ~~الارتقاء فلنكظم الغيظ، وإن أردنا الارتقاء أكثر فلنخرج الغيظ من القلب ~~ولنكن من العافين عن الناس لننال محبة الله تعالى، لأنه سبحانه يقول: # .. والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. وفي هذا يرتقي المؤمن بمنهج الله سبحانه، فيجعل ~~المعتدى عليه هو الذي يحسن. وحين تريد أن تفسر حب الله سبحانه للمحسنين ~~فلسفيا أو منطقيا أو اقتصاديا، ستجد القضية صحيحة، والله سبحانه ~~وتعالى يقول: # وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله ~~لكم.. # [النور: 22]. فإن أساء أخوك إليك سيئة، فإما أن ترد بالمثل، أو تكظم ~~الغيظ أو ترقى إلى العفو، وبذلك تكون من المحسنين لأنك إذا كنت قد ارتكبت ~~سيئة، وعلمت أن الله سبحانه وتعالى يغفرها لك، ألا تشعر بالسرور؟ إذن: ~~فما دمت تريد أن يغفر الله تعالى لك السيئة عنده، فلماذا لا تعفو ms4794 عن ~~سيئة أخيك في حقك؟ وقول الحق سبحانه: # ألا تحبون أن يغفر الله لكم.. # [النور: 22]. وقد جاء الحق سبحانه هنا من ناحية النفس، فجعل عفو العبد ~~عن سيئة العبد بحسنة، فلعفو العبد ثمن عند الله تعالى لأن العبد سيأخذ ~~مغفرة الله تعالى، وفوق ذلك فأنت تترك عقاب المسيء والانتقام منه لربك، ~~وعند التسليم له راحة. ولو اقتصصت أنت ممن أساء إليك، فقصاصك على قدر ~~قوتك، أما إن تركته إلى قدرة الله تعالى، فهذا أصعب وأشق لأنك تركته إلى ~~قوة القوي. وهكذا ينال العافي عن المسيء مرتبة راقية لأنه جعل الله - ~~سبحانه وتعالى - في جانبه. وهناك من يقول: كيف يأمر الدين الناس بأن ~~يحسنوا لمن أساء إليهم؟ ويعلل ذلك بأنه أمر ضد النفس. ونقول: إن الإحسان ~~إلى المسيء هو مرحلة ارتقاء، وليست تكليفا أصيلا لأن الحق سبحانه قد ~~أباح أن نرد العدوان بمثله، ثم حث المؤمن على أن يكظم غيظه، أو يرتقي ~~إلى العفو وأن يصل إلى الإحسان، وكل هذه ارتقاءات اليقين بالله سبحانه ~~وتعالى. وانظر إلى نفسك - ولله المثل الأعلى ومنزه سبحانه عن كل مثل ~~- إن أردت أن تطبق الأمر على ذاتك حين تجد ولدا من أولادك قد اعتدى على ~~أخيه، فقلبك وعواطفك وتلطفاتك تكون مع المعتدى عليه. ومن يقول: كيف ~~يكلفني الشرع بأن أحسن إلى من أساء إلي؟ نقول له: تذكر قول الحسن ~~البصري رضي الله عنه: " أفلا أحسن لمن جعل الله في جانبي ". ولو طبق ~~العالم هذه القاعدة بيقين وإخلاص لصارت الحياة على الأرض جنة معجلة، ~~التسامح، قوامها القرب، ومنهجها الحب. وهنا في الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه وتعالى: { إلا الذين صبروا ~~وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر ~~كبير } [هود: 11]. وإن تسأل أحد: ولماذا ينالون المغفرة؟ نقول: لأنهم ~~صبروا وغفروا لذلك يهديهم الله تعالى مغفرة من عنده، لأنه صبر على ~~الإساءة، وغفر لمن أساء، فلا بد أن يثيبه الله تعالى، لا بالمغفرة فقط، ~~ولكن بالأجر الكبير أيضا. ويقول سبحانه بعد ذلك: { فلعلك تارك ~~بعض ms4795 ما يوحى إليك وضآئق به صدرك... }. ### || [11.12] # وهنا نجد الحق سبحانه يأتي بصيغة الاستفهام في قوله تعالى: { ~~فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك.. } [هود: 12]. وهو ~~استفهام في معرض النهي. ولله المثل الأعلى - أنت قد تقول لابنك لتحثه ~~على الاجتهاد: " لعلك سررت من فشل فلان " وفحوى هذا الخطاب، ~~استفهام في معرض النهي، وهو استفهام يحمل الرجاء. وهنا تجد أن الراجي هو ~~ربك - سبحانه وتعالى - الذي أرسلك بالدعوة. ولذلك يأتي قول الحق سبحانه ~~مبينا: لا يضيق صدرك يا رسول الله من هؤلاء المتعنتين، الذين يريدون ~~أن يخرجوك عن مقامك الذي تلح دائما في التأكيد عليه، فأنت تؤكد لهم ~~دائما أنك بشر، وكان المفروض فيهم أن تكون مطلوباتهم منك على مقدار ما ~~أقررت على نفسك، فأنت لم تقل أبدا عن نفسك إنك إله، ليطلبوا منك آيات ~~تخالف النواميس، بل أنت مبلغ عن الله تعالى. وإياك أن يضيق صدرك فلا ~~تبلغهم شيئا مما أنزل إليك لأن البلاغ هو الحجة عليهم، فلو ضاق ~~صدرك منهم، وأنقصت البلاغ الموكل إليك لأنهم كلما أبلغوا بآية ~~كذبوها، فاعلم أن الله سبحانه وتعالى سوف يزيد عقابهم بقدر ما ~~كذبوا. وكلمة " ضائق " اسم فاعل، ويعني أن الموصوف به لن يظل محتفظا ~~بهذه الصفة لتكون لازمة له، ولكنها تعبر عن مرحلة من المراحل، مثلما ~~نقول: " فلان ناجر " أي: أنه قادر على القيام بأعمال النجارة مرة ~~واحدة - أو قليلا - ولا يحترف هذا العمل. وكذلك كلمة " ضائق " وهي ~~تعبر في مرحلة لا أكثر من فرط ما قابلوا الرسول صلى الله عليه وسلم ~~من إنكار، وما طالبوا به من أشياء تخرج عن نطاق إنسانيته، فقد طالبوا هنا ~~أن ينزل عليه كنز. وقد جاء الحق سبحانه بذكر مسألة الكنز ليدلنا على ~~مدى ما عندهم من قيم الحياة، فقيمة القيم عندهم تركزت في المال ولذلك ~~تمنوا لو أن هذا القرآن قد نزل على واحد من الأثرياء، مصداقا لقول ~~الحق سبحانه: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إذن: فلم يكن اعتراضهم على ms4796 القرآن، بل على من نزل عليه ~~القرآن. وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها، طلبوا أن ينزل ~~إليه كنز، وقد ظنوا أن الثراء سيلهيه هو ومن معه عن الدعوة إلى الله ~~تعالى ونسوا أنهم قد عرضوا الثروة عليه من قبل. وهكذا وضح لمن عرض عليه ~~هذا الأمر أن مسألة الكنز لا تشغله صلى الله عليه وسلم. والكنز - ~~لغويا - هو الشيء المجتمع، فإن كانت الماشية - مثلا - مليئة باللحم ~~يقال لها: " مكتنزة لحما " ولكن كلمة " الكنز " أطلقت على الشيء ~~الذي هو ثمن لأي شيء، وهو الذهب. # ولذلك قال الحق سبحانه: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم.. # [التوبة: 34]. ونحن نعلم أن هناك فارقا بين الرزق المباشر والرزق غير ~~المباشر، فالرزق الغير مباشر هو ما تنتفع به، طعاما أو شرابا، وهناك ~~شيء يأتي لك بالرزق الغير مباشر لكنه لا يغني عن الرزق المباشر المستمر. ~~فلو أن إنسانا في صحراء ومعه قناطير مقنطرة من الذهب، ولا يجد طعاما ~~ولا شربة ماء، ماذا يفعل له الذهب؟ ولو عرض عليه إنسان آخر رغيف خبز ~~وشربة ماء مقابل كل ما يملك من ذهب لوافق على الفور. وهنا لا يكون ~~التقييم أن قنطار الذهب مقابل الرغيف وشربة الماء، ولكن قنطار الذهب هنا ~~مقابل استمرار الحياة وضرورة الحاجة. إذن: معنى كلمة " كنز " هو نقد من ~~الذهب والفضة مجتمعا، ويقال عنه بالعامية عندنا في مصر: " نقود تحت ~~البلاطة " ، ولكن إذا أدى صاحب هذا النقد حق الله تعالى فيما ~~ادخره، لا يعتبر كنزا لأن الشرط في الكنز أن يكون مخفيا، ~~والزكاة التي تخرج من المال المدخر توضح للمجتمع أن صاحب المال لا ~~يخفى ما عنده. ولذلك لا يسمى الكنز إلا للشيء المجتمع وممنوع ~~منه حق الله تعالى، فإن أدى حق الله سبحانه فقد رفعت عنه ~~الكنزية لأن الحق سبحانه وتعالى يقول: # .. والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم # [التوبة: 34]. ومن هذا القول الكريم نفهم أن من يملك مالا ويؤدي ~~حق ms4797 الله فيه، لا يعتبر كنزا، وحين تنقص الزكاة المال في ظاهر ~~الأمر، فهي تدفع الإنسان إلى أن يحسن استثمار هذا المال حتى لا يفقده ~~على مدار أربعين عاما، بحكم أن زكاة المال هي اثنان ونصف في المائة ~~ولذلك يحاول صاحب المال أن يثمره، وهو بذلك يهيىء فرصة لغير واجد ~~وقادر لأن يعمل، وبذلك تقل البطالة. وقد تكون أنت صاحب المال لكنك لا ~~تفهم أسرار التجارة والصناعة، فتشارك من يفهم في التجارة أو الصناعة، ~~وبذلك تفتح أبواب فرص عمل لمن لا عمل له وقادر على إدارة العمل. هذه هي ~~إرادة الحق سبحانه وتعالى في أن يجعل من تكامل المواهب نماء وزيادة، ~~تكامل مواهب الوجد - النقود - ومواهب الجهد، وبين الوجد والجهد تنشأ ~~الحركة، ويتفق صاحب المال مع صاحب الجهد على نسب الربح حسب العرض والطلب ~~لأن كل تبادل إنما يخضع لهذا الأمر - العرض والطلب - لأن مثل هذا التعاون ~~بين الواجد والقادر ينتج سلعة، والسلعة لا هوى لها، ولكن من يملك ~~السلعة ومن يشتري السلعة لهما هوى، فمالك السلعة يرغب في البيع بأعلى ~~سعر، ومن يرغب في شراء السلعة يريدها بأقل سعر، لكن السلعة نفسها لا هوى ~~لها. # وما دام العرض والطلب هو الذي يتحكم في السلع، فهذا توازن في ميزان ~~الاقتصاد. وعلى سبيل المثال: إن عرضت اللحوم بسعر مرتفع، فكبرياء الذات ~~في النفس البشرية تدفع غير القادر لأن يقول: إن تناول اللحم يرهقني ~~صحيا. ويتجه إلى الأطعمة الأخرى التي يقدر على ثمنها لأن السلعة هي ~~التي تتحكم، أما إذا تدخل أحد في تسعير السلع، بأن اكتنز المال، ولم ~~يخرجه للسوق لاستثماره، حينئذ تختفي قدرة الحركة لصاحب المال، ولا يجد ~~صاحب الموهبة مجالا لإتقان صنعته. وقول الحق سبحانه وتعالى في هذه ~~الآية: { لولا أنزل عليه كنز أو جآء معه ملك.. } ~~[هود: 12]. فكلمة " لولا " - كما نعلم - للتمني، وهم تمنوا الكنز أولا، ~~ثم طلبوا مجيء ملك، وكيف ينزل الملك؟ أينزل على خلقته أم على ~~خلقته بأن يتجسد على هيئة رجل؟ والحق سبحانه وتعالى يقول: # ولو ms4798 جعلناه ملكا لجعلناه رجلا.. # [الأنعام: 9]. وإن نزل الملك على هيئة رجل فكيف يتعرفون إلى أصله ~~كملك؟ وهذا غباء في الطلب. وأيضا قال الحق سبحانه وتعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا * قل لو ~~كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ~~عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 94-95]. ولو أنزله الحق سبحانه ملكا فسوف يكون من نفس ~~طبيعتهم البشرية، وسوف يلتقي بهم ويتكلم معهم، ولن يستطيعوا تمييزه عن ~~بقية الناس وسوف يكذبونه أيضا. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا ~~عنها يقول الحق سبحانه ردا له عن هذا الطلب: { إنمآ أنت ~~نذير.. } [هود: 12]. وهذا الكلام موجه من الله سبحانه للرسول صلى ~~الله عليه وسلم ليلقنه الحجة التي يرد بها عليهم، وقد قال لهم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عن نفسه إنه نذير وبشير، وقد طلب غيركم الآيات، وحين ~~جاءت الآيات التي طلبوها لم يؤمنوا، بل ظلوا على تكذيبهم فنكل الحق ~~سبحانه بهم. إذن: فالعناد بالكفر لا ينقلب إلى إيمان بمجرد نزول الآيات، ~~والحق سبحانه هو القائل: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون.. # [الإسراء: 59]. أي: أن الآيات التي طلبها الكافرون لم يأت بها الله ~~سبحانه لأن الأولين قد كذبوا بها ولذلك يبلغ الحق سبحانه رسوله صلى ~~الله عليه وسلم هنا بقوله: { إنمآ أنت نذير.. } [هود: 12]. وهو ~~صلى الله عليه وسلم قد نزل عليه القرآن بالنذارة والبشارة. وينهي الحق ~~سبحانه وتعالى الآية بقوله: {.. والله على كل شيء وكيل } ~~[هود: 12]. وأنت حين توكل إنسانا في البيع والشراء والهبة والنقل، ~~وله حرية التصرف في كل ما يخصك، وترقب سلوكه وتصرفه، فإن أعجبك ظللت ~~على تمسكك بتوكيله عنك، وإن لم يعجبك تصرفه فأنت تلغي الوكالة، هذا ~~في المجال البشري، أما وكالة الله سبحانه وتعالى على الخلق فهي باقية ~~أبدا، وإن أبى الكافرون منهم. يقول الحق سبحانه بعد ذلك: { أم ~~يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور... }. ### || [11.13] # وفي قول الحق سبحانه وتعالى هنا بيان ms4799 للون آخر من مصادمة الكافرين ~~لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم والإيمان به، فقالوا: إن محمدا قد ~~افترى القرآن. والافتراء: هو الكذب المتعمد، ومعنى الكذب المتعمد أنه ~~كلام يخالف واقعا في الكون. فإذا كان الواقع نفيا وأنت قلت قضية ~~إثبات تكون قد خالفت الواقع، كأن يوجد في الكون شر ما ثم تقول أنت: لا ~~يوجد شر في هذا المكان، وهكذا يكون الواقع إيجابا والكلام نفيا. ~~وكذلك أن يكون في الواقع نفي وفي الكلام إيجاب، فهذا أيضا كذب لأن ~~الصدق هو أن تتوافق القضية الكلامية مع الواقع الكوني، فإن اختلفت مع ~~الواقع الكوني صار الكلام كاذبا. والكذب نوعان: نوع متعمد، ونوع غير ~~متعمد. والكذب خرق واقع واختلاق غير موجود. ويقال: خرقت الشيء أي: أنك ~~أتيت لواقع وبدلت فيه. والحق سبحانه وتعالى يقول: # وخرقوا له بنين وبنات بغير علم.. # [الأنعام: 100]. ويقول أيضا الحق سبحانه: # وتخلقون إفكا.. # [العنكبوت: 17]. أي: تأتون بشيء من عدم، وهو من عندكم فقط. ويقول الله ~~سبحانه تعالى: # .. وإن هم إلا يخرصون # [الأنعام: 116]. وحين اتهموا محمدا صلى الله عليه وسلم بهتانا بأنه ~~افترى القرآن جاء الرد من القرآن الكريم بمنتهى البساطة، فأنتم - معشر ~~العرب - أهل فصاحة وبلاغة، وقد جاء القرآن الكريم من جنس ونوع نبوغكم، ~~وما دمتم قد قلتم: إن محمدا قد افترى القرآن، وأن آيات القرآن ليست من ~~عند الله، فلماذا لا تفترون مثله؟ وما دام الافتراء أمرا سهلا بالنسبة ~~لكم، فلماذا لا تأتون بمثل القرآن ولو بعشر سور منه؟ وأنتم قد عشتم مع ~~محمد منذ صغره، ولم يكن له شعر، ولا نثر، ولا خطابة، ولا علاقة له ~~برياضاتكم اللغوية، ولم يزاول الشعر أو الخطابة، ولم يشترك في أسواق ~~البلاغة والشعر التي كانت تعقد في الجاهلية مثل سوق عكاظ. وإذا كان من ~~لا رياضة له على الكلام ولا على البلاغة، قد جاء بهذا القرآن فليكن ~~لديكم - وأنتم أهل قدرة ودربة ورياضة على البلاغة أن تأتوا ببعض من ~~مثله، وإن كان قد افترى القرآن فلماذا لا تفترون مثله؟ وأنتم ms4800 تعرفون ~~المعارضات التي تقام في أسواق البلاغة عندكم، حين يقول شاعر قصيدة، ~~فيدخل معه شاعر أخر في مباراة ليلقي قصيدة أفضل من قصيدة الشاعر الأول، ~~ثم تعقد لجان تحكيم تبين مظاهر الحسن ومظاهر السوء في أي قصيدة. ~~ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن - كما تقولون - فأين ~~أنتم؟ ألم تعرفوه منذ طفولته؟ ولذلك يأمر الحق سبحانه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يقول: # قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. فهل أثر عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال شعرا أو ~~ألقى خطبة أو تبارى في عكاظ أو المربد أو ذي المجاز أو المجنة، ~~وتلك هي أسواق البلاغة ومهرجاناتها في تلك الأيام؟ هو لم يذهب إلى تلك ~~الأماكن منافسا أو قائلا. إذن: أفليس الذين تنافسوا هناك أقدر منه على ~~الافتراء؟ ألم يكن امرؤ القيس شاعرا فحلا؟ لقد كان، وكان له نظير ~~يعارضه. وكذلك كان عمرو بن كلثوم، والحارث بن حلزة اليشكري، كما جاء ~~في عصور تالية آخرون مثل: جرير والفرزدق. إذن: فأنتم تعرفون من يقولون ~~الشعر ومن يعارضونهم من أمثالهم من الشعراء. إذن: فهاتوا من يفتري ~~مثل سور القرآن، فإن لم تفتروا، فمعنى ذلك أن القرآن ليس افتراء. ولذلك ~~يقول الحق سبحانه هنا: { أم يقولون افتراه قل فأتوا ~~بعشر سور مثله مفتريات.. } [هود: 13]. فهل كانوا ~~قادرين على قبول التحدي، بأن يأتوا بعشر سور من مثل القرآن الكريم في ~~البيان الآسر وقوة الفصاحة وأسرار المعاني؟ لقد تحداهم بأن يأتوا - ~~أولا - بمثل القرآن، فلم يستطيعوا، ثم تحداهم بأن يأتوا بعشر سور، فلم ~~يستطيعوا، وتحداهم بأن يأتوا بسورة، ثم تحدى أن يأتوا ولو بحديث ~~مثله، فلم يستطيعوا. وهنا جاء الحق سبحانه بالمرحلة الثانية من التحدي، ~~وهو أن يأتوا بعشر سور، ولم يكتف الحق سبحانه بذلك، بل طالبهم أن ~~يدعوا مجمعا من البلغاء، فقال سبحانه: { وادعوا من ~~استطعتم من دون الله.. } [هود: 13]. أي: هاتوا كل شركائكم ~~وكل ms4801 البلغاء، من دون الله تعالى. الحق سبحانه وتعالى هنا يقطع عليهم ~~فرصة الادعاء عليه سبحانه حتى لا يقولوا: سوف ندعو الله ولذلك طالبهم ~~الحق سبحانه أن يجنبوه { وادعوا من استطعتم من دون ~~الله إن كنتم صادقين } [هود: 13]. أي: إن كنتم صادقين في أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن، وبما أنكم أهل ريادة في ~~الفصاحة فلتفتروا عشر سور من مثل القرآن، أنتم ومن تستطيعون ~~دعوتهم من الشركاء. لذلك كان الرد الحكيم من الله في قول الحق سبحانه بعد ~~ذلك: { فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا... }. ### || [11.14] # والخطاب هنا موجه إلى الذين ادعوا أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد افترى القرآن، أو أن الخطاب موجه لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لأن الحق سبحانه وتعالى قال في الآية السابقة: { قل فأتوا ~~بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم ~~من دون الله إن كنتم صادقين * فإلم يستجيبوا ~~لكم.. } [هود: 13-14]. أي: إن لم يردوا على التحدي، فليعلموا ~~وليتيقنوا أن هذا القرآن هو من عند الله تعالى، بشهادة الخصوم منهم. ~~ولماذا عدل الحق سبحانه هنا الخطاب، وقال: { فإلم يستجيبوا ~~لكم.. } [هود: 14]. أي: من تدعونهم، ثم قال سبحانه: { فاعلموا ~~أنمآ أنزل بعلم الله.. } [هود: 14]. وقد قال الحق سبحانه ~~ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مطالب بالبلاغ وما بلغه الرسول صلى ~~الله عليه وسلم للمؤمنين مطلوب منه أن يبلغوه، وإن لم يستجيبوا للرسول ~~صلى الله عليه وسلم أو للمؤمنين، ولم يأت أحد مع من يتهم القرآن بأنه ~~مفترى من محمد. وقد يكون هؤلاء الموهوبون خائفين من التحدي لأنهم ~~عرفوا أن القرآن حق، وإن جاءوا ليفتروا مثله فلن يستطيعوا، ولذلك فاعلموا ~~- يا من لا تؤمنون بالقرآن - أن القرآن: { أنمآ أنزل بعلم ~~الله.. } [هود: 14]. إذن: فالخطاب يكون مرة - موجها للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ولأمته. ولذلك عدل الحق سبحانه عن ضمير الإفراد إلى ~~ضمير الجمع في قوله تعالى: { فإلم يستجيبوا لكم ~~فاعلموا أنمآ أنزل بعلم الله.. } [هود: 14]. أي: ~~ازدادوا علما أيها المؤمنون بأن القرآن ms4802 إنما نزل من عند الله. والعلم ~~- كما نعلم - مراحل ثلاث: علم يقين، وعين يقين، وحق يقين. أو أن الخطاب ~~موجه للكافرين الذين طلب القرآن منهم أن يدعوا من يستطيعون دعاءه ~~ليعاونهم في معارضة القرآن: { فاعلموا أنمآ أنزل بعلم ~~الله.. } [هود: 14]. وأعلى مراتب العلم عند الحق سبحانه الذي يعلم ~~كل العلم أزلا، وهو غير علمنا نحن، الذي يتغير حسب ما يتيح لنا الله ~~سبحانه أن نعلم، فأنت قد تكون عالما بشيء وتجهل أشياء، أوعلمت شيئا ~~وغابت عنك أشياء. ولذلك تجد الأطباء، وأصحاب الصناعات الدقيقة وغيرهم من ~~الباحثين والعلماء يستدرك بعضهم البعض، فحين يذهب مريض لطبيب مثلا ويصف ~~له دواء لا يستجيب له، فيذهب المريض إلى طبيب آخر، فيستدرك على الطبيب ~~الأول، فيصف دواء، وقد لا يستجيب له المريض مرة ثانية، وهنا يجتمع ~~الأطباء على هيئة " مجمع طبي " يقرر ما يصلح أو لا يصلح للمريض. ~~ويستدرك كل منهم على الآخر إلى أن يصلوا إلى قرار، والذي يستدرك هو ~~الأعلم لأن الطبيب الأول كتب الدواء الذي أرهق المريض أو لم يستجب له، ~~وهو قد حكم بما عنده من علم، كذلك بقية الباحثين والعلماء. # وما دام فوق كل ذي علم عليم فالطبيب الثاني يستدرك على الطبيب الأول.. ~~وهكذا. ولكن أيوجد أحد يستدرك على الله سبحانه وتعالى؟ لا يوجد. وما دام ~~القرآن الكريم قد جاء بعلم الله تعالى، فلا علم لبشر يمكن أن يأتي بمثل ~~هذا القرآن. { فاعلموا أنمآ أنزل بعلم الله وأن ~~لا إله إلا هو.. } [هود: 14]. وجاء الحق سبحانه هنا بأنه لا ~~إله إلا هو حتى لا يدعي أحد أن هناك إلها آخر غير الله. وذكر الله ~~سبحانه هنا أن هذا القرآن قد نزل في دائرة: { لا إله إلا ~~هو.. } [هود: 14]. وما دام الحق سبحانه قد حكم بذلك فلنثق بهذا الحكم. ~~مثال ذلك: هو حكم الحق سبحانه على أبي لهب وعلى امرأته بأنهما سيدخلان ~~النار فهل كان من الممكن أن يعلن أبو لهب إسلامه، ولو نفاقا؟ طبعا لا ~~لأن الذي خلقه علم كيف ms4803 يتصرف أبو لهب. لذلك نجد بعد سورة المسد التي ~~قررت دخول أبي لهب النار، قول الحق سبحانه: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. أي: أن الحق سبحانه ما دام قد أصدر حكمه بأن أبا لهب ~~سيدخل وزوجه النار، فلن يقدر أحد على أن يغير من حكمه سبحانه، فلا إله ~~إلا هو. وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله تعالى: {.. فهل ~~أنتم مسلمون } [هود: 14]. وهذا استفهام، أي: طلب للفهم، ولكن ~~ليس كل استفهام طلبا للفهم، فهذا الاستفهام هنا صادر عن إرادة حقيقية ~~قادرة على فرض الإسلام على من يستفهم منهم. ولكنه سبحانه شاء أن يأتي هذا ~~الاستفهام على لسان رسوله ليقابله جواب، ولو لم يكن السائل واثقا أنه لا ~~يوجد إلا الإسلام لما قالها، ولو لم يكن السائل واثقا أنه لا جواب إلا ~~أن يسلم السامع، ما جعل جواب السامع حجة على السامع. وقائل هذا الكلام ~~هو الخالق سبحانه، ولله المثل الأعلى، وهو سبحانه منزه عن كل مثل، تجد ~~إنسانا يحكي لك أمرا بتفاصيله، ثم يسألك: هل أنا صادق فيما قلت لك؟.. ~~وهو يأتي بهذا الاستفهام لأنه واثق من أنك ستقول له: نعم، أنت صادق. وإذا ~~نظرنا في آية تحريم الخمر والميسر - على سبيل المثال - نجد الحق سبحانه ~~وتعالى يقول: # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91]. وكأن هذا الاستفهام يحمل صيغة الأمر بأن: انتهوا من ~~الخمر والميسر، واخجلوا مما تفعلون. إذن: فقول الحق سبحانه في آخر الآية ~~الكريمة: {.. فهل أنتم مسلمون } [هود: 14] يعني: أسلموا، ~~واتركوا اللجاجة بأن القرآن قد جاء من عند محمد، أو أنه افتراه، بل هو من ~~عند الله سبحانه الذي لا إله إلا هو. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { من ~~كان يريد الحياة الدنيا... }. ### || [11.15] # وكان الكافرون قد تكلموا بما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم وقالوا: # لولا أنزل عليه كنز.. # [هود: 12]. فهم - إذن - مشغولون بنعيم الدنيا وزينتها. والحياة تتطلب ~~المقومات الطبيعية للوجود، من ستر عورة، ms4804 وأكل لقمة وبيت يقي الإنسان ~~ويؤويه. أما الزينة فأمرها مختلف، فبدلا من أن يرتدي الإنسان ما يستر ~~العورة، يطلب لنفسه الصوف الناعم شتاء، والحرير الأملس صيفا، وبدلا من ~~أن يطلب حجرة متواضعة تقيه من البرد أو الحر، يطلب لنفسه قصرا. وفي ذلك ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث.. # [آل عمران: 14]. وكل هذه أشياء تدخل في متاع الحياة الدنيا، ويقول الحق ~~سبحانه: # .. ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن ~~المآب # [آل عمران: 14]. إذن: ما معنى كلمة " زينة "؟ معنى كلمة " زينة " أنها ~~حسن أو تحسين طارىء على الذات، وهناك فرق بين الحسن الذاتي والحسن ~~الطارىء من الغير. والمرأة - على سبيل المثال - حين تتزين فهي تلبس ~~الثياب الجميلة الملفتة، وتتحلى بالذهب البراق، فهو المعدن الذي يأخذ ~~نفاسته من كثرة تلألئه الذي يخطف الأبصار، ولا تفعل ذلك بمغالاة إلا التي ~~تشك في جمالها. أما المرأة الجميلة بطبيعتها، فهي ترفض أن تتزين ولذلك ~~يسمونها في اللغة: " الغانية " ، أي: التي استغنت بجمالها الطبيعي عن ~~الزينة، ولا تحتاج إلى مداراة كبر أذنيها بقرط ضخم، ولا تحتاج إلى ~~مداراة رقبتها بعقد ضخم، ولا تحاول أن تداري معصمها الريان بسوار، وترفض ~~أن تخفي جمال أصابعها بالخواتم. وحين تبالغ المرأة في ذلك التزين ~~فهي تعطي الانطباع المقابل. وقد يكون المثل الذي أضربه الآن بعيدا عن ~~هذا المجال، لكنه يوضح كيف يعطي الشيء المبالغ فيه المقابل له. وفي ذلك ~~يقول المتنبي: # الطيب أنت إذا أصابك طيبه # والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل # وهو هنا يقول: إن الطيب إذا ما أصاب ذلك الإنسان الموصوف، فالطيب هو ~~الذي يتطيب، كما أن الماء هو الذي يغسل إذا ما لمس هذا الإنسان، ~~وكذلك تأبى المرأة الجميلة أن تزين نحرها بقلادة لأن نحرها بدون ~~قلادة يكون أكثر جمالا. ويقال عن مثل هذه المرأة " غانية " لأنها ~~استغنت بجمالها. ويقال عن جمال نساء الحضر: إنه جمال مصنوع بمساحيق، ~~وكأن تلك المساحيق مثبتة على الوجه بمعجون ms4805 كمعجون دهانات الحوائط، وكأن ~~كل واحدة تفعل ذلك قد جاءت بسكين من سكاكين المعجون لتملأ الشقوق المجعدة ~~في وجهها. ولحظة أن يسيح هذا المعجون ترتبك، ويختل مشهد وجهها بخليط ~~الألوان ولذلك يقال: # حسن الحضارة مجلوب بتطرية # وفي البداوة حسن غير مجلوب # إذن: فالزينة هي تحسين الشيء بغيره، والشيء الحسن يستعني عن الزينة. ~~وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: { من كان يريد الحياة ~~الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم ~~فيها لا يبخسون } [هود: 15]. أي: إن كفرتم بالله فهو سبحانه لا ~~يضن عليكم في أن يعطيكم مقومات الحياة وزينتها لأنه رب، وهو الذي خلقكم ~~واستدعاكم إلى الوجود، وقد ألزم الحق سبحانه نفسه أن يعطيكم ما تريدون من ~~مقومات الحياة وزينتها لأنه سبحانه هو القادر على أن يوفي بما وعد. وهو ~~سبحانه يقول هنا: { نوف إليهم أعمالهم.. } [هود: 15]. أي: ~~أنهم إن أخذوا بالأسباب فالحق سبحانه يلزم نفسه بإعطاء الشيء كاملا غير ~~منقوص. وهم في هذه الدار الدنيا لا يبخسون في حقوقهم، فمن يتقن عمله ~~يأخذ ثمرة عمله. وهذا القول الكريم يحل لنا إشكالا كبيرا نعاني منه، ~~فهناك من يقول: إن هؤلاء المسلمين الذين يقولون: لا إله إلا الله، محمد ~~رسول الله، ويقيمون الصلاة، ويبنون المساجد، بينما هم قوم متخلفون ~~ومتأخرون عن ركب الحضارة، بينما نجد الكافرين وهم يرفلون في نعيم ~~الحضارة. ونقول: إن لله تعالى عطاء ربوبية للأسباب، فمن أحسن الأسباب ~~حتى لو كان كافرا، فالأسباب تعطيه، ولكن ليس له في الآخرة من نصيب لأن ~~الحق سبحانه يقول: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. والحق سبحانه يجزي الكافر الذي يعطي خيرا للناس بخير ~~في الدنيا، ويجزي الصادق الذي لا يكذب من الكفار بصدق الآخرين معه في ~~الدنيا، ويجزي من يمد يده بالمساعدة من الكفار بمساعدة له في الدنيا. ~~وكلها أعمال مطلوبة في الدين، ولكن الكافر قد يفعلها، فيرد الله ~~سبحانه وتعالى له ما فعل في الدنيا، وإن كان قد فعل ذلك ليقال: إن ~~فلانا عمل كذا، أو فلانا كان ms4806 شهما في كذا، فيقال له: " عملت ~~ليقال وقد قيل ". وإذا كان الكافرون يأخذون بالأسباب فالحق سبحانه ~~يعطيهم ثمرة ما أخذوا من الأسباب. ويجب أن نقول لمن يتهم المسلمين ~~بالتخلف: لقد كان المسلمون في أوائل عهدهم متقدمين، وكانوا سادة حين ~~طبقوا دينهم، ظاهرا وباطنا، شكلا ومضمونا. وعلى ذلك فالتخلف ليس ~~لازما ولا ملازما للإسلام، وإنما جاء التخلف لأننا تركنا روح الإسلام ~~وتطبيقه. وإن عقدنا مقارنة بين حال أوربا حينما كانت الكنيسة هي ~~المسيطرة، كنا نجد كل صاحب نشاط عقلي مبدع ينال القتل عقوبة على ~~الإبداع، وكانت تسمى تلك الأيام في أوربا " العصور المظلمة ". وحينما ~~جاءت الحروب الصليبية وعرفت أوربا قوة الإسلام والمسلمين، ودحرهم ~~المسلمون، بدأوا في محاولة الخروج على سلطان البابا والكنيسة، وعندما ~~فعلوا ذلك تقدموا. هم - إذن - عندما تركوا سلطان البابا تقدموا، ونحن ~~حين تركنا العمل بتعاليم الإسلام تخلفنا. # إذن: فأي الجرعتين خير؟ إن واقع الحياة قد أثبت تقدم المسلمين ~~حين أخذوا بتعاليم الإسلام، وتخلفوا حين تركوها. وهكذا.. فمعيار التقدم ~~هو الأخذ بالأسباب، فمن أخذ بالأسباب وهو مؤمن نال حسن خير الدنيا ~~وحسن ثواب الآخرة، ومن لم يؤمن وأخذ بالأسباب نال خير الدنيا ولم ~~ينل ثواب الآخرة. والحق سبحانه وتعالى هو القائل: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده.. # [النور: 39]. وهكذا يفاجأ بالإله الذي كذب به. والحق سبحانه يقول: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما ~~كسبوا على شيء.. # [إبراهيم: 18]. إذن: فمن أراد الدنيا وزينتها، فالحق الأعلى سبحانه ~~يوفيه حسابه ولا يبخسه من حقه شيئا، فحاتم الطائي - على سبيل المثال - ~~أخذ صفة الكرم، وعنترة أخذ صفة الشجاعة، وكل إنسان أحسن عملا أخذ أجره، ~~ولكن عطاء الآخرة هو لمن عمل عمله لوجه الله تعالى، وآمن به. وحتى الذين ~~دخلوا الإسلام نفاقا وحاربوا مع المسلمين، أخذوا نصيبهم من الغنائم، ~~ولكن ليس لهم في الآخرة من نصيب. إذن: فالوفاء يعني وجود عقد، وما دام ~~هناك ms4807 عقد بين العامل والعمل، وأتقن العامل العمل فلا بد أن يأخذ أجره ~~دون بخس لأن البخس هو إنقاص الحق. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ~~أولئك الذين ليس لهم في الآخرة... }. ### || [11.16] # إذن: فالنار مثوى هؤلاء الذين عملوا من أجل الدنيا دون إيمان بالله، فقد ~~أخذوا حسابهم في الدنيا، أما عملهم فقد حبط في الآخرة، والحبط هو ~~انتفاخ الماشية حين تأكل شيئا أخضر لم ينضج بعد، ويقال في الريف عن ذلك: ~~" انتفخت البهيمة " أي: أن هناك غازات في بطنها، وقد يظنها الجاهل ~~سمنة، لكن هذا الانتفاخ يزول بزوال سببه. وعمل الكافرين إنما يحبط في ~~الآخرة لأنه باطل. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { أفمن كان على ~~بينة من ربه ويتلوه... }. ### || [11.17] # والبينة هي بصيرة الفطرة السليمة التي تلفت الإنسان إلى وجود واجب ~~الوجود، وتوضح للإنسان أن هذا الكون الجميل البديع لا بد له من ~~واجد. وهكذا تكون الهداية بالبصيرة والفطرة. والعربي القديم حين سار في ~~الصحراء ووجد بعرا ملقى في الصحراء، ورأى أثر قدم، فقال: " ~~البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، وسماء ذات أبراج وأرض ~~ذات فجاج وبحار ذات أمواج، أفلا يدل كل ذلك على اللطيف الخبير؟ ". ~~وهكذا اهتدى الرجل بالفطرة، وهي بينة من الله. وقد أودع الله سبحانه في ~~كل إنسان فطرة، وبهذه الفطرة شهدنا في عالم الذر. وفي ذلك يقول الحق ~~سبحانه: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ.. # [الأعراف: 172]. إذن: فالبينة هي إيمان الفطرة المركوز في ذرات ~~الأشياء. وقد تضبب الشهوات هذا الإيمان، فلا يحمل نفسه على المنهج ~~فيرسل الحق سبحانه رحمة منه رسلا تذكرنا بالبينات الأولى، وتدلنا على ~~العلل والأحكام حتى تنضم البينة من الرسل على البينة من الفطرية في ~~الكائن. وهكذا يبين الحق سبحانه وتعالى مناط الاقتناع بدين الله، فقد ~~يكون هذا الأمر مجهولا للخلق، فيريد سبحانه أن يبين لنا أن هذا الجهل ~~هو جهل غير طبيعي لأن الفطرة السليمة تهتدي قبل أن يجيء ms4808 رسول يلفتنا ~~إلى القوة العليا التي تدبر حركة هذا الكون. وقد ضربت من قبل مثلا ~~لذلك بمن سقطت به طائرة في الصحراء، لا ماء فيها ولا طعام ولا أنيس ولا ~~مأوى، ثم غلبه النوم فنام، وحين استيقظ وجد مائدة منصوبة عليها أطايب ~~الطعام وأطيب الشراب، ووجد صوانا منصوبا ليأوي إليه فلا بد لهذا ~~الإنسان أن يدور بفكره سؤال: من صنع هذا؟ وهو سيسأل نفسه هذا السؤال قبل ~~أن يستمتع بشيء من هذا، خصوصا وأنه لم يجد أحدا يقول له: أنت في ~~ضيافتي. إذن: فلا بد أن يفكر بعقله. وكذلك الإنسان الذي طرأ على الوجود، ~~وما ادعى واحد من خلق الله تعالى أنه خلق هذا الوجود، وما ادعى ~~أحد أنه خلق السماوات والأرض، وما ادعى أحد أنه سخر كل ما في ~~الكون لخدمة الإنسان. وكان من الواجب على الإنسان قبل أن ينعم بهذا، أن ~~يفكر: من الذي صنع له كل ذلك؟ فإذا جاء رسول من جنس الإنسان ليقول له: ~~أنا جئت لأحل لك اللغز المطلوب لك. هنا كان على الإنسان أن يرهف سمعه ~~لذلك الرسول لأنه قد جاء ليحل للإنسان أمرا يشغل باله. ومن لطف الله ~~سبحانه بنا أنه لم يطلب منا مقدما أن نفكر في ذلك، بل تركنا فترة ~~طويلة بلا تكليف في هذه الدنيا، لينعم الإنسان بخير ربه، وبعد ذلك إذا ما ~~جاء اكتمال الرشد ونضج، ولم يكن مكرها فالحق سبحانه وتعالى يكلفه ~~بتكاليف الإيمان. # ولا بد للإنسان أن يتساءل: فكل شيء - مهما كان تافها - لا بد له من ~~صانع، والمصباح الذي يضيء دائرة قطرها 20 مترا، عرفنا صانعه، ودرسنا ~~المعامل التي أنجزته، والإمكانات التي تم استخدامها، والمواد التي صنع ~~منها، أفلا نعرف تاريخ هذه الشمس، ومن جعلها لا تحتاج إلى صيانة ولا إلى ~~وقود ولا إلى قطع غيار، وتنير نصف الكرة الأرضية؟ هذه مسألة كان يجب أن ~~نبحثها لنرى آفاق تلك البينة، بينة نور وقوة وفطرة، يهبها الله للإنسان ~~المفكر ليهتدي إلى أن وراء هذه الكون خالقا مدبرا. ms4809 فإذا ما جاء إنسان ~~مثله ليقول له: إن خالق الدنيا هو الله تعالى، وهو سبحانه يطلب منك كذا ~~وكذا، كان أمرا منطقيا وطبيعيا أن نسمع لهذا الإنسان ونطابق ما يقول ~~على إحساس الفطرة ورؤية البينات. إذن: فنحن نصل إلى المجهول أولا ~~بالفطرة، وقد نصل بالبديهة التي لا تشوبها أدنى شبهة، فأنت حين ترى ~~دخانا تعتقد بالبديهة أن هناك نارا، وحين تسير في الصحراء وترى خضرة ~~ألا تعتقد أن هناك مياها ترويها؟ هذه - إذن - أمور تعرفها بالبديهة، ولا ~~تحتاج إلى بحث أو جهد. وهناك أمور قد تتطلب منك جهدا عقليا تبحث به عما ~~بعد المقدمات، مثل الجهد العقلي الذي استدل به العربي على أن هناك إلها ~~خالقا يدير هذا الكون، فاستدل من البعرة على وجود البعير، وأن أثر ~~القدم يدل على المسير، واستنتج من ذلك أن الكواكب ذات الأبراج، والأرض ~~ذات الفجاج، والبحار ذات الأمواج، كلها أمور تدل على وجود اللطيف الخبير. ~~كل هذه الأمور لم يقدر العقل إلا على الحكم عليها جملة، وإن لم يعرف ~~التفصيل. لقد عرف العقل أن وراء هذا الكون خالقا، صانعا، حكيما، لكنه ~~لم يعرف اسما له، وهذا أمر لا يعرفه الإنسان بالعقل، ولا يعرف أيضا ما ~~هو المنهج المطلوب لهذا الخالق، وبماذا يجزي المطيع له، ولا بماذا يعاقب ~~العاصي له. إذن: لا بد من بلاغ عن الله تعالى يدل على القوة التي اقتنعت ~~بها جملة. والمفكرون بالعقل في الكون يعلمون أن وراء هذا الكون خالقا، ~~لكن لا يعرفون اسمه، ولا مطلوبه. إذن: فأنت لا تعرف اسم الله إلا منه، عن ~~طريق الوحي إلى رسوله، ولا تعرف مطلوب الله إلا من الرسول الذي أنزل عليه ~~البلاغ. ومن رحمة الله بالإنسان أنه سبحانه قد أرسل رسولا، ومع هذا ~~الرسول معجزة هي القرآن لأن العقل حتى حين يهتدي إلى قوة القادر الأعلى ~~سبحانه، فإنها ستظل بالنسبة له مبهمة، وحين أنزل الحق سبحانه القرآن ~~الكريم فقد أنزله رحمة بعباده وبينة لهم. # { أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد ms4810 ~~منه.. } [هود: 17]. فالقرآن حجة ونور، وهو يهدي البصيرة الفطرية ~~الموجودة في الإنسان { ويتلوه شاهد منه.. } [هود: 17] وهو من ~~أنزل عليه الوحي، ويخبرنا عن الحق سبحانه وتعالى ما يوضح لنا أن الخالق ~~الأعلى والقوة المطلقة هو الله سبحانه، ويوضح لنا الشاهد مطلوب الله ~~تعالى. ونحن هنا أمام ثلاثة شهود: الشاهد الأول: هو الحجة والبينة. ~~والشاهد الثاني: هو البرهان والبصيرة التي يهتدي إليها العقل، والرسول هو ~~من يبين لنا المنهج بعد الإجمال. وهذا الرسول جاء من قبله كتاب موسى: { ~~ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة.. } [هود: 17]. وهذا ~~هو الشاهد الثالث. ومن لا يلتفت إلى المدلول بالأدلة الثلاثة مقصر فمن ~~عنده تلك البينة، ومن سمع الشاهد من الرسول، والشاهد الذي قبله، وهو كتاب ~~موسى عليه السلام وشاهد بعده إلى نفس قوم موسى لا بد أن يقوده ذلك إلى ~~الإيمان. وقول الحق سبحانه: { أولئك يؤمنون به.. } [هود: ~~17]. إشارة إلى من التفتوا إلى الأدلة: بينة، وشاهدا، وشاهدا من قبله. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار ~~موعده.. } [هود: 17]. والكفر - كما علمنا - هو الستر، والكفر في ~~ذاته دليل على الإيمان، فلا يكفر أحد بغير موجود. فوجود المكفور به سابق ~~على الكفر، والكفر طارىء عليه. إذن: فالكفر طارىء على الإيمان لأن ~~الإيمان هو أصل الفطرة. { ومن يكفر به من الأحزاب ~~فالنار موعده.. } [هود: 17]. وكلمة " أحزاب " جمع حزب. والحزب ~~هو الجماعة الملتقية على مبدأ تتحمس لتنفيذه، مثل الأحزاب التي نراها في ~~الحياة السياسية، وهي أحزاب بشرية تتصارع في المناهج والغايات، وهم أحرار ~~في ذلك لأنهم يتصارعون بفكر البشر. أما في العقيدة الأولى، فمن ~~المخطط الأعلى، وهو الحق سبحانه وتعالى، فالمنهج يأتي منه لأن هذا ~~المنهج يوصل إليه لذلك قال الله سبحانه عمن يتبعون منهجه: # أولئك حزب الله.. # [المجادلة: 22]. أي: أنهم يدخلون في حزب يختلف عن أحزاب البشر التي ~~تختلف أو تتفق في فكر البشر. وهنا يقول الحق سبحانه: { ومن يكفر ~~به من الأحزاب فالنار موعده.. } [هود: 17]. والمقصود ~~بهم كفار قريش عبدة الأوثان، والصابئة واليهود والنصارى ms4811 الذين لم يؤمنوا ~~برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل منهم جماعة تمثل حزبا، ويقول ~~عنهم الحق سبحانه: # .. كل حزب بما لديهم فرحون # [المؤمنون: 53]. ومن يكفر من هؤلاء برسالة رسول الله وبرسول الله ~~فالجزاء هو النار، وبذلك بين لنا الحق سبحانه أن هنالك حزبين: حزب ~~الله، والأحزاب الأخرى، وهما فريقان كل منهما مواجه للآخر. ويقول الحق ~~سبحانه لرسوله، والمراد أيضا أمة محمد صلى الله عليه وسلم: { فلا تك ~~في مرية منه. # . } [هود: 17]. أي: لا تكن يا رسول الله في شك من ذلك لأن رسالتك وبعثتك ~~تقوم على أدلة البينة والفطرة والهدى والنور المطلوب من الله تعالى، ~~والشاهد معك، كما شهد لك من جاء من قبلك أنك جئت بالمنهج الحق: { إنه ~~الحق من ربك.. } [هود: 17]. والحق - كما علمنا من قبل - هو ~~الشيء الثابت الذي لا يعتريه تغيير، وهذا الحق لا يمكن أن يأتي إلا من ~~إله لا تتغير أفعاله. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: {.. ولكن ~~أكثر الناس لا يؤمنون } [هود: 17]. وهؤلاء لا يؤمنون عنادا ~~لأن الأدلة منصوبة بأقوى الحجج، ومن يمتنع عليها هو مجرد معاند. والحق ~~سبحانه يقول في مثل هؤلاء المعاندين: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # [النمل: 14]. أي: أنهم مع كفرهم يعلمون صدق الأدلة على رسالة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وعلى صدق بعثته، فيكون كفرهم حنيئذ كفر عناد لأن ~~الأدلة منصوبة بأقوى الحجج، فيكون من يمتنع على الإيمان بهذه الأدلة ~~إنسانا معاندا. يقول الحق سبحانه وتعالى: { ومن أظلم ممن ~~افترى على الله كذبا... }. ### || [11.18] # هذه الآية تبدأ بخبر مؤكد في صيغة استفهام، حتى يأتي الإقرار من هؤلاء ~~الذين افتروا على الله كذبا، والإقرار سيد الأدلة. والواحد من هؤلاء ~~المفترين إذا سمع السؤال وأدار ذهنه في الظالمين، فلن يجد ظلما أفدح ولا ~~أسوأ من الذي يفتري على الله كذبا، ويقر بذلك. وهكذا شاء الحق سبحانه أن ~~يأتي هذا الخبر في صيغة استفهام، ليأتي الإقرار اعترافا بهذا الظلم ~~الفظيع. وهؤلاء المكذبون يعرضون على الله مصداقا لقول الحق سبحانه: ms4812 { ~~أولئك يعرضون على ربهم.. } [هود: 18]. والعرض إظهار ~~الشيء الخفي لنقف على حاله. ومثال ذلك في حياتنا: هو الاستعراض العسكري ~~حتى يبين الجيش قوته أمام الخصوم، وحتى تبلغ الدولة غيرها من الدول ~~بحجم قوتها. وكذلك نجد الضابط يستعرض فرقته ليقف على حال أفرادها، ويقيس ~~درجة انضباط كل فرد فيها وحسن هندامه، وقدرة الجنود على طاعة الأوامر. ~~ومثال آخر من حياتنا: فنحن نجد مدير المدرسة يستعرض تلاميذها لحظة إعلان ~~نتائج الامتحان، ويرى المدير والتلاميذ خزي المقصر منهم أو الذي لم يؤد ~~واجبه بالتمام. فما بالنا بالعرض على الله تعالى، حين يرى المكذبون حالهم ~~من الخزي؟ ذلك أنهم سيفاجأون بوجود الله الذي أنكروه افتراء لأن الحق ~~سبحانه يقول: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده.. # [النور: 39]. فأي خزي - إذن - سيشعرون به؟! ويظهر الحق سبحانه وتعالى ~~ما كان مخفيا منهم حين يعرض الكل على الله تعالى مصداقا لقوله سبحانه: # وعرضوا على ربك صفا.. # [الكهف: 48]. وكذلك يعرضون على النار لأن الحق سبحانه هو القائل: # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا.. # [غافر: 46]. وهكذا يظهر الخزي والخجل والمهانة على هؤلاء الذين افتروا ~~على الله تعالى. وهو سبحانه يعلم كل شيء أزلا، ولكنه سبحانه شاء بذلك أن ~~يكشف الناس أمام بعضهم البعض، وأمام أنفسهم، حتى إذا ما رأى إنسان في ~~الجنة إنسانا في النار، فلا يستثير هذا المشهد شفقة المؤمن لأنه يعلم أن ~~جزاء المفتري هو النار. ويا ليت الأمر يقتصر على هذا الخزي، بل هناك ~~شهادة الأشهاد لأن الحق سبحانه وتعالى يقول في نفس الآية: { ويقول ~~الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم.. } [هود: ~~18]. والأشهاد جمع له مفرد، هو مرة " شاهد " ، مثل " صاحب " و " أصحاب " ~~، ومرة يكون المفرد " شهيد " مثل " شريف " و " أشراف ". والأشهاد منهم ~~الملائكة لأن الحق سبحانه يقول: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. وكذلك الحق سبحانه: # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ~~ما تفعلون # [الإنفطار: 10-12]. أو شهود من الأنبياء الذين بلغوهم منهج ms4813 الله لأن ~~الحق سبحانه يقول: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]. وأيضا الشهيد على هؤلاء هو المؤمن من أمة محمد عليه ~~الصلاة والسلام، فيبلغها إلى غيره، مصداقا لقول الحق سبحانه: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس.. # [البقرة: 143]. وكلمة " الشهادة " تعني: تسجيل ما فعلوا، وتسجل أيضا ~~أنهم بلغوا المنهج وعاندوه وخرجوا عليه، فارتكبوا الجريمة التي تقتضي ~~العقاب، لأن العقوبة لا تكون إلا بجريمة، ولا تجريم إلا بنص، ولا نص إلا ~~بإعلام. ولذلك نجد القوانين التي تصدر من الدولة تحمل دائما عبارة " ~~يعمل بالقانون من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية ". إذن: فعمل الأشهاد ~~أن يعلنوا أن الذين أنكروا الرسالة والرسول قد بلغوا المنهج، ~~وبلغوا أن إنكار هذا المنهج وإنكار هذا الرسول هو الجريمة الكبرى، وأن ~~عقوبة هذا الإنكار هي الخلود في النار. ولأن الحق سبحانه وتعالى هو العدل ~~نفسه لذلك فلا عقاب إلا بالتأكد من وقوع الجريمة، لذلك لا بد من شهادات ~~متعددة، ولذلك يأتي الشاهد من الملائكة، وهو من جنس غير جنس المعروضين، ~~ويأتي الشاهد من الأنبياء وهو من جنس البشر إلا أنه معصوم. وكذلك يأتي ~~الشاهد من الإخوة المؤمنين الذين يشهدون أنهم قد بلغوا منهج الإيمان، ~~ثم تأتي شهادة هي سيدة الشهادات كلها، وهي شهادة الأبعاض على الكل. يقول ~~الحق سبحانه: # ويوم يحشر أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون ~~* حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله ~~الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة ~~وإليه ترجعون # [فصلت: 19-21]. فالجوارح تنطق لتقيم الحجة على أولئك المذنبين. وسؤال ~~المذنبين عن كيفية وقوع النطق لا لزوم له لذلك نجد السؤال هنا " لم " ~~لأن الجوارح كانت هي أدوات المذنبين في ارتكاب الجرائم لأن اليد هي التي ~~امتدت لتسرق، واللسان هو الذي نطق قول الزور، والقلب هو الذي حقد، والساق ~~هي التي مشت إلى المعصية. والإنسان - كما نعلم - مركب من جوارح، وهذه ~~الجوارح ms4814 لها أجهزة تكون الكل الإنساني، ومدير كل الجسم هو العقل، فهو ~~الذي يأمر اليد لتمتد وتسرق، أو تمتد لتربت على اليتيم والعين تأخذ ~~أوامرها من العقل، فإما أن يأمرها بأن تنظر إلى جمال الكون، وتعتبر بما ~~تراه من أحداث، أو يأمرها بأن تنظر إلى الحرام. إذن: الجوارح خادمة مطيعة ~~مسخرة لذلك الإنسان وإرادته، لكن الأمر يختلف في الآخرة، حيث لا أمر ~~لأحد إلا الله. والحق سبحانه القائل: # .. لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. فالجوارح تقول يوم القيامة لأصحابها: كنا نفعل ما تأمروننا ~~به من المعاصي رغما عنا لأننا كنا مسخرين لكم في الدنيا، والآن ~~انحلت إرادتكم عنا فقلنا ما أجبرتمونا على فعله. وهكذا تعترف الأشهاد، ~~مصداقا لقول الحق سبحانه: {.. ويقول الأشهاد هؤلاء ~~الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على ~~الظالمين } [هود: 18]. وما داموا قد كذبوا على ربهم، فالمكذوب عليه ~~هو الله، ولا بد أن يطردهم من الرحمة، وهم قد ارتكبوا قمة الظلم وهو ~~الشرك به والإلحاد وإنكار الرسول صلى الله عليه وسلم والرسالة. ويقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك: { الذين يصدون عن سبيل الله... }. ### || [11.19] # وهنا يحدثنا القرآن عن هؤلاء الذين كفروا بالله وآياته ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم، ولم يكتفوا بكفرهم، بل تمادوا وأرادوا أن يصدوا غيرهم عن ~~الإيمان. وبذلك تعدوا في الجريمة، فبعد أن أجرموا في ذواتهم أرادوا ~~لغيرهم أن يجرم. وسبق أن أنزل الحق سبحانه خطابا خاصا بأهل الكتاب، ~~الذين سبق لهم الإيمان برسول سابق على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ولكن أعماهم الطمع في السلطة الزمنية فطمسوا الآيات المبشرة برسول الله ~~في كتبهم، وهم بذلك إنما صدوا عن سبيل الله، وأرادوا أن تسير الحياة ~~معوجة. يقول الحق سبحانه: # قل يأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من ~~آمن تبغونها عوجا وأنتم شهدآء وما الله ~~بغافل عما تعملون # [آل عمران: 99]. وقد أرسل الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ليعدل ~~المعوج من أمور المنهج. والعوج هو عدم الاستقامة والسوائية، وقد يكون ~~في القيم، وهي ما ms4815 قد خفي من المعنويات، فتقول: أخلاق فلان فيها عوج، ~~وأمانة فلان فيها عوج. ويقول الحق سبحانه: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا # [الكهف: 1]. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الله ~~سبحانه: { ويبغونها عوجا.. } [هود: 19]. أما في الأمور المحسة ~~فلا يقال: " عوج " ، بل يقال: " عوج " ، فأنت إذا رأيت شيئا معوجا ~~في الأمور المحسة تقول: عوج. لكننا نقرأ في القرآن قول الحق سبحانه: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * ~~فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا # [طه: 105-107]. وقد أوردها الحق سبحانه هنا بهذا الشكل لدقة الأداء ~~القرآني لأن هناك عوجا حسيا يحسه الإنسان، مثلما يسير الإنسان في ~~الصحراء فيجد الطريق منبسطا ثم يرتفع إلى ربوة ثم ينبسط مرة أخرى، ثم ~~يقف في الطريق جبل، ثم ينزل إلى واد، وأي إنسان يرى مثل هذا الطريق يجد ~~فيه عوجا. أما إذا كنت ترى الأرض مبسوطة مسطوحة كالأرض الزراعية، فقد ~~تظن أنها أرض مستوية، ولكنها ليست كذلك بدليل أن الفلاح حين يغمر الأرض ~~بالمياه، يجد بقعة من الأرض قد غرقت بالماء، وقطعة أخرى من نفس الأرض لهم ~~تمسها المياه، وبذلك نعرف أن الأرض فيها عوج لحظة أن جاء الماء، والماء - ~~كما نعلم - هو ميزان كل الأشياء المسطوحة. ولذلك حين نريد أن نحكم استواء ~~جدار أو أرض، فنحن نأتي بميزان الماء لأنه يمنع حدوث أي عوج مهما بلغ هذا ~~العوج من اللطف والدقة التي قد لا تراها العين المجردة. وفي يوم القيامة ~~يأتي أصحاب العوج في العقيدة، ويصورهم الحق سبحانه في قوله: # يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت ~~الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا # [طه: 108]. هم - إذن - يصطفون بلا اعوجاج، كما يصطف المجرمون تبعا ~~لأوامر من يقودهم إلى السجن، في ذلة وصغار ولا ينطقون إلا همسا. وهنا ~~يقول الحق سبحانه: { الذين يصدون عن سبيل الله ~~ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون } [هود: 19]. ~~والسبب في صدهم عن سبيل الله أنهم يريدون الحال معوجا ومائلا، ms4816 وأن ~~ينفروا الناس من الإيمان ليضمنوا لأنفسهم السلطة الزمنية ويفسدون في ~~الأرض لأن مجيء الإصلاح بالإيمان أمر يزعجهم تماما، ويسلب منهم ما ~~ينتفعون به بالفساد. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { أولئك لم ~~يكونوا معجزين في الأرض... }. ### || [11.20] # والإعجاز هو الامتناع، وأعجزت فلانا، أي: برهنت على أنه ممتنع عن الأمر ~~وغير قادر عليه. وقد تجلى الإعجاز - على سبيل المثال - في عجز هؤلاء ~~الذين أنكروا أن القرآن معجزة أن يأتي بآية من مثله. والمعجز في الأرض هو ~~من لا تقدر عليه. ويبين لنا الحق سبحانه في هذه الآية أن هؤلاء ~~الكافرين لا يعجزون الله في الأرض، بدليل أن هناك نماذج من أمم قد سبقت ~~وكفرت، فمنهم من أخذته الريح، ومنهم من خسف الله بهم الأرض، ومنهم من ~~غرق، وإذا انتقلوا إلى الآخرة فليس لهم ولي أو نصير من دون الله لأن ~~الولي هو القريب منك، ولا يقرب منك إلا من تحبه، ومن ترجو خيره. فإذا ~~قرب منك إنسان له مواهب فوق مواهبك، نضح عليك من مواهبه، وإذا كان من ~~يقرب منك قويا وأنت ضعيف، ففي قوته سياج لك، وإن كان غنيا، فغناه ينضح ~~عليك، وإن كان عالما أفادك بعلمه، وإن كان حليما أفادك بحلمه لحظة ~~غضبك، وكل صاحب موهبة تعلو موهبتك وأنت قريب منه، فسوف يفيدك من موهبته. ~~والولي هو النصير أيضا لأنك أول ما تستصرخ سيأتي لك القريب منك. وهؤلاء ~~الذين يصدون عن سبيل الله لن يجدوا وليا ولا نصيرا في الآخرة - وإن ~~وجدوه في الدنيا - لأن كل إنسان في الآخرة سيكون مشغولا بنفسه: # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت ~~وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما ~~هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد # [الحج: 2]. ويقول الحق سبحانه: # يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا ~~يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده ~~شيئا.. # [لقمان: 33]. وكذلك يقول الحق سبحانه: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37]. إذن: ms4817 فهؤلاء الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله لا يعجزون ~~الله في الأرض، ولا يجدون الولي أو النصير في الآخرة، بل: { يضاعف ~~لهم العذاب.. } [هود: 20]. ونحن نفهم الضعف على أنه الشيء ~~يصير مرتين، ونظن أن في ذلك قوة، ونقول: لا لأن الذي يأتي ليسند الشيء ~~الأول ويشفع له، كان الأول بالنسبة له ضعيف. إذن: فالمضاعفة هي التي ~~تظهر ضعف الشيء الذي يحتاج إلى ما يدعمه. ومضاعفة العذاب أمر منطقي ~~لهؤلاء الذين أرادوا الأمر عوجا، وصدوا عن سبيل الله تعالى، وأرادوا ~~بذلك إضلال غيرهم. وقول الحق سبحانه: { يضاعف لهم العذاب.. } ~~[هود: 20]. لا يتناقض مع قوله الحق: # ولا تزر وازرة وزر أخرى.. # [الأنعام: 164]. لأن هؤلاء الذين صدوا عن سبيل الله ليس لهم وزر واحد، ~~بل لهم وزران: وزر الضلال في ذواتهم، ووزر الإضلال لغيرهم. # وهناك آية تقول: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له ~~العذاب.. # [الفرقان: 68-69]. أي: أن من يفعل ذلك يلق مضاعفة للعذاب.. لماذا؟ ~~لأنه كان أسوة لغيره في أن يرتكب نفس الجرم. والحق سبحانه وتعالى لا يريد ~~للذنوب أن تنتشر، ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يحض على أن يرى المؤمنون ~~من ارتكب الجرم لحظة العقاب، مثلما يقول سبحانه في الزنا: # .. وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2]. وحين يرى المؤمنون وقوع العقوبة على جريمة ما، ففي ذلك ~~تحذير من ارتكاب الجرم، وحد من وقوع الجرائم. وهنا في الآية التي نحن ~~بصدد خواطرنا عنها يضاعف العذاب لأولئك الذين صدوا عن سبيل الله، ~~وأرادوا إضلال غيرهم، فارتكبوا جريمتين: أولاهما: ضلالهم. والثانية: ~~إضلالهم لغيرهم. ولذلك تجد بعضا من الذين أضلوا يقولون يوم القيامة: # .. ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين # [فصلت: 29]. ويقولون أيضا: # .. ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا ~~السبيلا * ربنآ آتهم ضعفين من العذاب ~~والعنهم لعنا كبيرا # [الأحزاب: 67-68]. إذن: فالدعوة إلى الانحراف إضلال، وعمل الشيء ~~بالانحراف إضلال لأنه أسوة ms4818 أمام الغير. ومضاعفة العذاب لا تعني الإحراق ~~مرة واحدة في النار لأن الحق سبحانه لو تركنا للنار لتحرقنا مرة واحدة ~~لانتهى الإيلام ولذلك أراد الحق سبحانه أن يكون هناك عذاب بعد عذاب. يقول ~~الحق سبحانه: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. # [النساء: 56]. فهو عذاب على الدوام. أو أن العذاب الذي يضاعف له لون ~~آخر، فهناك عذاب للكفر، وهناك عذاب للإفساد. يقول الحق سبحانه: # .. زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون # [النحل: 88]. فالعذاب على الكفر لا يلغي العذاب على المعاصي التي ~~يرتكبها الكافر. فإذا كانت الشاة القرناء يقتص للشاة الجلحاء منها، ~~أي: أن الشاة التي لها قرون وتنطح الشاة التي لا قرون لها، فيوم القيامة ~~يتم القصاص منها، رغم أنه لا حساب للحيوانات لأنها لا تملك الاختيار، ~~ولكنها سوف تستخدم كوسيلة إيضاح لميزان العدالة. ويقول الحق سبحانه: {.. ~~يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع ~~وما كانوا يبصرون } [هود: 20]. أي: ما كانوا يستطيعون ~~الاستفادة من السمع رغم وجود آلة السمع، فلم يستمعوا لبلاغ الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، ولا استطاعوا الاستفادة من أبصارهم ليروا آيات الله ~~سبحانه وتعالى في الكون، فكأنهم صم عمي، أو يضاعف لهم العذاب مدة ~~استطاعتهم السمع والإبصار. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: # أسمع بهم وأبصر.. # [مريم: 38]. أي: أن سمعهم وأبصارهم ستكون سليمة وجيدة في الآخرة. ويقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك: { أولئك الذين خسروا ~~أنفسهم... }. ### || [11.21] # إذن: فهم خسروا أنفسهم لأنهم بظلم النفس وإعطائها شهوة عاجلة زمنها ~~قليل، أخذوا عذابا آجلا زمنه خالد. وفي هذا ظلم للنفس، وهذه قمة ~~الخيبة، وهذا يدل على اختلال الموازين. وأنت قد تظلم غيرك فتأخذ من عنده ~~بعضا من الخير لتستفيد به، وبذلك تظلم الغير لصالح نفسك. وظلم النفس ~~يعني أنك تعطيها متعة عاجلة وتغفل عنها عذابا آجلا، والمتعة العاجلة ~~لها مدة محدودة، أما العذاب فلا مدة تحدده. ولذلك يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: {.. وضل عنهم ما كانوا يفترون } [هود: 21]. ~~أي: لم يهتد إليهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله، ولو كان ms4819 لهؤلاء الذين ~~عبدوهم قوة يوم القيامة لهرعوا إليهم ليستنقذوهم من العذاب، ولكنهم بلا ~~حول ولا قوة لأن الحق سبحانه قد حكم على هؤلاء الكافرين، وقال: # .. وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير # [التوبة: 74]. وكذلك هؤلاء الآلهة المعبودة من دون الله تعالى، أو شركاء ~~مع الله، لا يهتدون إليهم، حتى بفرض قدرتهم على النصرة، فتلك الآلهة أو ~~الشركاء لا يهتدون إليهم، ولا يعرفون لهم مكانا. وقول الحق سبحانه: { ~~وضل عنهم.. } [هود: 21]. أي: غاب وتاه عنهم. وقوله سبحانه: {.. ~~ما كانوا يفترون } [هود: 21]. أي: ما كانوا يدعونه كذبا. ~~ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { لا جرم أنهم في الآخرة... }. ### || [11.22] # واختلف العلماء في معنى كلمة { لا جرم } ، والمعنى العام حين تسمع ~~كلمة { لا جرم } أي: حق وثابت، أو لا بد من حصول شيء محدد. وحين يقول ~~الحق سبحانه: # لا جرم أن لهم النار.. # [النحل: 62]. أي: حق وثبت أن لهم النار نتيجة ما فعلوا من أعمال، ~~وتلك الأعمال مقدمة بين يدي عذابهم، فحين نسمع { لا جرم } ومعها ~~العمل الذي ارتكبوه، تثق في أنه يحق على الله - سبحانه - أن يعذبهم. وقال ~~بعض العلماء: إن معنى: { لا جرم } حق وثبت. وقال آخرون: إن معنى { ~~لا جرم } هو لا بد ولا مفر. والمعنيان ملتقيان لأن انتفاء البدية ~~يدل على أنها ثابتة. وكان يجب على العلماء أن يبحثوا في مادة الكلمة، ~~ومادة الكلمة هي " الجرم " ، والجرم: هو القطع، ويقال: جرم يده، أي: قطع ~~يده. وقول الحق سبحانه هنا: { لا جرم أنهم في الآخرة هم ~~الأخسرون } [هود: 22]. أي: لا قطع لقول الله فيهم بأن لهم النار، ~~ولا شيء يحول دون ذلك أبدا، ولا بد أن ينالوا هذا الوعيد وهكذا التقى ~~المعنى ب " لا بد ". إذن: فساعة تسمع كلمة " لا جرم " ، أي: ثبت، أو لا ~~بد من حدوث الوعيد. وأيضا تجد كلمة " الجريمة " مأخوذة من " الجرم " ، ~~وهي قطع ناموس مستقيم، فحين نقرر ألا يسرق أحد من أحد شيئا، فهذا ناموس ~~مستقيم، فإن سرق واحد من آخر، فهو قد قطع الأمن ms4820 والسلام للناس، وأي ~~جريمة هي قطع للمألوف الذي يحيا عليه الناس. وأيضا يقال: جرم الشيء ~~أي: اكتسب شره، ومنه الجريمة، ولذلك يقال: من الناس من هو " جارم " وهي ~~اسم فاعل من الفعل: " جرم " ، مثل كلمة " كاتب " من الفعل " كتب " و " ~~مجروم عليه " وهي اسم مفعول، مثلها مثل " مكتوب ". فإن أخذت الجريمة من ~~قطع الأمر السائد في النظام، فهؤلاء الذين افتروا على الله وظلموا وصدوا ~~عن سبيل الله، فلا جريمة في أن يعذبهم الله بالنار. ومثل هذه العقوبة ~~ليست جريمة لأن العقوبة على الجريمة ليست جريمة، بل هي منع للجريمة. ~~وهكذا تلتقي المعاني كلها، فحين نقول: { لا جرم } فذلك يعني أنه لا ~~جريمة في الجزاء لأن الجريمة هي الآثام العظيمة التي ارتكبوها. ولذلك ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها.. # [الشورى: 40]. وقد سماها الحق سيئة لأنها تسيء إلى المجتمع أو تسيء ~~إلى الفرد نفسه. ولهذا يقول الحق سبحانه: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. # [النحل: 126]. # وهكذا نجد أن هناك معاني متعددة لتأويل قول الحق سبحانه: { لا جرم } ~~، فهي تعني: لا قطع لقول الله في أن المشركين سيدخلون النار، أو لا بد أن ~~يدخلوا النار، أو حق وثبت أن يدخلوا النار، أو لا جريمة من الحق سبحانه ~~عليهم أن يفعل بهم هكذا لأنهم هم الذين فعلوا ما يستحق عقابهم. ويقول ~~الحق سبحانه: { لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون } ~~[هود: 22]. وكلمة الأخسرون جمع " أخسر " وهي أفعل تفضيل لخاسر، وخاسر اسم ~~فاعل مأخوذ من الخسارة. والخسارة في أمور الدنيا أن تكون المبادلة ~~إجحافا لواحد، كأن يشتري شيئا بخمسة قروش وكان يجب أن يبيعها بأكثر من ~~خمسة قروش، لكنه باعها بثلاثة قروش فقط، فبعد أن كان يرغب في الزيادة، ~~باع الشيء بما ينقص عن قيمته الأصلية. ومن يفعل ذلك يسمى " خاسر " ، ~~والخسارة في الدنيا موقوتة بالدنيا، ومن يخسر في صفقة قد يربح في صفقة ~~أخرى. ولنفترض أنه قد خسر في كل صفقات الدنيا، فما أقصر وقت الدنيا! لأن ~~كل ما ينتهي فهو ms4821 قصير، لكن خسارة الآخرة لا نهاية لها. ويقول الحق سبحانه ~~وتعالى: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف: 103-104]. وهكذا وصفهم الحق سبحانه مرة بأنهم الأخسرون، ومرة ~~يقول سبحانه واصفا الحكم عليهم: # .. ألا ذلك هو الخسران المبين # [الزمر: 15]. وهو خسران محيط يستوعب كل الأمكنة. وشاء الحق سبحانه بعد ~~ذلك أن يأتي بالمقابل لهؤلاء، وفي ذلك فيض من الإيناسات المعنوية لأن ~~النفس حين ترى حكما على شيء تأنس أن تأخذ الحكم المقابل على الشيء ~~المقابل. فحين يسمع الإنسان قول الحق سبحانه: # إن الأبرار لفي نعيم # [الانفطار: 13]. فلا بد أن يأتي إلى الذهن تساؤل عن مصير الفجار، ~~فيقول الحق سبحانه: # وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 14]. وهذا التقابل يعطي بسطة النفس الأولى وقبضة النفس ~~الثانية، وبين البسطة والقبضة توجد الموعظة، ويوجد الاعتبار. ويأتي الحق ~~سبحانه هنا بالمقابل للمشركين الذين صدوا عن سبيل الله، فصاروا إلى ~~النار، والمقابل هم المؤمنون أصحاب العمل الصالح. فيقول الحق سبحانه: { ~~إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات... }. ### || [11.23] # الإيمان - كما نعلم - أمر عقدي، يعلن فيه الإنسان إيمانه بإله واحد ~~موجود، ويلتزم بالمنهج الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، ومن آمن بالله تعالى ولم يعمل العمل الصالح يتلق ~~العقاب لأن فائدة الإيمان إنما تتحقق بالعمل الصالح. لذلك نجد الحق ~~سبحانه وتعالى يقول لنا: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا.. # [الحجرات: 14]. أي: اتبعتم ظاهر الإسلام. وهكذا نعرف أنه يوجد متيقن ~~بصحة واعتقاد بأن الإله الواحد الأحد موجود، وأن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم مبلغ عن الله عز وجل لكن العمل الذي يقوم به الإنسان هو الفيصل ~~بين مرتبة المؤمن، ومرتبة المعلم. فالذي يحسن العمل هو مؤمن، أما من ~~يؤدي العمل بتكاسل واتباع لظواهر الدين، فهو المسلم، وكلاهما يختلف عن ~~المنافق الذي يدعي الحماس إلى أداء العبادات، لكنه يمكر ويبيت العداء ~~للإسلام الذي لا يؤمن به. وكان المنافقون على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه ms4822 وسلم أسبق الناس إلى صفوف الصلاة، وكانوا مع هذا يكتمون الكيد ~~ويدبرون المؤامرات ضد النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وأخبتوا إلى ربهم.. } [هود: 23]. هذا القول يبين لنا أن ~~معيار الإيمان إنما يعتمد على التوحيد، وإتقان أداء ما يتطلبه منهج الله ~~سبحانه، وأن يكون كل ذلك بإخبات وخضوع، ولذلك يقال: رب معصية أورثت ~~ذلا وانكسارا، خير من عبادة أورثت عزا واستكبارا. أي: أن المؤمن ~~عليه ألا يأخذ العبادة وسيلة للاستكبار. وكلمة { وأخبتوا } أي: ~~خضعوا خشية لله تعالى، فهم لا يؤدون فروض الإيمان لمجرد رغبتهم في ألا ~~يعاقبهم الله، لا بل يؤدون فروض الإيمان والعمل الصالح خشية لله. وأصل ~~الكلمة من " الخبت " وهي الأرض السهلة المطمئنة المتواضعة، وكذلك الخبت ~~في الإيمان. ويصف الحق سبحانه أهل الإيمان المخبتين بأنهم: {.. ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } [هود: 23]. ~~أي: الملازمون لها، وخلودهم في الجنة يعني أنهم يقيمون في النعيم أبدا، ~~ونعيم الجنة مقيم ودائم، على عكس نعيم الدنيا الذي قد يفوته الإنسان ~~بالموت، أو يفوت النعيم الإنسان بالسلب لأن الإنسان في الدنيا عرضة ~~للأغيار، أما في الآخرة، فأهل الإيمان أصحاب العمل الصالح المخبتون ~~لربهم، فهم أهل النعيم المقيم أبدا. وهكذا عرض الحق سبحانه حال ~~الفريقين: الفريق الذي ظلم نفسه بافتراء الكذب وعلى الله، وصدوا عن سبيل ~~الله، وابتغوا الأمر عوجا، هؤلاء لن يعجزوا الله، وليس لهم أولياء ~~يحمونهم من العذاب المضاعف. وهم الذين خسروا أنفسهم، ولن يجدوا عونا من ~~الآلهة التي عبدوها من دون الله، ولا شيء بقادر على أن يفصل بينهم وبين ~~العذاب، وهم الأخسرون. أما الفريق الثاني فهم الذين آمنوا وعملوا الأعمال ~~الصالحة بخشوع وخشية ومحبة لله سبحانه وتعالى، وهم أصحاب الجنة الخالدون ~~فيها. إذن: فلكل فريق مسلكه وغايته. لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ~~مثل الفريقين كالأعمى والأصم... }. ### || [11.24] # والفريقان هما من تحدثنا عنهما من قبل. وكلمة " الفريق " تعني: جماعة ~~يلتقون عند غاية وهدف واحد، مثلما نقول: فريق كرة القدم أو غيره ms4823 من ~~الفرق، فهي جماعات، وكل جماعة منها لها هدف يجمعها. ونحن نجد الحق سبحانه ~~وتعالى يقول: # .. فريق في الجنة وفريق في السعير # [الشورى: 7]. وكلمة { الفريقين } جاءت في الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها لأن كل فرقة تضم جماعة مختلفة عن الجماعة الأخرى، ولهؤلاء ~~متعصبون، وللآخرين متعصبون. ويضرب الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية المثل ~~بسيدي الحواس الإدراكية في الإنسان، وهما السمع والبصر، فهما ~~المصدران الأساسيان عند الإنسان لأخذ المعلومات، إما مسموعة، أو مرئية، ~~ثم تتكون لدى الإنسان قدرة الاستنباط والتوليد مما سمعه بالأذن ورآه ~~بالعين. ولذلك قال لنا الحق سبحانه: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. إذن: فما دام الحق سبحانه قد جعل السمع والأبصار والأفئدة ~~مصادر تأتي منها ثمرة، هي المعلومات وتمحيصها، فالحق سبحانه يستحق الشكر ~~عليها. ونحن نعلم أن الطفرات الحضارية وارتقاءات العلم، إنما تأتي بمن ~~سمع ومن رأى، ثم جاءت من الاستنباط أفكار تطبيقية تفيد البشرية. ومثال ~~ذلك: هو من رأى إناء طعام وله غطاء، وكان بالإناء ماء يغلي، فارتفع ~~الغطاء عن الإناء. هذا الإنسان اكتشف طاقة البخار، واستنبط أن البخار ~~يحتاج حيزا أكبر من حيز السائل الموجود في الإناء لذلك ارتفع الغطاء ~~عن الإناء، وارتقى هذا الاكتشاف ليطور كثيرا من أوجه الحياة. ولو أن كل ~~إنسان وقف عند ما يسمعه أو يراه ولم يستنبط منه شيئا لما تطورت الحياة ~~بكل تلك الارتقاءات الحضارية. وهنا يقول الحق سبحانه: { مثل ~~الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل ~~يستويان مثلا.. } [هود: 24]. ولن يشك كل من الأعمى أو الأصم أن ~~من يرى أو من يسمع هو خير منه، ولا يمكن أن يستوي الأعمى بالبصير، أو ~~الأصم بمن يسمع. وهكذا جاء الحق سبحانه وتعالى بالأشياء المتناقضة، ليحكم ~~الإنسان السامع أو القارىء لهذه الآية، وليفصل بحكم يذكره بالفارق بين ~~الذي يرى ومن هو أعمى، وكذلك بين من يسمع ومن هو أصم، ومن الطبيعي ألا ~~يستويان. لذلك ينهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى: { أفلا ms4824 ~~تذكرون } أي: ألا تعتبرون بوجود هذه الأشياء. ونحن نعلم أن الله ~~سبحانه وتعالى قد قال لنا: # .. فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46]. أي: أن الإنسان قد يكون مبصرا، أو له أذن تسمع، لكنه لا ~~يستخدم حاسة الإبصار أو حاسة السمع فيما خلقت من أجله في التقاط مجاهيل ~~الأشياء. وبعد أن بين الحق سبحانه وصف كل طرف وصراعه مع الآخر، ~~واختلاف كل منهما في الغاية، والصراع الذي بينهما تشرحه قصص الرسل عليهم ~~السلام. ويقول الحق سبحانه في بعض من مواضع القرآن الكريم، وفي كل موضع ~~لقطات من قصة أي رسول، واللقطة التي توجد في سورة قد تختلف عن اللقطة ~~التي في سورة أخرى. ومثال ذلك: أن الحق سبحانه قد تكلم في سورة يونس عن ~~نوح وموسى وهارون ويونس عليهم السلام، وهنا - في سورة هود - تأتي مرة ~~أخرى قصة نوح عليه السلام، فيقول سبحانه وتعالى: { ولقد أرسلنا ~~نوحا إلى قومه... }. ### || [11.25] # والآية توضح مسألة إرسال نوح عليه السلام كرسول لقومه، وعلى نوح ~~الرسول أن يمارس مهمته وهي البلاغ، فيقول: {.. إني لكم نذير ~~مبين } [هود: 25]. ونحن نلحظ أن همزة إن في إحدى قراءتى الآية ~~تكون مكسورة، وفي قراءة أخرى تكون مفتوحة، أما في القراءة بالكسر فتعني ~~أن نوحا عليه السلام قد جاء بالرسالة فبلغ قومه وقال: {.. إني لكم ~~نذير مبين } [هود: 25]. وأما في القراءة الأخرى بالفتح فتعني أن ~~الرسالة هي: {.. إني لكم نذير مبين } [هود: 25]. فكأن ~~القراءة الأولى تعني الرواية عن قصة البلاغ، والقراءة الثانية تحدد مضمون ~~الرسالة: {.. إني لكم نذير مبين } [هود: 25]. والقراءة ~~الأولى فيها حذف القول، وحذف القول كثير في القرآن، مثل قوله تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام ~~عليكم بما صبرتم.. # [الرعد: 2324]. وهذا يعني أن الملائكة يدخلون على المؤمنين في الجنة من ~~كل باب، وساعة الدخول يقول الملائكة: # سلام عليكم بما صبرتم.. # [الرعد: 24]. وقول نوح عليه السلام: {.. إني لكم نذير مبين ~~} [هود: 25]. نعلم منه أن النذير - كما قلنا من قبل - هو من يخبر ms4825 بشر ~~لم يأت وقته بعد، حتى يستعد السامع لملاقاته، وما دام أن نبي الله نوحا ~~قد جاء نذيرا، فالسياق مستمر لأن الحق سبحانه قال في الآية التي قبلها: # مثل الفريقين.. # [هود: 24]. أي: أن هناك فريقا عاصيا وكافرا وله نذير، أما الفريق ~~الآخر فله بشير، يخبر بخير قادم ليستعد السامع أيضا لاستقباله بنفس ~~مطمئنة. والفريق الكافر الذي يستحق الإنذار، يأتي لهم الحق سبحانه بنص ~~الإنذار في قوله تعالى: { أن لا تعبدوا إلا الله... }. ### || [11.26] # ونحن نعلم أن نوحا عليه السلام محسوب على قومه، وهم محسوبون عليه ولذلك ~~نجده خائفا عليهم لأن الرباط الذي يربطه بهم رباط جامع قوي. وكذلك نجد ~~الحق سبحانه يحنن قلوب الرسل إليهم لعلهم يحسنون استقبال الرسول. ~~ومثال ذلك: قول الحق سبحانه: # وإلى عاد أخاهم هودا.. # [الأعراف: 65]. ولأن الرسول أخ لهم فلن يغشهم أو يخدعهم. واستقبل ~~الملأ من قوم نوح الأمر بما يقوله الحق سبحانه عنهم: { فقال الملأ ~~الذين كفروا من قومه... }. ### || [11.27] # والملأ - كما نعلم - هم وجوه القوم، وهم السادة الذين يملأون العيون ~~مهابة، ويتصدرون أي مجلس. وهناك مثل شعبي في بلادنا يوضح ذلك المعنى حين ~~نقول: " فلان يملأ العين ". أي: أن العين حين تنظر إليه لا تكون فارغة، ~~فلا جزء في العين يرى غيره. ويقال أيضا: " فلان قيد النواظر " أي: أنه ~~إذا ظهر تقيدت به كل النواظر، فلا تلتفت إلى سواه، ولا يمكن أن يكون ~~كذلك إلا إذا كانت فيه مزايا تجذب العيون إليه بحيث لا تتحول عنه. ~~والمراد بذلك هو الحاشية المقربة، أو الدائرة الأولى التي حول المركز، ~~فحول كل مركز هناك دوائر، والملأ هم الدائرة الأولى، ثم تليهم دائرة ~~ثانية، ثم ثالثة وهكذا، والارتباك إنما ينشأ حين يكون للدائرة أكثر من ~~مركز، فتتشتت الدوائر. ورد الذين يكونون الملأ على سيدنا نوح قائلين: ~~{ ما نراك إلا بشرا مثلنا.. } [هود: 27]. أي: أنه لا توجد ~~لك ميزة تجعلك متفوقا علينا، فما الذي سودك علينا لتكون أنت الرسول؟ ~~وقولهم هذا دليل غباء لأن الرسول ما دام قد جاء ms4826 من البشر، فسلوكه يكون ~~أسوة، وقوله يصلح للاتباع، ولو كان الرسول من غير البشر لكان من حق ~~القوم أن يعترضوا لأنهم لن يستطيعوا اتخاذ الملاك أسوة لهم. ولذلك بين ~~الحق سبحانه هذه المسألة في قوله تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. وجاء الرد منه سبحانه بأن قل لهم: # .. لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. إذن: فالرسول إنما يجيء مبلغ منهج وأسوة سلوك، فإذا ~~لم يكن من جنس البشر، فالأسوة لن تصلح، ولن يستطيع إلا البلاغ فقط. ومثال ~~ذلك: أنت حين ترى الأسد في أي حديقة من حدائق الحيوان، يصول ويجول، ويأكل ~~اللحم النيء المقدم له من الحارس، أتحدثك نفسك أن تفعل مثله؟.. طبعا ~~لا، لكنك إن رأيت فارسا على جواد ومعه سيفه، فنفسك قد تحدثك أن تكون ~~مثله. وهكذا نجد أن الأسوة تتطلب اتحاد الجنس ولذلك قلنا: إن الأسوة هي ~~الدليل على إبطال من يدعي الألوهية لعزير أو لعيسى عليهما السلام. ثم ~~يقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان الملأ الكافر من قوم نوح: { ~~وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا.. } [هود: ~~27]. والأراذل جمع " أرذل " ، مثل قولنا: " أفاضل قوم " ، وهي جمع " أفضل ~~". والأرذل هو الخسيس الدنيء في أعين الناس. ورذال المال أي: رديئه. ~~ورذال كل شيء هو نفايته. # ونرى في الريف أثناء مواسم جمع " القطن " عملية " فرز " القطن، يقوم بها ~~صغار البنين والبنات، فيفصلون القطن النظيف، عن اللوز الذي لم يتفتح ~~بالشكل المناسب لأن اللوزة المصابة عادة ما تعاني من ضمور، ولم تنضج ~~النضج الصحيح. وكذلك يفعل الفلاحون في موسم جمع " البلح " ، فيفصلون ~~البلح الجيد عن البلح المعيب. إذن: فرذال كل شيء هو نفايته. وقد قال ~~الملأ من الكفار من قوم نوح: { وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا.. } [هود: 27]. أي: أنهم وصفوا من آمنوا ~~بنوح عليه السلام بأنهم نفاية المجتمع. وجاء الحق على ألسنتهم بقولهم في ~~موضع آخر: # .. واتبعك ms4827 الأرذلون # [الشعراء: 111]. ولم ينف نوح عليه السلام ذلك لأن الذين اتبعوه قد ~~يكونون من الضعاف، وهم ضحايا الإفساد لأن القوي في المجتمع لا يقربه أحد ~~ولذلك فإنه لا يعاني من ضغوط المفسدين، أما الضعاف فهم الذين يعانون من ~~المفسدين فما إن يظهر المخلص لهم من المفسدين فلا بد أن يتمسكوا به. ~~ولكن ذلك لا يعني أن الإيمان لا يلمس قلوب الأقوياء، بدليل أن البعض من ~~سادة وأغنياء مكة استجابوا للدعوة المحمدية مثل: أبي بكر الصديق، وعمر بن ~~الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنهم. ولكن الغالب ~~في دعوات الإصلاح أنه يستجيب لها المطحونون بالفساد، هؤلاء الذين يشعرون ~~بالغليان في مراجل الألم بسبب الفساد، وما إن يظهر داعية إلى الإصلاح ~~ويريد أن يزحزح الفساد، فيلتفون حوله ويتعاطفون معه، وإن كانوا غير ~~عبيد، لكن محكومين بالغير، فهم يؤمنون علنا برجل الإصلاح، وإن كانوا ~~عبيدا مملوكين للسادة فهم يؤمنون خفية، ويتحمل القوي منهم الاضطهاد ~~والتعذيب. إذن: فكل رسول يأتي إنما يأتي في زمن فساد، وهذا الفساد ينتفع ~~به بعض الناس وطغيان يعاني منه الكثيرون الواقع عليهم الفساد والطغيان. ~~ويأتي الرسول وكأنه ثورة على الطغيان والفساد لذلك يتمسك به الضعفاء ~~ويفرحون به، وتلتف قلوبهم حوله. أما المنتفعون بالفساد فيقولون: إن ~~أتباعك هم أراذلنا. وكأن هذا القول طعن في الرسول، لكنهم أغبياء لأن ~~هذا القول دليل على ضرورة مجيء الرسول ليخلص هؤلاء الضعاف، ويجيء الرسول ~~ليقود غضبة على فساد الأرض، ولينهي هذا الفساد. وهي غضبة تختلف عن غضبة ~~الثائر العادي من الناس، فالثائر من الناس يرى من يصفق له من المطحونين ~~بالفساد. لكن آفة الثائر من البشر شيء واحد، هي أنه يريد أن يستمر ~~ثائرا، ولكن الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد، ثم يهدأ ليبني ~~الأمجاد، فلا يسلط السيف على الكل، ولا يفضل قوما على قوم، ولا يدلل ~~من طغي عليهم، ويظلم من طغوا. بل عليه أن يحكم بين الناس بالعدل ~~والرحمة لتستقيم الأمور، وتذهب الأحقاد، ويعلم الناس كلهم أن ms4828 الثائر ما ~~جاء ضد طائفة بعينها، وإنما جاء ضد ظلم طائفة لغيرها، فإذا أخذ من الظالم ~~وأعطى المظلوم فليجعل الاثنين سواء أمام عينيه. # ومن هنا يجيء الهدوء والاستقرار في المجتمع. إذن: فقد كان قول الكافرين ~~من ملأ قوم نوح. { وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا.. } [هود: 27]. هو قول يؤكد وجود الفساد في هذا المجتمع، ~~وأن الضعاف المطحونين من الفساد قد اتبعوا نوحا عليه السلام. ويقول الحق ~~سبحانه: { بادي الرأي.. } [هود: 27]. والبادي هو الظاهر ضد ~~المستتر. وهناك قراءة أخرى هي { باديء الرأي.. }. أي: بعد بدء ~~الرأي. والآية هنا تقول: { بادي الرأي.. } [هود: 27]. أي: ظاهر ~~الأمر، فساعة ما يلقى إلى الإنسان أي شيء فهو ينظر له نظرة سطحية، ثم ~~يفكر بإمعان في هذا الشيء. وساعة يسمع الإنسان دعوى أو قضية، فعليه ألا ~~يحكم عليها بظاهر الأمر، بل لا بد أن يبحث القضية أو الدعوى بترو ~~وهدوء. وهم قد قالوا لنوح عليه السلام: أنت بشر مثلنا، وقد اتبعك أراذلنا ~~لأنهم نظروا إلى دعوتك نظرة ظاهرية، ولو تعقبوا دعوتك وتأملوها ~~ونظروا في عواقبها بتدبر لما آمنوا بها. ويكشف الحق سبحانه هذا الغباء ~~فيهم، فقول الملأ بأن الضعفاء كان يجب عليهم أن يتدبروا الأمر ويتمعنوا ~~في دعوة نوح قبل الإيمان به، ينقضه إصرار الضعفاء على الإيمان لأنه يؤكد ~~أن جوهر الحكم عندهم جوهر سليم لأن الواحد من هؤلاء الضعفاء لا يقيس ~~الأمر بمقياس من يملك المال، ولا بمقياس من يملك الجاه، ولا بمقياس من له ~~سيادة، بل قاس الضعيف من هؤلاء الأمر بالقلب، الذي تعقل وتبصر، ~~وباللسان الذي أعلن الإيمان لأن الإنسان بأصغريه: قلبه ولسانه. إذن: فهذا ~~الملأ الكافر من قوم نوح - عليه السلام - قد حكم بأن الضعاف أراذل ~~بالمقاييس الهابطة، لا بالمقاييس الصحيحة. ولو امتنع هؤلاء الذين يقال ~~عنهم " أراذل " عن خدمة من يقال لهم " سادة " لذاق السادة الأمرين، فهم ~~الذين يقدمون الخدمة، ولو لم يصنع النجار أثاث البيت لما كانت هناك ~~بيوت مؤثثة. ولو امتنع العمال عن الحفر والبناء لما كانت هناك ms4829 قصور ~~مشيدة. ولو امتنع الطاهي عن طهي الطعام لما كانت هناك موائد ممتدة، وكل ~~خدمات هؤلاء الضعاف تصب عند الغني أو صاحب المال أو صاحب الجاه. وهكذا ~~نرى أن الكون يحتاج إلى من يملك الثروة - ولو عن طريق الميراث - ليصرف ~~على من يحتاجه المجتمع أيضا، وهم الضعاف الذين يعطون الخير من كدهم ~~وإنتاجهم. إذن: فالضعفاء هم تتمة السيادة. وحين نمعن النظر لوجدنا أن ~~سيادة الثري أو صاحب الجاه إنما تأتي نتيجة لمجهودات من يقال عنهم: ~~إنهم أراذل. ولو أنهم تخلوا عن الثري أو صاحب الجاه، لما استطاع أن ~~يكون سيدا. # ويذكر لنا الحق سبحانه بقية ما قاله الملأ الكافر من قوم نوح: {.. وما ~~نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين } [هود: ~~27]. وهم - بهذا القول - قد أنكروا أن سيادتكم إنما نشأت بجهد من قالوا ~~عنهم إنهم أراذل، وأنكروا فضل هؤلاء الناس. ويلفتنا الحق سبحانه وتعالى ~~إلى الآفة التي تنتاب بعض المجتمعات حين يذكر لنا ما قاله الكافرون: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمت ربك نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا.. # [الزخرف: 31-32]. إذن: فالحق سبحانه هو الذي قسم المعيشة، وآفة الحكم أن ~~ننظر إلى المرفوع على أنه الغنى، لا، فليس المرفوع هو الغنى، بل هو كل ذي ~~موهبة ليست في سواه. وما دام مرفوعا في مجال فهو سيخدم غيره فيه، وغيره ~~سيخدمونه فيما رفعوا فيه لأن المسألة أساسها التكامل. لذلك لا يديم ~~الله سبحانه غنى أحد أبد الدهر، بل جعل الدنيا دولا بين الناس. ~~إذن: فلو عرف هذا الملأ الكافر من قوم نوح - عليه السلام - معنى كلمة ~~الفضل لما قالوها لأن الفضل هو الزائد عن المطلوب للكائن، في المحسوسات ~~أو المعاني والفضل يقتضي وجود فاضل ومفضول. ولينظر كل طاغية في حياته ~~ليرى ما الفاضل فيها؟ إنه بعض من المال أو الجاه، وكل من يخدم هذا ~~الطاغية هم أصحاب الفضل لأن سيادة الطاغية مبنية ms4830 على عطائهم. فهم أصحاب ~~الفضل، ما دام الفضل هو الأمر الزائد عن الضروري. إذن: فحقيقة ارتباط ~~العالم بعضه ببعض، هو ارتباط الحاجة لا ارتباط السيطرة، ولذلك حين نرى ~~مسيطرا يطغى، فنحن نقول له: تعقل الأمر لأنك ما سيطرت إلا بأناس من ~~الأراذل، فإظهار قوته تكون بمن يجيدون تصويب السلاح، أو بمن تدربوا على ~~إيذاء البشر، فهو يبني سيادته ببعض الأراذل، كوسائل لتحقيق سيطرته. وقول ~~الكافرين من ملأ نوح - عليه السلام -: { وما نرى لكم علينا ~~من فضل.. } [هود: 27]. يكشف أنهم قد فهموا الفضل على أنه الغنى، ~~والجاه والمناصب، وهم قد أخطأوا الفهم. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: ~~{.. بل نظنكم كاذبين } [هود: 27]. والظن هو الراجح، والمرجوح ~~هو الوهم وهذا يثبت أن في الإنسان فطرة تستيقظ في النفس كومضات، فالمتكبر ~~يمضي في كبره إلى أن تأتي له ومضة من فطرته، فيعرف أن الحق حق، وأن ~~الباطل باطل. وحين جاءت هذه الومضة في نفوس هذا الملأ الكافر، قالوا: {.. ~~بل نظنكم كاذبين } [هود: 27]. ولم يقولوا: " نعتقد أنكم ~~كاذبون ". ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { قال يقوم أرأيتم... ~~}. ### || [11.28] # وقول نوح عليه السلام: { أرأيتم } أي: أخبروني إن كنت على بينة ~~موهوبة من الله تعالى ونور وبصيرة وفطرة بالهداية، وآتاني الحق سبحانه: { ~~رحمة } أي: رسالة، بينما خفيت هذه المسألة عنكم، فهل أجبركم على ذلك؟ ~~لا لأن الإيمان لا بد أن يأتي طواعية بعد إقناع ملموس، وانفعال مأنوس، ~~واختيار بيقين. وحين ننظر في قوله: {.. أنلزمكموها وأنتم ~~لها كارهون } [هود: 28]. نجد الهمزة الاستفهامية ثم الفعل " نلزم " ~~ثم كاف المخاطبة، وهنا نكون أمام استفهام، وفعل، وفاعل مطمور في الفعل، ~~ومفعول أول هو كاف المخاطبة، ومفعول ثان هو الرحمة. إذن: فلا إلزام من ~~الرسول لقومه بأن يؤمنوا لأن الإيمان يحتاج إلى قلوب، لا قوالب، وإكراه ~~القوالب لا يزرع الإيمان في القلوب. والحق سبحانه يريد من خلقه قلوبا ~~تخشع، لا قوالب تخضع، ولو شاء سبحانه لأرغمهم وأخضعهم كما أخضع الكون كله ~~له، سبحانه القائل: # أأنتم أشد خلقا أم السمآء.. # [النازعات: 27]. فالحق سبحانه وتعالى ms4831 أخضع السماء والشمس والقمر، وكل ~~الكون، وهو سبحانه يقول لنا: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57]. والكون كله يخضع لمشيئة الله سبحانه وتعالى. وقد خلق الحق ~~سبحانه الملائكة وهم جنس أعلى من البشر، وقال سبحانه عنهم: # .. لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما ~~يؤمرون # [التحريم: 6]. إذن: فالحق سبحانه وتعالى لو أراد قوالب لأخضع الخلق كلهم ~~لعبادته، ولكنه سبحانه وتعالى يريد قلوبا تخشع ولذلك يقول تبارك وتعالى: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. وهكذا نعلم أن الحق سبحانه منزه عن رغبة إخضاع ~~القوالب البشرية، بل شاء سبحانه أن يجعل الإنسان مختارا ولذلك لا ~~يكره الله سبحانه أحدا على الإيمان. والدين لا يكون بالإكراه، بل ~~بالطواعية والرضا. والحق سبحانه وتعالى هو القائل: # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.. # [البقرة: 256]. وهكذا يطلب الحق سبحانه من الخلق أن يعرضوا أمر الإيمان ~~على العقل، فالعقل بالإدراك ينفعل متعجبا لإبداع المبدع، وعند الإعجاب ~~ينزع إلى اختياره بيقين المؤمن. يقول الحق: # إن في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل ~~والنهار لآيات لأولي الألباب # [آل عمران: 190]. والإكراه إنما يكون على أمر غير متبين، أما ~~الدين فأمر يتبين فيه الرشد لأن المنهج حين يطلب منك ألا تسرق غيرك، ~~فهو يضمن لك ألا يسرقك الغير، وحين يأمرك ألا تنظر إلى محارم غيرك، فهو ~~يحمي محارمك، وحين يأمرك ألا تغتاب أحدا، وألا تحقد على أحد، ففي هذا ~~كله راحة للإنسان. إذن: فما يطلبه المنهج هو كل أمر مريح للإنسان، وأنت ~~إن نظرت في مطلوبات المنهج فلن تجدها مطلوبة منك وحدك، ولكن مطلوبة من ~~الناس لك أيضا. # وهو تبادل مراد من الله لإعمار الكون أخذا وعطاء. ولذلك لا يحتاج مثل ~~هذا الرشد إلى إكراه عليه، بل تجد فيه البينة واضحة فاصلة بينه وبين ~~الغي. والآفة أن بعضا من الناس يستخدمون هذه الآية في غير موضعها، ~~فحين تطلب من مسلم أن يصلي تجده يقول لك: # لا ms4832 إكراه في الدين.. # [البقرة: 256]. ولك أن تقول له: لا إكراه في الحمل على الدين ~~والإيمان به، لكنك إذا آمنت بالدين فإياك أن تكسره، بتعطيل منهجه أو ~~الإعراض عنه. ولذلك يشدد الحق سبحانه عقوبة الخروج من الدين لأن الحق ~~سبحانه لم يكره أحدا على الدخول في الدين، بل للإنسان أن يفكر ويتدبر ~~لأنه إن دخل في الدين وارتكب ذنبا فسيلقى عقاب الذنب لأنه دخل برغبته ~~واختاره بيقينه، فالمخالفة لها عقابها. إذن: فالدخول إلى الإيمان لا ~~إكراه فيه، ولكن الخروج من الدين يقتضي إقامة الحد على المرتد ومعاقبة ~~العاصي على عصيانه. وعندما يعلم الجميع هذا الأمر فهم يعلمون أن الحق ~~سبحانه وتعالى قد جعل الصعوبة في الدخول إلى الدين عن طريق تصعيب آثار ~~الخروج منه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك على لسان نوح عليه السلام: { ~~ويقوم لا أسألكم عليه مالا... }. ### || [11.29] # ومثل هذا القول بمعناه جاء مع كل رسول، ففي مواضع أخرى يقول الحق ~~سبحانه: # قل لا أسألكم عليه أجرا.. # [الأنعام: 90]. لأن العوض في التبادل قد لا يكون مالا، بل قد يكون ~~تمرا، أو شعيرا أو قطنا أو غير ذلك، والأجر - كما نعلم - هو أعم من أن ~~يكون مالا أو غير مال لذلك يقول الحق سبحانه هنا: { لا أسألكم ~~عليه مالا إن أجري إلا على الله.. } [هود: 29]. ~~وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد أغلى الأمر. وقول الرسول: { إن أجري ~~إلا على الله.. } [هود: 29]. هو قول يدل على أن الأمر الذي جاء ~~به الرسول هو أمر نافع لأن الأجرة لا تستحق إلا مقابل المنفعة. ونحن نعلم ~~أن مبادلة الشيء بعينه أو ما يساويه تسمى شراء، أما أن يأخذ الإنسان ~~المنفعة من العين، وتظل العين ملكا لصاحبها، فمن يأخذ هذه المنفعة يدفع ~~عنها إيجارا، فكأن نوحا عليه السلام يقول: لقد كنت أستحق أجرا لأنني ~~أقدم لكم منفعة، لكنني لن آخذ منكم شيئا، لا زهدا في الأجر، ولكني ~~أطمع في الأجر ممن هو أفضل منكم وأعظم وأكبر. ولأن هذا الملأ الكافر قد ~~وصف من اتبع ms4833 نوحا بأنهم أراذل لذلك يأتي الرد من نوح عليه السلام: { ~~ومآ أنا بطارد الذين آمنوا.. } [هود: 29]. ويوضح هذا ~~الرد أن نوحا عليه السلام لا يمكن أن يطرد إنسانا من حظيرة الإيمان ~~لأنه فقير، فاليقين الإيماني لا علاقة له بالثروة أو الجاه أو الفقر ~~والحاجة. ولا يخلي رسول مكانا من أتباعه الفقراء ليأتي الأغنياء، بل ~~الكل سواسية أمام الله سبحانه وتعالى. والحق سبحانه يقول: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من ~~شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم ~~فتكون من الظالمين # [الأنعام: 52]. وقد جعل الحق سبحانه هؤلاء الذين يطلق عليهم كلمة " ~~أراذل " فتنة، فمن تكبر بسبب فقر وضعف أتباع الرسل، فليغرق في كبره. ~~لذلك يقول الحق سبحانه: # وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء ~~من الله عليهم من بيننآ أليس الله بأعلم ~~بالشاكرين # [الأنعام: 53]. وأيضا يأمر الحق سبحانه رسوله بأن يضع عينه على هؤلاء ~~الضعاف، وألا ينصرف عنهم أو عن أي واحد منهم، فيقول الحق سبحانه: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم.. # [الكهف: 28]. جاء هذا القول حتى لا ينشأ فساد أو عداء بين المؤمنين ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يقال: " فلان مقرب منه " ولذلك ~~كان صلى الله عليه وسلم إذا جلس يوزع نظره على كل جلسائه، حتى يظن كل ~~جالس أن نظره لا يتحول عنه. # وفي هذه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه ~~وتعالى على لسان سيدنا نوح - عليه السلام - وصفا لهؤلاء الضعاف الذين ~~آمنوا: { إنهم ملاقوا ربهم.. } [هود: 29]. وفي هذا بيان ~~أن نوحا - عليه السلام - لن يطرد هؤلاء الضعاف المؤمنين، فلو طردهم وهم ~~الذين سيلقون الله تعالى، أيسمح نوح عليه السلام أن يقال عنه أمام الحق - ~~تبارك وتعالى - إنه قد طرد قوما آمنوا برسالته؟ طبعا لا. ونحن نعلم أن ~~الحق سبحانه يحاسب رسله، والمرسل إليهم، فهو سبحانه القائل: # فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن ~~المرسلين # [الأعراف: 6]. إذن: فنوح - عليه السلام ms4834 - يعلم أنه مسئول أمام ربه، ولكن ~~هذا الملأ الكافر من قومه يجهلون ولذلك يقول الحق سبحانه في نهاية هذه ~~الآية الكريمة على لسان نوح عليه السلام: {.. ولكني أراكم ~~قوما تجهلون } [هود: 29]. أي: أنهم لا يفهمون مهمة نوح عليه ~~السلام، وأنه مسئول أمام ربه. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ~~ويقوم من ينصرني من الله... }. ### || [11.30] # وهنا يوضح نوح عليه السلام أنه لا يقدر على مواجهة الله إن طرد هؤلاء ~~الضعاف لأن أحدا لن ينصر نوحا على الله - عز وجل - لحظة الحساب، فهناك ~~يوم لا ملك فيه لأحد إلا الله، ولا أحد يشفع إلا بإذنه سبحانه، ولا أحد ~~بقادر على أن ينصر أحدا على الله تعالى لأنه القاهر فوق كل خلقه، والنصر ~~- كما نعلم - يكون بالغلبة، أما الشفاعة فهي بالخضوع، والحق سبحانه لا ~~يأذن لأحد أن يشفع في طرد مؤمن من حظيرة الإيمان. وفي هذا القول تذكير من ~~نوح عليه السلام لقومه ولذلك قال الحق سبحانه: {.. أفلا تذكرون ~~} [هود: 30] أي: يجب ألا تأخذكم الغفلة، وتنسيكم ما يجب أن تتذكروه. ~~وكما جاء الحق سبحانه بالتذكر، وهو الأمر الذي بدوامه يبعد الإنسان ~~الغفلة، جاء الحق سبحانه أيضا بالتفكر، وهو التأمل لاستنباط شيء جديد ~~عن طريق إعمال العقل بالتفكر، الذي يجعل الإنسان في تأمل يقوده إلى تقديس ~~وتنزيه الخالق، وبهذا يصل الإنسان إلى الحقائق التي تكشف له معالم ~~الطريق. وجاء الحق - سبحانه - أيضا بالتدبر، أي: ألا يأخذ الإنسان ~~الأمور بظواهرها، أو أن ينخدع بتلك الظواهر، بل لا بد من البحث في حقائق ~~الأشياء. لذلك يقول الحق جل وعلا: # أفلا يتدبرون القرآن.. # [النساء: 82]. أي: أفلا يبحثون عن الكنوز الموجودة في المعطيات الخلفية ~~للقرآن. والتدبر هو الذي يكشف المعاني الخفية خلف ظواهر الآيات، والناس ~~يتفاضلون في تعرضهم لأسرار كتاب الله حين ينظرون خلف ظواهر المعاني. ~~ولذلك نجد عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: " ثوروا القرآن " أي: ~~قلبوا معاني الآيات لتجدوا ما فيها من كنوز، ولا تأخذوا الآيات ~~بظواهرها، فعجائب القرآن لا تنقضي. ويقول الحق ms4835 سبحانه وتعالى مواصلا ما ~~جاء على لسان سيدنا نوح: { ولا أقول لكم عندي خزآئن ~~الله... }. ### || [11.31] # وهكذا يسد نوح - عليه السلام - على هذا الملأ الكافر كل أسباب ~~إعراضهم عن الإيمان، فإن ظنوا أن الإيمان يتطلب ثراء، فنوح لا يملك ~~خزائن الله، وهو لا يملك أكثر من هذا الملأ، وإن طلبوا أن يكشف لهم ~~الغيب، فالغيب علمه عند الله تعالى وحده. ولم يدع نوح أنه من جنس آخر ~~غير البشر، إنما هو بشر مثلهم، لا يملك ما يجبرهم به على الطاعة، ثراء، ~~أو جاها، أو علم غيب. ولن يطرد نوح عليه السلام من آمن من الضعاف ~~الذين تزدريهم وتحتقرهم وتتهكم عليهم عيون هذا الملأ الكافر لأن نوحا ~~يخشى سؤال الله - عز وجل - له إن سد في وجوه الضعاف أبواب ~~الإيمان. ولا بد من وقفة هنا عند قول الحق سبحانه: { ولا أقول ~~لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول ~~إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن ~~يؤتيهم الله خيرا.. } [هود: 31]. ونلاحظ هنا أن الخطاب قد ~~حول إلى الغيبة، فلم يخاطب نوح عليه السلام الضعاف ويقول لهم: إن ~~الله سيمنع عنكم الخير، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى هو العليم بما في ~~نفوسهم، ولو قال نوح لهم مثل هذا القول لكان من الظالمين. واللام في كلمة ~~{ للذين } تعني الحديث عن الضعاف، لا حديثا إلى الضعاف. ومجيء " ~~اللام " بمعنى " عن " له نظائر، مثل قول الحق سبحانه: # .. وقال الذين كفروا للحق لما جآءهم إن ~~هذآ إلا سحر مبين # [سبأ: 43]. وهم هنا لا يقولون للحق، ولكنهم يقولون عن الحق، وهكذا جاءت ~~" اللام " بمعنى " عن ". وهكذا أوضح نوح - عليه السلام - أنه لو طرد من ~~يقال عنهم " أراذل " ، لكان معنى ذلك أنه يعلم النوايا، ونوح - عليه ~~السلام - يعلم يقينا أن الله هو الأعلم بما في النفوس لذلك لا يضع نوح ~~نفسه في موضع الظلم لا لنفسه ولا لغيره. يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ~~ذلك: { قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا... ~~}. ### || [11.32] # والجدال هو قول كلام يقابل ms4836 كلاما آخر، والقصد عند كل طرف متكلم أن ~~يزحزح الطرف الآخر عن مذهبه بحجة أو بشبهة، بهدف إسقاط المذهب. إذن: ~~فالجدال هو مناقشة طرفين، يتقاسمان الكلام بهدف أن يقنع أحدهما الآخر بأن ~~ينصرف عن مذهبه هو إلى مذهب القائل. وكلمة " الجدال " مأخوذة من " ~~الجدل " أي: الفتل، وفتل الحبل إنما يأتي من أخذ شعرات من الكتان أو ~~الحرير أو أي مادة مثل هذا أو ذاك، ثم ضم شعرتين إلى بعضهما، ثم ~~القيام بلف كل شعرتين أخريين، وهكذا حتى يتم اكتمال الحبل. ويقال ~~للرجل القوي: " مفتول العضلات " ، أي: أن عضلاته ليست رخوة أو ضعيفة، بل ~~مفتولة، أي: متداخلة ومشدودة. وحين تنظر إلى الجهاز العضلي فأنت تندهش ~~لقدرة الحق سبحانه وتعالى الذي خلق كل عضلة بشكل وأسلوب معين، يتيح لها ~~أن تتآزر وتتعاون مع غيرها من العضلات لأداء الحركات المطلوبة منها. فحين ~~يرفع الإنسان رأسه فهو يحتاج لحركة أكثر من عضلة، وحين تعمل اليد فهي ~~تحرك أكثر من عضلة، ولو تعطلت حركة عضلة واحدة، لامتنعت الحركة المقابلة ~~لها. وهم قد قالوا لنوح عليه السلام: { قد جادلتنا فأكثرت ~~جدالنا.. } [هود: 32]. ونحن نعلم أن نوحا عليه السلام عاش ألف عام ~~إلا خمسين عاما، ومعنى ذلك أن جداله معهم أخذ وقتا طويلا. والجدال ~~يختلف عن المراء، لأن الجدال إنما يكون لحق، والمراء، يكون بعد ظهور ~~الحق. الجدال - إذن - مطلوب، والحق سبحانه هو القائل: # وجادلهم بالتي هي أحسن.. # [النحل: 125]. وكذلك يقول سبحانه وتعالى: # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله.. # [المجادلة: 1]. إذن: فالجدال مطلوب لنصل إلى الحق، شرط أن يكون جدلا ~~حسنا، لا احتكاك فيه ولا إيذاء. وهناك فارق بين احتكاك الآراء، وتحكك ~~الآراء، فالتحكك كالتلكك، وهو الرغبة في عدم الوصول إلى الحق، لكن ~~الاحتكاك هو الذي يوصل إلى الحق، مثلما نحك الزناد بقطعة من حديد فتولد ~~الشرر لنرى الحق، أما التحكك فهو يواري ويطمس الحقيقة. والمراء هو ~~الجدال بعد أن يظهر الحق، وهو مأخوذ من مرى الضرع، فحين يقومون ~~بإنزال اللبن من ms4837 ضرع الناقة أو البقرة، فالضرع يكون ملآن، وينزل منه ~~اللبن بشدة وقوة، وبعد أن ينتهي حلب الضرع، يظل من يحلبها ممسكا ~~بحلمات الناقة أو الجاموسة، ويستحلب ما بقى من اللبن، ويقال لهذا ~~الجزء الأخير " المريى ". ولذلك أخذوا من هذه العملية كلمة " المراء " ، ~~وهو ما بعد ظهور الحق. وهناك بجانب الجدال والمراء، والاحتكاك، ~~والتحكك، والحجاج والمراد بالحجاج هو إظهار حجة الخصم على الخصم. ~~وبعد أن ملوا من جدال نوح - عليه السلام - طلبوا أن ينزل بهم العذاب ~~الذي أنذرهم به، وقد استبطأوا مجيء هذا العذاب لأن نوحا عليه السلام عاش ~~بينهم ألف سنة إلا خمسين، وقالوا: {.. فأتنا بما تعدنآ إن ~~كنت من الصادقين } [هود: 32]. وكأنهم - بهذا القول - قد أخرجوا ~~نوحا مخرج من بيده أن يأتي بالعذاب، أو يمنع العذاب، وهذه مسألة لا ~~يملكها نوح، بل هي ملك لله سبحانه وتعالى. ولذلك ينبههم نوح عليه ~~السلام: { قال إنما يأتيكم به الله... }. ### || [11.33] # لأن الحق سبحانه هو الذي يقدر للعذاب أوانا، ويقدر لكل تعذيب ~~ميلادا، ولا يعجل الله بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد. وهم ~~لن يعجزوا الله تعالى ولن يفلتوا منه لأنه لا توجد قوة في الكون يمكن أن ~~تمنع مشيئة الله تعالى، أو أن تتأبى عليه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ~~على لسان نوح عليه السلام: { ولا ينفعكم نصحي إن أردت ~~أن أنصح لكم... }. ### || [11.34] # والمعنى هنا: إن كان الله سبحانه يريد أن يغويكم فلن تنتفعوا بالنصيحة ~~إن أردت أن أنصحكم لأن الآية بها تعدد الشرطين. ومثال ذلك من حياتنا: ~~حين يطرد ناظر المدرسة طالبا، عقابا له على خطأ معين، فالطالب قد ~~يستعطف الناظر، فيقول الناظر: " إن جئتني غدا أقبل اعتذارك إن كان معك ~~والدك ". وقول الناظر: " إن كان معك والدك " هو شرط متأخر، ولكنه كان ~~يجب أن يتقدم. وفي الآية الكريمة - التي نحن بصددها - جاء الشرط الأول ~~متأخرا، ولكن هل يغوي الله سبحانه عباده؟ لا، إنه سبحانه يهديهم، ~~والغواية هي الضلال والبعد عن الطريق المستقيم. والحق سبحانه يقول عن ~~محمد ms4838 صلى الله عليه وسلم: # ما ضل صاحبكم وما غوى # [النجم: 2]. وقال سبحانه عن آدم عليه السلام حين أكل من الشجرة: # .. وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]. ونحن يجب ألا نقع في الآفة التي يخطىء البعض بها، حين ~~يستقبلون ألفاظ العقائد على أساس ما اشتهر به اللفظ من معنى فالألفاظ لها ~~معان متعددة. لذلك لا بد أن نعرض كل معاني اللفظ لنأخذ اللفظ المناسب ~~للسياق. ومثال ذلك هو قول الحق سبحانه: # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات فسوف يلقون غيا # [مريم: 59]. وقوله سبحانه هنا: { فسوف يلقون غيا }. أي: سوف ~~يلقون عذابا، لأن غيهم كان سببا في تعذيبهم، فسمى العذاب باسم ~~مسببه. ومثل قول الحق سبحانه: # وجزآء سيئة سيئة مثلها.. # [الشورى: 40]. والحق سبحانه لا يسيء لعباده، ولكنهم هم الذين يسيئون ~~لأنفسهم، فسمى ما يلقاهم من العذاب سيئة. وكذلك " الغي " يرد بمعنى ~~" الإغواء " ، ويرد بمعنى الأثر الذي يترتب عن الغي من العذاب. وقد عرض ~~الحق سبحانه وتعالى في كتابه صورا متعددة للإغواء، فآدم عليه السلام حين ~~تنكب عن الطريق، وأكل من الشجرة المحرمة رغم تحذير الحق سبحانه له ~~ألا يقربها، قال الحق سبحانه وتعالى في هذا الموقف: # .. وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]. وقد فعل آدم عليه السلام ذلك بحكم طبيعته البشرية، فأراد ~~الله تعالى أن يعلمه أنه إذا خالف المنهج في " افعل " و " لا تفعل " ~~ستظهر عورته وتبدو له سوءاته. وهكذا أخذ آدم عليه السلام التجربة ليكون ~~مستعدا لاستقبال المنهج والوحي. وقد ذكر لنا الحق سبحانه كلمات ~~الشيطان بقوله: # قال رب بمآ أغويتني لأزينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين # [الحجر: 39]. ولكن هل أغوى الله - سبحانه - الشيطان؟ إن الحق سبحانه لا ~~يغوي، ولكنه يترك الخيار للمكلف إن شاء أطاع، وإن شاء عصى. ولو ~~أنه سبحانه وتعالى جعلنا مؤمنين لما كان لنا اختيار، فإن أطاع الإنسان ~~نال عطاء الله، وإن ضل، فقد جعل الله له الاختيار، ووجهه لغير ~~المراد مع صلاحيته للمراد. إذن: فالاختيار ليس مقصورا على الإغواء بل ~~فيه الهداية أيضا، والإنسان قادر ms4839 على أن يهتدي، وقادر على أن يضل. ~~ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { أم يقولون افتراه قل إن ~~افتريته... }. ### || [11.35] # جاء هذا القول في صلب قصة نوح - عليه السلام - وقد يكون مما أوحى به ~~الله سبحانه لنوح عليه السلام، أو يكون المراد به أنهم قالوا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مثل هذا الكلام. والافتراء - كما نعلم - هو الكذب ~~المتعمد الذي يناقض واقعا. وانظروا إلى كل ما جاء بالمنهج ليلتزم به ~~الفرد، ستجدون أنه ملزم للجميع، وستكون الفائدة التي تعود عليك ~~بالتزام الجميع - بما فيهم أنت - فائدة كبيرة، فإن قال لك المنهج: لا ~~تسرق فهذا أمان لك من أن يسرقك الناس. ولذلك فساعة تسمع للمنهج، لا ~~تنظر إلى المأخوذ منك، بل التفت إلى المأخوذ لك. وعلى ذلك لا يمكن أن ~~يكون المنهج افتراء. ونحن نعلم أن المنهج يؤسس في المجتمعات مقاييس ~~عادلة للاستقامة، وحين يشرع الحق سبحانه تشريعا، قد يبدو لك أنه ~~يحد من حريتك، ولكنه في الواقع يحقق لك منافع متعددة، ويحميك من ~~أن يعتدي الآخرون عليك. وكان الرد على الاتهام بالافتراء يتمثل في ~~أمرين: إما أن يفتروا مثله، أو أن يتحمل هو وزر إجرام الافتراء. وإن ~~لم يكن قد افتراه، فعليهم يقع وزر إجرامهم باتهامه أنه قد افترى. ~~وأسلوب الآية الكريمة يحذف عنهم البراءة في الشطر الأول منها، ولو جاء ~~بالقول دون احتباك، لقال سبحانه: قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنتم ~~برءاء منه، وإن لم أفتر فعليكم إجرامكم وأنا بريء. وجاء الحذف من ~~شق المقابل من شق آخر، وهذا ما يسمى في اللغة " الاحتباك ". ~~والحق سبحانه وتعالى يقول: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله.. # [البقرة: 249]. والفئة القليلة تكون قلتها في الأفراد والعتاد ~~وكل لوازم الحرب، والفئة الكثيرة، تظهر كثرتها في العدة والعدد ~~وكل لوازم الحرب، والفئة القليلة إنما تغلب بإذن الله تعالى. وهكذا ~~يوضح الحق سبحانه أن الأسباب تقضي بغلبة الفئة الكثيرة، لكن مشيئته ~~سبحانه تغلب الأسباب وتصل إلى ما شاءه الله تعالى. ولذلك يقول الحق ms4840 ~~سبحانه في آية أخرى: # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل ~~في سبيل الله وأخرى كافرة.. # [آل عمران: 13]. وحذف سبحانه صفة الإيمان عن الفئة الأولى، كما حذف عن ~~الفئة الثانية صفة أنها تقاتل في سبيل الطاغوت والشيطان، وهذا يسمى " ~~الاحتباك ". وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قال الحق سبحانه: ~~{ قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء ~~مما تجرمون } [هود: 35]. ولكن الحق سبحانه وتعالى شاء أن يبين ~~لنا قول رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم حين خاطب قومه، فقال سبحانه: # .. قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما ~~تعملون # [سبأ: 25]. فلم يقل: " عما تجرمون ". فلم يقابل إيذاءهم القولي ~~والمادي له بإيذاء قولي. وكذلك ذكر الحق سبحانه ما جاء على لسان ~~محمد صلى الله عليه وسلم: # .. وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24]. وهذا ارتقاء في الجدل يناسب رحمة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم التي أنزلها الله على العالم كله. وبعد ألف عام إلا خمسين من جدال ~~نوح عليه السلام لقومه، قال له الحق سبحانه وتعالى: { وأوحي إلى ~~نوح أنه لن يؤمن... }. ### || [11.36] # ومجيء " إلا " هنا ليس للاستثناء، ولكنها اسم بمعنى " غير " أي: لن يؤمن ~~من قومك غير الذي آمن. ولهذا نظير في قمة العقائد حين قال الحق سبحانه: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا.. # [الأنبياء: 22]. و " إلا " هنا أيضا بمعنى " غير " ، ولو كانت " إلا " ~~بمعنى الاستثناء لعنى ذلك أن الله سبحانه - معاذ الله - سيكون ضمن آلهة ~~آخرين، لذلك لا يصلح هنا أن تكون " إلا " للاستثناء، بل هي بمعنى " غير " ~~، وتفيد معنى الوحدانية لله عز وجل وتفرده بالألوهية. والآية ~~التي نتناولها بخواطرنا تؤكد أنه لا يوجد غير من آمن بنوح - عليه السلام ~~- من قومه، سوف يؤمن فقد ختم الله المسألة. وهذا يعطينا تبريرا لاجتراء ~~نوح - عليه السلام - على الدعاء على الذين لم يؤمنوا من قومه بقوله: # .. رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ms4841 ~~فاجرا كفارا # [نوح: 26-27]. وكان تبرير ذلك أنه عليه السلام قد دعاهم إلى الإيمان ~~زمانا طويلا فلم يستجيبوا، وأوحى له الله تعالى أنهم لن يؤمنوا، وقال ~~له سبحانه: {.. فلا تبتئس بما كانوا يفعلون } [هود: ~~36]. والابتئاس هو الحزن المحبط، وهم قد كفروا وليس بعد الكفر ذنب. ويقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك: { واصنع الفلك بأعيننا ~~ووحينا... }. ### || [11.37] # وهكذا علم نوح بمسألة الإغراق من خلال الوحي له بصنع السفينة. ومعنى " ~~اصنع " أي: اعمل الصنعة، وهناك فرق بين الصنعة والحرفة، فالصنعة أن ~~توجد معدوما، كصانع الأكواب، أو صانع الأحذية، أو صانع النجف، أو ~~صانع الكراسي، أما الذي يقوم على صيانة الصنعة فهو الحرفي. وهناك عملية ~~أخرى للاستنباطات مثل مهنة الزارع الذي يحرث الأرض ويبذر فيها الحب ~~ويرويها ليستنبط منها النباتات، ويسمى صاحب هذه المهنة " زارع " أو " ~~فلاح " لأن اقتيات الحياة المباشر يأتي من الزراعة. أما الصانع فيأتي ~~بشيء من متطلبات الحياة، في تطورها ويوجد آلة أو يصنع جهازا لم يكن ~~موجودا، والحرفي هو الذي يصون تلك الآلة، أما التاجر فهو الذي يقوم ~~بعملية تجمع كل ذلك، ويكون هو الوسيلة بين منتج الشيء والمستهلك، ~~فالتاجر يكون لعرض الأشياء بغية البيع والشراء. والحق سبحانه وتعالى يقول ~~هنا لنوح عليه السلام: { واصنع الفلك.. } [هود: 37]. أي: أوجد ~~شيئا من عدم، إلا أن هذا الشيء سيصنع من شيء آخر موجود، لأن نوحا عليه ~~السلام قد زرع من قبل شجرة وعاشت معه كل هذه المدة الطويلة، وتضخمت في ~~الجذع والفروع. وبدأ نوح عليه السلام في عملية شق الشجرة ليصنع منها ~~السفينة التي بلغ طولها - كما قيل - ثلاثمائة ذراع وبلغ عرضها خمسين ~~ذراعا، وبلغ ارتفاعها ثلاثين ذراعا ومكونة من ثلاثة أدوار لتسع ~~المؤمنين، وزوجين من كل نوع من حيوانات الأرض ودوابها وهوامها وسباعها ~~ووحوشها. ونحن قد علمنا أن الشجرة التي زرعها نوح عليه السلام قد تضخمت ~~جدا لطول المدة التي قضاها نوح في دعوته لقومه ونعلم أيضا أن جذع ~~الشجرة ينمو دائريا بمقدار دائرة كل عام. وحين نقطع جذع الشجرة نجد ms4842 أن ~~قطر الجذع مكون من دوائر، وكل دائرة تمثل عاما من عمرها. وهكذا بلغ ~~حجم الشجرة ما يساعد نوحا عليه السلام على أن يصنع السفينة. وقد علمه ~~الحق سبحانه بالوحي وإلهام الخواطر كيف يصنع السفينة، ألم يلهم الله ~~سبحانه نبيه داود عليه السلام في مسألة الحديد؟ وقال لنا سبحانه أنه - ~~جل وعلا - قد أمر الجبال أن تؤوب معه، وكذلك الطير، فألان له ~~الحديد دون نار: # يجبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد * ~~أن اعمل سابغات.. # [سبأ: 10-11]. هكذا أخبرنا الحق سبحانه أن الحديد صار لينا دون نار - ~~بإذنه سبحانه - ليصنع منه داود دروعا كبير مستوفية للظهور والصدر، لتحمي ~~معاطب الإنسان. وقد أوحى الحق سبحانه لداود عليه السلام أن يصنع تلك ~~الدروع بطريقة عجيبة، بأن يجعلها سابغات. والسابغة هي المسرودة، مثل ~~الحصير، حيث يوضع العود بجانب العود، ويربط الأعواد كلها بطريقة تسهل ~~من فرد الحصير أو لفه. # وفي نفس الآية يبين لنا الحق سبحانه كيفية الوحي لداود عليه السلام ~~بتلك الصناعة الدقيقة، فيقول سبحانه: # وقدر في السرد.. # [سبأ: 11]. أي: أنك يا داود حين تنسج الحديد اللين - بإذن الله تعالى ~~- لتجعله دروعا عليك أن تصنع تلك الدروع بتقدير دقيق كي لا تكون الدرع ~~ضيقة على صدر المقاتل فتضيق حركته، وتقلل من قدرته على التنفس، فيلهث ~~بسرعة، ولا يستطيع مواصلة القتال. وكذلك يجب ألا تكون الدرع واسعة ~~على صدر المقاتل حتى لا تساعد سعة الدرع سيف الخصم، فيضرب الدرع نفسه ~~صدر المقاتل، وتكون قوة الدرع مضافة إلى قوة سيف الخصم، ولكن حين تكون ~~الدرع قادرة على الإحاطة بالجسم دون أن يكبل الحركة، فهذه الدرع ~~المناسبة للقتال. وقد أتقن داود عليه السلام صناعة تلك الدروع بتلك ~~الهندسة الدقيقة التي أوحى الحق سبحانه بها إليه، فقد صنعها بأمر الحق ~~الأعلى سبحانه حين قال له: # وقدر.. # [سبأ: 11] وكلمة قدر تعطي معنى التقدير والإتقان. فعلى الذين يصنعون ~~الأشياء عليهم أن يعلموا أن القرآن الكريم لحظة يوجه إلى الإتقان في ~~الأداء والعمل، فإنه يعلمنا طريقة التقدير والإتقان في ms4843 العمل والإبداع ~~فيه، لنتخذ من هذا التوجيه نبراسا نسير عليه ليكون العمل صالحا، وأنت ~~ترى من يتقن صنعته وهو يقول: " الله " ، وكأن هذا القول اعتراف الفطرة ~~الأولى بقدرة الحق سبحانه على أن يهب الإنسان طاقة الإتقان والإبداع. ~~ويقول الحق سبحانه أيضا في تعليمه لداود عليه السلام: # وعلمناه صنعة لبوس.. # [الأنبياء: 80]. وهكذا يلقي الله تعالى الخاطر في قلب الرسول أو النبي ~~أن " افعل كذا " فيفعل. وحين ننظر إلى حضارة مصر القديمة، نجد كل ~~علومها وفنونها في التحنيط والألوان والنحت، كانت من اختصاص الكهنة ~~الذين يمثلون السلطة الدينية، ولم يكتب هؤلاء الكهنة أسرار تلك ~~العلوم، فلم يستطع أحد من المعاصرين أن يتعرف عليها. وهكذا نجد أن كل أمر ~~في أصوله مصدره السماء. وفي قصة نوح عليه السلام نجد الحق سبحانه يقول: { ~~واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون } [هود: 37]. ومعنى " ~~بأعيننا " هو بحفظنا وبرعايتنا. وكلمة " بأعيننا " تفيد شمول الحفظ وكمال ~~الرعاية. ألم يقل الحق سبحانه في مسألة تخص رسول الله محمد صلى الله ~~عليه وسلم؟ # واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا.. # [الطور: 48]. وكذلك قال سبحانه في قصة سيدنا موسى عليه السلام: # .. ولتصنع على عيني # [طه: 39]. وأنقذ الحق سبحانه موسى عليه السلام من الفرعون الذي كان يقتل ~~أطفال بني إسرائيل، وألقى الله تعالى المحبة لموسى في قلب زوجة الفرعون، ~~وقال سبحانه: # وألقيت عليك محبة مني.. # [طه: 39]. لأن موسى عليه السلام حين كان طفلا رضيعا قد ألقي في ~~اليم، والتقطه رجال الفرعون، لكن زوجة الفرعون قالت لزوجها طالبة ~~لموسى الحياة: # قرة عين لي ولك.. # [القصص: 9]. ونحن نجد أن عدو موسى وقومه، يلتقط موسى ليعيش في كنفه ~~ورعايته، وكأن الله سبحانه يقول لهم: سأجعلكم تربون من يتولى ~~قهركم. وقول الحق سبحانه: { واصنع الفلك بأعيننا.. } [هود: ~~37]. أي: إنك إن توقفت لأية عقبة، فسوف نلهمك بما تواجه به تلك ~~العقبة. وحين صنع نوح عليه السلام الفلك احتاج لألواح خشبية، ولا بد أن ~~تتماسك تلك الألواح، ولم تكن المسامير قد اخترعت بعد، فأوحى له الله ms4844 ~~تعالى أن يربط الألواح بالحبال المجدولة، وقد فعل هذا أحد مكتشفي أمريكا ~~في العصر الحديث، حين صنع سفينة من نبات البردى وربطها بالحبال ~~المجدولة القوية. وقال الحق سبحانه في طريقة صنع سفينة نوح عليه السلام: # وحملناه على ذات ألواح ودسر # [القمر: 13]. أي: أن نوحا عليه السلام قد أحضر ألواحا من الخشب وربطها ~~بحبال مجدولة، وأحكم الربط بقدر مقتدر بما لا يسمح بتسرب الماء إلى ~~داخل السفينة. مثلما تصنع البراميل الخشبية في عصرنا، حيث يصنعها الصانع ~~من قطع خشبية مستطيلة، ويرتبها ثم يحكم ربطها بإطار قوي، وحين ~~يوضع فيها أي سائل، فالخشب يتشرب من هذا السائل ويتمدد ليسد ~~المسام، فلا ينضح السائل من البرميل لأن الخشب هو المادة الوحيدة التي ~~تتمدد بالبرودة على العكس من كل المواد التي تتمدد بالحرارة. ولذلك نجد ~~النجار الحاذق في صنعته هو من يصنع الأثاث أو الأبواب أو الشبابيك ~~في الفصول الرتيبة لأنه إن صنعها في الصيف، سنجد الخشب وهو منكمش فإذا ما ~~جاء الشتاء تمدد ذلك الخشب وسبب عدم إحكام إغلاق الأبواب والنوافذ، ~~وكذلك إن صنعها في الشتاء والخشب متمدد سيأتي الصيف وتنكمش الأبواب، ~~وتكون لها متاعبها، فلا يسهل ضبط إغلاق الأبواب أو ضبط أي صندوق أو ~~شباك بإحكام. ثم يقول الحق سبحانه: {.. ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون } [هود: 37]. أي: لا ~~تحدثني في أمر المغفرة لمن ظلموا أنفسهم بالكفر، وهم من ارتكبوا الظلم ~~العظيم، وهو الكفر في القمة العقدية، وهي الإيمان بالله تعالى واحدا ~~أحدا لا شريك له لذلك استحقوا العقاب، وهو الإغراق. وهكذا علم نوح ~~عليه السلام أن صنع السفينة مرتبط بلون العقاب الذي سيقع على من ~~كفروا برسالته، فهو ومن آمنوا معه سوف ينجون، أما من كفر فلسوف يغرق. ~~ويبين الحق سبحانه وتعالى حين يقول: { ويصنع الفلك وكلما ~~مر عليه ملأ من قومه... }. ### || [11.38] # وكان السادة والكبراء من ملأ نوح يمرون عليه وهو يصنع السفينة يسخرون ~~منه، بما يعني: ها هو بعد أن ادعى النبوة يتحول إلى نجار، ثم ~~يتساءلون: كيف ms4845 تصل هذه السفينة من " الموصل " إلى البحر؟ ولم يكونوا قد ~~علموا ما علمه نوح عليه السلام من أن الماء هو الذي سوف يأتي ليحمل ~~السفينة. ونحن نلحظ في قول الحق سبحانه: { ويصنع الفلك.. } ~~[هود: 38]. تنفيذ الأمر الذي صدر من الله سبحانه وتعالى إلى نوح عليه ~~السلام حين قال سبحانه: # واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون # [هود: 37]. ثم يقول الحق سبحانه بعد ذلك: { فسوف تعلمون من ~~يأتيه عذاب يخزيه... }. ### || [11.39] # ونلحظ في قول الحق سبحانه: { فسوف } { تعلمون } أن الفعل الذي ~~يعلمه نوح عليه السلام وهو أمر الإغراق سيحدث مستقبلا لأن أي حدث - كما ~~نعلم - له أكثر من صورة، فإن جاء الكلام عن الحدث بعد وقوعه كان الفعل ~~ماضيا، وإن جاء الكلام وقت وقوع الحدث كان الفعل مضارعا. وإن جاء ~~الكلام عن حدث لم يأت زمنه فالأمر يقتضي أن نسبق الكلام عن الحدث بحرف " ~~السين " كأن نقول: " سيعلمون " وهذا عن الاستقبال القريب، أما عن ~~الاستقبال البعيد فتأتي كلمة " سوف ". ونحن نعلم أن نوحا عليه السلام ~~قضى العديد من السنين وهو يصنع السفينة ولذلك جاء ب " سوف " لتدل على ~~أوسع مدى زمني. وما الذي سوف يعلمونه؟ إنه العذاب، أيأتي لنوح ومن ~~معه أم يأتي للذين كفروا من ملأ نوح. لذلك يقول الحق سبحانه على لسان نوح ~~عليه السلام: { فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه.. ~~} [هود: 39]. وفي هذا القول ما يؤكد أن نوحا عليه السلام يعلم أن ~~العذاب سوف يأتيهم لأنهم كفروا وسخروا وقالوا: # .. فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # [هود: 32]. وقول الحق سبحانه: {.. ويحل عليه عذاب مقيم ~~} [هود: 39]. نجد فيه كلمة { يحل } وهي ضد الرحيل، وتفيد النزول ~~من أعلى إلى مكان الإقامة، فحل بالمكان، أي: نزل ليقيم به، ~~والضد هو الرحيل أو الترحال. وقول الحق سبحانه: { مقيم } يعني أن ~~العذاب الذي سيحل بهم عذاب دائم. ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { ~~حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور... }. ### || [11.40] # وكلمة { حتى } تدل على الغاية وكلمة { أمرنا } تدل على ms4846 الطوفان، ~~ثم الأمر من الحق سبحانه بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، ومن آمن معه ~~وكانوا قلة قليلة. إذن: ففي قصة نوح عليه السلام أكثر من مرحلة، أمر ~~من الله تعالى بقوله: # واصنع الفلك.. # [هود: 37]. وعمل من نوح عليه السلام بأن يصنع، وقد استغرق هذا الفعل ~~وقتا طويلا من نوح عليه السلام إلى أن جاء أمر الطوفان الذي يدل عليه ~~قول الحق سبحانه: { وفار التنور.. } [هود: 40]. ومعنى كلمة { ~~فار } أي: أن الماء قد وصل إلى درجة الغليان. فالماء يحتوي على هواء ~~بدليل أن السمك يتنفس من الماء، وحين نغلي الماء نرى فقاقيع الهواء وهي ~~تخرج من الماء، ثم يثقل الماء إلى أن تشتد سخونة الغليان، فيفور الماء ~~منثورا خارج إناء الغليان. و " التنور " هو المكان الذي تتم فيه عملية ~~الخبز، وخروج الماء من التنور هو علامة مميزة يعلمها نوح عليه السلام ~~ليحمل من يريد نجاتهم، من المؤمنين، ومن متاع الدنيا كله. وكانت العلامة ~~هي خروج الماء من غير مظانه وهو التنور. واختلف العلماء في تفسير ~~كلمة " التنور " فمنهم من قال: إن التنور هو المكان الذي كان آدم عليه ~~السلام يخبز فيه، أو هو المكان الذي كانت تعمل فيه حواء، أو هو بيت نوح، ~~أو هو بيت سيدة عجوز. وكل تلك التفسيرات لا تفيد ولا تضر، المهم أن ~~فوران التنور كان علامة بين نوح عليه السلام وربه، وأنه إذا ما فار ~~التنور فعلى نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين. وقول الحق سبحانه: { ~~احمل فيها من كل زوجين اثنين.. } [هود: 40]. تعني: أن ~~يحمل من كل الكائنات، وتدل على ذلك كلمة { كل } المنونة - وتفيد ~~التعميم - أي: احمل في السفينة من كل شيء، تطلبه حياة الناجين من جميع ~~أصناف النباتات والحيوانات، حتى الخنزير كان ضمن ما حمله نوح عليه ~~السلام. والذين يقولون إن تحريم الخنزير جاء لأن نوحا عليه السلام لم ~~يحمله معه، لم يفطنوا إلى أهمية الخنزير كحيوان يأكل القاذورات وينظف ~~الأرض منها لأن كل كائن له مهمة، وليست مهمة الكائنات ms4847 فقط أن يأكلها ~~الإنسان. وكلمة: { زوجين اثنين.. } [هود: 40]. تدل على أن كلمة ~~" زوج " هي مفرد بدليل قول الحق سبحانه: # وخلق منها زوجها.. # [النساء: 1]. إذن: كلمة " زوج " تعني مفرد معه مثله، كزوج من الأحذية ~~مثلا. أقول ذلك حتى لا نأخذ كلمة " الزوج " على أنها اثنان ولذلك نجد ~~الحق سبحانه يقول في آية أخرى: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر ~~اثنين.. # [الأنعام: 143-144]. وحين نجمع العدد سنجده ثمانية، ولو كانت كلمة " زوج ~~" تطلق على الاثنين لصار العدد في تلك الآية الكريمة ستة عشر. ويوضح ~~القرآن الكريم أن كلمة " زوج " مفرد في قول الحق سبحانه: # ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة ~~فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر ~~والأنثى # [القيامة: 37-39]. إذن: فالذكر زوج، والأنثى زوج أيضا. وواصل نوح عليه ~~السلام تنفيذ أمر الحق سبحانه: {.. احمل فيها من كل زوجين ~~اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ~~ومآ آمن معه إلا قليل } [هود: 40]. وهكذا شاء الحق سبحانه ~~أن يستبقي الحياة بنجاة كل ما تحتاجه الحياة بالسفينة، ويقال: إنهم عاشوا ~~في تلك السفينة عامين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وقال اركبوا ~~فيها بسم الله مجريها ومرساها... }. ### || [11.41] # هذه هي المرحلة الأخيرة في قصة السفينة، وبدأت القصة بأمر من الله ~~سبحانه لنوح عليه السلام أن اصنع الفلك، ثم تمهيد من نوح لقومه، ثم ظل ~~يصنع الفلك حتى جاءت إشارة البدء بعلامة: # وفار التنور.. # [هود: 40] وحمل نوح عليه السلام في الفلك - بأمر من الله تعالى - ~~من كل شيء زوجين اثنين، وأهله ومن آمن معه. وقال نوح عليه السلام لمن ~~آمن: { اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها.. } ~~[هود: 41]. وهذا القول منسوب لنوح عليه السلام لأنه أضاف: {.. إن ~~ربي لغفور رحيم } [هود: 41]. والركوب يقتضي أن يكون الراكب ~~على المركوب، ومستعل عليه. والاستعلاء يقتضي أن يكون الشيء المستعلى ~~عليه في خدمة المستعلي، فكأن ms4848 تسخير الله سبحانه للسفينة إنما جاء ليخدم ~~المستعلي. ولكن الله تعالى يقول هنا: { اركبوا فيها.. } [هود: ~~41]. ولم يقل: " اركبوا عليها ". قال الحق سبحانه وتعالى ذلك ليعطينا ~~لقطة عن طريقة صنع السفينة، فقد صنعها نوح عليه السلام بوحي من الله ~~تعالى على أفضل نظام في البواخر، ولم يصنعها بطريقة بدائية، فهم - إذن - ~~لم يركبوها على سطحها، بل تم بناؤها بما يتيح لهم السكن فيها، خصوصا وأن ~~تلك السفينة تحمل وحوشا وهواما وحيوانات بجانب البشر، لذلك كان لا بد ~~من بنائها على هيئة طبقات وأدوار. وقول الحق سبحانه: { بسم الله ~~مجريها ومرساها.. } [هود: 41]. يبين لنا أنها قد صنعت ~~لتنجي من الغرق لذلك لا بد أن تسير بالراكبين فيها إلى مكان لا يصله ~~الماء، ولا بد أن يكون هذا المكان عاليا ليتيح الرسو، كما أتاح ~~الفيضان عملية الجريان. وهكذا كان جريانها باسم الله، ورسوها بإذنه ~~سبحانه. وقول نوح عليه السلام: { بسم الله مجريها ~~ومرساها.. } [هود: 41]. يعلمنا أن جريانها إنما يتم بمشيئة الله ~~تعالى وأنهم يركبون فيها، لا لمكانتهم الشخصية، ولكن لإيمانهم بالله ~~تعالى. ومثال ذلك من حياتنا - ولله المثل الأعلى -: نجد القاضي يقول ~~مفتتحا الحكم: " باسم الدستور والقانون " أي: أنه لا يحكم بذاته كقاض، ~~لكنه يحكم باسم الدستور والقانون. ونوح عليه السلام يقول: { بسم ~~الله مجريها ومرساها.. } [هود: 41] لأن السفينة لله أمر، ~~ولرسوله صناعة. ولذلك يقال: " كل شيء لا يبدأ باسم الله فهو أبتر ". ~~لأنك حين تقبل على فعل شيء، فالأفعال أو الأحداث تحتاج إلى طاقات ~~متعددة، فإن كان الفعل عضليا، فهو يحتاج لقوة، وإن كان الفعل عقليا فهو ~~يحتاج لفكر وروية وأناة، وإن كان فعلا فيه مواجهة لأهل الجاه فهو ~~يحتاج إلى شجاعة، وإن كان من أجل تصفية نفوس فهو يحتاج إلى الحلم؟ إذن: ~~فاحتياجات الأحداث كثيرة ومختلفة، ومن أجل أن تحصل على القوة فقد تقول: " ~~باسم القوي القادر " ولكي تحصل على علم تقول: " باسم العليم " ، وتريد ~~الغني فتقول: " باسم الغني " وحين تحتاج إلى الحلم تقول: " باسم الحليم ~~" ، وعندما تحتاج إلى الشجاعة ms4849 تقول: " باسم القهار ". # وقد يحتاج الفعل الواحد لأشياء كثيرة، والذي يغني عن كل ذلك أن تنادي ~~ربك وتتبرك باسم واجد الوجود وهو الله سبحانه وتعالى، ففيه تنطوي كل ~~صفات الكمال والجلال. وإياك أن تتهيب أو تستحي، بل ادخل على كل أمر ~~باسم الله، حتى لو كنت عاصيا لأن الحق سبحانه رحمن رحيم. وقول الحق ~~سبحانه على لسان نوح عليه السلام: {.. إن ربي لغفور رحيم } ~~[هود: 41]. إنما يقصد أن هؤلاء المؤمنين برسالة نوح كانوا من البشر، ولم ~~يطبقوا - كغالبية البشر - كل التكاليف لأنهم ليسوا ملائكة. لذلك قدر ~~الحق سبحانه وتعالى إيمانهم وعفا عن بعض الذنوب التي ارتكبوها ولم ~~يؤاخذهم بها. هذه هي الميزة في قول: " بسم الله الرحمن الرحيم ". ويقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك يصف السفينة وركابها: { وهي تجري بهم ~~في موج كالجبال... }. ### || [11.42] # وجرت بهم السفينة، لا بين موج هائج فحسب، ولكن كان الموج كالجبال، وهذا ~~يدل على أنها مسيرة بقوة عالية لا تؤثر فيها الأمواج، ثم يجيء الحديث ~~عن عاطفة الأبوة حين ينادي نوح ابنه: {.. ونادى نوح ابنه ~~وكان في معزل يبني اركب معنا ولا تكن مع ~~الكافرين } [نوح: 42]. ورفض الابن مطلب أبيه معتمدا على أن الجبل ~~يحميه. وفي هذا يقول الحق سبحانه مبينا مراد الابن في مخالفة مراد ~~أبيه: { قال سآوي إلى جبل يعصمني من المآء... }. ### || [11.43] # هكذا ظن ابن نوح أنه سينجو إن آوى إلى جبل، لعل ارتفاع الجبل يعصمه من ~~الغرق، لكن نوحا عليه السلام يعلم أن لا نجاة لكافر، بل النجاة فقط هي ~~لمن رحمه الله بالإيمان. وهكذا فرق الموج بين نوح وابنه وغرق الابن. ~~وأراد الحق سبحانه أن ينهى الكلام عن نوح عليه السلام، فجاء بلقطة ~~استواء السفينة على الجودي. ويقال: إن جبل الجودي يوجد في الموصل ويقال: ~~إنه ناحية الكوفة، وإن كان هذا القول مجرد علم لا ينفع، والجهل به لا ~~يضر. ويقول الحق سبحانه: { وقيل يأرض ابلعي مآءك... }. ### || [11.44] # والبلع هو مرور الشيء من الحلق ليسقط في الجوف، وساعة أن يأتي في ms4850 ~~القرآن أمر من الله تعالى مثل: { وقيل يأرض ابلعي مآءك.. } ~~[هود: 44]. فافهم أن القائل هو من تنصاع له الأرض. ولم يقل الله ~~سبحانه: " قال الله يا أرض ابلعي ماءك " لأن هناك أصلا متعينا وإن لم ~~يقله، والحق سبحانه يريد أن ينمي فينا غريزة وفطنة الإيمان لأن أحدا ~~غير الله تعالى ليس بقادر على أن يأمر الأرض بأن تبلع الماء. ويكون أمره ~~سبحانه للسماء: { ويسمآء أقلعي } أي: أن توقف المطر. وهكذا ~~ينهي الحق سبحانه الطوفان الذي أغرق الدنيا بأن أوقف المصب، وأعطى ~~الأمر للمصرف أن يسحب الماء. ونحن نلاحظ عند سقوط المطر أن شبكة الصرف ~~الصحي تطفح إن كان هناك ما يسد تصريف الماء لأن أرض المدن حاليا ~~صارت من الأسفلت الذي لا يمتص المياه ولذلك نجد الجهات المختصة تجند ~~طاقاتها لإصلاح مواسير الصرف الصحي لتمتص مياه المطر حتى لا تتعطل حركة ~~الحياة. وأقول هنا: إن حسن استخدام الماء من حسن الإيمان لأني ألحظ أن ~~الناس حين يتوضأون فهم يفتحون صنابير الماء بما يزيد كثيرا عن حاجتهم ~~للوضوء الشرعي، فيجب ألا نرتكب إثم ترك الماء النقي ليضيع دون جدوى. ~~وعلى الناس أن يدخروا الماء، ولا يسيئوا استغلاله لأن الماء حين ~~يتوفر فهو يحيي الأموات، ونحن نحتاج الماء لاستزراع الصحاري، ونحتاج ~~لتخفيف العبء على شبكات الصرف الصحي. باختصار نحن نحتاج إلى حسن ~~استقبال نعم الله تعالى وحسن التصرف فيها لننعم بها، ونسعد بخيرها. ~~وقول الحق سبحانه: { ويسمآء أقلعي.. } [هود: 44]. أي: اتركي ~~المطر.. ومن ذلك أخذنا كلمة " قلع " الذي يوضع فوق السفن الشراعية ~~الصغيرة، وهو الشراع. ويقال: " أقلعت المركب " أي: تركت السكون الذي ~~كانت عليه وهي واقفة على الشاطىء. ويقول الحق سبحانه: { وغيض ~~المآء.. } [هود: 44]. وبناها الحق سبحانه هنا للمجهول لنعلم أن الله ~~تعالى هو الذي أمر الماء بأن يغيض. ومادة " غاض " تستعمل لازمة، ~~وتستعمل متعدية. ثم يقول سبحانه: { واستوت على الجودي.. } ~~[هود: 44]. أي: استقرت السفينة على جبل الجودي. وينهي الحق سبحانه الآية ~~الكريمة بقوله: {.. وقيل بعدا للقوم الظالمين } [هود: ~~44]. وهو بعد نهائي ms4851 إلى يوم القيامة. وتتحرك عاطفة الأبوة في نوح عليه ~~السلام، ويظهرها قول الحق سبحانه: { ونادى نوح ربه فقال ~~رب إن ابني من أهلي... }. ### || [11.45] # وعاطفة الأبوة عاطفة محمودة، والحق سبحانه يشحن بها قلب الأب على قدر ~~حاجة البنوة، ولو لم تكن تلك العاطفة موجودة، لما تحمل أي أب أو ~~أي أم متاعب تربية الأبناء. وحتى نعلم أن الأنبياء لا بنوة لهم إلا ~~بنوة الاتباع نجد المثل في إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى نبينا أفضل ~~الصلاة والسلام، حين قال فيه الحق سبحانه: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن.. # [البقرة: 124]. أي: أن أداء إبراهيم عليه السلام للتكاليف كان على وجه ~~التمام، مثلما أراد أن يرفع القواعد من البيت، فرفعها فوق قامته ~~بالاحتيال، فأحضر حجرا ووقف عليه ليعلي جدار الكعبة. وقال له الله ~~تعالى: # إني جاعلك للناس إماما.. # [البقرة: 124]. لأنك مأمون على منهج الله وقادر على أن تنفذه بدقة، ~~فقال إبراهيم عليه السلام: # ومن ذريتي.. # [البقرة: 124]. فقال الحق سبحانه: # .. لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]. من هذا نعلم أن النبوة ليس لها بنوة، بل النبوة ~~لها أتباع. ويتضح ذلك أيضا في قول إبراهيم عليه السلام بعد أن استقر ~~في ذهنه قول الحق سبحانه: # .. لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]. قال إبراهيم لربه سبحانه طلبا للرزق لمكة وأهلها: # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا ~~وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ~~واليوم الآخر.. # [البقرة: 126]. هكذا طلب إبراهيم عليه السلام الرزق للمؤمنين، لكن الحق ~~سبحانه يبين له أنه نقل المسألة إلى غير مكانها فالرزق عطاء ربوبية ~~للمؤمن والكافر، لكن تكليفات الألوهية هي للمؤمن فقط لذلك قال الحق ~~سبحانه: # ومن كفر.. # [البقرة: 126]. أي: أن الرزق يشمل المؤمن والكافر، عطاء من الربوبية. ~~ونريد أن نقول إن عاطفة الأبوة والأمومة إنما تتناسب مع حاجة الابن ~~تناسبا عكسيا، فإن كان الابن قويا فعاطفة الأبوة والأمومة تقل. ~~ومثال ذلك: أننا نجد شقيقين أحدهما غني قائم بأمر الأبوين ويتكفل بهما، ~~بينما الابن الآخر فقير لا يقدر على رعاية الأبوين. وسنلحظ ms4852 أن قلب الأب ~~والأم يكون مع الفقير، لا مع الغني، فعاطفة الأبوة والأمومة تكون مع ~~الضعيف والمريض والغائب، وكلما كان الابن في حاجة كانت العاطفة معه. وفي ~~نداء نوح عليه السلام لربه سبحانه نلحظ أن نوحا كان يملك المبرر طلبا ~~لنجاة الابن لأن الحق سبحانه أمره بأن يحمل في السفينة من كل زوجين ~~اثنين وكذلك أهله، فأراد نوح عليه السلام أن يطلب النجاة لابنه لأنه من ~~أهله، فقال: {.. رب إن ابني من أهلي وإن وعدك ~~الحق وأنت أحكم الحاكمين } [هود: 45]. إذن: فنوح عليه ~~السلام يملك حق الدعاء لأنه يطلب تحقق وعد الله تعالى بأن يحمل أهله معه ~~للنجاة. وحين يقول نوح: { وأنت أحكم الحاكمين } هو إقرار بأن ~~الله سبحانه لا يخطىء لأن الابن قد غرق، بل لا بد أن ذلك الغرق كان ~~لحكمة. ويقول الحق سبحانه: { قال ينوح إنه ليس من أهلك ~~إنه عمل غير صالح... }. ### || [11.46] # ويريد الحق سبحانه هنا أن يلفت نبيه نوحا إلى أن أهلية الأنبياء ~~ليست أهلية الدم واللحم، ولكنها أهلية المنهج والاتباع، وإذا قاس نوح - ~~عليه السلام - ابنه على هذا القانون، فلن يجده ابنا له. ألم يقل نبينا ~~صلى الله عليه وسلم عن سلمان الفارسي: # " سلمان منا آل البيت ". # إذن: فالبنوة بالنسبة للأنبياء هي بنوة اتباع، لا بنوة نسب. وانظر ~~إلى دقة الأداء في قول الله تعالى: { إنه ليس من أهلك.. } ~~[هود: 46]. ثم يأتي سبحانه بالعلة والحيثية لذلك بقوله: { إنه عمل ~~غير صالح.. } [هود: 46]. فكأن البنوة هنا عمل، وليست ذاتا، فالذات ~~منكورة هنا، والمذكور هو العمل، فعمل ابن نوح جعله غير صالح أن يكون ~~ابنا لنوح. وهكذا نجد أن المحكوم عليه في البنوة للأنبياء ليس الدم، ~~وليس الشحم، وليس اللحم، إنما هو الاتباع بدليل أن الحق سبحانه وصف ابن ~~نوح بقوله تعالى: { إنه عمل غير صالح } ولو كان عملا ~~صالحا لكان ابنه. ويقول الحق سبحانه: {.. فلا تسئلن ما ليس ~~لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين } ~~[هود: 46]. والحق سبحانه يطلب من نوح هنا ms4853 أن يفكر جيدا قبل أن يسأل، ~~فلا غبار على الأنبياء حين يربيهم ربهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ~~{ قال رب إني أعوذ بك أن أسألك... }. ### || [11.47] # وهنا يدعو نوح عليه السلام ربه سبحانه وتعالى أن يغفر له ما قاله، وهو ~~هنا يقر بأنه لما أحب أن يسأل نجاة ابنه لم يستطع أن يكتم سؤاله، ~~ولكن الحق سبحانه وتعالى وحده هو القادر على أن يمنع من قلبه مثل هذا ~~السؤال، وهذه قمة التسليم لله تعالى. وقول نوح عليه السلام: { إني ~~أعوذ بك.. } [هود: 47]. يوضح لنا أن الإنسان لا يعوذ من شيء بشيء ~~إلا إن كانت قوته لا تقدر على أن تمتنع عنه. ولذلك يستعيذ نوح عليه ~~السلام من أن يسأل ما ليس له به علم، ويرجو مغفرة الله سبحانه وتعالى ~~ورحمته حتى لا يكون من الخاسرين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { قيل ~~ينوح اهبط بسلام... }. ### || [11.48] # وقوله الحق سبحانه: { اهبط بسلام منا.. } [يونس: 48]. يدل ~~على أن نوحا عليه السلام قد تلقى الأمر بالنزول من السفينة ليباشر ~~مهمته الإيمانية في أرض فيها مقومات الحياة، مما حمل في تلك السفينة من ~~كل زوجين اثنين، ومن معه من المؤمنين الذين أنجاهم الله تعالى، وأغرق ~~من قالوا عليهم إنهم أراذل. وقول الحق سبحانه: { أمم ممن ~~معك.. } [هود: 48]. تضمن أهل نوح عليه السلام ومن آمن به، وكذلك ~~أمم الوحوش والطيور والحيوانات والدواب. أي: أنها إشارة إلى الأمة ~~الأساسية، وهي أمة الإنسان وإلى الأمم الخادمة للإنسان، وهكذا توفرت ~~مقومات الحياة للمؤمنين، ويتفرغ نوح وقومه إلى المهمة الإيمانية في ~~الأرض. وقول الحق سبحانه: { اهبط بسلام منا.. } [هود: 48]. ~~والمقصود بالسلام هو الأمن والاطمئنان، فلم يعد هناك من الكافرين ما ~~ينغص على نوح - عليه السلام - أمره، ولن يجد من يكدر عليه بالقول: # جادلتنا فأكثرت جدالنا.. # [هود: 32]. ولن يجد من يتهمه بالافتراء. ومن بقي مع نوح هم كلهم من ~~المؤمنين، وهم قد شهدوا أن نجاتهم من الغرق قد تمت بفضل المنهج الذي ~~بلغهم به نوح عن الله تعالى. وقول الحق سبحانه: ms4854 { وبركات.. } [هود: ~~48]. يعني أن الحق سبحانه يبارك في القليل ليجعله كثيرا. ويقال: " إن ~~هذا الشيء مبارك " كالطعام الذي يأتي به الإنسان ليكفي اثنين، ولكنه ~~فوجىء بخمسة من الضيوف، فيكفي هذا الطعام الجميع. إذن: فالشيء المبارك هو ~~القليل الذي يؤدي ما يؤديه الكثير، مع مظنة أنه لا يفي. وكان يجب ~~أن تأتي هنا كلمة { وبركات } لأن ما يحمله نوح - عليه السلام - من ~~كل زوجين اثنين إنما يحتاج إلى بركات الحق سبحانه وتعالى ليتكاثر ~~ويكفي. وقول الحق سبحانه: {.. وعلى أمم ممن معك وأمم ~~سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم } [هود: 48]. ~~هذا القول يناسب الطبيعة الإنسانية، فقد كان المؤمنون مع نوح - عليه ~~السلام - هم الصفوة، وبمضي الزمن طرأت الغفلة على بعض منهم، ويأتي جيل ~~من بعدهم فلا يجد الأسوة أو القدوة، ثم تحيط بالأجيال التالية مؤثرات ~~تفصلهم تماما عن المنهج. وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر ~~الوكت، ثم ينام النومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها كأثر ~~المجل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرا، وليس فيه شيء، ثم ~~أخذ حصى فدحرجه على رجله، فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدي ~~الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا، حتى يقال للرجل: ما ~~أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ~~". # وهكذا تطرأ الغفلة على أصحاب المنهج، ويقول صلى الله عليه وسلم: # " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأيما قلب أشربها ~~نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير ~~على قلبين، على أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، ~~والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر ~~منكرا إلا ما أشرب من هواه ". # وأعوذ بالله تعالى من طروء فتنة الغفلة على القلوب. والحق سبحانه يتحدث ~~في هذه الآية عن الذين بقوا مع نوح عليه السلام وهم صفوة من المؤمنين، ~~لكن منهم من ms4855 ستطرأ عليه الغفلة، وسيمتعهم الله سبحانه وتعالى أيضا ~~بمتاع الدنيا، ولن يضن عليهم، ولكن سيلحقهم العذاب. فإذا ما جاء جيل ~~على الغافلين فهو يخضع لمؤثرين اثنين: المؤثر الأول: غفلته هو. المؤثر ~~الثاني: أسوة الغافلين من السابقين عليه. ونحن نعلم أن من ذرية نوح ~~عليه السلام " قوم عاد " الذين أرسل الحق سبحانه إليهم هودا عليه ~~السلام، وكذلك " قوم ثمود " الذين أرسل إليهم أخاهم صالحا عليه السلام، ~~وقوم لوط، وهؤلاء جميعا رانت الغفلة على قلوبهم. ويقول الحق سبحانه ~~بعد ذلك: { تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك... }. ### || [11.49] # وكلمة " تلك " إشارة وخطاب، والمخاطب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~و " التاء " إشارة إلى السفينة وما تبعها من أنباء الغيب، ولم يكن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم معاصرا لها ولا يعلمها هو، ولا يعلمها أحد من ~~قومه. وأنت يا رسول الله لم يعلم عنك أنك جلست إلى معلم، ولم يذكر ~~عنك أنك قرأت في كتاب ولذلك يأتي في القرآن: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر.. # [القصص: 44]. وجاء: # .. وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم ~~يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون # [آل عمران: 44]. إذن: فما دمت يا محمد لم تقرأ ولم تتعلم عن معلم ~~فمن علمك؟ إنما علمك الله سبحانه. وكأن الله سبحانه وتعالى علم ~~رسوله صلى الله عليه وسلم قصة نوح عليه السلام وأراد بها إلقاء الأسوة ~~وإلقاء العبرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يثق بأن كل رسول إنما ~~يصنع حركته الإيمانية المنهجية بعين من الله، وأنه سبحانه لن يسلمه إلى ~~خصومه ولا أعدائه. ولذلك يأتي القول الكريم: { فاصبر } لأنك قد عرفت ~~الآن نتيجة صبر نوح عليه السلام الذي استمر ألف سنة إلا خمسين، ويأتي ~~بعدها قوله سبحانه: {.. إن العاقبة للمتقين } [هود: 49]. ~~تأتي بعد ذلك قصة قوم عاد بعد قصة نوح، ونحن نعلم أن الحق سبحانه وتعالى ~~لا يرسل رسولا إلا إذا عم الفساد. إذن: فقد حصلت الغفلة من بعد نوح، ~~وانضمت لها أسوة الأبناء بالآباء ms4856 فانطمس المنهج، وعز على الموجودين ~~أن يقيموه. والله سبحانه وتعالى لا يبعث برسل جدد إلا إذا لم يوجد في ~~الأمة من يرفع كلمة الله لأننا نعلم أن المناعة الإيمانية في النفس ~~الإنسانية قد تكون مناعة ذاتية، بمعنى أن الإنسان قد تحدثه نفسه ~~بالانحراف عن منهج الله، لكن النفس اللوامة تردعه وترده إلى الإيمان. ~~أما إذا تصلبت ذاته، ولم توجد لديه نفس لوامة، فالمناعة الذاتية ~~تختفي، ولكن قد يقوم المجتمع المحيط بلومه. ولكن إذا اختفت المناعة ~~الذاتية، والمناعة من المجتمع فلا بد أن يبعث رب العزة سبحانه برسول ~~جديد، وبينة جديدة، وبرهان جديد. هكذا حدث من بعد نوح عليه السلام. ~~ولذلك يأتي قول الحق سبحانه: { وإلى عاد أخاهم هودا... }. ### || [11.50] # يفتتح الحق سبحانه الآية بتحنينهم ومؤانستهم بالمرسل إليهم، فيخبرهم ~~أنه أخوهم، ولا يمكن للأخ أن يريد لهم العنت، بل هو ناصح، مأمون ~~عليهم، وعلى ما يبلغهم به. وحين يقول لهم: { يقوم.. } [هود: 50]. ~~فهذا للإيناس أيضا. ثم يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده لأنهم اتخذوا ~~غير الله إلها، وهذا قمة الافتراء. والله سبحانه لم يقل: {.. إن ~~أنتم إلا مفترون } [هود: 50]. إلا لأن الفساد قد طم. ويقول ~~سبحانه بعد ذلك ما جاء على لسان هود: { يقوم لا أسألكم ~~عليه أجرا... }. ### || [11.51] # وكأن هودا عليه السلام يقول لهم: ما الذي يشق عليكم فيما آمركم به ~~وأدعوكم إليه، إنني أقدم لكم هذا البلاغ من الله تعالى، ولا أسألكم ~~عليه أجرا، فليس من المعقول أن أنقلكم مما ألفتم، ثم آخذ منكم مالا ~~مقابل ذلك، ولا يمكن أن أجمع عليكم مشقة ترك ما تعودتم عليه وكذلك ~~أجر تلك الدعوة. وما دمت لن آخذ منكم أجرا، إذن: فلا مشقة أكلفكم ~~بها، كما أنني في غنى عن ذلك الأجر لأن أجري على من أرسلني. {.. إن ~~أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون } [هود: ~~51]. أي: أن أجري على من خلقني معدا لهذه الرسالة لأن الفطرة ~~تعني التكوين الأساسي للإنسان. والحق سبحانه قد أعد هودا عليه السلام ~~ليكون رسولا، ونحن نعلم ms4857 - أيضا أن الأجر يكون عادة مقابلا للمنفعة. ~~وسبق أن ضربنا المثل بمن يشتري بيتا، فهو يدفع ثمن البيت لصاحبه، ~~وتسمى هذه العملية بيعا وشراء. أما إذا استأجر الإنسان بيتا فهو ~~يدفع إيجارا مقابل انتفاعه بالسكن فيه. وقول هود عليه السلام: { لا ~~أسألكم عليه أجرا.. } [هود: 51]. يفيد أنه كان من الواجب أن ~~يدفعوا أجرا كبيرا مقابل منفعتهم بما يدعوهم إليه لأن الأجر الذي ~~تدفعونه في المستأجرات العامة لكم إنما يكون مقابلا لمنافع موقوتة، لكن ~~ما يقدمه لهم هود عليه السلام هو منفعة غير موقوتة! ولذلك ترك هود عليه ~~السلام الأجر لمن يقدر عليه، وهو الله سبحانه وتعالى. فهو القادر على كل ~~شيء. وقد أوضحنا من قبل أن كل مواكب الرسل جاءت بهذه العبارة: { لا ~~أسألكم عليه أجرا.. } [هود: 51]. إلا إبراهيم وموسى عليهما ~~السلام فسيدنا إبراهيم لم يقلها بسبب أبيه، وسيدنا موسى لم يقلها لأن ~~فرعون قال له: # ألم نربك فينا وليدا.. # [الشعراء: 18]. إذن: كان يجب على قوم هود أن يعقلوا الفائدة الجمة، ~~وهي المنهج الرسالي الذي جاء به هود عليه السلام. ثم يقول الحق سبحانه ~~ما جاء على لسان هود عليه السلام مخاطبا قومه: { ويقوم ~~استغفروا ربكم... }. ### || [11.52] # وهكذا نعلم أن الاستغفار هو إقرار بالتقصير وارتكاب الذنوب، فنقول: يارب ~~اغفر لنا. وساعة تطلب المغفرة من الله تعالى، فهذا إعلان منك بالإيمان، ~~واعتراف بأن تكليف الحق لك هو تكليف حق. وما دام الإنسان قد طلب من الله ~~تعالى أن يغفر له الذي فات من ذنوب، فعليه ألا يرتكب ذنوبا جديدة، وبعد ~~التوبة على العبد أن يحرص على تجنب المعاصي. وعلى الإنسان أن يتذكر أن ~~ما به من نعمة فمن الله، وأن الكائنات المسخرة هي مسخرة بأمر الله تعالى ~~فلا تنسيك رتابة الحياة عن مسببها الواهب لكل النعم. والحق سبحانه وتعالى ~~حين يرسل رسولا، فأول ما ينزل به الرسول إلى الأمة هو أن يصحح العقيدة ~~في قمتها، ويدعوهم إلى الإيمان بإله واحد يتلقون عنه " افعل " و " لا ~~تفعل ". وهنا يكون الكلام من هود ms4858 عليه السلام إلى قومه " قوم عاد " ، ~~والدعوة إلى الإيمان بإله واحد وعبادته، والأخذ بمنهجه لا يمكن أن يقتصر ~~على الطقوس فقط من الشهادة بوحدانية الله تعالى، والصلاة، والصيام، ~~والزكاة، والحج. ولكن عبادة الله تعالى هي أن تؤدي الشعائر والعبادات، ~~وتتقن كل عمل في ضوء منهج الله، فلا تعزل الدين عن حركة الحياة. والذين ~~يخافون من دخول الإسلام في حركة الحياة، يريدون منا أن نقصر الدين على ~~الطقوس، ونقول لهم: إن الإسلام حينما دخل في حركة الحياة غزا الدنيا ~~كلها، وحارب حضارتين عريقتين حضارة الفرس في الشرق، وحضارة الرومان في ~~الغرب. وهؤلاء كانوا أمما لها حضارات قديمة وقوية، وثقافات وقوانين، ومع ~~ذلك جاء قوم من البدو الأميين يقود عقيدتهم رجل أمي أرسله الله ~~سبحانه وتعالى فيطيح بكل هؤلاء نظما وثقافات وارتقاءات بمستوى الحياة ~~إلى مستوى طموح العقول. يريد هؤلاء - إذن - أن يقوقعوا الإسلام في ~~الأركان الخمسة فقط ليعزلوه عن حركة الحياة. ونقول لهم: لا، لا يمكنكم أن ~~تقصروا العبادات على الأركان الخمسة فقط لأن العبادة معناها أن يوجد عابد ~~لمعبود حق، وأن يطيع العابد أوامر المعبود وتتمثل أوامر المعبود في " ~~افعل " و " لا تفعل " وما لم يرد فيه " افعل " و " لا تفعل " فهو مباح ~~إن شئت فعلته وإن شئت لم تفعله وبفعله أو عدم فعله لا يفسد الكون. إذن: ~~فالعبادة هي كل أمر صادر من الله تعالى فلا تعزلوها في الطقوس لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أبلغنا وأوضح لنا أن أركان الإسلام الخمس هي ~~التي بني عليها الإسلام وليست هي كل الإسلام. إذن: فالإسلام بناء يقوم ~~على أركان لذلك لا يمكن أن نحصر الإسلام في أركانه فقط فالإسلام هو كل ~~حركة في الحياة، ولا بد أن تنتظم حركات البشر تبعا لمنهج الله، لتنتظم ~~الحياة كما انتظم الكون من حولنا. # فالعبادة تستوعب كل حركة في الحياة، وقد فهم البعض خطأ أن العبادة تنحصر ~~في باب العبادات في تقسيم الفقهاء، وأغفلوا أن باب المعاملات هو من ~~العبادة أيضا، واستقامة الناس في ms4859 المعاملات تؤدي إلى انتظام حياة الناس. ~~وفي الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: { ~~ويقوم استغفروا ربكم.. } [هود: 52]. والاستغفار لا يكون ~~إلا عن ذنوب سبقت وإذا كان هذا هو أول ما قاله هود عليه السلام لقومه ~~إذن: فالاستغفار هنا عن الذنوب التي ارتكبوها مخالفة لمنهج الرسول الذي ~~جاء من قبله، أو هي الذنوب التي ارتكبوها بالفطرة. ثم يدعوهم بقوله: { ~~ثم توبوا إليه.. } [هود: 52]. والتوبة تقتضي العزم على ألا ~~تنشئوا ذنوبا جديدة. ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية: { يرسل ~~السمآء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم.. } [هود: 52]. ولقائل أن يقول: وما صلة الاستغفار بهذه ~~المسألة الكونية؟ ونقول: إن للكون مالكا لكل ما فيه جماده ونباته ~~وحيوانه وهو سبحانه قادر، ولا يقدر كائن أن يعصي له أمرا وهو القادر أن ~~يخرج الأشياء عن طبيعتها فإذا جاءت غيمة وتحسب أنها ممطرة قد يأمرها الحق ~~سبحانه فلا تمطر. مثلما قال سبحانه في موضع آخر من كتابه الكريم: # فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا ~~هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح ~~فيها عذاب أليم # [الأحقاف: 24]. إذن: فلا تأخذ الأسباب على أنها رتابة إنما رب الأسباب ~~يملكها فإن شاء فعل ما يشاء. وإذا ما عبدت الله تعالى العبادة التي ~~تنتظم بها كل حركة في الحياة فأنت تقبل على عمارة الأرض وتوفر لنفسك ~~القوت باستنباطه من الأسباب التي طمرها الله سبحانه وتعالى في الأرض. ~~والقوت - كما نعلم - من جنس الأرض لذلك لا بد أن نزرع الأرض وتمد ~~البذور جذورها الضارعة المسبحة الساجدة لله تعالى فيمطر الحق سبحانه ~~السماء فتأخذ البذور حاجتها من الماء المتسرب إليها عبر الأرض ونأخذ ~~نحن أيضا حاجتنا من هذا الماء. والسماء هي كل ما علاك فأظلك أما ~~السماء العليا فهذا موضوع آخر، وكل الأشياء دونها. وانظروا قول الحق ~~سبحانه: # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا ~~والآخرة فليمدد بسبب إلى السمآء ثم ليقطع ~~فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ # [الحج: 15]. أي: من كان يظن أن ms4860 الله تعالى لن ينصر رسوله فليأت بحبل أو ~~أي شيء ويربطه فيما علاه ويعلق نفسه فيه ولسوف يموت، وغيظه لن يرحل ~~عنه. { يرسل السمآء عليكم مدرارا.. } [هود: 52]. ~~والمدرار: هو الذي يدر بتتابع لا ضرر فيه لأن المطر قد يهطل بطغيان ~~ضار، كما فتح الله سبحانه أبواب السماء بماء منهمر. # إذن: المدرار هو المطر الذي يتوالى تواليا مصلحا لا مفسدا. ولذلك ~~كان صلى الله عليه وسلم يقول حين ينزل المطر: # " اللهم حوالينا ولا علينا ". # ومتى أرسل المطر مدرارا متتابعا مصلحا فالأرض تخضر وتعمر الدنيا ~~ونزداد قوة إلى قوتنا. أما من يتولى فهو يجرم في حق نفسه لأن ~~إجرام العبد إنما يعود على نفسه فلا تظن أن إجرام أي عبد بالمعصية ~~يؤذي غيره. والحق سبحانه يقول: # .. ولكن الناس أنفسهم يظلمون # [يونس: 44]. ويأتي الحق سبحانه من بعد ذلك بالرد الذي قاله قوم عاد: { ~~قالوا يهود ما جئتنا ببينة... }. ### || [11.53] # وهم هنا ينكرون أن هودا قد أتاهم ببينة أو معجزة. والبينة - ~~كما نعلم - هي الأمارة الدالة على صدق الرسول. وصحيح أن هودا هنا لم ~~يذكر معجزته وتناسوا أن جوهر أي معجزة هو التحدي فمعجزة نوح عليه السلام ~~هي الطوفان، ومعجزة إبراهيم عليه السلام أن النار صارت بردا وسلاما ~~عليه حين ألقوه فيها. ونحن نلحظ أن المعجزة العامة لكل رسول يمثلها قول ~~نوح عليه السلام: # .. يقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري ~~بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم ~~وشركآءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم ~~اقضوا إلي ولا تنظرون # [يونس: 71]. أي: إن كنتم أهلا للتحدي، فها أنا ذا أمامكم أحارب الفساد، ~~وأنتم أهل سيطرة وقوة وجبروت وطغيان. وأحكموا كيدكم لكنكم لن تستطيعوا ~~قتل المنهج الرباني لأن أحدا لن يستطيع إطفاء نور الله في يد رسول من ~~رسله أو أن يخلصوا الدنيا منه بقتله.. ما حدث هذا أبدا. إذن: ~~فالبينة التي جاء بها هود عليه السلام أنه وقف أمامهم ودعاهم إلى ترك ~~الكفر وهو تحدي القادرين عليه لأنهم أهل طغيان وأهل بطش ومع ذلك ms4861 لم ~~يقدروا عليه مثلما لم يقدر كفار قريش على رسولنا صلى الله عليه وسلم. ~~ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جاء ومعه المعجزة الجامعة ~~الشاملة وهي القرآن الكريم وسيظل القرآن معجزة إلى أن تقوم الساعة. ونعلم ~~أن غالبية الرسل - عليهم جميعا السلام - قد جاءوا بمعجزات حسية كونية ~~انتهى أمدها بوقوعها، ولولا أن القرآن يخبرنا بها ما صدقناها، مثلها ~~مثل عود الثقاب يشتعل مرة ثم ينطفىء. فمثلا شفى عيسى - عليه السلام - ~~الأكمه والأبرص - بإذن ربه - فمن رآه آمن به، ومن لم يره قد لا ~~يؤمن، وكذلك موسى - عليه السلام - ضرب البحر بالعصا فانفلق أمامه ومن رآه ~~آمن به، وانتهت تلك المعجزات لكن القرآن الكريم باق إلى أن تقوم الساعة. ~~ويستطيع أي واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قبل قيام الساعة أن ~~يقول: محمد رسول الله ومعجزته القرآن لأن محمدا صلى الله عليه وسلم جاء ~~رسولا عاما ولا رسول من بعده لذلك كان لا بد أن تكون معجزته من الجنس ~~الباقي ومع ذلك قالوا له: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا # [الإسراء: 90-92]. وكل ما طلبوه مسائل حسية لذلك يأتي الرد: # أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم.. # [العنكبوت: 51]. ومع ذلك كذبوا. وأضاف قوم عاد: {.. وما نحن ~~بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين } ~~[هود: 53]. هم - إذن - قد خدعوا أنفسهم بتسميتهم لتلك الأصنام " آلهة " ~~لأن الإله هو من ينزل منهجا يحدد من خلاله كيف يعبد ولم تقل ~~الأصنام لهم شيئا ولم تبلغهم منهجا. إذن: فالقياس المنطقي يلغي ~~تصور تلك الأصنام كآلهة فلماذا عبدوها؟ لقد عبدوها لأن الفطرة تنادي ~~كل إنسان بأن تكون له قوة مألوه لها والقوة المألوه لها إن كان لها أوامر ~~تحد من شهوات النفس، فهذه الأوامر قد تكون صعبة على النفس، أما إن كانت ms4862 ~~تلك الآلهة بلا أوامر أو نواهي فهذه آلهة مريحة لمن يخدع نفسه بها، ~~ويعبدها مظنة أنها تنفع أو تضر. وهذه هي حجة كل ادعاء نبوة أو ~~ادعاء مهدية في هذا العصر، فيدعي النبي الكاذب النبوة، ويدعو ~~للاختلاط مع النساء، وشرب الخمر، وارتكاب الموبقات، ويسمى ذلك دينا. ~~وتجد مثل هذه الدعاوي في البهائية والقاديانية وغيرها من المعتقدات ~~الزائفة. وقولهم: { وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك.. ~~} [هود: 53]. يعني: وما نحن بتاركي آلهتنا بسبب قولك. وقولهم: {.. وما ~~نحن لك بمؤمنين } [هود: 53]. أي: وما نحن لك بمصدقين، لأن ~~آمن تأتي بمعاني متعددة. فإن عديتها بنفسها مثل قول الحق سبحانه: # .. وآمنهم من خوف # [قريش: 4]. وإن عديتها بحرف " الباء " مثل قول الحق سبحانه: # من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم ~~أجرهم.. # [البقرة: 62]. فالمعنى يتعلق باعتقاد الألوهية. وإن عديتها بحرف " ~~اللام " مثل قول الحق سبحانه: # فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف ~~من فرعون وملئهم أن يفتنهم.. # [يونس: 83]. تكون بمعنى التصديق. يقول الحق سبحانه بعد ذلك: { إن ~~نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء... }. ### || [11.54] # و " إن " التي تفتتح بها الآية الكريمة أداة شرطية، وأداة " إن " ~~الشرطية يأتي بعدها جملة شرط، وجواب شرط، فإن لم تكن كذلك فهي تكون بمعنى ~~النفي مثل قول الحق سبحانه: # إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم.. # [المجادلة: 2]. وهنا يقول الحق سبحانه: { إن نقول إلا ~~اعتراك.. } [هود: 54]. أي: " ما نقول إلا اعتراك ". وهكذا نعلم أن ~~كلمة " إن " هنا جاءت بمعنى النفي. و " إلا " هي أداة استثناء، وقبلها ~~فعل هو " نقول " ، وإذا وجدت أداة استثناء، ولم يذكر المستثنى منه صراحة، ~~فاعلم أنه واحد من ثلاثة: إما أن يكون مصدر الفعل، وإما أن يكون ظرف ~~الفعل، وإما أن يكون حال الفعل. وعلى ذلك فمعنى الآية الكريمة: وما نقول ~~لك إلا أن آلهتنا أصابتك بسوء لأنك سفهتهم وأبطلت ألوهيتهم، ~~وجئت بإله جديد من عندك، فأصابتك الآلهة بسوء - يراد به الجنون - ~~فأخذت تخلط في الكلام الذي ليس له معنى. ويرد عليهم هود عليه السلام ~~بما جاء ms4863 في نفس الآية: {.. قال إني أشهد الله واشهدوا ~~أني بريء مما تشركون } [هود: 54]. وهو يشهد الله الذي ~~يثق أنه أرسله، ويحمي ذاته، ويحمي عقله لأن عقل الرسول هو الذي يدير ~~كيفية أداء البلاغ عن الله. والحق سبحانه وتعالى لا يمكن أن يرسل رسولا ~~ولا يحميه. وقد قال الكافرون عن سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ~~أنه مجنون فأنزل الحق سبحانه وتعالى قوله الكريم: # مآ أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا ~~غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 2-4]. ونحن نعلم أن المجنون لا خلق له، وفي هذا البيان أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قمة العقل لأنه في قمة الخلق الطيب. ~~وهنا يشهد هود عليه السلام قومه ويطالبهم أن يرجعوا إلى الفطرة السليمة، ~~ويحكموا: أهو مجنون أم لا، ويشهدهم أيضا أنه بريء من تلك الآلهة التي ~~يشركون بعبادتها من دون الله تعالى. ثم يقول الحق سبحانه ما جاء على ~~لسان هود عليه السلام: { من دونه فكيدوني جميعا... }. ### || [11.55] # وقوله: { من دونه } أي: من دون الله، فهم قد عبدوا أصناما من دون ~~الله سبحانه، ومطلب هود عليه السلام منهم أن يكيدوا له جميعا، وهم كثرة ~~طاغية، وهو فرد واحد وإن كادت الكثرة المتجبرة لواحد، فمن المتوقع أن ~~يغلبوه، وهو - عليه السلام - هنا يتحداهم ويطلب منهم أن يعملوا كل مكرهم ~~وكيدهم، وأن يقتلوه لو استطاعوا، وهذه قمة التحدي. والتحدي هنا معجزة ~~لأنه ساعة يتحداهم فهو يعلم أن الله سبحانه وتعالى ينصره، وهو - عليه ~~السلام - متأكد من قوله: # أشهد الله.. # [هود: 54]. الذي قاله في الآية السابقة، ولا يمكن أن يرمي مثل هذا ~~التحدي جزافا، لأن الإنسان لا يجازف بحياته في كلمة. وهو لم يقل: { ~~فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون } [هود: 55] إلا إذا كان قد ~~آوى إلى ركن شديد، وإنه ينطق بالكلمة عن إيمان بأن الحق سبحانه سيهبه ~~قدرة على نفاذ الكلمة. وهو قد أشهد الله تعالى، والله سبحانه هو أول من ~~شهد لنفسه، يقول الحق سبحانه: # شهد الله ms4864 أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18]. وكذلك شهدت الملائكة وأولو العلم، والله سبحانه وتعالى ~~حين شهد لنفسه فإنما يطمئننا أنه إذا ألقى أمرا علم أنه منفذ لا ~~محالة. وقد أشهد هود عليه السلام ربه سبحانه، وهو واثق من حمايته له ~~وما كان الحق سبحانه ليرسل رسولا ليمكن منه قوما يزيحوه من حركة ~~الرسالة. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان هود عليه السلام: { ~~إني توكلت على الله ربي وربكم... }. ### || [11.56] # يعلن لهم هود عليه السلام حقيقة أنه يتوكل على الله تعالى الذي لا ~~يعلوهم فقط، ولا يرزقهم وحدهم، بل هو الآخذ بناصية كل دابة تدب في ~~الأرض ولها حرية وحركة، والناصية هي مقدم الرأس، وبها خصلة من الشعر. ~~وحين تريد إهانة واحد فأنت تمسكه من خصلة الشعر هذه وتشده منها. والحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي ~~والأقدام # [الرحمن: 41]. وفي آية أخرى يقول الله سبحانه: # كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية # [العلق: 15]. إذن: فكيف لم يجرؤ قوم عاد على أن يسلطوا مجموعة ثعابين، ~~وأعدادا من الكلاب المتوحشة - مثلا - على سيدنا هود عليه السلام. لم ~~يستطيعوا ذلك، وقد أعلن لهم سبب عجزهم عن الإضرار به حين قال لهم: { ما ~~من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي على ~~صراط مستقيم } [هود: 56]. ونحن نلحظ أنه عليه السلام قال في صدر ~~الآية: { ربي وربكم.. } [هود: 56]، وفي عجز الآية قال: {.. ~~إن ربي } [هود: 56]، والسبب في قوله: { ربي وربكم.. } ~~[هود: 56] أنهم كانوا قادحين في مسألة ربوبية الحق سبحانه. لذلك قال عليه ~~السلام في مجال السيطرة: { ربي وربكم } أما في عجز الآية فقال: ~~{.. إن ربي على صراط مستقيم } [هود: 56]. أي: أن الإله ~~الواحد سبحانه له مطلق العدالة، ولم يأت هنا بشيء يخص أربابهم لأنه ~~هنا يتحدث عن مطلق عدالة الحق سبحانه. والحق سبحانه وتعالى على صراط ~~مستقيم في منتهى قدرته، وقهره وسيطرته، ولا شيء يفلت منه، ومع كل ~~قدرة الله تعالى اللامتناهية فهو لا يستعمل قهره في الظلم. ويقول الحق ~~سبحانه ms4865 بعد ذلك: { فإن تولوا فقد أبلغتكم مآ ~~أرسلت به إليكم... }. ### || [11.57] # الفعل " تولوا " أصله: " تتولوا " ، وفي اللغة: إذا ابتدأ فعل ~~بتاءين يقتصر على تاء واحدة. وهكذا يكون المعنى: إن تتولوا فقد ~~أبلغتكم المنهج الذي أرسلت به إليكم، ولا عذر لكم عندي لأن الحق سبحانه ~~لا يعذب قوما وهم غافلون لذلك أرسلني إليكم. أو أن الخطاب من الله ~~سبحانه لهود عليه السلام ليبين له: فإن تولوا فقل لهم: { ~~أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم ويستخلف ربي ~~قوما غيركم.. } [هود: 57]. والاستخلاف أن يوجد قوم خلفاء لقوم، ~~إما أن يكونوا عادلين فلا يقفوا من المناهج ولا من الرسالات مثلما وقف ~~قوم عاد. وإما أن يكونوا غير عادلين، مثل من قال فيهم الحق سبحانه: # فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا ~~الشهوات.. # [مريم: 59]. والحق سبحانه قد وعد المؤمنين وعدا طيبا: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم.. # [النور: 55]. إذن: فالاستخلاف إما أن يكون الخلف فيه صاحب عمل صالح، أو ~~أن يبدد المنهج فلا يتبعه، بل يتبع الشهوات. وفي آية أخرى يقول الحق ~~سبحانه: # ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ~~فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن ~~نفسه والله الغني وأنتم الفقرآء وإن ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم # [محمد: 38]. وهنا يقول الحق سبحانه: { ولا تضرونه شيئا.. } ~~[هود: 57]. لأن المنهج الذي نزل على الخلق، أنزله الحق سبحانه وتعالى ~~لصلاح العباد، وهو سبحانه خلق أولا بكل صفات الكمال فيه، ولن يزيده ~~العباد وصفا من الأوصاف، ولن يسلبه أحد وصفا من الأوصاف. ولذلك نقول ~~للمتمردين على عبوديتهم لله كفرا، وللمتمردين على المنهج بالمعصية: أنتم ~~ألفتم التمرد إما التمرد في القمة وهو الكفر بالله، وإما التمرد على ~~أحكام الله بمخالفتها، فلماذا لا يتمرد أحدكم على المرض، ويقول: " لن ~~أمرض "؟ ولماذا لا يتمرد أحدكم على الموت ويرفض أن يموت؟ إذن: فما دمت ~~قد عرفت التمرد فيما لك فيه اختيار، فهل تستطيع التمرد على أحكام الله ~~القهرية فيك؟ ms4866 إنك لن تستطيع لأنك مأخوذ بناصيتك. والحق سبحانه إن شاء أن ~~يوقف القلب، فلن تستطيع أن تأمر قلبك بعدم التوقف. لذلك قال هود عليه ~~السلام: {.. ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل ~~شيء حفيظ } [هود: 57]. فالله سبحانه رقيب لأنه قيوم قائم على كل ~~أمور كونه. وبعض الفلاسفة قالوا: إن الله قد خلق الكون، وخلق النواميس ~~والقوانين، ثم تركها تقوم بعملها. ولهؤلاء نقول: لا فأنتم أقررتم بصفات ~~الخالق القادر، فأين صفات القيومية لله القائم على كل نفس بما كسبت، وهو ~~سبحانه القائل لعبيده عن نفسه: # لا تأخذه سنة ولا نوم.. # [البقرة: 255]. وهو سبحانه حين يقول هذا إنما يطمئن العباد ليناموا ~~ويرتاحوا لأنه سبحانه منزه عن الغفلة أو النوم، بل هو سبحانه قيوم. ~~ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ولما جآء أمرنا نجينا ~~هودا والذين آمنوا معه... }. ### || [11.58] # وساعة تسمع { ولما جآء أمرنا } فأنت تعرف أن هناك آمرا ~~وأمرا مطاعا، وبمجرد صدور الأمر من الآمر سبحانه يكون التنفيذ لأنه ~~يأمر من له قدرة على التنفيذ: ولذلك يقول الحق سبحانه: # إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت # [الإنشقاق: 1-2]. إذن: فهي بمجرد السمع نفذت أمر الحق سبحانه. وحين ~~شاء الحق سبحانه أن ينجي موسى عليه السلام من الذبح الذي أمر به فرعون ~~أوحى الله سبحانه لأم موسى قائلا: # .. فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ~~ولا تحزني إنا رآدوه إليك وجاعلوه من ~~المرسلين # [القصص: 7]. وكيف تفعل أم ذلك. إن كل أم إنما تحرص على ابنها والذبح ~~لموسى أمر مظنون، والإلقاء في البحر موت محقق، لكن أم موسى استقبلت ~~الوحي ولم تتردد مما يدل على أنها لم تناقش الأمر بمقاييس البشر، بل ~~بتنفيذ إلهام وارد إليها من الله سبحانه إلهام لا ينازعه شك أو ~~شيطان. وبعد ذلك يأمر الله سبحانه البحر: # فليلقه اليم بالساحل.. # [طه: 39]. وقد استقبل البحر الأمر الإلهي لأنه أمر من قادر على ~~الإنفاذ، كما قام بتنفيذ الضد. في قصة نوح عليه السلام قال الحق سبحانه: # حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور.. # [هود: ms4867 40]. وحدث الطوفان ليغرق الكافرين. وهنا يقول الحق سبحانه: { ~~ولما جآء أمرنا.. } [هود: 58]. يعني: مجيء الأمر بالعذاب ~~للمخالفين لدعوة هود عليه السلام، وقد تحقق هذا العذاب بطريقة خاصة ~~ودقيقة تتناسب في دقتها مع عظمة الآمر بها سبحانه وتعالى. فحين تأتي ~~ريح صرصر أو صيحة طاغية، فهذا العذاب من خارجهم، وما دام العذاب ~~من الخارج، وبقوة من قوى الطبيعة الصادرة بتوجيه الله فقد يعم ~~المكذبين لسيدنا هود، ومعهم المصدقون به وبرسالته، فكيف يتأتى أن ~~تذهب الصيحة إلى آذان المكذبين فقط، وتخرق تلك الآذان وتترك آذان ~~المؤمنين؟ إنها قدرة التقدير لا قوة التدمير. إن موجه الصيحة قد حدد ~~لها من تصيب ومن تترك، وهي صيحة موجهة، مثلها مثل حجارة سجيل ~~التي رمتها طير أبابيل على أبرهة الحبشي وجنوده مع نجاة جنود قريش بنفس ~~الحجارة ولم تكن إصابة بالطاعون كما ادعى بعض من المتفلسفين. وهذه من ~~أسرار عظمة الحق سبحانه فهو يأخذ بشيء واحد ولكنه ينجي المؤمن ويعذب ~~الكافر فلا يوجد ناموس يحكم الكون بدون قدرة مسيطرة عليه. يقول المتنبي: # تسود الشمس منا بيض أوجهنا # وما تسود بيض العين واللمم # وكان حالهما في الحكم واحدة # لو احتكمنا من الدنيا إلى حكم # وهكذا يضرب المتنبي المثل بأن جلوس الواحد منا في الشمس يجعل بشرة ~~الأبيض تميل إلى السمرة ولا تسود بياض الشعر، لكنك إن تركت شيئا أسود في ~~الشمس فترة لوجدته يميل إلى الأبيض ويحدث ذلك رغم أن الفاعل واحد لكن ~~القابل مختلف. # والحق سبحانه يقول هنا: { ولما جآء أمرنا نجينا هودا ~~والذين آمنوا معه برحمة منا.. } [هود: 58]. فلا تقل ~~كيف نجوا من العذاب الجامع والعذاب العام لأن هذه هي الرحمة. والرحمة - ~~كما نعلم - هي ألا يمس الداء الإنسان من أول الأمر أما الشفاء فهو يعالج ~~الداء. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين.. # [الإسراء: 82]. ونحن نلحظ هنا أن الحق سبحانه يذكر في نفس الآية الكريمة ~~نجاتين: النجاة الأولى: من العذاب الجامع الريح الصرصر من الصيحة من ~~الطاغية، يقول ms4868 سبحانه: {.. نجينا هودا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ } ~~[هود: 58]. والنجاة الثانية: هي نجاة من عذاب الآخرة الغليظ، فعذاب ~~الدنيا رغم قسوته، إلا أنه موقوت بعمر الدنيا. أما عذاب الآخرة فهو عذاب ~~بلا نهاية، ووصفه الحق سبحانه بالغلظة. وغلظ الشيء يعطي له القوة ~~والمتانة، وهو عذاب غليظ على قدر ما يستوعب الحكم. ولذلك حينما يملك ~~الحق سبحانه رجلا بضع امرأة بعقد الزواج، ويصف ذلك بالميثاق الغليظ، ~~والنفعية هنا متصلة بالعفة والعرض، ولم يملك الرجل النفعية المطلقة ~~من المرأة التي يتزوجها فالزوج يمكن من عورة زوجته بعقد الزواج. يقول ~~الحق سبحانه: # .. وأخذن منكم ميثاقا غليظا # [النساء: 21]. وكانت نجاة هود عليه السلام والمؤمنين معه من العذاب ~~الأول مقدمة للنجاة من العذاب الغليظ. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ~~وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم... }. ### || [11.59] # و " تلك " إشارة إلى المكان الذي عاش فيه قوم عاد لأن الإشارة هنا ~~لمؤنث، ولنتذكر أن المتكلم هنا هو الله سبحانه وتعالى. وهكذا فصل بين " ~~عاد " المكان، و " عاد " المكين، وهم قوم عاد لذلك قال سبحانه: { ~~جحدوا بآيات ربهم.. } [هود: 59] فهم قد ذهبوا وبقيت آثارهم. ~~و " عاد " إما أن تطلق على المكان والمحل، وإما أن تطلق على الذوات التي ~~عاشت في المكان، فإذا أشار سبحانه ب { تلك } فهي إشارة إلى الديار، ~~والديار لم تجحد بآيات الله ولذلك جاء بعدها بقوله تعالى: { جحدوا ~~بآيات ربهم.. } [هود: 59]. والجحود هو النكران مع قوة الحجة ~~والبرهان. والآيات - كما نعلم - جمع آية، وهي الأمور العجيبة الملفتة ~~للنظر التفاتا يوحي بإيمان بما تنص عليه. ومن الآيات ما يدل على قمة ~~العقيدة، وهو الإيمان بواجب الوجود بالله الرب الخالق الحكيم القادر ~~سبحانه وتعالى، مثل آيات الليل والنهار والشمس والقمر، ورؤية الأرض خاشعة ~~إلى آخر تلك الآيات التي في القمة. وكذلك هناك آيات أخرى تأتي مصدقة لمن ~~يخبر أنه جاء رسولا من عند الله تعالى، وهي المعجزات. وآيات أخرى فيها ~~الأحكام التي يريدها الله سبحانه بمنهجه لضمان صحة حركة الحياة في خلقه. ~~وقوم عاد ms4869 جحدوا بكل هذه الآيات جحدوا الإيمان، وجحدوا تصديق الرسول ~~بالمعجزة، وأهملوا وتركوا منهج الله جحودا بإعراض. لذلك يقول الحق ~~سبحانه: { وعصوا رسله.. } [هود: 59]. وهود عليه السلام هو الذي ~~أرسله الحق سبحانه إلى قوم عاد، فهل هو المعني بالعصيان هنا؟ نقول: لا ~~لأن الله عز وجل قال: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه.. # [آل عمران: 81]. إذن: فكل أمة من الأمم عندها بلاغ من رسولها بأن تصدق ~~أخبار كل رسول يرسل. ولذلك قال الحق سبحانه: # كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا ~~نفرق بين أحد من رسله... # [البقرة: 285]. فهم قد انقسموا إلى قسمين لأن الحق سبحانه يقول: {.. ~~وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد } ~~[هود: 59]. أي: أن هناك متبعا، ومتبعا. والمقصود بالجبار ~~العنيد هم قمم المجتمع، سادة الطغيان والصنف الثاني هم من اتبعوا ~~الجبابرة. ومن رحمته سبحانه أنه حين يتكلم عن الفرق الضالة، فهو يتكلم ~~أيضا عن الفرق المضلة، فهناك ضال في ذاته، وهناك مضل لغيره. ~~والمضل لغيره عليه وزران: وزر ضلاله في ذاته، ووزر إضلال غيره. أما الذين ~~اتبعوا فلهم بعض العذر لأنهم اتبعوا بالجبروت والقهر، لا بالإقناع ~~والبينة. وانظر إلى القرآن الكريم حين يعالج هذه القضية، فيتحدث عن الفئة ~~التي ضلت في ذاتها ويقول: # ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ~~وإن هم إلا يظنون # [البقرة: 78]. ويتحدث الحق سبحانه بعد ذلك عن الفئة المضلة فيقول: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا.. # [البقرة: 79]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وأتبعوا في هذه ~~الدنيا لعنة... }. ### || [11.60] # والزمان بالنسبة للخلق ثلاثة أقسام: حياتهم زمن أول، ومن لحظة الموت إلى ~~أن تقوم الساعة زمن ثان وهو زمن البرزخ، وساعة يبعثون هي الزمن الثالث. ~~والحياة الأولى فيها العمل، وحياة البرزخ فيها عرض الجزاء، مجرد العرض، ~~والحياة الثالثة هي الآخرة إما إلى الجنة وإما إلى النار. يقول الحق ~~سبحانه: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ms4870 ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون # [البقرة: 28]. هذه هي الأزمنة الثلاثة - حياة، وبرزخ، وبعث - وكل وقت ~~منها له ظرف. ويعبر القرآن عن هذا، فيقول عن عذاب آل فرعون منذ أن أغرقهم ~~الله سبحانه في البحر: # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر: 46]. وفي هذا دليل على عرض الجزاء في البرزخ مصداقا لقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # " القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار ". # إذن: فهنا زمنان: زمن عرضهم على النار غدوا وعشيا، وزمن دخولهم ~~النار. وهذا يثبت عذاب البرزخ لأن الإنسان الكافر يرى فيه موقعه من ~~النار، ويرى نصيبه من العذاب، ثم تقوم الساعة ليأخذ نصيبه من العذاب. ~~وبالنسبة لقوم عاد، أذاقهم الله سبحانه العذاب في الدنيا، ثم يدخلهم ~~النار يوم القيامة. ويقول الحق سبحانه في نفس الآية: {.. ألا إن ~~عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود } [هود: ~~60]. وكلمة " ألا " هي أداة تنبيه - كما قلنا من قبل - تنبه السامع إلى ~~أهمية ما يلقيه المتكلم حتى لا يجابه السامع بالكلام وهو غافل، ولأن ~~المتكلم هو الذي يقود زمام الكلام، فيجب ألا يستقبله السامع غافلا، ~~فتأتي كلمة " ألا " كجرس ينبه إلى ما بعدها من كلام. والكلام عن قوم عاد ~~الذين نالوا عذابا في الدنيا بالريح العقيم، ثم أتبعوا لعنة في البرزخ، ~~وسوف يستقبلون يوم القيامة باللعنات فهذه لعنات ثلاث. وجاء الحق سبحانه ~~وتعالى بحيثية هذه اللعنات مخافة أن يرق قلب السامع من كثرة ما يقع عليهم ~~من لعن، فبين بكلمة " ألا " أي: تنبهوا إلى أن قوم عاد كفروا ربهم. ~~وللجريمة زمن، وللعقوبة عليها زمن، وكفرهم بربهم حدث في الدنيا، وهو كفر ~~في القمة لذلك نالوا عقابا في الدنيا. والخطر كل الخطر أن يتأخر زمن ~~العقوبة عن زمن الجريمة، فلا تأخذكم بهم الرحمة الحمقاء، لأن كفرهم هو ~~الكفر بالقمة العقدية لذلك تواصل لعنهم في البرزخ، ثم تأتي لهم لعنة ~~الآخرة. وهم لم يكفروا بنعمة ربهم، بل كفروا بربهم. ms4871 والحق سبحانه لم يطلب ~~من أحد عبادته قبل سن التكليف، وقدم لهم كما يقدم لكل الخلق نعمه التي لا ~~تعد ولا تحصى ولذلك فهم يستحقون اللعنات وهي الجزاء العادل. # وقد أوضح لهم هود عليه السلام: # إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دآبة ~~إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي على صراط ~~مستقيم # [هود: 56]. أي: أن الحق سبحانه عادل. وأنت حين تسمع جريمتهم تنفعل وتطلب ~~أقصى العقاب لهم ولذلك يأتي قول الحق سبحانه: {.. ألا إن عادا ~~كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود } [هود: 60]. ~~فأنت لا تكتفي بلعنتهم الأولى، بل تلعنهم مرة أخرى. ولسائل أن يقول: ~~ولماذا يقول الحق سبحانه هنا: {.. ألا بعدا لعاد قوم هود } ~~[هود: 60]. ونقول: لقد قال الحق سبحانه وتعالى في موضع آخر من القرآن: # وأنه أهلك عادا الأولى # [النجم: 50]. وهذا يوضح لنا أن " عادا " كانت اثنتين: عادا الأولى، ~~وهم قوم عاشوا وضلوا فأهلكهم الله، وهناك عاد الثانية. وبعد ذلك يقول ~~الحق سبحانه: { وإلى ثمود أخاهم صالحا... }. ### || [11.61] # ونحن نلحظ أن الحق سبحانه يبين لنا هنا أنه أرسل إلى ثمود واحدا منهم ~~هو صالح عليه السلام. وجاء الحق سبحانه بلفظ { أخاهم } ليبين العلاقة ~~التي بين صالح - عليه السلام - وقومه، فهو قد نشأ بينهم، وعرفوه وخبروه، ~~فإذا ما جاءهم بدعوة - وقد لمسوا صدقه - فلا بد أن يؤمنوا بما جاء به من ~~منهج. وناداهم صالح عليه السلام: { يقوم } ، وهي من القيام، يعني: يا ~~من تقومون للأمور. والذي يقوم على الأمر عادة هم الرجال لأن أمر النساء ~~مستور - دائما - في طي الرجال، فليس كل حكم من أحكام الدين يأتي فيه ذكر ~~المرأة، بل نجد كثيرا من الأحكام تنزل للرجال، والنساء مطويات على الستر ~~في ظل الرجال، والرجل يشقى ويكدح، والمرأة تدير حياة السكنى وتربية ~~الأولاد. ونحن نجد من النساء ومن الرجال من يتراضون عند الزواج على ألا ~~تخرج المرأة للعمل. إن للمرأة حق العمل إن احتاجت ولم تجد من يعولها، ~~ولكن إن وجدت من يقوم عليها، فلماذا لا تلتفت إلى ms4872 عمل لا يقل أهمية عن ~~عمل الرجل، وهو رعاية الأسرة؟ وكذلك يجد من يقوم باسم الحرية بالهجوم على ~~الحجاب، ونقول لمن يفعل ذلك: إذا كنت لم تنتقد التهتك في الملابس، ~~ووصفته بأنه " حرية " ، فلماذا تتدخل في أمر الحجاب، ولا تعتبره " ~~حرية " أيضا. ونعود إلى الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها { ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.. } [هود: 61] ~~والعبادة تقتضي تلقي أوامر الإله المعبود ب " افعل " و " لا تفعل " في ~~كل حركة من حركات الحياة. فكان أول شيء طلبه صالح من قومه ثمود { ~~اعبدوا الله } وأمر عبادة الله وحده مطلوب من كل أحد، ولا يسع ~~أحدا مخالفته. { ما لكم من إله غيره.. } [هود: 61]. ~~تقرير واقع لا تستطيعون تغييره، فليس لكم إله آخر غير الله، مهما حاولتم ~~ادعاء آلهة أخرى. ويقول الحق سبحانه: { هو أنشأكم من الأرض ~~واستعمركم فيها.. } [هود: 61]. والإنشاء هو الإيجاد ابتداء من ~~غير واسطة شيء، ويقال: أنشأ، أي: أوجد وجودا ابتداء من غير الاستعانة ~~بشيء آخر. لذلك لا نقول لمن اخترع: إنه " أنشأ " لأنه استعان بأشياء ~~كثيرة ليصل إلى اختراعه فقد يكون مستعينا بمادة أخذها من الجبال، وبخبرة ~~تجارب صنعها من سبقوه، ولكن الحق سبحانه وتعالى هو الذي ينشىء من عدم. ~~والوجود من العدم قسمان: قسم أوجدته باستعانة بموجود، وقسم أوجدته من عدم ~~محض، وهذا الأخير هو الإنشاء ولا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى. ~~والحق سبحانه جلت مشيئته في الإنشاء، فهو ينشىء الإنسان من التقاء ~~الزوج والزوجة، وإن أرجعت هذا الإنشاء إلى البداية الأولى في آدم عليه ~~السلام، فستجد أن الحق سبحانه وتعالى قد خلقه من نفس مادة الأرض، والأرض ~~مخلوق من مخلوقات الله. # فمني الزوج وبويضة الزوجة يتكونان من خلاصة الدم، الذي هو خلاصة ~~الأغذية وهي تأتي من الأرض، فسواء رمزت لآدم بإنشائه من الأرض، أو ~~أبقيتها في ذريته، فكل شيء مرده إلى الأرض. وقول الحق سبحانه: { ~~أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. } [هود: 61]. نجد ~~فيه كلمة { استعمركم } وساعة ترى الألف والسين والتاء فاعلم أنها ~~للطلب، ms4873 وهكذا يكون معنى كلمة " استعمر " هو طلب التعمير. ومن الخطأ ~~الشائع تسمية البلاد التي تحتل بلادا أخرى: " دول الاستعمار ". أقول: إن ~~ذلك خطأ، لأنهم لو كانوا دول استعمار، فهذا يعني أنهم يرغبون في عمارة ~~الأرض، ولكنهم في حقيقة الأمر كانوا يخربون في الأرض ولذلك كان يجب أن ~~تسمى " دول الاستخراب ". { واستعمركم فيها } أي: طلب منكم ~~عمارتها، وهذا يتطلب أمرين اثنين: أن يبقي الناس الأمر الصالح على صلاحه، ~~أو يزيدوه صلاحا. وكما ضربت المثل من قبل بتحسين وسائل وصول المياه إلى ~~المنازل بعد اكتشاف نظرية الأواني المستطرقة، فقد كان الناس يشربون الماء ~~من الترع، ثم تم اختراع كيفية تكرير المياه، ثم جاءت نظرية الأواني ~~المستطرقة، فاستغلها الناس في بناء خزانات عالية، وتوصيل الماء بواسطة ~~مواسير تدخل لكل بيت. وهكذا تصل المياه النقية لكل منزل، وهكذا يزداد في ~~الأمر الصالح صلاحا. وأيضا إن استصلحنا الأرض البور، فنحن نزيد الأرض ~~رقعة صالحة لإنتاج الغذاء لمقابلة الزيادة في عدد السكان. وما دام عدد ~~السكان في زيادة فلا بد من زيادة رقعة الأرض بالاستصلاح لأن الأزمة التي ~~نعاني منها الآن، هي نتيجة للغفلة التي مرت علينا، فزاد التكاثر عن ~~الاستصلاح، وكان الواجب يقتضي أن نزيد من الاستصلاح بما يتناسب مع ~~الزيادة في السكان. وهكذا نفهم معنى استعمار الأرض. ومن عظمة الحق سبحانه ~~وتعالى أنه تجلى على الخلق بصفات من صفاته، فالقوي يعين الضعيف، ~~والحق سبحانه له مطلق القوة، ويهب الخلق من حكمته حكمة، ومن قبضه ~~قبضا، ومن بسطه بسطا، ومن غناه غنى ولكن الصفات الحسنى كلها ذاتية فيه ~~وموهوبة منه لنا. والدليل على ذلك أن القوي فينا يصير إلى ضعف، والغني ~~منا قد يصيبه الفقر حتى لا نفهم أن هذه الصفات ذاتية فينا، وأن الحق ~~سبحانه وتعالى قد أعطانا من صفاته قدرة لنفعل. ومن أعطاه الله تعالى قدرة ~~ليفعل عليه أن يلاحظ أنه انتفع بفعل من سبقه، فإن أكل اليوم تمرا - على ~~سبيل المثال - فعليه أن يتذكر أن الذي زرع له النخلة هو من سبقه، ms4874 فليزرع ~~من يأكل البلح الآن نخلة لتفيده بعد سبع سنين - وهو الزمن اللازم لتطرح ~~النخلة بلحا - وليستفيد بها من يأتي من بعده. # ويقول الحق سبحانه وتعالى ما جاء على لسان صالح عليه السلام لقومه " ~~ثمود " في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {.. فاستغفروه ثم ~~توبوا إليه إن ربي قريب مجيب } [هود: 61]. فإن ~~استغفر الإنسان، فالحق سبحانه قريب من كل عبد يستغفر عن ذنوب لا تمثل ~~حقوقا للناس، والله سبحانه وتعالى يجيب لطالب المغفرة. فماذا كان الرد ~~من قوم ثمود؟ يقول الحق عز وجل ما جاء على ألسنتهم: { قالوا يصالح ~~قد كنت فينا مرجوا قبل هذا... }. ### || [11.62] # كانوا ينظرون إلى صالح - عليه السلام - بتقدير ورجاء قبل أن يدعوهم ~~لعبادة الله تعالى وحده، ولا إله غيره. والمرجو هو الإنسان المؤمل ~~فيه الخير، ذكاء، وطموحا، وأمانة، وأية خصلة من الخصال التي تبشر بأن ~~له مستقبلا حسنا. ولكن ما إن دعاهم صالح - عليه السلام - إلى عبادة ~~الله سبحانه وتعالى أعلنوا أنه - بتلك الدعوة - إنما يفسد رجاءهم فيه وما ~~كانوا يأملونه فيه. وقد أوضح لهم صالح - عليه السلام - ما أوضحه الرسل من ~~قبله ومن بعده، أن اتخاذ الأصنام أو الأشجار أو الشمس آلهة تعبد هو أمر ~~خاطىء لأن العبادة تقتضي أوامر ونواهي ينزل بها منهج يتبعه من يعبدون، ~~وتلك الكائنات المعبودة لا منهج لها، ولا عبادة دون منهج. وأضاف قوم ~~ثمود: {.. وإننا لفي شك مما تدعونآ إليه مريب } ~~[هود: 62]. والشك هو استواء الطرفين: النفي والإثبات. إذن: فهم ليسوا على ~~يقين أن عبادتهم لما عبد آباؤهم هي عبادة صادقة، ودعوة صالح عليه السلام ~~لهم جعلتهم يترددون في أمر تلك العبادة وهذا يظهر أن خصال الخير في صالح ~~عليه السلام جعلتهم يترددون في أمر عبادتهم. ويقول الحق سبحانه وتعالى ما ~~جاء على لسان صالح عليه السلام لثمود: { قال يقوم أرأيتم إن ~~كنت على بينة من ربي... }. ### || [11.63] # وكأن صالحا قد ارتضاهم حكما فقال: أخبروني إذا كنت أنا على بينة من ~~ربي ويقين بأنه أرسلني وأيدني، وأنا إن ms4875 خدعت الناس جميعا فلن أخدع ~~نفسي، فهل أترك ما أكرمني به ربي وأنزل إلي منهجا أدعوكم إليه؟ هل ~~أترك ذلك وأستمع لكلامكم؟ هل أترك يقيني بأنه أرسلني بهذه الرسالة { ~~وآتاني منه رحمة.. } [هود: 63] وهي النبوة؟ { فمن ينصرني ~~من الله إن عصيته.. } [هود: 63]. وساعة يستفهم إنسان عن شيء ~~في مثل هذا الموقف فهو لا يستفهم إلا عن شيء يثق أن الإجابة ستكون بما ~~يرضيه. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى على لسان صالح عليه السلام: {.. فما ~~تزيدونني غير تخسير } [هود: 63]. ونحن نعلم أن الخسارة ضد ~~المكسب، ومعنى الخسارة أن يقل رأس المال. فهل التخسير واقع منه عليهم أم ~~واقع منهم عليه. إن ثراء الأسلوب القرآني هنا يوضح لنا هذه المعاني كلها، ~~فإن أطاعهم صالح - عليه السلام - وعصى ربه، فهو قد أزاد في خسارته، أو ~~أنه ينسبهم إلى الخسران أكثر، لأنهم غير مهديين، ويريدون له أن يضل ويتبع ~~ما يعبدون من دون الله تعالى. إذن: فالتخسير إما أن يكون واقعا عليهم من ~~صالح - عليه السلام - وإما أن يكون واقعا منهم على صالح. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك على لسان صالح عليه السلام: { ويقوم هذه ~~ناقة الله لكم آية... }. ### || [11.64] # وكان قوم صالح قد طلبوا آية، فقالوا له: إن كنت نبيا فأخرج لنا ناقة ~~من تلك الصخرة، وأشاروا إلى صخرة ما، وهم قوم كانوا نابغين في نحت بيوتهم ~~في الجبال. ومن يزر المنطقة الواقعة بين الشام والمدينة، يمكنه أن ~~يشاهد مدائن صالح، وهي منحوتة في الجبال. وقد قال فيهم الحق سبحانه: # وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين # [الشعراء: 149]. هم - إذن - قد حددوا الآية، وهي خروج ناقة من صخرة ~~أشاروا إليها، فخرجت الناقة وهي حامل. وبعد أن وجدت الناقة على وفق ما ~~طلبوها لم يطيقوا أن يعلنوا التصديق، وقد قال لهم صالح عليه السلام: { ~~ويقوم هذه ناقة الله.. } [هود: 64]. وساعة تسمع شيئا ~~مضافا إلى الله تعالى، فاعلم أن له عظمة بعظمة المضاف إليه. مثلما نقول: ~~" بيت الله " ، وهذا القول إن أطلق فالمقصود به الكعبة المشرفة، وإن ms4876 ~~حددنا موقعا وقلنا عنه: " بيت الله " فنحن نبني عليه مسجدا، وتكون أرضه ~~قد حكرت لتكون مصلى، ولا يزاول فيها أي عمل آخر. هكذا تكون الكعبة ~~هي بيت الله باختيار الله تعالى، وتكون هناك مساجد أخرى هي بيوت لله ~~باختيار خلق الله. ولذلك فبيت الله - باختيار الله - هو قبلة لبيوت ~~الله باختيار خلق الله. إذن: فإن أضيف شيء لله تعالى، فهو يأخذ عظمة الحق ~~سبحانه وتعالى، وقد قال لهم صالح: { هذه ناقة الله.. } [هود: ~~64] وهي ليست ناقة زيد أو ناقة عمرو. ولم يلتفت قوم صالح إلى ما قاله ~~صالح عليه السلام، ولم يلحظوا أن الشيء المنسوب لله تعالى له عظمة من ~~المضاف إليه. ومثال ذلك: # " ابن أبي لهب، وكان قد تزوج ابنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحين ~~اشتد عناد أبي لهب للرسول صلى الله عليه وسلم، قال أبو لهب لابنه: طلق ~~بنت محمد، فطلقها، وفعل فعلا يدل على الازدراء، فدعا عليه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: " أما إني أسأل الله أن يسلط عليه كلبه ". فقال أبو ~~لهب: إني لأتوجس شرا من دعوة محمد. ثم سافر ابن أبي لهب مع بعض قومه في ~~رحلة، وكانوا إذا ناموا طلب أبو لهب مكانا في وسط رحال الركب كله خوفا ~~على ابنه من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا بأسد يقفز من ~~الرحال ويأكل الولد " # ، فهنا نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر إلى الله فقال: # " أكلك كلب من كلاب الله " # فكان كلب الله أسدا. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يوضح ~~لهم صالح عليه السلام: هذه الناقة هي الآية التي طلبتموها وقد جاءت من ~~الصخر. # وكان يقدر أن يأتي لهم بالجنس الأرقى من الجماد، وهو النبات، ولكن الحق ~~سبحانه استجاب للآية التي طلبوها وهي من جنس الحيوان. ونحن نعلم أن ~~الكائنات الأرضية إما أن تكون جمادا، وإما أن يأخذ الجماد صفة النمو ~~فيصير نباتا، وإما أن يأخذ صفة الحس والحركة فيصير حيوانا، وإما أن ~~يأخذ ms4877 صفة الحس والحركة والفكر فيصير إنسانا. وكان من الممكن أن يأتي لهم ~~صالح عليه السلام بشجرة من الصخر، وهذا أمر فيه إعجاز أيضا، ولكن الحق ~~سبحانه أرسل الآية كما طلبوها ناقة من جنس الحيوان، وحامل في الوقت نفسه. ~~وطالبهم صالح عليه السلام أن يحافظوا عليها لأنها معجزة، عليهم ألا ~~يتعرضوا لها. وقال لهم: {.. فذروها تأكل في أرض الله ~~ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب } [هود: 64]. ~~وهكذا وعظهم، وطلب منهم أن يتركوها تأكل في أرض الله، وإن مسوها بسوء ~~ولم يأخذهم عذاب، فمن آمن به لا بد أن يكفر. إذن: فلا بد أن يأتي العذاب ~~القريب إن هم مسوها. وهم قد مسوها بالفعل، وهو ما تبينه الآية الكريمة ~~التالية: { فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة ~~أيام... }. ### || [11.65] # وجلسوا في منازلهم ثلاثة أيام ثم جاءهم العذاب. ولقائل أن يقول: ولم ~~الإمهال بثلاثة أيام؟ ونقول: إن العذاب إذا جاء فالألم الحسي ينقطع من ~~المعذب، ويشاء الله تعالى أن يعيشوا في ذلك الألم طوال تلك المدة ~~حتى يتألموا حسيا، وكل يوم يمر عليهم تزداد آلامهم من قرب الوعيد ~~الذي قال فيه الله تعالى: {.. وعد غير مكذوب } [هود: 65]. الحق ~~سبحانه هو الذي يعد، وهو القادر على إنفاذ الوعد، ولا تقوم قوة أمامه ~~لذلك فهو وعد صادق غير مكذوب. على عكس الإنسان منا حين يعد بشيء، فمن ~~الممكن أن يأتي وقت تنفيذ الوعد ولا يستطيع. لذلك يقول لنا الحق سبحانه: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24]. لأنك إن قلت: " أفعل ذلك غدا " ، وتعد إنسانا بلقائه ~~لكذا وكذا فقل: " إن شاء الله " لأن الله تعالى لا يمنع ترتيب أمور لزمن ~~يأتي، وإنما يجب أن يردف من يرتب الأمور " بمشيئة القوي القادر " حتى إذا ~~لم ينجز ما وعد به يكون قد خرج عن الكذب، لأن الله تعالى لم يشأ، لأن ~~الإنسان إذا وعد، فهو لا يعتمد على إرادته، ولكن مشيئة الله تعالى تعلو ~~كل شيء. والفعل - كما نعلم - يقتضي فاعلا، ومفعولا، ms4878 وزمنا، وسببا ~~دافعا، وقدرة تمكن الإنسان من الفعل، فهل يملك أحد شيئا من كل هذا؟ ~~إن الإنسان لا يملك نفسه أن يعيش إلى الغد، ولا يملك من يعده أن يوجد ~~غدا حتى يلقاه، ولا يملك أن يظل السبب سببا للقاء فربما انتهى السبب، ~~ولا يملك حين تجتمع الأسباب كلها أن توجد له قدرة وقوة على إنفاذ السبب. ~~إذن: فإذا قال: " أفعل ذلك غدا مع فلان " يكون قد جازف وتكلم في شيء لا ~~يملك عنصرا واحدا من عناصره، فقل: " إن شاء الله " ، أي: أنك تستعين ~~بمشيئة من يملك كل هذه العناصر. ويعطي الحق سبحانه في كل لقطة إيمانية من ~~اللقطات، قدرته على خلقه فهو سبحانه القائل: { فعقروها فقال ~~تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير ~~مكذوب } [هود: 65]. وقوله: { في داركم } لأن من هؤلاء الذين ~~كفروا قوما في مكان يختلف عن مكان آخر يوجد به أيضا قوم كافرون، ومنهم ~~المسافر، ومنهم العائد من سفر، فتتبعهم العذاب حيثما كانوا، فلم ينزل على ~~مكان واحد، إنما نزل على المكين منهم في أي مكان. ولم ينج من هذه ~~المسألة إلا واحد اسمه " أبو رغال " ، وكان يحج إلى بيت الله، فلم يتبعه ~~عذابه في بيت الله لأن الله سبحانه طلب منا نحن عباده أن نؤمن من دخل ~~بيته، فهو سبحانه وتعالى أولى بأن يؤمن من دخل البيت الحرام، وظل ~~الحجر الذي سيضرب به، أو الصيحة التي كان عليها أن تأخذه، ظلت إلى أن ~~خرج من الحرم فوقعت عليه. # . وعم العذاب الكافرين من قوم صالح، وتتبع من في الديار إلا هذا ~~الرجل، وما إن خرج من البيت الحرام حتى وقع عليه العذاب. ولذلك كان قاتل ~~الأب أو الإنسان الذي عليه دم نتيجة أنه ارتكب جريمة قتل، إذا ما دخل ~~البيت الحرام فهو يؤمن إلى أن يخرج، وكانوا يضيقون عليه، فلا يطعمه ~~أحد، ولا يسقيه أحد ليضطر إلى الخروج، فيتم القصاص منه بعد خروجه من ~~البيت الحرام، ولتظل حرمة البيت الحرام مصانة. ونحن نعلم أن الحق ~~سبحانه ms4879 أراد من تحريم القتال في البيت الحرام، صيانة وتكريما للكرامة ~~الإنسانية. ونحن نعلم أيضا أن كل حدث من الأحداث يقتضي زمانا، ويقتضي ~~مكانا. وكان العرب دائمي الغارات على بعضهم البعض، فأراد الحق سبحانه أن ~~يوجد مكان يحرم فيه القتال فخص البيت الحرام بذلك، وأراد سبحانه أن ~~يوجد زمان يحرم فيه القتال فكانت الأشهر الحرم لان الحرب قد تكون سجالا ~~بين الناس وتوقظ فيهم الحمية والأنفة والعزة. وكل واحد منهم يحب في ذاته ~~أن ينتهي من الحرب، ولكنه لا يحب أن يجبن أمام الناس، فأراد الحق سبحانه ~~أن يجعل لهم شيئا يتوارون فيه من الزمان ومن المكان، فحرم القتال في ~~الأشهر الحرم. وما إن تأتي الأشهر الحرم حتى يعلن المقاتل من هؤلاء: لولا ~~الأشهر الحرم لكنت قد أنزلت بخصمي الهزيمة الساحقة، وهو يقول ذلك ليداري ~~كبرياءه لأنه في أعماقه يتمنى انتهاء الحرب. وكذلك حين يدخل مقاتل إلى ~~البيت الحرام، هنا يقول من كان يحاربه: لو لم يدخل الحرم لأذقته عذاب ~~الهزيمة. وبمضي الزمان وبالمكث في المكان ينعم الناس بالأمن والسلام، ~~وربما عشقوه فانتهوا من الحرب. ثم يقول الحق سبحانه: { فلما جآء ~~أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه... }. ### || [11.66] # فحين شاء الحق أن ينزل العذاب بثمود، بعد مضي المدة التي أنذروا ~~بنزول العذاب بعدها، نجى الحق صالحا عليه السلام والذين آمنوا برسالته ~~من الهلاك، فحفظتهم رحمة الله لأنهم آمنوا بما نزل على صالح من منهج، ولم ~~يعان المؤمنون برسالة صالح ما عانى منه قوم ثمود من الذل والفضيحة. ~~هذا الذل وتلك الفضيحة التي حاقت بثمود. ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة ~~بقوله: {.. إن ربك هو القوي العزيز } [هود: 66]. هذا ~~خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم تسلية وتسرية عنه وتقوية لعزمه، فالحق ~~سبحانه مقتدر يأخذ كل كافر، ولا يغلبه أحد ولا يعجزه شيء، وفي هذا إنذار ~~لمن كفروا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقول الحق سبحانه بعد ~~ذلك: { وأخذ الذين ظلموا الصيحة... }. ### || [11.67] # ويسمي الحق سبحانه هنا العذاب الذي نزل على ثمود ms4880 " الصيحة " وسماه في ~~موضع آخر " الطاغية ": # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية # [الحاقة: 5]. وسماه في موضع آخر " صاعقة " فقال سبحانه: # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود # [فصلت: 13]. وفي سورة الأعراف سماه " الرجفة " ، وكل من الصاعقة ~~والصيحة والرجفة تؤدي معنى الحدث الذي يدهم، ولا يمكن الفكاك منه. ~~ولقائل أن يقول: لماذا لم يقل الحق سبحانه هنا: " وأخذت الذين ظلموا ~~الصيحة "؟ لماذا اختفت تاء التأنيث من الفعل، وقال سبحانه: { وأخذ ~~الذين ظلموا الصيحة.. } [هود: 67]. ونقول: إن الذي يتكلم ~~هنا هو رب العباد سبحانه، ولا يصح أن نفهم الصيحة على أنها جاءت لتعبر عن ~~صيحة واحدة، فتاء التأنيث تعبر عن الصيحة لمرة واحدة، أما إذا تكررت ~~وصارت صياحا كثيرا تأخذهم كل صيحة من الصياح. وهنا نلمح أن الصيحة فيها ~~ضعف الأنوثة، أما الصياح ففيه عزيمة وقوة الرجولة، فأراد الحق سبحانه أن ~~يجمع الأمرين، فقال: " أخذ " ولم يقل: " أخذت ". ثم قال سبحانه: {.. ~~فأصبحوا في ديارهم جاثمين } [هود: 67]. أي: ملقون على ~~ركبهم وعلى جباههم بلا حركة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { كأن لم ~~يغنوا فيهآ... }. ### || [11.68] # ومادة " غني ".. " غنى " ، أو " غناء " كلها متساوية لأن ~~الغناء هو الوجود وجود شيء يغني عن شيء، فالغنى هو وجود مال يغنيك ~~عن غيرك، والغناء هو ما نسمعه من المغنين، والأغنية التي يعجب ~~الإنسان من كلماتها ولحنها، فهو يقيم معها إقامة تطرد ما سواها مما سمع ~~من الكلام على كثرة ما سمع أو قرأ، والغناء هو للإقامة. والحق سبحانه ~~يقول: # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا ~~أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس.. # [يونس: 24]. أي: كأنها لم توجد من قبل. وهنا يقول الحق سبحانه: { كأن ~~لم يغنوا فيهآ.. } [هود: 68]. أي: لم يقيموا فيها، لأنها صارت ~~حصيدا. ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية: { ألا إن ثمودا ~~كفروا ربهم.. } [هود: 68]، وهذه هي حيثية العذاب الذي نزل بهم. ~~وعادة ما تتعدى كلمة " كفر " بالباء، ويقال: كفروا بربهم، ولكن الحق ~~سبحانه يقول هنا: ms4881 { ألا إن ثمودا كفروا ربهم.. } [هود: ~~68]. والفارق كبير بين المعنيين، فمعنى { كفروا ربهم } أي: ستروا ~~وجوده، فلا وجود له، ولكن معنى " كفروا بربهم " هو اعتراف بالله الموجود، ~~لكنهم لم يؤمنوا به. وقول الحق سبحانه: { كفروا ربهم } يرد على ~~الملاحدة الذين لا يقرون بوجود الله، لأن ذنب إنكار وجود الله ليس بعده ~~ذنب، ولا يوجد ما هو أكثر منه في الذنوب. لذلك يقول الحق سبحانه: {.. ~~ألا بعدا لثمود } [هود: 68]. أي: أنهم يستحقون ما وقع عليهم من ~~إهلاك وطرد من رحمة الله، ولن يعطف عليهم أحد لضخامة ذنبهم. ويأتي الحق ~~سبحانه في الآية التالية بقصة جديدة من قصص الأنبياء، وهي جزء من قصة أبي ~~الأنبياء إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، يقول سبحانه: { ~~ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى... }. ### || [11.69] # وكلمة " رسل " جمع " رسول " ، والرسول هو المرسل من جهة إلى جهة، وأي ~~إنسان تبعثه إلى جهة ما اسمه رسول، ولكن المعنى الشرعي للرسول: أن يكون ~~مرسلا من الله. ويقول الحق سبحانه: # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس.. # [الحج: 75]. واصطفاء الملائكة كرسل لتيسير التلقي عن الخالق سبحانه ~~لأن القوة التي تتلقى عن الخالق سبحانه وتعالى لا بد أن تكون قوة عالية، ~~والإنسان منا لا يقدر على أن يتلقى مباشرة عن الحق سبحانه. لذلك يأتي لنا ~~الله جل علاه بالرسل، فيصطفي من الملائكة المخصوصين القادرين على ~~التلقي لينزلوا على المصطفى من البشر القادر على حمل الرسالة. وهكذا نعلم ~~أن الملائكة ليست كلها قادرة على التلقي من الله تعالى، ولا كل البشر ~~بقادرين على التلقي عن الله أو عن الملائكة. وهذه الحلقات في الإبلاغ ~~أرادها الحق سبحانه، لتؤهل للضعيف أن يأخذ من الأقوى والبشر يلجأون إلى ~~ذلك في حياتهم. وسبق أن ضربت المثل، بأننا أثناء الليل نطفىء نور المنزل، ~~لكننا نترك ضوءا خافتا يوضح لنا ملامح البيت، فإن قمنا ليلا من النوم ~~لا نصطدم بمتاع البيت، فيتحطم ما نصطدم به إن كان أضعف منا، أو نصاب ~~نحن إن اصطدمنا بما هو أقوى منا. والنور الضعيف ms4882 يتيح لنا أن نرى مكان ~~مفتاح الضوء القوي. وكذلك يفعل الله سبحانه وتعالى، فيأتي بمصطفى من ~~الملائكة، يتلقى عن الحق سبحانه ويبلغ الملك من هؤلاء الرسول المصطفى ~~من البشر. والحق سبحانه هو القائل: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشآء.. # [الشورى: 51]. وهنا يقول الحق سبحانه: { ولقد جآءت رسلنآ ~~إبراهيم بالبشرى.. } [هود: 69]. والبشرى هي الإخبار بشيء ~~يسر قبل أوان وقوعه، وهي عكس الإنذار الذي يعني الإخبار بشيء محزن قبل ~~أوانه. وقبل أن يوضح الرسل لإبراهيم - عليه السلام - البشارة التي جاءوا ~~من أجلها، يعلمنا الحق سبحانه المقدمات اللازمة للدخول إلى الأماكن، فمن ~~أدب الدخول إلى أي مكان أن نسلم على أهل هذا المكان، والحق سبحانه ~~القائل: # يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير ~~بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها.. # [النور: 27]. ولذلك يأتي الحق سبحانه هنا بما قالته الملائكة من قبل ~~إبلاغ البشرى: { قالوا سلاما.. } [هود: 69]. وجاء سبحانه برد ~~إبراهيم عليه السلام: { قال سلام.. } [هود: 69]. ونحن نلحظ أن ~~السلام جاء على ألسنتهم بالنصب، والرد بالسلام جاء بالرفع، وقولهم: { ~~سلاما } دل على فعل يوضح التجدد، والرد جاء بكلمة { سلام } بالرفع ~~ليدل على الثبات والإصرار. والحق سبحانه هو القائل: # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ~~ردوهآ.. # [النساء: 86]. هكذا استقبل إبراهيم عليه السلام رسل الحق سبحانه. ثم ~~يقول الحق سبحانه: {.. فما لبث أن جآء بعجل حنيذ } [هود: ~~69]. والعجل هو ولد البقر. وهناك آيات كثيرة في القرآن تعرضت لقصة ~~إبراهيم عليه السلام في أكثر من موضع من مواضع القرآن، لا بقصد التكرار، ~~ولكن لأن كل لقطة في أي موضع هي لقطة مقصودة لها دلائلها وأسرارها، فإذا ~~جمعت اللقطات فسوف تكتمل لك قصة إبراهيم عليه السلام في شمول متكامل. ~~وعلى سبيل المثال: يقول الحق سبحانه: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض.. # [الأنعام: 75]. وفي موضع آخر يتعرض الحق سبحانه للتربية اليقينية التي ~~أرادها لإبراهيم، فيقول سبحانه: # فلما جن عليه اليل رأى كوكبا قال هذا ربي ~~فلمآ ms4883 أفل قال لا أحب الآفلين * فلمآ رأى ~~القمر بازغا قال هذا ربي فلمآ أفل قال لئن ~~لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * ~~فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذآ ~~أكبر فلمآ أفلت قال يقوم إني بريء مما ~~تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا ومآ أنا من المشركين # [الأنعام: 76-79]. إن هذه الآيات تبين وظيفة الحواس إدراكا، ووظيفة ~~الوجدان انفعالا، ووظيفة الاختيار توحيدا وإذعانا بيقين. ثم يقول الحق ~~سبحانه في موضع آخر على لسان إبراهيم عليه السلام فخاطب عمه باحترام ~~لمكانته التي تساوي منزلة الأب. يقول الحق سبحانه: # واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا ~~نبيا * إذ قال لأبيه يأبت لم تعبد ما لا ~~يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا * يأبت إني ~~قد جآءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك ~~صراطا سويا * يأبت لا تعبد الشيطان إن ~~الشيطان كان للرحمن عصيا * يأبت إني أخاف ~~أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ~~وليا # [مريم: 41-45]. فهذه الآية تبين رفق الداعي مع جمال العرض. فأصر ~~العم على الشرك، فقال إبراهيم عليه السلام: # سأستغفر لك ربي.. # [مريم: 47]. وبعد ذلك يتبرأ منه لإصراره على الكفر. ثم هناك لقطة من ~~يحاجج إبراهيم في ربه: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه ~~الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت قال أنا أحيي وأميت.. # [البقرة: 258]. وكانت تلك سفسطة في القول ناتجة عن عجز في التعبير، فليس ~~إصدار حكم بالقتل على إنسان، ثم العفو عنه، هو إحياء وإماتة، فأخذه ~~إبراهيم عليه السلام إلى منطقة لا يجرؤ عليها أحد، وقال: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب.. # [البقرة: 258]. وهذه الآية تبين منطق الحق أمام زيف الباطل، ثم يأتي في ~~موضع آخر من القرآن ليبين المقارنة بين فكرة الكفر، وفكرة الإيمان، فيقول ~~سبحانه: # واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه ~~وقومه ما تعبدون * قالوا نعبد أصناما فنظل ~~لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ~~ينفعونكم ms4884 أو يضرون * قالوا بل وجدنآ آبآءنا ~~كذلك يفعلون # [الشعراء: 69-74]. وفي هذه الآية أمثلة تحمل جواب الإسكات. ثم يقول الحق ~~سبحانه، على لسان إبراهيم عليه السلام: # الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ~~ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ~~ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي ~~يوم الدين # [الشعراء: 78-82]. يقول رب العزة سبحانه في سورة الأنبياء: # ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين * إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل ~~التي أنتم لها عاكفون * قالوا وجدنآ آبآءنا لها ~~عابدين * قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ضلال ~~مبين * قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من ~~اللاعبين * قال بل ربكم رب السماوات والأرض ~~الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين # [الأنبياء: 51-56]. هذه هي التربية اليقينية التي أرادها الحق سبحانه ~~لإبراهيم عليه السلام ليعلمنا كيف يكون الإيمان؟ وكان قوم إبراهيم يعبدون ~~آلهة غير الله، لكن إبراهيم عليه السلام توصل إلى عبادة من خلقه ~~وخلق الكون، وهو الصانع الذي يضع قانون صيانة ما يصنع سبحانه وتعالى: ~~ولذلك نلاحظ قوله: # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء: 78]. فلم يقل: " الذي خلقني يهديني " لأن هذه دعوى ستدعى، ~~وسيضع الناس قوانين لأنفسهم، فبين الحق سبحانه أن الذي خلق هو الذي ~~يهدي. وجاء الحق سبحانه بكلمة " هو " لحصر الأمر حتى لا يشارك الخلق ~~خالقهم فيه، لكن الأمر الذي لم يدع، لم يأت فيه بكلمة " هو " كقوله: # والذي يميتني ثم يحيين # [الشعراء: 81]. فما لا شركة فيه عند الخلق يأتي به القرآن من غير ~~تأكيد الضمير، ولكن في الأمر الآخر يأتي بتأكيد الضمير كقوله: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80]. فقد يقال: " إن الطبيب هو الذي يشفيني " ، ولكن ذلك غير ~~حقيقي لأن الله سبحانه هو الذي يضع العلم، وهو الذي خلق الداء وخلق ~~الدواء. ثم بعد ذلك يقول الحق سبحانه في قصة إبراهيم عليه السلام: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت.. # [البقرة: 127]. إذن: فكل مناسبة تأتي لتأكيد معنى من معاني الإيمان تأتي ~~معها لقطة من لقطات قصة إبراهيم ms4885 عليه السلام، وإذا جمعت اللقطات كلها ~~تجد قصة إبراهيم كاملة. وإذا كان الله سبحانه وتعالى يريد أن يقص على ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم القصص، فذلك لتثبيت فؤاده صلى الله عليه ~~وسلم: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك.. # [هود: 120]. لأن النبي صلى الله عليه وسلم يتعرض لكثير من الأحداث ~~فيذكره الله سبحانه بما حدث للرسل عليهم السلام ويأتي باللقطات ~~الإيمانية ليثبت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم. # وهنا يقول الحق سبحانه: {.. قالوا سلاما قال سلام فما ~~لبث أن جآء بعجل حنيذ } [هود: 69]. وفي موضع آخر يقول الحق ~~سبحانه: # إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم ~~وجلون # [الحجر: 52]. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه عن هذا الموقف: # فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه ~~بغلام عليم # [الذاريات: 28]. أي: أحس في نفسه الخوف، وهذا من أمر المواجيد لأن كل ~~فعل من الأفعال له مقدمات تبدأ بالإدراك، ثم النزوع، ثم الفعل فحين رآهم ~~إبراهيم عليه السلام أوجس في نفسه خيفة، ثم نزع إلى فعل هو السلام. ~~والشرع لا يتدخل في الإدراك أو المواجيد، ولكنه يتدخل في النزوع، إلا في ~~أمر واحد من مدركات الإنسان، وهو إدراك الجمال في المرأة. لذلك أمر الشرع ~~بغض البصر حتى لا يدرك الإنسان ذلك فينزع إلى سلوك ليس له حق فيه، ولأن ~~إدراك حسن المرأة قد يدفع الغرائز إلى السلوك الفوري لأن الغرائز لا ~~تفصل النزوع عن الوجدان والإدراك. وهنا بين الحق مواجيد إبراهيم عليه ~~السلام حين قال: # وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف.. # [هود: 70]. وجاء بالمعنى النزوعي حين قال: { قالوا سلاما قال ~~سلام.. } [هود: 69]. وهو حين التأكيد والتثبيت. وقال الحق سبحانه: {.. ~~فما لبث أن جآء بعجل حنيذ } [هود: 69]. وهو: العجل السمين ~~المشوي على الحجارة لأن الشواء - كما نعلم - قد يكون على اللهب أو على ~~الفحم، أو على الحجارة. ومثل ذلك يحدث في البلاد العربية حين يأتون بحجر ~~رقيق جدا، ويحمونه على النار، ثم يشوون عليه اللحم، وهذا ما يضمن عدم ~~حدوث ms4886 تفاعلات بين اللحم والحجر لأن هناك تفاعلات تحدث من الحديد أو من ~~الفحم ولذلك فهذه أنظف طريقة للشواء. أو أن كلمة: {.. بعجل حنيذ } ~~[هود: 69]. أي: ينزل منه الدهن بعد الشواء. وقول الحق سبحانه: {.. فما ~~لبث أن جآء بعجل حنيذ } [هود: 69]. لأن طبيعة سيدنا إبراهيم ~~عليه السلام هي محبة الضيوف وإكرامهم. ومن عادة الكرام أن يعجلوا ~~بإكرام الضيف، وتقديم الطعام له، والكريم هو من يفعل ذلك لأنه لا يعلم ما ~~قد مر على الضيف دون طعام، فإن كان الضيف جائعا أكل، وإن كان شبعان فهو ~~يعلن ذلك. ويقول الحق سبحانه ما حدث بعد أن جاء لهم إبراهيم عليه السلام ~~بالعجل المشوي: { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ~~نكرهم... }. ### || [11.70] # وحين رأى إبراهيم أن أيديهم لا تصل إلى الطعام توجس من ذلك شرا ~~ونكرهم، أي: استنكر أنهم لم يأكلوا من طعام قدمه لهم، فهل علم إبراهيم ~~أنهم ملائكة؟ لقد علم إبراهيم عليه السلام أنهم ملائكة من كلامهم. وقد ~~بين ذلك قول الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن: # إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم ~~وجلون * قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم ~~* قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم ~~تبشرون * قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من ~~القانطين * قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا ~~الضآلون * قال فما خطبكم أيها المرسلون * ~~قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين # [الحجر: 52-58]. إذن: فهم لم يقولوا له مثلما قالوا للوط عليه السلام: # إنا رسل ربك.. # [هود: 81]. وهنا حين قالوا لإبراهيم عليه السلام: {.. لا تخف إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط } [هود: 70]. أي: أنهم فهموا أن إبراهيم ~~عليه السلام يعلم أنهم ملائكة لأن الملك قد يتشكل في هيئة إنسان، مثلما ~~تشكل جبريل عليه السلام أمام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وكذلك ~~الجن لهم قدرة على التشكل، إلا أن هناك فارقا بين تشكل الملك وتشكل ~~الجن، فالجن إن تشكل تحكمه الصورة، فإن تشكل في صورة رجل فيمكنك أن تمسك ~~به وتؤذيه. ألم يقل رسول الله صلى ms4887 الله عليه وسلم: # " إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله ~~منه، فأخذته، فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه ~~كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: { قال رب اغفر لي وهب لي ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ~~}. فرددته خاسئا ". # إذن: إذا تشكل الجن حكمته الصورة، ويمكن أن نضربه مثلا، أما الملاك إذا ~~تشكل فالصورة لا تحكمه. وحكم الصورة عند تشكل الجني هي التي تحمينا من ~~مخاوفنا، وهو أيضا يخاف منا مثلما نخاف منه، ولذلك لا يظهر الجني ~~متشكلا في صورة إلا لحظة قصيرة ليختفي على الفور لأنه يخاف أن تكون قد ~~علمت أن الصورة التي تشكل عليها تحكمه وتستطيع أن تفتك به لذلك فالجن ~~يخافون من البشر. وشاء الحق سبحانه ذلك الأمر حتى لا يفزع الجن الناس. ~~وهنا يقول الحق سبحانه: { فلما رأى أيديهم لا تصل ~~إليه نكرهم.. } [هود: 70]. وكلمة { نكرهم } تقتضي أن ننظر ~~في مادة " النون والكاف والراء " وكلمة " نكر " وكلمة " أنكر " كلتاهما ~~مستعملة في القرآن. والشاعر يقول: # وأنكرتني وما كان الذي نكرت # من الحوادث إلا الشيب والصلعا # والاستعمال اللغوي يدل على أن المقابح من ألوان السلوك تسمى منكرات، أي: ~~ينكرها الإنسان بفطرته. # وهنا حين رأى إبراهيم عليه السلام أن أيديهم لا تصل إلى العجل الحنيذ ~~نكرهم، وأوجس في نفسه خيفة، فلاحظوا ذلك، وقالوا: {.. لا تخف إنا ~~أرسلنا إلى قوم لوط } [هود: 70]. وهكذا عرف لمن جاءوا، ~~واطمأن أن قومه لم يأتوا بفعل يستحقون عليه العذاب، وخصوصا أن كتب ~~التاريخ تقول: إن إمرأة إبراهيم عليه السلام قالت له: ألا تضم ابن أخيك ~~إلى كنفك هنا لأن قومه يوشك أن يعمهم الله بالعذاب. وحين سمعت أن الرسل ~~إنما جاءت إلى قوم لوط سرت من فراستها، وتبسمت لأنها تنبهت إلى هذه ~~المسألة. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: # قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين * لنرسل ~~عليهم حجارة من طين * مسومة عند ربك ~~للمسرفين # [الذاريات: 32-34]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وامرأته ~~قآئمة ms4888 فضحكت فبشرناها بإسحاق... }. ### || [11.71] # فعندما كانت أمرأته قائمة على خدمة الضيوف، وسمعت كلام الملائكة اطمأنت ~~على أنه لا عذاب على قومهم، وتحققت فراستها فضحكت فأزادها الله سرورا، ~~وبشرتها الملائكة بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب. فبعد دفع العذاب، ~~وبيان أمر العذاب لقوم آخرين مجرمين، تأتي البشارة بتحقيق ما كان إبراهيم ~~عليه السلام وزوجه يصبوان إليه، وإن كان أوانها قد فات لأن زوجة إبراهيم ~~كانت قد بلغت التسعين من عمرها، وبلغ هو المائة والعشرين عاما. وفي هذا ~~امتنان على إبراهيم بمجيء ابن الابن أيضا، وكذلك يمتن الله سبحانه على ~~عباده حين يقول: # والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم ~~من أزواجكم بنين وحفدة.. # [النحل: 72]. ولذلك قال الحق سبحانه: {.. فبشرناها بإسحاق ~~ومن ورآء إسحاق يعقوب } [هود: 71]. فالإنسان يحب أن يكون له ~~ابن، ويحب أكثر أن يرى ابن ابنه، لأن هذا يمثل امتدادا له. وهكذا توالت ~~البشارات، فقد أعلنت الملائكة أنها جاءت لتعذب قوم لوط، هؤلاء الذين ~~اختلف معهم إبراهيم عليه السلام لما جاءوا به من الفواحش، وكذلك لأن ~~إبراهيم عليه السلام وامرأته قد علما أنهما لم يأتيا بأي أمر يغضب الله ~~تعالى. والثالثة من البشارات هي الغلام، وكان ذلك حلما قديما عند ~~امرأة إبراهيم عليه السلام لأنها عاقر، واستقبلت امرأة إبراهيم البشارة ~~الأولى بالضحك، واستقبلت البشارة بالابن بالدهشة. وهذا ما يقول فيه الحق ~~سبحانه: { قالت يويلتى أألد وأنا عجوز... }. ### || [11.72] # والشيء العجيب هو الذي يخالف نواميس الكون المعتادة، ولكن هناك فرقا ~~بين النواميس وخالق النواميس، الذي هو قادر على أن يخرق النواميس. وها هو ~~سيدنا إبراهيم يقول في موضع آخر: # أبشرتموني على أن مسني الكبر.. # [الحجر: 54]. ولم يأت هنا بقول امرأة إبراهيم التي قالت: { ~~يويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا.. } ~~[هود: 72]. وتسمية الزوج بعلا فيها دقة شديدة لأن البعل هو الذي يقوم ~~بأمر المبعول ولا يحوجه لأحد. كذلك الزوج يقوم بأمر زوجته فيما لا يستطيع ~~أبوها ولا أخوها أن يقوما به، وهو الإحساس بالأنوثة والإخصاب، وهو أهم ما ~~تطلبه المرأة. وأيضا ms4889 سمي النخل بالبعل، لأنه لا يطلب من زارعة أن ~~يسقيه، وإنما يكتفي النخل بما يمتصه من الأرض، وما ينزل له من مطر ~~السماء. وكذلك سمي نوع من الفول " بالفول البعلي " ، وهو الذي لا ~~يحتاج إلى إرواء. إذن: فالبعل هو الزوج الذي يقوم على أمر زوجته فلا ~~يحوجها إلى غيره في أي شيء من الأشياء. وهنا تتعجب زوجة إبراهيم عليه ~~السلام من أمر الإنجاب لأن هذا شيء عجيب يقع على غير انتظار ولذلك يرد ~~الملائكة عليها. ويقول الحق سبحانه عن ذلك: { قالوا أتعجبين ~~من أمر الله... }. ### || [11.73] # والعجب - إذن - إنما يكون من قانون بشري، وإنما القادر الأعلى سبحانه له ~~طلاقة القدرة في أن يخرق الناموس.. ومن خرق النواميس جاءت المعجزات لتثبت ~~صدق البلاغ عن الله تعالى، فالمعجزات أمر خارق للعادة الكونية. والقصة ~~التي حدثت لإبراهيم عليه السلام وامرأته تكررت في قصة زكريا عليه السلام، ~~والحق سبحانه هو الذي أعطى مريم عليها السلام بشارة التذكير لزكريا عليه ~~السلام حين سألها: # أنى لك هذا.. # [آل عمران: 37]. فقالت مريم: # .. هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء ~~بغير حساب # [آل عمران: 37]. إذن: فالحساب يكون بين الخلق وبعضهم، لا بين الخالق - ~~سبحانه - وخلقه. ولذلك يأتي قول الحق عز وجل: # هنالك دعا زكريا ربه.. # [آل عمران: 38]. وما دام زكريا عليه السلام قد تذكر بقول مريم: # .. إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. فمن حقه أن يدعو: # قال رب هب لي من لدنك ذرية.. # [آل عمران: 38]. فأوحى له الله سبحانه وتعالى: # يزكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم ~~نجعل له من قبل سميا # [مريم: 7]. أي: أن الحق سبحانه لم يرزقه الابن فقط، بل وسماه له أيضا ~~باسم لم يسبقه إليه أحد. وتسمية الله تعالى غير تسمية البشر، فإن كان ~~بعض البشر قد سموا من بعد ذلك بعض أبنائهم باسم " يحيى " فقد فعلوا ذلك ~~من باب الفأل الحسن في أن يعيش الابن. لكن الحق سبحانه حين يسمي اسما، ~~فقد سماه " يحيى " ليحيا بالفعل، ويبلغ سن ms4890 الرشد، ثم لا يأتي الموت لذلك ~~قتل يحيى وصار شهيدا، والشهيد حي عند ربه لا يأتي إليه موت أبدا. ~~وهذا عكس تسمية البشر لأن الإنسان قد يسمي ابنه " سعيد " ويعيش الابن ~~حياته في منتهى الشقاء. والشاعر يقول عن الإنسان الذي سمى ابنه " يحيى ": # وسميته يحيى ليحيا فلم يكن # لرد قضاء الله فيه سبيل # وحين نرجع إلى أن مريم عليها السلام هي التي نبهت إلى قضية الرزق من ~~الله، نجد أن زكريا عليه السلام قد دعا، وذكر أنه كبير السن وأن زوجه ~~عاقر. ولا بد أن زكريا عليه السلام يعرف أن الحق سبحانه وتعالى يعلم كل ~~شيء أزلا، ولذلك شاء الله سبحانه أن يطمئن زكريا عليه السلام بأنه ~~سيرزقه الولد ويسميه، ويأتي قول الحق سبحانه وتعالى: # كذلك قال ربك.. # [مريم: 9]. وما دام الحق سبحانه وتعالى هو الذي قرر، فلا راد لما ~~أراده، ولذلك يقول سبحانه: # .. هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك ~~شيئا # [مريم: 9]. وهكذا توالت الأحداث بعد أن نبهت مريم زكريا عليه السلام إلى ~~قضية خرق النواميس التي تعرضت هي لها بعد ذلك، حينما تمثل لها الملك ~~بشرا، وبشرها بغلام اسمه المسيح عيسى ابن مريم - عليه السلام. # وتساءلت مريم عن كيفية حدوث ذلك - وهي التي لم يمسسها بشر - فيذكرها ~~الملك بأنها هي التي أجرى الله سبحانه وتعالى على لسانها قوله الحق في ~~أثناء كلامها مع زكريا عليه السلام: # .. إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. وكان لا بد من طمأنتها لأن إنجابها للمسيح عيسى - عليه ~~السلام - دون أب هي مسألة عرض، ويجب أن تقبل عليها وهي آمنة، غير مرتاب ~~فيها ولا متهمة. والآية التي نحن بصددها هنا تتعرض لامرأة إبراهيم عليه ~~السلام حين جاءتها البشارة بالطفل، وكيف أوضحت لها الملائكة أنه لا عجب ~~مما قدره الله تعالى وأراده، خلافا للناموس الغالب في خلقه لأن رحمة ~~الله تبارك وتعالى بكل خير فيها قد وسعت أهل بيت النبوة، ومن تلك الرحمة ~~والبركات هبة الأبناء في غير الأوان المعتاد. ms4891 ولهذا قال الحق سبحانه هنا: ~~{ رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت.. } [هود: ~~73]. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى: {.. إنه حميد مجيد ~~} [هود: 73]. أي: أنه سبحانه يستحق الحمد لذاته، وكل ما يصدر عنه يستوجب ~~الحمد له من عباده، فلا حد لخيره وإحسانه، والله تعالى مطلق صفات ~~المجد. وكلمة " حميد " - في اللغة - من " فعيل " وترد على معنيين: ~~إما أن تكون بمعنى فاعل مثل قولنا: " الله رحيم " بمعنى أنه راحم خلقه. ~~وإما أن تكون بمعنى مفعول كقولنا: " قتيل " بمعنى " مقتول ". وكلمة " ~~حميد " هنا تأتي بالمعنيين معا: " حامد " و " محمود " ، مثل قول الحق ~~سبحانه عن نفسه أنه " الشكور " لأنه سبحانه يشكر من يشكره على نعمه ~~بطاعته. والله سبحانه " حميد " لأنه حامد لمن يطيعه طاعة نابعة من ~~الإيمان، والله سبحانه " محمود " ممن أنعم عليهم نعمه السابغة. والله ~~سبحانه هو المجيد الذي يعطي قبل أن يسأل. ولذلك نجد عارفا بالله تعالى ~~قد جاءه سائل، فأخرج كيسا ووضعه في يده، ثم رجع إلى أهله يبكي، فقالت له ~~امرأته: وما يبكيك وقد أديت له حق سؤاله؟ قال: أنا أبكي لأني تركته ~~ليسأل، وكان المفروض ألا أجعله يقف موقف السائل. والحق سبحانه وتعالى ~~أعطانا، حتى قبل أن نعرف كيف نسأل، ومثال ذلك: هو عطاء الحق سبحانه ~~وتعالى للجنين في بطن أمه، والجنين لم يتعلم الكلام والسؤال. والحق ~~سبحانه وتعالى في كل لقطة من لقطات القرآن يعطي فكرة اجتماعية مأخوذة من ~~الدين، فها هو ذا سيدنا إبراهيم عليه السلام يقدم العجل الحنيذ للضيوف، ~~ليعلمنا أنه إذا جاء لك ضيف، وعرضت عليه الطعام، ولم يأكل، فلا ترفع ~~الطعام من أمامه، بل عليك أن تسأله أن يأكل، فإن رد بعزيمة، وقال: لقد ~~أكلت قبل أن أحضر إليك، فلك أن ترفع الطعام من أمامه بعد أن أكدت عليه ~~في تناول الطعام. # ويروي بعض العارفين أن سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما قال: ألا ~~تأكلون؟ قالت الملائكة: لا نأكل إلا إذا دفعنا ثمن الطعام. فقال إبراهيم، ~~بما آتاه الله من حكمة النبوة ووحي الإلهام: ثمنه ms4892 أن تسموا الله أوله، ~~وتحمدوه آخره. وأنت إذا أقبلت على طعام وقلت في أوله: " بسم الله الرحمن ~~الرحيم " وإذا انتهيت منه وقلت: " الحمد لله " تكون قد أديت حق الطعام ~~مصداقا لقول الحق سبحانه: # ثم لتسألن يومئذ عن النعيم # [التكاثر: 8]. وهكذا بين لنا الحق سبحانه أن إبراهيم عليه السلام ~~وزوجه قد أطمأنا على أن الملائكة قد جاءت لهما بالبشرى، وأنها لا تريد ~~بإبراهيم أو بقومه سوءا، بل هي مكلفة بتعذيب قوم لوط. وهنا يقول الحق ~~سبحانه: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع... }. ### || [11.74] # والجدل هو أن تأخذ حجة من مقابل وتعطيه حجة لتصل إلى حق. والجدل ~~يختلف عن المراء فالمراء يعني أنك تعرف الحقيقة وتجادل بالباطل لأنك لا ~~تريد أن تصل إلى الحق. وقد نهانا الحق سبحانه عن المراء، وأمرنا بأن ~~نجادل بشرط أن يكون الجدال بالتي هي أحسن. وهنا يبين لنا الحق سبحانه ~~أن إبراهيم بعد أن ذهب عنه الروع وجاءته البشرى بأن الله تعالى سيرزقه ~~بغلام، وعلم إبراهيم من الملائكة أنهم ذاهبون لتعذيب قوم لوط: # قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين * لنرسل ~~عليهم حجارة من طين * مسومة عند ربك.. # [الذاريات: 32-34]. ومجادلة سيدنا إبراهيم في عقاب قوم لوط، لم تكن ~~ردا لأمر الله، ولكن طلبا للإمهال لعلهم يؤمنون ذلك أن قلب إبراهيم ~~عليه السلام قلب رحيم. ولذلك يأتي الحق سبحانه بالعلة في المجادلة في ~~قوله تعالى: { إن إبراهيم لحليم أواه... }. ### || [11.75] # إذن: فالعلة في الجدال أنه حليم لا يعجل بالعقوبة، وأواه أي: يتأوه ~~من القلب، والتأوه رقة في القلب، وإن كان التأوه من الأعلى فهذا يعني ~~الخوف من ألا يكون قد أدى حق الله تعالى، وإن كان التأوه للأقل فهو رحمة ~~ورأفة. ولذلك فقد طلب إبراهيم عليه السلام من الله تعالى تأجيل العذاب ~~لقوم لوط لعلهم يؤمنون، وتأوهه هنا لله تعالى، وعلى هؤلاء الجهلة بما ~~ينتظرهم من عذاب أليم. وقال الحق سبحانه في صفات إبراهيم أنه " منيب " ~~أي: يرجع إلى الحكم وإلى الحق في قضاياه. ألم يقل الحق سبحانه في ms4893 موضع ~~آخر من كتابه العزيز: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه.. # [التوبة: 114]. وبعد أن بحث إبراهيم عليه السلام عن الحق، وأناب إليه، ~~يبين لنا الله سبحانه وتعالى مظهرية الإنابة في قوله تعالى: # فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه.. # [التوبة: 114]. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها والتي أوضحت ~~تأوه إبراهيم لله عز وجل وتأوهه رحمة بهؤلاء الذين لم يؤمنوا، وهم قوم ~~لوط، وأيضا كانت حجة إبراهيم - عليه السلام - في الجدال ما قاله الحق ~~سبحانه في سورة العنكبوت: # ولما جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالوا ~~إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها ~~كانوا ظالمين * قال إن فيها لوطا.. # [العنكبوت: 31-32]. وكان سؤال إبراهيم للملائكة: كيف تهلكون أهل هذه ~~القرية وفيهم من هو يؤمن بالله وعلى رأسهم نبي من الله هو لوط عليه ~~السلام، وردت عليه الملائكة: # .. نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا ~~امرأته كانت من الغابرين # [العنكبوت: 32]. وكأن إبراهيم خليل الرحمن يعلم أن وجود مؤمنين مع ~~الكافرين في قرية واحدة، يبيح له الجدال عن أهل القرية جميعا. ويتلقى ~~إبراهيم الرد هنا في سورة هود في الآية التالية: { يإبرهيم ~~أعرض عن هذآ... }. ### || [11.76] # وقول الملائكة: { يإبرهيم أعرض عن هذآ.. } [هود: 76]. ~~يعني إبلاغ إبراهيم أن مسألة تعذيب من لم يؤمن من قوم لوط أمر منته ~~ومحسوم، فهم قد جاءوا لينفذوا، لا ليهددوا وأبلغوا إبراهيم: { إنه ~~قد جآء أمر ربك.. } [هود: 76]. وإذا ما كان الأمر قد جاء من ~~الله، فإبراهيم عليه السلام لأنه { منيب } يعلم أن أي أمر من الله ~~تعالى لا بد أن ينفذ، فلا بد أن يتقبل - أمر الحق سبحانه: {.. ~~وإنهم آتيهم عذاب غير مردود } [هود: 76]. أي: لا أحد ~~بقادر على أن يرد عذاب الله. وكما أن هناك وعدا من الله تعالى غير ~~مكذوب، فهناك أيضا عذاب غير مردود. ويروى أن إبراهيم عليه السلام في ~~جداله قال للملائكة: إذا كان في قوم لوط خمسون قد آمنوا بالله تعالى، ~~أتعذبونهم؟ قالوا: لا. قال: وإن كان فيهم ms4894 عشرة يؤمنون بالله، أتعذبونهم؟ ~~قالوا: لا. قال وإن كان فيهم واحد هو لوط؟ فردت الملائكة: # نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا ~~امرأته.. # [العنكبوت: 32]. وانتهى الجدال، وذهبت الملائكة إلى مهمتها التي هي ~~إيقاع العذاب بقوم لوط. ويقول الحق سبحانه: { ولما جآءت رسلنا ~~لوطا سيء بهم... }. ### || [11.77] # أي: أن لوطا شعر بالسوء، وضاق بهم ذرعا، والذرع مأخوذ من الذراع التي ~~فيها الكف والأصابع وندفع بها الأشياء، وأي شيء تستطيع أن تمد إليه ذراعك ~~لتدفع به، وإن لم تطله ذراعك قلت: " ضقت به ذرعا " أي: أن يدي لم ~~تطله، وهو أمر فوق قوتي وطاقتي، وفوق ما آتاني الله من الآلات ومن الحيل. ~~وما الذي يسيء لوطا في مجيء الملائكة؟ قيل: لأن الملائكة قد جاءوا على ~~الشكل المعروف من الجمال، فحين يقال: " فلان ملاك " ، أي: شكله جميل. ~~ولوط - عليه السلام - يعلم أن آفة قومه هي إتيان الذكور، وامرأته تعلم ~~هذه الآفة، لكن موقفها من ذلك غير موقف لوط، فهي ترحب بتلك الآفة. ~~ويقال: إنها تنبهت لمجيء الرجال الحسان - ولم تعرف أنهم ملائكة العذاب ~~- وصعدت إلى سطح المنزل، وصفقت لعل القوم ينتبهون لها، فلم يلتفت لها ~~أحد، فأشعلت نارا فانتبه لها القوم، وأشارت لهم بما يعبر عن مجيء ضيوف ~~يتميزون بالجمال. وهنا قال لوط عليه السلام: {.. هذا يوم عصيب ~~} [هود: 77]. أي: يوم شديد المتاعب. ويقال: " يوم عصيب " و " يوم عصبصب " ~~، ومنه " العصبة " وهم جماعة يتكاتفون على شيء، ويقوى الفرد بمجموعهم، ~~وقد صدق ظن لوط. وفي هذا يقول الحق سبحانه عن ذلك: { وجآءه قومه ~~يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون... }. ### || [11.78] # وقول الحق سبحانه: { وجآءه قومه يهرعون إليه.. } [هود: ~~78]. أي: يسرعون إليه في تدافق، والإنسان إذا لم يكن قد مرن على الشر وله ~~به دربة، يكون مترددا خائفا، أما من له دربة فهو يقبل على الشر بجرأة ~~ونشاط. وكلمة " يهرعون " هي من الألفاظ العجيبة في اللغة العربية، وألفاظ ~~اللغة تجد فيها فعلا له فاعل، كقولنا: " يضرب زيد عمرا " أي: أن ~~الضارب هو " زيد " والمضروب هو ms4895 " عمرو " ، ونقول: " يضرب عمرو " أي: ~~أننا بنينا الفعل للمجهول، وسمي عمرو " نائب فاعل ". أما في الفعل " ~~يهرع " فلا نجد أحدا يقول: " يهرع " إلا ويكون بعدها فاعل وليس ~~نائب فاعل، مثلها مثل الفعل " جن " فهل هناك من يأتي لنفسه بالجنون، ~~أم أن الجنون هو الذي جاءه؟ لا أحد يعرف سبب الجنون ولذلك بنيت الكلمة ~~للمجهول، ولكن ما يأتي بعدها يكون فاعلا. وهذا من إعجاز البيان القرآني. ~~وكذلك نقول: " زكم فلان " فمن الذي أصابه بالزكام؟ لا نعرف سببا ~~ظاهرا للزكام. إذن: فإذا جهل الفاعل فنحن نبني الفعل للمجهول، ولكن ~~ما يأتي بعده يكون فاعلا. وقول تعالى: { يهرعون إليه.. } [هود: ~~78]. يبين أنهم أقبلوا باندفاع، كأنهم يعشقون ما يذهبون إليه لأن كلا ~~منهم له دربة على ذلك الفعل المشين، أو أن كلا منهم ذاهب إلى ما يحب دون ~~تهيب، باندفاع من نفسه ودفع من غيره، مثلما تقول: " سنوزع تموينا ~~بالمجان " هنا تجد الناس يتدافعون، كل منهم من تلقاء نفسه، وغيره يدفعه ~~ليرتد إلى الوراء. وقوم لوط كانوا على دربة بتلك الفاحشة. يقول الحق ~~سبحانه عنهم: { ومن قبل كانوا يعملون السيئات.. } ~~[هود: 78]. أي: أن هذه المسألة عندهم كانت محبوبة، ولهم دربة عليها ~~وخفيفة على قلوبهم، ولا حياء يمنعهم عنها. فالحياء يعني أن بعض الناس ~~يعمل السيئة ويخشى الآخرون أن يفعلوها، لكن إذا ما كانوا كلهم يحبون تلك ~~السيئة، فلن يخجل أحد من الآخر. وماذا يكون موقف لوط - عليه السلام - في ~~هذا اليوم العصيب؟ لقد أقبلوا عليه بسرعة، وفي كوكبة واندفاع، وهو يعلم ~~نياتهم ويعلم سوابقهم، وفكر لوط - عليه السلام - في أن يصرفهم انصرافا ~~من جنس اندفاعهم. يقول الحق سبحانه: { قال يقوم هؤلاء ~~بناتي هن أطهر لكم.. } [هود: 78]. وقد قال ذلك لأن المرأة ~~مخلوقة لذلك، ومن الممكن أن يتزوجوا من بناته. وكان العرف في أيام لوط ~~عليه السلام لا يمنع أن يزوج المؤمن ابنته لغير المؤمن؟ وقد زوج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى بناته لعتبة بن أبي لهب، وأخرى لأبي ~~العاص بن الربيع؟ قبل ms4896 تحريم الحق سبحانه تزويج المؤمنة لغير المؤمن. # فهل كان المقصود: بناته من صلبه أم بنات أمته، أم بنات المؤمنين به؟ ~~وقد قيل: إنه لم يؤمن بالله إلا لوط وابنتاه، فكيف يكون الزواج لابنتين ~~من كل هذا العدد من الرجال المتدافعين؟ وقيل: إنه بحث عن السادة الأقوياء ~~الذين بيدهم القرار، وأراد أن يراضيهم بهذا الزواج لعلهم يرجعون عن ~~الفواحش والسيئات، وفي هذا طهر لهم، وبذلك يحفظون كرامته أمام ضيوفه. ~~يقول لوط عليه السلام: { فاتقوا الله ولا تخزون في ~~ضيفي.. } [هود: 78]. وكلمة " ضيف " - كما نعلم - جاءت هنا مفردة، ~~ولكنها تطلق أيضا على الجمع، والمثنى، وتصلح للدلالة على المذكر وعلى ~~المؤنث أيضا، فإن جاء ضيف واحد تقول: " هذا ضيفي " ، وإن جاء اثنان ~~تقول: " هذان ضيفي " ، وإن كانت امرأة تقول: " هذه ضيفي " ، وإن كانتا ~~امرأتين تقول: " هاتان ضيفي " ، وإن جاءت جماعة تقول: " هؤلاء ضيفي ". ~~والحق سبحانه يقول: # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين # [الذاريات: 24]. وهناك ألفاظ أخرى كذلك في اللغة مثل: كلمة " طفل " فهي ~~مفرد ولكنها قد تطلق على الجماعة، إلا أن كلمة " طفل " وجد لها جمع هو ~~" أطفال ". والحق سبحانه يقول: # ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن أو ~~أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو ~~بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسآئهن أو ~~ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي ~~الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا ~~على عورات النسآء.. # [النور: 31]. إذن: فكلمة " طفل " تطلق أيضا، ويراد بها الجماعة. وهنا ~~يطلب لوط عليه السلام من قومه ألا يخزوه في ضيفه، والخزي فضيحة أمام ~~النفس وأمام الناس. والإنسان قد تهون عليه نفسه ويقبل على العمل السيىء ~~ما لم يره أحد، أما أن يراه الناس، ففي هذا فضح له فالفضيحة تكون بين ~~جمهرة الناس، والهوان أن يكون العمل السيىء بينه وبين نفسه. ويتساءل لوط ~~عليه السلام: {.. أليس منكم رجل رشيد } [هود: 78]. أي: ~~ألا يوجد بينكم رجل له عقل ومروءة ms4897 وكرامة، يمنع هذه المسألة. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك... ~~}. ### || [11.79] # هذه الآية تحمل رد المتدافعين طلبا للفحشاء من قوم لوط فقد قالوا له: ~~أنت تعلم مقصدنا، وليس لنا في بناتك أية حاجة نعتبرها غاية لمجيئنا. وكان ~~هذا يعني الإعراض عن قبول نصحه لهم بالتزوج من بناته بدلا من طلب فعل ~~الفاحشة مع ضيوف لوط، وهم الملائكة الذين جاءوا في هيئة رجال بلغوا مبلغ ~~الكمال في الجمال. ويأتي الحق سبحانه برد لوط عليه السلام: { قال لو ~~أن لي بكم قوة... }. ### || [11.80] # وساعة تقرأ كلمة " لو " فهذا هو التمني، أي: رجاء أن يكون له قوة يستطيع ~~أن يدفع بها هؤلاء، وكان لا بد من وجود شرط، مثل قولنا: " لو أن زيدا ~~عندك لجئت " ، لكن نجد هنا شرطا ولا جواب، كأن يقال: " لو أن لي بكم قوة ~~لفعلت كذا وكذا ". ولذلك يقال إن الملائكة قالت له: إن ركنك لشديد ولذلك ~~قال: {.. أو آوي إلى ركن شديد } [هود: 80]. والشيء الشديد ~~هو المتجمع تجمعا يصعب فصله، أو المختلط اختلاطا بمزج يصعب ~~تحلله لأنك حين تجمع الأشياء فإما أن تجمع أشياء أجناسها منفصلة، ~~ولكنك تربطها ربطا قويا، مثل أن تربط المصلوب على شجرة برباط قوي، لكن ~~كليهما - المصلوب والشجرة - منفصل عن الآخر وله ذاته، وهناك ما يسمى ~~خلطا، وهناك ما يسمى مزجا، والخلط هو أن تخلط أشياء، وكل شيء منها ~~متميز عن غيره بحيث تستطيع أن تفصله، أما المزج فلا يمكن فصل الأشياء ~~الممتزجة ببعضها. ومثال ذلك: أنك قد تخلط فول التدميس مثلا مع حبات من ~~الفول السوداني، وتستطيع أن تفصل الاثنين بعضهما عن بعض لأنك جمعتهما على ~~استقلال. ولكن إن قمت بعصر ليمون على كوب من الماء المحلى بالسكر فهذا ~~مزج يصعب حله. وقد قال لوط عليه السلام ذلك لأنه لم يكن في منعة من ~~قومه، أهل " سدوم " ويقال: إنها خمس قرى قريبة من " حمص ". وقد تعجب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول لوط، فقال - فيما ms4898 رواه البخاري -: # " رحم الله أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد ". # فلهول ما عانى لوط عليه السلام من كرب المفاجأة قال ذلك، وهو يعلم ~~أنه لا يوجد سند أو ركن أشد من الحق سبحانه وتعالى. ويقول الحق سبحانه ~~بعد ذلك ما قالته الملائكة للوط عليه السلام: { قالوا يلوط إنا ~~رسل ربك لن يصلوا إليك... }. ### || [11.81] # وهكذا علم لوط - لأول مرة - أنهم رسل من الله تعالى، رغم أنهم حين ~~تكلموا مع إبراهيم لم يقولوا أنهم رسل من الله ليدلنا على أن إبراهيم ~~عليه السلام كان يعلم أنهم رسل من الحق سبحانه، لكنه لم يكن يعلم سبب ~~مجيئهم. وهم حين أخبروا لوطا: { إنا رسل ربك لن يصلوا ~~إليك.. } [هود: 81] فمن باب أولى ألا يصلوا إليهم، وتخبر الملائكة ~~لوطا أن يسري بأهله ليلا أي: أخرج بأهلك في جزء من الليل، وقد أوضحت ~~الملائكة أن موعد النكال بقوم لوط هو الصبح: {.. إن موعدهم ~~الصبح أليس الصبح بقريب } [هود: 81]. لذلك قالوا: { ~~فأسر بأهلك بقطع من اليل.. } [هود: 81]. والمقصود أن ~~يترك ربع الليل الأول، وربعه الآخر، وأن يسير في نصف الليل الذي بعد ربع ~~الليل الأول وينتهي عند ربع الليل الأخير، وقيل: إن أليق ما يكون بالقطع ~~هو النصف. ثم يقول الحق سبحانه: { ولا يلتفت منكم أحد.. } ~~[هود: 81]. والالتفات: هو الانصراف عن الشيء الموجود قبالتك، ويسمى ~~الانصراف عن المقابل. فهل المقصود هو الالتفات الحسي أم الالتفات ~~المعنوي؟ نحن نعلم أن لوطا سيصحب المؤمنين معه من ديارهم وأموالهم، وما ~~ألفوه من مقام ومن حياة لذلك تنبههم الملائكة ألا تتجه قلوبهم إلى ما ~~تركوه، وعليهم أن ينقذوا أنفسهم، وسيعوضهم الله سبحانه خيرا مما فاتهم. ~~هذا هو المقصود بعدم الالتفات المعنوي، وأيضا مقصود به عدم الالتفات ~~الحسي. وتوصي الملائكة لوطا عليه السلام ألا يصحب امرأته معه لأنها ~~خانته بموالاتها للقوم المفسدين، وإفشائها للأسرار، وعليه أن يتركها مع ~~الذين يصيبهم العذاب. ولكنها لحظة الخروج ادعت أنها مخلصة للوط، وقالت: ~~سأخرج حيث تخرج، ثم نظرت إلى القوم وقالت: وا قوماه ورجعت ms4899 لتمكث معهم، ~~ولينالها العذاب الذي نالهم في الموعد الذي حددته الملائكة وهو الصبح: ~~{.. إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب } [هود: ~~81]. وقد تحدد الصبح لإهلاكهم لأنه وقت الدعة والهدوء فيكون العذاب أشد ~~نكالا. ويقول الحق سبحانه: { فلما جآء أمرنا جعلنا ~~عاليها سافلها... }. ### || [11.82] # والحق سبحانه يبين لنا هنا أن الأمر بالعذاب حين يصدر، فالمأمور يستجيب ~~قهرا، ويقال إن قرى قوم لوط خمس: قرية " سدوم " وقرية " دادوما " وقرية ~~" ضعوه " ، وقرية " عامورا " وقرية " قتم ". وقوله تعالى: { جعلنا ~~عاليها سافلها.. } [هود: 82]. أي: انقلبت انقلابا تاما. ويقول ~~القرآن في موضع آخر: # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53]. والمؤتفكة من الإفك وهو الكذب المتعمد، أي: قول نسبة ~~كلامية تخالف الواقع، ولأن من يقول الإفك إنما يقلب الحقيقة إلى غير ~~الحقيقة زعما، ويقلب غير الحقيقة إلى ما يشبه الحقيقة. كذلك المؤتفكة، ~~أي: القرى التي جعل عاليها سافلها فانقلبت فيها الأوضاع. ونفذ أمر الله ~~بأن أمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، وهو طين قد تحجر. والحق سبحانه ~~يقول في آية أخرى # .. حجارة من طين # [الذرايات: 33]. وكلمة " حجارة " تعطي الإحساس بالصلابة، أما كلمة " طين ~~" فتعطي إحساسا بالليونة، ولكن الطين الذي نزل قد تحجر بأمر من الله ~~تعالى، وهو قد نزل منضودا.. أي: يتتابع في نظام، وكأن كل حجر يعرف ~~صاحبه، لأن الحق سبحانه يقول بعد ذلك: { مسومة عند ربك... ~~}. ### || [11.83] # وكلمة " مسومة " أي: معلمة، وكأن كل حجر قد تم توجيهه إلى صاحبه، ~~فهذا الحجر يذهب إلى فلان، وذاك إلى فلان، مثل الصواريخ الموجهة إلى ~~البلاد، ولكن الدقة في هذه الحجارة أن كل حجر يعرف على من بالتحديد سوف ~~ينزل بالعذاب، وقد جعلها الحق سبحانه لتعذيب المكين، أي: الإنسان، ولا ~~تدمر البلاد. وهي مرتبة لأن الحق سبحانه قال: # .. سجيل منضود # [هود: 82]. ووردت كلمة سجيل أيضا في قول الحق سبحانه: # .. طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل # [الفيل: 3-4]. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: {.. وما هي من ~~الظالمين ببعيد } [هود: 83]. والظالمون هنا مقصود بهم الكافرون ~~برسالة الحق - سبحانه وتعالى - التي تتابعت في الموكب الرسالي وخاتمها ms4900 هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم. ونحن نعلم أن القصص القرآني قد نزل تسلية ~~وثباتا بيقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتذكرة بالأسوة: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك.. # [هود: 120]. وتحكي القصص المعارك التي قامت بين كل رسول مؤيد بمعجزة ~~من الله، وبين المنكرين له والكافرين به، وقد انتهت كل هذه المعارك بنصرة ~~الرسول على الكافرين، إلا أن الرسل السابقين لم يكلفوا أن يقاتلوا من ~~أجل الإيمان، بل كان عليهم أن يعلنوا الحجة الإيمانية فقط، وأن يبلغوا ~~المنهج، فإن عصى القوم فالسماء هي التي تتدخل لتأديب المخالفين. والحق ~~سبحانه يقول: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * ~~الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * ~~فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك ~~لبالمرصاد # [الفجر: 6-14]. ولكن الأمر اختلف بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم، لأن ~~دين محمد صلى الله عليه وسلم هو الدين الذي تقوم عليه الساعة، وقومه ~~مأمونون على البلاغ عن الله تعالى خلافة للرسول صلى الله عليه وسلم. وعلى ~~كل واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يعلم حكما من أحكام الله تعالى ~~أن يبلغه لأنه قائم مقام الرسول صلى الله عليه وسلم. والحق سبحانه يقول: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.. # [البقرة: 143]. إذن: فكل واحد من أمته صلى الله عليه وسلم هو امتداد ~~لرسالة الإسلام، وبدلا من أن السماء كانت تتدخل لتأديب الكافرين، جعل ~~الله سبحانه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يقفوا بالقوة أمام ~~الكافرين، لا لفرض الإيمان لأن الإيمان لا يفرض، ولا يكره عليه لأنك قد ~~تكره إنسانا في الأمور الحسية، لكنك لا تستطيع أن تملك قلبه، والحق ~~سبحانه يريد الإيمان الغيبي الذي يملك القلوب. # ولذلك يقول الحق سبحانه: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: ms4901 3-4]. إذن: فالحق سبحانه يريد قلوبا تخشع، لا أعناقا تخضع. ~~وهكذا فوضت أمة محمد صلى الله عليه وسلم تفويضين: فوضت في نقل ~~رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الأجيال، وكل جيل ينقلها إلى الجيل ~~الذي يليه. وها هو صلى الله عليه وسلم يقول: # " نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وأداها إلى من لم يسمعها، فرب ~~مبلغ أوعى من سامع ". # وفوضت أمة محمد صلى الله عليه وسلم في أن تقف من الكافرين موقف ~~تأديب، لا لتفرض الدين ولكن لتحمي حق اختيار الدين، فلم يحدث أن رفع ~~سيف في الإسلام ليفرض دينا بل رفع السيف ليحمي حرية اختيار الإنسان ~~للدين. يقول سبحانه: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29]. فإذا آمن فعليه الالتزام بالإيمان، فلا يكسر حكما من ~~أحكام الإيمان، وهذا تصعيب للدخول في الإسلام، فمن أين يأتي ادعاء فرض ~~الدين على المخالفين؟! إذن: فقد آمن المؤمن من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم إيمانين: الإيمان الأول هو أن يؤمن بالإسلام، والإيمان الثاني أن ~~يبلغ الدعوة. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ". # فهل المقصود بالعلماء هم من يعلمون العلم فقط لا، بل يقصد كل من يعرف ~~قضية من قضايا الإيمان معرفة سليمة وصحيحة وينساح بالدعوة في الأرض ~~ليعلم غير المؤمنين ويترك الناس أحرارا في اختيار الدين. وكذلك يقف ~~المؤمنون برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأية قوة تحارب حرية ~~اختيار الدين. وهكذا جاءت قصص القرآن لتثبيت فؤاده صلى الله عليه وسلم. ~~ونحن نعلم أن الحق سبحانه قد بعث المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو في مكة، ~~فصرخ بالدعوة، لا في آذان القبائل الواهية في أطراف الجزيرة، ولكن في ~~آذان سادة الجزيرة، حتى لا يقال: إنه استضعف قوما فناداهم إلى الإيمان ~~به، ولم يجرؤ على السادة، وهم قريش، التي أخذت السيادة بحكم إقامتها في ~~مكان البيت العتيق، وكان كل العرب يحجون إلى البيت الحرام، فإذا ما تعرضت ~~قبيلة لقريش بسوء، فقريش قادرة على أن ms4902 تنال من أبناء تلك القبيلة حين ~~يحجون إلى البيت الحرام. وهكذا أخذت قريش هيبتها من وجودها حول البيت. ~~إذن: فالبيت هو الذي صنع السيادة لقريش، وهو الذي صنع السيادة للآلهة ~~المدعاة من الأصنام حين يأتي كل قوم بإلههم من الحجر ليضعوه في البيت ~~ليكتسب الحجر قداسة من قداسة البيت. إذن: فقد أخذت قريش السيادة من البيت ~~الحرام، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلن الدعوة على أسماع ~~السادة، وسفه أحلامهم، ولم يبال بجبروتهم وسيادتهم على الجزيرة. # لكن الحق سبحانه قد شاء ألا يكون انتصار الإسلام على يد السادة من قريش ~~في مكة، بل جاء انطلاق الإسلام من المدينة لأن الله سبحانه أراد أن ~~يعلم الدنيا كلها أن العصبية لمحمد لم تخلق الإيمان بمحمد. ولكن الله ~~تعالى قد شاء أن يكون المستضعفون من أطراف الجزيرة هم الذين نصروا الدعوة ~~فكأن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي خلق العصبية لمحمد للحق ~~الممثل في رسالة محمد، ولم تخلق العصبية لمحمد إيمانا به وبرسالته. ~~وإذا كان الحق سبحانه قد نعتهم بالظالمين، وبين لهم أن المكان الذي ~~قلب عاليه أسفله، ليس ببعيد عنهم، فهل لهم أن يتخذوا من ذلك عبرة؟ ~~والظلم - كما نعلم - هو مجاوزة الحق للغير، أي: أن تأخذ حق الغير وتعطيه ~~لغير ذي حق، فإذا كان ظلما في الألوهية، فهذا هو الشرك العظيم، وإن كان ~~ظلما في إعطاء حق من حقوق الدنيا للغير، فهو ظلم للإنسانية، والظلم ~~درجات بحسب الجريمة. وقد ظلمت قريش نفسها ظلما عظيما لأنها أشركت بالله ~~وجعلت له شركاء في الألوهية وهذا أقصى أنواع الظلم. والله سبحانه يريد أن ~~يذكر هؤلاء الظالمين بأن عذاب الله حين يجيء، أو أمر الله حين يأتي لا ~~يمكن أن يقوم أمامه قائم يمنعه، فتنبهوا جيدا إلى أنكم عرضة أن ينزل ~~الله تعالى بكم العذاب كما أنزل بهذه القرى وهي غير بعيدة عنكم، فالمسافة ~~بين المدينة والشام قد تبدو مسافة طويلة إلا أن الله تعالى قد جعلهم ~~يمرون عليها في كل رحلة ms4903 من رحلات الصيف إلى الشام. إذن: فهي قرى تقع على ~~طريق مسلوكة ولذلك يقول الحق سبحانه عن موقعها: # وإنها لبسبيل مقيم # [الحجر: 76]. أي: بطريق تمرون عليها، لا يجرفها سيل، ولا يغير معالمها ~~ريح. بل هي طريق ثابتة مقيمة تمرون عليها حينما تذهبون في رحلة الصيف إلى ~~الشام، فكان من الواجب أن تأخذوا في كل مرور لقطة وعبرة حتى لا تقعوا في ~~ظلم آخر. وقد نبهكم الله سبحانه أيضا بمروركم على ديار قوم صالح الذين ~~خاطبهم الحق سبحانه بقوله: # أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون ~~مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم ~~جبارين # [الشعراء: 128-130]. هكذا ترون ديار ثمود وديار عاد وديار لوط وهي ~~خاوية، وكان من الواجب - معشر قريش - ألا تبالغوا في الظلم، وأن تنتبهوا ~~بالعبرة إلى مصير كل من يشرك بالله تعالى. ويلفتهم الحق سبحانه إلى أنهم ~~لم يكفروا بحق الألوهية فقط، ولكنهم - أيضا - كفروا بشكر النعمة، وظلموا ~~لأن الله سبحانه هو الذي أنعم عليهم برحلة الشتاء إلى اليمن، وبرحلة ~~الصيف إلى الشام، والرحلتان للتجارة التي تأتي بالزيادة لقريش لأنهم ~~يخرجون بالأموال ويعودون بالبضائع التي يبيعونها لأهل مكة، ولزوار بيت ~~الله الحرام. # وقد أخذت قريش مهابتها عند كل قوم يمرون عليهم أثناء الرحلتين، من أنهم ~~يعيشون حول البيت الحرام، لذلك يمتن الله سبحانه على قريش في قوله ~~سبحانه: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم ~~يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم ~~كعصف مأكول # [الفيل: 1-5]. فالقوم الذين جاءوا ليهدموا البيت الحرام - وهو رمز ~~السيادة - لو هدم وتحول الحجيج إلى صنعاء، لسقطت مهابة قريش، ولكن الله ~~تعالى حمى البيت وأرسل عليهم طيرا أبابيل، وجعل الذين قصدوه بسوء كعصف ~~مأكول. لماذا صنع الله تعالى ذلك؟ تأتي الإجابة في السورة التالية لسورة ~~الفيل حيث يقول الحق سبحانه في سورة قريش: # لإيلاف قريش * إلفهم رحلة الشتآء والصيف * ~~فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 1-4]. إذن: كان من الواجب حين يمرون ms4904 على هذه الديار أن يأخذوا ~~منها عبرة، وأنهم - وإن كانوا يمرون على هذه الديار بقصد التجارة وهي سر ~~معاشهم - إذا لم يأخذوا من هؤلاء العبرة فهم يقترفون ظلما جديدا آخر. ~~لذلك يقول الحق سبحانه: {.. وما هي من الظالمين ببعيد } ~~[هود: 83]. أو: أن الله سبحانه وتعالى أراد أن ينبه قريشا إلى أن الهلاك ~~الذي نزل بهؤلاء القوم المشركين، ليس ببعيد أن يصيب قريشا، وأن يرسل ~~الله سبحانه على كل واحد من الكافرين به حجرا مسوما يصيبه في مكانه ~~الذي يكون فيه. والسطحيون - في اللغة - يخطئون فيأخذون على القرآن ~~مآخذ، لا تلتفت إليها الكلمة الصحيحة في اللغة، ويقولون: كيف يقول الله: ~~{.. وما هي من الظالمين ببعيد } [هود: 83]. وكلمة " ما هي ~~" مؤنثة، وتقتضي أن يقول: " بعيدة " بدلا من كلمة " بعيد " ، أي: أن ~~يكون القول: " وما هي من الظالمين ببعيدة " ونسوا أن المتكلم هو الله ~~تعالى، وأنهم لم يدرسوا اللغة دراسة صحيحة لأن " فعيل " إن جاءت بمعنى " ~~مفعول " ، فهنا يستوي المذكر والمؤنث. ومثال ذلك من القرآن الكريم أيضا ~~هو قول الحق سبحانه: # والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4]. وقول الحق سبحانه: # إن رحمت الله قريب من المحسنين # [الأعراف: 56]. إذن: فعدم درايتهم باللغة هو الذي جعلهم يخطئون مثل هذا ~~الخطأ. ويأتي الحق سبحانه بعد ذلك بقصة أخرى من القصص التي جاء بها الله ~~في هذه السورة لموكب الرسل، فيأتي بقصة شعيب عليه السلام، ويقول سبحانه: ~~{ وإلى مدين أخاهم شعيبا... }. ### || [11.84] # و " مدين " هو اسم ابن إبراهيم عليه السلام، ولم يكن هذا الابن موجودا ~~وقت بعثة شعيب، لكن القبيلة التي تناسلت منه سميت باسمه، وكذلك القرية ~~التي أقامت فيها القبيلة سميت باسمه، فإن قلت إن شعيبا أرسل لقبيلة ~~مدين، فهذا قول سليم، وإن قلت إنه أرسل لقرية مدين، فهذا قول سليم أيضا ~~لأن القرية لا بد لها من سكان. والحق سبحانه يقول على لسان إخوة يوسف ~~عليه السلام: # وسئل القرية التي كنا فيها.. # [يوسف: 82]. والمقصود " أسأل أهل القرية ". إذن: فمرة يطلب الاسم على ~~المكان، ومرة يطلق المكان ms4905 ويراد به المكين. وقد بدأ شعيب رسالته مع قومه ~~من حيث بدأ كل الرسل بالدعوة إلى قمة التدين، وهو أن يعبدوا الله وحده لا ~~شريك له ولا إله غيره، وهذا هو القدر المشترك في كل الرسالات. والحق ~~سبحانه يقول: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر ~~على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي ~~إليه من يشآء ويهدي إليه من ينيب # [الشورى: 13]. إذن: فقمة الدين هي قضية العقيدة الإيمانية، وهي عبادة ~~الله تعالى وحده ولا إله غيره، لأن الحق سبحانه حين يوجه الأوامر ~~التكليفية " افعل " و " لا تفعل " فالله سبحانه لا يوجهها إلا لمن آمن به ~~إلها واحدا، أما الذي لا يؤمن به، فالله سبحانه لا يوجه إليه أي حكم. ~~ولذلك تجد حيثية كل حكم تكليفي في القرآن مصدرا بقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا.. # [البقرة: 178]. سواء أكان الأمر صياما، أم قصاصا، ففي كل تكليف ~~يصدر بهذا القول، لا بد أن يأتي المعنى: يا من آمنت بي إلها قادرا ~~حكيما، اسمع مني التكليف. ولذلك أقول دائما: إن علة كل تكليف هي ~~الإيمان بالمكلف، ولا داعي للبحث عن علة أخرى. فمثلا حين يقال: إن ~~علة الوضوء النظافة، نقول: وإن لم يوجد ماء، فنحن نلمس التراب أو الحجر ~~ثم نمسح وجوهنا في التيمم. إذن: فالمقصد هو أن نتهيأ للصلاة بأي شكل يحقق ~~مقصود العبادة وهو الطاعة للخالق سبحانه وتعالى. وإياك أن تؤخر تنفيذ ~~الحكم إلى أن تبرره لأن مبرره هو صدوره عن الله سبحانه وتعالى. وكذلك كل ~~شيء يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن نتبعه، ولا نبحث عن علة له، ~~وإلا لو كنا نؤجل الأحكام إلى أن تثبت تبريراتها العلمية مثل فساد لحم ~~الخنزير بما يحمله من أمراض، ومثل قدرة الخمر على إهلاك المخ وتدمير ~~خلاياه، فضلا عن تدمير خلايا الكبد، فنحن لو كنا قد أجلنا تلك الأحكام، ~~فماذا كان الموقف؟ لقد طبق المسلمون هذه ms4906 الأحكام فور نزولها لإيمانهم ~~بالمنهج وحبهم في القرب من الله، ثم أثبتت الأيام صدق الله تعالى في ~~تكليفه. # وهنا يقول الحق سبحانه: { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ~~يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } [هود: ~~84]. وعرفنا أن العبادة ليست محصورة في الصلاة أو الصوم أو الزكاة أو ~~الحج لأن هذه هي الأركان الأساسية التي يقوم عليها الإسلام ولكن الإسلام ~~أيضا هو عمارة الأرض بتنفيذ كل التكاليف، وكل ما لا يتم الواجب إلا به ~~فهو واجب. فإقبال الإنسان على مهنة ما يحتاجها المجتمع هو عبادة، وإذا ~~خلت صنعة من صانع فعلى ولي الأمر أن يكلف ويرغم بعض الناس على تعلمها ~~وأيضا إتقان الصنعة عبادة. وقول الحق سبحانه على لسان شعيب عليه السلام: ~~{ ما لكم من إله غيره.. } [هود: 84]. أي: إياك أن تأخذ ~~حكما تكليفيا من أحد آخر غير الله سبحانه وتعالى، لأنه لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له. وإياك أن تستدرك من البشر حكما على الله سبحانه ~~وتعالى، وتظلم نفسك وتقول: " لقد فات الله أن يقول لنا هذا الحكم، ولنأتي ~~لأنفسنا بحكم جديد ". إياك أن تستدرك حكما على الله. افهم الحكم أولا، ~~فإن جاء حكما محكما فخذه، وإن كان غير محكم بأن جاء مجملا، أو غير ~~مبين، فانظر باجتهادك إلى أية جهة تصل. ولذلك # " نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل من أرسله مبعوثا إلى اليمن ~~فقال: " كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال فإن ~~لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن ~~لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، ~~قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على صدري ثم قال: الحمد لله الذي ~~وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ". # وبعد أن دعا شعيب - عليه السلام - آل مدين لعبادة الله سبحانه وحده، ~~وهذا هو الأمر ms4907 المشترك بين جميع الرسل - عليهم السلام - تأتي الأحكام ~~الأخرى، فمن يعمل فاحشة له علاجه، ومن ينقص في الكيل والميزان، فالرسول ~~يعالج هذا الأمر. لأن العالم القديم كان عالم انعزال، لا التحام فيه أو ~~مواصلة فقد يوجد عيب وآفة في مكان، ولا يوجد هذا العيب أو تلك الآفة في ~~مكان آخر. وكل رسول يأتي ليعالج عيبا محددا في المكان الذي أرسله الله ~~إليه، ولكن رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم جاء - وهو الرحمة ~~المهداة للجميع وخاتم الأنبياء والمرسلين - جاء صلى الله عليه وسلم ~~والدنيا على ميعاد بالالتقاء الإيماني، فلما تقاربت البلاد عن طريق سرعة ~~الاتصالات، وما يحدث في عصرنا الآن بقارة أمريكا نجده عندنا في نفس اليوم ~~أو غدا، فالعالم الآن عالم التقاء، وتعددت الداءات فيه وتوحدت بسبب سرعة ~~الالتقاء عن طريق عدم التمييز بين الخبيث والطيب. # ولذلك شاء الحق سبحانه أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل. ~~وكانت خيبة آل مدين هي عدم عبادة الله وحده، وكذلك كانت فيهم خسيسة ~~التطفيف في الكيل والميزان، لذلك يقول الحق سبحانه على لسان شعيب عليه ~~السلام: { ولا تنقصوا المكيال والميزان إني ~~أراكم بخير.. } [هود: 84]. وحين قرأ العلماء هذا القول الكريم لم ~~يلتفتوا إلى أن المراد ليس نقص المكيل والموزون، لأنه لو شاء لقال: " ولا ~~تنقصوا المكيل أو الموزون " هذا إذا نظرنا إلى الأمر من وجهة ما يريد ~~البائع، ولكن القول هنا يقصد أن يأخذ كل ذي حق حقه، أن يأخذ المشتري حقه ~~من السلعة، وأن يأخذ البائع حقه في الربح. إذن: فهذا القول الكريم يشمل ~~البائع والمشتري معا. والكيل - كما نعرف - هو تعديل شيء بشيء، فإن كان ~~في الخفة والثقل فالأمر يحتاج إلى ميزان، وإن كان تعديل شيء بشيء في ~~الكم، فهذا يحتاج إلى الكيل، وهذا هو الأمر المشهور في الكيل والميزان، ~~وأي تعديل شيء بشيء يحتاج إلى ما يناسبه فالقماش مثلا - يتم تعديله ~~بالمتر، والأرض يتم تعديلها بالمساحة أي: قياس الطول والعرض، وبعض ~~الأشياء تباع بالحجم، وهذا يعني ms4908 قياس الطول والعرض والارتفاع واستخراج ~~الناتج بعملية ضرب كل منهم في الآخر. إذن: فالأمر المهم هو أن يأخذ كل ~~إنسان حقه، حتى وإن كان تأجير قوة عامل لينجز عملا، فأنت تعدل زمن وقوة ~~العمل بالأجر الملائم، والأمر المشهور هو الكيل والميزان، لكن بقية ~~التقييمات موجودة ليأخذ كل ذي حق حقه. لأن الإنسان لو أخذ غير حقه ~~لاستمرأ أن يأخذ حقوق الناس، ولو أكل بعض الناس حقوق البعض الآخر لزهد ~~من أكلت حقوقهم في العمل. وأنت حين تعطي للإنسان أقل مما يستحق، أو تأخذ ~~من جهده فوق ما تدفع له من أجر، تجده يبطىء في العمل، ولا ينجز المطلوب ~~منه على تمام الدقة، ومن هنا يحدث الخلل. ولذلك أقول: إن إعطاء كل ذي حق ~~حقه يزيد من جودة الأداء في العمل. وعلينا أن نترك صاحب الطموح ليعمل ~~بدلا من أن يخزن ماله أو يكنزه لأن صاحب الطموح حين يقيم مشروعا أو ~~بناء فهو يفيد الفقراء وينفعهم - حتى وإن كان لا يفكر في ذلك - فالذي ~~يبني عمارة سكنية ينفع الصناع والعمال ومنتجي المواد اللازمة للبناء - ~~دون أن يقصد - وسينتفع العامل الفقير - دون أن يقصد صاحب العمل - وربما ~~انتفع كل الفقراء مما يصنعه صاحب العمل، قبله فيما يفعل. # إذن: فمن المهم أن يأخذ كل إنسان حقه قبل أن يجف عرقه مصداقا لقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه ". # وهكذا نعلم أن الدين في ظاهر الأمر يحض على الإيثار، وفي واقع الأمر، هو ~~يحرص على تأكيد ثواب الإنسان عند ربه لأن الذي يؤثر غيره على نفسه - ولو ~~كان به خصاصة - لو كان معه مال قليل وأعطاه لآخر عنده ضائقة، وليس عند ~~هذا الآخر مال، هنا يكون صاحب المال القليل قد آثر الآخر على نفسه في ~~ظاهر الأمر، ولكنه سيأخذ أضعاف هذا المال ثوابا من عند الله تعالى. ~~وهكذا يعلمنا الدين النفعية الراقية، وهي النفعية التي يعاملنا بها الله ~~سبحانه وحين نترك قانون النفعية ليسيطر على حركة الناس، ms4909 فنحن نوفر سيولة ~~الانتفاع في المجتمع. وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها ~~عرفنا أن شعيبا قال لأهل مدين: { ولا تنقصوا المكيال ~~والميزان إني أراكم بخير.. } [هود: 84]. أي: أنكم يا ~~أهل مدين غير مضطرين لذلك لأن من يبيع منكم عنده سلع، ومن يشتري إنما ~~يملك نقودا، فاكتفوا بالخير الذي عندكم، وليأخذ كل ذي حق حقه، وهذه قضية ~~يغفل عنها كثير من الناس فالذي يبيع قد يبيع صنفا واحدا، فإن غش في ~~الكيل أو الميزان، فسوف يغشه ويخدعه غيره في الأصناف الأخرى التي تلزمه ~~لحياته. وإن اشتغل واحد في إنقاص الكيل والميزان، فالآخرون سيفعلون مثل ~~ذلك في كل ما يخص حياته لأن المخادع الواحد، سيلقي مخادعين كثيرين، وهنا ~~يقول شعيب عليه السلام: ما الذي يضطركم إلى ذلك وأنتم بخير؟ ثم يقول ~~محذرا: {.. وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط } ~~[هود: 84]. لانك حين تنقص شيئا وأنت تبيع أو تزيد شيئا حين تشتري، فأنت ~~لا تخدع من تتعامل معه، وإنما تخدع نفسك. وكلنا يعلم أن الغفلة قد تطرأ ~~على البائع، وقد تطرأ على المشتري، وقد يحاول بائع أن يستغل غفلة المشتري ~~فيزيد من ثقل الميزان بإصبعه، وقد يحاول المشتري أن يستغل غفلة البائع ~~بأن يرفع كفة الميزان بإصبعه من غير أن يراه البائع، فيأخذ غير حقه، وهذا ~~نوع من خداع النفس لأن الحق سبحانه إنما يأمر بالاستقامة في البيع ~~والشراء لأن الانتفاع بأي شيء مهما كثر، فهو موقوت بعمر الإنسان في ~~الدنيا، وعمر الإنسان موقوت، ولكن الذي يغش ويخدع إنما يعرض نفسه ~~لعذاب الله سبحانه في الآخرة، وهو عذاب بلا أمد ولا نهاية. وهكذا يسلم ~~الإنسان نفسه لفائدة قليلة في الدنيا الزائلة، ثم يلقى عذابا لا ينتهي ~~في آخرة غير زائلة. والعذاب في الآخرة عذاب محيط، بمعنى أن المعذب لا ~~يستطيع أن يفلت منه، فأنت في الدنيا بإمكانك أن تحتال في النجاة من ~~العذاب، وقد تلجأ إلى من هو أقوى منك ليحميك، ولكنك في الآخرة تواجه ~~يوما لا بيع فيه ولا خلة ms4910 ولا شفاعة، إن كنت من أهل النار. يقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك ما جاء على لسان شعيب مواصلا الحديث إلى أهل مدين: { ~~ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط... }. ### || [11.85] # وفي الآية الكريمة السابقة قال الحق سبحانه: # ولا تنقصوا المكيال والميزان.. # [هود: 84]. وهكذا نعلم أن عدم الإنقاص في الكيل والميزان مطلوب، وكذلك ~~توفية المكيال والميزان مطلوبة لأنهما أمر واحد، والحق سبحانه لا يتكلم ~~عن المكيل ولا عن الموزون إلا بإطلاقهما، وهو كل عمل فيه واسطة بين ~~البائع والمشتري. وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول الحق سبحانه: # ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون # [المطففين: 1-3]. ذلك لأن البائع قد يقول لك: أنت مأمون فزن أنت لنفسك ~~أو كل أنت لنفسك، وقد تخدع البائع فتأخذ أكثر من حقك وقد يفعل البائع ~~عكس ذلك، وفي مثل هذا بؤس للاثنين. وهنا يقول شعيب عليه السلام: { ~~ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط.. } [هود: ~~85]. والحق سبحانه هنا تكلم عن النقص وعن الإيفاء. ثم يقول سبحانه: { ~~ولا تبخسوا الناس أشيآءهم.. } [هود: 85]. وهذا كلام عام ~~لا ينحصر في مكيل أو موزون، فقد يأتي مشتر ليبخس من قيمة سلعة ما، أو أن ~~يأخذ رشوة لقضاء مصلحة، أو يخطف ما ليس حقا له، أو يغتصب، أو يختلس، ~~وكلها أمور تعني: أخذ غير حق بوسائل متعددة. ونحن نعلم أن الخطف إنما ~~يعني أن يمد إنسان يده إلى ما يملكه آخر ويأخذه ويجري، أما الغصب، فهو أن ~~يمد إنسان يده ليأخذ شيئا، فيقاومه صاحب الشيء، لكن المغتصب يأخذ الشيء ~~عنوة، أما المختلس فهو المأمون على شيء فاختلسه، والمرتشي هو من أخذ ~~مالا أو شيئا مقابل خدمة هي حق لمن يطلبها. إذن: فقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { ولا تبخسوا الناس أشيآءهم.. } [هود: 85]. تضم ~~أشياء متعددة. والبخس هو أن تضر غيرك ضررا، بإنقاص حقه، سواء أكان له ~~حجم، أو ميزان، أو كم، أو كيف. وكلمة " أشياء " مفردها: " شيء " ، ~~ويقولون عن الشيء: " جنس الأجناس " فالثمرة يقال لها: " شيء " ، وكل ~~الثمر يقال ms4911 له: " شيء ". والحق سبحانه وتعالى يوصينا ألا يغرنا أي شيء ~~مهما كان قليلا. ونحن نلحظ هنا أن كلمة " الناس " جمع، وكلمة " أشياءهم ~~" جمع أيضا، وإذا قوبل جمع بجمع اقتضت القسمة آحادا. أي: لا تبخس الفرد ~~شيئا، وإن قل. ونجد واحدا من العارفين بالله قد استأجر مطية من ~~خان ليذهب بها من مكان إلى مكان آخر، فلما ركب المطية وقع منه السوط الذي ~~يحركها به، فأوقف الدابة مكانها وعاد ماشيا على قدميه إلى موقع سقوط ~~السوط ليأخذه، ثم رجع ماشيا إلى مكان الدابة ليركبها، فقال له واحد من ~~الناس: لماذا لم ترجع بالدابة إلى موقع السوط لتأخذه وتعود فأجاب العارف ~~بالله: لقد استأجرتها لأصل بها إلى مكان في اتجاه معين، ولم يتضمن ~~اتفاقي مع صاحبها أن أبحث بها عن السوط. # ونجد عارفا آخر جلس يكتب كتابا، وكان الناس في ذلك الزمان يجففون ~~الحبر الزائد بوضع قليل من الرمال فوق الصفحات المكتوبة، ولم يجد العارف ~~بالله ما يجفف به المكتوب، فأخذ حفنة من تراب بجانب جدار، ثم ذهب إلى ~~صاحب الجدار وقال له: أنا أخذت ترابا من جانب جدارك فقومه فقال صاحب ~~الجدار: والله لورعك لا أقوم، أي: أنه قد تسامح في هذا الأمر. ~~وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {.. ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين } [هود: 85]. وكلمة عثا، يعثي، ويعثوا، وعثى. ~~يعثي كلها تعني: زاول فسادا، أي: أن يعمد الإنسان إلى الصالح في ذاته ~~فيفسده، مثل طمر بئر ماء، أو حفر طريق يسير فيه الناس، وهو كل أمر يخرج ~~الصالح - في ذاته - عن صلاحه. والمجتمع كله - بكل فرد فيه - مأمور بعدم ~~مزاولة الفساد، ولو طبق كل واحد ذلك لصار المجتمع كله صالحا، ولكن ~~الآفة أن بعض الناس يحب أن يكون غيره غير مفسد، ولكنه هو نفسه يفسد، ولا ~~يريد من أحد أن يعترض عليه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { بقيت ~~الله خير لكم... }. ### || [11.86] # أي: ما يبقى لكم من الأمر الحلال خير لكم لأن من يأخذ غير حقه يخطىء ~~لأنه يزيل البركة ms4912 عن الحلال بالحرام فمن يأخذ غير حقه يسلط الله عليه ~~أبوابا تنهب منه الزائد عن حقه. وأنت تسمع من يقول: " فلان هذا إنما ~~يحيا في بركة " ، أي: أن دخله قليل، ولكن حالته طيبة، ويربي أولاده بيسر، ~~على عكس إنسان آخر قد يكون غنيا من غير حلال، لكنه يحيا في ضنك العيش. ~~وقد تجد هذا الإنسان قد انفتحت عليه مصارف الدنيا فلا يكفي ماله لصد ~~همومه، لأن الله سبحانه قد جرأ عليه مصارف سوء متعددة. وقد يستطيع ~~الإنسان أن يخدع غيره من الناس، ولكنه لن يستطيع أن يخدع ربه أبدا. وقول ~~الحق سبحانه: { بقيت الله خير لكم.. } [هود: 86]. أي: أن ~~الله تعالى يذهب - عمن يراعي حقوق غيره - مصارف السوء. وسبق أن قلنا ~~قديما: فلننظر إلى رزق السلب لا إلى رزق الإيجاب لأن الناس في غالبيتها ~~تنظر إلى رزق الإيجاب، بمعنى البحث عن المال الكثير، وينسون أن الحق ~~سبحانه وتعالى قد يسلط مصارف السوء على صاحب المال الكثير الذي جمعه من ~~غير حق، بينما يسلب عن الذي يرعى حقوق الناس تلك المصارف من السوء. ومن ~~يربون أولادهم من سحت أو حرام، لا يبارك الله فيهم لأن هناك في ~~تكوينهم شيئا حراما. فنجد - على سبيل المثال - ابن المرتشي يأخذ دروسا ~~خصوصية ويرسب، بينما ابن المنضبط والملتزم بتحصيل الكسب الحلال مقبل على ~~العلم وناجح. أو قد يرزق الله تعالى صاحب المال الحرام زوجة لا يرضيها أي ~~شيء، بل تطمع في المزيد دائما، بينما يعطي الله سبحانه من يرعى حقوق ~~الناس زوجة تقدر كل ما يفعله. يقول الحق سبحانه: { بقيت الله ~~خير لكم إن كنتم مؤمنين.. } [هود: 86]. أي: إن كنتم ~~مؤمنين بأن الله تعالى رقيب، وأنه سبحانه قيوم فلا تأخذ حقا غير حقك ~~لأنك لن تستغل إلا نفسك لأن الله سبحانه وتعالى رقيب عليك. وينهي الحق ~~سبحانه الآية بقوله: {.. ومآ أنا عليكم بحفيظ } [هود: 86]. ~~أي: أن شعيبا عليه السلام قد أوضح لأهل مدين: أنا لن أقف على رأس كل ~~مفسد لأمنعه من الإفساد لأن كل ms4913 إنسان عليه أن يكون رقيبا على نفسه ما ~~دام قد آمن بالله سبحانه، وما دام قد عرف أن الحق سبحانه قد قال: { ~~بقيت الله.. } [هود: 86]. أي: أن ما يبقى إنما تشيع فيه البركة. ~~وهذه هي فائدة الإيمان: ما يأمر به وما ينهي عنه. وهذا أمر يختلف عن ~~القانون الوضعي لأن عين القانون الوضعي قاصرة عما يخفى من أمور الناس ~~فكأنها تحميهم من الوقوع تحت طائلته. # . أما القانون الإلهي فهو محيط بأحوال الناس المعلنة، والخافية. ومن ~~يتأمل الآيات الثلاث: { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ~~يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا ~~تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير ~~وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط * ويقوم ~~أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا ~~الناس أشيآءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين * ~~بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ومآ أنا ~~عليكم بحفيظ } [هود: 84-86]. من يتأمل هذه الآيات يجد عناصر ~~الصيانة للحركة في المجتمع كله، والمجتمع إن لم تصن حركته يفسد لأن ~~حركة المجتمع أرادها الحق سبحانه حركة تكاملية، لا تكرار فيها ولو تكررت ~~المواهب لما احتاج أحد إلى مواهب غيره. والمصلحة العامة تقتضي أن يحتاج ~~كل إنسان إلى موهبة الآخر، فمن يدرس الدكتوراه فهو يحتاج إلى من يكنس ~~الشارع، ومن يعالج الناس ليشفيهم الله نجده يحتاج إلى من يقوم بإصلاح ~~المجاري. وماذا كان رد أهل مدين على قول شعيب؟ يقول الحق سبحانه: { ~~قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك... }. ### || [11.87] # أي: أيأمرك إلهك ودينك أن نترك ما يعبد آباؤنا؟ ولقائل أن يقول: ولماذا ~~قالوا: " أصلاتك "؟ نقول: لأن الإسلام بني على خمس: أولها شهادة ألا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويكفي أن يقولها الإنسان مرة واحدة في ~~حياته كلها، ثم إقامة الصلاة، وبعد ذلك إيتاء الزكاة، ثم صوم رمضان، ثم ~~حج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. وأنت إن نظرت إلى هذه الأركان فقد تجد ~~إنسانا لا يملك ما يزكى به أو ما يحج به، وقد يكون مريضا فلا صوم ~~عليه، وهو ينطق بالشهادة مرة ms4914 واحدة في حياته، ولا يبقى في أركان الدين ~~إلا الصلاة ولذلك يقال عنها: # " عماد الدين من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين " # لأنها الركن الوحيد الذي يعلن العبد فيه الولاء لربه كل يوم خمس مرات، ~~دواما في الولاء لله. ولا تسقط الصلاة أبدا عن أي إنسان مهما كانت ~~ظروفه، فإن عجز عن الحركة فله أن يصلي برموش عينيه، وإن عجز عن تحريك ~~رموش عينيه فليجر الصلاة على قلبه، حتى في حالة الحرب والمسايفة ~~فالإنسان المسلم يصلي صلاة الخوف. إذن: فالصلاة هي الركن الذي لا يسقط ~~أبدا، ويكرر في اليوم خمس مرات، وقد أعطاها الحق سبحانه في التشريع ~~ما يناسبها من الأهمية. وكل تكليفات الإسلام جاءت بوحي من الله سبحانه ~~وتعالى، فجبريل عليه السلام يحمل الوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ويبلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم إياه، وتميزت الصلاة وحدها بأن الحق ~~سبحانه قد كلف بها النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء وجوده في الملأ ~~الأعلى عند سدرة المنتهى، وذلك لفرط أهميتها. ومثال ذلك من حياتنا - ولله ~~المثل الأعلى - نجد الرئيس في أي موقع من مواقع العمل وهو يستقبل البريد ~~اليومي المتعلق بالعمل، ويحول كل خطاب إلى الموظف المختص ليدرسه أو ~~ليقترح بخصوصه اقتراحا، وإذا وجد الرئيس أمرا مهما قادما من أعلى ~~المستويات فهو يستدعي الموظف المختص ويرتب معه الإجراءات والترتيبات ~~الواجب اتخاذها وإذا كان هذا يحدث في الأمور البشرية، فما بالنا بالتكليف ~~من الله سبحانه وتعالى للرسول؟ وقد شاء الحق سبحانه أن يكون تكليف الصلاة ~~- لأهميته - هو التكليف الوحيد الذي نال تلك المنزلة لأنها الركن الذي ~~يتكرر خمس مرات في اليوم الواحد ولا مناص منه. فأنت قد لا تنطق الشهادة ~~إلا مرة واحدة لكنك تقولها في كل صلاة. وفي الزكاة تضحي ببعض المال ~~وأنت لم تولد ومعك المال إلا إن كنت قد ورثت وأنت في بطن أمك ولا بد أن ~~تزكي من مالك والمال لا يأتي إلا من العمل والعمل فرع من الوقت وأنت ms4915 في ~~الصلاة تضحي بالوقت نفسه والوقت أوسع من دائرة الزكاة. # وفي الصيام أنت تمتنع عن شهوتي البطن والفرج من الفجر إلى المغرب لكنك ~~تمارس كل أنشطة الحياة أما في الصلاة فأنت تصوم عن شهوتي الفرج والطعام ~~وتصوم أكثر عن أشياء مباحة لك في الصيام. وفي الحج أنت تتوجه إلى بيت ~~الله الحرام وأنت في كل صلاة تتوجه إلى بيت الله الحرام. وهكذا تجتمع كل ~~أركان الإسلام في الصلاة. وأهل مدين هنا - في الآية الكريمة التي نحن ~~بصدد خواطرنا عنها - قد هزءوا برسولهم شعيب عليه السلام، وصلاته مثلما ~~فعل كفار قريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أهل مدين لشعيب ~~عليه السلام: { أصلوتك تأمرك.. } [هود: 87]. وظنوا أنهم بهذا ~~القول إنما يتهكمون عليه لأن شعيبا كان كثير الصلاة وهم - ككفار قريش - ~~يجهلون أن الصلاة تأمر وتنهى. والحق سبحانه يقول: # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت: 45]. إذن: فللصلاة أمر، وللصلاة نهي، وما دام قد ثبت لشيء ~~حكم يثبت له مقابله، وأنت تسمع من يقول لآخر: أنت تصلي لذلك فأنا أثق في ~~أمانتك وتسمع إنسانا آخر ينصح صديقا بقوله: كيف تسمح لنفسك أن ترتكب ~~هذا الإثم وأنت خارج من الصلاة؟ وكثير من الناس يغفلون عن أن التقابل في ~~الجهات إنما يحل مشاكل متعددة فيأخذون جهة ويتركون الأخرى. ولذلك أقول: ~~ما دام الحق سبحانه قد قال إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلا بد ~~أنها تأمر بالبر والخير. ومثال آخر: نجده في قول الحق سبحانه عن غرق قوم ~~فرعون: # فما بكت عليهم السمآء والأرض # [الدخان: 29]. وما دام الحق سبحانه وتعالى قد نفى بكاء السماوات والأرض ~~على قوم فرعون ففي المقابل فلا بد أنها تبكي على قوم آخرين لأن السماوات ~~والأرض من المسخرات للتسبيح، وقال الحق سبحانه عنهما: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها.. # [الأحزاب: 72]. وبهذا القول اختارت كل من السماوات والأرض مكانة ~~الكائنات المسبحة، مصداقا لقول الحق سبحانه: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده.. # [الإسراء: 44]. فإذا رأت السماوات ms4916 والأرض إنسانا مسبحا فلا بد أن ~~تحبه، وإن رأت إنسانا كافرا، معاندا فلا بد أن تكرهه. وما دامت ~~السماوات والأرض لم تبك على قوم فرعون فذلك لأنهم ضالون لأنها لا تبكي ~~إلا على المهديين. وقد حل لنا الإمام علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه ~~- هذه المسألة فقال: " إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في الأرض، ~~وموضع في السماء، أما موضعه الذي في الأرض فمصلاه، وأما موضعه في السماء ~~فمصعد عمله ". لأن موضعه الذي كان يصلي فيه يحرم من أن واحدا كان يصلي ~~فيه، وأما موضعه الذي كان يصعد منه عمله فيفتقد رائحة عبور العمل الصالح. # فإن أردت بالصلاة الدين وهي رمز الدين فللصلاة أمر هو نفس أمر الدين، ~~وهي الأمر بالإيمان الحق، لأن الإيمان المقلد لا نفع له. إذن: فقد أراد ~~أهل مدين التهكم على دعوة شعيب لهم وتساءلوا: { أصلوتك تأمرك ~~أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ.. } [هود: 87]. وهذا القول يحمل ~~أيضا ردهم على دعوته لهم ألا يعبدوا غير الله فلا إله غيره وردوا كذلك ~~على دعوته لهم ألا ينقصوا الكيل والميزان وألا يبخسوا الناس أشياءهم ~~وأن يتيقنوا أن ما يبقى عند الله هو الخير لهم، وألا يعثوا في الأرض ~~مفسدين. وقالوا: أتنهانا أيضا عن أن نفعل بأموالنا ما نشاء؟ وكأنهم قد ~~عميت بصيرتهم لأنهم إن أباحوا لأنفسهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون ~~فغيرهم سيبيحون لأنفسهم أن يفعلوا بأموالهم ما يشاءون وستصطدم المصالح، ~~ويخسر الجميع. وقولهم: { إنك لأنت الحليم الرشيد } [هود: ~~87]. استمرار في التهكم الذي بدءوه بقولهم: { أصلوتك تأمرك ~~أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ.. } [هود: 87]. مثلهم في ذلك مثل ~~منافقي المدينة الذين قالوا للأنصار: # لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا.. # [المنافقون: 7]. وكانوا يريدون أن يضربوا المؤاخاة بين المهاجرين ~~والأنصار وقد قالوا: { رسول الله } تهكما وهم يحرضون أثرياء ~~المدينة على تجويع المهاجرين. ومثلهم - أيضا - مثل قوم لوط حين نهاهم عن ~~فعل تلك الفحشاء فقالوا تهكما منه وممن آمن معه: # أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون # [الأعراف: 82]. فهل ms4917 تطهرهم علة للإخراج من القرية، ولكنهم قالوا هذا ~~لأنهم لا يريدون أن يكون بينهم من يعكر ما هم فيه. وهذا مثلما نسمع في ~~حياتنا من يقول: " لا تستعن بفلان لأنه حنبلي ". هم - إذن - قد قالوا: ~~{.. إنك لأنت الحليم الرشيد } [هود: 87]. وهذا منطق ~~السخرية منه لأنه لم يوافقهم على عبادة غير الله ولم يوافقهم على إنقاص ~~الكيل والميزان ونهاهم عن بخس الناس أشياءهم. وإذا قيل حكم وهو حق ~~ويقوله من لا يؤمن به فهو يقصد به الهزء والسخرية. وهو لون من التهكم ~~جاء في القرآن الكريم في مواضع متعددة فنجد الحق سبحانه يقول لمن تجبر ~~وطغى في الدنيا ويلقى عذاب السعير في الآخرة: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. وكذلك يقول الحق سبحانه: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه # [الكهف: 29]. وفي كل من القولين تهكم وسخرية، وكذلك قولهم في الآية ~~التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { أصلوتك تأمرك.. } [هود: 87]. ~~وهذا قول يحمل التهكم بصلاته. وكذلك قولهم: {.. إنك لأنت ~~الحليم الرشيد } [هود: 87]. يعني التساؤل: كيف يصح لك وأنت ~~العاقل الحليم أن تتورط وتقول لنا: # اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.. # [هود: 84]. وقد قالوا ذلك لأنهم قد ألفوا عبادة الأصنام، وكذلك تهكموا ~~على دعوته لهم بعدم إنقاص الكيل والميزان. وأيضا لم يقبلوا منه قوله بأن ~~يحسنوا التصرف في المال، والعلة التي برروا بها كل هذا السفه أن ~~شعيبا حليم رشيد فكيف يدعوهم إلى ما يخالف أهواءهم؟ ويأتي الحق سبحانه ~~بما قاله شعيب - عليه السلام - فيقول جل شأنه: { قال يقوم ~~أرأيتم إن كنت على بينة من ربي... }. ### || [11.88] # وهنا يعلن لهم شعيب - عليه السلام - أنه على يقين من أن الله سبحانه ~~وتعالى قد أعطاه حجة ومنهجا، وقد رزقه الرزق الحسن الذي لا يحتاج معه ~~إلى أحد فأمور حياته ميسورة. وقد يكون المقصود بالرزق الحسن رحمة النبوة. ~~ثم يقول الحق سبحانه ما جاء على لسان شعيب عليه السلام: { ومآ أريد ~~أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه.. } [هود: 88]. أي: ~~أنني أطبق ما أدعوكم إليه على ms4918 نفسي فلا أنقص كيلا أو أخسر ميزانا، ~~ولا أبخس أحدا أشياءه لأني لا أعبد غير الله. وكلمة " أخالف " تدل على ~~اتجاهين متضادين، فإن كان قولك بهدف صرف إنسان عن فعل لكي تفعله أنت تكون ~~قد خالفته " إلى " كذا، وإن كنت تريده أن يفعل فعلا كيلا تفعله أنت تكون ~~قد خالفته " عن " كذا. فشعيب - عليه السلام - يوضح لهم أنه لا ينهاهم عن ~~أفعال ليفعلها هو بل ينهاهم عن الذي لا يفعله لأن الحق سبحانه قد أمره ~~بألا يفعل تلك الأفعال، فالحق سبحانه هو الذي أوحى له بالمنهج، وهو الذي ~~أنزل عليه الرسالة. وشعيب - عليه السلام - لا ينهاهم عن أفعال يفعلها هو ~~لأنه لا يستأثر لنفسه بما يرونه خيرا فليس في نقص الكيل والميزان أو ~~الشرك بالله أدنى خير، فكل تلك الأفعال هي الشر نفسه. ويوضح لهم شعيب - ~~عليه السلام - مهمة النبوة فيقول: { إن أريد إلا الإصلاح ما ~~استطعت.. } [هود: 88]. فالنبوات كلها لا يرسلها الله تعالى إلا حين ~~يطم الفساد، ويأتي النبي المرسل بمنهج يدل الناس إلى ما يصلح أحوالهم ~~من خلال " افعل " و " لا تفعل " ويكون النبي المرسل هو الأسوة لتطبيق ~~المنهج فلا يأمر أمرا هو عنه بنجوة ويطبق على نفسه أولا كل ما يدعو ~~إليه. ولذلك قال شعيب - عليه السلام -: { إن أريد إلا ~~الإصلاح ما استطعت.. } [هود: 88]. لأن الله سبحانه وتعالى لا ~~يكلف نفسا إلا وسعها، وما يدخل في طوعها. ويقول شعيب - عليه السلام - ~~بعد ذلك: {.. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت ~~وإليه أنيب } [هود: 88]. وهكذا نعلم أن هناك فرقا بين العمل ~~وبين التوفيق في العمل لأن جوارحك قد تنشغل بالعمل ولكن النية قد تكون ~~غير خالصة عندئذ لا يأتي التوفيق من الله. أما إن أقبلت على العمل وفي ~~نيتك أن يوفقك الله سبحانه لتؤدي هذا العمل بإخلاص فستجد الله تعالى وهو ~~يصوب لك أي خطأ تقع فيه وستنجز العمل بإتقان وتشعر بجمال الإتقان، ~~وفي الجمال جلال. والحق سبحانه وتعالى يقول هنا ما جاء على لسان شعيب ~~عليه السلام: { عليه ms4919 توكلت } أي: أنه لا يتوكل إلا على الله ~~ولا يصح أن تعطف على هذا القول شيئا لأنك إن عطفت على هذا القول وقلت " ~~على الله توكلت وعليك " فتوقع ألا يوفقك الله، لأنك أشركت أحدا غير ~~الله. # ونجد في القرآن الكريم قول الحق سبحانه على لسان هود عليه السلام: # توكلت على الله # [هود: 56]. ويجوز لك هنا أن تعطف. ولك أن تتذكر قول أحد العارفين: " ~~اللهم إني أستغفرك من كل عمل قصدت به وجهك فخالفني فيه ما ليس لك ". ~~فلا تترك شيئا يزحف على توكلك على الله تعالى لأنك إليه تنيب وترجع كما ~~قال شعيب عليه السلام: { وإليه أنيب }. ويقول الحق سبحانه وتعالى ~~من بعد ذلك: { ويقوم لا يجرمنكم شقاقي... }. ### || [11.89] # يقول لهم شعيب عليه السلام: أرجو ألا تحملكم عداوتكم لي على أن تجرموا ~~جرما يكون سببا في أن ينزل الحق سبحانه بكم عقابا، مثلما أصاب القوم ~~الذين سبقوكم من الذين خالفوا رسلهم فأنزل الله - عز وجل - عليهم العذاب ~~كالغرق، و الرجفة، والصيحة، والصاعقة، فاحذروا ذلك. وشعيب عليه السلام ~~ينصحهم هنا حرصا منه عليهم، على الرغم من علمه أنهم يكنون له العداء ~~لأنه دعاهم إلى ترك عبادة الأصنام التي عبدها آباؤهم ونهاهم عن إنقاص ~~الكيل والميزان، وألا يبخسوا الناس أشياءهم وسبق أن عذب الحق سبحانه ~~المخالفين لشرع الله من الأمم السابقة ويذكرهم شعيب - عليه السلام - ~~بأقرب من عذبوا زمانا ومكانا وهم قوم لوط. يقول الحق سبحانه وتعالى ~~بعد ذلك: { واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه... }. ### || [11.90] # وهذه الآية تبين لنا أن الحق سبحانه لا يغلق أمام العاصي - حتى المصر ~~على شيء من المعصية - باب التوبة. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة ". # ولنا أن نتخيل بماذا يشعر من فقد بعيره وهذا البعير يحمل زاد صاحبه ~~ورحله ثم يعثر الرجل على بعيره هذا. لا بد - إذن - أن يفرح صاحب البعير ~~بالعثور عليه. والحق سبحانه يقول هنا ما جاء على لسان ms4920 شعيب - عليه السلام ~~- لقومه: { واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه.. } ~~[هود: 90]. وما دمتم ستستغفرونه عن الذنوب الماضية وتتوبون إليه بألا ~~تعودوا إلى ارتكابها مرة أخرى فالحق سبحانه لا يرد من قصد بابه: {.. ~~إن ربي رحيم ودود } [هود: 90] لأن مغفرته تستر العذاب، ~~ورحمته تمنع العذاب. وجاء الحق سبحانه هنا بأوسع المعاني: المغفرة، ~~والرحمة، ومعهما صفته " الودود " وهي من الود والود هو الحب والحب يقتضي ~~العطف على قدر حاجة المعطوف عليه. ولله المثل الأعلى: نرى الأم ولها ~~ولدان: أولهما قادر ثري يأتي لها بما تريد وثانيهما ضعيف فقير فنجد قلب ~~الأم - دائما - مع هذا الضعيف الفقير وتحنن قلب القوي القادر على ~~الفقير الضعيف. ونجد المرأة العربية القديمة تجيب على من سألها: أي ~~أبنائك أحب إليك؟ فتقول: الصغير حتى يكبر والغائب حتى يعود والمريض حتى ~~يشفى. إذن: فالحب يقتضي العطف على قدر الحاجة. ويقول الحق سبحانه في ~~الحديث القدسي: # " يا بن آدم لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيا وسلطاني لا ~~ينفد أبدا. يا بن آدم لا تخش من ضيق رزق وخزائني ملآنة، وخزائني لا ~~تنفد أبدا. يا بن آدم خلقتك للعبادة فلا تلعب، وضمنت لك رزقك فلا تتعب، ~~فوعزتي وجلالي إن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي ~~محمودا وإن أنت لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك ~~الدنيا، تركض فيها ركض الوحوش في البرية ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمته ~~لك. يا بن آدم خلقت السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن أيعييني رغيف عيش ~~أسوقه لك؟ يا بن آدم لا تسألني رزق غد كما أطلب منك عمل غد. يا بن آدم ~~أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبا ". # وهذا الحديث الكريم يبين مدى مودة الله سبحانه لخلقه تلك المودة التي ~~لا تستوعبها القلوب المشركة. ويأتي الحق - سبحانه وتعالى - بعد ذلك بقول ~~أهل مدين ردا على شعيب - عليه السلام -: { قالوا يشعيب ما ~~نفقه كثيرا... }. ### || [11.91] # وهذا يضاهي قول مشركي قريش لرسول الله صلى الله عليه ms4921 وسلم، فقد قالوا: # قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا ~~وقر ومن بيننا وبينك حجاب.. # [فصلت: 5]. والإيمان يتطلب قلبا غير ممتلىء بالباطل ليحسن استقباله ~~أما القلوب الممتلئة بالباطل، فهي غير قادرة على استقبال الإيمان إلا إذا ~~أخلت العقول تلك القلوب من الباطل، وناقشت العقول كلا من الحق ~~والباطل، ثم تأذن لما اقتنعت به أن يدخل القلوب. ولذلك نجد الحق سبحانه ~~وتعالى يطبع ويختم على القلوب الممتلئة بالكفر فلا يخرج منها الكفر ولا ~~يدخل فيها الإيمان. ولم يكتف أهل مدين بإعلان الكفر بل هددوا شعيبا ~~وقالوا: {.. وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك ~~لرجمناك ومآ أنت علينا بعزيز } [هود: 91]. وهذا ~~التهديد يحمل تحديا، وكأنهم ظنوا أن بقدرتهم الفتك به لأنهم يبغضون ~~حياته وأعلنوا حجة واهية وهي أن رهطه - أي: قومه وأهله لأن الرهط هم ~~الجماعة التي يتراوح عدد أفرادها بين ثلاثة وعشرة أفراد - ما زالوا على ~~عبادة الأصنام وأن هذا الرهط سيغضب لأي ضرر يصيب شعيبا وتناسوا أن الذي ~~أرسل شعيبا - عليه السلام - لا بد أن يحميه، وهم - بتناسيهم هذا - حققوا ~~مشيئة الله - عز وجل - بأن يسخر الكفر لخدمة الإيمان. ومثال ذلك: هو ~~بقاء عم النبي صلى الله عليه وسلم أبي طالب على دين قومه وقد ساهم هذا ~~الأمر في حماية محمد صلى الله عليه وسلم في ظاهر الأسباب ثم يأتي الحق ~~سبحانه من بعد ذلك برد شعيب عليه السلام على قومه فيقول: { قال ~~يقوم أرهطي أعز عليكم من الله... }. ### || [11.92] # وهنا يتساءل شعيب عليه السلام باستنكار: أوضعتم رهطي في كفة ومعزة ~~الله تعالى في كفة؟ وغلبتم خوفكم من رهطي على خوفكم من الله؟! ولم يأبه ~~شعيب عليه السلام باعتزازهم برهطه أمام اعتزازه بربه لأنه أعلن - من قبل ~~- توكله على الله ولأنه يعلم أن العزة لله تعالى أولا وأخيرا. ولم ~~يكتفوا بذلك الاعتزاز بالرهط عن الاعتزاز بالله بل طرحوا التفكير في ~~الإيمان بالله وراء ظهورهم لأن شعيبا عليه السلام يقول لهم: { ~~واتخذتموه ورآءكم ظهريا.. } [هود: 92]. أي: لم يجعلوا ~~الله سبحانه - أمامهم، ms4922 فلم يأبهوا بعزة الله ولا بحماية الله وجعلوا لبعض ~~خلقه معزة فوق معزة الله. ولم يقل: ظهريا نسبة إلى الظهر، ~~فعندما ننسب تحدث تغييرات، فعندما ننسب إلى اليمن نقول: يمني. ونقول: ~~يماني، فالنسب هنا إلى الظهري، وهي المنسي والمتروك، فأنت ساعة تقول: ~~أنت طرحت فلانا وراء ظهرك، يعني جعلته بعيدا عن الصورة بالنسبة ~~للأحداث، ولم تحسب له حسابا. إذن: فهناك تغييرات تحدث في باب النسب. ~~ويذكرهم شعيب عليه السلام بقوله: {.. إن ربي بما تعملون ~~محيط } [هود: 92]. أي: أن كل ما تقولونه أو تفعلونه محسوب عليكم لأن ~~الحق سبحانه لا تخفى عليه خافية، وقد سبق أن عرفنا أن القول يدخل في ~~نطاق العمل فكل حدث يقال له: " عمل " وعمل اللسان هو القول وعمل بقية ~~الجوارح هو الأفعال. وقد شرف الحق سبحانه القول لأنه وسيلة الإعلام ~~الأولى عنه سبحانه. يقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما جاء على لسان شعيب ~~عليه السلام: { ويقوم اعملوا على مكانتكم... }. ### || [11.93] # إذن: فشعيب عليه السلام عنده القضية المخالفة لأن الله تعالى عنده أعز ~~من رهطه وباعتزازه بربه قد آوى إلى ركن شديد، وبهذا الإيمان يعلن لهم: ~~افعلوا ما في وسعكم، وما في مكنتكم هو ما في مكنة البشر، وسأعمل ما ~~في مكنتي، ولست وحدي، بل معي الله سبحانه وتعالى ولن تتسامى قوتكم ~~الحادثة على قدرة الله المطلقة. ومهما فعلتم لمعارضة هذا الإصلاح الذي ~~أدعوكم إليه فلن يخذلني الذي أرسلني وما دمتم تريدون الوقوف في نفس موقف ~~الأمم السابقة التي تصدت لموجات الإصلاح السماوية فهزمهم الله سبحانه ~~بالصيحة، وبالرجفة، وبالريح الصرصر، وبالقذف بأي شيء من هذه الأشياء، ~~وقال لهم: اعملوا على مكانتكم، وإياكم أن تتوهموا أني أتودد إليكم فأنا ~~على بينة من ربي، ولكني أحب الخير لكم، وأريد لكم الإصلاح. ولم يقل ~~شعيب عليه السلام هذا القول عن ضعف، ولكن قاله ردا على قولهم: # وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك.. # [هود: 91]. وأبرز لهم مكانته المستمدة من قوة من أرسله سبحانه وتعالى، ~~وقال: { اعملوا على مكانتكم إني ms4923 عامل.. } [هود: 93]. ~~وهكذا أوضح لهم: أنا لن أقف مكتوف الأيدي، لأني سأعمل على مكانتي، و {.. ~~سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كاذب ~~وارتقبوا إني معكم رقيب } [هود: 93]. أي: أن المستقبل ~~سوف يبين من منا على الحق ومن منا على الضلال، ولمن سيكون ~~النصر والغلبة، ومن الذي يأتيه الخزي أي: أن يشعر باحتقار نفسه وهوانها ~~ويعاني من الفضيحة أمام الخلق ومن منا الكاذب، ومن على الحق. وكان ~~لا بد أن تأتي الآية التالية: { ولما جآء أمرنا نجينا ~~شعيبا والذين آمنوا معه... }. ### || [11.94] # ونلحظ أن الحق سبحانه قد أورد في هذه السورة: أسلوبين منطوقين أحدهما ~~بالواو، والآخر بالفاء. الأول: { ولما جآء أمرنا.. } [هود: ~~94]، في قصة اثنين آخرين من الرسل. الثاني: # فلما جآء أمرنا.. # [هود: 66]. في قصة اثنين من الرسل. وقصة شعيب هي إحدى القصتين اللتين ~~جاء فيهما { ولما جآء أمرنا } ولم يأت ب " الفاء " لأنها - ~~كما نعلم - تقتضي التعقيب بسرعة، وبدون مسافة زمنية وتسمى في اللغة " فاء ~~التعقيب " ، مثل قول الحق سبحانه: # ثم أماته فأقبره # [عبس: 21]. أما " ثم " فتأتي لتعقيب مختلف وهو التعقيب بعد مسافة زمنية ~~مثل قول الحق سبحانه: # ثم إذا شآء أنشره # [عبس: 22]. وقد جاءت " الفاء " مرة في قصة قوم لوط لأن الحق سبحانه قد ~~حدد الموعد الذي ينزل فيه العذاب، وقال: # إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب # [هود: 81]. فكان لا بد أن تسبق " الفاء " هذا الحديث عن عذابهم، فقال: # فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود # [هود: 82]. أما هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فقد قال الحق ~~سبحانه: { ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا والذين ~~آمنوا معه.. } [هود: 94]. ولم يذكر وعدا ولم يحدد موعد العذاب. ~~والحق سبحانه يقول: { ولما جآء أمرنا.. } [هود: 94]. وكل أمر ~~يقتضي آمرا ويقتضي مأمورا ويقتضي مأمورا به. والآمر هنا هو الله ~~سبحانه وهو القادر على إنفاذ ما يأمر به، ولا يجرؤ مأمور ما على مخالفة ~~ما يأمر به الحق سبحانه فالكون كله يأتمر بأمر خالقه. إذن: فحين ms4924 يخبرنا ~~الحق سبحانه وتعالى أن العذاب قد جاء لقوم فمعنى ذلك أن الأمر قد صدر ولم ~~يتخلف العذاب عن المجيء لأن التخلف إنما ينشأ من مجازفة أمر لمأمور قد لا ~~يطيعه، ولا يجرؤ العذاب على المخالفة لأنه مسخر، لا اختيار له. ~~والقائل هنا هو الله سبحانه صاحب الأمر الكوني والأمر التشريعي فإذا قال ~~الحق سبحانه حكما من الأحكام وسجله في القرآن فتيقن من أنه حادث لا ~~محالة لأن القضية الكونية هي من الحق سبحانه وتعالى، ولا تتخلف أو تختلف ~~مع مشيئته سبحانه، والحكم التشريعي يسعد به من يطبقه ويشقى من ~~يخالفه. والحق سبحانه يعطينا مثالا لهذا في قصة أم موسى.. يقول جل ~~شأنه: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم.. # [القصص: 7]. فمنطق البشر يقول: كيف نقول لامرأة: إذا خفت على ابنك ~~ألقيه في البحر؟ كيف ننجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟ هذا وإن كان ~~مخالفا لسنن العادة إلا أن أم موسى سارعت لتنفيذ أمر الله سبحانه لأن ~~أوامر الله بالإلهام للمقربين، لا يأتي لها معارض في الذهن. # والحق سبحانه كما أمرها بإلقاء وليدها في اليم، فقال: # إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم.. # [طه: 38-39]. كذلك أمر الحق - سبحانه وتعالى - اليم بإلقاء التابوت - ~~وفي داخله موسى - للساحل، ولذلك فيقين أم موسى في أن أوامر الله لا ~~تتخلف، جعلها تسارع في تنفيذ ما أمرها الله به. والحق سبحانه يريد أن ~~يربب الإيمان، أي: يزيده في قلوب عباده، فهب أن الله قضى بقضية أو ~~أمر بأمر، ثم لم يأت الكون على وفق ما أمر الله، فماذا يكون موقف الناس؟ ~~فما دام رب العزة سبحانه قد قال فلا بد أن يحدث ما أمر به، فعندما يقول ~~الحق سبحانه: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. فلا بد أن تكون الغلبة لجنود الله، فإذا ما غلبوا ~~فافهموا أن شرط الجندية لله قد تخلف، وأن عنصرا من عناصر الجندية قد ~~تخلف وهو الطاعة. ومثال هذا: ms4925 الذين خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في البقاء على الجبل يوم أحد، إنهم خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، فماذا يحدث لو أنهم انتصروا مع هذه المخالفة؟ إذن: فقد انهزم ~~المسلمون الذين اختلت فيهم صفة من صفات جنديتهم لله. ولا بد أن تلتقي ~~القضيتان: القرآنية والكونية لأن قائل القرآن هو صاحب سنن الكون سبحانه ~~وتعالى. ولأن أهل مدين هنا قد أعلنوا الكفر فلا بد أن يأتيهم العذاب. ~~وسمى الحق سبحانه هنا العذاب بالصيحة وقال: {.. وأخذت الذين ~~ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين } [هود: ~~94]. وسمى الحق سبحانه في سورة الأعراف العذاب الذي لحق بهم: " الرجفة ~~" فقال: # فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين # [الأعراف: 91]. وسماه في قصة قوم عاد: # .. بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6]. وسماه بالخسف في عذاب قارون. ومن عظمة التوجيه الإلهي أن ~~العذاب كان ينتقي القوم الكافرين فقط ولا يصيب الذين آمنوا، بدليل قول ~~الحق سبحانه: { نجينا شعيبا والذين آمنوا معه.. } ~~[هود: 94]. ولا يقدر على ذلك إلا إله قادر مقتدر يصرف الأمور كما يشاء ~~سبحانه. وكلمة " نجينا ": من النجاة أي: أن يوجد بنجوة وهي المكان ~~العالي، والعرب قد عرفوا مبكرا طغيان الماء فقد كانوا يقيمون في اليمن ~~ثم بعثرهم السيل مصداقا لقول الحق سبحانه: # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين ~~وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة ~~طيبة ورب غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم ~~سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ~~ذواتى أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل # [سبأ: 15-16]. هكذا تفرق العرب من اليمن وانتشروا في الجزيرة العربية، ~~وكانوا يخافون من الماء - رغم أنه سر الحياة وفضلوا التعب في البحث عن ~~الماء للشرب لهم ولأنعامهم بدلا من الوجود بجانب الماء، ومن عداوة الماء ~~جاءت كلمة " نجا " أي: صعد إلى مكان مرتفع. # واستخدمت كلمة " نجا " في كل موقف ينجو فيه الإنسان من الخطر الداهم، ~~فيقال: " نجا من النار " " ونجا من العدو " " ونجا من الحيوان المفترس " ~~وكلها مأخوذة من النجوة، أي: المكان المرتفع. ويقال في الفعل ms4926 نجا: نجا ~~فلان، إذا كانت قوته تسعفه ليخلص نفسه من العذاب. أما إذا كانت قوته غير ~~قادرة على تخليصه من العذاب، فهو يحتاج إلى من ينجيه، ويقال: " أنجاه ~~" ، إذا كانت المسألة تحتاج إلى جهد ومعالجة صعبة ليتحقق الفوز. ونسب ~~الفعل فيها إلى الله فقال " نجينا ". ويأتي الحق سبحانه في مثل هذا الأمر ~~بضمير الجمع، كقوله تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. فكل شيء فيه فعل من الحق سبحانه وتعالى يأتي الله فيه بضمير ~~الجمع: إنا. أما إذا كان الشيء متعلقا بصفة من صفات الذات الإلهية، ~~فإن الحق سبحانه يأتي بضمير الإفراد أنا مثل قوله تعالى: # إنني أنا الله.. # [طه: 14]. وقد أنجى الحق سبحانه شعيبا والذين آمنوا معه لأن شعيبا ~~عليه السلام قال لقومه: # اعملوا على مكانتكم إني عامل.. # [هود: 93]. وكان عمل شعيب عليه السلام فيه صحة وعزيمة التوكل لذلك أنجاه ~~الله تعالى والذين آمنوا معه، فهو سبحانه لا يريد من عباده إلا التوجه ~~بالنية الخالصة الصادقة إليه، فإذا توجه العبد بالنية الصادقة إلى ~~الله، فالحق سبحانه يريح العبد، ويعينه بالاطمئنان على أداء أي عمل. ~~ومجرد الإيمان بالله تعالى والاتجاه إليه بصدق وإخلاص يفتح أمام العبد ~~آفاقا من النجاح والرفعة.. والمفتاح في يد العبد لأن الحق سبحانه قد قال ~~في الحديث القدسي: # " من ذكرني في نفسه ذكرته في ملأ خير منه ". # إذن: فالمفتاح في يد العبد. والحق سبحانه هو القائل: # " ومن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا ". # وهكذا يترك الحق سبحانه أمر التقرب إليه للعبد، وعندما يتقرب العبد من ~~الله تعالى، فإنه سبحانه يتقرب إلى العبد أكثر وأكثر. ثم يقول الحق ~~سبحانه في حديثه القدسي: # " ومن جاءني يمشي أتيته هرولة " # لأن المشي قد يتعب العبد، لكن لا شيء يتعب الحق سبحانه أبدا لأنه ~~منزه عن ذلك. إذن: فالحق سبحانه يريد منا أن نخلص النية في الالتحام ~~بمعية الله تعالى، ليضفي علينا ربنا سبحانه من صفات جلاله وصفات جماله. ~~وانظروا إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر ms4927 الصديق رضي ~~الله عنه في الغار. # . يقول الحق سبحانه: # إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا.. # [التوبة: 40]. أي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى صاحبه عن الحزن ~~بعلة معية الله سبحانه وتعالى، ولا بد أن أبا بكر الصديق قد قال كلاما ~~يفيد الحزن لأن الحزن لم يأت له من تلقاء نفسه، بل من قانون كوني، حين ~~قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا " ~~لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم عن القانون الكوني، لكنه ~~يتكلم عن طلاقة قدرة المكون سبحانه، فقال: # " ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ ". # فمعية الله أضفت عليهما شيئا من جلاله وجماله، والله سبحانه لا تدركه ~~الأبصار، وهو يدرك الأبصار. وقد أنجى الحق سبحانه شعيبا والذين آمنوا ~~معه برحمة منه سبحانه، والرحمة ألا يصيبك شيء. ومثال ذلك: إن الإنسان ~~يعالج فيشفى، ومرة أخرى يحميه الله من الداء. ولذلك انتبهوا إلى حقيقة أن ~~القرآن قد جاء بأمرين: شفاء، ورحمة، فإذا كان هناك داء وترجعه إلى منهج ~~الله فالحق سبحانه يشفيه، والرحمة ألا يصيبك الداء من البداية. وأما ~~الذين ظلموا فقد أخذتهم الصيحة، وفي آية أخرى يقول سبحانه: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة.. # [هود: 67]. وفي هذه الآية يقول الحق سبحانه: { وأخذت الذين ~~ظلموا الصيحة.. } [هود: 94]. لأن القرآن على جمهرته جاء على لغة ~~قريش، لا ليعلي قريشا ولكن لأن لغة قريش كانت مصفاة من جميع ~~القبائل العربية، فهي تملك صفوة لغة كل القبائل، ولكن لم يكن ذلك يعني أن ~~نطمس بقية القبائل. ولذلك جاء في القرآن بعض من لغات القبائل الأخرى، حتى ~~لا يعطي لقريش سيادة في الإسلام كما كان لها سيادة في الجاهلية، لذلك ~~يأتي بلغات القبائل الأخرى، فمرة يأتي بتاء التأنيث ومرة لا يأتي بها. ~~والتأنيث إما أن يكون حقيقيا أو مجازيا. والتأنيث الحقيقي هو المقابل ~~للمذكر، مثل: المرأة. والتأنيث المجازي مثل: " الصيحة " و " الحجرة ". ~~وكانت القبائل العربية تتجاوز في المؤنث المجازي فمرة تأتي " التاء " ~~ومرة لا تأتي. وإن ms4928 كان هناك فصل بين الفعل والفاعل، فالفاصل قائم مقام ~~التأنيث فيقول سبحانه: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة.. # [هود: 67]. فكأن الصيحة لها مقدرة على أن تأخذ بما أودعه فيها مرسل ~~الصيحة من قوة الأخذ، وأخذه أليم شديد. وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة ~~بقوله تعالى: {.. فأصبحوا في ديارهم جاثمين } [هود: 94]. ~~ونلحظ أن كل عذاب إنما يحدد له الحق سبحانه موعدا هو الصبح، مثل قوله ~~تعالى: # .. إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب # [هود: 81]. ومثل قوله الحق: # .. فسآء صباح المنذرين # [الصافات: 177]. والصبح هو وقت الهجمة على الغافل الذي لم يغادره النوم ~~بعد، مثل زوار الفجر الذين يقبضون على الناس قبيل النهار. # ويقول الحق سبحانه: {.. فأصبحوا في ديارهم جاثمين } ~~[هود: 94]. ولم يقل سبحانه: " فأصبحوا في دارهم جاثمين " لأن بعضهم قد لا ~~يكون في بيته، بل في مكان آخر لزيارة أو تجارة. ومثال ذلك: قصة أبي رغال، ~~وكان في مكة، لكن الحجر الذي قتله بإرادة الله سبحانه نزل عليه في البقاع ~~ولم ينزل عليه الحجر في مكة لأن الله سبحانه قد شاء ألا ينزل عليه الحجر ~~في البيت الحرام، الآمن، وكأن الحجر قد تتبعه، مثلما تتبعت الصيحة ~~الكفار من أهل مدين. ونلحظ في الكلمة الأخيرة من هذه الآية الكريمة وهي " ~~جاثمين " أن حرفي " الجيم " و " الثاء " حين يجتمعان معا - بصرف النظر ~~عن الحرف الثالث - ففيهما شيء من الهلاك، وشيء من الغنائية. ومعنى " ~~جاثمين " أي: ملقون على بطونهم بلا حراك. والحق سبحانه يقول: # وترى كل أمة جاثية.. # [الجاثية: 28]. أي: يركع كل من فيها على ركبتيه. ويقال عن الميت: " ~~الجثة ". وانظروا إلى عظمة الحق سبحانه حين يجعل الناس تنطق لفظ " الجثة ~~" تعبيرا عن أي " ميت " عظيما كان أم وضيعا، ثم توضع جثته في القبر، ~~لتحتضنه أمه الأولى الأرض. ومن يرغب في تهدئة إنسان ملتاع وغاضب لموت ~~عزيز عليه، فليقل له: هل تتحمل جثمانه أسبوعا؟ وسوف يجيب: " لا ". ~~إذن: فبمجرد أن ينزع الله سبحانه السر الذي به كان الإنسان إنسانا، وهو ~~الروح، يصبح الإنسان جثة ثم يتخشب، ثم يرم. ويقول ms4929 الحق سبحانه بعد ~~ذلك وصفا لمن أخذتهم الصيحة من أهل " مدين ": { كأن لم يغنوا ~~فيهآ... }. ### || [11.95] # أي: أن من يمر على أهل " مدين " بعد ذلك كأنهم لم يكن لهم وجود. والحق ~~سبحانه يقول: # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا.. # [يونس: 24]. فالإنسان الذي ارتقى حتى وصل إلى الحضارات المتعددة، إلى حد ~~أنه قد يطلب القهوة بالضغط على زر آلة، فإذا شاء الله سبحانه أزال كل ذلك ~~في لمح البصر. هذه الحياة المرفهة يستمتع فيها الإنسان كمخدوم، وهي غير ~~الجنة التي ينال فيها الإنسان ما يشتهي بمجرد أن يخطر الأمر بباله. وهنا ~~يقول الحق سبحانه: { كأن لم يغنوا فيهآ.. } [هود: 95]. ومادة ~~" الغنى " منها: الغناء - بكسر الغين - وهو ما يغنيه المطربون، ومنها ~~الغناء - بفتح الغين - وهو يؤدي إلى الشيء الذي يغنيك عن شيء آخر، فالغنى ~~بالمال يكتفي عما في أيدي الناس. وهكذا الغناء لأن الأذن تسمع كثيرا، ~~والعين تقرأ كثيرا، لكن الإنسان لا يردد إلا الكلام الذي يعجبه، ~~والملحن بطريقة تعجبه فالغناء هو اللحن المستطاب الذي يغنيك عن غيره. ~~والغناء، أي: الإقامة في مكان إقامة تغنيك عن الذهاب إلى مكان آخر، ~~وتتوطن في هذا المكان الذي يغنيك عن بقية الأماكن. إذن: فقول الحق ~~سبحانه: { كأن لم يغنوا فيهآ.. } [هود: 95]. أي: كأنهم لم ~~يقيموا هنا، ويستغنوا بهذا المكان عن أي مكان سواه. ويقول الحق سبحانه في ~~موضع آخر من القرآن الكريم: # .. منها قآئم وحصيد # [هود: 100]. أي: أن الأطلال قائمة بما تحتويه من أحجار ورسوم، مثل معابد ~~قدماء المصريين، وأنت حين تزورها لا تجد المعابد كلها سليمة، بل تجد ~~عمودا منتصبا، وآخر ملقى على الأرض، وبابا غير سليم، ولو كانت كلها ~~حصيدا لاختفت تماما، ولكنها بقايا قائمة، ومنها ما اندثر. وهذا يثبت ~~لنا صدق الأداء القرآني بأنه كانت هناك حضارات، لأنها لو ذهبت كلها لما ~~عرفنا أن هناك حضارات قد سبقت. ثم يقول الحق سبحانه: {.. ألا بعدا ~~لمدين كما بعدت ثمود } [هود: 95]. وكلمة " ألا " - كما ~~عرفنا من قبل ms4930 - هي " أداة استفتاح " ليلتفت السامع وينصت، فلا تأخذه غفلة ~~عن الأمر المهم الذي يتكلم به المتكلم، وليستقبل السامع الكلام كله ~~استقبال المستفيد. وكلمة " بعدا " ليست دعاء على أهل مدين بالبعد ~~لأنها هلكت بالفعل، ومادة كلمة " بعدا " هي: " الباء " و " العين " و ~~" الدال " وتستعمل استعمالين: مرة تريد منها الفراق والفراق بينونة إلى ~~لقاء مظنون، إما إذا كانت إلى بينونة متيقنة ألا تكون، ولذلك جاء بعدها: ~~{.. كما بعدت ثمود } [هود: 95]. # وهي تدل على أنه بعد لا لقاء بعده إلا حين يجمع الحق سبحانه الناس يوم ~~القيامة. والشاعر يقول: # يقولون لا تبعد وهم يدفنونني # وأين مكان البعد إلا مكانيا # فهذا هو البعد الذي يذهب إليه الإنسان ولا يعود. ولما خص الحق سبحانه ~~ثمود بالذكر هنا، وقد سبق أن قال سبحانه عن أقوام آخرين: " ألا بعدا "؟ ~~لأن الصيحة قد جاءت لثمود، وبذلك اتفقوا في طريقة العذاب. وتنتهي هنا قصة ~~شعيب عليه السلام مع مدين، ونلحظ أن لها مساسا برسل مثل موسى عليه ~~السلام، مثلما كان لقوم لوط مساس بإبراهيم عليه السلام. وهكذا نعلم أن ~~هناك رسلا قد تعاصرت، أي: أن كل واحد منهم أرسل إلى بيئة معينة ومكان ~~معين. ولأن المرسل إليهم هم عبيد الله كلهم لذلك أرسل لكل بيئة رسولا ~~يناسب منهجه عيوب هذه البيئة. وإبراهيم عليه السلام هو عم لوط عليه ~~السلام، وموسى عليه السلام هو صهر شعيب عليه السلام. وقد ذهب موسى إلى ~~أهل مدين قبل أن يرسله الله إلى فرعون. ونحن نعلم أن الأماكن في الأزمنة ~~القديمة كانت منعزلة، ويصعب بينها الاتصال، وكل جماعة تعيش في موقع قد لا ~~يدرون عن بقية المواقع شيئا، وكل جماعة قد يختلف داؤها عن الأخرى. لكن ~~حين أراد الحق سبحانه بعثة محمد صلى الله عليه وسلم كرسول خاتم، فقد ~~علم الحق سبحانه أزلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ميعاد مع ~~ارتقاء البشرية، وقد توحدت الداءات. فما يحدث الآن في أي مكان في العالم، ~~ينتقل إلينا عبر الأقمار الصناعية في ثوان معدودة، ms4931 لذلك كان لا بد من ~~الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم. أما تعدد الرسل وتعدد اللقطات لكل ~~رسول بالقرآن، فليست تكرارا كما يظن السطحيون لأن الأصل في القصص ~~القرآني أن الحق سبحانه قد أنزله لتثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد ~~كانت الآيات تنزل من السماء الدنيا بالوحي لتناسب الموقف الذي يحتاج فيه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تثبيت للفؤاد. ويبين الحق سبحانه لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم أن يتذكر إخوانه من الرسل وما حدث لهم مع أقوامهم ~~وانتصار الله لهم في النهاية، وحين أراد الحق سبحانه أن يقص قصة محبوكة ~~جاء بسورة يوسف. وهكذا فليس في القرآن تكرار، بل كل لقطة إنما جاءت ~~لتناسب موقعها في تثبيت الرسول صلى الله عليه وسلم. ولنا أن نلحظ أن قصة ~~شعيب عليه السلام مع قومه، ما كان يجب أن تنتهي إلا بأن تأتي فيها لقطة ~~من قصة موسى عليه السلام، وهو صهر شعيب عليه السلام. والملاحظ أن الحق ~~سبحانه قد ذكر هنا من قصة موسى عليه السلام لقطتين: اللقطة الأولى: هي ~~الإرسال بالآيات إلى فرعون. # واللقطة الثانية: هي خاتمة فرعون لا مع موسى عليه السلام، ولكن مع الحق ~~سبحانه يوم القيامة، يقول تعالى: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ~~وبئس الورد المورود * وأتبعوا في هذه لعنة ~~ويوم القيامة بئس الرفد المرفود # [هود: 98-99]. وكان لشعيب عليه السلام مهمة تثبيت قلب موسى عليه السلام ~~من الهلع، حين أعلن له أنه خائف من أن يقتله قوم فرعون لأنه قتل رجلا ~~منهم، فقال له شعيب عليه السلام ما ذكره الحق سبحانه في قوله: # .. نجوت من القوم الظالمين # [القصص: 25]. وهكذا ثبته وهيأ له حياة يعيش فيها آمنا لمدة ثماني ~~حجج أو أن يتمها عشر حجج، مصداقا لقول الحق سبحانه: # قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ~~على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا ~~فمن عندك ومآ أريد أن أشق عليك ستجدني إن ~~شاء الله من الصالحين * قال ذلك بيني وبينك ~~أيما الأجلين قضيت ms4932 فلا عدوان علي والله ~~على ما نقول وكيل # [القصص: 27-28]. وهكذا باشر شعيب عليه السلام مهمة في قصة موسى عليه ~~السلام. ومن هذا ومن ذاك يعطينا الحق سبحانه الدرس بأن الفطرة السليمة ~~لها تقنينات قد تلتقي مع قانون السماء لأن الحق سبحانه لا يمنع عقول ~~البشر أن تصل إلى الحقيقة، لكن العقول قد تصل إلى الحقيقة بعد مرارة من ~~التجربة، مثلما قنن الحق سبحانه الطلاق في الإسلام، ثم أخذت به بلاد ~~أخرى غير مسلمة بعد أن عانت مر المعاناة. ومثلما حرم الحق سبحانه ~~الخمر، ثم أثبت العلم مضارها على الصحة، فهل كنا مطالبين بأن نؤجل حكم ~~الله تعالى إلى أن يهتدي العقل إلى تلك النتائج؟ لا لأن الحق سبحانه قد ~~أنزل في القرآن قانون السماء الذي يقي الإنسان شر التجربة لأن الذي أنزل ~~القرآن سبحانه هو الذي خلقنا وهو مأمون علينا، وقد أثبتت الأيام صدق حكم ~~الله تعالى في كل ما قال بدليل أن غير المؤمنين بالقرآن يذهبون إلى ما ~~نزل به القرآن ليطبقوه. وفي قصة موسى عليه السلام مثل واضح على مشيئة ~~الحق سبحانه، فها هو فرعون الكافر قد قام بتربية موسى بعد أن التقطه لعله ~~يكون قرة عين له، رغم أن فرعون كان يقتل أطفال تلك الطائفة. ثم تلحظ ~~أخت موسى أخاها، ويرد الحق سبحانه موسى عليه السلام إلى أمه. وقد صور ~~الشاعر هذا الموقف بقوله: # إذا لم تصادف في بنيك عناية # من الله فقد كذب الراجي وخاب المأمل # فموسى الذي رباه جبريل كافر # وموسى الذي رباه فرعون مرسل # وقد جاءت قصة موسى عليه السلام هنا موجزة، في البداية وفي النهاية ~~ليبين لنا الحق سبحانه أن لشعيب دورا مع واحد من أولي العزم من الرسل، ~~وهو موسى عليه السلام، وكان مقصد موسى عليه السلام قبل أن يبعث - هو ماء ~~مدين، فحدث ما يمكن أن نجد فيه حلا لمشاكل الجنسين - الرجل والمرأة - ~~وهي رأس الحربة التي توجه إلى المجتمعات الإسلامية لأن البعض يريد أن ~~تتبذل المرأة في مفاتنها، لإغواء ms4933 الشباب في أعز أوقات شراسة المراهقة. # لكن القرآن حل هذه المسألة في رحلة بسيطة، ولنقرأ قول الحق سبحانه عن ~~موسى: # ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان.. # [القصص: 23]. أي: تمنعان الماشية من الاقتراب من المياه، وكان هذا ~~المشهد ملفتا لموسى عليه السلام، وكان من الطبيعي أن يتساءل: ألم ~~تأتيا إلى هنا لتسقيا الماشية؟! وقال القرآن السؤال الطبيعي: # ما خطبكما.. # [القصص: 23]. فتأتيه الإجابة من المرأتين: # قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء وأبونا شيخ ~~كبير # [القصص: 23]. وهكذا نعلم أن خروج المرأة له علة أن الأب شيخ كبير، وأن ~~خروج المرأتين لم يكن بغرض المزاحمة على الماء، ولكن بسبب الضرورة، ~~وانتظرتا إلى أن يسقي الرعاة، بل ظلتا محتجبتين بعيدا لذلك تقدم موسى ~~عليه السلام ليمارس مهمة الرجل: # فسقى لهما.. # [القصص: 24]. وهذه خصوصية المجتمع الإيماني العام، لا خصوصية قوم، ولا ~~خصوصية قربى، ولا خصوصية أهل، بل خصوصية المجتمع الإيماني العام. فساعة ~~يرى الإنسان امرأة قد خرجت إلى العمل، فيعرف أن هناك ضرورة ألجأتها إلى ~~ذلك، فيقضي الرجل المسلم لها حاجتها. وأذكر حين ذهبت إلى مكة في عام ~~1950م أن نزل صديقي من سيارته أمام باب منزل، وكان يوجد أمام الباب لوح ~~من الخشب عليه أرغفة من العجين التي لم تخبز بعد، وذهب به إلى المخبز، ثم ~~عاد به بعد خبزه إلى نفس الباب. وقال لي: إن هذه هي عادة أهل مكة، إن وجد ~~إنسان لوحا من العجين غير المخبوز فعليه أن يفعل ذلك لأن وجود هذا اللوح ~~أمام الباب إنما يعني أن الرجل رب البيت غائب. وهذا كله مأخوذ من كلمة: # فسقى لهما.. # [القصص: 24]. وعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأمر الجنود أن تدق ~~الأبواب لتسأل أهل البيوت عن حاجاتهم. والأمر الثالث والمهم هو أن المرأة ~~التي تخرج إلى مهمة عليها ألا تستمرىء ذلك، بل تأخذها على قدر الضرورة، ~~فإذا وجدت منفذا لهذه الضرورة، فعليها أن تسارع إلى هذا المنفذ، ولذلك ~~قالت الفتاة لأبيها شعيب: ms4934 # .. يأبت استأجره إن خير من استأجرت القوي ~~الأمين # [القصص: 26]. وينهي شعيب عليه السلام هذا الموقف إنهاء إيمانيا ~~حكيما حازما، فيقول لموسى: # إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على ~~أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك.. # [القصص: 27]. وهكذا يعلم موسى - عليه السلام - أن شعيبا لا يلقي ~~بابنته هكذا دون مهر، لا. # . بل لا بد أن يكون لها مهر، وأيضا تصبح أختها محرمة عليه. وهذه القصة ~~وضعت لنا مبادىء تحل كل المشكلات التي يتشدق بها خصوم الإسلام. وها نحن ~~نجد في الغرب صيحات معاصرة تطالب بأن تقوم المرأة بالبقاء في المنزل ~~لرعاية الأسرة والأولاد ليس لأن المرأة ناقصة، ولكن لأن كمال المرأة في ~~أداء أسمى مهمة توكل إليها، وهي تربية الأبناء. ونحن نعلم أن طفولة ~~الإنسان هي أطول أعمار الطفولة في كل الكائنات، والأبناء الذين ينشأون ~~برعاية أم متفرغة يكونون أفضل من غيرهم. وهكذا نتعلم من قصة شعيب عليه ~~السلام مع موسى عليه السلام. وهنا يقول الحق سبحانه: { ولقد ~~أرسلنا موسى بآياتنا... }. ### || [11.96] # ونحن نعلم أن الآيات إذا وردت في القرآن إنما تنصرف إلى ثلاثة أشياء: ~~آيات كونية تعاصر كل الناس ويراها كل واحد، مثل آيات الليل والنهار ~~والشمس والقمر والنجوم والأرض الخاشعة إذا ما نزل عليها الماء اهتزت ~~وربت، وكلها آيات كونية تلفت العقل إلى النظر في أن وراء هذا الكون ~~الدقيق تكوينا هندسيا أقامه إله قادر. وهناك آيات تأتي لبيان صدق ~~الرسول في البلاغ عن الله، وهي المعجزات مثل: ناقة ثمود المبصرة، وشفاء ~~عيسى عليه السلام للأكمه والأبرص بإذن الله. ثم آيات الأحكام التي تبين ~~مطلوبات المنهج ب " افعل " و " لا تفعل ". وهنا قال الحق سبحانه: { ~~ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين } [هود: ~~96]. فهناك آيات تدل على صدقه، وفوق ذلك سلطان ظاهر، إما أن يكون سلطانا ~~يقهر الغالب، أو سلطان حجة تقنع العقل. وسلطان القوة قد يقهر الغالب، ~~لكنه لا يقهر القلب، والله سبحانه يريد قلوبا، لا قوالب لذلك قال سبحانه ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم: # لعلك ms4935 باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. إذن: فالحق سبحانه يطلب القلوب لا القوالب، قلوب تأتي ~~إلى الله تعالى طواعية بدون إكراه. لذلك فالسلطان الأهم هو سلطان الحجة ~~لأنه يقنع الإنسان أن يفعل.. ولم يكن لموسى عليه السلام سلطان من القوة ~~ليظهر، بل كان له سلطان الحجة، وهو قول الحق سبحانه: # وقال موسى يفرعون إني رسول من رب العالمين ~~* حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد ~~جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني ~~إسرائيل # [الأعراف: 104-105]. فيرد عليه فرعون: # قال إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من ~~الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ~~ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين # [الأعراف: 106-108]. وبياض اليد مسألة ذاتية في موسى عليه السلام، ~~وطارئة أيضا، فلم تكن مرضا كالبهاق مثلا، بدليل الاحتياط في قوله ~~تعالى: # واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضآء من غير ~~سوء.. # [طه: 22]. أما العصا فهي الحجة التي دفعت فرعون إلى أن يأتي بالسحرة، ~~ليغلبهم موسى أمام فرعون والملأ، فيتبع السحرة موسى ويؤمنوا برب موسى ~~وهارون. ونحن نعلم أن الحق سبحانه قد أرسل موسى عليه السلام بتسع آيات ~~هي: العصا التي تصير ثعبانا يلقف ما صنع السحرة، واليد البيضاء من غير ~~سوء، ثم أخذ آل فرعون بالسنين، ونقص في الأنفس والثمرات، لأن الجدب يمنع ~~الزرع، ونقص الأموال يحقق المجاعة، وكذلك أرسل الحق سبحانه على قوم فرعون ~~الطوفان والجراد والقمل والضفادع، هذه هي الآيات التسع التي أرسلها ~~الحق سبحانه على آل فرعون، بسبب عدم إيمانهم برسالة موسى عليه السلام. # وهناك آيات آخرى أرسلها الحق سبحانه لقوم موسى بواسطة موسى عليه السلام ~~هي نتق الجبل، وضرب البحر بالعصا، ثم ضرب الحجر بالعصا لتتفجر اثنتا عشرة ~~عينا، وكذلك نزول التوراة في ألواح. إذن: فالكلام في الآيات التسع ~~المقصود بها الآيات التي أرسل بها موسى إلى فرعون، أما هذه الآيات فقد ~~كانت بعد الخروج من مصر أو مصاحبة له ms4936 كضرب البحر بالعصا. والدليل على أن ~~قصة موسى مع فرعون خاصة، أن موسى كانت له رسالتان: الرسالة الأولى مع ~~فرعون، والرسالة الثانية مع بني إسرائيل. ولذلك نلحظ أن الحق سبحانه ~~وتعالى يخبرنا في آخر السورة بالخلاف بين موسى عليه السلام وبني إسرائيل: # ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه.. # [هود: 110]. إذن: فقصته مع بني إسرائيل تأتي بعد إيتائه الكتاب، أي: ~~التوراة. وهنا يتكلم الحق سبحانه عن آيات موسى عليه السلام مع فرعون ~~فيقول: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين ~~} [هود: 96]. أي: سلطان محيط لا يدع للخصم مكانا أو فكاكا. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { إلى فرعون وملئه... }. ### || [11.97] # والملأ: هم القوم الذين يملأون العيون، ويتصدرون المجالس. ويقال: " فلان ~~ملء العين " أي: لا تقتحمه العيون لأنه واضح ظاهر. فالملأ - إذن - هم ~~أشراف القوم، وهم - عادة - الذين يزينون للطاغية الاستخفاف بالرعية. ~~والحق سبحانه يقول: # فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين # [الزخرف: 54]. وحين يتكلم الحق سبحانه عن فرعون والملأ والقوم، نجده ~~يبين ويفصل بين الملأ من جهة، وفرعون من جهة أخرى، وكذلك يفصل بين ~~الفرعون والملأ من جهة، والقوم من جهة أخرى.. فلكل طرف من تلك الأطراف ~~الثلاثة أسلوب يعامله الحق سبحانه به. وهنا يبين لنا الله سبحانه أن ~~الملأ قد اتبعوا أمر فرعون، هذا الأمر الذي يصفه الحق سبحانه بقوله: {.. ~~ومآ أمر فرعون برشيد } [هود: 97]. والرشد يقابله الغي، ~~وهذا القول يدلنا على أن الملأ من قوم فرعون لم يتدارسوا أمر فرعون ~~بتأن، ولم تستقبله عقولهم بالبحث، وهم لو فعلوا ذلك لما اتبعوا أمر ~~فرعون. ويبين الحق سبحانه لنا عدم رشد أمر فرعون، فهو يذكر لنا ما يحدث ~~له يوم القيامة هو وقومه، فيقول تعالى: { يقدم قومه يوم ~~القيامة... }. ### || [11.98] # وكلمة " يقدم " هي من مادة " القاف " و " الدال " و " الميم ". وعند ~~استخدام هذه المادة في التعبير قولا أو كتابة، فهي تدل على الإقبال ~~بالمواجهة فيقال: " قدم فلان " دليل إقباله عليك مواجهة. وإذا قيل: " ~~أقبل فلان " فهذا يعني الإقبال بشيء من العزم. و " قدم القوم ms4937 يقدمهم " ~~أي: أنهم يتقدمون في اتجاه واحد، ومن يقودهم يتقدمهم. ويفهم من هذا أن ~~فرعون اتبعه الملأ، والقوم اتبعوا الملأ وفرعون، وما داموا قد اتبعوه ~~في الأولى فلا بد أن يتبعوه في الآخرة. ويأتي القرآن بآيات ويبينها، ~~مثل قول الحق سبحانه: # فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم ~~حول جهنم جثيا * ثم لننزعن من كل شيعة ~~أيهم أشد على الرحمن عتيا * ثم لنحن ~~أعلم بالذين هم أولى بها صليا # [مريم: 68-70]. فالحق سبحانه ينزع من كل جماعة الأشد فتوة وسطوة، ويلقيه ~~في النار، لأنه أعلم بمن يجب أن يصلى السعير. ويقول الحق سبحانه: # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا * ثم ننجي الذين اتقوا ونذر ~~الظالمين فيها جثيا # [مريم: 7172]. ولم يقل الحق سبحانه: " وإن منهم إلا واردها ". وإنما ~~قال: # وإن منكم إلا واردها.. # [مريم: 71]. وبذلك عمم الخطاب للكل، أو أنه يستحضر الكفار ويترك ~~المؤمنين بمعزل. وهنا يقول الحق سبحانه عن قوم فرعون: {.. فأوردهم ~~النار وبئس الورد المورود } [هود: 98]. وحين تكلم كتاب ~~الله الكريم عن " الورود " ، وهو الكتاب الذي نزل بلسان عربي مبين، نجد ~~أن الورود يأتي بمعنى الذهاب إلى الماء دون شرب من الماء، قلت: " ورد ~~يرد ورودا " ، وإن أردت التعبير عن شرب الماء مع الورود، فقل: " ورد ~~يرد وردا " بدليل أن الحق سبحانه يقول هنا: {.. وبئس الورد ~~المورود } [هود: 98]. أي: أنهم يشعرون بالبؤس لحظة أن يروا ماء جهنم ~~ويشربون منه. إذن: فكلمة " الورد " تطلق على عملية الشرب من الماء، وقد ~~تطلق على ذات الواردين مثل قوله: # ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا # [مريم: 86]. وقد قال الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى في معلقته: # فلما وردن الماء زرقا جمامه # وضعن عصي الحاضر المتخيم # والشاعر هنا يصف الركب ساعة يرى المياه الزرقاء الخالية من أي شيء ~~يعكرها أو يكدرها، فوضع القوم عصا الترحال. وكان الغالب قديما أن ~~يحمل كل من يسير عصا في يده، مثل موسى عليه السلام حين قال: # هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ~~ولي فيها مآرب أخرى ms4938 # [طه: 18]. ويقول الشاعر: # فألقت عصاها واستقر بها النوى # كما قر عينا بالإياب المسافر # فساعة رأى الركب المياه زرقاء، فهذا يعني أنها مياه غير مكدرة. ونحن ~~نعلم أن المياه لا لون لها، ولكنها توصف بالزرقة إن كانت خالية من ~~الشوائب، شديدة الصفاء، فتنعكس عليها صورة السماء الزرقاء. والشاعر يصف ~~قومه ساعة أن وصلوا إلى الماء الصافي وتوقفوا وأقاموا في المكان. وهكذا ~~نجد أن الورود يعني الذهاب إلى الماء دون الشرب منه. والورد للماء يفرح ~~النفس أولا، ثم يورده ويرويه ما يشربه منها، ومن يرد الماء لا شك أنه ~~يعاني من ظمأ يريد أن يرويه، وحرارة كبد يريد أن يبردها. وهنا يقول الحق ~~سبحانه: {.. وبئس الورد المورود } [هود: 98]. وفي هذا تهكم ~~شديد، لأنهم - قوم فرعون - ساعة يرون الماء يشعرون بقرب ري الظمأ وإبراد ~~الحرارة، ولكنهم يشربون من ماء جهنم، فبئس ما يشربون، فهو يطمعهم أولا، ~~ثم يؤيسهم بعد ذلك. كما في قوله سبحانه: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي ~~الوجوه.. # [الكهف: 29]. فهم ساعة يسمعون كلمة " يغاثوا " يفهمون أن هناك فرجا ~~قادما لهم، فإذا ما علموا أنه ماء كالمهل يشوي الوجوه، عانوا من مرارة ~~التهكم. ولله المثل الأعلى: فأنت قد تجد من يدعوك لأطايب الطعام، وبعد ~~ذلك تغسل يديك، فيلح عليك من دعاك إلى تناول الحلوى، فتستشرف نفسك إلى ~~تناول الحلوى، بينما يكون من دعاك قد أوصى الطباخ أن يخلط الحلوى بنبات " ~~الشطة " فيلتهب جوفك أليس في هذا تهكم شديد؟! والحق سبحانه يبين لهم أن ~~الورد إنما جاء لترطيب الكبد، لكن أكبادكم ستشتعل بما تشربونه من هذا ~~الماء، وكذلك الطعام الذي يأكله أهل النار. والحق سبحانه يقول: # ولا طعام إلا من غسلين # [الحاقة: 36]. وهكذا تصير النكبة نكبتين. وبعض الناس قد فهم قول الحق ~~سبحانه: # وإن منكم إلا واردها.. # [مريم: 71]. بمعنى أنهم جميعا سوف يردون جهنم. ولكن الحق سبحانه يقول ~~أيضا: # ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا # [مريم: 70]. إذن: فالحق سبحانه يعطي لكل الناس صورة للنار، فإذا رأى ~~المؤمنون النار وتسعرها، ولم ms4939 يدخلوها، عرفوا كيف نجتهم كلمة الإيمان ~~منها فيحمدون الله سبحانه وتعالى على النجاة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ~~{ وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة... }. ### || [11.99] # أي: أن اللعنة قد بقيت لهم، وما زلنا نحن المسلمين نلعنهم إلى الآن، ثم ~~يصيرون إلى اللعنة الكبرى، وهي لعنة يوم القيامة: { بئس الرفد ~~المرفود } [هود: 99] والرفد: هو العطاء، فهل تعد اللعنة في الآخرة ~~عطاء؟ إن هذا تهكم منهم أيضا، مثلها مثل قول الحق سبحانه: # .. وبئس الورد المورود # [هود: 98]. ثم يقول الحق سبحانه: { ذلك من أنبآء القرى... ~~}. ### || [11.100] # وقد أهلك الحق سبحانه تلك القرى بالعذاب لأنها كذبت أنبياءها. والخطاب ~~موجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لتثبيت فؤاده، والحق سبحانه إنما ~~يبين له أن الكافرين لن يكونوا بمنجى من العذاب كما أخذ الله سبحانه ~~الأمم السابقة الكافرة بالعذاب. وقول الحق سبحانه: { نقصه ~~عليك.. } [هود: 100]. يتطلب أن نفرق بين المعنى الشائع عن القصة، ~~والمعنى الحقيقي لها، فبعض الناس يقول: إن القرآن فيه قصص، والقصص عادة ~~تمتلىء بالتوسع، وتوضع فيها أحداث خيالية من أجل الحبكة. ولهؤلاء نقول: ~~أنتم لم تفهموا معنى كلمة " القصة " في اللغة العربية، لأنها تعني - في ~~لغتنا - الالتزام الحرفي بما كان فيها من أحداث، فهي مأخوذة من كلمة: " ~~قص الأثر " ، ومن يقص الأثر إنما يتتبع مواقع الأقدام إلى أن يصل إلى ~~الشيء المراد. إذن: فقصص القرآن يتقصى الحقائق ولا يقول غيرها، أما ما ~~اصطلح عليه في عرف العامة أنه قصص، بما في تلك القصص من خيالات وعناصر ~~مشوقة، فهذا ما يسمى - لغويا - بالروايات، ولا يعتبر قصصا. وقصص ~~الإهلاك للأمم التي كفرت إنما هو عبرة لمن لا يعتبر، والناس تعلم أن ما ~~رواه القرآن من قصص هو واقع تدل عليه آثار الحضارات التي اندثرت، وبقيت ~~منها بقايا أحجار ونقوش على المقابر. ونحن نجد في آثار الحضارات السابقة ~~ما هو قائم من بقايا أعمدة ونقوش، ومنها ما هو محطم. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه في موضع آخر من القرآن: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: ms4940 137-138]. أي: أنكم تشاهدون من الآثار ما هو قائم وما هو ~~حطيم. ويقول الحق سبحانه عن تلك القرى: { وما ظلمناهم ولكن ~~ظلموا أنفسهم... }. ### || [11.101] # ويبين الحق سبحانه هنا أنه حين أخذ تلك الأقوام بالعذاب لم يظلمهم لأن ~~معنى الظلم أن يكون لإنسان الحق، فتسلبه هذا الحق. وفي واقع الأمر أن ~~تلك الأمم التي كفرت وأخذها الله بالعذاب، هي التي ظلمت نفسها بالشرك، ~~وكذبت تلك الأقوام الرسل الذين جاءوا وفي يد كل منهم دليل الصدق ~~وأمارات الرسالة. وهكذا ظلم هؤلاء الكفار أنفسهم لذلك لا بد أن نعلم أن ~~الحق سبحانه منزه عن أن يظلم أحدا. وهم حين أشركوا بالله - تعالى - ~~آلهة أخرى، لماذا لم تتحرك تلك الآلهة المزعومة وتتدخل لتحمي من آمنوا ~~بها؟! ويخبرنا الحق سبحانه أن الحجارة التي عبدوها تلعنهم، وهم في النار، ~~وهذه الأحجار تكون وقودا للنار. والحق سبحانه يقول عن النار: # فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة.. # [البقرة: 24]. وهؤلاء الذين عبدوا واحدا من الناس أو بعضا من الأصنام، ~~إنما تجنوا، بالجهل على هذا الإنسان الذي عبدوه أو تلك الأحجار التي ~~صلوا لها أو قدسوها. والشاعر المسلم تأمل غار حراء وغار ثور وكلاهما ~~من الأحجار - فوجد أن غار حراء قد شهد نزول الوحي على الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، وغار ثور حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اختفى فيه ~~ومعه الصديق أبو بكر في أثناء الهجرة من مكة إلى المدينة، فتخيل الشاعر ~~أن غار ثور قد حسد غار حراء وقال: # كم حسدنا حراء حين يرى الروح # أمينا يغزوك بالأنوار # فحراء وثور صارا سواء # بهما تشفع لأمة الأحجار # فغار حراء شهد جبريل عليه السلام وهو يهبط بالنور على محمد صلى الله ~~عليه وسلم، لكن غار ثور نال أيضا الشرف لحمايته الرسول في الهجرة. ويقول ~~الشاعر على لسان الأحجار: # عبدونا ونحن أعبد لله # من القائمين بالأسحار # قد تجنوا جهلا كما قد تجنوا # على ابن مريم والحواري # للمغالي جزاؤه والمغالى فيه # تنجيه رحمة الغفار # وهكذا لا تغني عنهم آلهتهم المعبودة ms4941 شيئا سواء أكانت بشرا أم حجارة، ~~لم تغن عنهم شيئا ولم ترفع عنهم العذاب الذي تلقوه عقابا في الدنيا ~~وسعيرا في الآخرة، وإذا كانوا قد دعوهم من دون الله في الدنيا، فحين جاء ~~العذاب لم تتقدم تلك الآلهة لتحميهم من العذاب. وينهي الحق سبحانه الآية ~~الكريمة بقوله: {.. وما زادوهم غير تتبيب } [هود: 101]. أي: ~~أن تخلي تلك الآلهة التي أشركوها مع الله تعالى أو عبدوها من دون الله.. ~~هذا التخلي يزيدهم ألما وإهلاكا نفسيا وتخسيرا، لأن التتبيب هو القطع ~~والهلاك. والحق سبحانه يقول: # تبت يدآ أبي لهب وتب # [المسد: 1]. كذلك الأخذ الذي أخذ الله به القرى التي كذبت أنبياءها. ~~لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وكذلك أخذ ربك... }. ### || [11.102] # أي: أن الأخذ الذي أخذ به الله القرى الكافرة، إنما هو مثل حي لكل من ~~يكفر. والحق سبحانه يقول: # والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * واليل ~~إذا يسر * هل في ذلك قسم لذى حجر # [الفجر: 1-5]. أي: أن الحق سبحانه يقسم لعل كل صاحب عقل يستوعب ضرورة ~~الإيمان، ويضرب الأمثلة بالقوم الذين جاءهم الأخذ بالعذاب، فيقول سبحانه: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * ~~الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * ~~فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك ~~لبالمرصاد # [الفجر: 6-14]. فهو سبحانه قد أخذ كل هؤلاء أخذ العزيز المقتدر. وقوله ~~سبحانه هنا: { وكذلك.. } [هود: 102]. أي: مثل الأخذ الذي أخذت به ~~القرى التي كذبت رسلها، فظلمت نفسها. والأخذ هنا عقاب على العمل، بدليل ~~أنه أنجى شعيبا عليه السلام وأخذ قومه بسبب ظلمهم، فالذات الإنسانية ~~بريئة، ولكن الفعل هو الذي يستحق العقاب. ومثال ذلك: نجده في قصة نوح ~~عليه السلام حين قال له الحق سبحانه: # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.. # [هود: 46]. فالذي وضع ابن نوح في هذا الموضع هو أن عمله غير صالح لذلك ~~فلا يقولن نوح: إنه ابني. فليس الإهلاك بعلة الذات والدم والقرابة، ms4942 بل ~~الإهلاك بعلة العمل، فأنت لا تكره شخصا يشرب الخمر لذاته، وإنما تكرهه ~~لعمله، ونحن نعلم أن البنوة للأنبياء ليست بنوة الذوات، وإنما بنوة ~~الأعمال. وكذلك نجد الحق سبحانه ينبه إبراهيم عليه السلام ألا يدعو لكل ~~ذريته، فحين كرم الحق سبحانه إبراهيم عليه السلام وقال: # إني جاعلك للناس إماما.. # [البقرة: 124]. جاء الطلب والدعاء من إبراهيم عليه السلام لله تعالى: # ومن ذريتي.. # [البقرة: 124]. لأن إبراهيم عليه السلام أراد أن تمتد الإمامة إلى ذريته ~~أيضا، فجاء الرد من الله سبحانه: # .. لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]. وظلت هذه القضية في بؤرة شعور إبراهيم عليه السلام، وعلم ~~تماما أن البنوة للأنبياء ليست بنوة ذوات، بل هي بنوة أعمال. ولذلك ~~نجد دعاء إبراهيم عليه السلام حين نزل بأهله في واد غير ذي زرع، وقال: # رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من ~~الثمرات.. # [البقرة: 126]. وهنا انتبه إبراهيم عليه السلام وأضاف: # من آمن منهم.. # [البقرة: 126]. فجاء الرد من الحق سبحانه موضحا خطأ القياس لأن الرزق ~~عطاء ربوبية يستوي فيه المؤمن والكافر، والطائع والعاصي فلا تخلط بين ~~عطاء الربوبية وعطاء الألوهية لأن عطاء الألوهية تكليف، وعطاء الربوبية ~~رزق، لذلك قال الحق سبحانه: # .. ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى ~~عذاب النار وبئس المصير # [البقرة: 126]. فأنت يا إبراهيم دعوت برزق الأهل بالثمرات لمن آمن، لأن ~~بؤرة شعورك تعي الدرس، لكن هناك فرقا بين عطاء الألوهية في التكليف، ~~وعطاء الربوبية في الرزق، فمن كفر سيرزقه ربه، ويمتعه قليلا ثم يكون له ~~حساب آخر. إذن: فأخذ الحق سبحانه للظالمين بكفرهم هو عنف التناول ~~لمخالف، وتختلف قوة الأخذ بقوة الآخذ، فإذا كان الآخذ هو الله سبحانه، ~~فهو أخذ عزيز مقتدر. وهو أخذ لمن ظلموا أنفسهم بقمة الظلم وهو الكفر، ~~وإن كان الظلم لحقوق الآخرين فهو فسق، وأيضا ظلم النفس فسق لأن الحق ~~سبحانه حين يحرم عليك أن تظلم غيرك فهو قد حرم عليك أيضا ظلم نفسك. ~~ويصف الحق سبحانه أخذه للظالمين بقوله: {.. إن أخذه أليم ~~شديد } [هود: 102]. أي: أن أخذه موجع ms4943 على قدر طلاقة قدرته سبحانه. ~~وهب أن إنسانا أساء إلى إنسان، فالحق سبحانه أعطى هذا الإنسان أن يرد ~~السيئة بسيئة، حتى لا تتراكم الانفعالات وتزداد. لذلك يقول الحق سبحانه: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. # [النحل: 126]. حتى لا تبيت انفعالاتك عندك قهرا، ولكن من كان لديه قوة ~~ضبط النزوع فعليه أن ينظر في قول الحق سبحانه: # والكاظمين الغيظ.. # [آل عمران: 134]. إذن: فإما أن ترد السيئة بعقاب مماثل لها، وإما أن ~~تكظم غيظك، أي: لا تترجم غيظك إلى عمل نزوعي، وإما أن ترتقي إلى الدرجة ~~الأعلى وهي أن تعفو لأن الله تعالى يحب من يحسن بالعفو. ولذلك حين سألوا ~~الحسن البصري: كيف يحسن الإنسان إلى من أساء إليه؟ أجاب: إذا أساء إليك ~~عبد، ألا يغضب ذلك ربه منه؟ قالوا: نعم. قال: وحين يغضب الله من الذي ~~أساء إليك ألا يقف إلى جانبك أفلا تحسن إلى من جعل الله يقف إلى جانبك؟ ~~ولهذا السبب يروى عن أحد الصالحين أنه سمع أن شخصا اغتابه فأهدى إليه - ~~مع خادمه - طبقا من بواكير الرطب، وتعجب الخادم متسائلا: لماذا تهديه ~~الرطب وقد اغتابك؟ قال العارف بالله: بلغه شكري وامتناني لأنه ~~تصدق علي بحسناته عندما اغتابني، وحسناته - بلا شك - أنفس من هذا ~~الرطب. ولذلك يقال: إن الذي يعفو أذكى فهما ممن عاقب، لأن الذي يعاقب ~~إنما يعاقب بقوته والذي يعفو فهو الذي يترك العقاب لقوة الله تعالى، وهي ~~قوة لا متناهية. وهكذا نفهم قول الحق سبحانه: { وكذلك أخذ ~~ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم ~~شديد } [هود: 102]. أي: أخذ موجع على قدر قوة الله سبحانه وهو أخذ ~~شديد لأن الشدة تعني: جمع الشيء إلى الشيء بحيث يصعب انفكاكه أو أن تجمع ~~شيئين معا وتقبضهما بحيث يصعب تحلل أي منهما عن الآخر. وهذه أقوى غاية ~~القوة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { إن في ذلك لآية لمن ~~خاف عذاب الآخرة... }. ### || [11.103] # من يخاف عذاب الآخرة، فإن هذه الآيات التي تخبر عن الذي حدث للأمم ~~السابقة، إنما ms4944 تلفته إلى ضرورة الإيمان بأن الله سبحانه يحاسب كل إنسان ~~على الإيمان وعلى العمل. ومن يسمع لقصص الأقوام السابقة ويعتبر بما جاء ~~فيها وينتفع بالخبرة التي جاءت منها فهو صاحب بصيرة نافذة فكل ما حدث ~~للأقوام السابقة آيات ملفتة. ولذلك يقال: " إن لكل آية مواليد هي العبر ~~بالآيات " ومن لا يؤمن فهو لن يعتبر مصداقا لقول الحق سبحانه: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. إذن: فقد شاء الحق سبحانه أن يلفتنا بالآيات لنعتبر بها ~~ونكون من أولي الألباب فلا ندخل في دائرة من لا يخافون العذاب أولئك ~~الذين يتلقون العذاب خزيا في الدنيا وجحيما في الآخرة وعذاب الآخرة لا ~~نهاية له والفضيحة فيه أمام كل الخلق. لذلك قال الحق سبحانه: {.. ذلك ~~يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود } [هود: ~~103]. أي: أن الفضيحة في هذا اليوم تكون مشهودة من كل البشر من لدن آدم ~~إلى آخر البشر لذلك تكون فضيحة مدوية أمام من يعرفهم الإنسان وأمام من لا ~~يعرفهم. وقول الحق سبحانه: { ذلك يوم مجموع له الناس.. ~~} [هود: 103]. وكلمة " مجموع " تقتضي وجود " جامع " و " المجموع " يتناسب ~~مع قدرة " الجامع " فما بالنا والجامع هو الحق الخالق لكل الخلق سبحانه ~~وتعالى. ولا يجتمع الخلق يومها عن غفلة بل يجتمعون وكلهم انتباه فالحق ~~سبحانه يقول: # .. إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # [إبراهيم: 42]. ويقول الحق سبحانه أيضا: # واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار ~~الذين كفروا.. # [الأنبياء: 97]. وهنا يقول سبحانه: {.. وذلك يوم مشهود } ~~[هود: 103]. أي: أن كل الخلق سيشهدون هذا الفضح المخزي لمن لم يعتبر ~~بالآيات. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك في ميعاد هذا اليوم: { وما ~~نؤخره إلا لأجل... }. ### || [11.104] # وهكذا نعلم أن تأخر مجيء يوم القيامة لا يعني أنه لن يأتي بل سوف يأتي - ~~لا محالة - ولكن لكل حدث ميعاد ميلاد، ولكم في تتابع مواليدكم ما يجعلكم ~~تثقون بأن مواليد الأحداث إنما يحددها الله. وقول الحق سبحانه: { وما ~~نؤخره إلا لأجل.. } [هود: 104]. يتطلب أن نعرف أن كلمة " ~~الأجل ms4945 " تطلق مرة على مدة عمر الكائن من لحظة ميلاده إلى لحظة نهايته. ~~والحق سبحانه يقول: # .. لكل أجل كتاب # [الرعد: 38]. وتطلق كلمة " الأجل " مرة أخرى على لحظة النهاية وحدها، ~~مصداقا لقول الحق سبحانه: # .. فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف: 34]. ولنعرف جميعا أن كل أجل - وإن طال - فهو معدود، وكل ~~معدود قليل مهما بدا كثيرا لذلك فلنقل أن كل معدود قليل. ما دمنا ~~قادرين على إحصائه. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { يوم يأت لا ~~تكلم نفس إلا بإذنه... }. ### || [11.105] # وهنا جمع الحق سبحانه جماعة في حكم واحد، فقوله تعالى: { لا تكلم ~~نفس.. } [هود: 105]. يعني: لا تتكلم أي نفس إلا بإذن الله، وقد كانوا ~~يتكلمون في الحياة الدنيا بطلاقة القدرة التي منحهم إياها الله سبحانه ~~حين أخضع لهم جوارحهم. وجعل الحق سبحانه الجوارح مؤتمرة بأمر الإنسان ~~وشاء سبحانه أن يجعل بعضا من خلقه نماذج لقدرته على سلب بعض تلك الجوارح ~~فتجد الأخرس الذي لا يستطيع الكلام وتجد المشلول الذي لا يستطيع الحركة ~~وتجد الأعمى الذي لا يبصر، وغير ذلك.. وبتلك النماذج يتعرف البشر على ~~حقيقة واضحة هي أن ما يتمتعون به من سيطرة على جوارحهم هو أمر موهوب لهم ~~من الله تعالى وليست مسألة ذاتية فيهم. وقول الحق سبحانه: { يوم ~~يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه.. } [هود: 105]. يبين ~~لنا سبحانه حقيقة تسخير الجوارح لطاعتنا في الدنيا، فهي ترضخ لإرادتنا ~~لأنه سبحانه شاء أن يسخرها لأوامرنا ولانفعالاتنا، ولا أحد فينا يتكلم ~~إلا في إطار الإذن العام للإرادة أن تنفعل لها الجوارح. وقد يسلب الله ~~سبحانه هذا الإذن فلا تنفعل الجوارح للإرادة، فتجد الحق سبحانه يقول في ~~آية أخرى: # لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال ~~صوابا # [النبأ: 38]. ويقول الحق عز وجل في آية أخرى: # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الصافات: 27]. وهناك آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه: # هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 35-36]. ويقول الحق سبحانه أيضا: # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها.. # [النحل: ms4946 111]. وفي موضع آخر يقول سبحانه: # وقفوهم إنهم مسئولون # [الصافات: 24]. وهكذا قد يخيل للبعض أن هناك آيات تناقض بعضها فهناك ~~آيات تسمح بالكلام، وهناك آيات تنفي القدرة على الكلام. وأقول: يجب أن ~~نفهم أن الكلام الذي سيعجز الأشقياء عن نطقه يوم القيامة هو الكلام ~~المجدي النافع، وسيتكلم البعض كلام السفسطة الذي لا يفيد، مثل لومهم ~~بعضهم البعض وذكره لنا القرآن في قوله سبحانه: # وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا ~~من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا.. # [فصلت: 29]. وهذا كلام لا يشفع لصاحبه ولا يجدي. إذن: فالممنوع هو ~~الكلام المجدي المفيد، أو أن مقامات القيامة متفاوتة فوقت يتكلمون فيه ~~ووقت يؤخذون فيه، فينبهرون ولا يتكلمون، ويأمر الحق سبحانه الجوارح ~~المنفعلة أن تتكلم وتشهد عليهم. ويقسم الحق سبحانه أحوال الناس قسمين، ~~كما في قوله تعالى في آخر الآية: {.. فمنهم شقي وسعيد } ~~[هود: 105]. وجاء بالاسم المحدد لكل من القسمين: " شقي " و " سعيد " لأن ~~الاسم يدل على الثبوت، فالشقاء ثابت لمن نعت بالشقي والسعادة ثابتة لمن ~~نعت بالسعيد. ثم يبين لنا الحق سبحانه منازل من شقوا، ومنازل من ~~سعدوا ولذلك يعدل عن استخدام الاسم إلى استخدام الفعل، فيقول سبحانه: { ~~فأما الذين شقوا ففي النار... }. ### || [11.106] # والذين حكموا على أنفسهم بالشقاء لخروجهم عن منهج الله يجمعهم الشقاء ~~لكنهم يدخلون النار أفرادا وزمرا. والحق سبحانه يقول: # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا.. # [الزمر: 71]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # كلما دخلت أمة لعنت أختها.. # [الأعراف: 38]. وهكذا نفهم أن الكافرين - في الوصف الثابت - أشقياء، ~~لكنهم لحظة دخول النار إنما يدخلونها أفرادا بل ويدخل معهم بعض من ~~المسلمين العصاة، ويتلقى كل واحد منهم عقابه المناسب لما ارتكب من الذنوب ~~والمعاصي ويعاني كل منهم من شقاء يتناسب مع آثامه وبذلك يجتمعون في ~~الشقاء ويختلفون في نوع وكمية العذاب كل حسب ذنوبه، ولا يظلم ربك ~~أحدا. وجاء الحق سبحانه هنا بالفعل " شقوا " ليبين لنا أنهم هم الذين ~~اختاروا الشقاء وأتوا به لأنفسهم لأن الحق سبحانه خلق عباده وترك لكل ~~منهم حق الاختيار ms4947 وأنزل لهم المنهج ليصونوا أنفسهم وأعان - من اختار ~~الإيمان - على الطاعة. ثم يذكر الحق سبحانه في نفس الآية موقف من ~~أدخلوا على أنفسهم الشقاء، فيقول عنهم: {.. ففي النار لهم فيها ~~زفير وشهيق } [هود: 106]. ونحن نعلم أن الذي يتنفس في النار سيخرج ~~الهواء من صدره ساخنا مثلما يأخذ الشهيق ساخنا. ويواصل الحق سبحانه ~~وتعالى وصف ما يتلقاه أهل الشقاء في النار، فيقول سبحانه: { ~~خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض... }. ### || [11.107] # وكلمة " الخلود " تفيد المكث طويلا مكوثا له ابتداء ولا نهاية له وإذا ~~أبد فهو تأكيد للخلود. والذين شقوا إنما يدخلون النار بدءا من لحظة: # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه.. # [هود: 105]. وهو عذاب لا نهاية له بالنسبة للكافرين. وأما عذاب المسلم ~~العاصي على ما ارتكب من آثام فبدايته من لحظة انتهاء الحساب إلى أن تنتهي ~~فترة عذابه المناسبة لمعاصيه ويدخل الجنة من بعد ذلك. ولهذا قال الحق ~~سبحانه: { إلا ما شآء ربك.. } [هود: 107]. وهكذا ينقص الحق ~~سبحانه الخلود في النار بالنسبة لأنصاف المؤمنين، فالحق سبحانه {.. ~~فعال لما يريد } [هود: 107] ولا يحكمه أي شيء. وإياكم أن تظنوا ~~أن قدر الله يحكمه فالقدر فعله، ولا أحد يسأل الله سبحانه عما يفعل ~~لأن ذات الله هي الفاعلة فإن شاء سبحانه أن ينقص خلود مسلم عاص في النار ~~فالنقص يكون في النهاية وبذلك يتحقق أيضا نقص خلوده في الجنة، لأنه لا ~~يدخلها إلا بعد أن يستوفي عقابه. وبهذا التصور ينتهي الإشكال الذي اختلف ~~حوله مائة وخمسون عالما فقد ظن بعضهم أن الحق سبحانه يغلق أبواب النار ~~على من أدخلهم إياها، ويستمر ذلك إلى ما لا نهاية، وكذلك من دخل الجنة من ~~البداية سيظل فيها أبدا، ولن يلحق الله أصحاب الكبائر بالجنة، ومن قال ~~بذلك الرأي إنما يسوي بين من ارتكب الكبيرة وبين الكافر بالله، وهذا ~~أمر غير متصور، وهو بعيد عن رحمة الله. وإذا كان هذا البعض من العلماء قد ~~استدل على رأيه بالآية الكريمة التي جاءت في سورة الجن، والتي يقول فيها ~~الحق ms4948 سبحانه: # إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ~~ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا # [الجن: 23]. فنحن نقول: إن الحق سبحانه يربب لطفه للكافر حتى يؤمن، ~~وللعاصي حتى يتوب، وهذا من رحمة الله سبحانه، فتأبيد الخلود في العذاب لم ~~يرد إلا في آيتين، وهذا دليل على عظيم رحمة الله وسعة عفوه سبحانه. ~~ولذلك قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه رحمة الله للعالمين وكلمة ~~" العالمين " جمع " عالم " والعالم هو ما سوى الله تعالى. ولذلك هناك ~~رحمة للكافر هي عطاء الله له في الدنيا. وهكذا نعلم أن الله سبحانه هو ~~الذي يملك نواميس الكون، ولم يتركها تفعل وحدها، بل يزاول سبحانه سلطانه ~~عليها، وما دام القدر هو فعله سبحانه فهو يغير فيه كما يشاء. فهو ~~سبحانه رب الزمان والمكان والحركة، وما دام هو رب كل شيء فإنه فعال لما ~~يريد، وهنا تخضع أبدية الزمان لمراده ومشيئته. وقول الحق سبحانه: { ما ~~دامت السموات والأرض. # . } [هود: 107]. نفهم منه أن الجنة أو النار لا بد أن يوجد لهما ما ~~يعلوهما ويظللهما، ولا بد أن يوجدا فوق أرض ما. وإذا قال قائل: إن الحق ~~سبحانه قد ذكر في القرآن أن السماء سوف تمور وتنفطر. نقول ردا عليه: لا ~~تأخذ آية في القرآن إلا بضميمة مثيلاتها. ولذلك قال الحق سبحانه: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات.. # [إبراهيم: 48]. والحق سبحانه يورث أرض الجنة لمن يشاء لأنه سبحانه هو ~~القائل على لسان المؤمنين يوم القيامة: # وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء.. # [الزمر: 74]. أو لأن الإنسان له أغيار، وما حوله له أغيار. ومن العجيب ~~أن الإنسان المخدوم بالمادة الجامدة وبالنبات النامي وبالحيوان الذي يحس ~~ويتحرك هذا الإنسان قد يكون أطول عمرا من بعض المخلوقات المسخرة ~~لخدمته لكنه أقل عمرا من الشمس ومن القمر. لكن الحق سبحانه هنا يصور عمر ~~الإنسان في الآخرة فكأنه سبحانه يعطي الأمد على أطول ما عرفنا من الأعمار ~~ولذلك قال سبحانه: { ما دامت السموات والأرض.. } [هود: ~~107]. وإذا علق الله سبحانه ms4949 شيئا على شيء، فلا بد أن يوجد هذا ~~التعليق. والحق سبحانه يتكلم عن أهل النار من الكفار، فيقول تعالى: # ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم ~~الخياط.. # [الأعراف: 40]. فهل سيلج الجمل في سم الخياط؟ إن ذلك محال. ولذلك ~~أقول: فلنأخذ التعليقات في نطاق أنه سبحانه: {.. فعال لما يريد ~~} [هود: 107]. وقد جاء في الكتاب قول سيدنا عيسى عليه السلام: # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118]. فكان مقتضى السياق أن يقول سبحانه: وإن تغفر لهم فإنك ~~أنت الغفور الرحيم. وهذه نظرة سطحية لمدلولات القرآن، بعقول البشر، أما ~~ببلاغة الحق سبحانه فيكون الأمر مخالفا، فأمر التعذيب أو الغفران موكول ~~لله سبحانه بيده وحده، وليس لأحد أن يسأله لم فعل هذا؟ ولم ترك هذا؟ ~~لذلك كان هذا هو معنى العزة ولذلك كان سبحانه عزيزا، وهو سبحانه أيضا ~~حكيم في أي أمر يحكم فيه سواء أكان بالتعذيب أو المغفرة. لذلك جاء سبحانه ~~بالخاتمة التي تثبت للحق سبحانه التعذيب أو المغفرة. ففي تعذيب الكافرين ~~قال سبحانه: { فعال لما يريد } [هود: 107]. وفي الكلام عن ~~الطائعين الذين أدخلوا الجنة قال سبحانه: { وأما الذين سعدوا ~~ففي الجنة... }. ### || [11.108] # فالحق سبحانه يعطي المؤمنين ما شاء، ويؤكد خلودهم في الجنة، وعطاؤه لهم ~~لا مقطوع ولا ممنوع. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { فلا تك في ~~مرية مما يعبد هؤلاء... }. ### || [11.109] # فهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم في مرية؟ هل كان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم في شك؟ لا، ولكنه قول الآمر الأعلى سبحانه للأدنى، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في صدد هذا الأمر وبذلك ينصرف أمر الحق سبحانه إلى ~~الدوام. مثلما قال الحق سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم: # أقم الصلاة.. # [الإسراء: 78]. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقيم الصلاة قبلها، ولكن ~~قول الحق سبحانه هنا إنما يمثل بداية التشريع. ومثل هذا أيضا قول الحق ~~سبحانه في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم: # يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين.. # [الأحزاب: 1]. فهل ms4950 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتقي الله؟ ~~نقول: لا، إنما هو لإدامة التقوى، فإنه إذا أمر الأعلى الأدنى بأمر هو ~~بصدد فعله، انصرف هذا الأمر إلى الدوام، واتباع أمته للتقوى والإعراض عن ~~النفاق والكفر، وهو خطاب للرسول وأمته، فللرسول الدوام والترقي والحصانة، ~~ولأمته الاتباع لمنهج الله. ومثل هذا قوله تعالى: # يآأيها الذين آمنوا.. # [البقرة: 153]. وهو سبحانه يناديهم بالإيمان لأنهم اعتقدوا اعتقاد ~~الألوهية الواحدة، ومن يسمع منهم هذا الخطاب عليه أن يداوم على الإيمان. ~~وما دام قد آمن بالإله الواحد قبل الخطاب، فقد استحق أن ينال التكريم من ~~الحق سبحانه بأن يخاطبه ويصفه بأنه من المؤمنين، فإذا نودي عليهم بهذه ~~الصفة فهي علامة السمو المقبول. وإذا طلبت الصفة ممن توجد الصفة فيه، ~~فاعلم أنه سبحانه يطلب دوام الصفة فيه واستمرارها، وفي الاستمرارية ~~ارتقاء. وقول الحق سبحانه هنا: { مما يعبد هؤلاء.. } [هود: ~~109]. نجد أن التحقيق لا يثبت لهم عبادة لأن معنى العبادة ائتمار عابد ~~بأمر معبود. وهؤلاء إنما يعبدون الأصنام، وليس للأصنام منهج يسير عليه من ~~آمنوا بها. ولكن الحق سبحانه أثبت لهم هنا أنهم عبدوا الأصنام، وهم قد ~~قالوا من قبل: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3]. وهو إيمان فقد حجية التعقل الإيماني، أي: أن تستقبل أنت ~~بذاتك القضية الإيمانية وتناقشها لتدخل عليها باقتناع ذاتك. وهم قد دخلوا ~~إلى الإيمان بعبادة الأصنام باقتناع الغير، وهم الآباء، فإيمانهم إيمان ~~تقليد، وفي التقليد جفاف الفطرة السليمة وهو لا ينفع. ونحن نعلم أن الحق ~~سبحانه وتعالى قد جعل النسب في الكون إما ليثبت نسبة إيجابية، أو نسبة ~~سلبية. { ما يعبدون.. } [هود: 109]. أي: على ما قالوا إنه عبادة، ~~ولكنه ليس عبادة، لأن العبادة تقتضي أمرا ونهيا، وليس للأصنام أوامر أو ~~نواه، وعبادتهم هي عبادة تقليدية للآباء ولذلك قالوا: # بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ.. # [البقرة: 170]. ولذلك يقرر الحق سبحانه هنا جزاءهم، فيقول تعالى: {. # . وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } [هود: 109]. ~~أي: سنعطيهم جزاءهم كاملا لأنهم يفسدون في الكون، رغم أن الحق ms4951 سبحانه قد ~~جعل لكل منهم حق الاختيار في أن يفعل الشيء أو لا يفعله، وإن لم تنضبط ~~حركة الاختيار، فالتوازن الاجتماعي يصير إلى اختلال. وما دام للإنسان حق ~~الاختيار فقد أنزل الحق سبحانه له المنهج الذي يضم التكاليف الإيمانية. ~~وهم حين قلدوا الآباء قد ساروا في طريق إفساد الكون لذلك يوفيهم الحق ~~سبحانه نصيبهم من العذاب. والمفهوم من كلمة " النصيب " أنها للرزق، ~~ويذكرها الحق سبحانه هنا لتقرير نصيب من العذاب، وفي هذا تهكم عليهم، ~~وسخرية منهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ولقد آتينا موسى ~~الكتاب فاختلف فيه... }. ### || [11.110] # وسورة هود هي السورة الوحيدة في القرآن التي جاء فيها ذكر رسول واحد ~~مرتين، فقد ذكر الحق سبحانه أنه أمر موسى عليه السلام بأن يذهب إلى ~~فرعون، وأن يريه الآيات، ولم يزد، ثم انتقل من ذلك الإبلاغ فقال سبحانه: # يقدم قومه يوم القيامة.. # [هود: 98]. أي: أنه أعقب أولية البلاغ بالختام الذي انتهى إليه فرعون ~~يوم القيامة، فيورد قومه النار. ثم يأتي الحق سبحانه هنا إلى موسى عليه ~~السلام بعد ابتداء رسالته ولذلك يقول تعالى: { ولقد آتينا موسى ~~الكتاب.. } [هود: 110]. ونحن نعلم أن ذكر موسى عليه السلام في ~~البداية كان بمناسبة ذكر ما له علاقة بشعيب عليه السلام حين ورد موسى ~~ماء مدين، ولكن العجيب أنه عند ذكر شعيب لم يذكر قصة موسى معه، وإنما ~~ذكر قصة موسى مع فرعون. وقد علمنا أن موسى عليه السلام لم يكن آتيا إلى ~~فرعون إلا لمهمة واحدة، هي أن يرسل معه بني إسرائيل ولا يعذبهم. وأما ما ~~يتأتى بعد ذلك من الإيمان بالله فقد جاء كأمر تبعي، لأن رسالة موسى ~~عليه السلام لم تكن إلا لبني إسرائيل ولذلك جاء هنا بالكتاب ليبلغه إلى ~~بني إسرائيل منهجا، أما في الموضع الأول فقد ذكر سبحانه الآيات التي ~~أرسل بها موسى إلى فرعون. ونحن نعلم أن سورة هود عرضت لمواكب الرسل: نوح، ~~وهود، وصالح، وشعيب، وإبراهيم - عليهم جميعا السلام - وجاء الحديث فيها ~~عن موسى عليه السلام مرتين: مرة في ms4952 علاقته بفرعون، ومرة في علاقته ببني ~~إسرائيل. وفي كل لقطة من اللقطات مهمة أساسية من مهمات المنهج الإلهي ~~للناس عموما، من أول آدم عليه السلام إلى أن تقوم الساعة إلا أنه عند ~~ذكر كل رسول يأتي باللقطة التي تعالج داء موقوتا عند القوم. فالقدر ~~المشترك في دعوات كل الرسل هو قوله سبحانه: # اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.. # [الأعراف: 59]. ثم يختلف الأمر بعد ذلك من رسول لآخر، فمنهم من يأمر ~~قومه ألا يعبدوا الأصنام ومنهم من يأمر قومه ألا ينقصوا الكيل والميزان. ~~وهكذا نجد في كل لقطة مع كل رسول علاج داء من داءات تلك الأمة، أما ~~الإسلام فقد جاء ليعالج داءات البشرية كلها لذلك جمعت كل القيم الفاضلة ~~في القرآن كمنهج للبشرية. لذلك فالحق سبحانه لا يقص علينا القصص القرآني ~~للتسلية، أو لقتل الوقت، أو لتعلم التاريخ ولكن لنلتقط العبرة من رسالة ~~كل رسول إلى أمته التي بعث إليها ليعالج داءها. وبما أن أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم ستكون آخر عهد لالتقاء البشر بالبشر، وستكون فيها كل ~~أجواء وداءات الدنيا، لذلك فعليهم التقاط تلك العبر لأن رسالتهم تستوعب ~~الزمان كله، والمكان كله. # والحق سبحانه هنا يقول: { ولقد آتينا موسى الكتاب ~~فاختلف فيه.. } [هود: 110]. ونحن نعلم أنه إذا تقدم أمران على ~~ضمير الغيبة فيصح أن يعود الضمير إلى كل أمر منهما. وقوله سبحانه: { ~~فاختلف فيه.. } [هود: 110] يصح أن يكون الاختلاف في أمر موسى، ~~ويصح أن يكون الاختلاف في أمر الكتاب، والخلاف في واحد منهما يؤدي إلى ~~الخلاف في الآخر لأنه لا انفصال بين موسى عليه السلام، والكتاب الذي ~~أنزله الله عليه. وهكذا فالأمران يلتقيان: أمر الرسالة في الكتاب، وأمر ~~الرسول في الاصطفاء ولذلك لم يجعلهما الحق سبحانه أمرين، بل هما أمر واحد ~~لأن الرسول لا ينفصل عن منهجه. وقوله الحق: { آتينا موسى ~~الكتاب.. } [هود: 110] أمر يتعلق بفعل الحق سبحانه، ولله ذات، ولله ~~صفات، ولله أفعال. وهو سبحانه منزه في ذاته عن أي تشبيه، ولله صفات، ~~وهي ليست ككل ms4953 الصفات، فالحق سبحانه موجود، وأنت موجود، لكن وجوده قديم ~~أزلي لا ينعدم، وأنت موجود طارىء ينعدم. ونحن نأخذ كل ما يتعلق بالله ~~سبحانه في إطار: # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. فإذا تكلم الحق سبحانه عن الفعل فخذ كل فعل صدر عنه ~~بقوته سبحانه غير النهائية. وقوله سبحانه هنا: { آتينا موسى ~~الكتاب.. } [هود: 110]. نفهم منه أن هذا الفعل قد استلزم صفات ~~متكاملة، علما وحكما، وقدرة، وعفوا، وجبروتا، وقهرا، فهناك أشياء ~~كثرة تتكاتف لتحقيق هذا الإتيان. وقد يسأل سائل: وما دام موسى عليه ~~السلام قد أوتي الكتاب، واختلف فيه، فلماذا لم يأخذ الحق سبحانه قوم ~~موسى كما أخذ قوم نوح، أو قوم عاد، أو قوم ثمود، أو بقية الأقوام الذين ~~أخذهم الله بالعذاب؟ ونقول: ما نجوا من عذاب الله بقدرتهم بل لأن الحق ~~سبحانه قد جعل عذابهم آجلا، وهو يوم الحساب. ولذلك قال سبحانه في الآية ~~نفسها: { ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي ~~بينهم.. } [هود: 110]. وبذلك حكم الحق حكما فاصلا، كما حكم على ~~الأمم السابقة التي كانت مهمة رسلهم هي البلاغ، ولم تكن مهمة رسلهم أن ~~يحاربوا من أجل إرساء دعوة أو تثبيت حق ولذلك كانت السماء هي التي تتدخل ~~بالأمر النهائي. لكن اختلف الأمر في رسالة موسى عليه السلام، فقد سبق فيه ~~قول الله تعالى بالتأجيل للحساب إلى يوم القيامة. ثم يقول الحق سبحانه ~~هنا: {.. وإنهم لفي شك منه مريب } [هود: 110]. كأنهم ~~في شك من يوم القيامة، وفي شك من الحساب، مثل قوله سبحانه في أول الآية ~~عن الاختلاف في الكتاب وموسى عليه السلام. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ~~وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم... }. ### || [11.111] # إذن: فالحق سبحانه قد أخذ قوم الرسل السابقين على موسى بالعذاب، أما في ~~بدء رسالة موسى عليه السلام فقد تم تأجيل العذاب ليوم القيامة. ويبين ~~الحق سبحانه: لا تعتقدوا أن تأجيل العذاب ليوم القيامة يعني الإفلات من ~~العذاب، بل كل واحد سيوفى جزاء عمله بالثواب لمن أطاع، وبالعقاب لمن ~~عصا، فأمر الله سبحانه آت - لا محالة ms4954 - وتوفية الجزاء إنما تكون على قدر ~~الأعمال، كفرا أو إيمانا، صلاحا أو فسادا، وميعاد ذلك هو يوم ~~القيامة. وهنا وقفة في أسلوب النص القرآني، حتى يستوعب الذين لا يفهمون ~~اللغة العربية كملكة، كما فهمها العرب الأقدمون. ونحن نعلم أن العربي ~~القديم لم يجلس إلى معلم، لكنه فهم اللغة ونطق بها صحيحة لأنه من أمة ~~مفطورة على الأداء البياني الدقيق، الرقيق، الرائع. فاللغة - كما نعلم - ~~ليست جنسا، وليست دما، بل هي ظاهرة اجتماعية، فالمجتمع الذي ينشأ فيه ~~الطفل هو الذي يحدد لغته، فالطفل الذي ينشأ في مجتمع يتحدث العربية، سوف ~~ينطق بالعربية، والطفل الذي يوجد في مجتمع يتحدث اللغة الإنجليزية، سينطق ~~بالإنجليزية لأن اللغة هي ما ينطق به اللسان حسبما تسمع الأذن. وكانت ~~غالبية البيئة العربية في الزمن القديم بيئة منعزلة، وكان من ينشأ فيها ~~إنما يتكلم اللغة السليمة. أما العربي الذي عاش في حاضرة مثل مكة، ومكة - ~~بما لها من مكانة - كانت تستقبل أغرابا كثيرين ولذلك كان أهل مكة يأخذون ~~الوليد فيها لينقلوه إلى البادية حتى لا يسمع إلا اللغة العربية الفصيحة، ~~وحتى لا يحتاج إلى من يضبط لسانه على لغة العرب الصافية. ولنقرب هذا ~~الأمر، ولننظر إلى أن هناك في حياتنا الآن لغتين: لغة نتعلمها في المنازل ~~والشوارع ونتخاطب بها، وتسمى " اللغة العامية " ، ولغة أخرى نتعلمها في ~~المدارس، وهي اللغة المصقولة المميزة بالفصاحة والضبط. وكان أهل مكة ~~يرسلون أبناءهم إلى البادية لتلتقط الأذن الفصاحة، وكانت اللغة الفصيحة ~~هي " العامية " في البادية، ولم يكن الطفل في البادية يحتاج إلى معلم ~~ليتعلمها لأن أذنه لا تسمع إلا الفصاحة. وكانت هذه هي اللغة التي يتفوق ~~فيه إنسان ذلك الزمان كملكة، وهي تختلف عن اللغة التي نكتسبها الآن، ~~ونصقلها في مدارسنا، وهي لغة تكاد تكون مصنوعة، فما بالنا بالذين لم ~~يتعلموا العربية من قبل من المستشرقين، ويتعلمون اللغة على كبر. وهؤلاء ~~لم يمتلكوا صفاء اللغة، لذلك حاولوا أن يطعنوا في القرآن، وادعى بعض ~~أغبيائهم أن في القرآن لحنا، قالوا ذلك وهم الذين تعلموا ms4955 اللغة ~~المصنوعة، رغم أن من استقبلوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهم أهل الفصاحة، لم يجدوا في القرآن لحنا، ولو أنهم أخذوا لحنا على ~~القرآن في زمن نزوله لأعلنوا هذا اللحن لأن القرآن نزل باللغة الفصيحة ~~على أمة فصيحة، بليغة صناعتها الكلام. # ولأمر ما أبقى الله سبحانه صناديد قريش وصناديد العرب على كفرهم لفترة، ~~ولو أن أحدا منهم اكتشف لحنا في القرآن لأعلنه. وذلك حتى لا يقولن أحد ~~أنهم قد آمنوا فستروا على القرآن عيوبا فيه. ولو كان عند أحدهم مهمز ~~لما منعه كفره أن يبين ذلك، فهل يمكن لهؤلاء المستشرقين الذين عاشوا في ~~القرن العشرين أن يجدوا لحنا في القرآن، وهم لم يمتلكوا ناصية اللغة ~~ملكة، بل تعلموها صناعة، والصنعة عديمة الإحساس الذوقي. ومثال ذلك: عدم ~~فهم هؤلاء لأسرار اللغة في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فالحق ~~سبحانه يقول: { وإن كلا لما ليوفينهم ربك ~~أعمالهم إنه بما يعملون خبير } [هود: 111]. أي: أن ~~كل واحد من الذين صدقوا أو من الذين كذبوا، له توفية في الجزاء، ~~للطائع الثواب وللعاصي العقوبة. وكلمة " إن " - كما نعلم - هي في اللغة ~~" حرف توكيد " في مقابلة من ينكر ما يجيء بعدها. والإنكار - كما نعلم - ~~مراحل، فإذا أردت أن تخبر واحدا بخبر لا يعلمه، فأنت تقول له مثلا: " ~~زارني فلان بالأمس ". وهكذا يصادف الخبر ذهن المستمع الخالي، فإن قال لك: ~~" لكن فلانا كان بالأمس في مكان آخر " ، فأنت تقول له: " إن فلانا ~~زارني بالأمس ". وحين يرد عليك السامع: " لكنني قابلت فلانا الذي تتحدث ~~عنه أمس في المكان الفلاني ". وهنا قد تؤكد قولك: " والله لقد زارني فلان ~~بالأمس ". إذن: فأنت تأتي بالتوكيد على حسب درجة الإنكار. وحين يؤجل ~~الحق سبحانه العذاب لبعض الناس في الدنيا، قد يقول غافل: لعل الله لم يعد ~~يعذب أحدا. ولذلك بين الحق سبحانه مؤكدا أن الحساب قادم، لكل من ~~الطائع والمصدق، والعاصي المكذب، فقال سبحانه: { وإن كلا ~~لما ليوفينهم ربك أعمالهم.. } [هود: 111]. ~~والذين لم تستقم لهم اللغة كملكة، ms4956 كالمستشرقين، وأخذوها صناعة، توقفوا ~~عند هذه الآية وقالوا: لماذا جاء بالتنوين في كلمة " كلا "؟ وهم لم ~~يعرفوا أن التنوين يغني عن جملة، فساعة تسمع أو تقرأ التنوين، فاعلم أنه ~~عوض عن جملة، مثل قول الحق سبحانه: # فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ ~~تنظرون # [الواقعة: 83-84]. و " كلا " في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها توجز ~~أن كلا من الطائع المؤمن، والعاصي الكافر، سوف يلقى جزاءه ثوابا أو ~~عقابا. أما قوله سبحانه: { لما } في نفس الآية، فنحن نعلم أن " لما ~~" تستعمل في اللغة بمعنى " الحين " و " الزمان " مثل قول الحق سبحانه: # ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه.. # [الأعراف: 143]. ومثل قوله سبحانه: # ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح ~~يوسف.. # [يوسف: 94]. أي حين فصلت العير وخرجت من مصر قال أبوهم: # إني لأجد ريح يوسف.. # [يوسف: 94]. و " لما " تأتي أيضا للنفي مثل قوله سبحانه: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم.. # [الحجرات: 14]. أي: أن الإيمان لم يدخل قلوبهم بعد، وتحمل كلمة " لما " ~~الإذن بأن الإيمان سوف يدخل قلوبهم بعد ذلك. وحين تستخدم كلمة " لما " في ~~النفي تكون " حرفا " مثلها مثل كلمة " لم " ، ولكنها تختلف عن " لم " ~~لأن " لم " تجزم الفعل المضارع، ولا يتصل نفيها بساعة الكلام، بل بما ~~مضى، وقد يتغير الموقف. أما " لما " فيتصل نفيها إلى وقت الكلام، وفيها ~~إيذان بأن يحدث ما تنفيه. وهكذا نفهم أن قول الحق سبحانه: { وإن ~~كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما ~~يعملون خبير } [هود: 111]. أي: أن كلا من الطائع والعاصي ~~سيوفى حسابه وجزاؤه ثوابا أو عقابا، حين يأتي أجل التوفية، وهو يوم ~~القيامة. وقد جاءت " لما " لتخدم فكرة العقوبة التي كانت تأتي في الدنيا، ~~وشاء الله سبحانه أن يؤجل العقوبة للكافرين إلى الآخرة، وأنسب حرف ~~للتعبير عن ذلك هو " لما ". وحين تقرأ { ليوفينهم } تجد اللام، ~~وهي لام القسم بأن الحق سبحانه سيوفيهم حسابهم إن ثوابا أو عقابا. ~~والله سبحانه بما يفعل العباد خبير، هو سبحانه يعلم أفعال ms4957 العبد قبل أن ~~تقع، ولكنها حين تقع لا يمكن أن تنسى أو تذهب أدراج الرياح لأن من ~~يعلمها هو " الخبير " صاحب العلم الدقيق، والخبير يختلف عن العالم الذي ~~قد يعلم الإجماليات، لكن الخبير هو المدرب على التخصص. ولذلك غالبا ما ~~تأتي كلمتا " اللطيف والخبير " معا لأن الخبير هو من يعلم مواقع ~~الأشياء، واللطيف هو من يعرف الوصول إلى مواقع تلك الأشياء. ومثال هذا: ~~أنك قد تعرف مكان اختباء رجل في جبل مثلا، هذه المعرفة وهذه الخبرة لا ~~تكفيان للوصول والنفاذ إلى مكانه، بل إن هذا يحتاج إلى ما هو أكثر، وهو ~~الدقة واللطف. والحق سبحانه جاء بهذا الحديث عن موسى عليه السلام ليسلي ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، لأن بعضا من الكافرين برسالة محمد عليه ~~الصلاة والسلام قالوا: ما دام الله يأتي بالعذاب ليبيد من يكفرون برسله، ~~فلماذا لا يأتي لنا العذاب؟ ولهذا جاء ما يخبر هؤلاء بأن الحق سبحانه ~~سيوقع العقوبة على الكافرين، لا محالة، فإياك أن يخادعوك - يا رسول الله ~~- في شيء، أو يساوموك على شيء، مثلما قالوا: نعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا ~~سنة. # وقد سبق أن قطع الحق سبحانه هذا الأمر بأن أنزل: # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم # [الكافرون: 1-4]. وهذا هو قطع العلاقات التام في تلك المسألة التي لا ~~تقبل المساومة، وهي العبادة. ونحن نعلم أن العبادة أمر قلبي، لا يمكن ~~المساومة فيه، وقطع العلاقات في مثل هذا الأمر أمر واجب لأنه لا يمكن ~~التفاوض حوله فهي ليست علاقات ظرف سياسي، ولكنه أمر رباني، يحكمه الحق ~~سبحانه وحده. وقول الحق سبحانه: # لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد ~~* ولا أنآ عابد ما عبدتم # [الكافرون: 2-4]. هذا القول الكريم يشعر من يسمعه ويقرؤه أنهم سيظلون ~~على عبادة غير الله، وأن محمدا سيظل على عبادة الله، وأن كلمة " الله " ~~ستعلو لأن الحق سبحانه يأتي بعد سورة " الكافرين " بقوله تعالى: # إذا جآء نصر الله والفتح ms4958 * ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان توابا # [النصر: 1-3]. وهنا يقول الحق سبحانه: { فاستقم كمآ أمرت... ~~}. ### || [11.112] # والاستقامة معناها: عدم الميل أو الانحراف - ولو قيد شعرة - وهذا أمر ~~يصعب تحقيقه لأن الفاصل بين الضدين، أو بين المتقابلين هو أدق من الشعرة ~~في بعض الأحيان. ومثال ذلك: حين ترى الظل والضوء، فأحيانا يصعد الظل على ~~الضوء، وأحيانا يصعد الضوء على الظل، وسنجد صعوبة في تحديد الفاصل بين ~~الظل والنور، مهما دقت المقاييس. وهكذا يصبح فصل الشيء عن نقيضه صعبا، ~~ولذلك فالاستقامة أمر شاق للغاية. وساعة أن نزلت هذه الآية قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " شيبتني هود وأخواتها ". # ولولا أن قال الحق سبحانه في كتابه الكريم: # فاتقوا الله ما استطعتم.. # [التغابن: 16]. فلولا نزول هذه الآية لتعب المسلمون تماما، وقد أنزل ~~الحق سبحانه هذا القول بعد أن قال: # اتقوا الله حق تقاته.. # [آل عمران: 102]. وعز ذلك على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الحق سبحانه ما يخفف به عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن قال ~~سبحانه: # فاتقوا الله ما استطعتم.. # [التغابن: 16]. إذن: فالأمر بالاستقامة هو أمر بدقة الأداء المطلوب لله ~~أمرا ونهيا، بحيث لا نميل إلى جهة دون جهة. وهكذا تطلب الاستقامة كامل ~~اليقظة وعدم الغفلة. ويقول الحق سبحانه: { فاستقم كمآ أمرت ~~ومن تاب معك.. } [هود: 112]. وهذا إيذان بألا ييأس رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من وقوف صناديد قريش أمام دعوته صلى الله عليه وسلم ~~لأنهم سيتساقطون يوما بعد يوم. وقول الحق سبحانه: {.. ولا تطغوا ~~إنه بما تعملون بصير } [هود: 112]. يعني ألا نتجاوز الحد، ~~فالطغيان هو مجاوزة الحد. وهكذا نعلم أن الإيمان قد جعل لكل شيء حدا، ~~إلا أن حدود الأوامر غير حدود النواهي فالحق سبحانه إن أمرك بشيء، فهو ~~يطلب منك أن تلتزمه ولا تتعده. وقال الحق سبحانه: # تلك حدود الله فلا تعتدوها.. # [البقرة: 229]. وهذا القول في الأوامر، أما في النواهي فقد قال سبحانه: # تلك حدود الله فلا ms4959 تقربوها.. # [البقرة: 187]. أي: أن تبتعد عنها تماما. ويقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع ~~فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه ". # وحين ينهانا الحق سبحانه عن الاقتراب من شيء فهذه هي استقامة الاحتياط، ~~وهي قد تسمح لك بأن تدخل في التحريم ما ليس داخلا فيه، فمثلا عند تحريم ~~الخمر، جاء الأمر باجتنابها أي: الابتعاد عن كل ما يتعلق بالخمر حتى لا ~~يجتمع المسلم هو والخمر في مكان. وجعل الحق سبحانه أيضا الاستقامة في ~~مسائل الطاعة، وهو سبحانه يقول: # وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا.. # [الأنعام: 141]. والنهي عن الإسراف هنا ليعصمنا الحق سبحانه من لحظة ~~نتذكر فيها كثرة ما حصدنا، ولكننا لا نجد ما نقيم به الأود فقد يسرف ~~الإنسان لحظة الحصاد لكثرة ما عنده، ثم تأتي له ظروف صعبة فيقول: " يا ~~ليتني لم أعط ". وهكذا يعصمنا الحق سبحانه من هذا الموقف. ويقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " " سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب ~~الأعمال أدومها إلى الله وإن قل " لأن الدين قوي متين، و " لن يشاد الدين ~~أحد إلا غلبه ". # وهكذا نجد الحق سبحانه ونجد رسوله صلى الله عليه وسلم أعلم بنا، والله ~~لا يريد منا عدم الطغيان من ناحية المحرمات فقط، بل من ناحية الحل ~~أيضا، فيوصينا سبحانه بالرفق واللين والهوادة، وأن يجعل الإنسان لنفسه ~~مكنة الاختيار. ومثال ذلك: أن يلزم الإنسان نفسه بعشرين ركعة كل ليلة، ~~وهو يلزم نفسه بذلك نذرا لله تعالى في ساعة صفاء، لكنه حين يبدأ في ~~مزاولة ذلك القدر يكتشف صعوبته، فتكرهه نفسه. ولذلك يأمرنا الحق سبحانه ~~بالاستقامة وعدم الطغيان استقامة في تحديد المأمور به والمنهي عنه ولذلك ~~كان الاحتياط في أمر العبادات أوسع لمن يطلب الاستقامة. ويقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من ~~الناس، فمن اتقى الشبهات فقد ms4960 استبرأ لدينه وعرضه ". # ولذلك يطلب الشارع الحكيم سبحانه منا في الاحتياط أن نحتاط مرة ~~بالزيادة، وأن نحتاط مرة بالنقص، فحين تصلي خارج المسجد الحرام، يكفيك أن ~~تكون جهتك الكعبة، أما حين تصلي في المسجد الحرام، فأنت تعلم أن الكعبة ~~قسمان: قسم بنايته عالية، وقسم اسمه " الحطيم " وهو جزء من الكعبة، لكن ~~نفقتهم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قصرت فلم يبنوه. لذلك فأنت ~~تتجه ببصرك إلى البناء العالي المقطوع بكعبيته، وهذا هو الاحتياط بالنقص. ~~أما الاحتياط بالزيادة، فمثال ذلك: هو الطواف، وقد يزدحم البشر حول ~~الكعبة، ولا تسمح ظروفك إلا بالطواف حول المسجد. وهكذا يطول عليك الطواف، ~~لكنه طواف بالزيادة فعند الصلاة يكون الاحتياط بالنقص، أما عند الطواف ~~فيكون الاحتياط بالزيادة. وهكذا نجد الاحتياط هو الذي يحدد معنى ~~الاستقامة. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى: {.. إنه بما ~~تعملون بصير } [هود: 112]. وفي الآية السابقة قال سبحانه: # .. إنه بما يعملون خبير # [هود: 111]. وعلمنا معنى الخبير، أما المقصود بالبصير هنا فهو أنه ~~سبحانه يعلم حركة العبادة لأن حركة العبادة مرئية. ويقول الحق سبحانه بعد ~~ذلك: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم... ~~}. ### || [11.113] # والكافرون - كما نعلم - قد عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يعبد آلهتهم سنة، وأن يعبدوا هم الله سنة، ولكن الحق سبحانه قطع وفصل في ~~هذا الأمر. ويأتي هنا توكيد هذا الأمر فيقول سبحانه: { ولا ~~تركنوا إلى الذين ظلموا.. } [هود: 113]. والركون هو ~~الميل والسكون والمودة والرحمة، وأنت إذا ركنت للظالم أدخلت في نفسه أن ~~لقوته شأنا في دعوتك. والركون أيضا يعني: المجاملة، وإعانة هذا الظالم ~~على ظلمه، وأن تزين للناس ما فعله هذا الظالم. وآفة الدنيا هي الركون ~~للظالمين لأن الركون إليهم إنما يشجعهم على التمادي في الظلم، والاستشراء ~~فيه. وأدنى مراتب الركون إلى الظالم ألا تمنعه من ظلم غيره، وأعلى مراتب ~~الركون إلى الظالم أن تزين له هذا الظلم وأن تزين للناس هذا الظلم. وأنت ~~إذا استقرأت وضع الظلم في العالم كله لوجدت آن آفات المجتمعات ms4961 الإنسانية ~~إنما تنشأ من الركون إلى الظالم لكنك حين تبتعد عن الظالم، وتقاطعه أنت ~~ومن معك فلسوف يظن أنك لم تعرض عنه إلا لأنك واثق بركن شديد آخر ~~فيتزلزل في نفسه حاسبا حساب القوة التي تركن إليها وفي هذا إضعاف لنفوذه ~~وفي هذا عزلة له وردع لعله يرتدع عن ظلمه. والركون للظالم إنما يجعل ~~الإنسان عرضة لأن تمسه النار بقدر آثار هذا الركون لأن الحق سبحانه يقول: ~~{ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ~~وما لكم من دون الله من أوليآء ثم لا تنصرون ~~} [هود: 113]. فأنتم حين تركنون إلى ظالم إنما تقعون في عداء مع منهج ~~الله فيتخلى الله عنكم ولا ينصركم أحد لأنه لا ولي ولا ناصر إلا الله ~~تعالى. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وأقم الصلاة طرفي ~~النهار... }. ### || [11.114] # وهذا أمر بالخير يوجهه الله سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم. ونحن ~~نلحظ في هذه الآيات من سورة هود أنها تحمل أوامر ونواهي الأوامر بالخير ~~دائما والنواهي عن الشر دائما. ونلحظ أن الحق سبحانه قال: # فاستقم كمآ أمرت ومن تاب معك.. # [هود: 112]. ثم وجه النهي للأمة كلها: # ولا تطغوا.. # [هود: 112] ولم يقل: " فاستقم ولا تطغى " لأن الأمر بالخير يأتي للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وأمته معه وفي النهي عن الشر يكون الخطاب موجها إلى ~~الأمة، وفي هذا تأكيد لرفعة مكانة النبي صلى الله عليه وسلم. ونرى نفس ~~الأمر حين يوجه الحق سبحانه الحديث إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فيقول سبحانه وتعالى: # ولا تركنوا إلى الذين ظلموا.. # [هود: 113]. ولم يقل: " ولا تركن إلى الذين ظلموا ". وهنا في الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~ولأمته: { وأقم الصلاة.. } [هود: 114]. والإقامة تعني: أداء ~~المطلوب على الوجه الأكمل، مثل إقامة البنيان وأن تجعله مؤديا للغرض ~~المطلوب منه. ويقال: " أقام الشيء " أي: جعله قائما على الأمر الذي يؤدي ~~به مهمته. وقول الحق سبحانه: { وأقم الصلاة طرفي ~~النهار.. } [هود: 114]. أي: نهايته من ناحية، ونهايته ms4962 من الناحية ~~الأخرى لأن طرف الشيء هو نهايته. وتتحدد نهاية الطرفين من منطقة وسط ~~الشيء، فالوسط هو الفاصل بين الطرفين فما على يمين الوسط يعد طرفا وما ~~على يسار الوسط يعد طرفا آخر وكل جزء بعد الوسط طرف. وعادة ما يعد ~~الوسط هو نقطة المنتصف تماما، وما على يمينها يقسم إلى عشرة أجزاء، وما ~~على يسارها يقسم إلى عشرة أجزاء أخرى، وكل قسم بين تلك الأجزاء التي على ~~اليمين و التي على اليسار يعد طرفا. وقول الحق سبحانه: { وأقم ~~الصلاة طرفي النهار.. } [هود: 114]. يقتضي أن تعرف أن النهار ~~عندنا إنما نتعرف عليه من بواكير الفجر الصادق، وهذا هو أول طرف نقيم فيه ~~صلاة الفجر، ثم يأتي الظهر فإن وقع الظهر قبل الزوال حسبناه من منطقة ما ~~قبل الوسط، وإن كان بعد الزوال حسبناه من منطقة ما بعد الوسط. وبعد الظهر ~~هناك العصر، وهو طرف آخر. وقول الحق سبحانه: { وزلفا من ~~اليل.. } [هود: 114]. يقتضي منا أن نفهم أن كلمة { زلفا } هي جمع ~~زلفة، وهي مأخوذة من: أزلفه، إذا قربه. والجمع أقله ثلاثة ونحن نعلم أن ~~لنا في الليل صلاة المغرب، وصلاة العشاء، ولذلك نجد الإمام أبا حنيفة ~~يعتبر الوتر واجبا، فقال: إن صلاة العشاء فرض، وصلاة الوتر واجب وهناك ~~فرق بين الفرض والواجب. # ويقول الحق سبحانه بعد ذلك مباشرة: { إن الحسنات يذهبن ~~السيئات.. } [هود: 114]. وهذا التعقيب يضع الصلاة في قمة الحسنات، ~~وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بأن قال: # " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش ~~الكبائر ". # واختلف العلماء في معنى السيئات والحسنات، وقال بعضهم: الحسنة هي ما جعل ~~الله سبحانه على عملها ثوابا، والسيئة هي ما جعل الله على عملها عقابا. ~~وأول الحسنات في الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله، وهذه حسنة أذهبت ~~الكفر لأن الحسنات يذهبن السيئات. ولذلك قال بعض العلماء: إن المسلم الذي ~~ارتكب معصية أو كبيرة من الكبائر، لا يخلد في النار لأنه إذا كانت حسنة ~~الإيمان قد ms4963 أذهبت سيئة الكفر، أفلا تذهب ما دون الكفر؟. وهكذا يخفف ~~العقاب على المسلم فينال عقابه من النار، ولكنه لا يخلد فيها لأننا لا ~~يمكن أن نساوي بين من آمن بالله ومن لم يؤمن بالله. والإيمان بالله هو ~~أكبر حسنة، وهذه الحسنة تذهب الكفر، ومن باب أولى أن تذهب ما دون الكفر. ~~وتساءل بعض العلماء: هل الفرائض هي الحسنات التي تذهب السيئات؟ وأجاب ~~بعضهم: هناك أحاديث صحيحة قد وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~حسنات في غير الفرائض، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن صوم يوم عرفة إلى صوم يوم عرفة يذهب السيئات ". # ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إن الإنسان الذي يستقبل نعمة الله بقوله: الحمد لله الذي رزقنيه من ~~غير حول مني ولا قوة، والحمد لله الذي كساني من غير حول مني ولا قوة " # وهذا القول يكفر السيئات. ألم يقل صلى الله عليه وسلم # " إنك إذا قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فهذا القول كفارة؟ " # إذن: فالحسنات مطلقة سواء أكانت فرضا أم غير فرض، وهي تذهب السيئات. ~~والسيئة هي عمل توعد الله - سبحانه - من يفعله بالعقوبة. وتساءل أيضا ~~بعض العلماء: إن السيئة عمل، والعمل إذا وقع يرفع ويسجل، فكيف ~~تذهبها الحسنة؟ وأجابوا: إن ذهاب السيئة يكون إما عن طريق من يحفظ ~~العمل، ويكتبه عليك، فيمحوه الله من كتاب سيئاتك، أو أن يعفو الله سبحانه ~~وتعالى عنك فلا يعاقبك عليه، أو يكون ذهاب العمل في ذاته فلا يتأتى، وما ~~وقع لا يرتفع أو يحفظها الله إن وقعت لأنه هو سبحانه القائل: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. ويقول سبحانه: # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين # [الانفطار: 10-11]. وهكذا يكون إذهاب السيئة، إما محوها من الكتاب، وإما ~~أن تظل في الكتاب، ويذهب الله سبحانه عقوبتها بالمغفرة. # والحق سبحانه يقول: # الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا ~~اللمم إن ربك ms4964 واسع المغفرة.. # [النجم: 32]. واجتناب الكبائر لا يمنع من وقوع الصغائر. والحق سبحانه ~~يقول: # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر.. # [العنكبوت: 45]. وحين ننظر إلى مواقيت الصلاة، نجدها خمسة مواقيت، فمن ~~تعلق قلبه بالصلاة، إنما ينشغل قلبه طوال وقت حركته بإقامة الصلاة، ثم ~~يأتي وقت الليل لينام، وكل من يرتكب معصية سينشغل فكره بها لمدة، ولو لم ~~يأت له وقت صلاة لأحس بالضياع، أما إذا ما جاء وقت الصلاة فقلبه يتجه ~~لله سبحانه طالبا المغفرة. وإن وقعت منه المعصية مرة، فقد لا تقع مرة ~~أخرى، أو أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر في وقت الاستعداد لها، فمن ~~جلس لينم على غيره، أو يظلم الناس، إذا ما سمع أذان الصلاة وقام وتوضأ ~~فقد رحم الناس في وقت وضوئه ووقت صلاته ووقت ختمه للصلاة. وهناك أعمال ~~كثيرة من الفروض والحسنات وهي تمحو السيئات، وعلى المسلم أن ينشغل بزيادة ~~الحسنات، وألا ينشغل بمحو السيئات لأن الحسنة الواحدة بعشرة أمثالها وقد ~~يضاعفها الله سبحانه، أما السيئة فإنما تكتب واحدة. وينهي الحق سبحانه ~~هذه الآية الكريمة بقوله: {.. ذلك ذكرى للذاكرين } [هود: ~~114]. أي: إن إقامة الصلاة طرفي النهار، وزلفا من الليل هي حسنات تذهب ~~السيئات وفي ذلك ذكرى وتنبيه للنفس إلى شيء غفل عنه، أي: أن هذا الشيء ~~كان موجودا من قبل، ولكن جاءت الغفلة لتنسيه، والإخبار الأول أزال الجهل ~~بهذا الشيء، والإخبار الثاني يذكرك بالحكم لأن آفة الإنسان أن الأمور ~~التي تمر به من المرائي والمدركات، تتوالى وتصير الأشياء التي في بؤرة ~~الشعور إلى حاشية الشعور، فيغفل الإنسان عما صار في حاشية الشعور، ولا بد ~~من مجيء معنى جديد ليذكر بما غاب في حاشية الشعور. ومثال ذلك: إنك إذا ~~ألقيت حجرا في بحر، فهذا الحجر يستقر في بؤرة تصنع حولها دوائر من ~~المياه، وتذهب هذه الدوائر إلى أن تختفي من رؤية الإنسان، ودليل ذلك أنك ~~قد تتذكر أحداثا مرت عليك من عشرين عاما أو أكثر، هذه الأحداث كانت ~~موجودة في حاشية الشعور، ثم جاء لك ما ينبهك ms4965 إليها. والمخ كآلة التصوير ~~الفوتوغرافية يلتقط أحيانا من مرة واحدة، وأحيانا من مرتين، أو أكثر، ~~والالتقاط من أول مرة إنما يتم لأن المخ في تلك اللحظة كان خاليا من ~~الخواطر. ونحن نجد أن من فقدوا أبصارهم إنما ينعم الله سبحانه عليهم ~~بنعمة أخرى، هي قدرتهم الكبيرة على حفظ العلم لأنه حين يسمع الكفيف العلم ~~لا تشغله الخواطر المرئية التي تسرق انتباه بؤرة الشعور، أما المبصر، فقد ~~تسرق بؤرة شعوره ما يمر أمامه، فيسمع العلم لأكثر من مرة إلى أن يصادف ~~العلم بؤرة الشعور خالية فيستقر فيها. # وهكذا تفعل الذكرى لأنها تستدعي ما في حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور، ~~فإذا انشغلت عن طاعة وذهبت إلى معصية، فالذكرى توضح لك آفاق المسئولية ~~التي تتبع المعصية، وهي العقاب. ولذلك يقال: " لا خير في خير بعده ~~النار، ولا شر في شر بعده الجنة ". والحق سبحانه يقول هنا في الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها: { وأقم الصلاة طرفي النهار ~~وزلفا من اليل.. } [هود: 114]. وأنت حين تنظر إلى أركان ~~الإسلام، ستجد أنك تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله مرة ~~واحدة في العمر، والركن الثاني، وهو الصلاة، وهو ركن لا يسقط أبدا، فهي ~~كل يوم خمس مرات، فيها تنطق بالشهادة، وتزكي ببعض الوقت ليبارك لك الله ~~- سبحانه وتعالى - فيما بقي لك من وقت، وفيها تصوم عن الطعام والشراب ~~وكل ما يفسد الصيام، وأنت تتجه لحظة قيام الصلاة إلى البيت الحرام. ففي ~~الصلاة تتضح العبادات الأخرى، ففيها من أركان الإسلام الخمس. ولذلك لا ~~تسقط الصلاة أبدا لأنك إن لم تستطع الصلاة واقفا فلك أن تصلي ~~قاعدا، وإن لم تكن تستطيع الحركة فلك أن تحرك رموش عينيك، وأنت تصلي. ~~وهكذا تجد في الصلاة كل أركان الدين، ولأهميتها نجد أنها تبقى مع الإنسان ~~إلى آخر رمق في حياته، وهي قد أخذت أهميتها في التشريع على قدر أهميتها ~~في التكليف، وكل تكاليف الإسلام قد جاءت بواسطة الوحي إلا الصلاة، فقد ~~جاءت مباشرة من الله تعالى، فقد استدعى الله ms4966 سبحانه رسوله صلى الله عليه ~~وسلم إليه ليفرض عليه الصلاة وهي تحية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~نظرا لأنها شرعت في قرب محمد صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى. ~~لذلك جعل الحق سبحانه الصلاة المفروضة في القرب وسيلة لقرب أمة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم جميعا ولذلك فهي الباقية. ويحكى أن الإمام عليا - كرم ~~الله وجهه ورضي عنه - أقبل على قوم وقال لهم: أي آية في كتاب الله ~~أرجى عندكم؟ أي: ما هي الآية التي تعطي الرجاء والطمأنينة والبشرى بأن ~~الحق سبحانه يقبلنا ويغفر لنا ويرحمنا، فقال بعضهم: هي قول الحق سبحانه: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء.. # [النساء: 116]. فقال الإمام علي: حسنة، وليست إياها؟ أي: أنها آية تحقق ~~ما طلبه، لكنها ليست الآية التي يعنيها. فقال بعض القوم إنها قول الحق ~~سبحانه: # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر ~~الله يجد الله غفورا رحيما # [النساء: 110]. فكرر الإمام علي: حسنة، وليست إياها. فقال بعض القوم: هي ~~قول الحق سبحانه: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا.. # [الزمر: 53]. فقال الإمام علي: حسنة، وليست إياها: فقال بعضهم: هي قوله ~~سبحانه: # والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ~~ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر ~~الذنوب إلا الله.. # [آل عمران: 135]. فقال الإمام علي: حسنة، وليست إياها. وصمت القوم ~~وأحجموا، فقال الإمام علي كرم الله وجهه: ما بالكم يا معشر المسلمين؟ ~~وكأنه يسألهم: لماذا سكتم؟.. فقالوا: لا شيء. وهكذا جعل الإمام علي ~~التشويق أساسا يبني عليه ما سوف يقول لهم: واشرأبت أعناقهم، وأرهفوا ~~السمع، فقال لهم الإمام علي: سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " أرجى آية في كتاب الله هي قول الحق سبحانه: { وأقم الصلاة ~~طرفي النهار وزلفا من اليل إن الحسنات ~~يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين }. يا علي إن ~~أحدكم ليقوم من وضوئه فتتساقط عن جوارحه ذنوبه، فإذا أقبل على الله ms4967 بوجهه ~~وقلبه لا ينفتل - أي: لا يلتفت - إلا وقد غفر الله له كل ذنوبه كيوم ~~ولدته أمه فإذا أحدث شيئا بين الصلاتين فله ذلك، ثم عد الصلوات الخمس ~~واحدة واحدة، فقال بين الصبح والظهر، وبين الظهر والعصر، وبين العصر ~~والمغرب، وبين المغرب والعشاء، وبين العشاء والفجر، ثم قال صلى الله عليه ~~وسلم: " يا علي إنما الصلوات الخمس لأمتي كنهر جار بباب أحدكم، أو لو ~~كان على جسد واحد منكم درن ثم اغتسل في البحر، أيبقى على جسده شيء من ~~الدرن؟ قال: فذلكم والله الصلوات لأمتي ". # ولذلك لو نظرنا إلى الأعمال لوجدنا كل عمل له مجاله في عمره إلا مجال ~~الصلاة، فمجالها كل عمر الإنسان. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { واصبر ~~فإن الله لا يضيع أجر المحسنين... }. ### || [11.115] # وجاءت كلمة " اصبر " لتخدم كل عمليات الاستقامة. وكذلك يقول الحق ~~سبحانه: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها.. # [طه: 132]. والصبر نوعان: صبر " على " ، وصبر " عن " وفي الطاعات يكون ~~الصبر على مشقة الطاعة، مثل صبرك على أن تقوم من النوم لتصلي الفجر، وفي ~~اتقاء المعاصي يكون الصبر عن الشهوات. وهكذا نعلم أن الصبر على إطلاقه ~~مطلوب في الأمرين: في الإيجاب للطاعة، وفي السلب عن المعصية. ونحن نعلم ~~أن الجنة حفت بالمكاره فاصبر على المكاره، وحفت النار بالشهوات ~~فاصبر عنها. وافرض أن واحدا يرغب في أكل اللحم، ولكنه لا يملك ثمنها، ~~فهو يصبر عنها ولا يستدين. ولذلك يقول الزهاد: ليس هناك شيء اسمه غلاء، ~~ولكن هناك شيء اسمه رخص النفس. ولذلك نجد من يقول: إذا غلا شيء علي ~~تركته، وسيكون أرخص ما يكون إذا غلا. والحق سبحانه يقول: # واصبر على مآ أصابك.. # [لقمان: 17]. وهنا يقول الحق سبحانه: { واصبر فإن الله لا ~~يضيع أجر المحسنين } [هود: 115]. وهم الذين أدخلوا أنفسهم في ~~مقام الإحسان، وهو أن يلزم الواحد منهم نفسه بجنس ما فرض الله فوق ما فرض ~~الله، من صلاة أو صيام، أو زكاة، أو حج لبيت الله لأن العبادة ليست ~~اقتراحا من عابد لمعبود، بل المعبود هو الذي ms4968 يحدد ما يقربك إليه. وحاول ~~ألا تدخل في مقام الإحسان نذرا لأنه قد يشق عليك أن تقوم بما نذرته، ~~واجعل زمان الاختيار والتطوع في يدك حتى لا تدخل مع الله في ود إحساني ~~ثم تفتر عنه، وكأنك - والعياذ بالله - قد جربت مودة الله تعالى، فلم ~~تجده أهلا لها، وفي هذا طغيان منك. وإذا رأيت إشراقات فيوضات على من ~~دخل مقام الإحسان فلا تنكرها عليه، وإلا لسويت بين من وقف عند ما فرض ~~عليه، وبين من تجاوز ما فرض عليه من جنس ما فرض الله. وجرب ذلك في ~~نفسك، والتزم أمر الله باحترام مواقيت الصلاة، وقم لتصلي الفجر في ~~المسجد، ثم احرص على أن تتقن عملك، وحين يجيء الظهر قم إلى الصلاة في ~~المسجد، وحاول أن تزيد من ركعات السنة، وستجد أن كثافة الظلمانية قد ~~رقت في أعماقك، وامتلأت بإشراقات نوارنية تفوق إدراكات الحواس، ~~ولذلك لا تستكثر على من يرتاض هذه الرياضة الروحية، حين تجد الحق ~~سبحانه قد أنار بصيرته بتجليات من وسائل إدراك وشفافية. ولذلك لا نجد ~~واحدا من أهل النور والإشراق يدعي ما ليس له، والواحد منهم قد يعلم ~~أشياء عن إنسان آخر غير ملتزم، ولا يعلنها له لأن الله سبحانه وتعالى قد ~~خصه بأشياء وصفات لا يجب أن يضعها موضع التباهي والمراءاة. # وحين عرض الحق سبحانه هذه القضية أراد أن يضع حدودا للمرتاض ولغير ~~المرتاض، في قصة موسى عليه السلام حينما وجد موسى وفتاه عبدا صالحا، ~~ووصف الحق سبحانه العبد الصالح بقوله تعالى: # .. عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65]. وقال العبد الصالح لموسى عليه السلام: # .. إنك لن تستطيع معي صبرا # [الكهف: 67]. وبين العبد الصالح لموسى - بمنتهى الأدب - عذره في عدم ~~الصبر، وقال له: # وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا # [الكهف: 68]. ورد موسى عليه السلام: # .. ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا # [الكهف: 69]. فقال العبد الصالح: # .. فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث ~~لك منه ذكرا # [الكهف: 70]. ولكن ms4969 الأحداث توالت فلم يصبر موسى فقال له العبد الصالح: # هذا فراق بيني وبينك.. # [الكهف: 78]. وهذا حكم أزلي بأن المرتاض للرياضة الروحية، ودخل مقام ~~الإحسان لا يمكن أن يلتقي مع غير المرتاض على ذلك، وليلزم غير المرتاض ~~الأدب مثلما يلتزم المرتاض الأدب، ويقدم العذر في أن ينكر عليه غير ~~المرتاض معرفة ما لا يعرفه. ولو أن المرتاض قد عذر غير المرتاض، ولو أن ~~غير المرتاض تأدب مع المرتاض لاستقر ميزان الكون. والحق سبحانه يبين ~~لنا مقام الإحسان وأجر المحسنين، في قوله تعالى: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين # [الذاريات: 15-16]. ويبين الحق سبحانه لنا مدارج الإحسان، وأنها من ~~جنس ما فرض الله تعالى، في قوله سبحانه: # كانوا قليلا من اليل ما يهجعون # [الذاريات: 17]. والحق سبحانه لم يكلف في الإسلام ألا يهجع المسلم إلا ~~قليلا من الليل، وللمسلم أن يصلي العشاء، وينام إلى الفجر. وتستمر مدارج ~~الإحسان، فيقول الحق سبحانه: # وبالأسحار هم يستغفرون # [الذاريات: 18]. والحق سبحانه لم يكلف المسلم بذلك، ولكن الذي يرغب في ~~الارتقاء إلى مقام الإحسان يفعل ذلك. ويقول الحق سبحانه أيضا: # وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 19]. ولم يحدد الحق سبحانه هنا هذا الحق بأنه حق معلوم، بل ~~جعله حقا غير معلوم أو محدد، والله سبحانه لم يفرض على المسلم إلا ~~الزكاة، ولكن من يرغب في مقام الإحسان فهو يبذل من ماله للسائل والمحروم. ~~وهكذا يدخل المؤمن إلى مقام الإحسان، ليود الحق سبحانه. ولله المثل ~~الأعلى: نحن نجد الإنسان حين يوده غيره فهو يعطيه من خصوصياته، ويفيض ~~عليه من مواهبه الفائضة، علما، أو مالا، فما بالنا بمن يدخل في ود مع ~~الله سبحانه وتعالى. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { فلولا كان من ~~القرون من قبلكم... }. ### || [11.116] # وكلمة " لولا " هنا تحضيضية، والتحضيض إنما يكون حثا لفعل لم يأت ~~زمنه، فإن كان الزمن قد انتهى ولا يمكن استدراك الفعل فيه، تكون " لولا " ~~للتحسر والتأسف. وفي سورة يونس يقول الحق سبحانه: # فلولا كانت قرية ms4970 آمنت فنفعهآ إيمانها إلا ~~قوم يونس.. # [يونس: 98]. وذكرهم بالآيات. ونحن قد علمنا أن " لولا " لها استعمالان ~~في اللغة، فهي إن دخلت على جملة اسمية، فهي تدل على امتناع لوجود، كقول ~~إنسان لآخر: " لولا أن أباك فلانا لضربتك على ما أذنبت " وتسمى " لولا " ~~في هذه الحالة " حرف امتناع لوجود ". وإذا دخلت " لولا " على جملة فعلية، ~~فهي أداة تحضيض، وتحميس، وحث المخاطب على أن يفعل شيئا، مثلما تشجع ~~طالبا على المذاكرة، فتقول له: " لولا ذاكرت بجد واجتهاد في العام ~~الماضي لما نجحت ووصلت إلى هذه السنة الدراسية ". وفي هذا تحميس له على ~~بذل مزيد من الجهد، أما إذا قلت لراسب: " لولا ذاكرت لما رسبت " فهذا ~~توبيخ وتأسيف له على ما فات، وشحن طاقته لما هو آت لأن الزمن قد فات ~~وانتهى وقت المذاكرة لذلك تكون " لولا " - هنا - للتقريع والتوبيخ. والحق ~~سبحانه وتعالى يرشدنا إلى أن بقية الأشياء هي التي ثبتت أمام أحداث ~~الزمن، فأحداث الزمن تأتي لتطوح بالشيء التافه أولا، ثم بما دونه ثم بما ~~دونه، ويبقى الشيء القوي لأنه ثابت على أحداث الزمن وبقية الأشياء دائما ~~خيرها. والحق سبحانه قد بين لنا أنه قد أهلك الأمم التي سبقت لأنه لم ~~توجد فئة منهم تنهى عن الفساد في الأرض، وجاء الإهلاك لامتناع من يقاوم ~~الفساد بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وضرب الحق سبحانه لنا المثل ~~بالبقية في كل شيء، وأنها هي التي تبقى أمام الأحداث، ففي قصة شعيب عليه ~~السلام يقول الحق سبحانه: # يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا ~~تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير ~~وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط * ويقوم ~~أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا ~~الناس أشيآءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين * ~~بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين.. # [هود: 84-86]. ومعنى ذلك أن نقص المكيال أو الميزان قد يزيد التاجر ما ~~عنده، ولكنه لا يلتفت إلى ما هو مدخور. ولذلك قال شعيب عليه السلام: # ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا ~~تبخسوا الناس أشيآءهم.. # [هود: 85]. فأنت ms4971 إن نظرت إلى شيء قد ذهب، فامتلك القدرة على أن تحقق فيه ~~بالفهم، لتجده مدخرا لك باقيا. ولنا المثل في موقف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مع أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - حينما سألها عن شاة ~~أهديت له، وكانت تعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب من الشاة ~~كتفها، فتصدقت بكل الشاة إلا جزءا من كتفها، فلما سألها: ما فعلت ~~بالشاة قالت: ذهبت كلها إلا كتفها. # هكذا نظرت عائشة - رضي الله عنها - هذا المنظور الواقعي بأن الباقي من ~~الشاة هو كتفها فقط، وأنها تصدقت بباقي الشاة، ويلفتها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لفتة إيمان ويقين، ويقول لها: " بقي كلها إلا كتفها ". ~~هكذا نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما بقي من الشاة من خير. ~~ويؤيد ذلك حديث قاله صلى الله عليه وسلم: # " وهل لك يابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو ~~تصدقت فأمضيت ". # ويلفتنا القرآن الكريم إلى المنظور، وإلى المدخور، فيقول الحق سبحانه: # المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا.. # [الكهف: 46]. ويصف الحق سبحانه هذا المدخور بقوله: # .. ثوابا وخير أملا # [الكهف: 46]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # .. والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ~~وخير مردا # [مريم: 76]. إذن: لا بد أن تنظر إلى الباقيات في الأشياء لأنها هي التي ~~يعول عليها. ويلفتنا الحق سبحانه إلى ذلك في أكثر من موضع من القرآن ~~الكريم، فيقول تعالى: # والآخرة خير وأبقى # [الأعلى: 17]. ويقول سبحانه: # وما عند الله خير وأبقى.. # [القصص: 60]. إذن: فإياك أن تنظر إلى الذاهب، ولكن انظر إلى الباقي. ~~وإذا عضت الإنسان الأحداث في أي شيء، نجد أن سطحي الإيمان يفزع مما ~~ذهب، ونجد راسخ الإيمان شاكرا لله تعالى على ما بقي. وها هو ذا سيدنا ~~عبد الله بن جعفر - رضي الله عنه - حينما جرحت ساقه جرحا شديدا، وهو ~~في الطريق إلى الشام، ولحظة أن وصل إلى قصر الخلافة قال الأطباء: لا بد ~~من التخدير لنقطع الساق المريضة، ms4972 فقال: والله ما أحب أن أغفل عن ربي طرفة ~~عين. وكان هذا القول يعني أن تجرى له جراحة بتر الساق دون مخدر، فلما ~~قطعت الساق، وأرادوا أن يأخذوها ليدفنوها لتسبقه إلى الجنة إن شاء الله ~~قال: ابعثوا بها، فجاءوا بها إليه، فأمسكها بيده وقال: اللهم إن كنت قد ~~ابتليت في عضو فقد عافيت في أعضاء. هكذا نظر المؤمن إلى ما بقي. وحين ~~يتكلم القرآن الكريم عن مراتب ومراقي الإيمان يقول مرة: # فأولئك يدخلون الجنة.. # [غافر: 40]. ويقول عن أناس آخرين: # أولئك عليهم صلوات من ربهم.. # [البقرة: 157]. والجنة باقية بإبقاء الله لها، ولكن رحمة الله باقية ~~ببقاء الله، وهكذا تكون درجة الرحمة أرقى من درجة الجنة. # وهكذا تجد في كل أمر ما يسمى بالباقيات. وهنا يقول الحق سبحانه: { ~~فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ~~ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن ~~أنجينا منهم.. } [هود: 116]. أي: لولا أن كان في الناس بقية من ~~الخير وبقية من الإيمان، وبقية من اليقين، وكانوا ينهون عن الفساد في ~~الأرض، لولا هم لخسف الله الأرض بمن عليها. والبقايا في كل الأشياء هي ~~نتيجة الاختيار، والاختبار مصداقا لقول الحق سبحانه: # فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض.. # [الرعد: 17]. وفي العصر الحديث نقول: " البقاء للأصلح ". إذن: فالحق ~~سبحانه إنما يحفظ الحياة بهؤلاء الذين ينهون عن الفساد في الأرض لأنهم ~~يعملون على ضوء منهج الله، وهذا المنهج لا يزيد ملكا لله، ولا يزيد صفة ~~من صفات الكمال لله، لأنه سبحانه خلق الكون بكل صفات الكمال فيه، ومنهجه ~~سبحانه إنما يصلح حركة الحياة، وحركة الأحياء. وهكذا يعود منهج السماء ~~بالخير على مخلوقات الله، لا على الله الذي كون الكون بكماله. واقرأ إن ~~شئت قول الحق سبحانه: # والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في ~~الميزان # [الرحمن: 7-8]. فكما رفع الحق سبحانه السماء بلا عمد، وجعل الأمور ~~مستقرة متوازنة فلكم أن تعدلوا في الكون في الأمور الاختيارية بميزان ~~دقيق لأن اعوجاج الميزان إنما يفسد حركة الحياة. ms4973 ومن اعوجاج الميزان أن ~~يأخذ العاطل خير الكادح، ويرى الناس العاطل، وهو يحيا في ترف من سرقة ~~خير الكادح، فيفعلون مثله، فيصير الأمر إلى انتشار الفساد. وينزوي أصحاب ~~المواهب، فلا يعمل الواحد منهم أكثر من قدر حاجته لأن ثمرة عمله إن زادت ~~فهي غير مصونة بالعدالة. وهكذا تفسد حركة الحياة، وتختل الموازين، وتتخلف ~~المجتمعات عن ركب الحياة. والحق سبحانه وتعالى يقول: { فلولا كان ~~من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن ~~الفساد في الأرض.. } [هود: 116]. وشاء الحق سبحانه أن يجعل أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم بشرط أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن ~~المنكر. قال الله تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر.. # [آل عمران: 110]. وجعلها الحق سبحانه الأمة الخاتمة، لأنه لا رسالة بعد ~~رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانت الرسالات قبلها تأتي بعد أن ~~يتقلص الخير في المجتمعات، وفي النفوس. فقد وضع الحق سبحانه المنهج لأول ~~الخلق في النفس الإنسانية، وكانت المناعة ذاتية في الإنسان، إن ارتكب ~~ذنبا فهو يتوب ويرجع بعد أن يلوم نفسه، ولكن قد يستقر أمره على المعصية، ~~وتختفي منه " النفس اللوامة " ، ويستسلم للنفس الأمارة بالسوء، فيجد ~~من المجتمع من يقومه، فإذا ما فسد المجتمع، فالسماء تتدخل بإرسال ~~الرسل، إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أمنها الحق سبحانه أنه ~~سيظل فيها إلى أن تقوم الساعة من يدعو إلى الخير، ومن يأمر بالمعروف، ومن ~~ينهى عن المنكر ولذلك لن يوجد أنبياء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيدا لهذا المعنى: # " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ". # والعالم: هو كل من يعلم حكما من أحكام الله سبحانه، وعليه أن يبلغه ~~إلى الناس. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " نضر الله وجه امرىء سمع مقالتي فوعاها، وأداها إلى من لم يسمعها، ~~فرب مبلغ أوعى من سامع ". # ويقول الحق سبحانه: {.. أولوا بقية ينهون عن الفساد ~~في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم ms4974 واتبع ~~الذين ظلموا مآ أترفوا فيه وكانوا مجرمين } ~~[هود: 116]. وقد أنجى الحق سبحانه بعضا ممن نهوا عن الفساد في الأرض. ~~ونرى أمثلة على ذلك في القرية التي كانت حاضرة البحر، وكانت تأتيهم ~~حيتانهم شرعا يوم السبت الذي حرموا فيه الصيد على أنفسهم، ويوم لا ~~يسبتون لا تأتيهم. ويقول الحق سبحانه: # وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله ~~مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة ~~إلى ربكم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ~~ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء ~~وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا ~~يفسقون # [الأعراف: 164-165]. هكذا أنجى الله سبحانه الذي نهوا عن السوء في تلك ~~القرية، وقد نرى في بعض المجتمعات عنصرين: الأول: أنه لا يوجد طائفة تنهى ~~عن الفساد. والعنصر الثاني: أن ينفتح على المجتمع باب الترف على مصراعيه، ~~وفي انفتاح باب الترف على مصراعيه مذلة للبشر لأنك قد تجد إنسانا لا ~~تترفه إمكاناته فيزيد هذه الإمكانات بالرشوة والسرقة والغصب. وكل ذلك ~~إنما ينشأ لأن الإنسان يرى مترفين يتنعمون بنعيم لا تؤهله إمكاناته أن ~~يتنعم به. ويقول الحق سبحانه وتعالى عن إهلاك مثل هذه المجتمعات: # وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها.. # [الإسراء: 16]. وبعض الناس يفهمون هذه الآية الكريمة على غير وجهها فهم ~~يفهمون الفسق على أنه نتيجة لأمر من الله - سبحانه وتعالى - والحقيقة ~~أنهم إنما قد خالفوا أمر الله لأن الحق سبحانه يقول: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين.. # [البينة: 5]. أي: أن الحق سبحانه أمر المترفين أن يتبعوا منهج الله، ~~لكنهم خالفوا المنهج الإلهي مختارين ففسقوا عن أمر ربهم. وفي الآية ~~الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { واتبع الذين ظلموا ~~مآ أترفوا فيه.. } [هود: 116]. وقوله سبحانه: ظلموا تبين أن مادة ~~الترف التي عاشوا فيها جاءت من الظلم، وأخذ حقوق الناس وامتصاص دماء ~~الكادحين. ومادة ترف تعني النعمة يتنعم بها الإنسان. # ومنها: أترف، وأترف، وكلمة " أترف " أي: أطغته النعمة، وأنسته المنعم ~~سبحانه. وأترف، أي: مد الله له في النعمة ليأخذه أخذ ms4975 عزيز مقتدر. والحق ~~سبحانه يقول: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة.. # [الأنعام: 44]. فمن يمسك عدوه ليرفعه فلا يظنن أنه يدلله، ولكنه يرفعه ~~ليلقيه من عل، فيزداد ويعظم ألمه. وكان الله سبحانه قد أعطى أمثال هؤلاء ~~نعمة ليطغوا. ولنا أن ننتبه إلى كلمة " الفتح " التي تجعل النفس منشرحة، ~~وعلينا أن ننتبه إلى المتعلق بها، أهو فتح عليك، أم فتح لك؟ إن فتح عليك ~~فافهم أن النعمة جاءت لتطغيك، ولكن إن فتح لك، فهذا تيسير منه سبحانه، ~~فهو القائل: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # [الفتح: 1]. وهؤلاء الذين يحدثنا الحق سبحانه عنهم في هذه الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها قد فتح الله سبحانه عليهم أبواب الضر لأنهم غفلوا ~~عنه. وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: {.. وكانوا ~~مجرمين } [هود: 116]. أي: كانوا يقطعون ما كان يجب أن يوصل وهو ~~اتباع منهج السماء لأن كلمة مجرمين مأخوذة من مادة " جرم " وتعني: " قطع ~~" ، وقطع اتباع منهج السماء والغفلة عن الإيمان بالخالق سبحانه، ~~والاستغراق في الترف الذي حققوه لأنفسهم بظلم الغير، وأخذ نتيجة عرق وجهد ~~الغير. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وما كان ربك ليهلك ~~القرى... }. ### || [11.117] # وساعة تقرأ أو تسمع ما كان يتطرق إلى ذهنك: ما كان ينبغي. ومثال ذلك: هو ~~قولنا: " ما كان يصح لفلان أن يفعل كذا ". وقولنا هذا يعني أن فلانا قد ~~فعل أمرا لا ينبغي أن يصدر منه. وهناك فرق بين نفي الوجود ونفي انبغاء ~~الوجود. والحق سبحانه يقول: # وما علمناه الشعر وما ينبغي له.. # [يس: 69]. وهذا لا يعني أن طبيعة الرسول صلى الله عليه وسلم جامدة، ولا ~~يستطيع - معاذ الله - أن يتذوق المعاني الجميلة لأنه صلى الله عليه وسلم ~~جبل على الرحمة وقد قال فيه الحق سبحانه: # فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك.. # [آل عمران: 159]. ولهذا نفهم قوله الحق: # وما علمناه الشعر وما ينبغي له.. # [يس: 69]. أي: أن الحق سبحانه لم ms4976 يشأ له ان يكون شاعرا. وهكذا نفهم أن ~~هناك فرقا بين " نفي الوجود " وبين " نفي انبغاء الوجود ". والحق سبحانه ~~يقول هنا: { وما كان ربك ليهلك القرى بظلم.. } ~~[هود: 117]. أي: لا يتأتى، ويستحيل أن يهلك الله القرى بظلم لأن مراد ~~الظالم أن يأخذ حق الغير لينتفع به ولا يوجد عند الناس ما يزيد الله ~~شيئا لأنه سبحانه واهب كل شيء لذلك فالظلم غير وارد على الإطلاق في ~~العلاقة بين الخالق سبحانه وبين البشر. وحين يورد الحق سبحانه كلمة " ~~القرى " - وهي أماكن السكن - فلنعلم أن المراد هو " المكين " ، مثل قول ~~الحق سبحانه: # وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر.. # [الأعراف: 163]. وقوله الحق أيضا: # وسئل القرية التي كنا فيها.. # [يوسف: 82]. والحق سبحانه في مثل هاتين الآيتين وكذلك الآية التي ~~نتناولها الآن بهذه الخواطر إنما يسأل عن المكين. والله سبحانه يقول هنا: ~~{ وما كان ربك ليهلك القرى بظلم.. } [هود: 117]. ~~أي: أنه منزه عن أن يهلكهم بمجاوزة حد، لكن له أن يهلكهم بعدل لأن ~~العدل ميزان، فإن كان الوزن ناقصا كان الخسران، ومن العدل العقاب، وإن ~~كان الوزن مستوفيا كان الثواب. وفي مجالنا البشري لحظة أن نأخذ الظالم ~~بالعقوبة فنحن نتعبه فعلا لكننا نريح كل المظلومين وهذه هي العدالة ~~فعلا. ومن خطأ التقنينات الوضعية البشرية هو ذلك التراخي في إنفاذ ~~الحقوق في التقاضي فقد تحدث الجريمة اليوم ولا يصدر الحكم بعقاب المجرم ~~إلا بعد عشر سنوات، واتساع المسافة بين ارتكاب الجريمة وبين توقيع ~~العقوبة إنما هو واحد من أخطاء التقنينات الوضعية ففي هذا تراخ في إنفاذ ~~حقوق التقاضي لأن اتساع المسافة بين ارتكاب الجريمة وبين توقيع العقوبة ~~إنما يضعف الإحساس ببشاعة الجريمة. # ولذلك حرص المشرع الإسلامي على ألا تطول المسافة الزمنية بين وقوع ~~الجريمة وبين إنزال العقوبة، فعقاب المجرم في حموة وجود الأثر النفسي ~~عند المجتمع يجعل المجتمع راضيا بعقاب المجرم، ويذكر الجميع ببشاعة ما ~~ارتكب ويوازن بين الجريمة وبين عقوبتها. ويقول الحق سبحانه هنا: { وما ~~كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون } ~~[هود: 117]. وفي ms4977 آية أخرى يقول الحق سبحانه: # .. لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها ~~غافلون # [الأنعام: 131]. إذن: لا بد من إزاحة الغفلة أولا، وقد أزاح الله ~~سبحانه الغفلة عنا بإرسال الرسل وبالبيان وبالنذر حتى لا تكون هناك عقوبة ~~إلا على جريمة سبق التشريع لها. وهكذا أعطانا الله سبحانه وتعالى البيان ~~اللازم لإدارة الحياة، ثم جاء من بعد ذلك الأمر بضرورة الإصلاح: { وما ~~كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون } ~~[هود: 117]. والإصلاح في الكون هو استقبال ما خلق الله سبحانه لنا في ~~الكون من ضروريات لننتفع بها، وقد كفانا الله ضروريات الحياة وأمرنا أن ~~نأخذ بالأسباب لنطور بالابتكارات وسائل الترف في الحياة. وضروريات الحياة ~~من طعام وماء وهواء موجودة في الكون، والتزاوج متاح بوجود الذكر والأنثى ~~في الكائنات المخلوقة، أما ما نصنعه نحن من تجويد لأساليب الحياة ~~ورفاهيتها فهذا هو الإصلاح المطلوب منا. وسبق أن قلنا: إن المصلح هو الذي ~~يترك الصالح على صلاحه، أو يزيده صلاحا يؤدي إلى ترفه وإلى راحته، وإلى ~~الوصول إلى الغاية بأقل مجهود في أقل وقت. والقرى التي يصلح أهلها لا ~~يهلكها الله لأن الإصلاح إما أن يكون قد جاء نتيجة اتباع منهج نزل من ~~الله تعالى فتوازنت به حركة الإنسان مع حركة الكون، ولم تتعاند الحركات ~~بل تتساند وتتعاضد، ويتواجد المجتمع المنشود. وإما أن هؤلاء الناس لم ~~يؤمنوا بمنهج سماوي، ولكنهم اهتدوا إلى أسلوب عمل يريحهم، مثل الأمم ~~الملحدة التي اهتدت إلى شيء ينظم حياتهم لأن الله سبحانه وتعالى لم يمنع ~~العقل البشري أن يصل إلى وضع قانون يريح الناس. لكن هذا العقل لا يصل إلى ~~هذا القانون إلا بعد أن يرهق البشر من المتاعب والمصاعب، أما المنهج ~~السماوي فقد شاء به الله سبحانه أن يقي الناس أنفسهم من التعب، فلا تعضهم ~~الأحداث. وهكذا نجد القوانين الوضعية وهي تعالج بعض الداءات التي يعاني ~~منها البشر، لا تعطي عائد الكمال الاجتماعي، أما قوانين السماء فهي تقي ~~البشر من البداية فلا يقعون فيما يؤلمهم. وهكذا نفهم قول الحق سبحانه: ms4978 ~~{.. وأهلها مصلحون } [هود: 117]. لأنهم إما أن يكونوا متبعين ~~لمنهج سماوي، وإما أن يكونوا غير متبعين لمنهج سماوي، لكنهم يصلحون ~~أنفسهم. إذن: فالحق سبحانه وتعالى لا يهلك القرى لأنها كافرة بل يبقيها ~~كافرة ما دامت تضع القوانين التي تنظم حقوق وواجبات أفرادها وإن دفعت ثمن ~~ذلك من تعاسة وآلام. # ولكن على المؤمن أن يعلن لهم منهج الله فإن أقبلوا عليه ففي ذلك ~~سعادتهم، وإن لم يقبلوا فعلى المؤمنين أن يكتفوا من هؤلاء الكافرين بعدم ~~معارضة المنهج الإيماني. ولذلك نجد - في البلاد التي فتحها الإسلام - ~~أناسا بقوا على دينهم لأن الإسلام لم يدخل أي بلد لحمل الناس على أن ~~يكونوا مسلمين، بل جاء الإسلام بالدليل المقنع مع القوة التي تحمي حق ~~الإنسان في اختيار عقيدته. يقول الله جل علاه: # لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ~~وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين # [الممتحنة: 8]. فإذا كانت بعض المجتمعات غير مؤمنة بالله، ومصلحة ~~فالحق سبحانه لا يهلكها بل يعطيهم ما يستحقونه في الحياة الدنيا لأنه ~~سبحانه القائل: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ولو شآء ربك ~~لجعل الناس أمة واحدة... }. ### || [11.118] # ونحن نعلم أن الإنسان قد طرأ على هذا الكون بعد أن خلق الله - سبحانه - ~~في هذا الكون كل مقومات الحياة المسخرة بأمر الله لهذا الإنسان ليمارس ~~مهمة الخلافة في الأرض ولم تتأب تلك الكائنات على خدمة الإنسان، سواء ~~أكان مؤمنا أم كافرا لأن الحق - سبحانه - هو الذي استدعى الإنسان إلى ~~الوجود، وما دام قد استدعاه فهو - سبحانه - لن يضن عليه بمقومات هذا ~~الوجود من بقاء حياة، وبقاء نوع. وهذا هو عطاء الربوبية الذي كفله الله - ~~سبحانه - لكل البشر: مؤمنهم وكافرهم، وهو عطاء يختلف عن عطاء الألوهية ~~المتمثل في المنهج الإيماني: " افعل " و " لا تفعل ". ومن يأخذ عطاء ~~الألوهية مع عطاء الربوبية فهو ms4979 من سعداء الدنيا والآخرة. إذن: فقدرة الله ~~- سبحانه - قد أرغمت الكون - دون الإنسان - أن يؤدي مهمته، وكان من ~~الممكن أن يجعل البشر أمة واحدة مهتدية لا تخرج عن نظام أراده الله - ~~سبحانه وتعالى - كما لم تخرج الشمس أو القمر أو الهواء أو أي من الكائنات ~~الأخرى المسخرة عن إرادته. لأن الحق - تبارك وتعالى - أثبت لنفسه طلاقة ~~القدرة في تسخير أجناس لمراده بحيث لا تخرج عنه، وذلك يثبت لله - سبحانه ~~- القدرة ولا يثبت له المحبوبية. أما الذي يثبت له المحبوبية فهو أن يخلق ~~خلقا ويعطيهم في تكوينهم اختيارا. ويجعل هذا الاختيار كل واحد ~~فيهم صالحا أن يطيع، وصالحا أن يعصي، فلا يذهب إلى الإيمان والطاعة إلا ~~لمحبوبية الله - تعالى. وهكذا نعلم أن الكون المسخر المقهور قد كشف لنا ~~سيال القدرة، والجنس الذي وهبه الله الاختيار إن أطاع فهو يكشف لنا ~~سيال المحبوبية. والحق - سبحانه - هو القائل: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29]. ولكن أيترك الإنسان حتى يأتي له الغرور في أنه يملك ~~الاختيار دائما؟ لا.. فمع كونك مختارا إياك أن تغتر بهذا الاختيار لأن ~~في طيك قهرا، وما دام في طيك قهر فعليك أن تتأدب ولا تتوهم أنك ~~مختار في أن تؤمن بالله أو لا تؤمن ولا تتوهم أنك منفلت من قبضة الله - ~~تعالى - فهو يملك زمامك في القهريات التي تحفظ لك حياتك مثل: الحيوان ~~والنبات والجماد، ولكنه - سبحانه - ميزك بالعقل. وخطأ الإنسان دائما ~~أنه قد يعطي الأسماء معاني ضد مسمياتها، فكلمة " العقل " مأخوذة من " عقل ~~" وتعني: " ربط " فلا تجمح بعقلك في غير المطلوب منه لأن مهمة العقل أن ~~يكبح جماحك. وتذكر دائما: في قبضة من أنت وفي زمام من أنت وفي أي الأمور ~~أنت مقهور؟ وما دمت مقهورا في أشياء فاختر أن تكون مقهورا لمنهج ~~الله سبحانه واحفظ أدبك مع الله، واعلم أنه قد وهبك كل وجودك سواء ما أنت ~~مختار فيه أو مقهور عليه. # وانظر إلى من سلبهم الحق - سبحانه - بعض ما كانوا يظنون أنها أمور ذاتية ~~فيهم، ms4980 فتجد من كان يحرك قدمه غير قادر على تحريكها، أو يحاول أن يرفع يده ~~فلا يستطيع. ولو كانت مثل هذه الأمور ذاتية في الإنسان لما عصته، وهذا ~~دليل على أنها أمور موهوبة من الله، وإن شاء أخذها، فهو - سبحانه - ~~يأخذها ليؤدب صاحبها. وما دام الإنسان بهذا الشكل، فليقل لنفسه: إياك ~~أن تغتر بأن الله جعل فيك زاوية اختيار، وتذكر أنك على أساس من هذه ~~الزاوية تتلقى التكليف من الله ب " افعل " ، و " لا تفعل " لأن معنى " ~~افعل كذا ": أنك صالح ألا تفعل ومعنى " لا تفعل كذا ": أنك صالح أن ~~تفعل لأن لديك منطقة اختيار ولكن لديك في زواياك الأخرى منطقة قهر ~~وتسخير، فتأدب في منطقة الاختيار، كما تأدبت في منطقة الاضطرار ~~والقهر. وقد وصف الحق - سبحانه - الإنسان بأنه كنود، قال تعالى: # إن الإنسان لربه لكنود # [العاديات: 6]. لإن الإنسان لا يتذكر أحيانا أن مهمة عقله الأولى هي أن ~~يعقل حدوده، وأن يقول لنفسه: ما دامت الحيوانية في مقهورة، وما دامت ~~الجمادية في مقهورة فلأكن مؤدبا مع ربي، وأجعل منطقة الاختيار على ~~مراد منهج الله. وأنت إن أردت أن تضع إحصائية ل " افعل " ولا " تفعل " ~~لوجدت ما لم يرد فيه تكليف ب " افعل " و " لا تفعل " لا يقل عن خمسة ~~وتسعين في المائة من حركة الحياة، وهو المباح. وأنزل الله - سبحانه - ~~التكليف لتنضبط به حركة حياتك كلها - إن جعلت التكليف هو مرادك - وهو لن ~~يأخذ أكثر من خمسة في المائة من حركة الحياة، ويعود خير ذلك عليك. فساعة ~~يقول لك التكليف: عليك أن تزكي عن مالك، فلا بد لك من أن تقدر ~~المقابل، لأنك إن افتقرت واحتجت سيأتيك من زكاة الآخرين ما يلبي ~~احتياجاتك، فمن " افعل " التي تلتزم بها ويلتزم بها غيرك تأتي الثمرة ~~التي تسد عجز أي ضعف في المجتمع الإيماني بالتراحم المتبادل النابع عن ~~اليقين بالمنهج. وحين يقول لك التكليف: لا تعتد على حرمات الغير، فهو ~~يقيد حريتك في ظاهر الأمر، لكنه يحمي حرماتك من أن يعتدي عليها الغير، ~~وحين ms4981 تتعقل أوامر التكليف كلها ستجدها لصالحك سواء أكان الأمر ب " افعل ~~" أو " لا تفعل ". # وهنا يقول الحق - سبحانه: { ولو شآء ربك لجعل الناس ~~أمة واحدة.. } [هود: 118]. و " لو " تفيد الامتناع. أي: أن الله ~~- تعالى - لم يجعل الناس أمة واحدة، بل جعلهم مختلفين. وقد حاول بعض من ~~الذين يريدون أن يدخلوا على الإسلام بنقد ما، فقالوا: ألا تتعارض هذه ~~الآية مع قول الله: # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين.. # [البقرة: 213]. وظن أصحاب هذا القول أن البشر لم يلتفتوا إلى خالقهم من ~~البداية ثم بعث الله الأنبياء ليلفتهم إلى المنهج. ونقول لهؤلاء: لا، فقد ~~ضمن الحق - سبحانه - للناس قوتهم وقوام حياتهم، وكذلك ضمن لهم المنهج ~~الإيماني منذ أن أمر آدم وزوجه بالهبوط إلى الأرض لممارسة مهمة الخلافة ~~فيها، وقال الله - سبحانه: # فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى.. # [طه: 123]. ولو استقصى هؤلاء الآيات التي تعالج هذا الأمر، وهي ثلاث ~~آيات فهنا يقول الحق - سبحانه: { ولو شآء ربك لجعل الناس ~~أمة واحدة.. } [هود: 118]. وفي الآية التي ظنوا أنها تتعارض مع ~~الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول - سبحانه: # كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين ~~مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ~~ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف ~~فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جآءتهم ~~البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي ~~من يشآء إلى صراط مستقيم # [البقرة: 213]. وهكذا نعرف أن الحق سبحانه وتعالى أنزل المنهج مع آدم - ~~عليه السلام - ثم طرأت الغفلة فاختلف الناس، فبعث الله الأنبياء ليحكموا ~~فيما اختلف فيه الناس. إذن: فقول الله - تعالى: { ولو شآء ربك ~~لجعل الناس أمة واحدة.. } [هود: 118]. يعني أنه - سبحانه ~~- لو شاء لجعل الناس كلهم على هداية لأنه بعد أن خلقهم وأنزلهم إلى الأرض ~~وأنزل لهم المنهج كانوا على هداية، ولكن بحكم خاصية الاختيار التي منحها ~~الله لهم، اختلفوا. ثم يقول الحق - سبحانه: { ولا يزالون ~~مختلفين.. } [هود: 118]. أي: أنهم سيظلون على الخلاف. ويأتي الحق ms4982 - ~~سبحانه وتعالى - في الآية التالية بالاستثناء فيقول: { إلا من ~~رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك... }. ### || [11.119] # أي: أن الحق - سبحانه - قد خلق الخلق للرحمة والاختلاف. وساعة نرى ~~" اسم إشارة " أو " ضميرا " عائدا على كلام متقدم، فنحن ننظر ماذا ~~تقدم. والمتقدم هنا: # ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك.. # [هود: 118-119]. والحق - سبحانه وتعالى - حين تكلم عن خلق الإنسان قال: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. ومعنى العبادة هو طاعة الله - سبحانه - في " افعل " و " ~~لا تفعل " وهذا هو المراد الشرعي من العبادة ولكن المرادات الاجتماعية ~~تحكمت فيها خاصية الاختيار، فحدث الاختلاف، ونشأ هذا الاختلاف عن ~~تعدد الأهواء. فلو أن هوانا كان واحدا لما اختلفنا، ولكنا نختلف ~~نتيجة لاختلاف الأهواء، فهذا هواه يميني وذاك هواه يساري وثالث هواه ~~شيوعي ورابع هواه رأسمالي وخامس هواه وجودي، وكل واحد له هوى. ولذلك ~~قال الحق - سبحانه: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض.. # [المؤمنون: 71]. ولم يكن العالم ليستقيم لو اتبع الله - سبحانه - أهواء ~~البشر المختلفة، ولكن أحوال هذا العالم يمكن أن تستقيم إذا صدرت حركته ~~الاختيارية عن هوى واحد ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". # وفي حياتنا اليومية نلاحظ أن الأعمال التي تسير بها حركة الحياة وبدون ~~أن ينزل تكليف فيها نجد فيها اختلافا لا محالة لأن الحق سبحانه وتعالى ~~لو شاء لخلقنا كلنا عباقرة في كل مناحي الحياة أو يخلقنا كلنا شعراء أو ~~أطباء أو فلاسفة. ولو شاء - سبحانه - ذلك فمن سيقوم بالأعمال الأخرى؟ فلو ~~أننا كنا كلنا أطباء فمن يقوم بأعمال الزراعة وغيرها؟ ولو كنا جميعا ~~مهندسين فمن يقوم بأعمال التجارة وغيرها؟ وقد شاء الحق - سبحانه - أن ~~يجعل مواهبنا مختلفة ليرتبط العالم ببعضه ارتباط تكامل وضرورة لا ارتباط ~~تفضل. ولذلك يقول الحق - سبحانه: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا.. # [الزخرف: 32]. وهكذا نعرف أن رفع الدرجات ms4983 لا يعني تلك النظرة الحمقاء ~~الرعناء، والتي تدعي أن في ذلك التقسيم رفعة للغنى وتقليلا لشأن الفقير ~~لأن الواقع يؤكد أن كل إنسان هو مرفوع في جهة بسبب ما يحسنه فيها ومرفوع ~~عليه في جهة أخرى بسبب ما لا يحسنه ويحسنه غيره، وغيره مكمل له. وهكذا ~~يتبادل البشر ما يحققه اختلاف مواهبهم، واختلاف المواهب هي مقومات ~~التلاحم. ولذلك قلنا: إن مجموع سمات ومواهب كل إنسان إنما يتساوى مع ~~مجموع سمات ومواهب كل إنسان آخر، ولا تفاضل إلا بالتقوى وقيمة كل امرىء ~~ما يحسنه. # وقد ترى صاحب السيارة الفارهة وهو يرجو عامل إصلاح السيارات الذي يرتدي ~~ملابس رثة ومتسخة ليصلح له سيارته فيقول له العامل: لا وقت عندي لإصلاح ~~سيارتك فيلح صاحب السيارة الفارهة بالرجاء فيرضى العامل ويرق قلبه لحال ~~هذا الرجل صاحب السيارة الفارهة ويذهب لإصلاحها. لذلك أقول: إذا نظرت ~~لمن هو دونك في أي مظهر من مظاهر الحياة فلا تغتر بما تفوقت وتميزت ~~به عليه ولكن قل لنفسك: لا بد أن هذا الإنسان متفوق في مجال ما. ونحن ~~نعلم أن الله - سبحانه وتعالى - ليس له أبناء ليميز واحدا بكامل ~~المواهب، ويترك آخر دون موهبة. ولذلك يقول الحق - سبحانه - هنا: # ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم.. # [هود: 118-119]. وإن كان الاختلاف في المقدرات والمنهج فهذا ما يولد ~~الكفر أو الإيمان، ولنا أن نعرف أن الكفر له رسالة بل هو لازم ليستشعر ~~المؤمن حلاوة الإيمان. ولو لم يكن للكفر وظيفة لما خلقه الله. وقد قلت ~~قديما: إن الكفر يعاون الإيمان مثلما يعاون الألم العافية، فلولا الألم ~~لما جئنا بالطبيب ليشخص الداء، ويصف الدواء الشافي بإذن الله. ولذلك ~~نقول: الألم رسول العافية. والحق سبحانه يقول هنا: # ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك.. # [هود: 118-119]. وأنت إن دققت النظر في الاختلاف لوجدته عين الوفاق. ~~ومثال ذلك: اختلاف أبنائك فيما يحبونه من ألوان الطعام، فتجد ابنا ~~يفضل صدر الدجاجة، وآخر يفضل الجزء الأسفل منها " الورك " ، وتضحك ~~أنت لهذا الاختلاف، لأنه ms4984 اختلاف في ظاهر الأمر، ولكن باطنه وفاق، لو ~~اتفقنا جميعا في الأمزجة لوجدنا التعاند والتعارض وهذا ما ينتشر بين ~~أبناء المهنة الواحدة. ولمن يسأل: هل الخلق للاختلاف أم الخلق للرحمة؟ ~~نقول: إن الخلق للاختلاف والرحمة معا، لأن الجهة منفكة. ثم يقول - ~~سبحانه - في نفس الآية: {.. وتمت كلمة ربك لأملأن ~~جهنم من الجنة والناس أجمعين } [هود: 119]. والحق ~~سبحانه قد علم أزلا بمن يختار الإيمان ومن يختار الكفر، وهذا من صفات ~~العلم الأزلي لله - سبحانه وتعالى - ولذلك قال - سبحانه: { وتمت ~~كلمة ربك } أي: علم - سبحانه - من من عباده سيختار أن يعمل ~~في الدنيا عمل أهل النار، ومن سيختار أن يعمل عمل أهل الجنة لسبق علمه ~~الأزلي بمرادات عباده واختياراتهم. وسبق أن ضربنا مثلا - ولله المثل ~~الأعلى - بعميد الكلية الذي يعلن للأساتذة ضرورة ترشيح المتفوقين في كل ~~قسم لأن هناك جوائز في انتظارهم، فيرشح كل أستاذ أسماء المتفوقين الذين ~~لمس فيهم النبوغ والإخلاص للعلم، ويطلب العميد من أساتذة من خارج جامعته ~~أن يضعوا امتحانات مفاجئة لمجموع الطلاب ويفاجأ العميد بتفوق الطلبة ~~الذين لمس فيهم أساتذتهم النبوغ والإخلاص للعلم، وهنا يتحقق العميد من ~~صدق تنبؤ الأساتذة الذين يعملون تحت قيادته. # ولكن قد تحدث مفاجأة: أن يتخلف واحد من هؤلاء الطلبة لمرض أصابه أو ~~طارىء يطرأ عليه من تعب أعصاب أو إرهاق أو غير ذلك وبهذا يختل تقدير ~~أستاذه لكن تقدير الحق - سبحانه - منزه عن الخطأ، وما علمه أزلا ~~فهو محقق لا محالة لذلك بين لنا أنه علم أزلي، ويتحدى الكافر به ~~أن يغيره. وكلنا يعرف أن الحق - سبحانه - أنزل قوله الكريم: # تبت يدآ أبي لهب وتب # [المسد: 1]. وسمعها أبو لهب ولم يتحدها بإعلان الإيمان - ولو نفاقا. ~~وقول الحق: { وتمت كلمة ربك } تبين لنا أن الحق - سبحانه ~~- إن قال شيئا فهو قد تم بالفعل فلا راد لمشيئته، أما نحن فعلينا ~~أن نسبق كل وعد بعمل سنقوم به بقول: # إلا أن يشآء الله.. # [الكهف: 24]. لأن الحق يقول لنا: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا ms4985 أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24]. وفي هذا احترام لوضعنا البشري، وإيمان بغلبة القهر، ~~ومعرفة لحقيقة أننا من الأغيار لأن كل حدث من الأحداث يتطلب فاعلا ~~ومفعولا يقع عليه الفعل ومكانا وزمانا وسببا ولا أحد منا يملك ~~أي واحد من تلك العناصر. فإن قلت: { إلا أن يشآء الله } ~~تكون قد عصمت نفسك من أن تكون كاذبا، أو أن تعد بما لا تستطيع، لكن ~~إذا كان من يقول هو مالك كل شيء، ولا قوة تخرجه عما قال، فهو وحده ~~القادر على أن ينفذ ما يقول. ولذلك قلنا: إن كل فعل ينسب إلى الله - ~~تعالى - يتجرد عن الزمن فلا نقول: " فعل ماض " أو " فعل سيحدث في ~~المستقبل " أو " فعل مضارع " لأن تلك الأمور إنما تقاس بها أفعال ~~البشر، لكن أفعال الله - سبحانه - لا تقاس بنفس المقياس، فسبحانه حين ~~يقرر أمرا فنحن نأخذه على أساس أنه قد وقع بالفعل. والحق - سبحانه - ~~يقول: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1]. وقوله سبحانه: { أتى } بمعنى: تقرر الأمر ولم ينفذ ~~- بعد - فلا تتعجلوه وهذا هو تحدي القيومية القاهرة، ولا توجد قوة ~~قادرة على أن تمنع وقوع أمر شاءه الله - سبحانه وتعالى - فهو يحكم فيما ~~يملك، ولا منازع له سبحانه. وقوله الحق: { لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين.. } [هود: 119]. فسببه أن الإنس والجن ~~هما الثقلان المكلفان. ويقول الحق - سبحانه - بعد ذلك: { وكلا ~~نقص عليك من أنباء الرسل... }. ### || [11.120] # وساعة ترى التنوين في قوله الحق { وكلا } فاعلم أن المقصود هو قصة ~~كل رسول جاء بها الحق - سبحانه - في القرآن الكريم. وحين يتكلم الحق - ~~سبحانه وتعالى - عن فعل قد أحدثه فلنا أن ننظر: هل هذا الفعل مأخوذ من ~~صفة له - سبحانه - أم مأخوذ من اسم موجود؟ فيحق لنا أن نأخذ الاسم ونأخذ ~~الفعل مثل قوله - تعالى: # خلقكم.. # [النحل: 70]. نعلم منه أنه - سبحانه - خالق، ولكن إن جاء فعل ليس له ~~أصل في أسماء الله الحسنى، فإياك أن تشتق من الفعل اسما لله. ومثال ~~ذلك قوله - سبحانه: { وكلا نقص.. } [هود: 120]. والذي يقص ~~هنا ms4986 هو الله - سبحانه - لكن لا أحد في إمكانه أن يقول: إن الله قصاص، ~~مثلما لا يحق لأحد أن يقول: إن الله ماكر، رغم أن الله - سبحانه - قد ~~قال: # ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين # [الأنفال: 30]. وكذلك لا يصح لأحد أن يقول: الله المخادع، رغم أن الحق - ~~سبحانه قد قال: # إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم.. # [النساء: 142]. وهكذا نتعلم أدب الحديث عن الله المتصف بكل صفات الكمال ~~والجلال وأن نكتفي بقول: إن مثل هذا الفعل جاء للمشاكلة ما دام ليس له ~~وجود ضمن أسماء الله الحسنى. وهنا يقول الحق - سبحانه: { وكلا ~~نقص عليك من أنباء الرسل.. } [هود: 120]. و " أنباء " ~~جمع " نبأ " ، وهو الخبر العظيم الذي له أهمية، والذي يختلف به الحال عند ~~العلم به، وأخبار الرسل - عليهم السلام - تتناثر لقطات مختلفة عبر ~~سور القرآن الكريم، موضحة ما جاء به كل رسول معالجا الداء الذي عانى منه ~~قومه، وكذلك ما عاناه كل رسول من عنت القوم المبعوث لهم، وجاء ذكر تلك ~~الأنباء في القرآن لتثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الرسول ~~سيصادف في الدعوة المتاعب والصعاب. وقد ذكر القرآن بعضا من تلك المواقف، ~~يقول الحق - سبحانه: # وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله.. # [البقرة: 214]. ويقول الحق - سبحانه - مصورا حال المؤمنين: # إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون ~~بالله الظنونا # [الأحزاب: 10]. ومثل هذه المواقف تقتضي تثبيت الفؤاد بمعنى تسكينه على ~~منطق اليقين الإيماني برب أرسله رسولا ليبلغ منهجا، وما كان الله ~~سبحانه ليرسل رسولا ليبلغ منهجا ثم يسلمه لأعدائه. فإذا ما ذكر له ~~أخبار الرسل والصعاب التي تعرضوا لها تهون عليه المصاعب التي يتعرض لها، ~~ويثبت فؤاده. و " الفؤاد " هو ما نقول عنه: " القلب " ، وهو وعاء ~~العقائد، بمعنى أن المخ يستقبل من الحواس - وسائل الإدراكات من عين ترى، ~~ومن أذن تسمع، ومن أنف يشم، ومن فم يستطعم، ومن كف تلمس - فتتولد ~~المعلومات التي يصنفها المخ، ويرتبها كقضايا عقلية. # ويناقش المخ تلك ms4987 القضايا العقلية إلى أن تصح القضية العقلية صحة لا يأتي ~~بعدها ما ينقضها، فيسقطها المخ في الفؤاد لتصير عقيدة لا تطفو بعدها إلى ~~العقل لتناقش من جديد ولذلك يسمونها " عقيدة " - من العقدة - فلا تتذبذب ~~بعد ذلك. إذن: فالفؤاد هو الوعاء القابل للقضايا التي انتهى المخ من ~~تمحيصها تمحيصا وصل فيه إلى الحق، وأسقطها على القلب ليدير حركة الحياة ~~على مقتضاها. وعلى سبيل المثال: نجد الشاب الذي يفكر في مستقبله، فيدرس ~~مزايا وعيوب المهن المختلفة ليختار منها التخصص الذي يتناسب مع مواهبه ~~وأحلامه، ثم يدرس المحسات التي استقبلها بحواسه ليمحصها بعقله وما ~~ينتهي إليه عقله يسقطه في قلبه ليصير عقيدة يدير بها حركة حياته. مثال ~~هذا: أنه قد استقر في وجدان الناس وعقولهم أن النار محرقة، ولكن من أين ~~جاء هذا اليقين في أن النار محرقة؟ نقول: جاء من أمر حسي بأن شاهد الناس ~~أن من مسته النار أحرقته. لا بد - إذن - أن يكون القلب ثابتا غير ~~مذبذب. ولذلك يقول الحق - سبحانه: { وكلا نقص عليك من ~~أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك.. } [هود: 120]. لأن ~~الفؤاد هو الوعاء الذي من مهمته أن يكون مستعدا لاستقبال كلمة الحق ~~وليقبل تنبيه الذكرى، وجلال الموعظة، وكمال الوارد من الحق - سبحانه - ~~وما يأتي من الحق - سبحانه - هو الحق أيضا، والحق هو الشيء الثابت الذي ~~لا يطرأ عليه تغيير. وحق الحق ينبوع العقيدة الذي ستصدر عنه طاعة ~~التكليف، ولا بد أن يكون الإنسان على ثقة من حكمة المكلف قبل أن ~~يقبل على التكليف لذلك لزم أن يأتي الدليل على وجود الحق - سبحانه - ~~وهو قمة الوجود الأعلى - قبل أن تأتي الموعظة، ويكون الإيمان بالوجود ~~الأعلى الذي لا يتغير ولا تطرأ عليه الأغيار هو السابق لمجيء تلك ~~الموعظة. لأن الموعظة قد تتطلب من الإنسان شيئا يكره أن يلتزم به، وهي ~~هنا صادرة من الحق - سبحانه - الذي خلق، ولا يمكن أن يغش أو يخدع ~~مخلوقاته، ويحملها لك رسول منه - سبحانه. وقد تكره الموعظة إن صدرت عن ~~إنسان مثلك لأنه لن ms4988 يعظك إلا بكمال يتميز به ليعدد نقصا فيك، وإن لم ~~يكن الواعظ يتمتع بالكمال الذي يعظ به بالموعوظ سيرد على الواعظ ~~قائلا: فلتعظ نفسك أولا. ولذلك نجد قول الحق - سبحانه: # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 3]. لأن الواعظ الذي يعظ بما لا يطبقه على نفسه يعطي الحجة ~~للموعوظ ليرفض الموعظة وليقول لنفسه: " لو كان في هذا الأمر خير لطبقه ~~على نفسه ". وهكذا بينت الآية الكريمة موقف الرسول صلى الله عليه وسلم ~~كمثبت، وأيضا موقف المؤمنين برسالته كمذكرين من الرسول بأنهم ~~سيتعرضون للمتاعب متاعب مشقة التكليف التي سيعاني منها من لا يأخذ ~~التكليف بعمق الفهم. فقد يرى بعض المكلفين - مثلا - أن الأمر بغض ~~الطرف حرمان من شهوة طارئة ولا يسبر غور الفهم بأن في غض ~~الطرف أمرا لكافة المؤمنين أن يغضوا الطرف عن محارمه، وقد يرى في ~~الزكاة أنها أخذ من ماله، ولا يسبر غور الفهم بأن في الزكاة تأمينا ~~له إن مرت عليه الأغيار وصار فقيرا عندئذ سيقدم له المجتمع الإيماني ~~التأمين الاجتماعي الذي يحميه وعياله من مغبة السؤال. وعمق الفهم أمر ~~مطلوب لأن الحق - سبحانه - هو القائل: # أفلا يتدبرون القرآن.. # [النساء: 82]. لأنك حين تتدبر المعاني ستعلم أن التكليف هو تشريف لك ~~وستقول لنفسك: " ما كلفني الله إلا لخير نفسي وإن ظهر أنه لخير الناس ". ~~ومن المتاعب أيضا ما يلقاه المؤمنون من عنت المستفيدين من الفساد هؤلاء ~~الذين يعيشون على الانتفاع من المفاسد، ويواجهون كل من يريد أن يقضي على ~~الفساد لأن الفساد في الأرض لا يعيش إلا إذا وجد منتفع بهذا الفساد ~~والمنتفع بالفساد يكره ويعلن الخصومة لكل مقاوم له. إذن: فموقف خصوم ~~النبي صلى الله عليه وسلم موقف طبيعي لصالحهم، ولكنهم - لحمقهم - حددوا ~~الصالح بمصالحهم الآنية في الحياة الدنيا ولم ينظروا إلى عاقبة ما يؤول ~~إليه أمرهم في الآخرة نعيما أو عذابا. ولو أنهم امتلكوا البصيرة لعرفوا ~~أن من مصلحتهم أن يوجد من يقومهم حتى لا يقدموا لأنفسهم شرا يوجد ~~لهم في الآخرة. ولو ms4989 أنهم فطنوا لعلموا أن الرسول كما جاء لصلاح ~~المستضعفين المستغلين بالفساد جاء أيضا لصالحهم، ولو أنهم كانوا على شيء ~~من التعقل لكانوا من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكان من الواجب ~~عليهم كلما حدثتهم أنفسهم بالسعي إلى الفساد وسمعوا من الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ما ينتظرهم نتيجة لهذا الفساد أن يتبعوه وأن يشكروه لأنه ~~خلصهم من طاقة الشر الموجودة فيهم. وهنا يوضح الحق - سبحانه - لرسوله: ~~أنت لست بدعا من الرسل، وكل رسول تعرض للمتاعب مثلما تتعرض أنت ~~لمثلها، وأنت الرسول الخاتم، ولأن الدين الذي جئت به لن يأتي بعده دين ~~آخر لذلك لا بد أن تتركز المتاعب كلها معك فكن على ثقة تماما أنك ~~مصادف للمتاعب. ولذلك نثبت فؤادك بما نقصه عليك من أنباء الرسل ~~لأن هذا الفؤاد هو الذي سيستقبل الحقائق الإيمانية من قمة " لا إله إلا ~~الله " إلى أن يكون ذكرى تذكرك والمؤمنين معك. # وهكذا بينت الآية موقف الرسول صلى الله عليه وسلم كمثبت وموقف ~~المؤمنين كمذكرين من الرسول لأنهم سيتعرضون للمتاعب أيضا. ونحن نعرف ~~جميعا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار حين بايعوه في ~~العقبة على نصرته، وقالوا: إن نحن وفينا بما عاهدناك عليه فماذا يكون ~~لنا؟ ولم يقل لهم صلى الله عليه وسلم: " ستملكون الدنيا، وستصبحون ~~سادة الفرس والروم " ، بل قال لهم: # " لكم الجنة ". # لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن منهم من سيموت قبل أن تتحقق تلك ~~الانتصارات لذلك وعدهم بالقدر المشترك الذي يتساوى فيه من يموت بعد ~~إعلانه للإيمان، وبين من سيعيش ليشهد تلك الانتصارات. وهكذا تبينا كيف ~~تضمنت الآية الكريمة تثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم وكيفية ~~إعداد هذا الفؤاد لاستقبال الحق والموعظة وذكرى المؤمنين معه. هذا هو ~~الطرف الأول، فماذا عن الطرف الثاني الطرف المكذب للرسول؟ كان ولا بد ~~أن يتكلم الحق - سبحانه - هنا عن المكذبين للرسول لأن استدعاء المعاني ~~يجعل النفس قابلة للسماع عن الطرف الآخر. وما دام الحق - سبحانه - قد ~~تكلم عن تثبيت ms4990 وعاء الاستقبال، والموعظة، وتذكير المؤمنين لحظة أن تخور ~~منهم العزائم، فلا بد - إذن - أن يتكلم - سبحانه - عن القسم الآخر وهو ~~القسم المكذب، فيوضح - سبحانه - لرسوله أن له أن يتحداهم ولا يتهيب. ~~يقول الحق - سبحانه: { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا... ~~}. ### || [11.121] # أي: اصنعوا ما شئتم، ومعنى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم مستند إلى رصيد ~~قوي من الإيمان بإله لا يهوله أن يستعد له الخصم فهو صلى الله عليه ~~وسلم والذين معه لا يواجهون الخصم بذواتهم ولا بعددهم وعددهم وإنما ~~يواجهونه بالركن الركين الذي يستندون إليه، وهو الحق سبحانه وتعالى. ونحن ~~نرى في حياتنا اليومية أن أي قائد في معركة إنما يشعر بالثقة حين يصل إلى ~~علمه أن مددا سوف يصله من الوطن الذي يحارب من أجله لأنه سيعزز من قوته، ~~فما بالنا بالمدد الذي يأتي ممن لا ينفد ما عنده وممن لا يجير عليه أحد ~~فهو يجير ولا يجار عليه. ولذلك نلاحظ أن الأنبياء استظلوا بتلك ~~المظلة، فموسى - عليه السلام - حين كاد الفرعون أن يلحق به ورأى قومه أن ~~لا نجاة لهم فالبحر أمامهم والعدو وراءهم صرخوا: # إنا لمدركون.. # [الشعراء: 61]. لكن موسى - عليه السلام - يطمئنهم: # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. فموسى - عليه السلام - يعلم أنه مستند بقوة الله لا ~~بقوة قومه، وأمده الله - سبحانه - بمعجزة جديدة: # اضرب بعصاك البحر.. # [الشعراء: 63]. فينفلق البحر ليفسح بين مياهه طريقا يابسة وسار موسى ~~عليه السلام وقومه، وفكر موسى في قطع السبيل على عدوه حتى لا يسير في نفس ~~الطريق المشقوق بأمر الله عبر معجزة ضرب البحر بالعصا، وأراد موسى - عليه ~~السلام - أن يضرب البحر ضربة ثانية ليعود البحر إلى حالة السيولة مرة ~~أخرى، فيقول له الله - سبحانه: # واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون # [الدخان: 24]. أي: اتركه على ما هو عليه لينخدع فرعون ويسير في الطريق ~~اليابسة، ثم يعيد الحق - سبحانه - البحر كما كان، وبذلك أنجى الحق - ~~سبحانه - وأهلك بالشيء الواحد وهذه لا يقدر عليها غير الله - سبحانه ~~وتعالى وحده. وهكذا يهب الحق - سبحانه ms4991 - المؤمنين به القدرة على تحدي ~~الكافرين. والإيمان كله معركة من التحدي تحد في صدق الرسول كمبلغ عن ~~الله، ومعه معجزة تدل على رسالته، وتحد في نصرة الرسول ومن معه من ~~قلة مؤمنة فيغلبون الكثرة الكافرة. والحق - سبحانه يقول: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين # [البقرة: 249]. وهكذا يشيع التحدي في معارك الإيمان. وقد تميز كل رسول ~~بمعجزة يتحدى بها أولا ثم ينتهي دورها لينزل له بعدها منهج من السماء ~~ليبشر به قومه، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم تميز بمعجزة لا ~~تنتهي، وهي عين منهجه لأنه رسول إلى كل الأزمان وإلى كل الأمكنة فكان ~~لا بد من معجزة تصاحب المنهج إلى يوم القيامة. # ولذلك نجد كل مؤمن بالرسالة المحمدية يقول: محمد رسول الله والقرآن ~~معجزته إلى أن تقوم الساعة. والحق - سبحانه - يقول هنا: { وقل ~~للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم.. } [هود: ~~121]. ونحن نعلم أن كل كائن منا له مكان، أي: له حيز وجرم. ويقال: ~~فلان له مكانة في القوم، أي: له مركز مرموق إذا خلا منه لا يستطيع غيره ~~أن يشغله، وهو مكان يدل على الشرف والعظمة والسيادة والوجاهة ونباهة ~~الشأن. فقول الحق: { اعملوا على مكانتكم.. } [هود: 121]. ~~أي: اعملوا على قدر طاقتكم من عدة ومن عدد، فإن لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم ربا سيهديه وينصره، وفي هذا تهديد لهم وليس أمرا لهم لأنهم ككفار ~~لن يمتثلوا لأمر من عدوهم. ولو أنهم امتثلوا لأمر محمد ورب محمد ~~لما كانوا كافرين بل لأصبحوا من الطائعين. وحين يقول لهم - سبحانه - في ~~آخر الآية: { إنا عاملون } [هود: 121]. فمعنى ذلك أن كل ما في ~~قدراتكم هو محدود لأنكم من الأغيار الأحداث أما فعل الله - تعالى - فهو ~~غير محدود لأنه - سبحانه - قديم أزلي لا تحده حدود، ولن يناقض عمل ~~المحدث الحادث عمل القديم الأزلي، فقوة الحادث المحدث موهوبة له من ~~غيره، أما قوة الحق - سبحانه - فهي ذاتية فيه. ونحن نعلم أن أي عمل ~~إنما يقاس بقوة فاعله، وخطأ المستقبلين لمنهج ms4992 الله أنهم إذا جاء عمل ~~نسوا من الذي عمل العمل، ولو كان العمل من فعل البشر لحق ~~للإنسان أن يتكلم، لكن إذا ما كان العمل من الله - تعالى - فليلزم ~~الإنسان حدوده. ومثال ذلك: هؤلاء الذين جادلوا في مسألة الإسراء التي قال ~~فيها الحق - تبارك وتعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله.. # [الإسراء: 1]. وقالوا: إننا نضرب إليها أكباد الإبل شهرا، فكيف يقول ~~إنه أتاها في ليلة؟ وكان الرد عليهم: إن محمدا لم يقل إنه سرى من ~~البيت الحرام إلى المسجد الأقصى بقوته هو، بل أسري به، والذي عمل ذلك ~~هو الله - سبحانه - وليس محمدا، فقيسوا هذا العمل بقوة الله تعالى وليس ~~بقوة محمد. ويقول الحق - سبحانه - بعد ذلك: { وانتظروا إنا... ~~}. ### || [11.122] # في هذه الآية نلمس الوعيد والتهديد فالكافرون ينتظرون وعد الشيطان لهم، ~~والمؤمنون ينتظرون وعد الرحمن لهم. ولذلك سيقول المؤمنون للكافرين يوم ~~القيامة: # أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ~~ما وعد ربكم حقا.. # [الأعراف: 44]. وفي انتظار الكفار تهديد لهم، وفي انتظار المؤمنين تثبيت ~~لقلوبهم، ولو لم تأت الأحداث المستقبلة كما قالها القرآن لتشكك ~~المؤمنون، ولكن المؤمنين لم يتشككوا، وهكذا نتأكد أن القول بالانتظار لم ~~يكن ليصدر إلا من واثق بأن ما في هذا القول سوف يتحقق. وقد جاء الواقع ~~بما يؤيد بعض الأحداث التي جاءت في القرآن. ألم ينزل قول الحق - سبحانه: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. وكان وقت نزول هذا القول الحكيم إبان ضعف البداية، حتى قال ~~عمر - رضي الله عنه - أي جمع يهزم؟ لأن عمر حينئذ كان يلمس ضعف حال ~~المؤمنين، وعدم قدرة بعض المؤمنين على حماية نفسه، ثم تأتي غزوة بدر ليرى ~~المؤمنون صدق ما تنبأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن العجيب أنه ~~صلى الله عليه وسلم خطط على الأرض مواقع مصرع بعض كبار الكافرين، بل ~~وأماكن إصاباتهم، وجاء ذلك قرآنا يتلى على مر العصور، مثل قوله الحق: # سنسمه على الخرطوم # [القلم: 16]. وهكذا شاء ms4993 الحق - سبحانه - أن يأتي الواقع بما يؤيد صدق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، كما شاء - سبحانه - أن ينزل على الرسول ~~لقطات من قصص الرسل الذين سبقوه لشد أزره، وليثبت فؤاده، ويذكر ~~المؤمنين فيزدادوا إيمانا. ثم يختتم الحق - سبحانه - سورة هود بقوله ~~الكريم: { ولله غيب السماوات والأرض... }. ### || [11.123] # أي: أن ما جاء من ذكر حكيم هو أمر غائب عنكم، يخبركم به الله - سبحانه - ~~من خلال ما ينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد شاء الحق - سبحانه ~~- أن يحفظ هذا الذكر الحكيم، ثقة منه - سبحانه - أنه إذا أخبرنا في ~~القرآن بخبر لم يجيء أوانه، فلنفهم أنه قد أخبر بما له من أزلية علم ~~بالكون وما يجري فيه، وبما له من قدرة مطلقة تتحكم فيما يؤول إليه أمر ~~المختار من الكائنات - مؤمنهم وكافرهم - فإذا حدثنا القرآن بشيء مما ~~يغيب عن الإنسان، فلنعلم أنه إخبار بصدق مطلق. وهناك الكثير مما يغيب عن ~~الإنسان، وهناك حجاب بين وسائل إدراك الإنسان وبين بعض المدركات، ومرة ~~يكون الحجاب حجاب زمن، فإذا أخبر الله - تعالى - عن أمر لم نشهده من ~~قديم قد أوغل في الزمن، ولم يقرأه النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب ~~ولم يسمعه من معلم فهذا كشف لحجاب الماضي. ولذلك فبعض سور القرآن ~~الكريم يسميها العلماء " ماكنات القرآن " مثل قوله الحق: # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون # [آل عمران: 44]. وغير ذلك من الآيات التي تبدأ بقوله الحق: { ما كنت ~~}. وقد كان هناك أناس في ذلك الماضي يدركون ما صار غيبا عن الرسول ومن ~~معه لكن الحق - سبحانه - أظهر هذا الغيب للرسول الذي لم يجلس إلى معلم ~~بشهادة أعدائه، وكذلك كشف الحق - سبحانه - لرسوله حجاب الزمان وحجاب ~~المكان. ومن ينكشف له حجاب الزمان وحجاب المكان إنما ينكشف له حجاب ~~المستقبل أيضا، والذي كشف هذا هو الحق - سبحانه - الذي قدر مجيء هذا ~~العالم، وما سوف يحدث فيه إلى أن تقوم الساعة. وقد طمر الحق - سبحانه - ~~في القرآن أمورا ms4994 لو كشف عنها في زمن بعثة الرسول لكان الحديث عنها ~~فوق مستوى العقول والإدراك وتحدث - سبحانه - عن وقائع مستقبلية بالنسبة ~~للمعاصرين لرسول الله صلى عليه وسلم لم يكن أحد يتوقعها. وكانت هناك ~~معركة بين أرقى حضارتين معاصرتين للإسلام حضارة فارس وحضارة الروم، وكانت ~~الحضارتان تتنازعان السيطرة وتوسيع مناطق النفوذ. وهزمت فارس - التي ~~لا تؤمن بإله - امبراطورية الروم التي تعتنق المسيحية، ولا تؤمن برسالة ~~محمد الخاتمة. لذلك حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهزيمة الذين ~~يؤمنون بإله في السماء فيسري الله - سبحانه - الأمر على رسوله، ~~وينزل الحق - سبحانه - قرآنا يتلى على مر العصور وكل الأزمان ~~يحمل نبوءة انتصار الروم بعد هزيمتهم من الفرس. # ويقول سبحانه: # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من ~~قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر ~~الله ينصر من يشآء وهو العزيز الرحيم # [الروم: 1-5]. هكذا تأتي النبوءة في القرآن تحمل التحديد لميعاد نصر ~~الروم في بضع سنين و " البضع " يقصد به من ثلاث لتسع سنوات. وإن قيل: ~~تلك نبوءة محمد، نقول: ما علم محمد بأخبار المعسكرين ولا بأسرار ~~السياسة الداخلية لهما؟ وقد جاء نصر الروم كما حدد القرآن، وكان هذا ~~هتكا للحجب، حجاب الزمان، وحجاب المكان، وحجاب الناس، وأوحى به الحق ~~سبحانه عالم الغيب المطلق لرسوله صلى الله عليه وسلم. والغيب المطلق هو ~~الذي لا يعرفه إلا الحق - تبارك وتعالى - وليس له مقدمات، ويكشفه الله ~~لمن يرتضيه، مصداقا لقوله - سبحانه: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول.. # [الجن: 26-27]. وهذا الغيب المطلق يختلف عن الغيب المقيد الذي له ~~مقدمات ما إن يأخذ بها الإنسان ويرتبها حتى يصل إلى اكتشاف سر من أسرار ~~الكون. والحق - سبحانه - هو القائل: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما ~~بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من ~~علمه إلا بما شآء.. # [البقرة: 255]. وهكذا نعلم أن كل المكتشفات كانت موجودة في الكون ~~ومطمورة فيه وجعل ms4995 الله - تعالى - لكل مستور منها ميلادا، فالبخار ~~واستخدامه في الحركات كان له ميلاد والكهرباء كان لها ميلاد واكتشاف ~~الذرة كقوة ومصدر للطاقة كان له ميلاد، وكل مكتشف ومخترع له ميلاد، ~~وتتوالى مواليد الغيب مستقبلا، وفي ميلادها إيمان اليقين بمن أخفاه ~~وأظهره، وهو الله الحكيم. وقد يأتي هذا الميلاد بكشف وبحث وقد يظهره ~~الله بدون بحث أو يظهره صدفة مثلما أظهر قانون الطفو النابع من قاعدة ~~" أرشميدس " ومثلما أظهر الحق - سبحانه - قانون الجاذبية صدفة أي: أنه ~~سبب من الأسباب جعل عبدا من عباده يبحث في شيء، فيظهر له شيء لم يكن ~~يبحث عنه ولذلك نسب الحق - سبحانه - الإحاطة له - سبحانه. وهنا يقول الحق ~~- سبحانه: { ولله غيب السماوات والأرض وإليه ~~يرجع الأمر كله.. } [هود: 123]. ولم يقل: " إليه يرجع الأمر ~~كله " ، لأنه سبحانه ضبط كل مخلوق على قدر. ولله المثل الأعلى: كما تضبط ~~أنت المنبه على ميقات معين، وكما يضبط المقاتل القنبلة لتنفجر في توقيت ~~معين، والكون كله مرتب على هذا الترتيب. والله - سبحانه - القائل: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. فكل شيء إنما يرجع إلى الله في التوقيت الذي شاءه الله. # أو: أن الأمر هو كل ما يتعلق بكائن حي لأن الحق - سبحانه - قد خلق في ~~الكون أشياء وترك ملكيتها له - سبحانه - والحق - سبحانه - لا ينتفع بها، ~~أما الإنسان فينتفع بها، وإن كان لا يقربها ولا يملكها، مثل: الشمس التي ~~ترسل أشعتها، ويستفيد الإنسان بضوئها وحرارتها، وهي لا تدخل في ملكية ~~الإنسان لأنها من أساسيات الحياة لذلك لم يجعل للإنسان الذي خصه الله ~~بخاصية الاختيار حق ملكيتها أو الاقتراب منها حتى لا يعبث بها. وكذلك كل ~~أساسيات الحياة جعلها الحق - سبحانه - في سلطته وحده، ولم يأمن أحدا ~~من خلقه عليها، مثل الأرض بعناصرها، وكذلك الماء والهواء حتى لا يعبث أحد ~~بأنفاس الهواء لأحد آخر. شاء الحق سبحانه أن يجعل الأساسيات في يده دون ~~أن يملكها لأحد رحمة منه بنا، ذلك أنه - سبحانه - علم أن الإنسان ~~بما تعتريه ms4996 من أغيار قد يسيء استخدام تلك الأساسيات. وسخر الله هذه ~~الأساسيات لخدمة كل المخلوقات، وسخر بعض المخلوقات ليسوسها الإنسان، ~~وبعض المخلوقات الآخر لم يستطع الإنسان تسخيره، وحتى قوة الإنسان نفسه ~~شاء الحق - سبحانه - أن يجعلها أغيارا فالقوي يسير إلى الضعف، ~~والفقير قد يصبح غنيا. وهكذا يثبت لنا أن كل ما نملك موهوب لنا من ~~الله - تعالى - وليس هناك ما هو ذاتي فينا، وما نملكه اليوم لا يخرج ~~عن الملكية الموقوتة، فإذا جاء يوم القيامة رجع كل ما نملك لله - سبحانه ~~وتعالى. ولذلك يقول الحق - سبحانه: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. ولذلك أيضا تشهد الجوارح على الإنسان لأنها تخرج عن ~~التسخير الذي كانت عليه في الدنيا. وإذا كان الحق - سبحانه - يقول هنا: { ~~ولله غيب السماوات والأرض.. } [هود: 123]. فهو - سبحانه ~~- يقول في آية أخرى: # له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما ~~تحت الثرى # [طه: 6]. وكأن الحق - سبحانه - ينبه البشر منذ نزول القرآن إلى أهمية ما ~~تحت الثرى من كنوز يمتن الله - تعالى - بها على عباده أنه يملكها. ونحن ~~نعيش الآن باستخراج المكنوز الذي تحت الثرى. وحين يقول الحق - سبحانه هنا ~~- في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها -: { وإليه يرجع ~~الأمر كله.. } [هود: 123]. ففي ذلك تنبيه لكل إنسان، ليعمل ~~مستهدفا النجاة حين لا يكون لنفسه على نفسه سبيل يوم القيامة. وليعلم ~~كل إنسان أن كل ما يستمتع به هو من فيوضات الحق الأعلى الذي أعطى الإنسان ~~قدرة من باطن قوته - سبحانه - وأعطاه غنى من باطن غناه - سبحانه - ~~وأعطاه حكمة من باطن حكمته - سبحانه - وأعطاه قبضا وبسطا من باطن قدرته ~~- سبحانه - وكذلك أعطى لعبيده من كل صفة بعضا من فيضها، ثم تظل ~~الفيوضات للحق - سبحانه وتعالى. # وحين يشاء فهو يسلب كل الفيوضات ويعود الأمر إليه، لأن الأمر كله له ~~سبحانه. فإن حدثت في القرآن بأمر تغيب عنك مقدماته، فاعلم أن الذي ~~أنزل هذا الكتاب لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. ~~ولذلك كان الرسول صلى ms4997 الله عليه وسلم على ثقة أن الحق - سبحانه - حين ~~أمره أن يتوعد أعداء الدين فهو يطمئنه أن المرجع في كل الأمور إليه - ~~سبحانه. واطمأن الرسول صلى الله عليه وسلم والذين معه أن أعداء الدين إن ~~لم يجازوا في الدنيا، فغدا ترجع الأمور كلها إلى الله، وإن كان الحق ~~قد ملكهم أشياء فسيسلبهم هذه الملكية في الآخرة، وإن كان قد أعطاهم ~~الخيار في الدنيا خيار أن يؤمنوا ويطيعوا، أو أن يكفروا ويعصوا ~~فهذا الاختيار سيزول عنهم في الآخرة، وكل مالك لملك يصير ملكه بعده ~~إلى الله. وما دام الأمر كذلك فلنعبد الله وحده - سبحانه - لأنه صاحب ~~الأمر فيما مضى وله الأمر الآن وله الأمر فيما يأتي. وهو - سبحانه - الذي ~~شاء، فجعل للإنسان ثلاثة أزمان: زمان سبق وجود آدم وزمان من بعد آدم ~~إلى وجود أي منا ثم زمان مستقبل إلى ما لا نهاية وبذلك يكون لكل منا ~~زمان ماض وزمان حاضر وزمان مستقبل، وكل منا يدور في فلك الأحداث. ومن ~~المنطقي بعد أن تستمتع بوجودك في الحياة وتنضج عقليا أن تتساءل عن ~~ماضيك، وتاريخ الجنس البشري. وأنت - في هذه الحالة - تكون رهنا بثقة ~~المحدث: هل يقول الصدق أم يقول الكذب؟ خصوصا إذا كان الحديث عن تاريخ ~~ما قبل آدم، ولا بد أن تقول لنفسك: لا يمكن أن يحدثني عن ذلك إلا ~~من خلقني. وساعة يبلغك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بداية ~~الخلق قائلا: # " كان الله، ولم يكن شيء غيره ". # ومعنى ذلك أن الصادق الوحيد الذي يمكن أن نقبل منه كلاما عما فات ~~قبل آدم هو الله - سبحانه وتعالى. وإن سألت: لماذا وجدت في زمني ~~هذا، ولم أوجد في زمن آخر؟ هنا ستقول لنفسك إن كنت مؤمنا: " إن مشيئة ~~وإرادة من أوجدني هي التي رجحت وجودي في هذا الزمن عن أي زمن آخر ". ~~ولا بد أن تسأل نفسك: وما المطلوب مني؟ وستجد أن المطلوب منك هو حركة ~~الحياة لأن تلك الحركة هي الفاصل بين الحياة والموت، والحق يقول: # هو أنشأكم ms4998 من الأرض واستعمركم فيها.. # [هود: 61]. فقد أعطاك الحق - سبحانه - العقل لتفكر، وأعطاك الطاقة ~~لتفعل، وسخر لك الكون بالمطمور فيه من الرزق لتستخرجه وتتعيش منه. # وهكذا يتضح لك أن كل شيء يحتاج منك أن تتحرك، وأنت في حركتك تحتاج لطاقة ~~تأخذها من الأعلى منك وتعطي للأدنى منك لذلك أنت تأخذ طاقة من الأعلى ~~منك، وتعطي للأدنى منك. وأنت تعلم أن قمة المطلوب منك أن تصلي بين يدي ~~الله خمس مرات كل يوم لتشحن طاقتك وتخرج للحياة بعد أن تجدد ولاءك لمن ~~خلقك وخلق الأكوان كلها، وإن أحسنت الوقوف بين يدي الله سيأتي مستقبلك ~~مبنيا على هذا الإحسان. والحق - سبحانه - يعطينا مثلا لهاتين الحركتين، ~~فيقول: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع.. # [الجمعة: 9]. هذه حركة يأخذ فيها الإنسان طاقة من الأعلى، فالسعي إلى ~~ذكر الله وترك البيع من أجل ذلك يعطي الإنسان طاقة إيمانية، يظهر أثرها ~~في الحركة الثانية من حركات الإنسان. ولذلك يقول الحق - سبحانه - بعد ~~هذا: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون # [الجمعة: 10]. ولذلك يقول الحق - سبحانه - في هذه الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها: { فاعبده وتوكل عليه وما ربك ~~بغافل عما تعملون } [هود: 123]. أي: أطع الله في أمره لأنه ~~- سبحانه - الأعلى منك، بأن تؤدي المطلوب العبادي من: صلاة، وزكاة، ~~وصيام، وحج إن استطعت لذلك سبيلا، لتأخذ من المدد الأعلى ما يعينك في ~~حركتك الثانية التي تتحركها في الكون. ومن العجيب أن حركتك في الكون ~~الأدنى تعينك على حركتك لاستمداد الطاقة من مكون الكون - سبحانه. ~~فأنت حين تصلي تحتاج لستر عورتك بثوب، وحتى تأتي بالثوب لا بد لك من ~~أن تعتمد على حركة الفلاح في الزراعة، وحركة العامل في النسج، وحركة ~~التاجر في البيع، وحركتك في عملك الذي يتيح لك أجرا تشتري منه الثوب. ~~وبذلك تكون قد أخذت كل علوم الحياة لكي تذهب للصلاة لتأخذ المدد من ~~المدد الأعلى. وهكذا تجد أنك في ms4999 حركة دائرة تأخذ المدد من الأعلى لتعطي ~~الكون الأدنى، وتأخذ من الأدنى ما يتيح لك الوقوف بين يدي صاحب المدد ~~الأعلى. وبهذا يثبت لك أن الحركة في الحياة الحاضرة لكل إنسان بالنسبة ~~لعمره في الحياة، هي استقبال من المدد الأعلى، وانفعال مع المدد الأدنى، ~~وكل منهما يعين على الآخر لذلك فعليك أن تعبد الله بأن تنظم حركة حياتك ~~على ضوء منهجه - سبحانه. واعلم أنه ستصادفك المصاعب فإن صادفتك فتوكل على ~~الله، وتلك فائدة من فوائد استمرار ولائك لله الذي تأخذ منه المدد. ولذلك # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة ". # ومعنى " حزبه " أي خرج عن أسبابه، لذلك فهو يذهب إلى المسبب الأعلى، ~~فإن عبدت الله وتوكلت عليه فهو يعينك لأنه - سبحانه لا يغفل عما نعمل. # وهذه الآية تدلك على السعادة في الحاضر والمستقبل لأنك إن كنت ترعى ~~الله فسبحانه يكتب لك الحسنة بعشر أمثالها، وقد يضاعف عن ذلك، وتكتب ~~السيئة بمثلها. وبذلك تكون هذه الآية قد استوعبت وانتظمت حال الإنسان: ~~قبل حياته، وحاضر حياته، ومستقبل حياته إلى أن تقوم الساعة. يقول الحق - ~~سبحانه: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24]. فدعوة الله بالطاعة، ودعوة الرسول بالسلوك السوي يعطي ~~للمؤمن حياة الحياة، وهي حياة تعيش في معية الله. ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1] # لقد تعرضنا من قبل لفواتح السور من أول سورة البقرة، وسورة آل عمران، ~~وقلنا: إن فواتح بعض من سور القرآن تبدأ بحروف مقطعة ننطقها ونحن ~~نقرؤها بأسماء الحروف، لا بمسميات الحروف. فإن لكل حرف اسما ومسمى، ~~واسم الحرف يعرفه الخاصة الذين يعرفون القراءة والكتابة، أما العامة ~~الذين لا يعرفون القراءة أو الكتابة فهم يتكلمون بمسميات الحروف، ولا ~~يعرفون أسماءها. فإن الأمي إذا سئل أن يتهجى أي كلمة ينطقها، وأن يفصل ~~حروفها نطقا لما عرف، وسبب ذلك أنه لم يتعلم القراءة والكتابة، أما ~~المتعلم فهو يعرف أسماء الحروف ومسمياتها. ونحن نعلم أن القرآن قد نزل ~~مسموعا، ولذلك أقول: إياك أن ms5000 تقرأ كتاب الله إلا أن تكون قد سمعته أولا ~~فإنك إذا قرأته قبل أن تسمعه فسيستوي عندك حين تقرأ في أول سورة البقرة: # الم # [البقرة: 1]. مثلما تقرأ في أول سورة الشرح: # ألم # [الشرح: 1]. أما حين تسمع القرآن فأنت تقرأ أول سورة البقرة كما سمعها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبريل - عليه السلام - " ألف لام ميم " ~~، وتقرأ أول سورة الشرح " ألم ". وأقول ذلك لأن القرآن - كما نعلم - ليس ~~كأي كتاب تقبل عليه لتقرأه من غير سماع، لا. بل هو كتاب تقرؤه بعد أن ~~تسمعه وتصحح قراءتك على قارئ لتعرف كيف تنطق كل قول كريم، ثم من بعد ~~ذلك لك أن تقرأ بعد أن تعرفت على كيفية القراءة لأن كل حرف في الكتاب ~~الكريم موضوع بميزان وبقدر. ونحن نعلم أيضا أن آيات القرآن منها آيات ~~محكمات وأخر متشابهات. والآيات المحكمات تضم الأحكام التي عليك ~~أن تفعلها لتثاب عليها، وإن لم تفعلها تعاقب، وكل ما في الآيات ~~المحكمات واضح. أما الآيات المتشابهات إنما جاءت متشابهة لاختلاف ~~الإدراك من إنسان لآخر، ومن مرحلة عمرية لأخرى، ومن مجتمع لآخر، ~~والإدراكات لها وسائل يتشابه فيها الناس، مثل: العين، والأذن، والأنف، ~~واللسان، واليد. ووسائل الإدراك هذه لها قوانين تحكمها: فعينك يحكمها ~~قانون إبصارك، الذي يمتد إلى أن تلتقي خطوط الأشعة عند بؤرة تمتنع رؤيتك ~~عندها ولذلك تصغر الأشياء تدريجيا كلما ابتعدت عنها إلى أن تتلاشى من ~~حدود رؤيتك. وصوتك له قانون تحكمه ذبذبات الهواء التي تصل إلى أدوات ~~السمع داخل أذنك. وكذلك الشم له حدود لأنك لا تستطيع شم وردة ~~موجودة في بلد بعيدة. وكذلك العقل البشري له حدود يدرك بها، وقد علم ~~الله كيف يدرك الإنسان الأمور، فلم يمنع تأمل وردة جميلة، لكنه أمر بغض ~~البصر عند رؤية أي امرأة. وهكذا يحدد لك الحق الحلال الذي تراه، ~~ويحدد لك الحرام الذي يجب أن تمتنع عن رؤيته. # وكذلك في العقل قد يفهم أمرا وقد لا يفهم أمرا آخر، وعدم فهمك لذلك ~~الأمر هو لون من ms5001 الفهم أيضا، وإن تساءلت كيف؟ انظر إلى موقف تلميذ ~~في الإعدادية وجاء له أستاذه بتمرين هندسي مما يدرسه طلبة الجامعة هنا ~~سيقول التلميذ الذكي لأستاذه: نحن لم نأخذ الأسس اللازمة لحل مثل هذا ~~التمرين الهندسي، هذا القول يعني أن التلميذ قد فهم حدوده. وهكذا ~~يعلمنا الله الأدب في استخدام وسائل الإدراك فهناك أمر لك أن تفهمه ~~وهناك أمر تسمعه من ربك وتطيعه، وليس لك أن تفهمه قبل تنفيذه لأنه فوق ~~مستوى إدراكك. ودائما أقول هذا المثل - ولله المثل الأعلى - إنك حين تنزل ~~في فندق كبير، تجد أن لكل غرفة مفتاحا خاصا بها، لا يفتح أي غرفة أخرى، ~~وفي كل دور من أدوار الفندق يوجد مفتاح يصلح لفتح كل الأدوار، ولا ~~يفهم هذا الأمر إلا المتخصص في تصميم مثل تلك المفاتيح. فما بالنا بكتاب ~~الله تعالى، وهو الكتاب الجامع في تصميم مثل تلك المفاتيح. فما بالنا ~~بكتاب الله - تعالى - وهو الكتاب الجامع الذي يقول فيه الحق - تبارك ~~وتعالى: # منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ~~ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ~~وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب # [آل عمران: 7]. إذن: فهذا المتشابه يعتبره أهل الزيغ فرصة لتحقيق ~~مأربهم، وهو إبطال الدين بأي وسيلة وبأي طريقة، ويحاولون ممارسة ~~التكبر على كتاب الله. ولهؤلاء نقول: لقد أراد الله أن يكون بعض من سور ~~الكتاب الكريم مبتدئة بحروف تنطق بأسمائها لا بمسمياتها. وقد ~~أرادها الحق - سبحانه - كذلك ليختبر العقول فكما أطلق - سبحانه - للعقل ~~البشري التفكير في أمور كثيرة فهناك بعض من الأمور يخيب فيها التفكير، ~~فلا يستطيع العقل إدراك الأشياء التي تفوق حدود عقله. والحق - سبحانه ~~وتعالى - يصنع للإنسان ابتلاءات في وسائل إدراكه وجعل لكل وسيلة إدراك ~~حدودا، وشاء أن يأتي بالمتشابه ليختبر الإنسان، ويرى: ماذا يفعل المؤمن؟ ~~وقوله الحق - سبحانه: # وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم.. # [آل عمران: 7]. قد ms5002 يفهم منه أنه عطف بمعنى أن الراسخين في العلم ~~يعلمون تأويله وبالتالي سيعلمون الناس ما ينتهون إليه من علم ~~بالتأويل. ولكن تأويل الراسخين في العلم هو قولهم: # كل من عند ربنا.. # [آل عمران: 7]. إذن: فنهاية تأويلهم: هو من عند ربنا، وقد آمنا به. وجاء ~~لنا قوله صلى الله عليه وسلم ليحل لنا إشكال المتشابه: # " ما تشابه منه فآمنوا به ". # لأن المتشابه من ابتلاءات الإيمان. والمثل الذي أضربه هنا هو أمره صلى ~~الله عليه وسلم لنا أن نستلم الحجر الأسود وأن نقبله، وأن نرجم ~~الحجر الذي يمثل إبليس، وكلاهما حجر، لكننا نمتثل بالإيمان لما أمرنا به ~~صلى الله عليه وسلم. وأنت لو أقبلت على كل أمر بحكم عقلك، وأردت أن ~~تعرف الحكمة وراء كل أمر، لعبدت عقلك، والحق - سبحانه - يريد أن ~~تقبل على الأمور بحكمه هو - سبحانه. وأنت إن قلت لواحد: إن الخمر ~~تهري الكبد. ووضعت على كبده جهاز الموجات فوق الصوتية الذي يكشف صورة ~~الكبد، ثم ناولت الرجل كأس خمر فرأى ما يفعله كأس الخمر في الكبد، ~~وراعه ذلك فقال: والله لن أشربها أبدا. هل هو يفعل ذلك لأنه مؤمن؟ أم ~~أنه ربط سلوكه بالتجربة؟ لقد ربط سلوكه بالتجربة، وهو يختلف عن المؤمن ~~الذي نفذ تعاليم السماء، فامتنع عن الخمر لأن الله أمر بذلك، فلا يمكن ~~أن نؤجل تعاليم السماء إلى أن تظهر لنا الحكمة منها. إذن: فعلة ~~المتشابه الإيمان به. وقد يكون للمتشابه حكمة لكنا لن نؤجل ~~الإيمان حتى نعرف الحكمة. وأقول دائما: يجب أن يعامل الإنسان إيمانه ~~بربه معاملته لطبيبه، فالمريض يذهب إلى طبيبه ليعرض عليه شكواه من مرض ~~يؤلمه ليصف الطبيب له الدواء، كذلك عمل عقلك عليه أن ينتهي عند عتبة ~~إيمانك بالله. ونجد من أقوال أهل المعرفة بالله من يقول: إن العقل ~~كالمطية، يوصلك إلى باب السلطان، لكنه لا يدخل معك. إذن: فالذي ~~يناقش في علل الأشياء هو من يرغب في الحديث مع مساو له في الحكمة، ~~وهل يوجد مساو لله؟ طبعا لا، لذلك خذ افتتاحيات ms5003 السور التي جاءت ~~بالحروف المقطعة كما جاءت، واختلافنا على معانيها يؤكد على أنها كنز لا ~~ينفذ من العطاء إلى أن تحل إن - شاء الله - من الله. ومن العجيب أن ~~آيات القرآن كلها مبنية على الوصل، ففي آخر سورة هود نجد قول الحق - ~~سبحانه: # وما ربك بغافل عما تعملون # [هود: 123]. وكان من المفترض أن نقف عليها فننطق كلمة " تعملون " ساكنة ~~النون، لكنها موصولة ب " بسم الله الرحمن الرحيم " لذلك جاءت النون ~~مفتوحة. وأيضا ما دامت الآيات مبنية على الوصل، كان من المفروض أن ننطق ~~بدء سورة يوسف " ألف لام راء " لكن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~علمنا أن نقرأها " ألف لام راء " وننطقها ساكنة. وهذا دليل على ~~أنها كلمة مبنية على الوقف، ودليل على أن لله - سبحانه - حكمة في هذا وفي ~~ذاك. ونحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يراجع القرآن مرة كل ~~رمضان مع جبريل - عليه السلام - وراجعه مرتين في رمضان الذي سبق وفاته ~~صلى الله عليه وسلم. # وهكذا وصلنا القرآن كما أنزله الحق - سبحانه - على رسوله الكريم صلى ~~الله عليه وسلم. وهنا يقول الحق: { الر تلك آيات الكتاب ~~المبين } [يوسف: 1]. و " تلك " إشارة لما بعد الر، وهي آيات ~~الكتاب. أي: خذوا منها أن آيات القرآن مكونة من مثل هذه الحروف، وهذا ~~فهم البعض لمعنى: { الر.. } [يوسف: 1]. لكنه ليس كل الفهم. مثل: صانع ~~الثياب الذي يضع في واجهة المحل بعضا من الخيوط التي تم نسج القماش ~~منها ليدلنا على دقة الصنعة. فكأن الله - سبحانه - يبين لنا أن { ~~الر.. } [يوسف: 1] أسماء لحروف هي من أسماء الحروف التي نتكلم بها، ~~والقرآن تكونت ألفاظه من مثل تلك الحروف، ولكن آيات القرآن معجزة، لا ~~يستطيع البشر - ولو عاونهم الجن - أن يأتوا بمثله. إذن: فالسمو ليس من ~~ناحية الخامة التي تكون الكلام، ولكن المعجزة أن المتكلم هو الحق - ~~سبحانه - فلا بد أن يكون كلامه معجزا وإن كان مكونا من نفس الحروف ~~التي نستخدمها نحن البشر. وهناك معنى آخر: فهذا رسول الله صلى الله ms5004 عليه ~~وسلم ينطق أسماء الحروف " ألف لام راء " ، وهو صلى الله عليه وسلم ~~الأمي بشهادة المعاصرين له بما فيهم خصومه، رغم أن القادر على نطق ~~أسماء الحروف لا بد أن يكون متعلما، ذلك أن الأمي ينطق مسميات ~~الحروف ولا يعرف أسماءها، وفي هذا النطق شهادة بأن من علمه ذلك هو ~~ربه الأعلى. ويقول الحق - سبحانه: { الر تلك آيات الكتاب ~~المبين } [يوسف: 1]. كلمة " الكتاب " عندما تطلق فمعناها ينصرف إلى ~~القرآن الكريم. ونجد كلمة " المبين " ، أي: الذي يبين كل شيء تحتاجه ~~حركة الإنسان الخليفة في الأرض، فإن بان لك شيء وظننت أن القرآن لم ~~يتعرض له، فلا بد أن تبحث عن مادة أو آية تلفتك إلى ما يبين لك ما غاب ~~عنك. ويروى عن الإمام محمد عبده أنه قابل أحد المستشرقين في باريس ~~ووجه المستشرق سؤالا إلى الإمام فقال: ما دامت هناك آية في القرآن ~~تقول: # ما فرطنا في الكتاب من شيء.. # [الأنعام: 38]. فدعني أسألك: كم رغيفا ينتجه أردب القمح؟ فقال ~~الإمام للمستشرق: انتظر. واستدعى الإمام خبازا، وسأله: كم رغيفا يمكن ~~أن نصنعه من أردب القمح؟ فأجاب الخباز على السؤال. هنا قال المستشرق: لقد ~~طلبت منك إجابة من القرآن، لا من الخباز. فرد الإمام: إذا كان القرآن ~~قد قال: # ما فرطنا في الكتاب من شيء.. # [الأنعام: 38]. فالقرآن قال أيضا: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43]. لقد فطن الإمام محمد عبده إلى أن العقل البشري أضيق من ~~أن يسع كل المعلومات التي تتطلبها الحياة لذلك شاء الحق - سبحانه - أن ~~يوزع المواهب بين البشر ليصبح كل متفوق في مجال ما، هو من أهل الذكر في ~~مجاله. # ونحن - على سبيل المثال - عندما نتعرض لمسألة ميراث فنحن نلجأ إلى من ~~تخصص في المواريث، ليدلنا على دقة توزيع أنصبة هذا الميراث. وحين يؤدي ~~المسلم من العامة فريضة الحج، فيكفيه أن يعلم أن الحج فريضة ويبحث عند ~~بدء الحج عمن يعلمه خطوات الحج كما أداها صلى الله عليه وسلم. ~~وهذا سؤال لأهل الذكر، مثلما نستدعي مهندسا ms5005 ليصمم لنا بيتا حين نشرع في ~~بناء بيت، بعد أن نمتلك الإمكانات اللازمة لذلك. وهكذا نرى أن علوم ~~الحياة وحركتها أوسع من أن يتسع لها رأس ولذلك وزع الله أسباب فضله على ~~عباده، ليتكاملوا تكامل الاحتياج، لا تكامل التفضل، ويصير كل منهم ~~ملتحما بالآخرين غصبا عنه. وبعد ذلك يقول الحق - سبحانه: { إنآ ~~أنزلناه قرآنا عربيا... }. ### || [12.2] # وبالنسبة للقرآن نجد الحق - سبحانه - يقول: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. فنسب النزول مرة لجبريل كحامل للقرآن ليبلغ به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ومرة يقول: # نزل.. # [محمد: 2]. والنزول في هذه الحالة منسوب لله وجبريل والملائكة. أما قول ~~الحق - سبحانه: # أنزل.. # [البقرة: 91]. فهو القول الذي يعني أن القرآن قد تعدى كونه مكنونا في ~~اللوح المحفوظ ليباشر مهمته في الوجود ببعث رسول الله صلى الله صلى الله ~~عليه وسلم. هذا هو معنى الإنزال للقرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى ~~السماء الدنيا، ثم نزل من بعد ذلك نجوما متفرقة ليعالج كل المسائل التي ~~تعرض لها المسلمون. وهكذا يؤول الأمر إلى أن القرآن نزل أو نزل به ~~الروح الأمين. والحق - سبحانه - يقول: # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل.. # [الإسراء: 105]. أي: أن الحق - سبحانه - أنزله من اللوح المحفوظ إلى ~~السماء الدنيا، ثم أنزله مفرقا ليعالج الأحداث ويباشر مهمته في الوجود ~~الواقعي. وفي هذه الآية يقول - سبحانه: { إنآ أنزلناه قرآنا ~~عربيا.. } [يوسف: 2]. وفي الآية السابقة قال: # تلك آيات الكتاب.. # [يوسف: 1]. فمرة يصفه بأنه قرآن بمعنى المقروء، ومرة يصفه بأنه ~~كتاب لأنه مسطور، وهذه من معجزات التسمية. ونحن نعلم أن القرآن حين جمع ~~ليكتب كان كاتب القرآن لا يكتب إلا ما يجده مكتوبا، ويشهد عليه اثنان من ~~الحافظين. ونحن نعلم أن الصدور قد تختلف بالأهواء، أما السطور فمثبتة ~~لا لبس فيها. وهو قرآن عربي لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سيجاهر ~~بالدعوة في أمة عربية، وكان لابد من وجود معجزة تدل على صدق بلاغه عن ~~الله، وأن تكون مما نبغ فيه العرب لأن المعجزة مشروطة بالتحدي، ولا ~~يمكن أن يتحداهم ms5006 في أمر لا ريادة لهم فيه ولا لهم به صلة حتى لا يقولن ~~أحد: نحن لم نتعلم هذا ولو تعلمناه لجئنا بأفضل منه. وكان العرب أهل بيان ~~وأدب ونبوغ في الفصاحة والشعر، وكانوا يجتمعون في الأسواق، وتتفاخر كل ~~قبيلة بشعرائها وخطبائها المفوهين، وكانت المباريات الآدائية تقام، ~~وكانت التحديات تجرى في هذا المجال، وينصب لها الحكام. أي: أن ~~الدربة على اللغة كانت صناعة متواترة ومتواردة، محكوم عليها من الناس ~~في الأسواق، فهم أمة بيان وبلاغة وفصاحة. لذلك شاء الحق - سبحانه - أن ~~يكون القرآن معجزة من جنس ما نبغ فيه العرب، وهم أول قوم نزل فيهم ~~القرآن، وحين يؤمن هؤلاء لن يكون التحدي بفصاحة الألفاظ ونسق الكلام، بل ~~بالمبادىء التي تطغى على مبادىء الفرس والروم. وهي مبادىء قد نزلت في أمة ~~مبتدية ليس لها قانون يجمعها، ولا وطن يضمهم يكون الولاء له، بل كل ~~قبيلة لها قانون، وكلهم بدو يرحلون من مكان إلى مكان. # وحين نزل فيهم القرآن علم أهل فارس والروم أن تلك الأمة المبتدية ~~قد امتلكت ما يبني حضارة ليس لها مثيل من قبل، رغم أن النبي أمي ~~وأن الأمة التي نزل فيها القرآن كانت أمية. وفارس والروم يعلمون أن ~~الرسول الذي نزل في تلك الأمة تحداهم بما نبغوا فيه، وما استطاع واحد ~~منهم أن يقوم أمام التحدي، ومن هنا شعروا أنهم أمام تحد حضاري من نوع آخر ~~لم يعرفوه. ويشاء الحق - سبحانه - أن ينزل القرآن عربيا لأن الحق لم يكن ~~ليرسل رسولا إلا بلسان قومه، فهو القائل: # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم.. # [إبراهيم: 4]. وأرسل محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن، الذي تميز ~~عن سائر كتب الرسل الذين سبقوه بأنه كتاب ومعجزة في آن واحد، بينما كانت ~~معجزات الرسل السابقين عليه صلى الله عليه وسلم منفصلة عن كتب ~~الأحكام التي أنزلت إليهم. ويظل القرآن معجزة تحمل منهجا إلى أن ~~تقوم الساعة، وما دام قد آمن به الأوائل وانساحوا في العالم، فتحقق ~~بذلك ما وعد به الله ms5007 أن يكون هذا الكتاب شاملا، يجذب كل من لم يؤمن ~~به إلى الانبهار بما فيه من أحكام. ولذلك حين يبحثون عن أسباب انتشار ~~الإسلام في تلك المدة الوجيزة، يجدون أن الإسلام قد انتشر لا بقوة من ~~آمنوا به بل بقوة من انجذبوا إليه مشدوهين بما فيه من نظم ~~تخلصهم من متاعبهم. ففي القرآن قوانين تسعد الإنسان حقا، وفيه من ~~الاستنباءات بما سوف يحدث في الكون ما يجعل المؤمنين به يذكرون بالخشوع ~~أن الكتاب الذي أنزله الله على رسولهم لم يفرط في شيء. وإذا قال قائل من ~~المستشرقين: كيف تقولون: إن القرآن قد نزل بلسان عربي مبين رغم وجود ~~ألفاظ أجنبية مثل كلمة " آمين " التي تؤمنون بها على دعاء الإمام كما ~~توجد ألفاظ رومية، وأخرى فارسية؟ وهؤلاء المستشرقون لم يلتفتوا إلى أن ~~العربي استقبل ألفاظا مختلفة من أمم متعددة نتيجة اختلاطه بتلك الأمم، ~~ثم دارت هذه الألفاظ على لسانه، وصارت تلك الألفاظ عربية، ونحن في ~~عصورنا الحديثة نقوم بتعريب الألفاظ، وندخل في لغتنا أي لفظ نستعمله ~~ويدور على ألسنتنا، ما دمنا نفهم المقصود به. ويذيل الحق - سبحانه - ~~الآية الكريمة بقوله: { لعلكم تعقلون } [يوسف: 2]. ليستنهض ~~همة العقل، ليفكر في الأمر، والمنصف بالحق يهمه أن يستقبل الناس ما ~~يعرضه عليهم بالعقل، عكس المدلس الذي يهمه أن يستر العقل جانبا لينفذ ~~من وراء العقل. وفي حياتنا اليومية حين ينبهك التاجر لسلعة ما، ويستعرض ~~معك متانتها ومحاسنها فهو يفعل ذلك كدليل على أنه واثق من جودة بضاعته. ~~أما لو كانت الصنعة غير جيدة، فهو لن يدعوك للتفكير بعقلك لأنك حين ~~تتدبر بعقلك الأمر تكتشف المدلس وغير المدلس لذلك فهو يدلس عليك، ~~ويعمي عليك، ولا يدع لك فرصة للتفكير. ويقول الحق - سبحانه - من بعد ~~ذلك: { نحن نقص عليك... }. ### || [12.3] # حين يتحدث الحق - سبحانه - عن فعل من أفعاله ويأتي بضمير الجمع فسبب ذلك ~~أن كل فعل من أفعاله يتطلب وجود صفات متعددة يتطلب: علما حكمة قدرة ~~إمكانات. ومن غيره - سبحانه - له كل الصفات التي تفعل ما تشاء ms5008 وقت أن ~~تشاء؟ لا أحد سواه قادر على ذلك لأنه - سبحانه - وحده صاحب الصفات التي ~~تقوم بكل مطلوب في الحياة ومقدر. لكن حين يتكلم - سبحانه - عن الذات ~~فهو يؤكد التوحيد فلا تأتي بصيغة الجمع، يقول تعالى: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري # [طه: 14]. وهنا يتكلم - سبحانه - بأسلوب يعبر عن أفعال لا يقدر عليها ~~غيره بالدقة التي شاءها هو - سبحانه - فيقول: { نحن نقص عليك ~~أحسن القصص.. } [يوسف: 3]. وحدد - سبحانه - أنه هو الذي يقص، ~~وإذا وجد فعل لله فنحن نأخذ الفعل بذاته وخصوصه ولا نحاول أن نشتق منه ~~اسما نطلقه على الله إلا إذا كان الفعل له صفة من صفاته التي علمناها ~~في أسمائه الحسنى لأنه الذات الأقدس. وفي كل ما يتعلق به ذاتا وصفات ~~وأفعالا إنما نلتزم الأدب لأننا لا نعرف شيئا عن ذات الله إلا ما ~~أخبرنا الله عن نفسه، لذلك لا يصح أن نقول عن الله أنه قصاص، بل نأخذ ~~الفعل كما أخبرنا به، ولا نشتق منه اسما لله لأنه لم يصف نفسه في أسمائه ~~الحسنى بذلك. والواجب أن ما أطلقه - سبحانه - اسما نأخذه اسما، وما ~~أطلقه فعلا نأخذه فعلا. وهنا يقول - سبحانه: { نحن نقص عليك ~~أحسن القصص.. } [يوسف: 3]. ونعلم أن كلمة " قص " تعني الإتباع، ~~وقال بعض العلماء: إن القصة تسمى كذلك لأن كل كلمة تتبع كلمة، ومأخوذة ~~من قص الأثر، وهو تتبع أثر السائر على الأرض، حتى يعرف الإنسان مصير ~~من يتتبعه ولا ينحرف بعيدا عن الاتجاه الذي سار فيه من يبحث عنه. ~~واقرأ قول الحق - سبحانه -: # وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا ~~يشعرون # [القصص: 11]. و # قصيه.. # [القصص: 11]. أي: تتبعي أثره. إذن: فالقص ليس هو الكلمة التي تتبع ~~كلمة، إنما القص هو تتبع ما حدث بالفعل. ويعطينا الحق سبحانه مثلا ~~من قصة موسى عليه السلام مع فتاه: # قال أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني نسيت ~~الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ~~واتخذ سبيله في البحر عجبا * قال ذلك ما ms5009 كنا ~~نبغ فارتدا على آثارهما قصصا # [الكهف: 63-64]. أي: تابعا الخطوات. وهكذا نعلم أن القص هو تتبع ما ~~حدث بالفعل، فتكون كل كلمة مصورة لواقع، لا لبس فيه أو خيال ولا ~~تزيد، وليس كما يحدث في القصص الفني الحديث حيث يضيف القصاص لقطات ~~خيالية من أجل الحبكة الفنية والإثارة وجذب الانتباه. # أما قصص القرآن فوضعه مختلف تماما، فكل قصص القرآن إنما يتتبع ~~ما حدث فعلا لنأخذ منها العبرة لأن القصة نوع من التاريخ. والقصة في ~~القرآن مرة تكون للحدث، ومرة تكون لتثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، فلم تأت قصة رسول في القرآن كاملة، إلا قصة يوسف - عليه السلام. ~~أما بقية الرسل فقصصهم جاءت لقطات في مناسبات لتثبيت فؤاد الرسول محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فتأتي لقطة من حياة رسول، ولقطة من حياة رسول آخر، ~~وهكذا. ولا يقولن أحد: إن القرآن لم يستطع أن يأتي بقصة كاملة مستوفية ~~فقد شاء الحق - سبحانه - أن يأتي بقصة يوسف من أولها إلى آخرها، ~~مستوفية، ففيها الحدث الذي دارت حوله أشخاص، وفيها شخص دارت حوله ~~الأحداث. فقصة يوسف - عليه السلام - في القرآن لا تتميز بالحبكة فقط بل ~~جمعت نوعي القصة، بالحدث الذي تدور حوله الشخصيات، وبالشخص الذي تدور ~~حوله الأحداث. جاءت قصة يوسف بيوسف، وما مر عليه من أحداث بدء من ~~الرؤيا، ومرورا بحقد الإخوة وكيدهم، ثم محاولة الغواية له من امرأة ~~العزيز، ثم السجن، ثم القدرة على تأويل الأحلام، ثم تولي السلطة، ولقاء ~~الإخوة والإحسان إليهم، وأخيرا لقاء الأب من جديد. إذن: فقول الحق - ~~سبحانه: { نحن نقص عليك أحسن القصص.. } [يوسف: 3]. ~~يبين لنا أن الحسن أتى لها من أن الكتب السابقة تحدثت عن قصة يوسف، ~~لكن أحبار اليهود حين قرأوا القصة كما جاءت بالقرآن ترك بعضهم كتابه، ~~واعتمد على القرآن في روايتها، فالقصة أحداثها واحدة، إلا صياغة الأداء ~~وتلمسات المواجيد النفسية وإبراز المواقف المطوية في النفس البشرية ~~وتحقيق الرؤى الغيبية كل ذلك جاء في حبكة ذات أداء بياني معجز ~~جعلها أحسن القصص. ms5010 أو: هي أحسن القصص بما اشتملت عليه من عبر ~~متعددة، عبر في الطفولة في مواجهة الشيخوخة، والحقد الحاسد بين الإخوة، ~~والتمرد، وإلقائه في الجب والكيد له، ووضعه سجينا بظلم، وموقف يوسف ~~عليه السلام من الافتراء الكاذب، والاعتزاز بالحق حتى تم له النصر ~~والتمكين. وكيف ألقى الله على يوسف - عليه السلام - محبة منه ليجعل كل ~~من يلتقي به يحب خدمته. وكيف صان يوسف إرث النبوة، بما فيها من سماحة ~~وقدرة على العفو عند المقدرة فعفا عن إخوته بما روته السورة: # قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ~~وهو أرحم الراحمين # [يوسف: 92]. وقالها سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم لأهله يوم فتح ~~مكة: # " اذهبوا فأنتم الطلقاء ". # هكذا تمتلىء سورة يوسف بعبر متناهية، يتجلى بعض منها في قضية ~~دخوله السجن مظلوما، ثم يأتيه العفو والحكم لذلك فهي أحسن القصص إما ~~لأنها جمعت حادثة ومن دار حولها من أشخاص، أو جاء بالشخص وما دار حوله ~~من أحداث. # أو: أنها أحسن القصص في أنها أدت المتحد والمتفق عليه في كل الكتب ~~السابقة، وجاء على لسان محمد الأمي، الذي لا خبرة له بتلك الكتب لكن جاء ~~عرض الموضوع بأسلوب جذاب مستميل مقنع ممتع. أو: أنها أحسن ~~القصص لأن سورة يوسف هي السورة التي شملت لقطات متعددة تساير: العمر ~~الزمني والعمر العقلي والعمر العاطفي للإنسان في كل أطواره ضعيفا ~~مغلوبا على أمره وقويا مسيطرا، ممكنا من كل شيء. بينما نجد أنباء ~~الرسل السابقين جاءت كلقطات موزعة كآيات ضمن سور أخرى وكل آية جاءت ~~في موقعها المناسب لها. إذن: فالحسن البالغ قد جاء من أسلوب القرآن ~~المعجز الذي لا يستطيع واحد من البشر أن يأتي بمثله. يقول الحق سبحانه: { ~~نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك ~~هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين } ~~[يوسف: 3]. والمقصود بالغفلة هنا أنه صلى الله عليه وسلم كان أميا، ~~ولم يعرف عنه أحد قبل نزول القرآن أنه خطيب أو شاعر، وكل ما عرف عنه ~~فقط هو الصفات الخلقية العالية ms5011 من صدق وأمانة وهي صفات مطلوبة في ~~المبلغ عن الله فما دام لم يكذب من قبل على بشر فكيف يكذب وهو يبلغ ~~عن السماء رسالتها لأهل الأرض؟ إن الكذب أمر مستبعد تماما في رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها. والمثال على تصديق الغير ~~لرسول الله هو تصديق أبي بكر رضي الله عنه له حين أبلغه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن الوحي قد نزل عليه، لم يقل له أكثر من أنه رسول من ~~عند الله، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: صدقت. وحين حدثت رحلة ~~الإسراء وكذبها البعض متسائلين: كيف نضرب إليها أكباد الإبل شهرا ~~ويقول محمد إنه قطعها في ليلة؟ فسألهم أبو بكر: أقال ذلك؟ قالوا: نعم. ~~فقال أبو بكر: ما دام قد قال فقد صدق. وهكذا نجد أن حيثية الصدق قبل ~~الرسالة هي التي دلت على صدقه حين أبلغ بما نزل عليه من وحي. مثال ~~ذلك: تصديق خديجة رضي الله عنها وأرضاها له حين أبلغها بنزول الوحي، ~~فقالت له: " والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل ~~الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق ". ~~وكان في صدق بصيرتها، وعميق حساسية فطرتها أسباب تؤيد تصديقها له صلى ~~الله عليه وسلم في نبوته. وحين وقعت بعض الأمور التي لا تتفق مع منطق ~~المقدمات والنتائج، والأسباب والمسببات كانت بعض العقول المعاصرة لرسول ~~الله تقف متسائلة: كيف؟ فيوضح لهم أبو بكر: " انتبهوا إنه رسول الله ". # مثال هذا: ما حدث في صلح الحديبية، حين يقول عمر بن الخطاب - رضي الله ~~عنه - متسائلا - ويكاد أن يكون رافضا لشروط هذا الصلح -: ألسنا على ~~الحق؟ علام نعطي الدنية في ديننا؟ ويرد عليه أبو بكر - رضي الله عنه ~~-: استمسك بغرزه يا عمر، إنه رسول الله. أي: انتبه واعلم أنك تتكلم ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في ذلك انصياع أعمى بل هي طاعة ~~عن بصيرة مؤمنة. والحق سبحانه يقول هنا: { وإن كنت من قبله ~~لمن الغافلين } [يوسف: 3]. والغافل: ms5012 هو الذي لا يعلم - لا عن ~~جهل، أو قصور عقل - ولكن لأن ما غفل عنه هو أمر لا يشغل باله. أو: أن ~~يكون المقصود بقوله: { لمن الغافلين } [يوسف: 3]. أي: أنك يا ~~محمد لم تكن ممن يعرفون قصة يوسف لأنك لم تتعلم القراءة فتقرأها من ~~كتاب، ولم تجلس إلى معلم يروي لك تلك القصة، ولم تجمع بعضا من أطراف ~~القصة من هنا أو هناك. بل أنت لم تتلق الوحي بها إلا بعد أن قال بعض ~~من أهل الكتاب لبعض من أهل مكة: اسألوه عن أبناء يعقوب وأخوة يوسف لماذا ~~خرجوا من الشام وذهبوا إلى مصر؟ وكان ضربا من الإعجاز أن ينزل إليك يا ~~رسول الله هذا البيان العالي بكل تفاصيل القصة، كدليل عملي على أن ~~معلم محمد صلى الله عليه وسلم هو الله، وأنه سبحانه هو من أوحى ~~بها إليه. والوحي - كما نعلم - هو الإعلام بخفاء، وسبحانه يوحي ~~للملائكة فيقول: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا.. # [الأنفال: 12]. وسبحانه يوحي إلى من يصطفي من البشر إلى صفوتهم ~~مصداقا لقوله سبحانه: # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون # [المائدة: 111]. ويقذف الحق سبحانه بالإلهام وحيا لا يستطيع الإنسان ~~دفعا له، مثل الوحي لأم موسى بأن تلقي طفلها الرضيع موسى في اليم: # إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت ~~عليك محبة مني ولتصنع على عيني # [طه: 38-39]. ويوحي سبحانه إلى الأرض وهي الجماد، مثل قوله الحق: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5]. وأوحى سبحانه إلى النحل، فقال الحق: # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل ~~الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا.. # [النحل: 68-69]. والحق سبحانه يوحي لمن شاء بما شاء، فالكل جماد ونبات ~~وحيوان وإنسان من خلقه، وهو سبحانه يخاطبهم بسر خلقه لهم، واختلاف ~~وسائل استيعابهم لذلك. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ms5013 { إذ قال يوسف ~~لأبيه... }. ### || [12.4] # وهكذا تبدأ قصة يوسف، حين يقول لأبيه يعقوب عليهما السلام " يا أبت " ، ~~وأصل الكلمة " يا أبي " ، ونجد في اللغة العربية كلمات " أبي " و " أبت ~~" و " أبتاه " و " أبة " وكلها تؤدي معنى الأبوة، وإن كان لكل منها ~~ملحظ لغوي. ويستمر يوسف في قوله: { يأبت إني رأيت أحد ~~عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين } ~~[يوسف: 4]. وكلنا رأينا الشمس والقمر كل في وقت ظهوره لكن حلم يوسف ~~يبين أنه رآهما معا، وكلنا رأينا الكواكب متناثرة في السماء آلافا ~~لا حصر لها، فكيف يرى يوسف أحد عشر كوكبا فقط؟ لا بد أنهم اتصفوا ~~بصفات خاصة ميزتهم عن غيرهم من الكواكب الأخرى وأنه قام بعدهم. ~~ورؤيا يوسف عليه السلام تبين أنه رآهم شمسا وقمرا وأحد عشر كوكبا ثم ~~رآهم بعد ذلك ساجدين. وهذا يعني أنه رآهم أولا بصفاتهم التي نرى بها ~~الشمس والقمر والنجوم بدون سجود ثم رآهم وهم ساجدون له بملامح الخضوع ~~لأمر من الله، ولذلك تكررت كلمة " رأيت " وهو ليس تكرارا، بل لإيضاح ~~الأمر. ونجد أن كلمة: { ساجدين } [يوسف: 4]. وهي جمع مذكر سالم ولا ~~يجمع جمع المذكر السالم إلا إذا كان المفرد عاقلا، والعقل يتميز ~~بقدرة الاختيار بين البدائل والعاقل المؤمن هو من يجعل اختياراته في ~~الدنيا في إطار منهج الدين، وأسمى ما في الخضوع للدين هو السجود لله. ~~ومن سجدوا ليوسف إنما سجدوا بأمر من الله، فهم إذن يعقلون أمر الحق ~~سبحانه وتعالى. مثلهم في ذلك مثل ما جاء في قول الحق سبحانه: # إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 1-2]. هذه السماء تعقل أمر ربها الذي بناها. وقال عنها أنها ~~بلا فروج: # أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج # [ق: 6]. وهي أيضا تسمع أمر ربها، مصداقا لقوله سبحانه: # وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 2]. أي: أنها امتلكت حاسة السمع لأن " أذنت " من الأذن ~~وكأنها بمجرد سماعها لأمر الله تنفعل وتنشق. وهكذا نجد أن كل عالم من ~~عوالم الكون أمم مثل أمة البشر، ms5014 ويتفاهم الإنسان مع غيره من البشر ~~ممن يشتركون معه في اللغة، وقد يتفاهم مع البشر أمثاله ممن لا يعرف ~~لغتهم بالإشارة، أو من خلال مترجم، أو من خلال تعلم اللغة نفسها. ولكن ~~الإنسان لا يفهم لغة الجماد، أو لغة النبات، أو لغة الحيوان إلا إذا أنعم ~~الله على عبد بأن يفهم عن الجماد، أو أن يفهم الجماد عنه. والمثل: هو ~~تسبيح الجبال مع داود، ويشكل تسبيحه مع تسبيحها " جوقة " من الانسجام ~~مكون من إنسان مسبح هو أعلى الكائنات، والمردد للتسبيح هي ~~الجبال، وهي من الجماد أدنى الكائنات. # ونحن نعلم أن كل الكائنات تسبح، لكننا لا نفقه تسبيحها، ولكن الحق ~~سبحانه يختار من عباده من يعلمه منطق الكائنات الأخرى، مثلما قال ~~سبحانه عن سليمان: # وورث سليمان داوود وقال يأيها الناس علمنا ~~منطق الطير.. # [النمل: 16]. وهكذا علمنا أن للطير منطقا. وعلم الحق سبحانه ~~سليمان لغة النمل لأننا نقرأ قول الحق: # حتى إذآ أتوا على واد النمل قالت نملة ~~يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * فتبسم ضاحكا ~~من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ~~التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل ~~صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك ~~الصالحين # [النمل: 18-19]. إذن: فلكل أمة من الكائنات لغة، وهي تفهم عن ~~خالقها، أو من أراد له الله سبحانه وتعالى أن يفهم عنها، وبهذا نعلم أن ~~الشمس والقمر والنجوم حين سجدت بأمر ربها ليوسف في رؤياه إنما فهمت عن ~~أمر ربها. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { قال يبني... }. ### || [12.5] # وحين يورد القرآن خطاب أب لابن لا نجد قوله { يبني } وهو خطاب ~~تحنين، ويدل على القرب من القلب، و " بني " تصغير " ابن ". أما حين ~~يأتي القرآن بحديث أب عن ابنه فهو يقول " ابني " مثل قول الحق سبحانه عن ~~نوح يتحدث عن ابنه الذي اختار الكفر على الإيمان: # إن ابني من أهلي.. # [هود: 45]. وكلمة " يا بني " بما فيها من حنان وعطف ستفيدنا كثيرا فيما ~~سوف يأتي من مواقف يوسف ومواقف أبيه منه. ms5015 وقول يعقوب ليوسف " يا بني " ~~يفهم منه أن يوسف عليه السلام ما زال صغيرا، فيعقوب هو الأصل، ويوسف ~~هو الفرع، والأصل دائما يمتلئ بالحنان على الفرع، وفي نفس الوقت نجد ~~أي أب يقول: من يأكل لقمتي عليه أن يسمع كلمتي. وقول الأب: يا بني، ~~يفهم منه أن الابن ما زال صغيرا، ليست له ذاتية منفصلة عن الأب ليقرر ~~بها ما هو المناسب، وما هو غير المناسب. وحين يفزع يوسف مما يزعجه أو ~~يسيء إليه أو أي أمر معضل فهو يلجأ إلى من يحبه وهو الأب لأن الأب ~~هو - الأقدر في نظر الابن - على مواجهة الأمور الصعبة. وحين روى يوسف ~~عليه السلام الرؤيا لأبيه قال يعقوب عليه السلام: { قال يبني لا ~~تقصص رؤياك على إخوتك.. } [يوسف: 5]. ونفهم من كلمة " ~~رؤيا " أنها رؤيا منامية لأن الشمس والقمر والنجوم لا يسجدون لأحد، وهذا ~~ما يوضح لنا دقة اللغة العربية، فكلمة واحدة هي " رأى " قد يختلف المعنى ~~لها باختلاف ما رؤى فرؤيتك وأنت يقظان يقال عنها " رؤية " ورؤيتك وأنت ~~نائم يقال عنها " رؤيا ". والرؤية مصدر متفق عليه من الجميع: فأنت ترى ~~ما يراه غيرك وأما " الرؤيا " فهي تأتي للنائم. وهكذا نجد الالتقاء في " ~~رأى " والاختلاف في الحالة هل هي حالة النوم أو حالة اليقظة. وفي الإعراب ~~كلاهما مؤنث لأن علامة التأنيث إما: " تاء " ، أو " ألف ممدودة " ، أو " ~~ألف مقصورة ". وأخذت الرؤية الحقيقية التي تحدث في اليقظة " التاء " وهي ~~عمدة التأنيث أما الرؤيا المنامية فقد أخذت ألف التأنيث. ولا يقدح في ~~كلمة " رؤيا " أنها منامية إلا آية واحدة في القرآن حيث تحدث الحق سبحانه ~~عن لحظة أن عرج به صلى الله عليه وسلم فقال: # وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس.. # [الإسراء: 60]. ولكن من يقولون: " إنها رؤيا منامية " لم يفقهوا ~~المعنى وراء هذا القول فالمعنى هو: إن ما حدث شيء عجيب لا يحدث إلا في ~~الأحلام، ولكنه حدث في الواقع بدليل أنه قال عنها: أنها " فتنة للناس ". # فالرسول صلى الله عليه وسلم لو كان ms5016 قد قال إنها رؤيا منامية لما كذبه ~~أحد فيما قال: لكنه أعلن أنها رؤيا حقيقية لذلك عبر عنها القرآن بأنها ~~فتنة للناس. وهنا يقول يعقوب عليه السلام: { قال يبني لا ~~تقصص رؤياك على إخوتك.. } [يوسف: 5]. لأن يعقوب عليه ~~السلام كأب مأمون على ابنه يوسف أما إخوة يوسف فهم غير مأمونين عليه، ~~وحين يقص يوسف رؤياه على أبيه، فهو سينظر إلى الصالح ليوسف ويدله ~~عليه. أما إن قص الرؤيا على إخوته فقد تجعلهم الأغيار البشرية يحسدون ~~أخاهم، وقد كان. وإن تساءل أحد: ولماذا يحسدونه على رؤيا منامية، رأى ~~فيها الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا يسجدون له؟ نقول: لا بد أن يعقوب ~~عليه السلام قد علم تأويل الرؤيا وأنها نبوءة لأحداث سوف تقع ولا ~~بد أن يعقوب عليه السلام قد علم أيضا قدرة إخوة يوسف على تأويل تلك ~~الرؤيا، ولو قالها يوسف لهم لفهموا المقصود منها، ولا بد حينئذ أن ~~يكيدوا له كيدا يصيبه بمكروه. فهم قد أصابهم الضيق من يوسف وهو ما زال ~~طفلا، فما باله بضيقهم إن علموا مثل هذه الرؤيا التي سيجد له فيها ~~الأب والأم مع الإخوة. ولا يعني ذلك أن نعتبر إخوة يوسف من الأشرار فهم ~~الأسباط وما يصيبهم من ضيق بسبب علو عاطفة الأب تجاه يوسف هو من ~~الأغيار التي تصيب البشر، فهم ليسوا أشرارا بالسليقة لأن الشرير ~~بالسليقة تتصاعد لديه حوادث السوء، أما الخير فتتنزل عنده حوادث ~~السوء. والمثال على ذلك: أنك قد تجد الشرير يرغب في أن يصفع إنسانا آخر ~~صفعة على الخد ولكنه بعد قليل يفكر في تصعيد العدوان على ذلك الإنسان، ~~فيفكر أن يصفعه صفعتين بدلا من صفعة واحدة ثم يرى أن الصفعتين لا تكفيان ~~فيرغب أن يزيد العدوان بأن يصوب عليه مسدسا وهكذا يصعد الشرير ~~تفكيره الإجرامي. أما الخير فهو قد يفكر في ضرب إنسان أساء إليه " ~~علقة " ولكنه يقلل من التفكير في رد الاعتداء بأن يكتفي بالتفكير ~~في ضربه صفعتين بدلا من " العلقة " ، ثم يهدأ قليلا ويعفو عمن أساء ~~إليه. ms5017 وإخوة يوسف - وهم الأسباط - بدءوا في التفكير بانتقام كبير من ~~يوسف، فقالوا لبعضهم: # اقتلوا يوسف.. # [يوسف: 9]. ثم هبطوا عن هذه الدرجة المؤلمة من تعبيرهم عن الغيرة من ~~زيادة محبة أبيهم ليوسف، فقالوا: # أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم.. # [يوسف: 9]. وحينما أرادوا أن يطرحوه أرضا ترددوا واستبدلوا ذلك بإلقائه ~~في الجب لعل أن يلتقطه بعض السيارة. # فقالوا: # وألقوه في غيبت الجب يلتقطه بعض ~~السيارة.. # [يوسف: 10]. وهذا يدل على أنهم تنزلوا عن الانتقام الشديد بسبب ~~الغيرة بل إنهم فكروا في نجاته. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ~~يقول الحق سبحانه: { لا تقصص رؤياك على إخوتك ~~فيكيدوا لك كيدا.. } [يوسف: 5]. والكيد: احتيال مستور لمن ~~لا تقوى على مجابهته، ولا يكيد إلا الضعيف لأن القوي يقدر على ~~المواجهة. ولذلك يقال: إن كيد النساء عظيم لأن ضعفهن أعظم. ويذيل ~~الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: { إن الشيطان للإنسان ~~عدو مبين } [يوسف: 5]. وهذه العداوة معروفة لنا تماما لأنه خرج ~~من الجنة ملعونا مطرودا عكس آدم الذي قبل الله توبته وقد أقسم ~~الشيطان بعزة الله ليغوين الكل، واستثنى عباد الله المخلصين. ~~ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: # " لقد أعانني الله على شيطاني فأسلم ". # ويصف الحق سبحانه عداوة الشيطان للإنسان أنها عداوة مبينة. أي: محيطة. ~~وحين نقرأ القرآن نجد إحاطة الشيطان للإنسان فيها يقظة: # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم.. # [الأعراف: 17]. ولم يأت ذكر للمجيء من الفوقية أو من التحتية لأن ~~من يحيا في عبودية تحتية وعبادية فوقية لا يأتيه الشيطان أبدا. ونلحظ ~~أن الحق سبحانه جاء بقول يعقوب عليه السلام مخاطبا يوسف عليه السلام في ~~هذه الآ ية: { فيكيدوا لك كيدا.. } [يوسف: 5]. ولم يقل: ~~فيكيدوك، وهذا من نضح نبوة يعقوب عليه السلام على لسانه لأن هناك ~~فارقا بين العبارتين، فقول: " يكيدوك " يعني أن الشر المستور الذي ~~يدبرونه ضدك سوف يصيبك بأذى. أما { فيكيدوا لك.. } [يوسف: 5]. ~~فتعني أن كيدهم الذي أرادوا به إلحاق الشر بك سيكون لحسابك، ويأتي بالخير ~~لك. ولذلك نجد ms5018 قوله الحق في موقع آخر بنفس السورة: # كذلك كدنا ليوسف.. # [يوسف: 76]. أي: كدنا لصالحه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وكذلك ~~يجتبيك ربك... }. ### || [12.6] # أي: كما آنسك الله بهذه الرؤيا المفرحة المنبئة بأنه سيكون لك شأن ~~كبير بالنسبة لإخوتك وبالنسبة لأبيك، فلسوف يجتبيك ربك لا بأن يحفظك فقط ~~ولكن بأن يجعل كيدهم سببا لصالحك، ويعلمك من تأويل الأحاديث ما يجعل ~~أصحاب الجاه والنفوذ يلتفتون إليك. ومعنى تأويل الشيء أي معرفة ما يؤول ~~إليه الشيء، ونعلم أن الرؤى تأتي كطلاسم، ولها شفرة رمزية لا يقوم ~~بحلها إلا من وهبه الله قدرة على ذلك فهي ليست علما له قواعد ~~وأصول لأنها إلهامات من الله سبحانه وتعالى. وبعد ذلك تصير يا يوسف على ~~خزائن الأرض حين يوجد الجدب، ويعم المنطقة كلها، وتصبح عزيز مصر. ~~ويتابع الحق سبحانه: { ويتم نعمته عليك.. } [يوسف: 6]. ~~فكل ما تمتع به يوسف هو من نعم الدنيا، وتاج نعمة الدنيا أن الله ~~اجتباه رسولا. أو أن: { ويتم نعمته عليك.. } [يوسف: 6]. ~~بمعنى إلا تسلب منك النعمة أبدا ففي حياة يوسف منصب مهم، هو منصب عزيز ~~مصر، والمناصب من الأغيار التي يمكن أن تنزع. أو أن: { ويتم ~~نعمته عليك.. } [يوسف: 6]. بأن يصل نعيم دنياك بنعيم أخراك. ~~ويتابع الحق سبحانه: { وعلى آل يعقوب كمآ أتمهآ على ~~أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم ~~حكيم } [يوسف: 6]. يذكر الحق سبحانه يوسف عليه السلام بأن كيد ~~إخوته له لا يجب أن يحوله إلى عداوة لأن النعم ستتم أيضا على هؤلاء ~~الإخوة فهم آل يعقوب هم وأبناؤهم حفدة يعقوب، وسينالهم بعض من عز ~~يوسف وجاهه وماله، كما أتمها من قبل على إبراهيم الجد الأول ليوسف ~~باتخاذه خليلا لله، وأتم سبحانه نعمته على إسحاق بالنبوة. وهو سبحانه ~~أعلم بمن يستحق حمل الرسالة، وهو الحكيم الذي لا يترك شيئا للعبث ~~فهو المقدر لكل أمر بحيث يكون موافقا للصواب. ويقول الحق سبحانه من ~~بعد ذلك: { لقد كان في يوسف... }. ### || [12.7] # أي: أن يوسف صار ظرفا للأحداث، لأن " في " تدل على ms5019 الظرفية، ومعنى ~~الظرفية أن هناك شيئا يظرف فيه شيء آخر، فكأن يوسف صار ظرفا ستدور ~~حوله الأحداث بالأشخاص المشاركين فيها. و " يوسف " اسم أعجمي لذلك فهو " ~~ممنوع من الصرف " أي: ممنوع من التنوين فلا نقول: في يوسف. و { يوسف ~~وإخوته آيات للسائلين } [يوسف: 7]. وهذا يعني أن ما حدث ~~إنما يلفت لقدرة الله سبحانه فقد ألقي في الجب وأنقذ ليتربى في ~~أرقى بيوت مصر. ونعلم أن كلمة آية تطلق على الأمر العجيب الملفت للنظر، ~~وهي ترد بالقرآن بثلاثة معان: آية كونية: مثل الشمس والقمر والليل ~~والنهار، وتلك الآيات الكونية رصيد للنظر في الإيمان بواجب الوجود وهو ~~الله سبحانه فساعة ترى الكون منتظما بتلك الدقة المتناهية لا بد أن ~~تفكر في ضرورة وجود خالق لهذا الكون. والآيات العجيبة الثانية هي ~~المعجزات الخارقة للنواميس التي يأتي بها الرسل لتدل على صدق بلاغهم عن ~~الله، مثل النار التي صارت بردا وسلاما على إبراهيم، ومثل الماء الذي ~~انفلق وصار كالطود العظيم أمام عصا موسى. وهناك المعنى الثالث لكلمة آية، ~~والمقصود بها آيات القرآن الكريم. وفي قول الحق سبحانه: { لقد كان ~~في يوسف وإخوته آيات للسائلين } [يوسف: 7]. نستشف ~~العبرة من كل ما حدث ليوسف الذي كاد له إخوته ليتخلصوا منه لكن كيدهم ~~انقلب لصالح يوسف. وفي كل ذلك سلوى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لتثبيت فؤاده فلا يعير بالا لاضطهاد قومه له، وتآمرهم عليه، ورغبتهم ~~في نفيه إلى الشام، ومحاولتهم قتله، ومحاولتهم مقاطعته، وقد صاروا ~~من بعد ذلك يعيشون في ظلال كنفه. إذن: فلا تيأس يا محمد لأن الله ناصرك ~~بإذنه وقدرته، ولا تستبطئ نصر الله، أنت ومن معك، كما جاء في القرآن. # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء ~~والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله ~~قريب # [البقرة: 214]. ويبين لنا الحق سبحانه ما حدث ليوسف بعد القهر الذي ~~أصابه من إخوته، ويمر الوقت إلى أن تتحقق رؤيا الخير التي ms5020 رآها يوسف عليه ~~السلام. ويقال: إن رؤيا يوسف تحققت في فترة زمنية تتراوح بين أربعين سنة ~~وثمانين عاما. ولذلك نجد رؤيا الخير يطول أمد تصديقها ورؤيا ~~الشر تكون سريعة لأن من رحمة الله أن يجعل رؤيا الشر يقع واقعا وينتهي، ~~لأنها لو ظلت دون وقوع لأمد طويل لوقع الإنسان فريسة تخيل الشر ~~بكل صوره. والشر لا يأتي إلا على صورة واحدة، ولكن الخير له صور ~~متعددة فيجعلك الله متخيلا لما سوف يأتيك من الخير بألوان وتآويل شتى. # والمثل لدعوة الشر هو دعوة موسى على آل فرعون حين قال: # ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 88]. ويقول الحق سبحانه: { لقد كان في يوسف ~~وإخوته آيات للسائلين } [يوسف: 7]. فكل يوم من أيام تلك ~~القصة هناك آية وتجمع آيات. وهناك قراءة أخرى: " لقد كان في يوسف وإخوته ~~آية للسائلين " أي: أن كل القصة بكل تفاصيلها وأحداثها آية عجيبة. والحق ~~سبحانه أعطانا في القرآن مثلا على جمع الأكثر من آية في آية واحدة، ~~مثلما قال: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية.. # [المؤمنون: 50]. مع أن كلا منهما آية منفردة. ولك أن تنظر إلى قصة يوسف ~~كلها على أنها آية عجيبة تشمل كل اللقطات، أو تنظر إلى كل لقطة على أنها ~~آية بمفردها. ويقول الحق سبحانه في آخر هذه الآية أن القصة: { آيات ~~للسائلين } [يوسف: 7]. والسائلون هنا إما من المشركين الذين ~~حرضهم اليهود على أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مسألة ~~يوسف، وإما من المسلمين الذين يطلبون العبر من الأمم السابقة، وجاء ~~الوحي لينزل على الرسول الأمي بتلك السورة بالأداء الرفيع المعجز ~~الذي لا يقوى عليه بشر. وأنت حين تقرأ السورة قد تأخذ من الوقت عشرين ~~دقيقة، هات أنت أي إنسان ليتكلم ثلث ساعة، ويظل حافظا لما قاله لن ~~تجد أحدا يفعل ذلك لكن الحق سبحانه قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6]. ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يحفظ ما أنزل إليه ms5021 ~~من ربه، ويمليه على صحابته ويصلي بهم ويقرأ في الصلاة ما أنزل عليه، ~~ورغم أن في القرآن آيات متشابهات إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يخطئ ~~مرة أثناء قراءته للقرآن. والأمثلة كثيرة منها قوله الحق: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17]. ومرة أخرى يقول: # إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] وكذلك قول الحق سبحانه: # إن المتقين في جنات وعيون # [الحجر: 45]. وفي موقع آخر يقول الحق: # إن المتقين في جنات ونعيم # [الطور: 17]. فكيف يتأتى لبشر أمي أن يتذكر كل ذلك، لولا أن الذي ~~أنزل عليه الوحي قد شاء له ذلك. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { إذ ~~قالوا ليوسف... }. ### || [12.8] # ولا بد لنا هنا أن ننظر إلى الأخوة بنوعياتها فقد تكون الأخوة من ~~ناحية الأبوين معا وقد تكون من ناحية الأب دون الأم، أو من ناحية الأم ~~دون الأب، وكان عدد أبناء يعقوب عليه السلام اثنا عشر: سبعة من واحدة ~~وأربعة من اثنتين: زلفى وبلهه واثنين من راحيل هما: يوسف، وأخوه بنيامين. ~~وتبدأ الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { إذ قالوا ليوسف ~~وأخوه أحب إلى أبينا منا.. } [يوسف: 8]. وحرف اللام ~~الذي سبق اسم يوسف جاء للتوكيد، وكأنهم قالوا: والله إن أبانا يحب يوسف ~~وأخاه أكثر من حبه لنا. والتوكيد لا يأتي إلا بصدد إنكار. وهذا يدل ~~على أنهم مختلفون في أمر يوسف عليه السلام فأحدهم يريد أن ينتقم من يوسف، ~~وآخر يقترح تخفيف المسألة بإلقائه في الجب ثم انتهوا إلى أن يوسف أحب ~~إلى أبيهم منهم. وفي قولهم لمحة من إنصاف فقد أثبتوا حب أبيهم لهم ولكن ~~قولهم به بعض من غفلة البشر لأنهم كان يجب أن يلتمسوا سبب زيادة حب ~~أبيهم ليوسف وأخيه. فيوسف وأخوه كانوا صغارا وماتت أمهما ولم يعد ~~لهم إلا الأب الذي أحس بضرورة أن يجتمع فيه تجاههما حنان الأب وحنان ~~الأم ولأنهما صغار نجد الأب يحنو عليهما بما أودعه الله في قلبه من ~~قدرة على الرعاية. وهذا أمر لا دخل ليعقوب فيه ms5022 بل هي مسألة إلهية ~~أودعها الله في القلوب بدون اختيار ويودعها سبحانه حتى في قلوب ~~الحيوانات. وقد شاء سبحانه أن يجعل الحنان على قدر الحاجة فالقطة - على ~~سبيل المثال - إن اقترب أحد من صغارها المولودين حديثا تهجم على هذا ~~الذي اقترب من صغارها. ولذلك نجد العربي القديم قد أجاب على من سأله " ~~أي أبنائك أحب إليك؟ " فقال: " الصغير حتى يكبر والغائب حتى يعود، ~~والمريض حتى يشفى ". وهذه مسألة نراها في حياتنا اليومية، فنجد امرأة لها ~~ولدان، واحد أكرمه الله بسعة الرزق ويقوم بكل أمورها واحتياجاتها والآخر ~~يعيش على الكفاف أو على مساعدة أخيه له ونجد قلبها دائما مع الضعيف. ~~ولذلك نقول: إن الحب مسألة عاطفية لا تخضع إلى التقنين ولا تكليف بها ~~وحينما يتعرض القرآن لها فالحق سبحانه يوضح: أن الحب والبغض انفعالات ~~طبيعية فأحبب من شئت وأبغض من شئت ولكن إياك أن تظلم الناس لمن ~~أحببت أو تظلم من أبغضت. اقرأ قول الحق سبحانه: # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8]. فأحبب من شئت، وأبغض من شئت، ولكن لا تظلم بسبب ~~الحب أو البغض. وقد يقول قائل: ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: # " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ". # نقول: اقرأ ما جاء في نفس رواية الحديث فقد قال عمر رضي الله عنه - ~~بوضوحه وصراحته وجراءته دون نفاق -: أحبك يا رسول الله عن مالي وعن ولدي ~~أما عن نفسي فلا، فكرر النبي صلى الله عليه وسلم قوله: # " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه ". # ففطن عمر رضي الله عنه إلى أن الأمر هو التزام عقدي وتكليفي وفهم ~~أن المطلوب هو حب العقل لا حب العاطفة. وحب العقل - كما نعلم - هو أن ~~تبصر الأمر النافع وتفعله مثلما تأخذ الدواء المر وأنت تفعل ذلك ~~بحب عقلي رغبة منك في أن يأذن الحق بالشفاء. والمسلم يحب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعقله لأنه يعلم أنه لولا مجيء رسول الله لما ms5023 عرف ~~حلاوة الإيمان، وقد يتسامى المسلم في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى أن يصير حب الرسول في قلبه حبا عاطفيا. وهكذا نرى أن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه قد أوضح لنا الخطوط الفاصلة بين مباديء الحب العقلي والحب ~~العاطفي. والمثال الآخر من سيرة عمر رضي الله عنه في نفس المسألة حب ~~العقل وحب العاطفة حين مر عليه قاتل أخيه فقال واحد ممن يجلسون ~~معه: هذا قاتل أخيك. فقال عمر: وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام؟ ~~وصرف عمر وجهه بعيدا عن قاتل أخيه فجاء القاتل إليه قائلا: لماذا تزوي ~~وجهك عني؟ قال عمر: لأني لا أحبك، فأنت قاتل أخي. فقال الرجل: أو ~~يمنعني عدم حبك لي من أي حق من حقوقي؟ قال عمر: لا. فقال الرجل: " لك ~~أن تحب من تريد، وتكره من تريد، ولا يبكي على الحب إلا النساء ". ~~وكان على إخوة يوسف أن ينتبهوا إلى حب والدهم ليوسف وأخيه هو انفعال ~~طبيعي لا يؤاخذ به الأب لأن ظروف الولدين حتمت عليه أن يحبهم مثل هذا ~~الحب. وتستمر القصة بما فيها من تصعيد للخير وتصعيد للشر ولسائل أن يسأل: ~~ولماذا انصب غضبهم على يوسف وحده؟ ويقال: إنهم لم يرغبوا أن يفجعوا ~~أباهم في الاثنين - يوسف وأخيه - أو أن شيئا من رؤيا يوسف تسرب إليهم. ~~ومن العجيب أن يقولوا بعد ذلك: { ونحن عصبة.. } [يوسف: 8]. ~~والعصبة من عدد عشرة فما فوق والعصبة أيضا هم المتكاتفون المتعصبون ~~لبعضهم البعض وهم الذين يقومون بالمصالح ويقضون الحاجات وقد تقاعد أبوهم ~~وترك لهم إدارة أعمال العائلة. وقالوا: " ما دمنا نقوم بمصالح ~~العائلة، فكان من الواجب أن يخصنا أبونا بالحب " ولم يلتفتوا إلى ~~أنهم عصبة، وهذا ما جعل الأب يحبهم، لكنه أعطى من ليسوا عصبة مزيدا ~~من الرعاية، ولكنهم سدروا في غيهم، ووصلوا إلى نتيجة غير منطقية وهي ~~قولهم: { إن أبانا لفي ضلال مبين } [يوسف: 8]. # وهذا القول هو نتيجة لا تنسجم مع المقدمات، فيوسف وأخوه طفلان ماتت ~~أمهما، ولا بد أن يعطف ms5024 عليهم الأب وحبه لهما لم يمنع حبه للأبناء ~~الكبار القادرين على الاعتماد على أنفسهم. وحين يقولون: { إن أبانا ~~لفي ضلال مبين } [يوسف: 8]. قد يفهم بعض الناس كلمة " ضلال " ~~هنا بالمعنى الواسع لها. نقول: لا لأن هناك ضلالا مقصودا، وهو أن يعرف ~~طريق الحق ويذهب إلى الباطل، وهذا ضلال مذموم. وهناك ضلال غير مقصود، ~~مثل: ضلال رجل يمشي فيسلك طرقا لا يعرفها فيضل عن مقصده ومثل من ينسى ~~شيئا من الحق. وسبحانه القائل: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى.. # [البقرة: 282]. وسبحانه القائل أيضا: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7]. إذن: فالضلال المذموم هو أن تعرف طريق الحق، وتذهب إلى ~~الضلال. وهكذا أخطأ إخوة يوسف في تقدير أمر حب أبيهم ليوسف وأخيه ~~ووصلوا إلى نتيجة ضارة لأن المقدمات التي أقاموا عليها تلك النتيجة ~~كانت باطلة ولو أنهم محصوا المقدمات تمحيصا دقيقا لما وصلوا إلى ~~النتيجة الخاطئة التي قالوها: { إن أبانا لفي ضلال مبين } ~~[يوسف: 8]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما جاء على ألسنة إخوة يوسف: { ~~اقتلوا يوسف... }. ### || [12.9] # والقتل هو قمة ما فكروا فيه من شر ولأنهم من الأسباط هبط الشر إلى ~~مرتبة أقل فقالوا: { أو اطرحوه أرضا.. } [يوسف: 9]. فكأنهم ~~خافوا من إثم القتل وظنوا بذلك أنهم سينفردون بحب أبيهم لأنهم قالوا: { ~~يخل لكم وجه أبيكم.. } [يوسف: 9]. والوجه هو الذي تتم به ~~المواجهة والابتسام والحنان، وهو ما تظهر عليه الانفعالات. والمقصود ب: ~~{ يخل لكم وجه أبيكم.. } [يوسف: 9]. هو ألا يوجد عائق بينكم ~~وبين أبيهم. وقولهم: { وتكونوا من بعده قوما صالحين } ~~[يوسف: 9]. أي: أنهم يقدرون الصلاح ويعرفون أن الذي فكروا فيه غير ~~مقبول بموازين الصلاح ولذلك قالوا: إنهم سيتوبون من بعد ذلك. ولكن: ما ~~الذي أدراهم أنهم سوف يعيشون إلى أن يتوبوا؟ وهم بقولهم هذا نسوا أن ~~أمر الموت قد أبهم حتى لا يرتكب أحد المعاصي والكبائر. أو: أن يكون ~~المقصود ب: { قوما صالحين } [يوسف: 9]. هو أن يكونوا صالحين ~~لحركة الحياة، ولعدم تنغيص علاقتهم بأبيهم فحين يخلو لهم وجهه سيرتاحون ~~إلى أن أباهم سيعدل بينهم، ms5025 ويهبهم كل حبه فيرتاحون. أو أن يكون المقصود ~~ب: { قوما صالحين } [يوسف: 9]. أن تلك المسألة التي تشغل بالهم ~~وتأخذ جزءا من تفكيرهم إذا ما وجدوا لها حلا فسيرتاح بالهم فينصلح ~~حالهم لإدارة شئون دنياهم. وهكذا نفهم أن سعيهم إلى الصلاح: منوط ~~بمراداتهم في الحياة، بحسب مفهومهم للصلاح والحياة. ويقول الحق سبحانه ~~بعد ذلك: { قال قآئل منهم... }. ### || [12.10] # وهكذا نرى التخفيف في الشر حين يرفض واحد منهم مبدأ القتل، واستبدله ~~بالإخفاء بإلقائه في الجب. ولم يحدد الحق سبحانه لنا اسم القائل حتى ~~يعصمهم جميعا من سوء الظن بهم. والجب هو البئر غير المطوي ونحن نعلم ~~أن الناس حين تحفر بئرا، فمياه البئر تتدفق طوال الوقت وقد يأتي الردم ~~فيسد البئر ولذلك يبنون حول فوهة البئر بعضا من الطوب لحمايته من ~~الردم ويسمون مثل هذا البئر " بئر مطوي " ، وهكذا تظل المياه في البئر ~~في حالة استطراق. وكلمة: { غيبت الجب } [يوسف: 10]. أي: المنطقة ~~المخفية في البئر وعادة ما تكون فوق الماء وما فيها يكون غائبا عن ~~العيون. ولسائل أن يقول: وكيف يتأتى إلقاؤه في مكان مخفي مع قول ~~أحد الإخوة: { يلتقطه بعض السيارة } [يوسف: 10]. ونقول: ~~إن في مثل هذا القول تنزيلا لدرجة الشر التي كانت متوقدة في اقتراح ~~بعضهم بقتل يوسف وفي هذا الاقتراح تخفيض لمسألة القتل أو الطرح أرضا. ~~وبعد ذلك عاد القائل لحالته العادية، وصحت فيه عاطفة الأخوة وقال: { ~~إن كنتم فاعلين } [يوسف: 10]. أي: أنه توقع عدم رفضهم لاقتراحه. ~~وهكذا يشرح لنا الحق سبحانه كيف تمت تصفية هذه المسألة فلم يقف صاحب ~~هذا الرأي بالعنف ضد اقتراح إخوته بقتل يوسف أو طرحه في الأرض بل أخذ ~~يستدرجهم ليستل منهم ثورة الغضب فلم يقل لهم " لا تقتلوه " ، ولكنه ~~قال: " لا تقتلوا يوسف ". وفي نطقه للاسم تحنين لهم. ويضيف: { ~~وألقوه في غيبت الجب يلتقطه بعض السيارة ~~إن كنتم فاعلين } [يوسف: 10]. وكأنه يأمل في أن يتراجعوا عن ~~مخططهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { قالوا يأبانا... }. ### || [12.11] # وبعد أن وافقوا أخاهم الذي خفف من مسألة ms5026 القتل، ووصل بها إلى مسألة ~~الإلقاء في الجب بدأوا التنفيذ، فقال واحد منهم موجها الكلام لأبيه، ~~وفي حضور كل الإخوة: { يأبانا ما لك لا تأمنا على ~~يوسف.. } [يوسف: 11]. وساعة تسمع قول جماعة فاعلم أن واحدا منهم هو ~~الذي قال، وأمن الباقون على كلامه إما سكوتا أو بالإشارة. ولكي ~~يتضح ذلك اقرأ قول الحق سبحانه عن دعاء موسى عليه السلام على فرعون وكان ~~معه هارون. قال موسى عليه السلام: # ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 88]. ورد الحق سبحانه على دعاء موسى: # قد أجيبت دعوتكما.. # [يونس: 89]. والذي دعا هو موسى، والذين أمن على الدعوة هو هارون عليه ~~السلام. وهكذا نفهم أن الذي قال: { يأبانا ما لك لا تأمنا ~~على يوسف وإنا له لناصحون } [يوسف: 11]. تلك الكلمات ~~التي وردت في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، هو واحد من إخوة يوسف، ~~وأمن بقية الإخوة على كلامه. وقولهم: { ما لك لا تأمنا على ~~يوسف وإنا له لناصحون } [يوسف: 11]. يدل أنه كانت هناك ~~محاولات سابقة منهم في ذلك، ولم يوافقهم الأب. وقولهم: { وإنا له ~~لناصحون } [يوسف: 11]. يعني أنهم سوف ينتبهون له، ولن يحدث له ضرر ~~أو شر وسيعطونه كل اهتمام فلا داعي أن يخاف عليه الأب. ويستمر عرض ما ~~جاء على لسان إخوة يوسف: { أرسله معنا غدا.. }. ### || [12.12] # ولأنهم كانوا يخرجون للرعي والعمل لذلك كان يجب أن يأتوا بعلة ليأذن ~~لهم أبوهم بخروج يوسف معهم، ويوسف في أوان الطفولة واللعب بالنسبة له أمر ~~محبب ومسموح به لأنه ما زال تحت سن التكليف، واللعب هو الشغل المباح ~~لقصد انشراح النفس. ويفضل الشرع أن يكون اللعب في مجال قد يطلبه ~~الجد مستقبلا كأن يتعلم الطفل السباحة، أو المصارعة، أو إصابة ~~الهدف وهي الرماية وهكذا نفهم معنى اللعب: إنه شغل لا يلهي عن واجب، ~~أما اللهو فهو شغل يلهي عن واجب. وهناك بعض من الألعاب يمارسها ~~الناس ويجلسون معا ثم يؤذن المؤذن ويأخذهم الحديث ولا يلتفون إلى ~~إقامة الصلاة في ms5027 ميعادها وهكذا يأخذهم اللهو عن الضرورة أما لو التفتوا ~~إلى إقامة الصلاة: لصار الأمر مجرد تسلية لا ضرر منها. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { قال إني ليحزنني... }. ### || [12.13] # وكلام الأب هنا لا بد أن يغيظهم فهو دليل المحبة الفائقة إلى الدرجة ~~التي يخاف فيها من فراق يوسف لقلة صبره عنه، وشدة رعايته له ثم جاء ~~لهم بالحكاية الأخرى، وهي: { وأخاف أن يأكله الذئب ~~وأنتم عنه غافلون } [يوسف: 13]. وقال بعض الناس: لقد علمهم ~~يعقوب الكذبة ولولا ذلك ما عرفوا أن يكذبوها. ونلحظ أن يعقوب جعل للأخوة ~~لحظا فلم يقل: " أخاف أن يأكله الذئب وأنتم قاعدون " بل قال: { ~~وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون } ~~[يوسف:13]. وهذا ليربي فيهم مواجيد الأخوة التي تفترض ألا يتصرفوا ~~مع أخيهم بشر ولا أن يتصرف غيرهم معه بشر إلا إذا غفلوا عن أخيهم. ~~ونلحظ في ردهم عجزهم عن أن يردوا على قوله: { إني ليحزنني ~~أن تذهبوا به.. } [يوسف: 13]. فهذا الحب من يعقوب ليوسف هو الذي ~~دفعهم إلى الحقد على يوسف، وردوا فقط على خوفه من أن يأكله الذئب، ~~وجاء القرآن بما قالوه: { قالوا لئن أكله... }. ### || [12.14] # وهنا يكشف لنا الحق سبحانه محاولاتهم لطمأنة أبيهم كي يأذن في خروج يوسف ~~معهم ولهذا استنكروا أن يأكله الذئب وهم محيطون به كعصبة، وأعلنوا ~~أنه إن حدث ذلك فهم سيخسرون كرامتهم أمام أنفسهم وأمام قومهم، وهم لا ~~يقبلون على أنفسهم هذا الهوان. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { فلما ~~ذهبوا به... }. ### || [12.15] # وقوله الحق: { وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب.. ~~} [يوسف: 15]. يدلنا على أن تلك المسألة أخذت منهم مناقشة، فيها أخذ ~~ورد، إلى أن استقروا عليها. وألهم الحق سبحانه يوسف عليه السلام بما ~~سوف يفعلونه، والوحي كما نعلم هو إعلام بخفاء. وسوف يأتي في القصة أن ~~يوسف عليه السلام بعد أن تولى الوزارة في مصر ودخلوا عليه أمسك بقدح ونقر ~~عليه بأصابعه، وقال لهم: اسمعوا ما يقوله القدح إنه يقول: إن لكم أخا ~~وقد فعلتم به كذا وكذا. وبعض المفسرين قال: ms5028 إن الحق سبحانه أوحى له، ولم ~~يلحظ إخوته هذا الوحي. ونقول: إن الوحي إعلام بخفاء، ولا يمكن أن ~~يشعر به غير الموحى إليه، وعلى ذلك نرى أنهم لم يعلموا هذا الأمر إلا ~~بعد أن تولى يوسف مقاليد الوزارة في مصر بل إنهم لم يعرفوا أن يوسف أخوهم ~~لأنهم قالوا له لحظتها: # إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل.. # [يوسف: 77]. والمقصود بالوحي في هذه الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها ~~- هو إيناس الوحشة وهو وارد إلهي لا يرده وارد الشيطان والإلهام وارد ~~بالنسبة لمن هم غير أنبياء مثلما أوضحنا الأمر الذي حدث مع أم موسى حين ~~أوحى لها الله أن تلقيه في اليم. والوارد الإلهي لا يجد له معارضة في ~~النفس البشرية، وقد أوحى الله ليوسف ما يؤنس وحشته حين ألقاه إخوته في ~~الجب الذي ابتعد فيه عن حنان أبيه وأنسه بأخيه، ومفارقته لبلده التي ~~درج فيها وأنسه بالبيئة التي اعتاد عليها. فكان لا بد أن تعطيه ~~السماء دليلا على أن ما حدث له ليس جفوة لك يا يوسف لكنه إعداد لك ~~لتقابل أمرا أهم من الذي كنت فيه وأن غرماءك - وهم إخوتك - سوف ~~يضطرون لدق بابك ذات يوم يطلبون عونك، ويطلبون منك أقواتهم، ~~وستعرفهم أنت دون أن يعرفوك. هذا من جهة يوسف وجهة الجب الذي ألقوه ~~فيه، وبقي أن تعالج القصة أمر الإخوة مع الأب، فيقول الحق سبحانه بعد ~~ذلك: { وجآءو أباهم... }. ### || [12.16] # وهنا تتجلى لنا قدرة أداء القرآن أداء دقيقا معبرا عن الانفعالات التي ~~توجد في النفس الإنسانية، فها هم إخوة خدعوا أباهم ومكروا بأخيهم، وأخذوه ~~وألقوه في الجب مع أنهم يعلمون أن أباه يحبه، وكان ضنينا أن يأتمنهم ~~عليه، فكيف يواجهون هذا الأب؟ هذا هو الانفعال النفسي الذي لا تستطيع ~~فطرة أن تثبته فقالوا: نؤخر اللقاء لأبينا إلى العشاء: والعشاء محل ~~الظلمة، وهو ستر للانفعالات التي توجد على الوجوه من الاضطراب ومن مناقضة ~~كذب ألسنتهم لأنهم لن يخبروا الأب بالواقع الذي حدث بل بحديث مختلق. ~~وقد تخدعهم ms5029 حركاتهم، ويفضحهم تلجلجهم، وتنكشف سيماهم الكاذبة أمام أبيهم ~~فقالوا: الليل أخفى للوجه من النهار، وأستر للفضائح وحين ندخل على ~~أبينا عشاء فلن تكشفنا انفعالاتنا. وبذلك اختاروا الظرف الزمني الذي ~~يتوارون فيه من أحداثهم: { وجآءو أباهم عشآء يبكون } ~~[يوسف: 16]. والبكاء انفعال طبيعي غريزي فطري ليس للإنسان فيه مجال ~~اختيار ومن يريد أن يفتعله فهو يتباكى، بأن يفرك عينيه، أو يأتي ~~ببعض ريقه ويقربه من عينيه، ولا يستر ذلك إلا أن يكون الضوء خافتا ~~لذلك جاءوا أباهم عشاء يمثلون البكاء. والحق سبحانه حينما تكلم عن ~~الخصائص التي أعطاها لذاته، ولم يعطها لأحد من خلقه أعلمنا أنه سبحانه ~~هو الذي يميت ويحي، وهو الذي يضحك ويبكي. والحق سبحانه هو القائل: # وأنه هو أضحك وأبكى * وأنه هو أمات وأحيا # [النجم: 43-44]. ولا يوجد فرق بين ضحك أو بكاء إنسان إنجليزي وآخر ~~عربي ولا يوجد فرق بين موت أو ميلاد إنسان صيني وآخر عربي أو فرنسي فهذه ~~خصائص مشتركة بين كل البشر. وإذا ما افتعل الإنسان الضحك فهو يتضاحك وإذا ~~ما افتعل الإنسان البكاء فهو يتباكى أي: يفتعل الضحك أو البكاء. والذي ~~يفضح كل ذلك هو النهار. والتاريخ يحمل لنا الكثير من الحكايات عن اتخاذ ~~الليل كستار للمواقف والمثل في سيدنا الحسين رضي الله عنه وأرضاه حين ~~جاءت موقعة كربلاء، ورأى العدو وقد أحاط به ورأى الناس وقد انفضوا عنه ~~بعد أن دعوه ليبايعوه، ولم يبق معه إلا قلة وعزت عليه نفسه ~~وعز عليه أن يقتل هؤلاء في معركة غير متكافئة صمم هو على دخولها. فلما ~~أقبل الليل دعا أصحابه وقال لهم: " إن كنتم قد استحييتم أن تفروا عني ~~نهارا، فالليل جاء وقد ستركم، فمن شاء فليذهب واتركوني ". يقص الحق ~~سبحانه ما بدر منهم فور أن دخلوا على أبيهم: { قالوا ~~يأبانآ... }. ### || [12.17] # كلمة: { نستبق.. } [يوسف: 17]. تعبر عن بيان تفوق ذات على ذات في ~~حركة ما لنرى من سيسبق الآخر فحين يتسابق اثنان في الجري نرى من فيهما ~~سبق الآخر وهذا هو الاستباق. وقد يكون الاستباق ms5030 في حركة بآلة كأن يمسك ~~إنسان ببندقية ويصوبها إلى الهدف ويأتي آخر ويمسك ببندقية أخرى ويحاول ~~أن يصيب الهدف ومن يسبق منهما في إصابة الهدف يكون هو المتفوق في هذا ~~المجال. وقد يكون الاستباق في الرمي بالسهام ونحن نعرف شكل السهم فهو ~~عبارة عن غصن مرن، يلتوي دون أن ينكسر ومثبت عليه وتر، ويوضع ~~السهم في منتصف الوتر، ليشده الرامي فينطلق السهم إلى الهدف. وتقاس ~~دقة إصابة الهدف حسب شدة السهم وقوة الرمي، ويسمى ذلك " تحديد الهدف ". ~~أما إذا كان التسابق من ناحية طول المسافة التي يقطعها السهم فهذا لقياس ~~قوة الرامي. وهكذا نجد الاستباق له مجالات متعددة وكل ذلك حلال فهم أسباط ~~وأولاد يعقوب، ولا مانع أن يلعب الإنسان لعبة لا تلهيه عن واجبه وقد ~~تنفعه فيما يجد من أمور فإذا التقى بعدو نفعه التدريب على استخدام ~~السهم أو الرمح أو أداة قتال واللعب الذي لا ينهى عن طاعة، وينفع وقت ~~الجد هو لعب حلال. وهناك ألعاب قد لا يدرك الناس لها غاية مثل كرة ~~القدم. وأقول: قد يوجد عدوان وبينهما قنبلة موقوتة ويحاول كل طرف أن ~~يبعدها عن موقعه، والقوة والحكمة تظهر في محاولة كل فريق في إبعاد الكرة ~~عن مرماه. ولكن لا بد ألا يلهي لعب الكرة عن واجب فمثلا حين يؤذن ~~المؤذن للصلاة، الواجب علينا ألا نهمل الصلاة ونواصل اللعب، وعلى ~~اللاعبين أن يراعوا عدم ارتداء ملابس تكشف عن عوراتهم. وأبناء يعقوب ~~قالوا: { وتركنا يوسف عند متاعنا.. } [يوسف: 17]. وفي هذا ~~إخلال بشروط التعاقد مع الأب الذي أذن بخروج يوسف بعد أن قالوا: # أرسله معنا غدا يرتع ويلعب.. # [يوسف: 12]. وقالوا: # وإنا له لناصحون # [يوسف: 11]. وقالوا: # وإنا له لحافظون # [يوسف: 12]. فهل أخذتموه معكم ليرتع ويلعب، ويأكل من ثمار الأشجار ~~والفاكهة وتحفظونه، أم ليحفظ لكم متاعكم وأنتم تستبقون. وهذا أول الكذب ~~الذي كذبوه وهذه أول مخالفة لشرط إذن والده له بالخروج معكم ولأن " ~~المريب يكاد يقول خذوني " نجدهم قد قالوا: { فأكله الذئب ومآ ~~أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ms5031 } [يوسف: 17]. أو: ~~أنهم قالوا ذلك لأنهم يعلمون أن والدهم لن يصدقهم مهما قالوا. ونعلم ~~أن " آمن " إما أن تتعدى إلى المفعول بنفسها مثل " آمنه الله من الجوع " ~~، أو قوله الحق: # وآمنهم من خوف # [قريش: 4]. أو: تجيء بالباء، ويقال " آمن به " أي: صدق واعتقد. أو: ~~يقال " آمن له " أي: صدقه فيما يقول. وهم هنا يتهمون أباهم أنه ~~متحد لهم، حتى ولو كانوا صادقين، وهم يعلمون أنهم غير صادقين ولكن ~~جاءوا بكلمة الصدق ليداروا كذبهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وجآءو ~~على قميصه... }. ### || [12.18] # كأن قميص يوسف كان معهم. ويقال: إن يعقوب علق على مجيء القميص وعليه ~~الدم الكذب بأن الذئب كان رحيما، فأكل لحم يوسف ولم يمزق قميصه وكأنه ~~قد عرف أن هناك مؤامرة سيكشفها الله له. ويصف بعض العلماء قصة يوسف بقصة ~~القميص: فهنا جاء إخوته بقميصه وعليه دم كذب. وفي أواسط السورة تأتي ~~مسألة قميص يوسف إن كان قد شق من دبر لحظة أن جذبته امرأة العزيز ~~لتراوده عن نفسه. وفي آخر السورة يرسل إخوته بقميصه إلى والده فيرتد ~~بصره. ولهذا أخذ العلماء والأدباء كلمة القميص كرمز لبعض الأشياء والمثل ~~هو قول الناس عن الحرب بين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه أن ~~معاوية أمسك بقميص عثمان بن عفان طلبا للثأر من علي، فقيل " قميص عثمان ~~" رمزا لإخفاء الهدف عن العيون، وكان هدف معاوية أن يحكم بدلا من علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين. وهنا يقول الحق سبحانه: { وجآءو ~~على قميصه بدم كذب.. } [يوسف: 18]. وكأن القميص كان معهم، ~~ووضعوا عليه دما مكذوبا، لأن الدم لا يكذب، إنما كذب من جاء بدم الشاة ~~ووضعه على القميص. وشاء الحق سبحانه هنا أن يعطي الوصف المصدري للمبالغة ~~وكأن الدم نفسه هو الذي كذب مثلما تقول " فلان عادل " ويمكنك أن تصف ~~إنسانا بقولك " فلان عدل " أي: كأن العدل تجسد فيه، أو قد تقول " ~~فلان ذو شر " ، فيرد عليك آخر " بل هو الشر بعينه " ، وهذه مبالغة في ~~الحدث. وهل كان ms5032 يمكن أن يوصف الدم بأنه دم صادق؟ نقول: نعم، لو كان ~~الذئب قد أكل يوسف بالفعل وتلوث قميص يوسف بدم يوسف وتمزق. ولكن ذلك لم ~~يحدث، بل إن الكذب يكاد يصرخ في تلك الواقعة ويقول " أنا كذب ". فلو كان ~~قد أكله الذئب فعلا كان الدم قد نشع من داخل القميص لخارجه ولكنهم جاءوا ~~بدم الشاة ولطخوا به القميص من الخارج. وبالله، لو أن الذئب قد أكله ~~فعلا، ألم تكن أنيابه قد مزقت القميص؟ وحين انكشف أمرهم أمام ~~أبيهم أشار أحدهم خفية للباقين وقال لهم همسا: قولوا لأبيكم: إن ~~اللصوص قد خرجوا عليه وقتلوه فسمع يعقوب الهمس فقال: اللصوص أحوج ~~لقميصه من دمه وهذا ما تقوله كتب السير. وهذا ما يؤكد فراسة يعقوب، هذه ~~الفراسة التي يتحلى بها أي محقق في قضية قتل حين يقلب أسئلته للمتهم ~~وللشهود لأن المحقق يعلم أن الكاذب لن يستوحي أقواله من واقع بل يستوحي ~~أقواله من خيال مضطرب. ولذلك يقال: " إن كنت كذوبا فكن ذكورا ". # ويأتي هنا الحق سبحانه بما جاء على لسان يعقوب: { بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ~~ما تصفون } [يوسف: 18]. " والسول ": هو الاسترخاء لأن الإنسان ~~حين تكون أعصابه مشدودة ثم يحب أن يسترخي، فيستريح قليلا، وبعد ذلك يجد ~~في نفسه شيئا من اليسر في بدنه ونبضه. ونأخذ { سولت.. } [يوسف: ~~18]. هنا بمعنى يسرت وسهلت، وما دامت قد سولت لكم أنفسكم هذا ~~الأمر فسوف أستقبله بما يليق بهذا الوضع، وهو الصبر. { فصبر ~~جميل.. } [يوسف: 18]. والذين يحاولون اصطياد خطأ في القرآن يقولون " ~~وهل يمكن أن يكون الصبر جميلا؟ ". نقول: هم لا يعرفون أن الصبر يقال ~~فيه " اصبر عن كذا " إذا كان الأمر عن شهوة قد تورث إيلاما كأن يقال ~~" اصبر عن الخمر " أو " اصبر عن الميسر " أو " اصبر عن الربا ". ويقال " ~~اصبر عن كذا " إذا كان الصبر فيه إيلام لك. والصبر يكون جميلا حينما لا ~~تكون فيه شكوى أو جزع. والحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: # واهجرهم هجرا جميلا ms5033 # [المزمل: 10]. وهؤلاء الذين يبحثون عن تناقض أو تضارب في القرآن إنما هم ~~قوم لا يعرفون كيفية استقباله وفهمه وقد بين لنا يعقوب عليه السلام أن ~~الصبر الجميل هو الصبر الذي لا شكوى فيه، وهو القائل: # إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله.. # [يوسف: 86]. وهكذا نعلم أن هناك فارقا بين الشكوى للرب وشكوى من قدر ~~الرب. ولذلك يقول يعقوب عليه السلام هنا: { فصبر جميل.. } ~~[يوسف: 18]. ويتبعها: { والله المستعان على ما تصفون } ~~[يوسف: 18]. كأن الصبر الجميل أمر شاق على النفس البشرية، ولم يكن ~~يعقوب قادرا على أن يصدق ما قاله أبناؤه له فكيف يصدق الكذب؟ وكيف ~~يمكن أن يواجه أبناءه بما حدث منهم؟ وهم أيضا أبناؤه لكنه كان غير قادر ~~على أن يكشف لهم كذبهم. والمثل لذلك ما جاء في التراث العربي حين قيل ~~لرجل: إن ابنك قد قتل أخاك، فقال: # أقول لنفسي تأساء وتعزية # إحدى يدي أصابتني ولم ترد # كلاهما خلف عن فقد صاحبه # هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي # ومثل هذه المواقف تكون صعبة وتتطلب الشفقة لأن من يمر بها يحتار بين ~~أمر يتطلب القسوة وموقف يتطلب الرحمة وكيف يجمع إنسان بين الأمرين؟ إنها ~~مسألة تعز على خلق الله ولا بد أن يفزع فيها الإنسان إلى الله ولذلك ~~علمنا صلى الله عليه وسلم أنه إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة وحزبه أمر ~~ما يعني: أن مواجهة هذا الأمر تفوق أسباب الإنسان فيلجأ إلى المسبب ~~الأعلى ولذلك قال يعقوب عليه السلام: { والله المستعان على ~~ما تصفون } [يوسف: 18]. # وقوله: " تصفون " يعني: أنكم لا تقولون الحقيقة، بل تصفون شيئا لا ~~يصادف الواقع، مثل قوله تعالى: # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام.. # [النحل: 116]. أي: أن ألسنتكم نفسها تصف الكلام أنه كذب. والحق ~~سبحانه يقول: # سبحان ربك رب العزة عما يصفون # [الصافات: 180]. وتعني أن هؤلاء الذين قالوا ما قيل عنه أنه وصف قد ~~كذبوا فيما قالوا وكان مصير كذبهم مفضوحا. { فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون } [يوسف: 18]. وهكذا عبر يعقوب ~~عليه ms5034 السلام عن نفسه فالجوارح قد تكون ساكنة لكن القلب قد يزدحم بالهموم ~~ويفتقد السكون لذلك لا بد من الاستعانة بالله. وقد علمنا الحق سبحانه ~~أن نقول في فاتحة الكتاب: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. فأنت تقف لعبادة الله وبين يديه لكن الدنيا قد تشغلك عن ~~العبادة أثناء أداء العبادة نفسها: لذلك تستعين بخالقك لتخلص في ~~عبادتك. وبعد أن عرض الحق سبحانه لموقف الأب مع أولاده، نأتي لموقف يوسف ~~عليه السلام في الجب. يقول سبحانه: { وجاءت سيارة... }. ### || [12.19] # ولم يقل الحق سبحانه من أين جاء السيارة؟ أو إلى أين كانوا ذاهبين؟ ~~والمقصود بالسيارة هم القوم المحترفون للسير، مثل من كانوا يرحلون في ~~رحلة الشتاء والصيف بهدف التجارة وجلب البضائع. وكانت السيارة لا تنتقل ~~بكامل أفرادها إلى البئر، بل يذهب واحد منهم إلى البئر ليأتي لهم بالمياه ~~ويسمى الوارد، وذهب هذا الوارد إلى البئر ليحضر لبقية السيارة الماء ~~وألقى دلوه في البئر ويسمى حبل الدلو الرشاء. وحين نزل الدلو إلى مستوى ~~يوسف عليه السلام تعلق يوسف في الحبل فأحس الوارد بثقل ما حمله الرشاء ~~ونظر إلى أسفل فوجد غلاما يتعلق بالدلو فنادى: { يبشرى هذا ~~غلام.. } [يوسف: 19]. أي: أنه يقول يا بشرى هذا أوانك وكأنه يبشر قومه ~~بشيء طيب فلم يحمل الدلو ماء فقط، بل حمل غلاما أيضا. ويقول الحق ~~سبحانه: { وأسروه بضاعة.. } [يوسف: 19]. أي: أنهم أخفوه ~~وعاملوه كأنه بضاعة، ولم يتركوه يمشي بجانبهم خشية أن يكون عبدا آبقا ~~ويبحث عنه سيده وهم يريدون بيعه. ويذيل الحق سبحانه الآية بقوله: { ~~والله عليم بما يعملون.. } [يوسف: 19]. وهذا قول يعود على ~~من أسروه بضاعة وهم الذين عرضوه للبيع. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وشروه بثمن بخس... }. ### || [12.20] # ونعلم أنهم لم يشتروه بل عثروا عليه ونعلم أن كلمة شراء تدل على البيع ~~أيضا، أي: أنهم باعوه بثمن بخس أي: بثمن زهيد، وكانت العبيد أيامها ~~مقومة بالنقود. والبخس أي: النقص، وهو إما في الكم أو في الكيف ~~فهو يساوي مثلا مائة درهم وهم باعوه بعشرين درهما فقط وكان ms5035 العبد في ~~عمر يوسف يقوم بالنقد وهم باعوه بالبخس، وبثمن أقل قيمة إما كما ~~وإما كيفا. ثم أراد الحق سبحانه أن يوضح الأمر أكثر فقال: { دراهم ~~معدودة وكانوا فيه من الزاهدين } [يوسف: 20]. والزهد ~~هنا هو حيثية الثمن البخس فهم قد خافوا أن يبحث عنه أبوه أو صاحبه ~~وكأنهم قالوا لأنفسهم: أي شيء يأتي من ورائه فهو فائدة لنا. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { وقال الذي اشتراه... }. ### || [12.21] # وكان للشراء علة فهو قد اشتراه لامرأته ليقوم بخدمتها، وكانت لا تنجب ~~وتكثر في الإلحاح عليه في طلب العلاج، وتقول أغلب السير: إن من اشتراه ~~كان ضعيفا من ناحية رغبته في النساء. وهذه اللقطة تبين لنا الفساد الذي ~~ينشأ في البيوت التي تتبنى طفلا، لكنهم لا يحسبون حساب المسألة حين يبلغ ~~هذا الطفل مبلغ الرجال، وقد تعود أن تحمله ربة البيت وتقبله، وتغدق ~~عليه من التدليل ما يصعب عليها أن تمتنع عنه ولأن الطفل يكبر انسيابيا ~~فقد يقع المحظور وندخل في متاهة الخطيئة. ويقول الحق سبحانه: { وقال ~~الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه ~~عسى أن ينفعنآ أو نتخذه ولدا.. } [يوسف: 21]. وهذا ~~يعني أن تعتني بالمكان الذي سيقيم فيه، وبطبيعة الحال فهذا القول يقتضي ~~أن تعتني بالولد نفسه على رجاء أن ينتفع به الرجل وزوجته. ولسائل أن ~~يقول: كيف ينتفع به الرجل وهو عزيز مصر، والكل في خدمته؟ ونقول: إن ~~النفع المقصود هنا هو النفع الموصول بعاطفة من ينفع وهو غير نفع ~~الموظفين العاملين تحت قيادة وإمرة عزيز مصر، فعندما ينشأ يوسف كابن ~~للرجل وزوجه وكإنسان تربى في بيت الرجل هنا ستختلف المسألة، ويكون ~~النفع محملا بالعاطفة التي قال عنها الرجل: { أو نتخذه ~~ولدا.. } [يوسف: 21]. وقد علمنا من السير أنهما لم يرزقا ~~بأولاد. ويقول الحق سبحانه في نفس الآية: { وكذلك مكنا ~~ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث ~~والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } [يوسف: 21]. وقد بدأ التمكين في الأرض من لحظة دخوله إلى ~~بيت عزيز مصر ليحيا حياة طيبة ms5036 وليعلمه الله تأويل الحديث بأن يهبه القدرة ~~على تفسير الرؤى والأحلام وليغلب الله على أمره. ولو نظر إخوته إلى ما ~~آل إليه يوسف عليه السلام فسيعرفون أن مرادهم قد خاب وأن مراد الله قد ~~غلب بإكرام يوسف وهم لو علموا ذلك لضنوا عليه بالإلقاء في الجب، ~~وهذا شأن الظالمين جميعا. ولذلك نقول: إن الظالم لو علم ما أعده ~~الله للمظلوم لضن عليه بالظلم. وساعة يقول الحق سبحانه: { والله ~~غالب على أمره.. } [يوسف: 21]. فهذا قول نافذ لأنه وحده القادر ~~على أن يقول للشيء كن فيكون ولا يوجد إله غيره ليرد على مراده. ولذلك ~~قلنا قديما: إن الله سبحانه وتعالى قد شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو وهو ~~يملك الرصيد المطلق المؤكد بأنه لا إله غيره فهو وحده الذي له الملك، ~~وهو وحده القادر على كل شيء. ولكن خيبة بعض من الخلق الذين يتوهمون أنهم ~~قادرون على أن يخططوا ويمكروا متناسين أو ناسين أن فوقهم قيوم لا ~~تأخذه سنة ولا نوم، ولو انتبه هؤلاء لعلموا أن الله يملك بحق من ~~يظلم فوق إلى ظلمه. ورأينا في حياتنا وتاريخنا ظالمين اجتمعوا على ~~ظلم الناس وكان مصيرهم أسوأ من الخيال وأشد هولا من مصيرهم لو تحكم ~~فيهم من ظلموهم. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ولما بلغ ~~أشده... }. ### || [12.22] # والبلوغ هو الوصول إلى الغاية، وقوله تعالى: { بلغ أشده.. } ~~[يوسف: 22]. أي: وصل إلى غايته في النضج والاستواء ومن كلمة " بلغ " ~~أخذ مصطلح البلوغ فتكليف الإنسان يبدأ فور أن يبلغ أشده ويصير في قدرة ~~أن ينجب إنسانا مثله. وحين يبلغ إنسان مثل يوسف أشده، وهو قد عاش في ~~بيت ممتلىء بالخيرات فهذا البلوغ إن لم يكن محروسا بالحكمة والعلم ~~ستتولد فيه رعونة ولهذا فقد حرسه الحق بالحكمة والعلم. والحكم هو ~~الفيصل بين قضيتين متعاندتين متعارضتين حق وباطل وما دام قد أعطاه الله ~~الحكم، فهو قادر على أن يفصل بين الصواب والخطأ. وقد أعطاه الله العلم ~~الذي يستطيع أن ينقله إلى الغير، والذي سيكون منه تأويل الرؤى، ms5037 وغير ~~ذلك من العلم الذي سوف يظهر حين يولى على خزانة مصر. إذن: فهنا بلغ ~~يوسف أشده وحرسه الحق بالحكمة والعلم. ويذيل الحق سبحانه هذه الآية ~~بقوله: { وكذلك نجزي المحسنين } [يوسف: 22]. وكل إنسان ~~يحسن الإقامة لما هو فيه يعطيه الله ثمرة هذا الحسن، والمثل: حين ~~لا يتأبى فقير على قدر الله أن جعله فقيرا، ويحاول أن يحسن ويتقن ~~ما يعمل، فيوضح الله بحسن الجزاء: أنت قبلت قدري، وأحسنت عملك فخذ ~~الجزاء الطيب. وهذا حال عظماء الدنيا كلهم. وهكذا نجد قول الحق سبحانه: ~~{ وكذلك نجزي المحسنين } [يوسف: 22]. لا ينطبق على يوسف ~~وحده بل على كل من يحسن استقبال قدر الله لأنه سبحانه ساعة يأتي ~~بحكم من الأحكام وبعد ذلك يعمم الحكم فهذا يعني أن هذا الحكم ليس ~~خاصا بل هو عام. وإذا كان الحق سبحانه يورد هذا في مناسبة بعينها، فإنه ~~يقرر بعدها أن كل محسن يعطيه الله الحكم والعلم. وقول الحق سبحانه: ~~{ ولما بلغ أشده.. } [يوسف: 22]. يوحي لنا أن يوسف عليه ~~السلام كان قد بلغ مرحلة الفتوة، وهنا بدأت متاعبه في القصر، ففي ~~طفولته نظرت إليه امرأة العزيز كطفل جميل فلم يكن يملك ملامح الرجولة ~~التي تهيج أنوثتها. أما بعد البلوغ فنجد حالها قد تغير، فقد بدأت تدرك ~~مفاتنه وأخذ خيالها يسرح فيما هو أكثر من الإدراك، وهو التهاب الوجدان ~~بالعاطفة المشبوبة، وما بعد الإدراك والوجدان يأتي النزوع. ولو كانت ~~محجوبة عنه لما حدثت الغواية بالإدراك والوجدان. وهذا يعطينا علة ~~غض البصر عن المثيرات الجنسية لأنك إن لم تغض البصر أدركت، وإن ~~أدركت وجدت، وإن وجدت نزعت إلى الزواج أو التعفف بالكبت في النفس، ~~وتعيش اضطراب القلق والتوتر، وإن لم تتعفف عربدت في أعراض الناس. وكذلك ~~أمرنا الحق سبحانه ألا تبدي النساء زينتهن إلا لأناس حددهم الحق سبحانه ~~في قوله تعالى: # ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن ~~بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن أو ~~أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو ms5038 ~~بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسآئهن أو ~~ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي ~~الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا ~~على عورات النسآء.. # [النور: 31]. أي: الذي بلغ من العمر والشيخوخة حدا لا يجعله يفكر في ~~الرغبة في النساء. وكانت نظرة امرأة العزيز إلى يوسف عليه السلام وهو في ~~فتوته، بعد أن بلغ أشده نظرة مختلفة، يوضحها الله تعالى في قوله: { ~~وراودته التي هو... }. ### || [12.23] # وساعة تسمع " راود " فافهم أن الأمر فيه منازعة مثل: " فاعل " أو " ~~تفاعل " ومثل: " شارك محمد عليا " أي: أن عليا شارك محمدا ومحمد شارك ~~عليا فكل منهم مفعول مرة، وفاعل مرة أخرى. والمراودة مطالبة برفق ~~ولين بستر ما تريده ممن تريده فإن كان الأمر مسهلا، فالمراودة ~~تنتهي إلى شيء ما، وإن تأبى الطرف الثاني بعد أن عرف المراد فلن ~~تنتهي المراودة إلى الشيء الذي كنت تصبو إليه. وهكذا راودت امرأة العزيز ~~يوسف عليه السلام، أي: طالبته برفق ولين في أسلوب يخدعه ليخرجه عما ~~هو فيه إلى ما تطلبه. ومن قبل كان يوسف يخدمها، وكانت تنظر إليه كطفل، ~~أما بعد أن بلغ أشده فقد اختلف الأمر، ولنفرض أنها طالبته أن يحضر لها ~~شيئا وحين يقدمه لها تقول له " لماذا تقف بعيدا؟ " وتدعوه ليجلس إلى ~~جوارها، وهو لن يستطيع الفكاك لأنه في بيتها وهي متمكنة منه فهي سيدة ~~القصر. وهكذا نجد أن المسألة مجموعة عليه من عدة جهات فهو قد تربى في ~~بيتها وهي التي تتلطف وترق معه، وفهم هو مرادها. وهكذا شرح الحق ~~سبحانه المسألة من أولها إلى آخرها بأدب راق غير مكشوف، فقال تعالى: { ~~وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت ~~الأبواب.. } [يوسف: 23]. وكلمة: { وغلقت الأبواب.. } ~~[يوسف: 23]. توضح المبالغة في الحدث أو لتكرار الحدث، فهي قد أغلقت ~~أكثر من باب. ونحن حين نحرك المزلاج لنؤكد غلق الباب، ونحرك المفتاح، ~~ونديره لتأكيد غلق الباب. فهذه عملية أكبر من غلق الباب وإذا أضفنا ~~مزلاجا جديدا نكون قد أكثرنا الإغلاق لباب واحد وهكذا يمكن أن نصف ms5039 ~~ما فعلنا أننا غلقنا الباب. وامرأة العزيز قامت بأكثر من إغلاق لأكثر من ~~باب، فقصور العظماء بها أكثر من باب، وأنت لا تدخل على العظيم من هؤلاء ~~في بيته لتجده في استقبالك بعد أول باب، بل يجتاز الإنسان أكثر من باب ~~ليلقى العظيم الذي جاء ليقابله. ويحمل لنا التاريخ قصة ذلك الرجل الذي ~~رفض أن يبايع معاوية في المدينة، فأمر معاوية باستدعائه إلى قصر الحكم في ~~دمشق. هذا القصر الذي سبق أن زاره عمر بن الخطاب ووجد فيه أبهة زائدة ~~بررها له معاوية بحيلة الأريب أنها أبهة ضرورية لإبراز مكانة العرب أمام ~~الدولة الرومانية المجاورة، فسكت عنها عمر. وحين استدعى معاوية الرجل، ~~دخل بصحبة الحرس من باب، وظن أنه سوف يلقى معاوية فور الدخول لكن الحرس ~~اصطحبه عبر أكثر من باب فلم ينخلع قلب الرجل، بل دخل بثبات على معاوية ~~وضن عليه بمناداته كأمير المؤمنين، وقال بصوت عال: " السلام على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ". # ففطن معاوية إلى أن الرجل يرفض مبايعته. ونعود إلى الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها فنجد أن امرأة العزيز قد غلقت الأبواب لأن من يفعل ~~الأمر القبيح يعلم قبح ما يفعل، ويحاول أن يستر فعله، وهي قد حاولت ~~ذلك بعيدا عن من يعملون أو يعيشون في القصر، وحدثت المراودة وأخذت ~~وقتا، لكنه فيما يبدو لم يستجب لها. { وقالت هيت لك.. } ~~[يوسف: 23]. أي: أنها انتقلت من مرحلة المراودة إلى مرحلة الوضوح في ~~طلب الفعل بأن قالت: تهيأت لك وكان رده: { قال معاذ الله.. } ~~[يوسف: 23]. والمعاذ هو من تستعيذ به، وأنت لا تستعيذ إلا إذا خارت ~~أسبابك أمام الحدث الذي تمر به علك تجد من ينجدك فكأن المسألة قد ~~عزت عليه فلم يجد معاذا إلا الله. ولا أحد قادر على أن يتصرف هكذا ~~إلا من حرسه الله بما أعطاه له من الحكمة والعلم وجعله قادرا على ~~التمييز بين الحلال والحرام. ولبيان خطورة وقوة الاستعاذة نذكر ما ترويه ~~كتب السيرة من # " أن النبي صلى الله عليه وسلم ms5040 عقد على ابنة ملك كانت شديدة الجاذبية، ~~وشعرت بعض من نساء النبي بالغيرة منها، وقالت واحدة منهن لعلها عائشة رضي ~~الله عنها: إن تزوجها ودخل بها قد يفضلها عنا. وقالت للعروس: إن النبي ~~يحب كلمة ما، ويحب من يقولها. فسألت الفتاة عن الكلمة، فقالت لها ~~عائشة: إن اقترب منك قولي " أعوذ بالله منك ". فغادرها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: " قد عذت بمعاذ " وسرحها السراح الجميل ". # وهناك في قضية السيدة مريم عليها السلام، نجدها قد قالت لحظة أن تمثل ~~لها الملاك بشرا سويا: # إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا # [مريم: 18]. فهي استعاذت بمن يقدر على إنقاذها. وهنا في الآية التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها: { قال معاذ الله إنه ربي ~~أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون } [يوسف: 23]. ~~وأعطانا هذا القول معنيين اثنين: الأول: أنه لم يوافق على طلبها بعد أن ~~أوضحت ما تريد. والمعنى الثاني: أنه طلب المعونة من الله، وهو سبحانه ~~من أنجاه من كيد إخوته ونجاه من الجب وهيأ له أفضل مكان في مصر، ~~ليحيا فيه ومنحه العلم والحكمة مع بلوغه لأشده. وبعد كل هذا أيستقبل ~~كل هذا الكرم بالمعصية؟ طبعا لا. أو: أنه قال: { أحسن مثواي.. } ~~[يوسف: 23]. ليذكر امرأة العزيز بأن لها زوجا، وأن هذا الزوج قد أحسن ~~ليوسف حين قال لها: # أكرمي مثواه عسى أن ينفعنآ أو نتخذه ولدا.. # [يوسف: 21]. فالصعوبة لا تأتي فقط من أنها تدعوه لنفسها بل الصعوبة ~~تزداد سوء لأن لها زوجا فليست خالية، وهذا الزوج قد طلب منها أن تكرم ~~يوسف، وتختار له مكان إقامة يليق بابن، ولا يمكن أن يستقبل ذلك ~~بالجحود والخيانة. # وهكذا يصبح قول يوسف: { إنه ربي.. } [يوسف: 23]. قد يعود على ~~الله سبحانه وقد يعود على عزيز مصر. وتلك ميزة أسلوب القرآن فهو يأتي ~~بعبارة تتسع لكل مناطات الفهم، فما دام الله هو الذي يجازي على الإحسان، ~~وهو من قال في نفس الموقف: # وكذلك نجزي المحسنين # [يوسف: 22]. فمعنى ذلك أن من يسيء يأتي الله بالضد فلا يفلح لأن ms5041 ~~القضيتين متقابلتان: # وكذلك نجزي المحسنين # [يوسف: 22]. و { لا يفلح الظالمون } [يوسف: 23]. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { ولقد همت به... }. ### || [12.24] # والهم هو حديث النفس بالشيء إما أن يأتيه الإنسان أو لا يأتيه. ومن ~~رحمة ربنا بخلقه أن من هم بسيئة وحدثته نفسه أن يفعلها ولم ~~يفعلها كتبت له حسنة. وقد جاءت العبارة هنا في أمر المراودة التي كانت ~~منها، والامتناع الذي كان منه، واقتضى ذلك الأمر مفاعلة بين اثنين ~~يصطرعان في شيء. فأحد الاثنين امرأة العزيز يقول الله في حقها: { ~~ولقد همت به.. } [يوسف: 24]. وسبق أن أعلن لنا الحق سبحانه في ~~الآية السابقة موقفها حين قالت: " هيت لك " وكذلك بين موقف يوسف عليه ~~السلام حين قال يوسف " معاذ الله ". وهنا يبين لنا أن نفسه قد حدثته ~~أيضا وتساوى في حديث النفس لكن يوسف حدث له أن رأى برهان ربه. ويكون ~~فهمنا للعبارة: ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها لأننا نعلم أن " ~~لولا " حرف امتناع لوجود مثلما نقول: لولا زيد عندك لأتيتك. ولقائل أن ~~يقول: كيف غابت قضية الشرط في الإيجاد والامتناع عن الذين يقولون: إن ~~الهم قد وجد منه؟ ولماذا لم يقل الحق: لقد همت به ولم يهم بها حتى ~~نخرج من تلك القضية الصعبة؟ ونقول: لو قال الحق ذلك لما أعطانا هذا ~~القول اللقطة المطلوبة لأن امرأة العزيز همت به لأن عندها نوازع ~~العمل وإن لم يقل لنا أنه قد هم بها لظننا أنه عنين أو خصاه ~~موقف أنها سيدته فخارت قواه. إذن: لو قال الحق سبحانه: إنه لم يهم ~~بها لكان المانع من الهم إما أمر طبيعي فيه، أو أمر طارىء لأنها سيدته ~~فقد يمنعه الحياء عن الهم بها. ولكن الحق سبحانه يريد أن يوضح لنا أن ~~يوسف كان طبيعيا وهو قد بلغ أشده ونضجه ولولا أن رأى برهان ربه ~~لهم بها. وهكذا لم يقم يوسف عليه السلام بما يتطلبه ذلك لنقص فيه ~~ولا لأن الموقف كان مفاجأة ضيعت رجولته بغتة مثل ما يحدث لبعض ~~الشباب في ms5042 ليلة الزفاف، حين لا يستطيع أن يقرب عروسه وتمر أيام إلى أن ~~يستعيد توازنه. ويقرب عروسه. إذن: لو أن القرآن يريد عدم الهم على ~~الإطلاق ومن غير شيء، لقال: ولقد همت به ولم يهم بها. ولكن مثل ~~هذا القول هو نفي للحدث بما لا يستلزم العفة والعصمة، لجواز أن يكون ~~عدم الهم راجعا إلى نقص ما وحتى لا يتطرق إلينا تشبيهه ببعض الخدم ~~حيث يستحي الخادم أن ينظر إلى البنات الجميلات للأسرة التي يعمل عندها ~~ويتجه نظره إلى الخادمة التي تعمل في المنزل المجاور، لأن للعواطف ~~التقاءات. ومن لطف الله بالخلق أنه يوجد الالتقاءات التفاعلية في ~~المتساويات، فلا تأتي عاطفة الخادم في بعض الأحيان ناحية بنات البيت الذي ~~يعمل عنده وقد يطلب من أهل البيت أن يخرج لشراء أي شيء من خارج المنزل، ~~لعله يحظى بلقاء عابر من خادمة الجيران. # ويجوز أن الخادم قد فكر في أنه لو هم بواحدة من بنات الأسرة التي ~~يعمل لديها فقد تطرده الأسرة من العمل بينما هو يحيا سعيدا مع تلك ~~الأسرة. وهكذا يشاء الحق سبحانه أن يوزع تلك المسائل بنظام وتكافؤات في ~~كثير من الأحيان. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قال الحق ~~سبحانه: { ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه.. } [يوسف: 24]. إذن: فبرهان ربه سابق على الهم، ~~فواحد هم ولم يرتكب ما يتطلبه الهم لأن برهان ربه في قلبه، وقد عرف ~~يوسف برهان ربه من البداية. وبذلك تنتهي المسألة، ولذلك فلا داعي أن يدخل ~~الناس في متاهات أنه هم وجلس بين شعبتيها، ولم يرتعد إلا عندما تمثل ~~له وجه والده يعقوب ونهاه عن هذا الفعل فأفسق الفساق ولو تمثل له ~~أبوه وهو في مثل هذا الموقف لأصيب بالإغماء. وحين تناقش من رأى هذا ~~الرأي يرد بأن هدفه أن يثبت فحولة يوسف لأن الهم وجد وأنه قد نازع ~~الهم. ونقول لصاحب هذا الرأي: أتتكلم عن الله، أم عن الشيطان؟ أنت لو ~~نظرت إلى أبطال القصة تجدهم: امرأة العزيز ms5043 ويوسف والعزيز نفسه والشاهد ~~على أن يوسف قد حاول الفكاك من ذلك الموقف، ثم النسوة اللاتي ~~دعتهن امرأة العزيز ليشاهدوا جماله والله قد كتب له العصمة. فكل ~~هؤلاء تضافروا على أن يوسف لم يحدث منه شيء. وقال يوسف نفسه: # هي راودتني عن نفسي.. # [يوسف: 26] وامرأة العزيز نفسها قالت مصدقة لما قال: # ولقد راودته عن نفسه فاستعصم.. # [يوسف: 32]. وقالت: # الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه ~~لمن الصادقين * ذلك ليعلم أني لم أخنه ~~بالغيب.. # [يوسف: 51-52]. وعن النسوة قال يوسف: # ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي ~~بكيدهن عليم # [يوسف: 50]. وقال يوسف لحظتها: # وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين # [يوسف: 33]. والصبوة هي حديث النفس بالشيء وهو ما يثبت قدرة يوسف ~~عليه السلام على الفعل، وحماه الله من الصبوة لأن الحق سبحانه قد قال: # فصرف عنه كيدهن.. # [يوسف: 34]. وانظر إلى لقطة النسوة اللاتي تهامسن بالنميمة عن امرأة ~~العزيز وحكايتها مع يوسف، ألم يقلن: # ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم.. # [يوسف: 31]. فحين دخل عليهن اتجهت العيون له، وللعيون لغات وللانفعال ~~لغات وإلا لماذا قال يوسف: # وإلا تصرف عني كيدهن.. # [يوسف: 33]. وهكذا نعلم أنه قد حدثت مقدمات تدل على أن النسوة ~~نوين له مثل ما نوته امرأة العزيز وظنن أن امرأة العزيز سوف ~~تطرده فيتلقفنه هن وهذا دأب البيوت الفاسدة. # وهل هناك أفسد من بيت العزيز نفسه، بعد أن حكم الشاهد أنها هي التي ~~راودت يوسف عن نفسه فيدمدم العزيز على الحكاية، ويقول: # يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت ~~من الخاطئين # [يوسف: 29]. وكان هدف العزيز أن يحفظ مكانته من القيل والقال. وحين سأل ~~الشاهد النسوة، بماذا أجبن؟ يقول الحق سبحانه أن النسوة قلن: # ما علمنا عليه من سوء.. # [يوسف: 51]. وقد صرف الله عنه الشيطان الذي يتكفل دائما بالغواية، وهو ~~لا يدخل أبدا في معركة مع الله ولكنه يدخل مع خلق الله لأن الحق ~~سبحانه يورد على لسانه: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين ms5044 # [ص: 82-83]. فالشيطان نفسه يقر أن من يستخلصه الله لنفسه من ~~العباد إنما يعجز - هو كشيطان - عن غوايته، ولا يجرؤ على الاقتراب منه. ~~والشاهد الذي من أهل امرأة العزيز، واستدعاه العزيز ليتعرف على الحقيقة ~~قال: # وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من ~~الصادقين # [يوسف: 27]. وبعد كل هذه الأدلة فليس من حق أحد أن يتساءل: هل هم ~~يوسف بامرأة العزيز، أم لم يهم؟ وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا ~~عنها، يقول الحق سبحانه: { لولا أن رأى برهان ربه.. } ~~[يوسف: 24]. والبرهان هو الحجة على الحكم. والحق سبحانه هو القائل: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: # رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل.. # [النساء: 165]. أي: لا بد أن يبعث الحق رسولا للناس مؤيدا ~~بمعجزة تجعلهم يصدقون المنهج الذي يسيرون عليه كي يعيشوا حياتهم ~~بانسجام إيماني، ولا يعذبهم الله في الآخرة. ويذيل الحق سبحانه الآية ~~بقوله: { كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء إنه ~~من عبادنا المخلصين } [يوسف: 24]. والفحشاء هي الزنا ~~والإتيان والسوء هي فكرة الهم، وبعض المعتدلين قالوا: إنها بعد أن ~~راودته عن نفسه وخرجت بالفعل إلى مرحلة السعار لحظة أن سبقها إلى ~~الباب فكرت في أن تقتله وحاول هو أن يدافع عن نفسه وأن يقتلها، ولو ~~قتلها فلسوف يجازى كقاتل. فصرف الحق عنه فكرة القتل وعنى بها هنا قوله ~~الحق " السوء " ولكني اطمئن إلى أن السوء هو فكرة الهم، وهي مقدمات ~~الفعل. ويقرر الحق سبحانه أن يوسف عليه السلام من عباده المخلصين، وفي ~~هذا رد على الشيطان لأن الشيطان قال: # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83]. وقوله الحق هنا: { إنه من عبادنا المخلصين } ~~[يوسف: 24]. يؤكد إقرار الشيطان أنه لن يقرب عباد الله المخلصين. وهناك ~~" مخلصين ". و " مخلصين " والمخلص هو من جاهد فكسب طاعة الله، ~~والمخلص هو من كسب فجاهد وأخلصه الله لنفسه. وهناك أناس ~~يصلون بطاعة الله إلى كرامة الله، وهناك أناس يكرمهم الله فيطيعون ~~الله - ولله المثل الأعلى - منزه عن كل ms5045 تشبيه، أنت قد يطرق بابك واحد ~~يسألك من فضل الله عليك فتستضيفه وتكرمه، ومرة أخرى قد تمشي في الشارع ~~وتدعو واحدا لتعطيه من فضل الله عليك، أي: أن هناك من يطلب فتأذن له، ~~وهناك من تطلبه أنت لتعطيه. وبعد الحديث عن المراودة بما فيها من لين ~~وأخذ ورد ينتقل بنا الحق سبحانه إلى ما حدث من حركة، فيقول تعالى: { ~~واستبقا الباب... }. ### || [12.25] # وعرفنا أن كلاهما حاول الوصول إلى الباب قبل الآخر وتسابقا في هذا ~~الاستباق، ونلحظ أن الحق سبحانه يذكر هنا بابا واحدا وكانت امرأة ~~العزيز قد غلقت من قبل أكثر من باب. لكن قول الحق سبحانه: { ~~وألفيا سيدها لدا الباب.. } [يوسف: 25]. يدلنا على أنها ~~لحقت بيوسف عند الباب الأخير وهي قد استبقت مع يوسف إلى الأبواب كلها ~~حتى الباب الأخير لأنها تريد أن تغلق الباب لتسد أمامه المنفذ الأخير، ~~وهذا الاستباق يختلف باختلاف الفاعل فهي تريده عن نفسه، وهو يريد الفرار ~~من الموقف، ثم قدت قميصه من دبر. هذا دليل على أنه قد سبقها إلى ~~الباب فشدته من قميصه من الخلف، وتمزق القميص في يدها، وقد محص ~~الشاهد - الذي هو من أهلها - تلك المسألة ليستنبط من الأحداث حقيقة ما ~~حدث. وقوله تعالى: { وألفيا سيدها لدا الباب.. } [يوسف: ~~25]. أي: حدثت لهما المفاجأة، وهي ظهور عزيز مصر أمامهما وصار المشهد ~~ثلاثيا: امرأة العزيز ويوسف وزوجها. وهنا ألقت المرأة الاتهام على يوسف ~~عليه السلام في شكل سؤال تبريري للهروب من تبعية الطلب، وإلقاء التهم على ~~يوسف: { قالت ما جزآء من أراد بأهلك سوءا.. } [يوسف: ~~25]. ثم حددت العقاب: { إلا أن يسجن أو عذاب أليم } ~~[يوسف: 25]. ويأتي الحق سبحانه بقول يوسف عليه السلام: # قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلهآ ~~إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من ~~الكاذبين # [يوسف: 26]. وهنا وجد عزيز مصر نفسه بين قولين مختلفين قولها هي ~~باتهام يوسف وقوله هو باتهامها، ولا بد أن يأتي بمن يفصل بين ~~القولين، وأن يكون له دقة استقبال وفهم الأحداث. ويتابع ms5046 الحق ~~سبحانه: { قال هي راودتني... }. ### || [12.26] # وتأتي كلمة " شاهد " في القرآن بمعان متعددة. فهي مرة تكون بمعنى " ~~حضر " ، مثل قول الحق سبحانه: # وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2]. وتأتي مرة بمعنى " علم " ، مثل قوله سبحانه: # وما شهدنآ إلا بما علمنا.. # [يوسف: 81]. وتأتي " شهد " بمعنى " حكم وقضى " أي: رجح كلاما على ~~كلام لاستنباط حق في أحد الاتجاهين. والشاهد في هذه الحالة وثق القرآن ~~أن قرابته من ناحية المحكوم عليه، وهو امرأة العزيز، فلو كان من طرف ~~المحكوم له لردت شهادته. وهكذا صار الموقف رباعيا: امرأة العزيز، ~~ويوسف، وعزيز مصر، والشاهد، وحملت الآية نصف قول الشاهد: { إن كان ~~قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين } ~~[يوسف: 26]. لأن معنى هذا - والواقع لم يكن كذلك - أن يوسف عليه السلام ~~وهو من أقبل عليها تدلى منه ثوبه على الأرض، فتعثر فيه، فتمزق ~~القميص. ويتابع الله قول الشاهد: { وإن كان قميصه... }. ### || [12.27] # أي: أن قميص يوسف عليه السلام إن كان قد من الخلف فيوسف صادق، وامرأة ~~العزيز كاذبة. ونلحظ أن الشاهد هنا قال هذا الرأي قبل أن يشاهد القميص بل ~~وضع في كلماته الأساس الذي سينظر به إلى الأمر، وهو إطار دليل الإثبات. ~~وهذا ما تشرحه الآية التالية، فيقول سبحانه: { فلما رأى ~~قميصه... }. ### || [12.28] # وقول الحق سبحانه عن الشاهد القاضي: { فلما رأى قميصه.. } ~~[يوسف: 28]. يدل على أنه رتب الحكم قبل أن يرى القميص، وقرر المبدأ ~~أولا في غيبة رؤية القميص، ثم رآه بعدها، وهكذا جعل الحيثية الغائبة هي ~~الحكم في القضية الشاغلة. لذلك تابع قوله بما يدين امرأة العزيز: { قال ~~إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم } [يوسف: 28]. والكيد ~~كما نعلم هو الاحتيال على إيقاع السوء بخفاء، ويقوم به من لا يملك ~~القدرة على المواجهة، وكيد المرأة عظيم لأن ضعفها أعظم. وتعود آيات ~~السورة بعد ذلك إلى موقف عزيز مصر، فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان ~~الزوج: { يوسف أعرض... }. ### || [12.29] # وبهذا القول من الزوج أنهى الحق سبحانه هذا الموقف الرباعي عند هذا ~~الحد، الذي جعل ms5047 عزيز مصر يقر أن امرأته قد أخطأت، ويطلب من يوسف أن ~~يعرض عن هذا الأمر ليكتمه. وهذا يبين لنا سياسة بعض من أهل الجاه مع ~~بيوتهم، وهو أمر نشاهده في عصرنا أيضا فنجد الرجل ذا الجاه وهو يتأبى ~~أن يرى أهله في خطيئة، ويتأبى أكثر من ذلك فيرفض أن يرى الغير أهله في ~~مثل هذه القضية، ويحاول كتمان الأمر في نفسه فيكفيه ما حدث له من مهانة ~~الموقف، ولا يريد أن يشمت به خصومه أو أعداؤه. وهنا ملحظ يجب أن نتوقف ~~عنده، وهو قضية الإيمان، وهي لا تزال متغلغلة حتى في المنحرفين ~~والمتسترين على المنحرفين، فعزيز مصر يقول ليوسف: { أعرض عن ~~هذا.. } [يوسف: 29]. ويقول لزوجته: { واستغفري لذنبك ~~إنك كنت من الخاطئين } [يوسف: 29]. وهو في قوله هذا يقر ~~بأن ذنبا قد وقع وهو لن يقر بذلك إلا إذا كان قد عرف عن الله منهجا ~~سماويا، وهو في موقف لا يسعه فيه إلا أن يطلب منها أن تستغفر الله. وبعد ~~أن كان المشهد رباعيا: فيه يوسف، وامرأة العزيز، والعزيز نفسه، ثم ~~الشاهد الذي فحص القضية وحكم فيها، ينتقل بنا الحق سبحانه إلى موقف أوسع ~~وهو دائرة المجتمع الذي وقعت فيه القضية. وهذا يدل على أن القصور لا ~~أسرار لها لأن لأسرار القصور عيونا تتعسس عليها، وألسنة تتكلم بها حتى ~~لا يظن ظان أنه يستطيع أن يحمي نفسه من الجريمة لأن هناك من سوف يكشفها ~~مهما بلغت قدرة صاحبها على التستر والكتمان. وقد تلصص البعض من خدم ~~القصر إلى أن صارت الحكاية على ألسنة النسوة. ويحكي القرآن الموقف ~~قائلا: { وقال نسوة... }. ### || [12.30] # وكلمة " النسوة " ، وكلمة " نساء " تدل على الجماعة، لكن مفرد كل ~~منهما ساقط في اللغة، فمفرد " نسوة " امرأة ومفرد " نساء " أيضا هو " ~~امرأة ". ومن العجيب أن المفرد، وهو كلمة " امرأة " له مثنى هو " امرأتان ~~" ، لكن في صيغة الجمع لا توجد " امراءات " ، وتوجد كلمة نسوة اسم لجماعة ~~الإناث، واحدتها امرأة، وجمعها نساء. وقد قالت النسوة: { امرأة ~~العزيز تراود فتاها عن نفسه.. } [يوسف: 30]. وما ms5048 ~~قلنه هو الحق لكنهن لم يقلن ذلك تعصبا للحق، أو تعصبا للفضيلة. ~~وشاء سبحانه أن يدفع هذه المقالة عنهن، ففضح الهدف المختفي وراء هذا ~~القول في الآية التالية حين قال: # فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت ~~لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا ~~وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه ~~وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا ~~إن هذآ إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذي ~~لمتنني فيه.. # [يوسف: 31-32]. والمكر هو ستر شيء خلف شيء، وكأن الحق ينبهنا إلى ~~أن قول النسوة لم يكن غضبة للحق ولا تعصبا للفضيلة، ولكنه الرغبة ~~للنكاية بامرأة العزيز، وفضحا للضلال الذي أقامت فيه امرأة العزيز. ~~وأردن - أيضا - شيئا آخر أن ينزلن امرأة العزيز عن كبريائها، ~~وينشرن فضيحتها، فأتين بنقيضين لا يمكن أن يتعدى الموقف فيهما إلا ~~خسيس المنهج. فهي امرأة العزيز، أي: أرفع شخصية نسائية في المجتمع، قد ~~نزلت عن كبريائها كزوجة لرجل يوصف بأنه الغالب الذي لا يغلب لأن كلمة ~~" العزيز " مأخوذة من المعاني الحسية. فيقال: " الأرض العزاز " أي: ~~الأرض الصخرية التي يصعب المشي عليها، ولا يقدر أحد أن يطأها ومن هذا ~~المعنى جاءت كلمة " العزيز ". فكيف بامرأة العزيز حين تصير مضغة في ~~الأفواه لأنها راودت فتاها وخادمها عن نفسه وهو بالنسبة لها في أدنى ~~منزلة، وتلك فضيحة مزرية مشينة. وقالت النسوة أيضا: { قد شغفها ~~حبا.. } [يوسف: 30] والحب منازل وأول هذه المنازل " الهوى " مثل: ~~شقشقة النبات، ويقال: " رأى شيئا فهواه ". وقد ينتهي هذا الهوى بلحظة ~~الرؤية، فإذا تعلق الإنسان بما رأى انتقل من الهوى إلى العلاقة. وبعد ~~ذلك يأتي الكلف أي: تكلف أن يصل إلى ما يطلبه من هذه العلاقة. ثم ~~ينتقل بعد ذلك إلى مرتبة فيها التقاء وهي العشق، ويحدث فيها تبادل ~~للمشاعر، ويعلن كل طرف كلفه ولذلك يسمونه " عاشق ومعشوق ". ثم ينتقل ~~إلى مرحلة اسمها " التدليه " أي: يكاد أن يفقد عقله. # ثم يصير الجسم إلى هزال ويقال " تبلت الفؤاد " أي: تاه الإنسان في ~~الأمر. ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الهيام، أي: ms5049 يهيم الإنسان على وجهه فلا ~~يعرف له هدفا، فإن تبع ذلك جرم صار اسمه " جوى ". تلك هي مراحل الحب ~~التي تمر بالقلب، والقلب - كما نعلم - هو الجهاز الصنوبري، ويسمونه ~~مقر العقائد المنتهية، والتي بحثها الإنسان واعتقدها بالفعل. فالإنسان ~~منا يدرك الأشياء بحواسه الظاهرة، يرى ويشم ويسمع ويذوق ويلمس، فإذا ~~أدرك بعضا من الأمور فهو يعرضها على العقل ليوازن بينها ويختار الأكثر ~~قبولا منه، وبعد ذلك تذهب تلك الأمور المقبولة إلى القلب لتستقر عقيدة ~~فيه لا يحيد عنها. أما المسائل العقلية فقد تأتي مسائل أخرى تزحزحها ~~ولذلك يقال للأمور التي استقرت في القلب " عقائد " ، أي: شيء معقود لا ~~ينحل أبدا. وما يصل إلى هذه المرتبة يظهر أثره في إخضاع سلوك حركة ~~الحياة عليه، وإذا ما استقر المبدأ في نفس الإنسان فهو يجعل كل حركته في ~~ظل هذا المبدأ الذي اعتقده. وهكذا نعرف: كيف تمر العقيدة بعدة مراحل ~~قبل أن تستقر في النفس، فالإدراك يحدث أولا ثم التعقل ثانيا وبعد ذلك ~~يعتقد الإنسان الأمر، ويصبح كل سلوك من بعد ذلك وفقا لما اعتقده ~~الإنسان. وكلمة: { شغفها حبا.. } [يوسف: 30]. تعني أن المشاعر ~~انتقلت من إدراكها إلى عقلها إلى قلبها، والشغاف هو الغشاء الرقيق ~~الذي يستر القلب أي: أن الحب تمكن تماما من قلبها. وقولهن: { إنا ~~لنراها في ضلال مبين } [يوسف: 30]. هو قول حق أريد به ~~باطل. ولذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك ما يفضح مقصدهن: { فلما ~~سمعت بمكرهن... }. ### || [12.31] # ولسائل أن يقول: وكيف انتقل لهن الكلام عن الذي حدث بينها وبين ~~يوسف؟ لا بد أن هناك مرحلة بين ما حدث في القصر وكان أبطاله أربعة هم: ~~العزيز، وامرأته، ويوسف، والشاهد، ولا بد أن يكون من نقل الكلام إلى ~~خارج القصر إنسان له علاقتان علاقة بالقصر فسمع ورأى وأدرك ونقل ما علم ~~إلى من له به علاقة خارج القصر. وبحث العلماء عن علاقة النسوة اللاتي ~~ثرثرن بالأمر، وقال العلماء: هن خمسة نساء: امرأة الساقي، وامرأة ~~الخباز، وامرأة الحاجب، وامرأة صاحب الدواب أي: سائس الخيل، ms5050 وامرأة ~~السجان. وهؤلاء النسوة يعشن داخل بيوتهن فمن الذي نقل لهن ~~أسرار القصر؟ لا بد أن أحدا من أزواجهن قد أراد أن يسلي أهله، ~~فنقل خبر امرأة العزيز مع يوسف عليه السلام ثم نقلت زوجته الخبر إلى ~~غيرها من النسوة. وحين وصل إلى امرأة العزيز الخبر وكيف يمكرن بها أرسلت ~~إليهن: { وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة ~~منهن سكينا.. } [يوسف: 31]. والمتكأ هو الشيء الذي يستند إليه ~~الإنسان حتى لا يطول به ملل من كيفية جلسته، والمقصود بالقول هو أن ~~الجلسة سيطول وقتها، وقد خططت لتكشف وقع رؤية يوسف عليهن، فقدمت ~~لكل منهن سكينا وهو ما يوحي بأن هناك طعاما سوف يؤكل. ويتابع الحق ~~سبحانه: { وقالت اخرج عليهن فلما رأينه ~~أكبرنه.. } [يوسف: 31]. ويقال: أكبرت الشيء، كأنك قد تخيلته ~~قبل أن تراه على حقيقته وقد يكون خيالك قد رسم له صورة جميلة، إلا أنك ~~حين ترى الشيء واقعا تكبر المرائي عن التخيل. والمثل أن إنسانا قد ~~يحدثك بخير عن آخر ولكنك حين ترى هذا الآخر تفاجأ بأنه أفضل مما ~~سمعت عنه. والشاعر يقول: # كادت مساءلة الركبان تخبرني # عن جعفر بن حبيب أصدق القيم # حتى التقينا فلا والله ما سمعت # أذني بأطيب مما قد رأى بصري # ويقولون في المقابل: سماعك بالمعيدي خير من أن تراه. أي: يا ليتك قد ~~ظللت تسمع عنه دون أن تراه لأن رؤيتك له ستنقص من قدر ما سمعت. وهن ~~حين آذين امرأة العزيز بتداول خبر مراودتها له عن نفسه، تخيلن له ~~صورة ما من الحسن، لكنهن حين رأينه فاقت حقيقته المرئية كل ~~صورة تخيلنها عنه فحدث لهن انبهار. وأول مراحل الانبهار هي الذهول ~~الذي يجعل الشيء الذي طرأ عليك يذهلك عما تكون بصدده فإن كان في يدك شيء ~~قد يقع منك. وقد قطعت كل منهن يدها بالسكين التي أعطتها لها امرأة ~~العزيز لتقطيع الفاكهة، أو الطعام المقدم لهن. وقال الحق سبحانه ~~في ذلك: { فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن.. ~~} [يوسف: 31]. وهل هناك تصوير يوضح ما حدث لهن من ذهول ms5051 أدق من هذا ~~القول؟ ويتابع سبحانه: { وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن ~~هذآ إلا ملك كريم } [يوسف: 31]. # وكلمة: { حاش.. } [يوسف: 31]. هي تنزيه لله سبحانه عن العجز عن خلق ~~هذا الجمال المثالي، أو: أنهن قد نزهن صاحب تلك الصورة عن حدوث ~~منكر أو فاحشة بينه وبين امرأة العزيز، أو: أن يوسف عليه السلام لا بد أن ~~يكون قد خرج عن صورة أرقى من صورة الإنس التي يعرفنها فقلن: لا بد ~~أنه ملك كريم. وصورة الملك كما نعلم هي صورة متخيلة والإنسان يحكم ~~على الأشياء المتخيلة بما يناسب صورتها في خياله، مثلما نتخيل ~~الشيطان كأبشع ما تكون الصورة. والبشاعة نفسها تختلف من واحد إلى آخر فما ~~تراه بشعا قد لا يراه غيرك كذلك لأن مقاييس القبح أو الجمال تختلف من ~~أمة إلى أخرى. فالمرأة الجميلة في أواسط إفريقيا في نظر الرجل هي ذات ~~الشفاه الغليظة جدا أو صاحبة الشعر المجعد والمتموج. وأكدت الحضارة ~~الحديثة أن هذا لون من الجمال ينجذب إليه الرجل في بعض الحالات بدليل أن ~~بعضا من السيدات ذوات الشعر الناعم للغاية يذهبن إلى مصففة الشعر، ~~ويطلبن منها تجعيد شعورهن. إذن: فالجمال يقاس بالأذواق هذا يرى جمالا ~~قد يراه غيره غير هذا وذاك يرى جمالا لا يراه غيره كذلك. والحق سبحانه ~~يقذف معايير الجمال في النفس الإنسانية على قدر مقومات الالتقاء في ~~الانسجام. ولذلك يقال في الريف المصري هذا المثل " كل فولة ولها ~~كيال ". ونجد شابا يتقدم لفتاة يرغب في الزواج منها وما أن يراها ~~حتى ينفر منها، ويتقدم لها شاب آخر فيقع في هواها، ويتعجل الزواج ~~منها، وهذا يعني أن مقاييس الأول تختلف عن مقاييس الثاني. وحين يشاء الحق ~~سبحانه أن يجمع بين اثنين فلا أحد بقادر على أن يمنع القبول من كل طرف ~~للطرف الآخر وهذه مسألة لها من الأسرار ما لا نعرفه نحن لأنه سبحانه الذي ~~يكتب القبول ويظهر في المرأة جمالا قد يجذب رجلا ولا يجذب رجلا آخر، ~~ونفس المسألة تحدث في نفسية المرأة. إذن: ms5052 فحين رأت النسوة يوسف عليه ~~السلام قلن: { ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك ~~كريم } [يوسف: 31]. وهذا يعني أن يوسف هو الصورة العليا في الجمال ~~التي لا يوجد لها مثيل في البشر. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه ما جاء على ~~لسان امرأة العزيز ردا عليهن: { قالت فذلكن... }. ### || [12.32] # وكأنها وجدت الفرصة لتثبت لنفسها العذر في مراودتها له، فيوسف باعترافهن ~~قد بلغ من الجمال ما لا يوجد مثله في البشر. وقولها: { فذلكن.. } ~~[يوسف: 32]. مكون من " ذا " إشارة ليوسف، و " ذلكن " خطاب للنسوة، ~~والإشارة تختلف عن الخطاب. وهنا موقف أسلوبي لأن الكلام حين ينطق به، أو ~~حين يكتب ليقرأ له ألوان متعددة، فمرة يكون نثرا لا يجمعه وزن أو ~~قافية وقد يكون نثرا مسجوعا أو مرسلا، ومرة يكون الكلام شعرا ~~محكوما بوزن وقافية. والمثل على النثر المسجوع هو قول الحق سبحانه: # والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * ~~والبيت المعمور # [الطور: 1-4]. وهذا نثر مسجوع بلا تكلف، وأنت إذا سمعت أو قرأت كلاما ~~فأذنك تأخذ منه على قدر سمو أسلوبه، لكنك إن انتقلت من أسلوب إلى ~~أسلوب، فأذنك تلتقط الفارق بين الأسلوبين. والمثل نجده في الرسالة التي ~~كتبها ابن زيدون مستعطفا ابن جهور: " هذا العتب محمود عواقبه، وهذه ~~الغمرة نبوة ثم تنجلي، ولن يريبني من سيدي إن أبطأ سببه أو تأخر، ~~غير ضنين ضناه، فأبطأ الدلاء قبضا أملؤها، وأثقل السحاب مشيا ~~أعقلها، ومع اليوم غد. ولكل أجل كتاب، له الحمد على اهتباله، ولا عتب ~~عليه في اغتفاله. # فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا # فأفعاله اللاتي سررن ألوف # وهكذا تشعر انتقال ابن زيدون من النثر إلى الشعر، ولكنك وأنت تقرأ ~~القرآن، تنتقل من النثر المرسل إلى النثر المسجوع إلى النظم الشعري على ~~وزن بحور الشعر، فلا تكاد تفرق في الأسلوب بين شعر أو نثر. والمثل نجده ~~في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { فذلكن الذي ~~لمتنني فيه.. } [يوسف: 32]. فهي موزونه من بحر البسيط، ولكنك لا ~~تشعر أنك انتقلت من نثر إلى شعر. وكذلك قوله ms5053 الحق: # والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم # [النور: 46]. وأيضا قوله الحق: # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم # [الحجر: 49]. وتأتي تلك الآيات في مواقع قد يكون ما قبلها نثرا، مما ~~يدل على أن النغم الذي قاله الله نظما أو شعرا أو نثرا لا نشاز ~~فيه، ويكاد أن يكون سيلا واحدا. وهذا لا يتأتى إلا من كلام الحق ~~تبارك وتعالى، وأنت لن تشعر بهذا الأمر لو لم ينبهك أحد لما في بعض ~~الآيات من وزن شعري. أما كلام البشر فأنت إن قرأت الموزون ثم انتقلت ~~إلى المنثور أحست أذنك بهذا الانتقال ونفس المسألة تشعر بها حين تقرأ ~~المنثور، ثم تنتقل إلى الموزون وستشعر أذنك بهذا الانتقال. { قالت ~~فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم.. } [يوسف: 32]. قالت ذلك بجراءة من رأت تأثير ~~رؤيتهن ليوسف، وأعلنت أنه " استعصم " ، وهذا يعني أنه قد تكلف المشقة ~~في حجز نفسه عن الفعل، وهو قول يثبت أن رجولة يوسف غير ناقصة، فقد جاهد ~~نفسه ليكبتها عن الفعل. # ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان امرأة العزيز: { ولئن لم ~~يفعل مآ آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين } ~~[يوسف: 32]. قالت ذلك وكأنها هي التي تصدر الأحكام، والسامعات لها ~~هن من أكبرن يوسف لحظة رؤيته تعلن لهن أنه إن لم يطعها فيما ~~تريد فلسوف تسجنه وتصغر من شأنه لإذلاله وإهانته. أما النسوة ~~اللاتي سمعنها فقد طمعت كل منهن أن تطرد امرأة العزيز يوسف من القصر ~~حتى تنفرد أي منهن به. ولذلك يورد لنا الحق سبحانه قول يوسف عليه ~~السلام: { قال رب... }. ### || [12.33] # ولسائل أن يقول: ولماذا جاء قول يوسف بالجمع، وقال: { السجن أحب ~~إلي مما يدعونني إليه.. } [يوسف: 33]. على الرغم من أن ~~امرأة العزيز هي التي قالت: # ولئن لم يفعل مآ آمره ليسجنن.. # [يوسف: 32]. ونقول: لا بد أن يوسف عليه السلام قد رأى منهن إشارات ~~أو غمزات توحي له بألا يعرض نفسه لتلك الورطة التي ستؤدي به إلى السجن ~~لذلك أدخل يوسف عليه السلام في قوله المفرد - امرأة العزيز ms5054 - في جمع ~~النسوة اللاتي جمعتهن امرأة العزيز، وهن اللاتي طلبن منه غمزا ~~أو إشارة أن يخرج نفسه من هذا الموقف. ولعل أكثر من واحدة منهن قد نظرت ~~إليه في محاولة لاستمالته، وللعيون والانفعالات وقسمات الوجه تعبير ~~أبلغ من تعبير العبارات، وقد تكون إشارات عيونهن قد دلت يوسف على ~~المراد الذي تطلبه كل واحدة منهن، وفي مثل هذه الاجتماعات تلعب لغة ~~العيون دورا هاما. وها هو ذا أبو دلامة الشاعر وقد جلس في مجلس ~~الخليفة، وكان أبو دلامة مشهورا بقدرة كبيرة على الهجاء. وأراد الخليفة ~~أن يداعبه فقال له: عزمت عليك إلا هجوت واحدا منا. ودارت عيون في ~~المجلس، وأشار له كل من حضر المجلس خفية بأنه سيجزل له العطاء إن ~~ابتعد أبو دلامة عن هجائه ولأن أبا دلامة معروف بالطمع، وخشي أن يضيع ~~منه أي شيء من العطايا لذلك قام بهجاء نفسه وقال: # ألا أبلغ لديك أبا دلامة # فليس من الكرام ولا كرامه # إذا لبس العمامة كان قردا # وخنزيرا إذا خلع العمامه # وهكذا خرج من قسم الأمير وكسب العطايا التي وعده بها من حضروا المجلس. ~~وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد يوسف عليه السلام قد جمع ~~امرأة العزيز مع النسوة فقال: { رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه.. } [يوسف: 33]. أي: أن السجن أفضل لديه من أن ~~يوافق امرأة العزيز على فعل الفحشاء، أو يوافق النسوة على دعوتهن له أن ~~يحرر نفسه من السجن بأن يستجيب لها، ثم يخرج إليهن من القصر من بعد ~~ذلك. ولكن يوسف عليه السلام دعا ربه، فقال: { وإلا تصرف عني ~~كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين } [يوسف: ~~33]. ولسائل أن يقول: ولماذا لم يقل يوسف " يا إلهي " وهو يعلم أن ~~مناط التكليف في الألوهية ب " افعل " و " لا تفعل "؟ نقول: أراد يوسف أن ~~يدعو ربه باسم الربوبية اعترافا بفضله سبحانه لأنه هو جل وعلا من ~~رباه وتعهده وهو هنا يدعوه باسم الربوبية ألا يتخلى عنه في هذا ~~الموقف. فيوسف عليه السلام يعرف أنه من ms5055 البشر وإن لم يصرف الله عنه ~~كيدهن لاستجاب لغوايتهن، ولأصبح من الجاهلين الذين لا يلتفون إلى ~~عواقب الأمور. وعلى الرغم من أن السجن أمر كريه إلا أنه قد فضله على ~~معصية خالقه، ولأنه لجأ إلى المربي الأول. لتأتي الاستجابة منه ~~سبحانه. يقول الحق: { فاستجاب له... }. ### || [12.34] # وهكذا تفضل عليه الله الذي خلقه وتولى تربيته وحمايته، فصرف عنه ~~كيدهن الذي تمثل في دعوتهن له أن يستسلم لما دعته إليه امرأة ~~العزيز، ثم غوايتهن له بالتلميح دون التصريح. تلك الغواية التي تمثلت في ~~قول الملك من بعد ذلك: # قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن ~~حاش لله ما علمنا عليه من سوء.. # [يوسف: 51]. وهكذا أنجاه الله من مكر النسوة وهو جل وعلا له ~~مطلق السمع ومطلق العلم، ولا يخفى عليه شيء، ويستجيب لأهل الصدق في ~~الدعاء. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ثم بدا لهم... }. ### || [12.35] # وبعد أن ظهرت العلامات الشاهدة على براءة يوسف عليه السلام أمام العزيز ~~وأهل مشورته، وانكشف لهم انحراف امرأة العزيز وإصرارها على أن توقع ~~بيوسف في الفعل الفاضح معها، دون خجل أو خوف من الفضيحة. لذلك رأى العزيز ~~وأهل مشورته أن يوضع يوسف عليه السلام في السجن ليكون في ذلك فصل ~~بينه وبينها حتى تهدأ ضجة الفضيحة وليظهر للناس أنه مسئول عن كل هذا ~~السوء الذي ظهر في بيت العزيز. كما أن كلمة: { ليسجننه.. } ~~[يوسف: 35]. فيها نوع من استبقاء الحب الذي يكنه العزيز ليوسف، فهو ~~لم يأمر بقتله أو نفيه بعيدا بل احتفظ به بعيدا عن الزوجة المصرة ~~على الخيانة، وعن المجتمع الذي يلوك تلك الوقائع. والسجن - كما نعلم - ~~هو حبس المسجون لتقييد حركته في الوجود وهو إجراء يتخذه القاضي أو ~~الحاكم كعقوبة يراد بها إذلال المسجون، أو وقاية المجتمع من شره. ~~ونعلم أن الإنسان لا يجتريء على الأحكام إلا حين يظن أو يعلم أن له قدرة ~~وله غلبة فيعلن له القاضي أو الحاكم نهاية تلك الغلبة والقدرة، ويأمر ~~بدخوله إلى السجن ويحرس تقييد حريته سجان ms5056 وقد يتعرض للضرب أو الإهانة. ~~هذا هو السجن المتعارف عليه في العصور القديمة والحديثة، حين تعزل ~~المسجون عن المجتمع، وقد يعطف عليه بعض من أبناء المجتمع، ويزوره بعض من ~~أقاربه ومعهم المأكولات والمطلوبات. ولكن هناك سجن ديني أسسه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين عزل المجتمع الإيماني عن السجين، وقد أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ألا يكلم أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن الخروج ~~معه للقتال بحجج واهية بل وتسامى هذا العزل إلى أن صار عزلا عن الأهل، ~~إلى أن أمر صلى الله عليه وسلم بإنهاء هذا العزل بعد أن تحقق الغرض منه. ~~وماذا عن حال يوسف في السجن؟ يقول الحق سبحانه: { ودخل معه ~~السجن... }. ### || [12.36] # المعية التي دخل فيها اثنان من الفتية معه السجن هي معية ذات، وقيل: ~~إنهما الخباز والساقي، وقيل: إن سبب دخولهما هو رغبة بطانة عزيز مصر ~~في التشويش على ما حدث من فضيحة كبرى هي فضيحة مراودة امرأة العزيز ~~ليوسف ورفض يوسف لذلك. وكان التشويش هو إذاعة خبر مؤامرة على العزيز وأن ~~الساقي والخباز قد تم ضبطهما بمحاولة وضع السم للعزيز. وبعد فترة من ~~حياة الاثنين مع يوسف داخل السجن، وبعد معايشة يومية له تكشف لهما سلوك ~~يوسف كواحد من المحسنين. وحدث أن رأى كل منهما حلما، فقررا أن يطلبا ~~منه تأويل هذين الحلمين، والسجين غالبا ما يكون كثير الوساوس، غير آمن ~~على غده ولذلك اتجها إليه في الأمر الذي يهمهم: { قال أحدهمآ ~~إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني ~~أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا ~~بتأويله إنا نراك من المحسنين } [يوسف: 36]. ومن ~~سياق الكلام نعرف أننا أمام حلمين فواحد منهما رأى في منامه أنه يعصر ~~خمرا، ورأى الثاني أنه يحمل خبزا فوق رأسه تأكل منه الطير، واتجه ~~كلاهما - أو كل منهما على حدة - يطلبان - تأويل الرؤيتين ~~المناميتين، أو أنهما قد طلبا نبأ تأويل هذا الأمر الذي رأياه. وحيثية ~~لجوئهما إليه هو قولهما: { إنا نراك من المحسنين } [يوسف: ~~36]. وهذا يدل ms5057 على أن الإحسان أمر معلوم لكل البشر، حتى أصحاب النفوس ~~المنحرفة، فلا أحد يمكن أن يحكم على آخر أنه محسن إلا إذا وافق عمله ~~مقاييس الإحسان في ذهن من يصدر هذا الحكم. فكل نفس تعرف السوء، وكل ~~نفس تعرف الإحسان، ولكن الناس ينظرون إلى الإحسان وإلى السوء بذاتية ~~أنفسهم، ولكنهم لو نظروا إلى مجموع حركة المتحركين في الكون، ونظروا إلى ~~أي أمر يتعلق بالغير كما يتعلق بهم لعرفوا أن الإحسان قدر مشترك بين ~~الجميع. ونجد اللص - على سبيل المثال - لا يسيئه أن يسرق أحدا، لكن ~~يسيئه لو أن أحدا قام بسرقته، وهكذا نرى الإحسان وقد انتفض في أعماقه ~~حين يتوجه السوء إليه، ويعرف حينئذ مقام الإحسان، ولكنه حين يمارس السرقة ~~ويكون السوء متوجها منه إلى الغير فهو يغفل عن مقام الإحسان. إذن: إن ~~أردت أن تعرف مقام الإحسان في مقاييس الفضائل والأخلاق فافهم الأمر ~~بالنسبة لك إيجابا وسلبا. والمثال الذي أضربه دائما هو: قبل أن ~~تمد عينيك إلى محارم غيرك، وتعتبر أن هذا ليس سوء، هنا عليك أن تعرف ~~مقياسه من الحسن إن نقلت الأمر إلى الصورة العكسية حين تتجه عيون ~~الغير إلى محارمك. هنا ستجد الميزان - ميزانك للأمور - وقد اعتدل. # وإذا أردت اعتدال الميزان في كل فعل فانظر إلى الفعل يقع منك على غيرك ~~وانظر إلى الفعل يقع من الغير عليك وانظر إلى الراجح في نفسك من الأمرين ~~ستجد قب الميزان منضبطا. وأقول دائما: إن الحق سبحانه حين حرم عليك ~~أن تسرق غيرك، لم يضيق حريتك بل ضيق حرية الملايين كي لا يسرقوك، ~~وهذا مكسب لك. إذن: فالذي يعرف مقام الإحسان لا ينسب الفعل الصادر منه ~~على الغير والفعل الصادر من الغير عليه بل ينظر إليهما معا فما استقبحه ~~من الغير عليه فليستقبحه منه على الغير. وقد حكم السجينان على يوسف أنه ~~من المحسنين، وعلم يوسف عليه السلام من حكمهما عليه أن مقاييس الإحسان ~~موجودة عندهما ولذلك نظر إلى الأمر الذي جاءاه من أجله، واستغل هذه ~~المسألة لا لقضاء ms5058 حاجتهما منه ولكن لقضاء حاجته منهما. فقد رأى فيهما ~~شبهة الإيمان بالإحسان والإيمان بالمحسنين، فلماذا لا ينتهز الفرصة فيأخذ ~~حاجته منهما قبل أن يعطيهما حاجتهما منه؟ وكأنه قال لهما: ماذا رأيتما ~~من إحساني؟ هل رأيتم حسن معاملتي لكم؟ أم أن كلا منكما قد رأى دقة ~~اختياري للحسن من القول؟ وأنتما قد لا تعرفان أن عندي - بفضل الله - ما ~~هو أكثر، وهو ما يقوله الحق سبحانه بعد ذلك في الآية التالية: { قال ~~لا يأتيكما... }. ### || [12.37] # وبذلك أوضح لهما أنهما لا يريان منه إلا الظاهر من السلوك، ولكن هناك ~~أمور مخفية، وكأنه ينمي فيهما شعورهما بمنزلته وبإحسانه وبقدرته على أن ~~يخبرهما بأوصاف ونوع أي طعام يرزقانه قبل أن يأتي هذا الطعام. وهذه ~~ليست خصوصية في يوسف أو من عندياته، ولكنها من علم تلقاه عن الله، ~~وهو أمر يعلمه الله لعباده المحسنين فيكشف الله لهم بعضا من الأسرار. ~~وهما - السجينان - يستطيعان أن يكونا مثله إن أحسنا الإيمان بالله. ~~ولذلك يتابع الحق سبحانه: { ذلكما مما علمني ربي إني ~~تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة ~~هم كافرون } [يوسف: 37]. وكأنه بذلك يهديهما إلى الطريق الذي ~~يجعلهما من المحسنين الذين يعطيهم الله بعضا من هبات الخير، فيعلمون ~~أشياء تخفى على غيرهم. وهذا يدلنا على أن المؤمن إذا رأى في إنسان ~~ما مخيلة خير فلينمي هذه المخيلة فيه ليصل إلى خير أكبر وبذلك لا ~~يحتجز الخصوصية لنفسه حتى لا يقطع الأسوة الحسنة ولكي يطمع العباد في ~~تجليات الله عليهم وإشراقاته. ولذلك أوضح يوسف عليه السلام للسجينين أنه ~~ترك ملة قوم لا يؤمنون بالله بما يليق الإيمان به سبحانه، ولا يؤمنون ~~بالبعث والحساب ثوابا بالجنة، أو عقابا في النار. ويتابع الحق سبحانه ~~ما جاء على لسان يوسف عليه السلام: { واتبعت ملة... }. ### || [12.38] # وبذلك أوضح يوسف عليه السلام أنه ترك ملة القوم الذين لا يعبدون الله ~~حق عبادته، ولا يؤمنون بالآخرة، واتبع ملة آبائه إبراهيم ثم إسحاق ثم ~~يعقوب، وهم من أرسلهم الله لهداية الخلق إلى التوحيد، وإلى ms5059 الإيمان ~~بالآخرة ثوابا بالجنة وعذابا بالنار. وذلك من فضل الله بإنزاله المنهج ~~الهادي، وفضله سبحانه قد شمل آباء يوسف بشرف التبليغ عنه سبحانه ولذلك ما ~~كان لمن يعرف ذلك أن يشرك بالله، فالشرك بالله يعني اللجوء إلى آلهة ~~متعددة. يقول الحق سبحانه: # وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما ~~يصفون # [المؤمنون: 91]. فلو أن هناك آلهة غير الله سبحانه لصنع كل إله شيئا ~~لا يقدر على صنعه الإله الآخر ولأصبح الأمر صراعا بين آلهة متنافرة. ~~ومن فضل الله - هكذا أوضح يوسف عليه السلام - أن أنزل منهجه على الأنبياء ~~ومنهم آباؤه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ليبلغوا منهجه إلى خلقه، وهم لم ~~يحبسوا هذا الفضل القادم من الله، بل أبلغوه للناس. { ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون } [يوسف: 38]. وساعة تقرأ أو تسمع ~~كلمة: { لا يشكرون } [يوسف: 38]. اعلم أن الأمر الذي أنت بصدده هو ~~في مقاييس العقل والفطرة السليمة يستحق الشكر، ولا شكر إلا على النعمة. ~~ولو فطن الناس لشكروا الأنبياء والرسل على المنهج الذي بلغوه عن ~~الله لأنه يهديهم إلى حسن إدارة الدنيا، وفوق ذلك يهديهم إلى الجنة. ~~ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما واصله يوسف من حديثه للسجينين: { ~~يصاحبي السجن... }. ### || [12.39] # وكلمة " صاحب " معناها ملازم والجامع بين يوسف والسجينين هو السجن، ونحن ~~نقول " فلان صاحب الدراسة " أو " صاحب حج " ، الشيء الذي يربط بين اثنين ~~أو أكثر، إما أن تنسبه للمكان، أو تنسبه إلى الظرف الذي جمع بين تلك ~~المجموعة من الصحبة. وطرح يوسف السؤال: { ءأرباب متفرقون ~~خير أم الله الواحد القهار } [يوسف: 39]. وحين تطرح ~~سؤالا عبر مقابل لك، فأنت تعلم مقدما أنه يفهم أن أربابا متفرقون ~~ليسوا خيرا من إله واحد، وكأن يوسف قد وثق من أن إجابتهما لن تكون إلا ~~بقولهم " بل عبادة إله واحد خير ". وهو لم يكن ليسأل إلا إذا عرف ~~أنهما سيديران كل الأجوبة فلا يجدان جوابا إلا الجواب الذي أراده. ~~فهما قد عبدا آلهة متعددة وكان المفروض في ms5060 مقاييس الأشياء أن تغنيكم ~~تلك الآلهة عن اللجوء لمن يعبد الإله الواحد. إذن: في قوى البشر نجد ~~التعدد يثري ويضخم العمل، لكن في الألوهية نجد الشرك يضعف العمل. ~~ولذلك نجد الصوفي يقول: اعمل لوجه واحد يكفيك كل الأوجه. ولذلك قال يوسف ~~عليه السلام لصاحبي السجن: { ءأرباب متفرقون خير.. } ~~[يوسف: 39]. ولو كان تفرقهم تفرق ذوات لكانوا بلا كمال يستحقون من ~~أجله العبادة، ولو كان تفرقهم تفرق تكرار لما كان لهذا التكرار ~~لزوم، ولو كان تفرقهم تفرق اختصاصات، فهذا يعني أن لكل منهم نقطة ~~قوة ونقاط ضعف وتفرقهم هذا دليل نقص. ولذلك رحمنا الحق نحن المؤمنين ~~به لنعبد إلها واحدا، فقال: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون # [الزمر: 29]. وقد حاول يوسف عليه السلام أن يهديهم إلى عبادة الإله ~~الواحد، وقال لهم من بعد ذلك ما جاء به الحق سبحانه: { ما تعبدون ~~من دونه... }. ### || [12.40] # ونلحظ أن يوسف - عليه السلام - لم يتكلم حتى الآن مع السجينين عن ~~مطلوبهما منه، وهو تأويل الرؤيتين، وهو لو تكلم في المطلوب منه ~~أولا لانصرف ذهن وانتباه كل من السجينين إلى قضاء حاجتهما منه ولن ~~يلتفتا بعد ذلك إلى ما يدعو إليه ولأن الذي يدعو إليه هو الأمر الأبقى، ~~وهو الأمر العام الذي يتعلق بكل حركة من حركات الحياة. وبذلك كان يوسف ~~عليه السلام يؤثر السجينين فقد أراد أن يلفتهما إلى الأمر الجوهري قبل أن ~~يتحدث عن الجزئية الصغيرة التي يسألان فيها وأراد أن يصحح نصرة ~~الاثنين إلى المنهج العام الذي يدير به الإنسان كل تفاصيل الحياة ~~وجزئياتها وفي هذا إيثار لا أثرة. وهنا قال الحق سبحانه على لسان يوسف ~~عليه السلام: { ما تعبدون من دونه إلا أسمآء ~~سميتموهآ أنتم وآبآؤكم.. } [يوسف: 40]. أي: أن ما تعبدونه ~~من آلهة متعددة هو مجرد عبادة لأسماء بلا معنى ولا وجود أسماء ~~ورثتموها عن آبائكم أو أنشأتموها أنتم، فكفرتم بإنشاء أسماء لآلهة غير ~~موجودة، كما كفر آباؤكم كفر نسيان ms5061 التكليف أو إنكار التكليف. وتوضع ~~الأسماء عادة للدلالة على المسمى فإذا نطقنا الاسم تجيء صورة المسمى ~~إلى الذهن ولذلك نسمي المولود بعد ولادته باسم يميزه عن بقية إخوته ~~بحيث إذا أطلق الاسم انصرف إلى الذات المشخصة. وإذا أطلق اسم واحد على ~~متعددين فلا بد أن يوضح واضع الاسم ما يميز كل ذات عن الأخرى. والمثل من ~~الريف المصري حين يتفاءل أب باسم " محمد " فيسمي كل أولاده بهذا الاسم، ~~ولكنه يميز بينهم بأن يقول: " محمد الكبير " و " محمد الأوسط " و " ~~محمد الصغير ". أما إذا وضع اسم لمسمى غير موجود فهذا أمر غير مقبول ~~أو معقول، وهم قد وضعوا أسماء لآلهة غير موجودة فصارت هناك أسماء على غير ~~مسمى. ويأتي هؤلاء يوم القيامة ليسألوا لحظة الحساب: # ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون * من دون الله ~~قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل ~~شيئا كذلك يضل الله الكافرين # [غافر: 73-74]. وهكذا يعترف هؤلاء بأنه لم تكن هناك آلهة بل كان هنا ~~أسماء بلا مسميات. ولذلك يقول الحق سبحانه هنا: { ما تعبدون من ~~دونه إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم.. } ~~[يوسف: 40]. وكأن يوسف يتساءل: ءإذا كانت لكم حاجة تطلبونها من السماء، ~~هل ستسألون الاسم الذي لا مسمى له؟ وهل يسعفكم الاسم بدون مسمى؟ ~~ويوسف عليه السلام يعلم أن المعبود لا يمكن أن يكون اسما بلا مسمى، ~~وهو يعلم أن المعبود الحق له اسم يبلغه لرسله، وينزل معهم المنهج الذي ~~يوجز في " افعل " و " لا تفعل ". # وهم قد سموا أسماء لا مسمى لها، ولا يستطيع غير الموجود أن ينزل ~~منهجا، أو يجيب مضطرا. ولذلك يتابع القرآن ما جاء على لسان يوسف عليه ~~السلام في وصف تلك الأسماء التي بلا مسميات، فيقول: { ما ~~تعبدون من دونه إلا أسمآء سميتموهآ أنتم ~~وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان.. } [يوسف: 40]. ~~أي: ما أنزل الله بها من حجة. وتتابع الآية الكريمة ما جاء على لسان ~~يوسف: { إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا ~~إياه.. } [يوسف: 40]. أي: ms5062 إنني - والكلام ليوسف - إن قلت شيئا ~~فلأني ناقل للحكم عن الله، لا عن ذاتي ولا من عندي ولا عن هواي لأنه ~~هو سبحانه الذي أمر ألا تعبدوا إلا إياه، أي: لا تطيعوا أمرا أو نهيا ~~إلا ما أنزله الله في منهجه الهادي للحق والخير. ويذيل الحق سبحانه ~~الآية الكريمة: { ذلك الدين القيم ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } [يوسف: 40]. أي: أن هذا هو الدين المستقيم ~~دون سواه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، بمعنى: أن الرسل قد بلغتهم ~~بالمنهج، ولكنهم لم يوظفوا هذا العلم في أعمالهم. ثم بدأ يوسف عليه ~~السلام في تأويل المطلوب لهما. يقول الحق سبحانه: { يصاحبي ~~السجن... }. ### || [12.41] # وهكذا رجع يوسف عليه السلام إلى مطلب السجينين، وفسر رؤيا من يسقي ~~الخمر بأنه سيخرج من السجن ويعود ليسقي سيده، وأما الآخر فلسوف يصلب ~~وتأكل الطير من رأسه، لأن رمزية الرؤيا تقول: إن الطير سيأكل من رأسه ~~وهذا يعني أن رأسه ستكون طعاما للطير. وتأويل الرؤيا علم يقذفه الله في ~~قلوب من علمهم تأويل الأحاديث، وهي قدرة على فك شفرة الحلم، ~~ويعطيها الله لمن يشاء من عباده. وقد قال يوسف لمن قال: # إني أراني أعصر خمرا.. # [يوسف: 36]. أنه سوف ينال العفو ما أظهرته الرؤيا التي قالها، وأما ~~الآخر فسيأكل من رأسه الطير. أي: سيصلب كما أوحت بذلك رموز الرؤيا. ~~ونلحظ أن يوسف عليه السلام قد انشغل بالحكم الذي أوضحته الرؤييان عن ~~الاثنين صاحبي الرؤييين. وهذا دليل على أن القاضي يجب أن يكون ذهنه ~~منصبا على الحكم لا على المحكوم عليه، فقد سمع يوسف منهما وهو لا يعرف ~~من سينال البراءة، ومن الذي سوف يعاقب. فنزع يوسف ذاته من الأمر، ~~ولم يسمح لنفسه بدخول الهوى إلى قلبه لأن الهوى يلون الحكم، ولا أحد ~~بقادر على أن يسيطر على عاطفته، ولا بد للقاضي لحظة أن يصدر حكما أن ~~يتجرد تماما من الهوى والذاتيات. ويعلمنا الحق سبحانه ذلك حين أنزل ~~لنا في قرآنه قصة سيدنا داود عليه السلام: # وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا ms5063 المحراب * إذ ~~دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف ~~خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا ~~بالحق ولا تشطط واهدنآ إلى سوآء الصراط * إن ~~هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ~~فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب * قال لقد ~~ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من ~~الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن ~~داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا ~~وأناب # [ص: 21-24]. وكان من ذكر عدد نعاج أخيه أنه إنما أراد أن يستميل داود ~~عليه السلام لصفه وكان يريد أن يصور الظلم الذي وقع عليه، وحكم ~~داود بأن من أخذ النعجة ليضمها لنعاجه هو الذي ظلم وشعر داود أنه لم ~~يوفق في الحكم لأنه ذكر في حيثية الحكم نعاج الذي أراد أن يأخذ نعجة ~~أخيه. فالأخذ وحده كان هو المبرر عند داود لإدانة الذي أراد الاستيلاء ~~على ما ليس من حقه ولذلك اعتبر أن هذا الأمر كله فتنة لم يوفق فيها، ~~واستغفر الله بالركوع والتوبة. وقد كان يوسف عليه السلام حكيما حين قال ~~تأويل الرؤيا متجردا من الذاتية، وأنهى التأويل بالقول: { قضي ~~الأمر الذي فيه تستفتيان } [يوسف: 41]. أي: أنه لا مجال ~~للرجوع أو العدول عن حدوث ذلك الذي وصل إليه من تأويل فقد جاء التأويل ~~وفقا لما علمه الله له. # وهناك الكثير من الروايات عما تحمله يوسف من صعاب قبل الجب وقبل ~~السجن، وقيل: إن عمته ابنة إسحاق، وهي أكبر أولاده قد استقبلته بعد أن ~~ماتت أمه لترعاه فتعلقت به ولم تحب أحدا قدر محبتها له. وتاقت نفس ~~يعقوب إلى ولده فذهب إليها وقال لها: سلمي إلي يوسف. لكنها قالت: ~~والله ما أقدر أن يغيب عني ساعة، ولن أتركه. فلما خرج يعقوب عليه السلام ~~من عندها، عمدت إلى شيء من ميراث إبراهيم عليه السلام يتوارثه أكبر ~~الأبناء، ووضعته تحت ملابس يوسف. وكان العرف الجاري أنه إذا سرق أحد ~~شيئا وتم ضبطه تحول من حر إلى عبد، وحين كاد يعقوب ms5064 أن يخرج مع ابنه ~~يوسف عائدا إلى بيته أعلنت العمة فقدان الشيء الذي أعطاه لها والدها ~~إسحاق وفتشوا يوسف فوجدوا الشيء المفقود. فقالت عمته: والله إنه لسلم ~~- أي عبد - وكان العرف أن من يسرق شيئا يتحول إلى عبد عند صاحب الشيء. ~~وهكذا بقي يوسف مع عمته محروما من أبيه لفترة، ولم يستطع الأب استرداده ~~إلا بعد أن ماتت العمة. ثم جاءت حادثة الجب، ومن بعدها محاولة امرأة ~~العزيز لغوايته، ورغم تيقن العزيز من براءته إلا أنه أودع السجن ~~ويقول الرواة: " إن يوسف عليه السلام قد عرف في السجن بالجود، والأمانة، ~~وصدق الحديث، وحسن السمت، وكثرة العبادة، ومعرفة التعبير - أي تأويل ~~الرؤيا - والإحسان إلى أهل السجن. ولما دخل هذان الفتيان معه السجن ~~تآلفا به وأحباه حبا شديدا وقالا له: والله لقد أحببناك حبا ~~زائدا. قال: بارك الله فيكما إنه ما من أحد أحبني إلا دخل علي من ~~محبته ضرر، أحبتني عمتي فدخل الضرر بسببها، وأحبني أبي فأوذيت ~~بسببه، وأحبتني امرأة العزيز فكذلك. أي: أنه دخل السجن وصار معهما دون ~~ذنب جناه. قال السجينان: إنا لا نستطيع غير ذلك ". ويقول الحق سبحانه ~~بعد ذلك ما قاله يوسف لمن ظن أنه سينجو من السجن: { وقال للذي ~~ظن... }. ### || [12.42] # والمقصود هنا هو السجين الذي رأى حلما يعصر فيه العنب، فهو الذي فسر ~~له يوسف رؤياه بأنه سينجو ويواصل مهمته في صناعة الخمر لسيده. وقوله ~~سبحانه: { وقال للذي ظن.. } [يوسف: 42]. يعني أن الأمر بالنجاة ~~لم يتيقن بعد، ولم يصبح علما. وقد أوصاه يوسف عليه السلام: { اذكرني ~~عند ربك.. } [يوسف: 42]. والذكر هو حضور شيء بالبال وكان له بالبال ~~صلة استقبال، مثل أي قضية عرفتها من قبل ثم تركتها، ونسيتها لفترة، ~~ثم تذكرتها من جديد. وهكذا نعلم أن للإنسان استقبالات للإدراكات، وهي لا ~~تظل في بؤرة الشعور كل الوقت لأن الذهن لا يستطيع أن يكون مشغولا إلا ~~بشيء واحد، فإن جاء شيء آخر فهو يزحزح الأمر الأول إلى حافة الشعور، ~~ليستقر الأمر الجديد في بؤرة الشعور. والمثل ms5065 الذي أضربه دائما هو إلقاء ~~حجر في الماء، فيصنع الحجر دوائر تكبر ويتتابع اتساع أقطارها، وهكذا بؤرة ~~الشعور، حين تستقبل أمرا أو خاطرا جديدا. فالخاطر الجديد يبعد كل ~~الخواطر الأخرى من المركز إلى الحاشية، ثم يأتي ما يذكرك بما في حاشية ~~الشعور ليعود لك الخاطر أو الأمر الذي كنت قد نسيته وتتذكره بكل تفاصيله ~~لأن ذاكرة الإنسان تعمل على مستويين فهي تحفظ المعلومات وتسترجع ~~المعلومات أيضا. وقد قال يوسف لمن ظن أنه ناج: { اذكرني عند ~~ربك.. } [يوسف: 42]. أي: اذكر ما وجدته عندي من خير أمام سيدك. وقال ~~بعض المفسرين: إن يوسف عليه السلام حين نطق هذا القول شاء له الله أن ~~يمكث في السجن بضع سنين فما كان ينبغي له كرسول أن يوسط الغير في ~~مسألة ذكره بالخير عند سيد ذلك السجين. فيوسف كرسول إنما يتلقى عن الله ~~بواسطة الوحي وهو قد قال لذلك السجين وزميله: # لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ~~ربي.. # [يوسف: 37]. وهذا يعني أنه يستقبل عن الله مباشرة، وكان عليه أن يظل ~~موصولا بالمصدر الذي يفيض عليه. ويتابع الحق سبحانه: { فأنساه ~~الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين } ~~[يوسف: 42]. ونسيان ذكر الله فيه نوع من العقوبة، أو يحمل شيئا من ~~التأديب ليوسف، وهكذا نرى أن الشيطان نفسه إنما يعين الحق على ~~مراداته من خلقه. وهذا ما يشرح لنا بقاء يوسف في السجن بضع سنين ~~ونعرف أن البضع من السنين يعني من ثلاث سنوات إلى عشر سنوات، وبعض ~~العلماء حدده بسبع سنين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وقال ~~الملك... }. ### || [12.43] # والأرض التي وقعت عليها، وجرت فوقها تلك القصة هي مصر، وسبق أن ~~عرفنا ذلك حين قال الحق سبحانه: # وقال الذي اشتراه من مصر.. # [يوسف: 21]. وهكذا نعرف أن هناك " ملك " ، وهناك " عزيز ". ونحن نعلم أن ~~حكام مصر القديمة كانوا يسمون الفراعنة، وبعد أن اكتشف " حجر ~~رشيد " ، وتم فك ألغاز اللغة الهيروغليفية عرفنا أن حكم الفراعنة قد ~~اختفى لفترة حين استعمر مصر ms5066 ملوك الرعاة، وهم الذين يسمون ~~الهكسوس. وكانت هذه هي الفترة التي ظهر فيها يوسف، وعمل يوسف وأخوه معهم، ~~فلما استرجع الفراعنة حكم مصر طردوا الهكسوس، وقتلوا من كانوا ~~يوالونهم. وحديث القرآن عن وجود ملك في مصر أثناء قصة يوسف عليه ~~السلام هو من إعجاز التنبؤ في القرآن. وساعة تقرأ: { وقال الملك ~~إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف.. ~~} [يوسف: 43]. ثم يطلب تأويل رؤياه فهذا يعني أنها رؤيا منامية. وكلمة: ~~{ سمان } [يوسف: 43]. أي: ممتلئة اللحم والعافية. وكلمة عجاف أي: ~~الهزيلة كما يقال عند العامة " جلدها على عظمها " فكيف تأكل العجاف ~~السمان مع أن العكس قد يكون مقبولا؟ وأضاف الملك: { وسبع ~~سنبلات خضر وأخر يابسات.. } [يوسف: 43]. ولم يصف الملك ~~أي فعل يصدر عن السنابل، ثم سأل من حوله من أعيان القوم الذين ~~يتصدرون صدور المجالس، ويملأون العيون: { أفتوني في رؤياي إن ~~كنتم للرؤيا تعبرون } [يوسف: 43]. وكلمة تعبرون مأخوذة من " ~~عبر النهر " أي: انتقل من شاطئ إلى شاطئ، وكأنه يطلب منهم المراد ~~المطوي في الرؤيا. ومن هذا المعنى أخذنا كلمة " العبرة " ، وهي ~~التجربة التي نستفيد منها، ومنه أيضا " العبارة " وهو أن يكون هناك شيء ~~مكتوم في النفس، ونؤديه، ونظهره بالعبارة. ومنه " العبرة " ، وهو ~~الدمعة التي تسقط من العين تعبيرا عن مشاعر ما سواء كانت مشاعر حزن ~~أو فرح، والمادة كلها تدور حول تعريف مجهول بمعلوم. وهكذا يفعل مفسر ~~الرؤيا حين يعبر - من خلال رموزها - من الخيال إلى الحقيقة. ولم ~~يعرف الملأ الذين حول الملك تفسيرا للرؤيا التي رآها في منامه. ~~ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم: { قالوا أضغاث... }. ### || [12.44] # وهكذا أعلن الملأ أن رؤيا الملك ليست سوى أخلاط أحلام بلا معنى. و " ~~الضغث " هو حزمة من الحشائش مختلفة الأجناس فكأن رؤيا الملك لا ~~تأويل لها عندهم لأنهم ليسوا من أهل التمييز في التأويل. وهذا صدق من ~~البطانة في ألا يخبر أحدهم بشيء، إلا إذا كان على علم به ولا يضير ~~أحدهم أن يعلن جهله بأمر ما لا يعلمه. والذي يعلن جهله ms5067 بأمر لسائله - ~~ويكون قد علمه - يجعله يسأل غيره، أما إن أجاب بجواب فربما جعله يثبت ~~على هذا الجواب. ولذلك قال العلماء ليفسحوا مجال الصدق في الفتيا: " ~~من قال لا أدري فقد أفتى " لأنه حين يقول " لا أدري " سيضطرك إلى أن ~~تسأل غيره. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وقال الذي... }. ### || [12.45] # وكان الذي نجا من السجينين يسمع مقالة الملك ورد الملأ فاسترجع بذاكرته ~~ما مر عليه في السجن، وكيف رأى الرؤيا، وكيف قام يوسف بتأويلها. ~~وقوله: { وادكر بعد أمة.. } [يوسف: 45]. يعني: أنه أجهد عقله ~~وذهنه وافتعل التذكر لأن فترة لا بأس بها من الزمن قد مرت، وكلمة ~~" أمة " تعني فترة من الزمن كما في قول الحق تبارك وتعالى: # ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ~~ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس ~~مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون # [هود: 8]. و " الأمة " قد يراد بها الجماعة من الناس، ويراد بها أيضا ~~الرجل الجامع لكل صفات الخير، كما قال الحق سبحانه في وصف إبراهيم عليه ~~السلام: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم ~~يك من المشركين # [النحل: 120]. أي: أن كل خصال الخير مجموعة في إبراهيم عليه وعلى نبينا ~~السلام، وبعد أن افتعل ساقي الملك واجتهد ليتذكر ما حدث له منذ فترة هي ~~بضع سنين أيام أن كان سجينا ورأى رؤيا منامية أولها له يوسف، قال ~~الساقي للملأ وللملك عن تلك الرؤيا: { أنا أنبئكم ~~بتأويله فأرسلون } [يوسف: 45]. وبذلك استأذن ليذهب إلى من ~~يؤول له رؤيا الملك. وقوله: { فأرسلون } [يوسف: 45]. يعني أن ~~التأويل ليس من عنده بل هو يعرف من يستطيع تأويل الرؤى. ونلحظ أن ~~القرآن لم يحمل على لسان هذا الرجل: إلى من سوف يذهب لأن ذلك معلوم ~~بالنسبة له ولنا، نحن الذين نقرأ السورة. وانتقل القرآن من طلب الإرسال ~~إلى لقاء يوسف عليه السلام فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان ساقي ~~الملك: { يوسف أيها... }. ### || [12.46] # وقوله: { أيها الصديق.. } [يوسف: 46]. يدل على أنه قد جربه ~~في مسائل متعددة، وثبت صدقه. ms5068 و " صديق " لا يقتصر معناها على أنه صادق ~~في كل أقواله وصادق في كل أفعاله، وصادق في كل أحواله، ولكن معناها يتسع ~~ليدلنا على أن الصدق ملازم له دائما في القول وفي الفعل. أما في ~~الأقوال فصدقه واضح لأنه يقول القضية الكلامية ولها واقع من الخارج يدل ~~عليها. وأما صدق الأفعال فهو ألا تجرب عليه كلاما، ثم يأتي فعله ~~مخالفا لهذا الكلام وهذا هو من نطلق عليه " صديق ". ونحن نعلم أن ~~حركات الإنسان في الحياة تنقسم قسمين إما قول وإما فعل والقول أداته ~~اللسان، والفعل أداته كل الجوارح. إذن: فهناك قول، وهناك فعل وكلاهما عمل ~~فالقول عمل والرؤية بالعين عمل والسمع بالأذن عمل، والمس باليد عمل. ~~لكن القول اختص باللسان، وأخذت بقية الجوارح الفعل لأن الفعل هو ~~الوسيلة الإعلامية بين متكلم وبين مخاطب، وأخذ شق الفعل. وهكذا نعلم أن ~~الفعل قسمان: إما قول وإما فعل. والصديق هو الذي يصدق في قوله، بأن ~~تطابق النسبة الكلامية الواقع، وصادق في فعله بألا يقول ما لا يفعل. ~~ولذلك قال الحق سبحانه: # كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 3]. ونعلم أن ساقي الملك كانت له مع يوسف تجربتان: التجربة ~~الأولى: تجربة معايشته في السجن هو وزميله الخباز، وقولهما له: # إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36]. وكان قولهما هذا هو حيثية سؤالهم له أن يؤول لهما ~~الرؤييين: # قال أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر ~~إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير ~~منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36]. والتجربة الثانية: هي مجيء واقع حركة الحياة بعد ذلك ~~مطابقا لتأويله للرؤييين. ولذلك يقول له هنا: { يوسف أيها ~~الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن ~~سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ~~لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون } [يوسف: ~~46]. أي: أفتنا في رؤيا سبع بقرات سمان يأكلهن سبع بقرات شديدة ~~الهزال، وسبع سنبلات خضر، وسبع أخر يابسات، لعلي أرجع إلى ~~الناس لعلهم يعلمون. وقوله: { أفتنا.. } [يوسف: 46]. يوضح أنه لا ~~يسأل عن رؤيا ms5069 تخصه بل هي تخص رائيا لم يحدده، وإن كنا قد عرفنا أنها ~~رؤيا الملك. وقوله: { لعلي أرجع إلى الناس.. } [يوسف: ~~46]. هو تحرز واحتياط في قضية لا يجزم بها وهو احتياط في واقع قدر الله ~~مع الإنسان، والسائل قد أخذ أسلوب الاحتياط ليخرجه من أن يكون كاذبا، ~~فهو يعلم أن أمر عودته ليس في يده ولذلك يعلمنا الله: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن ~~يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا # [الكهف: 23-24]. وساعة تقول: " إن شاء الله " تكون قد أخرجت نفسك من ~~دائرة الكذب وما دمت قد ذكرت الله فهو سبحانه قادر على أن يهديك إلى ~~الاختيار المناسب في كل أمر تواجه فيه الاختيار. فكأن الله يعلم عباده ~~أن يحافظوا على أنفسهم، بأن يكونوا صادقين في أقوالهم وأفعالهم لأنك مهما ~~خططت فأنت تخطط بعقل موهوب لك من الله وحين تقدم على أي فعل فأي ~~فعل مهما صغر يحتاج إلى عوامل متعددة وكثيرة، لا تملك منها شيئا لذلك ~~فعليك أن ترد كل شيء إلى من يملكه. وهنا قال الساقي: { لعلي ~~أرجع إلى الناس.. } [يوسف: 46]. وبذلك يعلمنا الحق سبحانه ~~الاحتياط. وأضاف الحق سبحانه على لسان الرجل: { لعلهم يعلمون ~~} [يوسف: 46]. وكأن الرجل قد عرف أنه حين يأخذ التأويل من يوسف عليه ~~السلام ويعود به إلى الناس فهو لا يعلم كيف يستقبلون هذا التأويل؟ ~~أيستقبلونه بالقبول، أم بالمحاجة فيه؟ أو يستقبلون التأويل بتصديق، ~~ويعلمون قدرك ومنزلتك يا يوسف فيخلصوك مما أنت فيه من بلاء السجن. ~~وقوله تعالى: { لعلي أرجع إلى الناس.. } [يوسف: 46]. قد ~~يدفع سائلا أن يقول: من الذي كلف الساقي بالذهاب إلى يوسف أهو ~~الملك أم الحاشية؟ ونقول: لقد نسبها الساقي إلى الكل للاحتياط الأدائي. ~~ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { قال تزرعون... }. ### || [12.47] # وهذه بداية تأويل رؤيا الملك. والدأب معناه: المواظبة فكأن يوسف ~~عليه السلام قد طلب أن يزرع أهل مصر بدأب وبدون كسل. ويتابع: { فما ~~حصدتم فذروه في سنبله إلا ms5070 قليلا مما تأكلون ~~} [يوسف: 47]. أي: ما تحصدونه نتيجة الزرع بجد واجتهاد فلكم أن ~~تأكلوا القليل منه، وتتركوا بقيته محفوظا في سنابله. والحفظ في السنابل ~~يعلمنا قدر القرآن، وقدرة من أنزل القرآن سبحانه، وما آتاه الله ~~جل علاه ليوسف عليه السلام من علم في كل نواحي الحياة، من اقتصاد ومقومات ~~التخزين، وغير ذلك من عطاءات الله، فقد أثبت العلم الحديث أن القمح إذا ~~خزن في سنابله فتلك حماية ووقاية له من السوس. وبعض العلماء قال في ~~تفسير هذه الآية إن المقصود هو تخزين القمح في سنابله وعيدانه. وأقول: إن ~~المقصود هو ترك القمح في سنابله فقط لأن العيدان هي طعام الحيوانات. ~~ونحن نعلم أن حبة القمح لها وعاءان وعاء يحميها وهو ينفصل عن القمحة ~~أثناء عملية " الدرس " ثم يطير أثناء عملية " التذرية " منفصلا عن ~~حبوب القمح. ولحبة القمح وعاء ملازم لها، وهو القشرة التي تنفصل عن الحبة ~~حين نطحن القمح، ونسميها " الردة " وهي نوعان: " ردة خشنة " و " ردة ~~ناعمة ". ومن عادة البعض أن يفصلوا الدقيق النقي عن " الردة " ، وهؤلاء ~~يتجاهلون - أو لا يعرفون - الحقيقة العلمية التي أكدت أن تناول الخبز ~~المصنوع من الدقيق الأبيض الخالي من " الردة " يصيب المعدة بالتلبك. ~~فهذه القشرة الملازمة لحبة القمح ليست لحماية الحبة فقط بل تحتوي على ~~قيمة غذائية كبيرة. وكان أغنياء الريف في مصر يقومون بتنقية الدقيق ~~المطحون من " الردة " ويسمونه " الدقيق العلامة " الذي إن وضعت ملعقة ~~منه في فمك تشعر بالتلبك أما إذا وضعت ملعقة من الدقيق الطبيعي ~~الممتزج بما تحتويه الحبة من " ردة " فلن تشعر بهذا التلبك. ويمتن ~~الله على عباده بذلك في قوله الحق: # والحب ذو العصف والريحان # [الرحمن: 12]. وقد اهتدى علماء هذا العصر إلى القيمة الفاعلة في طحن ~~القمح، مع الحفاظ على ما فيه من قشر القمح، وثبت لهم أن من يتناول ~~الخبز المصنوع من الدقيق النقي للغاية يعاني من ارتباك غذائي يلجئه إلى ~~تناول خبز مصنوع من قشر القمح فقط، وهو ما يسمى " الخبز السن " ليعوض ~~في غذائه ما فقده ms5071 من قيمة غذائية. وهنا يقول الحق سبحانه: { فما ~~حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ~~} [يوسف: 47]. وهكذا أخبر يوسف الساقي الذي جاء يطلب منه تأويل رؤيا ~~الملك بما يجب أن يفعلوه تحسبا للسنوات السبع العجاف التي تلي السبع ~~سنوات المزدهرة بالخضرة والعطاء، فلا يأكلوا ملء البطون بل يتناولوا ~~من القمح على قدر الكفاف: { إلا قليلا مما تأكلون } ~~[يوسف: 47]. ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف عليه السلام من ~~بقية التأويل لحلم الملك: { ثم يأتي من... }. ### || [12.48] # وهكذا أوضح يوسف عليه السلام ما سوف يحدث في مصر من جدب يستمر سبع ~~سنوات عجاف بعد سبع سنوات من الزرع الذي يتطلب همة لا تفتر. وقوله ~~سبحانه في وصف السبع " سنوات " بأنها: { شداد.. } [يوسف: 48]. يعني: ~~أن الجدب فيها سوف يجهد الناس فإن لم تكن هناك حصيلة تم ~~تخزينها من محصول السبع السنوات السابقة، فقد تحدث المجاعة، وليعصم ~~الناس بطونهم في السنوات السبع الأولى، وليأكلوا على قدر الضرورة ~~ليضمنوا مواجهة سنوات الجدب. ونحن نعلم أن الإنسان يستبقي حياته ~~بالتنفس والطعام والشراب والطعام إنما يمري على الإنسان، ويعطيه قوة ~~يواجه بها الحياة. ولكن أغلب طعامنا لا نهدف منه القوة فقط بل نبغي منه ~~المتعة أيضا، ولو كان الإنسان يبغي سد غائلة الجوع فقط، لاكتفى ~~بالطعام المسلوق، أو بالخبز والإدام فقط، لكننا نأكل للاستمتاع. ويتكلم ~~الحق سبحانه عن ذلك فيقول: # فكلوه هنيئا مريئا # [النساء: 4]. أي: بدون أن يضرك، ودون أن يلجئك هذا الطعام إلى ~~المهضمات من العقاقير. وهذا هو المقصود من قول الحق سبحانه: # هنيئا.. # [النساء: 4]. أما المقصود بقوله: # مريئا # [النساء: 4]. فهو الطعام الذي يفيد ويمد الجسم بالطاقة فقط وقد لا ~~يستساغ طعمه. وهنا قال الحق سبحانه: { ثم يأتي من بعد ذلك ~~سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا ~~مما تحصنون } [يوسف: 48]. وبطبيعة الحال نفهم أن السنوات ليست ~~هي التي تأكل بل البشر الذين يعيشون في تلك السنوات هم الذين يأكلون. ~~ونحن نفهم ذلك لأننا نعلم أن أي حدث يحتاج لزمان ولمكان ومرة ms5072 ينسب ~~الحدث للزمان ومرة ينسب الحدث للمكان. والمثال على نسبة الحدث للمكان ~~هو قول الحق سبحانه: # وسئل القرية التي كنا فيها والعير.. # [يوسف: 82]. وطبعا نفهم أن المقصود هو سؤال أهل القرية التي كانوا ~~فيها، وأصحاب القوافل التي كانت معهم. وهنا في الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها نجد الحدث منسوبا للزمان وهم سيأكلون مما أحصنوا إلا ~~قليلا لأنهم بعد أن يأكلوا لا بد لهم من الاحتفاظ بكمية من الحبوب ~~والبذور لاستخدامها كتقاوي في العام التالي لسبع سنوات موصوفة بالجدب. ~~وقوله تعالى: { مما تحصنون } [يوسف: 48]. نجده من مادة " حصن " ~~وتفيد الامتناع ويقال: " أقاموا في داخل الحصن " أي: أنهم إن هاجمهم ~~الأعداء يمتنعون عليهم ولا يستطيعون الوصول إليهم. ويقول الحق سبحانه: # والمحصنات من النسآء.. # [النساء: 24]. أي: الممتنعات عن عملية الفجور وهن الحرائر. وأيضا ~~يقول الحق سبحانه: # والتي أحصنت فرجها.. # [الأنبياء: 91]. أي: التي أحكمت صيانة عفتها، وهي السيدة مريم ~~البتول عليها السلام، وهكذا نجد مادة " حصن " تفيد الامتناع. ويقول الحق ~~سبحانه بعد ذلك: { ثم يأتي من بعد... }. ### || [12.49] # ونلحظ أن هذا الأمر الذي تحدث عنه يوسف عليه السلام خارج عن تأويل ~~الرؤيا لأن ما احتوته رؤيا الملك هو سبع بقرات عجاف يأكلن سبع بقرات ~~سمان وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات. وأنهى يوسف عليه السلام تأويل ~~الرؤيا، وبعد ذلك جاء بحكم العقل على الأمور حيث يعود الخصب العادي ~~ليعطيهم مثلما كان يعطيهم من قبل ذلك. وهذا يمكن أن يطلق عليه " غوث " ~~لأننا نقول " أغث فلانا " أي: أعن فلانا: لأنه في حاجة للعون، ~~والغيث ينزل من السماء لينهي الجدب. وقوله: { يغاث الناس.. } ~~[يوسف: 49]. أي: يعانون بما يأتيهم من فضل الله بالضروري من قوت يمسك ~~عليهم الحياة. ويذيل الحق سبحانه الآية بقوله: { وفيه يعصرون ~~} [يوسف: 49]. أي: ما يمكن عصره من حبوب أو ثمار مثل: السمسم، ~~والزيتون، والعنب، والقصب، أو البلح، وأنت لن تعصر تلك الحبوب أو الثمار ~~إلا إذا كان عندك ما يفيض عن قوت ذاتك وقوت من تعول. وهكذا أوضح لنا الحق ~~سبحانه أنهم سوف ms5073 يرزقون بخير يفيض عن الإغاثة ولهم أن يدخروه، وما ~~سبق في آيات الرؤيا وتأويلها هو حوار بين يوسف الصديق - عليه السلام - ~~وبين ساقي الملك. ولاحظنا كيف انتقل القرآن من لقطة عجز الحاشية عن ~~الإفتاء في أمر الرؤيا، وتقديم الساقي طلبا لأن يرسلوه كي يحضر لهم ~~تأويل الرؤيا، ثم جاء مباشرة بالحوار بين يوسف والساقي. هنا ينتقل القرآن ~~إلى ما حدث، بعد أن علم الملك بتأويل الرؤيا، فيقول سبحانه: { ~~وقال الملك... }. ### || [12.50] # ومعنى ذلك أن الساقي ذهب إلى مجلس الملك مباشرة، ونقل له تأويل ~~الرؤيا، وأصر الملك أن يأتوا له بهذا الرجل فقد اقتنع بأنه يجب ~~الاستفادة منه وعاد الساقي ليخرج يوسف من السجن الذي هو فيه. لكنه ~~فوجيء برفض يوسف للخروج من السجن، وقوله لمن جاء يصحبه إلى مجلس الملك: ~~{ ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم } [يوسف: ~~50]. وهكذا حرص يوسف على ألا يستجيب لمن جاء يخلصه من عذاب السجن ~~الذي هو فيه إلا إذا برئت ساحته براءة يعرفها الملك فقد يكون من ~~المحتمل أنهم ستروها عن أذن الملك. وأراد يوسف عليه السلام بذلك أن يحقق ~~الملك في ذلك الأمر مع هؤلاء النسوة اللاتي قطعن أيديهن ~~ودعونه إلى الفحشاء. واكتفى يوسف بالإشارة إلى ذلك بقوله: { إن ~~ربي بكيدهن عليم } [يوسف: 50]. ويخفي هذا القول في طياته ~~ما قالته النسوة من قبل ليوسف بضرورة طاعة امرأة العزيز في طلبها ~~للفحشاء. وهكذا نجد القصص القرآني وهو يعطينا العبرة التي تخدمنا في ~~واقع الحياة فليست تلك القصص للتسلية، بل هي للعبرة التي تخدمنا في قضايا ~~الحياة. وبراءة ساحة أي إنسان هو أمر مهم كي تزول أي ريبة من ~~الإنسان قبل أن يسند إليه أي عمل. وهكذا طلب يوسف عليه السلام إبراء ~~ساحته، حتى لا يقولن قائل في وشاية أو إشاعة " همزا أو لمزا ": ~~أليس هذا يوسف صاحب الحكاية مع امرأة العزيز، وهو من راودته عن نفسه؟ ~~وها هو رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: # " عجبت لصبر أخي ms5074 يوسف وكرمه - والله يغفر له - حيث أرسل إليه ~~ليستفتى في الرؤيا، وإن كنت أنا لم أفعل حتى أخرج، وعجبت من صبره وكرمه ~~- والله يغفر له - أتي ليخرج فلم يخرج حتى أخبرهم بعذره، ولو كنت أنا ~~لبادرت الباب، ولكنه أحب أن يكون له العذر ". # وشاء نبينا صلى الله عليه وسلم أن يوضح لنا مكانة يوسف من الصبر وعزة ~~النفس والنزاهة والكرامة فقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم، ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم. قال - لو لبثت في السجن ما لبث، ثم جاءني الرسول ~~أجبت ثم قرأ صلى الله عليه وسلم -: { فلما جآءه الرسول قال ~~ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن.. } [يوسف: 50] ". # وهكذا بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم مكانة يوسف من الصبر ~~والنزاهة، وخشيته أن يخرج من السجن فيشار إليه: هذا من راود امرأة ~~سيده. # وفي قول الرسول صلى الله عليه وسلم إشارة إلى مبالغة يوسف في ذلك الأمر، ~~وكان من الأحوط أن يخرج من السجن، ثم يعمل على كشف براءته. ومعنى ذلك ~~أن الكريم لا يستغل المواقف استغلالا أحمق، بل يأخذ كل موقف بقدره ~~ويرتب له وكان يوسف واثقا من براءته، ولكنه أراد ألا يكون الملك ~~آخر من يعلم. وصدق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال: # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ~~ريبة ". # وكان صلى الله عليه وسلم يرى أن الإيمان بالله يقتضي ألا يقف المؤمن ~~موقف الريبة لأن بعض الناس حين يرون نابها، قد تثير الغيرة من ~~نباهته البعض فيتقولون عليه. لذلك فعليك أن تحتاط لنفسك بألا تقف ~~موقف الريبة، والأمر الذي تأتيك منه الريبة عليك أن تبتعد عنه. ولنا ~~في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، # " فقد جاءته زوجه صفية بن حيي تزوره وهو معتكف في العشر الأواخر من ~~رمضان، فتحدثت عنده ساعة من العشاء، ثم قامت تنقلب - أي: تعود إلى ~~حجرتها - فقام معها رسول الله ms5075 صلى الله عليه وسلم، حتى إذا بلغت باب ~~المسجد الذي عند مسكن أم سلمة زوج رسول الله صلى الله صلى الله عليه ~~وسلم، مر بهما رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم نفذا، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: " على رسلكما، ~~إنما هي صفية بنت حيي. قالا: سبحان الله يا رسول الله، وكبر عليهما ما ~~قال. قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في ~~قلوبكما ". # وهنا في الموقف الذي نتناوله بالخواطر، نجد الملك وهو يستدعي النسوة ~~اللاتي قطعن أيديهن، وراودن يوسف عن نفسه، وهو ما يذكره الحق ~~سبحانه: { قال ما خطبكن... }. ### || [12.51] # ونعلم أن المراودة الأولى ليوسف كانت من امرأة العزيز واستعصم يوسف، ~~ثم دعت هي النسوة إلى مجلسها وقطعن أيديهن حين فوجئن بجمال ~~يوسف عليه السلام، وصدرت منهن إشارات، ودعوات إثارة وانفعال. قال عنها ~~يوسف ما أورد الحق سبحانه: # وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين # [يوسف: 33]. واستدعاهن الملك، وسألهن: { ما خطبكن.. } [يوسف: ~~51]. والخطب: هو الحدث الجلل، فهو حدث غير عادي يتكلم به الناس ~~فهو ليس حديثا بينهم وبين أنفسهم بل يتكلمون عنه بحديث يصل إلى درجة ~~تهتز لها المدينة لأن مثل هذا الحادث قد وقع. ولذلك نجد إبراهيم عليه ~~السلام، وقد قال لجماعة من الملائكة: # قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنآ ~~أرسلنآ إلى قوم مجرمين # [الذاريات: 31-32]. أي: أن الملائكة طمأنت إبراهيم عليه السلام فهي في ~~مهمة لعقاب قوم مجرمين. وموسى عليه السلام حين عاد إلى قومه، ووجد ~~السامري قد صنع لهم عجلا من الذهب الذي أخذوه من قوم فرعون نجده يقول ~~للسامري: # قال فما خطبك يسامري # [طه: 95]. وقول الملك هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { ~~قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه.. } ~~[يوسف: 51]. يدل على أنه قد سمع الحكاية بتفاصيلها فاهتز لها ~~واعتبرها خطبا مما يوضح لنا أن القيم هي القيم في كل زمان أو مكان. ~~وبدأ النسوة ms5076 الكلام، فقلن: { حاش لله ما علمنا عليه من ~~سوء.. } [يوسف: 51]. ولم يذكرن مسألة مراودتهن له، وكان الأمر ~~المهم هو إبراء ساحة يوسف عند الملك. وقولهن: { حاش لله... } ~~[يوسف: 51] أي: ننزه يوسف عن هذا، وتنزيهنا ليوسف أمر من الله. ~~وهنا تدخلت امرأة العزيز: { قالت امرأت العزيز الآن ~~حصحص الحق.. } [يوسف: 51]. أي: أنها أقرت بأنه لم يعد هناك ~~مجال للستر، ووضح الحق بعد خفاء، وظهرت حصة الحق من حصة الباطل، ~~ولا بد من الاعتراف بما حدث: { أنا راودته عن نفسه ~~وإنه لمن الصادقين } [يوسف: 51]. وواصلت امرأة العزيز ~~الاعتراف في الآية التالية: { ذلك ليعلم... }. ### || [12.52] # قالت ذلك حتى تعلن براءة يوسف عليه السلام، وأنها لم تنتهز فرصة ~~غيابه في السجن وتنتقم منه لأنه لم يستجب لمراودتها له، ولم تنسج له ~~أثناء غيابه المؤامرات، والدسائس، والمكائد. وهذا يدلنا على أن شرة ~~الإنسان قد تتوهج لغرض خاص، وحين يهدأ الغرض ويذهب، يعود الإنسان إلى ~~توازنه الكمالي في نفسه، وقد يجعل من الزلة الأولى في خاطره وسيلة إلى ~~الإحسان فيما ليس له فيه ضعف، كي تستر الحسنة السيئة، مصداقا لقول الحق ~~سبحانه: # إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين # [هود: 114]. ولو أن إنسانا عمل سيئة وفضحه آخر عليها فالفاضح لتلك ~~السيئة إنما يحرم المجتمع من حسنات صاحب السيئة. ولذلك أقول: استروا ~~سيئات المسيء لأنها قد تلهمه أن يقدم من الخير ما يمحو به سيئاته. ولذلك ~~قالوا: إذا استقرأت تاريخ الناس، أصحاب الأنفس القوية في الأخلاق والقيم ~~قد تجد لهم من الضعف هنات وسقطات ويحاولون أن يعملوا الحسنات كي تذهب ~~عنهم السيئات لأن بال الواحد منهم مشغول بضعفه الذي يلهبه فيندفع ~~لفعل الخيرات. وبعد أن اعترفت امرأة العزيز بما فعلت قالت: { وأن ~~الله لا يهدي كيد الخائنين } [يوسف: 52]. أي: أنها ~~أقرت بأنه سبحانه وتعالى لا ينفذ كيد الخائنين، ولا يوصله إلى ~~غايته. وتواصل امرأة العزيز فتقول: { ومآ أبرىء نفسي... }. ### || [12.53] # هذا القول من تمام كلام امرأة العزيز وكأنها توضح سبب حضورها لهذا ~~المجلس فهي لم تحضر لتبرىء ms5077 نفسها: { إن النفس لأمارة ~~بالسوء.. } [يوسف: 53]. ومجيء قول الحق سبحانه المؤكد أن النفس ~~على إطلاقها أمارة بالسوء يجعلنا نقول: إن يوسف أيضا نفس بشرية. وقد ~~قال بعض العلماء: إن هذا القول من كلام يوسف، كرد عليها حين قالت: # أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين * ~~ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا ~~يهدي كيد الخائنين # [يوسف: 51-52]. وكان من المناسب أن يرد يوسف عليه السلام بالقول: { ~~ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء ~~إلا ما رحم ربي.. } [يوسف: 53]. ويمكن أن ينسب هذا القول إلى ~~يوسف كلون من الحرص على ألا يلمسه غرور الإيمان، فهو كرسول من الله ~~يعلم أن الله سبحانه هو الذي صرف كيدهن عنه. وهذا لون من رحمة الله ~~به فهو كبشر مجرد عن العصمة والمنهج من الممكن أن تحدث له الغواية لكن ~~الحق سبحانه عصمه من الزلل. ومن لطف الله أن قال عن النفس: إنها ~~أمارة بالسوء وفي هذا توضيح كاف لطبيعة عمل النفس فهي ليست آمرة ~~بالسوء، بمعنى أنها تأمر الإنسان لتقع منه المعصية مرة واحدة وينتهي ~~الأمر. لا، بل انتبه أيها الإنسان إلى حقيقة عمل النفس، فهي دائما ~~أمارة بالسوء، وأنت تعلم أن التكليفات الإلهية كلها إما أوامر أو ~~نواه، وقد تستقبل الأوامر كتكليف يشق على نفسك، وأنت تعلم أن ~~النواهي تمنعك من أفعال قد تكون مرغوبة لك، لأنها في ظاهرها ممتعة، وتلبي ~~نداء غرائز الإنسان. ولذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: # " حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ". # أي: أن المعاصي قد تغريك، ولكن العاقل هو من يملك زمام نفسه، ويقدر ~~العواقب البعيدة، ولا ينظر إلى اللذة العارضة الوقتية إلا إذا نظر معها ~~إلى الغاية التي توصله إليها تلك اللذة لأن شيئا قد تستلذ به لحظة ~~قد تشقى به زمنا طويلا. ولذلك قلنا: إن الذي يسرف على نفسه غافل عن ~~ثواب الطاعة وعن عذاب العقوبة، ولو استحضر الثواب على الطاعة، والعذاب ~~على المعصية لامتنع عن الإسراف على نفسه. ولذلك يقول النبي صلى ms5078 الله عليه ~~وسلم: # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". # إذن: فلحظة ارتكاب المعصية نجد الإنسان وهو يستر إيمانه ولا يضع في باله ~~أنه قد يموت قبل أن يتوب عن معصيته، أو قبل أن يكفر عنها. ويخطىء ~~الإنسان في حساب عمره لأن أحدا لا يعلم ميعاد أجله أو الوقت الذي يفصل ~~بينه وبين حساب المولى - عز وجل - له على المعاصي. # وكل منا مطالب بأن يضع في حسبانه حديث الرسول صلى الله عليه ~~وسلم: # " الموت القيامة، فمن مات فقد قامت قيامته ". # ولنا أسوة طيبة في عثمان بن عفان - رضي الله عنه - وهو الخليفة الثالث ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل ~~لحيته، فسئل عن ذلك وقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي إذا ~~وقفت على قبر؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه، ~~وإن لم ينج منه، فما بعده أشد ". # لذلك فلا يستبعد أحد ميعاد لقائه بالموت. وتستمر الآية: { إلا ما ~~رحم ربي إن ربي غفور رحيم } [يوسف: 53]. ونعلم أن ~~هناك ما يشفي من الداء، وهناك ما يحصن الإنسان، ويعطيه مناعة أن يصيبه ~~الداء، والحق سبحانه غفور، بمعنى أنه يغفر الذنوب، ويمحوها، والحق سبحانه ~~رحيم، بمعنى أنه يمنح الإنسان مناعة، فلا يصيبه الداء، فلا يقع في زلة ~~أخرى. والحق سبحانه هو القائل: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين.. # [الإسراء: 82]. فساعة تسمع القرآن فهو يشفيك من الداء الذي تعاني منه ~~نفسيا ويقوي قدرتك على مقاومة الداء ويفجر طاقات الشفاء الكامنة ~~في أعماقك. وهو رحمة لك حين تتخذه منهجا، وتطبقه في حياتك فيمنحك ~~مناعة تحميك من المرض، فهو طب علاجي وطب وقائي في آن واحد. ويقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك: { وقال الملك... }. ### || [12.54] # ونلحظ أن الملك قد قال: { ائتوني به } [يوسف: 54]. مرتين، مرة: ms5079 بعد ~~أن سمع تأويل الرؤيا لكن يوسف رفض الخروج من السجن إلا بعد أن تثبت ~~براءته أو: أنه خرج وحضر المواجهة مع النسوة بما فيهن امرأة العزيز. ~~ورأى الملك في يوسف أخلاقا رفيعة وسعة علم. وانتهى اللقاء الأول ~~ليتدبر الملك، ويفكر في صفات هذا الرجل والراحة النفسية التي ملأت نفس ~~الملك وكيف دخل هذا الرجل قلبه. والمرة الثانية عندما أراد الملك أن ~~يستخلصه لنفسه ويجعله مستشارا له. ويورد الحق سبحانه هذا المعنى في ~~قوله: { ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه ~~قال إنك اليوم لدينا مكين أمين } [يوسف: 54]. وهذا ~~الاستخلاص قد جاء بعد أن تكلم الملك مع يوسف، وبعد أن استشف خفة ~~يوسف على نفسه وتيقن الملك من بعد الحوار مع يوسف أنه رجل قد حفظ نفسه ~~من أعنف الغرائز غريزة الجنس. وتيقن من أن يوسف تقبل السجن، وعاش فيه ~~لفترة طالت وهو صاحب علم، وقد ثبت ذلك بتأويل الرؤيا وقد فعل ذلك ~~وهو سجين، ولم يقبل الخروج من السجن إلا لإثبات براءته، أو بعد إثبات ~~البراءة. ولكل ذلك صار من أهل الثقة عند الملك، الذي أعلن الأمر بقوله: ~~{ إنك اليوم لدينا مكين أمين } [يوسف: 54]. وذلك ~~ليسد باب الوشاية به، أو التآمر عليه. ومكانة " المكين " هي المكانة ~~التي لا ينال منها أي أحد. ولذلك نجد الحق - سبحانه وتعالى - حينما ~~تكلم عن الوحي من جبريل عليه السلام قال: # إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين # [التكوير: 19-20]. فالمعنى: أن يوسف عليه السلام أهل للثقة عند ~~الحاكم وهو الذي سينفذ الأمور، وله صلة بالمحكومين، وإذا كان هو ~~الممكن من عند الحاكم فهو أيضا أمين مع المحكومين. والمشكلة في ~~مجتمعاتنا المعاصرة إنما تحدث عندما يرجح الحاكم من يراهم أهل ~~الثقة على أهل الخبرة والأمانة، فتختل موازين العدل. وعلى الحاكم الذكي ~~أن يختار الذين يتمتعون بالأمرين معا: أمانة على المحكوم وثقة عند ~~الحاكم. وبهذا تعتدل الحياة على منهج الله. وحين سمع يوسف عليه السلام ~~هذا الكلام من الحاكم: { إنك اليوم لدينا مكين ms5080 أمين } ~~[يوسف: 54]. قرر أن يطلب منه شيئا يتعلق بتعبيره لرؤياه، التي سبق أن ~~أولها يوسف: # قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه ~~في سنبله إلا قليلا مما تأكلون * ثم يأتي من ~~بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا ~~قليلا مما تحصنون * ثم يأتي من بعد ذلك عام ~~فيه يغاث الناس وفيه يعصرون # [يوسف: 47-49]. وهذه عملية اقتصادية تحتاج إلى تخطيط وتطبيق ومتابعة ~~وحسن تدبير وحزم وعلم. لذلك كان مطلب يوسف عليه السلام فيه تأكيد على ~~أن الواقع القادم سيأتي وفقا لتأويله للرؤيا، فتقول الآيات: { قال ~~اجعلني... }. ### || [12.55] # وهذا القول تأكيد لثقة يوسف أن القادم في هذا البلد يحتاج لحكمة إدارة، ~~لا تبعثر ما سوف يأتي في سنين الخصب لتضمن الاطمئنان في سنين الشدة، وتلك ~~مهمة تتطلب الحفظ والعلم. وقد تقدم ما يثبت أن هاتين الصفتين يتحلى ~~بهما يوسف عليه السلام. وقد يقول قائل: أليس في قول يوسف شبهة طلب ~~الولاية؟ والقاعدة تقول: إن طالب الولاية لا يولى. فيوسف عليه السلام ~~لم يطلب ولاية، وإنما طلب الإصلاح ليتخذ من إصلاحه سبيلا لدعوته ~~وتحقيقا لرسالته، حيث أنه كان آمرا فيستجاب، ولم يكن مأمورا للإيجاب ~~حيث أنه كان واثقا بالإيمان ومؤمنا بوثوق. وقد تأتي ظروف لا تحتمل ~~التجربة مع الناس، فمن يثق بنفسه أنه قادر على القيام بالمهمة فله أن ~~يعرض نفسه. ومثال ذلك: لنفترض أن قوما قد ركبوا سفينة ثم هاجت الرياح ~~وهبت العاصفة وتعقدت الأمور وارتبك القبطان، وجاءه من يخبره أنه ~~قادر على أن يحل له هذا الأمر، ويحسن إدارة قيادة المركب، وسبق للقبطان ~~أن علم عنه ذلك. هنا يجب على القبطان أن يسمح لهذا الخبير بقيادة السفينة ~~وبعد أن ينتهي الموقف الصعب على القبطان أن يوجه الشكر لهذا الخبير ~~ويعود لقيادة سفينته. إذن: فمن حق الإنسان أن يطلب الولاية إذا تعين ~~عليه ذلك، بأن يرى أمرا يتعرض له غير ذي خبرة يفسد هذا الأمر، وهو يعلم ~~وجه الصلاح فيه. وهنا يكون التدخل فرض عين من أجل إنقاذ ms5081 المجتمع. وفي ~~مثل هذه الحالة نجد من طلب الولاية وهو يملك شجاعتين: الشجاعة الأولى: ~~أنه طلب الولاية لنفسه لثقته في إنجاح المهمة. والشجاعة الثانية: أنه حجب ~~من ليس له خبرة أن يتولى منصبا لا يعلم إدارته، وبهذا يصير الباطل ~~متصرفا. وبذلك يظهر وجه الحق ويزيل سيطرة الباطل. ولذلك نجد يوسف ~~عليه السلام يقول للملك: { اجعلني على خزآئن الأرض إني ~~حفيظ عليم } [يوسف: 55]. والخزائن يوجد فيها ما يمكن المسيطر ~~عليها من قيادة الاقتصاد. وقالوا: إن يوسف طلب من الملك أن يجعله على ~~خزائن الأرض، لوضع سياسة اقتصادية يواجهون بها سبع سنين من الجدب، وتلك ~~مسألة تتطلب حكمة وحفظا وعلما. وكان يوسف عليه السلام يأخذ من كل ~~راغب في الميرة الأثمان من ذهب وفضة، ومن لا يملك ذهبا وفضة كان ~~يحضر الجواهر من الأحجار الكريمة أو يأتي بالدواب ليأخذ مقابلها طعاما. ~~ومن لا يملك كان يحضر بعضا من أبنائه للاسترقاق، أي: يقول رب ~~الأسرة الفقير: خذ هذا الولد ليكون عبدا لقاء أن آخذ طعاما لبقية ~~أفراد الأسرة. وكان يوسف عليه السلام يحسن إدارة الأمر في سنوات ~~الجدب ليشد كل إنسان الحزام على البطن، فلا يأكل الواحد في سبعة أمعاء ~~بل يأكل في معى واحد، كما يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الشريف: # " المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء ". # وكان التموين في سنوات الجدب يقتضي دقة التخطيط، ولا يحتمل أي ~~إسراف. وما دام لكل شيء ثمن يجب أن يدفع، فكل إنسان سيأخذ على قدر ما ~~معه، وبعد أن انتهت سنوات الجدب، وجاءت سنوات الرخاء أعاد يوسف لكل ~~إنسان ما أخذه منه. وحين سئل: ولماذا أخذت منهم ما دمت قد قررت أن ~~ترد لهم ما أخذته؟ أجاب: كي يأخذ كل إنسان في أقل الحدود التي تكفيه ~~في سنوات الجدب. ومثل هذا يحدث عندنا حين نجد البعض، وهو يشتري الخبز ~~المدعم ليطعم به الماشية، وحين يرتفع ثمن الخبز نجد كل إنسان يشتري ~~في حدود ما معه من نقود، ويحرص ms5082 على ألا يلقي مما اشترى شيئا. وكانت ~~قدرة الدولة أيام الجفاف محدودة لذلك وجب على كل فرد أن يعمل لنفسه. ونحن ~~نرى ذلك الأمر، وهو يتكرر في حياتنا فحين لا يجد أحد ثمن اللحم فقد لا ~~تهفو نفسه إلى اللحم، وقد يعلن في كبرياء: " إن معدتي لم تعد تتحمل ~~اللحم ". وقد يعلن الفقير حبه للسمك الصغير لأن لحمه طيب، عكس السمك ~~الكبير الذي يكون لحمه " متفلا " ، أو يعلن إعجابه بالفجل الطازج، ~~لأنه لذيذ الطعم. وقديما في بدايات العمر كنا حين ندخل إلى المنزل، ونحن ~~نعيش بعيدا عن بيوت الأهل في سنوات الدراسة، ولا نجد إلا قرصا واحدا ~~من " الطعمية " ، كنا نقسم هذا القرص ليكفي آخر لقمة في الرغيف، أما إذا ~~دخلنا ووجدنا خمسة أقراص من الطعمية، فكان الواحد منا يأكل نصف قرص من ~~الطعمية مع لقمة واحدة. وهكذا يتحمل كل واحد على قدر حركته وقدرته. ~~والشاعر يقول: # والنفس راغبة إذا رغبتها # وإذا ترد إلى قليل تقنع # ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وكذلك مكنا... }. ### || [12.56] # وهكذا كان تمكين الله ليوسف عليه السلام في الأرض، بحيث أدار شئون مصر ~~بصورة حازمة عادلة فلما جاء الجدب لم يأتها وحدها بل عم البلاد ~~التي حولها. بدليل أن هناك أناسا من بلاد أخرى لجئوا يطلبون رزقهم ~~منها والمثل: إخوة يوسف الذين جاءوا من الشام يطلبون طعاما لهم ولمن ~~ينتظرهم في بلادهم، فهذا دليل على أن رقعة الشدة كانت شاسعة. وقول الحق ~~سبحانه: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ ~~منها حيث يشآء.. } [يوسف: 56]. نفهم منه أنه جعل لنفسه بيتا في ~~أكثر من مكان ولا يظنن ظان أن هذا لون من اتساع أماكن ~~الترف. لكن: لماذا لا ننظر إليها بعيون تكشف حقيقة رجال الإدارة في ~~بعض البلاد فما أن يعلموا بوجود بيت للحاكم في منطقة ما وقد يزوره فهم ~~يعتنون بكل المنطقة التي يقع فيها هذا البيت. وهذا ما نراه في حياتنا ~~المعاصرة، فحين يزور الحاكم منطقة ما فهم يعيدون رصف الشوارع ~~ويصلحون المرافق وقد يحضرون أصص ms5083 الزرع ليجملوا المكان. فما بالك ~~إن علموا بوجود بيت للحاكم في مكان ما؟ لا بد أنهم سيوالون ~~العناية بكل التفاصيل المتعلقة بالمرافق في هذا الموقع. إذن: فقول الحق ~~سبحانه هنا عن يوسف عليه السلام: { يتبوأ منها حيث يشآء.. ~~} [يوسف: 56]. يعني: شيوع العناية بالخدمات لكل الذين يسكنون في هذا ~~البلد فلا تأخذ الأمر على أنه ترف وشرف، بل خذ هذا القول على أنه ~~تكليف سينتفع به المحيطون، سواء كانوا مقصودين به أو غير مقصودين. وتلك ~~لقطة توضح أن التبوء حيث يشاء ليس رحمة به فقط ولكنه رحمة بالناس ~~أيضا. ولذلك يقول الحق سبحانه في نفس الآية: { نصيب برحمتنا ~~من نشآء.. } [يوسف: 56]. فمن كان يحيا بلا مياه صالحة للشرب ستصله ~~المياه النقية ومن كان يشقى من أجل أن يعيش في مكان مريح ستتحول ~~المنطقة التي يسكن فيها إلى مكان مريح به كل مستلزمات العصر الذي يحيا ~~فيه. فيوسف الممكن في الأرض له مسكن مجاور له وسيجد العناية من قبل ~~الجهاز الإداري حيثما ذهب، وتغمر العناية الجميع، رحمة من الله له، ~~وللناس من حوله. وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: { ولا ~~نضيع أجر المحسنين } [يوسف: 56]. والمحسن هو الذي يصنع ~~شيئا فوق ما طلب منه. وهنا سنجد الإحسان ينسب ليوسف لأنه حين أقام ~~لنفسه بيتا في أكثر من مكان فقد أحسن إلى أهل الأمكنة التي له فيها بيوت ~~بارتفاع مستوى الخدمة في المرافق وغيرها. وسبحانه يجازي المحسنين بكمال ~~وتمام الأجر، وقد كافأ يوسف عليه السلام بالتمكين مع محبة من تولى ~~أمرهم. ويتابع الحق سبحانه: { ولأجر الآخرة... }. ### || [12.57] # ويوضح - هنا - سبحانه أنه لا يجزي المحسنين في الدنيا فقط ولكن يجازيهم ~~بخير أبقى في الآخرة. وكلمة " خير " تستعمل استعمالين: الأول: هو أن ~~شيئا خير من شيء آخر أي: أنهما شركاء في الخير، وهو المعنى المقصود هنا، ~~والمثال: هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. ~~احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك ms5084 شيء فلا تقل: ~~لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح ~~عمل الشيطان ". # والاستعمال الثاني لكلمة " خير ": هو خير مقابله شر، والمثال: هو قول ~~الحق تبارك وتعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. والحق سبحانه يريد أن يعتدل ميزان حركة الحياة، لن ~~يعتدل ميزان حركة الحياة بأن نقول للإنسان على إطلاقه: سوف تأخذ أجر عملك ~~الطيب في الآخرة لأن المؤمن وحده هو الذي سيصدق ذلك. أما الكافر فقد يظلم ~~ويسفك الدماء، ويسرق ويستشري الفساد في الأرض. ولذلك شاء الحق سبحانه أن ~~يجعل الجزاء نوعين: جزاء في الدنيا لمن يحسن، سواء أكان مؤمنا أو ~~كافرا وجزاء في الآخرة يختص به الحق سبحانه المؤمنين به. والحق ~~سبحانه يقول هنا: { ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا ~~وكانوا يتقون } [يوسف: 57]. أي: أنه أكثر خيرا من جزاء الدنيا ~~لأن جزاء الآخرة يدوم أبدا، على عكس خير الدنيا الذي قد تفوته أو ~~يفوتك، بحكم أن الدنيا موقوتة بالنسبة لك بعمرك فيها ولكن الآخرة لها ~~الديمومة التي شاءها الله سبحانه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك عن إخوة ~~يوسف: { وجآء إخوة... }. ### || [12.58] # وقد عرفهم يوسف لكنهم لم يعرفوه، فقد ألقوه في الجب صغيرا ~~ومرت رحلته في الحياة بعد أن عثر عليه بعض السيارة وباعوه لعزيز ~~مصر، لتمر به الأحداث المتتابعة بما فيها من نضج جسدي وحسن فائق، ~~ومراودة من امرأة العزيز، ثم سنوات السجن السبع. ولكل حدث من تلك ~~الأحداث أثر على ملامح الإنسان فضلا عن أنهم جاءوه وهو في منصبه العالي، ~~بما يفرضه عليه من وجاهة في الهيئة والملبس. أما هو فقد عرفهم لأنه قد ~~تركهم وهم كبار، وقد تحددت ملامحهم، ونعلم أن الإنسان حين يمر عليه ~~عقد من الزمان فهذا الزمن قد يزيد من تحديد ملامحه، إذا ما كان كبيرا ~~ناضجا، لكنه لا يغيرها مثلما يغير الزمن ملامح الطفل حين يكبر ويصل ~~إلى النضج. والذي دفعهم إلى المجيء هو القحط الذي لم ms5085 يؤثر على مصر ~~وحدها بل أثر أيضا على المناطق المجاورة لها. وذاع أمر يوسف عليه ~~السلام الذي اختزن الأقوات تحسبا لذلك القحط وقد أرسلهم أبوهم ليطلبوا ~~منه الميرة والطعام، ولم يتخيلوا بأي حال أن يكون من أمامهم هو ~~أخوهم الذي ألقوه في الجب. ويقول الحق سبحانه: { ولما ~~جهزهم... }. ### || [12.59] # ولا بد أنه قد تكلم معهم عن أحوالهم، وتركهم يحكون له عن أبيهم ~~وأخيهم، وأنهم قد طلبوا الميرة وأمر بتجهيزها لهم. وكلمة " الجهاز " ~~تطلق هنا على ما تسبب في انتقالهم من موطنهم إلى لقاء يوسف طلبا ~~للميرة. وطلب منهم - من بعد ذلك - أن يأتوا بأخيهم " بنيامين " معهم، ~~وقال لهم: { ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير ~~المنزلين } [يوسف: 59]. وفي هذا تذكير لهم بأنه يوفي الكيل ~~تماما، وفيما يبدو أنهم طلبوا منه زيادة في الميرة بدعوى أن لهم أخا ~~تركوه مع أبيهم الشيخ العجوز، فطلب منهم يوسف أن يحضروا أخاهم كي يزيد ~~لهم كيلا إضافيا لأنه لا يحب أن يعطي أحدا دون دليل واضح التزاما منه ~~بالعدل. وكان كل منهم قد أتى على بعير، عليه بضائع يدفعونها كأثمان لما ~~يأخذونه، وحين يحضرون ومعهم أخوهم سيأخذون كيل بعير فوق ما أخذوه هذه ~~المرة. وهم قد قالوا لأبيهم هذا القول، حينما سألوه عن إرسال أخيهم ~~معهم لمصاحبتهم في الرحلة حسب طلب يوسف عليه السلام لذلك تقول الآية: # ونزداد كيل بعير.. # [يوسف: 65]. وقوله: { وأنا خير المنزلين } [يوسف: 59]. ~~يعني: أنه يرحب بالضيوف وقد لمسوا ذلك بحسن المكان الذي نزلوا فيه. بما ~~فيه من راحة وطيب الاستقبال، ووجود كل ما يحتاجه الضيف في إقامته. وكلمة ~~" منزل " في ظاهر الأمر أنها ضد معلي، وحقيقة المعنى هو: منزل ~~من الذي ينزل بالمكان الموجود به كل مطلوبات حياته. والحق سبحانه يقول ~~عن الجنة: # نزلا من غفور رحيم # [فصلت: 32]. أي: أنه سبحانه قد أعد الجنة بما يفوق خيال البشر ~~وبمطلق صفات المغفرة والرحمة، وإذا كان المولى عز وجل هو الذي ~~يعد فلا بد أن يكون ما أعده فوق خيال البشر. وقلت ms5086 لإخواني الذين ~~بهروا بفندق راق في سان فرانسيسكو: إن الإنسان حين يرى أمرا طيبا، ~~أو شيئا راقيا، أو جميلا عند إنسان آخر سيستقبلها بواحد من ~~استقبالين: تظهر نفسه فيه فإن كان حقودا فسينظر للأشياء بكراهية ~~وبحقد، وإن كان مؤمنا يفرح ويقول: هذه النعمة التي أراها تزيد من عشقي ~~في الجنة لأن تلك النعمة التي أراها قد صنعها بشر لبشر فماذا عن صنع ~~الله للجنة؟ وهو من خلق الكون كله بما فيه من بشر؟ ودائما أقول: ما ~~رأيت نعيما عند أحد إلا ازداد إيماني، بأن الذي أراه من نعمة قد أعده ~~البشر للبشر فما بالنا بما أعده خالق البشر للمؤمنين من البشر؟ أما ~~من ينظر نظرة حقد إلى النعمة عند الغير فهو يحرم نفسه من صبابة ~~النعمة عند الغير لأن النعمة لها صبابة عند صاحبها، وتتعلق به، وإن ~~فرحت بالنعمة عند إنسان فثق أن النعمة ستطرق بابك، وإن كرهتها عند ~~غيرك كرهت النعمة أن تأتي إليك. # فإن أردت الخير الذي عند غيرك عليك أن تحب النعمة التي عند هذا الغير ~~لتسعى النعمة إليك دون أن تتكلف عبء إدارة هذه النعمة أو صيانتها لأنها ~~ستأتي إليك بقدرة الحق سبحانه. وقول يوسف عليه السلام في هذه الآية ~~التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { وأنا خير المنزلين } [يوسف: ~~59]. هو إخبار منه يؤكد ما استقبلهم به من عدل، وتوفية للكيل، وحسن ~~الضيافة، ولا شك أنهم حين يحضرون أخاهم سيجدون نفس الاستقبال. ويواصل ~~الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف: { فإن لم تأتوني... }. ### || [12.60] # ويوسف يعلم مقدما صعوبة أن يأمنهم أبوهم على أخيهم لذلك وجه إليهم ~~هذا الإنذار: { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم ~~عندي.. } [يوسف: 60]. قال لهم ذلك، وهو يعلم أن المعاد معاد قحط ~~وجدب ومجاعة. وأضاف يوسف: { ولا تقربون } [يوسف: 60]. أي: لا ~~تأتوا ناحية هذا البلد الذي أحكمه ولذلك سنجدهم يقولون لأبيهم من بعد ~~ذلك: # أبانا منع منا الكيل فأرسل معنآ أخانا ~~نكتل وإنا له لحافظون # [يوسف: 63]. وتلقوا الإنذار من يوسف، وقالوا ما أورده ms5087 القرآن هنا: { ~~قالوا سنراود... }. ### || [12.61] # وقولهم: { سنراود عنه أباه... } [يوسف: 61]. يعني: أن الأمر ~~ليس سهلا وهم يعرفون ماذا فعلوا من قبل مع يوسف، والمراودة تعني أخذ ~~ورد، وتحتاج إلى احتيال وسبق المعنى في قوله الحق سبحانه: # وراودته التي هو في بيتها عن نفسه # [يوسف: 23]. وأكدوا قولهم: { وإنا لفاعلون } [يوسف: 61]. أي: ~~أنهم سيبذلون كل جهودهم كي يقبل والدهم إرسال أخيهم معهم، وهم يعلمون ~~أن هذا مطلب صعب المنال، عسير التحقيق. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ~~وقال لفتيانه... }. ### || [12.62] # أي: أن يوسف عليه السلام أمر مساعديه أن يعيدوا البضائع التي أحضرها ~~هؤلاء معهم ليقايضوا بها ما أخذوه من قمح وطعام، وكان على مساعدي يوسف ~~عليه السلام أن ينفذوا أمره بوضع هذه البضائع بشكل مستتر في ~~الرحال التي أتوا عليها، وفي هذا تشجيع لهم كي يعودوا مرة أخرى. ~~ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { فلما رجعوا... }. ### || [12.63] # وكان قولهم هذا هو أول خبر قالوه لأبيهم، فور عودتهم ومعهم الميرة، ~~وكأنهم أرادوا أن يوضحوا للأب أنهم منعوا مستقبلا من أن يذهبوا ~~إلى مصر، ما لم يكن معهم أخوهم. وحكوا لأبيهم قصتهم مع عزيز مصر، وإن ~~وافق الأب على إرسال أخيهم " بنيامين " معهم فلسوف يكتالون، ولسوف يحفظون ~~أخاهم الصغير. وهم في قولهم هذا يحاولون أن يبعدوا ريبة الأب عما ~~حدث ليوسف من قبل. وهنا يأتي الحق سبحانه بما قاله أبوهم يعقوب عليه ~~السلام: { قال هل آمنكم... }. ### || [12.64] # وهنا يذكرهم أبوهم بأنهم لم يقدموا من قبل ما يطمئنه على ذلك ~~فقد أضاعوا أخاهم يوسف وقالوا: إن الذئب قد أكله. وأضاف: { فالله ~~خير حافظا وهو أرحم الراحمين } [يوسف: 64]. وهو قول ~~نتنسم فيه أنه قد وافق على ذهاب بنيامين معهم، وأنه يدعو الحق ليحفظ ~~ابنه. وبدأ أبناء يعقوب في فتح متاعهم بعد الرحلة، وبعد الحوار مع أبيهم. ~~ويقول الحق سبحانه: { ولما فتحوا متاعهم... }. ### || [12.65] # وهكذا اكتشفوا أن بضائعهم التي حملوها معهم في رحلتهم إلى مصر ليقايضوا ~~بها ويدفعوها ثمنا لما أرادوا الحصول عليه من طعام وميرة قد ردت ~~إليهم ms5088 وأعلنوا لأبيهم أنهم لا يرغبون أكثر من ذلك فهم قد حصلوا على ~~الميرة التي يتغذون بها هم وأهاليهم. ولا بد أن يصحبوا أخاهم في ~~المرة القادمة، ولسوف يحفظونه، ولسوف يعودون ومعهم كيل زائد فوق بعير، ~~وهذا أمر هين على عزيز مصر. ولكن والدهم يعقوب عليه السلام قال ما ~~أورده الحق سبحانه هنا: { قال لن أرسله... }. ### || [12.66] # ونلحظ هنا رقة قلب يعقوب وقرب موافقته على إرسال ابنه " بنيامين " ~~معهم إلى مصر، هذه الرقة التي بدت من قبل في قوله: # فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين # [يوسف: 64]. وطلب منهم أن يحلفوا بيمين موثقة أن يعودوا من رحلتهم إلى ~~مصر، ومعهم أخوهم " بنيامين " إذا ما ذهب معهم ما لم يحط بهم أمر خارج ~~عن الإرادة البشرية، كأن يحاصرهم أعداء يضيعونهم ويضيعون بنيامين ~~معهم وهذا من احتياط النبوة لذلك قال: { إلا أن يحاط بكم.. } ~~[يوسف: 66]. وأقسم أبناء يعقوب على ذلك، وأعطوا أباهم اليمين والعهد ~~على رد بنيامين، وليكون الله شهيدا عليهم. قال يعقوب: { الله ~~على ما نقول وكيل } [يوسف: 66]. أي: أنه سبحانه مطلع ورقيب، ~~فإن خنتم فسبحانه المنتقم. ويوصي يعقوب أولاده الأسباط: { وقال ~~يبني... }. ### || [12.67] # وقد قال يعقوب عليه السلام ذلك الكلام في المرة الثانية لذهابهم إلى ~~مصر، بعد أن علم بحسن استقبال يوسف لهم، وأن بضاعتهم ردت إليهم، ~~وعلم بذلك أنهم صاروا أصحاب حظوة عند عزيز مصر. وساعة ترى إنسانا له ~~شأن فترقب أن يعادى، لذلك توجس يعقوب خيفة أن يدبر لهم أحد مكيدة ~~لأنهم أغراب. ومن هنا أمرهم أن يدخلوا مصر من أبواب متفرقة، وكانت المدن ~~قديما لها أبواب تفتح وتقفل في مواعيد محددة، وحين يدخلون فرادى فلن ~~ينتبه أحد أنهم جماعة. وقد خاف يعقوب على أبنائه من الحسد، ونعلم أن ~~الحسد موجود. وقد علمنا سبحانه أن نستعيد به سبحانه من الحسد لأنه ~~سبحانه قد علم أزلا أن الحسد أمر فوق طاقة دفع البشر له، وهو ~~القائل: # قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر ~~غاسق إذا وقب * ومن شر ms5089 النفاثات في العقد * ~~ومن شر حاسد إذا حسد # [الفلق: 1-5]. وفي أمر الحسد أنت لا تستطيع أن تستعيذ بواحد مساو لك ~~لأن الحسد يأتي من مجهول غير مدرك، فالشعاع الخارج من العين قد يتأجج ~~بالحقد على كل ذي نعمة، وإذا كان عصرنا، وهو عصر الارتقاءات المادية قد ~~توصل إلى استخدام الإشعاع في تفتيت الأشياء. إذن: فمن الممكن أن يكون ~~الحسد مثل تلك الإشعاعات والتي قد يجعلها الله في عيون بعض خلقه، وتكون ~~النظرة مثل السهم النافذ، أو الرصاصة الفتاكة. والحق سبحانه هو القائل: # وما يعلم جنود ربك إلا هو.. # [المدثر: 31]. وإن قال قائل: ولماذا يعطي الحق سبحانه بعضا من خلقه ~~تلك الخواص؟ أقول: إنه سبحانه يعطي من الإمكانات لبعض من خلقه، ~~فيستخدمونها في غير موضعها، وكل إنسان بشكل ما عنده إمكانية النظرة، ~~ولكن الحقد هو الذي يولد الشرارة المؤذية، ويمكنك أن تنظر دون حسد إن ~~قلت: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم بارك. بذلك لا ~~تتحقق الإثارة اللازمة لتأجج الشرارة المؤذية، ويمكنك أن تستعيذ بالله ~~خالق البشر وخالق الأسرار، وتقرأ قول الحق سبحانه: # قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر ~~غاسق إذا وقب * ومن شر النفاثات في العقد * ~~ومن شر حاسد إذا حسد # [الفلق: 1-5]. وأن تقول كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان ~~يعوذ الحسن والحسين رضي الله عنهما، ويقول: # " أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة ~~". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " كان أبوكما - إبراهيم - يعوذ بها إسماعيل وإسحاق عليهم السلام ". # كما أنه صلى الله عليه وسلم: # " كان إذا حزبه أمر قام وصلى " # ، لأن معنى حزب أمر للرسول صلى الله عليه وسلم، أو لواحد من أتباع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذا الأمر يخرج عن قدرة البشر. وهنا على ~~الإنسان أن يأوي إلى المسبب، فهو الركن الشديد، بعد أن أخذت أنت ~~بالأسباب الممدودة لك من يد الله، وبذلك يكون ذهابك إلى الحق هو ذهاب ms5090 ~~المضطر لا ذهاب الكسول عن الأخذ بالأسباب. والحق سبحانه يقول: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.. # [النمل: 62]. والمضطر هو من استنفد كل أسبابه، ولم يدع ربه إلا بعد ~~أن أخذ بكل الأسباب الممدودة، فلا تطلب من ذات الله قبل أن تأخذ ما قدمه ~~لك بيده سبحانه من أسباب. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد ~~يعقوب عليه السلام وقد أوصى أبناءه ألا يدخلوا مصر من باب واحد بل من ~~أبواب متفرقة خشية الحسد، وتنبهت قضية الإيمان بما يقتضيه من تسلم لمشيئة ~~الله، فقال: { ومآ أغني عنكم من الله من شيء.. } ~~[يوسف: 67]. أي: لست أغني عنكم بحذري هذا من قدر الله، فهو مجرد حرص، ~~أما النفع من ذلك الحرص والتدبير فهو من أمر الله، ولذلك قال: { إن ~~الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه ~~فليتوكل المتوكلون } [يوسف: 67]. فكل الخلق أمرهم راجع ~~إلى الله، وعليه يعتمد يعقوب، وعليه يعتمد كل مؤمن. ونفذ أبناء يعقوب ~~ما أمرهم به أبوهم، يقول سبحانه: { ولما دخلوا... }. ### || [12.68] # أي: ما كان دخولهم من حيث أمرهم أبوهم يرد عنهم أمرا أراده سبحانه، ~~فلا شيء يرد قضاء الله، ولعل أباهم قد أراد أن يرد عنهم حسد ~~الحاسدين، أو: أن يدس لهم أو يتشككوا فيهم، ولكن أي شيء لن يمنع قضاء ~~الله. ولذلك قال سبحانه: { إلا حاجة في نفس يعقوب ~~قضاها.. } [يوسف: 68]. ويعقوب يعلم أن أي شيء لن يرد قدر الله، ~~وسبحانه لم يعط الاحتياطات الولائية ليمنع الناس بها قدر الله. ويقول ~~سبحانه هنا عن يعقوب: { وإنه لذو علم لما علمناه.. } ~~[يوسف: 68]. أي: أنه يعرف موقع المسبب وموقع الأسباب، ويعلم أن الأخذ ~~بالأسباب لا ينافي التوكل على الله لأنه سبحانه قد خلق الأسباب رحمة ~~بعباده: { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [يوسف: 68]. ~~أي: يعزلون الأسباب عن المسبب، وهذا ما يتعب الدنيا. ويقول سبحانه ~~بعد ذلك: { ولما دخلوا... }. ### || [12.69] # أي: أنهم حين دخلوا على يوسف أحسن استقبالهم وأكرم وفادتهم بعد أن ~~وفوا بوعدهم معه، وأحضروا أخاهم وشقيقه بنيامين معهم، وكان ms5091 يوسف عليه ~~السلام مشتاقا لشقيقه بنيامين. وقد عرفنا من قبل أنه الشقيق الوحيد ~~ليوسف فهما من أم واحدة أما بقية الإخوة فهم من أمهات أخريات. وقول الحق ~~سبحانه عن يوسف: { آوى إليه أخاه.. } [يوسف: 69]. يدل على أن ~~يوسف كان متشوقا لرؤية شقيقه. وقوله: { قال إني أنا أخوك ~~فلا تبتئس بما كانوا يعملون } [يوسف: 69]. يوضح لنا أن ~~إخوة يوسف قد استفردوا لفترة ببنيامين، ولم يحسنوا معاملته، وحاول ~~يوسف أن يسري عن أخيه، وأن يزيل عنه الكدر بسبب ما كان إخوته ~~يفعلونه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { فلما جهزهم... }. ### || [12.70] # أي: أن يوسف عليه السلام قد قام بصرف الميرة لهم، كما سبق أن وعدهم، ~~وكما سبق أن جهزهم في المرة السابقة وأراد أن يبقي أخاه معه في ~~مصر ولكن كيف يأخذه من إخوته ليبقيه معه وقد أخذ أبوهم ميثاقا عليهم ~~ألا يضيعوه، وألا يفرطوا فيه، كما فعلوا مع أخيه من قبل؟ إذن: لا ~~بد من حيلة يستطيع بها أن يستبقي بها أخاه معه، وقد جند الله له ~~فيها إخوته الذين كانوا يعادونه، وكانوا يحقدون عليه وعلى أخيه. وجاءت ~~هنا حكاية صواع الملك، التي يشرب فيها الملك، وتستخدم كمكيال، وجعلها ~~في رحل أخيه. وكلمة " السقاية " تطلق إطلاقات متعددة من مادة " سقى " ~~أي: " السين " و " القاف " و " الياء " ، فتطلق على إسقاء الناس والحجيج ~~الماء. والقرآن الكريم يقول: # أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ~~كمن آمن بالله واليوم الآخر.. # [التوبة: 19]. فكأن معنى السقاية أيضا هو المكان الذي يوضع فيه الماء ~~ليشرب منه الناس. أو: تطلق " السقاية " على الآلة التي يخرج بها الماء ~~للشاربين. وهنا تطلق كلمة " السقاية " على الإناء الذي كان يشرب به ~~الملك، ويستخدم كمكيال، وهذا دليل على نفاسة المكيل. وتطلق أيضا ~~كلمة " صواع " على مثل هذه الأداة التي يشرب منها، أو يرفع بها الماء ~~من المكان إلى فم الشارب وأيضا يكال بها ومفردها " صاع ". ويقول ~~الحق سبحانه هنا عن حيلة يوسف لاستبقاء أخيه معه: { جعل السقاية ~~في رحل أخيه.. } [يوسف: 70]. أي: أمر بعضا ms5092 من أعوانه أن يضعوا ~~" السقاية " في رحل أخيه، و " الرحل ": هو ما يوضع على البعير، وفيه ~~متاع المسافر كله. وبعد أن ركب إخوة يوسف جمالهم استعدادا للعودة إلى ~~الشام وقعت المفاجأة لهم والتي يقول عنها الحق سبحانه: { ثم أذن ~~مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون } [يوسف: 70]. أي: ~~يا أصحاب تلك العير أنتم سارقون. والسرقة فعل قبيح حينما يترتب عليها ~~جزاء يوقع على السارق، والمسروق هو شيء ثمين. وفيما يبدو أن هذه ~~الحيلة تمت بموافقة من " بنيامين " ليمكث مع أخيه يوسف حتى يحضر أبواه ~~إلى مصر. ولسائل أن يقول: وكيف رضى بنيامين بذلك، وهو أمر يزيد من ~~حزن يعقوب؟ وكيف يتهم يوسف إخوته بسرقة لم يرتكبوها؟ أقول: انظروا إلى ~~دقة القرآن، ولنحسن الفهم عنه لنرى أن حزن يعقوب على فقد يوسف ~~قد غلبه فلن يؤثر فيه كثيرا فقد بنيامين. ودليل ذلك أن يعقوب عليه ~~السلام حين عاد أبناؤه وأخبروه بحكاية السرقة واستبقاء بنيامين في مصر ~~قال: # يأسفى على يوسف.. # [يوسف: 84]. ولم يذكر يعقوب بنيامين. وأما عن اتهامهم بالسرقة فالآية ~~هنا لا تحدد ماذا سرقوا بالضبط، وهم في نظر يوسف قد سرقوه من أبيه، ~~وألقوه في الجب. وهنا يأتي الحق سبحانه بموقف إخوة يوسف عليه السلام: ~~{ قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون... }. ### || [12.71] # أي: أن إخوة يوسف أقبلوا على من يتهمونهم بالسرقة متسائلين: ماذا ~~فقدتم؟ ولماذا تتهموننا؟ وهنا يقول الحق سبحانه ما قاله من اتهموهم: { ~~قالوا نفقد... }. ### || [12.72] # أي: أن الذين أعلنوهم بالسرقة قالوا لهم: لقد ضاعت سقاية الملك ويقال ~~لها " صواع " ، ومن سيخرجها من المكان المختفية به سوف ينال مكافأة ~~قدرها وزن حمل بعير فلعل صواع الملك قد خبئت في حمل أحدكم دون ~~قصد. وأكد رئيس المنادين أنه الضامن لمن يخرج صواع الملك، ويحضرها دون ~~تفتيش أن ينال جائزته، وهي حمل بعير من الميرة والغذاء. وهنا قال ~~إخوة يوسف عليه السلام: { قالوا تالله... }. ### || [12.73] # وقولهم { تالله } هو قسم، وعادة تدخل " التاء " على لفظ الجلالة ~~عند القسم المقصود به التعجب، أي: أن إخوة يوسف ms5093 أقسموا مندهشين ~~لاتهامهم بأنهم لم يسرقوا وأن الكل قد علم عنهم أنهم لم يأتوا بغرض ~~الإفساد بسرقة أو غير ذلك، لم يسبق أن اتهمهم أحد بمثل هذا الاتهام. وهنا ~~يأتي الحق سبحانه بما جاء على ألسنة من أعلنوا عن وجود سرقة، وأن ~~المسروق هو صواع الملك. ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم: { ~~قالوا فما جزآؤه... }. ### || [12.74] # وهذا سؤال من مساعدي يوسف لإخوة يوسف عن العقوبة المقررة في شريعتهم ~~لمن يسرق؟ وماذا نفعل بمن نجد في رحله صواع الملك وثبت كذبكم بأنكم لم ~~تسرقوه؟ وكان المعروف أن من يضبط بسرقة في شريعة آل يعقوب أن يسترق ~~أو يظل في خدمة من سرقهم، كما فعلت عمة يوسف التي أحبته وعاش معها بعد ~~وفاة أمه وحين أراد والده أن يسترده أخفت في ثياب يوسف شيئا عزيزا ~~ورثته عن أبيها إسحاق، وبذلك استبقت يوسف معها، ولم يأخذه أبوه إلا بعد ~~أن ماتت عمته. وكان هدف يوسف عليه السلام إذن أن يستبقي أخاه معه وهو ~~قد علم من قبل هذا الحكم، وهكذا تركهم يوسف عليه السلام يحكمون بأنفسهم ~~الحكم الذي يصبو إليه، وهو بقاء أخيه معه. ويورد الحق سبحانه قولهم: ~~{ قالوا جزآؤه... }. ### || [12.75] # وهكذا نطقوا بالحكم هم أنفسهم، وأكدوه بقولهم: { كذلك نجزي ~~الظالمين } [يوسف: 75]. وهكذا أعانوا هم يوسف لتحقيق مأربه ببقاء ~~شقيقه معه، وأمر يوسف بتفتيش العير. ويقول الحق سبحانه: { فبدأ ~~بأوعيتهم... }. ### || [12.76] # وكان الهدف من البدء بتفتيش أوعيتهم وهم عشرة قبل وعاء شقيقه، كي ينفي ~~احتمال ظنهم بأنه طلب منهم أن يأتوا بأخيهم معهم ليدبر هو هذا الأمر، ~~وفتش وعاء شقيقه من بعد ذلك ليستخرج منه صواع الملك وليطبق عليه ~~قانون شريعة آل يعقوب فيستبقي شقيقه معه. وهذا دليل على الذكاء الحكيم. ~~وهكذا جعل الحق سبحانه الكيد محكما لصالح يوسف، وهو الحق القائل: { ~~كذلك كدنا ليوسف.. } [يوسف: 76]. أي: كان الكيد لصالحه. ~~ويتابع سبحانه: { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ~~إلا أن يشآء الله.. } [يوسف: 76]. أي: ما كان يوسف ليأخذ أخاه ~~في دين ms5094 الملك الذي يحكم مصر لولا فتوى الإخوة بأن شريعتهم تحكم بذلك. ~~ويتابع سبحانه: { نرفع درجات من نشآء وفوق كل ذي ~~علم عليم } [يوسف: 76]. وهكذا رفع الله من شأن يوسف، وكاد له، ~~وحقق له أمله، وهو يستحق كل ذلك ورفعه سبحانه درجات عالية من العلم ~~والحكمة. ولم يكن الكيد بسبب أن ينزل بشقيقه عذابا أو ضياعا، بل ~~نريد ليوسف ولأخيه الرفعة، فكأن كثيرا من المصائب تحدث للناس، وهم لا ~~يدرون ما في المحنة من المنح. وعلى المؤمن أن يعلم أن أي أمر صعب ~~يقع عليه من غير رأي منه لا بد وأن يشعر أن فيه من الله نفعا ~~للإنسان. وإخوة يوسف سبق أن كادوا له، فماذا كانت نتيجة كيدهم؟ لقد ~~شاء الحق سبحانه أن يجعل الكيد كله لصالح يوسف، وجعله سبحانه ذا علم، ~~فقال: { وفوق كل ذي علم عليم } [يوسف: 76]. وذي علم أي: ~~صاحب علم. وكلاهما منفصل، أي: هناك " صاحب " ، وهناك " علم " ، والصاحب ~~يوجد أولا وبعد ذلك يطرأ عليه العلم فيصير صاحب علم، ولكن فوقه: { ~~عليم } [يوسف: 76]. أي: أن العلم ذاتي فيه، وهو الحق سبحانه وتعالى. ~~فماذا كان موقف إخوة يوسف؟ بطبيعة الحال لا بد أنهم قد بهتوا، أول تصرف ~~منهم كان لا بد أن ينصرف إلى الأخ الذي وجدت السقاية في رحله ~~وأخذوا يوبخونه لأنه أحرجهم وفضحهم، وبحثوا عن أسباب عندهم للحفيظة ~~عليه لا للرفق به. وموقفهم المسبق منه معروف في قولهم: # ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن ~~عصبة.. # [يوسف: 8]. وهم يعلمون أن يوسف وأخاه من امرأة أخرى هي " راحيل " ، ولو ~~كان شقيقا لهم لتلطفوا به. وأوضح لهم: إن من جعل البضاعة في ~~رحالي هو من جعل البضاعة في رحالكم. وهنا قال أحد الإخوة: تالله، ~~يا أبناء راحيل، ما أكثر ما نزل علينا من البلاء منكم، فرد بنيامين: ~~بنو راحيل نزل عليهم من البلاء منكم فوق ما نزل عليكم من البلاء منهم. ~~ويورد الحق سبحانه هنا قولهم: { قالوا إن يسرق... }. ### || [12.77] # وهكذا ادعوا أن داء السرقة في بنيامين قد ms5095 سبقه إليه شقيق له من قبل، ~~وقالوا ذلك في مجال تبرئة أنفسهم، وهكذا وضحت ملامح العداوة منهم ~~تجاه يوسف وأخيه. وقولهم: { إن يسرق فقد سرق أخ له من ~~قبل.. } [يوسف: 77]. يسمى في اللغة قضية شرطية. ومعنى القضية ~~الشرطية أن حدثا يقع بسبب حدث وقع قبله، فهناك حدث يحدث وحده، وهناك ~~حدث يحدث بشرط أن يحدث قبله حدث آخر. مثال هذا هو قولك لتلميذ: إن ~~تذاكر دروسك تنجح، وهنا حدثان، المذاكرة والنجاح، فكأن حدوث النجاح ~~الشرط فيه حدوث المذاكرة، ولا بد أن يحدث الشرط أولا ثم يحدث الحدث ~~الثاني، وهو هنا قولهم: { فقد سرق أخ له من قبل.. } ~~[يوسف: 77]. كتعليل لسرقة بنيامين. والمثل من القرآن أيضا: # فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك.. # [آل عمران: 184]. فكأن الله يوضح للرسول صلى الله عليه وسلم: إن ~~كذبوك الآن فيما تنقل لهم من أخبار السماء فلا تحزن ولا تبتئس فهذا ~~التكذيب ظاهرة عانى منها كل الرسل السابقين لك لأنهم يجيئون بما ينكره ~~المرسل إليهم أولا، فلا بد أن يكذبوا، وهكذا يستقيم الشرط، لأن الحق ~~سبحانه هنا قد عدل بالشيء عن سببه، فكان جواب الشرط بعد الزمان الذي حدث ~~فيه الشرط. وهنا قال الحق سبحانه: { إن يسرق فقد سرق أخ ~~له من قبل.. } [يوسف: 77]. أي: لا تعجب يا عزيز مصر لأن هذه خصلة ~~في أولاد راحيل، قالوا ذلك وهم يجهلون أنهم يتحدثون إلى يوسف ابن راحيل!! ~~وكل حدث يحدث للملكات المستقيمة لا بد أن يخرج تلك الملكات عن ~~وضعها، ونرى ذلك لحظة أن يتفوه واحد بكلمة تخرج إنسانا مستقيما عن ~~حاله وتنغصه، ويدرك بها الإنسان المستقيم ما يؤلمه وينفعل انفعالا ~~يجعله ينزع للرد. ولذلك يوصينا صلى الله عليه وسلم: # " إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع ". # كي يساعد نفسه على كظم ضيقه وغضبه، وليسرب جزءا من الطاقة التي ~~تشحنه بالانفعال. ولكن يوسف عليه السلام لم ينزع إلى الرد، لذلك قال الحق ~~سبحانه: { فأسرها يوسف في نفسه.. } [يوسف: 77]. وكان ~~يستطيع أن ms5096 يقول لهم ما حدث له من عمته التي اتهمته بالباطل أنه سرق ~~لتحتفظ به في حضانتها من فرط حبها له، لكن يوسف عليه السلام أراد أن ~~يظل مجهولا بالنسبة لهم، لتأخذ الأمور مجراها: { فأسرها يوسف ~~في نفسه ولم يبدها لهم.. } [يوسف: 77]. حدث ذلك رغم أن ~~قولهم قد أثر فيه، ولكن قال رأيه فيهم لنفسه: { أنتم شر ~~مكانا والله أعلم بما تصفون } [يوسف: 77]. # لأنكم أنتم من أخذتموني طفلا لألعب ثم ألقيتموني في الجب وتركتم أبي ~~بلا موانسة.. وأنا لم أسرق بل سرقت، وهكذا سرقتم ابنا من أبيه. وهو ~~إن قال هذا في نفسه فلا بد أن انفعاله بهذا القول قد ظهر على ملامحه، ~~وقد يظهر المعنى على الملامح، ليصل إليهم المعنى، والقول ليس إلا ~~ألفاظا يصل به مدلول الكلام إلى مستمع. وقد وصل المعنى من خلال انفعال ~~يوسف. وقوله: { والله أعلم بما تصفون } [يوسف: 77]. أي: ~~أنه سبحانه أعلم بما تنعتون، وتظهرون العلامات والسمات، وغلبت كلمة " ~~تصفون " على الكلام. ومثال هذا هو قول الحق سبحانه: # ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ~~حلال وهذا حرام.. # [النحل: 116]. أي: أن ما تقولونه يوحي من تلقاء نفسه أنه كذب، وهكذا ~~نعرف أن كلمة " تصف " وكلمة " تصفون " غلب في استعمالهما للكلام الذي ~~يحمل معه دليل كذبه. ويأتي الحق سبحانه بما جاء على ألسنتهم بعد ذلك: ~~{ قالوا يأيها... }. ### || [12.78] # وهكذا دخلوا مع يوسف في نقاش، وبدأوا في الاستعطاف بقولهم: { إن له ~~أبا شيخا كبيرا.. } [يوسف: 78]. ونلحظ أن كلمة " كبير " تطلق ~~إطلاقات متعددة، إن أردت الكبر في السن تكون من " كبر يكبر " ~~، وإن أردت الكبر في المقام تقول: " كبر يكبر ". والحق سبحانه ~~يقول: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا # [الكهف: 5]. والكبر واحد من معاني العظمة، أما الكبر في السن ~~فهو مختلف وهنا قالوا: { إن له أبا شيخا كبيرا.. } [يوسف: ~~78]. قد تكون ترقيقا بالعزة، أو ترقيقا بالضعف. أي: إن له أبا شيخا ~~كبيرا عظيما في قومه وحين يبلغه أن ابنه قد احتجز من أجل سرقة، فهذا ms5097 ~~أمر مؤلم ولك أن تقدر ذلك وأنت عزيز مصر ونرجو أن تحفظ للأب شرفه ~~ومجده وعظمته، واستر ذلك الأمر من أجل خاطر ومكانة والده. أو: أن ~~يكون قولهم مقصودا به، أن الأب شيخ مهدم، لا يحتمل الصدمة، وخصوصا ~~أن له ابنا قد فقد. ثم يعرضون عرضا آخر، فيقولون: { فخذ ~~أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين } [يوسف: 78]. ~~أي: أنهم سألوه أن يتمم إحسانه عليهم، فقد أحسن استقبالهم وسبق أن ~~أنزلهم منزلا كريما، وأعطاهم الميرة، ولم يأخذ بضائعهم ثمنا لها. ~~ومن يفعل ذلك لا يضن عليهم بأن يستجيب لرجائهم، بأن يأخذ واحدا ~~منهم بدلا من أخيهم الصغير. كل هذه ترقيقات منهم لقلبه، ولكن القاعدة هي ~~ألا يؤاخذ بالذنب إلا صاحبه ولذلك لم يفت هذا الأمر على يوسف، فجاء ~~الحق سبحانه بما يوضح ذلك: { قال معاذ الله... }. ### || [12.79] # ويستعيذ يوسف عليه السلام بالله أن يأخذ أحدا بدلا ممن وجد في ~~متاعه صواع الملك، فما ذنبه في هذا الأمر؟ ولا أحد يمكن أن ينال عقابا ~~على ذنب ارتكبه غيره. وساعة تقرأ " إذا " منونة فاعرف أن هناك جملة ~~محذوفة، أي: أن يوسف قال: إن أخذنا غير من وجدنا متاعنا عنده نكون من ~~الظالمين. وجاء " التنوين " بدلا من الجملة المحذوفة التي ذكرناها. ~~ومثال آخر من القرآن هو قول الحق سبحانه: # وأنتم حينئذ تنظرون # [الواقعة: 84]. ويحدث ذلك حين تبلغ الروح الحلقوم، وجاء " التنوين " ~~عوضا عن الجملة كلها. وهكذا أراد يوسف أن يذكرهم أنه لا يحق له ~~أن يأخذ أخا منهم بدلا من بنيامين لأنه هو من وجد في متاعه صواع ~~الملك ولا يصح له أن يظلم أحدا، أو يأخذ أحدا بجريرة أحد آخر. وهنا علم ~~أبناء يعقوب أن المسألة لا يبت فيها بسهولة لأنها تتعلق بأمر خطير. ~~ويصور الحق سبحانه حالتهم هذه فيقول: { فلما استيأسوا ~~منه... }. ### || [12.80] # ويقال: " يئس " أي: قطع الأمل من الشيء، وهم لم يقطعوا الأمل فقط، بل ~~استيأسوا، وهو أمر فوق اليأس. فهم قد أخذوا يرققون كل ألوان ~~المرققات ولا فائدة وكلما أوردوا مرققا ms5098 يجدون الباب أمامهم ~~موصدا. وكأنهم بذلك يلحون على اليأس أن يأتيهم لأن الظروف المحيطة ~~والجو المحيط لا يحمل أي بارقة أمل، وكلما تبدو بارقة أمل ويطلبونها ~~يجدون الطريق موصدا فكأنهم يطلبون اليأس من أن يأذن يوسف بسفر أخيهم ~~بنيامين معهم في رحلة العودة إلى أبيهم. وهنا: { خلصوا نجيا.. } ~~[يوسف: 80]. أي: أنهم انفردوا عنه، وعن أعين الحاضرين العزيز يوسف، ومن ~~حوله من المعاونين له، وأخيهم موضع الخلاف، وانفردوا بأنفسهم. ~~والانفراد هو المناجاة والمناجاة مسرة والمسرة لا تكون إلا في أمر ~~لا تحب لغيرك أن يطلع عليه. ونلحظ أن: { خلصوا.. } [يوسف: 80] هي ~~جمع، و: { نجيا.. } [يوسف: 80] مفرد، وهذا من ضمن المواقع التي ~~يتساءل فيها من لا يملكون ملكة عربية: كيف يأتي القرآن بمفرد بعد ~~الجمع؟ ونقول دائما: لو أنهم امتلكوا اللغة كملكة لعرفوا أن ذلك جائز ~~جدا. ومثال هذا هو قول الحق سبحانه: # والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4]. وهم لا يفهمون أن اللغة فيها ألفاظ يستوي فيها المفرد ~~والجمع، كأن الملائكة يجمعون قوة كل واحد منهم لتكون قوة واحدة. ومثال ~~آخر: هو قول إبراهيم خليل الرحمن: # قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآبآؤكم ~~الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 75-77]. أي: أن إبراهيم عليه السلام جمع الآلهة المتعددة ~~التي يعبدونها وجعلها عدوا واحدا له. وكذلك يمكن أن نفعل مع كلمة " ~~صديق " ، وكذلك كلمة " عدل " فحين ينظر القضاء في أمر قضية ما فالقاضي ~~لا يصدر الحكم وحده بل يصدره بعد التشاور مع المستشارين ويصدر ~~الحكم من الثلاثة: رئيس المحكمة، وعضو اليمين، وعضو اليسار وكلاهما بدرجة ~~مستشار. ويقال: " حكم القضاة عدلا ". ولا يقال: إن كل مستشار أو قاض ~~له عدل. وكذلك: { نجيا.. } [يوسف: 80]. في الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها، فهم حين استيأسوا من يوسف انفردوا بأنفسهم ليتناجوا. وعادة ~~يكون الرأي الأول للأخ الأكبر، الذي عادة ما يكون له من الخبرة والحكمة ~~ما يتيح له أن يبدي الرأي الصواب. وهنا يقول الحق سبحانه: { قال ~~كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم ms5099 ~~موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف ~~فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم ~~الله لي وهو خير الحاكمين } [يوسف: 80]. وقد يكون كبيرهم ~~هو أكبرهم عمرا أو هو رئيس الرحلة، وحين رآهم قد قبلوا فكرة العودة ~~دون أخيهم الذي احتجزه عزيز مصر قال لهم رأيه الذي حذرهم فيه أن يغفلوا ~~عن أن أباهم قد أخذ منهم موثقا من الله إلا أن يحاط بهم كما يجب ألا ~~ينسوا أن لهم سابقة حين أخذوا يوسف وضيعوه. # وبناء على ذلك استقر قراره ألا يبرح المكان، ولن يعود إلى أبيه إلا ~~إن أذن له بذلك أو أن يحكم الله له بأن يسلمه عزيز مصر أخاه، أو ~~أن يموت هنا في نفس البلد. وهذا القول في ظاهره دفاع عن النفس وخجل من أن ~~يعود إلى أبيه بدون بنيامين ولذلك ترك إخوته يتحملون تلك المواجهة مع ~~الأب. وتبدو هذه المسألة أكثر قسوة على الأب لأنه فقد في الرحلة الأولى ~~يوسف، وفي الرحلة الثانية يفقد ابنه بنيامين، وكذلك الابن الكبير الذي ~~يرأس الرحلة. وفي هذا تصعيد للقسوة على الأب، وكان المفروض أن تدور ~~مداولة بين الإخوة في تلك المناجاة، ولكن الأخ الكبير أو رئيس الرحلة ~~حسم الأمر. وحين سألوه: ماذا نفعل يا كبيرنا؟ جاء قوله الذي أوردته الآية ~~التالية: { ارجعوا إلى أبيكم... }. ### || [12.81] # وهكذا أمر الأخ الأكبر أو رئيس الرحلة إخوته أن يرجعوا إلى أبيهم، ~~ويقولوا له ما حدث بالضبط، فقد اتهم ابنه بالسرقة، ونحن لا نقول هذا ~~الكلام إلا بعد أن وجد فتيان العزيز صواع الملك في رحله، ولا نعلم ~~هل دسها أحد له؟ وهل هي حيلة ومكيدة؟ ونحن لا نقول لك يا أبانا إلا ~~ما وصل إلينا من معلومات، وقد أخذه العزيز طبقا لشريعتنا، ونحن بخبرتنا ~~بأخينا لا نشهد عليه بالسرقة، إلا أن ثبوت وجود صواع الملك في رحله ~~هو السبب في كل ذلك. ويعلم الأخ الأكبر أن يعقوب عليه السلام قد يكذب ~~أولاده لأن هناك سوابق لهم لذلك أوصاهم الأخ ms5100 الأكبر أو رئيس الرحلة أن ~~يقولوا لأبيهم - إن كذبهم - ما جاء به الحق على ألسنتهم: { وسئل ~~القرية... }. ### || [12.82] # أي: أنك يا أبانا إن كنت تشك في أقوالنا يمكنك أن تطلب أدلة أخرى من ~~المكان الذي كنا فيه لأن هذا الموضوع قد أحدث ضجة، وحدث أمام جمع كبير ~~من الناس، والقوافل التي كانت معنا شهدت الواقعة فقد أذن مؤذن ~~بالحادث، وتم تفتيش العير علنا. فإذا أردت أن تتأكد من صدق ~~أقوالنا، فاسأل العير التي كانت تسير معنا في الطريق، وهم يعرفون هذه ~~القضية كما نعرفها، أو اسأل أهل القرية التي جئنا منها. ونلحظ هنا أن ~~الحق سبحانه أورد كلام إخوة يوسف لأبيهم يعقوب: { وسئل القرية ~~التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها.. } ~~[يوسف: 82]. ونحن نعلم أن كل حدث من الأحداث لا بد له من فاعل، ومن ~~مفعول يقع عليه، ومن مكان يقع فيه، ومن زمان يقع فيه ومن سبب يوجبه، ~~ومن قوة تنهض به. وفي بعض الحالات نجد أن المكان هو الأمر الظاهر والقوي ~~في الحدث، فننسبه إليه، فيقال: { وسئل القرية.. } [يوسف: 82]. ~~والمراد بطبيعة الحال أن يسأل أهل القرية، أو: أن المسألة كانت واضحة ~~تماما لدرجة أن الجماد يعرف تفاصيلها، أو: أنك نبي ويوحي لك الله ~~فسله أن يجعل الأرض تخبرك بما وقع عليها. وكذلك قولهم: { وسئل ~~القرية التي كنا فيها والعير.. } [يوسف: 82]. ونعلم أن ~~العير هي المطايا سواء أكانت نياقا أو كانت من الجمال أو الحمير أو ~~البغال التي تحمل البضائع. وحين يقال: { وسئل القرية ~~التي كنا فيها والعير.. } [يوسف: 82]. أي: أن العير كان لها ~~في الأمر شيء فوق الملابسات كلها. ومثال هذا ما كان في موقعة بدر فقد ~~خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلقى العير القادمة من الشام وهي ~~محملة بالبضائع ليصادرها إيفاء ما استولى عليه الكافرون من أموال ~~المهاجرين التي كانت بمكة، ولم يكن مع هذه العير إلا قليل من الحرس ~~والرعاة. ولكن حين تكلم عن المقاتلين الذين قدموا من مكة وصفهم ~~بالنفير، أي: الجماعة الذين ms5101 نفروا لمواجهة معسكر الإيمان. إذن: فكل حدث ~~يأخذ الأمر البارز فيه. وهنا يورد الحق سبحانه ما جاء على ألسنة إخوة ~~يوسف حينما عادوا ليلقوا أباهم، وليس معهم أخوهم بنيامين وكذلك ~~تخلف أخيهم الكبير أو رئيس الرحلة. يقول الحق سبحانه: { وسئل ~~القرية التي كنا فيها.. } [يوسف: 82]. ويجوز أن تفتيشهم قد ~~تم في مكان بعيد قليلا عن العمران وفحص جنود أو مساعدو يوسف ~~أمتعتهم التي عثروا فيها على صواع الملك. وسمي المكان " قرية " ، مثلما ~~نفعل نحن حاليا حين نخصص مكانا للجمارك نفحص فيه البضائع الخارجة أو ~~الداخلة إلى البلد، فقولهم: { وسئل القرية التي كنا ~~فيها. # . } [يوسف: 82]. أي: اسأل أهل الموقع الذي حدث فيه التفتيش. وكذلك ~~قولهم: { والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون ~~} [يوسف: 82]. أي: اسأل من كانوا معنا، وجئنا بصحبتهم من أصحاب ~~القوافل الأخرى. وكرروا قولهم: { وإنا لصادقون } [يوسف: 82]. ~~لأنهم علموا سابق كذبهم من قبل ذلك لذلك أرادوا هنا أن يثبتوا صدقهم ~~وحين يسأل أبوهم يعقوب سيجد أنهم صادقون فعلا، وهم لم يطلبوا شهادة ~~الغير إلا لأنهم واثقون من صدقهم هذه المرة. وجاء الحق سبحانه بهذه ~~الجملة الإسمية: { وإنا لصادقون } [يوسف: 82]. لأنهم قد فهموا ~~أن والدهم قد شك فيهم من قبل، حين جاءوا بدم كذب، وادعوا أنه قميص ~~يوسف، وأن الذئب قد أكله. ويأتي الحق سبحانه بما جاء على لسان يعقوب: { ~~قال بل سولت... }. ### || [12.83] # الأمور التي تخالف الضمير ويستحى منها ويخشى مغبتها هي أمور تستعصي ~~على النفس وتحتاج النفس إلى علاج حتى تبرزها، وتحتاج إلى من ييسر ~~لها، ما أن تقدم على فعل الأمر المستهجن، وهذا ما يقال له: " سول ~~". وقول الحق سبحانه على لسان يعقوب: { بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا.. } [يوسف: 83]. أي: يسرت لكم أنفسكم أمرا يصعب ~~أن تقبله النفوس المستقيمة، وسبق أن قال يعقوب لحظة أن جاءوا له بقميص ~~يوسف وعليه الدم الكاذب: # بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون # [يوسف: 18]. وهنا طلب يعقوب عليه السلام العون مما يدل على أن ما قالوه، ~~وكذلك ms5102 أحداث القصة لن تقف عند هذا الحد، بل ستأتي من بعد ما قالوه ~~أحداث تتطلب تجنيد قوى الصبر في النفس، وتتطلب معونة الله. ويختلف الأمر ~~هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ما جاء بعد الحديث عن تسويل ~~النفس، واستلهام الصبر من الله، فهبات الفرج قد اقتربت، فقال: { ~~عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم ~~الحكيم } [يوسف: 83]. في هذه الآية طلب الأمل الذي يوحي بالفرج، وقد ~~كان. وبعض من الذين تأخذهم الغفلة يتساءلون: لماذا قال يعقوب: { عسى ~~الله أن يأتيني بهم جميعا.. } [يوسف: 83]. والغائب عنه ~~هما يوسف وأخوه؟ ونقول: ولماذا تنسون كبير الإخوة الذي رفض أن يبرح ~~مصر، إلا بعد أن يأذن له يعقوب، أو يفرج عنه الله؟ لقد غاب عن يعقوب ~~ثلاثة من أولاده: يوسف وبنيامين وشمعون لذلك قال: { عسى الله أن ~~يأتيني بهم جميعا.. } [يوسف: 83]. ولم يقل: يأتيني بهما. ~~ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: { إنه هو العليم ~~الحكيم } [يوسف: 83]. فالله سبحانه يعلم أين هم لأنه العليم بكل شيء، ~~وهو سبحانه حكيم فيما يجريه علينا من تصرفات. ويقول الحق سبحانه بعد ~~ذلك: { وتولى عنهم... }. ### || [12.84] # وأعرض يعقوب عليه السلام عنهم فما جاءوا به هو خبر أحزنه، وخلا بنفسه ~~لأنه ببشريته تحسر على يوسف، فقد كانت قاعدة المصائب هي افتقاده يوسف. ~~وساعة تسمع نداء لشيء محزن، مثل: " وا حزناه " أو " وا أسفاه " أو " ~~وا مصيبتاه " فهذا يعني أن النفس تضيق بالأحداث وتقول " يا هم، هذا ~~أوانك، فاحضر ". أو أنه قال: { يأسفى على يوسف.. } [يوسف: ~~84]. لأن أخاه بنيامين كان أشبه الناس به فكان حزنه على يوسف طاقة من ~~الهم نزلت به، وتبعتها طاقة هم أخرى، هي افتقاد بنيامين. وقول ~~الحق سبحانه: { وابيضت عيناه.. } [يوسف: 84]. أي: أن دموع ~~يعقوب كثرت حتى بدا الجزء الأسود في العين وكأنه أبيض. أو: ابيضت ~~عيناه من فرط حزنه، الذي لا يبثه لأحد ويكظمه. وهو قد يكظم غيظه من ~~كل ما حدث، أما الانفعالات فلا أحد بقادر على أن يتحكم فيها. # " ونجد رسولنا ms5103 صلى الله عليه وسلم يبكي وتذرف عيناه حزنا على موت ~~ابنه إبراهيم، فقال له عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: أتبكي؟ أو لم ~~تكن نهيت عن البكاء؟ قال: " لا، ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: ~~صوت عند مصيبة، خمش وجوه، وشق جيوب، ورنة شيطان ". # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا ~~بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ". # وهكذا نعلم أن الحق سبحانه لا يريد من الإنسان أن يكون جلمودا أو يكون ~~صخرا لا ينفعل للأحداث، بل يريده منفعلا للأحداث لأن هذا لون يجب ~~أن يكون في إنسانيته، وهذه عاطفة يريد الله أن يبقيها، وعلى المؤمن أن ~~يعليها. فسبحانه هو الذي خلق العاطفة، والغريزة في الإنسان، ولو أراد ~~الله الإنسان بلا عاطفة أو غريزة لفعل ما شاء، لكنه أراد العاطفة ~~والغريزة في الإنسان لمهمة. ولحظة أن تخرج العاطفة أو الغريزة عن ~~مهمتها، يقول لك المنهج: لا. لأن مهمة المنهج أن يهذب لك الانفعال. ~~والمثل الذي أضربه هنا هو حب الإنسان للاستمتاع بالطعام، يقول له ~~المنهج: كل ما يفيدك ولا تكن شرها. والمثل الآخر: غريزة حب ~~الاستطلاع، يقول لك المنهج: اعرف ما يفيدك ولا تستخدم هذه الغريزة في ~~التجسس على الناس. وغريزة الجنس أرادها الله لإبقاء النوع، ولتأتي ~~بالأولاد والذرية، لكن لا تستعملها كانطلاقات وحشية. وهكذا يحرس المنهج ~~الغرائز والعواطف لتبقى في إطار مهمتها. والعاطفة - على سبيل المثال - ~~هي التي تجعل الأب يحنو على ابنه الصغير ويرعاه، وعلى ذلك فالمؤمن عليه ~~أن يعلي غرائزه وعواطفه. وقول الحق سبحانه عن يعقوب: { فهو كظيم ~~} [يوسف: 84]. أي: أنه أخذ النزوع على قدره. وكلمة " كظيم " مأخوذة من ~~" كظمت القربة " أي: أحكمنا غلق فوهة القربة، بما يمنع تسرب الماء ~~منها. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { قالوا تالله... }. ### || [12.85] # ولقائل أن يسأل: ومن الذين قالوا ليعقوب ذلك، وقد ذكرت الآية السابقة ~~أنه تولى عنهم؟ نقول: لقد عاش يعقوب مع أبنائه وأحفاده، ويقال في ~~الأثر: إن ms5104 يعقوب دخل عليه بعض الناس، فقالوا له " تالله انهشمت يا يعقوب، ~~ولم تبلغ سن أبيك إسحاق ". والمعنى: أنك صرت عجوزا عاجزا، مهشما. ~~قال: إنما هشمني يوسف. فعتب عليه الله في هذه القولة، وأوضح له: ~~أتشكو ربك لخلقه؟ فرفع يده وقال: خطيئة أخطأتها يا رب فاغفرها لي. قال: ~~غفرتها لك. وقد نبهه بعض أبنائه أو أحفاده فقالوا: { تالله ~~تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من ~~الهالكين } [يوسف: 85]. أي: لا تزال تذكر يوسف وما حدث له، حتى ~~تشرف على الهلاك. و " الحرض " كما نعلم هو المشرف على الهلاك، أو ~~يهلك بالفعل. وجاء الرد من يعقوب عليه السلام، وأورده الحق سبحانه: { ~~قال إنمآ أشكوا... }. ### || [12.86] # وشكاية الأمر إلى الله لون من العبادة لله، والبث: هي المصيبة التي ~~لا قدرة لأحد على كتمانها فينشرها، وإذا أصاب الأعلى الأدنى بما يراه ~~الأدنى سوء، يتفرع الأدنى إلى نوعين: نوع يتودد إلى الأقوى، ويتعطفه ~~ويلين له، ويستغفره ويستميحه، ونوع آخر يتأبى على المبتلى. ويتمرد، ~~ولسان حاله يقول: " فليفعل ما يريد ". والحق تبارك وتعالى يقول في كتابه: # فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا # [الأنعام: 43]. فساعة يأتي البأس ونتضرع إلى الله يكون البأس قد ~~غسلنا من الذنوب ونسيان الذكر وأعادنا إلى الله الذي لن يزيل البأس ~~إلا هو. أما الذي يتمرد ويستعلي على الأحداث، فويل له من ذلك التمرد. ~~والحق سبحانه حين يصيب إنسانا بمصيبة، فهو يلطف بمن يدعوه. وتساءل ~~بعضهم: ولماذا لم يقل يعقوب ما علمنا إياه رسولنا صلى الله عليه ~~وسلم: # الذين إذآ أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله ~~وإنآ إليه راجعون # [البقرة: 156]. ونقول: إن هذا من النعم التي اختص بها الحق سبحانه ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم وحين دخل بعضهم على علي بن أبي طالب - ~~كرم الله وجهه وأرضاه - وكان يعاني من وعكة، وكان يتأوه، فقالوا ~~له: يا أبا الحسن أتتوجع؟ قال: أنا لا أشجع على الله. وهنا في الآية - ~~التي نحن بصدد خواطرنا عنها - يعلن يعقوب عليه السلام أنه لا يشكو حزنه ~~وهمه إلا ms5105 إلى الله، فهو القادر على كشف الضر لأن يعقوب عليه ~~السلام يعلم من الله ما لا يعلم أبناؤه أو أحفاده. فقد كان يشعر بوجدانه، ~~وبما كان لديه من شكوك لحظة إبلاغهم له بحكاية الذئب المكذوبة أن يوسف ما ~~زال حيا، وأن الرؤيا التي حكى يوسف عنها لأبيه، سوف يأذن الحق ~~بتحقيقها. ويذكر الحق سبحانه ما جاء على لسان يعقوب فيقول: { يبنى ~~اذهبوا... }. ### || [12.87] # ونلحظ أن الذين غابوا هم ثلاثة: يوسف، وبنيامين، والأخ الأكبر الذي ~~أصر على ألا يبرح مصر إلا بعد أن يأذن أبوه، أو يأتي فرج من الله. ~~وهنا في هذه الآية جاء ذكر يوسف وأخيه، ولم يأت ذكر الأخ الكبير ~~أو رئيس الرحلة. ونقول: إن يوسف وأخاه هما المعسكر الضعيف الذي عانى من ~~مناهضة بقية الإخوة، وهما قد فارقا الأب صغارا، أما الأخ الأكبر فيستطيع ~~أن يحتال، وأن يعود في الوقت الذي يريد. وقول يعقوب: { اذهبوا ~~فتحسسوا من يوسف وأخيه.. } [يوسف: 87]. نجد فيه كلمة ~~تحسسوا، وهي من الحس، والحس يجمع على " حواس " ، والحواس هي منافذ ~~إدراك المعلومات للنفس البشرية، فالمعلومات تنشأ عندنا من الأمور ~~المحسة، وتدركها حواسنا لتصير قضايا عقلية. وهكذا نعلم أن الحواس هي ~~قنوات المعرفة، وهي غير مقصورة على الحواس الخمس الظاهرة بل اكتشف ~~العلماء أن هناك حواس أخرى غير ظاهرة، وسبق أن تعرضنا لهذا الأمر في ~~مرات كثيرة سابقة. وقوله: { فتحسسوا من يوسف وأخيه.. } ~~[يوسف: 87]. يعني أعملوا حواسكم، بكل ما فيها من طاقة، كي تصلوا إلى ~~الحقيقة. ونعلم أن كلمة " الجاسوس " قد أطلقت على من يتنصت ويرى ~~ويشم رائحة الأخبار والتحركات عند معسكر الأعداء ويقال له " عين " ~~أيضا. وفي عرفنا العام نقول لمن يحترف التقاط الأخبار " شم شم لنا ~~على حكاية الأمر الفلاني ". وتابع يعقوب القول: { ولا تيأسوا من ~~روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا ~~القوم الكافرون } [يوسف: 87]. أي: إياكم أن تقولوا أننا ذهبنا ~~وتعبنا وتحايلنا ولم نجد حلا، لأن الله موجود، ولا يزال لله رحمة. ~~والأثر يقول: " لا كرب وأنت رب ms5106 ". وما يعز عليك بقانونك الجأ ~~فيه إلى الله. وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه كلما ~~حزبه أمر قام وصلى ". وبهذا لجأ إلى رب الأسباب، وسبحانه فوق كل ~~الأسباب، وجربوا ذلك في أي أمر يعضلكم، ولن ينتهي الواحد منكم إلى ~~نهاية الصلاة إلا ويجد حلا لما أعضله. وكلمة " روح " نجدها تنطق ~~على طريقتين " روح " و " روح " ، و " الروح " هي الرائحة التي ~~تهب على الإنسان فيستروح بها، مثلما يجلس إنسان في يوم قيظ ثم تهب ~~نسمة رقيقة ينتعش بها. والحق سبحانه يقول: # فروح وريحان وجنت نعيم # [الواقعة: 89]. ونأخذ لهذه الروح مثلا من المحسات حين يشتد القيظ، ~~ونجلس في بستان، وتهب نسمة هواء فيتعطر الجو بما في البستان من زهور. ~~والروح هي التي ينفخها الحق سبحانه في الجماد فيتحرك. # ويأتي هنا يعقوب عليه السلام بالقضية والمبدأ الذي يسير عليه كل مؤمن، ~~فيقول: { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون } [يوسف: 87]. لأن الذي ليس له رب هو من ييأس، ولذلك ~~نجد نسبة المنتحرين بين الملاحدة كبيرة، لكن المؤمن لا يفعل ذلك لأنه ~~يعلم أن له ربا يساعد عباده. وما دام المؤمن قد أخذ بالأسباب فسبحانه ~~يهبه مما فوق الأسباب. وسبحانه يقول: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه ~~إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء ~~قدرا # [الطلاق: 2-3]. وهذه مسألة تحدث لمن يتقي الله. أتحدى أن يوجد مؤمن ليس ~~في حياته مثل هذه الأمور، ما دام يأخذ بالأسباب ويتقي الله، وسوف يجد في ~~لحظة من لحظات الكرب أن الفرج قد جاء من حيث لا يحتسب لأن الله هو الرصيد ~~النهائي للمؤمن. وهب أنك سائر في الطريق، وفي جيبك جنيه واحد، وليس ~~عندك غيره وضاع منك هل تحزن؟ نعم سوف تحزن، ولكن إن كان في بيتك عشرة ~~جنيهات فحزنك يكون خفيفا لضياع الجنيه، ولو كان رصيدك في البنك ألف من ~~الجنيهات، فلن تحزن على الجنيه الذي ضاع. ومن ms5107 له رب، يبذل الجهد ~~في الأخذ بالأسباب سيجد الحل والفرج من أي كرب مما هو فوق الأسباب. ~~ولماذا ييأس الإنسان؟ إن الملحد هو الذي ييأس لأنه لا يؤمن بإله، ولو ~~كان يؤمن بإله، وهذا الإله لا يعلم بما فيه هذا الكافر من كرب، أو هو ~~إله يعلم ولا يساعد من يعبده إما عجزا أو بخلا، فهو في كل هذه ~~الحالات ليس إلها، ولا يستحق أن يؤمن به. أما المؤمن الحق فهو يعلم ~~أنه يعبد إلها قادرا، يعطي بالأسباب، وبما فوق الأسباب وهو حين يمنع ~~فهذا المنع هو عين العطاء لأنه قد يأخذ ما يضره ولا ينفعه. وينقلنا ~~الحق سبحانه إلى نقلة أخرى وهي لحظة أن دخلوا على يوسف عليه السلام في ~~مقره بمصر ونقرأ قوله الحق: { فلما دخلوا... }. ### || [12.88] # ولم يذكر الحق سبحانه اسم من دخلوا عليه، لأنه بطل القصة، والضمير في ~~" عليه " لا بد أن يعود إلى معلوم، ونادوه بالتفخيم قائلين: { ~~يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر.. } [يوسف: 88]. ~~أي: أن الجوع صيرنا إلى هزال، وبدأوا بترقيق قلب من يسمعهم بعد ~~تفخيمهم له فهو الأعلى وهم الأدنى. ويستمر قولهم: { وجئنا ~~ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينآ ~~إن الله يجزي المتصدقين } [يوسف: 88]. ونعلم أنهم قد ~~جاءوا ليتحسسوا أمر يوسف وأخيه، وقد اختاروا مدخل الترقيق والتفخيم ~~كلون من المكر، فالتفخيم بندائه بلقب العزيز أي: المالك المتمكن ~~ويعني هذا النداء أن ما سوف يطلبونه منه هو أمر في متناول سلطته. ~~والترقيق بشكوى الحال من جوع صار بهم إلى هزال، وأعلنوا قدومهم ومعهم ~~بضاعة مزجاة، أي: بضاعة تستخدم كأثمان لما سوف يأخذونه من سلع. ~~وكلمة: { مزجاة.. } [يوسف: 88]. أي: مدفوعة من الذي يشتري أو يبيع. ~~والحق سبحانه يقول: # ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ~~ثم يجعله ركاما.. # [النور: 43]. وكلمة " يزجي " بمعنى: يدفع. إذن: فما معنى قول الحق ~~سبحانه: { ببضاعة مزجاة.. } [يوسف: 88]. ولكي تعرف المعنى ~~بإحساسك جرب هذا الأمر في نفسك، وراقب كيف تدفع ثمن أي شيء تشتريه ~~فإن كان معك نقود قديمة ms5108 ونقود جديدة ستجد أنك تدفع قيمة ما تشتريه من ~~النقود القديمة وسوف تجد نفسك مرتاحا لاحتفاظك بالنقود الجديدة لنفسك. ~~وقد يقول لك من تشتري منه: " خذ هذه الورقة النقدية القديمة التي ~~تدفعها لي، واستبدلها لي بورقة جديدة ". فما دامت النقود سوف تدفع فأنت ~~تريد أن تتخلص من النقود القديمة وتفعل ذلك وأنت مرتاح، وبذلك يمكننا أن ~~نفهم معنى: { ببضاعة مزجاة.. } [يوسف: 88]. على أنها بضاعة ~~رديئة. فكأن الضر الذي أصابهم جعلهم عاجزين عن دفع الأثمان للميرة ~~التي سوف يأخذونها، مثل الأثمان السابقة التي تميزت بالجودة. ويتابع الحق ~~سبحانه ما جاء على ألسنتهم: { فأوف لنا الكيل وتصدق ~~علينآ إن الله يجزي المتصدقين } [يوسف: 88]. أي: ~~أنهم يرجونه أن يوفي لهم الكيل ولا ينقصه إن كان ما جاءوا به من ~~أثمان لا يوفى ما تساويه الميرة، وطالبوه أن يعتبر تلك التوفية في ~~الكيل صدقة. وبذلك ردوه إلى ثمن أعلى مما حملوه من أثمان، وفوق قدرة ~~البشر على الدفع لأن الصدقة إنما يثيب عليها الحق سبحانه وتعالى. ~~ولقائل أن يسأل: أليسوا أبناء نبوة، ولا تجوز عليهم الصدقة؟ نقول: إن عدم ~~جواز الصدقة هو أمر اختص به الحق سبحانه آل محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وهو أمر خاص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقد قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس ". # وانظر إلى ما فعلته الترقيقات التي قالوها نظر إليهم يوسف عليه السلام ~~وتبسم، ولما تبسم ظهرت ثناياه، وهي ثنايا مميزة عن ثنايا جميع من ~~رأوه. وجاء الحق سبحانه بما قاله: { قال هل علمتم... }. ### || [12.89] # ومجيء هذا القول في صيغة السؤال يدفعهم إلى التأمل والتدقيق لمعرفة ~~شخصية المتحدث. ثم يأتي التلطف الجميل منه حين يضيف: { ما ~~فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون } [يوسف: 89]. ~~وفي هذا القول ما يلتمس لهم به العذر بالجهل، ولم يتحدث إليهم بعزة ~~الكبرياء، وغرور المكانة التي وصل إليها، وهدفه أن يخفف عنهم صدمة ~~المفاجأة، فذكر لهم أنهم فعلوا ذلك أيام جهلهم. وهذا مثلما ms5109 يكون أحدهم قد ~~أخطأ في حقك قديما بسلوك غير مقبول، ولكن الأيام أزالت مرارتك من ~~سلوكه، فتذكره بما فعله قديما وأنت تقول له: إن فعلك هذا قد صدر منك ~~أيام طيشك، لكنك الآن قد وصلت إلى درجة التعقل وفهم الأمور. وقول ~~يوسف عليه السلام لهم هذا الأمر بهذه الصيغة من التلطف، إنما يعبر ~~أيضا عن تأثره بشكواهم، ثم تبسمه لهم، وظهور ثناياه دفعهم إلى ~~تذكره، ودار بينهم وبينه الحوار الذي جاء في الآية التالية: { ~~قالوا أءنك لأنت يوسف... }. ### || [12.90] # وهكذا انتبهوا إلى شخصية يوسف وتعرفوا عليه، وقالوا: { أءنك ~~لأنت يوسف.. } [يوسف: 90]. وجاء قولهم بأسلوب الاستفهام التقريري ~~الذي أكدوه ب " إن " و " اللام " ، وقد قالوا ذلك بلهجة ممتلئة ~~بالفرح والتعجب بنجاحهم في التحسس الذي أوصاهم به أبوهم. فرد عليهم: ~~{ أنا يوسف وهذا أخي.. } [يوسف: 90]. وبطبيعة الحال هم ~~يعرفون أخ يوسف " بنيامين " ، وجاء ذكر يوسف له هنا دليلا على أن ~~بنيامين قد دخل معه في النعمة، وأن الحق سبحانه قد أعز الاثنين. ويجيء ~~شكر يوسف لله على نعمته في قوله: { قد من الله علينآ ~~إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين } [يوسف: 90]. وجاء يوسف بهذا القول الذي يعرض القضية ~~العامة التي تنفعهم كإخوة له، وتنفع أي سامع لها وكل من يتلوها، وقد ~~قالها يوسف عليه السلام بعد بينة من واقع أحداث مرت به بدء من ~~الرؤيا إلى هذا الموقف. فهو كلام عليه دليل من واقع معاش، فقد من ~~الله على يوسف وأخيه مما ابتليا به واجتمعا من بعد الفرقة، وعلل ~~يوسف ذلك بالقول: { إنه من يتق.. } [يوسف: 90]. أي: من يجعل ~~بينه وبين معصية الله وقاية، ويخشى صفات الجلال، ويتبع منهجه سبحانه، ~~ويصبر على ما أصابه، ولا تفتر همته عن عبادة الله طاعة، ويتجنب كل ~~المعاصي مهما زينت له. فسبحانه وتعالى لا يضيع أجر المحسنين الذين ~~يتقونه، وصاروا بتقواهم مستحقين لرحمته، وإحسانه في الدنيا والآخرة. ~~ويأتي قول الحق سبحانه بعد ذلك ليحمل لنا ما قاله إخوة يوسف في هذا ~~الموقف: ms5110 { قالوا تالله... }. ### || [12.91] # و " تالله " قسم بالله. و { آثرك الله علينا.. } [يوسف: ~~91]. أي: خصك بشيء فوق ما خص به الآخرين، وهو لم يؤثرك بظلم ~~لغيرك، ولكنك كنت تستحق ما آثرك به من الملك وعلو الشأن والمكانة. ~~وهكذا صدق إخوة يوسف على ما قاله يوسف، واعترفوا بخطيئتهم، حين حاولوا ~~أن يكونوا مقربين مثله عند أبيهم، ولكنك يا يوسف وصلت إلى أن تصير ~~مقربا مقدما عند رب أبينا ورب العالمين. والشأن والحال التي ~~كنا فيها تؤكد أننا كنا خاطئين، ولا بد أن ننتبه إلى الفرق بين " ~~خاطئين " و " مخطئين ". والعزيز قد قال لزوجته: # واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين # [يوسف: 29]. ولم يقل لها " كنت من المخطئين " فالمادة واحدة هي: " ~~الخاء " و " الطاء " و " الهمزة " ، ولكن المعنى يختلف، فالخاطئ هو من ~~يعلم منطقة الصواب ويتعداها، أما المخطئ فهو من لم يذهب إلى ~~الصواب لأنه لا يعرف مكانه أو طريقه إليه. ويقول الحق سبحانه ما جاء على ~~لسان يوسف عليه السلام لإخوته بعد أن أقروا بالخطأ: { قال لا ~~تثريب... }. ### || [12.92] # والتثريب هو اللوم العنيف، وهو مأخوذ من الثرب فحين يذبحون ذبيحة، ~~ويخرجون أمعاءها يجدون حول الأمعاء دهنا كثيفا هذا الدهن ~~يسمى ثرب. أما إن كانت هزيلة، ولم تتغذ جيدا، فأمعاؤها تخرج وقد ~~ذاب من عليه هذا الثرب. والتثريب يعني: أن اللوم العنيف قد أذاب ~~الشحم من لحمه، وجعل دمه ينز، ويكاد أن يصل بالإنسان إلى أن ينزل به ~~ويسله. وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد، ولا يثرب ~~عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة ~~فتبين زناها فليبعها، ولو بحبل من شعر ". # أي: لا يقولن لها: يا من فعلت كذا وكذا، بل فليعاقبها بالعقاب الذي ~~أنزله الله لمثل هذه الجريمة فإن لم ترتدع عن الفعل فليبعها، وهكذا ~~نفهم أن التثريب أو اللوم العنيف قد يولد العناد. وقال يوسف عليه ~~السلام: { اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم ms5111 ~~الراحمين } [يوسف: 92]. ولقائل أن يتساءل: ولماذا قال يوسف ذلك وقد ~~يكونون قد استغفروا الله من قبل؟ ونقول: إن دعوة يوسف بالمغفرة لهم جاءت ~~في حدود معرفته ولتصفية النفوس مما شابها بهذا اللقاء. وقوله: { وهو ~~أرحم الراحمين } [يوسف: 92]. هو فهم لحقيقة أن أي رحمة في ~~العالم، أو من أي أحد إنما هي مستمدة من رحمته سبحانه. وقد قال يوسف ~~ذلك وهو واثق من إجابة دعوته، لأنه قد غفر لهم خطأهم القديم وعفا عنهم ~~والله أولى منه بالعفو عنهم. ثم يعود الحديث بينه وبينهم إلى والدهم، ~~فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف لإخوته، وهو الذي علم ما حدث ~~لأبيه بعد فراقه له: { اذهبوا بقميصي... }. ### || [12.93] # وكان يوسف عليه السلام، قد علم أن أباه يربط عينيه من الحزن، وكاد أن ~~يفقد بصره، فأمر إخوته أن يذهبوا بقميصه الذي كان يلبسه إلى أبيه. وتقول ~~كتب السير أن أخاه الأكبر الذي رفض أن يبرح مصر، وقال: # فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم ~~الله لي وهو خير الحاكمين # [يوسف: 80]. قد قال ليوسف: " يا أيها العزيز إنني أنا الذي حملت القميص ~~بدم كذب إلى أبي، فدعني احمل هذا القميص لأبي، كي تمحو هذه تلك ". وقال ~~يوسف عن فعل القميص مع الأب: { فألقوه على وجه أبي يأت ~~بصيرا.. } [يوسف: 93]. ونلحظ أنه لم يقل: " وجه أبيكم ". وفي قوله: ~~{ وجه أبي.. } [يوسف: 93]. إشارة إلى الحنان الأبوي الذي فقدوه منذ ~~أن غاب يوسف، فغرق والده في الحزن. و. { يأت بصيرا.. } [يوسف: 93]. ~~أي: يرتد إليه بصره، أو يراه أمامه سليما. ويضيف يوسف: { وأتوني ~~بأهلكم أجمعين } [يوسف: 93]. هذا تعبير قرآني دقيق، أن ~~يحضروا معهم كل من يمت بصلة قرابة لهم أو يعمل معهم، ولم يقل ~~يوسف " بآلكم " حتى لا يأتوا بالأعيان فقط. ونلحظ أنه لم يذكر والده في ~~أمر يوسف لإخوته أن يأتوه بكل من يمت لهم بصلة قربى لأن في مثل ~~هذا الأمر - من موقع عزيز مصر - إجبارا للأب على المجيء، وهو يجل ~~أباه عن ذلك. ويقول ms5112 الحق سبحانه بعد ذلك: { ولما فصلت... }. ### || [12.94] # و " فصلت " تدل على شيء كان ملتصقا بشيء آخر وانفصل عنه، وفصلت ~~العير. أي: خرجت من المدينة وتجاوزتها لتسير في رحلتها، والمقصود ~~خروج القافلة من حدود مصر قاصدة مكان يعقوب عليه السلام. وهنا قال يعقوب ~~لمن كانوا حاضرين معه من الأحفاد وأبناء الأبناء: { إني لأجد ريح ~~يوسف.. } [يوسف: 94]. والمعروف أن القميص الذي أرسله مع أخيه الأكبر ~~يحمل رائحة يوسف، لكن الذين حول يعقوب من أقربائه لم يصدقوا قوله، ~~فأضاف: { لولا أن تفندون } [يوسف: 94]. أي: لولا اتهامكم لي ~~بالخرف، لأن التفنيد هو الخرف. ومن العجيب أننا في أيامنا هذه نجد العلم ~~وقد أثبت أن صور المرائي والأصوات، توجد لها آثار في الجو، رغم ما ~~يخيل للإنسان أنها تلاشت. ويحاول العلم بوسائل من الأشعة أن يكشف ~~صورة أي جماعة كانت تجلس في مكان ما، ثم رحلت عنه منذ ساعة أو ساعتين، ~~مما يدل على أن الصور لها نضح من شعاع وظلال يظل بالمكان لفترة قبل ~~أن يضيع. وكذلك الأصوات فالعلماء يحاولون استرداد أصوات من رحلوا ~~ويقولون: لا شيء يضيع في الكون، بل كل ما وجد فيه محفوظ بشكل أو بآخر. ~~والرائحة أيضا لا تضيع، بدليل أن الكلب يشم الريح من على مسافات ~~بعيدة، ويميز الآن المخدرات من رائحتها ولذلك تنتشر الكلاب المدربة في ~~المطارات وعلى الحدود لتكشف أي محاولة لتهريب المخدرات. وإذا كان ~~الحيوان المخلوق بقدرة الله قادرا على التقاط الرائحة من بين آلاف ~~الروائح، وإذا كان العلم الموهوب من الله للبشر يبحث الآن في كيفية ~~استحضار الصورة واسترداد الصوت من الفضاء المحيط بالإنسان فعلينا أن ندرك ~~أن العير عندما خرجت من أسوار المدينة وأخذت طريقها إلى الموقع الذي ~~يعيش فيه يعقوب عليه السلام استطاع يعقوب بقدرة الله أن يشم رائحة ~~يوسف تلك التي يحملها قميصه القادم مع القافلة. ولسائل أن يقول: ولماذا ~~ارتبط تنسم يعقوب لرائحة يوسف بخروج العير من مصر، وتواجدها على ~~الطريق إلى موطن يعقوب؟ نقول: لأن العير لحظة تواجدها في المدينة ms5113 تكون ~~رائحة قميص يوسف مختلطة بغيرها من الروائح فهناك الكثير من الروائح ~~الأخرى داخل أي مدينة، ويصعب نفاذ رائحة بعينها لتغلب على كل الروائح ~~ويختلف الأمر في الخلاء حيث يمكن أن تمشي هبة الرائحة دون أن يعترضها ~~شيء. وبذلك نؤمن أن كل شيء في الكون محفوظ ولا يضيع مصداقا لقوله تعالى: # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين # [الانفطار: 10-11]. وكل ما يصدر منك مسجل عليك ولذلك يأتيك كتابك يوم ~~القيامة لتقرأه، وتكون على نفسك حسيبا. ويرد من بقي من أهل يعقوب ~~معه على قوله بأنه يجد ريح يوسف: { قالوا تالله... }. ### || [12.95] # وكأنهم قد ملوا حديثه عن يوسف وأعرضوا عن كلامه قائلين له: إلى متى ~~ستظل على ضلالك، وهم لا يعنون الضلال بمعنى الخروج عن المنهج، ولكنهم ~~يعنون الضلال بمعنى الجزئيات التي لا علاقة لها بالتدين من محبة ~~شديدة ليوسف، وتعلق به، والتمني لعودته، وكثرة الحديث عنه، وتوقع ~~لقائه، وهم الذين ظنوا أن يوسف قد مات. ويأتي البشير ليعقوب، يقول ~~الحق سبحانه: { فلمآ أن جآء البشير... }. ### || [12.96] # وحين حضر البشير، وهو كما تقول الروايات كبير الإخوة ويقال أيضا: إنه ~~يهوذا وهو من رفض أن يغادر مصر إلا بعد أن يأذن له والده، أو يأتي ~~حل من السماء لمشكلة بقاء بنيامين في مصر، بعد اتهام أعوان العزيز له ~~بالسرقة، طبقا لما أراده يوسف ليستبقي شقيقه معه. ولما جاء هذا البشير ~~ومعه قميص يوسف فألقاه على وجه الأب تنفيذا لأمر يوسف عليه السلام. ~~وبذلك زال سبب بكاء يعقوب، وفرح يعقوب فرحا شديدا لأنه في أيام حزنه ~~على يوسف، وابيضاض عينيه من كثرة البكاء حدثه قلبه بالإلهام من الله أن ~~يوسف ما زال حيا وكان البكاء عليه من بعد ذلك هو بكاء من فرط الشوق ~~لرؤية ابنه. وكذلك قد يكون يوسف قد علم بالوحي من الله أن إلقاء القميص ~~على وجه أبيه يرد إليه بصره، بإذن من الحق سبحانه وتعالى، فضلا عن أن ~~الفرح له آثار نفسية تنعكس على الحالة الصحية، وهكذا تجلت انتصارات ~~الحق ms5114 والنبوة. وقال يعقوب عليه السلام: { ألم أقل لكم ~~إني أعلم من الله ما لا تعلمون } [يوسف: 96]. ولم ~~يقل ذلك إذلالا لهم، بل ليعطي الثقة والتوثيق لأخبار كل نبي، وأن ~~الواقع قد أيد الكلام الذي قاله لهم: # يبني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا ~~تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح ~~الله إلا القوم الكافرون # [يوسف: 87]. فإذا جاءكم خبر من معصوم إياكم أن تقفوا بعقولكم فيه لأن ~~العقول تأخذ مدركات الأشياء على قدرها، وهناك أشياء فوق مدركات ~~العقول. وحين يحدثكم معصوم عن ما فوق مدركات عقولكم إياكم أن ~~تكذبوه سواء فهمتم ما حدثكم عنه، أو لم تستوعبوا حديثه عما فوق ~~مدركات العقول. وهنا يقر إخوة يوسف بذنوبهم فيقول الحق سبحانه: { ~~قالوا يأبانا استغفر... }. ### || [12.97] # وهم هنا يقرون بالذنب، ويحدثون والدهم بنداء الأبوة كي يستغفر ~~لهم ما ارتكبوه من ذنوب كثيرة، فقد آذوا أباهم وجعلوه حزينا، ولا يسقط ~~مثل هذا الذنب إلا بأن يقر به من فعله، ونلحظ أنهم قالوا: { إنا ~~كنا خاطئين } [يوسف: 97]. أي: أنهم كانوا يعلمون الصواب، ولم ~~يفعلوه. ويأتي الحق سبحانه بما قاله يعقوب: { قال سوف أستغفر ~~لكم ربي... }. ### || [12.98] # ونلحظ أن يوسف قد قال لهم من قبل: # لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو ~~أرحم الراحمين # [يوسف: 92]. لكن والدهم هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول: ~~{ سوف أستغفر لكم ربي.. } [يوسف: 98]. ولم يقل: " ~~سأستغفر لكم ربي " ، وهذا يدل على أن الكبار يحتاجون لوقت أكبر من وقت ~~الشباب لذلك أجل يعقوب الاستغفار لما بعد. والشيخ الألوسي في تفسيره ~~يقول: " إنما كان ذلك لأن مطلوبات البر من الأخ لإخوته غير مطلوبات البر ~~من ابن لأبيه لأن الأخ ليس له نفس حق الأب لذلك يكون غضب الأب أشد من ~~غضب الأخ ". ثم إن ذنوبهم هنا هي من الذنوب الكبيرة التي مر عليها وعلى ~~تأثيرها على الأب زمن طويل. ويقال: إن يعقوب عليه السلام قد أخر ~~الاستغفار لهم إلى السحر، لأن الدعاء فيه مستجاب. وينقلنا الحق ~~سبحانه ms5115 من بعد ذلك إلى لحظة اللقاء بين يوسف عليه السلام وأهله كلهم، بعد ~~أن انتقلوا إلى حيث يعيش يوسف، فيقول سبحانه: { فلما دخلوا ~~على يوسف... }. ### || [12.99] # ونعلم أن الجد إسحاق لم يكن موجودا، وكانوا يغلبون جهة الأبوة ~~على جهة الأمومة، ودخلت معهم الخالة لأن الأم كانت غير موجودة. ويبدو أن ~~يوسف قد استقبلهم عند دخولهم إلى مصر استقبال العظماء، فاستقبلهم خارج ~~البلد مرة ليريحهم من عناء السفر ويستقبلهم وجهاء البلد وأعيانهم وهذا هو ~~الدخول الأول الذي آوى فيه أبويه. ثم دخل بهم الدخول الثاني إلى البلد ~~بدليل أنه قال: { ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين } [يوسف: ~~99]. ففي الآية دخولان. وقول الحق سبحانه: { آوى إليه أبويه.. ~~} [يوسف: 99]. يدل على حرارة اللقاء لمغتربين يجمعهم حنان، فالأب كان ~~يشتاق لرؤية ابنه، ولا بد أنه قد سمع من إخوته عن مكانته ومنزلته، ~~والابن كان متشوقا للقاء أبيه. وانفعالات اللقاء عادة تترك لعواطف ~~البشر، ولا تقنين لها، فهي انفعالات خاصة تكون مزيجا من الود، ومن ~~المحبة، ومن الاحترام، ومن غير ذلك. فهناك من تلقاه وتكتفي بأن تسلم ~~عليه مصافحة، وآخر تلتقي به ويغلبك شوقك فتحتضنه، وتقول ما شئت من ~~ألفاظ الترحيب. كل تلك الانفعالات بلا تقنين عبادي، بدليل أن يوسف عليه ~~السلام آوى إليه أبويه، وأخذهما في حضنه. # " والمثل من حياة رسولنا صلى الله عليه وسلم في سياق غزوة بدر حيث كان ~~يستعرض المقاتلين، وكان في يده صلى الله عليه وسلم قدح يعدل به الصفوف، ~~فمر بسواد بن غزية من بني عدي بن النجار، وهو مستنصل عن الصف - أي ~~خارج عنه، مما جعل الصف على غير استواء - فطعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بطنه بالقدح وقال له: " استو يا سواد ". فقال سواد: أوجعتني، ~~وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني. فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن بطنه وقال صلى الله عليه وسلم: " استقد ". فاعتنقه سواد وقبل ~~بطنه. فقال صلى الله عليه وسلم: " ما حملك على هذا يا سواد؟ ". قال: يا ~~رسول الله، ms5116 قد حضر ما ترى - يقصد الحرب - فأردت أن يكون آخر العهد بك أن ~~يمس جلدي جلدك. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخير ". # ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ورفع أبويه على العرش... ~~}. ### || [12.100] # وقد رفع يوسف أبويه على العرش لأنه لم يحب التميز عنهم وهذا سلوك يدل ~~على المحبة والتقدير والإكرام. والعرش هو سرير الملك الذي يدير منه ~~الحاكم أمور الحكم. وهم قد خروا سجدا لله من أجل جمع شمل العائلة، ~~ولم يخروا سجدا ليوسف، بل خروا سجدا لمن يخر سجودا إليه، ~~وهو الله. وللذين حاولوا نقاش أمر سجود آل يعقوب ليوسف أقول: هل أنتم ~~أكثر غيرة على الله منه سبحانه؟ إنه هو سبحانه الذي قال ذلك، وهو ~~سبحانه الذي أمر الملائكة من قبل بالسجود لآدم فلماذا تأخذوا هذا القول ~~على أنه سجود لآدم؟ والمؤمن الحق يأخذ مسألة سجود الملائكة لآدم على أنه ~~تنفيذ لأمر الحق سبحانه للهم بالسجود لآدم، فآدم خلقه الله من طين، ~~ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة أن تسجد لآدم شكرا لله الذي خلق هذا ~~الخلق. وكذلك سجود آل يعقوب ليوسف هو شكر لله الذي جمع شملهم، وهو ~~سبحانه الذي قال هذا القول، ولم يجرم سبحانه هذا الفعل منهم، بدليل ~~أنهم قدموا تحية ليوسف هو قادر أن يردها بمثلها. ولم يكن سجودهم له ~~بغرض العبادة لأن العبادة هي الأمور التي تفعل من الأدنى تقربا للأعلى، ~~ولا يقابلها المعبود بمثلها فإن كانت عبادة لغير الله فالله سبحانه ~~يعاقب عليها وتلك هي الأمور المحرمة. أما العبادة لله فهي اتباع ~~أوامره وتجنب نواهيه إذن: فالسجود هنا استجابة لنداء الشكر من الكل ~~أمام الإفراج بعد الهم والحزن وسبحانه يثيب عليها. أما التحية يقدمها ~~العبد، ويستطيع العبد الآخر أن يرد بمثلها أو خير منها، فهذا أمر لا ~~يحرمه الله، ولا دخل للعبادة به. لذلك يجب أن نفطن إلى أن هذه المسألة ~~يجب أن تحرر تحريرا منطقيا يتفق مع معطيات اللغة ومقتضى الحال، ولو ~~نظرنا إلى وضع يعقوب عليه السلام، ms5117 وما كان فيه من أحزان وموقف إخوته بين ~~عذاب الضمير على ما فعلوا وما لاقوه من متاعب لأيقنا أن السجود المراد به ~~شكر من بيده مقاليد الأمور بدلا من خلق فجوات بلا مبرر وهم حين سجدوا ~~ليوسف هل فعلوا ذلك بدون علم الله؟ طبعا لا. ومن بعد ذلك نجد قول يوسف ~~لأبيه: { وقال يأبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد ~~جعلها ربي حقا.. } [يوسف: 100]. وقد كانت الرؤيا هي أول ~~لقطة في قصة يوسف عليه السلام حيث قال الحق ما جاء على لسان يوسف ~~لأبيه: # إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4]. وقوله في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { قد ~~جعلها ربي حقا.. } [يوسف: 100]. أي: أمرا واقعا، وقد رآه ~~والد يوسف وإخوته لحظة أن سجدوا ليوسف سجود الشكر والتحية لا سجود ~~عبادة، وقد سجد الإخوة الأحد عشر والأب والخالة التي تقوم مقام الأم، ~~ورؤيا الأنبياء كما نعلم لا بد أن تصير واقعا. # ولقائل أن يقول: وماذا عن رؤيا إبراهيم عليه السلام التي أمره فيها ~~الحق سبحانه أن يذبح ابنه فقام إلى تنفيذها واستسلم إسماعيل لأمر ~~الرؤيا. نقول: إن الأنبياء وحدهم هم الملتزمون شرعا بتنفيذ رؤاهم لأن ~~الشيطان لا يخايلهم فهم معصومون من مخايلة الشيطان. أما إن جاء إنسان ~~وقال: لقد جاءتني رؤيا تقول لي نفذ كذا. نقول له: أنت غير ملزم ~~بتنفيذ ما تراه في منامك من رؤى فليس عليك حكم شرعي يلزمك بذلك فضلا ~~عن أن الشيطان يستطيع أن يخايلك. أما تنفيذ إبراهيم عليه السلام لما رآه ~~في المنام بأن عليه أن يذبح ابنه، وقيام إبراهيم بمحاولة تنفيذ ذلك فسببه ~~أنه يعلم بالتزامه الشرعي بتنفيذ الرؤيا. وقد جاء لنا الحق سبحانه بهذا ~~الذي حدث ليبين لنا عظم الابتلاءات التي مرت على إبراهيم، وكيف حاول ~~أن يتم كل ما توجهه له السماء من أوامر، وأن ينفذ ذلك بدقة. وقال الحق ~~سبحانه مصورا ذلك: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما.. # [البقرة: 124]. وكانت ms5118 قمة الابتلاءات هي أن ينفذ بيديه عملية ذبح ~~الابن ولذلك أؤكد دائما على أن الأنبياء وحدهم هم الملزمون بتنفيذ ~~رؤاهم، أما أي إنسان آخر إن جاءته رؤيا تخالف المنهج فعليه أن ~~يعتبرها من نزغ الشيطان. ويتابع الحق سبحانه ما جاء على لسان يوسف: { ~~وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن.. } [يوسف: 100]. ~~ولقائل أن يسأل: ولماذا لم يذكر يوسف الأحداث الجسام التي مرت به ~~في تسلسلها مثل إلقاء إخوته له في الجب؟ نقول: لم يرد يوسف أن ~~يذكر ما يكدر صفو اللقاء بين العائلة من بعد طول فراق. ولكنه جاء ~~بما مر به من بعد ذلك، من أنه صار عبدا، وكيف دخل السجن لأنه لم يستسلم ~~لغواية امرأة العزيز، وكيف من الله عليه بإخراجه من السجن، وما أن ~~خرج من السجن حتى ظهرت النعمة، ويكفي أنه صار حاكما. وقد يقول قائل: إن ~~القصة هنا غير منسجمة مع بعضها، لأن بعضا من المواقف تذكر وبعضها لا ~~يذكر. نقول: إن القصة منسجمة تماما، وهناك فارق بين قصص التاريخ ~~كتاريخ وبين قصص يوضح المواقف الهامة في التاريخ. والمناسبة في هذه ~~الآية هي اجتماع الإخوة والأب والخالة، ولا داعي لذكر ما ينغص هذا ~~اللقاء خصوصا وأن يوسف قد قال من قبل: # قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ~~وهو أرحم الراحمين # [يوسف: 92]. وسبق أن قال لهم بلطف من يلتمس لهم العذر بالجهل: # هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم ~~جاهلون # [يوسف: 89]. وهو هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يذكر إحسان ~~الحق سبحانه له فيقول: { هذا تأويل رؤياي من قبل قد ~~جعلها ربي حقا.. } [يوسف: 100]. ويثني على الله شاكرا إحسانه ~~فيقول: { وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن.. } ~~[يوسف: 100]. وهو إحسان له في ذاته، ثم يذكر إحسان الله إلى بقية أهله: { ~~وجآء بكم من البدو.. } [يوسف: 100]. وكلمة " أحسن " - كما ~~نعلم - مرة تتعدى ب إلى، فتقول: " أحسن إليه " ، ومرة تتعدى بالباء، ~~فنقول: " أحسن به " ، وهو هنا في مجال " أحسن بي ". أي: أن الإحسان ms5119 بسببه ~~قد تعلق بكل ما اتصل به فجعله حاكما، وجاء بأهله من البدو أما الإحسان ~~إليه فيكون محصورا في ذاته لا يتعداه. وجعل الحق سبحانه الإحسان هنا ~~قسمين: قسم لذاته وقسم للغير، واعتبر مجيء الأهل من البدو إحسانا إليه، ~~لأن البدو قوم يعيشون على الفطرة والانعزالات الأسرية، ولا توطن لهم ~~في مكان، ولا يضمهم مجتمع، وليس لهم بيوت مبنية يستقرون فيها، ~~ولكنهم يتبعون أرزاقهم من منابت الكلأ ومساقط المياه، ويحملون رحالهم ~~إلى ظهر الجمال متنقلين من مكان لآخر. وتخلو حياتهم من نعم الحضارة. ~~ففي الحضارة يحضر إليك كل ما تطلب، ولكن الحياة في البدو تحتم أن يذهب ~~الإنسان إلى حيث يجد الخير ولذلك تستقر الحياة في الحضر عنها في البادية. ~~ويعطينا الشاعر أحمد شوقي - رحمة الله عليه - صورة تبين الفارق بين البدو ~~والحضر، حين صنع مناظرة بين واحدة تتعصب للبدو، وأخرى تتعصب للحضر. فقال: # فأنا من البيد يا ابن جريج # ومن هذه العيشة الجافيه # ومن حالب الشاة في موضع # ومن موقد النار في ناحيه # مغنيكمو معبد والغريق # وقينتنا الضبع العاويه # هم يأكلون فنون الطهاة # ونحن نأكل ما طهت الماشيه # فابن جريج يشكو السأم من حياة البادية، حيث لا يرى إلا المناظر ~~المعادة من حلب لشاة، أو إشعال نار، ولا يسمع كأهل الحضر صوت ~~المغنين المشهورين في ذلك الزمن بل يسمع صوت الضباع العاوية، ولا ~~يأكل مثل أهل الحضر ما قام بطهيه الطهاة بل يأكل اللبن وهو ما ~~تقدمه لهم الماشية. وترد ليلى المتعصبة للبادية: # قد اعتسفت هند يا ابن جريج # وكانت على مهدها قاسيه # فما البيد إلا ديار الكرام # ومنزلة الذمم الواقيه # لها قبلة الشمس عند البزوغ # وللحضر القبلة الثانيه # ونحن الرياحين ملء الفضاء # وهن الرياحين في آنيه # ويقتلنا العشق والحاضرات # يقمن من العشق في غاميه # وقولها " اعتسفت " يعني " ظلمت " ، أي: أن هندا ظلمت البيد يا ابن ~~جريج، ثم جاءت بميزات البدو فأوضحت أن بنات البادية كالرياحين المزروعة ~~في الفضاء الواسع، عكس بنات الحضر التي تشبه الواحدة منهن الريحانة ~~المزروعة ms5120 في أصص الزرع، أو أي آنية أخرى. # ثم تأتي إلى القيم فتفخر أن بنت البادية يقتلها العشق، ولا تنال ~~ممن تعشق شيئا فتنسل وتموت، أما بنت الحضر فصحتها تأتي على الحب. ~~وهنا في الآية - التي نحن بصدد خواطرنا عنها - يشكر يوسف ما من به ~~الله عليه، وعلى أهله الذين جاء بهم سبحانه من البادية، ليعيشوا في مصر ~~ذات الحضارة الواسعة وبذلك يكون قد ضخم الفرق بين ما كانوا يعيشون فيه ~~من شظف العيش إلى حياة اللين والدعة. ثم يلمس ما كان من إخوته تجاهه ~~فيقول: { من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين ~~إخوتي.. } [يوسف: 100]. وهذا مس لطيف لما حدث، وقد نسبه يوسف ~~للشيطان وصوره على أنه " نزغ ". أي: أنه لم يكن أمرا مستقرا على ~~درجة واحدة من السوء. أي: أن ما فعله الشيطان هو مجرد وخزة تنبه إلى ~~الشيء الضار فيندفع له الإنسان، وهي مأخوذة من المهماز الذي يروض به ~~مدرب الخيل أي حصان، فهو ينغزه بالمهماز نزغة خفيفة، فيستمع وينفذ ما ~~أمره به، فالنغز تنبيه لمهمة، ويختلف عن الطعن. والحق سبحانه ~~ينبهنا إلى ما يفعله الشيطان فيقول لنا: # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله.. # [الأعراف: 200]. وكل منا يعلم أن الشيطان عدو له عداوة مسبقة، ~~وحين تستعيذ بالله من الشيطان، فأنت تكتسب حصانه من الشيطان. وسبحانه ~~القائل: # إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون # [الأعراف: 201]. أي: أن الإنسان حين يتذكر العداوة بينه وبين الشيطان ~~فعليه أن يشحن نفسه بالمناعة الإيمانية ضد هذا النزغ. ويذيل الحق ~~سبحانه الآية الكريمة بقول يوسف: { إن ربي لطيف لما يشآء ~~إنه هو العليم الحكيم } [يوسف: 100]. فسبحانه هو المدبر ~~الذي لا تخفى عليه خافية أبدا، وكلمة " لطف " ضد كلمة " كثافة " ~~فاللطيف هو الذي له جرم دقيق، والشيء كلما لطف عنف لأنه لا توجد ~~عوائق تمنعه. ولا شيء يعوق الله أبدا، وهو العليم بموقع وموضع كل شيء، ~~فهو يجمع بين اللطف والخبرة، فلطفه لا يقف أمامه أي شيء، ولا يوجد ما ~~هو مستور عنه، ms5121 ولا يقوم أمام مراده شيء، وسبحانه خبير بمواضع الأشياء، ~~وعلمه سبحانه مطلق، وهو حكيم يجري كل حدث بمراد دقيق، ولا يضيف ~~إليه أحد أي شيء، فهو صاحب الكمال المطلق. ويذكر الحق سبحانه بعد ذلك ~~مناجاة يوسف لله سبحانه: { رب قد آتيتني من الملك... }. ### || [12.101] # ونعلم أن الربوبية تعني الخلق من عدم، والإمداد من عدم والإقاتة ~~لاستبقاء الحياة، والتزاوج لاستباق النسل، وتسير كل هذه العمليات في ~~تناسق كبير. فالحق سبحانه أوجد من عدم، واستبقى الحياة الذاتية بالقوت، ~~واستبقى الحياة النوعية بما أباح من تزاوج وتكاثر. وكل مخلوق له حظ في ~~عطاء الربوبية، مؤمنا كان أم كافرا، وكل مخلوقات الكون مسخرة لكل ~~الخلق، فسبحانه هو الذي استدعى الخلق إلى الوجود ولذلك تكفل بما يحقق ~~لهم الحياة. ويختص الحق سبحانه عباده المؤمنين بعطاء آخر بالإضافة لعطاء ~~الربوبية وهو عطاء الألوهية المتمثل في المنهج. يقول يوسف عليه السلام ~~مناجيا ربه: { رب قد آتيتني من الملك.. } [يوسف: 101]. ~~أي: أنه سبحانه هو الذي أعطاه تلك السيادة، وهذا النفوذ والسلطان فلا أحد ~~يملك قهرا عن الله، وحتى الظالم لا يملك قهرا عن الله ولذلك يقول ~~الحق سبحانه في آية أخرى من القرآن: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير # [آل عمران: 26]. وإتيان الملك لا توجد فيه مقاومة ممن يملك ولكن ~~نزع الملك هو الذي يقاومه المنزوع منه. والحق سبحانه هو أيضا الذي ~~يعز من يشاء، وهو الذي يذل من يشاء. وحين تتغلغل هذه الآية في نفس ~~المؤمن فهو يوقن أنه لا مفر من القدر، وأن إيتاء الملك خير، وأن ~~نزع الملك خير، وأن الإعزاز خير والإذلال خير كي لا يطغى الإنسان، ولا ~~يتكبر، ولا يعدل في إيمان غيره. وكان بعض الناس يقولون: لا بد أن ~~تقدر محذوفا في الآية. وهم قد قالوا ذلك بدعوى الظن أن هناك خيرين في ~~الآية وشرين محذوفين. وأقول: لا، إن ما تظنه أيها الإنسان ms5122 أنه شر ~~إنما هو خير يريده الله فكل ما يجريه الله خير. وقول يوسف عليه السلام ~~هنا: { آتيتني من الملك.. } [يوسف: 101]. يقتضي أن نفهم معنى " ~~الملك " ومعنى " الملك " ، ولنا أن نعرف أن كل إنسان له شيء يملكه ~~مثل ملابسه أو قلمه أو أثاث بيته، ومثل ذلك من أشياء، وهذا ما يسمى: " ~~الملك ". أما " الملك " فهو أن تملك من يملك. وقد ملك الله بعضا ~~من خلقه لخلقه، ملكهم أولا ما في حوزتهم، وملكهم غيرهم، وسبحانه ~~ينزع الملك من واحد ويهبه لآخر، كي لا تصبح المسألة رتابة ذات. ومثال ~~هذا: هو ما حدث لشاه إيران، وكان له الملك، وعنده كل أسباب الحضارة، ~~وفي طوعه جيش قوي، ثم شاء الحق سبحانه أن ينزع منه الملك، فقام غيره ~~بتفكيك المسامير غير المرئية التي كان الشاه يثبت بها عرشه فزال عنه ~~الملك. # وأنت في هذه الدنيا تملك السيطرة على جوارحك تقول لليد " إضربي فلان " ~~فتضرب يدك فلانا، إلى أن يأتي اليوم الآخر فلا يملك الإنسان السيطرة ~~على جوارحه لأن الملك يومها يكون لله وحده، فسبحانه القائل: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. ففي اليوم الآخر تنتفي كل الولايات، وتكون الولاية لله ~~وحده. وبجانب " الملك " و " الملك " هناك الملكوت، وهو ما لا تراه ~~بأجهزة الحواس. وسبحانه يقول: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض.. # [الأنعام: 75]. أي: أن الحق سبحانه قد كشف لإبراهيم أسرار العالم الخفية ~~من المخلوقات، وأنت ترى العلماء وهم يتتبعون أسرار ممالك النباتات ~~والحيوانات فتتعجب من دقة خلق الله. ومن وهبه الله دقة العلم ~~وبصيرة العلماء، يرى بإشعاعات البصر والعلم عالم الملكوت، ويستخرج ~~الأسرار، ويستنبط الحقائق. ويضيف يوسف عليه السلام في مناجاته لربه: { ~~وعلمتني من تأويل الأحاديث.. } [يوسف: 101]. وهو يعترف ~~بفضل الله عليه حين اختصه بالقدرة على تأويل الأحاديث تلك التي أول ~~بها رؤيا الفتيين اللذين كانا معه في السجن وأول رؤيا الملك هذا ~~التأويل الذي قاده إلى الحكم، وليس هذا غريبا أو عجيبا بالنسبة لقدرة ~~الله سبحانه. ويقول يوسف شاكرا لله: { فاطر السماوات ms5123 ~~والأرض.. } [يوسف: 101]. وما دام سبحانه هو خالق كل شيء فليس غريبا ~~أن يعلمه سبحانه ما شاء، وكأن إيمان يوسف قد وصل به إلى أن يعلم ما ~~قاله الحق سبحانه: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. ونحن في حياتنا نجد الذي صنع جهازا يستفيد منه غيره يوضح ~~مواصفات استعمال الجهاز أو الأداة، حتى ولو كانت نورجا أو محراثا ~~وذلك ليضمن للجهاز الحركة السوية التي يؤدي بها الجهاز عمله. ~~والواحد منا إن تعطلت منه السيارة يستدعي الميكانيكي الذي ينظر ما فيها ~~فإن كان أمينا، فهو يشخص بدقة ما تحتاجه السيارة، ويصلحها، وإن ~~كان غير أمين ستجده يفسد الصالح، ويزيد من الأعمال التي لا تحتاجها ~~السيارة. وهكذا نرى أن كل صانع في مجاله يعلم أسرار صنعته، فما بالنا ~~بالخالق الأعظم سبحانه وتعالى؟ إنه خبير عليم بكل شيء. ولماذا قال يوسف ~~عن الحق سبحانه: { فاطر السماوات والأرض.. } [يوسف: 101] ~~لأنه يعلم أن الحق سبحانه قد خلق الإنسان والإنسان له بداية ونهاية، لا ~~يعلمها أحد غير الله سبحانه، فقد يموت الإنسان وعمره يوم، أو يموت في بطن ~~أمه، أو بعد مائة سنة، وتمر على الإنسان الأغيار. أما السماوات والأرض ~~فهي مخلوقات ثابتة، فالشمس لا تحتاج إلى قطعة غيار، ولم تقع، وتعطي الدفء ~~للأرض، وهي مرفوعة عن الأرض لا تقع عليها بمشيئة الله. والحق سبحانه هو ~~القائل: # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ~~إن الله بالناس لرءوف رحيم # [الحج: 65]. واسمع قوله الحق: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. فالإنسان يتغير ويموت أما السماوات والأرض فثابتة إلى ما ~~شاء الله. ويقول يوسف عليه السلام مواصلا المناجاة لله: { أنت ~~وليي في الدنيا والآخرة.. } [يوسف: 101]. وصحيح أن الحق ~~سبحانه ولي ليوسف في الدنيا، وقد نصره وقربه وأعانه بدليل كل ما مر ~~به من عقبات، ويرجو يوسف ويدعو ألا يقتصر عطاء الله له في الدنيا ~~الفانية، وأن يثيبه أيضا في الباقية، الآخرة. ومادام سبحانه وليه في ~~الدنيا والآخرة فيوسف يدعوه: ms5124 { توفني مسلما وألحقني ~~بالصالحين } [يوسف: 101]. وقوله: { توفني مسلما } [يوسف: ~~101]. إنما بسبب أن يكون أهلا لعطاء الله له في الآخرة فقد أخذ يوسف ~~عطاء الدنيا واستمتع به، ومتع به، ومشى فيه بما يرضي الله. وعند ~~تمني يوسف للوفاة وقف العلماء، وقالوا: ما تمناها أحد إلا يوسف. ~~فالإنسان إن كان موفقا في الدنيا، تجده دائم الطموح، وتواقا إلى ~~المزيد من الخير. وتحمل لنا ذاكرة التاريخ عن أمير المؤمنين عمر بن عبد ~~العزيز أنه قبل الإمارة، حينما كانوا يجيئون له بثوب ناعم كان يطلب ~~الأكثر منه نعومة، وإذا جيء له بطعام لين كان يطلب الأكثر ليونة. ~~وحين صار خليفة كانوا يأتونه بالثوب فيطلب الأكثر خشونة وظن من حوله ~~أنه لم يعد منطقيا مع نفسه، ولم يفهموا أن له نفسا تواقة إلى ~~الأفضل تستشرف الأعلى دائما، فحينما تاق إلى الإمارة جاءته وحين تاق ~~إلى الخلافة جاءته، ولم يبق بعدها إلا الجنة. ونجد ميمون بن مهران ~~وكان ملازما له رضي الله عنهما دخل عليه مرة فوجده يسأل ربه الموت. ~~فقال: يا أمير المؤمنين، أتسأل ربك الموت وقد صنع الله على يديك خيرا ~~كثيرا فأحييت سننا وأمت بدعا وبقاؤك خير للمسلمين؟ فقال عمر ~~بن عبد العزيز: ألا أكون كالعبد الصالح حينما أتم الله عليه نعمته قال: ~~{ توفني مسلما وألحقني بالصالحين } [يوسف: 101]. ~~وقوله: { توفني مسلما.. } [يوسف: 101]. مكونة من شقين: الشق ~~الأول: طلب الموت. والشق الثاني: أن يموت مسلما. وكلنا يتوفى دون ~~أن يطلب، وعلى ذلك يكون الشق الأول غير مطلوب في ذاته لأنه واقع لا ~~محالة، ويصبح المطلوب - إذن - هو الشق الثاني، وهو أن يتوفاه الله مسلما ~~ولذلك حين نأتي إلى القبور نقول: السلام عليكم ديار قوم مؤمنين، أنتم ~~السابقون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. وإن قال سائل: ولماذا نقول ~~إن شاء الله بكم لاحقون، رغم أننا سنموت حتما؟ نقول: إن قولنا " إن ~~شاء الله " سببه هو رغبتنا أن نلحق بهم كمؤمنين. وأيضا قد يسأل سائل: ~~لماذا يقول نبي لربه: { وألحقني بالصالحين } [يوسف: 101]. # وهل هناك صالح ms5125 يأتي إلى هذا العالم دون أن يهتدي بمنهج نبي مرسل؟ نقول: ~~إن كلمة " الصالحين " تضم الأنبياء وغيرهم من الذين آمنوا برسالة السماء. ~~وهكذا انتهت قصة يوسف عليه السلام ولذلك يتجه الحق سبحانه من بعد تلك ~~النهاية إلى المراد من القصة التي جاءت مكتملة في سورة كاملة، غير ~~بقية قصص القرآن التي تتناثر أي منها في لقطات متفرقة بمواقع مختلفة ~~من القرآن الكريم. وذلك باستثناء قصة نوح التي جاءت مكتملة أيضا، لدرجة ~~أن بعض السطحيين قالوا " إن هذا تكرار للقصة في لقطات مختلفة " ودائما ~~أقول ردا على ذلك: إنه تأسيس للقطات إن اجتمعت جاءت القصة كاملة. وشاء ~~الحق سبحانه أن تأتي اللقطات متفرقة لأن كل لقطة إنما جاءت لمناسبة ما، ~~وكل القصص القرآني قد جاء لتثبيت فؤاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأنه خلال عمره الرسالي الذي استمر ثلاثة وعشرين عاما تعرض لأحداث ~~جسام. وكل لحظة كانت تحتاج لتثبيت، فينزل الحق سبحانه ما يثبت به ~~فؤاد رسوله صلى الله عليه وسلم فيوضح له في موقع ما: لا تحزن لأن من ~~سبقك من الرسل حدث معهم كذا. بل قد تجد في الواقعة الواحدة لقطتين، ~~مثلما جاء في العداوة بين موسى وفرعون. قال الحق سبحانه: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا.. # [القصص: 8]. وهنا تكون العداوة من طرف موسى. ويقول في نفس المسألة ~~أيضا: # يأخذه عدو لي وعدو له.. # [طه: 39]. وهنا تكون العداوة من جهتين لأن العداوة تتفاعل حين تكون من ~~جهتين، فلا يمكن أن يستمر عداء من طرف واحد، وتقوم من أجل هذا العداء ~~معركة، لكن حين تكون العداوة من جهتين فهذا يطيل أمد المعركة. والمثل ~~الثاني هو قول الحق سبحانه في نفس قصة موسى وهي لقطة متقدمة حدثت في ~~الأيام الأولى من حياة موسى، وقبل أن تلقيه أمه في اليم فقد مهد ~~الله لها الأمر. يقول الحق سبحانه عن ذلك: # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا ~~تحزني.. # [القصص: 7]. وهذا شحذ لهمتها قبل الحادث، وتنبيه لها من قبل ms5126 أن ~~يقع، ولحظة أن جاء الحادث نفسه أوحى لها الحق سبحانه: # أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم ~~فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو ~~له.. # [طه: 39]. والذين قالوا: إن قصص القرآن جاء مبعثرا، قد نسوا أن قصة ~~نوح جاءت في موقع واحد، وجاءت سورة يوسف محبوكة من أول الرؤيا إلى ~~تولي الملك، وجمع شمل العائلة. ونزلت القصة في سورة واحدة بعد أن ~~سألوا عنها وهم يعلمون أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يجلس إلى ~~معلم، ولم يقرأ في كتاب، وتاريخه معروف بالنسبة لهم، وحين يأتي لهم ~~موضحا أن الحق سبحانه قد أنزل عليه، فكذبوه وادعوا أنه يسمع ~~لقطة من هنا ولقطة من هناك. حين سألوه أن يأتي بقصة يوسف جاء بها كاملة ~~من أولها إلى آخرها. ويقول الحق سبحانه في نهاية القصة: { ذلك من ~~أنبآء الغيب... }. ### || [12.102] # و " ذلك " إشارة إلى هذه القصة، والخطاب موجه إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم أي: أنك يا محمد لم تكن معهم حين قالوا: # ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا.. # [يوسف: 8]. فالحق سبحانه أخبرك بأنباء لم تكن حاضرا لأحداثها، والغيب - ~~كما علمنا من قبل - هو ما غاب عنك، ولم يغب عن غيرك، وهو غيب نسبي ~~وهناك الغيب المطلق، وهو الذي يغيب عنك وعن أمثالك من البشر. والغيب ~~كما نعلم له ثلاثة حواجز: الأول: هو حاجز الزمن الماضي الذي لم تشهده أو ~~حاجز الزمن المستقبل الذي لم يأت بعد. والثاني: هو حاجز المكان. ~~والثالث: هو حاجز الحاضر، بمعنى أن هناك أشياء تحدث في مكان أنت لا توجد ~~فيه، فلا تعرف من أحداثه شيئا. و { نوحيه إليك.. } [يوسف: 102]. ~~أي نعلمك به بطرف خفي، حين اجتمعوا ليتفقوا، إما أن يقتلوا يوسف، ~~أو يلقوه في غيابة الجب. وكشف لك الحق سبحانه حجاب الماضي في أمر لم ~~يعلمه لرسول الله ولم يشهد صلى الله عليه وسلم ما دار بين الإخوة ~~مباشرة، أو سماعا من معلم، ولم يقرأ عنه لأنه صلى الله عليه وسلم ~~أمي لم يتعلم القراءة ms5127 أو الكتابة. وسبحانه يقول عن رسوله صلى الله ~~عليه وسلم: # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون # [العنكبوت: 48]. وهم بشهادتهم يعلمون كل حركة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قبل أن يبعث إقامة وترحالا والتقاء بأي أحد. فلو علموا أنه ~~قرأ كتابا لكانت لهم حجة، وحتى الأمر الذي غابت عنهم فطنتهم فيه ~~وقالوا: # إنما يعلمه بشر.. # [النحل: 103]. فرد عليهم الحق سبحانه: # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. وأبطل الحق سبحانه هذه الحجة، وقد قص الحق سبحانه على ~~رسوله الكثير من أنباء الغيب، وسبق أن قلنا الكثير عن: " ما كنات ~~القرآن " ، مثل قوله تعالى: # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون # [آل عمران: 44]. وقوله الحق: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر وما كنت من الشاهدين # [القصص: 44]. فكأن مصدر علم الرسول بكل ذلك هو من إخبار الله له. وقد ~~استقبل أهل الكهف ما طلبوا أن يعرفوه من قصة يوسف باللدد والجحود - وهم ~~قد طلبوا مطلبهم هذا بتأسيس من اليهود - وهو صلى الله عليه وسلم جاء لهم ~~بقصة يوسف في مكان واحد، ودفعة واحدة، وفي سورة واحدة، لا في لقطات ~~متعددة منثورة كأغلب قصص القرآن. وقد جاء لهم بها كاملة لأنهم لم يطلبوا ~~جزئية منها وإنما سألوه عن القصة بتمامها، وتوقعوا أن يعزف عن ذلك، لكنه ~~لم يعزف، بل جاء لهم بما طلبوه. # وكان يجب أن يلتفتوا إلى أن الله هو الذي أرسله، وهو الذي علمه وهو ~~الذي أنبأه، لكنهم لم يؤمنوا، وعز ذلك على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فأوضح له سبحانه: لا تبتئس ولا تيأس: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. ويقول له سبحانه: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. فأنت يا رسول الله عليك البلاغ فقط، ويذكر الحق ذلك ~~ليسلي رسوله صلى الله عليه وسلم حين رأى لدد الكافرين بعد أن جاء ms5128 لهم ~~بما طلبوه، ثم جحدوه: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # [النمل: 14]. وهم قد جحدوا ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأنهم حرصوا على السلطة الزمنية فقط، وكان من الواجب أن يؤمنوا بما جاءهم ~~به، لكن العناد هو الذي وقف بينهم وبين حقيقة اليقين وحقيقة الإيمان. ~~وأنت لا تستطيع أن تواجه المعاند بحجة أو بمنطق، فهم يريدون أن يظل ~~الضعفاء عبيدا، وأن يكونوا مسيطرين على الخلق بجبروتهم، والدين ~~سيسوي بين الناس جميعا، وهم يكرهون تلك المسألة. ويأتي الحق سبحانه ~~بعد ذلك بقضية كونية، فيقول: { ومآ أكثر الناس... }. ### || [12.103] # فأنت يا محمد لن تجعل كل الناس مؤمنين ولو حرصت على ذلك، وكان صلى الله ~~عليه وسلم شديد الحرص على أن يؤمن قومه، فهو منهم. ويقول فيه الحق ~~سبحانه: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. لكنهم جحدوا ما جاءهم به وقد أحزنه ذلك الأمر. وفي الحرص ~~نجد آية خاصة باليهود هؤلاء الذين دفعوا أهل مكة أن يسألوا الرسول صلى ~~الله عليه وسلم عن قصة يوسف يقول الحق سبحانه: # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة.. # [البقرة: 96]. وكان على أهل مكة أن يؤمنوا ما دام قد ثبت لهم بالبينات ~~أنه رسول من الله. وجاء قول الحق: { ومآ أكثر الناس ولو ~~حرصت بمؤمنين } [يوسف: 103]. جاء ذلك القول تسلية من الحق ~~سبحانه لرسوله، وليؤكد له أن ذلك ليس حال أهل مكة فقط، ولكن هذه هي طبيعة ~~معظم الناس. لماذا؟ لأن أغلبهم لا يحسن قياس ما يعطيه له منهج الله في ~~الدنيا والآخرة، والإنسان حين يقبل على منهج الله، يقيس الإقبال على هذا ~~المنهج بما يعطيه له في الآخرة فلسوف يعلم أنه مهما أعطى لنفسه من ~~متع الدنيا فعمره فيها موقوت بالقدر الذي قدره له الله، ~~والحياة يمكن أن تنتهي عند أية لحظة. والحق سبحانه حين خبأ عن الناس ~~أعمارهم في الدنيا، لم يكن هذا الإخفاء إبهاما كما يظن البعض، وهذا ~~الإبهام هو في حقيقته عين ms5129 البيان، فإشاعة حدوث الموت في أي زمن يجعل ~~الإنسان في حالة ترقب. ولذلك فميتات الفجاءة لها حكمة أن يعرف كل ~~إنسان أن الموت لا سبب له، بل هو سبب في حد ذاته سواء كان الموت في ~~حادثة أو بسبب مرض أو فجأة، فالإنسان يتمتع في الدنيا على حسب عمره ~~المحدد الموقوت عند الله، أما في الآخرة فإنه يتمتع على قدر إمدادات ~~الخالق سبحانه. والإنسان المؤمن يقيس استمتاعه في الآخرة بقدرة الله على ~~العطاء، وبإمكانات الحق لا إمكانات الخلق. وهب أن إنسانا معزولا عن ~~أمر الآخرة، أي: أنه كافر بالآخرة وأخذها على أساس الدنيا فقط، نقول له: ~~انظر إلى ما يطلب منك نهيا وما يطلب منك أمرا، ولا تجعله لذاتك فقط، ~~بل اجعله للمقابل لك من الملايين غيرك. سوف تجد أن نواهي المنهج إن ~~منعتك عن شر تفعله بغيرك فقد منعت الغير أن يفعل بك الشر، في هذا مصلحة ~~لك بالمقاييس المادية التي لا دخل للدين بها. ويجب أن نأخذ هذه المسألة ~~في إطار قضية هي " درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة ". وهب أن ~~إنسانا محبا لك أمسك بتفاحة وأراد أن يقذفها لك، بينما يوجد آخر كاره ~~لك، ويحاول أن يقذفك في نفس اللحظة بحجر، وأطلق الاثنان ما في أيديهما ~~تجاهك، هنا يجب أن ترد الحجر قبل أن تلتقط التفاحة، وهكذا يكون درء ~~المفسدة مقدما على جلب المصلحة. # وعلى الإنسان أن يقيس ذلك في كل أمر من الأمور لأن كثيرا من أدوات ~~الحضارات أو ابتكارات المدنية أو المخترعات العلمية قد تعطينا بعضا من ~~النفع، ولكن يثبت أن لها - من بعد ذلك - الكثير من الضرر. مثال هذا: هو ~~اختراع مادة " د. د. ت " التي قتلت بعض الحشرات، وقتلت معها الكثير من ~~الطيور المفيدة. ولذلك يقول الحق سبحانه: # ولا تقف ما ليس لك به علم.. # [الإسراء: 36]. وعليك أن تدرس أي مخترع قبل استعماله لترى نفعه ~~وضرره قبل أن تستعمله. وقد رأينا من يدخلون الكهرباء إلى بيوتهم، ~~يحاولون أن يرفعوا موقع " فيش " الكهرباء عن ms5130 مستوى تناول الأطفال كي لا ~~يضيع طفل أصابعه في تلك الفتحات فتصعقهم الكهرباء، ووجدنا بعضا من ~~المهندسين قد صمموا أجهزة تفصل الكهرباء آليا إن لمستها يد بشر. ~~وهذا هو درء المفسدة المقدم على جلب المنفعة، وعلينا أن نحتاط ~~لمثل هذه الأمور. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد الحق سبحانه ~~يقول: { ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } [يوسف: ~~103]. وهل قوله: { أكثر الناس.. } [يوسف: 103]. نسبة للذين لا ~~يؤمنون، يعني أن المؤمنين قلة؟ نقول: لا لأن " أكثر " قد يقابله " أقل " ~~، وقد يقابله " الكثير ". ويقول الحق سبحانه: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب.. # [الحج: 18]. وهكذا نجد أن كلمة " كثير " قد يقابلها أيضا كلمة " كثير ~~". وقد أوضح الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لو حرص ما استطاع ~~أن يجعل أكثر الناس مؤمنين، والحرص هو تعلق النفس وتعبئة مجهود ~~للاحتفاظ بشيء نرى أنه يجلب لنا نفعا أو يذهب بضر، وهو استمساك يتطلب ~~جهدا. ولذلك يوضح له الحق سبحانه: أنت لن تهدي من تحرص على هدايته. ~~ويقول سبحانه: # إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من ~~يضل.. # [النحل: 37]. ومن هذه الآية نستفيد أن كل رسول عليه أن يوطن نفسه على أن ~~الناس سيعقدون مقارنات بين البدائل النفعية وسيقعون في أخطاء اختيار غير ~~الملائم لفائدتهم على المدى الطويل فوطن نفسك يا محمد على ذلك. وإذا ~~كنت يا رسول الله قد حملت الرسالة وتسألهم الإيمان لفائدتهم، فأنت تفعل ~~ذلك دون أجر رغم أنهم لو فطنوا إلى الأمر لكان يجب أن يقدروا أجرا لمن ~~يهديهم سواء السبيل، لأن الأجر يعطى لمن يقدم لك منفعة. # والإنسان حريص على أن يدفع الأجر لمن يعينه على منفعة والمنفعة إما أن ~~تكون موقوتة بزمن دنيوي ينتهي، وإما أن تكون منفعة ممتدة إلى ما لا نهاية ~~راحة في الدنيا وسعادة في الآخرة. ويأتي القرآن بقول الرسل: # لا أسألكم عليه أجرا.. # [الأنعام: ms5131 90]. ولم يقل ذلك اثنان هما: إبراهيم عليه السلام، وموسى ~~عليه السلام. وكان العقل يقول: كان يجب على الناس لو أنها تقدر ~~التقدير السليم أن تدفع أجرا للرسول الذي يفسر لهم أحوال الكون، ~~ويطمئنهم على مصيرهم بعد الموت، ويشرح لهم منهج الحق، ويكون لهم أسوة ~~حسنة. ونحن نجد في عالمنا المعاصر أن الأسرة تدفع الكثير للمدرس الخصوصي ~~الذي يلقن الابن مبادىء القراءة والكتابة، فما بالنا بمن يضيء البصر ~~والبصيرة بالهداية؟ ومقتضى الأمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقدم ~~نفعا أبديا لمن يتبعه، لكنه لم يطلب أجرا. ويقول الحق سبحانه: { وما ~~تسألهم عليه من أجر... }. ### || [12.104] # وفي هذا القول الكريم ما يوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسأل قومه ~~أجرا على هدايته لهم لأن أجره على الله وحده. والحق سبحانه هو القائل: # أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون # [الطور: 40]. والحق سبحانه يقول على لسان رسوله في موقع آخر: # قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا ~~على الله.. # [سبأ: 47]. وهو هنا يعلي الأجر، فبدلا من أن يأخذ الأجر من محدود ~~القدرة على الدفع، فهو يطلبها من الذي لا تحد قدرته في إعطاء الأجر ~~فكأن العمل الذي يقوم به لا يمكن أن يجازى عليه إلا من الله لأن العمل ~~الذي يؤديه بمنهج الله ومن الله، فلا يمكن إلا أن يكون الأجر عليه من أحد ~~غير الله. ولذلك يقول سبحانه: { إن هو إلا ذكر للعالمين ~~} [يوسف: 104]. والذكر يطلق إطلاقات متعددة، ومادة " ذال " و " كاف " ~~و " راء " مأخوذة من الذاكرة. وعرفنا من قبل أن الإنسان له آلات استقبال ~~هي الحواس الإنسانية، وتنتقل المعلومات أو الخبرات منها إلى العمليات ~~العقلية، وتمر تلك المعلومات ببؤرة الشعور، لتحفظ لفترة في هذه ~~البؤرة، ثم تنتقل إلى حاشية الشعور، إلى أن تستدعيها الأحداث، فتعود مرة ~~أخرى إلى بؤرة الشعور. ولذلك أنت تقول حين تتذكر معلومة قديمة " لقد ~~تذكرتها " كأن المعلومة كانت موجودة في مكان ما في نفسك لكنها لم تكن ~~في بؤرة الشعور. وحين ms5132 جاءت عملية الاستدعاء، فهي تنتقل من حاشية الشعور ~~إلى بؤرة الشعور. والتذكر هو: استدعاء المعلومة من حاشية الشعور إلى ~~بؤرة الشعور. والحق سبحانه يقول: # وذكرهم بأيام الله.. # [إبراهيم: 5]. أي: ذكرهم بما مر عليهم من أحداث أجراها الله وهي ~~غير موجودة الآن في بؤرة شعورهم. وسمي القرآن ذكرا لأنه يذكر كل ~~مؤمن به بالله الذي تفضل علينا بالمنهج الذي تسير به حياتنا إلى خير ~~الدنيا والآخرة. فالذكر - إذن - يكون للعاقل معونة له، وهو من ضمن رحمة ~~الله بالخلق، فلم يترك الخلق منشغلين بالنعمة عن من أنعمها عليهم، ~~فهذا الكون منظم بدقة بديعة، وفي كل مقومات حياة البشر. ومن فضل ~~الله عليهم أنه أرسل الرسل مذكرين لهم بهذا العطاء الرباني. وكلمة " ~~ذكر " تدل على أن الفطرة في الإنسان كان يجب أن تظل واعية ذاكرة لله، وقد ~~قدر الله غفلة الأحداث، فجعل لهم الذكر كله في القرآن الكريم. ويقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك: { وكأين من آية في السماوات... }. ### || [12.105] # وإذا سمعت " كأين " افهم أن معناها كثير كثير كثير بما يفوق الحصر، ~~ومثل " كأين " كلمة " كم " ، والعد هو مظنة الحصر، والشيء الذي فوق ~~الحصر تنصرف عن عده، ولا أحد يحصر رمال الصحراء مثلا، لكن كلا منا ~~يعد النقود التي يردها لنا البائع، بعد أن يأخذ ثمن ما اشتريناه. ~~إذن: فالانصراف عن العد معناه أن الأمر الذي نريد أن نتوجه لعده ~~فوق الحصر، ولا أحد يعد النجوم أو يحصيها. ولذلك نجد الحق سبحانه ~~ينبهنا إلى هذه القضية، لإسباغ نعمه على خلقه، ويقول: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. # [إبراهيم: 34]. و " إن " هي للأمر المشكوك فيه، وأنتم لن تعدوا نعمة ~~الله لأنها فوق الحصر، والمعدود دائما يكون مكررا، وذكر الحق هنا ~~نعمة واحدة، ولم يحددها لأن أي نعمة تستقبلها من الله لو استقصيتها ~~لوجدت فيها نعما لا تحصر ولا تعد. إذن: فكلمة " كأين " تعني " ~~كم " ، وأنت تقول للولد الذي لم يستذكر دروسه: كم نصحتك؟ وأنت لا تقولها ~~إلا بعد أن يفيض بك الكيل. وتأتي " كم " ويراد ms5133 بها تضخيم العدد، لا منك ~~أنت المتكلم، ولكن ممن توجه إليه الكلام، وكأنك تستأمنه على أنه لن ~~ينطق إلا صدقا، أو كأنك استحضرت النصائح، فوجدتها كثيرة جدا. ~~والسؤال عن الكمية إما أن يلقى من المتكلم، وإما أن يطلب من المخاطب ~~وطلبه من المخاطب دليل على أنه سيقر على نفسه، والإقرار سيد الأدلة. ~~وحين يقول سبحانه: { وكأين } [يوسف: 105]. فمعناها أن ما يأتي بعدها ~~كثير. وسبحان القائل: # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما ~~استكانوا والله يحب الصابرين # [آل عمران: 146]. وهكذا نفهم أن كأين تعني الكثير جدا الذي بلغ من ~~الكثرة مبلغا يبرر لنا العذر أمام الغير إن لم نحصه. والآيات هي ~~جمع " آية " وهي الشيء العجيب، الملفت للنظر ويقال: فلان آية في ~~الذكاء. أي: أن ذكاءه مضرب المثل، كأمر عجيب يفوق ذكاء الآخرين. ويقال: ~~فلان آية في الشجاعة وهكذا. ومعنى الشيء العجيب أنه هو الخارج عن ~~المألوف، ولا ينسى. وقد نثر الحق سبحانه في الكون آيات عجيبة، ولكل ~~منثور في الكون حكمة. وتنقسم معنى الآيات إلى ثلاث: الأول: هو الآيات ~~الكونية التي تحدثنا عنها، وهي عجائب وهي حجة للمتأمل أن يؤمن بالله ~~الذي أوجدها وهي تلفتك إلى أن من خلقها لا بد أن تكون له منتهى ~~الحكمة ومنتهى الدقة، وهذه الآيات تلفتنا إلى صدق توحيد الله والعقيدة ~~فيه. وقد نثر الحق سبحانه هذه الآيات في الكون. # وحينما أعلن الله بواسطة رسله أنه سبحانه الذي خلقها، ولم يقل أحد ~~غيره: " أنا الذي خلقت " فهذه المسألة - مسألة الخلق - تثبت له سبحانه، ~~فهو الخالق وما سواه مخلوق، وهذه الآيات قد خلقت من أجل هدف وغاية. وفي ~~سورة الروم نجد آيات تجمع أغلب آيات الكون فيقول الحق سبحانه: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله ~~الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون ~~* يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ~~الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون * ~~ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذآ أنتم ms5134 ~~بشر تنتشرون * ومن آياته أن خلق لكم من ~~أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم ~~مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون * ومن آياته خلق السماوات والأرض ~~واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات ~~للعالمين * ومن آياته منامكم باليل والنهار ~~وابتغآؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم ~~يسمعون * ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا ~~وينزل من السمآء مآء فيحيي به الأرض بعد ~~موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون * ومن ~~آياته أن تقوم السمآء والأرض بأمره ثم إذا ~~دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم تخرجون # [الروم: 17-25]. كل هذه آيات تنبه الإنسان الموجود في الكون أنه يتمتع ~~فيه طبقا لنواميس عليا فيها سر بقاء حياته فيجب أن ينتبه إلى من ~~أوجدها. وبعد أن ينتبه إلى وجود واحد أعلى كان عليه أن يسأل: ماذا يريد ~~منه هذا الخالق الأعلى؟ هذه الآيات تفرض علينا عقليا أن يوجد من ~~يبلغنا مطلوب الواجد الأعلى، وحينما يأتي رسول يقول لنا: إن من تبحثون ~~عنه اسمه الله وهو قد بعثني لأبلغكم بمطلوبه منكم أن تعبدوه فتتبعوا ~~أوامره وتتجنبوا نواهيه. والنوع الثاني من الآيات هي آيات إعجازية، ~~والمراد منها تثبيت دعوة الرسل، فكان ولا بد أن يأتي كل رسول ومعه آية ~~لتثبت صدق بلاغه عن الله لأن كل رسول هو من البشر، ولا بد له من آية ~~تخرق النواميس، وهي المعجزات التي جاءت مع الرسل. وهناك آيات حكمية، ~~وهي النوع الثالث، وهي الفواصل التي تحمل جملا، فيها أحكام القرآن ~~الكريم وهو المنهج الخاتم. وهي آيات عجيبة أيضا لأنك لا تجد حكما من ~~أحكام الدين إلا ويمس منطقيا حاجة من حاجات النفس الإنسانية، والبشر ~~وإن كفروا سيضطرون إلى كثير من القضايا التي كانوا ينكرونها، ولكن لا ~~حل للمشكلات التي يواجهونها، ولا تحل إلا بها. والمثل الواضح هو ~~الطلاق، وهم قد عابوا مجيء الإسلام به وقالوا: إن مثل هذا الحل للعلاقة ~~بين الرجل والمرأة قد يحمل الكثير من القسوة على الأسرة، لكنهم لجأوا ~~إليه بعد أن عضتهم أحداث ms5135 الحياة، وهكذا اهتدى العقل البشري إلى حكم كان ~~يناقضه. # وكذلك أمر الربا الذي يحاولون الآن وضع نظام ليتحللوا من الربا كله، ~~ويقولون: لا شيء يمنع العقل البشري من التوصل إلى ما يفيد. وهكذا نجد ~~الآيات الكونية هي عجائب بكل المقاييس، والآيات المصاحبة للرسل هي معجزات ~~خرقت النواميس، وآيات القرآن بما فيها من أحكام تقي الإنسان من ~~الداء قبل أن يقع، وتجبرهم معضلات الحياة أن يعودوا إلى أحكام القرآن ~~ليأخذوا بها. وهم يعرضون عن كل الآيات، يعرضون عن آيات الكون التي إن ~~دققوا فيها لثبت لهم وجود إله خالق ولأخذوا عطاء من عطاءات الله ~~ليسري تربية وتنمية، وكل الاكتشافات الحديثة إنما جاءت نتيجة لملاحظات ~~ظاهرة ما في الكون. وسبق أن ضربت المثل بالرجل الذي جلس ليطهو في قدر ~~ثم رأى غطاء القدر يعلو ففكر وتساءل: لماذا يعلو غطاء القدر؟ ولم ~~يعرض الرجل عن تأمل ذلك، واستنباط حقيقة تحول الماء إلى بخار ~~واستطاع عن طريق ذلك أن يكتشف أن الماء حين يتبخر يتمدد ويحتاج إلى ~~حيز اكبر من الحيز الذي كان فيه قبل التمدد. وكان هذا التأمل ~~وراء اكتشاف طاقة البخار التي عملت بها البواخر والقطارات، وبدأ عصر ~~سمى " عصر البخار ". وهذا الذي رأى طفو طبق على سطح الماء وتأمل ~~تلك الظاهرة، ووضع قاعدة باسمه، وهي " قاعدة أرشميدس ". وهكذا نجد أن أي ~~إنسان يتأمل الكون بدقة سيجد في ظواهره ما يفيد في الدنيا كما استفاد ~~العالم من تأملات أرشميدس وغيره ممن قدموا تأملاتهم كملاحظات، ~~تتبعها العلماء ليصلوا إلى اختراعات تفيد البشرية. وهكذا نرى أن الحق ~~سبحانه لا يضن على الكافر بما يفيد العالم ما دام يتأمل ظواهر الكون، ~~ويستنبط منها ما يفيد البشرية. إذن فقوله تعالى: { وكأين من آية ~~في السماوات والأرض يمرون عليها.. } [يوسف: 105]. إن ~~أردتها وسيلة للإيمان بإله فهي تقودك إلى الإيمان وإن أردتها لفائدة ~~الدنيا فالحق لم يبخل على كافر بأن يعطيه نتيجة ما يبذل من جهد. فكل ~~المطلوب ألا تمر على آيات الله وأنت معرض عنها بل على ms5136 الإنسان أن ~~يقبل إقبال الدارس، إما لتنتهي إلى قضية إيمانية تثري حياتك وتعطيك ~~حياة لا نهاية لها، وهي حياة الآخرة، أو تسعد حياتك وحياة غيرك، بأن ~~تبتكر أشياء تفيدك، وتفيد البشرية. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وما ~~يؤمن أكثرهم بالله... }. ### || [12.106] # وهكذا نرى المصافي التي يمر بها البشر ليصلوا إلى الإيمان. المصفى ~~الأول: قوله تعالى: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103]. أي: أن الكثير من الناس لن يصلوا إلى الإيمان، حتى ولو ~~حرص الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكونوا مؤمنين. وقلنا: إن مقابل " كثير ~~" قد يكون " قليل " ، وقد يكون " كثير " ، وبعض المؤمنين قد يشوب إيمانهم ~~شبهة من الشرك، صحيح أنهم مؤمنون بالإله الواحد، ولكن إيمانهم ليس ~~يقينيا، بل إيمان متذبذب، ويشركون به غيره. والمصفى الثاني: قوله ~~تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون } [يوسف: 106]. ومثال هذا: كفار قريش الذين قال فيهم الحق ~~سبحانه: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # [الزخرف: 87]. ويقول فيهم أيضا: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله.. # [لقمان: 25]. ورغم قولهم هذا إلا أنهم جعلوا شفعاء لهم عند الله، ~~وقالوا: إن الملائكة بنات الله، وهكذا جعلوا لله شركاء. ومعهم كل من ~~ادعى أن لله ابنا من أهل الكتاب. وأيضا مع هؤلاء يوجد بعض من المسلمين ~~الذي يخصون قوما أقوياء بالخضوع لهم خضوعا لا يمكن أن يسمى في ~~العرف مودة لأنه تقرب ممتلئ بالذلة لأنهم يعتقدون أن لهم تأثيرا في ~~النفع والضر وفي هذا لون من الشرك. ويأتي الواحد من هؤلاء ليقول لمن ~~يتقرب منه: أرجو أن تقضي لي الأمر الفلاني. ويرد صاحب النفوذ: اعتمد على ~~الله، وإن شاء الله سيقضي الله لك حاجتك. لكن صاحب الطلب يتمادى في ~~الذلة، ليقول: وأنا اعتمد عليك أيضا، لتقضي لي هذه الحاجة. أو يرد ~~صاحب النفوذ ويقول: أنا سوف افعل لك الشيء الفلاني والباقي على الله. ~~وحين أسمع ذلك فأنا أتساءل: وماذا عن الذي ليس باقيا، أليس على الله ~~أيضا؟ وينثر الله حكما في أشياء تمناها أصحابها فقضيت ms5137 ثم تبين ~~أن فيها شرا، وهناك أشياء تمناها أصحابها فلم تقض ثم تبين أن عدم ~~قضائها كان فيه الخير كل الخير. نجد الأثر يقول: # واطلبوا الأشياء بعزة الأنفس # فإن الأمور تجري بمقادير # وربما منعك هذا فكرهته، وكان المنع لك خيرا من قضائه لك، فإن المنع ~~عين العطاء، ولذلك فعلى الإنسان أن يعرف دائما أن الله هو الفاعل، وهو ~~المسبب، وأن السبب شيء آخر. ودائما أذكر بأننا حين نحج أو نعتمر ~~نسعى بين الصفا والمروة لنتذكر ما فعلته سيدتنا هاجر التي سعت بين ~~الصفا والمروة لتطلب الماء لوليدها بعد استنفدت أسبابها ثم وجدت الماء ~~تحت رجل وليدها إسماعيل. فقد أخذت هي بالأسباب، فجاء لها رب ~~الأسباب بما سألت عنه. ولم يأت لها الحق سبحانه بالماء في جهة الصفا ~~أو المروة ليثبت لها القضية الأولى التي سألت عنها إبراهيم عليه السلام ~~حين أنزلها في هذا المكان. # فقد قالت له: ءأنزلتنا هنا برأيك؟ أم أن الله أمرك بهذا؟ قال: نعم أمرني ~~ربي. قالت: إذن لا يضيعنا. وقد سعت هي بحثا عن الماء أخذا ~~بالأسباب، وعثرت على الماء بقدرة المسبب الأعلى. وقول الحق سبحانه: { ~~وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } ~~[يوسف: 106]. يتطلب منا أن نعرف كيف يتسرب الشرك إلى الإيمان، ولنا أن ~~نتساءل: ما دام يوجد الإيمان فمن أين تأتي لحظة الشرك؟ ويشرح الحق سبحانه ~~لنا ذلك حين يقول: # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون * ~~ليكفروا بمآ آتيناهم وليتمتعوا فسوف ~~يعلمون # [العنكبوت: 65-66]. هم إذن قد آمنوا وهم في الفلك، وأخذوا يدعون الله ~~حين واجهتهم أزمة في البحر لكنهم ما أن وصلوا إلى الشاطئ حتى ظهر بينهم ~~الشرك. حين يسألهم السائل: ماذا حدث؟ فيجيبون: أنهم كانوا قد أخذوا ~~حذرهم، واستعدوا بقوارب النجاة. ونسوا أن الله هو الذي أنقذهم فانطبق ~~عليهم قول الحق سبحانه: # وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل ~~تمتعوا فإن مصيركم إلى النار # [إبراهيم: 30]. وفي حياتنا اليومية قد تذهب لتقضي حاجة ms5138 لإنسان وبعد أن ~~يسهل لك الله قضاء تلك الحاجة تلتفت فلا تجده، ولا يفكر في أن ~~يوجه لك كلمة الشكر. وحين تلقاه يقول لك: كل ما طلبته منك وجدته ~~مقضيا، لقد كلمت فلانا فقضاها. وهو يقول لك ذلك ليبعد عنك ما ~~أسبغه الله عليك من فضل قضائك لحاجته وذلك لأنه لحظة أن طلب منك مساعدته ~~في قضاء تلك الحاجة تذلل وخضع، وبعد أن تنقضي يتصرف كفرعون ويتناسى. ~~ولا ينزعه من فرعنته إلا رؤياك لأنه يعلم أنك صاحب جميل عليه، بل قد يريد ~~بك الشر رغم أنك أنت من أحسنت إليه، لماذا؟ لأن هذه هي طبيعة الإنسان. ~~يقول تعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. ولذلك يقال في المثل: " اتق شر من أحسنت إليه ". ~~وأنت تتقي شره، بأن تحذر أن تمن عليه بالإحسان كي لا تنمي فيه غريزة ~~الكره لك. والناصح يحتسب أي مساعدة منه لغيره عند الله فيأخذ جزاءه من ~~خالقه لحظة أداء فعل الخير، ولا ينتظر شيئا ممن فعل الخير له لأنك لا ~~تعلم ماذا فكر لحظة أن أديت له الخدمة، فحين يجد ترحيب الناس بك ~~في الجهة التي تؤدي له الخدمة فيها قد يتساءل: لماذا يحترمونك أكثر ~~منه؟ وهو يسأل هذا السؤال لنفسه على الرغم من أنك متواجد معه في هذا ~~المكان لتخدمه. ولذلك يقول العامة هذا المثل: " اعمل الخير وارمه في ~~البحر " لأن الله هو الذي يجازيك وليس البشر فاجعل كل عملك موجها ~~لله، وانس أنك فعلت معروفا لأحد. # والمعروف المنكور هو أجدى أنواع المعروف عليك لأن الذي يجازي عليه ~~هو الله وهو سبحانه من سيناولك أجره وثوابه بيده ولذلك عليك أن تنسى ~~من أحسنت إليه كي يعوضك الله بالخير على ما فعلت. ويقال في الأثر: ~~إن موسى عليه السلام قال: يا رب، إني أسألك ألا يقال في ما ليس في. ~~فأوضح له الله: يا موسى لم أصنعها لنفسي فكيف أصنعها لك. ويعرض الحق ~~سبحانه هذه المسألة في القرآن بشكل آخر فيقول سبحانه: # وإذا ms5139 مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم ~~إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه ~~من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل ~~تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار # [الزمر: 8]. والإنسان لحظة أن يمسه الضر فهو يدعو الربوبية ~~المتكفلة بمصالحه: يا رب أنت الذي خلقتني، وأنت المتكفل بتربيتي ~~وأنا أتوكل عليك في مصالحي، فأنقذني مما أنا فيه. ومثل هذا الإنسان ~~كمثل الربان الذي ينقذه الله بأعجوبة من العاصفة لكنه بعد النجاة يحاول ~~أن ينسب نجاة السفينة من الغرق لنفسه. ولذلك أقول دائما: احذروا أيها ~~المؤمنون أن تنسوا المنعم المسبب في كل شيء، وإياكم أن تفتنوا ~~بالأسباب فتغفلوا عن المسبب وهو سبحانه معطي الأسباب. وأقول ذلك حتى ~~لا تقعوا في ظلم أنفسكم بالشرك بالله فسبحانه القائل: # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون # [الأنعام: 82]. والظلم - كما نعلم - هو أن تعطي الحق لغير صاحبه فكيف ~~يجرؤ أحد على أن يتجاهل فضل الله عليه؟ فيقع في الشرك الخفي، والظلم ~~الأكبر هو الشرك. وسبحانه القائل: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { أفأمنوا أن ~~تأتيهم غاشية... }. ### || [12.107] # ألم يحسب هؤلاء حساب انتقام الله منهم بعذاب الدنيا الذي يعم لأن ~~الغاشية هي العقاب الذي يعم ويغطي الجميع أم أنهم استبطئوا الموت، ~~واستبطئوا القيامة وعذابها رغم أن الموت معلق على رقاب الجميع، ولا ~~أحد يعلم ميعاد موته. فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: # " من مات قامت قيامته ". # فما الذي يبطئهم عن الإيمان بالله والإخلاص التوحيدي لله، بدون أن ~~يمسهم شرك قبل أن تقوم قيامتهم بغتة أي: بدون جرس تمهيدي. ونعلم أن ~~من سبقونا إلى الموت لا يطول عليهم الإحساس بالزمن إلى أن تقوم قيامة ~~كل الخلق لأن الزمن لا يطول إلا على متتبع أحداثه. والنائم مثلا ~~لا يعرف كم ساعة قد نام لأن وعيه مفقود فلا يعرف الزمن، والذي يوضح ~~لنا أن الذين سبقونا لا يشعرون بمرور الزمن هو قوله الحق: # كأنهم يوم يرونها لم ms5140 يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46]. ويأتي قول الحق سبحانه من بعد ذلك: { قل هذه ~~سبيلي أدعو... }. ### || [12.108] # أي: قل يا محمد هذا هو منهجي. والسبيل كما نعلم هو الطريق، وقوله ~~الحق: { هذه سبيلي.. } [يوسف: 108]. يدل على أن كلمة السبيل ~~تأتي مرة مؤنثة، كما في هذه الآية، وتأتي مرة مذكرة كما في قوله ~~الحق: # وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن ~~يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا.. # [الأعراف: 146]. وأعلن يا محمد أن هذه الدعوة التي جئت بها هي ~~للإيمان بالله الواحد وسبحانه لا ينتفع بالمنهج الذي نزل عليك ليطبقه ~~العباد، بل فيه صلاح حياتهم، وسبحانه هو الله فهو الأول قبل كل شيء بلا ~~بداية، والباقي بعد كل موجود بلا نهاية ومع خلق الخلق الذين آمنوا هو ~~الله وإن كفروا جميعا هو الله، والمسألة التكليفية بالمنهج عائدة إليكم ~~أنتم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. ولنقرأ قوله الحق: # إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 1-2]. فهي تنشق فور سماعها لأمر الله، وتأتي لحظة ~~الحساب. وقوله الحق: { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله ~~على بصيرة.. } [يوسف: 108]. أي: أدعو بالطريق الموصل إلى الله ~~إيمانا به وتقبلا لمنهجه، وطلبا لما عنده من جزاء الآخرة وأنا على ~~بصيرة مما أدعو إليه. والبصر - كما نعلم - للمحسات، والبصيرة ~~للمعنويات. والبصر الحسي لا يؤدي نفس عمل البصيرة لأن البصيرة هي ~~يقين مصحوب بنور يقنع النفس البشرية، وإن لم تكن الأمور الظاهرة ~~ملجئة إلى الإقناع. ومثال هذا: أم موسى حين أوحى الله لها أن تقذف ابنها ~~في اليم، ولو قاست هي هذا الأمر بعقلها لما قبلته، لكنها ~~بالبصيرة قبلته لأنه وارد من الله لا معاند له من النفس البشرية. ~~فالبصيرة إذن: هي يقين ونور مبني على برهان من القلب فيطيعه العبد طاعة ~~بتفويض، ويقال: إن الإيمان طاعة بصيرة. ويمكن أن نقرأ قوله الحق: { قل ~~هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة.. } [يوسف: ~~108]. وهنا جملة كاملة ونقرأ بعدها: { أنا ومن اتبعني.. } ~~[يوسف: 108]. أو نقرأها كاملة: { قل هذه سبيلي أدعو ms5141 إلى ~~الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله ~~ومآ أنا من المشركين } [يوسف: 108]. وقول الحق: { ~~وسبحان الله.. } [يوسف: 108]. أي: أنه سبحانه منزه تنزيها ~~مطلقا في الذات، فلا ذات تشبهه فذاته ليست محصورة في القالب المادي ~~مثلك، والمنفوخة فيه الروح، وسبحانه منزه تنزيها مطلقا في ~~الأفعال، فلا فعل يشبه فعله وكذلك صفاته ليست كصفات البشر، فحين تعلم ~~أن الله يسمع ويرى، فخذ ذلك في نطاق: # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. وكذلك وجوده سبحانه ليس كوجودك لأن وجوده وجود واجد ~~أزلي، وأنت حدث طارئ على الكون الذي خلقه سبحانه. ولذلك قاس بعض ~~الناس رحلة الإسراء والمعراج على قدرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ~~ينتبهوا إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لقد أسري بي ". # ونزل قول الحق سبحانه: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ~~لنريه من آياتنآ إنه هو السميع البصير # [الإسراء: 1]. وهكذا تعلم أن الفعل لم يكن بقوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ولكن بقوة من خلق الكون كله، القادر على كل شيء، والذي لا يمكن لمؤمن ~~حق أن يشرك به، أمام هذا البرهان. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ~~ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا... }. ### || [12.109] # وينتقل الحق سبحانه هنا إلى الرسل الذين سبقوا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم فالحق سبحانه يقول: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. أي: أنهم كانوا يطلبون رسولا من غير البشر، وتلك مسألة ~~لم تحدث من قبل، ولو كانت قد حدثت من قبل لقالوا: " ولماذا فعلها الله ~~مع غيرنا؟ ". ولذلك أراد سبحانه أن يرد لهم عقولهم فقال تعالى: # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. والملائكة بطبيعتها لا تستطيع أن تحيا على الأرض، كما ~~أنها لا تصلح لأن تكون قدوة أو أسوة سلوكية للبشر. فالحق سبحانه ~~يقول عن الملائكة: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ms5142 ما يؤمرون # [التحريم: 6]. والملاك لا يصلح أن يكون أسوة للإنسان لأن الملك ~~مخلوق غيبي غير محس من البشر ولو أراده الله رسولا لجسده بشرا ~~ولو جعله بشرا لبقيت الشبهة قائمة كما هي. أو: أن الآية جاءت ~~لتسد على الناس ذرائع انفتحت بعد ذلك على الناس في حروب الردة حين ~~ادعت سجاح أنها نبية مرسلة. لذلك جاء الحق سبحانه من البداية ~~بالقول: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي ~~إليهم من أهل القرى.. } [يوسف: 109]. ليوضح لنا أن المرأة ~~لا تكون رسولا منه سبحانه لأن مهمة الرسول أن يلتحم بالعالم التحام ~~بلاغ، والمرأة مطلوب منها أن تكون سكنا. كما أن الرسول يفترض فيه ~~ألا يسقط عنه تكليف تعبدي في أي وقت من الأوقات والمرأة يسقط عنها ~~التكليف التعبدي أثناء الطمث، ومهمة الرسول تقتضي أن يكون مستوفي ~~الأداء التكليفي في أي وقت. ثم كيف يطلبون ذلك ولم تأت في مهام ~~الرسل من قبل ذلك إلا رجالا، ولم يسأل الحق أيا منهم، ولم يستأذن من ~~أي واحد من الرسل السابقين ليتولى مهمته بل تلقى التكليف من الله دون ~~اختيار منه، ويتلقى ما يؤمر أن يبلغه للناس، ويكون الأمر بواسطة ~~الوحي. والوحي كما نعلم إعلام بخفاء، ولا ينصرف على إطلاقه إلا للبلاغ عن ~~الله. ولم يوجد رسول مفوض ليبلغ ما يحب أو يشرع لكن كل رسول ~~مكلف بأن ينقل ما يبلغ به، إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ~~فوضه الحق سبحانه في أن يشرع، ونزل في القرآن: # مآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. ويقول الحق سبحانه عن هؤلاء الرسل السابقين أنهم: { من ~~أهل القرى.. } [يوسف: 109]. والقرية كانت تأخذ نفس مكانة المدينة ~~في عالمنا المعاصر. وأنت حين تزور أهل المدينة تجد عندهم الخير عكس أهل ~~البادية، فالبدوي من هؤلاء قد لا يجد ما يقدمه لك، فقد يكون ضرع ~~الماشية قد جف أو لا يجد ما يذبحه لك من الأغنام. # والفارق بين أهل القرية وأهل البادية أن أهل القرية لهم توطن ويملكون ~~قدرة ms5143 التعايش مع الغير، وترتبط مصالحهم ببعضهم البعض، وترق حاشية كل ~~منهم للآخر، وتتسع مداركهم بمعارف متعددة، وليس فيهم غلظة أهل البادية. ~~فالبدوي من هؤلاء لا يملك إلا الرحل على ظهر جمله ويطلب مساقط ~~المياه، وأماكن الكلأ لما يرعاه من أغنام. وهكذا تكون في أهل القرى ~~رقة وعلم وأدب تناول وتعامل ولذلك لم يأت رسول من البدو كي لا ~~تكون معلوماته قاصرة، ويكون جافا، به غلظة قول وسلوك. والرسول ~~يفترض فيه أن يستقبل كل من يلتقي به بالرفق واللين وحسن ~~المعاشرة لذلك يكون من أهل القرى غالبا لأنهم ليسوا قساة وليسوا على ~~جهل بأمور التعايش الاجتماعي. ويتابع الحق سبحانه: { أفلم يسيروا ~~في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم.. } [يوسف: 109]. أي: أنهم إن كانوا غير مؤمنين بآخرة يعودون ~~إليها ولا يعلمون متى يعودون فليأخذوا الدنيا مقياسا ولينظروا في ~~رقعة الأرض وينظروا ماذا حدث للمكذبين بالرسل، إنهم سيجدون أن ~~الهلاك والعذاب قد حاقا بكل مكذب. ولو أنهم ساروا في الأرض ونظروا ~~نظرة اعتبار، لرأوا قرى من نحتوا بيوتهم في الجبال وقد عصف بها الحق ~~سبحانه، ولرأوا أن الحق قد صب سوط العذاب على قوم عاد وآل فرعون، ~~فإن لم تخف من الآخرة فعليك بالخوف من عذاب الدنيا. وقول الحق سبحانه: ~~{ أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم.. } [يوسف: 109]. وهذا القول هو من لفتات ~~الكونيات في القرآن، فقديما كنا لا نعرف أن هناك غلافا جويا يحيط ~~بالأرض، ولم نكن نعرف أن هذا الغلاف الجوي به الأكسوجين الذي نحتاجه ~~للتنفس. ولم نكن نعرف أن هذا الغلاف الجوي من ضمن تمام الأرض، وأنك ~~حين تسير على اليابسة، فالغلاف الجوي يكون فوقك وبذلك فأنت تسير في الأرض ~~لأن ما فوقك من غلاف جوي هو من ملحقات الأرض. والسير في الأرض هو ~~للسياحة فيها، والسياحة في الأرض نوعان: سياحة اعتبار، وسياحة استثمار. ~~ويعبر الحق سبحانه عن سياحة الاعتبار بقوله: # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم.. # [الروم: 9]. ويعبر ms5144 سبحانه عن سياحة الاستثمار بقوله: # قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم ~~الله ينشىء النشأة الآخرة.. # [العنكبوت: 20]. إذن: فسياحة الاعتبار هي التي تلفتك لقدرة الله ~~سبحانه، وسياحة الاستثمار هي من عمارة الأرض، يقول الحق سبحانه: # ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما ~~كثيرا وسعة.. # [النساء: 100]. وأنت مكلف بهذه المهمة، بل إن ضاق عليك مكان في الأرض ~~فابحث عن مكان آخر، بحسب قول الحق سبحانه: # ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها.. # [النساء: 97]. ولك أن تستثمر كما تريد، شرط ألا يلهيك الاستثمار عن ~~الاعتبار. ويتابع الحق سبحانه: { كيف كان عاقبة الذين من ~~قبلهم.. } [يوسف: 109]. ويا ليت الأمر قد اقتصر على النكال الذي ~~حدث لهم في الدنيا بل هناك نكال أشد وطأة في انتظارهم في الآخرة. ~~يقول الحق سبحانه: { ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ~~أفلا تعقلون } [يوسف: 109]. وحديث الحق سبحانه عن مصير الذين ~~كذبوا يظهر لنا كمقابل لما ينتظر المؤمنين، ولم تذكر الآية مصير ~~هؤلاء المكذبين بالتعبير المباشر، ويسمون ذلك في اللغة بالاحتباك. ~~مثل ذلك قوله الحق: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها.. # [الرعد: 41]. وكل يوم تنقص أرض الكفر، وتزيد رقعة الإيمان. وهكذا يأتي ~~العقاب من جانب الله، ونأخذ المقابل له في الدنيا ومرة يأتي بالثواب ~~المقيم للمؤمنين، ونأخذ المقابل في الآخرة. ولقائل أن يقول: ولماذا لم ~~يقل الحق سبحانه أنه سوف يأتي لهم بما هو أشد شرا من عذاب الدنيا في ~~اليوم الآخر؟ وأقول: إن السياق العقلي السطحي الذي ليس من الله هو الذي ~~يمكن أن يذكرهم بأن عذاب الآخرة هو أشد شرا من عذاب الدنيا. ولكن ~~الحق سبحانه لا يقول ذلك بل عدل عن هذا إلى المقابل في المؤمنين فقال: { ~~ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون } ~~[يوسف: 109]. فإذا جاء في الدنيا بالعذاب للكافرين ثم جاء في الآخرة ~~بالثواب للمتقين أخذ من هذا المقابل أن غير المؤمنين سيكون لهم حساب ~~عسير، وقد حذف من هنا ما يدل عليه هناك كي نعرف كيف يحبك النظم ms5145 ~~القرآني. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { حتى إذا استيأس ~~الرسل... }. ### || [12.110] # وكلمة: { حتى } [يوسف: 110]. تدل على أن هناك غاية، وما دامت هناك ~~غاية فلا بد أن بداية ما قد سبقتها، ونقول: " أكلت السمكة حتى رأسها ~~". أي: أن البداية كانت أكل السمكة، والنهاية هي رأسها. والبداية التي ~~تسبق: { استيأس الرسل... } [يوسف: 110]. هي قوله الحق: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم.. # [يوسف: 109]. وما دام الحق سبحانه قد أرسلهم فهم قد ضمنوا النصر، ~~ولكن النصر أبطأ فاستيأس الرسل، وكان هذا الإبطاء مقصودا من الحق سبحانه ~~لأنه يريد أن يحمل المؤمنين مهمة هداية حركة الحياة في الأرض إلى أن ~~تقوم الساعة، فيجب ألا يضطلع بها إلا المختبر اختبارا دقيقا. ولا ~~بد أن يمر الرسول - الأسوة لمن معه - ومن يتبعه من بعده بمحن ~~كثيرة، ومن صبر على المحن وخرج منها ناجحا فهو أهل لأن يحمل ~~المهمة. وهو الحق سبحانه القائل: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء ~~والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ~~آمنوا معه متى نصر الله.. # [البقرة: 214]. إذن: لا بد من اختبار يمحص. ونحن في حركة حياتنا ~~نؤهل التلميذ دراسيا ليتقدم إلى شهادة إتمام الدراسة الابتدائية، ثم ~~نؤهله لنيل شهادة إتمام الدراسة الإعدادية ثم نؤهله لنيل شهادة ~~إتمام الدراسة الثانوية، ثم يلتحق بالجامعة، ويتم اختباره سنويا إلى أن ~~يتخرج من الجامعة. وإن أراد استكمال دراسته لنيل الماجستير والدكتوراه، ~~فهو يبذل المزيد من الجهد. وكل تلك الرحلة من أجل أن يذهب لتولي ~~مسئولية العمل الذي يسند إليه وهو جدير بها، فما بالنا بعملية بعث ~~رسول إلى قوم ما؟ لا بد إذن من تمحيصه هو ومن يتبعونه، وكي لا يبقى ~~على العهد إلا الموقن تمام اليقين بأن ما يفوته من خير الدنيا سيجد ~~خيرا أفضل منه عند الله في الآخرة. ولقائل أن يقول: وهل من المعقول أن ~~يستيئس الرسل؟ نقول: فلنفهم أولا معنى " استيأس " وهناك فرق بين " يأس ~~" و " استيأس " ، ف " يأس " تعني قطع الأمل من ms5146 شيء. و " استيأس " تعني: ~~أنه يلح على قطع الأمل. أي: أن الأمل لم ينقطع بعد. ومن قطع الأمل ~~هو من ليس له منفذ إلى الرجاء، ولا ينقطع أمل إنسان إلا إن كان مؤمنا ~~بأسبابه المعزولة عن مسببه الأعلى. لكن إذا كان الله قد أعطى له ~~الأسباب، ثم انتهت الأسباب، ولم تصل به إلى نتيجة، فالمؤمن بالله هو ~~من يقول: أنا لا تهمني الأسباب لأن معي المسبب. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه: # ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من ~~روح الله إلا القوم الكافرون # [يوسف: 87]. ولذلك نجد أن أعلى نسبة انتحار إنما توجد بين الملاحدة ~~الكافرين لأنهم لا يملكون رصيدا إيمانيا، يجعلهم يؤمنون أن لهم ربا ~~فوق كل الأسباب وقادر على أن يخرق النواميس. أما المؤمن فهو يأوي إلى ~~ركن شديد، هو قدرة الحق سبحانه مسبب كل الأسباب، والقادر على أن ~~يخرق الأسباب. ولماذا يستيئس الرسل؟ لأن حرصهم على تعجل النصر دفع ~~البعض منهم أن يسأل مثلما سأل المؤمنون: # متى نصر الله.. # [البقرة: 214]. فضلا عن ظنهم أنهم كذبوا، والحق سبحانه يقول هنا: ~~{ وظنوا أنهم قد كذبوا.. } [يوسف: 110]. ومادة " الكاف ~~" ، و " الذال " و " الباء " منها " كذب " ، و " كذب عليه " و " ~~كذب ". والكذب هو القول المخالف للواقع، والعاقل هو من يورد كلامه ~~على ذهنه قبل أن ينطق به. أما فاقد الرشد الذي لا يمتلك القدرة على ~~التدبر فينطق الكلام على عواهنه ولا يمرر الكلام على ذهنه ولذلك يقال ~~عنه " مخرف ". وقد سبق لنا أن شرحنا الصدق، وقلنا: إنه تطابق النسبة ~~الكلامية مع الواقع، والكذب هو ألا تتطابق النسبة الكلامية مع الواقع. ~~ومن يقول كلاما يعلم أنه لا يطابق الواقع يقال عنه: إنه متعمد ~~الكذب، ومن يقول كلاما بغالبية الظن أنه لا يطابق الواقع، ونقله عن ~~غيره فهو يكذب دون أن يحسب كذبه افتراء، والإنسان الذي يتوخى ~~الدقة ينقل الكلام منسوبا إلى من قاله له فيقول " أخبرني فلان " فلا ~~يعد كاذبا. ولذلك أقول دائما: يجب أن يفرق العلماء بين كذب ~~المفتين، وكذب الخبر ms5147 وكذب المخبر. فالخبر الكاذب مسئول عنه من ~~تعمد الكذب، أما الناقل للخبر ما دام قد نسبه إلى من قاله، فموقفه ~~مختلف. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد لها قراءتين قراءة هي: ~~" وظنوا أنهم قد كذبوا " أي: حدثهم غيرهم كذبا وقراءة ثانية هي: " ~~وظنوا أنهم قد كذبوا " وهي تعني: أنهم قد ظنوا أن ما قيل لهم من ~~كلام عن النصر هو كذب. ولقائل أن يسأل: كيف يظن الرسل ذلك؟ وأقول: إن ~~الرسول حين يطلب من قومه الإيمان يعلم أن ما يؤكد صدق رسالته هو مجيء ~~النصر وتمر عليه بعض من الخواطر خوفا أن يقول المقاتلون الذين معه: " ~~لقد كذب علينا " لأن الظن إخبار بالراجح. ولا يخطر على بال الرسل أن الله ~~سبحانه وتعالى - معاذ الله - قد كذبهم وعده، ولكنهم ظنوا أن النصر ~~سيأتيهم بسرعة وأخذوا بطء مجيء النصر دليلا على أن النصر لن يأتي. أو: ~~أنهم خافوا أن يكذبهم الغير. ولذلك نجد الحق سبحانه يعلم رسله أن ~~النصر سيأتي في الموعد الذي يحدده سبحانه، ولا يعرفه أحد، فسبحانه لا ~~يعجل بعجلة العبادة حتى تبلغ الأمور ما أراد. # ويقول سبحانه: { وظنوا أنهم قد كذبوا جآءهم ~~نصرنا.. } [يوسف: 110]. وهكذا يأتي النصر بعد الزلزلة الشديدة فيكون ~~وقعه كوقع الماء على ذي الغلة الصادي، ولنا أن نتخيل شوق ~~العطشان لكوب الماء. وأيضا فإن إبطاء النصر يعطي غرورا للكافرين يجعلهم ~~يتمادون في الغرور، وحين يأتي النصر تتضاعف فرحة المؤمنين بالرسول، ~~وأيضا يتضاعف غم الكافرين به. ومجيء النصر للمؤمنين يقتضي وقوع هزيمة ~~للكافرين لأن تلك هي مشيئة الله الذي يقع بأسه وعذابه على الكافرين به. ~~ويقول سبحانه من بعد ذلك: { لقد كان في قصصهم عبرة ~~لأولي الألباب... }. ### || [12.111] # ونلحظ أن هذه الآية جاءت في سورة يوسف أي: إن أردت قصة يوسف وإخوته ~~ففي السورة كل القصة بمراميها وأهدافها وعظتها، أو المهم في كل قصص ~~الأنبياء. يقول الحق سبحانه: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك.. # [هود: 120]. ونعلم أن معنى القصص مأخوذ من ms5148 قص الأثر وتتبعه بلا ~~زيادة أو نقصان. ويقول الحق سبحانه هنا: { لقد كان في قصصهم ~~عبرة لأولي الألباب.. } [يوسف: 111]. وفي أول السورة قال ~~الحق: # إن كنتم للرؤيا تعبرون # [يوسف: 43]. ونعرف أن مادة " العين " و " الباء " و " الراء " تفيد ~~التعدية من جلي إلى خفي. والعبرة في هذه القصة - قصة يوسف - وكذلك ~~قصص القرآن كلها نأخذ منها عبرة من الجلي فيها إلى الخفي الذي ~~نواجهه فلا نفعل الأمور السيئة ونقدم على الأمور الطيبة. وحين نقبل ~~على العمل الطيب الذي جاء في أي قصة قرآنية وحين نبتعد عن العمل السيء ~~الذي جاء خبره في القصة القرآنية بذلك نكون قد أحسنا الفهم عن تلك ~~القصص. وعلى سبيل المثال: نحن نجد الظالم في القصص القرآني وفي قصة يوسف ~~تحديدا وهو ينتكس، فيأخذ الواحد منا العبرة، ويبني حياته على ألا ~~يظلم أحدا. وحين يرى الإنسان منا المظلوم وهو ينتصر فهو لا يحزن إن ~~تعرض لظلم لأنه أخذ العبرة لما ينتظره من نصر بإذن الله. ونحن نقول: " ~~عبر النهر " أي: انتقل من شاطئ إلى شاطئ. وكذلك قولنا " تعبر الرؤيا " ~~أي: تؤولها لأن الرؤيا تأتي رمزية وتعبرها أي: تشرحها وتنقلها من ~~خفي إلى جلي وإيضاح المطلوب منها. ونصف الدمعة بأنها " عبرة " ~~والحزن المدفون في النفس البشرية تدل عليه الدمعة. وهنا قال الحق ~~سبحانه: { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب.. ~~} [يوسف: 111]. والعبرة قد تمر، ولكن لا يلتفت إليها إلا العاقل الذي ~~يمحص الأشياء، أما الذي يمر عليها مرور الكرام فهو لا يستفيد منها. ~~و " أولو الألباب " هم أصحاب العقول الراجحة، و " الألباب " جمع " لب ~~". واللب: هو جوهر الشيء المطلوب والقشر موجود لصيانة اللب، ~~وسمي العقل " لبا " لأنه ينثر القشور بعيدا، ويعطينا جوهر ~~الأشياء وخيرها. ويتابع الحق سبحانه: { ما كان حديثا يفترى ~~ولكن تصديق الذي بين يديه.. } [يوسف: 111]. أي: أن ما ~~جاء على لسانك يا محمد وأنزله الحق وحيا عليك ليس حديث كذب متعمد ~~بل هو الحق الذي يطابق الكتب التي سبقته. ويقال: " بين يديك " أي: سبقك ~~فإذا كنت ms5149 تسير في طابور فمن أمامك يقال له " بين يديك " ، ومن ~~وراءك يقال له " من خلفك ". # والقرآن قد جاء ليصدق الكتب التي سبقته وليست هي التي تصدق عليه ~~لأنه الكتاب المهيمن، والحق سبحانه هو القائل: # وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه.. # [المائدة: 48]. ويضيف الحق سبحانه في نفس الآية التي نحن بصدد خواطرنا ~~عنها: { وتفصيل كل شيء.. } [يوسف: 111]. فالقرآن يصدق ~~الكتب السابقة، ويفصل كل شيء أي: يعطي كل جزئية من الأمر حكمها في ~~جزئية مناسبة لها. فهو ليس كلاما مجملا، بل يجري تفصيل كل حكم بما ~~يناسب أي أمر من أمور البشر. وفي أعرافنا اليومية نقول: " فلان قام ~~بشراء بذلة تفصيل ". أي: أن مقاساتها مناسبة له تماما ومحكمة عليه حين ~~يرتديها. وفي الأمور العقدية نجد - والعياذ بالله - من يقول: إنه لا ~~يوجد إله على الإطلاق، ويقابله من يقول: إن الآلهة متعددة لأن كل ~~الكائنات الموجودة في الكون من الصعب أن يخلقها إله واحد فهناك إله ~~للسماء، وإله للأرض وإله للنبات وإله للحيوان. ونقول لهم: كيف يوجد إله ~~يقدر على شيء، ويعجز عن شيء آخر؟ وإن قال هؤلاء: " إن تلك الآلهة تتكاتف ~~مع بعضها ". نرد عليهم: ليست تلك هي الألوهية أبدا، ولذلك نجد الحق ~~سبحانه وتعالى يقول: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون # [الزمر: 29]. وحين يكون الشركاء مختلفين فحال هذا العبد المملوك لهم ~~يعيش في ضنك وعذاب أما الرجل المملوك لرجل واحد فحاله يختلف لأنه يأتمر ~~بأمر واحد لذلك يحيا مرتاحا. ونجد الحق سبحانه يقول عن الآلهة المتعددة: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما يصفون # [المؤمنون: 91]. أما من يقول بأنه لا يوجد إله في الكون، فنقول له: ~~وهل يعقل أن كل هذا الكون الدقيق المحكم بلا صانع. ولذلك شاء الحق ~~سبحانه أن يفصل هذا الأمر ليؤكد أنه ms5150 لا يوجد سوى إله واحد في الكون، ~~ونجد القرآن يفصل لنا الأحكام وينزل لكل مسألة حكما مناسبا لها ~~فلا ينتقل حكم من مجال إلى آخر. وكذلك تفصيل الآيات، فهناك المحكم ~~والمتشابه والمثل هو قول الحق سبحانه. # ويسارعون في الخيرات.. # [آل عمران: 114]. ويقول في موقع آخر: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم.. # [آل عمران: 133]. جاء مرة بقول " إلى " ، ومرة بقول " في " لأن كلا ~~منها مناسبة ومفصلة حسب موقعها. فالمسارعة إلى المغفرة تعني أن ~~من يسارع إليها موجود خارجها، وهي الغاية التي سيصل إليها، أما من ~~يسارع في الخيرات فهو يحيا في الخير الآن، ونطلب منه أن يزيد في الخير. # وأيضا نجد قوله الحق: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17]. ونجد قوله الحق: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. وواحدة منهما وردت في المصائب التي لها غريم، والأخرى ~~قد وردت في المصائب التي لا غريم فيها مثل المرض حيث لا غريم ولا ~~خصومة. أما إذا ضربني أحد أو اعتدى على أحد أبنائي فهو غريمي وتوجد ~~خصومة فوجوده أمامي يهيج الشر في نفسي وأحتاج لضبط النفس بعزيمة قوية، ~~وهذا هو تفصيل الكتاب. والحق سبحانه يقول: # كتاب فصلت آياته.. # [فصلت: 3]. أي: أن كل جزئية فيه مناسبة للأمر الذي نزلت في مناسبته. ~~ومثال هذا هو قوله سبحانه: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم.. # [الإسراء: 31]. وقوله الحق: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم.. # [الأنعام: 151]. وكل آية تناسب موقعها، ومعناها متسق في داخلها، ~~وتم تفصيلها بما يناسب ما جاءت له، فقوله: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق.. # [الأنعام: 151]. يعني أن الفقر موجود، والإنسان منشغل برزقه عن رزق ~~ابنه. أما قوله: # خشية إملاق.. # [الإسراء: 31]. أي: أن الفقر غير موجود، وهناك خوف أن يأتي إلى ~~الإنسان وهو خوف من أمر لم يطرأ بعد. وهكذا نجد في القرآن تفصيل كل شيء ~~تحتاجونه في أمر دنياكم وآخرتكم، وهو تفصيل لكل شيء ليس عندك وقد قال ~~الهدهد عن ملكة سبأ بلقيس: # وأوتيت من ms5151 كل شيء.. # [النمل: 23]. وليس معنى هذا أنها أوتيت من كل شيء في هذه الدنيا، بل هي ~~قد أوتيت من كل شيء تملكه، أو يمكن أن تملكه في الدنيا. وقول الحق ~~سبحانه: { وتفصيل كل شيء.. } [يوسف: 111]. لا يعني أن نسأل ~~مثلا: " كم رغيفا في كيلة القمح؟ ". وقد حدث أن سأل واحد الإمام محمد ~~عبده هذا السؤال فجاء بخباز، وسأله هذا السؤال فأجاب الخباز فقال السائل: ~~ولكنك لم تأت بالإجابة من القرآن؟ فقال الإمام محمد عبده: لماذا لا ~~تذكر قوله الحق: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43]. وهكذا نعلم أنه سبحانه لم يفرط في الكتاب من شيء. ~~ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: { وتفصيل كل شيء ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون } [يوسف: 111]. ونعلم أن ~~الهدى هو الطريق المؤدي إلى الخير، وهذا الطريق المؤدي إلى الخير ينقسم ~~إلى قسمين: القسم الأول: الوقاية من الشر لمن لم يقع فيه. والقسم الثاني: ~~علاج لمن وقع في المعصية. وإليك المثال: هب أن أناسا يعلمون الشر ~~فنردهم عنه ونشفيهم منه لأنه مرض، وهو رحمة بمعنى ألا يقعوا في المرض ~~بداية. إذن: فهناك ملاحظتان يشيران إلى القسمين: الملاحظة الأولى: أن ~~المنهج القرآني قد نزل وقاية لمن لم يقع في المعصية. والملاحظة ~~الثانية: أن المنهج يتضمن العلاج لمن وقع في المعصية. ويحدد الحق ~~سبحانه من يستفيدون من المنهج القرآني وقاية وعلاجا، فيقول: { وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون } [يوسف: 111]. أي: هؤلاء الذين يؤمنون ~~بإله واحد خلقهم وخلق الكون، ووضع للبشر قوانين صيانة حياتهم، ومن ~~المنطقي أن يسمع المؤمن كلامه وينفذه لأنه وضع المنهج الذي يمكنك أن ~~تعود إليه في كل ما يصون حياتك، فإن كنت مؤمنا بالله فخذ الهدى، وخذ ~~الرحمة. ونسأل الله أن نعطى هذا كله. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1] # وقد سبق لنا أن تكلمنا طويلا في خواطرنا عن الحروف التي تبدأ بها بعض ~~من سور القرآن الكريم: مثل قوله الحق: # الم # [ البقرة: 1]. وقوله: { المر... } [الرعد: 1]. ومثل قوله: # المص # [الأعراف: 1]. وغير ذلك من الحروف التوقيفية التي جاءت في أول ms5152 بعض من ~~فواتح السور. ولكن الذي أحب أن أؤكد عليه هنا هو أن آيات القرآن ~~كلها مبنية على الوصل لا على الوقف ولذلك تجدها مشكولة لأنها ~~موصولة بما بعدها. وكان من المفروض - لو طبقنا هذه القاعدة - أن ~~نقرأ " المر " فننطقها: " ألف " " لام " " ميم " " راء " ، ولكن شاء ~~الحق سبحانه هنا أن تأتي هذه الحروف في أول سورة الرعد مبنية على ~~الوقف، فنقول: " ألف " " لام " " ميم " " راء ". وهكذا قرأها جبريل ~~عليه السلام على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وهكذا نقرأها نحن. ~~ويتابع سبحانه: { تلك آيات الكتاب.. } [الرعد: 1]. أي: أن ~~السورة القادمة إليك هي من آيات الكتاب الكريم - القرآن - وهي إضافة إلى ~~ما سبق وأنزل إليك، فالكتاب كله يشمل من أول # بسم الله الرحمن الرحيم # [الفاتحة: 1]. في أول القرآن، إلى نهاية سورة الناس. ونعلم أن الإضافة ~~تأتي على ثلاث معان فمرة تأتي الإضافة بمعنى " من " مثل قولنا " ~~أردب قمح " والمقصود: أردب من القمح. ومرة تأتي الإضافة بمعنى " في " مثل ~~قولنا: " مذاكرة المنزل " والمقصود: مذاكرة في المنزل. ومرة ثالثة تأتي ~~الإضافة بمعنى " اللام " وهي تتخذ شكلين. إما أن تكون تعبيرا عن ~~ملكية، كقولنا " مال زيد لزيد ". والشكل الثاني أن تكون اللام للاختصاص ~~كقولنا " لجام الفرس " أي: أن اللجام يخص الفرس فليس معقولا أن يملك ~~الفرس لجاما. إذن: فقول الحق سبحانه هنا: { تلك آيات ~~الكتاب.. } [الرعد: 1]. يعني تلك آيات من القرآن لأن كلمة " الكتاب ~~" إذا أطلقت فهي تنصرف إلى القرآن الكريم. والمثل هو القول " فلان ~~الرجل " أي: أنه رجل حقا وكأن سلوكه هو معيار الرجولة، وكأن خصال ~~الرجولة في غيره ليست مكتملة كاكتمالها فيه، أو كقولك " فلان الشاعر " ~~أي: أنه شاعر متميز للغاية. وهكذا نعلم أن كلمة " الكتاب " إذا ~~أطلقت ينصرف في العقائد إلى القرآن الكريم، وكلمة الكتاب إذا أطلقت ~~في النحو انصرفت إلى كتاب سيبويه الذي يضم قواعد النحو. ويتابع سبحانه ~~في وصف القرآن الكريم: { والذي أنزل إليك من ربك ~~الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } [ الرعد: 1]. # ونعلم أن مراد الذي ms5153 يخالف الحق هو أن يكسب شيئا من وراء تلك المخالفة. ~~وقد قال سبحانه في أواخر سورة يوسف: # ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين # [يوسف: 103]. ثم وصف القرآن الكريم، فقال تعالى: # ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون # [يوسف: 111]. وهكذا نرى أن الحق سبحانه لا يريد الكسب منكم، لكنه شاء ~~أن ينزل هذا الكتاب لتكسبوا أنتم: { ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون } [الرعد: 1]. أي: أن أكثر من دعوتهم إلى الإيمان بهذا ~~الكتاب الحق لا يؤمنون بأنه نزل إليك من ربك لأنهم لم يحسنوا تأمل ما ~~جاء فيه واستسلموا للهوى. وأرادوا السلطة الزمنية، ولم يلتفتوا إلى أن ~~ما جاء بهذا الكتاب هو الذي يعطيهم خير الدنيا والآخرة. ويقول سبحانه بعد ~~ذلك: { الله الذي رفع السماوات... }. ### || [13.2] # وكلمة " الله " علم على واجب الوجود مطمورة فيه كل صفات الكمال ~~ولحظة أن تقول " الله " كأنك قلت " القادر " " الضار " " النافع " " ~~السميع " " البصير " " المعطي " إلى آخر أسماء الله الحسنى. ولذلك قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " كل عمل لا يبدأ باسم الله هو أبتر ". # لأن كل عمل لا يبدأ باسمه سبحانه لا تستحضر فيه أنه سبحانه قد سخر لك ~~كل الأشياء، ولم تسخر أنت الأشياء بقدرتك. ولذلك، فالمؤمن هو من ~~يدخل على أي عمل بحيثية " بسم الله الرحمن الرحيم " لأنه سبحانه هو ~~الذي ذلل للإنسان كل شيء، ولو لم يذللها لما استجابت لك أيها ~~الإنسان. وقد أوضح الحق سبحانه ذلك في أمثلة بسيطة فنجد الطفل الصغير ~~يمسك بحبل ويربطه في عنق الجمل، ويأمره بأن " ينخ " ويركع على أربع ~~فيمتثل الجمل لذلك. ونجد البرغوث الصغير يجعل الإنسان ساهرا الليل ~~كله عندما يتسلل إلى ملابسه ويبذل هذا الإنسان الجهد الجهيد ~~ليمسك به وقد يستطيع ذلك وقد لا يستطيع. وهكذا نعرف أن أحدا لم ~~يسخر أي شيء بإرادته أو مشيئته، ولكن الحق سبحانه هو الذي يذلل ~~كل الكائنات لخدمة الإنسان. والحق سبحانه هو القائل: # وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 72]. وأنت حين ms5154 تقبل على أي عمل يحتاج إلى قدرة فتقول: " باسم ~~القادر الذي أعطاني بعض القدرة ". وإن أقبلت على عمل يحتاج مالا تقول: ~~" باسم الغني الذي وهبني بعضا من مال أقضي به حاجاتي ". وفي كل عمل ~~من الأعمال التي تقبل عليها تحتاج إلى قدرة وحكمة وغنى، وبسط وغير ~~ذلك من صفات الحق التي يسخر بها سبحانه لك كل شيء فشاءت رحمته ~~سبحانه أن سهل لنا أن نفتتح أي عمل باسمه الجامع لكل صفات الجمال ~~والكمال " بسم الله الرحمن الرحيم ". ولذلك يسمونه " علم على واجب ~~الوجود ". وبقية الأسماء الحسنى صفات لا توجد بكمالها المطلق إلا فيه ~~فصارت كالاسم. فالعزيز على إطلاقه هو الله. ولكنا نقول عن إنسان ما " ~~عزيز قومه " ، ونقول " الغني " على إطلاقه هو الله، ولكن نقول " ~~فلان غني " و " فلان فقير ". وهكذا نرى أنها صفات أخذت مرتبة الأسماء ~~وهي إذا أطلقت إنما تشير إليه سبحانه. وعرفنا من قبل أن أسماء الله ~~إما أن تكون أسماء ذات وإما أن تكون أسماء صفات فإن كان الاسم لا ~~مقابل له فهو اسم ذات مثل: " العزيز ". # أما إن كان الاسم صفة الصفة والفعل، مثل " المعز " فلا بد أن له ~~مقابلا، وهو هنا " المذل ". ولو كان يقدر أن يعز فقط ولا يقدر ~~أن يذل لما صار إلها، ولو كان يضر فقط، ولا ينفع أحدا لما استطاع ~~أن يكون إلها، ولو كان يقدر أن يبسط، ولا يقدر أن يقبض لما استطاع ~~أن يكون إلها. وكل هذه صفات لها مقابلها ويظهر فعلها في الغير ~~فسبحانه - على سبيل المثال - عزيز في ذاته ومعز لغيره، ومذل ~~لغيره. وكلمة " الله " هي الاسم الجامع لكل صفات الكمال، وهناك أسماء ~~أخرى علمها الله لبعض من خلقه، وهناك أسماء ثالثة سنعرفها إن شاء الله ~~حين نلقاه: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23] ونلحظ أن الحق سبحانه بدأ هذه الآية بالحديث عن ~~العالم العلوي أولا ولم يتحدث عن الأرض فقال: { الله الذي ~~رفع السماوات.. } [الرعد: 2]. وكلمة " رفع " إذا استعملتها ~~استعمالا بشريا تدل أن ms5155 شيئا كان في وضع ثم رفعته عن موضعه إلى ~~أعلى مثل قول الحق سبحانه: # ورفع أبويه على العرش... # [يوسف: 100]. فقد كان أبوا يوسف في موضع أقل ثم رفعهما يوسف إلى موضع ~~أعلى مما كانا فيه، فهل كانت السماء موضوعة في موضع أقل ثم رفعها ~~الله؟ لا، بل خلقها الله مرفوعة. ورحم الله شيخنا عبد الجليل عيسى الذي ~~قال: " لو قلت: سبحان الله الذي كبر الفيل فهل كان الفيل صغيرا ثم ~~كبره الله أم خلقه كبيرا؟ لقد خلقه الله كبيرا. وإن قلت: سبحان الله ~~الذي صغر البعوضة فهل كانت كبيرة ثم صغرها الله؟ لا بل خلقها الله ~~صغيرة ". وحين يقول سبحانه: { الله الذي رفع السماوات ~~بغير عمد.. } [الرعد: 2]. فهذا يعني أنه خلقها مرفوعة، وفي ~~العرف البشري نعرف أن مقتضى رفع أي شيء أن توجد من تحته ~~أعمدة ترفعه. ولكن خلق الله يختلف فنحن نرى السماء مرفوعة على امتداد ~~الأفق ويظهر لنا أن السماء تنطبق على الأرض ولكنها لا تنطبق بالفعل. ولم ~~نجد إنسانا يسير في أي اتجاه ويصطدم بأعمدة أو بعمود واحد يظن أنه ~~من أعمدة رفع السماء وهي مرئية هكذا فهل هناك أعمدة غير مرئية أم ~~لا توجد أعمدة أصلا؟. وقد يكون وراء هذا الرفع أمر آخر فقد قلنا: إن ~~الشيء إذا رفع فذلك بسبب وجود ما يمسكه أو ما يحمله وسبحانه يقول في ~~أمر رفع السماء: # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ~~إن الله بالناس لرءوف رحيم # [الحج: 65]. فإذا كانت ممسوكة من أعلى فهي لا تحتاج إلى عمد، وقوله ~~الحق: يمسك يعني أنه سبحانه قد وضع لها قوانينها الخاصة التي لم نعرفها ~~بعد. # وقد قام العلماء المعاصرون بمسح الأرض والفضاء بواسطة الأقمار ~~الصناعية وغيرها، ولم يجدوا عمدا ترفع السماوات أو تمسكها. ~~والمهندسون يتبارون في عصرنا ليرفعوا الأسقف بغير عمد لكنهم ~~حتى الآن ما زالوا يعتمدون على الحوائط الحاملة. وهكذا نعلم أنه سبحانه ~~إما أنه حمل السماء على أعمدة أدق وألطف من أن تراها أعيننا ولذلك ~~نراها بغير ms5156 أعمدة، أو أنها مرفوعة بلا أعمدة على الإطلاق. و " عمد " ~~اسم جمع - لا جمع - ومفردها " عمود " أو " عماد " وقد جاءت هذه الآية ~~بمثابة التفسير لما أجمل في قول الحق سبحانه في سورة يوسف: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. وجاء سبحانه هنا بالتفصيل فأوضح لنا أنه: { رفع ~~السماوات بغير عمد ترونها.. } [الرعد: 2]. أي: لا ~~ترونها أنتم بحكم قانون إبصاركم. ولا تعجب من أن يوجد مخلوق لا تراه ~~لأن العين وسيلة من وسائل الإدراك، ولها قانون خاص فهي ترى أشياء ولا ~~ترى أشياء أخرى. هذا بدليل أنك إذا نظرت إلى إنسان طوله متران يتحرك ~~مبتعدا عنك تجد يصغر تدريجيا إلى أن يتلاشى من مجال رؤيتك لكنه لا ~~يتلاشى بالفعل. وهذا معناه أن قانون إبصارك محكوم بقانون له مدى ~~محدد. وهناك قوانين أخرى مثل: قانون السمع وقانون الجاذبية وقانون ~~الكهرباء وكلها ظواهر نستفيد بآثارها، ولكنا لا نراها، فلا تعجب من أن ~~يوجد شيء لا تدركه لأن قوى إدراكك لها قوانين خاصة. ويشاء الحق سبحانه ~~أن يدلل على صدق ذلك بأن يجعل ما يكتشفه العلماء في الكون من أشياء ~~وقوى لم تكن معروفة من قبل ولكننا كنا نستفيد منها دون أن ندري مما ~~يدل على أن إدراك الإنسان غير قادر على إدراك كل شيء. وذلك يوضح لنا ~~أن رؤيتنا للسماء مرفوعة بغير عمد نراها قد يعني وجود أعمدة مصنوعة ~~بطريقة غير معروفة لنا أو هي مرفوعة بغير عمد على الإطلاق. وقول الحق ~~سبحانه: { بغير عمد ترونها.. } [الرعد: 2]. هو كلام خبري، ~~والمثل من حياتنا حين تقول لابنك: " أنا خارج إلى العمل وذاكر أنت دروسك ~~" ، وبذلك تكون قد أوضحت له: " ذاكر دروسك " وهذا كلام خبري لكن المراد ~~به إنشائي. وإبراز الكلام الإنشائي في مقام الكلام الخبري له ملحظ، ~~مثلما تقول: " فلان مات رحمه الله " وقولك " رحمه الله " كلام خبري فأنت ~~تخبر أن الله قد رحمه. على الرغم من أنك لا تدري: هل رحمه الله أم لا ~~ولكنك قلت ذلك ms5157 تفاؤلا أن تكون الرحمة واقعة به، وكان من الممكن أن ~~تقول: " مات فلان يا ربي ارحمه " ، وأنت بذلك تطلب له الرحمة. # كذلك قول الحق سبحانه: { بغير عمد ترونها.. } [الرعد: 2]. ~~أي: دققوا وأمعنوا النظر إليها، وابحثوا فيما يعينكم على ذلك إن ~~استطعتم، وإذا لفتك المتكلم إلى شيء ليحرك فيك حواس إدراكك فمعنى ~~ذلك أنه واثق من صنعته. والمثل من حياتنا - ولله المثل الأعلى، ~~وسبحانه منزه عن أن يكون له مثل - حين تدخل لتشتري صوفا فيقدم لك ~~البائع قماشا فتسأله: " هل هذا صوف مائة في المائة؟ " فيقول لك البائع: ~~" نعم إنه صوف مائة في المائة، وهات كبريتا لنشعل فتلة منه لترى بنفسك ~~". ويوضح الحق سبحانه هنا: أن السماوات مرفوعة بغير عمد، وانظروا ~~أنتم بمد البصر، ولن تجدوا أعمدة على هذا الامتداد، وضمان عدم وجود ~~أعمدة متحقق لك ولغيرك على مدى أفق أي منكم. ولكل إنسان أفقه ~~الخاص على حسب قدرة بصره، فهناك من تنطبق السماء على الأرض أمام عيونه ~~فنقول له: أنت تحتاج إلى نظارة طبية تعالج هذا الأمر. فالآفاق تختلف من ~~إنسان إلى آخر، وفي التعبير اليومي الشائع يقال: " فلان ضيق الأفق لا ~~يرى إلا ما تحت قدميه ". ولقائل أن يقول: إن هذا يحدث معي ومع من ~~يعيشون الآن ولا أحد يرى أعمدة ترفع السماوات فهل سيحدث ذلك مع من ~~سيأتون من بعدنا؟ ونقول: لقد مسحت الأقمار الصناعية من الفضاء الخارجي ~~كل مساحات الأرض ولم يجد أحد أية أعمدة ترفع السماء عن الأرض. وهذا دليل ~~صدق القضية التي قالها الحق سبحانه في هذه الآية: { الله الذي ~~رفع السماوات بغير عمد ترونها.. } [الرعد: 2]. ~~والسماوات جمع " سماء " وهي كل ما علاك فأظلك، والحق سبحانه يقول: # وأنزل من السمآء.. # [البقرة: 22]. ونعلم أن المطر إنما نزل من السحب التي تعلو الإنسان، ~~وتبدو معلقة في السماء، وإذا أطلقت السماء انصرفت إلى السماء ~~العليا التي تظلل كل ما تحتها. وحين أراد الناس معرفة كنه السماء، ~~وهل لها جرم أم ليس لها جرم وهل هي امتداد أجواء وهواء؟ ms5158 لم يتفق ~~العلماء على إجابة. وقد نثر الحق سبحانه أدلة وجوده، وأدلة قدرته، ~~وأدلة حكمته وأدلة صنعته في الكون ثم أعطاك أيها الإنسان الأدلة في ~~نفسك أيضا وهو القائل سبحانه: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]. وانظر إلى نفسك تجد العلماء وهم يكتشفون في كل يوم ~~شيئا جديدا وسرا عجيبا، سواء في التشريح أو علم وظائف الأعضاء. ~~وسوف تعجب من أمر نفسك، وأنت ترى تلك الاكتشافات التي كانت العقول ~~السابقة تعجز عن إدراكها، وقد يدرك بعضها الآن، ويدرك بعضها لاحقا. ~~وإدراك البعض للمجهول في الماضي يؤذن بأنك سوف تدرك في المستقبل أشياء ~~جديدة. وإن نظرت خارج نفسك ستجد قول الحق سبحانه: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. ومعنى # سنريهم.. # [فصلت: 53]. أن الرؤية لا تنتهي لأن " السين " تعني الاستقبال، ومن ~~نزل فيهم القرآن قرءوها هكذا، ونحن نقرؤها هكذا، وستظل هناك آيات جديدة ~~وعطاء جديد من الله سبحانه إلى أن تقوم الساعة. وسبحانه القائل: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. وأنت حين تفكر في خلق السماوات والأرض ستجده مسألة غاية ~~في الضخامة ويكفيك أن تتحير في مسألة خلقك وتكوينك وأنت مجرد فرد ~~محدود بحيز، ولك عمر محدود ببداية ونهاية، فما بالك بخلق السماوات ~~والأرض التي وجدت من قبلك، وستستمر من بعدك إلى أن تنشق بأمر ~~الله، وتتكسر لحظتها النجوم. ولا بد أن خلق السماوات والأرض أكبر من ~~خلق الناس، فالسماوات والأرض تشمل الكون كله. وحين تحدث عنها إياك أن ~~تخلط فيها بوهمك أو بتخمينك لأن هذه مسألة لا تدرك في المعامل، ولا ~~تستطيع أن تجري تحليلات لمعرفة كيفية خلق السماوات والأرض. ولذلك ~~عليك أن تكتفي بمعرفة ما يطلبه منك من خلقها وماذا قال عنها، وتذكر ~~قول الحق سبحانه: # ولا تقف ما ليس لك به علم.. # [ الإسراء: 36]. وقد حجز الحق سبحانه عن العقول المتطفلة أمرين فلا داعي ~~أن ترهق نفسك فيهما: الأمر الأول: هو كيفية خلق الإنسان وهل كان ~~قردا في ms5159 البداية ثم تطور؟ تلك مسألة لا تخصك، فلا تتدخل فيها ~~بافتراضات تؤدي بك إلى الضلال. والأمر الثاني: هو مسألة خلق السماوات ~~والأرض فتقول: إن الأرض كانت جزءا من الشمس، ومثل هذا الكلام لا يستند ~~إلى وقائع. وتذكر قول الحق سبحانه: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم.. # [الكهف: 51]. ولو كان الحق سبحانه قد أراد أن تعلم شيئا عن تفاصيل هذين ~~الأمرين لأشهد خلقهما لبعض من البشر، لكنه سبحانه نفى هذا الإشهاد لذلك ~~ستظل هذه المسألة لغزا للأبد ولن تحل أنت هذا اللغز أبدا بل ~~يحله لك البلاغ عن الحق الذي خلق. وقد أوضح لك أنه قد خلقك من طين، ~~ونفخ فيك من روحه، فاسمع منه كيفية خلقك وخلق الكون كله. ويدل ~~الإعجاز البياني في القرآن على أن بعضا ممن يملكون الطموح العقلي ~~أرادوا أن يأخذوا من القرآن أدلة على صحة تلك النظريات التي افترضها ~~بعض من العلماء عن خلق الإنسان وخلق الأرض، فيبلغنا الحق سبحانه ~~مقدما ألا نصدقهم. ويقول لنا: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. والمضل هو من يضلك في المعلومات، هكذا أثبت لنا ~~الحق سبحانه أن هناك مضلين سيأتون ليقولوا كلاما افتراضيا لا أساس ~~له من الصحة. وأوضح لنا سبحانه أن أحدا لم يتلصص عليه، ليعرف كيفية ~~خلق الشمس أو الأرض، ومن يدعي معرفة ذلك فهو من المضلين لأنهم ~~قفوا ما ليس لهم به علم. # وما دام الحق سبحانه قد قال ذلك، فنحن نصدق ما قال. وقد أثبتت ~~التحليلات صدق ما قاله سبحانه عن خلق الإنسان، فسبحانه قد خلق الكون ~~أولا، ثم خلق السيد لهذا الكون وهو الإنسان، وكل الكون مسخر للإنسان ~~ويخدم هذا الخليفة في الأرض، وكل ما في الكون يسير بنظام وانتظام. ~~والمتمرد الوحيد في الكون هو الإنسان، فيأتي الحق سبحانه إلى هذا ~~المتمرد ليجعل الآية فيه وليثبت صدق الغيب في الأرض. وأوضح سبحانه ~~أنه خلق آدم من الطين والإنسان من نسل آدم الذي سواه الله، ونفخ ms5160 فيه ~~من روحه، وبعد ذلك أمر الملائكة من المدبرات أمرا ومن الحفظة أن ~~تسجد للإنسان. وهذا السجود هو إعلان الطاعة لأمر الله بخدمة الإنسان. ~~هذا الذي بدأت حكاية خلقه من تراب، ثم خلط التراب بالماء ليصير طينا ~~ثم ترك قليلا ليصير حمأ مسنونا ثم يجف الحمأ المسنون ليصير ~~صلصالا كالفخار ثم ينفخ فيه الحق بالروح. فإذا ما انتهى الأجل فأول ~~ما ينقض هو خروج الروح ثم يتصلب الجثمان، وبعد أن يوارى التراب يصير ~~الجثمان رمة ثم يتسرب الماء الموجود في الجثة إلى الأرض، وتبقى ~~العظام إلى أن تتحول هي الأخرى إلى تراب. وهكذا يتحقق نقض كل بناء فما ~~يبنى في نهاية أي بناء هو ما ينقض أولا، وهكذا يتأكد لنا صدق الحق ~~سبحانه حين نرى صدق المقابل فيما أخبرنا به سبحانه عن كيفية الخلق. ~~وعندما يخبرنا الحق سبحانه أن كيفية خلق السماوات والأرض ليست في ~~متناولنا فقد أعطانا من قبل الدليل على صدق ما جاء به، فيما أخبرنا ~~به عن أنفسنا. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول سبحانه: { ~~الله الذي رفع السماوات بغير عمد.. } [الرعد: 2]. ~~وكلمة " السماوات " في اللغة جمع، وفي آية أخرى، يقول سبحانه: # فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل ~~سمآء أمرها.. # [فصلت: 12]. وقديما كانوا يقولون: إن المقصود بالسبع سماوات هو الكواكب ~~السبعة: الشمس، والقمر، وعطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري. وشاء ~~سبحانه أن يكذب هذا القول وأصحابه أحياء فرأى علماء الفلك كواكب ~~أخرى مثل: نبتون وبلوتو وكان في ذلك لفتة سماوية لمن قالوا: إن ~~المقصود بالسماوات السبع هو الكواكب السبعة. وقد قالوا هذا القول بحسن ~~نية وبرغبة في ربط القرآن بالعلم لكنهم نسوا أن يدققوا الفهم ~~لما في كتاب الله، فسبحانه قد أوضح أن الشمس والقمر والكواكب زينة ~~السماء الدنيا، فما بالنا بطبيعة وزينة بقية السماوات؟ ويتابع سبحانه: ~~{ ثم استوى على العرش.. } [الرعد: 2]. وهذه قضية هي أهم ~~قضية كلامية ناقشها علماء الكلام قضية الاستواء والعرش، وحتى نفهم أي ~~قضية لا بد أن نحلل ألفاظها لنتفق على ms5161 معانيها، ثم نبحثها جملة ~~واحدة، لكن أن نجلس لنتجادل ونحن غير متواردين ومتفقين على فهم واحد ~~فهذا أمر لا يليق. # ولننظر الآن معنى " الاستواء " ومعنى " العرش " ، ونحن حين نستقرئ كلمة ~~" استوى " في القرآن نجدها قد وردت في آيات متعددة. وجاءت مرة واحدة ~~بمعنى الاستواء. أي: النضج، في قول الحق سبحانه: # ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما.. # [القصص: 14]. أي: أنه قد بلغ نضجه الكمالي، ويستطيع أن يكون رجلا ~~صالحا لممارسة ما يبقي نوعه، وإن تزوج فلسوف ينجب مثله وهذا استواء ~~لمخلوق هو الإنسان. ومرة أخرى يقول القرآن: # ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى # [النجم: 6-7] والمعنى هنا هو: صعد والمقصود هو صعود محمد وجبريل عليهما ~~السلام إلى الأفق الأعلى. وهناك قوله الحق: # ثم استوى إلى السمآء فسواهن سبع سماوات.. # [البقرة: 29]. أي: أنه سبحانه قد استوى إلى السماء وإياك أن تظن أن ~~استواءه سبحانه إلى السماء مساو لاستواء البشر لأننا قلنا من قبل: إن ~~كل شيء بالنسبة لله إنما نأخذه في إطار: # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. وبذلك يكون استواؤه سبحانه إلى السماء هو استواء يليق ~~بذاته، والاستواء المطلق شيء مختلف عن الاستواء على العرش. وهكذا نجد ~~استواء لغير الله من إنسان وهناك استواء لغير الله من إنسان ومن ملك ~~وهناك استواء من الله إلى غير العرش. وبجانب ذلك هناك استواء على العرش. ~~وقد ورد الاستواء على العرش في سبعة مواقع بالقرآن في: سورة الأعراف ~~وسورة يونس والرعد، وطه، والفرقان، والسجدة، والحديد. وورد ذكر العرش في ~~القرآن بالنسبة لله واحدا وعشرين مرة، وورد بالنسبة لبلقيس أربع مرات ~~فهو القائل سبحانه: # ولها عرش عظيم # [النمل: 23]. وقال: # أيكم يأتيني بعرشها.. # [النمل: 38]. ثم قال: # نكروا لها عرشها.. # [النمل: 41]. وقال: # أهكذا عرشك.. # [النمل: 41]. وبالنسبة ليوسف قال سبحانه: # ورفع أبويه على العرش.. # [يوسف: 100]. وإياك أن تأخذ الاستواء بالنسبة لله على أن معناه " ~~النضج " لأن النضج إشعار بكمال سبقه نقص. ولذلك نجد العلماء ~~المدققين قد علموا أن ذكر استواء الله على العرش قد ورد في سبعة ~~مواضع بالقرآن ms5162 الكريم وقالوا: # وذكر استواء الله في كلماته على # العرش في سبع مواضع فاعدد # ففي سورة الأعراف ثمة يونس # وفي الرعد مع طه فللعد أكد # وفي سورة الفرقان ثمة سجدة # كذا في الحديد افهمه فهم مؤيد # وقالوا في المعنى: # فلهم مقالات عليها أربعة # قد حصلت للفارس الطعان # وهي استقر وقد علا # وكذلك ارتفع ما فيه من نكران # وكذاك قد صعد الذي هو رابع # بتمام أمر من حمى الرحمان # والصعود إلى العرش هو حركة انتقال من وضع إلى وضع لم يكن فيه. وهكذا ~~نجد أن المعاني التي تتمشى مع الاستواء في عرفنا البشري لا تتناسب مع ~~كمال الله. # واختلف العلماء: قال واحد منهم: " سآخذ اللفظ كما قاله الله ". ونرد ~~على هذا بسؤال: وهل يمكنك أن تغيب: # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. طبعا، لا أحد يستطيع ذلك، وعليك أن تأخذ كل فهم لشيء ~~يخص الذات العلية في إطار: # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. ولذلك نجد أهل الدقة يقولون: " الاستواء معلوم، ~~والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة ". فنحن نعلم معنى الاستواء ولكن كيفية ~~استواء الله مجهولة بالنسبة لنا، والسؤال عن الكيفية بدعة لأن المعاصرين ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسألوا عن تلك الكيفية، رغم أنهم سألوا ~~عن كثير من الأمور. وهناك آيات متعددة تبدأ بقول الحق سبحانه: # يسألونك.. # [البقرة: 189]. وكان السؤال واردا بالنسبة لهم لكنهم بملكتهم العربية ~~الفطرية قد فهموا الاستواء كشيء يناسب الله، فلم يسألوا عنه. وجاء ~~السؤال من المتأخرين الذين تمحكوا، فقال واحد: سآخذ الألفاظ بمعناها ~~فإن قال: إن له صعودا فهو يصعد، وإن قال: إن له استواء فهو يستوي. ~~ولمن قال ذلك نرد عليه: إن ما تقوله صالح للأغيار، ولا يليق أن ~~تقول ذلك عن الذي يغير ولا يتغير. وإذا سألت عن معنى كلمة " استواء ~~" فهو " استتب له الأمر ". وهل كان الأمر غير مستتب له سبحانه؟ ونقول: ~~نحن نعلم أن لله سبحانه وتعالى صفات متعددة، وهذه الصفات كانت موجودة قبل ~~أن يخلق الله الخلق والكون فسبحانه موصوف أنه خالق قبل أن يخلق ms5163 ~~الخلق، ومعز قبل أن يخلق من يعزه، ومذل قبل أن يخلق من ~~يذله، وله سبحانه صفات الكمال المطلق. وبهذه الصفات خلق الخلق، ~~يقول الحق: # ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]. وكذا نؤمن بأن صفة الخلق كانت في ذاته قبل أن يخلق خلقه، ~~وحين خلق سبحانه السماوات والأرض أبرز الصفة التي كانت موجودة فيه وليس ~~لها متعلق فأوجد هو سبحانه المتعلق، وهكذا استتب له الأمر ~~سبحانه. إذن: إذا ذكر استواء الله، فهذا يعني تمام المراد له، فصار ~~للصفات التي كانت فيه، وليس لها متعلق أو مقدور متعلق ومقدور. ~~وإذا وجدت هذه الصفة في البشر مثل بلقيس التي وصفها سبحانه: # ولها عرش عظيم # [النمل: 23]. فهي تختلف عن صفة الله لأنها لم تجلس على العرش إلا بعد ~~أن خلقها الله، ولا يستتب الأمر لملك أو ملكة إلا بمتاعب ومعارك، وقد ~~ينشغل هذا الشخص في معارك وحروب، ثم يستتب له الأمر. وهكذا يختلف ~~استواء الله عن استواء خلق الله، وإذا ذكر استواء الله على العرش ~~فنحن ننزه الله عن كل استواء يناسب البشر، ونقول: # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. واستواؤه هو تمام الأمر له، لأن أمره صادر، وعند تحقيق ~~أمره في توقيته المراد له يكون تمام الأمر، وتمام الأمر استواؤه، أما ~~كلمة " العرش " فنحن نجدها في القرآن بالنسبة لله. # إما مضافا لاسم ظاهر: # ويحمل عرش ربك.. # [الحاقة: 17]. وإما مضافا للضمير المخاطب أو الغائب: # وكان عرشه على المآء.. # [هود: 7]. وإما مضافا للتنسيب: # فسبحان الله رب العرش عما يصفون # [الأنبياء: 7]. ويقول الحق سبحانه في نفس الآية التي نحن بصدد خواطرنا ~~عنها: { وسخر الشمس والقمر.. } [الرعد: 2]. والتسخير هو ~~طلب المسخر من المسخر أن يكون كما أراده تسخيرا، بحيث لا تكون له ~~رغبة، ولا رأي، ولا هوى، والتسخير ضده الاختيار. والكائن ~~المسخر لا اختيار له، أما الكائن الذي له اختيار فهو إن شاء فعل، ~~وإن شاء لم يفعل. وقلنا قديما: إن الحق سبحانه قد خير الإنسان: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها ms5164 وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. وبذلك قبل الإنسان أداء الأمانة وقت أدائها لا ~~وقت تحملها، ووقت الأداء غير وقت التحمل، وضربت المثل بمن ~~يقول لصديقه " عندي ألف جنيه وأخاف أن يضيعوا مني فاحفظهم لي معك ~~وحين أحتاجهم اعطهم لي ". ويقول الصديق: " هات النقود وسأعطيها لك ~~وقت أن تطلبها ". والصديق صادق وقت تحمل الأمانة لكن ظروفا تمر ~~عليه، فيتصرف في هذه الأمانة وحين يطلبها صاحبها قد يعجز حامل الأمانة ~~عن ردها، وهو بذلك ضمن نفسه وقت التحمل لكنه لم يضمن نفسه وقت ~~الأداء. وكان من الواجب عليه أن يقول لصديقه لحظة أن طلب منه ذلك: " ~~أرجوك، ابتعد عني لأني لا أضمن نفسي وقت الأداء ". وقد أبت ~~السماء والأرض والجبال تحمل الأمانة وقت عرضها وقبلت كل منهم ~~التسخير فلا الجبال ولا السماوات ولا الأرض لها قدرة الاختيار، ولا هوى ~~لأي منها في هذه القدرة مثلها في ذلك مثل كل أجناس الكون ما عدا ~~الإنسان ولم نجد فسادا في الأرض قد نشأ من ناحية المسخرات. أما ~~الإنسان فقد قبل تحمل الأمانة لأن له عقلا يفكر ويختار ومن ~~الاختيار ونتيجة للهوى جاء الفساد في الكون، ولو أقبل الإنسان على العمل ~~وكأنه مسخر خاضع لمنهج الله لاستقام عمل الإنسان مثلما يستقيم ~~عمل كل الكائنات المسخرة بأمر الله. فإن أردتم أن تستقيم أموركم ~~فيما لكم فيه اختيار، فطبقوا قول الحق سبحانه: # ألا تطغوا في الميزان *وأقيموا الوزن بالقسط ~~ولا تخسروا الميزان # [الرحمن: 8-9]. وانظروا ماذا يطلب الحق منكم في منهجه، فإن نفذتم ~~المنهج تستقم أموركم، كما استقامت الكائنات المسخرة. ولا يأتي ~~الخلل إلا من أننا نحن البشر نقوم ببعض الأعمال باختيارنا، وتكون ~~مخالفة لمنهج المشرع، أما إذا كنا نؤدي أعمالنا ونضع نصب أعيننا قول ~~الحق سبحانه: # ألا تطغوا في الميزان # [الرحمن: 8]. فلسوف تكون أعمالنا مطابقة لمنهج الله، وسنجد في أعمالنا ~~ما يسرنا مثل سرورنا حين نجد الأفلاك منتظمة بدقة وحساب. # إذن: فالفساد لا يأتي إلا من الاختيار غير المرتجي لمنهج من خلق ms5165 ~~فينا الاختيار، وإن كنت تريد أن تكون مختارا فعليك أن تلتزم بمنهج من ~~خيرك. ولذلك نجد الصالحين من خلق الله قد ساروا على منهج ربهم ~~والتزموا باختيار مراد ربهم فيما لهم فيه اختيار فصاروا وكأنهم مسخرون ~~لمرادات الله. وهؤلاء يسمونهم " العباد " لا " العبيد " فكل مملوك ~~لله من العبيد آمن به أو كفر أطاع أو عصى أما العباد فهم من جعلوا ~~مرادات الله هي اختيارهم، يقول تعالى: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]. هؤلاء هم من اتجهوا بالاختيار إلى ما يختاره لهم الله. ~~ونجد الحق سبحانه يقول في الملائكة: # عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون # [الأنبياء: 26-27]. وإذا ما التزم العبد بمنهج ربه في حال الاختيار فهو ~~لا يتساوى مع الملائكة فقط، بل قد يسمو عنهم لأنهم مقهورون بالتسخير ~~بينما تتمتع أنت بالاختيار وآثرت منهج ربك. ويقول الحق سبحانه هنا في ~~الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: # وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل ~~مسمى.. # [لقمان: 29]. ولحظة تجد التنوين مثل " كل " فهذه يعني كلا من ~~السابق. أي: الشمس والقمر. أما الجري إلى أجل مسمى فيقتضي منا ~~أن نفهم معنى الجري وهو تقليل الزمن عن المسافة. فحين تريد الوصول إلى ~~مكان معين فقد تمشي الهوينا لتصل في ساعة زمن، وقد تجري لتقطع ~~نفس المسافة في نصف ساعة والجري بطبيعة الحال ملحوظ ممن يراك. لكن: ~~هل يرى أحدنا الشمس وهي تجري؟ لا، لأنها تجري في ذاتها ويسمى هذا ~~النوع من الجري " جري انسيابي ". أي: لا تدركه بالعين المجردة، وهناك ما ~~يسمى " انتقال قفزي " ، وهناك ما يسمى " انتقال انسيابي ". وانظر إلى ~~عقارب الساعة ستجد عقرب الثواني أسرع من عقرب الدقائق الذي يبدو ~~ساكنا رغم أنه يتحرك وأنت ترى حركة عقرب الثواني لأنها تتم قفزا ~~بينما لا ترى حركة عقرب الدقائق لأنه يتحرك تبعا لدورة هادئة من ~~التروس داخل الساعة وكل جزئية في حركة الترس الخاص بعقرب الدقائق ~~تتأثر بحركة ترس عقرب الثواني والحركة القفزية لعقرب ms5166 الثواني تتحول ~~إلى حركة انسيابية في عقرب الدقائق. وحركة كل من العقربين تتحول إلى حركة ~~أكثر انسيابية في عقرب الساعات، وهذا يعني أن كل جزئية من الزمن فيها ~~جزئية من الحركة. وحتى في النمو بالنسبة للإنسان أو الحيوان أو النبات، ~~تجد عملية النمو غير ظاهرة لك لأن الكائن الذي ينمو إنما ينمو بقدر بسيط ~~غير ملحوظ، وهذا القدر البسيط شائع في اليوم كله. # وإن أردت أن تعرف هذه المسألة أكثر، انظر إلى الظل، وأنت ترى الظل ~~واضحا ساعة سطوع الشمس، ثم ينحسر الظل بانحسار الشمس. واقرأ قول الحق ~~سبحانه: # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شآء ~~لجعله ساكنا # [الفرقان: 45]. أي: أن الظل متحرك وغير ثابت، وكل جزئية من الزمن تؤثر ~~في حركة الشمس، فيتأثر بها الظل. وهكذا يجب أن نفرق بين الحركة ~~القفزية والحركة الانسيابية، وحين تقدمنا في العلم نجدهم يقولون: " سنزيد ~~من الحركة الانسيابية عن الحركات القفزية ". وهنا يقول الحق سبحانه: { ~~وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى.. } ~~[الرعد: 2]. والأجل هو المدة المحدودة للشيء وهي محدودة زمنا إن أردنا ~~ظرف الزمان أو محدودة بالمسافة إن أردنا المكان. والمقصود هنا بالأجل إما ~~الأجل النهائي لوجود الشمس والقمر ثم إذا انشقت السماء كورت الشمس، ~~وانكدرت النجوم. أو: أن المقصود هنا بالأجل هو للتعبير عن عملها اليومي. ~~وقد عرفنا أن هناك مطالع متعددة للشمس، وعلى الرغم من أن المشرق له جهة ~~عامة واحدة لكن المطالع مختلفة، بدليل أن قدماء المصريين أقاموا في بعض ~~المعابد طاقات وفتحات في البناء. فتطلع الشمس كل يوم من أحد هذه ~~الطاقات فكل يوم توجد لها منزلة مختلفة عن اليوم السابق، وتظل تقطعها، ثم ~~تعود مرة أخرى، وتفعل ذلك إلى أجل مسمى أي يوميا. ونسمي نحن تلك ~~المنازل " البروج " كبرج الحمل والجدي والثور والأسد والسنبلة والقوس ~~والحوت ونحن نرصد هذه الأبراج كوسيلة لمعرفة أحوال الطقس من حرارة، ~~وبرودة، ومطر، وغير ذلك، ذلك أن كل برج له زمن، ويمكن تعريف أحوال ~~الجو خلال هذا الزمن بدقة. ولكن ms5167 بعضا من تصرفات الإنسان تفسد عملية ~~التحديد الدقيق في الكون، مثلما يشعل البعض الحرائق في الغابات فتحرق ~~النار الأكسوجين الذي يحتاجه البشر والحيوانات للتنفس، ويحاول الغلاف ~~الجوي أن يتوازن، فيشد كميات من الهواء من منطقة أخرى، فيختل ميزان ~~الطقس لأيام. وكذلك يفسد الجو من التجارب الذرية التي تجريها الدول ~~أعضاء النادي الذري تلك التجارب التي تقوم بتفريغ الهواء، فتجعل الطقس ~~غير مستقر وغير منضبط وهذا ما يفسد استخدامنا للأبراج كوسيلة لمعرفة ~~تقلبات الطقس. وقد أوجز الشاعر تلك الأبراج في قوله: # حمل الثور جوزة السرطان # ورعى الليث سنبل الميزان # عقرب القوس جدي دلو وحوت # ما عرفنا من أمة السريان # ويتابع الحق سبحانه في نفس الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { ~~يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقآء ربكم ~~توقنون } [الرعد: 2]. وسبحانه قد أوضح من أول الآية مسألة رفع ~~السماوات بغير عمد، واستوائه على العرش، وتسخير الشمس والقمر، وكيف ~~يجري كل شيء لأجل مسمى. وكل ذلك يتطلب تدبيرا للأمر بعد أن أبرز ~~القدرة ثم يصون ذلك كله، فكما قدر فخلق، فهو يدبر بقيوميته، فهو ~~القائم على كل شيء، وسبحانه كل يوم هو في شأن. # وأقول هذا المثل لأوضح - لا لأشبه فسبحانه منزه عن التشبيه - ~~ونحن نقول: فلان فكر أولا ثم دبر، والتفكير هو العملية التي تبحث ~~فيها عن الشيء لإخراج المطلوب منه كأن تأتي بقليل من حبوب القمح لتفركه ~~بيدك لتخرج القمحة من قشرته. هذا هو التفكير الذي يطلب منك أن تبحث ~~وتنقب إلى أن تصل إلى لب الأشياء. والتدبر يقتضي ألا تقتنع بما ~~هداك إليه فكرك في نفس اللحظة، ولكن أن تمحص الأمر لترى ماذا سينتج عن ~~تنفيذ ما وصل إليه فكرك؟ فربما ما فكرت فيه يسعفك ويعينك في لحظتك ~~الحالية لكنه سيأتي لك بعطب بعد قليل. والمثل الذي أضربه على مثل ~~هذه الحالة دائما هو اختراع المبيدات الحشرية ولم يفطنوا إلى أن هذه ~~المبيدات لا تقتل الحشرات الضارة وحدها، بل تسمم الطيور التي كانت ~~تفيد الفلاح. ووصل الأمر إلى حد تحريم ms5168 استخدام هذه المبيدات وجاء هذا ~~التحريم ممن تفاخروا من قبل على كل شعوب الأرض باختراعهم لتلك ~~المبيدات، فقد فطنوا إلى أن ما جاءهم من خير عن طريق تلك المبيدات ~~هو أقل بكثير من الضر الذي وقع بسببها. وهذا يعني أنهم لم يتدبروا ~~اختراعهم لتلك المبيدات فقاموا بتصنيعها لفائدة عاجلة، دون أن يلتفتوا ~~إلى الخطورة الآجلة، وكان لا بد لهم أن يتدبروا الأمر، لأن التدبر ~~معناه النظر في دبر الأشياء. والحق سبحانه هو القائل: # أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالهآ # [محمد: 24]. أي: لا تنظر إلى واجهة الآية فقط، بل انظر في أعماقها، ~~ولذلك يقول لنا سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " ثوروا القرآن ~~". أي: استخرجوا منه الكنوز بالتدبر لأن التدبر يحمي من حماقة التفكر، ~~والمثل البسيط المتكرر في بيوتنا هو أننا نغسل أفواهنا بعد تناول الطعام ~~ونتمضمض مما بقي في الفم من بقايا. ونجد من بين هذه البقايا بعضا ~~من " الفتافيت الصلبة بعض الشيء " ، ثم نغسل حوض المياه بتيار متدفق من ~~ماء الصنبور، ونفاجأ بعد فترة من الزمن بانسداد ماسورة الصرف الخاصة ~~بالحوض وحين يفتح السباك ماسورة الصرف هذه يجدها مليئة برواسب من بقايا ~~الأطعمة. وأنت حين تمضمضت لم تلتفت إلا لنظافة الفم من البقايا، ولم ~~تتدبر أمر تلك البقايا، ولو أنك تدبرت ذلك لقمت بتركيب ماسورة صرف ~~للحوض أكبر من الماسورة التقليدية الضيقة ولجعلت صندوق الطرد الخاص ~~بالحوض أكبر من الحجم المعتاد والمجهز لصرف المياه فقط. وهكذا نرى أن ~~الفكر يحثك على أن تبحث عن مطلوب لك ولكن عليك أن تنظر وتدقق: هل ~~يحقق لك ما يقترحه عليك فكرك ما يفيدك أم ما يضرك؟ هذا هو التدبر، وهو ~~ما نسميه صيانة الأشياء. # ويتابع الحق سبحانه في نفس الآية: { يفصل الآيات لعلكم ~~بلقآء ربكم توقنون } [الرعد: 2]. وتفصيل الآيات يعني أنه ~~جعل لكل أمر حكما مناسبا له. ودائما أقول لمن يسألني عن فتوى ~~ويلح أن تتوافق الفتوى مع مراده: " نحن لا نفصل الفتوى من أجل هواك ~~لأن ما عندي ms5169 هي فتاوى جاهزة وعليك أن تضبط مقاسك أنت على الفتوى، لا أن ~~نفصل لك الفتوى على هواك ". أقول ذلك لأن المسألة ليست حياة تنتهي إلى ~~العدم، ولكن هناك حياة أخرى تحاسب فيها على كل تصرف، فالحق سبحانه ~~هو القائل: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. وهو القائل سبحانه أيضا جل وعلا: # كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا ~~يقدرون مما كسبوا على شيء.. # [إبراهيم: 18]. ولذلك فعليك أن تقبل على كل عمل وأنت موقن بأن هذا ~~العمل لا ينتهي بتركك للحياة الدنيا، ولكن لكل عمل آثاره في حياة باقية، ~~وإذا كانت الدنيا تحمل لك راحة موقوتة أو تعبا موقوتا، فالراحة في ~~الآخرة باقية أبدا والتعب فيها غير موقوت. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ~~{ وهو الذي مد الأرض... }. ### || [13.3] # ويتابع الحق سبحانه سرد آياته الكونية في هذه الآية: { مد ~~الأرض.. } [الرعد: 3]. يعني أنها موجودة أمامك وممتدة، وبعض الناس ~~يفهمون المد بمعنى البسط، ونقول: إن البسط تابع للمد. ولذلك وقف ~~بعض العلماء وقالوا: ومن قال إن الأرض كروية؟ إن الحق سبحانه قال: ~~إنها مبسوطة، وهو سبحانه الذي قال: إنه قد مد الأرض. وقلت لهؤلاء ~~العلماء: فلنفهم كلمة المد أولا، ولنفهم أيضا كلمة " الأرض " ~~وهي التي تقف عليها أنت وغيرك، وتعيش عليها الكائنات، وتمتد شمالا إلى ~~القطب الشمالي، وجنوبا إلى القطب الجنوبي، أيا ما كنت في أي ~~موقع فهي ممدودة شرقا وغربا. ومعنى: { مد الأرض.. } [الرعد: ~~3]. تعني أنك إن وقفت في مكان وتقدمت منه تجد الأرض ممدودة أمامك ولا ~~توجد حافة تنتهي لها، ولو أنها كانت مبسوطة لكان لها نهاية، ولكانت ~~على شكل مثلث أو مربع أو مستطيل ولكان لها حافة ولوجدنا من يسير ~~إلى تلك الحافة، هو يقول: " لقد وصلت لحافة الأرض وأمامي الفراغ " ولم ~~يحدث أن قال ذلك واحد من البشر. وإذا ما سار إنسان على خط الاستواء ~~مثلا فسيظل ماشيا على اليابسة أو راكبا لمركب تقطع به البحر أو المحيط ~~ليصل إلى نفس النقطة التي بدأ ms5170 منها سيره. وهكذا نجد الأرض ممدودة غير ~~محدودة، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الأرض مكورة، بحيث إذا مشيت ~~متتبعا أي خط من خطوط العرض أو خطوط الطول لانتهت إلى النقطة التي ~~بدأت منها سيرك. وكان هذا هو الدليل الذي يقدمه العلماء على كروية ~~الأرض قبل أن يخترعوا فكرة التصوير من خارج الغلاف الجوي. ونأخذ من قول ~~الحق سبحانه: { وهو الذي مد الأرض.. } [الرعد: 3]. معنى آخر ~~هو ضرورة أن ينظر الإنسان في هذا الامتداد ومن تضيق به الحياة في مكان ~~يمكنه أن يرحل إلى مكان آخر، فأرض الله واسعة، والحق سبحانه هو ~~القائل: # ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها.. # [النساء: 97]. ونعلم أن فساد العالم في زمننا إنما ينشأ من فساد ~~السياسات وزيادة الاضطرابات، وذلك واحد من نتائج تعويق مد الأرض، ~~فساعة يحاول إنسان أن يترك حدود موطنه يجد الحراسات والعوائق عند حدود ~~البلاد المجاورة، وتناسى الجميع قول الحق سبحانه: # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10]. فسبحانه قد سخر الأرض وأخضعها للأنام كل الأنام، وإذا ~~لم يتحقق هذا المبدأ القرآني سيظل العالم في صراع وستظل بعض من البلاد ~~في حاجة للبشر، وبعض من البلاد في ضيق من الرزق لزيادة السكان عن ~~إمكانات الأرض التي يعيشون عليها. وستظل هناك أرض بلا رجال ورجال بلا ~~أرض، نتيجة للحواجز المصطنعة بين البلاد. # وحتى تحل هذه القضية - كما قلنا في الأمم المتحدة - لا بد من تطبيق ~~المبدأ القرآني: # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10]. ومن تضيق به الأرض التي نشأ فيها فليسمح له بالهجرة. ~~ويتابع سبحانه في نفس الآية: { وجعل فيها رواسي وأنهارا.. ~~} [الرعد: 3]. والرواسي هي جمع " راس " وهو الشيء الثابت. وسبحانه ~~يقول: # والجبال أرساها # [النازعات: 32]. وهكذا جاء الحق بالحكم الذي شاء أن تكون عليه الجبال، ~~وفي آية أخرى يأتينا الله بعلة كونها رواسي فيقول: # وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم.. # [الأنبياء: 31]. أي: لا تضطرب بكم الأرض، ولو كانت الأرض مخلوقة على ~~هيئة الثبات لما احتجنا إلى الجبال الرواسي كي تثبتها، ولكن الأرض ~~مخلوقة متحركة، وهي عرضة ms5171 للاضطراب، ولولا الجبال الرواسي لمادت ~~الأرض. ولسائل أن يقول: ولكننا نقطع الآن الجبال، ونأخذ الجرانيت من جبل ~~لنزين به أرضية بعض المناطق ونقطع الرخام من جبل آخر لنصنع منه ~~حمامات وأحواضا ودرجات السلالم، ونقتطع بعض أحجار أنواع معينة من ~~الجبال لنستخلص اليورانيوم منها؟ ونقول: انظر إلى حكمة الحق تبارك وتعالى ~~حين خلق وحكمته حين دبر، فهذه الأرض لها محيط ولها مركز ولها أقطار، ~~وكلما اقتربت من مركز الأرض فالقطر يقل. ومثال هذا هو البطيخة فأنت ~~إن استخلصت القشرة الخارجية لها يكون لديك كرة من القشرة الخضراء وكرة ~~أخرى من مكونات البطيخة التي نأكلها، ولو استخلصت كرة أخرى من مكونات ~~الألياف الحمراء التي تتكون منها البطيخة، لصار عندك كرة أخرى، ولصار ~~قطر الكرة الجديدة أصغر بطبيعة الحال من الكرة الخضراء. وكلما استخلصت ~~كريات أخرى من مكونات البطيخة صغرت الأقطار لأنك تقترب من مركز ~~الدائرة، والمحيط الأخضر الذي يحيط بالبطيخة وهو القشرة يشبه المحيط الذي ~~يوجد على الكرة الأرضية وهذه القشرة التي توجد حول الكرة الأرضية صلبة ~~أما ما بداخل الأرض وجوفها فهو مكون من أشياء ومواد متعددة، منها ما ~~هو سائل ومنها ما هو صلب. وكلما اقتربنا من مركز الأرض وجدنا ارتفاعا ~~في درجة الحرارة وتدلنا على ذلك كتل الحمم التي تخرج فوارة من ~~فوهات البراكين وهي حمم ذات حرارة مرتفعة للغاية وهي حمم ~~محرقة. وقد شاء الحق سبحانه أن يجعل بطن الأرض سائلا، رحمة بنا ذلك ~~أننا حين نبني بيوتا أو نقتطع أحجارا من الجبال أو نستخدم مكونات ~~الجبال في أي غرض إنما ننقل بعضا من مكونات الأرض من موقع إلى آخر. ~~وحين ينتقل ثقل من مكان على سطح الأرض إلى مكان آخر فالسائل الذي في باطن ~~الأرض ينتقل من المنطقة التي زاد عليها الثقل إلى المنطقة التي خف من ~~فوقها الثقل ليتحقق التوازن، ولو لم يحدث ذلك لتساقطت العمارات ~~الشاهقة التي نراها أثناء دوران الأرض. والمثل الذي يوضح ذلك أنك ~~لو وضعت قطعة من العجين على سطح بطيخة أو ms5172 كرة، وجعلت البطيخة أو الكرة ~~في حالة دوران لطردت الكرة أو البطيخة قطعة العجين من على سطحها. # وقد شرح العلماء في " علم الحركة " ذلك فقالوا: إن كل شيء مستدير يتحرك ~~إنما تنشأ عن حركته عملية اسمها الطرد الذاتي لأن قطعة العجين أو أي ~~شيء نضعه على شيء مستدير يتحرك تكون له كثافة وثقل على المنطقة التي يوجد ~~فيها، ويصل هذا الثقل إلى المركز، ولكي تستمر الحركة الدائرية متوازنة لا ~~بد أن يطرد الشيء المستدير ما فوقه من ثقل زائد. ولذلك شاء الحق سبحانه ~~أن يجعل نصفي الكرة الأرضية من أي موقع تتخيله، متساويا في الوزن مع ~~النصف الآخر، ومهما أخذت من مواد ونقلتها من موقع إلى آخر، فالوزن ~~يتعادل نتيجة لحركة السوائل التي في بطن الأرض. وهذا يدل على عظمة ~~الخالق الذي خلق بتدبير دقيق، ويكفي أن ننظر إلى عظمة الحق الذي لم يجعل ~~الجبال رواسي ليمنع الأرض من أن تميد بنا، بل جعل في الجبال والصحاري ~~ما استنجدنا به حين ضاقت الأرض بنا فذهبنا إلى الجبال لنستخرج منها ~~المواد الخام ونصدرها ثم نشتري بثمنها القمح. ونرى من حولنا الصحاري ~~حيث كان المقيمون فيها يلهثون قديما من العطش، ولا يجدون شجرة يستظلون ~~بها فيفجر فيها الحق آبار البترول. وهكذا نرى أن كل قطاع من الأرض فيه ~~خير مساو لأي قطاع آخر من الأرض، وجعل الله لكل أمر زمنا يمكن للبشر ~~أن يستفيدوا من هذا الأمر في ذلك الزمن. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في ~~الجبال: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 9-10]. أي: أنه سبحانه بارك في الجبال، وهي جزء من الأرض، وشاء ~~أن يقدر الأقوات في الجبال والأرض ويكفي أن نعلم أن المطر حين يتساقط ~~من السماء على الجبال فيحمل المطر بعضا من الطمي من على أسطح تلك ~~الجبال، فتتجدد خصوبة الأرض. ولو كانت الجبال ms5173 هشة لذابت الجبال من ~~عدد قليل من مرات سقوط المطر، ولذابت القشرة الخصبة التي تغذي ~~النبات حين نزرعه في الأرض. ولكنه سبحانه شاء أن تمر الظروف الجوية ~~باختلافها وتنوعها في تتابع يوفر من الحرارة والرطوبة ما يجعل الأرض ~~تتشقق فيصير سطح الجبال الصلبة هشا لينزل مع المطر وليغذي ~~الأرض بالخصوبة من أجل أن يستمر استبقاء الحياة بإنتاج ما نحتاجه من ~~نباتات مزروعة. ونلحظ قوله سبحانه في نفس الآية: { وجعل فيها ~~رواسي وأنهارا.. } [الرعد: 3]. وهنا يجمع الحق بين الرواسي وهي ~~الثوابت، وبين الأنهار وهي التي تحمل الماء السائل، وهذا جمع بين ~~الأضداد. # والنهر يطلق على ما يحمل المياه العذبة أما البحر فهو المكون من ~~الماء المالح، وأنت إذا استعرضت أنهار الدنيا كلها ستجد أن مجاريها تصب ~~في البحار، وهذا دليل على أن منسوب النهر أعلى دائما من منسوب البحر، ~~ولو كان الأمر بالعكس لطغى ماء البحر على مياه النهر، ولما استطعنا ~~أن نشرب أو نزرع. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يجعل الماء العذب هو الأعلى ~~لأن له مهمة يؤديها قبل أن يصب في البحر. أقول ذلك حتى نعلم الحكمة ~~في قول الحق سبحانه: # بينهما برزخ لا يبغيان # [الرحمن: 20]. ومن العجيب أن البرزخ الذي يفصل بين النهر والبحر يكون ~~انسيابيا، يتدرج نزول مياه النهر في مياه البحر بما يحقق سهولة في ~~هذا الانتقال، ومن العجيب أيضا أنك إن حفرت عند شاطئ البحر قد تعثر ~~على الماء العذب. ولذلك حين نزور العريش نجد شاطئا باسم شاطئ النخيل ~~ونحن نعلم أن النخيل يحتاج إلى الماء العذب، وكأن الحق سبحانه قد جعل ~~في هذا النخيل خاصية استخلاص الماء العذب من هذا المكان الذي يوجد على ~~البحر وقد تكون له جداول عذبة. فسبحانه القائل: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ~~ينابيع في الأرض.. # [الزمر: 21]. ونحن في الريف نجد من يحفر بئرا ويكون ماؤه عذبا وآخر ~~يحفر بئرا ويكون ماؤه مالحا. وهذا دليل على أن الماء في بطن الأرض غير ~~مختلط، بل لكل ماء ms5174 مسارب تختلف باختلاف نوعية المياه. ويرتب الحق ~~سبحانه في نفس الآية مجيء الثمرات كنتيجة على وجود الثابت - الجبال - ~~كمصدر للغرين وخصوبة الأرض، وعلى وجود الأنهار التي تحمل الماء اللازم ~~للري، وهكذا يكون مجيء الثمرات أمرا طبيعيا. والثمرة كما نعلم هي ~~الغاية من أي زرع. وفي نفس الآية يواصل الحق ذكر عطائه، فيقول سبحانه: { ~~ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين.. } ~~[الرعد: 3]. ويستعمل البعض كلمة " زوج " ويراد به شيئان كقولنا " زوج ~~أحذية " مع أن التعبير الدقيق يقتضي أن نقول " زوجان من الأحذية " كتوصيف ~~لفردة حذاء يمنى وفردة حذاء يسرى لأن كلمة " زوج " مفرد، وتستخدم في ~~الشيء الذي له مثل ولذلك نجد العدد الفردي والعدد الزوجي والعدد الزوجي ~~مفرد له مثيل وفي الإنسان هو الذكر والأنثى. وسبحانه القائل: # ومن كل شيء خلقنا زوجين.. # [الذاريات: 49]. ويخطئ الناس أيضا في فهم كلمة التوأم، ويظنون أنها ~~تعني الاثنين اللذين يولدان معا، ولكن المعنى الدقيق للتوأم وهو الفرد ~~الذي يولد مع آخر، ويقال لاثنين معا " التوأمان ". وهنا يقول الحق ~~سبحانه: { وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي ~~وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين ~~اثنين.. } [الرعد: 3]. ولم يخلق الحق سبحانه أي شيء إلا وشاء له أن ~~يتكاثر، مصداقا لقول الحق سبحانه: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36]. وكل تكاثر إنما يحتاج إلى زوجين، وكنا نعتقد قديما أن ~~التكاثر يحدث فقط في النبات مثلما نلقح النخلة بالذكر، وفي الحيوان ~~يخصب الفحل الأنثى، ثم كشف لنا العلم بعد ذلك أن الكهرباء - على سبيل ~~المثال لا الحصر - تتكون من سالب وموجب وغير ذلك كثير، وكل ما قدمه العلم ~~من كشوف يؤيد صدقه سبحانه: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها.. # [يس: 36]. ويتابع سبحانه في نفس الآية: { يغشي اليل النهار.. ~~} [الرعد: 3]. أي: أن تأتي الظلمة على النهار فتغطيه وهو القائل في ~~موقع آخر من القرآن: # فمحونآ آية اليل وجعلنآ آية النهار مبصرة.. # [الإسراء: 12]. وذلك تحقيقا لمشيئته التي قالها: # وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة.. ms5175 # [الفرقان: 62]. وإن سأل سائل: هل الليل هو الذي خلق أولا أم ~~النهار؟ أقول: نحن نرى الآن الليل والنهار، كل منهما يؤدي ~~مهمته في نصف ما في الكرة الأرضية، وكل منهما يخلف الآخر، ولا بد أن ~~الأمر كذلك من أول الخلق. فإن كان سبحانه قد أوجد الأرض مبسوطة وفي ~~مواجهتها الشمس، لكان النهار هو الأسبق في الخلق، وإن كان قد خلق ~~الشمس غير مواجهة للأرض يكون الليل هو الذي سبق النهار في الخلق. ويوضح ~~الحق سبحانه هذا الأمر قليلا في سورة يس حين يقول: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. وكان العرب قديما يظنون أن الليل هو الذي سبق النهار في ~~الخلق لأنهم كانوا يؤرخون الشهور بالقمر فيدخل الشهر بليله لا ~~بنهاره، ونحن نعلم أن رمضان يأتينا بأول ليلة فيه. وقد أوضح الحق سبحانه ~~لهم على قدر معارفهم، ثم ثبت لنا أن الليل والنهار قد وجدا في وقت ~~واحد بعد أن وضحت لنا أن صورة الأرض كروية، وأنه سبحانه قد خلقها كذلك، ~~فما واجه الشمس كان نهارا وما غابت عنه الشمس كان ليلا، ويخلف كل ~~منهما الآخر. وهكذا وضح لنا أنهما موجودان في آن واحد. ويذيل الحق ~~سبحانه الآية الكريمة بقوله: { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون } [الرعد: 3]. أي: أن على الإنسان مسئولية التفكر فيما ~~يراه من حوله ليصل إلى لب الحقائق. ويقول سبحانه بعد ذلك: { وفي ~~الأرض قطع متجاورات... }. ### || [13.4] # هذه الآية جاءت بشيء من التفصيل لقول الحق سبحانه في أواخر سورة يوسف: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. وتلك آية تنضم إلى قوله تعالى: # رفع السماوات بغير عمد ترونها.. # [الرعد: 2]. وتنضم إلى: # يدبر الأمر يفصل الآيات.. # [الرعد: 2]. وتنضم إلى قوله سبحانه: # وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ~~ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي ~~اليل النهار.. # [الرعد: 3]. وحين نتأمل قول الحق سبحانه: { وفي الأرض قطع ~~متجاورات.. } [الرعد: 4]. نجد أننا لا ms5176 نستطيع أن نعرفها بأنها ~~التي يعيش عليها أمثالنا تلك هي الأرض، ولو أردنا تعريفها لأبهمناها، فهي ~~أوضح من أن تعرف. وكلمة " قطع " تدل أول ما تدل على " كل " ~~ينقسم إلى أجزاء، وهذا الكل هو جنس جامع للكلية وفيه خصوصية تمييز قطع ~~عن قطع. وأنت تسمع كلام العلماء عن وجود مناطق من الأرض تسمى حزام ~~القمح، ومناطق أخرى تسمى حزام الموز ومناطق حارة وأخرى باردة. وقول ~~الحق سبحانه: { قطع متجاورات.. } [الرعد: 4]. هو قول يدل على ~~الإعجاز فعلى الرغم من أنها متجاورات إلا أن كلا منها تناسب الطقس الذي ~~توجد فيه فزراعة الذرة تحتاج مناخا معينا وكذلك زراعة الموز. وهكذا ~~تجد كل منطقة مناسبة لما تنتجه، فالأرض ليست عجينة واحدة استطراقية، لا ~~بل هي تربة مناسبة للجو الذي توجد به. ومن العجيب أن فيها الأسرار التي ~~يحتاجها الإنسان هذا السيد الذي تخدمه كل الكائنات، فليست الأرض سائلة في ~~التماثل بل تختلف بما يناسب الظروف، فهناك قطعة سبخة لا تنبت وأخرى خصبة ~~تنبت. بل وتختلف الخصوبة من موقع إلى آخر ومن قطعة إلى أخرى فثمرة ~~الجوافة من شجرة معينة في منطقة معينة تختلف عن ثمرة الجوافة من شجرة في ~~منطقة أخرى والقمح في منطقة معينة يختلف عن القمح في منطقة أخرى ويقال لك ~~" إنه قمح فلان ". ويحدث ذلك رغم أن الأرض تسقى بماء واحد. ويقول ~~العلماء البعيدون عن منطق السماء: " إن السبب في الاختلاف هو عملية ~~الاختيار والانتخاب ". وكأنهم لا يعرفون أن الاختيار يتطلب مختارا، ~~وأن يكون له عقل يفكر به ليختار، وكذلك الانتخاب فهل البذيرات تملك ~~عقلا تفكر به وتختار؟ طبعا لا. ويقولون: إن النبات يتغذى بالخاصية ~~الشعرية، ونعلم أن الأنابيب الشعرية التي نراها في المعامل تكون من ~~الزجاج الرفيع وإذا وضعناها في حوض ماء، فالماء يرتفع فيها على مستوى ~~الإناء. وإن صدقنا العلماء في ذلك، فكيف نصدقهم في أن شجرة ما ~~تأخذ ماء من الشجرة الأخرى وتنتج كل منهما نفس الثمار لكن ثمار شجرة ~~تختلف عن الأخرى في الطعم؟ ونقول: إن ms5177 كل شجرة تأخذ من الأرض ما ينفعها ~~ولذلك تختلف النباتات، ويحدث كل ذلك بقدرة الذي قدر فهدى. # وهكذا نرى الأرض قطعا متجاورات منها ما يصلح لزراعة تختلف عن زراعة ~~الأرض الأخرى. وقد يقول بعض من الملاحدة: إن هذا الاختلاف بسبب الطبيعة ~~والبيئة. وهؤلاء يتجاهلون أن الطبيعة في مجموعها هي الشمس التي تعطي ~~الضوء والحرارة والإشعاع، والقمر أيضا يعكس بعضا من الضوء، والنجوم ~~تهدي من يسير في الفلاة، وتيارات الهواء تتناوب ولها مسارات ومواعيد. ~~ورغم كل ذلك فهناك أرض خصبة تنتج، وأرض سبخة لا تنتج، وأرض حمراء وأخرى ~~سوداء، وثالثة رملية، وكلها متجاورة. لا بد إذن من وجود فاعل مختار يأمر ~~هذه أمرا مختلفا عن تلك. ويتابع الحق سبحانه في نفس الآية: { ~~وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير ~~صنوان.. } [الرعد: 4]. وجاء الحق سبحانه هنا بالمرفهات أولا ~~فتحدث عن الفاكهة ثم تحدث عن الزرع الذي منه القوت الأساسي، ونحن في ~~حياتنا نفعل ذلك فحين تدخل على مائدة أحد الكبار تجد الفاكهة معدة على ~~أطباق بجانب المائدة الرئيسية التي يقدم عليها الطعام. ويأتي الحق ~~سبحانه بعد الأعناب والزرع الذي منه القوت الضروري بالنخيل، وهو الذي ~~ينتج غذاء، وقد يكون التمر الذي ينتجه ترفا يتناوله الإنسان بعد تناول ~~الطعام الضروري. وقول الحق سبحانه: { صنوان وغير صنوان.. } ~~[الرعد: 4]. يتطلب منا أن نعرف ما الصنوان؟ ونجد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " العم صنو أبيك " # أي: أن الصنو هو المثل. وبهذا يكون معنى الصنوان هو المثلان. ~~ونرى ذلك واضحا في النخيل فنرى أحيانا أصلا واحدا تخرج منه نخلتان أو ~~ثلاث نخلات وأحيانا يخرج من الأصل الواحد أربع أو خمس نخلات. ويطلق لقب ~~" الصنوان " على الأصل الواحد الذي يتفرع إلى نخلتين أو أكثر فكلمة " ~~صنوان " تصلح للمثنى وللجمع، ولكنها في حالة المثنى تعامل في الإعراب ~~كالمثنى فيقال " أثمرت صنوان " و " رأيت صنوين " أما في حالة الجمع ~~فيقال " رأيت صنوانا " و " مررت بصنوان ". والمفرد طبعا هو " صنو ~~". ويقول سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ms5178 { وجنات ~~من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان ~~يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل.. } [الرعد: 4]. ومن العجيب أن كل شجرة تأخذ عبر جذورها كمية ~~من الماء والغذاء اللازم لإنتاج ثمار ذات شكل وطعم مختلف. وهذا ما ~~جعلنا نقول من قبل: إن افتراضات العلماء المتخصصين في علوم النبات عن ~~أن النباتات تتغذى بخاصية الأنابيب الشعرية هو افتراض غير دقيق. فلو ~~كان الأمر كذلك لأخذت الأنابيب الشعرية الخاصية بنبات المواد التي أخذتها ~~الأنابيب الشعرية الخاصة بنبات آخر. # والأمر ليس كذلك، فكل نبات يأخذ من الأرض ما يخصه فقط، ويترك ما عدا ~~ذلك. ذلك أن الثمار لكل نبات تختلف ولا تتشابه بل إن الشجرة الواحدة ~~تختلف ثمارها من واحدة إلى أخرى. مثال هذا: هو شجرة المانجو أو النخلة ~~المثمرة، ويمكنك أن تلاحظ نفسك، وسترى أنك تنتقي من ثمار المانجو القادمة ~~من شجرة واحدة ما يعجبك، وترفض غيرها من الثمار، وسترى أنك تنتقي من ثمار ~~البلح القادم من نخلة واحدة ما يروق لك وترفض بعضا من ثمار نفس النخلة. ~~وحين تذهب لشراء الفاكهة فأنت تشتري حسب موقفك من الادخار فإن كنت تحب ~~الادخار فسوف تشتري الفاكهة التي من الدرجة الثانية وإذا كنت تحب أن ~~تستمتع بالطيب من تلك الفاكهة فسوف تشتري من الفاكهة المتميزة. وأتحدى ~~أن يقف واحد أمام قفص للفاكهة، وينتقي الثمار غير الجميلة الشكل ~~والرونق، بل يحاول كل إنسان أن يأخذ الجميل والطيب من تلك الفاكهة، ~~وحين يدفع ثمن ما اشترى سنجده يدفع النقود الورقية القديمة التي توجد في ~~جيبه، وسيحتفظ لنفسه بالنقود الجديدة. وهذا الموقف يغلب على مواقف أي ~~إنسان، فهو مقبل دائما على رفض أخذ السيء وخائف دائما على التفريط ~~في الحسن. والحق سبحانه يقول: # قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق.. # [الإسراء: 100]. وأنت لا تجد في الثمار تشابها، بل اختلافا في ~~الطعم من نوع إلى نوع كذلك تجد اختلافا في طريقة تناولها فلا أحد ~~منا يأكل البلحة بكاملها، بل نأكل ثمرة البلحة ms5179 بعد أن نخرج منها ~~النواة ونأكل ثمرة التين بأكملها، ونخرج ما في قلب حبة المشمش من بذرة ~~جامدة، ثم نأكل المشمشة من بعد ذلك. فكل ثمرة لها نظام خاص وليست مسألة ~~ميكانيكية في عطاء الله لثمار متشابهة بل هناك اختلاف، ويمتد هذا ~~الاختلاف إلى أدق التفاصيل لدرجة أنك حين تتناول قطفا من العنب تجد ~~اختلافا لبعض من حبات العنب عن غيرها. ونحن لا نفضل بعضا من ~~الفاكهة على البعض الآخر في الأكل فقط، بل نفضل في الصنف الواحد ~~بعضا من ثماره عن البعض الآخر. وحين تقرأ: { ونفضل بعضها ~~على بعض في الأكل.. } [الرعد: 4]. فاعلم أنه لا يوجد شيء أو ~~أمر مفضل على إطلاقه، وأمر آخر مفضول على إطلاقه، فما دمنا نفضل ~~بعضه على البعض الآخر فهذا يعني أن كلا منهما مفضل في ناحية، ومفضول ~~عليه في ناحية أخرى. والمثل الواضح أمامنا جميعا أننا حين نجلس إلى ~~مائدة عليها ديك رومي قد تجد يدك تتجه إلى طبق " المخلل " قبل أن تمتد ~~يدك إلى الديك الرومي لأن " نفسك " قد طلبته أولا، فلا تقل: إن هناك ~~شيئا مفضولا عليه طوال الوقت، أو شيئا مفضلا كل الوقت. # وكذلك الناس إياك أن تظن أن هناك إنسانا فاضلا على إطلاقه وآخر ~~مفضولا على إطلاقه بل هناك إنسان فاضل في ناحية ومفضول عليه في ناحية ~~أخرى. والمثل: هو صاحب السيارة الفارهة ثم ينفجر إطار سيارته فيتمنى أن ~~يرزقه الله بمن يمر عليه ليقوم بتغيير إطار السيارة فيمر عليه هذا ~~الإنسان صاحب الملابس غير النظيفة بما عليها من شحوم فيكون هذا الإنسان ~~أفضل منه في قدرته على فك الإطار المنفجر بالإطار السليم الاحتياطي. ~~وهكذا نشر الله الفضل على الناس ليحتاج بعضهم لبعض ولذلك أقول: حين تجد ~~نفسك فاضلا في ناحية إياك أن تقع في الغرور واسأل نفسك: ما الذي ~~يفضل عليك فيه غيرك؟ وتذكر قول الحق سبحانه: # لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا ~~منهن.. # [الحجرات: 11]. وهكذا ms5180 شاء الحق سبحانه أن يوزع الفضل بين الناس، ~~ليحتاج كل منهم الآخر، وليتكامل المجتمع. وكذلك وزع سبحانه الفضل في ~~الأطعمة والفواكه والثمار، وانظر إلى نفسك لحظة أن تقدم لك أصناف ~~متعددة من الفاكهة فقد تأخذ ثمرة من الجميز قبل أن تأخذ ثمرة من التفاح ~~فساعة طلبت نفسك ثمرة الجميز صارت في تقدير الموازين والتبادل هي ~~الأفضل، وكل إنسان يمكن أن يجد ذلك فيما يخصه أو يحبه. والحق سبحانه ~~هو القائل: # وكل شيء عنده بمقدار # [الرعد: 8]. ولذلك نجد الإنسان وهو يلون ويتفنن في صناعة الطعام، ~~ويختلف إقبال الأفراد على الأطعمة المنوعة، وقد تجد اثنين يقبلان ~~على لحم الدجاج لكن أحدهما يفضل لحم الصدر والآخر يفضل لحم " ~~الورك " ، وتجد ثالثا يفضل لحم الحمام وتجد رابعا يفضل تناول ~~السمك. بل إنك تجد اختلافا في طريقة تناول من يحبون السمك فمنهم من ~~يحب أكل رأس السمكة، ومنهم من يحب لحم السمكة نفسها، ولا أحد يملك ~~معرفة السبب في اختلاف الأمزجة في الانجذاب إلى الألوان المختلفة من ~~الأطعمة. وحين تتأمل تلك المسائل قد يأتي إلى خاطرك قول الحق سبحانه: # كيف تكفرون بالله.. # [البقرة: 28]. والسؤال هنا من الله للتعجب والتعجب عادة يكون من شيء ~~خفي سببه، فهل يخفى سبب على الله ليتعجب؟ طبعا لا، فسبحانه منزه ~~عن ذلك، وسبحانه يعلم سبب كفر الكافرين لكنه ينكر عليهم أسباب الكفر. ~~والمثل من حياتنا - ولله المثل الأعلى - فأنت تجد نفسك وأنت تنطق ~~بكلمة " كيف تسب أباك؟ " لإنسان يوجه كلمات جارحة لوالده فتتعجب ~~لتنكر ما فعله هذا الإنسان. وكذلك القول: كيف تكفرون بالله؟ لأن الكفر ~~شيء لا يتأتى من عاقل. وكان لنا شيخ هو فضيلة العالم أحمد الطويل وكان ~~يحدثنا عن شيخ له حين كان يقرأ قول الحق سبحانه: # كيف تكفرون بالله.. # [البقرة: 28]. كان يقول: إن الخطاب هنا عام لكل إنسان لأن الحق بعدها ~~يأتي بالقضية العامة: # وكنتم أمواتا فأحياكم.. # [البقرة: 28]. وهذا القول للعموم. وكان شيخنا يحكي عن شيخه أنه حدثهم ~~أن إنسانا كان مسرفا على نفسه ثم انصبت عليه ms5181 الهداية مرة واحدة ~~ورآه كل من حوله وهو مقبل على الله فسألوه عن سبب الهداية، فقال: ~~كنت أجلس في بستان، ثم راق لي عنقود من العنب فقطفت العنقود، وأخذت ~~أتأمل فيه فوجدت غشاء رقيقا شفافا - وهو قشرة حبة العنب - يشف عما ~~تحته من لحم العنبة الممتلئ بالعصير. وحين وضعت حبة العنب في فمي صارت ~~ماء رطبا، وأخذني العجب من احتفاظ حبة العنب ببرودتها ورطوبتها رغم ~~حرارة جو شهر بؤونة ثم وجدت بذرة الحبة ولها طعم المسك فلما غمرني ~~السرور من طعم وجمال العنب سمعت هاتفا يهتف بي: " كيف تكفر بالله وهو ~~خالق العنب؟ " فهتفت: آن يا رب أن أومن بك. وكل منا له أن ينظر إلى ~~شيء يعجبه وسيجد الشيء كأنه يقول له: كيف تكفر بالله وهو خالقي؟ وهكذا ~~سنجد كل إنسان وهو مخاطب بهذه العبارة، لأنه ما من كائن إلا وله شيء ~~يعجبه في الكون. وهكذا نفهم معنى قول الحق سبحانه: { ونفضل ~~بعضها على بعض في الأكل.. } [الرعد: 4]. ونجد أي شيء هو ~~فاضل في وقت الحاجة إليه وطلبه وكل شيء مفضول عليه في وقت ما وإن كان ~~فاضلا عند من يحتاجه. ونجد أن التفضيل هنا عند الأكل. والأكل هو ما ~~يؤكل لا الآن فقط إنما ما يؤكل الآن أو بعد ذلك وسبحانه القائل: # كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ~~ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل.. # [البقرة: 265]. وسبحانه يقول أيضا: # أكلها دآئم.. # [الرعد: 35]. وكذلك قال: # تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.. # [إبراهيم: 25]. وهكذا نجد أن الأكل مقصود به ما يؤكل الآن، وما بعد ~~الأكل أيضا. ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: { إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون } [الرعد: 4]. وبعض الناس يظنون أن ~~العقل يعني أن يمرح الإنسان في الأشياء، وأنه يعطي الإنسان الحرية ~~المطلقة، ومثل هذا الظن خاطئ لأن العقل جاء ليبصر الإنسان بعواقب ~~كل فعل ونتائجه، فيقول للإنسان: " إياك أن يستهويك الأمر الفلاني ~~لأن عاقبته وخيمة ". ومن مادة العين والقاف واللام عقل. ويقال: عقلت ~~البعير. ومن مهام العقل ms5182 أن يفرز الأشياء، وأن يفكر فيها ليستخرج ~~المطلوب، وأن يتدبر كل أمر، فعمليات العقل هي الاستقبال الإدراكي والبحث ~~فيه لاستخلاص الحقائق والنتائج، وأن يتدبر الإنسان كل أمر كي يتجنب ما ~~فيه من ضرر. والمثل: هو ما توصل إليه بعض من العلماء من اكتشاف لأدوية ~~يستخدمونها لفترة ما، ثم يعلنون عن الاستغناء عنها لأن آثارها الجانبية ~~ضارة جدا وهذا يعني أنهم لم يتدبروا الأمر جيدا وخطوا خطوات إلى ما ~~ليس لهم به كامل العلم. # وقول الحق سبحانه: { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } ~~[الرعد: 4]. نلحظ فيه توجيها بالتعاون بين العقول، لتبحث في آيات رب ~~العقول فلا يأخذ أحد قرارا بعقله فقط بل يسمع أي منا لرأي عقل ثان ~~وعقل ثالث ورابع ليستطيع الإنسان تدبر ما يمكن أن يقع ولتتكاتف العقول ~~في استنباط الحقائق النافعة التي لا يتأتى منها ضرر فيما بعد لأن من ~~استبد برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركهم في عقولهم. ويقول الحق سبحانه ~~بعد ذلك: { وإن تعجب فعجب قولهم... }. ### || [13.5] # والعجب هو أن تبدي دهشة من شيء لا تعرف سببه، وهذا التعجب لا يتأتى ~~من الله لأنه سبحانه يعلم كل شيء، فإذا صدر عجب من الله مثل قوله الحق: # كيف تكفرون بالله.. # [البقرة: 28]. فمعنى هذا أنه سبحانه ينكر أن يكفر الإنسان مع قيام ~~الأدلة على الإيمان لكن بعضا من الناس - رغم ذلك - يكفر بالله. وقول ~~الحق سبحانه: { وإن تعجب.. } [الرعد: 5]. هو خطاب موجه لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعجب من ~~أنهم كانوا يسمونه قبل أن يبعثه الله رسولا بالصادق الأمين وبعد ما ~~جاءت الرسالة قالوا: إنه ساحر كذاب. فكيف يكون صادقا أمينا ببشريته ~~وذاتيته ثم إذا أمده الحق سبحانه بالمدد الرسالي تتهمونه بالكذب؟ ~~ألم يكن من الأجدر أن تقولوا إنه صار أكثر صدقا؟ وهل من الممكن ~~أن يكون صادقا عندكم، ثم يكذب على الله؟ والتعجب أيضا من أنهم أنكروا ~~البعث من بعد الموت، رغم أنه سبحانه أوضح الأدلة على ذلك ولكن ms5183 المؤمنين ~~وحدهم هم الذين استقبلوا أمر البحث بالتصديق بمجرد أن أبلغهم به رسول ~~الله مبلغا عن ربه. ونجد الحق سبحانه وتعالى قد احترم فضول ~~العقل البشري، فأوضح سبحانه ذلك ونصب الأدلة عليه وأبلغنا أنه لم يعجز ~~عن الخلق الأول لذلك لن يعجز عن البعث. فقد جاء بنا سبحانه من عدم، وفي ~~البعث سيأتي بنا من موجود، ومن الغباء إذن أن يتشكك أحد في البعث، ~~والمسرف على نفسه إنما ينكر البعث لأنه لا يقدر على ضبط النفس ويظن ~~أنه بإنكار البعث لن يلقى المصير الأسود الذي سيلقاه في الآخرة. ولذلك ~~تجد المسرفين على أنفسهم يحاولون التشكيك في البعث ويأتي الحق سبحانه ~~بتشكيكهم هذا في قول الحق سبحانه: # وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ~~وما يهلكنآ إلا الدهر.. # [الجاثية: 24]. ولو أن الواحد منهم وضع مسألة البعث في يقينه لانصرف ~~عن شهواته، بينما هو يريد أن ينطلق بالشهوات ولذلك نجدهم يقولون: # أإذا ضللنا في الأرض.. # [السجدة: 10]. وهم يقصدون بذلك أنهم بعد الموت سيصيرون ترابا، ويعودون ~~إلى الأرض كعناصر وتراب تذروه الرياح، فكيف سيأتي بهم الله للبعث، ~~وينشئهم من جديد؟ ويقول سبحانه: # قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي ~~أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم # [يس: 78-79]. ومن الكافرين من قال: سنصير ترابا، ثم نختلط بالتربة، ~~ويتم زراعة هذه التربة، فتمتزج عناصرنا بما تنبته الأرض من فواكه وخضر ~~وأشجار ثم يأكل طفل من الثمرة التي تغذت بعناصرنا فيصير بعض منا ~~في مكونات هذا الطفل والقياس يوضح أننا سوف نتناثر فكيف يأتي بنا ~~الله؟ كل ذلك بطبيعة الحال من وسوسة الشيطان ووحيه: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم.. # [الأنعام: 121]. وأقول: لنفترض أن إنسانا قد مرض وأصابه هزال، وفقد ~~ثلاثين كيلوجراما من وزنه، وما نزل من هذا الوزن لا بد أنه قد ذهب ~~إلى الأرض كعناصر اختلطت بها، ثم جاء طبيب قام بتشخيص الداء وكتب ~~الدواء، وشاء الله لهذا المريض الشفاء واسترد وزنه، وعاد مرة أخرى ~~لحالته الطبيعية فهل الثلاثين كيلو جراما ms5184 التي استردها هي هي نفس ~~الكمية بنوعيتها وخصوصيتها التي سبق أن فقدها؟ طبعا لا. وهكذا نفهم أن ~~التكوين هو تكوين نسبي للعناصر، كذا من الحديد كذا من الصوديوم كذا من ~~المغنسيوم وهكذا. إذن: فالجزاء في اليوم الآخر عملية عقلية لازمة، يقول ~~الحق: # كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون # [البقرة: 28]. ما دام هناك أمر وهناك نهي وهناك منهج واضح يبين كل ~~شيء. وإن كنت تعجب يا محمد من الكفار وما يثيرونه من أقضية، فلك أن ~~تعجب لأنها أمور تستحق العجب. والحق سبحانه حين يخاطب الخلق فهو ~~يخاطبهم إما في أمر يشكون فيه، أو في أمر لا يشك فيه أحد. والمثل ~~من حياتنا - ولله المثل الأعلى - حين تخاطب أنت واحدا في أمر يشك ~~هو فيه فأنت تحاول أن تؤكد هذا الأمر بكل الطرق، وهكذا وجدنا بعضا من ~~الناس ينكرون البعث والحساب ووجدنا الحق سبحانه وتعالى يذكرهم به عبر ~~رسوله ويؤكده لهم. وأيضا خاطبهم الحق سبحانه فيما لم يشكوا فيه وهو ~~الموت وقال: # كل نفس ذآئقة الموت.. # [آل عمران: 185]. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت ". # فالموت يقين، ولكن لا أحد يحاول التفكير في أنه قادم، وسبحانه يقول: # ثم إنكم بعد ذلك لميتون # [المؤمنون: 15]. وهذا تأكيد لأمر يجمع الناس على أنه واقع، لكنهم ~~لغفلتهم عنه بدوا كالمنكرين له، لذلك خاطبهم خطاب المنكرين، ثم قال ~~بعد ذلك: # ثم إنكم يوم القيامة تبعثون # [المؤمنون: 16]. ولم يقل: " ولتبعثون " لأن البعث مسألة لا تحتاج إلى ~~تأكيد، وعدم التأكيد هنا آكد من التأكيد، لأن أمر الموت واضح جدا رغم ~~الغفلة عنه، أما البعث فهو واقع لا محالة بحيث لا يحتاج إلى تأكيد. ~~والمثل من حياتنا - ولله المثل الأعلى - يذهب الإنسان إلى الطبيب فيقول ~~له الطبيب بعد الكشف عليه " اذهب فلن أكتب لك دواء ". وهذا القول يعني أن ~~هذا الإنسان في تمام الصحة وكأن كتابة الدواء يحمل شبهة أن هناك مرضا. ~~وكذلك الحق سبحانه ms5185 يخاطب الخلق في الشيء الذي ينكرونه وعليه دليل واضح ~~فيأتي خطابه لهم بلا تأكيد وهو يوضح بتلك الطريقة أنهم على غير حق في ~~الإنكار، أما الشيء الذي يتأكدون منه وهم غافلون عنه فهو يؤكده لهم كي لا ~~يغفلوا عنه. # وكذلك في القسم فنجده سبحانه قد أقسم بالتين والزيتون وأقسم بالقرآن ~~الحكيم وأقسم بغير ذلك، ونجده في مواقع أخرى يقول: # لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد ~~* ووالد وما ولد # [البلد: 1-3]. والعجيب أنه يأتي بجواب القسم، فيقول: # لقد خلقنا الإنسان في كبد # [البلد: 4]. وقد يقول قائل: كيف يقول: # لا أقسم.. # [البلد: 1]. ثم يأتي بجواب القسم؟ وأقول: لقد جاء هنا بقوله: # لا أقسم.. # [البلد: 1]. وكأنه يوضح ألا حق لكم في الإنكار ولذلك ما كان يصح ~~أن أقسم لكم، ولو كنت مقسما لأقسمت بكذا وكذا وكذا. وسبحانه يقول ~~في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { وإن تعجب فعجب ~~قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد.. } ~~[الرعد: 5]. وهو جل وعلا يذكرهم بما كان يجب ألا ينسوه فقد خلقهم ~~من تراب وخلق التراب من عدم، وهو القائل: # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد # [ق: 15]. إذن: فسبحانه يتعجب من أمر هؤلاء ويزيد من العجب أنهم كذبوا ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بعد أن جربوا فيه الصدق، ولمسوا منه الأمانة ~~وقالوا عنه ذلك من قبل أن يبعث وفوق ذلك أنكروا البعث مع قيام الدليل ~~عليه. ويصفهم الحق سبحانه: { أولئك الذين كفروا ~~بربهم.. } [الرعد: 5]. أي: أن هؤلاء المكذبين لك يا محمد ~~والمنكرين للبعث لم يكفروا فقط بالله الذي أوجب التكليف العبادي بل هم ~~يكفرون بالربوبية التي تعطي المؤمن والكافر والطائع والعاصي، وتأتمر ~~بأمرها الأسباب لتستجيب لأي مجتهد يتبع قوانين الاجتهاد، فيأخذ من ~~عطاءات الربوبية وهي عطاءات التشريف التي تضمن الرزق، بينما عطاءات ~~الألوهية هي تكليفات بالطاعة للأوامر التعبدية الممثلة في " افعل " و " ~~لا تفعل ". وسبحانه لا يكلف الإنسان إلا بعد أن يبلغ الإنسان درجة النضج ~~التي تؤهله لأن ينجب مثيلا له ms5186 وقد ترك الحق سبحانه كل إنسان يرتع في خير ~~النعم التي أسبغها سبحانه على البشر، وكان على الإنسان أن يسعى إلى ~~الإيمان فور أن تصله الدعوة من الرسول المبلغ عن الله هذا الرسول ~~المشهود له بالصدق والأمانة. ولذلك نجد الحق سبحانه وهو يصف المنكرين ~~للإيمان: { أولئك الذين كفروا بربهم.. } [الرعد: ~~5]. ويضيف: { وأولئك الأغلال في أعناقهم ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } [الرعد: 5]. ~~والغل: هو طوق الحديد الذي له طرف في كل يد ليقيدها وطرف معلق ~~في الرقبة ليقلل من مساحة حركة اليدين، ولمزيد من الإذلال. وهم أصحاب ~~النار وكلمة " صاحب " تطلق على من تعرفه معرفة تروق كيانك وذاتك ~~فهناك من تصاحبه وهناك من تصادقه وهناك من تؤاخيه وهناك من ~~تعرفه معرفة سطحية، ولا تقيم علاقة عميقة معه. إن المعرفة مراتب، والصحبة ~~تآلف وتجاذب بين اثنين ومن يصاحب النار فهو من تعشقه النار، ويعشق هو ~~النار، ويجب كل منهما ملازمة الآخر ألا تقول النار لربها يوم القيامة: # هل من مزيد # [ق: 30]. أي: أن العذاب نفسه يكون مشوقا أن يصل إلى العاصي. ويقول ~~الحق سبحانه بعد ذلك: { ويستعجلونك بالسيئة قبل ~~الحسنة... }. ### || [13.6] # والاستعجال أن تطلب الشيء قبل زمنه، وتقصير الزمن عن الغاية، فأنت حين ~~تريد غاية ما فأنت تحتاج لزمن يختلف من غاية لأخرى، وحين تتعجل غاية، ~~فأنت تريد أن تصل إليها قبل زمنها. وكل اختيار للتعجل أو الاستبطاء له ~~مميزاته وعيوبه، فهل الاستعجال هنا لمصلحة أمر مطلوب؟ إنهم هنا يستعجلون ~~بالسيئة قبل الحسنة، وهذا دليل على اختلال وخلف موازين تفكيرهم، وقد ~~سبق لهم أن قالوا: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * ~~أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر ~~الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السمآء كما ~~زعمت علينا كسفا.. # [الإسراء: 90-92]. وهكذا نجد هؤلاء الكافرين وهم يستعجلون بالسيئة قبل ~~الحسنة، كما استعجلوا أن تنزل عليهم الحجارة، وهم لا يعرفون أن كل عذاب ~~له مدة، وله ميعاد موقوت. ولم يفكروا في أن يقولوا: " اللهم إن كان هذا ~~هو الحق ms5187 من عندك فاهدنا إليه ". بل إنهم قالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وهكذا أوضح لنا الحق سبحانه ما وصلوا إليه من خلل في ~~نفوسهم وفسادها ذلك أن مقاييسهم انتهت إلى الكفر، وليس أدل على فساد ~~المقاييس إلا استعجالهم للسيئة قبل الحسنة لأن العاقل حين يخير بين ~~أمرين فهو يستعجل الحسنة لأنها تنفع، ويستبعد السيئة. وما دامت نفوس ~~هؤلاء الكافرين فاسدة وما دامت مقاييسهم مختلة، فلا بد أن السبب في ذلك ~~هو الكفر. إذن: فاستعجال السيئة قبل الحسنة بالنسبة للشخص أو للجماعة ~~دليل حمق الاختيار في البدائل فلو أنهم أرادوا الاستعجال الحقيقي ~~للنافع لهم لاستعجلوا الحسنة ولم يستعجلوا السيئة. وهنا يقول الحق ~~سبحانه: { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد ~~خلت من قبلهم المثلات.. } [الرعد: 6]. فلماذا يستعجلون ~~العذاب؟ ألم ينظروا ما الذي حاق بالذين كذبوا الرسل من قبلهم؟ وحين ~~يقول الرسول: احذروا أن يصيبكم عذاب، أو احذروا أن كذا وكذا فهل في ذلك ~~كذب؟ ولماذا لم ينظروا للعبر التي حدثت عبر التاريخ للأقوام التي ~~كذبت الرسل من قبلهم؟ و " المثلات " جمع " مثلة " وفي قول آخر " ~~مثلة ". والحق سبحانه يقول لنا: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. # [النحل: 126]. ويقول أيضا: # وجزآء سيئة سيئة مثلها.. # [الشورى: 40]. وهكذا تكون " مثلات " من المثل أي: أن تكون العقوبة ~~مماثلة للفعل. وقول الحق سبحانه: { وقد خلت من قبلهم ~~المثلات.. } [الرعد: 6]. يعني: أنه سبحانه سبق وأنزل العذاب بالمثيل ~~لهم من الأمم السابقة التي كذبت الرسل إما بالإبادة إن كان ميئوسا من ~~إيمانهم، وإما بالقهر والنصر عليهم. # ويتابع سبحانه في نفس الآية: { وإن ربك لذو مغفرة ~~للناس على ظلمهم.. } [الرعد: 6]. أي: أنه سبحانه لا يعجل ~~العذاب لمن يكفرون لعل رجلا صالحا يوجد فيهم، وقد صبر سبحانه على ~~أبي جهل فخرج منه عكرمة بن أبي جهل وهو الصحابي الصالح وصبر على خالد بن ~~الوليد فصار سيف الله المسلول، بعد أن كان أحد المقاتلين الأشداء في ~~معسكر الكفر. وتحمل ms5188 لنا أخبار الصحابة كيف قاتل عكرمة بن أبي جهل إلى أن ~~أصيب إصابة بالغة، فينظر إلى خالد بن الوليد قائلا: أهذه ميتة ترضي ~~عني رسول الله؟ وتحمل لنا أخبار الصحابة كيف حزن واحد من المقاتلين ~~المسلمين لحظة أن أفلت منه خالد بن الوليد أيام أن كان على الكفر وهو ~~لا يعلم أن الحق سبحانه قد ادخر خالدا ليكون سيف الله المسلول من بعد ~~إسلامه. وهكذا شاء الحق أن يفلت بعض من صناديد قريش من القتل أيام أن ~~كانوا على الكفر، كي يكونوا من خيرة أهل الإسلام بعد ذلك. ويتابع سبحانه: ~~{ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم.. } ~~[الرعد: 6]. فمع أن الناس ظالمون فسبحانه يغفر لهم لأنه سبحانه أفرح ~~بعبده التائب المؤمن من أحدكم، وقد وقع على بعيره، وقد أضله في فلاة. ~~ولذلك أرى أن من يعير عبدا بذنب استغفر منه الله هو إنسان آثم ذلك ~~أن العبد قد استغفر الله فلا يجب أن يحشر أحد أنفه في هذا الأمر. ونلحظ ~~هنا قول الحق سبحانه: { على ظلمهم.. } [الرعد: 6]. وفي هذا القول ~~يجد بعض العلماء أن الله قد استعمل حرفا بدلا من حرف آخر فجاءت " على " ~~بدلا من " مع ". ونلحظ أن " على " هي ثلاثة حروف و " مع " مكونة من ~~حرفين فلماذا حذف الحق سبحانه الأخف وأتى ب " على "؟ لا بد أن وراء ~~ذلك غاية. أقول: جاء الحق سبحانه ب " على " في قوله: { وإن ربك ~~لذو مغفرة للناس على ظلمهم.. } [الرعد: 6]. ليؤكد ~~لنا أن ظلم الناس كان يقتضي العقوبة ولكن رحمته سبحانه تسيطر على ~~العقوبة. وهكذا أدت كلمة " على " معنى " مع " ، وأضافت لنا أن الحق ~~سبحانه هو المسيطر على العقوبة وأن رحمة الله تطغى على ظلم العباد. ~~ومثل ذلك قوله سبحانه: # ويطعمون الطعام على حبه.. # [الإنسان: 8]. أي: أنهم يحبون الطعام حبا جما لكن إرادة ~~الحفاوة والكرم تطغى على حب الطعام. ولكن لا يجب أن يظن الناس أن ~~رحمة الله تطغى على عقابه دائما فلو ظن البعض من المجترئين هذا الظن ~~وتوهموا أنها قضية ms5189 عامة لفسد الكون ولذلك ينهي الحق سبحانه الآية ~~الكريمة بقوله: { وإن ربك لشديد العقاب } [الرعد: 6]. ~~أي: أنه سبحانه قادر على العقاب العظيم، وهكذا جمعت الآية بين الرجاء ~~والتخويف. ويقول سبحانه بعد ذلك: { ويقول الذين كفروا... }. ### || [13.7] # ونحن نعلم أن " لولا " إن دخلت على جملة إسمية تكون حرف امتناع لوجود ~~مثل قولك " لولا زيد عندك لزرتك " ، أي: أن الذي يمنعك من زيارة فلان ~~هو وجود زيد. ولو دخلت " لولا " على جملة فعلية فالناطق بها يحب أن ~~يحدث ما بعدها مثل قولك " لولا عطفت على فلان " أو " لولا صفحت عن ولدك ~~" ، أي: أن في ذلك حضا على أن يحدث ما بعدها. وظاهر كلام الكفار في ~~هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها أنهم يطلبون آية لتأييد صدق الرسول ~~صلى الله عليه وسلم في البيان الذي يحمله من الحق لهم، وكأنهم بهذا القول ~~ينكرون المعجزة التي جاء بها صلى الله عليه وسلم وهي القرآن الكريم، ~~رغم أنهم أمة بلاغة وأدب وبيان، وأداء لغوي رائع وأقاموا أسواقا ~~للأدب، وخصصوا الجوائز للنبوغ الأدبي وعلقوا القصائد على جدران ~~الكعبة، وتفاخرت القبائل بمن أنجبتهم من الشعراء ورجال الخطابة. فلما ~~نزل القرآن من جنس نبوغكم وتفوق على بلاغتكم ولم تستطيعوا أن تأتوا ~~بآية مثل آياته كيف لم تعتبروه معجزة وتطالبون بمعجزة أخرى كمعجزة موسى ~~عليه السلام أو كمعجزة عيسى عليه السلام؟ لقد كان عليكم أن تفخروا ~~بالمعجزة الكاملة التي تحمل المنهج إلى قيام الساعة. ولكن الحمق جعلهم ~~يطلبون معجزة غير القرآن، ولم يلتفتوا إلى المعجزات الأخرى التي صاحبت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يلتفتوا إلى أن الماء قد نبع من أصابعه ~~صلى الله عليه وسلم والطعام القليل أشبع القوم وفاض منه، والغمامة قد ~~ظللته، وجذع النخلة قد أن بصوت مسموع عندما نقل رسول الله منبره بعد ~~أن كان صلى الله عليه وسلم يخطب من فوق الجذع. وقد يكونون أصحاب عذر ~~في ذلك لأنهم لم يروا تلك المعجزات الحسية بحكم أنهم كافرون ~~واقتصرت رؤياها على من آمنوا ms5190 برسالته صلى الله عليه وسلم. وهكذا نعلم ~~أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحرم من المعجزات الكونية تلك التي ~~تحدث مرة واحدة وتنتهي وهي حجة على من يراها وقد جاءت لتثبيت إيمان ~~القلة المضطهدة فحين يرون الماء متفجرا بين أصابعه، وهم ~~مزلزلون بالاضطهاد هنا يزداد تمسكهم بالرسول صلى الله عليه وسلم. ~~ولكن الكافرين لم يروا تلك المعجزات. وكان عليهم الاكتفاء بالمعجزة ~~التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " القرآن كافيني ". # والقرآن معجزة من جنس ما نبغتم فيه أيها العرب، ومحمد رسول من أنفسكم، ~~لم يأت من قبيلة غير قبيلتكم، ولسانه من لسانكم، وتعلمون أنه لم يجلس ~~إلى معلم ولا علم عنه أنه خطب فيكم من قبل، ولم يقرض الشعر، ولم ~~يعرف عنه أنه خطيب من خطباء العرب. # ولذلك جاء الحق سبحانه بالقول على لسانه: # قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. أي: أنني عشت بينكم ولم أتكلم بالبلاغة ولم أنافس في ~~أسواق الشعر وكان يجب أن تؤمنوا أنه قول من لدن حكيم عليم. ولكن ~~منهم من قال: " لقد كان يكتم موهبته وقام بتأجيلها ". وهؤلاء نقول لهم: ~~هل يمكن أن يعيش طفل يتيم الأب وهو في بطن أمه ثم يتيم الأم وهو صغير، ~~ويموت جده وهو أيضا صغير، ورأى تساقط الكبار من حوله بلا نظام في ~~التساقط فقد ماتوا دون مرض أو سبب ظاهر أكان مثل هذا الإنسان يأمن على ~~نفسه أن يعيش إلى عمر الأربعين ليعلن عن موهبته؟ ثم من قال: إن العبقرية ~~تنتظر إلى الأربعين لتظهر؟ وكلنا يعلم أن العبقريات تظهر في أواخر العقد ~~الثاني وأوائل العقد الثالث. ورغم عدم اعترافكم بمعجزة القرآن هاهو الحق ~~سبحانه يجري على ألسنتكم ما أخفيتموه في قلوبكم ويظهره الناس في محكم ~~كتابه: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. وهكذا اعترفتم بعظمة القرآن وحاولتم أن تغالطوا في قيمة ~~المنزل عليه القرآن. ويقول سبحانه هنا ms5191 في الآية التي نحن بصدد خواطرنا ~~عنها: { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية ~~من ربه.. } [الرعد: 7]. فلماذا إذن قلتم واعترفتم أن له ~~ربا؟ أما كان يجب أن تعترفوا برسالته وتعلنون إيمانكم به وبالرسالة، ~~وقد سبق أن قالوا: إن رب محمد قد قلاه. وهذا القول يعني أنهم ~~اعترفوا بأن له ربا فلماذا اعترفوا به في الهجر وأنكروه في الوصل. ~~وإذا كانوا يطلبون منك معجزة غير القرآن فاعلم يا محمد أن ربك هو الذي ~~يرسل المعجزات وهو الذي يحدد المعجزة لكل رسول حسب ما نبغ فيه القوم ~~المرسل إليهم الرسول، وأنت يا محمد منذر فقط أي محذر: { إنمآ ~~أنت منذر ولكل قوم هاد } [الرعد: 7]. فكل قوم لهم هاد، ~~يهديهم بالآيات التي تناسب القوم فبنو إسرائيل كانوا متفوقين في السحر ~~لذلك جاءت معجزة موسى من لون ما نبغوا فيه وقوم عيسى كانوا متفوقين ~~في الطب لذلك كانت معجزة عيسى من نوع ما نبغوا فيه. وهكذا نرى أن لكل قوم ~~هاديا، ومعه معجزة تناسب قومه ولذلك رد الله عليهم الرد المفحم ~~حين قالوا: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * ~~أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر ~~الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السمآء كما ~~زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة ~~قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في ~~السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا ~~كتابا نقرؤه.. # [الإسراء: 90-93]. فيقول الحق سبحانه: # قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا * وما ~~منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن ~~قالوا أبعث الله بشرا رسولا * قل لو كان في ~~الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم ~~من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 93-95]. ويأتي الرد من الحق سبحانه: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون.. # [الإسراء: 59]. أي: أن قوما قبلكم طلبوا ما أرادوا من الآيات وأرسلها ~~لهم الله ومع ذلك كفروا لأن الكفر يخلع ثوب العناد على الكافر لأن ~~الكافر مصمم على الكفر. ويقول الحق سبحانه ms5192 بعد ذلك: { الله ~~يعلم ما تحمل... }. ### || [13.8] # وما المناسبة التي يقول فيها الحق ذلك؟ لقد شاء الحق سبحانه أن يؤكد ~~مسألة أن لكل قوم هاديا، وأن رسوله صلى الله عليه وسلم هو منذر، وأن ~~طلبهم للآيات المعجزة هو ابن لرغبتهم في تعجيز الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. ولو جاء لهم الرسول بآية مما طلبوها لأصروا على الكفر، فهو ~~سبحانه العالم بما سوف يفعلون، لأنه يعلم ما هو أخفى من ذلك يعلم - على ~~سبيل المثال - ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد. ونحن نعلم أن ~~كل أنثى حين يشاء الله لها أن تحبل فهي تحمل الجنين في رحمها لأن ~~الرحم هو مستقر الجنين في بطن الأم. وقوله تعالى: { وما تغيض ~~الأرحام وما تزداد.. } [الرعد: 8]. أي: ما تنقص وما تذهب من ~~السقط في أي إجهاض، أو ما ينقص من المواليد بالموت فغاضت الأرحام، أي: ~~نزلت المواليد قبل أن تكتمل خلقتها كأن ينقص المولود عينا أو إصبعا ~~أو تحمل الخلقة زيادة تختلف عما نألفه من الخلق الطبيعي كأن يزيد ~~إصبع أو أن يكون برأسين. أو أن تكون الزيادة في العدد أي: أن تلد المرأة ~~توأما أو أكثر، أو أن تكون الزيادة متعلقة بزمن الحمل. وهكذا نعلم ~~أنه سبحانه يعلم ما تغيض الأرحام. أي: ما تنقصه في التكوين العادي أو ~~تزيده، أو يكون النظر إلى الزمن كأن يحدث إجهاض للجنين وعمره يوم أو شهر ~~أو شهران، ثم إلى ستة أشهر وعند ذلك لا يقال إجهاض بل يقال ولادة. وهناك ~~من يولد بعد ستة شهور من الحمل أو بعد سبعة شهور أو ثمانية شهور وقد ~~يمتد الميلاد لسنتين عند أبي حنيفة وإلى أربع سنوات عند الشافعي أو لخمس ~~سنين عند الإمام مالك، ذلك أن مدة الحمل قد تنقص أو تزيد. ويقال: إن ~~الضحاك ولد لسنتين في بطن أمه، وهرم بن حيان ولد لأربع سنين وظل أهل ~~أمه يلاحظون كبر بطنها واختفاء الطمث الشهري طوال تلك المدة ثم ~~ولدت صاحبنا ولذلك سموه " هرم " أي: ms5193 شاب وهو في بطنها. وهكذا نفهم معنى ~~" تغيض " نقصا أو زيادة سواء في الخلقة أو للمدة الزمنية. ويقول ~~الحق سبحانه: { وكل شيء عنده بمقدار } [الرعد: 8]. ~~والمقدار هو الكمية أو الكيف زمانا أو مكانا، أو مواهب ومؤهلات. وقد ~~عدد الحق سبحانه مفاتيح الغيب الخمس حين قال: # إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ~~ويعلم ما في الأرحام.. # [لقمان: 34]. وقد حاول البعض أن يقيموا إشكالا هنا، ونسبوه إلى الحضارة ~~والتقدم العلمي، وهذا التقدم يتطرق إليه الاحتمال، وكل شيء يتطرق إليه ~~الاحتمال يبطل به الاستدلال، وذلك بمعرفة نوعية الجنين قبل الميلاد، أهو ~~ذكر أم أنثى؟ وتناسوا أن العلم لم يعرف أهو طويل أم قصير؟ ذكي أم غبي؟ ~~شقي أم سعيد؟ وهذا ما أعجز الأطباء والباحثين إلى اليوم وما بعد اليوم. # ثم إن سألت كيف عرف الطبيب ذلك؟ إنه يعرف هذا الأمر من بعد أن يحدث ~~الحمل ويأخذ عينة من السائل المحيط بالجنين، ثم يقوم بتحليلها، لكن ~~الله يعلم دون أخذ عينة، وهو سبحانه الذي قال لواحد من عباده: # يزكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى.. # [مريم: 7]. وهكذا نعلم أن علم الله لا ينتظر عينة أو تجربة، فعلمه ~~سبحانه أزلي منزه عن القصور، وهو يعلم ما في الأرحام على أي شكل هو ~~أو لون أو جنس أو ذكاء أو سعادة أو شقاء أو عدد. وشاء سبحانه أن يجلي ~~طلاقة قدرته في أن تحمل امرأة زكريا عليه السلام في يحيى عليه السلام، ~~وهو الذي خلق آدم بلا أب أو أم ثم خلق حواء من أب دون أم وخلق عيسى من أم ~~دون أب، وخلقنا كلنا من أب وأم، وحين تشاء طلاقة القدرة يقول سبحانه: # كن فيكون # [يس: 82]. والمثل - كما قلت - هو في دخول زكريا المحراب على مريم عليها ~~السلام فوجد عندها رزقا فسألها: # أنى لك هذا.. # [آل عمران: 37]. قالت: # هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير ~~حساب # [آل عمران: 37]. وكان زكريا يعلم أن الله يرزق من يشاء بغير حساب ولكن ~~هذا العلم كان ms5194 في حاشية شعوره واستدعاه قول مريم إلى بؤرة الشعور، ~~فزكريا يعلم علم اليقين أن الله هو وحده من يرزق بغير حساب. وما أن ~~يأتي هذا القول محركا لتلك الحقيقة الإيمانية من حافة الشعور إلى ~~بؤرة الشعور حتى يدعو زكريا ربه في نفس المكان ليرزقه بالولد فيبشره ~~الحق بالولد. وحين يتذكر زكريا أنه قد بلغ من الكبر عتيا، وأن امرأته ~~عاقر فيذكره الحق سبحانه بأن عطاء الولد أمر هين عليه سبحانه: # قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك ~~من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 9]. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { عالم الغيب ~~والشهادة... }. ### || [13.9] # ومن كل شيء عنده بمقدار لا يغيب عنه شيء أبدا، وما يحدث لأي ~~إنسان في المستقبل بعد أن يولد هو غيب لكن المطلع عليه وحده هو ~~الله. وكأن هناك " نموذجا " مصغرا يعلمه الله أولا وإن اطلع عليه ~~الإنسان في أواخر العمر لوجده مطابقا لما أراده وعلمه الله أولا فلا ~~شيء يتأبى عليه سبحانه فكل شيء عنده بمقدار. وهو عالم الغيب ~~والشهادة يعلم ما خفي من حجاب الماضي أو المستقبل، وكل ما غاب عن ~~الإنسان، ويعلم - من باب أولى - المشهود من الإنسان، فلم يقتصر علمه ~~على الغيب، وترك المشهود بغير علم منه لا بل هو يعلم الغيب ويعلم ~~المشهود: { عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال } ~~[الرعد: 9]. والكبير اسم من أسماء الله الحسنى وهناك من تساءل: ولماذا ~~لا يوجد " الأكبر " ضمن أسماء الله الحسنى ويوجد فقط قولنا " الله اكبر " ~~في شعائر الصلاة؟ وأقول: لأن مقابل الكبير الصغير، وكل شيء بالنسبة ~~لموجده هو صغير. ونحن نقول في أذان الصلاة " الله اكبر " لأنه يخرجك ~~من عملك الذي أوكله إليك، وهو عمارة الكون لتستعين به خلال عبادتك له ~~وتطبيق منهجه، فيمدك بالقوة التي تمارس بها إنتاج ما تحتاجه في حياتك ~~من مأكل، وملبس، وستر عورة. إذن: فكل الأعمال مطلوبة حتى لإقامة ~~العبادة، فإياك أن تقول: إن الله كبير والباقي صغير، لأن الباقي فيه من ~~الأمور ما هو كبير من منظور أنها نعم ms5195 من المنعم الأكبر ولكن الله ~~أكبر منا ونقولها حين يطلب منا أن نخرج من أعمالنا لنستعين ~~بعبادته سبحانه. ونعلم أن العمل مطلوب لعمارة الكون، ومطلوب حتى لإقامة ~~العبادة، ولن توجد لك قوة لتعبد ربك لو لم يقوك ربك على عبادته فهو ~~الذي يستبقي لك قوتك بالطعام والشراب، ولن تطعم أو تشرب لو لم تحرث ~~وتبذر وتصنع، وكل ذلك يتيح لك قوة لتصلي وتزكي وتحج وكل ما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب. وسبق أن قلت: إن الحق سبحانه حينما نادانا ~~لصلاة الجمعة قال: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون # [الجمعة: 9]. وهكذا يخرجنا الحق سبحانه من أعمالنا إلى الصلاة ~~الموقوتة ثم يأتي قول الحق سبحانه: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون # [الجمعة: 10]. وهكذا أخرجنا سبحانه من العمل، وهو أمر كبير إلى ما هو ~~أكبر وهو أداء الصلاة. وقول الحق سبحانه في وصف نفسه المتعال يعني أنه ~~المنزه ذاتا وصفاتا وأفعالا فلا ذات كذاته ولا صفة كصفاته، ولا فعل ~~كفعله، وكل ما له سبحانه يليق به وحده، ولا يتشابه أبدا مع غيره. ويقول ~~سبحانه من بعد ذلك: { سوآء منكم من أسر القول... }. ### || [13.10] # وساعة تسمع كلمة " سواء " فالمقصود بها عدد لا يقل عن اثنين، فنقول " ~~سواء زيد وعمرو " أو " سواء زيد وعمر وبكر وخالد ". والمقصود هنا أنه ما ~~دام الحق سبحانه عالم الغيب والشهادة فأي سر يوجد لا بد أن يعلمه ~~سبحانه، وهو سبحانه القائل: # الرحمن على العرش استوى * له ما في السماوات ~~وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى * وإن ~~تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى # [طه: 5-7]. وهل السر هو ما ائتمنت عليه غيرك؟ إذا كان السر هو ذلك ~~فالأخفى هو ما بقي عندك، وإن كان السر بمعنى ما يوجد عندك ولم ~~تقله لأحد فسبحانه يعلمه قبل أن يكون سرا. ويتابع سبحانه: { ومن ~~هو ms5196 مستخف باليل وسارب بالنهار } [الرعد: 10]. وهكذا ~~جمع الحق سبحانه هنا كل أنواع العمل فالعمل كما نعلم هو شغل الجوارح ~~بمتعلقاتها فعمل اللسان أن يقول وأن يذوق، وعمل الأيدي أن تفعل، وعمل ~~الأذن أن تسمع، وعمل القلب هو النية، والعمل كما نعلم يكون مرة ~~قولا، ومرة يكون فعلا. وهكذا نجد " القول " وقد أخذ مساحة نصف " ~~العمل " ، لأن البلاغ عن الله قول، وعمل الجوارح خاضع لمقول القول ~~من الحق سبحانه وتعالى. ولذلك أوضح لنا الحق سبحانه أن العمل هو كل ~~فعل متعلق بالجوارح وأخذ القول شقا بمفرده وأخذت أفعال الجوارح ~~الشق الآخر لأن عمل بقية الجوارح يدخل في إطار ما سمع من منهج الله. ~~ولذلك تجمع الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها كل العمل من قول وفعل: ~~{ سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن ~~هو مستخف باليل وسارب بالنهار } [الرعد: 10]. ومن ~~يستخفي بالليل لا بد أنه يدبر أمرا كأن يريد أن يتسمع ما وراء كل ~~حركة أو ينظر ما يمكن أن يشاهده، وكذلك من يبرز ويظهر في النهار فالله ~~عالم به. وكان على الكفار أن ينتبهوا لأمر عجيب كانوا يسرونه في ~~أنفسهم لحظة أن حكى الله فقال: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول.. # [المجادلة: 8]. فكيف علم الله ذلك لولا أنه يعلم السر وأخفى؟ ~~ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { له معقبات من بين ~~يديه... }. ### || [13.11] # وكلمة له تفيد النفعية، فإذا قلت " لك كذا " فهي عكس أن نقول " عليك كذا ~~". وحين يقول سبحانه: { له معقبات.. } [الرعد: 11]. فكأن ~~المعقبات لصالح الإنسان. و " معقبات " جمع مؤنث، والمفرد " ~~معقبة " ، أي: أن للحق سبحانه وتعالى ملائكة يتناوبون على حراسة ~~الإنسان وحفظه ليلا ونهارا من الأشياء التي لا يمكن الاحتراز منها. ~~والمثل هو تلك الإحصاءات التي خرجت عن البشر الذين تلدغهم الثعابين، ~~فقد ثبت أنها لا تلدغهم وهم نائمون بل في أثناء صحوتهم أي: ساعة ~~يكونون في ستر النوم فهناك ما يحفظهم أما في اليقظة فقد يتصرف الإنسان ~~بطيش وغفلة فتلدغه الأفعى. ونحن نقول ms5197 في أمثالنا الشعبية: " العين ~~عليها حارس " ونلحظ كثيرا من الأحداث التي تبدو لنا غريبة كأن يسقط طفل ~~من نافذة دور علوي فلا يصاب بسوء لأن الحق سبحانه شاء أن تحفظه ~~الملائكة المعقبات من السوء لأن مهمة الحفظة أن يحفظوا الإنسان ~~من كل سوء. وهكذا نرى أن الحق سبحانه قد أعد للإنسان الكون قبل أن ~~يخلقه ليستخلفه فيه أعد السماوات وأعد الأرض وسخر الشمس والقمر ~~وأخرج الثمرات وجعل الليل يغشى النهار. كل ذلك أعده سبحانه ~~للخليفة قبل أن يوجد الخليفة وهو سبحانه قيوم على هذا الخليفة فيصونه ~~أيضا بعد الخلق، ولا يدعه لمقومات نفسه ليدافع عنها فيما لا يستطيع ~~الدفاع عنها، ويكلف الله الملائكة المعقبات بذلك. وقد ينصرف معنى ~~المعقبات إلى الملائكة الذين يتعقبون أفعال الإنسان وكتابة حسناته ~~وكتابة سيئاته، ويمكن أن يقوما بالعملين معا حفظه وكتابة أعماله، فإن ~~كتبوا له الحسنات فهذا لصالحه. ولقائل أن يقول: ولكنهم سيكتبون السيئات ~~وهذه على الإنسان وليست له. وأقول: لا ويحسن أن نفهم جيدا عن ~~المشرع الأعلى ونعلم أن الإنسان إذا ما عرف أن السيئة ستحسب عليه ~~وتحصى وتكتب يمسك كتابه ليقرأه فلسوف يبتعد عن فعل السيئات. وهكذا ~~يكون الأمر في مصلحته، مثله مثل الطالب الذي يرى المراقب في لجنة ~~الامتحان، فلا يكرهه لأنه يحمي حقه في الحصول على التقدير الصحيح ~~بدلا من أن يغش غيره، فيأخذ فرصة أكبر منه في التقدير والنجاح ~~فضلا عن أن كل الطلبة يعلمون أن وجود المراقب اليقظ هو دافع لهم ~~للمذاكرة. ولذلك أقول دائما: إياك أن تكره أن يكون لك أعداء لأن ~~الذي يغر الإنسان في سلوكه هو نفاق أصحابه له، أما عدوك فهو يفتح ~~عينيه عليك طوال الوقت ولذلك فأنت تحذر أن تقع في الخطأ. وفي هذا المعنى ~~يقول الشاعر: # عداي لهم فضل علي وميزة # فتعدى لهم شكر على نفعهم ليا # فهم كالدواء والشفاء لمزمن # فلا أبعد الرحمان عني الأعاديا # هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها # فأصبحت مما ذله العرب خاليا # إذن: فكتابة الحسنات والسيئات هي مسألة لصالح ms5198 الإنسان وحين يتعاقبون ~~على الإنسان فكأنهم يصنعون دوريات لحماية الفرد ولذلك نجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: # " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح ~~وصلاة العصر فيصعد إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم - وهو أعلم بكم -: كيف ~~تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون ". # وكأن الملائكة دوريات. ويقول الحق سبحانه: # إن قرآن الفجر كان مشهودا # [الإسراء: 78]. أي: أن ملائكة الليل يشهدون ومعهم ملائكة النهار. وحديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ملحوظ فيه الوقت الزمني للحركة الإنسانية ~~فكل حركات الإنسان وعمله يكون من الصبح إلى العصر، ثم يرتاح الإنسان ~~غالبا من بعد ذلك ثم ينام. والمعقبات يكن من بين يدي الإنسان ومن ~~خلفه و من بين يديه من أجل الرصد، ولذلك وجدنا أبا بكر الصديق - رضي الله ~~عنه - أثناء الهجرة النبوية كان يسير بعض الوقت أمام النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكان يسير البعض الآخر خلف النبي صلى الله عليه وسلم. كان أبو بكر - ~~رضي الله عنه - يتقدم ليرقب: هل هناك من يرصد الرسول أم لا؟ ثم يتراجع ~~إلى الخلف ليمسح كل المكان بنظره ليرقب: أهناك من يتتبعهما؟ وهكذا حرص ~~أبو بكر على أن يحمي الرسول صلى الله عليه وسلم من الرصد أو التربص. ~~ويقول الحق سبحانه: { له معقبات من بين يديه ومن ~~خلفه يحفظونه من أمر الله.. } [الرعد: 11]. والسطحي ~~يقول: إن تلك الملائكة يحفظون الإنسان من الأمر المراد به من الله. ~~ونقول: إن الله لم ينزل الملائكة ليعارضوا قدره وهذا الحفظ لا يكون ~~من ذات الإنسان لنفسه، أو من الملائكة ضد قدر الله والمعنى هنا ينصرف ~~إلى أن الملائكة إنما يحفظون الإنسان بأمر الله. ولذلك نجد في القرآن قول ~~الحق سبحانه: # مما خطيئاتهم أغرقوا.. # [نوح: 25]. أي: بسبب خطيئتهم أغرقوا، فإياك أن تظن أن الملائكة ~~يحفظون الإنسان من قدر الله لأننا نعلم أن الحق سبحانه إذا أراد ~~أمرا فلا راد له. ويتابع سبحانه: { إن الله لا يغير ما ~~بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. } [الرعد: ms5199 11]. وهو ~~سبحانه الذي خلق الكون الواسع بكل أجناسه جمادا ونباتا وحيوانا ~~وأفلاكا وأملاكا وجعل كل ذلك مسخرا للإنسان ثم يحفظ الحق سبحانه ~~الإنسان ويصونه بقيوميته. وقد يقول قائل: ولماذا إذن تحدث الابتلاءات ~~لبعض من الناس رغم أنه سبحانه قد قال إنه يحفظهم؟ ونقول: إن تلك ~~الابتلاءات إنما تجري إذا ما غير البشر من منهج الله لأن الصيانة ~~تقوم ما قام بالمنهج. واقرءوا قول الحق سبحانه: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. وهكذا نعلم أن الصيانة للإنسان والحفظ له والإمداد له من ~~قبل أن يولد كل ذلك لن يرجع عنه الله ما دام الإنسان يمشي على صراط ~~مستقيم لكن إذا ما حاد الإنسان عن الصراط المستقيم فيلفته الله ببعض من ~~العبر والعظات ليعود إلى الصراط المستقيم. والتغيير الذي يجريه الله ~~على البشر حتى يغيروا ما بأنفسهم يشمل الإمدادات الفرعية أما ~~الإمدادات الأصلية فلا يمنعها عنهم مثل الشمس والقمر والنجوم والهواء ولم ~~يمنع الأرض أن تخرج لهم المياه. ويصيبهم في الأشياء التي من الممكن أن ~~يسير الكون في انتظامه رغم حدوثها كالمصيبة في المال أو المصيبة في النفس ~~ويظل الكون على مسيرته المنتظمة. ولهذا نجد أحد الفلاسفة وقد قال: " إن ~~الله لا يتغير من أجلكم ولكن يجب أن تتغيروا أنتم من أجل الله ". وسبق أن ~~قال الحق سبحانه: # فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى # [طه: 123]. وهو القائل سبحانه: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا.. # [طه: 124]. وأنت ترى في عالمنا المعاصر مجتمعات مترفة نستورد منهم ~~أدوات الحضارة المعاصرة لكنهم يعيشون في الضنك النفسي البالغ وهذا ما ~~يثبت أن الثراء المادي بالنقود أو أدوات الحضارة لا يحقق للإنسان ~~التوازن النفسي أو السعادة وينطبق عليهم ما قاله أمير الشعراء أحمد شوقي ~~رحمه الله: # ليس الحمل ما أطاق الظهر # ما الحمل إلا ما وعاه الصدر # فقد يكون الثراء المادي في ظن البعض هو الحلم ms5200 فيجنح الإنسان إلى ~~الطريق غير السوي بما فيه من عمولات وعدم أمانة ورغم النقود التي قد ~~يكتنزها هذا الإنسان، إلا أن الأمراض النفسية أو الأمراض العضوية تفتك ~~به. وهكذا نجد الحق سبحانه وهو يغير ولا يتغير فهو المغير لا ~~المتغير. وقول الحق سبحانه: { إن الله لا يغير ما ~~بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } [الرعد: 11]. ~~يوضح لنا أن أعمال الجوارح ناشئة من نبع نفس تحرك الجوارح وحين ~~تصلح النفس تصبح الجوارح مستقيمة وحين تفسد النفس تصير الجوارح غير ~~مستقيمة. فالحق سبحانه وتعالى أخضع كل الجوارح لمرادات النفس، فلو ~~كانت النفس مخالفة لمنهج الله فاللسان خاضع لها ولا ينطق رغم إرادته ~~بالتوحيد لأن النفس التي تديره مخالفة للإيمان. والمثل: هم هؤلاء ~~الذين نسبوا الرسل الذين اختارهم الله فادعوا أنهم أبناء الله ~~وسبحانه منزه عن ذلك أما إذا كانت النفس مؤمنة فهي تأمر اللسان أن ~~يقول كلمة التوحيد ويسعد هو بذلك لكنه في الحالتين لا يعصي النفس التي ~~سخره لها الله. وهكذا تكون الجوارح منفعلة لإرادة صاحبها، ولا ~~تنحل الإرادة البشرية عن الجوارح إلا حين يشاء الله ذلك في اليوم ~~الآخر، وفي الموقف الحق. # ولحظتها لن يستطيع أحد أن يسيطر على جوارحه لأن الملك يومئذ للواحد ~~القهار وسقطت ولاية الفرد على جوارحه وتشهد هذه الجوارح على صاحبها ~~بما فعلته وقت أن كانت مقهورة لإرادته. وهكذا نعلم أن التغيير كله ~~في النفس التي تدير الجوارح. وقول الحق سبحانه: { إن الله لا ~~يغير ما بقوم.. } [الرعد: 11]. يدلنا أنه سبحانه لا يتدخل ~~إلا إذا عنت الأمور وفسد كل المجتمع واختفت النفس اللوامة من هذا ~~المجتمع واختفى من يقدرون على الردع - ولو بالكلمة - من هذا ~~المجتمع هنا يتدخل الحق سبحانه. وحين يغير الناس ما بأنفسهم، ~~ويصححون إطلاق الإرادة على الجوارح فتنصلح أعمالهم وإياكم أن تظنوا ~~أن هناك شيئا يتأبى على الله. ولذلك يتابع سبحانه في نفس الآية: { ~~إذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له.. } [الرعد: ~~11]. وعليكم أن تأخذوا الأمرين معا: { إن الله لا يغير ما ~~بقوم ms5201 حتى يغيروا ما بأنفسهم.. } [الرعد: 11]. و { ~~وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له.. } ~~[الرعد: 11]. ثم يقول الحق سبحانه: { وما لهم من دونه من ~~وال } [الرعد: 11]. إياك أن تفهم أن هناك سلطة تحول دون أن يغير ~~الله ما يريد تغييره ولن يجدوا صدرا حنونا آخر يربت عليهم إذا ~~ما أراد الله بهم السوء، فليس هناك وال آخر يأخذهم من الله ويتولى ~~شئونهم وأمورهم من جلب الخير ودفع الشر. ولذلك يقول الحق سبحانه: { ~~وما لهم من دونه من وال } [الرعد: 11]. وبعد ذلك يتكلم الحق ~~سبحانه عن ظاهرة في الكون لها وجهان وتستقبل استقبالين أحدهما: سار، ~~والآخر: مزعج سواء في النفس الواحدة أو في الجماعة الواحدة. فيقول ~~الحق سبحانه: { هو الذي يريكم البرق... }. ### || [13.12] # وكلنا يعرف البرق، ونحن نستقبله بالخوف مما يزعج وبالطمع فيما ~~يحب ويرغب، فساعة يأتي البرق فنحن نخاف من الصواعق لأن الصواعق ~~عادة تأتي بعد البرق أو تأتي السحابات الممطرة. وهكذا يأتي الخوف ~~والطمع من الظاهرة الواحدة. أو: أن يكون الخوف لقوم والرجاء والطمع ~~لقوم آخرين. والمثل الذي أضربه لذلك دائما هو قول أحد المقاتلين العرب ~~وصف سيفه بأنه " فتح لأحبابه، وحتف لأعدائه ". والمثل الآخر الذي ~~أضربه ما رواه لنا أمير بلدة اسمها " الشريعة " وهي تقع بين الطائف ومكة ~~وقد حدثنا أمير الشريعة عام 1953 عن امرأة صالحة تحفظ القرآن اسمها " ~~آمنة ". هذه المرأة كان لها بنتان تزوجتا وأخذ كل زوج زوجته إلى ~~محل إقامته وكان أحد زوجي البنتين يعمل في الزراعة والآخر يعمل ~~بصناعة " الشرك ". وقالت آمنة لزوجها: ألا تذهب لمعرفة أحوال ~~البنتين؟ فذهب الرجل لمعرفة أحوال البنتين، فكان أول من لقي في رحلته ~~هي ابنته المتزوجة ممن يحرث ويبذر، فقال لها: كيف حالك وحال زوجك ~~وحال الدنيا معك أنت وزوجك؟ قالت: يا أبت، أنا معه على خير، وهو معي ~~على خير، وأما حال الدنيا فادع لنا الله أن ينزل المطر لأننا حرثنا ~~الأرض وبذرنا البذور وفي انتظار ري السماء. فرفع الأب يديه إلى ~~السماء وقال: اللهم إني ms5202 أسألك الغيث لها. وذهب إلى الأخرى وقال لها: ~~ما حالك؟ وما حال زوجك؟ فقالت: خير، وأرجوك يا أبي أن تدعو لنا الله أن ~~يمنع المطر لأننا قد صنعنا الشراك من الطين ولو أمطرت لفسدت ~~الشرك، فدعا لها. وعاد إلى امرأته التي سألته عن حال البنتين فبدا ~~عليه الضيق وقال: هي سنة سيئة على واحدة منهما، وروى لها حال البنتين ~~وأضاف: ستكون سنة مرهقة لواحدة منهما. فقالت له آمنة: لو صبرت ~~لقلت لك: إن ما تقوله قد لا يتحقق وسبحانه قادر على ذلك. قال لها: ~~ونعم بالله، قولي لي كيف؟ فقالت آمنة: ألم تقرأ قول الله: # ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ~~ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله ~~وينزل من السمآء من جبال فيها من برد فيصيب ~~به من يشآء ويصرفه عن من يشآء.. # [النور: 43]. فسجد الرجل لله شكرا أن رزقه بزوج تعينه على أمر دينه، ~~ودعا: اللهم اصرف عن صاحب الشراك المطر وأفض بالمطر على صاحب ~~الحرث. وقد كان. وهذا المثل يوضح جيدا معنى الخوف والطمع عند رؤية ~~الرعد: { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا.. } ~~[الرعد: 12]. إما من النفس الواحدة بأن يخاف الإنسان من الصواعق، ويطمع ~~في نزول المطر، أو من متقابلين واحد ينفعه هذا وواحد يضره هذا. # ويضيف الحق سبحانه: { وينشىء السحاب الثقال } [الرعد: 12]. ~~ونحن نعلم أن السحاب هو الغيم المتراكم ويكون ثقيلا حين يكون ~~معبئا وهو عكس السحاب الخفيف الذي يبدو كنتف القطن. ويقال عند ~~العرب: " لا تستبطئ الخيل لأن أبطأ الدلاء فيضا أملؤها، وأثقل ~~السحاب مشيا أحفلها ". فحين تنزل الدلو في البئر وترفعه ~~فالدلو الملآن هو الذي يرهقك حين تشده من البئر أما الدلو الفارغ ~~فهو خفيف لحظة جذبه خارج البئر وكذلك السحاب الثقال تكون بطيئة ~~لما تحمله من ماء. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ويسبح الرعد ~~بحمده... }. ### || [13.13] # وسبق أن جاء الحق سبحانه بذكر البرق وهو ضوئي وهنا يأتي بالرعد وهو ~~صوتي، ونحن نعرف أن سرعة الضوء أسرع من سرعة الصوت ms5203 ولذلك جاء بالبرق ~~أولا، ثم جاء بالرعد من بعد ذلك. وحين يسمع أحد العامة واحدا لا ~~يعجبه كلامه يقول له " سمعت الرعد " أي: يطلب له أن يسمع الصوت المزعج ~~الذي يتعب من يسمعه. ولنا أن ننتبه أن المزعجات في الكون إذا ما ~~ذكرت مسبحة لربها فلا تنزعج منها أبدا، ولا تظن أنها نغمة نشاز في ~~الكون، بل هي نغمة تمتزج ببقية أنغام الكون. ونحن نفهم أن التسبيح للعاقل ~~القادر على الكلام، ولكن هذا عند الإنسان لأن الذي خلق الكائنات كلها ~~علمها كيف تتفاهم، مثلما علم الإنسان كيف يتفاهم مع بني جنسه وكذلك ~~علم كل جنس لغته. وكلنا نقرأ في القرآن ماذا قالت النملة حين رأت ~~جنود سليمان: # ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده ~~وهم لا يشعرون # [النمل: 18]. وقد سمعها سليمان عليه السلام لأن الله علمه منطق تلك ~~اللغات، ونحن نعلم أن الحق سبحانه علم سليمان منطق الطير، قال تعالى: # علمنا منطق الطير.. # [النمل: 16]. ألم يتخاطب سليمان عليه السلام مع الهدهد وتكلم معه؟ بعد ~~أن فك سليمان بتعليم الله له شفرة حديث الهدهد وقال الهدهد لسليمان: # أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين ~~* إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ~~ولها عرش عظيم # [النمل: 22-23]. إذن: فكل شيء له لغة يتفاهم بها لقضاء مصالحه، ومن ~~يفيض الله عليه من أسرار خلقه يسمعه هذه اللغات، وقد فاض الحق ~~سبحانه على سليمان بذلك، ففهم لغة الطير وتكلم بها مع الهدهد وقال له: # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول ~~عنهم فانظر ماذا يرجعون # [النمل: 28]. وهكذا عرفنا بقصة سليمان وبلقيس وكيف فهم سليمان منطق ~~الطير وتكلم بها مع الهدهد؟ وهكذا علمنا كيف يتعلم الإنسان لغات ~~متعددة فحين يذهب إنسان إلى مجتمع آخر ويبقى به مدة فهو يتعلم لغة ~~ذلك المجتمع، ويمكن للإنسان أن يتعلم أكثر من لغة. وقد عرض الحق سبحانه ~~مسألة وجود لغات للكائنات في قصة النملة وقصة الهدهد مع سليمان وهما من ~~المرتبة التالية للبشر، ويعرض الحق سبحانه ms5204 أيضا قضية وجود لغة لكل كائن ~~من مخلوقاته في قوله: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير ~~وكنا فاعلين # [الأنبياء: 79]. وكأن الجبال تفهم تسبيح داود وتردده من خلفه. ~~أيضا يقول الحق سبحانه: # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق * والطير محشورة كل له أواب # [ص: 18-19]. وكذلك يخاطب الله الأرض والسماء، فيقول: # فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها.. # [فصلت: 11]. فيمتثلان لأمره: # قالتآ أتينا طآئعين # [فصلت: 11]. وهكذا نعلم أن لكل جنس لغة يتفاهم بها، ونحن نلحظ أن لكل ~~نوع من الحيوانات صوتا يختلف من نوع إلى آخر، ويدرس العلماء الآن ~~لغة الأسماك، ويحاولون أن يضعوا لها معجما. إذن: فساعة تسمع: # تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن من شيء إلا يسبح بحمده.. # [الإسراء: 44]. فافهم أن ما من كائن إلا وله لغة، وهو يسبح بها ~~الخالق الأكرم. ثم يقول تعالى: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. مثلما لا يفقه جاهل بالإنجليزية لغة الإنجليز. وقال ~~البعض: إن المراد هنا هو تسبيح الدلالة على الخالق وقد حكم سبحانه ~~بأننا لا نستطيع فهم تسبيح الدلالة. ولكني أقول: إن العلم المعاصر قد ~~توصل إلى دراسة لغات الكائنات وأثبتها وعلى ذلك يكون التسبيح من ~~الكائنات بالنطق والتفاهم بين متكلم وسامع، بل ولتلك الكائنات ~~عواطف أيضا. ونحن نرى العلماء في عصرنا يدرسون عواطف الشجر تجاه من ~~يسقيه من البشر، وهنا تجربة تتحدث عن قياس العلماء لذبذبة النبات أثناء ~~ريه بواسطة مزارع مسئول عنه ثم مات الرجل فقاسوا ذبذبة تلك النباتات ~~فوجدوها ذبذبة مضطربة وكأن تلك النباتات قد حزنت على من كان يعتني بها ~~وهكذا توصل العلماء إلى معرفة أن النباتات لها عواطف. وقد بين لنا ~~الحق سبحانه أن الجمادات لها أيضا عواطف بدليل قوله عن قوم فرعون: # فما بكت عليهم السمآء والأرض.. # [الدخان: 29]. فالسماء والأرض قد استراحتا لذهاب هؤلاء الأشرار عن ~~الأرض، فالسماوات والأرض ملتزمتان مع الكون التزاما لا تخرج به عن ~~مرادات الله، وحين يأتي كافر ليصنع بكفره نشازا مع الكون فهي تفرح عند ~~اختفائه ولا تحزن ms5205 عليه. وما دامت السماء والأرض لا تبكيان على الكافر عند ~~رحيله فلا بد أنهما تفرحان عند هذا الرحيل ولا بد أنهما تبكيان عند ~~رحيل المؤمن. ولذلك نجد قول الإمام علي كرم الله وجهه: إذا مات ابن آدم ~~بكى عليه موضعان موضع في السماء، وموضع في الأرض وأما موضعه في الأرض ~~فموضع مصلاه وأما موضعه في السماء فمصعد عمله ". وهكذا نجد أن ~~معنى قول الحق سبحانه: { ويسبح الرعد بحمده.. } [الرعد: ~~13]. أي: ينزه الرعد ويمجد اسم الحق - تبارك وتعالى - تسبيحا ~~مصحوبا بالحمد. ونحن حين ننزه ذات الله عن أن تكون مثل بقية الذوات، ~~وحين ننزه فعل الله عن أن يكون كأفعال غيره سبحانه، وحين ننزه صفات ~~الله عن أن تكون كالصفات، فلا بد أن يكون ذلك مصحوبا بالحمد له سبحانه ~~لأنه منزه عن كل تلك الأغيار، وعلينا أن نسر من أنه منزه. ~~ويقول تعالى: { ويسبح الرعد بحمده والملائكة من ~~خيفته.. } [الرعد: 13]. ولقائل أن يتساءل: كيف تخاف الملائكة من ~~الله؟ وهم الذين قال فيهم الحق سبحانه: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. وأقول: إن الملائكة يخافون الله خيفة المهابة، وخيفة ~~الجلال. ونحن نرى في حياتنا من يحب رئيسه أو قائده فيكون خوفه مهابة ~~فما بالنا بالحق سبحانه وتعالى الذي تحبه ملائكته وتهاب جلاله وكماله، ~~صحيح أن الملائكة مقهورون، لكنهم يخافون ربهم من فوقهم. وساعة تسمع ~~الملائكة الرعد فهم لا يخافون على أنفسهم ولكنهم يخافون على الناس ~~لأنهم حفظة عليهم فالملائكة تعي مهمتها كحفظة على البشر وتخشى أن يربكهم ~~أي أمر وهم يستغفرون لمن في الأرض. إذن: فقوله: { ويسبح ~~الرعد بحمده والملائكة من خيفته.. } [الرعد: 13]. ~~يبين لنا أن الملائكة تخاف على البشر من الرعد فهم مكلفون ~~بحمايتهم، مع خوفهم من الله مهابة وإجلالا. ويقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الشريف: # " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم ~~أعط منفقا خلفا. ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا ~~". # وقد يظن ظان أن هذه دعوة ضد ms5206 الممسك ولكني أقول: لماذا لا ~~تأخذها على أنها دعوة خير؟ فالمنفق قد أخذ ثوابا على ما أدى من ~~حسنات أما الممسك فحين يبتليه الله بتلف بعض من ماله ويصبر على ذلك ~~فهو يأخذ جزاء الصبر. ويتابع سبحانه في نفس الآية: { ويرسل ~~الصواعق فيصيب بها من يشآء وهم يجادلون في ~~الله وهو شديد المحال } [الرعد: 13]. ولا بد من وجود ~~حدث أليم في الكون لينتبه هؤلاء الناس من غفلتهم وها هو ذا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقد جاءه اثنان من المعاندين الكبار أربد بن ربيعة ~~أخو لبيد بن ربيعة، وعامر بن الطفيل ليجادلاه بهدف التلكؤ والبحث ~~عن هفوة فيما يقوله أو عجز في معرفته، والمثل ما قاله مجادلون ~~مثلهم، وأورده القرآن الكريم: # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون # [المؤمنون: 82]. وكذلك استعجال بعض من المجادلين للعذاب. وجاء هذان ~~الاثنان وقالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل ربنا مصنوع من الحديد ~~أم من النحاس؟ وهما قد قالا ذلك لأنهما من عبدة الأصنام المصنوعة من ~~الحجارة، والأقوى من الحجارة هو الحديد أو النحاس فدعا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فنزلت صاعقة فأحرقتهما. وإرسال الصواعق هنا آية قرآنية، ~~ولا بد وأن تأتي آية كونية تصدقها وقد حدثت تلك الآية الكونية. ويقول ~~الحق سبحانه: { وهم يجادلون في الله.. } [الرعد: 13]. ~~والجدال في الله أنواع متعددة جدال في ذاته وجدال في صفاته، أو جدال في ~~الحسنة والسيئة، وقد جادلوا أيضا في إنزال آية مادية عليه لأنهم لم ~~يكتفوا بالقرآن كآية على الرغم من أن القرآن آية معجزة ومن جنس ما برعوا ~~فيه، وهو اللغة. وقد جادلوا أيضا في الرعد وقالوا: إن الرعد ليس له ~~عقل ليسبح والملائكة لا تكليف لها فكيف تسبح؟ ولكن الحق سبحانه ~~قال: إنه قادر على أن يرسل الصواعق ويصيب بها من يشاء فيأتي بالخير ~~لمن يشاء ويصيب بالضر من يشاء. # فهل هم يملكون كل الوقت لهذا الجدل بعد أن خلق الحق كل هذا الكون؟ هل ~~لديكم الوقت لكل تلك المماراة ms5207 بقصد الجدل والعناد المذموم؟ فالجدل في ~~حد ذاته قد يحسن استخدامه وقد يساء استخدامه والحق سبحانه قال ~~لنا: # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي ~~أحسن.. # [العنكبوت: 46]. وقال أيضا: # قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله.. # [المجادلة: 1]. وهذا جدل المراد منه الوصول إلى الحق. ويذيل الله ~~آية سورة الرعد بقوله: { وهو شديد المحال } [الرعد: 13]. ~~ويقال: " محل فلان بفلان " أي: كاد له كيدا خفيا ومكر به، والمحال ~~هو الكيد والتدبير الخفي، ومن يلجأون إليه من البشر هم الضعاف ~~الذين يعجزون عن مواجهة الخصم علانية، فيبيتون له بإخفاء وسائل ~~الإيلام. وهذا يحدث بين البشر وبعضهم البعض لأن البشر لا يعلمون الغيب ~~لكن حين يكيد الله فلا أحد بقادر على كيده، وهو القائل سبحانه: # إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا * فمهل ~~الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 15-17]. لأن كيد الله لا غالب له وهو كيد غير مفضوح لأحد، ~~ولذلك قال تعالى: # ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين # [الأنفال: 30]. هم أرادوا أن يبيتوا لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~وأرادوا قتله وجاءوا بشاب من كل قبيلة ليمسك سيفا كي يتوزع دمه بين ~~القبائل، وترصدوا له المرصاد ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ~~تصاحبه العناية فخرج عليهم ملهما قوله تعالى: # فأغشيناهم فهم لا يبصرون # [يس: 9]. وبذلك أوضح لهم أنهم لن يستطيعوا دفع دعوة الإسلام لا ~~مجابهة ومجاهرة ولا كيدا وتبييتا حتى ولو استعنتم بالجن ~~فالإنسان قد يمكر ويواجه، وحين يفشل قد يحاول الاستعانة بقوة من جنس آخر ~~له سلطان كسلطان الجن، وحتى ذلك لم يفلح معه صلى الله عليه وسلم فقد ~~حاولوا بالسحر فكشف الله له بالرؤيا موقع وضع السحر. وذهب بعض من ~~صحابته ليستخرجوا السحر من الموقع الذي حدده رسول الله لهم. وهكذا أوضح ~~لهم الحق سبحانه أن كل ما يفعلونه لن يحيق برسوله صلى الله عليه وسلم ~~فسبحانه: # غالب على أمره.. # [يوسف: 21]. وهكذا كان الحق سبحانه وما زال وسيظل إلى أن يرث الأرض ~~ومن عليها، وهو شديد المحال. ويقول سبحانه ms5208 من بعد ذلك: { له دعوة ~~الحق والذين يدعون... }. ### || [13.14] # وسبحانه قد دعانا إلى أن نؤمن بإله واحد وهي دعوة حق، والذين من دونه ~~يدعون لإله غير حق. والضمير هنا قد يعود إلى الله فكأن الله قد دعا ~~خلقه إلى كلمة الحق وهي " لا إله إلا الله " ، وهو سبحانه قد شهد بأنه ~~لا إله إلا هو وشهدت الملائكة شهادة المشهد، وشهد بها أولو العلم ~~شهادة الاستدلال تلك هي دعوة الحق. أو " له " أي: للإنسان الذي يدعو إلى ~~الحق، وحين يدعو الإنسان فهذا يدل على أن أمرا قد خرج عن نطاق أسبابه ~~لذلك يدعو من يعينه على هذا الأمر. والدعاء لون من الطلب، إلا أن ~~الطلب يختلف باختلاف الطالب والمطلوب منه فإن كان الطالب أدنى من ~~المطلوب منه لا يقال له فعل أمر كقولك " اغفر لي يا رب " وهذا لا يقال ~~له فعل أمر بل يقال له دعاء. وهكذا نرى أنه إن كان فعل الأمر من الأدنى ~~للأعلى لا نسميه فعل أمر بل نسميه دعاء، والطالب الذكي هو من يلحظ ~~أثناء الإعراب إن كان المطلوب هو من الأدنى إلى الأعلى فهو لا يقول " ~~فعل أمر " بل يقول " فعل دعاء " مثل قول العبد لله: يا رب اغفر لي، وإن ~~كان المطلوب من مساو فهو يقول " التماس ". وإن كان المطلوب قد صدر من ~~الأعلى للأدنى فهو " فعل أمر ". وحين يدعو الإنسان ربه فهذا يعني أن ~~أسباب العبد قد نفدت وهو يلجأ إلى من يعلو الكون ويملك كل الأسباب، ~~ولذلك فكل منا يدعو الله لأنه سبحانه القادر على إنفاذ مطلوب العباد ~~ولا يعجزه شيء. ولكن إن دعوت من لا يستطيع فهو دعوة لا تنفع ~~العبد، وهم كانوا يدعون الأصنام والأصنام لا تضر ولا تنفع فالصنم ~~من هؤلاء لا يقدر على نفسه أو لنفسه فقد كان من الحجر. وبطبيعة الحال ~~فالدعاء لمثل تلك الأصنام لا تحقق شيئا لأنها لا تقدر على أي شيء. ~~وهكذا يتأكد لنا أن دعوة الحق هي أن تدعو القادر أما الذين يدعون ms5209 ~~المعبودات الباطلة فإنها تخيب من يدعوها في مقصده، ولذلك يقول الحق ~~سبحانه هنا: { له دعوة الحق والذين يدعون من دونه ~~لا يستجيبون لهم بشيء.. } [الرعد: 14]. لأنهم لا يملكون ~~شيئا فالصنم من هؤلاء لا يسمع فكيف يستجيب؟ ثم يضرب الحق سبحانه المثل ~~بشيء محس نفعله كلنا فيقول: { لا يستجيبون لهم بشيء ~~إلا كباسط كفيه إلى المآء ليبلغ فاه وما هو ~~ببالغه.. } [الرعد: 14]. فالعطشان ما أن يرى ماء حتى يمد يده ~~إليه ليغترف منه لكن يده لا تصل إلى الماء هذا هو حال من يدعو غير الله ~~فقد سأل غير القادر على إنفاذ مطلبه، وهكذا يكون دعاء غير الله وهو دعاء ~~في ضلال وفي غير متاهة. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { ولله يسجد ~~من في السماوات والأرض... }. ### || [13.15] # والسجود كما نعرفه حركة من حركات الصلاة، والصلاة هي وقفة العبد بين ~~يدي ربه بعد ندائه له، والصلاة أقوال وأفعال مبتدأة بالتكبير ومختتمة ~~بالسلام بفرائض وسنن ومستحبات مخصوصة. والسجود هو الحركة التي تبرز ~~كامل الخضوع لله فالسجود وضع لأعلى ما في الإنسان في مستوى الأدنى ~~وهو قدم الإنسان ونجد العامة وهم يقولون: " لا ترفع رأسك علي " أي: ~~لا تتعالى علي، لأن رفع الرأس معناه التعالي، وتخفيضها بالركوع أو ~~السجود هو إظهار للخضوع، فإذا قال الله: { ولله يسجد من في ~~السماوات والأرض.. } [الرعد: 15]. عليك أن تفهم أن هذا ما يحدث ~~فعلا وإن لم يتسع ذهنك إلى فهم السجود كما يحدث منك فليتسع ظنك ~~على أنه منتهى الخضوع والذلة لله الآمر. وأنت تعلم أن الكون كله ~~مسخر بأمر الله ولأمر الله، والكون خاضع له سبحانه فإن استجاب الإنسان ~~لأمر الله بالإيمان به فهذا خير. وإن لم يستجب الإنسان - مثلما يفعل ~~الكافر - فعليه سوء عمله. ولو استقصيت المسألة بدقة الفهم لوجدت ~~أن الكافر إنما يتمرد بإرادته المسيطرة على جوارحه لكن بقية أبعاضه ~~مسخرة وكلها تؤدي عملها بتسخير الله لها، وكلها تنفذ الأوامر ~~الصادرة من الله لها وهكذا يكون الكافر متمردا ببعضه ومسخرا ببعضه ~~الآخر، فحين يمرضه الله ms5210 أيستطيع أن يعصي؟ طبعا لا. وحين يشاء الله أن ~~يوقف قلبه أيقدر أن يجعل قلبه يخالف مشيئة الله؟ طبعا لا. إذن: فالذي ~~يتعود على التمرد على الله في العبادة وله دربة على هذا التمرد عليه ~~أن يجرب التمرد على مرادات الله فيما لا اختيار له فيه وسيقابل العجز ~~عن ذلك. وعليه أن يعرف أنه لم يتمرد بالكفر إلا بما أوسع الله له من ~~اختيار بدليل أن تسعة وتسعين بالمائة من قدراته محكوم بالقهر وواحد ~~بالمائة من قدراته متروك للاختيار، وهكذا يتأكد التسخير. وخضوع الكافر في ~~أغلب الأحيان وتمرده في البعض الآخر هو منتهى العظمة لله فهو لا يجرؤ ~~على التمرد بما أراده الله مسخرا منه. ولقائل أن يقول: ولماذا قال ~~الله هنا: { ولله يسجد من في السماوات والأرض.. } ~~[الرعد: 15]. ولم يقل: " ما في السماوات وما في الأرض "؟ وأقول: ما دام ~~في الأمر هنا سجود فهو دليل على قمة العقل وسبحانه قد جعل السجود هنا ~~دليلا على أن كافة الكائنات تعقل حقيقة الألوهية وتعبد الحق سبحانه. ~~وهو هنا يقول: { ولله يسجد من في السماوات والأرض ~~طوعا وكرها.. } [الرعد: 15]. وهنا يعلمنا الحق سبحانه أن كل ~~الكائنات ترضخ لله سجودا سواء المسخر أو حتى أبعاض الكافر التي ~~يستخدمها بإرادته في الكفر بالله هذه الأبعاض تسجد لله. # ويتابع الحق سبحانه: { وظلالهم بالغدو والآصال } [الرعد: ~~15]. ونحن في حياتنا اليومية نسمع من يقول: " فلان يتبع فلانا ~~كظله " أي: لا يتأبى عليه أبدا مطلقا، ويلازمه كأنه الظل ونعلم أن ~~ظل الإنسان تابع لحركته. وهكذا نعلم أن الظلال نفسها خاضعة لله لأن ~~أصحابها خاضعون لله فالظل يتبع حركتك وإياك أن تظن أنه خاضع لك بل هو ~~خاضع لله سبحانه. وسبحانه هنا يحدد تلك المسألة بالغدو والآصال و " ~~الغدو " جمع " غداة " وهو أول النهار، والآصال هو المسافة الزمنية بين ~~العصر والمغرب. وأنت حين تقيس ظلك في الصباح ستجد الظل طويلا، ~~وكلما اقتربت من الشمس طال الظل، وكلما اقترب الزوال يقصر الظل إلى ~~أن يتلاشى وأبزر ما يتمايل الظل بتمايل ms5211 صاحبه هو في الصبح وبعد العصر. ~~ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { قل من رب السماوات ~~والأرض... }. ### || [13.16] # و " قل " هي أمر للرسول أن يقول للكافرين، وهناك في آيات أخرى يقول ~~سبحانه: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون # [الزخرف: 87]. ولقائل أن يسأل: لماذا جاء الحق سبحانه هنا بالإجابة ولم ~~يتركها لتأتي منهم؟ ونقول: إن مجيء الإجابة من الحق هنا عن الذي خلق ~~السماوات والأرض أقوى مما لو جاءت الإجابة منهم. والمثل من حياتنا ولله ~~المثل الأعلى قد تقول لابنك الصغير المتشاحن مع أخيه الكبير: من ~~الذي جاء لك بالحلة الجديدة؟ فيرتبك خجلا لأنه يعلم أن من جاء له ~~بالحلة الجديدة هو أخوه الأكبر الذي تشاحن معه فتقول أنت: جاء لك بها ~~أخوك الأكبر الذي تشاحنت معه. وهنا لحظة أن يقول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لهم ما أمره الله أن يقول: { قل من رب السماوات ~~والأرض.. } [الرعد: 16]. فسوف يرتبكون فيؤكد لهم بعد ذلك ما أمره ~~الله أن يقول: { قل الله.. } [الرعد: 16]. ويتتابع أمر الله لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم، فيقول له الحق سبحانه: { قل أفاتخذتم من ~~دونه أوليآء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ~~ضرا.. } [الرعد: 16]. وهكذا يكشف لهم الرسول ببلاغ الحق سبحانه مدى ~~جهلهم وهم من سبق لهم الاعتراف بأن الله هو خالق السماوات والأرض ولم ~~يجرؤ واحد منهم على أن ينسب خلق السماوات والأرض للأصنام. وهنا يوضح ~~لهم الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمر الحق سبحانه بإيضاحه: لقد خلق ~~الله السماوات والأرض أفبعد ذلك تتخذون من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم ~~نفعا ولا ضرا؟ بدليل أن الصنم من هؤلاء لا يقدر لهم على شيء. ويتابع ~~الحق سبحانه: { قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل ~~تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركآء } ~~[الرعد: 16]. وبطبيعة الحال لا يمكن أن يستوي الأعمى بالمبصر. وساعة ترى ~~" أم " اعلم أنها ضرب انتقالي، وهكذا يستنكر الحق ما فعلوه ~~بالاستفهام عنه لأنه شيء منكر فعلا: { أم جعلوا لله ~~شركآء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق ms5212 عليهم.. } ~~[الرعد: 16]. أي: لو كان هؤلاء الشركاء قد خلقوا شيئا مثل خلق الله ~~لكان لهم أن يعقدوا مقارنة بين خلق الله وخلق هؤلاء الشركاء ولكن ~~هؤلاء الشركاء الذين جعلوهم مشاركين لله في الألوهية لا يقدرون على ~~خلق شيء فكيف يختارونهم شركاء لله؟ ويأتي الأمر من الحق سبحانه: { قل ~~الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار } [الرعد: ~~16]. وفي آية أخرى يقدم الحق سبحانه تفسيرا لتلك الآية: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له.. # [الحج: 73]. فهؤلاء الشركاء لم يخلقوا شيئا، ولن يستطيع أحد الادعاء ~~بأن هؤلاء الشركاء عندهم نية الخلق، ولكن مجيء " لن " هنا يؤكد أنهم ~~حتى بتنبيههم لتلك المسألة فلسوف يعجزون عنها لأن نفي المستقبل ~~يستدعي التحدي رغم أنهم آلهة متعددة ولو اجتمعوا فلن يخلقوا شيئا. # يستمر التحدي في قوله سبحانه: # وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ~~ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73]. أي: لو أخذ الذباب بساقه الرفيعة شيئا مما يملكون لما ~~استطاعوا أن يستخلصوه منه. وهكذا يتضح أن الحق سبحانه وحده هو الخالق ~~لكل شيء وتلزم عبادته وحده لا شريك له وهو جل وعلا المتفرد ~~بالربوبية والألوهية وهو القهار المتكبر والغالب على أمره أبدا، فكيف ~~يكون من دونه مساويا له؟ لذلك لا شريك له أبدا. ويقول سبحانه من بعد ~~ذلك: { أنزل من السمآء مآء... }. ### || [13.17] # وهو سبحانه ينزل الماء من جهة العلو وهو السماء، ونعلم أن الماء ~~يتبخر من البحار والأنهار والأرض التي تتفجر فيها العيون ليتجمع كسحاب ~~ثم يتراكم السحاب بعضه على بعض ويمر بمنطقة باردة فيتساقط المطر. ~~ويقول الحق سبحانه: { أنزل من السمآء مآء فسالت ~~أودية بقدرها.. } [الرعد: 17]. والوادي هو المنخفض بين ~~الجبلين وساعة ينزل المطر على الجبال فهو يسيل على الأودية وكل واد ~~يستوعب من المياه على اتساعه. ولنا أن نلحظ أن حكمة الله شاءت ذلك ~~كيلا يتحول الماء إلى طوفان، فلو زاد الماء في تلك الأودية لغرقت ~~نتيجة ذلك القرى، ولخربت الزراعات، وتهدمت البيوت. والمثل على ذلك ~~هو فيضان النيل حين ms5213 كان يأتي مناسبا في الكمية لحجم المجرى وكان مثل ~~هذا القدر من الفيضان هو الذي يسعد أهل مصر أما إذا زاد فهو يمثل ~~خطرا يدهم القرى ويخربها. وهكذا نجد أن من رحمة الحق سبحانه أن الماء ~~يسيل من السماء مطرا على قدر اتساع الأودية اللهم إلا إذا شاء غير ~~ذلك. والحق سبحانه هنا يريد أن يضرب مثلا على ما ينفع الناس لذلك جاء ~~بجزئية نزول الماء على قدر اتساع الأودية. ومن رأى مشهد نزول المطر ~~على هذا القدر يمكنه أن يلحظ أن نزول السيل إنما يكنس كل القش ~~والقاذورات فتصنع تلك الزوائد رغوة على سطح الماء الذي يجري في النهر، ~~ثم يندفع الماء إلى المجرى ليزيح تلك الرغاوى جانبا ليسير الماء ~~من بعد ذلك صافيا رقراقا. { أنزل من السمآء مآء ~~فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا ~~رابيا.. } [الرعد: 17]. وهذا المثل يدركه أهل البادية لأنها صحراء ~~وجبال ووديان فماذا عن مثل يناسب أهل الحضر؟ ويأتي الحق سبحانه بهذا ~~المثل المناسب لهم فيقول: { ومما يوقدون عليه في النار ~~ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله.. } [الرعد: 17]. ~~وأنت حين تذهب إلى موقع عمل الحداد أو صائغ الذهب والفضة تجده يوقد ~~النار ليتحول المعدن إلى سائل مصهور ويطفو فوق هذا السائل الزبد وهو ~~الأشياء التي دخلت إلى المعدن، وليست منه في الأصل ويبقى المعدن صافيا ~~من بعد ذلك. والصائغ يضع الذهب في النار ليخلصه من الشوائب ثم يضيف ~~إليه من المواد ما يقوي صلابته أو ينقله من حالة النقاء إلى درجة أقل ~~نقاء، وحالة النقاء في الذهب هي ما نطلق عليه " عيار 24 " ، والأقل درجة ~~هو الذهب من " عيار 21 " ، والأقل من ذلك هو الذهب من " عيار 18 ". ~~والذهب الخالص النقاء يكون لينا لذلك يضيفون إليه ما يزيد من صلابته، ~~ويصنع الصائغ من هذا الذهب الحلي. # وهذا هو المثل المناسب لأهل الحضر حين يصنعون الحلي، وهم أيضا ~~يصنعون أدوات أخرى يستعملونها ويستعملها مثلهم أهل البادية كالسيوف ~~مثلا، وهي لا بد وأن تكون من الحديد الصلب ms5214 ذلك أن كل أداة تصنع ~~منه لها ما يناسبها من الصلابة فإن أراد الحداد أن يصنع سيفا فلا ~~بد أن يختار له من الحديد نوعية تتناسب مع وظائف السيف. والزبد في ~~الماء النازل من السماء إنما يأتي إليه نتيجة مرور المطر أثناء نزوله على ~~سطح الجبال فضلا عن غسيل مجرى النهر الذي ينزل فيه وعادة ما يتراكم ~~هذا الزبد على الحواف ليبقى الماء صافيا من بعد ذلك. وحين تنظر إلى ~~النيل - مثلا - فأنت تجد الشوائب، وقد ترسبت على جانبي النهر وحوافه، ~~وكذلك حين تنظر إلى مياه البحر فأنت تجد ما تلقيه المركب، وهو طاف فوق ~~الأمواج لتلقيه الأمواج على الشاطىء. وهكذا ضرب الله المثل لأهل ~~البدو ولأهل الحضر بما يفيدهم في حياتهم سواء حلية يلبسونها، أو أداة ~~يقاتلون بها، أو أداة أخرى يستخدمونها في أوجه أعمالهم الحياتية وهم ~~في كل ذلك يلجئون إلى تصفية المعادن التي يصنعون منها تلك الحلي أو ~~الأدوات الحياتية ليستخلصوا المعادن من الخبث أو الزبد. وكذلك يفعل ~~الحق سبحانه: { كذلك يضرب الله الحق والباطل ~~فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض.. } [الرعد: 17]. وحين يضرب الله الحق والباطل ~~فهو يستخلص ما يفيد الناس ويذهب ما يضرهم، وقوله: { فيذهب ~~جفآء.. } [الرعد: 17]. أي: يبعده ف " جفاء " يعني " مطرودا " من ~~الجفوة ويقال: " فلان جفا فلانا " أي: أبعده عنه. ويذيل الحق ~~سبحانه الآية الكريمة بقوله: { كذلك يضرب الله الأمثال } ~~[الرعد: 17]. وشاء سبحانه أن يبين لنا بالأمور الحسية ما يساوي ~~الأمور المعنوية كي يعلم الإنسان أن الظلم حين يستشري ويعلو ~~ويطمس الحق، فهو إلى زوال مثله مثل الزبد. ويقول سبحانه من بعد ~~ذلك: { للذين استجابوا لربهم الحسنى... }. ### || [13.18] # والذين يستجيبون للرب الذي خلق من عدم، وأوجد لهم مقومات الحياة ~~واستبقاء النوع بالزواج والتكاثر فإذا دعاهم لشيء فليعلموا أن ما يطلبه ~~منهم متمم لصالحهم الذي بدأه بإيجاد كل شيء لهم من البداية. وهؤلاء ~~الذين يستجيبون لهم الحسنى فسبحانه جعل الدنيا مزرعة للآخرة، وأنت في ~~الدنيا موكول لقدرتك على الأخذ ms5215 بالأسباب ولكنك في الآخرة موكول ~~إلى المسبب. ففي الدنيا أنت تبذر وتحرث وتروي وتحصد، وقد تختلف ~~حياتك شظفا وترفا بقدرتك على الأسباب. فإذا استجبت لله واتبعت ~~منهجه فأنت تنتقل إلى حياة أخرى تحيا فيها مع المسبب لا الأسباب فإذا خطر ~~ببالك الشيء تجده أمامك لأنك في الحياة الأخرى لا يكلك الله إلى ~~الأسباب، بل أنت موكول لذات الله، والموكول إلى الذات باق ببقاء ~~الذات. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول: # فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به ~~فسيدخلهم في رحمة منه.. # [النساء: 175]. وبعض المفسرين يقولون " إنها الجنة " وأقول: هذا ~~تفسير مقبول لأن الجنة من رحمة الله ولكن الجنة باقية بإبقاء الله لها ~~ولكن رحمة الله باقية ببقاء الله. وهنا يقول الحق سبحانه: { للذين ~~استجابوا لربهم الحسنى.. } [الرعد: 18]. ويقول تعالى في ~~آية أخرى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة.. # [يونس: 26]. والحسنى هي الأمر الأحسن وسبحانه خلق لك في الدنيا الأسباب ~~التي تكدح فيها ولكنك في الآخرة تحيا بكل ما تتمنى دون كدح، وهذا هو ~~الحسن. وهب أن الدنيا ارتقت والذين يسافرون إلى الدول المتقدمة ~~وينزلون في الفنادق الفاخرة يقال لهم اضغط على هذا الزر تنزل لك القهوة ~~والزر الآخر ينزل لك الشاي. وكل شيء يمكن أن تحصل عليه فور أن تطلبه ~~من المطعم حيث يعده لك آخرون ولكن مهما ارتقت الدنيا فلن تصل إلى أن ~~يأتي لك ما يمر على خاطرك فور أن تتمناه وهذا لن يحدث إلا في ~~الآخرة. وكلمة " الحسنى " مؤنثة وأفعل تفضيل ويقال " حسنة وحسنى " ~~وفي المذكر يقال " حسن وأحسن ". والمقابل لمن لم يستجيبوا معروف. والحق ~~سبحانه يقول هنا: { والذين لم يستجيبوا له لو أن ~~لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا ~~به.. } [الرعد: 18]. أي: يقول خذوا ما أملك كله واعتقوني، لكن لا ~~يستجاب له. ويقول الحق سبحانه: { أولئك لهم سوء الحساب ~~ومأواهم جهنم وبئس المهاد } [الرعد: 18]. لأن الحساب ~~يترتب عليه مرة خير ويترتب عليه مرة أخرى شر وجاء الحق سبحانه ~~بكلمة: { وبئس المهاد } [الرعد: 18]. هنا لأن الواحد من هؤلاء ~~والعياذ ms5216 بالله لن يستطيع أن يتصرف لحظة وضعه في النار، كما لا يستطيع ~~الطفل الوليد أن يتصرف في مهاده ومن المؤكد أن النار بئس المهاد. ~~ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { أفمن يعلم أنمآ أنزل ~~إليك... }. ### || [13.19] # والمؤمن هو من يعلم أن القرآن الحامل للمنهج هو الذي أنزله سبحانه على ~~رسوله ولا يمكن مقارنته بالكافر وهو الموصوف هنا من الحق سبحانه: { ~~كمن هو أعمى } [الرعد: 19]. وجاء هنا ب " علم " و " عمى " لأن ~~الآيات الدالة على القدرة من المرئيات. ويقول الحق سبحانه: { إنما ~~يتذكر أولوا الألباب } [الرعد: 19]. أي: أصحاب العقول ~~القادرة على التدبر والتفكر والتمييز. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك ~~عن أولي الألباب: { الذين يوفون بعهد الله... }. ### || [13.20] # والواحد من أولي الألباب ساعة آمن بالله فهو يعلم أنه قد تعاهد مع الله ~~عهدا بألا يعبد غيره وألا يخضع لغيره وألا يتقرب لغيره وألا ~~ينظر أو ينتظر من غيره وهذا هو العهد الأول الإيماني. ويتفرع من هذا ~~العهد العقدي الأول كل عهد يقطع سواء بالنسبة لله، أو بالنسبة لخلق ~~الله لأن الناشئ من عهد الله مثله مثل عهد الله فإذا كنت قد آمنت بالله ~~فأنت تؤمن بالمنهج الذي أنزله على رسوله وإذا أوفيت بالمنهج تكون قد ~~أوفيت بالعهد الأول. ولذلك نجد كل التكليفات المهمة البارزة القوية في ~~حياة المؤمنين نجد الحق سبحانه يأتي بها في صيغة البناء فيما يسمى " ~~البناء للمجهول " مثل قوله: # كتب عليكم الصيام.. # [البقرة: 183]. وقوله: # كتب عليكم القصاص في القتلى.. # [البقرة: 178]. وقوله: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم.. # [البقرة: 216]. وكل التكليفات تأتي مسبوقة بكلمة " كتب " والذي ~~كتب هو الله وسبحانه لم يكلف إلا من آمن به فساعة إعلان إيمانك ~~بالله هي ساعة تعاقدك مع الله على أن تنفذ ما يكلفك به. وأنت حر ~~في أن تؤمن أو لا تؤمن لكنك لحظة إيمانك بالله تدخل إلى الالتزام بما ~~يكلفك به، وتكون قد دخلت في كتابة التعاقد الإيماني بينك وبين الله. ~~ولذلك قال الحق سبحانه " كتب " ولم يقل: " كتبت " لأن العهد بينك ms5217 ~~وبين الله يقتضي أن تدخل أنت شريكا فيه، وهو سبحانه لم يكلف إلا ~~من آمن به. وسبحانه هنا يقول: { الذين يوفون بعهد الله ~~ولا ينقضون الميثاق } [الرعد: 20]. أي: أن العهد الإيماني ~~موثق بما أخذته على نفسك من التزام. ويواصل سبحانه وصف هؤلاء ~~بقوله: { والذين يصلون مآ أمر الله... }. ### || [13.21] # وأول ما أمر به الله أن يوصل هو صلة الرحم أي: أن تصل ما ~~يربطك بهم نسب. والمؤمن الحق إذا سلسل الأنساب فسيدخل كل ~~المؤمنين في صلة الرحم لأن كل المؤمنين رحم متداخل فإذا كان لك ~~عشرة من المؤمنين تصلهم بحكم الرحم وكل مؤمن يصل عشرة مثلك، انظر ~~إلى تداخل الدوائر وانتظامها ستجد أن كل المؤمنين يدخلون فيها. ولذلك نجد ~~الحق سبحانه يقول في الحديث القدسي: # " أنا الرحمن خلقت الرحم، واشتققت لها اسما من اسمي فمن وصلها ~~وصلته ومن قطعها قطعته ". # وقد رويت من قبل قصة عن معاوية رضي الله عنه فقد جاء حاجبه ليعلن ~~له أن رجلا بالباب يقول: إنه أخوك يا أمير المؤمنين. ولا بد أن حاجب ~~معاوية كان يعلم أن معاوية بن أبي سفيان لا إخوة له، لكنه لم يشأ أن ~~يتدخل فيما يقوله الرجل وقال معاوية لحاجبه: ألا تعرف إخوتي؟ فقال ~~الحاجب: هكذا يقول الرجل. فأذن معاوية للرجل بالدخول وسأله: أي إخوتي ~~أنت؟ أجاب الرجل: أخوك من آدم. قال معاوية: رحم مقطوعة والله لأكون ~~أول من يصلها. والتقى الفضيل بن عياض بجماعة لهم عنده حاجة وقال لهم: ~~من أين أنتم؟ قالوا: من خراسان. قال: اتقوا الله، وكونوا من حيث شئتم. ~~وقد أمرنا سبحانه أن نصل الأهل أولا ثم الأقارب ثم الدوائر الأبعد ~~فالأبعد ثم الجار، وكل ذلك لأنه سبحانه يريد الالتحام بين الخلق ~~ليستطرق النافع لغير النافع، والقادر لغير القادر، فهناك جارك وقريبك ~~الفقير إن وصلته وصلك الله. ولذلك يأمر الحق سبحانه رسوله صلى الله ~~عليه وسلم ومن خلاله يأمر كل مؤمن برسالته: # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى.. # [الشورى: 23]. وقال بعض من سمعوا ms5218 هذه الآية: قرباك أنت في قرباك. ~~وقال البعض الآخر: لا، القربى تكون في الرسول صلى الله عليه وسلم لأن ~~القرآن قال في محمد صلى الله عليه وسلم: # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم # [الأحزاب: 6]. وهكذا تكون قرابة الرسول أولى لكل مؤمن من قرابته ~~الخاصة. يستمر قول الحق سبحانه في وصف أولي الألباب: { ويخشون ~~ربهم ويخافون سوء الحساب } [الرعد: 21]. والخشية تكون من ~~الذي يمكن أن يصيب بمكروه ولذلك جعل الحق هنا الخشية منه سبحانه أي: ~~أنهم يخافون الله مالكهم وخالقهم ومربيهم خوف إجلال وتعظيم. وجعل ~~سبحانه المخاف من سوء العذاب وأنت تقول: خفت زيدا، وتقول: خفت ~~المرض، ففيه شيء تخافه وشيء يوقع عليك ما تخافه. وأولو الألباب يخافون ~~سوء حساب الحق سبحانه لهم فيدفعهم هذا الخوف على أن يصلوا ما أمر به ~~سبحانه أن يوصل، وأن يبتعدوا عن أي شيء يغضبه. ونحن نعلم أن سوء ~~الحساب يكون بالمناقشة واستيفاء العبد لكل حقوقه فسبحانه منزه عن ظلم ~~أحد، ولكن من يناقش الحساب فهو من يلقى العذاب ونعوذ بالله من ~~ذلك، فلا أحد بقادر على أن يتحمل عذاب الحق له. ويواصل الحق سبحانه ~~وصف أولي الألباب فيقول: { والذين صبروا ابتغاء وجه ~~ربهم... }. ### || [13.22] # ونجد هذه الآية معطوفة على ما سبقها من صفات أولي الألباب الذين ~~يتذكرون ويعرفون مواطن الحق بعقولهم اهتداء بالدليل الذين يوفون ~~بالعهد الإيماني بمجرد إيمانهم بالله في كليات العقيدة الوحدانية، ~~ومقتضيات التشريع الذي تأتي به تلك العقيدة. ولذلك جعلها سبحانه صفقة ~~أوضحها في قوله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل ~~الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا.. # [التوبة: 111]. وهي صفقة إيجاب وقبول، والعهد إيجاب وقبول وهو ميثاق ~~مؤكد بالأدلة الفطرية أولا، والأدلة العقلية ثانيا. وهم في هذه ~~الآية من صبروا ابتغاء وجه ربهم، والصبر هو تحمل متاعب تطرأ على ~~النفس الإنسانية لتخريجها عن وقار استقامتها ونعيمها وسعادتها، وكل ما ~~يخرج النفس الإنسانية عن صياغة الانسجام في النفس يحتاج صبرا. والصبر ~~يحتاج صابرا هو الإنسان ms5219 المؤمن، ويحتاج مصبورا عليه والمصبور عليه ~~في الأحداث قد يكون في ذات النفس كأن يصبر الإنسان على مشقة التكليف ~~الذي يقول " افعل " و " لا تفعل ". فالتكليف يأمرك بترك ما تحب، وأن ~~تنفذ بعض ما يصعب عليك، وأن تمتثل بالابتعاد عما ينهاك عنه، وكل هذا ~~يقتضي مجاهدة من النفس، والصبر الذاتي على مشاق التكليف. ولذلك يقول ~~الحق سبحانه عن الصلاة مثلا: # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # [البقرة: 45]. وهذا صبر الذات على الذات. ولكن هناك صبر آخر صبر ~~منك على شيء يقع من غيرك ويخرجك هذا الشيء عن استقامة نفسك وسعادتها. ~~وهو ينقسم إلى قسمين: قسم تجد فيه غريما لك وقسم لا تجد فيه غريما لك. ~~فالمرض الذي يخرج الإنسان عن حيز الاستقامة الصحية ويسبب لك ~~الألم ليس لك فيه غريم لكنك تجد الغريم حين يعتدي عليك إنسان بالضرب ~~مثلا ويكون هذا الذي يعتدي عليك هو الغريم لك. وكل صبر له طاقة إيمانية ~~تحتمله فالذي يقدر على شيء ليس له فيه غريم يكون صبره معقولا بعض ~~الشيء لأنه لا يوجد له غريم يهيج مشاعره. أما صبر الإنسان على ألم ~~أوقعه به من يراه أمامه فهذا يحتاج إلى قوة ضبط كبيرة كي لا يهيج ~~الإنسان ويفكر في الانتقام. ولذلك تجد الحق يفصل بين الأمرين يفصل بين ~~شيء أصابك ولا تجد لك غريما فيه، وشيء أصابك ولك من مثلك غريم فيه. ~~ويقول سبحانه عن الصبر الذي ليس لك غريم فيه: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17]. ويقول عن الصبر الذي لك فيه غريم، ويحتاج إلى كظم الغيظ، ~~وضبط الغضب: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. وحينما يريد الحق سبحانه منك أن تصبر فهو لا يطلب ذلك منك ~~وحدك ولكن يطلب من المقابلين لك جميعا أن يصبروا على إيذائك لهم فكأنه ~~طلب منك أن تصبر على الإيذاء الواقع من الغير عليك وأنت فرد واحد. # وطلب من الغير أيضا أن يصبر على إيذائك، وهذا هو قمة التأمين ~~الاجتماعي لحياة ms5220 النفس الإنسانية، فإذا كان سبحانه قد طلب منك أن تصبر ~~على من آذاك فقد طلب من الناس جميعا أن يصبروا على آذاك لهم. فإذا ~~بدرت منك بادرة من الأغيار وتخطئ في حق إنسان آخر وتؤلمه فإن لك رصيدا ~~من صبر الآخرين عليك لأن الحق سبحانه طلب من المقابل لك أن يصبر عليك ~~وأن يعفو. وإذا كان لك غريم فالصبر يحتاج منك إلى ثلاث مراحل: أن تصبر ~~صبرا أوليا بأن تكظم في نفسك ولكن الغيظ يبقى، وإن منعت الحركة ~~النزوعية من التعبير عن هذا الغيظ فلم تضرب ولم تسب ويسمى ذلك: # الكاظمين الغيظ.. # [آل عمران: 134]. والكظم مأخوذ من عملية ربط القربة التي نحمل ~~فيها الماء فإن لم نحكم ربطها انسكب منها الماء ويقال " كظم القربة ~~" أي: أحكم ربطها. ثم يأتي الحق سبحانه بالمرحلة الثانية بعد كظم الغيظ ~~فيقول: # والعافين عن الناس.. # [آل عمران: 134]. وهنا تظهر المسألة الأرقى، وهي إخراج الغيظ من الصدر ~~ثم التسامي في مرتبة الصديقين فلا ينظر إلى من كظم غيظه عنه أولا بل ~~يعفو عنه، ولا ينظر له بعداء، بل بنظرة إيمانية. والنظرة الإيمانية هي أن ~~من آذاك إنما يعتدي على حق الله فيك وبذلك جعل الله في صفك ~~وجانبك وهكذا تجد أن من ظلمك وأساء إليك قد جعلك في معية الله وحمايته ~~وعليك أن تحسن له. والصبر له دوافع فهناك من يصبر كي يقال عنه: إنه ~~يملك الجلد والصبر وليبين أنه فوق الأحداث وهذا صبر ليس ابتغاء لوجه ~~الله بل صبر كيلا يشمت فيه أعداؤه. وصبر لأنه قد توصل بعقله أن جزعه لن ~~ينفعه، ولو كان حصيفا لصبر لوجه الله، لأن الصبر لوجه الله يخفف من ~~قدر الله. ومن يصبر لوجه الله إنما يعلم أن لله حكمة أعلى من الموضوع ~~الذي صبر عليه ولو خير بين ما كان يجب أن يقع وبين ما وقع لاختار الذي ~~وقع. والذي يصبر لوجه الله إنما ينظر الحكمة في مورد القضاء الذي وقع ~~عليه، ويقول: أحمدك ربي على كل قضائك وجميل ms5221 قدرك حمد الرضى بحكمك ~~لليقين بحكمتك. فمن يصبر على الفاقة ويقول لنفسه: " اصبري إلى أن ~~يفرجها الله " ولا يسأل أحدا سيجد الفرج قد أتى له من الله. انظر إلى ~~الشاعر وهو يقول: # إذا رمت أن تستخرج المال منفقا # على شهوات النفس في زمن العسر # فسل نفسك الإنفاق من كنز صبرها # عليك وإنذارا إلى ساعة اليسر # فإن فعلت كنت الغني وإن أبيت # فكل منوع بعدها واسع العذر # أي: إن راودتك نفسك لتقترض مالا لتنفقه على شهوات النفس، ورفضت تلك ~~المراودة، وطلبت من نفسك أن تعطيك من كنز الصبر الذي تملكه وإن ~~فعلت ذلك كنت الغني، لأنك قدرت على نفسك. والذي يلتفت إلى الحدث ~~وحده يتعب والذي يلتفت إلى الحدث مقرونا بواقعه من ربه ويقول: " لا بد ~~أن هناك حكمة من الله وراء ذلك " فهو الذي يصبر ابتغاء وجهه الله. ويريد ~~الله أن يخص من يصبر ابتغاء وجهه بمنزلة عالية لأنه يعلم أن الله ~~له حكمة فيما يجريه من أقدار. ويتابع سبحانه وصف أولي الألباب: { ~~وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية.. } [الرعد: 22]. وسبق أن قلنا في الصلاة أقوالا كثيرة ~~وأن من يؤديها على مطلوبها فهو من يعلم أنها جلوة بين العبد وربه، ~~ويكون العبد في ضيافة ربه. وحين تعرض الصنعة على صانعها خمس مرات ~~في اليوم فلا بد أن تنال الصنعة رعاية وعناية من صممها وخلقها، ~~وكما أن الله غيب عنك فكذلك أسباب شفائك من الكروب يكون غيبا عنك. ~~وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك " فكان إذا حزبه أمر قام ~~إلى الصلاة ". ومن عظمة الإيمان أن الله هو الذي يدعوك إلى الصلاة وهو ~~سبحانه لا يمنع عنك القرب في أي وقت تشاء وأنت الذي تحدد متى تقف ~~بين يديه في أي وقت بعد أن تلبي دعوته بالفروض لتؤدي ما تحب من ~~النوافل ولا ينهي سبحانه المقابلة معك كما يفعل عظماء الدنيا بل تنهي ~~أنت اللقاء وقت أن تريد. ولقد تأدب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأدب ربه ms5222 وتخلق بالخلق السامي فكان إذا وضع أحد يده في يد الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فهو لا ينزع يده من يد من يسلم عليه إلا أن يكون هو ~~النازع. وقول الحق سبحانه: { وأنفقوا مما رزقناهم.. } ~~[الرعد: 22]. يعني: أنك لا يجب أن تنظر إلى ما يؤخذ منك، ولكن انظر إلى ~~أنك إن وصلت إلى أن تحتاج من الغير سيؤخذ لك، وهذا هو التأمين الفعال، ~~ومن يخاف أن يترك عيالا دون قدرة، ولو كان هذا الإنسان يحيا في مجتمع ~~إيماني، لوجد قول الحق مطبقا: # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]. وبذلك لا يشعر اليتيم باليتم ولا يخاف أحد على عياله، ~~ولا يسخط أحد على قدر الله فيه. وسبحانه يضع الميزان الاقتصادي حين ~~يطلب منا الإنفاق، والإنفاق يكون من مال زائد أو مال بلغ النصاب، ولذلك ~~فعليك أن تتحرك حركة نافعة للحياة، ويستفيد منها الغير، كي يكون لك مال ~~تنفق منه، وعلى حركتك أن تسعك وتسع غيرك. # وهناك من ينفق مما رزقه الله بأن يأخذ لنفسه ما يكفيها، وينفق ~~الباقي لوجه الله لأنه يضمن أن له إلها قادرا على أن يرزقه، والمضمون ~~عند الله أكثر مما في يده. # " وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أبا بكر فيما ناله من غنائم ~~ويقول له: ماذا صنعت بها يا أبا بكر؟ فيقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~وأرضاه: تصدقت بها كلها. فيقول الرسول: وماذا أبقيت؟ يقول أبو بكر: ~~أبقيت الله ورسوله. وسأل رسول الله عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وماذا ~~فعلت يا عمر؟ فيقول ابن الخطاب: تصدقت بنصفها ولله عندي نصفها. وكأنه ~~يقول للرسول: " إن كان هناك مصرف تريدني أن أصرف فيه النصف الباقي لله ~~عندي فلسوف أفعل ". # وهكذا رأينا من يصرف مما رزقه الله بكل ما رزقه سبحانه، وهو أبو ~~بكر الصديق ونجد من ينفق مما رزقه الله ومستعد لأن ينفق الباقي إن ~~رأى رسول الله مصرفا يتطلب الإنفاق. ونجد ms5223 من توجيهات الإسلام أن من ~~يراعى يتيما فليستعفف فلا يأخذ شيئا من مال اليتيم إن كان الولي على ~~اليتيم له مال وإن كان الولي فقيرا فليأكل بالمعروف. ولقائل أن يسأل: ~~ولماذا نأتي بالفقير لتكون له ولاية على مال اليتيم؟ وأقول: كي لا يحرم ~~المجتمع من خبرة قادرة على الرعاية فيأتي الفقير صاحب الخبرة وليأكل ~~بالمعروف. ونلحظ أن الحق سبحانه قال: # وارزقوهم فيها.. # [النساء: 5]. ولم يقل " وارزقوهم منها " أي: خذوا الرزق من ~~المطمور فيها يملكون بالحركة في هذا المال. وهكذا نفهم كيف ينفق ~~الإنسان المؤمن مما رزقه الله فهناك من ينفق كل ما عنده لأنه واثق ~~من رصيده عند ربه، وهناك من ينفق البعض مما رزقه الله وقد تأخذه ~~الأريحية والكرم فيعطي كل من يسأله، وقد ينفق كل ما عنده مثل من يجلس ~~في جرن القمح ويريد أن يزكي يوم الحصاد فيعطي كل من يسأله إلى أن ~~يفرغ ما عنده. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول: # وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا ~~يحب المسرفين # [الأنعام: 141]. وهنا نجد الحق سبحانه يصف هؤلاء المنفقين في سبيله: ~~{ وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية.. } [الرعد: 22]. والسر هو الصدقة المندوبة، أما الإنفاق ~~في العلانية فهي الصدقة الواضحة لأن الناس قد تراك غنيا أو يشاع عنك ~~ذلك، ولا يرونك وأنت تخرج الزكاة، فتنالك ألسنتهم بالسوء وحين ~~يرونك وأنت تنفق وتتصدق فهم يعرفون أنك تؤدي حق الله، وتشجعهم ~~أنت بأن ينفقوا مما رزقهم الله. وصدقة السر وصدقة العلن أمرها ~~متروك لتقدير الإنسان فهناك من يعطي الصدقة للدولة لتتصرف فيها هي ~~ويعطي من بعد ذلك للفقراء سرا وهذا إنفاق في العلن وفي السر وجاء الحق ~~بالسر والعلانية لأنه لا يريد أن يحجب الخير عن أي أحد بأي سبب. # وقد يقول قائل: إن فلانا يخرج الصدقة رياء. وأقول لمن يتفوه ~~بمثل هذا القول: ألم يستفد الفقير من الصدقة؟ إنه يستفيد، ولا أحد ~~يدخل في النوايا. ويتابع سبحانه: { ويدرءون بالحسنة ~~السيئة.. } [الرعد: 22]. والدرء: هو الدفع بشدة أي: يدفعون ~~بالحسنة ms5224 السيئة بشدة. وأول حسنة إيمانية هي أن تؤمن بالله وبذلك تدفع ~~سيئة الشرك، أو دفعت السيئة. أي: دفعت الذنب الذي ارتكبته وذلك بالتوبة ~~عنه لأن التوبة حسنة، وحين ترى منكرا، وهو سيئة، فأنت تدفعه بحسنة ~~النصح. أو: أن يكون معنى: { ويدرءون بالحسنة ~~السيئة.. } [الرعد: 22]. هو إن فعلت سيئة فأنت تتبعها بحسنة، ~~والكمال المطلق لله وحده ولرسوله لنفترض أن واحدا لديه سيئة ملحة في ~~ناحية من النواحي فالحق سبحانه يأمره أن يدفع السيئة بأن يفعل بجانبها ~~حسنة. يقول سبحانه: # إن الحسنات يذهبن السيئات.. # [هود: 114]. وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لمعاذ رضي الله ~~عنه: # " اتق الله أينما تكون، وأتبع السيئة حسنة تمحها، وخالق الناس بخلق ~~حسن ". # ولذلك، فأنت تجد أغلب أعمال الخير في المجتمع لا تصدر من أي رجل رقيق ~~لا يرتكب السيئات فلا سيئة تطارده كي يفعل الحسنة التي يرجو أن تمحو ~~السيئة. فالسيئة ساعة تلهب ضمير من ارتكبها ولا يستطيع أن يدفعها ~~لأنه ارتكبها فهو يقول لنفسه " فلأبن مدرسة " أو " أبني مسجدا " أو " ~~أقيم مستشفى " أو " أتصدق على الفقراء ". وهكذا نجد أن أغلب حركات ~~الإحسان قد تكون من أصحاب السيئات، فلا أحد بقادر على أن يأخذ شيئا من ~~وراء الله فمن يرتكب سيئة لا بد أن تلح عليه بأحاسيس الذنب ~~لتجده مدفوعا من بعد ذلك إلى فعل الحسنات لعل الحسنات تعوض ~~السيئات. ومن درء الحسنة بالسيئة أيضا أنه إذا أساء إليك إنسان فأنت ~~تكظم غيظك وتعفو وبذلك فأنت تحسن إليه. وتجد الحق سبحانه يقول: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34]. وإذا أنت جربتها في حياتك وأخلصت المودة لمن دخل في ~~العداوة معك ستجد أنه يستجيب لتلك المودة ويصبح صديقا حميما لك. ولكن ~~هناك من يقول: جربت ذلك ولم تنفع تلك المسألة. وأقول لمن يقول ذلك: ~~لقد ظننت أنك قد دفعت بالتي هي أحسن، لكنك في واقع الحال كنت تتربص بما ~~يحدث منك تجاه من دخلت معه في عداوة، ولم ms5225 تخلص في الدفع بالتي هي ~~أحسن، وأخذت تجرب اختبار قول الله فذهبت منك طاقة الإخلاص فيما تفعل ~~وظل الآخر العدو على عداوته. لكنك لو دفعت بالتي هي أحسن ستجد أن الآية ~~القرآنية فيها كل الصدق لأن الله لا يقول قضية قرآنية ثم تأتي ظاهرة ~~كونية تكذب القرآن. # ولذلك يقول الشاعر: # يا من تضايقه الفعال من التي ومن الذي # دفع فديتك بالتي حتى نرى فإذا الذي # أي: يا من تضايقه أفعال الذي بينك وبين عداوة عليك أن تحسن الدفع ~~بالتي هي أحسن، حتى ترى أن العداوة التي كانت بينك وبين ما ذكره الحق ~~سبحانه في قوله: # فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم # [فصلت: 34]. ويتابع الحق سبحانه: { أولئك لهم عقبى ~~الدار } [الرعد: 22]. أي: أن المتقدمين أولي الألباب الذين اجتمعت لهم ~~تلك الصفات التسعة بداية من أنهم يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق ~~ويصلون ما أمر الله أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ~~وصبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقهم الله سرا ~~وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة، هؤلاء هم الذين لهم عقبى الدار. ~~وعقبى مأخوذة من العقب فالقدم له مقدم وله عقب، وعقب هو ما يعقب ~~الشيء، ونقول في أفراحنا " والعاقبة عندكم في المسرات " أي: أننا نتمنى ~~أن تتحقق لكم مسرة مثل التي عندنا، وتكون عقب المسرة التي فرحنا ~~نحن بها. وهكذا تكون العقبى هي الشيء الذي يعقب غيره، والذي يعقب ~~الدار الدنيا هي الدار الآخرة. ولذلك يقول الحق سبحانه في الآية التالية ~~موضحا العاقبة لهؤلاء: { جنات عدن يدخلونها ومن ~~صلح من... }. ### || [13.23] # إذن: فالدار الآخرة التي تعقب الدنيا بالنسبة لأولي الألباب هي جنات ~~عدن. و " العدن " هو الإقامة الدائمة وجنات عدن هي جنات الإقامة ~~الدائمة، لأن الدنيا ليست دار إقامة. وكل نعيم في الدنيا إما أن تفوته ~~بالموت أو يفوتك بأغيار الحياة. أما جنات عدن فهي دار إقامة دائمة بما ~~أن " عدن " تعني مرافقة دائمة للجنات. والجنات معناها كما نفهم هي ~~البساتين التي فيها أشجار وفيها ثمار وكل ms5226 ما تشتهي الأنفس، مع ملاحظة أن ~~هذه الجنات ليست هي المساكن بل في تلك الجنات مسكن بدليل قول الحق ~~سبحانه: # ومساكن طيبة في جنات عدن.. # [التوبة: 72]. فالجنات هي الحدائق وفيها مساكن، ونحن في حياتنا الدنيا ~~نجد الفيلات في وسط الحدائق، فما بالنا بما يعد به الله من طيب المساكن ~~وسط الجنات؟ لا بد أن ينطبق عليه وصف الرسول صلى الله عليه وسلم للجنة في ~~الحديث القدسي عن رب العزة سبحانه: # " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر ". # وهكذا بين الله سبحانه عقبى الدار فهي: { جنات عدن ~~يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم.. } [الرعد: 23]. وآباء جمع " أب " أي: يدخلها مع أولي ~~الألباب من كان صالحا من الآباء متبعا لمنهج الله. وإن سأل سائل: ~~وأين الأمهات؟ أقول: نحن ساعة نثني المتماثلين نغلب الذكر دائما، ~~ولذلك فآباؤهم تعني الأب والأم، ألم يقل الحق سبحانه في سورة يوسف: # ورفع أبويه على العرش.. # [يوسف: 100]. وهؤلاء هم الذين يدخلون الجنة من أولي الألباب الذين ~~استوفوا الشروط التسعة التي تحدثنا عنها فهل استوفى الآباء والأزواج ~~والأبناء الشروط التسعة؟ ونقول: إن الحق سبحانه وتعالى يعامل خلقه في ~~الدنيا بمقتضى العواطف الموجودة في الذرية فالواحد منا يحب أولاده ~~وأزواجه وآباءه وما دام يحبهم وقد صلحوا كل حسب طاقته فالحق سبحانه ~~يلحقهم به. ولذلك تأتي آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم ~~من شيء كل امرىء بما كسب رهين # [الطور: 21]. وهنا يمسك القرآن القضية العقلية في الإلحاق بمعنى أن ~~تلحق ناقصا بكامل، فلو كان مساويا له في العمل ما سمي إلحاقا، ~~فكل إنسان يأخذ حقه وقد اشترط الحق سبحانه شرطا واحدا في إلحاق ~~الذرية بالآباء، أو إلحاق الآباء بالذرية في الجنة، وهو الإيمان فقط. ~~وأوضح لنا هنا أن الآباء قد تميزوا بعمل إيماني بدليل قوله تعالى: # ومآ ألتناهم من عملهم من شيء.. # [الطور: 21]. فلم يأخذ سبحانه عمل الأب الذي عمل ms5227 والابن الذي لم يعمل، ~~ومزج الاثنين، ليأخذ المتوسط، لا، وذلك كي لا يظلم من عمل من الآباء أو ~~الأبناء. # ثم إن ذلك لو حدث لما اعتبر تواجد الآباء مع الأبناء في الجنة ~~إلحاقا لأن الإلحاق يقتضي أن يبقى حق كل من عمل ثم يتكرم سبحانه من ~~بعد ذلك بعملية الإلحاق بشرط واحد هو أن يكون الشخص الملحق مؤمنا. ~~وهكذا نفهم قول الحق سبحانه: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان.. # [الطور: 21]. أي: أن الذرية مؤمنة والأزواج مؤمنون والأهل مؤمنون ~~والأبوين مؤمنان، ولكن الذي يلحق به هو من يكرمه الله بهذا الإلحاق ~~كي يدخل الفرح على قلب المؤمن حين يرى أولاده معه في الجنة ما داموا ~~مؤمنين وهذه قمة في العدالة، لماذا؟ والمثل الذي أضربه على ذلك: هب أن ~~أبا قد حرص على أن يطعم أهله من حلال فقد يعيش أولاده في ضيق وشظف ~~بينما نجد أبناء المنحرف يعيشون في بحبوحة من العيش وهكذا يتنعم ~~أبناء المنحرف الذي يأكل ويطعم أولاده من حرام بينما يعاني أبناء الأمين ~~الذي قد يعتبره البعض متزمتا لأنه يرعى حق الله، ويرفض أكل الحرام. ~~وما دام أولاده الذين يأكلون من حلال قد يعانون معه من عدم التنعم ~~فالحق سبحانه يلحقهم في الجنة بنعيم يعيشه الأب لا يفوتهم فيه شيء ولا ~~يفوته شيء. وبذلك تسعد الذرية لأنها جاءت من صلب رجل مؤمن قضى حياته ~~على جادة الصواب رغم أن بعض الناس قد اتهمته في الدنيا بأنه متزمت. ~~ولقائل أن يقول: ألا يوجد تناقض بين هذا الإلحاق وبين قول الحق سبحانه: # لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن ~~والده شيئا.. # [لقمان: 33]. وأقول: لا يوجد تناقض لأننا نصلي على الميت صلاة شرعها ~~المشرع وفائدتها أن تصل الرحمة للميت المؤمن والإيمان من عمله. ولذلك ~~يضيف له الحق سبحانه فوق رصيد الإيمان ما يشاؤه هو سبحانه من الرحمة ~~بصلاة الجنازة التي أقامها المسلمون عليه: { جنات عدن ~~يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل ~~باب } [الرعد: ms5228 23]. وكلمة " زوج " تعني المرأة التي يتزوجها الرجل ~~وتعني الرجل الذي تتزوجه المرأة، ونحن نخطئ خطأ شائعا حين نقول " زوجة " ~~بل الصحيح أن نقول " زوج " عن المرأة المنسوبة لرجل بعلاقة الزواج. ~~وسبحانه يقول: # وأزواجه أمهاتهم.. # [الأحزاب: 6]. وهكذا نعلم أن جنات عدن هي مكان ينتظم كل شيء ولهذا ~~المكان أبواب متعددة هي أبواب الطاعات التي أدت إلى خير الجزاءات ~~فباب الصلاة يدخله أناس وباب الزكاة يدخله أناس وباب الصبر يدخله أناس ~~وهكذا تتعدد الأبواب وهي إما أبواب الطاعات أو أبواب الجزاءات التي ~~تدخل منها الطيبات: # كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا ~~الذي رزقنا من قبل.. # [البقرة: 25]. فالباب يكون مفتوحا تأتي منه الفاكهة والثمرات ~~والخيرات على اختلاف ألوانها فمرة تأتي ثمار المانجو من باب وبعد ذلك ~~تأتي ثمار التفاح. وتلك الأبواب كما قلت هي إما للجزاءات أو هي أبواب ~~الطاعات التي أدت إلى الجزاءات، وتدخل عليهم الملائكة من كل باب ~~فماذا تقول الملائكة؟ يقول الملائكة لأهل الجنة: { سلام عليكم ~~بما صبرتم... }. ### || [13.24] # والسلام يعني الاطمئنان والرضا الذي لا تأتي بعده الأغيار لأن السلام في ~~الدنيا قد تعكر أمنه أغيار الحياة فأنتم أيها المؤمنون الذين دخلتم ~~الجنة بريئون من الأغيار. وقال صلى الله عليه وسلم عن لحظات ما بعد ~~الحساب: # " الجنة أبدا، أو النار أبدا ". # ولذلك يقول سبحانه عن خيرات الجنة: # لا مقطوعة ولا ممنوعة # [الواقعة: 33]. والملائكة كما نعلم نوعان: الملائكة المهيمون الذين ~~يشغلهم ذكر الله تعالى عن أي شيء ولا يدرون بنا ولا يعلمون قصة ~~الخلق وليس لهم شأن بكل ما يجري فليس في بالهم إلا الله وهم ~~الملائكة العالون الذين جاء ذكرهم في قصة السجود لآدم حين سأل الحق ~~سبحانه الشيطان: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75]. أي: أن العالين هنا هم من لم يشملهم أمر السجود، وليس لهم ~~علاقة بالخلق، وكل مهمتهم ذكر الله فقط. أما النوع الثاني فهم ~~الملائكة المدبرات أمرا، ونعلم أن الحق سبحانه وتعالى قد استدعى آدم ~~إلى الوجود هو وذريته، وأعد له كل شيء في ms5229 الوجود قبل أن يجئ الأرض ~~مخلوقة والسماء مرفوعة والجبال الرواسي بما فيها من قوت والشمس ~~والقمر والنجوم والمياه والسحاب. والملائكة المدبرات هم من لهم ~~علاقة بالإنسان الخليفة، وهم من قال لهم الحق سبحانه: # اسجدوا لأدم.. # [البقرة: 34]. وهم الذين يتولون أمر الإنسان تنفيذا لأوامر الحق ~~سبحانه لهم، ومنهم الحفظة الذين قال فيهم الحق سبحانه: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله.. # [الرعد: 11]. أي: أن الأمر صادر من الله سبحانه، وهم بعد أن يفرغوا ~~من مهمتهم كحفظة من رقيب وعتيد على كل إنسان، ولن يوجد ما يكتبونه من بعد ~~الحساب وتقرير الجزاء وهنا سيدخل هؤلاء الملائكة على أهل الجنة ليحملوا ~~ألطاف الله والهدايا فهم منوط بهم الإنسان الخليفة. وسبحانه حين يورد ~~كلمة في القرآن بموقعها البياني الإعرابي فهي تؤدي المعنى الذي أراده ~~سبحانه. والمثل هو كلمة " سلام " فضيف إبراهيم من الملائكة: # قالوا سلاما قال سلام.. # [هود: 69]. وكان القياس يقتضي أن يقول هو " سلاما " ، ولكنها قضية ~~إيمانية، لذلك قال: # سلام.. # [هود: 69]. فالسلام هنا لم يأت منصوبا بل جاء مرفوعا لأن السلام ~~للملائكة أمر ثابت لهم وبذلك حياهم إبراهيم بتحية هي أحسن من التحية ~~التي حيوه بها. فنحن نسلم سلاما وهو يعني أن نتمنى حدوث الفعل، ~~ولكن إبراهيم عليه السلام فطن إلى أن السلام أمر ثابت لهم. وهكذا ~~الحال هنا حين تدخل الملائكة على العباد المكرمين بدخول الجنة، فهم ~~يقولون: { سلام.. } [الرعد: 24]. وهي مرفوعة إعرابيا لأن السلام أمر ~~ثابت مستقر في الجنة، وهم قالوا ذلك لأنهم يعلمون أن السلام أمر ثابت ~~هناك لا يتغير بتغير الأغيار كما في أمر الدنيا. # والسلام في الجنة لهؤلاء بسبب صبرهم، كما قال الحق سبحانه على ألسنة ~~الملائكة: { سلام عليكم بما صبرتم..] [الرعد: 24]. وجاء ~~الصبر في صيغة الماضي، وهي صيغة صادقة فهم قد صبروا في الدنيا وانتهى زمن ~~الصبر بانتهاء التكليف. وهم هنا في دار جزاء ولذلك يأتي التعبير بالماضي ~~في موقعه لأنهم قد صبروا في دار التكليف على مشقات التكليف صبروا على ~~الإيذاء وعلى ms5230 الأقدار التي أجراها الحق سبحانه عليهم. وهكذا يكون قول ~~الحق سبحانه: { سلام عليكم بما صبرتم..] [الرعد: 24]. في ~~موقعه تماما. وكذلك قوله الحق عمن توفرت فيهم التسع صفات، وهم في ~~الدنيا: # والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم.. # [الرعد: 22]. وجاء بالصبر هنا في الزمن الماضي رغم أنهم ما زالوا في دار ~~التكليف والذي جعل هذا المعنى متسعا هو مجىء كل ما أمر به الله ~~بصيغة المضارع مثل قوله تعالى: # الذين يوفون بعهد الله.. # [الرعد: 20]. وهذه مسألة تحتاج إلى تجديد دائم وقوله: # ولا ينقضون الميثاق # [الرعد: 20]. وقوله: # والذين يصلون مآ أمر الله به أن يوصل.. # [الرعد: 21]. و # ويخشون... ويخافون # [الرعد: 21]. هكذا نرى كل تلك الأفعال تأتي في صيغة المضارع، ثم تختلف ~~الصيغة إلى الماضي في قوله: # والذين صبروا.. # [الرعد: 22]. والمتأمل لكل ذلك يعلم أن كل تلك الأمور تقتضي الصبر وكأن ~~الصبر يسبق كل هذه الأشياء، وهو القاسم المشترك في كل عهد من العهود ~~السابقة. وقد عبر الحق سبحانه - لأجل هذه اللفتة - بالماضي حين جاء ~~حديث الملائكة لهم وهم في الجنة. وهكذا تقع كلمة الصبر في موقعها لأن ~~الملائكة تخاطبهم بهذا القول وهم في دار البقاء ولأن المتكلم هو الله فهو ~~يوضح لنا جمال ما يعيش فيه هؤلاء المؤمنون في الدار الآخرة. ويذيل ~~الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: { فنعم عقبى الدار } ~~[الرعد: 24]. وعلمنا أن " عقبى " تعني الأمر الذي يجيء في العقب، ~~وحين يعرض سبحانه للقضية الإيمانية وصفات المؤمنين المعايشين للقيم ~~الإيمانية فذلك بهدف أن تستشرف النفس أن تكون منهم، ولا بد أن تنفر ~~النفس من الجانب المقابل لهم. والمثل هو قول الحق سبحانه: # إن الأبرار لفي نعيم # [الانفطار: 13]. ويأتي بمقابلها بعدها: # وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 14]. وساعة تقارن بأنهم لو لم يكونوا أبرارا لكانوا في ~~جحيم هنا نعرف قدر نعمة توجيه الحق لهم، ليكونوا من أهل الإيمان. وهكذا ~~نجد أنفسنا أمام أمرين: سلب مضرة وجلب منفعة، ولذلك يقول الحق ~~سبحانه أيضا عن النار: # وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما ~~مقضيا # [مريم: 71]. أي: كلنا ms5231 سنرى النار. ويقول سبحانه: # ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر: 7]. وذلك لكي يعرف كل مسلم ماذا صنعت به نعمة الإيمان قبل أن ~~يدخل الجنة، وبذلك يعلم أن الله سلب منه مضرة وأنعم عليه بمنفعة، سلب ~~منه ما يشقى وأعطاه ما يفيد. ولذلك يقول الحق سبحانه: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185]. وإذا كان الحق سبحانه قد وصف أولي الألباب بالأوصاف ~~المذكورة من قبل فهو يبين لنا أيضا خيبة المقابلين لهم فيقول سبحانه: ~~{ والذين ينقضون عهد الله... }. ### || [13.25] # ولقائل أن يسأل: وهل آمن هؤلاء وكان بينهم وبين الله عهد ونقضوه؟ ~~ونقول: يصح أنهم قد آمنوا ثم كفروا، أو: أن الكلام هنا ينصرف إلى عهد ~~الله الأزلي. يقول سبحانه: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى.. # [الأعراف: 172]. وهنا يوضح سبحانه أن من ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه وتأكيده بالآيات الكونية التي تدل على وجود الخالق الواحد: { ~~ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل.. } [الرعد: 25]. ~~والمقابل لهم هم أولو الألباب الذين كانوا يصلون ما أمر سبحانه أن ~~يوصل - وهؤلاء الكفرة نقضة العهد: { ويفسدون في الأرض.. } ~~[الرعد: 25]. ولم يأت الحق سبحانه بالمقابل لكل عمل أداه أولو ~~الألباب فلم يقل: " ولا يخشون ربهم " لأنهم لا يؤمنون بإله ولم يقل: ~~" لا يخافون سوء الحساب " لأنهم لا يؤمنون بالبعث. وهكذا يتضح لنا أن كل ~~شيء في القرآن جاء بقدر، وفي تمام موقعه. ونحن نعلم أن الإفساد في ~~الأرض هو إخراج الصالح عن صلاحه، فأنت قد أقبلت على الكون، وهو ~~معد لاستقبالك بكل مقومات الحياة من مأكل ومشرب وتنفس وغير ذلك ~~من الرزق، واستبقاء النوع بأن أحل لنا سبحانه أن نتزاوج ذكرا وأنثى. ~~والفساد في الكون أن تأتي إلى صالح في ذاته فتفسده ونقول دائما: إن كنت ~~لا تعرف كيف تزيد الصالح صلاحا فاتركه على حاله واسمع قول الحق سبحانه: # ولا تقف ما ليس لك به علم.. # [الإسراء: 36]. فلا تنظر في أي أمر إلى الخير ms5232 العاجل منه بل انظر إلى ~~ما يؤول إليه الأمر من بعد ذلك أيضر أم ينفع؟ لأن الضر الآجل قد ~~يتلصص ويتسلل ببطء وأناة فلا تستطيع له دفعا من بعد ذلك. ويقول الحق ~~سبحانه في آخر الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { أولئك لهم ~~اللعنة ولهم سوء الدار } [الرعد: 25]. ونلحظ أن التعبير ~~هنا جاء باللام مما يدل على أن اللعنة عشقتهم عشق المالك للملوك: { ~~ولهم سوء الدار } [الرعد: 25]. أي: عذابها، وهي النار والعياذ ~~بالله. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { الله يبسط الرزق... ~~}. ### || [13.26] # والبسط هو مد الشيء. وقد أقام العلماء معركة عند تحديد ما هو ~~الرزق، فهل الرزق هو ما أحله الله فقط؟ أم أن الرزق هو كل ما ينتفع به ~~الإنسان سواء أكان حلالا أم حراما؟ فمن العلماء من قال: إن الرزق هو ~~الحلال فقط ومنهم من قال: إن الرزق هو كل ما ينتفع به سواء أكان حلالا ~~أم حراما لأنك إن قلت إن الرزق محصور في الحلال فقط إذن: فمن كفر ~~بالله من أين يأكل؟ ألم يخاطب الحق سبحانه المكابرين قائلا: # قل من يرزقكم من السمآء والأرض.. # [يونس: 31]. وقال سبحانه: # إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين # [الذاريات: 58]. ويقول تعالى: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون * فورب السمآء ~~والأرض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون # [الذاريات: 22-23]. إذن: فالرزق هو من الله ومن بعد ذلك يأمر " افعل كذا ~~" و " لا تفعل كذا ". وقول الحق سبحانه: { الله يبسط الرزق ~~لمن يشآء ويقدر.. } [الرعد: 26]. أي: أنه سبحانه يمد الرزق ~~لمن يشاء: { ويقدر.. } [الرعد: 26]. من القدر. أي: في حالة ~~إقداره على المقدر عليه وهو من يعطيه سبحانه على قدر احتياجه لأن ~~القدر هو قطع شيء على مساحة شيء، كأن يعطي الفقير ويبسط له الرزق ~~على قدر احتياجه. والحق سبحانه أمرنا أن نعطي الزكاة للفقير ويظل ~~الفقير عائشا على فقره لأنه يعيش على الكفاف. أو: يقدر بمعنى يضيق ~~وساعة يحدث ذلك إياك أن تظن أن التضييق على الفقير ليس لصالحه، فقد ~~يكون رزقه ms5233 بالمال الوفير دافعا للمعصية ومن العفة ألا يجد. أو: يقدر ~~بمعنى يضيق على إطلاقها، يقول سبحانه: # لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق ممآ آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ~~مآ آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا # [الطلاق: 7]. ولأن الله قد آتاه فهذا يعني أنه بسط له بقدره. ويتابع ~~سبحانه: { وفرحوا بالحياة الدنيا.. } [الرعد: 26]. وطبعا ~~سيفرح بها من كان رزقه واسعا والمؤمن هو من ينظر إلى الرزق ويقول: ~~هو زينة الحياة الدنيا ولكن ما عند الله خير وأبقى. أما أهل الكفر فقد ~~قالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. ويرد الحق سبحانه عليهم: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات.. # [الزخرف: 32]. وساعة تبحث في تحديد هذا البعض المبسوط له الرزق والبعض ~~المقدر عليه في الرزق لن تجد ثباتا في هذا الأمر لأن الأغيار قد تأخذ ~~من الغني فتجعله فقيرا وقد تنتقل الثروة من الغني إلى الفقير. وسبحانه ~~قد ضمن أسبابا عليا في الرزق لكل من المؤمن والكافر والطائع والعاصي ~~وكلنا قد دخل الحياة ليأخذ بيده من عطاء الربوبية فإن قصر واحد فليس ~~لهذا المرء من سبب سوى أنه لم يأخذ بأسباب الربوبية وينتفع بها. # وقد يأخذ بها الكافر وينتفع بها. والحق سبحانه هو القائل: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. إذن: فليس هناك تضييق إلا في الحدود التي يشاؤها الله، ~~مثل أن يزرع الإنسان الأرض، ويتعب في الري والحرث ثم تأتي صاعقة أو ~~برد مصحوب بصقيع فيأكل الزرع ويميته. وفي هذا لفت للإنسان بأنه ~~سبحانه قد أخذ هذا الإنسان من رزقه وهو العطاء منه كي لا يفتن ~~الإنسان بالأسباب، وقد يأتي رزقه من بعد ذلك من منطقة أخرى، وبسبب آخر. { ~~الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر وفرحوا ~~بالحياة الدنيا.. } [الرعد: 26]. والفرح في حد ذاته ليس ~~ممنوعا ms5234 ولا محرما، ولكن الممنوع هو فرح البطر كفرح قارون: # إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ~~وآتيناه من الكنوز مآ إن مفاتحه لتنوء ~~بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا ~~تفرح.. # [القصص: 76]. والحق سبحانه قد قال: # إن الله لا يحب الفرحين # [القصص: 76]. وهذا هو فرح البطر الذي لا يحبه الله لأنه سبحانه قال في ~~موقع آخر: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يأتي بفرحهم ~~وبسبب هذا الفرح وهو الحياة الدنيا أي: أنه سبب تافه للفرح، لأنها قد ~~تؤخذ منهم وقد يؤخذون منها، ولكن الفرح بالآخرة مختلف، وهو الفرح ~~الحق. ولذلك يقول فيه الحق سبحانه: # فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون # [يونس: 58]. ويقيس الحق سبحانه أمامنا فرح الحياة الدنيا بالآخرة، ~~فيقول: { وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع } ~~[الرعد: 26]. ومتاع الرجل هو ما يعده إعدادا ينفقه في سفر قصير، ~~كالحقيقة الصغيرة التي تضع فيها بعضا من الملابس والأدوات التي تخصك ~~لسفر قصير. والعاقل هو من ينظر إلى أقصى ما يمكن أن يفعله الإنسان في ~~الحياة فقد يتعلم إلى أن يصل إلى أرقى درجات العلم ويسعى في الأرض ما ~~وسعه السعي ثم أخيرا يموت. والمؤمن هو من يصل عمل دنياه ~~بالآخرة ليصل إلى النعيم الحقيقي، والمؤمن هو من يبذل الجهد ليصل ~~نفسه برحمة الله لأنها باقية ببقاء الله، ولأن المؤمن الحق يعلم أن كل ~~غاية لها بعد لا تعتبر غاية. ولذلك فالدنيا في حد ذاتها لا تصلح ~~غاية للمؤمن، ولكن الغاية الحقة هي: إما الجنة أبدا، أو النار ~~أبدا. يقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ويقول الذين كفروا ~~لولا... }. ### || [13.27] # ونعلم أن " لولا " إذا دخلت على جملة اسمية فلها وضع يختلف عنه ~~وضعها إذا دخلت على جملة فعلية، فحين نقول: " لولا زيد عندك ~~لزرتك " يعني امتناع حدوث شيء لوجود شيء آخر. وحين نقول: لولا ~~تذاكر دروسك. فهذا يعني حضا على الفعل. والحق سبحانه يقول: # لولا جآءوا عليه بأربعة ms5235 شهدآء فإذ لم ~~يأتوا بالشهدآء فأولئك عند الله هم ~~الكاذبون # [النور: 13]. والجملة التي دخلت عليها " لولا " في هذه الآية هي جملة ~~فعلية، وكأن الحق سبحانه يحضنا هنا على أن نلتفت إلى الآية الكبرى ~~التي نزلت عليه صلى الله عليه وسلم، وهي القرآن. وقد تساءل الكافرون - ~~كذبا - عن مجيء آية وكان تساؤلهم بعد مجيء القرآن، وهذا كذب واقع ~~يناقضون به أنفسهم فقد قالوا: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. وهم بذلك قد اعترفوا أن القرآن بلغ حد الإعجاز ~~وتمنوا لو أنه نزل على واحد من عظماء القريتين - مكة أو الطائف. وهم ~~من قالوا أيضا: # وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون # [الحجر: 6]. ثم يعودون هنا لينكروا الاعتراف بالقرآن كمعجزة، على الرغم ~~من أنه قد جاء من جنس ما نبغوا فيه، فهم يتذوقون الأدب، ويتذوقون البيان، ~~ويتذوقون الفصاحة ويقيمون الأسواق ليعرضوا إنتاجهم في البلاغة والقصائد، ~~فهم أمة تطرب فيها الأذن لما ينطقه اللسان. ولكنهم هنا يطلبون آية ~~كونية كالتي نزلت على الرسل السابقين عليهم السلام، ونسوا أن الآية ~~الكونية عمرها مقصور على وقت حدوثها ومن رآها هو من يصدقها، أو ~~يصدقها من يخبره بها مصدر موثوق به. ولكن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم هو المبعوث لتنظيم حركة الحياة في دنيا الناس إلى أن تقوم الساعة ~~ولو أنه قد جاء بآية كونية لأخذت زمانها فقط. ولذلك شاء الحق سبحانه أن ~~يأتي بآية معجزة باقية إلى أن تقوم الساعة، فضلا عن أنه صلى الله ~~عليه وسلم قد جاءت له معجزات حسية كتفجر الماء من بين أصابعه وحفنة ~~الطعام التي أشبعت جيشا وأظلته السحابة وحن جذع الشجرة حنينا ~~إليه ليقف من فوقه خطيبا وجاءه الضب مسلما. كل تلك آيات كونية هي ~~حجة على من رآها، وكذلك معجزات الرسل السابقين، ولولا أن رواها ~~لنا القرآن لما آمنا بها، وكانت الآيات الكونية التي جاءت مع الرسل ~~هي مجرد إثبات لمن عاشوا في أزمان الرسل السابقين على أن هؤلاء الرسل ~~مبلغون ms5236 عن الله. وقد شرح الحق سبحانه هذا الأمر بالنسبة لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حين قال: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون... # [الإسراء: 59]. أي: أن الرسل السابقين الذين نزلوا في أقوامهم وصحبتهم ~~الآيات الكونية قابلوا أيضا المكذبين بتلك الآيات، وقوم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قالوا أيضا: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا # [الإسراء: 90-92]. ويقول الحق سبحانه في موقع آخر: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا.. # [الأنعام: 111]. وهكذا يبين لنا الحق سبحانه أنهم غارقون في العناد ~~ولن يؤمنوا، وأن أقوالهم تلك هي مجرد حجج يتلكئون بها. وهم هنا في ~~الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقولون: { لولا أنزل عليه ~~آية من ربه.. } [الرعد: 27]. وهكذا نجد أنهم يعترفون أن له ربا ~~على الرغم من أنهم قد اتهموه من قبل أنه ساحر، وأنه - والعياذ بالله - ~~كاذب، وحين فتر عنه الوحي قالوا: " إن رب محمد قد قلاه ". وأنزل ~~الحق سبحانه الوحي: # ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من ~~الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 3-5]. أي: أن الوحي سوف يستمر، وهكذا فضح الله كذبهم على ~~مر سنوات الرسالة المحمدية. وهم هنا يتعنتون في طلب الآية الحسية ~~الكونية وكلمة آية كما عرفنا من قبل هي: إما آية كونية تلفت إلى وجود ~~الخالق. أو: آية من القرآن فيها تفصيل للأحكام وليست تلك هي الآية التي ~~كانوا يطلبونها. أو: آية معجزة تدل على صدق الرسالة. وكأن طلب ~~الآيات إنما جاء لأنهم لم يقتنعوا بآية القرآن وهذا دليل غبائهم في ~~استقبال أدلة اليقين بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأن القرآن جاء ~~معجزة، وجاء منهجا. والمعجزة - كما أوضحنا - إنما تأتي من جنس ما نبغ ~~فيه القوم، ولا يأتي سبحانه بمعجزة لقوم لم ms5237 يحسنوا شيئا مثلها ولم ~~ينبغوا فيه. فالذين كانوا يمارسون السحر جاءت المعجزة مع الرسول ~~المرسل إليهم من نفس النوع، والذين كانوا يعرفون الطب، جاء لهم رسول، ~~ومعه معجزة مما نبغوا فيه. وقد جاءت معجزة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من جنس ما نبغوا فيه فضلا عن أن القرآن معجزة ومنهج في آن واحد، ~~بخلاف معجزة التوقيت والتقيد في زمن. ومع ذلك، فإن كفار مكة تعنتوا، ولم ~~يكتفوا بالقرآن معجزة وآيات تدلهم إلى سواء السبيل بل اقترحوا هم ~~الآية حسب أهوائهم ولذلك نجدهم قد ضلوا. ونجد الحق سبحانه يقول بعد ~~ذلك: { قل إن الله يضل من يشآء ويهدي إليه من ~~أناب } [الرعد: 27]. وهنا نقف وقفة لأن البعض يحاول أن يسقط عن ~~الإنسان مسئولية التكليف ويدعي أن الله هو الذي يمنع هداية هؤلاء ~~الكافرين. # ونقول: إننا إن استقرأنا آيات القرآن سنجد قول الحق سبحانه: # والله لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264]. ونجد قول الحق سبحانه: # إن الله لا يهدي القوم الظالمين # [المائدة: 51]. ويقول سبحانه أيضا: # ...والله لا يهدي القوم الفاسقين # [المائدة: 108]. ومن كل ذلك نفهم أن العمل السابق منهم هو الذي يجعله ~~سبحانه لا يهديهم، لأن الإنسان ما دام قد جاء له حكم أعلى، ويؤمن بمصدر ~~الحكم فمن أنزل هذا الحكم يعطي للإنسان معونة، لكن من يكذب بمصدر ~~الحكم الأعلى فسبحانه يتركه بلا معونة. أما من يرجع إلى الله فسبحانه ~~يهديه ويدله ويعينه بكل المدد. ويواصل الحق ما يمنحه سبحانه من ~~اطمئنان لمن ينيب إليه، فيقول: { الذين آمنوا وتطمئن... ~~}. ### || [13.28] # ومعنى الاطمئنان سكون القلب واستقراره وأنسه إلى عقيدة لا تطفو إلى ~~العقل ليناقشها من جديد. ونعلم أن الإنسان له حواس إدراكية يستقبل بها ~~المحسات وله عقل يأخذ هذه الأشياء ويهضمها بعد إدراكها ويفحصها جيدا، ~~ويتلمس مدى صدقها أو كذبها ويستخرج من كل ذلك قضية واضحة يبقيها في ~~قلبه لتصبح عقيدة، لأنها وصلت إلى مرحلة الوجدان المحب لاختيار المحبوب. ~~وهكذا تمر العقيدة بعدة مراحل فهي أولا إدراك حسي ثم مرحلة ~~التفكر العقلي ثم ms5238 مرحلة الاستجلاء للحقيقة ثم الاستقرار في القلب لتصبح ~~عقيدة. ولذلك يقول سبحانه: { وتطمئن قلوبهم.. } [الرعد: 28]. ~~فاطمئنان القلب هو النتيجة للإيمان بالعقيدة وقد يمر على القلب بعض من ~~الأغيار التي تزلزل الإيمان، ونقول لمن تمر به تلك الهواجس من الأغيار: ~~أنت لم تعط الربوبية حقها لأنك أنت الملوم في أي شيء ينالك. ~~فلو أحسنت استقبال القدر فيما يمر بك من أحداث، لعلمت تقصيرك فيما ~~لك فيه دخل بأي حادث وقع عليك نتيجة لعملك، أما ما وقع عليك ولا ~~دخل لك فيه فهذا من أمر القدر الذي أراده الحق لك لحكمة قد لا ~~تعلمها، وهي خير لك. إذن: استقبال القدر إن كان من خارج النفس فهو لك، ~~وإن كان من داخل النفس فهو عليك. ولو قمت بإحصاء ما ينفعك من وقوع ~~القدر عليك لوجدته أكثر بكثير مما سلبه منك. والمثل هو الشاب ~~الذي استذكر دروسه واستعد للامتحان لكن مرضا داهمه قبل الامتحان ومنعه ~~من أدائه. هذا الشاب فعل ما عليه وشاء الله أن ينزل عليه هذا القدر ~~لحكمة ما كأن يمنع عنه حسد جيرانه أو حسد من يكرهون أمه أو أباه، ~~أو يحميه من الغرور والفتنة في أنه معتمد على الأسباب لا على ~~المسبب. أو تأخير مرادك أمام مطلوب الله يكون خيرا. وهكذا فعلى ~~الإنسان المؤمن أن يكون موصولا بالمسبب الأعلى، وأن يتوكل عليه ~~سبحانه وحده، وأن يعلم أن التوكل على الله يعني أن تعمل الجوارح، وأن ~~تتوكل القلوب لأن التوكل عمل قلبي، وليس عمل القوالب. ولينتبه كل ~~منا إلى أن الله قد يغيب الأسباب كي لا نغتر بها، وبذلك يعتدل إيمانك ~~به ويعتدل إيمان غيرك. وقد ترى شابا ذكيا قادرا على الاستيعاب، لكنه ~~لا ينال المجموع المناسب للكلية التي كان يرغبها فيسجد لله شكرا ~~متقبلا قضاء الله وقدره فيوفقه الله إلى كلية أخرى وينبغ فيها ~~ليكون أحد البارزين في المجال الجديد. ولهذا يقول الحق سبحانه: # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم ms5239 وأنتم ~~لا تعلمون # [البقرة: 216]. وهكذا نجد أن من يقبل قدر الله فيه، ويذكر أن له ربا ~~فوق كل الأسباب فالاطمئنان يغمر قلبه أمام أي حدث مهما كان. # وهكذا يطمئن القلب بذكر الله وتهون كل الأسباب لأن الأسباب إن عجزت ~~فلن يعجز المسبب. وقد جاء الحق سبحانه بهذه الآية في معرض حديثه عن ~~التشكيك الذي يثيره الكافرون، وحين يسمع المسلمون هذا التشكيك فقد توجد ~~بعض الخواطر والتساؤلات: لماذا لم يأت لنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمعجزة حسية مثل الرسل السابقين لتنفض هذه المشكلة، وينتهي ~~هذا العناد؟ ولكن تلك الخواطر لا تنزع من المؤمنين إيمانهم ولذلك ينزل ~~الحق سبحانه قوله الذي يطمئن: { الذين آمنوا وتطمئن ~~قلوبهم بذكر الله.. } [الرعد: 28]. والذكر في اللغة جاء ~~لمعان شتى فمرة يطلق الذكر، ويراد به الكتاب أي: القرآن: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. ويأتي الذكر مرة، ويراد به الصيت والشهرة والنباهة، ~~يقول تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون # [الزخرف: 44]. أي: أنه شرف عظيم لك في التاريخ، وكذلك لقومك أن تأتي ~~المعجزة القرآنية من جنس لغتهم التي يتكلمون بها. وقد يطلق الذكر على ~~الاعتبار والحق سبحانه يقول: # ولكن متعتهم وآبآءهم حتى نسوا الذكر ~~وكانوا قوما بورا # [الفرقان: 18]. أي: نسوا العبر التي وقعت للأمم التي عاشت من قبلهم ~~فنصر الله الدين رغم عناد هؤلاء. وقد يطلق الذكر على كل ما يبعثه ~~الحق سبحانه على لسان أي رسول: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43]. وقد يطلق الذكر على العطاء الخير من الله. ويطلق ~~الذكر على تذكر الله دائما وهو سبحانه القائل: # فاذكروني أذكركم.. # [البقرة: 152]. أي: اذكروني بالطاعة أذكركم بالخير والتجليات، فإذا ~~كان الذكر بهذه المعاني فنحن نجد الاطمئنان في أي منها، فالذكر ~~بمعنى القرآن يورث الاطمئنان. ويقول الحق سبحانه: # يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * ~~وسبحوه بكرة وأصيلا * هو الذي يصلي عليكم ~~وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور ~~وكان بالمؤمنين رحيما # [الأحزاب: 41-43]. فكل آية تأتي من القرآن كانت تطمئن الرسول ms5240 صلى ~~الله عليه وسلم أنه صادق البلاغ عن الله فقد كان المسلمون قلة مضطهدة، ~~ولا يقدرون على حماية أنفسهم، ولا على حماية ذويهم. ويقول الحق سبحانه ~~في هذا الظرف: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. ويتساءل عمر رضي الله عنه: أي جمع هذا، ونحن لا نستطيع ~~الدفاع عن أنفسنا وقد هاجر بعضنا إلى الحبشة خوفا من الاضطهاد؟ ولكن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير إلى بدر، ويحدد أماكن مصارع كبار ~~رموز الكفر من صناديد قريش ويقول: " هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان " بل ~~ويأتي بالكيفية التي يقع بها القتل على صناديد قريش ويتلو قول الحق ~~سبحانه: # سنسمه على الخرطوم # [القلم: 16]. وبعد ذلك يأتون برأس الرجل الذي قال عنه رسول الله ذلك ~~فيجدون الضربة قد جاءت على أنفه. # فمن ذا الذي يتحكم في مواقع الموت؟ إن ذلك لا يتأتى إلا من إله هو ~~الله وهو الذي أخبر محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا الخبر: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. وقد طمأن هذا القول القوم الذين اتبعوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الذي لا يعلم الغيب، ولا يعلم الكيفية التي يموت عليها ~~أي كافر وأي جبار وهو صلى الله عليه وسلم يخبرهم بها وهم في منتهى ~~الضعف. وهذا الإخبار دليل على أن رصيده قوي عند علام الغيوب. إذن: ~~فقول الحق سبحانه: { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } ~~[الرعد: 28]. يعني: أن القلوب تطمئن بالقرآن وما فيه من أخبار صادقة تمام ~~الصدق، لتؤكد أن محمدا صلى الله عليه وسلم مبلغ عن ربه وأن القرآن ~~ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم بل هو من عند الله. وهكذا استقبل ~~المؤمنون محمدا صلى الله عليه وسلم وصدقوا ما جاء به فها هي خديجة - ~~رضي الله عنها وأرضاها - لم تكن قد سمعت القرآن وما أن أخبرها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بمخاوفه من أن ما يأتيه قد يكون جنا، فقالت: ~~" إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري ~~الضيف، وتعين على نوائب الحق، والله ما ms5241 يخزيك الله أبدا ". وها ~~هو أبو بكر - رضي الله عنه وأرضاه - يصدق أن محمدا رسول من الله، فور ~~أن يخبره بذلك. وهكذا نجده صلى الله عليه وسلم قد امتلك سماتا وقد صاغ ~~الله لرسوله أخلاقا، تجعل من حوله يصدقون كل ما يقول فور أن ~~ينطق. ونلحظ أن الذين آمنوا برسالته صلى الله عليه وسلم لم يؤمنوا لأن ~~القرآن أخذهم ولكنهم آمنوا لأن محمدا صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن ~~يكذبهم القول، وسيرته قبل البعثة معجزة في حد ذاتها، وهي التي ~~أدت إلى تصديق الأولين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أما الكفار ~~فقد أخذهم القرآن واستمال قلوبهم، وتمنوا لو نزل على واحد آخر غير محمد ~~صلى الله عليه وسلم. وحين يرى المؤمنون أن القرآن يخبرهم بالمواقف التي ~~يعيشونها، ولا يعرفون لها تفسيرا ويخبرهم أيضا بالأحداث التي سوف تقع، ~~ثم يجدون المستقبل وقد جاء بها وفقا لما جاء بالقرآن، هنا يتأكد لهم ~~أن القرآن ليس من عند محمد، بل هو من عند رب محمد صلى الله عليه ~~وسلم. ولذلك فحين يثير الكفار خزعبلاتهم للتشكيك في محمد صلى الله عليه ~~وسلم يأتي القرآن مطمئنا للمؤمنين فلا تؤثر فيهم خزعبلات الكفار. ~~والمؤمن يذكر الله بالخيرات ويعتبر من كل ما يمر به، وبكل ما جاء بكتاب ~~الله وحين يقرأ القرآن فقلبه يطمئن بذكر الله لأنه قد آمن إيمان ~~صدق. # وقد لمس المؤمنون أن أخبار النبي التي يقولها لهم قد تعدت محيطهم ~~البيئي المحدود إلى العالم الواسع بجناحيه الشرقي في فارس، والغربي في ~~الروم. وقد أعلن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - على سبيل المثال - ~~خبر انتصار الروم على الفرس، حين أنزل الحق سبحانه قوله: # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في بضع سنين.. # [الروم: 1-4]. فأروني أي عبقرية في العالم تستطيع أن تتحكم في نتيجة ~~معركة بين قوتين تصطرعان وتقتتلان وبعد ذلك يحدد من الذي سينتصر، ومن ~~الذي سيهزم بعد فترة من الزمن تتراوح من خمس إلى ms5242 تسع سنوات؟ وأيضا ~~تأتي الأحداث العالمية التي لا يعلم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شيئا، وتوافق ما جاء بالقرآن. وكل ذلك يجعل المؤمنين بالقرآن في حالة ~~اطمئنان إلى أن هذا القرآن صادق، وأنه من عند الله، ويصدق هذا قول الحق ~~سبحانه: { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر ~~الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب } [الرعد: 28]. ~~ونعلم أن الكون قد استقبل الإنسان الأول - وهو آدم عليه السلام - ~~استقبالا، وقد هيئ له فيه كل شيء من مقومات الحياة وصار ~~الإنسان يعيش في أسباب الله، تلك الأسباب الممدودة من يد الله فنأخذ ~~بها وتترقى حياتنا بقدر ما نبذل من جهد. وما أن نموت حتى نصل ~~إلى أرقى حياة إن كان عملنا صالحا وحسن إيماننا بالله فبعد أن ~~كنا نعيش في الدنيا بأسباب الله الممدودة فنحن نعيش في الآخرة ~~بالمسبب في جنته التي أعدها للمتقين. وقول الحق سبحانه: { ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب } [الرعد: 28]. يعني: أن ~~الاطمئنان مستوعب لكل القلوب فكل إنسان له زاوية يضطرب فيها قلبه وما ~~أن يذكر الله حتى يجد الاطمئنان ويتثبت قلبه. وقد حاول المستشرقون أن ~~يقيموا ضجة حول قوله تعالى: { ألا بذكر الله تطمئن ~~القلوب } [الرعد: 28]. وتساءلوا: كيف يقول القرآن هنا أن الذكر ~~يطمئن القلب ويقول في آية أخرى: # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم.. # [الأنفال: 2]. فأي المعنيين هو المراد؟ ولو أن المستشرقين قد ~~استقبلوا القرآن بالملكة العربية الصحيحة لعلموا الفارق بين: { ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب } [الرعد: 28]. وبين قول الحق ~~سبحانه: # إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم.. # [الأنفال: 2]. فكأنه إذا ذكر الله أمام الناس وكان الإنسان في غفلة ~~عن الله هنا ينتبه الإنسان بوجل. أو: أن الحق سبحانه يخاطب الخلق ~~جميعا بما فيهم من غرائز وعواطف ومواجيد فلا يوجد إنسان كامل ولكل ~~إنسان هفوة إلا من عصم الله. وحين يتذكر الإنسان إسرافه من جهة سيئة ~~فهو يوجل وحين يتذكر عفو الله وتوبته ومغفرته يطمئن. ويقول سبحانه ~~بعد ذلك: { الذين آمنوا وعملوا... }. ### || [13.29] # وطوبى من ms5243 الشيء الطيب أي: سيلاقون شيئا طيبا في كل مظاهره: ~~شكلا ولونا وطعما ومزاجا وشهوة، فكل ما يشتهيه الواحد منهم ~~سيجده طيبا وكأن الأمر الطيب موجودا لهم. وقول الحق سبحانه: { وحسن ~~مآب } [الرعد: 29]. أي: حسن مرجعهم إلى من خلقهم أولا، وأعاشهم ~~بالأسباب ثم أخذهم ليعيشوا بالمسبب الأعلى وبإمكانية " كن فيكون ". ~~ويريد الحق سبحانه من بعد ذلك أن يوضح لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه ~~رسول من الرسل وكان كل رسول إلى أي أمة يصحب معه معجزة من صنف ما ~~نبغ فيه قومه. وقد أرسل الحق سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم ومعه ~~المعجزة التي تناسب قومه فهم قد نبغوا في البلاغة والبيان وصناعة ~~الكلام، وقول القصائد الطويلة وأشهرها المعلقات السبع ولهم أسواق ~~أدبية مثل: سوق عكاظ، وسوق ذي المجاز. ولذلك جاءت معجزته صلى الله عليه ~~وسلم من جنس ما نبغوا فيه كي تأتيهم الحجة والتعجيز. ولو كانت ~~المعجزة في مجال لم ينبغوا فيه لقالوا: " لم نعالج أمرا مثل هذا من قبل ~~ولو كنا قد عالجناه لنبغنا فيه ". وهكذا يتضح لنا أن إرسال ~~الرسول بمعجزة في مجال نبغ فيه قومه هو نوع من إثبات التحدي ~~وإظهار تفوق المعجزة التي جاء بها الرسول. وهكذا نرى أن إرسال محمد صلى ~~الله عليه وسلم بالقرآن - وإن لم يقنع الكفار - إنما كان مطابقا ~~لمنطق الوحي من السماء للرسالات كلها. ولذلك يقول الحق سبحانه هنا: { ~~كذلك أرسلناك في أمة قد خلت... }. ### || [13.30] # فكما أرسلك الله إلى أمتك فقد سبق أن أرسل سبحانه رسلا إلى الأمم ~~التي سبقت ولم يرسل مع أي منهم معجزة تناقض ما نبغ فيه قومه كي ~~لا يقول واحد أن المعجزة التي جاءت مع الرسول تتناول ضربا لم ~~يألفوه ولو كانوا قد ألفوه لما تفوق عليهم الرسول. وقول الحق: { ~~كذلك } [الرعد: 30]. يعني: كهذا الإرسال السابق للرسل جاء بعثك ~~إلى أمتك، كتلك الأمم السابقة. ويأتي الحق سبحانه هنا بالاسم الذي كان ~~يجب أن يقدروه حق قدره وهو " الرحمن " فلم يقل: وهم يكفرون ~~بالله بل قال: ms5244 { وهم يكفرون بالرحمن.. } [الرعد: 30]. ~~فهم يعيشون - رغم كفرهم - في رزق من الله الرحمن، وكل ما حولهم وما ~~يقيتهم وما يستمتعون به من نعم عطاءات من الله. وهم لا يقومون ~~بأداء أي من تكاليف الله فكان من اللياقة أن يذكروا فضل الله عليهم ~~وأن يؤمنوا به لأن مطلوب الألوهية هو القيام بالعبادة. وهو سبحانه هنا ~~يأتي باسمه " الرحمن " والذي يفيد التطوع بالخير وكان من الواجب أن ~~يقدروا هذا الخير الذي قدمه لهم سبحانه، دون أن يكون لهم حول أو ~~قوة. وكان يجب أن يعتبروا ويعلنوا أنهم يتجهون إليه سبحانه بالعبادة وأن ~~ينفذوا التكليف العبادي. وفي صلح الحديبية دارت المفاوضات بين ~~المسلمين وكفار قريش الذين منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخول ~~مكة، ولكنهم قبلوا التعاهد معه، فكان ذلك اعترافا منهم بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وصحبه الذين صاروا قوة تعاهد تأخذ وتعطي. ولذلك نجد سيدنا ~~أبا بكر - رضي الله عنه - يقول: " ما كان في الإسلام نصر أعظم من نصر ~~الحديبية ". فقد بدأت قريش في الحديبية الاعتراف برسول الله وأمة ~~الإسلام وأخذوا هدنة طويلة تمكن خلالها محمد صلى الله عليه وسلم ~~وصحابته من أن يغزوا القبائل التي تعيش حول قريش حيث كانت تذهب سرية ~~ومعها مبشر بدين الله فتسلم القبائل قبيلة من بعد قبيلة. وهكذا ~~كانت الحديبية هي أعظم نصر في الإسلام فقد سكنت قريش وتفرغ رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ومن معه لدعوة القبائل المحيطة بها للإسلام. ولكن ~~الناس لم يتسع ظنهم لما بين محمد وربه. والعباد دائما يعجلون، ~~والله لا يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد. # " وحين جاءت لحظة التعاقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش ~~في الحديبية، وبدأ علي بن أبي طالب في كتابة صيغة المعاهدة، كتب " ~~هذا ما صالح عليه محمد رسول الله " فاعترض سهيل بن عمرو وقال: لو شهدت ~~أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب: " هذا ما صالح عليه محمد بن عبد ~~الله وسهيل بن عمرو ". وأصر صحابة ms5245 رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن ~~تكتب صفة محمد كرسول، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والله إني ~~لرسول الله وإن كذبتموني. اكتب محمد بن عبد الله " ". # ولكن عليا - كرم الله وجهه - يصر على أن يكتب صفة محمد كرسول من ~~الله فينطق الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ليقول لعلي: " ~~ستسام مثلها فتقبل ". ولما تولى علي - كرم الله وجهه - بعد أبي ~~بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين، وقامت المعركة بين علي ومعاوية ثم ~~اتفق الطرفان على عقد معاهدة وكتب الكاتب " هذا ما قاضى عليه أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب " فقال عمرو بن العاص مندوب معاوية: " اكتب ~~اسمه واسم أبيه، هو أميركم وليس أميرنا ". وهنا تذكر علي - كرم الله ~~وجهه - ما قاله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ستسام مثلها ~~فتقبل " وقبلها فقال: " امح أمير المؤمنين، واكتب هذا ما قاضى عليه ~~علي بن أبي طالب " وتحققت مقولة الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن الوقائع ~~التي تثبت الإيمان نجد قصة عمار بن ياسر، وكان ضمن صفوف علي - ~~كرم الله وجهه وأرضاه - في المواجهة مع معاوية وقتله جنود معاوية فصرخ ~~المسلمون وقالوا: " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية ". وهكذا كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد قال. وبذلك فهم المسلمون أن الفئة الباغية ~~هي فئة معاوية، وانتقل كثير من المسلمين الذين كانوا في صف معاوية إلى ~~صف علي بن أبي طالب فذهب عمرو بن العاص إلى معاوية وقال: تفشت في ~~الجيش فاشية، إن استمرت لن يبقى معنا أحد فقد قتلنا عمار بن ياسر ~~وذكر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: # " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية " # وقد فهم المقاتلون معنا أن الفئة الباغية هي فئتنا. وكان معاوية من ~~الدهاء بمنزلة فقال: اسع في الجيش وقل: " إنما قتله من أخرجه " ~~ويعني عليا. ولما وصل هذا القول لعلي قال: ومن قتل حمزة بن عبد ~~المطلب، وقد أخرجه للقتال محمد صلى الله عليه وسلم؟! وهنا في قول الحق ms5246 ~~سبحانه: { كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من ~~قبلهآ أمم.. } [الرعد: 30]. إنما يعني أن الحق قد أرسلك يا محمد ~~بمعجزة تناسب ما نبغ فيه قومك، وطلب غير ذلك هو جهل بواقع ~~الرسالات وتعنت يقصد منه مزيد من ابتعادهم عن الإيمان. وقول الحق ~~سبحانه: { وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي. # . } [الرعد: 30]. أي: أنهم حين يعلنون الكفر فأنت تصادمهم بإعلان ~~الإيمان، وتقول: { هو ربي لا إله إلا هو.. } [الرعد: ~~30]. وكلمة " ربي " تنسجم مع كلمة " الرحمن " الذي ينعم بالنعم كلها ~~وهو المتولي تربيتي ولو لم يفعل سوى خلقي وتربيتي ومدي بالحياة ~~ومقوماتها لكان يكفي ذلك لأعبده وحده ولا أشرك به أحدا. ولو أن ~~الإنسان قد أشرك بالله لالتفت مرة لذلك الإله ومرة أخرى للإله الآخر ~~ومرة ثالثة للإله الثالث وهكذا، وشاء الله سبحانه أن يريح الإنسان من هذا ~~التشتت بعقيدة التوحيد. ويأتي القرآن ليطمئن القلوب أيضا وليذكر: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون # [الزمر: 29]. وهكذا يعرض لنا القرآن صورتين: الصورة الأولى: لرجل يملكه ~~أكثر من سيد، يعارضون بعضهم البعض. والصورة الثانية: لرجل آخر، يملكه سيد ~~واحد. ولا بد للعقل أن يعلم أن السيد الواحد افضل من الأسياد ~~المتعددين لأن تعدد الأسياد فساد وإفساد، يقول الحق سبحانه: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان ~~الله رب العرش عما يصفون # [الأنبياء: 22]. والعاقل هو من لا يسلم نفسه إلا لسيد واحد يثق ~~أنه أمين عليه، ونحن في حياتنا نقول: ما يحكم به فلان أنا أرضى به وقد ~~وكلته في كذا. ولا أحد منا يسلم نفسه إلا لمن يرى أنه أمين على ~~هذا الإسلام، ولا بد أن يكون أمينا وقويا، ويقدر على تنفيذ مطلوبه. ~~والرسول صلى الله عليه وسلم في المعركة العنيفة مع صناديد قريش قال: " ~~إني متوكل على الله " ، وهذه شهادة منه على أنه توكل على القوي الأمين ~~الحكيم والرسول لم يقل توكلت عليه ولكنه قال: { عليه ~~توكلت.. } [الرعد: 30]. والفارق بين القولين ms5247 كبير، فحين تقول ~~" عليه توكلت " فأنت تقصر التوكل عليه وحده ولكن إن قلت: " توكلت ~~عليه ". فأنت تستطيع أن تضيف وتعطف عددا آخر ممن يمكنك التوكل ~~عليهم. ولذلك نقول: # إياك نعبد.. # [الفاتحة: 5]. ونحصر العبادة فيه وله وحده سبحانه فلا تتعداه إلى غيره ~~ولو أنها أخرت لجاز أن يعطف عليه. ويقال في ذلك " اسم قصر " أي: ~~أن العبادة مقصورة عليه وكذلك التوكل. { قل هو ربي لا ~~إله إلا هو عليه توكلت.. } [الرعد: 30]. أي: أنني لا ~~آخذ أوامري من أحد غيره ومرجعي إليه. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { ~~ولو أن قرآنا سيرت به الجبال... }. ### || [13.31] # و لو حرف شرط يلزم لها جواب شرط، وقد ترك الحق سبحانه جواب ~~الشرط هنا اعتمادا على يقظة المستمع. وإن كان مثل هذا القول ~~ناقصا حين ننطق نحن به، فهو ليس كذلك حين يأتي من قول الله سبحانه فهو ~~كامل فيمن تكلم، وقد تركها ليقظة المستمع للقرآن الذي يبتدر ~~المعاني، ويتذكر مع هذه الآية قوله الحق: # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر ~~مبين # [الأنعام: 7]. وكذلك قول الحق سبحانه: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ولكن أكثرهم ~~يجهلون # [الأنعام: 111]. إذن: من كل نظائر تلك الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ~~نأخذ جواب الشرط المناسب لها من تلك الآيات فيكون المعنى: لو أن قرآنا ~~سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى ~~لما آمنوا. ويروى أن بعضا من مشركي قريش مثل: أبي جهل وعبد الله ~~ابن أبي أمية جلسا خلف الكعبة وأرسلا إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال له عبد الله: إن سرك أن نتبعك فسير لنا جبال مكة ~~بالقرآن، فأذهبها عنا حتى تنفسح، فإنها أرض ضيقة، واجعل لنا فيها ~~عيونا وأنهارا، حتى نغرس ونزرع، فلست - كما زعمت - بأهون على ~~ربك من داود حين سخر له الجبال تسير معه، وسخر لنا الريح ~~فنركبها ms5248 إلى الشام نقضي عليها ميرتنا وحوائجنا، ثم نرجع من يومنا، فقد ~~سخرت الريح لسليمان بن داود، ولست بأهون على ربك من سليمان، ~~وأحيي لنا قصب جدك، أو من شئت أنت من موتانا نسأله، أحق ما ~~تقول أنت أم باطل؟ فإن عيسى كان يحيي الموتى، ولست بأهون على الله ~~منه، فأنزل الحق سبحانه هذه الآية وما قبلها للرد عليهم. وكانت تلك كلها ~~مسائل يتلككون بها ليبتعدوا عن الإيمان فالرسول صلى الله عليه وسلم ~~قد جاء بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه وجاء القرآن يحمل منهج السماء ~~إلى أن تقوم الساعة. وقد طلبوا أن تبتعد جبال مكة ليكون الوادي ~~فسيحا ليزرعوا ويحصدوا وطلبوا تقطيع الأرض، أي: فصل بقعة عن بقعة وكان ~~هذا يحدث بحفر جداول من المياه، وقد قال الكافرون: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90]. والمراد من تقطيع الأرض - حسب مطلوبهم - أن تقصر ~~المسافة بين مكان وآخر، بحيث يستطيع السائر أن يستريح كل فترة ~~فالمسافر يترك في كل خطوة من خطواته أرضا ويصل إلى أرض أخرى، وكل ~~يقطع الأرض على حسب قدرته ووسيلة المواصلات التي يستخدمها. فالمترف ~~يريد أن تكون المسافة كبيرة بين قطعة الأرض والأخرى لأنه يملك الجياد ~~التي يمكن أن يقطع بها المسافة بسهولة، أما من ليس لديه مطية فهو يحب ~~أن تكون المسافات قريبة ليستطيع أن يستريح. # ونلحظ أن ذلك في زماننا المعاصر، فحين زاد الترف صارت السيارات تقطع ~~المسافة من القاهرة إلى الإسكندرية دون توقف عكس ما كان يحدث قديما ~~حين كانت السيارات تحتاج إلى راحة ومعها المسافرون بها، فيتوقفون في ~~منتصف الطريق. ومثل ذلك قد حدث في مملكة سبأ، يقول الحق سبحانه: # فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا ~~أنفسهم.. # [سبأ: 19]. أي: اجعل المسافة بين مكان وآخر بعيدة، كي يتمتع المسافر ~~القادر بالمناظر الطيبة. ولاحظنا أيضا تمادي المشركين من قريش في طلب ~~المعجزات الخارقة بأن طلبوا إحياء الموتى في قول الحق سبحانه: { أو ~~كلم به الموتى.. } [الرعد: 31]. وبعضهم طلب إحياء قصي بن كلاب ms5249 ~~الجد الأكبر لرسول الله ولقريش ليسألوه: أحق ما جاء به محمد؟ ولكن ~~القرآن لم يأت لمثل تلك الأمور وحتى لو كان قد جاء بها لما آمنوا. ~~ومهمة القرآن تتركز في أنه منهج خاتم صالح لكل عصر وتلك معجزته. ويقول ~~سبحانه: { بل لله الأمر جميعا.. } [الرعد: 31]. وكلمة " أمر " ~~تدل على أنه شيء واحد، وكلمة " جميعا " تدل على متعدد، وهكذا نجد ~~أن تعدد الرسالات والمعجزات إنما يدل على أن كل أمر من أمر ~~تلك الرسالات إنما صدر عن الحق سبحانه وهو الذي اختار كل معجزة ~~لتناسب القوم الذين ينزل فيهم الرسول. ويتابع سبحانه: { أفلم ~~ييأس الذين آمنوا أن لو يشآء الله لهدى ~~الناس جميعا.. } [الرعد: 31]. وكلمة " ييأس " يقال إنها هنا ~~بمعنى " يعلم " فهي لغة بلهجة قريش، أي: ألم يعلم الذين آمنوا أن هؤلاء ~~الكفار لم يهتدوا لأن الله لم يشأ هدايتهم. وكان المؤمنون يودون أن ~~يؤمن صناديد قريش كي يخف الجهد عن الفئة المسلمة فلا يضطهدونهم، ~~ولا يضايقونهم في أرزاقهم ولا في عيالهم. ويوضح الحق سبحانه هنا أن تلك ~~المسألة ليست مرتبطة برغبة المؤمن من هؤلاء بل الإيمان مسألة تتطلب أن ~~يخرج الإنسان ما في قلبه من عقيدة، وينظر إلى القضايا بتجرد، وما ~~يقتنع به يدخله في قلبه. وبذلك يمتلئ الوعاء العقدي بما يفيد كي لا ~~تدخل في قلبك عقيدة، وتأتي عقيدة أخرى تطرد العقيدة، أو تزيغ قلبك ~~عما تعتقد، يقول تعالى: # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.. # [الأحزاب: 4]. فالوعاء القلبي كالوعاء المادي تماما لا يقبل أن ~~يتداخل فيه جرمان أبدا، فإن دخل جرم على جرم إن كان أقوى فهو ~~يطرد من القلب الأدنى منه. والمثل على ذلك: لنفترض أن عندنا إناء ~~ممتلئا عن آخره ويحاول واحد منا أن يضع فيه كرة صغيرة من الحديد ~~هنا سيجد أن الماء يفيض من حواف الإناء بما يوازي حجم كرة الحديد، ~~وهذا ما يحدث في الإناء المادي، وكذلك الحال في الإناء العقدي. # ولذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي: # " لا يجتمع حبي وحب ms5250 الدنيا في قلب ". # وهكذا نرى أن هناك حيزا للمعاني أيضا مثلما يوجد حيز للمادة، ~~فإذا كنت تريد - حقيقة - أن تدخل المعاني العقدية الصحيحة في قلبك ~~فلابد لك من أن تطرد أولا المعاني المناقضة من حيز القلب، ثم ~~ابحث بالأدلة عن مدى صلاحية أي من المعنيين وما تجده قوي الدليل ~~صحيح المنطق موفور القوة والحجة فأدخله في قلبك. ولم يفعل الكفار ~~هكذا بل تمادوا في الغي إصرارا على ما يعتقدون من عقيدة فاسدة أما ~~من أسلم منهم فقد أخرج من قلبه العقيدة القديمة ولم يصر على ~~المعتنق القديم بل درس وقارن فأسرع إلى الإسلام. أما من كان قلبه ~~مشغولا بالعقيدة السابقة ويريد أن يدخل العقيدة الإسلامية في قلبه ~~فهو لم ينجح في ذلك لأن قلبه مشغول بالعقيدة القديمة. وإذا كنت يا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تريد من هؤلاء أن يؤمنوا فلا بد أن يعتمد ذلك ~~على إرادتهم، وأن يخرجوا من قلوبهم العقيدة الفاسدة وأن يبحثوا عن ~~الأصح والأفضل بين العقيدتين. ولذلك يعلمنا الحق سبحانه كيف نصل إلى ~~الحقائق بسهولة، فيقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: # قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة.. # [سبأ: 46]. أي: قل يا محمد لمن كفر بك: إني أعظكم عظة، وأنت لا ~~تعظ إلا من تحب أن يكون على الحق وهذا يفسر قول الحق سبحانه: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. ولهذا يريد صلى الله عليه وسلم أن تكونوا مؤمنين لذلك ~~يدعوكم أن تقوموا لله لا لجاه أحد غيره لأن جاه أي كائن سيزول ~~مهما كان هذا الواحد، ولا تقولن لنفسك: إن العبيد سيتساوون معك. بل ~~قم لله إما مثنى أي أن تكون قائما ومعك آخر أو يقوم غيرك اثنين اثنين ~~ليناقش كل منكم مع من يجلس معه ولا يتحيز أحد منكم لفكر مسبق بل ~~يوجه فكره كله متجردا لله. وليتساءل كل واحد: محمد هذا، صفته كذا ~~وكذا، وقد ms5251 فعل كذا، والقرآن الذي جاء به يقول كذا، وسيجد الواحد منكم ~~نفسه وقد اهتدى للحق بينه وبين نفسه، وبينه وبين من جلس معه ليناقشه ~~فيستعرضان معه تاريخ محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به. وحين يتناقش ~~اثنان لن يخاف أي منهما أن يهزمه الآخر، لكن لو انضم إليهما ثالث ~~فكل واحد يريد أن يعتز برأيه ويرفض أن يقبل رأي إنسان غيره، ويخشى أن ~~يعتبر مهزوما في المناقشة ويرفض لنفسه احتمال أن يستصغره أحد. # ولذلك قال الحق سبحانه: # مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من ~~جنة.. # [سبأ: 46]. و " الجنة " هي اختلال العقل أي: أن من به جنة إنما ~~يتصرف ويسلك بأعمال لا يرتضيها العقل. ويقرن الحق سبحانه بين العقل وبين ~~الخلق، فيقول: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4]. ويقال: فلان على خلق. أي: يملك من الصفات ما يجعله على ~~الجادة من الفضائل مثل الصدق والأمانة وهذه صفات ينظمها في ~~مواقفها الفكر العقلي وهو الذي يميز لنا أي المواقف تحتاج إلى ~~شدة أو لين أو حكمة، وكل هذه أمور يرتبها العقل. والخلق ~~الرفيع لا يصدر عن مجنون لأنه لا يعرف كيف يختار بين البدائل لذلك لا ~~نحاسبه نحن ولا يحاسبه الله أيضا. وحين يأمرهم الحق سبحانه أن يبحثوا: ~~هل محمد يعاني من جنة؟ فالحق سبحانه يعلم مقدما أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بشهادتهم يتمتع بكمال الخلق بدليل أن أهم ما كانوا ~~يملكونه كانوا يستأمنون عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبدليل أنه ~~صلى الله عليه وسلم حينما دخل عليهم وكانوا مختلفين في أمر بناء الكعبة ~~ارتضوه حكما. ولذلك يقول سبحانه: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون # [القلم: 1-2]. وهكذا رأينا أن هؤلاء الكفار ما كانوا ليؤمنوا ولم يكن ~~الله ليهديهم لأنهم كانوا لا يملكون أدنى استعداد للهداية وكأنهم ~~أدمنوا الكفر والعياذ بالله وقد طبع الله على قلوبهم فزادهم كفرا فما ~~في تلك القلوب من كفر لا يخرج منها وما بخارجها لا يدخل فيها. وقد ظن ~~بعض ms5252 من المسلمين أن كفر هؤلاء قد يشقي المؤمنين بزيادة العنت من ~~الكافرين ضدهم لذلك يوضح الحق سبحانه لأهل الإيمان أن نصره قريب، فيقول ~~سبحانه: { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا ~~قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد ~~الله إن الله لا يخلف الميعاد } [الرعد: 31]. أي: ~~اطمئنوا يا أهل الإيمان فلن يظل حال أهل الكفر على ما هو عليه بل ~~ستصيبهم الكوارث وهم في أماكنهم، وسيشاهدون بأعينهم كيف ينتشر الإيمان في ~~المواقع التي يسودونها وتتسع رقعة أرض الإيمان، وتضيق رقعة أهل الكفر ثم ~~يأتي نصر الله وقد جاء نصر الله ولم يبق في الجزيرة العربية إلا ~~من يقول: " لا إله إلا الله، محمد رسول الله ". وهكذا تنبأت الآية ~~بمجيء الأمل بعد اليأس، كي لا يظل اليأس مسيطرا على حركة المسلمين ~~وعلى نفوسهم، واستجاب الحق سبحانه لدعوته صلى الله عليه وسلم حين دعاه ~~قائلا: # " اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف ". # وقتل صناديدهم واحدا وراء الآخر ولكن عنادهم استمر وبلغ العناد ~~حد أن ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانتا متزوجتين من ~~ابني أبي لهب فلما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم رسالته قال أبو لهب ~~وزوجته: لا بد أن يطلق أبناؤنا بنات محمد فلما طلق أولهما بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: # " أما إني أسأل الله أن يسلط عليه كلبه ". # وها هو أبو لهب الكافر يقول: " لا تزال دعوة محمد على ابني تشغل بالي ~~وتقلقني، وأخاف أن أبعث بولدي إلى رحلة الشام كي لا تستجيب السماء ~~لدعوة محمد ". وكان من المناسب ألا يخاف، وجاء ميعاد السفر لقافلة ~~الشام. وسافر أبو لهب مع ولديه، وحين جاء ميعاد النوم أمر أبو لهب ~~الرجال أن يقيموا سياجا حول ولده - وكأن الرجال حوله كخط بارليف الذي ~~بنته إسرائيل على قناة السويس ليمنع عنها صيحة النصر التي حملت صرخة ~~الله أكبر - ثم أصبح الصبح فوجدوا أن وحشا قد نهش ابن أبي لهب. وقال ~~الناس: ms5253 كان أبو لهب يخشى دعوة محمد ورغم ذلك فقد تحققت. فقال واحد: ~~ولكن محمدا دعا أن ينهشه كلب وقال له " أكلك كلب من كلاب الله " ولم ~~يقل فلينهشك سبع، فرد عليه من سمعه: وهل إذا نسب كلب الله أيكون ~~كلبا؟ لا بد أن يكون الكائن المنسوب لله كبيرا. وهكذا دقت القارعة ~~بيت الرجل الذي أصر على الكفر، وتحقق قول الله: { ولا يزال ~~الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل ~~قريبا من دارهم.. } [الرعد: 31]. نعم، فهم قد أسرفوا في الكفر ~~والعناد فجاءتهم القارعة والقارعة هي الشيء الذي يطرق بعنف على هادئ ~~ساكن، ومنها نأخذ قرع الباب، وهناك فرق بين " نقر الباب " و " ~~قرع الباب ". وقول الحق سبحانه: { أو تحل قريبا من ~~دارهم.. } [الرعد: 31]. يوضحه أمر صلح الحديبية الذي جاء ~~بشارة للمسلمين فقد صار كفار قريش يفاوضون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث بالسرايا إلى المناطق المحيطة ~~بمكة فتأتي القبائل أفواجا وهي تعلن إسلامها ويبلغ ذلك قريشا بأن ~~الإسلام يواصل زحفه ثم تأتيهم القارعة بأن يدخل الرسول صلى الله عليه ~~وسلم مكة ويتحقق وعد الله بأن يدخلوا هم أيضا إلى حظيرة الإسلام. أو: أن ~~يكون المقصود ب: { حتى يأتي وعد الله.. } [الرعد: 31]. هو ~~مجيء يوم القيامة الذي يحمل وعد الله بأن يحل عليهم ما يستحقونه من ~~عذاب. وفي هذا القول تطمين لمن قال الحق سبحانه في أول هذه الآية: { ~~أفلم ييأس.. } [الرعد: 31]. ذلك أن الله لا يخلف وعده، وهو ~~القائل في تذييل هذه الآية: { إن الله لا يخلف الميعاد } ~~[الرعد: 31]. # ونعلم أن كلمة " وعد " عادة تأتي في الخير، أما كلمة " وعيد " فيه ~~فتأتي غالبا في الشر. والشاعر يقول: # وإني إذا أوعدته أو وعدته # لمنجز ميعادي ومخلف موعدي # فالإيعاد دائما يكون بشر والوعد يعني الخير، إلا أن بعض العرب ~~يستعمل الاثنين. أو نستطيع أن نقول: إن المسألة بتعبير المؤمنين أن الله ~~سينصر المؤمنين بالقارعة التي تصيب أهل الكفر أو تأتي حول ديارهم، وفي ~~ذلك وعد ms5254 يصبر به سبحانه المؤمنين وهو في نفس الوقت وعيد بالنسبة ~~للكافرين. وقوله سبحانه: { إن الله لا يخلف الميعاد } ~~[الرعد: 31]. هو قضية قرآنية ستتحقق حتما في كل عصر وأوان، إذا ما أخذ ~~المسلمون بأسباب الإيمان وهي كقضية تختلف عن وعد أو وعيد البشر لأن ~~الإنسان قد يعد أو يتوعد لكن أغيار الحياة تصيبه فتعطل قدرته على ~~إنفاذ الوعد أو الوعيد. أما حين يعد الله فالأمر يختلف لأن وعده ~~هو وعد مطلق وهذا هو معنى: { إن الله لا يخلف الميعاد ~~} [الرعد: 31]. يقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ولقد استهزئ ~~برسل من... }. ### || [13.32] # ويقال " هزأ بفلان " أي: سخر منه، أما " استهزئ بفلان " أي: طلب ~~من الغير أن يهزأ بشخص معين، وهذا عليه إثمه وإثم من أوعز له بالسخرية ~~من هذا الشخص. وقول الحق سبحانه: { ولقد استهزئ برسل من ~~قبلك } [الرعد: 32]. أي: لست بدعا يا محمد في أن يقف بعض الكافرين ~~منك هذا الموقف. والمثل هو الحكم بن أبي العاص أبو مروان الذي كان ~~يقلد مشية النبي صلى الله عليه وسلم وكان رسول الله يمشي كأنما ~~يتحدر من صبب وكان بصره دائما في الأرض. ولم يكن الناس معتادين على ~~تلك المشية الخاشعة فقد كانوا يسيرون بغرور مستعرضين مناكبهم. وحين ~~قلد الحكم رسول الله رآه صلى الله عليه وسلم بنور البصيرة، فقال له ~~صلى الله عليه وسلم: " كن على هذا " ، فصارت مشيته عاهة، بينما كانت ~~مشية رسول الله تطامنا إلى ربه، وتواضعا منه صلى الله عليه وسلم. ~~ونفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم إلى الطائف وراح يرعى ~~الغنم هناك، ولم يعف النبي صلى الله عليه وسلم عنه وكذلك أبو بكر في ~~خلافته ولا عمر بن الخطاب ولكن الذي عفا عنه هو عثمان بن عفان، وكان ~~قريبا له. وشهد عثمان بن عفان وقال: " والله لقد استأذنت رسول الله فيه ~~فقال لي: إن استطعت أن تعفو عنه فاعف، وحين وليت أمر المسلمين ~~عفوت عنه ". وحدث من بعد ذلك أن تولى عبد الملك بن مروان أمر ~~المسلمين ms5255 وكان لابنه الوليد خيل تتنافس مع خيل أولاد يزيد بن معاوية ~~واحتال أولاد يزيد بالغش، ووضعوا ما يعرقل خيل الوليد. وحدث خلاف بين ~~الفريقين فشتم الوليد أبناء يزيد فذهب أولاد يزيد إلى عبد الملك يشكون ~~له ولده وكان الذي يشكو لا يتقن نطق العربية دون أخطاء فقال له عبد ~~الملك: ما لك لا تقيم لسانك من اللحن؟ فرد الذي يشكو ساخرا: " ~~والله لقد أعجبتني فصاحة الوليد ". ويعني: أن حال لسان ابن عبد الملك ~~لا يختلف عن حال لسان من يشكو فكلاهما لا ينطق بسلاسة، ويكثر ~~اللحن في النطق بالعربية. فقال عبد الملك: أتعيرني بعبد الله ~~ابني الذي لا يتقن العربية دون لحن؟ إن أخاه خالدا لا يلحن. وتبع ~~ذلك بقوله: اسكت يا هذا، فلست في العير ولا في النفير. وهذا ~~مثل نقوله حاليا، وقد جاء إلينا عبر قريش حيث كانت السلطة فيها ~~ذات مصدرين مصدر العير أي: التجارة التي تأتي من القوافل عبر الشام ~~وقائدها أبو سفيان والنفير وهم القوم الذين نفروا لنجدة أبي ~~سفيان في موقعة بدر وكان يقودهم عتبة. # فقال ابن يزيد: ومن أولى بالعير والنفير مني؟ ويعني أنه ~~حفيد أبي سفيان من ناحية الأب وحفيد عتبة من ناحية الأم. وأضاف: لكن ~~لو قلت شويهات وغنيمات وذكرت الطائف لكنت على حق ورحم الله ~~عثمان الذي عفا عن جدك، وأرجعه من المنفى. ونعلم أن الحق سبحانه ~~وتعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: # إنا كفيناك المستهزئين # [الحجر: 95]. وكان أي إنسان يسخر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يلقى عقابا إلهيا. وهنا يقول الحق سبحانه: { ولقد استهزئ ~~برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم ~~أخذتهم فكيف كان عقاب } [الرعد: 32]. فأنت يا رسول الله ~~لست بدعا في الرسالة، ولك أسوة في الرسالة، والحق سبحانه يعدك ~~هنا في محكم كتابه: { فأمليت للذين كفروا.. } [الرعد: ~~32]. أي: أمهلت الذين كفروا، والإملاء بمعنى الإمهال ليس معناه ترك ~~العقوبة على الذنب، وإنما تأخير العقوبة لذنب قادم، والمثل هو أن ~~تترك مخطئا ارتكب هفوة إلى أن ms5256 يرتكب هفوة ثانية ثم ثالثة، ثم ~~تنزل به العقاب من حيث لا يتوقع. وإذا كان هذا ما يحدث في عالم البشر ~~فما بالنا بقوة الحق سبحانه اللامتناهية، وهو القائل: # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [الأعراف: 182]. ويقول تعالى: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين # [آل عمران: 178]. تماما مثلما نجد من يصنع فخا لعدوه. وهنا يقول ~~الحق سبحانه: { ولقد استهزئ برسل من قبلك ~~فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان ~~عقاب } [الرعد: 32]. وكلمة: { فكيف كان عقاب } [الرعد: 32]. ~~توضح أنه كان عقابا صارما ولذلك يقول الحق سبحانه في موقع آخر: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 29-36]. إذن: فلسوف يلقى الذين استهزءوا بالرسل العقاب ~~الشديد. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { أفمن هو قآئم على ~~كل نفس... }. ### || [13.33] # ولقائل أن يتساءل: ألم يكن من الواجب ما دام قد قال: { أفمن ~~هو قآئم على كل نفس بما كسبت } [الرعد: 33]. أن يأتي ~~بالمقابل، ويقول: كمن ليس قائما على كل نفس بما كسبت؟ ولمثل هذا ~~السائل نقول: إنها عظمة القرآن الذي يترك للعقل ما يمكن أن يستنبطه فيأتي ~~بأشياء تتطلب التفكير والاستنباط، كي يتنبه الإنسان أنه يستقبل كلام ~~رب حكيم وعليه أن يبحث فيه. ولذلك يقول سيدنا عبد الله بن مسعود: " ~~ثوروا القرآن " أي: أثيروه، كي تكتشفوا ما فيه من كنوز. ونحن نعلم أن ~~كلمة " قائم على الأمر " تعني أنه هو الذي يديره ويدبره، ولا ~~تخفى عليه خافية. وجاء الحق سبحانه هنا بصيغة القيام كي نعلم أن الحق ~~سبحانه لا يدير الأمر من حالة قعود بل يديره وهو قائم عليه، فكل أمر هو ~~واضح عنده غير خفي. وهو سبحانه قائم على كل نفس بما كسبت إن خيرا ms5257 ~~فخير وإن شرا فشر، ولكنكم أيها الكافرون المشركون لا تملكون لأنفسكم ~~ضرا ولا نفعا فهل يمكن لعاقل أن يساوي بين الذي يقوم على أمر كل ~~نفس، بغيره ممن ليس كذلك؟ ولكن هناك من قال فيهم الحق سبحانه في نفس ~~الآية: { وجعلوا لله شركآء.. } [الرعد: 33]. أي: جعلوا ~~للقائم على أمر كل نفس شركاء لا يقدر الواحد فيهم على أمر نفسه ~~وبالتالي لا يقدر على أمر غيره بل قد يصاب الصنم من هؤلاء بشرخ ~~فيأتي من يعبدونه ليقوموا على أمره صارخين بأن إلههم قد انشرخ ويحتاج ~~إلى مسمارين لتثبيته، فكيف يسوون ذلك الصنم بالله الذي لا يحده شيء ~~ولا يحد قدرته شيء؟ وقول الحق سبحانه: { وجعلوا لله ~~شركآء.. } [الرعد: 33]. دليل على النص المحذوف: " كمن هو غير قائم ~~على كل نفس " ، فسبحانه ليس كهذه الأصنام العاجزة لأنه سبحانه قائم على ~~كل نفس نفسك ونفس غيرك ونفس كل إنسان عاش أو سيعيش. ولذلك يقول سبحانه ~~بعدها: { قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في ~~الأرض أم بظاهر من القول.. } [الرعد: 33]. وهنا يأمر الحق ~~سبحانه رسوله أن يقول للكافرين بالله: قولوا أسماء من تعبدونهم من غير ~~الله وهي أحجار، والأحجار لا أسماء لها وهم قد سموا الأصنام بأسماء ~~كاللات والعزى وهبل وهي أسماء لم تضف لتلك الأصنام شيئا، فهي ~~لا تقدر على شيء ولو سموها لنسبت لعمرو بن لحي، الذي أوجدهم ~~وهم سموها ساعة أن نحتوها. والإله الحق لا يسميه أحد، بل يسمي ~~هو نفسه، ولكن بما أن المسألة كذب في كذب، لذلك يسألهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن أسماء تلك الآلهة. # ويقول لهم: هل تنبئون أنتم الله خالق كل الكون بما لا يعلم في كونه الذي ~~أوجده من عدم؟ سبحانه يعلم كل ما خلق وأنتم لا تعبدون إلا أصناما ينطبق ~~عليها أنها من ظاهر القول أي: قول لا معنى له لأنهم أطلقوا أسماء على ~~أشياء لا باطن لها ولا قدرة تستطيعها، وهم اكتفوا بالظاهر والمسمى ~~غير موجود. ويقول الحق سبحانه: { بل زين ms5258 للذين كفروا ~~مكرهم وصدوا عن السبيل.. } [الرعد: 33]. أي: أنهم ظنوا ~~أنهم يمكرون على الله، ويقولون إن تلك الأصنام آلهة، وهي ليست كذلك. ثم ~~يقول سبحانه: { ومن يضلل الله فما له من هاد } [الرعد: ~~33]. أي: أن العذاب الذي يلقونه في الحياة الدنيا هو لصيانة حركة ~~المجتمع من الفساد، ولا بد أن يقع لهم عذاب في الحياة الدنيا ولأن ~~من يؤجل عذابه للآخرة لا بد أن يرى في نفسه آية العذاب قبل أن يلقى ~~عذابه في الآخرة. إذن: فعذاب الدنيا هو لحماية حركة الحياة ولذلك نجد ~~القوانين وهي تسن لتطبق على المنحرف ومن يرتكب الجرم يخاف أن ~~تقع عليه العين وإن رآه أحد فهو يبلغ عنه ليلقى عقابه وبذلك تستقيم حركة ~~الحياة. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في سورة الكهف: # ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم ~~منه ذكرا * إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من ~~كل شيء سببا * فأتبع سببا * حتى إذا بلغ ~~مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد ~~عندها قوما قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب ~~وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا * قال أما من ظلم ~~فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه ~~عذابا نكرا # [الكهف: 83-87]. أي: أنه قد أخذ تفويضا بأن يقيم الأمر في هؤلاء الناس، ~~فأقامه على أساس من الثواب والعقاب فمن أحسن فله الجزاء الحسن ~~ومن أساء يلقى العقاب، وهكذا نجد عذاب الدنيا ضروريا لسلامة حركة ~~الحياة من بطش من لا يؤمنون بالله. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول بعد ~~ذلك: { لهم عذاب في الحياة الدنيا... }. ### || [13.34] # ولهؤلاء المشركين الذين لا يؤمنون بالآخرة عذاب في الدنيا بالقتل ~~والأسر والمصائب والكوارث التي لا يقدرون عليها، وفوق ذلك لهم عذاب ~~في الآخرة أكثر شدة من عذاب الدنيا فليس لهم من يحميهم، أو يقيم ~~بينهم وبين عذاب الله وقاية أو عصمة. وفي المقابل يقول سبحانه بعد ذلك: ~~{ مثل الجنة التي وعد المتقون... }. ### || [13.35] # والمصدر الأساسي الذي وعد المتقين بالجنة هنا هو الله، وقد بلغ عنه ~~الرسل - عليهم السلام - هذا ms5259 الوعد، وتلاهم العلماء المبلغون عن ~~الرسل. وأنت حين تنظر إلى فعل يشيع بين عدد من المصادر، تستطيع أن تبحث ~~عن المصدر الأساسي، والمثل هو قول الحق سبحانه: # الله يتوفى الأنفس حين موتها.. # [الزمر: 42]. ويقول في موقع آخر من القرآن: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم.. # [السجدة: 11]. وهكذا تكون التوفية قد آلت إلى الله وآلت إلى ملك ~~الموت، وقد أخذ ملك الموت مسئولية التوفية من إسناد الحق له تلك ~~المهمة ويكون نسبتها لملك الموت هو نوع من إيضاح الطرف الذي يوكل ~~له الحق سبحانه تنفيذ المهمة. ومرة يأتي الحق سبحانه بالمصدر الأصلي الذي ~~يصدر الأمر لملك الموت بمباشرة مهمته. وهنا في الآية الكريمة نجد ~~قول الحق سبحانه: { وعد المتقون.. } [الرعد: 35]. وهي مبنية ~~لما لم يسم فاعله فالوعد منه سبحانه. # " ونعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعد أيضا، فها نحن قد جاء ~~إلينا خبر بيعة العقبة حين أخذ البيعة من الأنصار، وقالوا له: خذ ~~لنفسك، فأخذ لنفسه ما أراد، ثم قالوا له: وماذا نأخذ نحن إن أدينا ~~هذا؟ فقال لهم: " لكم الجنة ". # وقد قال صلى الله عليه وسلم ذلك لأن العمل الذي فعلوه لا يكفيه أجرا ~~إلا الجنة، ومن المعقول أن أي واحد من الذين حضروا العقبة قد يتعرض ~~للموت من بعد معاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو أنه وعدهم بما ~~في الدنيا من متاع قد يأخذه البعض فيما بعد فالذي يموت قبل هذا لا بد ~~أن يدرك شيئا مما وعد الرسول من عاهدوه ولذلك أعطاهم ما لا ينفد، ~~وهو الوعد بالجنة. والحق سبحانه هنا - في الآية التي نحن بصدد خواطرنا ~~عنها - يقول: { مثل الجنة.. } [الرعد: 35]. أي: أنه يضرب لنا ~~المثل فقط لأن الألفاظ التي نتخاطب بها نحن قد وضعت لمعان ~~نعرفها وإذا كانت في الجنة أشياء لم ترها عين ولم تسمعها أذن، ولم ~~تخطر على بال بشر فمن الممكن أن نقول إنه لا توجد ألفاظ عندنا تؤدي ~~معنى ما هناك، فيضرب الله الأمثال لنا بما نراه من ms5260 الملذات ولكن يأخذ ~~منها المكدرات والمعكرات. وهكذا نعرف أن هناك فارقا بين " مثل ~~الجنة " وبين " الجنة " ، فالمثل يعطيني صورة أسمعها عن واقع لا أعلمه ~~لأن معنى التمثيل أن تلحق مجهولا بمعلوم لتأخذ منه الحكم. مثلما ~~تقول لصديق: أتعرف فلانا فيقول لك: " لا ". فتقول له: " إنه يشبه فلانا ~~الذي تعرفه ". # وأنت تفعل ذلك كي تشبه مجهولا بمعلوم لتأتي الصورة في ذهن سامعك. ~~ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم شرحا لما أجمله القرآن: # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.. # [الزخرف: 71]. ويضيف صلى الله عليه وسلم: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # وحين تدقق في هذا القول النبوي الكريم تجد الترقي كاملا فقوله: " ~~ما لا أذن سمعت " جاء لأنه يعلم أن مدركات العين محدودة بالنسبة ~~لما تعلم الأذن لأن الأذن تسمع ما لا تدركه العين فهي تسمع ما يراه ~~غيرك بالإضافة إلى ما تراه أنت. فالأذن تسمع القريب وتسمع البعيد وتنقل ~~صوته وتستحضره ثم تميزه، بخلاف العين فهي محدودة المسافة حسب قوة ~~الإبصار، ومع كل فنعيم الجنة فوق كل هذا الفوق. ثم يأتي الترقي الأكبر ~~في قوله: " ولا خطر على قلب بشر ". والخواطر أوسع من قدرة الأذن ~~وقدرة العين فالخواطر تتخيل أشياء قد تكون غير موجودة. وهكذا نرى ~~عجز اللغة عن أن توجد بها ألفاظ تعبر عن معنى ما هو موجود بالجنة، ~~ولا أحد فينا يعلم ما هي الأشياء الموجودة بالجنة، وما دام أحد منا لم ~~ير الجنة وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قال: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # فلا بد أن نعلم قدر عجز اللغة عن التعبير عما في الجنة، فإذا ~~أراد الله أن يعبر عما فيها فهو يوضح لنا بالمثل لا بالوصف، ~~لأنه يعلم أن لغتنا تضع الألفاظ لما هو موجود في حياتنا ولا توجد ألفاظ ~~في لغتنا تؤدي معاني ما في الجنة. ولذلك قال لنا الحق سبحانه: # مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ ms5261 أنهار من ~~مآء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار ~~من عسل مصفى.. # [محمد: 15]. ومع أن الحق سبحانه يضرب مثلا، إلا أنه خلص المثل من ~~شوائبه التي نعرفها في الدنيا، فالمياه عندما تجري تكون حلوة ورائقة ~~وصافية وإن ركدت فهي تأسن وتكون عطنة. ولذلك يوضح لنا الحق ~~سبحانه أن المياه في الجنة غير آسنة وأنها تكون أنهارا منزوعا من ~~مياهها ما يكدرها. وكذلك المثل بأنهار من لبن لم يتغير طعمه. واللبن ~~كما نعرف هو غذاء البدو فهم يحلبون الماشية، ويحتفظون بألبانها في ~~قرب لمدد طويلة فيتغير طعم اللبن ولذلك يضرب لهم المثل بوجود ~~أنهار من لبن لم يتغير طعمه. وأيضا يضرب المثل بوجود أنهار من عسل ~~مصفى، والعسل - كما نعرف - كان في الأصل يأتي من النحل الذي كان يسكن ~~الجبال قبل استئناسه ووضعه في مناحل في الحدائق. # والحق - سبحانه وتعالى - هو القائل: # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون # [النحل: 68]. وحين بحث علماء الحشرات عن تاريخ النحل، وجدوا أن أقدم ~~عسل في العالم هو الذي كان موجودا في الكهوف الجبلية ثم يليه في العمر ~~العسل الذي جاء من خلايا النحل تلك الخلايا التي أقامها النحل بعد ~~استئناسه ومن بعد ذلك يأتي العسل الذي أقمنا نحن له المناحل. وقد ~~ميزوا العسل القديم عن المتوسط عن الجديد، بأن أحرقوا بعضا من كل نوع ~~من أنواع العسل، فنتج من الاحتراق عنصر الكربون ومن هذا العنصر اكتشفوا ~~عمر كل نوع من الثلاثة. ويوضح الحق سبحانه أن بالجنة أنهارا من عسل ~~مصفى، وبذلك يقدم لنا خير ما كنا نحبه من عسل الدنيا، ولكن ~~بدون ما يكدره. ويوضح سبحانه أيضا أن في الجنة أنهارا من خمر، ~~ولكنها خمر تختلف عن خمر الدنيا فهي لا تؤثر على التكوين العضوي ~~للعقل، كما أن خمر الدنيا ليس فيها لذة للشاربين لأنها من كحول يكوي ~~الفم ويلسعه ولذلك تجد من يشربها وهو يسكبها في فمه لتمر بسرعة ms5262 ~~فلا يشعر بلسعها في فمه، فتذهب إلى معدته مباشرة فتلهبها. ويختلف الحال ~~لو كان المشروب هو شراب عصير المانجو أو البرتقال أو القصب حيث تستطيب ~~النفس مذاق تلك الفواكه فنجد من يشربها يتمهل ليستبقى أثرها في فمه. ~~ويقول الحق سبحانه عن خمر أنهار الجنة: # لا فيها غول.. # [الصافات: 47]. أي: أنه سبحانه ينفي عن خمر أنهار الجنة كل ~~المكدرات التي توجد في خمر الدنيا. إذن: فساعة تسمع مثلا عن الجنة ~~فاعلم أنه مثل تقريبي لأنه لا يمكن أن تأتي الحقيقة، حيث لا يوجد لفظ ~~يعبر عنها وهي لم توجد عندنا وسبحانه لا يخاطبنا إلا بما نعلم من ~~اللغة لذلك يأتي لنا بالمثل المضروب لنأخذ منه صورة تقريبية. وهنا في ~~الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، يقول الحق سبحانه: { مثل ~~الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها ~~الأنهار.. } [الرعد: 35]. ونعلم أن عصب حياة العرب أيام نزول ~~القرآن كان هو الماء ألم يطلبوا من الرسول أن يفجر لهم الأنهار ~~تفجيرا؟ نجد الحق سبحانه قد جاء بالتعبير القرآني عن أنهار الجنة ~~بصورتين مختلفتين: أولهما: { تجري من تحتها الأنهار.. } ~~[الرعد: 35]. مثلما قال في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها. ومرة ~~يقول سبحانه: # تجري تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100]. والفارق بين العبارتين هو استيعاب الكمالية في النص، ~~بمعنى أن: { تجري من تحتها الأنهار.. } [الرعد: 35]. توضح ~~أن منابع تلك الأنهار تأتي من تحت تلك الجنة مباشرة فلا يقل الماء في ~~تلك الأنهار أبدا. ويقال: إن الفارق بين أنهار الدنيا وأنهار الجنة أن ~~أنهار الدنيا عبارة عن شقوق في الأرض لها شواطئ تحتضنها أما أنهار الآخرة ~~فهي تسير على الأرض دون شواطئ تحجزها. # ونجد أنهار الخمر تسير أيضا في الأرض، ولا تتداخل مع أنهار الماء، ~~وكذلك أنهار اللبن، وكل ذلك من صنعة رب حكيم قادر. أما قوله: # تجري تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100]. أي: أن منابعها ليست من تحتها مباشرة ولكنها تأتي دون ~~نقص من جهة أنت لا تعلمها وهو سبحانه قادر على كل شيء. ويتابع سبحانه، ~~فيقول عن تلك الجنة: { أكلها ms5263 دآئم.. } [الرعد: 35]. والأكل هو ما ~~يؤكل، وسبحانه القائل: # تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.. # [إبراهيم: 25]. وقوله: { أكلها دآئم.. } [الرعد: 35]. أي: لا ~~ينقطع، ونعلم أن الإنسان حين يأكل فهو يفعل ذلك بهدف إشباع جوعه وبعد أن ~~يشبع جوعه قد يطلب أن يرفع الطعام من أمامه، إلى أن يجوع، فيطلب ~~الطعام من جديد. ومن يحبون الطعام في حياتنا الدنيا نرى الواحد منهم وهو ~~يقول: " أشعر ببعض الضيق لأني شبعت " ، فهو في عراك بين نفس تشتهي ~~وبين بطن لا تشبع، وكأنه كان يريد أن يستمر في تناول الطعام طوال الوقت. ~~وقول الحق سبحانه: { أكلها دآئم.. } [الرعد: 35]. شغل هذا القول ~~الرومان الذين كانوا أصحاب إمبراطورية عظمى زلزلها الإسلام بحضارته ~~الوليدة، وأرسل إمبراطورهم من يطلب من أحد الخلفاء إرسال رجل قادر على ~~شرح قول الحق: { أكلها دآئم.. } [الرعد: 35]. فأرسل لهم أحد ~~العلماء وسألوه: يقول قرآنكم إن أكل الجنة دائم ونحن وأنتم تعلمون أن ~~كل شيء يؤخذ منه لابد له أن ينقص فكيف يكون أكل الجنة دائما؟ قال ~~العالم لهم: هاتوا مصباحا. فأحضروا له المصباح وأشعله أمامهم. وقال لكل ~~منهم: فليأت كل منكم بمصباحه. فأحضر كل منهم مصباحه. وقال لهم: ~~فليشعل كل منكم مصباحه. وهنا سألهم: ما الذي أنقصه إشعال مصابيحكم ~~من هذا المصباح؟ قالوا: لا شيء. فقال لهم: هكذا ضرب الله لنا المثل ~~بأكل الجنة. وبطبيعة الحال كان يجب أن يلتفتوا إلى أن المصباح يعتمد في ~~اشتعاله على الزيت المخزون فيه، ويأتيه منه المدد، أما الجنة فمددها ~~من الله. وهناك من قال: هل نتغوط في الجنة؟ فرد عليه واحد من ~~العارفين: لا. فتساءل: وأين تذهب بقايا ما نأكل من طعام الجنة؟ فقال ~~العارف بالله: مثلما تذهب بقايا ما يتغذى عليه الطفل في بطن أمه حيث ~~يحترق هذا الفائض في مشيمة الطفل والطفل في بطن أمه إنما ينمو بشكل ~~مستمر، معتمدا على غذاء يأتيه من أمه عبر الحبل السري. وكل تلك ~~الأمور تقريبية تجعلنا نعبر الفجوة بين ما نشهده في حياتنا اليومية، وبين ~~ما أعده الله ms5264 للمتقين، وهو القيوم على كل أمر. وقد قال الحق ~~سبحانه: { أكلها دآئم وظلها. # .. } [الرعد: 35]. يعني: أن الطعام موجود ولا ينتهي وكذلك الظل. والظل ~~حجب المضيء من مكان أو حجب مكان عن المضيء، ولا أحد يعلم أنه ستوجد ~~هناك شمس أم لا والعقل البشري قاصر عن تخيل ذلك فهو من فعل الله، وهو ~~سبحانه قادر على كل شيء. وهو القائل سبحانه: # والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ~~لهم فيهآ أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا # [النساء: 57]. وهو القائل سبحانه: # وظل ممدود # [الواقعة: 30]. ويتابع سبحانه: { تلك عقبى الذين اتقوا ~~وعقبى الكافرين النار } [الرعد: 35]. أي: يا متقي الله ~~ووضعت بينك وبين صفات جلاله وقاية، ولم تقرب محارمه واتبعت منهجه ستجد ~~أنه سبحانه يجازيك بصفات كماله وجماله فينزلك الجنة التي وعدك ~~بها. لذلك إن وجدت مشقة في التكليف فعليك أن تعلم أن جزاء تلك ~~المشقة هو الجزاء الجميل لأنك صدقت رسولك صلى الله عليه وسلم حين ~~قال: # " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ". # والعاقل ساعة يرى تكليفا يحد من حريته فهو يستحضر الجزاء على تلك ~~المشقة، وهو أيضا حين يرى أمرا يبدو في ظاهره شهوة عاجلة فهو يستحضر ~~العقاب على تلك الشهوة العاجلة فيستبعدها. وأي من الجزاء الطيب أو العقاب ~~قد يأتي فجأة لأن الموت لا ميعاد له ونحن نصدق قول رسولنا صلى الله ~~عليه وسلم: # " الموت القيامة، فمن مات فقد قامت قيامته ". # وهكذا يضخم الحق سبحانه من جزاء المؤمن المتقي فيعشق العمل، ~~ويتحمل مشاق التكليف ليكون موصولا بالجزاء الطيب، فهذا الجزاء هو ~~عقبى العمل الحسن في الدنيا، فالغاية الحقيقية من كل مراحل الوجود هي ~~ألا يوجد بعد للغاية لأنها غاية الخلود لا تعرف البعدية. وما دامت ~~الجنة تضمن الخلود أبدا، فهي تستحق أن تكون غاية المؤمن وعاقبة عمله، ~~والتزامه بالتكاليف الإيمانية. تماما كما تكون النار هي عاقبة الكافرين ~~المكذبين حيث يرون الخير مصير المؤمنين ويرون الشر مصيرهم ~~فيجمع عليهم التنغيص مرة بوجود الخير عند أهل الإيمان ومرة ms5265 بأن يروا ~~ما أعد لهم من شر. لذلك قال سبحانه: { وعقبى الكافرين ~~النار } [الرعد: 35]. ويقول سبحانه بعد ذلك: { والذين ~~آتيناهم الكتاب... }. ### || [13.36] # ونعلم أن الإسلام قد سبق بدينين دين النصارى قوم عيسى عليه السلام ~~ومن قبله دين اليهود قوم موسى عليه السلام وكلا الدينين له كتاب ~~الإنجيل كتاب المسيحية والتوراة كتاب اليهودية والقرآن هو كتاب الله ~~المهيمن الخاتم كتاب الإسلام، وهناك كتب سماوية أخرى مثل: صحف إبراهيم ~~وزبور داود، وغير ذلك. وكان على من نزل عليهم التوراة والإنجيل أن ~~يواصلوا الإيمان بمدد السماء، والخير القادم منها إلى الأرض، وقد سبق ~~أن أخذ الله من أنبيائهم الميثاق على ذلك، وقال تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران: 81]. وهكذا نعلم أن الحق سبحانه قد شاء أن يستقبل كل دين ~~سابق الدين الذي يليه بالإيمان به وفي كل دين سابق لآخر كانت النصوص ~~تؤكد ضرورة الإيمان بالرسول القادر، كي لا يحدث اقتراع بين الأديان ~~الناسخة والأديان المنسوخة. فمن صميم مواد أي دين سابق أن ينتظر ~~الدين الذي يليه، وإذا ما جاء الدين الجديد فهو يستقبله فرعا وتكملة، ~~ولا يستقبله كدين يضاد الدين السابق. وإذا كان الإسلام هو الدين الذي ~~تختم به مواكب الرسل فلا بد أن الأديان السابقة عليه قد بشرت ~~به، وكل مؤمن بالأديان السابقة موصى بضرورة الإيمان به. يقول الحق ~~سبحانه: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. # [الشورى: 13]. ويقول الحق سبحانه: { والذين آتيناهم ~~الكتاب يفرحون بمآ أنزل إليك.. } [الرعد: 36]. أي: أن ~~أهل التوراة والإنجيل يفرحون بما جاءك يا محمد من القرآن، والإنسان لا ~~يفرح بشيء إلا إذا حقق له غاية تسعده، ولا بد أن تكون هذه ~~الغاية منشورة ومعروفة. وهم قد فرحوا بما نزل إلى ms5266 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأنه حقق لهم ما جاء في كتبهم من نبوءة به. ومعنى ذلك أن كتبهم ~~قد صدقت، ومن جاء بالرسالة الخاتم صادق، وكان عليهم أن يكونوا أول ~~المبادرين إلى الإيمان به. ذلك أن الفرحة هي العملية التعبيرية أو ~~النزوعية من مواجيد الحب، والإنسان إنما يفرح بتحقيق أمر طيب كان ~~ينتظره. ولذلك كان يجب أن يهرولوا للإيمان بالدين الجديد، وأن يعلنوا ~~الإيمان به مثلما فعل كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي ~~الذي جاب أغلب البلاد باحثا عن الدين الحق. وهؤلاء هم مجرد أمثلة لمن ~~أرادوا أن يعبروا بالفرحة واستقبال مدد السماء عبر مجيء النبي ~~الخاتم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وأعلنوا البيعة للرسول ~~الجديد كما بشرت به الكتب السماوية السابقة على بعثته، ثم وقفوا موقف ~~العداء من الذين لم يفرحوا بمقدم الرسول، ثم غيروا ما جاء في كتبهم ~~السماوية طمعا في السلطة الزمنية. # وعرف من آمنوا برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الذين أنكروا ~~نبوة محمد بن عبد الله قد دلسوا على أنفسهم وعلى غيرهم، وأتوا بأشياء ~~لم تكن موجودة في كتبهم المنزلة على رسلهم كادعائهم أن لله أبناء، ~~وسبحانه منزه عن ذلك. ولذلك جاء قول الحق سبحانه: { والذين ~~آتيناهم الكتاب يفرحون بمآ أنزل إليك ومن ~~الأحزاب من ينكر بعضه قل إنمآ أمرت أن أعبد ~~الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب } ~~[الرعد: 36]. تلك عدالة من القرآن لأن القرآن لم ينكر الكتب السماوية ~~السابقة بأصولها، ولكنه أنكر التحريف في العقائد، وأنكر مواقف من ~~حرفوا وادعوا كذبا أن هناك بنوة لله. هذا التحريف لم ينل من ~~القرآن إنكارا لكل ما جاء بالكتب السابقة على القرآن ولكنه أنكر التحريف ~~فقط. وقد أثبت القرآن ما لله وما للرسول، وأنكر التحريف الذي أرادوا به ~~السلطة الزمنية وادعاء القداسة، والتجارة بصكوك الغفران وبيع الجنة، ~~وتلقي الاعترافات، وغير ذلك مما لم ينزل به كتاب سماوي. وحين جاء ~~الإسلام ليحرم ذلك دافعوا عن سلطتهم التي ms5267 يتاجرون بها في أمور الدين، ~~وهي ليست من الدين. وانظر إلى قول الحق سبحانه: { قل إنمآ أمرت ~~أن أعبد الله ولا أشرك به.. } [الرعد: 36]. وهذا القول ~~دليل على أن هؤلاء المغيرين في الكتب السماوية أو الذين أنكروا ~~وحدانية الله هؤلاء جاء لهم بالقول الفصل: { إنمآ أمرت أن ~~أعبد الله.. } [الرعد: 36]. أي: أنه يقر بأن هناك دينا قد ~~أختير له من قبل مرب ولم يختر محمد شيئا أعجبه ليعبده، ولكنه ~~كرسول من الله يشرف بالانتماء لما جاءه الأمر به من السماء، وهو لا ~~يشرك به أحدا. ونجد الرسول صلى الله عليه وسلم يتعصب لما يتعلق بربه ~~وقد يتهاون بما يتعلق بشخصه. ولذلك وجدنا بعض الملاحدة وقد قالوا له: ~~نحن نؤمن بالله وبالسماء والوحي وبكل شيء، لكنا لا نؤمن بك أنت، ولم ~~يغضب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولو كان يدخل ذاته أو أنانيته في ~~الأمر لغضب، ولكنه لم يغضب. والدليل على هذا هو أن مواجيده صلى الله ~~عليه وسلم كانت مع الروم المؤمنين بكتاب سماوي ضد المشركين الذين لا ~~يؤمنون بدين سماوي وهم الفرس وحزن صلى الله عليه وسلم حين غلبت الروم، ~~فنزل إليه القول الحق بنبأ النصر القادم في بضع سنين تسلية له صلى ~~الله عليه وسلم: # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من ~~قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر ~~الله ينصر من يشآء وهو العزيز الرحيم # [الروم: 1-5]. وهؤلاء في قلب رسول الله كانوا أقرب من غيرهم لأنهم ~~يتبعون دينا سماويا وساعة يرى رائحة صاحب خير يرجحه على صاحب الشر فهو ~~يطلب لهم النصر ويبشره الله بخبر نصرهم في بضع سنين، وهم يحملون ~~رائحة الخير، رغم أنهم لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى: ~~{ قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به.. } ~~[الرعد: 36]. أي: أنني سأعبد الله وحده، ولن أعطف على عبادته شيئا ويدعو ~~لعبادته وحده لأنه يعلم أنه سيؤوب إليه، كما سيؤوب إليه كل ms5268 إنسان فلا ~~أحد ينفلت من ربه وخالقه، ولا بد لكل إنسان أن يعد عدته لهذا ~~المآب. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { وكذلك أنزلناه حكما ~~عربيا... }. ### || [13.37] # والمقصود ب " كذلك " إشارة إلى إرسال الرسل المتقدمين بمعجزات شاءها ~~الحق سبحانه، ولم يقترحها أحد. وقوله: { أنزلناه.. } [الرعد: 37]. ~~ساعة نسمعه نرى أن هناك مكانة علية ينزل منها شيئا لمكانة ~~أدنى، ومثل ذلك أمر معروف في الحسيات، وهو معروف أيضا في ~~المعنويات. بل وقد يكون هذا الشيء لم يصل إلى السماء ولكنه في الأرض، ~~ومع ذلك يقول فيه الحق سبحانه: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. # [الحديد: 25]. وهو إنزال، لأنه أمر من تدبير السماء، حتى وإن كان في ~~الأرض: { وكذلك أنزلناه حكما عربيا.. } [الرعد: 37]. ~~والحكم هو المعنى، والمقصود بالإنزال هنا هو القرآن، وهو كتاب والكتاب ~~مبنى ومعنى، وشاء الحق سبحانه هنا أن يأتي بوصف المبالغة ليأتي الوصف ~~وكأنه الذات، أي: أنه أنزل القرآن حكما وهذا يعني أن القرآن في حد ~~ذاته حكم. وأنت حين تصف قاضيا يحكم تمام العدل لا تقول " قاض عادل ~~" بل تقول " قاض عدل " أي: كأن العدل قد تجسم في القاضي وكأن ~~كل تكوينه عدل. والحق سبحانه هنا يوضح أن القرآن هو الحكم العدل، ~~ويصفه بأنه: { حكما عربيا.. } [الرعد: 37]. لأن اللسان الذي ~~يخاطب به الرسول القوم الذين يستقبلون بآذانهم ما يقوله لهم لا بد أن ~~يكون عربيا. ولذلك يقول في آية أخرى: # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون # [الزخرف: 44]. أي: أنه شرف كبير لك ولقومك، أن نزل القرآن بلغة العرب. ~~وقد حفظ القرآن لنا اللغة العربية سليمة صافية بينما نجد كل لغات العالم ~~قد تشعبت إلى لهجات أولا، ثم استقلت كل لهجة فصارت لغة، مثل اللغة ~~اللاتينية التي خرجت منها أغلب لغات أوربا المعاصرة من: إنجليزية ~~وفرنسية وإيطالية، ووجدنا تلك اللغات تتفرق إلى لغات استقلالية، وصار ~~لكل منها قواعد مختلفة. بل إن اللغة الإنجليزية على سبيل المثال صارت " ~~إنجليزية - إنجليزية " يتكلم بها أهل بريطانيا و " إنجليزية - أمريكية " ~~يتكلم بها أهل الولايات ms5269 المتحدة. ولو تركنا - نحن - لغة التخاطب بيننا ~~كمسلمين وعرب إلى لغة التخاطب الدارجة في مختلف بلادنا فلن يفهم بعضنا ~~البعض، ومرجع تفاهمنا مع بعضنا البعض - حين نتكلم - هو اللغة الفصحى. ~~ودليلنا ما رأينا في مغربنا العربي، فنجد إنسانا تربى على اللغة ~~الفرنسية، أو تكون لغة جمعا بين لهجات متعددة من البربرية والفرنسية ~~وبقايا لغة عربية، فإذا حدثته باللغة العامية لا يفهم منك شيئا، وإن ~~تحدثت معه باللغة العربية استجاب وأجاب لأن فطرته تستقبل الفصحى فهما ~~وإدراكا. وهكذا رأينا كيف صان القرآن الكريم اللغة العربية واللسان ~~العربي. ومن ضمن معاني قول الحق سبحانه: { حكما عربيا. # . } [الرعد: 37]. أي: أن الذي يصون ويعصم هذا اللسان العربي هو القرآن ~~الكريم. ويتابع سبحانه بقوله: { ولئن اتبعت أهواءهم بعد ~~ما جآءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا ~~واق } [الرعد: 37]. وهذا خطاب موجه منه سبحانه لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم يكشف فيه الحق سبحانه أمام رسوله صلى الله عليه وسلم مضار وخطورة ~~اتباع الهوى وهو خطاب يدل على أن الدين الذي نزل على موسى ثم عيسى، وهما ~~السابقان لرسول الله لم يعد كما كان على عهد الرسولين السابقين بل ~~تدخل فيه الهوى ولم يعد الدين متماسكا كما نزل من السماء. ولذلك ~~يقول سبحانه في آية أخرى: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض.. # [المؤمنون: 71]. ذلك أنه سبحانه لو اتبع أهواءهم لضاع نظام الكون ألم ~~يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا.. # [الإسراء: 92]. ولو استجاب الحق مثلا لهذه الدعوة، ألم تكن السماء ~~لتفسد؟ إذن: فبعد أن نزل القرآن من السماء حكما وعلما ومنهجا يسهل ~~عليهم فهمه، لأنه بلغتهم، وهم يحمل كامل المنهج إلى أن تقوم الساعة، ~~وفيه دليل السعادة في الدنيا والآخرة. لذلك فليس لأحد أن يتبع هواه ~~فالهوى - كما نعلم - يختلف من إنسان لآخر، والخطاب الموجه لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يتضمن في طياته الخطاب لأمته صلى الله عليه وسلم. ~~ومن يفعل ذلك فليس له من ms5270 دون الله ولي يؤازره أو ينصره، أو يقيه عذاب ~~الحق: شقاء في الدنيا، وإلقاء في الجحيم في الآخرة. ويقول الحق سبحانه ~~من بعد ذلك: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك... }. ### || [13.38] # وأنت يا محمد لست بدعا من الرسل في مسألة الزواج والإنجاب. وهي تحمل ~~الرد على من قالوا: # مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق.. # [الفرقان: 7]. ومنهم من قال: ما لهذا الرسول يتزوج النساء؟ ألم يكن من ~~اللائق أن يتفرغ لدعوته؟ وهؤلاء الذين قالوا ذلك لم يستقرئوا الموكب ~~الرسالي، لأنهم لو فعلوا لوجدوا أن أغلب الرسل قد تزوجوا وأنجبوا. وحين ~~تكون حياة الرسول قريبة - كمثال واضح - من حياة الناس الذين أرسل إليهم ~~ليكون أسوة لهم فالأسوة تتأتى بالجنس القابل للمقارنة وحين تكون ~~حياة الرسول كحياة غيره من البشر في إطارها العام كأب وزوج، فالأسوة ~~تكون واضحة للناس. ونعلم أن هناك من جاء إلى رسول الله ليطلب الإذن ~~بالتفرغ التام للعبادة من: صوم وصلاة وزهد عن النساء، فنهى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال في حديث شريف: # " إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج ~~النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ". # ويتابع الحق سبحانه: { وما كان لرسول أن يأتي بآية ~~إلا بإذن الله لكل أجل كتاب } [الرعد: 38]. أي: ما ~~كان لأحد أن يقترح على الله الآية التي تأتي مع أي رسول من الرسل، ولم ~~يكن لأي رسول حق في اختيار الآية المصاحبة له. وبهذا القول حسم الحق ~~سبحانه قضية طلب المشركين لآيات من الرسول صلى الله عليه وسلم لأن كل ~~رسول جاء لزمنه ولقومه وكل معجزة كانت من اختيار الله، وكل رسول يؤدي ما ~~يكلفه به الله وليس للرسول أن يقترح على الله آية ما لأن الخالق ~~الأعلى هو الأعلم بما يصلح في هذه البيئة على لسان هذا الرسول. ونأخذ من ~~قوله الحق: { لكل أجل كتاب } [الرعد: 38]. أن لكل رسالة ~~رسولها، ولكل رسالة مكانها، ولكل رسالة معجزتها، فإذا كان الأمر كذلك ~~فدعوا محمدا صلى الله ms5271 عليه وسلم وما اختاره الله له في المكان الذي شاءه ~~سبحانه، وفي الزمان وفي المعجزة المصاحبة له صلى الله عليه وسلم. ولكن، ~~أهناك تغيير بعد أن يقول الحق سبحانه: { لكل أجل كتاب } ~~[الرعد: 38]. نعم هناك تغيير، وانظروا إلى قول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ~~يمحوا الله ما يشآء... }. ### || [13.39] # والمحو كما نعلم هو الإزالة، والتثبيت أي: أن يبقي الحق ما يراه ~~ثابتا. وقد فهم بعض الناس - خطأ - أن كل حكم في القرآن قد جاء ليثبت ~~وسيظل هكذا أبد الدهر ولكن عند التطبيق ظهر أن بعض الأحكام يقتضي ~~تغييرها يغيرها الله لحكمة فيها خير البشرية. ونقول: لا، لم يحدث ذلك، ~~ولكن كانت هناك أحكام مرحلية ولها مدة محددة ولذلك جاء قول الحق ~~سبحانه: { وعنده أم الكتاب } [الرعد: 39]. أي: عنده اللوح ~~المحفوظ الذي تحددت فيه الأحكام التي لها مدة محددة وما أن تنتهي ~~إلا وينزل حكم آخر مكانها، وعلى هذا المعنى يمكن أن نقول: إنه لم يوجد ~~نسخ للأحكام، لأن معنى النسخ أن يزحزح حكما عن زمانه وهنا لم ~~نجد حكما يتزحزح عن زمانه لأن كل حكم موقوت بوقت محدود وما أن ~~ينتهي الوقت حتى يبدأ حكم جديد. أقول ذلك كي أنبه العلماء إلى ضرورة ~~أن يجلسوا معا لدراسة ذلك، حتى لا يختلف العلماء: أهناك نسخ أم لا، ~~وأقول: فلنحدد النسخ أولا، لأن البعض يظن أن هناك حكما كان يجب ~~أن ينسحب على كل الأزمنة، ثم جاء حكم آخر ليحل محله لحكمة تقتضيها ~~مصلحة البشرية والمراد لله منها. ولا يوجد حكم أنهى حكما وطرأ عليه ~~ساعة الإنهاء بل كل الأحكام كانت مقدرة أزلا وعلى ذلك فلا يوجد ~~نسخ لأي حكم، ولكن هناك أحكام ينتهي وقتها الذي قدره الله لها ~~ويأتي حكم سبق تقديره أزلا ليواصل الناس الأخذ به وما دام الأمر كذلك ~~فلا يوجد نسخ. ولننظر إلى قول الحق سبحانه: # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها.. # [البقرة: 106]. ويتضح من منطوق الآية ومفهومها أن عند نسخ حكم يأتي ms5272 الله ~~بمثله أو خير منه. إذن: ليس هناك نسخ وإنما هناك أحكام تؤدي مهمتها في ~~زمن ثم يأتي زمن يحتاج إلى حكم خير منه أو مثله في الحكم، ولكنه يوافق ~~المصالح المرسلة مع مراد الله. ولقائل أن يقول: ما دام سيأتي بخير من ~~الآية المنسوخة أو المنسأة فذلك أفضل، ولكن لماذا يأتي بالمثل؟ ~~وأقول: لأنك إن جاءك ما هو خير منها قد تستسيغه، ولكن حين ننتقل ~~إلى مثل ما جاءت به الآية فهذا محك الإيمان. والمثل هو التوجه ~~في الصلاة إلى بيت المقدس في أول الدعوة ثم مجيء الأمر بتحويل القبلة ~~إلى الكعبة فلا مشقة في ذلك. ولكن هنا يتم اختبار الالتزام الإيماني ~~بالتكليف، وهنا الانصياع للحكم الذي ينزله الله، وهو حكم مقدر ~~أزلا وفي هذا اختبار لليقين الإيماني في إدارة توجيه المدبر لهذا ~~السير. وكذلك في الحج يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ليقبل الحجر ~~الأسود ثم يرجم الحجر الذي يرمز لإبليس، ونحن نفعل ذلك أسوة برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وكلاهما حجر، ولكننا نمتثل لأمره صلى الله عليه ~~وسلم. # فتقبيل الحجر الأسود ورجم الحجر الذي يشير إلى رمزية إبليس، كل هذا ~~استجابة لأمر الآمر. وحين يقول الحق سبحانه: { يمحوا الله ما ~~يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب } [الرعد: 39]. فهو يعني ~~أنه سبحانه ينهي زمن الحكم السابق الذي ينتهي زمنه في أم الكتاب أي ~~اللوح المحفوظ ثم يأتي الحكم الجديد. والمثال: هو حكم الخمر وقد عالجها ~~الحق سبحانه أولا بما يتفق مع قدرة المجتمع وكان المطلب الأول هو تثبيت ~~العقيدة ثم تجيء الأحكام من بعد ذلك. وهناك فرق بين العقيدة - وهي الأصل ~~- وبين الأحكام، وهي تحمل أسلوب الالتزام العقدي، وكان الحكم في أمر ~~العقيدة ملزما ومستمرا. أما الأحكام مثل حكم الخمر فقد تدرج في ~~تحريمها بما يتناسب مع إلف الناس واعتيادهم فقلل الحق سبحانه زمن ~~صحبة الخمر ثم جاء التحريم والأمر بالاجتناب، وعدم القرب منها. ~~والمثل في حياتنا حيث نجد من يريد أن يمتنع عن التدخين وهو يوسع من ms5273 ~~الفجوة الزمنية بين سيجارة وأخرى، إلى أن يقلع عنها بلطف، وينفيها من ~~حياته تماما. ونجد القرآن يقول في الخمر: # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا.. # [النحل: 67]. وهنا يمتن الله عليهم بما رزقهم به ولكن أهل الذوق ~~يلتفتون إلى أنه لم يصف الخمر بأنها من الرزق الحسن ووصف البلح والعنب ~~بأنه رزق حسن لأن الإنسان يتناوله دون أن يفسده. وهكذا يلتفت أهل الذوق ~~إلى أن الخمر قد يأتي لها حكم من بعد ذلك، ثم ينزل الحق سبحانه عظة ~~تقول: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من ~~نفعهما.. # [البقرة: 219]. وهكذا أوضح الحق سبحانه ميل الخمر والميسر إلى الإثم ~~أكثر من ميلهما إلى النفع، ثم جاء من بعد ذلك قوله بحكم مبدئي: # لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ~~ما تقولون.. # [النساء: 43]. ومعنى ذلك أن تتباعد الفترات بين تناول الخمر، فلا يحتسي ~~أحد الخمر طوال النهار وجزء من الليل، وفي ذلك تدريب على الابتعاد عن ~~الخمر. ثم يأتي التحريم الكامل للخمر في قوله تعالى: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون # [المائدة: 90]. وهكذا أخذ الحكم بتحريم الخمر تدرجه المناسب لعادات ~~الناس، وتم تحريم الخمر بهوادة وعلى مراحل. وهكذا نفهم النسخ على ~~أنه انتهاء الحكم السابق زمنا وبداية الحكم الجديد، وهذا يعني أن الحكم ~~الأول لم يكن منسحبا على كل الزمن ثم أزلناه وجئنا بحكم آخر ولكن ~~توقيت الحكم الأول - أزلا - قد انتهى وبدأ الحكم الجديد. # وهكذا لا يوجد مجال للاختلاف على معنى النسخ، ذلك أن الحق سبحانه أرجع ~~المحو والإثبات إلى أم الكتاب ففيها يتحدد ميعاد كل حكم وتوقيته وميعاد ~~مجيء الحكم التالي له. وما دام كل أمر مرسوم أزلا فعلى من يقولون أن ~~البداء محرم على الله أن ينتبهوا إلى أن هذا المحو والإثبات ليس بداء ~~لأن البداء يعني أن تفعل شيئا، ثم يبدو لك فساده فتغيره. والحق ~~سبحانه لم يظهر له فساد ما أنزل من أحكام أو ms5274 آيات بل هو قدر كل شيء ~~أزلا في أم الكتاب، وجعل لكل حكم ميقاتا وميلادا ونهاية. ويصح أن يتسع ~~معنى قول الحق سبحانه: { يمحوا الله ما يشآء ويثبت ~~وعنده أم الكتاب } [الرعد: 39]. ليشمل نسخ رسالة برسالة أخرى ~~فيكون قد محا شيئا وأثبت شيئا آخر، وكل شيء فيه تغيير إلى الخير يصح ~~فيه المحو والإثبات، وهو من عند الرقيب العتيد: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. أي: أنه القادر على أن يأمر الرقيب العتيد بأن يثبتا الواجبات ~~والمحرمات، وأن يتركا الأمور المباحة، وهو القادر على أن يمحو ما يشاء ~~من الذنوب، ويثبت ما يشاء من التوبة. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ~~وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم... }. ### || [13.40] # هذه الآية تحدد مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم في أن يبلغ منهج ~~الله، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إلا أن قول الحق سبحانه في ~~رسوله صلى الله عليه وسلم: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. جعله هذا القول متعلقا بهداية قومه جميعا، وكان يرجو ~~أن يكون الكل مهتديا ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله في موقع آخر: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. أي: أنك لست مسئولا عن إيمانهم، وعليك ألا تحزن إن لم ~~ينضموا إلى الموكب الإيماني، وكل ما عليك أن تدعوهم وتبلغهم ~~ضرورة الإيمان والحق سبحانه هو الذي سوف يحاسبهم إما في الدنيا بالمحو ~~والإذهاب، أو في الآخرة بأن يلقوا عذاب النار. وحين يقول الحق ~~سبحانه: { وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ~~} [الرعد: 40]. فنحن نعلم أن كل دعوة من دعوات الخير تكبر يوما بعد يوم ~~ودعوات الشر تبهت يوما بعد يوم. ومن يدعو إلى الخير يحب ويتشوق أن ~~يرى ثمار دعوته وقد أينعت، ولكن الأمر في بعض دعوات الخير قد يحتاج ~~وقتا يفوق عمر الداعي. ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم: ms5275 { وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو ~~نتوفينك.. } [الرعد: 40]. أي: اغرس الدعوة، ودع من يقطف ~~الثمرة إلى ما بعد ذلك، وأنت حين تتفرغ للغرس فقط ستجد الخير والثمار ~~تأتي حين يشاء الله سواء شاء ذلك إبان حياتك أو من بعد موتك. وأنت إذا ~~نظرت إلى الدعوات التي تستقبلها الحياة تجد أن لكل دعوة أنصارا أو ~~مؤيدين، وأن القائمين على تلك الدعوات قد تعجلوا الثمرة مع أنهم لو ~~تمهلوا ليقطفها من يأتي بعدهم لنجحت تلك الدعوات. ونحن في الريف ~~نرى الفلاح يغرس ومن خلال غرسه نعرف مراداته، هل يعمل لنفسه، أو يعمل ~~من أجل من يأتي بعده؟ فمن يغرس قمحا يحصد بسرعة تفوق سرعة من يغرس ~~نخلة أو شجرة من المانجو، حيث لا تثمر النخلة أو شجرة المانجو إلا بعد ~~سنين طويلة، تبلغ سبع سنوات في بعض الأحيان، وهذا يزرع ليؤدي لمن يجئ ~~ما أداه له من ذهب. ونحن نأكل من تمر زرعه لنا غيرنا ممن ~~ذهبوا، ولكنهم فكروا فيمن سيأتي من بعدهم، ومن يفعل ذلك لا بد ~~وأن يكون عنده سعة في الأرض التي يزرعها لأن من لا يملك سعة من ~~الأرض فهو يفكر فقط فيمن يعول وفي نفسه فقط لذلك يزرع على قدر ما ~~يمكن أن تعطيه الأرض الآن. أما من يملك سعة من الأرض وسعة في النفس ~~فهو من وضع في قلبه مسئولية الاهتمام بمن سيأتون بعده. # وأن يرد الجميل الذي أسداه له من سبقوه، بأن يزرع لغيره ممن ~~سيأتون من بعده. ودعوة محمد - عليه الصلاة والسلام - شهدت له بأنه لم ~~يبحث لنفسه عن ثمرة عاجلة بل نجد الدعوة وهي تقابل الصعاب تلو ~~الصعاب، ويلقى صلى الله عليه وسلم ما تلقى من العنت والإرهاق والجهد ~~بعد أن جهر بالدعوة في عشيرته الأقربين. ثم ظلت الدعوة تتسع في بعض ~~العشائر والبطون إلى أن دالت عاصمة الكفر وصارت مكة بيت الله الحرام كما ~~شاء الله، وأسلمت الجزيرة كلها لمنهج الله، وأرسل صلى الله عليه وسلم ~~الكتب إلى الملوك والقياصرة، وكلها ms5276 تتضمن قوله صلى الله عليه وسلم # " أسلم تسلم ". # ودلت هذه الكتب على أن الدعوة الإسلامية هي دعوة ممتدة لكل الناس ~~تطبيقا لما قاله الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه: # " رسول للناس كافة ". # قال تعالى: # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا.. # [سبأ: 28]. وفهم الناس الفارق بين رسالته صلى الله عليه وسلم وبين ~~كافة الرسالات السابقة، فإلى قوم عاد أرسل هودا عليه السلام. يقول ~~الحق سبحانه: # وإلى عاد أخاهم هودا.. # [الأعراف: 65]. وقال عن أهل مدين: # وإلى مدين أخاهم شعيبا.. # [الأعراف: 85]. وقال عن بعثة موسى: # ورسولا إلى بني إسرائيل.. # [آل عمران: 49]. وهكذا حدد الحق سبحانه زمان ومكان القوم في أي ~~رسالة سبقت رسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. لكن الأمر يختلف ~~حين أرسل سبحانه محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا وجعله للناس كافة، ~~فقد علم سبحانه أزلا أن هذا هو الدين الخاتم لذلك أرسل رسول الله إلى ~~حكام العالم - المعاصرين له - دعوة لدخول الدين الخاتم. وقد ترك ~~الرسول صلى الله عليه وسلم تلك المهمة لمن يخلفونه، ودعا صلى الله عليه ~~وسلم الجزيرة العربية تحت لواء " لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ~~" بعد أن كانت قبائل متعددة. كل قبيلة كانت لا تلزم نفسها بعبادة إله ~~القبيلة الأخرى وكل قبيلة لا تلزم نفسها بتقنين القبيلة الأخرى، ولم ~~يجمعهم أبدا شمل، ولا استيطان لهم إلا في بعض القرى، ذلك أن أغلبهم ~~من البدو الرحل كل واحد منهم يحمل بيته - الخيمة - على ظهر بعيره، ~~ويمشي بحثا عن الكلأ والماء لأغنامه وماشيته. فلم يكن عندهم انتماء وطني ~~فضلا عن القبائل التي كانت تتقاتل فيما بينها في تارات عنيفة، وامتدت ~~الحرب فيما بين بعض القبائل إلى أربعين عاما في بعض الأحيان. استطاع صلى ~~الله عليه وسلم أن يوظف ما كانوا عليه من تدريب وعتاد وعدة ~~لنصرة دين الله فحين إعداده للغزوات أو اختياره للسرايا كان يجد ~~المقاتلين في كامل لياقتهم. # وحين استدعاهم إلى الحرب لم يجر لهم تدريبات فقد كان الكل مدربا ms5277 ~~على القتال. وهكذا صارت القبائل أمة واحدة بعد أن جمعهم محمد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في وحدة التكامل العقدي تحت راية الإسلام، وهذه الأمة ~~الأمية، قال فيها الحق سبحانه: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم.. # [الجمعة: 2]. وكانت هذه الأمية شرفا لهم كيلا يقال: إنهم أصحاب ~~قفزة حضارية من أمة متمدينة. وكانت هذه الأمية ملفتة، لأن ما جاء في ~~تلك الأمة من تشريعات وقفت أمامه الأمم الأخرى إلى زماننا هذا باندهاش ~~وتقدير. وشاء الحق سبحانه لهذه الأمة أن تحمل رسالة السماء لكل الأرض، ~~وبعد أن نزل قول الحق سبحانه: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا.. # [المائدة: 3]. فهم بعض الناس أن الرسول صلى الله عليه وسلم ينعي نفسه ~~لأمته. ومن بعد رحيله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى انساح صحابته ~~بالدين الخاتم في الدنيا كلها، وخلال نصف قرن من الزمان صار للإسلام ~~جناحان جناح في الشرق، وجناح في الغرب. وهزم اكبر إمبراطوريتين متعاصرتين ~~له هما إمبراطورية فارس بحضارتها وإمبراطورية الروم. وكانت البلاد ~~تتخطف الإسلام كمنهج حياة، حدث ذلك بعد أن حارب الإسلام ~~الإمبراطوريتين في آن واحد، وأقبل الناس على الإسلام ليتحققوا من ~~معجزته التي لمسوها في خلق من سمعوا القرآن وحملوا رسالته ثم في ~~اكتشافهم لعدالة القرآن في إدارة حركة الحياة. وهكذا اكتشفوا أن معجزة ~~الإسلام عقلية وأن رسوله صلى الله عليه وسلم هو الرسول الخاتم الذي لم ~~يأت لهم بمعجزة حسية، وإذا كان القرآن معجزة في اللغة للقوم الذين ~~نزل فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فالقرآن لمن لم يعرفوا لغة ~~القرآن كان معجزة في العدالة والقيم النابعة منه. وكان الناس يندفعون إلى ~~الإسلام بقوة دفع من المؤمنين به، وبقوة جذب من غير المؤمنين حين ~~يرون ألا فرق بين الأمير وأصغر فرد تحت رايته، وحين يلمسون ~~عدالته ومساواته بين البشر. ولم يكن الإسلام معجزة لقومه فقط بل لكل ~~الدنيا، ويتحقق دائما قول الحق سبحانه: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ms5278 ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. ونجد مفكرا كبيرا من الغرب المعاصر يعلن إسلامه، رغم ~~أنه لم يقرأ القرآن بل نظر فقط في المبادئ التي قننها الإسلام، وكيف ~~تحمل حلولا لما عجزت عنه الحضارات المتعاقبة وأهل القوانين في كل ~~بلاد الأرض. ويعرف أن تلك القوانين قد جاءت لرسول ينتمي لأمة لم تبرع ~~إلا في البلاغة والأدب، وتضع تلك القوانين حلولا لمشاكل تعاني منها ~~الدنيا كلها. ورأينا كيف بحث رجل عن أعظم مائة في تاريخ البشرية، وكيف ~~جعل محمدا صلى الله عليه وسلم أولهم، وهذا الباحث لم يقرأ القرآن ولكنه ~~درس آثار تطبيق القرآن، وبعد أن يعجب بالمنهج القرآني نجده يعجب ~~بالنص القرآني. # والمثل: هو دراسة الألمان لعملية إدراكات الحس وكيف يشعر الإنسان ~~بالألم؟ وكيف يلمس الإنسان ببشرته بملمس ناعم فيسر منه، ثم يلمس ~~شيئا خشنا فيتأذى منه. واستمر الألمان يدرسون ذلك لسنوات كي يعرفوا ~~مناط الإحساس وموقعه في الإنسان، هل هو في المخ أم أين إلى أن ~~انتهوا إلى مناط الإحساس في كل إنسان هو في الجلد، وأنها خلايا ~~منبسطة تحت الجلد مباشرة بدليل أن الإبرة حين نغرزها في جسم الإنسان ~~فهو يتألم فقط في منطقة دخولها وليس أكثر. ولفت ذلك نظر أحد العلماء ~~فقال: لقد تحدث القرآن عن ذلك حين قال: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما # [النساء: 56]. ولو أن تلك الجلود قد احترقت فالعذاب سينتهي لذلك ~~يبدل الله جلودهم ليستمر العذاب، وهذا مثل واحد من أمثلة ما كشف ~~عنه القرآن. ومن الأمثلة المعاصرة في العلوم الجنائية قصة شاب مسلم من ~~سوهاج سافر إلى ألمانيا ليعد رسالة الدكتوراه في القانون، ووجدهم يقفون ~~عند قضية التعسف في استعمال الحق، ويعتبرونها من أهم الإنجازات ~~القانونية في القرن العشرين. فأوضح لهم هذا الشاب أن الإسلام قد سبقهم في ~~تقدير هذه المسألة ووضع الحكم المناسب فيها من أربعة عشر قرنا من ~~الزمان. # " " وروى لهم أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: إن ~~لفلان ms5279 عندي في ساحة بيتي نخلة، وهو يدخل بيتي كل ساعة بحجة رعاية تلك ~~النخلة مرة بدعوى تأبيرها وأخرى بدعوى جني ثمارها. وثالثة بدعوى ~~الاطمئنان عليها حتى جعل النخلة شغله الشاغل. وشكا الرجل للرسول صلى ~~الله عليه وسلم أنه يتأذى هو وأهل بيته من اقتحام الرجل للحياة الخاصة ~~له، فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى صاحب النخلة وقال له: أنت بالخيار بين ~~ثلاثة مواقف: إما أن تهبه النخلة - وتلك منتهى الأريحية -، وإما أن ~~تبيعها له، وإما قطعناها ". # وهكذا وضع صلى الله عليه وسلم قواعد للتعامل فيما يسمى " التعسف في ~~استعمال الحق ". وفي إنجلترا وجدوا أن القانون التجاري مليء بالثغرات، ~~ومثال هذا أن التعامل في السوق قد يتطلب بعضا من المرونة بين التجار ~~فهذا يرسل لذلك طالبا من الآخر ألفا من الجنيهات وفلان يرد ما أخذه ~~أو يقايضه. واصطدم الواقع بأن بعض التجار لا يعترفون ببعض الديون ~~التجارية التي عليهم، وقديما كان إذا أراد تاجر أن يقترض من زميل له فهو ~~يكتب الدين في كمبيالة أو إيصال أمانة وذلك لتوثيق الدين. ولكن ~~الأمر اليومي في السوق قد يختلف فهذا يحتاج نقودا لأمر عاجل، وزميله يثق ~~في قدرته على الرد والتسديد لأنه قد يحتاج هو الآخر لنقود عاجلة، ويثق ~~أن من يقرضه الآن، سيقرضه فيما بعد ولذلك أنشأوا ما يسمى بالدين ~~التجاري، فيفتحون " دفترا " يسجلون في الديون التجارية لتحكم الدفاتر ~~فيما يعجز عن تذكره الأشخاص. # وذهب شاب مسلم لبعثة دراسية هناك وأوضح لهم أن قضية الدين أخذت اهتمام ~~الإسلام لدرجة أن أطول آية في القرآن هي الآية التي تحدد التعامل مع ~~الديون وأخذ يترجم لهم قول الحق سبحانه: # يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى ~~أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب ~~بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله ~~فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق ~~الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي ~~عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن ~~يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم ms5280 فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب ~~الشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه ~~صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله ~~وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن ~~تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس ~~عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا ~~تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا ~~فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله ~~والله بكل شيء عليم # [البقرة: 282]. وظاهر الأمر أنه يحمي الدائن، ولكن الحقيقة أنه يحمي ~~المدين أيضا لأن المدين إن علم أن الدين موثق فهو سيسعى جاهدا ~~أن يؤديه في موعده، وأيضا كي لا يأخذ النصابون فرصة للهرب من السداد، ~~وبذلك حمى القرآن الدائن والمدين معا كي لا تقف حركة التعامل بين ~~الناس. ومع هذا فإنه لم يمنع الأريحية الإيمانية والمروءة أن تسلك طريقها ~~في عالم الود والإخاء المؤمن فإن كان لك قريب أو إنسان لك به صلة، ~~وأنت تأمنه على ما اقترض منك يقول لك الحق سبحانه: # فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته وليتق الله ربه.. # [البقرة: 283]. وبهذا القول يشعر من يحمل أمانة من الغير بالخجل فيعمل ~~على ردها. ثم يضيف الحق سبحانه: # إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم ~~فليس عليكم جناح ألا تكتبوها.. # [البقرة: 282]. وهكذا جاء الإسلام بقوانين لا يمكن أن تخرج من أمة ~~أمية لأنها قوانين تسبق العصور، وهي قوانين تنبع من دين سماوي خاتم. ~~ولذلك عندما سألوني عن موقف الإسلام من التقدمية والرجعية، قلت لهم: إن ~~القياس خاطئ لأنك لن تستطيع أن تقيس فكر بشر بما أنزله رب كل البشر، ~~وإذا كان العالم بشرقه وغربه يهتدي إلى أي خير تنتظم به حياته ويجد ~~جذورا لذلك الخير في الإسلام فهذا دليل على أن العالم يتجه إلى الوسطية. ~~وكان المثل في الشيوعية التي قامت ثورتها الدموية في عام 1917 وقالوا: ~~إنها مقدمة للشيوعية وسقطت الشيوعية من بعد أن أصيب المجتمع الروسي ~~بالتيبس والجمود، والخوف من أسلوب حكم ms5281 الحزب الشيوعي. # ونجد الرأسمالية الشرسة، وهي تهذب من شراستها وتعطي العامل حقه ~~وتؤمن عليه، وهكذا يتجه العالم إلى الوسطية التي دعا لها الإسلام. وقد ~~نزل الإسلام من قبل عالم عليم بكل الأهواء وبكل المراحل. ولذلك نجد ~~الحق سبحانه وهو يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم إن آذاه أحد في ~~المنهج الذي جاء به لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن ليأبه بمن يحاول ~~أن يؤذيه في شخصه، وكان صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه ولكن إن ~~تعرض أحد للمنهج فغضبه صلى الله عليه وسلم يظهر جليا. ومن وقفوا ضد ~~الدين قابلهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة فمن آمن منهم نال ~~حلاوة الإيمان ومن لم يؤمن فقد توالت عليه المصائب من كل جانب، منهم ~~من رأى النبي صلى الله عليه وسلم مصارعه. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم: # فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون * أو ~~نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون # [الزخرف: 41-42]. أي: أنه جل وعلا إما أن يلحق رسوله بالرفيق ~~الأعلى، وينتقم من الذين وقفوا ضده أو يريه عذابهم رأى العين. وكأن ~~هذا القول هو الذي يشرح قوله سبحانه هنا: { وإن ما نرينك ~~بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك ~~البلاغ وعلينا الحساب } [الرعد: 40]. وعذاب الدنيا - كما ~~نؤمن - مهما بلغ فلن يصل إلى مرتبة عذاب الآخرة. ويقول سبحانه من بعد ~~ذلك: { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها... }. ### || [13.41] # و { يروا } هنا بمعنى " يعلموا " ، ولم يقل ذلك لأن العلم قد ~~يكون علما بغيب، ولكن " يروا " تعني أنهم قد علموا ما جاء بالآية ~~علم مشهد ورؤية واضحة، وليس مع العين أين. وإذا جاء قول الحق سبحانه ~~ليخبرنا بأمر حدث في الماضي أو سيحدث في المستقبل ووجدنا فيه فعل الرؤية ~~فهذا يعني أننا يجب أن نؤمن به إيمان مشهد، لأن قوله سبحانه أوثق من ~~الرؤية، وعلمه أوثق من عينيك. وسبق أن قال الحق سبحانه لرسوله: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. ونعلم أن النبي ms5282 صلى الله عليه وسلم قد ولد في عام الفيل، ~~ولا يمكن أن يكون قد رأى ما حدث لأصحاب الفيل، ولكنه صدق ما جاء به ~~القول الحق وكأنه رؤيا مشهدية. وقال الحق سبحانه: # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شآء ~~لجعله ساكنا.. # [الفرقان: 45]. وحين يعبر القرآن عن أمر غيبي يأتي بفعل " يرى " مثل ~~قوله الحق: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم.. # [السجدة: 12]. وحين يتكلم القرآن عن أمر معاصر يقول: # أفلا يرون.. # [الأنبياء: 44]. وهنا يقول الحق سبحانه: { أولم يروا أنا ~~نأتي الأرض ننقصها من أطرافها.. } [الرعد: 41]. وهذا ~~قول للحاضر المعاصر لهم. وتعريف الأرض هنا يجعلها مجهولة، لأننا حين نرغب ~~في أن نعرف الأرض قد يتجه الفكر إلى الأرض التي نقف عليها وبالمعنى ~~الأوسع يتجه الفكر إلى الكرة الأرضية التي يعيش عليها كل البشر. وقد ~~تنسب الأرض إلى بقعة خاصة وقع فيها حدث ما مثل قول الحق سبحانه عن ~~قارون: # فخسفنا به وبداره الأرض.. # [القصص: 81]. ويقول الحق سبحانه عن الأرض كلها: # وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض.. # [النور: 55]. وبطبيعة الحال هم لن يأخذوا كل الأرض، ولكن ستكون لهم ~~السيطرة عليها. وسبحانه يقول أيضا: # فذروها تأكل في أرض الله.. # [الأعراف: 73]. وهكذا نفهم أن كلمة " الأرض " تطلق على بقعة لها حدث ~~خاص، أما إذا أطلقت فهي تعني كل الأرض، مثل قول الحق سبحانه: # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10]. ومثل قوله تعالى لبني إسرائيل: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض.. # [الإسراء: 104]. مع أنه قد قال لهم في آية أخرى: # ادخلوا الأرض المقدسة.. # [المائدة: 21]. فبعد أن حدد لهم الأرض بموقع معين عاد فأطلق الكلمة، ~~ليدل على أنه قد شاء ألا يكون لهم وطن، وأن يظلوا مبعثرين، ذلك ~~أنهم رفضوا دخول الموقع الذي سبق وأن حدده لهم وقالوا: # إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها.. # [المائدة: 24]. ولذلك قال الحق سبحانه في موقع آخر: # وقطعناهم في الأرض أمما.. # [الأعراف: 168]. أي: جعلنا كل قطعة بما تحويه من تماسك متفرقة عن القطعة ~~الأخرى، ms5283 وهذا هو حال اليهود في العالم حيث يوجدون في أحياء خاصة بكل ~~بلد من بلاد العالم فلم يذوبوا في مجتمع ما. # وقوله الحق هنا: { أولم يروا أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها.. } [الرعد: 41]. موجه إلى قريش، فقد ~~كانت لهم السيادة ومركزها مكة، ثم من بعد ذلك وجدوا أن الموقف يتغير في ~~كل يوم عن اليوم الآخر ففي كل يوم تذهب قبيلة إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المدينة لتعلن إسلامها وتبايعه. وهكذا تنقص أمام ~~عيونهم دائرة الكفر، إلى أن أعلنوا هم أنفسهم دخولهم في الإسلام. وهكذا ~~شاء الحق سبحانه أن نقصت أرض الكفر، وازدادت أرض الإيمان، ورأوا ~~ذلك بأنفسهم ولم يأخذوا عبرة بما رأوه أمام أعينهم من أن الدعوة ~~ممتدة، ولن تتراجع أبدا، حيث لا تزداد أرض إلا بمكين فيها. والمكين ~~حين ينقص بموقعه من معسكر الكفر فهو يزيد رقعة الإيمان إلى أن جاء ما ~~قال فيه الحق سبحانه: # إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس ~~يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك ~~واستغفره إنه كان توابا # [النصر: 1-3]. وهناك أناس مخلصون لدين الله، ويحاولون إثبات أن دين ~~الله فيه أشياء تدل على المعاني التي لم تكتشف بعد، فقالوا على سبيل ~~المثال فور صعود الإنسان إلى القمر: لقد أوضح الحق ذلك حين قال: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان.. # [الرحمن: 33]. وقالوا: إنه سلطان العلم. ولكن ماذا يقولون في قوله ~~بعدها: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران # [الرحمن: 35]. فهل يعني ذلك أنه أباح الصعود بسلطان العلم كما تقولون؟ ~~ولهؤلاء نقول: نحن نشكر لكم محاولة ربطكم للظواهر العلمية بما جاء ~~بالقرآن، ولكن أين القمر بالنسبة لأقطار السماوات والأرض؟ إنه يبدو كمكان ~~صغير للغاية بالنسبة لهذا الكون المتسع، فأين هو من النجم المسمى ~~بالشعرى، أو بسلسلة الأجرام المسماة بالمرأة المسلسلة؟ بل أين ~~هو من المجرات التي تملأ الفضاء؟ وحين تنظر أنت إلى النجوم التي ~~تعلوك تجد أن بينك ms5284 وبينها مائة سنة ضوئية، ولو كنت تقصد أن تربط بين ~~سلطان العلم وبين القرآن، فعليك أن تأخذ الاحتياط، لأنك لو كنت تنفذ ~~بسلطان العلم لما قال الحق سبحانه بعدها: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس.. # [الرحمن: 35]. وإن سألت: وما فائدة الآية التي تحكي عن هذا السلطان ~~فهي قد جاءت لأن الرسول قد أخبر القوم أنه صعد إلى السماء وعرج به، ~~أي: أنه صعد وعرج به بسلطان الله. وهنا يقول الحق سبحانه: { أولم ~~يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها.. } ~~[الرعد: 41]. وكلمة " أطراف " تدلنا على أن لكل شيء طولا وعرضا ~~تتحدد به مساحته وكذلك له ارتفاع ليتحدد حجمه. # ونحن نعرف أن أي طول له طرفان، وإن كان الشيء على شكل مساحي تكون ~~أطرافه بعدد الأضلاع. ومادام الحق سبحانه يقول هنا: { من ~~أطرافها.. } [الرعد: 41]. أي: من كل نقطة من دائرة المحيط تعتبر ~~طرفا. ومعنى ذلك أنه سبحانه قد شاء أن تضيق أرض الكفار، وأن يوسع ~~أرض المؤمنين من كل جهة تحيط بمعسكر الكفر، وهذا القول يدل على أنه عملية ~~محدثة، ولم تكن كذلك من قبل. ويتابع سبحانه من بعد ذلك: { والله ~~يحكم لا معقب لحكمه.. } [الرعد: 41]. أي: أن الموضوع قد ~~بت فيه وانتهى أمره.. ونحن في حياتنا اليومية نقول: " هذا الموضوع قد ~~انتهى لأن الرئيس الكبير قد عقب على الحكم فيه ". ونحن في القضاء نجد ~~الحكم يصدر من محكمة الدرجة الابتدائية، ثم يأتي الاستئناف ليؤيد الحكم ~~أو يرفضه، ولا يقال: إن الاستئناف قد عقب على الحكم الابتدائي بل ~~يقال: إنه حكم بكذا إما تأييدا أو رفضا فما بالنا بحكم من لا يغفل ~~ولا تخفى عنه خافية، ولا يمكن أن يعقب أحد عليه؟ والمثل في ذلك ما ~~يقوله الحق سبحانه عن سليمان وداود عليهما السلام: # وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت ~~فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ~~ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما.. # [الأنبياء: 78-79]. وأصل الحكاية أن خلافا قد حدث بسبب أغنام يملكها ~~إنسان واقتحمت الأغنام زراعة إنسان آخر فتحاكموا ms5285 إلى داود عليه ~~السلام فقال داود: إن على صاحب الأغنام أن يتنازل عنها لصاحب الأرض. وكان ~~سيدنا سليمان - عليه السلام - جالسا يسمع أطراف الحديث فقال: لا، بل على ~~صاحب الأغنام أن يتنازل عن أغنامه لصاحب الأرض لفترة من الزمن يأخذ من ~~لبنها ويستثمرها، وينتفع بها إلى أن يزرع له صاحب الغنم مثل ما أكلت ~~الأغنام من أرضه. وقال الحق سبحانه: # ففهمناها سليمان.. # [الأنبياء: 79]. وهذا هو الاستئناف، ولا يعني الاستئناف طعن قاض في ~~القاضي الأول لكنه بحث عن جوهر العدل ولعل القضية إن أعيدت لنفس ~~القاضي الأول لحكم نفس الحكم الذي حكم به الاستئناف بعد أن يستكشف كل ~~الظروف التي أحاطت بها. وهنا يقول الحق سبحانه: { والله يحكم.. ~~} [الرعد: 41]. ولحظة أن يصدر الله حكما فلن يأتي له استئناف، وهذا ~~معنى قوله الحق: { لا معقب لحكمه.. } [الرعد: 41]. وكأن هذا ~~القول الحكيم يحمل التنبؤ بما أشار به القضاء بإنشاء الاستئناف ولا أحد ~~يعقب على حكم الله لأن المعقب يفترض فيه أن يكون أيقظ من ~~المعقب عليه وعنده قدرة التفاف إلى ما لم يلتفت إليه القاضي الأول، ~~ولا يوجد قيوم إلا الله، ولا أحد بقادر على أن يعلم كل شيء إلا هو ~~سبحانه. # وآفة كل حكم هو تنفيذه ففي واقعنا اليومي نجد من استصدر حكما ~~يعاني من المتاعب كي ينفذه لأن الذي يصدر الحكم يختلف عمن ~~ينفذه، فهذا يتبع جهة، وذاك يتبع جهة أخرى. ولكن الحكم الصادر من الله ~~إنما ينفذ بقوته سبحانه، ولا يوجد قوي على الإطلاق سواه، ولذلك ~~يأتي قوله الحق: { وهو سريع الحساب } [الرعد: 41]. فكأن الله ~~ينبهنا بهذا القول إلى أن الحكم بالعدل يحتاج إلى سرعة تنفيذ. ونحن ~~نرى في حياتنا اليومية: كيف يرهق من له حكم بحق عادل ولو أننا ~~نسرع بتنفيذ الأحكام لسادت الطمأنينة قلوب أفراد المجتمع. ونحن ~~نجد استشراء العصبيات في الأخذ بالثأر إنما يحدث بسبب الإبطاء في نظر ~~القضايا حيث يستغرق نظر القضية والحكم فيها سنوات مما يجعل الحقد ~~يزداد. لكن لو تم تنفيذ الحكم فور معرفة ms5286 القاتل، وفي ظل الانفعال ~~بشراسة الجريمة لما ازدادت عمليات الثأر ولهدأت النفوس. ويقول الحق ~~سبحانه من بعد ذلك: { وقد مكر الذين من قبلهم فلله ~~المكر... }. ### || [13.42] # وهنا يخبر الحق سبحانه رسوله، وأي سامع لهذا البلاغ يستقرئ موكب ~~الرسالات السابقة وسيجد أن كل أمة أرسل لها رسول مكرت به وكادت له ~~كي تبطل دعواه، ولم ينفع أي أمة أي مكر مكرته أو أي كيد ~~كادته، فكل الرسالات قد انتصرت. فسبحانه القائل: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي.. # [المجادلة: 21]. وهو القائل: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. والحق سبحانه حين يورد حكما فبالقرآن وهو الذي ~~حفظ هذا القرآن فلن تأتي أي قضية كونية لتنسخ الحكم القرآني. وأنت إذا ~~استقرأت مواكب الرسل كلها تجد هذه القضية واضحة تماما كما أثبتها الحق ~~سبحانه في القرآن المحفوظ وما حفظه سبحانه إلا لوثوقه بأن الكونيات لا ~~يمكن أن تتجاوزه. وبالفعل فقد مكرت كل أمة برسولها ولكن الحق سبحانه ~~له المكر جميعا ومكر الله خير للبشرية من مكر كل تلك الأمم ~~ومكره سبحانه هو الغالب، وإذا كان ذلك قد حدث مع الرسل السابقين عليك ~~يا رسول الله فالأمر معك لا بد أن يختلف لأنك مرسل إلى الناس ~~جميعا، ولا تعقيب يأتي من بعدك. وكل تلك الأمور كانت تطمئنه صلى ~~الله عليه وسلم فلا بد من انتصاره وانتصار دعوته فسبحانه محيط بأي ~~مكر يمكره أي كائن وهو جل وعلا قادر على أن يحبط كل ذلك. ~~ويتابع سبحانه في نفس الآية: { يعلم ما تكسب كل نفس ~~وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار } [الرعد: 42]. والحق ~~سبحانه يعلم ما يخفى عن الأعين في أعماق الكائنات خير هو أو شر، ~~ويحمي من شاء من عباده من مكر الماكرين، وينزل العقاب على أصحاب ~~المكر السيء بالرسل والمؤمنين. ولسوف يعلم الكافرون أن مصيرهم جهنم، ~~وبئس الدار التي يدخلونها في اليوم الآخر فضلا عن نصرة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم في الدنيا وخزيهم فيها. وهكذا يكونون قد أخذوا الخزي ms5287 ~~كجزاء لهم في الدنيا ويزدادون علما بواقع العذاب الذي سيلقونه ~~في الدار الآخرة. وينهي الحق سبحانه سورة الرعد بهذه الآية: { ويقول ~~الذين كفروا... }. ### || [13.43] # ونفهم من كلمة: { لست مرسلا.. } [الرعد: 43]. أن الكافرين ~~يتوقفون عند رفض الرسول صلى الله عليه وسلم وكأن كل أمانيهم أن ~~ينفوا عنه أنه رسول اصطفاه الحق سبحانه بالرسالة الخاتمة بدليل أنهم ~~قالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. ومن بعد ذلك قالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. أي: أن فكرة الإرسال لرسول مقبولة عندهم، وغير المقبول ~~عندهم هو شخص الرسول صلى الله عليه وسلم. ولذلك يأمر الحق سبحانه رسوله ~~صلى الله عليه وسلم: { قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم ومن عنده علم الكتاب } [الرعد: 43]. والشهيد ~~كما نعلم هو الذي يرجح حكم الحق، فإذا ما ظهر أمر من الأمور في حياتنا ~~الدنيا الذي نحتاج إلى حكم فيها فنحن نرفع الأمر الذي فيه خلاف إلى ~~القاضي، فيقول: " هاتوا الشهود ". ويستجوب القاضي الشهود ليحكم على ~~ضوء الشهادة فما بالنا والشاهد هنا هو الحق سبحانه؟ ولكن، هل الله ~~سيشهد، ولمن سيقول شهادته وهم غير مصدقين لكلام الله الذي نزل ~~على رسوله صلى الله عليه وسلم؟ ونقول: لقد أرسله الحق سبحانه بالمعجزة ~~الدالة على صدق رسالته في البلاغ عن الله، والمعجزة خرق لنواميس ~~الكون. وقد جعلها الحق سبحانه رسالة بين يدي رسوله وعلى لسانه فهذا يعني ~~أنه سبحانه قد شهد له بأنه صادق. والمعجزة أمر خارق للعادة يظهرها ~~الله على من بلغ أنه مرسل منه سبحانه، وتقوم مقام القول " صدق عبدي ~~فيما بلغ عني ". وإرادة المعجزة ليست في المعنى الجزئي بل في المعنى ~~الكلي لها. والمثل في المعجزات البارزة واضح فها هي النار التي ~~ألقوا فيها إبراهيم عليه السلام، ولو كان القصد هو نجاته من النار ~~لكانت هناك ألف طريقة ووسيلة لذلك كأن تمطر الدنيا أو لا يستطيعون ~~إلقاء القبض عليه. ولكن الحق سبحانه ms5288 يوضح لهم من بعد أن أمسكوا به، ومن ~~بعد أن كبلوه بالقيود، ومن بعد أن ألقوه في النار ويأتي أمره بأن تكون ~~النار بردا وسلاما عليه فلا تحرقه: # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. وهكذا غير الحق سبحانه الناموس وخرقه وذلك كي يتضح ~~لهم صدق إبراهيم فيما يبلغ عن الله فقد خرق له الحق سبحانه النواميس ~~دليل صحة بلاغه. وإذا كان الحق سبحانه قد قال هنا في الآية التي نحن ~~بصدد خواطرنا عنها: { ويقول الذين كفروا لست مرسلا ~~قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم.. } [الرعد: 43]. ~~وشهادة الحق سبحانه لرسوله بصدق البلاغ عنه تتمثل في أنه صلى الله عليه ~~وسلم قد نشأ بينهم، وأمضى أربعين عاما قبل أن ينطق حرفا يحمل بلاغه أو ~~خطبة أو قصيدة، ولا يمكن أن تتأخر عبقريات النبوغ إلى الأربعين. # وشاء الحق سبحانه أن يجري القرآن على لسان رسوله في هذا العمر ليبلغ ~~محمد صلى الله عليه وسلم الناس جميعا به، وهذا في حد ذاته شهادة من ~~الله. ويضيف سبحانه هنا: { ومن عنده علم الكتاب } [الرعد: ~~43]. والمقصود بالكتاب هنا القرآن ومن يقرأ القرآن بإمعان يستطيع أن ~~يرى الإعجاز فيه ومن يتدبر ما فيه من معان ويتفحص أسلوبه يجده ~~شهادة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. أو يكون المقصود بقوله الحق: { ~~ومن عنده علم الكتاب } [الرعد: 43]. أي: هؤلاء الذين يعلمون ~~خبر مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوراة والإنجيل لأن نعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته مذكورة في تلك الكتب السابقة على ~~القرآن لدرجة أن عبد الله بن سلام، وقد كان من أحبار اليهود قال: " لقد ~~عرفت محمدا حين رأيته كمعرفتي لابني ومعرفتي لمحمد أشد ". ولذلك ذهب ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله إن نفسي مالت ~~إلى الإسلام، ولكن اليهود قوم بهت، فإذا أعلنت إسلامي سيسبونني، ~~ويلعنوني، ويلصقون بي أوصافا ليست في. وأريد أن تسألهم عني أولا. ~~فأرسل لهم رسول الله يدعو صناديدهم وكبار القوم فيهم ms5289 وتوهموا أن محمدا ~~قد يلين ويعدل عن دعوته فجاءوا وقال لهم صلى الله عليه وسلم: # " ما تقولون في ابن سلام؟ " # فأخذوا يكيلون له المديح وقالوا فيه أحسن الكلام. وهنا قال ابن سلام: " ~~الآن أقول أمامكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله " ، ~~فأخذوا يسبون ابن سلام فقال ابن سلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ألم أقل إن يهود قوم بهت؟ ونعلم أن الذين كانوا يفرحون من أهل الكتاب ~~بما ينزله الحق سبحانه على رسول الله صلى الله عليه وسلم من وحي هم ~~أربعون شخصا من نصارى نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من اليمن. ~~ونعلم أن الذين أنكروا دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ينهون ~~بعضهم البعض عن سماع القرآن وينقل القرآن عنهم ذلك حين قالوا: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون # [فصلت: 26]. وهذا يعني أنهم كانوا متأكدين من أن سماع القرآن يؤثر في ~~النفس بيقظة الفطرة التي تهفو إلى الإيمان به. أما من عندهم علم ~~بالكتب السابقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم يعلمون خبر بعثته ~~وأوصافه من كتبهم. يقول الحق سبحانه: # الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم.. # [البقرة: 146]. ويقول أيضا: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله ~~على الكافرين # [البقرة: 89]. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1] # هكذا يستهل الحق سبحانه هذه السورة بالحروف المقطعة " ألف " " لام " " ~~راء " ، وسبق أن قلنا: إنها حروف توقيفية بلغها رسول الله لنا كما ~~سمعها من جبريل عليه السلام. إلا أن الملاحظ أن هذه الحروف التوقيفية ~~المقطعة لم تأت وحدها في هذه السورة كآية منفصلة مثل قوله في أول ~~سورة ق: # ق # [ق: 1]. وهي آية بمفردها، وكما جاء في غير ذلك من السور بحروف مقطعة ~~وأثبتها كآيات. وهنا تأتي الحروف التوقيفية المقطعة كجزء من الآية. ويقول ~~الحق سبحانه: { الر كتاب أنزلناه إليك.. } [إبراهيم: 1]. ~~كلمة " كتاب " إذا أطلقت انصرف معناها إلى القرآن فهو يسمى كتابا ~~ويسمى قرآنا، ويسمى تنزيلا، وله أسماء كثيرة. وكلمة " كتاب " تدل ms5290 ~~على أنه مكتوب، وكلمة " قرآن " تدل على أنه مقروء، وهذان الاسمان هما ~~العمدة في أسماء القرآن لأنه كتاب مكتوب ومقروء. فكان الصحابي الذي ~~يجمع القرآن لا يكتب آية إلا إذا وجدها مكتوبة، ووجدها مقروءة عن اثنين ~~من الصحابة فالقرآن كتاب يملك الدليل على كتابته من عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو مقروء كما تدل كلمة " قرآن ". وقوله الحق: { ~~أنزلناه إليك.. } [إبراهيم: 1]. يدل على أنه جاء من علو. ~~ويقول الحق سبحانه في موقع آخر عن القرآن: # ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ~~ورحمة وبشرى للمسلمين # [النحل: 89]. ويقول في موقع آخر: # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل.. # [الإسراء: 105]. ومرة يسند النزول إلى من جاء به ومرة ينسب النزول إلى ~~الكائن الذي أرسله الحق بالقرآن إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وهو جبريل ~~عليه السلام. فقوله: { أنزلناه.. } [إبراهيم: 1] للتعدي من منطقة ~~اللوح المحفوظ ليباشر مهمته في الوجود، وعلية إنزال القرآن إليك يا ~~محمد هي: { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور.. } ~~[إبراهيم: 1]. ونلحظ هنا أن القرآن نزل للناس كافة، ولم يقل الحق ~~سبحانه ما قاله للرسل السابقين على رسول الله حيث كانت رسالة أي منهم ~~محددة بقوم معينين، مثل قوله تعالى: # وإلى عاد أخاهم هودا.. # [الأعراف: 65]. وقوله الحق: # وإلى مدين أخاهم شعيبا.. # [الأعراف: 85]. وكذلك قوله سبحانه لموسى: # ورسولا إلى بني إسرائيل.. # [آل عمران: 49]. وهكذا كان كل رسول إنما يبعثه الله إلى بقعة خاصة، ~~وإلى أناس بعينهم، وفي زمن خاص، إلا محمدا صلى الله عليه وسلم فقد ~~بعثه الله إلى الناس كافة. والمثل أمامنا حين حكم صلى الله عليه وسلم ~~بالحق بين مسلم ويهودي وأنصف اليهودي: لأن الحق كان معه والحق عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أعز عليه ممن ينتسب إلى الإسلام. # وهكذا نرى أن قوله الحق: { لتخرج الناس من الظلمات إلى ~~النور.. } [إبراهيم: 1]. دليل على عمومية الرسالة، ويعززها قوله: # إني رسول الله إليكم جميعا.. # [الأعراف: 158]. وبذلك تبطل حجة من قالوا إنه مرسل للعرب فقط. ~~ونجد هنا اصطفاءين لرسول الله صلى الله ms5291 عليه وسلم. الاصطفاء الأول: أن ~~الحق سبحانه قد اختاره رسولا فمجرد الاختيار لتلك المهمة: فهذه منزلة ~~عالية. والاصطفاء الثاني: أنه رسول للناس كافة وهذه منزلة عالية ~~أخرى لأنها تستوعب المكان والزمان، والألسنة والأقوام. ثم يأتي الإعجاز ~~في قوله: { لتخرج الناس من الظلمات إلى النور.. } ~~[إبراهيم: 1]. ولم يقل من الظلمات إلى الأنوار، وشاء أن يأتي ~~بالظلمات كجمع وأن يأتي بالنور كالمفرد، لأن النور واحد لا يتعدد أما ~~الظلمات فمتعددة بتعدد الأهواء ظلمة هنا وظلمة هناك. وحين يخرجنا ~~الحق سبحانه من الظلمات المتعددة حسب أهواء البشر فهذا فضل منه ~~ونعمة لأننا نخرج إلى النور الواحد. وهكذا يشاء الحق سبحانه أن يجلي ~~المعاني بالمحسات التي يدركها الجميع، فلا شك أن الظلمة تستر ~~الأشياء التي قد يصطدم بها الإنسان فيمتنع عن السير مطمئنا لأنه إن ~~اصطدم بشيء فقد يحطم الشيء أو يحطمه هذا الشيء وهكذا تمنع ~~الظلمة الإنسان من أن يهتدي إلى ما يريد. أما النور فهو يوضح الأشياء، ~~ويستطيع الإنسان أن يميز بين الطرق ويتجنب الضار ويتجه إلى النافع ~~ويكون على بصيرة من الهداية ذلك هو الأمر الحسي وكل من النور ~~والظلمة أمر حسي. وهكذا يجلي الله لنا المعاني، والحياة لا تحتاج ~~فقط إلى ما يجلي المظاهر المادية بالنور بل تحتاج أيضا إلى نور يجلي ~~المظاهر المعنوية من حقد وحسد، وخوف وأمن، واطمئنان، وأمانة ووفاء وغير ~~ذلك. فالحياة كلها فيها الشيء وما يقابله لذلك لا بد أن تجلي ~~المعاني أيضا. والنور الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلي ~~الحس والمعنى في آن واحد لنتجنب الأشياء التي تطمسها الظلمة ولنسير ~~على بينة من المعاني، فلا نصطدم بالعقبات. ولذلك يفسر لنا الحق سبحانه ~~الأمر المعنوي، فيقول: { إلى صراط العزيز الحميد } ~~[إبراهيم: 1]. وهذا هو الصراط المستقيم الذي يخرجنا إليه محمد صلى الله ~~عليه وسلم من الظلمات إلى نوره. ويريد الحق سبحانه أن يجلي لنا الطريق ~~إلى هذا الصراط، لأنه قد يكون متعبا للبعض فيريد سبحانه أن يجمع لنا ~~بين أمرين طريق متضح واضح ms5292 يصل فيه الإنسان إلى الغاية بيسر وطريق ~~آخر غير واضح لا تتجلى فيه الأشياء. وجاء بالظلمات والنور ليوضح لنا هذا ~~المعنى حيث يكون الطريق المستقيم هو أقصر وسيلة للغاية المرجوة من ~~الحياة الدنيا والآخرة ويكون طريق الظلمات هو الطريق غير الآمن. وينسب ~~الحق سبحانه الطريق الذي يخرجنا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم: { ~~إلى صراط العزيز الحميد } [إبراهيم: 1]. # والعزيز هو الذي يغلب ولا يغلب. والحميد هو من ثبتت له صفة ~~الحمد من الغير، وإن لم يصدر حمد من الغير فهو حميد في ذاته، ويجب ~~أن يحمد رغم أنك إن حمدته أو لم تحمده فهو حميد. ولله المثل الأعلى، ~~وسبحانه منزه عن كل مثيل أو شبيه نجد في حياتنا الدنيا من يقال ~~عنه إنه حميد الخصال وإن لم يوجد من يمدحه لكنه في كل ما يصدر عنه ~~يراعي أن يكون محمودا. ولكن البشر يكون المحمود منهم حدثا أما المحمود ~~من الحق فهو مطلق، ولا تكون الذات محمودة أو حميدة إلا إذا كان لها من ~~الصفات ما يجعلها أهلا للإنعام الذي يجب على الإنسان أن يحمده. والفطرة ~~السليمة في الإنسان تستقبل هذا الكون المعد من قبل أن يوجد ~~لاستقباله، وتحب أن تحمد من صنع هذا الكون، رغم أن حمد الإنسان أو ~~عدم حمده لا يضيف شيئا لمن أعد هذا الكون وخلقه فهو محمود في ~~ذاته. وإن حمدته فهذا لمصلحتك وفي هذا هداية إلى صراط العزيز الذي لا ~~يغلب، والحميد الذي يستحق الحمد وإن لم يوجد حامد له لأن صفاته سبحانه ~~أزلية. فالله خالق قبل أن يخلق الخلق وهو الرازق قبل أن يخلق المرزوق، ~~وهو معز قبل أن يوجد من يعزه محمود قبل أن يوجد من يحمده تواب ~~قبل أن يوجد من يتوب عليه. فهو سبحانه بالصفة يفعل أما الإنسان فلا ~~يفعل إلا إذا فعل الصفة، فأنت لا تعرف أن فلانا كريم إلا لأنك تراه يعطي ~~عن جود وسخاء، أما الله فهو الكريم من قبل أن يوجد من يكرمه. ويقول ~~سبحانه من بعد ms5293 ذلك: { الله الذي له ما في السماوات... }. ### || [14.2] # وأنت إن قرأت هذه الآية موصولة بما قبلها فستقرؤها: { صراط ~~العزيز الحميد * الله الذي له ما في السموات ~~وما في الأرض } [إبراهيم: 1-2]. وإن كنت ستقرؤها مفصولة عما ~~قبلها فستقول: { الله الذي له ما في السموات وما في ~~الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد } [إبراهيم: 2]. ~~وستنطق كلمة " الله " غير مرققة عكس إن قرأتها موصولة، حيث يجب أن ~~تنطقها مرققة. وتقتضي الأصول في الكتاب أن يوجد الاسم العلم على ~~الذات أولا، ثم تأتي الصفة من بعده، فتقول: " لقيت فلانا الشاعر أو ~~الكاتب أو العالم " ، لكن الأمر هنا جاء على غير هذا النسق: # صراط العزيز الحميد # [إبراهيم: 1]. أي: قدم { العزيز الحميد } ثم جاء بلفظ ~~الجلالة، وهو العلم على واجب الوجود " الله " ، وقد حدث ذلك لأن العلم ~~يدل على مسماه بصرف النظر عن الصفات ثم توجد الصفات له. وهناك من ~~العلماء من قال: إنه مشتق بمعنى أن " الله " تعني المعبود بحق وصفة ~~العزيز الحميد حيثية لأن يعبد سبحانه بحق. ومن العلماء من قال: إن ~~كلمة " الله " هي علم، وليست اسما مشتقا فله الملكية المطلقة: { ~~الذي له ما في السموات وما في الأرض.. } [إبراهيم: ~~2]. لا يقع في هذا الملك إلا ما شاء هو، فمن آمن به أنصف نفسه وحياته ~~وآخرته، أما من لم يؤمن به فله المقابل، وهو قوله الحق: { وويل ~~للكافرين من عذاب شديد } [إبراهيم: 2]. وهذا الويل ليس ~~في الآخرة فقط، بل في الدنيا أيضا لأن الإنسان حين تعترضه الصعاب ~~والعقبات والمصائب التي ليس له أسباب يدفعها بها هنا يستطيع المؤمن أن ~~يذكر أن له ربا فوق الأسباب ويرتاح إلى معونة الحق سبحانه له، وهكذا ~~يشعر أن له رصيدا في الدنيا يعتمد عليه في مواجهة الأحداث الجسام. أما ~~غير المؤمن فليس أمامه سوى اليأس ولذلك نجد انتشار الانتحار بين غير ~~المؤمنين لأن هناك أحداثا فوق أسبابهم، ولا يستطيعون دفعها، وليس لهم ~~إيمان برب يرجعون إليه. ولذلك حين أقرأ للمفسرين من يشرح كلمة " ~~الويل " بأنها عذاب ms5294 الآخرة فأجد نفسي قائلا: بل والويل يكون في ~~الدنيا أيضا لأن الكثير من أحداث الحياة يكون فوق أسباب الإنسان فلو لم ~~يؤمن الإنسان بالله لفزع من فرط اليأس. ولذلك نجد بعضهم حين لا يجدون ~~مفرا إلا أن يقولوا يارب، وهم بذلك يعلنون صرخة الفطرة الأولى التي ~~قاوموها بالإلحاد وعدم الإيمان وهذا الويل له امتداد بلون أشد في الآخرة. ~~ويصف الحق سبحانه هؤلاء الذين لا يؤمنون، فيقول: { الذين ~~يستحبون الحيوة الدنيا... }. ### || [14.3] # وهنا نجد مادة الحاء والباء حب ومن عجائبها أن الفعل يكون رباعيا فنقول ~~" أحب فلان " ونقول لمن يحبه " محبوب " وهذا يعني أن هناك تلاقيا ~~بين الاثنين أما في حالة عدم التلاقي فيقال " حب يحب فهو حاب ~~ومحب ". والفرق بين أحب واستحب ملحوظ في مجيء السين والتاء، ~~وهما علامة على الطلب. وعلى هذا فاستحب تعني أن من يحب لم يكتف ~~بالأمر الطبيعي، بل تكلف الحب وأوغل فيه. والمثل على ذلك نجده في ~~الحياة اليومية فنرى من ينجرف إلى شيء من الانحراف ولكنه لا يحب أن ~~يكون محبا لهذا الانحراف في نفس الوقت ويفعل الانحراف وهو كاره له، ~~وقد يضرب نفسه ويلومها لأنها تنجرف إلى هذا الانحراف. ونجد آخر ينحرف ~~لأنه يحب هذا الانحراف وينغمس فيه وهو محب لهذا الانغماس ويتحدث بهذا ~~الانحراف ويحب في نفسه أنه أحب تلك المعصية لأنها تحقق له شهوة عاجلة ~~هذا هو من " استحب " لأنه أزاد الحب عن حده الطبيعي. وحين تدقق ~~في الآية الكريمة تجد أنها لا تمنعك من حب الدنيا لكنها تتحدث أن ~~تستحبها على الآخرة، فهذا هو الأمر المذموم أما إذا أحببت الدنيا ~~لأنها تعينك على تكاليف دينك وجعلتها مزرعة للآخرة فهذا أمر مطلوب ~~لأنك تفعل فيها ما يجعلك تسعد في آخرتك فهذا طلب للدنيا من أجل الآخرة. ~~ولذلك تجد قوله الحق في سورة " المؤمنون ". # والذين هم للزكاة فاعلون # [المؤمنون: 4]. فهو لا يؤدي الزكاة فقط بل يعمل ليأتي لنفسه ولعياله ~~بالقوت ويبذل الجهد ليكون لديه فائض يؤدي منه الزكاة ولذلك فهو لا ~~يعمل ms5295 قدر حاجته فقط بل على قدر طاقته ليحقق ما يمكن أن يعطيه ~~لمن لا يقدر على العمل. ولذلك لم يقل الحق سبحانه: " والذين هم ~~للزكاة مؤدون " بل قال: # والذين هم للزكاة فاعلون # [المؤمنون: 4]. وهنا لا نجد هؤلاء الذين يستحبون الحياة من أجل أن ~~يجعلوها مزرعة للآخرة بل هم يستحبون الحياة: { ويصدون عن ~~سبيل الله.. } [إبراهيم: 3]. أي: أنهم لم يكتفوا بحب الدنيا على ~~الآخرة فقط، ولم يكتفوا بالسير في طريق الشهوات والملذات وتخريب ~~ذواتهم، بل تمادوا في الغي وصدوا غيرهم عن سبيل الله. ونجد الحق ~~سبحانه يقول في موقع آخر: # لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا.. # [آل عمران: 99]. كأنهم ضلوا في ذواتهم ولم يكتفوا بذلك، بل يحاولون ~~إضلال غيرهم ويصدونهم عن الهداية. ثم تأتي مرحلة جديدة: { ويبغونها ~~عوجا.. } [إبراهيم: 3]. أي: يبغون شريعة الله معوجة لتحقق لهم ~~نزواتهم. وهكذا نجد ثلاث مراتب للضلال، استحباب الحياة الدنيا على الآخرة ~~والصد عن سبيل الله وتشويه المنهج كي يكرهوا الناس فيه. ويصف الحق ~~سبحانه هؤلاء: { أولئك في ضلال بعيد } [إبراهيم: 3]. أي: ~~أن أصحاب المرتبة في الضلال هم من استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، ~~والذين توغلوا في الضلال أكثر فهم الذين يصدون عن سبيل الله أما الذين ~~توغلوا أكثر فأكثر فهم الذين يشوهون في منهج الله لتنفير الناس ~~منه، أو ليحقق لهم نزواتهم، وهكذا ساروا إلى أبعد منطقة في الضلال. ويقول ~~الحق سبحانه من بعد ذلك: { ومآ أرسلنا من رسول إلا ~~بلسان... }. ### || [14.4] # ونعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله منهجه ومؤيد ~~بمعجزة تثبت صدقة فيما بلغ لمن أرسل إليهم. وقد حدث الحق سبحانه ~~من قبل عما حدث للأمم السابقة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد ~~كان كل رسول يتكلم بلغة قومه. وهناك فرق بين قوم الدعوة وهم أمة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقوم الاستقبال وهم الأمم السابقة على أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم. فالأمم السابقة لم تكن مطالبة بأن تبلغ دعوة ~~الرسل الذين نزلوا ms5296 فيهم، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمطالبة ~~بذلك، لأن الحق سبحانه أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم، وأبلغنا في القرآن ~~أن من آياته سبحانه أن جعل الناس على ألسنة مختلفة. ولم يكن من المعقول ~~أن يرسل رسولا يتكلم كل اللغات، فنزل صلى الله عليه وسلم في أمة العرب ~~وحين استقبلوه وأشربت قلوبهم حب الإيمان صار عليهم أن ينساحوا ~~بالدعوة لينقلوا معنى القرآن حجة بعد أن استقبلوه معجزة. والقرآن حجة ~~لأنه يسوس حركة الحياة وحركات الحياة لا تختلف في الناس أجمعين، كما أن ~~كل حضارة تأخذ من الأخرى منجزاتها العلمية، وتترجمها إلى لسانها ~~الذي تنطق به. وترجمة المعاني من لسان إلى آخر مسألة معروفة في كل ~~حضارات العالم لأن المسألة في جوهرها مسألة معان والمعاني لا تختلف من ~~أمة إلى أخرى. والقرآن معان ومنهج يصلح لكل البشر ونزل بالعربية لأن ~~موهبة الأمة العربية هي النبوغ في اللغة والكلام وهكذا صار على تلك الأمة ~~مهمة الاستقبال لمنهج الله كمعجزة بلاغية وإرساله إلى بقية المجتمعات. ~~ولذلك تستطيع أن تعقد مقارنة بين البلاد التي فتحت بالسيف والقتال ~~والبلاد التي فتحت بالسلم ورؤية القدوة المسلمة الصالحة ستجد أن ~~الذين نشروا الإسلام في كثير من أصقاع الأرض قد اعتمدوا على القدوة ~~الصالحة. ستجد أنهم نقلوا الدين بالخصال الحميدة، وبتطبيق منهج الدين ~~في تعاملهم مع غيرهم، ولذلك أقبل الناس على دين الله. وهكذا نجد أن منهج ~~الإسلام قد حمل معجزة من المعاني، بجانب كونه معجزة في اللغة التي نزل ~~بها، وهي لغة العرب. ونحن نجد أقواما لا تستطيع أن تقرأ حرفا عربيا ~~إلا في المصحف، ذلك أنهم تعلموا القراءة في المصحف، واعتمدوا على فهم ~~المعاني الموجودة فيه عبر الترجمات التي قام بها مسلمون أحبوا ~~القرآن، ونقلوه إلى اللغات الأخرى. ولذلك نجد قول الحق سبحانه: # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # [القمر: 17]. وهكذا نعلم أن الحق سبحانه قد يسر أم القرآن بلسان ~~العرب أولا، ثم يسره بأن جعل من تلك الأمة التي نزل عليها القرآن ms5297 أمة ~~نشر البلاغ عنه سبحانه، ذلك أن الرسالات تريد تبليغا والتبليغ ~~وسيلته الأولى هي الكلام ووسيلته الثانية الاستقبالية هي الأذن، فلا ~~بد من الكلام أولا، ثم لا بد من أذن تعرف مدلولات الألفاظ ~~لتسمع هذا الكلام، ولتطبقه سلوكا. # كما أننا نعلم أن من يسمع المتكلم لا بد وأن يكون واعيا وعارفا ~~بمعاني الألفاظ فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان. وعرفنا أن اللغة بنت ~~السماع، وكل فرد إنما يتكلم باللغة التي سمعها في بيئته وإذا تتبعت ~~سلسلة تعلم كل الكلام ستجد نفسك أمام الجذر الأصلي الذي تعلم منه ~~البشر الكلام وهو آدم عليه السلام. وقد قال سبحانه: # وعلم ءادم الأسمآء كلها.. # [البقرة: 31]. ونعلم أن اللغة بدأت توقيفية حين علمها الله لآدم، ثم ~~تكلمها آدم فسمعتها بيئته فصارت وضعية من بعد ذلك، واختلفت اللغة من ~~مجتمع إلى آخر. وهنا قال الحق سبحانه: { ومآ أرسلنا من رسول ~~إلا بلسان قومه.. } [إبراهيم: 4]. وجاء بعد ذلك مباشرة ~~بالتعليل: { ليبين لهم... } [إبراهيم: 4]. وهكذا أوضح جل ~~وعلا السبب في إرسال كل رسول بلسان قومه، وهناك آية يقول فيها سبحانه: # ولو نزلناه على بعض الأعجمين * فقرأه ~~عليهم ما كانوا به مؤمنين # [الشعراء: 198-199]. وقال أيضا: # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته ءاعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى ~~وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو ~~عليهم عمى.. # [فصلت: 44]. فهناك من يستقبل القرآن كدليل هداية وينقي نفسه من ~~الكدر، وهناك من يستقبل القرآن فيكون عليه عمى وعلى سمعه غشاوة ~~وخوف وعدم ارتياح، ذلك أنه كافر. والسبب - كما نعلم - أن حدوث الحادث من ~~آمر به يحتاج إلى فاعل وإلى قابل للفعل. وسبق أن ضربت مثلا بمن يشرب ~~الشاي فينفخ فيه ليبرده قليلا ونفس هذا الإنسان حين يخرج في صباح شتوى ~~فهو ينفخ في يديه ليدفئهما، وهكذا ينفخ مرة ليبرد شيئا وينفخ أخرى ~~مستدعيا الدفء. والمسألة ليست في أمر النفخ ولكن في استقبال الشاي ~~للهواء الخارج من فمك، الشاي أكثر حرارة من حرارة الجسم فيبرد بالنفخ، ~~بينما اليد في ms5298 الشتاء تكون أكثر برودة من الجسم فتستقبل النفخ لها برفع ~~درجة حرارتها لتتساوى مع حرارة الجسم. وهكذا تجد أن القرآن واحد لكن ~~المؤمن يسمعه فيفرح به، والكافر يسمعه فيتعب ويرهق منه. وسبحانه يقول: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا.. # [محمد: 16]. وهكذا نجد من يستقبل القرآن، ولا ينصاع إلى معانيه ونجد ~~من يستمع إلى القرآن فيخشع قلبه وينفعل بالاستجابة لما يوصي به الحق ~~سبحانه. إذن: عرفنا الآن أن اللغة بدأت توقيفية وانتهت اصطلاحية فقد ~~أخذنا من الله ما علمه لآدم من أسماء وتغيرت الألسن من جماعة إلى ~~أخرى، وهكذا اختلفت ألسنة الرسل حسب القوم المرسلين إليهم. # وكل رسول يبين للقوم منهج الله فإذا بين هذا المنهج، استقبله ~~البعض بالإيمان بما جاء به والهداية، واستقبله البعض الآخر بالكفر ~~والضلال. فالذي هداه الله استشرف قلبه إلى هذا المنهج وأخرج من قلبه ~~أي عقيدة أخرى، وبحث فيما جاء به الرسول، وملأ قلبه بالمنهج الذي ارتاح ~~له فهما وطمأنينة. وهو عكس من تسكن قلبه قضية مخالفة، ويصر عليها، ~~لا عن قناعة، ولكن عن عدم قدرة على التمحيص والدراسة والاستشراف. وكان ~~عليه أن يخرج القضية المضلة من قلبه، وأن يبحث ويقارن ويستشف ~~ويحسن التدبر ثم يدخل إلى قلبه القضية الأكثر قبولا، ولكنه لا يفعل، ~~عكس من هداه الله. ولا يقولن أحد " ما دام قد أضلنا الله فلم يعذبنا؟ " ~~ولكن ليعلم كل إنسان أن المشيئة لقابلية الإيمان موجودة، ولكنه لم ~~يستدعها إلى قلبه. والحق سبحانه يقول: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم... # [محمد: 17]. ويقول: # وما يضل به إلا الفاسقين # [البقرة: 26]. أي: أن الفسق قد صدر منهم، لأنهم ملأوا أفئدتهم بقضايا ~~باطلة فجاءت قضايا الحق فلم تجد مدخلا. وهنا في الآية التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها يقول سبحانه: { فيضل الله من يشآء ويهدي ~~من يشآء وهو العزيز الحكيم } [إبراهيم: 4]. فمن يقبل ~~على الضلال يزيده الله ضلالا فلن يزيد إيمانه ملك الله شيئا، ومن ~~يؤمن فهو يضمن لنفسه سلامة ms5299 الحياة وما بعد الموت وهو في الحياة عنصر ~~خير وهو من بعد الموت يجد الحياة مع نعم المنعم سبحانه العزيز ~~الذي لا يغلب والحكيم الذي قدر لكل أمر ما يشاء. ويقول سبحانه من ~~بعد ذلك: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ... }. ### || [14.5] # والآيات التي أرسلها الله مع - موسى عليه السلام - والمعجزات التي حدثت ~~معه وبينها وأظهرها لقومه كثيرة، ورسولنا صلى الله عليه وسلم نزل ومعه ~~معجزة واحدة وهي القرآن، أما بقية المعجزات الحسية التي حدثت مع رسول ~~الله فهي قد جاءت لتثبيت فؤاد المؤمنين برسالته، ولم يبق لها أثر من ~~بعد ذلك إلا الذكرى النافعة التي يأتنس بها الصالحون من عباد الله. وكثرة ~~المعجزات التي جاءت مع موسى - عليه السلام - تبين أن القوم الذين أرسل ~~لهم قوم لجج وجدل، وحين عدد العلماء المعجزات التي جاءت مع موسى ~~وجدها بعض من العلماء تسع آيات ووجدها غيرهم ثلاث عشرة معجزة ووجدها ~~بعض ثالث أربع عشرة. وفي التحقيق لمعرفة تلك الآيات علينا أن نفرق ~~بين الآيات التي صدرت بالنسبة لفرعون والآيات التي جاءت لبني إسرائيل. ~~فالعصا التي انقلبت حية تسعى، واليد التي تضيء هي لفرعون، وعدد ~~القرآن الآيات التي جاءت مع موسى لفرعون بتسع آيات، يقول الحق سبحانه: # في تسع آيات إلى فرعون وقومه.. # [النمل: 12]. ولم يكن موسى يطلب من فرعون أن يؤمن فهو لم يرسل ~~لهدايته ولكنه جاء ليفحمه وليأخذ بني إسرائيل المرسل إليهم، ~~والآيات هي: العصا ووضع اليد في الجيب لتخرج بيضاء، ونقص الأنفس ~~والثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، هذه هي الآيات ~~التسع الخاصة بفرعون. أما بقية الآيات التي جاء بها موسى - عليه السلام - ~~لبني إسرائيل فهي كثيرة مثل: # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة.. # [الأعراف: 171]. وأيضا: # وظللنا عليكم الغمام.. # [البقرة: 57]. وكذلك قوله الحق: # وأنزلنا عليكم المن والسلوى.. # [البقرة: 57]. ولذلك أجمل الحق سبحانه الآيات التي جاءت مع موسى لقومه: ~~{ ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ أن أخرج قومك من ~~الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله.. } ~~[إبراهيم: 5]. أي: أعد إلى بؤرة شعورهم ما كان في ms5300 الحاشية وأن ~~يستدعوا من الذاكرة أيام الله، والمراد ما حدث في تلك الأيام، مثلما نقول ~~نحن " يوم بدر " أو " يوم ذي قار " أو " السادس من أكتوبر " أو " العاشر ~~من رمضان ". وهنا في القول الكريم إما أن يكون التذكير بتلك الأيام ~~الخاصة بالوقائع التي حدثت للأقوام السابقين عليهم كقوم نوح وعاد وثمود، ~~ذلك أن الحق سبحانه قد أعلمهم بقصص الأقوام السابقة عليهم وما حدث من كل ~~قوم تجاه الرسول المرسل إليه من الله. أو أن يكون التذكير بالأيام التي ~~أنعم الله فيها على بني إسرائيل بنعمه، أو ابتلاهم فيها بما يؤلمهم ذلك ~~أن الحق سبحانه قال: { وذكرهم بأيام الله إن في ~~ذلك لآيات لكل صبار شكور } [إبراهيم: 5]. # والصبار هو من يكثر الصبر على الأحداث وهي كلمة توحي بأن هناك ~~أحداثا مؤلمة وقعت، وتحتاج إلى الصبر عليها، كما توحي كلمة " شكور " ~~بحوادث منعمة تستحق الشكر. وهكذا نجد أن المؤمن يحتاج إلى أمرين صبر ~~على ما يؤلم، وشكر على ما يرضي، وحين تجتمع هاتان الصفتان في مؤمن ~~يكون مكتمل الإيمان. وقد قال الحق سبحانه: إن تلك الآيات هي أدلة ~~توضح الطريق أمام المؤمن، وتعطي له العبرة، لأنه حين يعلم تاريخ ~~الأقوام السابقة ويجد أن من آمن منهم قد عانى من بعض الأحداث المؤلمة ~~لكنه نال رضا الله ونعمه ومن كفر منهم قد تمتع قليلا، ثم تلقى نقمة ~~الله وغضبه. هنا يقبل المؤمن على تحمل مشاق الإيمان لأنه يثق في ~~أن الحق سبحانه لا يضيع أجر مؤمن ولا بد لموكب الإيمان أن ينتصر ~~ولذلك فالمؤمن يصبر على المحن، ويشكر على النعم. ويقول الحق سبحانه من ~~بعد ذلك: { وإذ قال موسى لقومه اذكروا... }. ### || [14.6] # وهكذا نجد الحق سبحانه وقد جاء بنموذج من أيام معاناتهم من جبروت فرعون، ~~وكيف خلصهم سبحانه من هذا الجبروت، وكان فرعون يسلط عليهم أقسى ~~ألوان العذاب، ف " سام " الشيء أي: طلبه و " سام سوء العذاب " أي: طلب ~~العذاب السيء. وقد ذبح فرعون أبناءهم الذكور، ولم يذبح الإناث ~~لتصبح النساء بلا عائل ms5301 ويستبيحهن، وفي هذا نكاية شديدة. ووقف بعض ~~المستشرقين عند هذه الآية، وقالوا: لقد تعرض القرآن من قبل لهذه الآية في ~~سورة البقرة حين قال: # وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم # [البقرة: 49]. فهل هذه الآية في سورة إبراهيم هي البليغة، أم الآية التي ~~في سورة البقرة خصوصا وأن الفرق بينهما هو مجيء " الواو " كحرف عطف على ~~ذبح الأبناء باستباحة النساء؟ وأضاف هذا المستشرق: ولسوف أتنازل عن النظر ~~إلى ما جاء في سورة الأعراف حين قال القرآن: # وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يقتلون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم # [الأعراف: 141]. وبطبيعة الحال، فهذا المستشرق لم يأخذ فهم القرآن عن ~~ملكة عربية، ذلك أنه لو كان قد امتلك هذه القدرة على الفهم لعرف ~~أن الكلام لم يصدر في الآيات عن مصدر واحد، بل صدر عن مصدرين. ففي آية ~~سورة البقرة كان المصدر المتكلم هو الله سبحانه ولذلك قال: # نجيناكم.. # [البقرة: 49]. ولكن المصدر المتكلم في سورة إبراهيم هو موسى عليه السلام ~~لم يقل أنه هو الذي أنجاهم بل يعدد النعم التي من الله بها ~~عليهم ويمتن بها عليهم. وعلة ذلك أن العظيم حين يمتن على غيره لا ~~يمتن إلا بالعظائم، أما دون العظيم فقد يمتن بما دون ذلك. وأسوق هذا ~~المثل لمزيد من الإيضاح لا للتشبيه فسبحانه منزه عن التشبيه، وأقول: ~~هب أن إنسانا غنيا له أخ رقيق الحال، وقد يمد الغني أخاه الفقير ~~بأشياء كثيرة، وقد يعتني بأولاده ويقوم برعايته ورعاية أولاده رعاية ~~كاملة. ويأتي ابن الفقير ليقول لابن الغني: لماذا لا تسألون عنا؟ فيقول ~~ابن الغني: ألم يأت أبي لك بهذا القلم وتلك البذلة، بالإضافة إلى ~~الشقة التي تسكنون فيها؟ ولكن العم الغني يكتفي بأن يقول: أنا أسأل ~~عنكم، بدليل أني أحضرت لكم الشقة التي تسكنون فيها. إذن: فالكبير حقا ~~هو الذي يذكر الأمور الكبيرة، أما الأقل فهو من يعدد الأشياء. وهنا ~~يصف الحق ms5302 سبحانه سوم العذاب وذبح الأبناء بالبلاء العظيم في قوله ~~تعالى: { ذلكم بلاء من ربكم عظيم } [إبراهيم: 6]. ~~وهكذا نرى مظهرية الخير التي من الله بها عليهم، وهي الإنجاء من ذبح ~~الأبناء واستباحة النساء وكان ذلك نوعا من مظهرية الشر. وهذا ابتلاء ~~صعب. وسبق أن أوضحنا أن البلاء يكون بالخير أو بالشر، فقد قال سبحانه: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون # [الأنبياء: 35]. فلا الخير دليل تكريم، ولا الشر دليل إهانة فهو ~~القائل: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن # [الفجر: 15-16]. فالابتلاء في الأصل هو الامتحان إما أن تنجح فيه أو ~~ترسب ولذلك فهو غير مذموم إلا بالنتيجة التي يؤول إليها. ويقول ~~سبحانه من بعد ذلك: { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم... }. ### || [14.7] # ونلحظ أن الآية تبدأ بكلمة " تأذن " وكل المادة الألف والذال والنون ~~مأخوذة من الأذن. والأذن آلة السماع، والأذان إعلام، وآذنهم أي أعلمهم. ~~وتأذن أي: اعلم بتوكيد. وهكذا يكون معنى الآية: أني أعلمكم بتوكيد من ~~ربكم أنكم إن شكرتم ليزيدنكم من نعمه وعطائه لأن الشكر دليل ارتباط ~~بالواهب وأنكم سلختم أنفسكم من الاعتزاز بما أوتيتم، وعلمتم أنه هو وحده ~~الوهاب. والحق سبحانه هو من قال: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 67]. ولو كان الإنسان مربوطا بالحق سبحانه لما فصل الحق عن ~~نعمه ولظل ذاكرا للحق الذي وهبه النعم. ولذلك أقول دائما: إياك أن ~~تشغلك النعمة عن المنعم لأن النعمة موهوبة لك وليست ذاتية فيك. وتأتي ~~المقابلة من بعد ذلك مباشرة فيقول: { ولئن كفرتم إن عذابي ~~لشديد } [إبراهيم: 7]. وهنا يثور سؤال: هل الذي لا يشكر نعم الله ~~يكون كافرا؟ وهنا علينا أن نعلم أن هناك فارقا بين الكفر والكفران، ~~ولكن لفظ الكفر جاء هنا ليغلظ من معنى عدم الشكر، ولم يأت بكلمة كفران ~~وجاء بقوله: { ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } [إبراهيم: ~~7]. والمثل في ذلك قول الحق سبحانه: # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا ms5303 ومن كفر فإن الله غني عن العالمين # [آل عمران: 97]. ومن لم يحج فهو عاص وكأن الله يريد أن يصعب عدم ~~القيام بالحج. أو: أن الآية تريد حكمين: الحكم الأول: الإيمان بفرضية ~~الحج والثاني: القيام بالحج فعلا. ذلك أن الحق سبحانه قد قال: # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا.. # [آل عمران: 97]. فمن يؤمن بأن هذا حكم صحيح واجب ويؤمن به ولكنه لا ~~ينفذه قد يدخل في المعصية لأنه يستطيع أن يحج ولم يفعل. أما من ~~يكفر بالحج نفسه وينكر القضية كلها فهو كافر والعياذ بالله. وهنا يقول ~~الحق سبحانه: { وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم ~~لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } ~~[إبراهيم: 7]. وهكذا جاء الكفر مقابل الشكر، ولا بد من عذاب للكفر ~~وعذاب الله لا بد أن يكون شديدا لأن العذاب يتناسب بقدرة المعذب، ~~ولا أقدر من الله، ونعوذ به سبحانه من عذابه، فهو أمر لا يطاق. ويقول ~~الحق سبحانه من بعد ذلك: { وقال موسى إن تكفروا أنتم... ~~}. ### || [14.8] # وقد قال موسى ذلك كي لا يظن ظان من قومه أن الله في حاجة إلى شكرهم ~~وأنه سيعاقبهم بالعذاب إن كفروا بشكره فأراد أن ينسخ هذا الظن من ~~أذهان من يسمعونه. وأوضح لهم أن الحق سبحانه لن يزيده إيمانكم شيئا ~~ولن يضيف هذا الإيمان منهم ومعهم أهل الأرض كلهم لملكه شيئا لأن ~~ملك الله إنما أبرزه سبحانه بصفات الكمال فيه، وهو ناشىء عن كمال ~~موجود. ولذلك يأتي قوله الحق: { ألم يأتكم نبأ الذين من ~~قبلكم قوم نوح وعاد وثمود... }. ### || [14.9] # وهذه الآية الكريمة أعطتنا تفسيرا لقوله سبحانه: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24]. وكذلك قوله سبحانه: # ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا ~~عليك ومنهم من لم نقصص عليك.. # [غافر: 78]. ونعلم أن الحق سبحانه قد أوحى لموسى - عليه السلام - أن ~~يبلغ قومه بقصص بعض من الأنبياء السابقين عليه. وهذا واضح في قوله الحق: ~~{ ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح ~~وعاد وثمود.. } [إبراهيم: 9]. ويقول سبحانه عن ms5304 القوم الذين جاءوا ~~من بعد ذلك: { والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله جآءتهم رسلهم بالبينات.. } [إبراهيم: 9]. أي: ~~أن الرسل قد حملوا منهج الله، وكذلك المعجزات الدالة على صدقهم لمن ~~جاءوا من بعد ذلك. والبينات إما أن تكون المعجزات الدالة على صدقهم أو: ~~هي الآيات المشتملة على الأحكام الواضحة التي تنظم حركة حياتهم ~~لتسعدهم. ولكن هل قبلت تلك الأقوام تلك البينات؟ لا، لأن الحق ~~سبحانه يقول عنهم: { فردوا أيديهم في أفواههم ~~وقالوا إنا كفرنا بمآ أرسلتم به.. } [إبراهيم: 9]. ~~وهكذا نرى أن الكافرين هم من وضعوا أيديهم على أفواههم، وإما أنهم ~~عضوا على الأيدي بالنواجذ لأنهم لم يطيقوا تطبيق منهج الله ولم ~~يستطيعوا التحكم في أنفسهم. أو: أنهم ردوا أيديهم إلى أفواههم بمعنى ~~أن قالوا للرسل: " هس " ، أصمتوا ولا تتكلموا بما جئتم به من بلاغ. أو: ~~أن بعضهم قال للرسل " لا فائدة من كلامكم في هؤلاء ". والثراء في القرآن ~~يتحمل كل هذه المعاني والآية تتسق فيها كل تلك المعاني فالعبارة ~~الواحدة في القرآن تكون شاملة لخيرات تناسب كمالات الله، وستظل كمالات ~~القرآن موجودة يظهر بعضها لنا وقد لا ندرك البعض الآخر إلى أن يعلمنا ~~بها الله يوم القيامة. ويأتي قولهم: { إنا كفرنا بمآ ~~أرسلتم به.. } [إبراهيم: 9]. ليكشف لنا غباءهم، فهم يعترفون ~~بأن هؤلاء رسل من السماء، وفي نفس الوقت ينكرون المنهج، ويعلنون هذا ~~الإنكار، يكشف لنا ذلك قوله تعالى: { وإنا لفي شك مما ~~تدعوننآ إليه مريب } [إبراهيم: 9]. أي: أنهم أعلنوا رأيهم في ~~المنهج، وقالوا: إنهم محيرون ويشكون في هذا المنهج. ويأتي القرآن ~~برد الرسل في قول الحق سبحانه: { قالت رسلهم أفي الله ~~شك فاطر... }. ### || [14.10] # وقوله: { أفي الله شك.. } [إبراهيم: 10] هو لون من الخطاب الذي ~~لا يترك لمن توجه إليه الكلام أن يجيب إلا كما تريد أنت. وأنت لا ~~تفعل ذلك إلا إذا كنت واثقا من أن من توجه إليه الكلام سيجيب - ~~إن استحضر الحق في ذهنه - كما تريد أنت. ولذلك لم يأت الخطاب هنا ~~بقوله " لا شك في الله " وبذلك ms5305 يكون الكلام خبريا، وقد يقول واحد: إن ~~هذا الكلام كاذب، ولكن على الرغم من أن المستمعين من الكفار، إلا أنه ~~يأتي بالقضية في شكل تساؤل يستأمنهم على أنهم سوف يديرون الكلام في ~~رؤوسهم، وسيعثرون على الإجابة التي لا يمكن أن ينكرونها وهي " ليس في ~~الله شك ". وهكذا نجد أن القائل قد سكت عن إعلانهم الكفر أولا وجاء ~~لهم بالتساؤل الذي سيجيبون عليه " ليس في الله شك " ، ويأتي لهم بالدليل ~~الذي لا يحتمل أي شك، وهو قوله الحق: { فاطر السماوات ~~والأرض.. } [إبراهيم: 10]. والفاطر هو الذي خلق خلقا على غير مثال ~~سابق، مثلها مثل قوله الحق: # بديع السماوات والأرض.. # [البقرة: 117]. فلا أحد قادر على أن يخلق مثل السماوات والأرض وهي ~~مخلوقة على غير مثال سابق. وسبحانه هو من شاء أن يكون الإنسان سيدا ~~لكل الكائنات المخلوقة، وأن تكون تلك الكائنات مسخرة لخدمته. وقد ~~يتخيل الإنسان أن خلقه أكبر من خلق السماوات والأرض لذلك ينبهه ~~الحق سبحانه: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57]. ولو نظرت إلى الشمس وسألت نفسك كم من الأجيال قد استمتعوا ~~بدفئها واستفادوا منها فمن المؤكد أنك لن تعرف عدد الأجيال لأن الشمس ~~مخلوقة من قبل خلق البشر، وكل إنسان يستمتع بالشمس ويستفيد منها عدد ~~سنوات حياته، ثم يذهب إلى الموت. ونجد المفسر الجليل الفخر الرازي يضرب ~~المثل الذي لا يمكن أن ينكره أحد، ويدل على الفطرة في الإيمان، ~~ويوضح أن الحق سبحانه لم يمهل الإنسان إلى أن ينضج عقله ليشعر ~~بضرورة الإيمان، ويضرب المثل بطفل صغير تسلل، وضرب شقيقه هنا لا بد ~~أن يلتفت الشقيق ليكتشف من الذي ضربه لأن الإنسان من البداية يعلم أن ~~لا شيء يحدث إلا وله فاعل. وهب أن طفلا جاء ليجد شقيقه جالسا على ~~كرسي، وهو يريد أن يجلس على نفس الكرسي هنا سيقوم الطفل بشد وجذب ~~أخيه من على الكرسي ليجلس هو، وكأنه اكتشف بالفطرة أن اثنين لا يمكن أن ~~يستوعبهما حيز واحد. وهكذا يتوصل الإنسان بالفطرة إلى معرفة أن هناك ms5306 ~~خالقا أوحد. وهكذا نجد قوله الحق: { فاطر السماوات والأرض.. ~~} [إبراهيم: 10]. هو الآية الكونية الواسعة. # ويأتي من بعد ذلك بالقول: { يدعوكم ليغفر لكم من ~~ذنوبكم.. } [إبراهيم: 10]. وهذا القول يدل على الرحمة والحكمة ~~والقدرة والحنان وهو هنا يقول: { ليغفر لكم من ذنوبكم } ~~[إبراهيم: 10]. ولم يقل: يغفر لكم ذنوبكم ذلك أنه يخاطب الكفار بينما ~~يقول سبحانه حين يخاطب المؤمنين: # يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله ~~وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ~~ذنوبكم.. # [الصف: 10-12]. وهكذا لا يساوي الحق سبحانه في خطابه بين المؤمنين ~~والكافرين. أو: أن المقصود من قوله: { ليغفر لكم من ~~ذنوبكم.. } [إبراهيم: 10]. هو غفران الكبائر: ذلك أن صغائر الذنوب ~~إنما يغفرها أداء الفرائض والعبادات فنحن نعلم أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قال: # " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما لم تغش ~~الكبائر ". # ويتابع سبحانه: { ويؤخركم إلى أجل مسمى.. } ~~[إبراهيم: 10]. وكلنا نعرف أن الأجل هو الزمن المضروب والمقرر للحدث. ~~وإن شاء الحق سبحانه الإبادة فنجد ما يدل عليه قوله الحق: # فخسفنا به وبداره الأرض.. # [القصص: 81]. كما فعل مع قارون. أو: أن قوله: { إلى أجل ~~مسمى.. } [إبراهيم: 10] مقصود به يوم القيامة. ولكن الكفار أهل ~~لدد وعناد، لذلك نجد قولهم: { قالوا إن أنتم إلا بشر ~~مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا ~~فأتونا بسلطان مبين } [إبراهيم: 10]. وهكذا يعلن أهل الكفر ~~لرسلهم أنهم يفضلون أن يكونوا أهل تقليد للآباء، ولو أنهم فكروا ~~لعلموا أن التقليد لو شاع في المجتمعات لما ارتقى أحد عن آبائه ~~وأجداده، فالعالم يتطور من تمرد جيل على جيل سابق، فلماذا يصر هؤلاء ~~الكافرون على أن يحتفظوا بتقليد الآباء والأجداد؟ وإذا كان الأبناء ~~يتطورون في كل شيء، فلماذا يحتفظ هؤلاء الكفار بتقليد الآباء في العقائد؟ ~~ولا يكتفي أهل الكفر بذلك، بل يطلبون أن يأتي لهم الرسل بسلطان مبين، ~~والسلطان يطلق مرة على القهر على الفعل، ويكون الفاعل المقهور كارها ~~للفعل. ومرة يطلق ms5307 على الحجة التي تقنع بالفعل، ويكون الفاعل محبا ~~لما يقدم عليه، والدين لا يمكن أن ينتشر قهرا بل لا بد أن يقبل ~~الإنسان على الدين بقلبه، وذلك لا يأتي قهرا. لذلك نجد القول الحق: # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.. # [البقرة: 256]. وما دام الرشد قد ظهر فالإكراه لا مجال له لأن الذي ~~يكره على شيء لا يمكن له أن يعتنق ما يكره عليه. وإذا ما دخل الإنسان ~~الدين فعليه أن يلتزم بما يكلف به الدين ولذلك فالإنسان لا يمكن أن ~~يدخل إلى الدين مكرها، بل، لا بد أن يدخله على بصيرة. ويأتي الحق ~~سبحانه بعد ذلك بما قاله الرسل ردا على قول أهل الكفر: { قالت ~~لهم رسلهم إن نحن إلا بشر... }. ### || [14.11] # وهكذا أوضح الرسل لأقوامهم: نحن بشر مثلكم، والسلطان الذي نملكه هو ~~المعجزة التي اختص بها الحق سبحانه كل رسول، والحق سبحانه هو الذي ~~يتفضل على عباده فيختار منهم الرسول المناسب لكل قوم ويرسل معه المعجزة ~~الدالة على تلك الرسالة ويقوم الرسول بتبليغ كل ما يأمر به الله. وكل ~~رسول إنما يفعل ذلك ويقبل عليه بكل الثقة في أن الحق سبحانه لن يخذله ~~وسينصره فسبحانه هو القائل: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. ويخبرنا سبحانه بطمأنة الرسول ومن معه لحظة أن ~~تزلزلهم جسام الأحداث وتبلغ قلوبهم الحناجر، ويتساءلون: # متى نصر الله.. # [البقرة: 214]. فتأتي أخبار نصر الحق سبحانه لرسله السابقين لطمأنه ~~المؤمنين، ونجد الحق سبحانه هنا يقول: { وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون } [إبراهيم: 11]. هكذا أعلن كل رسول لمن آمن به من ~~قومه، فعلى الله وحده يتوكل المؤمنون، ويفوضون كل أمورهم إليه وحده ~~صبرا على معاندة الكافرين، وثقة في أنه سبحانه ينصر من أبلغوا ~~رسالته ومنهجه، وينصر معهم من آمنوا بالمنهج والرسالة. وينقل لنا الحق ~~سبحانه بقية ما قاله الرسل لأقوامهم: { وما لنآ ألا نتوكل ~~على الله... }. ### || [14.12] # ونلحظ أن الحق سبحانه قد وصف المتوكلين في نهاية الآية السابقة بأنهم ~~المؤمنون وهنا يصفهم في نهاية هذه الآية بأنهم المتوكلون لأن ms5308 صفة ~~الإيمان تدخل في صفة التوكل ضمنا. ونعلم أن هناك فارقا بين التوكل ~~والتواكل فالتوكل يعني أن تستنفد أسباب الله الممدودة لأن التوكل عمل ~~القلوب بعد أن تؤدي الجوارح ما عليها من عمل وأخذ بالأسباب فالجوارح ~~تعمل والقلوب هي التي تتوكل. ويأتي لنا الحق سبحانه ببقية الحوار بين ~~الذين كفروا من أهل الأقوام السابقة وبين رسلهم، فيقول: { وقال ~~الذين كفروا لرسلهم... }. ### || [14.13] # وهكذا نرى أن فاشية الخير حين فشت في الناس يغضب منها المستفيدون من ~~الفساد والذين يعيشون عليه ويتجه تفكير المفسدين إلى ضرورة إخراج خمائر ~~الخير من الأرض التي يعيش المفسدون على الاستفادة من أهلها. وإن عزت ~~الأرض على خمائر الخير، فعليهم أن يعلنوا عودتهم إلى ديانة الكافرين. ولا ~~يقال: عدت إلى الشيء إلا إذا كنت في الشيء ثم خرجت عنه وعدت إليه. ~~هل كان الرسل الذين يهددهم أهل الكفر بالإخراج من البلاد يقبلون ~~العودة إلى ديانة الكفر؟ طبعا لا ولذلك نفهم من قوله تعالى: { أو ~~لتعودن في ملتنا.. } [إبراهيم: 13]. بمعنى " أو لتصيرن في ~~ملتنا ". ولم يقبل الرسل تلك المساومة ذلك أن الحق سبحانه وتعالى ~~ينزل جنود التثبيت والطمأنينة والسكينة على قلوب رسله والمؤمنين فلا ~~يتأثر الرسل ومن معهم بمثل هذا الكلام. وهذا ما يعبر عنه قول الحق ~~سبحانه في آخر الآية: { فأوحى إليهم ربهم لنهلكن ~~الظالمين } [إبراهيم: 13]. وهكذا يأتي القانون السماوي بالعدل وهو ~~إهلاك الظالمين، وتلك قضية إيمانية باقية ودائمة أبدا. ويكمل الحق ~~سبحانه وعده لرسله ومن معهم من المؤمنين: { ولنسكننكم ~~الأرض من... }. ### || [14.14] # وهنا يؤكد الحق سبحانه أن من يثبت على الإيمان، ويخاف مقام الحق ~~سبحانه، ويخشى يوم العرض على الحق ويوم الحساب ولم ينكص عن منهج دعوة ~~الحق سيورثه الحق سبحانه أرض من كفر بالله فتلك سنة الله لأنه سبحانه ~~قال: # وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا ~~لم تطئوها.. # [الأحزاب: 27]. ونعلم أن من يخاف الله ويخشاه ويؤمن أنه قائم على ~~كل نفس فسبحانه يجزي من يعيش حياته في ضوء الإيمان بأن يورثه ~~أرض من كفر، وقد قال ms5309 الحق سبحانه لرسوله: # وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق ~~الأرض ومغاربها التي باركنا فيها.. # [الأعراف: 137]. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { واستفتحوا... ~~}. ### || [14.15] # و " استفتح " تعني طلب الفتح، وهناك فتح، واستفتح. وكلمة " فتح " تدل ~~على أن شيئا مغلقا ينفتح، ومرة يكون المقصود بالكلمة أمرا حسيا ~~وأحيانا يكون الأمر معنويا، ومرة ثالثة يكون الفتح بمعنى الفصل ~~والحكم. والمثل على الأمر الحسي قول الحق سبحانه: # ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت ~~إليهم.. # [يوسف: 65]. ومرة يكون الفتح معنويا وبمعنى سابقة الخير والعلم، ~~كقول الحق سبحانه: # وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم ~~بما فتح الله عليكم.. # [البقرة: 76]. وكذلك قول الحق سبحانه: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده.. # [فاطر: 2]. أما المثل على الفتح بمعنى الفصل في الأمر، فالمثل هو ~~قول الحق سبحانه: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # [الأعراف: 89]. وهكذا نجد للفتح معاني متعددة، وكلها تدور حول المغاليق ~~هي تفض، ويطلق الفتح آخر الأمر على النصر، والمثل هو قول الحق ~~سبحانه: # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1]. وهنا يقول الحق سبحانه: { واستفتحوا وخاب كل ~~جبار عنيد } [إبراهيم: 15]. وهم طلبوا الفتح بمعنى طلبوا النصر، ~~وكانت تلك خيبة من الكفار فهم طلبوا الفتح أي النصر وهم قد فعلوا ذلك ~~مظنة أن عندهم ما ينصرهم. وكيف ينصرهم الله وهم كافرون؟ لذلك يخيب ~~الله ظنهم ويحكم عليهم بمصير كل من عاش جبارا في الأرض، متكبرا عن ~~عبادة ربه. ويقول سبحانه: { وخاب كل جبار عنيد } [إبراهيم: ~~15]. والجبار هو من يقهر الناس على ما يريده والمقصود هنا هم ~~المتكبرون عن عبادة الحق سبحانه وتعالى، ويعاندون في مسألة الإيمان به ~~سبحانه. وماذا ينتظرهم من بعد ذلك؟ يقول الحق سبحانه: { من ورآئه ~~جهنم... }. ### || [14.16] # أي: من خلف الجبار المتعنت بالكفر جهنم، وما فيها من عذاب. وفي ~~العامية نسمع من يتوعد آخر ويقول له " وراك... وراك " ويعني بذلك أنه ~~سيوقع به أذى لم يأت أوانه بعد. وكلمة " وراء " في اللغة ms5310 لها ~~استخدامات متعددة فمرة تأتي بمعنى " بعد " والمثل في قوله تعالى عن ~~امرأة إبراهيم عليه السلام: # وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن ~~ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71]. أي: جاء يعقوب من بعد إسحاق. ومرة تطلق " وراء " بمعنى " ~~غير " مثل قول الحق سبحانه: # والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين * فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم ~~العادون # [المؤمنون: 5-7]. وهنا يقول الحق سبحانه: { من ورآئه جهنم.. ~~} [إبراهيم: 16]. ونعلم أن جهنم ستأتي مستقبلا، أي: أنها أمامه، ولكنها ~~تنتظره وتلاحقه. ويتابع الحق سبحانه: { ويسقى من مآء صديد } ~~[إبراهيم: 16]. والصديد هو الماء الرقيق الذي يخرج من الجرح، وهو ~~القيح الذي يسيل من أجساد أهل النار حين تشوى جلودهم. ولنا أن نتصور ~~حجم الألم حين يحتاج أحدهم أن يشرب فيقدم له الصديد الناتج من حرق ~~جلده وجلود أمثاله. والصديد أمر يتأفف من رؤيته فما بالنا وهو ~~يشربه، والعياذ بالله. ويقول الحق سبحانه متابعا لما ينتظر الواحد من ~~هؤلاء حين يشرب الصديد: { يتجرعه ولا يكاد يسيغه... }. ### || [14.17] # ويتجرعه أي: يأخذه جرعة جرعة، ومن فرط مرارته لا تكون له سيولة ~~تستساغ فيكاد يقف في الحلق والإنسان لا يأخذ الشيء جرعة جرعة إلا ~~إذا كان لا يقدر على استمرار الجرعة ولكن هذا المشروب من الصديد لا يكاد ~~يستسيغه من يتجرعه. ويقال: استساغ الشيء. أي: ابتلعه بسهولة. وقوله ~~سبحانه: { ولا يكاد يسيغه.. } [إبراهيم: 17]. أي: لا يكاد يبلعه ~~بسهولة فطعمه وشكله غير مقبولين. ويتابع سبحانه: { ويأتيه ~~الموت من كل مكان وما هو بميت.. } [إبراهيم: 17]. ~~أي: ينظر حوله فيجد الموت يحيط به من كل اتجاه، لكنه لا يموت، ويفاجأ ~~بأن العذاب يحيط به من كل اتجاه مصدقا لقول الحق سبحانه: { ومن ~~ورآئه عذاب غليظ } [إبراهيم: 17]. هكذا يتعذب الجبار المتعنت ~~في أمر الإيمان. وإذا قسنا العذاب الغليظ بأهون عذاب يلقاه إنسان ~~من النار لوجدنا أنه عذاب فوق الاحتمال فها هو صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص ms5311 قدميه ~~جمرتان يغلي منهما دماغه ". # فما بالنا بالعذاب الغليظ، وقانا الله وإياكم شره؟ ويقول سبحانه من ~~بعد ذلك قضية كونية: { مثل الذين كفروا... }. ### || [14.18] # وقد يأتي في أذهان البعض ما يشوه عقائد الإيمان، فيقول: كيف يدخل ~~فلان النار وهو من أهدى البشرية تلك المخترعات الهائلة التي غيرت ~~مسارات الحضارة، وأسعدت الناس؟ كيف يعذب الله هؤلاء الذين بذلوا ~~الجهد ليطوروا من العلوم والفنون، أيعذبهم لمجرد أنهم كفار؟ وأقول: نعم، ~~يعذبهم الله على الرغم من أنه سبحانه لا يضيع عنده أجر من أحسن ~~عملا وهو قادر على أن يجزيهم في الدنيا بما ينالونه من مجد وشهرة ~~وثروة وهم قد عملوا من أجل ذلك. وانطبق عليه قوله: " عملت ليقال وقد ~~قيل " وأخذوا أجورهم مما عملوا لهم ذلك أنهم عملوا ولم يكن في بالهم ~~الله. وهكذا يصور القرآن مسألة الجزاء، فالواحد من هؤلاء الكفار إذا كان ~~يلقى العذاب الغليظ على الكفر فالحق لا يغمطه أجر ما فعل من خير فينال ~~ذلك في الدنيا ويستمتع بإطلاق اسمه على اختراعه أو اكتشافه. ونعلم جميعا ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر ~~إليه " # أما في الآخرة فالعذاب جزاؤه لأنه عاش كافرا بالله. وهذه الأعمال التي ~~صنعوها في الدنيا، وظنوا أنها أعمال إنسانية وأعمال بر تأتي يوم ~~القيامة وهي رماد تهب عليه الريح الشديدة في يوم عاصف لتذره بعيدا: { ~~مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما ~~كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد } [إبراهيم: ~~18]. ولن تكون لديهم عندئذ فرصة لاستئناف الحياة ليستفيدوا من التجربة بل ~~أمامهم وحولهم العذاب لسان حال كل منهم يقول: # رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا.. # [المؤمنون: 99-100]. لكنه لو رد إلى الحياة لعاد إلى ما نهي عنه، ~~مصداقا لقول الحق سبحانه: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36]. وهذا الكفر هو الضلال البعيد الذي جعل كل أعمالهم التي ~~ظنوا أنها صالحة مجرد أعمال محبطة ms5312 فضلوا بالكفر عن الطريق ~~الموصل إلى خير الآخرة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ألم تر ~~أن الله... }. ### || [14.19] # وسبحانه يعلمنا هنا أنه خلق السماوات والأرض بميزان الحق فلا تأتي ~~السماء وتنطبق على الأرض، فسبحانه القائل: # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه... # [الحج: 65]. وأنت كلما سرت وجدت الشمس من فوقك، وهي مرفوعة بنظام ~~هندسي دقيق. وهكذا أراد الحق سبحانه أن يؤكد قضية كونية محسة ~~مشهودة وبدأ بقوله: { ألم تر.. } [إبراهيم: 19]. رغم أنه لا يوجد مع ~~العين أين ذلك أن الشمس واضحة أمام كل البشر، وهكذا نجد أن معنى { ~~ألم تر } هنا تكون بمعنى " ألم تعلم ". وجاء سبحانه ب { ألم ~~تر } هنا ليدلنا على أن ما يعلمنا الله به من حق أصدق مما ~~تعلمنا به العين فإذا قال سبحانه: { ألم تر } فهي تعني: ألم تعلم ~~علما مؤكدا لأن عينيك ربما تخونك في الرؤيا، أو تخدعك بالإبصار، ~~ولكن إذا قال لك الله { ألم تر } فاعلم أنه علم موثوق به. وحين ~~يلفتنا الحق سبحانه هنا إلى رؤية السماوات والأرض فكان لا بد لنا أن ~~نعلم أنها لم تكن لتوجد إلا بخلق الله لها وهو الذي أخبرنا أنها ~~من خلقه ولم يدعها أحد لنفسه وبذلك تثبت له قضية خلقها إلى أن ~~يقول آخر أنه خلقها ولم يقل لنا أحد ذلك أبدا. وسبق أن قال سبحانه: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57]. والبشر كما نعلم لا يعيش فرد منهم مثلما تعيش السماء ~~فالفرد يموت ويولد غيره وكل البشر يأتون ويذهبون، والشمس باقية، ~~وكذلك الأرض. ومن عجيب الخلق الرحماني أن الله خلق كل ذلك تسخيرا ~~لأمر الإنسان فلا يشذ كائن من تلك المسخرات عن أمر الإنسان. وما طلب ~~منك أيها الإنسان تكليفا مخير فيه إن شئت آمنت، وإن شئت ~~كفرت وإن شئت أطعت، وإن شئت عصيت. ولكن المخلوق المسخر لخدمتك ~~ليست له هذه المشيئة. وهو سبحانه الحق القائل: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه ms5313 كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. وقد أعلمنا هذا القول الكريم بأن الرحمانية سبقت لنا ~~نحن البشر من قبل خلقنا، وأقدمتنا رحمانية الله على وجود مهيأ لنا. ~~ومن العجيب أن الكون المخلوق لنا استبقاء لحياتنا واستبقاء لنوعنا ~~يتركز في أشياء لا دخل لنا فيها، ولا تتغير أبدا وهي الأشياء العليا ~~كالشمس والقمر والأرض. وهناك أشياء أخرى يكون التغيير فيها على نوعين: ~~قسم يتغير ويأتي بدلا منه شيء جديد، كالنبات الذي يذهب ويصير حصيدا، ~~وكذلك الحيوانات التي نأكلها أو التي تموت. وهناك خلق يتغير مع إبقاء ~~عناصره، وإن تغيرت مادته، كالجمادات التي نراها - الجبال والأرض ~~وعناصرها - ونكتشف منها كل يوم جديدا. # إذن: فالمخلوقات التي استقبلت الوجود الإنساني نوعان: نوع لا دخل ~~للأغيار فيها ونوع آخر فيه دخل للأغيار مع بقاء مادتها وهي الجمادات ~~ونوع تتغير أنواعه وأجناسه. كل هذه الأشياء تدلنا على أن الحق ~~سبحانه وتعالى له صفتان: صفة القدرة والقهر وهو سبحانه يقهر ما يشاء ~~على ما يشاء ولا يتغير. وصفة الاختيار التي أوجدها في الإنسان. وأثبتت ~~صفة القدرة التي سخر بها سبحانه الأشياء لخدمة الإنسان مطلق سلطانه ~~سبحانه على كل ما خلق فلا شيء يخرج عن مراده أبدا. وأراد سبحانه ~~بصفة الاختيار التي وهبها للإنسان أن يأتيه عبده الإنسان محبا متبعا ~~لتكاليفه الإيمانية، فالذي يطيع الله وهو قادر على أن يعصيه إنما يدل ~~بذلك على أنه محب لله ويثبت له صفة المحبوبية. وهنا يقول الحق ~~سبحانه: { ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض ~~بالحق.. } [إبراهيم: 19]. ولنا أن نلحظ أن كلمة " بالحق " وردت في ~~مواقع كثيرة من القرآن الكريم. وعلى سبيل المثال، نجد في القرآن الكريم ~~قوله تعالى: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق.. # [الحجر: 85]. وقوله تعالى: # وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين # [الدخان: 38]. وهذا يدل على أن السماوات والأرض مخلوقة على هيئة ~~ثابتة، وقد جعل ذلك مدارس الفلسفة تستقبل تلك القضية استقبالين استقبال ~~من يريد أن يؤمن واستقبال من يريد أن يكفر. وانقسم من أرادوا ~~الكفر إلى فريقين. ms5314 الفريق الأول: أخذ من ثبات قوانين الشمس والقمر والأرض ~~دليلا على أنه لا يوجد خالق لهذا الكون، وقالوا: لو أن هناك خالقا له ~~لغير من هيئة السماوات والأرض، ولكن كل من تلك الكواكب تدير نفسها ~~بآلية ذاتية محكمة. والفريق الثاني ممن أرادوا الكفر قال: إن الشذوذ ~~في الكون ووجود خلل وعيوب خلقية في بعض من المخلوقات والأنواع دليل ~~على أنه لا يوجد إله. فكيف يخلق إله مخلوقا أعمى وآخر أعرج وثالثا ~~بعين واحدة؟ وهكذا أخذ هذا الفريق من أهل الكفر وجود الشذوذ في الكون ~~كدليل على عدم وجود إله. ومن العجيب أن الفريق الذي أراد التغيير في هيئة ~~السماوات والأرض أراد ذلك كدليل على وجود خالق، والفريق الذي رأى أن هناك ~~شذوذا في بعض المخلوقات أخذ ثبات الخلق على هيئة واحدة كدليل على وجود ~~إله. كل ذلك يدلنا على أن الفريقين قد أخذا من قضيتين متعارضتين ~~دليلا على الكفر، ولم يتفق الفريقان على قضية واحدة، وهذا يوضح التناقض ~~بينهما. ولو أمعن كل من الفريقين النظر لعلم كل منهما أن الإيمان ~~ضرورة أساسية لفهم هذا الكون على ثبات ما فيه وعلى وجود بعض من ~~الشذوذ فيه. فأنت يا من تنتظر ثباتا في الأكوان خذ ثبات آلية الحركة ~~في السماوات والأرض والشمس والقمر دليلا على الإيمان بوجود خالق إله ~~قادر. # وأنت يا من تأخذ التغير في الخلق دليلا على وجود خالق فها أنت ترى ~~اختلاف بعض المخلوقات ما يجعلك تعثر على عدم التماثل في المخلوقات دليلا ~~على وجود إله خالق له طلاقة القدرة. وأوضح الحق سبحانه لنا أنه لم يخلق ~~السماوات والأرض لعبة بل خلقهما بالحق، وهناك فارق بين اللعبة والحق، ~~فاللعبة قد يتوصل إليها من يعبث بشيء فتخرج له صدفة يستخدمها هو أو ~~غيره كلعبة. يقول الحق: # خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما ~~يشركون # [النحل: 3]. أما الخلق بالحق فهذا يعني أن من يخلقها إنما يفعل ذلك ~~بموازين دقيقة محكمة ويصنعها على نظام ثابت له قضية تحكمه من الحكمة ~~والحق. وما دام ms5315 الكون الأعلى ثابتا فإن الحق سبحانه هو الذي خلق ~~السماوات والأرض، وما دمت تريد ثباتا في حركتك الاختيارية فخذ ~~المنهج الذي أنزله الله بالحق فتثبت قضاياك كما ثبتت القضايا العليا وأنت ~~حين تخرج عن منهج الحق تجد فسادا. وإذا أردت ألا يوجد فساد في ~~المجتمع من أي لون فابحث عن حكم الله الذي ضيعه الإنسان في مخالفة ~~منهجه تجد أن ضياعه هو السبب في وجود الفساد واقرأ قوله الحق في سورة ~~الرحمن: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه ~~البيان * الشمس والقمر بحسبان * والنجم ~~والشجر يسجدان * والسمآء رفعها ووضع الميزان ~~* ألا تطغوا في الميزان * وأقيموا الوزن ~~بالقسط ولا تخسروا الميزان # [الرحمن: 1-9]. وهكذا أنت ترى الشمس - على سبيل المثال - منضبطة في ~~شروقها وغروبها وكسوفها وكذلك القمر في سطوعه أو محاقه أو خسوفه. ~~وكما رفع الحق سبحانه السماء ووضع الميزان فعليكم أن تزنوا كل أمر ~~بالميزان الصحيح لتنصلح أموركم، فإن اعتدال الموازين المادية والمعنوية ~~والقيمية هي استقرار لحركة الحياة. أما إن ظللتم على العوج فاعلموا ~~أنه سبحانه قادر على أن يذهبكم وأن يأتي بخلق جديد: { إن يشأ ~~يذهبكم ويأت بخلق جديد } [إبراهيم: 19]. إن منطوق الآن ~~ومفهومها ليس مراده سبحانه لأن الله خلق الخلق، ووهبهم الاختيار ~~ليقبل الخلق على الله، رغم أنه سبحانه قد ملكهم ألا يقبلوا عليه. ~~وفي موقع آخر يقول سبحانه: # ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ~~فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن ~~نفسه والله الغني وأنتم الفقرآء وإن ~~تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم # [محمد: 38]. ويقول في قضية إنكار اليهود لطريقة ميلاد المسيح عيسى بن ~~مريم: # ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه ~~يصدون * وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه ~~لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون * إن هو إلا ~~عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني ~~إسرائيل * ولو نشآء لجعلنا منكم ملائكة في ~~الأرض يخلفون # [الزخرف: 57-60]. إذن: فطلاقة قدرة الله التي خلقته بلا أب، يمكن أن ~~تفعل تلك القدرة المطلقة ما ms5316 تشاء، فلا شيء يتأبى على مرادات الحق ولا ~~على قدراته. ويقول في موقع آخر: # فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا ~~لقادرون * على أن نبدل خيرا منهم وما نحن ~~بمسبوقين # [المعارج: 40-41]. فلا أحد يسبق إرادة الله أو مشيئته. ويقول الحق ~~سبحانه مؤكدا أن قدرته على المجيء بخلق جديد ليست مسألة مستحيلة: { ~~وما ذلك... }. ### || [14.20] # والشيء العزيز هو الشيء الممتنع. والله سبحانه لا يغلب. وقد بين ~~لنا في جزئيات الحياة أنه يذهب بنبات ويأتي بنبات آخر، ويذهب بحيوان ~~ويأتي بحيوان آخر وكذلك يذهب بالجماعة من البشر ويأتي بغيرهم. ويقول ~~سبحانه بعد ذلك: { وبرزوا لله جميعا... }. ### || [14.21] # والبروز أن يظهر شيء كان خفيا. ويقال " رجل بارز " أي: مرموق وقيد ~~الأبصار، ولا تفتح الدنيا إلا عليه، ويقال " امرأة بارزة " أي: امرأة ~~تختلط بالرجال وغير مستترة. ويقول سبحانه: # وترى الأرض بارزة.. # [الكهف: 47]. أي: سيرى كل منا كل الأرض في اليوم الآخر وهي مكتملة ~~لا جزء منها فقط كما يحدث في حياتنا الدنيوية ذلك أن الحق سبحانه قد قال ~~لنا: # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق: 22]. ويقال أيضا " فرس بارز " وهو ما يطلق على الحصان الذي يفوز ~~عند التسابق مع غيره ولا يستطيع فرس آخر أن يسبقه لذلك فهو فرس تراه ~~العين أثناء السباق بوضوح. ونعلم أن الخيل في لحظات السباق تثير أثناء ~~تسابقها غبارا - أي: ترابا يضبب المرئيات - فلا يرى أحد تفاصيل ~~الموقع الذي تجري فيه الخيول أما إذا ظهر فرس يسبق الجميع فلا خيول أخرى ~~قريبة منه تثير غبارا يمنع رؤيته بارزا واضحا. وهنا يقول الحق سبحانه: ~~{ وبرزوا لله جميعا.. } [إبراهيم: 21]. ولقائل أن يسأل: وهل ~~كانت هناك أشياء خافية عنه سبحانه ثم برزت؟ ونقول: إنه سبحانه منزه أن ~~تخفى عنه خافية في الأرض أو السماء أو الكون كله، ولكن المقصود هنا ~~أنهم يبرزون عند أنفسهم، ويرون وجودهم واضحا أمام الحق سبحانه. وهم من ~~قبل كانوا: # يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو ~~معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان ms5317 ~~الله بما يعملون محيطا # [النساء: 108]. وكانوا قد ظنوا أنهم قادرون على أن يخفوا عن ربهم ما ~~كانوا يفعلون ويبيتون ويمكرون ونجدهم يوم القيامة مفضوحين أمام خالقهم ~~حكمهم في ذلك حكم كل الخلق. أو: برز كل واحد منهم أمام نفسه، ورأى ~~نفسه أمام الله. ونعلم أنه سبحانه قد خلق الخلق على لونين لون مقهور ~~فيه الإنسان، ولا إرادة له: ولون مخير فيه الإنسان، ونسبة ما منح ~~فيه الإنسان الاختيار قليل، إذا ما قيس بما ليس له في اختيار. وقد شاء ~~الحق سبحانه ذلك لأنه علم أزلا أن الإنسان الذي تعود على أن يتمرد ~~على الله فهو يوضح له: أنت قد ألفت التمرد وقول " لا " ، وقد ~~تجاهر بالكفر، وتحارب من أجله، وتريد أن تخرج عن مرادات الحق فإن كنت ~~صادقا في أن هذا الخروج ذاتي فيك فتمرد على القهريات التي تنتابك. ~~ويعلم الإنسان بالتجربة أنه غير قادر على ذلك فلا الفقير يستطيع أن ~~يثرى دون مشيئة الله والمريض لا يستطيع أن يشفى دون مشيئة الله والضعيف ~~لا يستطيع أن يقوى ضد إرادة الله. وكل هذا يدل على أن ملكية الله لك لا ~~تزال بالقهر فيك وسيأتي يوم يسلب منك الاختيار. # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وأنت تبرز بكل تكوينك لحظتها أمام نفسك، وتجد الحق ~~سبحانه أمامك. وأنت إما أن تكون بارزا بكل تكويناتك أمام نفسك لحظة ~~وقوفك أمام خالقك، أو يكون المقصود بقوله الحق وقوف كل الخلق أمامه ~~بارزين، سواء أكانوا تابعين أو متبوعين. ولحظتها سنجد قوله الحق مطبقا. ~~{ فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم ~~تبعا.. } [إبراهيم: 21]. وهكذا نرى أن هناك حوارا بين اثنين من البشر ~~نوع مستكبر، وهم القادة السادة الذين يلقون أوامرهم لينفذها ~~الضعاف، ثم يفاجأ الضعاف التابعون أن رؤوسهم تساوت في اليوم الآخر مع ~~هؤلاء الأقوياءالجبابرة ويرون ما ينتظرهم جميعا من عذاب فيسأل الضعاف ~~أهل الجبروت: { فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله ~~من شيء } [إبراهيم: 21]. وهؤلاء المستكبرون سبق لهم أن استكبروا على ~~هؤلاء الضعاف بما ms5318 لهم من قوة وسيادة، أو استكبروا على الرسل إيمانا ~~كما أوضح الحق سبحانه في موقع آخر من القرآن: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. وفي هذا القول استكبار على الإيمان، وكأنهم يعدلون ~~على الله - والعياذ بالله - مشيئته وواسع علمه الذي يختار به الرسل. أو: ~~أنهم قد استكبروا على أنفسهم فلم يؤمنوا أو: أنهم قد استكبروا على ~~الأتباع بما لهم من جاه ونفوذ فلم يقدر الأتباع على مخالفتهم لذلك يقول ~~لهم الأتباع لحظة تساوي الرؤوس: { فهل أنتم مغنون عنا من ~~عذاب الله من شيء } [إبراهيم: 21]. وهذا تقريع وخزي وفضيحة ~~للتابع. ونعلم أن الحق سبحانه قال في موقع آخر من القرآن على لسان ~~التابعين: # ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا ~~السبيلا * ربنآ آتهم ضعفين من العذاب ~~والعنهم لعنا كبيرا # [الأحزاب: 67-68]. وقد عرض الحق سبحانه هذه المسألة علينا لنتعلم من ~~البداية كيف يكون ميزان التبعية؟ وإياك أن تتبع في أمر إلا إذا اقتنعت ~~أنه يأتي لك بخير، وأنه يدفع عنك الشر، ولينتبه كل منا جيدا ولا يعطي ~~زمام قيادة حركة الحياة إلا عن بينة. وليتذكر كل منا قوله الحق: # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر ~~قال إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين # [الحشر: 16]. فحين يأتيك أمر مخالف لمنهج الله عليك أن تعلي منهج الله ~~فوق كل أمر. وقد أوضح لنا الحق سبحانه ذلك كي ننتبه جيدا فلا نلقي ~~زمام أمورنا لمن نتبع إلا بروية وبحكمة أيدلنا على خير أم يدلنا على ~~شر وهل يستطيع أن يدرأ عنا الشر، وأن ينجينا من الإصابة بمكروه؟ ~~فليكن كل منا على بينة من أمره، وقد قال الحق سبحانه في سورة ~~الرحمن: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 16]. والآلاء هي النعم ومن أرقى النعم هي تلك القيم التي ~~أوضحها لنا الحق سبحانه لنسير على هداها في الحياة الدنيا كي لا نقبل ~~على الحياة بجهالة بل بتوضيح وتبيان لكل شيء. # وهكذا يجب أن يتصرف التابع مع المتبوع كي لا يقف ms5319 في موقف الخزي المشترك ~~بين الاثنين في يوم الحساب حيث يقول التابعون للمتبوعين: { إنا كنا ~~لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله ~~من شيء.. } [إبراهيم: 21]. وهذا القول القرآني يتكلم به رب ~~العالمين وكل حرف فيه لهدف ومعنى. وقوله: { من عذاب الله من ~~شيء.. } [إبراهيم: 21]. يعني أنهم لن يقدروا أن يخففوا ولو جزء ~~بسيطا من عذاب الله، وكأنهم يسهلونها عليهم، فيطلبون منهم أن يتحملوا ~~أو أن يخففوا عنهم ولو جزء بسيطا من العذاب. والمثل على ذلك حين ~~يطلب إنسان من آخر جنيها فيقول له: ليس معي غيره، فيرد الطالب: إذن ~~أعطني بعضا منه، وكأنه يطلب ولو ربعه أو عشرة قروش منه. هكذا قال ~~الذين اتبعوا لمن اتبعوهم فماذا يكون الرد من هؤلاء الذين تأبوا على ~~الله إيمانا به ها هم يردون على من سألوهم أن يخففوا ولو جزءا ~~قليلا من العذاب: { قالوا لو هدانا الله لهديناكم ~~سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص } ~~[إبراهيم: 21]. وهكذا يتكشف كذبهم فهم يدعون أن معنى الهداية هو أن ~~يهبهم الله الإيمان متناسين أن معنى الهداية هو الدلالة الموصلة ~~إلى الغاية. ولنا في قول الحق سبحانه ما يوضح المعنى: # والذين اهتدوا زادهم هدى.. # [محمد: 17]. فمن يقبل على الإيمان بصدر منشرح يجد كل سبل الخير ~~أمامه أما من كفر فكيف يهديه الله، وهو قد استحب العمى على الهدى؟ لن ~~يجد بطبيعة الحال أية هداية. ويقول الكافرون ذلك لمن اتبعوهم في يوم ~~الحشر ذلك أنهم يرون رأي العين أن الجنة حق والنار حق، ~~والحساب حق لذلك يعترفون أمام من اتبعوهم في الدنيا بأن الحق ~~سبحانه لو أخذ بيدهم في الحياة الدنيا إلى الإيمان لقدناكم إلى هذا ~~الإيمان وهم في ذلك أصحاب رأي مغلوط. وذلك قولهم: { لو هدانا ~~الله لهديناكم.. } [إبراهيم: 21]. ونعلم أن الإنسان إذا ما وقع ~~في مأزق أقوى من قدراته: ولا فجوة فيه للنجاة فهو يستقبل هذا المأزق ~~بأحد استقبالين الاستقبال الأول: أن يجزع ويتضرع والاستقبال الثاني: ~~أن يصمد ويصبر. وهنا نجد الكافرين ms5320 يقولون: { سوآء علينآ ~~أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص } [إبراهيم: 21]. أي: ~~أنهم سواء جزعوا وتضرعوا أو صبروا وصمدوا فلن ينجيهم الله مما هم ~~فيه فلا مهرب ولا منجى. و " حاص " في المكان أي: ذهب إلى هنا أو ~~هناك، ولا يجد راحة ونجد في تعبيرنا العامي ما يصور ذلك وهو قولنا " ~~فلان حايص " أي: لا يجد مكانا يرتاح فيه. # ولذلك يقال: " نبت بهم الأرض " أي: أن كل مكان في الأرض يرفضهم ~~ويشرح الحق سبحانه هذه القضية فيقول: # حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت ~~عليهم أنفسهم.. # [التوبة: 118]. وهكذا نرى من نبت بهم الأرض إنما لا تسعهم أنفسهم ~~أيضا بل تضيق عليهم ونسمع ممن ينكل بهم الحق في الحياة الدنيا ~~من يقول: " أنا لا أطيق نفسي ". وهذا ما يحدث بالفعل لبعض من الناس في ~~لحظات الضيق فتضيق ذات أي منهم عن حمل ذاته، وكأن الواحد منهم له ~~ذاتان وكأن الواحد منهم له صورتان الصورة التي تزين الشهوة وحين تزيد ~~عن الحد يعود إلى صورة كاره الشهوة وهو لا يسعد في الحالتين عشق ~~الشهوة وكراهيتها. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وقال الشيطان ~~لما قضي الأمر إن الله وعدكم... }. ### || [14.22] # وهنا نجد تصعيدا للحوار فبعد أن كان من المتبوعين والتابعين نجد هذا ~~الارتقاء في الحوار ليكون بين الشيطان وبين البشر. ونلحظ أن الحق سبحانه ~~هنا بالحال الذي يدور فيه الحوار وهو انقضاء الأمر حيث تقرر الوضع ~~النهائي لكل شيء ولا نقاش في أي أمر، ولا فرصة للتراجع عما حدث. ~~وقضاء الأمر يعني أن يذهب كل إنسان إلى مصيره، فمن كان من أهل الجنة ~~دخلها ومن كان من أهل النار دخلها فقد وصلت الأمور الى حدها ~~النهائي الذي لا تتغير من بعده. ويفضح الشيطان نفسه فيقول: { إن ~~الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم.. } ~~[إبراهيم: 22]. ووعد الله حق، لأنه وعد ممن يملك أما وعد ~~الشيطان فقد اختلف لأنه وعد بما لا يملك لذلك هو وعد كاذب لأن الحق ~~سبحانه هو الأمر الثابت الذي ms5321 لا يتغير. وحين تعد أنت - الإنسان - ~~إنسانا آخر بخير قادم فهل تضمن أن تواتيك ظروفك على أن تحقق له هذا ~~الأمر؟ ولذلك يوصينا الحق سبحانه أن نقول " إن شاء الله " وبذلك نرد ~~الوعد لله فهو وحده الذي يمكنه أن يعد وينفذ ما يعد به. وعلى ~~الواحد منا أن يحمي نفسه من الكذب، وأن يقول " إن شاء الله " فإن لم ~~تستطع أن تحقق ما وعدت به تكون قد حميت نفسك من أن تلقي اتهاما ~~بالكذب. ونجد الشيطان وهو يقول في الآخرة: { ووعدتكم ~~فأخلفتكم.. } [إبراهيم: 22]. ذلك أن وعده باطل والباطل لجلج، ~~وحين تحكم به الآن تثبت لك الوقائع عكسه، وتجعلك لا تصدق ما حكمت به. ~~ولذلك نجد الحق سبحانه يوضح لنا المسافة بين الحق والباطل فيقول: # فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. وهكذا يحاول الشيطان أن يبريء نفسه رغم علمه أنه قد ~~وعد، وهو لا يملك إنفاذ ما وعد به ولذلك يحاول أن يلصق التهمة بمن ~~اتبعوه مثله مثل أولئك الذين قالوا: # لو هدانا الله لهديناكم.. # [إبراهيم: 21]. فيقول الشيطان من بعد ذلك: { وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~} [إبراهيم: 22]. والسلطان - كما نعلم - إما سلطان قهر أو سلطان ~~إقناع. وسلطان القهر يعني أن يملك أحد من القوة ما يقهر به غيره على ~~أن يفعل ما يكره، بينما يكون كارها للفعل. أما سلطان الحجة فهو أن ~~يملك منطقا يجعلك تعمل وفق ما يطلبه منك وتحب ما تفعل، وهكذا يعترف ~~الشيطان للبشر يوم الحشر الأعظم ويقول: أريد أن أناقشكم هل كان لي سلطان ~~قهري أقهركم به؟ هل كان لي سلطان إقناع أقنعكم به على اتباع طريقي؟ لم ~~يكن لي في دنياكم هذه ولا تلك، فلا تتهموني ولا تجعلوني " شماعة " ~~تعلقون علي أخطاءكم فقد غويت من قبلكم وخالفت أمر ربي ولم يكن لي ~~عليكم سلطان سوى أن دعوتكم فاستجبتم لي. # وكل ما كان لي عندكم أني حركت فيكم نوازع أنفسكم، وتحركت ms5322 نوازع ~~أنفسكم من بعد ذلك لتقبلوا على المعصية. إذن: فالشيطان إما أن ~~يحرك نوازع النفس أو يترك النفس تتحرك بنوازعها إلى المعصية وهي كافية ~~لذلك. وسبق أن أوضحت كيف تعرف المعصية، إن كانت من الشيطان تسويلا ~~استقلاليا أو تسويلا تبعيا فإن وقفت النفس عند معصية بعينها وكلما ~~أبعدها الإنسان تلح عليه فهذا هو ما تريده النفس من الإنسان حيث تطلب ~~معصية بعينها. أما نزغ الشيطان فهو أن ينتقل الشيطان من معصية إلى أخرى ~~محاولا غواية الإنسان إن وجده رافضا لمعصية ما انتقل بالغواية إلى ~~غيرها لأن الشيطان يريد الإنسان عاصيا على أي لون فالمهم أن يعصي ~~فقط لذلك يحاول أن يدخل الإنسان من نقطة ضعفه فإن وجده قويا في ناحية ~~اتجه إلى أخرى. ويعلن الشيطان أنه ليس الملوم على ذلك: { وما كان ~~لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ~~لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.. } [إبراهيم: 22]. ~~فالملوم هنا هو من أقبل على المعصية لا من أغوى بها. ويستمرالحق ~~سبحانه في فضح ما يقوله الشيطان لمن أغواهم في اليوم الآخر: { مآ ~~أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. } [إبراهيم: 22]. ~~هذا هو قول الشيطان الذي سبق وأن تعالى على آدم لحظة أن طلب منه الحق ~~سبحانه أن يسجد له مع الملائكة ولكن الموقف هنا هو التساوي بين الذين ~~أغواهم وبينه فهو يعلن أنه لن ينفعهم وهم لن ينفعونه. والمصرخ من مادة ~~الصراخ من صرخ، وهو رفع الصوت بغرض أن يسمعه غيره ولا يطلب من يصرخ ~~شيئا آخر غير المعونة فلو أن أحدا عثر على كنز تحت قدميه فلن يصرخ بل ~~يتلفت حوله ليرى: هل هناك من رآه أم لا؟ أما إن هاجمه أسد فلا بد ~~أن يصرخ طالبا النجاة، وهكذا يكون الصراخ له مأرب طلب المعونة وهذا ~~لا يتأتى إلا ممن يخاف من مفزع. و " مصرخ " يدل على الفعل " ~~أصرخ " ، وهو فعل دخلت عليه ما يسمى في اللغة " همزة الإزالة ". والمثل ~~هو كلمة " معجم " أي: الذي يدلك على معنى للفظ ليزيل إبهامه فيقال " ~~أعجم ms5323 الكتاب " أي: أزال إبهامه، وهذه الهمزة التي دخلت توضح إزالة ~~العجمة عن الكلمة. والمثل أيضا على هذه الهمزة هو كلمة " عتب " أي: ~~لامه، وحين تدخل عليها الهمزة تصبح " أعتب " أي: أزال ما به عتب. # ونجد في دعائه صلى الله عليه وسلم قوله الشريف: # " لك العتبى حتى ترضى ". # أي: إذا كنت يا رب تعتب علي في أي شيء فأنا أدعوك أن تزيل هذا ~~العتب. وهكذا نجد أن الإزالة تأتي مرة بإضافة الهمزة ومرة تأتي بالتضعيف ~~مثل قولنا " مرض الطبيب مريضه " أي: أزال عنه - بإذن من الله - مرضه. ~~إذن: " مصرخ " هو من يزيل صراخ آخر فكأن هناك من استغاث فجاءه من ~~يغيثه. وهكذا يعلن الشيطان في اليوم الآخر أنه ومن أغواهم في مأزق ~~وأنه غير قادر على إزالة سبب هذا المأزق ولا هم بقادرين على إزالة ~~سبب مأزقه ولن يغيث أحدهما الآخر. ويضيف: { إني كفرت بمآ ~~أشركتمون من قبل.. } [إبراهيم: 22]. فأنتم أشركتموني مع الله ~~في الطاعة حين استسلمتم لغوايتي ولم تكونوا من عباد الله المخلصين ~~الذين أقسمت أنا بعزة الله ألا أغويهم وكل منكم نفذ ما أغويته به ~~فناديتكم واستجبتم وناداكم الله فعصيتم أو كفرتم. وصرتم مثلي، فقد ~~سبق لي أن أمرني الله وعصيت. ويقول الحق سبحانه ما يجيء على لسان ~~الشيطان لمن كفر وعصى: { إن الظالمين لهم عذاب أليم } ~~[إبراهيم: 22]. وهذه قضية عامة، قضية الكفر في القمة، فكما أطعتم ~~الشيطان وجعلتموه شريكا لله فها هو الشيطان يخبركم بتقدير هذا الموقف ~~بأنه شرك بالله وهو يعلن الكفر بهذا لأن يوم الحشر قد جاء وتحقق فيه ~~قول الله له: # فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم # [الحجر: 37-38]. وكان الشيطان من قبل اليوم المعلوم - وهو اليوم الآخر - ~~يندس ويوسوس وينزغ أما في ذلك اليوم فقد برز كل شيء من إنس وجن وكل ~~الكائنات أمام الواحد القهار، ولم يعد هناك ما يخفى عن العين. وهذا ~~ما خدعوا به أنفسهم، وظنوا أنهم قادرون على أن يخفوا ما فعلوه عن ~~أعين الله ولذلك نجد الحديث القدسي ms5324 يقول: # " يا بني آدم، إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم، فالخلل في إيمانكم، ~~وإن كنتم تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم ~~". # وأنت في حياتك اليومية لا تجد من يسرق من آخر وجها لوجه: ولا أحد ~~يحرق بيت أحد أمام عينيه فإن كنتم يا معشر البشر لا تفعلون ذلك مع ~~بعضكم البعض فكيف تفعلون ذلك مع خالقكم فتعصونه. وإن شككتم أنه لا ~~يراكم فالخلل في إيمانكم وإن كنتم تعتقدون أنه يراكم فلا تجعلوه أهون ~~الناظرين إليكم، لأنه لو نظر إليك إنسان فأنت لا تجرؤ على أن تصنع له ما ~~يكرهه. ولذلك يقول الشيطان معترفا ومقرا بأن الظالمين لهم عذاب أليم، ~~والظلم في القمة هو الشرك بالله: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. وحين نقرأ ذلك إما أن نأخذه على أنه إقرار من الشيطان أو ~~نفهمه على أن الشيطان قد قال: { إني كفرت بمآ أشركتمون ~~من قبل. # . } [إبراهيم: 22]. ويقول الحق سبحانه بعدها تلك القضية العامة: { إن ~~الظالمين لهم عذاب أليم } [إبراهيم: 22]. فبعد أن تكلم ~~سبحانه عن بروز الخلق والكائنات ثم الحوار بين الضعفاء والسادة ثم ~~الحوار بين الشيطان وبين أهل الكفر والمعصية يأتي بالقضية النهائية في ~~الحكم: { إن الظالمين لهم عذاب أليم } [إبراهيم: 22]. ~~والمناسبات توحي بمقابلاتها لتكون النفس متشوقة ومتقبلة لهذا ~~المقابل مثل قول الحق سبحانه: # إن الأبرار لفي نعيم # [الانفطار: 13]. ويأتي بعدها بالمقابل لها: # وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 14]. فكما جاء بمقابل الأشقياء لا بد أن يفتح القلوب لتنعم ~~بسعادة مصير وجزاء الذين سعدوا بالإيمان. لذلك يقول الحق سبحانه: { ~~وأدخل الذين آمنوا.. }. ### || [14.23] # وهنا جاء الفعل، ويمكن نسبته إلى ثلاث جهات. ولكل جهة ملحظ فمرة ~~يسند الفعل لله سبحانه، ومرة ينسب الفعل للملائكة الذين يتلقون ~~الأمر من الله بإدخال المؤمنين الجنة ومرة للمؤمنين الذين يدخلون الجنة ~~بإذن الله. فالله أدخلهم إذنا والملائكة الموكلون فتحوا أبواب الجنة ~~لهم والمؤمنون دخلوا بالفعل. وهكذا يكون لكل ملحظ. وهناك قراءة أخرى ~~للآية توضح ذلك: " وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة " ~~والمتكلم هنا هو الله. ms5325 ونلحظ أن الله قال هنا: { وأدخل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جنات.. } [إبراهيم: 23]. لكي تضم ~~كلمة " أدخل " أنه سبحانه أذن بدخولهم لأنه قال في نفس الآية: { بإذن ~~ربهم } [إبراهيم: 23]. وأن الملائكة المكلفين بذلك فتحوا لهم ~~أبوابها. والمؤمنون دخلوها كل ذلك بإذن الله. ونلحظ أن كل الكلام هنا ~~عن الجنات فما هي الجنات؟ ونقول: إن الجنة في أصل اللغة هي الستر، ~~ومنها الجنون أي: ستر العقل، والمادة هي: الجيم والنون، والجنة تستر ~~من فيها بما فيها من أشجار كثيرة بحيث من يمشي فيها لا يظهر لأن ~~أشجارها تستره. أو: أن من يدخلها يجلس فيها ولا يراه أحد لأن كل خير ~~فيها لا يلجئه أن يخرج منها. وتطلق الجنات على ما في الدنيا أيضا ~~والحق سبحانه هو القائل: # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل ~~وأعناب.. # [البقرة: 266]. ولنا أن نعرف أن الجنة غير المساكن التي في الجنة لأن ~~الحق سبحانه يقول: # ومساكن طيبة في جنات عدن.. # [التوبة: 72]. والجنة - ولله المثل الأعلى - هي الحديقة الواسعة وهذا ~~الاتساع موزع على كل مرأى عين. والإنسان - بعجائب تكوينه - يحب ~~أن يتخصص في مكان مرة ويحب أن ينتشر في مكان مرة أخرى فيستأجر شقة أو ~~يبني لنفسه بيتا مستقلا " فيللا " وفي البيت أو الفيللا يحب الإنسان أن ~~تكون له حجرة خاصة لا يدخلها غيره. والإنسان يقيم الأشياء على هذا ~~الأساس فينظر من يرغب في شراء قطعة أرض ليبني عليها بيتا أهي تطل ~~على حارة أم على شارع؟ وهل سيستطيع أن يعلو بالبناء إلى عدة أدوار أم ~~لا؟ وهل سيخصص قطعة من الأرض كحديقة أم لا؟ فإن كانت الأرض تطل على ~~الفضاء، فحساب المتر ليس بالثمن المدفوع فيه ولكن بقيمة ما يتيحه من ~~اتساع أفق وفضاء من مزارع أو على البحر مثلا، حيث لن يتطفل عليك أحد ~~في هذا المكان. والجنات بهذا الشكل التقريبي هي أماكن متسعة، وكل من ~~يدخلها له فيها مساكن طيبة، تلك الجنات تجري من تحتها الأنهار. ومن ~~يدخلونها. { خالدين فيها بإذن ربهم.. } [إبراهيم: 23]. ~~ذلك ms5326 أن الإنسان يحب التنعم ولكن كل تنعم في الدنيا هناك ما ينغصه، ~~وهل يدوم أم لا يدوم؟ وكل منا رأى أناسا عاشت في نعيم ثم نزع منها ~~بحكم الأغيار أو تركوه بحكم الموت. # أما جنة الله ونعيمها فالأمر مختلف ذلك أن النعيم هناك لا يفوتك ولا ~~تفوته لأنه على قدر إمكانات ربك. ونلحظ أن قول الحق سبحانه: { ~~خالدين فيها.. } [إبراهيم: 23]. يوضح أن الخلود في الجنة دائم ~~بإذن من الله. ويتابع سبحانه: { تحيتهم فيها سلام } ~~[إبراهيم: 23]. والتحية هو ما يواجه به الإنسان أخاه إثباتا لسروره ~~بلقائه ولذلك تأتي التحية على مقدار السرور فمرة تكون التحية بمجرد ~~رفع اليد دون مصافحة وقد لا تكتفي بذلك في حالة ازدياد المعزة التي ~~لصاحبك عندك فتصافحه وقد تأخذه في أحضانك، وهكذا ترتقي في التحية، وهي ~~إعلان السرور باللقاء. وتحية الجنة هي السلام لأن السلام أمن كل ~~إنسان سلام مع نفسك فلا تكدرها بحديث النفس الذي يندم على ما فات أو ~~الحلم بعمل قادم، فالسلام في الجنة لن تجد فيه منغصات من الماضي أو ~~الحاضر أو المستقبل وتنسجم مع كل ما حولك في الكون الجماد النبات البشر ~~الملائكة. ولذلك قال الحق سبحانه تذييلا لهذه الآية: { تحيتهم ~~فيها سلام } [إبراهيم: 23]. وهذه أفضل نعمة، وهي الحياة في سلام ~~وأمن، وبعد ذلك تدخل الملائكة عليهم مصداقا لقول الحق سبحانه: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام ~~عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار # [الرعد: 23-24]. ثم يلقون السلام الأعلى من الله وهو القائل: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. وبعد أن شرح الحق سبحانه أحوال أهل القرب والسعادة، وأهل ~~البعد والشقاء، أراد عز وجل أن يضرب لنا مثلا يوضح فيه الفارق بين ~~منهج السعداء الذين عاشوا بمنهج الله، ومنهج الأشقياء الذين اتبعوا مناهج ~~شتى غير منهج الله، فقال سبحانه: { ألم تر كيف ضرب الله ~~مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السمآء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ~~ربها... }. ### || [14.24-25] # والمثل هو الشيء الذي يوضح بالجلي الخفي. وأنت تقول ms5327 لصديق لك: هل ~~رأيت فلانا؟ فيقول لك: لا لم أره فتقول له: إنه يشبه صديقنا علان. ~~وهكذا توضح أنت من خفي عن مخيلة صديقك بمن هو واضح الصورة في ~~مخيلته. والحق - سبحانه وتعالى - يضرب لنا الأمثال بالأمور المحسة، ~~كي ينقل المعاني إلى أذهاننا لأن الإنسان له إلف بالمحس وإدراكات ~~حواسه تعطيه أمورا حسية أولا، ثم تحقق له المعاني بعد ذلك. ويقول الحق ~~سبحانه: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها.. # [البقرة: 26]. وقد قال الكافرون: أيضرب الحق مثلا ببعوضة؟ ذلك أنهم لم ~~يعرفوا أن البعوضة لها حياة، وفيها حركة كأي كائن وتركيبها التشريحي ~~يتشابه مع التركيب التشريحي لكل الأحياء في التفاصيل ويؤدي كل الوظائف ~~الحيوية المطلوبة منه. ولا أحد غير الدارسين لعلم الحشرات يمكن أن يعرف ~~كيف تتنفس، أو كيف تهضم طعامها ولا كيفية وجود جهاز دموي فيها أو مكان ~~الغدد الخاصة بها وهي حشرة دقيقة الصنع. وهو سبحانه ضرب الأمثال الكثيرة ~~ليوضح الأمر الخفي بأمر جلي. ومن بعد ذلك ينتشر المثل بين الناس. ~~ونقول: إن كلمة " ضرب " مثلها مثل " ضرب العملة " ، وكان الناس قديما ~~يأتون بقطع من الفضة أو الذهب ويشكلونها بقدر وشكل محدد لتدل ~~على قيمة ما، وتصير بذلك عملة متداولة، ويقال - أيضا - " ضرب في ~~مصر " أي: اعتمد وصار أمرا واقعا. وكذلك المثل حين ينتشر ويصبح أمرا ~~واقعا. والمثل الذي يضربه الحق سبحانه هنا هو الكلمة الطيبة ولها أربع ~~خصائص: { كشجرة طيبة.. } [إبراهيم: 24]. أي: تعطيك طيبا ~~تستريح له نفسك إما منظرا أو رائحة أو ثمارا أو كل ذلك مجتمعا ~~فقوله: { كشجرة طيبة.. } [إبراهيم: 24]. يوحي بأن كل الحواس ~~تجد فيها ما يريحها وكلمة " طيبة " مأخوذة من الطيب في جميع وسائل ~~الإحساس. فالخاصية الأولى، أنها شجرة طيبة، أما الخاصية الثانية فهي أن ~~أصلها ثابت، كإيمان المؤمن المحب، والثالثة أن فروعها في السماء، وهذا ~~دليل أيضا على ثبات الأصل وطيب منبتها. أما الخاصية الرابعة فهي أن تؤتي ~~أكلها كل حين بإذن ربها، أي: فيها عطاء المدد الذي لا ms5328 يعرف الحد ولا ~~العدد، وهي تدل على صفات المؤمنين المحبين. وبما أنها شجرة طيبة فهي كائن ~~نباتي لا بد لها من أن تتغذى لتحفظ مقومات حياتها. ومقومات ~~حياة النبات توجد في الأرض، فإن كانت الشجرة مخلخلة وغير ثابتة فهي ~~لن تستطيع أن تأخذ غذاءها. ولذلك يقول الحق سبحانه عن تلك الشجرة: { ~~أصلها ثابت وفرعها في السمآء. # . } [إبراهيم: 24]. وكلنا نظن أن الشجرة تأخذ غذاءها من الجذور فقط ولكن ~~الحقيقة العلمية تؤكد أن الشجرة تأخذ خمسة بالمائة من غذائها عبر ~~الجذور والباقي تأخذه من الهواء، وكلما كان الهواء نظيفا فالشجرة تنمو ~~بأقصى ما فيها من طاقة حتى تكاد أن تبلغ فروعها السماء. أما إن كانت ~~البيئة غير نظيفة وملوثة فالهواء يكون غير نظيف بما لا يسمح للشجرة ~~أن تنمو النمو المناسب فتمر الأغيار غير المناسبة على الشجرة، فلا ~~تستخلص منها الغذاء المناسب، ولا تنمو النمو المناسب. اللهم إلا إذا نزل ~~عليها المطر فيغسل أوراقها. إذن: فقول الحق سبحانه: { أصلها ~~ثابت.. } [إبراهيم: 24]. يعني: أنها تأخذ من الأرض. وقوله: { ~~وفرعها في السمآء.. } [إبراهيم: 24]. يبين أنها تأخذ من ~~أعلى. ويتابع سبحانه: { تؤتي أكلها كل حين.. } [إبراهيم: ~~25]. والأكل هو ما يؤكل ويتمتع به، ولكنا لا نأخذ المعنى هنا على ~~ما يؤكل بالفم فقط ذلك أن هناك أشجارا ونباتات طيبة لأن مزاج الكون ~~العام يتطلبها فالظل مثلا يستفاد منه وكذلك هناك أشجار يتفاعل وجودها ~~مع الأثير ويأخذ منها رائحة طيبة. والمثل في ذلك: الطفل البدوي الذي ~~شاهد نخيل جيرانه مثمرا بالبلح، ولكن النخلة التي يملكونها غير مثمرة، ~~وتساءل: لماذا؟ وذهب ليقطعها، فلحقه والده ومنعه من ذلك، وقال له: إن ~~نخلتنا هي الذكر الذي ينتج اللقاح اللازم لبقية النخيل كي تثمر. ولذلك ~~فأنا لا أوافق المفسرين الذين ذهبوا إلى تفسير قوله الحق: { كشجرة ~~طيبة.. } [إبراهيم: 24]. بأنها مثل شجرة التفاح وغيرها من الأشجار ~~المثمرة ذلك أن كل شجرة حتى ولو كانت شجرة حنظل فهي طيبة بفائدتها التي ~~أودعها الحق إياها فشجرة الحنظل نأخذ منها دواء - قد يكون مرير الطعم ms5329 ~~- لكنه يشفي بعضا من الأمراض بإذن الله. ذلك أن كل ما هو موصوف بشجرة له ~~مهمة طيبة في هذا الكون. وقول الحق سبحانه: { تؤتي أكلها ~~كل حين.. } [إبراهيم: 25]. يدلنا على أن هناك قدرا مشتركا بين ~~الشجر كله مثمرا بما نراه من فاكهة أو غير ذلك. وقد نبهنا العلم ~~الحديث إلى أن كل خضرة إنما تنقي الجو بما تأخذ منه من ثاني أوكسيد ~~الكربون، وبما تضيف لنا من أوكسجين وتستمر الخضرة في ذلك نهارا وتقلب ~~مهمتها بإرسال ثاني أوكسيد الكربون ليلا وامتصاص الأوكسجين، وكأنها ~~مبرمجة على فهم أن النهار يقتضي الحركة. ويحتاج الكائن الحي فيه إلى ~~المزيد من وقود الحركة وهو الأوكسجين والإنسان أثناء الحركة يستهلك كمية ~~كبيرة من الأوكسجين ونجد من يصعد سلما ينهج لأن رئتيه تحاولان ~~امتصاص أكبر قدر من الأوكسجين ليؤكسد الدم، وينتج الطاقة اللازمة ~~للصعود. وهكذا نجد كل خضرة إنما تقوم بوظائف محددة لها سلفا من قبل ~~الخالق الأعلى. ولذلك اختلف العلماء عند تفسير: { تؤتي أكلها ~~كل حين. # . } [إبراهيم: 25]. فمنهم من قال: إن " الحين " يطلق على اللحظة مثل ~~قول الحق سبحانه: # فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ ~~تنظرون # [الواقعة: 83-84]. وقال مفسر آخر: إن " الحين " يقصد به الصباح ~~والمساء، والحق سبحانه هو القائل: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون.. # [الروم: 17]. وأقول: فلننتبه إلى أن " الحين " هو الوقت الذي يحين فيه ~~المقدور فإذا كان الحين هو لحظة بلوغ الروح إلى الحلقوم فهذه اللحظة ~~هي المراد ب " الحين " هنا، وإذا كان المقصود بها زمنا أطول من ذلك ~~صباحا أو مساء فهذا الزمن ينسحب عليه معنى الحين. والحق سبحانه هو ~~القائل: # والصابرين في البأسآء والضراء وحين البأس.. # [البقرة: 177]. والبأس يعني الحرب ومدة الحرب قد تطول. وكذلك يقول الحق ~~سبحانه: # ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين # [الأعراف: 24]. وهكذا يكون معنى " الحين " هنا هو الأجل غير المسمى ~~الذي يمتد إلى أن تتبدل الأرض غير الأرض والسماء غير السماء. إذن: فلا ~~يوجد توقيت محدد المدة يمكن أن نحدد به معنى " حين ". ويذيل ms5330 الحق ~~سبحانه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: { ويضرب ~~الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون } [إبراهيم: ~~25]. وضرب المثل معناه إيقاع شيء صغير ليدل على شيء كبير أو بشيء جلي ~~ليدل على شيء خفي ليقرب المعنويات إلى وسائل الإدراكات الأولى، وهي ~~مدركات الحس من سمع وبصر وبقية وسائل الإدراك. وحين تأتي المعاني ~~التي تناسب الطموح العقلي فالإنسان يتجاوز مرحلة الحس إلى المعلومات ~~المعنوية فيقربها الحق سبحانه بأن يضرب لنا الأمثال التي توصل لنا المعنى ~~المطلوب إيصاله. والحق سبحانه لا يستحي - كما قال - أن يضرب مثلا ~~بالبعوضة وما فوقها. والبعض من المستشرقين يقول: ولماذا لم يقل " وما ~~تحتها "؟ ونقول لمن يقول ذلك: أنت لم تفهم اللغة العربية لذلك لم ~~تستقبل القرآن بالملكة العربية ذلك أن المثل يضرب بالشيء الدقيق وما ~~فوق الدقيق هو الأدق. والحق سبحانه يضرب لنا المثل للحياة الدنيا، وهي ~~الحياة التي من لدن خلق الله للإنسان ذلك أنه كانت هناك أجناس أخرى ~~قبل الإنسان، وهو سبحانه هنا يوضح لنا بالمثل ما يخص الحياة من لحظة ~~خلق آدم إلى أن تقوم الساعة، وهو يطويها - تلك الحياة الطويلة ~~العريضة التي تستغرق أعمال أجيال - ويعطيها لنا في صورة مثل موجز، ~~فيقول لنا: # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا # [الكهف: 45]. وهكذا يطوي الحق سبحانه الحياة كلها في هذا المثل من ماء ~~ينزل ونبات ينمو لينضج ثم تذروه الرياح. # وأيضا يقول الحق سبحانه: # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد ~~كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه ~~مصفرا ثم يكون حطاما.. # [الحديد: 20]. وهكذا يطوي الحق سبحانه الحياة الدنيا بطولها وعرضها ~~في هذا المثل البسيط لنرى ما يوضح لنا المعاني الخفية في صورة ~~محسة بحيث يستطيع العقل الفطري أن يدرك ما يريده الله منها. ونعلم ~~أن المحسات تدرك أولا بعض الأشياء ثم ترتقي إلى مرتبة التخيل ثم ~~يأتي التوهم فمراحل ms5331 الإدراك للأشياء الخفية هي الحس أولا ثم التخيل ~~ثانيا ثم التوهم ثالثا. والتخيل هو أن تجمع صورة كلية ليس لها وجود ~~في الخارج وإن كانت مكونة من مادة وأشياء موجودة في هذا الخارج. ~~والمثل على ذلك هو قول الشاعر الذي أراد أن يصف الوشم على يد حبيبته، ~~فقال: # خوض كأن بنانها # في نقشه الوشم المزرد # سمك من البلور في # شبك تكون من زبرجد # وحين تبحث في الصورة الكلية لتلك الأبيات من الشعر لن تجدها موجودة في ~~الواقع ولكن الشاعر أوجدها من مكونات ومفردات موجودة في الواقع ~~فالسمك موجود ومعروف والبلور موجود ومعروف وكذلك الشبك والزبرجد، ~~وقام الشاعر بنسج تلك الصورة غير الموجودة من أشياء موجودة بالفعل، وهذا ~~هو الخيال الذي يقرب المعنى. والتوهم يختلف عن الخيال فإذا كان ~~التخيل هو تكوين صورة غير موجودة في الواقع من مفردات موجودة في هذا ~~الواقع فالتوهم هو صورة غير موجودة في الواقع، ومكون من مفردات غير ~~موجودة في الواقع. والحق سبحانه يقول لنا عن الجنة: # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.. # [الزخرف: 71]. ويشرح الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بمذكرة تفسيرية، ~~فيقول: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # والعين وسيلة إدراك وحس وكذلك الأذن، أما ما لا يخطر على القلب فهو ~~ليشرحه الخيال أو الوهم. وهكذا نعلم لماذا يضرب الله لنا الأمثال ~~ليوجز لنا ما يشرح ويوضح بأشياء قريبة من الفهم البشري. وأنت حين ~~تريد أن تكتب لصديق فقد تمسك الورقة والقلم وتدبج رسالة طويلة ولكن ~~إن كنت تملك وقتك فستحاول أن تركز كل المعاني في كلمات قليلة. وكلنا ~~يذكر ما كتبه سعد زغلول زعيم ثورة 1919 المصرية لواحد من أصدقائه بعد أن ~~سطر له رسالة في خمس صفحات وأنهاها: " إني أعتذر عن الإطالة في الخطاب، ~~فلم يكن عندي وقت للإيجاز " وذلك لأن من يوجز إنما يضع معاني كثيرة ~~في كلمات قليلة. وحين طلب أحد القادة المسلمين النصرة من خالد بن ~~الوليد وكان القائد الذي يطلب ms5332 المساعدة محاصرا وأرسل لخالد بن الوليد ~~كلمتين اثنتين " إياك أريد " ، وهكذا اختصر القائد المحاصر ما يرغب ~~إيصاله إلى من ينجده، بإيجاز شديد. # والشاعر يقول: # إذا أراد الله نشر فضيلة # طويت أتاح لها لسان حسود # لولا اشتعال النار فيما جاورت # ما كان يعرف طيب عرف العود # أي: أنه إذا كانت هناك فضيلة مكتومة نسيها الناس فالحق سبحانه يتيح ~~لها لسان حاسد حاقد ليثرثر وينقب لتظهر وتنجلي مثلما يوضع خشب ~~العود - وهو من أرقى ألوان البخور - في النار، فينتشر عطره بين ~~الناس. وهكذا ضرب الشاعر المثل ليوضح أمرا ما للقارئ أو السامع. ~~ويقول الشاعر ضاربا المثل أيضا: # وإذا امرؤ مدح امرءا لنواله # وأطال فيه فقد أطال هجاءه # لو لم يقدر فيه بعد المستقى # عند الورود لما أطال رشاءه # والمقاييس العادية تقول: إن المرء حين يمدح أحدا لفترة طويلة، فهذا ~~يعني الرفعة والمجد للممدوح. ولكن حين يقرأ أحد قول هذا الشاعر قد ~~يتعجب ويندهش، ولكنه يتوقف عند قول الشاعر أن الماء لو كان قريبا في ~~البئر لأخرجه العطشان بدلو مربوط بحبل قصير ولكن إن كان الماء على بعد ~~مسافة في البئر فهذا يقتضي حبلا طويلا لينزل الدلو إلى الماء. وهذا ~~يعني أن طول المدح إنما يعبر عن فظاظة الممدوح الذي لا يستجيب إلا ~~بالثناء الطويل ولو كان الممدوح كريما حقا لاكتفى بكلمة أو كلمتين في ~~مدحه. وهكذا يكون ضرب المثل توضيحا وتقريبا للذهن. وهنا قال الحق ~~سبحانه: { ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم ~~يتذكرون } [إبراهيم: 25]. والتذكر معناه أن شيئا كان معلوما ~~بالفطرة ولكن الغفلة طرأت فيأتي المثل ليذكر بالأمر الفطري. وبعد ~~أن ضرب الحق سبحانه المثل بالكلمة الطيبة بيانا لحال أهل القرب من ~~الله والود معه واتباع منهجه، أراد ان يذكر لنا المقابل، وهو حال ~~الأشقياء الذين أعرضوا عن الله، وعن منهجه، فيقول سبحانه وتعالى: { ~~ومثل كلمة خبيثة كشجرة... }. ### || [14.26] # وحين نقارن الكلمة الخبيثة بالكلمة الطيبة سنكتشف الفارق الشاسع فالكلمة ~~الخبيثة مجتثة من فوق الأرض والجثة كما نعلم هي الجسد الذي خرجت ~~منه الروح، ms5333 ومن بعد أن يصبح جثة يصير رمة ثم يتحلل إلى عناصره ~~الأولى. إذن: فالاجتثاث هو استئصال الشيء من أصله وقلعه من جذوره، أما ~~المقابل في الشجرة الطيبة فأصلها ثابت لا تخلخله ظروف أو أحداث، والكلمة ~~الخبيثة بلا جذور لأنها مجتثة وليس لها قرار تستقر فيه. وحين تكلم ~~المفسرون عن الشجرة الطيبة منهم من قال إنها النخلة لأن كل ما ~~فيها خير فورقها لا يسقط، ويبقى دائما كظل وكل ما فيها ينتفع به. ~~فنحن - على سبيل المثال - نأخذ جذع النخلة ونصنع منه أعمدة في بيوت ~~الريف، وجريد النخل نصنع منه الكراسي والليف الموجود بين الأفرع نأخذه ~~لنصنع منه الحبال والخوص نصنع منه القفف. والذين حاولوا أن يفسروا " ~~الشجرة الخبيثة " بأنها شجرة الحنظل، أو شجرة التين، أو شجرة الكرات ~~لكل هؤلاء أقول: لقد خلقها الحق سبحانه لتكون شجرة طيبة في ظروف احتياجنا ~~لها لأنك حين تنظر إلى الكون ستجد أن مزاجه متنوع ومقومات الحياة ~~ليست هي الأكل والشرب فقط بل هناك توازن بيئي قد صممه الحق تعالى، وهو ~~الأعلم منا جميعا بما خلق ولم يخلق إلا طيبا. وكل شيء في الكون له ~~عطاء مستمر يشع في الجو، والمثل هو تساقط أوراق الشجر التي تعيد ~~الخصب مرة أخرى إلى الأرض. وكلها أمور يبديها الحق سبحانه ولا ~~يبتديها، أي: يظهرها بعد أن كانت موجودة أزلا ومخفية عنا. وهو ~~جل وعلا يرفع قوما ويخفض قوما وهو القائل عن ذاته: # كل يوم هو في شأن # [الرحمن: 29]. وكلنا نعلم أن اليوم عند منطقة ما يبدأ في توقيت ~~معين، وينتهي في توقيت معين وتختلف المناطق الجغرافية وتختلف معها ~~بدايات أي يوم من منطقة إلى أخرى فبعد لحظة من بداية يومك يبدأ يوم آخر ~~في منطقة أخرى وهكذا تتعدد الأيام وبدايات النهار والليل عند مختلف البشر ~~والمجتمعات. ولذلك فحين نسمع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده ~~بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها ". # فمعنى ذلك ms5334 أن يد الله مبسوطة دائما، ذلك أن الليل يبدأ في كل لحظة ~~عند قوم، ويبدأ النهار عند قوم في نفس اللحظة ويتتابع ميلاد الليل ~~والنهار حسب دوران الشمس حول الأرض. وهكذا لا يجب أن نظلم شجرة الثوم، ~~أو شجرة الحنظل، أو أي شجرة من مخلوقات الله ونصفها بأنها شجرة ~~خبيثة، فلا شيء خبيث من مخلوقات الله. # ونحن حين نجد شابا يقوم بثني قطعة من الحديد قد يحسبه الجاهل أنه ~~يسيء استخدام الحديد، ولكن العاقل يعلم أنه يقوم بثنيها ليصنع منها ~~ما يفيده كخطاف يشد به شيئا يلزمه. وعمدة الكلمة الطيبة هي شهادة ~~" لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله " ومن هذه الشهادة يتفرع كل ~~الخير. ومن هنا نعلم أن عمدة الكلمة الخبيثة هي الكفر بتلك الشهادة، ~~وما يتبع الكفر من عناد لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصد عن سبيل ~~الله ومن تكذيب لمعجزات الرسل وإنكار لمنهج الله. ولقائل أن يقول: ما ~~دام الحق سبحانه قد قال إن هناك شجرة خبيثة فلا بد أن توجد تلك ~~الشجرة، وأقول: إن كل ما يضر الإنسان في وقت ما هو خبيث فالسكر ~~مثلا يكون خبيثا بالنسبة لمريض بالسكر وكل كائن فيه حسنات مفيدة وله ~~جانب ضار في حالات معينة وعلى الإنسان المختار أن يميز ما يضره ~~وما ينفعه. ونلحظ هنا في وصف الكلمة الخبيثة بأنها كالشجرة الخبيثة أن ~~الحق سبحانه لم يقل إن تلك الشجرة الخبيثة لها فرع في السماء ذلك ~~أنها مجتثة من الأرض مخلخلة الجذور فلا سند لها من الأرض ولا مدد ~~لها من السماء. ولذلك يصفها الحق سبحانه: { ما لها من قرار } ~~[إبراهيم: 26]. أي: ما لها من ثبات أو قيام، وكذلك الكفر بالله ومن ~~يكفر لا يصعد له عمل طيب، فلا أساس يصعد به العمل أو القول الطيب. ~~ولهذا وصفت الشجرة الخبيثة بصفات ثلاث، أولها: أنها شجرة خبيثة وثانيها: ~~أنها عديمة الأصل بغير ثبات، وثالثها: ما لها من قرار لعدم ثبات الأصل. ~~ثم يبين الله جل علاه متحدثا عن ms5335 حصاد الحالتين، فالأولى: أمن وأمان في ~~الدنيا والآخرة. والحالة الثانية: ظلم بضلال، وقلق بضنك، وفي الآخرة لهم ~~عذاب أليم. ويقول سبحانه وتعالى: { يثبت الله الذين ~~آمنوا... }. ### || [14.27] # وتأتي هنا كلمة " التثبيت " طبيعية بعد قوله: # اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار # [إبراهيم: 26]. لأن الذي يجتث لا ثبوت له ولا استقرار فجاء ~~بالمقابل بقوله: { يثبت الله الذين آمنوا.. } [إبراهيم: ~~27]. وتوحي كلمة التثبيت أيضا بأن الإنسان ابن للأغيار، وتطرأ عليه ~~الأحداث التي هي نتيجة لاختيار المكلفين في نفاذ حكم أو إبطاله، ~~فالمكلف حين يأمره الله بحكم قد ينفذه، وقد لا ينفذه. وكذلك قد ~~يتعرض المكلف لمخالف لمنهج الله، فلا ينفذ هذا المخالف تعاليم ~~المنهج ويؤذي من يتبع التعاليم، وهنا يثق المؤمن أن له إلها لن يخذله ~~في مواجهة تلك الظروف، وسينصره إن قريب أو بعيد على ذلك. وهكذا لا تنال ~~الأحداث من المؤمن، ويصدق قوله الحق: { يثبت الله الذين ~~آمنوا.. } [إبراهيم: 27]. فهم قد آمنوا بوجوده وبقدرته، وبأن له طلاقة ~~مشيئة يثبتهم بها مهما كانت جسامة الأحداث ذلك أن المؤمن يعلم عن يقين ~~أن الحق سبحانه قد قال وصدق: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]. وما دام المؤمن قد ثبت قلبه بالإيمان وبالقول الثابت فهو ~~لا يتعرض لزيغ القلب ولا يتزعزع عن الحق. والتثبيت يختلف في أعراف الناس ~~باختلاف المثبت فحين يخلخل عمود في جدار البيت فصاحب البيت يأتي ~~بالمهندس الذي يقوم بعمل دعائم لتثبيت هذا العمود ويتبادل الناس ~~الإعجاب بقدرات هذا المهندس، ويتحاكى الناس بقدرات هذا المهندس على ~~التثبيت للأعمدة التي كادت أن تنهار، وهذا ما يحدث في عرف البشر فما ~~بالنا بما يمكن أن يفعله خالق البشر؟ وقوله الحق: { يثبت الله ~~الذين آمنوا.. } [إبراهيم: 27]. يردك إلى المثبت الذي لن ~~يطرأ على تثبيته أدنى خلل. وكلمة " التثبيت " دلتنا على أن ~~الإنسان ابن أغيار وقد تحدث له أشياء غير مطابقة لما يريده في ~~الحياة لذلك فالمؤمن يجب ألا يخور لأن له ربا لا تدركه الأبصار، وهو ~~يدرك الأبصار. وسبحانه يثبت الذين آمنوا: ms5336 { بالقول الثابت ~~في الحياة الدنيا.. } [إبراهيم: 27]. والقول ثابت لأنه من ~~الحق الذي لا يتغير وهذا القول موجه للمؤمنين الذين يواجههم ~~قوم أشرار اختاروا أن يكونوا على غير منهج الله. وهذا القول يوضح ~~للمؤمنين ضرورة أن يهدأوا وأن يجعلوا أنفسهم في معية الله دائما، وأن ~~يعلموا أن الظالم لو علم ما أعده الله للمظلوم من ثواب وحسن جزاء ~~لضن الظالم بظلمه على المظلوم ولقال: ولماذا أجعل الله في جانبه؟ ~~والذين اضطهدوافي دينهم وقام الكفار بتعذيبهم لم يفتنوا في الدين ~~فكلما قسا عليهم الكفار ضربا وتعذيبا كلما تذكروا حنان الحق ~~فتحملوا ما يذيقهم الكافرون من عذاب. وحسن الجزاء قد يكون في الدنيا ~~التي يثبت فيها المؤمن بمشيئة الله وهي بنت الأغيار وبنت الأسباب فأنت ~~في الدنيا تحوز على أي شيء بأن تتعب من أجل أن تحصل عليه، وتكد ~~لتتعلم وتعثر على وظيفة أو مهنة ثم تتزوج لتكون أسرة وتخدم غيرك ~~ويخدمك غيرك، وتزاول كل أسبابك بغيرك فأنت تأكل مما تطبخ زوجتك، أو أمك ~~أو من تستخدمه ليؤدي لك هذا العمل. # باختصار كلما ارتقيت فأنت ترتقي بأثر مجهود ما. وكل متعة تحصل عليها ~~إنما هي نتيجة لمجهود جاد منك وأنت تحاول دائما أن تقلل المجهود ~~والأسباب لتزيد من متعتك. فما بالك بالآخرة التي لا تكليف ولا أسباب ~~فيها وكل ما فيها قد جهزه الحق تعالى مقدما للإنسان ثوابا إن آمن، ~~وعذابا إن كفر وعصى، وإن كنت مؤمنا فالحق سبحانه يجازيك بجنة ~~عرضها السماوات والأرض فيها كل ما تشتهي الأنفس. وإذا كان الحق ~~سبحانه يثبت الذين آمنوا في الدنيا بالقول الثابت الحق فتثبيته لهم ~~في الآخرة هو حياة بدون أسباب. ونجده سبحانه لم يقل هنا: الحياة ~~الآخرة، بل قال: { في الحياة الدنيا وفي الآخرة... } ~~[إبراهيم: 27]. ذلك أن الارتقاءات الطموحية في الحياة تكون مناسبة ~~للمجهود المبذول فيها، ولكن الأمر في الآخرة يختلف تماما لأن الحق ~~سبحانه هو الذي يجازي على قدر طلاقة مشيئته، وهو يثبتهم بداية من ~~سؤال القبر ونهاية إلى أن يلقوا الثواب على ms5337 حسن ما فعلوا من خير في ~~سبيل الله. وما دام الحق سبحانه قد ذكر هنا التثبيت في الحياة الدنيا ~~والآخرة فلا بد أن يأتي بالمقابل، ويقول: { ويضل الله ~~الظالمين ويفعل الله ما يشآء } [إبراهيم: 27]. وسبحانه ~~يضل الظالم لأنه اختار أن يظلم وهو سبحانه قد جعل للإنسان حق ~~الاختيار، فمن اختار أن يظلم لا بد له من عقاب. وإذا كان سبحانه قد ~~خلق الخلق وجعل الكون مسخرا لهم وأعطى المؤمن والكافر من عطاء ~~الربوبية فإن اختار الكافر كفره فهو لن ينفذ تكاليف الألوهية التي ~~أنزلها الله منهجا لهداية الناس. والكافر إنما يظلم نفسه ذلك أنه ما دام ~~قد أنس إلى الكفر فالحق سبحانه يختم على قلبه فلا يخرج من القلب الكفر، ~~ولا يدخل إليه الإيمان وهو رب العالمين يفعل ما يشاء. وإذا كان الحق ~~سبحانه يعطي كل إنسان ما يريد وما دام الكافر يطلب أن يكون كافرا ~~فسبحانه يمد له في أسباب الكفر ليأخذه من بعد ذلك بها كما يمد الله ~~للمؤمنين كل أسباب الإيمان مصداقا لقوله الحق: # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك وما ~~كان عطآء ربك محظورا # [الإسراء: 20]. وهكذا تكون طلاقة قدرة الحق سبحانه وهو يفعل ما يشاء، ~~ذلك أنه لا يوجد إله غيره. والحق سبحانه قد أكرمنا بالعبودية له وحده، ~~ذلك أننا رأينا جميعا وشاهدنا أثر عبودية الإنسان للإنسان حين يأخذ ~~السيد خير العبد وقد ذاقت البشرية الكثير من ويلاتها، ولكن العبودية ~~لله تختلف تماما حيث يأخذ العبد خير السيد ويغدق السيد إحسانه على ~~عباده. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ألم تر إلى الذين ~~بدلوا... }. ### || [14.28] # وحين يقول الحق سبحانه: { ألم تر إلى.. } [إبراهيم: 28]. فهذا ~~يعني أن المخبر وهو الحق إذا ما أخبرنا بشيء فهو أصدق من أن تراه ~~أعيننا. وتشير الآية إلى عملية مبادلة بين اعتراف بالنعمة ثم إنكارها. ~~كأن هناك شيئا قد استبعدناه، وأتينا ببديل له. والحق سبحانه هو القائل: # أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.. # [البقرة: 61]. والحق سبحانه وتعالى قد أعطاك النعمة ms5338 ولم يطلب منك أن ~~تقوم بأي تكليف إيماني قبل البلوغ. وهكذا نجد أن النعمة هي الأصل، ~~والتكليف إنما يأتي من بعد ذلك، وكان من الواجب ألا يعصي العبد من ~~أنعم عليه بكل النعم، وأن يتجه إلى التكليف بمحبة كي لا يقلب نعمة الله ~~كفرا. أو: أن المقصود هم قوم قريش الذين أفاء الله عليهم الخير، وجعل ~~لهم الحرم آمنا: # أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات ~~كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون # [القصص: 57]. وكذلك أنعم عليهم بأن يكون نبي الإسلام - الدين الخاتم - ~~منهم، وهو النبي الذي ستدين له الدنيا والعالم في كل زمان ومكان فلماذا ~~يبدلون تلك النعمة كفرا؟ أما كانت تلك النعمة وحدها كافية لمقابلتها ~~بعميق الشكر وحسن العبادة؟ فهذا النبي الذي قال الحق سبحانه عن رسالته: # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون # [الزخرف: 44]. وهو سبحانه القائل عن نعمه عليهم: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * ~~فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 1-4]. فكيف يبدلون نعمة الله كفرا؟ وكيف يسيئون معاملة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه حتى قال صلى الله عليه وسلم: # " اللهم اجعل سنينهم كسنين يوسف ". # وخرج لقتالهم في بدر وهم الذين صنعوا بأنفسهم ذلك نتيجة تبديلهم لنعمة ~~الله كفرا، ولماذا قبلوا عطاء الحق من خير ونعم ورفضوا منهجه؟ ولو ~~كانوا قوم صدق مع النفس، وصدق مع ما يعتقدونه لطلبوا من الأصنام أن ~~تعطيهم أو لرفضوا أن يأخذوا خير المنعم ما داموا قد رفضوا منهجه، وهو ~~سبحانه قد أنعم عليهم بمقومات المادة وأضاف لذلك منهجه مقوم الروح. ~~وحين نقرأ قول الحق سبحانه: { وأحلوا قومهم دار البوار ~~} [إبراهيم: 28]. نفهم أن الإحلال هو إيجاد حال في محل. ونعلم أن ~~الظرف ينقسم إلى قسمين: ظرف مكان، وظرف زمان فإذا أحللت حدثا محل ~~حدث فهذا يخص ظرف الزمان، وحين تحل شيئا مكان شيء آخر، فهذا أمر ~~يخص ظرف المكان. وهنا يقول الحق سبحانه: { وأحلوا قومهم ~~دار البوار } [إبراهيم: 28]. وهذا يعني ظرف ms5339 مكان. ولقائل أن يقول: ~~وكيف يأخذون أهلهم وقومهم ليحلوهم إلى دار بوار؟ ونقول: لقد حدث ذلك ~~نتيجة أنهم قد غشوهم وخدعوهم، ولم يستعمل هؤلاء الأهل عقولهم ولم ~~يلتفتوا إلى أن قادتهم وأولي الأمر منهم يسلكون السلوك السيء وعليهم ~~ألا يقلدوهم فجروا عليهم الفتن واحدة تلو أخرى، وترين الفتن على ~~القلوب. # ولهذا أراد الحق سبحانه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون بها ~~مناعات من الفتن فتحث النفس اللوامة المؤمن فيكثر الحسنات ليبطل ~~السيئات، وإذا ما تحولت النفس اللوامة إلى نفس أمارة بالسوء وجدت في ~~المجتمع المسلم من يزجرها. وبهذا تصبح أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~محصنة ضد الفتن التي تذهب الإيمان. ويقول الحق سبحانه: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر.. # [آل عمران: 110]. ويذكرنا الحق سبحانه بأن الرسول سيكون شهيدا ~~علينا، ونحن سنكون شهداء على الناس، وهكذا ضمن الحق سبحانه أن يعلم كل ~~واحد من أمة محمد جزئية من العلم ليكون امتدادا لرسالة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ومثلما شهد الرسول أنه قد بلغ الرسالة سيكون على كل ~~واحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يشهد بأنه قد بلغ ما علم من ~~رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وكل منا يعلم كيف حدثت الغفلة الأولى ~~حيث حدثت الغفلة من الأسوة فزاحمتهم الشهوات وارتكبوا السيئات، فحين ~~غفلت النفس ارتكبت المعصية وحين رأى الناس من يرتكب المعصية ~~قلدوه. وهكذا حمل من وقع في الغفلة وزره ووزر من اتبعه ~~بالأسوة السيئة فصار ضالا في ذاته ثم تحمل وزر من أضله أيضا. ~~وهكذا صار من فعل ذلك هو من أحل قومه دار البوار. والبوار يعني ~~الهلاك ذلك أن الكبار من هؤلاء القوم حين تصرفوا وسلكوا بما يخالف ~~المنهج أورثوا من اتبعوهم الهلاك. ونحن في الريف نصف الأرض التي لا ~~تصلح للزراعة بأنها الأرض البور وكذلك يقال " قمنا بتبوير الأرض " ~~أي: أهلكنا ما فيها من زرع. وحين نقرأ قول الحق: { وأحلوا ~~قومهم دار البوار } [إبراهيم: 28]. نجد في ms5340 كلمة " قومهم " ما ~~يوحي بالخسة لمن يرتكبون هذا الفعل الشائن فمن يهلك قومه لا ~~بد أن يكون خسيسا ولا بد أن يكون محترف غش وخديعة فالقوم هم من ~~يقومون معهم وكان من اللائق أن تضرب على يد من يصيبهم بشر أو يغشهم ~~أو يخدعهم. ويشرح الحق سبحانه دار البوار هذه، فيقول: { جهنم ~~يصلونها وبئس... }. ### || [14.29] # وإذا قسنا جهنم بالمقرات فلن نجد من يرغب في أن تكون جهنم هي مقره ~~لأن الإنسان يحب أن يستقر في المكان الذي يجد فيه راحة ولو لم يجد في هذا ~~المكان راحة فهو يتركه. وجهنم التي يصلونها لن تكون المقر الذي ~~يجدون فيه أدنى راحة لأن العذاب مقيم بها ولذلك يصفها الحق سبحانه ~~بأنها: { وبئس القرار } [إبراهيم: 29]. فكأنهم ممسوكون بكلاليب ~~فلا يستطيعون منها فكاكا. وهي تقول: # هل من مزيد # [ق:30]. وكأنهم قد عشقوا النار فعشقتهم النار، ولو كانت لديهم قدرة ~~على أن يفروا منها لفعلوا، لكنهم مربوطون بها وهي مربوطة بهم وهي بئس ~~القرار لأن أحدا لن يخرج منها إلا أن يشاء الله. ويقول الحق سبحانه من ~~بعد ذلك: { وجعلوا لله أندادا ليضلوا... }. ### || [14.30] # والند هو: المثل والمشابه. وهم قد اتخذوا لله شركاء وأي شريك ~~اتخذوه لم يقل لهم عن النعم التي أسبغها عليهم ولم ينزل لهم منهجا. ~~وهؤلاء الشركاء كانوا أصناما، أو أشجارا، أو الشمس، أو القمر، أو ~~النجوم، ولم يقل كائن من هؤلاء: ماذا أعطى من نعم ليعبدوه؟ ونعلم أن ~~العبادة تقتضي أمرا وتقتضي نهيا، ولم ينزل أي من هؤلاء الشركاء ~~منهجا كي يتبعه من يعبدونهم ولا ثواب على العبادة ولا عقاب على عدم ~~العبادة. ولذلك نجد أن مثل هؤلاء إنما اتجهوا إلى عبادة هؤلاء الشركاء ~~لأنهم لم يأتوا بمنهج يلتزمون به. ولذلك نجد الدجالين الذين يدعون ~~أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم ويتصرفون مع من يصدقونهم من ~~الأتباع، وكأنهم كائنات أرقى من النبي صلى الله عليه وسلم - والعياذ ~~بالله منهم -. ومن العجيب أننا نجد بعضا من المثقفين وهم يتبعون هؤلاء ~~الدجالين. ms5341 وقد يبتعد عنه بسطاء الناس ذلك أن النفس الفطرية تحب أن تعيش ~~على فطرة الإيمان أما من يأتي ليخفف من أحكام الدين فيهواه بعض ~~ممن يتلمسون الفكاك من المنهج. وبذلك يجعل هؤلاء الأتباع من يخفف ~~عنهم المنهج ندا لله - والعياذ بالله - ويضلون بذلك عن الإيمان. والحق ~~سبحانه يقول هنا: { وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن ~~سبيله.. } [إبراهيم: 30]. أي: ليضلوا غيرهم عن سبيل الله. وهناك ~~قراءة أخرى لنفس الآية " ليضلوا عن سبيل الله " ، وأنت ساعة تسمع ~~حدثا يوجد ليجيء حدث كنتيجة له، فأنت تأتي ب " لام التعليل " كقولك " ~~ذاكر الطالب لينجح " هنا أنت لم تأت بفعل ونقيضه. وهل كانوا يضلون ~~أنفسهم؟ لا، بل كانوا يتصورون أنهم على هدى واستقامة، وهذه تسمى " ~~لام العاقبة " وهي تعني أنه قد يحدث بعد الفعل فعل آخر كان واردا. ~~وهذه تسمى " لام تعليلية ". ولكن قد يأتي فعل بعد الفعل ولم يكن ~~صاحب الفعل يريده كما فعل فرعون حين التقط موسى عليه السلام من الماء ~~ليكون ابنا له ولكن شاء الحق سبحانه أن يجعله عدوا. وساعة التقاط فرعون ~~لموسى لم يكن فرعون يريد أن يكبر موسى ليصبح عدوا له ولكنها مشيئة الله ~~التي أرادت ذلك لتخطئة من ظن نفسه قادرا على التحكم في الأحداث، ~~بداية من ادعاء الألوهية، ومرورا بذبح الأطفال الذكور، ثم يأتي التقاطه ~~لموسى ليكون قرة عين له فينشأ موسى ويكبر ليكون عدوا له!! ويتابع ~~الحق سبحانه: { قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار } ~~[إبراهيم: 30]. وهذا أمر من الله لمحمد أن يقول لهم: تمتعوا. وهذا أمر من ~~الله. والعبادة أمر من الله ، فهل إن تمتعوا يكونون قد أطاعوا الله؟ وهنا ~~نقول: إن هذا أمر تهكمي، ذلك أن الحق سبحانه قال من بعد ذلك: { فإن ~~مصيركم إلى النار } [إبراهيم: 30]. # وعلى هذا نجد أن الأمر إما أن يراد به إنفاذ طلب، وإما أن يراد به ~~الصد عن الطلب بأسلوب تهكمي. ونجد في قول الإمام علي - كرم الله وجهه ~~- قولا يشرح لنا هذا: " لا شر في شر بعده الجنة، ولا ms5342 خير في خير بعده ~~النار ". فمن يقول: إن التكاليف صعبة عليه أن يتذكر أن بعدها الجنة، ~~ومن يرى المعاصي والكفر أمرا هينا، عليه أن يعرف أن بعد ذلك مصيره ~~إلى النار فلا تعزل المقدمات عن الأسباب، ولا تعزل السبب عن المسبب أو ~~المقدمة عن النتائج. فالأب الذي يجد ابنه يلاحق المذاكرة في الليل ~~والنهار ليبني مستقبله قد يشفق عليه، ويسحب الكتاب من يده، ويأمره أن ~~يستريح كل لا يقع في المرض فيصبح كالمنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا ~~أبقى، ولكن الولد يرغب في مواصلة الجهد ليصل إلى مكانة مشرفة. وهنا ~~نجد أن كلا من الأب والابن قد نظرا إلى الخير من زوايا مختلفة ولذلك قد ~~يكون اختلاف النظر إلى الأحداث وسيلة لالتقاءات الخير في الأحداث. وهم ~~حين يسمعون قول الحق سبحانه: { قل تمتعوا فإن مصيركم ~~إلى النار } [إبراهيم: 30]. قد يستبطئون الأحداث ويقول الواحد منهم ~~إلى أن يأتي هذا المصير: قد نجد حلا له. ونقول: فليتذكر كل إنسان أن ~~الأمر المعلق على غير ميعاد محدد قد يأتي فجأة فمن يعيش في معصية ~~إلى عمر التسعين هل يظن أنه سيفر من النار. إنه واهم يخدع نفسه، ذلك ~~أن إبهام الله ليمعاد الموت هو أعنف بيان عنه. وما دام المصير إلى ~~النار فلا متعة في تلك الحياة. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { قل ~~لعبادي الذين آمنوا... }. ### || [14.31] # و { قل } من الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وهل معنى هذا أن ~~العباد الذين سيسمعون هذا الأمر سيقومون إلى الصلاة لقد سمعه بعضهم ولم ~~يقم إلى الصلاة. إذن: من يطع الأمر هو من حقق شرط الإيمان، ~~وعلينا أن ننظر إلى مكتنفات كلمة " عبادي " فعباد الله هم الذين آمنوا، ~~وحين يؤمنون فهم سيعبرون عن هذا الإيمان بالطاعة. وهكذا نفهم معنى ~~الألفاظ لتستقيم معانيها في أساليبها. وكل خلق الله عبيد له ذلك أن ~~هناك أمورا قد أرادها الله في طريقة خلقهم، لا قدرة لهم على مخالفتها ~~فهو سبحانه قد قهرهم في أشياء وخيرهم في أشياء. ms5343 ولذلك أقول دائما ~~للمتمردين على الإيمان بالله لقد ألفتم التمرد على الله ولم ~~يأب طبع واحد منكم على رفض التمرد، فإن كنتم صادقين مع أنفسكم ~~عليكم أن تتمردوا على التنفس فهو أمر لا إرادي، أو تمردوا - إن استطعتم ~~- على المرض وميعاد الموت، ولن تستطيعوا ذلك أبدا. ولكنهم ألفوا ~~التمرد على ما يمكنهم الاختيار فيه. ونسوا أن الله يريد منهم أن ~~يلتزموا بمنهجه فإن اختار المؤمن أن يتبع منهج الله صار من " عباد الله ~~" ، وإن لم يخضع للمنهج فيما له فيه اختيار فهو من العبيد المقهورين على ~~اتباع أوامر الله القهرية فقط. وأنت حين تستقرئ كلمة " عباد " وكلمة " ~~عبيد " في القرآن ستجد قول الحق سبحانه: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]. وتتعدد هنا صفات العباد الذين اختاروا اتباع منهج الله، ~~وستجد كلمة العبيد وهي ملتصقة بمن يتمردون على منهج الله ولن تجد ~~وصفا لهم بأنهم " عباد " إلا في آية واحدة حين يخاطب الحق جل ~~وعلا الذين أضلوا الناس فيقول لهم: # أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل # [الفرقان: 17]. ونلحظ أن زمن هذا الخطاب هو في اليوم الآخر حيث لا يوجد ~~لأحد مرتاد مع الله وحيث يسلب الحق سبحانه كل حق الاختيار من كل ~~الكائنات المختارة. وهكذا لا يمكن لأحد أن يطعن في أن كلمة " عباد " ~~إنما تستخدم في وصف الذين اختاروا عبادة الله والالتزام بمنهجه في ~~الحياة الدنيا ذلك أنهم قد سلموا زمام اختيارهم لله، وأطاعوه في ~~أوامره ونواهيه. ونلحظ أن قول الحق سبحانه: { قل لعبادي الذين ~~آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية.. } [إبراهيم: 31]. هو أمر صادر من الحق سبحانه ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم، وأن المؤمنين في انتظار هذا الأمر لينفذوه ~~فورا، ذلك أن المؤمن يحب أن ينفذ كل أمر يأتيه من الله. # وما دمت قد أبلغتهم يا محمد هذا الأمر فسينفذونه على الفور وقد جاء ~~قوله يقيموا محذوفا منه لام الأمر، تأكيدا على أنهم سيصدعون لتنفيذ ~~الأمر فور سماعه. ms5344 وعادة نجد أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في جمهرة ~~آيات القرآن تأتيان متتابعتين مع بعضهما لأن إقامة الصلاة تتطلب حركة، ~~تتطلب طاقة وتأخذ وقودا والوقود يتطلب حركة ويأخذ زمنا، والزكاة تعني ~~أن تخرج بعضا من ثمرة الزمن، وبعضا من أثر الحركة في الوقت. ونجد ~~الكسالى عن الصلاة يقولون: " إن العمل يأخذ كل الوقت والواحد منا يحاول ~~أن يجمع الصلوات إلى آخر النهار، ويؤديها جميعها قضاء ". وهم لا ~~يلتفتون إلى أن كل فرض حين يؤدى في ميعاده لن يأخذ الوقت الذي ~~يتصورون أنه وقت كبير. وظاهر الأمر أن الصلاة تقلل من ثمرة العمل، لكن ~~الحقيقة أنها تعطي شحنة وطاقة تحفز النفس على المزيد من إتقان العمل ~~وكيف يقبل المصلى على العمل بنفس راضية ذلك أنه بالصلاة قد وقف في حضرة ~~من خلقه، ومن رزقه، ومن كفله. ولذلك يخرج منها هادئا مطمئنا ~~منتبها راضيا وذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أرحنا بها يا بلال ". # والصلاة في كل فرض لن تأخذ أكثر من ربع الساعة بالوضوء، وإذا نسبت وقت ~~الصلوات كلها إلى وقت العمل ستجد أنها تأخذ نسبة بسيطة وتعطي بأكثر مما ~~أخذت. وكذلك الزكاة قد تأخذ منك بعضا من ثمرة الوقت لتعطيه إلى غير ~~القادر، ولكنها تمنحك أمانا اجتماعيا فوق ما تتخيل. ولذلك تجد الصلاة ~~مرتبطة بالزكاة في آيات القرآن ببعضهما، وإقامة الصلاة هي جماع القيم ~~كلها وإيتاء الزكاة جماع قيام الحركات العضلية كلها. وتعالج الصلاة ~~شيئا، وتعالج الزكاة شيئا آخر وكلاهما تصلح مكونات ماهية الإنسان ~~الروح ومقوماتها، والجسد ومقوماته. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " وجعلت قرة عيني في الصلاة ". # وحين تنظر إلى الصلاة والزكاة تجد مصالح الحياة مجتمعة وتتفرع منهما ذلك ~~أن مصالح الحياة قد جمعها صلى الله عليه وسلم في الأركان الخمس للدين، ~~وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. ~~وعرفنا من قبل كيف أخذت الصلاة كل هذه الأركان مجتمعة ms5345 ففيها شهادة أن ~~لا إله إلا الله، وفيها تضحية وتزكية ببعض الوقت وفيها صوم عن كل ما ~~تلتزم به وأنت صائم وأنت تتوجه خلالها إلى قبلة بيت الله الحرام. وهكذا ~~نرى كيف ترتبط حركة الحياة والقيم المصلحة لها بالصلاة والزكاة. ~~ويأمرنا الحق سبحانه في هذه الآية الكريمة بأن ننفق سرا وعلانية، وهكذا ~~يشيع الحق الإنفاق في أمرين متقابلين فالإنفاق سرا كي لا يقع الإنسان ~~فريسة المباهاة والإنفاق علنا كي يعطي غيره من القادرين أسوة حسنة، ~~ولكي تمنع الآخرين من أن يتحدثوا عنك بلهجة فيها الحسد والغيرة مما ~~أفاء الله عليك من خير. # ولذلك أقول: اجعل الصدقة التطوعية سرا، واجعلها كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا تعلم شمالك ما أعطت يمينك ". # واجعل الزكاة علانية حتى يعلم الناس أنك تؤدي ما عليك من حقوق الله ~~وتكون بالنسبة لهم أسوة فعلية، وعظة عملية، واجعلوا من أركان الإسلام ~~عظة سلوكية، فنحن نرى بعضا من القرى والمدن لا يحج منها أحد، لأن ~~القادرين فيها قد أدوا فريضة الحج. ونجد أن القادر الذي يبني مسجدا ~~يعطي القادر غيره أسوة ليبني مسجدا آخر، وما أن يأتي رمضان حتى ~~يصوم القادرون عليه ويعطوا أسوة لصغارهم، وتمنع الاستخذاء أمام الغير، ~~وهكذا نعلن كل تكاليف الإسلام بوضوح أمام المجتمعات كلها. ويقول الحق ~~سبحانه: { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ~~وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن ~~يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال } [إبراهيم: 31]. ومن ~~هنا نعلم أن هناك أعمالا يمكن أن تؤجلها، إلا الغايات التي لا توجد فيها ~~أعواض فعليك أن تنتهز الفرصة وتنفذها على الفور ذلك أن اليوم الآخر لن ~~يكون فيه بيع أو شراء، ولن يستطيع أحد فيه أن يزكي أو يصلي فليست ~~هناك صداقة أو شفاعة تغنيك عما كان يجب أن تقوم به في الحياة الدنيا. ~~والشفاعة فقط هي ما أذن له الرحمن بها، ولذلك يأتي الأمر هنا بسرعة ~~القيام بالصلاة وإيتاء الزكاة والإنفاق سرا وعلانية من قبل أن يأتي ~~اليوم الذي لا ms5346 بيع فيه ولا خلال. والبيع - كما نعلم - هو معارضة ~~متقابلة فهناك من يدفع الثمن وهناك من يأخذ السلعة. والخلال هو ~~المخالة أي: الصديق الوفي الذي تلزمه ويلزمك. والشعر يبين معنى كلمة ~~" خليل " حين يقول: # لما التقينا قرب الشوق جهده # خليلين ذابا لوعة وعتابا # كأن خليلا في خلال خليله # تسرب أثناء العناق وغابا # وهذا يوضح أن المخالة تعني أن يتخلل كل منهما الآخر. وفي الآخرة لن ~~تستطيع أن تشتري جنة أو تفتدي نفسك من النار ولا مخالة هناك بحيث يفيض ~~عليك صديق من حسناته. والحق سبحانه هو القائل: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. وبعض السطحيين يريدون أن يأخذوا على القرآن أنه أثبت ~~الخلة ونفاها فهو القائل: { لا بيع فيه ولا خلال } ~~[إبراهيم: 31]. وهو القائل: # ولا خلة.. # [البقرة: 254]. ثم أثبت الخلة للمتقين الذين لا يزين أحدهما للآخر ~~معصية. وهؤلاء السطحيون لا يحسنون تدبر القرآن ذلك أن الخلة ~~المنفية - أو الخلال المنفية - في الآيات هي الخلال التي تحض على ~~المعاصي وهذه هي الخلال السيئة. ونعلم أن البيع في الحياة الدنيا يكون ~~مقابلة سلعة بثمن أما المخالة ففيها تكرم ممن يقدمها وهو أمر ~~ظاهري لأن في باطنه مقايضة فإذا قدم لك أحد جميلا فهذا يقتضي أن ~~ترد له الجميل أما التكرم المجرد فهو الذي يكون بغير سابق أو لاحق. ~~وبعد أن بين لنا الحق سبحانه السعداء وبين الأشقياء، وضرب المثل ~~بالكلمة الطيبة، وضرب المثل بالكلمة الخبيثة، يأتي من بعد ذلك بما يهيج ~~في المؤمن فرحة في نفسه لأنه آمن بالله الذي صنع كل تلك النعم، ويذكر ~~نعما لا يشترك فيها مع الله أحد أبدا، فيقول: { الله الذي خلق ~~السماوات والأرض... }. ### || [14.32] # والسماء والأرض - كما نعلم - هما ظرفا الحياة لنا كلنا، وقد قال الحق ~~سبحانه: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57]. فإذا كان الله هو الذي خلق السماوات والأرض فهذا لفت لنا ~~على الإجمال لأنه لم يقل لنا ما قاله في مواضع أخرى من القرآن الكريم ~~بأنها من غير عمد ms5347 وليس فيها فطور، ولم يذكر هنا أنه خلق في الأرض ~~رواسي كي لا تميد بنا الأرض، ولم يذكر كيف قدر في الأرض أقواتها، ~~واكتفى هنا بلمحة عن خلق السماوات والأرض. وحين يتكلم سبحانه هنا عن ~~خلق السماوات يأتي بشيء لم يدعه أحد على كثرة المدعين من ~~الملاحدة وذلك لتكون ألزم في الحجة للخصم، وبذلك كشف لهم حقيقة عدم ~~إيمانهم وجعلهم يرون أنهم كفروا نتيجة لدد غير خاضع لمنطق وهو كفر ~~بلا أسباب. وحين يحكم الله حكما لا يوجد لا معارض ولا منازع، فهذا ~~يعني أن الحكم قد سلم له سبحانه. ولم يجترئ أحد من الكافرين على ما قاله ~~الله وكأن الكافر منهم قد أدار الأمر في رأسه، وعلم أن أحدا لم يدع ~~لنفسه خلق السماوات والأرض ولا يجد مفرا من التسليم بأن الله هو الذي ~~خلق السماوات والأرض. وقول الحق سبحانه هنا: { الله الذي خلق ~~السماوات والأرض.. } [إبراهيم: 32]. يوضح لنا أن كلمة " الله ~~" هنا لأنها مناط الصعوبة في التكليف فالتكليف يقف أمام الشهوات وقد ~~تغضبون من التكليف ولكنه يحميكم من بعضكم البعض، ويكفل لكم الأمان ~~والحياة الطيبة. ولم يأت الحق سبحانه بكلمة " رب " هنا لأنها مناط ~~العطاء الذي شاءه للبشر، مؤمنهم وكافرهم. وكلمة " الله " تعني المعبود ~~الذي ينزل الأوامر والنواهي وتعني أن هناك مشقات ولذلك ذكر لهم أنه خلق ~~السماوات والأرض، وأنزل من السماء ماء. ونحن حين نسمع كلمة " السماء " ~~نفهم أنها السماء المقابلة للأرض ولكن التحقيق يؤكد أن السماء هي كل ~~ما علاك فأظلك. والمطر كما نعلم إنما ينزل من الغيم والسحاب. والحق ~~سبحانه هو القائل: # ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ~~ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله.. # [النور: 43]. وقد عرفنا بالعلم التجريبي أن الطائرة - على سبيل المثال - ~~تطير من فوق السحاب، وعلى ذلك فالمطر لا ينزل من السماء بل ينزل مما ~~يعلونا من غيم وسحاب. أو: أنك حين تنسب النزول من السماء فهذا يوضح لنا ~~أن كل أمورنا تأتي من أعلى ولذلك نجد ms5348 الحديد الذي تحتضنه الجبال وينضج في ~~داخلها يقول فيه الحق سبحانه: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. # [الحديد: 25]. # وهكذا نجد أنه إما أن يكون قد نزل كعناصر مع المطر أو لأن الأمر بتكوينه ~~قد نزل من السماء. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يتحدث الحق ~~سبحانه عن خلق السماوات والأرض وكيف أنزل الماء من السماء: { ~~فأخرج به من الثمرات رزقا لكم... } [إبراهيم: 32]. ~~والثمرات هي نتاج ما تعطيه الأرض من نباتات قد تأكل بعضا منها وقد لا ~~تأكل البعض الآخر فنحن نأكل العنب مثلا، ولكنا لا نأكل فروع شجرة العنب، ~~وكذلك نأكل البرتقال ولكنا لا نأكل أوراق وفروع شجرة البرتقال. ويتابع ~~سبحانه: { وسخر لكم الفلك لتجري في البحر ~~بأمره.. } [إبراهيم: 32]. والتسخير معناه قهر الشيء ليكون في خدمة ~~شيء آخر. وتسخير الفلك قد يثير في الذهن سؤالا: كيف يسخر الله ~~الفلك، والإنسان هو الذي يصنعها؟ ولكن لماذا لا يسأل صاحب السؤال نفسه: ~~ومن أين نأتي بالأخشاب التي نصنع منها الألواح التي نصنع منها الفلك؟ ~~ثم من الذي جعل الماء سائلا لتطفو فوقه السفينة؟ ومن الذي سير ~~الرياح لتدفع السفينة؟ كل ذلك من بديع صنع الله سبحانه. وكلمة " الفلك ~~" تأتي مرة ويراد بها الشيء الواحد وتأتي مرة ويراد بها أشياء فهي تصلح ~~أن تكون مفردا أو جمعا. والمثل هو قول الحق سبحانه: # والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس.. # [البقرة: 164]. وكذلك قال في قصة نوح عليه السلام: # واصنع الفلك بأعيننا.. # [هود: 37]. وبعض العلماء يقولون: إذا عاد ضمير التأنيث عليه تكون ~~جمعا وإذا عاد عليها بالتذكير تكون مفردا. ولكني أقول: إن هذا ~~القول غير غالب فسبحانه قد قال عن سفينة نوح وهي مفرد: # تجري بأعيننا.. # [القمر: 14]. ولم يقل: " يجري بأعيننا " ، وهكذا لا يكون التأنيث ~~دليلا على الجمع. ويتابع سبحانه: { وسخر لكم الأنهار.. } ~~[إبراهيم: 32]. ونفهم بطبيعة الحال أن النهر عذب الماء والبحر ماؤه ~~مالح. وسبحانه قد سخر لنا كل شيء بأمره، فهو الذي خلق النهر عذب ~~الماء، وجعل له عمقا يسمح ms5349 في بعض الأحيان بمسير الفلك وأحيانا أخرى ~~لا يسمح العمق بذلك. وجعل البحر عميق القاع لتمرق فيه السفن، وكل ذلك ~~مسخر بأمره، وهو القائل سبحانه: # إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره.. # [الشورى: 33]. أي: أنه سبحانه قد يشاء أن تقف الرياح ساكنة فتركد السفن ~~في البحار والأنهار. ومن عجائب إنباءات القرآن أن الحق سبحانه حينما تكلم ~~عن الريح التي تسير الفلك والسفن قال الشكليون والسطحيون " لم نعد ~~نسير السفن بالرياح بل نسيرها بالطاقة ". ونقول: فلنقرأ قوله الحق: # ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.. # [الأنفال: 46]. و " ريحكم " تعني: قوتكم وطاقتكم فالمراد بالريح القوة ~~المطلقة سواء جاءت من هواء، أو من بخار، أو من ماء. وهذه الآية - التي ~~نحن بصدد خواطرنا عنها - نزلت بعد أن أعلمنا الحق سبحانه بقصة السعداء من ~~المؤمنين والأشقياء الكافرين فكانت تلك الآية بمثابة التكريم للمؤمنين ~~الذين قدروا نعمة الله هذه فلما علموا بها آمنوا به سبحانه. # وكرمتهم هذه الآية لصفاء فطرتهم التي لم تضبب، وتكريم للعقل الذي ~~فكر في الكون، ونظر فيه نظرة اعتبار وتدبر ليستنتج من ظواهر الكون أن ~~هناك إلها خالقا حكيما. وفي الآية تقريع للكافر الذي استقبل هذه ~~النعم، ولم يسمع من أحد أنه خلقها له ولم يخلقها لنفسه، ومع ذلك يكابر ~~ويعاند ويكفر برب هذه النعم. وأول تلك النعم خلق السماوات والأرض ثم ~~إذا نظرت لبقية النعم فستجدها قد جاءت بعد خلق السماوات والأرض وشيء ~~من تلك النعم متصل بالسماء مثل السحاب، وشيء متصل بالأرض مثل الثمرات ~~التي تخرجها. إذن: فالاستقامة الأسلوبية موجودة بين النعمة الأولى وبين ~~النعمة الثانية. ثم قال بعد ذلك: { وسخر لكم الفلك ~~لتجري في البحر بأمره.. } [إبراهيم: 32]. فما هي المناسبة ~~التي جعلت هذا الأمر يأتي بعد هذين الأمرين؟ لأن الفلك طريقها هو ~~البحار ومسارها في الماء. وقد قال الحق سبحانه أنه خلق السماوات والأرض. ~~ومدلول الأرض ينصرف على اليابسة كما ينصرف على المائية، ومن العجيب أن ~~المائية على سطح الكرة الأرضية تساوي ثلاثة أمثال اليابسة ورقعة الماء ~~بذلك تكون ms5350 أوسع من رقعة التراب في الأرض. وما دام الحق سبحانه قد قال ~~إنه أخرج من الأرض ثمرا هي رزق لنا، فلا بد من وجود علاقة ما بين ~~ذلك وتلك، فإذا كانت البحار تأخذ ثلاثة أرباع المساحة من الأرض فلا بد ~~أن يكون فيها للإنسان شيء. وقد شرح الحق سبحانه ذلك في آيات أخرى وأوضح ~~أنه سخر البحر لنأكل منه لحما طريا وتلك مقومات حياة، ونستخرج منه ~~حلية نلبسها وذلك من ترف الحياة. ونرى الفلك مواخر فيه لنبتغي من فضله ~~سبحانه. وبذلك تكون هناك خيرات أخرى غير السمك والحلي ولكنها جاءت ~~بالإجمال لا بالتفصيل فربما لم يكن الناس قادرين في عصر نزول القرآن ~~على أن يفهموا ويعرفوا كل ما في البحار من خيرات ولا تزال الأبحاث ~~العلمية تكشف لنا المزيد من خيرات البحار. وحين نتأمل الآن خيرات البحار ~~نتعجب من جمال المخلوقات التي فيه. إذن: فقوله: # لتبتغوا من فضله.. # [الإسراء: 66]. هو قول إجمالي يلخص وجود أشياء أخرى غير الأسماك ~~وغير الزينة من اللؤلؤ والمرجان وغيرها، ونحن حين نرى مخلوقات أعماق ~~البحار نتعجب من ذلك الخلق أكثر مما نتعجب من الخلق الذي على ~~اليابسة، ومن خلق ما في السماء. وهكذا يكون قوله الحق: # لتبتغوا من فضله.. # [الإسراء: 66]. من آيات الإجمال التي تفصلها آيات الكون فبعض من ~~الآيات القرآنية تفسرها الآيات الكونية، ذلك أن الحق سبحانه لو أوضح كل ~~التفاصيل لما صدق الناس - على عهد نزول القرآن - ذلك. # وعلى سبيل المثال حين تكلم سبحانه عن وسائل المواصلات قال: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ~~ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8]. وقوله تعالى: # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8]. أدخل كل ما اخترعنا نحن البشر من وسائل المواصلات حتى ~~النقل بالأزرار كالفاكس وغير ذلك. وحينما يتكلم سبحانه عن البحار إنما ~~يوضح لنا ما يكمل الكلام عن الأرض. { وسخر لكم الفلك ~~لتجري في البحر بأمره.. } [إبراهيم: 32]. ولو فطن الناس ~~لقالوا عن السفن " جمال البحار " ما داموا قد قالوا عن الجمل إنه " سفينة ~~الصحراء " ولكنهم أخذوا بالمجهول لهم بالمعلوم ms5351 لديهم. وإياك أن تقول: أنا ~~الذي صنعت الشراع وأنا الذي صنعت المركب من الألواح، ذلك أنك صنعت كل ~~ذلك بقواك المخلوقة لك من الله، وبالفكر الموهوب لك من الله ومن المادة ~~الموهوبة لك من الله، فكلها أشياء جاءت بأمر من الله. وهنا يقول ~~سبحانه: { وسخر لكم الأنهار } [إبراهيم: 32]. والنهر ماؤه ~~عادة يكون عذبا ليروي الأشجار التي تنتج الثمار. والأشجار عادة ~~تحتاج ماء عذبا. وهكذا شاء الله أن يكون ماء البحار والمحيطات مخزنا ~~ضخما للمياه يحتل ثلاثة أرباع مساحة الكرة الأرضية، وهي مساحة شاسعة ~~تتيح فرصة لعمليات البخر التي تحول الماء بواسطة الحرارة إلى بخار ~~يصعد إلى أعلى ويصير سحابا فيسقط السحاب الماء بعد أن تخلص أثناء ~~البخر من الأملاح وصار ماء عذبا تروى منه الأشجار التي تحتاجه، ~~وتنتج لنا الثمار التي نحتاجها، وكأن الأملاح التي توجد في مياه البحار ~~تكون لحفظها وصيانتها من العطب. ونعلم أن معظم مياه الأنهار تكون من ~~الأمطار، وهكذا تكون دورة الماء في الكون مياه في البحر تسطع عليها الشمس ~~لتبخرها لتصير سحابا ومن بعد ذلك تسقط مطرا يغذي الأنهار ويصب ~~الزائد مرة أخرى في البحار. ويتابع سبحانه: { وسخر لكم ~~الشمس... }. ### || [14.33] # والشمس آية نهارية والقمر آية ليلية، والماء الذي نشربه له علاقة بالشمس ~~والتي تبخره من مياه البحار ونروي به أيضا الأرض التي تنتج لنا ~~الثمار أما البحار فحساب كل ما يجري فيها يتم حسب التقويم القمري. وهل ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم كل ذلك وهو النبي الأمي؟ طبعا لم ~~يكن ليعلم، بل أنزل الحق سبحانه عليه القرآن يضم حقائق الكون كلها. ~~وقول الحق سبحانه عن الشمس والقمر " دائبين " من الدأب، والدؤوب هو ~~مرور الشيء في عمل رتيب، ونقول " فلان دءوب على المذاكرة " أي: أنه ~~يبذل جهدا منظما رتيبا لتحصيل مواده الدراسية، ولا يبدد وقته. ~~وكذلك الشمس والقمر اللذان أقام الحق سبحانه لهما نظاما دقيقا. وعلى ~~سبيل المثال نحن نحسب اليوم بأوله من الليل ثم النهار ونقسم اليوم إلى ~~أربع وعشرين ساعة ms5352 ولذلك قال الحق سبحانه: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5]. وقال أيضا: # والشمس والقمر حسبانا.. # [الأنعام: 96]. أي: أنك أيها الإنسان ستجعل من ظهور واختفاء أي منهما ~~حسابا. وقد جعلهما الحق سبحانه على دقة في الحركة تيسر علينا أن ~~نحسب بهما الزمن، فلا اصطدام بينهما، ولكل منهما فلك خاص وحركة ~~محسوبة بدقة فلا يصطدمان. ولا يشبهان بطبيعة الحال الساعات التي ~~نستخدمها وتحتاج إلى ضبط. وكلما ارتقينا في صناعة نجد اختراعاتنا فيها ~~تقربنا من عمق الإيمان بالخالق الأعلى. وفي نفس الآية يقول الحق ~~سبحانه: { وسخر لكم الليل والنهار } [إبراهيم: 33]. ~~وبما أن الشمس آية نهارية والقمر آية ليلية، والنهار يسبق الليل في ~~الوجود بالنسبة لنا. كان مقتضى الكلام أن يقول: سخر لكم النهار والليل. ~~ولكن الحق سبحانه أراد أن يعلمنا أن القمر وهو الآية الليلية ويسطع في ~~الليل والليل مخلوق للسكون لكن هذا السكون ليس سببا لوجود الإنسان على ~~الأرض بل السبب هو أن يتحرك الإنسان ويستعمر الأرض ويكد ويكدح فيها. ~~لذلك جعل استهلال الشمس أولا والقمر يستمد ضوءه منها ثم جاء بخبر ~~الليل وخبر النهار، فكأن الله قد اكتنف هذه الآية بنورين. النور الأول: ~~من الشمس. والنور الثاني: من القمر، كي يعلم الإنسان أن حياته مغلفة ~~تغليفا يتيح له الحركة على الأرض، فلا تظنن أيها الإنسان أن الأصل هو ~~النوم! ذلك أنه سبحانه قد خلق النوم لترتاح ثم تصحو لتكدح. ونلحظ أن كلمة ~~" التسخير " تأتي للأشياء الجوهرية، وتأتي للمسخرات أيضا، فالحيوان ~~مسخر لنا، وكذلك النبات والسماء مسخرة بما فيها لنا، أما الليل ~~والنهار فهما نتيجتان لجواهر هما الشمس والقمر والليل والنهار مسببان ~~عن شيئين مباشرين هما: الشمس والقمر. والتسخير - كما نعلم - هو منع ~~الاختيار. وإذا ما سخر الحق سبحانه شيئا فلنعلم أنه منضبط ولا ~~يتأتى فيه اختلال، ولكن الكائن غير المسخر هو الذي يتأتى فيه الاختلال ~~ذلك أنه قد يسير على جادة الصواب، أو قد يخطيء. # وفي مسألة التسخير والاختيار تعب الفلاسفة في دراستها وذهبت المذاهب ~~الفلسفية - وخصوصا في ألمانيا - إلى مذهبين اثنين ظاهرهما ms5353 التعارض ~~ولكنهما يسيران إلى غاية واحدة وهي تبرير الإلحاد. وكان من المقبول أن ~~يكون مذهب يبرر الإلحاد، وأن يبرر الآخر الإيمان، ولكن شاء فلاسفة ~~المذهبين أن يبرروا الإلحاد. وقال فلاسفة أحد المذهبين: أنتم تقولون إن ~~الكون تديره قوة قادرة حكيمة وأن كل ما فيه منضبط بتصرفات محسوبة ~~ودقيقة. ولكن الواقع يقول: إن هناك بعضا من المخالفات التي نراها في ~~الكائنات، والمثل هو تلك الشذوذات التي في الإنسان - على سبيل المثال - ~~فهناك القصير أكثر من اللازم وهناك الطويل أكثر من اللازم وهناك من ~~يولد بعين واحدة وهناك من يولد بذراع عاجز ولو أن القوة التي تدير ~~الكون حكيمة لما ظهرت أمثال تلك الشذوذات. ونرد على صاحب تلك النظرية ~~قائلين: وإذا لم يكن هناك إله، أتستطيع أن تقول لنا الحكمة من وراء ~~وجود تلك الشذوذات؟ فأنت تدفع الحكمة عن الخالق الذي نؤمن به فهل تستطيع ~~أنت إثبات الحكمة لغيره؟ طبعا لن يستطيع أن يرد عليك لأن كلامه ~~مردود. ثم نأتي للمدرسة المقابلة التي تقول: إن النظام الموجود بالكون ~~يدل على أنه لا يوجد له خالق فهو نظام ثابت آلي ولا يوجد إله قادر على ~~أن يقلب آلية هذا الكون. وهكذا كانت هاتان المدرستان مختلفتين ومتعارضتين ~~ولكنهما يؤديان إلى الإلحاد. ونرد على المدرستين قائلين: يا من تأخذ ثبات ~~النظام دليلا على وجود إله فهذا الثبات موجود في الكون الأعلى. ويا من ~~تأخذ الشذوذ دليلا على وجود خالق فهو موجود في الكائنات الأدنى ولو حدث ~~الشذوذ في الكائنات الأعلى لفسدت السماوات والأرض. وقد شاء الحق سبحانه ~~أن يوجد الشذوذ لوجه في الأفراد فواحد يكون شاذا والباقي الغالب يكون ~~سليما. وهكذا يكون الشذوذ في الأفراد غير مانع لقضية وجود خالق أعلى، ~~وإذا أردت ثبات النظام فانظر إلى الكون الأعلى كي تعلم أنه لا يوجد ~~للإنسان مدخل في هذا الأمر. وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد سخر لنا ~~الليل والنهار وهما من الأعراض الناتجة عن تسخير الشمس والقمر وكلا من ~~الشمس والقمر دائبين، يمشي كل منهما ms5354 في حركته مشيا لا تنقطع فيه رتابة ~~العادة. ونضبط أوقاتنا على هذا النظام الرتيب الدقيق، فنحدد - على سبيل ~~المثال - أوائل الفصول ومواسم الزراعة ومواقيت الصلاة. وإذا نظرت إلى ~~أي اختلال قد ينشأ من بعض الظواهر فاعلم أن ذلك قد نشأ من تدخل ~~الإنسان المختار المستخلف في الأرض والمثال هو مشكلة ثقب طبقة ~~الأوزون الموجودة في الغلاف الجوي، والتي قد نشأت من تجاربنا التي نلهث ~~فيها من أجل تحسين حياتنا على الأرض. # ولكننا ننظر إلى التجربة بأفق محدود، ونفصل النظرة الجزئية عن النظرة ~~الكلية المطلوب منا أن ننظر بها لكل ما يحيط بنا في الكون فنتسبب بهذا ~~اللهث في التجارب في إفساد الكثير من أسرار حياتنا على الأرض حتى ~~بتنا نشكو من اضطراب الجو بردا وصقيعا وحرا فوق الاحتمال. وذلك ~~بتدخل الإنسان المختار فيما لا يجب أن يتدخل فيه إلا بعد أن يدرس كل ~~جوانبه. واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه: # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس.. # [الروم: 41]. ولذلك لا بد من دراسة المقدمات والنتائج جيدا قبل أن ~~نضخم من تجاربنا التي قد تضر البشر ولذلك أيضا أقول: إن علينا أن ~~ندرس الآثار الجانبية لكل اختراع علمي كي نحمي البشر من سيئات تلك ~~الآثار الجانبية. ولنتذكر قول الحق سبحانه: # ولا تقف ما ليس لك به علم.. # [الإسراء: 36]. ولعل ما نعيش فيه من مشكلات تتعلق بالجو والصحة هو ~~نتيجة تدخلنا بغير علم مكتمل وهذا يؤكد لنا حكمة الخالق الأعلى ذلك ~~أننا لما خرجنا بالمخترعات العلمية وانبهرنا بفائدتها السطحية ظننا أن ~~في ذلك مكسبا كبيرا ولكنه كان وبالا في بعض الأحيان نتيجة الآثار ~~الجانبية. ولذلك لم يقل الحق سبحانه: " بما اكتسبت أيدي الناس " بل ~~قال: # بما كسبت أيدي الناس.. # [الروم: 41]. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: { ~~وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين وسخر لكم ~~الليل والنهار } [إبراهيم: 33]. وهكذا نعلم أن تعاقب ظهور ~~الشمس والقمر يسبب تعاقب مجيء الليل والنهار. ولا يعني ظهور الشمس ~~وسطوعها أن القمر غير ms5355 موجود فهو موجود، ولكن ضوء الشمس المبهر يمنعك من ~~أن تراه، ولكن هناك أوقات يمكنك أن ترى فيها الشمس والقمر معا. أما ~~الليل والنهار فهما يتتابعان كل منهما خلف الآخر. والحق سبحانه هو ~~القائل: # وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة.. # [الفرقان: 62]. أي: أنهما لا يأتيان معا أبدا فالليل في بلد ما يقابله ~~نهار في بلد آخر. وهكذا أثبت لنا الدأب في الحركة فكل منهما يأتي ~~عقب الآخر وقد جعل الحق سبحانه ذلك من أول لحظة في الخلق وكانا لحظة ~~الوجود خلفة، كل منهما يأتي من بعد الآخر فكأن الكون حين خلقه الله ~~وجعل الشمس في مواجهة الأرض، صار الجزء المواجه للشمس نهارا والجزء غير ~~المواجه لها صار ليلا. ثم دارت الأرض ليأتي الجزء الذي كان غير مواجه ~~للشمس في مواجهتها فصار ليلا، وذهب الجزء الذي كان في مواجهتها، ليكون ~~مكان الجزء الآخر فصار ليلا، وهكذا شاء سبحانه أن يكون كل منهما خلف ~~الآخر. وهكذا تكلم الحق سبحانه عن حصر بعض من نعمه الكلية علينا نحن ~~العباد، سماء، وأرض، وماء ينزل، وثمرات تنبت من الأرض، وكذلك سخر لنا ~~الشمس والقمر، والليل والنهار، وهذا ما يسمى تعديد لبعض النعم. ونجد ~~واحدا من الصالحين يقول عن نعم الله " أعد منها ولا أعددها ". فكأن ~~الله ينبهنا إلى أصول النظام الكوني الأعلى، ثم فتح المجال لنعم أخرى ~~لن يستطيع أحد أن يحصيها. لذلك يقول سبحانه من بعد ذلك: { وآتاكم ~~من كل ما سألتموه... }. ### || [14.34] # نعم، أعطانا الحق سبحانه مما نسأل وقبل أن نسأل، وأعد الكون لنا من ~~قبل أن نوجد. إذن: فسبحانه قد أعطانا من قبل أن نسأل وسبقت النعمة ~~وجود آدم عليه السلام، واستقبل الكون آدم، وهو معد لاستقباله. وإذا ~~نظرت للفرد منا ستجد أن نعم الله عليه قد سبقت من قبل أن نعرف كيف ~~نسأله، والمثل هو الجنين في بطن أمه. وهنا قال الحق سبحانه: { وآتاكم ~~من كل ما سألتموه.. } [إبراهيم: 34]. يعني: أنه قد أعطاك ما ~~تسأله وما لم تسأله، نطقت به أو ms5356 لم تنطق، ولو بحديث النفس أو خواطر ~~خافية، وأنك قد تقترح وتطلب شيئا فهو يعطيه لك. وقد يسأل البعض من باب ~~الرغبة في التحدي - ولله المثل الأعلى - نجد بعض البشر ممن أفاء الله ~~عليهم بجزيل نعمه ويقول الواحد منهم: قل لي ماذا تطلب؟ وقد حدث معي ذلك ~~ونحن في ضيافة واحد ممن أكرمهم الله بكريم عطائه، وكنا في رحلة ~~صحراوية بالمملكة العربية السعودية، وقال لي: أطلب أي شيء وستجده بإذن ~~الله حاضرا. وفكرت في أن أطلب ما لا يمكن أن يوجد معه، وقلت: أريد ~~خيطا وإبرة، فما كان رده إلا " وهل تريدها فتلة بيضاء أم حمراء؟ ". ~~وإذا كان هذا يحدث من البشر فما بالنا بقدرة الله على العطاء؟ ومن حكمة ~~الله سبحانه أنه قال: { وآتاكم من كل ما سألتموه.. } ~~[إبراهيم: 34]. ذلك أن وراء كل عطاء حكمة، ووراء كل منع حكمة أيضا، ~~فالمنع من الله عين العطاء، فالحق سبحانه منزه عن أن يكون موظفا ~~عندك، كما أن الحق سبحانه قد قال: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير.. # [الإسراء: 11]. ولذلك قال: { وآتاكم من كل ما سألتموه.. ~~} [إبراهيم: 34]. أي: بعض مما سألتموه، ذلك أن هناك أسئلة حمقاء لا ~~يجيبكم الله عليها مثل قول أي امرأة يعاندها ابنها " يسقيني نارك " هذه ~~السيدة لو أذاقها الله نار افتقاد ابنها ماذا سوف تفعل. إذن: فمن ~~عظمته سبحانه أن أعطانا ما هو مطابق للحكمة ومنع عنا غير المطابق ~~لحكمته سبحانه، فالعطاء نعمة، والمنع نعمة أيضا، ولو نظر كل منا ~~لعطاء السلب لوجد فيه نعما كثيرة. ويقول سبحانه: # سأوريكم آياتي فلا تستعجلون # [الأنبياء: 37]. لذلك فلا يقولن أحد: " قد دعوت ربي ولم يستجب لي " ~~وعلى الإنسان أن يتذكر قول الحق سبحانه: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # [الإسراء: 11]. فهو سبحانه من يملك حكمة العطاء وحكمة المنع. ولا أحد ~~منا يستطيع أن يعد نعم الله. والعد - كما نعلم - هو حصر ~~لمفردات جمع أو جزئيات كل. ويعلم أهل العلم بالمنطق - ونسميهم ~~المناطقة - أن هناك " كلي " يقابله " جزئي، وهناك " كل " يقابله ms5357 ~~" جزء. # والمثل على " الكلي " الإنسان حيث إننا جميعا مكونين من عناصر ~~متشابهة ومفرد البشر يختلف باختلاف الأسماء أما ما يسمى " كل " ~~فالمثل عليه هو الكرسي، وهو مكون من مواد مختلفة كالخشب والمسامير ~~والغراء، ولا يمكن أن نطلق على الخشب فقط كلمة كرسي وكذلك لا نستطيع أن ~~نسمي " المسامير " بأنها كراسي. وعلى هذا نكون قد عرفنا أن حقيقة ~~الكلي أن مفرداته متطابقة وإن اختلفت أسماؤها، لكن حقيقة الكل أن ~~مفرداته غير متشابهة، وتختلف في حقيقتها. وإذا أردت أن تحصي الكلي ~~فأنت تنطق أسماء الأفراد كأن تقول: محمد وأحمد وعلي وهذا ما يسمى عدا، ~~وهكذا نفهم أن العد هو إحصاء جزئيات الكلي، أو إحصاء أجزاء الكل. ~~ونعلم أنهم قد سموا العد إحصاء لأنهم كانوا يعدون الأشياء ~~قديما بالحصى وأطلقت كلمة الإحصاء على مطلق العد حسابا للأصل، ~~وعرف عدد أجزاء الكلي أو الكل. وكان الإنسان في العصور القديمة يعد - ~~على سبيل المثال - إلى رقم " مائة " ، ثم يحسب كل مائة بحصاة واحدة فإذا ~~تجمع لديه عشر حصوات عرف أن العدد قد صار ألفا، ومن هنا جاءت كلمة ~~الإحصاء، وفي كثير من أمور عصرنا المتقدم ما زلنا نسمي بعض الأشياء ~~بمسميات قديمة فنحسب قوة السيارة بقوة الحصان. وأنت إذا نظرت إلى قول ~~الحق سبحانه: { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. } ~~[إبراهيم: 34]. ستجد الكثير من المعاني، ولكن من يحاولون التصيد ~~للقرآن يقولون: إن هذا أمر غير دقيق فما دام قد حدث العد فكيف لا يتم ~~الإحصاء؟ وهؤلاء ينسون أن المقصود هنا ليس العد في ذاته ولكن المقصود ~~هو إرادة العد. ولو وجدت الإرادة فليس هناك قدرة على استيعاب نعم ~~الله، ومن هنا لا نرى تعارضا في آيات الله، وإنما هو نسق متكامل، فأنت ~~لا تقبل على عد أمر إلا إذا كان غالب الظن أنك قادر على العد، ~~وذلك إذا كان في إمكان البشر، ولكن نعم الله فوق طاقة مقدور البشر. ~~والمثل أيضا على مسألة إرادة الفعل يمكن أن نجده في قوله الحق: # يا أيها الذين آمنوا ms5358 إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم.. # [المائدة: 6]. ونحن لا نغسل وجوهنا لحظة أن نقوم بالصلاة ولكننا نغسلها ~~ونستكمل خطوات الوضوء حين يؤذن المؤذن ونمتلك إرادة الصلاة، فكأن القول ~~هنا يعني: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فافعلوا كذا وكذا. ونعلم أن ~~ذكر الشيء بسببه كأنه هو ولذلك يقال: إذا كان الآذان قد أذن في ~~المسجد وأنت خارج من منزلك بقصد الصلاة فلا تجري لتلحق بالإمام وتدرك ~~الصلاة لأنك في صلاة من لحظة أن توضأت وخرجت من بيتك للصلاة وإياك ~~أن تفعل حركة تتناقض مع الصلاة، وادخل المسجد بسكينة ووقار لتؤدي ~~الصلاة مع الإمام. # وحين نتأمل قول الحق سبحانه: { وإن تعدوا نعمت الله لا ~~تحصوها.. } [إبراهيم: 34]. ستجد أن العادة في اللغة هي استعمال " إن ~~" في حالة الأمر المشكوك فيه، أما الأمر المتيقن فنحن نستخدم " إذا " ~~مثل قوله الحق: # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1]. وقد جاء الحق سبحانه هنا بأسلوب الشك حين قال: { وإن ~~تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. } [إبراهيم: 34]. ذلك أن ~~العاقل يعلم مقدما أنه سيعجز عن إحصاء نعم الله. وكلنا يعلم أن هناك ~~علما اسمه " الإحصاء " وله أقسام جامعية متخصصة. وعلى الرغم من التقدم ~~وصناعة الحاسب الآلي " الكمبيوتر " لم يستطع أحد ولم يقبل أحد على ~~إحصاء نعم الله في الكون، ذلك أن العد والإحصاء يقتضي كليا له ~~أفراد، أو كلا له أجزاء. وأنت إن نظرت إلى أي نعمة من نعم الله قد ~~تظنها نعمة واحدة ولكنك إن فصلت فيها ستجدها نعما متعددة ~~وشتى، وهكذا لا يوجد تناقض في قوله الحق: { وإن تعدوا نعمت ~~الله لا تحصوها.. } [إبراهيم: 34]. وأنت إن أخذت نعمة المياه ~~ستجدها نعما متعددة فهي مكونة من عناصر، كل عنصر فيها نعمة وإن ~~أخذت نعمة الأرض ستجد فيها نعما كثيرة مطمورة، وهكذا تكون كل نعمة ~~من الله مطمور فيها نعم متعددة، ولا تحصى. وحين تنظر في قول الحق ~~سبحانه: { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. } ~~[إبراهيم: 34]. تجد ثلاثة عناصر هي المنعم والنعمة التي حكم الحق ~~سبحانه أنك لن تحصيها، ms5359 وأن خلقه لم يضعوا أنوفهم في أن يعدوا تلك ~~النعمة، فهي لا تحصى لأنها ليست مظنة الإحصاء ولا يقبل عاقل أن يحصيها. ~~والعنصر الثالث هو المنعم عليه، وهو الإنسان الذي قد يعجز عن إحصاء ~~نعم رئيسه من البشر عليه - فما بالك بنعم الله التي لا تحصى، وكمالاته ~~التي لا تحد، وعطائه الذي لا ينفد؟ ولله المثل الأعلى، فهو المنزه عن ~~المثل. ثم يأتي قول الحق سبحانه: { إن الإنسان لظلوم كفار ~~} [إبراهيم: 34]. وهنا في سورة إبراهيم نجد قوله الحق مبينا ظلم الإنسان ~~لنفسه وكفره بالنعمة، وفي كفره للنعمة كفر بالمنعم يقول سبحانه وتعالى: # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها ~~وبئس القرار # [إبراهيم: 28-29]. وهؤلاء هم من ارتكبوا مظالم بالنسبة لعقيدة ~~الوحدانية والإيمان بالله، والإنسان هو المنعم عليه وما كان يصح أن ~~يرى كل تلك النعم ثم يكفر بها، وكان من العدل أن يعطي الحق لصاحبه، ولكن ~~بعضا من البشر بدلوا نعمة الله كفرا وهكذا صاروا ممن يطلق على ~~كل منهم أنه ظلوم في الحكم وأنه كفار لجحوده بالنعمة ونكرانه عطاء ~~الخالق للمخلوق. # والظلم كما نعرف هو أن تنقل الحق من صاحبه إلى غير صاحبه وإن لم تؤمن ~~بالله تكون قد أخذت حق الإله في الوجود، وإن كنت تؤمن بشركاء فأنت ~~تنقل بذلك حقا من الله إلى غيره وهذا ظلم القمة. وانظر إلى قول الحق ~~سبحانه في سورة النحل: # وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر ~~والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات ~~لقوم يعقلون * وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ~~ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون * وهو ~~الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا ~~وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك ~~مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ~~* وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا ~~وسبلا لعلكم تهتدون * وعلامات وبالنجم هم ~~يهتدون * أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ~~* وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله ~~لغفور رحيم # [النحل: 12-18]. فهل هناك ms5360 إرادة أو قدرة تستطيع أن تحصي عطاءات الله ~~التي فوق العد والحد؟ ففي الآيات السابقة وغيرها إعجاز وعجز، وما ~~دام هناك عجز فالكمال عنده لا يتناهى. إن بعضا ممن يستدركون على ~~القرآن يقولون: كيف يقول القرآن مرة: { وإن تعدوا نعمت ~~الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار } [إبراهيم: ~~34]. ثم يقول في آية أخرى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله ~~لغفور رحيم # [النحل: 18]. ونرد على هؤلاء: أنتم لم تنظروا إلى السياق الذي جاء في ~~كل آية، وعميت بصيرتكم عن معرفة أن سياق الآية - التي نحن بصدد ~~خواطرنا عنها - قد جاء فيها ذكر النعم وذكر الجحود والكفران بالنعم ~~وهذا ناشىء عن ظلم الإنسان لنفسه بالظلم العظيم. وفي آية سورة النحل ~~جاء بذكر النعم، ورغم ظلمنا إلا أن رحمته سبحانه وسعتنا، ولم ~~يمنع عنا ما أسبغه علينا من نعم، وكأنه سبحانه يوضح لنا: إياكم ~~أن تستحوا أن تسألوني شيئا وإن كنتم قد ظلمتم وكفرتم في أشياء، ~~فظلمكم يقابله غفران منى، وكافريتكم يقابلها مني رحمة، وهكذا لا يوجد ~~تعارض بين الآيتين بل كل تذييل لكل آية مناسب لها، ففي الآية الأولى ~~يعاملنا الله بعدله، وفي الآية الثانية يعاملنا الله بفضله. ونلحظ أن ~~الحق سبحانه قد قال هنا: { إن الإنسان لظلوم كفار } ~~[إبراهيم: 34] ونعلم أن هناك أناسا قد آمنوا بالله وبنعمه، ويشكرون الله ~~عليها، فكيف يصف الحق سبحانه الإنسان بأنه ظلوم كفار؟ ونقول: إن ~~كلمة " إنسان " إذا أطلقت من غير استثناء فهي تنصرف إلى الخسران ~~والحياة بلا منهج ودون التفات للتفكير في الكون. والحق سبحانه حين أراد ~~أن يوضح لنا ذلك قال: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 1-2]. ولذلك جاء سبحانه بالاستثناء بعدها، فقال: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا ~~بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3]. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { وإذ قال إبراهيم ~~رب اجعل... }. ### || [14.35] # وحين يقول سبحانه إذ أي " اذكر " ويقول من بعد ذلك على لسان إبراهيم ~~رب ولم يقل " يا الله " ذلك أن إبراهيم كان يرفع دعاءه للخالق ~~المربي، لذلك ms5361 قال " ربي " ولم يقل " يا الله " لأن عطاء الله ~~تكليف، وأمام التكليف هناك تخيير في أن تفعل ولا تفعل، مثل قوله سبحانه: # وأقيموا الصلاة.. # [البقرة: 43]. أما عطاء الربوبية فهو ما يقيم حياة المصلين وغير ~~المصلين. ولم تأت مسألة إبراهيم هنا قفزا ولكنا نعلم أن ~~القرآن قد نزل، وأول من سيسمعه هم السادة من قريش الذين تمتعوا ~~بالمهابة والسيادة على الجزيرة العربية ولا يجرؤ أحد على التعرض ~~لقوافلها في رحلتي الشتاء والصيف لليمن والشام وهم قد أخذوا المهابة ~~من البيت الحرام. ولذلك تكلم الحق سبحانه عن النعمة العامة لكل كائن ~~موجود تنتظر أذنه نداء الإسلام وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن النعم ~~التي تخصهم لذلك قال: { رب اجعل هذا البلد آمنا.. } ~~[إبراهيم: 35]. وقد وردت هذه الجملة في سورة البقرة بأسلوب آخر، وهو قول ~~الحق سبحانه: # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا.. # [البقرة: 126]. والفرق بين " البلد " و " بلدا " يحتاج منا أن نشرحه، ~~ف " بلدا " تعني أن المكان كان قفرا ودعا إبراهيم أن يصبح هذا ~~المكان بلدا آمنا أي: أن يجد من يقيمون فيه، يجددون حاجاتهم ~~ومتطلباتهم وتكون وسائل الرزق فيه ميسرة، ودعاؤه أيضا شمل طلب ~~الأمن، أي: ألا يوجد به ما يهدد طمأنينة الناس على يومهم العادي ~~ووسائل رزقهم. وأجاب الحق سبحانه دعاء إبراهيم فصار المكان بلدا وجعله ~~سبحانه آمنا أمانا عاما لأن الإنسان في أي بقعة من بقاع الأرض لا ~~يتخذ مكانا يجلس فيه ويقيم ويتوطن إلا إذا ضمن لنفسه أسباب الأمن من ~~مقومات حياة ومن عدم تفزيعه تفزيعا قويا، وهذا الأمن مطلوب لكل إنسان ~~في أي أرض. وقد دعا إبراهيم عليه السلام هذا الدعاء وقت أن نزل هذا ~~المكان، وكان واديا غير ذي زرع ولا مقومات للحياة فيه فكان دعاؤه هذا ~~الذي جاء ذكره في سورة البقرة. أما هنا فقد صار المكان بلدا وكان ~~الدعاء بالأمن لثاني مرة هي دعوة لأمن خاص ففي غير هذا المكان يمكن أن ~~تقطع شجرة أو يصطاد صيد ولكن في هذا المكان هناك ms5362 أمن خاص جدا ~~أمن للنبات ولكل شيء يوجد فيه فحتى الحيوان لا يصاد فيه وحتى فاعل ~~الجريمة لا يمس. وهكذا اختلف الدعاء الأول بالأمن عن الدعاء الثاني ~~فالدعاء الأول: هو دعاء بالأمن العام والدعاء الثاني: هو دعاء بالأمن ~~الخاص ذلك أن كل بلد يوجد قد يتحقق فيه الأمن العام ولكن بلد البيت ~~الحرام يتمتع بأمن يشمل كل الكائنات. # ويقول بعض من السطحيين: ما دام الحق قد جعل البيت حرما آمنا فلماذا ~~حدث ما حدث من سنوات من اعتداء على الناس في الحرم؟ ونقول: وهل كان أمن ~~الحرم أمرا " كونيا " ، أم تكليفا شرعيا؟ إنه تكليف شرعي عرضة أن ~~يطاع، وعرضة أن يعصى. وقوله سبحانه: # ومن دخله كان آمنا.. # [آل عمران: 97]. يعني أن عليكم أيها المتبعون لدين الله أن ~~تؤمنوا من يدخل الحرم أنهم في أمن وأمان، وهناك فارق بين الأمر ~~التكليفي والأمر الكوني. ويقول سبحانه على لسان إبراهيم: { ~~واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } [إبراهيم: 35]. وهو ~~قول يحمل التنبؤ بما حدث في البيت الحرام على يد عمرو ابن لحي الذي ~~أدخل عبادة الأصنام إلى الكعبة، وهو قول يحمل تنبؤا من إبراهيم عليه ~~السلام. ولقائل أن يسأل: وكيف يدعو إبراهيم بذلك، وهو النبي المعصوم؟ ~~كيف يطلب من الحق أن يجنبه عبادة الأصنام؟ وأقول: وهل العصمة تمنع ~~الإنسان أن يدعو ربه بدوام ما هو عليه؟ إننا نتلقى على سبيل المثال ~~الأمر التكليفي منه سبحانه: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله.. # [النساء: 136]. وهو أمر بالمداومة. والحق سبحانه قد قال على لسان ~~رسوله شعيب - عليه السلام -: # قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم ~~بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنآ أن نعود ~~فيهآ إلا أن يشآء الله ربنا... # [الأعراف: 89]. وفي هذا القول ضراعة إلى المنعم علينا بنعمة الإيمان ~~وفي هذا القول الكريم أيضا إيضاح لطلاقة قدرة الحق سبحانه. ونلحظ أن ~~الحق سبحانه قد قال هنا: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام # [إبراهيم: 35]. والصنم غير الوثن، فالمشكل بشكل إنسان هو الصنم أما ~~قطعة الحجر ms5363 فقد والتي خصها بعض من أهل الجاهلية بالعبادة فهو ~~الوثن. وهناك من أراد أن يخرج بنا من هذا المأزق فقال: إن الكفر ~~نوعان. شرك جلي وشرك خفي. والشرك الجلي أن يعبد الإنسان أي كائن ~~غير الله والشرك الخفي أن يقدس الإنسان الوسائط بينه وبين الله، ~~ويعطيها فوق ما تستحق، وينسب لها بعضا من قدرات الله. ودعاء إبراهيم ~~عليه السلام أن يجنبه وبنيه أن يعبدوا الأصنام يقتضي منا أن نفهم ~~معنى كلمة أبناء ذلك أن إبراهيم قصد بالدعاء بنية الذين يصلون إلى ~~مرتبة الرسالة والنبوة مثله ذلك أننا نعلم أن بعضا من بنية قد عبدوا ~~الأصنام والأوثان. ومعنى كلمة " أبناء " أوضحه سبحانه في مواطن أخرى. ~~ونبدأ من قوله: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن.. # [البقرة: 124]. أي: بعد أن أخبر الله إبراهيم، وكلفه بالمهام التي كلفه ~~الله سبحانه وتعالى بها على وجه التمام أمنه الحق على أن يكون إماما ~~فقال سبحانه: # إني جاعلك للناس إماما.. # [البقرة: 124]. أي: أن حيثية الإمامة هي أداء إبراهيم عليه السلام لكل ~~مهمة بتمامها وبدقة وأمانة، وإذا كان هذا هو دستور الله في الخلق ~~فلا بد لنا من أن نتخلق بأخلاق الله. وعلينا ألا نختار أي إنسان ~~لأية مهمة ليكون إمامها، إلا أن كان كفء لها ويحسن القيام بها. ~~ولنتذكر قوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة " # قال السائل له عن موعد قيام الساعة: وكيف إضاعتها؟ قال: # " إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ". # ذلك أن إسناد أي أمر لغير أهله إنما هو إفساد في الوجود، لأن الأصل في ~~إسناد أي أمر لأي إنسان أن يكون بهدف أن يقوم بالأمر كما يجب، فإذا كان ~~الاختيار سيئا فسيكون هذا الإنسان أسوة في السوء وتنتقل منه عدوى عدم ~~الإتقان إلى غيره ويتفشى السوء في المجتمع، أما إذا تولى الأمر من هو ~~أهل له فالموقف يختلف تماما، فوضع الإنسان في مكانه اللائق، تعتدل به ~~موازين العدل، وفي اعتدال الميزان استقرار للزمان والمكان والإنسان. ~~والمثل على ذلك: أن ms5364 الأولاد الذين تربوا في السعودية ورأوا أن يد ~~السارق تقطع لم نجد منهم من يسرق لأنهم تربوا على أن السارق تقطع ~~يده، وفهموا أن الحق سبحانه لحظة أن يضع عقوبة قاسية فليس هذا إذن ~~بأن تقع الجريمة بل ألا تقع الجريمة. وحين يتساءل من يدعون ~~التحضر: كيف يقول القرآن: # لا إكراه في الدين.. # [البقرة: 256]. وحين تجدون من يخرج عن الدين تقبضون عليه، وينادي ~~البعض بإعدامه؟ ولهؤلاء أقول: وهل هذا الأمر يحسب على الإسلام أم لصالح ~~الإسلام؟ إنه لصالح الإسلام، ذلك أن مثل هذا الحرص على كرامة الدين ~~يهيب الناس أن يدخلوا الدين إلا بعد الإقناع المؤدي لليقين، واليقين ~~هو الوصول إلى الدين الحق مصحوبا بدليل. يقول الحق سبحانه: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. بهذا نعلم أن دخول الإسلام سيكلفه حياته لو أراد أن ~~يخرج منه، لأنه خرج من اليقين الذي دخله بالدليل. وحين دعا إبراهيم - ~~عليه السلام - ربه: { رب اجعل هذا البلد آمنا ~~واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } [إبراهيم: 35]. كان ~~قد نجح في اختبار الله له، ونجح في أداء ما أسند إليه تماما وشاء له ~~الحق سبحانه أن يكون إماما، واستشرف إبراهيم عليه السلام أن تكون ~~الإمامة في ذريته فقال: # ومن ذريتي.. # [البقرة: 124]. فجاءه الجواب من الحق سبحانه: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]. وهكذا أوضح الحق سبحانه أن بنوه الأنبياء ليست بنوة ~~لحم ودم بل بنوة اتباع واقتداء، وكلنا نعلم أن الحق سبحانه قد قال ~~لنوح عن ابنه: # فلا تسئلن ما ليس لك به علم.. # [هود: 46]. ونعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال عن سلمان الذي ~~كان فارسيا: # " سلمان منا آل البيت ". # وفي هذا تأكيد على أن بنوة الأنبياء هي بنوة اتباع واقتداء. ~~ويستكمل الحق سبحانه دعاء إبراهيم عليه السلام فنجد وعي خليل الرحمن ~~بما تفعله عبادة الأصنام: { رب إنهن أضللن كثيرا... }. ### || [14.36] # ونعلم أن الأصنام بذاتها لا تضل أحدا ذلك أنها لا تتكلم ولا تتحدث ~~إلى أحد ولكن القائمين ms5365 عليها بدعوى أن لتلك الأصنام ألوهية ولا تكليف ~~يصدر منها، هم الذين يضلون الناس ويتركونهم كما يقول المثل العامي " على ~~حل شعورهم ". ويرحب بهذا الضلال كل من يكره أن يتبع تعاليم الخالق ~~الواحد الأحد. ويتابع سبحانه ما جاء على لسان إبراهيم عليه السلام من بعد ~~الدعاء: { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم } [إبراهيم: 36]. وهذه تعقيبات في مسألة الغفران ~~والرحمة بعد العصيان فمرة يعقبها الحق سبحانه: # العزيز الحكيم # [المائدة: 118]. ومرة يعقبها: # الغفور الرحيم # [الزمر: 53]. ذلك أن الجرائم تختلف درجاتها، فهناك جريمة الخيانة ~~العظمى أو جريمة القمة مثل من يدعي أنه إله أو من يقول عنه ~~أتباعه أنه إله دون أن يقول لهم هو ذلك. وقد قال عيسى - عليه السلام - ~~بسؤال الحق له: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله.. # [المائدة: 116]. فيأتي قول عيسى عليه السلام: # إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب # [المائدة: 116]. ويتابع عيسى عليه السلام القول: # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118]. وهكذا تأتي العزة والمغفرة بعد ذكر العذاب فهناك ~~مواقف تناسبها العزة والحكمة ومواقف تناسبها المغفرة والرحمة، ولا ~~أحد بقادر على أن يرد لله أمر مغفرة أو رحمة لأنه عزيز وحكيم. ~~وقوله الحق: { رب إنهن أضللن كثيرا من الناس.. } ~~[إبراهيم: 36]. يعكس صفات مناسبة للمقدمات الصدرية في الآية، وتؤكد ~~لنا أن القرآن من حكيم خبير، وأن الله هو الذي أوحى إلى عبده القرآن: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6]. فما الذي يجعله يقول في الآية: # الغفور الرحيم # [الزمر: 53]. وفي آية أخرى: # العزيز الحكيم # [المائدة: 118]. مع أن السياق المعنوي قد يوحي من الظاهر بعكس ذلك؟ ~~وما الذي يجعله سبحانه يقول في آية بعد أن يذكرنا أن نعم الله لا ~~تعد ولا تحصى: # إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]. ويقول في آية أخرى بعد أن يذكرنا بنعم الله بنفس ~~اللفظ: # إن الله لغفور رحيم # [النحل: 18]. وكذلك قوله: # كلا إنها تذكرة * فمن شآء ms5366 ذكره # [عبس: 11-12]. ثم قوله في آية أخرى: # إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا # [الإنسان: 29]. كل ذلك يعطينا حكمة التنزيل، فإن كل آية لها حكمة، ~~وتنزيلها يحمل أسرار المراد. وكل ذلك يأتي تصديقا لقوله الحق: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6]. لأن الحق سبحانه وتعالى شاء أن ينزل القرآن على رسوله، ~~ويضمن أنه سيحفظه ولن ينسى موقع أن مكان آية من الآيات أبدا، ذلك أن ~~الذي قال: # سنقرئك فلا تنسى # الأعلى: 6] هو الحق الخالق القادر. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما ~~قاله إبراهيم عليه السلام: { ربنآ إني أسكنت من ~~ذريتي... }. ### || [14.37] # ونفهم من التعبير في هذه الآية أن المكان لا يصلح للزرع ذلك أنه أرض ~~صخرية وليست أرضا يمكن استصلاحها وقول إبراهيم - عليه السلام -: { ~~غير ذي زرع.. } [إبراهيم: 37]. أي: لا أمل في زراعتها بمجهود ~~إنساني، وليس أمام تواجد الرزق في هذا المكان إلا العطاء الرباني. ولم ~~يكن اختيار المكان نتيجة بحث من إبراهيم عليه السلام ولكن بتكليف ~~إلهي، فسبحانه هو الذي أمر بإقامة القواعد من البيت المحرم، وهو مكان من ~~اختيار الله، وليس من اختيار إبراهيم عليه السلام. وحين يقول إبراهيم ~~عليه السلام: { عند بيتك المحرم.. } [إبراهيم: 37]. فهذا ~~يعني حيثية الرضا بالتكليف، وما دام هذا أمرا تكليفيا يجب أن ينفذ ~~بعشق فهو يأخذ ثوابين اثنين ثواب حب التكليف وثواب القيام بالتكليف. ~~ولنا المثل في حكاية الرجل الذي قابله الأصمعي عند البيت الحرام، وكان ~~يقول: " اللهم، إني قد عصيتك، ولكني أحب من يطيعك، فاجعلها قربة ~~لي ". فقال الأصمعي ما يعني أن الله لا بد أن يغفر لهذا الرجل لحسن ~~مسألته، ذلك أنه رجل قد فرح بحب التكليف ولو لم يقم به هو بل يقوم به ~~غيره وهذا يسعده. فالتكليف عندما يقوم به أي إنسان فذلك أمر في صالح ~~كل البشر، وكلنا نقول حين نصلي ونقرأ الفاتحة: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. أي: أن كلا منا يحشر نفسه في زمرة العابدين لعل الله ~~يتقبل من واحد فندخل كلنا في الصفقة ms5367 ولذلك أقول لمن يرتكب معصية: ~~عليك ألا تغضب، لأن هناك من يطيع الله بل افرح به لأن فرحك بالمطيع ~~لله دليل على أنك تحب التكليف، رغم أنك لا تقدر على نفسك، وفي هذا ~~الحب كرامة لك. وقد قال إبراهيم - عليه السلام - عن الوادي الذي أمره ~~الحق سبحانه أن يقيم فيه القواعد للبيت الحرام أنه واد غير ذي زرع، ~~وقد جاء هو إلى هذا المكان لينفذ تكليف الحق سبحانه له لدرجة أن زوجته ~~هاجر عندما علمت أن الاستقرار في هذا المكان هو بتكليف من الله قالت: " ~~إذن لن يضيعنا ". ويقدم إبراهيم عليه السلام حيثيات الإقامة في هذا ~~المكان، وأسباب إقامته للقواعد كما أراد الله، فيقول: { فاجعل ~~أفئدة من الناس تهوي إليهم.. } [إبراهيم: 37]. أي: ~~أن مجيء الناس إلى هذا المكان لن يكون شهوة سياحة ولكن إقامة عبادة فما ~~دام المكان قد أقيم فيه بيت لله باختيار الله فلا بد أن يعبد فيه ~~سبحانه. وهكذا تتضح تماما حيثيات أخذ الأمر بالوجود في مكان ليس فيه ~~من أسباب الحياة ولا مقوماتها شيء ولكن الحق سبحانه قد أمر بذلك فلا ~~بد للمقيم للصلاة من إقامة حياة والمقوم الأول للحياة هو المأكل ~~والمشرب. # ولذلك دعا إبراهيم عليه السلام: { فاجعل أفئدة من الناس ~~تهوي إليهم.. } [إبراهيم: 37]. والأفئدة جمع " فؤاد " ، وتطلق ~~على الطائفة وعلاقة الفؤاد بالحجيج علاقة قوية لأن الهوى في الحجيج هوى ~~قلوب لا جيوب. وأنت تجد الإنسان يجمع النقود الخاصة بالحج، وقد يحرم نفسه ~~من أشياء كثيرة من أجل أن يحظى بأداء تلك الفريضة. وكلمة " هوى " ~~مكونة من مادة " الهاء " و " الواو " و " الياء " ولها معان متعددة، ~~فلك أن تقول " هوى " أو تقول " هوى " ، فإن قلت: " هوى يهوي " من ~~السقوط من مكان عال دون إرادة منه في السقوط وكأنه مقهور عليه، وإن ~~قلت: " هوى يهوى " فهذا يعني أحب، وهو نتيجة لميل القلوب، لا ~~ميل القوالب. وهنا يقول الحق سبحانه: { فاجعل أفئدة من ~~الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ~~لعلهم يشكرون } [إبراهيم: 37]. فهم في مكان لا يمكن ms5368 زراعته. ~~وقد تقبل الحق سبحانه دعاء إبراهيم عليه السلام ووجدنا التطبيق العملي ~~في قوله الحق: # أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات ~~كل شيء رزقا من لدنا.. # [القصص: 57]. وذلك قبل أن يوجد بترول أو غير ذلك من الثروات. وكلمة " ~~يجبى " تدل على أن الأمر في هذا الرزق القادم من الله كأنه جباية ~~وأمر مفروض، فتكون في الطائف مثلا وفيها من الرمان والعنب وتحاول أن ~~تشتريه فتجد من يقول لك: إن هذا يخص مكة المكرمة إن أردت منه فاذهب ~~إلى هناك. وتجد في كلمة: # ثمرات كل شيء.. # [القصص: 57]. ما يثير العجب والدهشة فأنت في مكة تجد بالفعل ثمرات كل ~~شيء من زراعة أو صناعة ففيها ثمرات الفصول الأربعة قادمة من كل البلاد ~~نتيجة أن كل البيئات تصدر بعضا من إنتاجها إلى مكة. وفي عصرنا الحالي ~~نجد ثمرات النمو الحضاري والعقول المفكرة وهي معروضة في سوق مكة أو ~~جدة بل تجد ثمرات التخطيط والإمكانات وقد تمت ترجمتها إلى واقع ملموس ~~في كل أوجه الحياة هناك. وقديما عندما كنا نؤدي فريضة الحج كنا ~~نأخذ معنا إبرة الخيط وملح الطعام ومن بعد أن توحدت غالبية أرض ~~الجزيرة تحت حكم آل سعود واكتشاف البترول صرنا نذهب إلى هناك، ونأتي ~~بكماليات الحياة. ولنلحظ قول الحق سبحانه: { فاجعل أفئدة ~~من الناس تهوي إليهم.. } [إبراهيم: 37]. فكلمة " من " ~~توضح أن من تهوي قلوبهم إلى المكان هم قطعة من أفئدة الناس، وقال ~~بعض من العارفين بالله: لو أن النص قد جاء " فاجعل أفئدة الناس تهوي ~~إليهم " لوجدنا أبناء الديانات الأخرى قد دخلت أيضا في الحجيج، ومن رحمة ~~الله سبحانه أن جاء النص: { فاجعل أفئدة من الناس ~~تهوي إليهم.. } [إبراهيم: 37]. فاقتصر الحجيج على المسلمين. ~~ويقول سبحانه من بعد ذلك مستكملا ما جاء على لسان إبراهيم عليه ~~السلام: { ربنآ إنك تعلم ما نخفي... }. ### || [14.38] # وبعد أن اطمأن إبراهيم - عليه السلام - أن لهذا البلد أمنا عاما ~~وأمنا خاصا، واطمأن على مقومات الحياة وأن كل شيء من عند الله، بعد ~~كل ذلك عاودته ms5369 المسألة التي كانت تشغله، وهي مسألة تركه لهاجر وإسماعيل ~~في هذا المكان. وبعض المفسرين قالوا: إن الضمير بالجمع في قوله تعالى: ~~{ تعلم ما نخفي وما نعلن.. } [إبراهيم: 38]. مقصود به ما ~~يكنه من الحب لهاجر وإسماعيل، وما يعلنه من الجفاء الذي يظهره ~~لهما أمام سارة، وكأن المعاني النفسية عاودته لحظة أن بدأ في سلام ~~الوداع لهاجر وابنه إسماعيل. ونقول: لقد كانت هاجر هي الأخرى تعيش موقفا ~~صعبا ذلك أنها قد وجدت في مكان ليس فيه زرع ولا ماء، وكأنها كتمت ~~نوازعها البشرية طوال تلك الفترة وصبرت. ولحظة أن جاء إبراهيم ~~ليودعها قالت له: أين تتركنا؟ وهل تتركنا من رأيك أم من أمر ربك؟ ~~فقال لها إبراهيم عليه السلام: بل هو من أمر الله. فقالت: إذن لن ~~يضيعنا. وتأكدت هاجر من أن ما قالته قد تحقق ولن يضيعهما الله، وحين ~~يعطش وحيدها تجري بين الصفا والمروة بحثا عن مياه ولكنها ترى تفجر ~~الماء تحت قدمي ابنها في المكان الذي تركته فيه ويبدأ بئر زمزم في ~~عطاء البشر منذ ذلك التاريخ مياهه التي لا تنضب. وهكذا يتحقق قول إبراهيم ~~- عليه السلام - في أن الله يعلم ما نسر وما نعلن ذلك أن كل معلن ~~لا يكون إلا بعد أن كان مخفيا، وعلى الرغم من أن الله غيب إلا أن ~~صلته لا تقتصر على الغيب بل تشمل العالم الظاهر والباطن وكل مظروف في ~~السماء أو الأرض معلوم لله لأن ما تعتبره أنت غيبا في ذهنك هو معلوم ~~لله من قبل أن يتحرك ذهنك إليه. ولذلك يقول سبحانه في موقع آخر: # وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى # [طه: 7]. فإذا كان السر هو ما أسررت به لغيرك وخرج منك لأنك استأمنت ~~الغير على ألا يقوله، أو كان السر ما أخفيته أنت في نفسك فالله هو ~~العالم به في الحالتين. ويقول القرآن: # وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا.. # [التحريم: 3]. أي: أن السر كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وانتقل إلى بعض من أزواجه. والأخفى ms5370 هو ما قبل أن تبوح بالسر ~~وكتمته ولم تبح به. وسبحانه يعلم هذا السر وما تخفيه. أي: السر الذي ~~لم تقله لأحد، بل ويعلمه قبل أن يكون سرا. ويقول سبحانه ما قاله ~~إبراهيم - عليه السلام - ضراعة وحمدا له سبحانه: { الحمد لله ~~الذي وهب لي... }. ### || [14.39] # والوهب هو عطاء من معط بلا مقابل منك. وكل الذرية هبة، لو لم ~~تكن هبة لكانت رتيبة بين الزوجين وأينما يوجد زوجان توجد. ولذلك قال ~~الله: # يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * ~~أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء ~~عقيما إنه عليم قدير # [الشورى: 49-50]. والدليل على أن الذرية هبة هو ما شاءه سبحانه مع ~~زكريا عليه السلام وقد طلب من الله سبحانه أن يرزقه بغلام يرثه، على ~~الرغم من أنه قد بلغ من الكبر عتيا وزوجه عاقر وقد تعجب زكريا من ~~ذلك لأنه أنجب بقوة، وفي هذا المعنى يقول الحق سبحانه: # كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من ~~قبل ولم تك شيئا # [مريم: 9]. وهذا يعني ألا يدخل زكريا في الأسباب والمسببات ~~والقوانين. وقد سمى الحق سبحانه الذرية هبة لذلك يجب أن نشكر الله ~~على هبته فلا ترد هبته، إن وهب لك إناثا فعلى العين والرأس لأن ~~الذي يقبل هبة الله في إنجاب الإناث برضا يرزقه الله بشباب يتزوجون ~~البنات ويصبحون أطوع له من أبنائه، رغم أنه لم يشق في تربيتهم. وكل ~~منا يرى ذلك في محيطه، فمن أنجب الأولاد الذكور يظل يرقب: هل يتزوج ~~ابنه بمن تخطفه وتجعله أطوع لغيره منه. وإن وهب لك الذكور فعلى العين ~~والرأس أيضا، وعليك أن تطلب من الله أن يكون ابنك من الذرية الصالحة، ~~وإن وهبك ذكرانا وإناثا فلك أن تشكره، وتطلب من الله أن يعينك على ~~تربيتهم. وعلى من جعله الحق سبحانه عقيما أن يشكر ربه لأن العقم ~~أيضا هبة منه سبحانه فقد رأينا الابن الذي يقتل أباه وأمه، ورأينا ~~البنت التي تجحد أباها وأمها. وإن قبل العاقر هبة الله في ذلك وأعلن ms5371 ~~لنفسه ولمن حوله هذا القبول فالحق سبحانه وتعالى يجعل نظرة الناس كلهم ~~له نظرة أبناء لأب، ويجعل كل من يراه من شباب يقول له: " أتريد شيئا ~~يا عم فلان؟ " ويخدمه الجميع بمحبة صافية. وإبراهيم - عليه السلام - قد ~~قال للحق سبحانه: { الحمد لله الذي وهب لي على ~~الكبر.. } [إبراهيم: 39]. والشكر على الهبة - كما عرفنا - يشكل ~~عطاء الذرية في الشباب، أو في الشيخوخة. وأهل التفسير يقولون في: { ~~على الكبر.. } [إبراهيم: 39]. أنه يشكر الحق سبحانه على وهبه ~~إسماعيل وإسحاق مع أنه كبير. ولماذا يستعمل الحق سبحانه على وهي من ثلاثة ~~حروف بدلا من " مع " ولم يقل " الحمد لله الذي وهب لي مع الكبر ~~إسماعيل وإسحاق ". وأقول: إن على تفيد الاستعلاء، فالكبر ضعف، ولكن ~~إرادة الله أقوى من الضعف ولو قال " مع الكبر " فالمعية هنا لا تقتضي ~~قوة، أما قوله: { وهب لي على الكبر.. } [إبراهيم: 39]. فيجعل ~~قدرة الله في العطاء فوق الشيخوخة. وحين يقول إبراهيم عليه السلام ذلك ~~فهو يشكر الله على استجابته لما قاله من قبل: # إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع.. # [إبراهيم: 37]. أي: أنه دعا أن تكون له ذرية. ويذيل الحق سبحانه ~~الآية بقول إبراهيم: { إن ربي لسميع الدعآء } [إبراهيم: ~~39]. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { رب اجعلني... }. ### || [14.40] # وكأن إبراهيم عليه السلام حين دعا بأمر إقامة الصلاة فهذه قضية تخص ~~منهج الله، وهو يسأل الله أن يقبل، ذلك أن الطلبات الأخرى قد طلبها ~~ببشريته وقد يكون ما طلبه شرا أو خيرا ولكن الطلب بأن يجعله مقيما ~~للصلاة هو وذريته هو طلب بالخير. ويتتابع الدعاء في قول الحق سبحانه ~~على لسان إبراهيم عليه السلام: { ربنا اغفر لي ولوالدي... ~~}. ### || [14.41] # ونعلم أن طلب الغفران من المعصوم إيذان بطلاقة قدرة الله في الكون، ~~ذلك أن اختيار الحق سبحانه للرسول - أي رسول - لا يعفى الرسول المختار ~~من الحذر وطلب المغفرة، وها هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إني استغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة ". # وطلب المغفرة من الله إن لم ms5372 يكن لذنب - كما في حال الرسل المعصومين ~~- فهو من الأدب مع الله لأن الخالق - سبحانه وتعالى - يستحق منا فوق ما ~~كلفنا به، فإذا لم نقدر على المندوبات وعلى التطوعات فلندع الحق ~~سبحانه أن يغفر لنا. ومنا من لا يقدر على الفرائض فليدع الله أن ~~يغفر له ولذلك يقال: " حسنات الأبرار سيئات المقربين ". والحق سبحانه ~~يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ~~ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما # [الفتح: 2]. ولذلك أقول دائما إن الحق - جل جلال ذاته - يستحق أن ~~يعبد بفوق ما كلف به فإذا اقتصرنا على أداء ما كلف به سبحانه ~~فكأننا لم نؤد كامل الشكر وما بالنا إذا كان مثل هذا الحال هو سلوك ~~الرسل، خصوصا وأن الحق سبحانه قد زادهم عن خلقه اصطفاء أفلا يزيدنه ~~شكرا وطلبا للمغفرة؟ ونلحظ أن طلب المغفرة هنا قد شمل الوالدين ~~والمؤمنين: { ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين ~~يوم يقوم الحساب } [إبراهيم: 41]. والإنسان كما نعلم له وجود ~~أصلي من آدم عليه السلام وله وجود مباشر من أبويه، وما دام الإنسان قد ~~جاء إلى الدنيا بسبب من والديه، وصار مؤمنا فهو يدعو لهما بالمغفرة، ~~أو: أن الأسوة كانت منهما لذلك يدعو لهما بالمغفرة. والإنسان يدعو ~~للمؤمنين بالمغفرة لأنهم كانوا صحبة له وقدوة، وتواصى معهم وتواصوا ~~معه بالحق والصبر، وكأن إبراهيم - عليه السلام - صاحب الدعاء يدعو ~~للمؤمنين من ذريته وتلك دعوة وشفاعة منه لمن آمن ويرجو الحق سبحانه ~~أن يتقبلها. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { ولا تحسبن الله ~~غافلا عما يعمل... }. ### || [14.42] # وبعد أن ذكر الحق سبحانه وأوضح النعم العامة على الكون، والنعم الخاصة ~~التي أنعم بها سبحانه على من توطنوا مكة، ومن نسلهم من وقف ضد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم موقف العنت، بعد ذلك جاء الحق سبحانه بهذه ~~الآية تعزية وتسرية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ولا ~~تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون.. } ~~[إبراهيم: 42]. وأرضية التصوير التي سبقتها تشتمل بداية التكوين لهذا ~~المكان ms5373 الذي وجدوا به، وكيفية مجيء النعم إلى من توطنوا هذا المكان ~~حيث تجيء إليهم الثمرات، ونعمة المهابة لهم حيث يعصف سبحانه بمن ~~يعاديهم كأبرهة ومن معه. # فجعلهم كعصف مأكول # [الفيل: 5]. حيث يقول سبحانه من بعد هذه الآية مباشرة: # لإيلاف قريش* إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * ~~فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 1-4]. ورغم ذلك وقفوا من دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف ~~الإنكار والتعنت والتصدي والجحود، وحاولوا الاستعانة بكل خصوم ~~الإسلام ليحاربوا هذا الدين ولذلك يوضح الحق سبحانه هنا تسرية عن الرسول ~~الكريم. { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون.. } [إبراهيم: 42]. لماذا؟ وتأتي الإجابة في النصف الثاني ~~من الآية: { إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ~~} [إبراهيم: 42]. وقوله الحق: { ولا تحسبن.. } [إبراهيم: 42]. ~~أي: لا تظنن فحسب هنا ليست من الحساب والعد، ولكنها من " حسب " " ~~يحسب " وقوله الحق الذي يوضح هذه المسألة: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2]. أي: أظن الناس. فحسب يحسب ليست - إذن - من ~~العد ولكن من الظن. والحسبان نسبة كلامية غير مجزوم بها ولكنها ~~راجحة. والغفلة التي ينفيها سبحانه عنه هي السهو عن أمر لعدم اليقظة ~~أو الانتباه، وطبعا وبداهة فهذا أمر لا يكون منه سبحانه، فهو ~~القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. وهنا يخاطب الحق سبحانه رسوله ~~والمؤمنين معه تبعا فحين يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ~~فهو يخاطب في نفس الوقت كل من آمن به. ولكن، أكان الرسول يظن الله ~~غافلا؟ لا، ولنلحظ أن الله حين يوجه بشيء فقد يحمل التوجيه أمرا ~~ينفذه الإنسان فعلا ويطلب الله منه الاستدامة على هذا الفعل. ~~والمثل: حين تقول لواحد لا يشرب الخمر " لا تشرب الخمر " وهو لا يشرب ~~الخمر فأنت تطالبه بقولك هذا أن يستمر في عدم شرب الخمر، أي: ~~استمر على ما أنت عليه، فعلا في الأمر، أو امتناعا في النهي. وهل ~~يمكن أن تأتي الغفلة لله؟ وأقول: حين ترى صفة توجد في البشر ms5374 ولا توجد في ~~الحق سبحانه فعليك أن تفسر الأمر بالكمالات التي لله. # والذي يفعل ظلما سيتلقى عقابا عليه، وحين يتأخر العقاب يتساءل الذين ~~رأوا فعل الظلم فهم يتهامسون: ترى هل تم نسيان الظلم الذي ~~ارتكبه فلان؟ هل هناك غفلة في الأمر؟ وهم في تساؤلاتهم هذه يريدون أن ~~يعلنوا موقفهم من مرتكب الذنب وضرورة عقابه، وعلى ذلك نفهم كلمة: { ~~غافلا } [إبراهيم: 42]. في هذه الآية بمعنى " مؤجل العقوبة ". ولمن ~~يتساءلون عليهم أن يتذكروا قول الحق سبحانه: # وأملي لهم إن كيدي متين # [الأعراف: 183]. وعلى ذلك فليست هناك غفلة ولكن هناك تأجيل للعقوبة ~~لهؤلاء الظالمين ذلك أن الظلم يعني أخذ حق من صاحبه وإعطاءه للغير أو ~~أخذه للنفس. وإذا كان الظلم في أمر عقدي فهو الشرك وهو الجريمة ~~العظمى، وإن ظلمت في أمر كبيرة من الكبائر فهذا هو الفسق، وإن ظلمت ~~في صغيرة فهو الظلم. ولذلك نجد الحق - سبحانه وتعالى - يورد كل حكم ~~يناسب الثلاثة مواقف فيقول عن الذي تغاضى عن تجريم الشرك: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # [المائدة: 44]. ويقول عن تجريم كبيرة من الكبائر: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون # [المائدة: 47]. ويقول عمن يتغاضى عن تجريم صغيرة بما يناسبها من ~~أحكام الدين: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون # [المائدة: 45]. وإذا وجد محكوم عليه، وهو واحد - بأحكام متعددة فالحكم ~~متوقف على ما حكم به. وحين ننظر في مسألة الظلم هذه نجد أن الظالم ~~يقتضي مظلوما، فإن كان الظلم - والعياذ بالله - هو ظلم القمة وهو ~~الشرك بالله، فهذا الظلم ينقسم - عند العلماء - إلى ثلاثة أنواع: النوع ~~الأول: وهو إنكار وجود الله وألوهيته دون أن ينسبها لأحد آخر وهذا هو ~~الإلحاد، وهو ظلم في واجب وجوديته سبحانه. والنوع الثاني: هو الاعتراف ~~بألوهية الله وإشراك آخرين معه في الألوهية، وهذا الشرك ظلم للحق في ~~ذاتية وواحدية تفرده. والنوع الثالث: هو القول بأن الله مكون من ~~أجزاء وهذا ظلم لله في أحدية ذاته. ويقول بعض العارفين: إن أول ms5375 حق في ~~الوجود هو وجوده سبحانه. ومنهم الشاعر الذي قال: # وأول حق في الوجود وجوده # وكل حقوق الكون منه استمدت # فلا هو جمع كما قال مشرك # ولا هو في الأجزاء يا حسن ملتي # والظلم الذي ورد في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، هو ظلم القمة ~~ظلم في العقيدة الإلهية، ومعه ظلم آخر هو ظلم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. ويلخص الشاعر ظلمهم للرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: # لقبتموه أمينا في صغر # وما الأمين على قول بمتهم # وهم قد سموا الرسول من قبل الرسالة بالأمين وبعد الرسالة نزعوا منه ~~هذا الوصف، وكانوا يصفونه قبل الرسالة بالصادق، ولم يقولوا عنه مرة قبل ~~الرسالة إنه ساحر، ولم يتهموه من قبل الرسالة بالجنون. # فكيف كانت له أوصاف الصدق والنطق بالحق والتحدث عن رجاحة قدرته في ~~الحكم؟ كيف كانت له تلك الصفات قبل الرسالة وتنزعونها منه من بعد ~~الرسالة؟ إن هذا هو ظلم سلب الكمال، فقد كان للرسول صلى الله عليه وسلم ~~كمال قبل أن يرسل فظلمتموه بعد الرسالة وأنكرتم عليه هذا الكمال وهو ~~ظلم مزدوج. فقد سبق أن اعترفتم له من قبل الرسالة بالأمانة ولكن من ~~بعد الرسالة أنكرتم أمانته، وكان صادقا من قبل الرسالة وقلتم إنه غير ~~صادق بعدها. ولم تكن له صفة نقص قبل الرسالة فجئتم أنتم له بصفة نقص ~~كقولكم: ساحر كاهن مجنون، وفي هذا ظلم للرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا ~~أيضا ظلم للمجتمع الذي تعيشون فيه، لأن من يريد استمرار الاستبداد ~~بكلمة الكفر، ويريد أن يستمر في السيادة والاستغلال والتحكم في الغير ~~فكل ذلك ظلم للمجتمع وفوق ذلك ظلم للنفس لأن من يفعل ذلك قد ~~يأخذ متعة بسيطة ويحرم نفسه من متعة كبيرة هي متعة الحياة في ظل منهج ~~الله، وينطبق عليه قول الحق الرحمن: # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 118]. وفوق ظلم النفس وظلم المجتمع هناك ظلم يمارسه هذا ~~النوع من البشر ضد الكون كله فيما دون الإنسان من جماد وحيوان ونبات ~~ذلك أن الإنسان ms5376 حين لا يكون على منهج خالقه والكون كله مسخر لمنهج ~~الخالق فلن يرعى الإنسان ذلك في تعامله مع الكون، وسبحانه القائل: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده.. # [الإسراء: 44]. حين يسبح كل ما في الكون يشذ عن ذلك إنسان لا يتبع ~~منهج الله فالكون كله يكرهه، وبذلك يظلم الإنسان نفسه ويظلم الكون أيضا. ~~وهكذا عرفنا ظلم القمة في إنكار الألوهية أو الشرك به سبحانه، أو ~~توهم أنه من أجزاء، وظلم نزع الكمال عن الرسول وهو الواسطة التي جاءت ~~بخبر الإيمان وظلم الكون كله لأن الكون بكل أجناسه مسبح لله. وقول ~~الحق سبحانه: { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل ~~الظالمون.. } [إبراهيم: 42]. نجد فيه كلمة " يعمل ". ونعلم أن هناك ~~فرقا بين " عمل " و " فعل " ، والفعل هو أحداث كل الجوارح، ما عدا ~~اللسان الذي يقال عن حدثه " القول ". فكل الجوارح يأخذ الحادث منها اسما ~~وحدث اللسان يأخذ اسما بمفرده، ذلك أن الذي يكب الناس على مناخرهم في ~~النار إنما هو حصائد ألسنتهم، والفعل والقول يجمعهما كلمة " عمل ". وهنا ~~في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه " يعمل " ، ذلك أن ~~المشركين الذين استقبلوا القرآن كانوا يرجفون بالإسلام وبالرسول صلى ~~الله عليه وسلم بالكلام وكل الأفعال التي قاموا بها نشأت عن طريق تحريض ~~بالكلام. # وتأتي هذه الآية الكريمة التي يؤكد فيها سبحانه أنه يمكن لهم الذنوب ~~ليمكن لهم العقوبة أيضا ويأتي قوله: { إنما يؤخرهم ~~ليوم تشخص فيه الأبصار } [إبراهيم: 42]. ونعلم أنه قد ~~حدثت لهم بعض من الظواهر التي تؤكد قرب انتصار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقتل صناديدهم وبعض من سادتهم في بدر وأسر كبراؤهم، وهكذا ~~شاء سبحانه أن يأتي بالوعد أو الوعيد جاء بالأمر الذي يدخل فيه كل ~~السامعين، وهو عذاب الآخرة إن ظلوا على الشرك ومقاومة الرسالة. و: { ~~تشخص فيه الأبصار } [إبراهيم: 42]. يعني: تفتح بصورة لا ~~يتقلب بها يمنة أو يسرة من هول ما يرى وقد يكون عدم تقلب البصر ~~من فرط جمال ما يرى، والذي يفرق بينهما سيال خاص بخلق ms5377 الله فقط ~~وهو سبحانه الذي يخلقه. فحين ترى إنسانا مذعورا من فرط الخوف ~~فسحنته تتشكل بشكل هذا الخوف، أما من نظر إلى شيء جميل وشخصت ~~عيناه له، يصبح لملامحه انسجام ارتواء النظر إلى الجمال ولذلك يقول ~~الشاعر: # جمال الذي أهواه قيد ناظري # فليت لشيء غيره يتحول # ويمكننا أن نفرق بين الخائف وبين المستمتع بملامح الوجه المنبسطة أو ~~المذعورة. ونعلم أن البصر ابن للمرائي فساعة تتعدد المرائي فالبصر ~~يتنقل بينها ولذلك فالشخص المبصر مشتت المرائي دائما ويتنقل ذهنه ~~من هنا إلى هناك. أما من أنعم الله عليهم بنعمة حجز أبصارهم - ~~المكفوفين - فلا تشغله المرائي ولذلك نجدهم أحرص الناس على العلم ~~فأذهانهم غير مشغولة بأي شيء آخر، وبؤرة شعور كل منهم تستقبل عن طريق ~~الأذن ما يثبت فيها. ولذلك يقال عنهم " صناديق العلم " إن أرادوا أن ~~يعلموا فلا أحد من الذين يتعلمون منهم يكون فارغا أبدا مثلة مثل ~~الصندوق الذي لا يفرغ. ولا أحد يتحكم في العاطفة الناشئة عن الغرائز إلا ~~الله فأنت لا تقول لنفسك " اغضب " أو " اضحك " لأنه هو سبحانه الذي يملك ~~ذلك، وهو القائل: # وأنه هو أضحك وأبكى # [النجم: 43]. والضحك والبكاء مسائل قسرية لا دخل لأحد بها. ونجد الحق ~~سبحانه يقول في موقع آخر من القرآن: # وإذ زاغت الأبصار.. # [الأحزاب: 10]. فمرة تشخص الأبصار، ويستولي الرعب على أصحابها فلا ~~يتحولون عن المشهد المرعب، ومرة تزوغ الأبصار لعله يبحث لنفسه عن ~~منفذ أو مهرب فلا يجد. ويكمل الحق سبحانه صورة هؤلاء الذين تزوغ ~~أبصارهم، فيقول: { مهطعين مقنعي رءوسهم... }. ### || [14.43] # والمهطع هو من يظهر من فرط تسرعه وكأن رقبته قد طالت، لأن ~~المهطع هو من فيه طول، وكأن الجزاء بالعذاب يجذب المجزي ليقربه، ~~فيدفع في شدة وجفوة إلى العذاب، يقول الحق سبحانه: # يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13]. وكأن هناك من يدفعهم دفعا إلى مصيرهم المؤلم. وهم: ~~{ مقنعي رءوسهم.. } [إبراهيم: 43]. أي: رافعين رءوسهم من فرط ~~الدهشة لهول العذاب الذي ينتظرهم. وفي موقع آخر يصورهم الحق سبحانه: # إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهى ms5378 إلى ~~الأذقان فهم مقمحون # [يس: 8]. وهكذا تكون صورتهم مفزعة من فرط المهانة فبصر الواحد ~~منهم شاخص إلى العذاب منجذب إليه بسرعة لا يتحكم فيها ورأسه مرفوعة ~~من فرط الهول ومقمح بالأغلال. ولا يستطيع الواحد منهم أن تجفل ~~جفونه، وكأنها مفتوحة رغما عنه وفؤاده هواء بمعنى: أن لا شيء قادر ~~على أن يدخله. ونحن نلحظ ذلك حين نضع زجاجة فارغة في قلب الماء فتخرج ~~فقاقيع الهواء مقابل دخول الماء من فوهتها. ونعلم أن قلب المؤمن ~~يكون ممتلئا بالإيمان أما الكافر الملحد فهو في مثل تلك اللحظة يستعرض ~~تاريخه مع الله ومع الدين فلا يجد فيها شيئا يطمئن، وهكذا يكتشف أن ~~فؤاده خال فارغ لا يطمئن به إلى ما يواجه به لحظة الحساب. ونجد بعضا ~~ممن شاهدوا لحظات احتضار غيرهم يقولون عن احتضار المؤمن " كان مشرق ~~الوجه متلألئ الملامح ". أما ما يقولونه عن لحظة احتضار الكافر فهم ~~يحكون عن بشاعة ملامحه في تلك اللحظة. والسبب في هذا أن الإنسان في مثل ~~هذه اللحظات يستعرض تاريخه مع الله، ويرى شريط عمله كله فمن قضى حياته ~~وهو يرضى الله لا بد أن يشعر بالراحة، ومن قضى حياته وهو كافر ~~ملحد فلا بد أن يشعر بالمصير المرعب الذي ينتظره. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه ~~يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة # [القيامة: 22-25]. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وأنذر الناس ~~يوم يأتيهم العذاب... }. ### || [14.44] # وهذا خطاب من الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذرهم بضرورة ~~الاستعداد ليوم القيامة، وأنه قادم لا محالة. وكلمة " يوم " هي ظرف ~~زمان، وظرف الزمان لا بد له من حدث يقع فيه، ويوم القيامة ليس محل ~~إنذار أو تبشير لأن الإنذار أو البشارة لا بد أن يكونا في وقت التكليف ~~في الحياة الدنيا. وهكذا يكون المنذر به هو تخويفهم مما يحدث لهم في ~~هذا اليوم، فما سوف يحدث لهم هو العذاب وكأنه قنبلة موقوتة ما إن يأتي ~~يوم القيامة حتى تنفجر في ms5379 وجوههم. وهنا يقول أهل ظلم القمة في العقيدة، ~~وظلم الرسالة بمقاومتها وظلم الكون المسبح لله: { ربنآ ~~أخرنآ إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع ~~الرسل... } [إبراهيم: 44]. وهم يطلبون تأجيل العذاب لمهلة بسيطة، ~~يثبتون فيها أنهم سيجيبون الدعوة ويطيعون الرسول، وهم يطلبون بذلك ~~تأجيل قيامتهم. فيكون الجواب من الحق سبحانه: { أولم تكونوا ~~أقسمتم من قبل ما لكم من زوال } [إبراهيم: 44]. ~~فأنتم قد سبق وأن أقسمتم بأن الله لا يبعث من يموت وقد قال الحق ~~سبحانه ما قلتم: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت.. # [النحل: 38]. وساعة ترى كلمة " بلى " بعد ندب، فهذا يعني تكذيب ما جاء ~~قبلها، وهم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ظنوا أنهم لن ~~يبعثوا، وظنوا أنهم بعد الموت سيصيرون ترابا وهم الذين قالوا: # إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن ~~بمبعوثين # [المؤمنون: 37]. وهكذا أكدوا لأنفسهم أنه لا بعث من بعد الحياة، ~~ومن بعد البعث سنسمع من كل فرد فيهم: # يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40]. أو: أنهم ظنوا أن الذين أنعم الله عليهم في الدنيا لن ~~يحرمهم في الآخرة، كما أورد الحق سبحانه هذا المثل، في قوله تعالى: # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا ~~بينهما زرعا * كلتا الجنتين آتت أكلها ولم ~~تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا * وكان ~~له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر ~~منك مالا وأعز نفرا * ودخل جنته وهو ظالم ~~لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا * ومآ ~~أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي ~~لأجدن خيرا منها منقلبا # [الكهف: 32-36]. والذي يقول ذلك فهم أنه سوف يموت لكنه توهم أن جنته ~~تلك ستظل على ما هي عليه، وأنكر قيام الساعة، وقال: " حتى لو قامت ~~الساعة، ورددت إلى الله فسأجد أفضل من جنتي تلك ". وهو يدعي ذلك وهو ~~لم يقدم إيمانا بالله ليجده في الآخرة، فهو إذن ممن أنكروا الزوال ~~أي البعث من جديد، ووقع في دائرة من لم يصدقوا البعث، وسبق أن قال ms5380 ~~الحق سبحانه ما أورده على ألسنتهم: # أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد # [السجدة: 10]. والذين أنكروا البعث يورد الحق سبحانه لنا حوارا بينه ~~وبينهم، فيقول سبحانه وتعالى: # قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ~~فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل # [غافر: 11]. فيرد الحق سبحانه عليهم: # ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن ~~يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير # [غافر: 12]. وفي موقع آخر من القرآن نجد حوارا واستجداء منهم لله ~~يقولون: # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا.. # [السجدة: 12]. ويأتي رد الحق سبحانه عليهم: # فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ إنا ~~نسيناكم.. # [السجدة: 14]. وفي موقع ثالث يقول الواحد منهم عند الموت: # رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت.. # [المؤمنون: 99-100]. فيأتي رد الحق سبحانه: # كلا إنها كلمة هو قآئلها.. # [المؤمنون: 100]. وبعد دخولهم النار يقولون: # ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون # [المؤمنون: 107]. فيقول الحق سبحانه: # قال اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. وفي موضع آخر يقولون عند اصطراخهم في النار: # ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا ~~نعمل.. # [فاطر: 37]. فيأتي الرد من الحق سبحانه: # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ~~وجآءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير # [فاطر: 37]. ونلحظ أنهم في كل آيات التوسل لله كي يعودوا إلى الحياة ~~الدنيا يقولون ربنا، وتناسوا أنهم مأخوذون إلى العذاب بمخالفات ~~الألوهية ذلك أن الربوبية عطاؤها كان لكم في الدنيا، ولم ينقصكم الحق ~~سبحانه شيئا على الرغم من كفركم. هكذا يكون حال هؤلاء الذين أقسموا أن ~~الحق سبحانه لن يبعثهم، وأنكروا يوم القيامة، وأنه لا زوال لهم. أي: لا ~~بعث ولا نشور. ويتابع الحق سبحانه القول الكريم: { وسكنتم في ~~مسكن الذين... }. ### || [14.45] # والسكون هو الاطمئنان إلى الشيء من عدم الإزعاج، ونعلم أن المرأة في ~~الزواج تعتبر سكنا، والبيت سكن، وهنا يتكلم الحق سبحانه عن مساكن الذين ~~ظلموا أنفسهم، أي: أنكم لم تتعظوا بالسوابق التي ما كان يجب أن تغيب ~~عنكم، فأنتم تمرون في رحلات الصيف والشتاء على مدائن صالح، وترون آثار ~~الذين ms5381 ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك، وتمرون على الأحقاف وترون ماذا حاق ~~بقوم عاد. وكل أولئك نالوا العقاب من الله، سواء بالريح الصرصر ~~العاتية، أو: أنه سبحانه قد أرسل عليهم حاصبا من السماء، أو: أنزل عليهم ~~الصيحة أو: أغرقهم كآل فرعون، وأخذ كل قوم من هؤلاء بذنبه. وصدق الله ~~وعده في عذاب الدنيا فلماذا لم تأخذوا عبرة من ذلك وأنه سبحانه ~~وتعالى صادق حين تحدث عن عذاب الآخرة؟ وهنا قال الحق سبحانه: { ~~وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم.. } ~~[إبراهيم: 45]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]. أي: أنكم تمرون على تلك الأماكن التي أقامها بعض ~~ممن سبقوكم وظلموا أنفسهم بالكفر وأنزل الحق سبحانه عليهم العقاب ~~ولذلك يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { وتبين لكم ~~كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال } [إبراهيم: ~~45]. نعم فحين تمشي في أرض قوم عاد، وترى حضارتهم التي قال عنها الحق ~~سبحانه: # إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد # [الفجر: 7-8]. وهي حضارة لم نكشف آثارها بعد وما زالت في المطمورات وكل ~~مطمور في الأرض بفعل من غضب السماء تضع السماء ميعاد كشف له ليتعظ ~~أهل الأرض ويحدث هذا الكشف كلما زاد الإلحاد واستشرى. قد حدث أن اكتشفنا ~~حضارة ثمود، وكذلك حضارة الفراعنة وهي الحضارة التي سبقت كل الحضارات في ~~العلوم والتكنولوجيا، ورغم ذلك لم يعرف أصحاب تلك الحضارة أن يصونوها من ~~الاندثار الذي شاءه الله. وما زال الناس يتساءلون: لماذا لم يترك ~~المصريون القدماء خبرتهم الحضارية مكتوبة ومسجلة في خطوات يمكن أن ~~تفهمها البشرية من بعد ذلك؟ { وسكنتم في مسكن الذين ~~ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم ~~وضربنا لكم الأمثال } [إبراهيم: 45]. أي: أن الحق سبحانه ~~يوضح هنا أن مشيئته في إنزال العقاب قد وضحت أمام الذين عاصروا رسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم في مساكن الأقوام التي سبقتهم وكفروا برسالات ~~الرسل، وسبق أن ضرب لهم الحق سبحانه الأمثال بهؤلاء القوم وبما حدث لهم. ~~والمثل إنما يضربه ms5382 الله ليقرب بالشيء الحسي ما يقرب إلى ~~الأذهان الشيء المعنوي. ويستمر قوله الحق من بعد ذلك: { وقد ~~مكروا مكرهم وعند... }. ### || [14.46] # والمكر - كما نعلم - هو تبييت الكيد في خفاء مستور، ومأخوذ من ~~الشجرة المكمورة أي: الشجرة التي تداري نفسها. ونحن نرى في البساتين ~~الكبيرة شجرة في حجم الإصبع وهي مجدولة على شجرة أخرى كبيرة. ولا ~~تستطيع أن تتعرف على ورقة منها، أو أن تنسب تلك الورقة إلى مكان خروجها، ~~ومن أي فرع في الشجرة الملتفة إلا إذا نزعتها من حول الشجرة التي ~~تلتف من حولها. ومن يبيت إنما يشهد على نفسه بالجبن والضعف وعدم ~~القدرة على المواجهة، قد يصلح أن تبيت مساو لك أما أن تبيت على ~~الحي القيوم الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء فتلك هي ~~الخيبة بعينها. ولذلك يقول الحق سبحانه في مواجهة ذلك: # والله خير الماكرين # [آل عمران: 54]. وقال عن مكر هؤلاء: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43]. ونعلم أننا حين ننسب صفة لله فنحن نأخذها في إطار: # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. وعادة ما ننسب كل فعل من الله للخير، كقوله سبحانه: # وأنت خير الوارثين # [الأنبياء: 89]. # والله خير الماكرين # [آل عمران: 54]. وقوله هنا: { وقد مكروا مكرهم.. } ~~[إبراهيم: 46]. أي: قاموا بالتبييت المناسب لحيلتهم ولتفكيرهم ولقوتهم ~~فإذا ما قابل الحق سبحانه ذلك فلسوف يقابله بما يناسب قوته وقدرته ~~المطلقة، وهو سبحانه قد علم أزلا بما سوف يمكرونه، وتركهم في مكرهم. ~~فانتصارات الرسالات مرهون بقوة المرسل وأتباعه، وهم يقابلون خصوما ~~هم حيثية وجود الرسالة ذلك أنهم قد ملأوا الأرض بالفساد، ويريدون الحفاظ ~~على الفساد الذي يحفظ لهم السلطة والدين الجديد سيدك سيادتهم ~~ويزلزلها لذلك لا بد ألا يدخروا وسعا في محاولة الكيد والإيقاع ~~بالرسول للقضاء على الرسالة. وقد حاولوا ذلك بالمواجهة وقت أن كان ~~الإسلام في بدايته فأخذوا الضعاف الذين أسلموا، وبدءوا في تعذيبهم ولم ~~يرجع واحد من هؤلاء عن الدين. وحاولوا بالحرب فنصر الله الذين آمنوا، ولم ~~يبق لهم إلا المكر، وسبحانه القائل: # وإذ ms5383 يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين # [الأنفال: 30]. وحاولوا أن يفسدوا خلية الإيمان الأولى، وهي محمد بن ~~عبد الله صلى الله عليه وسلم، وظنوا أنهم إن نجحوا في ذلك فسوف تنفض ~~الرسالة. فحاولوا أن يشتروه بالمال فلم يفلحوا. وحاولوا أن يشتروه ~~بالسيادة والملك فلم ينجحوا، وقال قولته المشهورة: # " والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا ~~الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته ". # ثم قرروا أن يقتلوه وأن يوزعوا دمه بين القبائل، وأخذوا من كل قبيلة ~~شابا ليضربوا محمدا صلى الله عليه وسلم بالسيوف ضربة رجل واحد ولكنه ~~صلى الله عليه وسلم يهاجر في تلك الليلة، وهكذا لم ينجح تبييتهم: { ~~وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم. # . } [إبراهيم: 46]. أي: أنه سبحانه يعلم مكرهم. ويتابع سبحانه قائلا: { ~~وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال } [إبراهيم: 46]. ~~أي: اطمئن يا محمد، فلو كان مكرهم يزيل الجبال فلن ينالوك، والجبال ~~كانت أشد الكائنات بالنسبة للعرب، فلو كان مكرهم شديدا تزول به الجبال، ~~فلن يفلحوا معك يا رسول الله، ولن يزحزحوك عن هدفك ومهمتك. والحق ~~سبحانه يقول: # لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته ~~خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال ~~نضربها للناس لعلهم يتفكرون # [الحشر: 21]. وإذا كان مكرهم يبلغ من الشدة ما تزول به الجبال فاعلم أن ~~الله أشد بأسا. ويقدم سبحانه من بعد ذلك حيثية عدم فاعلية ~~مكرهم، فيقول: { فلا تحسبن الله مخلف... }. ### || [14.47] # ولو كان لمكرهم مفعول أو فائدة لما قال الحق سبحانه أن وعده لرسله لن ~~يخلف، ولكن مكرهم فاسد من أوله وبلا مفعول، وسبحانه هو القائل: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. إذن: فوعد الله لرسله لا يمكن أن يخلف. ~~والوعود في القرآن كثيرة فهناك وعد الشيطان لأوليائه، مصداقا لقول ~~الحق سبحانه: # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا.. # [البقرة: 168] وهناك وعد من الله للمؤمنين: # وعد ms5384 الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض.. # [النور: 55]. فإذا كان الحق سبحانه لا يخلف وعده لأتباع الرسول ~~أيخلف وعده للرسول؟ طبعا لا لأن الوعد على إطلاقه من الله موفى ~~فكيف إذا كان للرسل وللمؤمنين؟ يقول الحق سبحانه وتعالى: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # [غافر: 51]. والنصر يقتضي هزيمة المقابل، ويحتاج النصر لصفة تناسبه ~~والصفة المناسبة هي صدوره من عزيز لا يغلب والهزيمة لمن كفروا تحتاج إلى ~~صفة والصفة المناسبة هي تحقق الهزيمة بأمر منتقم جبار. ويقول الحق ~~سبحانه من بعد ذلك: { يوم تبدل الأرض... }. ### || [14.48] # ويخوفهم الحق سبحانه هنا من يوم القيامة بعد أن صور لهم ما سوف ~~يدعونه، بأن يؤخر الحق حسابهم، وأن يعيدهم إلى الدنيا لعلهم يعملون ~~عملا صالحا، ويجيبوا دعوة الرسل. ويوضح سبحانه هنا أن الكون الذي خلقه ~~الله سبحانه، وطرأ عليه آدم وخلفته من بعده ذريته قد أعده سبحانه ~~وسخره في خدمة آدم وذريته من بعده وهم يعيشون في الكون بأسباب الله ~~الممدودة في أنفسهم، والمنثورة في هذا الكون لكل مخلوق لله، مؤمنهم ~~وكافرهم فمن يأخذ بتلك الأسباب هو من يغلب. وسبحانه القائل: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. وهكذا شاء الله أن يهب عباده الارتقاء في الدنيا ~~بالأسباب أما حياة الآخرة فنحن نحياها بالمسبب وبمجرد أن تخطر على ~~بال المؤمن رغبة في شيء يجده قد تحقق. وهذا أمر لا يحتاج إلى أرض قدر ~~فيها الحق أقواتها، وجعل فيها رواسي وأنزل عليها من السماء ماء، إذن: فهي ~~أرض غير الأرض وسماء غير السماء لأن الأرض التي نعرفها هي أرض أسباب ~~والسماء التي نعرفها هي سماء أسباب. وفي جنة الآخرة لا أسباب هناك لذلك ~~لا بد أن تتبدل الأرض، وكذلك السماء. وقوله الحق: { وبرزوا ~~لله الواحد القهار } [إبراهيم: 48]. فهو يعني ألا يكون هناك ~~أحد معهم سوى ربهم لأن البروز هو الخروج والمواجهة. والمؤمن ms5385 وجد ربه ~~إيمانا بالغيب في دنياه وهو مؤمن به وبكل ما جاء عنه كقيام الساعة، ~~ووجود الجنة والنار. وكلنا يذكر # " حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أحد أصحابه حين سأله الرسول صلى ~~الله عليه وسلم: كيف أصبحت؟ فقال الصحابي: أصبحت مؤمنا بالله حقا. ~~فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ قال ~~الصحابي: عزفت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها ومدرها - أي: تساوي ~~الذهب بالتراب - وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل ~~النار في النار يعذبون. فقال له الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: " ~~عرفت فالزم ". # هذا هو حال المؤمن، أما الكافر فحاله مختلف. فهو يبرز ليجد الله الذي ~~أنكره، وهي مواجهة لم يكن ينتظرها، ولذلك قال الحق سبحانه في وصف ~~ذاته هنا: { الواحد القهار } [إبراهيم: 48]. وليس هناك إله آخر ~~سيقول له " اتركهم من أجل خاطري ". وفي آية أخرى يقول عن هؤلاء: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده.. # [النور: 39]. أي: أنه يفاجأ بمثل هذا الموقف الذي لم يستعد له. ~~وقوله: { الواحد القهار } [إبراهيم: 48]. أي: القادر على قهر ~~المخلوق على غير مراده. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { وترى ~~المجرمين... }. ### || [14.49] # والمجرم هو من ارتكب ذنبا، وهو هنا من ارتكب ذنب القمة. وهو الكفر ~~بالله، ومن بعده من ارتكب الذنوب التي دون الكفر، وتراهم جميعا ~~مجموعين بعضهم مع بعض في " قرن " وهو الحبل أو القيد الذي يقيدون ~~به. والأصفاد جمع صفد، وهو القيد الذي يوضع في الرجل وهو مثل ~~الخلخال وهناك من يقيدون في الأصفاد أي: من أرجلهم، وهناك من ~~يقيد بالأغلال. أي: أن توضع أيديهم في سلاسل، وتعلق تلك السلاسل في ~~رقابهم أيضا. وكل أصحاب جريمة معينة يجمعهم رباط واحد، ذلك أن أهل ~~كل جريمة تجمعهم أثناء الحياة الدنيا - في الغالب - مودة وتعاطف، أما ~~هنا فسنجدهم متنافرين، وعلى عداء، ويلعن كل منهم الآخر وكل منهم يناكف ~~الآخر ويضايقه، ويعلن ضيقة ms5386 منه، مصداقا لقول الحق سبحانه: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. وكأن كلا منهم يعذب الآخر من قبل أن يذوقوا جميعا ~~العذاب الكبير. ولذلك نجدهم يقولون: # ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين # [فصلت: 29]. ويقولون: # ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا ~~السبيلا * ربنآ آتهم ضعفين من العذاب ~~والعنهم لعنا كبيرا # [الأحزاب: 67-68]. ويستكمل الحق سبحانه صورة هؤلاء المذنبين: فيقول: ~~{ سرابيلهم من قطران... }. ### || [14.50] # و " السرابيل " جمع " سربال " وهو ما يلي الجسد، وهو ما نسميه في ~~عصرنا " قميص ". وإذا كان السربال من قطران فهو أسود لاذع نتن الرائحة ~~سريع الاشتعال وتلك صفات القطران، وهو شيء يسيل من بعض أشجار البادية ~~وتلك صفاته، وهم يستخدمونه لعلاج الجمال من الجرب. وعادة يضرب الحق ~~سبحانه المثل من الصورة القريبة إلى الذهن من التي يراها العربي في ~~بيئته. ويقول عنهم الحق سبحانه أيضا: { وتغشى وجوههم النار ~~} [إبراهيم: 50]. والإنسان إذا ما تعرض لأمر يصيبه بالعطب، فأول ما ~~يحاول الحفاظ عليه هو وجهه، ذلك أن الوجه هو أشرف شيء في الإنسان، فما ~~بالنا حين تغشى وجوه الكفرة النار؟ إن مجرد تخيل ذلك أمر مؤلم. ~~وسبحانه يقول في آية اخرى: # أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة.. # [الزمر: 24]. وكأن الواحد منهم من فرط شدة العذاب يحاول أن يدفع هذا ~~العذاب بوجهه، وهكذا نجد أحاسيس شتى لهذا العذاب وهو مؤلم أشد ~~الألم. ويقول سبحانه في موقع آخر: # يوم يسحبون في النار على وجوههم.. # [القمر: 48]. وهكذا نجد أن الوجه قد جاء في أكثر من صورة من صور هذا ~~العذاب. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { ليجزي الله كل نفس... ~~}. ### || [14.51] # والجزاء أمر طبيعي في الوجود، وحتى الذين لا يؤمنون بإله ويديرون حركة ~~حياتهم بتقنينات من عندهم قد وضعوا لأنفسهم قوانين جزاء تحدد كل جريمة ~~والعقاب المناسب لها. وبطبيعة الحال لا يكون أمرا غريبا أن يضع خالق ~~الكون نظاما للجزاء ثوابا وعقابا، ولو لم يضع الحق سبحانه نظاما ~~للجزاء بالثواب والعقاب لنال كل مفسد ms5387 بغيته من فساده ولأحس أهل ~~القيم أنهم قد خدعوا في هذه الحياة. وما دام الجزاء أمرا طبيعيا فلا ~~ظلم فيه إذن لأنه صادر عمن قال: # لا ظلم اليوم.. # [غافر: 17]. ولا يجازي الحق سبحانه الجزاء العنيف إلا على الجريمة ~~العنيفة: وقوله سبحانه: { ليجزي الله كل نفس ما ~~كسبت.. } [إبراهيم: 51]. يعني أن المؤمن أو الكافر سيلقى جزاء ما ~~فعل إن ثوابا أو عقابا. والكسب - كما نعلم - هو أن تأخذ زائدا عن ~~الأصل، فأنت حين تحرم نفسك من شيء في الدنيا ستأخذ جزاء هو الثواب وما ~~يزيد عن الأصل. ومن كسب سيئة سيأخذ عقابا عليها، ويقال " كسب السيئة ~~" ولا يقال " اكتسبها " ذلك أن ارتكابه للسيئة صار دربة سلوكية ويفرح ~~بارتكابها، ولا بد إذن من الجزاء والجزاء يحتاج حسابا، والحساب يحتاج ~~ميزانا. وقد يقول المؤمن: إني أصدق ربي، ولن يظلم ربي أحدا. ~~ونقول: إن المقصود بالميزان هو إقامة الحجة ولذلك نجده سبحانه يقول: # فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية # [القارعة: 6-7]. ويقول أيضا: # وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية # [القارعة: 8-9]. ونجد القسمة العقلية في الميزان واضحة فهي مرة " ~~ثقلت " ومرة " خفت ". أما من تساوت كفتا ميزانه ففسرت حالته ~~سورة الأعراف التي قال فيها الحق سبحانه: # وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم.. # [الأعراف: 46]. وما دام الحق سبحانه سيحاسب كل نفس بما كسبت فقد ~~يظن البعض أن ذلك سيستغرق وقتا ولذلك يتابع سبحانه: { إن الله ~~سريع الحساب } [إبراهيم: 51]. ليبين لنا أنه سبحانه سيحاسب كل ~~الخلق من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة بسرعة تناسب قدرته المطلقة. ~~وحين سأل الناس الإمام - عليا - كرم الله وجهه -: كيف سيحاسب الله ~~الخلق كلهم دفعة واحدة؟ أجاب الإجابة الدالة الشافية، وقال: " كما ~~يرزقهم جميعا ". ويقول سبحانه من بعد ذلك: { هذا بلاغ للناس ~~ولينذروا... }. ### || [14.52] # وهذه الآية هي مسك الختام لسورة إبراهيم، ذلك أنها ركزت الدعوة ~~بلاغا صدر عن الله ليبلغه لرسوله الذي أيد بالمعجزة ليحمل منهج ~~الحياة للإنسان الخليفة في الأرض. وإذا ما صدرت قوانين حركة الحياة ~~للإنسان ms5388 الخليفة في الأرض المخلوق لله، وجب ألا يتزيد عليها أحد ~~بإكمال ولا بإتمام لأن الذي خلق هو الذي شرع، وهذه مسألة يجب أن تكون ~~على ذكر من بال كل إنسان مكلف. وحين تقرأ هذا القول الحكيم: { ~~هذا بلاغ للناس.. } [إبراهيم: 52]. تجد أنه يحمل إشارة إلى ~~القرآن كله ذلك أن حدود البلاغ هو كل شيء نزل من عند الله. وقول الحق ~~سبحانه: { هذا بلاغ للناس.. } [إبراهيم: 52]. قد أعطانا ما ~~يعطيه النص القانوني الحديث، ذلك أن النص القانوني الحديث يوضح أنه لا ~~عقوبة إلا بنص يجرم الفعل، ولا بد من إعلان النص لكافة ~~الناس ولذلك تنشر القوانين في الجريدة الرسمية للدولة، كي لا يقول ~~أحد: أنا أجهل صدور القانون. وكلنا يعلم أن الحق سبحانه قد قال: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. فمهمة الرسول - إذن - هي البلاغ عن الله لمنهج الحياة ~~الذي يصون حركة الحياة. ويقول سبحانه عن مهمة الرسول: # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40]. ويقول سبحانه: # الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله.. # [الأحزاب: 39]. ويقول الحق سبحانه على لسان الرسول: # لقد أبلغتكم رسالات ربي.. # [الأعراف: 93]. ويقول أيضا: # أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم.. # [هود: 57]. وهكذا لا توجد حجة لقائل: إني أخذت بذنب لم أعرف أنه ~~ذنب وقت التكليف. لا حجة لقائل هذا القول لأن الحق سبحانه يقول في ~~نفس الآية: { ولينذروا به.. } [إبراهيم: 52]. والإنذار: تخويف ~~بشر سوف يقع من قبل زمنه، ليوضح لك بشاعة المخالفة، وكذلك التبشير هو ~~تنبيه لخير قادم لم يأت أوانه كي تستعد لاستقباله. وقول الحق ~~سبحانه: { هذا بلاغ للناس.. } [إبراهيم: 52]. يتضمن البشارة ~~أيضا ولكنه يرتكز ويؤكد من بعد ذلك في قوله: { ولينذروا به.. } ~~[إبراهيم: 52]. لأن الخيبة ستقع على مرتكب الذنوب. وأقول: إن الإنذار هنا ~~هو نعمة لأنه يذكر الإنسان فلا يقدم على ارتكاب الذنب أو المعصية، ~~فساعة تقدم للإنسان مغبة العمل السيء فكأنك تقدم إليه نعمة، وتسدي ~~إليه جميلا ومعروفا. ويتابع سبحانه: { وليعلموا أنما هو ~~إله واحد.. } [إبراهيم: 52]. وهذه هي القضية العقدية الأولى، ms5389 ~~والتي تأتي في قمة كل القضايا فهو إله واحد نصدر جميعا عن أمره لأن ~~الأمر الهام في هذه الحياة أن تتضافر حركة الأحياء وتتساند لا أن تتعاند. ~~ولا يرتقي بنيان، ما إذا كنت أنت تبني يوما ليأتي غيرك فيهدم ما بنيت. # ومهمة حركة الحياة أن نؤدي مهمتنا كخلفاء لله في الأرض بأن تتعاضد ~~مواهبنا، لا أن تتعارض، فيتحرك المجتمع الإنساني كله في اتجاه واحد لأنه ~~من إله واحد وأمر واحد. وحين يقول الحق سبحانه: { هذا بلاغ ~~للناس.. } [إبراهيم: 52]. فهو يحدد لنا قوام الدين بعد تلقيه من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغه من سمعه لمن لم يسمعه. ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، وأداها إلى من لم يسمعها ". # وذلك لتبقى سلسلة البلاغ متصلة، وإن لم يبلغ قوم فالوزر على من لم ~~يبلغ، وبذلك يحرم نفسه من شرف التبعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فمن يعلم حكما من أحكام الدين فالمطلوب منه هو تبليغه للغير مثلما طلب ~~الحق سبحانه من رسوله أن يبلغ أحكامه. والحق سبحانه هو القائل: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.. # [البقرة: 143]. وهكذا شهد الرسول صلى الله عليه وسلم أنه بلغكم وبقي ~~على كل مسلم يعلم حكما من أحكام الدين أن يبلغه لمن لا يعرفه فقد ~~ينتفع به أكثر منه وبعد أن سمع الحكم قد يعمل به، بينما من أبلغه الحكم ~~لا يعمل به. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " رب مبلغ أوعى من سامع ". # ولذلك أقول دائما: إياك أن تخلط بين المعلومة التي تقال لك: وبين سلوك ~~من قالها لك، ولنسمع الشاعر الذي قال: # خذ علمي ولا تركن إلى عملي # واجن الثمار وخل العود للحطب # وهكذا يتحمل المسلم مسئولية الإبلاغ بما يعرف من أحكام الدين لمن لا ~~علم لهم بها لتظل الرسالة موصولة، وكلنا نعلم أن الحق سبحانه قد قال: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر.. # [آل عمران: ms5390 110]. أي: أنكم يا أمة محمد، قد أخذتم مهمة الأنبياء. ولأن ~~البلاغ قد جاء من الله على الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول أمين في ~~تبليغه لذلك لا يمكن أن يصدر عن الواحد الحكيم أوامر متضاربة، ولكن ~~التضارب إنما ينشأ من اختلاف الآخر أو من عدم حكمة الآمر، ولندقق ~~جيدا في قول الحق سبحانه: { وليعلموا أنما هو إله ~~واحد.. } [إبراهيم: 52]. فكلمة " واحد " جاءت لتمنع مجرد تصور ~~الشراكة فلا أحد مثله، وهو أحد غير مركب من أجزاء فليس له أجهزة ~~تشبه أجهزة البشر مثلا فلو كان له أجهزة لكان في ذاته يحتاج لأبعاضه، ~~وهذا لا يصح ولا يمكن تخيله مع الله سبحانه وتعالى. وتلك هي القضية ~~الأساسية التي يعيها أولو الألباب الذين يستقبلون هذا البلاغ. وأولو ~~الألباب هي جمع، ومفرد " ألباب " هو " لب " ، ولب الشيء هو حقيقة ~~جوهره لأن القشرة توجد لتحفظ هذا اللب، والمحفوظ دائما هو أنفس من ~~الشيء الذي يغلفه ليحفظه. # وهكذا يكون أولو الألباب هم البشر الذين يستقبلون القضية الإيمانية ~~بعقولهم ويحركون عقولهم ليتذكروها دائما ذلك أن مشاغل الحياة ~~ومتعتها وشهواتها قد تصرف الإنسان عن المنهج ولذلك قال الحق سبحانه ~~هنا: { وليذكر أولوا الألباب } [إبراهيم: 52]. أي: يتذكر ~~أصحاب العقول أن الله واحد أحد فلا إله إلا هو ولذلك شهد سبحانه لنفسه ~~قبل أن يشهد له أي كائن آخر، وقال: # شهد الله أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18]. وهذه شهادة الذات للذات، ويضيف سبحانه: # والملائكة وأولوا العلم.. # [آل عمران: 18]. وشهادة الملائكة هي شهادة المواجهة التي عايشوها، ~~وشهادة أولي الألباب هي شهادة الاستدلال. وشهد الحق سبحانه أيضا ~~لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسول وكذلك شهد الرسول لنفسه، فهو ~~يقول مثلنا جميعا: # " أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله ". # وهكذا فعلى أولي الألباب مهمة. أن يتذكروا ويذكروا بأنه إله ~~واحد أحد. ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1] # السورة التي نبدأ خواطرنا عنها هي سورة الحجر تبدأ بالكلام عن جامع ~~البلاغ، ومنهج لحياة الحياة وهو القرآن الكريم الذي قد ms5391 جاء بالخبر اليقين ~~في قضية الألوهية الواحدة، والتي ذكرنا في آخر السورة السابقة بأن أولي ~~الألباب يستقبلونها بعقولهم. ويقول الحق سبحانه في مستهل السورة: { ~~الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين }. والسورة كما نرى ~~قد افتتحت بالحروف التوقيفية والتي قلنا: إن جبريل عليه السلام نزل ~~وقرأها هكذا وحفظها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبلغها لنا صلى الله ~~عليه وسلم هكذا وهي قد نزلت أول ما نزلت على قوم برعوا في اللغة وهم ~~أهل فصاحة وبيان، ولم نجد منهم من يستنكرها. وهي حروف مقطعة تنطق ~~بأسماء الحروف لا مسمياتها، ونعلم أن لكل حرف اسما، وله مسمى فحين ~~نقول أو نكتب كلمة " كتب " فنحن نضع حروفا هي الكاف والباء والتاء بجانب ~~بعضها البعض، لتكون الكلمة كما ننطقها أو نقرؤها. ويقال عن ذلك إنها ~~مسميات الحروف، أما أسماء الحروف فهي " كاف " و " باء " و " تاء ". ~~ولا يعرف أسماء الحروف إلا المتعلم ولذلك حين تريد أن تختبر واحدا في ~~القراءة والكتابة تقول له: تهج حروف الكلمة التي تكتبها، فإن نطق ~~أسماء الحروف عرفنا أنه يجيد القراءة والكتابة. وهذا القرآن - كما نعلم ~~- نزل معجزا للعرب الذين نبغوا في اللغة، وكانوا يقيمون لها أسواقا ~~مثل المعارض التي نقيمها نحن لصناعاتنا المتقدمة. ولذلك شاء الحق سبحانه ~~أن تأتي معجزة الرسول الخاتم من جنس ما نبغوا فيه، فلو كانت المعجزة من ~~جنس غير ما نبغوا فيه ولم يألفوه لقالوا: لو تعلمنا هذا الأمر ~~لصنعنا ما يفوقه. وجاءتهم معجزة القرآن من نفس الجنس الذي نبغوا فيه ~~وباللغة العربية وبنفس المفردات المكونة من الحروف التي تكونون ~~منها كلماتكم، والذي جعل القرآن معجزا أن المتكلم به خالق وليس ~~مخلوقا. وفي " الر " نفس الخامات التي تصنعون منها لغتكم. وهذا بعض ما ~~أمكن أن يلتقطه العلماء من فواتح السور. علينا أن نعلم أن لله في كلماته ~~أسرارا فهو القائل سبحانه: # هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ~~هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ms5392 ~~الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل ~~من عند ربنا.. # [آل عمران: 7]. أي: أن القرآن به آيات محكمات، هي آيات الأحكام التي ~~يترتب عليها الثواب والعقاب، أما الآيات المتشابهات فهي مثل تلك الآيات ~~التي تبدأ بها فواتح بعض من السور ومن في قلوبهم زيغ يتساءلون: ما ~~معناها؟ وهم يقولون ذلك لا بحثا عن معنى ولكن رغبة للفتنة. # ولهؤلاء نقول: أتريدون أن تفهموا كل شيء بعقولكم؟ إن العقل ليس إلا ~~وسيلة إدراك مثله مثل العين، ومثل الأذن. فهل ترى عيناك كل ما ~~يمكن أن يرى؟ طبعا لا لأن للرؤية بالعين قوانين وحدودا، فإن كنت ~~بعيدا بمسافة كبيرة عن الشيء فلن تراه ذلك أن العين لا ترى أبعد من حدود ~~الأفق. وكل إنسان يختلف أفقه حسب قوة بصره فهناك من أنعم الله عليه ~~ببصر قوي وحاد وهناك من هو ضعيف البصر ويحتاج إلى نظارة طبية ~~تساعده على دقة الإبصار. فإذا كانت للعين - وهي وسيلة إدراك المرائي - ~~حدود، وإذا كانت للأذن، وهي وسيلة إدراك الأصوات بحد المسافة الموجية ~~للصوت فلا بد أن تكون هناك حدود للعقل، فهناك ما يمكن أن تفهمه وهناك ~~ما لا يمكن أن تفهمه. والرسول صلى الله عليه وسلم قال عن آيات القرآن: # " ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه فآمنوا به ". # وذلك حفاظا على مواقيت ومواعيد ميلاد أي سر من الأسرار المكنونة ~~في القرآن الكريم، فلو أن القرآن قد أعطى كل أسراره في أول قرن نزل فيه ~~فكيف يستقبل القرون الأخرى بدون سر جديد؟ إذن: فكلما ارتقى العقل ~~البشري كلما أذن الله بكشف سر من أسرار القرآن. ولا أحد بقادر على ~~أن يجادل في آيات الأحكام. ويقول الحق سبحانه عن الآيات المتشابهة: # وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في ~~العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا.. # [آل عمران: 7]. وهناك من يقرأ هذه الآية كالآتي: " وما يعلم تأويله ~~إلا الله والراسخون في العلم م " وتناسى من يقرأ تلك القراءة أن ms5393 ~~منتهى الرسوخ في العلم أن تؤمن بتلك الآيات كما هي. والحق سبحانه هنا ~~يقول: { الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين } [االحجر: ~~1]. و تلك إشارة لما سبق ولما هو قادم من الكتاب، و آيات جمع " آية ". ~~وهي: الشيء العجيب الذي يلتفت إليه. والآيات إما أن تكون كونية ~~كالليل والنهار والشمس والقمر لتثبت الوجود الأعلى، وإما أن تكون ~~الآيات المعجزة الدالة على صدق البلاغ عن الله وهي معجزات الرسل، ~~وإما أن تكون آيات القرآن التي تحمل المنهج للناس كافة. ويضيف الحق ~~سبحانه: { وقرآن مبين } [االحجر: 1]. فهل الكتاب هو شيء غير ~~القرآن؟ ونقول: إن الكتاب إذا أطلق فهو ينصرف إلى كل ما نزل من الله ~~على الرسل كصحف إبراهيم، وزبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى وكل تلك ~~كتب، ولذلك يسمونهم " أهل الكتاب ". أما إذا جاءت كلمة " الكتاب " ~~معرفة بالألف واللام فلا ينصرف إلا للقرآن، لأنه نزل كتابا خاتما، ~~ومهيمنا على الكتب الأخرى. # وبعد ذلك جاء بالوصف الخاص وهو قرآن، وبذلك يكون قد عطف خاصا على ~~عام، فالكتاب هو القرآن، ودل بهذا على أنه سيكتب كتابا، وكان ~~مكتوبا من قبل في اللوح المحفوظ. وإن قيل: إن الكتب السابقة قد كتبت ~~أيضا فالرد هو أن تلك الكتب قد كتبت بعد أن نزلت بفترة طويلة، ولم ~~تكتب مثل القرآن ساعة التلقي من جبريل عليه السلام، فالقرآن يتميز ~~بأنه قد كتب في نفس زمن نزوله، ولم يترك لقرون كبقية الكتب ثم بدئ ~~في كتابته. والقرآن يوصف بأنه مبين في ذاته ومبين لغيره وهو أيضا ~~محيط بكل شيء. وسبحانه القائل: # ما فرطنا في الكتاب من شيء.. # [الأنعام: 38]. وأي أمر يحتاج لحكم فإما أن تجده مفصلا في القرآن، ~~أو نسأل فيه أهل الذكر، مصداقا لقول الحق سبحانه: # فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [الأنبياء: 7]. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { ربما يود الذين ~~كفروا... }. ### || [15.2] # و " رب " حرف يستعمل للتقليل، ويستعمل أيضا للتكثير على حسب ما ~~يأتي من بعده، وهو حرف الأصل فيه أن يدخل على المفرد. ونحن نقول ms5394 " ~~رب أخ لك لم تلده أمك " وذلك للتقليل، مثلما نقول " ربما ينجح ~~الكسول ". ولكن لو قلنا " ربما ينجح الذكي " فهذا للتكثير، وفي هذا ~~استعمال للشيء في نقيضه، إيقاظا للعقل كي ينتبه. وهنا جاء الحق سبحانه: ~~ب " رب " ومعها حرف " ما " ومن بعدهما فعل. ومن العيب أن تقول: إن " ما ~~" هنا زائدة ذلك أن المتكلم هو رب كل العباد. وهنا يقول الحق سبحانه: { ~~ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } ~~[الحجر: 2]. فهل سيأتي وقت يتمنى فيه أهل الكفر أن يسلموا؟ إن " يود " ~~تعني " يحب " و " يميل " و " يتمنى " ، وكل شيء تميل إليه وتتمناه يسمى " ~~طلب ". ويقال في اللغة: إن طلبت أمرا يمكن أن يتحقق، ويمكن ألا يتحقق ~~فإن قلت: " يا ليت الشباب يعود يوما " فهذا طلب لا يمكن أن ~~يتحقق لذلك يقال إنه " تمني ". وإن قلت " لعلي أزور فلانا " فهذا ~~يسمى رجاء لأنه من الممكن أن تزور فلانا. وقد تقول: " كم عندك؟ " بهدف ~~أن تعرف الصورة الذهنية لمن يجلس إليه من تسأله هذا السؤال، وهذا ~~يسمى استفهاما. وهكذا إن كنت قد طلبت عزيزا لا ينال فهو تمن وإن ~~كنت قد طلبت ما يمكن أن ينال فهو الترجي، وإن كنت قد طلبت صورته لا ~~حقيقته فهو استفهام، ولكن إن طلبت حقيقة الشيء فأنت تطلبه كي لا تفعل ~~الفعل. والطلب هنا في هذه الآية يقول: { ربما يود الذين ~~كفروا لو كانوا مسلمين } [الحجر: 2]. فهل يتأتى هذا ~~الطلب؟ ولنر متى يودون ذلك. إن ذلك التمني سوف يحدث إن وقعت لهم ~~أحداث تنزع منهم العناد فيأخذون المسائل بالمقاييس الحقيقية. والحق ~~سبحانه هو القائل: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # [النمل: 14]. وقد حدث لهم حين وقعت غزوة بدر، ونال منهم المسلمون ~~الغنائم أن قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين، وأخذنا تلك الغنائم. أي: أن هذا ~~التمني قد حدث في الدنيا، ولسوف يحدث هذا عند موت أحدهم. يقول الحق ~~سبحانه: # حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون * ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت.. # [المؤمنون: 100]. ويعلق الحق سبحانه على ms5395 هذا القول: # كلا إنها كلمة هو قآئلها.. # [المؤمنون: 100]. وسيتمنون أيضا أن يكونوا مسلمين، مصداقا لقول الحق ~~سبحانه: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون # [السجدة: 12]. إذن: فسيأتي وقت يتمنى فيه الكفار أن يكونوا مسلمين، ~~إذا ما عاينوا شيئا ينزع منهم جحودهم وعنادهم، ويقول لهم: إن الحياة ~~التي كنتم تتمسكون بها فانية ولكنكم تطلبون أن تكونوا مسلمين وقت أن ~~زال التكليف، وقد فات الأوان. ويكفي المسلمين فخرا أن كانوا على دين ~~الله، واستمسكوا بالتكليف، ويكفيكم عارا أن خسرتم هذا الخسران ~~المبين، وتتحسروا على أنكم لم تكونوا مسلمين. وفي اليوم الآخر يعذب ~~الحق سبحانه العصاة من المسلمين الذين لم يتوبوا من ذنوبهم، ولم يستغفروا ~~الحق سبحانه، أو ممن لم يغفر لهم سبحانه وتعالى ذنوبهم لعدم إخلاص ~~النية وحسن الطوية عند الاستغفار، ويدخل في ذلك أهل النفاق مصداقا ~~لقوله تعالى: # استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر ~~لهم.. # [التوبة: 80]. فيدخلون النار ليأخذوا قدرا من العذاب على قدر ما ~~عصوا وينظر لهم الكفار قائلين: ما أغنت عنكم لا إله إلا الله شيئا، ~~فأنتم معنا في النار. ويطلع الحق سبحانه على ذلك فيغار على كل من قال ~~لا إله إلا الله فيقول: أخرجوهم وطهروهم وعودوا بهم إلى الجنة، وحينئذ ~~يقول الكافرون: يا ليتنا كنا مسلمين، لنخرج من النار، ونلحق بأهل الجنة. ~~ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ذرهم يأكلوا ~~ويتمتعوا... }. ### || [15.3] # و ذرهم أمر بأن يدعهم ويتركهم. وسبحانه قال مرة ذرهم، ومرة قال: # وذرني والمكذبين أولي النعمة.. # [المزمل: 11]. أي: اتركهم لي، فأنا الذي أعاقبهم، وأنا الذي أعلم أجل ~~الإمهال، وأجل العقوبة. ويستعمل من " ذرهم " فعل مضارع هو " يذر " ، ~~وقد قال الحق سبحانه: # ويذرك وآلهتك.. # [الأعراف: 127]. ولم يستعمل منها في اللغة فعل ماض، إلا فيما روي ~~من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم # " ذروا اليمن ما ذروكم " # ، أي: اتركوهم ما تركوكم. ويشارك في هذا الفعل فعل آخر هو " دع " ~~بمعنى " اترك ". وقيل: أهملت العرب ماضي ms5396 " يدع " و " يذر " إلا في قراءة ~~في قول الحق سبحانه: # ما ودعك ربك وما قلى # [الضحى: 3]. وهنا يقول الحق سبحانه: { ذرهم يأكلوا ~~ويتمتعوا.. } [الحجر: 3]. ونحن أيضا نأكل، وهناك فرق بين الأكل ~~كوقود للحركة وبين الأكل كلذة وتمتع، والحيوانات تأكل لتأخذ الطاقة ~~بدليل أنها حين تشبع لا يستطيع أحد أن يجبرها على أكل عود برسيم زائد. ~~أما الإنسان فبعد أن يأكل ويغسل يديه ثم يرى صنفا جديدا من الطعام ~~فهو يمد يده ليأكل منه ذلك أن الإنسان يأكل شهوة ومتعة، بجانب أنه ~~يأكل كوقود للحركة. والفرق بيننا وبينهم أننا نأكل لتتكون عندنا ~~الطاقة، فإن جاءت اللذة مع الطعام فأهلا بها ذلك أننا في بعض الأحيان ~~نأكل ونتلذذ، لكن الطعام لا يمري علينا بل يتعبنا فنطلب المهضمات من ~~مياه غازية وأدوية. ولذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ". # أي: أنه صلى الله عليه وسلم ينهانا عن أن نأكل بالشهوة واللذة فقط. ~~ولنلحظ الفارق بين طعام الدنيا وطعام الجنة في الآخرة فهناك سوف نأكل ~~الطعام الذي نستلذ به ويمري علينا بينما نحن نضطر في الدنيا - في بعض ~~الأحيان - أن نأكل الطعام بدون ملح ومسلوقا كي يحفظ لنا الصحة ولا ~~يتعبنا وهو أكل مرىء وليس طعاما هنيئا، ولكن طعام الآخرة هنىء ~~ومرىء. وعلى ذلك نفهم قول الحق سبحانه: { ذرهم يأكلوا ~~ويتمتعوا.. } [الحجر: 3]. أي: أن يأكلوا أكلا مقصودا لذات ~~اللذة فقط. ويقول الحق سبحانه متابعا: { ويلههم الأمل } ~~[الحجر: 3]. أي: أن ينصبوا لأنفسهم غايات سعيدة تلهيهم عن وسيلة ~~ينتفعون بها ولذلك يقول المثل العربي: " الأمل بدون عمل تلصص " فما ~~دمت تأمل أملا فلا بد أن تخدمه بالعمل لتحققه. ولكن المثل على ~~الأمل الخادع هو ما جاء به الحق سبحانه على لسان من غرته النعمة، ~~فقال: # مآ أظن أن تبيد هذه أبدا * ومآ أظن الساعة ~~قائمة.. # [الكهف: 35-36]. ولكن الساعة ستقوم رغما عن أنف الآمال الكاذبة، ~~والسراب المخادع. ويقول الحق سبحانه: { ويلههم الأمل فسوف ~~يعلمون } [الحجر: 3]. وكلمة سوف تدل ms5397 على أن الزمن متراخ قليلا ~~فالأفعال مثل " يعلم " تعني أن الإنسان قد يعلم الآن ويعلم من بعد الآن ~~بوقت قصير، أما حين نقول " سوف يعلم " فتشمل كل الأزمنة. فالنصر يتحقق ~~للمؤمنين بإذن من الله دائما أما غير المؤمنين فلسوف يتمنون الإيمان ~~كما قلنا وأوضحنا من قبل. وهكذا نرى أن قوله: { فسوف يعلمون ~~} [الحجر: 3]. يشمل كل الأزمنة. وقد صنع الحق سبحانه في الدنيا أشياء ~~تؤذن بصدق وعده، والذين يظنون أنهم يسيطرون على كل الحياة ~~يفاجئهم زلزال فيهدم كل شيء، على الرغم من التقدم فيما يسمى " ~~الاستشعار عن بعد " وغير ذلك من فروع العلم التطبيقي. وفي نفس الوقت ~~نرى الحمير التي نتهمها بأنها لا تفهم شيئا تهب - هي والماشية - من ~~قبل الزلزال لتخرج إلى الخلاء بعيدا عن الحظائر التي قد تتهدم عليها، ~~وفي مثل هذا التصرف الغريزي عند الحيوانات تحطيم وأدب للغرور ~~الإنساني، فمهما قاده الغرور، وادعى أنه مالك لناصية العلم، فهو ما زال ~~جاهلا وجهولا. وكذلك نجد من يقول عن البلاد الممطرة: إنها بلاد لا ~~ينقطع ماؤها، لذلك لا تنقطع خضرتها. ثم يصيب تلك البلاد جفاف لا تعرف ~~له سببا، وفي كل ذلك تنبيه للبشر كي لا يقعوا أسرى للغرور. ويقول ~~سبحانه من بعد ذلك ضاربا لهم المثل: { ومآ أهلكنا من ~~قرية... }. ### || [15.4] # أي: أنه سبحانه لا يأمر بهلاك أي قرية إلا في الأجل المكتوب لها. ~~ويجعلها من المثل التي يراها من يأتي بعدها لعله يتعظ ويتعرف على ~~حقيقة الإيمان. وقد قال الحق سبحانه: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. والمثل القريب من الذاكرة " لبنان " التي عاشت إلى ما قبل ~~الخمسينات كبلد لا تجد فيه فندقا لائقا، ثم ازدهرت وانتعشت في ~~الستينات والسبعينات واستشرى فيها الفساد فقال أهل المعرفة بالله: " لا ~~بد أن يصيبها ما يصيب القرى الكافرة بأنعم الله ". وقد حدث ذلك ~~وقامت فيها الحرب الأهلية، وانطبق عليها قول الحق سبحانه: ms5398 # ويذيق بعضكم بأس بعض.. # [الأنعام: 65]. وهذا ما يحدث في الدنيا، وهي مقدمات تؤكد صدق ما ~~سوف يحدث في الآخرة. وسبحان القائل: # وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم ~~القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في ~~الكتاب مسطورا # [الإسراء: 58]. وبطبيعة الحال فهذا ما يحدث لأي قرية ظالم أهلها لأن ~~الحق سبحانه لا يظلم مثقال ذرة. وأذكر أن تفسير النسفي قد صودر في ~~عصر سابق لأن صاحب التفسير قال عند تفسيره لهذه الآية: " حدثني فلان عن ~~فلان أن البلد الفلاني سيحصل فيه كذا والبلد الآخر سوف يحدث فيه كذا إلى ~~أن جاء إلى مصر وقال بالنص: ويدخل مصر رجل من جهينة، فويل لأهلها، ~~وويل لأهل سوريا، وويل لأهل الرملة، وويل لأهل فلسطين، ولا يدخل ~~بيت المقدس ". ومادام الحق سبحانه قد قال: # كان ذلك في الكتاب مسطورا # [الإسراء: 58]. فهو يعلم بعضا من خلقه بعضا من أسراره، فلا مانع من ~~أن نرى بعضا من تلك الأسرار على ألسنتهم. وحين ذاعت تلك الحكاية، ~~وقالوها للرئيس الذي كان موجودا، وقالوا له: أنت من جهينة وهم يقصدونك. ~~صودر تفسير النسفي. إذن: فقد ترك الحق سبحانه لنا في الدنيا مثلا يؤكد ~~صدقه فيما يحكيه عن الوعيد لبعض القرى حتى نصدق ما يمكن أن يكون بعد ~~يوم القيامة. وحين يقول الحق سبحانه: { ومآ أهلكنا من قرية ~~إلا ولها كتاب معلوم } [الحجر: 4]. فليس لأحد أن يقول: " ~~إن ذلك لم يحدث للبلد الفلاني " لأن كل أمر له أجل. ويقول الحق ~~سبحانه من بعد ذلك: { ما تسبق من أمة أجلها وما... }. ### || [15.5] # أي: أنه سبحانه قد جعل لكل أمة أجلا، وغاية، فإذا ما انتهى الأجل ~~المعلوم جاءت نهايتها فلا كائن يتقدم على أجله، ولا أحد يتأخر عن ~~موعد نهايته. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وقالوا يأيها ~~الذي نزل... }. ### || [15.6] # وهم هنا يسخرون من الرسول ومن القرآن ذلك أنهم لو كانوا يؤمنون بالقرآن ~~وبالرسول لما وصفوه صلى الله عليه وسلم بالجنون. والذين قالوا ذلك هم ~~أربعة من كبار الكفار: عبد ms5399 الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث، ونوفل بن ~~خويلد، والوليد بن المغيرة. وقيل عن ابن عباس: إنهم الوليد بن المغيرة ~~المخزومي وحبيب بن عمرو الثقفي. وقيل عن مجاهد: إنهم عتبة بن ربيعة، ~~وكنانة بن عبد ياليل. والظاهر من قولهم هو التناقض الواضح فهم - شاءوا ~~أم أبوا - يعترفون بالقرآن بأنه " ذكر " ، والذكر في اللغة له عدة ~~معان، منها الشرف، وقد أطلق على القرآن، كما قال الحق سبحانه: # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون # [الزخرف: 44]. وسبق لهم أن تلمسوا في هذا القرآن هنات فلم يجدوا، ~~فكيف يصفون من نزل عليه هذا القرآن بالجنون وهم الذين شهدوا له من ~~قبل بالصدق والأمانة. وقد شاء الحق سبحانه أن ينصف رسوله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4]. وهم في اتهامهم للرسول صلى الله عليه وسلم لم يلتفتوا إلى ~~أنهم قد خاطبوه بقولهم: يا أيها، وهو خطاب يتطابق مع نفس الخطاب الذي ~~يخاطبه به الله وهكذا أجرى الحق سبحانه على ألسنتهم توقيرا واحتراما ~~للرسول صلى الله عليه وسلم دون أن يشعروا، وذلك من مشيئته سبحانه حين ~~ينطق أهل العناد بالحق دون أن يشعروا. فقد قال الحق سبحانه عن ~~المنافقين أنهم قالوا: # لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا.. # [المنافقون: 7]. أي: لا تنفقوا على من عند النبي صلى الله عليه وسلم، ~~حتى يجوعوا، فينفضوا من حوله. هم يقولون عنه " رسول الله " ، فهل آمنوا ~~بذلك؟ أم أن هذا من غلبة الحق؟ ويتابع سبحانه ما جاء على ألسنتهم: { ~~لو ما تأتينا بالملائكة... }. ### || [15.7] # ونعلم أن في اللغة ألفاظا تدل على الحث وعلى رغبة المتكلم في أن ~~يوجد السامع ما بعدها، ومن هذه الألفاظ " لولا " و " لوما ". و " لولا ~~" تجيء للتمني ورغبة ما يكون بعدها، وإن كان ما بعدها نفيا فهو رغبة ~~منك ألا يكون، مثل قولك " لو جاء زيد لأكرمته " لكن لمجيء لم يحدث، وكذلك ~~الإكرام. وقد قال الكفار هنا ما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم: { لو ~~ما تأتينا بالملائكة.. } [الحجر: 7]. وسبق ms5400 لهم أن قالوا: # لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا # [الفرقان: 7]. وكأنهم يطلبون نزول ملك مع الرسول ليؤنسه وليصدقوا ~~أنه رسول من عند الله، فهل كان تصديقهم المعلق على هذا الشرط تصديقا ~~للرسول، أم تصديقا للملك؟ وسبق أن تناول القرآن هذا الأمر في قول الحق ~~سبحانه: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. وكأنهم علقوا الإيمان بالرسول على شرط أنه ليس ملكا ~~بل من صنف البشر، وجاء الرد عليهم: # لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. إذن: فلو نزل رسول من السماء ملكا لما استطاع أن ~~يمشي في الأرض مطمئنا فضلا عن أنه لا يمكن أن يكون أسوة وقدوة للبشر ~~لأنه من جنس آخر غير البشر. ولو نزل عليهم ملك كما زعموا، وقال لهم: افعل ~~ولا تفعل، واستقيموا واستغفروا، وسبحوه بكرة وأصيلا، لردوا عليه ~~قائلين أنت ملك ينطبق عليك قول الحق: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. وأنت لا تصلح أسوة لنا. ثم كيف يتكلمون مع ملك وهو من ~~طبيعة مختلفة، ولن يستطيع البشر أن يرتفعوا إلى مستواه ليأخذوا منه، ~~وهو لن يستطيع أن ينزل إلى مستوى البشرية ليأخذوا منه ولذلك شاء الحق ~~سبحانه أن يرسل الرسول من جنس البشر. وهكذا أبطل الحق سبحانه حجتهم في ~~عدم الإيمان بالرسول لأنه لم يأت من جنس الملائكة وأبطل حجتهم في ~~طلبهم أن ينزل مع الرسول ملائكة ليؤيدوه في صدق بلاغه عن الله. ~~ولذلك يقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ما ننزل الملائكة ~~إلا بالحق... }. ### || [15.8] # وهكذا يعلمنا الحق سبحانه أنه لا ينزل الملائكة إلا بمشيئة حكمته ~~سبحانه، ولو نزل الملك - كما طلبوا - لمساعدة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في البلاغ عن الله، فالملك إما أن يكون على هيئة البشر فلن ~~يستطيعوا تمييز الملك من البشر، وإما أن يكون على هيئة الملك، فلا ~~يستطيع البشر أن يروه وإلا هلكوا. ذلك أن البشر لا ms5401 تستطيع تحمل ~~التواصل مع القوة التي أودعها الله في الملائكة. والحق سبحانه هو القائل: # ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون # [الأنعام: 8]. ولو جعله الحق سبحانه في هيئة البشر وتواصلوا معه لالتبس ~~عليهم الأمر، ولظنوا أن الملك بشر مثلهم. وفي هذا يقول الحق سبحانه: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9]. لم ينزل الحق سبحانه الملائكة لأنه لم يشأ أن ~~يهلكهم ورسول الله فيهم، فالحق سبحانه قد قال: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال: 33]. وقد آمن معظمهم ودخلوا في دين الله من بعد ذلك واستغفروا ~~لذنوبهم، وكان الله غفورا رحيما لأن الإسلام يجب ما قبله. وحين ننظر ~~إلى صدر الآية نجد أنه سبحانه قال: { ما ننزل الملائكة ~~إلا بالحق.. } [الحجر: 8]. فلو نزلت الملائكة لكان عذابا لهم، ~~فالحق سبحانه إذا أعطى قوما آية طلبوها، فإما أن يؤمنوا، وإما أن ~~يهلكهم، ولذلك يقول الحق سبحانه: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون # [الإسراء: 59]. فالحق سبحانه لم يجبهم إلى الآيات والمعجزات التي ~~طلبوها لأن السابقين لهم، كذبوا بها قبل ذلك، وهم يريدون أن يكذبوا ~~أيضا، فحتى لو نزلت الآية فسيكذبونها، وحين يكذبون في آية مقترحة من ~~عندهم، فلا بد أن نهلكهم. أما لو كذبوا في آية منزلة من عند الله فإن ~~الله يمهلهم. إذن: فلو نزلنا الملائكة كما يريدون فسننزلهم بالحق، والحق ~~هو أن نهلكهم إذا كذبوا. ويذيل الحق سبحانه الآية بقوله: { وما ~~كانوا إذا منظرين } [الحجر: 8]. أي: ما كان أجل المشركين قد ~~حان لينزل الله لهم الملائكة لإهلاكهم، كما سبق وأهلك الأمم السابقة ~~التي طلبت الآيات، فنزلت لهم كما طلبوها، ولما لم يصدقوا ويؤمنوا ~~أهلكهم الله. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { إنا نحن نزلنا ~~الذكر... }. ### || [15.9] # والقرآن قد جاء بعد كتب متعددة، وكان كل كتاب منها يحمل منهج الله إلا ~~أن أي كتاب منها لم يكن معجزة بل كانت المعجزة تنزل مع أي رسول ~~سبق سيدنا رسول ms5402 الله صلى الله عليه وسلم، وعادة ما تكون المعجزة من صنف ~~ما نبغ فيه القوم الذين نزل فيهم. وما دام المنهج مفصولا عن المعجزة فقد ~~طلب الحق سبحانه من الحاملين لكتب المنهج تلك أن يحافظوا عليها، وكان ~~هذا تكليفا من الحق سبحانه لهم. والتكليف - كما نعلم - عرضة أن ~~يطاع، وعرضة أن يعصى، ولم يلتزم أحد من الأقوام السابقة بحفظ ~~الكتب المنزلة إليهم. ونجد الحق - سبحانه وتعالى - يقول: # إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب ~~الله.. # [المائدة: 44]. أي: أن الحق - سبحانه وتعالى - قد كلفهم وطلب منهم أن ~~يحفظوا كتبهم التي تحمل منهجه وهذا التكليف عرضة أن يطاع، وعرضة ~~أن يعصى وهم قد عصوا أمر الحق سبحانه وتكليفه بالحفظ ذلك أنهم حرفوا ~~وبدلوا وحذفوا من تلك الكتب الكثير. وقال الحق سبحانه عنهم: # وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون # [البقرة: 146]. بل وأضافوا من عندهم كلاما وقالوا: هو من عند الله لذلك ~~قال فيهم الحق سبحانه: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل ~~لهم مما يكسبون # [البقرة: 79]. وهكذا ارتكبوا ذنوب الكذب وعدم الأمانة، ولم يحفظوا الكتب ~~الحاملة لمنهج الله كما أنزلها الله على أنبيائه ورسله السابقين على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك لم يشأ الحق سبحانه أن يترك مهمة ~~حفظ القرآن كتكليف منه للبشر لأن التكليف عرضة أن يطاع وعرضة أن ~~يعصى، فضلا عن أن القرآن يتميز عن الكتب السابقة في أنه يحمل المنهج، ~~وهو المعجزة الدالة على صدق بلاغ رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس ~~الوقت. ولذلك قال الحق سبحانه: { إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون } [الحجر: 9]. والذكر إذا أطلق انصرف ~~المعنى إلى القرآن وهو الكتاب الذي يحمل المنهج وسبحانه قد شاء حفظه ~~لأنه المعجزة الدائمة الدالة على صدق بلاغ رسوله صلى الله عليه وسلم. ~~وكان الصحابة يكتبون القرآن فور أن ms5403 ينزل على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ووجدنا في عصرنا من هم غير مؤمنين بالقرآن ولكنهم يتفننون في ~~وسائل حفظه فهناك من طبع المصحف في صفحة واحدة وسخر لذلك مواهب ~~أناس غير مؤمنين بالقرآن. وحدث مثل ذلك حين تم تسجيل المصحف بوسائل ~~التسجيل المعاصرة. وفي ألمانيا - على سبيل المثال - توجد مكتبة يتم حفظ ~~كل ما يتعلق بكل آية من القرآن في مكان معين محدد. # وفي بلادنا المسلمة نجد من ينقطع لحفظ القرآن منذ الطفولة، وينهي ~~حفظه وعمره سبع سنوات وإن سألته عن معنى كلمة يقرؤها فقد لا يعرف هذا ~~المعنى. ومن أسرار عظمة القرآن أن البعض ممن يحفظونه لا يملكون أية ~~ثقافة، ولو وقف الواحد من هؤلاء عند كلمة فهو لا يستطيع أن يستكملها ~~بكلمة ذات معنى مقارب لها إلى أن يرده حافظ آخر للقرآن. ولكي نعرف ~~دقة حفظ الحق سبحانه لكتابه الكريم نجد أن البعض قد حاول أن يدخل ~~على القرآن ما ليس فيه، وحاول تحريفه من مدخل، يرون أنه قريب من قلب كل ~~مسلم، وهو توقير الرسول صلى الله عليه وسلم وجاءوا إلى قول الحق سبحانه: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم.. # [الفتح: 29]. وأدخلوا في هذه الآية كلمة ليست فيها، وطبعوا مصحفا ~~غيروا فيه تلك الآية بكتابتها " محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم " وأرادوا بذلك أن يسرقوا عواطف ~~المسلمين، ولكن العلماء عندما أمسكوا بهذا المصحف أمروا بإعدامه وقالوا: ~~" إن به شيئا زائدا " ، فرد من طبع المصحف " ولكنها زيادة تحبونها ~~وتوقرونها " ، فرد العلماء: " إن القرآن توقيفي نقرؤه ونطبعه كما ~~نزل ". وقامت ضجة وحسمها العلماء بأن أي زيادة - حتى ولو كانت في ~~توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبته - لا تجوز في القرآن، لأن ~~علينا أن نحفظ القرآن كما لقنه جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم. ويقول ~~الحق سبحانه من بعد ذلك: { ولقد أرسلنا من قبلك... }. ### || [15.10] # وهنا يسلى الحق سبحانه رسوله الكريم، ويوضح له أن ms5404 ما حدث له من إنكار ~~ليس بدعا، بل حدث مثله مع غيره من الرسل سواء من إنكار أو تجاهل أو ~~سخرية. وإذا كنت أنت سيد الرسل وخاتم الأنبياء فلا بد أن تكون مشقتك ~~على قدر مهمتك، ولا بد أن يكون تعبك على قدر جسامة الرسالة ~~الخاتمة. و { شيع } [الحجر: 10]. تعني الجماعة الذين اجتمعوا على مذهب ~~واحد سواء كان ضلالا أم حقا. والمثل على من اجتمعوا على باطل هو ~~قوله الحق: # أو يلبسكم شيعا... # [الأنعام: 65]. والمثل على من اجتمعوا على الحق قوله سبحانه: # وإن من شيعته لإبراهيم # [الصافات: 83]. وهكذا تكون كلمة شيع تعني الجماعة التي اجتمعت على الحق ~~أو الباطل. وقول الحق سبحانه: { ولقد أرسلنا من قبلك في ~~شيع الأولين } [الحجر: 10]. يعني أنك لن تكون أقل من الرسل ~~السابقين عليك، بل قد تكون رحلتك في الرسالة شاقة بما يناسب مهمتك، ~~ويناسب إمامتك للرسل وختامك للأنبياء. ويكمل سبحانه ما حدث للرسل ~~السابقين على رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: { وما ~~يأتيهم من رسول... }. ### || [15.11] # ونجد كلمة: { يستهزئون } [الحجر: 11]. ونجد أن الحق سبحانه قد ~~أوضح هذا الاستهزاء حين قالوا: # يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر: 6]. وكأن الحق سبحانه يوضح له أن الاستهزاء قد يزيد، وذلك ~~دليل على أنك قد بلغت منهم مبلغ الكيد، ولو كان كيدك قليلا ~~لخففوا كيدهم ولكنك جئت بأمر قاس عليهم، وهدمت لهم مذاهبهم، ~~وهدمت حتى سيادتهم وكذلك سطوتهم، ولم يجدوا غير الاستهزاء ليقاوموك ~~به. ومعنى ذلك أنهم عجزوا عن مقاومة منهجك ويحاولون بالاستهزاء أن ~~يحققوا لك الخور لتضعف معتمدين في ذلك على أن كل إنسان يحب أن يكون ~~كريما في قومه ومعززا مكرما. وهنا يريد الحق سبحانه من رسوله أن ~~يوطن نفسه على أنه سيستهزأ به وسيحارب وسيؤذى لأن المهمة صعبة ~~وشاقة، وكلما اشتدت معاندتك وإيذاؤك، فاعلم أن هذه من حيثيات ضرورة ~~مهمتك. ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يتأكد من مهمته أخذته ~~زوجه خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - عند ورقة ms5405 بن نوفل وعرف ورقة أنه ~~سيؤذى، وقال ورقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ليتني أكون حيا حين ~~يخرجك قومك. فتساءل الرسول صلى الله عليه وسلم: أمخرجي هم؟ قال ~~ورقة: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك ~~أنصرك نصرا مؤزرا. وهكذا شاء الحق سبحانه أن يصحب نزول الرسالة أن ~~يحصنه ضد ما سيحصل له، ليكون عنده المناعة التي تقابل الأحداث فما دام ~~سيصير رسولا، فليعلم أن الطريق محفوف بالإيذاء، وبذلك لا يفاجأ بوجود ~~من يؤذيه. ونحن نعلم أن المناعة تكون موجودة عند من وبها يستعد ~~لمواجهة الحياة في مكان به وباء يحتاج إلى مصل مضاد من هذا الوباء ~~ليقي نفسه منه، وهذا ما يحدث في الماديات، وكذلك الحال في المعنويات. ~~ولهذا يوضح سبحانه هذا الأمر لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولتزداد ثقته ~~في الحق الذي بعثه به ربه، ويشتد في المحافظة على تنفيذ منهجه. ~~والاستهزاء - كما نعلم - لون من الحرب السلبية فهم لم يستطيعوا مواجهة ~~ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجد، ولا أن يردوا منهجه ~~الراقي لذلك لجئوا إلى السخرية من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم ~~تنفعهم سخريتهم في النيل من الرسول، أو النيل من الإسلام، وفي هذا ~~المعنى، يقول لنا الحق سبحانه عن مصير الذين يسخرون من الرسول صلى الله ~~عليه وسلم: { كذلك نسلكه في قلوب... }. ### || [15.12] # و " سلك الشيء " أي: أدخله، كما ندخل الخيط في ثقب الإبرة. والحق ~~سبحانه يقول: # ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين # [المدثر: 42-43]. أي: ما أدخلكم في النار فتأتي إجابتهم: # لم نك من المصلين # [المدثر: 43]. وهنا يقول الحق سبحانه: { كذلك نسلكه في ~~قلوب المجرمين } [الحجر: 12]. أي: كما سلكنا الكفر والتكذيب ~~والاستهزاء في قلوب شيع الأولين، كذلك ندخله في قلوب المجرمين. يعني: ~~مشركي مكة، لأنهم أدخلوا أنفسهم في دائرة الشرك التي دعتهم إلى هذا ~~الفعل، فنالوا جزاء ما فعلوا مثل ما سبق من أقوام مثلهم وقد يجد من تلك ms5406 ~~القلوب تصديقا يكذبونه بألسنتهم، مثلما قال الحق سبحانه: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم.. # [النمل: 14]. فهم أمة بلاغة ولغة وبيان وقد أثر فيهم القرآن بحلاوته ~~وطلاوته ولكنه العناد، وها هو واحد منهم يقول: " إن له لحلاوة، وإن عليه ~~لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق ". لقد قال ذلك كافر ~~بالرسول والرسالة. ونعلم أن الذين استمعوا إلى القرآن نوعان والحق سبحانه ~~هو القائل عن أحدهما: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهوآءهم # [محمد: 16]. أي: أن قوله لا يعجبهم وما يتلوه عليهم لا يستحق السماع، ~~فقال الحق سبحانه ردا عليهم: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى.. # [فصلت: 44]. وهي مسألة - كما أقول دائما - تتعلق بالقابل الذي يستقبل ~~الحدث إما أن يصفي قلبه ليستقبل القرآن وإما أن يكون قلبه - والعياذ ~~بالله - ممتلئا بالكفر، فلا يستقبل شيئا من كتاب الحق. وقد حدث أن ~~أدخل الحق سبحانه كتبه السماوية في قلوب الأقوام السابقة على رسول الله، ~~ولكنهم لفساد ضمائرهم وظلمة عقولهم سخروا من تلك الكتب، ولم يؤمنوا ~~بها. ويصف الحق سبحانه هؤلاء المجرمين بقوله: { لا يؤمنون به ~~وقد خلت... }. ### || [15.13] # وهكذا يوضح الحق سبحانه أن قلوب الكفرة لا تلين بالإيمان ولا تحسن ~~استقبال القرآن، ذلك أن قلوبهم ممتلئة بالكفر، تماما كما حدث من ~~الأقوام السابقة، فتلك سنة من سبقوهم إلى الكفر. والسنة هي الطريقة ~~التي تأتي عليها قضايا النتائج للمقدمات وهي أولا وأخيرا قضايا ~~واحدة. ومرة نجد الحق سبحانه يقول: # سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا # [الأحزاب: 62]. ونعلم أن الإضافة تختلف حسب ما يقتضيه التعبير. ف سنة ~~الأولين تعني الأمور الكونية التي قدرها الله لعباده. وسنة الله تعني ~~سنة منسوبة لله، ومن سنن الحق سبحانه أن يهلك المكذبين للرسل إن ~~طلبوا آية فجاءتهم، ثم واصلوا الكفر. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ~~ولو فتحنا عليهم بابا ms5407 من السماء... }. ### || [15.14-15] # وهم قد طلبوا أن ينزل إليهم ملك من السماء لذلك نجد الحق سبحانه هنا ~~يأتيهم بدليل أقوى مما طلبوا، ذلك أن نزول ملك من السماء هو أسهل ~~بكثير من أن ينزل من السماء سلما يصعدون عليه، وفي هذا ارتقاء في ~~الدليل لكنهم يرتقون أيضا في الكفر، وقالوا: إن حدث ذلك فلسوف يكون ~~من فعل السحر. ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم ساحرا لسحرهم، وجعلهم ~~جميعا مؤمنين، وعلى الرغم من أن مثل هذا الأمر كان يجب أن يكون بدهيا ~~بالنسبة لهم، لكنهم يتمادون في الكفر، ويقولون: إنه لو نزل سلما ~~من السماء وصعدوا عليه لكان ذلك بفعل السحر ولكان رسول الله هو الذي ~~سحرهم وأعمى أبصارهم، ولجعلهم يتوهمون ذلك. وكأن معنى هذا القول الكريم: ~~لو ارتقينا في مطلبهم، وأنزلنا لهم سلما يصعدون به إلى أعلى ليقولوا: ~~إن الحق هو الذي بعث محمدا بالرسالة، بدلا من أن ينزل إليهم ملك حسب ~~مطلبهم لما آمنوا بل لقالوا: إن هذا من فعل سحر قام به محمد ضدهم. ~~وهكذا يرتقون في العناد والجحود. ولا بد أن نلحظ أن الحق سبحانه قد ~~جاء هنا بكلمة: { فظلوا } [الحجر: 14]. ولم يقل " وكانوا " ، ذلك أن ~~" كان " تستخدم لمطلق الزمن، و " ظل " للعمل نهارا، و " أمسى " ~~للعمل ليلا، أي: أن كل كلمة لها وقت مكتوب، والمقصود من " ظلوا " ~~هنا أن الحق سبحانه لن ينزل لهم السلم الذي يعرجون عليه إلا في ~~منتصف النهار، ولكنهم أصروا على الكفر. لذلك قال سبحانه: { فظلوا ~~فيه يعرجون } [الحجر: 14]. أي: لن نأخذهم بالليل، حتى لا يقولوا ~~إن الدنيا كانت مظلمة ولم نر شيئا، ولكنه سيكون في وضح النهار. أي: أن ~~الله حتى لو فتح بابا في السماء يصعدون منه إلى الملأ الأعلى في وضح ~~النهار لكذبوا. وبعد ذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى الكون ليرينا عجيب ~~آياته، فيقول: { ولقد جعلنا في السماء... }. ### || [15.16] # والبروج تعني المباني العالية، والحق سبحانه هو القائل: # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة # [النساء: 78]. وهو ms5408 سبحانه القائل: # والسمآء ذات البروج # [البروج: 1]. والمعنى الجامع لكل هذا هو الزينة الملفتة بجرمها ~~العالي وقد تكون ملفتة بجمالها الأخاذ. والبروج هي جمع برج وهي ~~منازل الشمس والقمر فكلما تحركت الشمس في السماء تنتقل من برج إلى آخر ~~وكذلك القمر، مصداقا لقول الحق سبحانه: # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33]. وهو سبحانه القائل: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب # [يونس: 5]. أي: لنضبط كل التوقيتات على ضوء تلك الحركة لكل من الشمس ~~والقمر، ونحن حين نفتح أي جريدة نقرأ ما يسمى بأبواب الطالع، وفيه ~~أسماء الأبراج: برج الحمل، وبرج الجدي، وبرج العذراء وغيرها، وهي أسماء ~~سريانية للمنازل التي تنزلها أبراج النجوم. ويقول الشاعر: # حمل الثور جوزة السرطان # ورعى الليث سنبل الميزان # عقرب القوس جدي دلو # وحوت ما عرفنا من أمة السريان # وهم اثنا عشر برجا، ولكل برج مقاييس في الجو والطقس. وحين نقرأ القرآن ~~نجد قول الحق سبحانه: # وعلامات وبالنجم هم يهتدون # [النحل: 16]. والبعض يحاول أن يجد تأثيرا لكل برج على المواليد الذين ~~يولدون أثناء ظهور هذا البرج، ولعل من يقول ذلك يصل إلى فهم لبعض من ~~أسرار الله في كونه ذلك أنه سبحانه قد أقسم بمواقع النجوم، وقال: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة: 75-76]. وهناك من يقول: إن لكل إنسان نجما يولد معه ~~ويموت معه لذلك يقال " هوى نجم فلان " ، ونحن لا نجزم بصحة أو عدم ~~صحة مثل هذه الأمور لأنه لم تثبت علميا، والحق سبحانه أعلم بأسراره، ~~وقد يعلمها لبعض من خلقه. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها ~~نجد قول الحق سبحانه: { ولقد جعلنا في السماء بروجا... } ~~[الحجر: 16]. أي: أن هناك تأكيدا لوجود تلك البروج في السماء، وليس هذا ~~الجعل لتأثيرها في الجو، أو لأنها علامات نهتدي بها، فضلا عن تأثيرها ~~على الحرارة والرطوبة والنباتات، ولكنها فوق كل ذلك تؤدي مهمة جمالية ~~كبيرة، وهي أن تكون زينة لكل من ينظر إليها. لذلك قال الحق سبحانه: { ~~وزيناها ms5409 للناظرين } [الحجر: 16]. ذلك أن الشيء قد يكون ~~نافعا لكن ليس له قيمة جمالية وشاء الحق سبحانه أن يجعل للنجوم قيمة ~~جمالية، ذلك أنه قد خلق الإنسان، ويعلم أن لنفسه ملكات متعددة، وكل ~~ملكة لها غذاء. فغذاء العين المنظر الجميل والأذن غذاؤها الصوت ~~الجميل، والأنف غذاؤه الرائحة الطيبة واللسان يعجبه المذاق الطيب، واليد ~~يعجبها الملمس الناعم وهذا ما نعرفه من غذاء الملكات للحواس الخمس ~~التي نعرفها. وهناك ملكات أخرى في النفس الإنسانية تحتاج كل منها إلى ~~غذاء معين، وقد يسبب أخذ ملكة من ملكات النفس لأكثر المطلوب لها من ~~غذاء أن تفسد تلك الملكة وكذلك قد يسبب الحرمان لملكة ما فسادا ~~تكوينيا في النفس البشرية. # والإنسان المتوازن هو من يغذي ملكاته بشكل متوازن، ويظهر المرض ~~النفسي في بعض الأحيان نتيجة لنقص غذاء ملكة ما من الملكات النفسية، ~~ويتطلب علاج هذا المرض رحلة من البحث عن الملكة الجائعة في النفس ~~البشرية. وهكذا نجد في النفس الإنسانية ملكة لرؤية الزينة، وكيف تستميل ~~الزينة النفس البشرية؟ ونجد المثل الواضح على ذلك هو وجود مهندسي ديكور ~~يقومون بتوزيع الإضاءة في البيوت بأشكال فنية مختلفة. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه عن أبراج النجوم: { وزيناها للناظرين } [الحجر: 16]. ~~ونجده سبحانه يقول عن بعض نعمه التي أنعم بها علينا: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة.. # [النحل: 8]. وهكذا يمتن علينا الحق سبحانه بجمال ما خلق وسخره لنا، ~~ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل هي في خدمة الإنسان في أمور أخرى: # وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم # [النحل: 7]. وهو سبحانه وتعالى الذي جعل تلك الدواب لها منظر جميل فهو ~~سبحانه القائل: # ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون # [النحل: 6]. وهو سبحانه لم يخلق النعم لنستخدمها فقط في أغراضها ~~المتاحة ولكن بعضا منها يروي أحاسيس الجمال التي خلقها فينا سبحانه. ~~وكلما تأثرنا بالجمال وجدنا الجميل، وفي توحيده تفريد لجلاله. ويقول ~~سبحانه عن السماء والبروج: { وحفظناها من كل شيطان... }. ### || [15.17] # ونعلم أن الشياطين كانوا يسترقون السمع لبعض ms5410 من منهج الله الذي نزل على ~~الرسل السابقين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يحاولون أن يضيفوا ~~لها من عندهم ما يفسد معناها، وما أن جاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى منع كل هذا بأمر من الحق سبحانه، يقول جل علاه: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم.. # [الأنعام: 121]. ولذلك نجد الشياطين تقول ما ذكره الحق سبحانه على ~~ألسنتهم في كتابه العزيز: # وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا ~~شديدا وشهبا * وأنا كنا نقعد منها مقاعد ~~للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا * ~~وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد ~~بهم ربهم رشدا # [الجن: 8-10]. وهكذا علمنا أنهم كانوا يسترقون السمع ويأخذون بضعا من ~~كلمات المنهج ويزيدون عليها فتبدو بها حقيقة واحدة وألف كذبة. وشاء الحق ~~سبحانه أن يكذب ذلك فقال: { وحفظناها من كل شيطان ~~رجيم } [الحجر: 17]. والشيطان كما نعلم هو عاصي الجن. ويقول الحق ~~سبحانه من بعد ذلك: { إلا من استرق... }. ### || [15.18] # وكلمة: { استرق } [الحجر: 18]. تحدد المعنى بدقة، فهناك من ~~سرق وهناك من استرق فالذي سرق هو من دخل بيتا على سبيل المثال، وأخذ ~~يعبئ ما فيه في حقائب، ونزل من المنزل على راحته لينقلها حيث يريد. لكن ~~إن كان هناك أحد في المنزل فاللص يتحرك في استخفاء خوفا من أن يضبطه ~~من يوجد في المنزل ليحفظه وهكذا يكون معنى " استرق " الحصول على ~~السرقة مقرونة بالخوف. وقد كان العاصون من الجن قبل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يسترقون السمع للمنهج المنزل على الرسل السابقين ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم واختلف الأمر بعد رسالته الكريمة حيث شاء ~~الحق سبحانه أن يحرس السماء وما أن يقترب منها شيطان حتى يتبعه شهاب ~~ثاقب. والشهاب هو النار المرتفعة وهو عبارة عن جذوة تشبه قطعة الفحم ~~المشتعلة ويخرج منه اللهب. وهو ما يسمى بالشهاب. أما إذا كان اللهب بلا ~~ذؤابة من دخان فهذا اسمه " السموم ". وإن كان الدخان ملتويا، ~~ويخرج منه اللهب، ويموج في الجو فيسمى " مارج ms5411 " حيث قال الحق سبحانه: # مارج من نار # [الرحمن: 15]. وهكذا نجد السماء محروسة بالشهب والسموم ومارج من نار. ~~ويقول سبحان من بعد ذلك: { والأرض مددناها وألقينا... }. ### || [15.19] # وحين نسمع كلمة الأرض فنحن نتعرف على المقصود منها، ذلك أنه ليس مع ~~العين أين. والمد هو الامتداد الطبيعي لما نسير عليه من أي مكان ~~في الأرض. وهذه هي اللفتة التي يلفتنا لها الحق سبحانه فلو كانت الأرض ~~مربعة أو مستطيلة أو مثلثة لوجدنا لها نهاية وحافة، لكنا حين نسير ~~في الأرض نجدها ممتدة، ولذلك فهي لا بد وأن تكون مدورة. وهم ~~يستدلون في العلم التجريبي على أن الأرض كروية بأن الإنسان إذا ما سار ~~في خط مستقيم فلسوف يعود إلى النقطة التي بدأ منها، ذلك أن منحنى الأرض ~~مصنوع بدقة شديدة قد لا تدرك العين مقدار الانحناء فيه ويبدو مستقيما. ~~وحين يقول الحق سبحانه: { وألقينا فيها رواسي.. } [الحجر: ~~19]. يعني أشياء تثبتها. ولقائل أن يتساءل: ما دامت الأرض مخلوقة على ~~هيئة الثبات فهل كانت تحتاج إلى مثبتات؟ ونقول: لا بد أن الحق سبحانه قد ~~خلقها متحركة وعرضة لأن تضطرب فخلق لها المثقلات، وهكذا نكون قد ~~أخذنا من هذه الآية حقيقتين التكوير والدوران. وهناك آية أخرى يقول فيها ~~الحق سبحانه: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # [النمل: 88]. ونفهم من هذا القول الكريم أن حركة الجبال ليست ذاتية بل ~~تابعة لحركة الأرض كما يتحرك الحساب تبعا لحركة الرياح. وشاء سبحانه أن ~~يجعل الجبال رواسي مثبتات للأرض كي لا تميد بنا فلا تميل يمنة أو ~~يسرة أثناء حركتها. ويقول الحق سبحانه: { وأنبتنا فيها من ~~كل شيء موزون } [الحجر: 19]. وأنبت سبحانه من الأرض كل شيء ~~موزون بدقة تناسب الجو والبيئة، ويضم العناصر اللازمة لاستمرار الحياة. ~~ويقول سبحانه من بعد ذلك: { وجعلنا لكم فيها معايش... }. ### || [15.20] # في هذا القول يمتن علينا سبحانه بأنه جعل لنا في الأرض وسائل للعيش ~~ولم يكتف بذلك، بل جعل فيها رزق ما نطعمه نحن من الكائنات التي تخدمنا ~~من نبات وحيوان، ووقود، ms5412 وما يلهمنا إياه لنطور حياتنا من أساليب الزراعة ~~والصناعة وفوق ذلك أعطانا الذرية التي تقر بها العين، وكل ذلك خاضع ~~لمشيئته وتصرفه. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { وإن من شيء إلا ~~عندنا... }. ### || [15.21] # وقوله الحق: { وإن من شيء.. } [الحجر: 21]. أي: أنه لا يوجد جنس ~~من الأجناس إلا وله خزائن عند الله سبحانه، فالشيء الذي قد تعتبره ~~تافها له خزائن وكذلك الشيء النفيس، وهو سبحانه ينزل كل شيء بقدر ~~حتى الاكتشافات العلمية ينزلها بقدر. وحين نحتاج إلى أي شيء مخزون ~~في أسرار الكون فنحن نعمل عقولنا الممنوحة لنا من الله لنكتشف هذا ~~الشيء. والمثل هو الوقود وكنا قديما نستخدم خشب الأشجار والحطب. ~~وسبحانه هو القائل: # أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم ~~شجرتهآ أم نحن المنشئون # [الواقعة: 71-72]. واتسعت احتياجات البشر فاكتشفوا الفحم الذي كان أصله ~~نباتا مطمورا أو حيوانا مطمورا في الأرض ثم اكتشف البترول، وهكذا. ~~أي: أنه سبحانه لن ينشئ فيها جديدا، بل أعد سبحانه كل شيء في الأرض، ~~وقدر فيها الأقوات من قبل أن ينزل آدم عليه السلام إلى الأرض من جنة ~~التدريب ليعمر الأرض، ويكون خليفة لله فيها، هو وذريته كلها إلى أن ~~تقوم الساعة. فإذا شكونا من شيء فهذا مرجعه إلى التكاسل وعدم حسن ~~استثمار ما خلقه الله لنا وقدره من أرزاقنا في الأرض. ونرى التعاسة في ~~كوكب الأرض رغم التقدم العلمي والتقني ذلك أننا نستخدم ما كنزه الحق ~~سبحانه ليكون مجال سعادة لنا في الحروب والتنافر. ولو أن ما يصرف على ~~الحروب تم توجيهه إلى تنمية المجتمعات المختلفة لعاش الجميع في وفرة ~~حقيقية. ولكن سوء التنظيم وسوء التوزيع الذي نقوم به نحن البشر هو ~~المسبب الأول لتعاسة الإنسان في الأرض ذلك أنه سبحانه قد جعل الأرض ~~كلها للأنام، فمن يجد ضيقا في موقع ما من الأرض فليتجه إلى موقع آخر. ~~ولكن العوامل السياسية وغير ذلك من الخلافات بين الناس تجعل في أماكن في ~~الأرض رجالا بلا عمل وتجعل في أماكن أخرى ثروة بلا استثمار ونتجاهل قوله ms5413 ~~سبحانه: { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه.. } [الحجر: ~~21]. فلكل شيء في الأرض خزائن والخزينة هي المكان الذي تدخر فيه ~~الأشياء النفيسة، والكون كله مخلوق على هيئة أن الحق سبحانه قدر في ~~الأرض أقواتا لكل الكائنات من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة. فإن حدث ~~تضييق في الرزق فاعلموا أن حقا من حقوق الله قد ضيع، إما لأنكم ~~أهملتم استصلاح الأرض وإحياء مواتها بقدر ما يزيد تعداد السكان في ~~الأرض، وإما أنكم قد كنزتم ما أخذتم من الأرض، وضننتم بما اكتنزتموه ~~على سواكم. فإن رأيت فقيرا مضيعا فاعلم أن هناك غنيا قد ضن ~~عليه بما أفاض الله على الغني من رزق، وإن رأيت عاجزا عن إدراك أسباب ~~حياته فاعلم أن واحدا آخر قد ضن عليه بقوته. # وإن رأيت جاهلا فاعلم أن عالما قد ضن عليه بعلمه. وإن رأيت ~~أخرق فاعلم أن حكيما قد ضن عليه بحكمته فكل شيء مخزون في الحياة ~~حتى تسلم حركة الحياة سلامة تؤدي إلى التساند والتعاضد لا إلى ~~التعاند والتضارب. ونعلم أنه سبحانه قد أعد لنا الكون بكل ما فيه ~~قبل أن يخلقنا ولم يكلفنا قبل البلوغ ذلك أنه علم أزلا أن التكليف ~~يحدد اختيار الإنسان لكثير من الأشياء التي تتعلق بكل ملكات النفس ~~قوتا ومشربا وملبسا ومسكنا وضبطا للأهواء، كي لا ننساق في ~~إرضاء الغرائز على حساب القيم. وشاء سبحانه ألا يكون التكليف إلا بعد ~~البلوغ حتى تستوفي ملكات النفس القوة والاقتدار، ويكون قادرا على ~~إنجاب مثيل له، ولكي يكون هذا التكليف حجة على الإنسان، هذا الذي ~~طمر له الحق سبحانه كل شيء إما في الأرض أو كان طمرا في النوع، أو ~~في الجنس. وكل شيء في الكون موزون، إما أن يكون جنسا، أو نوعا، ~~أو أفرادا والميزان الذي توجد به كل تلك العطاءات إنما شاء به الحق ~~سبحانه أن يهب الرب للكل وليوافق الكثرة وليعيش الإنسان في حضن ~~الإيمان. وهكذا يكون عطاء الله لنا عطاء ربوبية، وعطاء ألوهية، ~~والذكي حقا هو من يأخذ العطاءين معا ms5414 لتستقيم حياته. والحق سبحانه هو ~~القائل: # قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا # [الإسراء: 100]. وذلك ليوضح لنا الحق سبحانه أن الإنسان يظن أن ذاتيته ~~هي الأصل، وأن نفعيته هي الأصل، وحتى في قضايا الدين قد يتبع العبد قوله ~~الحق: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة # [الحشر: 9]. ومن يفعل ذلك إنما يفعل في ظاهر الأمر أنه يؤثر الغير ~~على نفسه ولكن الواقع الحقيقي أنه يطمع فيما أعده الله له من حسن ~~جزاء في الدنيا وفي الآخرة. إذن: فأصل العملية الدينية أيضا هو الذات ~~ولذلك نجد من يقول: أنا أحب الإيمان لأن فيه الخيرية، يقول الحق ~~سبحانه: # وإنه لحب الخير لشديد # [العاديات: 8]. وفيه أنانية ذكية تتيح لصاحبها أخذ الثواب على كل عمل ~~يقوم به لغيره، وهذا لون من الأنانية الذكية النافعة لأنها أنانية باقية، ~~ولها عائد إيماني. ونعلم أن الحق سبحانه لو شاء لجعل الناس كلهم أثرياء ~~ولم يجعل يدا عليا ويدا سفلى، لكنه سبحانه لم يشأ ذلك ليجعل الإنسان ~~ابن أغيار ويعدل فيه بميزان الإيمان، وليدك غرور الذات على الذات، ~~وليتعلم الإنسان أن غروره على ربه لن ينال من الله شيئا، ولن يأتي ~~للإنسان بأي شيء. وكل مظاهر القوة في الإنسان ليست من عند الإنسان، وليست ~~ذاتية فيه، بل هي موهوبة له من الله وهكذا شاء الحق سبحانه أن يهذب ~~الناس ليحسنوا التعامل مع بعضهم البعض. ولذلك أوضح سبحانه أن عنده ~~خزائن كل شيء، ولو شاء لألقى ما فيها عليهم مرة واحدة ولكنه لم يرد ذلك ~~ليؤكد للإنسان أنه ابن أغيار وليلفتهم إلى معطي كل النعم. كما أن ~~رتابة النعمة قد تنسي الإنسان حلاوة الاستمتاع بها، وعلى سبيل المثال ~~أنت لا تجد إنسانا يتذكر عينه إلا إذا آلمته وبذلك يتذكر نعمة ~~البصر، بل وقد يكون فقد النعمة هو الملفت للنعمة، وذلك لكي لا ينسى ~~أحد أنه سبحانه هو المنعم. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { وأرسلنا ~~الرياح لواقح... }. ### || [15.22] # والإرسال هو الدفع للشيء من ms5415 حيز إلى حيز آخر، وحين يقول سبحانه ~~إنه أرسل الرياح نجد أنها مرسلة من كل مكان إلى كل مكان فهي ~~مرسلة من هنا إلى هناك، ومن هناك إلى هنا. وهكذا يكون كل مكان هو موقع ~~لإرسال الرياح وكل مكان هو موقع لاستقبالها ولذلك نجد الرياح وهي تسير في ~~دورة مستمرة ولو سكنت لما تحرك الهواء، ولأصيبت البشرية بالكثير ~~من الأرض ذلك أن الرياح تجدد الهواء، وتنظف الأمكنة من الركود ~~الذي يمكن أن تصير إليه. ونعلم أن القرآن حين يتكلم عن الرياح بصيغة ~~الجمع فهو حديث عن خير، والمثل هو قول الحق سبحانه: # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته.. # [الأعراف: 57]. أما إذا أفرد وجاء بكلمة " ريح " فهي للعذاب، مثل قوله: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6]. وهنا يقول الحق سبحانه: { وأرسلنا الرياح ~~لواقح } [الحجر: 22]. ولواقح جمع لاقحة، وتطلق في اللغة مرة على ~~الناقة التي في بطنها جنين ومرة تطلق على اللاقح الذي يلقح الغير ليصير ~~فيه جنين لأن الحق سبحانه شاء أن يتكاثر كل ما في الكون وجعل من كل ~~زوجين اثنين إما يتكاثر أو تتولد منه الطاقة كالسالب والموجب في ~~الكهرباء. وهو القائل سبحانه: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها.. # [يس: 36]. ثم عدد لنا فقال: # مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 22]. وهناك أشياء لا يدركها الإنسان مثل شجرة الجميز التي لا ~~يعلم الشخص الذي لم يدرس علم النبات كيف تتكاثر لتنبت وتثمر، ويعلم ~~العالم أن هناك شجرة جميز تلعب دور الأنثى، وشجرة أخرى تلعب دور ~~الذكر. وكذلك شجرة التوت وهناك شجرة لا تعرف فيه الأنثى من الذكر ~~لأنه مكمور توجد به الأنثى والذكر، وقد لا تعرف أنت ذلك لأن الحق ~~سبحانه جعل اللقاحة خفيفة للغاية لتحملها الريح من مكان إلى مكان. ~~ونحن لم نر كيف يتم لقاح شجرة الزيتون أو شجرة المانجو، أو شجرة ~~الجوافة، وذلك لنأخذ من ذلك عبرة على دقة صنعته سبحانه. والمثل ~~الذي أضربه دائما هو المياه التي تسقط على جبل ما ms5416 وبعد أيام قليلة تجد ~~الجبل وقد امتلأ بالحشائش الخضراء ومعنى هذا أن الجبل كانت توجد به بذور ~~تلك الحشائش التي انتظرت الماء لتنبت. وتعرف العلماء على أن الذكورة ~~بعد أن تنضج في النبات فهي تنكشف وتنتظر الرياح والجو المناسب والبيئة ~~المناسبة لتنقلها من مكان إلى مكان. ولهذا نجد بعضا من الجبال وهي خضراء ~~بعد هبوب الرياح وسقوط المطر ذلك أن حبوب اللقاح انتقلت بالرياح، وجاء ~~المطر لتجد النباتات فرصة للنمو. وقد تجد جبلا من الجبال نصفه أخضر ~~ونصفه جدب لأن الرياح نقلت للنصف الأخضر حبوب اللقاح، ولم تنقل ~~الحبوب للنصف الثاني من الجبل ولذلك نجد الحق سبحانه قد جعل للرياح دورة ~~تنتقل بها من مكان لمكان، وتدور فيها بكل الأماكن. # ويتابع سبحانه في نفس الآية: { فأنزلنا من السمآء ماء.. } ~~[الحجر: 22]. وقد تبين لنا أن المياه نفسها تنشأ من عملية تلقيح وبه ~~ذكورة وأنوثة. وفي هذا المعنى يقول الحق سبحانه: { فأسقيناكموه ~~ومآ أنتم له بخازنين } [الحجر: 22]. أي: أنكم لن تخزنوا ~~المياه لأنكم غير مأمونين عليه، وإذا كان الله قد هدانا إلى أن نخزن ~~المياه، فذلك من عطاء الله فلا يقولن أحد: لقد بنينا السدود بل قل: ~~هدانا الله لنبنيها بعد أن يسقط المطر ذلك أن المطر لو لم يسقط لما ~~استطعنا تخزين المياه. وعلى هذا يكون سبحانه هو الذي خزن المياه حين ~~أنزله من السماء بعد أن هدانا لنبني السدود. وأنت حين تريد كوبا من ~~الماء المقطر تذهب إلى الصيدلي ليسخن الماء في جهاز معين ~~ويحوله إلى بخار، ثم يكثف هذا البخار ليصير ماء مقطرا، وكل ذلك ~~يتم في الكون، وأنت لا تدري به. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { وإنا ~~لنحن نحيي ونميت... }. ### || [15.23] # وفي ظاهر الأمر كان من الممكن أن يقول الحق: " إنا نميت ونحيي " ~~لأنه سبحانه يخاطبنا ونحن أحياء، ولكن الحق سبحانه أراد بهذا القول أن ~~يلفتنا أن ننظر إلى الموت الأول، وهو العدم المحض الذي أنشأنا منه، وهو ~~سبحانه القائل: # وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم ثم ms5417 إليه ترجعون # [البقرة: 28]. والكلام في تفصيل الموت يجب أن نفرق فيه بين العدم ~~المحض والعدم بعد وجود فالعدم المحض هو ما كان قبل أن نخلق ثم ~~أوجدنا الله لنكون أحياء ثم يميتنا من بعد ذلك، ثم يبعثنا من بعد ذلك ~~للحساب. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يكون الكلام عن الموت ~~الذي يحدث بعد أن يهبنا الله الحياة، ثم نقضي ما كتبه لنا من أجل. ثم ~~يذيل الحق سبحانه الآية بقوله: { ونحن الوارثون } [الحجر: ~~23]. وهذا القول يعني أن هناك تركة كبيرة وهي هذا الكون الذي خلقه سبحانه ~~ليستخلفنا فيه. ونحن لم نضف شيئا لهذا الكون الذي خلقه الله لأنك إن ~~نظرت إلى كمية المياه أو الغذاء التي في الكون، وكل مقومات الحياة ~~لما وجدت شيئا يزيد أو ينقص فالماء تشربه ليرويك، ثم يخرج عرقا ~~وبولا ومن بعد الموت يتحلل الجسم ليتبخر منه الماء، وهذا يجري على كل ~~الكائنات. وحين يتناول الحق سبحانه في هذه الآية أمر الموت والحياة ~~وعودة الكون في النهاية إلى منشئه سبحانه فهو يحدثنا عن أمرين ~~يعتوران حياة كل موجود هما الحياة والموت، وكلاهما يجري على كل ~~الكائنات فكل شيء له مدة يحياها، وأجل يقضيه. وكل شيء يبدأ مهمة في ~~الحياة فهو يولد وكل شيء ينهي مهمته في الحياة - بحسب ما قدره الله ~~له - فهو يموت وإن كنا نحن البشر بحدود إدراكنا لا نعي ذلك. وهو سبحانه ~~القائل: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]. إذن: فكل شيء يطلق عليه " شيء " مصيره إلى هلاك ومعنى ~~ذلك أنه كان حيا ودليلنا على أنه كان حيا هو قول الحق: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة.. # [الأنفال: 42]. وهكذا نعلم أن كل ما له مهمة في الحياة له حياة تناسبه ~~وفور أن تنتهي المهمة فهو يهلك ويموت، والحق سبحانه وتعالى يرث كل شيء ~~بعد أن يهلك كل من له حياة، وهو سبحانه القائل: # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا ~~يرجعون # [مريم: 40]. وهو بذلك يرث التارك ms5418 والمتروك وهو الخالق لكل شيء. ويختلف ~~ميراث الحق سبحانه عن ميراث الخلق بأن المخلوق حين يرث آخر فهو يودعه ~~التراب أولا، ثم يرث ما ترك أما الحق سبحانه فهو يرث الاثنين معا، ~~المخلوق وما ترك. # ولذلك نحن نرى من يعز عليهم ميت قد يمسكون بالخشبة التي تحمل الجثة، ~~ويرفضون من فرط المحبة أن تخرج من منزله ولو تركناه لهم لمدة أسبوع ~~ورمت الجثة سيتوسلون لمن يحمل الجثث أن يحمله ليواريه التراب، ~~ثم يبدأون في مناقشة ما يرثونه من الفقيد. وهم بذلك يرثون المتروك بعد ~~أن أودعوا التارك للتراب، وإذا كان التارك من الذين أحسنوا الإيمان ~~والعمل فيدخل حياة جديدة هي أرغد بالتأكيد من حياته الدنيا ولسوف يأكل ~~ويشرب دون أن يتعب، وكل ما تمر على ذهنه رغبة فهي تتحقق له، فهو في ~~ضيافة المنعم الأعلى. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { ولقد علمنا ~~المستقدمين... }. ### || [15.24] # والمستقدم هو من تقدم بالحياة والموت وهم من قبلنا من بشر ~~وأمم. والمستأخر هو من سيأتي من بعدنا. وسبحانه يعلمنا بحكم ~~أنه علم من قبل كل مستأخر أي: أنه علم بنا من قبل أن نوجد ويعلم ~~بنا من بعد أن نرحل فعلمه كامل وأزلي وفائدة هذا العلم أنه سيترتب ~~عليه الجزاء فنحن حين أخذنا الحياة والرزق لم نفلت بهما بعيدا بل نجد ~~الله قد علم أزلا بما فعل كل منا. وهناك من يقول إن هناك معنى آخر ~~بأن الحق سبحانه يكتب من يسرع إلى الصلاة ويتقدم إليها فور أن يسمع ~~النداء لها، ويعلم من يتأخر عن القيام بأداء الصلاة، ذلك أن تأثير كلمة ~~" الله اكبر " فيها من اليقظة والانتباه ما يذكرنا بأن الله أكبر من ~~كل ما يشغلك. ونعلم أن من إعجازات الأذان أنه جعل النداء باسم " الله ~~أكبر " ولم يقل: الله كبير وذلك احتراما لما يشغلنا في الدنيا من ~~موضوعات قد نراها كبيرة ذلك أن الدنيا لا يجب أن تهان لأنها المعبر ~~إلى الجزاء القادم في الآخرة. ولذلك أقول دائما: إن الدنيا أهم من أن ms5419 ~~تنسى وفي نفس الوقت هي أتفه من أن تكون غاية، فأنت في الدنيا تضرب في ~~الأرض وتسعى لقوتك وقوت من تعول وليعينك هذا القوت على العبادة. ~~لذلك فلا يحتقر أحد الدنيا بل ليشكر الله ويدعوه أن يوفقه فيها، وأن ~~يبذل كل جهد في سبيل نجاحه في عمله فالعمل الطيب ينال عليه العبد ~~حسن الجزاء وفور أن يسمع المؤمن " الله أكبر " فعليه أن يتجه إلى ~~من هو أكبر فعلا، وهو الحق سبحانه، وأن يؤدي الصلاة. هذا هو المعنى ~~المستقى من المستقدم للصلاة والمستأخر عنها. وهناك من العلماء ~~من رأى ملاحظ شتى في الآية الكريمة. فمعناها قد يكون عاما يشمل ~~الزمن كله وقد تكون بمعنى خاص كمعنى المستقدم للصلاة والمستأخر عنها. ~~وقد يكون المعنى أشد خصوصية من ذلك فنحن حين نصلي نقف صفوفا، ويقف ~~الرجال أولا ثم الأطفال ثم النساء ومن الرجال من يتقدم الصفوف كيلا ~~تقع عيونه على امرأة ومنهم من قد يتحايل ويقف في الصفوف الأخيرة ليرى ~~النساء فأوضح الحق سبحانه أن مثل هذه الأمور لا تفوت عليه، فهو العالم ~~بالأسرار وأخفى منها. أو: أن يكون المعنى هو المستقدمين إلى الجهاد في ~~سبيل الله أو المتأخرين عن الجهاد في سبيله. ومن يموت حتف أنفه - أي: ~~على فراشه لا دخل له بهذه المسألة. أما إن دعا داعي الجهاد، ويقدم ~~نفسه للحرب ويقاتل وينال الشهادة، فالحق - سبحانه وتعالى - يعلم من ~~تقدم إلى لقائه محبة وجهادا لرفعة شأن الدين. # وقد يكون في ظاهر الأمر وفي عيون غيره ممن يكرهون الحياة ولكنه في ~~حقيقة الأمر محب للحياة بأكثر ممن يدعون حبها لأنه امتلك ~~اليقين الإيماني بأن خالق الدنيا يستحق أن ينال الجهاد في سبيل القيم ~~التي أرادها منهاجا ينعدل به ميزان الكون وإن استشهد فقد وعده سبحانه ~~الخلد في الجنة ونعيمها. # " ونجد أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - وهو يقول لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ادع لي يا رسول الله أن أستشهد فيرد عليه النبي الكريم: " ~~متعنا بنفسك يا أبا بكر ". # وعلى ذلك ms5420 لا يكون المستأخر هنا محل لوم لأن الإيمان يحتاج لمن ~~يصونه ويثبته كما يحتاج إلى من يؤكد أن الإيمان بالله أعز من ~~الحياة نفسها وهو المتقدم للقتال، وينال الشهادة في سبيل الله. ويقول ~~سبحانه من بعد ذلك: { وإن ربك هو يحشرهم... }. ### || [15.25] # أي: أن المتولي تربيتك يا محمد لن يترك من خاصموك وعاندوك، وأهانوك ~~وآذوك دون عقاب. وكلمة: { يحشرهم } [الحجر: 25]. تكفي كدليل على ~~أن الله يقف لهم بالمرصاد، فهم قد أنكروا البعث ولم يجرؤ أحدهم أن ~~ينكر الموت، وإذا كان الحق سبحانه قد سبق وعبر عن البعث بقوله الحق: # ثم إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم ~~القيامة تبعثون # [المؤمنون: 15-16]. فهم كانوا قد غفلوا عن الإعداد لما بعد الموت، ~~وكأنهم يشكون في أنه قادم، وجاء لهم بخبر الموت كأمر حتمي، وسبقته هو ~~لتؤكد أنه سوف يحدث، فالحشر منسوب لله سبحانه، وهو قادر عليه، كما قدر ~~على الإحياء من عدم، فلا وجه للشك أو الإنكار. ثم جاء لهم بخبر البعث ~~الذي يشكون فيه وهو أمر سبق وأن ساق عليه سبحانه الأدلة الواضحة. ~~ولذلك جاء بالخبر المصحوب بضمير الفصل: { يحشرهم } [الحجر: 25]. ~~وسبحانه يجري الأمور كلها بحكمة واقتدار، فهو العليم بما تتطلبه الحكمة ~~علما يحيط بكل الزوايا والجهات. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { ولقد ~~خلقنا الإنسان... }. ### || [15.26] # وسبحانه يتكلم هنا عن خلق الإنسان من بعد أن تكلم عن خلق الكون وما ~~أعده له فيه، وليستقبل الكون الخليفة لله فيوضح أنه قد خلقه من ~~الصلصال، وهو الطين اليابس. وجاء سبحانه بخبر الخلق في هذه السورة ~~التي تضمنت خبر مد الأرض ومجيء الرياح، وكيفية إنزال الماء من ~~السماء وكيف قدر في الأرض الرزق، وجعل في الأرض رواسي، وجعل كل شيء ~~موزونا. وهو سبحانه قد استهل السورة بقوله: # تلك آيات الكتاب وقرآن مبين # [الحجر: 1]. أي: أنه افتتح السورة بالكلام عن حارس القيم للحركة ~~الإنسانية ثم تكلم عن المادة التي منها الحياة وبذلك شمل الحديث ~~الكلام عن المقوم الأساسي للقيم وهو القرآن، والكلام عن مقوم ~~المادة ms5421 وكان ذلك أمرا طبيعيا ودللت عليه سابقا بحديثي عن مصمم ~~أي جهاز من الأجهزة الحديثة حيث يحدد أولا الغرض منه ثم يضع جدولا ~~وبرنامجا لصيانة كل جهاز من تلك الأجهزة. وهكذا كان خلق الله للإنسان ~~الذي شاء له سبحانه أن يكون خليفته في الأرض، ووضع له مقومات مادة ~~ومقومات قيم وجاء بالحديث عن مقومات القيم أولا لأنها ستمد ~~حياة الإنسان لتكون حياة لا تنتهي، وهي الحياة في الدنيا والآخرة. وهذا ~~القول يوضح لنا أن آدم ليس هو أول من استعمر الأرض بل كان هناك خلق ~~من قبل آدم، فإذا حدثنا علماء الجيولوجيا والحفريات عن أن هناك ما ~~يدل على وجود بعض من الكائنات المطمورة تثبت أنه كانت هناك حياة منذ ~~خمسين ألف قرن من الزمان. فنحن نقول له: إن قولك صحيح. وحين يسمع البعض ~~قول هؤلاء العلماء يقولون: لا بد أن تلك الحيوانات كانت موجودة في ~~زمن آدم عليه السلام، وهؤلاء يتجاهلون أن الحق سبحانه لم يقل لنا أن ~~آدم هو أول من عمر الأرض، بل شاء سبحانه أن يخلقنا ويعطينا مهمة ~~الاستخلاف في الأرض. والحق سبحانه هو القائل: # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك ~~على الله بعزيز # [فاطر: 16-17]. أي: أن خلق غيرنا أمر وارد، وكذلك الخلق من قبلنا ~~أمر وارد. ونعلم أن خلق آدم قد أخذ لقطات متعددة في القرآن الكريم ~~تؤدي في مجموعها إلى القصة بكل أحداثها وأركانها، ولم يكن ذلك ~~تكرارا في القرآن الكريم، ولكن جاء القرآن بكل لقطة في الموقع المناسب ~~لها ذلك أنه ليس كتاب تاريخ للبشر بل كتاب قيم ومنهج، ويريد أن يؤسس ~~في البشر القيم التي تحميهم وتصونهم من أي انحراف، ويريد أن يربي ~~فيهم المهابة. وقد تناول الحق سبحانه كيفية خلق الإنسان في الكثير من ~~سور القرآن: البقرة الأعراف الحجر الإسراء الكهف وسورة ص. قال سبحانه - ~~على سبيل المثال - في سورة البقرة: # وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك ~~الدمآء ms5422 ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال ~~إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة: 30]. وجاء هذا القول من الله للملائكة ساعة خلق الله لآدم، ~~من قبل أن تبدأ مسألة نزول آدم للأرض. وقد أخذت مسألة خلق الإنسان ~~جدلا طويلا من الذين يريدون أن يستدركوا على القرآن متسائلين: كيف يقول ~~مرة: إن الإنسان مخلوق من ماء ومرة من طين ومرة من صلصال كالفخار؟ ونقول: ~~إن ذلك كله حديث عن مراحل الخلق، وهو سبحانه أعلم بمن خلق، كما خلق ~~السماوات والأرض، ولم يشهد الحق أحدا من الخلق كيف خلق المخلوقات: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. ومن رحمته سبحانه أنه ترك في محسات الحياة وماديتها ما ~~يثبت صدقه في غيبياته فإذا قال مرة: إنه خلق كل شيء من الماء فهو ~~صادق فيما قال لأن الماء يكون أغلب الجسد البشري على سبيل المثال. ~~وإذا أوضح أنه خلق الإنسان من طين، فالتراب إذا اختلط بالماء صار طينا، ~~وإذا مر على الطين وقت صار صلصالا، وإذا قال: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر: 29]. وكل هذا من الأمور الغيبية التي يشرحها لنا نقضها في ~~الواقع المادي الملموس، فحين يحدث الموت - وهو نقض الحياة - نجد الروح ~~هي أول ما يخرج من الجسم وكانت هي آخر ما دخل الجسم أثناء الخلق. ومن ~~بعد ذلك تبدأ الحيوية في الرحيل عن الجثمان فيتحول الجثمان إلى ما يشبه ~~الصلصال ثم يتبخر الماء من الجثمان ليصير من بعد ذلك ترابا. وهكذا ~~نشهد في الموت - نقض الحياة - كيفية بدء مراحل الخلق وهي معكوسة ~~فالماء أولا ثم التراب ثم الطين ثم الصلصال الذي يشبه الحمأ المسنون ثم ~~نفخ الروح. وقد صدق الحق سبحانه حين أوضح لنا في النقيض المادي، ما ~~أبلغنا عنه في العالم الغيب. وعلى ذلك - أيضا - نجد أن الذين يضعون ~~التكهنات بأن الشمس خلقت قبل الأرض وكانت الأرض جزءا من الشمس ثم ~~انفصلت عنها على هؤلاء أن يعلموا أن ما يقولونه هو ms5423 أمر لم يشاهدوه، وهي ~~أمور لا يمكن أن يدرسها أحد في معمل تجريبي وقد قال القرآن عن أهل هذا ~~اللغو: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. وهم قد أعانوا على تأكيد إعجازية القرآن الذي أسماهم ~~المضلين لأنهم يغوون الناس عن الحق إلى الباطل. ويقول الحق سبحانه من ~~بعد ذلك: { والجآن خلقناه من قبل... }. ### || [15.27] # ونعلم أن كلمة السموم هي اللهب الذي لا دخان له، ويسمونه " ~~السموم " لأنه يتلصص في الدخول إلى مسام الإنسان. وهكذا نرى أن ~~للعنصر تأثيرا في مقومات حياة الكائنات، فالمخلوق من طين له صفات ~~الطينية، والمخلوق من نار له صفات النارية ولذلك كان قانون الجن أخف ~~وأشد من قانون الإنس. والحق سبحانه يقول: # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم.. # [الأعراف: 27]. وهكذا نعلم أن قانون خلق الجن من عنصر النار التي لا ~~لهب لها يوضح لنا أن له قدرات تختلف عن قدرات الإنسان. ذلك أن مهمته في ~~الحياة تختلف عن مهمة الإنسان، ولا تصنع له خيرية أو أفضلية، لأن المهام ~~حين تتعدد في الأشياء تمنع المقارنة بين الكائنات. والمثل على ذلك هو ~~غلبة من عنده علم بالكتاب على عفريت الجن حين سأل سليمان عليه السلام ~~عمن يأتيه بعرش بلقيس: # قال يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن ~~يأتوني مسلمين # [النمل: 38]. وقال عفريت من الجن: إنه قادر على أن يأتي بالعرش قبل أن ~~يقوم سليمان من مقامه، ولكن من عنده علم بالكتاب قال: إنه قادر ~~أن يأتي بعرش بلقيس قبل أن يرتد طرف سليمان وهكذا غلب من عنده ~~علم بالكتاب قدرة عفريت الجن. وقد قص علينا الحق سبحانه هذا في كتابه ~~الكريم، فقال: # قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم ~~من مقامك وإني عليه لقوي أمين * قال الذي ~~عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن ~~يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال ~~هذا من فضل ربي.. # [النمل: 39-40]. ويقول الحق سبحانه من بعد ms5424 ذلك: { وإذ قال ربك ~~للملآئكة إني خالق... }. ### || [15.28] # وعرفنا في مواقع متفرقة من خواطرنا كيف نفهم هذه الآية. ونعلم أن البشر ~~في زماننا حين يريدون صنع تمثال ما، فهم يخلطون التراب بالماء ~~ليصير طينا ثم يتركونه إلى أن يختمر، ويصير كالصلصال، ومن بعد ~~ذلك يشكل المثال ملامح من يريد أن يصنع له تمثالا. والتماثيل ~~تكون على هيئة واحدة، ولا قدرة لها، عكس الإنسان المخلوق بيد الله، ~~والذي يملك بفعل النفخ فيه من روح الله ما لا يملكه أي كائن صنعته ~~مهارة الإنسان ذلك أن إعجاز وطلاقة قدرة الخالق لا يمكن أن تستوي مع ~~قدرة المخلوق المحدودة. وهناك حديث يقول فيه صلى الله عليه وسلم: # " خلق الله عز وجل آدم على صورته، ستون ذراعا ". # واختلف العلماء في مرجع الضمير في هذا الحديث أيعود إلى صورة آدم؟ أم ~~يعود إلى آدم؟ فمن العلماء من قال: إن الضمير يعود إلى آدم بمعنى أن الله ~~لم يخلقه طفلا، ثم كبر بل خلقه على الصورة الناضجة وتلفت آدم فوجد ~~نفسه على تلك الصورة الناضجة وأنه لم يكن موجودا من قبل ذلك بساعة ~~لذلك تلفت إلى الموجد له. والذين قالوا: إن الحق سبحانه خلق الإنسان ~~على صورته، وأن الضمير يعود إلى الله فذلك لأن الحق قد جعل الإنسان خليفة ~~له في الأرض وأعطاه من قدرته قدرة ومن علمه علما ومن حكمته حكمة، ومن ~~قاهريته قهرا. ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: # " تخلقوا بأخلاق الله ". # فخلق آدم داخل في كينونته. يقول الحق: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59]. وأمام الكينونة ينتفي التعليل، ولم يبق إلا الإيمان ~~بالخالق. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { فإذا سويته ونفخت ~~فيه... }. ### || [15.29] # والتسوية تعني جعل الشيء صالحا للمهمة التي تراد له. وشاء سبحانه ~~أن يسوي الإنسان في صورة تسمح لنفخ الروح فيه. والنفخ من روح الله لا ~~يعني أن النفخ قد تم بدفع الحياة عن طريق الهواء في فم آدم، ولكن ms5425 ~~الأمر تمثيل لانتشار الروح في جميع أجزاء الجسد. وقد اختلف العلماء في ~~تعريف الروح، وأرى أنه من الأسلم عدم الخوض في ذلك الأمر لأن الحق سبحانه ~~هو القائل: # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ومآ ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85]. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { فسجد ~~الملائكة... }. ### || [15.30] # وقد سجدوا جميعا في حركة واحدة ذلك أنه لا اختيار لهم في تنفيذ ما ~~يؤمرون به، فمن بعد أن خلق الله آدم جاء تكريم الحق سبحانه له بقوله ~~للملائكة: # اسجدوا لأدم.. # [طه: 116]. وسجدت الملائكة التي كلفها الله برعاية وتدبير هذا المخلوق ~~الجديد، وهم المدبرات أمرا والحفظة، ومن لهم علاقة بهذا المخلوق ~~الجديد. وقوله الحق: # فقعوا له ساجدين # [الحجر: 29]. يعني أن عملية السجود قد حدثت بصورة مباشرة وحاسمة وسريعة، ~~وكان سجودهم هو طاعة للآمر الأعلى لا طاعة لآدم. وقول الحق سبحانه: { ~~فسجد الملائكة كلهم أجمعون } [الحجر: 30]. يعني ~~الملائكة الأعلى من البشر، ذلك أن هناك ملائكة أعلى منهم وهم الملائكة ~~المهيمون المتفرغون للتسبيح فقط. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ~~إلا إبليس أبى أن... }. ### || [15.31] # وهكذا جاء الحديث هنا عن إبليس بالاستثناء وبالعقاب الذي نزل عليه فكأن ~~الأمر قد شمله، وقد أخذت هذه المسألة جدلا طويلا بين العلماء. وكان ~~من الواجب أن يحكم هذا الجدل أمران: الأمر الأول: أن النص سيد ~~الأحكام. والأمر الثاني: أن شيئا لا نص فيه فنحن نأخذه بالقياس ~~والالتزام. وإذا تعارض نص مع التزام فنحن نؤول الالتزام إلى ما يؤول ~~النص. وإذا كان إبليس قد عوقب فذلك لأنه استثنى من السجود امتناعا ~~وإباء واستكبارا فهل هذا يعني أن إبليس من الملائكة؟ لا. ذلك أن هناك ~~نصا صريحا يقول في الحق سبحانه: # فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن ~~أمر ربه.. # [الكهف: 50]. وهكذا حسم الحق سبحانه الأمر بأن إبليس ليس من الملائكة بل ~~هو من الجن والجن جنس مختار كالإنس يمكن أن يطيع، ويمكن أن يعصي. ~~وكونه سمع الأمر بالسجود فمعنى ذلك أنه كان في نفس ms5426 الحضرة للملائكة ~~ومعنى هذا أنه كان من قبل ذلك قد التزم التزاما يرفعه إلى مستوى الحضور ~~مع الملائكة ذلك أنه مختار يستطيع أن يطيع، ويملك أن يعصي، ولكن ~~التزامه الذي اختاره جعله في صفوف الملائكة. وقالت كتب الأثر: إنهم كانوا ~~يسمونه طاووس الملائكة مختالا بطاعته، وهو الذي وهبه الله الاختيار، ~~لأنه قدر على نفسه وحمل نفسه على طاعة ربه، لذلك كان مجلسه مع الملائكة ~~تكريما له لأنه يجلس مع الأطهار، لكنه ليس ملاكا. وبعض العلماء ~~صنفوه بمستوى أعلى من الملائكة والبعض الآخر صنفه بأنه أقل من ~~الملائكة لأنه من الجن ولكن الأمر المتفق عليه أنه لم يكن ملاكا ~~بنص القرآن، وسواء أكان أعلى أم أدنى، فقد كان عليه الالتزام بما ~~يصدر من الحق سبحانه. ونجد الحق سبحانه وهو يعرض هذه المسألة، يقول مرة ~~أبى ، ومرة استكبر، ومرة يجمع بين الإباء والاستكبار. والإباء يعني أنه ~~يرفض أن ينفذ الأمر بدون تعال. والاستكبار هو التأبي بالكيفية، وهنا ~~كانت العقوبة تعليلا لعملية الإباء والاستكبار، وكيف رد أمر الحق الذي ~~أورده سبحانه مرة بقول إبليس: # لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ ~~مسنون # [الحجر: 33]. وقوله: # قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من ~~طين # [ص: 76]. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { قال يإبليس ما لك ~~ألا تكون... }. ### || [15.32] # وتقول " ما لك؟ " في الشيء العجيب الذي تريد أن تعرف كيف وقع، وكأن هذا ~~تساؤل عن أمر مخالف لما اختاره إبليس الذي وهبه الله خاصية الاختيار، ~~وقد اختار أن يكون على الطاعة. ولنلحظ أن المتكلم هنا هو الله وهو الذي ~~يعلم أنه خلق إبليس بخاصية الاختيار فله أن يطيع، وله أن يعصي. وهو ~~سبحانه هنا يوضح ما علمه أزلا عن إبليس وشاء سبحانه إبراز هذا ليكون ~~حجة على إبليس يوم القيامة. ويتابع سبحانه: { قال لم أكن لأسجد ~~لبشر... }. ### || [15.33] # وهكذا أفصح إبليس عما يكنه من فهم خاطئ لطبيعة العناصر فقد توهم ~~أن الطين والصلصال أقل مرتبة من النار التي خلقه منها الله. وامتناع ~~إبليس ms5427 عن السجود - إذن - امتناع معلل وكأن إبليس قد فهم أن عنصر ~~المخلوقية هو الذي يعطي التمايز وتجاهل أن الأمر هو إرادة المعنصر الذي ~~يرتب المراتب بحكمته، وليس على هوى أحد من المخلوقات. ثم من قال: إن ~~النار أفضل من الطين؟ ونحن نعلم أنه لا يقال في شيء إنه أفضل من الآخر ~~إلا إذا استوت المصلحة فيهما والنار لها جهة استخدام، والطين له استخدام ~~مختلف وأي منهما له مهمة تختلف عن مهمة الآخر. ومن توجيه الله في فضائل ~~الخلق أن من يطلي الأشياء بالذهب لا يختلف عنده سبحانه عن الذي يعجن ~~الطين ليصنع منه الفخار، فلا يفضل أحدهما الآخر إلا بإتقان مهمته. ~~وهكذا أفصح إبليس أن الذي زين له عدم الامتثال لأمر السجود هو قناعته ~~بأن هناك عنصرا أفضل من عنصر. ويأتي الأمر بالعقاب من الحق سبحانه فيقول ~~تعالى: { قال فاخرج منها... }. ### || [15.34] # وهكذا صدر الأمر بطرد إبليس من حضرة الله بالملأ الأعلى وصدر العقاب ~~بأنه مطرود من كل خير، وأصل المسألة أنها الرجم بالحجارة. وقد حدث ~~ذلك لرده أمر الله سبحانه، واستكباره، ولقناعته أن النار التي خلق ~~منها أفضل من الطين الذي خلق منه آدم، ولم يلتفت إلى أن لكل مخلوق ~~مهمة، وكل كائن يؤدي مهمته هو مساو للآخر. وقد شاء الحق سبحانه ذلك ~~ليزاول كل كائن الأسباب التي وجد من أجلها فآدم قد خلقه الله ليجعله ~~خليفة في الأرض ذلك أنه سبحانه يباشر الأمر في السببيات بواسطة ما خلق. ~~فالنار - على سبيل المثال - تتسبب في إنضاج الطعام لأنه سبحانه هو الذي ~~شاء ذلك، وجعلها سببا في إنضاج الطعام. ومزاولة الحق سبحانه لأشياء ~~كثيرة في المسببات معناه أن المخلوقات تؤدي المهام التي أرادها ~~سبحانه لها في الوجود. والمؤمن الحق هو من يرى في الأسباب التي في ~~الكون أنها عطاء من الله، وأن يده ممدودة له بتلك الأسباب. وبعد أن طرد ~~الحق سبحانه إبليس من حضرته سيقرر سبحانه الحكم الذي أصدره عليه في ~~قوله: { وإن عليك اللعنة... }. ### || [15.35] # وفي هذا القول ms5428 ما يؤكد أن الجن أيضا يموتون ولهم آجال مثلنا، وفي هذا ~~الحكم بالطرد تأكيد على أنه سبحانه لن يوفقه إلى توبة، ولا يعفو عنه ~~في النهاية. ولكن إبليس يحاول الالتفاف فيأتي ما جاء على لسانه: { قال ~~رب فأنظرني... }. ### || [15.36] # وكأن إبليس بهذا القول أراد أن يفلت من الموت، ولكن مثل هذا المكر ~~لا يجوز على الله أو معه، فإذا كان إبليس قد أراد أن يظل في الدنيا ~~إلى يوم بعث البشر فذلك دليل على أمنيته بالهروب من الموت. ويقول الحق ~~سبحانه ردا على دعاء إبليس: { قال فإنك من... }. ### || [15.37] # ولحظة أن يسمع إبليس ذلك يظن أنه قد أفلت من الموت إذ لا موت ~~بعد البعث، ويتوهم أن دعوته قد أجيبت، وكأنه قد أفلت بغروره الذي ظن ~~به أن يتسع له الوقت ليأخذ الثأر من بني آدم فعدم سجوده لآدم هو الذي ~~وضعه في هذا الموقف العصيب. ولو كان إبليس يملك ذرة من وعي لعلم أن ~~الاستكبار والتوهم بأن عنصر النار أفضل من الطين هما السبب وراء ما حاق ~~به من الطرد. ولكن تأتي من بعد ذلك مباشرة الآية التي تتضمن عدم إفلاته ~~من الموت فيقول سبحانه: { إلى يوم الوقت... }. ### || [15.38] # أي: أن إبليس سيذوق الموت أيضا لأن كل المخلوقات ستذوق الموت من قبل أن ~~تقوم القيامة، مصداقا لقوله الحق: # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله... # [الزمر: 68]. وكذلك قوله: # كل من عليها فان # [الرحمن: 26]. وهكذا لم يفلت إبليس من الموت. ولقائل أن يسأل: وكيف ~~كلمه الله؟ ونقول: لم يكلمه الله تشريفا أو تكريما بل غلظ له ~~العقاب، كما أن للحق سبحانه ملائكة يمكنهم أن يبلغوا ما شاء لمن ~~شاء. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { قال رب بمآ أغويتني ~~لأزينن... }. ### || [15.39] # وقول الشيطان: { رب.. } [الحجر: 39]. هو إقرار بالربوبية ولكن هذا ~~الإقرار متبوع بعد الاعتراف بأنه قد سبب لنفسه الطرد واللعنة فقد قال: ~~{ بمآ أغويتني.. } [الحجر: 39]. والحق سبحانه لم يغوه بل أعطاه ~~الاختيار الذي كان ms5429 له به أن يؤمن ويطيع، أو يعصي ويعاقب، فسبحانه قد ~~مكن إبليس من الاختيار بين الفعل وعدم الفعل فخالف إبليس أمر الله ~~وعصاه. ويتابع إبليس: { لأزينن لهم في الأرض.. } [الحجر: ~~39]. وفي هذا إيضاح أن كل وسوسة للشيطان تقتصر فقط على الحياة المترفة. ~~وفي الأشياء التي تدمر العافية، كمن يشرب الخمر، أو يتناول المخدرات، ~~أو يتجه إلى كل ما يغضب الله بالانحراف. ولذلك نجد أن من يحيا بدخل ~~يكفيه الضرورات فهو يأمن على نفسه من الانحراف. ونقول أيضا لمن ~~يحاولون أن يضبطوا موازينهم المالية: إن الاستقامة لا تكلف ولن تتجه بك ~~إلى الانحراف. وتزيين الشيطان لن يكون في الأمور الحلال لأن كل الضرورات ~~لم يحرمها الحق سبحانه بل يكون التزيين دائما في غير الضرورات، ولذلك ~~فالاستقامة عملية اقتصادية، توفر على الإنسان مشقة التكلفة العالية ~~لبعض من ألوان الانحرافات. ولذلك نجد المسرفين على أنفسهم يحسدون من هم ~~على الاستقامة، ويحاولون أخذهم إلى طريق الانحراف لأن كل منحرف إنما ~~يلوم نفسه متسائلا: لماذا أخيب وحدي ولا يخيب معي مثل هذا المستقيم؟ ~~وتمتلئ نفسه بالاحتقار لنفسه. وكذلك كان إبليس في حمق رده على الله، ~~ولكنه ينتبه إلى مكانته ومكانة ربه أيدخل في معركة مع الله، أم مع أبناء ~~آدم الذي خلقه سبحانه كخليفة ليعمر الأرض؟ لقد حدد إبليس موقعه من ~~الصراع، فقال: # فأنظرني إلى يوم يبعثون # [الحجر: 36]. وهذا يعني أن مجال معركته مع الخلق لا مع الخالق لذلك ~~قال: { ولأغوينهم أجمعين } [الحجر: 39]. وكلمة أجمعين تفيد ~~الإحاطة لكل الأفراد، وهذا فوق قدرته بعد أن عرف مقامه من نفسه ومن ~~ربه، فقال ما جاء به الحق سبحانه في الآية التالية: { إلا عبادك ~~منهم... }. ### || [15.40] # فهؤلاء العباد الذين خلصتهم لنفسك يا رب فلن أقدر عليهم لأنك أخذتهم ~~من طريق الغواية لأنهم أحسنوا الإيمان، وقد وصلوا إلى مرتبة من الإخلاص ~~التعبدي درجة يصعب بها على الشيطان غوايتهم. ويقول أهل المعرفة ~~والإشراق: " أنت تصل بطاعة الله إلى كرامة الله ". ولو شاء الله أن يكون ~~جميع خلقه مهديين ما استطاع ms5430 أحد أن يضلهم، ولكن عزة الله عن ~~خلقه هي التي أفسحت المجال للإغواء، ولذلك نجد إبليس يقر بعجزه عن ~~غواية من أخلصوا لله العبادة. ونجد رد الحق سبحانه على إبليس واضحا لا ~~لبس فيه، ولا قبول لما قد يظنه إبليس مجاملة منه لله، فيقول ~~سبحانه في الآية التالية: { قال هذا صراط... }. ### || [15.41] # وهكذا أوضح الحق سبحانه أن صراطه المستقيم هو الذي يقود العباد إلى ~~الطاعة فليس في الأمر تفضل من إبليس الذي سبق له أن حدد المواقع ~~والاتجاهات التي سيأتي منها لغواية البشر، حيث قال الحق سبحانه ما جاء ~~على لسان إبليس: # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف: 17]. في ذلك القول حدد إبليس جهات الغواية التي يأتي منها ~~وترك " الفوق " و " التحت " ، لذلك نقول: إن العبد إذا استحضر ~~دائما علو عزة الربوبية، وذل العبودية فالشيطان لا يدخل له ~~أبدا. ويواصل الحق سبحانه قوله المبلغ عنه لنا: { إن عبادي ~~ليس لك عليهم... }. ### || [15.42] # وهكذا أصدر الحق سبحانه حكمه بألا يكون لإبليس سلطان على من أخلص ~~لله عبادة، وأمر إبليس ألا يتعرض لهم فسبحانه هو الذي يصونهم منه إلا ~~من ضل عن هدى الله سبحانه، وهم من يستطيع إبليس غوايتهم. وهكذا ~~نجد أن " الغاوين " هي ضد " عبادي " ، وهم الذين اصطفاهم الله من الوقوع ~~تحت سلطان الشيطان لأنهم أخلصوا وخلصوا نفوسهم لله، وسنجد إبليس وهو ~~ينطق يوم القيامة أمام الغاوين: # إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي ~~إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل.. # [إبراهيم: 22]. ومن نعم الله علينا أن أخبرنا الحق سبحانه بكل ذلك في ~~الدنيا، ولسوف يقر الشيطان بهذا كله في اليوم الآخر ذلك أنه لم يملك ~~سلطانا يقهرنا به في الدنيا، بل مجرد إشارة ونزغ ولا يملك سلطان ~~إقناع ليجعلنا نفعل ما ينزغ به إلينا. ويقول الحق سبحانه من بعد ms5431 ذلك ما ~~يؤكد أن جزاء الغاوين قاس أليم: { وإن جهنم ~~لموعدهم... }. ### || [15.43] # ولأن المصير لهؤلاء هو جهنم فعلى العبد الذكي أن يستحضر هذا الجزاء ~~وقت الاختيار للفعل كي لا يرتكب حماقة الفعل الذي يزينه له الشيطان، ~~أو تلح عليه به نفسه. ولو أن المسرف على نفسه استحضر العقوبة لحظة ~~ارتكاب المعصية لما أقدم عليها، ولكن المسرف على نفسه لا يقرن ~~المعصية بالعقوبة لأنه يغفل النتائج عن المقدمات. ولذلك أقول دائما: ~~هب أن إنسانا قد استولت عليه شراسة الغريزة الجنسية، وعرف عنه الناس ~~ذلك، وأعدوا له ما يشاء من رغبات، وأحضروا له أجمل النساء وسهلوا له ~~المكان المناسب للمعصية بما فيه من طعام وشراب. وقالوا: هذا كله لك، ~~شرط أن تعرف أيضا ماذا ينتظرك. وأضاءوا له من بعد ذلك قبوا في ~~المنزل به فرن مشتعل. ويقولون له: بعد أن تفرغ من لذتك ستدخل في ~~هذا الفرن المشتعل. ماذا سيصنع هذا الإنسان؟ لا بد أنه سيرفض الإقدام ~~على المعصية التي تقودهم إلى الجحيم. وهكذا نعلم أن من يرتكب المعاصي ~~إنما يستبطئ العقوبة، والذكي حقا هو من يصدق حديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم الذي يقول فيه # " الموت القيامة، فمن مات فقد قامت قيامته " # ولا أحد يعلم متى يموت. ويبين الحق سبحانه من بعد ذلك مراتب ~~الجحيم، فيقول: { لها سبعة أبواب لكل باب... }. ### || [15.44] # وفي جهنم يكون موعد هؤلاء الغاوين، ومعهم إبليس الذي أبى ~~واستكبر، وصمم على غواية البشر، وألوان العذاب ستختلف، ولكل جماعة لهم ~~جريمة يقرنون بها معا. فمن يشربون الخمر سيكونون معا ومن يلعبون ~~الميسر يكونون معا. ولكل باب من أبواب جهنم جماعة تدخل منه ربطت ~~بينهم في الدنيا معصية ما وجمعهم في الدنيا ولاء ما، وتكونت من ~~بينهم صداقات في الدنيا، واشتركوا بالمخالطة ولذلك فعليهم الاشتراك في ~~العقوبة والنكال. وهكذا يتحقق قول الحق سبحانه: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. وفي الجحيم أماكن تأويهم فقسم يذهب إلى اللظى وآخر إلى ~~الحطمة وثالث إلى سقر، ورابع إلى السعير، وخامس ms5432 إلى الهاوية. وكل ~~جزء له قسم معين به وفي كل قسم دركات، لأن الجنة درجات، والنار ~~دركات تنزل إلى أسفل. ويأتي الحق سبحانه بالمقابل لأن ذكر المقابل كما ~~نعلم يعطي الكافر حسرة ويعطي المؤمن بشارة بأنه لم يكن من العاصين، ~~ويقول: { إن المتقين في... }. ### || [15.45] # والمتقي هو الذي يحول بين ما يحب وما يكره ويحاول ألا يصيب من ~~يحب ما يكره. وتتعدى التقوى إلى متقابلات، فنجد الحق سبحانه يقول: # واتقوا الله ويعلمكم الله # [البقرة: 282]. ويقول أيضا: # فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة.. # [البقرة: 24]. وقلنا من قبل: إن الحق سبحانه له صفات جلال، وصفات ~~كمال وجمال. يهب بصفات الكمال والجمال العطايا، ويهب بصفات الجلال ~~البلايا فهو غفار، وهو قهار، وهو عفو، وهو منتقم. وعلينا أن نجعل ~~بيننا وبين صفات الجلال وقاية وأن نجعل بيننا وبين صفات الجمال قربى ~~والطريق أن نتبع منهجه فلا ندخل النار التي هي جند من جنود الله. وهنا ~~يقول الحق سبحانه: { إن المتقين في جنات وعيون } ~~[الحجر: 45]. وهم الذين لم يرتكبوا المعاصي بعد أن آمنوا بالله ورسوله ~~واتبعوا منهجه. وإن كانت المعصية قد غلبت بعضهم، وتابوا عنها واستغفروا ~~الله فقد يغفر الله لهم، وقد يبدل سيئاتهم حسنات. ومن يدخل الجنة ~~سيجد فيها العيون والمقصود بها الأنهار والحق سبحانه هو القائل: # فيهآ أنهار من مآء غير آسن وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه.. # [محمد: 15]. ولعل هناك عيونا ومنابع لا يعلمها إلا الحق سبحانه. ويقول ~~الحق سبحانه: { ادخلوها... }. ### || [15.46] # وهنا يدعوهم الحق سبحانه بالدخول إلى الجنة في سلام الأمن والاطمئنان. ~~ونحن نعلم أن سلام الدنيا والاطمئنان فيها مختلف عن سلام الجنة فسلام ~~الدنيا يعكره خوف افتقاد النعمة، أو أن يفوت الإنسان تلك النعمة بالموت. ~~ونعلم أن كل نعيم في الدنيا إلى زوال. أما نعيم الآخرة فهو نعيم مقيم. ~~ويتابع سبحانه ما ينتظر أهل الجنة: { ونزعنا ما في صدورهم ~~من... }. ### || [15.47] # وهكذا يخرج الحق سبحانه من صدورهم أي حقد وعداوة. ويرون أخلاء ~~الدنيا في المعاصي وهم ممتلئون بالغل، بينما هم ms5433 قد طهرهم الحق ~~سبحانه من كل ما كان يكرهه في الآخرة، ويحيا كل منهم مع أزواج مطهرة. ~~ويجمعهم الحق بلا تنافس، ولا يشعر أي منهم بحسد لغيره. والغل كما ~~نعلم هو الحقد الذي يسكن النفوس، ونعلم أن البعض من المسلمين قد تختلف ~~وجهات نظرهم في الحياة، ولكنهم على إيمان بالله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم. والمثل أن عليا كرم الله وجهه وأرضاه دخل موقعة الجمل، وكان في ~~المعسكر المقابل طلحة والزبير رضي الله عنهما وكلاهما مبشر بالجنة، ~~وكان لكل جانب دليل يغلبه. # " ولحظة أن قامت المعركة جاء وجه علي - كرم الله وجهه - في وجه ~~الزبير فيقول علي رضي الله عنه: تذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنتما تمران علي، سلم النبي وقلت أنت: لا يفارق ابن أبي طالب ~~زهوه، فنظر إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لك: " إنك تقاتل ~~عليا وأنت ظالم له ". فرمى الزبير بالسلاح، وانتهى من الحرب. ودخل ~~طلحة بن عبيد الله على علي - كرم الله وجهه - فقال علي رضوان الله ~~عليه: يجعل لي الله ولأبيك في هذه الآية نصيبا " # فقال أحد الجالسين: إن الله أعدل من أن يجمع بينك وبين طلحة في الجنة. ~~فقال علي: وفيما نزل إذن قوله الحق: { ونزعنا ما في صدورهم ~~من غل.. } [الحجر: 47]. وكلمة " نزعنا " تدل على أن تغلغل العمليات ~~الحقدية في النفوس يكون عميقا، وأن خلعها في اليوم الآخر يكون ~~خلعا من الجذور، وينظر المؤمن إلى المؤمن مثله والذي عاداه في الدنيا ~~نظرته إلى محسن له لأنه بالعداوة والمنافسة جعله يخاف أن يقع عيب ~~منه. ذلك أن المؤمن في الآخرة يذكر معطيات الأشياء، ويجعلهم الحق ~~سبحانه إخوانا فرب أخ لك لم تلده أمك، والحق سبحانه هو القائل ~~في موقع آخر: # واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ~~وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم ~~منها.. # [آل عمران: 103]. وقد يكون لك أخ لا تكرهه ولا تحقد عليه ولكنك لا ~~تجالسه ولا تسامره لأن ms5434 الأخوة أنواع. وقد تكون أخوة طيبة ممتلئة ~~بالاحترام لكن أيا منكما لا يسعى إلى الآخر، ويجمعكم الحق سبحانه في ~~الآخرة على سرر متقابلين. وسأل سائل: وماذا لو كانت منزلة أحدهما في ~~الجنة أعلى من منزلة الآخر؟ ونقول: إن فضل الحق المطلق يرفع منزلة ~~الأدنى إلى منزلة الأعلى، وهما يتزاوران. وهكذا يختلف حال الآخرة عن ~~حال الدنيا، فالإنسان في الدنيا يعيش ما قال عنه الحق سبحانه: # يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه # [الانشقاق: 6]. ولكن الحال في الآخرة يختلف، وينطبق عليه قول الحق ~~سبحانه في الآية التالية: { لا يمسهم فيها... }. ### || [15.48] # وحياتك في الآخرة - إن أصلحت عملك وكنت من المؤمنين - تختلف عن ~~حياتك في الدنيا فأنت تعلم أنك في الدنيا تحيا مع أسباب الله ~~الممدودة لك وتضرب في الأرض من أجل الرزق، وتجتهد وتتعب من أجل أن ~~يهبك الله ما في الأسباب من عطاء. وحينئذ تصبح من المفلحين الذين ~~يهديهم الله جنته. يقول الحق جل علاه: # والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من ~~قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى ~~من ربهم وأولئك هم المفلحون # [البقرة: 4-5]. وشاء الحق سبحانه أن يأتي بلفظ المفلح كصفة للمؤمن في ~~الجنة، لأن المؤمن قد حرث الدنيا بالعمل الصالح وبذل جهده ليقيم منهج ~~الله في الأرض، ونصب قامته، ونعلم أن نصب القامة يدل على أن من ~~يعمل قد أصابه التعب، وذلك في الحياة الدنيا. أما في الجنة، فيقول الحق: ~~{ لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين } ~~[الحجر: 48]. أي: لا يصيبهم فيها تعب، ولا يخرجون من الجنة، ذلك أنهم ~~قد نالوا فيها الخلود. وهكذا تكلم سبحانه عن الغاوين، وقد كانوا ~~أخلاء في الدنيا يمرحون فيها بالمعاصي وهم من ينتظرهم عقاب الجحيم. ~~وتكلم عن العباد المخلصين الذين سيدخلون الجنة ومنهم من اختلفت ~~رؤاه في الدنيا، ولم يربط بينهم تآلف أو محبة لكنهم يدخلون الجنة، ~~وتتصافى قلوبهم من أي خلاف قد سبق في الدنيا. ويقول الحق سبحانه من ~~بعد ذلك: { نبىء عبادي... }. ### || [15.49] # والخطاب هنا ms5435 لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والإنباء هو الإخبار بأمر ~~له خطورته وعظمته ولا يقال نبىء في خبر بسيط. وسبق أن قال الحق سبحانه عن ~~هذا النبأ: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم # [النبأ: 1-2]. وقال سبحانه أيضا عن هذا النبأ: # قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون # [ص: 67-68]. ونفهم من القول الكريم أنه الإخبار بنبأ الآخرة ما سوف ~~يحدث فيها، وهنا يأتي سبحانه بخبر غفرانه ورحمته الذي يختص به عباده ~~المخلصين المتقين الذين يدخلون الجنة، ويتمتعون بخيراتها خالدين ~~فيها. ولقائل أن يسأل: أليست المغفرة تقتضي ذنبا؟ ونقول: إن الحق ~~سبحانه خلقنا ويعلم أن للنفس هواجس ولا يمكن أن تسلم النفس من بعض ~~الأخطاء والذنوب والوسوسة بدليل أنه سبحانه قد حرم الكثير من الأفعال ~~على المسلم حماية للفرد وحماية للمجتمع أيضا، ليعيش المجتمع في ~~الاستقرار الآمن. فقد حرم الحق سبحانه على المسلم السرقة والزنا ~~وشرب الخمر، وغيرها من الموبقات والخطايا، والهواجس التي تقوده إلى ~~الإفساد في الأرض، وما دام قد حرم كل ذلك فهذا يعني أنها سوف تقع، ونزل ~~منهجه سبحانه محرما ومجرما لمن يفعل ذلك، كما يلزم كل المؤمنين ~~به بضرورة تجنب هذه الخطايا. وهنا يوضح سبحانه أن من يغفل من ~~المؤمنين ويرتكب معصية ثم يتوب عنها، عليه ألا يؤرق نفسه بتلك ~~الغفلات فسبحانه رءوف رحيم. ونحن حين نقرأ العربية التي قد شرف الله ~~أهلها بنزول القرآن بها، نجد أقسام الكلام إما شعرا أو نثرا، ~~والشعر له وزن وقافية، وله نغم وموسيقى، أما النثر فليس له تلك ~~الصفات، بل قد يكون مسجوعا أو غير مسجوع. وإن تكلمت بكلام ~~نثري وجئت في وسطه ببيت من الشعر، فالذي يسمعك يمكنه أن يلحظ هذا ~~الفارق بين الشعر والنثر. ولكن القرآن كلام رب قادر لذلك أنت تجد هذه ~~الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها وتقرؤها وكأنها بيت من الشعر فهي ~~موزونة مقفاة: " نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم " ~~ووزنها من بحر المجتث ولكنها تأتي وسط آيات من قبلها ومن بعدها فلا ~~تشعر بالفارق، ms5436 ولا تشعر أنك انتقلت من نثر إلى شعر، ومن شعر إلى نثر ~~لأن تضامن المعاني مع جمال الأسلوب يعطينا جلال التأثير المعجز، وتلك من ~~أسرار عظمة القرآن. ثم يقول الحق سبحانه فيما يخص الكافرين أهل الغواية: ~~{ وأن عذابي... }. ### || [15.50] # وهكذا يكتمل النبأ بالمغفرة لمن آمنوا والعذاب لمن كفروا، وكانوا ~~من أهل الغواية. ونلحظ أنه سبحانه لم يشدد في تأكيد العذاب، ذلك أن ~~رحمته سبقت غضبه، مصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعا ~~وتسعين رحمة، وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة، فلو يعلم الكافر بكل ~~الذي عند الله من الرحمة لم ييئس من الجنة ولو يعلم المسلم بكل الذي عند ~~الله من العذاب لم يأمن من النار ". # ونلحظ أن الآيتين السابقتين يشرحهما قول الحق سبحانه: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ~~ربك لشديد العقاب # [الرعد: 6]. ولذلك نرى أن الآيتين قد نبهتا إلى مقامي الرجاء ~~والخوف، وعلى المؤمن أن يجمع بينهما، وألا يؤجل العمل الصالح ~~وتكاليف الإيمان، وأن يستغفر من المعاصي لأن الله سبحانه وتعالى يعامل ~~الناس بالفضل لمن أخلص النية وأحسن الطوية. لذلك يقول الحديث: # " لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي ~~سبقت غضبي ". # ثم ينقلنا الحق سبحانه من بعد الحديث عن الصفات الجلالية والجمالية في ~~الغفران والرحمة والانتقام إلى مسألة حسية واقعية توضح كل تلك ~~الصفات، فيتكلم عن إبراهيم - عليه السلام - ويعطيه البشرى، ثم ينتقل ~~لابن أخيه لوط فيعطيه النجاة، وينزل بأهله العقاب. يقول الحق سبحانه: { ~~ونبئهم عن... }. ### || [15.51] # وكلمة ضيف تدل على المائل لغيره لقرى أو استئناس، ويسمونه " ~~المنضوي " لأنه ينضوي إلى غيره لطلب القرى، ولطلب الأمن. ومن معاني ~~المنضوي أنه مال ناحية الضوء. وكان الكرماء من العرب من أهل ~~السماحة لا تقتصر سماحتهم على من يطرقون بابهم، ولكنهم يعلنون عن ~~أنفسهم بالنار ليراها من يسير في الطريق ليهتدي إليهم. وكلنا قرأنا ما ~~قاله حاتم الطائي للعبد الذي يخدمه: # أوقد ms5437 النار فإن الليل ليل قر # والريح يا غلام ريح صر # إن جلبت لنا ضيفا فأنت حر # وهكذا نعرف أصل كلمة انضوى. أي: تبع الضوء. وكلمة ضيف لفظ مفرد ~~يطلق على المفرد والمثنى والجمع، إناثا أو ذكورا، فيقال: جاءني ~~ضيف فأكرمته، ويقال: جاءني ضيف فأكرمتها، ويقال: جاءني ضيف فأكرمتهما، ~~وجاءني ضيف فأكرمتهم، وجاءني ضيف فأكرمتهن. وكل ذلك لأن كلمة " ضيف ~~" قامت مقام المصدر. ولكن هناك من أهل العربية من يجمعون " ضيف " على " ~~أضياف " ويجمعون " ضيف " على " ضيوف " ، أو يجمعون " ضيف " على " ضيفان ~~". ولننتبه إلى أن الضيف إذا أطلق على جمع فمعناه أن فردا قد جاء ~~ومعه غيره، وإذا جاءت جماعة، ثم تبعتها جماعة أخرى نقول: وجاءت ضيف ~~أخرى. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نعلم أنهم ليسوا ضيفا ~~من الآية التي تليها التي قال فيها الحق سبحانه: { إذ دخلوا ~~عليه... }. ### || [15.52] # ونلحظ أن كلمة سلاما جاءت هنا بالنصب، ومعناها نسلم سلاما، وتعني ~~سلاما متجددا. ولكنه في آية أخرى يقول: # إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم ~~منكرون # [الذاريات: 25]. ونعلم أن القرآن يأتي بالقصة عبر لقطات موزعة بين ~~الآيات فإذا جمعتها رسمت لك ملامح القصة كاملة. ولذلك نجد الحق سبحانه ~~هنا لا يذكر أن إبراهيم قد رد سلامهم وأيضا لم يذكر تقديمه للعجل ~~المشوي لهم لأنه ذكر ذلك في موقع آخر من القرآن. إذن: فمن تلك الآية ~~نعلم أن إبراهيم عليه السلام قد رد السلام، وجاء هذا السلام مرفوعا، ~~فلماذا جاء السلام في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها منصوبا؟ أي: ~~قالوا هم: { سلاما } [الحجر: 52]. وكان لا بد من رد، وهو ما ~~جاءت به الآية الثانية: # قال سلام قوم منكرون # [الذاريات: 25]. والسلام الذي صدر من الملائكة لإبراهيم هو سلام متجدد ~~بينما السلام الذي صدر منه جاء في صيغة جملة اسمية مثبتة ويدل على ~~الثبوت. إذ كان رد إبراهيم عليه السلام أقوى من سلام الملائكة لأنه ~~يوضح أن أخلاق المنهج أن يرد المؤمن التحية بأحسن منها لا أن ~~يردها فقط، ms5438 فجاء رده يحمل سلاما استمراريا، بينما سلامهم كان ~~سلاما تجدديا، والفرق بين سلام إبراهيم - عليه السلام - وسلام ~~الملائكة: أن سلام الملائكة يتحدد بمقتضى الحال، أما سلام إبراهيم فهو ~~منهج لدعوته ودعوة الرسل. ويأتي من بعد ذلك كلام إبراهيم عليه السلام: { ~~قال إنا منكم وجلون } [الحجر: 52]. وجاء في آية أخرى أنه: # وأوجس منهم خيفة.. # [هود: 70]. وفي موقع آخر من القرآن يقول: # قوم منكرون # [الذاريات: 25]. فلماذا أوجس منهم خيفة؟ ولماذا قال لهم: إنهم قوم ~~منكرون؟ ولماذا قال: { إنا منكم وجلون } [الحجر:52]. لقد ~~جاءوا له دون أن يتعرف عليهم، وقدم لهم الطعام فرأى أيديهم لا تصل ~~إليه ولا تقربه كما قال الحق سبحانه: # فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس ~~منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم ~~لوط # [هود: 70]. ذلك أن إبراهيم عليه السلام يعلم أنه إذا قدم ضيفا ~~وقدم إليه الطعام، ورفض أن يأكل فعلى المرء ألا يتوقع منه الخير وأن ~~ينتظر المكاره. وحين علم أنهم قد أرسلوا إلى قوم لوط وطمأنوه بالخبر ~~الطيب الذي أرسلهم به الله اطمأنت نفسه وفي ذلك تأتي الآية القادمة: { ~~قالوا لا توجل... }. ### || [15.53] # هكذا طمأنت الملائكة إبراهيم عليه السلام، وهدأت من روعه، ~~وأزالت مخاوفه، وقد حملوا له البشارة بأن الحق سبحانه سيرزقه بغلام ~~سيصير إلى مرتبة أن يكون كثير العلم. ويستقبل إبراهيم عليه السلام ~~الخبر بطريقة تحمل من الاندهاش الكثير، فيقول ما ذكره الحق سبحانه: { ~~قال أبشرتموني... }. ### || [15.54] # ونعلم أن الحق - سبحانه وتعالى - يخلق الخلق على أنحاء متعددة حتى ~~يعلم المخلوق أن خلقه لا ضرورة أن يكون بطريقة محددة بل طلاقة القدرة ~~أن يأتي المخلوق كما يشاء الله. والشائع أن يولد الولد من أب وأم ~~ذكر وأنثى. أو بدون الأمرين معا مثل آدم عليه السلام، ثم خلق حواء ~~من ذكر فقط، وكما خلق عيسى من أم فقط، وخلق محمدا صلى الله عليه وسلم من ~~ذكر وأنثى. وفي الآية التي نحن بصددها نجد إبراهيم عليه السلام يتعجب ~~كيف يبشرونه بغلام، وهو على هذه الدرجة ms5439 من الكبر، في قوله تعالى: { ~~على أن مسني الكبر.. } [الحجر: 54]. يعني أن " على " هنا ~~جاءت بمعنى " مع " أي: أنه يعيش مع الكبر ويرى أنه من الصعب أن يجتمع ~~الكبر مع القدرة على الإنجاب. وأقول دائما: إن كلمة على لها عطاءات ~~واسعة في القرآن الكريم، فهي تترك مرة ويأتي الحق سبحانه بغيرها لتؤدي ~~معنى معينا مثل قوله تعالى: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71]. والصلب إنما يكون على جذوع النخل ولكن الحق سبحانه جاء ب ~~في بدلا من على ليدل على أن الصلب سيكون عنيفا، بحيث تتدخل ~~الأيدي والأرجل المصلوبة في جذوع النخل. وهنا يقول الحق سبحانه: { ~~أبشرتموني على أن مسني الكبر.. } [الحجر: 54]. أي: ~~أتبشرونني بالغلام العليم مع أني كبير في العمر والمفهوم أن ~~الكبر والتقدم في العمر لا يتأتى معه القدرة على الإنجاب. وهكذا ~~تأتي " على " بمعنى " مع ". أي: كيف تبشرونني بالغلام مع أني كبير ~~في العمر، وقد قال قولته هذه مؤمنا بقدرة الله فإبراهيم أيضا هو الذي ~~أورد الحق سبحانه قولا له: # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق إن ربي لسميع الدعآء # [إبراهيم: 39]. وكأن الكبر لا يتناسب مع الإنجاب، ويأتي رد ~~الملائكة على إبراهيم خليل الرحمن: { قالوا بشرناك... }. ### || [15.55] # وكأن الملائكة تقول له: لسنا نحن الذين صنعنا ذلك، ولكنا نبلغك ~~ببشارة شاءها الله لك فلا تكن من اليائسين. ونفس القصة تكررت من بعد ~~إبراهيم مع ذكريا - عليه السلام - في إنجابه ليحيى، حين دعا زكريا ربه ~~أن يهبه غلاما: # يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا # [مريم: 6]. وجاءته البشارة بيحيى، وقد قال زكريا لربه: # قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا ~~وقد بلغت من الكبر عتيا # [مريم: 8]. وإن شئت أن تعرف سر عطاءات الأسلوب القرآني فاقرأ قول ~~الحق سبحانه ردا على زكريا: # فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له ~~زوجه.. # [الأنبياء: 90]. ولم يقل الحق سبحانه أصلحناكم أنتم الاثنين وفي ذلك ~~إشارة إلى أن العطب كان في الزوجة وقد أثبت العلم من بعد ذلك أن قدرة ms5440 ~~الرجل على الإخصاب لا يحددها عمر، ولكن قدرة المرأة على أن تحمل ~~محددة بعمر معين. ثم إذا تأملنا قوله الحق: # ووهبنا.. # [الأنبياء: 90]. نجد أنها تثبت طلاقة قدرة الله سبحانه فيما وهب ~~وفي إصلاح ما فسد فسبحانه لا يعوزه شيء قادر جل شأنه على الوهب ~~وقادر على أن يهيئ الأسباب ليتحقق ما يهبه. وهنا تقول الملائكة ~~لإبراهيم: { بشرناك بالحق.. } [الحجر: 55]. أي: أنهم ليسوا ~~المسئولين عن البشارة، بل عن صدق البشارة ولذلك قالوا له من بعد ذلك: { ~~فلا تكن من القانطين } [الحجر: 55]. ويأتي الحق سبحانه بما ~~رد به إبراهيم عليه السلام: { قال ومن يقنط... }. ### || [15.56] # وهنا يعلن إبراهيم - عليه السلام - أنه لم يقنط من رحمة ربه ولكنه ~~التعجب من طلاقة التعجب من طلاقة القدرة التي توحي بالوحدانية القادرة، ~~لا لذات وقوع الحدث ولكن لكيفية الوقوع، ففي كيفية الوقوع إعجاب فيه ~~تأمل، ذلك أن إبراهيم - عليه السلام - يعلم علم اليقين طلاقة قدرة الله ~~فقد سبق أن قال له: # أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة: 260]. ولنلحظ أنه لم يسأله " أتحيي الموتى " ، بل كان سؤاله عن ~~الكيفية التي يحيى بها الله الموتى ولذلك يسأله الحق سبحانه: # أولم تؤمن.. # [البقرة: 260]. وكان رد إبراهيم - عليه السلام -: # بلى ولكن ليطمئن قلبي.. # [البقرة: 260]. وحدثت تجربة عندما أمر إبراهيم بأن يأخذ أربعة من ~~الطير ثم يقطعهن ويلقي على كل جبل جزءا، ثم يدعوهن فيأتينه سعيا، لذلك ~~فلم يكن إبراهيم قانطا من رحمة ربه، بل كان متسائلا عن الكيفية التي ~~يجري الله بها رحمته. ولم تكن تلك المحادثة بين إبراهيم والملائكة فقط، ~~بل اشتركت فيه زوجه سارة إذ إن الحق سبحانه قد قال في سورة هود: # يويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ~~إن هذا لشيء عجيب * قالوا أتعجبين من أمر ~~الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ~~إنه حميد مجيد # [هود: 72-73]. وهكذا نجد أن القرآن يكمل بعضه بعضا وكل لقطة تأتي ~~في موقعها وحين نجمع اللقطات تكتمل لنا القصة. وهنا في سورة الحجر نجد ~~سؤالا من إبراهيم - عليه السلام - للملائكة ms5441 التي حملت له بشرى ~~الإنجاب عن المهمة الأساسية لمجيئهم، الذي تسبب في أن يتوجس منهم ~~خيفة فقد نظر إليهم، وشعر أنهم قد جاءوا بأمر آخر غير البشارة بالغلام ~~لأن البشارة يكفي فيها ملك واحد. أما هؤلاء فهم كثيرون على تلك ~~المهمة، فيقول سبحانه هذا السؤال الذي سأله إبراهيم - عليه السلام -: { ~~قال فما خطبكم... }. ### || [15.57] # أي: ما هو الأمر العظيم الذي جئتم من أجله لأن الخطب هو الحدث ~~الجلل الذي ينتاب الإنسان؟ وسمي خطبا لأنه يشغل بال الناس جميعا ~~فيتخاطبون به، وكلما التقت جماعة من البشر بجماعة أخرى فهم يتحدثون ~~في هذا الأمر. ولذلك سميت رغبة الزواج بين رجل وامرأة وتقدمه ~~لأهلها طلبا ليدها " خطبة " لأنه أمر جلل وهام ذلك أن أحدا لو ~~نظر إلى المرأة ورآه واحد من أهلها لثار من الغيرة ولكن ما أن يدق ~~الباب طالبا يدها، فالأمر يختلف لأن أهلها يستقبلون من يتقدم ~~للزواج الاستقبال الحسن ويقال: " جدع الحلال أنف الغيرة ". وهنا ~~قال إبراهيم - عليه السلام - للملائكة: ما خطبكم أيها المرسلون؟ أي: ~~لأي أمر جلل أتيتم؟ ويأتي الجواب من الملائكة في قول الحق سبحانه: ~~{ قالوا إنآ... }. ### || [15.58] # ونعلم أن كلمة " القوم " مأخوذة من القيام، وهم القوم الذين يقومون ~~للأحداث ويقصد بهم الرجال، دون النساء لأن النساء لا يقمن للأحداث ~~والحق سبحانه هو الذي يفصل هذا الأمر في قوله: # لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا ~~منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا ~~منهن.. # [الحجرات: 11]. فلو أن كلمة " القوم " تطلق على النساء لوصف بها ~~الحق سبحانه النساء أيضا وذلك كي نعلم أن الرجال فقط هم الذين يقومون ~~للأحداث ولنعلم أن للمرأة منزلتها في رعاية أسرتها فلا تقوم إلا بما ~~يخص هذا البيت. وهنا أخبرت الملائكة إبراهيم - عليه السلام - أنهم ~~مرسلون إلى قوم مجرمين وهم قوم لوط الذين أرهقوا لوطا بالتكذيب ~~وبالمعاصي التي أدمنوها. ولكن الحق سبحانه يستثني آل لوط من جريمة قوم ~~لوط، فقد كانت أغلبية قوم لوط من الفاسدين، فيقول سبحانه: { إلا آل ms5442 ~~لوط... }. ### || [15.59] # وهذا استثناء لآل لوط من المجرمين. والمجرم هو المنقطع عن الحق، ~~والجريمة هي الانقطاع عن الحق لانتصار الباطل، وغلب اسم القوم على ~~الجماعة المجرمين، وهكذا كان الاستثناء من هؤلاء المجرمين. الذين ~~أجرموا في حق منهج الله، والقيم التي نادى بها لوط عليه السلام. وهكذا ~~كان الإرسال للإنجاء لمن آمن والإهلاك لمن أعرض ونأى بجانبه في مهمة ~~واحدة. ثم يأتي استثناء جديد حيث يقرر الحق سبحانه أن امرأة لوط سيشملها ~~الإهلاك، فيقول سبحانه: { إلا امرأته... }. ### || [15.60] # ونعلم في اللغة أنه إذا توالت استثناءات على مستثنى منه نأخذ ~~المستثنى الأول من المستثنى منه، والمستثنى الثاني نأخذه من المستثنى ~~الأول، والمستثنى الثالث نأخذه من المستثنى الثاني. والمثل أن يقول لك من ~~تدينه " لك عشرة جنيهات إلا أربعة " أي: أنه أقر بأن لك ستة جنيهات ~~ولكنك تنظر إليه لعله يتذكر كم سدد إليك؟ فيقول: " لك إلا درهما " ~~وهكذا يكون قد أقر بسبعة دراهم كدين بعد أن كان قد أقر بستة ذلك ~~أنه قال: " لك عشرة جنيهات إلا أربعة " ، ثم أضاف: " إلا درهما ". وهكذا ~~يكون قد استثنى من الأربعة الجنيهات التي قال إنه سددها لك جنيها آخر ~~وبذلك يكون ما سدده من دين ثلاث جنيهات، وبقي عنده سبعة جنيهات. والحق ~~سبحانه هنا يستثني امرأة لوط من الذين استثناهم من قبل للنجاة، وهم آل ~~لوط، والملائكة التي تقول ذلك لم تقدر الأمر بإهلاك امرأة لوط بل هي ~~تنفذ التقدير الأعلى فسبحانه هو من قدر وأمر: { إنها لمن ~~الغابرين } [الحجر: 60]. والغابر هنا بمعنى داخل أو هو من أسماء ~~الأضداد وهي لن تنجو لأن من تقررت نجاتهم سيتركون القرية وسيهلك من ~~يبقى فيها، وامرأة لوط من الباقين في العذاب والاستثناء من النفي إثبات ~~ومن الإثبات نفي، فاستثناء امرأة لوط من الناجين يلحقها بالهالكين. ~~وتنتقل السورة من إبراهيم إلى لوط - عليه السلام - فيقول الحق سبحانه: { ~~فلما جآء آل لوط... }. ### || [15.61-62] # وهكذا قال لوط - عليه السلام - للملائكة عندما وصلوا إليه، فقد كان ~~مشهدهم غاية في الجمال ويعلم أن ms5443 قومه يعانون من الغلمانية، ويحترفون ~~الفاحشة الشاذة لذلك نجد الحق سبحانه يقول عن معاملته للملائكة في موقع ~~آخر من القرآن: # سيء بهم وضاق بهم ذرعا.. # [هود: 77]. ذلك أن لوطا علم أن قومه سيطمعون في هؤلاء المرد، لذلك ~~ما أن جاءوه حتى أعلن لهم أنه غير مرغوب فيهم ولم يرحب بهم، ذلك أنهم ~~قد دخلوا عليه في صورة شبان تضيء ملامحهم بالحسن الشديد مما قد يسبب ~~غواية لقومه. كما أنهم قد دخلوا عليه، وليس على ملامحهم أي أثر للسفر ~~كما أنهم ليسوا من أهل المنطقة التي يعيش فيها لذلك أنكرهم. ويقول سبحانه ~~ما جاء على لسان الملائكة لحظة أن طمأنوا لوطا كشفوا له عن مهمتهم: { ~~قالوا بل جئناك... }. ### || [15.63] # وهكذا أعلنوا للوط سبب قدومهم إليه كي ينزلوا العقاب بالقوم الذين ~~أرهقوه، وكانوا يشكون في قدرة الحق سبحانه أن يأخذهم أخذ عزيز ~~مقتدر، وفي هذا تسرية عنه. ثم يؤكدون ذلك بما أورده الحق سبحانه ~~على ألسنتهم: { وآتيناك بالحق... }. ### || [15.64] # أي: جئنا لك بأمر عذابهم الصادر من الحق سبحانه فلا مجال للشك أو ~~الامتراء، ونحن صادقون فيما نبلغك به. ويقولون له من بعد ذلك: { ~~فأسر بأهلك... }. ### || [15.65] # أي: سر أنت وأهلك في جزء من الليل. ومرة يقال " سرى " ، ومرة يقال ~~" أسرى " ويلتقيان في المعنى. ولكن " أسرى " تأتي في موقع آخر من القرآن، ~~وتكون متعدية مثل قول الحق: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا.. # [الإسراء: 1]. وقولهم هنا أسر بأهلك هو تعبير مهذب عن صحبة النساء ~~والأبناء. ونجد في ريفنا المصري من لا يتكلم أبدا في حديثه عن المرأة ~~أو البنات فيقول الواحد منهم " قال الأولاد كذا " ، فكأن اسم المرأة ~~مبني على الستر دائما، وكذلك نجد كثيرا من الأحكام تكون المرأة ~~مطمورة في حكم الرجل إلا في الأمر المتعلق بها. وهنا يقول الحق ~~سبحانه: { فأسر بأهلك بقطع من اليل.. } [الحجر: 65]. ~~وكلمة " قطع " هي اسم جمع، والمقصود هو أن يخرج لوط بأهله في جزء من ~~الليل، أو من آخر الليل، فهذا هو منهج الإنجاء الذي أخبر به ms5444 الملائكة ~~لوطا، ليتبعه هو وأهله والمؤمنون به، وأوصوه أن يتبع أدبار قومه ~~بقولهم: { واتبع أدبارهم.. } [الحجر: 65]. أي: أن يكون في ~~المؤخرة، وفي ذلك حث لهم على السرعة. وكان من طبيعة العرب أنهم ~~إذا كانوا في مكان ويرحلون منه فكل منهم يحمل رحله على ناقته وأهله ~~فيها - فوق الناقة - ويبتدئون السير، ويتخلف رئيس القوم، واسمه " معقب ~~" كي يرقب إن كان أحد من القوم قد تخلف أو تعثر أو ترك شيئا من ~~متاعه، ويسمون هذا الشخص " معقب ". وهنا تأمر الملائكة لوطا أن ~~يكون معقبا لأهله والمؤمنين به ليحثهم على السير بسرعة ثم لينفذ ~~أمرا آخر يأمره به الحق سبحانه: { ولا يلتفت منكم أحد.. } ~~[الحجر: 65]. وتنفيذ الأمر بعدم الالتفات يقتضي أن يكون لوط في مؤخرة ~~القوم ذلك أن الالتفات يأخذ وقتا، ويقلل من سرعة من يلتفت كما أن ~~الالتفات إلى موقع انتمائهم من الأرض قد يثير الحنين إلى مواقع ~~التذكار وأرض المنشأ، وكل ذلك قد يعطل حركة القوم جميعهم لذلك جاء ~~الأمر الإلهي: { وامضوا حيث تؤمرون } [الحجر: 65]. أو: أن ~~الحق سبحانه يريد ألا يلتفت أحد خلفه حتى لا يشهد العذاب، أو مقدمة ~~العذاب الذي يقع على القوم، فتأخذه بهم شفقة. ونحن نعلم قول الحق سبحانه ~~في إقامة أي حد من الحدود التي أنزلها: # ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله.. # [النور: 2]. فلو أن أحدا قد التفت إلى العذاب، أو مقدمة العذاب فقد ~~يحن إليهم، أو يعطف عليهم رغم أن عذابهم بسبب ذنب كبير، فقد ارتكبوا ~~جريمة كبيرة ونعلم أن بشاعة الجريمة تبهت وقد يبقى في النفس عظم ألم ~~العقوبة لحظة توقيعها على المجرم. أو: أن الحق سبحانه يريد أن يعجل ~~بالقوم الناجين قبل أن يوجد، ولو التفزيع الذي هو مقدمة تعذيب القوم ~~الذين كفروا من هول هذا العذاب القادم. وهكذا كان الأمر بالإسراء ~~بالقوم الذين قرر الحق سبحانه نجاتهم، والكيفية هي أن يكون الخروج في ~~جزء من الليل، وأن يتبع لوط أدبارهم، وألا يلتفت أحد من الناجين ~~خلفه ليمضي هؤلاء الناجون حيث يأمرهم ms5445 الحق سبحانه. وقيل: إن الجهة هي ~~الشام. ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: { وقضينآ إليه ذلك... ~~}. ### || [15.66] # وقوله الحق: { وقضينآ.. } [الحجر: 66]. أي: أوحينا. وسبحانه تكلم ~~من قبل عن الإنجاء للمؤمنين من آل لوط ثم تكلم عن عذاب الكافرين ~~المنحرفين والأمر الذي قضى به الحق سبحانه أن يبيد هؤلاء المنحرفين. ~~وقطع الدابر هو الخلع من الجذور. ولذلك يقول القرآن: # فقطع دابر القوم الذين ظلموا # [الأنعام: 45]. وهكذا نفهم أن قطع الدابر هو أن يأخذهم الحق سبحانه ~~أخذ عزيز مقتدر فلا يبقى منهم أحدا. وموعد ذلك هو الصباح، فبعد أن ~~خرج لوط ومن معه بجزء من الليل وتمت نجاتهم يأتي الأمر بإهلاك ~~المنحرفين في الصباح. والأخذ بالصبح هو مبدأ من مبادئ الحروب ويقال: ~~إن أغلب الحروب تبدأ عند أول خيط من خيوط الشمس. والحق سبحانه يقول: # فإذا نزل بساحتهم فسآء صباح المنذرين # [الصافات: 177]. وهكذا شاء الحق سبحانه أن يأخذهم وهم في استرخاء ~~ولا يملكون قدرة على المقاومة. وقول الحق سبحانه هنا: { أن ~~دابر هؤلآء مقطوع مصبحين } [الحجر: 66]. لا يتناقض مع ~~قوله عنهم في موقع آخر: # فأخذتهم الصيحة مشرقين # [الحجر: 73]. فكأن بدء الصيحة كان صبحا، ونهايتهم كانت في الشروق. ~~وهكذا رسم الحق سبحانه الصورة واضحة أمام لوط من قبل أن يبدأ التنفيذ ~~فهكذا أخبرت الملائكة لوطا بما سوف يجري. ويعود الحق سبحانه بعد ذلك ~~إلى قوم لوط الذين لا يعرفون ما سوف يحدث لهم، فيقول سبحانه: { وجآء ~~أهل المدينة... }. ### || [15.67] # وعندما علم أهل المدينة من قوم لوط بوصول وفد من الشبان الحسان ~~المرد عند لوط جاءوا مستبشرين فرحين. وكان حسنهم مضرب الأمثال ~~وكأن كلا منهم ينطبق عليه قوله الحق عن يوسف عليه السلام: # ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم # [يوسف: 31]. وقوله سبحانه: { وجآء أهل المدينة ~~يستبشرون } [الحجر: 67]. يجمع لقطات مركبة عن الأمر الفاحش ~~الشائع فيما بينهم، وكانوا يستبشرون بفعله ويفرحون به فهم من ينطبق ~~عليهم قوله الحق: # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما ~~كانوا يفعلون # [المائدة: 79]. وكان لوط يعلم هذا ms5446 الأمر فيهم، ويعلم ما سوف يحيق بهم ~~وأراد أن يجعل بينهم وبين فعل الفاحشة مع الملائكة سدا فهم في ~~ضيافته وفي جواره، والتقاليد تقتضي أن يأخذ الضيف كرامة المضيف، وأي ~~إهانة تلحق بالضيف هي إهانة للمضيف، فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان ~~لوط: { قال إن هؤلآء... }. ### || [15.68] # والفضيحة هي هتك المساتير التي يستحيي منها الإنسان، فالإنسان قد يفعل ~~أشياء يستحي أن يعلمها عنه غيره. والحق - سبحانه وتعالى - حين يطلب منا ~~أن نتخلق بخلقه جعل من كل صفات الجمال والجلال نصيبا يعطيه ~~لخلقه. ولكن هناك بعضا من صفاته يذكرها ولا يأتي بمقابل لها فهو قد ~~قال مثلا " الضار " ومقابلها " النافع " وقال " الباسط " ومقابلها " ~~القابض " وقال " المعز " ومقابلها " المذل ". ومن أسمائه " الستار ~~" ولم يأت بالمقابل وهو " الفاضح " لماذا لم يأت بهذا المقابل؟ ~~لأنه سبحانه شاء أن يحمي الكون لكي يستمتع كل فرد بحسنات المسيء، ~~لأنك لو علمت سيئاته قد تبصق عليه لذلك شاء الحق سبحانه أن يستر ~~المسيء، ويظهر حسناته فقط. وقد قال لوط لقومه بعد أن نهاهم عن ~~الاقتراب الشائن من ضيوفه: { واتقوا الله... }. ### || [15.69] # أي: ضعوا بينكم وبين عقاب الحق لكم وقاية ولا تكونوا سببا في إحساسي ~~بالخزي والعار أمام ضيوفي بسبب ما ترغبون فيه من الفاحشة. والاتقاء من ~~الوقاية، والوقاية هي الاحتراس والبعد من الشر، لذلك يقول الحق سبحانه: # يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ~~وقودها الناس والحجارة # [التحريم: 6]. أي: اجعلوا بينكم وبين النار وقاية، واحترسوا من أن تقعوا ~~فيها، بالابتعاد عن المحظورات، فإن فعل المحذور طريق إلى النار، ~~والابتعاد عنه وقاية منها، ومن عجيب أمر هذه التقوى أنك تجد الحق سبحانه ~~وتعالى يقول في القرآن الكريم - والقرآن كله كلام الله. يقول: # واتقوا الله.. # [البقرة: 194]. ويقول: # واتقوا النار.. # [آل عمران: 131]. كيف نأخذ سلوكا واحدا تجاه الحق سبحانه وتعالى وتجاه ~~النار التي سيعذب فيها الكافرون؟ والمعنى: لا تفعلوا ما يغضب الله حتى لا ~~تعذبوا في النار، فكأنك قد جعلت بينك وبين النار وقاية بأن تركت ~~المعاصي، وإن فعلت ms5447 المأمورات، ورضيت بالمقدورات، وابتعدت عن المحذورات، ~~فقد اتقيت الله. ولكنهم لم يستجيبوا له، بدليل أنهم تمادوا في غيهم ~~وقالوا ما أورده الحق سبحانه: { قالوا أو لم ننهك... }. ### || [15.70] # أي: ألم نحذرك من قبل من ضيافة الشبان الذين يتميزون ~~بالحسن، ولأنك قمت باستضافة هؤلاء الشبان فلا بد لنا من أن ~~نفعل معهم ما نحب من الفاحشة، وكانوا يتعرضون لكل غريب بالسوء. وحاول ~~لوط أن ينهاهم قدر استطاعته ولكنهم رفضوا أن يجير ضيوفه من عدوانهم ~~الفاحش، وطلبوا منه أن يتركهم وشأنهم، ليفسدوا في الكون كما يشاءون، فلا ~~تتكلم ولا تعترض على شيء مما نفعل، وهذه لغة أهل الضلال والفساد. وحاول ~~لوط عليه السلام أن يثنيهم عن ذلك بأن قال لهم، ما جاء به الحق سبحانه: ~~{ قال هؤلآء بناتي... }. ### || [15.71] # أي: أنكم إن كنتم مصرين على ارتكاب الفاحشة فلماذا لا تتزوجون من ~~بناتي؟ ولقد حاول البعض أن يقولوا: إنه عرض بناته عليهم ليرتكبوا معهن ~~الفاحشة وحاشا لله أن يصدر مثل هذا الفعل عن رسول، بل هو قد عرض عليهم أن ~~يتزوجوا النساء. ثم إن لوطا كانت له ابنتان اثنتان، وهو قد قال: { ~~هؤلآء بناتي.. } [الحجر: 71]. أي: أنه تحدث عن جمع كثير ذلك أن ~~ابنتيه لا تصلحان إلا للزواج من اثنين من هذا الجمع الكثيف من رجال تلك ~~المدينة، ونعلم أن بنات كل القوم الذين يوجد فيهم رسول يعتبرن من ~~بناته. ولذلك يقول الحق سبحانه ما يوضح ذلك في آية أخرى. # أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق ~~لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون # [الشعراء: 165-166]. أي: أن لوطا أراد أن يرد هؤلاء الشواذ إلى ~~دائرة الصواب، والفعل الطيب. وذيل كلامه: { إن كنتم فاعلين } ~~[الحجر: 71]. ليوحي لهم بالشك في أنهم سيهينون ضيوفه بهذا الأسلوب ~~الممجوج والمرفوض. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { لعمرك إنهم... ~~}. ### || [15.72] # والخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. و " عمرك " معناها ~~السن المحدد للإنسان لاستقامة الحياة، ومرة تنطق " عمرك " ومرة ~~تنطق " عمرك " ، ولكنهم في القسم يختارون كلمة " عمرك ms5448 " ، وهذا ~~يماثل قولنا في الحياة اليومية " وحياتك ". ومن هذا القول الكريم الذي ~~يحدث به الحق سبحانه رسوله استدل أهل الإشراق والمعرفة أن الحق ~~سبحانه قد كرم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه حين ناداه لم ~~يناده باسمه العلني " يا محمد " أو " يا أحمد " كما نادى كل رسله، ~~ولكنه لم يناد الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بقوله: # يأيها الرسول.. # [المائدة: 67]. أو: # يأيها النبي.. # [الممتحنة: 12]. وفي هذا تكريم عظيم، وهنا في هذه الآية نجد تكريما ~~آخر، فسبحانه يقسم بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم. ونعلم أن الحق ~~سبحانه يقسم بما شاء على ما شاء، أقسم بالشمس وبمواقع النجوم وبالنجم ~~إذا هوى. فهو الخالق العليم بكل ما خلق ولا يعرف عظمة المخلوق إلا ~~خالقه، وهو العالم بمهمة كل كائن خلقه، لكنه أمرنا ألا نقسم إلا ~~به لأننا نجهل حقائق الأشياء مكتملة. وقد أقسم سبحانه بكل شيء في ~~الوجود، إلا أنه لم يقسم أبدا بأي إنسان إلا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم فقال هنا: { لعمرك } [الحجر: 72]. بحياتك يا محمد إنهم في ~~سكرة يعمهون. والسكرة هي التخديرة العقلية التي تحدث لمن يختل ~~إدراكهم بفعل عقيدة فاسدة، أو عادة شاذة، أو بتناول مادة تثير الاضطراب ~~في الوعي. و { يعمهون.. } [الحجر: 72]. أي: يضطربون باختيارهم. ~~ويأتي العقاب فيقول الحق سبحانه: { فأخذتهم الصيحة... }. ### || [15.73] # وسبق أن أخبرنا سبحانه أنه سيقطع دابرهم وهم مصبحون، وهنا يخبرنا أن ~~الصيحة أخذتهم وهم مشرقون، ونحن نرى هذه الأيام بعضا من الألعاب كلعبة ~~" الكاراتيه " تصدر صيحة من اللاعب في مواجهة خصمه ليزيد من رعبه. ~~كما نرى في تدريبات الصاعقة العسكرية نوعا من الصرخات، هدفها أن يدخل ~~المقاتل الرعب في قلب عدوه. وكل ما يتطلب إرهاب الخصم يبدأ بصيحة ~~تفقده توازنه الفكري ولذلك قال الحق سبحانه في موقع آخر: # إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم ~~المحتظر # [القمر: 31]. ومرة يسميها الحق سبحانه بالطاغية فيقول: # فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية # [الحاقة: 5]. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { فجعلنا عاليها... }. ### || [15.74] # وما دام عاليها قد صار ms5449 أسفلها، فهذا لون من الانتقام المنظم ~~الموجه ولو لم يكن انتقاما منظما لانقلب بعض ما في تلك المدينة ~~على الجانب الأيمن أو الأيسر. ولكن شاء الحق سبحانه أن يأتي لنا بصورة ما ~~حدث، ليدلنا على قدرته على أن يفعل ما شاء كما يشاء. وأمطرهم الحق ~~سبحانه بحجارة من سجيل كتلك التي أمطر بها من هاجموا الكعبة في عام ~~ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي حجارة صنعت من طين لا يعلم ~~كنهه إلا الحق سبحانه، والطين إذا تحجر سمي " سجيلا ". والحق ~~سبحانه هو القائل عن نفس هذا الموقف في سورة الذاريات: # لنرسل عليهم حجارة من طين # [الذاريات: 33]. وقد أرسل الحق سبحانه تلك الحجارة عليهم ليبيدهم، فلا ~~يبقي منهم أحدا. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { إن في ذلك ~~لآيات... }. ### || [15.75] # وهكذا كان العذاب الذي أنزله الحق سبحانه بقوم لوط آية واضحة ~~للمتوسمين. والمتوسم هو الذي يدرك حقائق المستور بمكشوف ~~المظهور. ويقال " توسمت في فلان كذا " أي: أخذ من الظاهر حقيقة ~~الباطن. ولذلك يقول الحق سبحانه: # سيماهم في وجوههم من أثر السجود.. # [الفتح: 29]. أي: ساعة تراهم ترى أن الملامح توضح ما في الأعماق من ~~إيمان. ويقول سبحانه أيضا: # تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا.. # [البقرة: 273]. وهكذا نعرف أن المتوسم هو صاحب الفراسة التي تكشف ~~مكنون الأعماق. وها هو صلى الله عليه وسلم يقول: # " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ". # وتحمل الذاكرة العربية حكاية الأعرابي الذي فقد جمله، فذهب إلى قيم ~~الناحية - أي: عمدة المكان - وقال له: " ضاع جملي، وأخشى أن يكون قد سرقه ~~أحد ". وبينما هو يحدث القيم جاء واحد، وقال له: أجملك أعور؟ أجاب ~~صاحب الجمل: نعم، وقال له: أجملك أبتر؟ أي: لا ذيل له، أجاب صاحب ~~الجمل: نعم. فسأل الرجل سؤالا ثالثا: أجملك أشول؟ أي: يعرج قليلا عندما ~~يسير فأجاب الرجل: نعم، والله هو جملي. وأراد قيم الحي أن يعلم كيف ~~عرف الرجل الذي حضر كل هذه العلامات التي في الجمل، فسأله: وما أدراك بكل ~~تلك العلامات؟ ms5450 قال الرجل: لقد رأيته في الطريق، وعرفت أنه أعور، ذلك ~~أنه كان يأكل العشب الجاف من جهة، ولا يلتفت إلى العشب الأخضر في ~~الجهة الأخرى، ولو كان يرى بعينيه الاثنتين لرأى العشب الأخضر. وعرفت ~~أنه أبتر مقطوع الذيل نتيجة أن بعره لم يتبعثر مثل غيره من الجمال ~~التي لها ذيل غير مقطوع. وعرفت أنه أشول لأن أثر ساقه اليمنى أكثر ~~عمقا في الأرض من أثر ساقه اليسرى. وهكذا شرحت الذاكرة العربية معنى ~~كلمة " المتوسم ". ثم يبين الحق سبحانه مكان مدينة قوم لوط، فيقول من ~~بعد ذلك: { وإنها لبسبيل... }. ### || [15.76] # أي: أنها على طريق ثابت تمرون عليه إن ذهبتم ناحية هذا المكان، وفي ~~آية أخرى يقول سبحانه: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين # [الصافات: 137]. فهذه المدينة إذن في طريق ثابت لن تضيعه عوامل ~~التعرية أو الأغيار، ولن تضيعه تلك العوامل إلا إذا شاء الحق ~~سبحانه له أن يكون محكم التكوين ومحكم التثبيت. وهو ما يسمى " ~~سدوم ". ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: { إن في ذلك لآية... }. ### || [15.77] # وقد قال من قبل: # إن في ذلك لآيات للمتوسمين # [الحجر: 75]. فكأن من مسئوليات المؤمن أن يتفحص في أدبار الأشياء، ~~وأن يتعرف على الأشياء بسيماها، وأن يمتلك فراسة الإيمان التي قال ~~عنها صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله ". # وهكذا ينهي الحق سبحانه هنا قصة لوط وما وقع عليهم من عذاب يجب أن ~~يتعظ به المؤمنون فقد نالوا جزاء ما فعلوا من فاحشة. وينقلنا الحق ~~سبحانه من بعد ذلك نقلة أخرى إلى أهل مدين، وهم قوم شعيب. وهم ~~أصحاب الأيكة، يقول سبحانه: { وإن كان أصحاب... }. ### || [15.78] # و " الأيك " هو الشجر الملتف الكثير الأغصان. ونعلم أن شعيبا - ~~عليه السلام - قد بعث لأهل مدين وأصحاب الأيكة، وهي مكان قريب من مدين، ~~وكان أهل مدين قد ظلموا أنفسهم بالشرك. وقد قال الحق سبحانه: # وإلى مدين أخاهم شعيبا.. # [الأعراف: 85]. وقال عن أصحاب الأيكة: # كذب أصحاب الأيكة المرسلين * إذ قال لهم ~~شعيب ألا تتقون # [الشعراء: 176-177]. وهكذا نعلم ms5451 أن شعيبا قد بعث لأمتين متجاورتين. ~~ويقول سبحانه عن هاتين الأمتين: { فانتقمنا منهم... }. ### || [15.79] # ويقال: إن ما كان يفصل بين مدين وأصحاب الأيكة هو هذا الشجر الملتف ~~الكثيف القريب من البحر. ولذلك نجد هنا الدليل على أن شعيبا عليه السلام ~~قد بعث إلى أمتين هو قوله الحق: { وإنهما... } [الحجر: 79]. وقد ~~انتقم الله من الأمتين الظالمتين مدين وأصحاب الأيكة. ويقول الحق ~~سبحانه: { وإنهما لبإمام مبين } [الحجر: 79]. والإمام هو ~~ما يؤتم به في الرأي والفتيا، أو في الحركات والسكنات أو: في الطريق ~~الموصل إلى الغايات، ويسمى " إمام " لأنه يدل على الأماكن أو ~~الغايات التي نريد أن نصل إليها، ذلك أنه يعلم كل جزئية من هذا الطريق. ~~وفيما يبدو أن أصحاب الأيكة قد تمادوا في الظلم والكفر، وإذا كان ~~سبحانه قد أخذ أهل مدين بالصيحة والرجفة فقد أخذ أصحاب الأيكة بأن سلط ~~عليهم الحر سبعة أيام لا يظلهم منه ظل ثم أرسل سحابة وتمنوا ~~أن تمطر، وأمطرت نارا فأكلتهم، كما قالت كتب الأثر. وهذا هو العذاب ~~الذي قال فيه الحق سبحانه: # فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم ~~عظيم # [الشعراء: 189]. وهكذا تكون تلك العبر بمثابة الإمام الذي يقود إلى ~~التبصر بعواقب الظلم والشرك. وينقلنا الحق سبحانه إلى خبر قوم آخرين، ~~فيقول تعالى: { ولقد كذب... }. ### || [15.80] # وأصحاب الحجر هم قوم صالح، وكانت المنطقة التي يقيمون فيها كلها من ~~الحجارة ولا يزال مقامهم معروفا في المسافة بين خيبر وتبوك. وقال فيهم ~~الحق سبحانه: # أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون ~~مصانع لعلكم تخلدون # [الشعراء: 128-129]. وهم قد كذبوا نبيهم " صالح " وكان تكذيبهم له ~~يتضمن تكذيب كل الرسل ذلك أن الرسل يتواردون على وحدانية الله، ويتفقون ~~في الأحكام العامة الشاملة، ولا يختلف الأنبياء إلا في الجزئيات المناسبة ~~لكل بيئة من البيئات التي يعيشون فيها. فبيئة: تعبد الأصنام، فيثبت لهم ~~نبيهم أن الأصنام لا تستحق أن تعبد. وبيئة أخرى: تطفف الكيل ~~والميزان فيأتي رسولهم بما ينهاهم عن ذلك. وبيئة ثالثة: ترتكب الفواحش ~~فيحذرهم نبيهم من تلك الفواحش. ms5452 وهكذا اختلف الرسل في الجزئيات ~~المناسبة لكل بيئة لكنهم لم يختلفوا في المنهج الكلي الخاص بالتوحيد ~~والمنهج، وقد قال الحق سبحانه عن قوم صالح أنهم كذبوا المرسلين بمعنى ~~أنهم كذبوا صالحا فيما جاء به من دعوة التوحيد التي جاء بها كل الرسل. ~~ويقول الحق سبحانه عنهم من بعد ذلك: { وآتيناهم آياتنا... }. ### || [15.81] # وهنا يوجز الحق - سبحانه وتعالى - ما أرسل به نبيهم صالح من آيات ~~تدعوهم إلى التوحيد بالله، وصدق بلاغ صالح عليه السلام الذي تمثل في ~~الناقة، التي حذرهم صالح أن يقربوها بسوء كيلا يأخذهم العذاب ~~الأليم. لكنهم كذبوا وأعرضوا عنه، ولم يلتفتوا إلى الآيات التي خلقها ~~الحق سبحانه في الكون من ليل ونهار، وشمس وقمر، واختلاف الألسن ~~والألوان بين البشر. ونعلم أن الآيات تأتي دائما بمعنى المعجزات ~~الدالة على صدق الرسول، أو: آيات الكون، أو: آيات المنهج المبلغ عن ~~الله، تكون آية الرسول من هؤلاء من نوع ما نبغ فيه القوم المرسل ~~إليهم لكنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثلها. وعادة ما تثير هذه الآية ~~خاصية التحدي الموجودة في الإنسان، ولكن أحدا من قوم الرسل - أي ~~رسول - لا يفلح في أن يأتي بمثل آية الرسول المرسل إليهم. ويقول الحق ~~سبحانه عن قوم صالح: { وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها ~~معرضين } [الحجر: 81]. أي: تكبروا وأعرضوا عن المنهج الذي جاءهم ~~به صالح، والإعراض هو أن تعطي الشيء عرضك بأن تبتعد عنه ولا ~~تقبل عليه، ولو أنك أقبلت عليه لوجدت فيه الخير لك. وأنت حين تقبل ~~على آيات الله ستجد أنها تدعوك للتفكر، فتؤمن أن لها خالقا فتلتزم ~~بتعاليم المنهج الذي جاء به الرسول. وأنت حين تفكر في الحكمة من ~~الطاعة ستجد أنها تريحك من قلق الاعتماد على أحد غير خالقك، لكن لو ~~أخذت المسائل بسطحية فلن تنتهي إلى الإيمان. ولذلك نجده سبحانه يقول في ~~موقع آخر من القرآن الكريم: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. وفي هذا تكليف للمؤمن - كل مؤمن - أن يمعن النظر في ~~آيات الكون لعله ms5453 يستنبط منها ما يفيد غيره. وأنت لو نظرت إلى كل ~~المخترعات التي في الكون لوجدتها نتيجة للإقبال عليها من قبل عالم ~~أراد أن يكتشف فيها ما يريح غيره به. والمثل في اكتشاف قوة البخار ~~التي بدأ بها عصر من الطاقة واختراع المعدات التي تعمل بتلك الطاقة، ~~وحرك بها القطار والسفينة مثلما سبقها إنسان آخر واخترع العجلة ليسهل ~~على البشر حمل الأثقال. وإذا كان هذا في أمر الكونيات فأنت أيضا ~~إذا تأملت آيات الأحكام في " افعل " و " لا تفعل " ستجدها تفيدك في ~~حياتك، ومستقبلك، والمثل على ذلك هو الزكاة فأنت تدفع جزء يسيرا من ~~عائد عملك لغيرك ممن لا يقوى على العمل، وستجد أن غيرك يعطيك إن ~~حدث لك احتياج ذلك أنك من الأغيار. ويتابع الحق سبحانه قوله عن قوم صالح: ~~{ وكانوا ينحتون... }. ### || [15.82] # وهنا يمتن عليهم بأن منحهم حضارة، ووهبهم مهارة البناء والتقدم في ~~العمارة وأخذوا في بناء بيوتهم في الأحجار، ومن الأحجار التي كانت توجد ~~بالوادي الذي يقيمون فيه، وقطعوا تلك الأحجار بطريقة تتيح لهم بناء ~~البيوت والقصور الآمنة من أغيار التقلبات الجوية وغيرها. ونعلم أن ~~من يعيش في خيمة يعاني من قلة الأمن أما من يبني بيته من الطوب ~~اللبن فهو أكثر أمنا ممن في الخيمة، وإن كان أقل أمانا من ~~الذي يبني بيته من الأسمنت المسلح، وهكذا يكون أمن النفس البشرية في ~~سكنها واستقرارها من قوة الشيء الذي يحيطه. وإذا كان قوم صالح قد أقاموا ~~بيوتهم من الحجارة فهي بالتأكيد أكثر أمنا من غيرهم، ونجد نبيهم ~~صالحا، وقد قال لهم ما أورده الحق سبحانه في كتابه الكريم: # واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد عاد ~~وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا ~~وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلآء الله ولا ~~تعثوا في الأرض مفسدين # [الأعراف: 74]. ولكنهم طغوا وبغوا وأنكروا ما جاء به صالح - عليه ~~السلام - فما كان من الحق سبحانه إلا أن أرسل عليهم صيحة تأخذهم. وقال ~~الحق سبحانه: { فأخذتهم الصيحة... }. ### || [15.83] # وهم إذا كانوا قد اتخذوا من جبلية ms5454 الموقع أمنا لهم فقد جاءت الصيحة ~~من الحق سبحانه لتدك فوق رؤوسهم ما صنعوا، وقد قال الحق سبحانه عنهم ~~من قبل في سورة هود: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين # [هود: 67]. وقال سبحانه عنهم أيضا: # فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين # [الأعراف: 78]. والرجفة هي الزلزلة، والصيحة هي بعض من توابع ~~الزلزلة، ذلك أن الزلزلة تحدث تموجا في الهواء يؤدي إلى حدوث أصوات ~~قوية تعصف بمن يسمعها. وهم حسب قول الحق سبحانه قد تمتعوا ثلاثة ~~أيام قبل أن تأخذهم الصيحة كوعد نبيهم صالح - عليه السلام - لهم: # فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد ~~غير مكذوب # [هود: 65]. ويقول الحق سبحانه عن حالهم بعد أن أخذتهم الصيحة: { ~~فمآ أغنى... }. ### || [15.84] # وهكذا لم تنفعهم الحصون في حمايتهم من قدر الله، ونعلم أن قدر الله أو ~~عقابه لا يمكن أن يمنعه مانع مهما كان فهو القائل: # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة.. # [النساء: 78]. وهكذا لا يمكن أن يحمي الإنسان نفسه مما قدره الله ~~له، أو مما يشاء الحق أن ينزله على الإنسان كعقاب. وسبحانه القائل: # قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم.. # [آل عمران: 154]. وهكذا خروا جميعا في قاع الهلاك، ولم تحمهم ~~حصونهم من العذاب الذي قدره سبحانه. وبعد ذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى ~~الآيات الكونية فيقول: { وما خلقنا السماوات... }. ### || [15.85] # والحق هو الشيء الثابت الذي لا تعتوره الأغيار، والمثل هو نظام ~~المجرات وحركة الشمس والقمر تجدها منضبطة ذلك أن الإنسان لا يتدخل ~~فيها، وليس للإنسان - صاحب الأغيار - معه أي اختيار. ولذلك نجد أن ~~الفساد لا ينشأ في الكون من النواميس العليا، ولكن من الأمور التي ~~يتدخل فيها الإنسان، وليس معنى ذلك أن يتوقف الإنسان عن الحركة في ~~الأرض ولكن عليه أن يرعى منهج الله، ويمتنع عما نهى عنه وأن يطيع ~~ما أمره به. وأنت لو طبقت أوامر الحق سبحانه في " افعل " و " لا تفعل ~~" لاستقامت الدنيا في الأمور التي لك دخل فيها كانتظام ms5455 الأمور التي ~~ليس لك دخل فيها. واقرأ إن شئت قوله الحق: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه ~~البيان * الشمس والقمر بحسبان * والنجم ~~والشجر يسجدان * والسمآء رفعها ووضع الميزان ~~* ألا تطغوا في الميزان # [الرحمن: 1-8]. فإن كنتم تريدون أن تنتظم أموركم في الحياة الدنيا فلا ~~تطغوا في ميزان أي شيء. وهنا يذكرنا الحق سبحانه ألا نقع في ~~خطأ الوهم بأننا سنأخذ نعم الدنيا دون ضابط أو رابط فالحساب قادم لا ~~محالة، ولذلك قال الحق سبحانه: # فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون * أو ~~نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون # [الزخرف: 41-42]. أي: ما قدره الله سيقع دون أن يصده شيء مهما ~~كان، وإما ترى ذلك في حياتك، أو تراه لحظة البعث. والدليل هو ما حاق ~~بمن كفروا وظلموا وكذبوا الرسل، وعاثوا في الأرض مفسدين. وأهلكهم ~~الحق سبحانه بعذابه تطهيرا للأرض من فسادهم، هذا جزاؤهم في الدنيا، ~~وهناك جزاء آخر في اليوم الآخر. وفي هذا القول تسلية لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فهو حين يعلمه الله ما حاق بالأمم السابقة التي ~~كذبت الرسل هانت عليه المتاعب والمشاق التي عاناها من قومه، وليسهل ~~عليه من بعد ذلك أن يتذرع بالصبر الجميل، حتى يأتي وعده سبحانه، ~~وليس عليك يا محمد أن تحمل نفسك ما لا تطيق. ويقول سبحانه من بعد ~~ذلك: { إن ربك هو... }. ### || [15.86] # وقد جاء سبحانه هنا بالاسم الذي خلق به من عدم، وأمد من عدم. ~~وقيومية الربوبية هي التي تمد كل الكون برزقه وترعاه فسبحانه هو الذي ~~استدعى الإنسان إلى الكون، وهو الذي يرعاه. وكلمة: { ربك } [الحجر: ~~86]. توحي بأنه إن أصابك شيء بسبب دعوتك، وبسبب كنود قومك أمامك ~~وعدائهم لك، فربك يا محمد لن يتركهم. والرب - كما نعلم - هو من ~~يتولى تربية الشي إلى ما يعطيه مناط الكمال، ولا يقتصر ذلك على الدنيا ~~فقط، ولكنه ينطبق على الدنيا والآخرة. وقوله: { الخلاق } [الحجر: ~~86]. مبالغة في الخلق، وهي امتداد صفة الخلق في كل ما يمكن أن يخلق، ~~لأنه سبحانه هو الذي أعد كل ms5456 مادة يكون منها أي خلق، وأعد العقل ~~الذي يفكر في أي خلق، وأعد الطاقة التي تفعل، وأعد التفاعل بين ~~الطاقة والمادة والعقل المخطط لذلك. وما يفعله الإنسان المخلوق هو ~~التوليف بين ما خلقه الله من مواد، وإن وجد خلاق من البشر فهو وحده ~~سبحانه الذي يهب إنسانا ما أفكارا لينفذها، ثم يأتي من هو أذكى منه ~~ليطورها. ولذلك قال الحق سبحانه: # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف: 76]. وهكذا رأينا كل المخترعات البشرية تتطور والمثل على ذلك ~~هو آلة الحياكة التي صارت تعمل الآن آليا بعد أن كانت المرأة تجلس عليها ~~لتكد في ضبطها، وكذلك غسالة الملابس، وغسالة الأطباق والسيارات ~~والطائرات. ونلحظ أن كل ما خلقه الله يمكن أن يستفاد من عادمه مثل روث ~~البهائم الذي يستخدم كسماد، أما عادم السيارات مثلا فهو يلوث الجو. ~~وشاشة التلفزيون تصدر من الإشعاعات ما يضر العين، وتم بحث ذلك ~~لتلافي الآثار الجانبية في مثل تلك الأدوات التي يسهل الإنسان بها حياته. ~~أما ما يخلقه الله فلا توجد له آثار جانبية فسبحانه ليس صاحب علم ~~مكتسب أو ممنوح بل العلم صفة ذاتية فيه. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { ~~ولقد آتيناك سبعا... }. ### || [15.87] # وهنا يمتن الحق سبحانه على رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه يكفيه أن ~~أنزل عليه القرآن الكتاب المعجزة، والمنهج الذي لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه. فالقرآن يضم كمالات الحق التي لا تنتهي فإذا كان ~~سبحانه قد أعطاك ذلك، فهو أيضا يتحمل عنك كل ما يؤلمك. والحق ~~سبحانه هو القائل: # ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون # [الحجر: 97]. ويقول له الحق أيضا: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون.. # [الأنعام: 33]. وأزاح الحق سبحانه عنه هموم اتهامهم له بأنه ساحر أو ~~مجنون وقال له سبحانه: # فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون # [الأنعام: 33]. ويكشف له سبحانه: إنهم يؤمنون أنك يا محمد صادق، ولكنهم ~~يتظاهرون بتكذيبك. ويتمثل امتنان الحق سبحانه على رسوله أنه أنزل عليه ~~السبع المثاني، واتفق العلماء على أن كلمة ms5457 " المثاني " تعني فاتحة ~~الكتاب، فلا يثنى في الصلاة إلا فاتحة الكتاب. ونجده سبحانه يصف ~~القرآن بالعظيم وهو سبحانه يحكم بعظمة القرآن على ضوء مقاييسه ~~المطلقة وهي مقاييس العظمة عنده سبحانه. والمثل الآخر على ذلك وصفه ~~سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4]. وهذا حكم بالمقاييس العليا للعظمة، وهكذا يصبح كل ~~متاع الدنيا أقل مما وهبه الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، ~~فلا ينظرن أحد إلى ما أعطى غيره فقد وهبه سبحانه لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم. ونلحظ أن الحق سبحانه قد عطف القرآن على السبع المثاني، ~~وهو عطف عام على خاص كما قال الحق سبحانه: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى.. # [البقرة: 238]. ونفهم من هذا القول أن الصلاة تضم الصلاة الوسطى ~~أيضا، وكذلك مثل قول الحق ما جاء على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم: # رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ~~وللمؤمنين والمؤمنات.. # [نوح: 28]. وهكذا نرى عطف عام على خاص، وعطف خاص على عام. أو: أن ~~نقول: إن كلمة " قرآن " تطلق على الكتاب الكريم المنزل على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أول آية في القرآن إلى آخر آية فيه، ويطلق ~~أيضا على الآية الواحدة من القرآن فقول الحق سبحانه: # مدهآمتان # [الرحمن: 64]. هي آية من القرآن وتسمى أيضا قرآنا. ونجده سبحانه ~~يقول: # إن قرآن الفجر كان مشهودا # [الإسراء: 78]. ونحن في الفجر لا نقرأ كل القرآن، بل بعضا منه، ولكن ما ~~نقرؤه يسمى قرآنا، وكذلك يقول الحق سبحانه: # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا # [الإسراء: 45]. وهو لا يقرأ كل القرآن بل بعضه، إذن: فكل آية من ~~القرآن قرآن. وقد أعطى الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم السبع ~~المثاني والقرآن العظيم، وتلك هي قمة العطايا فلله عطاءات متعددة ~~عطاءات تشمل الكافر والمؤمن، وتشمل الطائع والعاصي، وعطاءات خاصة بمن ~~آمن به وتلك عطاءات الألوهية لمن سمع كلام ربه في " افعل " و " لا ~~تفعل ". # وسبحانه يمتد عطاؤه من الخلق إلى ms5458 شربة الماء، إلى وجبة الطعام، وإلى ~~الملابس، وإلى المسكن، وكل عطاء له عمر، ويسمو العطاء عند الإنسان ~~بسمو عمر العطاء، فكل عطاء يمتد عمره يكون هو العطاء السعيد. فإذا كان ~~عطاء الربوبية يتعلق بمعطيات المادة وقوام الحياة فإن عطاءات القرآن ~~تشمل الدنيا والآخرة وإذا كان ما ينغص أي عطاء في الدنيا أن ~~الإنسان يفارقه بالموت، أو أن يذوي هذا العطاء في ذاته فعطاء القرآن لا ~~ينفد في الدنيا والآخرة. ونعلم أن الآخرة لا نهاية لها على عكس الدنيا ~~التي لا يطول عمرك فيها بعمرها، بل بالأجل المحدد لك فيها. وإذا كانت ~~عطاءات القرآن تحرس القيم التي تهبك عطاءات الحياة التي لا تفنى وهي ~~الحياة الآخرة فهذا هو أسمى عطاء، وإياك أن تتطلع إلى نعمة موقوتة عند ~~أحد منهم من نعم الدنيا الفانية لأن من أعطي القرآن وظن أن غيره ~~قد أعطي خيرا منه فقد حقر ما عظم الله. وما دام الحق سبحانه قد ~~أعطاك هذا العطاء العظيم، فيترتب عليه قوله: { لا تمدن ~~عينيك... }. ### || [15.88] # والمد: هو مط الشيء وزيادته. وللعين مسافات ترى فيها المرائي ~~كل عين حسب قدرتها، فهناك من يتمتع ببصر قوي وحاد، وهناك من ~~ليس كذلك. ويتراوح الناس في قدرة إبصارهم حسب توصيف وضعه الأطباء ~~ليعالجوا ذلك على قدر استطاعتهم العلمية. وفي المثل اليومي نسمع من ~~يقول " فلان عنده بعد نظر " أي: يملك قدرة على أن يقيس ردود الأفعال، ~~ويتوقع ما سوف يحدث، وما يترتب على نتائج أي فعل. والمراد بمد ~~العين ليس إخراج حبة العين ومدها ولكن المراد إدامة النظر والإمعان، ~~ولكن الحق سبحانه عبر في القرآن هذا التعبير، وكأن الإنسان سيخرج حبة ~~عينه ليجري بها، وليمعن النظر، وهذا ما يفهم من منطوق الآية، والمنطوق ~~يشير إلى المفهوم المراد، وهذا عين الإعجاز. وكلمة " متاع " تفيد أن ~~شيئا يتمتع به وينتهي، ولذلك يوصف متاع الدنيا في القرآن بأنه ~~متاع الغرور، أي: أنه متاع موقوت بلحظة. وقول الحق سبحانه: { ~~أزواجا منهم.. } [الحجر: 88]. هي جمع زوج، وسبق أن أوضحنا ~~أن ms5459 كلمة " زوج " هي مفرد، والذكر والأنثى حين يتلاقيان يصبح اسمهما ~~زوجين، والحق سبحانه هو القائل: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها # [يس: 36]. والأزواج كلها تعني الفرد، ومعه الفرد من كل صنف من ~~الأصناف. المراد بكلمة أزواج هنا أن المخالفين لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كانوا شللا شللا ضال ومضل وضال آخر معه مضل. ولحظة الحساب ~~سيقول كل منهم: # قال قآئل منهم إني كان لي قرين # [الصافات: 51]. وهكذا كانت كلمة " أزواج " تدل على أصناف متعددة من ~~الذين يقفون معاندين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومنكرين لمنهجه. ~~وفي موقع آخر من القرآن يكشف سبحانه عمن أغوتهم الشياطين، ويحشرهم ~~الحق سبحانه مع الشياطين في نار جهنم: # ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد ~~استكثرتم من الإنس.. # [الأنعام: 128]. أي: يا معشر الجن قد استطعتم أن توحوا لكثير من ~~الإنس بالغواية والمعصية، ليكونوا أولياءكم، وهكذا نجد أن كل جماعة تتفق ~~على شيء نسميهم أزواجا. وهنا يوضح الحق سبحانه: إياك أن تمد ~~عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم، لأننا أعطيناك أعلى عطاء، وهو ~~معجزة القرآن حارس القيم، والذي يضم النهج القويم. ويتابع سبحانه: { ~~ولا تحزن عليهم.. } [الحجر: 88]. ويقال: حزنت منه، وحزنت ~~عليه، وحزنت له فمن ناله ما يحزن، ولم يصدر عنك هذا السبب في ~~حزنه فأنت تقول له " حزنت لك ". وآخر ارتكب فعلا يسيء إلى نفسه ~~فأنت تحزن عليه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم حزن عليهم فقد كان ~~يحب أن يؤمنوا، وأن يتمتعوا بالنعمة التي يتمتع هو بها. # ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عن رسوله صلى الله عليه وسلم: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. فمن رأفته صلى الله عليه وسلم صعب على نفسه أن ~~ينال قومه مشقة فالرحمة والرأفة مصدرها ما وهبه الله إياه من فهم ~~لقيمة نعمة الإيمان. وفي آية أخرى يقول سبحانه لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. أي: أنه لن ms5460 ينقص منك شيء في حالة عدم إيمانهم، ولن يزيدك ~~إيمانهم أجرا ذلك أن عليك البلاغ فقط فلماذا تحزن على عدم إيمانهم؟ ~~وقول الحق سبحانه هنا: { ولا تحزن عليهم.. } [الحجر: 88]. ~~دليل على أن رسول الله صل الله عليه وسلم كان حريصا على أن يؤمن قومه، ~~محبة فيهم، وليتعرفوا على حلاوة الإيمان بالله. وكان صلى الله عليه ~~وسلم يتألم ويحز في نفسه عدم إيمانهم، لدرجة أن الحق سبحانه قال له في ~~آية أخرى: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. وهنا يوضح الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~إيمانهم ليس أمرا صعبا عليه سبحانه ذلك أنه قادر أن ينزل آية من ~~السماء تجعلهم خاضعين مؤمنين لكنه سبحانه يحب أن يأتيه خلقه محبة، ~~وأن يحسنوا استخدام ما وهبهم من خاصية الاختيار. فسبحانه لا يقهر أحدا ~~على الإيمان به فالإيمان عمل قلوب، وسبحانه لا يريد قوالب، وإنما يريد ~~قلوبا خاشعة، ولو شاء سبحانه من خلقه أن يأتوه طواعية فالقهر من ~~القاهر يثبت له القدرة، ولكن أن يأتي الخلق إلى خالقهم طواعية فهذا ~~يثبت له المحبوبية. والحق سبحانه يريد أن يكون الإيمان نابعا من ~~محبوبية العابد للمعبود ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم: { ولا تحزن عليهم.. } [الحجر: 88]. ثم يوجه له الأمر ~~بأن يوجه طاقة الحنان والمودة التي في قلبه إلى من يستحقها، وهم ~~المؤمنون برسالته صلى الله عليه وسلم وعليه أن يخفض جناحه للمؤمنين. ~~فكل حركة من الإنسان هي نزوع يتحرك من بعد وجدان، والوجدان ~~يولد طاقة داخلية تهيئ للنزوع وتدفع إليه، فإن حزن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لعدم إيمان صناديد قريش برسالته فهذا الحزن إنما يخصم ويأخذ ~~من طاقته فيأتيه الأمر من الحق سبحانه أن يوفر طاقته، وأن يوجهها ~~لمن آمن به وأن يخفض جناحه لهم. وخفض الجناح هو التواضع ذلك أن ~~الجناح هو الجانب، فحين يأتيك إنسان تريد أن تتكبر عليه فهو يقول " ~~فلان لوى ms5461 عني جانبه ". وهكذا يأمر الحق سبحانه رسوله أن يتواضع مع ~~المؤمنين وأن يتوجه إليهم لا باستقامة قالبه، بل أن ينزل هذا القالب ~~قليلا وكلمة: { واخفض جناحك. # . } [الحجر: 88]. مأخوذة من خفض جناح الطائر، فالطائر يرفع جناحه عند ~~الطيران، ولكن ما أن يلمس هذا الطائر فرخه الصغير حتى يخفض جناحه ~~له ليضمه إليه. إذن: فالطاقة التي كنت توجهها يا رسول الله إلى من ~~لا يستحق عليك أن توجهها لمن يستحقها، فيكفيك أن تبلغ الناس ~~جميعا برسالتك ومن يؤمن منهم هو من يستحق طاقة حنانك ورحمتك. ~~وخفض الجناح لمن آمن برسالتك لا يورثه كبرا عليك بل يزيده أدبا ~~معك. وقد جاء في الأثر: " إذا عز أخوك فهنه " أي: أنك إذا رأيت ~~أخاك في وضع يعز عليك، فهن له أنت. ومن قبل الإسلام قال الشاعر ~~العربي: # صفحنا عن بني ذهل # وقلنا القوم إخوان # عسى الأيام أن يرجع # ن قوما كالذي كانوا # فلما صرح الشر # فأمسى وهو عريان # مشينا مشية الليث # غدا والليث غضبان # بضرب فيه توهين # وتخضيع وإقران # وطعن كفم الزق # غدا والزق ملآن # وفي الشر نجاة حي # ين لا ينجيك إحسان # وبعض الحلم عند الجه # ل للذلة إذعان # ونجد القرآن حينما يطبع خلق المؤمن بالله وبالمنهج لا يطبعه بطابع واحد ~~يتعامل به مع كل الناس، بل يجعل طبعه الخلقي مطابقا لموقف الناس منه، ~~فيقول: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.. # [المائدة: 54]. ويقول أيضا في وصف المؤمنين: # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم.. # [الفتح: 29]. وهكذا لم يطبع المؤمن على الشدة والعزة، بل جعله يتفاعل مع ~~المواقف فالموقف الذي يحتاج إلى الشدة فهو يشتد فيه والموقف الذي يحتاج ~~إلى لين فهو يلين فيه. والحكمة الشاعرة تقول: # ووضع الندى في موضع السيف بالعلي مضر # كوضع السيف في موضع الندى # ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وقل إني... }. ### || [15.89] # ونعلم أن الرسل مبشرين ومنذرين ولسائل أن يقول: ولماذا تأتي صيغة ~~الإنذار دائما؟ وأقول: إن من يؤمن هو من يتلقى البشارة أما من ~~عليه أن يتوقع النذارة فهو الكافر ms5462 المنكر. وفي الإنذار تخويف ~~بشيء ينال منك في المستقبل وعليك أن تعد العدة لتبتعد بنفسك أن ~~تكون فيه، والتبشير يكون بأمر تتمناه النفس. وبالإنذار والتبشير يتضح ~~الموقف بجلاء، ويحاط الإنسان بكل قضايا الحياة ويتضح مسار كل أمر من ~~الأمور. وبذلك يكون الحق سبحانه في الآيتين السابقتين قد امتن على ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه قد آتاه السبع المثاني والقرآن العظيم ~~ولذلك يوصيه ألا تطمح نفسه إلى ما أوتي بعض من الكفار من جاه ومال، ~~فالقرآن عز الدنيا والآخرة. ويوصيه كذلك بألا يحزن عليهم نتيجة ~~انصرافهم عن دعوته، فليس عليه إلا البلاغ، وأن يتواضع صلى الله عليه ~~وسلم للمؤمنين ليزداد ارتباطهم به، فهم خير من كل الكافرين برسالته صلى ~~الله عليه وسلم. ثم يوصيه الحق سبحانه أن يبلغ الجميع أنه نذير وبشير، ~~يوضح ما جاء في القرآن من خير يعم على المؤمنين، وعقاب ينزل على ~~الكافرين. وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما فقال: يا ~~قوم، إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء ~~النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا، ~~وكذبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، ~~فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ~~بما جئت به من الحق ". # ويقول سبحانه من بعد ذلك: { كمآ أنزلنا... }. ### || [15.90] # ونعلم أنه سبحانه قد أنزل كتابه على رسوله صلى الله عليه وسلم، واستقبله ~~الناس استقبالين: فمنهم من استمع إلى القرآن فتبصر قول الحق وآمن، ~~وفي هؤلاء قال الحق سبحانه: # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ~~ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين # [المائدة: 83]. والصنف الآخر استمع إلى القرآن، فكانت قلوبهم كالحجارة، ~~وفيهم قال الحق سبحانه: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهوآءهم # [محمد: 16]. ذلك أن قلوبهم ms5463 ممتلئة بالكفر وقد دخلوا ومعهم حكم مسبق، ~~فلم يقيموا ميزان العدل ليقيسوا به فائدة ما يسمعون. ولذلك أوضح الحق ~~سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ألا يحزن، فالمسألة لها سوابق مع غيرك ~~من الرسل فقد نزل كل رسول بكتاب يحمل المنهج، ولكن الناس استقبلوا تلك ~~الكتب كاستقبال قومك لما نزل إليك بين كافر ومؤمن، واختلفوا في أمور ~~الكتب المنزلة إلى رسلهم. وكان انقسامهم كانقسام قومك حول الكتاب ~~المنزل إليك، فلا تحزن إن اتهموك بأنك ساحر، أو أن ما نزل إليك ~~كتاب شعر، أو أنك تمارس الكهانة أو فقدوا القدرة على الحكم عليك واتهموك ~~بالجنون. وهكذا قسموا القرآن المنزل من الله سبحانه إلى أقسام هي: ~~السحر، والكهانة، والشعر، والجنون، كما فعل من قبلهم أقوام أخرى: ~~فمنهم من قال، وأثبته القرآن عليهم: # إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء: 27]. وهكذا تعلم يا رسول الله أنك لست بدعا من الرسل، ذلك ~~أن الرسل لا يأتون أقوامهم إلا وقد طم الفساد والبلاء، ولا يوجد فساد ~~إلا بانتفاع واحد بالفساد بينما يضر بالآخرين. وإذا ما جاء رسول ليصلح ~~هذا الفساد يهب أهل الاستفادة من الفساد ليقاوموه ويضعوا أمامه ~~العراقيل مثلما حدث معك يا رسول الله حين قال بعضهم: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه.. # [فصلت: 26]. ومثل هذا القول إنما يدل على أنهم لو صفوا نفوسهم، ~~واستمعوا للقرآن لاهتدوا لذلك يقول لهم سادتهم: # والغوا فيه لعلكم تغلبون # [فصلت: 26]. أي: شوشوا عليه. وهكذا فالاقتسام الذي استقبل به الكفار ~~القرآن سبق وأن حدث مع الرسل الذين سبقوك. ويقول الحق سبحانه من بعد ~~ذلك: { الذين جعلوا... }. ### || [15.91] # وكلمة عضين تعني القطع فيقال للجزار حين يذبح الشاة أو العجل أنه قد ~~جعله عضين. أي: فصل كل ذراع عن الآخر، وكذلك قطع الفخذ أي: أنه جعل ~~الذبيحة قطعا قطعا بعد أن كانت أعضاء متصلة. وكذلك كان القرآن ~~حينما نزل كيانا واحدا فأراد بعض من الكفار أن يقطعوه إلى أجزاء. ~~والمقصود هنا هم جماعة من اليهود وجماعة من النصارى الذين كانوا على ms5464 عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأرادوا أن يقطعوا القرآن كما فعلوا مع ~~الكتابين اللذين نزلا على موسى، وهما التوراة والإنجيل الذي جاء به عيسى. ~~وقد قال الحق سبحانه فيهما: # ونسوا حظا مما ذكروا به.. # [المائدة: 13]. أي: أن بعضا من اليهود قد نسوا بعضا من التوراة، ~~وكذلك نسى البعض من أتباع عيسى بعضا من الإنجيل الذي نزل عليه. وإن ~~وجدنا لهم العذر في النسيان فماذا عن الذي كتموه من تلك الكتب؟ وماذا عن ~~الذي بدلوه وحرفوه من كلمات تلك الكتب؟ وماذا عن الذي أضافوه عليه، ~~ولم ينزل من عند الله؟ وقد فضح سبحانه كل ذلك في القرآن. أو: أن اليهود ~~استقبلوا القرآن استقبال من يصدق بعضه مما لا يتعبهم، وكذبوه ~~في البعض الذي يتعبهم، فقد كذبوا مثلا أن كتابهم قد بشرهم بمحمد ~~عليه الصلاة والسلام. وهكذا نرى كيف حاولوا أن يجعلوا القرآن عضين، أي: ~~قطعا مفصولة عن بعضها البعض، وقد حاولوا ذلك بعد أن تبين لهم أن ~~القرآن مؤثر وفاعل. وشاء الحق سبحانه للقرآن أن يحمل النذارة والبشارة ~~فالرسول نذير بالقرآن المبين الواضح لمن اقتسموا الأمر بالنسبة لمحمد ~~- عليه الصلاة والسلام - فقسم منهم تفرغ للاستهزاء بمحمد ومن آمنوا ~~معه وجماعة أخرى قسمت أعضاءها ليجلسوا على أبواب مكة أثناء موسم الحج، ~~ويستقبلون القادمين للحج من البلاد المختلفة ليحذروهم من الاستماع لمحمد ~~عليه الصلاة والسلام. ومن هؤلاء من وصف الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالجنون ومنهم من وصف القرآن بأنه شعر ومنهم من وصف الرسول بأنه ~~ساحر. ثم يقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { فوربك ~~لنسألنهم... }. ### || [15.92] # وهنا يقسم الحق سبحانه بصفة الربوبية التي تعهدت رسوله بالتربية ~~والرعاية ليكون أهلا للرسالة أنه لن يسلمه لأحد، وهو سبحانه من قال: # ولتصنع على عيني # [طه: 39]. أي: أن كل رسول هو مصنوع ومحمي بإرادته سبحانه وتلك عناية ~~الحماية للمنهجية الخاصة، وعناية المصطفين الذين يحملون رسالته إلى ~~الخلق فقد رزق سبحانه خلقه جميعا والرسل إنما يأتون لمهمة تبليغ ~~المنهج الذي يدير حركة الحياة لذلك لا ms5465 بد أن يوفر لهم الحق سبحانه ~~عناية من نوع خاص. وقول الحق سبحانه هنا: { فوربك ~~لنسألنهم أجمعين } [الحجر: 92]. يبين لنا أنه سيسألهم ~~سبحانه عن أدق التفاصيل ومجرد توجيه السؤال إليهم فيه لون من العذاب. ~~ويحاول البعض ممن يريدون أن يعثروا على تعارض في القرآن أن يقولوا: ~~كيف يقول الله مرة: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39]. ويقول في أكثر من موقع بالقرآن أنه سيسأل هؤلاء ~~المكذبين فكيف يثبت السؤال مرة، وينفيه مرة أخرى؟ ونقول لهؤلاء: ~~أنتم تستقبلون القرآن بسطحية شديدة، فهذا الذي تقولون إنه تعارض إنما هو ~~مجرد ظاهر من الأمر، وليس تعارضا في حقيقة الأمر. ونحن نعلم أن السؤال - ~~أي سؤال - له مهمتان، المهمة الأولى: أن تعلم ما تجهل. والمهمة ~~الثانية: لتقر بما تعلم. والحق سبحانه حين ينفي سؤالا فهو ينفي أن ~~أحدا سيخبره بما لا يعلم سبحانه وحين يثبت السؤال فهذا يعني أنه ~~سيسألهم سؤال الإقرار. وهكذا نعلم أن القرآن إذا أثبت حدثا مرة ونفاه ~~مرة أخرى، فاعلم أن الجهة منفكة، أي: أن جهة النفي غير جهة الإثبات، ~~وكل منهما لها معنى مختلف. وقوله هنا: { فوربك ~~لنسألنهم أجمعين } [الحجر: 92]. يعني أن الضال ~~والمضل، والتابع والمتبوع سيسألون عما عملوا. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { عما كانوا... }. ### || [15.93] # والعمل كما نعلم هو اتجاه جارحة إلى متعلقها فجارحة العين متعلقها ~~أن ترى وجارحة اللسان متعلقها أن تتكلم، وجارحة اليد إما أن ~~تربت، وإما أن تبطش. وهكذا فكل ما تصنعه ملكات الإدراك في النفس ~~البشرية نسميه عملا. وسبق أن علمنا أن العمل ينقسم إلى قول وفعل. ~~ويقول الحق سبحانه: # وما الله بغافل عما تعملون # [البقرة: 74]. أي: تذكروا أن الله سبحانه وتعالى لا يغيب عنه شيء، وأن ~~كل ما تعملونه يعلمه، وأنكم ملاقونه يوم القيامة ومحتاجون إلى رحمته ~~ومغفرته. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { فاصدع بما تؤمر... }. ### || [15.94] # أي: افرغ لمهمتك فالصدع تصنع شقا في متماسك، كما نشق زجاجا بالمشرط ~~الخاص بذلك، أو ونحن نصنع شقا في حائط. والرسول صلى الله ms5466 عليه وسلم قد ~~جاء ليشق الكفر ويهدم الفساد القوي المتماسك الذي يقوي بقوة صناديد ~~قريش. وقد شاع ذلك المصطلح " الصدع " في الزجاج لأن أي شق في أي ~~شيء من الممكن أن يلتئم إلا في الزجاج لأنه يصعب أن يجمع الإنسان ~~الفتافيت والقطع الصغيرة التي تنتج من صدعه، وقد جاء الإيمان ليصدع بنيان ~~الكفر والفساد المتماسك. وقول الحق سبحانه: { وأعرض عن ~~المشركين } [الحجر: 94]. أي: أعطهم عرض كتفيك، ولا تسأل عنهم ~~فهم لن يسلموا لك، ذلك أنهم مستفيدون من الفساد الذي جئت أنت ~~لتهدمه، ولكنهم سيأتون لك تباعا بعد أن تتثبت دعوتك، وتصل قلوبهم إلى ~~تيقن أن ما جئت به هو الحق. والمثل هو إسلام خالد بن الوليد وعمرو بن ~~العاص فقد قالا: " لقد استقر الأمر لمحمد، ولم تعد معارضتنا له تفيد ~~أحدا " ، ودخلا الإسلام. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { إنا ~~كفيناك... }. ### || [15.95] # فبعد أن قال له: # وأعرض عن المشركين # [الحجر: 94]. وبعد أن ثبت لكل من عاش تلك الفترة أن كل مستهزىء بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم قد ناله عقاب من السماء. فها هو ذا الوليد بن المغيرة ~~الذي يتبختر في ثيابه فيسير على قطعة من الحديد، فيأنف أن ينحني ~~ليخلص ثوبه الذي اشتبك بقطعة الحديد فتجرح قدمه وتصاب بالغرغرينا ~~ويقطعونها له، ثم تنتشر الغرغرينا في كل جسده إلي أن يموت. وها هو ~~الثاني الأسود بن عبد يغوث يصاب بمرض في عينيه ويصاب بالعمى، وكذلك ~~الحارث بن الطلاطلة، والعاص بن وائل. وكل مستهزىء برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد ناله عقاب ما، ومن لم تصبه عاهة أو آفة صرعته سيوف ~~المسلمين في بدر، لدرجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدد المواقع ~~التي سيلقى فيها كل واحد من صناديد قريش حتفه فقال: هنا مصرع فلان، ~~وهناك مصرع فلان. وقد أوضح صلى الله عليه وسلم تلك المواقع من قبل أن ~~تبدأ المعركة، ونعلم أن الحرب تتطلب كرا وفرا، ولكن ما تنبأ به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد ms5467 حدث بالضبط. ويحدد الحق سبحانه نوعية ~~هؤلاء المستهزئين بقوله: { الذين يجعلون مع الله... }. ### || [15.96] # أي: أن هؤلاء المشركين الذين يهزءون بك لهم عذابهم ذلك أنهم أشركوا ~~بالله سبحانه، وحين يقول الحق سبحانه: { فسوف يعلمون } [الحجر: ~~96]. ففي هذا القول استيعاب لكل الأزمنة، أي: سيعلمون الآن ومن بعد الآن، ~~فكلمة " سوف " تتسع لكل المراحل، فالحق سبحانه لم يأخذهم جميعا في مرحلة ~~واحدة، بل أخذهم على فترات. فحين يأخذ المتطرف في الإيذاء قد يرتدع ~~من يؤذي، ويتراجع عن الاستمرار في الإيذاء، وقد يتحول بعضهم إلى ~~الإيمان فمن كانت شدته على رسول الله صلى الله عليه وسلم تصبح تلك ~~الشدة في جانب الرسول صلى الله عليه وسلم. وها هو المثل واضح في عكرمة ~~بن أبي جهل يصاب في موقعة اليرموك فيضع رأسه على فخذ خالد بن الوليد ~~ويسأله: يا خالد، أهذه ميتة ترضي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~فيرد خالد: " نعم ". فيسلم الروح مطمئنا. وهؤلاء المستهزئون قد ~~أشركوا بالله فلم تنفعهم الآلهة التي أشركوها مع الله شيئا، وحين يتأكد ~~لهم ذلك فهم يتأكدون من صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أبلغ ~~عن الحق سبحانه. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ولقد نعلم ~~أنك... }. ### || [15.97] # وفي هذا القول الكريم يتجلى تقدير الحق سبحانه لمشاعر النبوة، فالحق ~~يكلفه أن يفعل كذا وكذا، وسبحانه يعلم أيضا ما يعانيه صلى الله ~~عليه وسلم في تنفيذ أوامر الحق سبحانه. ورد هذا المعنى أيضا في قوله ~~سبحانه: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33]. فأنت يا رسول الله أكرم من أن تكذب، فقد شهدوا لك ~~بحسن الصدق عبر معايشتهم لك من قبل الرسالة. وهنا يقول سبحانه: { ~~ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } [الحجر: ~~97]. ومعنى ضيق الصدر أن يقل الهواء الداخل عبر عملية التنفس إلى ~~الرئتين فمن هذا الهواء تستخلص الرئتان الأوكسجين وتطرد ثاني أوكسيد ~~الكربون ويعمل الأكسجين على أن يؤكسد الغذاء لينتج الطاقة فإن ضاق ~~الصدر صارت ms5468 الطاقة قليلة. والمثل يتضح لمن يصعدون السلم ~~العالي لأي منزل أو أي مكان ويجدون أنفسهم ينهجون والسبب في هذا النهج ~~هو أن الرئة تريد أن تسرع بالتقاط كمية من الهواء أكبر من تلك التي ~~تصل إليها، فيعمل القلب بشدة أكثر كي يتيح للرئة أن تسحب كمية أكبر من ~~الهواء. أما من يكون صدره واسعا فهو يسحب ما شاء من الهواء الذي يتيح ~~للرئة أن تأخذ الكمية التي تحتاجها من الهواء، فلا ينهج صاحب الصدر ~~الواسع. فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين كان يكذبه أحد، أو ~~يستهزىء به أحد كان يضيق صدره فتضيق كمية الهواء اللازمة للحركة ولذلك ~~يطمئنه الحق سبحانه أن مدده له لا ينتهي. وأنت تلحظ عملية ضيق الصدر ~~في نفسك حين يضايقك أحد فتثور عليه فيقول لك: لماذا يضيق صدرك؟ وسع ~~صدرك قليلا. والحق سبحانه يقول في موقع آخر: # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام.. # [الأنعام: 125]. أي: يوسع صدره، وتزداد قدرته على فهم المعاني التي ~~جاء بها الدين الحنيف. ويقول أيضا: # ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السمآء.. # [الأنعام: 125]. وهنا نجد أن الحق سبحانه يشرح عملية الصعود وكأن فيها ~~مجاهدة ومكابدة، وهذا يخالف المسألة المعروفة بأنك إذا صعدت إلى أعلى ~~وجدت الهواء أكثر نقاء. وقد ثبت أن الإنسان كلما صعد إلى أعلى في ~~الفضاء فلن يجد هواء. ويدل الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسم على ~~علاج لمسألة ضيق الصدر حين يحزنه أو يؤلمه مكذب، أو مستهزىء فيقول ~~سبحانه: { فسبح بحمد ربك... }. ### || [15.98] # وهكذا يمكن أن تذهب عنك أي ضيق، أن تسبح الله. وإذا ما جافاك ~~البشر أو ضايقك الخلق فاعلم أنك قادر على الأنس بالله عن طريق ~~التسبيح ولن تجد أرحم منه سبحانه، وأنت حين تسبح ربك فأنت تنزهه عن ~~كل شيء وتحمده، لتعيش في كنف رحمته. ولذلك نجده سبحانه يقول في موقع ~~آخر: # فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون # [الصافات: 143-144]. ولذلك ms5469 إذا ضاق صدرك في الأسباب فاذهب إلى ~~المسبب. ونحن دائما نقرن التسبيح بالحمد، فالتنزيه يكون عن النقائص ~~في الذات أو في الصفات أو في الأفعال، وسبحانه كامل في ذاته وصفاته ~~وأفعاله، فذاته لا تشبه أي ذات، وصفاته أزلية مطلقة، أما صفات ~~الخلق فهي موهبة منه وحادثة. وأفعال الحق لا حاكم لها إلا مشيئته ~~سبحانه، ولذلك نجده جل وعلا يقول في مسألة التسبيح: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها.. # [يس: 36]. وهو القائل: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم: 17]. وكل من المساء والصباح آية منه سبحانه فحين تغيب الشمس، ~~فهذا إذن بالراحة، وحين تصبح الشمس فهذا إذن بالانطلاق إلى العمل، ~~وتسبيح المخلوق للخالق هو الأمر الذي لا يشارك الله فيه أحد من خلقه ~~أبدا. فكأن سلوى المؤمن حين تضيق به أسباب الحياة أن يفزع إلى ربه ~~من قسوة الخلق ليجد الراحة النفسية لأنه يأوي إلى ركن شديد. ونجد ~~بعضا من العارفين بالله وهم يشرحون هذه القضية ليوجدوا عند النفس ~~الإيمانية عزاء عن جفوة الخلق لهم فيقولون: " إذا أوحشك من خلقه ~~فاعلم أنه يريد أن يؤنسك به ". وأنت حين تسبح الله فأنت تقر بأن ~~ذاته ليست كذاتك، وصفاته ليست كصفاتك، وأفعاله ليست كأفعالك وكل ذلك ~~لصالحك أنت فقدرتك وقدرة غيرك من البشر هي قدرة عجز وأغيار أما قدرته ~~سبحانه فهي ذاتية فيه ومطلقة وأزلية، وهو الذي يأتيك بكل النعم. ~~ولهذا فعليك أن تصحب التنزيه بالحمد، فأنت تحمد ربك لأنه منزه عن ~~أن يكون مثلك، والحمد لله واجب في كل وقت فسبحانه الذي خلق المواهب ~~كلها لتخدمك، وحين ترى صاحب موهبة وتغبطه عليها، وتحمد الله أنه ~~سبحانه قد وهبه تلك الموهبة فخير تلك النعمة يصل إليك. وحين تسبح ~~بحمد الله فسبحانه لا يخلف وعده لك بكل الخير فكلنا قد نخلف ~~الوعد رغما عنا، لأننا أغيار أما سبحانه فلا يخلف وعده أبدا ولذلك ~~تغمرك النعمة كلما سبحت الله وحمدته. وزد خضوعا للمنعم، ~~فاسجد امتثالا لأمره تعالى: { وكن من الساجدين } [الحجر: ~~98]. فالسجود هو المظهر الواسع للخضوع، ms5470 ووجه الإنسان - كما نعلم - هو ~~ما تظهر به الوجاهة وبه تلقى الناس وهو أول ما تدفع عنه أي شيء ~~يلوثه أو ينال من رضاك عنه. # ومن يسجد بأرقى ما فيه فهذا خضوع يعطي عزة، ومن يخضع لله شكرا ~~له على نعمه فسبحانه يعطيه من العزة ما يكفيه كل أوجه السجود، ~~وكلنا نذكر قول الشاعر: # والسجود الذي تجتويه فيه # من ألوف السجود نجاة # والسجود هو قمة الخضوع للحق سبحانه. والإنسان يكره لفظ العبودية لأن ~~تاريخ البشرية حمل كثيرا من المظالم نتيجة عبودية البشر للبشر. وهذا ~~النوع من العبودية يعطي - كما نعلم - خير العبد للسيد ولكن العبودية ~~لله تعطي خيره سبحانه للعباد، وفي ذلك قمة التكريم للإنسان. ويقول ~~سبحانه من بعد ذلك: { واعبد ربك... }. ### || [15.99] # ونعرف أن العبادة هي إطاعة العابد لأوامر المعبود إيجابا أو سلبا، ~~وتطبيق " افعل " و " لا تفعل " ، وكثير من الناس يظنون أن العبادة هي ~~الأمور الظاهرية في الأركان الخمسة من شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. ~~ونقول: لا، فهذه هي الأسس التي تقوم عليها العبادة. أي: أنها البنية ~~التي تقوم عليها بقية العبادة، وهكذا تصبح العبادة هي، كل ما لا يقوم ~~الواجب إلا به فهو واجب، أي: أن حركة الحياة كلها - حتى كنس الشوارع، ~~وإماطة الأذى عن الطريق - هي عبادة، كل ما يقصد به نفع الناس عبادة، ~~كي لا يصبح المسلمون عالة على غيرهم. وفي إقامة الأركان إظهار لقوة ~~المسلمين، حين يظهرون كامل الولاء لله بإقامة الصلاة خمس مرات في اليوم ~~الواحد، فيترك المسلم عمله فور أن يسمع النداء ب " الله أكبر " فيخرج ~~المسلم من صراعات الحياة، ويعلن الولاء للخالق المنعم. وحين يصوم المسلم ~~شهرا في السنة فهو يعلن الولاء للخالق الأكرم، ويصوم عن أشياء كثيرة ~~كانت مباحة وأول ما يأتي موعد الإمساك من قبل صلاة الفجر بقليل فهو ~~يمتنع فورا. وهذا الامتثال لأوامر الحق سبحانه يذكرك بنعمه عليك فأنت ~~في يومك العادي لا تقرب المحرمات ms5471 التي أخذت وقتا أثناء بدايات الدين ~~إلى أن امتنع عنها المسلمون، فلا أحد من المسلمين يفكر في شرب ~~الخمر ولا أحد منهم يفكر في لعب الميسر، وانطبعت تلك الأمور ~~وصارت عادة سلوكية في إلف ورتابة عند غالبية المسلمين ممن ~~ينفذون شريعة الله، ويطبقون " افعل " و " لا تفعل ". وعندما يأتي ~~الصوم فأنت تمتنع عن أشياء هي حلال لك طوال العالم، وتقضي أي نهار في ~~رمضان ونفسك تستشرف سماع أذان المغرب لتفطر. وهكذا تمتثل للأمر ~~بالامتناع والإمساك والأمر بالإفطار، وذلك ليعودك على الكثير من ~~الطاعات التي تصير عند المؤمنين عادة وسبحانه يريد أن يديم عليك لذة ~~التكليف العبادي. وبعض من الناس يذهبون مذاهب الخطأ عندما يفسرون ~~بأهوائهم قوله الحق: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ~~} [الحجر: 99]. ويقول الواحد من هؤلاء مخادعا الغير " لقد وصلت إلى ~~مرتبة اليقين " ، ويمتنع عن أداء الفروض من صلاة وصوم وزكاة وحج إلى ~~بيت الله الحرام رغم استطاعته، ويدعي أن التكليف قد سقط عنه لأن ~~اليقين قد وصله. ونقول لمن يدعي ذلك: أتخادع الله ورسوله؟ وكلنا ~~يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل يؤدي الفرائض حتى آخر يوم ~~في حياته. وكلنا يعلم أن اليقين المتفق عليه والمتيقن من كل البشر، ~~ولا خلاف عليه أبدا هو الموت. # أما اليقين بالغيبيات فهو من خصوصيات المؤمن فما أن بلغه أمرها من ~~القرآن فقد صدقها، ولم يسأل كيف يتأتى أمرها. والمثل الواضح هو ~~أبو بكر الصديق حينما كانوا يحدثونه بالأمر الغريب من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فكان يقول " ما دام قد قال فقد صدق ". أما الكافر - ~~والعياذ بالله - فهو يشك في كل شيء غيبي أو حتى مادي ما لم يكن ~~محسوسا لديه، ولكن ما أن يأتيه الموت حتى يعلم أنه اليقين الوحيد. ~~ولذلك نجد عمر بن عبد العزيز يقول: " ما رأيت يقينا أشبه بالشك من ~~يقين الناس بالموت ". وكلنا نتيقن أننا سوف نموت لكنا نزحزح مسألة ~~اليقين هذه بعيدا عنا رغم أنها واقعة لا محالة. فإذا ما جاء ~~الموت، ms5472 نقول: ها هي اللحظة التي لا ينفع فيها شيء إلا عمل الإنسان إن ~~كان مؤمنا مؤديا لحقوق الله. ولذلك أقول دائما: إن اليقين هو تصديق ~~الأمر تصديقا مؤكدا، بحيث لا يطفو إلى الذهن ليناقش من جديد، بعد أن ~~تكون قد علمته من مصادر تثق بصدق ما تبلغك به. أما عين اليقين فهي ~~التي ترى الحدث فتتيقنه، أو هو أمر حقيقي يدخل إلى قلبك فتصدقه، ~~وهكذا يكون لليقين مراحل: أمر تصدقه تصديقا جازما فلا يطفو إلى ~~الذهن ليناقش من جديد، وله مصادر علم ممن تثق بصدقه، أو: إجماع ~~من أناس لا يجتمعون على الكذب أبدا وهذا هو " علم اليقين " فإن رأيت ~~الأمر بعينيك فهذا هو حق اليقين. والمؤمن يرتب تصديقه وتيقنه على ما ~~بلغه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وها هو الإمام علي - كرم الله ~~وجهه وأرضاه - يقول: " ولو أن الحجاب قد انكشف عن الأمور التي حدثنا بها ~~رسول الله غيبا ما ازددت يقينا ". # " وها هو سيدنا حارثة - رضي الله عنه - يقول: " كأني أنظر إلى أهل ~~الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون " ، فيقول ~~له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عرفت فالزم ". # وذلك هو اليقين كما آمن به صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1] # هكذا تبدأ السورة الجليلة موضحة أن قضاء الله وحكمه بنصر الرسول ~~والمؤمنين لا شك فيه ولا محالة وأن هزيمة أهل الكفر قادمة، ولا ~~مفر منها إن هم استمروا على الكفر. وقد سبق أن أنذرهم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بما نزل عليه من آيات الكتاب أنذرهم في السورة السابقة ~~ببعض العذاب الدنيوي، كنصر الإيمان على الكفر، وأنذرهم من قبل أيضا ~~ببعض العذاب في الآخرة، كقول الحق سبحانه: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. وكذلك قوله الحق: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. وهكذا وعد الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يهزم ~~معسكر الكفر، وأن ينصر معسكر الإيمان وإما أن يرى ذلك ms5473 بعينيه أو إن ~~قبض الحق أجله فسيراها في الآخرة. وعن حال الرسول صلى الله عليه وسلم ~~قال سبحانه: # إنا كفيناك المستهزئين # [الحجر: 95]. وأنذر الحق سبحانه أهل الشرك بأنهم في جهنم في اليوم ~~الآخر، وهنا يقول سبحانه: { أتى أمر الله.. } [النحل: 1]. وهذا ~~إيضاح بمرحلة من مراحل الإخبار بما ينذرون به، كما قال مرة: # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1]. أي: اقتربت ساعة القيامة التي يكون من بعدها حساب الآخرة ~~والعذاب لمن كفر، والجنة لمن آمن وعمل صالحا، فاقتراب الساعة ~~غير مخيف في ذاته، بل مخيف لما فيه من الحساب والعقاب. وقيل: إن ~~أهل الكفر لحظة أن سمعوا قول الحق سبحانه: # اقتربت الساعة.. # [القمر: 1]. قالوا: " فلننتظر قليلا فقد يكون ما يبلغ به محمد ~~صحيحا " وبعد أن انتظروا بعضا من الوقت، ولم تأت الساعة كما بشر ~~الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قالوا: انتظرنا ولم تأت الساعة، ~~فنزل قول الحق سبحانه: # اقترب للناس حسابهم.. # [الأنبياء: 1]. وهذا حديث عن الأمر الذي سيحدث فور قيام الساعة، ~~فهادنوا وانتظروا قليلا، ثم قالوا: أين الحساب إذن؟ فنزل قوله ~~تعالى: { أتى أمر الله.. } [النحل: 1]. وساعة سمع الكل ذلك ~~فزعوا بمن فيهم من المسلمين وجاء الإسعاف في قوله من بعد ذلك: { فلا ~~تستعجلوه.. } [النحل: 1]. أي: أن الأمر الذي يعلنه محمد صلى الله ~~عليه وسلم لا يعلم ميعاده إلا الله سبحانه واطمأن المسلمون. وكل ~~حدث من الأحداث - كما نعلم - يحتاج كل منها لظرفين ظرف زمان ~~وظرف مكان. والأفعال التي تدل على هذه الظروف إما فعل ماض فظرفه ~~كان قبل أن نتكلم، وفعل مضارع. أي: أنه حل، إلا إن كان مقرونا ب ~~" س " أو ب " سوف ". أي: أن الفعل سيقع في مستقبل قريب إن كان مقرونا ~~ب " س " أو في المستقبل غير المحدد والبعيد إن كان مسبوقا ب " سوف " ، ~~وهكذا تكون الأفعال ماضيا، وحاضرا، ومستقبلا. # وكلمة أتى تدل على أن الذي يخبرك به - وهو الله سبحانه - إنما ~~يخبرك بشيء قد حدث قبل الكلام، وهو يخبر به، والبشر قد يتكلمون عن ~~أشياء وقعت ms5474 ويخبرون بها بعضهم البعض. ولكن المتكلم هنا هو الحق ~~سبحانه وهو حين يتكلم بالقرآن فهو سبحانه لا ينقص علمه أبدا، وهو ~~علم أزلي، وهو قادر على أن يأتي المستقبل وفق ما قال، وقد أعد ~~توقيت ومكان كل شيء من قبل أن يخلق وهو سبحانه خالق من قبل أن يخلق أي ~~شيء فالخلق صفة ذاتية فيه وهو منزه في كل شيء ولذلك قال: { أتى ~~أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه.. } [النحل: 1]. أي: ~~أنه العليم بزمن وقوع كل حدث، وقد ثبت التسبيح له ذاتا من قبل أن ~~يوجد الخلق فهو القائل: # يسبحون اليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء: 20]. ثم خلق السماوات وخلق الأرض وغيرهما. أي: أنه مسبح ~~به من قبل خلق السماوات والأرض، وهو القائل سبحانه: # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض.. # [الحشر: 1]. ولكن هل انتهى التسبيح؟ لا، بل التسبيح مستمر أبدا، ~~فهو القائل: # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض.. # [الجمعة: 1]. إذن: فقد ثبتت له " السبحانية " في ذاته، ثم وجد ~~الملائكة يسبحون الليل والنهار ولا يفترون، ثم خلق السماء والأرض، ~~فسبح ما فيهما وما بينهما وجاء خلقه يسبحون أيضا - فيا من ~~آمنت بالله إلها سبح كما سبح كل الكون. ولقائل أن يسأل: ~~وما علاقة " سبحانه وتعالى " بما يشركون؟ ونعلم أنهم أشركوا بالله ~~آلهة لا تكلفهم بتكليف تعبدي، ولم تنزل منهجا بل تحلل لهم ~~كل محرم، وتنهاهم عن بعض من الحلال، وتخلوا بذلك عن اتباع ما جاء ~~به الرسل مبلغين عن الله من تكليف يحمل مشقة الإيمان. وهؤلاء هم ~~من سيلقون الله، وتسألهم الملائكة: أين هم الشركاء الذين عبدتموهم مع ~~الله؟ ولن يدفع عنهم أحد هول ما يلاقونه من العذاب. وهكذا تعرفنا ~~على أن تنزيه الله سبحانه وتعالى ذاتا وصفاتا وأفعالا هو أمر ثابت له ~~قبل أن يوجد شيء، وأمر قد ثبت له بعد الملائكة، وثبت له بعد وجود ~~السماوات والأرض. وهو أمر طلب الله من العبد المخير أن يفعله وانقسم ~~العباد قسمين، قسم آمن وسبح، وقسم لم يسبح فتعالى عنهم ms5475 الحق ~~سبحانه لأنهم مشركون. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { ينزل ~~الملائكة... }. ### || [16.2] # وساعة نقرأ قوله { ينزل } فالكلمة توحي وتوضح أن هناك علوا ~~يمكن أن ينزل منه شيء على أسفل. والمثل الذي أحب أن أضربه هنا ~~لأوضح هذا الأمر هو قول الحق سبحانه: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم.. # [الأنعام: 151]. أي: أقبلوا لتسمعوا مني التكليف الذي نزل لكم ~~ممن هو أعلى منكم، ولا تظلوا في حضيض الأرض وتشريعاتها، بل تساموا ~~وخذوا الأمر ممن لا هوى له في أموركم، وهو الحق الأعلى. أما من ~~ينزلون فهم الملائكة، ونعلم أن الملائكة خلق غيبي آمنا به لأن ~~الله سبحانه قد أخبرنا بوجودهم. وكل ما غاب عن الذهن ودليله السماع ~~ممن تثق بصدقه، وقد أبلغنا صلى الله عليه وسلم ما نزل به القرآن ~~وأنبأنا بوجود الملائكة، وأن الحق سبحانه قد خلقهم ورغم أننا لا نراهم ~~إلا أننا نصدق ما جاء به البلاغ عن الحق من الصادق الصدوق محمد صلى ~~الله عليه وسلم. وحين يقول الحق سبحانه: { ينزل الملائكة ~~بالروح من أمره على من يشآء من عباده.. } ~~[النحل: 2]. فنحن نعلم أنه لا يمكن أن ينزل شيء من أعلى إلى الأدنى ~~إلا بواسطة المقربات. وقد اختار الحق سبحانه ملكا من الملائكة ليبلغ ~~رسله بالوحي من الله، والملائكة كما أخبرنا الحق سبحانه: # عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون # [الأنبياء: 26-27]. ويقول في آية أخرى: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. وهم من نور، ولا تصيبهم الأغيار، ولا شهوة لهم فلا ~~يتناكحون ولا يتناسلون وهم أقرب إلى الصفاء. وهم من يمكنهم ~~التلقي من الأعلى ويبلغون الأدنى. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عن ~~القرآن: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. وهنا يقول الحق سبحانه: { ينزل الملائكة.. } ~~[النحل: 2]. والآية الإجمالية التي تشرح ذلك هو قول الحق سبحانه: # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن ~~الله سميع بصير # [الحج: 75]. أي: أنه سبحانه يختار ملائكة قادرين على التلقي منه ~~ليعطوا المصطفين من الناس ليبلغ هؤلاء المصطفين عن الله ms5476 لبقية ~~الناس. ذلك أن العلويات العالية لا يملك الكائن الأدنى طاقة ليتحمل ~~ما تتنزل به الأمور العلوية مباشرة من الحق سبحانه. وسبق أن شبهت ~~ذلك بالمحول الذي نستخدمه في الكهرباء لينقل من الطاقة العالية إلى ~~الأدنى من المصابيح، # " وكلنا يعلم ما حدث للرسول صلى الله عليه وسلم حين تلقى الوحي عبر ~~جبريل عليه السلام " فضمني حتى بلغ مني الجهد " وتفصد جبينه الطاهر ~~عرقا، وعاد إلى بيته ليقول " زملوني زملوني " و " دثروني دثروني ". # ذلك أن طاقة علوية نزلت على طاقة بشرية، على الرغم من أن طاقة رسول ~~الله هي طاقة مصطفاة. # ثم يألف الرسول الوحي وتخف عنه مثل تلك الأعباء، وينزل عليه قوله ~~الحق: # ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك * فإن مع العسر ~~يسرا * إن مع العسر يسرا # [الشرح: 1-6]. ثم يفتر الوحي لبعض من الوقت لدرجة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يشتاق إليه، فلماذا اشتاق للوحي وهو من قال " دثروني ~~دثروني "؟ لقد كان فتور الوحي بسبب أن يتعود محمد صلى الله عليه ~~وسلم على متاعب نزول الملك فتزول متاعب الالتقاء وتبقى حلاوة ما يبلغ ~~به. وقال بعض من الأغبياء: " إن رب محمد قد قلاه ". فينزل قوله سبحانه: # ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من ~~الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 3-5]. وكلمة الروح وردت في القرآن بمعان متعددة، فهي مرة ~~الروح التي بها الحياة في المادة ليحدث بها الحس والحركة: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر: 29]. وهذا النفخ في المادة يحدث للمؤمن والكافر، وهناك روح ~~أخرى تعطي حياة أعلى من الحياة الموقوتة: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. إذن: فالملائكة تنزل بالبلاغ عن الله بما فيه حياة ~~أرقى من الحياة التي نعيش بها ونتحرك على الأرض. وهكذا تكون هناك ~~روحان لا روح واحدة روح للحس والحركة وروح تعطي القيم التي ~~تقودنا إلى حياة أخرى أرقى من الحياة التي نحياها حياة لا فناء فيها. ms5477 ~~ولذلك يسمى الحق سبحانه القرآن روحا فيقول: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان.. # [الشورى: 52]. ويسمي الحق سبحانه الملك الذي ينزل بالقرآن روحا، ~~فيقول: # نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من ~~المنذرين # [الشعراء: 193-194]. ويشرح الحق سبحانه أن القرآن روح تعطينا حياة ~~أرقى، فيقول: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24]. أي: يدخل بكم إلى الحياة الأبدية التي لا موت فيها ولا ~~خوف أن تفقد النعمة أو تذهب عنك النعمة. وهنا يبلغنا سبحانه أن ~~القرآن نزل مع الملائكة: { ينزل الملائكة بالروح من ~~أمره.. } [النحل: 2]. أي: تنزيلا صادرا بأمره سبحانه، ويقول الحق ~~سبحانه في موقع آخر: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله.. # [الرعد: 11]. والسطحيون لا يلتفتون إلى أن معنى: # من أمر الله.. # [الرعد: 11]. هنا تعني أنهم يحفظونه بأمر من الله. والأمر هنا في الآية ~~- التي نحن بصدد خواطرنا عنها - هو ما جاء في الآية الأولى منها: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1]. وهذا الأمر هو نتيجة لما يشاؤه الله من حياة للناس على ~~الأرض، ونعلم أن الحق سبحانه له أوامر متعددة يجمعها إبراز المعدوم ~~إلى الوجود فهو سبحانه القائل: # إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن ~~فيكون # [النحل: 40]. فإذا شاء أمرا جزئيا فهو يقول له: كن فيكون، وإذا أراد ~~منهجا فهو ينزله، وإذا أراد حسابا وعقابا وساعة فهو القائل { أتى ~~أمر الله } وهكذا نفهم أن معنى { أمر الله } هو { كن ~~فيكون } أي: إخراج المعدوم إلى حيز الوجود سواء أكان معدوما ~~جزئيا، أو معدوما كليا، أو معدوما أزليا. وكل ذلك اسمه أمر، ~~ولحظة أن يأمر الله فنحن نثق أن مأمور الله يبرز ولذلك قال سبحانه: # إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 1-2]. أي: أنها لم تسمع الأمر فقط بل نفذته فور صدوره ~~دون أدنى ذرة من تخلف، فأمر الله ينفذ فور صدوره من الحق ~~سبحانه، أما أمر البشر فهو عرضة لأن يطاع، وعرضة ms5478 لأن يعصى. ~~وسبحانه ينزل الملائكة بالروح على من يشاء لينذروا ولم يأت ~~الحق سبحانه بالبشارة هنا لأن الحديث موجه للكفار في قوله: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1]. ونزه ذاته قائلا: { سبحانه وتعالى عما ~~يشركون } [النحل: 1]. أو: أن الحق ينبه رسوله، إن دخلت عليهم ~~ففسر لهم مبهم ما لا يعرفون. وهم لا يعرفون كيفية الاصطفاء. وهو ~~الحق الأعلم بمن يصطفي. ومشيئته الاصطفاء والاجتباء والاختيار إنما ~~تتم بمواصفات الحق سبحانه فهو القائل: # الله أعلم حيث يجعل رسالته.. # [الأنعام: 124]. وعلم أن الكافرين قد قالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. وقال الحق سبحانه في رده عليهم: # أهم يقسمون رحمت ربك.. # [الزخرف: 32]. فإذا كان الحق سبحانه قد قسم بين الخلق أرزاقهم في ~~معيشتهم المادية وإذا كان سبحانه قد رفع بعضهم فوق بعض درجات وهو من ~~يجعل المرفوع مخفوضا ويجعل المخفوض مرفوعا، فكيف يأتي هؤلاء في الأمور ~~القيمية المتعلقة بالروح وبالمنهج، ويحاولون التعديل على الله ~~ويقولون " نريد فلانا ولا نريد فلانا "؟ أو: أن الحق سبحانه يوضح ~~لرسوله: بعد أن شرحت لهؤلاء أمر الوحي، فعليك أن تبلغهم كلمة الله: ~~{ لا إله إلا أنا فاتقون } [النحل: 2]. وما دام لا يوجد ~~إله آخر فعلى الرسول أن يسدي لهم النصيحة بأن يقصروا على أنفسهم ~~حيرة البحث عن إله، ويوضح لهم أن لا إله إلا هو وعليهم أن يتقوه. ~~وفي هذا حنان من الحق على الخلق، وهو الحق الذي منع الكائنات التي ~~تعجبت ورفضت كفر بعض من البشر بالله وطلبت أن تنتقم من الإنسان، ~~وقال لهم: " لو خلقتموهم لرحمتموهم، دعوني وخلقي إن تابوا إلي ~~فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". وقول الحق سبحانه: { أن ~~أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون } [النحل: ~~2]. هو جماع عقائد السماء للأرض وجماع التعبدات التي طلبها الله من ~~خلقه لينظم لهم حركة الحياة متساندة لا متعاندة. # فكأن: { أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا ~~فاتقون } [النحل: 2]. هي تفسير لما أنزله الله على الملائكة من ~~الروح التي قلنا من قبل: ms5479 إنها الروح الثانية التي يجيء بها الوحي ~~وتحمل منهج الله ليضمن للمعتنق حياة لا يزول نعيمها ولا ~~المتنعم بها وهي غير الروح الأولى التي إذا نفخها الحق في الإنسان، ~~فالحياة تدب فيه حركة وحسا ولكنها إلى الفناء. وكأن الحق سبحانه من ~~رحمته بخلقه أن أنزل لهم المنهج الذي يهديهم الحياة الباقية بدلا من ~~أن يظلوا أسرى الحياة الفانية وحدها. ومن رحمته أيضا أن حذرهم من ~~المصير السيئ الذي ينتظر من يكفر به ومثل هذا التحذير لا يصدر إلا من ~~محب فسبحانه يحب خلقه، ويحب منهم أن يكونوا إليه مخلصين ~~مؤمنين، ويحب لهم أن ينعموا في آخرة لا أسباب فيها لأنهم سيعيشون فيها ~~بكلمة " كن " من المسبب. فإذا قال لهم { أنه لا إله إلا ~~أنا.. } [النحل: 2] فهو يوضح أنه لا إله غيره، فلا تشركوا بي ~~شيئا، ولا تكذبوا الرسل وعليكم بتطبيق منهجي الذي ينظم حياتكم ~~وأجازي عليه في الآخرة. وإياكم أن تغتروا بأني خلقت الأسباب ~~مسخرة لكم فأنا أستطيع أن أقبض هذه الأسباب فقد أردت الدنيا بلاء ~~واختبارا وفي الآخرة لا سلطان للأسباب أبدا: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وظاهر الأمر أن الملك لله في الآخرة، والحقيقة أن الملك ~~لله دائما في الدنيا وفي الآخرة ولكنه شاء أن يجعل الأسباب - المخلوقة ~~بمشيئته - تستجيب للإنسان فإياك أن تظن أنك أصبحت قادرا فأنت في ~~الحياة تملك أشياء، ويملكك ملك أو حاكم مثلك فسنة الكون أن يوجد ~~نظام يحكم الجميع. ولكن الآخرة يختلف الأمر فيها فلا ملك لأحد غير ~~الله، بل إن الأعضاء نفسها لا تسير بإرادة أصحابها بل بإرادة الحق، تلك ~~الأعضاء التي كانت تخضع لمشيئتك في الدنيا لا حكم لك عليها في الآخرة، ~~بل ستكون شاهدة عليك. فإن كان الله قد أعطاك القدرة على تحريك الأعضاء في ~~الدنيا، فإن وجهتها إلى مأمور الله فأنت من عباده، وإن لم توجهها ~~إلى مطلوب الله، فأنت من عبيده. وبعد ذلك يقدم لك سبحانه الحيثية التي ~~تعزز أمره بعبادته وحده، وأن لا إله غيره ms5480 فإنه لم يطلب أن نعبده إلا ~~بعد أن خلق لنا السماوات والأرض وكل الكون المعد لاستقبال الإنسان ~~بالحق أي بالشيء الثابت والقانون الذي ليس في اختيار أحد سواه سبحانه. ~~ويقول سبحانه: { خلق السماوات والأرض... }. ### || [16.3] # أي: تنزه سبحانه عما يشركون معه من آلهة، فلا أحد قد ساعده في ~~خلق الكون وإعداده فكيف تجعلون أنتم معه آلهة غيره؟ وسبحان منزه عن ~~أن يكون معه آلهة أخرى، وسبحانه قد خلق لنا من قبل أن يخلقنا خلق ~~السماوات والأرض وقدر الأرزاق، ولو نظرت إلى خلقك أنت لوجدت ~~العالم الكبير قد انطوى فيك وهو القائل: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]. وأنت مخلوق من ماذا؟ ها هو الحق سبحانه يقول: { خلق ~~الإنسان... }. ### || [16.4] # والنطفة التي نجيء منها، وهي الحيوان المنوي الذي يتزاوج مع البويضة ~~الموجودة في رحم المرأة فتنتج العلقة، وسبحانه القائل: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من ~~مني يمنى * ثم كان علقة فخلق فسوى * فجعل ~~منه الزوجين الذكر والأنثى # [القيامة: 36-39]. بل إن القذفة الواحدة من الرجل قد يوجد فيها من ~~الأنسال ما يكفي خلق الملايين ولا يمكن للعين المجردة أن ترى ~~الحيوان المنوي الواحد نظرا لدقته المتناهية. وهذه الدقة ~~المتناهية لا يمكن أن ترى إلا بالمجاهر المكبرة، ومطمور في هذا ~~الحيوان المنوي كل الخصائص التي تتحد مع الخصائص المطمورة في بويضة ~~المرأة ليتكون الإنسان. وقد صدق العقاد - يرحمه الله - حين قال: " إن ~~نصف كستبان الخياطة لو ملىء بالحيوانات المنوية لولد منه أنسال ~~تتساوى مع تعداد البشر كلهم ". وقد شاء الحق سبحانه ألا ينفذ إلى ~~البويضة إلا الحيوان المنوي القوي ليؤكد لنا أن لا بقاء إلا ~~للأصلح، فإن كان الحيوان المنوي يحمل الصفات الوراثية لميلاد أنثى جاء ~~المولود أنثى وإن كان يحمل الصفات الوراثية لميلاد الذكر جاء المولود ~~ذكرا. وأنت ترى مثل ذلك في النبات فأول حبة قمح كانت مثل آدم كأول ~~إنسان بالطريقة التي نعرفها وفي تلك الحبة الأولى أوجد الحق سبحانه ~~مضمون كل حبوب القمح من بعد ذلك، وإلى ms5481 أن تقوم الساعة، وتلك عظمة الحق ~~سبحانه في الخلق. وقد أوضح لنا الحق سبحانه في أكثر من موضع بالقرآن ~~الكريم مراحل خلق الإنسان فهو: # من مآء مهين # [السجدة: 8]. وهو من نطفة، ومن علقة، ثم مضغة مخلقة وغير مخلقة. ~~والحيوان المنوي المسمى " نطفة " هو الذي يحمل خصائص الأنوثة أو ~~الذكورة كما أثبت العلم الحديث، وليس للمرأة شأن بهذا التحديد، وكأن ~~في ذلك إشارة إلى مهمة المرأة كسكن لأن البويضة تتلقى الحيوان ~~المنوي وتحتضنه ليكتمل النمو إلى أن يصير كائنا بشريا: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. وهو الحق سبحانه القائل: # أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من ~~مني يمنى * ثم كان علقة.. # [القيامة: 36-38]. والعلقة جاء اسمها من مهمتها، حيث تتعلق بجدار ~~الرحم كما أثبت العلم المعاصر، يقول سبحانه: # فخلقنا العلقة مضغة.. # [المؤمنون: 14]. والمضغة هي الشيء الممضوغ ثم يصف سبحانه المضغة ~~بأنها: # مخلقة وغير مخلقة.. # [الحج: 5]. ولقائل أن يتساءل: نحن نفهم أن المضغة المخلقة فيها ما ~~يمكن أن يصير عينا أو ذراعا ولكن ماذا عن غير المخلقة؟ ونقول: إنها ~~رصيد احتياطي لصيانة الجسم، فإذا كنت أيها المخلوق حين تقوم ببناء ~~بيت فأنت تشتري بعضا من الأشياء الزائدة من الأدوات الصحية - على سبيل ~~المثال - تحسبا لما قد يطرأ من أحداث تحتاج فيها إلى قطع غيار فما ~~بالنا بالحق الذي خلق الإنسان؟ لقد جعل الله تلك المضغة غير المخلقة ~~رصيدا لصيانة، أو تجديدا لما قد يطرأ على الإنسان من ظروف وتكون زائدة ~~في الجسم وكأنها مخزن لقطع الغيار. # والمثل هو الجروح التي تصيب الإنسان، ثم يتركها ليعالجها الجسم بنفسه، ~~نجدها تلتئم دون أن تترك ندبة أو علامة، ذلك أنه قد تم علاجها من ~~الصيدلية الداخلية التي أودعها الحق سبحانه في الجسم نفسه. والمفاجأة هي ~~أن هذا الإنسان المخلوق لله: { فإذا هو خصيم مبين } [النحل: ~~4]. ويتمرد على خالقه، بل وينكر بعض من الخلق أن هناك إلها ~~متجاهلين أنهم بقوة الله فيهم يجادلونه. والخصيم هو الذي يجادل وينكر ~~الحقائق فإذا حدث بشيء غيبي، يحاول ms5482 أن يدحض معقوليته. ويقول سبحانه ~~في سورة يس: # أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا ~~هو خصيم مبين # [يس: 77]. وقد يكون من المقبول أن تكون خصما لمساويك ولكن من غير ~~المقبول أن تكون خصيما لمن خلقك فسواك فعدلك، وفي أي صورة ما ~~شاء ركبك. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { والأنعام خلقها ~~لكم... }. ### || [16.5] # والدفء هو الحرارة للمبرود، تماما مثلما نعطي المحرور برودة، وهذا ~~ما يفعله تكييف الهواء في المنازل الحديثة. نجد الحق سبحانه هنا قد ~~تكلم عن الدفء ولم يتكلم عن البرد، ذلك أن المقابل معلوم، وهو في آية ~~أخرى يقول: # وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر.. # [النحل: 81]. وهذا ما يحدث عندما نسير في الشمس الحارة فنضع مظلة فوق ~~رؤوسنا لتقينا حرارة الشمس الزاعقة الشديدة. ونحن في الشتاء نلبس قلنسوة ~~أي: نلف شيئا حول رؤوسنا، وهكذا نعلم أن اللباس يفعل الشيء ومقابله، ~~بشرط أن يختار الإنسان اللباس المناسب للجو المناسب. وفي الأنعام ~~منافع كثيرة فنحن نشرب لبنها، ونصنع منه الجبن والسمن ونجز الصوف ~~لنغزل وننسج منه ملابس صوفية، وتحمل الأثقال، ونستفيد من ذريتها وكذلك ~~نأكل لحومها. ونحن نعلم أن الأنعام قد جاء تفصيلها في موقع آخر حين قال ~~الحق سبحانه: # ثمانية أزواج.. # [الأنعام: 143]. وهي الضأن والمعز والإبل والبقر. ونعلم أن ~~الدفء يأتي من الصوف والوبر والشعر، ومن يلاحظ شعر المعز ~~يجد كل شعرة بمفردها لكن الوبر الذي نجزه من الجمل يكون ملبدا وهذا ~~دليل على دقة فتلته، أما الصوف فكل شعرة منه أنبوبة أسطوانية ~~قلبها فارغ. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ولكم فيها ~~جمال... }. ### || [16.6] # وهنا نجد أن الحق سبحانه قد أعطانا الترف أيضا بجانب الضروريات، ~~فالدفء والمنافع والأكل ضروريات للحياة، أما الجمال فهو من ترف ~~الحياة، والجمال هو ما تراه العين، فيتحقق السرور في النفس. والدفء ~~والمنافع والأكل هي أمور خاصة لمن يملك الأنعام أما الجمال فمشاع ~~عام للناس، فحين ترى حصانا جميلا أو البقرة المزهوة بالصحة فأنت ~~ترى نعمة الله التي خلقها لتسر الناظر إليها. ونلحظ ms5483 هذا الجمال في ~~لحظات سروح البهائم ولحظات رواحها. ونقول في الريف " سرحت البهائم " أي: ~~خرجت من الحظائر لترعى وتأكل. ونلحظ أن الحق سبحانه قد قدم الرواح ~~أي العودة إلى الحظائر عن السروح لأن البهائم حين تعود إلى حظائرها بعد ~~أن ترعى تكون بطونها ممتلئة وضروعها رابية حافلة باللبن فيسعد من ~~يراها حتى قبل أن يطعم من ألبانها. ومن يخرج ببهائمه في الصباح من ~~بيته، ويصحبها من زرائبها إلى الحقل، يجد جمالا مع هيبة ومنعة مع أصوات ~~تحقق للرجل المالك الهيبة، ومن لا يملك يمكن أن يشاهد جمال تلك ~~الأنعام. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وتحمل أثقالكم ~~إلى... }. ### || [16.7] # ونعلم أن الإنسان في حياته بين أمرين إما ظاعن أي: مسافر. وإما مقيم. ~~وفي حالة المقيم، فالأنعام تحقق له الدفء والطعام والملبس. ~~وعادة ما يكتفي متوسط الحال بأن يستقر في مكان إقامته وكذلك الفقير. ~~أما المقتدر الغني فأنت تجده يوما في القاهرة، وآخر في الإسكندرية، ~~أو طنطا، وقد يسافر إلى الخارج، وكل ذلك ميسور في زمن المواصلات ~~الحديثة. وقديما كانت وسائل المواصلات شاقة، ولا يقدر على السفر إلا ~~من كانت لديه إبل صحيحة أو خيول قوية، أما من لم يكن يملك إلا حمارا ~~أعجف فهو لا يفكر إلا في المسافات القصيرة. ولذلك نجد القرآن حين تكلم عن ~~أهل سبأ يقول: # فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا ~~أنفسهم.. # [سبأ: 19]. وهم قد قالوا ذلك اعتزازا بما يملكونه من خيل ووسائل سفر ~~من دواب سليمة وقوية، تهيئ السفر المريح الذي ينم عن العز والقوة ~~والثراء. وقوله الحق: { وتحمل أثقالكم.. } [النحل: 7]. يعني ~~وضع ما يثقل على ما يثقل ولذلك فنحن لا نجد إنسانا يحمل دابته بل ~~نجد من يحمل أثقاله على الدابة ليخفف عن نفسه حمل أوزان لا يقدر ~~عليها. ونعلم أن الوزن يتبع الكثافة كما أن الحجم يتبع المساحة فحين ~~تنظر إلى كيلو جرام من الحديد وكيلو جرام من القطن، فأنت تجد أن حجم كيلو ~~جرام القطن أكبر من حجم كيلو جرام الحديد لأن ms5484 كثافة الحديد مطمورة فيه، ~~أما نفاشات القطن فهي التي تجعله يحتاج حيزا أكبر من المساحة. ويتابع ~~الحق سبحانه قوله في الآية الكريمة: { وتحمل أثقالكم إلى ~~بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس.. } ~~[النحل: 7]. ومن يفتش في أساليب القرآن من المستشرقين قد يقول: " إن ~~عجز الآية غير متفق مع صدرها ". ونقول لمثل صاحب هذا القول: أنت ~~لم تفطن إلى المنة التي يمتن بها الله على خلقه، فهم لم يكونوا ~~بالغين لهذا البلد دون أثقال إلا بمشقة فما بالنا بثقل المشقة حين ~~تكون معهم أثقال من بضائع ومتاع؟ إنها نعمة كبيرة أن يجدوا ما يحملون ~~عليه أثقالهم وأنفسهم ليصلوا إلي حيث يريدون. وكلمة { بشق } [النحل] ~~مصدرها شق وهو الصدع بين شيئين ويعني عزل متصلين وسبحانه هو ~~القائل: # فاصدع بما تؤمر.. # [الحجر: 94]. وهناك " شق " وهو الجهد، و " شقة ". والإنسان كما نعلم ~~هو بين ثلاث حالات: إما نائم لذلك لا يحتاج إلى طاقة كبيرة تحفظ له ~~حياته وأيضا وهو متيقظ فأجهزته لا تحتاج إلى طاقة كبيرة بل تحتاج إلى ~~طاقة متوسطة لتعمل أما إن كان يحمل أشياء ثقيلة فالإنسان يحتاج إلى ~~طاقة أكبر لتعمل أجهزته. # وكذلك نجد الحق سبحانه يقول: # لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ~~ولكن بعدت عليهم الشقة.. # [التوبة: 42]. والمعنى هنا بالشقة هي المسافة التي يشق قطعها، ~~وينهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: { إن ربكم لرؤوف ~~رحيم } [النحل: 7]. والصفتان هنا هما الرأفة والرحمة، وكل منهما ~~مناسب لما جاء بالآية فالرب هو المتولي التربية والمدد، وأي ~~رحلة لها مقصد، وأي رحلة هي للاستثمار، أو الاعتبار، أو للاثنين ~~معا. فإذا كانت رحلة استثمار فدابتك يجب أن تكون قوية لتحمل ما معك ~~من أثقال، وتحمل عليها ما سوف تعود به من بضائع. وإن كانت الرحلة ~~للاعتبار فأنت تزيل بهذا السفر ألم عدم المعرفة والرغبة في الوصول إلى ~~المكان الذي قصدته. وهكذا تجد الرأفة مناسبة لقضاء النفع وتحقيق الحاجة ~~وإزالة الألم. وكلمة رحيم مناسبة لمنع الألم بتحقيق الوصول إلى الغاية. ~~وتوقف بعض من العلماء عند ms5485 مقصد الرحلة كأن تكون مسافرا للاتجار ~~أو أن تكون مسافرا للاعتبار. ولكن هذا سفر بالاختيار وهناك سفر ~~اضطراري كالسفر الضروري إلى الحج مرة في العمرة. والحق سبحانه يزيل ألم ~~الحمل الثقيل، وبذلك تتحقق رأفته وهو رحيم لأنه حقق لكم أمنية ~~السفر. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { والخيل والبغال... }. ### || [16.8] # وبعد أن ذكر لنا الحق سبحانه الأنعام التي نأخذ منها المأكولات، يذكر ~~لنا في هذه الآية الأنعام التي نستخدمها للتنقل أو للزينة ولا نأكل ~~لحومها وهي الخيل والبغال والحمير ويذكرنا بأنها للركوب والمنفعة ~~مع الزينة ذلك أن الناس تتزين بما تركب تماما كما يفخر أبناء ~~عصرنا بالتزين بالسيارات الفارهة. ونسق الآية يدل على تفاوت ~~الناس في المراتب فكل مرتبة من الناس لها ما يناسبها لتركبه فالخيل ~~للسادة والفرسان والأغنياء ومن هم أقل يركبون البغال، ومن لا ~~يملك ما يكفي لشراء الحصان أو البغل فيمكنه أن يشتري لنفسه حمارا. ~~وقد يملك إنسان الثلاثة ركائب، وقد يملك آخر اثنتين منها وقد يملك ~~ثالث ركوبة واحدة، وهناك من لا يملك من المال ما يمكنه أن يستأجر ~~ولو ركوبة من أي نوع. وشاء الحق سبحانه أن يقسم للناس أرزاق كل واحد ~~منهم قلة أو كثرة، وإلا لو تساوى الناس في الرزق، فمن الذي يقوم ~~بالأعمال التي نسميها نحن - بالخطأ - أعمالا دونية، من يكنس ~~الشوارع، ومن يحمل الطوب للبناء، ومن يقف بالشحم وسط ورش إصلاح ~~السيارات؟ وكما نرى فكل تلك الأعمال ضرورية، ولولا رغبة الناس في ~~الرزق لما حلت مثل تلك الأعمال، وراقت في عيون من يمارسونها، ~~ذلك أنها تقيهم شر السؤال. ولولا أن من يعمل في تلك الأعمال له ~~بطن تريد أن تمتلىء بالطعام، وأولاد يريدون أن يأكلوا لما ذهب إلى ~~مشقات تلك الأعمال. ولو نظرت إلى أفقر إنسان في الكون لوجدت في حياته ~~فترة حقق فيها بعضا من أحلامه. وقد نجد إنسانا يكد عشرة سنين ~~ويرتاح بقية عمره ونجد من يكد عشرين عاما فيريح نفسه وأولاده من ~~بعده، وهناك من يتعب ثلاثين عاما، ms5486 فيريح أولاده وأحفاده من بعده. ~~والمهم هو قيمة ما يتقنه، وأن يرضى بقدر الله فيه، فيعطيه الله ما دام ~~قد قبل قدره فيه. وأنت إن نظرت إلى من فاء الله عليهم بالغنى ~~والترف ستجدهم في بداية حياتهم قد كدوا وتعبوا ورضوا بقدر الله ~~فيهم، ولم يحقدوا على أحد، نجده سبحانه يهديهم طمأنينة وراحة بال. ~~وشاء سبحانه أن ينوع في مستويات حياة البشر كيلا يستنكف أحد من ~~خدمة أحد ما دام يحتاج خدماته. ونجد النص التعبيري في الآية التي نحن ~~بصدد خواطرنا عنها هو خيل وبغال وحمير وقد جعل الحق سبحانه البغال في ~~الوسط لأنها ليست جنسا بل تأتي من جنسين مختلفين. وينبهنا الحق ~~سبحانه في آخر الآية إلى أن ذلك ليس نهاية المطاف بل هناك ما هو أكثر، ~~فقال: { ويخلق ما لا تعلمون } [النحل: 8]. وجعل الحق سبحانه ~~البراق خادما لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل بساط الريح ~~خادما لسليمان عليه السلام، وإذا كانت مثل تلك المعجزات قد حدثت ~~لأنبياء فقد هدى البشر إلى أن يبتكروا من وسائل المواصلات الكثير من ~~عربات تجرها الجياد إلى سيارات وقطارات وطائرات. # وما زال العلم يطور من تلك الوسائل، ورغم ذلك فهناك من يقتني ~~الخيل ويربيها ويروضها ويجريها لجمال منظرها. وإذا كانت تلك ~~الوسائل من المواصلات التي كانت تحمل عنا الأثقال وتلك المخترعات ~~التي هدانا الله إياها فما بالنا بالمواصلات في الآخرة؟ لا بد أن هناك ~~وسائل تناسب في رفاهيتها ما في الآخرة من متاع غير موجود في الدنيا ~~ولذلك يقول في الآية التالية: { وعلى الله قصد... }. ### || [16.9] # والسبيل هو الطريق والقصد هو الغاية، وهو مصدر يأخذون منه القول طريق ~~قاصد أي: طريق لا دوران فيه ولا التفاف. والحق سبحانه يريد لنا أن نصل ~~إلى الغاية بأقل مجهود. ونحن في لغتنا العامية نسأل جندي المرور " هل ~~هذا الطريق ماشي؟ " رغم أن الطريق لا يمشي، بل أنت الذي تسير فيه، ولكنك ~~تقصد أن يكون الطريق موصلا إلى الغاية. وأنت حين تعجزك الأسباب ~~تقول " خليها ms5487 على الله " أي: أنك ترجع بما تعجزك أسبابه إلى المسبب ~~الأعلى. وهكذا يريد المؤمن الوصول إلى قصده، وهو عبادة الله وصولا ~~إلى الغاية، وهي الجنة، جزاء على الإيمان وحسن العمل في الدنيا. وأنت ~~حين تقارن مجرى نهر النيل تجد فيه التفافات وتعرجات لأن الماء هو ~~الذي حفر طريقه بينما تنظر إلى الرياح التوفيقي مثلا فتجده مستقيما ~~ذلك أن البشر هم الذين حفروه إلى مقصد معين. وحين يكون قصد السبيل ~~على الله فالله لا هوى له ولا صاحب، ولا ولد له، ولا يحابي أحدا، ~~وكل الخلق بالنسبة له سواء ولذلك فهو حين يضع طريقا فهو يضعه ~~مستقيما لا عوج فيه وهو الحق سبحانه القائل: # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6]. أي: الطريق الذي لا التواء فيه لأي غرض، بل الغرض ~~منه هو الغاية بأيسر طريق. وقول الحق سبحانه هنا: { وعلى الله ~~قصد السبيل.. } [النحل: 9]. يجعلنا نعود بالذاكرة إلى ما قاله ~~الشيطان في حواره مع الله قال: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص: 82-83]. ورد الحق سبحانه: # قال هذا صراط علي مستقيم # [الحجر: 41]. والحق أيضا هو القائل: # إن علينا للهدى # [الليل: 12]. أي: أنه حين خلق الإنسان أوضح له طريق الهداية، وكذلك يقول ~~سبحانه: # وهديناه النجدين # [البلد: 10]. أي: أن الحق سبحانه أوضح للإنسان طرق الحق من الباطل، ~~وهكذا يكون قوله هنا: { وعلى الله قصد السبيل.. } [النحل: ~~9]. يدل على أن الطريق المرسوم غايته موضوعة من الله سبحانه، والطريق ~~إلى تلك الغاية موزون من الحق الذي لا هوى له، والخلق كلهم سواء ~~أمامه. وهكذا.. فعلى المفكرين ألا يرهقوا أنفسهم بمحاولة وضع ~~تقنين من عندهم لحركة الحياة، لأن واجد الحياة قد وضع لها قانون ~~صيانتها، وليس أدل على عجز المفكرين عن وضع قوانين تنظيم حياة البشر ~~إلا أنهم يغيرون من القوانين كل فترة، أما قانون الله فخالد باق ~~أبدا، ولا استدراك عليه. ولذلك فمن المريح للبشر أن يسيروا على ~~منهج الله والذي قال فيه الحق سبحانه حكما عليهم أن يطبقوه وما تركه ~~الله لنا نجتهد فيه ms5488 نحن. وقوله الحق: { وعلى الله قصد ~~السبيل.. } [النحل: 9]. أي: أنه هو الذي جعل سبيل الإيمان قاصدا ~~للغاية التي وضعها سبحانه، ذلك أن من السبل ما هو جائر ولذلك قال: { ~~ومنها جآئر. # . } [النحل: 9]. ولكي يمنع الجور جعل سبيل الإيمان قاصدا، فهو ~~القائل: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض.. # [المؤمنون: 71]. بينما السبيل العادلة المستقيمة هي السبيل المتكفل ~~بها سبحانه، وهي سبيل الإيمان، ذلك أن من السبل ما هو جائر أي: يطيل ~~المسافة عليك، أو يعرضك للمخاطر، أو توجد بها منحنيات تضل ~~الإنسان، فلا يسير إلى الطريق المستقيم. ونعلم أن السبيل توصل بين ~~طرفين من وإلى وكل نقطة تصل إليها لها أيضا من وإلى وقد شاء الحق سبحانه ~~ألا يقهر الإنسان على سبيل واحد، بل أراد له أن يختار، ذلك أن ~~التسخير قد أراده الله لغير الإنسان مما يخدم الإنسان. أما الإنسان ~~فقد خلق له قدرة الاختيار، ليعلم من يأتيه طائعا ومن يعصي أوامره، ~~وكل البشر مجموعون إلى حساب، ومن اختار طريق الطاعة فهو من يذهب إلى ~~الله محبا، ويثبت له المحبوبية التي هي مراد الحق من خلق ~~الاختيار، لكن لو شاء أن يثبت لنفسه طلاقة القهر لخلق البشر ~~مقهورين على الطاعة كما سخر الكائنات الأخرى. والحق سبحانه يريد قلوبا ~~لا قوالب ولذلك يقول في آخر الآية: { ولو شآء لهداكم ~~أجمعين } [النحل: 9]. وكل أجناس الوجود كما نعلم تسجد لله: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. وفي آية أخرى يقول: # ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات ~~والأرض والطير صآفات كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه.. # [النور: 41]. إذن: لو شاء الحق سبحانه لهدى الثقلين أي: الإنس والجن، ~~كما هدى كل الكائنات الأخرى، ولكنه يريد قلوبا لا قوالب. ويقول الحق ~~سبحانه من بعد ذلك: { هو الذي أنزل... }. ### || [16.10] # وقوله: { أنزل من السماء مآء.. } [النحل: 10]. يبدو قولا ~~بسيطا ولكن إن نظرنا إلى المعامل التي تقطر المياه وتخلصها من ~~الشوائب لعلمنا قدر العمل المبذول لنزول الماء الصافي من المطر. ~~والسماء ms5489 - كما نعلم - هي كل ما يعلونا، ونحن نرى السحاب الذي يجيء نتيجة ~~تبخير الشمس للمياه من المحيطات والبحار، فيتكون البخار الذي يتصاعد، ~~ثم يتكثف ليصير مطرا من بعد ذلك وينزل المطر على الأرض. ونعلم أن ~~الكرة الأرضية مكونة من محيطات وبحار تغطي ثلاثة أرباع مساحتها، ~~بينما تبلغ مساحة اليابسة ربع الكرة الأرضية فكأنه جعل ثلاثة أرباع ~~مساحة الكرة الأرضية لخدمة ربع الكرة الأرضية. ومن العجيب أن المطر ~~يسقط في مواقع قد لا تنتفع به، مثل هضاب الحبشة التي تسقط عليها الأمطار ~~وتصحب من تلك الهضاب مادة الطمي لتكون نهر النيل لنستفيد نحن منه. ~~ونجد الحق سبحانه يقول: # ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ~~ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله ~~وينزل من السمآء من جبال فيها من برد فيصيب ~~به من يشآء ويصرفه عن من يشآء.. # [النور: 43]. وهنا يقول الحق سبحانه: # هو الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ~~ومنه شجر فيه تسيمون # [النحل: 10]. ولولا عملية البخر وإعادة تكثيف البخار بعد أن يصير ~~سحابا لما استطاع الإنسان أن يشرب الماء المالح الموجود في البحار، ~~ومن حكمة الحق سبحانه أن جعل مياه البحار والمحيطات مالحة فالملح يحفظ ~~المياه من الفساد. وبعد أن تبخر الشمس المياه لتصير سحابا، ويسقط ~~المطر يشرب الإنسان هذا الماء الذي يغذي الأنهار والآبار، وكذلك ينبت ~~الماء الزرع الذي نأكل منه. وكلمة { شجر } تدل على النبات الذي ~~يلتف مع بعضه. ومنها كلمة " مشاجرة " والتي تعني التداخل من الذين ~~يتشاجرون معا. والشجر أنواع فيه مغروس بمالك وهو ملك لمن يغرسه ~~ويشرف على إنباته، وفيه ما يخرج من الأرض دون أن يزرعه أحد وهو ~~ملكية مشاعة، وعادة ما نترك فيه الدواب لترعى، فتأكل منه دون أن ~~يردها أحد. وهنا يقول الحق سبحانه: { فيه تسيمون } [النحل: 10]. ~~من سام الدابة التي ترعى في الملك العام، وساعة ترعى الدابة في ~~الملك العام فهي تترك آثارها من مسارب وعلامات. ويسمون الأرض ~~التي يوجد بها نبات ولا يقربها حيوان بأنها ms5490 " روضة أنف " بمعنى أن أحدا ~~لم يأت إليها أو يقربها كأنها أنفت أن يقطف منها شيء. ويقول الحق ~~سبحانه من بعد ذلك: { ينبت لكم به... }. ### || [16.11] # وهكذا يعلمنا الله أن النبات لا ينبت وحده، بل يحتاج إلى من ~~ينبته، وهنا يخص الحق سبحانه ألوانا من الزراعة التي لها أثر في ~~الحياة، ويذكر الزيتون والنخيل والأعناب وغيرها من كل الثمرات. والزيتون ~~- كما نعلم - يحتوي على مواد دهنية والعنب يحتوي على مواد سكرية، ~~وكذلك النخيل الذي يعطي البلح وهو يحتوي على مواد سكرية، وغذاء الإنسان ~~يأتي من النشويات والبروتينات. وما ذكره الحق سبحانه أولا عن الأنعام، ~~وما ذكره عن النباتات يوضح أنه قد أعطى الإنسان مكونات الغذاء فهو ~~القائل: # والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد ~~الأمين * لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم # [التين: 1-4]. أي: أنه جعل للإنسان في قوته البروتينات والدهنيات ~~والنشويات والفيتامينات التي تصون حياته. وحين يرغب الأطباء في تغذية ~~إنسان أثناء المرض فهم يذيبون العناصر التي يحتاجها للغذاء في السوائل ~~التي يقطرونها في أوردته بالحقن، ولكنهم يخافون من طول التغذية بهذه ~~الطريقة لأن الأمعاء قد تنكمش. ومن يقومون بتغذية البهائم يعلمون أن ~~التغذية تتكون من نوعين غذاء يملأ البطن وغذاء يمد بالعناصر اللازمة، ~~فالتبن مثلا يملأ البطن، ويمدها بالألياف التي تساعد على حركة الأمعاء، ~~ولكن الكسب يغذي ويضمن السمنة والوفرة في اللحم. وحين يقول الحق ~~سبحانه: { ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل ~~والأعناب ومن كل الثمرات } [النحل: 11]. فعليك أن ~~تستقبل هذا القول في ضوء قول الحق سبحانه: # أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون # [الواقعة: 64]. ذلك أنك تحرث الأرض فقط، أما الذي يزرع فهو الحق سبحانه ~~وأنت قد حرثت بالحديد الذي أودعه الله في الأرض فاستخرجته أنت وبالخشب ~~الذي أنبته الله وصنعت أنت منهما المحراث الذي تحرث به في الأرض ~~المخلوقة لله، والطاقة التي حرثت بها ممنوحة لك من الله. ثم يذكرك ~~الله بأن كل الثمرات هي من عطائه، فيعطف العام على الخاص ويقول: { ~~ومن كل الثمرات.. } [النحل: 11]. أي: أن ما ms5491 تأخذه هو جزء من كل ~~الثمرات ذلك أن الثمرات كثيرة، وهي أكثر من أن تعد. ويذيل الحق ~~سبحانه الآية الكريمة بقوله: { إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون } [النحل: 11]. أي: على الإنسان أن يعمل فكره في ~~معطيات الكون، ثم يبحث عن موقفه من تلك المعطيات، ويحدد وضعه ~~ليجد نفسه غير فاعل وهو قابل لأن يفعل. وشاء الحق سبحانه أن يذكرنا ~~أن التفكر ليس مهمة إنسان واحد بل مهمة الجميع، وكأن الحق سبحانه يريد ~~لنا أن تتساند أفكارنا فمن عنده لقطة فكرية تؤدي إلى الله لا بد ~~أن يقولها لغيره. ونجد في القرآن آيات تنتهي بالتذكر والتفكر ~~وبالتدبر وبالتفقه، وكل منها تؤدي إلى العلم اليقيني فحين يقول " ~~يتذكرون " فالمعنى أنه سبق الإلمام بها ولكن النسيان محاها فكأن من ~~مهمتك أن تتذكر. أما كلمة " يتفكرون " فهي أم كل تلك المعاني لأنك ~~حين تشغل فكرك تحتاج إلى أمرين، أن تنظر إلى معطيات ظواهرها ~~ومعطيات أدبارها. ولذلك يقول الحق سبحانه: # أفلا يتدبرون القرآن.. # [النساء: 82]. وهذا يعني ألا تأخذ الواجهة فقط، بل عليك أن تنظر إلى ~~المعطيات الخلفية كي تفهم، وحين تفهم تكون قد عرفت، فالمهمة مكونة من ~~أربع مراحل تفكر، فتدبر، فتفقه فمعرفة وعلم. ويقول الحق سبحانه ~~من بعد ذلك: { وسخر لكم اليل... }. ### || [16.12] # ونعلم أن الليل والنهار آيتان واضحتان والليل يناسبه القمر، والنهار ~~تناسبه الشمس، وهم جميعا متعلقون بفعل واحد، وهم نسق واحد، والتسخير ~~يعني قهر مخلوق لمخلوق ليؤدي كل مهمته. وتسخير الليل والنهار ~~والشمس والقمر كل له مهمة، فالليل مهمته الراحة. قال الحق سبحانه: # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون # [القصص: 73]. والنهار له مهمة أن تكدح في الأرض لتبتغي رزقا من ~~الله وفضلا، والشمس جعلها مصدرا للطاقة والدفء، وهي تعطيك دون أن ~~تسأل، ولا تستطيع هي أيضا أن تمتنع عن عطاء قدره الله. وهي ليست ~~ملكا لأحد غير الله بل هي من نظام الكون الذي لم يجعل الحق سبحانه ~~لأحد قدرة عليه، حتى لا يتحكم أحد ms5492 في أحد، وكذلك القمر جعل له الحق ~~مهمة أخرى. وإياك أن تتوهم أن هناك مهمة تعارض مهمة أخرى، بل هي مهام ~~متكاملة. والحق سبحانه هو القائل: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما ~~خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى # [الليل: 1-4]. أي: أن الليل والنهار وإن تقابلا فليسا متعارضين كما أن ~~الذكر والأنثى يتقابلان لا لتتعارض مهمة كل منهما بل لتتكامل. ويضرب الحق ~~سبحانه المثل ليوضح لنا هذا التكامل فيقول: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون # [القصص: 72]. وأي إنسان إن سهر يومين متتابعين لا يستطيع أن يقاوم ~~النوم وإن أدى مهمة في هذين اليومين فقد يحتاج لراحة من بعد ذلك تمتد ~~أسبوعا ولذلك قال الله: # وجعلنا اليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا # [النبأ: 10-11]. والإنسان إذا ما صلى العشاء وذهب إلى فراشه سيستيقظ ~~حتما من قبل الفجر وهو في قمة النشاط بعد أن قضى ليلا مريحا في ~~سبات عميق لا قلق فيه. ولكن الإنسان في بلادنا استورد من الغرب حثالة ~~الحضارة من أجهزة تجعله يقضي الليل ساهرا، ليتابع التليفزيون أو أفلام ~~الفيديو أو القنوات الفضائية، فيقوم في الصباح منهكا، رغم أن أهل تلك ~~البلاد التي قدمت تلك المخترعات نجدهم وهم يستخدمون تلك المخترعات ~~يضعونها في موضعها الصحيح، وفي وقتها المناسب لذلك نجدهم ينامون ~~مبكرين، ليستيقظوا في الفجر بهمة ونشاط. ويبدأ الحق سبحانه جملة ~~جديدة تقول: { والنجوم مسخرات بأمره.. } [النحل: 12]. ~~نلحظ أنه لم يأت بالنجوم معطوفة على ما قبلها، بل خصها الحق ~~سبحانه بجملة جديدة على الرغم من أنها أقل الأجرام، وقد لا نتبينها ~~لكثرتها وتعدد مواقعها ولكنا نجد الحق يقسم بها فهو القائل: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة: 75-76]. فكل نجم من تلك النجوم البعيدة له مهمة، وإذا كنت ~~أنت في حياتك اليومية حين ينطفىء النور تذهب لترى: ماذا حدث في صندوق ~~الأكباس الذي في منزلك ولكنك لا تعرف كيف تأتيك ms5493 الكهرباء إلى منزلك، وكيف ~~تقدم العلم ليصنع لك المصباح الكهربائي. # وكيف مدت الدولة الكهرباء من مواقع توليدها إلى بيتك. وإذا كنت تجهل ~~ما خلف الأثر الواحد الذي يصلك في منزلك، فما بالك بقول الحق سبحانه: # فلا أقسم بمواقع النجوم # [الواقعة: 75]. وهو القائل: # وعلامات وبالنجم هم يهتدون # [النحل: 16]. وقد خصها الحق سبحانه هنا بجملة جديدة مستقلة أعاد فيها ~~خبر التسخير، ذلك أن لكل منها منازل، وهي كثيرة على العد والإحصاء، ~~وبعضها بعيد لا يصلنا ضوؤه إلا بعد ملايين السنين. وقد خصها الحق ~~سبحانه بهذا الخبر من التسخير حتى نتبين أن لله سرا في كل ما خلق بين ~~السماء والأرض. ويريد لنا أن نلتفت إلى أن تركيبات الأشياء التي تنفعنا ~~مواجهة وراءها أشياء أخرى تخدمها. ونجد الحق سبحانه وهو يذيل الآية ~~الكريمة بقوله: { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } ~~[النحل: 12]. ونعلم أن الآيات هي الأمور العجيبة التي يجب ألا يمر ~~عليها الإنسان مرا معرضا بل عليه أن يتأملها، ففي هذا التأمل فائدة ~~له ويمكنه أن يستنبط منها المجاهيل التي تنعم البشر وتسعدهم. ~~وكلمة { يعقلون } تعني إعمال العقل، ونعلم أن للعقل تركيبة خاصة ~~وهو يستنبط من المحسات الأمور المعنوية، وبهذا يأخذ من المعلوم نتيجة ~~كانت مجهولة بالنسبة له فيسعد بها ويسعد بها من حوله، ثم يجعل من ~~هذا المجهول مقدمة يصل بها إلى نتيجة جديدة. وهكذا يستنبط الإنسان من ~~أسرار الكون ما شاء له الله أن يستنبط ويكتشف من أسرار الكون. ويقول ~~الحق سبحانه من بعد ذلك: { وما ذرأ لكم في... }. ### || [16.13] # وكلمة { ذرأ } تعني أنه خلق خلقا يتكاثر بذاته إما بالحمل ~~للأنثى من الذكر في الإنسان أو الحيوان والنبات وإما بواسطة تفريخ ~~البيض كما في الطيور. وهكذا نفهم الذرء بمعنى أنه ليس مطلق خلق بل ~~خلق بذاته في التكاثر بذاته، والحق سبحانه قد خلق آدم أولا، ثم أخرج منه ~~النسل ليتكاثر النسل بذاته حين يجتمع زوجان ونتجا مثيلا لهما، ولذلك ~~قال الحق سبحانه: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. وهكذا شاء الحق سبحانه ms5494 أن يفيض على عباده بأن يعطيهم ~~صفة أنهم يخلقون، ولكنهم لا يخلقون كخلقه فهو قد خلق آدم ثم أوجدهم من ~~نسله. والبشر قد يخلقون بعضا من معدات وأدوات حياتهم، لكنهم لا يخلقون ~~كخلق الله فهم لا يخلقون من معدوم بل من موجود، والحق سبحانه يخلق من ~~المعدوم من لا وجود له وهو بذلك أحسن الخالقين. والمثل الذي أضربه ~~دائما هو الحبة التي تنبت سبع سنابل وفي كل سنبلة مائة حبة وقد ~~أوردها الحق سبحانه ليشوق للإنسان عملية الإنفاق في سبيل الله، وهذا هو ~~الخلق المادي الملموس فمن حبة واحدة أنبت سبحانه كل ذلك. وهنا يقول ~~الحق سبحانه: { وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ~~ألوانه.. } [النحل: 13]. أي: ما خلق لنا من خلق متكاثر بذاته ~~تختلف ألوانه. واختلاف الألوان وتعددها دليل على طلاقة قدرة الله في أن ~~الكائنات لا تخلق على نمط واحد. ويعطينا الحق سبحانه الصورة على هذا ~~الأمر في قوله سبحانه: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن ~~الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله ~~عزيز غفور # [فاطر: 27-28]. وأنت تمشي بين الجبال، فتجدها من ألوان مختلفة وعلى ~~الجبل الواحد تجد خطوطا تفصل بين طبقات متعددة، وهكذا تختلف الألوان ~~بين الجمادات وبعضها، وبين النباتات وبعضها البعض، وبين البشر أيضا. ~~وإذا ما قال الحق سبحانه: # إنما يخشى الله من عباده العلماء.. # [فاطر: 28]. فلنا أن نعرف أن العلماء هنا مقصود بهم كل عالم يقف ~~على قضية كونية مركوزة في الكون أو نزلت من المكون مباشرة. ولم ~~يقصد الحق سبحانه بهذا القول علماء الدين فقط، فالمقصود هو كل عالم يبحث ~~بحثا ليستنبط به معلوما من مجهول، ويجلي أسرار الله في خلقه. وقد ~~أراد صلى الله عليه وسلم أن يفرق فرقا واضحا في هذا الأمر، كي لا ~~يتدخل علماء الدين في البحث العلمي التجريبي الذي يفيد الناس، ووجد ~~صلى الله عليه ms5495 وسلم الناس تؤبر النخيل بمعنى أنهم يأتون بطلع ~~الذكورة ويلقحون النخيل التي تتصف بالأنوثة، وقال: لو لم تفعلوا ~~لأثمرت. # ولما لم تثمر النخيل، قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر وأمر ~~بإصلاحه وقال القولة الفصل # " أنتم أعلم بشئون دنياكم ". # أي: أنتم أعلم بالأمور التجريبية المعملية، ونلحظ أن الذي حجز الحضارة ~~والتطور عن أوربا لقرون طويلة هو محاولة رجال الدين أن يحجروا على ~~البحث العلمي ويتهموا كل عالم تجريبي بالكفر. ويتميز الإسلام بأنه ~~الدين الذي لم يحل دون بحث أي آية من آيات الله في الكون، ومن حنان ~~الله أن يوضح لخلقه أهمية البحث في أسرار الكون، فهو القائل: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. أي: عليك أيها المؤمن ألا تعرض عن أي آية من آيات ~~الله التي في الكون بل على المؤمن أن يعمل عقله وفكره بالتأمل ~~ليستفيد منها في اعتقاده وحياته. يقول الحق: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. أما الأمور التي يتعلق بها حساب الآخرة فهي من اختصاص ~~العلماء الفقهاء. ويذيل الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: { ~~إن في ذلك لآية لقوم يذكرون } [النحل: 13]. أي: ~~يتذكرون شيئا مجهولا بشيء معلوم. وبعد ذلك يعود الحق سبحانه إلى ~~التسخير، فيقول: { وهو الذي سخر... }. ### || [16.14] # والتسخير كما علمنا من قبل هو إيجاد الكائن لمهمة لا يستطيع الكائن ~~أن يتخلف عنها، ولا اختيار له في أن يؤديها أو لا يؤديها. ~~ونعلم أن الكون كله مسخر للإنسان قبل أن يوجد ثم خلق الله الإنسان ~~مختارا. وقد يظن البعض أن الكائنات المسخرة ليس لها اختيار، وهذا ~~خطأ لأن تلك الكائنات لها اختيار حسمته في بداية وجودها، ولنقرأ قوله ~~الحق: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.. # [الأحزاب: 72]. وهكذا نفهم أن الحق سبحانه خير خلقه بين التسخير وبين ~~الاختيار، إلا أن الكائنات التي هي ما دون الإنسان أخذت اختيارها مرة ~~واحدة لذلك لا يجب أن ms5496 يقال: إن الحق سبحانه هو الذي قهرها، بل هي التي ~~اختارت من أول الأمر لأنها قدرت وقت الأداء، ولم تقدر فقط وقت التحمل ~~كما فعل الإنسان، وكأنها قالت لنفسها: فلأخرج من باب الجمال قبل أن ~~ينفتح أمامي باب ظلم النفس. ونجد الحق سبحانه يصف الإنسان: # إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. فقد ظلم الإنسان نفسه حين اختار أن يحمل الأمانة ~~لأنه قدر وقت التحمل ولم يقدر وقت الأداء. وهو جهول لأنه لم يعرف كيف ~~يفرق بين الأداء والتحمل، بينما منعت الكائنات الأخرى نفسها من أن ~~تتحمل مسئولية الأمانة، فلم تظلم نفسها بذلك. وهكذا نصل إلى تأكيد معنى ~~التسخير وتوضيحه بشكل دقيق، ونعرف أنه إيجاد الكائن لمهمة لا يملك أن ~~يتخلف عنها أما الاختيار فهو إيجاد الكائن لمهمة له أن يؤديها ~~أو يتخلف عنها. وأوضحنا أن المسخرات كان لها أن تختار من البداية، ~~فاختارت أن تسخر وألا تتحمل الأمانة، بينما أخذ الإنسان المهمة، ~~واعتمد على عقله وفكره، وقبل أن يرتب أمور حياته على ضوء ذلك. ومع ~~ذلك أعطاه الله بعضا من التسخير كي يجعل الكون كله فيه بعض من التسخير ~~وبعض من الاختيار ولذلك نجد بعضا من الأحداث تجري على الإنسان ولا ~~اختيار له فيها كأن يمرض أو تقع له حادثة أو يفلس. ولذلك أقول: إن ~~الكافر مغفل لاختياره لأنه ينكر وجود الله ويتمرد على الإيمان، رغم ~~أنه لا يقدر أن يصد عن نفسه المرض أو الموت. وفي الآية التي نحن ~~بصددها الآن يقول الحق سبحانه: { وهو الذي سخر البحر.. } ~~[النحل: 14]. فهذا يعني أنه هو الذي خلق البحر، لأنه هو الذي خلق ~~السماوات والأرض وجعل اليابسة ربع مساحة الأرض بينما البحار والمحيطات ~~تحتل ثلاثة أرباع مساحة الأرض. أي: أنه يحدثنا هنا عن ثلاثة أرباع ~~الأرض، وأوجد البحار والمحيطات على هيئة نستطيع أن نأخذ منها بعضا من ~~الطعام فيقول: { لتأكلوا منه لحما طريا ~~وتستخرجوا منه حلية تلبسونها. # . } [النحل: 14]. ومن بعض عطاءات الحق سبحانه أن يأتي المد أحيانا ~~ثم يعقبه الجزر فيبقى بعض من ms5497 السمك على الشاطىء، أو قد تحمل موجة ~~عفية بعضا من السمك وتلقيه على الشاطئ. وهكذا يكون العطاء بلا جهد من ~~الإنسان، بل إن وجود بعض من الأسماك على الشاطىء هو الذي نبه الإنسان ~~إلى أهمية أن يحتال ويصنع السنارة ويغزل الشبكة ثم ينتقل من تلك ~~الوسائل البدائية إلى التقنيات الحديثة في صيد الأسماك. لكن الحلية التي ~~يتم استخراجها من البحر فهي اللؤلؤ، وهي تقتضي أن يغوص الإنسان في القاع ~~ليلتقطها. ويلفتنا الحق سبحانه إلى أسرار كنوزه فيقول: # له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما ~~تحت الثرى # [طه: 6]. وكل كنوز الأمم توجد تحت الثرى. ونحن إن قسمنا الكرة ~~الأرضية كما نقسم البطيخة إلى قطع كالتي نسميها " شقة البطيخ " سنجد ~~أن كنوز كل قطعة تتساوى مع كنوز القطعة الأخرى في القيمة النفعية ولكن ~~كل عطاء يوجد بجزء من الأرض له ميعاد ميلاد يحدده الحق سبحانه. فهناك ~~مكان في الأرض جعل الله العطاء فيه من الزراعة وهناك مكان آخر صحراوي ~~يخاله الناس بلا أي نفع ثم تتفجر فيه آبار البترول، وهكذا. وتسخير ~~الحق سبحانه للبحر ليس بإيجاده فقط على الهيئة التي هو عليها بل قد تجد ~~له أشياء ومهام أخرى مثل انشقاق البحر بعصا موسى عليه السلام وصار كل ~~فرق كالطود العظيم. ومن قبل ذلك حين حمل اليم موسى عليه السلام ~~بعد أن ألقته أمه فيه بإلهام من الله: # فليلقه اليم بالساحل.. # [طه: 39]. وهكذا نجد أن أمرا من الله قد صدر للبحر بأن يحمل موسى إلى ~~الشاطىء فور أن تلقيه أمه فيه. وهكذا يتضح لنا معنى التسخير للبحر ~~في مهام أخرى، غير أنه يوجد به السمك ونستخرج منه الحلي. ونعلم أن ماء ~~البحر مالح عكس ماء النهر وماء المطر فالمائية تنقسم إلى قسمين مائية ~~عذبة، ومائية ملحية. وقوله الحق عن ذلك: # وما يستوي البحران هذا عذب فرات سآئغ شرابه ~~وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا ~~وتستخرجون حلية تلبسونها.. # [فاطر: 12]. ويسمونهم الاثنين على التغليب في قوله الحق: # مرج البحرين ms5498 يلتقيان # [الرحمن: 19]. والمقصود هنا الماء العذب والماء المالح، وكيف يختلطان، ~~ولكن الماء العذب يتسرب إلى بطن الأرض، وأنت لو حفرت في قاع البحر ~~لوجدت ماء عذبا، فالحق سبحانه هو الذي شاء ذلك وبينه في قوله: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ~~ينابيع في الأرض.. # [الزمر: 21]. وهنا يقول سبحانه: { وهو الذي سخر البحر ~~لتأكلوا منه لحما طريا.. } [النحل: 14]. واللحم إذا ~~أطلق يكون المقصود به اللحم المأخوذ من الأنعام، أما إذا قيد ب " ~~لحم طري " فالمقصود هو السمك، وهذه مسألة من إعجازية التعبير القرآني لأن ~~السمك الصالح للأكل يكون طريا دائما. # ونجد من يشتري السمك وهو يثني السمكة، فإن كانت طرية فتلك علامة ~~على أنها صالحة للأكل، وإن كانت لا تنثني فهذا يعني أنها فاسدة، وأنت ~~إن أخرجت سمكة من البحر تجد لحمها طريا فإن ألقيتها في الماء فهي ~~تعود إلى السباحة والحركة تحت الماء أما إن كانت ميتة فهي تنتفخ وتطفو. ~~لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل السمك الطافي لأنه الميتة، ~~وتقييد اللحم هنا بأنه طري كي يخرج عن اللحم العادي وهو لحم الأنعام ~~ولذلك نجد العلماء يقولون: من حلف ألا يأكل لحما ثم أكل سمكا ~~فهو لا يحنث لأن العرف جرى على أن اللحم هو لحم الأنعام. ويقول الحق ~~سبحانه في نفس الآية عن تسخير البحر: { وتستخرجوا منه ~~حلية تلبسونها.. } [النحل: 14]. وهكذا نجد أن هذه المسألة تأخذ ~~جهدا لأنها رفاهية أما السمك فقال عنه مباشرة: { لتأكلوا منه ~~لحما طريا.. } [النحل: 14]. والأكل أمر ضروري لذلك تكفله الله ~~وأعطى التسهيلات في صيده، أما الزينة فلك أن تتعب لتستخرجه، فهو ~~ترف. وضروريات الحياة مجزولة أما ترف الحياة فيقتضي منك أن تغطس ~~في الماء وتتعب من أجله. وفي هذا إشارة إلى أن من يريد أن يرتقي في ~~معيشته فليكثر من دخله ببذل عرقه لا أن يترف معيشته من عرق غيره. ~~ويقول سبحانه: { تستخرجوا منه حلية تلبسونها.. } ~~[النحل: 14]. والحلية كما نعلم تلبسها المرأة. والملحظ الأدنى هنا أن ~~زينة المرأة ms5499 هي من أجل الرجل فكأن الرجل هو الذي يستمتع بتلك الزينة، ~~وكأنه هو الذي يتزين. أو: أن هذه المستخرجات من البحر ليست محرمة ~~على الرجال مثل الذهب والحرير فالذهب والحرير نقد أما اللؤلؤ فليس ~~نقدا. واللبس هو الغالب الشائع، وقد يصح أن تصنع من تلك الحلية ~~عصا أو أي شيء مما تستخدمه. ويتابع سبحانه في نفس الآية: { وترى ~~الفلك مواخر فيه.. } [النحل: 14]. ولم تكن هناك بواخر كبيرة ~~كالتي في عصرنا هذا بل فلك صغيرة. ونعلم أن نوحا عليه السلام هو أول ~~من صنع الفلك، وسخر منه قومه ولو كان ما يصنعه أمرا عاديا لما ~~سخروا منه. وبطبيعة الحال لم يكن هناك مسامير لذلك ربطها بالحبال ~~ولذلك قال الحق سبحانه عنه: # وحملناه على ذات ألواح ودسر # [القمر: 13]. وكان جري مركب نوح بإرادة الله، ولم يكن العلم قد ~~تقدم ليصنع البشر المراكب الضخمة التي تنبأ بها القرآن في قوله الحق: # وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام # [الرحمن: 24]. ونحن حين نقرؤها الآن نتعجب من قدرة القرآن على التنبؤ ~~بما اخترعه البشر فالقرآن عالم بما يجد لا بقهريات الاقتدار فقط بل ~~باختيارات البشر أيضا. # وقوله الحق: { وترى الفلك مواخر فيه.. } [النحل: 14]. ~~والماخر هو الذي يشق حلزومه الماء، والحلزوم هو الصدر. ونجد من ~~يصنعون المراكب يجعلون المقدمة حادة لتكون رأس الحربة التي تشق المياه ~~بخرير. وفي هذه الآية امتن الحق سبحانه على عباده بثلاثة أمور: صيد ~~السمك، واستخراج الحلي، وسير الفلك في البحر ثم يعطف عليهم ما يمكن ~~أن يستجد فيقول: { ولتبتغوا من فضله.. } [النحل: 14]. وكأن ~~البواخر وهي تشق الماء ويرى الإنسان الماء اللين، وهو يحمل الجسم ~~الصلب للباخرة فيجد فيه متعة، فضلا عن أن هذه البواخر تحمل الإنسان ~~من مكان إلى مكان. ويذيل الحق سبحانه الآية بقوله: { ولعلكم ~~تشكرون } [النحل: 14]. ولا يقال ذلك إلا في سرد نعمة آثارها ~~واضحة ملحوظة تستحق الشكر من العقل العادي والفطرة العادية، وشاء سبحانه ~~أن يترك الشكر للبشر على تلك النعم، ولم يسخرهم شاكرين. ويقول ~~سبحانه من بعد ذلك: ms5500 { وألقى في الأرض... }. ### || [16.15] # وهكذا يدلنا الحق سبحانه على أن الأرض قد خلقت على مراحل، ويشرح ذلك ~~قوله سبحانه: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 9-10]. وهكذا علمنا أن جرم الأرض العام قد خلق أولا وهو ~~مخلوق على هيئة الحركة ولأن الحركة هي التي تأتي بالميدان - التأرجح ~~يمينا وشمالا - وعدم استقرار الجرم على وضع، لذلك شاء سبحانه أن ~~يخلق في الأرض الرواسي لتجعلها تبدو ثابتة غير مقلقة والراسي هو الذي ~~يثبت. ولو كانت الأرض مخلوقة على هيئة الاستقرار لما خلق الله الجبال، ~~ولكنه خلق الأرض على هيئة الحركة، ومنع أن تميد بخلق الجبال ليجعل ~~الجبال رواسي للأرض. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب.. # [النمل: 88]. وكلمة { وألقى } تدل على أن الجبال شيء متماسك ~~وضع ليستقر. ثم يعطف سبحانه على الجبال: { وأنهارا وسبلا.. } ~~[النحل: 15]. ولم يأت الحق سبحانه بفعل يناسب الأنهار، ومن العجيب أن ~~الأسلوب يجمع جمادا في الجبال، وسيولة في الأنهار، وسبلا أي طرقا، ~~وكل ذلك: { لعلكم تهتدون } [النحل: 15]. أي: أن الجعل ~~كله لعلنا نهتدي. ونعلم أن العرب كانوا يهتدون بالجبال، ويجعلون منها ~~علامات، والمثل هو جبل " هرشا " الذي يقول فيه الشاعر: # خذوا بطن هرشا أو قفاها فإنه # كلا جانبي هرشا لهن طريق # وأيضا جبل التوباد كان يعتبر علامة. وكذلك قول الحق سبحانه: # وناديناه من جانب الطور الأيمن.. # [مريم: 52]. وهكذا نجد من ضمن فوائد الجبال أنها علامات نهتدي بها إلى ~~الطرق وإلى الأماكن، وتلك من المهام الجانبية للجبال. أو: { لعلكم ~~تهتدون } [النحل: 15]. باتعاظكم بالأشياء المخلوقة لكم، كي تهتدوا ~~لمن أوجدها لكم. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وعلامات ~~وبالنجم... }. ### || [16.16] # أي: أن ما تقدم من خلق الله هو علامات تدل على ضرورة أن تروا ~~المنافع التي أودعها الله فيما خلق لكم وتهتدوا إلى الإيمان بإله موجد ~~لهذه الأشياء لصالحكم. وما ms5501 سبق من علامات مقره الأرض، سواء الجبال أو ~~الأنهار أو السبل وأضاف الحق سبحانه لها في هذه الآية علامة توجد في ~~السماء، وهي النجوم. ونعلم أن كل من يسير في البحر إنما يهتدي ~~بالنجم. وتكلم عنها الحق سبحانه هنا كتسخير مختص ولم يدخلها في ~~التسخيرات المتعددة ولأن نجما يقود لنجم آخر، وهناك نجوم لم يصلنا ضوؤها ~~بعد، وننتفع بآثارها من خلال غيرها. ونعلم أن قريشا كانت لها رحلتان في ~~العام: رحلة الشتاء، ورحلة الصيف. وكانت تسلك سبلا متعددة، فتهتدي ~~بالنجوم في طريقها، ولذلك لا بد أن يكون عندها خبرة بمواقع النجوم. ويقول ~~الحق سبحانه: { وبالنجم هم يهتدون } [النحل: 16]. قد فضل ~~الحق هذا الأسلوب من بين ثلاثة أساليب يمكن أن تؤدي المعنى هي: " ~~يهتدون بالنجم " و " بالنجم يهتدون " والثالث: هو الذي استخدمه الحق ~~فقال: { وبالنجم هم يهتدون } [النحل: 16]. وذلك تأكيد على ~~خبرة قريش بمواقع النجوم لأنها تسافر كل عام رحلتين، ولم يكن هناك آخرون ~~يملكون تلك الخبرة. والضمير " هم " جاء ليعطي خصوصيتين الأولى: أنهم ~~يهتدون بالنجم لا بغيره والثانية: أن قريشا تهتدي بالنجم، بينما غيرها ~~من القبائل لا تستطيع أن تهتدي به. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { ~~أفمن يخلق كمن لا... }. ### || [16.17] # ونعلم أن الكلام الذي يلقيه المتكلم للسامع يأخذ صورا متعددة فمرة ~~يأخذ صورة الخبر، كأن يقول: من لا يخلق ليس كمن يخلق. وهذا كلام ~~خبري، يصح أن تصدقه، ويصح ألا تصدقه. أما إذا أراد المتكلم أن ~~يأتي منك أنت التصديق، ويجعلك تنطق به فهو يأتي لك بصيغة سؤال، لا تستطيع ~~إلا أن تجيب عليه بالتأكيد لما يرغبه المتكلم. ونعلم أن قريشا ~~كانت تعبد الأصنام وجعلوها آلهة وهي لم تكلمهم، ولم تنزل منهجا، ~~وقالوا ما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3]. فلماذا إذن لا يعبدون الله مباشرة دون وساطة؟ ولماذا لا ~~يرفعون عن أنفسهم مشقة العبادة، ويتجهون إلى الله مباشرة؟ ثم لنسأل: ما ~~هي العبادة؟ نعلم أن العبادة تعني الطاعة في " افعل ms5502 " و " لا تفعل " التي ~~تصدر من المعبود. وبطبيعة الحال لا توجد أوامر أو تكاليف من الأصنام ~~لمن يعبدونها، فهي معبودات بلا منهج، وبلا جزاء لمن خالف، وبلا ثواب ~~لمن أطاع، وبالتالي لا تصلح تلك الأصنام للعبادة. ولنناقش المسألة من ~~زاوية أخرى، لقد أوضح الحق سبحانه أنه هو الذي خلق السماوات والأرض، ~~والليل والنهار، والشمس والقمر، وسخر كل الكائنات لخدمة الإنسان الذي ~~أوكل إليه مهمة خلافته في الأرض. وكل تلك الأمور لا يدعيها أحد غير ~~الله، بل إنك إن سألت الكفار والمشركين عمن خلقهم ليقولن الله. قال ~~الحق سبحانه: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # [الزخرف: 87]. ذلك أن عملية الإيجاد والخلق لا يجرؤ أحد أن ~~يدعيها إن لم يكن هو الذي أبدعها، وحين تسألهم: من خلق السماوات ~~والأرض لقالوا: إنه الله. وقد أبلغهم محمد صلى الله عليه وسلم أن الله هو ~~الذي خلق السماوات والأرض، وأن منهجه لإدارة الكون يبدأ من عبادته ~~سبحانه. وما دام قد ادعى الحق سبحانه ذلك، ولم يوجد من ينازعه ~~فالدعوة تثبت له إلى أن يوجد معارض، ولم يوجد هذا المعارض أبدا. ~~وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لم يقل الحق سبحانه " ~~أتجعلون من لا يخلق مثل من يخلق ". بل قال: { أفمن يخلق كمن ~~لا يخلق أفلا تذكرون } [النحل: 17]. ووراء ذلك حكمة فهؤلاء ~~الذين نزل إليهم الحديث تعاملوا مع الأصنام وكأنها الله وتوهموا أن ~~الله مخلوق مثل تلك الأصنام ولذلك جاء القول الذي يناسب هذا التصور. ~~والحق سبحانه يريد أن يبطل هذا التصور من الأساس فأوضح أن من ~~تعبدونهم هم أصنام من الحجارة وهي مادة ولها صورة، وأنتم صنعتموها على ~~حسب تصوركم وقدراتكم. وفي هذه الحالة يكون المعبود أقل درجة من ~~العابد وأدنى منه فضلا عن أن تلك الأصنام لا تملك لمن يعبدها ضرا ~~ولا نفعا. ثم: لماذا تدعون الله إن مسكم ضر؟ إن الإنسان يدعو ~~الله في موقف الضر لأنه لحظتها لا يجرؤ على خداع نفسه، أما الآلهة التي ~~صنعوها وعبدوها فهي لا تسمع ms5503 الدعاء: # إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ~~ولا ينبئك مثل خبير # [فاطر: 14]. فكيف إذن تساوون بين من لا يخلق، ومن يخلق؟ إن عليكم أن ~~تتذكروا، وأن تتفكروا، وأن تعملوا عقولكم فيما ينفعكم. ويقول ~~الحق سبحانه من بعد ذلك: { وإن تعدوا نعمة... }. ### || [16.18] # وهذه الآية سبقت في سورة إبراهيم فقال الحق سبحانه هناك: # وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت ~~الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]. وكان الحديث في مجال من لم يعطوا الألوهية الخالقة، ~~والربوبية الموجدة، والممدة حقها، وجحدوا كل ذلك. ونفس الموقف هنا ~~حديث عن نفس القوم، فيوضح الحق سبحانه: أنتم لو استعرضتم نعم الله ~~فلن تحصوها، ذلك أن المعدود دائما يكون مكرر الأفراد ولكن النعمة ~~الواحدة في نظرك تشتمل على نعم لا تحصى ولا تعد فما بالك بالنعم ~~مجتمعة؟ أو: أن الحق سبحانه لا يمتن إلا بشيء واحد، هو أنه قد جاء لكم ~~بنعمة، وتلك النعمة أفرادها كثير جدا. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: ~~{ إن الله لغفور رحيم } [النحل: 18]. أي: أنكم رغم كفركم ~~سيزيدكم من النعم، ويعطيكم من مناط الرحمة، فمنكم الظلم، ومن الله ~~الغفران، ومنكم الكفر ومن الله الرحمة. وكأن تذييل الآية هنا يرتبط ~~بتذييل الآية التي في سورة إبراهيم حيث قال هناك: # إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]. فهو سبحانه غفور لجحدكم ونكرانكم لجميل الله، وهو ~~رحيم، فيوالي عليكم النعم رغم أنكم ظالمون وكافرون. ويقول الحق سبحانه ~~من بعد ذلك: { والله يعلم ما تسرون... }. ### || [16.19] # والسر - كما نعلم - هو ما حبسته في نفسك، أو ما أسررت به لغيرك، ~~وطلبت منه ألا يعلمه لأحد. والحق سبحانه يعلم السر، بل يعلم ما هو ~~أخفى فهو القائل: # يعلم السر وأخفى # [طه: 7]. أي: أنه يعلم ما نسره في أنفسنا، ويعلم أيضا ما يمكن أن ~~يكون سرا قبل أن نسره في أنفسنا، وهو سبحانه لا يعلم السر فقط بل ~~يعلم العلن أيضا. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { والذين ~~يدعون من... ms5504 }. ### || [16.20] # أي: أنهم لا يستطيعون أن يخلقوا شيئا بل هم يخلقون، والأصنام كما ~~قلنا من قبل هي أدنى ممن يخلقونها، فكيف يستوي أن يكون المعبود ~~أدنى من العابد؟ وذلك تسفيه لعبادتهم. ولذلك يقول الحق سبحانه على ~~لسان سيدنا إبراهيم عليه السلام لحظة أن حطم الأصنام، وسأله أهله: ~~من فعل ذلك بآلهتنا؟ وأجاب: # قال بل فعله كبيرهم هذا.. # [الأنبياء: 63]. فقالوا له: إن الكبير مجرد صنم، وأنت تعلم أنه لا ~~يقدر على شيء. ونجد القرآن يقول لأمثال هؤلاء: # أتعبدون ما تنحتون # [الصافات: 95]. فهذه الآلهة - إذن - لا تخلق بل تخلق، ولكن الله هو ~~خالق كل شيء، وسبحانه القائل: # يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73]. ويذكر الحق سبحانه من بعد ذلك أوصاف تلك الأصنام: { ~~أموات غير أحيآء... }. ### || [16.21] # وهم بالفعل أموات لأنهم بلا حس ولا حركة، وقوله: { غير ~~أحيآء.. } [النحل: 21]. تفيد أنه لم تكن لهم حياة من قبل، ولم ~~تثبت لهم الحياة في دورة من دورات الماضي أو الحاضر أو المستقبل. وهكذا ~~تكتمل أوصاف تلك الأصنام، فهم لا يخلقون شيئا، بل هم مخلوقون بواسطة ~~من نحتوهم، وتلك الأصنام والأوثان لن تكون لها حياة في الآخرة، بل ~~ستكون وقودا للنار. والحق سبحانه هو القائل: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون # [الصافات: 22]. وبطبيعة الحال لن تشعر تلك الحجارة ببعث من عبدوها. ~~ويصفي الحق سبحانه من بعد ذلك المسألة العقدية، فيقول: { إلهكم ~~إله واحد... }. ### || [16.22] # وقوله الحق: { إلهكم إله واحد.. } [النحل: 22]. تمنع أن ~~يكون هناك أفراد غيره مثله، وقد يتصور البعض أنها تساوي كلمة " أحد ~~". وأقول: إن كلمة " أحد " هي منع أن يكون له أجزاء فهو منزه عن ~~التكرار أو التجزيء. وفي هذا القول طمأنة للمؤمنين بأنهم قد وصلوا ~~إلى قمة الفهم والاعتقاد بأن الله واحد. أو: هو يوضح للكافرين أن ~~الله واحد رغم أنوفكم، وستعودون إليه غصبا، وبهذا القول يكشف الحق ~~سبحانه ms5505 عن الفطرة الموجودة في النفس البشرية التي شهدت في عالم الذر ~~أن الله واحد لا شريك له، وأن القيامة والبعث حق. ولكن الذين لا ~~يؤمنون بالله وبالآخرة هم من ستروا عن أنفسهم فطرتهم، فكلمة الكفر كما ~~سبق أن قلنا هي ستر يقتضي مستورا، والكفر يستر إيمان الفطرة الأولى. ~~والذين ينكرون الآخرة إنما يحرمون أنفسهم من تصور ما سوف يحدث ~~حتما وهو الحساب الذي سيجازي بالثواب والحسنات على الأفعال الطيبة، ~~ولعل سيئاتهم تكون قليلة فيجبرها الحق سبحانه لهم وينالون الجنة. ~~والمسرفون على أنفسهم يأملون أن تكون قضية الدين كاذبة، لأنهم يريدون ~~أن يبتعدوا عن تصور الحساب، ويتمنون ألا يوجد حساب. ويصفهم ~~الحق سبحانه: { قلوبهم منكرة وهم مستكبرون } [النحل: ~~22]. أي: أنهم لا يكتفون بإنكار الآخرة فقط بل يتعاظمون بدون وجه ~~للعظمة. و " استكبر " أي: نصب من نفسه كبيرا دون أن يملك مقومات ~~الكبر، ذلك أن " الكبير " يجب أن يستند لمقومات الكبر ويضمن ~~لنفسه أن تظل تلك المقومات ذاتية فيه. ولكنا نحن البشر أبناء ~~أغيار لذلك لا يصح لنا أن نتكبر فالواحد منا قد يمرض، أو تزول ~~عنه أعراض الثروة أو الجاه، فصفات وكمالات الكبر ليست ذاتية في أي ~~منا وقد تسلب ممن فاء الله عليه بها ولذلك يصبح من اللائق أن ~~يتواضع كل منا، وأن يستحضر ربه، وأن يتضاءل أمام خالقه. ~~فالحق سبحانه وحده هو صاحب الحق في التكبر وهو سبحانه الذي تبلغ صفاته ~~ومقوماته منتهى الكمال، وهي لا تزول عنه أبدا. ويقول الحق سبحانه من ~~بعد ذلك: { لا جرم أن الله... }. ### || [16.23] # وساعة نرى { لا جرم } فمعناها أن ما يأتي بعدها هو حق ثابت، ف ~~" لا " نافية، و " جرم " مأخوذة من " الجريمة " ، وهي كسر شيء مؤمن ~~به لسلامة المجموع. وحين نقول " لا جرم " أي: أن ما بعدها حق ثابت. ~~وما بعد { لا جرم } هنا هو: أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون. ~~وكل آيات القرآن التي ورد فيها قوله الحق { لا جرم } تؤدي هذا ~~المعنى، مثل قوله الحق: # لا جرم أن ms5506 لهم النار وأنهم مفرطون # [النحل: 62]. وكذلك قوله الحق: # لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون # [النحل: 109]. وقد قال بعض العلماء: إن قوله الحق { لا جرم } يحمل ~~معنى " لا بد " ، وهذا يعني أن قوله الحق: { لا جرم أن الله ~~يعلم ما يسرون وما يعلنون.. } [النحل: 23]. لا بد أن ~~يعلم الله ما يسرون وما يعلنون، ولا مناص من أن الذين كفروا هم ~~الخاسرون. وقد حلل العلماء اللفظ ليصلوا إلى أدق أسراره. وعلم ~~الله لا ينطبق على الجهر فقط، بل على السر أيضا ذلك أنه سيحاسبهم ~~على كل الأعمال. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: { إنه لا ~~يحب المستكبرين } [النحل: 23]. وإذا سألنا: وما علاقة علم ~~الله بالعقوبة؟ ونقول: ألم يقولوا في أنفسهم: # لولا يعذبنا الله بما نقول.. # [المجادلة: 8]. وإذا ما نزل قول الحق سبحانه ليخبرهم بما قالوه في ~~أنفسهم فهذا دليل على أن من يبلغهم صادق في البلاغ عن الله، ورغم ~~ذلك فقد استكبروا وتأبوا وعاندوا، وأخذتهم العزة بالإثم، وأرادوا ~~بالاستكبار الهرب من الالتزام بالمنهج الذي جاءهم به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وإذا قيل لهم... }. ### || [16.24] # وقوله الحق: { ماذآ أنزل ربكم.. } [النحل: 24]. يوضح ~~الاستدراك الذي أجراه الله على لسان المتكلم ليعرفوا أن لهم ربا. ولو ~~لم يكونوا مؤمنين برب، لأعلنوا ذلك، ولكنهم من غفلتهم اعترضوا على ~~الإنزال، ولم يعترضوا على أن لهم ربا. وهذا دليل على إيمانهم برب خالق ~~ولكنهم يعترضون على محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل إليه من الله. و: ~~{ قالوا أساطير الأولين } [النحل: 24]. والأساطير: هي ~~الأكاذيب، ولو كانوا صادقين مع أنفسهم لما أقروا بالألوهية، ورفضوا ~~أيضا القول المنزل إليهم. ومنهم من قال: # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5]. ولكن هناك جانب آخر كان له موقف مختلف سيأتي تبيانه من ~~بعد ذلك، وهم الجانب المضاد لهؤلاء حيث يقول الحق سبحانه: # وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا ~~خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ~~ولدار الآخرة خير.. # [النحل: 30]. ووراء ذلك ms5507 قصة توضح جوانب الخلاف بين فريق مؤمن، وفريق ~~كافر. فحين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه وعشيرته إلى الإيمان ~~بالله الواحد الذي أنزل عليه منهجا في كتاب معجز، بدأت أخبار رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تنتشر بين قبائل الجزيرة العربية كلها، وأرسلت كل ~~قبيلة وفدا منها لتتعرف وتستطلع مسألة هذا الرسول. ولكن كفار قريش ~~أرادوا أن يصدوا عن سبيل الله فقسموا أنفسهم على مداخل مكة الأربعة، ~~فإذا سألهم سائل من وفود القبائل " ماذا قال ربكم الذي أرسل لكم رسولا؟ ~~". هنا يرد عليهم قسم الكفار الذي يستقبلهم: " إنه رسول كاذب، يحرف ~~ويجدف ". والهدف طبعا أن يصد الكفار وفود القبائل. ويخبر الحق ~~سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بما حدث، وإذا قيل للواقفين على أبواب ~~مكة من الوفود التي جاءت تستطلع أخبار للرسول: ماذا أنزل ربكم؟ يردون ~~" إنه يردد أساطير الأولين ". وهذا الجواب الواحد من الواقفين على ~~أبواب مكة الأربعة يدل على أنها إجابة متفق عليها، وسبق الإعداد لها، ~~وقد أرادوا بذلك أن يصرفوا وفود القبائل عن الاستماع لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فشبهوا الذكر المنزل من الله بمثل ما كان يرويه ~~لهم - على سبيل المثال - النضر ابن الحارث من قصص القدماء التي تتشابه مع ~~قصص عنترة، وأبي زيد الهلالي التي تروى في قرانا. وهذه هي الموقعة ~~الأولى في الأخذ والرد. ويعقب الحق سبحانه على قولهم هذا: { ~~ليحملوا أوزارهم كاملة... }. ### || [16.25] # وانظر إلى قوله سبحانه: { ليحملوا أوزارهم كاملة.. } ~~[النحل: 25]. لترى كيف يوضح الحق سبحانه أن النفس البشرية لها أحوال ~~متعددة وإذا أسرفت على نفسها في تلك الجوانب فهي قد تسرف في الجانب ~~الأخلاقي والجانب الاجتماعي وغير ذلك، فتأخذ وزر كل ما تفعل. ~~ويوضح هنا الحق سبحانه أيضا أن تلك النفس التي ترتكب الأوزار حين ~~تضل نفسا غيرها فهي لا تتحمل من أوزار النفس التي أضلتها إلا ما ~~نتج عن الإضلال فيقول: { ومن أوزار الذين يضلونهم ~~بغير علم.. } [النحل: 25]. ذلك أن النفس التي تم إضلالها قد ~~ترتكب من الأوزار ms5508 في مجالات أخرى ما لا يرتبط بعملية الإضلال. والحق ~~سبحانه أعدل من أن يحمل حتى المضل أوزارا لم يكن هو السبب فيها ~~ولذلك قال الحق سبحانه هنا: { ومن أوزار الذين يضلونهم ~~بغير علم.. } [النحل: 25]. أي: أن المضل يحمل أوزار نفسه، ~~وكذلك يحمل بعضا من أوزار الذين أضلهم تلك الأوزار الناتجة عن الإضلال. ~~وفي هذا مطلق العدالة من الحق سبحانه وتعالى، فالذين تم إضلالهم ~~يرتكبون نوعين من الأوزار والسيئات أوزار وسيئات نتيجة الإضلال وتلك ~~يحملها معهم من أضلوهم. أما الأوزار والسيئات التي ارتكبوها بأنفسهم ~~دون أن يدفعهم لذلك من أضلوهم فهم يتحملون تبعاتها وحدهم، وبذلك ~~يحمل كل إنسان أحمال الذنوب التي ارتكبها. وقد حسم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذلك حين قال: # " والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئا إلا جاء به يوم ~~القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة ~~تيعر ". # وقس على ذلك من سرق في الطوب والأسمنت والحديد وخدع الناس. وحين يقول ~~الحق سبحانه: { الذين يضلونهم بغير علم.. } [النحل: ~~25]. إنما يلفتنا إلى ضرورة ألا تلهينا الدنيا عن أهم قضية تشغل بال ~~الخليقة، وهي البحث عن الخالق الذي أكرم الخلق، وأعد الكون ~~لاستقبالهم. وكان يجب على هؤلاء الذين سمعوا من كفار قريش أن يبحثوا عن ~~الرسول، وأن يسمعوا منه فهم أميون لم يسبق أن جاءهم رسول وقد قال فيهم ~~الحق سبحانه: # ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني ~~وإن هم إلا يظنون # [البقرة: 78]. فإذا ما جاءهم الرسول كان عليهم أن يبحثوا، وأن يسمعوا ~~منه لا نقلا عن الكفار ولذلك سيعاقبهم الله لأنهم أهملوا قضية الدين، ~~ولكن العقوبة الشديدة ستكون لمن كان عندهم علم بالكتاب. والحق ~~سبحانه هو القائل: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا.. # [البقرة: 79]. ويصف الحق سبحانه من يحملون أوزارهم وبعضا من أوزار ~~من أضلوهم: { ألا سآء ما يزرون } [النحل: 25]. # أي: ساء ما يحملون من آثام فهم لم يكتفوا بأوزارهم، ms5509 بل صدوا عن ~~سبيل الله، ومنعوا الغير أن يستمع إلى قضية الإيمان. ومن نتيجة ذلك ~~أن يبيح من لم يسمع لنفسه بعضا مما حرم الله فيتحمل من صدهم ~~عن السبيل وزر هذا الإضلال. ولذلك نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " شركم من باع دينه بدنياه، وشر منه من باع دينه بدنيا ~~غيره ". # فمن باع الدين ليتمتع قليلا يستحق العقاب أما من باع دينه ليتمتع ~~غيره فهو الذي سيجد العقاب الأشد من الله. ويقول سبحانه من بعد ذلك: { ~~قد مكر الذين... }. ### || [16.26] # ويأتي الحق سبحانه هنا بسيرة الأولين والسنن التي أجراها سبحانه ~~عليهم، ليسلي رسوله صلى الله عليه وسلم ويوضح له أن ما حدث معه ليس ~~بدعا بل سبق أن حدث مع من سبق من الرسل. ويبلغه أنه لم يبعث أي ~~رسول إلا بعد تعم البلوى ويطم الفساد، ويفقد البشر المناعة ~~الإيمانية، نتيجة افتقاد من يؤمنون ويعملون الصالحات، ويتواصون بالحق ~~وبالصبر. والمثل الواضح على ذلك ما حدث لبني إسرائيل الذين قال فيهم ~~الحق سبحانه: # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.. # [المائدة: 79]. فانصب عليهم العذاب من الله، وهذا مصير كل أمة لا ~~تتناهى عن المنكر الظاهر أمامها. ويقول سبحانه هنا: { قد مكر ~~الذين من قبلهم.. } [النحل: 26]. والمكر تبييت خفي يبيته ~~الماكر بما يستر عن الممكور به. ولكن حين يمكر أحد بالرسل فهو يمكر ~~بمن يؤيده الله العالم العليم. وإذا ما أعلم الله رسوله بالمكر ~~فهو يلغي كل أثر لهذا التبييت فقد علمه من يقدر على إبطاله. والحق ~~سبحانه هو القائل: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي.. # [المجادلة: 21]. وهو القائل: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون # [الصافات: 171-172]. وطبق الحق سبحانه ذلك على رسوله صلى الله عليه ~~وسلم حين مكر به كفار قريش وجمعوا شباب القبائل ليقتلوه فأغشاهم الله ولم ~~يبصروا خروجه للهجرة ولم ينتصر عليه معسكر الكفر بأي وسيلة لا ~~باعتداءات اللسان، ولا باعتداءات الجوارح. وهؤلاء الذين يمكرون بالرسل لم ~~يتركهم الحق سبحانه دون عقاب: { فأتى الله بنيانهم من ms5510 ~~القواعد.. } [النحل: 26]. أي: أنهم إن جعلوا مكرهم كالبناية ~~العالية فالحق سبحانه يتركهم لإحساس الأمن المزيف، ويحفر لهم من ~~تحتها، فيخر عليهم السقف الذي من فوقهم. وهكذا يضرب الله المثل ~~المعنوي بأمر محس. وقوله الحق: { فخر عليهم السقف من ~~فوقهم.. } [النحل: 26]. يوضح أنهم موجودون داخل هذا البيت، وأن ~~الفوقية هنا للسقف، وهي فوقية شاءها الله ليأتيهم: { العذاب من ~~حيث لا يشعرون } [النحل: 26]. وهكذا يأتي عذاب الله بغتة ذلك ~~أنهم قد بيتوا، وظنوا أن هذا التبييت بخفاء يخفى عن الحي القيوم. ~~وليت الأمر يقتصر على ذلك لا بل يعذبهم الله في الآخرة أيضا: { ~~ثم يوم القيامة... }. ### || [16.27] # وهكذا يكون العذاب في الدنيا وفي الآخرة، ويلقون الخزي يوم ~~القيامة. والخزي هو الهوان والمذلة، وهو أقوى من الضرب والإيذاء ولا ~~يتجلد أمامه أحد فالخزي قشعريرة تغشى البدن فلا يفلت منها من ~~تصيبه. وإن كان الإنسان قادرا على أن يكتم الإيلام فالخزي معنى ~~نفسي، والمعاني النفسية تنضح على البشرة ولا يقدر أحد أن يكتم أثرها ~~لأنه يقتل خميرة الاستكبار التي عاش بها ذلك الذي بيت ومكر. ويوضح ~~الحق سبحانه هذا المعنى في قوله عن القرية التي كان يأتيها الرزق من عند ~~الله ثم كفرت بأنعم الله فيقول: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. أي: كأن الجسد كله قد سار ممتلكا لحاسة التذوق، وكأن ~~الجوع قد أصبح لباسا يعاني منه صاحبه فيجوع بقفاه، ويجوع بوجهه، ويجوع ~~بذراعه وجلده وخطواته، وبكل ما فيه. وساعة يحدث هذا الخزي فكل خلايا ~~الاستكبار تنتهي، خصوصا أمام من كان يدعي عليهم الإنسان أن عظمته ~~وتجبره وغروره باق، وله ما يسنده. ويتابع سبحانه متحديا: { أين ~~شركآئي الذين كنتم تشاقون فيهم.. } [النحل: 27]. ~~أي: أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم فجعلتم من أنفسكم شقة، وجعلتم من ~~المؤمنين شقة أخرى، وكلمة { تشاقون } مأخوذة من " الشق " ويقال: ~~" شق الجدار أو شق الخشب " والمقصود هنا أن جعلتم المؤمنين، ومن ms5511 ~~مع الرسول في شقة تعادونها، وأخذتم جانب الباطل، وتركتم جانب الحق. ~~وهنا يقول من آتاهم الله العلم: { قال الذين أوتوا العلم ~~إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين } [النحل: ~~27]. وكأن هذا الأمر سيصير مشهدا بمحضر الحق سبحانه بين من مكروا ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيحضره الذين أتاهم الله العلم. والعلم ~~- كما نعلم - يأتي من الله مباشرة ثم ينقل إلى الملائكة ثم ينقل من ~~الملائكة إلى الرسل، ثم ينقل من الرسل إلى الأمم التي كلف الحق ~~سبحانه رسله أن يبلغوهم منهجه. وكما شهدت الدنيا سقوط المناهج التي ~~اتبعوها من أهوائهم، وسقوط من عبدوهم من دون الله سيشهد اليوم الآخر ~~الخزي والسوء وهو يحيط بهم، وقد يكون الخزي من هول الموقف العظيم، ~~ويحمي الله من آمنوا به بالاطمئنان. ونعلم أن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قد قال: # " ألا هل بلغت، اللهم فاشهد ". # وكما بلغ رسول الله أمته واستجابت له فقد طلب منهم أيضا أن يكونوا ~~امتدادا لرسالته، وأن يبلغوها للناس، ذلك أن الحق سبحانه قد منع ~~الرسالات من بعد رسالة محمد عليه الصلاة والسلام. وصار من مسئولية الأمة ~~المحمدية أن تبلغ كل من لم تبلغه رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم. # وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، وأداها إلى من لم يسمعها، ~~فرب مبلغ أوعى من سامع ". # والحق سبحانه هو القائل: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا * يومئذ يود الذين كفروا ~~وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض.. # [النساء: 41-42]. أي: يتمنون أن يصيروا ترابا، كما قال تعالى في ~~موقع آخر: # إنآ أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما ~~قدمت يداه ويقول الكافر يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40]. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { الذين تتوفاهم ~~الملائكة... }. ### || [16.28] # يقول تعالى: { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم.. } [النحل: 28]. أي: تتوفاهم في حالة كونهم ظالمين ~~لأنفسهم، وفي آية أخرى قال الحق تبارك وتعالى: # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 118]. ومعلوم أن الإنسان قد ms5512 يظلم غيره لحظ نفسه ولصالحها.. ~~فكيف يظلم هو نفسه، وهذا يسمونه الظلم الأحمق حين تظلم نفسك التي بين ~~جنبيك.. ولكن كيف ذلك؟ نعرف أن العدو إذا كان من الخارج فسهل التصدي ~~له، بخلاف إذا جاءك من نفسك التي بين جنبيك، فهذا عدو خطير صعب ~~التصدي له، والتخلص منه. وهنا نطرح سؤالا: ما الظلم؟ الظلم أن تمنع ~~صاحب حق حقه، إذن: ماذا كان لنفسك عليك حتى يقال: إنك ظلمتها ~~بمنعها حقها؟ نقول: حين تجوع، ألا تأكل؟ وحين تعطش ألا تشرب؟ وحين ~~ترهق من العمل ألا تنام؟ إذن: أنت تعطي نفسك مطلوباتها التي تريحها ~~وتسارع إليها، وكذلك إذا نمت وحاولوا إيقاظك للعمل فلم تستيقظ، أو ~~حاولوا إيقاظك للصلاة فتكاسلت، وفي النهاية كانت النتيجة فشلا في العمل ~~أو خسارة في التجارة.... الخ. إذن: هذه خسارة مجمعة، والخاسر هو النفس، ~~وبهذا فقد ظلم الإنسان نفسه بما فاتها من منافع في الدنيا، وقس على ~~ذلك أمور الآخرة. وانظر هنا إلى جزئيات الدنيا حينما تكتمل لك، هل هي ~~نهاية كل شيء، أم بنهايتها يبتدىء شيء؟ بنهايتها يبتدىء شيء، ونسأل: ~~الشيء الذي سوف يبدأ، هل هو صورة مكرورة لما انتهى في الدنيا؟ ليس كذلك، ~~لأن المنتهى في الدنيا منقطع، وقد أخذت حظي منه على قدر قدراتي، ~~وقدراتي لها إمكانات محدودة.. أما الذي سيبدأ - أي في الآخرة - ليس ~~بمنته بل خالد لا انقطاع له، وما فيه من نعيم يأتي على قدر إمكانات ~~المنعم ربك سبحانه وتعالى. إذن: أنت حينما تعطي نفسك متعة في الدنيا ~~الزائلة المنقطعة، تفوت عليها المتعة الباقية في الآخرة.. وهذا منتهى ~~الظلم للنفس. نعود إلى قوله تعالى: { الذين تتوفاهم ~~الملائكة.. } [النحل: 28]. أثبتت هذه الآية التوفي للملائكة.. ~~والتوفي حقيقة لله تعالى، كما جاء في قوله: # الله يتوفى الأنفس.. # [الزمر: 42]. لكن لما كان الملائكة مأمورين، فكأن الله تعالى هو الذي ~~يتوفى الأنفس رغم أنه سبحانه وتعالى قال: # الله يتوفى الأنفس.. # [الزمر: 42]. وقال: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم ~~إلى ربكم ترجعون # [السجدة: 11]. وقال: # توفته رسلنا.. ms5513 # [الأنعام: 61]. إذن: جاء الحدث من الله تعالى مرة، ومن رئيس الملائكة ~~عزرائيل مرة، ومن مساعديه من الملائكة مرة أخرى، إذن: الأمر إما ~~للمزاولة مباشرة، وإما للواسطة، وإما للأصل الآمر. وقوله تعالى: { ~~تتوفاهم.. } [النحل: 28]. معنى التوفي من وفاه حقه أي: ~~وفاه أجله، ولم ينقص منه شيئا، كما تقول للرجل وفيتك دينك. # . أي: أخذت ما لك عندي. { ظالمي أنفسهم.. } [النحل: 28]. نلاحظ ~~أنها جاءت بصيغة الجمع، و { ظالمي } يعني ظالمين و { أنفسهم } ~~جمع، وحين يقابل الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا أي: أن كلا منهم ~~يظلم نفسه. ثم يقول الحق سبحانه: { فألقوا السلم.. } [النحل: ~~28]. أي: خضعوا واستسلموا ولم يعد ينفعهم تكبرهم وعجرفتهم في ~~الدنيا.. ذهب عنهم كل هذا بذهاب الدنيا التي راحت من بين أيديهم. وما ~~داموا ألقوا السلم الآن، إذن: فقد كانوا في حرب قبل ذلك كانوا في حرب ~~مع أنفسهم وهم أصحاب الشقاق في قوله تعالى: # تشاقون.. # [النحل: 27]. أي: تجعلون هذا في شق، وهذا في شق، وكأن الآية تقول: ~~لقد رفعوا الراية البيضاء وقالوا: لا جلد لنا على الحرب. ثم يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { ما كنا نعمل من سوء.. } [النحل: 28]. هذا ~~كقوله تعالى في آية أخرى: # ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ~~ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. والواقع أنهم بعد أن ألقوا السلم ورفعوا الراية ~~البيضاء واستسلموا، أخذهم موقف العذاب فقالوا محاولين الدفاع عن أنفسهم: ~~{ ما كنا نعمل من سوء.. } [النحل: 28]. وتعجب من كذب هؤلاء ~~على الله في مثل هذا الموقف، على من تكذبون الآن؟! فيرد عليهم الحق ~~سبحانه: { بلى.. } [النحل: 28]. وهي أداة نفي للنفي السابق عليها، ~~ومعلوم أن نفي النفي إثبات، ف { بلى } تنفي: { ما كنا ~~نعمل من سوء } [النحل: 28]. إذن: معناها.. لا.. بل عملتم السوء. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { إن الله عليم بما كنتم ~~تعملون } [النحل: 28]. ومن رحمة الله تعالى أنه لم يكتف بالعلم ~~فقط، بل دون ذلك عليهم وسجله في كتاب سيعرض عليهم يوم القيامة، ~~كما قال تعالى: # وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء: 47]. وقال: # وكل إنسان ألزمناه طآئره ms5514 في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ ~~كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 13-14]. ويحلو للبعض أن ينكر إمكانية تسجيل الأعمال ~~وكتابتها.. ونقول لهؤلاء: تعالوا إلى ما توصل إليه العقل البشري الآن من ~~تسجيل الصور والأصوات والبصمات وغيرها.. وهذا كله يسهل علينا هذه ~~المسألة عندما نرقي إمكانات العقل البشري إلى الإمكانات الإلهية التي لا ~~حدود لها. فلا وجه إذن لأن ننكر قدرة الملائكة " رقيب وعتيد " في ~~تسجيل الأعمال في كتاب يحفظ أعماله ويحصي عليه كل كبيرة وصغيرة. ثم يقول ~~تعالى: { فادخلوا أبواب جهنم... }. ### || [16.29] # سبق أن قلنا في شرح قوله تعالى في وصف جهنم: # لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم # [الحجر: 44]. أي: أن لكل جماعة من أهل المعصية بابا معلوما.. فباب ~~لأهل الربا.. وباب لأهل الرشوة.. وباب لأهل النفاق وهكذا.. ولك أن ~~تتصور ما يلاقيه من يجمع بين هذه المعاصي!! إنه يدخل هذا الباب ثم ~~يخرج منه ليدخل بابا آخر.. حقا ما أتعس هؤلاء! وهنا يقول تعالى: { ~~فادخلوا أبواب جهنم.. } [النحل: 29]. فجاءت أيضا بصورة ~~الجمع. إذن: كل واحد منكم يدخل من بابه الذي خصص له. ثم يقول سبحانه: ~~{ فلبئس مثوى المتكبرين } [النحل: 29]. والمثوى هو مكان ~~الإقامة، وقال تعالى في موضع آخر: # لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ~~إنه لا يحب المستكبرين # [النحل: 23]. فتكبر واستكبر وكل ما جاء على وزن تفعل يدل على أن ~~كبرهم هذا غير ذاتي لأن الذي يتكبر حقا يتكبر بما فيه ذاتيا لا ~~يسلبه منه أحد، إنما من يتكبر بشيء لا يملكه فتكبره غير حقيقي، ~~وسرعان ما يزول ويتصاغر هؤلاء بما تكبروا به في الدنيا، وبذلك لا يكون ~~لأحد أن يتكبر لأن الكبرياء الحقيقي لله عز وجل. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وقيل للذين اتقوا... }. ### || [16.30] # وقد سبق أن تحدثنا عن قوله تعالى: # وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير ~~الأولين # [النحل: 24]. فهذه مشاهدة ولقطات تبين الموقف الذي انتهى بأن أقروا ~~على أنفسهم أنهم كانوا كافرين. وهذه الآيات ms5515 نزلت في جماعة كانوا داخلين ~~مكة.. وعلى أبوابها التي يأتي منها أهل البوادي، وقد قسم الكافرون ~~أنفسهم على مداخل مكة ليصدوا الداخلين إليها عن سماع خبر أهل الإيمان ~~بالنبي الجديد. وكان أهل الإيمان من المسلمين يتحينون الفرصة ويخرجون ~~على مشارف مكة بحجة رعي الغنم مثلا ليقابلوا هؤلاء السائلين ليخبروهم ~~خبر النبي صلى الله عليه وسلم وخبر دعوته. مما يدل على أن الذي يسأل عن ~~شيء لا يكتفي بأول عابر يسأله، بل يجدد السؤال ليقف على المتناقضات.. ~~فحين سألوا الكافرين قالوا: # قالوا أساطير الأولين # [النحل: 24]. فلم يكتفوا بذلك، بل سألوا أهل الإيمان فكان جوابهم: { ~~قالوا خيرا.. } [النحل: 30]. هذا لنفهم أن الإنسان إذا صادف شيئا ~~له وجهتان متضادتان فلا يكتفي بوجهة واحدة، بل يجب أن يستمع للثانية، ثم ~~بعد ذلك للعقل أن يختار بين البدائل. إذن: حينما سأل الداخلون مكة أهل ~~الكفر: # ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين # [النحل: 24]. وحينما سألوا أهل الإيمان والتقوى: { ماذا أنزل ~~ربكم قالوا خيرا.. } [النحل: 30]. ونلاحظ هنا في { وقيل ~~للذين اتقوا } [النحل: 30]. أن الحق سبحانه لم يوضح لنا من ~~هم، ولم يبين هويتهم، وهذا يدلنا على أنهم كانوا غير قادرين على ~~المواجهة، ويدارون أنفسهم لأنهم ما زالوا ضعافا لا يقدرون على ~~المواجهة. وقد تكرر هذا الموقف - موقف السؤال إلى أن تصل إلى الوجهة ~~الصواب - حينما عتب الحق تبارك وتعالى على نبي من أنبيائه هو سيدنا ~~داود - عليه السلام - في قوله تعالى: # وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ ~~دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف ~~خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا ~~بالحق ولا تشطط واهدنآ إلى سوآء الصراط * إن ~~هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة ~~فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب # [ص: 21-23]. فماذا قال داود عليه السلام؟ # قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه.. # [ص: 24]. وواضح في حكم داود عليه السلام تأثره بقوله له تسع وتسعون ~~ولنفرض أنه لم يكن عنده شيء، ألم يظلم أخاه بأخذ نعجته؟! إذن: تأثر ~~داود بدعوى ms5516 الخصم، وأدخل فيه حيثية أخرى، وهذا خطأ إجرائي في عرض ~~القضية لأن تسع وتسعون هذه لا دخل لها في القضية.. بل هي لاستمالة ~~القاضي وللتأثير على عواطفه ومنافذه، ولبيان أن الخصم غني ومع ذلك فهو ~~طماع ظالم. وسرعان ما اكتشف داود - عليه السلام - خطأه في هذه الحكومة، ~~وأنها كانت فتنة واختبارا من الله: # وظن داوود أنما فتناه.. # [ص: 24]. أي: اختبرناه كي نعلمه الدرس تطبيقا.. أيحكم بالحق ويراعي ~~جميع نواحي القضية أم لا؟ وانظر هنا إلى فطنة النبوة، فسرعان ما عرف داود ~~ما وقع فيه واعترف به، واستغفر ربه وخر له راكعا منيبا. قال ~~تعالى: # فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب # [ص: 24]. إذن: الشاهد هنا أنه كان على داود - عليه السلام - أن يستمع ~~إلى الجانب الآخر والطرف الثاني في الخصومة قبل الحكم فيها. وقوله تعالى: ~~{ وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا ~~خيرا.. } [النحل: 30]. ما هو الخير؟ الخير كل ما تستطيبه النفس بكل ~~ملكاتها.. لكن الاستطابة قد تكون موقوتة بزمن، ثم تورث حسرة ~~وندامة.. إذن: هذا ليس خيرا لأنه لا خير في خير بعده النار، وكذلك لا ~~شر في شر بعده الجنة. إذن: يجب أن نعرف أن الخير يظل خيرا دائما ~~في الدنيا، وكذلك في الآخرة، فلو أخذنا مثلا متعاطي المخدرات نجده يأخذ ~~متعة وقتية ونشوة زائفة سرعان ما تزول، ثم سرعان ما ينقلب هذا الخير في ~~نظره إلى شر عاجل في الدنيا وآجل في الآخرة. إذن: انظر إلى عمر الخير في ~~نفسك وكيفيته وعاقبته.. وهذا هو الخير في قوله تعالى: { قالوا ~~خيرا.. } [النحل: 30]. إذن: هو خير تستطيبه النفس، ويظل خيرا في ~~الدنيا، ويترتب عليه خير في الآخرة، أو هو موصول بخير الآخرة.. ثم فسره ~~الحق تبارك وتعالى في قوله سبحانه: { للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير.. } [النحل: 30]. ونفهم ~~من هذه الآية أنه على المؤمن ألا يترك الدنيا وأسبابها، فربما أخذها ~~منك الكافر وتغلب عليك بها، أو يفتنك في دينك بسببها، فمن يعبد الله ~~أولى بسره في الوجود، وأسرار ms5517 الله في الوجود هي للمؤمنين، ولا ينبغي ~~لهم أن يتركوا الأخذ بأسباب الدنيا للكافرين. اجتهد أنت أيها المؤمن في ~~أسباب الدنيا حتى تأمن الفتنة من الكافرين في دنياك.. ولا يخفى ما ~~نحن فيه الآن من حاجتنا لغيرنا، مما أعطاهم الفرصة ليسيطروا على سياساتنا ~~ومقدراتنا. لذلك يقول سبحانه: { للذين أحسنوا في هذه ~~الدنيا حسنة.. } [النحل: 30]. أي: يأخذون حسناتهم، وتكون لهم ~~اليد العليا بما اجتهدوا، وبما عملوا في دنياهم، وبذلك ينفع الإنسان ~~نفسه وينفع غيره، وكلما اتسعت دائرة النفع منك للناس كانت يدك هي العليا، ~~وكان ثوابك وخيرك موصولا بخير الآخرة. لذلك يقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو ~~بهيمة إلا كان له به صدقة ". # ومن هذه الآية أيضا يتضح لنا جانب آخر، هو ثمرة من ثمرات الإحسان في ~~الدنيا وهي الأمن. # . فمن عاش في الدنيا مستقيما لم يقترف ما يعاقب عليه تجده آمنا ~~مطمئنا، حتى إذا داهمه شر أو مكروه تجده آمنا لا يخاف، لأنه لم يرتكب ~~شيئا يدعو للخوف. خذ مثلا اللص تراه دائما متوجسا خائفا، تدور ~~عينه يمينا وشمالا، فإذا رأى شرطيا هلع وترقب وراح يقول في نفسه: ~~لعله يقصدني.. أما المستقيم فهو آمن مطمئن. ومن ثمرات هذا الإحسان وهذه ~~الاستقامة في الدنيا أن يعيش الإنسان على قدر إمكاناته ولا يرهق نفسه ~~بما لا يقدر عليه، وقديما قالوا لأحدهم: قد غلا اللحم، فقال: أرخصوه، ~~قالوا: وكيف لنا ذلك؟ قال: ازهدوا فيه. وقد نظم ذلك الشاعر فقال: # وإذا غلا شيء علي تركته # فيكون أرخص ما يكون إذا غلا # ولا تقل: النفس تواقة إليه راغبة فيه، فهي كما قال الشاعر: # والنفس راغبة إذا رغبتها # وإذا ترد إلى قليل تقنع # وفي حياتنا العملية، قد يعود الإنسان من عمله ولما ينضج الطعام، ولم ~~تعد المائدة وهو جائع، فيأكل أي شيء موجود وتنتهي المشكلة، ويقوم هذا ~~محل هذا، وتقنع النفس بما نالته. ولكي يعيش الإنسان على قدر ~~إمكاناته لا بد له ms5518 أن يوازن بين دخله ونفقاته، فمن كان عنده ~~عسر في دخله، أو ضاقت عليه منافذ الرزق لا بد له من عسر في ~~مصروفه، ولا بد له أن يضيق على النفس شهواتها، وبذلك يعيش مستورا ~~ميسورا، راضي النفس، قرير العين. والبعض في مثل هذه المواقف يلجأ إلى ~~الاستقراض للإنفاق على شهوات نفسه، وربما اقترض ما يتمتع به شهرا، ويعيش ~~في ذلة دهرا لذا من الحكمة إذن قبل أن تسأل الناس القرض سل نفسك ~~أولا، واطلب منها أن تصبر عليك، وأن تنظرك إلى ساعة اليسر، ولا ~~تلجئك إلى مذلة السؤال.. وقبل أن تلوم من منعك لم نفسك التي ~~تأبت عليك أولا. وما أبدع شاعرنا الذي صاغ هذه القيم في قوله: # إذا رمت أن تستقرض المال منفقا # على شهوات النفس في زمن العسر # فسل نفسك الإنفاق من كنز صبرها # عليك وإنظارا إلى ساعة اليسر # فإن فعلت كنت الغني، وإن أبت # فكل منوع بعدها واسع العذر # ثم يقول الحق سبحانه: { ولدار الآخرة خير.. } [النحل: 30]. ~~والخير في الآخرة من الله، والنعيم فيها على قدر المنعم تبارك وتعالى، ~~دون تعب ولا كد ولا عمل. ومعلوم أن كلمة: { قالوا خيرا.. } ~~[النحل: 30]. التي فسرها الحق تبارك وتعالى بقوله: { للذين ~~أحسنوا في هذه الدنيا حسنة.. } [النحل: 30]. تقابلها ~~كلمة " شر " ، هذا الشر هو ما جاء في قول الكافرين: # ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين # [النحل: 24]. فهؤلاء قالوا خيرا، وأولئك قالوا شرا. ولكن إذا قيل: ذلك ~~خير من ذلك، فقد توفر الخير في الاثنين، إلا أن أحدهما زاد في الخيرية عن ~~الآخر، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ". # لذلك لما قال: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة.. } [النحل: 30]. قال: { ولدار الآخرة خير.. } ~~[النحل: 30]. أي: خير من حسنة الدنيا، فحسنة الدنيا خير، وأخير منها حسنة ~~الآخرة. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: { ولنعم دار ~~المتقين } [النحل: 30]. أي: دار الآخرة. ثم أراد الحق تبارك وتعالى ~~أن يعطينا صورة موجزة عن دار ms5519 المتقين كأنها برقية، فقال سبحانه: { ~~جنات عدن يدخلونها... }. ### || [16.31] # والجنات: تعني البساتين التي بها الأشجار والأزهار والثمار والخضرة، مما ~~لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.. ليس هذا وفقط.. هذه ~~الجنة العمومية التي يراها كل من يدخلها.. بل هناك لكل واحد قصر خاص ~~به، بدليل قوله تعالى: # ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن ~~طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم # [الصف: 12]. إذن: هنا قدر مشترك للجميع: { جنات عدن ~~يدخلونها تجري من تحتها الأنهار.. } [النحل: 31]. ~~ومعنى قوله تعالى: { جنات عدن.. } [النحل: 31]. أي: جنات إقامة ~~دائمة لأن فيها كل ما يحتاجه الإنسان، فلا حاجه له إلى غيرها.. هب أنك ~~دخلت أعظم حدائق وبساتين العالم - هايد بارك مثلا - فقصارى الأمر أن ~~تتنزه به بعض الوقت، ثم يعتريك التعب ويصيبك الملل والإرهاق فتطلب ~~الراحة من هذه النزهة.. أما الجنة فهي جنة عدن، تحب أن تقيم فيها إقامة ~~دائمة. ويصف الحق سبحانه هذه الجنات فيقول: { تجري من تحتها ~~الأنهار.. } [النحل: 31]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # تجري تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100]. ومعنى " تجري تحتها " أي: أنها تجري تحتها، وربما تأتي ~~من مكان آخر.. وقد يقول هنا قائل: يمكن أن يمنع عنك جريان هذه الأنهار ~~لذلك جاءت الآية: { تجري من تحتها الأنهار.. } [النحل: 31]. ~~أي: ذاتية في الجنة لا يمنعها عنك مانع. ثم يقول تعالى: { لهم فيها ~~ما يشآؤون.. } [النحل: 31]. والمشيئة هنا ليست بإرادة الدنيا ~~ومشيئتها، وإنما مشيئة بالمزاج الخصب الذي يتناسب مع الآخرة ونعيمها.. ~~فمثلا: إذا دخلت على إنسان رقيق الحال فلك مشيئة على قدر حالته، وإذا ~~دخلت على أحد العظماء أو الأثرياء كانت لك مشيئة أعلى.. وهكذا. إذن: ~~المشيئات النفسية تختلف باختلاف المشاء منه، فإذا كان المشاء منه هو ~~الله الذي لا يعجزه شيء تكون مشيئتك مطلقة، فالمشيئة في الآية ليست ~~كمشيئة الدنيا لأن مشيئة الدنيا تتحدد ببيئة الدنيا.. أما مشيئة الآخرة ~~فهي المشيئة المتفتحة المتصاعدة المرتقية كما تترقى المشيئات عند البشر ~~في البشر حسب مراتبهم ومراكزهم. ويروى أنه لما أسرت بنت ms5520 أحد ملوك ~~فارس عند رجل، وأرادوا شراءها منه وعرضوا عليه ما يريد، فقال: أريد فيها ~~ألف دينار، فأعطوه الألف دينار وأخذوها منه.. فقال له أحدهم: إنها ابنة ~~الملك، ولو كنت طلبت منه كذا وكذا لم يبخل عليك فقال: والله لو علمت أن ~~وراء الألف عددا لطلبته.. فقد طلب قصارى ما وصل إليه علمه. لذلك لما ~~أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرح لنا هذا النص القرآني: { لهم ~~فيها ما يشآؤون. # . } [النحل: 31]. وكذلك قوله تعالى: # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم ~~فيها خالدون # [الزخرف: 71]. قال: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # إذن: تحديد الإطار للآية بقدر ما هم فيه عند ربهم. { كذلك يجزي ~~الله المتقين } [النحل: 31]. أي: هكذا الجزاء الذي يستحقونه بما ~~قدموا في الدنيا، وبما حرموا منه أنفسهم من متع حرام.. وقد جاء الآن ~~وقت الجزاء، وهو جزاء أطول وأدوم لذلك قال الحق تبارك وتعالى في آية ~~أخرى: # كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام ~~الخالية # [الحاقة: 24]. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { الذين ~~تتوفاهم... }. ### || [16.32] # أي: المتقون هم الذين تتوفاهم الملائكة طيبين. ومعنى: { ~~تتوفاهم.. } [النحل: 32]. أي: تأتي لقبض أرواحهم، وهنا نسب ~~التوفي إلى جملة الملائكة، كأنهم جنود ملك الموت الأصيل عزرائيل، وقد ~~سبق أن قلنا: إن الحق تبارك وتعالى مرة ينسب التوفي إلى الملائكة، ~~ومرة ينسبه إلى ملك الموت: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم.. # [السجدة: 11]. ومرة ينسبه إلى نفسه سبحانه: # الله يتوفى.. # [الزمر: 42]. ذلك لأن الله سبحانه هو الآمر الأعلى، وعزرائيل ملك ~~الموت الأصيل، والملائكة هم جنوده الذين ينفذون أوامره. وقوله: { ~~طيبين.. } [النحل: 32]. تقابل الآية السابقة: # الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم.. # [النحل: 28]. والطيب هو الشيء الذي يوجد له خير دائم لا ينقطع ولا ~~ينقلب خيره هذا شرا، وهو الشيء الذي تستريح له النفس راحة تنسجم منها ~~كل ملكاتها، بشرط أن يكون مستمرا إلى خير منه، ولا يستمر إلى خير ~~منه وأحسن إلا طيب القيم وطيب الدين، أما غير ذلك ms5521 فهو طيب موقوت ~~سرعان ما يهجر. ولذلك حينما يدعي اثنان المحبة في الله نقول: هذه كلمة ~~تقال، ومصداقها أن ينمو الود بينكما كل يوم عن اليوم الذي قبله لأن ~~الحب للدنيا تشوبه الأطماع والأهواء، فترى الحب ينقص يوما بعد يوم، ~~حسب ما يأخذ أحدهما من الآخر، أما المتحابان في الله فيأخذان من عطاء ~~لا ينفد، هو عطاء الحق تبارك وتعالى، فإن رأيت اثنين يزداد ودهما ~~فاعلم أنه ود لله وفي الله، على خلاف الود لأغراض الدنيا فهو ود ~~سرعان ما ينقطع. هل هناك أطيب من أنهم طهروا أنفسهم من دنس الشرك؟ ~~وهل هناك أطيب من أنهم أخلصوا عملهم لله، وهل هناك أطيب من أنهم لم ~~يسرفوا على أنفسهم في شيء؟ وحسب هؤلاء من الطيب أنهم ساعة يأتي ~~ملك الموت يمر عليهم شريط أعمالهم، وملخص ما قدموه في الدنيا، ~~فيرون خيرا، فتراهم مستبشرين فرحين، يبدو ذلك على وجوههم ساعة ~~الاحتضار، فتراه أبيض الوجه مشرقا مبتسما، عليه خاتمة الخير والطيب ~~والسعادة ذلك لما عاينه من طيب عمله، ولما يستبشر به من الجزاء عند الله ~~تبارك وتعالى. وعلى عكس هذه الحالة تماما نرى أهل الشقاوة، وما هم ~~عليه ساعة الغرغرة من سواد الوجه، وسوء الخاتمة، والعياذ بالله. { ~~يقولون سلام عليكم.. } [النحل: 32]. أي: حينما تتوفاهم ~~الملائكة يقولون لهم سلام لأنكم خرجتم من الدنيا بسلام، وستقبلون على ~~الآخرة بسلام، إذن: سلام الطيبين سلام موصول من الدنيا إلى الآخرة، ~~سلام مترتب على سلامة دينكم في الدنيا، وسلامة إقبالكم على الله، دون ~~خوف في الآخرة. وهنا سلام آخر جاء في قول الحق تبارك وتعالى: # وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ~~حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]. ثم يأتي السلام الأعلى عليهم من الله تبارك وتعالى لأن كل ~~هذه السلامات لهؤلاء الطيبين مأخوذة من السلام الأعلى: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. وهل هناك أفضل وأطيب من هذا السلام الذي جاء من الحق تبارك ~~وتعالى مباشرة. وتعجب هنا من ms5522 سلام أهل الأعراف على المؤمنين الطيبين وهم ~~في الجنة، ونحن نعرف أن أهل الأعراف هم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم ~~فحجزا على الأعراف، وهو مكان بين الجنة والنار، والقسمة الطبيعية تقتضي ~~أن للميزان كفتين ذكرهما الحق تبارك وتعالى في قوله: # فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * ~~وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية # [القارعة: 6-9]. هاتان حالتان للميزان، فأين حالة التساوي بين الكفتين؟ ~~جاءت في قوله تعالى: # وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم.. # [الأعراف: 46]. أي: يعرفون أهل الجنة وأهل النار: # ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم ~~يدخلوها وهم يطمعون # [الأعراف: 46]. ووجه العجب هنا أن أهل الأعراف في مأزق وشدة وانشغال ~~بما هم فيه من شدة الموقف، ومع ذلك نراهم يفرحون بأهل الجنة الطيبين، ~~ويبادرونهم بالسلام. إذن: لأهل الجنة سلام من الملائكة عند الوفاة، ~~وسلام عندما يدخلون الجنة، وسلام أعلى من الله تبارك وتعالى، وسلام حتى ~~من أهل الأعراف المنشغلين بحالهم. { ادخلوا الجنة بما ~~كنتم تعملون } [النحل: 32]. أي: لأنكم دفعتم الثمن والثمن هو ~~عملكم الصالح في الدنيا، واتباعكم لمنهج الحق تبارك وتعالى. وقد يرى ~~البعض تعارضا بين هذه الآية وبين الحديث الشريف: # " لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ~~ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # والحقيقة أنه لا يوجد تعارض بينهما، ولكن كيف نوفق بين الآية ~~والحديث؟ الله تعالى يوحي لرسوله صلى الله عليه وسلم الحديث كما يوحي ~~له الآية، فكلاهما يصدر عن مشكاة واحدة ومصدر واحد.. على حد قوله ~~تعالى: # وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله.. # [التوبة: 74]. فالحدث هنا واحد، فلم يغنهم الله بما يناسبه والرسول ~~بما يناسبه، بل هو غناء واحد وحدث واحد، وكذلك ليس ثمة تعارض بين الآية ~~والحديث.. كيف؟ الحق تبارك وتعالى كلف الإنسان بعد سن الرشد ~~والعقل، وأخذ يوالي عليه النعم منذ صغره، وحينما كلفه كلفه بشيء ~~يعود على الإنسان بالنفع والخير، ولا يعود على الله منه شيء، ثم بعد ذلك ~~يجازيه على هذا التكليف ms5523 بالجنة. إذن: التكليف كله لمصلحة العبد في ~~الدنيا والآخرة. إذن: تشريع الجزاء من الله في الآخرة هو محض الفضل من ~~الله، ولو أطاع العبد ربه الطاعة المطلوبة منه في الأفعال الاختيارية ~~التكليفية لما وفى نعم الله عليه، وبذلك يكون الجزاء في الجنة ~~فضلا من الله ومنة. # أو: أنهم حينما قالوا: { بما كنتم تعملون } [النحل: 32]. ~~يريدون أن عملهم سبب عادي لدخول الجنة، ثم يكتسبونها بفضل الله.. فتجمع ~~الآية بين العمل والفضل معا لذلك فإن الحق تبارك وتعالى يقوي هذا ~~بقوله تعالى: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. فهم لم يفرحوا بالعمل لأنه لا يفي بما هم فيه من نعمة، بل ~~الفرحة الحقيقية تكون بفضل الله ورحمته، وفي الدعاء: " اللهم عاملنا ~~بالفضل لا بالعدل ". وأخيرا.. هل كانوا يعملون هكذا من عند أنفسهم؟ لا.. ~~بل بمنهج وضعه لهم ربهم تبارك وتعالى.. إذن: بالفضل لا بمجرد العمل.. ~~ومثال ذلك: الوالد عندما يقول لولده: لو اجتهدت هذا العام وتفوقت سأعطيك ~~كذا وكذا.. فإذا تفوق الولد كان كل شيء لصالحه: النجاح والهدية. ثم ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: { هل ينظرون إلا... }. ### || [16.33] # بعد أن عرضت الآيات جزاء المتقين الذين قالوا خيرا، عادت لهؤلاء ~~الذين قالوا { أساطير الأولين } الذين يصادمون الدعوة إلى ~~الله، ويقفون منها موقف العداء والكيد والتربص والإيذاء. وهذا ~~استفهام من الحق تبارك وتعالى لهؤلاء: ماذا تنتظرون؟! بعدما فعلتم بأمر ~~الدعوة وما صددتم الناس عنها، ماذا تنتظرون؟ أتنتظرون أن تروا ~~بأعينكم، ليس أمامكم إلا أمران: سيحلان بكم لا محالة: إما أن تأتيكم ~~الملائكة فتتوفاكم، أو يأتي أمر ربك، وهو يوم القيامة ولا ينجيكم منها ~~إلا أن تؤمنوا، أم أنكم تنتظرون خيرا؟! فلن يأتيكم خير أبدا.. كما ~~قال تعالى في آيات أخرى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1]. وقال: # اقتربت الساعة.. # [القمر: 1]. وقال: # اقترب للناس حسابهم.. # [الأنبياء: 1]. إذن: إنما ينتظرون أحداثا تأتي لهم بشر: تأتيهم ~~الملائكة لقبض أرواحهم في حالة هم بها ظالمون لأنفسهم، ثم يلقون ~~السلم رغما عنهم، أو: تأتيهم الطامة ms5524 الكبرى وهي القيامة. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { كذلك فعل الذين من قبلهم.. } [النحل: ~~33]. أي: ممن كذب الرسل قبلهم.. يعني هذه مسألة معروفة عنهم من قبل: ~~{ وما ظلمهم الله.. } [النحل: 33]. أي: وما ظلمهم الله حين ~~قدر أن يجازيهم بكذا وكذا، وليس المراد هنا ظلمهم بالعذاب لأن العذاب ~~لم يحل بهم بعد. { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ~~[النحل: 33]. وهذا ما نسميه بالظلم الأحمق لأن ظلم الغير قد يعود على ~~الظالم بنوع من النفع، أما ظلم النفس فلا يعود عليها بشيء وذلك لأنهم ~~أسرفوا على أنفسهم في الدنيا فيما يخالف منهج الله، وبذلك فوتوا على ~~أنفسهم نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، وهذا هو ظلمهم لأنفسهم. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { فأصابهم سيئات ما عملوا... }. ### || [16.34] # أي: أنهم لما ظلموا أنفسهم أصابهم جزاء ذلك، وسمي ما يفعل بهم سيئة ~~لأن الحق تبارك وتعالى يسمي جزاء السيئة سيئة في قوله: # وجزآء سيئة سيئة مثلها.. # [الشورى: 40]. ويقول تعالى: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. # [النحل: 126]. وهذه تسمى المشاكلة، أي: أن هذه من جنس هذه. وقوله ~~تعالى: { ما عملوا } العمل هو مزاولة أي جارحة من الإنسان ~~لمهمتها، فكل جارحة لها مهمة. الرجل واليد والعين والأذن.. الخ. ~~فاللسان مهمته أن يقول، وبقية الجوارح مهمتها أن تفعل. إذن: فاللسان ~~وحده أخذ النصف، وباقي الجوارح أخذت النصف الآخر ذلك لأن حصائد الألسنة ~~عليها المعول الأساسي. فكلمة الشهادة: لا إله إلا الله لا بد من ~~النطق بها لنعرف أنه مؤمن، ثم يأتي دور الفعل ليساند هذا القول لذا ~~قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون # [الصف: 2-3]. وبالقول تبلغ المناهج للآذان.. فكيف تعمل الجوارح دون ~~منهج؟ ولذلك فقد جعل الحق تبارك وتعالى للأذن وضعا خاصا بين باقي ~~الحواس، فهي أول جارحة في الإنسان تؤدي عملها، وهي الجارحة التي لا تنقضي ~~مهمتها أبدا.. كل الجوارح لا تعمل مثلا أثناء النوم إلا الأذن، وبها ~~يتم الاستدعاء والاستيقاظ من النوم. وإذا استقرأت آيات القرآن ms5525 الكريم، ~~ونظرت في آيات الخلق ترى الحق تبارك وتعالى يقول: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. ثم هي آلة الشهادة يوم القيامة: # حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم.. # [فصلت: 20]. ولذلك يقول الحق سبحانه: # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا # [الكهف: 11]. ومعنى: ضربنا على آذانهم، أي: عطلنا الأذن التي لا تعطل ~~حتى يطمئن نومهم ويستطيعوا الاستقرار في كهفهم، فلو لم يجعل الله تعالى ~~في تكوينهم الخارجي شيئا معينا لما استقر لهم نوم طوال 309 أعوام. ~~ويقول الحق تعالى: { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } ~~[النحل: 34]. بماذا استهزأ الكافرون؟ استهزأوا بالبعث والحساب وما ~~ينتظرهم من العذاب، فقالوا كما حكى القرآن: # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ~~* أو آبآؤنا الأولون # [الصافات: 16-17]. وقالوا: # أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد.. # [السجدة: 10]. ثم بلغ بهم الاستهزاء أن تعجلوا العذاب فقالوا: # فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # [الأعراف: 70]. وقالوا: # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا.. # [الإسراء: 92]. وهل يطلب أحد من عدوه أن ينزل به العذاب إلا إذا كان ~~مستهزئا؟ فقال لهم الحق تبارك وتعالى: إنكم لن تقدروا على هذا العذاب ~~الذي تستهزئون به. فقال: { وحاق بهم.. } [النحل: 34]. أي: أحاط ونزل ~~بهم، فلا يستطيعون منه فرارا، ولا يجدون معه منفذا للفكاك، كما في قوله ~~تعالى: # والله من ورآئهم محيط # [البروج: 20]. ثم يقول الحق سبحانه: { وقال الذين أشركوا... ~~}. ### || [16.35] # نلاحظ أنه ساعة أن يأتي الفعل نصا في مطلوبه لا يذكر المتعلق به.. ~~فلم يقل: أشركوا بالله.. لأن ذلك معلوم، والإشراك معناه الإشراك ~~بالله، لذلك قال تعالى هنا: { وقال الذين أشركوا.. } [النحل: ~~35]. ثم يورد الحق سبحانه قولهم: { لو شآء الله ما عبدنا من ~~دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من ~~دونه من شيء.. } [النحل: 35]. إنهم هنا يدافعون عن أنفسهم، وهذه ~~هي الشماعة التي يعلق عليها الكفار خطاياهم - شماعة أن الله كتب علينا ~~وقضى بكذا وكذا. فيقول المسرف على ms5526 نفسه: ربنا هو الذي أراد لي كذا، وهو ~~الذي يهدي، وهو الذي يضل، وهو الذي جعلني ارتكب الذنوب، إلى آخر هذه ~~المقولات الفارغة من الحق - والنهاية فلماذا يعذبني إذن؟ وتعالوا نناقش ~~صاحب هذه المقولات، لأن عنده تناقضا عقليا، والقضية غير واضحة أمامه.. ~~ولكي نزيل عنه هذا الغموض نقول له: ولماذا لم تقل: إذا كان الله قد أراد ~~لي الطاعة وكتبها علي، فلماذا يثيبني عليها.. هكذا المقابل.. فلماذا ~~قلت بالأولى ولم تقل بالثانية؟! واضح أن الأولى تجر عليك الشر ~~والعذاب، فوقفت في عقلك.. أما الثانية فتجر عليك الخير، لذلك تغاضيت ~~عن ذكرها. ونقول له: هل أنت حينما تعمل أعمالك.. هل كلها خير؟ أم هل ~~كلها شر؟ أما منها ما هو خير، ومنها ما هو شر؟ والإجابة هنا واضحة. ~~إذن: لا أنت مطبوع على الخير دائما، ولا أنت مطبوع على الشر دائما، ~~لذلك فأنت صالح للخير، كما أنت صالح للشر. إذن: هناك فرق بين أن يخلقك ~~صالحا للفعل وضده، وبين أن يخلقك مقصورا على الفعل لا ضده، ولما ~~خلقك صالحا للخير وصالحا للشر أوضح لك منهجه وبين لك الجزاء، فقال: ~~اعمل الخير.. والجزاء كذا، واعمل الشر.. والجزاء كذا.. وهذا هو المنهج. ~~ويحلو للمسرف على نفسه أن يقول: إن الله كتبه علي.. وهذا عجيب، ~~وكأني به قد اطلع على اللوح المحفوظ ونظر فيه ، فوجد أن الله كتب ~~عليه أن يشرب الخمر مثلا فراح فشربها لأن الله كتبها عليه. ولو أن ~~الأمر هكذا لكنت طائعا بشربك هذا، لكن الأمر خلاف ما تتصور، فأنت لا ~~تعرف أنها كتبت عليك إلا بعد أن فعلت، والفعل منك مسبوق بالعزم على ~~أن تفعل، فهل اطلعت على اللوح المحفوظ كي تعرف ما كتبه الله عليك؟ ~~وانتبه هنا واعلم أن الله تعالى كتب أزلا لأنه علم أنك تفعل أجلا، ~~وعلم الله مطلق لا حدود له. ونضرب مثلا - ولله المثل الأعلى - ~~الوالد الذي يلاحظ ولده في دراسته، فيجده مهملا غير مجد فيتوقع فشله ~~في الامتحان. # . هل دخل الوالد مع ولده وجعله ms5527 يكتب خطأ؟ لا.. بل توقع له الفشل لعلمه ~~بحال ولده، وعدم استحقاقه للنجاح. إذن: كتب الله مسبقا وأزلا لأنه ~~يعلم ما يفعله العبد أصلا.. وقد أعطانا الحق تبارك وتعالى صورة أخرى ~~لهذا المنهج حينما وجه المؤمنين إلى الكعبة بعد أن كانت وجهتهم إلى ~~بيت المقدس، فقال تعالى: # قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك ~~قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره.. # [البقرة: 144]. ثم أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها.. # [البقرة: 142]. جاء الفعل هكذا في المستقبل: سيقول.. إنهم لم يقولوا ~~بعد هذا القول، وهذا قرآن يتلى على مسامع الجميع غير خاف على أحد من ~~هؤلاء السفهاء، فلو كان عند هؤلاء عقل لسكتوا ولم يبادروا بهذه ~~المقولة، ويفوتوا الفرصة بذلك على محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صدق ~~القرآن الكريم. كان باستطاعتهم أن يسكتوا ويوجهوا للقرآن تهمة الكذب، ~~ولكن شيئا من ذلك لم يحدث. وبذلك تمت إرادة الله وأمره حتى على ~~الكافرين الذين يبحثون عن مناقضة في القرآن الكريم. وهذه الآية: { ~~وقال الذين أشركوا.. } [النحل: 35]. تشرح وتفسر قول الله ~~تعالى: # سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء.. # [الأنعام: 148]. فهنا { سيقول } وفي الآية الأخرى { قال } لنعلم ~~أنه لا يستطيع أحد معارضة قول الله تعالى، أو تغيير حكمه. ثم يقول ~~تعالى: { نحن ولا آباؤنا.. } [النحل: 35]. لماذا لم يتحدث هؤلاء ~~عن أنفسهم فقط؟ ما الحكمة في دفاعهم عن آبائهم هنا؟ الحكمة أنهم سيحتاجون ~~لهذه القضية فيما بعد وسوف يجعلونها حجة حينما يقولون: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مهتدون # [الزخرف: 22]. إذن: لا حجة لهؤلاء الذين يعلقون إسرافهم على ~~أنفسهم على شماعة القدر، وأن الله تعالى كتب عليهم المعصية لأننا نرى حتى ~~من المسلمين من يتكلم بهذا الكلام، ويميل إلى هذه الأباطيل، ومنهم من ~~تأخذه الجرأة على الله عز وجل فيشبه هذه القضية بقول الشاعر: # ألقاه في اليم مكتوفا ms5528 وقال له # إياك إياك أن تبتل بالماء # وما يفعل هذا إلا ظالم!! تعالى الله وتنزه عن قول الجهال ~~والكافرين، وأيضا هناك من يقول: إن الإنسان هو الذي يخلق الفعل، ~~ويعارضهم آخرون يقولون: لا بل ربنا هو الذي يخلق الفعل. نقول لهم ~~جميعا: افهموا، ليس هناك في الحقيقة خلاف.. ونسأل: ما هو الفعل؟ الفعل ~~توجيه جارحة لحدث، فأنت حينما توجه جارحة لحدث، ما الذي فعلته أنت؟ ~~هل أعطيت لليد مثلا قوة الحركة بذاتها؟ أم أن إرادتك هي التي وجهت ~~حركتها؟ والجارحة مخلوقة لله تعالى، وكذلك الإرادة التي حكمت على ~~الجارحة مخلوقة لله أيضا. # . إذن: ما فعلته أنت ما هو إلا أن وجهت المخلوق لله إلى ما لا يحب ~~الله - في حالة المعصية - وإلى ما يحبه الله في حالة الطاعة. كذلك لا ~~بد أن نلاحظ أن لله تعالى مرادات كونية ومرادات شرعية.. فالمراد ~~الكوني هو ما يكون فعلا، كل ما تراه في الكون أراد الله أن يكون. ~~والمراد الشرعي: هو طلب الشيء لمحبوبيته. ولنأخذ مثلا لتوضيح ذلك: ~~كفر الكافر، أراد الله كونيا أن يكون، لأنه خلقه مختارا وقال: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29]. وطالما خلقك الله مختارا تستطيع أن تتوجه إلى الإيمان، أو ~~تتوجه إلى الكفر، ثم كفرت. إذن: فهل كفرت غصبا عنه وعلى غير مراده ~~سبحانه وتعالى؟ حاشا لله ومعنى ذلك أن كفر الكافر مراد كوني، وليس ~~مرادا شرعيا. وبنفس المقياس يكون إيمان المؤمن مرادا كونيا ومرادا ~~شرعيا، أما كفر المؤمن، المؤمن حقيقة لم يكفر. إذن: هو مراد شرعي وكذلك ~~مراد كوني، وهكذا، فلا بد أن نفرق بين المراد كونيا والمراد ~~شرعيا. ولذلك لما حدثت ضجة في الحرم المكي منذ سنوات، وحدث فيه إطلاق ~~للنار وترويع للآمنين، قال بعضهم: كيف يحدث هذا وقد قال تعالى: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97]. وها هو الحال قتل وإزعاج للآمنين فيه؟! والحقيقة أن ~~هؤلاء خلطوا بين مراد كوني ومراد شرعي، فالمقصود بالآية: فمن دخله ~~فأمنوه. أي: اجعلوه آمنا، فهذا مطلب من الله ms5529 تبارك وتعالى، وهو مراد ~~شرعي قد يحدث وقد لا يحدث.. أما المراد الكوني فهو الذي يحدث فعلا. ~~وبذلك يكون ما حدث في الحرم مرادا كونيا، وليس مرادا شرعيا. ثم يقول ~~تعالى على لسانهم: { ولا حرمنا من دونه من شيء.. } ~~[النحل: 35]. وقد ورد توضيح هذه الآية في قوله تعالى: # ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ~~ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله ~~الكذب وأكثرهم لا يعقلون # [المائدة: 103]. ثم يقول تعالى مقررا: { كذلك فعل الذين من ~~قبلهم.. } [النحل: 35]. أي: هذه سنة السابقين المعاندين. { ~~فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } [النحل: 35]. ~~البلاغ هو ما بين عباد الله وبين الله، وهو بلاغ الرسل، والمراد به ~~المنهج " افعل أو لا تفعل ". ولا يقول الله لك ذلك إلا وأنت قادر على ~~الفعل وقادر على الترك. لذلك نرى الحق تبارك وتعالى يرفع التكليف عن ~~المكره فلا يتعلق به حكم لأنه في حالة الإكراه قد يفعل ما لا يريده ولا ~~يحبه، وكذلك المجنون والصغير الذي لم يبلغ التعقل، كل هؤلاء لا يتعلق ~~بهم حكم.. لماذا؟ لأن الله تعالى يريد أن يضمن السلامة لآلة الترجيح في ~~الاختيار. # . وهي العقل. وحينما يكون الإنسان محل تكليف عليه أن يجعل الفيصل ~~في: { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين } [النحل: ~~35]. بلاغ المنهج بافعل ولا تفعل لذلك استنكر القرآن الكريم على هؤلاء ~~الذين جاءوا بقول من عند أنفسهم دون رصيد من المبلغ صلى الله عليه وسلم، ~~فقال تعالى في حق هؤلاء: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون ~~* وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم.. # [الزخرف: 19-20]. فأنكر عليهم سبحانه ذلك، وسألهم: # أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون # [الزخرف: 21]. وخاطبهم سبحانه في آية أخرى: # أم لكم كتاب فيه تدرسون # [القلم: 37]. وكلمة { البلاغ المبين } أي: لا بد أن يبلغ ~~المكلف، فإن حصل تقصير في ألا يبلغ المكلف ينسب التقصير ~~إلى أهل الدين الحق، المنتسبين إليه، والمناط بهم تبليغ هذا المنهج ~~لمن لم يصله. وقد وردت ms5530 الأحاديث الكثيرة في الحث على تبليغ دين ~~الله لمن لم يصله الدين. كما قال صلى الله عليه وسلم: # " بلغوا عني ولو آية " # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها، ~~فرب مبلغ أوعى من سامع ". # قال تعالى: { ولقد بعثنا... }. ### || [16.36] # فالحق سبحانه يقول هنا: { ولقد بعثنا في كل أمة ~~رسولا.. } [النحل: 36]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # من كل أمة.. # [النحل: 84]. فهذه لها معنى، وهذه لها معنى.. فقوله: # من كل أمة.. # [النحل: 84]. أي: من أنفسهم، منهم خرج، وبينهم تربى ودرج، يعرفون ~~خصاله وصدقه ومكانته في قومه. أما قوله تعالى: { في كل أمة.. ~~} [النحل: 36]. ف " في " هنا تفيد الظرفية. أي: في الأمة كلها، وهذه ~~تفيد التغلغل في جميع الأمة.. فلا يصل البلاغ منه إلى جماعة دون أخرى، بل ~~لا بد من عموم البلاغ لجميع الأمة. وكذلك يقول تعالى مرة: # أرسلنا.. # [الحديد: 26]. ومرة أخرى يقول: { بعثنا.. } [النحل: 36]. وهناك فرق ~~بين المعنيين ف { أرسلنا } تفيد الإرسال، وهو: أن يتوسط مرسل ~~إلى مرسل إليه. أما { بعثنا } فتفيد وجود شيء سابق اندثر، ونريد ~~بعثه من جديد. ولتوضيح هذه القضية نرجح إلى قصة آدم - عليه السلام - حيث ~~علمه الله الأسماء كلها، ثم أهبطه من الجنة إلى الأرض. وقال: # فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 38]. وقال في آية أخرى: # فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى # [طه: 123]. إذن: هذا منهج من الله تعالى لآدم عليه السلام والمفروض ~~أن يبلغ آدم هذا المنهج لأبنائه، والمفروض في أبنائه أن يبلغوا هذا ~~المنهج لأبنائهم، وهكذا، إلا أن الغفلة قد تستحوذ على المبلغ للمنهج، ~~أو عدم رعاية المبلغ للمنهج فتنطمس المناهج، ومن هنا يبعثها الله من ~~جديد، فمسألة الرسالات لا تأتي هكذا فجأة فجماعة من الجماعات، بل هي ~~موجودة منذ أول الخلق. فالرسالات إذن بعث لمنهج إلهي، كان يجب أن ~~يظل على ذكر من الناس، يتناقله الأبناء عن الآباء، إلا أن ms5531 الغفلة قد ~~تصيب المبلغ فلا يبلغ، وقد تصيب المبلغ فلا يلتزم بالبلاغ لذلك يجدد ~~الله الرسل. وقد وردت آيات كثيرة في هذا المعنى، مثل قوله تعالى: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24]. وقوله: # ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ~~وأهلها غافلون # [الأنعام: 131]. وقوله: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. لذلك نرى غير المؤمنين بمنهج السماء يضعون لأنفسهم ~~القوانين التي تنظم حياتهم، أليس لديهم قانون يحدد الجرائم ويعاقب ~~عليها؟ فلا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص، ولا نص إلا ~~بإبلاغ. ومن هنا تأتي أهمية وضع القوانين ونشرها في الصحف والجرائد ~~العامة ليعلمها الجميع، فلا يصح أن نعاقب إنسانا على جريمة هو لا يعلم ~~أنها جريمة، فلا بد من إبلاغه بها أولا، ليعلم أن هذا العمل عقوبته ~~كذا وكذا، ومن هنا تقام عليه الحجة. # وهنا أيضا نلاحظ أنه قد يتعاصر الرسولان، ألم يكن إبراهيم ولوط ~~متعاصرين؟ ألم يكن شعيب وموسى متعاصرين؟ فما علة ذلك؟ نقول: لأن ~~العالم كان قديما على هيئة الانعزال، فكل جماعة منعزلة في مكانها عن ~~الأخرى لعدم وجود وسائل للمواصلات، فكانت كل جماعة في أرض لا تدري ~~بالأخرى، ولا تعلم عنها شيئا. ومن هنا كان لكل جماعة بيئتها الخاصة ~~بما فيها من عادات وتقاليد ومنكرات تناسبها، فهؤلاء يعبدون الأصنام، ~~وهؤلاء يطففون الكيل والميزان، وهؤلاء يأتون الذكران دون النساء. ~~إذن: لكل بيئة جريمة تناسبها، ولا بد أن نرسل الرسل لمعالجة هذه ~~الجرائم، كل في بلد على حدة. لكن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كانت ~~على موعد مع التقاءات الأمكنة مع وجود وسائل المواصلات، لدرجة أن المعصية ~~تحدث مثلا في أمريكا فنعلم بها في نفس اليوم.. إذن: أصبحت الأجواء ~~والبيئات واحدة، ومن هنا كان منطقيا أن يرسل صلى الله عليه وسلم ~~للناس كافة، وللأزمنة كافة. وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الشمولية ~~بقوله: # ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا.. # [سبأ: 28]. أي: للجميع لم يترك أحدا، كما يقول الخياط: كففت القماش ~~أي: جمعت بعضه ms5532 على بعض، حتى لا يذهب منه شيء. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت.. } [النحل: 36]. ~~هذه هي مهمة الرسل: { أن اعبدوا الله.. } [النحل: 36]. والعبادة ~~معناها التزام بأمر فيفعل، وينهي عن أمر فلا يفعل لذلك إذا جاء من ~~يدعي الألوهية وليس معه منهج نقول له: كيف نعبدك؟ وما المنهج الذي ~~جئت به؟ بماذا تأمرنا؟ عن أي شيء تنهانا؟ فهنا أمر بالعبادة ونهي ~~عن الطاغوت، وهذا يسمونه تحلية وتخلية: التحلية في أن تعبد ~~الله، والتخلية في أن تبتعد عن الشيطان. وعلى هذين العنصرين تبنى ~~قضية الإيمان حيث نفي في: " أشهد أن لا إله ".. وإثبات في " إلا الله " ~~، وكأن الناطق بالشهادة ينفي التعدد، ويثبت الوحدانية لله تعالى، ~~وبهذا تكون قد خليت نفسك عن الشرك، وحليت نفسك بالوحدانية. ~~ولذلك سيكون الجزاء عليها في الآخرة من جنس هذه التحلية والتخلية ولذلك ~~نجد في قول الحق تبارك وتعالى: # فمن زحزح عن النار.. # [آل عمران: 185]. أي: خلي عن العذاب. # وأدخل الجنة.. # [آل عمران: 185]. أي: حلي بالنعيم. وقوله سبحانه: { واجتنبوا ~~الطاغوت.. } [النحل: 36]. أي: ابتعدوا عن الطاغوت.. فيكون المقابل ~~لها: تقربوا إلى الله و { الطاغوت } فيها مبالغة تدل على من وصل ~~الذروة في الطغيان وزاد فيه.. وفرق بين الحدث المجرد مثل طغى، ~~وبين المبالغة فيه مثل طاغوت، وهو الذي يزيده الخضوع لباطله طغيانا ~~على باطل أعلى. ومثال ذلك: شاب تمرد على مجتمعه، وأخذ يسرق الشيء ~~التافه القليل، فوجد الناس يتقربون إليه ويداهنونه اتقاء شره، فإذا به ~~يترقى في باطله فيشتري لنفسه سلاحا يعتدي به على الأرواح، ويسرق ~~الغالي من الأموال، ويصل إلى الذروة في الظلم والاعتداء، ولو أخذ الناس ~~على يده منذ أول حادثة لما وصل إلى هذه الحال. # ومن هنا وجدنا الديات تتحملها العاقلة وتقوم بها عن الفاعل الجاني، ذلك ~~لما وقع عليها من مسئولية ترك هذا الجاني، وعدم الأخذ على يده وكفه ~~عن الأذى. ونلاحظ في هذا اللفظ الطاغوت أنه لما جمع كل مبالغة في ~~الفعل نجده يتأبى على المطاوعة، وكأنه طاغوت في لفظه ومعناه، ms5533 فنراه ~~يدخل على المفرد والمثنى والجمع، وعلى المذكر والمؤنث، فنقول: رجل طاغوت، ~~وامرأة طاغوت، ورجلان طاغوت، وامرأتان طاغوت، ورجال طاغوت، ونساء طاغوت، ~~وكأنه طغى بلفظه على جميع الصيغ. إذن: الطاغوت هو الذي إذا ما خضع ~~الناس لظلمه ازداد ظلما. ومنه قوله تعالى: # فاستخف قومه فأطاعوه.. # [الزخرف: 54]. فقد وصل به الحال إلى أن ادعى الألوهية، وقال: # ما علمت لكم من إله غيري.. # [القصص: 38]. ويحكى في قصص المتنبئين أن أحد الخلفاء جاءه خبر ~~مدع للنبوة، فأمرهم ألا يهتموا بشأنه، وأن يتركوه، ولا يعطوا لأمره ~~بالا لعله ينتهي، ثم بعد فترة ظهر آخر يدعي النبوة، فجاءوا بالأول ~~ليرى رأيه في النبي الجديد: ما رأيك في هذا الذي يدعي النبوة؟! أيكم ~~النبي؟ فقال: إنه كذاب فإني لم أرسل أحدا!! ظن أنهم صدقوه في ادعائه ~~النبوة، فتجاوز هذا إلى ادعاء الألوهية، وهكذا الطاغوت. وقد وردت هذه ~~الكلمة { الطاغوت } في القرآن ثماني مرات، منها ستة تصلح للتذكير ~~والتأنيث، ومرة وردت للمؤنث في قوله تعالى: # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها.. # [الزمر: 17]. ومرة وردت للمذكر في قوله تعالى: # يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ~~أن يكفروا به.. # [النساء: 60]. وفي اللغة كلمات يستوي فيها المذكر والمؤنث، مثل قول ~~الحق تبارك وتعالى: # وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا ~~سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا.. # [الأعراف: 146]. وقوله: # قل هذه سبيلي.. # [يوسف: 108]. فكلمة " سبيل " جاءت مرة للمذكر، ومرة للمؤنث. ثم ~~يقول تعالى: { فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت ~~عليه الضلالة.. } [النحل: 36]. وقد أخذ بعضهم هذه الآية على أنها ~~حجة يقول من خلالها: إن الهداية بيد الله، وليس لنا دخل في أننا غير ~~مهتدين.. إلى آخر هذه المقولات. نقول: تعالوا نقرأ القرآن.. يقول تعالى: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى.. # [فصلت: 17]. لو كانت الهداية بالمعنى الذي تقصدون لما استحبوا ~~العمى وفضلوه، لكن " هديناهم " هنا بمعنى: دللناهم وأرشدناهم فقط، ~~ولهم حق الاختيار، وهم صالحون لهذه ولهذه، والدلالة تأتي للمؤمن ~~وللكافر، دل الله الجميع، فالذي أقبل على الله بإيمان به ms5534 زاده هدى ~~وآتاه تقواه، كما قال تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. ومن هذا ما يراه البعض تناقضا بين قوله تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت.. # [القصص: 56]. وقوله: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52]. حيث نفى الحق سبحانه عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~الهداية في الأولى، وأثبتها له في الثانية. نلاحظ أن الحدث هنا واحد وهو ~~الهداية، والمتحدث عنه واحد هو الرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف يثبت ~~حدث واحد لمحدث واحد مرة، وينفيه عنه مرة؟! لا بد أن تكون ~~الجهة منفكة.. في: # إنك لا تهدي.. # [القصص: 56]. أي: لا تستطيع أن تدخل الإيمان في قلب من تحب، ولكن ~~تدل وترشد فقط، أما هداية الإيمان فبيد الله تعالى يهدي إليه من عنده ~~استعداد للإيمان، ويصرف عنها من أعرض عنه ورفضه. وكأن الله تعالى في ~~خدمة عبيده، من أحب شيئا أعطاه إياه ويسره له، وبذلك هدى المؤمن ~~للإيمان، وختم على قلب الكافر بالكفر. إذن: تأتي الهداية بمعنيين: ~~بمعنى الدلالة والإرشاد كما في الآية السابقة، وبمعنى المعونة وشرح ~~الصدر للإيمان كما في قوله تعالى: # ولكن الله يهدي من يشآء.. # [القصص: 56]. وقوله: # زادهم هدى.. # [محمد: 17]. فقوله تعالى: { فمنهم من هدى الله.. } [النحل: ~~36]. أي: هداية إيمان ومعونة بأن مكن المنهج في نفسه، ويسره له، ~~وشرح به صدره. { ومنهم من حقت عليه الضلالة.. } ~~[النحل: 36]. حقت: أي أصبحت حقا له، ووجبت له بما قدم من أعمال، ~~لا يستحق معها إلا الضلالة، فما حقت عليهم، وما وجبت لهم إلا بما ~~عملوا. وهذه كقوله تعالى: # إن الله لا يهدي القوم الظالمين # [الأنعام: 144]. أيهما أسبق: عدم الهداية من الله لهم، أم الظلم منهم؟ ~~واضح أن الظلم حدث منهم أولا، فسماهم الله ظالمين، ثم كانت النتيجة ~~أن حرموا الهداية. ونذكر هنا مثالا كثيرا ما كررناه ليرسخ في ~~الأذهان - ولله المثل الأعلى - هب أنك سائر في طريق تقصد بلدا ما، ~~فصادفك مفترق لطرق متعددة، وعلامات لاتجاهات مختلفة، عندها لجأت لرجل ~~المرور: من فضل أريد بلدة كذا، فقال لك: من ms5535 هنا. فقلت: الحمد لله، لقد ~~كدت أضل الطريق، وجزاك الله خيرا. فلما وجدك استقبلت كلامه ~~بالرضا والحب، وشكرت له صنيعه أراد أن يزيد لك العطاء. فقال لك: لكن ~~في هذا الطريق عقبة صعبة، وسوف أصحبك حتى تمر منها بسلام. هكذا كانت ~~الأولى منه مجرد دلالة، أما الثانية فهي المعونة، فلما صدقته في ~~الدلالة أعانك على المدلول.. هكذا أمر الرسل في الدلالة على الحق، ~~وكيفية قبول الناس لها. ولك أن تتصور الحال لو قلت لرجل المرور هذا: ~~يبدو أنك لا تعرف الطريق.. فسيقول لك: إذن اتجه كما تحب وسر كما ~~تريد. وكلمة " الضلالة " مبالغة من الضلال وكأنها ضلال كبير، ففيها ~~تضخيم للفعل، ومنها قوله تعالى: # قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن ~~مدا.. # [مريم: 75]. ثم يقيم لنا الحق - تبارك وتعالى - الدليل على بعثة ~~الرسل في الأمم السابقة لنتأكد من إخباره تعالى، وأن الناس انقسموا ~~أقساما بين مكذب ومصدق، قال تعالى: { فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } [النحل: 36]. ~~فهناك شواهد وأدلة تدل على أن هنا كان ناس، وكانت لهم حضارة اندكت ~~واندثرت، كما قال تعالى في آية أخرى: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين # [الصافات: 137]. فأمر الله تعالى بالسياحة في الأرض للنظر والاعتبار ~~بالأمم السابقة، مثل: عاد وثمود وقوم صالح وقوم لوط وغيرهم. والحق تبارك ~~وتعالى يقول هنا: { فسيروا في الأرض.. } [النحل: 36]. وهل نحن ~~نسير في الأرض، أم على الأرض؟ نحن نسير على الأرض.. وكذلك كان فهمنا ~~للآية الكريمة، لكن المتكلم بالقرآن هو ربنا تبارك وتعالى، وعطاؤه ~~سبحانه سيظل إلى أن تقوم الساعة، ومع الزمن تتكشف لنا الحقائق ويثبت ~~العلم صدق القرآن وإعجازه. فمنذ أعوام كنا نظن أن الأرض هي هذه ~~اليابسة التي نعيش عليها، ثم أثبت لنا العلم أن الهواء المحيط بالأرض ~~الغلاف الجوي هو إكسير الحياة على الأرض، وبدونه لا تقوم عليها حياة، ~~فالغلاف الجوي جزء من الأرض. وبذلك نحن نسير في الأرض، كما نطق بذلك الحق ~~- تبارك وتعالى - في كتابه العزيز. ونقف أمام ملحظ آخر في هذه الآية: ms5536 # فسيروا في الأرض فانظروا.. # [آل عمران: 137]. وفي آية أخرى يقول: # قل سيروا في الأرض ثم انظروا.. # [الأنعام: 11]. ليس هذا مجرد تفنن في العبارة، بل لكل منهما مدلول ~~خاص، فالعطف بالفاء يفيد الترتيب مع التعقيب. أي: يأتي النظر بعد ~~السير مباشرة.. أما في العطف بثم فإنها تفيد الترتيب مع التراخي. أي: ~~مرور وقت بين الحدثين، وذلك كقوله تعالى: # ثم أماته فأقبره * ثم إذا شآء أنشره # [عبس: 22]. وقول الحق سبحانه: { فانظروا.. } [النحل: 36]. فكأن ~~الغرض من السير الاعتبار والاتعاظ، ولا بد - إذن - من وجود بقايا ~~وأطلال تدل على هؤلاء السابقين المكذبين، أصحاب الحضارات التي أصبحت ~~أثرا بعد عين. وها نحن الآن نفخر بما لدينا من أبنية حجرية مثل ~~الأهرامات مثلا، حيث يفد إليها السياح من شتى دول العالم المتقدم ~~ليروا ما عليها هذه الحضارة القديمة من تطور وتقدم يعجزهم ~~ويحيرهم، ولم يستطيعوا فك طلاسمه حتى الآن. ومع ذلك لم يترك ~~الفراعنة ما يدل على كيفية بناء الأهرامات، أو ما يدل على كيفية تحنيط ~~الموتى مما يدل على أن هؤلاء القوم أخذوا أخذة قوية اندثرت معها هذه ~~المراجع وهذه المعلومات، كما قال تعالى: # هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا # [مريم: 98]. وقد ذكر لنا القرآن من قصص هؤلاء السابقين الكثير كما في ~~قوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 6-8]. وقال: # وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى ~~الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها ~~الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب # [الفجر: 9-13]. هذا ما حدث للمكذبين في الماضي، وإياكم أن تظنوا أن ~~الذي يأتي بعد ذلك بمنجى عن هذا المصير.. كلا: # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]. ثم يقول الحق سبحانه: { إن تحرص على... }. ### || [16.37] # يسلي الحق تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم، ويثبت له حرصه ~~على أمته، وأنه يحمل نفسه في سبيل هدايتهم فوق ما حمله الله، كما ~~قال له في آية أخرى: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: ms5537 3]. ويقول تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. ثم بعد ذلك يقطع الحق سبحانه الأمل أمام المكذبين ~~المعاندين، فيقول تعالى: { فإن الله لا يهدي من يضل.. } ~~[النحل: 37]. أي: لا يضل إلا من لم يقبل الإيمان به فيدعه إلى كفره، ~~بل ويطمس على قلبه غير مأسوف عليه، فهذه إرادته، وقد أجابه الله إلى ما ~~يريد. { وما لهم من ناصرين } [النحل: 37]. إذن: المسألة ~~ليست مجرد عدم الهداية، بل هناك معركة لا يجدون لهم فيها ناصرا أو ~~معينا يخلصهم منها، كما قال تعالى: # فما لنا من شافعين * ولا صديق حميم # [الشعراء: 100-101]. إذن: لا يهدي الله من اختار لنفسه الضلال، بل ~~سيعذبه عذابا لا يجد من ينصره فيه. ثم يقول الحق سبحانه عنهم: { ~~وأقسموا بالله... }. ### || [16.38] # { وأقسموا بالله.. } [النحل: 38]. سبحان الله!! كيف تقسمون ~~بالله وأنتم لا تؤمنون به؟! وما مدلول كلمة الله عندكم؟.. هذه علامة غباء ~~عند الكفار ودليل على أن موضوع الإيمان غير واضح في عقولهم لأن كلمة الله ~~نفسها دليل على الإيمان به سبحانه، ولا توجد الكلمة في اللغة إلا بعد ~~وجود ما تدل عليه أولا.. فالتلفزيون مثلا قبل أن يوجد لم يكن له اسم، ~~ثم بعد أن وجد أوجدوا له اسما. إذن: توجد المعاني أولا، ثم توضع ~~للمعاني أسماء، فإذا رأيت اسما يكون معناه قبله أم بعده؟ يكون قبله.. ~~فإذا قالوا: الله غير موجود نقول لهم: كذبتم لأن كلمة الله لفظ موجود في ~~اللغة، ولا بد أن لها معنى سبق وجودها. إذن: فالإيمان سابق للكفر.. ~~وجاء الكفر منطقيا لأن معنى الكفر: الستر.. والسؤال إذن: ماذا ستر؟ ~~ستر الإيمان، ولا يستر إلا موجودا، وبذلك نقول: إن الكفر دليل على ~~الإيمان. { وأقسموا بالله جهد أيمانهم.. } [النحل: ~~38]. أي: مبالغين في اليمين مؤكدينه، وما أقرب غباءهم هنا بما قالوه ~~في آية أخرى: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. فليس هذا بكلام العقلاء. وكان ms5538 ما أقسموا عليه بالله أنه: ~~{ لا يبعث الله من يموت.. } [النحل: 38]. وهذا إنكار للبعث، ~~كما سبق وأن قالوا: # قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون # [المؤمنون: 82]. فيرد عليهم الحق سبحانه { بلى }. وهي أداة لنفي ~~النفي السابق عليها، وأهل اللغة يقولون: نفي النفي إثبات، إذا " بلى " ~~تنفي النفي قبلها وهو قولهم: { لا يبعث الله من يموت.. } ~~[النحل: 38]. فيكون المعنى: بل يبعث الله من يموت. { وعدا عليه ~~حقا.. } [النحل: 38]. والوعد هو الإخبار بشيء لم يأت زمنه بعد، ~~فإذا جاء وعد بحدث يأتي بعد ننظر فيمن وعد: أقادر على إيجاد ما ~~وعد به؟ أم غير قادر؟ فإن كان غير قادر على إنفاذ ما وعد به لأنه لا ~~يضمن جميع الأسباب التي تعينه على إنفاذ وعده، قلنا له قل: إن شاء ~~الله.. حتى إذا جاء موعد التنفيذ فلم تف بوعدك التمسنا لك عذرا، ~~وحتى لا توصف ساعتها بالكذب، فقد نسبت الأمر إلى مشيئة الله. والحق - ~~تبارك وتعالى - لا يمنعنا أن نخطط للمستقبل ونعمل كذا ونبني كذا.. ~~خطط كما تحب، واعدد للمستقبل عدته، لكن أردف هذا بقولك: إن شاء ~~الله لأنك لا تملك جميع الأسباب التي تمكن من عمل ما تريد مستقبلا، ~~وقد قال الحق تبارك وتعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24]. ونضرب لذلك مثلا: هب أنك أردت أن تذهب غدا إلى ~~فلان لتكلمه في أمر ما.. هل ضمنت لنفسك أن تعيش لغد؟ وهل ضمنت أن هذا ~~الشخص سيكون موجودا غدا؟ وهل ضمنت ألا يتغير الداعي الذي تريده؟ ~~وربما توفرت لك هذه الظروف كلها، وعند الذهاب ألم بك عائق منعك من ~~الذهاب. إذن: يجب أن نردف العمل في المستقبل بقولنا: إن شاء الله. أما ~~إذا كان الوعد من الله تعالى فهو قادر سبحانه على إنفاذ ما يعد به لأنه ~~لا قوة تستطيع أن تقف أمام مراده، ولا شيء يعجزه في الأرض ولا في ~~السماء، كان الوعد منه سبحانه حقا أن يوفيه. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~ولكن ms5539 أكثر الناس لا يعلمون } [النحل: 38]. أي: لا ~~يعلمون أن الله قادر على البعث، كما قال تعالى: # وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق ~~جديد.. # [السجدة: 10]. وقال: # وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا # [الإسراء: 49]. فقد استبعد الكفار أمر البعث لأنهم لا يتصورون كيف يبعث ~~الله الخلق من لدن آدم - عليه السلام - حتى تقوم الساعة.. ولكن لم ~~تستبعدون ذلك؟ وقد قال تعالى: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان: 28]. فالأمر ليس مزاولة يجمع الله سبحانه بها جزئيات البشر كل ~~على حدة.. لا.. ليس في الأمر مزاولة أو معالجة تستغرق وقتا. # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. ونضرب لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - فنحن نرى مثل هذه ~~الأوامر في عالم البشر عندما يأتي المعلم أو المدرب الذي يدرب الجنود ~~نراه يعلم ويدرب أولا، ثم إذا ما أراد تطبيق هذه الأوامر فإنه يقف ~~أمام الجنود جميعا وبكلمة واحدة يقولها يمتثل الجميع، ويقفون على الهيئة ~~المطلوبة، هل أمسك المدرب بكل جندي وأوقفه كما يريد؟! لا.. بل بكلمة ~~واحدة تم له ما يريد. وكأن انضباط المأمور وطاعته للأمر هو الأصل، ~~كذلك كل الجزئيات في الكون منضبطة لأمره سبحانه وتعالى.. هي كلمة واحدة ~~بها يتم كل شيء.. فليس في الأمر معالجة، لأن المعالجة أن يباشر ~~الفاعل بجزئيات قدرته جزئيات الكائن، وليس البعث هكذا.. بل بالأمر ~~الانضباطي: كن. ولذلك يقول تعالى: { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } [النحل: 38]. نقول: الحمد لله أن هناك قليلا من الناس ~~يعلمون أمر البعث ويؤمنون به. ثم يقول الحق سبحانه: { ليبين لهم ~~الذي... }. ### || [16.39] # فمعنى قوله تعالى: { ليبين لهم الذي يختلفون فيه.. ~~} [النحل: 39]. أي: من أمر البعث لأن القضية لا تستقيم بدون البعث ~~والجزاء ولذلك كنت في جدالي للشيوعيين أقول لهم: لقد أدركتم رأسماليين ~~شرسين ومفترين، شربوا دم الناس وعملوا كذا وكذا.. فماذا فعلتم بهم؟ ~~يقولون: فعلنا بهم كيت وكيت، فقلت: ومن قبل وجود الشيوعية سنة 1917، ألم ~~يكن هناك ظلمة مثل هؤلاء؟ قالوا: بلى. ms5540 قلت: إذن من مصلحتكم أن يوجد بعث ~~وحساب وعقاب لا يفلت منه هؤلاء الذين سبقوكم، ولم تستطيعوا تعذيبهم. ثم ~~يأتي فصل الخطاب في قوله تعالى: { وليعلم الذين كفروا ~~أنهم كانوا كاذبين } [النحل: 39]. أي: كاذبين في قولهم: # لا يبعث الله من يموت.. # [النحل: 38]. وذلك علم يقين ومعاينة، ولكن بعد فوات الأوان، فالوقت وقت ~~حساب وجزاء لا ينفع فيه الاعتراف ولا يجدي التصديق، فالآن يعترفون بأنهم ~~كانوا كاذبين في قسمهم: لا يبعث الله من يموت وبالغوا في الأيمان ~~وأكدوها ولذلك يقول تعالى عنهم في آية أخرى: # وكانوا يصرون على الحنث العظيم # [الواقعة: 46]. ثم يقول الحق سبحانه: { إنما قولنا لشيء... ~~}. ### || [16.40] # إذن: أمر البعث ليس علاجا لجزئيات كل شخص وضم أجزائه وتسويته من آدم ~~حتى قيام الساعة، بل المسألة منضبطة تماما مع الأمر الإلهي كن. وبمجرد ~~صدوره، ودون حاجة لوقت ومزاولة يكون الجميع ماثلا طائعا، كل واحد ~~منتظر دوره، منتظر الإشارة ولذلك جاء في الخبر: " أمور يبديها ولا ~~يبتديها ". فالأمر يتوقف على الإذن: اظهر يظهر. ومثال ذلك - ولله المثل ~~الأعلى - من يعد القنبلة الزمنية مثلا، ويضبطها على وقت معين.. تظل ~~القنبلة هذه إلى وقت الانفجار الذي وضع فيها، ثم تنفجر دون تدخل من ~~صانعها.. مجرد الإذن لها بالانفجار تنفجر. وحتى كلمة كن نفسها تحتاج ~~لزمن، ولكن ليس هناك أقرب منها في الإذن.. وإن كان الأمر في حقه تعالى ~~لا يحتاج إلى كن ولا غيره. ثم يقول الحق سبحانه: { والذين ~~هاجروا في الله... }. ### || [16.41] # المهاجرون قوم آمنوا بالله إيمانا صار إلى مرتبة من مراتب اليقين ~~جعلتهم يتحملون الأذى والظلم والاضطهاد في سبيل إيمانهم، فلا يمكن أن ~~يضحي الإنسان بماله وأهله ونفسه إلا إذا كان لأمر يقيني. وقد جاءت ~~هذه الآية بعد آية إثبات البعث الذي أنكره الكافرون وألحوا في إنكاره ~~وبالغوا فيه، بل وأقسموا على ذلك: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت.. # [النحل: 38]. وهم يعلمون أن من الخلق من يسيء، ومنهم من يحسن، فهل ~~يعتقدون - في عرف العقل - أن يترك الله ms5541 من أساء ليعربد في خلق الله ~~دون أن يجازيه؟ ذلك يعني أنهم خائفون من البعث، فلو أنهم كانوا محسنين ~~لتمنوا البعث، أما وقد أسرفوا على أنفسهم إسرافا يشفقون معه على ~~أنفسهم من الحساب والجزاء، فمن الطبيعي أن ينكروا البعث، ويلجأوا إلى ~~تمنية أنفسهم بالأماني الكاذبة، ليطمئنوا على أن ما أخذوه من مظالم الناس ~~ودمائهم وكرامتهم وأمنهم أمر لا يحاسبون عليه. وإذا كانوا قد أنكروا ~~البعث، ويوجد رسول ومعه مؤمنون به يؤمنون بالبعث والجزاء إيمانا يصل إلى ~~درجة اليقين الذي يدفعهم إلى التضحية في سبيل هذا الإيمان.. إذن: لا ~~بد من وجود معركة شرسة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، معركة بين الحق ~~والباطل. ومن حكمة الله أن ينتشر الإسلام في بدايته بين الضعفاء، حتى لا ~~يظن ظان أن المؤمنين فرضوا إيمانهم بالقوة، لا.. هؤلاء هم الضعفاء ~~الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، والكفار هم السادة.. إذن: جاء ~~الإسلام ليعاند الكبار الصناديد العتاة. وكان من الممكن أن ينصر الله ~~هؤلاء الضعفاء ويعلي كلمة الدين من البداية، ولكن أراد الحق تبارك ~~وتعالى أن تكون الصيحة الإيمانية في مكة أولا لأن مكة مركز السيادة ~~في جزيرة العرب، وقريش هم أصحاب المهابة وأصحاب النفوذ والسلطان، ولا ~~تقوى أي قبيلة في الجزيرة أن تعارضها، ومعلوم أنهم أخذوا هذه المكانة ~~من رعايتهم لبيت الله الحرام وخدمتهم للوافدين إليه. فلو أن الإسلام ~~اختار بقعة غير مكة لقالوا: إن الإسلام استضعف جماعة من الناس، ~~وأغراهم بالقول حتى آمنوا به. لا، فالصيحة الإسلامية جاءت في أذن سادة ~~قريش وسادة الجزيرة الذين أمنهم الله في رحلة الشتاء والصيف، وهم أصحاب ~~القوة وأصحاب المال. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم ينصر الله دينه في ~~بلد السادة؟ نقول: لا.. الصيحة في أذن الباطل تكون في بلد السادة في مكة، ~~لكن نصرة الدين لا تأتي على يد هؤلاء السادة، وإنما تأتي في المدينة. ~~وهذا من حكمة الله تعالى حتى لا يقول قائل فيما بعد: إن العصبية لمحمد في ~~مكة فرضت الإيمان بمحمد. # . لا بل ms5542 يريد أن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي خلق ~~العصبية لمحمد، فجاء له بعصبية بعيدة عن قريش، وبعد ذلك دانت لها قريش ~~نفسها. وما دامت هناك معركة، فمن المطحون فيها؟ المطحون فيها هو الضعيف ~~الذي لا يستطيع أن يحمي نفسه.. وهؤلاء هم الذين ظلموا.. ظلموا في ~~المكان الذي يعيشون فيه ولذلك كان ولا بد أن يرفع الله عنهم هذا ~~الظلم. وقد جاء رفع الظلم عن هؤلاء الضعفاء على مراحل.. فكانت المرحلة ~~الأولى أن ينتقل المستضعفون من مكة، لا إلى دار إيمان تحميهم وتساعدهم ~~على نشر دينهم، بل إلى دار أمن فقط يأمنون فيها على دينهم.. مجرد ~~أمن يتيح لهم فرصة أداء أوامر الدين. ولذلك استعرض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم البلاد كلها لينظر أي الأماكن تصلح دار أمن يهاجر إليها ~~المؤمنون بدعوته فلا يعارضهم أحد، فلم يجد إلا الحبشة ولذلك قال عنها: " ~~إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله ~~لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه ". وتكفي هذه الصفة في ملك الحبشة ليهاجر ~~إليه المؤمنون، ففي هذه المرحلة من نصرة الدين لا نريد أكثر من ذلك، ~~وهكذا تمت الهجرة الأولى إلى الحبشة. ثم يسر الله لدينه أتباعا ~~وأنصارا التقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على النصرة ~~والتأييد، ذلكم هم الأنصار من أهل المدينة الذين بايعوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عند العقبة ومهدوا للهجرة الثانية إلى المدينة، وهي ~~هجرة - هذه المرة - إلى دار أمن وإيمان، يأمن فيها المسلمون على ~~دينهم، ويجدون الفرصة لنشره في ربوع المعمورة. ونقف هنا عند قوله ~~تعالى: { والذين هاجروا... } [النحل: 41]. ومادة هذا الفعل: ~~هجر.. وهناك فرق بين هجر وبين هاجر: هجر: أن يكره الإنسان الإقامة في ~~مكان، فيتركه إلى مكان آخر يرى أنه خير منه، إنما المكان نفسه لم ~~يكرهه على الهجرة.. أي المعنى: ترك المكان مختارا. أما هاجر: وهي تدل ~~على المفاعلة من الجانبين، فالفاعل هنا ليس كارها للمكان، ولكن المفاعلة ~~التي حدثت ms5543 من القوم هي التي اضطرته للهجرة.. وهذا ما حدث في هجرة ~~المؤمنين من مكة لأنهم لم يتركوها إلى غيرها إلا بعد أن تعرضوا ~~للاضطهاد والظلم، فكأنهم بذلك شاركوا في الفعل، فلو لم يتعرضوا لهم ~~ويظلموهم لما هاجروا. ولذلك قال الحق تبارك وتعالى: { من بعد ما ~~ظلموا... } [النحل: 41]. وينطبق هذا المعنى على قول المتنبي: # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا # ألا تفارقهم فالراحلون هموا # يعني: إذا كنت في جماعة وأردت الرحيل عنهم، وفي إمكانهم أن يقدموا لك ~~من المساعدة ما ييسر لك الإقامة بينهم ولكنهم لم يفعلوا، وتركوك ترحل ~~مع مقدرتهم، فالراحلون في الحقيقة هم، لأنهم لم يساعدوك على الإقامة. # كذلك كانت الحال عندما هاجر المؤمنون من مكة لأنه أيضا لا يعقل أن يكره ~~هؤلاء مكة وفيها البيت الحرام الذي يتمنى كل مسلم الإقامة في جواره. إذن: ~~لم يترك المهاجرون مكة، بل اضطروا إلى تركها وأجبروا عليه، وطبيعي إذن أن ~~يلجأوا إلى دار أخرى حتى تقوى شوكتهم ثم يعودون للإقامة ثانية في مكة ~~إقامة طبيعية صحيحة. ثم إن الحق تبارك وتعالى قال: { هاجروا في ~~الله... } [النحل: 41]. ونلاحظ في الحديث الشريف الذي يوضح معنى هذه ~~الآية: # " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت ~~هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". # فما الفرق هنا بين: هاجر في الله، وهاجر إلى الله؟ هاجر إلى مكان تدل ~~على أن المكان الذي هاجر إليه أفضل من الذي تركه، وكأن الذي هاجر منه ليس ~~مناسبا له. أما هاجر في الله فتدل على أن الإقامة السابقة كانت أيضا في ~~الله.. إقامتهم نفسها في مكة وتحملهم الأذى والظلم والاضطهاد كانت ~~أيضا في الله. أما لو قالت الآية " هاجروا إلى الله " لدل ذلك على أن ~~إقامتهم الأولى لم تكن لله.. إذن: معنى الآية: { هاجروا في ~~الله.. } [النحل: 41]. أي: أن إقامتهم كانت لله، وهجرتهم كانت لله. ~~ومثل هذا قوله تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم.. # [آل عمران: 133]. أي: إذا لم تكونوا في ms5544 مغفرة فسارعوا إلى المغفرة، وفي ~~الآية الأخرى: # يسارعون في الخيرات.. # [المؤمنون: 61]. ذلك لأنهم كانوا في خير سابق، وسوف يسارعون إلى خير ~~آخر.. أي: أنتم في خير ولكن سارعوا إلى خير منه. وهناك ملمح آخر في قوله ~~تعالى: { والذين هاجروا.. } [النحل: 41]. نلاحظ أن كلمة " الذين ~~" جمع.. لكن هل هي خاصة بمن نزلت فيهم الآية؟ أم هي عامة في كل من ~~ظلم في أي مكان - في الله - ثم هاجر منه؟ الحقيقة أن العبرة هنا ~~بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهي عامة في كل من انطبقت عليه هذه ~~الظروف، فإن كانت هذه الآية نزلت في نفر من الصحابة منهم: صهيب، وعمار، ~~وخباب، وبلال، إلا أنها تنتظم غيرهم ممن اضطروا إلى الهجرة فرارا ~~بدينهم. ونعلم قصة صهيب رضي الله عنه - وكان رجلا حدادا - لما أراد أن ~~يهاجر بدينه، عرض الأمر على قريش: والله أنا رجل كبير السن، إن كنت ~~معكم فلن أنفعكم، وإن كنت مع المسلمين فلن أضايقكم، وعندي مال.. خذوه ~~واتركوني أهاجر، فرضوا بذلك، وأخذوا مال صهيب وتركوه لهجرته. ولذلك ~~قال له صلى الله عليه وسلم: # " ربح البيع يا صهيب " # أي: بيعة رابحة. ويقول له عمر - رضي الله عنه: " نعم العبد صهيب، لو ~~لم يخف الله لم يعصه ". وكأن عدم عصيانه ليس خوفا من العقاب، بل ~~حبا في الله تعالى، فهو سبحانه لا يستحق أن يعصى. ثم يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { لنبوئنهم في الدنيا حسنة.. } [النحل: ~~41]. نبوئ، مثل قوله تعالى: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت.. # [الحج: 26]. أي: بينا له مكانه، ونقول: باء الإنسان إلى بيته إذا رجع ~~إليه، فالإنسان يخرج للسعي في مناكب الأرض في زراعة أو تجارة، ثم يأوي ~~ويبوء إلى بيته، إذن: باء بمعنى رجع، أو هو مسكن الإنسان، وما أعده ~~الله له. فإن كان المؤمنون سيخرجون الآن من مكة مغلوبين مضطهدين فسوف ~~نعطيهم ونحلهم وننزلهم منزلة أحسن من التي كانوا فيها، فقد كانوا ~~مضطهدين في مكة، فأصبحوا آمنين في المدينة، وإن كانوا تركوا بلدهم فسوف ~~نمهد لهم الدنيا كلها ينتشرون ms5545 فيها بمنهج الله، ويجنون خير الدنيا ~~كلها، ثم بعد ذلك نرجعهم إلى بلدهم سادة أعزة بعد أن تكون مكة بلدا ~~لله خالصة من عبادة الأوثان والأصنام.. هذه هي الحسنة في الدنيا. ثم يقول ~~تعالى: { ولأجر الآخرة أكبر.. } [النحل: 41]. ما ذكرناه من ~~حسنة الدنيا وخيرها للمؤمنين هذا من المعجلات للعمل، ولكن حسنات الدنيا ~~مهما كانت ستؤول إلى زوال، إما أن تفارقها، وإما أن تفارقك، وقد أنجز ~~الله وعده للمؤمنين في الدنيا، فعادوا منتصرين إلى مكة، بل دانت لهم ~~الجزيرة العربية كلها بل العالم كله، وانساحوا في الشرق في فارس، وفي ~~الغرب في الرومان، وفي نصف قرن كانوا سادة العالم أجمع. وإن كانت هذه هي ~~حسنة الدنيا المعجلة، فهناك حسنة الآخرة المؤجلة: { ولأجر ~~الآخرة أكبر.. } [النحل: 41]. أي: أن ما أعد لهم من نعيم الآخرة ~~أعظم مما وجدوه في الدنيا. ولذلك كان سيدنا عمر - رضي الله عنه - إذا ~~أعطى أحد الصحابة نصيب المهاجرين من العطاء يقول له: " بارك الله لك ~~فيه.. هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أكبر من هذا ". ~~فهذه حسنة الدنيا. { ولأجر الآخرة أكبر.. } [النحل: 41]. ~~وساعة أن تسمع كلمة أكبر فاعلم أن مقابلها ليس أصغر أو صغير، بل مقابلها ~~كبير فتكون حسنة الدنيا التي بوأهم الله إياها هي الكبيرة، لكن ما ~~ينتظرهم في الآخرة أكبر. وكذلك قد تكون صيغة أفعل التفضيل أقل في ~~المدح من غير أفعل التفضيل.. فمن أسماء الله الحسنى الكبير في حين أن ~~الأكبر صفة من صفاته تعالى، وليس اسما من أسمائه، وفي شعار ندائنا لله ~~نقول: الله أكبر ولا نقول: الله كبير.. ذلك لأن كبير ما عداه يكون ~~صغيرا. # . إنما أكبر، ما عداه يكون كبيرا، فنقول في الأذان: الله أكبر لأن أمور ~~الدنيا في حق المؤمن كبيرة من حيث هي وسيلة للآخرة. فإياك أن تظن ~~أن حركة الدنيا التي تتركها من أجل الصلاة أنها صغيرة، بل هي كبيرة بما ~~فيها من وسائل تعينك على طاعة الله، فبها تأكل وتشرب وتتقوى، وبها ~~تجمع ms5546 المال لتسد به حاجتك، وتؤدي الزكاة إلى غير ذلك، ومن هنا ~~كانت حركة الدنيا كبيرة، وكانت الصلاة والوقوف بين يدي الله أكبر. ولذلك ~~حينما قال الحق تبارك وتعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع.. # [الجمعة: 9]. أخرجنا بهذا النداء من عمل الدنيا وحركتها، ثم قال: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله.. # [الجمعة: 10]. فأمرنا بالعودة إلى حركة الحياة لأنها الوسيلة للدار ~~الآخرة، والمزرعة التي نعد فيها الزاد للقاء الله تعالى.. إذن: الدنيا ~~أهم من أن تنسى من حيث هي معونة للآخرة، ولكنها أتفه من أن تكون ~~غاية في حد ذاتها. ثم يقول الحق سبحانه: { لو كانوا يعلمون ~~} [النحل: 41]. الخطاب هنا عن من؟ الخطاب هنا يمكن أن يتجه إلى ثلاثة ~~أشياء: يمكن أن يراد به الكافرون.. ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون ~~عاقبة الإيمان وجزاء المؤمنين لآثروه على الكفر. ويمكن أن يراد به ~~المهاجرون.. ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون لازدادوا في عمل الخير. ~~وأخيرا قد يراد به المؤمن الذي لم يهاجر.. ويكون المعنى: لو كان يعلم ~~نتيجة الهجرة لسارع إليها. وهذه الأوجه التي يحتملها التعبير القرآني ~~دليل على ثراء الأداء وبلاغة القرآن الكريم، وهذا ما يسمونه تربيب ~~الفوائد. ثم يقول الحق سبحانه: { الذين صبروا... }. ### || [16.42] # الحق تبارك وتعالى يريد أن يعطينا تشريحا لحال المهاجرين، فقد ظلموا ~~واضطهدوا وأوذوا في سبيل الله، ولم يفتنهم هذا كله عن دينهم، بل ~~صبروا وتحملوا، بل خرجوا من أموالهم وأولادهم، وتركوا بلدهم وأرضهم في ~~سبيل دينهم وعقيدتهم، حدث هذا منهم اتكالا على أن الله تعالى لن ~~يضيعهم. ولذلك جاء التعبير القرآني هكذا { صبروا } بصيغة الماضي، ~~فقد حدث منهم الصبر فعلا، كأن الإيذاء الذي صبروا عليه فترة مضت ~~وانتهت، والباقي لهم عزة ومنعة وقوة لا يستطيع أحد أن يضطهدهم بعد ~~ذلك، وهذه من البشارات في الأداء القرآني. أما في التوكل، فقال تعالى في ~~حقهم: { وعلى ربهم يتوكلون } [النحل: 42]. بصيغة المضارع ~~لأن التوكل على الله حدث منهم في ms5547 الماضي، ومستمرون فيه في الحاضر ~~والمستقبل، وهكذا يكون حال المؤمن. وبعد ذلك تكلم القرآن الكريم عن ~~قضية وقف منها الكافرون أيضا موقف العناد والمكابرة والتكذيب، وهي مسألة ~~إرسال الرسل، فقال تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك... }. ### || [16.43] # وقد اعترض المعاندون من الكفار على كون الرسول بشرا. وقالوا: إذا أراد ~~الله أن يرسل رسولا فينبغي أن يكون ملكا فقالوا: # ولو شآء الله لأنزل ملائكة.. # [المؤمنون: 24]. وكأنهم استقلوا الرسالة عن طريق بشر، وهذا أيضا من ~~غباء الكفر وحماقة الكافرين لأن الرسول حين يبلغ رسالة الله تقع على ~~عاتقه مسئوليتان: مسئولية البلاغ بالعلم، ومسئولية التطبيق بالعمل ~~ونموذجية السلوك.. فيأمر بالصلاة ويصلي، وبالزكاة ويزكي، وبالصبر ~~ويصبر، فليس البلاغ بالقول فقط، لا بل بالسلوك العملي النموذجي. ولذلك ~~كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كان خلقه القرآن ". # وكان قرآنا يمشي على الأرض، والمعنى: كان تطبيقا كاملا للمنهج الذي ~~جاء به من الحق تبارك وتعالى. ويقول تعالى في حقه صلى الله عليه وسلم: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.. # [الأحزاب: 21]. فكيف نتصور أن يكون الرسول ملكا؟ وكيف يقوم بهذه ~~الرسالة بين البشر؟ قد يؤدي الملك مهمة البلاغ، ولكن كيف يؤدي مهمة ~~القدوة والتطبيق العملي النموذجي؟ كيف ونحن نعلم أن الملائكة خلق ~~جبلوا على طاعة الله: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. ومن أين تأتيه منافذ الشهوة وهو لا يأكل ولا يشرب ولا ~~يتناسل؟ فلو جاء ملك برسالة السماء، وأراد أن ينهى قومه عن إحدى ~~المعاصي، ماذا نتوقع؟ نتوقع أن يقول قائلهم: لا.. لا أستطيع ذلك، فأنت ~~ملك ذو طبيعة علوية تستطيع ترك هذا الفعل، أما أنا فلا أستطيع. إذن: ~~طبيعة الأسوة تقتضي أن يكون الرسول بشرا، حتى إذا ما أمر كان هو أول ~~المؤتمرين، وإذا ما نهى كان هو أول المنتهين. ومن هنا كان من امتنان الله ~~على العرب، ومن فضله عليهم أن بعث فيهم رسولا من أنفسهم: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم.. # [التوبة: 128]. فهو ms5548 أولا من أنفسكم، وهذه تعطيه المباشرة، ثم هو بشر، ~~ومن العرب وليس من أمة أعجمية.. بل من بيئتكم، ومن نفس بلدكم مكة ومن ~~قريش ذلك لتكونوا على علم كامل بتاريخه وأخلاقه وسلوكه، تعرفون حركاته ~~وسكناته، وقد كنتم تعترفون له بالصدق والأمانة، وتأتمنونه على كل غال ~~ونفيس لديكم لعلمكم بأمانته، فكيف تكفرون به الآن وتتهمونه بالكذب؟! ~~لذلك رد عليهم الحق تبارك وتعالى في آية أخرى فقال: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. فالذي صدكم عن الإيمان به كونه بشرا!! ثم نأخذ على ~~هؤلاء مأخذا آخر لأنهم تنازلوا عن دعواهم هذه بأن يأتي الرسول من ~~الملائكة وقالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. # فهذا تردد عجيب من الكفار، وعدم ثبات على رأي.. مجرد لجاجة وإنكار، ~~وقديما قالوا: إن كنت كذوبا فكن ذكورا. ويرد عليهم القرآن: # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. فلو كان في الأرض ملائكة لنزلنا لهم ملكا حتى تتحقق ~~الأسوة. إذن: لا بد في القدوة من اتحاد الجنس.. ولنضرب لذلك مثلا: ~~هب أنك رأيت أسدا يثور ويجول في الغابة مثلا يفترس كل ما أمامه، ~~ولا يستطيع أحد أن يتعرض له.. هل تفكر ساعتها أن تصير أسدا؟ لا.. ~~إنما لو رأيت فارسا يمسك بسيفه، ويطيح به رقاب الأعداء.. ألا تحب أن ~~تكون فارسا؟ بلى أحب. فهذه هي القدوة الحقيقية النافعة، فإذا ما اختلف ~~الجنس فلا تصلح القدوة. وهنا يرد الحق تبارك وتعالى على افتراءات ~~الكفار بقوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم.. } [النحل: 43]. أي: أنك يا محمد لست بدعا في ~~الرسل، فمن سبقوك كانوا رجالا طيلة القرون الماضية، وفي موكب الرسالات ~~جميعا. وجاءت هنا كلمة { رجالا } لتفيد البشرية أولا كجنس، ثم ~~لتفيد النوع المذكر ثانيا ذلك لأن طبيعة الرسول قائمة على المخالطة ~~والمعاشرة لقومه.. يظهر للجميع ويتحدث إلى الجميع.. أما المرأة فمبنية ~~على التستر، ولا ms5549 تستطيع أن تقوم بدور الأسوة للناس، ولو نظرنا لطبيعة ~~المرأة لوجدنا في طبيعتها أمورا كثيرة لا تناسب دور النبوة، ولا تتمشى ~~مع مهمة النبي، مثل انقطاعها عن الصلاة والتعبد لأنها حائض أو نفساء. ~~كذلك جاءت كلمة { رجالا } مقيدة بقوله: { نوحي إليهم.. } ~~[النحل: 43]. فالرسول رجل، ولكن إياك أن تقول: هو رجل مثلي وبشر ~~مثلي.. لا هناك ميزة أخرى أنه يوحى إليه، وهذه منزلة عالية يجب أن ~~نحفظها للأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } [النحل: ~~43]. أي: إذا غابت عنكم هذه القضية، قضية إرسال الرسل من البشر - ولا ~~أظنها تغيب - لأنها عامة في الرسالات كلها. وما كانت لتخفى عليكم خصوصا ~~وعندكم أهل العلم بالأديان السابقة، مثل ورقة بن نوفل وغيره، وعندكم أهل ~~السير والتاريخ، وعندكم اليهود والنصارى.. فاسألوا هؤلاء جميعا عن ~~بشرية الرسل. فهذه قضية واضحة لا تنكر، ولا يمكن المخالفة فيها.. وماذا ~~سيقول اليهود والنصارى؟.. موسى وعيسى.. إذن بشر. وقوله تعالى: { إن ~~كنتم لا تعلمون } [النحل: 43]. يوحى بأنهم يعلمون، وليس لديهم ~~شك في هذه القضية.. مثل لو قلت لمخاطبك: اسأل عن كذا إن كنت لا ~~تعرف.. هذا يعني أنه يعرف، أما إذا كان في القضية شك فنقول: اسأل عن ~~كذا دون أداة الشرط.. إذن: هم يعرفون، ولكنه الجدال والعناد والاستكبار ~~عن قبول الحق. ### || [16.44] # استهل الحق سبحانه الآية بقوله: { بالبينات والزبر.. } ~~[النحل: 44]. ويقول أهل اللغة: إن الجار والمجرور لا بد له من متعلق.. ~~فبماذا يتعلق الجار والمجرور هنا؟ قالوا: يجوز أن يتعلق بالفعل نوحي ~~ويكون السياق: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم بالبينات ~~والزبر. وقد يتعلق الجار والمجرور بأهل الذكر.. فيكون المعنى: فاسألوا ~~أهل الذكر بالبينات والزبر، فهذان وجهان لعودة الجار والمجرور. والبينات: ~~هي الأمر البين الواضح الذي لا يشك فيه أحد.. وهو إما أن يكون أمارة ~~ثبوت صدق الرسالة كالمعجزة التي تتحدى المكذبين أن يأتوا بمثلها.. ~~أو: هي الآيات الكونية التي تلفت الخلق إلى وجود الخالق سبحانه ~~وتعالى، ms5550 مثل آيات الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم. أما الزبر، ~~فمعناها: الكتب المكتوبة.. ولا يكتب عادة إلا الشيء النفيس مخافة أن ~~يضيع، وليس هنا أنفس مما يأتينا من منهج الله لينظم لنا حركة ~~حياتنا. ونعرف أن العرب - قديما - كانوا يسألون عن كل شيء مهما كان ~~حقيرا، فكان عندهم علم بالسهم ومن أول صانع لها، وعن القوس ~~والرحل، ومثل هذه الأشياء البسيطة.. ألا يسألون عن آيات الله في ~~الكون وما فيها من أسرار وعجائب في خلقها تدل على الخالق سبحانه ~~وتعالى؟ ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { وأنزلنا إليك الذكر ~~لتبين للناس ما نزل إليهم.. } [النحل: 44]. كلمة ~~الذكر وردت كثيرا في القرآن الكريم بمعان متعددة، وأصل الذكر أن ~~يظل الشيء على البال بحيث لا يغيب، وبذلك يكون ضده النسيان.. إذن: ~~عندنا ذكر ونسيان.. فكلمة " ذكر " هنا معناها وجود شيء لا ينبغي لنا ~~نسيانه.. فما هو؟ الحق سبحانه وتعالى حينما خلق آدم - عليه السلام - أخذ ~~العهد على كل ذرة فيه، فقال تعالى: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين # [الأعراف: 172]. وأخذ العهد على آدم هو عهد على جميع ذريته، ذلك لأن ~~في كل واحد من بني آدم ذرة من أبيه آدم.. وجزءا حيا منه نتيجة ~~التوالد والتناسل من لدن آدم حتى قيام الساعة، وما دمنا كذلك فقد ~~شهدنا أخذ العهد: { ألست بربكم }. وكأن كلمة ذكر جاءت ~~لتذكرنا بالعهد المطمور في تكويننا، والذي ما كان لنا أن ننساه، فلما ~~حدث النسيان اقتضى الأمر إرسال الرسل وإنزال الكتب لتذكرنا بعهد ~~الله لنا: # ألست بربكم قالوا بلى.. # [الأعراف: 172]. ومن هنا سمينا الكتب المنزلة ذكرا، لكن الذكر يأتي ~~تدريجيا وعلى مراحل.. كل رسول يأتي ليذكر قومه على حسب ما لديهم ~~من غفلة. # . أما الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم الذي جاء للناس كافة إلى قيام ~~الساعة، فقد جاء بالذكر الحقيقي الذي لا ذكر بعده، وهو القرآن الكريم. ~~وقد تأتي ms5551 كلمة الذكر بمعنى الشرف والرفعة كما في قوله تعالى ~~للعرب: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم.. # [الأنبياء: 10]. وقد أصبح للعرب مكانة بالقرآن، وعاشت لغتهم بالقرآن، ~~وتبوءوا مكان الصدارة بين الأمم بالقرآن. وقد يأتي الذكر من الله للعبد، ~~وقد يأتي من العبد لله تعالى كما في قوله سبحانه: # فاذكروني أذكركم.. # [البقرة: 152]. والمعنى: فاذكروني بالطاعة والإيمان أذكركم بالفيوضات ~~والبركة والخير والإمداد وبثوابي. وإذا أطلقت كلمة الذكر انصرفت إلى ما ~~نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه الكتاب الجامع لكل ما نزل ~~على الرسل السابقين، ولكل ما تحتاج إليه البشرية إلى أن تقوم الساعة. ~~كما أن كلمة كتاب تطلق على أي كتاب، لكنها إذا جاءت بالتعريف الكتاب ~~انصرفت إلى القرآن الكريم، وهذا ما نسميه علم بالغلبة. والذكر هو ~~القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، وهو معجزته الخالدة في ~~الوقت نفسه، فهو منهج ومعجزة، وقد جاء الرسل السابقون بمعجزات لحالها، ~~وكتب لحالها، فالكتاب منفصل عن المعجزة. فموسى كتابه التوراة ومعجزته ~~العصا، وعيسى كتابه ومنهجه الإنجيل ومعجزته إبراء الأكمه والأبرص وإحياء ~~الموتى بإذن الله. أما محمد صلى الله عليه وسلم فمعجزته هي نفس كتاب ~~منهجه، لا ينفصل أحدهما عن الآخر لتظل المعجزة مساندة للمنهج إلى قيام ~~الساعة. وهذا هو السر في أن الحق تبارك وتعالى تكفل بحفظ القرآن ~~وحمايته، فقال تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. أما الكتب السابقة فقد عهد إلى التابعين لكل رسول منهم ~~بحفظ كتابه، كما قال تعالى: # إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب ~~الله.. # [المائدة: 44]. ومعنى استحفظوا: أي طلب الله منهم أن يحفظوا ~~التوراة، وهذا أمر تكليف قد يطاع وقد يعصى، والذي حدث أن اليهود ~~عصوا وبدلوا وحرفوا في التوراة.. أما القرآن فقد تعهد الله ~~تعالى بحفظه ولم يترك هذا لأحد لأنه الكتاب الخاتم الذي سيصاحب البشرية ~~إلى قيام الساعة. ومن الذكر أيضا ما جاء به الرسول صلى الله عليه ms5552 ~~وسلم مع القرآن، وهو الحديث الشريف، فللرسول مهمة أخرى، وهي منهجه ~~الكلامي وحديثه الشريف الذي جاء من مشكاة القرآن مبينا له ~~وموضحا له... كما قال صلى الله عليه وسلم: # " ألا وإني قد أوتيت القرآن ومثله معه، يوشك رجل شبعان يتكىء ~~على أريكته يحدث بالحديث عني فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما ~~وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا ~~وإنه ليس كذلك ". # ويقول الحق سبحانه: { لتبين للناس ما نزل إليهم.. } ~~[النحل: 44]. إذن: جاء القرآن كتاب معجزة، وجاء كتاب منهج، إلا أنه ذكر ~~أصول هذا المنهج فقط، ولم يذكر التعريفات المنهجية والشروح اللازمة ~~لتوضيح هذا المنهج، وإلا لطالت المسألة، وتضخم القرآن وربما بعد ~~عن مراده. فجاء القرآن بالأصول الثابتة، وترك للرسول صلى الله عليه ~~وسلم مهمة أن يبينه للناس، ويشرحه ويوضح ما فيه. وقد يظن البعض أن ~~كل ما جاءت به السنة لا يلزمنا القيام به لأنه سنة يثاب من ~~فعلها ولا يعاقب من تركها.. نقول: لا.. لا بد أن نفرق هنا بين ~~سنية الدليل وسنية الحكم، حتى لا يلتبس الأمر على الناس. فسنية ~~الدليل تعني وجود فرض، إلا أن دليله ثابت من السنة.. وذلك كبيان عدد ~~ركعات الفرائض: الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذه ثابتة بالسنة ~~وهي فرض. أما سنية الحكم: فهي أمور وأحكام فقهية وردت عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.. فحين يبين لنا ~~الرسول بسلوكه وأسوته حكما ننظر: هل هي سنية الدليل فيكون ~~فرضا، أم سنية الحكم فيكون سنة؟ ويظهر لنا هذا أيضا من مواظبة ~~الرسول على هذا الأمر، فإن واظب عليه والتزمه فهو فرض، وإن لم يواظب ~~عليه فهو سنة. إذن: مهمة الرسول ليست مجرد مناولة القرآن وإبلاغه ~~للناس، بل وبيان ما جاء فيه من المنهج الإلهي، فلا يستقيم هنا البلاغ دون ~~بيان.. ولا بد أن نفرق بين العطائين: العطاء القرآني، والعطاء ~~النبوي. ويجب أن نعلم هنا أن من الميزات التي ميز بها النبي صلى ~~الله عليه ms5553 وسلم عن سائر إخوانه من الرسل، أنه الرسول الوحيد الذي أمنه ~~الله على التشريع، فقد كان الرسل السابقون يبلغون أوامر السماء فقط ~~وانتهت المسألة، أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال الحق تبارك وتعالى ~~في حقه: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. إذن: أخذ ميزة التشريع، فأصبحت سنته هي التشريع الثاني ~~بعد القرآن الكريم. ثم يقول تعالى: { ولعلهم يتفكرون } ~~[النحل: 44]. يتفكرون.. في أي شيء؟ يتفكرون في حال الرسول صلى الله عليه ~~وسلم قبل البعثة، حيث لم يؤثر عنه أنه كان خطيبا أو أديبا شاعرا، ~~ولم يؤثر عنه أنه كان كاتبا متعلما.. لم يعرف عنه هذا أبدا ~~طيلة أربعين عاما من عمره الشريف، لذلك أمرهم بالتفكر والتدبر في ~~هذا الأمر. فليس ما جاء به محمد عبقرية تفجرت هكذا مرة واحدة في ~~الأربعين من عمره، فالعمر الطبيعي للعبقريات يأتي في أواخر العقد ~~الثاني وأوائل العقد الثالث من العمر. ولا يعقل أن تؤجل العبقرية ~~عند رسول الله إلى هذا السن وهو يرى القوم يصرعون حوله. # . فيموت أبوه وهو في بطن أمه، ثم تموت أمه وما يزال طفلا صغيرا، ثم ~~يموت جده، فمن يضمن له الحياة إلى سن الأربعين، حيث تتفجر عنده ~~هذه العبقرية؟! إذن: تفكروا، فليست هذه عبقرية من محمد، بل هي أمر من ~~السماء ولذلك أمره ربه تبارك وتعالى أن يقول لهم: # قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. فكان عليكم أن تفكروا في هذه المسألة.. ولو فكرتم فيها ~~كان يجب عليكم أن تتهافتوا على الإسلام، فأنتم أعلم الناس بمحمد، وما ~~جربتم عليه لا كذبا ولا خيانة، ولا اشتغالا بالشعر أو الخطابة، فما ~~كان ليصدق عندكم ويكذب على الله. ولا بد أن نفرق بين العقل ~~والفكر. فالعقل هو الأداة التي تستقبل المحسات وتميزها، وتخرج منها ~~القضايا العامة التي ستكون هي المبادىء التي يعيش الإنسان عليها، والتي ~~ستكون عبارة عن معلومات مختزنة، أما الفكر فهو أن تفكر ms5554 في هذه الأشياء ~~لكي تستنبط منها الحكم. والله سبحانه وتعالى ترك لنا حرية التفكير وحرية ~~العقل في أمور دنيانا، لكنه ضبطنا بأمور قسرية يفسد العالم بدونها، ~~فالذي يفسد العالم أن نترك ما شرعه الله لنا.. والباقي الذي لا يترتب ~~عليه ضرر يترك لنا فيه مجالا للتفكير والتجربة لأن الفشل فيه لا يضر. ~~فما أراده الله حكما قسريا فرضه بنص صريح لا خلاف فيه، وما أراده ~~على وجوه متعددة يتركه للاجتهاد حيث يحتمل الفعل فيه أوجها متعددة، ولا ~~يؤدي الخطأ فيه إلى فساد. فالمسألة ميزان فكري يتحكم في المحسات وينظم ~~القضايا، لنرى أولا ما يريده الله بتا وما يريده اجتهادا، وما دام ~~اجتهادا فما وصل إليه المجتهد يصح أن يعبد الله به، ولكن آفة الناس في ~~الأمور الاجتهادية أن منهم من يتهم مخالفه، وقد تصل الحال بهؤلاء إلى ~~رمي مخالفيهم بالكفر والعياذ بالله. ونقول لمثل هذا: اتق الله، فهذا ~~اجتهاد من أصاب فيه فله أجران، ومن أخطأ فله أجر.. ولذلك نجد من ~~العلماء من يعرف طبيعة الأمور الاجتهادية فنراه يقول: رأيي صواب ~~يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب. وهكذا يتعايش الجميع ~~وتحترم الآراء. ومن رحمة الله بعباده أن يأمرهم بالتفكر والتدبر ~~والنظر ذلك لأنهم خلقه سبحانه، وهم أكرم عليه من أن يتركهم للضلال ~~والكفر، بعد أن أكرمهم بالخلق والعقل، فأراد سبحانه أن يكرمهم إكراما ~~آخر بالطاعة والإيمان. وكأنه سبحانه يقول لهم: ردوا عقولكم ونفوسكم عن ~~كبرياء الجدل ولجج الخصومة، وإن كنتم لا تؤمنون بالبعث في الآخرة، ~~وبما أعد للظالمين فيها من عقاب، فانظروا إلى ما حدث لهم وما عجل ~~لهم من عذاب في الدنيا. انظروا للذين سبقوكم من الأمم المكذبة وما آل ~~إليه مصيرهم، أم أنتم آمنون من العذاب، بعيدون عنه؟! ثم يقول تبارك ~~وتعالى: { أفأمن الذين مكروا... }. ### || [16.45] # قوله تعالى: { أفأمن.. } [النحل: 45]. عبارة عن همزة الاستفهام ~~التي تستفهم عن مضمون الجملة بعدها.. أما الفاء بعدها فهي حرف عطف ~~يعطف جملة على جملة.. إذن: هنا جملة قبل الفاء تقديرها: أجهلوا ms5555 ما وقع ~~لمخالفي الأنبياء السابقين من العذاب، فأمنوا مكر الله؟ أي: أن أمنهم ~~لمكر الله ناشىء عن جهلهم بما وقع للمكذبين من الأمم السابقة. ثم ~~يقول تعالى: { مكروا السيئات.. } [النحل: 45]. المكر: هو ~~التبييت الخفي للنيل ممن لا تستطيع مجابهته بالحق ومجاهرته به، فأنت ~~لا تبيت لأحد إلا إذا كانت قدرتك عاجزة عن مصارحته مباشرة، فكونك ~~تبيت له وتمكر به دليل على عجزك ولذلك جعلوا المكر أول مراتب الجبن ~~لأن الماكر ما مكر إلا لعجزه عن المواجهة، وعلى قدر ما يكون المكر ~~عظيما يكون الضعف كذلك. وهذا ما نلحظه من قوله تعالى في حق النساء: # إن كيدكن عظيم # [يوسف: 28]. وقال في حق الشيطان: # إن كيد الشيطان كان ضعيفا # [النساء: 76]. فالمكر دليل على الضعف، وما دام كيدهن عظيما إذن: ~~ضعفهن أيضا عظيم، وكذلك في كيد الشيطان. وقديما قالوا: إياك أن ~~يملكك الضعيف ذلك لأنه إذا تمكن منك وواتته الفرصة فلن يدعك تفلت ~~منه لأنه يعلم ضعفه، ولا يضمن أن تتاح له الفرصة مرة أخرى لذلك لا ~~يضيعها على عكس القوي، فهو لا يحرص على الانتقام إذا أتيحت له الفرصة ~~وربما فوتها لقوته وقدرته على خصمه، وتمكنه منه في أي وقت ~~يريد، وفي نفس المعنى جاء قول الشاعر: # وضعيفة فإذا أصابت فرصة # قتلت كذلك قدرة الضعفاء # إذن: قدرة الضعفاء قد تقتل، أما قدرة القوي فليست كذلك. ثم لنا وقفة ~~أخرى مع المكر، من حيث إن المكر قد ينصرك على مساويك وعلى مثلك من بني ~~الإنسان، فإذا ما تعرضت لمن هو أقوى منك وأكثر منك حيطة، وأحكم منك ~~مكرا، فربما لا يجدي مكرك به، بل ربما غلبك هو بمكره واحتياطه، ~~فكيف الحال إذا كان الماكر بك هو رب العالمين تبارك وتعالى؟ وصدق الله ~~العظيم حيث قال: # ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين # [ الأنفال: 30]. وقال: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله.. # [فاطر: 43]. فمكر العباد مكشوف عند الله، أما مكره سبحانه فلا يقدر ~~عليه أحد، ولا يحتاط منه أحد لذلك كان الحق سبحانه خير الماكرين. ~~والمكر ms5556 السيء هو المكر البطال الذي لا يكون إلا في الشر، كما حدث ~~من مكر المكذبين للرسل على مر العصور، وهو أن تكيد للغير كيدا ~~يبطل حقا. وكل رسول قابله قومه المنكرون له بالمكر والخديعة، دليل ~~على أنهم لا يستطيعون مواجهته مباشرة، وقد تعرض الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لمراحل متعددة من الكيد والمكر والخديعة، وذلك لحكمة أرادها الحق ~~تبارك وتعالى وهي أن يوئس الكفار من الانتصار عليه صلى الله عليه وسلم، ~~فقد بيتوا له ودبروا لقتله، وحاكوا في سبيل ذلك الخطط، وقد باءت ~~خطتهم ليلة الهجرة بالفشل. # وفي مكيدة أخرى حاولوا أن يسحروه صلى الله عليه وسلم، ولكن كشف الله ~~أمرهم وخيب سعيهم.. إذن: فأي وسيلة من وسائل دحض هذه الدعوة لم ~~تنجحوا فيها، ونصره الله عليكم. كما قال تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي.. # [المجادلة: 21]. وقوله تعالى: { أن يخسف الله بهم الأرض.. ~~} [النحل: 45]. الخسف: هو تغييب الأرض ما على ظهرها.. فانخسف الشيء ~~أي: غاب في باطن الأرض، ومنه خسوف القمر أي: غياب ضوئه. ومن ذلك ~~أيضا قوله تعالى عن قارون: # فخسفنا به وبداره الأرض.. # [القصص: 81]. وهذا نوع من العذاب الذي جاء على صور متعددة كما ذكرها ~~القرآن الكريم: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا.. # [العنكبوت: 40]. هذه ألوان من العذاب الذي حاق بالمكذبين، وكان يجب على ~~هؤلاء أن يأخذوا من سابقيهم عبرة وعظة، وأن يحتاطوا أن يحدث لهم كما حدث ~~لسابقيهم. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { أو يأتيهم العذاب ~~من حيث لا يشعرون } [النحل: 45]. والمراد أنهم إذا احتاطوا ~~لمكر الله وللعذاب الواقع بهم، أتاهم الله من وجهة لا يشعرون بها، ولم ~~تخطر لهم على بال، وطالما لم تخطر لهم على بال، إذن: فلم يحتاطوا لها، ~~فيكون أخذهم يسيرا، كما قال تعالى: # فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا.. # [الحشر: 2]. ويتابع الحق سبحانه، فيقول: { أو يأخذهم في... }. ### || [16.46] # التقلب: الانتقال من حال إلى حال، أو من مكان إلى ms5557 مكان، والانتقال من ~~مكان الإقامة إلى مكان آخر دليل القوة والمقدرة، حيث ينتقل الإنسان من ~~مكانه حاملا متاعه وعتاده وجميع ما يملك لينشىء له حركة حياة جديدة ~~في مكانه الجديد. إذن: التقلب في الحياة مظهر من مظاهر القوة، بحيث ~~يستطيع أن يقيم حياة جديدة، ويحفظ ماله في رحلة تقلبه.. ولا شك أن ~~هذا مظهر من مظاهر العزة والجاه والثراء لا يقوم به إلا القوي. ولذلك نرى ~~في قول الحق تبارك وتعالى عن أهل سبأ: # وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ~~قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ~~ليالي وأياما آمنين * فقالوا ربنا باعد بين ~~أسفارنا.. # [سبأ: 18-19]. فهؤلاء قوم جمع الله لهم ألوانا شتى من النعيم، وأمن ~~بلادهم وأسفارهم، وجعل لهم محطات للراحة أثناء سفرهم، ولكنهم وللعجب ~~طلبوا من الله أن يباعد بين أسفارهم، كأنهم أرادوا أن يتميزوا عن ~~الضعفاء غير القادرين على مشقة السفر والترحال، فقالوا: # باعد بين أسفارنا.. # [سبأ: 19]. حتى لا يقدر الضعفاء منهم على خوض هذه المسافات. إذن: الذي ~~يتقلب في الأرض دليل على أن له من الحال حال إقامة وحال ظعن وقدرة ~~على أن ينقل ما لديه ليقيم به في مكان آخر ولذلك قالوا: المال في الغربة ~~وطن.. ومن كان قادرا يفعل ما يريد. والحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم: # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد # [آل عمران: 196]. فلا يخيفنك انتقالهم بين رحلتي الشتاء والصيف، ~~فالله تعالى قادر أن يأخذهم في تقلبهم. وقد يراد تقلبهم في الأفكار ~~والمكر السيء بالرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته كما في قوله تعالى: # لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك ~~الأمور.. # [التوبة: 48]. فقد قعدوا يخططون ويمكرون ويدبرون للقضاء على ~~الدعوة في مهدها. ويقول تعالى: { فما هم بمعجزين } [النحل: ~~46]. المعجز: هو الذي لا يمكنك من أن تغلبه، وهؤلاء لن يعجزوا الله ~~تعالى، ولن يستطيعوا الإفلات من عذابه لأنهم مهما بيتوا فتبييتهم ~~وكيدهم عند الله.. أما كيد الله إذا أراد أن يكيد لهم فلن يشعروا به: # ويمكرون ويمكر ms5558 الله.. # [الأنفال: 30]. وقال: # إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا * فمهل ~~الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 15-17]. فمن لا يستطيع أن يغلبك يخضع لك، وما دام يخضع لك ~~يسيطر عليه المنهج الذي جئت به. وقد يكون العجز أمام القوى دليل ~~قوة، كما عجز العرب أمام تحدي القرآن لهم، فكان عجزهم أمام كتاب الله ~~دليل قوتهم في المجال الذي تحداهم القرآن فيه لأن الله تعالى حين ~~يتحدى وحين ينازل لا ينازل الضعيف، لا بل ينازل القوي في مجال هذا ~~التحدي. ### || [16.47] # التخوف: هو الفزع من شيء لم يحدث بعد، فيذهب فيه الخيال مذاهب شتى، ~~ويتوقع الإنسان ألوانا متعددة من الشر، في حين أن الواقع يحدث على وجه ~~واحد. هب أنك في انتظار حبيب تأخر عن موعد وصوله، فيذهب بك الخيال ~~والاحتمال إلى أمور كثيرة.. يا ترى حدث كذا أو حدث كذا، وكل خيال من هذه ~~الخيالات له أثر ولذعة في النفس، وبذلك تكثر المخاوف، أما إن انتظرت ~~لتعرف الواقع فإن كان هناك فزع كان مرة واحدة. ولذلك يقولون في ~~الأمثال: نزول البلا ولا انتظاره ذلك لأنه إن نزل سينزل بلون واحد، أما ~~انتظاره فيشيع في النفس ألوانا متعددة من الفزع والخوف.. إذن: التخوف ~~أشد وأعظم من وقوع الحدث نفسه. وكان هذا الفزع يعتري الكفار إذا ما ~~علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية من السرايا، فيتوقع ~~كل جماعة منهم أنها تقصدهم، وبذلك يشيع الله الفزع في نفوسهم جميعا، في ~~حين أنها خرجت لناحية معينة. وبعض المفسرين قال: التخوف يعني التنقص ~~بأن ينقص الله من رقعة الكفر بدخول القبائل في الإسلام قبيلة بعد ~~أخرى، فكل واحدة منها تنقص من رقعة الكفر.. كما جاء في قوله تعالى: # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص ~~من الأموال والأنفس والثمرات.. # [البقرة: 155]. ثم يقول الحق تبارك وتعالى في تذييل هذه الآية: { ~~فإن ربكم لرؤوف رحيم } [النحل: 47]. وهل هذا التذييل ~~مناسب للآية وما قبلها من التهديد والوعيد؟ فالعقل يقول: إن التذييل ~~المناسب لها: إن ربكم لشديد العقاب مثلا. ms5559 لكن يجب هنا أن نعلم أن هذا ~~هو عطاء الربوبية الذي يشمل العباد جميعا مؤمنهم وكافرهم، فالله تعالى ~~استدعى الجميع للدنيا، وتكفل للجميع بما يحفظ حياتهم من شمس وهواء وأرض ~~وسماء، لم تخلق هذه الأشياء لواحد دون الآخر، وقد قال تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. وكأن في الآية لونا من ألوان رحمته سبحانه بخلقه ~~وحرصه سبحانه على نجاتهم لأنه ينبههم إلى ما يمكن أن يحدث لهم إذا ~~أصروا على كفرهم، ويبصرهم بعاقبة كفرهم، والتبصرة عظة، والعظة ~~رأفة بهم ورحمة حتى لا ينالهم هذا التهديد وهذا الوعيد. ومثال هذا ~~التذييل كثير في سورة الرحمن، يقول الحق تبارك وتعالى: # رب المشرقين ورب المغربين * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان # [الرحمن: 17-18]. فهذه نعمة ناسبت قوله تعالى: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 18]. وكذلك في قوله تعالى: # مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا ~~يبغيان # [الرحمن: 19-20]. فهذه نعمة من نعم الله ناسبت تذييل الآية: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 21]. أما في قوله تعالى: # كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام * فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 26-28]. فما النعمة في { كل من عليها فان }؟ هل ~~الموت نعمة؟! نعم، يكون الموت نعمة من نعم الله على عباده لأنه يقول ~~للمحسن: سيأتي الموت لتلقي جزاء إحسانك وثواب عملك، ويقول أيضا للكافر: ~~انتبه واحذر.. الموت قادم، كأنه سبحانه يوقظ الكفار ويعظهم لينتهوا ~~عما هم فيه.. أليست هذه نعمة من نعم الله ورحمة منه سبحانه بعباده؟ وكذلك ~~انظر إلى قول الحق تبارك وتعالى: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36]. فأي نعمة في: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس.. # [الرحمن: 35]. أي نعمة في هذا العذاب؟ نعم المتدبر لهذه الآية يجد ~~فيها نعمة عظيمة لأن فيها تهديدا ووعيدا بالعذاب إذا استمروا على ما ~~هم فيه من الكفر.. ففي طياتها تحذير وحرص على نجاتهم ms5560 كما تتوعد ~~ولدك: إذا أهملت دروسك ستفشل وأفعل بك كذا وكذا. وأنت ما قلت ذلك إلا ~~لحرصك على نجاحه وفلاحه. إذن: فتذييل الآية بقوله: { فإن ربكم ~~لرؤوف رحيم } [النحل: 47]. تذييل مناسب لما قبلها من التهديد ~~والوعيد، وفيها بيان لرحمة الله التي يدعو إليها كلا من المؤمن والكافر. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { أولم يروا إلى ما خلق... }. ### || [16.48] # قوله تعالى: { أولم يروا.. } [النحل: 48]. المعنى: أعموا ولم ~~يروا ولم يتدبروا فيها خلق الله؟ { من شيء.. } [النحل: 48]. كلمة ~~شيء يسمونها جنس الأجناس، و { من } تفيد ابتداء ما يقال له شيء، أي: ~~أتفه شيء موجود، وهذا يسمونه أدنى الأجناس.. وتفيد أيضا العموم فيكون: { ~~من شيء.. } [النحل: 48]. أي: كل شيء. فانظر إلى أي شيء في الوجود ~~مهما كان هذا الشيء تافها ستجد له ظلا: { يتفيؤا ظلاله.. } ~~[النحل: 48]. يتفيأ: من فاء أي: رجع، والمراد عودة الظل مرة أخرى إلى ~~الشمس، أو عودة الشمس إلى الظل. فلو نظرنا إلى الظل نجده على نوعين: ظل ~~ثابت مستمر، وظل متغير، فالظل الثابت دائما في الأماكن التي لا تصل ~~إليها أشعة الشمس، كقاع البحار وباطن الأرض، فهذا ظل ثابت لا تأتيه ~~أشعة الشمس في أي وقت من الأوقات. والظل المتحرك الذي يسمى الفيء ~~لأنه يعود من الظل إلى الشمس، أو من الشمس إلى الظل، إذن: لا يسمى ~~الظل فيئا إلا إذا كان يرجع إلى ما كان عليه. ولكن.. كيف يتكون الظل؟ ~~يتكون الظل إذا ما استعرض الشمس جسم كثيف يحجب شعاع الشمس، فيكون ~~ظلا له في الناحية المقابلة للشمس، هذا الظل له طولان وله استواء ~~واحد. طول عند الشروق إلى أن يبلغ المغرب، ثم يأخذ في التناقص مع ~~ارتفاع الشمس، فإذا ما استوت الشمس في السماء يصبح ظل الشيء في نفسه، ~~وهذه حالة الاستواء، ثم تميل الشمس إلى الغروب، وينعكس طول الظل الأول ~~من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق. ويلفتنا الحق تبارك وتعالى إلى هذه ~~الآية الكونية في قوله تعالى: # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شآء ~~لجعله ms5561 ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا * ~~ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا # [الفرقان: 45-46]. ذلك لأنك لو نظرت إلى الظل وكيف يمتد، وكيف ~~ينقبض وينحسر لوجدت شيئا عجيبا حقا.. ذلك لأنك تلاحظ الظل في ~~الحالتين يسير سيرا انسيابيا. ما معنى: انسيابي؟ هو نوع من أنواع ~~الحركة، فالحركة إما حركة انسيابية، أو حركة عن توالي سكونات بين ~~الحركات. وهذه الأخيرة نلاحظها في حركة عقارب الساعة، وهي أوضح في عقرب ~~الثواني منها في عقرب الدقائق، ولا تكاد تشعر بها في عقرب الساعات.. فلو ~~لاحظت عقرب الثواني لوجدته يسير عن طريق قفزات منتظمة، تكون حركة ~~فسكونا فحركة، وهكذا.. ومعنى ذلك أنه يجمع الحركة في حال سكونه، ثم ~~ينطلق بها، وبذلك تمر عليه لحظة لم يكن متحركا فيها، وهذا ما نسميه ~~بالحركة القفزية.. هذه الحركة لا تستطيع رصدها في عقرب الساعات لأن ~~القفزة فيه دقيقة لدرجة أن العين المجردة تعجز عن رصدها وملاحظتها، هذه ~~هي الحركة القفزية. # أما الحركة الانسيابية، فتعني أن كل جزء من الزمن فيه جزء من الحركة.. ~~أي: حركة مستمرة وموزعة بانتظام على الزمن. ونضرب لذلك مثلا بنمو ~~الطفل.. الطفل الوليد ينمو باستمرار، لكن أمه لملازمتها له لا تلاحظ هذا ~~النمو لأن نظرها عليه دائما.. فكيف تكون حركة النمو في الطفل؟ هل حركة ~~قفزية يتجمع فيها نمو الطفل كل أسبوع أو كل شهر مثلا، ثم ينمو طفرة ~~واحدة؟ لو كان نموه هكذا للاحظنا نمو الطفل، لكنه ليس كذلك، بل ينمو ~~بحركة انسيابية توزع الملي الواحد من النمو على طول الزمن. فلا نكاد ~~نشعر بنموه. وهكذا حركة الشمس حركة انسيابية، بحيث توزع جزئيات الحركة ~~على جزئيات الزمن، فالشمس ليست مركونة إلى ميكانيكا تتحرك عن التروس ~~كالساعة مثلا، لا.. بل مركونة إلى أمر الله، موصولة بكن الدائمة. وكأن ~~الحق تبارك وتعالى يريد أن يلفت خلقه إلى ظاهرة كونية في الوجود ~~محسة، يدركها كل منا في ذاته، وفيما يرى من المرائي، ومن هذه ~~المظاهر ظاهرة الظل التي يعجز الإنسان عن إدراك حركته. وفي آية أخرى ms5562 ~~يقول الحق تبارك وتعالى: # وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد: 15]. فالحق سبحانه يريد أن يعمم الفكرة التسبيحية في الكون ~~كله، كما قال تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. فكل ما يطلق عليه شيء فهو يسبح مهما كان صغيرا. ~~وقوله تعالى: { يتفيؤا ظلاله عن اليمين ~~والشمآئل.. } [النحل: 48]. لنا هنا وقفة مع الأداء القرآني، حيث ~~أتى باليمين مفردا، في حين أتى بالشمائل على صورة الجمع ذلك لأن الحق ~~تبارك وتعالى لما قال: { أولم يروا إلى ما خلق الله ~~من شيء.. } [النحل: 48]. أتى بأقل ما يتصور من مخلوقاته سبحانه { ~~من شيء } وهو مفرد، ثم قال سبحانه: { ظلاله.. } [النحل: 48]. ~~بصيغة الجمع. أي: مجموع هذه الأشياء، فالإنسان لا يتفيأ ظل شيء واحد، ~~لا.. بل ظل أشياء متعددة. و { من } هنا أفادت العموم: { من شيء.. ~~} [النحل: 48]. أي: كل شيء. فليناسب المفرد جاء باليمين، وليناسب الجمع ~~جاء بالشمائل. ثم يقول تعالى: { سجدا لله وهم داخرون } ~~[النحل: 48]. فما العلاقة بين حركة الظل وبين السجود؟ معنى: سجدا أي: ~~خضوعا لله، وكأن حركة الظل وامتداده على امتداد الزمن دليل على أنه ~~موصول بالمحرك الأعلى له، والقائل الأعلى ل " كن " ، والظل آية من ~~آياته سبحانه مسخرة له ساجدة خاضعة لقوله: كن فيكون. وقلنا: إن هناك ~~فرقا بين الشيء تعده إعدادا كونيا، والشيء تعده إعدادا ~~قدريا.. فصانع القنبلة الزمنية يعدها لأن تنفجر في الزمن الذي ~~يريده، وليس الأمر كذلك في إعداد الكون. # الكون أعده الله إعدادا قدريا قائما على قوله كن، وفي انتظار لهذا ~~الأمر الإلهي باستمرار كن فيكون. وهكذا.. فليست المسألة مضبوطة ~~ميكانيكا، لا.. بل مضبوطة قدريا. لذلك يحلو لبعض الناس أن يقول: باق ~~للشمس كذا من السنين ثم ينتهي ضوؤها، ويرتب على هذا الحكم أشياء أخرى.. ~~نقول: لا.. ليس الأمر كذلك.. فالشمس خاضعة للإعداد القدري منضبطة به ~~ومنتظرة ل " كن " التي يصغي لها الكون كله ولذلك يقول تعالى: # كل يوم هو في شأن # [الرحمن: 29]. هكذا بينت الآية الكريمة أن كل ما يقال له " شيء " ~~يسجد لله ms5563 عز وجل، وكلمة " شيء " جاءت مفردة دالة على العموم.. وقد ~~عرفنا السجود فيما كلفنا الله به من ركن في الصلاة، وهو منتهى ~~الخضوع، خضوع الذات من العابد للمعبود، فنحن نخضع واقفين، ونخضع راكعين، ~~ونخضع قاعدين، ولكن أتم الخضوع يكون بأن نسجد لله.. ولماذا كان أتم ~~الخضوع أن نسجد لله؟ نقول: لأن الإنسان له ذات عامة، وفي هذا الذات سيد ~~للذات، بحيث إذا أطلق انصرف إلى الذات، والمراد به الوجه لذلك حينما ~~يعبر الحق تبارك وتعالى عن فناء الوجود يقول: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88]. وكذلك في قوله: # إلا ابتغآء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى # [الليل: 20-21]. فيطلق الوجه ويراد به الذات، فإذا ما سجد الوجه لله ~~تعالى دل ذلك على خضوع الذات كلها لأن أشرف ما في الإنسان وجهه، فإذا ~~ما ألصقه بالأرض فقد جاء بمنتهى الخضوع بكل ذاته للمعبود عز وجل. كما ~~دلت الآية على أن الظل أيضا يسجد لربه وخالقه سبحانه، والظلال قد ~~تكون لجمادات كالشجر مثلا، أو بناية أو جبل، وهذه الأشياء الثابتة يكون ~~ظلها أيضا ثابتا لا يتحرك، أما ظل الإنسان أو الحيوان فهو ظل ~~متحرك، وقد ضرب لنا الحق تبارك وتعالى مثلا في الخضوع التام بالظلال لأن ~~ظل كل شيء لا يفارق الأرض أبدا، وهذا مثال للخضوع الكامل. ثم يرتفع الحق ~~تبارك وتعالى بمسألة السجود من الجمادات في الظلال في قوله: # وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد: 15]. يعني الذوات تسجد، وكذلك الظلال تسجد ولذلك يتعجب بعض ~~العارفين من الكافر.. يقول: أيها الكافر ظلك ساجد وأنت جاحد.. جاء هذا ~~الترقي في قوله تعالى: { ولله يسجد... }. ### || [16.49] # فأجناس الكون التي يعرفها الإنسان أربعة: إما جماد، فإذا وجدت خاصية ~~النمو كان النبات، وإذا وجدت خاصية الحركة والحس كان الحيوان، فإذا ~~وجدت خاصية الفكر كان الإنسان، وإذا وجدت خاصية العلم الذاتي ~~النوراني كان الملك.. هذه هي الأجناس التي نعرفها. الحق تبارك وتعالى ~~ينقلنا هنا نقلة من الظلال الساجدة، للجمادات الثابتة، إلى الشيء الذي ~~يتحرك، وهو وإن كان متحركا إلا أن ms5564 ظله أيضا على الأرض، فإذا كان ~~الحق سبحانه قد قال: { ولله يسجد ما في السماوات وما ~~في الأرض.. } [النحل: 49]. فقد فصل هذا الإجمال بقوله: { من ~~دآبة والملائكة.. } [النحل: 49]. أي: من أقل الأشياء ~~المتحركة وهي الدابة، إلى أعلى الأشياء وهي الملائكة.. وقد يقول قائل: ~~وهل ما في السماوات وما في الأرض يسجد لله؟ نقول له: نعم.. لأنك فسرت ~~السجود فيك أنت بوضع جبهتك على الأرض، ليدل على أن الذات بعلوها ~~ودنوها ساجدة لله خاضعة تمام الخضوع، حيث جعلت الجبهة مع القدم. والحق ~~تبارك وتعالى يريد منا أن نعرف استطراق العبودية في الوجود كله لأن ~~الكافر وإن كان متمردا على الله فيما جعل الله له فيه اختيارا، في ~~أن يؤمن أو يكفر، في أن يطيع أو يعصي، ولكن الله أعطاه الاختيار. نقول ~~له: إنك قد ألفت التمرد على الله، فطلب منك أن تؤمن لكنك كفرت، وطلب ~~منك يا مؤمن أن تطيع فعصيت، إذن: فلك إلف بالتمرد على الحق.. ولكن ~~لا تعتقد أنك خرجت من السجود والخضوع لله لأن الله يجري عليك أشياء ~~تكرهها، ولكنها تقع عليك رغم أنفك وأنت خاضع. وهذا معنى قوله تعالى في ~~الآية السابقة: # وهم داخرون # [النحل: 48]. أي: صاغرون مستذلون منقادون مع أنهم ألفوا ~~التمرد على الحق سبحانه. وإلا فهذا الذي ألف الخروج عن مرادات الله ~~فيما له فيه اختيار، هل يستطيع أن يتأبى على الله إذا أراد أن ~~يمرضه، أو يفقره، أو يميته؟ لا، لا يستطيع، بل هو داخر صاغر في كل ما ~~يجريه عليه من مقادير، وإن كان يأباها، وإن كان قد ألف الخروج عن ~~مرادات الله. إذن: ليس في كون الله شيء يستطيع الخروج عن مرادات الله ~~لأنه ما خرج عن مرادات الله الشرعية في التكليف إلا بما أعطاه الله من ~~اختيار، وإلا لو لم يعطه الاختيار لما استطاع التمرد، كما في المرادات ~~الكونية التي لا اختيار فيها. لذلك نقول للكافر الذي تمرد على الحق ~~سبحانه: تمرد إذا أصابك مرض، وقل: لن أمرض، تمرد على الفقر ms5565 وقل: ~~لن أفتقر.. وما دمت لا تقدر وسوف تخضع راغما فلتخضع راضيا وتكسب ~~الأمر، وتنتهي مشكلة حياتك، وتستقبل حياة أخرى أنظف من هذه الحياة. # وقوله تعالى: { من دآبة.. } [النحل: 49]. هو كل ما يدب على الأرض، ~~والدب على الأرض معناه الحركة والمشي.. وقوله: { والملائكة.. ~~} [النحل: 49]. أي: أن الملائكة لا يقال لها دابة لأن الله جعل سعيها ~~في الأمور بأجنحة فقال تعالى: # أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع.. # [فاطر: 1]. وقال في آية أخرى: # وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم.. # [الأنعام: 38]. فخلق الله الطائر يطير بجناحيه مقابلا للدابة التي تدب ~~على الأرض، فاستحوذ على الأمرين: الدابة والملائكة. و { ما } في الآية ~~تطلق على غير العالمين وغير العاقلين ذلك لأن أغلب الأشياء الموجودة في ~~الكون ليس لها علم أو معرفة ولذلك قال تعالى في آية أخرى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها.. # [الأحزاب: 72]. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: { وهم لا ~~يستكبرون } [النحل: 49]. أي: أن الملائكة الذين هم أعلى شيء في ~~خلق الله لا يستكبرون لأن علوهم في الخلق من نورانية وكذا وكذا لا ~~يعطيهم إدلالا على خالقهم سبحانه لأن الذي أعطاهم هذا التكريم هو الله ~~سبحانه وتعالى. وما دام الله هو الذي أعطاهم هذا التكريم فلا يجوز ~~الإدلال به لأن الذي يدل إنما يدل بالذاتيات غير الموهوبة، أما ~~الشيء الموهوب من الغير فلا يجوز أن تدل به على من وهبه لك. لذلك ~~يقول الحق تبارك وتعالى: # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون.. # [النساء: 172]. فلن يمتنعوا عن عبادة الله والسجود له رغم أن الله ~~كرمهم ورفعهم. ثم يقول تعالى: { يخافون ربهم... }. ### || [16.50] # ما هو الخوف؟ الخوف هو الفزع والوجل، والخوف والفزع والوجل لا يكون ~~إلا من ترقب شيء من أعلى منك لا تقدر أنت على رفعه، ولو أمكنك رفعه ~~لما كان هناك داع للخوف منه لذلك فالأمور التي تدخل في مقدوراتك لا ~~تخاف منها، تقول: إن حصل كذا أفعل كذا.. الخ: وإذا ms5566 كان الملائكة الكرام: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. فما داعي الخوف إذن؟ نقول: إن الخوف قد يكون من تقصير حدث ~~منك تخاف عاقبته، وقد يكون الخوف عن مهابة للمخوف وإجلاله وتعظيمه دون ~~ذنب ودون تقصير، ولذلك نجد الشاعر العربي يقول في تبرير هذا الخوف: # أهابك إجلالا وما بك قدرة علي # ولكن ملء عين حبيبها # إذن: مرة يأتي الخوف لتوقع أذى لتقصير منك، ومرة يأتي لمجرد ~~المهابة والإجلال والتعظيم. وقوله تعالى: { من فوقهم.. } [النحل: ~~50]. ما المراد بالفوقية هنا؟ نحن نعرف أن الجهات ست: فوق، وتحت، ~~ويمين، وشمال، وأمام، وخلف.. بقيت جهة الفوقية لتكون هي المسيطرة ~~ولذلك حتى في بناء الحصون يشيدونها على الأماكن العالية لتتحكم ~~بعلوها في متابعة جميع الجهات. إذن: فالفوقية هي محل العلو، وهذه ~~الفوقية قد تكون فوقية مكان، أو فوقية مكانة. فالذي يقول: إنها فوقية ~~مكان، يرى أن الله في السماء، بدليل أن الجارية التي سئلت: أين الله؟ ~~أشارت إلى السماء، وقالت: في السماء. فأشارت إلى جهة العلو لأنه لا ~~يصح أن نقول: إن الله تحت، فالله سبحانه منزه عن المكان، وما نزه ~~عن المكان نزه عن الزمان، فالله عز وجل منزه عن أن تحيزه، لا ~~بمكان ولا بزمان لأن المكان والزمان به خلقا.. فمن الذي خلق الزمان ~~والمكان؟ إذن: ما داما به خلقا فهو سبحانه منزه عن الزمان والمكان. ~~وهم قالوا بأن الفوقية هنا فوقية حقيقية.. فوقية مكان، أي: أنه تعالى ~~أعلى منا.. ونقول لمن يقول بهذه الفوقية: الله أعلى منا.. من أي ~~ناحية؟ من هذه أم من هذه؟ إذن: الفوقية هنا فوقية مكانة، بدليل أننا نرى ~~الحرس الذين يحرسون القصور ويحرسون الحصون يكون الحارس أعلى من المحروس.. ~~فوقه، فهو فوقه مكانا، إنما هل هو فوقه مكانة؟ بالطبع لا. وقوله تعالى: ~~{ ويفعلون ما يؤمرون } [النحل: 50]. وهذه هي الطاعة، وهي أن ~~تفعل ما أمرت به، وأن تجتنب ما نهيت عنه، ولكن الآية هنا ذكرت ~~جانبا واحدا من الطاعة، وهو: { ويفعلون ما يؤمرون } ~~[النحل: 50]. ولم ms5567 تقل الآية مثلا: ويجتنبون ما ينهون عنه، لماذا؟.. ~~نقول: لأن في الآية ما يسمونه بالتلازم المنطقي، والمراد بالتلازم ~~المنطقي أن كل نهي عن شيء فيه أمر بما يقابله، فكل نهي يؤول إلى أمر ~~بمقابله. # فقوله سبحانه: { ويفعلون ما يؤمرون } [النحل: 50]. تستلزم ~~منطقيا " ويجتنبون ما ينهون عنه " وكأن الآية جمعت الجانبين. والحق ~~سبحانه وتعالى خلق الملائكة لا عمل لهم إلا أنهم هيموا في ذات الله، ~~ومنهم ملائكة موكلون بالخلق، وهم: # فالمدبرات أمرا # [النازعات: 5]. ويقول تعالى: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله.. # [الرعد: 11]. ومنهم: # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين # [الانفطار: 10-11]. إذن: فهناك ملائكة لها علاقة بنا، وهم الذين أمرهم ~~الحق سبحانه أن يسجدوا لآدم حينما خلقه الله، وصوره بيده، ونفخ فيه من ~~روحه.. وكأن الله سبحانه يقول لهم: هذا هو الإنسان الذي ستكونون في ~~خدمته، فالسجود له بأمر الله إعلان بأنهم يحفظونه من أمر الله، ويكتبون ~~له كذا، ويعملون له كذا، ويدبرون له الأمور.. الخ. أما الملائكة الذين ~~لا علاقة لهم بالإنسان، ولا يدرون به، ولا يعرفون عنه شيئا، هؤلاء ~~المعنيون في قوله سبحانه لإبليس: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75]. أي: أستكبرت أن تسجد؟ أم كنت من الصنف الملكي ~~العالي؟.. هذا الصنف من الملائكة ليس لهم علاقة بالإنسان، وكل مهمتهم ~~التسبيح والذكر، وهم المعنيون بقوله تعالى: # يسبحون اليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء: 20]. كل شيء - إذن - في الوجود خاضع لمرادات الحق سبحانه ~~منه، إلا ما استثنى الله فيه الإنسان بالاختيار، فالله سبحانه لم يقهر ~~أحدا، لا الإنسان ولا الكون الذي يعيش فيه، فقد عرض الله سبحانه الأمانة ~~على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.. وكأنها ~~قالت: لا نريد أن نكون مختارين، بل نريد أن نكون مسخرين، ولا دخل ~~لنا في موضوع الأمانة والتكليف!! لماذا - إذن - يأبى الكون بسمائه وأرضه ~~تحمل هذه المسئولية؟ نقول: لأن هناك فرقا بين تقبل الشيء وقت ~~تحمله، والقدرة على الشيء وقت أدائه.. هناك فرق.. عندنا تحمل ~~وعندنا أداء.. وقد سبق ms5568 أن ضربنا مثلا لتحمل الأمانة وقلنا: هب أن ~~إنسانا أراد أن يودع عندك مبلغا من المال مخافة تبديده لتحفظه له لحين ~~الحاجة إليه، وأنت في هذا الوقت قادر على التحمل وتنوي أداء أمانته إليه ~~عند طلبها وذمتك قوية، ونيتك صادقة. وهذا وقت تحمل الأمانة، فإذا ما ~~جاء وقت الأداء، فربما تضطرك الظروف إلى إنفاق هذا المال، أو يعرض لك ~~عارض يمنعك من الأداء أو تتغير ذمتك. إذن: وقت الأداء شيء آخر. لذلك، ~~فالذي يريد أن يبرىء ذمته لا يضمن وقت الأداء ويمتنع عن تحمل الأمانة ~~ويقول لنفسه: لا، إن كنت أضمن نفسي وقت التحمل فلا أضمن نفسي وقت الأداء. ~~هذا مثال لما حدث من السماء والأرض والجبال حينما رفضت تحمل الأمانة، ~~ذلك لأنها تقدر مسئوليتها وثقلها وعدم ضمان القيام بحقها، لذلك رفضت ~~تحملها من بداية الأمر. # وكذلك يجب أن يكون الإنسان عاقلا عند تحمل الأمانات ولذلك يقول ~~تعالى: # وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. ما الذي جهله الإنسان؟ جهل تقدير حالة وقت أداء الأمانة، ~~فظلم نفسه، ولو أنه خرج من باب الجمال كما يقولون لقال: يا رب اجعلني ~~مثل السماء والأرض والجبال، وما تجريه علي، فأنا طوع أمرك. ولذلك، ~~فمن عباد الله من قبل الاختيار وتحمل التكليف، ولكنه خرج عن ~~اختياره ومراده لمراد ربه وخالقه، فقال: يا رب أنت خلقت فينا ~~اختيارا، ونحن به قادرون أن نفعل أو لا نفعل، ولكنا تنازلنا عن ~~اختيارنا لاختيارك، وعن مرادنا لمرادك، ونحن طوع أمرك.. هؤلاء هم عباد ~~الله الذين استحقوا هذه النسبة إليه سبحانه وتعالى. إذن: هناك فرق بين ~~من يفعل اختيارا مع قدرته على ألا يفعل، وبين من يفعل بالقهر ~~والتسخير.. فالأول مع أنه قادر ألا يفعل، فقد غلب مراد ربه في ~~التكليف على مراد نفسه في الاختيار. ثم ينتقل الحق - تبارك وتعالى - إلى ~~قمة القضايا العقدية بالنسبة للإنسان، فيقول تعالى: { وقال الله ~~لا تتخذوا... }. ### || [16.51] # وقد جاء النهي في الآية نتيجة خروج الإنسان عن مراد ربه سبحانه، ~~فالعجيب أن البشر ms5569 والجن أيضا - يعني الثقلين - هم المختارون في الكون ~~كله، اختيار في أشياء وقهر في أشياء أخرى.. ومع ذلك لم يشذ من خلق ~~الله غيرهما. فالسموات والأرض والجبال كان لها اختيار، وقد اختارت ~~التسخير، وانتهت المسألة في بداية الأمر، ومع ذلك فهي مسخرة وتؤدي ~~مهمتها لخدمة الإنسان، فالشمس لم تعترض يوما ولم ترفض.. فهي تشرق على ~~المؤمن كما تشرق على الكافر.. وكذلك الهواء والأرض والدابة الحلوب، ~~وكل ما في كون الله مسخر للجميع.. إذن: كل هذه الأشياء لها مهمة، ~~وتؤدي مهمتها على أكمل وجه. ولذلك يقول تعالى في حق هذه الأشياء: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب.. # [الحج: 18] هكذا بالإجماع، لا يتخلف منها شيء عن مراد ربه. فما الحال ~~في الإنسان؟ يقول تعالى: # وكثير من الناس.. # [الحج: 18]. ولم يقل: والناس. ثم قال: # وكثير حق عليه العذاب.. # [الحج: 18]. هذا هو الحال في الإنسان المكرم الذي اختاره الله وترك له ~~الاختيار.. إنما كل الأجناس مؤديه واجبها لأنها أخذت حظها من ~~الاختيار الأول، فاختارت أن تكون مسخرة، وأن تكون مقهورة. فالإنسان.. ~~واحد يقول: لا إله في الوجود.. العالم خلق هكذا بطبيعته، وآخر يقول: ~~بل هناك آلهة متعددة لأن العالم به مصالح كثيرة وأشياء لا ينهض بها إله ~~واحد.. يعني: إله للسماء، وإله للأرض، وإله للشمس.. الخ. إذن: هذا رأي في ~~العالم أشياء كثيرة بحيث لا ينهض بها في نظره إله واحد، ونقول له: أنت ~~أخذت قدرة الإله من قدرة الفردية فيك.. لا.. خذها من قدرة من: # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. لأن القدرة الإلهية لا تعالج الأشياء كما تفعل أنت، ~~وتحتاج إلى مجهود وعمل.. بل في حقه تعالى يتم هذا كله بكلمة كن.. كن ~~كذا وانتهت المسألة. ونعجب من تناقض هؤلاء، واحد يقول: الكون خلق هكذا ~~لحاله دون إله. والآخر يقول: بل له آلهة متعددة.. نقول لهم: أنتم ~~متناقضون، فتعالوا إلى دين الله، وإلى الوسطية التي تقول بإله واحد، لا ~~تنفي الألوهية ولا ms5570 تثبت التعددية. فإن كنت تظن أن دولاب الكون يقتضي ~~أجهزة كثيرة لإدارته، فاعلم أن الله تعالى لا يباشر تدبير أمر الكون ~~بعلاج.. يفعل هذه ويفعل هذه، كما يزاول البشر أعمالهم، بل يفعلها ب " ~~كن " ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي: # " يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم ~~اجتمعوا في صعيد واحد، فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته، فأعطيت كل ~~سائل منكم ما سأل ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر ~~فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه، ذلك بأني جواد ماجد، افعل ما أريد، عطائي ~~كلام، وعذابي كلام، إنما أمري بشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون ". # فيا من تشفق على الإله الواحد أن يتعب من إدارته للكون بشتى ~~نواحيه، ارتفع بمستوى الألوهية عن أمثال البشر لأن الله تعالى لا يباشر ~~سلطانه علاجا في الكون، وإنما يباشره بكلمة " كن ". إذن: إله واحد ~~يكفي، وما دمنا سلمنا بإله واحد، فإياك أن تقول بتعدد الآلهة.. ~~وإذا كان الحق تبارك وتعالى نفى إلهين اثنين، فنفي ما هو أكثر من ذلك ~~أولى.. واثنان أقل صور التعدد. ومعنى { إلهين } أي: معبودين، ~~فيكون لهما أوامر ونواه، والأوامر والنواهي تحتاج إلى طاعة، والكون يحتاج ~~إلى تدبير، فأي الإلهين يقوم بتدبير أمور الكون؟ أم أنه يحتاج إلى ~~مساعد؟ إن كان يحتاج إلى مساعد فهذا نقص فيه، ولا يصلح أن يكون ~~إلها. وكذلك إن تخصص كل منهما في عمل ما، هذا لكذا وهذا لكذا، فقد ~~أصبح أحدهما عاجزا فيما يقوم به الآخر.. وأي ناحية إذن من نواحي الحياة ~~تكون هي المسيطرة؟ ومعلوم أن نواحي الحياة مشتركة ومتشابكة. ولذلك يقول ~~الحق تبارك وتعالى: # وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما ~~خلق ولعلا بعضهم على بعض.. # [المؤمنون: 91]. وقال: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا.. # [الأنبياء: 22]. فكيف الحال إذا أراد الأول شيئا، وأراد الآخر ألا ~~يكون هذا الشيء؟ فإن كان الشيء كان عجزا في الثاني، وإن لم ms5571 يكن كان ~~عجزا في الأول.. إذن: فقوة أحدهما عجز في الآخر. ونلحظ في قوله تعالى: ~~{ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين.. } [النحل: ~~51]. عظة بليغة، كأنه سبحانه حينما دعانا إلى توحيده يقول لنا: أريحوا ~~أنفسكم بالتوحيد، وقد أوضح الحق سبحانه وتعالى هذه الراحة في قوله: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون # [الزمر: 29]. يعني رجل خلص لسيد واحد، ورجل أسياده كثيرون، وهم شركاء ~~مختلفون، فإن أرضى هذا أغضب ذاك، وإن احتاجه أحدهما تنازعه الآخر. فهو ~~دائما متعب مثقل، أما المملوك لسيد واحد فلا يخفي ما فيه من راحة. ~~ففي أمره سبحانه بتوحيده راحة لنا، وكأنه سبحانه يقول: لكم وجهة واحدة ~~تكفيكم كل الجهات، وتضمن لكم أن الرضا واحد، وأن البغض واحد. إذن: ~~فطلبه سبحانه راحة لنا لذلك قبل أن يطلبها منا شهد بها لذاته تعالى، ~~فقال: # شهد الله أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18]. فلو قال معترض: كيف يشهد لذاته؟ نقول: نعم، يشهد لذاته ~~سبحانه لأنه لا أحد غيره.. لا أحد معه، فشهادة الذات للذات هنا شيء ~~طبيعي.. وكأنه سبحانه يقول: لا أحد غيري، وإن كان هناك إله غيري ~~فليرني نفسه، وليفصح عن وجوده. أنا الله خلقت الكون وأخذته وفعلت ~~كذا وكذا، فإما أن أكون صادقا فيما قلت وتنتهي المسألة، وإما أن أكون ~~غير صادق، وهناك إله آخر هو الذي خلق.. فأين هو؟ لماذا لا يعارضني؟ وهذا ~~لم يحدث ولم ينازع الله في خلقه أحد، وحين تأتي الدعوى بلا معاند ولا ~~معارض تسلم لصاحبها. فإن قال قائل: لعل الآلهة الأخرى لم تدر بأن ~~أحدا قد أخذ منهم الألوهية، فإن كان الأمر كذلك فهم لا يصلحون ~~للألوهية لعدم درايتهم، وإن دروا ولم يعارضوا فهم جبناء لا ~~يستحقون هذه المكانة. وبشهادته سبحانه لذاته بأنه لا إله إلا هو أقبل على ~~خلق الخلق لأنه ما دام يعرف أنه لا إله غيره، فإذا قال: " كن " فهو ~~واثق أنه سيكون. ولذلك ساعة يحكم ms5572 الله حكما غيبيا يقول: أنا حكمت هذا ~~الحكم مع أنكم مختارون في أن تفعلوا أو لا تفعلوا، ولكني حكمت بأنكم لا ~~تفعلون، وما دمت حكمت بأنكم لا تفعلون ولكم قدرة أن تفعلوا، ولكن ما ~~فعلتم، فهذا دليل على أنه لا إله غيري يعينكم على أن تفعلوا. ثم شهدت ~~الملائكة على شهادة الذات، وشهد أولو العلم شهادة الاستدلال، كما قال ~~تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم.. # [آل عمران: 18]. لنا هنا وقفة مع قوله تعالى: { إلهين ~~اثنين.. } [النحل: 51]. فعندنا العدد، وعندنا المعدود، فإذا قلنا ~~مثلا: قابلت ثلاثة رجال، فكلمة " ثلاثة " دلت على العدد، وكلمة " رجال ~~" دلت على جنس المعدود، وهكذا في جميع الأعداد ما عدا المفرد والمثنى، ~~فلفظ كل منهما يدل على العدد والمعدود معا. كما لو قلت: إله. فقد دلت ~~على الوحدة، ودلت على الجنس، وكذلك " إلهين " دلت على المثنى وعلى ~~جنس المعدود. ولذلك كان يكفي في الآية الكريمة أن يقول تعالى: لا تتخذوا ~~إلهين لأنها دلت على العدد وعلى المعدود معا، ولكن الحق تبارك وتعالى ~~أراد هذا تأكيدا للأمر العقدي لأهميته. ومن أساليب العرب إذا أحبوا ~~تأكيد الكلام أن يأتوا بعده بالمراد. فيقولون: فلان قسيم وسيم، وفلان ~~حسن بسن، وفلان شيطان ليطان، يريدون تأكيد الصفة.. وكذلك في قوله: { ~~إلهين } فقط تثبت الألوهية، ولتأكيد هذه القضية العقدية لأنها أهم ~~القضايا بالنسبة للإنسان، وهي قضية القمة، فقال تعالى: { إلهين ~~اثنين.. } [النحل: 51]. وكذلك أيضا في قوله: { إنما هو ~~إله واحد. # . } [النحل: 51]. فجاء بقوله تعالى { واحد } لتأكيد وحدانية الله ~~تعالى. وفي الآية ملحظ آخر يجب تأمله، وهو أن الكلام هنا في حالة ~~الغيبة: { إنما هو إله واحد.. } [النحل: 51]. فكان القياس ~~في اللغة هنا أن يقول: " فإياه فارهبون ". ولكن وراء تحويل السياق من ~~الغيبة إلى المجابهة للمتكلم قال: { فإياي فارهبون } [النحل: ~~51]. وهذا وراءه حكمة، وملحظ بلاغي، فبعد أن أكد الألوهية بقوله ~~تعالى: { إنما هو إله واحد.. } [النحل: 51]. صح أن ~~يجابههم بذاته لأن المسألة ما دامت مسألة رهبة، فالرهبة من المتكلم ms5573 ~~خير من الرهبة من الغائب.. وكأن السياق يقول: ها هو سبحانه أمامك، وهذا ~~أدعى للرهبة. وكذلك في فاتحة الكتاب نقرأ: # الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * ~~ملك يوم الدين # [الفاتحة: 2-4]. ولم يقل: إياه نعبد، متابعة للغيبة، بل تحول إلى ~~ضمير الخطاب فقال: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. ذلك لأن العبد بعد أن استحضر صفة الجلال والعظمة أصبح ~~أهلا للمواجهة والخطاب المباشر مع الله عز وجل. فقوله: { فإياي ~~فارهبون } [النحل: 51]. بعد ما استحضر العبد عظمة ربه، وأقر له ~~بالوحدانية وعلم أنه إله واحد، وليس إلهين. واحد يقول: نعذبه. والآخر ~~يقول: لا. ليس الأمر كذلك، بل إله واحد بيده أن يعذب، وبيده أن يعفو، ~~فناسب السياق هنا أن يواجههم فيقول: { فإياي فارهبون } ~~[النحل: 51]. ثم يقول تعالى: { وله ما في السماوات ~~والأرض... }. ### || [16.52] # عندنا هنا اللام.. وقد تكون اللام للملك كما في الآية. وكما في: المال ~~لزيد، وقد تكون للتخصيص إذا دخلت اللام على ما لا يملك، كما نقول: ~~اللجام للفرس، والمفتاح للباب، فالفرس لا يملك اللجام، والباب لا يملك ~~المفتاح. فهذه للتخصيص. والحق سبحانه يقول هنا: { وله ما في ~~السماوات والأرض.. } [النحل: 52]. وفي موضع آخر يقول: # له ما في السماوات وما في الأرض.. # [يونس: 68]. وكذلك في: # يسبح له ما في السماوات والأرض.. # [الحشر: 24]. ومرة يقول: # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض.. # [الجمعة: 1]. حينما تكون اللام للملكية قد يكون المملوك مختلفا ففي ~~قوله: { ما في السماوات والأرض.. } [النحل: 52]. يعني: القدر ~~المشترك الموجود فيهما. أي: الأشياء الموجودة في السماء وفي الأرض. أما ~~في قوله: # ما في السماوات وما في الأرض.. # [يونس: 68]. أي: الأشياء الموجودة في السماء وليست في الأرض، والأشياء ~~الموجودة في الأرض وليست في السماء، أي: المخصص للسماء والمخصص ~~للأرض، وهذا ما يسمونه استيعاب الملكية. وما دام سبحانه له ما في ~~السموات وما في الأرض، فليس لأحد غيره ملكية مستقلة، وما دام ليس لأحد ~~غيره ملكية مستقلة. إذن: فليس له ذاتية وجود لأن وجوده الأول موهوب له، ~~وما به قيام ms5574 وجوده موهوب له.. ولذلك يقولون: من أراد أن يعاند في ~~الألوهية يجب أن تكون له ذاتية وجود.. وليست هذه إلا لله تعالى. ونضرب ~~لذلك مثلا بالولد الصغير الذي يعاند أباه، وهو ما يزال عالة عليه. ~~فيقول له: انتظر إلى أن تكبر وتستقل بأمرك.. فإذا ما شب الولد وبلغ ~~وبدأ في الكسب أمكن له الاعتماد على نفسه، والاستغناء عن أبيه. لذلك ~~نقول لمن يعاند في الألوهية: أنت لا تقدر لأن وجودك هبة، وقيام وجودك ~~هبة، كل شيء يمكن أن ينزع منك. ولذلك، فالحق سبحانه وتعالى ينبهنا ~~إلى هذه المسألة في قوله تعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. فهذا الذي رأى نفسه استغنى عن غيره - من وجهة نظره - إنما ~~هل استغنى حقا؟.. لا. لم يستغن، بدليل أنه لا يستطيع أن يحتفظ بما ~~يملك. قوله تعالى: { وله ما في السماوات والأرض.. } ~~[النحل: 52]. الذي له ما في السموات والأرض، وبه قيام وجوده بقيوميته، ~~فهو سبحانه يطمئنك ويقول لك: أنا قيوم - يعني: قائم على أمرك.. ليس ~~قائما فقط.. بل قيوم بالمبالغة في الفعل، وما دام هو سبحانه القائم ~~على أمرك إيجادا من عدم، وإمدادا من عدم. إذن: يجب أن تكون طاعتك ~~له سبحانه لا لغيره. وفي الأمثال يقولون " اللي ياكل لقمتي يسمع كلمتي " ~~فإذا كنت أنت عالة في الوجود. # . وجودك من الله، وإمدادك من الله، وإبقاء مقومات حياتك من الله لذلك ~~قال تعالى: { وله الدين واصبا.. } [النحل: 52]. أي: هذه نتيجة ~~لأن لله ما في السموات والأرض، فله الدين واصبا، أي: له الطاعة ~~والخضوع دائما مستمرا، وملك الله دائم، وهو سبحانه لا يسلم ملكه ~~لأحد، ولا تزال يد الله في ملكه.. وما دام الأمر هكذا فالحق سبحانه ~~يسألهم: { أفغير الله تتقون } [النحل: 52]. والهمزة هنا ~~استفهام للإنكار والتوبيخ، فلا يجوز أن تتقي غير الله، لأنه حمق لا ~~يليق بك، وقد علمت أن لله ما في السموات وما في الأرض، وله الطاعة ~~الدائمة والانقياد الدائم، وبه سبحانه قامت السموات والأرض ومنه سبحانه ~~الإيجاد من ms5575 عدم والإمداد من عدم. إذن: فمن الحمق أن تتقي غيره، وهو ~~أولى بالتقوى، فإن اتقيتم غيره فذلك حمق في التصرف يؤدي إلى ~~العطب والهلاك، إن اغتررتم بأن الله تعالى أعطاكم نعما لا تعد ~~ولا تحصى. ومن نعم الله أن يضمن لعباده سلامة الملكات وما حولها، فلو ~~سلم العقل مثلا سلمت وصحت الأمور التي تتعلق به، فيصح النظام، ~~وتصح التصرفات، ويصح الاقتصاد.. وهذه نعمة. فالنعمة تكون للقلب ~~وتكون للقالب، فللقالب المتعة المادية، وللقلب المتعة المعنوية.. وأهم ~~المتع المعنوية التي تريح القالب أن يكون للإنسان دين يوجهه.. أن ~~يكون له رب قادر، لا يعجزه شيء، فإن ضاقت به الدنيا، وضاقت به ~~الأسباب فإن له ربا يلجأ إليه فيسعفه ويكيفه، وهذه هي الراحة الحقيقة. ~~وقد ضمن لنا الحق - سبحانه وتعالى - سلامة القالب بما أودع في الكون من ~~مقومات الحياة في قوله: # وقدر فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 10]. أي: اطمئنوا إلى هذا الأمر، فالله سبحانه لا يريد منكم إلا ~~أن تعملوا عقولكم المخلوقة لله لتفكروا في المادة المخلوقة لله، ~~وتنفعلوا لها بالطاقة المخلوقة لله في جوارحكم، وسوف تجدون كل شيء ~~ميسرا لكم.. فالله تعالى ما أراد منكم أن توجدوا رزقا، وإنما ~~أراد أن تعملوا العقل، وتتفاعلوا مع معطيات الكون. ولكن كيف يتفاعل ~~الإنسان في الحياة؟ هناك أشياء في الوجود خلقها الله سبحانه برحمته ~~وفضله، فهي تفعل لك وإن لم تطلب منها أن تفعل، فأنت لا تطلب من الشمس ~~أن تطلع عليك، ولا من الهواء أن يهب عليك.. الخ. وهناك أشياء أخرى ~~تفعل لك إن طلبت منها، وتفاعلت معها، كالأرض إن فعلت بيدك فحرثت ~~وزرعت ورويت تعطيك ما تريد. وفي هذا المجال من التفاعل يتفاضل الناس، ~~لا يتفاضلون فيما يفعل لهم دون انفعال منهم.. لا بل ارتقاء الناس ~~وتفاضلهم يكون بالأشياء التي تنفعل لهم إن فعلوا.. أما الأخرى فتفعل ~~لكل الناس، فالشمس والهواء والمياه للجميع، للمؤمن وللكافر في أي مكان. # إذن: يترقى الإنسان بالأشياء التي خلقها الله له، فإذا انفعل معها ~~انفعلت له، وإذا تكاسل وتخاذل لم ms5576 تعطه شيئا، ولا يستفيد منها بشيء.. ~~ولذلك قد يقول قائل: الكافر عنده كذا وكذا، ويملك كذا وكذا، وهو كافر.. ~~ويتعجب من القدر الذي أعطى هذا، وحرم المؤمن الموحد منه. نقول له: ~~نعم أخذ ما أخذ لأنه يشترك معك فيما يفعل لك وإن لم تطلب، ويزيد عليك ~~أنه يعمل ويكد وينفعل مع الكون وما أعطاه الله من مقومات وطاقة، ~~فتنفعل معه وتعطيه، في حين أنك قاعد لا همة لك. وكذلك قد يتسامى ~~الارتقاء في الإنسان، فيجعل الشيء الذي يفعل له دون أن يطلب منه - أي: ~~الشيء المسخر له - يجعله ينفعل له، كما نرى فيما توصل إليه العلم من ~~استخدام الطاقة الشمسية مثلا في تسخين المياه.. هذه الطاقة مسخرة لنا ~~دون جهد منا، ولكن ترقي الإنسان وطموحه أوصله إلى هذا الارتقاء.. ~~وكل هذه نعم من الله ولذلك قال تعالى: { وما بكم من ~~نعمة... }. ### || [16.53] # أمدنا الله سبحانه بهذه النعم رحمة منه وفضلا.. نعم تترى لا تعد ~~ولا تحصى، ولكن لرتابة النعمة وحلولها في وقتها يتعودها الإنسان، ثم ~~يذهل عن المنعم سبحانه. ونستطيع أن نضرب لذلك مثلا بالولد الذي تعطيه ~~مصروفه مثلا كل أول شهر، تجده لا يحرص على أن يلقاك بعد ذلك إلا كل أول ~~شهر، إنما إذا عودته أن يأخذ مصروفه كل يوم تراه في الصباح يحوم حولك، ~~ويظهر لك نفسه ليذكرك بالمعلوم. إذن: رتابة النعمة قد تذهلك عن ~~المنعم، فلا تتذكره إلا حين الحاجة إليه لذا ينبهنا الحق تبارك ~~وتعالى: إذا أعطيت لكم نعمة فإياكم أن تغتروا بها.. إياكم أن تذهلكم ~~النعمة عن المنعم لأنكم سوف تحكمون على أنفسكم أنه لا منعم غيري، بدليل ~~أنني إذا سلبت النعمة منكم فلن تجدوا غيري تلجأون إليه فستقولون: يارب ~~يارب. فأنت ستكون شاهدا على نفسك، لن تكذب عليها، فلمن تتوجه إذا ~~أصابك فقر؟ ولمن تتوجه إذا أصابك مرض؟ لن تتوجه إلا إلى الله تقول: يا ~~رب. { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون } [النحل: ~~53]. فترة الضر التي تمر بالإنسان هي التي تلفته إلى الله، ms5577 والحاجة ~~هي التي تلجئه إلى المصدر الحقيقي للإمداد، فإذا كانت النعمة قد تذهله ~~وتنسيه، فالضر يذكره بربه الذي يملك وحده كشف الضر عنه. ولذلك، ~~فالناس أصحاب اليقين في الله تعالى ساعة أن يصيبهم ضر، يقول: ~~ذكرتني بك يارب، يأخذها على أنها نعمة.. كأنها نجدة نجدته مما هو فيه ~~من غفلة.. يا رب أنت ذكرتني بك.. أنا كنت ناسيا ذاهلا.. كنت في ~~غفلة. وساعة أن يعود ويشعر بالتقصير يرفع الله عنه البلاء وذلك يرفع ~~القضاء عن العبد إن رضي به وعلم أن فيه خيرا له. ولذلك، فالرسول صلى ~~الله عليه وسلم ينبهنا لهذه الأحداث التي تصيبنا، فإياكم أن تستقبلوها ~~بالجزع والفزع.. ولكن استقبلوها بالإيمان والرضا، واعلموا أن ربكم يغار ~~عليكم، وهو بهذه الأحداث يلفتكم إليه قهرا عنكم لكي تعودوا إليه وتلجأوا ~~إليه.. لكي تقولوا يارب. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة ~~في الحديث القدسي: # " من عبادي من أحبهم فأنا أبتليهم ليقولوا يارب... ". # ويقول تعالى في الآية الأخرى: # فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا.. # [الأنعام: 43]. أي: أنه سبحانه يريد منا إذا نزل بنا بلاء وبأس أن ~~نتضرع إليه سبحانه لأن الضراعة إلى الله لفتة وتذكير به.. والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يرشدنا إلى هذه الحقيقة، فالمصاب الحقيقي ليس من نزل ~~به ضر أو أصابه بلاء.. لا.. بل المصاب الحقيقي من حرم الثواب. ~~إذن: نقول لمن عنده نعمة: احذر أن تنسيك النعمة وتذهلك عن المنعم، ~~أما صاحب البلاء والضر، فسوف يردك هذا البلاء، ويذكرك هذا الضر ~~بالله تعالى، ولن تجد غيره تلجأ إليه. فقوله تعالى: { فإليه ~~تجأرون } [النحل: 53]. أي: تضرعون بصراخ وصوت عال كخوار البقر، ~~لا يسره أحد ولا يستحي منه أن يفتضح أمره أمام من تكبر عليهم.. ~~ويا ليتكم حين ينتابكم مثل ذلك تعتبرون به وتتعظون، وتقولون في لحظة من ~~اللحظات: سوف تلجئنا الأحداث إلى ربنا.. بل بالعكس حينما نكشف عنكم الضر ~~سوف تعودون إلى ما كنتم عليه. ثم يقول الحق سبحانه: { ثم إذا كشف ~~الضر... }. ### || [16.54] # فمن الناس ms5578 من إذا أصابه الله بضر أو نزل به بأس تضرع وصرخ ولجأ ~~إلى الله ودعاه، وربما سالت دموعه، وأخذ يصلي ويقول: يا فلان ادع لي ~~الله وكذا وكذا.. فإذا ما كشف الله عنه ضره عاود الكرة من جديد لذلك ~~قال تعالى في آية أخرى: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه.. # [يونس: 12]. ومن لطف الأداء القرآني هنا أن يقول: { إذا فريق ~~منكم بربهم يشركون } [النحل: 54]. أي: جماعة منكم وليس ~~كلكم، أما الباقي فيمكن أن يثبتوا على الحق، ويعتبروا بما نزل بهم فلا ~~يعودون.. فالناس - إذن - مختلفون في هذه القضية: فواحد يتضرع ويلتفت إلى ~~الله من ضر واحد أصابه، وآخر يلتفت إلى الله من ضرين، وهكذا. وقد ~~وجدنا في الأحداث التي مرت ببلادنا على أكابر القوم أحداثا عظاما ~~تلفتهم إلى الله، فرأينا من لا يعرف طريق المسجد يصلي، ومن لا يفكر ~~في حج بيت الله، يسرع إليه ويطوف به ويبكى هناك عند الملتزم، وما ألجأهم ~~إلى الله ولفتهم إليه سبحانه إلا ما مرت بهم من أحداث. أليست هذه ~~الأحداث، وهذه الأزمات والمصائب خيرا في حقهم؟.. بلى إنها خير. وأيضا ~~قد يصاب الإنسان بمرض يلم به، وربما يطول عليه، فيذهب إلى الأطباء، ~~ويدعو الله ويلجأ إليه، ويطلب من الناس الدعاء له بالشفاء، ويعمل كذا ~~وكذا.. فإذا ما كشف الله عنه المرض وأذن له بالشفاء قال: أنا اخترت ~~الطبيب الحاذق، الطبيب النافع، وعملت وعملت.. سبحان الله! لماذا لا ~~تترك الأمر لله، وتعفي نفسك من هذه العملية؟ وفي قوله تعالى: { ثم ~~إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم ~~يشركون } [النحل: 54]. صمام أمن اجتماعي في الكون، يقول للناس: ~~إياكم أن تأخذوا على غيركم حين تقدمون إليهم جميلا فينكرونه.. إياكم ~~أن تكفوا عن عمل الجميل على غيركم لأن هذا الإنكار للجميل قد فعلوه مع ~~أعلى منكم، فعلوه مع الله سبحانه، فلا يزهدك إنكارهم للجميل في فعله، ~~بل تمسك به لتكون من ms5579 أهله. والحق تبارك وتعالى يضرب لنا مثلا لإنكار ~~الجميل في قصة سيدنا موسى عليه السلام: # يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا ~~موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله ~~وجيها # [الأحزاب: 69]. فقد اتهمه قومه وقعدوا يقولون فيه كذبا وبهتانا، ~~فقال موسى: يا رب أسألك ألا يقال في ما ليس في.. فقال تعالى ~~لموسى: أنا لم افعل ذلك لنفسي، فكيف أفعلها لك؟ ولماذا لم يفعلها الحق ~~سبحانه لنفسه؟.. لم يفعلها الحق سبحانه لنفسه ليعطينا نحن أسوة في ~~تحمل هذا الإنكار، فقد خلق الله الخلق ورزقهم ووسعهم، ومع ذلك ~~كفروا به، ومع ذلك ما يزال الحق سبحانه خالقا رازقا واسعا لهم. إذن: ~~في الآية تقنين وأمان للمجتمع أن يتفشى فيه مرض الزهد في عمل الخير. ~~وقول الحق سبحانه: { بربهم يشركون } [النحل: 54]. تشمل ~~الآية من أنكر الجميل من المؤمنين، ومن الكافرين. ولكن لماذا يشركون؟ ~~يقول الحق تبارك وتعالى: { ليكفروا بمآ آتيناهم... }. ### || [16.55] # أي: مستعظمين كقارون الذي قال: # إنمآ أوتيته على علم عندي.. # [القصص: 78]. أخذت هذا بجهدي وعملي.. ومثله من تقول له: الحمد لله ~~الذي وفقك في الامتحان، فيقول: أنا كنت مجدا.. ذاكرت وسهرت.. نعم ~~أنت ذاكرت، وأيضا غيرك ذاكر وجد واجتهد، ولكن أصابه مرض ليلة ~~الامتحان فأقعده، وربما كنت مثله. فهذه نغمة من أنكر الفضل، وتكبر ~~على صاحب النعمة سبحانه. وقوله: { ليكفروا.. } [النحل: 55]. هل ~~فعلوا ذلك ليكفروا، فتكون اللام للتعليل؟ لا بل قالوا: اللام هنا لام ~~العاقبة.. ومعناها أنك قد تفعل شيئا لا لشيء، ولكن الشيء يحدث هكذا، ~~وليس في بالك أنت.. إنما حصل هكذا. ومثال هذه اللام في قوله تعالى في قصة ~~موسى وفرعون: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا.. # [القصص: 8]. ففرعون حينما أخذ موسى من البحر وتبناه ورباه، هل كان ~~يتبناه ليكون له عدوا؟ لا.. إنما هكذا كانت النهاية، لكي يثبت الحق ~~سبحانه أنهم كانوا مغفلين، وأن الله حال بين قلوبهم وبين ما يريدون.. ~~إذن: المسألة ليست مرادة.. فقد أخذته وربيته في الوقت الذي تقتل فيه ~~الأطفال.. ألم يخطر ms5580 ببالك أن أحدا خاف عليه، فألقاه في البحر؟! لذا يقول ~~تعالى: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه.. # [الأنفال: 24]. وكذلك أم موسى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم.. # [القصص: 7]. كيف يقبل هذا الكلام؟ وأنى للأم أن ترمي ولدها في البحر ~~إن خافت عليه؟! كيف يتأتى ذلك؟! ولكن حال الله بين أم موسى وبين ~~قلبها، فذهب الخوف عليه، وذهب الحنان، وذهبت الرأفة، ولم تكذب الأمر ~~الموجه إليها، واعتقدت أن نجاة وليدها في هذا فألقته. وقوله: { ~~فتمتعوا فسوف تعلمون } [النحل: 55]. أي: اكفروا بما ~~آتيناكم من النعم، وبما كشفنا عنكم من الضر، وتمتعوا في الدنيا لأنني لم ~~اجعل الدنيا دار جزاء، إنما الجزاء في الآخرة. وكلمة { تمتعوا } ~~هنا تدل على أن الله تعالى قد يوالي نعمه حتى على من يكفر بنعمته، ~~وإلا فلو حجب عنهم نعمه فلن يكون هناك تمتع. ويقول تعالى: { ~~فسوف تعلمون } [النحل: 55]. أي: سوف ترون نتيجة أعمالكم، ~~ففيها تهديد ووعيد. ثم يقول الحق سبحانه: { ويجعلون لما لا... ~~}. ### || [16.56] # أي: الذين يكفرون بالله ويتخذون الأصنام والشركاء، يجعلون لها نصيبا. ~~وقول الحق سبحانه: { لا يعلمون.. } [النحل: 56]. ما العلم؟ العلم ~~أن تعرف قضية، هذه القضية صدق أي: مطابقة للواقع وتستطيع أن تدلل ~~عليها، فإذا اختل واحد منها لم تكن علما.. وهؤلاء حينما جعلوا ~~للأصنام نصيبا، فقد أتوا بأشياء لا وجود لها في الواقع ولا في ~~العلم، وليست حقائق.. وهل للأصنام وجود؟ وهل عليها دليل؟ قال تعالى: # إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ ~~أنزل الله بها من سلطان.. # [النجم: 23]. هذه الأصنام ليست لها وجود في الحقيقة، وفي آية أخرى يقول ~~الحق سبحانه: # وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام ~~نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا ~~لشركآئنا فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله ~~وما كان لله فهو يصل إلى شركآئهم سآء ما ~~يحكمون # [الأنعام: 136]. حتى لما جعلوا للأصنام نصيبا جعلوه مما رزقهم الله، ~~ألا جعلتم نصيب الأصنام مما تعطيكم الأصنام؟ ونصيب الله مما رزقكم ~~الله؟ فهذا ms5581 اعتراف منكم بعجز أصنامكم، وأنكم أخذتم رزق الله وجعلتموه ~~لأصنامكم. وهذا دليل على أن الأصنام لا تعطيكم شيئا، وشهادة منكم ~~عليهم.. وهل درت الأصنام بهذا؟ إذن: { لما لا يعلمون.. } [النحل: ~~56]. أي: للأصنام لأنها لا وجود لها في الحقيقة، وهم يأخذون ما رزقناهم، ~~ويجعلونه لأصنامهم. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { تالله ~~لتسألن عما كنتم تفترون } [النحل: 56]. التاء هنا في ~~{ تالله } للقسم أي: والله لتسألن عما افتريتم من أمر الأصنام. ~~والافتراء: هو الكذب المتعمد. ### || [16.57] # ساعة أن تسمع كلمة { سبحانه } فاعلم أنها تنزيه لله تعالى عما ~~لا يليق، فهي هنا تنزيه لله سبحانه وتعالى عما سبق من نسبة البنات له.. ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.. أي: تنزيها لله عن أن يكون له بنات. ~~فهل يمكن أن يكون له أولاد ذكور؟ إنهم جعلوا لله البنات، وجعلوا لأنفسهم ~~الذكور، وهذه قسمة قال عنها القرآن الكريم: # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22]. أي: جائرة. لم تجعلوها عادلة، يعني لي ولد ولكم ولد، ~~ولي بنت ولكم بنت، إنما تجعلون لله ما تكرهون وهي البنات لله، وتجعلون ~~لكم ما تحبون.. لذلك كان في جعلهم لله البنات عيبان: الأول: أنهم ~~نسبوا لله الولد ولو كان ذكرا فهو افتراء باطل يتنزه الله عنه. ~~الثاني: أنهم اختاروا أخس الأنواع في نظرهم.. ولا يستطيع أحد أن يقول: ~~إن البنات أخس الأنواع.. لماذا؟ لأن بالبنات يكون بقاء النوع ولذلك قال ~~العباس: لو سمع الله ما قال الناس في الناس لما كان الناس.. أي: لو ~~استجاب الله لرغبة الناس في أنهم لا يريدون البنات فاستجاب ولم يعطهم.. ~~ماذا سيحدث؟ سينقطع النسل، فهذا مطلب غبي، فالبنت هي التي تلد ~~الولد، وبها بقاء النوع واستمرار النسل. وقوله تعالى: { سبحانه.. } ~~[النحل: 57]. أي: تنزيها له أن يكون له ولد، وتنزيها له سبحانه أن يكون ~~له أخس النوعين في نظرهم وعرفهم، وقد قال عنهم القرآن في الآية ~~التالية: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما ms5582 بشر ~~به.. # [النحل: 58-59]. ولذلك فالحق - تبارك وتعالى - حينما يحدثنا عن ~~الإنجاب يقول: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما.. # [الشورى: 49-50]. أول ما بدأ الحق سبحانه بدأ بالإناث.. ثم أعطانا هذه ~~الصور من الخلق: إناث، ذكور، ذكور وإناث، عقيم.. إذن: هبات الله ~~تعالى لها أربعة أنواع، ومن هنا كان العقم أيضا هبة من الله لحكمة ~~أرادها سبحانه.. لكن الناس لا تأخذ العقم على أنه هبة.. لكن تأخذه ~~على أنه نقمة وغضب. لماذا؟ لماذا تأخذه على أنه نقمة وبلاء؟ فربما ~~وهبك الولد، وجاء عاقا، كالولد الذي جاء فتنة لأبويه، يدعوهما إلى ~~الكفر. ولو أن صاحب العقم رضي بما قسمه الله له من هبة العقم واعتبره هبة ~~ورضي به لرأى كل ولد في المجتمع ولده من غير تعب في حمله وولادته ~~وتربيته. فيرى جميع الأولاد من حوله أولاده ويعطف الله قلوبهم إليه كأنه ~~والدهم.. وكأن الحق تبارك وتعالى يقول له: ما دمت رضيت بهبة الله لك ~~في العقم لأجعلن كل ولد ولدا لك. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: { ~~ولهم ما يشتهون } [النحل: 57]. أي: من الذكران لأن الولد ~~عزوة لأبيه ينفعه في الحرب والقتال وينفعه في المكاثرة.. الخ إنما ~~البنت تكون عالة عليه ولذلك قال تعالى بعد هذا: { وإذا بشر ~~أحدهم... }. ### || [16.58] # نعرف أن البشارة تكون بخير، فكان يجب عليهم أن يستقبلوها استقبال ~~البشارة، ولكنهم استقبلوها استقبال الناقمين الكارهين لما بشروا به، ~~فتجد وجه الواحد منهم. { مسودا.. } [النحل: 58]. ومعنى اسوداد الوجه ~~انقباضه من الغيظ لذلك يقول تعالى: { وهو كظيم.. } [النحل: 58]. ~~الكظم هو كتم الشيء. ولذلك يقول تعالى في آية أخرى: # والكاظمين الغيظ.. # [آل عمران: 134]. وهو مأخوذ من كظم القربة حين تمتلىء بالماء، ثم ~~يكظمها أي: يربطها، فتراها ممتلئة كأنها ستنفجر.. هكذا الغضبان تنتفخ ~~عروقه، ويتوارد الدم في وجهه، ويحدث له احتقان، فهو مكظوم ممنوع أن ~~ينفجر. ثم يقول الحق سبحانه واصفا حاله: { يتوارى من... }. ### || [16.59] # قوله ms5583 تعالى: { يتوارى من القوم.. } [النحل: 59]. أي: يتخفى ~~منهم مخافة أن يقال: أنجب بنتا. { من سوء ما بشر به.. } ~~[النحل: 59]. نلاحظ إعادة البشارة في هذه الآية أيضا، وكأنه سبحانه ~~وتعالى يحنن قلبه عليها، ويدعوه إلى الرفق بها. فهو متردد لا يدري ~~ماذا يفعل لذلك يقول تعالى: { أيمسكه على هون أم يدسه ~~في التراب.. } [النحل: 59]. أي: ماذا يفعل فيما ولد له. أيحتفظ به ~~على هون - أي: هوان ومذلة - أم يدسه في التراب - أي: يدفنها فيه حية؟ ~~{ ألا سآء ما يحكمون } [النحل: 59]. أي: ساء ما يحكمون في ~~الحالتين. حالة الإمساك على هون ومذلة، أو حالة دسها في التراب، ~~فكلاهما إساءة. وكان بعض هؤلاء إذا ولدت له بنت كرهها، فإن أمسكها ~~أمسكها على حال كونها ذليلة عنده، محتقرة مهانة، وهي مسكينة لا ذنب ~~لها. ولذلك، فإن المرأة العربية التي عاصرت هذه الأحداث فطنت إلى ما ~~لم نعرفه نحن إلا قريبا، حيث اكتشف العالم الحديث أن أمر إنجاب الولد أو ~~البنت راجع إلى الرجل وليس إلى المرأة.. وكان أبو حمزة كثيرا ما يترك ~~زوجته ويغضب منها، لأنها لا تلد إلا البنات.. فماذا قالت هذه المرأة ~~العربية التي هجرها زوجها؟ قالت: # ما لأبي حمزة لا يأتينا # غضبان ألا نلد البنينا # تالله ما ذلك في أيدينا # فنحن كالأرض لغارسينا # نعطي لهم مثل الذي أعطينا # والحق سبحانه وتعالى حينما يريد توازنا في الكون يصنع هذا التوازن من ~~خلال مقتضيات النفس البشرية، ومن مقتضياتها أن يكون للإنسان جاه، وأن ~~يكون له عز، لكن الإنسان يخطىء في تكوين هذا الجاه والعز، فيظن أنه ~~قادر على صنع ما يريد بأسبابه وحدها. إنما لو علم أن تكوين الجاه ~~والعز بشيء فوق أسبابه هو، بشيء مخلوق لله تعالى، بقدر مخلوق لله ~~تعالى، لو علم هذه الحقيقة لجاء المسألة من بابها. ذلك لأن العزة ليست ~~بما تنجب.. العزة هنا لله وللرسول وللمؤمنين، اعتز هنا بعصبة ~~الإيمان، اعتز بأنك في بيئة مؤمنة متكافلة، إذا أصابك فيها ضيم فزع ~~إليك الجميع. ولا تعتز بالأنسال والأنجال، فقد ms5584 يأتي الولد عاقا لا ~~يسعف أبويه في شدة، ولا يعينهما في حاجة ذلك لأنك لجأت إلى عصبية ~~الدم وعصبية الدم قد تتخلف، أما عصبية العقيدة وعصبية الإيمان ~~والدين فلا. ولنأخذ على ذلك مثالا.. ما حدث بين الأنصار والمهاجرين من ~~تكافل وتعاون فاق كل ما يتصوره البشر، ولم يكن بينهم سوى رابطة ~~العقيدة وعصبية الإيمان.. ماذا حدث بين هؤلاء الأفذاذ؟ وجدنا أن العصبية ~~الإيمانية جعلت الرجل يضحي بأنفس شيء يضن به على الغير. # . نتصور في هذا الموقف أن يعود الأنصار بفضل ما عندهم من نعم على ~~إخوانهم المهاجرين، فمن كانت عنده ركوبة أو منزل مثلا يقول لأخيه ~~المهاجر: تفضل اركب هذه الركوبة، أو اجلس في هذا المنزل.. هذا كله أمر ~~طبيعي. أما نعيم المرأة، فقد طبع في النفس البشرية أن الإنسان لا يحب ~~أن تتعدى نعمته فيها إلى غيره.. لكن انظر إلى الإيمان، ماذا صنع ~~بالنفوس؟.. فقد كان الأنصاري يقول للمهاجر: انظر لزوجاتي، أيهن أعجبتك ~~أطلقها لتتزوجها أنت، وما حمله على ذلك ليس عصبية الدم أو عصبية ~~الجنس، بل عصبية اليقين والإيمان. ولذلك تنتفي جميع العصبيات في قصة ~~نوح - عليه السلام - وولده الكافر، حينما ناداه نوح - عليه السلام -: # يبني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال ~~سآوي إلى جبل يعصمني من المآء قال لا عاصم ~~اليوم من أمر الله إلا من رحم.. # [هود: 42-43]. ويتمسك نوح بولده، ويحرص كل الحرص على نجاته فيقول: # رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق.. # [هود: 45]. فيأتي فصل الخطاب في هذه القضية: # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا ~~تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون ~~من الجاهلين # [هود: 46]. إذن: هذا الولد ليس من أهلك لأن البنوة هنا بنوة العمل، ~~لا بنوة الدم والنسب. صحيح أن الإنسان يحب العزة ويطلبها لنفسه، ~~ولكن يجب أن تنظر كيف تكون العزة الحقيقية؟ وما أسبابها؟ خذ العزة ~~بالله وبالرسول وبالبيئة الإيمانية، يصبح كل الأولاد أولادك لأنهم معك في ~~يقينك بالله وإيمانك به سبحانه.. أما ms5585 أن تعتز بطريقتك أنت، فتطلب العزة ~~في الولد الذكر، فمن يدريك أن تجد فيه العزة والعزوة والمكاثرة؟! ~~ثم يقول الحق سبحانه: { للذين لا يؤمنون... }. ### || [16.60] # قوله تعالى: { مثل السوء.. } [النحل: 60]. صفة السوء أي: الصفات ~~السيئة الخسيسة من الكفر والجحود والنكران، ومن عمى البصيرة، وغيرها من ~~صفات السوء. لماذا كان للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء؟ لأن ~~المعادلة التي أجروها معادلة خاطئة لأن الذي لا يؤمن بالآخرة قصر ~~عمره.. فعمر الدنيا بالنسبة له قصير، وقد قلنا: إياك أن تقيس الدنيا ~~بعمرها.. ولكن قس الدنيا بعمرك أنت، فعمر الدنيا مدة بقائك أنت ~~فيها.. إنما هي باقية من بعدك لغيرك، وليس لك أنت فيها نصيب بعد انقضاء ~~عمرك. إذن: عمر الدنيا عمرك أنت فيها.. عمرك: شهر، سنة، عشر سنوات، ~~مائة.. هذا هو عمر الدنيا الحقيقي بالنسبة لك أنت. ومع ذلك، فعمر الدنيا ~~مهما طال منته إلى زوال، فمن لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالآخرة قد ~~اختار الخاسرة لأنه لا يضمن أن يعيش في الدنيا حتى متوسط الأعمار.. وهب ~~أنك عشت في الدنيا إلى متوسط الأعمار، بل إلى أرذل العمر.. وهب أنك ~~استمتعت في دنياك بكل أنواع المعاصي، ماذا ستكون النهاية؟ أن تفوت هذا ~~كله إلى الموت. قارن - إذن - حال هذا بمن آمن بالله وآمن بالآخرة.. ~~نقول لمن لا يؤمن بالآخرة: دنياك مظنونة، يمكن أن تعيش فيها، أو يعاجلك ~~الموت.. حتى من عاش إلى متوسط الأعمار، فالنهاية إلى زوال. وما نلت ~~من متع في دنياك أخذتها على قدر إمكاناتك أنت. إذن: أنت أخذت صفقة ~~محدودة غير متيقنة، وتركت صفقة غير محدودة ومتيقنة.. أليست هذه ~~الصفقة خاسرة؟ أما من آمن بالآخرة فقد ربحت صفقته، حيث اختار حياة ~~ممتدة يجد المتعة فيها على قدر إمكانات المنعم سبحانه وتعالى. إذن: { ~~مثل السوء.. } [النحل: 60]. أي: الصفة شديدة السوء، ذلك لأنهم ~~خاسرون لا محالة. وقوله تعالى: { ولله المثل الأعلى.. } ~~[النحل: 60]. لله الصفة العليا، وكأن الآية تقول لك: اترك صفة السوء، ~~وخذ الصفة الأعلى التي تجد المتعة فيها على قدر ms5586 إمكانات الحق سبحانه ~~وتعالى. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: { وهو العزيز الحكيم ~~} [النحل: 60]. العزيز أي: الذي لا يغلب على أمره، فإذا قيل: قد يوجد ~~من لا يغلب على أمره.. نعم لكنه سبحانه عزيز حكيم يستعمل القهر ~~والغلبة بحكمة. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { ولو يؤاخذ ~~الله... }. ### || [16.61] # قول الحق تبارك وتعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس.. } ~~[النحل: 61]. عندنا هنا: الأخذ والمؤاخذة.. الأخذ: هو تحصيل الشيء ~~واحتواؤه، ويدل هذا على أن الآخذ له قدرة على المستمسك بنفسه أو بغيره، ~~فمثلا تستطيع حمل حصاة، لكن لا تستطيع حمل حجر كبير، وقد يكون شيئا ~~بسيطا إلا أنه مربوط بغيره ومستمسك به فيؤخذ منه قوة. فمعنى الأخذ: أن ~~تحتوي الشيء، واحتواؤك له معناه أنك أقوى من تماسكه في ذاته، أو استمساك ~~غيره به، وقد يكون الأخذ بلا ذنب. أما المؤاخذة فتعني: هو أخذ منك ~~فأنت تأخذ منه.. ومنه قول أحدنا لأخيه " لا مؤاخذة " في موقف من ~~المواقف.. والمعنى: أنني فعلت شيئا أستحق عليه الجزاء والمؤاخذة، ~~فأقول: لا تؤاخذني.. لم أقصد. لذلك فالحق تبارك وتعالى يقول هنا: { ~~ولو يؤاخذ الله الناس.. } [النحل: 61]. ولم يقل: يأخذ ~~الناس. وفي آية أخرى قال تعالى: # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # [هود: 102]. لماذا أخذها الله؟ أخذها لأنها أخذت منه حقوقه في أن يكون ~~إلها واحدا فأنكرتها، وحقوقه في تشريع الصالح فأنكرنها. ويبين الحق ~~سبحانه أن هذه المؤاخذة لو حدثت ستكون بسبب من الناس أنفسهم، فيقول ~~سبحانه: { بظلمهم.. } [النحل: 61]. أول الظلم أنهم أنكروا ~~الوحدانية، يقول تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. فكأنهم أخذوا من الله تعالى حقه في الوحدانية، وأخذوا من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا كذاب، وأخذوا من الكتاب فقالوا " سحر ~~مبين ". كل هذا ظلم.. فالحق تبارك وتعالى لو آخذهم بما أخذوا، أخذوا ~~شيئا فأخذ الله شيئا، لو عاملهم هذه المعاملة ما ترك على ظهرها من ~~دابة. لذلك نجد في آيات الدعاء: # ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا.. # [البقرة: 286]. أي: أننا أخذنا ms5587 منك يا رب الكثير بما حدث منا من ~~إسراف وتقصير وعمل على غير مقتضى أمرك، فلا تؤاخذنا بما بدر منا. فلو آخذ ~~الله الناس بما اقترفوا من ظلم.. { ما ترك عليها من دآبة.. ~~} [النحل: 61]. قد يقول قائل: الله عز وجل سيؤاخذ الناس بظلمهم، فما ~~ذنب الدابة؟ ماذا فعلت؟ نقول: لأن الدابة خلقت من أجلهم، وسخرت ~~لهم، وهي من نعم الله عليهم، فليست المسألة إذن نكاية في الدابة، بل ~~فيمن ينتفع بها، وقد يراد العموم لكل الخلق. فإذا لم يؤاخذ الله الناس ~~بظلمهم في الدنيا فهل يتركهم هكذا؟ لا بل: { ولكن يؤخرهم إلى ~~أجل مسمى.. } [النحل: 61]. هذا الأجل انقضاء دنيا، وقيام آخرة، ~~حتى لو لم يؤمنوا بالآخرة، فإن الله تعالى يمهلهم في الدنيا، كما قال ~~تعالى في آية أخرى: # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك.. # [الطور: 47]. وقد يكون في هذا الأجل المسمى خير للحق، فكثير من الصحابة ~~كانوا يدخلون المعارك، ويحبون أن يقتلوا أهل الكفر فلانا وفلانا، ثم ~~لا يتمكنون من ذلك ولا يصيبونهم، فيحزنون لذلك. ولكن أجل هؤلاء لم ~~يأت بعد، وفي علم الله تعالى أن هؤلاء الكفار سيؤمنون، وأن إيمانهم ~~سينفع المسلمين، وكأن القدر يدخرهم: إما أن يؤمنوا، وإما أن تؤمن ~~ذرياتهم. وقد آمن عمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم. ومن هؤلاء ~~الذين نجوا كان خالد بن الوليد سيف الله المسلول. { فإذا جآء ~~أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } [النحل: ~~61]. أي: إذا جاءت النهاية فلا تؤخر، وهذا شيء معقول، ولكن كيف: ولا ~~يستقدمون؟ إذا جاء الأجل كيف لا يستقدمون؟ المسألة - إذن - ممتنعة ~~مستحيلة.. كيف إذا جاء الأجل يكون قد أتى قبل ذلك؟... هذا لا يستقيم، لكن ~~يستقيم المعنى تماما على أن: { ولا يستقدمون } [النحل: 61]. ~~ليست من جواب إذا، بل تم الجواب عند ساعة، فيكون المعنى: إذا جاء أجلهم ~~لا يستأخرون ساعة، وإذا لم يجيء لا يستقدمون. والله أعلم. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ويجعلون لله... }. ### || [16.62] # قوله تعالى: { ويجعلون لله ما يكرهون.. } [النحل: 62]. ~~الأليق أن الذي يخرج لله ms5588 يجب أن يكون من أطيب ما أعطاه الله، فإذا أردت ~~أن تتصدق تصدق بأحسن ما عندك، أو على الأقل من أوسط ما عندك.. لكن ~~أن تتصدق بأخس الأشياء وأرذلها.. أن تتصدق مما تكرهه، كالذي يتصدق ~~بخبز غير جيد أو لحم تغير، أو ملابس مهلهلة، فهذا يجعل لله ما ~~يكره. والحقيقة أن الناس إذا وثقوا بجزاء الله على ما يعطيه العبد ~~لأعطوا ربهم أفضل ما يحبون.. لماذا؟ لأن ذلك دليل على حبك للآخرة، ~~وأنك من أهلها، فأنت تعمرها بما تحب، أما صاحب الدنيا المحب لها فيعطي ~~أقل ما عنده لأن الدنيا في نظره أهم من الآخرة. وبهذا يستطيع الإنسان ~~أن يقيس نفسه: أهو من أهل الآخرة، أم من أهل الدنيا بما يعطي لله عز ~~وجل؟ قوله تعالى: { ويجعلون لله ما يكرهون.. } [النحل: ~~62]. أي: مما ذكر في الآيات السابقة من قولهم: # لله البنات.. # [النحل: 57]. وأن الملائكة بنات الله، وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا، ~~إلى غير ذلك من أقوالهم، وجعلوا لله البنات وهم يكرهون البنات لذلك: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم # [النحل: 58]. والمسألة هنا ليست مسألة جعل البنات لله، بل مطلق ~~الجعل منهم مردود عليهم، فلو جعلوا لله ما يحبون من الذكران ما تقبل ~~منهم أيضا لأنهم جعلوا لله ما لم يجعل لنفسه. فالذين قالوا: عزير ابن ~~الله. والذين قالوا: المسيح ابن الله. لا يقبل منهم لأنهم جعلوا لله ~~سبحانه ما لم يجعله لنفسه، فهذا مرفوض، وذلك مرفوض لأننا لا نجعل لله ~~إلا ما جعله الله لنفسه سبحانه. فنحن نجعل لله ما نحب مما أباح الله، كما ~~جاء في قوله تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون.. # [آل عمران: 92]. وقوله: # ويطعمون الطعام على حبه.. # [الإنسان: 8]. ولذلك قال الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # [الزخرف: 81]. فلو كان له ولد لآمنت بذلك، لكن الحقيقة أنه ليس له ~~ولد.. إذن: ليست المسألة في جعل ما يكرهون لله بل في مطلق الجعل، ~~ذلك ms5589 لأننا عبيد نتقرب إلى الله بالعبادة، والعابد يتقرب إلى المعبود ~~بما يحب المعبود أن يتقرب به إليه، فلو جعل الله لنفسه شيئا فهو على ~~العين والرأس، كما في أمره أن ننفق مما نحب، ومن أجود ما نملك. ولذلك ~~قوله تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون.. # [آل عمران: 92]. راع حق الفقير وضرورة أن تجعله كنفسك، لا يكن ~~هينا عليك فتعطيه أردأ ما عندك. # . والحق تبارك وتعالى لما أراد أن نتقرب إليه بالنسك وذبح الهدي ~~والأضاحي قال: # فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير # [الحج: 28]. لأنك إذا علمت أنك ستأكل منها سوف تختار أجود ما عندك. ~~وقوله تعالى: { وتصف ألسنتهم الكذب.. } [النحل: 62]. ~~الكذب: قضية ينطق بها اللسان ليس لها واقع في الوجود، أي مخالفة للواقع ~~المشهود به من القلب.. ولماذا يشهد عليه القلب؟ قالوا: لأنه قد يطابق ~~الكلام الواقع، ونحكم عليه مع ذلك بالكذب، كما جاء في قوله تعالى: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1]. بالله، أهذه القضية صدق أم لا؟ إنها قضية صادقة.. أنت ~~رسول الله وقد وافق كلامهم ما يعلمه الله.. فلماذا شهد عليهم الحق تبارك ~~وتعالى أنهم كاذبون؟ وفي أي شيء هم كاذبون؟ قالوا: الحقيقة أنهم صادقون ~~في قولهم: إنك لرسول الله، ولكنهم كذبوا في شهادتهم: # نشهد إنك لرسول الله.. # [المنافقون: 1]. لأنهم لا يشهدون فعلا لأن الشهادة تحتاج أن يواطئ ~~القلب اللسان ويسانده، وهذه الشهادة منهم من اللسان فقط لا يساندها ~~القلب. الإنسان عرضة لأن يقول الصدق مرة والكذب مرة، لكن هؤلاء بمجرد ~~أن يقولوا نشهد فهم كاذبون، وهذا معنى: { وتصف ألسنتهم ~~الكذب.. } [النحل: 62]. لأنهم حينما يقولون مثلا: العزير ابن الله، ~~المسيح ابن الله، الملائكة بنات الله. هذه كلها قضايا باطلة ليس لها واقع ~~يوافق منطوق اللسان.. فألسنتهم تصف الكذب. وإن أردت أن تعرف الكذب الذي ~~لا يطابق الواقع فاستمع إليه فبمجرد أن يقال تعلم أنه كذب.. مثل ما حدث ~~مع مسيلمة الذي ادعى النبوة، مجرد أن ms5590 قال: أنا نبي قلنا: مسيلمة ~~الكذاب. ويقول الحق سبحانه: { أن لهم الحسنى.. } [النحل: 62]. ~~أي: أن الكذب في قولهم لهم الحسنى فهذا اغترار وتمن على الله دون حق، ~~ومثل هذه المقولة في سورة الكهف، في قصة أصحاب الجنتين، يقول تعالى: # ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن ~~تبيد هذه أبدا * ومآ أظن الساعة قائمة ولئن ~~رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا # [الكهف: 35-36]. فهذه مقولات ثلاث كاذبة: قوله: # مآ أظن أن تبيد هذه أبدا # [الكهف: 35]. هذه الأولى، فكم من أشياء تغيرت، ومن يضمن لك بقاء ما ~~أنت فيه، والحق تبارك وتعالى يقول في آية أخرى: # إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * ~~فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون * ~~فأصبحت كالصريم # [القلم: 17-20]. الكذبة الثانية: # ومآ أظن الساعة قائمة.. # [الكهف: 36]. فقد أنكر الساعة. الكذبة الثالثة: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36]. وهذا هو الشاهد في الآية هنا، ففيها اغترار وتمن على ~~الله دون حق، كمن ادعوا أن لهم الحسنى، وهم ليسوا أهلا لها. # وفي موضع آخر تأتي نفس المقولة: # لا يسأم الإنسان من دعآء الخير وإن مسه ~~الشر فيئوس قنوط * ولئن أذقناه رحمة منا من ~~بعد ضرآء مسته ليقولن هذا لي ومآ أظن ~~الساعة قآئمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي ~~عنده للحسنى.. # [فصلت: 49-50]. وهكذا الإنسان في طبعه أنه لا يسأم من طلب الخير، ~~وكلما وصل فيه إلى مرتبة تمنى أعلى منها، يقنط إن مسه شر، وإن رفع ~~الله عنه ورحمه قال: هذا لي.. أنا استحقه، وأنا جدير به.. ألا قلت: هذا ~~فضل من الله ونعمة، ثم بعد ذلك هو يتمنى على الله الأماني ويقول: # إن لي عنده للحسنى.. # [فصلت: 50]. ويروى أن سيدنا داود - عليه السلام - مع ما أعطاه الله من ~~الملك والعظمة أنه صعد يوما سطح منزله، فابتلاه الله بسرب من الجراد ~~الذهب، فحينما رآه داود جعل يجمع منه في ثوبه، فقال له ربه: ألم أغنك ~~يا داود؟ ms5591 قال: نعم ولكن لا غنى لي عن فضلك. وقوله تعالى: { لا جرم ~~أن لهم النار.. } [النحل: 62]. لا جرم: أي حقا أن لهم النار ~~على ما تقدم منهم أن جعلوا لله ما يكرهون، وتصف ألسنتهم الكذب، وهذه ~~أفعال يستحقون النار عليها. وكلمة { لا جرم } منها جارم بمعنى مجرم، ~~فالمعنى: لا جريمة في عقاب هؤلاء، لأنه لا يقال على عقوبة الجريمة أنها ~~جريمة.. إذن: لها معنيان، لا بد أن لهم النار، أو لا جريمة في أن لهم ~~النار جزاء أعمالهم. { وأنهم مفرطون } [النحل: 62]. جاءت في ~~كلمة مفرطون عدة قراءات: مفرطون، مفرطون، مفرطون، مفرطون. ~~وجمعيها تلتقي في المعنى. نحن حينما نصلي على جنازة مثلا، إذا كان الميت ~~مكلفا نقول في الدعاء له: " اللهم اغفر له، اللهم ارحمه.. اللهم إن ~~كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته ". ~~فإن كان صغيرا غير مكلف قلنا في الدعاء له " اللهم اجعله فرطا ~~وذخرا ". فما معنى فرطا هنا؟ معناه: أن يكون الطفل فرطا لأبويه ~~ومقدمة لهما إلى الجنة.. يمر بين يدي والديه ويسبقهما إلى الجنة، ~~وكأنه يقدم عليهما ليمهد لهما الطريق ليغفر الله لهما.. إذن: معنى ~~مفرطون أي مقدمون. ولكن إلى النار. ومنه قوله تعالى عن فرعون: # يقدم قومه يوم القيامة.. # [هود: 98]. أي: يتقدمهم إلى النار.. كما كنت مقدما عليهم، وإماما ~~لهم في الدنيا، فسوف تتقدمهم هنا وتسبقهم إلى النار. ### || [16.63] # نعلم أن الحق سبحانه وتعالى يقسم بما يشاء على ما يشاء، أما نحن فلا ~~نقسم إلا بالله، وفي الحديث الشريف: # " من كان حالفا، فليحلف بالله أو ليصمت ". # والحق تبارك وتعالى هنا يحلف بذاته سبحانه { تالله } ، مثل: والله ~~وبالله. وقد جاء القسم لتأكيد المعنى ولذلك يقول أحد الصالحين: من أغضب ~~الكريم حتى ألجأه أن يقسم؟! وقد يؤكد الحق سبحانه القسم بذاته، أو القسم ~~ببعض خلقه، وقد ينفي القسم وهو يقسم، كما في قوله تعالى: # لا أقسم بهذا البلد # [البلد: 1]. وقوله: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة: 75-76]. ومعنى: لا أقسم ms5592 أن هذا الأمر واضح جلي وضوحا لا ~~يحتاج إلى القسم، ولو كنت مقسما لأقسمت به، بدليل قوله: # وإنه لقسم لو تعلمون عظيم # [الواقعة: 76]. إذن: الحق سبحانه يقسم بذاته ليؤكد لنا الأمر تأكيدا، ~~وتأكيد الأمر عند الحكم في القضاء مثلا: إما بالإقرار، وإما باليمين.. ~~فإذا ما أقسمت له وحلفت فقد سددت عليه منافذ التكذيب. والحق سبحانه ~~يقول: { لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك.. } [النحل: ~~63]. أي: لست بدعا في أن تكذب من قومك، فهذه طبيعة الذين ~~يستقبلون الدعوة من الله على ألسنة الرسل لأن الرسل لا يرسلهم الله إلا ~~حينما يطم الفساد ويعم. ومعنى إرسال الرسل - إذن - أنه لا حل إلا ~~أن تتدخل السماء ذلك لأن الإنسان فيه مناعات يقينية في ذاته، وهي نفسه ~~اللوامة التي تلومه إذا أخطأ وتعدل من سلوكه، فهي رادع له من نفسه. ~~فإذا ما تبلدت هذه النفس، وتعودت على الخطأ قام المجتمع من حولها ~~بهذه المهمة، فمن لا تردعه نفسه اللوامة يردعه المجتمع من حوله.. ~~فإذا ما فسد المجتمع أيضا، فماذا يكون الحل؟ الحل أن تتدخل السماء ~~لإنقاذ هؤلاء. إذن: تتدخل السماء بإرسال الرسل حينما يعم الفساد ~~المجتمع كله ولذلك فأمة محمد صلى الله عليه وسلم من شرفها عند ربها أن ~~قال لهم: أنتم مأمونون على رعاية منهجي في ذواتكم، لوامون لأنفسكم، ~~آمرون بالمعروف، ناهون عن المنكر في غيركم لذلك لن أرسل فيكم رسولا آخر، ~~فأنتم سوف تقومون بهذه المهمة. لذلك قال الحق سبحانه: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر.. # [آل عمران: 110]. فقد آمن أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أن تكون ~~حارسة لمنهجه، إما بالنفس اللوامة، وإما بالمجتمع الآمر بالمعروف الناهي ~~عن المنكر، وهذا شرف عظيم لهذه الأمة. إذن: يأتي الرسول حينما يعم ~~الفساد.. فما معنى الفساد؟.. الفساد: أن توجد مصالح طائفة على حساب ~~طائفة أخرى، فأهل الفساد والمنتفعون به إذا جاءهم رسول ليخلص الناس من ~~فسادهم، كيف يقابلونه؟ أيقابلونه بالترحاب؟ بالطبع لا. # . لا بد وأن يقابلوه بالكراهية والإنكار، ويعلنوا عليه ms5593 الحرب دفاعا ~~عن مصالحهم. ويتبع الحق سبحانه هذا بقوله: { فزين لهم ~~الشيطان أعمالهم.. } [النحل: 63]. هنا يتدخل الشيطان، ويزين ~~لأهل الفساد أعمالهم، ويحثهم على محاربة الرسل فهؤلاء الذين سيقضون على ~~نفوذكم، سوف يأخذون ما في أيديكم من متع الدنيا، سوف يهزون مراكزكم، ~~ويحطون من مكانتكم بين الناس.. هؤلاء سوف يرفعون عليكم السفلة ~~والعبيد.. وهكذا يتمسك أهل الفساد والظلم بظلمهم، ويعضون عليه ~~بالنواجذ، ويقفون من الرسل موقف العداء، فوطن نفسك على هذا، فلن ~~تقابل من السادة إلا بالجحود وبالإنكار وبالمحاربة. ثم يقول تعالى: { ~~فهو وليهم اليوم.. } [النحل: 63]. أي: في الآخرة، فما دام ~~الشيطان تولاهم في الدنيا، وزين لهم، وأغراهم بعداء الرسل، ~~فليتولهم الآن، وليدافع عنهم يوم القيامة.. وقد عرض لنا القرآن ~~الكريم هذا الموقف في قوله تعالى: # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر ~~قال إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين # [الحشر: 16]. وفي جدالهم يوم القيامة مع الشيطان يقولون له: أنت ~~أغويتنا وزينت لنا.. ماذا يقول؟ يقول: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.. # [إبراهيم: 22]. والسلطان هنا: إما بالحجة التي تقنع، وإما بالقهر ~~والغلبة والقوة التي تفرض ما تريد، وليس للشيطان شيء من ذلك.. لا يملك ~~حجة يقنعك بها لتفعل، ولا يملك قوة يجبرك بها أن تفعل وأنت كاره. ~~وهكذا يجادلهم الشيطان ويرد عليهم دعواهم، فليس له عليكم سلطان، بل ~~مجرد الإشارة أوقعتكم في المعصية. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب ~~لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما ~~ترآءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني ~~بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف ~~الله.. # [الأنفال: 48]. وقوله: { ولهم عذاب أليم } [النحل: 63]. يصف ~~العذاب هنا بأنه أليم شديد مهلك، وقد وصف الله العذاب بأنه أليم، عظيم، ~~مهين، شديد.. والعذاب شعور بالألم وإحساس به، وقد توصل العلماء إلى ~~أن الإحساس كله في الجلد لذلك قال الحق سبحانه ليديم على هؤلاء ~~العذاب: # كلما نضجت جلودهم ms5594 بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء: 56]. وهكذا يستمر العذاب باستمرار الجلود وتبديلها. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ومآ أنزلنا عليك الكتاب... }. ### || [16.64] # فالكتاب هو القرآن الكريم. وقول الحق سبحانه: { لتبين لهم ~~الذي اختلفوا فيه.. } [النحل: 64]. دليل على أن أتباع الرسل ~~السابقين نشأ بينهم خلاف، فأي خلاف هذا طالما أنهم تابعون لنبي واحد؟ ~~ما سببه؟ قالوا: سبب هذا الخلاف ما يسمونه بالسلطة الزمنية.. ولتوضيح ~~معنى السلطة الزمنية نضرب مثلا بواحد كان شيخا لطريقة مثلا، فلما مات ~~تنازع الخلافة أبناؤه من بعده.. كل يريدها له، وأخذ يجمع حوله مجموعة ~~من أتباع أبيه.. فلو كانت مسألة الخلافة هذه واضحة في أذهانهم ما حدث هذا ~~الخلاف. وكذلك السلطة الزمنية حدثت في أتباع الرسل الذين أخذوا يكتبون ~~الصكوك، ويذكرون ما يحبون وما يرونه صوابا من وجهة نظرهم، كل هؤلاء كان ~~لهم نفوذ بما نسميه السلطة الزمنية. فكيف - إذن - يتركون محمدا صلى ~~الله عليه وسلم يأخذ منهم هذه السلطة، ويضيع عليهم ما هم فيه من سيادة، ~~فقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليبين لهم. أي: يردهم إلى جادة ~~الحق، وإلى الطريق المستقيم. وقوله تعالى: { وهدى ورحمة.. } ~~[النحل: 64]. الهدى: معناه بيان الطريق الواضح للغاية النافعة، والطريق ~~لا يكون واضحا إلا إذا خلا من الصعاب والعقبات، وخلا أيضا من ~~المخاوف، فهو طريق واضح مأمون سهل، وأيضا يكون قصيرا يوصلك إلى غايتك ~~من أقصر الطرق. وضد الهدى: الضلال. وهو أن يضلك، فإن أردت طريقا ~~وجهك إلى غيره، ودلك على سواه، أو دلك على طريق به مخاوف وعقبات. ~~أما الرحمة، فقد وصف الحق تبارك وتعالى القرآن بأنه رحمة فقال: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين.. # [الإسراء: 82]. فكيف يكون القرآن شفاء؟ وكيف يكون رحمة؟ الشفاء: إذا ~~أصابنا داء ربنا سبحانه وتعالى يقول: طيبوا داءكم وداووا أمراضكم بكذا ~~وكذا، وردوا الحكم إلى الله.. هذا شفاء. أما الرحمة: فهي أن يمنع أن ~~يأتي الداء مرة أخرى، فتكون وقاية تقتلع الداء من أصله فلا يعود. ومثل ~~هذا يحدث في عالم الطب، فقد ms5595 تذهب إلى طبيب ليعالجك من داء معين.. بثور ~~في الجلد مثلا، فلا يهتم إلا بما يراه ظاهرا، ويصف لك ما يداوي هذه ~~البثور.. ثم بعد ذلك تعاودك مرة أخرى. أما الطبيب الحاذق الماهر فلا ~~ينظر إلى الظاهر فقط، بل يبحث عن سببه في الباطن، ويحاول أن يقتلع أسباب ~~المرض من جذورها، فلا تعاودك مرة أخرى. ولذلك، لو نظرنا إلى قصة أيوب - ~~عليه السلام - وما ابتلاه الله به نرى فيها مثالا رائعا لعلاج الظاهر ~~والباطن معا، فقد ابتلاه ربه ببلاء ظهر أثره على جسمه واضحا، ولما ~~أذن له سبحانه بالشفاء قال له: # اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب # [ص: 42]. مغتسل: أي. يغسل ويزيل ما عندك من آثار هذا البلاء. ~~وشراب: أي. شراب يشفيك من أسباب هذا البلاء فلا يعود. وكذلك الحال في ~~علاج المجتمع، فقد جاء القرآن الكريم وفي العالم فساد كبير، وداءات ~~متعددة، لا بد لها من منهج لشفاء هذه الداءات، ثم نعطيها مناعات ~~تمنع عودة هذه الداءات مرة أخرى. وقوله تعالى: { لقوم يؤمنون } ~~[النحل: 64]. أي: أن هذا القرآن فيه هدى ورحمة لمن آمن بك وبرسالتك لأن ~~الطبيب الذي ضربناه مثلا هنا لا يعالج كل مريض، بل يعالج من وثق به، ~~وذهب إليه وعرض عليه نفسه ففحصه الطبيب وعرف علته. وهكذا القرآن الكريم ~~يسمعه المؤمن به، فيكون له هدى ورحمة، ويترك في نفسه إشراقات نورانية ~~تتسامى به وترتفع إلى أعلى الدرجات، في حين يسمعه آخر فلا يعي منه ~~شيئا، ويقول كما حكى القرآن الكريم: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا.. # [محمد: 16]. وقال: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء.. # [فصلت: 44]. # والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم ~~عمى.. # [فصلت: 44]. إذن: فالقرآن واحد، ولكن الاستقبال مختلف. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { والله أنزل من... }. ### || [16.65] # الحق تبارك وتعالى في هذه الآية ينقلنا إلى آية مادية محسة لا ينكرها ~~أحد، وهي إنزال المطر من السماء، وإحياء الأرض الميتة بهذا المطر ليكون ~~ذلك دليلا ms5596 محسوسا على قدرته تعالى، وأنه مأمون على خلقه. وكأنه ~~سبحانه يقول لهم: إذا كنت أنا أعطيكم كذا وكذا، وأوفر لكم الأمر ~~المادي الذي يفيد عنايتي بكم، فإذا أنزلت لكم منهجا ينفعكم ويصلح ~~أحوالكم فصدقوه. فهذا دليل مادي محس يوصلهم إلى تصديق المنهج ~~المعنوي الذي جاء على يد الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين.. # [الإسراء: 82]. وقوله: { والله أنزل من السمآء مآء.. } ~~[النحل: 65]. هذه آية كونية محسة لا ينكرها أحد. ثم يقول: { فأحيا ~~به الأرض بعد موتهآ } [النحل: 65]. موت الأرض، أي حالة ~~كونها جدباء مقفرة لا زرع فيها ولا نبات، وهذا هو الهلاك بعينه ~~بالنسبة لهم، فإذا ما أجدبت الأرض استشرفوا لسحابة، لغمامة، وانتظروا ~~منها المطر الذي يحيي هذه الأرض الميتة.. يحييها بالنبات والعشب بعد ~~أن كانت هامدة ميتة. فلو قبض ماء السماء عن الأرض لمتم جوعا، ~~فخذوا من هذه الآية المحسة دليلا على صدق الآية المعنوية التي هي منهج ~~الله إليكم على يد رسوله صلى الله عليه وسلم، فكما أمنتني على الأولى ~~فأمني على الثانية. وقوله: { إن في ذلك لآية لقوم ~~يسمعون } [النحل: 65]. مع أن هذه الآية ترى بالعين ولا تسمع، ~~قال القرآن: { لقوم يسمعون } [النحل: 65]... لماذا؟ قالوا: لأن ~~الله سبحانه أتى بهذه الآية ليلفتهم إلى المنهج الذي سيأتيهم على يد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا المنهج سيسمع من الرسول المبلغ لمنهج ~~الله. ومثال ذلك أيضا في قوله تعالى: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون # [القصص: 71]. فالضياء يرى لا يسمع.. لكنه قال: { أفلا تسمعون ~~} لأنه يتكلم عن الليل، ووسيلة الإدراك في الليل هي السمع. ثم يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { وإن لكم في... }. ### || [16.66] # الكون الذي خلقه الله تعالى فيه أجناس متعددة، أدناها الجماد المتمثل في ~~الأرض والجبال والمياه وغيرها، ثم النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان. وفي ~~الآية السابقة أعطانا الحق - تبارك وتعالى - نموذجا للجماد الذي اهتز ~~بالمطر ms5597 وأعطانا النبات، وهنا تنقلنا هذه الآية إلى جنس أعلى وهو الحيوان. ~~{ وإن لكم في الأنعام لعبرة.. } [النحل: 66]. والمقصود ~~بالأنعام: الإبل والبقر والغنم والماعز، وقد ذكرت في سورة الأنعام في ~~قوله تعالى: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر ~~اثنين.. # [الأنعام: 143-144]. هذه هي الأنعام. وقوله سبحانه: { لعبرة } ~~العبرة: الشيء الذي تعتبرون به، وتستنجون منه ما يدلكم على قدرة الصانع ~~الحكيم سبحانه وتعالى، وتأخذون من هذه الأشياء دليلا على صدق منهجه ~~سبحانه فتصدقونه. ومن معاني العبرة: العبور والانتقال من شيء لآخر.. أي: ~~أن تأخذ من شيء عبرة تفيد في شيء آخر. ومنها العبرة الدمعة، وهي: شيء ~~دفين نبهت عنه وأظهرته. والمراد بالعبرة في خلق الأنعام: { ~~نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا ~~خالصا سآئغا للشاربين } [النحل: 66]. مادة: سقى جاءت في ~~القرآن مرة " سقى ". ومرة " أسقى " ، وبعضهم قال: إن معناهما واحد، ~~ولكن التحقيق أن لكل منهما معنى، وإن اتفقا في المعنى العام. سقى: كما ~~في قوله تعالى: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21]. أي: أعطاهم ما يشربونه.. ومضارعه يسقي. ومنها قوله ~~تعالى في قصة موسى عليه السلام: # فسقى لهما.. # [القصص: 24]. أما أسقى: كما في قوله تعالى: # فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه ومآ ~~أنتم له بخازنين # [الحجر: 22]. فمعناه أنه سبحانه أنزل الماء من السماء لا يشربه الناس في ~~حال نزوله، ولكن ليكون في الأرض لمن أراد أن يشرب.. فالحق تبارك وتعالى ~~لم يفتح أفواه الناس أثناء نزول المطر ليشربوا منه.. لا.. بل هو مخزون في ~~الأرض لمن أراده. والمضارع من أسقى: يسقي. إذن: هناك فرق بين ~~الكلمتين، وإن اتفقنا في المعنى العام.. وفرق بين أن تعطي ما ~~يستفاد منه في ساعته، مثل قوله: # وسقاهم ربهم.. # [الإنسان: 21]. وبين أن تعطي ما يمكن الاستفادة منه فيما بعد كما في ~~قوله: # فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه.. # [الحجر: 22]. لذلك يقولون: إن الذي يصنع الخير قد ms5598 يصنعه عاجلا، فيعطي ~~المحتاج مثلا رغيفا يأكله، وقد يصنعه مؤجلا فيعطيه ما يساعده على ~~الكسب الدائم ليأكل هو متى يشاء من كسبه. والحق - تبارك وتعالى - ~~أعطانا هذه الفكرة في سورة الكهف، في قصة ذي القرنين، قال تعالى: # حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما ~~قوما لا يكادون يفقهون قولا # [الكهف: 93]. فما داموا لا يفقهون قولا.. فكيف تفاهم معهم ذو ~~القرنين، وكيف قالوا: # يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في ~~الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا ~~وبينهم سدا # [الكهف: 94]. نقول: الذي يريد أن يفعل الخير والمعروف يسعى إليه ويحتال ~~للوصول إليه وكأنه احتال أن يفهمهم، وصبر عليهم حتى توصل إلى طريقة ~~للتفاهم معهم، في حين أنه كان قادرا على تركهم والانصراف عنهم، وحجته ~~أنهم لا يفقهون ولا يتكلمون. فلما أراد ذو القرنين أن يبني لهم السد لم ~~يبن هو بنفسه، بل علمهم كيف يكون البناء، حتى يقوموا به بأنفسهم متى ~~أرادوا ولا يحتاجون إليه.. فقال: # آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين ~~قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ ~~عليه قطرا # [الكهف: 96]. إذن: علمهم وأحسن إليهم إحسانا دائما لا ينتهي. وقوله: ~~{ مما في بطونه.. } [النحل: 66]. أي: مما في بطون الأنعام، فقد ~~ذكر الضمير في بطونه باعتبار إرادة الجنس. وقد أراد الحق سبحانه أن ~~يخرج هذا اللبن: { من بين فرث ودم لبنا خالصا.. } ~~[النحل: 66]. والفرث في كرش الحيوان من فضلات طعامه. فالعبرة هنا أن ~~الله تعالى أعطانا من بين الفرث، وهو روث الأنعام وبقايا الطعام في ~~كرشها، وهذا له رائحة كريهة، وشكل قذر منفر، ومن بين دم، والدم له لونه ~~الأحمر، وهو أيضا غير مستساغ ومنهما يخرج لنا الخالق سبحانه لبنا ~~خالصا من الشوائب نقيا سليما من لون الدم ورائحة الفرث. ومن يقدر ~~على ذلك إلا الخالق سبحانه؟ وينهي الحق سبحانه الآية بقوله واصفا هذا ~~اللبن: { لبنا خالصا سآئغا للشاربين } [النحل: 66]. أي: ~~يسيغه شاربه ويستلذ به، ولا يغص به شاربه، بل هو مستساغ سهل ~~الانزلاق ms5599 أثناء الشرب لأن من الطعام أو الشراب ما يحلو لك ويسوغ ~~وتهنأ به، ولكنه قد لا يكون مريئا. ولذلك، فالحق سبحانه يقول: # فكلوه هنيئا مريئا # [النساء: 4]. هنيئا أي: تستلذون به، ومريئا: أي نافعا للجسم، يمري ~~عليك لأنك قد تجد لذة في شيء أثناء أكله أو شربه، ثم يسبب لك ~~متاعب فيما بعد، فهو هنيء ولكنه غير مريء. فاللبن من نعم الله ~~الدالة على قدرته سبحانه، وفي إخراجه من بين فرث ودم عبرة وعظة، وكأن ~~الحق سبحانه يعطينا هذه العبرة لينقلنا من المعنى الحسي الذي نشاهده ~~إلى المعنى القيمي في المنهج، فالذي صنع لنا هذه العبرة لإصلاح قالبنا ~~قادر على أن يصنع لنا من المنهج ما يصلح قلوبنا. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ومن ثمرات... }. ### || [16.67] # ثمرات النخيل هي: البلح. والأعناب هو: العنب الذي نسميه الكرم. ~~والتعبير القرآني هنا وإن امتن على عباده بالرزق الحسن، فإنه لا يمتن ~~عليهم بأن يتخذوا من الأعناب سكرا: أي مسكرا، ولكن يعطينا الحق ~~سبحانه هنا عبرة فقد نزلت هذه الآيات قبل تحريم الخمر. وكأن الآية تحمل ~~مقدمة لتحريم الخمر الذي يستحسنونه الآن ويمتدحونه ولذلك يقول العلماء: ~~إن الذي يقرأ هذه الآية بفطنة المستقبل عن الله يعلم أن لله حكما ~~في السكر سيأتي. كيف توصلوا إلى أن لله تعالى حكما سيأتي في ~~السكر؟ قالوا: لأنه قال في وصف الرزق بأنه حسن، في حين لم يصف ~~السكر بأنه حسن، فمعنى ذلك أنه ليس حسنا ذلك لأننا نأكل ثمرات النخيل ~~البلح كما هو، وكذلك نأكل العنب مباشرة دون تدخل منا فيما خلق الله ~~لنا. أما أن نغير من طبيعته حتى يصير خمرا مسكرا، فهذا إفساد في ~~الطبيعة التي اختارها الله لنا لتكون رزقا حسنا. وكأنه سبحانه ينبه ~~عباده، أنا لا أمتن عليكم بما حرمت، فأنا لم أحرمه بعد، ~~فاجعلوا هذا السكر - كما ترونه - متعة لكم، ولكن خذوا منه عبرة أني ~~لم أصفه بالحسن لأنه إن لم يكن حسنا فهو قبيح، فإذا ما جاء ~~التحريم فقد نبهتكم من بداية الأمر. ms5600 ثم يقول تعالى: { إن في ذلك ~~لآية لقوم يعقلون } [النحل: 67]. لأن العقل يقتضي أن ~~نوازن بين الشيئين، وأن نسأل: لماذا لم يوصف السكر بأنه حسن؟.. ~~أليس معناه أن الله تعالى لا يحب هذا الأمر ولا يرضاه لكم؟ إذن: كأن في ~~الآية نية التحريم، فإذا ما أنزل الله تحريم الخمر كان هذا تمهيدا له. ~~والآية هي: الأمر العجيب الذي ينبئكم الله الذي خلق لكم هذه الأشياء ~~لسلامة مبانيكم وقوالبكم المادية، قادر ومأمون على أن يشرع لكم ما يضمن ~~سلامة معانيكم وقلوبكم القيمية الروحية. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وأوحى ربك... }. ### || [16.68] # النحل خلق من خلق الله، وكل خلق لله أودع الله فيه وفي غرائزه ما ~~يقيم مصالحه، يشرح ذلك قوله تعالى: # الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. أي: خلق هذه كذا، وهذه كذا حسب ما يتناسب مع طبيعته ~~ولذلك تجد ما دون الإنسان يسير على منهج لا يختلف.. فالإنسان مثلا قد ~~يأكل فوق طاقته، وقد يصل إلى حد التخمة، ثم بعد ذلك يشتكي مرضا ~~ويطلب له الدواء. أما الحيوان فإذا ما أكل وجبته، وأخذ ما يكفيه فلا يزيد ~~عليه أبدا، وإن أجبرته على الأكل ذلك لأنه محكوم بالغريزة الميكانيكية، ~~وليس له عقل يختار به. وضربنا مثلا للغريزة في الحيوان بالحمار الذي ~~يتهمونه دائما ويأخذونه مثلا للغباء، إذا سقته ليتخطى قناة ماء ~~مثلا وجدته ينظر إليها وكأنه يقيس المسافة بدقة.. فإذا ما وجدها في ~~مقدوره قفزها دون تردد، وإذا وجدها فوق طاقته، وأكبر من قدرته تراجع ولم ~~يقدم عليها، وإن ضربته وصحت به.. فلا تستطيع أبدا إجباره على شيء ~~فوق قدرته. ذلك لأنه محكوم بالغريزة الآلية التي جعلها الله سبحانه فيه، ~~على خلاف الإنسان الذي يفكر في مثل هذه الأمور ليختار منها ما يناسبه، ~~فهذه تكون كذا، وهذه تكون كذا، فنستطيع أن نشبه هذه الغريزة في ~~الحيوان بالعقل الألكتروني الذي لا يعطيك إلا ما غذيته به من معلومات.. ~~أما العقل البشري الرباني فهو قادر على التفكير والاختيار والمفاضلة بين ~~البدائل. يقول ms5601 الحق سبحانه: { وأوحى ربك إلى النحل.. } ~~[النحل: 68]. الحق تبارك وتعالى قد يمتن على بعض عبادة ويعلمهم لغة ~~الطير والحيوان، فيستطيعون التفاهم معه ومخاطبته كما في قصة سليمان عليه ~~السلام.. والله سبحانه الذي خلقها وأبدعها يوحي إليها ما يشاء.. فما هو ~~الوحي؟ الوحي: إعلام من معلم أعلى لمعلم أدنى بطريق خفي لا نعلمه ~~نحن، فلو أعلمه بطريق صريح فلا يكون وحيا. فالوحي إذن يقتضي: ~~موحيا وهو الأعلى، وموحى إليه وهو الأدنى، وموحى به وهو ~~المعنى المراد من الوحي. والحق - تبارك وتعالى - له طلاقة القدرة في ~~أن يوحي ما يشاء لما يشاء من خلقه.. وقد أوحى الحق سبحانه وتعالى إلى ~~الجماد في قوله تعالى: # إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض ~~أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث ~~أخبارها * بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 1-5]. أعلمها بطريق خفي خاص بقدرة الخالق في مخلوقه. وهنا ~~أوحى سبحانه إلى النحل. وأوحى الله إلى الملائكة: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا.. # [الأنفال: 12]. وأوحى إلى الرسل: # إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح ~~والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى ~~وأيوب ويونس وهارون وسليمان.. # [النساء: 163]. وأوحى إلى المقربين من عباده: # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي.. # [المائدة: 111]. وقد أوحى إليهم بخواطر نورانية تمر بقلوبهم وأوحى ~~سبحانه إلى أم موسى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه.. # [القصص: 7]. هذا هو وحي الله إلى ما يشاء من خلقه: إلى الملائكة، ~~إلى الأرض، إلى الرسل، إلى عباده المقربين، إلى أم موسى، إلى النحل.. ~~الخ. وقد يكون الوحي من غيره سبحانه، ويسمى وحيا أيضا، كما في ~~قوله تعالى: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم.. # [الأنعام: 121]. وقوله: # يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.. # [الأنعام: 112]. لكن إذا أطلقت كلمة الوحي مطلقا بدون تقييد ~~انصرفت إلى الوحي من الله إلى الرسل لذلك يقول علماء الفقه: الوحي هو ~~إعلام الله نبيه بمنهجه، ويتركون الأنواع الأخرى: وحي الغرائز، وحي ~~التكوين، وحي الفطرة.. الخ. وقوله: { أن اتخذي من ms5602 الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون } [النحل: 68]. كثير من ~~الباحثين شغوفون بدراسة النحل ومراحل حياته منذ القدم، ومن هؤلاء باحث ~~تتبع المراحل التاريخية للنحل، فتوصل إلى أن النحل أول ما وجد عاش في ~~الجبال، ثم اتخذ الشجر، وجعل فيها أعشاشه، ثم اتخذ العرائش التي صنعها له ~~البشر، وهي ما نعرفه الآن باسم الخلية الصناعية أو المنحل، ووجه العجب ~~هنا أن هذا الباحث لا يعرف القرآن الكريم، ومع ذلك فقد تطابق ما ذهب إليه ~~مع القرآن تمام التطابق. وكذلك توصل إلى أن أقدم أنواع العسل ما وجد ~~في كهوف الجبال، وقد توصلوا إلى هذه الحقيقة عن طريق حرق العسل ~~وتحويله إلى كربون، ثم عن طريق قياس إشعاع الكربون يتم التوصل إلى ~~عمره.. وهكذا وجدوا أن عسل الكهوف أقدم أنواع العسل، ثم عسل الشجر، ثم ~~عسل الخلايا والمناحل. إذن: أوحى الله تعالى إلى النحل بطريق خفي لا ~~نعلمه نحن، وعملية الوحي تختلف باختلاف الموحي والموحى إليه، ويمكن أن ~~نمثل هذه العملية بالخادم الفطن الذي ينظر إليه سيده مجرد نظرة ~~فيفهم منها كل شيء: أهو يريد الشراب؟ أم يريد الطعام؟ أم يريد كذا؟ ثم ~~يقول الحق سبحانه: { ثم كلي من... }. ### || [16.69] # علة كون العسل فيه شفاء للناس أن يأكل النحل من كل الثمرات ذلك ~~لأن تنوع الثمرات يجعل العسل غنيا بالعناصر النافعة، فإذا ما تناوله ~~الإنسان ينصرف كل عنصر منه إلى شيء في الجسم، فيكون فيه الشفاء بإذن ~~الله. ولكن الآن ماذا حدث؟ نرى بعض الناس يقول: أكلت كثيرا من العسل، ~~ولم أشعر له بفائدة.. نقول: لأننا تدخلنا في هذه العملية، وأفسدنا ~~الطبيعة التي خلقها الله لنا.. فالأصل أن نترك النحل يأكل من كل ~~الثمرات.. ولكن الحاصل أننا نضع له السكر مثلا بدلا من الزهر ~~والنوار الطبيعي، ولذلك تغير طعم العسل، ولم تعد له ميزته التي ~~ذكرها القرآن الكريم. لذلك فالمتتبع لأسعار عسل النحل يجد تفاوتا واضحا ~~في سعره بين نوع وآخر، ذلك حسب جودته ومدى مطابقته للطبيعة التي حكاها ~~القرآن الكريم. والحق ms5603 سبحانه يقول: { فاسلكي سبل ربك ~~ذللا.. } [النحل: 69]. أي: تنقلي حرة بين الأزهار هنا وهناك ولذلك ~~لا نستطيع أن نبني للنحل بيوتا يقيم فيها، لا بد له من التنقل من ~~بستان لآخر، فإذا ما جفت الزراعات يتغذى النحل من عسله، ولكن الناس ~~الآن يأخذون العسل كله لا يتركون له شيئا، ويضعون مكانه السكر ليتغذى ~~منه طوال هذه الفترة. وقوله تعالى: { ذللا.. } [النحل: 69]. أي: ~~مذللة ممهدة طيعة، فتخرج النحلة تسعى في هذه السبل، فلا يردها ~~شيء، ولا يمنعها مانع، تطير هنا وهناك من زهرة لأخرى، وهل رأيت شجرة ~~مثلا ردت نحلة؟!.. لا.. قد ذلل الله لها حياتها ويسرها. ومن ~~حكمته تعالى ورحمته بنا أن ذلل لنا سبل الحياة.. وذلل لنا ما ~~ننتفع به، ولولا تذليله هذه الأشياء ما انتفعنا بها.. فنرى الجمل الضخم ~~يسوقه الصبي الصغير، ويتحكم فيه ينيخه، ويحمله الأثقال، ويسير به ~~كما أراد، في حين أنه إذا ثار الجمل أو غضب لا يستطيع أحد التحكم فيه.. ~~وما تحكم فيه الصبي الصغير بقوته ولكن بتذليل الله له. أما الثعبان ~~مثلا فهو على صغر حجمه يمثل خطرا يفزع منه الجميع ويهابون الاقتراب ~~منه، ذلك لأن الله سبحانه لم يذلله لنا، فأفزعنا على صغر حجمه.. ~~كذلك لو تأملنا البرغوث مثلا.. كم هو صغير حقير، ومع ذلك يقض مضاجعنا، ~~ويحرمنا لذة النوم في هدوء.. فهل يستطيع أحد أن يذلل له البرغوث؟! ~~وفي ذلك حكمة بالغة وكأن الحق سبحانه يقول لنا: إذا ذللت لكم شيئا، ولو ~~كان أكبر المخلوقات كالجمل والفيل تستطيعون الانتفاع به، وإن لم ~~أذلله لكم فلا قدرة لكم على تذليله مهما كان حقيرا صغيرا.. إذن: ~~الأمور ليست بقدرتك، ولكن خذها كما خلقها الله لك. # { يخرج من بطونها.. } [النحل: 69]. ذلك أن النحلة تمتص الرحيق ~~من هنا ومن هنا، ثم تتم في بطنها عملية طهي ربانية تجعل من هذا الرحيق ~~شهدا مصفى لأنه قد يظن أحدهم أنها تأخذ الرحيق، ثم تتقيؤه كما هو.. ~~فلم يقل القرآن: من أفواهها، بل قال: من بطونها.. هذا المعمل ms5604 الإلهي ~~الذي يعطينا عسلا فيه شفاء للناس. { شراب مختلف ألوانه.. ~~} [النحل: 69]. ما دام النحل يأكل من كل الثمرات، والثمرات لها عطاءات ~~مختلفة باختلاف مادتها، واختلاف ألوانها، واختلاف طعومها وروائحها.. ~~إذن: لا بد أن يكون شرابا مختلفا ألوانه. { فيه شفآء ~~للناس.. } [النحل: 69]. لذلك وجدنا كثيرا من الأطباء، جزاهم الله ~~خيرا يهتمون بعسل النحل، ويجرون عليه كثيرا من التجارب لمعرفة قيمته ~~الطبية، لكن يعوق هذه الجهود أنهم لا يجدون العسل الطبيعي كما خلقه الله. ~~ومع ذلك ومع تدخل الإنسان في غذاء النحل بقيت فيه فائدة، وبقيت فيه صفة ~~الشفاء، وأهمها امتصاص المائية من الجسم، وأي ميكروب تريد أن تقضي ~~عليه قم بامتصاص المائية منه يموت فورا. فإذا ما توفر لنا العسل ~~الطبيعي الذي خلقه الله تجلت حكمة خالقه فيه بالشفاء، ولكنه إذا تدخل ~~الإنسان في هذه العملية أفسدها.. فالكون كله الذي لا دخل للإنسان فيه ~~يسير سيرا مستقيما لا يتخلف، كالشمس والقمر والكواكب.. إلخ إلا ~~الإنسان فهو المخلوق الوحيد الذي يخرج عن منهج الله. فالشيء الذي لك ~~دخل فيه، إما أن تتدخل فيه بمنهج خالقه أو تتركه لأنك إذا تدخلت ~~فيه بمنهج خالقه يعطيك السلامة والخير، وإن تدخلت فيه بمنهجك أنت ~~أفسدته. والحق سبحانه وتعالى يقول: # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما ~~نحن مصلحون # [البقرة: 11]. إنهم لا يعرفون.. لا يفرقون بين الفساد والصلاح. وفي ~~القرآن أمثلة للناس الذين يفسدون في الأرض ويحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا، يقول تعالى: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف: 103-104]. فالذي اخترع السيارة وهذه الآلات التي تنفث سمومها ~~وتلوث البيئة التي خلقها الله.. صحيح وفر لنا الوقت والمجهود في ~~الحمل والتنقل، ولكن انظر إلى ما أصاب الناس من عطب بسبب هذه ~~الآلات.. انظر إلى عوادم السيارات وآثارها على صحة الإنسان. كان يجب على ~~مخترع هذه الآلات أن يوازن بين ما تؤديه من منفعة وما تسببه من ضرر، ~~وأضف إلى الأضرار الصحية ما يحدث من ms5605 تصادمات وحوادث مروعة تزهق بسببها ~~الأرواح.. وبالله هل رأيت أن تصادم جملان في يوم من الأيام.. فلا بد ~~إذن أن نقيس المنافع والأضرار قبل أن نقدم على الشيء حتى لا نفسد ~~الطبيعة التي خلقها الله لنا. # وقوله تعالى: { فيه شفآء للناس.. } [النحل: 69]. الناس: جمع ~~مختلف الداءات باختلاف الأفراد وتعاطيهم لأسباب الداءات، فكيف يكون في ~~هذا الشراب شفاء لجميع الداءات على اختلاف أنواعها؟.. نقول: لأن هذا ~~الشراب الذي أعده الله لنا بقدرته سبحانه جاء مختلفا ألوانه.. من رحيق ~~متعدد الأنواع والأشكال والطعوم والعناصر.. ليس مزيجا واحدا يشربه ~~كل الناس، بل جاء مختلفا متنوعا باختلاف الناس، وتنوع الداءات عندهم.. ~~وكأن كل عنصر منه يداوي داء من هذه الداءات. وقوله تعالى: { إن ~~في ذلك لآية لقوم يتفكرون } [النحل: 69]. التفكر: أن ~~تفكر فيما أنت بصدده لتستنبط منه شيئا لست بصدده، وبذلك تثري ~~المعلومات لأن المعلومات إذا لم تتلاقح، إذا لم يحدث فيها توالد تقف ~~وتتجمد، ويصاب الإنسان بالجمود الطموحي، وإذا أصيب الإنسان بهذا الجمود ~~توقف الارتقاء لأن الارتقاءات التي نراها في الكون هي نتيجة التفكر ~~وإعمال العقل. لذلك فالحق سبحانه ينبهنا حينما نمر على ظاهرة من ~~ظواهر الكون، ألا نمر عليها غافلين معرضين، بل نفكر فيها ونأخذها بعين ~~الاعتبار.. يقول تعالى: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. ففي الآية حث على التفكر في ظواهر الكون، وفيها تحذير ~~من الإعراض والغفلة عن آيات الله، فبالفكر نستنبط من الكون ما نستفيد به. ~~ولو أخذنا مثلا الذي اخترع الآلة البخارية.. كيف توصل إلى هذا الاختراع ~~الذي أفاد البشرية؟ نجد أنه توصل إليه حينما رأى القدر الذي يغلي على ~~النار يرتفع غطاؤه مع بخار الماء المتصاعد أثناء الغليان.. فسأل نفسه: ~~لماذا يرتفع الغطاء؟ واستعمل عقله وأعمل تفكيره حتى توصل إلى قوة ~~البخار المتصاعد، واستطاع توظيف هذه القوة في تسيير ودفع العربات. وكذلك ~~أرشميدس - وغيره كثيرون - توصلوا بالاعتبار والتفكر في ظواهر الكون، ~~إلى قوانين في الطبيعة أدت إلى اختراعات نافعة نتمتع نحن بها ms5606 الآن، فالذي ~~اخترع العجلة، كم كانت مشقة الإنسان في حمل الأثقال؟ وما أقصى ما يمكن ~~أن يحمله؟ فبعد أن اخترعوا العجلات واستخدمت في الحمل تمكن الإنسان ~~من حمل وتحريك أضعاف أضعاف ما كان يحمله. الذي اخترع خزانات المياه.. ~~كم كانت المشقة في استخراج الماء من البئر؟ أو من النهر؟ فبعد عمل ~~الخزانات وضخ المياه أصبحنا نجد الماء في المنازل بمجرد فتح ~~الصنبور. هذه كلها ثمرات العقل حينما يتدبر، وحينما يفكر في ظواهر ~~الكون، ويستخدم المادة الخام التي خلقها الله وحثنا على التفكر فيها ~~والاستنباط منها.. وكأن الحق سبحانه يقول لنا: لقد أعطيتكم ضروريات ~~الحياة، فإن أردتم ترف الحياة وكمالياتها فاستخدموا نعمة العقل ~~والتفكير والتدبر لتصلوا إلى هذه الكماليات. وهنا الحق سبحانه يلفتنا ~~لفتة أخرى.. وهي أنه سبحانه يجعل من المحسات ما يقرب لنا ~~المعنويات ليلفتنا إلى منهجه سبحانه ولذلك ينقلنا هذه النقلة من ~~المحسوس إلى المعنوي، فيقول تعالى: { والله خلقكم... }. ### || [16.70] # قوله: { والله خلقكم.. } [النحل: 70]. هذه حقيقة لا ينكرها ~~أحد، ولم يدعها أحد لنفسه، وقد أمدكم بمقومات حياتكم في الأرض ~~والنبات والحيوان، والأنعام التي تعطينا اللبن صافيا سليما سائغا ~~للشاربين، ثم النحل الذي فيه شفاء للناس. فالحق سبحانه أعطانا الحياة، ~~وأعطانا مقومات الحياة، وأعطانا ما يزيل معاطب الحياة.. وما دمتم ~~صدقتم بهذه المحسات فاسمعوا: { والله خلقكم ثم ~~يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر.. } ~~[النحل: 70]. وساعة أن نسمع خلقكم، فنحن نعترف أن الله خلقنا، ولكن كيف ~~خلقنا؟ هذه لا نعرفها نحن لأنها ليست عملية معملية.. فالذي خلق هو الحق ~~سبحانه وحده، وهو الذي يخبرنا كيف خلق.. أما أن يتدخل الإنسان ~~ويقحم نفسه في مسألة لا يعرفها، فنرى من يقول: إن الإنسان أصله ~~قرد.. إلى آخر هذا الهراء الذي لا أصل له في الحقيقة. ولذلك، فالحق ~~سبحانه يقول لنا: إذا أردتم أن تعرفوا كيف خلقتم فاسمعوا ممن ~~خلقكم.. إياكم أن تسمعوا من غيره ذلك لأنني: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم.. # [الكهف: 51]. هذه عملية لم يطلع الله عليها أحدا: ms5607 # وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. أي: ما اتخذت مساعدا يعاونني في مسألة الخلق. وما هو ~~المضل؟ المضل هو الذي يقول لك الكلام على أنه حقيقة، وهو يضلك. ~~إذن: ربنا سبحانه وتعالى هنا يعطينا فكرة مقدما: احذروا، فسوف يأتي ~~أناس يضلونكم في موضوع الخلق، وسوف يغيرون الحقيقة، فإياكم أن ~~تصدقوهم لأنهم ما كانوا معي وقت أن خلقتكم فيدعون العلم بهذه ~~المسألة. ونفس هذه القضية في مسألة خلق السموات والأرض، فالله سبحانه ~~هو الذي خلقهما، وهو سبحانه الذي يخبرنا كيف خلق. فحين يقول سبحانه: { ~~والله خلقكم.. } [النحل: 70]. فعلينا أن نقول: سمعا وطاعة، ~~وعلى العين والرأس.. يا رب أنت خلقتنا، وأنت تعلم كيف خلقتنا، ولا نسأل ~~في هذا غيرك، ولا نصدق في هذا غير قولك سبحانك. ثم يقول تعالى: { ~~ثم يتوفاكم.. } [النحل: 70]. أي: منه سبحانه كان المبدأ، وإليه ~~سبحانه يعود المرجع.. وما دام المبدأ من عنده والمرجع إليه، وحياتك بين ~~هذين القوسين فلا تتمرد على الله فيما بين القوسين لأنه لا يليق بك ذلك، ~~فأنت منه وإليه.. فلماذا التمرد؟ ربنا سبحانه وتعالى هنا يعطينا ~~دليلا على طلاقة قدرته سبحانه في أمر الموت، فالموت ليس له قاعدة، بل قد ~~يموت الجنين في بطن أمه، وقد يموت وهو طفل، وقد يموت شابا أو شيخا، وقد ~~يرد إلى أرذل العمر، أي: يعيش عمرا طويلا.. وماذا في أرذل ~~العمر؟! يرد الإنسان بعد القوة والشباب، بعد المهابة والمكان، بعد ~~أن كان يأمر وينهى ويسير على الأرض مختالا، يرد إلى الضعف في ~~كل شيء، حتى في أميز شيء في تكوينه، في فكره، فبعد العلم والحفظ ~~وقوة الذاكرة يعود كالطفل الصغير، لا يذكر شيئا ولا يقدر على شيء. # ذلك لتعلم أن المسألة ليست ذاتية فيك، بل موهوبة لك من خالقك سبحانه، ~~ولتعلم أنه سبحانه حينما يقضي علينا بالموت فهذا رحمة بنا وستر لنا من ~~الضعف والشيخوخة، قبل أن نحتاج لمن يساعدنا ويعيننا على أبسط أمور ~~الحياة ويأمر فينا من كنا نأمره. ومن هنا كان التوفي نعمة من نعم ~~الله ms5608 علينا، ولكي تتأكد من هذه الحقيقة انظر إلى من أمد الله في ~~أعمارهم حتى بلغوا ما سماه القرآن " أرذل العمر " وما يعانونه من ضعف وما ~~يعانيه ذووهم في خدمتهم حتى يتمنى له الوفاة أقرب الناس إليه. الوفاة إذن ~~نعمة، خاصة عند المؤمن الذي قدم صالحا يرجو جزاءه من الله، فتراه ~~مستبشرا بالموت لأنه عمر آخرته فهو يحب القدوم عليها، على عكس ~~المسرف على نفسه الذي لم يعد العدة لهذا اليوم، فتراه خائفا ~~جزعا لعلمه بما هو قادم عليه. وثم حرف للعطف يفيد الترتيب مع ~~التراخي.. أي: مرور وقت بين الحدثين.. فهو سبحانه خلقكم، ثم بعد وقت ~~وتراخ يحدث الحدث الثاني يتوفاكم. على خلاف حرف الفاء، فهو حرف عطف ~~يفيد الترتيب مع التعقيب أي: تتابع الحدثين، كما في قوله تعالى: # أماته فأقبره # [عبس: 21]. فبعد الموت يكون الإقبار دون تأخير. وقوله تعالى: { ومنكم ~~من يرد إلى أرذل العمر.. } [النحل: 70]. وأرذل العمر: ~~أردؤه وأقله وأخسه ذلك أن الله سبحانه وتعالى أخرج الإنسان من بطن أمه ~~لا يعلم شيئا، فقال: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة.. # [النحل: 78]. وهذه هي وسائل العلم في الإنسان، فإذا رد إلى أرذل ~~العمر فقدت هذه الحواس قدرتها، وضعف عملها، وعاد الإنسان كما بدأ لا ~~يعلم شيئا بعد ما أصابه من الخرف والهرم، فقد توقفت آلات المعرفة، ~~وبدأ الإنسان ينسى، وتضعف ذاكرته عن استرجاع ما كان يعلمه. وقوله: { ~~لكي لا يعلم بعد علم شيئا.. } [النحل: 70]. لذلك ~~يسمون هذه الحواس الوارث. وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: { إن ~~الله عليم قدير } [النحل: 70]. لأنه سبحانه بيده الخلق من ~~بدايته، وبيده سبحانه الوفاة والمرجع، وهذا يتطلب علما، كما قال ~~سبحانه: # ألا يعلم من خلق.. # [الملك: 14]. فلا بد من علم، لأن الذي يصنع صنعة لا بد أن ~~يعرف ما يصلحها وما يفسدها، وذلك يتطلب قدرة للإدراك، فالعلم وحده ~~لا يكفي. ثم يقول الحق سبحانه: { والله فضل... }. ### || [16.71] # لو نظرنا إلى الكون من حولنا لوجدنا أننا لا نتساوى إلا ms5609 في شيء واحد ~~فقط، هو أننا عبيد لله.. نحن سواسية في هذه فقط، وما دون ذلك فنحن ~~مختلفون فيه، تختلف ألواننا، تختلف أجسامنا.. صورنا.. مواهبنا.. أرزاقنا. ~~والعجيب أن هذا الاختلاف هو عين الاتفاق ذلك لأن الاختلاف قد ينشأ عنه ~~الاتفاق، والاتفاق قد ينشأ عنه الاختلاف. مثلا: إذا دخلت أنت وصديقك ~~أحد المطاعم وطلبتما دجاجة.. أنت بطبيعتك تحب صدر الدجاجة وصديقك يحب ~~جزءا آخر منها.. هذا خلاف.. فساعة أن يأتي الطعام تجد هذا الخلاف هو عين ~~الوفاق حيث تأخذ أنت ما تحب، وهو كذلك.. هذا خلاف أدى إلى وفاق.. فلو ~~فرضنا أن كلانا يحب الصدر مثلا.. هذا وفاق قد يؤدي إلى خلاف إذا ما حضر ~~الطعام وجلسنا: أينا يأخذ الصدر؟! فالحق سبحانه وتعالى خلقنا مختلفين ~~في أشياء، وأراد أن يكون هذا الاختلاف تكاملا فيما بيننا.. فكيف يكون ~~التكامل إذن؟ هل نتصور مثلا أن يوجد إنسان مجمعا للمواهب، بحيث إذا ~~أراد بناء بيت مثلا كان هو المهندس الذي يرسم، والبناء الذي يبني، ~~والعامل الذي يحمل، والنجار والحداد والسباك.. الخ. هل نتصور أن يكون ~~إنسان هكذا؟.. لا.. ولكن الخالق سبحانه نثر هذه المواهب بين الناس ~~نثرا لكي يظل كل منهم محتاجا إلى غيره فيما ليس عنده من مواهب، وبهذا ~~يتم التكامل في الكون. إذن: الخلاف بيننا هو عين الوفاق، وهو آية من ~~آياته سبحانه وحكمة أرادها الخالق جل وعلا، فقال: # ولا يزالون مختلفين # [هود: 118]. فقد خلقنا هكذا. وإلا فلو اتحدنا واتفقنا في المواهب، فهل ~~يعقل أن نكون جميعا فلاسفة، أطباء، علماء، فمن يبني؟ ومن يزرع؟ ~~ومن يصنع؟.. الخ. إذن: من رحمة الله أن جعلنا مختلفين متكاملين. فالحق ~~سبحانه يقول: { في الرزق.. } [النحل: 71]. ينظر الناس إلى الرزق من ~~ناحية واحدة، فهو عندهم المال، فهذا غني وهذا فقير.. والحقيقة أن الرزق ~~ليس المال فقط، بل كل شيء تنتفع به فهو رزقك.. فهذا رزقه عقله، ~~وهذا رزقه قوته العضلية.. هذا يفكر وهذا يعمل. إذن: يجب ألا ننظر إلى ~~الرزق على أنه لون واحد، بل ننظر إلى ms5610 كل ما خلق الله لخلقه من مواهب ~~مختلفة: صحة، قدرة، ذكاء، حلم، شجاعة.. كل هذا من الرزق الذي يحدث فيه ~~التفاضل بين الناس. والحق سبحانه وتعالى حينما تعرض لقضية الرزق جعل ~~التفاضل هنا مبهما، ولم تحدد الآية من الفاضل ومن المفضول، فكلمة ~~- بعض - مبهمة لنفهم منها أن كل بعض من الأبعاض فاضل في ناحية، ~~ومفضول في ناحية أخرى. # . فالقوي فاضل على الضعيف بقوته، وهو أيضا مفضول، فربما كان الضعيف ~~فاضلا بما لديه من علم أو حكمة.. وهكذا. إذن: فكل واحد من خلق الله ~~رزقه الله موهبة، هذه الموهبة لا تتكرر في الناس حتى يتكامل الخلق ~~ولا يتكررون.. وإذا وجدت موهبة في واحد وكانت مفقودة في الآخر فالمصلحة ~~تقتضي أن يرتبط الطرفان، لا ارتباط تفضل، وإنما ارتباط حاجة.. كيف؟ ~~القوي يعمل للضعيف الذي لا قوة له يعمل بها، فهو إذن فاضل في قوته، ~~والضعيف فاضل بما يعطيه للقوي من مال وأجر يحتاجه القوي ليقوت نفسه ~~وعياله، فلم يشأ الحق سبحانه أن يجعل الأمر تفضلا من أحدهما على ~~الآخر، وإنما جعله تبادلا مرتبطا بالحاجة التي يستبقي بها الإنسان ~~حياته. وهكذا يأتي هذا الأمر ضرورة، وليس تفضلا من أحد على أحد لأن ~~التفضل غير ملزم به - فليس كل واحد قادرا على أن يعطي دون مقابل، ~~أو يعمل دون أجر.. إنما الحاجة هي التي تحكم هذه القضية. إذن: ما الذي ~~ربط المجتمع؟ هي الحاجة لا التفضل، وما دام العالم سيرتبط بالحاجة، فكل ~~إنسان يرى نفسه فاضلا في ناحية لا يغتر بفاضليته، بل ينظر إلى فاضلية ~~الآخرين عليه وبذلك تندك سمة الكبرياء في الناس، فكل منهما يكمل ~~الآخر. وقد ضربنا لذلك مثلا بالباشا الغني صاحب العظمة والجاه.. والذي ~~قد تلجئه الظروف وتحوجه لعامل بسيط يصلح له عطلا في مرافق بيته، ~~وربما لم يجده أو وجده مشغولا، فيظل هذا الباشا العظيم نكدا مؤرقا ~~حتى يسعفه هذا العامل البسيط، ويقضي له ما يحتاج إليه. هكذا احتاج صاحب ~~الغنى والجاه إلى إنسان ليس له من مواهب الحياة إلا ms5611 أن يقضي مثل هذه ~~المهام البسيطة في المنزل.. وهو في نفس الوقت فاضل على الباشا في هذا ~~الشيء. فالجميع - إذن - في الكون سواسية، ليس فينا من بينه وبين الله ~~سبحانه نسب أو قرابة فيجامله.. كلنا عبيد لله، وقد نثر الله المواهب في ~~الناس جميعا ليتكاملوا فيما بينهم، وليظل كل منهم محتاجا إلى الآخر، ~~وبهذا يتم الترابط في المجتمع. وقد عرضت هذه القضية في آية أخرى في ~~قوله تعالى: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا # [الزخرف: 32]. البعض يفهم أن الفقير مسخر للغني، لكن الحقيقة أن كلا ~~منهما مسخر للآخر.. فالفقير مسخر للغني حينما يعمل له العمل، والغني ~~مسخر للفقير حينما يعطي له أجره.. ولذلك فالشاعر العربي يقول: # الناس للناس من بدو وحاضرة # بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم # ونضرب هنا مثلا بأخس الحرف في عرف الناس - وإن كانت الحرف كلها ~~شريفة، وليس فيها خسة طالما يقوت الإنسان منها نفسه وعياله من الحلال. # . فالخسة في العاطل الأخرق الذي يتقن عملا. هذا العامل البسيط ~~ماسح الأحذية ينظر إليه الناس على أنهم أفضل منه، وأنه أقل منهم، ولو ~~نظروا إلى علبة الورنيش التي يستخدمها لوجدوا كثيرين من العمال والعلماء ~~والمهندسين والأغنياء يعملون له هذه العلبة، وهو فاضل عليهم جميعا حينما ~~يشتري علبة الورنيش هذه.. لكن الناس لا ينظرون إلى تسخير كل هؤلاء لهذا ~~العامل البسيط. فقوله تعالى: # ليتخذ بعضهم بعضا سخريا.. # [الزخرف: 32]. من منا يسخر الآخر؟! كل منا مسخر للآخر، أنت ~~مسخر لي فيما تتقنه، وأنا مسخر لك فيما أتقنه.. هذه حكمة الله في ~~خلقه ليتم التوازن والتكامل بين أفراد المجتمع. وربنا سبحانه وتعالى ~~لم يجعل هذه المهن طبيعية فينا.. يعني هذا لكذا وهذا لكذا.. لا.. الذي ~~يرضى بقدر الله فيما يناسبه من عمل مهما كان حقيرا في نظر الناس، ثم ~~يتقن هذا العمل ويجتهد فيه ويبذل فيه وسعه يقول له الحق سبحانه: ما ~~دمت رضيت بقدري في هذا العمل ms5612 لأرفعنك به رفعة يتعجب لها ~~الخلق.. وفعلا تراهم ينظرون إلى أحدهم ويشيرون إليه: كان شيالا.. كان ~~أجيرا.. نعم كان.. لكنه رضي بما قسم الله وأتقن وأجاد، فعوضه الله ~~ورفعه وأعلى مكانته. ولذلك يقولون: من عمل بإخلاص في أي عمل عشر سنين ~~يسيده الله بقية عمره، ومن عمل بإخلاص عشرين سنة يسيد الله أبناءه، ~~ومن عمل ثلاثين سنة سيد الله أحفاده.. لا شيء يضيع عند الله سبحانه. ~~فليس فينا أعلى وأدنى، وإياك أن تظن أنك أعلى من الناس، نحن ~~سواسية، ولكن منا من يتقن عمله، ومنا من لا يتقن عمله ولذلك ~~قالوا: قيمة كل امرئ ما يحسنه. ولا تنظر إلى زاوية واحدة في الإنسان، ~~ولكن انظر إلى مجموع الزوايا، وسوف تجد أن الحق سبحانه عادل في تقسيم ~~المواهب على الناس. وقد ذكرنا أنك لو أجريت معادلة بين الناس لوجدت ~~مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان، بمعنى أنك لو أخذت مثلا: ~~الصحة والمال والأولاد والقوة والشجاعة وراحة البال والزوجة الصالحة ~~والجاه والمنزلة.. الخ لوجدت نصيب كل منا في نهاية المعادلة يساوي ~~نصيب الآخر، فأنت تزيد عني في القوة، وأنا أزيد عنك في العلم، وهكذا.. ~~لأننا جميعا عبيد لله، ليس منا من بينه وبين الله نسب أو قرابة. ~~وقوله تعالى: { فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ~~ما ملكت أيمانهم.. } [النحل: 71]. فما ملكت أيمانهم: هم ~~العبيد المماليك.. والمعنى: أننا لم نر أحدا منكم فضله الله بالرزق، ~~فأخذه ووزعه على عبيده ومماليكه، أبدا.. لم يحدث ذلك منكم. # . والله سبحانه لا يعيب عليهم هذا التصرف، ولا يطلب منهم أن يوزعوا ~~رزق الله على عبيدهم، ولكن في الآية إقامة للحجة عليهم، واستدلال على ~~سوء فعلهم مع الله سبحانه وتعالى. وكأن القرآن يقول لهم: إذا كان الله ~~قد فضل بعضكم في الرزق، فهل منكم من تطوع برزق الله له، ووزعه على ~~عبيده؟.. أبدا.. لم يحدث منكم هذا.. فكيف تأخذون حق الله في العبودية ~~والألوهية وحقه في الطاعة والعبادة والنذر والذبح، وتجعلونه للأصنام ~~والأوثان؟! فأنتم لم تفعلوا ذلك ms5613 فيما تملكون.. فكيف تسمحون لأنفسكم أن ~~تأخذوا حق الله، وتعطوه للأصنام والأوثان؟ ويقول تعالى في آية أخرى: # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ~~ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم.. # [الروم: 28]. أي: أنكم لم تفعلوا هذا مع أنفسكم، فكيف تفعلونه مع الله؟ ~~فهذه لقطة: أنكم تعاملون الله بغير ما تعاملون به أنفسكم: { فهم ~~فيه سوآء.. } [النحل: 71]. أي: أنكم سويتم بين الله سبحانه وبين ~~أصنامكم، وجعلتموهم شركاء له سبحانه وتعالى وتعبدونهم مع الله. والحق ~~سبحانه وإن رزقنا وفضلنا فقد حفظ لنا المال، وحفظ لنا الملكية، ولم ~~يأمرنا أن نعطي أموالنا للناس دون عمل وتبادل منافع، فإذا ما طلب منك أن ~~تعطي أخاك المحتاج فوق ما افترض عليك من زكاة يقول لك: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه ~~له.. # [البقرة: 245]. مع أن الحق سبحانه واهب الرزق والنعم، يطلب منك أن ~~تقرضه، وكأنه سبحانه يحترم عملك ومجهودك، ويحترم ملكيتك الخاصة التي ~~وهبها لك.. فيقول: أقرضني. لعلمه سبحانه بمكانة المال في النفوس، وحرص ~~المقرض على التأكد من إمكانية الأداء عند المقترض، فجعل القرض له سبحانه ~~لتثق أنت أيها المقرض أن الأداء مضمون من الله. ويختم الحق سبحانه الآية ~~بقوله: { أفبنعمة الله يجحدون } [النحل: 71]. أي: بعد أن ~~أنعم الله عليهم بالرزق، ولم يطلب منهم أن ينثروه على الغير، جحدوا هذه ~~النعمة، وأنكروا فضل الله، وجعلوا له شركاء من الأصنام والأوثان، ~~وأخذوا حق الله في العبودية والألوهية وأعطوه للأصنام والأوثان، ~~وهذا عين الجحود وإنكار الجميل. ثم يقول الحق سبحانه: { والله ~~جعل لكم من... }. ### || [16.72] # الحق سبحانه في الآية السابقة قنن لنا قضية القمة - قضية العقيدة - في ~~أننا لا نعطي شيئا جعله الله لنفسه سبحانه من العبودية والألوهية ~~والطاعة وغيرها، لا نعطيها لغيره سبحانه.. وإذا صحت هذه القضية ~~العقدية صحت كل قضايا الكون. ثم بين سبحانه أنه خلقنا من واحد، ثم ~~خلق من الواحد زوجة له، ليتم التناسل والتكاثر.. إذ إن استمرار بقائكم ~~خاضع لأمرين: الأمر الأول: استبقاء الحياة، وقد ضمنه سبحانه ms5614 بما أنعم به ~~علينا من الأرزاق، فنأكل ونشرب فنستبقي الحياة، فبعد أن تحدث عن ~~استبقاء الحياة بالرزق في الآية السابقة ذكر: الأمر الثاني: وهو استبقاء ~~الحياة ببقاء النوع، فقال سبحانه: { والله جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا.. } [النحل: 72]. والأزواج: جمع زوج، والزوج لا ~~يعني الرجل فقط، بل يعني الرجل والمرأة لأن كلمة زوج تطلق على واحد له ~~نظير من مثله، فكل واحد منهما زوج.. الرجل زوج، والمرأة زوج، فتطلق ~~- إذن - على مفرد، لكن له نظير من مثله. و { من أنفسكم.. } ~~[النحل: 72]. أي: من نفس واحدة، كما قال في آية أخرى: # خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها.. # [الزمر: 6]. يعني: أخذ قطعة من الزوج، وخلق منها الزوجة، كما خلق سبحانه ~~حواء من آدم - عليهما السلام. أو: # وخلق منها.. # [النساء: 1]. أي: من جنسها، كما قال تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم.. # [التوبة: 128]. أي: من جنسكم. فالمسألة تحتمل المعنيين.. من اتسع ظنه ~~إلى أن الله خلق حواء من ضلع آدم أي: منه، من بعضه فلا مانع، ومن قال: ~~خلق الله حواء كما خلق آدم خلقا مستقلا، ثم زاوج بينهما بالزواج ~~فلا مانع.. فالأول على معنى البعضية، والثاني على معنى من جنسكم. قلنا: ~~إن الجمع إذا قابل الجمع اقتضت القسمة آحادا.. كما لو قال المعلم ~~لتلاميذه: أخرجوا كتبكم، فهو يخاطب التلاميذ وهم جمع. وكتبهم جمع، فهل ~~سيخرج كل تلميذ كتب الآخرين؟!.. لا.. بل كل منهم سيخرج كتابه هو ~~فقط.. إذن: القسمة هنا تقتضي آحادا.. وكذلك المعنى في قوله تعالى: # خلق لكم من أنفسكم أزواجا.. # [الروم: 21]. أي: خلق لكل منكم زوجا. ولكي نتأكد من هذه الحقيقة، وأن ~~الخلق بدأ بآدم عليه السلام - نرد الأشياء إلى الماضي، وسوف نجد أن ~~كل متكاثر في المستقبل يتناقص في الماضي.. فمثلا سكان العالم اليوم ~~أكثر من العام الماضي.. وهكذا تتناقص الأعداد كلما أوغلنا في الماضي، إلى ~~أن نصل إلى إنسان واحد هو آدم عليه السلام - ومعه زوجه حواء، لأن أقل ~~التكاثر من اثنين. # إذن: قوله سبحانه: # خلقكم من نفس ms5615 واحدة وخلق منها زوجها.. # [النساء: 1]. كلام صحيح يؤيده الاستقراء والإحصاء. لذلك يمتن ربنا ~~سبحانه علينا أن خلق لنا أزواجا، ويمتن علينا أن جعل هذا الزوج من ~~أنفسنا، وليس من جنس آخر، لأن إلف الإنسان وأنسه لا يتم إلا بجنسه، ~~وهذه من أعظم نعم الله علينا، ولك أن تتصور الحال إذا جعل الله لنا ~~أزواجا من غير جنسنا!! كيف يكون؟! هذا الزوج اشترك معنا في أشياء، ~~واختلف عنا في شيء واحد، اتفقنا في أشياء: فالشكل واحد، والقالب واحد، ~~والعقل واحد، والأجزاء واحدة: عينان وأذنان.. يدان ورجلان.. الخ، وهذا ~~الاشتراك يعين على الارتقاء والمودة والأنس والألفة. واختلفنا في شيء ~~واحد هو النوع: فهذا ذكر، وهذه أنثى. إذن: جمعنا جنس، وفرقنا النوع ~~ليتم بذلك التكامل الذي أراده سبحانه لعمارة الأرض. وهناك احتمال أن ~~يتحول الذكر إلى أنثى أو الأنثى إلى ذكر، لذلك خلق الله الاحتياط لهذه ~~الظاهرة، كأن يكون للرجل ثدي صغير، أو غيره من الأعضاء القابلة ~~للتحويل، إذا ما دعت الحاجة لتغيير النوع.. فهذا تركيب حكيم وقدرة ~~عالية. إذن: { من أنفسكم.. } [النحل: 72]. ليزداد الإلف ~~والمحبة والأنس والمودة بينكم ولذلك نجد في قصة سيدنا سليمان عليه ~~السلام - والهدهد، حينما تفقد الطير وعرف غياب الهدهد قال: # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ~~ليأتيني بسلطان مبين # [النمل: 21]. وهذا سلطان الملك الذي أعطاه الله لسليمان.. قالوا في: # لأعذبنه عذابا شديدا.. # [النمل: 21]. أي: يضعه في غير جنسه.. إذن: وضعه في غير جنسه نوع من ~~العذاب.. وتكون من أنفسكم نعمة ورحمة من الله. وفي الآية الأخرى يذكر ~~سبحانه عناصر ثلاثة لاستبقاء العلاقة الزوجية، فيقول تعالى: # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ~~إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون # [الروم: 21]. ولو تأملنا هذه المراحل الثلاثة لوجدنا السكن بين الزوجين، ~~حيث يرتاح كل منهما إلى الآخر، ويطمئن له ويسعد به، ويجد لديه حاجته.. ~~فإذا ما اهتزت هذه الدرجة ونفر أحدهما من الآخر جاء دور المودة ~~والمحبة التي تمسك بزمام الحياة الزوجية وتوفر لكليهما ms5616 قدرا كافيا ~~من القبول. فإذا ما ضعف أحدهما عن القيام بواجبه نحو الآخر جاء دور ~~الرحمة، فيرحم كل منهما صاحبه.. يرحم ضعفه.. يرحم مرضه.. وبذلك تستمر ~~الحياة الزوجية، ولا تكون عرضة للعواصف في رحلة الحياة. فإذا ما ~~استنفدنا هذه المراحل، فلم يعد بينهما سكن ولا مودة، ولا حتى يرحم ~~أحدهما صاحبه فقد استحالت بينهما العشرة، وأصبح من الحكمة مفارقة ~~أحدهما للآخر. وهنا شرع الحق سبحانه الطلاق ليكون حلا لمثل هذه الحالات، ~~ومع ذلك جعله ربنا سبحانه أبغض الحلال، حتى لا نقدم عليه إلا مضطرين ~~مجبرين. # وقوله تعالى: { وجعل لكم من أزواجكم بنين ~~وحفدة.. } [النحل: 72]. البنون هم الحلقة الأولى لاستبقاء الحياة، ~~والحفدة وهم ولد الولد، هم الحلقة الثانية لاستبقاء الحياة ذلك لأن ~~الإنسان بطبعه يحب الحياة ويكره الموت، وهو يراه كل يوم يحصد النفوس من ~~حوله.. فإيمانه بالموت مسألة محققة، فإذا ما تيقن أن الحياة تفوته في ~~نفسه أراد أن يستبقيها في ولده.. ومن هنا جاء حب الكثيرين منا، ~~للذكور الذين يمثلون امتدادا للآباء. فإذا ما رزقه الله الأبناء، ~~وضمن له الجيل الأول تطلع إلى أن يرى أبناء الأبناء ليستبقي الحياة له ~~ولولده من بعده ولذلك فالشاعر الذي يخاطب ابنه يقول له: # أبني.. يا أنا بعدما أقضي # وهذه هي نظرة الناس إلى الأولاد، أنهم ذكر لهم بعد موتهم.. وكأن اسمه ~~موصول لا ينتهي. ويقول الله تبارك وتعالى: { بنين وحفدة.. } ~~[النحل: 72]. تدلنا على ضرورة الحرص على اندماج الأجيال.. زوجين، ثم ~~أبناء وحفدة.. فما فائدة اندماج الأجيال؟ ما فائدة المعاصرة والمخالطة ~~بين الجد وحفيده؟ نلاحظ أن الوليد الصغير يبدأ عنده الإدراك بمجرد أن ~~تعمل وسائل الإدراك عنده، فيبدأ يلتقط ممن حوله ويتعلم منهم.. ~~فإذا كان له أخوة أكبر منه تعلم منهم مثلا بابا.. ماما.. فإذا لم يكن ~~له إخوة نعلمه نحن هذه الكلمات. ولذلك نرى الطفل الثاني أذكى من الأول، ~~والثالث أذكى من الثاني.. وهكذا لأنه يأخذ ممن قبله وممن حوله، ~~فيزداد بذلك إدراكه، وتزداد خبراته ومعلوماته. ولنتصور أن هذا الابن أصبح ~~أبا، ms5617 وجاء الحفيد الذي يعاصر الجيلين جيل الأب وجيل الجد، يشب الصغير ~~في أحضانهما، فتراه يأخذ من أبيه نشاطه في حركة الحياة وسعيه للرزق. في ~~حين أنه يأخذ من جده القيم الدينية حيث الجد في البيت باستمرار بعد أن ~~تقدم به العمر فأقبل على الطاعة والعبادة.. فيسمع منه الصغير قراءة ~~القرآن.. متى يؤذن للظهر.. يا ولد هات المصحف.. يا ولد هات السجادة ~~لأصلي، إلى غير هذه من الكلمات التي يأخذ منها الصغير هذه القيم. إذن: ~~الحفيد يلتقط لونا من النشاط والحركة في جيل أبيه، ويلتقط لونا من ~~القيم في جيل جده ولذلك فإن ابتعاد الأجيال يسبب نقصا في تكوين ~~الأطفال، والحق سبحانه يريد أن تلتحم الأجيال لتكتمل للطفل عناصر ~~التربية بين القيم المعنوية والحركة والنشاط. وقوله تعالى: { ورزقكم ~~من الطيبات.. } [النحل: 72]. الطيبات في الرزق الذي جعله الله ~~لاستبقاء الحياة، وفي الزواج الذي جعله الله لاستبقاء النوع. ثم يقول ~~تعالى: { أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم ~~يكفرون } [النحل: 72]. الباطل: هو الأصنام التي اتخذوها من دون ~~الله. وفي الآية استفهام للتعجب والإنكار.. كيف تكفرون بنعمة الله وقد ~~خلقكم في البدء من نفس واحدة، وخلق منها زوجها. # . وجعل لكم من أنفسكم أزواجا.. وجعل بينكم سكنا ومودة ورحمة، ثم جعل ~~لكم البنين والحفدة، ورزقكم من نعم الحياة ما يستبقي حياتكم، ومن نعم ~~الأزواج ما يستبقي نوعكم، وجعلكم في نعمة ورفاهية.. خلقكم من عدم، ~~وأمدكم من عدم. أبعد ذلك كله تجحدون نعمته وتكفرونها، وبدل أن ~~تقبلوا عليه وتلتفتوا إليه تنصرفون إلى عبادة الأصنام التي لا تضر ~~ولا تنفع.. وهل عملت لكم الأصنام شيئا من ذلك؟! هل أنعمت عليكم بنعمة ~~من هذه النعم؟! هذه الأصنام محتاجة إليكم.. تأخذ منكم ولا تعطيكم.. فهذا ~~مائل يريد من يقيمه.. وهذا كسر يحتاج لمن يصلحه.. انقل الإله.. ضع ~~الإله في مكان كذا.. الخ. ولذلك يقول تعالى في الآية بعدها: { ~~ويعبدون من دون... }. ### || [16.73] # والعبادة أن يطيع العابد معبوده، وهذه الطاعة تقتضي تنفيذ الأمر واجتناب ~~النهي.. فهل العبادة تنفيذ الأمر واجتناب النهي فقط؟ ms5618 نقول: لا بل كل حركة ~~في الحياة تعين على عبادة فهي عبادة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو ~~واجب، ولتوضيح هذه القضية نضرب هذا المثل: إذا أردت أن تؤدي فرض الله ~~في الصلاة مثلا، فأنت تحتاج إلى قوة لتؤدي هذه الفريضة، ولن تجد هذه ~~القوة إلا بالطعام والشراب، ولنأخذ أبسط ما يمكن تصوره من الطعام.. رغيف ~~العيش.. فانظر كم يد شاركت فيه منذ كان حبة قمح تلقى في الأرض إلى ~~أن أصبح رغيفا شهيا. إن هؤلاء جميعا الذين أداروا دولاب هذه العملية ~~يؤدون حركة إيجابية في الحياة هي في حد ذاتها عبادة لأنها أعانتك ~~على عبادة. أيضا إذا أردت أن تصلي، فواجب عليك أن تستر عورتك.. انظر ~~إلى هذا القماش الذي لا تتم الصلاة إلا به.. كل من أسهم في زراعته ~~وصناعته حتى وصل إليك.. جميعهم يؤدون عبادة بحركتهم في صناعة هذا القماش. ~~إذن: كل شيء يعينك على عبادة الله فهو عبادة، وكل حركة في الكون تؤدي ~~إلى شيء من هذا فهي عبادة. والحق سبحانه وتعالى حينما استدعى المؤمنين ~~لصلاة الجمعة، قال سبحانه: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع.. # [الجمعة: 9]. لم يأخذهم من فراغ، بل من عمل، ولكن لماذا قال سبحانه: ~~وذروا البيع.. لماذا البيع بالذات؟ قالوا: لأن البيع هو غاية كل ~~حركات الحياة، فهو واسطة بين منتج ومستهلك.. ولم يقل القرآن: اتركوا ~~المصانع أو الحقول، لأن هناك أشياء لا تأتي ثمرتها في ساعتها.. فمن ~~يزرع ينتظر شهورا ليحصد ما زرع، والصانع ينتظر إلى أن يبيع صناعته.. ~~لكن البيع صفقة حاضرة، فهي محل الاهتمام.. وكذلك لم يقل: ذروا ~~الشراء، قالوا: لأن البائع يحب أن يبيع، ولكن المشتري قد يشتري وهو ~~كاره.. فأتى القرآن بأدق شيء يمكن أن يربطك بالزمن، وهو البيع. فإذا ما ~~انقضت الصلاة أمرنا بالعودة إلى العمل والسعي في مناكب الأرض: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله.. # [الجمعة: 10]. فقوله تعالى: { ويعبدون من دون الله.. ms5619 } ~~[النحل: 73]. أراد الحق سبحانه أن يتكلم عن الجهة التي يؤثرونها على ~~الله.. وهي الأصنام.. فالله سبحانه الذي خلقهم ورزقهم من الطيبات، وجعل ~~لهم من أنفسهم أزواجا، وجعل لهم بنين وحفدة.. كان يجب أن يعبدوه لنعمته ~~وفضله.. فالذي لا يعبد الله لذاته سبحانه يعبده لنعمه وحاجته إليه. # . فعندنا عبادة للذات لأنه سبحانه يستحق العبادة لذاته، وعبادة لصفات ~~الذات في معطياتها، فمن لم يعبده لذاته عبده لنعمته. وطالما أن العبادة ~~تقتضي تنفيذ الأوامر واجتناب النواهي.. فكيف تكون العبادة إذن في حق هذه ~~الأصنام التي اتخذوها؟! كيف تعبدونها وهي لم تأمركم بشيء ولم تنهكم عن ~~شيء؟!. وهذا أول نقد لعبادة غير الله من شمس أو قمر أو صنم أو شجر. ~~وكذلك.. ماذا تعطي الأصنام أو غيرها من معبوداتكم لمن عبدها، وماذا ~~أعدت لهم من ثواب؟! وبماذا تعاقب من كفر بها؟.. إذن: فهو إله بلا ~~منهج. والتدين غريزة في النفس يلجأ إليها الإنسان في وقت ضعفه وحاجته.. ~~والله سبحانه هو الذي يحب أن نلجأ إليه وندعو ونطلب منه قضاء الحاجات.. ~~وله منهج يقتضي مطلوبات تدك السيادة والطغيان في النفوس ويقتضي تكليفات ~~شاقة على النفس. إذن: لجأ الكفار إلى عبادة الأصنام والأوثان لأنها آلهة ~~بلا تكليف، ومعبودات بلا مطلوبات. ما أسهل أن يتمحك إنسان في إله ويقول: ~~أنا أعبده دون أن يأمر بشيء أو ينهى عن شيء! ما أسهل أن يرضي في نفسه ~~غريزة التدين بعبادة مثل هذا الإله. لكن يجب ألا تنسوا أن هذا الإله ~~الذي ليس له تكليف لن تستطيعوا أن تطلبوا منه شيئا، أو تلجأوا إليه في ~~شدة.. فهذا غير معقول فكما أنهم لا يطلبون منكم شيئا، كذلك لا يملكون ~~لكم نفعا ولا ضرا. لذلك وجدنا الذين يدعون النبوة.. هؤلاء ~~الكذابون ييسرون على الناس سبل العبادة، ويبيحون لهم ما حرمه ~~الدين مثل اختلاط الرجال والنساء وغيره ذلك لاستقطاب أكبر عدد ممكن من ~~الأتباع. فجاء مسيلمة الكذاب وأراد أن يسهل على الناس التكليف فقال ~~بإسقاط الصلاة، وجاء الآخر فقال بإسقاط الزكاة.. وقد جذب ms5620 هذا التسهيل ~~كثيرا من المغفلين الذين يضيقون بالتكليف، ويميلون لدين سهل يناسب ~~هممهم الدنية. وهكذا وجدنا لهؤلاء الكذابين أنصارا يؤيدونهم ~~ويناصرونهم.. ولكن سرعان ما تتكشف الحقائق، ويقف هؤلاء المخدوعون على ~~حقيقة أنبيائهم. وقوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لا ~~يملك لهم رزقا.. } [النحل: 73]. نلاحظ في هذه الآية نوعا من ~~الارتقاء في الاستدلال على بطلان عبادة الأصنام ذلك لأن الحق تبارك ~~وتعالى قال عنهم في آية أخرى: # لا يخلقون شيئا وهم يخلقون # [النحل: 20]. فنفى عنهم القدرة على الخلق، بل إنهم هم المخلوقون.. ~~يذهب الواحد منهم فيعجبه حجر، فيأخذه ويعمل فيه معوله حتى يصوره ~~على صورة ما، ثم يتخذه إلها يعبده من دون الله. فلما نفى عنهم القدرة ~~على الخلق أراد هنا أن يترقى في الاستدلال، فنفى عنهم مجرد أن ~~يملكوا، فقد يملك الواحد ما لا يخلقه، فتقرر الآية هنا أنهم لا يملكون. # . مجرد الملك. وقوله تعالى: { من السماوات والأرض شيئا.. ~~} [النحل: 73]. فالرزق من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات، ومن ~~المصدرين يأتي رزق الله، وبذلك يضمن لنا الحق تبارك وتعالى مقومات ~~الحياة وضرورياتها من ماء السماء ونبات الأرض. فإن أردتم ترف الحياة ~~فاجتهدوا فيما أعطاكم الله من مقومات الحياة لتصلوا إلى هذا الترف. ~~فالرزق الحقيقي المباشر ما أنزله الله لنا من مطر السماء فأنبت لنا نبات ~~الأرض. ونوضح ذلك فنقول: هب أن عندك جبلا من ذهب، أو جبلا من فضة، ~~وقد عضك الجوع في يوم من الأيام.. هل تستطيع أن تأكل من الذهب أو ~~الفضة؟ إنك الآن في حاجة لرغيف عيش، لا لجبل من ذهب أو فضة.. رغيف العيش ~~الذي يحفظ لك حياتك في هذا الموقف أفضل من هذا كله. وهذا هو الرزق ~~المباشر الذي رزقه الله لعباده، أما المال فهو رزق غير مباشر، لا ~~تستطيع أن تأكل منه أو تعيش عليه. وكلمة: شيئا أي: أقل ما يقال له ~~شيء، فالأصنام والأوثان لا تملك لهم رزقا مهما قل لأنه قد يقول قائل: ~~لا يملكون رزقا يكفيهم.. لا.. بل لا يملكون شيئا. ms5621 ثم يعطينا الحق ~~سبحانه لمحة أخرى في قوله تعالى: { ولا يستطيعون } [النحل: 73]. ~~أي: لا يملكون لهم رزقا في الحاضر، ولن يملكوا في المستقبل، وهذا يقطع ~~الأمل عندهم، فهم لا يملكون اليوم، ولن يملكوا غدا ذلك لأن هناك أشياء ~~ينقطع الحكم فيها وقتا.. وأشياء معلقة يمكن أن تستأنف فيما بعد، ~~فهذه الكلمة: { ولا يستطيعون } [النحل: 73]. حكم قاطع لا ~~استئناف له فيما بعد. ولذلك نجد هؤلاء الذين يحبون أن يجدوا في ~~القرآن مأخذا يجادلون في قوله تعالى: # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم ~~* ولا أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 1-5]. فهؤلاء يرون في السورة تكرارا يتنافى وبلاغة القرآن ~~الكريم.. نقول: ليس في السورة تكرار لو تأملتم.. ففي السورة قطع ~~علاقات على سبيل التأبيد والاستمرار، فالحق سبحانه يقول: # لكم دينكم ولي دين # [الكافرون: 6]. في الحاضر، وفي المستقبل، وإلى يوم القيامة. فقوله: # لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 2-3]. هذا قطع علاقات في الوقت الحاضر.. ولكن من ~~يدرينا لعلنا نستأنف علاقات أخرى فيما بعد.. فجاء قوله تعالى: # ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ ~~أعبد # [الكافرون: 4-5]. لا للتكرار، ولكن لقطع الأمل في إعادة العلاقات في ~~المستقبل، فالقضية - إذن - منتهية من الآن على سبيل القطع. كذلك المعنى ~~في قوله تعالى: { ولا يستطيعون } [النحل: 73]. أي: لا يستطيعون ~~الآن، ولا في المستقبل. ثم يقول الحق سبحانه: { فلا تضربوا ~~لله... }. ### || [16.74] # الأمثال: جمع مثل، وهو الند والنظير. وفي الآية نهي عن أن نشبه ~~الله سبحانه بشيء آخر لأن الحق تبارك وتعالى واحد في ذاته، واحد في ~~صفاته، واحد في أفعاله.. إياك أن تقول عن ذات: إنها تشبه ذاته سبحانه، أو ~~صفات تشبه صفاته سبحانه، فإن وجدت صفة لله تعالى يوجد مثلها في البشر ~~فاعلم أنها على مقياس. # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. فالحق سبحانه ينهانا أن نضرب له الأمثال، إنما هو سبحانه ~~يضرب الأمثال لأنه حكيم يضرب المثل في محله ليوضح ms5622 القضية الغامضة ~~بالقضية المشاهدة ولذلك يقول تعالى: # ولله المثل الأعلى.. # [النحل: 60]. أي: الصفة العليا في كل شيء، فإذا وجدت صفات مشتركة بينكم ~~وبين الحق سبحانه فنزه الله عن الشبيه والنظير والند والمثيل وقل: ~~ليس كمثله شيء. فأنت موجود والله موجود، ولكن وجودك مسبوق بعدم ويلحقه ~~العدم، ووجوده سبحانه لا يسبقه عدم ولا يلحقه العدم. وقد ضرب الله لنا ~~مثلا لنفسه سبحانه ليوضح لنا تنويره سبحانه للكون، وليس مثلا ~~لنوره كما نظن.. بل هو مثل لتنويره لا لنوره. يقول تعالى في سورة ~~النور: # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها ~~كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من ~~يشآء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل ~~شيء عليم # [النور: 35]. نور السموات والأرض لأنه بالنور تكون الهداية حسية أو ~~معنوية.. فالنور الحسي مثل نور الشمس والقمر وغيرهما من مصادر ~~الضوء.. هذا النور الحسي هو الذي يبين لك الأشياء لتسير في الكون على ~~بصيرة وهدى.. فلو حاولت السير ليلا دون ضوء يهديك فسوف تصطدم ~~بالأشياء من حولك: إما أقوى منك يحطمك ويؤذيك، وإما تكون أنت أقوى منه ~~فتحطمه أنت.. فالذي يهدي خطاك هو النور الحسي. وقد يكون النور ~~معنويا، وهو نور القيم والأخلاق، وهذا النور يجعلك أيضا تسير في ~~الحياة على بصيرة وهدى، ويحميك من التخبط في مجاهل الأفكار والنظريات، ~~هذا هو النور القيمي الذي أنزله الله لنا في كتابه الكريم، وقال عنه: # قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جآءكم من ~~الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى ~~النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم # [المائدة: 15-16]. فهو نور لكن معنوي.. بالقيم والأخلاق والفضائل.. ولا ~~تقل في هذا المثل: إنه مثل لنور الله.. بل مثل لسلطان تنويره ~~للكون، ولو تأملنا بقية الآية لأدركنا ms5623 ذلك. # مثل نوره كمشكاة.. # [النور: 35]. البعض يقولون: المشكاة هي المصباح.. لا.. المشكاة هي ~~الكوة أو الطاقة المسدودة في الجدار يعرفها أهل الريف في بناياتهم ~~القديمة، وهي تجويف غير نافذ في الجدار يوضع فيه المصباح. # المصباح في زجاجة.. # [النور: 35]. أي: ليس مصباحا عاديا بل في زجاجة، وهي تحمي ضوء ~~المصباح أن يبعثره الهواء من كل ناحية، وفي نفس الوقت تسمح له بالقدر ~~الكافي من الهواء لاستمرار الاشتعال، وبذلك يكون الضوء ثابتا صافيا لا ~~يصدر عنه دخان يعكر صفو الزجاجة. وأهل الريف يعرفون شعلة الجاز ~~التي ليس لها زجاجة، وما يصدر عنها من دخان أسود ضار.. إذن: المصباح ~~هنا في غاية الصفاء والقوة لأن الزجاجة أيضا ليست زجاجة عادية، بل ~~زجاجة كأنها كوكب دري، وكونها كالكوكب الدري يعني أنها تضيء ~~بنفسها. # الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة ~~مباركة.. # [النور: 35]. هذا المصباح يوقد بزيت ليس عاديا، بل هو زيت من زيتونه.. ~~شجرة زيتون معتدلة المناخ. # لا شرقية ولا غربية.. # [النور: 35]. هذا الزيت وصل من الصفاء والنقاء أنه يضيء، ولو لم تمسسه ~~نار ولذلك أعطانا منتهى القوة: # يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.. # [النور: 35]. ولذلك قال تعالى في وصف هذا المصباح: # نور على نور.. # [النور: 35]. وبعد أن وقفت على أوصاف هذا المصباح، وأنه يوضع في ~~كوة صغيرة، بالله عليك هل يمكن وجود نقطة مظلمة في هذه الكوة؟ إذن: ~~فهذا مثل ليس لنوره سبحانه.. فنوره لا يدرك، وإنما هو مثل ~~لتنويره للكون، الذي هو كالكوة والطاقة في هذا المثل.. فمعنى قوله ~~تعالى: # الله نور السماوات والأرض.. # [النور: 35]. أي: منورهما، فكما أنه لا يعقل وجود نقطة مظلمة في هذه ~~الكوة، فكذلك نوره سبحانه وتنويره للكون.. وهذا هو النور الحسي الذي ~~أمد الله به الكون. ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن النور المعنوي الذي ~~ينزل على عباد الله الصالحين تجليات نورانية، وفيوضات ربانية ~~نتلقاها في بيوت الله: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال.. # [النور: 36-37]. وهكذا ms5624 نجمع بين النور الحسي والنور المعنوي صلى الله ~~عليه وسلم. ولذلك، فأبو تمام حينما أراد أن يمدح الخليفة شبهه بمشاهير ~~العرب في الشجاعة والكرم والحلم والذكاء، فقال: # إقدام عمرو في سماحة حاتم # في حلم أحنف في ذكاء إياس # فاعترض على هذا التشبيه أحد حساد أبي تمام، وقال له: كيف تشبه ~~الخليفة بأجلاف العرب؟ ففي جيشه ألف واحد كعمرو، ومن خزنته ألف واحد ~~كحاتم.. ولكي يخرج أبو تمام من هذا المأزق، ويفلت من هذا الفخ الذي ~~نصبه له حاسده، قال على البديهة: # لا تنكروا ضربي له من دونه # مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة والنبراس # والحق سبحانه وتعالى وإن نهانا نحن أن نضرب له مثلا لقلة علمنا، ~~فهو سبحانه القادر على ضرب الأمثال حتى بأقل المخلوقات، وأتفهها في ~~نظرنا.. فيقول تعالى: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها.. # [البقرة: 26]. فلا تستقل أمر هذه البعوضة، ولا تستحقر أن يجعلها الله ~~مثلا لأنه سبحانه لا يستحي أن يضرب بها المثل لأن في هذه البعوضة كل ~~أجهزة تكوين الحياة التي فيك، وفي أضخم الحيوانات مثل الفيل والجمل ولأن ~~هذه البعوضة التي تستحقرها قد تكون أقوى منك، قد تعجزك أنت على قوتك ~~وحيلتك وجبروتك. يقول تعالى: # وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ~~ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73]. بالله عليك، هل تستطيع على قوتك وإمكاناتك أن تسترد من ~~الذبابة ما أخذته من طعامك؟ هل تقدر على هذه العملية؟ إذن: حينما يضرب ~~الله لك مثلا يجب أن تحترم ضرب الله للمثل، وأن تبحث فيما وراء ~~المثل من الحكمة.. وأنه سبحانه جاء بهذا المثل لهذا المخلوق الحقير في ~~نظرك ليوضح لك قضية غامضة ينبهك إليها. ولأهمية ضرب المثل في ~~توضيح الغامض يلجأ إليه الشعراء ليقربوا المعنى من الأفهام، فقد يقف ~~الشاعر أمام قضية معقدة لا يدركها إلا العقلاء، ويريد الشاعر الوصول بها ~~إلى أفهام العامة.. مثل قضية الحاسد الذي يظهر بحسده مزايا محسوده ~~ومكارمه، فقد يتهم البريء ms5625 بتهمة ظلما، فتكون سببا في رفعته بين قومه. ~~أخذ الشاعر العربي هذا المعنى، وصاغه شعرا، وضرب له مثلا توضيحيا، ~~فقال: # وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت # أتاح لها لسان حسود # لولا اشتعال النار فيما جاورت # ما كان يعرف طيب عرف العود # فانظر كيف وصل بالقضية المعنوية إلى قضية عامة يعرفها الرجل العادي، فقد ~~يكون لديك فضيلة مكتومة مغمورة لا يعرفها أحد، حتى تتعرض لحاسد يتهمك ~~ويشوه صورتك، فإذا بالحقيقة تتكشف للجميع ويظهر ما عندك من مواهب، ~~وما لديك من فضائل.. وما أشبه ذلك بالعود طيب الرائحة الذي لا نشم ~~رائحته إلا إذا حرقناه. وقد كان سبب هذا المثل الشعري أن أحد أهل ~~الخير كان يتردد من حين لآخر على أحد بيوت البلدة وبها عجوز مقعدة في ~~حاجة إلى مساعدة، فكان يساعدها بما يستطيع، وكان بجوارها منزل إحدى ~~الجميلات التي قد تكون مطمعا.. فاستغل أحد الحساد هذه الجيرة، واتهم ~~الرجل الصالح بأنه يذهب إلى هذه الحسناء.. وفعلا تتبعه الناس، فإذا به ~~يذهب لبيت العجوز المقعدة.. ومن هنا عرف الناس عنه فضيلة لم يكن يعرفها ~~أحد. وقد رأينا على مر التاريخ من اتهموا ظلما، وقيل في حقهم ما ~~يندى له الجبين.. ثم أنصفهم القضاء العادل، وأظهر أنهم أبطال يستحقون ~~التكريم، ولولا ما تعرضوا له من اتهام ما عرفنا مزاياهم ومكارمهم. وقوله ~~تعالى: { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } [النحل: ~~74]. وهذه علة النهي عن ضرب الأمثال لأننا لا نعلم، أما الحق سبحانه ~~وتعالى فيضرب لنا الأمثال لأنه سبحانه يعلم، ويأتي بالمثل في محله. ~~وبعد أن هيأنا ربنا سبحانه لتلقي الأمثال، وأعد أذهاننا لاستقبال ~~الأمثال منه سبحانه.. أتى بهذا المثل. فيقول الحق سبحانه: { ضرب ~~الله مثلا... }. ### || [16.75] # الحق سبحانه وتعالى يضرب لنا مثلا له طرفان: الطرف الأول: عبد: أي ~~مولى، وصفه بأنه مملوك التصرف، وأنه لا يقدر على شيء من العمل ذلك لأن ~~العبد قد يكون عبدا ولكنه يعمل، كمن تسمح له بالعمل في التجارة ~~مثلا وهو عبد، وهناك العبد المكاتب الذي يتفق مع ms5626 سيده على مال يؤديه ~~إليه لينال حريته، فيتركه سيده يعمل بحريته حتى يجمع المال المتفق ~~عليه.. فهذا عبد، ومملوك، ولا يقدر على شيء من السعي والعمل. والطرف ~~الثاني: سيد حر، رزقه الله وأعطاه رزقا حسنا أي: حلالا طيبا.. ~~ثم وفقه الله للإنفاق منه بشتى أنواع الإنفاق: سرا وجهرا.. وهذه ~~منزلة عالية: رزق من الله وصفه بأنه حلال طيب لا شبهة فيه، بعد ذلك ~~وفقه الله للإنفاق منه.. كل حسب ما يناسبه، فمن الإنفاق ما يناسبه ~~السر، ومنه ما يناسبه الجهر: # إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم # [البقرة: 271]. هذان هما طرفا المثل المضروب لنا.. ويترك لنا ~~السياق القرآني الحكم بينهما.. وكأن الحق سبحانه يقول: أنا أرتضي حكمكم ~~أنتم: هل يستوون؟ والحق سبحانه لا يترك لنا الجواب، إلا إذا كان الجواب ~~سيأتي على وفق ما يريد.. ولا جواب يعقل لهذا السؤال إلا أن نقول: لا ~~يستوون.. وكأن الحق سبحانه جعلنا ننطق نحن بهذا الحكم. وقد ضرب الله هذا ~~المثل لعبدة الأصنام، الذين أكلوا رزق الله وعبدوا غيره، فمثل الحق ~~سبحانه الأصنام بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء. وضرب المثل الآخر ~~للسيد الذي رزقه الله رزقا حسنا، فهو ينفق منه سرا وجهرا، ألم ~~تر إلى قوله تعالى في آية أخرى: # وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة # [لقمان: 20]. ليبين لهم خطأهم في الانصراف عن عبادة الله مع ما أعطاهم ~~من رزق إلى عبادة الأصنام التي لا تعطيهم شيئا. ومن هنا تتضح الحكمة في ~~أن الله تعالى ترك الحكم بنفسه في هذا المثل، وأتى به على صورة سؤال ~~ليأخذ الحكم من أفواههم ويشهدوا هم على أنفسهم ليقطع عليهم سبيل الإنكار ~~والجدال. ولنا هنا وقفة مع قوله تعالى: { هل يستوون.. } [النحل: ~~75]. فالحديث عن مثنى، وكان القياس أن يقول: هل يستويان، فلماذا عدل عن ~~المثنى إلى الجمع؟ نقول: لأن المثل وإن ضرب بمفرد مقابل مفرد إلا أنه ~~ينطبق على عديدين.. مفرد شائع في عديد مملوكين، وفي عديد من السادة أصحاب ~~الرزق ms5627 الحسن، ذلك ليعمم ضرب المثل. إذن: ليس في اختلاف الضمير هنا ~~ما يتعارض وبلاغة القرآن الكريم، بل هي دقة أداء لأن المتكلم هو الحق ~~سبحانه وتعالى. وكذلك في قوله تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما.. # [الحجرات: 9]. بعضهم يرى في الآية مأخذا، حيث تتحدث عن المثنى، ثم ~~بضمير الجمع في اقتتلوا، ثم تعود للمثنى في بينهما. نقول ~~لهؤلاء: لو تدبرتم المعنى لعرفتم أن ما تتخذونه مأخذا، وتعتبرونه ~~اختلافا في الأسلوب هو منتهى الدقة في التعبير القرآني.. ذلك أن الحديث ~~عن طائفتين: مثنى.. نعم.. فلو تقاتلا، هل ستمسك كل طائفة سيفا ~~لتقاتل الأخرى؟ لا.. بل سيمسك كل جندي منها سيفا.. فالقتال هناك ~~بالمجموع.. مجموع كل طائفة لمجموع الطائفة الأخرى، فناسب أن يقول: ~~اقتتلوا لأن القتال حركة ذاتية من كل فرد في الطائفتين. فإذا ما جاء ~~وقت الصلح، هل نصالح كل جندي من هذه على كل جندي من هذه؟ لا.. بل ~~الصلح شأن السادة والزعماء والقادة لكل طائفة، ففي الصلح نعود ~~للمثنى، حيث ينوب هؤلاء عن طائفة، وهؤلاء عن طائفة، ويتم الصلح ~~بينهما. إذن: اختلاف الضمير هنا آية من آيات الإعجاز البياني لأن المتكلم ~~هو الحق سبحانه وتعالى. وقوله: { الحمد لله.. } [النحل: 75]. كأن ~~الحق سبحانه يقول: الحمد لله أن وافق حكمكم ما أريد، فقد نطقتم أنتم ~~وحكمتم. { بل أكثرهم لا يعلمون } [النحل: 75]. قوله: ~~أكثرهم لا يعلمون يدل على أن الأقلية تعلم، وهذا ما يسمونه " صيانة ~~الاحتمال " لأنه لما نزل القرآن الكريم كان هناك جماعة من الكفار ومن ~~أهل الكتاب يفكرون في الإيمان واعتناق هذا الدين، فلو نفى القرآن العلم ~~عن الجميع فسوف يصدم هؤلاء، وربما صرفهم عما يفكرون فيه من أمر ~~الإيمان، فالقرآن يصون الاحتمال في أن أناسا منهم عندهم علم، ~~ويرغبون في الإيمان. ثم يقول الحق سبحانه: { وضرب الله مثلا... ~~}. ### || [16.76] # وهذا مثل آخر لرجلين أحدهما أبكم، والأبكم هو الذي لا يتكلم.. ولا ~~بد أن يسبق البكم صمم لأن الكلام وليد السمع، فإذا أخذنا طفلا ~~عربيا وربيناه في بيئة إنجليزية ms5628 نجده يتكلم الإنجليزية، والعكس صحيح ~~ذلك لأن الكلام ليس جنسا أو دما أو لحما، بل هو وليد البيئة، وما ~~تسمعه الأذن ينطق به اللسان.. فإذا لم يسمع شيئا فكيف يتكلم؟ لذلك، ~~فربنا سبحانه تعالى يقول عن الكفار: # صم بكم.. # [البقرة: 18]. هذا الأبكم لا يقدر على شيء من العمل والنفع لك، يقول ~~تعالى: { وهو كل على مولاه.. } [النحل: 76]. أي: عالة على ~~سيده، لا ينفع حتى نفسه، ومع ذلك قد يكون عنده حكمة يقضي بها شيئا ~~لسيده، حتى هذه ليست عنده. { أينما يوجهه لا يأت ~~بخير.. } [النحل: 76]. إذن: لا خير فيه، ولا منفعة ألبتة، لا له ~~ولا لغيره، هذه صفات الرجل الأول. فماذا عن مقابله؟ { هل يستوي ~~هو ومن يأمر بالعدل.. } [النحل: 76]. وهذه أول صفات الرجل ~~الآخر، أنه يأمر بالعدل، وصفة الأمر بالعدل تقتضي أنه سمح منهجا، ~~ووعته أذنه، وانطلق به لسانه آمرا بالعدل، وهذه الصفة تقابل: الأبكم ~~الذي لا يقدر على شيء. { وهو على صراط مستقيم } [النحل: ~~76]. أي: أنه يذهب إلى الهدف مباشرة، ومن أقصر الطرق، وهذه تقابل: أينما ~~يوجهه لا يأت بخير. والسؤال هنا أيضا: هل يستويان؟ والإجابة التي ~~يقول بها العقل: لا. وهذا مثل آخر للأصنام.. فهي لا تسمع، ولا تتكلم، ~~ولا تفصح، وهي لا تقدر على شيء لا لها ولا لعابديها.. بل هي عالة ~~عليهم، فهم الذين يأتون بها من حجارة الجبال، وينحتونها وينصبونها، ~~ويصلحون كسرها، وهكذا هم الذين يخدمونها ولا ينتفعون منها بشيء. فإذا ~~كنتم لا تسوون بين الرجل الأول والرجل الآخر الذي يأمر بالعدل وهو على ~~صراط مستقيم، فكيف تسوون بين إله له صفة الكمال المطلق، وأصنام لا تملك ~~لكم نفعا ولا ضرا؟! أو نقول: إن هذا مثل للمؤمن والكافر، بدليل أن ~~الحق سبحانه في المثل السابق قال: # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا.. # [النحل: 75]. وفي مقابله قال: # ومن رزقناه منا رزقا حسنا.. # [النحل: 75]. ولم يقل عبد أو رجل. إنما هنا قال: { رجلين.. } ~~[النحل: 76]. فيمكن أن نفهم منه أنه مثل للرجل الكافر الذي يمثله ~~الأبكم، وللرجل المؤمن ms5629 الذي يمثله من يأمر بالعدل، وهو على صراط ~~مستقيم. والحق سبحانه يقول: { ولله غيب السماوات ~~والأرض... }. ### || [16.77] # أراد الحق سبحانه أن يعلمنا منه عالم الملك، ومنه عالم الملكوت.. ~~عالم الملك هو العالم المحس لنا، وعالم الملكوت المخفي عنا فلا ~~نراه. ولذلك، فربنا سبحانه وتعالى لما تكرم على سيدنا إبراهيم - عليه ~~السلام - قال: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ~~وليكون من الموقنين # [الأنعام: 75]. إذن: لله تعالى في كونه ظاهر وغيب.. الظاهر له نواميس ~~كونية يراها كل الناس، وله أشياء غيبية لا يراها أحد، ولا يطلع عليها.. ~~حتى في ذاتك أنت أشياء غيب لا يعلمها أحد من الناس، وكذلك عند الناس ~~أشياء غيب لا تعرفها أنت.. وهذا الغيب نسميه: غيب الإنسان. إذن: ~~فأنا غائب عني أشياء، وغيري غائب عنه أشياء.. هذا الغيب الذي لا نعرفه ~~يعده بعض الناس نقصا فينا، وهو في الحقيقة نوع من الكمال في النفس ~~البشرية لأنك إن أردت أن تعلم غيب الناس فاسمح لهم أن يعلموا ~~غيبك. ولو خيرت في هذه القضية لاخترت أن يحتفظ كل منكم بغيبه ~~لا يطلع عليه أحد.. لا أعرف غيب الناس، ولا يعرفون غيبي ولذلك ~~يقولون: " المغطى مليح ". فستر الغيب كمال في الكون لأنه يربي ~~ويثري الفائدة فيه.. كيف؟ هب أنك تعرف رجلا مستقيما كثير الحسنات، ~~ثم اطلعت على سيئة واحدة عنده كانت مستورة، فسوف ترى هذه السيئة كفيلة ~~بأن تزهدك في كل حسناته وتكرهك فيه، وتدعوك إلى النفرة منه، فلا ~~تستفيد منه بشيء، في حين لو سترت عنك هذه السيئة لاستطعت الانتفاع ~~بحسناته.. وهكذا ينمي الغيب الفائدة في الكون. وفي بعض الآثار الواردة ~~يقول الحق سبحانه: # " يا ابن آدم سترت عنك وسترت منك، فإن شئت فضحنا لك ~~وفضحناك، وإن شئت أسبلنا عليك سبال الستر إلى يوم القيامة ". # فاجعل نفسك الآن المخاطب بهذا الحديث، فماذا تختار؟ أعتقد أن الجميع ~~سيختار الستر.. فما دمت تحب الستر وتكره أن يطلع الناس على غيبك ~~فإياك أن تتطاول لتعرف غيب الآخرين. والغيب: هو ما غاب عن المدركات ms5630 ~~المحسة من السمع والبصر والشم والذوق، وما غاب عن العقول من ~~الإدراكات المعنوية. وهناك غيب وضع الله في كونه مقدمات توصل إليه ~~وأسبابا لئلا يكون غيبا.. كالكهرباء والجاذبية وغيرها.. كانت ~~غيبا قبل أن تكتشف.. وهكذا كل الاكتشافات والأسرار التي يكشفها لنا ~~العلم، كانت غيبا عنا في وقت، ثم صارت مشاهدة في وقت آخر. ذلك، لأن ~~الحق سبحانه لا ينثر لنا كل أسرار كونه مرة واحدة، بل ينزله ~~بقدر ويكشفه لنا بحساب، فيقول سبحانه: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21]. فالذي كان غيبا في الماضي أصبح ظاهرا مشاهدا اليوم ~~لأن الله سبحانه كشف لنا أسبابه فتوصلنا إليه.. فهذا غيب جعل الله ~~له مقدمات يصل إليها من يبحث في الكون، فإذا ما أذن الله به، وحان ~~وقت ميلاده وفق الله أحد الباحثين إلى اكتشافه، إما عن طريق البحث، أو ~~حتى الخطأ في المحاولة، أو عن طريق المصادفة. ولذلك إذا بحثت في كل ~~المخترعات والمكتشفات لوجدت 90% منها جاءت مصادفة، لم يكونوا بصدد البحث ~~عنها أو التوصل إليها، وهذا ما نسميه " غيب الأكوان ". ومثال هذا الغيب: ~~إذا كلفت ولدك بحل تمرين هندسي.. ومعنى حل التمرين أن يصل ~~الولد إلى نقطة تريد أنت أن يصل إليها.. ماذا يفعل الولد؟ يأخذ ما ~~تعطيه من معطيات، ثم يستخدم ما لديه من نظريات، وما يملكه من ذكاء ~~ويستخرج منها المطلوب. فالولد هنا لم يأت بجديد، بل استخدم المعطيات، ~~وهكذا الأشياء الموجودة في الكون هي المعطيات من بحث فيها توصل إلى ~~غيبيات الكون وأسراره. وهذا النوع من الغيب يقول عنه الحق سبحانه: # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ~~ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شآء.. # [البقرة: 255]. فإذا أذن الله لهم تكشفت لهم الأسرار: إما بالبحث، ~~وإما بالخطأ، أو حتى بالمصادفة.. فطالما حان وقت ميلاد هذا الغيب ms5631 ~~واكتشافه فإن صادف بحثا من البشر التقيا، وإلا أظهره الله لنا دون ~~بحث ودون سعي منا. وهناك نوع آخر من الغيب، وهو الغيب المطلق، ~~وهو غيب عن كل البشر استأثر الله به، وليس له مقدمات وأسباب توصل ~~إليه، كما في النوع الأول.. هذا الغيب، قال تعالى في شأنه: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول.. # [الجن: 26-27]. فإذا ما أعلمنا الرسول غيبا من الغيبيات فلا نقول: ~~إنه يعلم الغيب.. لأنه لا يعلم إلا ما أعلمه الله من الغيب.. إذن: هذا ~~غيب لا يدركه أحد بذاته أبدا. ومن هذا الغيب المطلق غيب استأثر ~~الله به، ولا يطلع عليه أحدا حتى الرسل.. # " ولما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الساعة، قال: " ما المسئول ~~عنها بأعلم من السائل ". # وفي الإسراء والمعراج يحدثنا صلى الله عليه وسلم أن الله قد أعطاه ثلاثة ~~أوعية: وعاء أمره بتبليغه وهو وعاء الرسالة، ووعاء خيره فيه فلا يعطيه ~~إلا لأهل الاستعداد السلوكي الذين يتقبلون أسرار الله ولا تنكرها عقولهم، ~~ووعاء منعه فهو خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك يقول راوي ~~الحديث: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني وعاءين، أما أحدهما فقد ~~بثثته أي رويته وقلته للناس، وأما الآخر فلو بحت به لقطع ~~حلقومي هذا، فهذا من الأسرار التي يختار الرسول صلى الله عليه وسلم لها ~~من يحفظها. # قوله تعالى: { ولله غيب السماوات والأرض.. } [النحل: ~~77]. هذا يسمونه أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور، أي قصر غيب ~~السموات والأرض عليه سبحانه، فلو قلنا مثلا: غيب السموات والأرض لله، ~~فيحتمل أن يقول قائل: ولغير الله، أما: { ولله غيب السماوات ~~والأرض.. } [النحل: 77]. أي: له وحده لا شريك له. ومعنى السموات ~~والأرض، أي: وما بينهما وما وراءهما، ولكن المشهور من مخلوقات الله: ~~السماء، والأرض. ثم يقول تعالى: { ومآ أمر الساعة إلا ~~كلمح البصر أو هو أقرب.. } [النحل: 77]. جاءت الآية بهذا ~~الغيب الوحيد لأنه الغيب الذي استأثر الله به.. ولا يجليها لوقتها ~~إلا هو.. فناسب ms5632 الحديث عن الغيب أن يأتي بهذا الغيب المطلق الذي لا ~~يعلمه إلا الله. وما هو لمح البصر؟ عندنا أفعال متعددة تدل كلها على ~~الرؤية العامة، وإن كان لكل منها معنى خاص بها نقول: رأى ونظر ورمق ~~ولحظ ولمح.. فرأى مثلا أي بجمع عينه، ورمق بأعلى، ولحظ بجانب، فكلها ~~مرتبطة بحركة الحدقة، هذه الحركة ما نسميه باللمح. إذن: لمح البصر هو ~~تحرك حدقة العين إلى ناحية الشيء المرئي.. فإن أردت أن ترى ما فوقك ~~تحركت الحدقة إلى أعلى، وإن أردت أن ترى ما هو أسفل تحركت الحدقة إلى ~~أسفل وهكذا. هذه الحركة هي لمح البصر، انتقال الحدقة من وضع إلى وضع. ~~إذن: شبه الحق تبارك وتعالى أمر الساعة عنده سبحانه بلمح البصر، ولكن ~~اللمح حدث، والأحداث تحتاج إلى أزمان، وقد تطول الأزمان في ذاتها ولكنها ~~تقصر عند الرائي. وقد قرب إلينا العلم الحديث هذه القضية بما توصل ~~إليه من إعادة المشاهد المصورة على البطيء ليعطيك فرصة متابعتها بدقة، ~~فنراهم مثلا يعيدون لك مشهدا كرويا لترى كل تفاصيله، فتجد المشهد ~~الذي مر كلمح البصر يعرض أمامك بطيئا في زمن أطول، في حين أن الزمن ~~في السرعة يتجمع تجمعا لا تدركه أنت بأي معيار، لا بالدقيقة ولا ~~بالثانية. إذن: فهي جزئيات حركة في جزئيات زمان، فلمح البصر الذي هو ~~تحرك حدقة العين تحتاج لوقت ولزمن متداخل، وليس هكذا أمر الساعة، بل ~~هذا أقرب ما يعرفه الإنسان، وأقرب تشبيه لفهم أمر الساعة بالنسبة له ~~سبحانه. إذا قيل لك: ما أمر فلان؟ وما شأنه؟. تأخذ في سرد الأحداث.. ~~حدث كيت وكيت.. فإذا قلنا: ما أمر الساعة؟ ما شأنها ساعة تقوم، حيث ~~يموت الأحياء أولا، ثم يحيا الجميع من لدن آدم عليه السلام ثم حشر ~~وحساب وثواب وعقاب. # أحداث كثيرة وعظيمة لخلق متعددين من الإنس والجن.. يحدث هذا كله كلمح ~~البصر بالنسبة لنا، ولكن إياك أن تتصور أن هذا يحتاج إلى وقت بالنسبة ~~لله سبحانه. فالأشياء بالنسبة له سبحانه لا تعالج، وإنما هي كن فيكون، ~~حتى ms5633 كن مكونة من حرفين: الكاف لفظ وله زمن، والنون لفظ وله زمن، إنما ~~أمر الساعة أقرب من الكاف والنون، ولكن ليس هناك أقل من هذا في ~~فهمنا. والحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن أهل القبور، قال: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46]. في حين أننا نرى أنهم غابوا كثيرا في قبورهم.. إذن: ~~كيف يقاس الزمن؟.. يقاس بتتبعك للأحداث، فحينما لا يوجد حدث لا ~~يوجد زمن.. وهذا ما نراه في حال النائم الذي لا يستطيع تحديد الزمن ~~الذي نامه إلا على غالب ما يكون في البشر. ولذلك، في قصة أهل الكهف الذين ~~ناموا ثلاث مائة عام وتسعة أعوام قالوا: # لبثنا يوما أو بعض يوم.. # [المؤمنون: 113]. فهذا هو الغالب في عرف الناس ذلك لأنهم استيقظوا فلم ~~يجدوا شيئا حولهم يدل على زمن طويل.. الحال كما هو لم يتغير فيهم ~~شيء.. فلو استيقظوا فوجدوا أنفسهم شيوخا بعد أن كانوا فتية لعلموا ~~بمرور الزمن.. إذن: الزمن بالنسبة لعدم الحدث زمن ملغي. أو نقول: إن ~~أمر الساعة في أن الحق سبحانه يجعلها جامعة للناس إلا كلمح البصر، ~~فكل ما يحدث فيها لا تقيسه بزمن، لأن الذي يقاس بالزمن إنما هي ~~الأحداث الناشئة من فاعل له قدرة وقوة تتوزع على الزمن. فلو أردت نقل ~~هذا الشيء من هنا إلى هنا فسوف يحتاج منك وقتا ومجهودا، أما لو كلفت ~~طفلا بنقل هذا الشيء فسوف يأخذ وقتا أكثر ويحتاج مجهودا أكثر.. إذن: ~~فالزمن يتناسب مع قدرة الفاعل تناسبا عكسيا. ولذلك فالرسول صلى الله ~~عليه وسلم حينما حدث الناس بالإسراء والمعراج قالوا: أتدعي أنك ~~أتيتها في ليلة، ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا.. هذا لأن انتقالهم ~~يحتاج لعلاج ومزاولة، تأخذ وقتا يتناسب وقدراتهم في الانتقال بالإبل ~~من مكة إلى بيت المقدس.. ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يقل: أسريت، بل ~~قال: أسري بي، الذي أسرى به هو الله سبحانه، فالزمن يقاس بالنسبة ~~للحق سبحانه وتعالى. وكذلك إذا قيس زمن أمر الساعة بالنسبة لقدرته ~~سبحانه فإنه ms5634 يكون كلمح البصر، أو هو أقرب من ذلك.. إنما هو تشبيه ~~لنقرب لكم الفهم. وقوله: { إن الله على كل شيء ~~قدير } [النحل: 77]. أي: يكون أمر الساعة كذلك لأن الله قادر على كل ~~شيء، وما دامت الأحداث تختلف باختلاف القدرات، فقدرة الله هي القدرة ~~العليا التي لا تحتاج لزمن لفعل الأحداث. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~والله أخرجكم من بطون... }. ### || [16.78] # من بطون أمهاتكم المراد الأرحام لأنها في البطون، والمظروف في ~~مظروف يعتبر مظروفا، كما لو قلت: في جيبي كذا من النقود أو في حافظتي ~~كذا من النقود.. العبارتان معناهما واحد. وأمهاتكم: جمع أم، والقياس ~~يقتضي أن نقول في جمع أم: أمات ولكنه قال: { والله أخرجكم ~~من بطون أمهاتكم } [النحل: 78]. بزيادة الهاء. وساعة يكون ~~الجنين في بطن أمه تكون حياته حياة تبعية، فكل أجهزته تابعة لأمه.. فإذا ~~شاء الله أن يولد جعل له حياة ذاتية مستقلة.. وعند الولادة نرى أطباء ~~التوليد يقولون: الجنين في الوضع الطبيعي أو في غير الوضع الطبيعي.. فما ~~معنى الوضع الطبيعي للجنين عند الولادة؟ الوضع الطبيعي أن يكون رأس ~~الجنين عند الولادة إلى أسفل، هذا هو الوضع الطبيعي لأن الحق سبحانه أراد ~~أن يخرجه خلقا آخر: # ثم أنشأناه خلقا آخر.. # [المؤمنون: 14]. كأنه كان خلقا لكنه كان تابعا لأمه فيخرجه الله ~~خلقا آخر مستقلا بذاته.. فتكون الرأس إلى أسفل، وهي أول ما ينزل من ~~المولود، وبمجرد نزوله تبدأ عملية التنفس. ومن هذه اللحظة ينفصل الجنين ~~عن أمه، وبالتنفس تكون له ذاتية، فإذا ما تعسر خروج باقي جسمه فتكون له ~~فرصة التنفس وهذا من لطف الله سبحانه لأن الجنين في هذه الحالة لا ~~يختنق أثناء معالجة باقي جسمه. أما إذا حدث العكس فكان الرأس إلى أعلى، ~~ونزل الجنين بقدميه، فبمجرد نزول الرجلين ينفصل عن أمه، ويحتاج إلى ~~حياة ذاتية ويحتاج إلى تنفس، فإذا ما تعسرت الولادة حدث اختناق، ربما ~~يؤدي إلى موت الجنين. العلم أخذ قضية من قضايا الكون مجزوم بها وعليها ~~دليل وقوله تعالى: { لا تعلمون شيئا.. } [النحل: 78]. ذلك ms5635 لأن ~~وسائل العلم والإدراك لم تعمل بعد، فإذا أراد الله له أن يعلم يخلق له ~~وسائل العلم، وهي الحواس الخمس: السمع والبصر والشم واللمس والتذوق، ~~هذه هي الحواس الظاهرة التي بها يكتسب الإنسان العلوم والمعارف، وبها ~~يدرك ما حوله. وإن كان العلم الحديث قد أظهر لنا بعض الحواس الأخرى، ~~ففي علم وظائف الأعضاء يقولون: إنك إذا حملت قطعتين من الحديد مثلا ~~فبأي حاسة تميز بينهما من حيث الثقل؟ هذه لا تعرف باللمس أو السمع أو ~~البصر أو التذوق أو الشم.. إذن: هناك حاسة جديدة تميز الثقل هي حاسة ~~العضل. وكذلك توجد حاسة البين، التي تتمكن بها من معرفة سمك ~~القماش مثلا وأنت في محل الأقمشة، حيث تفرك القماش بين أصابعك، وتستطيع ~~أن تميز بين الرقيق والسميك. فالطفل المولود إذن لا يعلم شيئا، فهذا ~~أمر طبيعي لأن وسائل العلم والإدراك لديه لم تؤد مهمتها بعد. # وقوله تعالى: { وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة.. } [النحل: 78]. وقد بين لنا علماء وظائف الأعضاء أن ~~هذا الترتيب القرآني للأعضاء هو الترتيب الطبيعي، فالطفل بعد الولادة ~~يسمع أولا، ثم بعد حوالي عشرة أيام يبصر.. وتستطيع تجربة ذلك، فترى ~~الطفل يفزع من الصوت العالي بعد أيام من ولادته، ولكن إذا وضعت أصبعك ~~أمام عينيه لا يطرف لأنه لم ير بعد. ومن السمع والبصر - وهما السادة ~~على جميع الحواس - تتكون المعلومات التي في الأفئدة، هذا الترتيب القرآني ~~الوجودي، وهو الترتيب الطبيعي الذي وافق العلم الحديث. ونلاحظ في الآية ~~إفراد السمع، وجمع الأبصار والأفئدة: { وجعل لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة.. } [النحل: 78]. فلماذا لم يأت السمع ~~جمعا؟ المتحدث هنا هو الحق سبحانه لذلك تأتي الألفاظ دقيقة معجزة.. ~~ولننظر لماذا السمع هنا مفرد؟ فرق بين السمع وغيره من الحواس، فحين ~~يوجد صوت في هذا المكان يسمعه الجميع، فليس في الأذن ما يمنع السمع، وليس ~~عليها قفل نقفله إذا أردنا ألا نسمع، فكأن السمع واحد عند الجميع، ~~أما المرئي فمختلف لأننا لا ننظر جميعا إلى شيء واحد.. بل المرائي عندنا ~~مختلفة فهذا ينظر للسقف، ms5636 وهذا ينظر للأعمدة.. إلى آخره. إذن: المرائي ~~لدينا مختلفة.. كما أن للعين قفلا طبيعيا يمكن إسداله على العين فلا ~~ترى، فكأن الأبصار لدينا مختلفة متعددة. وكذلك الحال في الأفئدة، جاءت ~~جمعا لأنها متعددة مختلفة، فواحد يعي ويدرك، وآخر لا يعي ولا يدرك، ~~وقد يعي واحد أكثر من الآخر. إذن: إفراد السمع هنا آية من آيات الدقة في ~~التعبير القرآني المعجز لأن المتكلم هو رب العزة سبحانه. ونلاحظ أيضا ~~تقديم السمع على باقي الحواس لأنه أول الإدراكات ويصاحب الإنسان منذ أن ~~يولد إلى أن يفارق الحياة، ولا يغيب عنه حتى لو كان نائما لأن بالسمع ~~يتم الاستدعاء من النوم. وقد قلنا في قصة أهل الكهف أنهم ما كان لهم أن ~~يناموا في سبات عميق ثلاثمائة وتسع سنين إلا إذا حجب الله عنهم هذه ~~الحاسة، فلا تزعجهم الأصوات. فقال تعالى: # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا # [الكهف: 11]. أي: قلنا للأذن تعطلي هذه المدة حتى لا تزعجهم أصوات ~~الصحراء، وتقلق مضاجعهم، والله تعالى يريد لهم السبات والنوم العميق. ~~وفي قوله تعالى: { وجعل لكم السمع.. } [النحل: 78]. هل توجد ~~هذه الإدراكات بعد الإخراج الميلاد أم هي موجودة قبله؟.. يجب أن نفرق ~~بين السمع وآلته، فقبل الإخراج تتكون للجنين آلات البصر والسمع والتذوق ~~وغيرها.. لكنها آلات لا تعمل، فالجنين في بطن أمه تابع لها، وليست له ~~حياة ذاتية، فإذا ما نزل إلى الدنيا واستقل بحياته يجعل الله له هذه ~~الآلات تعمل عملها. إذن: فمعنى: { وجعل لكم السمع. # . } [النحل: 78]. أي: جعل لكم الاستماع، لا آلة السمع. وقوله: { ~~لعلكم تشكرون } [النحل: 78]. توحي الآية بأن السمع والأبصار ~~والأفئدة ستعطي لنا كثيرا من المعلومات الجديدة والإدراكات التي تنفعنا ~~في حياتنا وفي مقومات وجودنا، وننفع بها غيرنا، وهذه النعم تستحق منا ~~الشكر. فكلما سمعت صوتا أو حكمة تحمد الله أن جعل لك أذنا تسمع، ~~وكلما أبصرت منظرا بديعا تحمد الله أن جعل لك عينا ترى، وكلما ~~شممت رائحة زكية تحمد الله أن جعل لك أنفا تشم.. وهكذا تستوجب النعم ~~شكر ms5637 المنعم سبحانه. ولكي تقف على نعم الله عليك انظر إلى من ~~حرموا منها، وتأمل حالك وحالهم، وما أنت فيه من نعم الحياة ولذاتها، ~~وما هم فيه من حرمان. ثم ينقلنا الحق سبحانه نقلة أخرى في قوله ~~تعالى: { ألم يروا إلى الطير... }. ### || [16.79] # فالحق سبحانه ينقلنا هنا إلى صورة أخرى من صور الكون.. بعد أن حدثنا ~~عن الإنسان وما حوله.. فالإنسان قبل أن يخلقه الله في هذا الوجود أعد ~~له مقومات حياته، فالشمس والقمر والنجوم والأرض والسماء والمياه ~~والهواء، كل هذه أشياء وجدت قبل الإنسان، لتهيئ له الوجود في هذا ~~الكون. والله سبحانه يريد منا بعد أن كفل لنا استبقاء الحياة بالرزق، ~~واستبقاء النوع بالزواج والتكاثر، يريد منا إثراء عقائدنا بالنظر في ~~ملكوت الله وما فيه من العجائب لنستدل على أنه سبحانه هندس كونه هندسة ~~بديعة متداخلة، وأحكمه إحكاما لا تصادم فيه. # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. فالنظر إلى كون الله الفسيح، كم فيه من كواكب ونجوم وأجرام. ~~كم هو مليء بالحركة والسكون والاستدارة. ومع ذلك لم يحدث فيه تصادم، ~~ولم تحدث منه مضرة أبدا في يوم من الأيام.. الكون كله يسير بنظام دقيق ~~وتناسق عجيب ولكي تتجلى لك هذه الحقيقة انظر إلى صنعة الإنسان، كم فيها ~~من تصادم وحوادث يروح ضحيتها الآلاف. هذا مثل مشاهد للجميع، الطير ~~في السماء.. ما الذي يمسكها أن تقع على الأرض؟ وكأن الحق سبحانه يجب ~~أن يلفتنا إلى قضية أكبر: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده.. # [فاطر: 41]. فعلينا أن نصدق هذه القضية.. فنحن لا ندرك بأعيننا جرم ~~الأرض، ولا جرم الشمس والنجوم والكواكب.. نحن لا نقدر على معرفة كل ما ~~في الكون.. إذن: يجب علينا أن نصدق قول ربنا ولا نجادل فيه. وإليكم ~~هذا المثل الذي تشاهدونه كل يوم: { ألم يروا إلى الطير ~~مسخرات في جو السمآء ما يمسكهن إلا الله.. } ~~[النحل: 79]. إياك أن تقول ms5638 إنها رفرفة الأجنحة، فنحن نرى الطائر ~~يثبت أجنحته في الهواء، ومع ذلك لا يقع إلى الأرض، فهناك إذن ما يمسكه ~~من الوقوع لذلك قال تعالى في آية أخرى: # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن.. # [الملك: 19]. أي: أنها في حالة بسط الأجنحة، وفي حالة قبضها تظل ~~معلقة لا تسقط. وكذلك نجد من الطيور ما له أجنحة طويلة، لكنه لا يطير ~~مثل الأوز وغيره من الطيور. إذن: ليست المسألة مسألة أجنحة، بل هي آية من ~~آيات الله تمسك هذا الطير في جو السماء.. فتراه حرا طليقا لا يجذبه ~~شيء إلى الأرض، ولا يجذبه شيء إلى السماء، بل هو حر يرتفع إن أراد ~~الارتفاع، وينزل إن أراد النزول. فهذه آية محسة لنستدل بها على قدرة ~~الله غير المحسة إلا بإخبار الله عنها، فإذا ما قال سبحانه: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده.. # [فاطر: 41]. آمنا وصدقنا. وقوله تعالى: { في جو السمآء.. } ~~[النحل: 79]. أي: في الهواء المحيط بالأرض، والمتأمل في الكون يجد أن ~~الهواء هو العامل الأساسي في ثبات الأشياء في الكون، فالجبال والعمارات ~~وغيرها.. ما الذي يمسكها أن تقع؟ إياك أن تظن أنه الأسمنت والحديد ~~وهندسة البناء.. لا.. بل يمسكها الهواء الذي يحيط بها من كل جانب، بدليل ~~أنك لو فرغت جانبا منها من الهواء لانهارت فورا نحو هذا الجانب ~~لأن للهواء ضغطا، فإذا ما فرغت جانبا منها قل فيه الضغط ~~فانهارت. فالهواء - إذن - هو الضابط لهذه المسألة، وبالهواء يتوازن ~~الطير في السماء، ويسير كما يهوى، ويتحرك كما يحب. ثم يقول تعالى: { ~~إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } [النحل: 79]. أي: أن ~~الطير الذي يطير في السماء فيه آيات أي عجائب، عجائب صنعة وعجائب ~~خلق، يجب أن تتفكروا فيها وتعتبروا بها. ولكي نقف على هذه الآية في ~~الطير نرى ما حدث لأول إنسان حاول الطيران.. إنه العربي عباس بن فرناس، ~~أول من حاول الطيران في الأندلس، فعمل لنفسه جناحين، وألقى بنفسه من ~~مكان مرتفع.. فماذا ms5639 حدث لأول طائر بشري؟ طار مسافة قصيرة، ثم هبط على ~~مؤخرته فكسرت لأنه نسي أن المسألة ليست مجرد الطيران، فهناك الهبوط ~~الذي نسي الاستعداد له، وفاته أن يعمل له زمكي، وهو الذيل الذي يحفظ ~~التوازن عند الهبوط. وكذلك الذين يصنعون الطائرات كم تتكلف؟ وكم فيها من ~~أجهزة ومعدات قياس وانضباط؟ وبعد ذلك تحتاج لقائد يقودها أو موجه ~~يوجهها، وحينما أرادوا صناعة الطائرة جعلوها على شكل الطير في السماء ~~له جناحان ومقدمة وذيل، ومع ذلك ماذا يحدث لو تعطل محركها.. أو اختل ~~توازنها؟! إذن: الطير في السماء آية تستحق النظر والتدبر لنعلم منها ~~قدرة الخالق سبحانه. ويقول تعالى: { لقوم يؤمنون } [النحل: ~~79]. يؤمنون بوجود واجب الوجود، يؤمنون بحكمته ودقة صنعه، وأنها لا ~~مثيل لها من صنعة البشر مهما بلغت من الدقة والإحكام. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { والله جعل لكم من... }. ### || [16.80] # قوله: { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا.. } [النحل: ~~80]. كلمة سكن مأخوذة من السكون، والسكون ضد الحركة، فالبيت نسميه ~~سكنا لأن الإنسان يلجأ إليه ليرتاح فيه من حركة الحياة خارج البيت، إذن: ~~في الخارج حركة، وفي البيت سكن. والسكن قد يكون ماديا كالبيت وهو سكن ~~القالب، وقد يكون معنويا، كما قال تعالى في حق الأزواج: # خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها.. # [الروم: 21]. فالزوجة سكن معنوي لزوجها، وهذا يسمونه سكن القلب. ~~فإن قال قائل: { من بيوتكم.. } [النحل: 80]. يعني: نحن الذين ~~صنعناها وأقمناها. فكيف جعلها الله لنا؟. نقول: وأنت كيف صنعتها؟ ومم ~~بنيتها؟ صنعتها من غاب أو خشب، أو بنيتها من طين أو طوب.. كل هذه ~~المواد من مادة الأرض من عطاء الله لك، وكذلك العقل الذي يفكر ويرسم، ~~والقوة التي تبني وتشيد كلها من الله. إذن: { جعل لكم } إما أن ~~يكون جعلا مباشرا، وإما أن يكون غير مباشر.. فالله سبحانه جعل لنا ~~هذه المواد.. هذا جعل مباشر، وأعاننا وقوانا على البناء.. هذا جعل ~~غير مباشر. لكن في أي الأماكن تبنى البيوت؟ البيوت لا تبنى إلا في ~~أماكن الاستقرار، التي تتوفر لها مقومات ms5640 الحياة.. فقبل أن ننظم ~~مدينة سكنية نبحث أولا عن مقومات الاستقرار فيها من مأكل ومشرب ومرافق ~~وخدمات ومياه وصرف.. إلى آخره. فإن وجدت هذه المقومات فلا مانع من ~~البناء هنا.. فإذا لم توجد المرافق في الصحراء ومناطق البدو، هنا لا ~~يناسبها البيوت والبناء الدائم، بل يناسبها: { وجعل لكم من ~~جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ~~ويوم إقامتكم.. } [النحل: 80]. فنرى أهل البدو يتخذون من ~~الجلود بيوتا مثل الخيمة والفسطاط.. حيث نراهم كثيري التنقل يبتغون ~~مواطن الكلأ والعشب، ويرحلون طلبا للمرعى والماء، وهكذا حياتهم دائمة ~~التنقل من مكان لآخر.. فيناسبهم بيت من جلد أو من صوف أو من وبر خفيف ~~الحمل، يضعونه أينما حطوا رحالهم، ويرفعونه أينما ساروا.. والظعن ~~هو التنقل من مكان لآخر. إذن: كلمة سكن تفيد الاستقرار، وتوفر كل ~~مقومات الحياة ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول لآدم: # اسكن أنت وزوجك الجنة.. # [البقرة: 35]. أي: المكان الذي فيه راحتكم، وفيه نعيمكم، فحدد له مكان ~~إقامة وسكن.. ومكان الإقامة هذا قد يكون عاما، وقد يكون خاصا، مثل ~~لو قلت: أسكن الإسكندرية.. هذا سكن عام، فلو أردت السكن الحقيقي ~~الخاص بك لقلت: أسكن في شارع كذا، وفي عمارة رقم كذا، وفي شقة رقم ~~كذا، وربما كان لك حجرة خاصة من الشقة هذه. إذن: هذا سكن خاص بك. # . سكنك الحقيقي الذي تشعر فيه بالهدوء والراحة والخصوصية، فالسكن يحتاج ~~إلى استقرار ذاتي لا يشاركك فيه أحد ولذلك نرى بعض سكان العمارات ~~يشكون من الإزعاج والضوضاء، ويتمنون أن يعيشوا في بيوت مستقلة تحقق ~~لهم الراحة الكافية التي لا يضايقهم فيها أحد. إذن: حينما ننظر إلى ~~السكون.. إلى السكن، نحتاج المكان الضيق الذي يحقق لنا الخصوصية التامة ~~التي تصل إلى حجرة، مجرد حجرة، ولكنها تعني السكن الحقيقي الخاص بي، وقد ~~تصل الخصوصية أن نجعل لكل ولد من الأولاد سريرا خاصا به في نفس ~~الحجرة. فإذا ما نظرنا إلى الحركة في الحياة وجدنا الإنسان على العكس ~~يطلب السعة لأن الحركة تقتضي السعة في المكان، فمن كان عنده مزرعة يطلب ms5641 ~~عزبة، ومن كان عنده عزبة يتمنى ثانية وثالثة وهكذا لأن حركة الحياة ~~تحتاج مجالا واسعا فسيحا. هذا عن النوع الأول، وهو السكن المادي سكن ~~القالب، وهو من أعظم نعم الله على عباده.. أن يكون لهم سكن يأوون ~~إليه، ويرتاحون فيه من عناء وحركة الحياة. ولذلك حينما أراد الحق سبحانه ~~أن يعذب بني إسرائيل، أشاع سكنهم في الأرض كلها، وحرمهم من نعمة السكن ~~الحقيقي الخاص، فقال تعالى: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض.. # [الإسراء: 104]. فالأرض هي المكان العام الذي يسكن فيه كل الناس.. فليس ~~لهم بلد تجمعهم، بل بددهم الله في الأرض ولم يجعل لهم وطنا، كما قال ~~في آية أخرى: # وقطعناهم في الأرض أمما.. # [الأعراف: 168]. حتى في البلاد التي يعيشون فيها تراهم معزولين عن الناس ~~في أماكن خاصة بهم لا يذوبون في غيرهم، وهكذا سكنوا الأرض ولم تحدد لهم ~~بلد. أما النوع الثاني من السكن، وهو السكن المعنوي أو سكن القلب، فهو ~~سكن الزوج إلى زوجته الصالحة التي تخفف عنه عناء الحياة وهمومها، تبتسم ~~في وجهه إن كان مسرورا وتهدىء من غضبه إن كان مغضبا، تحتويه ~~بما لديها من حب وحنان وإخلاص.. هذا هو السكن المعنوي، سكن القلب. ~~وقوله: { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ أثاثا ~~ومتاعا إلى حين } [النحل: 80]. الأصواف للغنم، والأوبار للإبل، ~~والشعر للماعز.. فما الفرق بين هذه الثلاث في الاستعمال؟ يستعمل الناس ~~كلا من الصوف والوبر لأن الشعيرات فيها دقيقة جدا يمكن ندفها ~~وغزلها والانتفاع بها في الفرش والأبسطة والألحفة والملابس وغيرها مما ~~يحتاجه الناس. أما شعر الماعز فالشعيرات فيه ثخينة لا يمكن ندفها أو ~~غزلها، فلا يمكن الانتفاع به في هذه المنسوجات، وقوله تعالى: { ~~أثاثا ومتاعا إلى حين } [النحل: 80]. الأثاث: هو ما يوجد في ~~البيت مما تتطلبه حركة الحياة كالأبسطة والمفارش والملابس والستائر. ~~والمتاع: هو ما يستمتع وينتفع به.. والفرق بينهما أن الأثاث قد يكون ~~ثابتا لا يتغير كثيرا، أما المتاع فقد يتغير حسب الحاجة. # فأنت مثلا قد تحتاج إلى تغيير التلفاز القديم لتأتي بآخر حديث، ملون ms5642 ~~مثلا، لكن قلما تغير الثلاجة أو الغسالة مثلا. وقوله: { إلى حين ~~} [النحل: 80]. لأن الإنسان قد يغتر حين يستوفي متطلبات حياته، وقد تلهيه ~~هذه النعم عن مطلوب المنعم سبحانه، فينشغل بالنعمة التي هو فيها عن ~~المنعم الذي أنعم عليه بها.. فتأتي هذه الآية محذرة. إياك أن تغتر ~~بالمتاع والأثاث لأنها متاع إلى حين.. متاع موقوت لا يدوم، ومهما ~~استوفيت حظك منها في الدنيا فإنها صائرة إلى أمرين: إما أن تفوتها ~~بالموت، وإما أن تفوتك بالفقر والحاجة.. إذن: هي ذاهبة ذاهبة.. ~~فتذكروا دائما قوله تعالى: { إلى حين } [النحل: 80]. فمتاع النعمة ~~موقوت، لكن متاع المنعم سبحانه خالد. ثم يقول الحق سبحانه: { والله ~~جعل لكم... }. ### || [16.81] # بعد أن تكلم الحق سبحانه عن أصحاب البيوت الذين يناسبهم الاستقرار، ~~ويجدون مقومات الحياة، وتكلم عن أهل الترحال والتنقل وما يناسبهم من ~~بيوت خفيفة يحملونها عند ترحالهم. ثم تحدث هنا عن هؤلاء الذين لا يملكون ~~شيئا، ولا حتى جلود الأنعام.. ماذا يفعل هؤلاء؟ الحق سبحانه جعل لهم ~~الظل يستظلون به من وهج الشمس، وجعل لهم من الكهوف والسراديب في الجبال ~~ما يأوون إليه ويسكنون فيه. وهكذا استوعبت الآيات جميع الحالات التي ~~يمكن أن يكون عليها بشر، فقد نثر الحق سبحانه نعمه على الناس، بحيث يأخذ ~~كل واحد منهم ما يناسبه من نعم الله. أما من لا يملك بيتا يأويه، وليس ~~عنده من الأنعام ما يتخذ من جلودها بيتا، فقد جعل الله له الأشجار يستظل ~~بها من حر الشمس، وجعل له كهوف الجبال تكنه وتأويه. ونلاحظ هنا أن ~~الآية ذكرت الظل الذي يقينا حر الشمس، ولم تذكر مثلا البرد ذلك لأن ~~القرآن الكريم نزل بجزيرة العرب وهي بلاد حارة، وحاجتها إلى الظل أكثر من ~~حاجتها إلى الدفء. وقوله: { ظلالا.. } [النحل: 81]. الظلال جمع ظل، ~~وهو الواقي من الشمس ومن إشعاعاتها، وقد يوصف الظل بأنه ظل ظليل.. أي: ~~الظل نفسه مظلل، وهذا ما نراه في صناعة الخيام مثلا، حيث يجعلون لها ~~سقفا من طبقة واحدة تتلقى حرارة الشمس، وإن حجبت أشعة ms5643 الشمس فلا تحجب ~~الحرارة، وهنا يلجأون إلى جعل السقف من طبقتين بينهما مسافة لتقليل ~~حرارة الشمس. وهنا نقول: إن الظل نفسه مظلل، وكذلك الحال في ظل ~~الأشجار حيث يظلل الورق بعضه بعضا، فتشعر تحت ظل الأشجار بجو لطيف ~~بارد حيث يغطيك ظل ظليل يحجب عنك ضوء الشمس، ويسمح بمرور الهواء فلا ~~تشعر بالضيق. لذلك فالشاعر يقول في وصف روضة: # وقانا لفحة الرمضاء واد # سقاه مضاعف الغيث العميم # يصد الشمس أنى واجهتنا # فيحجبها ويأذن للنسيم # وهكذا الأشجار تحجب عنا الضار، وتسمح بالنافع. وقوله: { أكنانا.. } ~~[النحل: 81]. جمع كن، وهو الكهف أو المغارة في الجبل تكون سكنا ~~وساترا لمن يلجأ إليها ويحتمي بها، والكن من الستر لأنها تستر الناس ~~ونحن نقول مثلا للولد: انكن يعني: اسكن وانستر. ويقول تعالى: { ~~وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم ~~بأسكم.. } [النحل: 81]. السرابيل: هي ما يلبس من الثياب أو الدروع: ~~{ تقيكم الحر.. } [النحل: 81]. أي: تحميكم من الحر.. فقال هنا ~~الحر أيضا لذلك وجدنا بعض العلماء يحاول أن يجد مخرجا لهذه الآية فقال: ~~المعنى تقيكم الحر وتقيكم البرد، ففي الآية اكتفاء بالحر عن البرد لأن ~~الشيء إذا جاء يأتي مقابله.. فليس بالضرورة ذكر الحالتين، فإحداهما تعني ~~الأخرى. # هذا دفاع مشكور منهم، ومعنى مقبول حول هذه الآية.. لكن لو فطنا إلى ~~باقي الآيات التي تحدثت في هذا الموضوع لوجدناها: واحدة تتكلم عن الحر، ~~وهي هذه الآية، وأخرى تتكلم عن البرد في قوله تعالى: # والأنعام خلقها لكم فيها دفء.. # [النحل: 5]. أي: من جلود الأنعام وأصوافها نتخذ ما يقينا البرد، وما ~~نستدفئ به.. وهكذا تتكامل الآيات وينسجم المعنى. والمتأمل في تدفئة ~~الإنسان يجد أن ما يرتديه من ملبوسات لا يعطي للإنسان حرارة تدفئه، بل ~~تحفظ للإنسان حرارة جسمه فقط، فحرارة الإنسان ذاتية من داخله، وبهذه ~~الحرارة يحفظ الخالق سبحانه الإنسان. والأطباء يقولون: إن الجسم السليم ~~حرارته 37 درجة لا تختلف إن عاش عند خط الاستواء أو عاش في بلاد ~~الاسكيمو في القطب الشمالي، فهذه هي الحرارة العامة للجسم. في حين أن ms5644 ~~أجهزة الجسم المختلفة ربما اختلفت درجة حرارتها، كل حسب ما يناسبه: ~~فالكبد مثلا درجة حرارته 40 درجة، وتختل وظيفته إذا نقصت عن هذه ~~الدرجة، في حين أن درجة حرارة جفن العين مثلا 9، ولو ارتفعت درجة ~~حرارتها تذوب حبة العين، ويفقد الإنسان البصر.. فسبحان الله الذي حفظ ~~حرارة هذه الأعضاء في الجسم لا يطغى أحدها على الآخر. لذلك حينما سافرنا ~~إلى أمريكا، وفي إحدى مناطق البرودة الشديدة كانت أول نصائحهم لنا ألا ~~نمسك آذاننا بأيدينا.. لماذا؟ قالوا: لأن درجة حرارة اليد أقل من درجة ~~حرارة الأذن، ووضع اليد الباردة على الأذن قد تسبب كثيرا من ~~الأضرار. إذن: كل ما نستخدمه من ملابس وأغطية تقينا برد الشتاء لا تعطينا ~~حرارة، بل تحفظ علينا حرارتنا الطبيعية فلا تتسرب، وبذلك تتم التدفئة.. ~~وتستطيع أن تضع يدك على فراشك قبل أن تنام فسوف تجده باردا، أما في ~~الصباح فتجده دافئا.. فالفراش اكتسب الحرارة من حرارة جسمك، وليس العكس. ~~وقوله: { وسرابيل تقيكم بأسكم.. } [النحل: 81]. البأس هنا: ~~أي الحرب، والسرابيل التي تقي من البأس هي الدروع التي يلبسها الجنود في ~~الحرب لتقيهم الضربات. ولكن هذه الآية في سياق الحديث عن بعض نعم الله ~~علينا في الاستقرار والسكن وما جعله لنا من بيوت وظلال.. حياة دعة ~~وسلام ونعمة، فما الداعي لذكر الحرب هنا؟ ذلك لأن الحياة لها منطق سلامة ~~للجميع، فإن اختل منطق السلامة فعلى الناس أن يقفوا في وجه من يخل ~~بسلامة المجتمع.. وأن يكون على استعداد لذلك في كل وقت، لا بد في وقت ~~السلم أن نعد العدة للحرب لذلك تحدث عن الحرب وعدتها، وهو ~~يتحدث عن السكون والاستقرار والنعمة. والحق سبحانه وتعالى حين ينزل ~~الآيات البينات التي تحمل لنا منهج السماء يقول: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط.. # [الحديد: 25]. هذا هو المنهج الذي يعتمد على الحجة والإقناع.. فإن لم ~~يصلح هذا المنهج لبعض الناس وتمردوا عليه أتى إذن دور القوة والقهر، يقول ~~تعالى: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. ms5645 # [الحديد: 25]. وقوله: { كذلك يتم نعمته عليكم.. } ~~[النحل: 81]. كأن من تمام نعمة الله أن نحفظها ممن يفسدها علينا، ونقف ~~له بالمرصاد ونضرب على يده لأنه لو تركنا هؤلاء المفسدين في مجتمعنا فسوف ~~يفسدون علينا هذه النعم، وسنظل مهددين، لا نشعر بلذة الحياة ~~ومتعها. إذن: لا تتم النعمة إلا بحفظ السلامة العامة للمجتمع. وقوله: { ~~لعلكم تسلمون } [النحل: 81]. تسلمون: أي تلقون زمام ~~الاستسلام إلى الله الذي أسلمت له، وأنت لا تلقي زمامك إلا لمن تثق ~~فيه.. والإنسان قد يلقي زمامه في أمر لا يجيده إلى إنسان مثله يجيد هذا ~~الأمر، فإذا كنت في حاجات نفسك تلقي زمامك لمن هو مثلك، ويساويك في ~~قلة المعلومات، ويساويك في قلة الحكمة، ومع ذلك تسلم إليه أمرك ~~لمجرد أنه يجيد شيئا لا تجيده أنت، أفلا تلقي زمامك وتسلم أمرك إلى ~~ربك وخالقك، وخالق كل هذه النعم من أجلك؟ إذن: جاء ذكر هذه النعم، ~~ثم الأمر بإسلام الوجه لله والتسليم له سبحانه حتى نسلم عن يقين ~~واقتناع، فالحق تبارك وتعالى ليس له مصلحة في طاعتنا، ولا تضره معصيتنا، ~~إن أطعناه فلن نزيد في ملكه سبحانه، وإن عصيناه فلن ننقص من ملكه ~~سبحانه. إذن: تسليمنا الأمر والزمام لله من مصلحتنا نحن.. فالإنسان حينما ~~يسلم زمامه إلى غيره قد يكون للغير مصلحة تلوي رأيه في المسألة، ~~إنما ربنا سبحانه حينما يوجه إلينا حكما فليس له مصلحة فيه فلا ~~يلوى، لا يكون إلا لصالحك. وبعد أن عدد هذه النعم في الذات ~~والمحيطات وفي السكن وفي الانطباعات. قال: إياك بعد ذلك أن تسلم زمامك ~~لغيري، وإن أجريت عليك ما يخرجك عن نفع السلامة لأنني لا أجري عليك ما ~~يخرجك عن نفس السلامة إلا لغرض أسلم منه. لذلك نقول: لا عبادة كالتسليم ~~لأن التسليم لحكمه تسليم لحكيم، تسليم لغير منتفع.. وما دمت قد ~~سلمت زمامك لربك عز وجل يجلي لك الحكمة فيما جرى لك من الأحداث ~~لتعلم رضاك عن حكمه لحكمته، فتقول: أنا رضيت بحكمك يا رب. ولذلك نقول ~~في الدعاء: أحمدك على ms5646 كل قضائك، وجميع قدرك حمد الرضا بحكمك ~~لليقين بحكمتك. أي: لك حكمة يارب فيما أجريت علي من أحداث، ولكني لا ~~أراها. والذي يعلم مكانة التسليم لله تعالى فيما يجرى عليه من أحداث وما ~~يقع به من بلاء لا يضجر ولا يسخط لأنه بذلك يطيل على نفسه أمد القضاء ~~لأن الله لا يرفع قضاءه عن عبده حتى يرضى به، فالله تعالى لا مجبر له. # فإن أردت رفع القضاء فارض به أولا، وإذا لم يرفع عنك القضاء فاعلم ~~أن مكان الرضى من نفسك لم يكن مقبولا، قد ترضى بلسانك ولكن قلبك لا ~~يزال ساخطا ضجرا. فالذي يسلم زمامه إلى الله ويرد كل حدث وقع أو ~~بلاء نزل به يرده إلى الله، وإلى حكمة مجريه، الله تعالى يقول له: ~~لقد فهمت عني، ويرفع عنه البلاء. وفي مقام التسليم لله دائما نذكر قصة ~~سيدنا إبراهيم حينما أمره ربه بذبح ولده إسماعيل - عليهما السلام.. وهل ~~هناك بلاء أكثر من أن يبتلى الرجل بذبح ولده الذي رزقه على كبر، ~~ويذبحه هو بيده. إنه ابتلاء من مراتب متعددة، ومن نواح مختلفة، ~~وليت الأمر بوحي ظاهر، ولكنه بمنام كان يستطيع أن يتأول فيه، ولكن ~~رؤيا الأنبياء حق. ونرى إبراهيم - عليه السلام - يقص على ولده المسألة ~~حرصا عليه أن يتحول قلبه عن أبيه ساعة يأخذه ليذبحه، وأيضا لكي ~~يشاركه ولده في الرضا بقدر الله، ولا يحرم ثواب هذا الابتلاء.. فقال له: # إني أرى في المنام أني أذبحك.. # [الصافات: 102]. فليس الغرض هنا أن يزعجه أو يخيفه، ولكن ليقول له: ~~هذه مسألة تعبدية أمرنا بها الخالق سبحانه ليكون على بصيرة هو أيضا، ولا ~~يتغير قلبه على أبيه. ولذلك كان الولد حكيما في الرد، فقال: # قال يأبت افعل ما تؤمر.. # [الصافات: 102]. ما دام الأمر من الله فافعل، وهكذا سلم إسماعيل كما ~~سلم إبراهيم، فقال تعالى: # فلما أسلما وتله للجبين # [الصافات: 103]. أسلما: أي الأب والابن، ورضيا بقضاء الله، جاء الفرج ~~ورفع القضاء، فقد فهم كل منهما الأمر عن الله، فلم يرفع القضاء وفقط، ms5647 ~~بل وفديناه بذبح عظيم، ليس هذا وفقط، بل ومننا عليه بولد آخر: # وبشرناه بإسحاق.. # [الصافات: 112]. إذن: لعلكم تسلمون زمامكم إلى الله، وتعلمون أنه خلق ~~لكم الكون قبل أن يوجدكم فيه، وأمدكم بكل متطلبات الحياة ضمانا لبقاء ~~حياتكم، وضمانا لبقاء نوعكم، ومتعكم هذه المتع. فالذي أنعم عليكم بهذا ~~كله عن غير حاجة له عندكم جدير أن تسلموا له زمام أمركم وتسلموا له. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { فإن تولوا... }. ### || [16.82] # أي: لا تحزن يا محمد إذا أعرض قومك، فلست مأمورا إلا بالبلاغ، ويخاطبه ~~الحق سبحانه في آية أخرى: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. أي: مهلكها. وقال تعالى: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4]. لكن الدين لا يقوم على السيطرة على القالب، وفرق بين ~~السيطرة على القالب والسيطرة على القلب، فيمكنك بمسدس في يدك أن ترغمني ~~على ما تريد، لكنك لا تستطيع أبدا أن ترغم قلبي على شيء لا يؤمن به، ~~والله يريد منا القلوب لا القوالب، ولو أراد منا القوالب لجعلها ~~راغمة خاضعة لا يشذ منها واحد عن مراده سبحانه. ولذلك حينما أرسل الله ~~سليمان - عليه السلام - وجعله ملكا رسولا لم يقدر أحد أن يقف في وجهه، ~~أو يعارضه لما له من السلطان والقوة إلى جانب الرسالة.. أما الأمر في ~~دعوته صلى الله عليه وسلم فقائم على البلاغ فقط دون إجبار. وقوله: { ~~البلاغ المبين } [النحل: 82]. أي: البلاغ التام الكامل الذي يشمل ~~كل جزئيات الحياة وحركاتها، فقد جاء المنهج الإلهي شاملا للحياة بداية ~~بقول: لا إله إلا الله حتى إماطة الأذى عن الطريق، فلم يترك شيئا إلا ~~حدثنا فيه، فهذا بلاغ مبين محيط لمصالح الناس.. فلا يأتي الآن من ~~يتمحك ويقول: ربنا ترك كذا أو كذا.. فمنهج الله كامل، فلو لم تأخذوه ~~دينا لوجب عليكم أن تأخذوه نظاما. ونرى الآن الأمم التي تعادي الإسلام ~~تتعرض لمشاكل في حركة الحياة لا يجدون لها حلا في قوانينهم، فيضطرون ~~لحلول أخرى تتوافق تماما أو قريبا من حل القرآن ms5648 ومنهج الحق سبحانه ~~وتعالى. ثم يقول الحق سبحانه: { يعرفون نعمت الله... }. ### || [16.83] # وقد حكى القرآن عنهم في آيات أخرى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون # [الزخرف: 87]. وقال عنهم: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم.. # [النمل: 14]. ذلك لأنهم يعلمون تماما أن الله خلقهم، وأنه خلق السموات ~~والأرض.. يعلمون كل نعم الله عليهم، ومع ذلك ينكرونها ويجحدونها.. ~~لماذا؟ لأن الإيمان بالله والاعتراف بنعمه مسألة شاقة عليهم، ولو كانت ~~مجرد كلمة تقال لقالوها.. ما أسهل أن يقولوا " لا إله إلا الله " لكنهم ~~يعلمون أن: لا إله إلا الله لها مطلوبات، فما دام لا إله إلا الله، فلا ~~يشرع إلا الله، ولا يأمر إلا الله، ولا ينهى إلا الله، ولا يحل ~~إلا الله، ولا يحرم إلا الله. إذن: مطلوبات لا إله إلا الله جعلتهم في ~~قالب من حديد، منضبطين بمنهج يهدم سيادتهم، ويمنع الطغيان والجبروت، منهج ~~يسوي بين السادة والعبيد. إذن: الدين الحق يقيد حركتهم، وهم لا ~~يريدون ذلك، فتراهم يعرفون الله ولا يؤمنون به لأنهم يعلمون مطلوبات لا ~~إله إلا الله محمد رسول الله، وإلا لو كانت مجرد كلمة لقالوها. وقوله: { ~~وأكثرهم الكافرون } [النحل: 83]. بعض العلماء يقولون: أكثرهم ~~يعني كلهم.. لا.. بل هذا أسلوب قرآني لصيانة الاحتمال وللاحتياط للقلة ~~التي تفكر في الإسلام ويراودها أمر هذا الدين الجديد من هؤلاء الكفار، لا ~~بد أن نراعي أمر هذه القلة، ونترك لهم الباب مفتوحا، فالاحتمال هنا ~~قائم.. فلو قال القرآن: كلهم كافرون لتعارض ذلك مع هؤلاء الذين يفكرون في ~~أن يسلموا.. وكذلك مراعاة لهؤلاء الذين لم يبلغوا حد التكليف من ~~أبناء الكفار. إذن: قوله { وأكثرهم } تعبير دقيق، فيه ما نسميه ~~صيانة الاحتمال. ثم يقول تعالى: { ويوم نبعث... }. ### || [16.84] # الحق تبارك وتعالى ينبهنا هنا إلى أن المسألة ليست دينا، وتنتهي ~~القضية آمن من آمن، وكفر من كفر.. إنما ينتظرنا بعث وحساب وثواب ~~وعقاب.. مرجع إلى الله تعالى ووقوف بين يديه، فإن لم تذكر الله بما أنعم ~~عليك سابقا فاحتط للقائك به لاحقا. والشهيد: هو نبي الأمة ms5649 الذي يشهد ~~عليهم بما بلغهم من منهج الله. وقال تعالى في آية أخرى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.. # [البقرة: 143]. فكأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعطاها الله أمانة ~~الشهادة على الخلق لأنها بلغتهم، فكل من آمن برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مطلوب منه أن يبلغ ما بلغه الرسول، ليكون شاهدا على من ~~بلغه أنه بلغه: { ثم لا يؤذن للذين كفروا.. } [النحل: ~~84]. فحينما يشهد عليهم الشهيد لا يؤذن لهم في الاعتذار، كما قال ~~تعالى في آية أخرى: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36]. أو حينما يقول أحدهم: # رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت.. # [المؤمنون: 99-100]. فلا يجاب لذلك لأنه لو عاد إلى الدنيا لفعل كما ~~كان يفعل من قبل، فيقول تعالى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه.. # [الأنعام: 28]. وقوله: { ولا هم يستعتبون.. } [النحل: 84]. ~~يستعتبون: مادة استعتب من العتاب، والعتاب مأخوذ من العتب، وأصله الغضب ~~والموجدة تجدها على شخص آخر صدر منه نحوك ما لم يكن متوقعا منه.. فتجد ~~في نفسك موجدة وغضبا على من أساء إليك. فإن استقر العتب الذي هو ~~الغضب والموجدة في النفس، فأنت إما أن تعتب على من أساء إليك وتوضح ~~له ما أغضبك، فربما كان له عذر، أو أساء عن غير قصد منه، فإن أوضح لك ~~المسألة وأرضاك وأذهب غضبك فقد أعتبك.. فنقول: عتب فلان على فلان ~~فأعتبه، أي: أزال عتبه. والإنسان لا يعاتب إلا عزيزا عليه يحرص على ~~علاقته به، ويضعه موضعا لا تتأتى منه الإساءة، ومن حقه عليك أن تعاتبه ~~ولا تدع هذه الإساءة تهدم ما بينكما. إذن: معنى: { ولا هم ~~يستعتبون } [النحل: 84]. أي: لا يطلب أحد منهم أن يرجعوا عما ~~أوجب العتب وهو كفرهم.. فلم يعد هناك وقت لعتاب لأن الآخرة دار حساب، ~~وليست دار عمل أو توبة.. لم تعد دار تكليف. ويقول الحق تبارك وتعالى: ~~{ وإذا رأى الذين ظلموا... }. ### || [16.85] # { رأى الذين ظلموا العذاب.. } [النحل: 85]. كأن العذاب ~~سينصب أمامهم، فيرونه قبل أن يباشروه، وهكذا ms5650 يجمع الله عليهم ألوانا من ~~العذاب لأن إدراكات النفس تتأذى بالمشاهدة قبل أن تألم الأحاسيس بالعذاب ~~لذلك قال: { فلا يخفف عنهم.. } [النحل: 85]. وقوله: { ولا ~~هم ينظرون.. } [النحل: 85]. أي: لا يمهلون ولا يؤجلون. ويقول ~~الحق سبحانه: { وإذا رأى الذين أشركوا... }. ### || [16.86] # ذلك حينما يجمع الله المشركين وشركاءهم من شياطين الإنس والجن والأصنام، ~~وكل من أشركوه مع الله وجها لوجه يوم القيامة، وتكون بينهما هذه ~~المواجهة.. حينما يرى المشركون شركاءهم الذين أضلوهم وزينوا لهم ~~المعصية، وزينوا لهم الشرك والكفر بالله.. يقولون: هؤلاء هم سبب ضلالنا ~~وكفرنا.. كما قال تعالى عنهم في آية أخرى: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب # [البقرة: 166]. ويقول تعالى: # يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا ~~أنتم لكنا مؤمنين # [سبأ: 31]. وقوله: { فألقوا إليهم القول.. } [النحل: 86]. ~~أي: ردوا عليهم بالمثل، وناقشوهم بالحجة، كما قال تعالى في حق ~~الشيطان. # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ ~~أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22]. إذن: ردوا عليهم القول: ما كان عليكم سلطان. نحن ~~دعوناكم فاستجبتم لنا، ولم يكن لنا قوة ترغمكم على الفعل، ولا حجة ~~تقنعكم بالكفر ولذلك يتهمونهم بالكذب: { إنكم لكاذبون } ~~[النحل: 86]. أي: كاذبون في هذه الدعوى. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وألقوا إلى الله... }. ### || [16.87] # السلم: أي الاستسلام.. فقد انتهى وقت الاختيار ومضى زمن المهلة، ~~تعمل أو لا تعمل. إنما الآن # لمن الملك اليوم # ؟ الأمر والملك لله، وما داموا لم يسلموا طواعية واختيارا، ~~فليسلموا له قهرا ورغما عن أنوفهم. وهنا تتضح لنا ميزة من ~~ميزات الإيمان، فقد جعلني استسلم لله عز وجل مختارا، بدل أن استسلم ~~قهرا يوم أن تتكشف الحقيقة على أنه لا إله إلا الله، وسوف يواجهني ~~سبحانه وتعالى في يوم لا اختيار لي فيه. وقوله: { وضل عنهم ما ~~كانوا يفترون } [النحل: 87]. كلمة: الضلال ترد بمعان متعددة، ~~منها: ضل أي غاب عنهم شفعاؤهم، فأخذوا يبحثون عنهم فلم يجدوهم، ومن ~~هذا المعنى قوله تعالى: # أإذا ضللنا في ms5651 الأرض أإنا لفي خلق جديد.. # [السجدة: 10]. أي: يغيبوا في الأرض، حيث تأكل الأرض ذراتهم، وتغيبهم ~~في بطنها.. وكذلك نقول: الضالة أي الدابة التي ضلت أي: غابت عن ~~صاحبها. ومن معاني الضلال: النسيان، ومنه قوله تعالى: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى.. # [البقرة: 282]. ومن معانيه: التردد، كما في قوله تعالى: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7]. فلم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم منهج ثم تركه ~~وانصرف عنه وفارقه، ثم هداه الله.. بل كان صلى الله عليه وسلم متحيرا ~~مترددا فيما عليه سادة القوم وأهل العقول الراجحة من أفعال تتنافى مع ~~العقل السليم والفطرة النيرة، فكانت حيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فيما يراه من أفعال هؤلاء وهو لا يعرف حقيقتها. فقوله: { وضل ~~عنهم.. } [النحل: 87]. أي: غاب عنهم: { ما كانوا يفترون } ~~[النحل: 87]. أي: يكذبون من ادعائهم آلهة وشفعاء من دون الله. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { الذين كفروا... }. ### || [16.88] # هنا فرق بين الكفر والصد عن سبيل الله، فالكفر ذنب ذاتي يتعلق ~~بالإنسان نفسه، لا يتعداه إلى غيره.. فاكفر كما شئت والعياذ بالله ~~أنت حر!! أما الصد عن سبيل الله فذنب متعد، يتعدى الإنسان إلى ~~غيره، حيث يدعو غيره إلى الكفر، ويحمله عليه ويزينه له.. فالذنب هنا ~~مضاعف، ذنب لكفره في ذاته، وذنب لصده غيره عن الإيمان، لذلك يقول تعالى ~~في آية أخرى: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم.. # [العنكبوت: 13]. فإن قال قائل: كيف وقد قال تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى.. # [الأنعام: 164]. نقول: لا تعارض بين الآيتين، فكل واحد سيحمل وزره، ~~فالذي صد عن سبيل الله يحمل وزرين، أما من صده عن سبيل الله ~~فيحمل وزر كفره هو. وقوله: { زدناهم عذابا فوق العذاب.. ~~} [النحل: 88]. العذاب الأول على كفرهم، وزدناهم عذابا على كفر غيرهم ~~ممن صدوهم عن سبيل الله. ولذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ~~ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". # فإياك أن تقع ms5652 عليك عين المجتمع أو أذنه وأنت في حال مخالفة لمنهج ~~الله لأن هذه المخالفة ستؤثر في الآخرين، وستكون سببا في مخالفة أخرى بل ~~مخالفات، وسوف تحمل أنت قسطا من هذا.. فأنت مسكين تحمل سيئاتك وسيئات ~~الآخرين. وقوله: { بما كانوا يفسدون } [النحل: 88]. والإفساد: ~~أن تعمد إلى شيء صالح أو قريب من الصلاح فتفسده، ولو تركته وشأنه ~~لربما يهتدي إلى منهج الله.. إذن: أنت أفسدت الصالح ومنعت القابل للصلاح ~~أن يصلح. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { ويوم نبعث في... }. ### || [16.89] # قوله: { من أنفسهم.. } [النحل: 89]. يعني من جنسهم. والمراد: ~~أهل الدعوة إلى الله من الدعاة والوعاظ والأئمة الذين بلغوا الناس ~~منهج الله، هؤلاء سوف يشهدون أمام الله سبحانه على من قصر في منهج ~~الله. وقد يكون معنى: { من أنفسهم.. } [النحل: 89]. أي: جزء من ~~أجزائهم وعضوا من أعضائهم، كما قال تعالى: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. وقوله: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا.. # [فصلت: 21]. والشهيد إذا كان من ذات الإنسان وبعض من أبعاضه فلا شك أن ~~حجته قوية وبينته واضحة. وقوله: { وجئنا بك شهيدا على ~~هؤلآء.. } [النحل: 89]. أي: شهيدا على أمتك كأنه صلى الله عليه ~~وسلم شهيد على الشهداء. { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء.. } [النحل: 89]. الكتاب: القرآن الكريم.. تبيانا: أي ~~بيانا تاما لكل ما يحتاجه الإنسان، وكلمة شيء تسمى جنس الأجناس. أي: ~~كل ما يسمى " شيء " فبيانه في كتاب الله تعالى. فإن قال قائل: إن ~~كان الأمر كذلك، فلماذا نطلب من العلماء أن يجتهدوا ليخرجوا لنا ~~حكما معينا؟ نقول: القرآن جاء معجزة، وجاء منهجا في الأصول، وقد ~~أعطى الحق تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم حق التشريع، فقال ~~تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. إذن: فسنة الرسول صلى الله عليه وسلم قولا أو فعلا ~~أو تقريرا ثابتة بالكتاب، وهي شارحة له وموضحة، فصلاة المغرب مثلا ~~ثلاث ركعات، فأين هذا في كتاب الله؟ نقول في قوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه.. # [الحشر: 7]. # " وقد بين الرسول ms5653 صلى الله عليه وسلم هذه القضية حينما أرسل معاذ بن ~~جبل رضي الله عنه - قاضيا لأهل اليمن، وأراد أن يستوثق من إمكانياته في ~~القضاء. فسأله: " بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: ~~فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو - أي لا ~~أقصر في الاجتهاد. فقال صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذي وفق ~~رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله ". # إذن: فالاجتهاد مأخوذ من كتاب الله، وكل ما يستجد أمامنا من قضايا لا ~~نص فيها، لا في الكتاب ولا في السنة، فقد أبيح لنا الاجتهاد فيها. ~~ونذكر هنا أن الإمام محمد عبده - رحمه الله - حدث عنه وهو في باريس أن ~~أحد المستشرقين قال له: أليس في آيات القرآن: # ما فرطنا في الكتاب من شيء.. # [الأنعام: 38]. قال: بلى، قال له: فهات لي من القرآن: كم رغيفا يوجد في ~~أردب القمح؟ فقال الشيخ: نسأل الخباز فعنده إجابة هذا السؤال. # . فقال المستشرق: أريد الجواب من القرآن الذي ما فرط في شيء، فقال ~~الشيخ: هذا القرآن هو الذي علمنا فيما لا نعلم أن نسأل أهل الذكر فقال: # فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [الأنبياء: 7]. إذن: القرآن أعطاني الحجة، وأعطاني ما أستند إليه حينما ~~لا أجد نصا في كتاب الله، فالقرآن ذكر القواعد والأصول، وأعطاني حق ~~الاجتهاد فيما يعن لي من الفروع، وما يستجد من قضايا، وإذا وجد في ~~القرآن حكم عام وجب أن يؤخذ في طيه ما يؤخذ منه من أحكام صدرت عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأن الله وكله. فقال: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. وكذلك الإجماع من الأمة لأن الله تعالى قال: # ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى.. # [النساء: 115]. وكل اجتهاد يرد إلى أهل الاجتهاد: # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم.. # [النساء: 83]. إذن: فكل ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن ~~الإجماع وعن الأئمة المجتهدين موجود في القرآن، ms5654 فهو إذن صادق. ويجب هنا ~~أن نفرق بين الأشياء والقضايا فهي كثيرة، فما الذي يتعرض له القرآن؟ ~~يتعرض القرآن للأحكام التكليفية المطلوبة من العبد الذي آمن بالله، وهناك ~~أمور كونية لا يتأثر انتفاع الإنسان بها بأن يعلمها، فهو ينتفع بها سواء ~~علمها أو جهلها، فكون الأرض كروية الشكل، وكونها تدور حول الشمس، ~~وغير هذه الأمور من الكونيات إن علمها فبها ونعمت، وإن جهلها لا يمنعه ~~جهله من الانتفاع بها. فالأمي الذي يعيش في الريف مثلا ينتفع ~~بالكهرباء، وهو لا يعلم شيئا عن طبيعتها وكيفية عملها، ومع ذلك ينتفع ~~بها، مجرد أن يضع أصبعه على زر الكهرباء تضيء له. فلو أن الحق تبارك ~~وتعالى أبان الآيات الكونية إبانة واضحة ربما صد العرب الذين لا ~~يعرفون شيئا عن حركة الكون، وليس لديهم من الثقافة ما يفهمون به مقاصد ~~القرآن حول الآيات الكونية ولذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الأهلة، كما حكى القرآن الكريم: # يسألونك عن الأهلة.. # [البقرة: 189]. والأهلة: جمع هلال، وهو ما يظهر من القمر في بداية الشهر ~~حيث يبدو مثل قلامة الظفر، ثم يزداد تدريجيا إلى أن يصل إلى مرحلة ~~البدر عند تمام استدارته، ثم يتناقص تدريجيا أيضا إلى أن يعود إلى ما ~~كان عليه، هذه عجيبة يرونها بأعينهم، ويسألون عنها. ولكن، كيف رد ~~عليهم القرآن؟ لم يوضح لهم القرآن الكريم كيف يحدث الهلال، وأن الأرض ~~إذا حالت بين الشمس والقمر وحجبت عنه ضوء الشمس نتج عن ذلك وجود الهلال ~~ومراحله المختلفة. فهذا التفصيل لا تستوعبه عقولهم، وليس لديهم من ~~الثقافة ما يفهمون به مثل هذه القضايا الكونية لذلك يقول لهم: اصرفوا ~~نظركم عن هذه، وانظروا إلى حكمة الخالق سبحانه في الأهلة: # قل هي مواقيت للناس والحج.. # [البقرة: 189]. فردهم إلى أمر يتعلق بدينهم التقليدي، فاهتم ببيان ~~الحكمة منها، وفي نفس الوقت ترك هذه المسألة للزمن يشرحها لهم، حيث ~~سيجدون في القرآن ما يعينهم على فهم هذا الموضوع. إذن: قوله تعالى: # من شيء.. # [الأنعام: 38]. أي: من كل شيء تكليفي، ms5655 إن فعله المؤمن أثيب، وإن لم ~~يفعله يعاقب، أما الأمور الكونية فيعطيهم منها على قدر وعيهم لها، ~~ويترك للزمن مهمة الإبانة بما يحدث فيه من فكر جديد. لذلك نرى القرآن ~~الكريم لم يفرغ عطاءه كله في القرآن الذي نزل فيه، فلو فعل ذلك لاستقبل ~~القرون الأخرى بغير عطاء، فالعقول تتفتح على مر العصور وتتفتق عن ~~فكر جديد، ولا يصح أن يظل العطاء الأول هو نفسه لا يتجدد، لا بد أن ~~يكون لكل قرن عطاء جديد يناسب ارتقاءات البشر في علومه الكونية. # " والرسول صلى الله عليه وسلم حينما رأى الناس يؤبرون النخل، أي: ~~يلقحونه. وهو ما يعرف بعملية الإخصاب، حيث يأخذون من الذكر ويضعون في ~~الأنثى، فماذا قال لهم؟ قال: لو لم تفعلوا لأثمر، ففي الموسم القادم ~~تركوا هذه العملية فلم يثمر النخل، فلما سئل صلى الله عليه وسلم قال: " ~~أنتم أعلم بشئون دنياكم ". # فهذا أمر دنيوي خاضع للتجربة ووليد بحث معملي، وليس من مهمة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم توضيح هذه الأمور التي يتفق فيها الناس وتتفق فيها ~~الأهواء، إنما الأحكام التكليفية التي تختلف فيها الأهواء فحسمها الحق ~~بالحكم. فمثلا في العالم موجات مادية تهتم بالاكتشافات والاختراعات ~~والاستنباطات التي تسخر أسرار الكون لخدمة الإنسان، فهل يختلف الناس حول ~~معطيات هذه الموجة المادية؟ هل نقول مثلا: هذه كهرباء أمريكاني، وهذه ~~كهرباء روسي؟ هل نقول: هذه كيمياء إنجليزي، وهذه كيمياء ألماني؟ فهذه ~~مسألة وليدة المعمل والتجربة يتفق فيها كل الناس، في حين نجدهم يختلفون ~~في أشياء نظرية ويتحاربون من أجلها، فهذه اشتراكية، وهذه رأسمالية، وهذه ~~وجودية، وتلك علمانية.. الخ، فجاء الدين ليحسم ما تختلف فيه الأهواء. ~~لذلك نرى كل معسكر يحاول أن يسرق ما توصل إليه المعسكر الآخر من ~~اكتشافات واختراعات، ويرسل جواسيسه ليتابعوا أحدث ما توصل إليه غيرهم، ~~فهل يسرقون الأمور النظرية أيضا؟ لا.. بل على العكس تجدهم يضعون الحواجز ~~والاحتياطات لكي لا تنتقل هذه المبادئ إلى بلادهم وإلى أفكار مواطينهم. ~~وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم من نفسه مثالا ms5656 ونموذجا لتوضيح هذه ~~المسألة، مع أنه قد يقول قائل: لا يصح في حق رسول الله أن يشير على ~~الناس بشيء ويتضح خطأ مشورته، إنما الرسول هنا يريد أن يؤصل قاعدة في ~~نفوس المتكلمين في شئون الدين: إياكم أن تقحموا أنفسكم في الأمور ~~المادية المعملية التطبيقية، فهذه أمور يستوي فيها المؤمن والكافر. # ولذلك عندما اكتشف العلماء كروية الأرض، وأنها تدور حول الشمس اعترض ~~على ذلك بعض رجال الدين ووضعوا أنوفهم في قضية لا دخل للدين فيها، وقد ~~حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك. وما قولكم بعد أن صعد ~~العلماء إلى كواكب أخرى، وصوروا الأرض، وجاءت صورتها كروية فعلا؟ فلا ~~تفتحوا على أنفسكم باسم الدين بابا لا تستطيعون غلقه. وقوله تعالى: { ~~وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } [النحل: 89]. الحق ~~تبارك وتعالى وصف القرآن هنا بأنه هدى، فإذا كان القرآن قد نزل تبيانا ~~فكان التوافق يقتضي أن يقول: وهاديا، لكن لم يصف القرآن بأنه هاد، بل ~~هدى، وكأنه نفس الهدى لأن هاديا ذات ثبت لها الهداية، إنما هدى: ~~يعني هو جوهر الهدى، كما نقول: فلان عادل. وفي المبالغة نقول: فلان ~~عدل. كأن العدل مجسم فيه، وليس مجرد واحد ثبتت له صفة العدل. وكذلك ~~مثل قولنا عالم وعليم، وقد قال تعالى: # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف: 76]. فما معنى الهدى؟ هو الدلالة على الطريق الموصل للغاية من ~~أقرب الطرق. { ورحمة } مرة يوصف القرآن بأنه رحمة، ومرة بأنه: # شفآء ورحمة.. # [الإسراء: 82]. والشفاء: أن يوجد داء يعالجه القرآن، والرحمة: هي ~~الوقاية التي تمنع وجود الداء، وما دام القرآن كذلك فمن عمل بمنهجه فقد ~~بشر بالثواب العظيم من الله تعالى، الثواب الخالد في نعيم دائم. ثم ~~يقول الحق تبارك وتعالى: { إن الله يأمر... }. ### || [16.90] # للحق تبارك وتعالى في هذه الآية ثلاثة أوامر: العدل، والإحسان، وإيتاء ~~ذي القربى. وثلاثة نواه: عن الفحشاء والمنكر والبغي. ولما نزلت هذه ~~الآية قال ابن مسعود: أجمع آيات القرآن للخير هذه الآية لأنها جمعت كل ~~الفضائل التي يمكن أن تكون في القرآن ms5657 الكريم. ولذلك سيدنا عثمان بن مظعون ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب له أن يسلم، وكان يعرض عليه ~~الإسلام دائما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحب عرض الإسلام على ~~أحد إلا إذا كان يرى فيه مخايل وشيما تحسن في الإسلام. وكأنه - صلى ~~الله عليه وسلم - ضن بهذه المخايل أن تكون في غير مسلم، لذلك كان ~~حريصا على إسلامه وكثيرا ما يعرضه عليه، إلا أن سيدنا عثمان بن مظعون ~~تريث في الأمر، إلى أن جلس مع الرسول صلى الله عليه وسلم في مجلس، فرآه ~~رفع بصره إلى السماء ثم تنبه، فقال له ابن مظعون: ما حدث يا رسول الله؟ ~~فقال: إن جبريل - عليه السلام - قد نزل علي الساعة بقول الله تعالى: { ~~إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~يعظكم لعلكم تذكرون } [النحل: 90]. قال ابن مظعون - رضي ~~الله عنه: فاستقر حب الإيمان في قلبي بهذه الآية الجامعة لكل خصال ~~الخير. ثم ذهب فأخبر أبا طالب، فلما سمع أبو طالب ما قاله ابن مظعون في ~~هذه الآية قال: يا معشر قريش آمنوا بالذي جاء به محمد، فإنه قد جاءكم ~~بأحسن الأخلاق. # " ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعرض نفسه على قبائل ~~العرب، وكان معه أبو بكر وعلي، قال علي: فإذا بمجلس عليه وقار ومهابة، ~~فأقبل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شهادة ألا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله، فقام إليه مقرون بن عمرو وكان من شيبان ابن ~~ثعلبة فقال: إلى أي شيء تدعونا يا أخا قريش؟ فقال صلى الله عليه وسلم: { ~~إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~يعظكم لعلكم تذكرون }. فقال مقرون: إنك دعوت إلى مكارم ~~الأخلاق وأحسن الأعمال، أفكت قريش إن خاصمتك وظاهرت عليك ". # أخذ عثمان بن مظعون هذه الآية ونقلها إلى عكرمة بن أبي جهل، فأخذها ~~عكرمة ونقلها إلى الوليد بن المغيرة، وقال له: إن آية ms5658 نزلت على محمد تقول ~~كذا وكذا، فأفكر الوليد بن المغيرة - أي: فكر فيما سمع - وقال: والله ~~إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ~~يعلو ولا يعلى عليه، وما هو بقول بشر. # ومع شهادته هذه إلا أنه لم يؤمن، فقالوا: حسبه أنه شهد للقرآن وهو ~~كافر. وهكذا دخلت هذه الآية قلوب هؤلاء القوم، واستقرت في أفئدتهم ~~لأنها آية جامعة مانعة، دعت لكل خير، ونهت عن كل شر. قوله: { ~~إن الله يأمر بالعدل.. } [النحل: 90]. ما العدل؟ العدل هو ~~الإنصاف والمساواة وعدم الميل لأنه لا يكون إلا بين شيئين متناقضين، ~~لذلك سمي الحاكم العادل منصفا لأنه إذا مثل الخصمان أمامه جعل ~~لكل منهما نصف تكوينه، وكأنه قسم نفسه نصفين لا يميل لأحدهما ولا قيد ~~شعرة، هذا هو الإنصاف. ومن أجل الإنصاف جعل الميزان، والميزان تختلف ~~دقته حسب الموزون، فحساسية ميزان البر غير حساسية ميزان الجواهر ~~مثلا، وتتناهى دقة الميزان عند أصحاب صناعة العقاقير الطبية، حيث أقل ~~زيادة في الميزان يمكن أن تحول الدواء إلى سم، وقد شاهدنا تطورا ~~كبيرا في الموازين، حتى أصبحنا نزن أقل ما يمكن تصوره. والعدل دائر في ~~كل أقضية الحياة من القمة في شهادة ألا إله إلا الله إلى إماطة الأذى عن ~~الطريق، فالعدل مطلوب في أمور التكليف كلها، في الأمور العقدية التي هي ~~عمل القلب، وكذلك مطلوب في الأمور العملية التي هي أعمال الجوارح في حركة ~~الحياة. فكيف يكون العدل في الأمور العقدية؟ لو نظرنا إلى معتقدات الكفار ~~لوجدنا بعضهم يقول بعدم وجود إله في الكون، فأنكروا وجوده سبحانه مطلقا، ~~وآخرون يقولون بتعدد الآلهة، هكذا تناقضت الأقوال وتباعدت الآراء، ~~فجاء العدل في الإسلام، فالإله واحد لا شريك له، منزه عما يشبه ~~الحوادث، كما وقف موقف العدل في صفاته سبحانه وتعالى. فلله سمع، ولكن ~~ليس كأسماع المحدثات، لا ننفي عنه سبحانه مثل هذه الصفات فنكون من ~~المعطلة، ولا نشبهه سبحانه بغيره فنكون من المشبهة، بل نقول: ليس ~~كمثله شيء، ونقف موقف العدل والوسطية. ms5659 كذلك من الأمور العقدية التي ~~تجلى فيها عدل الإسلام قضية الجبر والاختيار، حيث اختار موقفا وسطا ~~بين من يقول إن الإنسان يفعل أفعاله باختياره دون دخل لله سبحانه في ~~أعمال العبد ولذلك رتب عليها ثوابا وعقابا. ومن يقول: لا بل كل ~~الأعمال من الله والعبد مجبر عليها. فيأتي الإسلام بالعدالة والوسطية ~~في هذه القضية فيقول: بل الإنسان يعمل أعماله الاختيارية بالقوة التي ~~خلقها الله فيه للاختيار. وفي التشريع والأحكام حدث تباين كبير بين ~~شريعة موسى عليه السلام وبين شريعة عيسى عليه السلام - في القصاص مثلا: ~~في شريعة موسى حيث طغت المادية على بني إسرائيل حتى قالوا لموسى عليه ~~السلام: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153]. فهم لا يفهمون الغيب ولا يقتنعون به، فكان المناسب لهم ~~القصاص ولا بد، ولو تركهم الحق سبحانه لكثر فيهم القتل، فهم لا ~~ينتهون إلا بهذا الحكم الرادع: من قتل يقتل، والقتل أنفى للقتل. # وقد تعدى بنو إسرائيل في طلبهم رؤية الله، فكونك ترى الإله تناقض في ~~الألوهية لأنك حين تراه عينك فقد حددته في حيز. إذن: كونه لا يرى ~~عين الكمال فيه سبحانه وتعالى. وكيف نطمع في رؤيته جل وعلا، ونحن ~~لا نستطيع رؤية حتى بعض مخلوقاته، فالروح التي بين جنبي كل منا ماذا ~~نعرف عن طبيعتها وعن مكانها في الجسم، وبها نتحرك ونزاول أعمالنا، وبها ~~نفكر، وبها نعيش، أين هي؟! فإذا ما فارقت الروح الجسم وأخذ الله سره ~~تحول إلى جيفة يسارع الناس في مواراتها التراب. هل رأيت هذه الروح؟ هل ~~سمعتها؟ هل أدركتها بأي حاسة من حواسك؟! فإذا كانت الروح وهي مخلوقة ~~لله يعجز العقل عن إدراكها، فكيف بمن خلق هذه الروح؟ فمن عظمته سبحانه ~~أنه لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار. كذلك هناك أشياء مما يتطلبها ~~الدين كالحق مثلا، وهو معنى من المعاني التي يدعيها كل الناس، ويطلبون ~~العمل بها، هذا الحق ما شكله؟ ما لونه؟ طويل أم قصير؟! فإذا كنا لا ~~نستطيع أن نتصور الحق وهو مخلوق لله سبحانه، فكيف نتصور الله ونطمع ms5660 في ~~رؤيته؟! ومن إسراف بني إسرائيل في المادية أن جعلوا لله تعالى في التلمود ~~جماعة من النقباء، وجعلوه سبحانه قاعدا على صخرة يدلي رجليه في قصعة ~~من المرمر، ثم أتى حوت.. الخ.. سبحان الله ألهذا الحد وصلت بهم ~~المادية؟ ومن هنا كان الكون في حاجة إلى طاقة روحية، تكون هي أيضا ~~مسرفة في الروحانية ليحدث نوع من التوازن في الكون، فجاءت شريعة عيسى - ~~عليه السلام - بعد مادية مفرطة وإسراف في الموسوية، فكيف يكون حكم ~~القصاص فيها وهي تهدف إلى أن تسمو بروحانيات الناس؟ جاءت شريعة عيسى ~~عليه السلام تهدىء الموقف إذا حدث قتل، فيكفي أن قتل واحد ولنستبقي ~~الآخر ولا نثير ضجة، ونهيج الأحقاد والترة بين الناس، فدعت هذه ~~الشريعة إلى العفو عن القاتل. ثم جاء الإسلام ووقف موقف العدل والوسطية ~~في هذا الحكم، فأقر القصاص ودعا إلى العفو، فأعطى ولي المقتول حق ~~القصاص، ودعاه في نفس الوقت إلى العفو في قوله تعالى: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان.. # [البقرة: 178]. ونلاحظ هنا أن القرآن جعلهم إخوة ليرقق القلوب ويزيل ~~الضغائن. وللقصاص في الإسلام حكم عالية، فليس الهدف منه أن يضخم هذه ~~الجريمة، بل يهدف إلى حفظ حياة الناس كما قال تعالى: # ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب.. # [البقرة: 179]. فمن أراد أن يحافظ على حياته فلا يهدد حياة الآخرين. ~~وحينما يعطي ربنا تبارك وتعالى حق القصاص لولي المقتول ويمكنه ~~منه تبرد ناره، وتهدأ ثورته، فيفكر في العفو وهو قادر على الانتقام، ~~وهكذا ينزع هذا الحكم الغل من الصدور ويطفىء نار الثأر بين الناس. # ولذلك نرى في بعض البلاد التي تنتشر فيها عملية الثأر يأتي القاتل ~~حاملا كفنه على يده إلى ولي المقتول، ويضع نفسه بين يديه معترفا ~~بجريمته: هاأنا بين يديك اقتلني وهذا كفني. ما حدث ذلك أبدا إلا وعفا ~~صاحب الحق وولي الدم، وهذا هو العدل الذي جاء به الإسلام، دين الوسطية ~~والاعتدال. هذا العفو من ولي الدم أداة بناء، ووسيلة محبة، فحين ~~نعطيه حق ms5661 القصاص، ثم هو يعفو، فقد أصبحت حياة القاتل هبة من ولي ~~الدم، فكأنه استأثره واستبقاه بعفوه عنه، وهذا جميل يحفظه أهل القاتل، ~~ويقولون: هذا حقن دم ابننا. موقف آخر لعدالة الإسلام ووسطيته نراها في ~~حكم الحيض مثلا، ففي شريعة موسى - عليه السلام - يخرج الزوج زوجته من ~~البيت طوال مدة الحيض لا يجمعهما بيت واحد. وفي شريعة عيسى - عليه السلام ~~- لا مانع من وجودها في البيت، ولا مانع من معاشرتها والاستمتاع بها. ~~فجاء الإسلام بالعدل في هذه القضية فقال: تبقى المرأة الحائض في بيتها لا ~~تخرج منه، ولكن لا يقربها الزوج طوال مدة الحيض، فقال تعالى: # ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا ~~النسآء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن ~~فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن ~~الله يحب التوابين ويحب المتطهرين # [البقرة: 222]. وكذلك لو أخذنا الناحية الاقتصادية في حياتنا، والتي هي ~~عصب الحياة، والتي بها يتم استبقاء الحياة بالطعام والشراب والملبس ~~وغيره، وبها يتم استبقاء النوع بالزواج، وكل هذا يحتاج إلى حركة إنتاج، ~~وإلى حركة استهلاك، وبالإنتاج والاستهلاك تستمر الحياة، ولو توقف أحدهما ~~لحدث في المجتمع بطالة وفساد. وبناء عليه وزع الحق سبحانه وتعالى ~~المواهب بين العباد، فما أعرفه أنا أخدم به الكل، وما يعرفه الكل يخدمني ~~به، وهكذا تستمر حركة الحياة. والكون الذي تعيش فيه أنت لك فيه مصالح ~~وتراودك فيه آمال، فإن شاركت في حركة الحياة واكتسبت المال الذي هو ~~عصب الحياة فعليك أن توازن بين متطلباتك العاجلة وآمالك في المستقبل. ~~فلو أنفقت جميع ما اكتسبت في نفقاتك الحاضرة فقد ضيعت على نفسك تحقيق ~~الآمال في المستقبل، فلن تجد ما تبني به بيتا مثلا أو تشتري به سيارة، ~~أو ترتقي بمستواك ببعض كماليات الحياة. وهذا ما نسميه الإسراف. وفي ~~المقابل، كما لا يليق بك الإسراف حتى لا يبقى عندك شيء، وكذلك لا يليق بك ~~التقتير والبخل والإمساك فتكنز كل ما تكتسب، ولا تنفق إلا ما يمسك ~~الرمق لأنك في هذه الحالة لن تساهم في عملية الاستهلاك، فتكون ms5662 سببا في ~~بطالة المجتمع وفساد حاله. وقد عالج القرآن هذه القضية علاجا دقيقا في ~~قوله تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط فتقعد ملوما محسورا # [الإسراء: 29]. أي: لا تمسك يدك بخلا وتقتيرا، فتكون ملوما من ~~أهلك وأولادك، ومن الدنيا من حولك، فيكرهك الجميع، وكذلك لا تبسط يدك ~~بالإنفاق بسطا يصل إلى حد الإسراف والتبذير، فيفوتك تحقيق الآمال ~~وتتحسر حينما ترى المقتصد قد حقق ما لم تستطع أنت تحقيقه من آمال ~~الحياة، وترقى هو في حياته وأنت معدم لا تملك شيئا، فكان عليك أن ~~تدخر جزءا من كسبك يمكنك أن ترتقي به حينما تريد. ولذلك قال تعالى: # إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين # [الإسراء: 27]. وقال: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67]. إذن: فالعدل أمر دائر في كل حركات التكليف، سواء كان ~~تكليفا عقديا، أو تكليفا بواسطة الأعمال في حركة الحياة، فالأمر ~~قائم على الوسطية والاعتدال، ومن هنا قالوا: خير الأمور الوسط. وقوله: ~~{ والإحسان.. } [النحل: 90]. ما الإحسان؟ إذا كان العدل أن تأخذ ~~حقك، وأن تعاقب بمثل ما عوقبت به كما قال تعالى: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم.. # [البقرة: 194]. وقوله: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. # [النحل: 126]. فالإحسان أن تترك هذا الحق، وأن تتنازل عنه ابتغاء ~~وجه الله، عملا بقوله تعالى: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. والناس في الإحسان على مراتب مختلفة حسب قدرة الإنسان ~~واستعداده الخلقي. وأول هذه المراتب كظم الغيظ، من كظم القربة ~~المملوءة، فالإنسان يكظم غيظه في نفسه، ويحتمل ما يعتلج بداخله على ~~المذنب دون أن يتعدى ذلك إلى الانفعال والرد بالمثل، ولكنه يظل يعاني ~~ألم الغيظ بداخله وتتأجج ناره في قلبه. لذلك يحسن الترقي إلى المرتبة ~~الأعلى، وهي مرتبة العفو، فيأتي الإنسان ويقول: لماذا أدع نفسي فريسة ~~لهذا الغيظ؟ لماذا أشغل به نفسي، وأقاسي ألمه ومرارته؟ فيميل إلى أن ~~يريح نفسه ويقتلع جذور الغيظ من قلبه، فيعفو عمن أساء إليه، ms5663 ويخرج ~~المسألة كلها من قلبه. فإن ارتقى الإنسان في العفو، سعى إلى المرتبة ~~الثالثة، وهي مرتبة أن تحسن إلى من أساء إليك، وتزيد عما فرض لك حيث ~~تنازلت عن الرد بالمثل، وارتقيت إلى درجة العارفين بالله، فالذي ~~اعتدى اعتدى بقدرته، وانتقم بما يناسبه، والذي ترقى في درجات الإحسان ~~ترك الأمر لقدرة الله تعالى، وأين قدرتك من قدرة ربك سبحانه وتعالى؟ ~~إذن: فالإحسان اجمل بالمؤمن، وأفضل من الانتقام. لكن كيف يصل الأمر إلى ~~أن تعفو عمن أساء، بل إلى أن تحسن إليه؟ نقول: هب أن لك ولدين ~~اعتدى أحدهما على الآخر وأساء إليه، فماذا يكون موقفك منهما؟ وإلى أيهما ~~يميل قلبك؟ لا شك أن القلب هنا يميل إلى المعتدى عليه، وقد يتعدى ~~الأمر إلى أن ترضيه بهدية وتريه من حنانك وألطافك ما يذهب عنه ما ~~يعاني، والسبب في ذلك إساءة أخيه له فهي التي عطفت قلبك إليه، وعادت ~~عليه بالهدايا والألطاف. # إذن: من الطبيعي أن يحسن المعتدى عليه إلى المعتدي، وأن يشكر له ~~أن تسبب له في هذه النعم ولذلك يقول الحسن البصري - رحمه الله: أفلا ~~أحسن لمن جعل الله في جانبي؟ فالإحسان: أن تصنع فوق ما فرض الله عليك، ~~بشرط أن يكون من جنس ما فرض الله عليك، ومن جنس ما تعبدنا الله به، ~~فمثلا تعبدنا الله بخمس صلوات في اليوم والليلة فلا مانع من الزيادة ~~عليها من جنسها، وكذلك الأمر في الزكاة والصيام والحج. والإحسان هنا يكون ~~بزيادة ما فرضه الله علينا. وقد يكون الإحسان في الكيفية دون زيادة في ~~العمل، فلا أزيد مثلا عن خمس صلوات، ولكن أحسن ما أنا بصدده من ~~الفرض، وأتقن ما أنا فيه من العمل، وأخلص في ذلك عملا بحديث جبريل ~~عليه السلام - حينما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، فقال: # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". # فعليك أن تستحضر في عبادتك ربك عز وجل بجلاله وجماله وكماله، فإن لم ~~تصل إلى هذه المرتبة فلا ms5664 أقل من أن تؤمن أنه يراك ويطلع عليك، وهذه ~~كافية لأن تعطي العبادة حقها ولا تسرق منها، فاللص لا يجرؤ على سرقة ~~البيت وهو يعلم أن صاحبه يراه، فإذا كنا نفعل ذلك مع بعضنا البعض فيخشى ~~أحدنا نظر الآخرين، أيليق بنا أن نتجرأ على الله ونحن نعلم نظره إلينا؟! ~~ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى في الحديث القدسي: # " يا عبادي، إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن ~~كنتم تعتقدون أني أراكم، فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ ". # وقال بعضهم في معنى العدل والإحسان: العدل: أن تستوي السريرة مع ~~العلانية. والإحسان: أن تعلو السريرة وتكون أفضل من العلانية. والمنكر: ~~إن علت العلانية على السريرة. وقوله تعالى: { وإيتآء ذي ~~القربى } [النحل: 90]. إيتاء: أي إعطاء. قالوا: لأن العالم حلقات ~~مقترنة، فكل قادر حوله أقرباء ضعفاء محتاجون، فلو أعطاهم من خيره، ~~وأفاض عليهم مما أفاض الله عليه لعم الخير كل المجتمع، وما وجدنا ~~معوزا محتاجا ذلك لأن هذه الدوائر ستشمل المجتمع كله، كل قادر يعطي ~~من حوله. وقد تتداخل هذه الدوائر فتلتحم العطاءات وتتكامل، فلا نرى في ~~مجتمعنا فقيرا، وقد حثت الآية على القريب، وحننت عليه القلوب لأن ~~البعيد عنك قريب لغيرك، وداخل في دائرة عطاء أخرى. وقد يكون الفقير ~~قريبا لعدة أطراف يأخذ من هذا ويأخذ من هذا، وبذلك تتكامل الحياة ~~وتستطرق موارد العيش لكل الناس. وقالوا: المراد هنا قرابة النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأن قرابة النبي صلى الله عليه وسلم حرمت عليهم الزكاة التي ~~أحلت لغيرهم من الفقراء، وأصبح لهم ميزة يمتازون بها عن قرابة ~~الرسول، ولا يليق بنا أن نجعل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~حاجة إلى الزكاة، وإن كان أقرباؤكم أصحاب رحم، فلا تنسوا أن قرابة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أولى من أرحامكم، كما قال تعالى: # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم.. # [الأحزاب: 6]. هذه هي مجموعة الأوامر الواردة في هذه الآية، وإن ~~مجتمعا ينفذ مثل هذه الأوامر ويتحلى بها أفراده، مجتمع ترتقي فيه ~~الاستعدادات ms5665 الخلقية، إلى أن يترك الإنسان العقوبة والانتقام ويتعالى عن ~~الاعتداء إلى العفو، بل إلى الإحسان، مجتمع تعم فيه النعمة، ويستطرق ~~فيه الخير إلى كل إنسان. إن مجتمعا فيه هذه الصفات لمجتمع سعيد آمن ~~يسوده الحب والإيمان والإحسان، إنه لجدير بالصدارة بين أمم الأرض كلها. ~~وقوله: { وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي.. } ~~[النحل: 90]. وهذه مجموعة من النواهي تمثل مع الأوامر السابقة منهجا ~~قرآنيا قويما يضمن سلامة المجتمع، وأولى هذه النواهي النهي عن الفحشاء ~~أو الفاحشة، والمتتبع لآيات القرآن الكريم سيجد أن الزنا هو الذنب الوحيد ~~الذي سماه القرآن فاحشة، فهي إذن الزنا، أو كل شيء يخدش حكما من أحكام ~~الله تعالى، ولكن لماذا الزنا بالذات؟ نقول: لأن كل الذنوب الأخرى غير ~~الزنا إنما تتعلق بمحيطات النفس الإنسانية، أما الزنا فيتعلق بالنفس ~~الإنسانية ذاتها، ويترتب عليه اختلاط الأنساب وبه تدنس الأعراض، وبه ~~يشك الرجل في أهله وأولاده، ويحدث بسبب هذا من الفساد ما لا يعلمه إلا ~~الله لذلك نص عليه القرآن صراحة في قوله تعالى: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا # [الإسراء: 32]. ومن أقوال العلماء في الفاحشة: أنها الذنب العظيم الذي ~~يخجل صاحبه منه ويستره عن الناس، فلا يستطيع أن يجاهر به، كأنه هو نفسه ~~حينما يقع فيه يعلم أنه لا يصح، ولا ينبغي لأحد أن يطلع عليه. والمنكر ~~هو الذنب يتجرأ عليه صاحبه، ويجاهر به، ويستنكره الناس. إذن: لدينا هنا ~~مرتبتان من الذنب: الأولى: أن صاحبه يتحرج أن يعرفه المجتمع فيستره في ~~نفسه، وهذا هو الفحشاء. والثانية: ما تعالم به صاحبه وأنكره المجتمع، ~~وهذا هو المنكر. والبغي هو الظلم في أي لون من ألوانه، وهو داخل في ~~أشياء كثيرة أعظمها ما يقع في العقيدة من الشرك بالله، كما قال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. والظلم هنا أن تسلب الحق - تبارك وتعالى - صفة من ~~صفاته، وتشرك معه غيره وهو خلقك ورزقك، ومنه ظلم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم حيث لم يجرب عليه في يوم من الأيام أن قال خطبة أو ms5666 ألقى قصيدة، ~~كما لم يجرب عليه الكذب أو غيره من الصفات الذميمة، ومع هذا كله قالوا ~~عنه حينما نزل عليه القرآن كذاب وساحر ومجنون، وأي ظلم أعظم من هذا؟ ~~ومن الظلم ظلم الإنسان لنفسه حينما يحقق لها شهوة عاجلة ومتعة ~~زائفة، تورثه ندما وحسرة وألما آجلا، وبذلك يكون قد ظلم نفسه ظلما ~~كبيرا وجر عليها ما لا تطيق، ذلك فضلا عن ظلم الإنسان لغيره بشتى ~~أنواع الظلم وأشكاله. # إذن: الآية انتظمت مجموعة من الأوامر والنواهي التي تضمن سلامة المجتمع ~~بما جمعت من مكارم الأخلاق، والأخلاق أعم من أن تكون في الاعتقادات، ~~وأعم من أن تكون في المعجزة إيمانا بها، وأعم من أن تكون في ~~التكاليف، وأعم من أن تكون في أمر لا حد فيه ولا حكم ولا إثم. ~~وقوله: { يعظكم.. } [النحل: 90]. الوعظ: تذكير بالحكم، فعندنا أولا ~~إعلام بالحكم لكي نعرفه، ولكنه عرضة لأن نغفل عنه، فيكون الوعظ ~~والتذكير به، ونحتاج إلى تكرار ذلك حتى لا نغفل. وعادة لا تكون العظة ~~إلا فيما له قيمة، وما دام الشيء له قيمة فلا تصطفي له إلا من تحب، ~~كذلك الحق - تبارك وتعالى - يحب خلقه وصنعته لذلك يعظهم ويذكرهم ~~باستمرار لكي يكونوا دائما على الجادة ليتمتعوا بنعم المسبب في ~~الآخرة، كما تمتعوا بنعمة الأسباب في الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وأوفوا بعهد الله... }. ### || [16.91] # الوفاء: أن تفي بما تعاهدت عليه، والعهود لا تكون في المفروض عليك، ~~إنما تكون في المباحات، فأنت حر أن تلقاني غدا وأنا كذلك، لكن إذا ~~اتفقنا وتعاهدنا على اللقاء غدا في الساعة كذا ومكان كذا فقد تحول ~~الأمر من المباح إلى المفروض، وأصبح كل منا ملزما بأن يفي بعهده ~~لأن كل واحد منا عطل مصالحه ورتب أموره على هذا اللقاء، فلا يصح ~~أن يفي أحدنا ويخلف الآخر، لأن ذلك يتسبب في عدم تكافؤ الفرص، ~~ومعلوم أن مصالح العباد في الدنيا قائمة على الوفاء بالعهد. وقد ينظر ~~البعض إلى الوفاء بالعهد على أنه ملزم به وحده، أو أنه عبء عليه ~~دون ms5667 غيره، لكنه في الحقيقة عليك وعلى غيرك، فكما طلب منك الوفاء طلبه ~~كذلك من الآخرين، فكل تكليف لك لا تنظر إليه هذه النظرة، بل تنظر إليه ~~على أنه لصالحك. فمن أخذ التكليف وأحكام الله من جانبه فقط يتعب، فالحق - ~~تبارك وتعالى - كما كلفك لصالح الناس فقد كلف الناس جميعا لصالحك، ~~فحين نهاك عن السرقة مثلا إياك أن تظن أنه قيد حريتك أمام الآخرين ~~لأنه سبحانه نهى جميع الناس أن يسرقوا منك، فمن الفائز إذن؟ أنا قيدت ~~حريتك بالحكم، وأنت فرد واحد، ولكني قيدت جميع الخلق من أجلك. كذلك ~~حين أمرك الشرع بغض بصرك على محارم الناس، أمر الناس جميعا بغض ~~أبصارهم عن محارمك. إذن: لا تأخذ التكليف على أنه عليك، بل هو لك، وفي ~~صالحك أنت. كثيرون من الأغنياء يتبرمون من الإنفاق، ويضيقون بالبذل، ~~ومنهم من يعد ذلك مغرما لأنه لا يدري الحكمة من تكليف الأغنياء ~~بمساعدة الفقراء، لا يدري أننا نؤمن له حياته. وها نحن نرى الدنيا ~~دولا وأغيارا، فكم من غني صار فقيرا، وكم من قوي صار ضعيفا. إذن: ~~فحينما يأخذ منك وأنت غني نطمئنك: لا تخف إذا ضاقت بك الحال، وإذا ~~تبدل غناك فقرا، فكما أخذنا منك في حال الغنى سنعطيك في حال الفقر، ~~وهكذا يجب أن تكون نظرتنا إلى الأمور التكليفية. وقوله تعالى: { بعهد ~~الله.. } [النحل: 91]. عهد الله: هو الشيء الذي تعاهد الله عليه، وأول ~~عهد لك مع الله تعالى هو الإيمان به، وما دمت قد آمنت بالله فانظر ~~إلى ما طلبه منك وما كلفك به، وإياك أن تخل بأمر من أموره لأن ~~الاختلال في أي أمر تكليفي من الله يعد نقصا في إيمانك لأنك ~~حينما آمنت بالله شهدت بما شهد الله به لنفسه سبحانه في قوله تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18]. فأول من شهد الله سبحانه لنفسه، وهذه شهادة الذات ~~للذات والملائكة أي: شهادة المشاهدة وأولوا العلم أي: بالدليل ~~والحجة. # إذن: فأول عهد بينك وبين الله تعالى أنك آمنت به ms5668 إلها حكيما ~~قادرا خالقا مربيا، فاستمع إلى ما يطلبه منك، فإن لم تستمع ~~وتنفذ فاعلم أن العهد الإيماني الأول قد اختل. ولذلك، فالحق - تبارك ~~وتعالى - لم يكلف الكافر، لأنه ليس بينه وبينه عهد، إنما يكلف من ~~آمن، فتجد كل آية من آيات الأحكام تبدأ بهذا النداء الإيماني: # يأيها الذين آمنوا.. # [البقرة: 183]. كما في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام.. # [البقرة: 183]. فيا من آمنت بي ربا، ورضيتني إلها اسمع مني ~~لأني سأعطيك قانون الصيانة لحياتك، هذا القانون الذي يسعدك بالمسبب في ~~الآخرة بعد أن أسعدك بالأسباب في الدنيا. وقوله: { ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها.. } [النحل: 91]. الأيمان: جمع يمين، ~~وهو الحلف الذي نحلفه ونؤكد عليه فنقول: والله، وعهد الله.. الخ. إذن: ~~فلا يليق بك أن تنقض ما أكدته من الأيمان، بل يلزمك أن توفي ~~بها لأنك إن وفيت بها وفي لك بها أيضا، فلا تأخذ الأمر من جانبك ~~وحدك، ولكن انظر إلى المقابل. وكذلك العهد بين الناس بعضهم البعض مأخوذ ~~من باطن العهد الإيماني بالله تعالى لأننا حينما نتعاهد نشهد الله على ~~هذا العهد، فنقول: بيني وبينك عهد الله، فندخل بيننا الحق سبحانه ~~وتعالى لنوثق ما تعاهدنا عليه، وربنا سبحانه وتعالى يقول: { وقد ~~جعلتم الله عليكم كفيلا.. } [النحل: 91]. أي: شاهدا ~~ورقيبا وضامنا. وقوله: { إن الله يعلم ما تفعلون } ~~[النحل: 91]. أي: اعلم أن الله مطلع عليك، يعلم خفايا الضمائر وما ~~تكنه الصدور، فاحذر حينما تعطي العهد أن تعطيه وأنت تنوي أن تخالفه، ~~إياك أن تعطي العهد خداعا، فربك سبحانه وتعالى يعلم ما تفعل. ثم ~~يعقب الحق سبحانه: { ولا تكونوا كالتي... }. ### || [16.92] # الحق تبارك وتعالى يضرب لنا في هذه الآية مثلا توضيحيا للذين ينقضون ~~العهد والأيمان، ولا يوفون بها، بهذه المرأة القرشية الحمقاء ريطة ~~بنت عامر، وكانت تأمر جواريها بغزل الصوف من الصبح إلى الظهر، ثم ~~تأمرهن بنقض ما غزلنه من الظهر حتى العصر، والمتأمل في هذا المثل يجد ~~فيه دروسا متعددة. أولا: ما الغزل؟ الغزل عملية كان يقوم بها النساء ~~قديما، ms5669 فكن يحضرن المادة التي تصلح للغزل مثل الصوف أو الوبر ومثل ~~القطن الآن، وهذه الأشياء عبارة عن شعيرات دقيقة تختلف في طولها من نوع ~~لآخر يسمونها التيلة، فيقولون " هذه تيلة قصيرة " " وهذه طويلة ". ~~والغزل هو أن نكون من هذه الشعيرات خيطا طويلا ممتدا ~~وانسيابيا دون عقد فيه لكي يصلح للنسج بعد ذلك، وتتم هذه العملية ~~بآلة بدائية تسمى المغزل. تقوم المرأة بخلط هذه الشعيرات الدقيقة ثم ~~برمها بالمغزل، ليخرج في النهاية خيط طويل منساب متناسق لا عقد ~~فيه. والآية هنا ذكرت المرأة في هذا العمل لأنه عمل خاص بالنساء في هذا ~~الوقت دون الرجال، فكانت المرأة تكن في بيتها وتمارس مثل هذه الصناعات ~~البسيطة التي تكون منها أثاث بيتها من فرش وملابس وغيره. وإلى الآن ~~نرى المرأة التي تحافظ على كرامتها من زحمة الحياة ومعترك الاختلاط، ~~نراها تقوم بمثل هذا العمل النسائي. وقد تطور المغزل الآن إلى ماكينة ~~تريكو أو ماكينة خياطة، مما ييسر للنساء هذه الأعمال، ويحفظهن في ~~بيوتهن، وينشر في البيت جوا من التعاون بين الأم وأولادها، وأمامنا ~~مثلا مشروع الأسر المنتجة حيث تشارك المرأة بجزء كبير في رقي ~~المجتمع، فلا مانع إذن من عمل المرأة إذا كان عملا شريفا يحفظ عليها ~~كرامتها ويصون حرمتها. فالقرآن ضرب لنا مثلا بعمل المرأة الجاهلية، هذا ~~العمل الذي يحتاج إلى جهد ووقت في الغزل، ويحتاج إلى أكثر منه في ~~نقضه وفكه، فهذه عملية شاقة جدا، وربما أمرت الجواري بفك الغزل ~~والنسيج أيضا ولذلك أطلقوا عليها حمقاء قريش. وقوله: { من بعد ~~قوة.. } [النحل: 92]. كلمة قوة هنا تدلنا على المراحل التي تمر ~~بها عملية الغزل، وكم هي شاقة، بداية من جز الصوف من الغنم أو الوبر ~~من الجمال، ثم خلط أطراف كل تيلة من هذه الشعيرات، بحيث تكون طرف كل ~~تيلة منها في وسط الأخرى لكي يتم التلاحم بينها بهذا المزج، ثم تدير ~~المرأة المغزل بين أصابعها لتخرج لنا في النهاية بضعة سنتيمترات من ~~الخيط، ولو قارنا بين هذه العملية اليدوية، وبين ما ms5670 توصلت إليه صناعة ~~الغزل الآن لتبين لنا كم كانت شاقة عليهم. فكأن القرآن الكريم شبه ~~الذي يعطي العهد ويوثقه بالأيمان المؤكدة، ويجعل الله وكيلا ~~وشاهدا على ما يقول بالتي غزلت هذا الغزل، وتحملت مشقته، ثم راحت ~~فنقضت ما أنجزته، وفكت ما غزلته. # وكذلك كلمة قوة تدلنا على أن كل عمل يحتاج إلى قوة، هذه القوة إما ~~أن تحرك الساكن أو تسكن المتحرك لذلك قال تعالى في آية أخرى: # خذوا مآ ءاتينكم بقوة.. # [البقرة: 63]. لأن ساكن الخير نريد أن نحركك إليه، ومتحرك الشر نريد أن ~~نكفك عنه. وهذه يسمونها في عالم الحركة قانون العطالة المتحرك يظل ~~متحركا إلى أن يعرض له شيء يسكنه، والساكن يظل ساكنا إلى أن ~~يعرض له شيء يحركه. ومن هنا يتعجب الكثيرون من الأقمار الصناعية ~~التي تدور أعواما عدة في الفضاء: ما الوقود الذي يحرك هذه الأقمار ~~طوال هذه الأعوام؟ والواقع أنه لا يوجد وقود يحركها، الوقود في مرحلة ~~الانطلاق فقط، إلى أن يخرج من منطقة الهواء والجذب، فإذا ما استقر ~~القمر أو السفينة الفضائية في منطقة عدم الجذب تدور وتتحرك بنفسها دون ~~وقود، فهناك الشيء المتحرك يظل متحركا، والساكن يظل ساكنا. والحق - ~~تبارك وتعالى - بهذا المثل المشاهد يحذرنا من إخلاف العهد ونقضه لأنه ~~سبحانه يريد أن يصون مصالح الخلق لأنها قائمة على التعاقد والتعاهد ~~والأيمان التي تبرم بينهم، فمن خان العهد أو نقض الأيمان لا يوثق ~~فيه، ولا يطمأن إلى حركته في الحياة، ويسقطه المجتمع من نظره، ويعزله ~~عن حركة التعامل التي تقوم على الثقة المتبادلة بين الناس. وقوله: { ~~أنكاثا.. } [النحل: 92]. جمع نكث، وهو ما نقض وحل فتله من ~~الغزل. وقوله: { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم.. } ~~[النحل: 92]. الدخل: أن تدخل في الشيء شيئا أدنى منه من جنسه على ~~سبيل الغش والخداع، كأن تدخل في الذهب عيار 24 قيراطا مثلا ذهبا من ~~عيار 18 قيراطا، أو كأن تدخل في اللوز مثلا نوى المشمش على أنه ~~منه. فكأن الأيمان القائمة على الصدق والوفاء يعطيها صاحبها وهو ينوي ~~بها الخداع ms5671 والغش، فيحلف لصاحبه وهو يقصد تنويمه والتغرير به. وقوله: { ~~أن تكون أمة هي أربى من أمة.. } [النحل: 92]. هذه هي ~~العلة في أن نتخذ الأيمان دخلا فيما بيننا، الأيمان الزائفة ~~الخادعة ذلك لأن الذي باع نوى المشمش مثلا على أنه لوز، فقد أربى أي: ~~أخذ أزيد من حقه ونقص حق الآخرين، فالعلة إذن في الخداع بالأيمان ~~الطمع وطلب الزيادة على حساب الآخرين. وقد تأتي الزيادة بصورة أخرى، كأن ~~تعاهد شخصا على شيء ما، وأديت له بالعهود والأيمان والمواثيق، ثم ~~عن لك من هو أقوى منه سواء كان بالقهر والسلطان أو بالإغراء، فنقضت ~~العهد الأول لأن الثاني أربى منه وأزيد. وفي مثل هذه المواقف يجب أن ~~يأخذ الإنسان حذره، فمن يدريك لعله يفعل بك كما فعلت، ويكال لك ~~بنفس المكيال الذي كلت به لغيرك، فاحذر إذا تجرأت على خلق الله أن ~~يجريء الله عليك من يسقيك من نفس الكأس. # وإذا كنت صاحب حرفة أو صناعة، فإياك أن تغش الناس، وتذكر أن لك ~~عندهم مصالح، وفي أيديهم لك حرف وصناعات، فإذا تجرأت عليهم جرأهم ~~الله عليك لأنه سبحانه يقول: أنا القيوم، أي: القائم على أمركم، فناموا ~~أنتم فأنا لا أنام، فهذه مسألة يجب أن نلحظها جيدا. من تجرأ على ~~الناس جرأهم الله عليه، ومن أخلص عمله وأتقنه قذف الله في قلوب الخلق ~~أن يتقنوا له حاجته. وقوله: { إنما يبلوكم الله به.. } ~~[النحل: 92]. أي: يختبركم الله تعالى بهذا العهد، فهو سبحانه يعلم ما ~~أنتم عليه ساعة أن عقدتم العهد، أفي نيتكم الوفاء، أم في نيتكم الغدر ~~والخداع؟ وهب أنك تنوي الوفاء ثم عرض لك ما حال بينك وبينه، فالله ~~سبحانه يعلم حقائق الأمور ولا يخفى عليه شيء. إذن: الابتلاء هنا لا يعني ~~النكبة والبلاء، بل يعني مجرد الاختبار والنكبة والبلاء على الذي يفشل في ~~الاختبار، فالعبرة هنا بالنتيجة. وقوله: { وليبينن لكم ~~يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون } [النحل: 92]. ~~فيوم القيامة تجتمع الخصوم، وتتكشف الحقائق، ويأتي القضاء فيما اختلفنا ~~فيه في الدنيا، وهب أن إنسانا ms5672 عمى على قضاء الأرض في أشياء، نقول ~~له: إن عميت على قضاء الأرض فلن تعمى على قضاء السماء، وانتظر ~~يوما نجتمع فيه ونحكم هذه المسائل. ثم يقول الحق سبحانه: { ولو شآء ~~الله... }. ### || [16.93] # لو حرف امتناع لامتناع. أي: امتناع وجود الجواب لامتناع وجود الشرط، كما ~~في قوله تعالى: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22]. فقد امتنع الفساد لامتناع تعدد الآلهة. فلو شاء الله ~~لجعل العالم كله أمة واحدة على الحق، لا على الضلال، أمة واحدة في ~~الإيمان والهداية، كما جعل الأجناس الأخرى أمة واحدة في الانصياع ~~لمرادات الله منها. ذلك لأن كل أجناس الوجود المخلوقة للإنسان قبل أن ~~يفد إلى الحياة مخلوقة بالحق خلقا تسخيريا، فلا يوجد جنس من ~~الأجناس تأبى عما قصد منه، لا الجماد ولا النبات ولا الحيوان. كل هذه ~~الأكوان تسير سيرا سليما كما أراد الله منها، والعجيب أن يكون ~~الإنسان هو المخلوق الوحيد المختل في الكون، ذلك لما له من حرية ~~الاختيار، يفعل أو لا يفعل. لذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب.. # [الحج: 18]. هكذا تسجد كل هذه المخلوقات لله دون استثناء، إلا في ~~الإنسان فقال تعالى: # وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب.. # [الحج: 18]. فلماذا حدث هذا الاختلاف عند الناس؟ لأنهم أصحاب الاختيار، ~~فيستطيع الواحد منهم أن يفعل أو لا يفعل، هل هذه المسألة خرجت عن إرادة ~~الله، أم أرادها الله سبحانه وتعالى؟ قالوا بأن الله زاول قدرته المطلقة ~~في خلق الأشياء المسخرة، بحيث لا يخرج شيء عما أريد منه، وكان من ~~الممكن أن يأتي الإنسان على هذه الصورة من التسخير، لكنه في هذه الحالة ~~لن يزيد شيئا، ولن يضيف جديدا في الكون، أليست الملائكة قائمة على ~~التسخير؟ فالتسخير يثبت القدرة لله تعالى، فلا يخرج عن قدرته ولا عن ~~مراده شيء، لكن الاختيار يثبت المحبوبية لله تعالى، وهذا فرق يجب ms5673 أن ~~نتدبره. فمثلا لو كان عندك عبدان أو خادمان أحدهما سعيد، والآخر مسعود، ~~فأخذت سعيدا وقيدته إليك في حبل، في حين تركت مسعودا حرا طليقا، ~~وحين أمرت كلا منهما لبى وأطاع، فأي طاعة ستكون أحب إليك: طاعة ~~القهر والتسخير، أم الطاعة بالاختيار؟ فكأن الحق تبارك وتعالى خلق ~~الإنسان وكرمه بأن جعله مختارا في أن يطيع أو أن يعصي، فإذا ما ~~أتى طائعا مختارا، وهو قادر على المعصية، فقد أثبت المحبوبية لربه ~~سبحانه وتعالى. ولا بد أن تتوافر للاختيار شروط. أولها العقل، فهو ~~آلة الاختيار، كذلك لا يكلف المجنون، فإذا توفر العقل فلا بد له من ~~النضج والبلوغ، ويتم ذلك حينما يكون الإنسان قادرا على إنجاب ~~مثله، وأصبحت له ذاتية مولده. وهذه سمة اكتمال الذات فهو قبل هذا ~~الاكتمال ناقص التكوين، وليس أهلا للتكليف، فإذا كان عاقلا ناضجا ~~بالبلوغ واكتمال الذات، فلا بد له أن يكون مختارا غير مكره، ~~فإن أكره على الشيء فلن يسأل عنه، فإن اختل شرط من هذه الثلاثة ~~فلا معنى للاختيار، وبذلك يضمن الحق تبارك وتعالى للإنسان السلامة في ~~الاختيار. # والحق تبارك وتعالى وإن كرم الإنسان بالاختيار، فمن رحمته به أن ~~يجعل فيه بعض الأعضاء اضطرارية مسخرة لا دخل له فيها. ولو تأملنا ~~هذه الأعضاء لوجدناها جوهرية، وتتوقف عليها حياة الإنسان، فكان من رحمة ~~الله بنا أن جعل هذه الأعضاء تعمل وتؤدي وظيفتها دون أن نشعر. ~~فالقلب مثلا يعمل بانتظام في اليقظة والمنام دون أن نشعر به، وكذلك ~~التنفس والكلى والكبد والأمعاء وغيرها تعمل بقدرته سبحانه مسخرة، ~~كالجماد والنبات والحيوان. ومن لطف الله بخلقه أن جعل هذه الأعضاء ~~مسخرة، لأنه بالله لو أنت مختار في عمل هذه الأعضاء، كيف تتنفس مثلا ~~وأنت نائم؟! إذن: من رحمة الله أن جعلك مختارا في الأعمال التي تعرض ~~لك، وتحتاج فيها إلى النظر في البدائل ولذلك يقولون: الإنسان أبو ~~البدائل. فالحيوان مثلا وهو أقرب الأجناس إلى الإنسان ليس لديه هذه ~~البدائل ولا يعرفها، فإذا آذيت حيوانا فإنه يؤذيك، وليس لديه بديل ms5674 ~~آخر. ولكن إذا آذيت إنسانا، فيحتمل أن يرد عليك بالمثل، أو بأكثر مما ~~فعلت، أو أقل، أو يعفو ويصفح، والعقل هو الذي يرجح أحد هذه البدائل. ~~إذن: لو شاء الحق سبحانه وتعالى أن يجعل الناس أمة واحدة لجعلها، كما قال ~~تعالى: # أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا # [الرعد: 31]. ولكنه سبحانه وتعالى لم يشأ ذلك، بدليل قوله: { ولكن ~~يضل من يشآء ويهدي من يشآء.. } [النحل: 93]. وهذه الآية ~~يقف عندها المتمحكون، والذين قصرت أنظارهم في فهم كتاب الله، ~~فيقولون: طالما أن الله هو الذي يضل الناس، فلماذا يعذبهم؟ ونتعجب ~~من هذا الفهم لكتاب الله ونقول لهؤلاء: لماذا أخذتم جانب الضلال ~~وتركتم جانب الهدى؟ لماذا لم تقولوا: طالما أن الله بيده الهداية، وهو ~~الذي يهدي، فلماذا يدخلنا الجنة؟ إذن: هذه كلمة يقولها المسرفون لأن ~~معنى: { يضل من يشآء ويهدي من يشآء.. } [النحل: 93]. أي: ~~يحكم على هذا من خلال عمله بالضلال، ويحكم على هذا من خلال عمله ~~بالهداية، مثل ما يحدث عندنا في لجان الامتحان، فلا نقول: اللجنة أنجحت ~~فلانا وأرسبت فلانا، فليست هذه مهمتها، بل مهمتها أن تنظر أوراق ~~الإجابة، ومن خلالها تحكم اللجنة بنجاح هذا وإخفاق ذاك. وكذلك الحق - ~~تبارك وتعالى - لا يجعل العبد ضالا، بل يحكم على عمله أنه ضلال وأنه ~~ضال فالمعنى إذن: يحكم بضلال من يشاء، ويحكم بهدى من يشاء، وليس ~~لأحد أن ينقل الأمر إلى عكس هذا الفهم، بدليل قوله تعالى بعدها: { ~~ولتسألن عما كنتم تعملون } [النحل: 93]. فالعبد لا ~~يسأل إلا عما عملت يداه، والسؤال هنا معناه حرية الاختيار في العمل، ~~وكيف تسأل عن شيء لا دخل لك فيه؟ فلنفهم - إذن - عن الحق تبارك وتعالى ~~مراده من الآية. ثم يقول الحق سبحانه: { ولا تتخذوا... }. ### || [16.94] # وردت كلمة الدخل في الآية قبل السابقة وقلنا: إن معناها: أن تدخل ~~في الشيء شيئا أدنى منه من جنسه على سبيل الغش والخداع، وإن كان ~~المعنى واحدا في الآيتين فإن الآية السابقة جاءت لتوضيح سبب الدخل ~~وعلته، وهي أن تكون أمة أربى ms5675 من أمة، ويكسب أحد الأطراف على حساب ~~الآخر. أما في هذه الآية فجاءت لتوضيح النتيجة من وجود الدخل، وهي: { ~~فتزل قدم بعد ثبوتها.. } [النحل: 94]. ففي الآية نهي ~~عن اتخاذ الأيمان للغش والخداع والتدليس لأن نتيجة هذا الفعل فساد يأتي ~~على المجتمع من أساسه، وفقد للثقة المتبادلة بين الناس والتي عليها ~~يقوم التعامل، وتبنى حركة الحياة، فالذي يعطي عهدا ويخلفه، ويحلف ~~يمينا ويحنث فيه يشتهر عنه أنه مخلف للعهد ناقض للميثاق. وبناء عليه ~~يسحب الناس منه الثقة فيه، ولا يجرؤ أحد على الصفق معه، فيصبح مهينا ~~ينفض الناس أيديهم منه، بعد أن كان أمينا وأهلا للثقة ومحلا ~~للتقدير. هذا معنى قوله تعالى: { فتزل قدم بعد ثبوتها.. } ~~[النحل: 94]. وبذلك يسقط حقه مع المجتمع، ويحيق به سوء فعله، ويجني ~~بيده ثمار ما أفسده في المجتمع، وبانتشار هذا الخلق السيئ تتعطل حركة ~~الحياة، وتضيع الثقة والأمانة. إذن: هذه زلة وكبوة بعد ثبات وقوة، ~~بعد أن كان أهلا للثقة صاحب وفاء بالعهود والمواثيق يقبل عليه ~~الناس، ويحبون التعامل معه بما لديه من شرف الكلمة وصدق الوعد، ~~فإذا به يتراجع للوراء، ويتقهقر للخلف، ويفقد هذه المكانة. ولذلك نجد أهل ~~المال والتجارة يقولون: فلان اهتز مركزه في السوق أي: زلت قدمه بما ~~حدث منه من نقض للعهود، وحنث في الأيمان وغير ذلك مما لا يليق بأهل ~~الثقة في السوق، ومثل هذا ينتهي به الأمر إلى أن يعلن إفلاسه في دنيا ~~التعامل مع الناس. أما الوفاء بالعهود والمواثيق والأيمان فيجعل قدمك ~~في حركة الحياة ثابتة لا تتزحزح ولا تهتز، فترى مال الناس جميعا ماله، ~~وتجد أصحاب الأموال مقبلين عليك يضعون أموالهم بين يديك، بما تتمتع به من ~~سمعة طيبة ونزاهة وأمانة في التعامل. ولذلك، فالتشريع الإسلامي حينما شرع ~~لنا الشركة راعى هذا النوع من الناس الذي لا يملك إلا سمعة طيبة وأمانة ~~ونزاهة ووفاء، هذا هو رأس مالهم، فإن دخل شريك بما لديه من رأس المال، ~~فهذا شريك بما لديه من شرف الكلمة وشرف السلوك، ووجاهة بين الناس، ms5676 وماض ~~مشرف من التعامل. وهذه يسمونها " شركة الوجوه والأعيان " وهذا الوجيه ~~في دنيا المال والتجارة لم يأخذ هذه الوجاهة إلا بما اكتسبه من احترام ~~الناس وثقتهم، وبما له من سوابق فضائل ومكارم. وكذلك، قد نرى هذه الثقة ~~لا في شخص من الأشخاص، بل نراها في ماركة من الماركات أو العلامات ~~التجارية، فنراها تباع وتشترى، ولها قيمة غالية في السوق بما نالته ~~من احترام الناس وتقديرهم، وهذا أيضا نتيجة الصدق والالتزام والأمانة ~~وشرف الكلمة. # وقوله تعالى: { وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل ~~الله ولكم عذاب عظيم } [النحل: 94]. السوء: أي العذاب الذي ~~يسوء صاحبه في الدنيا من مهانة واحتقار بين الناس، وكساد في الحال، بعد ~~أن سقط من نظر المجتمع، وهدم جسر الثقة بينه وبين مجتمعه. وقوله ~~تعالى: { بما صددتم عن سبيل الله.. } [النحل: 94]. الحديث ~~هنا عن الذين ينقضون العهود والأيمان ولا يوفون بها، فهل في هذا ~~صد عن سبيل الله؟ نقول: أولا إن معنى سبيل الله: كل شيء يجعل حركة ~~الحياة منتظمة تدار بشرف وأمانة وصدق ونفاذ عهد. ومن هنا، فالذي ~~يخلف العهد، ولا يفي بالمواثيق يعطي للمجتمع قدوة سيئة تجعل صاحب المال ~~يضن بماله، وصاحب المعروف يتراجع، فلو أقرضت إنسانا وغدر بك فلا ~~أظنك مقرضا لآخر. إذن: لا شك أن في هذا صدا عن سبيل الله، ~~وتزهيدا للناس في فعل الخير. وقوله تعالى: { ولكم عذاب عظيم ~~} [النحل: 94]. فبالإضافة إلى ما حاق بهم من خسارة في الدنيا، وبعد أن ~~زلت بهم القدم، ونزل بهم من عذاب الدنيا ألوان ما زال ينتظرهم عذاب ~~عظيم أي في الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: { ولا تشتروا ~~بعهد... }. ### || [16.95] # الحق تبارك وتعالى في هذه الآية ينهانا ويحذرنا: إياك أن تجعل ~~عهد الله الذي أكدته للناس، وجعلت الله عليه كفيلا، فبعد أن كنت ~~حرا في أن تعاهد أو لا تعاهد، فبمجرد العهد أصبح نفاذه واجبا ومفروضا ~~عليك. أو: عهد الله - أي - شرعه الذي تعاهدت - على العمل به والحفاظ ~~عليه، وهو العهد الإيماني الأعلى، وهو أن تؤمن بالله ms5677 وبصدق الرسول في ~~البلاغ عن الله، وتلتزم بكل ما جاء به الرسول من أحكام، إياك أن تقابله ~~بشيء آخر تجعله أغلى منه لأنك إن نقضت عهد الله لشيء آخر من متاع ~~الدنيا الزائل فقد جعلت هذا الشيء أغلى من عهد الله لأن الثمن مهما كان ~~سيكون قليلا. ثم يأتي تعليل ذلك في قوله: { إنما عند الله ~~هو خير لكم.. } [النحل: 95]. فالخير في الحقيقة ليس في متاع ~~الدنيا مهما كثر، بل فيما عند الله تعالى، وقد أوضح ذلك في قوله تعالى: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96]. ولنا وقفة مع قوله تعالى: { هو خير لكم.. } ~~[النحل: 95]. فهذا أسلوب توكيد بالقصر بإعادة الضمير هو، فلم يقل الحق ~~سبحانه إنما عند الله خير لكم، فيحتمل أن ما عند غيره أيضا خير لكم، ~~أما في تعبير القرآن { هو خير لكم } أي: الخير فيما عند الله ~~على سبيل القصر، كما في قوله تعالى: # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80]. فجاء بالضمير " هو " ليؤكد أن الشافي هو الله لوجود ~~مظنة أن يكون الشفاء من الطبيب، أما في الأشياء التي لا يظن فيها ~~المشاركة فتأتي دون هذا التوكيد كما في قوله تعالى: # والذي يميتني ثم يحيين # [الشعراء: 81]. فلم يقل: هو يميتني هو يحيين لأنه لا يميت ولا يحيي ~~إلا الله، فلا حاجة للتوكيد هنا. ما الذي يخرج الإنسان عن الوفاء ~~بالعهد؟ الذي يخرج الإنسان عن الوفاء بالعهد أن يرى مصلحة سطحية فوق ما ~~تعاقد عليه تجعله يخرج عما تعاهد عليه إلى هذه السطحية، ولكنه لو عقل ~~وتدبر الأمر لعلم أن ما يسعى إليه ثمن بخس، ومكسب قليل زائل إذا ما ~~قارنه بما ادخر له في حالة الوفاء لأن ما أخذه حظا من دنياه لا بد له ~~من زوال. والعقل يقول: إن الشيء، إذا كان قليلا باقيا يفضل الكثير الذي ~~لا يبقى، فما بالك إذا كان القليل هو الذي يفنى، والكثير هو الذي يبقى. ~~ومثال ذلك: لو أعطيتك فاكهة تكفيك أسبوعا أو شهرا فأكلتها في يوم ~~واحد، ms5678 فقد تمتعت بها مرة واحدة، وفاتك منها متع وأكلات متعددة لو ~~أكلتها في وقتها. لذلك فالحق سبحانه وتعالى ينبهك أن ما عند الله ~~هو الخير الحقيقي، فجعل موازينك الإيمانية دقيقة، فمن الحمق أن تبيع ~~الكثير الباقي بالقليل الفاني: { إن كنتم تعلمون } [النحل: ~~95]. في الآية دقة الحساب، ودقة المقارنة، ودقة حل المعادلات ~~الاقتصادية. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: { ما عندكم ينفد... ~~}. ### || [16.96] # يوضح الحق تبارك وتعالى أن حظ الإنسان من دنياه عرض زائل، ~~فإما أن تفوته بالموت، أو يفوتك هو بما يجري عليك من أحداث، أما ما عند ~~الله فهو باق لا نفاد له. { ولنجزين الذين صبروا.. } ~~[النحل: 96]. كلمة { صبروا } تدل على أن الإنسان سيتعرض ~~لهزات نفسية نتيجة ما يقع فيه من التردد بين الوفاء بالعهد أو ~~نقضه، حينما يلوح له بريق المال وتتحرك بين جنباته شهوات النفس، ~~فيقول له الحق تبارك وتعالى: اصبر.. اصبر لا تكن عجولا، وقارن ~~المسائل مقارنة هادئة، وتحمل كل مشقة نفسية، وتغلب على شهوة النفس ~~لتصل إلى النتيجة المحمودة. فالتلميذ الذي يجتهد ويتعب ويتحمل مشقة ~~الدرس والتحصيل يصبر على الشهوات العاجلة لما ينتظره من شهوات باقية ~~آجلة، فوراء الدرس والتحصيل غاية أكبر وهدف أسمى. ولذلك يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { ولنجزين الذين صبروا.. } [النحل: 96]. ~~أي: على مشقات الوفاء بالعهود. { أجرهم بأحسن ما كانوا ~~يعملون } [النحل: 96]. أي: أجرا بالزيادة في الجزاء على أحسن ما ~~يكون فالإنسان حين يعمل مفروضا أو مندوبا فله الجزاء، أما المباح ~~فالمفروض ألا جزاء له، ولكن فضل الله يجزي عليه أيضا. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { من عمل صالحا... }. ### || [16.97] # الحق تبارك وتعالى يعطينا قضية عامة، هي قضية المساواة بين الرجل ~~والمرأة، فالعهود كانت عادة تقع بين الرجال، وليس للمرأة تدخل في ~~إعطاء العهود، حتى إنها لما دخلت في عهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم بيعة العقبة جعل واحدا من الصحابة يبايع النساء نيابة عنه. إذن: ~~المرأة بعيدة عن هذا المعترك نظرا لأن هذا من خصائص الرجال عادة، أراد ~~سبحانه وتعالى أن يقول ms5679 لنا: نحن لا نمنع أن يكون للأنثى عمل صالح. ولا ~~تظن أن المسألة منسحبة على الرجال دون النساء، فالعمل الصالح مقبول من ~~الذكر والأنثى على حد سواء، شريطة أن يتوفر له الإيمان، ولذلك يقول ~~تعالى: { وهو مؤمن.. } [النحل: 97]. وبذلك يكون العمل له جدوى ~~ويكون مقبولا عند الله ولذلك نرى كثيرا من الناس الذين يقدمون ~~أعمالا صالحة، ويخدمون البشرية بالاختراعات والاكتشافات، ويداوون ~~المرضى، ويبنون المستشفيات والمدارس، ولكن لا يتوفر لهم شرط الإيمان ~~بالله. فنرى الحق تبارك وتعالى لا يبخس هؤلاء حقهم، ولكن يعجله لهم في ~~الدنيا لأنه لا حظ لهم في أجر الآخرة، يقول تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. ويقول الحق سبحانه وتعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. وهذا كله خاص بأمور الدنيا، فالذي يحسن شيئا ينال ~~ثمرته، لكن في جزاء الآخرة نقول لهؤلاء: لا حظ لكم اليوم، وخذوا أجركم ~~ممن عملتم له فقد عملتم الخير للإنسانية للشهرة وخلود الذكر، وقد ~~أخذتم ذلك في الدنيا فقد خلدوا ذكراكم، ورفعوا شأنكم، وصنعوا لكم ~~التماثيل، ولم يبخسوكم حقكم في الشهرة والتكريم. ويوم القيامة ~~يواجههم الحق سبحانه وتعالى: فعلتم ليقال.. وقد قيل، فاذهبوا وخذوا ~~ممن عملتم لهم. هؤلاء الذين قال الله في حقهم: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. يفاجأ يوم القيامة أن له إلها كان ينبغي أن يؤمن به ~~ويعمل ابتغاء وجهه ومرضاته. إذن: فالإيمان شرط لقبول العمل الصالح، ~~فإذا ما توفر الإيمان فقد استوى الذكر والأنثى في الثواب والجزاء. يقول ~~تعالى: { فلنحيينه حياة طيبة.. } [النحل: 97]. هذه هي ~~النتيجة الطبيعة للعمل الصالح الذي يبتغي صاحبه وجه الله والدار الآخرة، ~~فيجمع الله له حظين من الجزاء، حظا في الدنيا بالحياة الطيبة الهانئة، ~~وحظا في الآخرة: { ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما ms5680 ~~كانوا يعملون } [النحل: 97]. ويقول الحق سبحانه: { فإذا ~~قرأت... }. ### || [16.98] # الاستعاذة: اللجوء والاعتصام بالله من شيء تخافه، فأنت لا تلجأ ولا ~~تعتصم، ولا تستجير ولا تستنجد إلا إذا استشعرت في نفسك أنك ضعيف عن ~~مقاومة عدوك. فإذا كان عدوك الشيطان بما جعل الله له من قوة وسلطان، وما ~~له من مداخل للنفس البشرية فلا حول لك ولا قوة في مقاومته إلا أن ~~تلجأ إلى الله القوي الذي خلقك وخلق هذا الشيطان، وهو القادر وحده على ~~رده عنك لأن الشيطان في معركة مع الإنسان تدور رحاها إلى يوم القيامة. ~~وقد أقسم الشيطان للحق تبارك وتعالى، فقال: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص: 82-83]. فما عليك إلا أن تكون من هؤلاء، ما عليك إلا أن ترتمي في ~~حضن ربك عز وجل وتعتصم به، فهو سبحانه القوي القادر على أن يدفع عنك ما ~~لم تستطع أنت دفعه عن نفسك، فلا تقاومه بقوتك أنت لأنه لا طاقة لك به، ~~ولا تدعه ينفرد بك لأنه إن انفرد بك وأبعدك عن الله فسوف تكون له الغلبة. ~~ولذلك نقول دائما: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي: لا حول: لا تحول ~~عن المعصية. ولا قوة. أي: على الطاعة إلا بالله. ونحن نرى الصبي الصغير ~~الذي يسير في الشارع مثلا قد يتعرض لمن يعتدي عليه من أمثاله من ~~الصبية، أما إذا كان في صحبة والده فلا يجرؤ أحد منهم أن يتعرض له، ~~فما بالك بمن يسير في صحبة ربه تبارك وتعالى، ويلقي بنفسه في حماية ~~الله سبحانه؟! وفي مقام الاستعاذة بالله نذكر قاعدة إيمانية علمنا ~~إياها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف: # " من استعاذ بالله فأعيذوه ". # فيلزم المؤمن أن يعيذ من استعاذ بالله، وإن كان في أحب الأشياء إليه، # " والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا القدوة في ذلك، حينما تزوج من فتاة ~~على قدر كبير من الحسن والجمال لدرجة أن نساءه غرن منها، وأخذن في ~~الكيد لها وزحزحتها من أمامهن حتى لا تغلبهن على ms5681 قلب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولكن كيف لهن ذلك؟ حاولن استغلال أن هذه الفتاة ما تزال ~~صغيرة غرة، تتمتع بسلامة النية وصفاء السريرة، ليس لديها من تجارب ~~الحياة ما تتعلم منه لؤما أو مكرا، وهي أيضا ما تزال في نشوة ~~فرحتها بأن أصبحت أما للمؤمنين، وتحرص كل الحرص على إرضاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم فاستغل نساء النبي صلى الله عليه وسلم هذا كله، وقالت لها ~~إحداهن: إذا دخلت على رسول الله فقولي له: أعوذ بالله منك، فإنه يحب هذه ~~الكلمة. أخذت الفتاة هذه الكلمة بما لديها من سلامة النية، ومحبة لرسول ~~الله، وحرص على إرضائه، وقالت له: أعوذ بالله منك، وهي لا تدري معنى هذه ~~العبارة فقال صلى الله عليه وسلم: " لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك " ". # أي: ما دمت استعذت بالله فأنا قبلت هذه الاستعاذة لأنك استعذت بمعاذ ~~أي: بمن يجب علينا أن نتركك من أجله، ثم طلقها النبي صلى الله عليه وسلم ~~امتثالا لهذه الاستعاذة. إذن: من استعاذ بالله لا بد للمؤمن أن ~~يعيذه، ومن استجار بالله لا بد للمؤمن أن يكون جنديا من جنود الله، ~~ويجيره حتى يبلغ مأمنه. وفي الآية الكريمة أسلوب شرط، اقترن جوابه بالفاء ~~في قوله تعالى: { فاستعذ.. } [النحل: 98]. فإذا رأيت الفاء فاعلم أن ~~ما بعدها مترتب على ما قبلها، كما لو قلت: إذا قابلت محمدا فقل له ~~كذا.. فلا يتم القول إلا بعد المقابلة. أما في الآية الكريمة فالمراد: ~~إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ لأن الاستعاذة هنا تكون سابقة على ~~القراءة، كما جاء في قول الحق تبارك وتعالى: # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم.. # [المائدة: 6]. فالمعنى: إذا أردتم إقامة الصلاة فاغسلوا وجوهكم، وكذلك ~~إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم لأن القرآن كلام ~~الله. ولو آمنا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يتكلم لعلمنا أن قراءة ~~القرآن تختلف عن أي قراءة أخرى، فأنت كي تقرأ القرآن تقوم بعمليات ~~متعددة: أولها: استحضار قداسة المنزل سبحانه الذي آمنت ms5682 به وأقبلت ~~على كلامه. ثانيها: استحضار صدق الرسول في بلاغ القرآن المنزل عليه. ~~ثالثها: استحضار عظمة القرآن الكريم، بما فيه من أوجه الإعجاز، وما يحويه ~~من الآداب والأحكام. إذن: لديك ثلاث عمليات تستعد بها لقراءة كلام الله ~~في قرآنه الكريم، وكل منها عمل صالح لن يدعك الشيطان تؤديه دون أن ~~يتعرض لك، ويوسوس لك، ويصرفك عما أنت مقبل عليه. وساعتها لن تستطيع ~~منعه إلا إذا استعنت عليه بالله، واستعذت منه بالله، وبذلك تكون في معية ~~الله منزل القرآن سبحانه وتعالى، وفي رحاب عظمة المنزل عليه محمد صدقا، ~~ومع استقبال ما في القرآن من إعجاز وآداب وأحكام. ومن هنا وجب علينا ~~الاستعاذة بالله من الشيطان قبل قراءة القرآن. ومع ذلك لا مانع من حمل ~~المعنى على الاستعاذة أيضا بعد قراءة القرآن، فيكون المراد: إذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله.. أي: بعد القراءة لأنك بعد أن قرأت كتاب الله ~~خرجت منه بزاد إيماني وتجليات ربانية، وتعرضت لآداب وأحكام طلبت ~~منك، فعليك - إذن - أن تستعيذ بالله من الشيطان أن يفسد عليك هذا الزاد ~~وتلك التجليات أو يصرفك عن أداء هذه الآداب والأحكام. وقوله تعالى: { ~~من الشيطان الرجيم } [النحل: 98]. أي: الملعون المطرود من ~~رحمة الله لأن الشيطان ليس مخلوقا جديدا يحتاج أن نجربه لنعرف ~~طبيعته وكيفية التعامل معه، بل له معنا سوابق عداء منذ أبينا آدم عليه ~~السلام. وقد حذر الله تعالى آدم منه فقال: # يآءادم إن هذا عدو لك ولزوجك.. # [طه: 117]. وسبق أن رجم ولعن وأبعد من رحمة الله، فقد هددنا ~~بقوله: # لأحتنكن ذريته.. # [الإسراء: 62]. إذن: هناك عداوة مسبقة بيننا وبينه منذ خلق الإنسان، ~~وإلى قيام الساعة. ثم يقول الحق سبحانه: { إنه ليس له... }. ### || [16.99] # لحكمة أرادها الخالق سبحانه أن جعل للشيطان سلطانا. أي: تسلطا. وكلمة ~~السلطان مأخوذة من السليط، وهو الزيت الذي كانوا يوقدون به السرج ~~والمصابيح قبل اكتشاف الكهرباء، فكانوا يضعون هذا الزيت في إناء مغلق مثل ~~السلطانية يخرج منه فتيلة، وعندما توقد تمتص من هذا الزيت وتضيء ولذلك ~~سميت الحجة سلطانا ms5683 لأنها تنير لصاحبها وجه الحق. والسلطان، إما ~~سلطان حجة تقنعك بالفعل، فتفعل وأنت راض مقتنع به. وإما سلطان قهر ~~وغلبة يجبرك على الفعل ويحملك عليه قهرا دون اقتناع به. إذن: تنفيذ ~~المطلوب له قوتان: قوة الحجة التي تضيء لك وتوضح أمامك معالم الحق، ~~وقوة القهر التي تجبرك على تنفيذ المطلوب عن غير اقتناع وإن لم ترها. ~~والحقيقة أن الشيطان لا يملك أيا من هاتين القوتين، لا قوة الحجة ~~والإقناع، ولا قوة القهر. وهذا واضح في قول الحق تبارك وتعالى على لسان ~~الشيطان يوم القيامة: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ~~ومآ أنتم بمصرخي إني كفرت بمآ أشركتمون من ~~قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم # [إبراهيم: 22]. هذا حوار يدور يوم القيامة بعد أن انتهت المسألة ~~وتكشفت الحقيقة، وجاء وقت المصارحة والمواجهة. يقول الشيطان لأوليائه ~~متنصلا من المسئولية: ما كان عندي من سلطان عليكم، لا سلطان حجة تقنعكم ~~أن تفعلوا عن رضا، ولا سلطان قهر أجبركم به أن تفعلوا وأنتم كارهون، ~~أنا فقط أشرت ووسوست فأتيتموني طائعين. # مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22]. أي: نحن في الخيبة سواء، فلا أستطيع نجدتكم، ولا ~~تستطيعون نجدتي لأن الصراخ يكون من شخص وقع في ضائقة أو شدة لا يستطيع ~~الخلاص منها بنفسه، فيصرخ بصوت عال لعله يجد من يغيثه ويخلصه، ~~فإذا ما استجاب له القوم فقد أصرخوه. أي: أزالوا سبب صراخه. إذن: ~~فالمعنى: لا أنا أستطيع إزالة سبب صراخكم، ولا أنتم تستطيعون إزالة سبب ~~صراخي. وكذلك في حوار آخر دار بين أهل الباطل الذين تكاتفوا عليه في ~~الدنيا، وها هي المواجهة يوم القيامة: # وقفوهم إنهم مسئولون * ما لكم لا تناصرون * ~~بل هم اليوم مستسلمون * وأقبل بعضهم على ~~بعض يتسآءلون * قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن ~~اليمين * قالوا بل لم تكونوا مؤمنين * وما كان ~~لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين ms5684 # [الصافات: 24-30]. والمراد بقوله: عن اليمين أن الإنسان يزاول ~~أعماله بكلتا يديه، لكن اليد اليمنى هي العمدة في العمل، فأتيته عن ~~اليمين أي: من ناحية اليد الفاعلة. وقوله: # وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما ~~طاغين # [الصافات: 30]. أي: في انتظار إشارة منا، مجرد إشارة، فسارعتم ووقعتم ~~فيما وقعتم فيه. فعلى من يكون تسلط الشيطان وتلك الغلبة والقهر؟ ~~يوضح الحق تبارك وتعالى أن تسلط الشيطان لا يقع على من آمن به ربا، ~~ولجأ إليه واعتصم به، وما دمت آمنت بالله فأنت في معيته وحفظه، ~~ولا يستطيع الشيطان وهو مخلوق لله تعالى أن يتسلط عليك أو يغلبك. إذن: ~~الحصن الذي يقينا كيد الشيطان هو الإيمان بالله والتوكل عليه سبحانه. ~~فعلى من إذن يتسلط الشيطان؟ يوضح الحق تبارك وتعالى الجانب ~~المقابل، فيقول: { إنما سلطانه... }. ### || [16.100] # معنى يتولونه: أي يتخذونه وليا يطيعون أمره، ويخضعون لوسوسته، ~~ويتبعون خطواته: { الذين يتولونه والذين هم به ~~مشركون } [النحل: 100]. أي: مشركون بالله، أو يكون المعنى: وهم به ~~أي بسببه أشركوا لأنه أصبح له أوامر ونواه وهم يطيعونه، وهذه هي العبادة ~~بعينها، فكأنهم عبدوه من دون الله بما قدموه من طاعته في أمره ونهيه. ~~وقد سمى الله طريقة الشيطان في الإضلال والغواية وسوسة، والوسوسة ~~في الحقيقة هي صوت الحلي حينما يتحرك في أيدي النساء، فيحدث صوتا ~~رقيقا فيه جاذبية وإغراء تهيج له النفس، وكذلك الشيطان يدخل إليك عن ~~طريق الإغراء والتزيين، فإذا ما هاجت عليك نفسك وحدثتك بالمعصية تركك ~~لها، فعند هذه النقطة تنتهي مهمته. ولكن، هل النفس لا تفعل المعصية إلا ~~بوسوسة الشيطان؟ قالوا: لا، فالنفس - والمراد هنا النفس الأمارة بالسوء ~~- قد تفعل المعصية من نفسها دون وسوسة من الشيطان، وقد يوسوس الشيطان ~~لها، وينزغها نزغا ويؤلبها، ويزين لها معصية ما كانت على بالها. ~~فكيف - إذن - يفرق بين هاتين المعصيتين؟ النفس حينما ترغب في معصية أو ~~شهوة تراها تقف عند معصية بعينها لا تتزحزح عنها، وإذا قاومت نفسك، ~~وحاولت صرفها عن هذه الشهوة ألحت عليك بها، وطلبتها ms5685 بعينها، فشهوة ~~النفس إذن ثابتة لأنها تشتهي شيئا واحدا تلح عليه. ولكن حينما ~~يوسوس الشيطان لك بشهوة فوجد منك مقاومة وقدرة على مجابهته صرف نظرك ~~إلى أخرى لأنه يريدك عاصيا بأي شكل من الأشكال، فتراه يزين لك ~~معصية أخرى وأخرى، إلى أن ينال منك ما يريد. ومن ذلك ما نراه في الرشوة ~~مثلا - والعياذ بالله - فإن رفضت رشوة المال زين لك رشوة الهدية، ~~وإن رفضت رشوة الهدية زين لك الرشوة بقضاء مصلحة مقابلة. وهكذا يظل ~~هذا اللعين وراءك حتى يصل إلى نقطة ضعف فيك، إذن: فهو ليس كالنفس يقف ~~بك عند شهوة واحدة، ولكنه يريد أن يوقع بك على أي صورة من الصور. ~~ولكي نقف على مداخل الشيطان ونكون منه على حذر يجب أن نعلم أن الشيطان ~~على علم كبير وصل به إلى صفوف الملائكة، بل سموه " طاووس الملائكة " ، ~~ويمكن أن نقف على شيء من علم الشيطان في دقة قسمه، حينما أقسم للحق ~~تبارك وتعالى أن يغوي بني آدم، فقال: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص: 82-83]. هكذا عرف الشيطان أن يقسم القسم المناسب، فلم يقل: ~~بقوتي ولا بحجتي سأغوي الخلق، بل عرف لله تعالى صفة العزة، فهو سبحانه ~~عزيز لا يغلب لذلك ترك لخلقه حرية الإيمان به، فقال: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29]. فالمعنى: فبعزتك عن خلقك: يؤمن من يؤمن، ويكفر من ~~يكفر، سوف أدخل من هذا الباب لإغواء البشر، ولكنني لا أجرؤ على الاقتراب ~~ممن اخترتهم واصطفيتهم، لن أتعرض لعبادك المخلصين، ولا دخل لي ~~بهم، ولا سلطان لي عليهم. # كذلك يجب أن نعلم أن الشيطان دقيق في تخطيطه، وهذا من مداخله وتلبيسه ~~الذي يدعونا إلى الحذر من هذا اللعين. فالشيطان لا حاجة له في أن يذهب ~~إلى الخمارات مثلا، فقد كفاه أهلها مشقة الوسوسة، ووفروا عليه ~~المجهود، هؤلاء هم أولياؤه وأحبابه ومريحوه بما هم عليه من معصية الله، ~~ولكنه في حاجة إلى أن يكون في المساجد ليفسد على أهل الطاعة طاعتهم. ~~وقد أوضح هذه ms5686 القضية وفطن إليها الإمام الجليل أبو حنيفة النعمان، وكان ~~مشهورا بالفطنة، وعلى دراية بمداخل الشيطان وتلبيسه، وكل هذا جعل له ~~باعا طويلا في الإفتاء، وقد عرض عليه أحدهم هذه المسألة: قال: يا إمام ~~كان لدي مال دفنته في مكان كذا، وجعلت عليه علامة، فجاء السيل وطمس ~~هذه العلامة، فلم أهتد إليه، فماذا أفعل؟ فتبسم أبو حنيفة وقال: يا ~~بني ليس في هذا علم، ففي أي باب من أبواب الفقه سيجد أبو حنيفة هذه ~~القضية؟! ولكني سأحتال لك. وفعلا تفتقت قريحة الإمام عن هذه الحيلة ~~التي تدل على علمه وفقهه، قال له: إذا جئت في الليل فتوضأ، وقم بين ~~يدي ربك متهجدا. وفي الصباح أخبرني خبرك. وفي صلاة الفجر قابله ~~الرجل مبتسما. يقول: لقد وجدت المال، فقال: كيف؟ قال الرجل: حينما ~~وقفت بين يدي ربي في الصلاة تذكرت المكان وذهبت فوجدت مالي، فضحك ~~الإمام وقال: والله لقد علمت أن الشيطان لن يدعك تتم ليلتك مع ربك. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وإذا بدلنآ آية مكان آية... }. ### || [16.101] # قوله: { بدلنآ } ومنها: أبدلت واستبدلت، أي: رفعت آية وطرحتها. ~~وجئت بأخرى بدلا منها، وقد تدخل الباء على الشيء المتروك، كما في قوله ~~تعالى: # أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.. # [البقرة: 61]. أي: تتركون ما هو خير، وتستبدلون به ما هو أدنى. وما معنى ~~الآية؟ كلمة آية لها معان متعددة منها: - الشيء العجيب الذي يلفت ~~الأنظار، ويبهر العقول، كما نقول: هذا آية في الجمال، أو في الشجاعة، أو ~~في الذكاء، أي: وصل فيه إلى حد يدعو إلى التعجب والانبهار. - ومنها ~~الآيات الكونية، حينما تتأمل في كون الله من حولك تجد آيات تدل على ~~إبداع الخالق سبحانه وعجيب صنعته، وتجد تناسقا وانسجاما بين هذه الآيات ~~الكونية. يقول تعالى عن هذا النوع من الآيات: # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر # [فصلت: 37]. # ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام # [الشورى: 32]. ونلاحظ أن هذه الآيات الكونية ثابتة دائمة لا تتبدل، كما ~~قال الحق تبارك وتعالى: # ولن تجد لسنة الله تبديلا.. # [الفتح: ms5687 23]. ومن معاني الآية: المعجزة، وهي الأمر العجيب الخارق ~~للعادة، وتأتي المعجزة على أيدي الأنبياء لتكون حجة لهم، ودليلا على ~~صدق ما جاءوا به من عند الله. ونلاحظ في هذا النوع من الآيات أنه يتبدل ~~ويتغير من نبي لآخر لأن المعجزة لا يكون لها أثرها إلا إذا كان في شيء ~~نبغ فيه القوم لأن هذا هو مجال الإعجاز، فلو أتيناهم بمعجزة في مجال لا ~~علم لهم به لقالوا: لو أن لنا علما بهذا لأتينا بمثله لذلك تأتي ~~المعجزة فيما نبغوا فيه، وعلموه جيدا حتى اشتهروا به. فلما نبغ قوم ~~موسى عليه السلام في السحر كانت معجزته من نوع السحر الذي يتحدى سحرهم، ~~فلما جاء عيسى - عليه السلام - ونبغ قومه في الطب والحكمة كانت معجزته من ~~نفس النوع، فكان - عليه السلام - يبرىء الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن ~~الله. فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم، ونبغ قومه في البلاغة ~~والفصاحة والبيان، وكانوا يقيمون لها الأسواق، ويعلقون قصائدهم على ~~أستار الكعبة اعتزازا بها، فكان لا بد أن يتحداهم بمعجزة من جنس ما ~~نبغوا فيه وهي القرآن الكريم، وهكذا تتبدل المعجزات لتناسب كل منها ~~حال القوم، وتتحداهم بما اشتهروا به، لتكون أدعى للتصديق وأثبت للحجة. ~~- ومن معاني كلمة آية: آيات القرآن الكريم التي نسميها حاملة الأحكام، ~~فإذا كانت الآية هي الأمر العجيب، فما وجه العجب في آيات القرآن؟ وجه ~~العجب في آيات القرآن أن تجد هذه الآيات في أمة أمية، وأنزلت على ~~نبي أمي في قوم من البدو الرحل الذين لا يجيدون شيئا غير صناعة ~~القول والكلام الفصيح، ثم تجد هذه الآيات تحمل من القوانين والأحكام ~~والآداب ما يرهب أقوى حضارتين معاصرتين، هما حضارة فارس في الشرق، ~~وحضارة الرومان في الغرب، فنراهم يتطلعون للإسلام، ويبتغون في أحكامه ما ~~ينقذهم، أليس هذا عجيبا؟ وهذا النوع الأخير من الآيات التي هي آيات ~~الكتاب الكريم، والتي نسميها حاملة الأحكام، هل تتبدل هي الأخرى ~~كسابقتها؟ نقول: آيات الكتاب لا تتبدل لأن أحكام الله المطلوبة ممن ~~عاصر رسول الله ms5688 صلى الله عليه وسلم كالأحكام المطلوبة ممن تقوم عليه ~~الساعة. # وقد سبق الإسلام باليهودية والمسيحية، فعندنا أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة. اعترض على ~~ذلك اليهود وقالوا: ما بال محمد لا يثبت على حال، فيأمر بالشيء اليوم، ~~ويأمر بخلافه غدا، فإن كان البيت الصحيح هو الكعبة فصلاتكم لبيت المقدس ~~باطلة، وإن كان بيت المقدس هو الصحيح، فصلاتكم للكعبة باطلة. لذلك قال ~~الحق تبارك وتعالى: { وإذا بدلنآ آية مكان آية والله ~~أعلم بما ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر.. } [النحل: ~~101]. فالمراد بقوله الحق سبحانه: { آية مكان آية.. } [النحل: ~~101]. أي: جئنا بآية تدل على حكم يخالف ما جاء في التوراة، فقد كان ~~استقبال الكعبة في القرآن بدل استقبال بيت المقدس في التوراة. وقوله: { ~~والله أعلم بما ينزل.. } [النحل: 101]. أي: ينزل كل آية ~~حسب ظروفها: أمة وبيئة ومكانا وزمانا. وقوله: { قالوا إنمآ ~~أنت مفتر.. } [النحل: 101]. أي: اتهموا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالكذب المتعمد، وأن هذا التحويل من عنده، وليس وحيا من الله ~~تعالى لأن أحكام الله لا تتناقض. ونقول: نعم أحكام الله سبحانه وتعالى لا ~~تتناقض في الدين الواحد، أما إذا اختلفت الأديان فلا مانع من اختلاف ~~الأحكام. إذن: فآيات القرآن الكريم لا تتبدل، ولكن يحدث فيها نسخ، كما ~~قال الحق تبارك وتعالى: # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها.. # [البقرة: 106]. وإليك أمثلة للنسخ في القرآن الكريم: حينما قال الحق ~~سبحانه: # فاتقوا الله ما استطعتم.. # [التغابن: 16]. جعل الاستطاعة ميزانا للعمل، فالمشرع سبحانه حين يرى ~~أن الاستطاعة لا تكفي يخفف عنا الحكم، حتى لا يكلفنا فوق طاقتنا، ~~كما في صيام المريض والمسافر مثلا، وقد قال تعالى: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها # [البقرة: 286]. وقال: # لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها # [الطلاق: 7]. فليس لنا بعد ذلك أن نلوي الآيات ونقول: إن الحكم ~~الفلاني لم تعد النفس تطيقه ولم يعد في وسعنا، فالحق سبحانه هو ~~الذي يعلم الوسع ويكلف على قدره، ms5689 فإن كان قد كلف فقد علم ~~الوسع، بدليل أنه سبحانه إذا وجد مشقة خفف عنكم من تلقاء نفسه ~~سبحانه، كما قال تعالى: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا.. # [الأنفال: 66]. ففي بداية الإسلام حيث شجاعة المسلمين وقوتهم، قال ~~تعالى: # إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين.. # [الأنفال: 65]. أي: نسبة واحد إلى عشرة، فحينما علم الحق سبحانه فيهم ~~ضعفا، قال: # الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن ~~يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين.. # [الأنفال: 66]. أي: نسبة واحد إلى اثنين. فالله تعالى هو الذي يعلم ~~حقيقة وسعنا، ويكلفنا بما نقدر عليه، ويخفف عنا عند الحاجة ~~إلى التخفيف، فلا يصح أن نقحم أنفسنا في هذه القضية، ونقدر نحن ~~الوسع بأهوائنا. ومن أمثلة النسخ أن العرب كانوا قديما لا يعطون ~~الآباء شيئا من المال على اعتبار أن الوالد منته ذاهب، ويجعلون الحظ ~~كله للأبناء على اعتبار أنهم المقبلون على الحياة. وحينما أراد الحق ~~سبحانه أن يجعل نصيبا للوالدين جعلها وصية فقال: # كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك ~~خيرا الوصية للوالدين.. # [البقرة: 180]. فلما استقر الإيمان في النفوس جعلها ميراثا ثابتا، ~~وغير الحكم من الوصية إلى خير منها وهو الميراث، فقال تعالى: # ولأبويه لكل واحد منهما السدس.. # [النساء: 11]. إذن: الحق تبارك وتعالى حينما يغير آية ينسخها بأفضل ~~منها. وهذا واضح في تحريم الخمر مثلا، حيث نرى هذا التدريج المحكم الذي ~~يراعي طبيعة النفس البشرية، وأن هذا الأمر من العادات التي تمكنت من ~~النفوس، ولا بد لها من هذا التدرج، فهذا ليس أمرا عقديا يحتاج ~~إلى حكم قاطع لا جدال فيه. فانظر إلى هذا التدريج في تحريم الخمر: قال ~~تعالى: # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا # [النحل: 67]. أهل التذوق والفهم عن الله حينما سمعوا هذه الآية قالوا: ~~لقد بيت الله للخمر أمرا في هذه الآية ذلك لأنه وصف الرزق بأنه حسن، ~~وسكت عن السكر فلم يصفه بالحسن، فدل ذلك على أن الخمر سيأتي فيه ~~كلام فيما بعد. وحينما سئل ms5690 صلى الله عليه وسلم عن الخمر رد القرآن ~~عليهم: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من ~~نفعهما.. # [البقرة: 219]. جاء هذا على سبيل النصح والإرشاد، لا على سبيل الحكم ~~والتشريع، فعلى كل مؤمن يثق بكلام ربه أن يرى له مخرجا من أسر هذه ~~العادة السيئة. ثم لوحظ أن بعض الناس يصلي وهو مخمور، حتى قال بعضهم ~~في صلاته: أعبد ما تعبدون، فجاء الحكم: # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون.. # [النساء: 43]. ومقتضى هذا الحكم أن يصرفهم عن الخمر معظم الوقت، فلا ~~تتأتى لهم الصلاة دون سكر إلا إذا امتنعوا عنها قبل الصلاة بوقت كاف، ~~وهكذا عودهم على تركها معظم الوقت، كما يحدث الآن مع الطبيب الذي يعالج ~~مريضه من التدخين مثلا، فينصحه بتقليل الكمية تدريجيا حتى يتمكن من ~~التغلب على هذه العادة. # وبذلك وصل الشارع الحكيم سبحانه بالنفوس إلى مرحلة ألفت فيها ترك ~~الخمر، وبدأت تنصرف عنها، وأصبحت النفوس مهيئة لتقبل التحريم المطلق، ~~فقال تعالى: # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه.. # [المائدة: 90]. إذن: الحق سبحانه وتعالى نسخ آية وحكما بما هو أحسن ~~منه. والعجيب أن نرى من علمائنا من يتعصب للقرآن، فلا يقبل القول ~~بالنسخ فيه، كيف والقرآن نفسه يقول: # ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها.. # [البقرة: 106]. قالوا: لأن هناك شيئا يسمى البداء.. ففي النسخ كأن ~~الله تعالى أعطى حكما ثم تبين له خطؤه، فعدل عنه إلى حكم آخر. ~~ونقول لهؤلاء: لقد جانبكم الصواب في هذا القول، فمعنى النسخ إعلان انتهاء ~~الحكم السابق بحكم جديد أفضل منه، وبهذا المعنى يقع النسخ في القرآن ~~الكريم. ومنهم من يقف عند قوه الحق تبارك وتعالى: # نأت بخير منها أو مثلها.. # [البقرة: 106]. فيقول: { نأت بخير منها } فيها علة ~~للتبديل، وضرورة تقتضي النسخ وهي الخيرية، فما علة التبديل في قوله: { ~~أو مثلها }؟ أولا: في قوله تعالى: { نأت بخير منها } ~~قد يقول قائل: ms5691 ولماذا لم يأت بالخيرية من البداية؟ نقول: لأن الحق ~~سبحانه حينما قال: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته.. # [آل عمران: 102]. وهذه منزلة عالية في التقوى، لا يقوم بها إلا الخواص ~~من عباد الله، شقت هذه الآية على الصحابة وقالوا: ومن يستطيع ذلك ~~يا رسول الله؟ فنزلت: # فاتقوا الله ما استطعتم.. # [التغابن: 16]. وجعل الله تعالى التقوى على قدر الاستطاعة، وهكذا نسخت ~~الآية الأولى مطلوبا، ولكنها بقيت ارتقاء، فمن أراد أن يرتقي بتقواه ~~إلى حق تقاته فبها ونعمت، وأكثر الله من أمثاله وجزاه خيرا، ~~ومن لم يستطع أخذ بالثانية. ولو نظرنا إلى هاتين الآيتين نظرة أخرى ~~لوجدنا الأولى: # اتقوا الله حق تقاته.. # [آل عمران: 102]. وإن كانت تدعو إلى كثير من التقوى إلا أن العاملين ~~بها قلة، في حين أن الثانية: # فاتقوا الله ما استطعتم.. # [التغابن: 16]. وإن جعلت التقوى على قدر الاستطاعة إلا أن العاملين ~~بها كثير، ومن هنا كانت الثانية خيرا من الأولى، كما نقول: قليل دائم ~~خير من كثير منقطع. أما في قوله تعالى: { أو مثلها } أي: أن الأولى ~~مثل الثانية، فما وجه التغيير هنا، وما سبب التبديل؟ نقول: سببه هنا ~~اختبار المكلف في مدى طاعته وانصياعه، إن نقل من أمر إلى مثله، حيث ~~لا مشقة في هذا، ولا تيسير في ذاك، هل سيمتثل ويطيع، أم سيجادل ~~ويناقش؟ مثل هذه القضية واضحة في حادث تحويل القبلة، حيث لا مشقة على ~~الناس في الاتجاه نحو بيت المقدس، ولا تيسير عليهم في الاتجاه نحو ~~الكعبة، الأمر اختبار للطاعة والانصياع لأمر الله، فكان من الناس من ~~قال: سمعا وطاعة ونفذوا أمر الله فورا دون جدال، وكان منهم من اعترض ~~وأنكر واتهم رسول الله بالكذب على الله. # ومن ذلك أيضا ما نراه في مناسك الحج مما سنه لنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حيث نقبل الحجر الأسعد وهو حجر، ونرمي الجمرات وهي أيضا حجر، ~~إذن: هذه أمور لا مجال للعقل فيها، بل هي لاختبار الطاعة والانقياد ~~للمشرع سبحانه وتعالى. ثم يقول تعالى: { بل ms5692 أكثرهم لا ~~يعلمون } [النحل: 101]. بل: حرف يفيد الإضراب عن الكلام السابق ~~وتقرير كلام جديد، فالحق سبحانه وتعالى يلغي كلامهم السابق: { قالوا ~~إنمآ أنت مفتر.. } [النحل: 101]. ويقول لهم: لا ليس بمفتر ولا ~~كذاب، فهذا اتهام باطل، بل أكثرهم لا يعلمون. وكلمة { أكثرهم } هنا ~~ليس بالضرورة أن تقابل بالأقل، فيمكن أن نقول: أكثرهم لا يعلمون. ~~وأيضا: أكثرهم يعلمون كما جاء في قول الحق سبحانه: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب.. # [الحج: 18]. هكذا بالإجماع، تسجد لله تعالى جميع المخلوقات إلا الإنسان، ~~فمنه كثير يسجد، يقابله أيضا كثير حق عليه العذاب، فلم يقل القرآن: ~~وقليل حق عليه العذاب. وعلى فرض أن: { بل أكثرهم لا ~~يعلمون } [النحل: 101]. إذن: هناك أقلية تعلم صدق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في البلاغ عن ربه، وتعلم كذبهم وافتراءهم على رسول الله ~~حينما اتهموه بالكذب، ويعلمون صدق كل آية في مكانها، وحكمة الله ~~المرادة من هذه الآية. فمن هم هؤلاء الذين يعلمون في صفوف الكفار ~~والمشركين؟ قالوا: لقد كان بين هؤلاء قوم أصحاب عقول راجحة، وفهم ~~للأمور، ويعلمون وجه الحق والصواب في هذه المسألة، ولكنهم أنكروها، كما ~~قال الحق تبارك وتعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14]. وأيضا من هؤلاء أصحاب عقول يفكرون في الهدى، ويراودهم ~~الإسلام، وكأن لديهم مشروع إسلام يعدون أنفسهم له، وهم على علم أن ~~كلام الكفار واتهامهم لرسول الله باطل وافتراء. وأيضا من هؤلاء مؤمنون ~~فعلا، ولكن تنقصهم القوة الذاتية التي تدفع عنهم، والعصبية التي ترد ~~عنهم كيد الكفار، وليس عندهم أيضا طاقة أن يهاجروا، فهم ما يزالون ~~بين أهل مكة إلا أنهم مؤمنون ويعلمون صدق رسول الله وافتراء الكفار ~~عليه، لكن لا قدرة لهم على إعلان إيمانهم. وفي هؤلاء يقول الحق تبارك ~~وتعالى: # وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان ~~الله بما تعملون بصيرا * هم الذين ms5693 كفروا ~~وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن ~~يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونسآء ~~مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم.. # [الفتح: 24-25]. أي: تدخلوا على أهل مكة وقد اختلط الحابل بالنابل، ~~والمؤمن بالكافر، فتقتلوا إخوانكم المؤمنين دون علم. # ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما # [الفتح: 25]. أي: لو كانوا مميزين، الكفار في جانب، والمؤمنون في جانب ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما. إذن: فإن كان أكثرهم لا ~~يعلمون ويتهمونك بالكذب والافتراء فإن غير الأكثرية يعلم أنهم كاذبون ~~في قولهم: { إنمآ أنت مفتر.. } [النحل: 101]. وما داموا اتهموك ~~بالافتراء فقل ردا عليهم: { قل نزله روح... }. ### || [16.102] # الحق تبارك وتعالى في هذه الآية يرد على الكفار افتراءهم على رسول الله، ~~واتهامهم له بالكذب المتعمد، وأنه جاء بهذه الآيات من نفسه، فقال له: يا ~~محمد قل لهؤلاء: بل نزله روح القدس. والقدس: أي المطهر، من إضافة ~~الموصوف للصفة، كما نقول: حاتم الجود مثلا. والمراد ب " روح القدس " ~~سفير الوحي جبريل عليه السلام، وقد قال عنه في آية أخرى: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. وقال عنه: # إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين * مطاع ثم أمين # [التكوير: 19-21]. وقول الحق سبحانه: { من ربك بالحق.. } ~~[النحل: 102]. أي: أن جبريل لم يأت بهذا القرآن من عنده هو، بل من عند ~~الله بالحق، فمحمد صلى الله عليه وسلم لم يأت بالقرآن من عنده، وكذلك ~~جبريل، فالقرآن من عند الله، ليس افتراء على الله، لا من محمد، ولا من ~~جبريل عليهما السلام. وقوله تعالى: { ليثبت الذين آمنوا ~~وهدى وبشرى للمسلمين } [النحل: 102]. أي: ليثبت الذين ~~آمنوا على تصديق ما جاء به الرسول من الآيات، أن الله تعالى أعلم بما ~~ينزل من الآيات، وأن كل آية منها مناسبة لزمانها ومكانها وبيئتها، وفي ~~هذا دليل على أن المؤمنين طائعون منصاعون لله تعالى مصدقون للرسول ~~صلى الله عليه وسلم في كل ما بلغ عن ربه تعالى. ثم يقول الحق ms5694 سبحانه: ~~{ ولقد نعلم... }. ### || [16.103] # وفي هذه الآية اتهام آخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وافتراء جديد ~~عليه، لا يأنف القرآن من إذاعته، فمن سمع الاتهام والافتراء يجب أن ~~يسمع الجواب، فالقرآن يريد أن يفضح أمر هؤلاء، وأن يظهر إفلاس ~~حججهم وما هم فيه من تخبط. يقول الحق تبارك وتعالى: { ولقد ~~نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر.. } [النحل: ~~103]. وقد سبق أن قالوا عن رسول الله " مجنون " وبرأه الله بقوله ~~تعالى: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4]. والخلق العظيم لا يكون في مجنون لأن الخلق الفاضل لا ~~يوضع إلا في مكانه، بدليل قوله تعالى: # مآ أنت بنعمة ربك بمجنون # [القلم: 2]. وسبق أن قالوا: ساحر وهذا دليل على أنهم مغفلون يتخبطون ~~في ضلالهم، فلو كان محمد ساحرا، فلم لم يسحركم كما سحر المؤمنين به ~~وتنتهي المسألة؟ وسبق أن قالوا " شاعر " مع أنهم أدرى الناس بفنون ~~القول شعرا ونثرا وخطابة، ولم يجربوا على محمد صلى الله عليه وسلم ~~شيئا من ذلك، لكنه الباطل حينما يلج في عناده، ويتكبر عن قبول الحق. ~~وهنا جاءوا بشيء جديد يكذبون به رسول الله، فقالوا: { إنما ~~يعلمه بشر.. } [النحل: 103]. أي: أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يتردد على أحد أصحاب العلم ليعلمه القرآن فقالوا: إنه غلام لبني ~~عامر بن لؤي اسمه يعيش، وكان يعرف القراءة والكتاب، وكان يجلب الكتب من ~~الأسواق، ويقرأ قصص السابقين مثل عنترة وذات الهمة وغيرها من كتب ~~التاريخ. وقد تضاربت أقوالهم في تحديد هذا الشخص الذي يزعمون أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تعلم على يديه، فقالوا: اسمه " عداس " وقال ~~آخرون: سلمان الفارسي. وقال آخرون: بلعام وكان حدادا روميا نصرانيا ~~يعلم كثيرا عن أهل الكتاب.. الخ. والحق تبارك وتعالى يرد على هؤلاء، ~~ويظهر إفلاسهم الفكري، وإصرارهم على تكذيب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فيقول: { لسان الذي يلحدون إليه أعجمي ~~وهذا لسان عربي مبين } [النحل: 103]. اللسان هنا: اللغة ~~التي يتحدث بها. ويلحدون إليه: يميلون إليه وينسبون إليه أنه ~~يعلم رسول الله صلى الله ms5695 عليه وسلم. أعجمي: أي لغته خفية، لا يفصح ~~ولا يبين الكلام، كما نرى الأجانب يتحدثون العربية مثلا. ونلاحظ هنا أن ~~القرآن الكريم لم يقل عجمي، لأن العجم جنس يقابل العرب، وقد يكون من ~~العجم من يجيد العربية الفصيحة، كما رأينا سيبويه صاحب الكتاب أعظم ~~مراجع النحو حتى الآن وهو عجمي. أما الأعجمي فهو الذي لا يفصح ولا ~~يبين، حتى وإن كان عربيا. وقد كان في قبيلة لؤي رجل اسمه زياد يقال ~~له " زياد الأعجمي " لأنه لا يفصح ولا يبين، مع أنه من أصل عربي. # إذن: كيف يتأتى لهؤلاء الأعاجم الذين لا يفصحون، ولا يكادون ينطقون ~~اللغة العربية، كيف لهؤلاء أن يعلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقد جاء بمعجزة في الفصاحة والبلاغة والبيان؟ كيف يتعلم من هؤلاء، ولم ~~يثبت أنه صلى الله عليه وسلم التقى بأحد منهم إلا عداس يقال: إنه قابله ~~مرة واحدة، ولم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم تردد إلى معلم، لا من ~~هؤلاء، ولا من غيرهم؟ كما أن ما يحويه القرآن الكريم من آيات وأحكام ~~ومعجزات ومعلومات يحتاج في تعلمه إلى وقت طويل يتتلمذ فيه محمد على يد ~~هؤلاء، وما جربتم على محمد شيئا من هذا كله. وهل يعقل أن ما في ~~القرآن يمكن أن يطويه صدر واحد من هؤلاء؟! لو حدث لكان له من المكانة ~~والمنزلة بين قومه ما كان للنبي صلى الله عليه وسلم من منزلة، ولأشاروا ~~إليه بالبنان ولذاع صيته، واشتهر أمره، وشيء من ذلك لم يحدث. وقوله ~~تعالى: { وهذا لسان عربي مبين } [النحل: 103]. أي: لغته ~~صلى الله عليه وسلم، ولغة القرآن الكريم عربية واضحة مبينة، لا لبس ~~فيها ولا غموض. ثم يقول الحق سبحانه: { إن الذين لا ~~يؤمنون... }. ### || [16.104] # الحق تبارك وتعالى في قوله: { إن الذين لا يؤمنون بآيات ~~الله.. } [النحل: 104]. ينفي عن هؤلاء صفة الإيمان، فكيف يقول بعدها: ~~{ لا يهديهم الله.. } [النحل: 104]. أليسوا غير مؤمنين، وغير ~~مهتدين؟ قلنا: إن الهداية نوعان: - هداية دلالة وإرشاد، وهذه يستوي ~~فيها المؤمن والكافر، فقد ms5696 دل الله الجميع، وأوضح الطريق للجميع، ومنها ~~قوله تعالى: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى.. # [فصلت: 17]. أي: أرشدناهم ودللناهم. - وهداية المعونة والتوفيق، وهذه ~~لا تكون إلا للمؤمن، ومنها قوله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. إذن: معنى: { لا يهديهم الله.. } [النحل: 104]. ~~أي: هداية معونة وتوفيق. ويصح أن نقول أيضا: إن الجهة هنا منفكة إلى ~~شيء آخر، فيكون المعنى: لا يهديهم إلى طريق الجنة، بل إلى طريق النار، ~~كما قال تعالى: # إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر ~~لهم ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنم.. # [النساء: 168-169]. بدليل قوله تعالى بعدها: { ولهم عذاب أليم ~~} [النحل: 104]. ولأنه سبحانه في المقابل عندما تحدث عن المؤمنين قال: # ويدخلهم الجنة عرفها لهم # [محمد: 6]. أي: هداهم لها وعرفهم طريقها. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ~~{ إنما يفتري... }. ### || [16.105] # كأن الحق سبحانه وتعالى يقول: وإن افتريتم على رسول الله واتهمتموه ~~بالكذب فإن الكذب الحقيقي أن تكذبوا بآيات الله، ولا تؤمنوا بها. ~~ونلاحظ في تذييل هذه الآية أن الحق سبحانه لم يقل: وأولئك هم ~~الكافرون. بل قال: الكاذبون. ليدل على شناعة الكذب، وأنه صفة لا تليق ~~بمؤمن. ولذلك حينما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيسرق المؤمن؟ ~~قال: " نعم ". لأن الله قال: # والسارق والسارقة.. # [المائدة: 38]. فما دام قد شرع حكما، وجعل عليه عقوبة فقد أصبح ~~الأمر واردا ومحتمل الحدوث. وسئل: أيزني المؤمن؟ قال: " نعم " ، لأن ~~الله قال: # الزانية والزاني.. # [النور: 2]. وسئل: أيكذب المؤمن؟ قال: " لا ". والحديث يوضح لنا ~~فظاعة الكذب وشناعته، وكيف أنه أعظم من كل هذه المنكرات، فقد جعل الله ~~لكل منها عقوبة معلومة في حين ترك عقوبة الكذب ليدل على أنها جريمة أعلى ~~من العقوبة وأعظم. إذن: الكذب صفة لا تليق بالمؤمن، ولا تتصور في ~~حقه ذلك لأنه إذا اشتهر عن واحد أنه كذاب لما اعتاده الناس من كذبه، ~~فنخشى أن يقول مرة: أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله فيقول ~~قائل: إنه كذاب وهذه كذبة من أكاذيبه. ثم يقول ms5697 الحق سبحانه: { من كفر ~~بالله... }. ### || [16.106] # الحق سبحانه وتعالى سبق وأن تحدث عن حكم المؤمنين وحكم الكافرين، ثم ~~تحدث عن الذين يخلفون العهد ولا يوفون به، ثم تحدث عن الذين افتروا ~~على رسول الله والذين كذبوا بآيات الله، وهذه كلها قضايا إيمانية كان ~~لا بد أن تثار. وفي هذه الآية الكريمة يوضح لنا الحق سبحانه وتعالى ~~أن الإيمان ليس مجرد أن تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فالقول ~~وحده لا يكفي ولا بد وأن تشهد بذلك، ومعنى تشهد أن يواطىء القلب ~~واللسان كل منهما الآخر في هذه المقولة. والمتأمل لهذه القضية يجد أن ~~القسمة المنطقية تقتضي أن يكون لدينا أربع حالات: الأولى: أن يواطىء ~~القلب اللسان إيجابا بالإيمان ولذلك نقول: إن المؤمن منطقي في إيمانه ~~لأنه يقول ما يضمره قلبه. الثانية: أن يواطىء القلب اللسان سلبا ~~أي: بالكفر، وكذلك الكافر منطقي في كفره بالمعنى السابق. الثالثة: أن ~~يؤمن بلسانه ويضمر الكفر في قلبه، وهذه حالة المنافق، وهو غير منطقي ~~في إيمانه حيث أظهر خلاف ما يبطن ليستفيد من مزايا الإيمان. الرابعة: أن ~~يؤمن بقلبه، وينطق كلمة الكفر بلسانه. وهذه الحالة الرابعة هي المرادة في ~~هذه الآية. فالحق تبارك وتعالى يعطينا هنا تفصيلا لمن كفر بعد إيمان، ~~وما سبب هذا الكفر؟ وما جزاؤه؟ قوله: { من كفر بالله من بعد ~~إيمانه.. } [النحل: 106]. هذه جملة الشرط تأخر جوابها إلى آخر الآية ~~الكريمة، لنقف أولا على تفصيل هذا الكفر، فإما أن يكون عن إكراه لا ~~دخل للإنسان فيه، فيجبر على كلمة الكفر، في حين قلبه مطمئن بالإيمان. ~~{ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان.. } [النحل: 106]. ثم سكت عنه ~~القرآن الكريم ليدلنا على أنه لا شيء عليه، ولا بأس أن يأخذ المؤمن ~~بالتقية، وهي رخصة تقي الإنسان موارد الهلاك في مثل هذه الأحوال. وفي ~~تاريخ الإسلام نماذج متعددة أخذت بهذه الرخصة، ونطقت كلمة الكفر وهي ~~مطمئنة بالإيمان. وفي الحديث الشريف: # " رفع عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه ms5698 ". # ويذكر التاريخ أن ياسر أبا عمار وزوجه سمية أول شهيدين في الإسلام، ~~فكيف استشهدا؟ كانا من المسلمين الأوائل، وتعرضوا لكثير من التعذيب حتى ~~عرض عليهم الكفار النطق بكلمة الكفر مقابل العفو عنهما، فماذا حدث من ~~هذين الشهيدين؟ صدعا بالحق وأصرا على الإيمان حتى نالا الشهادة في ~~سبيل الله، ولم يأخذا برخصة التقية. وكان ولدهما عمار أول من أخذ بها، ~~حينما تعرض لتعذيب المشركين. # " وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمار بن ياسر كفر، فأنكر صلى ~~الله عليه وسلم هذا، وقال: " إن إيمان عمار من مفرق رأسه إلى قدمه، وإن ~~الإيمان في عمار قد اختلط بلحمه ودمه ". فلما جاء عمار أقبل على رسول ~~الله وهو يبكي، ثم قص عليه ما تعرض له من أذى المشركين، وقال: والله يا ~~رسول الله ما خلصني من أيديهم إلا أني تناولتك وذكرت آلهتهم بخير، ~~فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن مسح دموع عمار بيده الشريفة ~~وقال له " إن عادوا إليك فقل لهم ما قلت ". وقد أثارت هذه الرخصة غضب ~~بعض الصحابة، فراجعوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: فما بال ~~بلال؟ فقال: " عمار استعمل رخصة، وبلال صدع بالحق " ". # ولا شك أن هاتين منزلتان في مواجهة الباطل وأهله، وأن الصدع بالحق ~~والصبر على البلاء أعلى منزلة، وأسمى درجة من الأخذ بالرخصة لأن ~~الأول آمن بقلبه ولسانه، والآخر آمن بقلبه فقط ونطق لسانه الكفر. لذلك، # " ففي حركة الردة حاول مسيلمة الكذاب أن يطوف بالقبائل لينتزع منهم ~~شهادة بصدق نبوته، فقال لرجل: ما تقول في محمد؟ قال: رسول الله، قال: ~~فما تقول في؟ فقال الرجل في لباقة: وأنت كذلك، يعني أخرج نفسه من هذا ~~المأزق دون أن يعترف صراحة بنبوة هذا الكذاب. فقابل آخر وسأله: ما تقول ~~في محمد؟ قال: رسول الله، قال: وما تقول في؟ فقال الرجل متهكما: اجهر ~~لأني أصبحت أصم الآن، وأنكر على مسيلمة ما يدعيه فكان جزاؤه القتل. ~~فلما علم رسول الله صلى الله عليه ms5699 وسلم خبرهما قال: " أحدهما استعمل ~~الرخصة، والآخر صدع بالحق ". # وقد تحدث العلماء عن الإكراه في قوله تعالى: { إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان.. } [النحل: 106]. وأوضحوا وجوه ~~الإكراه وحكم كل منها، على النحو التالي: - إذا أكره الإنسان على أمر ~~ذاتي فيه. كأن قيل له: اشرب الخمر وإلا قتلتك أو عذبتك قالوا: يجب ~~عليه في هذه الحالة أن يشربها وينجو بنفسه لأنه أمر يتعلق به، ومن الناس ~~من يعصون الله بشربها. فإن قيل له: اكفر بالله وإلا قتلتك أو ~~عذبتك، قالوا: هو مخير بين أن يأخذ بالتقية هنا، ويستخدم الرخصة التي ~~شرعها الله له، أو يصدع بالحق ويصمد. - أما إذا تعلق الإكراه بحق من ~~حقوق الغير، كأن قيل لك: اقتل فلانا وإلا قتلتك، ففي هذه الحالة لا ~~يجوز لك قتله لأنك لو قتلته لقتلت قصاصا، فما الفائدة إذن؟ وبعد ~~أن تحدث الحق تبارك وتعالى عن حكم من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ~~يتحدث عن النوع الآخر: { ولكن من شرح بالكفر صدرا.. } ~~[النحل: 106]. أي: نطق كلمة الكفر راضيا بها، بل سعيدة بها نفسه، ~~منشرحا بها صدره، وهذا النوع هو المقصود في جواب الشرط. { ~~فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } [النحل: ~~106]. فإن كانت الآيات قد سكتت عمن أكره، ولم تجعل له عقوبة لأنه ~~مكره، فقد بينت أن من شرح بالكفر صدرا عليه غضب من الله أي: في ~~الدنيا. ولهم عذاب عظيم أي: في الآخرة. وكما رأينا في تاريخ الإسلام ~~نماذج للنوع الأول الذي أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، كذلك رأينا نماذج ~~لمن شرح بالكفر صدرا، وهم المنافقون، ومنهم من أسلم بعد ذلك وحسن ~~إسلامه، ومنهم عبد الله ابن سعد بن أبي السرح من عامر بن لؤي. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ذلك بأنهم استحبوا... }. ### || [16.107] # { ذلك } أي: ما استحقوه من العذاب السابق. { ذلك بأنهم ~~استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة.. } [النحل: ~~107]. استحب: أي آثر وتكلف الحب لأن العاقل لو نظر إلى الدنيا بالنسبة ~~لعمره فيها لوجدها قصيرة أحقر من أن تحب لذاتها، ولوجد الأغيار ~~بها كثيرة تتقلب ms5700 بأهلها فلا يدوم لها حال، ينظر فإذا الأحوال تتبدل من ~~الغنى إلى الفقر، ومن الصحة إلى السقم، ومن القوة إلى الضعف، فكيف إذن ~~تستحب الدنيا على الآخرة؟! والحق تبارك وتعالى يريد منا أن نعطي كلا ~~من الدنيا والآخرة ما يستحقه من الحب، فنحب الدنيا دون مبالغة في حبها، ~~نحبها على أنها مزرعة للآخرة، وإلا، فكيف نطلب الجزاء والثواب من الله؟ ~~لذلك نقول: إن الدنيا أهم من أن تنسى، وأتفه من أن تكون غاية، وقد قال ~~الحق سبحانه: # ولا تنس نصيبك من الدنيا.. # [القصص: 77]. ففهم البعض الآية على أنها دعوة للعمل للدنيا وأخذ ~~الحظوظ منها، ولكن المتأمل لمعنى الآية يجد أن الحق سبحانه يجعل الدنيا ~~شيئا هينا معرضا للنسيان والإهمال، فيذكرنا بها، ويحثنا على ~~أن نأخذ منها بنصيب، فأنا لا أقول لك: لا تنس الشيء الفلاني إلا إذا ~~كنت أعلم أنه عرضة للنسيان، وهذا جانب من جوانب الوسطية والاعتدال في ~~الإسلام. ويكفينا وصف هذه الحياة بالدنيا، فليس هناك وصف أقل من ~~هذا الوصف، والمقابل لها يقتضي أن نقول: العليا وهي الآخرة، نعم نحن لا ~~ننكر قدر الحياة الدنيا ولا نبخسها حقها، ففيها الحياة والحس والحركة، ~~وفيها العمل الصالح والذكرى الطيبة.. الخ. ولكنها مع ذلك إلى زوال ~~وفناء، في حين أن الآخرة هي الحياة الحقيقية الدائمة الباقية التي لا ~~يعتريها زوال، ولا يهددها موت، كما قال الحق سبحانه: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. أي: الحياة الحقيقية التي يجب أن نحرص عليها ونحبها. ~~ومن ذلك قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24]. ما معنى لما يحييكم والقرآن يخاطبهم وهم أحياء ~~يرزقون؟ قالوا: يحييكم أي: الحياة الحقيقية الباقية التي لا تزول. ~~وقوله: { على الآخرة.. } [النحل: 107]. لقائل أن يقول: إن الآية ~~تتحدث عن غير المؤمنين بالآخرة، فكيف يقال عنهم: { استحبوا ~~الحياة الدنيا على الآخرة.. } [النحل: 107]. نقول: من غير ~~المؤمنين بالآخرة من قال الله فيهم: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت # [النحل: 38]. وأيضا ms5701 منهم من قال: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36]. إذن: من هؤلاء من يؤمن بالآخرة، ولكنه يفضل عليها ~~الدنيا. قوله تعالى: { وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين } [النحل: 107]. أي: لا يهديهم هداية معونة وتوفيق. وسبق ~~أن قلنا: إن الهداية نوعان: هداية دلالة، ويستوي فيها المؤمن والكافر، ~~وهداية معونة خاصة بالمؤمن. إذن: إذا نفيت الهداية، فالمراد هداية ~~المعونة، فعدم هداية الله انصبت على الكافر لكونه كافرا، فكأن كفره ~~سبق عدم هدايته، أو نقول: لكونه كافرا لم يهده الله. ولذلك يحكم الله ~~على هؤلاء بقوله سبحانه: { أولئك الذين طبع... }. ### || [16.108] # طبع: أي ختم عليها، وإذا تأملت الختم وجدت المقصود منه أن الشيء ~~الداخل يظل داخلا لا يخرج، وأن الخارج يظل خارجا لا يدخل. وفرق بين ~~ختم البشر وختم ربنا سبحانه، فقصارى ما نفعله أن نختم الأشياء المهمة ~~كالرسائل السرية مثلا، أو نريد إغلاق مكان ما نختم عليه بالشمع الأحمر ~~لنتأكد من غلقه، ومع ذلك نجد من يحتال على هذا الختم ويستطيع فضه ~~وربما أعاده كما كان. أما إذا ختم الحق سبحانه وتعالى على شيء فلا يستطيع ~~أحد التحايل عليه سبحانه. فالمراد - إذن - بقوله تعالى: { طبع الله ~~على قلوبهم.. } [النحل: 108]. أن ما فيها من الكفر لا يخرج منها، ~~وما هو خارجها من الإيمان لا يدخل فيها ذلك لأن القلب هو الوعاء الذي ~~تصب فيه الحواس التي هي وسائل الإدراكات المعلومية، وأهمها السمع ~~والبصر. فبالسمع تسمع الوحي والتبليغ عن الله، وبالبصر ترى دلائل قدرة ~~الله في كونه وعجيب صنعه مما يلفتك إلى قدرة الله، ويدعوك للإيمان به ~~سبحانه، فإذا ما انحرفت هذه الحواس عما أراده الله منها، وبدل أن تمد ~~القلب بدلائل الإيمان تعطلت وظيفتها. فالسمع موجود كآلة تسمع ولكنها ~~تسمع الفارغ من الكلام، فلا يوجد سمع اعتباري، وكذلك البصر موجود كآلة ~~تبصر ما حرم الله فلا يوجد بصر اعتباري، فما الذي سيصل إلى القلب - إذن ~~- من خلال هذه الحواس؟ فما دام القلب لا يسمع الهداية، ولا يرى دلائل ~~قدرة الله ms5702 في كونه فلن نجد فيه غير الكفر، فإذا أراد الإيمان قلنا له: ~~لا بد أن تخرج الكفر من قلبك أولا، فلا يمكن أن يجتمع كفر وإيمان ~~في قلب واحد لذلك عندنا قانون موجود حتى في الماديات يسمونه عدم التداخل ~~يمكن أن تشاهده حينما تملأ زجاجة فارغة بالماء، فترى أن الماء لا يدخل ~~إلا بقدر ما يخرج من الهواء. فكذلك الحال في الأوعية المعنوية. فإن أردت ~~الإيمان - أيها الكافر - فأخرج أولا ما في قلبك من الكفر واجعله ~~مجردا من كل هوى، ثم ابحث بعقلك في أدلة الكفر وأدلة الإيمان، وما ~~تصل إليه وتقتنع به أدخله في قلبك، لكن أن تبحث أدلة الإيمان وفي جوفك ~~الكفر فهذا لا يصح، لا بد من إخلاء القلب أولا وتجعل الأمرين على ~~السواء. لذلك يقول الحق سبحانه: # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه # [الأحزاب: 4]. وفي الأثر: " لا يجتمع حب الدنيا وحب الله في قلب واحد ". ~~لأن للإنسان قلبا واحدا لا يجتمع فيه نقيضان، هكذا شاءت قدرة الله أن ~~يكون القلب على هذه الصورة، فلا تجعله مزدحما بالمظروف فيه. # كما أن طبع الله على قلوب الكفار فيه إشارة إلى أن الحق سبحانه وتعالى ~~يعطي عبده مراده، حتى وإن كان مراده الكفر، وكأنه سبحانه يقول لهؤلاء: ~~إن كنتم تريدون الكفر وتحبونه وتنشرح له صدوركم فسوف أطبع عليها، فلا ~~يخرج منها الكفر ولا يدخلها الإيمان، بل وأزيدكم منه إن أحببتم، كما ~~قال تعالى: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا.. # [البقرة: 10]. فهنيئا لكم بالكفر، واذهبوا غير مأسوف عليكم. وقوله: ~~{ وأولئك هم الغافلون } [النحل: 108]. الغافل: من كان ~~لديه أمر يجب أن يتنبه إليه، لكنه غفل عنه، وكأنه كان في انتظار إشارة ~~تنبه عقله ليصل إلى الحق. ثم ينهي الحق سبحانه الكلام عن هؤلاء بقوله ~~تعالى: { لا جرم أنهم... }. ### || [16.109] # فقوله تعالى: { لا جرم.. } [النحل: 109]. أي: حقا ولا بد، أولا ~~جريمة في أن يكون هؤلاء خاسرين في الآخرة، بما اقترفوه من موجبات ~~الخسارة، وبما أتوا به من حيثيات ترتب عليها ms5703 الحكم بخسارتهم في ~~الآخرة، فقد حق لهم وثبت لهم ذلك. والمتتبع للآيات السابقة يجد فيها ~~هذه الحيثيات، بداية من قولهم عن رسول الله: # إنمآ أنت مفتر.. # [النحل: 101]. وقولهم: # إنما يعلمه بشر.. # [النحل: 103]. وعدم إيمانهم بآيات الله، وكونهم كاذبين مفترين على الله، ~~واطمئنانهم بالكفر، وانشراح صدورهم به، واستحبابهم الحياة الدنيا على ~~الآخرة. هذه كلها حيثيات وأسباب أوجبت لهم الخسران في الآخرة يوم تصفى ~~الحسابات، وتنكشف الأرباح والخسائر، وكيف لا يكون عاقبته خسرانا من ~~اقترف كل هذه الجرائم؟! ثم يقول الحق سبحانه: { ثم إن ربك ~~للذين هاجروا... }. ### || [16.110] # قوله تعالى: { فتنوا.. } [النحل: 110]. أي: ابتلوا وعذبوا عذابا ~~أليما لأنهم أسلموا. وقوله: { إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم } [النحل: 110]. من رحمة الله تعالى أن يفتح باب التوبة لعبادة ~~الذين أسرفوا على أنفسهم، ومن رحمته أيضا أن يقبل توبة من يتوب لأنه ~~لو لم يفتح الله باب التوبة للمذنب ليئس من رحمة الله، ولتحول - وإن ~~أذنب ولو ذنبا واحدا - إلى مجرم يشقى به المجتمع، فلم ير أمامه ~~بارقة أمل تدعوه إلى الصلاح، ولا دافعا يدفعه إلى الإقلاع. أما إذا رأى ~~باب ربه مفتوحا ليل نهار يقبل توبة التائب، ويغفر ذنب المسيء، كما جاء ~~في الحديث الشريف: # " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب ~~مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها ". # بل ويزيده ربنا سبحانه وتعالى من فضله إن أحسن التوبة، وندم على ما كان ~~منه، بأن يبدل سيئاته حسنات، كما قال سبحانه: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا ~~رحيما # [الفرقان: 70]. لو رأى المذنب ذلك كان أدعى لإصلاحه، وأجدى في ~~انتشاله من الوهدة التي تردى فيها. إذن: تشريع التوبة من الحق سبحانه ~~رحمة، وقبولها من المذنب رحمة أخرى لذلك قال سبحانه: # ثم تاب عليهم ليتوبوا.. # [التوبة: 118]. أي: شرع لهم التوبة ودلهم عليها، ليتوبوا هم. فإن ~~اغتر مغتر برحمة الله وفضله فقال: سأعمل سيئات كثيرة حتى يبدلها ~~الله لي حسنات. نقول له: ومن ms5704 يدريك لعله لا تنطبق عليك شروط الذين ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات، وهل تضمن أن يمهلك الأجل إلى أن تتوب، ~~وأنت تعلم أن الموت يأتي بغتة؟ ثم يقول الحق سبحانه: { يوم تأتي... ~~}. ### || [16.111] # قد يكون المعنى في هذه الآية على اتصال بالآية السابقة، ومتعلق بها، ~~فيكون المراد: # إن ربك من بعدها لغفور رحيم # [النحل: 110]. يحدث هذا: { يوم تأتي كل نفس تجادل عن ~~نفسها.. } [النحل: 111]. أي: يوم القيامة. أو يكون المعنى: اذكر يا ~~محمد: { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } [النحل: ~~111]. وهل للإنسان أكثر من نفس، فتجادل إحداهما عن الأخرى؟ الحقيقة أن ~~للإنسان نفسا واحدة في الدنيا والآخرة، ولكنها تختلف في الدنيا عنها يوم ~~القيامة لأن الحق سبحانه منحها في الدنيا الاختيار، وجعلها حرة في أن ~~تفعل أو لا تفعل، فكان من النفوس: الطائعة، والعاصية، والمنصاعة، ~~والمكابرة. فإذا ما وقفت النفس في موقف القيامة، وواجهت الحق الذي كانت ~~تخالفه علمت أن الموقف لا تفيد فيه مكابرة، ولا حيلة لها إلا أن تجادل ~~وتدافع عن نفسها، فكأن نفس القيامة تجادل عن نفس الدنيا في موقف ينادي ~~فيه الحق تبارك وتعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وقد حكى القرآن الكريم نماذج من جدال النفس يوم القيامة، ~~فقال تعالى: # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. # والذين اتخذوا من دونه أوليآء ما نعبدهم ~~إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3]. # ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا.. # [فصلت: 29]. إذن: هي نفس واحدة، تجادل عن نفسها في يوم لا تجزي فيه نفس ~~عن نفس، فكل مشغول بكربه، محاسب بذنبه، كما قال تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37]. وقوله تعالى: { وتوفى كل نفس ما عملت ~~وهم لا يظلمون } [النحل: 111]. الحق سبحانه يعطينا لقطة سريعة ~~للحساب والجزاء يوم القيامة، فالميزان ميزان عدل وقسطاس مستقيم لا يظلم ~~أحدا. # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. وقوله ms5705 تعالى: { وتوفى.. } [النحل: 111]. يدل ~~على أن الجزاء من الله يكون وافيا، لا نقص فيه ولا جور، فالجميع عبيد ~~الله، لا يتفاضلون إلا بأعمالهم، فإن رحمهم فبفضله، وإن عذبهم ~~فبعدله، وقد قال تعالى: # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 118]. ثم يقول الحق سبحانه: { وضرب الله مثلا... }. ### || [16.112] # الحق سبحانه وتعالى بعد أن تكلم عن الإيمان بالله والإيمان بصدق ~~رسوله في البلاغ عنه، واستقبال منهج الله في الكتاب والسنة، وتكلم عن ~~المقابل لذلك من الكفر واللجاج والعناد لله وللرسول وللمنهج. أراد سبحانه ~~أن يعطينا واقعا ملموسا في الحياة لكل ذلك، فضرب لنا هذا المثل. ومعنى ~~المثل: أن يتشابه أمران تشابها تاما في ناحية معينة بحيث تستطيع أن ~~تقول: هذا مثل هذا تماما. والهدف من ضرب الأمثال أن يوضح لك مجهولا ~~بمعلوم، فإذا كنت مثلا لا تعرف شخصا نتحدث عنه فيمكن أن نقول لك: هو ~~مثل فلان - المعلوم لك - في الطول ومثل فلان في اللون.. إلخ من الصور ~~المعلومة لك، وبعد أن تجمع هذه الصور تكون صورة كاملة لهذا الشخص الذي ~~لا تعرفه. لذلك، فالشيء الذي لا مثيل له إياك أن تضرب له مثلا، كما قال ~~الحق سبحانه: # فلا تضربوا لله الأمثال # [النحل: 74]. لأنه سبحانه لا مثيل له، ولا نظير له، لا في ذاته، ولا في ~~صفاته، ولا في أفعاله، وهو سبحانه الذي يضرب المثل لنفسه، أما نحن فلا ~~نضرب المثل إلا للكائنات المخلوقة له سبحانه. لذلك نجد في القرآن الكريم ~~أمثالا كثيرة توضح لنا المجهول بمعلوم لنا، وتوضح الأمر المعنوي بالأمر ~~الحسي الملموس لنا. ومن ذلك ما ضربه الله لنا مثلا في الإنفاق في سبيل ~~الله، وأن الله يضاعف النفقة، ويخلف على صاحبها أضعافا مضاعفة، فانظر ~~كيف صور لنا القرآن هذه المسألة: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم # [البقرة: 261]. وهكذا أوضح لنا المثل الأمر الغيبي المجهول بالأمر ~~المحس المشاهد الذي يعلمه الجميع، حتى ms5706 استقر هذا المجهول في الذهن، ~~بل أصبح أمرا متيقنا شاخصا أمامنا. والمتأمل في هذا المثل التوضيحي ~~يجد أن الأمر الذي وضحه الحق سبحانه أقوى في العطاء من الأمر الذي أوضح ~~به، فإن كانت هذه الأضعاف المضاعفة هي عطاء الأرض، وهي مخلوقة لله ~~تعالى، فما بالك بعطاء الخالق سبحانه وتعالى؟ وكلمة ضرب مأخوذة من ~~ضرب العملة، حيث كانت في الماضي من الذهب أو الفضة، ولخوف الغش فيها ~~حيث كانوا يخلطون الذهب مثلا بالنحاس، فكان النقاد أي: الخبراء في تمييز ~~العملة يضربونها أي: يختمون عليها فتصير معتمدة موثوقا بها، ونافذة ~~وصالحة للتداول. كذلك إذا ضرب الله مثلا لشيء مجهول بشيء معلوم استقر ~~في الذهن واعتمد. فقال تعالى في هذا المثل: { وضرب الله مثلا ~~قرية.. } [النحل: 112]. الهدف من ضرب هذا المثل أن الحق سبحانه ~~وتعالى يريد أن يوضح لنا أن الإنسان إذا أنعم الله عليه بشتى أنواع النعم ~~فجحدها، ولم يشكره عليها، ولم يؤد حق الله فيها، واستعمل نعمة الله ~~في معصيته فقد عرضها للزوال، وعرض نفسه لعاقبة وخيمة ونهاية سيئة، ~~فقيد النعمة بشكرها وأداء حق الله فيها، لذلك قال الشاعر: # إذا كنت في نعمة فارعها # فإن المعاصي تزيل النعم # وحافظ عليها بشكر الإله # فإن الإله شديد النقم # ولكن، القرية التي ضربها الله لنا مثلا هنا، هل هي قرية معينة أم ~~المعنى على الإطلاق؟ قد يراد بالقرية قرية معينة كما قال البعض إنها ~~مكة، أو غيرها من القرى، وعلى كل فتحديدها أمر لا فائدة منه، ولا ~~يؤثر في الهدف من ضرب المثل بها. والقرية: اسم للبلد التي يكون بها ~~قرى لمن يمر بها، أي: بلد استقرار. وهي اسم للمكان فإذا حدث عنها ~~يراد المكين فيها، كما في قوله تعالى: # وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي ~~أقبلنا فيها.. # [يوسف: 82]. فالمراد: اسأل أهل القرية لأن القرية كمكان لا تسأل.. هكذا ~~قال علماء التفسير، على اعتبار أن في الآية مجازا مرسلا علاقته ~~المحلية. ولكن مع تقدم العلم الحديث يعطينا الحق تبارك وتعالى مددا ~~جديدا، كما ms5707 قال سبحانه: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم.. # [فصلت: 53]. والآن تطالعنا الاكتشافات بإمكانية التقاط صور وتسجيل أصوات ~~السابقين، فمثلا يمكنهم بعد انصرافنا من هذا المكان أن يسجلوا جلستنا ~~هذه بالصوت والصورة. ومعنى ذلك أن المكان يعي ويحتفظ لنا بالصور والأصوات ~~منذ سنوات طويلة، وعلى هذا يمكن أن نقول: إن القرية يمكن أن تسأل، ~~ويمكن أن تجيب، فلديها ذاكرة واعية تسجل وتحتفظ بما سجلته، بل وأكثر ~~من ذلك يتطلعون لإعادة الصور والأصوات من بدء الخليقة على اعتبار أنها ~~موجودة في الجو، مودعة فيه على شكل موجات لم تفقد ولم تضع. وما أشبه ~~هذه الموجات باندياح الماء إذا ألقيت فيه بحجر، فينتج عنه عدة دوائر ~~تبتعد عن مركزها إلى أن تتلاشى بالتدريج. إذن: يمكن أن يكون سؤال القرية ~~على الحقيقة، ولا شك أن سؤال القرية سيكون أبلغ من سؤال أهلها، لأن أهلها ~~قد يكذبون، أما هي فلا تعرف الكذب. وبهذا الفهم للآية الكريمة يكون فيها ~~إعجاز من إعجازات الأداء القرآني. وقوله تعالى: { كانت آمنة ~~مطمئنة.. } [النحل: 112]. آمنة: أي في مأمن من الإغارة عليها ~~من خارجها، والأمن من أعظم نعم الله تعالى على البلاد والعباد. وقوله: ~~{ مطمئنة.. } [النحل: 112]. أي: لديها مقومات الحياة، فلا ~~تحتاج إلى غيرها، فالحياة فيها مستقرة مريحة، والإنسان لا يطمئن إلا ~~في المكان الخالي من المنغصات، والذي يجد فيه كل مقومات الحياة، فالأمن ~~والطمأنينة هما سر سعادة الحياة واستقرارها. وحينما امتن الله تعالى ~~على قريش قال: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * ~~فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 1-4]. فطالما شبعت البطن، وأمنت النفس استقرت بالإنسان الحياة. ~~والرسول صلى الله عليه وسلم يعطينا صورة مثلى للحياة الدنيا، فيقول: # " من أصبح معافى في بدنه، آمنا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت ~~له الدنيا بحذافيرها ". # ويصف الحق سبحانه هذه القرية بأنها: { يأتيها رزقها رغدا ~~من كل مكان.. } [النحل: 112]. معلوم أن الناس هم الذين يخرجون ~~لطلب الرزق، لكن في هذه القرية يأتي إليها الرزق، وهذا يرجح ms5708 القول ~~بأنها مكة لأن الله تعالى قال عنها: # أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات ~~كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون # [القصص: 57]. ومن تيسر له العيش في مكة يرى فيها الثمرات والمنتجات من ~~كل أنحاء العالم، وبذلك تمت لهم النعمة واكتملت لديهم وسائل الحياة ~~الكريمة الآمنة الهانئة، فماذا كان منهم؟ هل استقبلوها بشكر الله؟ هل ~~استخدموا نعمة عليهم في طاعته ومرضاته؟ لا.. بل: { فكفرت ~~بأنعم الله.. } [النحل: 112]. أي: جحدت بهذه النعم، واستعملتها ~~في مصادمة منهج الله وشريعته، فكانت النتيجة: { فأذاقها الله ~~لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } [النحل: ~~112]. وكأن في الآية تحذيرا من الحق سبحانه لكل مجتمع كفر بنعمة الله، ~~واستعمل النعمة في مصادمة منهجه سبحانه، فسوف تكون عاقبته كعاقبة هؤلاء. ~~{ فأذاقها الله.. } [النحل: 112]. من الذوق، نقول: ذاق وتذوق ~~الطعام إذا وضعه على لسانه وتذوقه. والذوق لا يتجاوز حلمات اللسان. ~~إذن: الذوق خاص بطعم الأشياء، لكن الله سبحانه لم يقل: أذاقها طعم ~~الجوع، بل قال: { لباس الجوع والخوف.. } [النحل: 112]. فجعل ~~الجوع والخوف وكأنهما لباس يلبسه الإنسان، والمتأمل في الآية يطالع ~~دقة التعبير القرآني، فقد يتحول الجوع والخوف إلى لباس يرتديه الجائع ~~والخائف، كيف ذلك؟ الجوع يظهر أولا كإحساس في البطن، فإذا لم يجد طعاما ~~عوض من المخزون في الجسم من شحوم، فإذا ما انتهت الشحوم تغذى الجسم ~~على اللحم، ثم بدأ ينحت العظام، ومع شدة الجوع نلاحظ على البشرة شحوبا، ~~وعلى الجلد هزالا وذبولا، ثم ينكمش ويجف، وبذلك يتحول الجوع إلى شكل ~~خارجي على الجلد، وكأنه لباس يرتديه الجائع. وتستطيع أن تتعرف على الجوع ~~ليس من بطن الجائع، ولكن من هيئته وشحوب لونه وتغير بشرته، كما قال ~~تعالى عن الفقراء الذين لا يستطيعون ضربا في الأرض: # تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا.. # [البقرة: 273]. وكذلك الخوف وإن كان موضعه القلب، إلا أنه يظهر على ~~الجسم كذلك، فإذا زاد الخوف ترتعد الفرائص، فإذا زاد الخوف يرتعش الجسم ~~كله، فيظهر الخوف عليه كثوب يرتديه. وهكذا جسد لنا التعبير القرآني ms5709 ~~هذه الأحاسيس الداخلية، وجعلها محسوسة تراها العيون، ولكنه أدخلها تحت ~~حاسة التذوق لأنها أقوى الحواس. # وفي تشبيه الجوع والخوف باللباس ما يوحي بشمولهما الجسم كله، كما يلفه ~~اللباس فليس الجوع في المعدة فقط، وليس الخوف في القلب فقط. ومن ذلك ما ~~اشتهر بين المحبين والمتحدثين عن الحب أن محله القلب، فنراهم يتحدثون ~~عن القلوب، كما قال الشاعر: # خطرات ذكرك تستسيغ مودتي # فأحس منها في الفؤاد دبيبا # فإذا ما زاد الحب وتسامى، وارتقت هذه المشاعر، تحول الحب من القلب، ~~وسكن جميع الجوارح، وخالط كل الأعضاء، على حد قول الشاعر: # لا عضو لي إلا وفيه صبابة # فكأن أعضائي خلقن قلوبا # وقوله: { بما كانوا يصنعون } [النحل: 112]. أي: أن الحق ~~سبحانه ما ظلمهم وما تجنى عليهم، بل ما أصابهم هو نتيجة عملهم وصدودهم ~~عن سبيل الله، وكفرهم بأنعمه، فحبسها الله عنهم، فهم الذين قابلوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالصدود والجحود والنكران، وتعرضوا له ~~ولأصحابه بالإيذاء وبيتوا لقتله، حتى دعا عليهم قائلا: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ". # فاستجاب الحق سبحانه لنبيه، وألبسهم لباس الجوع والخوف، حتى إنهم كانوا ~~يأكلون الجيف، ويخلطون الشعر والوبر بالدم فيأكلوه. وظلوا على هذا الحال ~~سبع سنين حتى ضجوا، وبلغ بهم الجهد والضنك منتهاه، فأرسلوا ~~وفدا منهم لرسول الله، فقالوا: هذا عملك برجال مكة، فما بال صبيانها ~~ونسائها؟ فكان صلى الله عليه وسلم يرسل لهم ما يأكلونه من الحلال الطيب. ~~أما لباس الخوف فتمثل في السرايا التي كان يبعثها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من المدينة لترهبهم وتزعجهم ليعلموا أن المسلمين أصبحت لهم ~~قوة وشوكة. ثم يقول الحق سبحانه: { ولقد جآءهم رسول... }. ### || [16.113] # رأينا كيف كانت النعمة تامة على أهل مكة، وقد تمثلت هذه النعمة في ~~كونها آمنة مطمئنة، وهذه نعمة مادية يحفظ الله بها القالب الإنساني، ~~لكنه ما يزال في حاجة إلى ما يحفظ قيمه وأخلاقه. وهذه هي نعمة النعم، ~~وقد امتن الله عليهم بها حينما أرسل فيهم رسولا منهم، فما فائدة ms5710 النعم ~~المادية في بلد مهزوزة القيم، منحلة الأخلاق، فجاءهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليقوم ما اعوج من سلوكهم، ويصلح ما فسد من قيمهم ~~ومبادئهم. وقوله: { منهم.. } [النحل: 113]. أي: من جنسهم، وليس ~~غريبا عنهم، وليس من مطلق العرب، بل من قريش أفضل العرب وأوسطها. يقول ~~تعالى: { فكذبوه.. } [النحل: 113]. وكان المفترض فيهم أن يستقبلوه ~~بما علموا عنه من صفات الخير والكمال، وبما اشتهر به بينهم من الصدق ~~والأمانة، ولكنهم كما كفروا بالنعم المادية كفروا أيضا بالنعم القيمية ~~متمثلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: { فأخذهم ~~العذاب.. } [النحل: 113]. من الذي أخذهم؟ لم تقل الآية: أخذهم ~~الله بالعذاب، بل: أخذهم العذاب، كأن العذاب نفسه يشتاق لهم، وينقض ~~عليهم، ويسارع لأخذهم، ففي الآية تشخيص يوحي بشدة عذابهم. كما قال تعالى ~~في آية أخرى: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30]. ثم يقول تعالى: { فكلوا مما رزقكم الله... }. ### || [16.114] # قلنا: إن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما اشتد الحال بأهل مكة حتى ~~أكلوا الجيف، كان يرسل إليهم ما يأكلونه من الحلال الطيب رحمة منه صلى ~~الله عليه وسلم بهم فيقول: { فكلوا مما رزقكم الله.. } ~~[النحل: 114]. أي: أن هذا الرزق ليس من عندي، بل من عند الله. { حلالا ~~طيبا.. } [النحل: 114]. ذلك لأنهم كانوا قبل ذلك لا يتورعون عن أكل ~~ما حرم الله، ولا عن أكل الخبيث، فأراد أن ينبههم أن رزق الله لهم ~~من الحلال الطيب الهنيىء، فيبدلهم الحلال بدل الحرام، والطيب بدل الخبيث. ~~وقوله تعالى: { واشكروا نعمت الله.. } [النحل: 114]. وهنا ~~إشارة تحذير لهم أن يقعوا فيما وقعوا فيه من قبل من جحود النعمة ~~ونكرانها والكفر بها، فقد جربوا عاقبة ذلك، فنزع الله منهم الأمن، ~~وألبسهم لباس الخوف، ونزع منهم الشبع ورغد العيش، وألبسهم لباس ~~الجوع، فخذوا إذن عبرة مما سلف: { إن كنتم إياه تعبدون } ~~[النحل: 114]. ثم يقول الحق سبحانه: { إنما حرم عليكم... }. ### || [16.115] # الحق سبحانه وتعالى بعد أن قال: # فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا.. # [النحل: 114]. أراد أن يكرر ms5711 معنى من المعاني سبق ذكره في البقرة ~~والمائدة، فقال في البقرة: # إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم ~~الخنزير ومآ أهل به لغير الله فمن اضطر غير ~~باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم # [البقرة: 173]. وقال تعالى في سورة المائدة: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~ومآ أهل لغير الله به.. # [المائدة: 3]. وهذه الأشياء كنتم تأكلونها وهي محرمة عليكم، والآن ما ~~دمنا ننقذكم، ونجعل لكم معونة إيمانية من رسول الله، فكلوا هذه ~~الأشياء حلالا طيبا. ولكن، لماذا كرر هذا المعنى هنا؟ التكرار هنا ~~لأمرين: الأول: أنه سبحانه لا يريد أن يعطيهم صورة عامة بالحكم، بل صورة ~~مشخصة بالحالة لأنهم كانوا جوعى يريدون ما يأكلونه، حتى وإن كانت ~~الجيف، ولكن الإسلام يحرم الميتة، فأوضح لهم أنكم بعد ذلك ستأكلون ~~الحلال الطيب. ثانيا: أن النص يختلف، ففي البقرة: # ومآ أهل به لغير الله.. # [البقرة: 173]. وهنا: { ومآ أهل لغير الله به.. } ~~[النحل: 115]. وليس هنا من قبيل التفنن في الأسلوب، بل المعنى مختلف ~~تماما ذلك لأن الإهلال هو رفع الصوت عند الذبح، فكانوا يرفعون أصواتهم ~~عند الذبح، ولكن والعياذ بالله يقولون: باسم اللات، أو باسم العزى، ~~فيهلون بأسماء الشركاء الباطلين، ولا يذكرون اسم الله الوهاب. فمرة ~~يهلون به لغير الله، ومرة يهلون لغير الله به. كيف ذلك؟ قالوا: ~~لأن الذبح كان على نوعين: مرة يذبحون للتقرب للأصنام، فيكون الأصل في ~~الذبح أنه أهل لغير الله به. أي: للأصنام. ومرة يذبحون ليأكلوا دون ~~تقرب لأحد، فالأصل فيه أنه أهل به لغير الله. إذن: تكرار الآية ~~لحكمة، وسبحان من هذا كلامه. وقوله: { فمن اضطر غير باغ ~~ولا عاد.. } [النحل: 115]. الاضطرار: ألا تجد ما تأكله، ولا ما ~~يقيم حياتك. والحق سبحانه وتعالى يعطينا هنا رخصة عندما تلجئنا الضرورة ~~أن نأكل من هذه الأشياء المحرمة بقدر ما يحفظ الحياة ويسد الجوع، ~~فمعنى غير باغ غير متجاوز للحد، فلو اضطررت وعندك ميتة ~~وعندك طعام حلال، فلا يصح أن تأكل الميتة في وجود الحلال. { ولا عاد ~~} [النحل: 115]. أي: ms5712 ولا معتد على القدر المرخص به، وهو ما يمسك ~~الحياة ويسد جوعك فقط، دون شبع منها. ويقول تعالى: { فإن ~~الله غفور رحيم } [النحل: 115]. وفي البقرة: # فلا إثم عليه.. # [البقرة: 173]. فالمعنى واحد، ولكن هنا ذكر المغفرة والرحمة، وهناك ذكر ~~سببهما. وتجد الإشارة هنا إلى ما يتشدق به البعض من الملاحدة الذين ~~يبحثون في القرآن عن مغمز، فيقولون: طالما أن الله حرم هذه الأشياء، ~~فما فائدتها في الكون؟ نقول: أتظنون أن كل موجود في الكون وجد ليؤكل، ~~أليس له مهمة أخرى؟ ومن ورائه مصلحة أخرى غير الأكل، فإن حرم ~~الإسلام أكله فقد أباح الانتفاع به من وجه آخر. # فالخنزير مثلا حرم الله أكله، ولكن خلقه لمهمة أخرى، وجعل له ~~دورا في نظافة البيئة، حيث يلتهم القاذورات، فهو بذلك يؤدي مهمة في ~~الحياة. وكذلك الثعابين لا نأكلها، ولها مهمة في الحياة أيضا، وهي أن ~~تجهز لنا السم في جوفها، وبهذا السم تعالج بعض الداءات والأمراض، ~~وغير ذلك من الأمثلة كثير. وكذلك يجب أن نعلم أن الحق سبحانه ما حرم ~~علينا هذه الأشياء إلا لحكمة، وعلى الإنسان أن يأخذ من واقع تكوينه ~~المادي وتجاربه ما يقرب له المعاني القيمية الدينية، فلو نظر إلى ~~الآلات التي تدار من حوله من ماكينات وسيارات وطائرات وخلافه لوجد لكل ~~منها وقودا، ربما لا يناسب غيرها، حتى في النوع الواحد نرى أن وقود ~~السيارات وهو البنزين مثلا لا يناسب الطائرات التي تستخدم نفس الوقود، ~~ولكن بدرجة نقاء أعلى. إذن: لكل شيء وقود مناسب، وكذلك أنت أيها الإنسان ~~لك وقودك المناسب لك، وبه تستطيع أداء حركتك في الحياة، وأنت صنعة ربك ~~سبحانه، وهو الذي يحدد لك ما تأكله وما لا تأكله، ويعلم ما يصلحك وما ~~يضرك. والشيء المحرم قد يكون محرما في ذاته كالميتة لما فيها من ~~ضرر، وقد يكون حلالا في ذاته، ولكنه محرم بالنسبة لشخص معين، كأن ~~يمنع المريض من تناول طعام ما لأنه يضر بصحته أو يؤخر شفاءه، وهو ~~تحريم طارىء لحين زوال سببه. وصورة أخرى للتحريم، ms5713 وهي أن يكون الشيء ~~حلالا في ذاته ولا ضرر في تناوله، ومع ذلك تحرمه عقوبة، كما تفعل في ~~معاقبة الطفل إذا أساء فنحرمه من قطعة الحلوى مثلا. إذن: للتحريم أسباب ~~كثيرة، سوف نرى أمثلة منها قريبا. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { ولا ~~تقولوا لما... }. ### || [16.116] # معنى { تصف ألسنتكم الكذب }: تظهره على أوضح وجوهه، ~~فليس كلامهم كذبا فقط، بل يصفه، فمن لا يعرف الكذب فليعرفه من كلام ~~هؤلاء. والمراد بالكذب هنا قولهم: { هذا حلال وهذا حرام.. ~~} [النحل: 116]. فهذا كذب وافتراء على الله سبحانه لأنه وحده صاحب ~~التحليل والتحريم، فإياك أن تحلل شيئا من عند نفسك، أو تحرم ~~شيئا حسب هواك لأن هذا افتراء على الله: { لتفتروا على ~~الله الكذب.. } [النحل: 116]. وقوله تعالى: { إن الذين ~~يفترون على الله الكذب لا يفلحون } [النحل: 116]. ~~فإن انطلى كذبهم على بعض الناس، فأخذوا من ورائه منفعة عاجلة، فعما ~~قليل سيفتضح أمرهم، وينكشف كذبهم، وتنقطع مصالحهم بين الخلق. ويصف الحق ~~سبحانه ما يأخذه هؤلاء من دنياهم بأنه: { متاع قليل... }. ### || [16.117] # أي: ما أخذتموه بكذبكم وافترائكم على الله متاع قليل زائل، سيحرمكم من ~~المتاع الكثير الباقي الذي قال الله عنه: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96]. ليس هذا فقط بل: { ولهم عذاب أليم } [النحل: ~~117]. ثم يقول الحق سبحانه: { وعلى الذين هادوا... }. ### || [16.118] # بعد أن تكلمت الآيات فيما أحل الله وفيما حرم، وبينت أن التحليل ~~أو التحريم لله تعالى، جاءت لنا بصورة من التحريم، لا لأن الشيء ذاته ~~محرم، بل هو محرم تحريم عقوبة، كالذي مثلنا له سابقا بحرمان ~~الطفل من الحلوى عقابا له على سوء فعله. والذين هادوا هم: اليهود ~~عاقبهم الله بتحريم هذه الأشياء، مع أنها حلال في ذاتها، وهذا تحريم ~~خاص بهم كعقوبة لهم. وقوله تعالى: { ما قصصنا عليك من ~~قبل.. } [النحل: 118]. المراد ما ذكر في سورة الأنعام من قوله ~~تعالى: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ms5714 ~~ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون # [الأنعام: 146]. كل ذي ظفر: الحيوان ليس منفرج الأصابع، والحوايا: هي ~~المصارين والأمعاء، ونرى أن كل هذه الأشياء المذكورة في الآية حلال في ~~ذاتها، ومحللة لغير اليهود، ولكن الله حرمها عليهم عقوبة لهم على ~~ظلمهم وبغيهم، كما قال تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا * ~~وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال ~~الناس بالباطل.. # [النساء: 160-161]. أي: بسبب ظلمهم حرمنا عليهم هذه الطيبات. ذلك لأن ~~من أخذ حكما افتراء على الله فحرم ما أحل الله. أو حلل ما ~~حرم الله لا بد أن يعاقب بمثله فيحرم عليه ما أحل لغيره، ~~وقد وقع الظلم من اليهود لأنهم اجترأوا على حدود الله وتعاليمه، وأول ~~الظلم وقمته الشرك بالله تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. والظلم نقل الحق من صاحبه إلى غيره. ومن ظلمهم: ما قالوه ~~لموسى - عليه السلام - بعد أن عبر بهم البحر، ومروا على قوم يعكفون على ~~أصنام لهم، فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. قال تعالى: # وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر فأتوا على قوم ~~يعكفون على أصنام لهم قالوا يموسى اجعل لنآ ~~إلها كما لهم آلهة.. # [الأعراف: 138]. ومن ظلمهم: أنهم عبدوا العجل من دون الله. ومن ظلمهم ~~لموسى - عليه السلام -: أنهم لم يؤمنوا به. كما قال تعالى: # فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف ~~من فرعون وملئهم أن يفتنهم # [يونس: 83]. ومن ظلمهم: # وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال ~~الناس بالباطل # [النساء: 161]. إذن: بسبب ظلمهم وأخذهم غير حقهم حرم الله عليهم ~~أشياء كانت حلالا لهم لذلك قال تعالى: { وما ظلمناهم ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون } [النحل: 118]. ظلموا أنفسهم بأن ~~أعطوا لأنفسهم متاعا قليلا عاجلا، وحرموها من المتعة الحقيقية ~~الباقية. ثم يقول الحق سبحانه: { ثم إن ربك... }. ### || [16.119] # الحق سبحانه وتعالى يعطي عبده فرصة، ويفتح له باب التوبة والرجاء، فمن ~~رحمته سبحانه بعباده أن شرع لهم التوبة من الذنوب، ومن رحمته أيضا أن ~~يقبلها منهم فيتوب ms5715 عليهم. ولو أغلق باب التوبة لتحول المذنب - ولو ~~لمرة واحدة - إلى مجرم يعربد في المجتمع، وبفتح باب التوبة يقي الله ~~المجتمع من هذه العربدة. ويبين الرسول صلى الله عليه وسلم مكانة التوبة ~~فيقول: # " لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض ~~فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ~~ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ~~ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح ". # وقوله تعالى في بداية الآية: { ثم } تدل على كثرة ما تقدم من ذنوب، ~~ومع ذلك غفرها الله لهم ليبين لك البون الشاسع بين رحمة الله ~~وإصرار العصاة على الكفران بالله، وعلى المعصية. وقوله تعالى: { ~~بجهالة }. أي: بطيش وحمق وسفه، وجميعها داخلة في الجهل بمعنى ~~أن تعتقد شيئا وهو غير واقع، فالجهل هنا ليس المراد منه عدم العلم، ~~إنما الجاهل من كانت لديه قضية مخالفة للواقع وهو متمسك بها، والمراد ~~أن ينظر إلى خير عاجل في نظره، ويترك خيرا آجلا في نظر الشرع. وقد ورد ~~هذا المعنى في قول الحق سبحانه: # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب # [النساء: 17]. بجهالة: يعني في لحظة سفه وطيش، فالعاصي يعلم الحكم ~~تماما، ولكنه في غفلة عنه، وعدم تبصر بالعواقب، ولو فكر في عاقبة ~~أمره ما تجرأ على المعصية. لذلك نقول: إن صاحب المعصية لا يقدم عليها ~~إلا في غيبة العقل. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". # ولو استحضر قسوة الجزاء لما أقدم على معصيته، ولكن سفهه وطيشه يغلف ~~الجزاء ويستره عنه ويزين له ما ينتظره من لذة ومتعة عاجلة. وهب أن ~~شخصا ألحت عليه غريزة الجنس، وهي أشرس الغرائز في الإنسان، ففكر في ~~الفاحشة والعياذ بالله، وقبل أن يقع في ms5716 هذه الوهدة السحيقة أخذناه إلى ~~موقد النار، وذكرناه بما غفل عنه من جزاء وعقوبة هذه الجريمة. بالله ~~عليك، ماذا تراه يفعل؟ هل يصر على جريمته؟ لا، لأنه كان ذاهلا ~~غافلا، وبمجرد أن تذكره يرجع. إذن: طيشه وسفهه صرفه عن التفكر في ~~العاقبة وأذهله عن رد الفعل، وجعله ينظر إلى الأمور نظرة سطحية ~~متعجلة. # وقوله: { ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا.. } [النحل: ~~119]. والتوبة هنا هي التوبة النصوح الصادقة، التي ينوي صاحبها الإقلاع ~~عنها وعدم العود إليها مرة أخرى، ويعزم على ذلك حال توبته، فإذا فعل ~~ذلك قبل الله منه وتاب عليه. ولا يمنع ذلك أن يعود للذنب مرة أخرى إذا ~~ضعفت نفسه عن المقاومة، فإن عاد عاد إلى التوبة من جديد، لأن الله ~~سبحانه من أسمائه التواب أي: كثير التوبة، فلم يقل: تائب بل تواب، فلا ~~تنقطع التوبة في حق العبد مهما أذنب، وعليه أن يحدث لكل ذنب توبة. بل ~~وأكثر من ذلك، إذا تاب العبد وأحسن التوبة، وأتى بالأعمال الصالحة بدلا ~~من السيئة، من الله عليه بأن يبدل سيئاته حسنات، وهذه معاملة رب ~~كريم غفور رحيم. وقوله سبحانه: { إن ربك من بعدها لغفور ~~رحيم } [النحل: 119]. فيه إشارة لحرص النبي صلى الله عليه وسلم ~~علينا، وأنه يسره أن يغفر الله لنا. { إن ربك } يا محمد غفور ~~رحيم، فكأنه سبحانه يمتن على نبيه صلى الله عليه وسلم أنه سيغفر ~~للمذنبين من أمته. ثم يقول الحق سبحانه واصفا نبيه إبراهيم عليه السلام: ~~{ إن إبراهيم كان... }. ### || [16.120] # بعد أن ذكرت الآيات طرفا من سيرة اليهود، وطرفا من سيرة أهل مكة ~~تعرضت لخليل الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. والسؤال: ~~لماذا إبراهيم بالذات دون سائر الأنبياء؟ ذلك لأنه أبو الأنبياء، وله ~~مكانته بين الأنبياء، والجميع يتمحكون فيه، حتى المشركون يقولون: نحن على ~~دين إبراهيم، والنصارى قالوا عنه: إنه نصراني. واليهود قالوا: إنه يهودي. ~~فجاءت الآية الكريمة تحلل شخصية إبراهيم عليه السلام، وتوضح ~~مواصفاتها، وترد وتبطل مزاعمهم في إبراهيم عليه السلام، وهاكم ~~مواصفاته: { إن إبراهيم ms5717 كان أمة.. } [النحل: 120]. أمة: ~~الأمة في معناها العام: الجماعة، وسياق الحديث هو الذي يحدد عددها، ~~فنقول مثلا: أمة الشعراء. أي: جماعة الشعراء، وقد تكون الأمة جماعة ~~قليلة العدد، كما في قوله تعالى: # ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون.. # [القصص: 23]. فسمى جماعة من الرعاة أمة لأنهم خرجوا لغرض واحد، وهو ~~سقي دوابهم. وتطلق الأمة على جنس في مكان، كأمة الفرس، وأمة الروم، ~~وقد تطلق على جماعة تتبع نبيا من الأنبياء، كما قال سبحانه: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24]. وحين نتوسع في معنى الأمة نجدها في رسالة محمد صلى الله ~~عليه وسلم تشمل جميع الأمم لأنه أرسل للناس كافة، وجمع الأمم في أمة ~~واحدة، كما قال تعالى: # إن هذه أمتكم أمة واحدة # [الأنبياء: 92]. ومعنى أمة واحدة. أي: جامعة لكل الأمم. فالمعنى - إذن - ~~أن إبراهيم عليه السلام - يقوم مقام أمة كاملة لأن الكمالات المطلقة لله ~~وحده، والكمالات الموهوبة من الله لخلقه في الرسل تسمى كمالات بشرية ~~موهوبة من الله. أما ما دون الرسل فقد وزعت عليهم هذه الكمالات، فأخذ ~~كل إنسان واحدا منها، فهذا أخذ الحلم، وهذا الشجاعة، وهذا الكرم، وهكذا ~~لا تجتمع الكمالات إلا في الرسل. فإذا نظرت إلى إبراهيم - عليه السلام - ~~وجدت فيه من المواهب ما لا يوجد إلا في أمة كاملة. كذلك رسولنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم حينما حدد موقعه بين رسالات الله في الأرض يقول: # " الخير في - وهذا هو الكمال البشري الذي أعطاه الله إياه - وفي أمتي ~~". # أي: أن كل واحد منهم أخذ جزءا من هذا الكمال، فكأن كماله صلى الله عليه ~~وسلم مبعثر في أمته كلها. لذلك حين تتتبع تاريخ إبراهيم - عليه السلام - ~~في كتاب الله تعالى تجد كل موقف من مواقفه يعطيك خصلة من خصال الخير، ~~وصفة من صفات الكمال، فإذا جمعت هذه الصفات وجدتها لا توجد إلا في أمة ~~بأسرها، فهو إمام وقدوة جامعة لكل خصال الخير. ومن معاني أمة: أنه عليه ~~السلام يقوم مقام أمة في عبادة ms5718 الله وطاعته. # وقوله: { قانتا لله.. } [النحل: 120]. أي: خاشعا خاضعا لله ~~تعالى في عبادته. { حنيفا } [النحل: 120]. الحنف في الأصل: الميل، ~~وقد جاء إبراهيم - عليه السلام - والكون على فساد واعوجاج في تكوين ~~القيم، فمال إبراهيم عن هذا الاعوجاج، وحاد عن هذا الفساد. والحق سبحانه ~~وتعالى لا يبعث الرسل إلا إذا طم الفساد، إذن: ميله عن الاعوجاج ~~والفساد، فمعناه أنه كان مستقيما معتدلا على الدين الحق، مائلا عن ~~الاعوجاج حائدا عن الفساد. ثم ينهي الحق سبحانه الآية بقوله: { ولم ~~يك من المشركين } [النحل: 120]. وهذه هي الصفة الرابعة لخليل ~~الله إبراهيم بعد أن وصفه بأنه كان أمة قانتا لله حنيفا، وجميعها تنفي ~~عنه الشرك بالله، فما فائدة نفي الشرك عنه مرة أخرى في: { ولم يك ~~من المشركين } [النحل: 120]. يجب أن نفرق بين أنواع الشرك، ~~فمنه الشرك الأكبر، وهو أن تجعل لله شركاء، وهو القمة في الشرك. ومنه ~~الشرك الخفي، بأن تجعل للأسباب التي خلقها دخل في تكوين الأشياء. ~~فالآية هنا: { ولم يك من المشركين } [النحل: 120]. أي: ~~الشرك الخفي، فالأوصاف السابقة نفت عنه الشرك الأكبر، فأراد سبحانه أن ~~ينفي عنه شرك الأسباب أيضا، وهو دقيق خفي. ولذلك عندما ألقي - عليه ~~السلام - في النار لم يلتفت إلى الأسباب وإن جاءت على يد جبريل - عليه ~~السلام -، فقال له حينما عرض عليه المساعدة: أما إليك فلا. فأين الشرك ~~الخفي - إذن - والأسباب عنده معدومة من البداية؟ ثم يقول الحق سبحانه: { ~~شاكرا لأنعمه... }. ### || [16.121] # قوله تعالى: { شاكرا لأنعمه } [النحل: 121]. فيه تلميح لأهل مكة ~~الذين جحدوا نعمة الله وكفروها، وكانت بلدهم آمنة مطمئنة، فلا يليق بكم ~~هذا الكفر والجحود، وأنتم تدعون أنكم على ملة إبراهيم - عليه السلام ~~- فإبراهيم لم يكن كذلك، بل كان شاكرا لله على نعمه. وقوله: { ~~اجتباه } [النحل: 121]. اصطفاه واختاره للنبوة، واجتباء إبراهيم - ~~عليه السلام - كان عن اختبار، كما قال تعالى: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124]. أي: اختبره ببعض التكاليف، فأتمها إبراهيم على أكمل وجه، ~~فقال له ربه: # قال إني جاعلك للناس إماما # [البقرة: 124]. ولكنه لحبه أن ms5719 تتصل الإمامة في ذريته قال: # قال ومن ذريتي # [البقرة: 124]. فعدل الله له هذه الرغبة، وصحح له، بأن ذريتك ستكون ~~منها الظالم، فقال: # لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]. لذلك تعلم إبراهيم - عليه السلام - من هذا الموقف، ~~وأراد أن يحتاط لنفسه بعد ذلك، فعندما أراد أن يطلب من ربه أن يرزق أهل ~~مكة من الثمرات قال: # رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من ~~الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر.. # [البقرة: 126]. فصحح الله له أيضا هذا المطلب، فالموقف هنا مختلف عن ~~الأول، الأول كان في إمامة القيم والدين، وهذه لا يقوم بها ظالم، أما هذه ~~فرزق وعطاء ربوبية يشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، فالجميع في ~~الرزق سواء، فقال تعالى: # ومن كفر.. # [البقرة: 126]. أي: سأرزق الكافر أيضا. وهنا تتجلى عظمة الربوبية التي ~~تربي الأنبياء، وتصنعهم على عينها، فكل مواقف الأنبياء تتجمع في ~~النهاية، وتعطينا خلاصة الكمال البشري. ويدل على دقة إبراهيم - عليه ~~السلام - في أداء ما طلب منه موقفه في بناء البيت، فبعد أن دله الله ~~على مكانه أخذ يزيح عنه آثار السيول، ويكشف عن قواعده، وكان يكفي ~~إبراهيم لتنفيذ أمر ربه أن يرفع البناء إلى ما تناله يده من ارتفاع، ~~ولكنه أحب أن يأتي بالأمر على أتم وجوهه، وينفذه بدقة واحتياط، ففكر ~~أن يأتي بحجر مرتفع، ويقف عليه ليزيد من ارتفاع البناء، فجاء بالحجر الذي ~~هو مقام إبراهيم، كل ذلك وولده يساعده لذلك لما أتى بالحجر جاء بحجر لا ~~يرفعه إلا رجلان. وكذلك موقفه الإيماني وتخليه عن الأسباب، حينما ترك ~~زوجه هاجر وصغيره إسماعيل في واد غير ذي زرع، وفي مكان خال من ~~مقومات الحياة وأسباب العيش. إنه لا يؤمن بالأسباب، إنما يؤمن ~~بمسببها، وطالما أنه سبحانه موجود فسوف يوفر لهم من الأسباب ما ~~يحفظ حياتهم لذلك حينما سألته هاجر: أهذا منزل أنزلكه الله أم من عندك؟ ~~فلما علمت أنه من الله قالت: إذن لن يضيعنا. وكأن إيمان إبراهيم نضح ~~على زوجته، وملأ قلبها يقينا في الله تعالى. وقوله سبحانه: { وهداه ms5720 ~~إلى صراط مستقيم } [النحل: 121]. كيف.. بعد كل هذه الأوصاف ~~الإيمانية تقول الآيات وهداه أليست هذه كلها هداية؟ نقول: المراد ~~زاده هداية، كما قال تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. ثم يقول الحق سبحانه: { وآتيناه في الدنيا... }. ### || [16.122] # الحق سبحانه يبين أن جزاء إبراهيم - عليه السلام - عظيم في الدنيا ~~قبل جزاء الآخرة، والمراد بحسنة الدنيا محبة جميع أهل الأديان له، وكثرة ~~الأنبياء في ذريته والسيرة الطيبة والذكر الحسن. وها نحن نتحدث عن صفاته ~~ومناقبه ونفخر ونعتز به. وهذا العطاء من الله لإبراهيم في الدنيا لأنه ~~بالغ في طاعة ربه وعبادته. وقد طلب إبراهيم - عليه السلام - من ربه هذه ~~المكانة، فقال: # رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين * واجعل لي ~~لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 83-84]. حكما: أي: حكمة أضع بها الأشياء في مواضعها. ولسان ~~صدق: هو الذكر الطيب والثناء الحسن بعد أن أموت. وقوله تعالى: { ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين } [النحل: 122]. فإن كان ~~هذا جزاءه في الدنيا، فلا شك أن جزاء الآخرة أعظم. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ثم أوحينآ إليك... }. ### || [16.123] # الحق سبحانه وتعالى بعد أن ذكر بعضا من صفات الخليل إبراهيم من كونه ~~أمة قانتا لله حنيفا، ولم يك من المشركين، وأنه شاكر لأنعمه، واجتباه ~~ربه وهداه.. الخ قال: { ثم أوحينآ إليك } [النحل: 123]. يا ~~محمد: { أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } [النحل: 123]. ~~كأن قمة مناقب إبراهيم وحسناته أننا أوحينا إليك يا خاتم الرسل أن تتبع ~~ملته. وملة إبراهيم: أي شريعة التوحيد. ثم يؤكد الحق سبحانه براءة ~~إبراهيم من الشرك فيقول: { وما كان من المشركين } [النحل: ~~123]. ثم يقول الحق سبحانه: { إنما جعل السبت... }. ### || [16.124] # بعد أن تحدث الحق سبحانه عن إبراهيم أبي الأنبياء، وذكر جانبا من ~~صفاته ومناقبه تكلم عن بني إسرائيل في قضية خالفوا فيها أمر الله بعد ~~أن طلبوها بأنفسهم، وكأن القرآن يقول لهم: لقد زعمتم أن إبراهيم كان ~~يهوديا، فها هي صفات إبراهيم، فماذا عن صفاتكم أنتم؟ وأين أنتم من ~~إبراهيم عليه السلام؟ ويعطينا الحق سبحانه مثالا عن ms5721 مخالفتهم لربهم فيما ~~يأمر به، وأنهم ليسوا كإبراهيم في اتباعه، فيذكر ما كان منهم في أمر ~~السبت. و السبت هو يوم السبت المعروف التالي للجمعة السابق للأحد، والسبت ~~مأخوذ من سبت يسبت سبتا. يعني: سكن واستقر، ومنه قوله تعالى: # وجعلنا نومكم سباتا # [النبأ: 9]. ذلك أن بني إسرائيل طلبوا يوما يرتاحون فيه من العمل، ~~ويتفرغون فيه لعبادة الله، وقد اقترح عليهم نبيهم موسى - عليه السلام - ~~أن يكون يوم الجمعة، فهو اليوم الذي أتم الله فيه خلق الكون في ستة ~~أيام، وهو اليوم الذي اختاره الخليل إبراهيم، ولكنهم رفضوا الجمعة ~~واختاروا هم يوم السبت وقالوا: إن الله خلق الدنيا في ستة أيام بدأها ~~بيوم الأحد، وانتهى منها يوم الجمعة، وارتاح يوم السبت، وكذلك نحن نريد ~~أن نرتاح ونتفرغ لعبادة الله يوم السبت، وهكذا كانت هذه رغبتهم ~~واختيارهم. أما العيسويون فرفضوا أن يتبعوا اليهود في يوم السبت، أو ~~إبراهيم عليه السلام في يوم الجمعة، واختاروا الأحد على اعتبار إنه أول ~~بدء الخلق. أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد اختار لها الله يوم ~~الجمعة يوم الانتهاء وتمام النعمة. إذن: اليهود طلبوا يوم السبت واختاروه ~~للراحة من العمل والتفرغ للعبادة، فهذا مطلبهم، وقد وافقهم ربهم سبحانه ~~وتعالى عليه، وأمرهم أن يتفرغوا لعبادته في هذا اليوم، وافقهم ليبين ~~لجاجتهم وعنادهم، وأنهم لن يوفوا بما التزموا به وإن اختاروه بأنفسهم، ~~ووافقهم ليقطع حجتهم، فلو اختار لهم يوما لاعترضوا عليه، ولكن هاهم ~~يختارونه بأنفسهم. كما أن قصة السبت مع اليهود جاءت لتخدم قضية عقدية ~~عامة، هي أن الآيات التي تأتي مصدقة للرسل في البلاغ عن الله تعالى قد ~~تكون من عند الله وباختياره سبحانه، وقد تكون باختيار المرسل إليهم ~~أنفسهم، وقد كان من بني إسرائيل أن كذبوا بهذه وهذه ولذلك قال تعالى: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون # [الإسراء: 59]. أي: لكونهم يقترحون الآية ثم يكذبونها، فأمرهم تكذيب ~~في تكذيب. وقصة السبت ذكرت في مواضع كثيرة، مثل قوله تعالى: # وسئلهم عن القرية التي ms5722 كانت حاضرة البحر ~~إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم ~~سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك ~~نبلوهم بما كانوا يفسقون # [الأعراف: 163]. لقد نقض اليهود عهدهم مع الله كعادتهم، وأخلفوا ما ~~التزموا به، وذهبوا للصيد في يوم السبت، فكادهم الله وأغاظهم، فكانت ~~تأتيهم الحيتان والأسماك تطفو على سطح الماء كالشراع، ولا ينتفعون منها ~~بشيء إلا الحسرة والأسف، فيقولون: لعلها تأتي في الغد فيخيب الله رجاءهم: # ويوم لا يسبتون لا تأتيهم.. # [الأعراف: 163]. وقد سمى القرآن الكريم ذلك منهم اعتداء لأنهم اعتدوا ~~على ما شرع الله، قال تعالى: # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ~~فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين # [البقرة: 65]. وقوله تعالى: { إنما جعل السبت على ~~الذين اختلفوا فيه.. } [النحل: 124]. كلمة اختلفوا توحي ~~بوجود طائفتين متناقضتين في هذه القضية، والحقيقة أن الخلاف لم يكن بين ~~اليهود بعضهم البعض، بل بينهم وبين نبيهم الذي اختار لهم يوم الجمعة، ~~فخالفوه واختاروا السبت، فجعل الله الخلاف عليهم. فالمعنى: إنما جعل ~~السبت حجة على الذين اختلفوا فيه لأنه أثبت عدوانهم على يوم العبادة، ~~فبعد أن اقترحوه واختاروه انقلب حجة عليهم، ودليلا لإدانتهم. ولو ~~تأملنا قوله: { على الذين.. } [النحل: 124]. نجد أن كلمة على ~~تدل على الفوقية أي: أن لدينا شيئا أعلى وشيئا أدنى فكأن السبت جاء ~~ضد مصلحتهم، وكأن خلافهم مع نبيهم انقلب عليهم. ومن ذلك قوله تعالى: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم.. # [الرعد: 6]. يؤولها بعضهم على معنى مع ظلمهم نقول: المعنى صحيح، ولكن ~~المعية لا تقتضي العلو، فلو قلنا: مع ظلمهم فالمعنى أن المغفرة موجودة مع ~~الظلم مجرد معية، أما قول الحق سبحانه: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم.. # [الرعد: 6]. أي: أن المغفرة علت على الظلم، فالظلم يتطلب العقاب، ولكن ~~رحمة الله ومغفرته علت على أن تعامل الظالم بما يستحق، فرحمة الله ~~سبقت غضبه، ونفس الملحظ نجده في قول الحق سبحانه: # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق # [إبراهيم: 39]. فالكبر كان يقتضي عدم الإنجاب ولكن هبة الله علت ms5723 على سنة ~~الكبر. ثم يقول الحق سبحانه: { ادع إلى سبيل ربك... }. ### || [16.125] # فبعد أن تحدثت الآيات عن النموذج الإيماني الأعلى في الإنسان في شخص ~~أبي الأنبياء إبراهيم، وجعلت من أعظم مناقبه أن الله أمر خاتم رسله ~~باتباعه، أخذت في بيان الملامح العامة لمنهج الدعوة إلى الله. قوله: { ~~ادع إلى سبيل ربك.. } [النحل: 125]. الحق تبارك وتعالى لا ~~يوجه هذا الأمر بالدعوة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم إلا وهو يعلم أنه ~~سينفذ ما أمر به، وسيقوم بأمر الدعوة، ويتحمل مسئوليتها. { ادع }: ~~بمعنى دل الناس وارشدهم. { سبيل ربك } [النحل: 125]. السبيل هو ~~الطريق والمنهج، والحكمة: وضع الشيء في موضعه المناسب، ولكن لماذا ~~تحتاج الدعوة إلى الله حكمة؟ لأنك لا تدعو إلى منهج الله إلا من ~~انحرف عن هذا المنهج، ومن انحرف عن منهج الله تجده ألف المعصية ~~وتعود عليها، فلا بد لك أن ترفق به لتخرجه عما ألف وتقيمه على ~~المنهج الصحيح، فالشدة والعنف في دعوة مثل هذا تنفره، لأنك تجمع عليه ~~شدتين: شدة الدعوة والعنف فيها، وشدة تركه لما أحب وما ألف من ~~أساليب الحياة، فإذا ما سلكت معه مسلك اللين والرفق، وأحسنت ~~عرض الدعوة عليه طاوعك في أن يترك ما كان عليه من مخالفة المنهج ~~الإلهي. ومعلوم أن النصح في عمومه ثقيل على النفس، وخاصة في أمور الدين، ~~فإياك أن تشعر من تنصحه أنك أعلم منه أو أفضل منه، إياك أن تواجهه ~~بما فيه من النقص، أو تحرجه أمام الآخرين لأن كل هذه التصرفات من ~~الداعية لا تأتي إلا بنتيجة عكسية، فهذه الطريقة تثير حفيظته، وربما ~~دعته إلى المكابرة والعناد. وهذه الطريقة في الدعوة هي المرادة من ~~قوله تعالى: { بالحكمة والموعظة الحسنة.. } [النحل: ~~125]. ويروى في هذا المقام - مقام الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة ~~الحسنة - قصة دارت بين الحسن والحسين رضي الله عنهما، هذه القصة تجسيد ~~صادق لما ينبغي أن يكون عليه الداعية. فيروى أنهما رأيا رجلا لا ~~يحسن الوضوء، وأراد أن يعلماه الوضوء الصحيح دون أن يجرحا ~~مشاعره، فما كان منهما ms5724 إلا أنهما افتعلا خصومة بينهما، كل منهما يقول ~~للآخر: أنت لا تحسن أن تتوضأ، ثم تحاكما إلى هذا الرجل أن يرى كلا ~~منهما يتوضأ، ثم يحكم: أيهما أفضل من الآخر، وتوضأ كل منهما فأحسن ~~الوضوء، بعدها جاء الحكم من الرجل يقول: كل منكما أحسن، وأنا الذي ما ~~أحسنت. إنه الوعظ في أعلى صورة، والقدوة في أحكم ما تكون. مثال آخر ~~للدعوة يضربه لنا الرسول صلى الله عليه وسلم، حينما أتاه شاب في فورة ~~شبابه، يشتكي عدم صبره عن رغبة الجنس، وهي - كما قلنا - من أشرس ~~الغرائز في الإنسان. # جاء الشاب وقال: " يا رسول الله إئذن لي في الزنا ". هكذا تجرأ الشاب ~~ولم يخف علته، هكذا لجأ إلى الطبيب ليطلب الدواء صراحة، ومعرفة ~~العلة أول خطوات الشفاء. فماذا قال رسول الله؟ انظر إلى منهج الدعوة، ~~كيف يكون، وكيف استل رسول الله صلى الله عليه وسلم الداء من نفس هذا ~~الشاب؟ فلم يزجره، ولم ينهره، ولم يؤذه، بل أخذه وربت على كتفه في لطف ~~ولين، ثم قال: # " أتحبه لأمك؟ قال: لا يا رسول الله، جعلت فداك. قال: فكذلك الناس ~~لا يحبونه لأمهاتهم، قال: أتحبه لأختك؟ قال: لا يا رسول الله جعلت ~~فداك، قال: " فكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم ". وهكذا حتى ذكر العمة ~~والخالة والزوجة، ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده الشريفة على ~~صدر الشاب ودعا له: " اللهم نق صدره، وحصن فرجه " فقام الشاب ~~وأبغض ما يكون إليه أن يزني، وهو يقول: فوالله ما همت نفسي بشيء من ~~هذا، إلا ذكرت أمي وأختي وزوجتي ". # فلنتأمل هذا التلطف في بيان الحكم الصحيح، فمعالجة الداءات في المجتمع ~~تحتاج إلى فقه ولباقة ولين وحسن تصرف، إننا نرى حتى الكفرة حينما ~~يصنعون دواء مرا يغلفونه بغلالة رقيقة حلوة المذاق ليستسيغه ~~المريض، ويسهل عليه تناوله. وما أشبه علاج الأبدان بعلاج القلوب في هذه ~~المسألة. ويقول أهل الخبرة في الدعوة إلى الله: النصح ثقيل فلا ترسله ~~جبلا، ولا تجعله جدلا.. والحقائق مرة فاستعيروا لها خفة البيان. ms5725 ~~وكان صلى الله عليه وسلم إذا سمع عن شيء لا يرضيه من ذنب أو فاحشة في ~~مجتمع الإيمان بالمدينة كان يصعد منبره الشريف، ويقول: # " ما بال أقوام قالوا كذا وكذا ". # ويكتفي بالتوجيه العام دون أن يجرح أحدا من الناس على حد قولهم في ~~الأمثال: إياك أعني واسمعي يا جاره. ومن ذلك ما كان يلجأ إليه العقلاء في ~~الريف حينما يتعرض أحد للسرقة، أو يضيع منه شيء ذو قيمة، فكانوا يعلنون ~~عن فقد الشيء الذي ضاع أو سرق ويقول: ليلة كذا بعد غياب القمر سوف ~~نرمي التراب. ومعنى " نرمي التراب " أن يحضر كل منهم كمية من التراب ~~يلقيها أمام بيت صاحب هذا الشيء المفقود، وفي الصباح يبحثون في التراب ~~حتى يعثروا على ما فقد منهم، ويصلوا إلى ضالتهم دون أن يفتضح ~~الأمر، ودون أن يحرج أحد، وربما لو واجهوا السارق لأنكر وتعقدت ~~المسألة. وقوله سبحانه: { وجادلهم بالتي هي أحسن.. } ~~[النحل: 125]. والجدل مناقشة الحجج في قضية من القضايا، وعلى كل من ~~الطرفين أن يعرض حجته بالتي هي احسن. أي: في رفق ولين ودون تشنج أو ~~غطرسة. ويجب عليك في موقف الجدال هذا ألا تغضب الخصم، فقد ~~يتمحك في كلمة منك، ويأخذها ذريعة للانصراف من هذا المجلس. # وقوله سبحانه: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ~~وهو أعلم بالمهتدين } [النحل: 125]. قد يتساءل البعض: ما ~~علاقة هذا التذييل للآية بموضوع الدعوة إلى الله؟ يريد الحق سبحانه أن ~~يبين لنا حساسية هذه المهمة، وأنها تبنى على الإخلاص لله في توجيه ~~النصيحة، ولا ينبغي للداعية أبدا أن يغش في دعوته، فيقصد من ورائها ~~شيئا آخر، وقد تقوم بموعظة وفي نفسه استكبار على الموعوظ، أو شعور أنك ~~أفضل منه أو أعلم منه. ومن الناس - والعياذ بالله - من يجمع القشور عن ~~موضوع ما، فيظن أنه أصبح عالما، فيضر الناس أكثر مما ينفعهم. إذن: إن ~~قبل الغش في شيء فإنه لا يقبل في مجال الدعوة إلى الله، فإياك أن ~~تغش بالله في الله لأنه سبحانه وتعالى أعلم بمن ms5726 يضل الناس، ويصدهم عن ~~سبيل الله، وهو أعلم بالمهتدين. ثم يقول الحق سبحانه: { وإن ~~عاقبتم فعاقبوا... }. ### || [16.126] # نلاحظ أن هذا المعنى ورد في قوله تعالى: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم.. # [البقرة: 194]. وبمقارنة الآيتين نرى أنهما يقرران المثلية في رد ~~الاعتداء: { فعاقبوا بمثل.. } [النحل: 126]. و # فاعتدوا عليه بمثل.. # [البقرة: 194]. إذن: الحق سبحانه، وإن شرع لنا الرد على الاعتداء ~~بالمثل، إلا أنه جعله صعبا من حيث التنفيذ، فمن الذي يستطيع تقدير ~~المثلية في الرد، بحيث يكون مثله تماما دون اعتداء، ودون زيادة في ~~العقوبة، وكأن في صعوبة تقدير المثلية إشارة إلى استحباب الانصراف عنها ~~إلى ما هو خير منها، كما قال تعالى: { ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين } [النحل: 126]. فقد جعل الله في الصبر سعة، وجعله خيرا ~~من رد العقوبة، ومقاساة تقدير المثلية فيها، فضلا عما في الصبر من ~~تأليف القلوب ونزع الأحقاد، كما قال الحق سبحانه: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34]. ففي ذلك دفع لشراسة النفس، وسد لمنافذ الانتقام، وقضاء ~~على الضغائن والأحقاد. وقوله: { لهو خير للصابرين } [النحل: ~~126]. الخيرية هنا من وجوه: أولا: في الصبر وعدم رد العقوبة بمثلها ~~إنهاء للخصومات، وراحة للمجتمع أن تفزعه سلسلة لا تنتهي من العداوة. ~~ثانيا: من ظلم من الخلق، فصبر على ظلمهم، فقد ضمن أن الله تعالى في ~~جواره لأن الله يغار على عبده المظلوم، ويجعله في معيته وحفظه لذلك ~~قالوا: لو علم الظالم ما أعده الله للمظلوم لضن عليه بالظلم. ~~والمتتبع لآيات الصبر في القرآن الكريم يجد تشابها في تذييل بعض الآيات. ~~يقول تعالى: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17]. وفي آية أخرى: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. ولا ننسى أن المتكلم هو الله، إذن: ليس المعنى واحدا، ~~فلكل حرف هنا معنى، والمواقف مختلفة، فانظر إلى دقة التعبير القرآني. ~~ولما كانت المصائب التي تصيب الإنسان على نوعين: النوع الأول: هناك مصائب ~~تلحق الإنسان بقضاء الله ms5727 وقدره، وليس له غريم فيها، كمن أصيب في صحته أو ~~تعرض لجائحة في ماله، أو انهار بيته.. الخ. وفي هذا النوع من المصائب ~~يشعر الإنسان بألم الفقد ولذعة الخسارة، لكن لا ضغن فيها على أحد. ~~إذن: الصبر على هذه الأحداث قريب لأنه ابتلاء وقضاء وقدر، فلا يحتاج ~~الأمر بالصبر هنا إلى توكيد، ويناسبه قوله تعالى: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17]. أما النوع الآخر: فهو المصائب التي تقع بفعل فاعل، كالقتل ~~مثلا، فإلى جانب الفقد يوجد غريم لك، يثير حفيظتك، ويهيج غضبك، ويدعوك ~~إلى الانتقام كلما رأيته، فالصبر في هذه أصعب وحمل النفس عليه يحتاج ~~إلى توكيد كما في الآية الثانية: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. فاستعمل هنا لام التوكيد لأن الصبر هنا شاق، والفرصة ~~متاحة للشيطان ليؤلب القلوب، ويثير الضغائن والأحقاد. كما نلاحظ في ~~الآية الأولى قال: واصبر. وفي الثانية قال: صبر وغفر لأن أمامه ~~غريما يدعوه لأن يغفر له. ويحكى في قصص العرب قصة اليهودي المرابي ~~الذي أعطى رجلا مالا على أن يرده في أجل معلوم، واشترط عليه إن لم ~~يف بالسداد في الوقت المحدد يقطع رطلا من لحمه، ووافق الرجل، وعند ~~موعد السداد لم يستطع الرجل أداء ما عليه. فرفع اليهودي الأمر إلى القاضي ~~وقص عليه ما بينهما من اتفاق، وكان القاضي صاحب فطنة فقال: نعم ~~العقد شريعة المتعاقدين، وأمر له بسكين. وقال: خذ من لحمه رطلا، ~~ولكن في ضربة واحدة، وإن زاد عن الرطل أو نقص أخذناه من لحمك أنت. ولما ~~رأى اليهودي مشقة ما هو مقدم عليه آثر السلامة وتصالح مع خصمه. ~~والسؤال الآن: ما علاقة هذه الآية: { وإن عاقبتم.. } [النحل: ~~126]. بما قبلها: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة # [النحل: 125]. الدعوة إلى منهج يلفت الإنسان - خليفة الله في أرضه - أن ~~يلتزم بمنهج الله الذي استخلفه، ووضع له هذا المنهج لينظم حركة ~~حياته، والداعية يواجه هؤلاء الذين يفسدون في الأرض، ويحققون لأنفسهم ~~مصالح على حساب الغير، والذي ms5728 يحقق لنفسه مصلحة على حساب غيره لا بد أن ~~يكون له قوة وقدرة، بها يطغى ويستعلي ويظلم. فإذا جاء منهج الله تعالى ~~ليعدل حركة هؤلاء ويخرجهم مما ألفوه، وينزع منهم سلطان الطغيان ~~والظلم، ويسلبهم هذا السوط الذي يستفيدون به، فلا بد أن يجادلوه ~~ويصادموه ويقفوا في وجهه، فقد جمع عليهم شدة النصح والإصلاح، وشدة ترك ~~ما ألفوه. فعلى الداعية - إذن - أن يتحلى بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن ~~يجادلهم بالتي هي أحسن، فإذا ما تعدى أمرهم إلى الاعتداء على الداعية، ~~إذا ما استشرى الفساد وغلبت شراسة الطباع، فسوف نحتاج إلى أسلوب آخر، حيث ~~لم يعد يجدي أسلوب الحكمة. ولا بد لنا أن نقف الموقف الذي تقتضيه ~~الرجولة العادية، فضلا عن الرجولة الإيمانية، وأن يكون لدينا القدرة على ~~الرد الذي شرعه لنا الحق سبحانه وتعالى، دون أن يكون عندنا لدد في ~~الخصومة، أو إسراف في العقوبة. فجاء قوله تعالى: { وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. } [النحل: 126]. وفي الآية ~~تحذير أن يزيد الرد على مثله، وبذلك يتعلم الخصوم أنك خاضع لمنهج رباني ~~عادل يستوي أمامه الجميع، فهم وإن انحرفوا وأجرموا فإن العقاب بالمثل لا ~~يتعداه، ولعل ذلك يلفتهم إلى أن الذي أمر بذلك لم يطلق لشراسة الانتقام ~~عنانها، بل هدأها ودعاها إلى العفو والصفح، ليكون هذا أدعى إلى ~~هدايتهم. # وهذا التوجيه الإلهي في تقييد العقوبة بمثلها قبل أن يتوجه إلى أمته صلى ~~الله عليه وسلم توجه إليه صلى الله عليه وسلم في تصرف خاص، لا يتعلق ~~بمؤمن على عموم إيمانه، ولكن بمؤمن حبيب إلى رسول الله، وصاحب منزلة ~~عظيمة عنده، إنه عمه وصاحبه حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء رضي الله ~~عنه. فقد مثل به الكفار في أحد، وشقت هند بطنه، ولاكت كبده، فشق ~~الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثر في نفسه، وواجه هذا ~~الموقف بعاطفتين: عاطفته الإيمانية، وعاطفة الرحم والقرابة فهو عمه الذي ~~آزره ونصره، ووقف إلى جواره، فقال في انفعاله بهذه العاطفة: # " لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين ms5729 رجلا منهم ". # ولكن الحق سبحانه العادل الذي أنزل ميزان العدل والحق في الخلق هدأ ~~من روعه، وعدل له هذه المسألة ولأمته من بعده، فقال: { وإن ~~عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. } [النحل: ~~126]. والمتأمل للأسلوب القرآني في هذه الآية يلحظ فيها دعوة إلى ~~التحنن على الخصم والرأفة به، فالمتحدث هو الله سبحانه، فكل حرف له ~~معنى، فلا تأخذ الكلام على إجماله، ولكن تأمل فيه وسوف تجد من وراء الحرف ~~مرادا وأن له مطلوبا. لماذا قال الحق سبحانه: وإن ولم يستخدم إذا ~~مثلا؟ إن عاقبتم: كأن المعنى: كان يحب ألا تعاقبوا. أما إذا فتفيد ~~التحقيق والتأكيد، والحق سبحانه يريد أن يحنن القلوب، ويضع رد ~~العقوبة بمثلها في أضيق نطاق، فهذه رحمة حتى مع الأعداء، هذه الرحمة ~~تحببهم في الإسلام، وتدعوهم إليه، وبها يتحول هؤلاء الأعداء إلى ~~جنود في صفوف الدعوة إلى الله. كما أن في قوله: عاقبتم دليل على أن ~~رد العقوبة يحتاج إلى قوة واستعداد، كما قال تعالى: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين ~~من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم.. # [الأنفال: 60]. كأنه يقول: كونوا دائما على استعداد، وفي حال قوة ~~تمكنكم من الرد إذا اعتدي عليكم، كما أن في وجود القوة والاستعداد ~~ما يردع العدو ويرهبه، فلا يجرؤ على الاعتداء من البداية، وبالقوة ~~والاستعداد يحفظ التوازن في المجتمع، فالقوي لا يفكر أحد في الاعتداء ~~عليه. وهذا ما نراه الآن بين دول العالم في صراعها المحموم حول التسلح ~~بأسلحة فاتكة. وكلمة: { ما عوقبتم به.. } [النحل: 126]. نلاحظ أن ~~الرد على الاعتداء يسمى عقوبة، لكن الاعتداء الأول لماذا نسميه ~~أيضا عقوبة؟ قالوا: لأن هذه طريقة في التعبير تسمى " المشاكلة " ، أي: ~~جاءت الأفعال كلها على شاكلة واحدة. ومن ذلك قوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]. لأن رد السيئة لا يسمى سيئة. ولسائل في هذه القضية ~~أن يسأل: طالما أن الإسلام يسعى في هذه المسألة إلى العفو، فلماذا لم ~~يقرره من البداية؟ وما فائدة الكلام عن ms5730 العقوبة بالمثل؟ نقول: لأن ~~المجتمع لا يكون سليم التكوين إلا إذا أمن كل إنسان فيه على نفسه ~~وعرضه وماله. # . إلخ. وهذا الأمن لا يتأتى إلا بقوة تحفظه، كما أن للمجتمع توازنا، ~~هذا التوازن في المجتمع لا يحفظ إلا بقوة تضمن أداء الحقوق والواجبات، ~~وتضمن أن تكون حركة الإنسان في المجتمع دون ظلم له. كما أن للحق سبحانه ~~حكمة سامية في تشريع العقوبة على الجرائم، فهدف الشارع الحكيم أن يحد ~~من الجريمة، ويمنع حدوثها، فلو علم القاتل أنه سيقتل ما تجرأ على ~~جريمته، ففي تشريع العقوبة رحمة بالمجتمع وحفظ لسلامته وأمنه. ونرى ~~البعض يعترض على عقوبة الردة، فيقول: كيف تقتلون من يرتد عن دينكم؟ وأين ~~حرية العقيدة إذن؟ نقول: في تشريع قتل المرتد عن الإسلام تضييق لمنافذ ~~الدخول في هذا الدين، بحيث لا يدخله أحد إلا بعد اقتناع تام وعقيدة ~~راسخة، فإذا علم هذا الحكم من البداية فللمرء الحرية يدخل أو لا يدخل، لا ~~يغصبه أحد، ولكن ليعلم أنه إذا دخل، فحكم الردة معلوم. إذن: شرع ~~الإسلام العقوبة ليحفظ للمجتمع توازنه، وليعمل عملية ردع حتى لا تقع ~~الجريمة من البداية، لكن إذا وقعت يلجأ إلى علاج آخر يجتث جذور ~~الغل والأحقاد والضغائن من المجتمع. لذلك سبق أن قلنا عن عادة الأخذ ~~بالثأر في صعيد مصر: إنه يظل في سلسلة من القتل والثأر لا تنتهي، وتفزع ~~المجتمع كله، حتى الآمنين الذين لا جريرة لهم، وتنمو الأحقاد والكراهية ~~بين العائلات في هذا الجو الشائك، حتى إذا ما تشجع واحد منهم، فأخذ ~~كفنه على يديه وذهب إلى ولي القتيل، وألقى بنفسه بين يديه قائلا: ها ~~أنا بين يديك وكفني معي، فاصنع بي ما شئت، وعندها تأبى عليهم كرامتهم ~~وشهامتهم أن يثأروا منه، فيكون العفو والصفح والتسامح نهاية لسلسلة ~~الثأر التي لا تنتهي. ثم يقول الحق سبحانه: { واصبر وما صبرك ~~إلا... }. ### || [16.127] # بعد أن ذكرت الآيات فضل الصبر وما فيه من خيرية، وكأن الآية السابقة ~~تمهد للأمر هنا واصبر ليأتمر الجميع بأمر الله، بعد أن ms5731 قدم لهم ~~الحيثيات التي تجعل الصبر شجاعة لا ضعفا، كما يقولون في الحكمة: من ~~الشجاعة أن تجبن ساعة. فإذا ما وسوس لك الشيطان، وأغراك بالانتقام، ~~وثارت نفسك، فالشجاعة أن تصبر ولا تطاوعهما. قوله تعالى: { واصبر ~~وما صبرك إلا بالله.. } [النحل: 127]. من حكمة الله ورحمته ~~أن جعلك تصبر على الأذى لأن في الصبر خيرا لك، والله هو الذي يعينك ~~على الصبر، ويمنع عنك وسوسة الشيطان وخواطر السوء التي تهيج غضبك، وتجرك ~~إلى الانتقام. والحق سبحانه وتعالى يريد من عبده أن يتجه لإنفاذ أمره، ~~فإذا علم ذلك من نيته تولى أمره وأعانه، كما قال تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. إياك أن تعتقد أن الصبر من عندك أنت، فالله يريد منك أن ~~تتجه إلى الصبر مجرد اتجاه ونية، وحين تتجه إليه يجند الله لك الخواطر ~~الطيبة التي تعينك عليه وتيسره لك وترضيك به، فيأتي صبرك جميلا، لا ~~سخط فيه ولا اعتراض عليه. ثم يقول تعالى: { ولا تحزن ~~عليهم.. } [النحل: 127]. لقد امتن الله على أمة العرب التي ~~استقبلت دعوة الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، بأن بعث فيهم ~~رسولا من أنفسهم ومن أوسطهم، يعرفون حسبه ونسبه وتاريخه وأخلاقه، ~~وقد كان صلى الله عليه وسلم محبا لقومه حريصا على هدايتهم، كما قال ~~تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. أي: تعز عليه مشقتكم، ويؤلمه عنتكم وتعبكم، حريص ~~عليكم، يريد أن يستكمل لكم كل أنواع الخير لأن معنى الحرص: الضن ~~بالشيء، فكأنه صلى الله عليه وسلم يضن بقومه. وقد أوضح هذا المعنى في ~~الحديث الشريف: # " إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا، فجعلت الدواب والفراش ~~يقعن فيه، فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيه ". # لذلك حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه لما رأى من كفرهم ~~وعنادهم وتكبرهم عن قبول الحق، وهو يريد لهم الهداية والصلاح لأنك إذا ~~أحببت إنسانا أحببت له ما تراه من الخير، كمن ذهب إلى سوق، ms5732 فوجدها ~~رائجة رابحة، فدل عليها من يحب من أهله ومعارفه. كذلك لما ذاق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حلاوة الإيمان أحب أن يشاركه قومه هذه المتعة ~~الإيمانية. والحق سبحانه وتعالى هنا يسلي رسوله، ويخفف عنه ما صدم في ~~قومه، يقول له: لا تحزن عليهم ولا تحمل نفسك فوق طاقتها، فما عليك إلا ~~البلاغ. ويخاطبه ربه في آية أخرى: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. أي: لا تكن مهلكا نفسك أسفا عليهم. وقوله: { ولا ~~تك في ضيق مما يمكرون } [النحل: 127]. الضيق: تأتي بالفتح ~~وبالكسر، ضيق، ضيق. والضيق: أن يتضاءل الشيء الواسع أمامك عما كنت ~~تقدره، والضيق يقع للإنسان على درجات، فقد تضيق به بلده فينتقل إلى ~~بلد آخر. وربما ضاقت عليه الدنيا كلها، وفي هذه الحالة يمكن أن تسعه ~~نفسه، فإذا ضاقت عليه نفسه فقد بلغ أقصى درجات الضيق، كما قال تعالى عن ~~الثلاثة الذين تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله: # وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت ~~عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم.. # [التوبة: 118]. فالحق سبحانه ينهى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يكون في ~~ضيق من مكر الكفار لأن الذي يضيق بأمر ما هو الذي لا يجد في مجال فكره ~~وبدائله ما يخرج به من هذا الضيق، إنما الذي يعرف أن له منفذا ومخرجا ~~فلا يكون في ضيق. فالمعنى: لا تك في ضيق يا محمد، فالله معك، سيجعل ~~لك من الضيق مخرجا، ويرد على هؤلاء مكرهم: # ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين # [الأنفال: 30]. ولذلك يقول: لا كرب وأنت رب. فساعة أن تضيق بك الدنيا ~~والأهل والأحباب، وتضيق بك نفسك فليسعك ربك، ولتكن في معيته سبحانه ~~ولذلك قال تعالى بعد ذلك: { إن الله مع... }. ### || [16.128] # هذه قضية معية الله لمن اتقاه، فمن اتقى الله فهو في جواره ومعيته، ~~وإذا كنت في معية ربك فمن يجرؤ أن يكيدك، أو يمكر بك؟ وفي رحلة الهجرة ~~تتجلى معية الله تعالى وتتجسد لنا في الغار، حينما ms5733 أحاط به الكفار، ~~والصديق يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: لو نظر أحدهم تحت قدميه ~~لرآنا، فيجيبه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو واثق بهذه المعية: # " يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". # فما علاقة هذه الإجابة من رسول الله بما قال أبو بكر؟ المعنى: ما دام أن ~~الله ثالثهما إذن فهما في معية الله، والله لا تدركه الأبصار، فمن كان ~~في معيته كذلك لا تدركه الأبصار. وقوله: { اتقوا.. } [النحل: 128]. ~~التقوى في معناها العام: طاعة الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه، ومن ~~استعمالاتها نقول: اتقوا الله، واتقوا النار، والمتأمل يجد معناها يلتقي ~~في نقطة واحدة. فمعنى " اتق الله ": اجعل بينك وبين عذاب الله وقاية ~~وحاجزا يحميك، وذلك باتباع أمره واجتناب نهيه لأن للحق سبحانه صفات ~~رحمة، فهو: الرؤوف الرحيم الغفور، وله صفات جبروت فهو: المنتقم الجبار ~~العزيز، فاجعل لنفسك وقاية من صفات الانتقام. ونقول: اتقوا النار، أي: ~~اجعلوا بينكم وبين النار وقاية، والوقاية من النار لا تكون إلا بطاعة ~~الله باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، إذن: المعنى واحد، ولكن جاء مرة ~~باللازم، ومرة بلازم اللازم. وقوله: { والذين هم محسنون } ~~[النحل: 128]. المحسن: هو الذي يلزم نفسه في عبادة الله بأكثر مما ألزمه ~~الله، ومن جنس ما ألزمه الله به، فإن كان الشرع فرض عليك خمس صلوات في ~~اليوم والليلة، فالإحسان أن تزيدها ما تيسر لك من النوافل، وإن كان ~~الصوم شهر رمضان، فالإحسان أن تصوم من باقي الشهور كذا من الأيام، ~~وكذلك في الزكاة، وغيرها مما فرض الله. لذلك نجد أن الإحسان أعلى ~~مراتب الدين، وهذا واضح في حديث جبريل حينما سأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال: # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". # والآية الكريمة توحي لنا بأن الذي اتقوا لهم جزاء ومعية، وأن الذين ~~هم محسنون لهم جزاء ومعية، كل على حسب درجته لأن الحق سبحانه يعطي من ~~صفات كماله لخلقه على مقدار معيتهم معه سبحانه، فالذي اكتفى بما ms5734 فرض ~~عليه، لا يستوي ومن أحسن وزاد، لا بد أن يكون للثاني مزية ~~وخصوصية. وفي سورة الذاريات يقول تعالى: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين # [الذاريات: 15-16]. لم يقل " مؤمنين " لأن المؤمن يأتي بما فرض عليه ~~فحسب، لكن ما وجه الإحسان عندهم؟ يقول تعالى: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار ~~هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم # [الذاريات: 17-19]. وكلها أمور نافلة تزيد عما فرض الله عليهم. ويجب أن ~~نتنبه هنا إلى أن المراد من قوله تعالى: # وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 19]. ليست الزكاة، بل هي الصدقة، لأنه في الزكاة قال سبحانه: # حق معلوم.. # [المعارج: 24]. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # استهل الحق سبحانه هذه السورة بقوله سبحان لأنها تتحدث عن حدث عظيم ~~خارق للعادة، ومعنى سبحان: أي تنزيها لله تعالى تنزيها مطلقا، أن يكون ~~له شبيه أو مثيل فيما خلق، لا في الذات، فلا ذات كذاته، ولا في الصفات ~~فلا صفات كصفات، ولا في الأفعال، فليس في أفعال خلقه ما يشبه أفعاله ~~تعالى. فإن قيل لك: الله موجود وأنت موجود، فنزه الله أن يكون وجوده ~~كوجودك لأن وجودك عن عدم، وليس ذاتيا فيك، ووجوده سبحانه ليس عن عدم، ~~وهو ذاتي فيه سبحانه. فذاته سبحانه لا مثيل لها، ولا شبيه في ذوات خلقه. ~~وكذلك إن قيل: سمع ولله سمع. فنزه الله أن يشابه سمعه سمعك، وإن ~~قيل: لك فعل، ولله فعل فنزه الله أن يكون فعله كفعلك. ومن معاني ~~سبحان أي: أتعجب من قدرة الله. إذن: كلمة سبحان جاءت هنا لتشير إلى ~~أن ما بعدها أمر خارج عن نطاق قدرات البشر، فإذا ما سمعته إياك أن ~~تعترض أو تقول: كيف يحدث هذا؟ بل نزه الله أن يشابه فعله فعل ~~البشر، فإن قال لك: إنه أسرى بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى ~~بيت المقدس في ليلة، مع أنهم يضربون إليها أكباد الإبل شهرا، فإياك أن ~~تنكر. فربك لم يقل: سرى ms5735 محمد، بل أسري به. فالفعل ليس لمحمد ولكنه ~~لله، وما دام الفعل لله فلا تخضعه لمقاييس الزمن لديك، ففعل الله ليس ~~علاجا ومزاولة كفعل البشر. ولو تأملنا كلمة سبحان نجدها في الأشياء ~~التي ضاقت فيها العقول، وتحيرت في إدراكها وفي الأشياء العجيبة، مثل ~~قوله تعالى: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36]. فالأزواج أي: الزوجين الذكر والأنثى، ومنهما يتم التكاثر في ~~النبات، وفي الإنسان وقد فسر لنا العلم الحديث قوله: { ومما لا ~~يعلمون } بما توصل إليه من اكتشاف الذرة والكهرباء، وأن فيهما ~~السالب والموجب الذي يساوي الذكر والأنثى لذلك قال تعالى: # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون # [الذاريات: 49]. ومنها قوله تعالى: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون.. # [الروم: 17]. فمن يطالع صفحة الكون عند شروق الشمس وعند غروبها، ويرى ~~كيف يحل الظلام محل الضياء، أو الضياء محل الظلام، لا يملك أمام هذه ~~الآية إلا أن يقول: سبحان الله. ومنها قوله تعالى: # سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين # [الزخرف: 13]. هذه كلها أمور عجيبة، لا يقدر عليها إلا الله، وردت فيها ~~كلمة سبحان في خلال السور وفي طيات الآيات. وسبحان اسم يدل على ~~الثبوت والدوام، فكأن تنزيه الله موجود وثابت له سبحانه قبل أن يوجد ~~المنزه، كما نقول في الخلق، فالله خالق ومتصف بهذه الصفة قبل أن يخلق ~~شيئا. # وكما تقول: فلان شاعر، فهو شاعر قبل أن يقول القصيدة، فلو لم يكن شاعرا ~~ما قالها. إذن: تنزيه الله ثابت له قبل أن يوجد من ينزهه سبحانه، ~~فإذا وجد المنزه تحول الأسلوب من الاسم إلى الفعل، فقال سبحانه: # سبح لله ما في السماوات وما في الأرض # [الحشر: 1]. وهل سبح وسكت وانتهى التسبيح؟ لا، بل: # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض.. # [الجمعة: 1]. على سبيل الدوام والاستمرار، وما دام الأمر كذلك والتسبيح ~~ثابت له، وتسبح له الكائنات في الماضي والحاضر، فلا تتقاعس أنت أيها ~~المكلف عن تسبيح ربك، يقول تعالى: # سبح اسم ربك ms5736 الأعلى # [الأعلى: 1]. وقوله: أسري من السرى، وهو السير ليلا، وفي الحكم: ~~عند الصباح يحمد القوم السرى. فالحق سبحانه أسرى بعبد، فالفعل لله ~~تعالى، وليس لمحمد صلى الله عليه وسلم فلا تقس الفعل بمقياس البشر، ~~ونزه فعل الله عن فعلك، وقد استقبل أهل مكة هذا الحدث استقبال ~~المكذب. فقالوا: كيف هذا ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا، وهم ~~كاذبون في قولهم لأن رسول الله لم يدع أنه سرى بل قال: أسري بي. ~~ومعلوم أن قطع المسافات يأخذ من الزمن على قدر عكس القوة المتمثلة في ~~السرعة. أي: أن الزمن يتناسب عكسيا مع القوة، فلو أردنا مثلا الذهاب ~~إلى الإسكندرية سيختلف الزمن لو سرنا على الأقدام عنه إذا ركبنا سيارة ~~أو طائرة، فكلما زادت القوة قل الزمن، فما بالك لو نسب الفعل والسرعة ~~إلى الله تعالى، إذا كان الفعل من الله فلا زمن. فإن قال قائل: ما دام ~~الفعل مع الله لا يحتاج إلى زمن، لماذا لم يأت الإسراء لمحة فحسب، ~~ولماذا استغرق ليلة؟ نقول: لأن هناك فرقا بين قطع المسافات بقانون ~~الله سبحانه وبين مراء عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الطريق، فرأى مواقف، وتكلم مع أشخاص، ورأى آيات وعجائب، هذه هي التي ~~استغرقت الزمن. وقلنا: إنك حين تنسب الفعل إلى فاعله يجب أن تعطيه من ~~الزمن على قدر قوة الفاعل. هب أن قائلا قال لك: أنا صعدت بابني ~~الرضيع قمة جبل " إفرست " ، هل تقول له: كيف صعد ابنك الرضيع قمة " إفرست ~~"؟ هذا سؤال إذن في غير محله، وكذلك في مسألة الإسراء والمعراج يقول ~~تعالى: أنا أسريت بعبدي، فمن أراد أن يحيل المسألة وينكرها، فليعترض ~~على الله صاحب الفعل لا على محمد. لكن كيف فاتت هذه القضية على كفار ~~مكة؟ ومن تكذيب كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء ~~والمعراج نأخذ ردا جميلا على هؤلاء الذين يخوضون في هذا الحادث بعقول ~~ضيقة وبإيمانية سطحية في عصرنا الحاضر، فيطالعونا بأفكار سقيمة ما أنزل ~~الله بها من ms5737 سلطان. # ونسمع منهم من يقول: إن الإسراء كان مناما، أو كان بالروح دون ~~الجسد. ونقول لهؤلاء: لو قال محمد لقومه: أنا رأيت في الرؤيا بيت ~~المقدس، هل كانوا يكذبونه؟ ولو قال لهم: لقد سبحت روحي الليلة حتى ~~أتت بيت المقدس، أكانوا يكذبونه؟ أتكذب الرؤى أو حركة الأرواح؟! ~~إذن: في إنكار الكفار على رسول الله وتكذيبهم له دليل على أن الإسراء كان ~~حقيقة تمت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه وجسده، وكأن الحق سبحانه ~~ادخر الموقف التكذيبي لمكذبي الأمس، ليرد به على مكذبي اليوم. وقوله ~~سبحانه: { بعبده.. } [الإسراء: 1]. العبد كلمة تطلق على الروح ~~والجسد معا، هذا مدلولها، لا يمكن أن تطلق على الروح فقط. لكن، لماذا ~~اختار الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم هذه الصفة بالذات؟ نقول: ~~لأن الله تعالى جعل في الكون قانونا عاما للناس، وقد يخرق هذا ~~القانون أو الناموس العام ليكون معجزة للخاصة الذين ميزهم الله عن ~~سائر الخلق، فكأن كلمة عبده هي حيثية الإسراء. أي: أسري به لأنه ~~صادق العبودية لله، وما دام هو عبده فقد أخلص في عبوديته لربه، فاستحق ~~أن يكون له ميزة وخصوصية عن غيره، فالإسراء والمعراج عطاء من الله ~~استحقه رسوله بما حقق من عبودية لله. وفرق بين العبودية لله ~~والعبودية للبشر، فالعبودية لله عز وشرف يأخذ بها العبد خير سيده، ~~وقال الشاعر: # ومما زادني شرفا وعزا # وكدت بأخمصي أطأ الثريا # دخولي تحت قولك يا عبادي # وأن صيرت أحمد لي نبيا # أما عبودية البشر للبشر فنقص ومذلة وهوان، حيث يأخذ السيد خير ~~عبده، ويحرمه ثمره كده. لذلك، فالمتتبع لآيات القرآن يجد أن العبودية ~~لا تأتي إلا في المواقف العظيمة مثل: { سبحان الذي أسرى ~~بعبده.. } [الإسراء: 1]. وقوله: # وأنه لما قام عبد الله يدعوه.. # [الجن: 19]. ويكفيك عزا وكرامة أنك إذا أردت مقابلة سيدك أن يكون ~~الأمر في يدك، فما عليك إلا أن تتوضأ وتنوي المقابلة قائلا: الله ~~أكبر، فتكون في معية الله عز وجل في لقاء تحدد أنت مكانه وموعده ومدته، ~~وتختار أنت ms5738 موضوع المقابلة، وتظل في حضرة ربك إلى أن تنهي المقابلة متى ~~أردت. وما أحسن ما قال الشاعر: # حسب نفسي عزا بأني عبد # يحتفي بي بلا مواعيد رب # هو في قدسه الأعز ولكن # أنا ألقى متى وأين أحب # فما بالك لو حاولت لقاء عظيم من عظماء الدنيا؟ وكم أنت ملاق من المشقة ~~والعنت؟ وكم دونه من الحجاب والحراس؟ ثم بعد ذلك ليس لك أن تختار لا ~~الزمان ولا المكان، ولا الموضوع ولا غيره. وقد كان الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وهو المتخلق بأخلاق الله إذا سلم على أحد لا ينزع يده من يده ~~حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده. # وقوله: { ليلا.. } [الإسراء: 1]. سبق أن قلنا: إن السرى هو السير ~~ليلا، فكانت هذه كافية للدلالة على وقوع الحدث ليلا، ولكن الحق سبحانه ~~أراد أن يؤكد ذلك، فقد يقول قائل: لماذا لم يحدث الإسراء نهارا؟ نقول: ~~حدث الإسراء ليلا، لتظل المعجزة غيبا يؤمن به من يصدق رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فلو ذهب في النهار لرآه الناس في الطريق ذهابا ~~وعودة، فتكون المسألة - إذن - حسية مشاهدة لا مجال فيها للإيمان ~~بالغيب. لذلك لما سمع أبو جهل خبر الإسراء طار به إلى المسجد وقال: إن ~~صاحبكم يزعم أنه أسري به الليلة من مكة إلى بيت المقدس، فمنهم من ~~قلب كفيه تعجبا، ومنهم من أنكر، ومنهم من ارتد. أما الصديق ~~أبو بكر فقد استقبل الخبر استقبال المؤمن المصدق، ومن هذا الموقف ~~سمي الصديق، وقال قولته المشهورة: " إن كان قال فقد صدق ". إذن: عمدته ~~أن يقول رسول الله، وطالما قال فهو صادق، هذه قضية مسلم بها عند ~~الصديق رضي الله عنه. ثم قال: " إنا لنصدقه في أبعد من هذا، ~~نصدقه في خبر السماء الوحي، فكيف لا نصدقه في هذا "؟ إذن: الحق ~~سبحانه جعل هذا الحادث محكا للإيمان، وممحصا ليقين الناس، حتى ~~يغربل من حول رسول الله، ولا يبقى معه إلا أصحاب الإيمان واليقين ~~الثابت الذي لا يهتز ولا يتزعزع. لذلك قال تعالى في آية ms5739 أخرى: # وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس.. # [الإسراء: 60]. وهذا دليل آخر على أن الإسراء لم يكن مناما، فالإسراء ~~لا يكون فتنة واختبارا إلا إذا كان حقيقة لا مناما، فالمنام لا ~~يكذبه أحد ولا يختلف فيه الناس. لكن لماذا قال عن الإسراء رؤيا ~~يعني المنامية، ولم يقل " رؤية " يعني البصرية؟ قالوا: لأنها لما كانت ~~عجيبة من العجائب صارت كأنها رؤيا منامية، فالرؤيا محل الأحداث العجيبة. ~~وورد في الإسراء أحاديث كثيرة تكلم فيها العلماء: أكان بالروح والجسد؟ ~~أكان يقظة أم مناما؟ أكان من المسجد الحرام أم من بيت أم هانىء؟ ونحن لا ~~نختلف مع هذه الآراء، ونوضح ما فيها من تقارب. فمن حيث: أكان الإسراء ~~بالروح فقط أم بالروح والجسد؟ فقد أوضحنا وجه الصواب فيه، وأنه كان ~~بالروح والجسد جميعا، فهذا مجال الإعجاز، ولو كان بالروح فقط ما كان ~~عجيبا، وما كذبه كفار مكة. أما من ذهب إلى أن الإسراء كان رؤيا ~~منام، فيجب أن نلاحظ أن أول الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~الرؤيا الصادقة، فكان صلى الله عليه وسلم لا يرى رؤيا إلا وجاءت كفلق ~~الصبح، فرؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ليست كرؤيانا، بل هي صدق لا ~~بد أن يتحقق. # ومثال ذلك ما حدث، من إرادة الله له رؤيا الفتح. قال تعالى: # لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شآء الله آمنين محلقين ~~رءوسكم ومقصرين لا تخافون.. # [الفتح: 27]. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم صحابته هذا الخبر، فلما ~~ردهم الكفار عند الحديبية، فقال الصحابة لرسول الله: ألم تبشرنا ~~بدخول المسجد الحرام؟ فقال: ولكن لم أقل هذا العام. لذلك يسمون هذه ~~الرؤى رؤى الإيناس، وهي أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم الشيء مناما، ~~حتى إذا ما تحقق لم يفاجأ به، وكان له أنس به. وما دام لا يرى رؤيا ~~إلا جاءت كفلق الصبح فلا بد أن هذه الرؤيا ستأتي واقعا وحقيقة، وقد ~~يرى هذه الرؤيا مرة أخرى على سبيل التذكرة بذلك الإيناس. ms5740 إذن: من قال: ~~إن الإسراء كان مناما نقول له: نعم كان رؤيا إيناس تحققت في الواقع، ~~فلدينا رؤى الإيناس أولا، ورؤى التذكير بالنعمة ثانيا، وواقع الحادث في ~~الحقيقة ثالثا، وبذلك نخرج من الخلاف حول: أكان الإسراء يقظة أم مناما؟ ~~وحتى بعد انتهاء حادث الإسراء كانت الرؤيا الصادقة نوعا من التسلية ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان كلما اشتدت به الأهوال يريه الله ~~تعالى ما حدث له ليبين له حفاوة السماء والكون به صلى الله عليه وسلم ~~ليكون جلدا يتحمل ما يلاقي من التعنت والإيذاء. أما من قال: إن ~~الإسراء كان من بيت أم هانىء، فهذا أيضا ليس محلا للخلاف لأن بيت أم ~~هانىء كان ملاصقا للمطاف من المسجد الحرام، والمطاف من المسجد. إذن: ~~لا داعي لإثارة الشكوك والخلافات حول هذه المعجزة لأن الفعل فعل الحق ~~سبحانه وتعالى، والذي يحكيه لنا هو الحق سبحانه وتعالى، فلا مجال للخلاف ~~فيه. وقوله تعالى: { من المسجد الحرام إلى المسجد ~~الأقصا... } [الإسراء: 1]. المسجد الحرام هو بيت الله: الكعبة ~~المشرفة، وسمي حراما لأنه حرم فيه ما لم يحرم في غيره من المساجد. ~~وكل مكان يخصص لعبادة الله نسميه مسجدا، قال تعالى: # إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم ~~الآخر.. # [التوبة: 18]. ويختلف المسجد الحرام عن غيره من المساجد، أنه بيت لله ~~باختيار الله تعالى، وغيره من المساجد بيوت لله باختيار خلق الله لذلك ~~كان بيت الله باختيار الله قبلة لبيوت الله باختيار خلق الله. وقد ~~يراد بالمسجد المكان الذي نسجد فيه، أو المكان الذي يصلح للصلاة، كما ~~جاء في الحديث الشريف: # ".. وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ". # أي: صالحة للصلاة فيها. ولا بد أن نفرق بين المسجد الذي حيز ~~وخصص كمسجد مستقل، وبين أرض تصلح للصلاة فيها ومباشرة حركة الحياة، ~~فالعامل يمكن أن يصلي في مصنعه، والفلاح يمكن أن يصلي في مزرعته، فهذه ~~أرض تصلح للصلاة ولمباشرة حركة الحياة. # أما المسجد فللصلاة، أو ما يتعلق بها من أمور الدين كتفسير آية، أو بيان ~~حكم، أو تلاوة ms5741 قرآن.. إلخ ولا يجوز في المسجد مباشرة عمل من أعمال ~~الدنيا. # " لذلك حينما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ينشد ضالته في المسجد، ~~قال له: " لا ردها الله عليك ". وقال لمن جلس يعقد صفقة في المسجد: " ~~لا بارك الله لك في صفقتك ". # ذلك لأن المسجد خصص للعبادة والطاعة، وفيه يكون لقاء العبد بربه عز ~~وجل، فإياك أن تشغل نفسك فيه بأمور الدنيا، ويكفي ما أخذته منك، وما ~~أنفقته في سبيلها من وقت. والمسجد لا يسمى مسجدا إلا إذا كان بناء ~~مستقلا من الأرض إلى السماء، فأرضه مسجد، وسماؤه مسجد، لا يعلوه شيء من ~~منافع الدنيا، كمن يبني مسجدا تحت عمارة سكنية، ودعك من نيته عندما ~~خصص هذا المكان للصلاة: أكانت نيته لله خالصة؟ أم لمأرب دنيوي؟ وقد ~~قال تعالى: # وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا # [الجن: 18]. فمثل هذا المكان لا يسمى مسجدا لأنه لا تنطبق عليه شروط ~~المسجد، ويعلوه أماكن سكنية يحدث فيها ما يتنافى وقدسية المسجد، وما لا ~~يليق بحرمة الصلاة، فالصلاة في مثل هذا المكان كالصلاة في أي مكان آخر ~~من البيت. لذلك يحرم على الطيار غير المسلم أن يحلق فوق مكة لأن جو ~~الحرم حرم. وقوله تعالى: { إلى المسجد الأقصا.. } ~~[الإسراء: 1]. في بعد المسافة نقول: هذا قصي. أي: بعيد. وهذا أقصى أي: ~~أبعد، فالحق تبارك وتعالى كأنه يلفت أنظارنا إلى أنه سيوجد بين المسجد ~~الحرام والمسجد الأقصى مسجد آخر قصي، وقد كان فيما بعد مسجد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. فالمسجد الأقصى: أي: الأبعد، وهو مسجد بيت المقدس. ~~وقوله سبحانه: { باركنا حوله.. } [الإسراء: 1]. البركة: أن يؤتى ~~الشيء من ثمره فوق المأمول منه، وأكثر مما يظن فيه، كأن تعد طعاما ~~لشخصين، فيكفي خمسة أشخاص فتقول: طعام مبارك. وقول الحق سبحانه: { ~~باركنا حوله.. } [الإسراء: 1]. دليل على المبالغة في البركة، ~~فإن كان سبحانه قد بارك ما حول الأقصى، فالبركة فيه من باب أولى، كأن ~~تقول: من يعيشون حول فلان في نعمة، فمعنى ذلك أنه في نعمة ms5742 أعظم. لكن ~~بأي شيء بارك الله حوله؟ لقد بارك الله حول المسجد الأقصى ببركة دنيوية، ~~وبركة دينية: بركة دنيوية بما جعل حوله من أرض خصبة عليها الحدائق ~~والبساتين التي تحوي مختلف الثمار، وهذا من عطاء الربوبية الذي يناله ~~المؤمن والكافر. وبركة دينية خاصة بالمؤمنين، هذه البركة الدينية تتمثل ~~في أن الأقصى مهد الرسالات ومهبط الأنبياء، تعطرت أرضه بأقدام ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب وعيسى وموسى وزكريا ويحيى، وفيه هبط الوحي وتنزلت ~~الملائكة. # وقوله: { لنريه من آياتنآ.. } [الإسراء: 1]. اللام هنا ~~للتعليل. كأن مهمة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس أن نري رسول الله ~~الآيات، وكلمة: الآيات لا تطلق على مطلق موجود، إنما تطلق على الموجود ~~العجيب، كما نقول: هذا آية في الحسن، آية في الشجاعة، فالآية هي الشيء ~~العجيب. ولله عز وجل آيات كثيرة منها الظاهر الذي يراه الناس، كما قال ~~تعالى: # ومن آياته اليل والنهار.. # [فصلت: 37]. # ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام # [الشورى: 32]. والله سبحانه يريد أن يجعل لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~خصوصية، وأن يريه من آيات الغيب الذي لم يره أحد، ليرى صلى الله عليه ~~وسلم حفاوة السماء به، ويرى مكانته عند ربه الذي قال له: # ولا تك في ضيق مما يمكرون # [النحل: 127]. لأنك في سعة من عطاء الله، فإن أهانك أهل الأرض فسوف ~~يحتفل بك أهل السماء في الملأ الأعلى، وإن كنت في ضيق من الخلق فأنت ~~في سعة من الخالق. وقوله: { إنه هو السميع البصير } ~~[الإسراء: 1]. أي: الحق سبحانه وتعالى. السمع: إدراك يدرك الكلام. ~~والبصر: إدراك يدرك الأفعال والمرائي، فلكل منهما ما يتعلق به. لكن سميع ~~وبصير لمن؟ جاء هذا في ختام آية الإسراء التي بينت أن الحق سبحانه ~~جعل الإسراء تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بعد ما لاقاه من أذى ~~المشركين وعنتهم، وكأن معركة دارت بين رسول الله والكفار حدثت فيها ~~أقوال وأفعال من الجانبين. ومن هنا يمكن أن يكون المعنى: سميع لأقوال ~~الرسول بصير بأفعاله، حيث آذاه قومه وكذبوه وألجؤوه إلى الطائف، فكان ~~أهلها أشد ms5743 قسوة من إخوانهم في مكة، فعاد منكرا داميا، وكان من ~~دعائه: # " اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم ~~الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ ~~أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك ~~هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا ~~والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ~~ولا حول ولا قوة إلا بك ". # فالله سميع لقول نبيه صلى الله عليه وسلم. وبصير لفعله. فقد كان صلى ~~الله عليه وسلم في أشد ظروفه حريصا على دعوته، فقد قابل في طريق عودته ~~من الطائف عبدا، فأعطاه عنقودا من العنب، وأخذ يحاوره في النبوات ~~ويقول: أنت من بلد نبي الله يونس بن متى. أو يكون المعنى: سميع لأقوال ~~المشركين، حينما آذوا سمع رسول الله وكذبوه وتجهموا له، وبصير ~~بأفعالهم حينما آذوه ورموه بالحجارة. الحق تبارك وتعالى تعرض لحادث ~~الإسراء في هذه الآية على سبيل الإجمال، فذكر بدايته من المسجد الحرام، ~~ونهايته في المسجد الأقصى، وبين البداية والنهاية ذكر كلمة الآيات هكذا ~~مجملة. # وجاء صلى الله عليه وسلم ففسر لنا هذا المجمل، وذكر الآيات التي رآها، ~~فلو لم يذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى من آيات الله ~~لقلنا: وأين هذه الآيات؟ فالقرآن يعطينا اللقطة الملزمة لبيان الرسول ~~صلى الله عليه وسلم: # إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع ~~قرآنه * ثم إن علينا بيانه # [القيامة: 17-19]. إذن: كان لا بد لتكتمل صورة الإسراء في نفوس ~~المؤمنين أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ما قال من أحاديث الإسراء. ~~لكن يأتي المشككون وضعاف الإيمان يبحثون في أحاديث الإسراء عن مأخذ، ~~فيعترضون على المرائي التي رآها رسول الله، وسأل عنها جبريل عليه السلام. ~~فكان اعتراضهم أن هذه الأحداث في الآخرة، فكيف رآها محمد صلى الله عليه ~~وسلم؟ ونقول لهؤلاء: لقد قصرت ms5744 أفهامكم عن إدراك قدرة الله في خلق ~~الكون، فالكون لم يخلق هكذا، بل خلق بتقدير أزلي له، ولتوضيح هذه ~~المسألة نضرب هذا المثل: هب أنك أردت بناء بيت، فسوف تذهب إلى المهندس ~~المختص وتطلب منه رسما تفصيليا له، ولو كنت ميسور الحال تقول له: ~~اعمل لي ماكيت للبيت، فيصنع لك نموذجا مصغرا للبيت الذي تريده. فالحق ~~سبحانه خلق هذا الكون أزلا، فالأشياء مخلوقة عند الله كالماكيت، ثم ~~يبرزها سبحانه على وفق ما قدره. وتأمل قول الحق سبحانه وتعالى: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. انظر: { أن يقول له } كأن الشيء موجود والله تعالى ~~يظهره فحسب، لا يخلقه بداية، بل هو مخلوق جاهز ينتظر الأمر ليظهر في عالم ~~الواقع لذلك قال أهل المعرفة: أمور يبديها ولا يبتديها. وإن كان الحق ~~تبارك وتعالى قد ذكر الإسراء صراحة في هذه الآية، فقد ذكر المعراج ~~بالالتزام في سورة النجم، في قوله تعالى: # ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة ا ;لمنتهى * ~~عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى ~~* ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه ~~الكبرى # [النجم: 13-18]. ففي الإسراء قال تعالى: { لنريه من آياتنآ.. ~~} [الإسراء: 1]. وفي المعراج قال: # لقد رأى من آيات ربه الكبرى # [النجم: 18]. ذلك لأن الإسراء آية أرضية استطاع الرسول صلى الله عليه ~~وسلم بما آتاه الله من الإلهام أن يدلل على صدقه في الإسراء به من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لأن قومه على علم بتاريخه، وأنه لم يسبق ~~له أن رأى بيت المقدس أو سافر إليه، فقالوا له: صفه لنا وهذه شهادة ~~منهم أنه لم يره، فتحدوه أن يصفه. والرسول صلى الله عليه وسلم ~~حينما يأتي بمثل هذه العملية، هل كان عنده استحفاظ كامل لصورة بيت ~~المقدس، خاصة وقد ذهب إليه ليلا؟ إذن: صورته لم تكن واضحة أمام النبي ~~صلى الله عليه وسلم بكل تفاصيلها، وهنا تدخلت قدرة الله فجلاه الله ~~له، فأخذ يصفه لهم كأنه يراه الآن. # كما أن الطريق ms5745 بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى طريق مسلوك للعرب، فهو ~~طريق تجارتهم إلى الشام، فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أن عيرا لهم في ~~الطريق، ووصفها لهم وصفا دقيقا، وأنها سوف تصلهم مع شروق شمس يوم ~~معين. وفعلا تجمعوا في صبيحة هذا اليوم ينتظرون العير. وعند الشروق قال ~~أحدهم: ها هي الشمس أشرقت. فرد الآخر: وها هي العير قد ظهرت. إذن: ~~استطاع صلى الله عليه وسلم أن يدلل على صدق الإسراء لأنه آية أرضية ~~يمكن التدليل عليها، بما يعلمه الناس عن بيت المقدس، وبما يعلمونه من ~~عيرهم في الطريق. أما ما حدث في المعراج، فآيات كبرى سماوية لا يستطيع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم التدليل عليها أمام قومه، فأراد الحق سبحانه ~~أن يجعل ما يمكن الدليل عليه من آيات الأرض وسيلة لتصديق ما لا يوجد ~~دليل عليه من آيات الصعود إلى السماء، وإلا فهل صعد أحد إلى سدرة ~~المنتهى، فيصفها له رسول الله؟ إذن: آية الأرض أمكن أن يدلل عليها، ~~فإذا ما قام عليها الدليل، وثبت للرسول خرق نواميس الكون في الزمن ~~والمسافة، فإن حدثكم عن شيء آخر فيه خرق للنواميس فصدقوه، فكأن آية ~~الإسراء جاءت لتقرب للناس آية المعراج. فالذي خرق له النواميس في ~~آيات الأرض من الممكن أن يخرق له النواميس في آيات السماء، فالله تعالى ~~يقرب الغيبيات، التي لا تدركها العقول بالمحسات التي تدركها. ومن ذلك ~~ما ضربه إليه مثلا محسوسا لمضاعفة النفقة في سبيل الله إلى سبعمائة ~~ضعف، فأراد الحق سبحانه أن يبين ذلك ويقربه للعقول، فقال: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم # [البقرة: 261]. ومن لطف الله سبحانه بعقول خلقه أن جعل آيات ~~الإسراء بالنص الملزم الصريح، لكن آيات المعراج جاءت بالالتزام في سورة ~~النجم لذلك قال العلماء: إن الذي يكذب بالإسراء يكفر، أما من يكذب ~~بالمعراج فهو فاسق. لكن أهل التحقيق يذهبون إلى تكفير من يكذب ~~المعراج أيضا لأن ms5746 المعراج وإن جاء بالالتزام فقد بينه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم في حديثه الشريف، والحق سبحانه يقول: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. والمتأمل في الإسراء والمعراج يجده إلى جانب أنه تسلية ~~لرسول الله وتخفيف عنه، إلا أن لهم هدفا آخر أبعد أثرا، وهو بيان أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤيد من الله، وله معجزات، وتخرق له ~~القوانين والنواميس العامة ليكون ذلك كله تكريما ودليلا على صدق ~~رسالته. # فالمعجزة: أمر خارق للعادة الكونية يجريه الله على يد رسوله ليكون ~~دليلا على صدقه، ومن ذلك ما حدث لإبراهيم الخليل - عليه السلام - حيث ~~ألقاه قومه في النار، ومن خواص النار الإحراق، فهل كان المراد نجاة ~~إبراهيم من النار؟ لو كان القصد نجاته من النار ما كان الله مكنهم من ~~الإمساك به، ولو أمسكوا فيمكن أن ينزل الله المطر فيطفىء النار. إذن: ~~المسألة ليست نجاة إبراهيم، المسألة إثبات خرق النواميس لإبراهيم عليه ~~السلام، فشاء الله أن تظل النار مشتعلة، وأن يمسكوا به ويرموه في ~~النار، وتتوفر كل الأسباب لحرقه - عليه السلام. وهنا تتدخل عناية الله ~~لتظهر المعجزة الخارقة للقوانين، فمن خواص النار الإحراق، وهي خلق من ~~خلق الله، يأتمر بأمره، فأمر الله النار ألا تحرق، سلبها هذه ~~الخاصية، فقال تعالى: # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. وربما يجد المشككون في الإسراء والمعراج ما يقرب ~~هذه المعجزة لأفهامهم بما نشاهده الآن من تقدم علمي يقرب لنا ~~المسافات، فقد تمكن الإنسان بسلطان العلم أن يغزو الفضاء، ويصعد إلى ~~كواكب أخرى في أزمنة قياسية، فإذا كان في مقدور البشر الهبوط على سطح ~~القمر، أتستبعدون الإسراء والمعراج، وهو فعل لله سبحانه؟! وكذلك من ~~الأمور التي وقفت أمام المعترضين على الإسراء والمعراج حادثة شق ~~الصدر التي حكاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتأمل فيه يجده عملا ~~طبيعيا لإعداد الرسول صلى الله عليه وسلم لما هو مقبل عليه من أجواء ~~ومواقف جديدة تختلف في طبيعتها عن الطبيعة البشرية. كيف ونحن نفعل ms5747 مثل ~~هذا الإعداد حينما نسافر من بلد إلى آخر، فيقولون لك: البس ملابس كذا. ~~وخذ حقنة كذا لتساير طبيعة هذا البلد، وتتأقلم معه، فما بالك ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم سيلتقي بالملائكة وبجبريل وهم ذوو طبيعة غير طبيعة البشر، ~~وسيلتقي بإخوانه من الأنبياء، وهم في حال الموت، وسيكون قاب قوسين أو ~~أدنى من ربه عز وجل؟ إذن: لا غرابة في أن يحدث له تغيير ما في تكوينه ~~صلى الله عليه وسلم ليستطيع مباشرة هذه المواقف. وإذا استقرأنا القرآن ~~الكريم فسوف نجد فيه ما يدل على صدق رسول الله فيما أخبر به من لقائه ~~بالأنبياء في هذه الرحلة، قال تعالى: # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ.. # [الزخرف: 45]. والرسول صلى الله عليه وسلم إذا أمره ربه أمرا نفذه، ~~فكيف السبيل إلى تنفيذ هذا الأمر: واسأل من سبقك من الرسل؟ لا سبيل إلى ~~تنفيذه إلا في لقاء مباشر ومواجهة، فإذا حدثنا بذلك رسول الله في رحلة ~~الإسراء والمعراج نقول له: صدقت، ولا يتسلل الشك إلا إلى قلوب ضعاف ~~الإيمان واليقين. # فالفكرة في هذه القضية - الإسراء والمعراج - دائرة بين يقين المؤمن بصدق ~~رسول الله، وبين تحكيم العقل، وهل استطاع عقلك أن يفهم كل قضايا الكون ~~من حولك؟ فما أكثر الأمور التي وقف فيها العقل ولم يفهم كنهها، ومع ~~مرور الزمن وتقدم العلوم رآها تتكشف له تدريجيا، فما شاء الله أن ~~يظهره لنا من قضايا الكون يسر لنا أسبابه باكتشاف أو اختراع، وربما ~~بالمصادفة. وما العقل إلا وسيلة إدراك، كالعين والأذن، وله قوانين محددة ~~لا يستطيع أن يتعداها، وإياك أن تظن أن عقلك يستطيع إدراك كل شيء، ~~بل هو محكوم بقانون. ولتوضيح ذلك، نأخذ مثلا العين، وهي وسيلة إدراك ~~يحكمها قانون الرؤية، فإذا رأيت شخصا مثلا تراه واضح الملامح، فإذا ما ~~ابتعد عنك تراه يصغر تدريجيا حتى يختفي عن نظرك، كذلك السمع تستطيع ~~بأذنك أن تسمع صوتا، فإذا ما ابتعد عنك قل سمعك له، حتى يتوقف ~~إدراك الأذن فلا تسمع شيئا. كذلك العقل كوسيلة ms5748 إدراك له قانون، وليس ~~الإدراك فيه مطلقا. ومن هنا لما أراد العلماء التغلب على قانون العين ~~وقانون الأذن حينما تضعف هذه الحاسة وتعجز عن أداء وظيفتها صنعوا للعين ~~النظارة والميكروسكوب والمجهر، وهذه وسائل حديثة تمكن العين من رؤية ~~ما لا تستطيع رؤيته. وكذلك صنعوا سماعة الأذن لتساعدها على السمع إذا ~~ضعفت عن أداء وظيفتها. إذن: فكل وسيلة إدراك لها قانونها، وكذلك العقل، ~~وإياك أن تظن أن عقلك يستطيع أن يدرس كل شيء، ولكن إذا حدثت بشيء ~~فعقلك ينظر فيه، فإذا وثقته صادقا فقد انتهت المسألة، وخذ ما حدثت به ~~على أنه صدق. وهذا ما حدث مع الصديق أبي بكر رضي الله عنه حينما ~~حدثوه عن صاحبه صلى الله عليه وسلم، وأنه أسري به من مكة إلى بيت ~~المقدس، فما كان منه إلا أن قال: " إن كان قال فقد صدق ". فالحجة عنده ~~إذن قول الرسول، وما دام الرسول قد قال ذلك فهو صادق، ولا مجال لعمل ~~العقل في هذه القضية، ثم قال " كيف لا أصدقه في هذا الخبر، وأنا أصدقه ~~في أكثر من هذا، أصدقه في خبر الوحي يأتيه من السماء ". فآية الإسراء - ~~إذن - كانت آية أرضية، يمكن أن يقام عليها الدليل، ويمكن أن يفهم الناس ~~عنها أن القانون قد خرق لمحمد في الإسراء، فإذا ما أتى المعراج وخرق له ~~القانون فيما لا يعلم الناس كان أدعى لتصديقه. والمتأمل في هذه السورة ~~يجدها تسمى سورة الإسراء، وتسمى سورة بني إسرائيل، وليس فيها عن الإسراء ~~إلا الآية الأولى فقط، وأغلبها يتحدث عن بني إسرائيل، فما الحكمة من ~~ذكر بني إسرائيل بعد الإسراء؟ سبق أن قلنا: إن الحكمة من الكلام عن ~~الإسراء بعد آخر النحل أن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم كان في ~~ضيق مما يمكرون، فأراد الحق سبحانه أن يخفف عنه ويسليه، فكان حادث ~~الإسراء، ولما ألف بنو إسرائيل أن الرسول يبعث إلى قومه فحسب، كما ~~رأوا موسى عليه السلام. # فعندما يأتي محمد صلى الله عليه وسلم ويقول: أنا ms5749 رسول للناس كافة ~~سيعترض عليه هؤلاء وسيقولون: إن كنت رسولا فعلا وسلمنا بذلك، فأنت ~~رسول للعرب دون غيرهم، ولا دخل لك ببني إسرائيل، فلنا رسالتنا وبيت ~~المقدس علم لنا. لذلك أراد الحق سبحانه أن يلفت إسرائيل إلى عموم رسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، ومن هنا جعل بيت المقدس قبلة للمسلمين في ~~بداية الأمر، ثم أسرى برسوله صلى الله عليه وسلم إليه: ليدلل بذلك على أن ~~بيت المقدس قد دخل في مقدسات الإسلام، وأصبح منذ هذا الحدث في حوزة ~~المسلمين. ثم يبدأ الحديث عن موسى عليه السلام وعن بني إسرائيل، فيقول ~~تعالى: { وآتينآ موسى الكتاب... }. ### || [17.2] # قوله: { وآتينآ } أي: أوحينا إليه معانيه، كما قال تعالى: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشآء.. # [الشورى: 51]. فليس في هذا الأمر مباشرة. و الكتاب هو التوراة، فلو ~~اقترن بعيسى فهو الإنجيل، وإن أطلق دون أن يقترن بأحد ينصرف إلى ~~القرآن الكريم. والوحي قد يكون بمعاني الأشياء، ثم يعبر عنها الرسول ~~بألفاظه، أو يعبر عنها رجاله وحواريوه بألفاظهم. ومثال ذلك: الحديث ~~النبوي الشريف، فالمعنى فيه من الحق سبحانه، واللفظ من عند الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، وهكذا كان الأمر في التوراة والإنجيل. فإن قال قائل: ~~ولماذا نزل القرآن بلفظه ومعناه، في حين نزلت التوراة والإنجيل بالمعنى ~~فقط؟ نقول: لأن القرآن نزل كتاب منهج مثل التوراة والإنجيل، ولكنه نزل ~~أيضا كتاب معجزة لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، فلا دخل لأحد فيه، ~~ولا بد أن يظل لفظه كما نزل من عند الله سبحانه وتعالى. فالرسول ~~صلى الله عليه وسلم أوحي إليه لفظ ومعنى القرآن الكريم، وأوحي ~~إليه معنى الحديث النبوي الشريف. والحق سبحانه يقول: { وجعلناه ~~هدى لبني إسرائيل.. } [الإسراء: 2]. فهذا الكتاب لم ينزل ~~لموسى وحده، بل ليبلغه لبني إسرائيل، وليرسم لهم طريق الهدى إلى ~~الله سبحانه، وقال تعالى في آية أخرى: # ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من ~~لقآئه وجعلناه هدى لبني ms5750 إسرائيل # [السجدة: 23]. والهدى: هو الطريق الموصل للغاية من أقصر وجه، وبأقل ~~تكلفة، وهو الطريق المستقيم، ومعلوم عند أهل الهندسة أن الخط المستقيم هو ~~أقصر مسافة بين نقطتين. ثم أوضح الحق سبحانه وتعالى خلاصة هذا الكتاب، ~~وخلاصة هذا الهدى لبني إسرائيل في قوله تعالى: { ألا تتخذوا ~~من دوني وكيلا } [الإسراء: 2]. ففي هذه العبارة خلاصة الهدى، ~~وتركيز المنهج وجماعه. والوكيل: هو الذي يتولى أمرك، وأنت لا تولي ~~أحدا أمرك إلا إذا كنت عاجزا عن القيام به، وكان من توكله أحكم ~~منك وأقوى، فإذا كنت ترى الأغيار تنتاب الناس من حولك وتستولي عليهم، ~~فالغني يصير فقيرا، والقوي يصير ضعيفا، والصحيح يصير سقيما. وكذلك ترى ~~الموت يتناول الناس واحدا تلو الآخر، فاعلم أن هؤلاء لا يصلحون ~~لتولي أمرك والقيام بشأنك، فربما وكلت واحدا منهم ففاجأك خبر ~~موته. إذن: إذا كنت لبيبا فوكل من لا تنتابه الأغيار، ولا يدركه ~~الموت ولذلك فالحق سبحانه حينما يعلمنا أن نكون على وعي وإدراك لحقائق ~~الأمور، يقول: # وتوكل على الحي الذي لا يموت # [الفرقان: 58]. وما دام الأمر كذلك، فإياك أن تتخذ من دون الله ~~وكيلا، حتى لو كان هذا الوكيل هو الواسطة بينك وبين ربك كالأنبياء لأنهم ~~لا يأتون بشيء من عند أنفسهم، بل يناولونك ويبلغونك عن الله سبحانه. # ولذلك الحق سبحانه يقول: # ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك.. # [الإسراء: 86]. ولو شئنا ما أوحينا إليك أبدا، فمن أين تأتي بالمنهج ~~إذن؟ وقد تحدث العلماء طويلا في أن في قوله: { ألا تتخذوا من ~~دوني وكيلا } [الإسراء: 2]. فمنهم من قال: إنها ناهية. ومنهم من ~~قال: نافية، وأحسن ما يقال فيها: إنها مفسرة لما قبلها من قوله تعالى: ~~{ وآتينآ موسى الكتاب وجعلناه هدى.. } [الإسراء: 2]. ~~ففسرت الكتاب والهدى ولخصته، كما في قوله تعالى: # فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على ~~شجرة الخلد وملك لا يبلى # [طه: 120]. فقوله: { قال يآدم } تفسر لنا مضمون وسوسة الشيطان. ~~ومثله قوله تعالى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه.. # [القصص: 7]. فأن هنا مفسرة لما قبلها. وكأن المعنى: وأوحينا ms5751 إليه ~~ألا تتخذوا من دوني وكيلا. أو نقول: إن فيها معنى المصدرية، وأن ~~المصدرية قد تجر بحرف جر كما نقول: عجبت أن تنجح، أي: من أن تنجح، ~~ويكون معنى الآية هنا: وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل لأن ~~لا تتخذوا من دوني وكيلا. ثم يقول الحق سبحانه: { ذرية من ~~حملنا... }. ### || [17.3] # ذرية منصوبة هنا على الاختصاص لقصد المدح، فالمعنى: أخصكم أنتم يا ~~ذرية نوح، ولكن لماذا ذرية نوح بالذات؟ ذلك لأننا نجينا الذين آمنوا ~~معه من الطوفان والغرق، وحافظنا على حياتهم، وأنتم ذريتهم، فلا بد لكم ~~أن تذكروا هذه النعمة لله تعالى، أن أبقاكم الآن من بقاء آبائكم. فكأن ~~الحق سبحانه يمتن عليهم بأن نجى آباءهم مع نوح، فليستمعوا إلى منهج ~~الله الذي جربه آباؤهم، ووجدوا أن من يؤمن بالله تكون له النجاة ~~والأمن من عذاب الله. ويقول تعالى: { إنه كان عبدا شكورا } ~~[الإسراء: 3]. أي: أن الحق سبحانه أكرم ذريته لأنه كان عبدا شكورا، ~~والعمل الصالح ينفع ذرية صاحبه ولذلك سنلاحظ ذرية نوح بعنايتنا، ولن ~~نتركهم يتخبطون في متاهات الحياة، وسنرسل لهم الهدى الذي يرسم لهم ~~الطريق القويم، ويجنبهم الزلل والانحراف. ودائما ما ينشغل الآباء ~~بالأبناء، فإذا ما توفر للإنسان قوت يومه تطلع إلى قوت العام كله، ~~فإذا توفر له قوت عامه قال: أعمل لأولادي، فترى خير أولاده أكثر من ~~خيره، وتراه ينشغل بهم، ويؤثرهم على نفسه، ويترقى في طلب الخير لهم، ~~ويود لو حمل عنهم كل تعب الحياة ومشاقها. ومع ذلك، فالإنسان عرضة ~~للأغيار، وقد يأتيه أجله فيترك وراءه كل شيء ولذلك فالحق سبحانه يدلنا ~~على وجه الصواب الذي ينفع الأولاد، فيقول تعالى: # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]. والحق تبارك وتعالى حينما يعلمنا أن تقوى الله تتعدى ~~بركتها إلى أولادك من بعدك، يعطينا مثلا واقعيا في قصة موسى والخضر ~~عليهما السلام - التي حكاها لنا القرآن الكريم. والشاهد فيها أنهما حينما ~~مرا على قرية، واستطعما أهلها فأبوا أن ms5752 يضيفوهما، وسؤال الطعام يدل ~~على صدق الحاجة، فلو طلب منك السائل مالا فقد تتهمه بكنزه، أما إذا ~~طلب منك رغيفا يأكله فلا شك أنه صادق في سؤاله، فهذا دليل على أنها ~~قرية لئام لا يقومون بواجب الضيافة، ولا يقدرون حاجة السائل. ومن ~~هنا تعجب موسى - عليه السلام - من مبادرة الخضر إلى بناء الجدار ~~الذي أوشك على السقوط دون أن يأخذ أجره من هؤلاء اللئام: # فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ ~~أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا ~~يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لتخذت ~~عليه أجرا # [الكهف: 77]. وهنا يكشف الخضر لموسى حقيقة الأمر، ويظهر له ما أطلعه ~~الله عليه من بواطن الأمور التي لا يدركها موسى عليه السلام، فيقول: # وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما ~~صالحا فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا ~~كنزهما رحمة من ربك.. # [الكهف: 82]. فالجدار ملك لغلامين صغيرين لا يقدران على حماية مالهما ~~من هؤلاء اللئام، ولأن أباهما كان صالحا سخر الله لهما من يخدمهما، ~~ويحافظ على مالهما. إذن: فعلة هذا العمل أن أباهما كان صالحا، فأكرمهم ~~الله من أجله، وجعلهما في حيازته وحفظه. وهنا قد يسأل سائل: ومن أين ~~للغلامين أن يعلما بأمر هذا الكنز عند بلوغهما؟ والظاهر أن الخضر بما ~~أعطاه الله من الحكمة بنى هذا الجدار بناء موقوتا، بحيث ينهدم بعد بلوغ ~~الغلامين، فيكونان قادرين على حمايته والدفاع عنه. والحق سبحانه وتعالى ~~يوضح لنا هذه القضية في آية أخرى فيقول سبحانه: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم ~~من شيء # [الطور: 21]. فكرامة للآباء نلحق بهم الأبناء، حتى وإن قصروا في ~~العمل عن آبائهم، فنزيد في أجر الأبناء، ولا ننقص من أجر الآباء. وقوله: ~~{ إنه كان عبدا شكورا } [الإسراء: 3]. وشكور صيغة مبالغة في ~~الشكر، فلم يقل شاكر لأن الشاكر الذي يشكر مرة واحدة، أما الشكور فهو ~~الدائب على الشكر المداوم عليه، وقالوا عن نوح عليه السلام: إنه كان لا ~~يتناول شيئا ms5753 من مقومات حياته إلا شكر الله عليها. ولا تنعم بنعمة من ~~ترف الحياة إلا حمد الله عليها، فإذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمني من ~~غير حول مني ولا قوة، وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني من غير حول مني ~~ولا قوة، وهكذا في جميع أمره. ويقول بعض العارفين: ما أكثر ما غفل ~~الإنسان عن شكر الله على نعمه. ونرى كثيرا من الناس قصارى جهدهم أن ~~يقولوا: بسم الله في أول الطعام والحمد لله في آخره، ثم هم غافلون عن نعم ~~كثيرة لا تعد ولا تحصى، تستوجب الحمد والشكر. لذلك حينما يعقل ~~الإنسان ويفقه نعم الله عليه، ويعلم أن الحمد قيد للنعمة، تجده يعمل ~~ما نسميه حمد القضاء مثل الصلاة القضاء أي: حمد الله على نعم فاتت لم ~~يحمده عليها، فيقول: الحمد لله على كل نعمة أنعمتها علي يا رب، ونسيت ~~أن أحمدك عليها، ويجعل هذا الدعاء دأبه وديدنه. وقد يتعدى حمد الله ~~لنفسه، فيحمد الله عن الناس الذين أنعم الله عليهم ولم يحمدوه، فيقول: ~~الحمد لله عن كل ذي نعمة أنعمت عليه، ولم يحمدك عليها. ولذلك يقولون: إن ~~النعمة التي تحمد الله عليها لا تسأل عنها يوم القيامة لأنك أديت ~~حقها من حمد الله والثناء عليه. والحمد والشكر وإن كان شكرا للمنعم ~~سبحانه وثناء عليه، فهو أيضا تجارة رابحة للشاكر لأن الحق سبحانه يقول: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7]. فمن أراد الخير لنفسه وأحب أن نواصل له النعم فليداوم ~~على حمدنا وشكرنا. ثم يقول الحق سبحانه: { وقضينآ إلى بني ~~إسرائيل... }. ### || [17.4] # قوله تعالى: { وقضينآ.. } [الإسراء: 4]. أي: حكمنا حكما لا ~~رجعة فيه، وأعلنا به المحكوم عليه، والقاضي الذي حكم هنا هو الحق ~~سبحانه وتعالى. والقضاء يعني الفصل في نزاع بين متخاصمين، وهذا الفصل ~~لا بد له من قاض مؤهل، وعلى علم بالقانون الذي يحكم به، ويستطيع ~~الترجيح بين الأدلة. إذن: لا بد أن يكون القاضي مؤهلا، ولو في ~~عرف المتنازعين، ويمكن أن يكونوا جميعا أميين لا يعرفون عن القانون ~~شيئا، ms5754 لكنهم واثقون من شخص ما، ويعرفون عنه قول الحق والعدل في ~~حكومته، فيرتضونه قاضيا ويحكمونه فيما بينهم. ثم إن القاضي لا يحكم ~~بعلمه فحسب، بل لا بد له من بينة على المدعي أن يقدمها أو اليمين ~~على من أنكر، والبينة تحتاج إلى سماع الشهود، ثم هو بعد أن يحكم في ~~القضية لا يملك تنفيذ حكمه، بل هناك جهة أخرى تقوم بتنفيذ حكمه، ثم هو في ~~أثناء ذلك عرضة للخداع والتدليس وشهادة الزور وتلاعب الخصوم بالأقوال ~~والأدلة. وقد يستطيع الظالم أن يعمي عليه الأمر، وقد يكون لبقا ~~متكلما يستميل القاضي، فيحول الحكم لصالحه، كل هذا يحدث في قضاء ~~الدنيا. فما بالك إذا كان القاضي هو رب العزة سبحانه وتعالى؟ إنه سبحانه ~~وتعالى القاضي العدل الذي لا يحتاج إلى بينة ولا شهود، ولا يقدر أحد أن ~~يعمي عليه أو يخدعه، وهو سبحانه صاحب كل السلطات، فلا يحتاج إلى قوة ~~أخرى تنفذ ما حكم به، فكل حيثيات الأمور موكولة إليه سبحانه. وقد حدث هذا ~~فعلا في قضاء قضاه النبي صلى الله عليه وسلم، وهل القضاة أفضل من رسول ~~الله؟! ففي الحديث الشريف: # " إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعل أحدكم أن يكون ألحن ~~بحجته فأقضي له، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه فإنما أقطع ~~له قطعة من النار ". # فرد صلى الله عليه وسلم الحكم إلى ذات المحكوم له، ونصحه أن يراجع ~~نفسه وينظر فيما يستحق، فالرسول صلى الله عليه وسلم بشر يقضي كما يقضي ~~البشر، ولكن إن عميت على قضاء الأرض فلن تعمي على قضاء السماء. ~~ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم فيمن يستفتي شخصا فيفتيه فتوى تخالف ~~الحق وتجانب الصواب: # " استفت قلبك، وإن أفتوك، وإن أفتوك، وإن أفتوك ". # قالها ثلاثا ليلفتنا إلى ضرورة أن يكون الإنسان واعيا مميزا بقلبه ~~بين الحلال والحرام، وعليه أن يراجع نفسه ويتدبر أمره. وقوله: { في ~~الكتاب.. } [الإسراء: 4]. أي: في التوراة، كتابهم الذي نزل على ~~نبيهم، وهم محتفظون به وليس في كتاب آخر، فالحق ms5755 سبحانه قضى عليهم. أي: ~~حكم عليهم حكما وأعلمهم به، حيث أوحاه إلى موسى، فبلغهم به في ~~التوراة، وأخبرهم بما سيكون منهم من ملابسات استقبال منهج الله على ألسنة ~~الرسل، أينفذونه وينصاعون له، أم يخرجون عنه ويفسدون في الأرض؟ وإذا ~~كان رسولهم - عليه السلام - قد أخبرهم بما سيحدث منهم، وقد حدث منهم ~~فعلا ما أخبرهم به الرسول وهم مختارون، فكان عليهم أن يخجلوا من ربهم ~~عز وجل، ولا يتمادوا في تصادمهم بمنهج الله وخروجهم عن تعاليمه، وكان ~~عليهم أن يصدقوا رسولهم فيما أخبرهم به، وأن يطيعوا أمره. # وقوله تعالى: { لتفسدن في الأرض مرتين.. } [الإسراء: ~~4]. جاءت هذه العبارة هكذا مؤكدة باللام، وهذا يعني أن في الآية ~~قسما دل عليه جوابه، فكأن الحق سبحانه يقول: ونفسي لتفسدن في ~~الأرض، لأن القسم لا يكون إلا بالله. أو نقول: إن المعنى: ما دمنا قد ~~قضينا وحكمنا حكما مؤكدا، لا يستطيع أحد الفكاك منه، ففي هذا ~~معنى القسم، وتكون هذه العبارة جوابا ل " قضينا " لأن القسم يجيء ~~للتأكيد، والتأكيد حاصل في قوله تعالى: { وقضينآ.. } [الإسراء: 4]. ~~فما هو الإفساد؟ الإفساد: أن تعمد إلى الصالح في ذاته فتخرجه عن صلاحه، ~~فكل شيء في الكون خلقه الله تعالى لغاية، فإذا تركته ليؤدي غايته ~~فقد أبقيته على صلاحه، وإذا أخللت به يفقد صلاحه ومهمته، والغاية التي ~~خلقه الله من أجلها. والحق سبحانه وتعالى قبل أن يخلقنا على هذه الأرض ~~خلق لنا مقومات حياتنا في السماء والأرض والشمس والهواء.. الخ وليس ~~مقومات حياتنا فحسب، بل وأعد لنا في كونه ما يمكن الإنسان بعقله ~~وطاقته أن يزيد الصالح صلاحا، فعلى الأقل إن لم تستطع أن تزيد الصالح ~~صلاحا فأبق الصالح على صلاحه. فمثلا، عندك بئر محفورة تخرج لك الماء، ~~فإما أن تحتفظ بها على حالها فلا تطمسها، وإما أن تزيد في صلاحها ~~بأن تبني حولها ما يحميها من زحف الرمال، أو تجعل فيها آلة رفع للماء ~~تضخه في مواسير لتسهل على الناس استعماله، وغير ذلك من أوجه ~~الصلاح. ولذلك الحق سبحانه وتعالى ms5756 يقول: # هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. # [هود: 61]. أي: أنشأكم من الأرض، وجعل لكم فيها مقومات حياتكم، فإن ~~أحببت أن تثري حياتك فأعمل عقلك المخلوق لله ليفكر، والطاقة ~~المخلوقة في أجهزتك لتعمل في المادة المخلوقة لله في الكون، فأنت لا تأتي ~~بشيء من عندك، فقط تعمل عقلك وتستغل الطاقة المخلوقة لله، وتتفاعل مع ~~الأرض المخلوقة لله، فتعطيك كل ما تتطلع إليه وكل ما يثري حياتك، ~~ويوفر لك الرفاهية والترقي. فالذين اخترعوا لنا صهاريج المياه أعملوا ~~عقولهم، وزادوا الصالح صلاحا، وكم فيها من ميزات وفرت علينا عناء ~~رفع المياه إلى الأدوار العليا، وقد استنبط هؤلاء فكرة الصهاريج من ظواهر ~~الكون، حينما رأوا السيل ينحدر من أعلى الجبال إلى أسفل الوديان، فأخذوا ~~هذه الفكرة، وأفلحوا في عمل يخدم البشرية. # وكما يكون الإفساد في الماديات كمن أفسدوا علينا الماء والهواء ~~بالملوثات، كذلك يكون في المعنويات، فالمنهج الإلهي الذي أنزله الله ~~تعالى لهداية الخلق وألزمنا بتنفيذه، فكونك لا تنفذ هذا المنهج، أو ~~تكتمه، أو تحرف فيه، فهذا كله إفساد لمنهج الله تعالى. ويقول تعالى ~~لبني إسرائيل: { لتفسدن في الأرض مرتين.. } [الإسراء: ~~4]. وهل أفسد بنو إسرائيل في الأرض مرتين فقط؟ والله إن كانوا كذلك فقد ~~خلاهم ذم، والأمر إذن هين، لكنهم أفسدوا في الأرض إفسادا كثيرا ~~متعددا، فلماذا قال تعالى: مرتين؟ تحدث العلماء كثيرا عن هاتين ~~المرتين، وفي أي فترات التاريخ حدثتا، وذهبوا إلى أنهما قبل الإسلام، ~~والمتأمل لسورة الإسراء يجدها قد ربطتهم بالإسلام، فيبدو أن المراد ~~بالمرتين أحداث حدثت منهم في حضن الإسلام. فالحق سبحانه وتعالى بعد أن ~~ذكر الإسراء ذكر قصة بني إسرائيل، فدل ذلك على أن الإسلام تعدى إلى ~~مناطق مقدساتهم، فأصبح بيت المقدس قبلة للمسلمين، ثم أسري برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إليه، وبذلك دخل في حوزة الإسلام لأنه جاء ~~مهيمنا على الأديان السابقة، وجاء للناس كافة. إذن: كان من الأولى أن ~~يفسروا هاتين المرتين على أنهما في حضن الإسلام لأنهم أفسدوا كثيرا ~~قبل الإسلام، ولا دخل للإسلام في إفسادهم ms5757 السابق لأن الحق سبحانه ~~يقول: { وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب ~~لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ~~} [الإسراء: 4]. فإن كان الفساد مطلقا. أي: قبل أن يأتي الإسلام فقد ~~تعدد فسادهم، وهل هناك أكثر من قولهم بعد أن جاوز بهم البحر فرأوا ~~جماعة يعكفون على عبادة العجل، فقالوا لموسى - عليه السلام: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138]. هل هناك فساد أكثر من أن قتلوا الأنبياء الذين جعلهم ~~الله مثلا تكوينية وأسوة سلوكية، وحرفوا كتاب الله؟ والناظر في ~~تحريف بني إسرائيل للتوراة يجد أنهم حرفوها من وجوه كثيرة وتحريفات ~~متعددة، فمن التوراة ما نسوه، كما قال تعالى: # ونسوا حظا مما ذكروا به.. # [المائدة: 13]. والذي لم ينسوه لم يتركوه على حاله، بل كتموا بعضه، ~~والذي لم يكتموه لم يتركوه على حاله، بل حرفوه، كما قال تعالى: # يحرفون الكلم عن مواضعه.. # [المائدة: 13]. ولم يقف الأمر بهم عند هذا النسيان والكتمان والتحريف، ~~بل تعدى إلى أن أتوا بكلام من عند أنفسهم، وقالوا هو من عند الله، ~~قال تعالى: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا.. # [البقرة: 79]. فهل هناك إفساد في منهج الله أعظم من هذا الإفساد؟ ومن ~~العلماء من يرى أن الفساد الأول ما حدث في قصة طالوت وجالوت في قوله ~~تعالى: # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى ~~إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في ~~سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ~~ألا تقاتلوا.. # [البقرة: 246]. فقد طلبوا القتال بأنفسهم وارتضوه وحكموا به، ومع ذلك ~~حينما جاء القتال تنصلوا منه ولم يقاتلوا. ويرون أن الفساد الثاني قد ~~حدث بعد أن قويت دولتهم، واتسعت رقعتها من الشمال إلى الجنوب، فأغار ~~عليهم بختنصر وهزمهم، وفعل بهم ما فعل. وهذه التفسيرات على أن ~~الفسادين سابقان للإسلام، والأولى أن نقول: إنهما بعد الإسلام، وسوف ~~نجد في هذا ربطا لقصة بني إسرائيل بسورة الإسراء. كيف ذلك؟ قالوا: لأن ~~الإسلام حينما جاء كن يستشهد ms5758 بأهل الكتاب على صدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ونفس أهل الكتاب كانوا يستفتحون به على الذين كفروا، فكان أهل ~~الكتاب إذا جادلوا الكفار والمشركين في المدينة كانوا يقولون لهم: لقد ~~أظل زمان نبي يأتي فنتبعه، ونقتلكم به قتل عاد وإرم. لذلك يقول الحق ~~سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: إنهم ينكرون عليك أن الله يشهد ومن ~~عنده علم الكتاب، فمن عنده علم الكتاب منهم يعرف بمجيئك، وأنك صادق، ~~ويعرف علامتك، بدليل أن الصادقين منهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. ~~ويقول أحدهم: لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد، ~~لأنه قد يشك في نسبة ولده إليه، ولكنه لا يشك في شخصية الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لما قرأه في كتبهم، وما يعلمه من أوصافه، لأنه صلى الله عليه ~~وسلم موصوف في كتبهم، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم. إذن: كانوا يستفتحون ~~برسول الله على الذين كفروا، وكانوا مستشرفين لمجيئه، وعندهم مقدمات ~~لبعثته صلى الله عليه وسلم. ومع ذلك: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به.. # [البقرة: 89]. فلما كفروا به، ماذا كان موقفه صلى الله عليه وسلم بعد أن ~~هاجر إلى المدينة؟ في المدينة أبرم رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم ~~معاهدة يتعايشون بموجبها، ووفى لهم رسول الله ما وفوا، فلما غدروا هم، ~~واعتدوا على حرمات المسلمين وأعراضهم، جاس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خلال ديارهم، وقتل منهم من قتل، وأجلاهم عن المدينة إلى الشام وإلى ~~خيبر وكان هذا بأمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال ~~تعالى: # هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا ~~وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله ~~فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في ~~قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين فاعتبروا يأولي الأبصار # [الحشر: 2]. وهذا هو الفساد الأول الذي حدث من يهود بني النضير، وبني ~~قينقاع، وبني قريظة، الذين خانوا العهد مع رسول الله، بعد أن كانوا ~~يستفتحون به على الذين كفروا، ms5759 ونص الآية القادمة يؤيد ما نذهب إليه ~~من أن الإفسادتين كانتا بعد الإسلام. ### || [17.5] # معلوم أن إذا ظرف لما يستقبل من الزمان، كما تقول: إذا جاء فلان ~~أكرمته، فهذا دليل على أن أولى الإفسادتين لم تحدث بعد، فلا يستقيم القول ~~بأن الفساد الأول جاء في قصة طالوت وجالوت، وأن الإفساد الثاني جاء في ~~قصة بختنصر. وقوله: { وعد }. والوعد كذلك لا يكون بشيء مضى، وإنما ~~بشيء مستقبل. و { أولاهما } أي: الإفساد الأول. وقوله: { بعثنا ~~عليكم عبادا لنآ.. } [الإسراء: 5]. وفي هذه العبارة دليل آخر ~~على أن الإفسادتين كانتا في حضن الإسلام لأن كلمة { عبادا } لا تطلق ~~إلا على المؤمنين، أما جالوت الذي قتله طالوت، وبختنصر فهما كافران. وقد ~~تحدث العلماء في قوله تعالى: { عبادا لنآ.. } [الإسراء: 5]. فمنهم ~~من رأى أن العباد والعبيد سواء، وأن قوله عبادا تقال للمؤمن ~~وللكافر، وأتوا بالأدلة التي تؤيد رأيهم حسب زعمهم. ومن أدلتهم قول ~~الحق سبحانه وتعالى في قصة عيسى عليه السلام: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما ~~قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ~~ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ~~فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت ~~على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك ~~وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 116-118]. والشاهد في قوله تعالى: # إن تعذبهم فإنهم عبادك.. # [المائدة: 118]. فأطلق كلمة " عبادي " على الكافرين، وعلى هذا القول لا ~~مانع أن يكون جالوت وبختنصر، وهما كافران قد سلطا على بني إسرائيل. ثم ~~استدلوا بآية أخرى تحكي موقفا من مواقف يوم القيامة، يقول تعالى للشركاء ~~الذين اتخذوهم من دون الله: # أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء.. # [الفرقان: 17]. فأطلق كلمة عباد على الكافرين أيضا. إذن: قوله تعالى: { ~~بعثنا عليكم عبادا لنآ.. } [الإسراء: 5]. ليس من ms5760 الضروري ~~أن يكونوا مؤمنين، فقد يكونون من الكفار، وهنا نستطيع أن نقول: إن الحق ~~سبحانه وتعالى يريد أن ينتقم منهم، ويسلط عليهم أمثالهم من الكفرة ~~والظالمين، فإذا أراد سبحانه أن ينتقم من الظالم سلط عليه من هو أكثر ~~منه ظلما، وأشد منه بطشا، كما قال سبحانه: # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون # [الأنعام: 129]. وإذا كان أصحاب هذا الرأي لديهم من الأدلة ما يثبت أن ~~كلمة عباد تطلق على المؤمنين وعلى الكافرين، فسوف نأتي بما يدل على ~~أنها لا تطلق إلا على المؤمنين. ومن ذلك قوله تعالى: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين ~~يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ~~ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان ~~غراما * إنها سآءت مستقرا ومقاما * والذين ~~إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ~~ذلك قواما # [الفرقان: 63-67]. إلى آخر ما ذكرت الآيات من صفات المؤمنين الصادقين، ~~فأطلق عليهم " عباد الرحمن ". دليل آخر في قول الحق سبحانه في نقاشه ~~لإبليس: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان.. # [الحجر: 42]. والمراد هنا المؤمنون.. وقد قال إبليس: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص: 82-83]. إذن: هنا إشكال، حيث أتى كل بأدلته وما يؤيد قوله، ~~وللخروج من هذا الإشكال نقول: كلمة " عباد " و " عبيد " كلاهما جمع ~~ومفردهما واحد عبد. فما الفرق بينهما؟ لو نظرت إلى الكون كله مؤمنه ~~وكافره لوجدتهم جميعا لهم اختيارات في أشياء، ومقهورين في أشياء أخرى، ~~فهم جميعا عبيد بهذا المعنى يستوي في القهر المؤمن والكافر، إذن: كل ~~الخلق عبيد فيما لا اختيار لهم فيه. ثم بعد ذلك نستطيع أن نقسمهم ~~إلى قسمين: عبيد يظلون عبيدا لا يدخلون في مظلة العباد، وعبيد تسمو بهم ~~أعمالهم وانصياعهم لأمر الله فيدخلون في مظلة عباد الله. كيف ذلك؟ لقد ~~جعل الله تعالى لك في أفعالك منطقة اختيار، فجعلك قادرا على الفعل ~~ومقابله، وخلقك صالحا للإيمان وصالحا للكفر، لكنه سبحانه وتعالى يأمرك ~~بالإيمان تكليفا. ففي منطقة الاختيار هذه ms5761 يتمايز العبيد والعباد، ~~فالمؤمنون بالله يخرجون عن اختيارهم إلى اختيار ربهم، ويتنازلون عن ~~مرادهم إلى مراد ربهم في المباحات، فتراهم ينفذون ما أمرهم الله به، ~~ويجعلون الاختيار كالقهر. ولسان حالهم يقول لربهم: سمعا وطاعة. وهؤلاء ~~هم العباد الذين سلموا جميع أمرهم لله في منطقة الاختيار، فليس لهم ~~إرادة أمام إرادة الله عز وجل. إذن: كلمة عباد تطلق على من تنازل عن ~~منطقة الاختيار، وجعل نفسه مقهورا لله حتى في المباحات. أما الكفار ~~الذين اختاروا مرادهم وتركوا مراد الله، واستعملوا اختيارهم، ونسوا ~~اختيار ربهم، حيث خيرهم: تؤمن أو تكفر قال: أكفر، تشرب الخمر أو لا ~~تشرب قال: أشرب، تسرق أو لا تسرق، قال: أسرق. وهؤلاء هم العبيد، ولا يقال ~~لهم " عباد " أبدا لأنهم لا يستحقون شرف هذه الكلمة. ولكي نستكمل حل ~~ما أشكل في هذه المسألة لا بد لنا أن نعلم أن منطقة الاختيار هذه لا ~~تكون إلا في الدنيا في دار التكليف لأنها محل الاختيار، وفيها نستطيع أن ~~نميز بين العباد الذين انصاعوا لربهم وخرجوا عن مرادهم لمراده ~~سبحانه، وبين العبيد الذين تمردوا واختاروا غير مراد الله عز وجل في ~~الاختياريات، أما في القهريات فلا يستطيعون الخروج عنها. # فإذا جاءت الآخرة فلا محل للاختيار والتكليف، فالجميع مقهور لله ~~تعالى، ولا مجال فيها للتقسيم السابق، بل الجميع عبيد وعباد في الوقت ~~ذاته. إذن: نستطيع أن نقول: إن الكل عباد في الآخرة، وليس الكل عبادا في ~~الدنيا. وعلى هذا نستطيع فهم معنى عباد في الآيتين: # إن تعذبهم فإنهم عبادك.. # [المائدة: 118]. وقوله: # أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء.. # [الفرقان: 17]. فسماهم الحق سبحانه عبادا لأنه لم يعد لهم اختيار ~~يتمردون فيه، فاستووا مع المؤمنين في عدم الاختيار مع مرادات الله عز ~~وجل. إذن: فقول الحق سبحانه: { فإذا جآء وعد أولاهما ~~بعثنا عليكم عبادا لنآ.. } [الإسراء: 5]. المقصود بها ~~الإفساد الأول الذي حدث من اليهود في ظل الإسلام، حيث نقضوا عهدهم مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعباد هم رسول الله والذين آمنوا معه ~~عندما جاسوا خلال ms5762 ديارهم، وأخرجوهم من المدينة وقتلوا منهم من قتلوه، ~~وسبوا من سبوه. وقوله: { أولي بأس شديد.. } [الإسراء: ~~5]. أي: قوة ومنعة، وهذه كانت حال المؤمنين في المدينة، بعد أن أصبحت ~~لهم دولة وشوكة يواجهون بها أهل الباطل، وليس حال ضعفهم في مكة. وقوله ~~سبحانه: { فجاسوا خلال الديار.. } [الإسراء: 5]. جاسوا من ~~جاس أي: بحث واستقصى المكان، وطلب من فيه، وهذا المعنى هو الذي ~~يسميه رجال الأمن " تمشيط المكان ". وهو اصطلاح يعني دقة البحث عن ~~المجرمين في هذا المكان، وفيه تشبيه لتمشيط الشعر، حيث يتخلل المشط جميع ~~الشعر، وفي هذا ما يدل على دقة البحث، فقد يتخلل المشط تخللا ~~سطحيا، وقد يتخلل بعمق حتى يصل إلى البشرة فيخرج ما لصق بها. إذن: ~~جاسوا أي: تتبعوهم تتبعا بحيث لا يخفى عليهم أحد منهم، وهذا ما حدث مع ~~يهود المدينة: بني قينقاع، وبني قريظة، وبني النضير، ويهود خيبر. ونلاحظ ~~هنا أن القرآن آثر التعبير بقوله: { بعثنا.. } [الإسراء: 5]. والبعث ~~يدل على الخير والرحمة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في حال ~~اعتداء، بل في حالة دفاع عن الإسلام أمام من خانوا العهد ونقضوا ~~الميثاق. وكلمة: { عليكم } تفيد العلو والسيطرة. وقوله: { وكان ~~وعدا مفعولا } [الإسراء: 5]. أي: وعد صدق لا بد أن يتحقق لأنه ~~وعد من قادر على الإنفاذ، ولا توجد قوة تحول بينه وبين إنفاذ ما وعد به، ~~وإياك أن تظن أنه كأي وعد يمكن أن يفي به صاحبه أو لا يفي به لأن ~~الإنسان إذا وعد وعدا: سألقاك غدا مثلا. فهذا الوعد يحتاج في تحقيقه ~~أن يكون لك قدرة على بقاء طاقة الإنفاذ، لكن قد يطرأ عليك من العوارض ما ~~يحول بينك وبين إنفاذ ما وعدت به، إنما إذا كان الوعد ممن يقدر على ~~الإنفاذ، ولا تجري عليه مثل هذه العوارض، فوعده متحقق النفاذ. # فإذا قال قائل: الوعد لا تقال إلا في الخير، فكيف سمى القرآن هذه ~~الأحداث: { بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي بأس ~~شديد.. } [الإسراء: 5]. قالوا: الوعيد يطلق على الشر، والوعد يطلق ~~على الخير ms5763 وعلى الشر، ذلك لأن الشيء قد يكون شرا في ظاهره، وهو خير في ~~باطنه، وفي هذا الموقف الذي نحن بصدده، إذا أراد الحق سبحانه أن ~~يؤدب هؤلاء الذين انحرفوا عن منهجه، فقد نرى أن هذا شر في ظاهره، ~~لكنه في الحقيقة خير بالنسبة لهم، إن حاولوا هم الاستفادة منه. ونضرب ~~لذلك مثلا بالولد الذي يعاقبه والده على إهماله أو تقصيره، فيقسو عليه ~~حرصا على ما يصلحه، وصدق الشاعر حين قال: # فقسا ليزدجروا ومن يك حازما # فليقس أحيانا على من يرحم # ثم يقول الحق سبحانه: { ثم رددنا لكم الكرة ~~عليهم... }. ### || [17.6] # الخطاب في هذه الآية موجه لبني إسرائيل، والآية تمثل نقطة تحول ~~وانقلاب للأوضاع، فبعد أن تحدثنا عنه من غلبة المسلمين، وأن الله سلطهم ~~لتأديب بني إسرائيل، نرى هنا أن هذا الوضع لم يستمر لأن المسلمين ~~تخلوا عن منهج الله الذي ارتفعوا به، وتنصلوا من كونهم عبادا ~~لله، فدارت عليهم الدائرة، وتسلط عليهم اليهود، وتبادلوا الدور معهم لأن ~~اليهود أفاقوا لأنفسهم بعد أن أدبهم رسول الله والمسلمون في المدينة، ~~فأخذوا ينظرون في حالهم وما وقعوا فيه من مخالفات. ولا بد أنه قد حدث ~~منهم شبه استقامة على منهج الله، أو على الأقل حدث من المسلمين انصراف عن ~~المنهج وتنكب للطريق المستقيم، فانحلت الأمور الإيمانية في نفوس ~~المسلمين، وانقسموا دولا، لكل منها جغرافيا، ولكل منها نظام حاكم ~~ينتسب إلى الإسلام، فانحلت عنهم صفة عباد الله. فبعد قوتهم ~~واستقامتهم على منهج الله، وبعد أن استحقوا أن يكونوا عبادا لله بحق ~~تراجعت كفتهم وتخلوا عن منهج ربهم، وتحاكموا إلى قوانين وضعية، ~~فسلط عليهم عدوهم ليؤدبهم، فأصبحت الغلبة لليهود لذلك يقول تعالى: { ~~ثم رددنا لكم الكرة عليهم.. } [الإسراء: 6]. و { ~~ثم } حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي، على خلاف الفاء مثلا التي ~~تفيد الترتيب مع التعقيب، ومن ذلك قوله تعالى: # ثم أماته فأقبره * ثم إذا شآء أنشره # [عبس: 21-22]. فلم يقل الحق سبحانه: فرددنا، بل { ثم رددنا }. ~~ذلك لأن بين الكرة الأولى التي كانت للمسلمين في ms5764 عهد رسول الله، وبين ~~هذه الكرة التي كانت لليهود وقتا طويلا. فلم يحدث بيننا وبينهم حروب ~~لعدة قرون، منذ عصر الرسول إلى أن حدث وعد بلفور، الذي أعطى لهم الحق ~~في قيام دولتهم في فلسطين، وكانت الكرة لهم علينا في عام 1967، فناسب ~~العطف ب " ثم " التي تفيد التراخي. والحق سبحانه يقول: { ثم ~~رددنا لكم الكرة.. } [الإسراء: 6]. أي: جعلنا لبني إسرائيل ~~الغلبة والقوة والنصر على المسلمين وسلطناهم عليهم لأنهم تخلوا عن ~~منهج ربهم، وتنازلوا عن الشروط التي جعلتهم عبادا لله. والكرة أي: ~~الغلبة من الكر والفر الذي يقوم به الجندي في القتال، حيث يقدم ~~مرة، ويتراجع أخرى. وقوله تعالى: { وأمددناكم بأموال ~~وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } [الإسراء: 6]. وفعلا ~~أمدهم الله بالمال حتى أصبحوا أصحاب رأس المال في العالم كله، وأمدهم ~~بالبنين الذين يعلمونهم ويثقفونهم على أعلى المستويات، وفي كل ~~المجالات. ولكن هذا كله لا يعطيهم القدرة على أن تكون لهم كرة على ~~المسلمين، فهم في ذاتهم ضعفاء رغم ما في أيديهم من المال والبنين، ولا ~~بد لهم لكي تقوم لهم قائمة من مساندة أنصارهم وأتباعهم من الدول ~~الأخرى، وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان منذ الخطوات الأولى لقيام دولتهم ~~ووطنهم القومي المزعوم في فلسطين، وهذا معنى قوله تعالى: { ~~وجعلناكم أكثر نفيرا } [الإسراء: 6]. فالنفير من يستنفره ~~الإنسان لينصره، والمراد هنا الدول الكبرى التي ساندت اليهود وصادمت ~~المسلمين. وما زالت الكرة لهم علينا، وسوف تظل إلى أن نعود كما ~~كنا، عبادا لله مستقيمين على منهجه، محكمين لكتابه، وهذا وعد ~~سيتحقق إن شاء الله، كما ذكرت الآية التالية: { إن أحسنتم ~~أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها... }. ### || [17.7] # وما زال الخطاب موجها إلى بني إسرائيل، هاكم سنة من سنن الله ~~الكونية التي يستوي أمامها المؤمن والكافر، وهي أن من أحسن فله إحسانه، ~~ومن أساء فعليه إساءته. فها هم اليهود لهم الغلبة بما حدث منهم من شبه ~~استقامة على المنهج، أو على الأقل بمقدار ما تراجع المسلمون عن منهج الله ~~لأن هذه سنة كونية، من استحق الغلبة فهي ms5765 له لأن الحق سبحانه وتعالى ~~منزه عن الظلم، حتى مع أعداء دينه ومنهجه. والدليل على ذلك ما أمسى فيه ~~المسلمون بتخليهم عن منهج الله. وقوله تعالى: { إن أحسنتم.. } ~~[الإسراء: 7]. فيه إشارة إلى أنهم في شك أن يحسنوا، وكأن أحدهم ~~يقول للآخر: دعك من قضية الإحسان هذه. فإذا كانت الكرة الآن ~~لليهود، فهل ستظل لهم على طول الطريق؟ لا.. لن تظل لهم الغلبة، ولن تدوم ~~لهم الكرة على المسلمين، بدليل قول الحق سبحانه وتعالى: { فإذا جآء ~~وعد الآخرة.. } [الإسراء: 7]. أي: إذا جاء وقت الإفسادة الثانية ~~لهم، وقد سبق أن قال الحق سبحانه عنهم: # لتفسدن في الأرض مرتين.. # [الإسراء: 4] وبينا الإفساد الأول حينما نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في المدينة. وفي الآية بشارة لنا أننا سنعود إلى سالف ~~عهدنا، وستكون لنا يقظة وصحوة نعود بها إلى منهج الله وإلى طريقه ~~المستقيم، وعندها ستكون لنا الغلبة والقوة، وستعود لنا الكرة على ~~اليهود. وقوله تعالى: { ليسوءوا وجوهكم.. } [الإسراء: 7]. أي: ~~نلحق بهم من الأذى ما يظهر أثره على وجوههم لأن الوجه هو السمة ~~المعبرة عن نوازع النفس الإنسانية، وعليه تبدو الانفعالات والمشاعر، وهو ~~أشرف ما في المرء، وإساءته أبلغ أنواع الإساءة. وقوله تعالى: { ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة.. } ~~[الإسراء: 7] أي: أن المسلمين سيدخلون المسجد الأقصى، وسينقذونه من أيدي ~~اليهود. { كما دخلوه أول مرة.. } [الإسراء: 7]. المتأمل في ~~هذه العبارة يجد أن دخول المسلمين للمسجد الأقصى أول مرة كان في عهد ~~الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يكن الأقصى وقتها في أيدي ~~اليهود، بل كان في أيدي الرومان المسيحيين. فدخوله الأول لم يكن إساءة ~~لليهود، وإنما كان إساءة للمسيحيين، لكن هذه المرة سيكون دخول الأقصى، ~~وهو في حوزة اليهود، وسيكون من ضمن الإساءة لوجوههم أن ندخل عليهم المسجد ~~الأقصى، ونطهره من رجسهم. ونلحظ كذلك في قوله تعالى: { كما ~~دخلوه أول مرة.. } [الإسراء: 7] أن القرآن لم يقل ذلك إلا ~~إذا كان بين الدخولين خروج. إذن: فخروجنا الآن من المسجد الأقصى تصديق ms5766 ~~لنبوءة القرآن، وكأن الحق سبحانه يريد أن يلفتنا: إن أردتم أن ~~تدخلوا المسجد الأقصى مرة أخرى، فعودوا إلى منهج ربكم وتصالحوا معه. # وقوله تعالى: { فإذا جآء وعد الآخرة.. } [الإسراء: 7]. كلمة ~~الآخرة تدل على أنها المرة التي لن تتكرر، ولن يكون لليهود غلبة ~~بعدها. وقوله تعالى: { وليتبروا ما علوا تتبيرا } ~~[الإسراء: 7]. يتبروا: أي: يهلكوا ويدمروا، ويخربوا ما أقامه ~~اليهود وما بنوه وشيدوه من مظاهر الحضارة التي نشاهدها الآن عندهم. ~~لكن نلاحظ أن القرآن لم يقل: ما علوتم، إنما قال { ما علوا } ~~ليدل على أن ما أقاموه وما شيدوه ليس بذاتهم، وإنما بمساعدة من وراءهم ~~من أتباعهم وأنصارهم، فاليهود بذاتهم ضعفاء، لا تقوم لهم قائمة، وهذا ~~واضح في قول الحق سبحانه عنهم: # ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل ~~من الله وحبل من الناس.. # [آل عمران: 112]. فهم أذلاء أينما وجدوا، ليس لهم ذاتية إلا بعهد ~~يعيشون في ظله، كما كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~المدينة، أو عهد من الناس الذين يدافعون عنهم ويعاونونهم. واليهود قوم ~~منعزلون لهم ذاتية وهوية لا تذوب في غيرهم من الأمم، ولا ينخرطون في ~~البلاد التي يعيشون فيها لذلك نجد لهم في كل بلد يعيشون به حارة تسمى " ~~حارة اليهود " ، ولم يكن لهم ميل للبناء والتشييد لأنهم كما قال تعالى ~~عنهم: # وقطعناهم في الأرض أمما.. # [الأعراف: 168]. كل جماعة منهم في أمة تعيش عيشة انعزالية، أما الآن، ~~وبعد أن أصبح لهم وطن قومي في فلسطين على حد زعمهم، فنراهم يميلون ~~للبناء والتعمير والتشييد. ونحن الآن ننتظر وعد الله سبحانه، ونعيش على ~~أمل أن تنصلح أحوالنا، ونعود إلى ساحة ربنا، وعندها سينجز لنا ما وعدنا ~~من دخول المسجد الأقصى، وتكون لنا الكرة الأخيرة عليهم، سيتحقق لنا هذا ~~عندما ندخل معهم معركة على أسس إسلامية وإيمانية، لا على عروبة وعصبية ~~سياسية، لتعود لنا صفة العباد، ونكون أهلا لنصرة الله تعالى. ~~إذن: طالما أن الحق سبحانه قال: { فإذا جآء وعد الآخرة.. } ~~[الإسراء: 7]. فهو وعد آت لا ms5767 شك فيه، بدليل أن هذه العبارة جاءت ~~بنصها في آخر السورة في قوله تعالى: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ~~فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا # [الإسراء: 104]. والمتأمل لهذه الآية يجد بها بشارة بتحقق وعد الله، ~~ويجد أن ما يحدث الآن من تجميع لليهود في أرض فلسطين آية مرادة لله ~~تعالى. ومعنى الآية أننا قلنا لبني إسرائيل من بعد موسى: اسكنوا الأرض ~~وإذا قال لك واحد: اسكن فلا بد أن يحدد لك مكانا من الأرض تسكن ~~فيه فيقول لك: اسكن بورسعيد.. اسكن القاهرة.. اسكن الأردن. أما أن يقول ~~لك: اسكن الأرض!! فمعنى هذا أن الله تعالى أراد لهم أن يظلوا مبعثرين ~~في جميع الأنحاء، مفرقين في كل البلاد، كما قال عنهم: # وقطعناهم في الأرض أمما.. # [الأعراف: 168]. فتجدهم منعزلين عن الناس منبوذين بينهم، كثيرا ما ~~تثار بسببهم المشاكل، فيشكو الناس منهم ويقتلونهم، وقد قال تعالى: # وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم ~~القيامة من يسومهم سوء العذاب.. # [الأعراف: 167]. وهكذا سيظل اليهود خميرة عكننة ونكد بين سكان الأرض ~~إلى يوم القيامة، وهذه الخميرة هي في نفس الوقت عنصر إثارة وإهاجة ~~للإيمان والخير لأن الإسلام لا يلتفت إليه أهله إلا حين يهاج الإسلام، ~~فساعة أن يهاج تتحرك النزعة الإيمانية وتتنبه في الناس. إذن: فوجود ~~اليهود كعنصر إثارة له حكمة، وهي إثارة الحيوية الإيمانية في النفوس، فلو ~~لم تثر الحيوية الإيمانية لبهت الإسلام. وهذه هي رسالة الكفر ورسالة ~~الباطل، فلوجودهما حكمة لأن الكفر الذي يشقى الناس به يلفت الناس إلى ~~الإيمان، فلا يرون راحة لهم إلا في الإيمان بالله، ولو لم يكن الكفر ~~الذي يؤذي الناس ويقلق حياتهم ما التفتوا إلى الإيمان. وكذلك الباطل في ~~الكون بعض الناس ويزعجهم، فيلتفتون إلى الحق ويبحثون عنه. وبعد أن ~~أسكنهم الله الأرض وبعثرهم فيها، أهاج قلوب أتباعهم من جنود الباطل، ~~فأوحوا إليهم بفكرة الوطن القومي، وزينوا لهم أولى خطوات نهايتهم، ~~فكان أن اختاروا لهم فلسطين ليتخذوا منها وطنا يتجمعون فيه من شتى ~~البلاد. وقد يرى ms5768 البعض أن في قيام دولة إسرائيل وتجمع اليهود بها نكاية ~~في الإسلام والمسلمين، ولكن الحقيقة غير هذا، فالحق سبحانه وتعالى حين ~~يريد أن نضربهم الضربة الإيمانية من جنود موصوفين بأنهم: # عبادا لنآ.. # [الإسراء: 5]. يلفتنا إلى أن هذه الضربة لا تكون وهم مفرقون مبعثرون ~~في كل أنحاء العالم، فلن نحارب في العالم كله، ولن نرسل عليهم كتيبة إلى ~~كل بلد لهم فيها حارة أو حي، فكيف لنا أن نتتبعهم وهم مبعثرون، في كل بلد ~~شرذمة منهم؟ إذن: ففكرة التجمع والوطن القومي التي نادى بها بلفور ~~وأيدتها الدول الكبرى المساندة لليهود والمعادية للإسلام، هذه الفكرة ~~في الحقيقة تمثل خدمة لقضية الإسلام، وتسهل علينا تتبعهم وتمكننا من ~~القضاء عليهم لذلك يقول تعالى: # فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا # [الإسراء: 104]. أي: أتينا بكم جميعا، نضم بعضكم إلى بعض، فهذه إذن ~~بشرى لنا معشر المسلمين بأن الكرة ستعود لنا، وأن الغلبة ستكون في ~~النهاية للإسلام والمسلمين، وليس بيننا وبين هذا الوعد إلا أن نعود إلى ~~الله، ونتجه إليه كما قال سبحانه: # فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا # [الأنعام: 43]. والمراد بقوله هنا: { وعد الآخرة.. } [الإسراء: ~~7]. هو الوعد الذي قال الله عنه: { فإذا جآء وعد الآخرة ~~ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه ~~أول مرة.. } [الإسراء: 7]. ثم يقول الحق سبحانه: { عسى ~~ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا... }. ### || [17.8] # و عسى حرف يدل على الرجاء، وكأن في الآية إشارة إلى أنهم سيظلون ~~في مذلة ومسكنة، ولن ترتفع لهم رأس إلا في ظل حبل من الله وعهد ~~منه، وحبل من الناس الذين يعاهدونهم على النصرة والتأييد والحماية. ~~وقوله: { ربكم.. } [الإسراء: 8]. انظر فيه إلى العظمة الإلهية، ~~ورحمة الرب سبحانه الذي ما يزال يخاطب الكافرين الملحدين المعاندين ~~لرسوله، وهو آخر رسول يأتي من السماء، ومع ذلك كله يخاطبهم بقوله: { ~~ربكم.. } [الإسراء: 8]. لأن الرب هو المتولي للتربية والمتكفل ~~بضمان مقومات الحياة، لا يضن بها حتى وإن كان العبد كافرا، فالكل ~~أمام عطاء الربوبية سواء: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. الجميع يتمتع ~~بنعم الله: ms5769 الشمس والهواء والطعام والشراب، فهو سبحانه لا يزال ربهم ~~مع كل ما حدث منهم. وقوله تعالى: { أن يرحمكم.. } [الإسراء: 8]. ~~والرحمة تكون للإنسان إذا كان في موقف يستحق فيه الرحمة، واليهود لن تكون ~~لهم دولة، ولن يكون لهم كيان، بل يعيشون في حضن الرحمة الإيمانية ~~الإسلامية التي تعطي لهم فرصة التعايش مع الإسلام معايشة، كالتي كانت ~~لهم في مدينة رسول الله، يوم أن أكرمهم وتعاهد معهم. وقد وصلت هذه ~~المعايشة لدرجة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يقترض لا ~~يقترض من مسلم، بل كان يقترض من اليهود، وفي هذا حكمة يجب أن نعيها، ~~وهي أن المسلم قد يستحي أن يطالب رسول الله إذا نسى مثلا، أما اليهودي ~~فسوف يلح في طلب حقه وإذا نسى رسول الله سيذكره. لذلك كان اليهود ~~كثيرا ما يجادلون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويغالطونه مرارا، ~~وقد حدث أن وفى رسول الله لأحدهم دينه، لكنه أنكره وأتى يطالب به من ~~جديد، وأخذ يراجع رسول الله ويغالطه وينكر ويقول: ابغني شاهدا. ولم ~~يكن لرسول الله شاهد وقت السداد، وهكذا تأزم الموقف في حضور أحد ~~الصحابة، واسمه خزيمة، فهب خزيمة قائلا: أنا يا رسول الله كنت ~~شاهدا، وقد أخذ هذا اليهودي دينه، فسكت اليهودي ولم يرد ولم يجادل، ~~فدل ذلك على كذبه. ويكاد المريب أن يقول: خذوني. لكن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عندما اختلى بخزيمة بعد أن انصرف الدائن قال: يا خزيمة ما حملك ~~على هذا القول، ولم يكن أحد معنا، وأنا أقضي لليهودي دينه؟ فضحك خزيمة ~~وقال: يا رسول الله أأصدقك في خبر السماء، وأكذبك في عدة ~~دراهم؟ فسر رسول الله من اجتهاد الرجل، وقال: # " من شهد له خزيمة فحسبه ". # ثم يهدد الحق سبحانه بني إسرائيل، فيقول: { وإن عدتم ~~عدنا.. } [الإسراء: 8]. إن عدتم للفساد، عدنا، وهذا جزاء ~~الدنيا، وهو لا ينجيكم من جزاء الآخرة، فهذه مسألة وتلك أخرى حتى لا ~~يفهموا أن العقاب على الذنوب في الدنيا يبرئهم من عذاب الآخرة. ms5770 # فالعقوبة على الذنب التي تبرئ المذنب من عذاب الآخرة ما كان في حضن ~~الإسلام، وإلا لاستوى من أقيم عليه الحد مع من لم يقم عليه ~~الحد. فلو سرق إنسان وقطعت يده، وسرق آخر ولم تقطع يده، فلو ~~استووا في عقوبة الآخرة، فقد زاد أحدهما عن الآخر في العقوبة، وكيف ~~يستوي الذي قطعت يده. وعاش بذلتها طوال عمره مع من أفلت من ~~العقوبة؟ هذا إن كان المذنب مؤمنا. أما إذا كان المذنب غير مؤمن فالأصل ~~الذي بنينا عليه هذا الحكم ضائع لا وجود له، وعقوبة الدنيا هنا لا تعفي ~~صاحبها من عقوبة الآخرة لذلك يقول تعالى بعدها: { وجعلنا جهنم ~~للكافرين حصيرا } [الإسراء: 8]. { جعلنا } فعل يفيد ~~التحويل، كأن تقول: جعلت العجين خبزا، وجعلت القطن ثوبا، أي: صيرته ~~وحولته. فماذا كانت جهنم أولا فيحولها الحق سبحانه حصيرا؟ قوله ~~تعالى: { جعلنا } في هذه الآية لا تفيد التحويل، إنما هي بمعنى ~~خلقنا، أي: خلقناها هكذا، كما نقول: سبحان الذي جعل اللبن أبيض، ~~فاللبن لم يكن له لون آخر فحوله الله تعالى إلى البياض، بل خلقه هكذا ~~بداية. ومعنى: { حصيرا.. } [الإسراء: 8]. الحصير فراش معروف يصنع من ~~القش أو من نبات يسمى السمر، والآن يصنعونه من خيوط البلاستيك، ~~وسمي حصيرا، لأن كلمة حصير مأخوذة من الحصر، وهو التضييق في المكان ~~للمكين، وفي صناعة الحصير يضمون الأعواد بعضها إلى بعض إلى أن ~~تتماسك، ولا توجد مسافة بين العود والآخر. لكن لماذا نفرش الحصير؟ نفرش ~~الحصير لأنه يحبس عنا القذر والأوساخ، فلا تصيب ثيابنا. إذن: الحصر ~~معناه المنع والحبس والتضييق. والمتتبع لمادة حصر في القرآن الكريم يجدها ~~بهذه المعاني، يقول تعالى: # فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم.. # [التوبة: 5] أي: ضيقوا عليهم. وقال تعالى في فريضة الحج: # فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي.. # [البقرة: 196] أي: حبستم ومنعتم من أداء الفريضة. إذن: فقوله ~~تعالى: { وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا } [الإسراء: 8]. ~~أي: تحبسهم فيها وتحصرهم، وتمنعهم الخروج منها، فهي لهم سجن لا يستطيعون ~~الفرار منه لأنها تحيط بهم من ms5771 كل ناحية، كما قال تعالى: # إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم ~~سرادقها.. # [الكهف: 29]. فلا يستطيعون الخروج، فإن حاولوا الخروج ردوا إليها، ~~كما قال تعالى: # كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها.. # [السجدة: 20]. وفي قوله تعالى: { وجعلنا جهنم للكافرين ~~حصيرا } [الإسراء: 8]. إشارة إلى أنهم كانوا إذا أجرموا في الدنيا ~~يحتمون في أنصارهم وأتباعهم من الأقوياء، ويدخلون في حضانة أهل الباطل، ~~أما في الآخرة فلن يجدوا ناصرا أو مدافعا. # يقول تعالى: # ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون # [الصافات: 25-26]. وبعد أن تكلم الحق سبحانه عن الإسراء بالرسول الخاتم ~~الرحمة، وجعله آية يمكن إقامة الدليل عليها، حيث خرق له الناموس في ~~أمور يعلمها قومه، فإذا جاءت آية المعراج وخرق له الناموس فيها لا يعلمه ~~القوم كان أدعى إلى تصديقه. ثم أوضح الحق سبحانه أن عبودية محمد صلى ~~الله عليه وسلم لربه هي التي أعطته هذه المنزلة، وكذلك كان نوح - عليه ~~السلام - عبدا شكورا، فهناك فرق بين عبودية الخلق للخالق، وعبودية ~~الخلق للخلق لأن العبودية للخلق مذمومة، حيث يأخذ السيد خير عبده، ~~أما العبودية لله فالعبد يأخذ خير سيده. ثم تحدث الحق سبحانه عن بني ~~إسرائيل، وما وقعوا فيه من إفساد في الأرض، فأعطانا بذلك نماذج للأعمال ~~لمن أحسن ولمن أساء، وكل له عمله دون ظلم أو جور. لذلك ينقلنا ~~السياق القرآني إلى بيان المنهج الإلهي المنزل من السماء ليوضح عبودية ~~الإنسان لربه، وكيف يكون عبدا مخلصا لله تعالى، فيقول الحق سبحانه: ~~{ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر ~~المؤمنين... }. ### || [17.9] # فمن كان يريد الأسوة الطيبة في عبودية الرسول لربه، هذه العبودية ~~التي جعلته يسرى به إلى بيت المقدس، ثم يصعد به إلى السماء، ومن كان ~~يريد أن يكون مثل نوح في عبوديته لربه فأكرم ذريته من أجله، فعليه أن ~~يسير على دربهم، وأن يقتدي بهم في عبوديتهم لله تعالى، وليحذر أن ~~يكون مثل اليهود الذين أفسدوا في الأرض مرتين. والذي يرسم لنا الطريق ~~ويوضح لنا الحق من الباطل هو القرآن ms5772 الكريم: { إن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم.. } [الإسراء: 9]. قول الحق ~~تبارك وتعالى: { إن هذا القرآن.. } [الإسراء: 9]. هل عند نزول ~~هذه الآية كان القرآن كله قد نزل، ليقول: إن هذا القرآن؟ نقول: لم يكن ~~القرآن كله قد نزل، ولكن كل آية في القرآن تسمى قرآنا، كما قال تعالى: # فإذا قرأناه فاتبع قرآنه # [القيامة: 18]. فليس المراد القرآن كله، بل الآية من القرآن قرآن. ثم ~~لما اكتمل نزول القرآن، واكتملت كل المسائل التي تضمن لنا استقامة ~~الحياة، قال تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا.. # [المائدة: 3]. فإن استشرف مستشرف أن يستزيد على كتاب الله، أو يأتي ~~بجديد فليعلم أن منهج الله منزه عن النقص، وفي غنى عن زيادتك، وما ~~عليك إلا أن تبحث في كتاب الله، وسوف تجد فيه ما تصبو إليه من الخير. ~~قوله: { يهدي.. } [الإسراء: 9]. الهداية هي الطريق الموصل للغاية ~~من أقرب وجه، وبأقل تكلفة. وهو الطريق المستقيم الذي لا التواء فيه، ~~وقلنا: إن الحق سبحانه يهدي الجميع ويرسم لهم الطريق، فمن اهتدى زاده ~~هدى، كما قال سبحانه: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. ومعنى: { أقوم.. } [الإسراء: 9]. أي: أكثر استقامة ~~وسلاما. هذه الصيغة تسمى أفعل التفضيل، إذن: فعندنا أقوم وعندنا أقل ~~منه منزلة قيم كأن نقول: عالم وأعلم. فقوله سبحانه: { إن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم.. } [الإسراء: 9]. يدل على ~~وجود القيم في نظم الناس وقوانينهم الوضعية، فالحق سبحانه لا يحرم ~~البشر من أن يكون لهم قوانين وشرائع حينما تعضهم المظالم ويشقون بها، ~~فيقننون تقنينات تمنع هذا الظلم. ولا مانع من ذلك إذا لم ينزل لهم منهج ~~من السماء، فما وضعوه وإن كان قيما فما وضعه الله أقوم، وأنت لا تضع ~~القيم إلا بعد أن تعض بشيء معوج غير قيم، وإلا فماذا يلفتك للقيم؟ ~~أما منهج السماء فإنه يضع الوقاية، ويمنع المرض من أساسه، فهناك فرق ~~بين الوقاية من المرض وبين العلاج للمرض، فأصحاب القوانين الوضعية ~~يعدلون نظمهم لعلاج الأمراض التي يشقون بها. أما ms5773 الإسلام فيضع لنا ~~الوقاية، فإن حدثت غفلة من المسلمين، وأصابتهم بعض الداءات نتيجة ~~انصرافهم عن منهج ربهم نقول لهم: عودوا إلى المنهج: { إن هذا ~~القرآن يهدي للتي هي أقوم. # . } [الإسراء: 9]. ولتوضيح أن منهج الحق سبحانه أقوم نروي ما حدث معنا ~~في مدينة " سان فرانسيسكو " فقد سألنا أحد المستشرقين عن قول الحق تبارك ~~وتعالى: # يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون # [التوبة: 32]. وفي آية أخرى يقول: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # [التوبة: 33]. فكيف يقول القرآن: # ليظهره على الدين كله.. # [التوبة: 33]. في حين أن الإسلام محصور، وتظهر عليه الديانات الأخرى؟ ~~فقلت له: لو تأملت الآية لوجدت فيها الرد على سؤالك، فالحق سبحانه ~~يقول: # ولو كره الكافرون # [التوبة: 32]. ويقول: # ولو كره المشركون # [التوبة: 33]. إذن: فالكافرون والمشركون موجودون، فالظهور هنا ليس ظهور ~~اتباع، ولم يقل القرآن: إن الناس جميعا سيؤمنون. ومعنى الظهور هنا ~~ظهور حجة وظهور حاجة، ظهور نظم وقوانين، ستضرهم أحداث الحياة ومشاكلها ~~إلى التخلي عن قوانينهم والأخذ بقوانين الإسلام لأنهم وجدوا فيها ~~ضالتهم. فنظام الطلاق في الإسلام الذي كثيرا ما هاجموه وانتقدوه، ~~ورأوا فيه ما لا يليق بالعلاقة الزوجية، ولكن بمرور الزمن تكشفت لهم ~~حقائق مؤلمة، وشقي الكثيرون منهم لعدم وجود هذا الحل في قوانينهم، وهكذا ~~ألجأتهم مشاكل الحياة الزوجية لأن يقننوا للطلاق. ومعلوم أن تقنينهم ~~للطلاق ليس حبا في الإسلام أو اقتناعا به، بل لأن لديهم مشاكل لا ~~حل لها إلا بالطلاق، وهذا هو الظهور المراد في الآيتين الكريمتين، وهو ~~ظهور بشهادتكم أنتم لأنكم ستلجأون في حل قضاياكم لقوانين الإسلام، أو ~~قريبا منها. ومن هذه القضايا أيضا قضية تحريم الربا في الإسلام، ~~فعارضوه وأنكروا هذا التحريم، إلى أن جاء " كنز " وهو زعيم اقتصادي ~~عندهم، يقول لهم: انتبهوا، لأن المال لا يؤدي وظيفته كاملة في الحياة إلا ~~إذا انخفضت الفائدة إلى صفر. سبحان الله، ما أعجب لجج هؤلاء في ~~خصومتهم مع الإسلام، وهل تحريم الربا ms5774 يعني أكثر من أن تنخفض الفائدة إلى ~~صفر؟ إنهم يعودون لمنهج الله تعالى رغما عنهم، ومع ذلك لا يعترفون به. ~~ولا يخفى ما في التعامل الربوي من سلبيات، وهل رأينا دولة اقترضت من ~~أخرى، واستطاعت على مر الزمن أن تسدد حتى أقساط الفائدة؟ ثم نراهم ~~يغالطوننا يقولون: ألمانيا واليابان أخذت قروضا بعد الحرب العالمية ~~الثانية، ومع ذلك تقدمت ونهضت. نقول لهم: كفاكم خداعا، فألمانيا ~~واليابان لم تأخذ قروضا، وإنما أخذت معونة لا فائدة عليها، تسمى معونة ~~مارشال. وأيضا من هذه القضايا التي ألجأتهم إليها مشاكل الحياة قضية ~~ميراث المرأة، فلما عضتهم قننوا لها. فظهور دين الله هنا يعني ~~ظهور نظم وقوانين ستضطرهم ظروف الحياة إلى الأخذ بها، وليس المقصود به ~~ظهور اتباع. # إذن: فمنهج الله أقوم، وقانون الحق سبحانه أعظم من قوانين البشر ~~وأهدى، وفي القرآن الكريم ما يوضح أن حكم الله وقانونه أقوم حتى من ~~حكم رسوله صلى الله عليه وسلم. وهذا في قصة مولاه " زيد بن حارثة " ، ~~وزيد لم يكن عبدا إلى أن خطفه بعض تجار الرقيق وباعوه، وانتهى به المطاف ~~إلى السيدة خديجة - رضي الله عنها - التي وهبته بدورها لخدمة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. فكان زيد في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~أن علم أهله بوجوده في مكة فأتوا ليأخذوه، فما كان من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، إلا أن خيره بين البقاء معه وبين الذهاب إلى أهله، فاختار ~~زيد البقاء في خدمة رسول الله وآثره على أهله. فقال صلى الله عليه وسلم: # " فما كنت لأختار على من اختارني شيئا ". # وفي هذه القصة دليل على أن الرق كان مباحا في هذا العصر، وكان الرق ~~حضانة حنان ورحمة، يعيش فيها العبد كما يعيش سيده، يأكل من طعامه، ~~ويشرب من شرابه، يكسوه إذا اكتسى، ولا يكلفه ما لا يطيق، وإن كلفه ~~أعانه، فكانت يده بيده. وهكذا كانت العلاقة بين محمد صلى الله عليه وسلم ~~وبين زيد لذلك آثره على أهله، وأحب البقاء في ms5775 خدمته، فرأى رسول الله أن ~~يكافئ زيدا على إخلاصه له وتفضيله له على أهله، فقال: # " لا تقولوا زيد بن حارثة، قولوا زيد بن محمد ". # وكان التبني شائعا في ذلك الوقت. فلما أراد الحق سبحانه أن يحرم ~~التبني، وأن يحرم نسبة الولد إلى غير أبيه بدأ برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال: # ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله فإن لم ~~تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم.. # [الأحزاب: 5]. والشاهد هنا: # هو أقسط عند الله.. # [الأحزاب: 5]. فكأن الحكم الذي أنهى التبني، وأعاد زيدا إلى زيد بن ~~حارثة هو الأقسط والأعدل، إذن: حكم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~جورا، بل كان قسطا وعدلا، لكنه قسط بشري يفضله ما كان من عند ~~الحق سبحانه وتعالى. وهكذا عاد زيد إلى نسبه الأصلي، وأصبح الناس يقولون ~~" زيد ابن حارثة " ، فحزن لذلك زيد، لأنه حرم من شرف الانتساب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فعوضه الله تعالى عن ذلك وساما لم ينله ~~صحابي غيره، هذا الوسام هو أن ذكر اسمه في القرآن الكريم، وجعل الناس ~~يتلونه، ويتعبدون به في قوله تعالى: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها.. # [الأحزاب: 37]. إذن: عمل الرسول قسط، وعمل الله أقسط. قوله تعالى: { ~~يهدي للتي هي أقوم. # . } [الإسراء: 9]. لأن المتتبع للمنهج القرآني يجده يقدم لنا الأقوم ~~والأعدل والأوسط في كل شيء. في العقائد، وفي الأحكام، وفي القصص. ففي ~~العقائد مثلا، جاء الإسلام ليجابه مجتمعا متناقضا بين من ينكر وجود ~~إله في الكون، وبين من يقول بتعدد الآلهة، فجاء الإسلام وسطا بين ~~الطرفين، جاء بالأقوم في هذه المسألة، جاء ليقول بإله واحد لا شريك له. ~~فإذا ما تحدث عن صفات هذا الإله سبحانه اختار أيضا ما هو أقوم وأوسط، ~~فللحق سبحانه صفات تشبه صفات البشر، فله يد وسمع وبصر، لكن ليست يده ~~كيدنا، وليس سمعه كسمعنا، وليس بصره كبصرنا: # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 11]. وبهذا المنهج الحكيم خرجنا مما وقع فيه المشبهة الذين ~~شبهوا صفات الله بصفات البشر، وخرجنا مما ms5776 وقع فيه المعطلة الذين أنكروا ~~أن يكون لله تعالى هذه الصفات وأولوها على غير حقيقتها. وكذلك في الخلق ~~الاجتماعي العام، يلفتنا المنهج القرآني في قوله تعالى: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. يلفتنا إلى ما في الكون من عجائب نغفل عنها، ونعرض عن ~~تدبرها والانتفاع بها، ولو نظرنا إلى هذه الآيات بعين المتأمل لوجدنا ~~فيها منافع شتى منها: أنها تذكرنا بعظمة الخالق سبحانه، ثم هي بعد ذلك ~~ستفتح لنا الباب الذي يثري حياتنا، ويوفر لنا ترف الحياة ومتعتها. ~~فالحق سبحانه أعطانا مقومات الحياة، وضمن لنا برحمته ضروريات البقاء، ~~فمن أراد الكماليات فعليه أن يعمل عقله فيما أعطاه الله ليصل إلى ما ~~يريد. والأمثلة كثيرة على مشاهدات متأملة في ظواهر الكون، اهتدى بها ~~أصحابها إلى اكتشافات واختراعات خدمت البشرية، وسهلت عليها كثيرا ~~من المعاناة. فالذي اخترع العجلة في نقل الأثقال بنى فكرتها على ثقل ~~وجده يتحرك بسهولة إذا وضع تحته شيء قابل للدوران، فتوصل إلى استخدام ~~العجلات التي مكنته من نقل أضعاف ما كان يحمله. والذي أدخل العالم ~~عصر البخار استنبط فكرة البخار، وأنه يمكن أن يكون قوة محركة عندما ~~شاهد القدر وهو يغلي، ولاحظ أن غطاءه يرتفع إلى أعلى، فاهتدى إلى ~~استخدام البخار في تسيير القطارات والعربات. والعالم الذي اكتشف دواء " ~~البنسلين " اهتدى إليه عندما شاهد طبقة خضراء نسميها " الريم " تتكون في ~~أماكن استخدام الماء، وكان يشتكي عينه، فعندما وصلت هذه المادة إلى عينه ~~ربما مصادفة، لاحظ أن عينه قد برئت، فبحث في هذه المسألة حتى توصل إلى ~~هذا الدواء. إلى غير ذلك من الآيات والعجائب في كون الله، التي يغفل عنها ~~الخلق، ويمرون عليها وهم معرضون. أما هؤلاء العلماء الذين أثروا حياة ~~البشرية بنظرتهم الثاقبة، فقد استخدموا عقولهم في المادة التي خلقها ~~الله، ولم يأتوا بشيء من عند أنفسهم لأن الحق سبحانه حينما استخلف ~~الإنسان في الأرض أعد له كل متطلبات حياته، وضمن له في الكون جنودا ~~إن أعمل عقله وطاقته يستطيع أن ms5777 يستفيد منها، وبعد ذلك طلب منه أن يعمر ~~الأرض: # هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. # [هود: 61]. والاستعمار أن تجعلها عامرة، وهذا الإعمار يحتاج إلى مجهود، ~~وإلى مواهب متعددة تتكاتف، فلا تستقيم الأمور إن كان هذا يبني وهذا ~~يهدم، إذن: لا بد أن تنظم حركة الحياة تنظيما يجعل المواهب في الكون ~~تتساند ولا تتعاند، وتتعاضد ولا تتعارض. ولا يضمن لنا هذا التنظيم إلا ~~منهج من السماء ينزل بالتي هي أقوم، وأحكم، وأعدل، كما قال تعالى في آية ~~أخرى: # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان.. # [الشورى: 17]. وإن كان الحق سبحانه وتعالى قد دعانا إلى النظر في ظواهر ~~الكون، والتدبر في آيات الله في كونه، والبحث فيها لنصل إلى أسرار ما ~~غيب عنا، فإنه سبحانه نهانا أن نفعل هذا مع بعضنا البعض، فقد حرم ~~علينا التجسس وتتبع العورات، والبحث في أسرار الآخرين وغيبهم. وفي ~~هذا الأدب الإلهي رحمة بالخلق جميعا لأن الله تعالى يريد أن يثري حياة ~~الناس في الكون، وهب أن إنسانا له حسنات كثيرة، وعنده مواهب متعددة، ~~ولكن له سيئة واحدة لا يستطيع التخلي عنها، فلو تتبعت هذه السيئة ~~الواحدة فربما أزهدتك في كل حسناته، وحرمتك الانتفاع به، والاستفادة من ~~مواهبه، أما لو تغاضيت عن هذه السيئة فيه لأمكنك الانتفاع به. وهب أن ~~صانعا بارعا في صنعته وقد احتجته ليؤدي لك عملا، فإذا عرفت عنه ~~ارتكاب معصية ما، أو اشتهر عنه سيئة ما لأزهدك هذا في صنعته ومهارته، ~~ولرغبت عنه إلى غيره، وإن كان أقل منه مهارة. وهذا قانون عام للحق ~~سبحانه وتعالى، فالذي نهاك عن تتبع غيب الناس، والبحث عن أسرارهم نهاهم ~~أيضا عن تتبع غيبك والبحث عن أسرارك ولذلك ما أنعم الله على عبيده ~~نعمة أعظم من حفظ الغيب عنده هو لأنه رب، أما البشر فليس فيهم ~~ربوبية، أمر البشر قائم على العبودية، فإذا انكشف لأحدهم غيب أخيه أو ~~عيب من عيوبه أذاعه وفضحه به. إذن: فالحق تبارك وتعالى يدعونا إلى أن ~~نكون طلعة في استنباط أسرار الكون والبحث ms5778 عن غيبه، وفي الوقت نفسه ~~ينهانا أن نكون طلعة في تتبع أسرار الناس والبحث عن غيبهم لأنك إن ~~تتبعت غيب الناس والتمست عيوبهم حرمت نفسك من مصادر يمكن أن تنتفع ~~بها. فالحق سبحانه يريد في الكون حركة متبادلة، وهذه الحركة المتبادلة لا ~~تنشأ إلا بوجود نوع من التنافس الشريف البناء، التنافس الذي يثري ~~الحياة، ولا يثير شراسة الاحتكاك، كما قال تعالى: # وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.. # [المطففين: 26]. كما يتنافس طالب العلم مع زميله المجد ليكون مثله أو ~~أفضل منه، وكأن الحق سبحانه يعطينا حافزا للعمل والرقي، فالتنافس ~~المقصود ليس تنافس الغل والحقد والكراهية، بل تنافس من يحب للناس ما ~~يحب لنفسه، تنافس من لا يشمت لفشل الآخرين. # وقد يجد الإنسان هذا الحافز للمنافسة حتى في عدوه، ونحن نرى الكثير منا ~~يغضب وتثار حفيظته إن كان له عدو، ويراه مصدر شر وأذى، ويتوقع منه ~~المكروه باستمرار. وهو مع ذلك لو استغل حكمة الله في إيجاد هذا العدو لا ~~تنفع به انتفاعا لا يجده في الصديق، لأن صديقك قد ينافقك أو يداهنك أو ~~يخدعك. أما عدوك فهو لك بالمرصاد، يتتبع سقطاتك، ويبحث عن عيوبك، وينتظر ~~منك كبوة ليذيعها ويسمع بك، فيحملك هذا من عدوك على الاستقامة والبعد ~~عما يشين. ومن ناحية أخرى تخاف أن يسبقك إلى الخير، فتجتهد أنت في الخير ~~حتى لا يسبقك إليه. وما أجمل ما قاله الشاعر في هذا المعنى: # عداي لهم فضل علي ومنة # فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا # همو بحثوا عن زلتي فاجتنبتها # وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا # وهكذا نجد لكل شيء في منهج الله فائدة، حتى في الأعداء، ونجد في هذا ~~التنافس المثمر الذي يثري حركة الحياة دليلا على أن منهج السماء هو ~~الأقوم والأنسب لتنظيم حركة الحياة. أيضا لكي يعيش المجتمع آمنا سالما ~~لا بد له من قانون يحفظ توازنه، قانون يحمي الضعيف من بطش القوي، فجاء ~~منهج الله تعالى ليقنن لكل جريمة عقوبتها، ويضمن لصاحب الحق حقه، ~~وبعد ذلك ترك الباب مفتوحا للعفو والتسامح بين الناس. ms5779 ثم حذر القوي ~~أن تطغيه قوته، وتدعوه إلى ظلم الضعيف، وذكره أن قوته ليست ذاتية فيه، ~~بل هي عرض سوف يزول، وسوف تتبدل قوته في يوم ما إلى ضعف يحتاج معه ~~إلى العون والمساعدة والحماية. وكأن الحق تبارك وتعالى يقول لنا: أنا ~~أحمي الضعيف من قوتك الآن، لأحمي ضعفك من قوة غيرك غدا. أليس في هذا كله ~~ما هو أقوم؟ ونقف على جانب آخر من جوانب هذه القوامة لمنهج الله في مجال ~~الإنفاق، وتصرف المرء في ماله، والمتأمل في هذا المنهج الأقوم يجده ~~يختار لنا طريقا وسطا قاصدا لا تبذير فيه ولا تقتير. ولا شك أن ~~الإنسان بطبعه يحب أن يثري حياته، وأن يرتقي بها، ويتمتع بترفها، ولا ~~يتاح له ذلك إن كان مبذرا لا يبقي من دخله على شيء، بل لا بد له ~~من الاعتدال في الإنفاق حتى يجد في جعبته ما يمكنه أن يثري حياته ويرتقي ~~بها ويوفر لأسرته كماليات الحياة، فضلا عن ضرورياتها. جاء هذا المنهج ~~الأقوم في قول الحق تبارك وتعالى: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67]. وفي قوله تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط فتقعد ملوما محسورا # [الإسراء: 29]. فللإنسان في حياته طموحات تتتابع ولا تنتهي، خاصة في عصر ~~كثرت فيه المغريات، فإن وصل إلى هدف تطلع لما هو أكبر منه، فعليه إذن ~~ألا يبدد كل طاقته، وينفق جميع دخله. وكما نهى الإسلام عن التبذير ~~نهى أيضا عن البخل والإمساك لأن البخل مذموم، والبخيل مكروه من أهله ~~وأولاده، كما أن البخل سبب من أسباب الركود والبطالة والكساد التي تصيب ~~المجتمع، فالممسك لا يتعامل مع المجتمع في حركة البيع والشراء، فيسهم ~~ببخله في تفاقم هذه المشاكل، ويكون عنصرا خاملا يشقى به مجتمعه. ~~إذن: فالتبذير والإمساك كلاهما طرف مذموم، والخير في أوسط الأمور، وهذا ~~هو الأقوم الذي ارتضاه لنا المنهج الإلهي. وكذلك في مجال المأكل والمشرب، ~~يرسم لنا الطريق المعتدل الذي يحفظ للمرء سلامته وصحته، ويحميه من ms5780 أمراض ~~الطعام والتخمة، قال تعالى: # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين # [الأعراف: 31]. فقد علمنا الإسلام أن الإنسان إذا أكل وشرب على قدر ~~طاقة الوقود الذي يحتاجه جسمه لا يشتكي ما يشتكيه أصحاب الإسراف في ~~المأكل والمشرب. والمتأمل في حال هؤلاء الذين يأكلون كل ما لذل ~~وطاب، ولا يحرمون أنفسهم مما تشتهيه، حتى وإن كان ضارا، نرى هؤلاء عند ~~كبرهم وتقدم السن بهم يحرمون بأمر الطبيب من تناول هذه ~~الملذات، فترى في بيوت الأعيان الخادم يأكل أطيب الطعام ويتمتع بخير ~~سيده، في حين يأكل سيده أنواعا محددة لا يتجاوزها، ونقول له: لأنك ~~أكلتها وأسرفت فيها في بداية الأمر، فلا بد أن تحرم منها الآن. ~~وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: # " كلوا واشربوا وتصدقوا، والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة " # وأيضا من أسباب السلامة التي رسمها لنا المنهج القرآني، ألا يأكل ~~الإنسان إلا على جوع، فالطعام على الطعام يرهق المعدة، ويجر على صاحبه ~~العطب والأمراض، ونلاحظ أن الإنسان يجد لذة الطعام وحلاوته إذا أكل بعد ~~جوع، فمع الجوع يستطيب كل شيء ولو كان الخبز الجاف. وهكذا نجد المنهج ~~الإلهي يرسم لنا الطريق الأقوم الذي يضمن لنا سلامة الحياة واستقامتها، ~~فلو تدبرت هذا المنهج لوجدته في أي جانب من جوانب الحياة هو الأقوم ~~والأنسب. في العقائد، في العبادات، في الأخلاق الاجتماعية العامة، في ~~العادات والمعاملات، إنه منهج ينتظم الحياة كلها، كما قال الحق سبحانه: # ما فرطنا في الكتاب من شيء # [الأنعام: 38]. هذا المنهج الإلهي هو أقوم المناهج وأصلحها لأنه منهج ~~الخالق سبحانه الذي يعلم من خلق، ويعلم ما يصلحهم، كما قلنا سابقا: ~~إن الصانع من البشر يعلم صنعته، ويضع لها من تعليمات التشغيل والصيانة ~~ما يضمن لها سلامة الأداء وأمن الاستعمال. فإذا ما استعملت الآلة حسب ~~قانون صانعها أدت مهمتها بدقة، وسلمت من الأعطال، فالذي خلق ~~الإنسان أعلم بقانون صيانته، فيقول له: افعل كذا ولا تفعل كذا: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. فآفة الناس في ms5781 الدنيا أنهم وهم صنعة الحق سبحانه يتركون ~~قانونه، ويأخذون قانون صيانتهم من أمثالهم، وهي قوانين وضعية قاصرة لا ~~تسمو بحال من الأحوال إلى قانون الحق سبحانه، بل لا وجه للمقارنة ~~بينهما. إذن: لا تستقيم الحياة إلا بمنهج الله عز وجل. ثم يقول تعالى: { ~~ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا كبيرا } [الإسراء: 9]. فالمنفذ لهذا المنهج الإلهي ~~يتمتع باستقامة الحياة وسلامتها، وينعم بالأمن الإيماني، وهذه نعمة في ~~الدنيا، وإن كانت وحدها لكانت كافية، لكن الحق سبحانه وتعالى يبشرنا ~~بما هو أعظم منها، وبما ينتظرنا من نعيم الآخرة وجزائها، فجمع لنا ربنا ~~تبارك وتعالى نعيمي الدنيا والآخرة. نعيم الدنيا لأنك سرت فيها على ~~منهج معتدل ونظام دقيق، يضمن لك فيها الاستقامة والسلام والتعايش الآمن ~~مع الخلق. ومن ذلك قول الحق سبحانه: # فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 38]. وقوله تعالى في آية أخرى: # فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى # [طه: 123]. ويقول تعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون # [النحل: 97]. وفي الجانب المقابل يقول الحق سبحانه: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى * قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى # [طه: 124-126]. فكما أن الحق تبارك وتعالى جمع لعباده الصالحين السائرين ~~على منهجه خيري الدنيا والآخرة، ففي المقابل جمع لأعدائه المعرضين عن ~~منهجه عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، لا ظلما منه، فهو سبحانه منزه عن ~~الظلم والجور، بل عدلا وقسطا بما نسوا آيات الله وانصرفوا عنها. ~~ومعنى: { يعملون الصالحات.. } [الإسراء: 9]. وعمل الصالحات ~~يكون بأن تزيد الصالح صلاحا، أو على الأقل تبقي الصالح على صلاحه، ولا ~~تتدخل فيه بما يفسده. وقوله: { أن لهم أجرا كبيرا } ~~[الإسراء: 9]. نلاحظ هنا أن الحق سبحانه وصف الأجر بأنه كبير، ولم يأت ~~بصيغة أفعل التفضيل منها أكبر، فنقول: لأن كبير هنا أبلغ من أكبر، فكبير ms5782 ~~مقابلها صغير، فوصف الأجر بأنه كبير يدل على أن غيره أصغر منه، وفي ~~هذا دلالة على عظم الأجر من الله تعالى. أما لو قال: أكبر فغيره كبير، ~~إذن: فاختيار القرآن أبلغ وأحكم. كما قلنا سابقا: إن من أسماء الحق ~~تبارك وتعالى الكبير، وليس من أسمائه أكبر، إنما هي وصف له سبحانه. ذلك ~~لأن الكبير كل ما عداه صغير، أما أكبر فيقابلها كبير. ومن هنا كان نداء ~~الصلاة الله أكبر معناه أن الصلاة وفرض الله علينا أكبر من أي عمل ~~دنيوي، وهذا يعني أن من أعمال الدنيا ما هو كبير، كبير من حيث هو معين ~~على الآخرة. # فعبادة الله تحتاج إلى طعام وشراب وإلى ملبس، والمتأمل في هذه القضية ~~يجد أن حركة الحياة كلها تخدم عمل الآخرة، ومن هنا كان عمل الدنيا ~~كبيرا، لكن فرض الله أكبر من كل كبير. ولأهمية العمل الدنيوي في حياة ~~المسلم يقول تعالى عن صلاة الجمعة: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون # [الجمعة: 9-10]. والمتأمل في هذه الآيات يجد الحق تبارك وتعالى أمرنا ~~قبل الجمعة أن نترك البيع، واختار البيع دون غيره من الأعمال لأنه الصفقة ~~السريعة الربح، وهي أيضا الصورة النهائية لمعظم الأعمال، كما أن البائع ~~يحب دائما البيع، ويحرص عليه، بخلاف المشتري الذي ربما يشتري وهو كاره، ~~فتجده غير حريص على الشراء لأنه إذا لم يشتر اليوم سيشتري غدا. إذن: ~~فالحق سبحانه حينما يأمرنا بترك البيع، فترك غيره من الأعمال أولى. ~~فإذا ما قضيت الصلاة أمرنا بالعودة إلى العمل والسعي في مناكب الأرض، ~~فأخرجنا للقائه سبحانه في بيته من عمل، وأمرنا بعد الصلاة بالعمل. إذن: ~~فالعمل وحركة الحياة كبير، ولكن نداء ربك أكبر من حركة الحياة لأن نداء ~~ربك هو الذي سيمنحك القوة والطاقة، ويعطيك الشحنة الإيمانية، فتقبل على ~~عملك بهمة وإخلاص. ثم يقول ms5783 الحق سبحانه: { وأن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة... }. ### || [17.10] # وهذه الآية امتداد للآية السابقة، ومعطوفة عليها لأن الله تعالى ذكر ~~فعلا واحدا: # ويبشر المؤمنين.. # [الإسراء: 9]. ثم عطف عليه: { وأن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة.. } [الإسراء: 10]. إذن: فالآية داخلة في البشارة السابقة، ~~ولكن كيف ذلك، والبشارة السابقة تبشر المؤمنين بأن لهم أجرا كبيرا، ~~والبشارة إخبار بخير يأتي في المستقبل، فكيف تكون البشارة بالعذاب؟ ~~قالوا: نعم، هذه بشارة على سبيل التهكم والاستهزاء بهم، كما قال تعالى ~~في آية أخرى: # فبشرهم بعذاب أليم # [التوبة: 34]. وكما قال الحق سبحانه متهكما: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. وكما تقول للولد الذي أهمل فأخفق في الامتحان: مبروك عليك ~~الفشل، أو تقول: بشر فلانا بالرسوب. وقد تكون البشارة للمؤمن بالجنة، ~~وللكافر بالعذاب، كلاهما بشارة للمؤمن، فبشارة المؤمن بالجنة تسره ~~وتسعده، وتجعله يستشرف ما ينتظره من نعيم الله في الآخرة. وبشارة الكافر ~~بالعذاب تسر المؤمن لأنه لم يقع في مصيدة الكفر، وتزجر من لم يقع ~~فيه وتخيفه، وهذا رحمة به وإحسان إليه. وهذا المعنى واضح في قول الحق ~~سبحانه في سورة الرحمن: # رب المشرقين ورب المغربين * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان * مرج البحرين يلتقيان * ~~بينهما برزخ لا يبغيان * فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان * يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان * ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان * وله الجوار ~~المنشئات في البحر كالأعلام * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان # [الرحمن: 17-25]. فهذه كلها نعم من نعم الله تعالى علينا، فناسب أن ~~تذيل بقوله تعالى: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 18]. أما قوله تعالى: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36]. فأي نعمة في أن يرسل الله عليهما شواظ من نار ~~ونحاس فلا ينتصران؟ نعم، المتأمل في هذه الآية يجد فيها نعمة من أعظم ~~نعم الله، ألا وهي زجر العاصي عن المعصية، ومسرة للطائع. ثم يقول ~~الحق سبحانه عن طبيعة الإنسان البشرية: { ويدع الإنسان ~~بالشر دعآءه بالخير... }. ### || [17.11] # يدع الدعاء: طلب ما تعجز عنه من قادر عليه. وأهل النحو يقولون. إن ~~الفعل: ماض ومضارع وأمر. ms5784 فالأمر: طلب من الأعلى إلى الأدنى، فكل طلب ~~من الله لخلقه فهو أمر، أو من الأعلى من البشر للأدنى. أما إن كان ~~الطلب من مساو لك فهو التماس أو رجاء. فإن كان الطلب من الأدنى ~~للأعلى، كطلب العبد من ربه فهو دعاء. لذلك نجد التدقيق في الإعراب يحفظ ~~لله تعالى مكانته ويعظمه، فنقول للطالب: أعرب: رب اغفر لي، فيقول: ~~اغفر، فعل دال على الدعاء، لأنه لا يجوز في حق المولى تبارك ~~وتعالى أن نقول: فعل أمر، فالله لا يأمره أحد. فأول ما يفهم من الدعاء ~~أنه دل على صفة العجز والضعف في العبد، وأنه قد اندكت فيه ثورة ~~الغرور، فعلم أنه لا يقدر على هذا إلا الله فتوجه إليه بالدعاء. ~~بالشر بالمكروه، والإنسان لا يدعو على نفسه، أو على ولده، أو على ~~ماله بالشر إلا في حالة الحنق والغضب وضيق الأخلاق، الذي يخرج الإنسان ~~عن طبيعته، ويفقده التمييز، فيتسرع في الدعاء بالشر، ويتمنى أن ينفذ ~~الله له ما دعا به. ومن رحمة الله تعالى بعباده ألا يستجيب لهم هذا ~~الدعاء الذي إن دل فإنما يدل على حمق وغباء في العبد. وكثيرا ما ~~نسمع أما تدعو على ولدها بما لو استجاب الله له لكانت قاصمة الظهر لها، ~~أو نسمع أبا يدعو على ولده أو على ماله، إذن: فمن رحمة الله بنا أن ~~يفوت لنا هذا الحمق، ولا ينفذ لنا ما تعجلناه من دعاء بالشر. قال ~~تعالى: # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضي إليهم أجلهم # [يونس: 11]. أي: لو استجاب الله لهم في دعائهم بالشر لكانت نهايتهم. وإن ~~كنت تسر وتسعد بأن ربك سبحانه وتعالى فوت لك دعوة بالشر فلم ~~يستجب لها، وأن لعدم استجابته سبحانه حكمة بالغة. فاعلم أن لله حكمة ~~أيضا حينما لا يستجيب لك في دعوة الخير، فلا تقل: دعوت فلم يستجب ~~لي، واعلم أن لله حكمة في أن يمنعك خيرا تريده، ولعله لو أعطاك هذا ~~الخير لكان وبالا عليك. إذن: عليك أن تقيس الأمرين بمقياس واحد، وترضى ms5785 ~~بأمر الله في دعائك بالخير، كما رضيت بأمره حين صرف عنك دعاء الشر، ولم ~~يستجب لك فيه. فكما أن له سبحانه حكمة في الأولى، فله حكمة في الثانية. ~~وقد دعا الكفار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنفسهم، ~~فقالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء.. # [الأنفال: 32]. وقالوا: # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا.. # [الإسراء: 92]. ولو استجاب الله لهم هذا الدعاء لقضى عليهم، وقطع ~~دابرهم، لكن لله تعالى حكمة في تفويت هذا الدعاء لهؤلاء الحمقى، وها هم ~~الكفار باقون حتى اليوم، وإلى أن تقوم الساعة. # وكان المنتظر منهم أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فاهدنا إليه، لكن المسألة عندهم ليست مسألة كفر وإيمان، بل مسألة كراهية ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولما جاء به، بدليل أنهم قبلوا الموت في سبيل ~~الكفر وعدم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. ومن طبيعة الإنسان ~~العجلة والتسرع، كما قال تعالى: # خلق الإنسان من عجل سأوريكم ءايتي فلا ~~تستعجلون # [الأنبياء: 37]. فكثيرا ما يدعو الإنسان بالخير لنفسه أو بما يراه ~~خيرا، فلا يجد وراءه إلا الشر والتعب والشقاء، وفي المقابل قد ينزل ~~الله بك ما تظنه شرا، ويسوق الله لك الخير من خلاله. إذن: أنت لا تعلم ~~وجه الخير على حقيقته، فدع الأمر لربك عز وجل، واجعل حظك من دعائك لا ~~أن تجاب إلى ما دعوت، ولكن أن تظهر ضراعة عبوديتك لعزة ربك سبحانه ~~وتعالى. ومعنى: { دعآءه بالخير.. } [الإسراء: 11]. أي: أن ~~الإنسان يدعو بالشر في إلحاح، وكأنه يدعو بخير. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وجعلنا اليل والنهار آيتين فمحونآ آية اليل ~~وجعلنآ آية النهار مبصرة... }. ### || [17.12] # الحق سبحانه وتعالى جعل الزمن ليلا ونهارا ظرفا للأحداث، وجعل لكل ~~منهما مهمة لا تتأتى مع الآخر، فهما متقابلان لا متضادان، فليس الليل ضد ~~النهار أو النهار ضد الليل لأن لكل منهما مهمة، والتقابل يجعلهما ~~متكاملين. ولذلك أراد الله تعالى أن ينظر بالليل والنهار في جنس ms5786 ~~الإنسان من الذكورة والأنوثة، فهما أيضا متكاملان لا متضادان، حتى لا ~~تقوم عداوة بين ذكورة وأنوثة، كما نرى البعض من الجنسين يتعصب لجنسه ~~تعصبا أعمى خاليا من فهم طبيعة العلاقة بين الذكر والأنثى. فالليل ~~والنهار كجنس واحد لهما مهمة، أما من حيث النوع فلكل منهما مهمة خاصة به، ~~وإياك أن تخلط بين هذه وهذه. وتأمل قول الحق سبحانه: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما ~~خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى # [الليل: 1-4]. فلا تجعل الليل ضدا للنهار، ولا النهار ضدا لليل، ~~وكذلك لا تجعل الذكورة ضدا للأنوثة، ولا الأنوثة ضدا للذكورة. قوله ~~تعالى: { وجعلنا اليل والنهار آيتين.. } [الإسراء: 12]. ~~جعلنا: بمعنى خلقنا، والليل والنهار هما المعروفان لنا بالمعايشة ~~والمشاهدة، ومعرفتنا هذه أوضح من أن نعرفهما، فنقول مثلا: الليل هو ~~مغيب الشمس عن نصف الكرة الأرضية، والنهار هو شروق الشمس على نصف الكرة ~~الأرضية. إذن: قد يكون الشيء أوضح من تعريفه. والحق سبحانه خلق لنا الليل ~~والنهار، وجعل لكل منهما حكمة ومهمة، وحينما يتحدث عنهما، يقول تعالى: # والضحى * والليل إذا سجى # [الضحى: 1-2] فبدأ بالضحى. ويقول: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى # [الليل: 1-2] فبدأ بالليل. ومرة يتحدث عن اللازم لهما، فيقول: # وجعل الظلمات والنور # [الأنعام: 1]. لأن الحكمة من الليل تكمن في ظلمته، والحكمة من النهار ~~تكمن في نوره، فالظلمة سكن واستقرار وراحة. وفي الليل تهدأ الأعصاب ~~من الأشعة والضوء، ويأخذ البدن راحته لذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " أطفئوا المصابيح إذا رقدتم ". # في حين نرى الكثيرين يظنون أن الأضواء المبهرة - التي نراها الآن - مظهر ~~حضاري، وهم غافلون عن الحكمة من الليل، وهي ظلمته. والنور للحركة والعمل ~~والسعي، فمن ارتاح في الليل يصبح نشيطا للعمل، ولا يعمل الإنسان ~~إلا إذا أخذ طاقة جديدة، وارتاحت أعضاؤه، ساعتها تستطيع أن تطلب منه أن ~~يعمل. لذلك قال الحق سبحانه: # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار.. # [القصص: 73]. لماذا؟ # لتسكنوا فيه.. # [القصص: 73] أي: في الليل. # ولتبتغوا من فضله.. # [القصص: 73] أي: في النهار. إذن: لليل مهمة، وللنهار ms5787 مهمة، وإياك أن ~~تخلط هذه بهذه، وإذا ما وجد عمل لا يؤدى إلا بالليل كالحراسة مثلا، ~~نجد الحق سبحانه يفتح لنا بابا لنخرج من هذه القاعدة العامة. فيقول ~~تعالى: # ومن آياته منامكم باليل والنهار.. # [الروم: 23]. فجعل النهار أيضا محلا للنوم، فأعطانا فسحة ورخصة، ~~ولكن في أضيق نطاق، فمن لا يقومون بأعمالهم إلا في الليل، وهي نسبة ~~ضئيلة لا تخرق القاعدة العامة التي ارتضاها الحق سبحانه لتنظيم حركة ~~حياتنا. فإذا خرج الإنسان عن هذه القاعدة، وتمرد على هذا النظام ~~الإلهي، فإن الحق سبحانه يردعه بما يكبح جماحه، ويحميه من إسرافه على ~~نفسه، وهذا من لطفه تعالى ورحمته بخلقه. هذا الردع إما ردع ذاتي ~~اختياري، وإما ردع قهري، الردع الذاتي يحدث للإنسان حينما يسعى في ~~حركة الحياة ويعمل، فيحتاج إلى طاقة، هذه الطاقة تحتاج إلى دم متدفق يجري ~~في أعضائه، فإن زادت الحركة عن طاقة الإنسان يلهث وتتلاحق أنفاسه، ~~وتبدو عليه أمارات التعب والإرهاق، لأن الدم المتوارد إلى رئته لا يكفي ~~هذه الحركة. وهذا نلاحظه مثلا في صعود السلم، حيث حركة الصعود ~~مناقضة لجاذبية الأرض لك، فتحتاج إلى قوة أكثر، وإلى دم أكثر وتنفس فوق ~~التنفس العادي. فكأن الحق سبحانه وتعالى جعل التعب والميل إلى الراحة ~~رادعا ذاتيا في الإنسان، إذا ما تجاوز حد الطاقة التي جعلها الله ~~فيه. أما الردع القهري فهو النوم، يلقيه الله على الإنسان إذا ما كابر ~~وغالط نفسه، وظن أنه قادر على مزيد من العمل دون راحة، فهنا يأتي دور ~~الرادع القسري، فينام رغما عنه ولا يستطيع المقاومة، وكأن الطبيعة ~~التي خلقها الله فيه تقول له: ارحم نفسك، فإنك لم تعد صالحا للعمل. ~~فالحق تبارك وتعالى لا يسلم الإنسان لاختياره، بل يلقي عليه النوم ~~وفقدان الوعي والحركة ليحميه من حماقته وإسرافه على نفسه. لذلك نرى ~~الواحد منا إذا ما تعرض لمناسبة اضطرته لعدم النوم لمدة يومين مثلا، ~~لا بد له بعد أن ينتهي من مهمته هذه أن ينام مثل هذه المدة التي ~~سهرها ليأخذ الجسم حقه من ms5788 الراحة التي حرم منها. وقوله تعالى: { ~~آيتين.. } [الإسراء: 12]. قلنا: إن الآية هي الشيء العجيب الذي يدعو ~~إلى التأمل، ويظهر قدرة الخالق وعظمته سبحانه، والآية تطلق على ثلاثة ~~أشياء: - تطلق على الآيات الكونية التي خلقها الله في كونه وأبدعها، ~~وهذه الآيات الكونية يلتقي بها المؤمن والكافر، ومنها كما قال تعالى: # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر.. # [فصلت:37]. # ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام # [الشورى: 32]. وهذه الآيات تلفتنا إلى قدرة الخالق سبحانه وتعالى. - ~~وتطلق الآيات على المعجزات التي تصاحب الرسل، وتكون دليلا على صدقهم، ~~فكل رسول يبعث ليحمل رسالة الخالق لهداية الخلق، لا بد أن يأتي ~~بدليل على صدقه وأمارة على أنه رسول. وهذه هي المعجزة، وتكون مما نبغ ~~فيه قومه ومهروا لتكون أوضح في إعجازهم وأدعى إلى تصديقهم. قال تعالى: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون.. # [الإسراء: 59]. - وتطلق الآيات على آيات القرآن الكريم الحاملة ~~للأحكام. إذن: هذه أنواع ثلاثة، في كل منها عجائب تدعوك للتأمل، ففي ~~الأولى: هندسة الكون ونظامه العجيب البديع الدقيق، وفي الثانية: آيات ~~الإعجاز، حيث أتى بشيء نبغ فيه القوم، ومع ذلك لم يستطيعوا الإتيان ~~بمثله، وفي الثالثة: آيات القرآن وحاملة الأحكام لأنها أقوم نظام لحركة ~~الحياة. فقول الحق سبحانه: { وجعلنا اليل والنهار ~~آيتين.. } [الإسراء: 12]. أي: كونيتين، ولا مانع أن تفسر الآيات ~~الكونية آيات القرآن. وقوله: { فمحونآ آية اليل.. } [الإسراء: ~~12]. أي: بعد أن كان الضوء غابت الشمس فحل الظلام، أو محوناها: ~~أي جعلناها هكذا، كما قلنا: سبحان من بيض اللبن. أي خلقه هكذا، فيكون ~~المراد: خلق الليل هكذا مظلما. { وجعلنآ آية النهار ~~مبصرة.. } [الإسراء: 12]. أي: خلقنا النهار مضيئا، ومعنى مبصرة أو ~~مضيئة أي: نرى بها الأشياء لأن الأشياء لا ترى في الظلام، فإذا حل ~~الضياء والنور رأيناها، وعلى هذا كان ينبغي أن يقول: وجعلنا آية النهار ~~مبصرا فيها، وليست هي مبصرة. وهذه كما في قوله تعالى في قصة موسى ~~وفرعون: # فلما جآءتهم آياتنا مبصرة.. # [النمل: 13]. فنسب البصر إلى الآيات، كما نسب البصر هنا إلى ms5789 النهار. ~~وهذه مسألة حيرت الباحثين في فلسفة الكون وظواهره، فكانوا يظنون أنك ~~ترى الأشياء إذا انتقل الشعاع من عينك إلى المرئي فتراه. إلى أن جاء ~~العالم الإسلامي " ابن الهيثم " الذي نور الله بصيرته، وهداه إلى ~~سر رؤية الأشياء، فأوضح لهم ما وقعوا فيه من الخطأ، فلو أن الشعاع ~~ينتقل من العين إلى المرئي لأمكنك أن ترى الأشياء في الظلمة إذا كنت ~~في الضوء. إذن: الشعاع لا يأتي من العين، بل من الشيء المرئي، ولذلك نرى ~~الأشياء إن كانت في الضوء، ولا نراها إن كانت في الظلام. وعليه يكون ~~الشيء المرئي هو الذي يبصرك من حيث هو الذي يتضح لك، ويساعدك على رؤيته، ~~ولذلك نقول: هذا شيء يلفت النظر أي: يرسل إليك ما يجعلك تلتفت إليه. ~~إذن: التعبير القرآني: { وجعلنآ آية النهار مبصرة.. } ~~[الإسراء: 12] على مستوى عال من الدقة والإعجاز، وصدق الله تعالى حين ~~قال: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. وقوله تعالى: { لتبتغوا فضلا من ربكم.. } ~~[الإسراء: 12]. وهذه هي العلة الأولى لآية الليل والنهار. أي: أن السعي ~~وطلب الرزق لا يكون إلا في النهار لذلك أتى طلب فضل الله ورزقه بعد آية ~~النهار، ومعلوم أن الإنسان لا تكون له حركة نشاطية وإقبال على السعي ~~والعمل إلا إذا كان مرتاحا ولا تتوفر له الراحة إلا بنوم الليل. وبهذا ~~نجد في الآية الكريمة نفس الترتيب الوارد في قوله تعالى: # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله.. # [القصص: 73]. فالترتيب في الآية يقتضي أن نقول: # لتسكنوا فيه.. # [القصص: 73] أي: في الليل، # ولتبتغوا من فضله.. # [القصص: 73] أي: في النهار، وعمل النهار لا يتم إلا براحة الليل، فهما - ~~إذن - متكاملان. والحق سبحانه وتعالى جعل النهار محلا للحركة وابتغاء ~~فضل الله لأن الحركة أمر مادي وتفاعل مادي بين الإنسان ومادة الكون من ~~حوله، كالفلاح وتفاعله مع أرضه، والعامل وتفاعله مع آلته. هذا التفاعل ~~المادي لا يتم إلا في ضوء لأن الظلمة تغطي الأشياء وتعميها، وهذا يتناسب ~~مع ms5790 الليل حيث ينام الناس، أما في السعي والحركة فلا بد من ضوء أتبين ~~به الفاعل والمنفعل له، ففي الظلمة قد تصطدم بما هو أقوى منك فيحطمك، أو ~~بما هو أضعف منك فتحطمه. إذن: فأول خطوات ابتغاء فضل الله أن يتبين ~~الإنسان المادة التي يتفاعل معها. لذلك، فالحق سبحانه جعل الظلمة سابقة ~~للضياء. فقال تعالى: # وجعل الظلمات والنور.. # [الأنعام: 1]. لأن النور محل للحركة، ولا يمكن للإنسان أن يعمل إلا ~~بعد راحة، والراحة لا تكون إلا في ظلمة الليل. وقوله تعالى: { ~~ولتعلموا عدد السنين والحساب.. } [الإسراء: 12]. وهذه ~~هي العلة الأخرى لليل والنهار، حيث بمرورهما يتم حساب السنين. وكلمة ~~" عدد " تقتضي شيئا له وحدات، ونريد أن نعرف كمية هذه الوحدات لأن ~~الشيء إن لم تكن له كميات متكررة فهو واحد. وقوله: { السنين ~~والحساب.. } [الإسراء: 12]. لأنها من لوازم حركتنا في الحياة، فعن ~~طريق حساب الأيام نستطيع تحديد وقت الزراعات المختلفة، أو وقت سقوط ~~المطر، أو هبوب الرياح. وفي العبادات نحدد بها أيام الحج، وشهر الصوم، ~~ووقت الصلاة، ويوم الجمعة، هذه وغيرها من لوازم حياتنا لا نعرفها إلا ~~بمرور الليل والنهار. ولو تأملت عظمة الخالق سبحانه لوجدت القمر في ~~الليل، والشمس في النهار، ولكل منهما مهمة في حساب الأيام والشهور ~~والسنين، فالشمس لا تعرف بها إلا اليوم الذي أنت فيه، حيث يبدأ اليوم ~~بشروقها وينتهي بغروبها، أما بالقمر فتستطيع حساب الأيام والشهور لأن ~~الخالق سبحانه جعل فيه علامة ذاتية يتم الحساب على أساسها، فهو في أول ~~الشهر هلال، ثم يكبر فيصير إلى تربيع أول، ثم إلى تربيع ثان، ثم إلى بدر، ~~ثم يأخذ في التناقص إلى أن يصل إلى المحاق آخر الشهر. إذن: نستطيع أن ~~نحدد اليوم بالشمس والشهور بالقمر، ومن هنا تثبت مواقيت العبادة بالليل ~~دون النهار، فتثبت رؤية رمضان ليلا أولا، ثم يثبت نهارا، فنقول: ~~الليلة أول رمضان، لذلك قال تعالى: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب.. # [يونس: 5]. فقوله: # وقدره.. # [يونس: 5] أي: القمر لأن به تتبين ms5791 أوائل الشهور، وهو أدق نظام حسابي ~~يعتمد عليه حتى الآن عند علماء الفلك وعلماء البحار وغيرهم. # و # منازل.. # [يونس: 5] هي البروج الاثنى عشر للقمر التي أقسم الله بها في قوله ~~تعالى: # والسمآء ذات البروج * واليوم الموعود * وشاهد ~~ومشهود # [البروج: 1-3]. ولأن حياة الخلق لا تقوم إلا بحساب الزمن، فقد جعل ~~الخالق سبحانه في كونه ضوابط تضبط لنا الزمن، وهذه الضوابط لا تصلح ~~لضبط الوقت إلا إذا كانت هي في نفسها منضبطة، فمثلا أنت لا تستطيع أن ~~تضبط مواعيدك على ساعتك إذا كانت غير منضبطة تقدم أو تأخر. لذلك يقول ~~الخالق المبدع سبحانه عن ضوابط الوقت في كونه: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5]. أي: بحساب دقيق لا يختل، وطالما أن الخالق سبحانه خلقها ~~بحساب فاجعلوها ضوابط لحساباتكم. وقوله تعالى: { وكل شيء ~~فصلناه تفصيلا.. } [الإسراء: 12]. معنى التفصيل أن تجعل ~~بينا بين شيئين، وتقول: فصلت شيئا عن شيء، فالحق سبحانه فصل لنا ~~كل ما يحتاج إلى تفصيل، حتى لا يلتبس علينا الأمر في كل نواحي الحياة. ~~ومثال ذلك في الوضوء مثلا يقول سبحانه: # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق.. # [المائدة: 6]. فأطلق غسل الوجه لأنه لا يختلف عليه أحد، وحدد الأيدي ~~إلى المرافق، لأن الأيدي يختلف في تحديدها، فاليد قد تكون إلى الرسغ، ~~أو إلى المرفق، أو إلى الكتف، لذلك حددها الله تعالى، لأنه سبحانه يريدها ~~على شكل مخصوص. وكذلك في قوله تعالى: # وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين.. # [المائدة: 6]. فالرأس يناسبها المسح لا الغسل، والرجلان كاليد لا ~~بد أن تحدد. فإذا لم يوجد الماء أو تعذر استعماله شرع لنا ~~سبحانه التيمم، فقال تعالى: # فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم.. # [النساء: 43]. والتيمم يقوم مقام الوضوء، من حيث هو استعداد للصلاة ~~ولقاء الحق سبحانه وتعالى، وقد يظن البعض أن الحكمة من الوضوء الطهارة ~~والنظافة، وكذلك التيمم لذلك يقترح بعضهم أن ننظف أنفسنا بالكولونيا ~~مثلا. نقول: ليس المقصود بالوضوء أو التيمم الطهارة أو النظافة، بل ~~المراد الاستعداد للصلاة ms5792 وإظهار الطاعة والانصياع لشرع الله تعالى، وإلا ~~كيف تتم الطهارة أو النظافة بالتراب؟ هذا الاستعداد للصلاة هو الذي جعل ~~سيدنا علي زين العابدين رضي الله عنه يصفر وجهه عند الوضوء، وعندما ~~سئل عن ذلك قال: أتعلمون على من أنا مقبل الآن؟ فللقاء الحق سبحانه ~~وتعالى رهبة يجب أن يعمل لها المؤمن حسابا، وأن يستعد للصلاة بما شرعه ~~له ربه سبحانه وتعالى. ثم يقول الحق سبحانه: { وكل إنسان ~~ألزمناه طآئره في عنقه... }. ### || [17.13] # كلمة طائره أي: عمله وأصلها أن العرب كانوا في الماضي يزجرون الطير، أي: ~~إذا أراد أحدهم أن يمضي عملا يأتي بطائر ثم يطلقه، فإن مر من ~~اليسار إلى اليمين يسمونه " السانح " ويتفاءلون به، وإن مر من اليمين ~~إلى اليسار يسمونه " البارح " ويتشاءمون به، ثم يتهمون الطائر وينسبون ~~إليه العمل، ولا ذنب له ولا جريرة. إذن: كانوا يتفاءلون باليمين، ~~ويتشاءمون باليسار، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن، ~~ولا يحب التشاؤم لأن الفأل الطيب ينشط أجهزة الجسم انبساطا للحركة، ~~أما التشاؤم فيدعو للتراجع والإحجام، ويقضي على الحركة والتفاعل في ~~الكون. والحق سبحانه هنا يوضح: لا تقولوا الطائر ولا تتهموه، بل ~~طائرك أي: عملك في عنقك يلازمك ولا ينفك عنك أبدا، ولا يسأل عنه غيره، ~~كما أنه لا يسأل عن عمل الآخرين، كما قال تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى.. # [الإسراء: 15]. فلا تلقي بتبعة أفعالك على الحيوان الذي لا ذنب له. ~~وقوله تعالى: { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا } [الإسراء: 13]. وهو كتاب أعماله الذي سجلته عليه الحفظة ~~الكاتبون، والذي قال الله عنه: # ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]. هذا الكتاب سيلقاه يوم القيامة منشورا. أي: مفتوحا ~~معدا للقراءة. ثم يقول الحق سبحانه: { اقرأ كتبك كفى... ~~}. ### || [17.14] # الحق تبارك وتعالى يصور لنا موقفا من مواقف يوم القيامة، حيث يقف ~~العبد بين يدي ربه عز وجل، فيدعوه إلى أن يقرأ كتابه بنفسه، ليكون ms5793 هو ~~حجة على نفسه، ويقر بما اقترف، والإقرار سيد الأدلة. فهذا موقف لا ~~مجال فيه للعناد أو المكابرة، ولا مجال فيه للجدال أو الإنكار، فإن حدث ~~منه إنكار جعل الله عليه شاهدا من جوارحه، فينطقها الحق سبحانه بقدرته: ~~يقول تعالى: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. ويقول سبحانه: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.. # [فصلت: 21]. وقد جعل الخالق سبحانه للإنسان سيطرة على جوارحه في ~~الدنيا، وجعلها خاضعة لإرادته لا تعصيه في خير أو شر، فبيده يضرب ويعتدي، ~~وبيده ينفق ويقيل عثرة المحتاج، وبرجله يسعى إلى بيت الله أو يسعى إلى ~~مجلس الخمر والفساد. وجوارحه في كل هذا مسخرة طائعة لا تتأبى عليه، ~~حتى وإن كانت كارهة للفعل لأنها منقادة لمراداتك، ففعلها لك ليس دليلا ~~على الرضى عنك لأنه قد يكون رضى انقياد. وقد ضربنا مثلا لذلك بقائد ~~السرية، فأمره نافذ على جنوده، حتى وإن كان خطئا، فإذا ما فقد هذا ~~القائد السيطرة وأصبح الجنود أمام القائد الأعلى باحوا له بكل شيء. كذلك ~~في الدنيا جعل الله للإنسان إرادة على جوارحه، فلا تتخلف عنه أبدا، ~~لكنها قد تفعل وهي كارهة وهي لاعنة له، وهي مبغضة له ولفعله، فإذا ~~كان يوم القيامة وانحلت من إرادته، وخرجت من سجن سيطرته، شهدت عليه ~~بما كان منه. { كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا } ~~[الإسراء: 14]. أي: كفانا أن تكون أنت قارئا وشاهدا على نفسك. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه... }. ### || [17.15] # قوله تعالى: { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه.. } ~~[الإسراء: 15]. لأن الحق سبحانه لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، وهو ~~سبحانه الغني عن عباده، وبصفات كماله وضع منهج الهداية للإنسان الذي ~~جعله خليفة له في أرضه، وقبل أن يخلقه أعد له مقومات الحياة كلها من ~~أرض وسماء، وشمس وقمر، وهواء وجبال ومياه. فصفات الكمال ثابتة له سبحانه ~~قبل أن يخلق الخلق، إذن: فطاعتهم لن تزيده سبحانه شيئا، كما أن ~~معصيتهم لن تضره سبحانه في شيء. ms5794 وهنا قد يسأل سائل: فلماذا التكليفات ~~إذن؟ نقول: إن التكليف من الله لعباده من أجلهم وفي صالحهم، لكي تستمر ~~حركة حياتهم، وتتساند ولا تتعاند لذلك جعل لنا الخالق سبحانه منهجا نسير ~~عليه، وهو منهج واجب التنفيذ لأنه من الله، من الخالق الذي يعلم من خلق، ~~ويعلم ما يصلحهم وينظم حياتهم، فلو كان منهج بشر لبشر لكان لك أن ~~تتأبى عليه، أما منهج الله فلا ينبغي الخروج عليه. لذلك نسمع في الأمثال ~~الدارجة عند أهل الريف يقولون: الأصبع الذي يقطعه الشرع لا ينزف، والمعنى ~~أن الشرع هو الذي أمر بذلك، فلا اعتراض عليه، ولو كان هذا بأمر البشر ~~لقامت الدنيا ولم تقعد. ومن كماله سبحانه وغناه عن الخلق يتحمل ~~عنهم ما يصدر عنهم من أحكام أو تجن أو تقصير ذلك لأن كل شيء عنده ~~بمقدار، ولا يقضى أمر في الأرض حتى يقضى في السماء، فإذا كلفت ~~واحدا بقضاء مصلحة لك، فقصر في قضائها، أو رفض، أو سعى فيها ولم يوفق ~~نجدك غاضبا عليه حانقا. وهنا يتحمل الخالق سبحانه عن عباده، ويعفيهم ~~من هذا الحرج، ويعلمهم أن الحاجات بميعاد وبقضاء عنده سبحانه، فلا تلوموا ~~الناس، فلكل شيء ميلاد، ولا داعي لأن نسبق الأحداث، ولننتظر الفرج ~~وقضاء الحوائج من الله تعالى أولا. ومن هنا يعلمنا الإسلام قبل أن ~~نعد بعمل شيء لا بد أن نسبقه بقولنا: إن شاء الله لنحمي أنفسنا، ~~ونخرج من دائرة الحرج أو الكذب إذا لم نستطع الوفاء، فأنا - إذن - في ~~حماية المشيئة الإلهية إن وفقت فبها ونعمت، وإن عجزت فإن الحق ~~سبحانه لم يشأ، وأخرج أنا من أوسع الأبواب. إذن: تشريعات الله تريد أن ~~تحمي الناس من الناس، تريد أن تجتث أسباب الضغن على الآخر، إذا لم تقض ~~حاجتك على يديه، وكأن الحق سبحانه يقول لك: تمهل فلكل شيء وقته، ولا تظلم ~~الناس، فإذا ما قضيت حاجتك فاعلم أن الذي كلفته بها ما قضاها لك في ~~الحقيقة، ولكن صادف سعيه ميلاد قضاء هذه الحاجة، فجاءت على يديه، ~~فالخير في ms5795 الحقيقة من الله، والناس أسباب لا غير. # وتتضح لنا هذه القضية أكثر من مجال الطب وعلاج المرضى، فالطبيب سبب، ~~والشفاء من الله، وإذا أراد الله لأحد الأطباء التوفيق والقبول عند الناس ~~جعل مجيئه على ميعاد الشفاء فيلتقيان. ومن هنا نجد بعض الأطباء الواعين ~~لحقيقة الأمر يعترفون بهذه الحقيقة، فيقول أحدهم: ليس لنا إلا في الخضرة. ~~والخضرة معناها: الحالة الناجحة التي حان وقت شفائها. وصدق الشاعر حين ~~قال: # والناس يلحون الطبيب وإنما # خطأ الطبيب إصابة الأقدار # فقول الحق تبارك وتعالى: { من اهتدى فإنما يهتدي ~~لنفسه.. } [الإسراء: 15] أي: لصالح نفسه. والاهتداء: يعني الالتزام ~~بمنهج الله، والتزامك عائد عليك، وكذلك التزام الناس بمنهج الله عائد ~~عليك أيضا، وأنت المنتفع في كل الأحوال بهذا المنهج لذلك حينما ترى ~~شخصا مستقيما عليك أن تحمد الله، وأن تفرح باستقامته، وإياك أن تهزأ ~~به أو تسخر منه لأن استقامته ستعود بالخير عليك في حركة حياتك. وفي ~~المقابل يقول الحق سبحانه: { ومن ضل فإنما يضل عليها.. ~~} [الإسراء: 15]. أي: تعود عليه عاقبة انصرافه عن منهج الله لأن شر ~~الإنسان في عدم التزامه بمنهج الله يعود عليك ويعود على الناس من حوله، ~~فيشقى هو بشره، ويشقى به المجتمع. ومن العجب أن نرى بعض الحمقى إذا رأى ~~منحرفا أو سيء السلوك ينظر إليه نظرة بغض وكراهية، ويدعو الله عليه، ~~وهو لا يدري أنه بهذا العمل يزيد الطين بلة، ويوسع الخرق على الراقع ~~كما يقولون. فهذا المنحرف في حاجة لمن يدعو الله له بالهداية، حتى ~~تستريح أولا من شره، ثم لتتمتع بخير هدايته ثانيا. أما الدعاء عليه ~~فسوف يزيد من شره، ويزيد من شقاء المجتمع به. ومن هذا المنطلق علمنا ~~الإسلام أن من كانت لديه قضية علمية تعود بالخير، فعليه أن يعديها ~~إلى الناس لأنك حينما تعدي الخير إلى الناس ستنتفع بأثره فيهم، فكما ~~انتفعوا هم بآثار خلالك الحميدة، فيمكنك أنت أيضا الانتفاع بآثار ~~خلالهم الحميدة إن نقلتها إليهم. لذلك حرم الإسلام كتم العلم لما ~~يسببه من أضرار على الشخص نفسه وعلى ms5796 المجتمع. يقول صلى الله عليه ~~وسلم: # " من كتم علما ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة ". # وكذلك من الكمال الذي يدعونا إليه المنهج الإلهي أن يتقن كل صاحب مهنة ~~مهنته، وكل صاحب صنعة صنعته، فالإنسان في حركة حياته يتقن عملا ~~واحدا، لكن حاجاته في الحياة كثيرة ومتعددة. فالخياط مثلا الذي يخيط ~~لنا الثياب لا يتقن غير هذه المهنة، وهو يحتاج في حياته إلى مهن ~~وصناعات كثيرة، يحتاج إلى: الطبيب والمعلم والمهندس والحداد والنجار ~~والفلاح.. الخ. فلو أتقن عمله وأخلص فيه لسخر الله له من يتقن له ~~حاجته، ولو رغما عنه، أو عن غير قصد، أو حتى بالمصادفة. إذن: من كمالك ~~أن يكون الناس في كمال، فإن أتقنت عملك فأنت المستفيد حتى إن كان ~~الناس من حولك أشرارا لا يتقنون شيئا فسوف ييسر الله لهم سبيل إتقان ~~حاجتك، من حيث لا يريدون ولا يشعرون. # وقوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى.. } [الإسراء: ~~15]. أي: لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يؤاخذ أحد بجريرة غيره، وكلمة: ~~{ تزر وازرة.. } [الإسراء: 15]. من الوزر: وهو الحمل الثقيل، ~~ومنها كلمة الوزير: أي الذي يحمل الأعباء الثقيلة عن الرئيس، أو الملك أو ~~الأمير. فعدل الله يقتضي أن يحاسب الإنسان بعمله، وأن يسأل عن ~~نفسه، فلا يرمي أحد ذنبه على أحد، كما قال تعالى: # لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن ~~والده شيئا.. # [لقمان: 33] وحول هذه القضية تحدث كثير من المستشرقين الذين يبحثون في ~~القرآن عن مأخذ، فوقفوا عند هذه الآية: { ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى.. } [الإسراء: 15]. وقالوا: كيف نوفق بينها وبين قوله: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم.. # [العنكبوت: 13]. وقوله تعالى: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون # [النحل: 25]. ونقول: التوفيق بين الآية الأولى والآيتين الأخيرتين هين ~~لو فهموا الفرق بين الوزر في الآية الأولى، والوزر في الآيتين ~~الأخيرتين. ففي الأولى وزر ذاتي خاص بالإنسان نفسه، حيث ضل هو في ~~نفسه، فيجب أن يتحمل وزر ضلاله. أما في ms5797 الآية الثانية فقد أضل غيره، ~~فتحمل وزره الخاص به، وتحمل وزر من أضلهم. ويوضح لنا هذه ~~القضية الحديث النبوي الشريف: # " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ~~ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من ~~عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ". # وقوله تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ~~[الإسراء: 15]. العذاب: عقوبة على مخالفة، لكن قبل أن تعاقبني عليها لا ~~بد أن تعلمني أن هذه مخالفة أو جريمة وهي العمل الذي يكسر سلامة ~~المجتمع، فلا جريمة إلا بنص ينص عليها ويقننها، ويحدد العقاب ~~عليها، ثم بعد ذلك يجب الإعلام بها في الجرائد الرسمية لكي يطلع عليها ~~الناس، وبذلك تقام عليهم الحجة إن خالفوا أو تعرضوا لهذه العقوبة. ~~لذلك حتى في القانون الوضعي نقول: لا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا ~~بنص، ولا نص إلا بإعلام. فإذا ما اتضحت هذه الأركان في أذهان الناس ~~كان للعقوبة معنى، وقامت الحجة على المخالفين، أما أن نعاقب شخصا على ~~جريمة هو لا يعلم بها، فله أن يعترض عليك من منطلق هذه الآية. أما أن ~~يجرم هذا العمل، ويعلن عنه في الصحف الرسمية، فلا حجة لمن جهله ~~بعد ذلك لأن الجهل به بعد الإعلام عنه لا يعفي من العقوبة. # فكأن قول الله تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث ~~رسولا } [الإسراء: 15] يجمع هذه الأركان السابقة: الجريمة، والعقوبة، ~~والنص، والإعلام، حيث أرسل الله الرسول يعلم الناس منهج الحق سبحانه، ~~ويحدد لهم ما جرمه الشرع والعقوبة عليه. لذلك يقول تعالى في آية ~~أخرى: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24] ويقول: # يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم ~~على فترة من الرسل أن تقولوا ما جآءنا من ~~بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير.. # [المائدة: 19]. إذن: قد انقطعت حجتكم برسالة محمد البشير النذير صلى ~~الله عليه وسلم. وقد وقف العلماء أمام هذه القضية فقالوا: إن ms5798 كانت الحجة ~~قد قامت على من آمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فما بال الكافر ~~الذي لم يؤمن ولم يعلم منهج الله؟ وكأنهم يلتمسون له العذر بكفره. نقول: ~~لقد عرف الإنسان ربه عز وجل أولا بعقله، وبما ركبه فيه خالقه سبحانه من ~~ميزان إيماني هو الفطرة، هذه الفطرة هي المسئولة عن الإيمان بقوة قاهرة ~~وراء الوجود، وإن لم يأت رسول، والأمثلة كثيرة لتوضيح هذه القضية: هب ~~أنك قد انقطعت بك السبل في صحراء واسعة شاسعة لا تجد فيها أثرا ~~لحياة، وغلبك النوم فنمت، وعندما استيقظت فوجئت بمائدة منصوبة لك ~~عليها أطايب الطعام والشراب. بالله ألا تفكر في أمرها قبل أن تمتد ~~يدك إليها؟ ألا تلفت انتباهك وتثير تساؤلاتك عمن أتى بها إليك؟ ~~وهكذا الإنسان بعقله وفطرته لا بد أن يهتدي إلى أن للكون خالقا ~~مبدعا، ولا يمكن أن يكون هذا النظام العجيب المتقن وليد المصادفة، ~~وهل عرف آدم ربه بغير هذه الأدوات التي خلقها الله فينا؟ لقد جئنا إلى ~~الحياة فوجدنا عالما مستوفيا للمقومات والإمكانيات، وجدنا أمام ~~أعيننا آيات كثيرة دالة على الخالق سبحانه، كل منها خيط لو تتبعته ~~لأوصلك. خذ مثلا الشمس التي تنير الكون على بعدها تطلع في الصباح ~~وتغرب في المساء، ما تخلفت يوما، ولا تأخرت لحظة عن موعدها، ألا ~~تسترعي هذه الآية الكونية انتباهك؟ وقد سبق أن ضربنا مثلا ب " أديسون ~~" الذي اكتشف الكهرباء، وكم أخذ من الاهتمام والدراسة في حين أن الإضاءة ~~بالكهرباء تحتاج إلى أدوات وأجهزة وأموال، وهي عرضة للأعطال ومصدر ~~للأخطار، فما بالنا نغفل عن آية الإضاءة الربانية التي لا تحتاج إلى ~~مجهود أو أموال أو صيانة أو خلافه؟ والعربي القح الذي ما عرف غير ~~الصحراء حينما رأى بعر البعير وآثار الأقدام استدل بالأثر على صاحبه، ~~فقال في بساطة العربي: البعرة تدل على البعير، والقدم تدل على ~~المسير، سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، ألا يدل ~~ذلك على وجود اللطيف الخبير؟ إذن: بالفطرة التكوينية التي جعلها الله في ms5799 ~~الإنسان يمكن له أن يهتدي إلى أن للكون خالقا، وإن لم يعرف من هو، ~~مجرد أن يعرف القوة الخفية وراء هذا الكون. # وحينما يأتي رسول من عند الله يساعده في الوصول إلى ما يبحث عنه، ويدله ~~على ربه وخالقه، وأن هذه القوة الخفية التي حيرتك هي الله خالقك وخالق ~~الكون كله بما فيه ومن فيه. وهو سبحانه واحد لا شريك له، شهد لنفسه أنه ~~لا إله إلا هو، ولم يعارضه أحد ولم يدع أحد أنه إله مع الله، وبذلك ~~سلمت له سبحانه هذه الدعوى لأن صاحب الدعوة حين يدعيها تسلم له إذا ~~لم يوجد معارض لها. وهذه الفطرة الإيمانية في الإنسان هي التي عناها ~~الحق سبحانه في قوله تعالى: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى.. # [الأعراف: 172]. وهذا هو العهد الإلهي الذي أخذه الله على خلقه وهم ~~في مرحلة الذر، حيث كانوا جميعا في آدم - عليه السلام - فالأنسال ~~كلها تعود إليه، وفي كل إنسان إلى يوم القيامة ذرة من آدم، هذه الذرة هي ~~التي شهدت هذا العهد، وأقرت أنه لا إله إلا الله، ثم ذابت هذه ~~الشهادة في فطرة كل إنسان لذلك نسميها الفطرة الإيمانية. ونقول للكافر ~~الذي أهمل فطرته الإيمانية وغفل عنها، وهي تدعوه إلى معرفة الله: كيف ~~تشعر بالجوع فتطلب الطعام؟ وكيف تشعر بالعطش فتطلب الماء؟ أرأيت الجوع أو ~~لمسته أو شممته؟ إنها الفطرة والغريزة التي جعلها الله فيك، فلماذا ~~استخدمت هذه، وأغفلت هذه؟ والعجيب أن ينصرف الإنسان العاقل عن ربه وخالقه ~~في حين أن الكون كله من حوله بكل ذراته يسبح بحمد ربه، فذرات الكون ~~وذرات التكوين في المؤمن وفي الكافر تسبح بحمد ربها، كما قال تعالى: ~~{ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. } [الإسراء: 44]. فكيف بك يا سيد الكون تغفل ~~عن الله والذرات فيك مسبحة، فإن كانت ذرات المؤمن حدث بينه وبين ذرات ~~تكوينه انسجام واتفاق، وتجاوب تسبيحه مع تسبيح ذراته وأعضائه وتوافقت ~~إرادته ms5800 الإيمانية مع إيمان ذراته، فترى المؤمن منسجما مع نفسه مع ~~تكوينه المادي. ويظهر هذا الانسجام بين إرادة الإنسان وبين ذراته ~~وأعضائه في ظاهرة النوم، فالمؤمن ذراته وأعضاؤه راضية عنه تحبه وتحب ~~البقاء معه لا تفارقه لأن إرادته في طاعة الله، فترى المؤمن لا ينام ~~كثيرا مجرد أن تغفل عينه ساعة من ليل أو نهار تكفيه ذلك لأن أعضاءه في ~~انسجام مع إرادته، وهؤلاء الذين قال الله فيهم: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون.. # [الذاريات: 17]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام ~~قلبه، لأنه في انسجام تام مع إرادته صلى الله عليه وسلم. # وما أشبه الإنسان في هذه القضية بسيد شرس سيء الخلق، لديه عبيد كثيرون، ~~يعانون من سوء معاملته، فيلتمسون الفرصة للابتعاد عنه والخلاص من ~~معاملته السيئة. على خلاف الكافر، فذراته مؤمنة وإرادته كافرة، فلا ~~انسجام ولا توافق بين الإرادة والتكوين المادي له، لذا ترى طبيعته قلقة، ~~ليس هناك تصالح بينه وبين ذراته، لأنها تبغضه وتلعنه، وتود مفارقته. ~~ولولا أن الخالق سبحانه جعلها منقادة له لما طاوعته، وإنها لتنتظر ~~يوم القيامة يوم أن تفك من إرادته، وتخرج من سجنه، لتنطق بلسان مبين، ~~وتشهد عليه بما اقترف في الدنيا من كفر وجحود لذلك ترى الكافر ينام ~~كثيرا، وكأن أعضاءه تريد أن ترتاح من شره. ولا بد أن نعلم أن ذرات ~~الكون وذرات الإنسان في تسبيحها للخالق سبحانه، أنه تسبيح فوق مدارك ~~البشر لذلك قال تعالى: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. فلا يفقهه ولا يفهمه إلا من منحه الله القدرة على هذا، ~~كما منح هذه الميزة لداود - عليه السلام - فقال: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير ~~وكنا فاعلين # [الأنبياء: 79]. وهنا قد يقول قائل: ما الميزة هنا، والجبال والطير ~~تسبح الله بدون داود؟ الميزة هنا لداود - عليه السلام - أن الله تعالى ~~أسمعه تسبيح الجبال وتسبيح الطير، وجعلها تتجاوب معه في تسبيحه وكأنه ~~كورس أو نشيد جماعي تتوافق فيه الأصوات، وتتناغم بتسبيح الله تعالى، ألم ~~يقل الحق سبحانه في آية أخرى: ms5801 # يجبال أوبي معه والطير.. # [سبأ: 10]. أي: رجعي معه ورددي التسبيح. ومن ذلك أيضا ما وهبه ~~الله تعالى لنبيه سليمان عليه السلام من معرفة منطق الطير أي لغته، فكان ~~يسمع النملة وهي تخاطب بني جنسها ويفهم ما تريد، وهذا فضل من الله يهبه ~~لمن يشاء من عباده، لذلك لما فهم سليمان عليه السلام لغة النملة، وفهم ~~ما تريده من تحذير غيرها تبسم ضاحكا: # وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي وعلى والدي.. # [النمل: 19]. إذن: لكل مخلوق من مخلوقات الله لغة ومنطق، لا يعلمها ولا ~~يفهمها إلا من ييسر الله له هذا العلم وهذا الفهم. وحينما نقرأ عن ~~هذه القضية نجد بعض كتاب السيرة مثلا يقولون: سبح الحصى في يد ~~النبي صلى الله عليه وسلم نقول لهم: تعبيركم هذا غير دقيق، لأن الحصى ~~يسبح في يده صلى الله عليه وسلم كما يسبح في يد أبي جهل، لكن ~~الميزة أنه صلى الله عليه وسلم سمع تسبيح الحصى في يده، وهذه من معجزاته ~~صلى الله عليه وسلم. والحق سبحانه يريد أن يلفتنا إلى حقيقة من حقائق ~~الكون، وهي كما أن لك حياة خاصة بك، فاعلم أن لكل شيء دونك حياة أيضا، ~~لكن ليست كحياتك أنت، بدليل قول الحق سبحانه: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88]. فكل ما يطلق عليه شيء مهما قل فهو هالك، والهلاك ضد ~~الحياة لأن الله تعالى قال: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة.. # [الأنفال: 42] فدل على أن له حياة تناسبه. ونعود إلى قوله الحق ~~سبحانه: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ~~[الإسراء: 15]. فإن اهتدى الإنسان بفطرته إلى وجود الخالق سبحانه، فمن ~~الذي يعلمه بمرادات الخالق سبحانه منه، إذن: لا بد من رسول يبلغ ~~عن الله، وينبه الفطرة الغافلة عن وجوده تعالى. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها فحق عليها القول.. }. ### || [17.16] # الحق تبارك وتعالى في هذه الآية يعطينا مثالا لعاقبة الخروج عن منهج ~~الله تعالى لأنه سبحانه ms5802 حينما يرسل رسولا ليبلغ منهجه إلى خلقه، ~~فلا عذر للخارجين عنه لأنه منهج من الخالق الرازق المنعم، الذي يستحق ~~منا الطاعة والانقياد. وكيف يتقلب الإنسان في نعمة ربه ثم يعصاه؟ إنه ~~رد غير لائق للجميل، وإنكار للمعروف الذي يسوقه إليك ليل نهار، بل في ~~كل نفس من أنفاسك. ولو كان هذا المنهج من عند البشر لكان هناك عذر ~~لمن خرج عنه، ولذلك يقولون: " من يأكل لقمتي يسمع كلمتي ". كما أن هذا ~~المنعم سبحانه لم يفاجئك بالتكليف، بل كلفك في وقت مناسب، في وقت استوت ~~فيه ملكاتك وقدراتك، وأصبحت بالغا صالحا لحمل هذا التكليف، فتركك ~~خمسة عشر عاما تربع في نعمه وتتمتع بخيره، فكان الأولى بك أن تستمع ~~إلى منهج ربك، وتنفذه أمرا ونهيا لأنه سبحانه أوجدك من دم وأمدك ~~من عدم. والمتأمل في قضية التكليف يرى أن الحق سبحانه أمر بعضنا أن ~~يكلف بعضا، كما قال تعالى: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها.. # [طه: 132]. وقد شرح لنا النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية فقال: # " مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر ". # وهذا التكليف وإن كان في ظاهره من الأهل لأولادهم، إلا أنه في حقيقته ~~من الله تعالى فهو الآمر للجميع، ولكن أراد الحق سبحانه أن يكون التكليف ~~الأول في هذه السن من القريب المباشر المحس أمام الطفل، فأبوه هو صاحب ~~النعمة المحسة حيث يوفر لولده الطعام والشراب، وكل متطلبات حياته، فإذا ~~ما كلفه أبوه كان أدعى إلى الانصياع والطاعة لأن الولد في هذه السن ~~المبكرة لا تتسع مداركه لمعرفة المنعم الحقيقي، وهو الله تعالى. لذلك أمر ~~الأب أن يعود ولده على تحمل التكليف وأن يعاقبه إن قصر لأن الآمر ~~بالفعل هو الذي يعاقب على الإهمال فيه. حتى إذا بلغ الولد سن التكليف ~~الحقيقي من المنعم الأعلى سبحانه كان عند الولد أنس بالتكليف وتعود ~~عليه، وبذلك يأتي التكليف الإلهي خفيفا على النفس مألوفا عندها. أما ~~إن أخذت نعم الله وانصرفت عن منهجه فطغيت بالنعمة وبغيت فانتظر ~~الانتقام، انتظر أخذه سبحانه وسنته ms5803 التي لا تتخلف ولا ترد عن القوم ~~الظالمين في الدنيا قبل الآخرة. واعلم أن هذا الانتقام ضروري لحفظ سلامة ~~الحياة، فالناس إذا رأوا الظالمين والعاصين والمتكبرين يرتعون في نعم ~~الله في أمن وسلامة، فسوف يغريهم هذا بأن يكونوا مثلهم، وأن يتخذوهم ~~قدوة ومثلا، فيهم الفساد والظلم وينهار المجتمع من أساسه. أما إن ~~رأوا انتقام الحق سبحانه من هؤلاء، وشاهدوهم أذلاء منكسرين، فسوف ~~يأخذون منهم عبرة وعظة، والعاقل من اعتبر بغيره، واستفاد من تجارب ~~الآخرين. # فالانتقام من الله تعالى لحكمة أرادها سبحانه وتعالى، وكم رأينا من ~~أشخاص وبلاد حاق بهم سوء أعمالهم حتى أصبحوا عبرة ومثلة ومن لم ~~يعتبر كان عبرة حتى لمن لم يؤمن، وبذلك تعتدل حركة الحياة، حيث يشاهد ~~الجميع ما نزل بالمفسدين من خراب ودمار، وإذا استقرأت البلاد في نواحي ~~العالم المختلفة لتيسر لك الوقوف على هذه السنة الإلهية في بلاد ~~بعينها، ولاستطعت أن تعزو ما حدث لها إلى أسباب واضحة من الخروج عن ~~منهج الحق سبحانه. وصدق الله حين قال: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. وإياك أن تظن أن الحق سبحانه يمكن أن يهمل الفسقة ~~والخارجين عن منهجه، فلا بد أن يأتي اليوم الذي يأخذهم فيه أخذ عزيز ~~مقتدر، وإلا لكانت أسوة سيئة تدعو إلى الإفساد في حركة الحياة. قال ~~تعالى: # وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها ~~تدميرا # [الإسراء: 16]. الآفة أن الذين يستقبلون نص القرآن يفهمون خطأ أن { ~~ففسقوا } مترتبة على الأمر الذي قبلها، فيكون المعنى أن الله تعالى ~~هو الذي أمرهم بالفسق، وهذا فهم غريب لمعنى الآية الكريمة، وهذا الأمر ~~صادر من الحق سبحانه إلى المؤمنين، فتعالوا نر أوامر الله في القرآن: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين.. # [البينة: 5]. # أمرت أن أعبد رب هذه البلدة.. # [النمل: 91]. # وأمرت أن أكون من المسلمين # [يونس: 72]. فأمر الله تعالى لا يكون ms5804 إلا بطاعة وخير، ولا يأمر سبحانه ~~بفسق أو فحشاء، كما ذكر القرآن الكريم، وعلى هذا يكون المراد من الآية: ~~أمرنا مترفيها بطاعتنا وبمنهجنا، ولكنهم خالفوا وعصوا وفسقوا لذلك ~~حق عليهم العذاب. والأمر: طلب من الأعلى، وهو الله تعالى إلى ~~الأدنى، وهم الخلق طلب منهم الطاعة والعبادة، فاستغلوا فرصة الاختيار ~~ففسقوا وخالفوا أمر الله. قوله: { وإذآ أردنآ أن نهلك ~~قرية.. } [الإسراء: 16]. من الخطأ أن نفهم المعنى على أن الله أراد ~~أولا هلاكهم ففسقوا لأن الفهم المستقيم للآية أنهم فسقوا فأراد الله ~~إهلاكهم. و { قرية } أي أهل القرية. وقوله: { فحق عليها ~~القول.. } [الإسراء: 16]. أي: وجب لها العذاب، كما قال تعالى: # كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا.. # [يونس: 33]. وقد أوجب الله لها العذاب لتسلم حركة الحياة، وليحمي ~~المؤمنين من أذى الذين لا يؤمنون بالآخرة. وقوله تعالى: { ~~فدمرناها تدميرا.. } [الإسراء: 16]. أي: خربناها، وجعلناها ~~أثرا بعد عين، وليست هذه هي الأولى، بل إذا استقرأت التاريخ خاصة ~~تاريخ الكفرة والمعاندين فسوف تجد قرى كثيرة أهلكها الله ولم يبق منها ~~إلا آثارا شاخصة شاهدة عليهم، كما قال تعالى: { وكم أهلكنا من ~~القرون من بعد نوح وكفى بربك... }. ### || [17.17] # فأين عاد وثمود وقوم لوط وقوم صالح؟ إذن: فالآية قضية قولية، لها من ~~الواقع ما يصدقها. وقوله: { من بعد نوح.. } [الإسراء: 17]. ~~دل على أن هذا الأخذ وهذا العذاب لم يحدث فيما قبل نوح لأن الناس ~~كانوا قريبي عهد بخلق الله لآدم - عليه السلام - كما أنه كان ~~يلقنهم معرفة الله وما يضمن لهم سلامة الحياة، أما بعد نوح فقد ظهر ~~الفساد والكفر والجحود، فنزل بهم العذاب. الذي لم يسبق له مثيل. قال ~~تعالى: # والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * واليل ~~إذا يسر * هل في ذلك قسم لذى حجر * ألم تر ~~كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم ~~يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا ~~الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * الذين ~~طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب ~~عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 1-14]. ولنا وقفة ms5805 سريعة مع هذه الآيات من سورة الفجر، فقد ~~خاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد # [الفجر: 6]. و { ألم تر } بمعنى: ألم تعلم لأن النبي لم ير ما فعله ~~الله بعاد، فلماذا عدل السياق القرآني عن: تعلم إلى تر؟ قالوا: لأن ~~إعلام الله لرسوله أصدق من عينه ورؤيته، ومثلها قوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. حيث ولد رسول الله في عام الفيل، ولم يكن رأى شيئا. وفي ~~آيات سورة الفجر ما يدلنا على أن حضارة عاد التي لا نكاد نعرف عنها ~~شيئا كانت أعظم من حضارة الفراعنة التي لفتت أنظار العالم كله ذلك لأن ~~الحق تبارك وتعالى قال عن عاد: # التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 8]. أي: لا مثيل لها في كل حضارات العالم، في حين قال عن حضارة ~~الفراعنة: # وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 10]. مجرد هذا الوصف فقط. وقوله تعالى: { وكم أهلكنا ~~من القرون.. } [الإسراء: 17]. كم: تدل على كثرة العدد. والقرون: ~~جمع قرن، وهو في الاصطلاح الزمني مائة عام، ويطلق على القوم المقترنين ~~معا في الحياة، ولو على مبدأ من المبادئ، وتوارثه الناس فيما بينهم. وقد ~~يطلق القرن على أكثر من مائة عام كما نقول: قرن نوح، قرن هود، قرن ~~فرعون. أي: الفترة التي عاشها. وقوله: { وكفى بربك بذنوب ~~عباده خبيرا بصيرا } [الإسراء: 17]. أي: أنه سبحانه غني عن ~~إخبار أحد بذنوب عباده، فهو أعلم بها، لأنه سبحانه لا تخفى عليه خافية في ~~الأرض ولا في السماء: # يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور # [غافر: 19]. فلا يحتاج لمن يخبره لأنه خبير وبصير، هكذا بصيغة ~~المبالغة. # وهنا قد يقول قائل: طالما أن الله تعالى يعلم كل شيء، ولا تخفى عليه ~~خافية، فلماذا يسأل الناس يوم القيامة عن أعمالهم؟ نقول: لأن السؤال ~~يرد لإحدى فائدتين: الأولى: كأن يسأل الطالب أستاذه عن شيء لا ~~يعلمه، فالهدف أن يعلم ما جهل. والأخرى: كأن يسأل الأستاذ تلميذه في ~~الامتحان، لا ليعلم منه، ولكن ليقرره بما ms5806 علم. وهكذا الحق سبحانه - ولله ~~المثل الأعلى - يسأل عبده يوم القيامة عن أعماله ليقرره بها، وليجعله ~~شاهدا على نفسه، كما قال: # اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. وقوله تعالى: { وكفى بربك.. } [الإسراء: 17]. ~~كما تقول: كفى بفلان كذا، أي: أنك ترتضيه وتثق به، فالمعنى: يكفيك ربك ~~فلا تحتاج لغيره، وقد سبق أن أوضحنا أن الله تعالى في يده كل السلطات ~~حينما يقضي: السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية، وهو ~~سبحانه غني عن الشهود والبينة والدليل. إذن: كفى به سبحانه حاكما ~~وقاضيا وشاهدا. ولأن الحق سبحانه خبير بصير بذنوب عباده، فعقابه عدل ~~لا ظلم فيه. ثم يقول الحق سبحانه: { من كان يريد العاجلة ~~عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد ثم جعلنا ~~له... }. ### || [17.18] # الحق تبارك وتعالى قبل أن يخلق الإنسان الذي جعله خليفة له في أرضه، خلق ~~له الكون كله بما فيه، وخلق له جميع مقومات حياته، ووالى عليه نعمه ~~إيجادا من عدم، وإمدادا من عدم، وجعل من مقومات الحياة ما ينفعل له ~~وإن لم يطلب منه، كالشمس والقمر والهواء والمطر.. الخ فهذه من مقومات ~~حياتك التي تعطيك دون أن تتفاعل معها. ومن مقومات الحياة ما لا ~~ينفعل لك، إلا إذا تفاعلت معه، كالأرض مثلا لا تعطيك إلا إذا حرثتها، ~~وبذرت فيها البذور فتجدها قد انفعلت لك، وأعطتك الإنتاج الوفير. ~~والمتأمل في حضارات البشر وارتقاءاتهم في الدنيا يجدها نتيجة لتفاعل ~~الناس مع مقومات الحياة بجوارحهم وطاقاتهم، فتتفاعل معهم مقومات ~~الحياة، ويحدث التقدم والارتقاء. وقد يرتقي الإنسان ارتقاء آخر، بأن ~~يستفيد من النوع الأول من مقومات الحياة، والذي يعطيه دون أن يتفاعل ~~معه، استفادة جديدة، ومن ذلك ما توصل إليه العلماء من استخدام الطاقة ~~الشمسية استخدامات جديدة لم تكن موجودة من قبل. إذن: فهذه نواميس في ~~الكون، الذي يحسن استعمالها تعطيه النتيجة المرجوة، وبذلك يثري ~~الإنسان حياته ويرتقي بها، وهذا ما أسميناه سابقا عطاء الربوبية الذي ~~يستوي فيه المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. لذلك يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { من كان يريد ms5807 العاجلة.. } [الإسراء: 18]. أي: عطاء ~~الدنيا ومتعها ورقيها وتقدمها. { عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد.. } [الإسراء: 18]. أجبناه لما يريد من متاع الدنيا. ~~ولا بد لنا أن نتنبه إلى أن عطاء الربوبية الذي جعله الله للمؤمن ~~والكافر، قد يغفل عنه المؤمن ويترك مقومات الحياة وأسبابها يستفيد منها ~~الكافر ويتفاعل معها ويرتقي بها، ويتقدم على المؤمن، ويمتلك قوته ورغيف ~~عيشه، بل وجميع متطلبات حياتهم، ثم بالتالي تكون لهم الكلمة العليا ~~والغلبة والقهر، وقد يفتنونك عن دينك بما في أيديهم من أسباب الحياة. ~~وهذا حال لا يليق بالمؤمن، ومذلة لا يقبلها الخالق سبحانه لعباده، فلا ~~يكفي أن نأخذ عطاء الألوهية من أمر ونهي وتكليف وعبادة، ونغفل أسباب ~~الحياة ومقوماتها المادية التي لا قوام للحياة إلا بها. في حين أن ~~المؤمن أولى بمقومات الحياة التي جعلها الخالق في الكون من الكافر ~~الذي لا يؤمن بإله. إذن: فمن الدين ألا تمكن أعداء الله من السيطرة ~~على مقومات حياتك، وألا تجعلهم يتفوقون عليك. وقوله: { ما نشآء ~~لمن نريد.. } [الإسراء: 18]. أي: أن تفاعل الأشياء معك ليس ~~مطلقا، بل للمشيئة تدخل في هذه المسألة، فقد تفعل، ولكن لا تأخذ ~~لحكمة ومراد أعلى، فليس الجميع أمام حكمة الله سواء، وفي هذا دليل على ~~طلاقة القدرة الإلهية. ومعنى { ما نشآء. # . } للمعجل و { لمن نريد } للمعجل له. وما دام هذا يريد ~~العاجلة، ويتطلع إلى رقي الحياة الدنيا وزينتها، إذن: فالآخرة ليست ~~في باله، وليست في حسبانه لذلك لم يعمل لها، فإذا ما جاء هذا اليوم وجد ~~رصيده صفرا لا نصيب له فيها لأن الإنسان يأخذ أجره على ما قدم، وهذا ~~قدم للدنيا وأخذ فيها جزاءه من الشهرة والرقي والتقدم والتكريم. قال ~~تعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. والسراب ظاهرة طبيعية يراها من يسير في الصحراء وقت ~~الظهيرة، فيرى أمامه شيئا يشبه الماء، حتى إذا وصل إليه لم يجده ~~شيئا، كذلك إن عمل الكافر ms5808 خيرا في الدنيا فإذا أتى الآخرة لم يجد له ~~شيئا من عمله لأنه أخذ جزاءه في الدنيا. ثم تأتي المفاجأة: # ووجد الله عنده.. # [النور: 39]. لأن الله تعالى لم يكن في حسبانه حينما قدم الخير في ~~الدنيا. وفي آية أخرى يصفه القرآن بقوله: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما ~~كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد # [إبراهيم: 18]. فمرة يشبه عمل الكافر بالماء الذي يبدو في السراب، ~~ومرة يشبهه بالرماد لأن الماء إذا اختلط بالرماد صار طينا، وهو مادة ~~الخصب والنماء، وهو مقوم من مقومات الحياة. ووصفه بقوله تعالى: # كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه ~~صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا ~~يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264]. والحق تبارك وتعالى في هذه الآية يجسم لنا خيبة أمل ~~الكافر في الآخرة في صورة محسة ظاهرة، فمثل عمل الكافر كحجر أملس ~~أصابه المطر، فماذا تنتظر منه؟ وماذا وراءه من الخير؟ ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا } [الإسراء: 18]. أي: أعددناها له، وخلقناها من أجله يقاسي ~~حرارتها { مذموما } أي: يذمه الناس، والإنسان لا يذم إلا إذا ~~ارتكب شيئا ما كان يصح له أن يرتكبه. و { مدحورا } [الإسراء: 18] ~~مطرودا من رحمة الله. وبعد أن أعطانا الحق سبحانه صورة لمن أراد ~~العاجلة وغفل عن الآخرة، وما انتهى إليه من العذاب، يعطينا صورة مقابلة، ~~صورة لمن كان أعقل وأكيس، ففضل الآخرة. يقول الحق سبحانه: { ومن ~~أراد الآخرة وسعى لها سعيها... }. ### || [17.19] # المتأمل في أسلوب القرآن الكريم يجده عادة يعطي الصورة ومقابلها لأن ~~الشيء يزداد وضوحا بمقابله، والضد يظهر حسنه الضد، ونرى هذه ~~المقابلات في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى كما في: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14]. وهنا يقول تعالى: { ومن أراد الآخرة.. } ~~[الإسراء: 19] في مقابل: { من كان يريد العاجلة.. } ~~[الإسراء: 18]. قوله تعالى: { ومن أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها.. } [الإسراء: 19]. أي: أراد ثوابها وعمل لها. { وهو ~~مؤمن.. } [الإسراء: ms5809 19]. لأن الإيمان شرط في قبول العمل، وكل ~~سعي للإنسان في حركة الحياة لا بد فيه من الإيمان ومراعاة الله تعالى ~~لكي يقبل العمل، ويأخذ صاحبه الأجر يوم القيامة، فالعامل يأخذ أجره ~~ممن عمل له. فالكفار الذين خدموا البشرية باختراعاتهم واكتشافاتهم، ~~حينما قدموا هذا الإنجازات لم يكن في بالهم أبدا العمل لله، بل ~~للبشرية وتقدمها لذلك أخذوا حقهم من البشرية تكريما وشهرة، فأقاموا ~~لهم التماثيل، وألفوا فيهم الكتب.. الخ. إذن: انتهت المسألة: عملوا ~~وأخذوا الأجر ممن عملوا لهم. وكذلك الذي يقوم ببناء مسجد مثلا، وهذا عمل ~~عظيم يمكن أن يدخل صاحبه الجنة إذا توافر فيه الإيمان والإخلاص لله، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة ". # ولكن سرعان ما نقرأ على باب المسجد لافتة عريضة تقول: أنشأه فلان، ~~وافتتحه فلان.. الخ مع أنه قد يكون من أموال الزكاة!! وهكذا يفسد ~~الإنسان على نفسه العمل، ويقدم بنفسه ما يحبطه، إذن: فقد فعل ليقال وقد ~~قيل. وانتهت القضية. وقوله تعالى: { فأولئك كان سعيهم ~~مشكورا } [الإسراء: 19]. وهذا جزاء أهل الآخرة الذين يعملون لها، ~~ومعلوم أن الشكر يكون لله استدرارا لمزيد نعمه، كما قال تعالى: # لئن شكرتم لأزيدنكم.. # [إبراهيم: 7]. فما بالك إن كان الشاكر هو الله تعالى، يشكر عبده على ~~طاعته؟ وهذا يدل على أن العمل الإيماني يصادف شكرا حتى من المخالف ~~له، فاللص مثلا إن كان لديه شيء نفيس يخاف عليه، فهل يضعه أمانة عند ~~لص مثله، أم عند الأمين الذي يحفظه؟ فاللص لا يحترم اللص، ولا يثق ~~فيه، في حين يحترم الأمين مع أنه مخالف له، وكذلك الكذاب يحترم الصادق، ~~والخائن يحترم الأمين. ومن هنا كان كفار مكة رغم عدائهم للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وكفرهم بما جاء به إلا أنهم كانوا يأتمنونه على الغالي والنفيس ~~عندهم لأنهم واثقون من أمانته، ويلقبونه " بالأمين " ، رغم ما بينهما من ~~خلاف عقدي جوهري، فهم فعلا يكذبونه، أما عند حفظ الأمانات فلن يغشوا ~~أنفسهم، لأن ms5810 الأحفظ لأماناتهم محمد صلى الله عليه وسلم. وقد ضربنا لذلك ~~مثلا بشاهد الزور الذي تستعين بشهادته ليخرجك من ورطة، أو قضية، فرغم ~~أنه قضى لك حاجتك وأخرجك من ورطتك، إلا أنه قد سقط من نظرك، ولم يعد ~~أهلا لثقتك فيما بعد. لذلك قالوا: من استعان بك في نقيصة فقد سقطت ~~من نظره، وإن أعنته على أمره كشاهد الزور ترتفع الرأس على الخصم ~~بشهادته وتدوس القدم على كرامته. ثم يقول الحق سبحانه عن كلا الفريقين: { ~~كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك... }. ### || [17.20] # { كلا } أي: كلا الفريقين السابقين: من أراد العاجلة، ومن أراد ~~الآخرة: { نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك.. } ~~[الإسراء: 20]. أي: أن الله تعالى يمد الجميع بمقومات الحياة، فمنهم ~~من يستخدم هذه المقومات في الطاعة، ومنهم من يستخدمها في المعصية، ~~كما لو أعطيت لرجلين مالا، فالأول تصدق بماله، والآخر شرب بماله ~~خمرا. إذن: فعطاء الربوبية مدد ينال المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، ~~أما عطاء الألوهية المتمثل في منهج الله: افعل ولا تفعل، فهو عطاء خاص ~~للمؤمنين دون غيرهم. وقوله تعالى: { وما كان عطآء ربك ~~محظورا.. } [الإسراء: 20]. أي: ممنوعا عن أحد لأن الجميع خلقه ~~تعالى، المؤمن والكافر، وهو الذي استدعاهم إلى الحياة، وهو سبحانه ~~المتكفل لهم بمقومات حياتهم، كما تستدعي ضيفا إلى بيتك فعليك أن ~~تقوم له بواجب الضيافة. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه اختار التعبير بقوله: ~~{ من عطآء ربك.. } [الإسراء: 20]. لأن العطاء المراد هنا عطاء ~~ربوبية، وهو سبحانه رب كل شيء. أي: مربيه ومتكفل به، وشرف كبير أن ~~ينسب العطاء إلى الرب تبارك وتعالى. ثم يقول الحق سبحانه: { انظر ~~كيف فضلنا بعضهم على بعض... }. ### || [17.21] # الحق تبارك وتعالى أعطانا قضايا إيمانية نظرية، ويريد منا أن ننظر في ~~الطبيعة والكون، وسوف نجد فيه صدق ما قال. يقول تعالى: { انظر كيف ~~فضلنا بعضهم على بعض.. } [الإسراء: 21]. والمتأمل يجد أن ~~الله تعالى جعل التفضيل هنا عاما، فلم يبين من المفضل ومن ~~المفضل عليه، فلم يقل: فضلت الأغنياء على الفقراء، أو: فضلت الأصحاء ~~على المرضى. ms5811 إذن: فما دام في القضية عموم في التفضيل، فكل بعض مفضل ~~في جهة، ومفضل عليه في جهة أخرى، لكن الناس ينظرون إلى جهة واحدة في ~~التفضيل، فيفضلون هذا لأنه غني، وهذا لأنه صاحب منصب.. الخ. وهذه نظرة ~~خاطئة فيجب أن ننظر للإنسان من كل زوايا الحياة وجوانبها لأن الحق ~~سبحانه لا يريدنا نماذج مكررة، ونسخا معادة، بل يريدنا أناسا ~~متكاملين في حركة الحياة، ولو أن الواحد منا أصبح مجمعا للمواهب ما ~~احتاج فينا أحد لأحد، ولتقطعت بيننا العلاقات. فمن رحمة الله أن جعلك ~~مفضلا في خصلة، وجعل غيرك مفضلا في خصال كثيرة، فأنت محتاج ~~لغيرك فيما فضل فيه، وهم محتاجون إليك فيما فضلت فيه، ومن هنا ~~يحدث التكامل في المجتمع، وتسلم للناس حركة الحياة. ونستطيع أن نخرج من ~~هذه النظرة بقضية فلسفية تقول: إن مجموع مواهب كل إنسان تساوي مجموع ~~مواهب كل إنسان، فإن زدت عني في المال فربما أزيد عنك في الصحة، ~~وهكذا تكون المحصلة النهائية متساوية عند جميع الناس في مواهب الدنيا، ~~ويكون التفاضل الحقيقي بينهم بالتقوى والعمل الصالح، كما قال تعالى: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم ~~خبير # [الحجرات: 13]. لذلك يجب على المسلم أن يلتزم أدب الإسلام في حفظ ~~مكانة الآخرين، فمهما كنت مفضلا فلا تحتقر غيرك، واعلم أن لهم أيضا ~~ما يفضلون به، وسوف يأتي اليوم الذي تحتاج إليهم فيه. وقد ضربنا لذلك ~~مثلا بالعظيم الوجيه الذي قد تضطره الظروف وتحوجه لسباك أو عامل بسيط ~~ليؤدي له عملا لا يستطيع هو القيام به، فالعامل البسيط في هذا الموقف ~~مفضل على هذا العظيم الوجيه. ولك أن تتصور الحال مثلا إذا أضرب ~~الكناسون عدة أيام عن العمل. إذن: مهما كان الإنسان بسيطا، ومهما كان ~~مغمورا فإن له مهمة يفضل بها عن غيره من الناس. خذ الخياط مثلا، وهو ~~صاحب حرفة متواضعة بين الناس، ولا يكاد يجيد عملا إلا أن يخيط للناس ~~ثيابهم، فإذا ما كانت ليلة العيد وجدته من أهم الشخصيات، الجميع يقبلون ~~عليه، ويتمنون أن ms5812 يتكرم عليهم ويقضي حاجتهم من خياطة ثيابهم وثياب ~~أولادهم. وبهذا نستطيع أن نفهم قول الحق تبارك وتعالى: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ~~ربك خير مما يجمعون # [الزخرف: 32]. فكل منا مسخر لخدمة الآخرين فيما فضل فيه، وفيما ~~نبغ فيه. وصدق الشاعر حين قال: # الناس للناس من بدو ومن حضر # بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم # إذن: في التفاضل يجب أن ننظر إلى زوايا الإنسان المختلفة لأن الجميع ~~أمام الله سواء، ليس منا من هو ابن الله، وليس منا من بينه وبين ~~الله نسب أو قرابة، ولا تجمعنا به سبحانه إلا صلة العبودية له عز وجل، ~~فالجميع أمام عطائه سواء، لا يوجد أحد أولى من أحد. فالعاقل حين ينظر ~~في الحياة لا ينظر إلى تميزه عن غيره كموهبة، بل يأخذ في اعتباره مواهب ~~الآخرين، وأنه محتاج إليها، وبذلك يندك غروره، ويعرف مدى حاجته لغيره. ~~وكما أنه نابغ في مجال من المجالات، فغيره نابغ في مجال آخر لأن النبوغ ~~يأتي إذا صادف العمل الموهبة، فهؤلاء البسطاء الذين تنظر إليهم نظرة ~~احتقار، وترى أنهم دونك يمكن أن يكونوا نابغين لو صادف عملهم الموهبة. ~~وقوله تعالى: { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا.. ~~} [الإسراء: 21]. فإن كان التفاضل بين الناس في الدنيا قائما على ~~الأسباب المخلوقة لله تعالى، فإن الأمر يختلف في الآخرة لأنها لا تقوم ~~بالأسباب، بل بالمسبب سبحانه، فالمفاضلة في الآخرة على حسبها. ولو تأملت ~~حالك في الدنيا، وقارنته بالآخرة لوجدت الآخرة أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا، فعمرك في الدنيا موقوت، وسينتهي إلى الموت لأن عمرك في الدنيا ~~مدة بقائك فيها، فإن بقيت من بعدك فهي لغيرك، وكذلك ما فضلت به من ~~نعيم الدنيا عرضة للزوال، حيث تناله الأغيار التي تطرأ على الإنسان. ~~فالغني قد يصير فقيرا، والصحيح سقيما، كما أن نعيم الدنيا على قدر ~~إمكانياتك وتفاعلك مع الأسباب، فالدنيا وما فيها من نعيم غير متيقنة ~~وغير موثوق بها. وهب أنك ms5813 تنعمت في الدنيا بأعلى درجات النعيم، فإن ~~نعيمك هذا ينغصه أمران: إما أن تفوت هذا النعيم بالموت، وإما أن ~~يفوتك هو بما تتعرض له من أغيار الحياة. أما الآخرة فعمرك فيها ممتد ~~لا ينتهي، والنعمة فيها دائمة لا تزول، وهي نعمة لا حدود لها لأنها على ~~قدر إمكانيات المنعم عز وجل، في دار خلود لا يعتريها الفناء، وهي ~~متيقنة موثوق بها. فأيهما أفضل إذن؟ لذلك الحق سبحانه يدعونا إلى ~~التفكر والتعقل: { انظر } أي الصفقتين الرابحة، فتاجر فيها ولا ~~ترضى بها بديلا. إذن: فالآخرة أعظم وأكبر، ولا وجه للمقارنة بين نعيم ~~الدنيا ونعيم الآخرة. وأذكر أننا سافرنا مرة إلى سان فرانسيسكو فأدخلونا ~~أحد الفنادق، لا للإقامة فيه، ولكن لمشاهدة ما فيه من روعة وجمال ومظاهر ~~الرقي والرفاهية. وفعلا كان هذا الفندق آية من آيات الإبداع والجمال، ~~فرأيت رفاقي وكانوا من علية القوم مبهورين به، مأخوذين بروعته، فقلت لهم ~~عبارة واحدة: هذا ما أعد البشر للبشر، فكيف بما أعده رب البشر للبشر؟ ~~فنعيم الدنيا ومظاهر الجمال فيها يجب أن تثير فينا الشوق لنعيم دائم في ~~الجنة لا أن يثير فينا الحقد والحسد، يجب أن نأخذ من مظاهر الترف ~~والنعيم عند الآخرين وسيلة للإيمان بالله، وأن نصعد هذا الإيمان ~~بالفكر المستقيم، فإن كان ما نراه من ترف وتقدم ورقي وعمارة في الدنيا ~~من صنع مهندس أو عامل، فكيف الحال إن كان الصانع هو الخالق سبحانه ~~وتعالى؟ ويجب ألا نغفل الفرق بين نعيم الدنيا الذي أعده البشر ونعيم ~~الآخرة الذي أعده الله تعالى، فقصارى ما توصل إليه الناس في رفاهية ~~الخدمة أن تضغط على زر فيأتي لك منه الشاي مثلا، وتضغط على زر آخر فيأتي ~~لك منه القهوة. # وهذه آلة تستجيب لك إن تفاعلت معها، لكن مهما ارتقى هؤلاء، ومهما ~~تقدمت صناعتهم فلن يصلوا إلى أن يقدموا لك الشيء بمجرد أن يخطر على ~~بالك لأن هذا من نعيم الجنة الذي أعده الخالق سبحانه لعباده الصالحين. ~~إذن: فما دام كذلك، وسلمنا بأن الآخرة أفضل وأعظم، ms5814 فما عليك إلا أن ~~تبادر وتأخذ الطريق القويم، وتسلك طريق ربك من أقصر اتجاه، وهو الاستقامة ~~على منهج الله الواحد والالتزام به. فيقول الحق سبحانه: { لا تجعل ~~مع الله إلها آخر... }. ### || [17.22] # لأنه سبحانه أعطاك في الدنيا، وأمدك بالأسباب، وبمقومات حياتك، أوجدك ~~من عدم، وأمدك من عدم، حتى وإن كنت كافرا، ثم أعد لك في الآخرة ~~الدرجات العالية والنعيم المقيم الذي لا يفنى ولا يزول. وهذه هي ~~الحيثيات التي ينبغي عليك بعدها أن تعرفه سبحانه، وتتوجه إليه، وتلتحم ~~به وتكون في معيته، ولا تجعل معه سبحانه إلها آخر لأنك إن فعلت فلن ~~تجد من هذا النعيم شيئا، لن تجد إلا المذمة والخذلان في الدنيا ~~والآخرة. وسوف تفاجأ في القيامة بربك الذي دعاك للإيمان به فكفرت. # ووجد الله عنده.. # [النور: 39]. ساعتها ستندم حين لا ينفعك الندم، بعد أن ضاعت الفرصة من ~~يديك. ويقول تعالى: # فتقعد مذموما مخذولا # [الإسراء: 22]. والقعود ليس أمرا عاديا هنا، بل هو أنكى ما يصير إليه ~~الإنسان لأن الإنسان لا يقعد إلا إذا أصبح غير قادر على القيام، ففيها ~~ما يشعر بإنهاك القوة، وكأنه سقط إلى الأرض، بعد أن أصبحت رجلاه غير ~~قادرتين على حمله، ولم تعد به قوة للحركة. ونلاحظ في تعبير القرآن عن ~~هذا الذي خارت قواه، وانتهت تماما، أنه يختار له وضع القعود خاصة، ~~ولم يقل مثلا: تنام، لأن العذاب لا يكون مع النوم، ففي النوم يفقد ~~الإنسان الوعي فلا يشعر بالعذاب، بل قال { فتقعد } هكذا شاخص يقاسي ~~العذاب لأن العذاب ليس للجوارح والمادة، بل للنفس الواعية التي تحس ~~وتألم. ولذلك يلجأ الأطباء إلى تخدير المريض قبل إجراء العمليات الجراحية ~~لأن التخدير يفقده الوعي فلا يشعر بالألم. ومن ذلك قوله تعالى: # وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا ~~عظيما # [النساء: 95]. وقال: # والقواعد من النسآء اللاتي لا يرجون نكاحا.. # [النور: 60]. فالقعود يدل على عدم القدرة، وفي الوقت نفسه لا يرتاح ~~بالنوم، فهو في عذاب مستمر. وفي مجال الذم قال الشاعر: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها # واقعد فإنك ms5815 أنت الطاعم الكاسي # وقوله: { مذموما.. } [الإسراء: 22] لأنه أتى بعمل يذمه الناس عليه. ~~{ مخذولا.. } [الإسراء: 22] من الخذلان، وهو عدم النصرة، فالأبعد ~~في موقف لا ينصره فيه أحد، ولا يدافع عنه أحد، لذلك يقول تعالى لهؤلاء: # ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون # [الصافات: 25-26]. ثم ينتقل بنا الحق سبحانه إلى قضية يعطينا فيها نوعا ~~من الاستدلال، فيقول سبحانه: { وقضى ربك ألا تعبدوا ~~إلا إياه وبالوالدين إحسانا... }. ### || [17.23] # بعد أن وجهنا الله تعالى إلى القضية العقدية الكبرى: # لا تجعل مع الله إلها آخر.. # [الإسراء: 22]. أراد سبحانه أن يبين لنا أن العقيدة والإيمان لا ~~يكتملان إلا بالعمل، فلا يكفي أن تعرف الله وتتوجه إليه، بل لا بد ~~أن تنظر فيما فرضه عليك، وفيما كلفك به لذلك كثيرا ما نجد في آيات ~~الكتاب الكريم الجمع بين الإيمان والعمل الصالح، كما في قوله تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3]. لأن فائدة الإيمان وثمرته العمل الصالح، وما دمت ستسلك ~~هذا الطريق فانتظر مواجهة أهل الباطل والفساد والضلال، فإنهم لن يدعوك ~~ولن يسالموك، ولا بد أن تسلح نفسك بالحق والقوة والصبر، لتستطيع ~~مواجهة هؤلاء. ودليل آخر على أن الدين ليس الإيمان القولي فقط، أن كفار ~~مكة لم يشهدوا أن لا إله إلا الله، فلو كانت المسألة مسألة الإيمان بإله ~~واحد وتنتهي القضية لكانوا قالوا وشهدوا بها، إنما هم يعرفون تماما أن ~~للإيمان مطلوبا، ووراءه مسئولية عملية، وأن من مقتضى الإيمان بالله أن ~~تعمل بمراده وتأخذ بمنهجه. ومن هنا رفضوا الإيمان بإله واحد، ورفضوا ~~الانقياد لرسوله صلى الله عليه وسلم الذي جاء ليبلغهم مراد الله تعالى، ~~وينقل إليهم منهجه، فمنهج الله لا ينزل إلا على رسول يحمله ويبلغه ~~للناس، كما قال تعالى: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشآء إنه علي حكيم # [الشورى: 51]. وها هي أول الأحكام في منهج الله: { وقضى ربك ~~ألا تعبدوا ms5816 إلا إياه.. } [الإسراء: 23]. وقد آثر الحق ~~سبحانه الخطاب ب { ربك } على لفظ الله لأن الرب هو الذي خلقك ~~ورباك، ووالى عليك بنعمه، فهذا اللفظ أدعى للسمع والطاعة، حيث يجب ~~أن يخجل الإنسان من عصيان المنعم عليه وصاحب الفضل. { وقضى ~~ربك.. } [الإسراء: 23]. الخطاب هنا موجه إلى النبي محمد صلى الله ~~عليه وسلم لأنه هو الذي بلغ المرتبة العليا في التربية والأدب، وهي تربية ~~حقة لأن الله تعالى هو الذي رباه، وأدبه أحسن تأديب. وفي الحديث ~~الشريف: # " أدبني ربي فأحسن تأديبي ". # قضى: معناها: حكم لأن القاضي هو الذي يحكم، ومعناها أيضا: أمر، وهي هنا ~~جامعة للمعنيين، فقد أمر الله ألا تعبدوا إلا إياه أمرا مؤكدا، ~~كأنه قضاء وحكم لازم. وقد تأتي قضى بمعنى: خلق. كما في قوله تعالى: # فقضاهن سبع سماوات.. # [فصلت: 12]. وتأتي بمعنى: بلغ مراده من الشيء، كما في قوله تعالى: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها.. # [الأحزاب: 37]. وقد تدل على انتهاء المدة كما في: # فلما قضى موسى الأجل.. # [القصص: 29]. وتأتي بمعنى: أراد كما في: # فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون # [غافر: 68]. إذن: قضى لها معان متعددة، لكن تجتمع كلها لتدل على ~~الشيء اللازم المؤكد الذي لا نقص فيه. وقوله: { ألا تعبدوا ~~إلا إياه.. } [الإسراء: 23]. العبادة: هي إطاعة آمر في أمره ~~ونهيه، فتنصاع له تنفيذا للأمر، واجتنابا للنهي، فإن ترك لك شيئا لا ~~أمر فيه ولا نهي فاعلم أنه ترك لك الاختيار، وأباح لك: تفعل أو لا ~~تفعل. لذلك، فالكفار الذين عبدوا الأصنام والذين أتوا بها حجارة من ~~الصحراء، وأعملوا فيها المعاول والأدوات لينحتوها، وتكسرت منهم فعالجوها، ~~ووقعت فأقاموها، وهم يرون كم هي مهينة بين أيديهم لدرجة أن أحدهم رأى ~~الثعلب يبول برأس أحد الأصنام فقال مستنكرا حماقة هؤلاء الذين يعبدونها: # أرب يبول الثعلبان برأسه # لقد ذل من بالت عليه الثعالب # فإذا ما تورطوا في السؤال عن آلهتهم هذه قالوا: إنها لا تضر ولا تنفع، ~~وما نعبدها إلا ليقربونا إلى الله زلفى، كيف والعبادة طاعة أمر واجتناب ~~نهي. فبأي ms5817 شيء أمرتكم الأصنام؟ وعن أي شيء نهتكم؟! إذن: كلامكم كذب ~~في كذب. وفي قوله تعالى: { ألا تعبدوا إلا إياه.. } ~~[الإسراء: 23]. أسلوب يسمونه أسلوب قصر، يفيد قصر العبادة وإثباتها لله ~~وحده، بحيث لا يشاركه فيها أحد. فلو قالت الآية: وقضى ربك أن تعبدوه.. ~~فلقائل أن يقول: ونعبد غيره لأن باب العطف هنا مفتوح لم يغلق، كما لو ~~قلت: ضربت فلانا وفلانا وفلانا.. هكذا باستخدام العطف. إنما لو ~~قلت، ما ضربت إلا فلانا فقد أغلقت باب العطف. إذن: جاء التعبير بأسلوب ~~القصر ليقول: اقصروا العبادة عليه سبحانه، وانفوها عن غيره. ثم ينقلنا ~~الحق سبحانه إلى التكليف والأمر الثاني بعد عبادته: # وبالوالدين إحسانا.. # [الإسراء: 23]. وقد قرن الله تعالى بين عبادته وبين الإحسان إلى ~~الوالدين في آيات كثيرة، قال تعالى: # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا.. # [النساء: 36]. وقال: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا.. # [الأنعام: 151]. وقال: # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا.. # [العنكبوت: 8]. لكن، لماذا قرن الله تعالى بين عبادته وبين الإحسان إلى ~~الوالدين؟ أتريد أن نقرب الأولى بالثانية، أم نقرب الثانية بالأولى؟ ~~نقول: لا مانع أن يكون الأمران معا لأن الله تعالى غيب، والإيمان به ~~يحتاج إلى إعمال عقل وتفكير، لكن الوالدين بالنسبة للإنسان أمر حسي، ~~فهما سر وجوده المباشر، وهما ربياه ووفرا له كل متطلبات حياته، ~~وهما مصدر العطف والحنان. إذن: التربية والرعاية في الوالدين محسة، ~~أما التربية والرعاية من الله فمعقولة، فأمر الله لك بالإحسان إلى ~~الوالدين دليل على وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، فهو سبحانه الذي ~~خلقك، وهو سبب وجودك الأول، وهو مربيك وصاحب رعايتك، وصاحب الفضل عليك ~~قبل الوالدين، وهل رباك الوالدان بما أوجداه هما، أما بما أوجده الله ~~سبحانه؟ إذن: لا بد أن يلتحم حق الله بحق الوالدين، وأن نأخذ أحدهما ~~دليلا على الآخر. # ونلاحظ أن الحق تبارك وتعالى حين أمرنا بعبادته جاء بأسلوب النفي: { ~~ألا تعبدوا إلا إياه.. } [الإسراء: 23]. يعني نهانا أن ~~نعبد غيره سبحانه، أما حين تكلم ms5818 عن الوالدين فلم يقل مثلا: لا تسيئوا ~~للوالدين، فيأتي بأسلوب نفي كسابقه، لماذا؟ قالوا: لأن فضل الوالدين واضح ~~لا يحتاج إلى إثبات، ولا يحتاج إلى دليل عقلي، وقولك: لا تسيئوا ~~للوالدين يجعلهما مظنة الإساءة، وهذا غير وارد في حقهما، وغير ~~متصور منهما، وأنت إذا نفيت شيئا عن من لا يصح أن ينفي عنه فقد ~~ذممته، كأن تنفي عن أحد الصالحين المشهورين بالتقوى والورع، تنفي عنه ~~شرب الخمر مثلا فهل هذا في حقه مدح أم ذم؟ لأنك ما قلت: إن فلانا لا ~~يشرب الخمر إلا إذا كان الناس تظن فيه ذلك. ومن هنا قالوا: نفي العيب ~~عمن لا يستحق العيب عيب. إذن: لم يذكر الإساءة هنا لأنها لا ترد ~~على البال، ولا تتصور من المولود لوالديه. وبعد ذلك، ورغم ما للوالدين ~~من فضل وجميل عليك فلا تنس أن فضل الله عليك أعظم لأن والديك قد ~~يلدانك ويسلمانك إلى الغير، أما ربك فلن يسلمك إلى أحد. وقوله ~~تعالى: { إحسانا.. } [الإسراء: 23]. كأنه قال: أحسنوا إليهم ~~إحسانا، فحذف الفعل وأتى بمصدره للتأكيد. وقوله تعالى: { إما ~~يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل ~~لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما } ~~[الإسراء: 23]. الحق سبحانه وتعالى حينما يوصينا بالوالدين، مرة تأتي ~~الوصية على إطلاقها، كما قال تعالى: # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه ~~كرها ووضعته كرها.. # [الأحقاف: 14]. ومرة يعلل لهذه الوصية، فيقول: # حملته أمه وهنا على وهن.. # [لقمان: 14]. والذي يتأمل الآيتين السابقتين يجد أن الحق سبحانه ذكر ~~العلة في بر الوالدين، والحيثيات التي استوجبت هذا البر، لكنها ~~خاصة بالأم، ولم تتحدث أبدا عن فضل الأب، فقال: # حملته أمه كرها ووضعته كرها.. # [الأحقاف: 15]. وقال: # حملته أمه وهنا على وهن.. # [لقمان: 14]. فأين دور الأب؟ وأين مجهوداته طوال سنين تربية الأبناء؟ ~~المتتبع لآيات بر الوالدين يجد حيثية مجملة ذكرت دور الأب والأم معا ~~في قوله تعالى: # كما ربياني صغيرا.. # [الإسراء: 24]. لكن قبل أن يربي الأب، وقبل أن يبدأ دوره كان للأم ~~الدور الأكبر لذلك حينما تخاصم الأب والأم ms5819 لدى القاضي على ولد لهما، قالت ~~الأم: لقد حمله خفا وحملته ثقلا، ووضعه شهوة ووضعته كرها. لذلك ~~ذكر القرآن الحيثيات الخاصة بالأم لأنها تحملتها وحدها لم يشاركها فيها ~~الزوج ولأنها حيثيات سابقة لإدراك الابن فلم يشعر بها، فكأنه سبحانه ~~وتعالى أراد أن يذكرنا بفضل الأم الذي لم ندركه ولم نحس به. # وذلك على خلاف دور الأب فهو محسوس ومعروف للابن، فأبوه الذي يوفر له كل ~~ما يحتاج إليه، وكلما طلب شيئا قالوا: حينما يأتي أبوك، فدور الأب - ~~إذن - معلوم لا يحتاج إلى بيان. والآية هنا أوصت بالوالدين في حال ~~الكبر، فلماذا خصت هذه الحال دون غيرها؟ قالوا: لأن الوالدين حال ~~شبابهما وقوتهما ليسا مظنة الإهانة والإهمال، ولا مجال للتأفف ~~والتضجر منهما، فهما في حال القوة والقدرة على مواجهة الحياة، بل العكس ~~هو الصحيح نرى الأولاد في هذه الحال يتقربون للآباء، ويتمنون رضاهما، ~~لينالوا من خيرهما. لكن حالة الكبر، ومظهر الشيخوخة هو مظهر الإعالة ~~والحاجة والضعف، فبعد أن كان معطيا أصبح آخذا، وبعد أن كان عائلا ~~أصبح عالة. لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث الآمينات والمراغم، ~~وكان على المنبر، فسمعه الصحابة يقول: آمين. ثم سكت برهة. وقال: آمين ~~وسكت. ثم قال: آمين. فلما نزل قالوا: يا رسول الله سمعناك تقول: آمين ~~ثلاثا. فقال: # " جاءني جبريل فقال: رغم أنف من ذكرت عنده ولم يصل عليك، قل: ~~آمين. فقلت: آمين، ورغم أنفس من أدرك رمضان فلم يغفر له، قل: آمين. ~~فقلت: آمين، ورغم أنف من أدرك والديه - أو أحدهما - فلم يدخل بهما ~~الجنة، قل: آمين. فقلت: آمين " # فخص الحق سبحانه حال الكبر، لأنه حال الحاجة وحال الضعف لذلك قال ~~أحد الفلاسفة: خير الزواج مبكره، فلما سئل قال: لأنه الطريق الوحيد ~~لإنجاب والد يعولك في طفولة شيخوختك، وشبه الشيخوخة بالطفولة لأن ~~كليهما في حال ضعف وحاجة للرعاية والاهتمام. وصدق الحق سبحانه حين قال: # الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف ~~قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة.. # [الروم: ms5820 54]. فمن تزوج مبكرا فسوف يكون له من أولاده من يعينه ~~ويساعده حال كبره. والمتأمل في قوله تعالى: { إما يبلغن ~~عندك الكبر.. } [الإسراء: 23]. لم تأت صفة الكبر على ~~إطلاقها، بل قيدها بقوله: { عندك } فالمعنى: ليس لهما أحد غيرك ~~يرعاهما، لا أخ ولا أخت ولا قريب يقوم بهذه المهمة، وما دام لم يعد ~~لهما غيرك فلتكن على مستوى المسئولية، ولا تتنصل منها لأنك أولى ~~الناس بها. ويمتد البر بالوالدين إلى ما بعد الحياة بالاستغفار لهما، ~~وإنجاز ما أحدثاه من عهد، ولم يتمكنا من الوفاء به، وكذلك أن نصل ~~الرحم التي لا توصل إلا بهما من قرابة الأب والأم، ونصل كذلك ~~أصدقاءهما وأحبابهما ونودهم. وقد كان صلى الله عليه وسلم يود صاحبات ~~السيدة خديجة - رضي الله عنها - وكان يستقبلهن ويكرمهن. وانظر إلى ~~سمو هذا الخلق الإسلامي، حينما يعدي هذه المعاملة حتى إلى الكفار، ~~فقد جاءت السيدة أسماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله في أمها ~~التي أتتها. # وأظهرت حاجة مع أنها كافرة، فقال لها: # " صلي أمك ". # بل وأكثر من ذلك، إن كان الوالدان كافرين ليس ذلك فحسب بل ويدعوان ~~الابن إلى الكفر، ويجاهدانه عليه، ومع هذا كله يقول الحق سبحانه: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15]. فهذه ارتقاءات ببر الوالدين توضح عظمة هذا الدين ورحمة ~~الخالق سبحانه بالوالدين حتى في حال كفرهما ولددهما في الكفر. ويروى ~~أن خليل الله إبراهيم - عليه السلام - جاءه ضيف بليل، وأراد أن ينزل في ~~ضيافته، فسأله إبراهيم - عليه السلام - عن دينه فقال: مجوسي فأعرض عنه ~~وتركه يذهب. فسرعان ما أوحى الحق سبحانه إلى إبراهيم معاتبا إياه في ~~أمر هذا الضيف: يا إبراهيم لقد وسعته في مكي أعواما عديدة، أطعمه ~~وأسقيه وأكسوه وهو كافر بي، وأنت تعرض عنه وتريد أن تغير دينه من أجل ~~ليلة يبيتها عندك، فأسرع الخليل خلف الضيف حتى لحق به، وحكى له ما حدث، ~~فقال الرجل. نعم الرب رب يعاتب أحبابه ms5821 في أعدائه، وشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأن إبراهيم رسول الله. وقد رأى المستشرقون لضيق أفقهم وقلة ~~فقههم لأسلوب القرآن الكريم، رأوا تناقضا بين قوله تعالى: # وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15]. وبين قوله تعالى: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.. # [المجادلة: 22]. فكيف يأمر القرآن بمصاحبة الوالدين وتقديم المعروف ~~لهما، في حين ينهى عن مودة من حاد الله ورسوله؟ ولو فهم هؤلاء ~~معطيات الأسلوب العربي الذي جاء به القرآن لعلموا أن المعروف غير الود ~~لأن المعروف يصنعه الإنسان مع من يحب، ومع من يكره، مع المؤمن ومع ~~الكافر، تطعمه إذا جاع، وتسقيه إذا عطش، وتستره إن كان عريانا، أما ~~المودة فلا تكون إلا لمن تحب لأنها عمل قلبي. وقوله تعالى: { فلا ~~تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا ~~كريما } [الإسراء: 23] وهذا توجيه وأدب إلهي يراعي الحالة النفسية ~~للوالدين حال كبرهما، وينصح الأبناء أن يكونوا على قدر من الذكاء ~~والفطنة والأدب والرفق في التعامل مع الوالدين في مثل هذه السن. ~~الوالد بعد أن كان يعطيك وينفق عليك أصبح الآن محتاجا إليك، بعد أن ~~كان قويا قادرا على السعي والعمل أصبح الآن قعيد البيت أو طريح ~~الفراش، إذن: هو في وضع يحتاج إلى يقظة ولباقة وسياسة عالية، حتى لا ~~نجرح مشاعره وهي مرهفة في هذا الحال. # وتأمل قول الله تعالى: { فلا تقل لهمآ أف.. } [الإسراء: 23]. ~~وهي لفظة بسيطة أقل ما يقال، وهذه لفظة قسرية تخرج من صاحبها قهرا ~~دون أن تمر على العقل والتفكير، وكثيرا ما نقولها عند الضيق والتبرم ~~من شيء، فالحق سبحانه يمنعك من هذا التعبير القسري، وليس الأمر ~~الاختياري. و { أف } اسم فعل مضارع بمعنى: أتضجر، وهذه الكلمة تدل على ~~انفعال طبيعي، ولكن الحق سبحانه يحذرك منه، ويأمرك بأن تتمالك ~~مشاعرك، وتتحكم في عواطفك، ولا تنطق بهذه اللفظة. ومعلوم أنه سبحانه إذا ~~نهاني عن هذه فقد نهاني عن غيرها من باب أولى، وما ms5822 دامت هي أقل لفظة ~~يمكن أن تقال. إذن: نهاني عن القول وعن الفعل أيضا. ثم أكد هذا ~~التوجيه بقوله: { ولا تنهرهما.. } [الإسراء: 23]. والنهر هو ~~الزجر بقسوة، وهو انفعال تال للتضجر وأشد منه قسوة، وكثيرا ما ~~نرى مثل هذه المواقف في الحياة، فلو تصورنا الابن يعطي والده كوبا من ~~الشاي مثلا فارتعشت يده فأوقع الكوب فوق سجادة ولده الفاخرة، وسريعا ما ~~يتأفف الابن لما حدث لسجادته، ثم يقول للوالد من عبارات التأنيب ما ~~يؤلمه ويجرح مشاعره. إذن: كن على حذر من التأفف، ومن أن تنهر والديك، ~~كن على حذر من هذه الألفاظ التي تسبق إلى اللسان دون فكر، ودون ~~تعقل. ثم بعد هذا النهي المؤكد يأتي أمر جديد ليؤكد النهي السابق: { ~~وقل لهما قولا كريما } [الإسراء: 23]. وفي هذا المقام ~~تروى قصة الشاب الذي أوقع أبوه إناء الطعام على ثيابه، فأخذ الولد ~~يلعق الطعام الذي وقع على ثوبه وهو يقول لوالده: أطعمك الله كما أطعمتني، ~~فحول الإساءة إلى جميل يحمد عليه. والآخر الذي ذهب يتمرغ تحت أقدام ~~أمه، فقال له: كفى يا بني، فقال: إن كنت تحبينني حقا فلا تمنعيني ~~من عمل يدخلني الجنة. والقول الكريم هنا نوع من التصرف واللباقة في ~~معاملة الوالدين، خاصة حال الشيخوخة التي قد تقعد صاحبها، أو المرض ~~الذي يحتاج إلى مساعدة الغير، والأولاد هم أولى الناس بإعالة الوالدين ~~في هذه الظروف، حيث سيبدو من الإنسان ما لا يصح الاطلاع عليه إلا ~~لأولاده وأقرب الناس إليه. وهب أن الوالد المريض أو الذي بلغ من ~~الكبر عتيا يريد أن يقضي حاجته، ويحتاج لمن يحمله ويقعده ويريحه، ~~وينبغي هنا أن يقول الابن لأبيه: هون عليك يا والدي، وأعطني فرصة أرد ~~لك بعض جميلك علي، فلكم فعلت معي أكثر من هذا. وهو مع ذلك يكون ~~محبا لوالده، رفيقا به، حانيا عليه لا يتبرم به، ولا يتضجر منه، ~~هذا هو القول الكريم الذي ينتقيه الأبناء في المواقف المختلفة. فمثلا: ~~قد يزورك أبوك في بيتك وقد يحدث منه أن يكسر شيئا من ms5823 لوازم البيت، ~~فتقول له في هذا الموقف: فداك يا والدي، أو تقول: لا عليك لقد كنت أفكر ~~في شراء واحدة أحدث منها. # أو غيره من القول الكريم الذي يحفظ للوالدين كرامتهما، ولا يجرح ~~شعورهما. وكثيرا ما يأتي المرض مع كبر السن، فترى الوالد طريح الفراش ~~أو مشلولا - عافانا الله وإياكم - لذلك فهو في أمس الحاجة لمن يخفف ~~عنه ويواسيه، ويفتح له باب الأمل في الشفاء ويذكره أن فلانا كان مثله ~~وشفاه الله، وفلانا كان مثله وأخذ الله بيده، وهو الآن بخير، وهكذا. ومع ~~هذا، كن على ذكر لفضل الوالدين عليك، ولا تنس ما كان عندهما حال ~~طفولتك من عاطفة الحب لك والحنان عليك، وأن الله تعالى جعل هذه العاطفة ~~الأبوية تقوى مع ضعفك، وتزيد مع مرضك وحاجتك، فترى الابن الفقير محبوبا ~~عن أخيه الغني، والمريض أو صاحب العاهة محبوبا عن الصحيح، والغائب ~~محبوبا عن الحاضر، والصغير محبوبا عن الكبير، وهكذا على قدر حاجة ~~المربي يكون حنان المربي. إذن: نستطيع أن نأخذ من هذا إشارة دقيقة ~~يجب ألا نغفل عنها، وهي: إن كان بر الوالدين واجبا عليك في حال القوة ~~والشباب والقدرة، فهو أوجب حال كبرهما وعجزهما، أو حال مرضهما. ثم ~~يرشدنا الحق سبحانه إلى حسن معاملة الوالدين، فيقول: { واخفض لهما ~~جناح الذل من الرحمة... }. ### || [17.24] # { واخفض }: الخفض ضد الرفع. { جناح الذل }: الطائر معروف ~~أنه يرفع جناحه ويرفرف به، إن أراد أن يطير، ويخفضه إن أراد أن ~~يحنو على صغاره، ويحتضنهم ويغذيهم. وهذه صورة محسة لنا، يدعونا الحق ~~سبحانه وتعالى أن نقتدي بها، وأن نعامل الوالدين هذه المعاملة، فنحنو ~~عليهم، ونخفض لهم الجناح، كناية عن الطاعة والحنان والتواضع لهما، وإياك ~~أن تكون كالطائر الذي يرفع جناحيه ليطير بهما متعاليا على غيره. ~~وكثيرا ما يعطينا الشرع الحكيم أمثلة ونماذج للرأفة والرحمة في الطيور، ~~ويجعلها قدوة لنا بني البشر. والذي يرى الطائر يحتضن صغاره تحت جناحه، ~~ويزقهم الغذاء يرى عجبا، فالصغار لا يقدرون على مضغ الطعام وتكسيره، ~~وليس لديهم اللعاب الذي يساعدهم على ms5824 أن يزدردوا الطعام فيقوم الوالدان ~~بهذه المهمة، ثم يناولانهم غذاءهم جاهزا يسهل بلعه، وإن تيسر لك رؤية ~~هذا المنظر فسوف ترى الطائر وفراخه يتراقصون فرحة وسعادة. إذن: قوله ~~تعالى: { جناح الذل.. } [الإسراء: 24]. كناية عن الخضوع والتواضع، ~~والذل قد يأتي بمعنى القهر والغلبة، وقد يأتي بمعنى العطف والرحمة، ~~يقول تعالى: # يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه ~~فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة ~~على المؤمنين.. # [المائدة: 54]. فلو كانت الذلة هنا بمعنى القهر لقال: أذلة للمؤمنين، ~~ولكن المعنى: عطوفين على المؤمنين. وفي المقابل # أعزة على الكافرين.. # [المائدة: 54]. أي: أقوياء عليهم قاهرين لهم. وفي آية أخرى يقول تعالى: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم.. # [الفتح: 29]. لأن الخالق سبحانه لم يخلق الإنسان رحيما على الإطلاق ولا ~~شديدا على الإطلاق، بل خلق في المؤمن مرونة تمكنه أن يتكيف تبعا ~~للمواقف التي يمر بها، فإن كان على الكافر كان عزيزا، وإن كان على ~~المؤمن كان ذليلا متواضعا. ونرى وضوح هذه القضية في سيرة الصديق أبي ~~بكر والفاروق عمر رضي الله عنهما، وقد عرف عن الصديق اللين ورقة ~~القلب والرحمة، وعرف عن عمر الشدة في الحق والشجاعة والقوة، فكان عمر ~~كثيرا ما يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تصادم بأحد المعاندين: ~~" إئذن لي يا رسول الله أضرب عنقه ". وعندما حدثت حروب الردة بعد وفاة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم كان لكل منهما موقف مغاير لطبيعته، فكان من ~~رأي عمر ألا يحاربهم في هذه الفترة الحرجة من عمر الدعوة، في حين رأى ~~الصديق محاربتهم والأخذ على أيديهم بشدة حتى يعودوا إلى ساحة الإسلام، ~~ويذعنوا لأمر الله تعالى فقال: " والله، لو منعوني عقالا كانوا ~~يؤدونه لرسول الله لجالدتهم عليه بالسيف، والله لو لم يبق إلا الزرع ~~". وقد جاء هذا الموقف من الصديق والفاروق لحكمة عالية، فلو قال عمر ~~مقالة أبي بكر لكان شيئا طبيعيا ينسب إلى شدة عمر وجرأته، لكنه أتى ~~من صاحب القلب الرحيم الصديق - رضي الله عنه - ليعرف الجميع ms5825 أن الأمر ~~ليس للشدة لذاتها، ولكن للحفاظ على الدين والدفاع عنه. # وكأن الموقف هو الذي صنع أبا بكر، وتطلب منه هذه الشدة التي تغلبت على ~~طابع اللين السائد في أخلاقه. فيقول تعالى: { واخفض لهما جناح ~~الذل من الرحمة.. } [الإسراء: 24]. إذن: الذلة هنا ذلة ~~تواضع ورحمة بالوالدين، ولكن رحمتك أنت لا تكفي، فعليك أن تطلب لهما ~~الرحمة الكبرى من الله تعالى: { وقل رب ارحمهما كما ~~ربياني صغيرا.. } [الإسراء: 24]. لأن رحمتك بهما لا تفي بما ~~قدموه لك، ولا ترد لهما الجميل، وليس البادىء كالمكافىء، فهم أحسنوا ~~إليك بداية وأنت أحسنت إليهما ردا لذلك ادع الله أن يرحمهما، وأن ~~يتكفل سبحانه عنك برد الجميل، وأن يرحمهما رحمة تكافىء إحسانهما إليك. ~~وقوله تعالى: { كما ربياني.. } [الإسراء: 24]. كما: قد تفيد ~~التشبيه، فيكون المعنى: ارحمهما رحمة مثل رحمتهما بي حين ربياني صغيرا. ~~أو تفيد التعليل: أي ارحمهما لأنهما ربياني صغيرا، كما قال تعالى: # واذكروه كما هداكم.. # [البقرة: 198]. و { ربياني } هذه الكلمة أدخلت كل مرب للإنسان ~~في هذا الحكم، وإن لم يكن من الوالدين، لأن الولد قد يربيه غير ~~والديه لأي ظرف من الظروف، والحكم يدور مع العلة وجودا وعدما، فإن ~~رباك غير والديك فلهما ما للوالدين من البر والإحسان وحسن المعاملة ~~والدعاء. وهذه بشرى لمن ربى غير ولده، ولا سيما إن كان المربى ~~يتيما، أو في حكم اليتيم. وفي: { ربياني صغيرا } [الإسراء: 24] ~~اعتراف من الابن بما للوالدين من فضل عليه وجميل يستحق الرد. وبعد ذلك ~~يأتي الحق سبحانه في تذييل هذا الحكم بقضية تشترك فيها معاملة الابن ~~لأبويه مع معاملته لربه عز وجل، فيقول تعالى: { ربكم أعلم ~~بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين... }. ### || [17.25] # وقد سبق أن تكلمنا عن الإيمان والنفاق، وقلنا: إن المؤمن منطقي مع ~~نفسه لأنه آمن بقلبه ولسانه، وأن الكافر كذلك منطقي لأنه كفر بقلبه ~~ولسانه، أما المنافق فغير منطقي مع نفسه لأنه آمن بلسانه وجحد بقلبه. ~~وهذه الآية تدعونا إلى الحديث عن النفاق لأنه ظاهرة من الظواهر المصاحبة ~~للإيمان بالله، وكما نعلم ms5826 فإن النفاق لم يظهر في مكة التي صادمت الإسلام ~~وعاندته، وضيقت عليه، بل ظهر في المدينة التي احتضنت الدين، وانساحت به ~~في شتى بقاع الأرض، وقد يتساءل البعض: كيف ذلك؟ نقول: النفاق ظاهرة صحية ~~إلى جانب الإيمان لأنه لا ينافق إلا القوي، والإسلام في مكة كان ~~ضعيفا، فكان الكفار يجابهونه ولا ينافقونه، فلما تحول إلى المدينة ~~اشتد عوده، وقويت شوكته وبدأ ضعاف النفوس ينافقون المؤمنين. لذلك يقول ~~أحدهم: كيف وقد ذم الله أهل المدينة، وقال عنهم: # ومن أهل المدينة مردوا على النفاق.. # [التوبة: 101]. نقول: لقد مدح القرآن أهل المدينة بما لا مزيد عليه، ~~فقال تعالى في حقهم: # والذين تبوءوا الدار والإيمان.. # [الحشر: 9]. وكأنه جعل الإيمان محلا للنازلين فيه. # يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة.. # [الحشر: 9]. فإن قال بعد ذلك: # ومن أهل المدينة مردوا على النفاق.. # [التوبة: 101]. فالنفاق في المدينة ظاهرة صحية للإيمان لأن الإيمان لو ~~لم يكن قويا في المدينة لما نافقه المنافقون. ومن هنا جعل الله ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار، لأنه مندس بين المؤمنين كواحد ~~منهم، يعايشهم ويعرف أسرارهم، ولا يستطيعون الاحتياط له، فهو عدو من ~~الداخل يصعب تمييزه. على خلاف الكافر، فعداوته واضحة ظاهرة معلنة، فيمكن ~~الاحتياط له وأخذ الحذر منه. ولكن لماذا الحديث عن النفاق ونحن بصدد ~~الحديث عن عبادة الله وحده وبر الوالدين؟ الحق سبحانه وتعالى أراد أن ~~يعطينا إشارة دقيقة إلى أن النفاق كما يكون في الإيمان بالله، يكون كذلك ~~في بر الوالدين، فنرى من الأبناء من يبر أبويه نفاقا وسمعة ~~ورياء، لا إخلاصا لهما، أو اعترافا بفضلهما، أو حرصا عليهما. ~~ولهؤلاء يقول تعالى: { ربكم أعلم بما في نفوسكم.. } ~~[الإسراء: 25]. لأن من الأبناء من يبر أبويه، وهو يدعو الله في نفسه ~~أن يريحه منهما، فجاء الخطاب بصيغة الجمع: { ربكم } أي: رب ~~الابن، ورب الأبوين لأن مصلحتكم عندي سواء، وكما ندافع عن الأب ندافع ~~أيضا عن الابن، حتى لا يقع فيما لا ms5827 تحمد عقباه. وقوله: { إن ~~تكونوا صالحين.. } [الإسراء: 25]. أي: إن توفر فيكم شرط ~~الصلاح، فسوف يجازيكم عليه الجزاء الأوفى. وإن كان غير ذلك وكنتم في ~~أنفسكم غير صالحين غير مخلصين، فارجعوا من قريب، ولا تستمروا في عدم ~~الصلاح، بل عودوا إلى الله وتوبوا إليه. # { فإنه كان للأوابين غفورا } [الإسراء: 25]. والأوابون ~~هم الذين اعترفوا بذنوبهم ورجعوا تائبين إلى ربهم. وقد سبق أن أوضحنا أن ~~مشروعية التوبة من الله للمذنبين رحمة من الخالق بالخلق لأن العبد إذا ~~ارتكب سيئة في غفلة من دينه أو ضميره، ولم تشرع لها توبة لوجدنا هذه ~~السيئة الواحدة تطارده، ويشقى بها طوال حياته، بل وتدعوه إلى سيئة ~~أخرى، وهكذا يشقى به المجتمع. لذلك شرع الخالق سبحانه التوبة ليحفظ ~~سلامة المجتمع وأمنه، وليثري جوانب الخير فيه. ثم يوسع القرآن ~~الكريم دائرة القرابة القريبة وهي " الوالدان " إلى دائرة أوسع منها، ~~فبعد أن حننه على والديه لفت نظره إلى ما يتصل بهما من قرابة، فقال ~~تعالى: { وآت ذا القربى حقه والمسكين... }. ### || [17.26] # الحق سبحانه بعد أن حنن الإنسان على والديه صعد المسألة فحننه ~~على قرابة أبيه وقرابة أمه، فقال: { وآت ذا القربى حقه.. } ~~[الإسراء: 26]. { حقه } لأن الله تعالى جعله حقا للأقارب إن ~~كانوا في حاجة، وإلا فلو كانا غير محتاجين، فالعطاء بينهما هدية متبادلة، ~~فكل قريب يهادي أقرباءه ويهادونه. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يشيع ~~في المجتمع روح التكافل الاجتماعي. لذلك كان بعض فقهاء الأندلس إذا منع ~~الرجل زكاة تقرب من النصاب أمر بقطع يده، كأنه سرقه لأن الله تعالى ~~أسماه حقا فمن منع صاحب الحق من حقه، فكأنه سرقه منه. وقد سلك فقهاء ~~الأندلس هذا المسلك، لأنهم في بلاد ترف وغنى، فتشددوا في هذه المسألة ~~لأنه لا عذر لأحد فيها. لذلك، لما جاء أحد خلفائهم إلى المنذر بن سعيد، ~~وقال: لقد حلفت يمينا، وأرى أن أكفر عنه فأفتاه بأن يصوم ثلاثة ~~أيام، فقال أحدهم: لقد ضيقت واسعا فقد شرع الله للكفارة أيضا إطعام ~~عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ms5828 فرد عليه المنذر قائلا: أو مثل ~~أمير المؤمنين يزجر بإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم؟ إنه يفعل ذلك في ~~اليوم لألف وأكثر، وإنما يزجره الصوم، وهكذا أخذوا الحكم بالروح لا ~~بالنص ليتناسب مع مقدرة الخليفة، ويؤثر في ردعه وزجره. وكلمة حق ~~وردت في القرآن على معنيين: الأول: في قوله تعالى: # والذين في أموالهم حق معلوم # [المعارج: 24]. والحق المعلوم هو الزكاة. أما الحق الآخر فحق غير ~~معلوم وغير موصوف، وهو التطوع والإحسان، حيث تتطوع لله بجنس ما فرضه ~~عليك، كما قال تعالى: # إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من ~~الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * ~~وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 16-19]. ولم يقل: " معلوم ": لأنه إحسان وزيادة عما فرضه ~~الله علينا. ويجب على من يؤتى هذا الحق أن يكون سعيدا به، وأن يعتبره ~~مغنما لا مغرما لأن الدنيا كما نعلم أغيار تتحول وتتقلب بأهلها، ~~فالصحيح قد يصير سقيما، والغني قد يصير فقيرا وهكذا، فإعطاؤك اليوم ~~ضمان لك في المستقبل، وضمان لأولادك من بعدك، والحق الذي تعطيه اليوم هو ~~نفسه الذي قد تحتاجه غدا، إن دارت عليك الدائرة. إذن: فالحق الذي ~~تدفعه اليوم لأصحابه تأمين لك في المستقبل يجعلك تجابه الحياة بقوة، ~~وتجابه الحياة بغير خور وبغير ضعف، وتعلم أن حقك محفوظ في المجتمع، وكذلك ~~إن تركت أولادك في عوز وحاجة، فالمجتمع متكفل بهم. وصدق الله تعالى ~~حين قال: # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]. ولذلك، فالناس أصحاب الارتقاء والإثراء لورعهم لا يعطون ~~الأقارب من أموال الزكاة، بل يخصون بها الفقراء الأباعد عنهم، ويعطون ~~الأقارب من مالهم الخاص مساعدة وإحسانا. # و { المسكين } هو الذي يملك وله مال، لكن لا يكفيه، بدليل قول الحق ~~سبحانه: # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في ~~البحر.. # [الكهف: 79]. أما الفقير فهو الذي لا يملك شيئا، وقد يعكس البعض في ~~تعريف المسكين والفقير، وهذا فهم خاطئ. و { وابن السبيل.. } ~~[الإسراء: 26]. السبيل هو الطريق، والإنسان عادة ينسب إلى بلده، ms5829 ~~فنقول: ابن القاهرة، ابن بورسعيد، فإن كان منقطعا في الطريق وطرأت ~~عليه من الظروف ما أحوجه للعون والمساعدة، وإن كان في الحقيقة صاحب يسار ~~وغنى، كأن يضيع ماله فله حق في مال المسلمين بقدر ما يوصله إلى ~~بلده. وابن السبيل إذا طلب المساعدة لا تسأله عن حقيقة حاله، لأن له حقا ~~واجبا فلا تجعله في وضع مذلة أو حرج. { ولا تبذر تبذيرا } ~~[الإسراء: 26]. كما قال تعالى في آية أخرى: # وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا ~~يحب المسرفين # [الأنعام: 141]. فالتبذير هو الإسراف، مأخوذ من البذر، وهو عملية يقوم ~~بها الفلاح فيأخذ البذور التي يريد زراعتها، وينثرها بيده في أرضه، فإذا ~~كان متقنا لهذه العملية تجده يبذر البذور بنسب متساوية، بحيث يوزع ~~البذور على المساحة المراد زراعتها، وتكون المسافة بين البذور متساوية. ~~وبذلك يفلح الزرع ويعطي المحصول المرجو منه، أما إن بذر البذور بطريقة ~~عشوائية وبدون نظام نجد البذور على مسافات غير متناسبة، فهي كثيرة في ~~مكان، وقليلة في مكان آخر، وهذا ما نسميه تبذيرا، لأنه يضع الحبوب في ~~موضع غير مناسب فهي قليلة في مكان مزدحمة في آخر فيعاق نموها. لذلك، ~~فالحق سبحانه آثر التعبير عن الإسراف بلفظ التبذير لأنه يضع المال في غير ~~موضعه المناسب، وينفق هكذا كلما اتفق دون نظام، فقد يعطي بسخاء في غير ما ~~يلزم، في حين يمسك في الشيء الضروري. إذن: التبذير: صرف المال في غير ~~حله، أو في غير حاجة، أو ضرورة. والنهي عن التبذير هنا قد يراد منه ~~النهي عن التبذير في الإيتاء، يعني حينما تعطي حق الزكاة، فلا تأخذك ~~الأريحية الإيمانية فتعطي أكثر مما يجب عليك، وربما سمعت ثناء الناس ~~وشكرهم فتزيد في عطائك، ثم بعد ذلك وبعد أن تخلو إلى نفسك ربما ندمت ~~على ما فعلت، ولمت نفسك على هذا الإسراف. وقد يكون المعنى: أعط ذا ~~القربى والمساكين وابن السبيل، ولكن لا تبذر في الأمور الأخرى، فالنهي ~~هنا لا يعود إلى الإيتاء، بل إلى الأمور التافهة التي ينفق فيها المال ms5830 ~~في غير ضرورة. ثم يقول الحق سبحانه: { إن المبذرين كانوا ~~إخوان الشياطين... }. ### || [17.27] # كلمة أخ تجمع على إخوة وإخوان. وإخوة: تدل على أخوة النسب، كما في ~~قوله تعالى: # وجآء إخوة يوسف.. # [يوسف: 58]. وتدل أيضا على أخوة الخير والورع والتقوى، كما في قوله ~~تعالى: # إنما المؤمنون إخوة.. # [الحجرات: 10]. ومنها قوله تعالى عن السيدة مريم: # يأخت هارون.. # [مريم: 28]. والمقصود: هارون أخو موسى - عليهما السلام - وبينهما زمن ~~طويل يقارب أحد عشر جيلا، ومع ذلك سماهما القرآن إخوة أي أخوة الورع ~~والتقوى. أما: إخوان، فتدل على أن قوما اجتمعوا على مبدأ واحد، خيرا ~~كان أو شرا، فقد تدل على الاجتماع في الخير، كما في قوله تعالى: # واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا.. # [آل عمران: 103]. وقد تدل على الاجتماع في الشر، كما في قوله تعالى: { ~~إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين.. } [الإسراء: ~~27]. فكأن المبذرين اجتمعوا مع الشياطين في هوية واحدة، وود واحد، ~~وانتظمتهما صفات واحدة من الشر. إذن: كلمة إخوة تدل على أخوة النسب، ~~وقد تتسامى لتدل على أخوة الإيمان التي تنهار أمام قوتها كل الأواصر. ~~ونذكر هنا ما حدث في غزوة بدر بين أخوين من أسرة واحدة هما " مصعب بن ~~عمير " بعد أن آمن وهاجر إلى المدينة وخرج مع جيش المسلمين إلى بدر وأخوه ~~" أبو عزيز " وكان ما يزال كافرا، وخرج مع جيش الكفار من مكة، والتقى ~~الأخوان: المؤمن والكافر. # " ومعلوم أن " مصعب بن عمير " كان من أغنى أغنياء مكة، وكان لا يرتدي ~~إلا أفخر الثياب وألينها، ويتعطر بأثمن العطور حتى كانوا يسمونه مدلل ~~مكة، ثم بعد أن آمن تغير حاله وآثر الإيمان بالله على كل هذا الغنى ~~والنعيم، ثم بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ليعلم الناس ~~أمور دينهم، وفي غزوة أحد رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتدي جلد ~~شاة، فقال: " انظروا ما فعل الإيمان بأخيكم ". # فماذا حدث بين الأخوين المؤمن والكافر؟ وأي الصلات كانت أقوى: صلة ~~الإيمان بالله، أم صلة النسب؟ لما ms5831 دارت المعركة نظر مصعب، فإذا بأخيه ~~وقد أسره أحد المسلمين اسمه " أبو اليسر " فالتفت إليه. وقال: يا ~~أبا اليسر اشدد على أسيرك، فأمه غنية، وسوف تفديه بمال كثير. فنظر ~~إليه " أبو عزيز " وقال: يا مصعب، أهذه وصاتك بأخيك، فقال له مصعب: هذا ~~أخي دونك. فأخوة الدين والإيمان أقوى وأمتن من أخوة النسب، وصدق الله ~~تعالى حين قال: # إنما المؤمنون إخوة.. # [الحجرات: 10]. قوله: { إخوان الشياطين.. } [الإسراء: 27]. أي: ~~أن الحق تبارك وتعالى جعلهما شريكين في صفة واحدة هي التبذير والإسراف، ~~فإن كان المبذر قد أسرف في الإنفاق ووضع المال في غير حله وفي غير ~~ضرورة. فإن الشيطان أسرف في المعصية، فلم يكتف بأن يكون عاصيا في ~~ذاته، بل عدى المعصية إلى غيره وأغوى بها وزينها لذلك وصفه الحق سبحانه ~~بقوله: { وكان الشيطان لربه كفورا } [الإسراء: 27]. ليس ~~كافرا فحسب، بل كفور وهي صيغة مبالغة من الكفر لأنه كفر وعمل على تكفير ~~غيره. ثم يقول الحق سبحانه: { وإما تعرضن عنهم ابتغآء ~~رحمة من ربك ترجوها... }. ### || [17.28] # ولنا أن نسأل: عمن يكون الإعراض؟ فقد سبق الحديث عن الوالدين ~~والأقارب والمسكين وابن السبيل، والإعراض عن هؤلاء لا يتناسب مع سياق ~~الآية لأنه إعراض عن طاعة الله، بدليل قوله: { ابتغآء رحمة من ~~ربك ترجوها.. } [الإسراء: 28]. فالله تعالى في ذهنك، وتبتغي من ~~وراء هذا الإعراض رحمة الله ورزقه وسعته. إذن: الإعراض هنا ليس معصية ~~أو مخالفة. فماذا إذن الغرض من الإعراض هنا؟ نقول: قد يأتيك قريب أو ~~مسكين أو عابر سبيل ويسألك حاجة وأنت لا تملكها في هذا الوقت فتخجل أن ~~تواجهه بالمنع، وتستحي منه، فما يكون منك إلا أن تتوجه إلى ربك عز وجل ~~وتطلب منه ما يسد حاجتك وحاجة سائلك، وأن يجعل لك من هذا الموقف ~~مخرجا. فالمعنى: إما تعرضن عنهم خجلا وحياء أن تواجههم، وليس ~~عندك ما يسد حاجتهم، وأنت في هذا الحال تلجأ إلى الله أن يرحمك رحمة ~~تسعك وتسعهم. وقوله تعالى: { فقل لهم قولا ميسورا } ~~[الإسراء: 28]. كما قال في موضع آخر في مثل ms5832 هذا الموقف: # قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ ~~أذى.. # [البقرة: 263]. فحتى في حال المنع يجب على المسلم أن يلتزم الأدب، ولا ~~يجرح مشاعر السائل، وأن يرده بلين ورفق، وأن يظهر له الحياء ~~والخجل، وألا يتكبر أو يتعالى عليه، وأن يتذكر نعمة الله عليه بأن جعله ~~مسئولا لا سائلا. إذن: فالعبارات والأعمال الصالحة في مثل هذا الموقف ~~لا يكفي فيها أن تقول: ما عندي، فقد يتهمك السائل بالتعالي عليه، أو بعدم ~~الاهتمام به، والاستغناء عنه، وهنا يأتي دور الارتقاءات الإيمانية ~~والأريحية للنفس البشرية التي تسمو بصاحبها إلى أعلى المراتب. وتأمل هذا ~~الارتقاء الإيماني في قوله تعالى عن أصحاب الأعذار في الجهاد: # ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا ~~أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض ~~من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون # [التوبة: 92]. هذه حكاية بعض الصحابة الذين أتوا رسول الله ليخرجوا معه ~~إلى الجهاد، ويضعوا أنفسهم تحت أمره وتصرفه، فإذا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعتذر لهم، فليس لديه من الركائب ما يحملهم عليه إلى الجهاد. ~~فماذا كان من هؤلاء النفر المؤمنين؟ هل انصرفوا ولسان حالهم يقول: لقد ~~فعلنا ما علينا ويفرحون بما انتهوا إليه؟ لا، بل: # تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا ~~يجدوا ما ينفقون # [التوبة: 92]. وهكذا يرتقي الإيمان بأهله، ويسمو بأصحابه، فإذا لم ~~يقدروا على الأعمال النزوعية، فالأعمال القولية، فإذا لم يقدروا على هذه ~~أيضا فلا أقل من الانفعال العاطفي المعبر عن حقيقة الإيمان الذي يفيض ~~دمع الحزن لضيق ذات اليد. ثم يقول الحق سبحانه: { ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط... }. ### || [17.29] # تحدث الحق سبحانه وتعالى في آية سابقة عن المبذرين، وحذرنا من هذه ~~الصفة، وفي هذه الآية يقيم الحق سبحانه موازنة اقتصادية تحفظ للإنسان ~~سلامة حركته في الحياة. فقوله تعالى: { ولا تجعل يدك ~~مغلولة إلى عنقك.. } [الإسراء: 29]. واليد عادة تستخدم في ~~المنح والعطاء، نقول: لفلان يد عندي، وله علي أياد لا تعد، أي: أن ~~نعمه علي كثيرة لأنها ms5833 عادة تؤدي باليد، فقال: لا تجعل يدك التي بها ~~العطاء مغلولة أي: مربوطة إلى عنقك، وحين تقيد اليد إلى العنق لا ~~تستطيع الإنفاق، فهي هنا كناية عن البخل والإمساك. وفي المقابل: { ~~ولا تبسطها كل البسط.. } [الإسراء: 29]. فالنهي هنا عن كل ~~البسط، إذن: فيباح بعض البسط، وهو الإنفاق في حدود الحاجة والضرورة. ~~وبسط اليد كناية عن البذل والعطاء، وهكذا يلتقي هذا المعنى بمعنى كل ~~من بذر ومعنى بذر الذي سبق الحديث عنه. فبذر: أخذ حفنة من الحب، ~~وبسط بها يده مرة واحدة، فأحدثت كومة من النبات الذي يأكل بعضه ~~بعضا، وهذا هو التبذير المنهي عنه، أما الآخر صاحب الخبرة في عملية ~~البذر فيأخذ حفنة الحب، ويقبض عليها بعض الشيء بالقدر الذي يسمح ~~بتفلت حبات التقاوي واحدة بعد الأخرى، وعلى مسافات متقاربة ومتساوية أي ~~[بذر]. وهذا هو حد الاعتدال المرغوب فيه من الشرع الحكيم، وهو الوسط، ~~وكلا طرفيه مذموم. وقد أتى هذا المعنى أيضا في قول الحق سبحانه وتعالى: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67]. أي: اعتدال وتوسط. إذن: لا تبسط يدك كل البسط فتنفق ~~كل ما لديك، ولكن بعض البسط الذي يبقى لك سيئا تدخره، وتتمكن من ~~خلاله أن ترتقي بحياتك. وقد سبق أن أوضحنا الحكمة من هذا الاعتدال في ~~الإنفاق، وقلنا: إن الإنفاق المتوازن يثري حركة الحياة، ويسهم في ~~إنمائها ورقيها، على خلاف القبض والإمساك، فإنه يعرقل حركة الحياة، ~~وينتج عنه عطالة وبطالة وركود في الأسواق وكساد يفسد الحياة، ويعرق ~~حركتها. إذن: لا بد من الإنفاق لكي تساهم في سير عجلة الحياة، ولا ~~بد أن يكون الإنفاق معتدلا حتى تبقي على شيء من دخلك، تستطيع أن ~~ترتقي به، وترفع من مستواك المادي في دنيا الناس. فالمبذر والمسرف تجده ~~في مكانه، لا يتقدم في الحياة خطوة واحدة، كيف وهو لا يبقي على شيء؟ ~~وبهذا التوجيه الإلهي الحكيم نضمن سلامة الحركة في الحياة، ونوفر ~~الارتقاء الاجتماعي والارتقاء الفردي. ثم تأتي النتيجة الطبيعية للإسراف ~~والتبذير: { فتقعد ملوما ms5834 محسورا } [الإسراء: 29]. وسبق أن ~~أوضحنا أن وضع القعود يدل على عدم القدرة على القيام ومواجهة الحياة، ~~وهو وضع يناسب من أسرف حتى لم يعد لديه شيء. # وكلمة { فتقعد } تفيد انتقاص حركة الحياة لأن حركة الحياة تنشأ من ~~القيام عليها والحركة فيها لذلك قال تعالى: # لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي ~~الضرر والمجاهدون في سبيل الله.. # [النساء: 95]. { ملوما } أي: أتى بفعل يلام عليه، ويؤنب من ~~أجله، وأول من يلوم المسرف أولاده وأهله، وكذلك الممسك البخيل، ~~فكلاهما ملوم لتصرفه غير المتزن. { محسورا } أي: نادما على ما ~~صرت فيه من العدم والفاقة، أو من قولهم: بعير محسور. أي: لا يستطيع ~~القيام بحمله. وهكذا المسرف لا يستطيع الارتقاء بحياته، أو القيام ~~بأعبائها وطموحاتها المستقبل له ولأولاده من بعده. فإن قبضت كل القبض ~~فأنت ملوم، وإن بسطت كل البسط فتقعد محسورا عن طموحات الحياة ~~التي لا تقوى عليها. إذن: فكلا الطرفين مذموم، ويترتب عليه سوء لا ~~تحمد عقباه في حياة الفرد والمجتمع. إذن: فما القصد؟ القصد أن يسير ~~الإنسان قواما بين الإسراف والتقتير، كما قال تعالى: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67]. فالقرآن يضع لنا دستورا حاسما وسطا ينظم الحركة ~~الاقتصادية في حياة المجتمع، فابسط يدك بالإنفاق لكي تساهم في سير ~~عجلة الحياة وتنشيط البيع والشراء، لكن ليس كل البسط، بل تبقي من دخلك ~~على شيء لتحقق طموحاتك في الحياة، وكذلك لا تمسك وتقتر على نفسك ~~وأولادك فيلومونك ويكرهون البقاء معك، وتكون عضوا خاملا في مجتمعك، لا ~~تتفاعل معه، ولا تسهم في إثراء حركته. والحق سبحانه وتعالى وهو صاحب ~~الخزائن التي لا تنفذ، وهو القائل: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق.. # [النحل: 96]. ولو أعطى سبحانه جميع خلقه كل ما يريدون ما نقص ذلك من ~~ملكه سبحانه، كما قال في الحديث القدسي: # " يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، وشاهدكم وغائبكم، ~~وإنسكم وجنكم، اجتمعوا في صعيد واحد، فسألني كل مسألته فأعطيتها له ما ~~نقص ذلك مما عندي ms5835 إلا كمغرز إبرة أحدكم إذا غمسه في البحر، ذلك أني ~~جواد واجد ماجد، عطائي كلام وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن ~~أقول له كن فيكون ". # ثم يقول الحق سبحانه: { إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء ~~ويقدر... }. ### || [17.30] # الله الذي لا تنفد خزائنه يعطي خلقه بقدر، فلا يبسط لهم الرزق كل ~~البسط، ولا يقبضه عنهم كل القبض، بل يبسط على قوم، ويقبض على ~~آخرين لتسير حركة الحياة لأنه سبحانه لو بسط الرزق ووسعه على جميع ~~الناس لاستغنى الناس عن الناس، وحدثت بينهم مقاطعة تفسد عليهم حياتهم. ~~إنما حركة الحياة تتطلب أن يحتاج صاحب المال إلى عمل، وصاحب العمل إلى ~~مال، فتلتقي حاجات الناس بعضهم لبعض، وبذلك يتكامل الناس، ويشعر كل عضو ~~في المجتمع بأهميته ودوره في الحياة. وسبق أن ذكرنا أن الحق سبحانه لم ~~يجعل إنسانا مجمعا للمواهب، بل المواهب موزعة بين الخلق جميعهم، ~~فأنت صاحب موهبة في مجال، وأنا صاحب موهبة في مجال آخر وهكذا، ليظل الناس ~~يحتاج بعضهم لبعض. فالغني صاحب المال الذي ربما تعالى بماله وتكبر به ~~على الناس يحوجه الله لأقل المهن التي يستنكف أن يصنعها، ولا بد له ~~منها لكي يزاول حركة الحياة. والحق سبحانه لا يريد في حركة الحياة أن ~~يتفضل الناس على الناس، بل لا بد أن ترتبط مصالح الناس عند الناس ~~بحاجة بعضهم لبعض. فإذا كان الحق تبارك وتعالى لا يبسط لعباده كل ~~البسط، ولا يقبض عنهم كل القبض، بل يقبض ويبسط، فوراء ذلك حكمة لله ~~تعالى بالغة لذلك ارتضى هذا الاعتدال منهجا لعباده ينظم حياتهم، وعلى ~~العبد أن يرضى بما قسم له في الحالتين، وأن يسير في حركة حياته سيرا ~~يناسب ما قدره الله له من الرزق. يقول تعالى: # ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله.. # [الطلاق: 7]. أي: من ضيق عليه الرزق فلينفق على قدره، ولا يتطلع ~~إلى ما هو فوق قدرته وإمكاناته، وهذه نظرية اقتصادية تضمن للإنسان الراحة ~~في الدنيا، وتوفر له سلامة العيش. ورحم الله امرءا عرف ms5836 قدر نفسه لأن ~~الذي يتعب الناس في الحياة ويشقيهم أن ترى الفقير الذي ضيق عليه ~~في الرزق يريد أن يعيش عيشة الموسع عليه رزقه، ويتطلع إلى ما فضل ~~الله به غيره عليه. فلو تصورنا مثلا زميلين في عمل واحد يتقاضيان نفس ~~الراتب: الأول: غني وفي سعة من العيش قد يأخذ من أبيه فوق راتبه. ~~والآخر: فقير ربما يساعد أباه في نفقات الأسرة. فإذا دخلا محلا لشراء ~~شيء ما، فعلى الفقير ألا ينظر إلى وضعه الوظيفي، بل إلى وضعه ~~ومستواه المادي، فيشتري بما يتناسب معه، ولا يطمع أن يكون مثل زميله لأن ~~لكل منهما قدرة وإمكانية يجب ألا يخرج عنها. هذه هي النظرة الاقتصادية ~~الدقيقة، والتصرف الإيماني المتزن لذلك فالذي يحترم قضاء الله ويرضى ~~بما قسمه له ويعيش في نطاقه غير متمرد عليه، يقول له الحق سبحانه: لقد ~~رضيت بقدري فيك فسوف أرفعك إلى قدري عندك، ثم يعطيه ويوسع عليه بعد ~~الضيق. # وهذا مشاهد لنا في الحياة، والأمثلة عليه واضحة، فكم من أناس كانوا ~~في فقر وضيق عيش، فلما رضوا بما قسمه الله ارتقت حياتهم وتبدل ~~حالهم إلى سعة وترف. فالحق سبحانه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر لأنه ~~سبحانه يريد أن يضع الإنسان نفسه دائما في مقام الخلافة في الأرض، ولا ~~ينسى هذه الحقيقة، فيظن أنه أصيل فيها. والخيبة كل الخيبة أن ينسى ~~الإنسان أنه خليفة لله في الأرض، ويسير في حركة الحياة على أنه أصيل في ~~الكون، فأنت فقط خليفة لمن استخلفك، ممدود ممن أمدك، فإياك أن ~~تغتر، وإياك أن تعيش في مستوى فوق المستوى الذي قدره الله لك. فإن ~~اعتبرت نفسك أصيلا ضل الكون كله لأن الله تعالى جعل الدنيا أغيارا ~~وجعلها دولا، فالذي وسع عليه اليوم قد يضيق عليه غدا، والذي ~~ضيق عليه اليوم قد يوسع عليه غدا. وهذه سنة من سنن الله في ~~خلقه ليدك في الإنسان غرور الاستغناء عن الله. فلو متع الله ~~الإنسان بالغنى دائما لما استمتع الكون بلذة: يا رب ارزقني، ولو متعة ~~بالصحة ms5837 دائما لما استمتع الكون بلذة: يا رب اشفني. لذلك يظل الإنسان ~~موصولا بالمنعم سبحانه محتاجا إليه داعيا إياه. وقد قال تعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. فالحاجة هي التي تربط الإنسان بربه، وتوصله به سبحانه. ~~فالبسط والتضييق من الله تعالى له حكمة، فلا يبسط لهم الرزق كل البسط، ~~فيعطيهم كل ما يريدون، ولا يقبض عنهم كل القبض فيحرمهم ويريهم ما ~~يكرهون، بل يعطي بحساب وبقدر لتستقيم حركة الحياة، كما قال تعالى في آية ~~أخرى: # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~ولكن ينزل بقدر ما يشآء.. # [الشورى: 27]. وقوله تعالى: { إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا } [الإسراء: 30]. لأن الحق سبحانه لو لم يوزع الرزق هذا ~~التوزيع الحكيم لاختل ميزان العالم، فمن بسط له يستغني عن غيره ~~فيما بسط له فيه، ومن ضيق عليه يتمرد على الكون ويحقد على الناس، ~~ويحسدهم ويعاديهم. إنما إذا علم الجميع أن هذا بقدر الله وحكمته فسوف يظل ~~الكون المخلوق موصولا بالمكون الخالق سبحانه. وفي قوله: { إن ~~ربك.. } [الإسراء: 30]. ملمح لطيف: أي ربك يا محمد وأنت أكرم الخلق ~~عليه، ومع ذلك بسط لك حتى صرت تعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وقبض ~~عنك حتى تربط الحجر على بطنك من الجوع. فإن كانت هذه حاله صلى الله عليه ~~وسلم فلا يستنكف أحد منا إن ضيق الله عليه الرزق، ومن منا ربط الحجر ~~على بطنه من الجوع؟! وبعد أن حدثنا الحق سبحانه عن فرع من فروع الحياة ~~وهو المال، ورسم لنا المنهج الذي تستقيم الحياة به ويسير الإنسان به ~~سيرا يحقق له العيش الكريم والحياة السعيدة، ويضمن له الارتقاءات ~~والطموحات التي يتطلع إليها. أراد سبحانه أن يحدثنا عن الحياة في ~~أصلها، فأمر باستبقاء النسل، ونهى عن قتله فقال تعالى: { ولا ~~تقتلوا أولادكم خشية إملاق... }. ### || [17.31] # وواضح الصلة بين هذه الآية وسابقتها لأن الكلام هنا ما يزال في الرزق، ~~والخالق سبحانه يحذرنا: إياكم أن تدخلوا مسألة الرزق في حسابكم ~~لأنكم لم تخلقوا أنفسكم، ولم تخلقوا أولادكم ms5838 ولا ذريتكم. بل الخالق ~~سبحانه هو الذي خلقكم وخلقهم، وهو الذي استدعاكم واستدعاهم إلى الوجود، ~~وما دام هو سبحانه الذي خلق، وهو الذي استدعى إلى الوجود فهو المتكفل ~~برزق الجميع، فإياك أن تتعدى اختصاصك، وتدخل أنفك في هذه المسألة، ~~وخاصة إذا كانت تتعلق بالأولاد. وقوله تعالى: { ولا تقتلوا ~~أولادكم.. } [الإسراء: 31]. القتل: إزهاق الحياة، وكذلك الموت. ولكن ~~بينهما فرق يجب ملاحظته: فالقتل: إزهاق الحياة بنقض البنية لأن ~~الإنسان يتكون من بنية بناها الخالق سبحانه وتعالى، وهي أجهزة الجسم، ثم ~~يعطيها الروح فتنشأ فيها الحياة. فإذا ضرب إنسان إنسانا آخر على رأسه ~~مثلا، فقد يتلف مخه فتنتهي حياته، لكن تنتهي بنقض البنية التي بها ~~الحياة، لأن الروح لا تبقى إلا في جسم له مواصفات خاصة، فإذا ما تغيرت ~~هذه الصفات فارقته الروح. أما الموت: فيبدأ بمفارقة الروح للجسد، ثم ~~تنقض بنيته بعد ذلك. وتتلف أعضاؤه، فالموت يتم في سلامة الأعضاء. وما ~~أشبه هذه المسألة بلمبة الكهرباء التي لا تضيء، إلا إذا توافرت لها ~~مواصفات خاصة: من مولد أو مصدر للكهرباء، وسلك موصل ولمبة كهرباء، ~~فإذا كسرت هذه اللمبة يذهب النور، لماذا؟ لأنك نقضت شيئا أساسيا في ~~عملية الإنارة هذه. وكذلك إذا صوب واحد رصاصة مثلا في قلب الآخر فإنه ~~يموت وتفارقه الروح لأنك نقضت عنصرا أساسيا من بنية الإنسان، ولا ~~تستمر الروح في جسده بدونها. لذلك ليس في الشرع عقوبة على الموت - ونقصد ~~به هنا الموت الطبيعي الذي يبدأ بخروج الروح من الجسد - لكن توجد عقوبة ~~على القتل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ملعون من هدم بنيان الله ". # لأن حياة كل منا هي بناء أقامه الخالق تبارك وتعالى، وهو ملك لخالقه ~~لا يجوز حتى لصاحبه أن ينقضه، وإلا فلماذا حرم الإسلام الانتحار، ~~وجعله كفرا بالله؟! إذن: المنهي عنه في الآية القتل لأنه من عمل البشر، ~~وليس الموت. وقد أوضح القرآن الكريم هذه المسألة في قوله تعالى: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم ms5839 على أعقابكم.. # [آل عمران: 144]. فالقتل غير الموت، القتل اعتداء على بنية إنسان آخر ~~وهدم لها. وقوله تعالى: { أولادكم.. } [الإسراء: 31]. الأولاد ~~تطلق على الذكر والأنثى، ولكن المشهور في استقصاء التاريخ أنهم كانوا ~~يئدون البنات خاصة دون الذكور، وفي القرآن الكريم: # وإذا الموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت # [التكوير: 8-9]. لأنهم في هذه العصور كانوا يعتبرون الذكور عونا ~~وعدة في معترك الحياة، وما يملؤها من هجمات بعضهم على بعض، كما ~~يرون فيهم العزوة والامتداد. في حين يعتبرون البنات مصدرا للعار، ~~خاصة في ظل الفقر والعوز والحاجة، فلربما يستميل البنت ذو غنى إلى ~~شيء من المكروه في عرضها، وبهذا الفهم يؤول المعنى إلى الرزق أيضا. ~~وقوله: { خشية إملاق.. } [الإسراء: 31]. أي: خوفا من الفقر، ~~والإملاق: مأخوذة من ملق وتملق، وكلها تعود إلى الافتقار لأن الإنسان ~~لا يتملق إنسانا إلا إذا كان فقيرا لما عنده محتاجا إليه، فيتملقه ~~ليأخذ منه حاجته. وقوله: { نحن نرزقهم وإياكم.. } ~~[الإسراء: 31]. وفي هذه الآية ملمح لطيف يجب التنبه إليه وفهمه ~~لنتمكن من الرد على أعداء القرآن الذين يتهمونه بالتناقض. الحق سبحانه ~~وتعالى يقول هنا: { خشية إملاق.. } [الإسراء: 31]. أي: خوفا من ~~الفقر، فالفقر - إذن - لم يأت بعد، بل هو محتمل الحدوث في مستقبل ~~الأيام، فالرزق موجود وميسور، فالذي يقتل أولاده في هذه الحالة غير مشغول ~~برزقه، بل مشغول برزق أولاده في المستقبل لذلك جاء الترتيب هكذا: { ~~نحن نرزقهم.. } [الإسراء: 31]. أولا: لأن المولود يولد ~~ويولد معه رزقه، فلا تنشغلوا بهذه المسألة لأنها ليست من اختصاصكم. ~~ثم: { وإياكم.. } [الإسراء: 31]. أي: أن رزق هؤلاء الأبناء ~~مقدم على رزقكم أنتم. ويمكن أن يفهم المعنى على أنه: لا تقتلوا ~~أولادكم خوفا من الفقر، فنحن نرزقكم من خلالهم، ومن أجلهم. ونهتم ~~بتوضيح هذه المسألة لأن أعداء الدين الذين ينقبون في القرآن عن مأخذ ~~يرون تعارضا أو تكرارا بين هذه الآية التي معنا وبين آية أخرى تقول: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم.. # [الأنعام: 151]. ونقول لهؤلاء: لقد استقبلتم الأسلوب القرآني بغير ~~الملكة العربية في فهمه، فأسلوب القرآن ms5840 ليس صناعة جامدة، بل هو أسلوب ~~بليغ يحتاج في فهمه وتدبره إلى ذوق وحس لغوي. وإذا استقبلتم ~~كلام الله استقبالا سليما فلن تجدوا فيه تعارضا ولا تكرارا، فليست ~~الأولى أبلغ من الثانية، ولا الثانية أبلغ من الأولى، بل كل آية بليغة ~~في موضوعها لأن الآيتين وإن تشابهتا في النظرة العجلى لكن بينهما ~~فرق في المعنى كبير، فآية الإسراء تقول: { نحن نرزقهم ~~وإياكم.. } [الإسراء: 31]. وقد أوضحنا الحكمة من هذا الترتيب: ~~نرزقهم وإياكم. أما في آية الأنعام: # نحن نرزقكم وإياهم.. # [الأنعام: 151]. فلا بد أن نلاحظ أن للآية صدرا وعجزا، ولا يصح ~~أن تفهم أحدهما دون الآخر، بل لا بد أن تجمع في فهم الآية بين صدرها ~~وعجزها، وسوف يستقيم لك المعنى ويخرجك من أي إشكال. وما حدث من هؤلاء ~~أنهم نظروا إلى عجزي الآيتين، وأغفلوا صدريهما، ولو كان الصدر ~~واحدا في الآيتين لكان لهم حق فيما ذهبوا إليه، ولكن صدري الآيتين ~~مختلفان: الأولى: { خشية إملاق. # . } [الإسراء: 31]. والأخرى: # من إملاق.. # [الأنعام: 151]. والفرق واضح بين التعبيرين: فالأول: الفقر غير موجود ~~لأن الخشية من الشيء دليل أنه لم يحدث، ولكنه متوقع في المستقبل، ~~وصاحبه ليس مشغولا برزقه هو، بل برزق من يأتي من أولاده. أما التعبير ~~الثاني: # من إملاق.. # [الأنعام: 151]. فالفقر موجود وحاصل فعلا، والإنسان هنا مشغول برزقه هو ~~لا برزق المستقبل، فناسب هنا أن يقدم الآباء في الرزق عن الأبناء. ~~وما دام الصدر مختلفا، فلا بد أن يختلف العجز، فأين التعارض ~~إذن؟ وهناك ملحظ آخر في الآية الكريمة، وهو أن النهي مخاطب به ~~الجمع: { ولا تقتلوا أولادكم.. } [الإسراء: 31]. فالفاعل ~~جمع، والمفعول به جمع، وسبق أن قلنا: إن الجمع إذا قوبل بالجمع تقتضي ~~القسمة آحادا، فالمعنى: لا يقتل كل واحد منكم ولده. كما يقول المعلم ~~للتلاميذ: أخرجوا كتبكم، والمقصود أن يخرج كل تلميذ كتابه. فإن قال ~~قائل: إن الآية تنهى أن يقتل الأب ولده خوفا من الفقر، لكنها لا ~~تمنع أن يقتل الأب ولد غيره مجاملة له، وهو الآخر يقتل ولد غيره ~~مجاملة له. نقول: ms5841 لا.. لأن معنى الآية ألا يقتل كل الآباء كل الأولاد، ~~فينسحب المعنى على أولادي وأولاد غيري، وهذا هو المراد بمقابلة الجمع ~~بالجمع. أما لو قلنا: إن المعنى: تجاملني وتقتل لي ابني، وأجاملك وأقتل ~~لك ابنك، فهذا لا يستقيم لأن المقابلة هنا ليست مقابلة جمع بجمع. وقوله ~~تعالى: { إن قتلهم كان خطئا كبيرا } [الإسراء: 31]. ~~خطئا مثل خطأ، وهو الإثم والذنب العظيم. وتأتي بالكسر وبالفتح كما ~~نقول: خذوا حذركم، وخذوا حذركم. وكلمة: { خطئا.. } [الإسراء: ~~31]. الخاء والطاء والهمزة تدل على عدم موافقة الصواب، لكن مرة يكون عدم ~~موافقة الصواب لأنك لم تعرف الصواب، ومرة أخرى لم توافق الصواب لأنك ~~عرفت الصواب، ولكنك تجاوزته. فالمعلم حينما يصوب للتلاميذ ~~أخطاءهم أثناء العام الدراسي نجده يوضح للتلميذ ما أخطأ فيه، ثم ~~يصوب له هذا الخطأ، وهو لم يفعل ذلك إلا بعد أن أعلم تلميذه بالقاعدة ~~التي يسير عليها، ولكن التلميذ قد يغفل عن هذه القاعدة فيقع في الخطأ. ~~وهنا لا مانع أن نصوب له خطأه ونرشده لأنه ما يزال في زمن الدرس ~~والتعلم والترويض والتدريب. لكن الأمر يختلف إن كانت هذه الأسئلة في ~~امتحان آخر العام، فالمعلم يبين الخطأ، ولكنه لا يصححه، بل ~~يقدره بالدرجات التي تحسب على التلميذ، وتنتهي المسألة بالنجاح ~~لمن أصاب، وبالفشل لمن أخطأ لأن آخر العام أصبح لديه قواعد ملزمة، ~~عليه أن يسير عليها. وكلمة خطئا أو خطأ مأخوذة من خطا خطوة، وتعني ~~الانتقال بالحركة، فإذا كان الصواب هو الشيء الثابت الذي استقر عليه ~~وتعارف الناس عليه، ثم تجاوزته وانتقلت عنه إلى غيره، فهذا هو الخطأ ~~أي: الخطوة التي جعلتك تتجاوز الصواب. # ومنه قوله تعالى: # ولا تتبعوا خطوات الشيطان.. # [البقرة: 168]. لأنه ينقلكم عن الشيء الثابت المستقر في شريعة الله. ~~والشيء الثابت هنا هو أن الخالق سبحانه خلق الإنسان وكرمه ليكون خليفة ~~له في الأرض ليعمرها، ويقيم فيها بمنهج الخالق سبحانه، فكيف يستخلفك ~~الخالق سبحانه، وتأتي أنت لتقطع هذا الاستخلاف بما تحدثه من قتل ~~الأولاد، وهم بذور الحياة في المستقبل؟ حتى لو أخذنا ms5842 بقول من ذهب إلى ~~أن { أولادكم } المراد بها البنون دون البنات، وسلمنا معه جدلا ~~أنك تميت البنات، وتبقي على الذكور، فما الحال إذا كبر هؤلاء الذكور ~~وطلبوا الزواج؟! وكيف يستمر النسل بذكر دون أنثى؟! إذن: هذا فهم لا ~~يستقيم مع الآية الكريمة، لأن النهي هنا عن قتل الأولاد، وهم البنون ~~والبنات معا. وقد وصف الحق سبحانه الخطأ هنا بأنه كبير، فقال: { خطئا ~~كبيرا } [الإسراء: 31]. ذلك لأنه خطأ من جوانب متعددة: أولهما: أنك ~~بالقتل هدمت بنيان الله، ولا يهدم بنيان الله إلا الله. ثانيها: أنك ~~قطعت سلسلة التناسل في الأرض، وقضيت على الخلافة التي استخلفها الله في ~~الأرض. ثالثها: أنك تعديت على غريزة العطف والحنان لأن ولدك بعض منك، ~~وقتله يجردك من كل معاني الأبوة والرحمة، بل والإنسانية. وهكذا وضع ~~الحق سبحانه لنا ما يضمن بقاء النسل واستمرار خلافة الإنسان لله في أرضه، ~~بأن نهى كل والد أن يقتل ولده، ونهى كل الآباء أن يقتلوا كل الأولاد. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ولا تقربوا الزنى إنه كان ~~فاحشة... }. ### || [17.32] # بعد أن تحدث الحق سبحانه عما يحفظ النسل ويستبقي خلافة الله في الأرض، ~~أراد سبحانه أن يحمي هذا النسل من الضياع، ويوفر له الحياة الكريمة. ~~والإنسان منا حينما يرزق بالولد أو البنت يطير به فرحا، ويؤثره ~~على نفسه، ويخرج اللقمة من فيه ليضعها في فم ولده، ويسعى جاهدا ليوفر ~~له رفاهية العيش، ويؤمن له المستقبل المرضي، وصدق الشاعر حين قال: # إنما أولادنا أكبادنا # تمشي على الأرض # إن هبت الريح على بعضهم # امتنعت عيني عن الغمض # لكن هذا النظام التكافلي الذي جعله الحق سبحانه عمادا تقوم عليه ~~الحياة الأسرية سرعان ما ينهار من أساسه إذا ما دب الشك إلى قلب ~~الأب في نسبة هذا الولد إليه، فتتحول حياته إلى جحيم لا يطاق، وصراع ~~داخلي مرير لا يستطيع مواجهته أو النطق به لأنه طعن في ذاته هو. لذلك ~~يحذرنا الحق - تبارك وتعالى - من هذه الجريمة النكراء ليحفظ على ~~الناس أنسابهم، ويطمئن كل أب إلى نسبة ms5843 أبنائه إليه، فيحنو عليهم ويرعاهم، ~~ويستعذب ألم الحياة ومتاعبها في سبيل راحتهم. فيقول تعالى: { ولا ~~تقربوا الزنى.. } [الإسراء: 32]. والمتأمل في آي القرآن الكريم ~~يجد أن الحق سبحانه حينما يكلمنا عن الأوامر يذيل الأمر بقوله ~~تعالى: # تلك حدود الله فلا تعتدوها.. # [البقرة: 229]. والحديث هنا عن أحكام الطلاق، فقد وضع له الحق سبحانه ~~حدودا، وأمرنا أن نقف عندها لا نتعداها، فكأنه سبحانه أوصلنا إلى هذا ~~الحد، والممنوع أن نتعداه. وأما في النواهي، فيذيلها بقوله: # تلك حدود الله فلا تقربوها.. # [البقرة: 187]. والنهي هنا عن مباشرة النساء حال الاعتكاف، وكأن الحق ~~سبحانه يريد ألا نصل إلى الحد المنهي عنه، وأن يكون بيننا وبينه ~~مسافة، فقال { فلا تقربوها } لنظل على بعد من النواهي، وهذا ~~احتياط واجب حتى لا نقترب من المحظور فنقع فيه. وقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ". # فالحق سبحانه خالق الإنسان، وهو أعلم به لا يريد له أن يقترب من ~~المحظور لأن له بريقا وجاذبية كثيرا ما يضعف الإنسان أمامها لذلك نهاه ~~عن مجرد الاقتراب، وفرق بين الفعل وقربان الفعل، فالمحرم المحظور ~~هنا هو الفعل نفسه، فلماذا إذن حرم الله الاقتراب أيضا، وحذر منه؟ ~~نقول: لأن الله تعالى يريد أن يرحم عواطفك في هذه المسألة بالذات، ~~مسألة الغريزة الجنسية، وهي أقوى غرائز الإنسان، فإن حمت حولها توشك ~~أن تقع فيها، فالابتعاد عنها وعن أسبابها أسلم لك. وحينما تكلم ~~العلماء عن مظاهر الشعور والعلم قسموها إلى ثلاث مراحل: الإدراك، ثم ~~الوجدان، ثم النزوع. فلو فرضنا أنك تسير في بستان فرأيت به وردة جميلة، ~~فلحظة أن نظرت إليها هذا يسمى " الإدراك " لأنك أدركت وجودها بحاسة ~~البصر، ولم يمنعك أحد من النظر إليها والتمتع بجمالها. # فإذا ما أعجبتك وراقك منظرها واستقر في نفسك حبها فهذا يسمى " ~~الوجدان " أي: الانفعال الداخلي لما رأيت، فإذا مددت يدك لتقطفها فهذا ~~" نزوع " أي: عمل فعلي. ففي أي مرحلة من هذه الثلاث يتحكم الشرع؟ الشرع ~~يتحكم في مرحلة النزوع، ولا يمنعك من ms5844 الإدراك، أو من الوجدان، إلا في هذه ~~المسألة " مسألة الغريزة الجنسية " فلا يمكن فيها فصل النزوع عن ~~الوجدان، ولا الوجدان عن الإدراك، فهي مراحل ملتحمة ومتشابكة، بحيث لا ~~تقوى النفس البشرية على الفصل بينها. فإذا رأى الرجل امرأة جميلة، فإن ~~هذه الرؤية سرعان ما تولد إعجابا وميلا، ثم عشقا وغريزة عنيفة ~~تدعوه أن تمتد يده، ويتولد النزوع الذي نخافه، وهنا إما أن ينزع ~~ويلبي نداء غريزته، فيقع المحرم، وإما أن يعف ويظل يعاني مرارة ~~الحرمان. والخالق سبحانه أعلم بطبيعة خلقه، وبما يدور ويختلج داخلهم من ~~أحاسيس ومشاعر لذلك لم يحرم الزنا فحسب، بل حرم كل ما يؤدي إليه ~~بداية من النظر، فقال تعالى: # قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم.. # [النور: 30]. لأنك لو أدركت لوجدت، ولو وجدت لنزعت، فإن أخذت ~~حظك من النزوع أفسدت أعراض الناس، وإن عففت عشت مكبوتا تعاني ~~عشقا لن تناله، وليس لك صبر عنه. إذن: الأسلم لك وللمجتمع، والأحفظ ~~للأعراض وللحرمات أن تغض بصرك عن محارم الناس فترحم أعراضهم وترحم ~~نفسك. لكن هذه الحقيقة كثيرا ما تغيب عن الأذهان، فيغش الإنسان نفسه ~~بالاختلاط المحرم، وإذا ما سئل ادعى البراءة وحسن النية وأخذ من صلة ~~الزمالة أو القرابة أو الجوار ذريعة للمخالطة والمعاشرة وهو لا يدري أنه ~~واهم في هذا كله، وأن خالقه سبحانه أدرى به وأعلم بحاله، وما أمره بغض ~~بصره إلا لما يترتب عليه من مفاسد ومضار، إما تعود على المجتمع، أو عليه ~~نفسه. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلته ~~إيمانا يجد حلاوته في قلبه ". # ومن هنا نفهم مراده سبحانه من قوله: { ولا تقربوا الزنى.. } ~~[الإسراء: 32]. ولم يقل: لا تزنوا. لأن لهذه الجريمة مقدمات تؤدي إليها، ~~فاحذر أن تجعل نفسك على مقربة منها لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع ~~فيه، ودعك ممن ينادون بالاختلاط والإباحية لأن الباطل مهما علا ~~ومهما كثر أتباعه فلن يكون حقا في يوم من الأيام. واحذر ما يشيع على ~~الألسنة ms5845 من قولهم هي بنت عمه، وهو ابن خالها، وهما تربيا في بيت واحد، ~~إلى آخر هذه المقولات الباطلة التي لا تغير من وجه الحرام شيئا، ~~فطالما أن الفتاة تحل لك فلا يجوز لك الخلوة بها. # وفي الحديث النبوي: # " لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ". # إذن: ما حرم الإسلام النظر لمجرد النظر، وما حرم الخلوة في ذاتها ~~ولكن حرمهما لأنهما من دوافع الزنا وأسبابه. فيقول تعالى: { ولا ~~تقربوا الزنى.. } [الإسراء: 32] أبلغ في التحريم وأحوط وأسلم ~~من: لا تزنوا. ومثال ذلك أيضا قوله تعالى في تحريم الخمر: # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه لعلكم تفلحون # [المائدة: 90]. ومع ذلك يخرج علينا من يقول: ليس في القرآن آية واحدة ~~تحرم شرب الخمر.. سبحان الله، فأيهما أبلغ وأشد في التحريم أن نقول ~~لك: لا تشرب الخمر، أم اجتنب الخمر؟ لا تشرب الخمر: نهي عن الشرب ~~فقط. إذن: يباح لك شراؤها وبيعها وصناعتها ونقلها.. الخ. أما ~~الاجتناب فيعني: البعد عنها كلية، وعدم الالتقاء بها في أي مكان، وعلى ~~أية صورة. فالاجتناب - إذن - أشد من مجرد التحريم. وكيف نقول بأن ~~الاجتناب أقل من التحريم، وقد قال تعالى في مسألة هامة من مسائل العقيدة: # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها.. # [الزمر: 17]. فهل تقول في هذه: إن الاجتناب أقل من التحريم؟ وهل عبادة ~~الطاغوت ليست محرمة؟! ثم يقول تعالى: { إنه كان فاحشة.. } ~~[الإسراء: 32]. الفاحشة: هي الشيء الذي اشتد قبحه. وقد جعل الحق سبحانه ~~الزنا فاحشة لأنه سبحانه وتعالى حينما خلق الزوجين: الذكر والأنثى، ~~وقدر أن يكون منهما التناسل والتكاثر قدر لهما أصولا يلتقيان عليها، ~~ومظلة لا يتم الزواج إلا تحتها، ولم يترك هذه المسألة مشاعا يأتيها ~~من يأتيها ليحفظ للناس الأنساب، ويحمي طهارة النسل، فيطمئن كل إنسان ~~إلى سلامة نسبه ونسب أولاده. والمراد من الأصول التي يلتقي عليها الزوجان ~~عقد القران الذي يجمعهما بكلمة الله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ~~وهب أن لك بنتا بلغت سن الزواج، وعلمت أن ms5846 شابا ينظر إليها، أو ~~يحاول الاقتراب منها، أو ما شابه ذلك، ماذا سيكون موقفك؟ لا شك أن نار ~~الغيرة ستشتعل بداخلك، وربما تعرضت لهذا الشاب، وأقمت الدنيا ولم ~~تقعدها. لكن إذا ما طرق هذا الشاب بابك، وتقدم لخطبة ابنتك فسوف ~~تقابله بالترحاب وتسعد به، وتدعو الأهل، وتقيم الزينات والأفراح. إذن: ~~فما الذي حدث؟ وما الذي تغير؟ وما الفرق بين الأولى والثانية؟ الفرق ~~بينهما هو الفرق بين الحلال والحرام لذلك قيل: " جدع الحلال أنف الغيرة ~~". فالذي يغار على بناته من لمسة الهواء تراه عند الزواج يجهز ~~ابنته، ويسلمها بيده إلى زوجها لأنهما التقيا على كلمة الله، هذه الكلمة ~~المقدسة التي تفعل في النفوس الأعاجيب. مجرد أن يقول ولي الزوجة: ~~زوجتك، ويقول الزوج: وأنا قبلت. # تنزل هذه الكلمة على القلوب بردا وسلاما، وتحدث فيها انبساطا ~~وانشراحا لأن لهذه الكلمة المقدسة عملا في التكوين الذاتي للإنسان، ~~ولها أثر في انسجام ذراته، وفي كل قطرة من دمه. ومن آثار كلمة الله التي ~~يلتقي عليها الزوجان، أنها تحدث سيالا بينهما، هو سيال الاستقبال ~~الحسن، وعدم الضجر، وعدم الغيرة والشراسة، فيلتقيان على خير ما يكون ~~اللقاء. ولذلك حينما يشرع لنا الحق تبارك وتعالى العدة، نجد عدة ~~المطلقة غير عدة المتوفى عنها زوجها، وفي هذا الاختلاف حكمة لأن ~~الحق سبحانه يعلم طبيعة النفس البشرية وما يؤثر فيها. ولو كانت الحكمة ~~من العدة مجرد استبراء الرحم لكفى شهر واحد وحيضة واحدة، إنما الأمر ~~أبعد من ذلك، فعند المرأة اعتبارات أخرى وما زالت تحت تأثير الزواج ~~السابق لأن سيال الحال فيه التقاء الإيجاب والسلب من الرجل والمرأة، وقد ~~تعودت المرأة على الإيجاب الحلال والسلب الحلال. فإذا طلقت المرأة ~~فلا يحل لها الزواج قبل انقضاء العدة التي حددها الشرع بثلاثة أشهر، وهي ~~المدة التي يهدأ فيها سيال الحلال في نفسها ويجمد، وبذلك تكون صالحة ~~للالتقاء بزوج آخر. أما في حالة المتوفى عنها زوجها فعدتها أربعة أشهر ~~وعشرة، والحكمة من الفارق بين العدتين أن المطلقة غالبا ما يكون بين ~~الزوجين كره، ms5847 هذا الكره بينهما يساعد على موت السيال لأنها بطبيعة ~~الحال نافرة عنه غير راغبة فيه. أما المتوفى عنها زوجها فقد فارقها دون ~~كره، فرغبتها فيه أشد لذلك تحتاج إلى وقت أطول للتخلص من هذا ~~السيال. والحق سبحانه هنا يراعي طبيعة المرأة ومشاعرها، وعواطف الميل ~~والرغبة في زوجها، ويعلم سبحانه أن هذا الميل وهذه الرغبة تحتاج إلى وقت ~~ليهدأ هذه العواطف لدى المرأة، وتستعد نفسيا للالتقاء بزوج آخر لأن لقاء ~~الزوج بزوجته مسألة لا يحدث الانسجام فيها بالتكوين العقلي، بل الانسجام ~~فيها بالتكوين العاطفي الغريزي الذي يعتمد بالدرجة الأولى على توافق ~~الذرات بين الذكر والأنثى. هذا التوافق هو الذي يولد ذرات موجبة، وذرات ~~سالبة، فيحدث التوافق، ويحدث الحب والعشق الذي يجمعهما ويمتزجان من ~~خلاله. وهذا - كما قلنا - أثر من آثار كلمة الله التي اجتمعا عليها وتحت ~~ظلها. وهكذا يلتقي الزوجان في راحة وهدوء نفسي، ويسكن كل منهما للآخر لأن ~~ذراتهما انسجمت وتآلفت ويفرح الأهل ويسعد الجميع، وصدق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين قال في وصيته بالنساء: # " إنما استحللتم فروجهن بكلمة الله " # وهذه الكلمة من الله تعالى الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلحه ولك أن ~~تتصور الحال إن تم هذا اللقاء فيما حرم الله، وبدون هذه الكلمة ~~وما يحدث فيه من تنافر الذرات وعدم انسجام ونكد ومرارة لا تنتهي، ما ~~بقيت فيهما أنفاس الحياة. لذلك سماه القرآن فاحشة، والدليل على ~~فحشه أن الموصوم به يحب ألا يعرف، وأن تظل جرائمه خلسة من ~~المجتمع، وأن الذي يقترف هذه الفاحشة يكره أن تفعل في محارمه، ويكفيها ~~فحشا أن الله تعالى سماها فاحشة، وشرع لها حدا يقام على مرتكبها ~~علانية أمام أعين الجميع. # وقد عالج رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الداء، حينما أتاه شاب يشتكي ~~ضعفه أمام غريزته الجنسية، ويقول له: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم أتى بقضايا دينيه عامة للجميع، ولكن حين يعالج ~~داءات المجتمع يعالج كل إنسان بما يناسبه، وعلى حسب ما ms5848 فيه من داءات ~~الضعف أمام شهوات نفسه. ويتضح لنا هذا المنهج النبوي في جواب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وقد سئل كثيرا عن أفضل الأعمال، فقال لأحدهم: # " الصلاة لوقتها ". # وقال لآخر: # " أن تلقى أخاك بوجه طلق ". # وقال لآخر: # " أن تبر أخاك ". # وهكذا تعددت الإجابات، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصف مزيجا ~~عاما يعطيه للجميع، بل يعطي لكل سائل الجرعة التي تصلح خللا في ~~إيمانه، كالطبيب الذي يهتم بعلاج مريضه، فيجرى له التحاليل والفحوصات ~~اللازمة ليقف على موضع المرض ويصف العلاج المناسب. فكيف استقبل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هذا الشاب الذي جاءه يقول: يا رسول الله إنني ~~أصلي وأصوم، وأفعل كل أوامر الدين إلا أنني لا أقدر على مقاومة هذه ~~الغريزة؟ هل نهره واعتبره شاذا، وأغلق الباب في وجهه؟ لا والله، بل ~~اعتبره مريضا جاء يطلب العلاج بعد أن اعترف بمرضه، والاعتراف بالمرض ~~أولى خطوات الشفاء والعافية. وهذا الشاب ما جاء لرسول الله إلا وهو كاره ~~لمرضه، وأول ظاهرة في العافية أن تعترف بمرضك، ولا تتكبر عليه، فإن ~~تكبرت عليه استفحل واستعصى على العلاج. وقد اعتبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم شكوى هذا الشاب ظاهرة صحية في إيمانه لأنه ما جاء يشكو إلا وهو ~~كاره لهذه الجريمة، ويجد لها شيئا في نفسه، وانظر كيف عالجه النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " أجلسه، ثم قال له: " يا أخا العرب أتحب هذا لأمك؟ " فانتفض الشاب، ~~وتغير وجهه وقال: لا يا رسول الله جعلت فداك، فقال: " أتحبه ~~لأختك؟ أتحبه لزوجتك؟ أتحبه لبناتك؟ " والشاب يقول في كل مرة: لا يا رسول ~~الله جعلت فداك. ثم قال صلى الله عليه وسلم: " وكذلك الناس لا ~~يحبونه لأمهاتهم ولا لأخواتهم ولا لزوجاتهم ولا لبناتهم " ثم وضع يده ~~الشريفة على صدر هذا الشاب ودعا له: " اللهم نق صدره، وحصن فرجه ~~". # وانصرف الشاب وهو يقول: لقد خرجت من عند رسول الله وليس أكره عندي من ~~الزنا، ووالله ما هممت بشيء من ذلك إلا وذكرت أمي وأختي ms5849 وزوجتي ~~وبناتي. # وما أشبه طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم في علاج هذا الشاب بما يفعله ~~أهل الصيدلة، فعندهم مصطلح يسمونه " برشمة المر " ، فإن كان الدواء ~~مرا لا يستسيغه المريض غلفوه بمادة سكرية حتى يمر من منطقة ~~التذوق، فلا يشعر المريض بمرارته. وقد جعل الخالق سبحانه منطقة التذوق في ~~اللسان فحسب، دون غيره من الأعضاء التي يمر بها الطعام، واللسان آية من ~~آيات الله في خلق الإنسان، ومظهر من مظاهر قدرته سبحانه، حيث جعل فيه ~~حلمات دقيقة يختص كل منها بتذوق نوع من الطعام: فهذه للحلو، وهذه ~~للمر، وهذه للحريف، وهكذا، مع أنها متراصة وملتصقة بعضها ببعض. ~~وكما تحدث برشمة الدواء الحسي المر، كذلك يحدث في العلاجات الأدبية ~~المعنوية، فيغلف الناصح نصيحته ليقبلها المتلقي ويتأثر بها لذلك ~~قالوا: النصح ثقيل، فاستعيروا له خفة البيان. وقالوا: الحقائق مرة، ~~فلا ترسلوها جبلا، ولا تجعلوها جدلا. وعلى الناصح أن يراعي حال ~~المنصوح، وأن يرفق به، فلا يجمع عليه قسوة الحرمان مما ألف مع قسوة ~~النصيحة. وقد وضع لنا الحق سبحانه المنهج الدعوي الذي يجب أن نسير عليه ~~في قوله تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة.. # [النحل: 125]. ومن أدب النصيحة أيضا الذي تعلمناه من النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن تكون سرا، فليس من مصلحة أحد أن تذاع الأسرار لأن ~~لها أثرا سلبيا في حياة المجتمع كله وفي المنصوح نفسه، فإن سترت ~~عليه في نصيحتك له كان أدعى إلى قبوله لما تقوله، وقديما قالوا: من ~~نصح أخاه سرا فقد ستره وزانه، ومن نصحه جهرا فقد فضحه وشانه. ~~ثم يقول تعالى: { وسآء سبيلا } [الإسراء: 32]. والسبيل هو الطريق ~~الموصل لغاية، وغاية الحياة أننا مستخلفون في الأرض، خلقنا الله ~~لعمارتها والسعي فيها بما يسعدنا جميعا، ويعود علينا بالخير والصلاح، ~~فإذا ضل الإنسان وانحرف عما رسمه له ربه أفسد هذه الخلافة، وأشقى ~~الدنيا كلها بدل أن يسعدها. وأعتقد أن ما نشاهده الآن في بيئات ~~الانحلال والانحراف، وما امتد منهم إلى بلاد الإسلام من التفزيع والرعب ~~يجعلنا ms5850 نؤمن بأن الزنا فعلا ساء سبيلا، وساء طريقا ومسلكا، يقضي على ~~سلامة المجتمع وأمنه وسعادته. ويكفي أنك إذا خرجت من بيتك في مهمة ~~تستلزم المبيت تأخذ جميع لوازمك وأدواتك الشخصية، وتخاف من شبح العدوى ~~الذي يطاردك في كل مكان، في الحجرة التي تدخلها، وفي السرير الذي تنام ~~عليه، وفي دورة المياه التي تستعملها، الجميع في رعب وفي هلع، والإيدز ~~ينتشر انتشار النار في الهشيم، وأصبح لا يسلم منه حتى الأسوياء الأطهار. ~~وما حدث هذا الفزع إلا نتيجة لخروج الإنسان عن منهج الله خروجا جعل هذه ~~المسألة فوضى لا ضابط لها، فأحدث الله لهم من الأمراض والبلايا بقدر ~~فجورهم وعصيانهم، وما داموا لم يأتوا بالحسنى فليأتوا راغمين مفزعين. # لذلك العالم كله الآن يباشر مشروعات عفة وطهارة، لا عن إيمان بشرع ~~الله، ولكن عن خوف وهلع من أمراض شتى لا ترحم ولا تفرق بين واحد ~~وآخر. إذن: الزنا فاحشة وساء سبيلا، وها هي الأحداث والوقائع تثبت ~~صدق هذه الآية، وتثبت أن أي خروج من الخلق عن منهج الخالق لن يكون ~~وراءه إلا نكد الدنيا قبل أن ينتظرهم في الآخرة. والآن وقد ضمنا ~~سلامة الأعراض، وضمنا طهارة النسل، وأصبح لدينا مجتمع طاهر سليم، ~~يأمن فيه الإنسان على هذا الجانب، فلا بد إذن أن نحافظ فيه على ~~الأرواح، فلا يعتدي أحد على أحد، فيقول تعالى: { ولا تقتلوا ~~النفس التي حرم الله إلا بالحق... }. ### || [17.33] # قوله تعالى: { ولا تقتلوا النفس.. } [الإسراء: 33]. كان ~~القياس أن يقابل الجمع بالجمع، فيقول: لا تقتلوا النفوس التي حرم ~~الله، لكن الحق سبحانه وتعالى يريد أن قتل النفس الواحدة مسئولية ~~الجميع، لا أن يسأل القاتل عن النفس التي قتلها، بل المجتمع كله مسئول ~~عن هذه الجريمة. { التي حرم الله.. } [الإسراء: 33] أي: جعلها ~~محرمة لا يجوز التعدي عليها لأنها بنيان الله وخلقته وصناعته، وبنيان ~~الله لا يهدمه أحد غيره. أو نقول: { النفس التي حرم الله.. ~~} [الإسراء: 33] أي: حرم الله قتلها. { إلا بالحق.. } [الإسراء: ~~33] هذا استثناء من الحكم السابق الذي قال: لا تقتلوا ms5851 النفس التي حرم ~~الله { إلا بالحق } أي: ولكن اقتلوها بالحق، والحق هنا المراد به ~~ثلاثة أشياء: - القصاص من القاتل. - الردة عن الإسلام. - زنا ~~المحصن أو المحصنة. وهذه أسباب ثلاثة توجب قتل الإنسان، والقتل ~~هنا يكون بالحق أي: بسبب يستوجب القتل. وقد أثار أعداء الإسلام ضجة ~~كبيرة حول هذه الحدود وغيرها، واتهموا الإسلام بالقسوة والوحشية، ~~وحجتهم أن هذه الحدود تتنافى وإنسانية الإنسان وآدميته، وتتعارض مع ~~الحرية الدينية التي يقول بها الإسلام في قوله تعالى: # لا إكراه في الدين.. # [البقرة: 256]. ففي القصاص قالوا: لقد خسر المجتمع واحدا بالقتل، ~~فكيف نزيد من خسارته بقتل الآخر؟ نقول: لا بد أن نستقبل أحكام ~~الله بفهم واع ونظرة متأملة، فليس الهدف من تشريع الله للقصاص كثرة ~~القتل، إنما الهدف ألا يقع القتل، وألا تحدث هذه الجريمة من البداية. ~~فحين يخبرك الحق سبحانه أنك إن قتلت فسوف تقتل، فهو يحمي حياتك ~~وحياة الآخرين. وليس لدى الإنسان أغلى من حياته، حتى القاتل لم يقتل إلا ~~لأنه يحب الحياة، وقتل من أجلها من قتل لأنه ربما خدش عزته أو ~~كرامته، وربما لأنه عدو له أقوى منه. ولا شك أن حياته أغلى من هذا كله، ~~فحين نقول له: إن قتلت ستقتل، فنحن نمنعه أن يقدم على هذه الجريمة، ~~ونلوح له بأقسى ما يمكن من العقوبة. ولذلك قالوا: القتل أنفى ~~للقتل. وقال تعالى: # ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب.. # [البقرة: 179]. وهذا نداء لأصحاب الأفهام والعقول الواعية، ليس القصاص ~~كما يظن البعض، بل فيه الحياة وفيه سلامة المجتمع وحقن الدماء. ويجب ~~أن يكون عندنا يقظة استقبال لأحكام الله لأن القاتل ما قتل إلا حينما ~~غفل عن الحكم، ويجب أيضا أن ننظر إلى حكم القصاص نظرة موضوعية، لأنه كما ~~حمى غيري من قتلي له حماني أيضا من قتل غيري لي، وما دامت ~~المسألة: لك مثل ما عليك، وحظك منها كحظ الناس جميعا، فلماذا ~~الاعتراض؟ وكذلك في السرقة، حينما يقول لك: لا تسرق، فأنت ترى أن هذا ~~الأمر قد قيد حريتك أنت، لكن الحقيقة ms5852 أنه أيضا قيد حرية الآخرين ~~بالنسبة للسرقة منك. # والذي يتأمل هذه الحدود يجدها في صالح الفرد لأنها تقيد حريته وهو ~~فرد واحد، وتقيد من أجله حرية المجتمع كله. وفي الزكاة، حينما يوجب ~~عليك الشارع الحكيم أن تخرج قدرا معلوما من مالك للفقراء، فلا ~~تقل: هذا مالي جمعته بجهدي وعرقي. ونقول لك: نعم هو مالك، ولكن لا ~~تنس أن الأيام دول وأغيار، والغني اليوم قد يفتقر غدا، فحين تعضك ~~الأيام فسوف تجد من يعطيك، ويكيل لك بنفس الكيل الذي كلت به ~~للناس. إذن: يجب أن نكون على وعي في استقبال الأحكام عن الله تعالى، ~~وأن ننظر إليها نظرة شمولية، فنرى ما لنا فيها وما علينا، وما دامت هذه ~~الأحكام تعطينا بقدر ما تأخذ منا فهي أحكام عادلة. وحكم القصاص يجعل ~~الإنسان حريصا على نفسه، ويمنعه أن يقدم على القتل، فإن غفل عن ~~هذا الحكم وارتكب هذه الجريمة فلا بد أن يقتص منه فإن أخذتنا ~~الشهامة وتشدقنا بالإنسانية والكرامة والرحمة الزائفة، وعارضنا إقامة ~~الحدود فليكن معلوما لدينا أن من يعارض في إعدام قاتل فسوف يتسبب في ~~إعدام الملايين، وسوف يفتح الباب لفوضى الخلافات والمنازعات، فكل من ~~اختلف مع إنسان سارع إلى قتله لأنه لا يوجد رادع يردعه عن القتل. ~~إذن: لكي نمنع القتل لا بد أن ننفذ حكم الله ونقيم شرعه ولو على ~~أقرب الناس لأن هذه الأحكام ما نزلت لتكون كلاما يتلى وفقط بل لتكون ~~منهجا عمليا ينظم حياتنا، ويحمي سلامة مجتمعنا. لذلك جعل الحق ~~سبحانه وتعالى تنفيذ هذه الأحكام علانية أمام الجميع، وعلى مرأى ~~ومسمع المجتمع كله ليعلموا أن أحكام الله ليست شفوية، بل ها هي تطبق ~~أمامهم، وصدق الله تعالى حين قال: # وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين # [النور: 2]. والذين اعترضوا على القصاص اعترضوا أيضا على إقامة حد ~~الردة، ورأوا فيه وحشية وكبتا للحرية الدينية التي كفلها الإسلام ~~في قوله تعالى: # لا إكراه في الدين.. # [البقرة: 256]. والحقيقة أن الإسلام حينما شرع حد الردة، وقال بقتل ~~المرتد عن الدين أراد أن ms5853 يصعب على غير المسلمين الدخول في الإسلام، ~~وأن يضيق عليهم هذا الباب حتى لا يدخل في الإسلام إلا من أخلص له، ~~واطمأن قلبه إليه، وهو يعلم تماما أنه إن تراجع عن الإسلام بعد أن ~~دخل فيه فجزاؤه القتل. فهذه تحسب للإسلام لا عليه لأنه اشترط عليك ~~أولا، وأوضح لك عاقبة ما أنت مقدم عليه. أما حرية الدين والعقيدة فهي ~~لك قبل أن تدخل الإسلام دخولا أوليا، لا يجبرك أحد عليه، فلك أن تظل ~~على دينك كما تحب، فإن أردت الإسلام فتفكر جيدا وتدبر الأمر وابحثه ~~بكل طاقات البحث لديك. # فليس في دين الله مجال للتجربة، إن أعجبك تظل في ساحته، وإن لم ~~يرق لك تخرج منه، فإن علمت هذه الشروط فليس لك أن تعترض على حد ~~الردة بعد ذلك. ولتعلم أن دين الله أعز وأكرم من أن يستجدي أحدا ~~للدخول فيه. ثم يقول تعالى: { ومن قتل مظلوما.. } [الإسراء: ~~33]. وهذا حكم نفي، المفروض ألا يحدث. ومعنى { مظلوما } أي: قتل ~~دون سبب من الأسباب الثلاثة السابقة أي: دون حق، فعلى فرض أن هذا القتل ~~وقع بالفعل، فما الحكم؟ يقول تعالى: { فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا فلا يسرف في القتل.. } [الإسراء: 33]. وليه: أي ~~ولي المقتول، وهو من يتولى أمره من قرابته: الأب أو الأخ أو الابن أو ~~العم.. الخ فهو الذي يتولى أمر المطالبة بدمه. { سلطانا.. } ~~[الإسراء: 33] أي: شرعنا له، وأعطيناه الحق والقوة في أن يقتل القاتل، ~~والسلطان يكون في خدمة التنفيذ، ويمكنه منه، وكذلك المؤمنون أيضا ~~يقفون إلى جواره، ويساعدونه في تنفيذ هذا الحكم لأن الأمر من الله قد ~~يكون رادعه في ذات النفس، لكن إن ضعفت النفس فلا بد لرادع من ~~الخارج، وهنا يأتي دور السلطان ودور المجتمع الإيماني الذي يعين على ~~إقامة هذا الحكم. إذن: جعل الحق سبحانه وتعالى سلطان القصاص لولي الدم، ~~فإن لم يكن له ولي فإن السلطان ينتقل للحاكم العام ليتولى إقامة هذا ~~الحكم، لكن ما يتعب الدنيا - حينما ينتقل حق القصاص إلى الحاكم ~~العام - طول الإجراءات التي ms5854 تخرج الحكم عن المراد منه، وتذكي نار ~~الحقد والغل والترة في نفس ولي الدم. فولي الدم وحده الذي ~~يعاني طول فترة التقاضي مع أناس لا يعنيهم أن تطول هذه الفترة أو تقصر ~~لأن طول فترة التقاضي تأتي في صالح القاتل، حيث بمرور الأيام - بل ~~والسنين - تبرد شراسة الجريمة في نفوس الناس، وتأخذ طريقا إلى طيات ~~النسيان. وبهذا تبهت الجريمة وتنسى بشاعتها، وبدل أن يقف المجتمع ~~ويفكر في القاتل وفي القصاص منه، تتحول الأنظار والعواطف إلى النفس ~~الجديدة التي ستقتل، وبذلك يتعاطف الناس معه بدل أن يتعاطفوا في إقامة ~~القصاص عليه. لكن يجب أن يقام القصاص قبل أن تبرد شراسة الجريمة في ~~النفوس، وتبهت وتفقد حرارتها. والحق سبحانه وتعالى كما شرع القصاص، وجعله ~~في يد ولي الدم، أراد في الوقت نفسه ألا يحرم المجتمع من طموحات العفو ~~الذي ينهي أصول الخلاف، فيقول تعالى: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان.. # [البقرة: 178]. ففي جو القتل وثورة الدماء التي تغلي بالثأر يتكلم ~~الحق سبحانه عن العفو والأخوة والمعروف والإحسان، فمهما كان الأمر ~~فالمؤمنون إخوة، وباب العفو والإحسان مفتوح. # ولولي الدم بعد أن أعطيناه حق القصاص ندعوه إلى العفو، وله أن يأخذ ~~الدية وتنتهي المسألة، وله أن يعفو عن بعضها أو عنها كلها. إذن: فإعطاء ~~الحق منع عن المقتول له ذلة التسلط من القاتل لأن الله تعالى أعطاه ~~حق القصاص منه، فإذا ما عفا عنه علم القاتل أن حياته أصبحت هبة من ~~ولي الدم، وما دام الأمر كذلك فسوف تتلاشى بينهما الضغائن والأحقاد، ~~ويحل محلها الوفاق والمحبة والسلام، وننهي تسلسل الثارات الذي لا ينتهي. ~~وقد اشتهر في صعيد مصر - وكان مثالا للأخذ بالثأر - أن القاتل يأخذ ~~كفنه في يده، ويذهب به إلى ولي الدم ويسلم نفسه إليه معترفا ~~بجريمته، معطيا لولي الدم حرية التصرف فيه. فما يكون من ولي الدم أمام ~~هذا الاستسلام إلا أن يعفو ويصفح، وبذلك تقتلع الضغائن من جذورها. ثم ~~يقول الحق تبارك وتعالى: { فلا يسرف في ms5855 القتل.. } [الإسراء: ~~33]. أي: طالما أن الله أعطاك حق القصاص فليكن القصاص بقدره دون ~~زيادة أو تعد أو مجاوزة للحد، والإسراف في القتل يكون بأوجه عدة: فقد ~~يكون القاتل غير ذي شأن في قومه، فلا يرضى ولي الدم بقتله، بل يتطلع ~~إلى قتل إنسان آخر ذي مكانة وذي شأن، فيقتل إنسانا بريئا لا ذنب له، ~~وهذا من الإسراف في القتل، وهو إسراف في ذات المقتول. وقد يكون الإسراف ~~في الكم، فإن قتل واحد فلا يكتفي ولي الدم بأن يقتل القاتل، بل ~~يحمله الغل وثورة الدم إلى أن يقتل به أكثر من واحد. وقد يكون الإسراف ~~بأن يمثل بجثة المقتول، ولا يكفيه قتله، والمفروض ألا يحملك الغضب ~~على تجاوز الحد المشروع لك. وقد أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يفعلها في قاتل حمزة، فنهاه الله عن ذلك. ثم يقول تعالى: { إنه كان ~~منصورا } [الإسراء: 33]. أي: لا يجوز له أن يسرف في القتل لأننا لم ~~نتخل عنه، بل وقفنا بجانبه وأعطيناه حق القصاص ومكناه منه، إذن: فهو ~~منصور ليس متروكا، فيجب أن يقف عند حد النصرة لا يتجاوزها لأنه إن ~~تجاوزها بقتل غير القاتل، فسوف يقتل هو الآخر قصاصا. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي ~~أحسن... }. ### || [17.34] # وهنا أيضا يقول الحق سبحانه: { ولا تقربوا.. } [الإسراء: 34]. ~~ولم يقل: ولا تأكلوا مال اليتيم ليحذرنا من مجرد الاقتراب، أو التفكير في ~~التعدي عليه لأن اليتم مظهر من مظاهر الضعف لا يصح أن تجترئ عليه. ~~و اليتيم هو من مات أبوه وهو لم يبلغ مبلغ الرجال وهو سن الرشد، ~~وما دام قد فقد أباه ولم يعد له حاضن يرعاه، فسوف يضجر ويتألم ساعة ~~أن يرى غيره من الأولاد له أب يحنو عليه، وسوف يحقد على القدر الذي ~~حرمه من أبيه. فيريد الحق سبحانه وتعالى أولا أن يستل من قلب اليتيم ~~وفكره هذه المشاعر لذلك يوصي المجتمع به ليشعر أنه وإن فقد أباه ~~فالمؤمنون جميعا له آباء، وفي حنوهم وعطفهم عوض له ms5856 عن وفاة والده. ~~وكذلك حينما يرى الإنسان أن اليتيم مكرم في مجتمع إيماني يكفله ~~ويرعاه، ويعتبره كل فرد فيه ابنا من أبنائه، يطمئن قلبه ولا تفزعه ~~أحداث الحياة في نفسه، ولا يقلق إن قدر له أن ييتم أولاده، فسوف ~~يجدون مثل هذه الرعاية، ومثل هذا الحنان من المجتمع الإيماني. إذن: إن ~~وجد اليتيم في المجتمع عوضا عن أبيه عطفا وحنانا ورعاية يرضى بما ~~قدر له، ولا يتأبى على قدر الله، وكذلك تطمئن النفس البشرية إن ~~قدر عليها اليتم في أولادها. ثم يقول تعالى: { إلا بالتي ~~هي أحسن.. } [الإسراء: 34]. أي: لا تنتهز يتم اليتيم، وأنه ما ~~يزال صغيرا ضعيف الجانب فتطمع في ماله، وتأخذه دون وجه حق. وقوله: { ~~إلا بالتي هي أحسن.. } [الإسراء: 34] استثناء من الحكم ~~السابق { ولا تقربوا.. } يبيح لنا أن نقرب مال اليتيم، ولكن بالتي ~~هي أحسن. و { أحسن } أفعل تفضيل تدل على الزيادة في الإحسان، فكأن ~~لدينا صفتين ممدوحتين: حسنة وأحسن، وكأن المعنى: لا تقربوا مال اليتيم ~~بالطريقة الحسنة فحسب، بل بالطريقة الأحسن. فما الطريقة الحسنة؟ وما ~~الطريقة الأحسن؟ الطريقة الحسنة: أنك حين تقرب مال اليتيم لا تبدده ولا ~~تتعدى عليه. لكن الأحسن: أن تنمي له هذا المال وتثمره وتحفظه له، ~~إلى أن يكون أهلا للتصرف فيه. لذلك فالحق سبحانه حينما تكلم عن هذه ~~المسألة قال: # وارزقوهم فيها.. # [النساء: 5]. ولم يقل: وارزقوهم منها لأن الرزق منها ينقصها، لكن ~~معنى: # وارزقوهم فيها.. # [النساء: 5] أي: من ريعها وربحها، وليس من رأس المال. وإلا لو تصورنا ~~أن أحد الأوصياء على الأيتام عنده مال ليتيم، وأخذ ينفق عليه من هذا ~~المال، ويخرج منه الزكاة وخلافه، فسوف ينتهي هذا المال ويبلغ اليتيم ~~مبلغ الرشد فلا يجد من ماله شيئا يعتد به. وكأن الحق - تبارك ~~وتعالى - يقول: حققوا الحسن أولا بالمحافظة على مال اليتيم، ثم ~~قدموا الأحسن بتنميته له وزيادته زيادة تتسع لنفقات حياته، وإلا فسوف ~~يشب الصغير، وليس أمامه من ماله شيء. # والحق سبحانه وتعالى يريد ألا يحرم اليتيم من خبرة أصحاب الخبرة ms5857 ~~والصلاحية الاقتصادية وإدارة الأموال، فقد يكون من هؤلاء من ليس لديه ~~مال يعمل فيه، فليعمل في مال اليتيم ويديره له وينميه، وليأكل منه ~~بالمعروف، وإن كان غنيا فليستعفف عنه لأنه لا يحل له، يقول تعالى: # ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف.. # [النساء: 6]. لأن الإنسان إذا كان عنده خبرة في إدارة الأموال ولديه ~~الصلاحية فلا نعطل هذه الخبرة، ولا نحرم منها اليتيم، وهكذا نوفر نفقة ~~صاحب الخبرة الذي لا يجد مالا، ونفقة اليتيم الذي لا يستطيع إدارة ~~أمواله، وبذلك يتم التكامل في المجتمع الإيماني. ثم يقول تعالى: { ~~حتى يبلغ أشده.. } [الإسراء: 34]. أي: حتى يكبر ويبلغ مبلغ ~~الرجال، ولكن هل هذه الصفة كافية لكي نعطي لليتيم ماله وقد بلغ سن ~~الرشد والتكليف؟ في الحقيقة أن هذه الصفة غير كافية لنسلم له ماله ~~يتصرف فيه بمعرفته لأنه قد يكون مع كبر سنه سفيها لا يحسن ~~التصرف، فلا يجوز أن نترك له المال ليبدده، بدليل قوله تعالى: # فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم.. # [النساء: 6]. وقال في آية أخرى: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم.. # [النساء: 5]. ولم يقل: أموالهم، لأن السفيه ليس له مال، وليس له ملكية، ~~والمال مال وليه الذي يحافظ عليه وينميه له. إذن: فالرشد وهو ~~سلامة العقل وحسن التصرف، شرط أساسي في تسليم المال لليتيم لأنه أصبح ~~بالرشد أهلا للتصرف في ماله. وكلمة: { أشده.. } [الإسراء: ~~34] أي: يبلغ شدة تكوينه، ويبلغ الأشد أي: تستوي ملكاته استواء لا ~~زيادة عليه، فأعضاء الإنسان تنمو وتتربى مع نموه على مر الزمن، إلى أن ~~يصل سن الرشد ويصبح قادرا على إنجاب مثله، وهذه سن الأشد أي: ~~الاستواء. لذلك أجل الله تعالى التكليف للإنسان إلى سن البلوغ لأنه ~~لو كلفه قبل أن يبلغ ثم طرأ عليه البلوغ بعد التكليف لاحتج بما طرأ ~~عليه في نفسه من تغيرات لم تكن موجودة حال التكليف. ثم يقول تعالى: { ~~وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا } [الإسراء: ~~34]. { العهد } ما تعاقد الإنسان عليه مع غيره عقدا اختياريا يلتزم ~~هو بنتائجه ومطلوباته، وأول ms5858 عقد أبرم هو العقد الإيماني الذي أخذه ~~الله تعالى علينا جميعا، وأنت حر في أن تدخل على الإيمان بذاتك ~~مختارا أو لا تدخل، لكن حين تدخل إلى الإيمان مختارا يجب أن تلتزم ~~بعهد الإيمان لأن الله لا يريد منا قوالب تخضع، ولكن يريد منا قلوبا ~~تخشع، ولو أراد الله منا قوالب تخضع ما استطاع واحد منا أن يشذ عن ~~الإيمان بالله. # لذلك خاطب الحق تبارك وتعالى رسوله بقوله: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. فالله لا يريد أعناقا، وإنما يريد قلوبا، لكن يخلط ~~كثير من الناس إن أمرته بأمر من أمور الدين فيقول: # لا إكراه في الدين.. # [البقرة: 256] نقول له: أنت لم تحسن الاستدلال، المراد: لا إكراه في أن ~~تدخل الدين، ولكن إذا دخلت فعليك الالتزام بمطلوباته. ومن باطن هذا ~~العهد الإيماني تنشأ كل العقود، لذلك يجب الوفاء بالعهود لأن الوفاء بها ~~جزء من الإيمان، فأنت حر أن تقابل فلانا أو لا تقابله، إنما إذا ~~عاهدته على المقابلة فقد أصبحت ملزما بالوفاء لأن المقابل لك قد ~~رتب نفسه على أساس هذا اللقاء، فإن أخلفت معه العهد فكأنك أطلقت ~~لنفسه حرية الحركة، وقيدت حركة الآخر. وهذه صفة لا تليق أبدا ~~بالمؤمنين، وقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من صفات المنافقين. ~~وقوله: { إن العهد كان مسؤولا } [الإسراء: 34]. قد يكون ~~المعنى: أي مسئولا عنه، فيسأل كل إنسان عن عهده أوفى به أم أخلفه؟ وقد ~~يراد { مسؤولا } أي: مسئول ممن تعاقد عليه أن ينقذه، وكأنه ~~عدى المسئولية إلى العهد نفسه، فأنا حر وأنت حر، والعهد هو ~~المسئول. والحق سبحانه وتعالى يستعمل اسم المفعول في مواضع تقول للوهلة ~~الأولى أنه في غير موضعه، ولكن إذا دققت النظر تجده في موضعه بليغا ~~غاية البلاغة، كما في قوله تعالى: # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا # [الإسراء: 45]. هكذا بصيغة اسم المفعول، والحجاب في الحقيقة ساتر وليس ~~مستورا، ولكن ms5859 الحق سبحانه يريد أن يجعل الحجاب صفيقا، كأنه نفسه ~~مستور بحجاب الغير، كما يصنع بعض المترفين ستائر البيوت من طبقتين، فتصبح ~~الستارة نفسها مستورة، وكما في قوله تعالى: # ظلا ظليلا.. # [النساء: 57] أي: أن الظل نفسه مظلل. وانظر إلى حال المجتمع إذا ~~لم تراع فيه العهود، ولم تحترم المواثيق، مجتمع يستهين أهله بالوفاء ~~وشرف الكلمة، فسوف تجده مجتمعا مفككا فقدت فيه الثقة بين الناس، ~~وإذا ما فقدت الثقة وضاع الوفاء وشرف الكلمة الذي تدار به حركة الحياة ~~فاعلم أنه مجتمع فاشل، وليس أهلا لرقي أو تقدم. ولأهمية العهد في ~~الإسلام نجده ينعقد بمجرد الكلمة، وليس من الضروري أن يسجل في سجلات ~~رسمية لأن المؤمن تثق في كلمته حتى إن لم توثق وتكتب. ومن هنا وجد ~~ما يسمونه بالحق القضائي وبالحق الديني، فيقولون: هذا قضاء وهذا ديانة، ~~والفرق واضح بينهما، ويمكن أن نضرب له هذا المثل: هب أنك أخذت دينا ~~من صديق لك، وكتب له مستندا بهذا الدين ليطمئن قلبه، ثم قابلته بعد أن ~~تيسر لك السداد ووفيت له بدينه. لكنه اعتذر لعدم وجود المستند معه ~~الآن، فقلت له: لا عليك أرسله لي متى شئت، فلو تصورنا أنه أراد الغدر ~~بك وأنكر سداد الدين، فالقضاء يقول: له الحق في أخذ دينه، أما ديانة ~~فليس له شيء. إذن: العهد الذي نعقده مع الناس يدخل تحت المسئولية الدينية ~~وليس القضائية. ثم يقول الحق سبحانه: { وأوفوا الكيل إذا ~~كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم... }. ### || [17.35] # تنتقل بنا الآيات إلى قضية من أخطر قضايا المجتمع، هذه القضية هي التي ~~تضمن للإنسان نتيجة عرقه وثمار جهده وتعبه في الحياة، ويطمئن أنها عائدة ~~عليه لا على هذه الطبقة الطفيلية المتسلطة التي تريد أن تعيش على أكتاف ~~الآخرين وتتغذى على دمائهم. وبذلك ييأس الكسول الخامل، ويعلم أنه ليس له ~~مكان في مجتمع عامل نشيط، وأنه إن تمادى في خموله فلن يجد لقمة العيش ~~فيأخذ من ذلك دافعا للعمل، وبذلك تزداد طاقة العمل ويرقى المجتمع ~~ويسعد أفراده. صحيح في المجتمع الإيماني إيثار، ms5860 لكنه الإيثار الإيجابي ~~النابع من الفرد ذاته، أما الخطف والسرقة والاختلاس والغصب فلا مجال لها ~~في هذا المجتمع لأنه يريد لحركة الحياة أن تستوعب الجميع فلا يتطفل أحد ~~على أحد. وإن كنا نحارب الأمراض الطفيلية التي تتغذى على دماء الإنسان ~~فإن محاربة الطفيليات الآدمية أولى بهذه المحاربة. فما دمت قادرا ~~على العمل فيجب أن تعمل، أما غير القادرين من أصحاب الأعذار فهم على ~~العين والرأس، ولهم حق مكفول في الدولة وفي أعناق المؤمنين جميعا، ~~وهذا هو التأمين الذي يكفله الإسلام لكل محتاج. لذلك نقول للغني الذي ~~يسهم في سد حاجة الفقير: لا تتأفف ولا تضجر إن أخذنا منك اليوم لأن ~~الطاقة التي عملت بها واجتهدت وجمعت هذا المال طاقة وقدرة ليست ذاتية ~~فيك، بل هي هبة من الله يمكن أن تنزع منك في أي وقت، وتتبدل قوتك ~~ضعفا وغناك حاجة، فإن حدث لك ذلك فسوف نعطيك ونؤمن لك مستقبلك. ~~لذلك على الإنسان أن يعيش في الحياة إيجابيا، يعمل ويكدح ويسهم في ~~رقي الحياة وإثرائها، ولا يرضى لنفسه التقاعس والخمول لأن المجتمع ~~الإيماني لا يسوي بين العامل والقاعد، ولا بين النشيط والمتكاسل. ~~وهب أن شقيقين اقتسما ميراثا بينهما بالتساوي الأول عاش في ماله ~~باقتصاد وأمانة وسعى فيه بجد وعمل على تنميته، أما الآخر فكان ~~مسرفا منحرفا بدد كل ما يملك وقعد متحسرا على ما مضى، فلا يجوز ~~أن نسوي بين هذا وذاك، أو نأخذ من الأول لنعطي للآخر، إياك أن تفعل ~~هذا لأن الإنسان وكذلك الدول - إذا أخذت ما ليس لها حملها الله ما ليس ~~عليها. ولذلك لا يجوز أن نحقد على الغني طالما أن غناه ثمرة عمله ~~وكده ونتيجة سعيه، وطالما أنه يسير في ماله سيرا معتدلا ويؤدي ما ~~عليه من حقوق للمجتمع، ولندعه يعمل بكل ما يملك من طاقات ومواهب، وبكل ما ~~لديه من طموحات الحياة لأن الفقير سوف يستفيد منه ومن طموحاته شاء أم ~~أبى. فدعه يجتهد، وإن كان اجتهاده في الظاهر لنفسه فإنه في الحقيقة ~~يعود عليك ms5861 أيضا، والخير في المجتمع تعود آثاره على الجميع. # لنفرض أن أحد هؤلاء الأغنياء أراد أن يبني مصنعا أو عمارة أو مشروعا ~~كبيرا، فكم من العمال والصناع، وكم من الموظفين والمهندسين سيستفيدون من ~~هذا المشروع؟ إن الغني لن يملك مثل هذه الإنجازات إلا بعد أن يصبح ثمنها ~~قوتا في بطون الفقراء وكسوة على أجساد الفقراء. إذن: علينا أن ندع ~~الغني يجتهد ويسعى لأن المجتمع سوف يستفيد من سعيه واجتهاده، وما عليك ~~إلا أن تراقبه، فإن كان سعيه في الحق فبها ونعمت، وإن كان في غير ~~الحق فلتضرب على يده. وإليك ما يضمن لك سعادة الحياة وسلامة الحركة فيها، ~~يقول تعالى: { وأوفوا الكيل إذا كلتم.. } [الإسراء: 35]. ~~والحديث هنا لا يخص الكيل فقط، بل جميع المقادير المستخدمة في حركة ~~الحياة مثل المقادير الطولية مثلا، والتي تقدر بالملليمتر أو ~~السنتيمتر أو المتر أو الكيلو متر وتقاس بها الأشياء كل على حسبه، ~~فالكتاب مثلا يقاس بالسنتيمتر، والحجرة تقاس بالمتر، أما الطريق ~~فيقاس بالكيلومتر وهكذا. إذن: فالتقدير الطولي يجب أن تتناسب وحدة ~~القياس فيه مع الشيء الذي نقيسه. هذا في الطوليات، أما في المساحات فيأتي ~~الطول والعرض، وفي الأحجام: الطول والعرض والارتفاع. وفي الكتل يأتي ~~الميزان. إذن: فالحياة محكومة في تقديرات الأشياء بالكيل الذي يبين ~~الأحجام، وبالميزان الذي يبين الكتلة لأن الكيل لا دخل له في الكتلة، ~~إنما الكتلة تعرف بالميزان، بدليل أن كيلو القطن مثلا أكبر بكثير من ~~كيلو الحديد. ومعنى ذلك أن ميزان التقدير يجب أن يكون سليما لذلك يقول ~~تعالى: { وأوفوا الكيل إذا كلتم.. } [الإسراء: 35] يعني: ~~أعطوا المقادير على قدر المطلوب من الطرفين دون نقص. وقد قال تعالى في ~~آية أخرى: # ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون # [المطففين: 1-3]. ومعنى المطففين الذين يزيدون، وهؤلاء إذا اكتالوا على ~~الناس، أي: أخذوا منهم. أخذوا حقهم وافيا، وهذا لا لوم عليه، وإنما ~~اللوم على: # وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون # [المطففين: 3]. أي: إذا كالوا للناس أو وزنوا لهم { يخسرون } أي: ms5862 ~~ينقصون. هذا هو موضع الذم ومجال اللوم في الآية لأن الإنسان لا يلام ~~على أنه استوفى حقه، بل يلام على أنه لم يسو بينه وبين الآخرين، ~~ولم يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به. ونلاحظ أن الكثيرين يفهمون ~~أن التطفيف يكون في الكيل والميزان فحسب، لكنه أيضا في السعر، فالبائع ~~الذي ينقصك الكيلو عشرين جراما مثلا فقد بخسك في الوزن، وطفف عليك ~~في الثمن أيضا. ثم يقول تعالى: { وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم.. } [الإسراء: 35] أي: اجعلوا الوزن دقيقا مستقيما لا ~~جور فيه. والمتأمل يجد أن الحق سبحانه وتعالى حينما أراد دقة الأحجام ~~في تعاملات الناس أمرهم بإيفاء الكيل حقه، هكذا: { وأوفوا ~~الكيل. # . } [الإسراء: 35]. أما في الوزن فقد ركز على دقته، وجعله ~~بالقسطاس، ليس القسطاس فحسب بل المستقيم، إذن: لماذا هذه الدقة في ~~الميزان بالذات؟ لو نظرت إلى عملية الكيل لوجدتها واضحة مكشوفة، ~~قلما يستطيع الإنسان الغش فيها، وكثيرا ما ينكشف أمره ويعلم ~~تلاعبه لأن الكيل أمام الأعين والتلاعب فيه مكشوف. أما الوزن فغير ذلك، ~~الوزن مجال واسع للتلاعب، ولدى التجار ألف طريقة وطريقة يبخسون بها الوزن ~~دون أن يدري بهم أحد لأن الميزان كما نعلم رافعة من النوع الأول، عبارة ~~عن محور ارتكاز في الوسط، وكفة القوة في ناحية، وكفة المقاومة في ~~الناحية الأخرى، فأي نقص في الذراعين يفسد الميزان، وأي تلاعب في ~~كفة القوة أو المقاومة يفسد الميزان. ولو تحدثنا عن ألاعيب البائعين في ~~أسواقنا لطال بنا المقام لذلك أكد الحق سبحانه وتعالى على الدقة في ~~الميزان خاصة لأنه مجال واسع للغش والخداع وأكل أموال الناس. وسبق أن ~~أوضحنا أن ميزان كل شيء بحسبه، ويتناسب مع قيمته ونفاسته، فالذي يزن ~~الجير مثلا غير الذي يزن اللوز، غير الذي يزن الذهب أو الألماس لذلك من ~~معاني القسطاس المستقيم أن يتناسب الميزان مع قيمة الموزون، فالذي يبيع ~~الذهب مثلا يزن أشياء ثمينة مهما كانت قليلة في الميزان فإنها تساوي ~~الكثير من المال. لذلك فإن أهل الخبرة في هذه المسألة يقولون: احذر أن ms5863 ~~يدخل البائع رأسه قريبا من الميزان لأنه قد ينفخ في كفة الميزان، ~~ولا شك أنك ستخسر كثيرا من جراء هذه النفخة!! لذلك نقول لهؤلاء ~~الذين أخذت أيديهم على الغش والخداع في البيع والشراء: أنت تبيع للناس ~~شيئا واحدا وتغشهم فيها، وفي الوقت نفسه تشتري أشياء كثيرة من متطلبات ~~الحياة، فاعلم جيدا أنك إن غششت الناس في سلعة واحدة فسوف تغش في ~~مئات السلع، وأنت بذلك خاسر لا محالة. مهما دارت بك الأوهام والظنون ~~فحسبت أن المسألة في صالحك. ولا تنس أن فوقك قيوما، لا تأخذه سنة ولا ~~نوم، ولا تخفى عليه من أمرك خافية، وسوف يسلط عليك من يسقيك بنفس ~~كأسك إلى أن تتبين لك حقيقة هذه الصفقة الخاسرة لأنك إن عميت على ~~قضاء الأرض فلن تعمي على قضاء السماء، وسوف تذهب هذه الأموال التي ~~اختلستها من أقوات الناس من حيث أتت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من أصاب مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر ". # وكذلك في المقابل: من صدق الناس، ووفى لهم في بيعه وشرائه وتعاملاته ~~يسر الله له من يوفي له ويصدق معه. ثم يقول تعالى: { ذلك ~~خير وأحسن تأويلا } [الإسراء: 35]. { ذلك } أي: الوزن ~~بالقسطاس المستقيم خير وأحسن { تأويلا } أي: عاقبة، ومعنى ذلك أن ~~المقابل له ليس خيرا ولا أحسن عاقبة. # فالذي يغش الناس ويخدعهم يظن أنه بغشه يزيد في ماله ويجلب الخير ~~لنفسه. نقول له: أنت واهم، فليس في الغش والبخس خير والزيادة عن طريقه هي ~~عين النقص، لأن الحق سبحانه وتعالى سيجرئ الناس عليك فيغشوك، هذه ~~واحدة ثم لا يلبث الناس أن يكتشفوا تلاعبك في الكيل والميزان فينصرفون ~~عنك ويقاطعونك. إذن: عدم الوزن بالقسطاس المستقيم لا هو خير، ولا هو ~~أحسن عاقبة. أما التاجر الصادق الذي يوفي الكيل والميزان، فإن الله ~~تعالى ييسر له من يوفي له الكيل والميزان، وكذلك يشتهر بين الناس ~~بصدقه وأمانته، فيقبلون عليه ويحرصون على التعامل معه. وهذا هو المراد ~~بقوله تعالى: { ذلك خير وأحسن تأويلا } [الإسراء: 35] أي: ~~أحسن ms5864 عاقبة. ثم يقول الحق سبحانه: { ولا تقف ما ليس لك به ~~علم... }. ### || [17.36] # ينتقل الحق سبحانه وتعالى إلى قضية أخرى تنظم حركة الحياة والإنسان ~~الذي استخلفه الله في الأرض ووهبه الحياة وأمده بالطاقات ~~وبمقومات الحياة وضرورياتها. وبعد أن تكفل له بالضروريات، دله ~~على الترقي في الحياة بالبحث والفكر، واستخدام العقل المخلوق لله، ~~والمادة المخلوقة لله بالطاقات المخلوقة لله، فيرقي ويثري حياته ~~ومجتمعه. وحركة الترقي والإثراء هذه لا تتم إلا على قضية ثابتة واضحة، ~~فإذا تحركت في الحياة بناء على هذه القضية فسوف تصل إلى النتيجة ~~المرجوة. فمثلا، الطالب الذي يرغب في دخول كلية الحقوق مثلا، لديه ~~قضية واضحة مجزوم بها، فعندما يلتحق بالحقوق يجتهد، ويصل من خلالها إلى ~~طموحاته لأنه سار على ضوء قضية اقتنع بها. إذن: لا بد أن تبنى ~~حركة الحياة على قضايا ثابتة، هذه القضايا الثابتة تجعل المتحرك في ~~أي حركة واثقا من أن حركته ستؤدي إلى النتيجة المطلوبة، فلو أردت ~~مثلا الذهاب إلى الإسكندرية أو إلى أسوان، فلن تتحرك إلا إذا تأكدت أن ~~هذا الطريق هو الموصل إلى غايتك، وكذلك حركة الحياة لا يمكن أن تتم ~~إلا بناء على قضايا حقيقية مضبوطة في الكون، وهذا ما نسميه العلم. وقد ~~سبق أن أوضحنا معنى القضية، وأنها المقولة التي يحكم على قائلها بالصدق ~~أو بالكذب، كأن نقول: الأرض كروية، أو الشمس مضيئة، أو القمر منير، وهذه ~~القضايا تعطيني قضية علمية مجزوما بها وواقعة، ويمكن أن ندلل عليها. ~~وهذا هو العلم. أما الجهل فأن تجزم بقضية ليست واقعية فهي قضية كاذبة، ~~وليس الجهل عدم العلم كما يعتقد البعض لأن عدم العلم أمية، والأمي ليس ~~عنده قضية لا صادقة ولا كاذبة. لذلك تجد الأمي أطوع في التعلم من ~~الجاهل لأن الأمي بمجرد أن تعلمه قضية ما يأخذها ويتعلمها، أما ~~الجاهل فيلزمك أولا أن تخرج من ذهنه القضية المخالفة، ثم تعلمه ~~القضية الصادقة. وقضايا الحياة يمكن أن تقسم إلى قسمين: قضايا تختلف ~~فيها الأهواء. وقضايا تتفق فيها الأهواء. فالقضايا التي تختلف ms5865 فيها ~~الأهواء: هي القضية التي يخدم بها كل قائل لها فكرة عنده فقط، وإن كانت ~~ضارة بغيره، فما دام الأمر قائما على الأهواء فلا بد أن تختلف، ~~فكل له هواه الخاص، فلو أن لكل واحد قضية ما التقينا على شيء أبدا. ~~وصدق الحق تبارك وتعالى حين قال: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض.. # [المؤمنون: 71]. إذن: فما المخرج من هذا الاختلاف والتباين؟ المخرج أن ~~يخرج كل واحد منا من هوى نفسه أولا، ثم نرد القضية التي اختلفت فيها ~~أهواؤنا إلى من لا هوى له. وربك سبحانه وتعالى هو وحده الذي لا هوى ~~له، ونحن جميعا خلقه، وكلنا عنده سواء، ليس منا من بينه وبين الله ~~نسب أو قرابة، فشرع الله واحد للجميع، ولا غضاضة فالكل خاضع لهذا الشرع ~~متبع له لأنه شرع الخالق سبحانه لا شرع أحد من الناس. # لذلك اشتهر قولهم: " اللي الشرع يقطع صباعه ميخرش دم ". فأنا لم أخضع ~~لك، وأنت لم تخضع لي، بل الجميع خاضع لله تعالى منصاع لأمره. إذن: ~~اتركوا قضايا الأهواء لله تعالى يشرعها لكم لكي ترتاحوا من تسلط ~~بعضكم على بعض. أما القضايا التي تتفق فيها الأهواء فهي القضايا المادية ~~القائمة على المادة الصماء التي لا تجامل أحدا على حساب أحد، ولا ~~مانع أن تتبعوا الآخرين فيها لأنكم سوف تلتقون عليها قهرا ورغما ~~عنكم، فالمعمل الذي تدخله لتجري التجارب التي توصلك لقضية ما مادية أو ~~كيماوية معمل محايد لا يجامل أحدا. وقد سبق أن قلنا: إن الكهرباء أو ~~الكيمياء ليس فيها روسي وأمريكي لأن هذه أشياء مادية لا خلاف عليها، أما ~~الذي جعل المعسكر الشرقي يختلف والمعسكر الغربي هي القضايا الأهوائية، ~~فهذا شيوعي، وهذا رأسمالي. لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم وضع بنفسه ~~هذا المبدأ في الوجود الإيماني حينما رأى الناس يؤبرون النخل، فأشار ~~عليهم بعدم تأبيره، فأطاعوه ولم يؤبروا النخل في هذا العام، وكانت ~~النتيجة أن شاص النخل ولم يثمر، وأثبتت التجربة الطبيعية أن ما أشار به ~~رسول الله صلى الله عليه ms5866 وسلم ليس صوابا. يأتي هذا ممن؟ من محمد بن ~~عبد الله نبي الله ورسوله، الذي يحرص على أن تأتي كل قضاياه صادقة صائبة، ~~وما كان منه إلا أن قال: # " أنتم أعلم بشئون دنياكم ". # ليضع بذلك أسوة لعلماء الدين ألا يضعوا أنوفهم في قضايا الماديات، ~~وقد قال الحق تبارك وتعالى: # قد علم كل أناس مشربهم.. # [البقرة: 60]. ويقول صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". # فإن أردت أن تتحرك في الحياة حركة سليمة مجدية، وحركة متساندة مع ~~إخوانك غير متناقضة فالحق سبحانه يقول: { ولا تقف ما ليس لك ~~به علم.. } [الإسراء: 36] لكي تسير في حركة الحياة على هدى ~~وبصيرة. { لا تقف } أي: لا تتبع ولا تتدخل فيما لا علم لك به، ~~كمن يدعي مثلا العلم بإصلاح التليفزيون وهو لا يعلم، فربما أفسد ~~أكثر مما يصلح. ومن هنا قال أهل الفقه: من قال لا أدري فقد أفتى لأنه ~~بإعلان عدم معرفته صرف السائل إلى من يعلم، أما لو أجاب خطأ، فسوف ~~يترتب على إجابته ما لا تحمد عقباه، والذي يسلك هذا المسلك في حياته ~~تكون حركته في الحياة حركة فاشلة. والفعل يقفو مأخوذ من القفا وهو ~~المؤخرة، وقد قال تعالى في آية أخرى: # ثم قفينا على آثارهم برسلنا.. # [الحديد: 27] أي: أتبعناهم. ويقفو أثره أي: يسير خلفه. وحينما نصح ~~أحدهم رجلا يريد أن يتزوج قال له: لا تتخذها حنانة، ولا منانة، ولا ~~عشبة الدار، ولا كبة القفا. فالحنانة التي لها ولد من غيرك يذكرها ~~دائما بأبيه فتحن إليه، والمنانة التي لديها مال تمن به عليك، ~~وعشبة الدار هي المرأة الحسناء في المنبت السوء والمستنقع القذر، ~~وكبة القفا هي التي لا تعيب الإنسان في حضوره، وتعيبه وتذمه في غيبته. ~~والعلم هنا يراد به العلم المطلق لأن الكثير من الناس كان يعتقد أن ~~العلم يعني العلم الديني فقط، لكن العلم هو كل ما يثري حركة الحياة، ~~والعلم علمان: - علم ديني، وهو الذي يقضي على الأهواء، ويوحدها إلى ~~هوى واحد ms5867 هو الهوى الإيماني. وهذا العلم يتولاه الخالق سبحانه، وليس ~~لنا دخل فيه لأن الصانع أدرى بصنعته، وهو الذي يضع لها قانون صيانتها ~~لأنه يعلم ما يصلحها وما يفسدها. وكما أنك لا تذهب إلى الجزار ليضع لك ~~قانون صيانة التلفاز مثلا كذلك لا تطلب قانون صيانة الإنسان إلا من ~~خالقه عز وجل: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. وهذا النوع من العلم قال الله تعالى عنه: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. - فليس لنا أن نتدخل فيه، أو نزيد عليه لأنه منهج الله ~~الذي جاء ب " افعل ولا تفعل " ، وهو منهج لا يقبل الزيادة أو التعديل، ~~فما كان فيه أمر ونهي فعليك الالتزام به، وإلا لو خرجت عن هذا الإطار ~~الذي رسمه لك ربك وخالقك فسوف تحدث في الكون فسادا بترك الأمر أو بإتيان ~~النهي. أما الأمور التي تركها الخالق سبحانه ولم يرد في شأنها أمر أو نهي ~~فأنت حر فيها، تفعل أو لا تفعل. والمتأمل في شرع الخالق سبحانه يجد أمور ~~التكليف بافعل ولا تفعل قليلة إذا ما قيست بالأمور التي ترك لك الحرية ~~فيها، إذن: فدع لربك وخالقك والأعلم بك مجالا يحكم من خلاله حياتك ~~وينظمها لك، ألا يجدر بنا ونحن عباده وصنعته أن نحكمه في أمور ديننا، ~~ونخرج أنوفنا مما اختص به سبحانه؟ - أما النوع الآخر من العلم، فهو ~~العلم المادي التجريبي الذي لا يخضع للأهواء، فقد جعله الخالق سبحانه ~~مجالا للبحث والتسابق، ومضمارا يجري فيه الجميع لأنهم في النهاية ~~سيلتقون فيه قهرا ورغما عنهم. وقد أعطانا الحق سبحانه وتعالى ~~مثالا لهذا النوع من العلم، فقال تعالى: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن ~~الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك.. # [فاطر: 27-28]. فذكر الحق سبحانه أجناس الوجود كلها: الإنسان، والحيوان، ~~والنبات، والجماد. # ثم ختم ذلك بقوله: # إنما يخشى الله من عباده العلماء.. # [فاطر: 28]. فهذه ظواهر الكون، اربع ms5868 فيها كما شئت بحثا ودراسة، وإن ~~أحسنت الإمعان فيها فسوف توصلك إلى ظواهر أخرى تثري حياتك ~~وترقيها، فالذي اكتشف عصر البخار، والذي اكتشف العجلة والكهرباء ~~والجاذبية وغيرها لم يخلق جديدا في كون الله، إنما أحسن النظر ~~والتأمل فتوصل إلى ما يريح المجتمع ويسعده. لذلك، فالحق سبحانه ~~وتعالى يحذرنا أن نمر على ظواهر الكون في إعراض وغفلة ودون تمعن ~~فيها: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. والذين عبروا عن هذه الإنجازات العلمية بكلمة الاكتشافات ~~كانوا أمناء في التعبير عن الواقع الفعلي، فهم لم يخلقوا جديدا في ~~الكون، فكل هذه الأشياء موجودة، والفضل لهم في الاهتداء إليها ~~واكتشافها، ومن هنا فكلمة اختراع ليست دقيقة في التعبير عن هذه ~~الاكتشافات. فإذا كان الحق سبحانه نهانا عن تتبع ما ليس لنا به علم، ~~فماذا نتبع؟ نتبع ما نعلمه وما نتيقن منه من علوم، فإن كانت في الدين ~~تركناها للخالق سبحانه يقننها لنا، وإن كانت في أمور الدنيا أعملنا ~~فيها عقولنا بما ينفعنا ويثري حياتنا لذلك تكلم الحق سبحانه بعد ذلك ~~عن وسائل إدراك العلم، فقال: { إن السمع والبصر والفؤاد ~~كل أولئك كان عنه مسؤولا } [الإسراء: 36]. وما دام الحق ~~سبحانه قد نهانا عن تتبع ما لا نعلم، وأمرنا أن نسير على ضوء ما نعلم من ~~العلم اليقيني فلا بد أن يسأل المرء عن وسائل العلم هذه، لأنه لولا ~~وسائل الإدراك هذه ما علم الإنسان شيئا، وهذا واضح في قول الحق تبارك ~~وتعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. وهل يشكر الإنسان إلا على حصيلة أخذها؟ هذه الحصيلة هي ~~العلم. وهذه الحواس تؤدي عملها في الإنسان بمجرد أن تنشأ فيه، وبعد ~~أن يخرج إلى الحياة، والبعض يظن أن الطفل الصغير لا يفهم إلا عندما ~~يكبر ويستطيع الكلام والتفاهم مع الآخرين، والحقيقة أن الطفل يدرك ويعي ~~من الأيام الأولى لولادته. ولذلك، فإن علماء وظائف الأعضاء يقولون: إن ~~الطفل يولد ولديه ملكات ms5869 إدراكية سماها العلماء احتياطا " الحواس ~~الخمس الظاهرة " ، وقد كان احتياطهم في محله لأنهم اكتشفوا بعد ذلك حواس ~~أخرى، مثل حاسة العضل مثلا التي نميز بها بين الخفيف والثقيل. وإن ~~كانت حواس الإنسان كثيرة فإن أهمها: السمع والبصر، وقد وردت في القرآن ~~بهذا الترتيب، السمع أولا، ثم البصر لأن السمع يسبق البصر، فالإنسان ~~بمجرد أن يولد تعمل عنده حاسة السمع، أما البصر فإنه يتخلف عن السمع ~~لعدة أيام من الولادة، إذن: فهو أسبق في أداء مهمته، هذه واحدة. # الأخرى: أن السمع هو الحاسة الوحيدة التي تؤدي مهمتها حتى حال ~~النوم، وفي هذا حكمة بالغة للخالق سبحانه، فبالسمع يتم الاستدعاء من ~~النوم. وقد أعطانا الخالق سبحانه صورة واضحة لهذه المسألة في قصة أهل ~~الكهف، فلما أراد سبحانه أن يناموا هذه السنين الطوال ضرب على آذانهم ~~وعطل حاسة السمع لديهم، وإلا لما تمكنوا من النوم الطويل، ~~ولأزعجتهم الأصوات من خارج الكهف. فقال تعالى: # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا # [الكهف: 11]. ولم يسبق البصر السمع إلا في آية واحدة في كتاب الله تعالى ~~وهي: # ربنآ أبصرنا وسمعنا.. # [السجدة: 12]. والحديث هنا ليس عن الدنيا، بل عن الآخرة، حيث يفزع الناس ~~من هولها فيقولون: # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا.. # [السجدة: 12] لأنهم في الآخرة أبصروا قبل أن يسمعوا. فالسمع أول ~~الحواس، وهو أهمها في إدراك المعلومات، حتى الذي يأخذ معلوماته بالقراءة ~~سمع قبل أن يقرأ، فتعلم أولا بالسماع ألف باء، فالسمع أولا في ~~التعلم، ثم يأتي دور البصر. والذي يتتبع الآيات التي ورد فيها السمع ~~والبصر سيجدها جاءت بإفراد السمع وجمع البصر، مثل قوله سبحانه: # وجعل لكم السمع والأبصار.. # [السجدة: 9]. إلا في هذه الآية التي نحن بصدد الحديث عنها جاءت: { إن ~~السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤولا } [الإسراء: 36]. لماذا؟ وما الحكمة من إفرادها هنا بالذات؟ ~~وقبل أن نوضح الحكمة هنا يجب أن نعي أن المتكلم هو الله تعالى، وما ~~دام المتكلم هو الله فلا بد أن تجد كل كلمة دقيقة في موضعها، بليغة ms5870 في ~~سياقها. فالسمع جاء بصيغة الإفراد لأنه لا يتعدد فيه المسموع بالنسبة ~~للسامع، فإذا حدث الآن صوت نسمعه جميعا، فهو واحد في جميع الآذان. أما ~~البصر فهو خلاف ذلك لأن أمامنا الآن مرائي متعددة ومناظر مختلفة، فأنت ~~ترى شيئا، وأنا أرى شيئا آخر، فوحدة السمع لا تنطبق على البصر لذلك ~~أفرد السمع وجاء البصر بصيغة الجمع. أما في قوله تعالى: { إن ~~السمع والبصر.. } [الإسراء: 36] فقد ورد البصر هنا مفردا لأن ~~الحق سبحانه وتعالى يتحدث عن المسئولية، مسئولية كل إنسان عن سمعه ~~وبصره، والمسئولية أمام الحق سبحانه وتعالى فردية لا يسأل أحد عن أحد، ~~بل يسأل عن نفسه فحسب، فناسب ذلك أن يقول: السمع والبصر لأنه سيسأل ~~عن بصر واحد وهو بصره. فالإنسان - إذن - مسئول عن سمعه وبصره وفؤاده من ~~حيث التلقي، تلقي القضايا العلمية التي سنسير عليها في حركة حياتنا، ~~وكذلك من حيث الإعطاء، فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول للأذن: لا تسمعي إلا ~~خيرا، ولا تتلقي إلا طيبا، ويا مربي النشء لا تسمعه إلا ما ~~يدعو إلى فضيلة، ولا تعط لأذنه إلا ما يصلح حياته ويثريها. ويقول للعين: ~~لا ترى إلا الحلال لا يهيج غرائزك إلى الشهوات، ويا مربي النشء احجب ~~عنه ما يثير الغرائز ويفسد الحياة وبذلك نربي في المجتمع المعلومات ~~الصحيحة التي تنبني عليها حركة حياته. # وما دمت مسئولا عن أعضائك هذه المسئولية، ومحاسبا عنها، فإياك أن ~~تقول: سمعت وأنت لم تسمع، وإياك أن تقول: رأيت وأنت لم تر، إياك أن ~~تتعرض لشهادة تدلي فيها بغير ما تعلم وتتيقن. أو تتبنى قضية خاطئة ~~وتبني عليها حركة حياتك لأن المبني على مقدمات فاسدة ينتج عنه نتائج ~~فاسدة، وما بني على مقدمات صحيحة أنتج النتيجة الصحيحة. وجماع هذا كله ~~في قوله تعالى: { ولا تقف ما ليس لك به علم.. } ~~[الإسراء: 36] لماذا؟ لأنك محاسب على علمك هذا وعلى وسائل إدراكه لديك: { ~~إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه ~~مسؤولا } [الإسراء: 36]. ثم يقول الحق سبحانه: { ولا تمش في ~~الأرض مرحا إنك ms5871 لن تخرق الأرض... }. ### || [17.37] # ما زالت الآيات تسير في خط واحد، وترسم لنا طريق التوازن الاجتماعي في ~~مجتمع المسلمين، فالمجتمع المتوازن يصدر في حركته عن إله واحد، هو صاحب ~~الكلمة العليا وصاحب التشريع. والمتتبع لهذه الآيات يجد بها منهجا ~~قويما لبناء مجتمع متماسك ومتوازن، يبدأ بقوله تعالى: # لا تجعل مع الله إلها آخر.. # [الإسراء: 22]. وهذه قضية القمة التي لا تنتظم الأمور إلا في ظلها، ثم ~~قسم المجتمع إلى طبقات، فأوصى بالطبقة الكبيرة التي أدت مهمتها في ~~الحياة، وحان وقت إكرامها ورد الجميل لها، فأوصى بالوالدين وأمر ~~ببرهما. ثم توجه إلى الطبقة الصغيرة التي تحتاج إلى رعاية وعناية، ~~فأوصى بالأولاد، ونهى عن قتلهم خوف الفقر والعوز، وخص بالوصية ~~اليتيم لأنه ضعيف يحتاج إلى مزيد من الرعاية والعناية والحنو والحنان. ثم ~~تكلم عن المال، وهو قوام الحياة، واختار فيه الاعتدال والتوسط، ونهى عن ~~طرفيه: الإسراف والإمساك. ثم نهى عن الفاحشة، وخص الزنا الذي يلوث ~~الأعراض ويفسد النسل، ونهى عن القتل وسفك الدماء. ثم تحدث عما يحفظ ~~للإنسان ماله، ويحمي تعبه ومجهوداته، فأمر بتوفية الكيل والميزان، ونهى ~~عن الغش فيهما والتلاعب بهما، ثم حث الإنسان على الأمانة العلمية، حتى ~~لا يقول بما لا يعلم، وحتى لا يبني حياته على نظريات خاطئة. ألم تر أنه ~~منهج وأسلوب حياة يضمن سلامة المجتمع، وسلامة المجتمع ناشئة من سلامة ~~حركة الإنسان فيه، إذن: الإنسان هو مدار هذه الحركة الخلافية في الأرض ~~لذلك يريد الحق سبحانه وتعالى أن يضع له توازنا اجتماعيا. وأول شيء ~~في هذا التوازن الاجتماعي أننا جميعا عند الله سواء، وكلنا عبيده، وليس ~~منا من بينه وبين الله قرابة أو نسب، فالجميع عند الله عبيد كأسنان ~~المشط، لا فرق بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح. وإن تفاوتت أقدارنا ~~في الحياة فهو تفاوت ظاهري شكلي لأنك حينما تنظر إلى هذا التفاوت لا تنظر ~~إليه من زاوية واحدة فتقول مثلا: هذا غني، وهذا فقير. ومعظم الناس ~~يهتمون بهذه الناحية من التفاوت، ويدعون غيرها من النواحي الأخرى، ~~وهذا لا ms5872 يصح، بل انظر إلى الجوانب الأخرى في حياة الإنسان، وإلى الزوايا ~~المختلفة في النفس الإنسانية، ولو سلكت هذا المسلك فسوف تجد أن مجموع كل ~~إنسان يساوي مجموع كل إنسان، وأن الحصيلة واحدة، وصدق الله العظيم ~~القائل: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم.. # [الحجرات: 13]. وما دام المجتمع الإيماني على هذه الصورة فلا يصح لأحد ~~أن يرفع رأسه في المجتمع ليعطي لنفسه قداسة أو منزلة فوق منزلة ~~الآخرين، فقال تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا.. } [الإسراء: ~~37]. أي: فخرا واختيالا، أو بطرا وتعاليا لأن الذي يفخر بشيء ~~ويختال به، ويظن أنه أفضل من غيره، يجب أن يضمن لنفسه بقاء ما افتخر به، ~~بمعنى أن يكون ذاتيا فيه، لا يذهب عنه ولا يفارقه، لكن من حكمة الله ~~سبحانه وتعالى أن جعل كل ما يمكن أن يفتخر به الإنسان هبة له، وليست ~~أصيلة فيه. # كل أمور الإنسان بداية من إيجاده من عدم إلى الإمداد من عدم هي هبة ~~يمكن أن تسترد في يوم من الأيام، وكيف الحال إذا تكبرت بمالك، ثم ~~رآك الناس فقيرا، أو تعاليت بقوتك ثم رآك الناس عليلا؟ إذن: فالتواضع ~~والأدب أليق بك، والتكبر والتعالي لا يكون إلا للخالق سبحانه وتعالى، ~~فكيف تنازعه سبحانه صفة من صفاته؟ وقد نهانا الحق سبحانه عن ذلك لأنه لا ~~يستحق هذه الصفة إلا هو سبحانه وتعالى، وكون الكبرياء لله تعالى ~~يعصمنا من الاتضاع للكبرياء الكاذب من غيرنا. ومن أحب أن يرى مساواة ~~الخلق أمام الخالق سبحانه، فلينظر إلى العبادات، ففيها استطراق ~~العبودية في الناس، فحينما ينادى للصلاة مثلا ترى الجميع سواسية: ~~الغني والفقير، والرئيس والمرؤوس، الوزير مثلا والخفير، الكل راكع أو ~~ساجد، الكل خاضع لله متذلل لله فقير لله، الكل عبيد لله بعد أن خلعوا ~~أقدارهم، عندما خلعوا نعالهم، ففي ساحة الرحمن يتساوى الجميع، وتتجلى لنا ~~هذه المساواة بصورة أوضح في مناسك الحج. والأهم من هذا أن الرئيس أو ~~الكبير لا يأنف، ولا يرى غضاضة في أن يراه مرؤوسه وهو في هذا الموقف وفي ~~هذا الخضوع والتذلل، ms5873 لماذا؟ لأن الخضوع هنا والتذلل لله، وهذا عين ~~العزة والشرف والكرامة. ثم يقول تعالى: { إنك لن تخرق ~~الأرض ولن تبلغ الجبال طولا } [الإسراء: 37]. في هذه ~~العبارة نلحظ إشارة توبيخ وتقريع، كأن الحق سبحانه وتعالى يقول لهؤلاء ~~المتكبرين، ولأصحاب الكبرياء الكاذب: كيف تتكبرون وتسيرون فخرا وخيلاء ~~بشيء موهوب لكم غير ذاتي فيكم؟ فأنتم بهذا التكبر والتعالي لن تخرقوا ~~الأرض، بل ستظل صلبة تتحداكم، وهي أدنى أجناس الوجود وتداس بالأقدام، ~~وكذلك الجبال وهي أيضا جماد ستظل أعلى منكم قامة ولن تطاولوها. والحق ~~سبحانه وتعالى يوبخ عبده المؤمن المكرم ليبقى له على التكريم في: { ~~ولا تمش في الأرض مرحا.. } [الإسراء: 37]. وحينما أراد الحق ~~سبحانه وتعالى أن يوبخ أهل التكبر الكاذب أتى بأدنى أجناس الوجود ~~بالأرض والجبال وهي جماد لكنه قد يسمو على الإنسان ويفضل عليه. والناظر ~~لأجناس الكون: الجماد والنبات والحيوان والإنسان، يجد الإنسان ينتفع بكل ~~هذه الأجناس، فالجماد ينفع النبات، والحيوان والنبات ينفع الحيوان ~~والإنسان، والحيوان ينفع الإنسان، وهكذا جميع الأجناس مسخرة في خدمة ~~الإنسان، فما وظيفتك أنت أيها الإنسان؟ ومن تخدم؟ لا بد أن يكون لك ~~دور في الكون ووظيفة في الحياة، وإلا كانت الأرض والحجر أفضل منك، ~~فابحث لك عن مهمة في الوجود. # وفي فلسفة الحج أمر عجيب، فالجماد الذي هو أدنى الأجناس نجد له مكانة ~~ومنزلة، فالكعبة حجر يطوف الناس من حوله، وفي ركنها الحجر الأسعد الذي ~~سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تقبيله وهو حجر، وعليه يتزاحم ~~الناس ويتشرفون بتقبيله والتمسح به. وهذا مظهر من مظاهر استطراق ~~العبودية في الكون، فالإنسان المخدوم الأعلى لجميع الأجناس يرى الشرف ~~والكرامة في تقبيل حجر. وكذلك النبات يحرم قطعه، وإياك أن تمتد يدك ~~إليه، وكذلك الحيوان يحرم صيده، فهذه الأشياء التي تخدمني أتى الوقت ~~الذي أخدمها وأقدسها، وجعلها الحق سبحانه وتعالى مرة في العمر لنلمح ~~الأصل، ولكي لا يغتر الإنسان بإنسانيته، وليعلم أن العبودية لله تعالى ~~تسري في الكون كله. فإياك أيها الإنسان أن تخدش هذا الاستطراق العبودي ~~في الكون ms5874 بمرح أو خيلاء أو تعال. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { كل ~~ذلك كان سيئه... }. ### || [17.38] # أي: كل ما تقدم من وصايا وتوجيهات بداية من قوله تعالى: # لا تجعل مع الله إلها آخر.. # [الإسراء: 22]. وهذه الأمور التي تقدمت، والتي تحفظ للمجتمع توازنه ~~وسلامته فيها السيء وفيها الحسن، والسيء هو المكروه من الله تعالى، والله ~~تعالى لا يكره إلا ما خالف منهج العبودية له سبحانه، أما الإنسان فيكره ~~ما يخالف هواه، ولا يتفق ومزاجه. وهذه الأوامر والنواهي التي تقدمت ~~يقولون: إنها الوصايا العشر التي نزلت على موسى - عليه السلام - ~~والمقصودة في قوله تعالى: # وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ~~وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك ~~يأخذوا بأحسنها.. # [الأعراف: 145]. ولذلك يقول الحق سبحانه: { ذلك ممآ أوحى ~~إليك ربك من الحكمة... }. ### || [17.39] # { ذلك } أي: ما تقدم من الوصايا. { الحكمة } هي: وضع الشيء ~~في موضعه المؤدي للغاية منه، لتظل الحكمة سائدة في المجتمع تحفظه ~~من الخلل والحمق والسفه والفساد. وقوله: { ولا تجعل مع ~~الله إلها آخر.. } [الإسراء: 39]. لسائل أن يسأل: لماذا كرر ~~هذا النهي، وقد سبق أن ذكر في استهلال المجموعة السابقة من الوصايا؟ ~~الحق سبحانه وتعالى وضع لنا المنهج السليم الذي ينظم حياة المجتمع، ~~وقد بدأه بأن الإله واحد لا شريك له، ثم عدل نظام المجتمع كله بطبقاته ~~وطوائفه وأرسى قواعد الطهر والعفة ليحفظ سلامة النسل، ودعا إلى ~~تواضع الكل للكل. فالحصيلة النهائية لهذه الوصايا أن يستقيم ~~المجتمع، ويسعد أفراده بفضل هذا المنهج الإلهي. إذن: فإياك أن تجعل معه ~~إلها آخر، وكرر الحق سبحانه هذا النهي: { ولا تجعل مع الله ~~إلها آخر.. } [الإسراء: 39]. لأنه قد يأتي على الناس وقت ~~يحسنون الظن بعقول بعض المفكرين، فيأخذون بأقوالهم ويسيرون على ~~مناهجهم، ويفضلونها على منهج الحق تبارك وتعالى، فيفتنون الناس عن ~~قضايا دينهم الحق إلى قضايا أخرى يوهمون الناس أنها أفضل مما جاء به ~~الدين. إذن: لا يكفي أن تؤمن أولا، ولكن احذر أن يزحزحك أحد عن دينك ~~فلا تجعل مع الله إلها آخر ms5875 يفتنك عن دينك، فتكون النتيجة: { فتلقى ~~في جهنم ملوما مدحورا } [الإسراء: 39]. { ملوما }: لأنك ~~أتيت بما تلام عليه، { مدحورا }: أي: مطرود مبعدا من رحمة ~~الله، وهذا الجزاء في الآخرة. أما الذي لا يؤمن بها، فلا بد لكي ~~نستطيع العيش معه في الدنيا، أن يذيقه الله بعض العذاب، ويعجله له في ~~الدنيا قبل عذاب الآخرة، كما قال تعالى: # فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا.. # [طه: 123-124] أي: في الدنيا. وقد ذكر الحق سبحانه وتعالى في قصة ذي ~~القرنين: # حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين ~~حمئة ووجد عندها قوما قلنا يذا القرنين إمآ ~~أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا * قال أما ~~من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه ~~فيعذبه عذابا نكرا # [الكهف: 86-87] فقوله: # فسوف نعذبه.. # [الكهف: 87] لأنه ممكن في الأرض، ومنوط به حفظ ميزان الحياة ~~واستقامتها، حتى عند الذين لا يؤمنون بالآخرة، وإلا فلو أخرنا العذاب ~~عن هؤلاء إلى الآخرة لأفسدوا على الناس حياتهم، وعاثوا في الأرض ~~يعربدون ويفسدون. ولذلك لا يموت ظلوم في الكون حتى ينتقم الله منه، ~~ويذيقه عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة، ولا بد أن يراه المظلوم ليعلم ~~أن عاقبة الظلم وخيمة، في حين أن المظلوم في رعاية الله وتأييده ينصره ~~بما يشاء من نعمه وفضله، حتى إن الظالم لو علم بما أعده الله للمظلوم ~~لضن عليه بالظلم. ثم يقول الحق سبحانه: { أفأصفاكم ربكم ~~بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا... }. ### || [17.40] # لما جعل بعض المشركين لله ولدا، فمنهم من قالوا: المسيح ابن الله، ~~ومنهم من قالوا: عزير ابن الله، ومنهم من قالوا: الملائكة بنات الله، ~~فوبخهم الله تعالى: كيف تجعلون للخالق سبحانه البنات ولكم البنين، إنها ~~قسمة جائرة، كما قال الحق سبحانه في آية أخرى: # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22]. أي: قسمة جائرة ظالمة. قوله: { أفأصفاكم.. } ~~[الإسراء: 40] أي: اصطفاكم واختار لكم البنين، وأخذ لنفسه البنات؟ ويقول ~~في آية أخرى: # وجعلوا له ms5876 من عباده جزءا.. # [الزخرف: 15]. لذلك قال تعالى بعدها: { إنكم لتقولون قولا ~~عظيما } [الإسراء: 40] فوصف قولهم بأنه عظيم في القبح والافتراء على ~~الله، كما قال في آية أخرى: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا ~~إدا # [مريم: 88-89]. ثم يقول الحق سبحانه: { ولقد صرفنا في هذا ~~القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا }. ### || [17.41] # { صرفنا } أي: حولنا الشيء من حال إلى حال، ومنها قوله تعالى: # وتصريف الرياح.. # [البقرة: 164]. يعني تغييرها من حال إلى حال، فمرة: تراها سكسكا ~~عليلة هادئة، ومرة تجدها رخاء أي: قوية، ومرة: تجدها إعصارا مدمرا. ~~والرياح قد تكون لواقح تأتي بالخير والنماء، وقد تكون عقيما لا خير ~~فيها. هذا هو المراد بالتصريف. فمعنى: { ولقد صرفنا في هذا ~~القرآن.. } [الإسراء: 41]. أي: صرف مسألة ادعاء اتخاذ الله الأبناء ~~في القرآن، وعالجها في كثير من المسائل لأنه أمر مهم عالجه القرآن ~~علاجات متعددة في مقامات مختلفة من سوره، فتكرر ذكر هذه المسألة. ~~والتكرار قد يكون في ذات الشيء، وقد يكون باللف بالشيء، كما في قوله ~~تعالى: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13]. وقوله: { وما يزيدهم إلا نفورا } [الإسراء: ~~41]. أي: بدل أن يذكروا ويعودوا إلى جادة الصواب ازدادوا إعراضا ~~ونفورا. ولنا أن نسأل: لماذا الإعراض والنفور منهم؟ لأنهم أرادوا ~~الاحتفاظ بالسلطة الزمنية التي كانت لهم قبل الإسلام، ولكي نوضح المقصود ~~بالسلطة الزمنية نقول: لو درسنا تواريخ القوانين في العالم نجد أن ~~القانون الوضعي الذي وضعه البشر لم يأت أول الأمر، بل جاء نتيجة ~~تسلط الكهنة، وكانوا هم أصحاب القانون يضعونه باسم الدين، ويلزمون ~~الناس به، ولكن لوحظ عليهم أنهم يحكمون في قضية ما بحكم، ثم بعد فترة ~~يحكمون في نفس القضية بحكم مخالف للأول، فانصرف الناس عن أحكام الكهنة، ~~ووضعوا لأنفسهم هذه القوانين الوضعية، وبذلك أصبح لهؤلاء ما يسمى ~~بالسلطة الزمنية. وهذه السلطة الزمنية هي التي منعت يهود المدينة من ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد كانوا على علم ومعرفة بأوصافه ~~وبرسالته وزمن بعثته، وكانوا حينما يرون عباد الأصنام في مكة يقولون ~~لهم: ms5877 سيأتي زمان يبعث فيه نبي في هذا البلد، وسوف نتبعه، ونقتلكم به قتل ~~عاد وإرم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، وقد كانوا من قبل يستفتحون به ~~على الذين كفروا. وعن هذا يقول الحق سبحانه في حق يهود المدينة: # ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة ~~الله على الكافرين # [البقرة: 89]. لقد تنكر اليهود لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، مع ~~أنهم على يقين من صدقه لأن هذه الرسالة ستحرمهم هذه السلطة الزمنية، ~~وستقضي على السيادة العلمية والسيادة الاقتصادية والسيادة الحربية التي ~~كانت لهم قبل الإسلام. ثم يقول الحق سبحانه: { قل لو كان معه ~~آلهة كما يقولون إذا لابتغوا... }. ### || [17.42] # أي: لو كان مع الله آلهة أخرى لطلبت هذه الآلهة طريقا إلى ذي العرش. ~~وقد عالج الحق تبارك وتعالى هذه القضية في قوله: # شهد الله أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18]. وهذه قضية: إما أن تكون صادقة، وإما أن تكون غير ذلك. ~~فإن كانت صادقة فقد انتهت المسألة، وإن كانت غير صادقة، وهناك إله ~~ثان، فأين هو؟ لماذا لم نسمع به؟ فإن كان موجودا، ولا يدري - أو كان ~~يدري بهذه القضية - ولكنه تقاعس عن المواجهة ولم يعارض، ففي كل الأحوال ~~لا يستحق أن يكون إلها. إذن: ما دام أن الله تعالى شهد لنفسه ~~بالوحدانية، ولم يقم له معارض فقد سلمت له هذه الدعوى. وكلمة { ذي ~~العرش } لا تقال إلا لمن استتب له الأمر بعد عراك وقتال، ~~فيصنع له كرسي أو سرير يجلس عليه. ابتغاء الطريق إلى ذي العرش، إما ~~ليواجهوه ويوقفوه عند حده ويبطلوا دعوته، فإن غلبوا فقد انتهت المسألة، ~~وإن غلبوا فعلى الأقل يذهب كل إله بما خلق كما قال تعالى: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض.. # [المؤمنون: 91]. أو: يبتغون إليه سبيلا، ليكونوا من خلقه ومن عبيده ~~لذلك يقول ms5878 الحق سبحانه في موضع آخر: # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون.. # [النساء: 172]. ويقول: # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه.. # [الإسراء: 57]. فهؤلاء الذين أشركتموهم مع الله فقلتم: المسيح ابن ~~الله، وعزير ابن الله، والملائكة بنات الله، كل هؤلاء فقراء إلى الله ~~يبتغون إليه الوسيلة، حتى أقربهم إلى الله وهم الملائكة يبتغون إلى الله ~~الوسيلة فغيرهم - إذن - أولى. وينزه الحق سبحانه نفسه، فيقول: { ~~سبحانه وتعالى عما... }. ### || [17.43] # وقوله { سبحانه } يعني تنزيها مطلقا له تعالى في ذاته، وفي ~~صفاته، وفي أفعاله، فلله تعالى ذات ليست كذاتك، وله صفات ليست كصفاتك، ~~وله أفعال ليست كأفعالك لأن الأشياء تختلف في الوجود بحسب الموجد ~~لها. فمثلا: لو بني كل من العمدة، ومأمور المركز، والمحافظ بيتا، ~~فسوف يتفاوت هذا البناء من واحد للآخر، بحسب قدرته ومكانته. وكذلك لا ~~بد من وجود هذا التفاوت بين إله ومألوه، وبين رب ومربوب، وبين عابد ~~ومعبود. إذن: كل الأشياء في المتساوي تتفاوت بتفاوت الناس. وقوله: { ~~علوا كبيرا } [الإسراء: 43] أي: تعالى الله وتنزه عما يقول ~~هؤلاء علوا كبيرا لأن الناس تتفاوت في العلو. ونلاحظ أن الحق سبحانه ~~اختار كبيرا ولم يقل: أكبر. وهذا من قبيل استعمال اللفظ في موضعه ~~المناسب لأن كبيرا تعني: أن كل ما سواه صغير، لكن أكبر تعني أن ما دونه ~~كبير أي: مشارك له في الكبر. لذلك نقول في نداء الصلاة: الله أكبر ~~وهي صفة له سبحانه، وليست من أسمائه ذلك لأن من أعمال الحياة اليومية ما ~~يمكن أن يوصف بأنه كبير، كأعمال الخير والسعي على الأرزاق، فهذه كبيرة، ~~ولكن: الله أكبر. ثم يقول تعالى: { تسبح له السماوات ~~السبع والأرض... }. ### || [17.44] # التسبيح: هو حيثية الإيمان بالله لأنك لا تؤمن بشيء في شيء إلا أن ~~تثق أن من آمنت به فوقك في ذلك الشيء، فأنت لا توكل أحدا بعمل إلا ~~إذا أيقنت أنه أقدر منك وأحكم وأعلم. فإذا كنت قد آمنت بإله واحد، ~~فحيثية ذلك الإيمان أن هذا ms5879 الإله الواحد فوق كل المألوهين جميعا، وليس ~~لأحد شبه به، وإن اشترك معه في مطلق الصفات، فالله غني وأنت غني، لكن ~~غنى الله ذاتي وغناك موهوب، يمكن أن يسلب منك في أي وقت. وكذلك في ~~صفة الوجود، فالله تعالى موجود وأنت موجود، لكن وجوده تعالى لا عن عدم، ~~بل هو وجود ذاتي ووجودك موهوب سينتهي في أي وقت. إذن: فتسبيح الله هو ~~حيثية الإيمان به كإله، وإلا لو أشبهناه في شيء أو أشبهنا في شيء ما ~~استحق أن يكون إلها. والتسبيح: هو التنزيه، وهذا ثابت لله تعالى قبل أن ~~يوجد من خلقه من ينزهه، والحق سبحانه منزه بذاته والصفة كائنة ~~له قبل أن يخلق الخلق لأنه خالق قبل أن يخلق، كما نقول: فلان شاعر، أهو ~~شاعر لأنه قال قصيدة؟ أم شاعر بذاته قبل أن يقول شعرا؟ الواقع أن الشعر ~~موهبة، وملكة عنده، ولولاها ما قال شعرا، إذن: هو شاعر قبل أن يقول. ~~كذلك فصفات الكمال في الله تعالى موجودة قبل أن يوجد الخلق. لذلك فإن ~~المتتبع لهذه المادة في القرآن الكريم مادة سبح يجدها بلفظ سبحان في ~~أول الإسراء: # سبحان الذي أسرى.. # [الإسراء: 1]. ومعناها أن التنزيه ثابت لله تعالى قبل أن يخلق من ينزهه. ~~ثم بلفظ: # سبح لله ما في السماوات والأرض.. # [الحديد: 1]. بصيغة الماضي، والتسبيح لا يكون من الإنسان فقط، بل من ~~السماوات والأرض، وهي خلق سابق للإنسان. ثم يأتي بلفظ: # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض.. # [الجمعة: 1]. بصيغة المضارع ليدل على أن تسبيح الله ليس في الماضي، بل ~~ومستمر في المستقبل لا ينقطع. إذن: ما دام التسبيح والتنزيه ثابتا لله ~~تعالى قبل أن يخلق من ينزهه، وثابتا لله من جميع مخلوقاته في ~~السماوات والأرض، فلا تكن أيها الإنسان نشازا في منظومة الكون، ولا ~~تخرج عن هذا النشيد الكوني: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1]. وقوله تعالى: { وإن من شيء.. } [الإسراء: 44]. أي: ~~ما من شيء، كل ما يقال له شيء. والشيء هو جنس الأجناس، فالمعنى أن كل ما ms5880 ~~في الوجود يسبح بحمده تعالى. وقد وقف العلماء أمام هذه الآية، وقالوا: ~~أي تسبيح دلالة على عظمة التكوين، وهندسة البناء، وحكمة الخلق، وهذا ~~يلفتنا إلى أن الله تعالى منزه ومتعال وقادر، ولكنهم فهموا التسبيح ~~على أنه تسبيح دلالة فقط لأنهم لم يسمعوا هذا التسبيح ولم يفهموه. # وقد أخرجنا الحق سبحانه وتعالى من هذه المسألة بقوله: { ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. } [الإسراء: 44]. إذن: يوجد تسبيح دلالة ~~فعلا، لكنه ليس هو المقصود، المقصود هنا التسبيح الحقيقي كل بلغته. ~~فقوله تعالى: { ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. } [الإسراء: ~~44]. يدل على أنه تسبيح فوق تسبيح الدلالة الذي آمن بمقتضاها المؤمنون، ~~إنه تسبيح حقيقي ذاتي ينشأ بلغة كل جنس من الأجناس، وإذا كنا لا نفقه ~~هذا التسبيح، فقد قال تعالى: # كل قد علم صلاته وتسبيحه.. # [النور: 41]. إذن: كل شيء في الوجود علم كيف يصلي لله، وكيف يسبح ~~لله، وفي القرآن آيات تدل بمقالها ورمزيتها على أن كل عالم في الوجود ~~له لغة يتفاهم بها في ذاته، وقد يتسامى الجنس الأعلى ليفهم عن الجنس ~~الأدنى لغته، فكيف نستبعد وجود هذه اللغة لمجرد أننا لا نفهمها؟ وها هم ~~الناس أنفسهم ولهم في الأداء القولي لغة يتفاهمون بها، ومع ذلك تختلف ~~بينهم اللغات، ولا يفهم بعضهم بعضا، فإذا ما تكلم الإنجليزي - مع أنه ~~يتكلم بألفاظ العربي - ومع ذلك لا يفهمه لأنه ما تعلم هذه اللغة. ~~واللغة ظاهرة اجتماعية، بمعنى أن الإنسان يحتاج للغة لأنه في مجتمع يريد ~~أن يتفاهم معه ليعطيه ما عنده من أفكار، ويسمع ما عنده من أفكار فلا ~~بد من اللغة لنقل هذه الأفكار، ولو أن الإنسان وحده ما كان في حاجة ~~إلى لغة لأنه سيفعل ما يخطر بباله وتنتهي المسألة. واللغة لا ترتبط بالدم ~~أو الجنس أو البيئة لأنك لو أتيت بطفل إنجليزي مثلا، ووضعته في بيئة ~~عربية سيتكلم العربية لأن اللغة ظاهرة اجتماعية تعتمد على السمع ~~والمحاكاة لذلك إذا لم تسمع الأذن لا تستطيع أن تتكلم، ومن ذلك قوله ~~تعالى: # صم بكم عمي.. # [البقرة: 18]. فهم بكم ms5881 لا يتكلمون لأنهم صم لم يسمعوا شيئا، فإذا ~~لم يسمع الإنسان اللفظ لا يستطيع أن يتحدث به لأن ما تسمعه الأذن يحكيه ~~اللسان. إذن: بالسماع انتقلت اللغة، كل سمع من أبيه، ومن البيئة التي ~~يعيش فيها، فإذا ما سلسلت هذه المسألة ستصل إلى آدم - عليه السلام - ~~وهنا يأتي السؤال: وممن سمع آدم اللغة التي تكلم بها؟ وقد حل لنا ~~القرآن الكريم هذه القضية في قوله تعالى: # وعلم ءادم الأسمآء كلها.. # [البقرة: 31]. وأكثر من ذلك، فقد يتكلم العربي بنفس لغتك ولا تفهم عنه ~~ما يقول، واللغة هي اللغة، كما حدث مع أبي علقمة النحوي، وكان يتقعر في ~~كلامه ويأتي بألفاظ شاذة غير مشتهرة، وقد أتعب بذلك من حوله، وخاصة ~~غلامه الذي ضاق به ذرعا لكثرة ما سمع منه من هذا التقعر. ويروى أنه ~~في ذات ليلة قال أبو علقمة لغلامه: أصقعت العتاريف؟ فرد عليه ~~الغلام قائلا: زقفيلم. # وكانت المرة الأولى التي يستفهم فيها أبو علقمة عن كلمة، فقال: يا بني ~~وما زقفيلم؟ قال: وما صقعت العتاريف؟ قال: أردت: أصاحت الديكة؟ فقال ~~الغلام: وأنا أردت لم تصح. إذن: فكيف نستبعد أننا لا نعلم لغة ~~المخلوقات الأخرى من حيوان ونبات وجماد؟ ألم يكفنا ما أخبرنا الله به ~~من وجود لغة لجميع المخلوقات، وإن كنا لا نفهمها لأننا نعتقد أن اللغة ~~هي النطق باللسان فقط، ولكن اللغة أوسع من ذلك. فهناك - مثلا - لغة ~~الإشارة، ولغة النظرات، ولغة التلغراف. إذن: اللغة ليست اللسان فقط، بل ~~هي استعداد لاصطلاح يفهم ويتعارف عليه، فالخادم مثلا يكفي أن ينظر ~~إليه سيده نظرة يفهم منها ما يريد، فهذه النظرة لون من ألوان الأداء. ~~والآن بدأنا نسمع عن قواميس يسجل بها لغات بعض الحيوانات لمعرفة ما ~~تقول. وقد أعطانا الحق تبارك وتعالى إشارات تدل على أن لكل عالم لغة ~~يتفاهم بها، كما في قوله تعالى: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن.. # [الأنبياء: 79]. فالجبال تسبح مع داود، وتسبح مع غيره، ولكن المراد ~~هنا أنها تسبح معه ويوافق تسبيحها تسبيحه، وكأنهما في أنشودة ms5882 جماعية ~~منسجمة. إذن: فلا بد أن داود عليه السلام قد فهم عنها وفهمت عنه. ~~وكذلك النملة التي تكلمت أمام سليمان عليه السلام ففهم كلامها، وتبسم ~~ضاحكا من قولها. وقد علمه الله منطق الطير. إذن: لكل جنس من الأجناس ~~منطق يسبح الله به، ولكن لا نفقه هذا التسبيح لأنه تسبيح بلغة مؤدية ~~معبرة يتفاهم بها من عرف التواضع عليها. وقد جعل الحق سبحانه وتعالى ~~تنزيهه مطلقا ينقاد له الجميع، حتى الكافر ينقاد لتنزيه الله قهرا ~~عنه، مع أن لديه ملكة الاختيار بين الكفر أو الإيمان، لكن أراد الحق ~~سبحانه أن يكون تنزيهه مطلقا من الجماد والنبات والحيوان، ومن المؤمن ~~والكافر. كيف ذلك؟ أطلق الحق سبحانه على ذاته لفظ الجلالة الله فهو علم ~~على واجب الوجود، ثم تحدى الكافرين أن يسموا أحدا بهذا الاسم، ~~فقال: # هل تعلم له سميا # [مريم: 65]. ومع ما عندهم من إلف بالمخالفة وعناد بالإلحاد، مع ذلك ~~لم يجرؤ أحد منهم أن يسمي ابنا له بهذا الاسم، ومعلوم أن التسمية ~~أمر اختياري يطرأ على الجميع. إذن: فهذا تنزيه لله تعالى، حتى من الكافر ~~رغما عنه، وهو دليل على عظمته سبحانه وجلاله، هذه العظمة وهذا الجلال ~~الذي لم يجرؤ حتى الكافر على التشبه به ذلك لأنهم في كفرهم غير مقتنعين ~~بالكفر، ويخافون بطش الله وانتقامه إن أقدموا على هذا العمل، لذلك لا ~~يجرؤ أحد منهم أن يجرب في نفسه مثل هذه التسمية. وفي مجال العبادات، ~~فقد اختار الحق سبحانه لنفسه عبادة لا يشاركه فيها أحد، ولا يقدمها أحد ~~لغيره تعالى لأن الناس كثيرا ما يتقربون لأمثالهم من البشر بأعمال أشبه ~~ما تكون بعبادة الله تعالى، فمنهم من ينحني خضوعا لغيره كأنه راكع أو ~~ساجد، ومنهم من يمدح جبارا بأنه لا مثيل له، وتصل به المبالغة إلى ~~جعله إلها في الأرض، ومنهم من يسجد للشمس كما فعل أهل سبأ وأخبر ~~الهدهد عنهم بقوله: # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله.. # [النمل: 24]. ألسنا نرى إنسانا يتقرب لأحد الحكام، بأن ينفق فيما ~~يحبه ms5883 هذا الحاكم، وكأنه يخرج زكاة ماله؟ ألسنا نرى أحدهم يذهب كل يوم ~~إلى قصر سيده، ويوقع في سجل التشريفات باسمه ليقدم بذلك فروض الولاء ~~والطاعة؟ إذن: فالإيمان بالوحدانية في شيء متميز وارد عند الناس، والخضوع ~~الزائد بالسجود أو بالركوع أو بالكلام وارد عند الناس. لذلك تفرد الحق ~~سبحانه بفريضة الصوم، وجعلها خالصة له سبحانه، لا يتقرب بها أحد لأحد، ~~وهل رأيت إنسانا يتقرب لآخر بصوم؟ فانظر إلى هذه السبحانية وهذا ~~التنزيه في ذاته سبحانه، فلا يجرؤ أحد أن يتسمى باسمه. وفي العبادة لا ~~يصام لأحد غيره تعالى، فلو تصورنا أن يقول واحد للآخر: أنا سأتقرب ~~إليك بصوم هذا اليوم أو هذا الشهر، إذن: أنت تريد منه أن يجلس بجوارك ~~يحرسك ويراعي صومك، فكأنك تريد له العنت والمشقة من حيث تريد أنت أن ~~تتقرب إليه. لذلك يقول الحق سبحانه في الحديث القدسي: # " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ". # يعني من الممكن أن يتقرب بأي ركن من أركان الإسلام لغيري، إلا الصوم، ~~فلا يجرؤ أحد أن يتطوع به أو يتقرب به لأحد. إذن: فالسبحانية هي ~~الدليل السائد الشامل الجامع لكل الخلق لذلك نقول للكافر: أيها الكافر ~~لقد تأبيت على الإيمان بالله، وللعاصي: لقد تأبيت على أوامر الله، ~~وما دمتم قد تأبيتم على الله، وألفتم هذا التأبي وهذا التمرد، ~~فلماذا لا تتأبون على المرض إن أصابكم، وعلى الموت إن طرق بابكم؟ لماذا ~~لا تتمرد على ملك الموت وتقول له: لن أموت اليوم؟! إنها قاهرية الحق ~~سبحانه وتعالى حتى على الكافر، فلا يستطيع أحد أن يخرج عليها أو يتمرد. ~~وكذلك العاصي حينما ينحرف عن الجادة، وتمتد يده إلى مال غيره بالسرقة أو ~~الاختلاس أو التعدي على المال العام، فإن الحق سبحانه يفتح عليه ~~أبوابا للإنفاق تبتلع ما جمع من الحرام، وربما أخذت في طريقها الحلال ~~أيضا، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: # " من جمع مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر ". # فالتسبيح إذن لغة الكون ms5884 كله، منه ما نفهمه، ومنه ما لا نفهمه، إلا من ~~أطلعه الله عليه، فإذا من الله على أحد وعلمه لغة الطير أو الحيوان ~~أو النبات أو الجماد، فهمها وفقه عنها، كما أنعم بهذه النعم على داود ~~وسليمان عليهما السلام. # ويقول سليمان - عليه السلام - شاكرا هذه النعمة: # رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي وعلى والدي.. # [النمل: 19]. فقول الحق سبحانه: { وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده.. } [الإسراء: 44]. يجب على العلماء أن ينقلوها من خاطر ~~الدلالة إلى خاطر المقالة أيضا، ولكنها مقالة، ولكنها مقالة بلغة يفهمها ~~أصحابها إذا شاء الله لهم ذلك. ثم يذيل الحق سبحانه هذه الآية بقوله: { ~~إنه كان حليما غفورا } [الإسراء: 44]. لأن الإنسان كثيرا ~~ما يغفل الاستدلال بظواهر الكون وآياته دلالة الحال، فيقف على قدرة الله ~~وبديع صنعه، وكذلك كثيرا ما يغفل عن تسبيح الله تسبيح المقالة لذلك ~~أخبر سبحانه أنه حليم لا يعاجل الغافلين بالعقوبة، وغفور لمن تاب وأناب. ~~وهذا من رحمته سبحانه بعباده، فلولا أن يتدارك الله العباد بهذه الرحمة ~~لكان الإنسان سيد الكون أقل حظا من الحيوان، ويكفي أن تتدبر قوله تعالى ~~عن تسبيح المخلوقات له سبحانه: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب.. # [الحج: 18]. فها هي جميع الأجناس من جماد ونبات وحيوان تسجد لله لا ~~يتخلف منها شيء، فهي تسجد وتسبح بالإجماع، ولم ينقسم الأمر إلا في ~~الإنسان السيد المكرم، ولكن لماذا الإنسان بالذات هو الذي يشذ عن ~~منظومة التسبيح في الكون؟ نقول: لأنه المخلوق الوحيد الذي ميزه الله ~~بالاختيار، وجعل له الحرية في أن يفعل أو لا يفعل، أما باقي المخلوقات ~~فهي مسخرة مقهورة، فإن قال قائل: لماذا لم يجعل الحق سبحانه وتعالى ~~الإنسان أيضا مقهورا كباقي المخلوقات؟ لقد جعل الله تعالى في الإنسان ~~الاختيار لحكمة عالية، فالقهر يثبت للحق سبحانه صفة القدرة على مخلوقه، ~~فإذا قهره على شيء لا يشذ ولا يتخلف، ولكنه لا ms5885 يثبت صفة المحبوبية لله ~~تعالى. أما الاختيار فيثبت المحبوبية لله لأنه خلقك مختارا تؤمن أو ~~تكفر، ومع ذلك اخترت الإيمان حبا في الله تعالى، وطاعة وخضوعا، ~~فأثبت بذلك صفة المحبوبية. وإياك أن تظن أن من يعصي الله يعصيه ~~قهرا عن الله، بل بما ركب فيه من الاختيار، وقد يقول قائل: وما ذنب ~~الإنسان أن يكون مختارا من بين جميع المخلوقات؟ لو حققت هذه القضية ~~منطقيا وفلسفيا لوجدت الكون كله كان مختارا، وليس الإنسان فقط، لكن ~~اختارت جميع المخلوقات أن تسلم الأمر لله، وفضلت أن تكون مقهورة ~~مسخرة من البداية، أما الإنسان ففضل الاختيار، وقال: سأعمل بحرص، ~~وسأحمل الأمانة بإخلاص، وهذا واضح في قول الحق تبارك وتعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. وفي رفض هذه المخلوقات لتحمل الأمانة والاختيار دليل ~~على العلم الواسع لأنه يوجد فرق كبير بين قبول الأمانة وقت التحمل ~~ووقت الأداء. فقد تتحمل الأمانة وأنت واثق من أدائها، لكن يطرأ عليك وقت ~~الأداء ما يحول بينك وبين أداء الأمانة. والأمانة كما هو معروف لا ~~توثق ولا تكتب، وكثيرا ما يقع فيها التلاعب لأنها لا تثبت إلا ~~بذمة الآخذ الذي قد يضعف عن الأداء وتلجئه الأحداث إلى هذا التلاعب ~~أو الإنكار، والأحداث قد تكون أقوى من الرجال. فالإنسان - إذن - لا يضمن ~~نفسه وقت الأداء، وإن كان يضمنها وقت التحمل، ولهذا اختارت جميع ~~المخلوقات أن تكون مقهورة مسيرة، أما الإنسان فقال: لي عقل وأستطيع ~~التصرف والترجيح بين البدائل، فكان بذلك ظالما لنفسه لأنه لا يضمنها ~~وقت الأداء، وجهولا بما يكون من تغير أحواله. فالكون - إذن - ليس ~~مقهورا رغما عنه، بل بإرادته واختياره، وكذلك الإنسان ليس مختارا ~~رغما عنه، بل بإرادته واختياره. ثم يقول الحق سبحانه: { وإذا ~~قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون... }. ### || [17.45] # الحق سبحانه وتعالى يعدل الأشياء تنفيذا لأشياء أخرى، ويصنع أحداثا ~~أولية لتكون بمثابة المقدمة والتمهيد لأحداث أخرى أهم منها. وكفار مكة ms5886 ~~ما ادخروا وسعا، وما تركوا وسيلة من وسائل الإيذاء لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم والتنكيل به إلا فعلوها. ومع ذلك لم يفاجأ بها رسول ~~الله، ولم تثبط من عزيمته، لماذا؟ لأنه كان متوقعا لكل هذا ~~الإيذاء، ولديه من سوابق الأحداث ما يعطيه الحصانة الكافية لمقابلة كل ~~الشدائد. فالمسألة لم تفاجىء رسول الله لأنه عرفها حتى قبل أن يبعث، ~~فحينما جاءه جبريل للمرة الأولى في الغار، وعاد إلى السيدة خديجة فزعا ~~ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوف، فطمأنه بأن هذا هو الناموس الإلهي، ~~وأنه صلى الله عليه وسلم سيكون مبعوث السماء إلى الأرض، وأنه نبي هذه ~~الأمة، وقال فيما قال: ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " أمخرجي هم؟ ". قال: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا ~~عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا. إذن: فالحق سبحانه وتعالى ~~حصن رسوله صلى الله عليه وسلم ضد ما سيأتي من أحداث لكي يكون على ~~توقع لها، ولا تحدث له المفاجأة التي ربما ولدت الانهيار، وأعطاه ~~الطعم المناسب للداء قبل حدوثه لتكون لديه المناعة الكافية عند وقوع ~~الأحداث، واليقين الثابت في نصر الله له مهما ادلهمت الخطوب، وضاق ~~الخناق عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه. والحديث عن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة، وما داموا كذلك فليس لهم إلا الدنيا، هي فرصتهم الوحيدة، لذلك ~~يحرصون على استنفاد كل شهواتهم فيها، ولا يؤخرون منها شيئا، فإن أجل ~~المؤمن بعض متعه وشهواته انتظارا لما في الآخرة فإلام يؤجل الكفار ~~متعتهم؟ إذن: الذي يجعل هؤلاء يتهافتون على شهواتهم في الدنيا أنهم غير ~~مؤمنين بالآخرة. فإذا جاء رسول بمنهج ليعدل حركة الناس لتنسجم مع الكون، ~~فلا بد أن يثور هؤلاء الكفار الحريصون على شهواتهم ومكانتهم، لا بد ~~أن يصادموا هذه الدعوة، ويقاوموها في ذات الرسول وفي منهجه، في ذاته ~~بالإيذاء، وفي دعوته ومنهجه بصرف الناس عنه، ألم يقل الكفار لمن ~~يرون عنده ميلا للإسلام: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ms5887 لعلكم ~~تغلبون # [فصلت: 26]. وقولهم: # لا تسمعوا لهذا القرآن.. # [فصلت: 26] شهادة منهم بصدق القرآن الكريم، وأنه ينفذ إلى القلوب ويؤثر ~~فيها، وإلا لما قالوا هذا القول. وقولهم: # والغوا فيه.. # [فصلت: 26] أي: هرجوا وشوشوا عليه حتى لا يصل إلى آذان الناس، إذن: ~~هم واثقون من صدق رسول الله وصدق دعوته، وقد دلت تصرفاتهم على ذلك، ~~فحينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب إلى الكعبة، ويجلس بجوارها ~~يدندن بآيات القرآن كان صناديد الكفر في مكة يتعمدون سماع القرآن، ~~والتلذذ بروعته وبلاغته. # فقوله تعالى: { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا } [الإسراء: ~~45]. يروى أن أبا جهل، وأبا سفيان، وأبا لهب، وأم جميل كانوا يتابعون ~~رسول الله، ويتنصتون عليه وهو يقرأ القرآن ليروا ما يقول، وليجدوا فرصة ~~لإيذائه صلى الله عليه وسلم، فكان الحق سبحانه يصم آذانهم عن سماع ~~القرآن، فالرسول يقرأ وهم لا يسمعون شيئا، فينصرفون عنه بغيظهم. وكأن ~~الحق سبحانه يريد من هذه الواقعة أن تكون تمهيدا لحدث أهم، وهو ما كان ~~من رسول الله ليلة الهجرة، ليلة أن بيتوا له القتل بضربة رجل واحد، ~~فتحرسه عناية الله وتقوم له: اخرج عليهم ولا تخف، فإن الذي جعلك تقرأ ~~وجعل بينك وبينهم حجابا فلا يستمعون إليك، هو الذي سينزل على أعينهم ~~غشاوة فلا يرونك. ومع إحكام خيوط هذه المؤامرة لم يخرج الرسول من بينهم ~~صامتا يحبس أنفاسه خوفا، بل خرج وهو يقول # " شاهت الوجوه " # وهو لا يخشى انتباههم إليه، وأكثر من ذلك: يأخذ حفنة من التراب ويذروها ~~على وجوههم، إنها الثقة واليقين في نصره وتأييده. وقوله: { حجابا ~~مستورا } [الإسراء: 45]. الحجاب: هو المانع من الإدراك، فإن كان ~~للعين فهو مانع للرؤية، وإن كان للأذن فهو مانع للسمع. وكلمة { ~~مستورا } اسم مفعول من الستر، فلم يقل الحق سبحانه وتعالى ساترا، ~~وهذا من قبيل المبالغة في الستر والإخفاء، فالمعنى أن الحجاب الذي يمنعهم ~~من سماعك أو رؤيتك هو نفسه مستور، فإن كان الحجاب نفسه مستورا، فما ~~بالك بما خلفه؟ ولا ms5888 شك أن الذهن سينشغل هنا بالحجاب المادي، لكن ~~هذا الحجاب الذي يتحدث عنه الحق سبحانه حجاب معنوي ولا يراه أحد، كما في ~~قوله تعالى: # رفع السماوات بغير عمد ترونها.. # [الرعد: 2]. فلو قال: بغير عمد وسكت فقد نفى وجود عمد للسماء وانتهت ~~المسألة، وأدخلناها تحت قوله تعالى: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا.. # [فاطر: 41] فالأمر قائم على قدرة الله دون وجود عمد تحمل السماء. لكن ~~قوله سبحانه: { ترونها } تجعل المعنى صالحا لأن نقول بغير عمد، ~~وأنتم ترونها كذلك، فننظر هنا وهناك فلا نجد للسماء عمدا تحملها، أو ~~نقول: إن لها عمدا لكنا لا نراها، فهي عمد معنوية، فلا ينصرف ذهنك ~~إلى ما نقيمه نحن من عمد المسلح أو الرخام أو الحديد. وفي هذا ما يدك ~~الغرور في الإنسان، ليعلم أنه لا يدرك إلا ما أذن الله له في إدراكه، وأن ~~حواس الإدراك لديه قد تتوقف عن هذا الإدراك، فليس معنى أنها مدركة أن ~~تظل مدركة دائما، فليس لها طلاقة لتفعل ما تشاء، بل الحق سبحانه وتعالى ~~يعطيها هذه القدرة، أو يسلبها إياها. # فالقدرة الإلهية هي التي تسير هذا الكون، وتأمر كل شيء بأن يؤدي ~~مهمته في الحياة، وإن شاء عطلها عن أداء هذه المهمة لذلك نرفض قول ~~الفلاسفة أن الحق سبحانه وتعالى زاول سلطانه في ملكه مرة واحدة، بأن ~~جعل فيه النواميس والقوانين، وهي التي تحكم العالم وتسيره. ففي قصة ~~موسى - عليه السلام - أنه سار بجيشه، يطارده فرعون وجنوده حتى وصل إلى ~~شاطئ البحر فأصبح البحر من أمامه، وفرعون من خلفه حتى قال أصحاب موسى: # إنا لمدركون.. # [الشعراء: 61]. فأين المفر، وها هو البحر من أمامنا، والعدو من خلفنا؟ ~~وهذا كلام منطقي مع واقع الحدث البشري، لكن الأمر يختلف عند موسى - عليه ~~السلام - فقال بملء فيه: # قال كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. فهل قالها موسى برصيد بشري؟ لا، بل بما عنده من ثقة في ~~ربه، وهكذا انتقلت المسألة إلى ساحة الخالق سبحانه، فقال لنبيه موسى: # فأوحينآ إلى موسى أن اضرب ms5889 بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # [الشعراء: 63]. فخرق الله لموسى قانون سيولة الماء واستطراقه، ويتجمد ~~الماء، ويصير كالجبل ويتحول البحر إلى يابسة، ويعبر موسى وقومه إلى ~~الناحية الأخرى، وتنشرح صدورهم بفرحة النجاة، ويأخذ موسى - عليه السلام - ~~عصاه ليضرب البحر ليعود إلى طبيعته، وحتى لا يعبره فرعون ويلحق به، لكن ~~الحق سبحانه يأمره، أن يتركه على حاله: # واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون # [الدخان: 24]. فعندما نزل فرعون وجنوده البحر واكتمل عددهم في قاعه أطلق ~~الخالق سبحانه للماء قانون سيولته، فأطبق على فرعون وجنوده، وكانت آية ~~من آيات الله، شاهدة على قدرته سبحانه، وأنه إن شاء أنجى وأهلك بالشيء ~~الواحد، وشاهدة على قيوميته تعالى على خلقه، فليس الأمر - كما يقولون - ~~أمر قانون أو ناموس يعمل، ويدير حركة الكون، فكل المعجزات التي مرت في ~~تاريخ البشرية جاءت من باب خرق النواميس. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~آذانهم وقرا... }. ### || [17.46] # ومعنى { أكنة } جمع كنان، وهو الغطاء، وقد حكى القرآن اعترافهم ~~بهذه الأكنة وهذه الحجب التي غلفت قلوبهم في قوله تعالى: # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ~~آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب.. # [فصلت: 5]. الكون كله خلق الله، والإنسان سيد هذا الكون، وخليفة الله ~~فيه وهو مربوب للخالق سبحانه لا يخرج عن مربوبيته لربه، حتى وإن كان ~~كافرا لا يزال يتقلب في عطاء الربوبية، فلا يحرم منها كافر بكفره ولا ~~عاص بمعصيته، بل كما قال تعالى: # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك.. # [الإسراء: 20]. وسبق أن فرقنا بين عطاء الربوبية المتمثل في كل ~~نعم الحياة وبين عطاء الألوهية، وهو التكليف الذي يقتضي عبدا ~~ومعبودا، وافعل ولا تفعل. إذن: عطاء الربوبية عام للجميع ودائم للجميع، ~~فكان على الإنسان أن يقف مع نفسه وقفة تأمل في هذه النعم التي تساق ~~إليه دون سعي منه أو مجهود، هذه الشمس وهذه الأرض وهذا الهواء، هل له ~~قدرة عليها؟ هل تعمل له بأمره، إنها أوليات النعم التي أجراها الله تعالى ms5890 ~~من أجله، وسخرها بقدرته من أجله، ألا تدعوه هذه النعم إلى الإيمان ~~بالمنعم سبحانه وتعالى؟ وسبق أن ضربنا مثلا للاستدلال على الخالق ~~سبحانه بما أودعه في الكون من ظواهر وآيات بالرجل الذي انقطعت به ~~السبل في صحراء، حتى أوشك على الهلاك، وفجأة رأى مائدة عليها ما يشتهي ~~من الطعام والشراب، ألا تثير في نفسه تساؤلا عن مصدرها قبل أن تمتد ~~إليها يده؟ وكذلك الكافر الذي يتقلب في نعم لا تعد ولا تحصى، ~~وقد طرأ على الكون فوجده معدا لاستقباله مهيئا لمعيشته، فكان عليه ~~أن يجري عملية الاستدلال هذه، ويأخذ من النعمة دليلا على المنعم. ~~والحق تبارك وتعالى لا يمنع عطاء ربوبيته عمن كفر، بل إن الكافر حين ~~يتمكن الكفر منه ويغلق عليه قلبه يساعده الله على ما يريد، ويزيده مما ~~يحب، كما قال تعالى: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا.. # [البقرة: 10]. إذن: فقوله تعالى: { وجعلنا على قلوبهم ~~أكنة.. } [الإسراء: 46] لم تأت من الله ابتداء، بل لما أحبوا ~~هم الكفر، وقالوا عن أنفسهم: قلوبنا في أكنة، فأجابهم الله إلى ما أرادوا ~~وختم على قلوبهم ليزدادوا كفرا، وطالما أنهم يحبونه فلنزدهم منه. ثم ~~يقول تعالى: { أن يفقهوه.. } [الإسراء: 46]. أي: كراهية أن يفقهوه ~~لأن الله تعالى لا يريد منهم أن يفهموا القرآن رغما عنهم، بل برضاهم ~~وعن طيب خاطر منهم بالإقناع وبالحجة، فالله لا يريد منا قوالب تخضع، بل ~~يريد قلوبا تخشع، وإلا لو أرادنا قوالب لما استطاع أحد منا أن يشذ ~~عن أمره، أو يمنع نفسه من الله تعالى، فالجميع خاضع لأمره وتحت مشيئته. # وفي سورة الشعراء يقول الحق تبارك وتعالى: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. فالأعناق هي الخاضعة وليست القلوب لأنك تستطيع أن تقهر ~~قالب خصمك فتجبره على فعل أو قول، لكنك لا تستطيع أبدا أن تجبر قلبه ~~وتكرهه على حبك، إذن: فالله تعالى يريد القلوب، يريدها طائعة محبة ~~مختارة، أما هؤلاء فقد اختاروا الأكنة على قلوبهم، ms5891 وأحبوها وانشرحت ~~صدورهم بالكفر، فزادهم الله منه. ثم يقول تعالى: { وفي آذانهم ~~وقرا.. } [الإسراء: 46]. { وقرا } أي: صمم، والمراد أنهم لا ~~يستمعون سماعا مفيدا لأنه ما فائدة السمع؟ واللغة وسيلة بين متكلم ~~ومخاطب، ومن خلالها تنتقل الأفكار والخواطر لتحقيق غاية، فإذا كان يستمع ~~بدون فائدة فلا جدوى من سمعه وكأن به صمما. وقوله تعالى: { وإذا ~~ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على ~~أدبارهم نفورا.. } [الإسراء: 46]. لماذا ولو على أدبارهم ~~نفورا؟ لأنك أتيت لهم بما يخوفهم ويزعجهم، وبالله لو أن قضية ~~الإيمان ليست فطرية موجودة في الذات وفي ذرات التكوين، أكان هؤلاء ~~يخافون من ذكر الله؟ فمما يخافون وهم لا يؤمنون بالله، ولا يعترفون ~~بوجوده تعالى؟ إذن: ما هذا الخوف منهم إلا لانقهار الطبع، وانقهار الفطرة ~~التي يعتريها غفلة، فإذا ذكر الله تعالى أمامهم، فإذا بهم يولون ~~مدبرين في خوف ونفور. ثم يقول الحق سبحانه: { نحن أعلم بما ~~يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى... ~~}. ### || [17.47] # الحق سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهذه ~~حقيقة كان على الكفار أن ينتبهوا إليها ويراعوها، ويأخذوها سبيلا إلى ~~الإيمان بالله، فقد أخبر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير # [المجادلة: 8]. فكان عليهم أن يتدبروا هذا القول: فهم قالوا في أنفسهم، ~~ولم يقولوا لأحد، فمن أخبر محمدا بهذا القول الذي لم يخرج إلى عالم ~~الواقع، ومن أطلعه عليه؟ ألا يدعوهم هذا الإعلام بما يدور في نفوسهم ~~إلى الإيمان بالله؟ وما دام الحق سبحانه يعلم كل الأحوال، ولا يخفى ~~عليه شيء، فهو أعلم بأحوالهم هذه: الأول: يستمعون إليك. والثاني: وإذ هم ~~نجوى. والثالث: إذ يقول الظالمون. إذن: هم يستمعون ثم يتناجون، ثم يقول ~~بعضهم لبعض. قالوا: إن سبب نزول هذه الآية ما كان عند العرب من حب ~~للغة وشغف بأساليب البيان لذلك كانت معجزة النبي صلى الله عليه وسلم من ~~جنس ما نبغ فيه قومه، لتكون أوضح في ms5892 التحدي، هكذا شأن الحق سبحانه مع كل ~~الرسل. وكان للعرب أسواق للبيان والبلاغة يجتمع فيها أهل الشعر والبلاغة ~~والفصاحة، وفي مكة تصب كل الألسنة في مواسم الحج، فعرفوا صفوة لغات ~~الجزيرة وأساليبها، ومن هنا انجذبوا لسماع القرآن، وشغفوا ببيانه بما ~~لديهم من أذن مرهفة للأسلوب وملكة عربية أصيلة، إلا أن القرآن له ~~مطلوبات وتكاليف لا يقدرون عليها، ولديه منهج سيقوض مملكة السيادة ~~التي يعيشون فيها. ومن هنا كابروا وعاندوا، ووقفوا في وجه هذه الدعوة، ~~وإن كانوا معجبين بالقرآن إعجابا بيانيا بلاغيا بما في طباعهم من ~~ملكات عربية. فيروى أن كبارا مثل: النضر بن الحارث، وأبي سفيان، ~~وأبي لهب كانوا يتسللون بعد أن ينام الناس - ممن كانوا يقولون لهم: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه # [فصلت: 26] - كانوا يذهبون إلى البيت يتسمعون لقراءة القرآن، ولماذا ~~يحرمون أنفسهم من سماع هذا الضرب البديع من القول، وقد حرموا مواجيدهم ~~وقلوبهم منه، فكانوا عند انصرافهم يرى بعضهم بعضا متسللا متخفيا، ~~فكانوا مرة يكذبون على بعضهم بحجج واهية، ومرة يعترفون بما وقعوا فيه من ~~حب لسماع القرآن. فقال تعالى: { نحن أعلم بما يستمعون ~~به.. } [الإسراء: 47] أي: بالحال الذي يستمعون عليه، إذ يستمعون إليك ~~بحال إعجاب. ثم: { وإذ هم نجوى.. } [الإسراء: 47] من التناجي ~~وهو الكلام سرا، أو: أن نجوى جمع نجى، كقتيل وقتلى، وجريح ~~وجرحى. فالمعنى: نحن أعلم بما يستمعون إليه، وإذ هم متناجون أو نجوى، ~~فكأن كل حالهم تناج. وقوله: { وإذ هم نجوى.. } [الإسراء: 47] ~~فيه مبالغة، كما تقول: رجل عادل، ورجل عدل. # ومن تناجيهم ما قاله أحدهم بعد سماعه لآيات القرآن: " والله، إن له ~~لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ~~ولا يعلى عليه ". ثم تأتي الحالة الثالثة من أحوالهم: { إذ يقول ~~الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } [الإسراء: ~~47]. وهذا هو القول المعلن عندهم، أن يتهموا رسول الله بالسحر مرة، ~~وبالجنون أخرى، ومرة قالوا: شاعر. وأخرى قالوا: كاهن. وهذا كله إفلاس في ~~الحجة، ودليل على غبائهم العقدي. وكلمة { مسحورا } اسم مفعول ms5893 من ~~السحر، وهي تخييل الفعل. وليس فعلا، وتخييل القول وليس قولا، فهي ~~صرف للنظر عن إدراك الحقائق، أما الحقائق فهي ثابتة لا تتغير. لذلك ~~نقول: إن معجزة موسى - عليه السلام - من جنس السحر وليست سحرا لأن ما ~~جرى فيها كان حقيقة لا سحرا، فقد انقلبت العصا حية تبتلع حبال ~~السحرة وعصيهم على وجه الحقيقة، لكن لما كانت المعجزة في مجال السحر ~~ظنها الناس سحرا لأن القرآن قال في سحرة فرعون: # سحروا أعين الناس.. # [الأعراف: 116] وقال في آية أخرى: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66]. إذن: فحقيقة الأشياء ثابتة لا تتغير، فالساحر يرى العصا عصا، ~~أما المسحور فيراها حية، وليست كذلك مسألة موسى - عليه السلام - وليؤكد ~~لنا الحق سبحانه هذا المعنى، وأن ما حدث من موسى ليس من سحرهم وتغفيلهم ~~أنه حينما قال له: # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 17]. فأطال موسى - عليه السلام - الكلام لأنه أحب الأنس بالكلام ~~مع ربه تعالى فأجاب: # قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على ~~غنمي.. # [طه: 18] ثم أحس موسى أنه أطال فقال موجزا: # ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18]. فهذا هو مدى علمه عن العصا التي في يده، لكن الله تعالى ~~سيجعلها غير ذلك، فقال له: # قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية ~~تسعى # [طه: 19-20]. فهل خيل لموسى أنها حية وهي عصا؟ أم أنها انقلبت حية ~~فعلا؟ إنها حية فعلا على وجه الحقيقة، بدليل قوله تعالى: # فأوجس في نفسه خيفة موسى # [طه: 67]. وموسى لم يخف إلا لأنه وجد العصا حية حقيقية، ثم طمأنه ~~ربه: # قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى # [طه: 68]. لذلك لما رأى السحرة ما تفعله عصا موسى علموا أنها ليست ~~سحرا، بل هي شيء خارج عن نطاق السحر والسحرة، وفوق قدرة موسى عليه ~~السلام، فآمنوا برب موسى القادر وحده على إجراء مثل هذه المعجزة. وقوله ~~تعالى: { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } [الإسراء: 47]. ~~أي: سحره غيره. وهذا قول الظالمين الذين يلفقون لرسول الله التهمة ~~بعد الأخرى، وقد قالوا أيضا: ساحر. قال تعالى: # قال ms5894 الكافرون إن هذا لساحر مبين # [يونس: 2]. فمرة قلتم: ساحر. ومرة قلتم: مسحور. # وهذا دليل التخبط واللجج، فإن كان ساحرا فعندكم من السحرة كثيرون، ~~فلماذا لا يواجهونه بسحر مثل سحره؟ ولماذا لم يسحركم أنتم كما سحر ~~غيركم وتنتهي المسألة؟ وهل يمكن أن يسحر الساحر؟ وإن كان مسحورا سحره ~~غيره، فهل جربتم عليه في سحره كلاما مخالفا لواقع؟ هل سمعتموه يهذي ~~كما يهذي المسحور؟ إذن: فهذا اتهام باطل وقول كاذب لا أصل له، بدليل أنكم ~~تأبيتم عليه، ولم يصبكم منه أذى. فلما أخفقوا في هذه التهمة ذهبوا ~~إلى ناحية أخرى فقالوا: شاعر، وبالله أمثلكم أيها العرب، يا أرباب ~~اللغة والفصاحة والبيان - يخفى عليه أن يفرق بين الشعر والنثر؟ ~~والقرآن وأسلوب متفرد بذاته، لا هو شعر، ولا هو نثر، ولا هو مسجوع، ولا ~~هو مرسل، إنه نسيج وحده. لذلك نجد أهل الأدب يقسمون الكلام إلى ~~قسمين: كلام الله وكلام البشر، فكلام البشر قسمان: شعر ونثر ويخرج كلام ~~الله تعالى من دائرة التقسيم لأنه متفرد بذاته عن كل كلام. فلو قرأت ~~مثلا في كتب الأدب تجد الكاتب يقول: هذا العدل محمود عواقبه، وهذه ~~النبوة غمة ثم تنجلي، ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبه، أو تأخر غير ~~ضنين غناؤه، فأبطأ الدلاء فيضا أحفلها، وأثقل السحائب مشيا ~~أحفلها، ومع اليوم غد، ولكل أجل كتاب، له الحمد على احتباله، ولا عتب ~~عليه في احتفاله. # فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا # فأفعاله اللائي سررن ألوف # فلا شك أنك ستعرف انتقالك من النثر إلى الشعر، وسوف تميز أذنك بين ~~الأسلوبين، لكن أسلوب القرآن غير ذلك، فأنت تقرأ آياته فتجدها تنساب ~~انسيابا لا تلحظ فيه أنك انتقلت من نثر إلى شعر، أو من شعر إلى نثر، ~~واقرأ قول الله تعالى: # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم # [الحجر: 49]. أجر عليه ما يجريه أهل الشعر من الوزن، فسوف تجد بها ~~وزنا شعريا: مستفعل فاعلات.... وكذلك: # وأن عذابي هو العذاب الأليم # [الحجر: 50] تعطيك الشطر الثاني من البيت، لكن هل لاحظت ذلك في ms5895 سياق ~~الآيات؟ وهل لاحظت أنك انتقلت من شعر إلى نثر، أو من نثر إلى شعر؟ إذن: ~~فالقرآن نسيج فريد لا يقال له: شعر ولا نثر، وهذا الأمر لا يخفى على ~~العربي الذي تمرس في اللغة شعرها ونثرها، ويستطيع تمييز الجيد من ~~الرديء. ثم يقول الحق سبحانه: { انظر كيف ضربوا لك ~~الأمثال... }. ### || [17.48] # أي: تعجب مما هم فيه من تخبط ولجج، فمرة يقولون عن القرآن: سحر ~~ومرة يقولون: شعر، ويصفونك بأنك: شاعر، وكاهن، وساحر. ومعلوم أن الرسالة ~~لها عناصر ثلاثة: مرسل، وهو الحق سبحانه وتعالى، ومرسل وهو النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومرسل به وهو القرآن الكريم، وقد تخبط الكفار في هذه ~~الثلاثة ودعاهم الظلم إلى أن يقول فيها قولا كاذبا افتراء على الله ~~تعالى وعلى رسوله وعلى كتابه. وقد سبق أن تحدثنا عن افتراءاتهم في ~~الألوهية وعن موقفهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك قولهم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. وقولهم عن القضية الإيمانية العامة: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. أهذه دعوة يدعو بها عاقل؟! فبدل أن يقولوا: فاهدنا إليه ~~تراهم يفضلون الموت على سماع القرآن، وهذا دليل على كبرهم وعنادهم ~~وحماقتهم أمام كتاب الله. لذلك، فالحق سبحانه وتعالى من حبه لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم ورفعة منزلته حتى عند الكافرين به، يرد على الكافرين ~~افتراءهم، ويطمئن قلب رسوله، ويتحمل عنه الإيذاء في قوله تعالى: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون.. # [الأنعام: 33]. أي: قولهم لك: ساحر، وكاهن، وشاعر، ومجنون # فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون # [الأنعام: 33]. فليست المسألة عندك يا محمد، فهم مع كفرهم لا يكذبونك ~~ولا يجرؤون على ذلك ولا يتهمونك، إنما المسألة أنهم يجحدون بآياتي، ~~وكل تصرفاتهم في مقام الألوهية، وفي مقام النبوة، وفي مقام الكتاب ~~ناشئة عن الظلم. وقولهم عن رسول الله: مجنون قول كاذب بعيد عن الواقع ~~لأن ما هو الجنون؟ الجنون أن ms5896 تفسد في الإنسان آلة التفكير والاختيار ~~بين البدائل، والجنون قد يكون بسبب خلقي أي: خلقه الله تعالى هكذا، أو ~~بسبب طارئ كأن يضرب الإنسان على رأسه مثلا، فيختل عنده مجال ~~التفكير. ومن رحمة الله تعالى بالعبد أن أخر له التكليف إلى سن ~~البلوغ واكتمال العقل، وحتى يكون قادرا على إنجاب مثله لأنه لو كلفه ~~قبل البلوغ فسوف تطرأ عليه تغييرات غريزية قد يحتج بها، ومع ذلك طلب من ~~الأب أن يأمر ابنه بالصلاة قبل سن التكليف ليعوده الصلاة من ~~الصغير ليكون على إلف بها حين يبلغ سن التكليف، وليألف صيغة الأمر ~~من الآمر. والإنسان لا يشك في حب أبيه وحرصه على مصلحته، فهو الذي ~~يربيه ويوفر له كل ما يحتاج، فله ثقة بالأب المحس، فالحق سبحانه يريد ~~أن يربب فينا الطاعة لمن نعلم خيره علينا، فإذا ما جاء وقت التكليف ~~يسهل علينا ولا يشق لأنها أصبحت عادة. # والذي أعطى للأب حق الأمر أعطاه حق العقاب على تركه ليكون التكليف ~~من الرب الصغير، والعقوبة من الرب الصغير لتعوده بالأبوة المحسة ~~والرحمة الظاهرة على طاعة الحق سبحانه الذي أنعم علي وعليك. فالعقل - ~~إذن - شرط أساسي في التكليف، وهو العقل الناضج الحر غير المكره، فإن ~~حدث إكراه فلا تكليف. فقوله: # انظر كيف ضربوا لك الأمثال.. # [الإسراء: 48] أي: قالوا مجنون، والمجنون ليس عنده اختيار بين البدائل، ~~وقد رد الحق سبحانه عليهم بقوله: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4]. فنفى الحق سبحانه عن رسوله هذه الصفة، وأثبت له صفة ~~الخلق العظيم، والمجنون لا خلق له، ولا يحاسب على تصرفاته، فهو يشتم ~~هذا ويضرب هذا ويبصق في وجه هذا، ولا نملك إلا أن نبتسم في وجهه ونشفق ~~عليه. ولقائل أن يقول: كيف يسلبه الخالق سبحانه وتعالى نعمة العقل، وهو ~~الإنسان الذي كرمه الله؟ وكيف يعيش هكذا مجرد نسخة لإنسان؟ ولنعلم ~~الحكمة من هذه القضية علينا أن نقارن بين حال العقلاء وحال المجنون، ms5897 ~~لنعرف عدالة السماء وحكمة الخالق سبحانه، فالعاقل نحاسبه على كل كبيرة ~~وصغيرة ومقتضى ما تطلبه من عظمة في الكون، ومن جاه وسلطان ألا يعقب ~~على كلامك أحد، وأن تفعل ما تريد. ألا ترى أن المجنون كذلك يقول ~~ويفعل ما يريد، ثم يمتاز عنك أن لا يسأل في الدنيا ولا في الآخرة؟ أليست ~~هذه كافية لتعوضه عن فقد العقل؟ فلا تنظر إلى ما سلب منه، ولكن إلى ما ~~أعطاه من ميزات في الدنيا والآخرة. وقوله تعالى: { فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا } [الإسراء: 48]. أي: لم يستطيعوا أن يأتوا ~~بمثل يكون صادا وصارفا لمن يؤمن بك أن يؤمن، فقالوا: مجنون وكذبوا. ~~وقالوا: ساحر وكذبوا وقالوا: شاعر وكذبوا. وقالوا: كاهن وكذبوا. فسدت ~~الطرق في وجوههم، ولم يجدوا منفذا لصد الناس عن رسول الله. فلما ~~عجزوا عن إيجاد وصف يصد من يريد الإيمان برسول الله، قالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء.. # [الأنفال: 32]. ومنهم من قال: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. فلم يستطيعوا إيجاد سبيل يعوقون به دعوتك، بدليل أنه ~~رغم ضعف الدعوة في بدايتها، ورغم اضطهادهم لها تراها تزداد يوما بعد ~~يوم، وتتسع رقعة الإيمان، أما كيدهم وتدبيرهم فيتجمد أو يقل. كما ~~في قوله تعالى: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها.. # [الرعد: 41]. فكل يوم تزداد أرض الإيمان، وتقل أرض الكفر. والحق ~~سبحانه وتعالى في قضية استماع القرآن وقولهم: قلوبنا في أكنة، وقلوبنا ~~غلف يريد أن يلفت أنظارنا إلى قضية هامة في الوجود ومنتظمة في كل ~~الكائنات، وهي أن الأفعال تقتضي فاعلا للحدث وقابلا لفعل الحدث، ومثال ~~ذلك: الفلاح الذي يقلب التربة بفأسه، فتقبل التربة منه هذا الفعل، ~~وتنفعل هي معه، فتعطيه ما ينتظره من محصول. # . أما لو فعل هذا الفعل في صخرة فلن تقبل منه هذا الفعل. إذن: فثمرة ~~الحدث تتوقف على طرفين: فاعل، وقابل للفعل. لذلك أتعجب من هؤلاء الذين ~~يقولون: إن الغرب يفتن المسلمين عن دينهم، ويأتي إلينا ms5898 بالمغريات وأسباب ~~الانحراف، ويصدر إلينا المبادئ الهدامة ويشككنا في ديننا.. الخ. ونقول ~~لهؤلاء: ما يضركم أنتم إن فعل هو ولم تقبلوا أنتم منه هذا الفعل؟! ~~دعوه يفعل ما يريد، المهم ألا نقبل وألا نتفاعل مع مقولاته ~~ومبادئه. فالخيبة ليست في فعل الغرب بنا، ولكن في تقبلنا نحن ولهثنا ~~وراء كل ما يأتينا من ناحيته، وما ذلك إلا لقلة الخميرة الإيمانية ~~في نفوسنا، فالغرب يريد أن يثبت نفوذه، ويثبت مبادئه، وما عليك إلا ~~أن تتأبى على قبول مثل هذه الضلالات. وعلى نظرية الفاعل والقابل هذه ~~تبنى الحضارات في العالم كله لأن الخالق سبحانه حينما استدعانا إلى ~~الوجود جعل لنا فيه مقومات الحياة الأساسية من: شمس، وقمر، ونجوم، ~~وأرض، وسماء، وماء، وهواء. ومن هذه المقومات ما يعطيك ويخدمك دون أن ~~تتفاعل معه أو تطلب منه، كالشمس والماء والهواء، ومنها ما لا يعطيك ~~إلا إذا تفاعلت معه مثل الأرض لا تعطيك إلا إذا تعهدتها بالحرث ~~والسقي والبذر. والمتأمل في الكون يجد أن جميع ارتقاءات البشر من ~~هذا النوع الثاني الذي لا يعطيك إلا إذا تفاعلت معه، وقد ترتقي الطموحات ~~البشرية إلى أن تجعل من النوع الأول الذي يعطيك دون أن تتفاعل معه ومن ~~غير سلطان لك عليه، تجعل منه منفعلا بعملك فيه، كما يحدث الآن في ~~استعمال الطاقة الشمسية في مجالات جديدة لم تكن من قبل. إذن: فهذه ~~ارتقاءات لا يحرم منها من أخذ بالأسباب وسعى إلى الرقي ~~والتقدم. إذن: إن جاء يشكك في دينك ندعه، وما يقول فليس بملوم، ~~إنما الملوم أنت إن قبلت منه ولذلك يجب علينا وعلى كل قائم على ~~تربية النشء أن نحصن أولادنا ضد هجمات الإلحاد والتنصير والتغريب، ~~ونعلمهم من أساسيات الدين ما يمكنهم من الدفاع والرد بالحجة ~~والإقناع حتى لا يقعوا فريسة سهلة في أيدي هؤلاء. وهذه هي المناعة ~~المطلوبة وما أشبهها بما نستخدمه في الماديات من التطعيم ضد المرض، حتى ~~إذا طرأ على الجسم لا يؤثر فيه. ألا ترى الحق سبحانه في قرآنه الكريم ~~يعرض لشبه ms5899 الكافرين والملاحدة ويفصلها ويناقشها، ثم يبين ~~زيفها، فيقول: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا # [الكهف: 5]. فلماذا يعرضها القرآن، هل لنأخذ بها ونتعلمها؟ لا بل لكي لا ~~نفاجأ بها، فإذا أتت يكون لدينا المناعة الكافية ضدها، ولكي ~~تتربى فينا الحصانة المانعة من الانزلاق أو الانحراف. # إذن: فأصول الحياة فاعل وقابل، وسبق أن ضربنا مثلا فقلنا: في الشتاء ~~ينفخ الإنسان في يده ليدفئها، وكذلك ينفخ في كوب الشاي ليبرده، فالفعل ~~واحد ولكن القابل مختلف. وكذلك حال الناس في سماع القرآن واستقبال كلمات ~~الله، فقد استقبله أحد الكفار في حال هدوء وانسجام، فقال: " والله إن ~~له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه ~~يعلو ولا يعلى عليه " لقد استمعه بملكة العربي الشغوف بكل ما هو ~~جميل من القول، لا بملكة العناد والكبر والغطرسة. وكذلك سيدنا عمر ~~- رضي الله عنه - له حالان في سماع القرآن: حال كفر وشدة وغلظة عند سماع ~~القرآن، وحال إيمان ورقة قلب حينما بلغه نبأ إسلام أخته، فأسرع إليها ~~وهي تقرأ القرآن، فصفعها بقسوة حتى أدمى وجهها، فأخذته عاطفة ~~الرحم، وتغلبت على عاطفة الكفر عنده، فلما سمع القرآن بهذه العاطفة ~~الحانية تأثر به، فآمن من فوره لأن القرآن صادف منه قلبا ~~صافيا، فلا بد أن يؤثر فيه. فالمسألة - إذن - تحتاج أن يكون لدى ~~القابل استعداد لتقبل الشيء والانفعال به. وقد لخص لنا الحق سبحانه ~~هذه القضية في قوله تعالى: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا.. # [محمد: 16] فيأتي الرد عليهم: # أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهوآءهم # [محمد: 16]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته ءاعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى ~~وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو ~~عليهم عمى.. # [فصلت: 44]. فالقرآن واحد، ولكن المستقبل مختلف، إذن: فإياك أن تلوم ~~من يريد أن يلوي الناس إلى طريق الضلال، بل دعه في ضلاله، ورب في ~~الآخرين ms5900 مناعة حتى لا يتأثروا ولا يستجيبوا له. بعد أن تكلمنا عن موقف ~~الكفار من الألوهية ومن النبوة نتكلم من موقفهم من المنهج الذي جاء به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا المنهج يتضمن قضايا كثيرة وأمورا ~~متعددة، لكن أم هذا المنهج وأساسه أن نؤمن بالآخرة، وما دمنا نؤمن ~~بالآخرة فسوف تنسجم حركتنا في الحياة. فالإيمان بالآخرة وما فيها من ثواب ~~وعقاب هو الحافز لنا على العمل والاستقامة في الدنيا، وما أشبه ذلك ~~بالتلميذ الذي يجتهد ويجد لأنه يؤمن بالامتحان آخر العام، وما ينتج عنه ~~من توفيق أو إخفاق. غبي من يظن أن الدنيا هي نهاية المطاف، وأنها ~~الغاية التي ليس بعدها غاية لأن الجميع عبيد لله تعالى متساوون، ومع ذلك ~~نرى من يموت في بطن أمه، ومن يموت بعد عدة شهور، وآخر بعد عدة أعوام، ~~فلو أن الدنيا هي الغاية لاستوى الجميع في المكث فيها، فاختلاف الأعمار ~~في الدنيا دليل على أنها ليست غاية. # وعجيب في أمر الموت أن نرى الناس يحزنون كثيرا على من مات صغيرا ~~ويقولون: أخذ في شبابه ويكثرون عليه العويل، لماذا؟ يقولون: لأنه لم ~~يتمتع بالدنيا، سبحان الله أي دنيا هذه التي تتحدثون عنها، وقد اختاره ~~الله قبل أن تلوثه آثامها وتلطخه ذنوبها، لماذا تحزنون كل هذا الحزن ~~ولو رأيتم ما هو فيه لحسدتموه عليه؟ والناس كثيرا ما يخطئون في تقدير ~~الغايات لأن كل حدث يحدثه الإنسان له غاية من هذا الحدث، هذه الغاية ~~مرحلية وليست نهائية، فالغاية النهائية والحقيقية ما ليس بعدها غاية ~~أخرى، فالتلميذ يذاكر بالمرحلة الابتدائية لينتقل إلى المرحلة الإعدادية، ~~ويذاكر الإعدادية لينتقل إلى الثانوية. وهكذا تتوالى الغايات في الدنيا ~~إلى أن يصل إلى غاية الدنيا الأخيرة، وهي أن يبني بيتا ويتزوج ويعيش ~~حياة سعيدة يرتاح فيها بما تحت يديه من خدم، يقضون له ما يريد، هذا على ~~فرض أنه سيعيش حتى يكمل هذه المراحل، ولكن ربما مات قبل أن يصل إلى هذه ~~الغاية. إذن: فلا بد للإنسان أن يتعب أولا، ويبذل ms5901 المجهود ليصبح ~~مخدوما، وهذه المخدومية تتناسب مع مجهودك الأول، فمن اكتفى بالإعدادية ~~مثلا ليس كمن تخرج من الجامعة، فلكل مرتبته ومكانته لأنك تعيش في ~~الدنيا بالأسباب وعلى قدر ما تعطي تأخذ. إذن: فغايتك في الدنيا أن تكون ~~مخدوما، مع أن خادمك قد يتمرد عليك وقد يتركك، أما غاية الآخرة فسوف ~~توفر عليك هذا كله، وليس لأحد علاقة بك إلا ذاتك أنت، فبمجرد أن يخطر ~~الشيء على بالك تجده أمامك ذلك لأنك في الدنيا تعيش بالأسباب، وفي الآخرة ~~تعيش بمسبب الأسباب سبحانه وتعالى. وكذلك لو أجريت مقارنة اقتصادية ~~بين متعة الدنيا ومتعة الآخرة لرجحت كفة الآخرة لأن الدنيا بالنسبة ~~لك هي عمرك فيها فقط، وليس عمر الدنيا كله، كما يحلو للبعض أن يحدد ~~عمر الدنيا بعدة ملايين من السنين، فما دخلك أنت بكل هذه الملايين؟! ~~فالدنيا - إذن - هي عمري فيها، وهذا العمر مظنون غير متيقن، وعلى فرض ~~أنه متيقن فهو خاضع لمتوسط الأعمار، وسوف ينتهي حتما بالموت. أضف ~~إلى ذلك أن نعيمك في الدنيا على قدر سعيك وأخذك بأسبابها. أما ~~الآخرة فهي باقية لا نهاية لها، فلا يعتريها زوال ولا ينهيها الموت، كما ~~أن مدتها متيقنة وليست مظنونة، ونعيمك فيها ليس على قدر إمكانياتك، ~~ولكن على قدر إمكانيات خالقك سبحانه وتعالى. فأيهما أحسن؟ وأيهما ~~أولى بالسعي والعمل؟ ويكفي أنك في الدنيا مهما توفر لك من ~~النعيم، وإن كنت في قمة النعيم بين أهلها فإنه ينغص عليك هذا النعيم ~~أمران: فأنت تخاف أن تفوت هذا النعيم بالموت، وتخاف أن يفوتك هو ~~بالفقر، فهي نعمة مكدرة، أما في الآخرة فلا تخاف أن تفوتها، ولا أن ~~تفوتك، فأي الصفقتين أربح إذن؟ ثم يقول الحق سبحانه عن إنكارهم للبعث ~~بعد الموت: { وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا... }. ### || [17.49] # الاستفهام في الآية استفهام للتعجب والإنكار لموضوع البعث يوم القيامة ~~بعد أن صاروا رفاتا وعظاما. والرفات: هو الفتات ومسحوق الشيء، وهو ~~التراب أو الحطام، وكذلك كل ما جاء على وزن فعال. لقد استبعد هؤلاء ~~البعث بعد الموت لأنهم ms5902 غفلوا عن بداية الوجود وبداية خلق الإنسان، ولو ~~استعملنا علم الإحصاء الذي استحدثه العلماء لوجدناه يخدم هذه القضية ~~الإيمانية، فلو أحصينا تعداد العالم الآن لوجدناه يتزايد في الاستقبال ~~ويقل في الماضي، وهكذا إلى أن نصل بأصل الإنسان إلى الأصل الأصيل، وهو ~~آدم وحواء، فمن أين أتيا إلى الوجود؟ فهذه قضية غيبية كان لا بد أن ~~يفكروا فيها. ولأنها قضية غيبية فقد تولى الحق سبحانه وتعالى بيانها ~~لأن الناس سوف يتخبطون فيها، فينبهنا الخالق سبحانه بمناعة إيمانية ~~عقدية في كتابه العزيز، حتى لا ننساق وراء الذين سيتهورون ويهرفون بما ~~لا يعلمون، ويقولون بأن أصل الإنسان كان قردا، وهذه مقولة باطلة يسهل ~~ردها بأن نقول: ولماذا لم تتحول القرود الباقية إلى إنسان؟ وعلى فرض ~~أن أصل الإنسان قرد، فمن أين أتى؟ إنها نفس القضية تعود بنا من حيث ~~بدأت، إنها مجرد شوشرة وتشويه لوجه الحقيقة بدون مبرر. وكذلك من القضايا ~~التي تخبط فيها علماء الجيولوجيا ما ذهبوا إليه من أن السماء والأرض ~~والشمس كانت جميعا جزءا واحدا، ثم انفصلت عن بعضها، وهذه أقوال لا ~~يقوم عليها دليل. لذلك أراد الحق سبحانه أن يعطينا طرفا من هذه القضية، ~~حتى لا نصغي إلى أقوال المضللين الذين يخوضون في هذه الأمور على غير ~~هدى، ولتكون لدينا الحصانة من الزلل لأن مثل هذه القضايا لا تخضع ~~للتجارب المعملية، ولا تؤخذ إلا عن الخالق سبحانه فهو أعلم بما خلق. ~~يقول تعالى: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم.. # [الكهف: 51] أي: لم يكن معي أحد حين خلقت السماء والأرض، وخلقت ~~الإنسان، ما شهدني أحد ليصف لكم ما حدث # وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51] أي: ما اتخذت من هؤلاء المضللين مساعدا أو معاونا، ~~وكأن الحق سبحانه يقول لنا: احكموا على كل من يخوض في قضية الخلق هذه ~~بأنه مضلل فلا تستمعوا إليه. ولكي تريحوا أنفسكم من مثل هذه القضايا ~~لا تحملوا العقل أكثر مما يحتمل، ولا تعطوه فوق مقومات وظائفه، ~~وجدوى العقل حينما ينضبط في الماديات المعملية، ms5903 أما إن جنح بنا فلا ~~نجني من ورائه إلا الحمق والتخاريف التي لا تجدي. وكلمة " العقل " ~~نفسها من العقال الذي يمنع شرود البعير، وكذلك العقل جعله الله ليضبط ~~تفكيرك، ويمنعك من الجموح أو الانحراف في التفكير. وأيضا، فالعقل وسيلة ~~من وسائل الإدراك، مثله مثل العين التي هي وسيلة الرؤية، والأذن التي هي ~~وسيلة السمع. # . وما دام العقل آلة من آلات الإدراك فله حدود، كما أن للعين حدودا في ~~الرؤية، وللأذن حدودا في السمع، فللعقل حدود في التفكير أيضا حتى لا ~~يشطح بك، فعليك أن تضبط العقل في المجال الذي تجود فيه فقط، ولا ~~تطلق له العنان في كل القضايا. ومن هنا تعب الفلاسفة وأتعبوا الدنيا ~~معهم لأنهم خاضوا في قضايا فوق نطاق العقل، وأنا أتحدى أي مدرسة من ~~مدارس الفلسفة من أول فلاسفة اليونان أن يكونوا متفقين على قضية إلا قضية ~~واحدة، وهي أن يبحثوا فيما وراء المادة، فمن الذي أخبرك أن وراء المادة ~~شيئا يجب أن يبحث؟ لقد اهتديتم بفطرتكم الإيمانية إلى وجود خالق لهذا ~~الكون، فليس الكون وليد صدفة كما يقول البعض، بل له خالق هو الغيبيات ~~التي تبحثون عنها، وترمحون بعقولكم خلفها، في حين كان من الواجب ~~عليكم أن تقولوا: إن ما وراء المادة هو الذي يبين لنا نفسه. ولقد ضربنا ~~مثلا لذلك - ولله المثل الأعلى - وقلنا: هب أننا في مكان مغلق، وسمعنا ~~طرق الباب - فكلنا نتفق في التعقل أن طارقا بالباب، ولكن منا من ~~يتصور أنه رجل، ومنا من يتصور أنه امرأة، وآخر يقول: بل هو طفل صغير، ~~وكذلك منا من يرى أنه نذير، وآخر يرى أنه بشير. إذن: لقد اتفقنا جميعا ~~في التعقل، ولكن اختلفنا في التصور. فلو أن الفلاسفة وقفوا عند مرحلة ~~التعقل في أن وراء المادة شيئا، وتركوا لمن وراء المادة أن يظهر لهم ~~عن نفسه لأراحوا واستراحوا، كما أننا لو قلنا للطارق: من؟ لقال: أنا ~~فلان، وجئت لكذا، وانتهت المسألة. ولقد رد عليهم القرآن إنكارهم ~~للبعث وقولهم: { أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا ms5904 ~~لمبعوثون خلقا جديدا } [الإسراء: 49] بقوله تعالى: # قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ~~قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون # [يونس: 34]. وبقوله تعالى: # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب كما ~~بدأنآ أول خلق نعيده وعدا علينآ إنا كنا ~~فاعلين # [الأنبياء: 104]. وبقوله تعالى: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه.. # [الروم: 27] فإعادة الشيء أهون من خلقه أولا. وقف الفلاسفة طويلا ~~أمام قضية البعث، وأخذوا منها سبيلا لتشكيك الناس في دين الله، ومن ~~مغالطاتهم في هذه المسألة أن قالوا: ما الحل إذا مات إنسان مثلا ثم ~~تحول جسمه إلى رفات وتراب، ثم زرعت فوقه شجرة وتغذت على عناصره، ~~فإذا أكل إنسان من ثمار هذه الشجرة فسوف تنتقل إليه بالتالي عناصر من ~~عناصر الميت، وتتكون فيه ذرات من ذراته، فهذه الذرات التي تكونت في ~~الثاني نقصت من الأول، فكيف يكون البعث - إذن - على حد قولهم؟ ~~والحقيقة أنهم في هذه المسألة لم يفطنوا إلى أن مشخص الإنسان شيء، ~~وعناصر تكوينه شيء آخر. # . كيف؟ هب أن إنسانا زاد وزنه ونصحه الطبيب بإنقاص الوزن فسعى إلى ~~ذلك بالطرق المعروفة لإنقاص الوزن، وهذه العملية سواء زيادة الوزن أو ~~إنقاصه محكومة بأمرين: التغذية والإخراج، فالإنسان ينمو حينما يكون ما ~~يتناوله من غذاء أكثر مما يخرجه من فضلات، ويضعف إن كان الأمر بعكس ~~ذلك، فالولد الصغير ينمو لأنه يأكل أكثر مما يخرج، والشيخ الكبير ~~يخرج أكثر مما يأكل لذلك يضعف. فلو مرض إنسان مرضا أهزله وأنقص ~~من وزنه، فذهب إلى الطبيب فعالجه حتى وصل إلى وزنه الطبيعي، فهل الذرات ~~التي خرجت منه حتى صار هزيلا هي بعينها الذرات التي دخلته حين تم ~~علاجه؟ إن الذرات التي خرجت منه لا تزال في المجاري، لم يتكون منها شيء ~~أبدا، إنما كمية الذرات ومقاديرها هي التي تقوي وتشخص. وربنا سبحانه ~~وتعالى رحمة منه، قال: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4] فالحق سبحانه سيجمع الأجزاء التي تكون فلانا المشخص. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { قل ms5905 كونوا حجارة... }. ### || [17.50] # أي: قل ردا عليهم: إن كنتم تستبعدون البعث وتستصعبونه مع أنه ~~بعث للعظام والرفات، وقد كانت لها حياة في فترة من الفترات، ولها ~~إلف بالحياة، فمن السهل أن نعيد إليها الحياة، بل وأعظم من ذلك، ففي ~~قدرة الخالق سبحانه أن يعيدكم حتى وإن كنتم من حجارة أو من حديد، وهي ~~المادة التي ليس بها حياة في نظرهم. وكأن الحق سبحانه يتحداهم بأبعد ~~الأشياء عن الحياة، ويتدرج بهم من الحجارة إلى الحديد لأن الحديد أشد من ~~الحجارة وهو يقطعها، فلو كنتم حجارة لأعدناكم حجارة، ولو كنتم حديدا ~~لأعدناكم حديدا. ثم يترقي بهم إلى ما هو أبعد من ذلك، فيقول تعالى: { ~~أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من ~~يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة... }. ### || [17.51] # قوله تعالى: { أو خلقا مما يكبر في صدوركم.. } ~~[الإسراء: 51] أي: هاتوا الأعظم فالأعظم، وتوغلوا في التحدي والبعد ~~عن الحياة، فأنا قادر على أن أهب له الحياة مهما كان بعيدا عن الحياة ~~على إطلاقها. وقوله: { مما يكبر في صدوركم.. } [الإسراء: ~~51]. يكبر: أي يعظم من كبر يكبر. ومنه قوله تعالى: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم.. # [الكهف: 5] أي: عظمت. والمراد: اختاروا شيئا يعظم استبعاد أن يكون ~~فيه حياة بعد ذلك، وغاية ما عندهم في بيئتهم الحجارة والحديد، فهما ~~أبعد الأشياء عن الحياة، وقد اتفقوا على ذلك فليس في محيط حياتهم ما هو ~~أقسى من الحجارة والحديد. ولكن الحق سبحانه وتعالى ارتقى بهم في فرضية ~~الأمر إلى أن يختاروا وتجتمع نفوسهم على شيء، يكون أعظم استبعادا من ~~الحجارة والحديد. ونلاحظ في قوله تعالى: { مما يكبر في ~~صدوركم.. } [الإسراء: 51] جاء هذا الشيء مبهما لأن الشيء العظيم ~~الذي يعظم عن الحجارة والحديد استبعادا عن أصل الحياة مختلف فيه، فإن ~~اتفقوا في أمر الحجارة والحديد فقد اختلفوا في الأشياء الأخرى، فجاءت ~~الآية مبهمة ليشيع المعنى في نفس كل واحد كل على حسب ما يرى. بدليل ~~أنهم حينما سألوا الإمام عليا - رضي الله عنه، وكرم الله وجهه - عن ~~أقوى الأجناس في ms5906 الكون، وقد علموا عن الإمام علي سرعة البديهة والتمرس ~~في الفتيا، فأرادوا اختباره بهذا السؤال الذي يحتاج في الإجابة عليه ~~إلى استقصاء لأجناس الكون وطبيعة كل منها. دخل عليهم الإمام علي وهم ~~مختلفون في هذه المسألة، منهم من يقول: الحديد أقوى. ومنهم من يقول: بل ~~الحجارة. وآخر يقول: بل الماء، فأفتاهم الإمام في هذه القضية، وانظر إلى ~~دقة الإفتاء واستيعاب العلم، فلم يقل: أقوى جنود الله كذا وكذا ثم ~~يكمل كما اتفق له ويذكر ما يخطر بباله، لا بل حصرها أولا، فقال: أشد ~~جنود الله عشرة. فالمسألة ليست ارتجالية، بل مسألة مدروسة لديه ~~مستحضرة في ذهنه، مرتبة في تفكيره، فبسط الإمام لمستمعيه يده ~~وفرد أصابعه، وأخذ يعد هذه العشرة، وكأنه المعلم الذي استحضر درسه ~~وأعده جيدا. قال: " أشد جنود الله عشرة، الجبال الرواسي، والحديد يقطع ~~الجبال، والنار تذيب الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب المسخر بين ~~السماء والأرض يحمل الماء، والريح يقطع السحاب، وابن آدم يغلب الريح ~~يستتر بالثوب أو بالشيء ويمضي لحاجته، والسكر يغلب ابن آدم، والنوم ~~يغلب السكر، والهم يغلب النوم، فأشد جنود الله في الكون الهم ". ~~فهذه الأجناس هي المراد بقوله تعالى: { أو خلقا مما يكبر ~~في صدوركم.. } [الإسراء: 51] فاختاروا أيا من هذه الأجناس، فالله ~~تعالى قادر على إعادتكم وبعثكم كما كنتم أحياء. # ثم يقول تعالى: { فسيقولون من يعيدنا قل الذي ~~فطركم أول مرة.. } [الإسراء: 51]. أي: أن الذي خلقكم بداية ~~قادر على إعادتكم، بل الإعادة أهون من الخلق بداية، ولكن الجواب ~~لا يكون مقنعا إلا إذا كانت النتيجة التي يأتي بها الجواب مسلمة. ~~فهل هم مقتنعون بأن الله تعالى فطرهم أول مرة؟ نعم، هم مؤمنون بهذه ~~الحقيقة رغم كفرهم، بدليل قولهم: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون # [الزخرف: 87] فهم مقتنعون بذلك، ولكنهم نقلوا الجدل إلى قضية أخرى ~~فقالوا: من يعيدنا؟ فإن قلت لهم: الذي فطركم أول مرة. { ~~فسينغضون إليك رؤوسهم.. } [الإسراء: 51]. معنى ينغض ~~رأسه: يهزها من أعلى لأسفل، ومن أسفل لأعلى استهزاء وسخرية مما تقول، ~~والمتأمل ms5907 في قوله { فسينغضون } يجده فعلا سيحدث في المستقبل ~~ويقع من مختار، والمقام مقام جدل بين الكفار وبين رسول الله، وهذه ~~الآية يتلوها رسول الله على أسماعهم ويخبر أنه إذا قال لهم: { الذي ~~فطركم أول مرة.. } [الإسراء: 51] فسينغضون رؤوسهم. فكان في ~~وسع هؤلاء أن يكذبوا هذا القول، فلا ينغضون رؤوسهم لرسول الله ~~ويمكرون به في هذه المسألة، ولهم بعد ذلك أن يعترضوا على هذا القول ~~ويتهموه، ولكن الحق سبحانه غالب على أمره، فها هي الآية تتلى عليهم ~~وتحت سمعهم وأبصارهم، ومع ذلك لم يقولوا، مما يدل على غباء الكفار ~~وحمق تفكيرهم. وما أشبه هذا الموقف منهم بموقفهم من حادث تحويل القبلة ~~حينما قال الحق سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: # قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك ~~قبلة ترضاها.. # [البقرة: 144]. ثم أخبره بما سيحدث من الكفار، فقال: # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها.. # [البقرة: 142]. وهذا قول اختياري في المستقبل، وكان بإمكانهم إذا ~~سمعوا هذه الآية ألا يقولوا هذا القول ويجدوا بذلك مأخذا على ~~القرآن، ولكنهم مع هذا قالوا ما حكاه القرآن لأن الحق سبحانه يعلم أنهم ~~سيقولون لا محالة: { ويقولون متى هو.. } [الإسراء: 51]. ~~والاستفهام هنا كسابقه للإنكار والتعجب الدال على استبعاد البعث بعد ~~الموت، ولاحظ هنا أن السؤال عن الزمن، فقد نقلوا الجدل من إمكانية الحدث ~~إلى ميعاد الحدث، وهذا تراجع منهم في النقاش، فقد كانوا يقولون: من ~~يعيدنا؟ والآن يقولون: متى؟ فيأتي الجواب: { عسى أن يكون ~~قريبا } [الإسراء: 51]. عسى: كلمة تفيد الرجاء، والرجاء أمر متوقع ~~يختلف باختلاف الراجي والمرجو منه، فإذا قلت مثلا: عسى فلانا أن ~~يعطيك كذا، فالرجاء هنا بعيد شيئا ما لأنه رجاء من غيري لك، أما لو ~~قلت: عسى أن أعطيك كذا، فهي أقرب في الرجاء لأنني أتحدث عن نفسي، ~~وثقة الإنسان في نفسه أكثر من ثقته في الآخرين، ومع ذلك قد يتغير رأيي ~~فلا أعطيك، أو يأتي وقت الإعطاء فلا أجد ما أعطيه لك. # لكن إذا قلت: عسى الله أن يعطيك ms5908 فلا شك أنها أقرب في الرجاء لأنك ~~رجوت الله تعالى الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وإن كان ~~القائل هو الحق سبحانه وتعالى، فالرجاء منه سبحانه محقق وواقع لا شك ~~فيه فالرجاء من الغير للغير رتبة، ومن الإنسان لغيره رتبة، ومن الله ~~تعالى للغير رتبة. وقد شرح لنا الرسول صلى الله عليه وسلم مسألة القرب ~~فقال: # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # وأشار بالسبابة والوسطى لأنه ليس بعده رسول، فهو والقيامة متجاوران لا ~~فاصل بينهما، كما أننا نقول: كل آت قريب، فالأمر الآتي مستقبلا ~~قريب لأنه قادم لا محالة. ثم يقول الحق سبحانه: { يوم يدعوكم ~~فتستجيبون بحمده... }. ### || [17.52] # هذا في يوم القيامة، حيث لا يستطيع أحد الخروج عن مرادات الحق سبحانه ~~بعد أن كان يستطيع الخروج عنها في الدنيا لأن الخالق سبحانه حين خلق ~~الخلق جعل للإرادة الإنسانية سلطانا على الجوارح في الأمور ~~الاختيارية، فهو مختار يفعل ما يشاء، ويقول ما يشاء، ويترك ما يشاء، ~~فإرادته أمير على جوارحه، أما الأمور القهرية فلا دخل للإرادة بها. ~~فإذا جاء اليوم الآخر انحلت الإرادة عن الجوارح، ولم يعد لها سلطان ~~عليها، بدليل أن الجوارح سوف تشهد على صاحبها يوم القيامة: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.. # [فصلت: 21]. لقد كانت لكم ولاية علينا في دنيا الأسباب، أما الآن ~~فنحن جميعا مرتبطون بالمسبب سبحانه، فلا ولاية لكم علينا الآن لذلك ~~يقول الحق تبارك وتعالى عن يوم القيامة: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. ففي الدنيا ملك الناس، وجعل مصالح أناس في أيدي آخرين، ~~أما في الآخرة، فالأمر كله والملك كله لله وحده لا شريك له. فقوله ~~تعالى: { يوم يدعوكم.. } [الإسراء: 52] أي: يقول لكم اخرجوا من ~~القبور للبعث بالنفخة الثانية في الصور { فتستجيبون ~~بحمده.. } [الإسراء: 52] أي: تقومون في طاعة واستكانة، لا قومة ~~مستنكف أو متقاعس أو متغطرس، فكل هذا انتهى وقته في الدنيا، ونحن ~~الآن في الآخرة. ونلاحظ أن الحق سبحانه قال: { فتستجيبون.. } ~~[الإسراء: 52] ولم يقل: فتجيبون ms5909 لأن استجاب أبلغ في الطاعة والانصياع، ~~كما نقول: فهم واستفهم أي: طلب الفهم، وكذلك { فتستجيبون } أي: ~~تطلبون أنتم الجواب، وتلحون عليه لا تتقاعسون فيه، ولا تتأبون ~~عليه، فتسرعون في القيام. ليس هذا وفقط، بل: { فتستجيبون ~~بحمده.. } [الإسراء: 52] أي: تسرعون في القيام حامدين الله شاكرين ~~له، ولكن كيف والحمد لا يكون إلا على شيء محبوب؟ نعم، إنهم يحمدون الله ~~تعالى لأنهم عاينوا هذا اليوم الذي طالما ذكرهم به، ودعاهم إلى الإيمان ~~به، والعمل من أجله، وطالما ألح عليهم ودعاهم، ومع ذلك كله جحدوا ~~وكذبوا، وها هم اليوم يرون ما كذبوه وتتكشف لهم الحقيقة التي ~~أنكروها، فيقومون حامدين لله الذي نبههم ولم يقصر في نصيحتهم. كما ~~أنك تنصح ولدك بالمذاكرة والاجتهاد، ثم يخفق في الامتحان فيأتيك معتذرا: ~~لقد نصحتني ولكني لم أستجب. إذن: فبيان الحق سبحانه لأمور الآخرة من ~~النعم التي لا يعترف بها الكفار في الدنيا، ولكنهم سيعترفون بها في ~~الآخرة، ويعرفون أنها من أعظم نعم الله عليهم، ولكن بعد فوات الأوان. ~~لذلك اعترض المستشرقون على قوله تعالى في سورة الرحمن: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 34] بعد قوله تعالى: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران # [الرحمن: 35] فالآية في نظرهم تتحدث عن نقمة وعذاب، فكيف يناسبها: # فبأي ءالاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 34]. والمتأمل في الآية يجدها منسجمة كل الانسجام لأن من ~~النعمة أن ننبهك بالعظة للأمر الذي ينتظرك والعذاب الذي أعد لك ~~حتى لا تقع في أسبابه، فالذي يعلم حقيقة العذاب على الفعل لا يقترفه. ~~ثم يقول تعالى: { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا } ~~[الإسراء: 52]. الظن: خبر راجح لأنهم مذبذبون في قضية البعث لا يقين ~~عندهم بها. { إن لبثتم } أي: أقمتم في الدنيا، أو في قبوركم لأن ~~الدنيا متاع قليل، وما دامت انتهت فلن يبقى منها شيء. وكذلك في القبور ~~لأن الميت في قبره شبه النائم لا يدرك كم لبث في نومه، ولا يتصور ~~إلا النوم العادي الذي تعوده الناس. ولذلك كل من سئل في هذه ~~المسألة: كم لبثتم؟ قالوا: يوما أو ms5910 بعض يوم، فهذا هو المعتاد المتعارف ~~عليه بين الناس، ذلك لأن الشعور بالزمن فرع مراقبة الأحداث، والنوم ~~والموت لا أحداث فيها، فكيف - إذن - سنراقب الأحداث والملكة الواعية ~~مفقودة؟ وقد قال تعالى في آية أخرى: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46]. وقال: # قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العآدين # [المؤمنون: 112-113]. أي: لم يكن لدينا وعي لنعد الأيام، فاسأل ~~العادين الذين يستطيعون العد. وفي قصة العزير الذي أماته الله مائة ~~عام، ثم بعثه: # قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم.. # [البقرة: 259] على مقتضى العادة التي ألفها في نومه، فيوضح له ~~ربه: # بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك ~~لم يتسنه وانظر إلى حمارك.. # [البقرة: 259]. فالمدة في نظر العزير كانت يوما أو بعض يوم، والحق ~~سبحانه أخبر أنها مائة عام، فالبون شاسع بينهما، ومع ذلك فالقولان ~~صادقان. والحق سبحانه أعطانا الدليل على ذلك، فقد بعث العزيز من موته، ~~فوجد حماره عظاما بالية يصدق عليها القول بمائة عام، ونظر إلى طعامه ~~وشرابه فوجده كما هو لم يتغير، وكأن العهد به يوم أو بعض يوم، ولو مر ~~على الطعام مائة عام لتغير بل لتحلل ولم يبق له أثر. وكأن الخالق ~~سبحانه قبض الزمن وبسطه في وقت واحد، وهو سبحانه القابض الباسط، إذن: ~~قول الحق سبحانه مائة عام صدق، وقول العزير { يوما أو بعض ~~يوم } صدق أيضا، ولا يجمع الضدين إلا خالق الأضداد سبحانه ~~وتعالى. وبعد أن تكلم القرآن عن موقف الكفار من الألوهية، وموقفهم من ~~النبوة وتكذيبهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم عن موقفهم من منهج الله ~~وكفرهم بالبعث والقيامة، أراد سبحانه أن يعطينا الدروس التي تربب ~~منهج الله في الأرض، فقال تعالى: { وقل لعبادي يقولوا التي ~~هي أحسن إن الشيطان... }. ### || [17.53] # وسبق أن أوضحنا الفرق بين عبيد وعباد، وأنهما جمع عبد، لكن عبيد تدل ~~على من خضع لسيده في الأمور القهرية، وتمرد عليه في الأمور ~~الاختيارية، أما ms5911 عباد فتدل على من خضع لسيده في كل أموره القهرية ~~والاختيارية، وفضل مراد الله على مراده، وعنهم قال تعالى: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين ~~يبيتون لربهم سجدا وقياما # [الفرقان: 63-64]. وهذا الفرق قائم بينهما في الدنيا دون الآخرة، حيث ~~في الآخرة تنحل صفة الاختيار التي بنينا عليها التفرقة، وبذلك يتساوى ~~الجميع في الآخرة، فكلهم عبيد وعباد لذلك قال تعالى في الآخرة للشيطان: # أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل # [الفرقان: 17]. فسماهم عبادا رغم ضلالهم وكفرهم. وقوله تعالى: { ~~يقولوا التي هي أحسن.. } [الإسراء: 53]. أي: العبارة التي ~~هي أحسن، وكذلك الفعل الذي هو أحسن. والمعنى: قل لعبادي: قولوا التي ~~هي أحسن يقولوا التي هي أحسن لأنهم مؤتمرون بأمك مصدقون لك. و { ~~التي هي أحسن } تعني: الأحسن الأعلى الذي تتشقق منه كل ~~أحسنيات الحياة، والأحسن هو الإيمان بالله بشهادة أن لا إله إلا الله، ~~هذه أحسن الأشياء وأولها، لذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول: # " خير ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله ". # لأن من باطنها ينبت كل حسن، فهي الأحسن الكبيرة لأنك ما دمت تؤمن ~~بالله فلن تتلقى إلا عنه، ولن تخاف إلا منه، ولن ترجو إلا هو، وهكذا ~~يحسن أمرك كله في الدنيا والآخرة. وأنت حين تقول: لا إله إلا الله، لا ~~تقولها إلا وأنت مؤمن بها لأنك تريد أن تشيعها فيمن سمعك، ولا تكتفي ~~بنفسك فقط، بل تحب أن يشاركك الآخرون هذا الخير لذلك إذا أردنا أن ~~ننطق بهذه الكلمة نقول: أشهد أن لا إله إلا الله. فمعنى أشهد يعني عند ~~من لم يشهد، فكأن إيمانك بها دعاك إلى نقلها إلى الناس، وبثها ~~فيما بينهم. ويمكن أن نقول { التي هي أحسن } الأحسن هو: كل كلمة ~~خير، أو الأحسن هو: الجدل بالتي هي أحسن، كما قال تعالى: # وجادلهم بالتي هي أحسن.. # [النحل: 125]. أو نقول: الأحسن يعني التمييز بين الأقوال المتناقضة ~~وفرزها أمام العقل، ثم نختار الأحسن منها، فنقول به. ms5912 فالأحسن - إذن - ~~تشيع لتشمل كل حسن في أي مجال من مجالات الأقوال أو الأفعال، ~~ولنأخذ مثلا مجال الجدل، وخاصة إذا كان في سبيل إعلاء كلمة الله، فلا ~~شك أن المعارض كاره لمبدئك العام، فإن قسوت عليه وأغلظت له ~~القول أو اخترت العبارة السيئة فسوف ينتقل الخلاف بينكما من خلاف في ~~مبدأ عام على عداء شخصي. # وإذا تحولت هذه المسألة إلى قضية شخصية فقد أججت أوار غضبه ~~لأنه في حاجة لأن ترفق به، فلا تجمع عليه مرارة أن تخرجه مما ~~ألف إلى ما يكره، بل حاول أن تخرجه مما ألف إلى ما يحب لتطفئ ~~شراسته لعداوتك العامة، وتقرب من الهوة بينك وبينه فيقبل منك ما ~~تقول. يقول تعالى: # ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي ~~أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ~~ولي حميم # [فصلت: 34]. وقد يطلع علينا من يقول: لقد دفعت بالتي هي أحسن، ومع ~~ذلك لا يزال عدوي قائما على عداوتي، ولم أكسب محبته. نقول له: أنت ظننت ~~أنك دفعت بالتي هي أحسن، ولكن الواقع غير ذلك، إنك تحاول أن تجرب مع ~~الله، والتجربة مع الله شك، فادفع بالتي هي أحسن من غير تجربة، وسوف ~~يتحول العدو أمامك إلى صديق. وما أروع قول الشاعر: # يا من تضايقه الفعال من التي ومن الذي # ادفع - فديتك - بالتي حتى ترى فإذا الذي # لكن، لماذا نقول التي هي أحسن؟ لأن الشيطان ينزغ بينكم: { إن ~~الشيطان ينزغ بينهم.. } [الإسراء: 53] والنزغ هو نخس ~~الشيطان ووسوسته، وقد قال تعالى في آية أخرى: # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله.. # [الأعراف: 200]. فإن كنت منتبها له، عارفا بحيله فذكرت الله عند ~~نخسه ونزغه انصرف عنك، وذهب إلى غيرك لذلك يقول تعالى عن الشيطان: # من شر الوسواس الخناس # [الناس: 4] أي: الذي يخنس ويختفي إذا ذكر الله، لكن إذا رأى منك ~~ضعفا وغفلة ومرت عليك حيلة، واستجبت لوساوسه، فقد أصبحت فريسة ~~سهلة بين أنيابه ومخالبه. وعادة تأتي خواطر الشيطان وكأنها مجس ~~للمؤمن واختبار لانتباهه وحذره من هذا العدو، فينزغه ms5913 الشيطان مرة ~~بعد أخرى ليجربه ويختبره. فإذا كان النزغ هكذا، فأنت حين تجادل بالتي ~~هي أحسن لا تعطي للشيطان فرصة لأن يؤجج العداوة الشخصية بينكما، ~~فيزين لك شتمه أو لعنه، وهكذا يتحول الخلاف في المبدأ العام إلى ~~عداوة ذاتية شخصية. لذلك إذا رأيت شخصين يتنازعان لا صلة لك بهما، ~~ولكن ضايقك هذا النزاع، فما عليك إلا أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم ثلاثا، وأتحدى أن يستمر النزاع بعدها، إنها الماء البارد الذي ~~يطفئ نار الغضب، ويطرد الشيطان فتهدأ النفوس، وما أشبهك في هذا الموقف ~~برجل الإطفاء الذي يسارع إلى إخماد الحريق، وخصوصا إذا قلت هذه العبارة ~~بنية صادقة في الإصلاح، وليس لك مأرب من هذا التدخل. والحق سبحانه ~~يقول: { إن الشيطان ينزغ بينهم.. } [الإسراء: 53]. تلاحظ ~~أن نزغ الشيطان لا يقتصر على المتخاصمين والمتجادلين حول مبدأ ديني ~~عقدي، بل ينزغ بين الإخوة والأهل والأحبة، ألم يقل يوسف: # من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي.. # [يوسف: 100]. # لقد دخل الشيطان بين أولاد النبوة، وزرع الخلاف حتى بين الأسباط وفيهم ~~رائحة النبوة، ولذلك لم يتصاعد فيهم الشر، وهذا دليل على خيريتهم، وأنت ~~تستطيع أن تميز بين الخير والشرير، فتجد الخير يهدد بلسانه بأعنف ~~الأشياء، ثم يتضاءل إلى أهون الأشياء، على عكس الشرير تراه يهدد بأهون ~~الأشياء، ثم يتصاعد إلى أعنف ما يكون. انظر إلى قول إخوة يوسف: # اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا.. # [يوسف: 9] فقال الآخر وكان أميل إلى الرفق به: # وألقوه في غيبت الجب.. # [يوسف: 10] وقد اقترح هذا الاقتراح وفي نيته النجاة لأخيه، بدليل قوله ~~تعالى: # يلتقطه بعض السيارة.. # [يوسف: 10] وهكذا تضاءل الشر في نفوسهم. ثم يقول تعالى: { إن ~~الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا } [الإسراء: 53]. ~~أي: أن عداوة الشيطان لكم قديمة منذ أبيكم آدم - عليه السلام - فهي عداوة ~~مسبقة، قال عنها الحق سبحانه: # إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى # [طه: 117]. لذلك يجب على الأب كما يعلم ابنه علوم الحياة ووسائلها ~~أن يعلمه قصة العداوة الأولى بين الشيطان وآدم ms5914 - عليه السلام - ~~ويعلمه أن خواطر الخير من الله وخواطر الشر من الشيطان، فليكن على ~~حذر من خواطره ووساوسه، وبذلك يربي في ابنه مناعة إيمانية، فيحذر ~~كيد الشيطان ونزغه، ويعلم أن كل أمر يخالف أوامر الشرع فهو من الشيطان، ~~وهذه التربية من الآباء تحتاج إلى إلحاح بها على الأبناء حتى ترسخ في ~~أذهانهم. فقوله تعالى: { إن الشيطان كان للإنسان عدوا ~~مبينا } [الإسراء: 53] أي: كان ولا يزال. وإلى يوم القيامة بدليل ~~قوله: # لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ~~ذريته إلا قليلا # [الإسراء: 62]. أي: لأتعهدنهم بالإضلال والغواية إلى يوم القيامة. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ~~أو إن يشأ يعذبكم... }. ### || [17.54] # في هذه الآية إشارة إلى طلاقة المشيئة الإلهية، فالحق سبحانه إن شاء ~~يرحمنا بفضله، وإن شاء يعذبنا بعدله لأن الحق سبحانه لو عاملنا ~~بميزان عدله ما نجا منا أحد، ولو جلس أحدنا وأحصى ماله وما عليه لوجد ~~نفسه لا محالة واقعا تحت طائلة العقاب لذلك يحسن بنا أن ندعو الله ~~بهذا الدعاء: " اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل، وبالإحسان لا بالميزان، ~~وبالجبر لا بالحساب ". والحق تبارك وتعالى لا ييئس العصاة من فضله، ~~ولا يملي لهم بعدله، بل يجعلهم بين هذه وهذه ليكونوا دائما بين الخوف ~~والرجاء. وحينما كان المسلمون الأولون يتعرضون لشتى ألوان الإهانة ~~والتعذيب ولا يجدون من يمنعهم من هذا التعذيب، فكانوا يذهبون إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه ما ينزل بهم، فرسول الله ينظر في ~~أنحاء العالم من حوله بحثا عن المكان المناسب الذي يلجأ إليه هؤلاء ~~المضطهدون، ويأمرهم بالهجرة إلى الحبشة ويقول: " إن فيها ملكا لا ~~يظلم عنده أحد ". لقد كانوا في مرحلة لا يستطيعون فيها الدفاع عن ~~أنفسهم، فالضعيف منهم عاجز عن المواجهة، والقوي منهم لا يستطيع حماية ~~الضعيف لأنه كان يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقترح عليه الرد ~~على الكفار ومواجهتهم بكذا وكذا، فكان صلى الله عليه وسلم يقول لهم: " لم ~~أومر، لم أومر... ". لأن الله تعالى أراد ms5915 ألا يبقي للإيمان جندي إلا ~~وقد مسه العذاب، وذاق ألوان الاضطهاد ليربي فيهم الصبر على الأذى ~~وتحمل الشدائد لأنهم سيحملون رسالة الانسياح بمنهج الله في الأرض، ولا ~~شك أن القيام بمنهج الله يحتاج إلى صلابة وإلى قوة، فلا بد من تمحيص ~~المؤمنين، لذلك حدث للإسلام في عصر النبوة أحداث وشدائد، ومرت به عقبات ~~مثل تعذيب المؤمنين وإيذائهم وحادث الإسراء والمعراج. وكانت الحكمة من ~~هذه الأحداث تمحيص المؤمنين وغربلة المنتسبين لدين الله، حتى لا يبقى إلا ~~القوي المأمون على حمل منهج الله، والانسياح به في شتى بقاع الأرض، ~~وحتى لا يبقى في صفوف المؤمنين من يحمل راية الإيمان لمغنم دنيوي، ~~فالغنيمة في الإسلام ليست في الدنيا بل في جنة عرضها السماوات والأرض. ~~لذلك، ففي بيعة العقبة الثانية قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سل ~~يا محمد لربك ما شئت، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من ~~الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك. # " قال: أسألكم لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسي ~~ولأصحابي أن تؤوونا وتنصرونا وتمنعونا مما منعتم منه أنفسكم، قالوا: فما ~~لنا إذا فعلنا ذلك؟ فماذا قال لهم رسول الله؟ أقال لهم تملكون الدنيا؟ ~~لا، بل قال: " لكم الجنة " قالوا: فلك ذلك ". # فهذه هي الجائزة الحقيقية التي ينبغي أن يفوز بها المؤمن لأنه من الجائز ~~أن يموت أحدهم بعد أن أعطى رسول الله هذا العهد ولم يدرك شيئا من خير ~~الدنيا في ظل الإسلام، إذن: فالنبي صادق في هذا الوعد. وما دام الجزاء هو ~~الجنة فلا بد لها من جنود أقوياء يصبرون على الأحداث، ويواجهون الفتن ~~والمكائد. فالمعنى: { ربكم أعلم بكم إن يشأ ~~يرحمكم.. } [الإسراء: 54] بالخروج من مكة مهاجرين إلى ديار الأمن ~~في الحبشة { أو إن يشأ يعذبكم.. } [الإسراء: 54] أي: عذابا ~~مقصودا لكي يمحص إيمانكم ويميز المؤمنين منكم الجديرين بحمل رسالة ~~الله ومنهجه. ثم يقول تعالى: { ومآ أرسلناك عليهم وكيلا ~~} [الإسراء: 54]. الوكيل: هو المفوض من صاحب الشأن بفعل شيء ما، ~~والمراد: ms5916 ما أرسلناك إلا للبلاغ، ولست مسئولا بعد ذلك عن إيمانهم، ~~ولست وكيلا عليهم لأن الهداية والتوفيق للإيمان بيد الحق سبحانه ~~وتعالى. إذن: قول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: { ومآ ~~أرسلناك عليهم وكيلا } [الإسراء: 54]. ليست قهرا لرسول ~~الله، وليست إنقاصا من قدره، بل هي رحمة به ورأفة، كأنه يقول له: لا ~~تحمل نفسك يا محمد فوق طاقتها، كما خاطبه في آية أخرى بقوله: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3] فالحق - تبارك وتعالى - في هذه المسألة لا يعتب على رسوله، ~~بل يعتب لصالحه، والمتتبع لمواقف العتاب للرسول صلى الله عليه وسلم يجده ~~عتابا لصالحه صلى الله عليه وسلم رحمة به، وشفقة عليه، لا كما يقول ~~البعض: إن الله تعالى يصحح للرسول خطئا وقع فيه. ومثال لهذا قوله ~~تعالى: { عبس وتولى * أن جآءه الأعمى * وما يدريك ~~لعله يزكى } [عبس: 1-3] الله تعالى يعتب على رسوله صلى الله ~~عليه وسلم لأنه ترك الرجل الذي جاءه سائلا عن الدين، وشق على نفسه ~~بالذهاب إلى جدال هؤلاء الصناديد، وكأن الحق سبحانه يشفق على رسوله أن ~~يشق على نفسه، فالعتاب هنا حرصا على رسول الله وعلى راحته. وكذلك في ~~قوله تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ~~تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم # [التحريم: 1]. والتحريم تضييق على النفس، فالحق سبحانه يعتب على رسوله ~~صلى الله عليه وسلم لأنه ضيق على نفسه، وحرم عليها ما أحله الله ~~لها. كما تعتب على ولدك الذي سهر طويلا في المذاكرة حتى أرهق نفسه، ~~فالعتاب لصالح الرسول لا ضده. ثم يقول الحق سبحانه: { وربك أعلم ~~بمن في السماوات والأرض... }. ### || [17.55] # قوله تعالى: { أعلم } أفعل تفضيل تدل على المبالغة في العلم، وإن ~~كان الحق سبحانه أعلم فما دونه يمكن أن يتصف بالعلم، فنقول: عالم. ولكن ~~الله أعلم لأن الله تعالى لا يمنع عباده أن تشرئب عقولهم وتطمح إلى معرفة ~~شيء من أسرار الكون. والمعنى أن الحق سبحانه وتعالى لا يقتصر علمه عليك ~~يا محمد وعلى أمتك، وقد سبقت ms5917 الآية بقوله تعالى: # ربكم أعلم بكم.. # [الإسراء: 54] ولكن علمه سبحانه يسع السماوات والأرض علما مطلقا ~~لا يغيب عنه مثقال ذرة، وبمقتضى هذا العلم يقسم الله الأرزاق ويوزع ~~المواهب بين العباد، كل على حسب حاله، وعلى قدر ما يصلحه. فإن ~~رأيت شخصا ضيق الله عليه فاعلم أنه لا يستحق غير هذا، ولا يصلحه إلا ~~ما قسمه الله له لأن الجميع عبيد لله مربوبون له، ليس بين أحد منهم ~~وبين الله عداوة، وليس بين أحد منهم وبين الله نسب. فالجميع عنده سواء، ~~يعطي كلا على قدر استعداده عطاء ربوبية، لا يحرم منه حتى الكافر ~~الذي ضاق صدره بالإيمان، وتمكن النفاق من قلبه حتى عشق الكفر وأحب ~~النفاق، فالله تعالى لا يحرمه مما أحب ويزيده منه. إذن: لعلمه سبحانه ~~بمن في السماوات والأرض يعطي عباده على قدر ما يستحقون في الأمور ~~القهرية التي لا اختيار لهم فيها، فهم فيها سواء. أما الأمور ~~الاختيارية فقد تركها الخالق سبحانه لاجتهاد العبد وأخذه بالأسباب، ~~فالأسباب موجودة، والمادة موجودة، والجوارح موجودة، والعقل موجود، ~~والطاقة موجودة. إذن: على كل إنسان أن يستخدم هذه المعطيات ليرتقي بحياته ~~على قدر استطاعته. ثم يقول تعالى: { ولقد فضلنا بعض ~~النبيين على بعض.. } [الإسراء: 55]. من الذي فضل؟ الله ~~سبحانه وتعالى هو الذي يفضل بعض النبيين على بعض، وليس لنا نحن أن ~~نفضل إلا من فضله الله لأنه سبحانه هو الذي يملك أن يجازي على ~~حسب الفضل، أما نحن فلا نملك أن نجازي على قدر الفضل. لذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى ". # لأن الذي يفضل هو الله تعالى، وقد نص على هذا التفضيل في قوله ~~تعالى: # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من ~~كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن ~~مريم البينات وأيدناه بروح القدس.. # [البقرة: 253]. فالتفضيل على حسب ما يعلمه الله تعالى من أن أولى العزم ~~من الرسل قد فضلهم عن غيرهم لما تحملوه من مشقة في دعوة أقوامهم، ms5918 ~~ولما قاموا به من حمل منهج الله والانسياح به، أو من طول مدتهم من ~~قومهم.. الخ فهو وحده يعلم أسباب التفضيل. ثم يقول تعالى: { وآتينا ~~داوود زبورا } [الإسراء: 55]. فلماذا ذكر داود بالذات مقترنا ~~بالكتاب الذي أنزل عليه؟ قالوا: لأن داود عليه السلام أوتي مع الكتاب ~~الملك، فكان نبيا ملكا، فكأن الحق سبحانه يشير إلى أن تفضيل داود لا ~~من حيث أنه ملك، بل من حيث هو نبي صاحب كتاب. وفي الحديث الشريف يقول ~~صلى الله عليه وسلم: # " لقد خيرت بين أن أكون عبدا نبيا أو نبيا ملكا، فاخترت أن ~~أكون عبدا نبيا ". # ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون... }. ### || [17.56] # الله تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: قل للذين يعارضونك في ~~الوحدانية إذا مسكم ضر فلا تلجأوا إلى من تكفرون به، بل الجأوا ~~إلى من زعمتم أنهم شركاء وآمنتم بهم. فإنهم لن يستمعوا إليك لأن ~~الإنسان بطبعه لا يخدع نفسه، ولو علموا أن الذين يتخذونهم آلهة من دون ~~الله ينفعونهم في شيء لما دعوا ربهم الذين يكفرون به وتركوا الذين ~~يؤمنون بهم، لماذا؟ لأن الإنسان لا يتمرد ولا يطغى إلا إذا كان ~~مستغنيا بكل ملكاته، بمعنى أن تكون ملكاته كلها على هيئة الاستقامة ~~والانسجام، فإذا اختلت له ملكة من الملكات ضعف طغيانه، وحاول أن ~~يستكمل هذا النقص، وحينئذ لن يخدع نفسه بأن يطلب الاستكمال ممن لا ~~يملكه، بل يطلبه ممن يعتقد أنه يملكه. لذلك يقول تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه.. # [الإسراء: 67]. وقال: # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه.. # [الزمر: 8]. لماذا؟ لأن ما أصابه من ضر أضعفه، وكسر عنده غريزة ~~الاستعلاء والاستكبار، لقد كفر بالله من قبل حينما حمله التكاليف، ولكن ~~الآن وبعد أن نزل به الضر وأحاط به البلاء فلا بد أن يكون صريحا مع ~~نفسه لا يخدعها. وضربنا لهذه المسألة مثلا بحلاق الصحة عند أهل الريف في ~~الماضي وكان مسئولا عن صحة الناس، ويقوم ms5919 مقام الطبيب في هذا الوقت، ~~فإذا ما عين بالقرية طبيب هاجمه الحلاق وأفسد ما بينه وبين الناس، ~~وأشاع عنه عدم العلم وقلة الخبرة ليخلو له وجه الناس، ولا يشاركه أحد ~~في رزقه، ومرت الأيام وأصيب الحلاق بضر، حيث مرض ولد له، فإذا به ~~يحمله خفية بليل، ويتسلل به إلى الطبيب، ولكن سرعان ما ينكشف أمره ~~ويفتضح بين الناس. إذن: الإنسان في ساعة الضر لا يخدع نفسه ولا يكذب ~~عليها، فقل لهم: إذا مسكم الضر فاذهبوا إلى من ادعيتم أنهم آلهة ~~وادعوهم، فإنهم لن يستجيبوا ولن يدعوهم، ولو دعوهم فلن يكشفوا عنهم ~~ضرهم: { فلا يملكون كشف الضر عنكم.. } [الإسراء: 56]. ~~وقوله تعالى: { ولا تحويلا } [الإسراء: 56] أي: ولا يملكون تحويل ~~حالكم من الضر إلى النفع أو النعمة أو الرحمة، أو: لا يملكون تحويل هذا ~~الضر إلى أعدائكم، فهم - إذن - لا يملكون هذه ولا هذه. فالحق سبحانه ~~يلقن رسوله صلى الله عليه وسلم الحجة، ليوضح لهم أنهم يغالطون أنفسهم، ~~ويعارضون مواجيدهم وفطرتهم، فإن أصابهم الضر في ذواتهم لا يلجأون إلى ~~آلهتهم لأنهم يعلمون أنها لا تملك لهم نفعا ولا ضرا، ولن تسمعهم، وإن ~~سمعتهم - فرضا - ما استجابوا لهم، ويوم القيامة يكفرون بشركهم، بل ~~يلجأون إلى الله الذي يملك وحده كشف الضر عنهم. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة... }. ### || [17.57] # فهؤلاء الذين تعتبرونهم آلهة وتتخذونهم شركاء لله، هؤلاء أيضا عبيد ~~لله، يتقربون إليه ويتوسلون إليه، فالمسيح الذي أشركتموه مع الله، ~~وكذلك الملائكة هم عباد لله: # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون.. # [النساء: 172]. هؤلاء لا يرفضون ولا يتأبون أن يكونوا عبادا لله، ~~ويريدون التقرب إليه سبحانه، فكيف - إذن - تتوجهون إليهم بالعبادة وهم ~~عباد؟ وقوله تعالى: { يبتغون إلى ربهم الوسيلة.. } ~~[الإسراء: 57] أي: يطلبون الغاية والقربى إليه تعالى { أيهم ~~أقرب } أي: كلما تقر ب واحد منهم إلى الله ابتغى الله أكثر من ~~غيره وأقبل عليه، فإذا كان الأقرب إلى الله منهم يبتغي القربى، فما بال ~~الأبعد؟ وقوله تعالى: { إن ms5920 عذاب ربك كان محذورا } ~~[الإسراء: 57]. أي: يجب الحذر منه وتجنب أسبابه لأن العذاب إذا كان من ~~الله فلا فكاك منه ولا مهرب، وأيضا فالعذاب يتناسب مع قدرة المعذب ~~ضعفا وشدة، فإذا نسب العذاب إلى الله فلا شك أنه أليم شديد، لا طاقة ~~لأحد به، كما قال تعالى: # إن أخذه أليم شديد # [هود: 102]. والحق سبحانه قد أوضح لنا مسألة الوحدانية في آيات كثيرة، ~~ولم يطلب منا الاعتراف بها إلا بعد أن شهد بها لنفسه سبحانه، وبعد أن ~~شهد بها الملائكة وأولو العلم، قال تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم.. # [آل عمران: 18]. فشهد الله سبحانه شهادة الذات للذات، وشهدت الملائكة ~~شهادة المشهد والمعاينة، وشهد أولو العلم شهادة الاستدلال، فهذه شهادات ~~ثلاث قبل أن يطلب منا الشهادة. وبهذه الشهادة أقبل الحق سبحانه على ~~مزاولة سلطانه وقدرته في الكون، وما دام { لا إله إلا هو } ~~يقول للشيء: كن فيكون، قالها لأنه يعلم أنه لا إله إلا هو، وبها يحكم ~~على الأشياء ويغير من وضع إلى وضع، فإن صحت هذه الشهادات الثلاث ~~فقد انتهت المسألة. وإن لم تصح وهناك إله آخر فأين هو؟! إن كان لا يدري ~~فهو إله نائم لا يصلح لهذه المكانة، وإن كان يدري فلماذا لم يطالب بحقه. ~~إذن: فهذه الدعوى قد سلمت للحق سبحانه لأنه لم يدعها أحد لنفسه، ~~فهي للحق تبارك وتعالى حتى يقوم من يدعيها لنفسه. قال تعالى: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. أي: لو كان للكون إله آخر لطلبوا هذا الإله الذي استقرت ~~له الأمور واستتب له الحال، ليجادلوه في هذه المسألة، أو لطلبوه ~~ليتقربوا إليه. ثم يقول الحق سبحانه: { وإن من قرية إلا ~~نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها ~~عذابا شديدا... }. ### || [17.58] # ساعة أن تسمع { وإن من قرية إلا } فاعلم أن الأسلوب قائم ~~على نفي وإثبات، فالمعنى: لا توجد قرية إلا والله مهلكها قبل يوم ~~القيامة، أو معذبها عذابا شديدا، لكن هل ms5921 كل القرى ينسحب عليها هذا ~~الحكم؟ نقول: لا، لأن هذا حكم مطلق والإطلاقات في القرآن تقيدها ~~قرآنيات أخرى، وسوف نجد مع هذه الآية قول الحق سبحانه: # ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ~~وأهلها غافلون # [الأنعام: 131]. وقال تعالى: # وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ~~مصلحون # [هود: 117]. فهذه آيات مخصصة توضح الاستثناء من القاعدة السابقة، ~~وتقيد المبدأ السابق والسور العام الذي جاءت به الآية، فيكون المعنى - ~~إذن - وإن من قرية غير غافلة وغير مصلحة إلا والله مهلكها أو ~~معذبها. وقوله: { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها ~~قبل يوم القيامة أو معذبوها.. } [الإسراء: 58]. { ~~مهلكوها } أي: بعذاب الاستئصال الذي لا يبقي منهم أحدا. { ~~معذبوها } أي: عذابا دون استئصال. لأن التعذيب مرحلة أولى، فإن ~~أتى بالنتيجة المطلوبة وأعاد الناس إلى الصواب فبها ونعمت وتنتهي ~~المسألة، فإن لم يقتنعوا وأصروا ولم يرتدعوا وعاندوا يأتي الإهلاك، ~~وهذا واضح في قول الحق سبحانه: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. والواقع أن في حاضرنا شواهد عدة على هذه المسألة، فلا ~~بد لأي قرية طغت وبغت أن ينالها شيء من العذاب، والأمثلة أمامنا ~~واضحة، ولا داعي لذكرها حتى لا ننكأ جراحنا. وطبيعي أن يأتي العذاب قبل ~~الإهلاك لأن العذاب إيلام حي يشعر بالعذاب ويحس به، والإهلاك إذهاب ~~للحياة، وهذا يمنع الإحساس بالعذاب. وباستقراء تاريخ الأمم السابقة نلاحظ ~~ما حاق بهم من سنة إهلاك الظالمين، فقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط نزل ~~بهم عذاب الله الذي لا يرد عن القوم الكافرين، ولكنه كان عذاب ~~استئصال لأن الأنبياء في هذا الوقت لم يكونوا مطالبين بحمل السلاح ~~لنشر دعوتهم، فكان عليهم البلاغ، والحق سبحانه وتعالى هو الذي يتولى ~~تأديب المخالفين. إلا إذا طلب أتباع النبي الجهاد معه لنشر دعوته، كما ~~حدث من أتباع موسى عليه السلام: # إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في ~~سبيل الله قال هل عسيتم إن ms5922 كتب عليكم القتال ~~ألا تقاتلوا قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل ~~الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم.. # [البقرة: 246]. وهكذا طلب بنو إسرائيل القتال وحمل السلاح، ولكن ~~حذرهم نبيهم، وخشي أن يفرض عليهم ثم يتقاعسوا عنه، وهذا ما حدث فعلا ~~ولم يبق معه إلا قليل منهم، وهذا القليل سرعان ما تراجع هو أيضا ~~واحدا بعد الآخر. # إذن: الهمة الإنسانية في هذا الوقت لم يكن عندها استعداد ونضج لأن ~~تحمل سلاحا في سبيل الله، فكان على الرسول أن يبلغ، وعلى السماء ~~أن تؤدب بهذا اللون من العذاب الذي يستأصلهم فلا يبقي منهم أحدا. ~~أما في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد رحمنا ربنا تبارك وتعالى من هذا ~~العذاب، فقال: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم.. # [الأنفال: 33]. وهذه من كرامات الله تعالى لرسوله، فلم يأخذ قومه بعذاب ~~الاستئصال، لماذا؟ لأن رسولهم آخر الرسل وخاتم الأنبياء، وسوف يناط ~~بهم حمل رسالته ونشر دعوته، والانسياح بمنهج الله في شتى بقاع الأرض. ~~ذلك لأن الحق - سبحانه وتعالى - حينما يرسل منهجه إلى الأرض يقدر غفلة ~~الناس عن المنهج، ويقدر فكرة التأسي بالجيل السابق، فهذان معوقان ~~في طريق منهج الله، يقول تعالى: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم.. # [الأعراف: 172-173]. فأوضح لنا الحق سبحانه أن الإنسان يتخبط أو ينحرف ~~عن المنهج، إما بسبب غفلة، أو بسبب تقليد أعمى لأسوة سيئة، فأول من ~~تلقى عن الله آدم، ثم بلغ ذريته منهج الله، وبمرور الأجيال حدثت الغفلة ~~عن بعض المنهج نتيجة ما ركب في الإنسان من حب للشهوات، وهذه ~~الشهوات هي التي تصرفه عن منهج ربه، فإن حدثت غفلة في جيل فإنها سوف ~~تزداد في الجيل التالي، وهكذا لأن الجيل سيقع تحت مؤثرين: الغفلة ~~الذاتية فيه، والتأسي بالجيل السابق. ms5923 إذن: بتوالي الأجيال وازدياد الغفلة ~~عن المنهج لا بد أن الحق سبحانه سيبعث في مواكب الرسل من ينبه ~~الناس. ومن هنا كانت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة أخرجت ~~للناس: # كنتم خير أمة أخرجت للناس.. # [آل عمران: 110] لماذا؟ # تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ~~وتؤمنون بالله.. # [آل عمران: 110] فخيرية هذه الأمة ناشئة من حمل رسالة الدعوة، وقد ~~كرم الله أمة محمد بأن جعل كل من آمن به يحمل دعوته إلى يوم ~~القيامة، لقد بلغ الرسول من عاصروه من أمته، وعلى أمته أن تبلغ من ~~بعده لذلك يشهد علينا رسول الله، ونشهد نحن على الناس. وفي الحديث الشريف # " نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، ~~فرب مبلغ أوعى من سامع ". # وهكذا تظل في الأمة هذه الخيرية وتحمل دعوة رسولها حيث لا رسول من بعده ~~إلى يوم القيامة، ولأهمية هذا الدور الذي يقوم به المسلمون في كل زمان ~~ومكان ينبهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مسألة هامة في مجال ~~حمل الدعوة ونشرها، فيقول: # " إن كل واحد منكم يقف على ثغرة من ثغرات هذا الدين، فإياكم أن يؤتى ~~الدين من ثغرة أحدكم " # أو كما قال. فليعلم كل مسلم أنه محسوب للدين أو عليه، فالعيون تتطلع ~~إليه وترصد تصرفاته في مجتمعه، فهو صورة للدين وسفير له، وعليه أن ~~يراعي هذه المسئولية ويقوم بها على أكمل وجه ليكون أداة جذب، وليكون ~~وجها مشرقا لتعاليم هذا الدين. فأنت حارس على باب من الأبواب، وعليك ~~أن تسده بصدق انطباعك عن الإيمان، وبصدق انقيادك لقضايا الإسلام، ~~وبهذا السلوك تكون وسيلة إغراء للآخرين الذين يراودهم الإيمان، ويتراءى ~~لهم منهج الله من بعيد. ويحلو للبعض أن يأخذوا الإسلام بجريرة أهله، ~~ويحكموا عليه بناء على تصرفات المنتسبين إليه، وهذا خطأ، فمن أراد ~~الصورة الحقيقية للإسلام فليأخذها من منابع الدين في كتاب الله وسنة ~~رسوله، فإن رأيت بين المنتسبين للإسلام سارقا فلا تقل: هذا هو ~~الإسلام لأن الإسلام حرم السرقة، وجعل لها عقوبة وحدا ms5924 يقام على ~~السارق، وليس لأحد أن يكون حجة على دين الله. لذلك فإن كبار العلماء ~~والمفكرين الذين درسوا في الدين الإسلامي لم ينظروا إلى تصرفات ~~المسلمين وحاضرهم، بل أخذوه من منابعه الأصلية. ومنهم " جينو " الفرنسي ~~الذي قال: الحمد لله الذي هداني للإسلام قبل أن أعرف المسلمين. لأنه في ~~الحقيقة لو اطلع على أحوالنا الآن لكان في المسألة كلام آخر. إذن: ~~الذين نظروا إلى قضايا الإسلام نظرة عدل وإنصاف لا بد أن يهتدوا إلى ~~الإسلام، لكن منهم من نظر إليه نظرة عدل وإنصاف إلا أنهم أبعدوا قضية ~~التدين من قلوبهم، وإن اقتنعت بها عقولهم، وفرق كبير بين القضية ~~العقلية والقضية القلبية. ومن هؤلاء الكاتب الذي ألف كتابا عن ~~العظماء في التاريخ وأسماه: " العظماء مائة أعظمهم محمد بن عبد الله " ~~وهو كاتب غير مؤمن، لكنه أخذ يستقرئ صفحة التاريخ، ويسجل أصحاب الأعمال ~~الجلية التي أثرت في تاريخ البشرية، فوجدهم مائة، وبالمقارنة بينهم وجد ~~أن أعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم يترب محمد في مدرسة، ~~ولم يتخرج في جامعة، ولم يجلس إلى معلم. ألم تسأل نفسك أيها المؤلف: من ~~أين أتى محمد بهذه الأولية؟ ولماذا استحق أن يكون في المقدمة؟ لقد ذكرت ~~حيثيات النبوغ في جميع شخصياتك، من تربية ودراسة في جامعات وعلى أساتذة ~~وإطلاع وأبحاث، فلماذا لم تذكر حيثيات النبوغ في رسول الله؟ ألم تعلم أنه ~~أمي في أمة أمية؟ مما يدل على أن هذا الباحث تناول هذه القضية بعقله ~~لا بقلبه. نعود إلى مسألة الإهلاك والعذاب لأنها أثارت خلافا بين رجال ~~القانون في موضوع إقامة حد الرجم على الزاني المحصن والجلد للزاني ~~غير المحصن، فقد رأى جماعة منهم أن الجلد ثابت بالقرآن، أما الرجم فثابت ~~بالسنة، لذلك قال بعضهم بأن رجم الزاني المحصن سنة. # وهذا قول خاطئ وبعيد عن الصواب، لأن هناك فرقا بين سنية الدليل وسنية ~~الحكم، فسنية الدليل أن يكون الأمر فرضا، لكن دليله من السنة كهذه ~~المسألة التي معنا. وكصلاة المغرب مثلا ثلاث ركعات وهي ms5925 فرض لكن دليلها ~~من السنة، أما سنية الحكم فيكون الحكم نفسه سنة يثاب فاعله، ولا ~~يعاقب تاركه كالتسبيح ثلاثا في الركوع مثلا. إذن: فرجم الزاني ~~المحصن فرض، لكن دليله من السنة، فالسنية هنا سنية دليل، لا سنية ~~حكم. فمن يقول: إن الرجم لم يرد به نص في كتاب الله، نقول: ~~الدليل عليه جاء في السنة، وهي المصدر الثاني للتشريع، حتى على قول من ~~قال بأن القرآن هو المصدر الوحيد للتشريع، ففي القرآن: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. إذن: ففعل الرسول صلى الله عليه وسلم كنص القرآن سواء ~~بسواء، وهل رجم في عهد رسول الله أو لم يرجم؟ رجم فعلا في عهد رسول ~~الله، فإن قال قائل: فهذا ليس نصا في الرجم. نقول: بل الفعل أقوى من ~~النص لأن النص قد تتأول فيه، أما الفعل فهو صريح لا يحتمل تأويلا. ودليل ~~آخر على فرضية الرجم، وهو الشاهد في هذه الآية، في قوله تعالى عن إقامة ~~الحد على الأمة: # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب.. # [النساء: 25]. فيقولون: الرجم لا ينصف. إذن: ليس هناك رجم. نقول: ~~أنتم لم تفرقوا بين الرجم وبين العذاب، فالرجم إماتة، والعذاب إيلام ~~لحي يشعر ويحس بهذا الإيلام، والمقصود به الجلد. إذن: # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب.. # [النساء: 25] أي: من الجلد، وهو الذي ينصف، ولو كان الحكم عاما ~~لقال: فعليهن نصف ما على المحصنات. فقوله: # من العذاب.. # [النساء: 25] دليل على وجود الرجم الذي لا فرق فيه بين حرة وأمة. ~~وكذلك نلحظ التدرج من العذاب إلى الإهلاك في قول سليمان - عليه وعلى ~~نبينا الصلاة والسلام - حينما تفقد الطير، واكتشف غياب الهدهد: # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه.. # [النمل: 21]. ولسائل أن يسأل: هل لا بد للقرى الظالمة أن ينالها ~~الإهلاك أو العذاب قبل يوم القيامة؟ نعم لا بد أن يمسهم شيء من هذا ~~لأن الله تعالى لو أخر كل العذاب لهؤلاء إلى يوم القيامة لاستشرى الظلم ~~وعم الفساد في الكون، وحين يرى الناس الظالم يرتع ms5926 في الحياة، وينعم بها ~~مع ظلمه لأغراهم ذلك بالظلم، أما إذا رأوه وقد حاق به سوء عمله، ونزلت به ~~النوازل لارتدعوا عن الظلم، ولعلموا أن عاقبته وخيمة، ولن يفلت الظالم ~~من عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة. # أما لو تأخر عذاب الظالمين إلى الآخرة، فالويل ممن لا يؤمنون بها. ~~لذلك لما مات رأس من رؤوس الظلم في الشام، ولم ير الناس عليه أثرا ~~لعذاب أو نقمة، قال أحدهم: إن وراء هذه الدار دارا يجازى فيها المحسن ~~بإحسانه، والمسىء بإساءته لأنه يستحيل أن يفلت الظالم من العذاب. وفي ~~مناقشتي مع الشيوعيين في بروكسل قلت لهم: لقد قسوتم على المخالفين لكم ~~من الرأسماليين والإقطاعيين عام 1917 وما بعدها، فقالوا: إنهم يستحقون ~~أكثر من ذلك، فقد فعلوا كذا وكذا، قلت: منذ متى؟ قالوا: طوال عمرهم وهم ~~يفعلون ذلك، فقلت: إذا كنتم أخذتم المعاصرين لكم بذنوبهم، فما بال الذين ~~سبقوهم؟ وما حظهم من العقاب الذي أنزلتموه بإخوانهم؟ قالوا: ما ~~أدركناهم. قلت: إذن كان من الواجب عليكم أن تؤمنوا باليوم الآخر، حيث ~~سيعذب فيه هؤلاء، فإن أفلتوا من عذاب الدنيا جاءت الآخرة لتصفي معهم ~~الحساب، كما يقول تعالى: # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك.. # [الطور: 47] وأريد منكم أن تطلعوا على تفسير هذه الآية التي نحن ~~بصددها: { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم ~~القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في ~~الكتاب مسطورا } [الإسراء: 58]. راجعوا تفسيرها في كتاب النسفي، ~~وسوف تجدون به أمثلة تؤيد هذه الآية، يقول: قرية كذا سيحدث لها كذا، ~~وقرية كذا سيحدث لها كذا. وقد جاء الواقع على وفق ما قال، إلى أن ذكر مصر ~~وقال عنها كلاما طويلا أظن أنه يمثل ما أصاب مصر منذ سنة 1952، وكان ~~مما قال عنها: ويدخل مصر رجل من جهينة فويل لأهلها، وويل لأهل الشام، ~~وويل لأهل أفريقيا، وويل لأهل الرملة، ولا يدخل بيت المقدس. اقرأوا هذا ~~الكلام عند النسفي. ثم يقول تعالى: { كان ذلك في الكتاب ~~مسطورا } [الإسراء: 58]. أي: مسجل ومسطر في اللوح المحفوظ، ولا ms5927 ~~يقول الحق سبحانه: { كان ذلك في الكتاب مسطورا } [الإسراء: ~~58] وتأتي الأحداث بغير ذلك، بل لا بد أن يؤكد هذه الحقائق القرآنية ~~بأحداث كونية واقعية. ثم يقول الحق سبحانه: { وما منعنآ أن ~~نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون... }. ### || [17.59] # الآيات: جمع آية، وهي الأمر العجيب الذي يلفت النظر ويسترعى الانتباه، ~~وهذه الآيات إما أن تكون آيات كونية نستدل بها على قدرة المدبر الأعلى ~~سبحانه مثل المذكورة في قوله تعالى: # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر.. # [فصلت: 37]. وقد تكون الآيات بمعنى المعجزة التي تثبت صدق الرسول في ~~البلاغ عن ربه تعالى، وقد تكون الآيات بمعنى آيات القرآن الكريم، والتي ~~يسمونها حاملة الأحكام. فالآيات إذن ثلاثة: كونية، ومعجزات، وآيات ~~القرآن. فأيها المقصود في الآية: { وما منعنآ أن نرسل ~~بالآيات.. } [الإسراء: 59]. الآيات الكونية وهي موجودة لا تحتاج إلى ~~إرسال، الآيات القرآنية وهي موجودة أيضا، بقي المعجزات وهي موجودة، وقد ~~جاءت معجزة كل نبي على حسب نبوغ قومه، فجاءت معجزة موسى من نوع السحر ~~الذي نبغ فيه بنو إسرائيل، وكذلك جاءت معجزة عيسى مما نبغ فيه قومه من ~~الطب. وجاءت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم في الفصاحة والبلاغة والبيان ~~لأن العرب لم يظهروا نبوغا في غير هذا المجال، فتحداهم بما يعرفونه ~~ويجيدونه ليكون ذلك أبلغ في الحجة عليهم. إذن: فما المقصود بالآيات التي ~~منعها الله عنهم؟ المقصود بها ما طلبوه من معجزات أخرى، جاءت في قوله ~~تعالى: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف ~~أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى ~~تنزل علينا كتابا نقرؤه.. # [الإسراء: 90-93]. والمتأمل في كل هذه الاقتراحات من كفار مكة يجدها ~~بعيدة كل البعد عن مجال المعجزة التي يراد بها في المقام الأول تثبيت ~~الرسول، وبيان صدق رسالته وتبليغه عن الله، وهذه لا تكون إلا ms5928 في أمر ~~نبغ فيه قومه ولهم به إلمام، وهم أمة كلام وفصاحة وبلاغة، وهل لهم إلمام ~~بتفجير الينابيع من الأرض؟ وهل إسقاط السماء عليهم كسفا يقوم دليلا ~~على صدق الرسول؟ أم أنه الجدل العقيم والاستكبار عن قبول الحق؟ إذن: جلس ~~كفار مكة يقترحون الآيات ويطلبون المعجزات، والحق سبحانه وتعالى ينزل ~~من المعجزات ما يشاء، وليس لأحد أن يقترح على الله أو يجبره على شيء، ~~قال تعالى: # قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. فالحق تبارك وتعالى قادر أن ينزل عليهم ما اقترحوه من ~~الآيات، فهو سبحانه لا يعجزه شيء، ولا يتعاظمه شيء، ولكن للبشر قبل ذلك ~~سابقة مع المعجزات. والحق سبحانه يقول: { وآتينا ثمود الناقة ~~مبصرة فظلموا بها. # . } [الإسراء: 59]. مبصرة: أي آية بينة واضحة. لقد طلب قوم ثمود معجزة ~~بعينها فأجابهم الله وأنزلها لهم، فما كان منهم إلا أن استكبروا عن ~~الإيمان، وكفروا بالآية التي طلبوها، بل وأكثر من ذلك ظلموا بها أي: ~~جاروا على الناقة نفسها، وتجرأوا عليها فعقروها. وهذه السابقة مع ثمود ~~هي التي منعتنا عن إجابة أهل مكة فيما اقترحوه من الآيات، وليس عجزا ~~منا عن الإتيان بها. وقوله تعالى عن الناقة أنها آية { مبصرة } ~~لبيان وضوحها كما في قوله تعالى: # وجعلنآ آية النهار مبصرة.. # [الإسراء: 12] فهل آية النهار مبصرة، أم مبصر فيها؟ كانوا قديما ~~يعتقدون أن الإنسان يرى الشيء من شعاع ينطلق من عينة إلى الشيء المرئي ~~فتحدث الرؤية، إلى أن جاء ابن الهيثم وأثبت خطأ هذه المقولة، وبين أن ~~الإنسان يرى الشيء إذا خرج من الشيء شعاع إلى العين فتراه، بدليل أنك ترى ~~الشيء إذا كان في الضوء، ولا تراه إذا كان في ظلمة، وبهذا الفهم نستطيع ~~القول بأن آية النهار هي المبصرة لأن أشعتها هي التي تسبب الإبصار. ثم ~~يقول تعالى: { وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } [الإسراء: ~~59]. أي: نبعث بآيات غير المعجزات لتكون تخويفا للكفار والمعاندين، ~~فمثلا الرسول صلى الله عليه وسلم ms5929 اضطهده أهل مكة ودبروا لقتله جهارا ~~وعلانية، فخيب الله سعيهم ورأوا أنهم لو قتلوه لطالب أهله بدمه، ~~فحاكوا مؤامرة أخرى للفتك به بليل، واقترحوا أن يؤتى من كل قبيلة ~~بفتى جلد، ويضربوه ضربة رجل واحد. ولكن الحق سبحانه أطلع رسوله على ~~مكيدتهم، ونجاه من غدرهم، فإذا بهم يعملون له السحر ليوقعوا به، وكان ~~الله لهم بالمرصاد، فأخبر رسوله بما يدبر له، وهكذا لم يفلح الجهر، ولم ~~يفلح التبييت، ولم يفلح السحر، وباءت محاولاتهم كلها بالفشل، وعلموا أنه ~~لا سبيل إلى الوقوف في وجه الدعوة بحال من الأحوال، وأن السلامة في ~~الإيمان والسير في ركابه من أقصر الطرق. إذن: للحق سبحانه آيات أخرى تأتي ~~لردع المكذبين عن كذبهم، وتخوفهم بما حدث لسابقيهم من المكذبين ~~بالرسل، حيث أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، ومن آيات التخويف هذه ما جاء ~~في قوله تعالى: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [العنكبوت: 40]. فكل هذه آيات بعثها الله على أمم من المكذبين، كل بما ~~يناسبه. ثم يقول الحق سبحانه مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: { وإذ ~~قلنا لك إن ربك أحاط بالناس... }. ### || [17.60] # أي: اذكر يا محمد، وليذكر معك أصحابك إذ قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس، ~~فلا يمكن أن يتصرفوا تصرفا، أو يقولوا قولا يغيب عن علمه تعالى، ~~لأن الإحاطة تعني الإلمام بالشيء من كل نواحيه. وما دام الأمر كذلك ~~فاطمئن يا محمد، كما نقول في المثل حط في بطنك بطيخة صيفي، واعلم أنهم ~~لن ينالوا منك لا جهرة ولا تبييتا، ولا استعانة بالجنس الخفي الجن لأن ~~الله محيط بهم، وسيبطل سعيهم، ويجعل كيدهم في نحورهم. لذلك لما ~~تحدى الحق سبحانه وتعالى الكفار بالقرآن تحدى الجن أيضا، فقال: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # [الإسراء: 88]. ففي هذا الوقت كان يشيع بين ms5930 العرب أن كل نابغة في أمر من ~~الأمور له شيطان يلهمه، وكانوا يدعون أن هذه الشياطين تسكن واديا ~~يسمى " وادي عبقر " في الجزيرة العربية، فتحداهم القرآن أن يأتوا ~~بالشياطين التي تلهمهم. وهكذا يطمئن الحق سبحانه وتعالى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بأنه يحيط بالناس جميعا، ويعلم كل حركاتهم ظاهرة أو خفية من ~~جنس ظاهر أو من جنس خفي، وباطمئنان رسول الله تشيع الطمأنينة في نفوس ~~المؤمنين. وهذا من قيوميته تعالى في الكون، وبهذه القيومية نرد على ~~الفلاسفة الذين قالوا بأن الخالق سبحانه زاول سلطانه في الكون مرة واحدة، ~~فخلق النواميس، وهي التي تعمل في الكون، وهي التي تسيره. والرد على هذه ~~المقولة بسيط، فلو كانت النواميس هي التي تسير في الكون ما رأينا في ~~الكون شذوذا عن الناموس العام لأن الأمر الميكانيكي لا يحدث خروجا عن ~~القاعدة، إذن: فحدوث الشذوذ دليل القدرة التي تتحكم وتستطيع أن تخرق ~~الناموس. ومثال ذلك: النار التي أشعلوها لحرق نبي الله وخليله إبراهيم - ~~عليه السلام - فهل كان حظ الإيمان أو الإسلام في أن ينجو إبراهيم من ~~النار؟ لا.. لم يكن الهدف نجاة إبراهيم عليه السلام، وإلا لما مكنهم ~~الله من الإمساك به، أو سخر سحابة تطفئ النار، ولكن أراد سبحانه أن يظهر ~~لهم آية من آياته في خرق الناموس، فمكنهم من إشعال النار ومكنهم من ~~إبراهيم حتى ألقوه في النار، ورأوه في وسطها، ولم يعد لهم حجة، ~~وهنا تدخلت القدرة الإلهية لتسلب النار خاصية الإحراق: # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. إذن: فالناموس ليس مخلوقا ليعمل مطلقا، وما حدث ليس ~~طلاقة ناموس، بل طلاقة قدرة للخالق سبحانه وتعالى. فكأن الحق سبحانه يريد ~~أن يسلي رسوله ويؤنسه بمدد الله له دائما، ولا يفزعه أن يقوم ~~قومه بمصادمته واضطهاده، ويريد كذلك أن يطمئن المؤمنين ويبشرهم ~~بأنهم على الحق. # وقوله تعالى: { أحاط بالناس.. } [الإسراء: 60]. الإحاطة تقتضي ~~العلم بهم والقدرة عليهم، فلن يفلتوا من علم الله ولا من قدرته، ولا ~~بد من العلم مع القدرة لأنك قد ms5931 تعلم شيئا ضارا ولكنك لا تقدر على ~~دفعه، فالعلم وحده لا يكفي، بل لا بد له من قدرة على التنفيذ، إذن: ~~فإحاطته سبحانه بالناس تعني أنه سبحانه يعلمهم ويقدر على تنفيذ أمره ~~فيهم. كلمة الناس تطلق إطلاقات متعددة، فقد يراد بها الخلق جميعا من ~~آدم إلى قيام الساعة، كما في قول الحق تبارك وتعالى: # قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * ~~من شر الوسواس الخناس * الذى يوسوس في صدور ~~الناس * من الجنة والناس # [الناس: 1-6]. وقد يراد بها بعض الخلق دون بعض، كما في قوله تعالى: # أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله.. # [النساء: 54]. فالمراد بالناس هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ~~عنه كفار مكة: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. وكما في قوله تعالى: # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم.. # [آل عمران: 173] فهؤلاء غير هؤلاء. وقد وقف العلماء عند كلمة الناس في ~~الآية: { إن ربك أحاط بالناس.. } [الإسراء: 60] وقصروها ~~على الكافرين الذين يقفون من رسول الله موقف العداء، لكن لا مانع أن نأخذ ~~هذه الكلمة على عمومها، فيراد بها أحاط بالمؤمنين، وعلى رأسهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأحاط بالكافرين وعلى رأسهم صناديد الكفر في ~~مكة. لذلك فالإحاطة هنا ليست واحدة، فلكل منهما إحاطة تناسبه، فإن كنت ~~تريد الإحاطة بالمؤمنين وعلى رأسهم رسول الله فهي إحاطة عناية وحماية حتى ~~لا ينالهم أذى، وإن أردت بها الكافرين فهي إحاطة حصار لا يفلتون منه ~~ولا ينفكون عنه، وهذه الإحاطة لها نظير، وهذه لها نظير. فنظير الإحاطة ~~بالكافرين قوله تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم ~~الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم.. # [يونس: 22]. أي: حوصروا وضيق عليهم فلا يجدون منفذا. ونظير ~~الإحاطة بالمؤمنين وعلى رأسهم رسول الله قوله تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون # [الصافات: 171-172]. فالحق سبحانه محيط بالمؤمنين وبرسوله صلى ms5932 الله عليه ~~وسلم إحاطة عناية، وكأنه يقول له: امض إلى شأنك وإلى مهمتك، ولن يضيرك ~~ما يدبرون. لذلك كان المؤمنون في أوج فترات الاضطهاد والقسوة من ~~الكفار في وقت كل المؤمنون غير قادرين حتى على حماية أنفسهم ينزل قول ~~الحق تبارك وتعالى: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. حتى أن عمر - رضي الله عنه - الذي جاء القرآن على وفق ~~رأيه يقول: أي جمع هذا؟! ويتعجب، كيف سنهزم هؤلاء ونحن غير قادرين على ~~حماية أنفسنا وهذه تسلية لرسول الله وتبشير للمؤمنين، فمهما نالوكم ~~بالاضطهاد والأذى فإن الله ناصركم عليهم. # وكما قال في آية أخرى: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. فاذكر جيدا يا محمد حين تنزل بك الأحداث، ويظن أعداؤك ~~أنهم أحاطوا بك، وأنهم قادرون عليك، اذكر أن الله أحاط بالناس، فأنت في ~~عناية فلن يصيبك شر من الخارج، وهم في حصار لن يفلتوا منه. ثم يقول ~~تعالى: { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة ~~للناس.. } [الإسراء: 60]. كلمة { الرؤيا } مصدر للفعل رأى، وكذلك ~~رؤية مصدر للفعل رأى، فإن أردت الرؤيا المنامية تقول: رأيت رؤيا، ~~وإن أردت رأي البصرية تقول: رأيت رؤية. ومن ذلك قول يوسف عليه السلام ~~في المنام الذي رآه: # وقال يأبت هذا تأويل رؤياي من قبل.. # [يوسف: 100]. ولم يقل رؤيتي. إذن: فالفعل واحد، والمصدر مختلف. وقد ~~اختلف العلماء: ما هي الرؤيا التي جعلها الله فتنة للناس؟ جمهرة العلماء ~~على أنها الرؤيا التي ثبتت في أول السورة: # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا.. # [الإسراء: 1] أي: حادثة الإسراء والمعراج. وبعضهم رأى أنها الرؤيا ~~التي قال الله فيها: # لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق لتدخلن ~~المسجد الحرام إن شآء الله آمنين محلقين ~~رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم ~~تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا # [الفتح: 27]. فقد وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم سيدخلون ~~المسجد الحرام في هذا العام، ولكن منعوا من الدخول عند الحديبية، فكانت ~~فتنة بين المسلمين وتعجبوا أن يعدهم رسول الله وعدا ولا ms5933 ينجزه لهم. ~~ثم بين الحق - تبارك وتعالى - لهم الحكمة من عدم دخول مكة هذا العام، ~~فأنزل على رسوله وهو في طريق عودته إلى المدينة: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال ~~مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ~~ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما # [الفتح: 25]. إذن: الحق سبحانه منعهم تحقيق هذه الرؤيا في الحديبية ~~لأنهم لو دخلوا مكة محاربين حاملين السلاح، وفيها مؤمنون ومؤمنات لا ~~يعلمهم أحد، وسوف يصيبهم من الأذى وينالهم من هذه الحرب لأنهم لن ~~يميزوا بين مؤمن وكافر، فقد يقتلون مؤمنا فتصيبهم معرة بقتله، ~~ولو أمكن التمييز بين المؤمنين والكفار لدخلوا مكة رغما عن أنوف ~~أهلها. لذلك كان من الطبيعي أن يتشكك الناس فيما حدث بالحديبية، وأن ~~تحدث فتنة تزلزل المسلمين، حتى إن الفاروق ليقول لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: ألسنا على الحق؟ أليسوا هم على الباطل؟ ألست رسول الله؟ ~~فيقول أبو بكر: الزم غرزه يا عمر، إنه رسول الله. # وقد ساهمت السيدة أم سلمة - أم المؤمنين - في حل هذا الإشكال الذي ~~حدث نتيجة هذه الفتنة، فلما اعترض الناس على رسول الله في عودته من ~~الحديبية دخل عليها، فقال: # " يا أم سلمة، هلك المسلمون، أمرتهم فلم يمتثلوا ". # فقالت: يا رسول الله إنهم مكروبون، جاءوا على شوق للبيت، ثم منعوا ~~وهم على مقربة منه، ولا شك أن هذا يشق عليهم، فامض يا رسول الله ~~لما أمرك الله، فإذا رأوك عازما امتثلوا، ونجح اقتراح السيدة أم سلمة في ~~حل هذه المسألة. وقال بعضهم: إن المراد بالرؤيا التي جعلها الله فتنة ما ~~رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل غزوة بدر، حيث أقسم وقال: # " " والله لكأني انظر إلى مصارع القوم ". وأخذ يومئ إلى الأرض وهو ~~يقول: " هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان ". # وفعلا، جاءت الأحداث موافقة لقوله صلى الله عليه وسلم فقل لي: بالله ~~عليك، ms5934 من الذي يستطيع أن يتحكم في معركة كهذه، الأصل فيها الكر ~~والفر، والحركة والانتقال ليحدد الأماكن التي سيقتل فيها هؤلاء، ~~اللهم إنه رسول الله. لكن أهل التحقيق من العلماء قالوا: إن هذه الأحداث ~~سواء ما كان في الحديبية، أو ما كان من أمر الرسول يوم بدر، هذه أحداث ~~حدثت في المدينة، والآية المرادة مكية، مما يجعلنا نستبعد هذين القولين ~~ويؤكد أن القول الأول - وهو الإسراء والمعراج - هو الصواب. وقد يقول ~~قائل: وهل كان الإسراء والمعراج رؤيا منامية؟ إنه كان رؤية بصرية، فما ~~سر عدول الآية عن الرؤية البصرية إلى الرؤيا المنامية؟ وكيف يعطي الحق ~~سبحانه وتعالى للكفار والمشككين فرصة لأن يقول: إن الإسراء والمعراج كان ~~مناما؟ نقول: ومن قال إن كلمة رؤيا مقصورة على المنامية؟ إنها في لغة ~~العرب تطلق على المنامية وعلى البصرية، بدليل قول شاعرهم الذي فرح بصيد ~~ثمين عن له: # فكبر للرؤيا وهاش فؤاده # وبشر نفسا كان قبل يلومها # أي: قال الله أكبر حينما رأى الصيد الثمين يقترب منه، فعبر بالرؤيا عن ~~الرؤية البصرية. لكن الحق سبحانه اختار كلمة رؤيا ليدل على أنها شيء ~~عجيب وغريب كما نقول مثلا: هذا شيء لا يحدث إلا في المنام. وهذا من ~~دقة الأداء القرآني، فالذي يتكلم رب، فاختار الرؤيا لأنها معجزة ~~الإسراء وذهاب النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس في ليلة. ~~فوجه الإعجاز هنا ليس في حدث الذهاب إلى بيت المقدس لأن كثيرا من ~~كفار مكة قد ذهب إليها في رحلات التجارة أو غيرها، بل وجه الإعجاز في ~~الزمن الذي اختصر لرسول الله، فذهب وعاد في ليلة واحدة، بدليل أنهم ~~سألوا رسول الله " صف لنا بيت المقدس ". # ولو كانوا يشكون في الحدث ما سألوا هذا السؤال، إذن: فاعتراضهم على ~~وقت هذه الرحلة التي كانوا يضربون إليها أكباد الإبل شهرا، ويخبر محمد ~~أنه أتاها في ليلة واحدة، ولأن الإسراء حدث في هذا الزمن الضيق المختصر ~~ناسب أن يطلق عليه رؤيا، لأن الرؤيا المنامية لا زمن لها، ويختصر ms5935 فيها ~~الزمن كذلك. ولقد توصل العلماء الباحثون في مسألة وعي الإنسان أثناء ~~نومه، وعن طريق الأجهزة الحديثة إلى أن قالوا: إن الذهن الإنساني لا ~~يعمل أثناء النوم أكثر من سبع ثوان، وهذه هي المدة التي يستغرقها ~~المنام. في حين إذا أردت أن تحكي ما رأيت فسيأخذ منكم وقتا طويلا. ~~فأين الزمن - إذن - في الرؤيا المنامية؟ لا وجود له لأن وسائل الإدراك في ~~الإنسان والتي تشعره بالوقت نائمة فلا يشعر بوقت، حتى إذا جاءت الرؤيا ~~مرت سريعة حيث لا يوجد في الذهن غيرها. لذلك من يمشي على عجل لا ~~يستغرق زمنا، كما نقول: فلان يفهمها وهي طايرة وهذا يدل على السرعة في ~~الفعل لأنه يركز كل إدراكاته لشيء واحد. ومن ناحية أخرى، لو أن الإسراء ~~والمعراج رؤيا منامية، أكانت توجد فتنة بين الناس؟ وهب أن قائلا قال ~~لنا: رأيت الليلة أنني ذهبت من القاهرة إلى نيويورك، ثم إلى هاواي، ثم ~~إلى اليابان، أنكذبه؟! إذن: قول الله تعالى عن هذه الرؤيا أنها فتنة ~~للناس عدلت المعنى من الرؤيا المنامية إلى الرؤية البصرية، وكأن ~~الحق سبحانه اختار هذه الكلمة ليجعل من الكافرين بمحمد دليلا على صدقه، ~~فيقولون: نحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا وأنت تدعي أنك أتيتها في ~~ليلة؟ فلو كانت هذه الحادثة مناما ما قالوا هذا الكلام. لكن، ما الحكمة ~~من فتنة الناس واختبارهم بمثل هذا الحدث؟ الحكمة تمحيص الناس وصهرهم في ~~بوتقة الإيمان لنميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من الكافر، فلا يبقى في ~~ساحتنا إلا صادق الإيمان قوي العقيدة، لأن الله تعالى لا يريد أن يسلم ~~منهجه الذي سيحكم حركة الحياة في الدنيا إلى أن تقوم الساعة، إلا إلى قوم ~~موثوق في إيمانهم ليكونوا أهلا لحمل هذه الرسالة. فكان الإسراء هو هذه ~~البوتقة التي ميزت بين أصالة الصديق حينما أخبروه أن صاحبك ~~يحدثنا أنه أتى بيت المقدس، وأنه عرج به إلى السماء وعاد من ليلته، ~~فقال: " إن كان قال فقد صدق " هكذا من أقرب طريق، فميزان الصدق عنده ~~مجرد أن يقول ms5936 رسول الله. وكذلك ميزت الزبد الذي زلزلته الحادثة ~~وبلبلته، فعارض وكذب. ثم يقول تعالى: { والشجرة الملعونة في ~~القرآن.. } [الإسراء: 60]. أي: وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن ~~إلا فتنة للناس أيضا، وإن كانت الفتنة في الإسراء كامنة في زمن ~~حدوثه، فهي في الشجرة كامنة في أنها تخرج في أصل الجحيم، في قعر جهنم، ~~ومعلوم أن الشجرة نبات لا يعيش إلا بالماء والري، فكيف تكون الشجرة في ~~جهنم؟ ومن هنا كانت الشجرة فتنة تمحص إيمان الناس لذلك لما سمع أبو ~~جهل هذه الآية جعلها مشكلة، وخرج على الناس يقول: اسمعوا ما يحدثكم به ~~قرآن محمد، يقول: إن في الجحيم شجرة تسمى " شجرة الزقوم " ، فكيف يستقيم ~~هذا القول، والنار تحرق كل شيء حتى الحجارة؟ وهذا الاعتراض مقبول عقلا، ~~لكن المؤمن لا يستقبل آيات الله استقبالا عقليا، وإنما يعمل حسابا ~~لقدرته تعالى لأن الأشياء لا تأخذ قوامها بعنصر تكوينها، وإنما تأخذه ~~بقانون المعنصر نفسه، فالخالق سبحانه يقول للشجرة: كوني في أصل الجحيم، ~~فتكون في أصل الجحيم بطلاقة القدرة الإلهية التي قالت للنار: كوني ~~بردا وسلاما على إبراهيم. # وقد قال ابن الزبعري حينما سمع قوله تعالى: # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم * إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين * إنها شجرة تخرج ~~في أصل الجحيم # [الصافات: 62-64]. فقال: والله ما عرفنا الزقوم إلا الزبد على التمر، ~~فقوموا تزقموا معي، أي: استهزاء بكلام الله، وتكذيبا لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم. أما المؤمن فيستقبل هذه الآيات استقبال الإيمان والتسليم ~~بصدق كلام الله، وبصدق المبلغ عن الله، ويعلم أن الأشياء لا تأخذ ~~صلاحيتها بعنصر تكوينها، وإنما بإرادة المعنصر أن يكون لأن المسألة ~~ليست ميكانيكا، وليست نواميس تعمل وتدير الكون، بل هي قدرة الخالق سبحانه ~~وطلاقة هذه القدرة. ولسائل أن يقول: كيف يقول الحق سبحانه عن هذه الشجرة ~~أنها ملعونة؟ ما ذنب الشجرة حتى تلعن، وهي آية ومعجزة لله تعالى، وهي ~~دليل على اقتداره سبحانه، وعلى أن النواميس لا تحكم الكون، بل رب ~~النواميس سبحانه هو الذي يحكم ويغير طبائع الأشياء؟ كيف ms5937 تلعن، وهي ~~الطعام الذي سيأكله الكافر ويتعذب به؟ إنها أداة من أدوات العقاب، ووسيلة ~~من وسائل التعذيب لأعداء الله. نقول: المراد هنا: الشجرة الملعون آكلها، ~~لأنه لا يأكل منها إلا الأثيم، كما قال تعالى: # إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم # [الدخان: 43-44] والأثيم لا شك معلون. لكن، لماذا لم يجعل المعلونية ~~للآكل وجعلها للشجرة؟ قالوا: لأن العربي درج على أن كل شيء ضار ملعون، ~~أي: مبعد من رحمة الله، فكأن الكافر حينما يرى هذه الشجرة هو الذي ~~يلعنها، فهي ملعونة من آكلها. وقد أكل منها لأنه ملعون، إذن: نستطيع ~~القول إنها ملعونة، وملعون آكلها. ومن الإشكالات التي أثارتها هذه الآية ~~في العصر الحديث قول المستشرقين الذين يريدون أن يتوركوا على القرآن، ~~ويعترضوا على أساليبه، مثل قوله تعالى عن شجرة الزقوم: # طلعها كأنه رءوس الشياطين # [الصافات: 65]. # ووجه اعتراضهم أن التشبيه إنما يأتي عادة ليوضح أمرا مجهولا من ~~مخاطب بأمر معلوم له، أما في الآية فالمشبه مجهول لنا لأنه غيب لا ~~نعلم عنه شيئا، وكذلك المشبه به لم نره، ولم يعرف أحد منا رأس ~~الشيطان، فكيف يشبه مجهولا بمجهول؟ لأننا لم نر شجرة الزقوم لنعرف ~~طلعها، ولم نر الشيطان لنعرف رأسه. ثم يقولون: الذي جعل المسلمين ~~يمرون على هذه الآية أنهم يعطون للقرآن قداسة، هذه القداسة تربى ~~فيهم التهيب أن يقبلوا على القرآن بعقولهم ليفتشوا فيه، ولو أنهم ~~تخلصوا من هذه المسألة وبدأوا البحث في أسلوب القرآن دون تهيب ~~لاستطاعوا الخروج منه بمعطيات جديدة. وللرد على قول المستشرقين ~~السابق نقول لهم: لقد تعلمتم العربية صناعة، وليس عندكم الملكة العربية ~~أو التذوق الكافي لفهم كتاب الله وتفسير أساليبه، وفرق بين اللغة ~~كملكة واللغة كصناعة فقط. الملكة اللغوية تفاعل واختمار للغة في ~~الوجدان، فساعة أن يسمع التعبير العربي يفهم المقصود منه، أما اللغة ~~المكتسبة - خاصة على كبر - فهي مجرد دراسة لإمكان التخاطب، فلو أن ~~عندكم هذه الملكة لما حدث منكم هذا الاعتراض، ولعلمتم أن العربي قبل نزول ~~القرآن قال: # يغط غطيط البكر شد خناقه # ليقتلني ms5938 والمرء ليس بقتال # أيقتلني والمشرفي مضاجعي # ومسنونة زرق كأنياب أغوال # فهل رأيتم الغول؟ وهل له وجود أصلا؟ لكن الشاعر العربي استساغ أن ~~يشبه سلاحه المسنون بأنياب الغول لأن الغول يتصوره الناس في صورة ~~بشعة مخيفة، فهذا التصور والتخيل للغول أجاز أن نشبه به. وكذلك ~~الشيطان، وإن لم يره أحد أن الناس تتخيله في صورة بشعة وقبيحة ~~ومخيفة، فلو كلفنا جميع رسامي الكاريكاتير في العالم برسم صورة ~~متخيلة للشيطان لرسم كل واحد منهم صورة تختلف عن الآخر لأن كلا منهم ~~سيتصوره بصورة خاصة حسب تصوره للشيطان وجهة البشاعة فيه. فلو أن الحق ~~سبحانه شبه طلع شجرة الزقوم بشيء معلوم لنا لتصورناه على وجه واحد، ~~لكن الحق تبارك وتعالى أراد أن يشيع بشاعته، وأن تذهب النفس في ~~تصور بشاعته كل مذهب، وهكذا يؤدي هذا التشبيه في الآية ما لا يؤديه ~~غيره، ويحدث من الأثر المطلوب ما لا يحدثه تعبير آخر، فهو إبهام يكشف ~~ويجلي. ثم يقول تعالى: { ونخوفهم فما يزيدهم إلا ~~طغيانا كبيرا } [الإسراء: 60]. أي: نخوفهم بأن يتعرضوا ~~للعقوبات التي تعرض لها المكذبون للرسل، فالرسل نهايتهم النصر، ~~والكافرون بهم نهايتهم الخذلان. وأنت حينما تخوف إنسانا أو تحذره ~~من شر سيقع له، فقد أحسنت إليه وأسديت إليه جميلا ومعروفا، كالولد ~~الذي يخوف ابنه عاقبة الإهمال، ويذكره بالفشل واحتقار الناس له، إنه ~~بذلك ينصحه ليلتفت إلى دروسه ويجتهد. فقوله تعالى: { ونخوفهم.. } ~~[الإسراء: 60] التخويف هنا نعمة من الله عليهم، لأنه يبشع لهم الأمر ~~حتى لا يقعوا فيه، وسبق أن ذكرنا أن التخويف قد يكون نعمة في قوله تعالى، ~~في سورة الرحمن: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36]. فجعل النار والشواظ هنا نعمة لأنها إعلام بشيء ~~سيحدث في المستقبل، وسيكون عاقبة عمل يجب أن يحذروه الآن. وقوله تعالى: { ~~فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } [الإسراء: 60]. أي: ~~يزدادون بالتخويف طغيانا، لماذا؟ لأنهم يفهمون جيدا مطلوبات الإيمان، ~~وإلا لو جهلوا هذه المطلوبات لقالوا: لا إله إلا الله وآمنوا وانتهت ~~القضية، لكنهم ms5939 يعلمون تماما أن كلمة لا إله إلا الله تعني: لا سيادة ~~إلا لهذه الكلمة، ومحمد رسول الله لا بلاغ ولا تشريع إلا منه، ومن هنا ~~خافوا على سيادتهم في الجزيرة العربية وعلى مكانتهم بين الناس، كيف ~~والإسلام يسوي بين السادة والعبيد؟! إذن: كلما خوفتهم وذكرتهم ~~بالله ازدادوا طغيانا ونفورا من دين الله الذي سيهدم عليهم هذه السلطة ~~الزمنية التي يتمتعون بها، وسيسحب بساط السيادة من تحت أقدامهم لذلك تجد ~~دائما أن السلطة الزمنية لأعداء الرسل، وتأتي الرسل لهدم هذه السلطة، ~~وجعل الناس سواسية. وقد اتضح هدم الإسلام لهذه السلطة الزمنية للكفار ~~عندما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان أهلها يستعدون ~~لتنصيب عبد الله بن أبي ملكا عليهم، فلما جاء رسول الله المدينة ~~انفض الناس عن ابن أبي، وتوجهت الأنظار إليه صلى الله عليه وسلم، ~~وطبيعي - إذن - أن يغضب ابن أبي، وأن يزداد كرهه لرسول الله، وأن ~~يسعى لمحاربته ومناوأته، وأن يحسده على ما نال من حب الناس والتفافهم ~~حوله. ثم أراد الحق سبحانه أن يقول: إن هذه سنة من سنن المعاندين ~~للحق والكائدين للخير دائما، فقال تعالى: { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم... }. ### || [17.61] # أي: تذكروا أن الحسد قديم قدم وجود الإنسان على هذه الأرض، تذكروا ~~ما كان من أمر آدم عليه السلام وإبليس لعنه الله، فهي مسألة قديمة ~~ومستمرة في البشر إلى يوم القيامة. والمعنى: واذكر يا محمد، وليذكر معك ~~قومك إذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. وسبق أن تكلمنا عن السجود، ونشير ~~هنا إلى أن السجود لا يكون إلا لله تعالى، لكن إذا كان الأمر بالسجود ~~لغير الله من الله تعالى، فليس لأحد أن يعترض على هذا السجود لأنه بأمر ~~الله الذي يعلم أن سجودهم لآدم ليس عيبا وليس قدحا في دينهم ~~وعبوديتهم للحق سبحانه وتعالى لأن العبودية طاعة أوامر. والمراد ~~بالملائكة المدبرات أمرا، الذين قال الله فيهم: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله.. # [الرعد: 11]. وقد أمرهم الله بالسجود لآدم لأنه سيكون ms5940 أبا البشر، وسوف ~~يسخر له الكون كله، حتى هؤلاء الملائكة سيكونون في خدمته لذلك أمرهم ~~الله بالسجود له سجود طاعة وخضوع لما أريده منكم، إذن: السجود لآدم ليس ~~خضوعا لآدم، بل خضوعا لأمر الله لهم. وقوله تعالى: { إلا ~~إبليس.. } [الإسراء: 61]. فهم البعض منها أن إبليس كان من الملائكة، ~~ونحن نعذر أصحاب هذا الفهم لو عزلنا هذه الآية عن بقية الآيات التي ~~تحدثت عن هذه القضية، لكن طالما نتكلم في موضوع عام مثل هذا، فيجب ~~استحضار جميع الآيات الواردة فيه لتتضح لنا الصورة كاملة. فإذا كان دليل ~~أصحاب هذا القول: الالتزام بأن الله قال: { فسجدوا إلا ~~إبليس.. } [الإسراء: 61] وقد كان الأمر للملائكة فهو منهم، وسوف ~~نسلم لهم جدلا بصحة قولهم، لكن ماذا يقولون في قول الحق سبحانه في ~~القرآن الذي أخذوا منه حجتهم: # فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن ~~أمر ربه.. # [الكهف: 50]. فإن كان دليلكم الالتزام، فدليلنا نص صريح في أنه من ~~الجن، فإن قال قائل: كيف يكون من الجن ويؤاخذ على أنه لم يسجد؟ نقول: ~~إبليس من الجن بالنص الصريح للقرآن الكريم، لكن الحق سبحانه وتعالى ~~آخذه على عدم السجود لآدم واعتبره من الملائكة لأنه كان مطيعا عن ~~اختيار، والملائكة مطيعون عن جبلة وعن طبيعة. فبذلك كانت منزلة إبليس ~~أعلى من منزلة الملائكة، لأنه مختار أن يطيع أو أن يعصي، لكنه أطاع مع ~~قدرته على العصيان فأصبح جليس الملائكة، بل طاووس الملائكة الذي يزهو ~~عليهم ويتباهى بأنه صالح للاختيار في العصيان، ومع ذلك ألزم نفسه منهج ~~الله. فإذا أصبح في منزلة أعلى من الملائكة وأصبح في حضرتهم، فإن الأمر ~~إذا توجه إلى الأدنى في الطاعة فإن الأعلى أولى بهذا الأمر، وكذلك ~~إن اعتبرناه أقل منهم منزلة، وجاء الأمر للملائكة بالسجود فإن الأمر ~~للأعلى أمر كذلك للأدنى، وهكذا إن كان أعلى فعليه أن يسجد، وإن كان ~~أدنى فعليه أن يسجد. # وقد ضربنا لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - إذا دخل رئيس الجمهورية على ~~الوزراء فإنهم يقومون له إجلالا واحتراما، وهب ms5941 أن معهم وكلاء وزارات ~~فإنهم سوف يقومون أيضا لأنهم ارتفعوا إلى مكان وجودهم. ومن الإشكالات ~~التي أثارها المستشرقون حول هذا الموضوع اعتراضهم على قول القرآن عن ~~إبليس مرة { أبى } ومرة أخرى { استكبر } ومرة { أبى ~~واستكبر } ، وكذلك قوله مرة: # ما منعك أن تسجد.. # [ص: 75] ومرة أخرى يقول: # ما منعك ألا تسجد.. # [الأعراف: 12]. وقد سبق أن تحدثنا عن قصور هؤلاء عن فهم أساليب ~~العربية لأنها ليست لديهم ملكة، والمتأمل في هذه الأساليب يجدها ~~منسجمة يكمل بعضها بعضا. فالإباء قد يكون مجرد امتناع لا عن استكبار، ~~فالحق سبحانه يريد أن يقول: إنه أبى استكبارا، فتنوع الأسلوب القرآني ~~ليعطينا هذا المعنى. أما قوله تعالى: # ما منعك أن تسجد.. # [ص: 75] و # ما منعك ألا تسجد.. # [الأعراف: 12]. صحيح أن في الأولى إثباتا وفي الأخرى نفيا، والنظرة ~~العجلى تقول: إن ثمة تعارضا بين الآيتين، مما حمل العلماء على القول ~~بأن لا في الآية الثانية زائدة، فالأصل # ما منعك أن تسجد.. # [ص: 75]. والقول بوجود حروف زائدة في كتاب الله قول لا يليق، وننزه ~~المتكلم سبحانه أن يكون في كلامه زيادة، والمتأدب منهم يقول لا حرف ~~وصل، كأنه يستنكف أن يقول: زائدة. والحقيقة أن لا هنا ليست زائدة، ~~وليست للوصل، بل هي تأسيس يضيف معنى جديدا، لأن # ما منعك أن تسجد.. # [ص: 75]. كأنه هم أن يسجد، فجاءه من يمنعه عن السجود، لأنه لا يقال: ~~ما منع من كذا إلا إذا كان لديك استعداد للفعل، وإلا من أي شيء سيمنعك؟ ~~أما و # ما منعك ألا تسجد.. # [الأعراف: 12] تعني: ما منعك بإقناعك بأنك لا تسجد، فالمعنيان مختلفان، ~~ونحن في حاجة إليهما معا. ثم يقول تعالى: { أأسجد لمن خلقت ~~طينا.. } [الإسراء: 61]. والهمزة للاستفهام الذي يحمل معنى الاعتراض أو ~~الاستنكار، وقد فسرت هذه الآية بآيات أخرى، مثل قوله تعالى: # أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف: 12]. فالمخلوقية لله متفق عليها، إنما الاختلاف في عنصر ~~المخلوقية هذا من نار وهذا من طين، لكن من قال لك يا إبليس: إن النار فوق ms5942 ~~الطين، أو خير منه؟ من أين أتيت بهذه المقولة وكلاهما مخلوق لله، وله ~~مهمة في الكون؟ وهل نستطيع أن نقول: إن العين خير من الأذن مثلا؟ أم أن ~~لكل منهما مهمتها التي لا تؤديها الأخرى؟ وسبق أن قلنا مثلا: إنك ~~تفضل الحديد إن كان مستقيما، أما إن أردت خطافا فالاعوجاج خير من ~~الاستقامة، أو: أن اعوجاجه هو عين الاستقامة فيه، فكل شيء في الوجود ~~مخلوق لغاية ولمهمة، ولا يكون جميلا ولا يكون خيرا إلا إذا أدى مهمته ~~في الحياة، فمن أين جاء إبليس بخيرية النار على الطين؟ والنار الأصل فيها ~~الخشب الذي توقد به، والخشب من الطين، إذن: فالطين قبل النار وأفضل منه، ~~فقياس إبليس إذن قياس خاطئ. # ومعنى: { خلقت طينا } [الإسراء: 61] يعني: خلقته حال كونه من ~~الطين، أو خلقته من طين، والخلق من الطين مرحلة من مراحل الخلق لأن ~~الخلق المباشر له مراحل سبقته. فقوله تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي.. # [الحجر: 29] سبقته مراحل متعددة، قال عنها الخالق سبحانه مرة: من ~~الماء. ومرة: من التراب. ومرة: من طين. والماء إذا خلط بالتراب صار ~~طينا، وبمرور الوقت يسود هذا الطين، وتتغير رائحته، فيتحول إلى حمأ ~~مسنون. وما أشبه الحمأ المسنون بما يفعله أهل الريف في صناعة الطوب، حيث ~~يخلطون الماء بالتراب بالقش، ويتركونه فترة حتى يختمر ويأكل بعضه ~~بعضا، وتتغير رائحته ويعطن، ثم يصبونه في قوالب. فإذا ما ترك الطين ~~حتى يجف، ويتحول إلى الصلابة يصير صلصالا كالفخار، يعني يحدث ~~رنة إذا طرقت عليه. وبعد كل هذه المراحل يقول تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر: 29]. إذن: لا وجه للاعتراض على القرآن في قوله عن خلق الإنسان ~~مرة أنه: من: ماء، أو من تراب، أو طين، أو حمأ مسنون، فهذه كلها مراحل ~~للمكون الواحد. ثم يقول الحق سبحانه: { قال أرأيتك هذا ~~الذي كرمت علي... }. ### || [17.62] # { قال } أي: إبليس { أرأيتك } الهمزة للاستفهام، والتاء للخطاب، ~~وكذلك الكاف، وجمع بينهما في الخطاب للتأكيد، كما تقول: أنت أنت تفعل ms5943 ~~ذلك. والمعنى: أخبرني، لأن رأي البصرية تطلق في القرآن على معنى العلم ~~لأن علم العين علم مؤكد لا شك فيه. لذلك قالوا: ليس مع العين أين ~~فما تراه أمامك عيانا، وإن كان للعلم وسائل كثيرة فأقواها الرؤية لأنها ~~تعطي علما مؤكدا على خلاف الأذن مثلا، فقد تسمع بها كلاما تعرف بعد ~~ذلك أنه كذب. وقد ورد هذا المعنى في قول الحق سبحانه: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. واستخدم الفعل ترى، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~في عام الفيل وليدا لم ير شيئا، فالمعنى: ألم تعلم، ولكن الحق سبحانه ~~عدل عن " تعلم " إلى " تر " كأنه يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: إذا ~~أخبرك الله بمعلوم، فاجعل إخبار الله لك فوق رؤيتك بعينك. فقوله تعالى: { ~~أرأيتك هذا الذي كرمت علي.. } [الإسراء: 62] أي: ~~أعلمني، لماذا فضلته علي، وكأن تفضيل آدم على إبليس مسألة تحتاج إلى ~~برهان وتبرير، وكان على إبليس أن ينتظر إجابة هذا السؤال الذي توجه به ~~لربه عز وجل، ولكنه تعجل وحمله الغيظ والحسد على أن يقول: { لئن ~~أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته ~~إلا قليلا } [الإسراء: 62]. وهذا لأن حقده وعداوته لآدم مسبقة ~~فلم ينتظر الجواب. ومعنى: { أخرتن } أخرت أجلي عن موعده، كأنه ~~يعلم أن الله يجعل لكل نفس منفوسة من إنس أو جن أجلا معلوما، فطلب ~~أن يؤخره الله عن أجله، وهذه مبالغة منه في اللدد والعناد، فلم ~~يتوعدهم ويهددهم مدة حياته هو، بل إلى يوم القيامة، فإن كانت البداية ~~مع آدم فلن ينجو ولن تنجو ذريته أيضا. فالعداوة بين إبليس وآدم، فما ذنب ~~ذريته من بعده؟ لقد كان عليه أن يقصر هذا الحقد، وهذه العداوة على آدم، ~~ثم يوصي ذريته بحمل هذا العداء من بعده، إنه الغيظ الدفين الذي يملأ ~~قلبه. وقد أمهله الحق سبحانه بقوله: # إنك من المنظرين # [الأعراف: 15]. ومعنى: { لأحتنكن ذريته.. } [الإسراء: 62] ~~اللام للقسم، كما أقسم في آية أخرى: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82]. وعجيب أمر إبليس، يقسم بالله وهو يعلم ms5944 أن العمر والأجل بيده ~~سبحانه، فيسأله أن يؤخره، ومع ذلك لا يطيع أمره. والاحتناك: يرد ~~بمعنيين: الأول: الاستئصال. ومنه قولهم: احتنك الجراد الزرع. أي: أتى ~~عليه كله واستأصله، والآخر: بمعنى القهر على التصرف، مأخوذ من اللجام ~~الذي يوضع في حنك الفرس، ويسمونه الحنكة وبها تستطيع أن توجه الفرس ~~يمينا أو يسارا أو توقفه، فهي أداة التحكم فيه، والسيطرة عليه ~~قهرا. # فالاحتناك قد يكون استئصالا للذات، وقد يكون قهرا لحركتها. وقوله ~~سبحانه: { إلا قليلا } [الإسراء: 62] فيها دليل على علم إبليس ~~ومعرفته بقدرة الله تعالى، فعرف كيف يقسم به حين قال: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] والمعنى: بعزتك عن خلقك: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29]. سأدخل من هذا الباب، أما عبادك الذين هديتهم واصطفيتهم فلا ~~دخل لي بهم، وليس لي عليهم سلطان، لقد تذكر قدرة الله، وأن الله إذا ~~أراد إخلاص عبده لنفسه لا يستطيع الشيطان أن يأخذه، فقال: # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83]. فقوله: { إلا قليلا } [الإسراء: 62] هذا القليل المستثنى ~~هم المؤمنون الذين اختارهم الله وهداهم، ولم يجعل للشيطان عليهم سبيلا. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { قال اذهب فمن تبعك منهم ~~فإن... }. ### || [17.63] # قوله تعالى { اذهب } أمر يحمل معنى الطرد والإبعاد. { فمن تبعك ~~منهم فإن جهنم جزآؤكم.. } [الإسراء: 63] أي: الذين ~~اتبعوك وساروا في ركابك فجزاؤهم جهنم. ونلاحظ أن الحق سبحانه قال: { ~~جزآؤكم }. ولم يقل جزاؤهم لأنه معهم وداخل في حكمهم، وهو سبب ~~غوايتهم وضلالهم، وكذلك هو المخاطب في الآية الكريمة، وحتى لا يظن إبليس ~~أن الجزاء مقصور على العاصين من ذرية آدم، أو يحتج بأنه ينفذ أوامر ~~الله الواردة في قوله تعالى: # واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب ~~عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال ~~والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا # [الإسراء: 64]. فليست هذه أوامر يراد تنفيذها لأن هناك فرقا بين الأمر ~~الذي يراد منه تنفيذ الفعل، والأمر الذي لا يراد منه التنفيذ. فالأول ~~طلب أعلى من أدنى لكي يفعل: اكتب، اجلس. لكن إذا اتجه الأمر إلى غير ~~مطلوب عادة من ms5945 العقلاء ينصرف عن الأمر إلى معنى آخر. وهذا كما تقول ~~لولدك مرارا: ذاكر دروسك واجتهد، وإذا به لا يهتم ولا يستجيب فتقول له: ~~العب كما تشاء، فهل تقصد ظاهر هذا الأمر؟! وهل لو أخفق الولد في الامتحان ~~سيأتي ليقول لك: يا والدي لقد قلت لي العب؟! إن الأمر هنا لا يؤخذ على ~~ظاهره، بل يراد منه التهديد، كما يقولون في المثل أعلى ما في خيلك ~~اركبه. وقوله: { جزاء موفورا } أي: وافيا مكتملا لا نقص فيه، ~~لا من العذاب، ولا من المعذبين. والحق سبحانه يقول مخاطبا إبليس: { ~~واستفزز من استطعت منهم بصوتك... }. ### || [17.64] # فقوله تعالى: { واستفزز من استطعت منهم بصوتك.. } ~~[الإسراء: 64]. هذا كما تستنهض ولدك الذي تكاسل، وتقول له: فز يعني ~~انهض، وقم من الأرض التي تلازمها وكأنها ممسكة بك، وكما في قوله ~~تعالى: # يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا ~~في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض.. # [التوبة: 38]. فتقول للمتثاقل عن القيام: فز أي: قم وخف للحركة ~~والقيام بإذعان. فالمعنى: استفزز من استطعت واستخفهم واخدعهم { ~~بصوتك } بوسوستك أو بصوتك الشرير، سواء أكان هذا الصوت من جنودك من ~~الأبالسة أمثالك، أو من جنودك من شياطين الإنس، الذين يعاونونك ~~ويساندونك. ثم يقول تعالى: { وأجلب عليهم بخيلك ~~ورجلك.. } [الإسراء: 64]. أجلب عليه: صاح به، وأجلب على الجواد: ~~صاح به راكبه ليسرع. والجلبة هي: الصوت المزعج الشديد، وما أشبه ~~الجلبة بما نسمعه من صوت جنود الصاعقة مثلا أثناء الهجوم، أو من أبطال ~~الكاراتيه. وهذه الأصوات مقصودة لإرهاب الخصم وإزعاجه، وأيضا لأن هذه ~~الصيحات تأخذ شيئا من انتباه الخصم، فيضعف تدبيره لحركة مضادة، فيسهل ~~عليك التغلب عليه. وقوله تعالى: { بخيلك ورجلك.. } [الإسراء: ~~64]. أي: صوت وصح بهم راكبا الخيل لتفزعهم، والعرب تطلق الخيل ~~وتريد بها الفرسان، كما في الحديث النبوي الشريف: # " يا خيل الله اركبي ". # وما أشبه هذا بما كنا نسميهم: سلاح الفرسان { ورجلك } من قولهم: ~~جاء راجلا. يعني: ماشيا على رجليه ورجل يعني على سبيل الاستمرار، ~~وكأن هذا عمله وديدنه، فهي تدل على الصفة الملازمة، ms5946 تقول: فلان رجل ~~أي: دائما يسير مترجلا. مثل: حاذر وحذر، وهؤلاء يمثلون الآن " ~~سلاح المشاة ". ثم يقول تعالى: { وشاركهم في الأموال.. } ~~[الإسراء: 64]. فكيف يشاركهم أموالهم؟ بأن يزين لهم المال الحرام، ~~فيكتسبوا من الحرام وينفقوا في الحرام والأولاد المفروض في الأولاد ~~طهارة الأنساب، فدور الشيطان أن يفسد على الناس أنسابهم، ويزين ~~لهم الزنا، فيأتون بأولاد من الحرام. أو: يزين لهم تهويد الأولاد، أو ~~تنصيرهم، أو يغريهم بقتل الأولاد مخافة الفقر أو غيره، هذا من مشاركة ~~الشيطان في الأولاد. وقوله تعالى { وعدهم } أي: منيهم بأمانيك ~~الكاذبة، كما قال سبحانه في آية أخرى: # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع ~~عليم # [البقرة: 268]. وقوله: { وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ~~} [الإسراء: 64]. أي: لا يستطيع أن يغر بوعوده إلا صاحب الغرة ~~والغفلة، ومنها الغرور: أي يزين لك الباطل في صورة الحق فيقولون: ~~غره. وأنت لا تستطيع أبدا أن تصور لإنسان الباطل في صورة الحق إلا ~~إذا كان عقله قاصرا غافلا لأنه لو عقل وانتبه لتبين له الحق من ~~الباطل، إنما تأخذه على غرة من فكره، وعلى غفلة من عقله. # لذلك كثيرا ما يخاطبنا الحق سبحانه بقوله: # أفلا تعقلون.. # [القصص: 60] # أفلا تتفكرون # [الأنعام: 50] # أفلا يتدبرون.. # [النساء: 82] وينادينا بقوله: # يأولي الألباب # [الطلاق: 10]. وهذا كله دليل على أهمية العقل، وحث على استعماله في كل ~~أمورنا، فإذا سمعتم شيئا فمرروه على عقولكم أولا، فما معنى أن يطلب ~~الله منا ذلك؟ ولماذا يوقظ فينا دائما ملكة التفكير والتدبر في ~~كل شيء؟ لا شك أن الذي يوقظ فيك آلة الفكر والنقد التمييز، ويدعوك ~~إلى النظر والتدبر واثق من حسن بضاعته، كالتاجر الصدوق الذي يبيع الجيد ~~من القماش مثلا، فيعرض عليك بضاعته في ثقة، ويدعوك إلى فحصها، وقد يشعل ~~النار ليريك جودتها وأصالتها. ولو أراد الحق سبحانه أن يأخذنا هكذا على ~~جهل وعمى ودون تبصر ما دعانا إلى التفكر والتدبر. وهكذا الشيطان لا ~~يمنيك ولا يزين لك إلا إذا صادف منك غفلة، إنما لو كنت متيقظا له ~~ومستصحبا ms5947 للعقل، عارفا بحيله ما استطاع إليك سبيلا، ومن حيله أن ~~يزين الدنيا لأهل الغفلة ويقول لهم: إنها فرصة للمتعة فانتهزها وخذ ~~حظك منها فلن تعيش مرتين، وإياك أن تصدق بالبعث أو الحساب أو الجزاء. ~~وهذه وساوس لا يصدقها إلا من لديه استعداد للعصيان، وينتظر الإشارة ~~مجرد إشارة فيطيع ويقع فريسة لوعود كاذبة، فإن كان يوم القيامة تبرأ ~~إبليس من هؤلاء الحمقى، وقال: # إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22]. إذن: في الآيتين السابقتين خمسة أوامر لإبليس: اذهب، ~~استفزز، وأجلب، وشاركهم، وعدهم. وهذه الأوامر ليست لتنفيذ مضمونها، ~~بل للتهديد ولإظهار عجزه عن الوقوف في وجه الدعوة، أو صد الناس عنها، ~~وكأن الحق سبحانه يقول له: إفعل ما تريد ودبر ما تشاء، فلن توقف دعوة ~~الله لذلك قال بعدها: { إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان... }. ### || [17.65] # سبق أن تحدثنا عن الفرق بين العباد والعبيد، وقلنا كلاما نوجزه في أن ~~العبيد هم المقهورون للسيد في الأمور القسرية القهرية، ومتمردون عليه ~~في الأمور الاختيارية، أما العباد فهم مقهورون في الأمور القسرية ~~القهرية، وتنازلوا أيضا عن مرادهم في الأمور الاختيارية لمراد ربهم، ~~فرضوا أن يكونوا مقهورين لله في جميع أحوالهم. وقد تحدث الحق سبحانه عن ~~عباده وأصفيائه، كما في قوله تعالى: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين ~~يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ~~ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان ~~غراما # [الفرقان: 63-65]. فعباد الله الذين هم أصفياؤه وأحباؤه الذين خرجوا من ~~مرادهم لمراده، وفضلوا أن يكونوا مقهورين لربهم حتى في الاختيار، ~~فاستحقوا هذه الحصانة الإلهية في مواجهة كيد الشيطان ووسوسته وغروره: { ~~إن عبادي ليس لك عليهم سلطان.. } [الإسراء: 65]. ~~وسبق أن تحدثنا عن كيد الشيطان الذي قال الله عنه: # إن كيد الشيطان كان ضعيفا # [النساء: 76] ففي محاجته يوم القيامة أمام ضحاياه الذين أغواهم ~~وأضلهم، سيقول: ms5948 # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي... # [إبراهيم: 22] فليس لي سلطان قهر أحملكم به على المعصية، ولا سلطان ~~حجة وبرهان فأقنعكم بها. ثم يقول تعالى: { وكفى بربك ~~وكيلا } [الإسراء: 65]. الوكيل هو المؤيد، وهو الناصر، تقول: وكلت ~~فلانا. أي: وثقت به ليؤدي لي كل ما أريد، فإن كان في البشر من تثق ~~به، وتأتمنه على مصالحك، فما بالك إن كان وكيلك هو الله عز وجل؟ لا شك ~~إن كان وكيلك الله فهو كافيك ومؤيدك وناصرك، فلا يحوجك لغيره ~~سبحانه. ثم يقول الحق سبحانه: { ربكم الذي يزجي لكم ~~الفلك... }. ### || [17.66] # الرب هو المتولي تربيتك: خلقا من عدم، وإمدادا من عدم، ~~وقيوميته تعالى عطاء ينتظم المؤمن والكافر { يزجي } الإزجاء: ~~الإرسال بهوادة شيئا فشيئا. و { الفلك } هي السفن وتطلق على ~~المفرد وعلى الجمع، وعلى المذكر والمؤنث. ومنها قوله تعالى: # والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس.. # [البقرة: 164]. ومنها قوله تعالى: # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا ~~كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة.. # [يونس: 22]. ثم يقول تعالى: { لتبتغوا من فضله.. } [الإسراء: ~~66]. الابتغاء هو القصد إلى نافع يطلب من البحر كالقوت أو غيره، كما قال ~~تعالى في آية أخرى: # وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما ~~طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها.. # [النحل: 14]. فالبحر مصدر من مصادر الرزق والقوت، ومستودع لثروة ~~عظيمة من فضل الله تعالى لذلك قال بعدها: { إنه كان بكم ~~رحيما } [الإسراء: 66]. والرحمة اتساع مدد الفضل من الله، فالذي ~~أعطاكم البر بما فيه من خيرات أعطاكم البحر أيضا بما فيه من خيرات. ~~والأرض التي نعيش عليها إما بر يسمى يابسة، أو بحر، وإن كانت نسبة ~~اليابس من الأرض الربع أو الخمس، فالباقي بحر شاسع واسع يزخر من ~~خيرات الله بالكثير. وطرق السير في اليابسة كثيرة متعددة، تستطيع أن ~~تمشي أو تركب، وكل وسيلة من وسائل الركوب حسب قدرة الراكب، فهذا ~~يركب حمارا، وهذا يركب سيارة، وتستطيع أن تنتقل فيها من مكان إلى آخر. ~~أما البحر فلا يمكن ms5949 الانتقال فيه إلا أن تحمل على شيء، فمن رحمة الله ~~بنا أن جعل لنا السفن آية من آياته تسير بنا على لجة الماء، ويمسكها ~~بقدرته تعالى فنأمن الغرق. وأول من صنع السفن بوحي من الله نوح عليه ~~السلام، فلم تكن معروفة قبله، بدليل قوله تعالى: # ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه ~~سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر ~~منكم كما تسخرون # [هود: 38]. فلم يكن للناس عهد بالسفن، وكانت سفينة نوح بدائية من ~~ألواح الخشب والحبال، ولولا أن الله تعالى دله على طريقة بنائها، ~~وهداه إلى تنظيمها ما كان له علم بهذه المسألة، فكون الحق سبحانه ~~يهدينا بواسطة نبي من أنبيائه إلى مركب من المراكب التي تيسر لنا ~~الانتفاع بثلاثة أرباع الأرض، لا شك أنها رحمة بالإنسان وتوسيع عليه. ~~وكذلك من رحمته بنا أن يسر لنا تطوير هذا المركب على مر العصور، ~~فبعد أن كان يتحرك على سطح الماء بقوة الهواء باستخدام ما يسمى ~~بالقلع، والذي يتحكم في المركب من خلاله، ويستطيع الربان الماهر تسفيح ~~القلع، يعني توجيهه إلى الناحية التي يريدها. فكان الريح هو الأصل في ~~سير السفن، ثم أتى التقدم العلمي الذي اكتشف البخار والآلات ثم ~~الكهرباء، وبذلك سهل على الإنسان تحريك السفن على سطح الماء بسهولة ~~ويسر، كما تطورت صناعة السفن كذلك على مر العصور، حتى أصبحنا نرى ~~الآن البوارج الكبيرة متعددة الأدوار، والتي تشبه فعلا الجبال، ~~مصداقا لقوله الحق سبحانه وتعالى: # ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام # [الشورى: 32]. يعني: كالجبال، وكأن الحق سبحانه وتعالى يعطينا الدليل ~~على علمه تعالى بما سيصل إليه العالم من تقدم، وما ستصل إليه صناعة ~~السفن من رقي يصل بها إلى أن تكون كالجبال، وإلا ففي زمن نزول القرآن ~~لم يكن هناك بوارج عالية كهذه، إنها لم توجد إلا بعد قانون أرشميدس ~~الذي تبنى على أساسه هذه البوارج. لكن مع كل هذا التقدم في مجال ~~الملاحة البحرية لا نغفل أن القدرة الإلهية هي التي تسير هذه السفن، ~~وتحملها بأمان على ms5950 صفحة الماء، ويجب ألا يغتر الإنسان بما توصل إليه ~~من العلوم، ويظن أنه أصبح مالكا لزمام الأمور في الكون لأن الحق سبحانه ~~يقول: # إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره.. # [الشورى: 33]. والريح هي الأصل في تسيير السفن. فإن قال قائل الآن: إن ~~توقف الريح استخدمنا القوى الأخرى مثل البخار أو الكهرباء. نقول: لقد ~~أخذت الريح على أنه الهواء فقط، إنما لو نظرت إلى كلمة الريح، وماذا ~~تعني لوجدت أن معنى الريح القوة المطلقة أيا كان نوعها، بدليل قول ~~الحق سبحانه وتعالى: # ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.. # [الأنفال: 46] إذن: الريح هو القوة المطلقة. فمعنى: # يسكن الريح.. # [الشورى: 33] يسكن القوة المحركة للسفن أيا كانت هذه القوة: قوة ~~الريح أو البخار أو الكهرباء أو غيرها من القوى، فإن شاء سبحانه ~~تعطلت كل هذه القوى. ثم يقول الحق سبحانه: { وإذا مسكم ~~الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه... }. ### || [17.67] # البحر هو المزنق والضائقة التي لا يستطيع الخلاص منها إن أصابه فيه ~~سوء، فالبر منافذ النجاة فيه متعددة، أما البحر فلا نجاة فيه إلا بعناية ~~الله، يقول تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم ~~الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم ~~دعوا الله مخلصين له الدين.. # [يونس: 22]. وهكذا الإنسان حتى الكافر، إذا ضاقت به الحيل ولم يجد ~~منفذا يلجأ إلى الله المنقذ الحقيقي والمفرج للكرب، والإنسان عادة ~~لا يسلم نفسه ويظل متعلقا بالأمل في النجاة. فقوله تعالى: { وإذا ~~مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه.. } [الإسراء: 67]. أي: أحاط بهم الخطر بالريح العاصف أو الموج ~~العالي، وأحسوا بخطورة الموقف ولا منقذ لهم إلا الله، حتى الكفار في ~~هذا الموقف يصدقون مع أنفسهم، ولا يخدعونها ولا يكذبون عليها، فإن ~~آمنوا بآلهة أخرى وإن عبدوا الأصنام والأوثان، فإنهم في هذا الضيق لا ~~يلجأون إلا إلى الله، ولا يدعون إلا الله لأنهم يعلمون تماما أن آلهتهم ~~لا تسمع ولا تجيب، ولا تملك لهم نفعا ولا ms5951 نجاة. قوله تعالى: { ضل من ~~تدعون.. } [الإسراء: 67] أي: ذهب عن بالكم من اتخذتموهم آلهة، ~~وغابوا عن خاطركم، فلن يقولوا هنا يا هبل لأنهم لن يغشوا أنفسهم، ولن ~~ينساقوا وراء كذبهم في هذا الوقت العصيب. إنهم في هذا الضيق لن يتذكروا ~~آلهتهم، ولن تخطر لهم ببال أبدا لأن مجرد تذكرهم يضعف ثقتهم في الله ~~الذي يملك وحده النجاة، والذي يطلبون منه المعونة. وسبق أن أوضحنا هذه ~~المسألة بقصة حلاق الصحة في الريف الذي يتولى علاج البسطاء، ويدعي العلم ~~والخبرة، فإذا ما مرض ولده فإنه يسرع به إلى الطبيب، لأنه إن خدع الناس ~~فلن يخدع نفسه، وإن كذب عليهم فلن يكذب على نفسه. وكذلك الإنسان لا يبيع ~~نفسه رخيصا، فإن أحاطت به الأخطار لا يلجأ إلا إلى الله لأنه وحده ~~القادر على تفريج الكروب وإغاثة الملهوف، حتى وإن كان كافرا لأنه ~~سبحانه هو الذي أمره أن يلجأ إليه، وأن يدعوه، فقال: # فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا.. # [الأنعام: 43]. فإن دعوه سمع لهم وأجابهم على كفرهم وعنادهم لأنهم ~~عباده وخلقه وصنعته، فما أرحمه سبحانه حتى بمن كفر به! لذلك قال رب ~~العزة في الحديث القدسي: # " قالت الأرض: يا رب إئذن لي أن أخسف بابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، ~~وقالت السماء: يا رب إئذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم فقد طعم خيرك ~~ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب إئذن لي أن أخر على ابن آدم فقد طعم ~~خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب إئذن لي أن أغرق ابن آدم فقد ~~طعم خيرك ومنع شكرك. فقال تعالى: دعوني وما خلقت، لو خلقتموهم ~~لرحمتموهم، فإنهم عبادي، فإن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا ~~فأنا طبيبهم ". # لقد غفر لهم الحق سبحانه أن يعبدوا غيره، وأن يؤذوا النبوة، وأن يقفوا ~~في وجه الدعوة، غفر لهم لأنه رب، وما دام ربا فهو رحيم، فتضرعوا إليه ~~ودعوه، فلما نجاهم إلى البر أعرضوا، وعادوا لما كانوا عليه ~~وتنكروا للجميل والمعروف لذلك يقول تعالى بعدها: { وكان الإنسان ms5952 ~~كفورا } [الإسراء: 67]. وكفور: صيغة مبالغة من الكفر، أي: كثير الكفر ~~للنعمة، وليته كفر بنعمة الخلق فقال: إنه أتى هكذا من فعل الطبيعة، ~~إنما كفر بنعمة ملموسة مشاهدة عاش مأزقها، وقاسى خطرها، ثم إذا نجاه ~~الله أعرض وتمرد، وهذا من طبيعة الإنسان. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل ~~عليكم حاصبا... }. ### || [17.68] # فهؤلاء الذين أعرضوا عن الله بعد إذ نجاهم في البحر أأمنوا مكر ~~الله في البر؟ وهل الخطر في البحر فقط؟ وأليس الله تعالى بقادر على أن ~~ينزل بهم في البر مثل ما أنزل بهم في البحر؟ يقول تعالى: { ~~أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر.. } [الإسراء: 68]. ~~كما قال تعالى في شأن قارون: # فخسفنا به وبداره الأرض.. # [القصص: 81] ولستم ببعيدين عن هذا إن أراده الله لكم، وإن كنا نقول " ~~البر أمان " فهذا فيما بيننا وبين بعضنا، أما إن جاء أمر الله فلن ~~يمنعنا منه مانع. وقوله تعالى: { أو يرسل عليكم حاصبا.. } ~~[الإسراء: 68] أي: ريحا تحمل الحصباء، وترجمكم بها رجما، والحصباء ~~الحصى الصغار، وهي لون من ألوان العذاب الذي لا يدفع ولا يرد لذلك ~~قال بعدها: { ثم لا تجدوا لكم وكيلا } [الإسراء: 68]. أي: ~~لا تجدوا من ينصركم، أو يدافع عنكم. إذن: لا تظنوا أن البر أمان لا خطر ~~فيه.. لا، بل خطري موجود غير بعيد منكم، سواء أكنتم في البحر أو في البر. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة ~~أخرى... }. ### || [17.69] # أي: وإن نجاكم من خطر البحر، فلا مجال للأمن في البر لأنه قادر سبحانه ~~أن يذيقكم بأسه في البر، أو يعيدكم في البحر مرة أخرى، ويوقعكم فيما ~~أوقعكم فيه من كرب في المرة الأولى، فالمعنى: أنجوتم فأمنتم. وقوله ~~تعالى: { فيرسل عليكم قاصفا من الريح.. } [الإسراء: ~~69]. القاصف: هو الذي يقصف بعنف وشدة، ولا يكون إلا في اليابس { ~~فيغرقكم بما كفرتم... } [الإسراء: 69] أي: بسبب كفركم بنعمة ~~الله، وجحودكم لفضله، فقد نجاكم في البحر فأعرضتم وتمردتم، في حين كان ~~عليكم أن تعترفوا لله بالجميل، وتقروا ms5953 له بالفضل. ثم يقول تعالى: { ~~ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا } [الإسراء: 69]. ~~عندنا تابع وتبيع، التابع: هو الذي يتبعك لعمل شيء فيك، أما التبيع: فهو ~~الذي يوالي تتبعك، ويبحث عنك لأخذ ثأره منك. فالمعنى: إن فعلنا بكم ~~هذه الأفعال فلن تجدوا لكم تبيعا يأخذ بثأركم أو ينتقم لكم، إذن: لا ~~أمل لكم في ناصر ينصركم، أو مدافع يحميكم. وكأن الحق سبحانه وتعالى ~~يقول: أنا لا أخاف رد الفعل منكم، والإنسان يحجم عن الفعل مخافة رد ~~الفعل، ويجلس يفكر طويلا: إذا ضربت فلانا فسيأتي أهله ويفعلون بي كذا ~~وكذا، أما الحق سبحانه وتعالى فلا أحد يستطيع ردا على انتقامه أو ~~عذابه. ثم يقول الحق سبحانه: { ولقد كرمنا بني ءادم ~~وحملناهم في البر والبحر... }. ### || [17.70] # وهل هناك تكريم لبني آدم أعظم من أن يعد لهم مقومات حياتهم قبل أن ~~يخلقهم؟ لقد رتب لهم الكون وخلق من أجلهم الأشياء # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا.. # [البقرة: 29]. إذن: فكل ما في الوجود مسخر لكم من قبل أن توجدوا ~~لأن خلق الله تعالى إما خادم وإما مخدوم، وأنت أيها الإنسان مخدوم من ~~كل أجناس الكون حتى من الملائكة، ألم يقل الحق سبحانه: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله.. # [الرعد: 11]. وقال تعالى: # فالمدبرات أمرا # [النازعات: 5]. فالكون كله يدور من أجلك وفي خدمتك، يعطيك عطاء دائما ~~لا ينقطع دون سعي منك، لذلك نقول: كان من الواجب على العقل المجرد أن ~~يقف وقفة تأمل وتفكر ليصل إلى حل للغز الكون، وليهتدي إلى أن له ~~خالقا مبدعا، يكفي أن أنظر إلى آيات الله التي تخدمني، وليس له قدرة ~~عليها، وليست تحت سيطرتي، فالشمس والقمر والنجوم والأرض والهواء والماء ~~والمطر والسحاب كلها تعطيني وتمدني دون قدرة لي عليها، أليس من الواجب ~~عليك عدلا أن تقول: من الذي أعد لي كل هذه الأشياء التي ما ~~ادعاها أحد لنفسه؟ فإذا ما صاح صائح منك أيها الإنسان وقال: أنا ~~رسول من الرب الذي خلق لكم ms5954 كل هذه المخلوقات، كان يجب عليكم أن ~~ترهفوا له السمع لتسمعوا ما جاء به لأنه سوف يحل لكم هذا اللغز الذي ~~حيركم. وسبق أن ضربنا مثلا لذلك بالرجل الذي انقطعت به السبل في ~~الصحراء حتى أشرف على الهلاك، فإذا هو بمائدة معدة بأطايب الطعام ~~والشراب، أليس حريا به قبل أن تمتد يده إليها أن يفكر كيف أتته؟ ~~إذن: كان على الإنسان أن يعمل عقله وفكره في معطيات الكون التي تخدمه ~~وتسخر من أجله، وهي لا تأتمر بأمره ولا تخضع لقدرته. ولقد اختلف العلماء ~~في بيان أوجه التكريم في الإنسان، فمنهم من قال: كرم بالعقل، ~~وآخر قال: كرم بالتمييز، وآخر قال: كرم بالاختيار، ومنهم من ~~قال: كرم الإنسان بأنه يسير مرفوع القامة لا منحنيا إلى الأرض ~~كالبهائم، ومنهم من يرى أنه كرم بشكل الأصابع وتناسقها في شكل بديع ~~يسمح لها بالحركة السلسة في تناول الأشياء، ومنهم من يرى أنه كرم ~~بأن يأكل بيده لا بفمه كالحيوان. وهكذا كان لكل واحد منهم ملحظ في ~~التكريم. ولنا في مسألة التكريم هذه ملحظ كنت أود أن يلتفت إليه ~~العلماء، ألا وهو: أن الحق سبحانه خلق الكون كله بكلمة كن إلا آدم، ~~فقد خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه، قال تعالى: # يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي # [ص: 75]. وقال: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر: 29]. فقمة الفضل والتكريم أن خلق الله تعالى أبانا آدم بيده، ~~بدليل أن الله جعلها حيثية له. ثم يقول الحق سبحانه: { يوم ندعوا ~~كل أناس بإمامهم... }. ### || [17.71] # أي: يوم القيامة، والداعي هو المنادي، والناس هم المدعوون، والنداء على ~~الناس في هذا اليوم لا يكون بفلان بن فلان، بل ينادي القوم بإمامهم أي: ~~برسولهم، فيقال: يا أمة محمد، يا أمة عيسى، يا أمة موسى، يا أمة إبراهيم. ~~ثم يفصل هذا الإجمال، فتنادى كل جماعة بمن بلغهم وهداهم ودلهم ~~ليغري الناس بنقل الفضل العلمي من أنفسهم إلى غيرهم. وقال بعضهم { ~~بإمامهم } أي: بأمهاتهم، وفي دعاء الناس ms5955 بأمهاتهم في هذا الموقف ~~تكريم لعيسى عليه السلام أولا، وستر على أولاد الإثم ثانيا، حتى لا ~~يفضحوا على رؤوس الأشهاد في مثل هذا الموقف. ثم يقول تعالى: { فمن ~~أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ~~ولا يظلمون فتيلا } [الإسراء: 71]. فكونه أخذ كتابه بيمينه، ~~فهذه بشارة الخير وبداية السلامة، فإذا به يسارع إلى قراءته، بل ويتباهى ~~به بين الناس قائلا: # هآؤم اقرؤا كتابيه # [الحاقة: 19] إنه مسرور بعمله الصالح الذي يحب أن يطلع عليه الناس، ~~وقوله تعالى: { ولا يظلمون فتيلا } [الإسراء: 71]. الظلم أن ~~تأخذ من خير غيرك مما ليس عندك، إذن: فعندك نقص في شيء تريد أن تحصل ~~عليه ظلما، إذن: فماذا ينقص الحق سبحانه وتعالى حتى يظلم الخلق؟! إن ~~الخلق يتصفون بالظلم لأن الإنسان عادة لا يرضى بما قسم الله له لذلك ~~يشعر بالنقص فيظلم غيره، أما الله عز وجل فهو الغني عن الخلق، فكيف ~~يظلمهم؟ وهم جميعا بما يملكون هبة منه سبحانه. ومعنى { فتيلا } ~~عادة يضرب الحق سبحانه وتعالى الأمثال في القرآن بالمألوف عند العرب وفي ~~بيئتهم، ومن مألوفات العرب التمر، وهو غذاؤهم المفضل والعلف لماشيتهم، ~~ومن التمر أخذ القرآن النقير والقطمير والفتيل، وهي ثلاثة أشياء تجدها في ~~نواة الثمرة، وقد استخدمها القرآن في تمثيل الشيء الضئيل القليل. ~~فالنقير: هو تجويف صغير في ظهر النواة مثل النقطة. والقطمير: هو اللفافة ~~الرقيقة الشفافة بين الثمرة والنواة. والفتيل: هو غلالة رقيقة تشبه الخيط ~~في بطن النواة. فمعنى: { ولا يظلمون فتيلا } [الإسراء: 71] أي: ~~أنه سبحانه وتعالى لا يظلم الناس أبدا، فهو سبحانه منزه عن الظلم ~~مهما تناهى في الصغر. وفي مقابل من أوتي كتابه بيمينه لم تذكر الآية ~~من أوتي كتابه بشماله، كما جاء في قوله تعالى: # وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يليتني ~~لم أوت كتابيه # [الحاقة: 25] وفي آية أخرى قال: # وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره # [الانشقاق: 10]. أما هنا فقال الحق سبحانه: { ومن كان في هذه ~~أعمى فهو في الآخرة أعمى... }. ### || [17.72] # وهذا هو المقابل لمن أخذ كتابه بيمينه لأنه عميت بصيرته ms5956 في الدنيا فعمى ~~في الآخرة، وطالما هو كذلك فلا شك أنه من أهل الشمال، فالآيات ذكرت ~~مرة السبب، وذكرت مرة المسبب، ليلتقي السبب والمسبب، وهو ما يعرف باسم ~~[الاحتباك] البلاغي. فكأن الحق سبحانه قال: إن من أوتي كتابه بيمينه ~~وقرأه وتباهى به لم يكن أعمى في دنياه، بل كان بصيرا واعيا، فاهتدى ~~إلى منهج الله وسار عليه، فكانت هذه نهايته وهذا جزاءه. أما من أوتي ~~كتابه بشماله فقد كان أعمى في الدنيا عمى بصيرة لا عمى بصر لأن عمى البصر ~~حجب الأداة الباصرة عن إدراك المرائي، والكافرون في الدنيا كانوا مبصرين ~~للمرائي من حولهم. مدركين لماديات الحياة، أما بصيرتهم فقد طمس عليها ~~فلا ترى خيرا، ولا تهتدي إلى صلاح. وسبق أن قلنا: إن الإنسان لكي يسير ~~في رحلة الحياة على هدى لا بد له من بصر يرى به المرائي المادية، حتى ~~لا يصطدم بأقوى منه فيتحطم أو بأضعف منه فيحطمه، والبصر للمؤمن والكافر ~~من عطاء الربوبية للإنسان. لكن إلى جانب البصر هناك عطاء آخر هو ثمرة من ~~ثمار عطاء الألوهية الذي لا يكون إلا للمؤمن، ألا وهو البصيرة، بصيرة ~~القيم التي يكتسبها الإنسان من منهج الله الذي آمن به وسار على هديه. ~~وقوله: { فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا } [الإسراء: ~~72]. إن كان عماه في الدنيا عمى بصيرة، فعماه في الآخرة عمى بصر لأن ~~البصيرة مطلوبة منه في الدنيا فقط لأن بها سيعرف الخير من الشر، وعليها ~~يترتب العمل، وليست الآخرة مجال عمل، إذن: العمى في الآخرة عمى البصر، ~~كما قال تعالى في آية أخرى: # فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى # [طه: 123-124]. وقال عنهم في آية أخرى: # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما.. # [الإسراء: 97]. لكن قد يقول قائل: هناك آيات أخرى تثبت لهم الرؤية في ~~الآخرة، مثل قوله تعالى: # حتى إذا رأوا ما يوعدون.. # [مريم: 75]. وقوله تعالى: # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم ~~مواقعوها.. # [الكهف: 53]. وللجمع ms5957 بين هذه الآيات وللتوفيق بينها نقول: للكفار يوم ~~القيامة في مجال الرؤية البصرية حالتان: الأولى عند القيام وهول المحشر ~~يكونون عميا وبكما وصما لتزداد حيرتهم ويشتد بهم الفزع حيث هم ~~في هذا الكرب الشديد، ولكن لا يعرف ما يحدث ولا أين المهرب، ولا يستمعون ~~من أحد كلمة، وهكذا هم في كرب وحيرة لا يدرون شيئا. وهذه حالة العمى ~~البصري عندهم. أما الحالة الثانية وهي الرؤية، فتكون عندما يتجلى الحق ~~تبارك وتعالى لأهل الموقف ويكشف الغطاء عن نفسه سبحانه، فهنا يصير الكافر ~~حاد البصر، ليرى مكانه من النار. # ولا بد لنا هنا أن نلحظ أن ألفاظ اللغة قد يكون اللفظ واحدا ولكن ~~يختلف السياق، ففي قوله تعالى: { ومن كان في هذه أعمى ~~فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا } [الإسراء: 72]. فلفظ ~~{ أعمى } واحد، لكن في الآخرة قال { وأضل سبيلا } إذن: لا ~~بد أن عمى الدنيا أقل من عمى الآخرة، كما تقول: هذا خير. فمقابل خير: ~~شر. أما لو قلت: هذا خير من هذا فقد فضلت الأول في الخيرية عن ~~الثاني، إذن: كلمة خير إما أن تأتي وصفا، وإما أن تأتي تفضيلا. ومن ~~ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل ~~خير ". # فالمراد أن المؤمن القوي أكثر في الخيرية. إذن: فكلمة: { فهو في ~~الآخرة أعمى.. } [الإسراء: 72] ليست وصفا، وإنما تفضيل لعمى ~~الآخرة على عمى الدنيا، أي أنه في الآخرة أشد عمى. وقوله تعالى: { ~~وأضل سبيلا } [الإسراء: 72] ومعلوم أنه كان ضالا في الدنيا، ~~فكيف يكون أضل في الآخرة؟ قالوا: لأن ضلاله في الدنيا كان يمكن تداركه ~~بالرجوع إلى المنهج والعودة إلى الطريق السوي، أما في الآخرة فضلاله ~~لا يمكن تداركه، فقد انتهى وقت الاختيار، إذن: فضلاله في الآخرة أشد ~~وأعظم من ضلاله في الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: { وإن كادوا ~~ليفتنونك عن الذي أوحينآ إليك لتفتري ~~علينا غيره... }. ### || [17.73] # وهذه خبيثة جديدة من خبائثهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ~~كانوا يحاولون ms5958 جادين أن يصرفوا رسول الله عما بعثه الله به، فمرة ~~يقولون له: دع آلهتنا نتمتع بها سنة ونأخذ الغنائم من ورائها وتحرم لنا ~~بلدنا - أي: ثقيف - كما حرمت مكة. ومرة يقولون له: لا تستلم الحجر ~~ويمنعونه من استلامه حتى يستلم آلهتهم أولا. ومعنى { كادوا } أي ~~قاربوا، والمقاربة غير الفعل، فالمقاربة مشروع فعل وتخطيط له، لكنه لم ~~يحدث، إنهم قاربوا أن يفتنوك عن الذي أنزل إليك لكن لم يحدث لأن ~~محاولاتهم كانت من بعيد، فهي تحوم حول فتنتك عن الدين، كما قالوا مثلا: ~~نعبد إلهك سنة، و تعبد آلهتنا سنة. ومعنى: { ليفتنونك } ~~ليحولونك ويصرفونك عما أنزل الله إليك، لماذا؟ { لتفتري ~~علينا غيره.. } [الإسراء: 73] كما حكى القرآن عنهم في آية أخرى: # ائت بقرآن غير هذآ أو بدله.. # [يونس: 15]. فيكون الجواب من الحق سبحانه: # قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم # [يونس: 15]. وقال تعالى: # قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. ونلاحظ في مثل هذا الموقف أن الحق سبحانه يتحمل العنت عن ~~رسوله، وينقل المسألة من ساحة الرسول إلى ساحته تعالى، لكي لا تكون عداوة ~~بين محمد وقومه، فالأمر ليس من عند محمد بل من عند الله، يقول تعالى: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33]. فلا تحزن يا محمد، فأنت مصدق عندهم، لكن المسألة ~~عندي أنا، وهكذا يتحمل الحق سبحانه الموقف عن رسوله حتى لا يحمل القوم ~~ضغينة لرسول الله. ثم يقول تعالى: { وإذا لاتخذوك خليلا } ~~[الإسراء: 73]. الخليل: هو المخال الذي بينك وبينه حب ومودة، بحيث ~~يتخلل كل منكما الآخر ويتغلغل فيه، ومنه قوله تعالى في إبراهيم: # واتخذ الله إبراهيم خليلا # [النساء: 125]. ومنه قول الشاعر: # ولما التقينا قرب الشوق جهده # خليلين ذابا لوعة وعتابا # كأن خليلا في خلال خليله # تسرب أثناء العناق وغابا # فإذا ما تقابل ms5959 الخليلان ذاب كل منهما في صاحبه أو تخلله ودخل فيه. ~~فالمعنى: لو أنك تنازلت عن المنهج الذي جاءك من الله لصرت خليلا ~~لهم، كما كنت خليلا لهم من قبل، وكانوا يحبونك ويقولون عنك " الصادق ~~الأمين ". إذن: الذي جعلهم في حالة عداء لك هو منهج الله جئت به، فلو ~~تنازلت عنه أو تهاونت فيه فسوف يتخذونك خليلا، فلا تكن خليلا لهم بل ~~خليلا لربك الذي أرسلك. ويخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~فيقول: { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن... }. ### || [17.74] # { ولولا } أداة شرط إن دخلت على الجملة الإسمية، وتفيد امتناع وجود ~~الجواب لوجود الشرط، ويسمونها حرف امتناع لوجود، كما لو قلت: لولا زيد ~~عندك لزرتك، فقد امتنعت الزيارة لوجود زيد. فإن دخلت لولا على ~~الجملة الفعلية أفادت الحث والحض، كما في قوله تعالى: # لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء.. # [النور: 13]. ولولا في الآية دخلت على جملة إسمية لأن أن بعدها مصدرية، ~~فالمعنى: لولا تثبيتنا لك لقاربت أن تركن إليهم شيئا قليلا. والمتأمل ~~في هذه الآية يجدها تحتاط لرسول الله عدة احتياطات، فلم تقل: لولا ~~تثبيتنا لك لركنت إليهم، لا، بل لقاربت أن تركن فمنعت مجرد ~~المقاربة، أما الركون فهو أمر بعيد وممنوع نهائيا وغير متصور من رسول ~~الله، ومع ذلك أكد سبحانه وتعالى هذا المعنى بقوله: { شيئا قليلا ~~} [الإسراء: 74] أي: ركونا قليلا. مما يدل على أن طبيعته صلى الله ~~عليه وسلم - حتى دون الوحي من الله - طبيعة سليمة بفطرتها، فلو تصورنا ~~عدم التثبيت له من الله ماذا كان يحدث منه؟ يحدث مجرد كاد أو قرب أن ~~يركن إليهم شيئا قليلا، وقلنا: إن المقاربة تعني مشروع فعل، لكنه ~~لم يحدث، مما يدل على أن لرسول الله ذاتية مستقلة. ومعنى { ~~ثبتناك.. } [الإسراء: 74] التثبيت هو منع المثبت أن يتأرجح، ~~لذلك نقول للمتحرك: اثبت. ومعنى: { تركن } من ركون الإنسان إلى شيء ~~يعتصم به ويحتمي، والناس يبنون الحوائط ليحموا بها ممتلكاتهم، وإذا احتمى ~~الإنسان بجدار فأسند ظهره إليه مثلا فقد حمى ظهره فقط، وأمن أن ms5960 ~~يأتيه أحد من ورائه، فإن أراد أن يحمي جميع جهاته الأربع، فعليه أن ~~يلجأ إلى ركن وأن يسند ظهره إلى الركن فيأمن من أمامه، ويحتمي بجدار ~~عن يمينه وجدار عن شماله. إذن: الركون أن تذهب إلى حرز يمنعك من جميع ~~جهاتك. ومن الركون قوله تعالى عن لوط عليه السلام مع قومه: # لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد # [هود: 80] أي: أحتمي به وألجأ إليه. والحق سبحانه في هذه الآيات يريد ~~أن يستل السخيمة على محمد صلى الله عليه وسلم من قلوب أعدائه لأنه ~~صلى الله عليه وسلم كان حريصا على هدايتهم وتأليف قلوبهم، وقد كان يشق ~~على نفسه ويحملها ما لا تطيق في سبيل هذه الغاية، ومن ذلك ما حدث من ~~تركه عبد الله بن أم مكتوم الذي جاءه سائلا، وانصرافه عنه إلى صناديد ~~قريش لذلك عتب عليه ربه تبارك وتعالى لأنه شق على نفسه. وكأن الحق ~~تبارك وتعالى في هذه الآية يقول: يا قوم إن لم يوافقكم محمد على ما كنتم ~~تريدون منه من الانصراف عما أنزل إليه من ربه، فاعذروه لأن الأمر ~~عندي والتثبيت مني، ولا ذنب لمحمد فيما خالفكم فيه، كما لو كان عندك خادم ~~مثلا ارتكب خطأ ما، فأردت أن تتحمل عنه المسئولية، فقلت: أنا الذي ~~كلفته بهذا وأمرته به، فالأمر عندي وليس للخادم ذنب فيما فعل. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف ~~الممات... }. ### || [17.75] # { إذا } أي: لو كدت تركن إليهم شيئا قليلا لأذقناك ضعف الحياة ~~وضعف الممات، وبهذا التهديد يرفع الحق سبحانه سخيمة الكره من صدور ~~القوم لمحمد، وينقلها له سبحانه وتعالى. ومعنى { ضعف الحياة ~~وضعف الممات.. } [الإسراء: 75] الضعف: مضاعفة الشيء مرة أخرى. ~~أي: قدر الشيء مرتين، ولا يذاق في الحياة إلا العذاب، فالمراد: ~~لأذقناك ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، لكن لماذا يضاعف ~~العذاب في حق محمد صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: لأنه أسوة كبيرة ~~وقدوة يقتدي الناس بها، ويستحيل في حقه هذا الفعل، ولا يتصور منه صلى ms5961 ~~الله عليه وسلم، لكن على اعتبار أن ذلك حدث منه فسوف يضاعف له العذاب، ~~كما قال تعالى في نساء النبي: # ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله ~~يسيرا # [الأحزاب: 30]. ذلك لأنهن بيت النبوة وأمهات المؤمنين، وهن أسوة ~~لغيرهن من نساء المسلمين، وكلما ارتفع مقام الإنسان في مركز الدعوة إلى ~~الله وجب عليه أن يتبرأ عن الشبهة لأنه سيكون أسوة فعل، فإن ضل ~~فلن يضل في ذاته فقط، بل سيضل معه غيره، ومن هنا شدد الله العقوبة ~~وضاعفها للنبي ولزوجاته. وقد اختار الحق سبحانه لفظ { لأذقناك } لأن ~~الإذاقة من الذوق، وهو أعم الملكات شيوعا في النفس، فأنت ترى ~~بعينك وتسمع بأذنك وتشم بأنفك، لكن المذاق تشترك فيه كل الملكات. ثم ~~يقول تعالى: { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } [الإسراء: ~~75]. أي: لا تجد مدافعا يدافع عنك أو ناصرا ينصرك لأن مددك مني وحدي، ~~فكيف يكون لك ناصر من دوني؟ ثم يقول الحق سبحانه: { وإن كادوا ~~ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها... }. ### || [17.76] # وهنا أيضا يقول تعالى: { كادوا } أي: قاربوا، فهم لا يجرؤون على ~~الفعل، ولا يستطيعون، فالأمر مجرد القرب من الفعل، فإنهم سيحاولون ~~إخراجك، لكنك لن تخرج إلا بأمري وتقديري. وقوله تعالى: { ~~ليستفزونك من الأرض.. } [الإسراء: 76] من استفزه أي: طلب ~~منه النهوض والخفة إلى الفعل، كما تقول لولدك المتثاقل: فز أي: قم ~~وانهض، والمراد: يستحثونك على الخروج { من الأرض } من مكة بإيذائهم ~~لك، وعنتهم معك ليحملوك على الخروج، ويكرهوك في الإقامة بها. وكفار ~~مكة يعلمون أن في خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة راحة لهم، وحتى لا ~~يكون أسوة لعبيدهم ولضعاف القوم الذين أحبوه، ومالوا لاعتناق دينه ~~والإيمان به. ثم يقول تعالى: { وإذا لا يلبثون خلافك إلا ~~قليلا } [الإسراء: 76]. أي: لو أخرجوك من مكة فلن يلبثوا فيها بعدك ~~إلا قليلا، وقد حدث فعلا، فبعد خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة بعام ~~جاءت بدر، فقتل سبعون من صناديد قريش، وأسر سبعون، وبعد أن خرج ms5962 ~~الرسول من مكة لم يتمتعوا فيها بالنعيم ولا بالسيادة التي كانوا ~~يرجونها بعد خروجه. ثم يقول الحق سبحانه: { سنة من قد ~~أرسلنا قبلك من رسلنا... }. ### || [17.77] # يوضح الحق تبارك وتعالى أن ما حدث هو سنة من سنن الله في الرسل، ~~كما قال تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. فكان عليهم أن يأخذوا عبرة من الرسل السابقين، ~~وبما حل بأعدائهم من عذاب الله، لقد أرسل الله الرسل فكذبوا وعودوا ~~واضطهدوا، ومع ذلك نصرهم الله، وجعل لهم الغلبة. والسنة: هي العادة ~~والطريقة التي لا تتخلف ولا تتبدل لذلك يقول بعدها: { ولا تجد ~~لسنتنا تحويلا } [الإسراء: 77] لأن السنة لا تتحول ولا ~~تتبدل إلا بالأقوى الذي يأتي ليغير السنة بأخرى من عنده، فإذا كانت ~~السنة من الله القوي بل الأقوى، فهو سبحانه وحده الذي يملك هذا ~~التحويل، ولا يستطيع أحد أبدا تحويل سنة الله، فإذا قال سبحانه، فقوله ~~الحق الذي لا يبدله أحد، ولا يعارضه أحد. وبعد أن تكلم الحق سبحانه ~~عن الإلهيات إيمانا بها، وعن النبوات تصديقا لها، وعن القيامة ووجوب ~~الإيمان بها وبما يحدث فيها من تناول الكتب، أراد سبحانه أن يأتي لنا ~~بثمرة هذا المنهج وحصيلته النهائية، وهي أن يستقيم لنا منهج الحياة ~~وتنضبط حركتنا فيها. هذا المنهج الإلهي جاء في صورة أحكام، ولهذه الأحكام ~~أركان أساسية جمعها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: # " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن ~~استطاع إليه سبيلا ". # إذن: هذه الأركان التي بني عليها الإسلام، لكن ما حظ المسلم من هذه ~~الأركان؟ لو تأملت لوجدتنا نشترك كلنا في شهادة أن لا إله إلا الله، ~~وأن محمدا رسول الله، وفي الصلاة لأنها لا تسقط عن أحد لأي سبب، وهي ~~المكررة في اليوم خمس مرات. أما باقي الأركان وهي: الزكاة، والصوم، ~~والحج فقد لا تنطبق شروطها على الجميع، فالفقير لا تفرض ms5963 عليه زكاة أو ~~حج، والمريض لا يفرض عليه الصوم. إذن: عندنا أركان للإسلام وأركان ~~للمسلم التي هي: الشهادتان والصلاة، وقد يدخل فيها الزكاة أو الصوم أو ~~الحج، فإذا أتى المسلم بجميع الأركان فقد اتفقت أركان الإسلام مع أركان ~~المسلم. وتلاحظ في هذه الأركان أن الشهادتين يكفي أن تقولهما وتشهد بهما ~~ولو مرة واحدة، والزكاة والصوم والحج قد لا تنطبق عليك شروطها، فلم ~~يبق إلا الصلاة لذلك جعلها عماد الدين. ثم قال تعالى: { أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق اليل... }. ### || [17.78] # فالصلاة هي الفريضة الثابتة المتكررة التي لا تسقط عن المسلم بأي حال، ~~وفيها إعلان ولاء للإيمان بالله كل يوم خمس مرات، وهي أيضا تنتظم كل ~~أركان الإسلام لأنك في الصلاة تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، فبدل أن كنت تقولها مرة واحدة ها أنت تقولها عدة مرات في كل ~~صلاة، وهذا هو الركن الأول. كما أنها تشتمل على الصوم لأنك تصوم في أثناء ~~الصلاة فتمتنع عن شهوتي البطن والفرج، وكذلك عن أي فعل غير أفعال ~~الصلاة، وعن الكلام في غير ألفاظ الصلاة. إذن: في الصلاة صيام بالمعنى ~~الأوسع للصوم. وفي الصلاة زكاة لأن المال الذي تكتسبه وتزكيه ناتج عن ~~الحركة، والحركة فرع الوقت، وفي الصلاة تضحي بالوقت نفسه، فكأن الزكاة ~~في الصلاة أبلغ. وكذلك في الصلاة حج لأنك تتوجه فيها إلى كعبة الله، ~~وتستحضرها في ذهنك وأمام ناظريك. لذلك استحقت الصلاة أن تكون عماد ~~الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، ومن هنا ~~جاءت الصلاة في أول هذه الأحكام، فقال تعالى: { أقم الصلاة.. } ~~[الإسراء: 78] أي: أدها أداء كاملا في أوقاتها. والصلاة لها ميزة ~~عن كل أركان الإسلام لأن كل تكليفات الإسلام جاءت بواسطة الوحي لرسول ~~الله إلا الصلاة، فقد فرضت بالمباشرة مما يدل على أهميتها، وقد ~~مثلنا لذلك - ولله المثل الأعلى - بالرئيس الذي يتصل بمرؤوسه ~~تليفونيا ليأمره بشيء، فإذا كان هذا الشيء من الأهمية بمكان استدعاه ~~إليه وأفهمه ما يريد. وهكذا كانت ms5964 الصلاة، فقد فرضت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعلى أمته بالمباشرة لما لها من أهمية بين فراض الدين، ثم ~~تولى جبريل عليه السلام تعليم رسول الله الصلاة، وعلمها رسول الله ~~للناس، وقال: # " صلوا كما رأيتموني أصلي ". # وقوله تعالى: { لدلوك الشمس.. } [الإسراء: 78]. الحق سبحانه ~~يريد أن يبين لنا مواقيت الصلاة. والدلوك معناه: الزوال من حركة إلى ~~حركة، ومنها قولنا: فلان المدلكاتي أي: الذي يتولى عملية التدليك، ~~وتتحرك يده من مكان لمكان. والمراد بدلوك الشمس: ميلها عن وسط السماء ~~إلى ناحية الغرب، والإنسان يرى الأفق الواسع إذا نظر إلى السماء، فيراها ~~على شكل قوس ممتد وعلى حسب نظره وقوته يرى الأفق، فإن كان نظره قويا ~~رأى الأفق واسعا، وإن كان نظره ضعيفا رأى الأفق ضيقا لذلك يقولون ~~لقليل التفكير: ضيق الأفق. وأنت حين تقف في مكانك وتنظر إلى السماء ~~تراها على شكل نصف دائرة، وأنت مركزها، وساعة أن ترى الشمس عمودية ~~عليك، فهذا وقت الزوال، فإذا ما انحرفت الشمس ناحية المغرب يقال: دلكت ~~الشمس. أي: مالت ناحية المغرب، وهذا هو وقت الظهر. # والمتأمل في فرض الصلاة على رسول الله يجد أن الظهر هو أول وقت ~~صلاه رسول الله لأن الصلاة فرضت عليه في السماء في رحلة المعراج، ~~وكانت بليل، فلما عاد صلى الله عليه وسلم كان يستقبل الظهر، فكانت هي ~~الصلاة الأولى. ثم يقول تعالى: { إلى غسق اليل.. } [الإسراء: ~~78] أي: أقم الصلاة عند دلوك الشمس إلى متى؟ إلى غسق الليل أي: ~~ظلمته، وفي الفترة من دلوك الشمس إلى ظلمة الليل تقع صلاة الظهر ~~والعصر والمغرب والعشاء، ولا يبقى إلى صلاة الصبح، فقال عنها سبحانه ~~وتعالى: { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ~~} [الإسراء: 78] ونتساءل هنا: لماذا ذكر قرآن الفجر ولم يقل صلاة؟ ~~قالوا: لأن القرآن في هذا الوقت حيث سكون الكون وصفاء النفوس، فتتلقى ~~القرآن نديا طريا وتستقبله استقبالا واعيا قبل أن تنشغل بأمور ~~الحياة { إن قرآن الفجر كان مشهودا } [الإسراء: 78]. أي: ~~تشهده الملائكة. إذن: المشهودية لها دخل في العبادة، ms5965 فإذا كانت مشهودية ~~من لا تكليف عليه في الصلاة جعلها الله حيثية، فكيف بمشهودية من ~~كلف بالصلاة؟ والحق سبحانه وتعالى جعل في صلاة الجماعة استطراقا ~~للعبودية، ففي صلاة الجماعة يستوي كل الخلق حيث يخلعون وجاهتهم، ~~ويخلعون أقدارهم على أبواب المسجد، كما يخلعون أحذيتهم، فالرئيس بجانب ~~المرؤوس والوزير بجانب الخفير. لذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يوطن الإنسان لنفسه مكانا في المسجد، يجلس فيه باستمرار لأن الأصل ~~أن يجلس المصلي حيث ينتهي به المجلس، فيجلس الناس بأولوية الحضور كل ~~حسب مكانه ومبادرته للصلاة، فلا يتخطى الرقاب، ولا يفرق بين اثنين. ~~ونرى بعض المصلين يسارع إلى الصف الأول مثلا، ويضع سجادته ليحجز بها ~~مكانا، ثم ينصرف لحاجته، فإذا ما تأخر عن الصلاة أتى ليتخطى رقاب ~~الناس ليصل إلى مكانه، فإذا بالناس يضيقون من هذا التصرف، وينحون ~~سجادته جانبا ويجلسون مكانها، إنه تصرف لا يليق ببيوت الله التي ~~تسوي بين خلق الله جميعا، وتحقق استطراق العبودية لله، فأنت اليوم ~~بجوار فلان، وغدا بجوار آخر، الجميع خاضع لله راكع وساجد، فليس لأحد أن ~~يتعالى على أحد. ونرى كذلك استطراق العبودية واضحا في مناسك الحج، حيث ~~يأتي أحد العظماء والوجهاء فتراه عند الملتزم خاضعا ذليلا باكيا ~~متضرعا، وهو من هو في دنيا الناس. إذن: فوقت الفجر وقت مبارك مشهود، ~~تشهده ملائكة الليل، وهم غير مكلفين بالصلاة، فالأفضل من مشهدية ~~الملائكة مشهدية المصلين الذين كلفهم الله بالصلاة، وجعلهم ينتفعون ~~بها. ومن هنا كانت صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، ~~كما جاء في الحديث النبوي الشريف. ويجب أن نلتفت إلى أن الحق سبحانه ربط ~~الصلوات الخمس بالوقت، وبآية كونية تدل عليه هي الشمس، فكيف العمل إذا ~~غابت، أو حجبت عنا بغيم أو نحوه؟ إذن: على الإنسان المؤمن أن ~~يجتهد ويعمل تفكيره في إيجاد شيء يضبط به وقته، وفعلا تفتقت القرائح ~~عن آلات ضبط الوقت الموجودة الآن، والتي تيسر كثيرا على الناس لذلك ~~كانت الطموحات الإنسانية لأشياء تخدم الدين وتوضح معالمه أمرا واجبا ms5966 ~~على علماء المسلمين، على اعتبار أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ومن الليل فتهجد به نافلة ~~لك... }. ### || [17.79] # الهجود: هو النوم، وتهجد: أي أزاح النوم والهجود عن نفسه، وهذه خصوصية ~~لرسول الله وزيادة على ما فرض على أمته، أن يتهجد لله في الليل، كما ~~قال له ربه تعالى: # يأيها المزمل * قم اليل إلا قليلا * نصفه ~~أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ~~ترتيلا # [المزمل: 1-4]. فهذه الخصوصية لرسول الله وإن كانت فرضا عليه، إلا ~~أنها ليست في قالب من حديد، بل له صلى الله عليه وسلم مساحة من الحرية في ~~هذه العبادة، المهم أن يقوم لله تعالى جزءا من الليل، لكن ما علة هذه ~~الزيادة في حق رسول الله؟ العلة في قوله تعالى: # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # [المزمل: 5]. وكأن التهجد ليلا، والوقوف بين يدي الله في هذا الوقت ~~سيعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم القوة والطاقة اللازمة للقيام بهذه ~~المسئولية الملقاة على عاتقه، ألا وهي مسئولية حمل المنهج وتبليغه ~~للناس. وفي الحديث الشريف # " أن رسول الله كان كلما حزبه أمر قام إلى الصلاة " # ، ومعنى حزبه أمر: أي: ضاقت أسبابه عنه، ولم يعد له فيه منفذ، ~~فإن ضاقت عليه الأسباب فليس أمامه إلا المسبب سبحانه يلجأ إليه ~~ويهرع إلى نجدته # إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا # [المزمل: 6]. لأنك في الوقت الذي ينام فيه الناس ويخلدون إلى الراحة ~~وتتثاقل رؤوسهم عن العبادة، تقوم بين يدي ربك مناجيا متضرعا، فتتنزل ~~عليك منه الرحمات والفيوضات، فمن قام من الناس في هذا الوقت واقتدى بك ~~فله نصيب من هذه الرحمات، وحظ من هذه الفيوضات. ومن تثاقلت رأسه ~~عن القيام فلا حظ له. إذن: في قيام الليل قوة إيمانية وطاقة روحية، ~~ولما كانت مهمة الرسول فوق مهمة الخلق كان حظه من قيام الليل أزيد من ~~حظهم، فأعباء الرسول صلى الله عليه وسلم كثيرة، والعبء الثقيل يحتاج ~~الاتصال بالحق الأحد القيوم، حتى يستعين بلقاء ms5967 ربه على قضاء مصالحه. ومن ~~العجيب أن ينصرف المسلمون عن هذه السنة، ويتغافلون عنها، فإذا حزبهم ~~أمر لا يهرعون إلى الصلاة، بل يتعللون، يقول أحدهم: أنا مشغول. وهل ~~شغل الدنيا مبرر للتهاون في هذه الفريضة؟ ومن يدريك لعلك بالصلاة تفتح ~~لك الأبواب، وتقضى في ساعة ما لا تقضيه في عدة أيام. ونقول لهؤلاء الذين ~~يتهاونون في الصلاة وتشغلهم الدنيا عنها، فإن صلوا صلوا قضاء، ~~فإن سألتهم قالوا: المشاغل كثيرة والوقت لا يكفي، فهل إذا أراد أحدهم ~~الذهاب لقضاء حاجته، هل سيجد وقتا لهذا؟ إنه لا شك واجد الوقت لمثل ~~هذا الأمر، حتى وإن تكالبت عليه مشاغل الدنيا، فلماذا الصلاة هي التي ~~لا تجد لها وقتا؟! وقوله تعالى: { نافلة لك. # . } [الإسراء: 79]. النافلة هي الزيادة عما فرض على الجميع لك أي: خاصة ~~بك دون غيرك، وهذا هو مقام الإحسان الذي قال الله عنه: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين # [الذاريات: 15-16]. والمحسن هو الذي دخل مقام الإحسان، بأن يزيد على ما ~~فرضه الله عليه، ومن جنس ما فرض لذلك جاءت حيثية الإحسان: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار ~~هم يستغفرون # [الذاريات: 17-18]. وهذا المقام ليس فرضا عليك، فلك أن تصلي العشاء ~~وتنام حتى صلاة الفجر، لكن إن أردت أن تتأسى برسول الله وتتشبه به ~~فادخل في مقام الإحسان على قدر استطاعتك. ثم يقول تعالى: { عسى ~~أن يبعثك ربك مقاما محمودا } [الإسراء: 79]. تحدثت ~~الآية في أولها عن التكليف، وهذا هو الجزاء، و { عسى } تدل على رجاء ~~حدوث الفعل، وفرق بين التمني والرجاء، التمني: أن تعلن أنك تحب شيئا ~~لكنه غير ممكن الحدوث أو مستحيل، ومن ذلك قول الشاعر: # ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها # فالشاعر يتمنى لو أصبحت الكواكب بين يديه فينظمها قصائد مدح فيمن يمدحه، ~~وهذا أمر مستحيل الحدوث. وقوله: # ألا ليت الشباب يعود يوما # فأخبره بما فعل المشيب # أما الرجاء فهو طلب فعل ممكن الحدوث. ويقع تحت الطلب أشياء متعددة فإن ~~طلب المتكلم ms5968 من المخاطب شيئا غير ممكن الحدوث فهو تمن، وإن طلب شيئا ~~ممكن الحدوث فهو ترج، وإن طلب صورة الشيء لا حقيقته فهو استفهام كما ~~تقول: أين زيد؟ وفرق بين طلب الحقيقة وطلب الصورة. فإن طلبت حقيقة ~~الشيء، فأمامك حالتان: إما أن تطلب الحقيقة على أنها تفعل فهذا أمر، ~~مثل: قم: فإن طلبتها على أنها لا تفعل فهذا نهي: لا تقم. إذن: { ~~عسى } تدل على الرجاء، وهو يختلف باختلاف المرجو منه، فإن رجوت من ~~فلان فقد يعطيك أو يخذلك، فإن قلت: عسى أن أعطيك فقد قربت الرجاء ~~لأنني أرجو من نفسي، لكن الإنسان بطبعه صاحب أغيار، ويمكن أن تطرأ عليه ~~ظروف فلا يفي بما وعد. فإن قلت: عسى الله أن يعطيك، فهو أقوى الرجاء ~~لأنك رجوت من لا يعجزه شيء، ولا يتعاظمه شيء، ولا تتناوله الأغيار ~~إذن: فالرجاء فيه محقق لا شك فيه. والمقام المحمود، كلمة محمود: ~~أي الذي يقع عليه الحمد، والحمد هنا مشاع فلم يقل: محمود ممن؟ فهو ~~محمود ممن يمكن أن يتأتى منه الحمد، محمود من الكل من لدن آدم، ~~وحتى قيام الساعة. والمراد بالمقام المحمود: هو مقام الشفاعة، حينما يقف ~~الخلق في ساحة الحساب وهول الموقف وشدته، حتى ليتمنى الناس ~~الانصراف ولو إلى النار، ساعتها تستشفع كل أمة بنبيها، فيردها إلى ~~أن يذهبوا إلى خاتم المرسلين وسيد الأنبياء، فيقول: أنا لها، أنا لها. ~~لذلك أمرنا صلى الله عليه وسلم أن ندعو بهذا الدعاء: " وابعثه اللهم ~~المقام المحمود الذي وعدته " ولا شك أنه دعاء لصالحنا نحن. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني ~~مخرج صدق... }. ### || [17.80] # قوله تعالى: { مدخل صدق.. } [الإسراء: 80] أي: من حيث النظرة ~~العامة لأنك قبل أن تدخل اطلب الخروج أولا لأنك لن تدخل إلا بعد أن ~~تخرج. وإن كان الترتيب الطبيعي أن نقول: أخرجني مخرج صدق، وأدخلني ~~مدخل صدق. نقول: لا، لأن الدخول هو غاية الخروج، ولأن الخروج متروك ~~والدخول مستقبل لك، إذن: الدخول هو الأهم فبدأ به. لذلك يقولون: إياك ~~أن ms5969 تخرج من أمر إلا إذا عرفت كيف تدخل. ومعنى مخرج الصدق، ومدخل ~~الصدق، أنك لا تدخل أو تخرج بدون هدف، فإن خرجت من مكان فليكن مخرجك ~~مخرج صدق، يعني: مطابقا لواقع مهمتك، وإن دخلت مكانا فليكن دخولك ~~مدخل صدق. أي: لهدف محدد تريد تحقيقه. فإن دخلت محلا مثلا فادخل لهدف، ~~كشراء سلعة مثلا، فهذا دخول صدق، أما لو دخلت دون هدف أو لتؤدي خلق ~~الله، فليس في هذا دخول صدق. إذن: يكون دخولك لله وخروجك لله، وهكذا خرج ~~رسول الله من مكة ودخل المدينة، فكان خروجه لله ودخوله لله، فخرج مخرج ~~صدق، ودخل مدخل صدق، لأنه صلى الله عليه وسلم ما خرج من مكة إلا لما ~~آذاه قومه واضطهدوه وحاربوا دعوته حتى لم تعد التربة في مكة صالحة لنمو ~~الدعوة، وما دخل المدينة إلا لما رأى النصرة والمؤازرة من أهلها. ~~فالصدق أن يطابق الواقع والسلوك ما في نفسك، فلا يكن لك قصور في نفسك، ~~ولك حركة مخالفة لهذا القصد. ثم يقول تعالى: { واجعل لي من ~~لدنك سلطانا نصيرا } [الإسراء: 80]. طلب النصرة من الله ~~تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم لأنه أرسله بمنهج الحق، وسوف يصطدم هذا ~~الحق بأهل الباطل والفساد الذين يحرصون على الباطل، وينتفعون بالفساد، ~~وهؤلاء سوف يعادون الدعوة، ويجابهونها لذلك توجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى ربه تعالى الذي أرسله واستعان به على مواجهة أعدائه. وقوله ~~تعالى: { سلطانا نصيرا } [الإسراء: 80] السلطان: سبق أن أوضحنا ~~أنه يراد به إما حجة تقنع، وإما سيف يردع، وهذا واضح في قول الحق ~~تبارك وتعالى: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط.. # [الحديد: 25] أي: بالآيات الواضحات، وهذه أدوات الحجة والإقناع. ثم يقول ~~تعالى: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. # [الحديد: 25] وهذه أدوات القوة والردع. فالخير من الناس يرتدع بقول ~~الله وبقول الرسول ويستجيب، أما الشرير فلا تجدي معه الحجة، بل لا بد ~~من ردعه بالقوة، فالأول إن تعرض للحلف بالله حلف صادقا، أما الآخر ~~فإن تعرض ms5970 للحلف حلف كاذبا، ووجدها فرصة للنجاة، ولسان حاله يقول: ~~أتاك الفرج. وفي الأثر: " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ". ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وقل جآء الحق وزهق الباطل... }. ### || [17.81] # هكذا أطلقها الحق سبحانه شعارا مدويا { جاء الحق.. } وما دام ~~قال للرسول: { قل } فلا بد أن الحق قادم لا شك فيه لذلك أمره ~~بهذه الأمر الصريح ولم يوسوسه له، وبعد ذلك يقولها رسول الله في عام ~~الفتح، وعندما دخل مكة فاتحا وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما ~~فيكبكبهم جميعا، وينادي: # " جاء الحق وزهق الباطل، جاء الحق وزهق الباطل، وما يبدئ الباطل وما ~~يعيد ". # أي: جاء الحق واندحر الباطل، ولم يعد لديه القوة التي يبدئ بها أو ~~يعيد، فقد خمدت قواه ولم يبق له صولة ولا كلمة. وقوله تعالى: { ~~جآء الحق وزهق الباطل.. } [الإسراء: 81] يشعرنا بأن الحق ~~أتى بنفسه لأنه نسب المجيء إلى الحق كأنه أمر ذاتي فيه، فلم يأت به ~~أحد، وكذلك في: { وزهق الباطل } [الإسراء: 81] فالباطل بطبيعته ~~زاهق مندحر ضعيف لا بقاء له. ومن العجيب أن الحق الذي جاء على يد رسول ~~الله في فتح مكة انتفع به حتى من لم يؤمن، ففي يوم الفتح تتجلى صورة من ~~صور العظمة في دين الإسلام، حين يجمع رسول الله أهل مكة الذين عاندوا ~~وتكبروا وأخرجوا رسول الله من أحب البلاد إليه، وها هو اليوم يدخلها ~~منتصرا ويوقفهم أمامه ويقول: # " " ما تظنون أني فاعل بكم؟ " قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: ~~" اذهبوا فأنتم الطلقاء ". # إذن: جاء الحق ليس لاستعباد الناس، ولكن لراحتهم ورفع رؤوسهم. ومن ~~الحق الذي أظل مكة بالفتح ما يروى أن واحدا دخل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم الكعبة وأراد إيذاءه، وحينما وضع يده على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تبدل حاله وقال: فوالله لقد أقبلت عليه، وما في الأرض أبغض ~~إلي منه، فحين وضعت يدي عنده فوالله ما في الأرض أحب إلي منه، وهكذا ~~جاء الحق وزهق الباطل. وقوله تعالى: { إن الباطل كان زهوقا } ~~[الإسراء: ms5971 81]. زهوق صيغة مبالغة، فالباطل نفسه سريعا ما يذهب ويندثر، ~~ومن العجب أن ترى الباطل نفسه من جنود الله لأن الباطل لو لم يؤلم ~~الناس ويزعجهم ما تشوقوا للحق وما مالوا إليه، فإذا ما لدغهم الباطل ~~واكتووا بناره عرفوا الحق. وقد ضرب لنا الحق سبحانه وتعالى مثلا للحق ~~وللباطل، فقال: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. الحق سبحانه يمثل للحق وللباطل بشيء حسي نراه حينما ~~ينهمر المطر على قمم الجبال، فيسيل الماء إلى الأودية بين الجبال حاملا ~~معه صغار الحصى والرمال والقش، وهذا هو الزبد الذي يطفو على صفحة ~~الماء ولا ينتفع الناس به، وحين تهب الرياح تنحي هذا الزبد جانبا، ~~ويبقى الماء الرائق الصالح الذي ينتفع الناس به، وهذا الماء مثال للحق ~~الذي ينفع الناس، والزبد مثال للباطل الذي لا خير فيه. أو: يعطينا ~~المثال في صورة أخرى: صورة الحداد أو الصائغ الذي يوقد النار على الذهب ~~ليخرج منه ما علق به من شوائب. ثم يقول الحق سبحانه: { وننزل من ~~القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين... }. ### || [17.82] # الآية تعطينا نموذجين لتلقي القرآن: إن تلقاه المؤمن كان له شفاء ~~ورحمة، وإن تلقاه الظالم كان عليه خسار، والقرآن حدد الظالمين ~~ليبين أن ظلمهم هو سبب عدم انتفاعهم بالقرآن لأن القرآن خير في ذاته ~~وليس خسارا. وقد سبق أن أوضحنا أن الفعل قد يكون واحدا، لكن يختلف ~~القابل للفعل، ويختلف الأثر من شخص لآخر، كما أن الماء الزلال يشربه ~~الصحيح، فيجد له لذة وحلاوة ويشربه العليل فيجده مرا مائعا، فالماء ~~واحد لكن المنفعل للماء مختلف. كذلك أكل الدسم، فإن أكله الصحيح نفعه، ~~وزاد في قوته ونشاطه، وإن أكله السقيم زاده سقما وجر عليه علة فوق ~~علته. وقد سبق أن أوضحنا في قصة إسلام الفاروق عمر - رضي ms5972 الله عنه - ~~أنه لما تلقى القرآن بروح الكفر والعناد كرهه ونفر منه، ولما تلقاه ~~بروح العطف والرقة واللين على أخته التي شج وجهها أعجبه فآمن. إذن: ~~سلامة الطبع أو فساده لها أثر في تلقي القرآن والانفعال به. وما أشبه ~~هذه المسألة بمسألة التفاؤل والتشاؤم، فلو عندك كوب ماء قد ملئ نصفه، ~~فالمتفائل يلفت نظره النصف المملوء، في حين أن المتشائم يلفت نظره ~~النصف الفارغ، فالأول يقول: نصف الكوب ممتلئ. والآخر يقول: نصف الكوب ~~فارغ، وكلاهما صادق لكن طبعهما مختلف. وقد عالج القرآن مسألة التلقي ~~هذه في قوله تعالى: # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم ~~مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم ~~كافرون # [التوبة: 124-125]. فالآية واحدة، لكن الطبع المستقل مختلف، فالمؤمن ~~يستقبلها بملكات سليمة، فيزداد بها إيمانا، والكافر يستقبلها بملكات ~~فاسدة فيزداد بها كفرا، إذن: المشكلة في تلقي الحقائق واستقبالها أن ~~تكون ملكات التلقي فاسدة. ومن هنا نقول: إذا نظرت إلى الحق، فإياك أن ~~تنظره وفي جوفك باطل تحرص عليه، لا بد أن تخرج ما عندك من الباطل ~~أولا، ثم قارن وفاضل بين الأمور. وكذلك جاءت هذه المسألة في قول الله ~~تعالى: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهوآءهم * والذين اهتدوا زادهم هدى ~~وآتاهم تقواهم # [محمد: 16-17]. وقولهم: # ماذا قال آنفا.. # [محمد: 16] دليل على عدم اهتمامهم بالقرآن، وأنه شيء لا يؤبه له. ~~وكذلك في قوله تعالى: # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته ءاعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى ~~وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو ~~عليهم عمى.. # [فصلت: 44]. ومثال لسلامة التلقي من حياتنا المعاصرة إرسال التلفاز ~~مثلا، فقد تستقبله أنت في بيتك فتجده واضحا في حلقة من الحلقات أو ~~برنامج من البرامج، فتتمتع بما شاهدت، ثم تقابل صديقا فيشكو لك سوء ~~الإرسال وعدم ms5973 وضوح الصورة فيؤكد لك سلامة الإرسال، إلا أن العيب في جهاز ~~الاستقبال عندك، فعليك أولا أن تضبط جهاز الاستقبال عندك لتستقبل آيات ~~الله الاستقبال الصحيح. # إذن: قول الحق تبارك وتعالى: { وننزل من القرآن ما هو ~~شفآء ورحمة للمؤمنين.. } [الإسراء: 82] متوقف على سلامة ~~الطبع، وسلامة الاستقبال، والفهم عن الله تعالى. والشفاء: أن تعالج داء ~~موجودا لتبرأ منه. والرحمة: أن تتخذ من أسباب الوقاية ما يضمن لك عدم ~~معاودة المرض مرة أخرى، فالرحمة وقاية، والشفاء علاج. لكن، هل شفاء ~~القرآن شفاء معنوي لأمراض القلوب وعلل النفوس، فيخلص المسلم من ~~القلق والحيرة والغيرة، ويجتث ما في نفسه من الغل والحقد، ~~والحسد، إلى غير هذا من أمراض معنوية، أم هو شفاء للماديات، ولأمراض ~~البدن أيضا؟ والرأي الراجح - بل المؤكد - الذي لا شك فيه أن القرآن ~~شفاء بالمعنى العام الشامل لهذه الكلمة، فهو شفاء للماديات كما هو شفاء ~~للمعنويات، بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - وأنه خرج ~~على رأس سرية وقد مروا بقوم، وطلبوا منهم الطعام، فأبوا إطعامهم، ~~وحدث أن لدغ كبير القوم، واحتاجوا إلى من يداويه فطلبوا من يرقيه، ~~فقالوا: لا نرقيه إلا بجعل، وذلك لما رأوه من بخلهم وعدم إكرامهم ~~لهم، على حد قوله تعالى: # لو شئت لتخذت عليه أجرا.. # [الكهف: 77]. ولما اتفقوا معهم على جعل من الطعام والشياه قام أحدهم ~~برقية اللديغ بسورة الفاتحة فبرئ، فأكلوا من الطعام وتركوا الشياه إلى ~~أن عادوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسألوه عن حل هذا ~~الجعل فقال صلى الله عليه وسلم: # " ومن أدراك أنها رقية " # أي: أنها رقية يرقى بها المريض فيبرأ بإذن الله، ثم قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " كلوا منها، واجعلوا لي سهما معكم ". # فشفاء أمراض البدن شيء موجود في السنة، وليس عجيبة من العجائب لأنك ~~حين تقرأ كلام الله فاعلم أن المتكلم بهذا الكلام هو الحق سبحانه، وهو ~~رب كل شيء ومليكه، يتصرف في كونه بما يشاء، وبكلمة كن يفعل ما يريد، ~~وليس ببعيد أن يؤثر ms5974 كلام الله في المريض فيشفى. ولما تناقش بعض ~~المعترضين على هذه المسألة مع أحد العلماء، قالوا له: كيف يشفى المريض ~~بكلمة؟ هذا غير معقول، فقال العالم لصاحبه: اسكت أنت حمار!! فغضب الرجل، ~~وهم بترك المكان وقد ثارت ثورته، فنظر إليه العالم وقال: انظر ماذا ~~فعلت بك كلمة، فما بالك بكلمة، المتكلم بها الحق سبحانه وتعالى؟ ثم ~~يقول تعالى: { ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } [الإسراء: ~~82] لأنهم بظلمهم واستقبالهم فيوضات السماء بملكات سقيمة، وأجهزة ~~متضاربة متعارضة، فلم ينتفعوا بالقرآن، ولم يستفيدوا برحمات الله. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ~~ونأى بجانبه... }. ### || [17.83] # الله تعالى يريد أن يعطي الإنسان صورة عن نفسه لتكون عنده المناعة ~~الكافية إذا ما أصابه المرض، كما يعطي الطبيب جرعة الطعم أو التحصين ~~الذي يمنع حدوث مرض ما. فهاهي طبيعة الإنسان وسمته الغالبة، وعليه أن ~~يخفف من هذه الطبيعة، والمراد أن الإنسان إذا أنعم الله عليه استغنى ~~وأعرض. ولكي نوضح هذه المسألة نمثل لها - ولله المثل الأعلى - ~~بالوالد الذي يعطي للابن مصروفه كل شهر مثلا، فترى الولد لا يلتفت إلى ~~أبيه إلا أول كل شهر، حيث يأتي موعد ما تعود عليه من مصروف، وتراه طوال ~~الشهر منصرفا عن أبيه لا يكاد يتذكره، أما إذا عوده على أن يعطيه ~~مصروفه كل يوم، فترى الولد في الصباح يتعرض لأبيه ويظهر نفسه أمامه ~~ليذكره بالمعلوم. فالولد حين أعرض عن أبيه وانصرف عنه، ما الذي دعاه ~~إلى هذا التصرف؟ لأن الوالد أعطاه طاقة الاستغناء عنه طوال الشهر، فإن ~~كان الابن بارا مؤمنا فإنه لا ينسى فضل والده الذي وفر له طاقة ~~الاستغناء هذه، فيذكر والده بالخير، ويحمل له هذا الجميل. فإن كان هذا ~~هو الحال مع الرب الأدنى فهو كذلك مع الرب الأعلى سبحانه، فيقول تعالى: ~~{ وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض.. } [الإسراء: 83]. أي: ~~أعرض عنا وعن ذكرنا وانصرف عن منهجنا، ومن الناس من يعرض عن ذكر ~~الله، ولكنه يؤدي منهجه، ولو أدى المنهج مع ذكر صاحب المنهج ما نسى ~~المنعم ms5975 أبدا. وإذا شغل الإنسان بالنعمة عن المنعم، فكأنه يخطئ ~~المنعم، كما قال تعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. فالاستغناء هنا ليس ذاتيا في الإنسان، بل هو استغناء ~~موهوب، قد ينتهي في يوم من الأيام ويعود الإنسان من جديد يطلب النعمة من ~~المنعم سبحانه، يقول تعالى: # إن إلى ربك الرجعى # [العلق: 8]. ثم يتحدث الحق عن صفة أخرى في الإنسان: { وإذا مسه ~~الشر كان يئوسا } [الإسراء: 83] وهذه صفة مذمومة في الإنسان ~~الذي إذا ما تعرض لشر أو مسه ضر يقنط من رحمة الله، وكأن الحق ~~سبحانه يخاطب عبده الذي يقنط: لا يليق بك أن تقنط إذا ضاقت بك الدنيا، ~~وأنت مؤمن لا تعيش مع الأسباب وحدها إنما مع المسبب سبحانه، وما دمت ~~في رحاب مسبب الأسباب فلا تيأس ولا تقنط. لذلك يقولون: " لا كرب ~~وأنت رب " ، فيجوز لك القنوط إن لم يكن لك رب يتولاك، أما والرب ~~موجود فلا يليق بك، كيف ومن له أب لا يلقي لهموم الدنيا بالا، ~~ويستطيع أن يعتمد عليه في قضاء حاجاته، فما بالك بمن له رب يرعاه ~~ويتولاه، ويستطيع أن يتوجه إليه، ويدعوه في كل وقت؟ والحق سبحانه ~~حينما ينبهنا إلى هذه المسألة يريد أن يعطينا الأسوة به سبحانه ~~وتعالى، يريد أن يقول للإنسان: لا تحزن إن أديت للناس جميلا ~~فأنكروه، أو معروفا فجحدوه، وكيف تحزن وهم يفعلون هذا معي، وأنا رب ~~العالمين، فكثيرا ما أنعم عليهم، ويسيئون إلي، ويكفرون بي وبنعمتي. # وسيدنا موسى - عليه السلام - حينما طلب من ربه تعالى ألا يقال فيه ~~ما ليس فيه، قال له ربه: كيف، وأنا لم أفعل ذلك لنفسي؟! إنهم يفترون على ~~الله ما ليس فيه، ويكفرون به سبحانه وينكرون إيجاده ونعمه، فمن يغضب ~~لقول الكافرين أو إيذائهم له بعد هذا؟ لكن، لماذا ييأس الإنسان ويقنط؟ ~~لأنه في حال النعمة أعرض عن الله ونأى بجانبه: أي ابتعد عن ربه، لم ~~يعد له من يدعوه ويلجأ إليه أن يفرج عنه ضيق الدنيا. إذن: لما ~~أعرض في ms5976 الأولى يئس في الثانية. والله تعالى يجيب من دعاه ولجأ إليه ~~حال الضيق حتى إن كان كافرا، كما قال تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه.. # [الإسراء: 67]. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { قل كل يعمل ~~على شاكلته فربكم أعلم... }. ### || [17.84] # أي: أن كل إنسان يعمل على طريقته، وعلى طبيعته، وعلى مقدار ما تكونت به ~~من خلايا الإيمان، أو من خلايا إيمان اختلطت بخلايا عصيان، أو بما عنده ~~من خلايا كفر، فالناس مختلفون وليسوا على طبع واحد، فلا تحاول - إذن - أن ~~تجعل الناس على طبع واحد. وما دام الأمر كذلك، فليعمل كل واحد على ~~شاكلته، وحسب طبيعته، فإن أساء إليك إنسان سيء الطبع فلا تقابله بسوء ~~مثله، ولتعمل أنت على شاكلتك، ولتقابله بطبع طيب لذلك يقولون: لا تكافئ ~~من عصى الله فيك بأكثر من أن تطيع الله فيه. وبذلك يستقيم الميزان في ~~المجتمع، ولا تتفاقم فيه أسباب الخلاف. ثم يقول تعالى: { فربكم ~~أعلم بمن هو أهدى سبيلا } [الإسراء: 84] والرب: ~~المتولي للتربية، والمتولي للتربية لا شك يعلم خبايا المربى، ويعلم ~~أسراره ونواياه، كما قال تعالى: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { ويسألونك عن ~~الروح قل الروح من أمر ربي... }. ### || [17.85] # والسؤال يرد في القرآن بمعان متعددة، ووردت هذه الصيغة { ~~يسألونك } في مواضع عدة، فإن كان السؤال عن شيء نافع يضر الجهل ~~به أجابهم القرآن، كما في قوله تعالى: # ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا ~~النسآء في المحيض.. # [البقرة: 222]. وقوله تعالى: # يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به ~~عليم # [البقرة: 215]. فإن كان السؤال عن شيء لا يضر الجهل به، لفت القرآن ~~أنظارهم إلى ناحية أخرى نافعة، كما في سؤالهم عن الأهلة: كيف يبدو ~~الهلال صغيرا ثم يكبر ويكبر إلى أن يصير بدرا، ثم يأخذ في التناقص ~~ليعود كما بدأ؟ فالحديث مع العرب الذين عاصروا نزول القرآن في ms5977 هذه الأمور ~~الكونية التي لم نعرفها إلا حديثا أمر غير ضروري، وفوق مستوى فهمهم، ولا ~~تتسع له عقولهم، ولا يترتب عليه حكم، ولا ينتج عن الجهل به ضرر، ولو ~~أخبرهم القرآن في إجابة هذا السؤال بحقيقة دوران القمر بين الأرض والشمس ~~وما يترتب على هذه الدورة الكونية من ليل ونهار، وهم أمة أمية غير ~~مثقفة لاتهموا القرآن بالتخريف، ولربما انصرفوا عن أصل الكتاب كله. لكن ~~يحولهم القرآن، ويلفت أنظارهم إلى ما يمكن الانتفاع به من ~~الأهلة: # قل هي مواقيت للناس والحج.. # [البقرة: 189]. وقد يأتي السؤال، ويراد به اختبار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ومن ذلك ما حدث من اتفاق كفار مكة واليهود حيث قالوا لهم: ~~اسألوه عن الروح، وهم يعلمون تماما أن هذه مسألة لا يعلمها أحد، لكنهم ~~أرادوا الكيد لرسول الله، فلعله يقول في الروح كلاما يأخذونه عليه ~~ويستخدمونه في صرف الناس عن دعوته. ولا شك أنه سؤال خبيث لأن ~~الإنسان عامة يحب أن يظهر في مظهر العالم، ولا يحب أن يعجز أمام محاوره ~~فاستغلوا هذه العاطفة، فالرسول لن يصغر نفسه أمام سائليه من أهل مكة، ~~وسوف يحاول الإجابة عن سؤالهم. ولكن خيب الله سعيهم، فكانت الإجابة: ~~{ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ومآ ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا } [الإسراء: 85]. فعندما سمع ~~أهل الكتاب هذه الإجابة آمن كثيرون منهم لأنها طابقت ما قالته كتبهم عن ~~الروح، وأنها من عند الله. و { الروح } لها إطلاقات متعددة، منها: ~~الروح التي تمد الجسم بالحياة إن اتصلت به، كما في قوله تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر: 29]. فإذا ما فارقت هذه الروح الجسد فقد فارق الحياة، وتحول ~~إلى جثة هامدة، وفيها يقول تعالى: # فلولا إذا بلغت الحلقوم # [الواقعة: 83]. وقد تأتي الروح لتدل على أمين الوحي جبريل عليه السلام، ~~كما في قوله تعالى: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. وقد تطلق الروح على الوحي ذاته، كما في قوله تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]. وتأتي ms5978 بمعنى التثبيت والقوة، كما في قوله تعالى: # أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح ~~منه.. # [المجادلة: 22]. وأطلقت الروح على عيسى ابن مريم - عليه السلام - في ~~قوله تعالى: # إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.. # [النساء: 171]. إذن: لهذه الكلمة إطلاقات متعددة، فما العلاقة بينها؟ ~~قالوا: الروح التي بها حركة الحياة إذا وجدت في الإنسان تعطي مادية ~~الحياة، ومادية الحياة شيء، وقيم الحياة شيء آخر، فإذا ما جاءك شيء ~~يعدل لك قيم الحياة فهل تسميه روحا؟ لا، بل هو روح الروح لأن الروح ~~الأولى قصاراها الدنيا، لكن روح المنهج النازل من السماء فخالدة في ~~الآخرة، فأيهما حياته أطول؟ لذلك فالحق سبحانه ينبهنا: إياك أن ~~تظن أن الحياة هي حياتك أنت وكونك تحس وتتحرك وتعيش طالما فيك روح، ~~لا بل هناك روح أخرى أعظم في دار أخرى أبقى وأدوم: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. لأن الروح التي تعيش بها في الدنيا عرضة لأن تؤخذ ~~منك، وتسلب في أي مرحلة من مراحل حياتك منذ وجودك جنينا في بطن أمك، ~~إلى أن تصير شيخا طاعنا في السن.. أما روح الآخرة، وهي روح القيم ~~وروح المنهج، فهي الروح الأقوى والأبقى لأنها لا يعتريها الموت. إذن: ~~سمي القرآن، وسمي الملك النازل به روحا لأنه سيعطيني حياة أطول هي ~~حياة القيم في الآخرة. وهنا يقول تعالى: { قل الروح من أمر ~~ربي.. } [الإسراء: 85]. أي: أن هذا من خصوصياته هو سبحانه، وطالما هي ~~من خصوصياته هو سبحانه، فلن يطلع أحدا على سرها. وهل هي جوهر يدخل ~~الجسم فيحيا ويسلب منه فيموت، أم هي مراد بكن من الخالق سبحانه، فإن ~~قال لها كن تحيا، وإن قال مت تموت؟ إن علم الإنسان سيظل قاصرا عن ~~إدراك هذه الحقيقة، وسيظل بينهما مسافات طويلة لذلك قال تعالى بعدها: { ~~ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا } [الإسراء: 85]. وهل ~~عرف العقل البشري كل شيء حتى يبحث في أسرار الروح؟! ولما تعرض أحد رجال ~~الصوفية للنقد، واعترض عليه ms5979 أحد الأشخاص فقال له الصوفي: وهل أحطت ~~علما بكل شيء في الكون؟ قال الرجل: لا، قال: فأنا من الذي لا تعلم. ~~والحق سبحانه وتعالى حينما يعطينا فكرة عن الأشياء لا يعطينا بحقائق ~~ذاتها وتكوينها لأن أذهاننا قد لا تتسع لفهمها، وإنما يعطينا بالفائدة ~~منها. فحين حدثنا عن الأهلة قال: # قل هي مواقيت للناس والحج.. # [البقرة: 189]. وهذه هي الفائدة التي تعود علينا والتي تهمنا من ~~الأهلة، أما حركتها ومنازلها والمراحل التي تمر بها الأهلة فأمور ~~لا يضر الجهل بها ذلك لأن الاستفادة بالشيء ليست فرعا لفهم حقيقته، ~~فالرجل الأمي في ريفنا يقتني الآن التلفاز وربما الفيديو، ويستطيع ~~استعمالهما وتحويل قنواتهما وضبطهما، ومع ذلك فهو لا يعرف كيف تعمل هذه ~~الأجهزة؟ وكيف تستقبل؟ إذن: الاستفادة بالشيء لا تحتاج معرفة كل شيء ~~عنها، فيكفيك - إذن - أن تستفيد بها دون أن تدخل نفسك في متاهات البحث ~~عن حقيقتها. # والحق سبحانه وتعالى ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: # ولا تقف ما ليس لك به علم.. # [الإسراء: 36] لأن الخالق سبحانه يريد للإنسان أن يوفر طاقاته الفكرية ~~ليستخدمها فيما يجدي، وألا يتعب نفسه ويجهدها في علم لا ينفع، ~~وجهل لا يضر. فعلى المسلم بدل أن يشغل تفكيره في مثل مسألة الروح هذه، ~~أن ينشغل بعمل ذي فائدة له ولمجتمعه. وأي فائدة تعود عليك إن توصلت ~~إلى سر من أسرار الروح؟ وأي ضرر سيقع عليك إذا لم تعرف عنها شيئا؟ ~~إذن: مناط الأشياء أن تفهم لماذا وجدت لك، وما فائدتها التي تعود عليك. ~~والحق سبحانه حينما قال: { ومآ أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا } [الإسراء: 85] كان يخاطب بها المعاصرين لرسول الله منذ ما ~~يزيد على ألف وأربعمائة عام، وما زال يخاطبنا ويخاطب من بعدنا، وإلى أن ~~تقوم الساعة بهذه الآية مع ما توصلت إليه البشرية من علم، وكأنه سبحانه ~~يقول: يا ابن آدم، الزم غرزك، فإن وقفت على سر فقد غابت عنك أسرار. ~~وقد أوضح الحق سبحانه لنا هذه المسألة في قوله: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ms5980 حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. وهاهم العلماء والباحثون يقفون كل يوم على جديد في الكون ~~الفسيح وفي الإنسان، ولو تابعت ما توصل إليه علماء الفضاء ورجال الطب ~~لهالك ما توصلوا إليه من آيات وعجائب في خلق الله تعالى، لكن هل ~~معنى ذلك أننا عرفنا كل شيء؟ إن كلمة { سنريهم } ستظل تعمل إلى قيام ~~الساعة. والمتتبع لطموحات العقول وابتكاراتها يجد التطور يسير بخطى ~~واسعة، ففي الماضي كان التقدم يقاس بالقرون، أما الآن ففي كل يوم يطلع ~~علينا حديث وجديد، ونرى الأجهزة تصنع ولا تستعمل لأنها قبل أن تباع ~~يخرج عليها أحدث منها، لكن كلها زخارف الحياة وكمالياتها، كما قال تعالى: # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت.. # [يونس: 24]. فكل ما نراه من تقدم ليس من ضروريات الحياة، فقد ~~كنا نعيش بخير قبل أن نعرف الكهرباء، وكنا نشرب في الفخار والآن في ~~الكريستال، فابتكارات الإنسان في الكماليات، أما الضروريات فقد ضمنها ~~الخالق سبحانه قبل أن يوجد الإنسان على هذه الأرض. فإذا ما استنفدت ~~العقول البشرية نشاطاتها، وبلغت منتهى ما لديها من ابتكارات، حتى ظن ~~الناس أنهم قادرون على التحكم في زمام الكون، لا يعجزهم فيه شيء، كما قال ~~تعالى: # وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ~~ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن ~~بالأمس.. # [يونس: 24]. فبعد ما أخذتم أسرار المنعم في الكون على قدر ما ~~استطعتم، فاذهبوا الآن إلى المنعم ذاته لتروا النعيم على حقيقته، وكلما ~~رأيت في دنيا الناس ابتكارات واختراعات تسعد الإنسان، فهذا ما أعد ~~البشر للبشر، فكيف بما أعد الله الخالق لخلقه؟ فالمفروض أن زخارف ~~الحياة وزينتها وكمالياتها لا تدعونا إلى الحقد أو الحسد لمن توفرت ~~لديه، بل تدعونا إلى مزيد من الإيمان والشوق إلى النعيم الحقيقي عند ~~المنعم سبحانه. ولو تأملت هذه الارتقاءات البشرية لوجدتها قائمة على ~~المادة التي خلقها الله والعقل المخلوق لله والطاقة المخلوقة لله، فدور ~~الإنسان أنه أعمل عقله وفكره في المقومات التي خلقها الله، لكن مهما ~~وصلت هذه الارتقاءات، ومهما تطورت هل ستصل ms5981 إلى درجة: إذا خطر الشيء ~~ببالك تجده بين يديك؟ ثم يقول الحق سبحانه: { ولئن شئنا ~~لنذهبن بالذي أوحينا إليك... }. ### || [17.86] # الحق سبحانه في هذه الآية يريد أن يربي الكفار ويؤنبهم، ويريد أن ~~يبرئ ساحة رسوله صلى الله عليه وسلم ويتحمل عنه المسئولية، فهو مجرد ~~مبلغ عن الله، وإياكم أن تقولوا عنه مفتر، أو أتى بشيء من عنده، ~~بدليل أنني لو شئت لسلبت ما أوحيته إليه وقرأه عليكم وسمعتموه أنتم ~~وكتبه الصحابة. فإن سأل متسائل: وكيف يذهب الله بوحي منزل على رسوله، ~~وحفظه وكتبه الصحابة، وسمعه الكفار؟ نقول: أولا: سياق الآية يدلنا على ~~أن هذه العملية لم تحدث لأن الحق سبحانه يقول: { ولئن شئنا.. } ~~[الإسراء: 86] بمعنى: لو شئنا فعلنا ذلك، فالفعل لم يحدث، والمراد بيان ~~إمكانية ذلك ليبرئ موقف رسول الله، وأنه ليس له من الأمر شيء. ~~والغريب أن يفهم البعض من قوله تعالى: # ليس لك من الأمر شيء.. # [آل عمران: 128] أنها ضد رسول الله، وقدح في شخصه، وليس الأمر كذلك ~~لأنه ربه تبارك وتعالى يريد أن يتحمل عنه ما يمكن أن يفسد العلاقة ~~بينه وبين قومه، وكأنه يقول لهم: لا تغضبوا من محمد فالأمر عندي أنا، ~~وشبهنا هذا الموقف بالخادم الذي فعل شيئا، فيأتي سيده ليدافع عنه، ~~فيقول: أنا الذي أمرته. ثانيا: لماذا نستبعد في قدرة الخالق سبحانه أن ~~يسلب منا ما أوحاه لرسوله وحفظناه وكتبناه، ونحن نرى فاقد الذاكرة ~~مثلا لا يكاد يذكر شيئا من حياته، فإذا ما أرادوا إعادة ذاكرته يقومون ~~بإجراء عملية جراحية مثلا، فما أشبه هذه بتلك. ونلاحظ في الآية جملة ~~شرطية، أداة الشرط فيها " إن " ، وهي تستخدم للأمر المشكوك في حدوثه، ~~على خلاف " إذا " فتأتي للأمر المحقق. ثم يوضح لنا الحق سبحانه أنه ~~إن ذهب بما أوحاه لرسوله، فلن يستطيع أحد إعادته { ثم لا تجد ~~لك به علينا وكيلا } [الإسراء: 86]. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~إلا رحمة من ربك إن فضله... }. ### || [17.87] # قوله تعالى: { إلا رحمة من ربك.. } [الإسراء: 87] أي: أنك ~~لا تجد لك وكيلا في ms5982 أي شيء إلا من جانب رحمتنا نحن، لأن فضلنا عليك ~~كبير. ثم يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ليعلن تحديه ~~للعالمين: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن... }. ### || [17.88] # قل لا يقولها الحق سبحانه بينه وبين رسوله، بل المراد: أعلنها يا محمد ~~على الملأ، وأسمع بها الناس جميعا لأن القضية قضية تحد للجميع. { ~~لئن اجتمعت الإنس والجن.. } [الإسراء: 88] وهما ~~الثقلان اللذان يكونان أمة التكليف لما منحهما الله من نعمة الاختيار ~~الذي هو مناط التكليف. وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهما ~~جميعا، وقد استمعت الجن إلى القرآن كما استمعت إليه البشر: # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ~~فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى ~~الرشد فآمنا به.. # [الجن: 1-2]. والتحدي معناه الإتيان بآية معجزة يعجز عنها المعارض، ~~لكن من جنس ما نبغ فيه المعارض، فلا يتحداهم بشيء لا علم لهم به، ولا ~~خبرة لهم فيه لأنه لا معنى للتحدي في هذه الحالة ولا جدوى منه، كما لو ~~تحديت إنسانا عاديا برفع الأثقال ولم يسبق له أن ارتاض هذه ~~الرياضة، إنما تتحدى بها بطلا معروفا عنه ممارسة هذه العملية. لذلك ~~جاءت كل معجزات الرسل من جنس ما نبغ فيه القوم ليكون التحدي في محله، ~~ولا يعترضون عليه بأنه خارج عن نطاق علمهم ومقدرتهم، فكانت معجزة موسى - ~~عليه السلام - العصا واليد، وهي من جنس ما نبغ فيه قومه من السحر، ~~وجاءت معجزة عيسى - عليه السلام - إحياء الموتى بإذن الله، وإبراء الأكمه ~~والأبرص لأن قومه نبغوا في الطب، وكانت معجزته صلى الله عليه وسلم في ~~البلاغة والفصاحة التي نبغ فيها العرب. وقد اقترح كفار مكة على رسول الله ~~آيات معينة لإثبات صدق رسالته، لكن الآيات لا تقترح على الله تعالى ~~لأنه سبحانه هو الذي يختار الآيات التي تناسب الطباع وتكون معجزة تثبت ~~صدق رسوله، وقد اقترحوا على رسول الله آيات ومعجزات في مجالات لا ~~علم لهم بها، فكيف يتحداهم الله في مجال لا نبوغ ms5983 لهم فيه، وليس لهم ~~دراية به؟ والحق سبحانه أنزل القرآن، وجعله المعجزة الوحيدة لصدق محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وهو المعجزة الوحيدة لكل أمة الإسلام من لدن رسول ~~الله إلى قيام الساعة. وهذا لا يمنع أن توجد معجزات كونية حدثت لرسول ~~الله ليراها القوم الذين عاصروه، ومثل هذه المعجزات لا نطالب بها نحن، ~~ولا نطالب بالإيمان بها، إلا إذا وردت من صادق معصوم لأن الهدف من هذه ~~المعجزات تثبيت الإيمان برسول الله في نفوس من شاهدوها، فنبوع الماء ~~من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم، وكون الشجرة تسعى إليه والحيوان ~~يكلمه، فالمقصود بهذه المعجزات من شاهدها وعاصرها، لا من أتى بعد ~~عصره صلى الله عليه وسلم. وفي القرآن خاصية تفرد بها عن الكتب السابقة، ~~حيث نزل جامعا بين أمرين: أنه منهج سماوي ينظم حركة الحياة، وهو في ~~الوقت نفسه معجزة مصاحبة للمنهج لا تنفك عنه إلى قيام الساعة. # أما الكتب السابقة فكانت تأتي بمنهج فقط، أما المعجزة فشيء آخر منفصل عن ~~الكتاب، فمعجزة موسى العصا واليد وكتابه التوراة، ومعجزة عيسى إبراء ~~الأكمه والأبرص، وكتابه الإنجيل، أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد انفرد ~~بأن تكون معجزته هي منهجه. لذلك لما طلب كفار مكة من رسول الله أن ~~يفسح لهم جبال مكة، ويوسع عليهم الأرض، وأن يحيي لهم موتاهم ~~ليشهدوا بصدقه، خاطبهم الحق سبحانه بقوله: # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به ~~الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا.. # [الرعد: 31]. أي: كان في القرآن غناء لكم عن كل هذه المسائل. وقد ~~اعترض المستشرقون على هذه القضية، فقالوا: إن كانت الرسالة المحمدية ~~للناس كافة، وجاءت معجزته في البلاغة والفصاحة ليتحدى بها قومه من ~~العرب، فما لون الإعجاز لغير العرب؟ نقول: أولا: إذا كان العرب الذين ~~ارتاضوا على الملكة العربية وأساليبها قد عجزوا أمام هذا التحدي، ~~فغيرهم ممن اتخذ العربية صناعة لا شك أعجز. ثانيا: من قال إن ~~المعجزة في القرآن في فصاحته وبلاغته فقط؟ لقد جاءت بلاغة القرآن ms5984 وفصاحته ~~للأمة المتلقية للدعوة الأولى، هؤلاء الذين سيحملون عبء الدعوة، ~~ويسيحون بها في شتى بقاع الأرض، فإذا ما انتشرت الدعوة كانت المعجزة ~~للناس الآخرين من غير العرب شيئا آخر. فالغيبيات التي يخبرنا بها، ~~والكونيات التي يحدثنا عنها، والتي لم تكن معلومة لأحد نجدها موافقة ~~تماما لما جاء به القرآن، وهو منزل على نبي أمي، وفي أمة أمية ~~غير مثقفة، فهذه كلها نواحي إعجاز للعرب ولغيرهم، وما زلنا حتى الآن ~~نقف أمام آيات، وننتظر من العلم أن يكشف لنا عن معناها. وفي الماضي ~~القريب توصل العلم إلى أن الذرة أصغر شيء في الوجود، وقد ذكر القرآن ~~الذرة في مثل قوله: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. وبتقدم وسائل البحث توصلوا إلى تفتيت الذرة أو ~~شطرها، ووجدنا في الكون ما هو أقل من الذرة، فظن البعض أن هذه لا ذكر ~~لها في القرآن، وظنوا أنهم تصيدوا على القرآن مأخذا، ولو أمعنوا النظر ~~في كتاب الله لوجدوا لهذا التطور العلمي رصيدا في كتاب الله حيث قال ~~تعالى: # وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين # [يونس: 61]. والقرآن يقول { أصغر } لا صغير، فلو فتتنا أجزاء ~~الذرة لوجدنا لها رصيدا واحتياطا في كتاب الله، ألا ترى في ذلك ~~إعجازا؟ إذن: تحداهم الحق سبحانه بقوله: { قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن. # . } [الإسراء: 88] وأدخل الجن في مجال التحدي لأن العرب كانوا ~~يعتقدون أن لكل شاعر نابغ، أو أديب مفوه، أو عبقري عنده نبوغ بياني ~~شيطانا يلهمه، وهذه الشياطين تسكن واديا عندهم يسمونه " وادي عبقر " ~~، لذلك لم يكتف القرآن بتحديهم هم، بل تحدى أيضا من يلهمونهم، أو ~~من ينسبون إليهم القوة في هذا الأمر. ثم يقول تعالى: { على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن.. } [الإسراء: 88] فالتحدي أن ~~يأتوا بمثله لأنه لا يمكن أن يأتوا به نفسه لأنه نزل من عند الله وانتهى ~~الأمر، فمستحيل أن يأتوا به نفسه ms5985 مرة أخرى لأن الواقع لا يقع مرتين. ~~إذن: المتصور في مجال التحدي أن يأتوا بمثله، فلو قلت: هذا الشيء مثل ~~هذا الشيء، فلا شك أن المشبه به أقوى وأصدق من المشبه، ولا يرتقي ~~المشبه ليكون هو المشبه به بل مثله، فإذا انتفى المثل فقد انتفى الأصل من ~~باب أولى. فالحق سبحانه في قوله: { لا يأتون بمثله.. } ~~[الإسراء: 88] لا ينفي عنهم أن يأتوا بقرآن، بل بمثل القرآن، فإذا كانوا ~~لا يأتون بالصورة، فهل يقدرون على الأصل؟! ثم يقول تعالى زيادة في ~~التحدي: { ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } [الإسراء: 88]. ~~والظهير: هو المعاون والمساعد والمعين على الأمر، ومنه قوله تعالى: # وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل ~~وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4]. لأنه قد يقول قائل: إن هذه المهمة لا يقوم بها فرد واحد، ~~فقال لهم سبحانه: بل هاتوا كل ما لديكم من طاقات إبداعية وعبقريات ~~بيانية، واستعينوا بما تزعمون من إلهام الجن، وتعاونوا جميعا في سبيل ~~هذا التحدي، حتى إذا كان في أحدكم نقص أكمله الآخر. لكن، هل ظل ~~التحدي قائما على أن يأتوا بمثل القرآن؟ المتتبع لهذا الموضوع في ~~القرآن الكريم يجد الحق تبارك وتعالى يتنزل معهم في القدر المطلوب ~~للتحدي، وهذا التنزل يدل على ارتقاء التحدي، فبعد أن تحداهم بأن ~~يأتوا بمثل القرآن، تحداهم بعشر سور، ثم تحداهم بسورة واحدة، وكلما ~~تنزل معهم درجة ارتقى بالتحدي، فلا شك أن تحديهم بسورة واحدة أبلغ من ~~تحديهم بمثل هذا القرآن. وهذا التنزل الذي يفيد الارتقاء كما نجمع ~~مثلا بين المتناقضات، فنقول: صعد إلى الهاوية، وانحدر إلى القمة. ومع ~~هذا التنزل لم يستطيعوا الإتيان بمثل آية واحدة من كتاب الله. ويجب أن ~~نلتفت إلى مغزى آخر من وراء هذا التحدي، فليس الهدف منه تعجيز القوم، بل ~~أن نثبت لهم السواسية بين الخلق، فالجميع أمام الإله الواحد سواء، وهذه ~~هي القضية التي تزعجهم وتقض مضاجعهم، والقرآن سيثبت لهم صدق محمد، ~~وسيرفع من مكانته بين القوم، وهم الذين يحاولون إيذاءه ويدبرون لقتله. ms5986 # ولذلك من غبائهم أن قالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إذن: فاعتراضهم ليس على القرآن في حد ذاته، بل على ~~محمد الذي نزل القرآن عليه، فهم يحسدونه على هذه المكانة، كما قال تعالى: # أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله.. # [النساء: 54]. وسبحان الله، إذا كان الخلق يختلفون أمام رحمة الله في ~~مسائل الدنيا التي لهم فيها أسباب وسعي واجتهاد، فكيف بالأمر الذي ليس ~~في أيديهم؟ كيف يريدون التدخل فيه: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات.. # [الزخرف: 32]. ثم يتحدث الحق سبحانه عن طبيعة الأداء القرآني، فيقول: { ~~ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل ~~مثل... }. ### || [17.89] # التصريف: هو التحويل والتنويع بأساليب مختلفة لزيادة البيان، والمراد أن ~~القرآن الكريم لا يعالج القضايا بأسلوب رتيب جامد، بل يحول الكلام بين ~~أساليب متعددة لأنه يخاطب طباعا متعددة، ويتعرض أيضا لموضوعات متعددة ~~ومعاني مختلفة، فلا بد أن يصرف الأسلوب ويقلبه على أكثر من وجه، ~~فالذي لا يفهم هذه يفهم هذه، فيعرض المعنى الواحد بأساليب متعددة وأمثال ~~مختلفة. ونأخذ مثالا على ذلك قضية القمة، وهي الألوهية ووحدانية الله ~~تعالى، فنرى القرآن يعرضها في معارض مختلفة هكذا: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا.. # [الأنبياء: 22]. أي: في السماء والأرض. وهذا الأسلوب قد لا يفهمه غير ~~العربي لأنه يفتقد الملكة اللغوية التي يتلقى بها كلام الله، وقد ~~يعترض فيقول: إلا أداة استثناء. فالمعنى: لو كان فيهما آلهة خارج منهم ~~الله لفسدتا، فلو كانت هناك آلهة ومعهم الله فهذه لا تجوز لأنها ~~مشاركة، لكنها تفيد أن الله تعالى موجود، وإن كان معه آخرون، والمنطق في ~~هذه الحالة يقول: لو كان في السماء والأرض آلهة ومعهم الله لا تفسد. لكن ~~الحقيقة أن { إلا } هنا ليس للاستثناء، بل هي اسم بمعنى غير. فالمعنى ~~إذن: لو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا. ثم يعرضها بأسلوب آخر، فيقول ~~تعالى: # ما اتخذ الله من ولد وما كان ms5987 معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض.. # [المؤمنون: 91]. فالحق تبارك وتعالى منزه عن الولد والشريك، إذ لو كان ~~معه إله آخر لذهب كل إله بما خلق، واختص نفسه بمنطقة معينة، ولعلا ~~بعضهم على بعض، فإن أرادوا إبراز شيء للوجود، فأيهما يبرزه؟ إن قدر ~~على إبراز واحد فالآخر عاجز، وإن لم يقدر عليه واحد بمفرده، فهما عاجزان ~~لا يصلحان للألوهية. ثم يعرض نفس القضية بأسلوب آخر، فيقول: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. أي: إن كان مع الله آلهة كما يدعي المشركون لذهب ~~هؤلاء الآلهة إلى ذي العرش يعاتبونه أو يؤدبونه، أو يعاقبونه لأنه ~~انفرد بالملك من دونهم. وبأسلوب آخر يقول تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18]. ولم يأت من ينازعه هذه المكانة، أو يدعيها ~~لنفسه، إذن: فقد ثبتت له هذه القضية إلى أن يوجد معارض، فالمختلف فيه ~~يتفق عليه إن لم يظهر له معارض. وسبق أن ضربنا لذلك مثلا، ولله المثل ~~الأعلى: هب أن جماعة انصرفوا من مجلس، ثم وجد صاحب البيت حافظة نقود في ~~مكان مجلسهم فعرضها عليهم، فلم يدعها أحد لنفسه إلا رجل واحد قال: هي ~~لي، أيشك صاحب البيت أنها له؟ نرى هذا التصريف أيضا في أسلوب القرآن ~~في مسألة ادعاء أن لله تعالى ولدا، تعالى الله عما يقول المبطلون ~~علوا كبيرا، فيعرضها القرآن هكذا: # وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله.. # [التوبة: 30] فيرد القرآن هذا الزعم بقوله تعالى: # بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم ~~تكن له صاحبة.. # [الأنعام: 101]. وفي موضع آخر يعرض المسألة هكذا: # ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما ~~يشتهون # [النحل: 57]. أي: فإن كنتم تريدون مقاسمة الخالق سبحانه، فهل يليق أن ~~تأخذوا أنتم البنين لأنهم المفضلون حسب زعمكم، وتتركون له تعالى ~~البنات: # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22] أي: قسمة جائرة. وهكذا يصرف القرآن أسلوبه، ويحوله ~~ليقنع به ms5988 جميع العقول ليناسب كل الطباع. وتمتاز لغة العرب بالمثل والحكمة ~~لذلك كان من التصريف في أسلوب القرآن استخدام المثل، وهو تعبير موجز، ~~يحمل المعاني الكثيرة وتتعشق لفظه، وتقوله كما هو دون تغيير إذا جاءت ~~مناسبته. فإذا أرسلت أحدا في مهمة أو جماعة، فيمكنك حين عودتهم تقول ~~لهم مستفهما: ماذا وراءك يا عصام؟ هكذا بصيغة المؤنثة المفردة، لأن ~~المثل قيل هكذا، حيث أرسل أحدهم امرأة تسمى عصام لتخطب له إحدى النساء ~~وحينما أقبلت عليه خاطبها بهذه العبارة، فصارت مثلا. وكما تقول لصاحبك ~~الذي يتعالى عليك: إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا إذن: المثل يمتاز بأنه ~~يثبت على لفظه الأول ولا يتغير عنه. أما الحكمة فهي: قول شارد يقوله كل ~~واحد، وهو كلام يقل لفظه، ويجل معناه. كما تقول: " رب أخ لك لم ~~تلده أمك ". " لا تعلم العوان الخمرة ". " إن المنبت لا ~~أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى " أي: أن الذي يجهد دابته في السير لن يصل ~~إلى ما يريد لأنها ستنقطع به ولا توصله. ومن الحكمة هذه الأبيات ~~الشعرية التي صارت حكمة متداولة: # ومن يك ذا فم مر مريض # يجد مرا به الماء الزلالا # وقوله: # وأتعس الناس حظا من تكون له # نفس الملوك وحالات المساكين # وهب أن ولدك أهمل دروسه طوال العام وعند الامتحان أخذ يجد ويجتهد ~~ويرهق نفسه، هنا يمكنك أن تقول له: قبل الرماء تملأ الكنائن والكنانة ~~هي المخلاة التي توضع بها السهام، وهذه لا بد أن يعدها الصياد ~~قبل صيده لا وقت الصيد. إذن: لأهمية المثل في لغة العرب جعله القرآن ~~لونا أسلوبيا، وأداة للإقناع، كما في قوله تعالى: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها.. # [البقرة: 26]. لأن الله تعالى يخاطب بالقرآن عقولا مختلفة وطبائع ~~متعددة لذلك لا يستحي أن يضرب المثل بأحقر مخلوقاته ليقنع الجميع ~~كلا بما يناسبه. وقوله: { فما فوقها } قد يقول قائل: ولماذا قال ~~{ فما فوقها } ، فالعجيب هنا مسألة الصغر؟ نقول: المراد بما ~~فوقها. # أي: في المعنى المراد، وهو الصغر. أي: ما ms5989 فوقها في الصغر لا أكبر ~~منها. ثم يأتي بالمعنى في صورة أخرى: # يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين ~~تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73]. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت لو كانوا يعلمون # [العنكبوت: 41]. إذن: يصرف الله الأمثال ويحولها ليأخذ كل طبع ~~ما يناسبه وما يقتنع به، وليس القرآن على وتيرة واحدة أو مزيج واحد يعطي ~~للجميع. بل يشخص الداءات ويحللها ويعالجها بما يناسبها لذلك يأتي ~~الأسلوب مختلفا. وهذه المسألة واضحة في الحديث النبوي الشريف، حيث كان ~~الصحابة يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم السؤال الواحد، وتأتي ~~الإجابة مختلفة من شخص لآخر، فقد سئل صلى الله عليه وسلم كثيرا: # " ما أفضل الأعمال يا رسول الله؟ فقال للسائل: " الصلاة لوقتها ". وقال ~~لآخر: " بر الوالدين " وقال لآخر: " أن تلقى أخاك بوجه طلق ". # وهكذا جاءت الإجابة مختلفة من شخص لآخر لأن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يراعي حال سائله، ويحاول أن يعالج نقطة الضعف فيه، فالأمر ليس ~~أكلشيه ثابتا يعطيه للجميع، بل هي مراعاة الأحوال والطباع. ثم يقول ~~تعالى: { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } [الإسراء: 89]. ~~نعرف أن إلا أداة استثناء، تخرج ما بعدها من حكم ما قبلها، كما تقول: ~~جاء القوم إلا زيدا، ولو طبقنا هذه القاعدة على الآية لا يستقيم ~~معناها، كما لو قلت: ضربت إلا زيدا، والآية أسلوب عربي فصيح. نقول: لأن ~~معنى أبى: لم يقبل ولم يرض، فالمراد: لم يرض إلا الكفور، فلا بد ~~للاستثناء المفرغ أن يسبق بنفي. ثم يقول الحق سبحانه: { وقالوا ~~لن نؤمن لك حتى تفجر لنا... }. ### || [17.90] # لن تفيد تأبيد نفي الفعل في المستقبل، تقول: أنا لم أصنع هذا، ولن ~~أصنعه. أي: في المستقبل. ومعلوم أن الإنسان ابن أغيار، لا يحكمه حال واحد ~~بل هو متقلب بين أحوال شتى طوال حياته، والله ms5990 تعالى وحده هو الذي لا ~~يتغير، وما دام الإنسان ابن أغيار ويطرأ عليه حال بعد حال، فليس له أن ~~يحكم على شيء حكما قاطعا في مستقبل هو لا يملكه، فالذي يملك الحكم ~~القاطع هو الحق سبحانه الذي لا تتناوله الأغيار. لذلك فالإنسان مثلا إذا ~~صعد حتى القمة نخاف عليه الهبوط لأنه من أهل الأغيار، ولا يدوم له حال، ~~إذن: فماذا بعد القمة؟ وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: # إذا تم شيء بدا نقصه # ترقب زوالا إذا قيل تم # والعجيب أن الناس يتطلعون في نعمة الله إلى التمام، فيقول أحدهم: يا ~~حبذا، لو حدث كذا لتمت هذه النعمة، وهم لا يدرون أن هذا النقص في ~~النعمة سبب بقائها، فلو تمت لك النعمة وأنت من أهل الأغيار، فماذا ~~تنتظر إلا زوالها؟ فليرض كل صاحب نعمة بما فيها من نقص، فلعل هذا ~~النقص يرد عنه عين حاسد، أو حقد حاقد. فبعض الناس يرزقه الله ~~بالأولاد ويعينه على تربيتهم، ولحكمة يفشل أحدهم فيحزن لذلك ويألم أشد ~~الألم، ويقول: لو أن هذا الولد.. وهو لا يدرك حكمة الله من وراء هذا ~~النقص، وأنه حارس للنعمة في الآخرين، وأنه التميمة التي تحميه وترد ~~عنه ما يكره. لذلك لما أراد المتنبي أن يمدح سيف الدولة قال له: # شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ # من شر أعينهم بعيب واحد # أي: نظروا إليك معجبين بما فيك من كمال، فاعمل عملا سيئا واحدا يصد ~~عنك شر أعينهم. إذن: لن تفيد تأبيد النفي في المستقبل، وهذا أمر لا ~~يملكه إلا مالك الأحداث سبحانه وتعالى، أما صاحب الأغيار فليس له ذلك، ~~والذين آمنوا فيما بعد برسول الله ممن قالوا هذه المقولة: { لن ~~نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } ~~[الإسراء: 90]. نستطيع أن نقول لهم: لقد أوقعتكم لن في الكذب لأنكم ~~أبدتم نفي الإيمان، وها أنتم مؤمنون، ولم يفجر لكم النبي ينبوعا ~~من الأرض. وعند فتح مكة وقف عكرمة بن أبي جهل وقال في الخندمة ما ~~قال، ثم رجع إلى النبي صلى ms5991 الله عليه وسلم مؤمنا معتذرا وخرج محاربا ~~مع خالد بن الوليد في اليرموك، وحين طعن الطعنة المميتة، وحمله خالد، ~~فإذا به يقول له: أهذه ميتة ترضي عني رسول الله؟ إذن: من يقول كلمة ~~عليه أن يكون قادرا على تنفيذها، مالكا لزمامها، ضامنا لنفسه ألا ~~يتغير، وألا تتناوله الأغيار، ولا يملك ذلك إلا الله سبحانه وتعالى. # والمتدبر لأسلوب القرآن في سورة الكافرون يجد هذه المسألة واضحة، حيث ~~يقول تعالى: # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم # [الكافرون: 1-4]. هكذا نفت الآية عبادة كل منهما لإله الآخر في الزمن ~~الحاضر، ثم يقول تعالى: # ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ ~~أعبد # [الكافرون: 4-5] لينفي أيضا احتمال العبادة في المستقبل، إذن: فليس في ~~الآية تكرار، كما يرى بعض قصار النظر. ولك الآن أن تسأل: كيف نفى ~~القرآن الحدث في المستقبل؟ نقول: لأن المتكلم هنا هو الحق سبحانه وتعالى ~~الذي يملك الأحداث ولا تغيره الأغيار، ولا تتسلط عليه، فحكم على ~~المستقبل هذا الحكم القاطع وأبد النفي فيه. ثم يقول تعالى: { حتى ~~تفجر لنا من الأرض ينبوعا } [الإسراء: 90]. وفي آية أخرى ~~قال: # وفجرنا الأرض عيونا.. # [القمر: 12]. فالتفجير: أن تعمل في الأرض عملية تخرج المستتر في ~~باطنها على ظهرها، وعين الماء تخرج لك الماء من الأرض، وتأخذ منه حاجتك ~~فلا ينقص لأنها تعوض ما أخذ منها بقانون الاستطراق، وقد يحدث أن يغيض ~~الماء فيها قليلا. أما الينبوع فتراه يفيض باستمرار دون أن ينقص فيه ~~منسوب الماء، كما في زمزم مثلا، ولا شك أن هذا المطلب منهم جاء نتيجة ~~حرمانهم من الماء، وحاجتهم الشديدة إليه. ويذكر الحق سبحانه أنهم واصلوا ~~حديثهم للرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: { أو تكون لك جنة ~~من نخيل وعنب... }. ### || [17.91] # سبق أن طلبوا الماء لأنفسهم، وهنا يطلبون للرسول { جنة } أي: بستان ~~أو حديقة من النخيل والعنب لأنهما الصنفان المشهوران عند العرب { ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا } [الإسراء: 91] أي: خلال ~~هذه الحديقة ms5992 حتى تستمر ولا تذبل. ويواصلون تحديهم لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فيقولون: { أو تسقط السمآء كما زعمت ~~علينا كسفا أو تأتي... }. ### || [17.92] # الزعم: هو القبول المخالف للواقع، ويقولون: الزعم مطية الكذب، قال ~~تعالى: # زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا.. # [التغابن: 7]. وإن كانوا اتهموا رسول الله بالزعم، فما هو إلا مبلغ ~~عن الله، وناقل إليهم منهج ربه، فإن أرادوا أن يتهموا فليتهموا الحق ~~سبحانه وتعالى لأن رسوله لا ذنب له، وقد جاءوا بمسألة إسقاط السماء ~~عليهم لأن الحق سبحانه سبق أن قال عنهم: # أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ~~من السمآء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو ~~نسقط عليهم كسفا من السمآء.. # [سبأ: 9]. لذلك طلبوا من رسول الله أن يوقع بهم هذا التهديد. و { ~~كسفا.. } [الإسراء: 92] أي: قطعا، ومفردها كسفة كقطعة. ويقول ~~تعالى: { أو تأتي بالله والملائكة قبيلا } [الإسراء: ~~92] أي: نراهم أمامنا هكذا مقابلة عيانا، وقد جاء هذا المعنى أيضا في ~~قوله تعالى: # وقال الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا ~~الملائكة أو نرى ربنا.. # [الفرقان: 21]. والمتأمل فيما طلبه الكفار من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يجده تعجيزا بعيدا كل البعد عن الواقع، مما يدلنا على أنهم ما ~~أرادوا الإيمان والهداية، بل قصدوا الجدل والعناد لذلك يقول الحق سبحانه ~~ردا على لجج هؤلاء وتعنتهم: # ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم ~~الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا.. # [الأنعام: 111]. ثم يقول تعالى عنهم أنهم قالوا: { أو يكون لك ~~بيت من زخرف أو ترقى في السمآء ولن نؤمن ~~لرقيك... }. ### || [17.93] # البيت: هو المكان المعد للبيتوتة، والزخرف: أي المزين، وكان الذهب ~~وما يزال أجمل أنواع الزينة لأن كل زخرف من زخارف الزينة يطرأ عليه ما ~~يغيره فيبهت لونه، وينطفئ بريقه، وتضيع ملامحه إلا الذهب، ونقصد هنا ~~الذهب الخالص غير المخلوط بمعدن آخر، فالذهب الخالص هو الذي لا يتأكسد ~~ولا يتفاعل مع غيره لذلك يظل على بريقه ورونقه، فإن كان البيت نفسه من ~~زخرف، فماذا سيكون شكله؟ ونرى ms5993 الذين يحبون أن ينافقوا نفاق الحضارات، ~~ويتبارون في زخرفة الصناعات يلصقون على المصنوعات الخشبية مثلا ~~طبقة أو قشرة من الذهب لتظل محتفظة بجمالها، كما في الأطقم الفرنساوي ~~أو الإنجليزي مثلا. ثم يقول تعالى: { أو ترقى في السمآء.. } ~~[الإسراء: 93]. أي: يكون لك سلم تصعد به في السماء، ويظهر أنهم تسرعوا ~~في هذا القول، ورأوا إمكانية ذلك، فسارعوا إلى إعلان ما تنطوي عليه ~~نفوسهم من عناد: { ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل ~~علينا كتابا نقرؤه.. } [الإسراء: 93]. وكأنهم يبيتون ~~العناد لرسول الله، فهم كاذبون في الأولى، وكاذبون في الثانية، ولو نزل ~~الله عليهم الكتاب الذي أرادوا ما آمنوا، وقد رد عليهم الحق سبحانه ~~بقوله: # ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه ~~بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذآ إلا سحر ~~مبين # [الأنعام: 7]. وانظر إلى رد القرآن على كل هذا التعنت السابق: { قل ~~سبحان ربي.. } [الإسراء: 93] وكلمة { سبحان } كلمة التنزيه ~~العليا للحق سبحانه وتعالى، وقد تحدى بها الكون كله لأنها كلمة لا ~~تقال إلا لله تعالى، ولم يحدث أبدا بين الناس أن قالها أحد لأحد، مع ~~ما في الكون من جبابرة وعتاة، يحرص الناس على منافقتهم وتملقهم، وهذه ~~كلمة اختيارية يمكن أن يقولها كل إنسان، لكن لم يجرؤ أحد على قولها ~~لأحد. والحق سبحانه وتعالى يتحدى الكون كله بأمور اختيارية يقدرون ~~عليها، وتحدى المختار في المثل معناها أنه سبحانه عالم بأن قدرته لن ~~تستطيع أن تفعل ذلك، ومثال ذلك قول الحق تبارك وتعالى: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب # [المسد: 1-3]. نزلت هذه الآيات في أبي لهب، وهو كافر، ويحتمل منه ~~الإيمان كما آمن غيره من الكفرة، فقد آمن عمر والعباس وغيرهم، فما كان ~~يدري رسول الله أن أبا لهب لن يؤمن، لكنه يبلغ قول ربه قرآنا ~~يتلى ويحفظ ويسجل، وفيه تقرير وشهادة بأن أبا لهب سيموت كافرا، ~~وأن مصيره النار. وهنا نقول: أما كان في إمكان أبي لهب أن يكذب هذا ~~القول، فيقوم في قومه مناديا ms5994 بلا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله - ~~ولو نفاقا - وله بعد ذلك أن يتهم محمدا وقرآن محمد بالكذب؟ لكن هذا ~~لم يحدث لأن المتكلم هو الله رب العالمين. # ومن هذا التحدي أن الحق سبحانه له صفات وله أسماء، الأسماء مأخوذة من ~~الصفات، إلا اسم واحد مأخوذ للذات، هو لفظ الجلالة الله، فهو علم على ~~الذات الإلهية لم يؤخذ من صفة من صفاته تعالى، فالقادر والغفور والحي ~~القيوم وغيرها من الأسماء مأخوذة من صفات، إنما الله علم على الذات ~~الجامعة لكل هذه الصفات. لذلك تحدى الخالق سبحانه جميع الخلق، وقد ~~أعطاهم الحرية في اختيار الأسماء أن يسموا أنفسهم أو أبناءهم بهذا ~~الاسم الله، ويعلن هذا التحدي في كتابه الكريم وعلى رؤوس الأشهاد يقول: # هل تعلم له سميا # [مريم: 65]؟ ومع ذلك لم يجرؤ كافر واحد على أن يسمي هذا الاسم ~~ليظل هذا التحدي قائما إلى قيام الساعة لأن الله تعالى حق، والإيمان ~~به وبوجوده تعالى متغلغل حتى في نفوس الكفار، فلو كانوا يعلمون أن هذه ~~الكلمة كذب، أو لا وجود لها لأقدموا على التسمية بها دون أن يبالوا ~~شيئا، أما وهم يعلمون أن الله حق فلن يجرؤ أحد، ويجرب هذه التسمية ~~في نفسه لأنه يخشى عاقبة وخيمة لا يدري ما هي. لذلك رد الحق سبحانه ~~على تعنت الكفار فيما طلبوه من رسوله صلى الله عليه وسلم قائلا: { ~~سبحان ربي.. } [الإسراء: 93] لأن الأمور التي طلبوها أمور بلغت ~~من العجب حدا، ولا يمكن أن يتعجب منها إلا بسبحان الله لأنها كلمة ~~التعجب الوحيدة والتي لا تطلق لغير الله، وكأنه أرجع الأمور كلها ~~لله، ولقد كان لهم غنى عن ذلك في كتاب الله الذي نزل إليهم: # أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون # [العنكبوت: 51]. والهمزة هنا للاستفهام المراد به التعجب أيضا: ~~أيطلبون هذه الآيات، ولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب، وقد كان فيه ~~غناء لهم. ثم يقول تعالى: { هل كنت إلا بشرا رسولا } ~~[الإسراء: 93]. هل ادعيت ms5995 لكم أني إله؟! ما أنا إلا بشر أبلغكم رسالة ~~ربي، وأفعل ما يأمرني به، كما في قوله تعالى: # قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم # [يونس: 15]. ثم يقول الحق سبحانه: { وما منع الناس أن ~~يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا... }. ### || [17.94] # أي: ما منعهم من الإيمان إلا هذه المسألة: أن يكون الرسول بشرا، هذه هي ~~القضية التي وقفت في حلوقهم: { أبعث الله بشرا رسولا } ~~[الإسراء: 94]. والمتأمل في مسألة التبليغ عن الله يجد أنها لا يمكن ~~أن تتم إلا ببشر، فكيف يبلغ البشر جنس آخر، ولا بد للتلقي عن الله ~~من وسائط بين الحق سبحانه وتعالى وبين الناس لأن البشر لا يستطيع أن ~~يتلقى عن القوة العليا مباشرة، فإذن: هناك مراحل: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشآء إنه علي حكيم # [الشورى: 51]. لكن الرسول البشري كيف يكلم الله؟ لا بد أن نأتي ~~برسول من الجنس الأعلى: # الله يصطفي من الملائكة رسلا.. # [الحج: 75] وهذا مرحلة، ثم يصطفي رسولا من البشر يتلقى عن الملك كي ~~يستطيع أن يبلغكم لأنكم لا تقدرون على اللقاء المباشر مع الحق ~~سبحانه. ونضرب لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى: أنت إذا أردت إضاءة لمبة ~~صغيرة وعندك تيار كهربائي عال، هل يمكن أن توصله بهذه اللمبة؟ لا ~~لأنها ستحترق فورا، إذن: ما الحل؟ الحل أن تأتي بجهاز وسيط يقلل لك ~~هذا التيار القوي، ويعطي اللمبة على قدر حاجتها فتضيء. كذلك الحق ~~سبحانه يصطفي من الملائكة رسلا يمكنهم التلقي عن الله ويصطفي من البشر ~~رسلا يمكنهم التلقي عن الملائكة، ثم يبلغ الرسول المصطفى من البشر ~~بني جنسه. إذن: فماذا يزعجكم في أن يكون الرسول بشرا؟ ولماذا تعترضون ~~على هذه المسألة وهي أمر طبيعي؟ يقول تعالى: # أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم ~~أن أنذر الناس.. # [يونس: 2]. وفي موضع آخر يقول سبحانه: ms5996 # واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جآءها ~~المرسلون * إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما ~~فعززنا بثالث فقالوا إنآ إليكم مرسلون * ~~قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا.. # [يس: 13-15]. إذن: فاعتراضهم على بشرية الرسول أمر قديم توارثه أهل ~~الكفر والعناد من أيام نوح - عليه السلام - ألم يقل له قومه: # فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا ~~بشرا مثلنا.. # [هود: 27]. وقالوا: # ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون # [المؤمنون: 34]. وقالوا: # أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا لفي ضلال ~~وسعر # [القمر: 24]. لذلك يدعونا الحق سبحانه وتعالى إلى النظر في السنة ~~المتبعة في الرسل: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم.. # [النحل: 43]. أي: ليسوا ملائكة، لا بد أن يكونوا رجالا ليتم ~~اللقاء بينكم، وإلا فلو جاء الرسول ملكا كما تقولون، هل سترون هذا ~~الملك؟ قالوا: لا هو مستتر عنا، لكنه يرانا، لكن تبليغ الرسالة لا ~~يقوم على مجرد الرؤية، فتبليغ الرسالة يحتاج إلى مخالطة ومخاطبة، وهنا لا ~~بد أن يتصور لكم الملك في صورة رجل ليؤدي مهمة البلاغ عن الله، ~~وهكذا نعود من حيث بدأنا لأنها الطبيعة التي لا يمكن لأحد الخروج عنها. ~~لذلك يقول سبحانه: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9] إذن: لا داعي للتمحك والعناد، ومصادمة الفطرة التي خلقها ~~الله، والطبيعة التي ارتضاها لخلقه. ثم يقول الحق سبحانه: { قل لو ~~كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين... }. ### || [17.95] # { قل } أي: ردا عليهم: لو أن الملائكة يمشون في الأرض مطمئنين ~~لنزلنا عليهم ملكا رسولا لكي يكون من طبيعتهم، فلا بد أن يكون ~~المبلغ من جنس المبلغ، وهذا واضح في حديث جبريل الطويل حينما جاء إلى ~~رسول الله يسأله عن بعض أمور الدين ليعلم الصحابة: ما الإحسان؟ ما ~~الإيمان؟ ما الإسلام. فيأتي جبريل مجلس رسول الله في صورة رجل من أهل ~~البادية، وبعد أن أدى مهمته انصرف دون أن يشعر به أحد، فلما سألوا ~~عنه قال لهم رسول الله: # " إنه جبريل، أتاكم ليعلمكم أمور دينكم ". # شيء آخر يقتضي بشرية ms5997 الرسول، وهو أن الرسول أسوة سلوك لقومه، كما قال ~~تعالى: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.. # [الأحزاب: 21]. وبالله، كيف تتم هذه الأسوة؟ وكيف يقتدي الناس بها إن ~~كان الرسول ملكا؟ فالرسول عندما يبلغ منهج الله عليه أن يطبق ~~هذا المنهج في نفسه أولا، فلا يأمرهم أمرا، وهو عنه بنجوة، بل هو ~~إمامهم في القول والعمل. لذلك فالحاكم الحق الناصح يطبق القانون عليه ~~أولا، فكان سيدنا عمر - رضي الله عنه - إذا أراد أن يقنن قانونا ويرى ~~أنه سيتعب بعض الظالمين والمنحرفين فيجمع أهله ويخبرهم بما أراد، ثم ~~يحذرهم من المخالفة: " فو الذي نفسي بيده، من خالفني منكم إلى شيء ~~لأجعلنه نكالا للمسلمين، وأنا أول من أطبقه على نفسي ". لذلك حكم ~~عمر الفاروق الدنيا كلها في عصره، ولما رآه الرجل نائما مطمئنا تحت ~~شجرة قال قولته المشهورة: " حكمت، فعدلت، فأمنت، فنمت يا عمر " وعمر ~~ما حكم الدنيا والبشر، بل حكم نفسه أولا فحكمت له الدنيا لأن الحاكم هو ~~مركز الدائرة، وحواليه دوائر أخرى صغيرة تراه وتقتدي به، فإن رأوه ~~مستقيما استقاموا، ولم يجرؤ أحد منهم على المخالفة، وإن رأوه منحرفا ~~فاقوه في المخالفة، وأفسدوا أضعاف ما يفسد. لذلك، لا يمكن أبدا لحاكم ~~أن يحكم إلا إذا حكم نفسه أولا، بعدها تنقاد له رعيته ويكونون طوعا ~~لأمره دون جهد منه أو تعب. ولقد رأينا في واقعنا بعض الحكام الذين فهموا ~~الأسوة على حقيقتها، فترى الواحد من رعيته يركب أفخم السيارات، ويسكن ~~أعظم القصور، حتى إن معظم أدواتها تكون من الذهب، في حين ترى هذا الحاكم ~~يعيش عيشة متواضعة وربما يعيش في قصر ورثه عن أبيه أو جده، وكأنه ~~يغلظ على نفسه ويبغي الرفاهية لرعيته. وكذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقد أتى بمنهج، وهو في الوقت نفسه أسوة سلوك وقدوة، فنراه صلى ~~الله عليه وسلم يحث الغني على الصدقة للفقير، ثم يحرم أهل بيته من هذه ~~الصدقة فلا يقبلها لهم، وإن توارث الناس فيما يتركونه من أموال فإن ما ~~تركه ms5998 الرسول لا يورث لأهله من بعده، بل هو صدقة لفقراء المسلمين، ~~وهكذا يحرم رسول الله أهل بيته مما أعطاه للآخرين لتكون القدوة صحيحة، ~~ولا يجد ضعاف النفوس مأخذا عليه صلى الله عليه وسلم. # إذن: فليس المراد من الحكم أن يتميز الحاكم عن المحكوم، أو يفضل بعض ~~الرعية على بعض، فإذا ما أحس الناس بالمساواة خضعوا للحاكم، وأذعنوا ~~له، وأطاعوا أمره لأنه لا يعمل لمصلحته الشخصية بل لمصلحة رعيته، بدليل ~~أنه أقل منهم في كل مستويات الحياة. فالرسول إن جاء ملكا فإن ~~الأسوة لا تتم به، فإن أمرنا بشيء ودعانا إلى أن نفعل مثله فسوف ~~نحتج عليه: كيف وأنت ملك لا شهوة لك، لا تأكل ولا تشرب ولا تتناكح ~~ولا تتناسل، إن هذه الأوامر تناسبك أنت، أما نحن فلا نقدر عليها. ومن هنا ~~لا بد أن يكون الرسول بشرا فإن حمل نفسه على منهج فلا عذر لأحد في ~~التخلف عنه لأنه يطبق ما جاء به ويدعوكم إلى الاقتداء بسلوكه. وسبق أن ~~ضربنا لذلك مثلا وقلنا: هب أنك رأيت في الغابة أسدا يصول ويجول ~~ويفتك بفريسته، بالله هل يراودك أن تكون أسدا؟ إنما لو رأيت فارسا على ~~صهوة جواده يصول ويجول ويحصد رقاب الأعداء، ألا تتطلع إلى أن تكون ~~مثله؟ إذن: لا تتم القدوة ولا تصح إلا إن كان الرسول بشرا، ولا داعي ~~للتمرد على الطبيعة التي خلقها الله. ثم يقول الحق سبحانه: { قل ~~كفى بالله شهيدا... }. ### || [17.96] # { قل } أي: ردا على ما اقترحوه من الآيات وعلى اعتراضهم على بشرية ~~الرسول: { كفى بالله شهيدا بيني وبينكم.. } [الإسراء: ~~96]. والشهيد إنما يطلب للشهادة في قضية ما، فما القضية هنا؟ القضية هي ~~قضية تعنت الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم طلبوا منه ما ~~ليس في وسعه. والرسول لا يعنيه المتعنتون في شيء لأن أمره مع ربه عز ~~وجل لذلك قال: { كفى بالله شهيدا.. } [الإسراء: 96]. فإن كانت ~~شهادة الشاهد في حوادث الدنيا تقوم على الإخبار بما حدث، وعليها يترتب ~~الحكم فإن شهادة الحق ms5999 سبحانه تعني أنه تعالى الشهيد الذي رأى، والحاكم ~~الذي يحكم، والسلطة التنفيذية التي تنفذ. لذلك قال: { كفى بالله ~~شهيدا.. } [الإسراء: 96]. فهو كافيك هذا الأمر لأنه كان بعباده { ~~خبيرا } يعلم خفاياهم ويطلع على نواياهم من وراء هذا التعنت { ~~بصيرا } لا يخفى عليه شيء من أمرهم. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { ~~ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد ~~لهم أوليآء من دونه... }. ### || [17.97] # سبق أن قلنا: إن الهداية نوعان: هداية الدلالة المطلقة والتي تكون ~~لجميع الخلق المؤمن والكافر، فقد دل الله المؤمن والكافر على الطريق ~~المستقيم وبينه لهم وأرشدهم إليه. والأخرى: هداية التوفيق والمعونة ~~للقيام بمطلوبات المنهج الذي آمنوا به، وهذه خاصة بالمؤمن، فبعد أن ~~دله الله آمن وصدق واعترف لله تعالى بالفضل والجميل، بأن أنزل له ~~منهجا ينظم حياته. فأتحفه الله تعالى بهداية التوفيق والمعونة. وعن ~~الهداية يقول الحق سبحانه: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى.. # [فصلت: 17]. أي: دللناهم على الطريق المستقيم، لكنهم استحبوا العمى ~~والضلال على الهدى، فمنع الله عنهم معونته وتوفيقه. والحق سبحانه يخاطب ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بأسلوبين قرآنيين يوضحان هذين النوعين من ~~الهداية، يقول تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء.. # [القصص: 56]. فنفى عن رسول الله هداية التوفيق والمعونة لأنه صلى الله ~~عليه وسلم لا يملكها، وفي آية أخرى قال تعالى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52]. فأثبت له هداية البيان والدلالة لأن هذه هي مهمته ~~كمبلغ عن الله، وهكذا أثبت له الحدث ونفاه عنه لأن الجهة منفكة أي: ~~أن جهة الإثبات غير جهة النفي، كما في قوله تعالى: # ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا ~~من الحياة الدنيا.. # [الروم: 6-7]. فمرة: نفى عنهم العلم، ومرة أخرى: أثبت لهم العلم. ~~والمراد أنهم لا يعلمون حقائق الأمور، ولكنهم يعلمون العلوم السطحية ~~الظاهرة منها. ونحن نكرر مثل هذه القضايا لكي تستقر في النفس ~~الإنسانية، وفي مواجيد المتدينين فينتفعوا بها. ومن ذلك أيضا قول الحق ~~سبحانه: # وما رميت إذ رميت ولكن الله ms6000 رمى.. # [الأنفال: 17]. فأثبت للرسول رميا، ونفى عنه رميا، لكن إذا جاء ~~هذا الكلام من بليغ حكيم فاعلم أن الجهة منفكة لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة بدر أخذ حفنة من التراب ورمى بها نحو أعدائه، وهذا هو ~~الرمي الذي أثبتته الآية، وقد تولت القدرة الإلهية إيصال ذرات هذه ~~الحفنة إلى عيون الأعداء، فأصابتهم جميعا وشغلتهم عن القتال، وهذا هو ~~الرمي الذي نفاه الحق عن رسوله صلى الله عليه وسلم. ولتقريب هذه ~~المسألة: ابنك الذي تحمله على المذاكرة وترغمه عليها يأتي بالكتب ويضعها ~~أمامه ويقلب فيها ليوهمك أنه يذاكر، فإذا ما راجعت معه ما ذاكر لا ~~تجده حصل شيئا فتقول له: ذاكرت وما ذاكرت، فتثبت له الحدث مرة، ~~وتنفيه عنه أخرى لأنه ذاكر شكلا، ولم يذاكر موضوعا. إذن: فالحق سبحانه ~~وتعالى يهدي الجميع هداية إرشاد وبيان ودلالة، ويختص من آمن بهداية ~~المعونة والتوفيق للقيام بمقتضيات المنهج، كما قال تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. وقال عن الآخرين: # والله لا يهدي القوم الظالمين # [الصف: 7] لكن يهدي العادلين. وقال: # والله لا يهدي القوم الفاسقين # [الصف: 5].. لكن يهدي الطائعين. وقال: # والله لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264].. لكن يهدي المؤمنين. إذن: بين الحق سبحانه في أساليب ~~القرآن من شاء هدايته، أما من آثر الكفر وصمم ألا يؤمن فهو وشأنه، ~~بل ويزيده الله من الكفر ويختم على قلبه، كما قال تعالى: # ونذرهم في طغيانهم يعمهون # [الأنعام: 110]. نعود إلى { من } في قوله تعالى: { ومن يهد ~~الله فهو المهتد.. } [الإسراء: 97] قلنا: إن من اسم موصول ~~بمعنى الذي، واستخدام من كاسم موصول لا يقتصر على الذي فقط، بل تستخدم ~~لجميع الأسماء الموصولة: الذي، التي، اللذان، اللتان، الذين، اللاتي. ~~فتقول: من جاءك فأكرمه، ومن جاءتك فأكرمها، ومن جاءاك فأكرمهما، ~~ومن جاءتاك فأكرمهما، ومن جاءوك فأكرمهم، ومن جئنك فأكرمهن. ~~فهذه ستة أساليب تؤديها من فهي - إذن - صالحة للمذكر وللمؤنث وللمفرد ~~وللمثنى وللجمع، وعليك أن تلاحظ من في الآية: { ومن يهد الله ~~فهو المهتد.. } [الإسراء: 97] جاءت من دالة ms6001 على المفرد ~~المذكر، وهي في نفس الوقت دالة على المثنى والجمع المذكر والمؤنث، ~~فنقول: من يهدها الله فهي المهتدية، ومن يهدهم الله فهم المهتدون. ~~وهكذا. ونسأل: لماذا جاءت من دالة على المفرد المذكر بالذات دون غيره ~~في مجال الهدى، أما في الضلال فجاءت من دالة على الجمع المذكر؟ ~~نقول: لأنه لاحظ لفظ من فأفرد الأولى، ولاحظ ما تطلق عليه من فجمع ~~الثانية: { ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من ~~دونه.. } [الإسراء: 97]. وهنا ملحظ دقيق يجب تدبره: في الاهتداء ~~جاء الأسلوب بصيغة المفرد: { ومن يهد الله فهو المهتد.. ~~} [الإسراء: 97] لأن للاهتداء سبيلا واحدا لا غير، هو منهج الله تعالى ~~وصراطه المستقيم، فللهداية طريق واحد أوضحه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". # أما في الضلال، فجاء الأسلوب بصيغة الجمع: { فلن تجد لهم ~~أوليآء.. } [الإسراء: 97] لأن طرق الضلال متعددة ومناهجه مختلفة، ~~فللضلال ألف طريق، وهذا واضح في قول الحق سبحانه: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.. # [الأنعام: 153]. والنبي صلى الله عليه وسلم حينما قرأ هذه الآية خط ~~للصحابة خطا مستقيما، وخط حوله خطوطا متعرجة، ثم أشار إلى ~~الخط المستقيم وقال: # " هذا ما أنا عليه وأصحابي ". # إذن: الهداية طريق واحد، وللضلال ألف مذهب، وألف منهج لذلك لو نظرت ~~إلى أهل الضلال لوجدت لهم في ضلالهم مذاهب، ولكل واحد منهم هواه الخاص ~~في الضلال. فعليك أن تقرأ هذه الآية بوعي وتأمل وفهم لمراد المتكلم ~~سبحانه، فلو قرأها غافل لقال: فلن تجد له أولياء من دونه، ولأتبع ~~الثانية الأولى. # ومن هنا تتضح توقيفية القرآن، حيث دقة الأداء الإلهي التي وضعت كل ~~حرف في موضعه. وقوله: { أوليآء } أي: نصراء ومعاونين ومعينين { ~~من دونه } أي: من بعده { ونحشرهم يوم القيامة على ~~وجوههم.. } [الإسراء: 97]. الحشر: القيام من القبور والجمع للحساب ~~{ على وجوههم } هنا تعجب بعض الصحابة، فسألوا رسول الله: وكيف ~~يسير الإنسان على وجهه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الذي أمشاهم ms6002 على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم ". # وما العجب في ذلك ونحن نرى مخلوقات الله: # فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين ومنهم من يمشي على أربع.. # [النور: 45]. ألم تر الثعبان، كيف هو سريع في مشيته، خفيف في حركته، ~~فالذي خلق قادر أن يمشي من ضل في القيامة على بطنه، لأن المسألة ~~إرادة مريد ليوقع بهم غاية الذلة والهوان، ويا ليتهم تنتهي بهم ~~المهانة والمذلة عند هذا الحد، بل: { ونحشرهم يوم ~~القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما.. } ~~[الإسراء: 97]. هذا استطراق لوسائل الإهانة، ففضلا عن مشيهم على ~~الوجوه فهم عمي لا يرون شيئا، ولا يهتدون، وهم صم لا يسمعون ~~نداء، وهم بكم لا يقدرون على الكلام، ولك أن تتصور إنسانا جمعت ~~عليه كل هذه الوسائل ليس في يوم عادي، بل في يوم البعث والنشور، فإذا به ~~يفاجأ بهول البعث، وقد سدت عليه جميع منافذ الإدراك، فهو في قلب ~~هذا الهول والضجيج، ولكنه حائر لا يدري شيئا، ولا يدرك ما يحدث من ~~حوله. ولنا هنا لفتة على هذه الآية، فقد ورد في القرآن كثيرا: صم ~~بكم بهذا الترتيب إلا في هذه الآية جاءت هكذا: { وبكما وصما } ~~ومعلوم أن الصمم يسبق البكم لأن الإنسان يحكي ما سمعه، فإذا لم يسمع ~~شيئا لا يستطيع الكلام، واللغة بنت السماع، وهي ظاهرة اجتماعية ليست ~~جنسا وليست دما. وسبق أن قلنا: إن الولد الإنجليزي إذا تربى في ~~بيئة عربية يتكلم بالعربية والعكس لأن اللغة ليست جنسا، بل ظاهرة ~~اجتماعية تقوم على السماع، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان. حتى العربي ~~نفسه الذي يعيش في بيئة عربية، إلا أنه لم يسمع هذه الألفاظ الغريبة ~~المتقعرة لا يستطيع محاكاتها ولا يعرف معناها. لكن في هذه الآية جاء ~~البكم أولا، لماذا؟ لأنه ساعة يفاجأ بهول البعث والحشر كان المفروض ~~أن يسأل أولا عما يحدث، ثم يسمع بعد ذلك إجابة على ما هو فيه، لكنه ~~فوجئ بالبعث وأهواله، ولم يستطع حتى الاستفسار عما حوله، وهكذا سبق ~~البكم الصمم في ms6003 هذا الموقف. وهنا أيضا اعتراض لبعض المستشرقين ومن ~~يجارونهم ممن أسلموا بألسنتهم، ولم تطمئن قلوبهم لنور الله، يقولون: ~~القرآن يقول: { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم ~~عميا. # . } [الإسراء: 97] فينفي عنهم الرؤية، وفي آيات أخرى يقول: # حتى إذا رأوا ما يوعدون.. # [مريم: 75]. # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم ~~مواقعوها.. # [الكهف: 53]. فأثبت لهم الرؤية، فكيف نجمع بين هذه الآيات؟ والمتأمل في ~~حال هؤلاء المعذبين في موقف البعث يجد أن العمى كان ساعة البعث، حيث ~~قاموا من قبورهم عميا ليتحقق لهم الإذلال والحيرة والارتباك، ثم بعد ~~ذلك يعودون إلى توازنهم ويعود إليهم بصرهم ليشاهدوا به ألوان العذاب ~~الخاصة بهم، وهكذا جمع الله عليهم الذل في الحالين: حال العمى وحال ~~البصر. لذلك يقول تعالى: # لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك ~~فبصرك اليوم حديد # [ق: 22]. ثم يقول تعالى: { مأواهم جهنم كلما خبت ~~زدناهم سعيرا } [الإسراء: 97] مأواهم: أي: مصيرهم ونهايتهم. ~~خبت: خبت النار. أي: ضعفت أو انطفأت، لكن ما دام المراد من النار ~~التعذيب، فلماذا تخبو النار أو تنطفئ؟ أليس في ذلك راحة لهم من العذاب؟ ~~المتأمل في الآية يجد أن خفوت النار وانطفاءها هو في حد ذاته لون ~~من العذاب لأن استدامة الشيء يوطن صاحبه عليه، واستدامة العذاب ~~واستمراره يجعلهم في إلف له، فإن خبت النار أو هدأت فترة فإنهم ~~سيظنون أن المسألة انتهت، ثم يفاجئهم العذاب من جديد، فهذا أنكى لهم ~~وآلم في تعذيبهم. وهذا يسمونه في البلاغة " اليأس بعد الإطماع " ، كما ~~جاء في قول الشاعر: # فأصبحت من ليلى الغداة كقابض # على الماء خانته فروج الأصابع # وفي السجون والمعتقلات يحدث مثل هذا، فترى السجين يشتد به العطش إلى ~~حد لا يطيقه، فيصيح بالحارس ويتحنن إليه ويرجوه كوبا من الماء، فيأتي ~~له بكوب الماء حتى يكون على شفتيه، ويطمع في أن يبل ريقه ويطفئ ~~غلته، فإذا بالحارس يسكبه على الأرض، وهذا أنكى وأشد في التعذيب. وقد ~~عبر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: # كما أبرقت قوما عطاشا غمامة # فلما رجوها أقشعت وتجلت # أي: ساعة أن ms6004 رأوها، واستشرفوا فيها الماء إذا بها تنقشع وتتلاشى، ~~وتخيب رجاءهم فيها. وكذلك من ألوان العذاب التي قد يظنها البعض ~~لونا من الراحة في جهنم والعياذ بالله، أن الله تعالى يبدل جلودهم ~~بجلود أخرى جديدة، لا رحمة بهم بل نكاية فيهم، كما قال تعالى: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. # [النساء: 56]. لأن الجلود إذا نضجت وتفحمت امتنع الحس، وبالتالي ~~امتنعت إذاقة العذاب، إذن: العلة من تبديل الجلود تجديد الحس ليذوقوا ~~العذاب إذاقة مستديمة. ومنذ عهد قريب كانوا يظنون أن الحس يأتي من ~~المخ، إلا أنهم لاحظوا على الإنسان إحساسا قبل أن يصل شيء للمخ. فمثلا: ~~لو أشرت بأصبعك إلى عين إنسان تراه يغمض عينه قبل أن تلمسه، وفسروا ~~ذلك بما يسمونه العكس في النخاع الشوكي، ثم توالت البحوث للتعرف على مناط ~~الحس في الإنسان أين هي؟ إلى أن انتهت تلك الأبحاث إلى ما أخبر به ~~القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان، من أن الجلد هو مركز ~~الإحساس في الإنسان، بدليل أنك إذا أخذت حقنة مثلا، فبمجرد أن تخترق ~~طبقة الجلد لا تشعر بألمها. فمن أين عرف العرب هذه النظريات العلمية ~~الدقيقة؟ ومن أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم؟ إنه لون من ألوان ~~الإعجاز القرآني للعرب ولغيرهم. ثم يقول الحق سبحانه: { ذلك ~~جزآؤهم بأنهم كفروا بآياتنا... }. ### || [17.98] # { ذلك } أي: ما حدث لهم من العذاب الذي تستبشعه أنت { جزآؤهم } ~~أي: حاق بهم العذاب عدلا لا ظلما، فإياك حين تسمع آيات العذاب هذه ~~أن تأخذك بهم رأفة أو رحمة لأنهم أخذوا جزاء عملهم وعنادهم وكفرهم، ~~والذي يعطف قلوب الناس على أهل الإجرام هو تأخير العقاب. فهناك فرق ~~بين العقوبة في وقت وقوع الجريمة، وهي ما تزال بشعة في نفوس الناس، وما ~~تزال نارها تشتعل في القلوب، فإن عاقبت في هذا الجو كان للعقوبة معنى، ~~وأحدثت الأثر المرجو منها وتعاطف الناس مع المظلوم بدل أن يتعاطفوا ~~مع الظالم. فحين نؤخر عقوبة المجرم في ساحات المحاكم لعدة سنين فلا ~~شك ms6005 أن الجريمة ستنسى وتبرد نارها، وتتلاشى بشاعتها، ويطويها ~~النسيان، فإذا ما عاقبت المجرم فلن يبدو للناس إلا ما يحدث من عقوبته، ~~فترى الناس يرأفون به ويتعاطفون معه. إذن: قبل أن تنظر إلى: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. # [النساء: 56]. وإلى: { ونحشرهم يوم القيامة على ~~وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما ~~خبت زدناهم سعيرا } [الإسراء: 97]. انظر إلى ما فعلوه، واعلم ~~أن هذا العذاب بعدل الله، فأحذر أن تأخذك بهم رحمة، ففي سورة النور يقول ~~تعالى: # ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما ~~طآئفة من المؤمنين # [النور: 2]. ثم يوضح سبحانه وتعالى حيثية هذا العذاب: { بأنهم ~~كفروا بآياتنا.. } [الإسراء: 98] والآيات تطلق على الآيات ~~الكونية، أو على آيات المعجزات المؤيدة لصدق الرسول، أو آيات القرآن ~~الحاملة للأحكام.. وقد وقع منهم الكفر بكل الآيات، فكفروا بالآيات ~~الكونية، ولم يستدلوا بها على الخالق سبحانه، ولم يتدبروا الحكمة من ~~خلق هذا الكون البديع، وكذلك كفروا بآيات القرآن ولم يؤمنوا بما جاءت ~~به. وهذا كله يدل على نقص في العقيدة، وخلل في الإيمان الفطري الذي ~~خلقه الله فيهم، وكذلك كذبوا بمعجزات الرسول، فدل ذلك على خلل في ~~التصديق. ومن باطن هذا الكفر ومن نتائجه أن قالوا: { أإذا كنا ~~عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا } ~~[الإسراء: 98] وهذا القول منهم تكذيب لآيات القرآن التي جاءت على لسان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخبرهم أنهم مبعوثون يوم القيامة ~~ومحاسبون، وهم بهذا القول قد نقلوا الجدل إلى مجال جديد هو: البعث ~~بعد الموت. وقوله: { عظاما ورفاتا.. } [الإسراء: 98] الرفات: هو ~~الفتات وزنا ومعنى، وهو: الشيء الجاف الذي تكسر لذلك جاء الترتيب ~~هكذا: عظاما ورفاتا لأن جسم الإنسان يتحلل وتمتص الأرض عناصر ~~تكوينه، ولا يبقى منه إلا العظام، وبمرور الزمن تتكسر هذه العظام، ~~وتتفتت وتصير رفاتا، وهم يستبعدون البعث بعد ما صاروا عظاما ورفاتا. # وقوله تعالى: { أإنا لمبعوثون.. } [الإسراء: 98] والهمزة هنا ~~استفهام يفيد الإنكار، فلماذا ينكر هؤلاء مسألة البعث بعد الموت؟ نقول: ms6006 ~~لأن الكافر عنده لدد في ذات إيمانه، ومن مصلحة آماله وتكذيب نفسه أن ~~ينكر البعث، وعلى فرض أنه سيحدث فإنهم سيكونون في الآخرة سادة، كما ~~كانوا سادة في الدنيا. وهؤلاء القوم يفهمون الحياة على ظاهرها، فالحياة ~~عندهم هي الحركة الحسية التي يمارسونها، وبها يعيشون حياتهم هذه، ولا ~~يدركون أن لكل شيء حياة تناسبه. فمثلا: علماء الجيولوجيا والحفريات ~~يقولون: إن الأشياء المطمورة في باطن الأرض تتغير بمرور الزمن، وتتحول ~~إلى مواد أخرى، إذن: ففيها حركة وتفاعل أو قل فيها حياة خاصة بها ~~تناسبها، فليست الحياة قاصرة على حركتنا في الحياة الدنيا، بل للحياة ~~معنى آخر أوسع بكثير من الحياة التي يفهمها هؤلاء. فالإنسان الحي مثلا ~~له في مظهرية أموره حالتان: حالة النوم وحالة اليقظة، فحياته في النوم ~~محكومة بقانون، وحياته في اليقظة محكومة بقانون، هذا وهو ما يزال حيا ~~يرزق، إذن: عندما نخبرك أن لك قانونا في الموت وقانونا في البعث ~~فعليك أن تصدق. ألم تر النائم وهو مغمض العينين يرى الرؤيا، ~~ويحكيها بالتفصيل وفيها حركة وأحداث وألوان، وهو يدرك هذا كله وكأنه في ~~اليقظة؟ حتى مكفوف البصر الذي فقد هذه الحاسة، هو أيضا يرى الرؤيا كما ~~يراها المبصر تماما ويحكيها لك، يقول: رأيت كذا وكذا، كيف وهو في ~~اليقظة لا يرى؟ نقول: لأن للنوم قانونا آخر، وهو أنك تدرك بغير وسائل ~~الإدراك المعروفة، ولك في النوم حياة مستقلة غير حياة اليقظة. ألا ترى ~~الرجلين ينامان في فراش واحد، وهذا يرى رؤيا سعيدة مفرحة يصحو منها ~~ضاحكا مسرورا، والآخر إلى جواره يرى رؤيا مؤلمة محزنة يصحو فيها ~~مكدرا محزونا، ولا يدري الواحد منهم بأخيه ولا يشعر به، لماذا؟ لأن ~~لكل منهما قانونه الخاص، وحياته المستقلة التي لا يشاركه فيها أحد. وقد ~~ترى الرؤيا تحكيها لصاحبك في نصف ساعة، في حين أن العلماء توصلوا إلى أن ~~أقصى ما يمكن للذهن متابعته في النوم لا يتجاوز سبع ثوان، مما يدل على ~~أن الزمن في النوم ملغى، كما أن أدوات الإدراك ملغاة، إذن: فحياتك ms6007 في ~~النوم غير حياتك في اليقظة، وكذلك في الموت لك حياة، وفي البعث لك حياة، ~~ولكل منهما قانون يحكمها بما يتناسب معها. وقد يقول قائل عن الرؤى: ~~إنها مجرد تخيلات لا حقيقة لها، لكن يرد هذا القول ما نراه في ~~الواقع من صاحب الرؤيا الذي يحكي لك أنه أكل طعاما، أو شرب شرابا ما ~~يزال طعمه في فمه، وآخر ضرب، ويريك أثر الضرب على ظهره مثلا، وآخر ~~يصحو من النوم يتصبب عرقا، وكأنه كان في عراك حقيقي لا مجرد منام. # فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يوضح لنا أننا في النوم لنا حياة خاصة ~~وقانون خاص، لنأخذ من هذا دليلا على حياة أخرى بعد الموت. والعلماء ~~قالوا في هذه المسألة بظاهرة المتواليات، والمراد بها: إذا كانت اليقظة ~~لها قانون، والنوم له قانون ألطف وأخف من قانون اليقظة، فبالتالي للموت ~~قانون أخف من قانون النوم، وللبعث قانون أخف من قانون الموت. وقد حسم ~~القرآن الكريم هذه القضية في قوله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88]. أي: كل ما يقال له شيء في الوجود هالك إلا الله تعالى ~~فهو الباقي، والهلاك ضده الحياة، بدليل قوله تعالى: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة.. # [الأنفال: 42]. إذن: لكل شيء مهما صغر في كون الله حياة خاصة تناسبه ~~قبل أن يعتريه الهلاك. ولذلك نعجب حينما يطالعنا العلماء بأن في علبة ~~الكبريت هذه التي نضعها في جيوبنا قوة تجاذب بين ذراتها، تصلح هذه القوة ~~لتسيير قطار حول العالم لمدة ست سنوات، سبحان الله.. أين هذه القوة؟ إنها ~~موجودة لكننا لا نشعر بها ولا ندركها، إنما الباحثون في معاملهم يمكنهم ~~ملاحظة مثل هذه الحركة وتسجيلها. وأقرب من ذلك ظاهرة الجاذبية التي ~~تعلمناها منذ الصغر والتي تعتمد على ترتيب الذرات ترتيبا معينا، ~~ينتج عنه الموجب والسالب، فيتم التجاذب فكانوا يضعون لها برادة ~~الحديد في أنبوبة، ويمررون عليها قضيبا ممغنطا، فنرى برادة ~~الحديد تتحرك في نفس اتجاه القضيب. إذن: في الحديد حركة وحياة بين ذراته، ~~حياة ms6008 تناسبه بلغت من الدقة مبلغا فوق مستوى إدراكك. إذن: نستطيع ~~القول بأن للعظام وللرفات حياة، ولك أيها المنكر وجود حتى بعد أن ~~صرت رفاتا، فشيء منك موجود يمكن أن يكون نواة لخلقك من جديد، ~~وبمنطق هؤلاء المنكرين أيهما أهون في الخلق: الخلق من شيء موجود، ~~أم الخلق ابتداء؟ وقد رد عليهم الحق سبحانه بقوله: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4]. أي: في علمه سبحانه عدد ذرات كل منا، وكم في تكوينه من مواد، ~~لا ينقص من ذلك شيء، وهو سبحانه قادر على جمع هذه الذرات مرة أخرى، وليس ~~أمره تعالى متوقفا على العلم فقط، بل عنده كتاب دقيق يحفظ كل التفاصيل، ~~ولا يغيب عنه شيء. وقال تعالى كذلك في الرد عليهم: # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد # [ق: 15] أي: في خلط وشك وتردد. وقد ناقشنا من منكري البعث ~~الشيوعيين الذين قتلوا في أعدائهم، وأخذوا أموالهم معاقبة لهم على ما ~~اقترفوه من ظلم الناس، فكنت أقول لهم: فما بال الذين ماتوا من هؤلاء، ولم ~~يأخذوا حظهم من العقاب؟ وكيف يذهبون هكذا ويفلتون بجرائمهم؟ لقد كان ~~الأولى بكم أن تؤمنوا بالآخرة التي يعاقب فيها هؤلاء الذين أفلتوا ~~من عقاب الدنيا، حتى تتحقق عدالة الانتقام. # وقوله تعالى: { أإنا لمبعوثون خلقا جديدا } [الإسراء: ~~98]. إنهم يستبعدون البعث من جديد لذلك فالحق سبحانه وتعالى يجاري هؤلاء ~~ويتسامح معهم، فيقول: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه.. # [الروم: 27]. فإعادة شيء كان موجودا أسهل وأهون من إيجاده من لا ~~شيء، والحديث هنا عن بعث الإنسان، هذا المخلوق الذي أبدعه الخالق ~~سبحانه، وجعله سيد هذا الكون، وجعل عمره محدودا، فما بالكم تنشغلون ~~بإنكار بعث الإنسان عن باقي المخلوقات وهي أعظم في الخلق من الإنسان، ~~وأطول منه عمرا، وأثبت منه وأضخم. فلا تنسى أيها الإنسان أن خلقك ~~أهون وأسهل من مخلوقات أخرى كثيرة هي أعظم منك، ومع ذلك تراها خاضعة ~~لله طائعة، لم تعترض يوما ولم تنكر كما أنكرت، يقول ms6009 تعالى: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57]. فمن ينكر بعث الإنسان بعد أن يصير رفاتا عليه أن يتأمل ~~مثلا الشمس كآية من آيات الله في الكون، وقد خلقها الله قبل خلق ~~الإنسان، وستظل إلى ما شاء الله، وهي تعطي الضوء والدفء دون أن تتوقف أو ~~تتعطل، ودون أن تحتاج إلى صيانة أو قطعة غيار، وهي تسير بقدرة الخالق ~~سبحانه مسخرة لخدمتك، ما تخلفت يوما ولا اعترضت. فماذا يكون ~~خلقك أنت أيها المنكر أمام قدرة الخالق سبحانه؟ والحق سبحانه يقول: { ~~أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض... }. ### || [17.99] # قوله تعالى: { أولم يروا.. } [الإسراء: 99]. إذا جاءت همزة ~~الاستفهام بعدها واو العطف وبعدها نفي، فاعلم أن الهمزة دخلت على شيء ~~محذوف، إذن: فتقدير الكلام هنا: أيقولون ذلك ويستبعدون البعث ولم يروا ~~أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم. وقوله تعالى: ~~{ مثلهم } أي: يخلقهم هم ويعيدهم من جديد لأن الخلق إنشاء جديد، ~~فهم خلق جديد معاد، فالمثلية هنا في أنهم معادون، أو يكون ~~المراد { مثلهم } أي: ليسوا هم، بل خلق مختلف عنهم على اعتبار ~~أنهم كانوا في الدنيا مختارين، ولهم إرادات، أما الخلق الجديد في الآخرة ~~وإن كان مثلهم في التكوين إلا أنه عاد مقهورا على كل شيء لا إرادة له ~~لأنه الآن في الآخرة التي سينادي فيها الخالق سبحانه: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وقوله تعالى: { وجعل لهم أجلا لا ريب فيه ~~فأبى الظالمون إلا كفورا } [الإسراء: 99]. أي: أن القيامة ~~التي كذبوا بها وأنكروها واقعة لا شك فيها، لكن هؤلاء معاندون ~~مصرون على الكفر مهما أتيت لهم بالأدلة، ومهما ضربت لهم الأمثلة، ~~فإنهم مصممون على الإنكار لأن الإيمان سيسلبهم ما هم فيه من السيادة ~~وما يدعونه من العظمة، الإيمان سيسوي بينهم وبين العبيد، وسيقيد ~~حريتهم فيما كانوا فيه من ضلال وفساد. لكن هؤلاء السادة والعظماء الذين ~~تأبوا على الإيمان، وأنكروا البعث خوفا على مكانتهم وسيادتهم وما ~~عندهم من سلطة زمنية، ألم تتعرضوا لظلم من ms6010 أحد في الدنيا؟ ألم يعتد ~~عليكم أحد؟ ألم يسرق منكم أحد ولم تتمكنوا من الإمساك به ومعاقبته؟ لقد ~~كان أولى بكم الإيمان بالآخرة حيث تتحقق عدالة العقاب وتنالون حقوقكم ~~ممن ظلمكم، أو اعتدى عليكم. ثم ينتقل السياق القرآني إلى موضوع جديد، ~~حيث يقول تعالى: { قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ~~ربي... }. ### || [17.100] # قوله تعالى: { قل } أمر من الحق سبحانه وتعالى أن يقول لأمته هذا ~~الكلام، وكان يكفي في البلاغ أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأمته: لو ~~أنتم تملكون خزائن رحمة ربي.. لكن النبي هنا يحافظ على أمانة الأداء ~~القرآني، ولا يحذف منه شيئا لأن المتكلم هو الله، وهذا دليل على مدى ~~صدق الرسول في البلاغ عن ربه. ومعنى { خزآئن } هي ما يحفظ بها الشيء ~~النفيس لوقته، فالخزائن مثلا لا نضع بها التراب، بل الأشياء الثمينة ذات ~~القيمة. ومعنى: { خزآئن رحمة ربي.. } [الإسراء: 100] أي: ~~خيرات الدنيا من لدن آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة، وإن من شيء ~~يحدث إلى قيام الساعة إلا عند الله خزائنه، فهو موجود بالفعل، ظهر في ~~عالم الواقع أو لم يظهر: # وما ننزله إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21] أي: أنه موجود في علم الله، إلى حين الحاجة إليه. لذلك ~~لما تحدث الحق سبحانه عن خلق الآيات الكونية في السماء والأرض قال: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 9-10]. نلاحظ أن قوله تعالى { وبارك فيها } جاءت بعد ذكر ~~الجبال الرواسي، ثم قال: # وقدر فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 10] كأن الجبال هي مخازن القوت، وخزائن رحمة الله لأهل الأرض. ~~والقوت: وهو الذي يتم به استبقاء الحياة، وهذا ناشئ من مزروعات الأرض، ~~وهذه من تصديقات القرآن لطموحات العلم وأسبقية إخبار بما سيحدث، فها هو ~~القرآن يخبر بما اهتدى إليه العلم الحديث من أن العناصر التي تكون ~~الإنسان هي نفس عناصر التربة الزراعية التي نأكل منها. لكن، كيف ms6011 تكون ~~الجبال مخازن القوت الذي جعله الله في الأرض قبل أن يخلق الإنسان؟ ~~نقول: إن الجبال هي أساس التربة التي نزرعها، فالجبل هذه الكتلة الصخرية ~~التي تراها أمامك جامدة هي في الحقيقة ليست كذلك لأن عوامل التعرية ~~وتقلبات الجو من شمس وحرارة وبرودة، كل هذه عوامل تفتت الصخر وتحدث ~~به شروخا وتشققات، ثم يأتي المطر فيحمل هذا الفتات إلى الوادي، ولو ~~تأملت شكل الجبل وشكل الوادي لوجدتهما عبارة عن مثلثين كل منهما عكس ~~الآخر، فالجبل مثلث رأسه إلى أعلى، وقاعدته إلى أسفل، والوادي مثلث رأسه ~~إلى أسفل وقاعدته إلى أعلى. وهكذا، فكل ما ينقص من الجبل يزيد في ~~الوادي، ويكون التربة الصالحة للزراعة، وهو ما يسمى بالغرين أو ~~الطمى لذلك حدثونا أن مدينة دمياط قديما كانت على شاطئ البحر الأبيض، ~~ولكن بمرور الزمن تكونت مساحات واسعة من هذا الغرين أو الطمي الذي ~~حمله النيل من إفريقيا ففصل دمياط عن البحر، والآن وبعد بناء السد وعدم ~~تكون الطمي بدأت المياة تنحت في الشاطئ، وتنقص فيه من جديد. # إذن: فقوله تعالى عن بداية خلق الأرض: # وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 10] كأنه يعطينا تسلسلا لخلق القوت في الأرض، وأن خزائن الله ~~لا حدود لها ولا نفاد لخيراتها. ثم يقول تعالى: { إذا لأمسكتم ~~خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا } [الإسراء: 100]. أي: ~~لو أن الله تعالى ملك خزائن خيراته ورحمته للناس، فأصبح في أيديهم ~~خزائن لا تنفد، ولا يخشى صاحبها الفقر، لو حدث ذلك لأمسك الإنسان وبخل ~~وقتر خوف الفقر لأنه جبل على الإمساك والتقتير حتى على نفسه، وخوف ~~الإنسان من الفقر ولو أنه يملك خزائن رحمة الله التي لا نفاد لها ناتج ~~عن عدم مقدرته على تعويض ما أنفق ولأنه لا يستطيع أن يحدث شيئا. ~~والبخل يكون على الغير، فإن كان على النفس فهو التقتير، وهو سبة ~~واضحة ومخزية، فقد يقبل أن يضيق الإنسان على الغير، أما أن يضيق ~~على نفسه فهذا منتهى ما يمكن تصوره لذلك يقول الشاعر ms6012 في التندر على ~~هؤلاء: # يقتر عيسى على نفسه # وليس بباق ولا خالد # فلو يستطيع لتقتيره # تنفس من منخر واحد # ويقول أيضا: # لو أن بيتك يا ابن يوسف كله # إبر يضيق بها فضاء المنزل # وأتاك يوسف يستعيرك إبرة # ليخيط قد قميصه لم تفعل # فالإنسان يبخل على الناس ويقتر على نفسه لأنه جبل على البخل ~~مخافة الفقر، وإن أوتي خزائن السماوات والأرض. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات... }. ### || [17.101] # وقد سبق أن اقترح كفار مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة آيات ~~ذكرت في قوله تعالى: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف ~~أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى ~~تنزل علينا كتابا نقرؤه.. # [الإسراء: 90-93]. فأراد الحق سبحانه أن يلفت نظره أن سابقيهم من ~~اليهود أتتهم تسع آيات ونزلت عليهم دون أن يطلبوها، ومع ذلك كفروا، ~~فالمسألة كلها تعنت وعناد من أهل الكفر في كل زمان ومكان. ومعنى { ~~بينات.. } [الإسراء: 101] أي: واضحات مشهورات بلقاء كالصبح، ~~لأنها حدثت جميعها على مرأى ومشهد من الناس. والمراد بالآيات التسع ~~هنا هي الآيات الخاصة بفرعون لأن كثيرين يخلطون بين معجزات موسى إلى ~~فرعون، ومعجزاته إلى بني إسرائيل. إذن: فقوله تعالى: { ولقد آتينا ~~موسى تسع آيات بينات.. } [الإسراء: 101] هي الآيات التي ~~أرسل بها إلى فرعون وقومه وهي: العصا التي انقلبت حية، واليد التي ~~أخرجها من جيبه بيضاء منورة، وأخذ آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الأموال والأنفس والثمرات، ثم لما كذبوا أنزل الله عليهم الطوفان، ~~والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، هذه تسع آيات خاصة بما دار بين موسى ~~وفرعون. أما المعجزات الأخرى مثل العصا التي ضرب بها الحجر فانفجرت منه ~~اثنتا عشرة عينا، ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة، وإنزال المن ~~والسلوى عليهم، فهذه آيات خاصة ببني إسرائيل. وقوله تعالى: ms6013 { فسئل ~~بني إسرائيل.. } [الإسراء: 101] والأمر هنا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، لكن كيف يسأل بني إسرائيل الذين جاءهم موسى - عليه السلام - ~~وقد ماتوا، والموجود الآن ذريتهم؟ نقول: لأن السؤال لذريتهم هو عين ~~سؤالهم، لأنهم تناقلوا الأحداث جيلا بعد جيل لذلك قال تعالى مخاطبا ~~بني إسرائيل المعاصرين لرسول الله: # وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب ويذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم ~~وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم # [إبراهيم: 6]. والنجاة لم تكن لهؤلاء، بل لأجدادهم المعاصرين لفرعون، ~~لكن خاطبهم الحق بقوله { أنجاكم } لأنه سبحانه لو أهلك أجدادهم لما ~~وجدوا هم، فكأن نجاة السابقين نجاة للاحقين. ويسأل رسول الله بني ~~إسرائيل لأنهم هم الأمة التي لها ممارسة مع منهج الله ووحيه، ولها اتصال ~~بالرسل وبالكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل، أما مشركو قريش فليس لهم ~~صلة سابقة بوحي السماء لذلك لما كذبوا رسول الله خاطبه بقوله: # قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتاب # [الرعد: 43]. لأن الذي عنده علم من الكتاب: اليهود أو النصارى عندهم ~~علم في كتبهم وبشارة ببعثة محمد، وهم يعرفونه ويعرفون أوصافه وزمن ~~بعثته، بل ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم، بل وأكثر من معرفتهم لأبنائهم، ~~كما قال واحد منهم. وسؤال رسول الله لبني إسرائيل سؤال حجة واستشهاد ~~لأن قومه سألوه وطلبوا أن يظهر لهم عدة آيات - سبق ذكرها - لكي يؤمنوا ~~به، فأراد أن ينبههم إلى تاريخ إخوانهم وسابقيهم على مر العصور، ~~وقد أنزل الله لهم الآيات الواضحات والمعجزات الباهرات ومع ذلك كفروا ~~ولجوا ولم يؤمنوا، فقوم فرعون رأوا من موسى تسع آيات وكفروا، وقوم ~~صالح: # وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها.. # [الإسراء: 59] وليتهم كذبوا وكفروا بهذه الآية فحسب، بل واعتدوا ~~عليها وعقروها. لذلك قال تعالى: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات.. # [الإسراء: 59] أي: التي اقترحوها # إلا أن كذب بها الأولون.. # [الإسراء: 59] وما دام كذب بها الأولون فسوف يكذب بها هؤلاء لأن ~~الكفر ملة واحدة في كل زمان ومكان. إذن: مسألة طلب الآيات واقتراح ms6014 ~~المعجزات ليست في الحقيقة رغبة في الإيمان، بل مجرد عناد ولجج ومحاولة ~~للتعنت والجدل العقيم لإضاعة الوقت. ثم يقول تعالى: { فقال له ~~فرعون } [الإسراء: 101] أي: بعد أن رأى الآيات كلها: { إني ~~لأظنك يموسى مسحورا } [الإسراء: 101] فاتهمه بالسحر بعد أن ~~أراه كل هذه الدلائل والمعجزات. وكلمة { مسحورا } [الإسراء: 101] ~~اسم مفعول بمعنى سحره غيره، وقد يأتي اسم المفعول دالا على اسم الفاعل ~~لحكمة، كما في قوله تعالى: # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا # [الإسراء: 45]. والحجاب يكون ساترا لا مستورا، لكن الحق سبحانه جعل ~~الحجاب نفسه مستورا مبالغة في الستر، كما نبالغ نحن الآن في استعمال ~~الستائر، فنجعلها من طبقتين مثلا. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # ظلا ظليلا # [النساء: 57] فالظل نفسه مظلل، ونستطيع أن نلاحظ هذه الظاهرة إذا ~~جلسنا في الحر تحت شجرة، فسوف نجد الهواء تحتها رطبا باردا، لماذا؟ ~~لأن أوراق الشجر متراكمة يظلل بعضها بعضا، فتجد أعلاك طبقات متعددة ~~من الظل، فتشعر في النهاية بجو لطيف مكيف تكييفا ربانيا. إذن: قوله { ~~مسحورا } تفيد أنه سحر غيره، أو سحره غيره لأن المسحور هو الذي ~~ألم به السحر، إما فاعلا له، أو مفعولا عليه. وهذه الكلمة قالها ~~كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: # إن تتبعون إلا رجلا مسحورا # [الإسراء: 47] والمسحور بمعنى المخبول الذي أثر في السحر، فصار مخبولا ~~مجنونا، وهذا كذب وافتراء على رسول الله من السهل رده وضحده. فإن ~~كان ساحرا، فكيف يسحره غيره؟! ولماذا لم يسحركم كما سحر الذين آمنوا به؟ ~~لماذا تأبيتم أنتم على سحره فلم تؤمنوا؟ وإن كان مسحورا مخبولا، ~~والمخبول تتأتى منه حركات وأقوال دون أن تمر على العقل الواعي الذي ~~يختار بين البديلات، فلا يكون له سيطرة على إراداته ولا على خلقه، فهل ~~عهدكم بمحمد أن كان مخبولا؟ هل رأيتم عليه مثل هذه الصفات؟ لذلك رد ~~الحق سبحانه عليهم هذا الافتراء بقوله تعالى: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ms6015 ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4]. والمجنون لا يكون على خلق أبدا. وسوف يناقض فرعون ~~نفسه، فبعد أن اتهم موسى بالسحر، ثم كانت الغلبة لموسى، وخر السحرة ~~ساجدين، قال: # إنه لكبيركم الذي علمكم السحر.. # [طه: 71] وهذا دليل على التخبط والإفلاس. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصآئر... }. ### || [17.102] # أي: قال موسى لفرعون، والتاء في { علمت } مفتوحة أي: تاء الخطاب، ~~فهو يكلمه مباشرة ويخاطبه: لقد علمت يا فرعون علم اليقين أنني ~~لست مسحورا ولا مخبولا، وأن ما معي من الآيات مما شاهدته وعاينته من ~~الله رب السماوات والأرض، وأنت تعلم ذلك جيدا إلا أنك تنكره، كما قال ~~تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # [النمل: 14]. إذن: فعندهم يقين بصدق هذه المعجزات، ولكنهم يجحدونها ~~لأنها ستزلزل سلطانهم، وتقوض عروشهم. وقوله تعالى: { بصآئر.. } ~~[الإسراء: 102] أي: أنزل هذه الآيات بصائر تبصر الناس، وتفتح قلوبهم، ~~فيقبلوا على ذلك الرسول الذي جاء بآية معجزة من جنس ما نبغ فيه قومه. ~~ثم لم يفت موسى - عليه السلام - وقد ثبتت قدمه، وأرسى قواعد دعوته ~~أمام الجميع أن يكلم فرعون من منطلق القوة، وأن يجابهه واحدة ~~بواحدة، فيقول: { وإني لأظنك يفرعون مثبورا } ~~[الإسراء: 102] فقد سبق أن قال فرعون: # إني لأظنك يموسى مسحورا # [الإسراء: 101] فواحدة بواحدة، والبادي أظلم. والمثبور: الهالك، أو ~~الممنوع من كل خير، وكأن الله تعالى أطلع موسى على مصير فرعون، وأنه ~~هالك عن قريب. وعلى هذا يكون المجنون على أية حال أحسن من المثبور، ~~فالمجنون وإن فقد نعمة العقل إلا أنه يعيش كغيره من العقلاء، بل ربما ~~أفضل منهم، لأنك لو تأملت حال المجنون لوجدته يفعل ما يشاء ويقول ما ~~يشاء دون أن يتعرض له أحد أو يحاسبه أحد، وهذا منتهى ما يتمناه ~~السلاطين والحكام وأهل الجبروت في الأرض، فماذا ينتظر القادة والأمراء ~~إلا أن تكون كلمتهم نافذة، وأمرهم مطاعا؟ وهذا كله ينعم به ~~المجنون. وهنا قد يقول قائل: ما الحكمة من بقاء المجنون على قيد ~~الحياة، وقد سلبه الله ms6016 أعظم ما يملك، وهو العقل الذي يتميز به؟ نقول: أنت ~~لا تدري أن الخالق سبحانه حينما سلبه العقل ماذا أعطاه؟ لقد أعطاه ما لو ~~عرفته أنت أيها العاقل لتمنيت أن تجن!! ألا تراه يسير بين ~~الناس ويفعل ما يحلو له دون أن يعترضه أحد، أو يؤذيه أحد، الجميع يعطف ~~عليه ويبتسم في وجهه، ثم بعد ذلك لا يحاسب في الآخرة، فأي عز أعظم ~~من هذا؟ إذن: سلب أي نعمة مساوية لنعم الآخرين فيها عطاء لا يراه ولا ~~يستنبطه إلا اللبيب، فحين ترى الأعمى مثلا فإياك أن تظن أنك أفضل منه ~~عند الله، لا ليس منا من هو ابن لله، وليس منا من بينه وبين ~~الله نسب، نحن أمام الخالق سبحانه سواء، فهذا الذي حرم نعمة البصر ~~عوض عنها في حواس أخرى، يفوقك فيها - أنت أيها المبصر - بحيث تكون ~~الكفة في النهاية مستوية. # واسمع إلى أحد العميان يقول: # عميت جنينا والذكاء من العمى # فجئت عجيب الظن للعلم موئلا # وغاب ضياء العين للقلب رافدا # لعلم إذا ما ضيع الناس حصلا # فحدث عن ذكاء هؤلاء وفطنتهم وقوة تحصيلهم للعلم ولا حرج، وهذا أمر ~~واضح يشاهده كل من عاشر أعمى. وهكذا تجد كل أصحاب العاهات الذين ~~ابتلاهم الخالق سبحانه بنقص في تكوينهم يعوضهم عنه في شيء آخر عزاء ~~لهم عما فاتهم، لكن هذا التعويض غالبا ما يكون دقيقا يحتاج إلى من ~~يدركه ويستنبطه. وكذلك نرى كثيرين من هؤلاء الذين ابتلاهم الله بنقص ~~ما يحاولون تعويضه ويتفوقون في نواح أخرى، ليثبتوا للمجتمع جدارتهم ~~ويحدثوا توازنا في حياتهم ليعيشوا الحياة الكريمة الإيجابية في ~~مجتمعهم. ومن ذلك مثلا العالم الألماني شاخت وقد أصيب بقصر في إحدى ~~ساقيه أعفاه من الخدمة العسكرية مع رفاقه من الشباب، فأثر ذلك في نفسه ~~فصمم أن يكون شيئا، وأن يخدم بلده في ناحية أخرى، فاختار مجال ~~الاقتصاد، وأبدع فيه، ورسم لبلاده الخطة التي تعينها في السلم ~~وتعويضها ما فاتها في الحرب، فكان شاخت رجل الاقتصاد الأول في ألمانيا ~~كلها. ويجب أن نعلم ms6017 أن التكوين الإنساني وخلق البشر ليس عملية ~~ميكانيكية تعطي نماذج متماثلة تماما، إبداع الخالق سبحانه ليس ماكينة ~~كالتي تصنع الأكواب مثلا، وتعطينا قطعا متساوية، بل لا بد من ~~الشذوذ في الخلق لحكمة لأن وراء الخلق إرادة عليا للخالق سبحانه، ألا ~~ترى الأولاد من أب واحد وأم واحدة وتراهم مختلفين في اللون أو الطول أو ~~الذكاء.. الخ؟! يقول تعالى: # ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم.. # [الروم: 22]. إنها قدرة في الخلق لا نهاية لها، وإبداع لا مثيل له ~~فيما يفعل البشر. وهناك ملمح آخر يجب أن نتنبه إليه، هو أن الخالق ~~سبحانه وتعالى جعل أصحاب النقص في التكوين وأصحاب العاهات كوسائل إيضاح، ~~وتذكر للإنسان إذا ما نسى فضل الله عليه، لأنه كما قال تعالى: { ~~كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى } [العلق: ~~6-7]. فالإنسان كثيرا ما تطغيه النعمة، ويغفل عن المنعم سبحانه، فإذا ~~ما رأى أصحاب الابتلاءات انتبه وتذكر نعمة الله، وربما تجد المبصر لا ~~يشعر بنعمة البصر ولا يذكرها إلا إذا رأى أعمى يتخبط في الطريق، ساعتها ~~فقط يذكر نعمة البصر فيقول: الحمد لله. إذن: هذه العاهات ليست لأن ~~أصحابها أقل منا، أو أنهم أهون على الله.. لا، بل هي ابتلاء ~~لأصحابها، ووسيلة إيضاح للآخرين لتلفتهم إلى نعمة الله. لكن الآفة في ~~هذه المسألة أن ترى بعض أصحاب العاهات والابتلاءات لا يستر بلواه على ~~ربه، بل يظهرها للناس، وكأنه يقول لهم: انظروا ماذا فعل الله بي، ويتخذ ~~من عجزه وعاهته وسيلة للتكسب والترزق، بل وابتزاز أموال الناس ~~وأخذها دون وجه حق. # وفي الحديث الشريف: # " إذا بليتم فاستتروا ". # والذي يعرض بلواه على الناس هكذا كأنه يشكو الخالق للخلق، ووالله لو ~~ستر صاحب العاهة عاهته على ربه وقبلها منه لساق له رزقه على باب بيته. ~~والأدهى من ذلك أن يتصنع الناس العاهات ويدعوها ويوهموا الناس بها ~~ليوقعوهم، وليبتزوا أموالهم بسيف الضعف والحاجة. نعود إلى قصة موسى ~~وفرعون لنستنبط منها بعض الآيات والعجائب، وأول ما يدعونا للعجب أن ~~فرعون هو الذي ربى ms6018 موسى منذ أن كان وليدا، وفي وقت كان يقتل فيه ~~الذكور من أبناء قومه، لنعلم أن الله يحول بين المرء وقلبه، وأن إرادته ~~سبحانه نافذة. فقد وضع محبة موسى في قلب فرعون وزوجته فقالت: # قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا ~~أو نتخذه ولدا.. # [القصص: 9]. فأين ذهبت عداوته وبغضه للأطفال؟ ولماذا أحب هذا ~~الطفل بالذات؟ ألم يكن من البدهي أن يطرأ على ذهن فرعون أن هذا ~~الطفل ألقاه أهله في اليم لينجو من القتل؟ ولماذا لم تطرأ هذه الفكرة ~~البدهية على ذهنه؟ اللهم إلا قوله تعالى: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه.. # [الأنفال: 24]. لقد طمس الله على قلب فرعون حتى لا يفعل شيئا من هذا، ~~وحال بينه وبين قلبه ليبين للناس جهل هذا الطاغية ومدى حمقه، وأن ~~وراء العناية والتربية للأهل والأسرة عناية المربي الأعلى سبحانه. لذلك ~~قال الشاعر: # إذا لم تصادف من بنيك عناية # فقد كذب الراجي وخاب المؤمل # فموسى الذي رباه جبريل كافر # وموسى الذي رباه فرعون مرسل # ثم يقول الحق سبحانه: { فأراد أن يستفزهم من الأرض... ~~}. ### || [17.103] # { فأراد } أي: فرعون. { أن يستفزهم } كلمة " استفز " سبق ~~الكلام عنها في قوله تعالى: # واستفزز من استطعت منهم بصوتك.. # [الإسراء: 64] فالاستفزاز هو الإزعاج بالصوت العالي، يقوم المنادى ~~ويخف من مكانه، وهذا الصوت أو هذه الصيحة يخرجها الفارس أو اللاعب ~~كما نرى في لعبة الكراتيه مثلا ليزعج الخصم ويخيفه، وأيضا فإن هذه ~~الصيحة تشغل الخصم، وتأخذ جزءا من تفكيره، فيقل تركيزه، فيمكن ~~التغلب عليه. ومن الاستفزاز قول أحدنا لابنه المتكاسل: فز. أي: ~~انهض وخف للقيام. إذن: المعنى: فأراد فرعون أن يستفزهم ويخدعهم خديعة ~~تخرجهم من الأرض، فتخلو له من بعدهم، وهذا دليل على غباء فرعون ~~وتغفيله وحماقته، فما جاء موسى إلا ليأخذ بني إسرائيل، كما جاء في قوله ~~تعالى: # فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين * ~~أن أرسل معنا بني إسرائيل # [الشعراء: 16-17]. فكأن غباء فرعون أعان القدر الذي جاء به موسى - عليه ~~السلام - ولكن كان لله تعالى إرادة ms6019 فوق إرادة فرعون، فقد أراد أن يخرج ~~بني إسرائيل وتخلو له الأرض، وأراد الحق سبحانه وتعالى أن يستفزه هو من ~~الأرض كلها ومن الدنيا، فأغرقه الله تعالى وأخذه أخذ عزيز مقتدر، ~~وعاجله قبل أن ينفذ ما أراد. كما يقولون في الأمثال عند أهل الريف للذي ~~هدد جاره بأن يحرق غلته وهي في الجرن، فإذا بالقدر يعالجه والغلة لسه ~~فريك أي: يعاجله الموت قبل نضج الغلة التي هدد بحرقها، فأغرقه الله ~~ومن معه جميعا. ثم يقول الحق سبحانه: { وقلنا من بعده ~~لبني إسرائيل اسكنوا الأرض... }. ### || [17.104] # قوله تعالى: { من بعده } أي: من بعد موسى { اسكنوا الأرض } ~~أغلب العلماء قالوا: أي الأرض المقدسة التي هي بيت المقدس، التي قال ~~تعالى عنها: # ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله ~~لكم.. # [المائدة: 21] فكان ردهم على أمر موسى بدخول بيت المقدس: # إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى ~~يخرجوا منها.. # [المائدة: 22]. وقالوا: # إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون # [المائدة: 24]. لكن كلمة { الأرض } هنا جاءت مجردة عن الوصف { ~~اسكنوا الأرض } دون أن يقيدها بوصف، كما نقول: أرض الحرم، أرض ~~المدينة، وإذا أردت أن تسكن إنسانا وتوطنه تقول: اسكن أي: استقر ~~وتوطن في القاهرة أو الإسكندرية مثلا، لكن اسكن الأرض، كيف وأنا موجود ~~في الأرض بالفعل؟! لا بد أن تخصص لي مكانا أسكن فيه. نقول: جاء ~~قوله تعالى { اسكنوا الأرض } هكذا دون تقييد بمكان معين، لينسجم ~~مع آيات القرآن التي حكمت عليهم بالتفرق في جميع أنحاء الأرض، فلا ~~يكون لهم وطن يتجمعون فيه، كما قال تعالى: # وقطعناهم في الأرض أمما.. # [الأعراف: 168]. والواقع يؤيد هذا، حيث نراهم متفرقين في شتى ~~البلاد، إلا أنهم ينحازون إلى أماكن محددة لهم يتجمعون فيها، ولا ~~يذوبون في الشعوب الأخرى، فتجد كل قطعة منهم كأنها أمة مستقلة بذاتها لا ~~تختلط بغيرها. وقوله تعالى: { فإذا جآء وعد الآخرة جئنا ~~بكم لفيفا } [الإسراء: 104]. والمراد بوعد الآخرة: هو الإفساد ~~الثاني لبني إسرائيل، حيث قال تعالى عن إفسادهم ms6020 الأول على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن ~~في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا ~~جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنآ أولي ~~بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا ~~مفعولا # [الإسراء: 4-5]. فقد جاس رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال ديارهم في ~~المدينة، وفي بني قريظة وبني قينقاع، وبني النضير، وأجلاهم إلى ~~أذرعات بالشام، ثم انقطعت الصلة بين المسلمين واليهود فترة من الزمن. ~~ثم يقول تعالى عن الإفسادة الثانية لبني إسرائيل: # فإذا جآء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم ~~وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة ~~وليتبروا ما علوا تتبيرا # [الإسراء: 7]. وهذه الإفسادة هي ما نحن بصدده الآن، حيث سيتجمع اليهود ~~في وطن واحد ليتحقق وعد الله بالقضاء عليهم، وهل يستطيع المسلمون أن ~~ينقضوا على اليهود وهم في شتيت الأرض؟ لا بد أن الحق سبحانه أوحى ~~إليهم بفكرة التجمع في وطن قومي لهم كما يقولون، حتى إذا أراد أخذهم ~~لم يفلتوا، ويأخذهم أخذ عزيز مقتدر. وهذا هو المراد من قوله تعالى: { ~~جئنا بكم لفيفا } [الإسراء: 104] أي: مجتمعين بعضكم إلى بعض من ~~شتى البلاد، وهو ما يحدث الآن على أرض فلسطين. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وبالحق أنزلناه وبالحق نزل... }. ### || [17.105] # قوله تعالى: { وبالحق أنزلناه.. } [الإسراء: 105]. الحق من ~~حق الشيء. أي: ثبت، فالحق هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه التغيير ~~أبدا، أما الباطل فهو متغير متلون لأنه زهوق، والباطل له ألوان ~~متعددة، والحق ليس له إلا لون واحد. لذلك لما ضرب الله لنا مثلا للحق ~~والباطل، قال سبحانه: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. فإن رأيت في عصر من العصور خورا يصيب أهل الحق، ~~وعلوا يحالف أهل الباطل فلا تغتر به، فهو علو الزبد الذي يعلو ~~صفحة ms6021 الماء، ولا ينتفع الناس به، وسرعان ما تلقى به الريح هنا وهناك ~~لتجلو صفحة الماء الناصعة المفيدة، أما الزبد فيذهب جفاء دون ~~فائدة، ويمكث في الأرض الماء الصافي الذي ينتفع الناس به في الزراعة ~~ونحوها. وهكذا الباطل متغير متقلب لا ينتفع به، والحق ثابت لا ~~يتغير لأنه مظهرية من مظهريات الحق الأعلى سبحانه، وهو سبحانه الحق ~~الأعلى الذي لا تتناوله الأغيار. وقوله: { أنزلناه.. } [الإسراء: ~~105]. ونلاحظ هنا أن ضمير الغائب في { أنزلناه } لم يتقدم عليه ~~شيء يوضح الضمير ويعود إليه، صحيح أن الضمير أعرف المعارف، لكن لا ~~بد له من مرجع يرجع إليه. وهنا لم يسبق الضمير بشيء، كما سبق بمرجع ~~في قوله تعالى: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله.. # [الإسراء: 88]. فهنا يعود الضمير في { بمثله } إلى القرآن الذي سبق ~~ذكره. نقول: إذا لم يسبق ضمير الغائب بشيء يرجع إليه، فلا بد أن يكون ~~مرجعه متعينا لا يختلف فيه اثنان، كما في قوله تعالى: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. فهو ضمير للغائب لم يسبق بمرجع له لأنه لا يرجع إلا إلى ~~الله تعالى، وهذا أمر لا يختلف عليه. كذلك في قوله تعالى: { ~~وبالحق أنزلناه.. } [الإسراء: 105]. أي: القرآن لأنه شيء ~~ثابت متعين لا يختلف عليه. وجاء الفعل أنزل للتعدية، فكأن الحق ~~سبحانه كان كلامه - وهو القرآن - محفوظا في اللوح المحفوظ، إلى أن ~~يأتي زمان مباشرة القرآن لمهمته، فأنزله الله جملة واحدة من اللوح ~~المحفوظ إلى السماء الدنيا، كما قال تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. وهذا هو المراد من قوله { أنزلناه } ثم ننزله ~~منجما حسب الأحداث في ثلاث وعشرين سنة مدة الدعوة كلها، فكلما ~~حدث شيء نزل القسط أو النجم الذي يعالج هذه الحالة. # و { أنزلناه.. } [الإسراء: 105] أي: نحن، فالمراد الحق سبحانه ~~وتعالى هو الذي حفظه في اللوح المحفوظ، وهو الذي أنزله، وأنزله على ~~الأمين من الملائكة الذي اصطفاه لهذه المهمة. # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193] أي: جبريل - عليه السلام - الذي كرمه الله ms6022 وجعله ~~روحا، كما جعل القرآن روحا في قوله: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا.. # [الشورى: 52]. وقال عنه أيضا: # إنه لقول رسول كريم # [التكوير: 19]. والكريم لا يكتم شيئا مما أوحى إليه: # ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين # [التكوير: 20-21]. هذه صفات جبريل الذي نزل بالوحي من الحق سبحانه، ثم ~~أوصله لمن؟ أوصله للمصطفى الأمين من البشر: # وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالأفق المبين ~~* وما هو على الغيب بضنين * وما هو بقول شيطان ~~رجيم # [التكوير: 22-25]. إذن: فالقرآن الذي بين أيدينا هو هو الذي نزل من ~~اللوح المحفوظ، وهو الحق الثابت الذي لا شك فيه، والذي لم يتغير منه ~~حرف واحد، ولن يجد فيه أحد ثغرة للاتهام إلى أن تقوم الساعة. ثم ~~يقول تعالى: { وبالحق نزل.. } [الإسراء: 105] الأولى كانت: { ~~وبالحق أنزلناه.. } [الإسراء: 105]. أي: الوسائل التي نزل ~~بها كلها ثابتة، وكلها حق لا ريب فيه ولا شك { وبالحق ~~نزل.. } [الإسراء: 105] أي: مضمونه، وما جاء به القرآن هو أيضا حق ~~ثابت: لأن القرآن نزل معجزة، ونزل كتاب منهج، معجزة حق لأنه تحدى ~~الفصحاء والبلغاء وأهل اللغة، فأعجزهم في كل مراحل التحدي، والقرآن ~~يحتوي على منهج حق. وأول شيء في منهج القرآن أنه تكلم عن العقائد التي ~~هي الأصل الأصيل لكل دين، فقبل أن أقول لك: قال الله، وأمر الله لا ~~بد أن تعرف أولا من هو الله، ومن الرسول الذي بلغ عن الله، ~~فالعقائد هي ينبوع السلوكيات. إذن: تعرض القرآن للإلهيات، وأوضح أن ~~الله تعالى إله واحد له صفات الكمال المطلق، وتعرض للملائكة وللنبوات ~~والمعجزات والمعاد واليوم الآخر، كل هذا في العقائد لأن الإسلام حرص ~~أولا على تربية العقيدة، فكانت الدعوة في مكة تركز على هذا الجانب دون ~~غيره من جوانب الدين ليربي في المسلمين هذا الأصل الأصيل، وهو ~~الاستسلام لله، وإلقاء الزمام إليه سبحانه وتعالى. والإنسان لا يلقي ~~زمام حركته إلا لمن يثق به، فلا بد إذن من معرفة الله تعالى، ثم ~~الإيمان به تعالى، ثم التصديق للمبلغ عن الله. ms6023 وفي القرآن أيضا أحكام ~~وشرائع ثابتة لا تتغير، ولن تنسخ بشريعة أخرى لأنها الشريعة الخاتمة، ~~كما قال تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا.. # [المائدة: 3]. إذن: نزل القرآن بما هو حق من: إلهيات وملائكة ونبوات ~~ومعجزات وأحكام وشرائع، كلها حق ثابت لا شك فيه، فنزل الحق الثابت ~~من الله بواسطة من اصطفاه من الملائكة وهو جبريل على من اصطفاه من ~~الناس وهو محمد، وفي طي ما نزل الحق الثابت الذي لا يتغير. # وصدق الحق سبحانه حين قال: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. ونسوق هنا دليلا عصريا على أن كتاب الله جاء بالحق الثابت ~~الذي لا يتغير على مر العصور، ففي ألمانيا استحدث أحد رجال القانون ~~قانونا للتعسف في استعمال الحق، وظنوا أنهم جاءوا بجديد، واكتشفوا ~~سلاحا جديدا للقانون ليعاقب من له حق ويتعسف في استعمال حقه. ثم ~~سافر إلى هناك محام من بني سويف للدراسة، فقرأ عن القانون الجديد الذي ~~ادعوا السبق إليه، فأخبرهم أن هذا القانون الذي تدعونه لأنفسكم ~~قانون إسلامي ثابت وموجود في سنة رسول الله، فعمدوا إلى كتب السيرة، ~~فوجدوا قصة الرجل الذي شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا له ~~نخلة يمتلكها داخل بيته، أو أنها تميل في بيته، فأخذها ذريعة وجعل منها ~~مسمار جحا، وأخذ يقتحم على صاحب البيت بيته بحجة أنه يباشر نخلته، فماذا ~~كان حكم الرسول في هذه المسألة؟ هذا الرجل له حق في النخلة، فهي ~~ملك له لكنه تعسف في استعمال حقه، وأتى بما لا يليق من المعاملة، ~~فالمفروض ألا يذهب إلى نخلته إلا لحاجة، مثل: تقليمها، أو تلقيحها، أو ~~جمع ثمارها. لقد أحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل وقال له: # " إما أن تهب له هذه النخلة، وإما أن تبيعها له، وإما قطعناها ". # أليس ذلك من الحق الذي سبق به الإسلام؟ وأليس دليلا على استيعاب شرع ~~الله لكل كبيرة وصغيرة في حياة الناس؟ أضف إلى ذلك ما قاله بعض ms6024 ~~العلماء من أهل الإشراقات في معنى: { وبالحق نزل } أي: وعلى ~~الحق الذي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل القرآن كما تقول: ذهبت ~~إلى القاهرة ونزلت بفلان. أي: نزلت عنده أو عليه. ثم يقول تعالى: { ومآ ~~أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا } [الإسراء: 105]. والبشارة ~~تكون بالخير، والنذارة تكون بالشر، ويشترط في التبشير والإنذار أن ~~تعطى للمبشر أو للمنذر فرصة يراجع فيها نفسه، ويعدل من سلوكه، ~~وإلا فلا فائدة، ولا جدوى منهما، فتبشر بالجنة وتنذر بالنار في ~~متسع من الوقت ليتمكن هذا من العمل للجنة، ويتمكن هذا من الإقلاع عن ~~سبيل النار. ومثال ذلك: أنك تبشر ولدك بالنجاح والمستقبل الباهر إن ~~اجتهد، وتحذره من الفشل إن أهمل، وهذا بالطبع لا يكون ليلة الامتحان، بل ~~في متسع أمامه من الوقت لينفذ ما تريد. والحق سبحانه وتعالى هنا يخبر ~~رسوله صلى الله عليه وسلم بحقيقة مهمته كرسول عليه البلاغ بالبشارة ~~والنذارة، فلا يحمل نفسه فوق طاقتها لأنه ليس ملزما بإيمان القوم، ~~كما قال تعالى: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. أي: مهلكها حزنا على عدم إيمانهم، وفي آية أخرى قال: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. فكأنه سبحانه يخفف العبء عن رسوله، ويدعوه ألا ~~يتعب نفسه في دعوتهم، فما عليه إلا البلاغ، وعلى الله تبارك وتعالى ~~الهداية للإيمان. لكن حرص رسول الله على هداية قومه نابع من قضية تحكمه ~~وتستولي عليه لخصها في قوله: # " والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". # فالنبي صلى الله عليه وسلم كامل الإيمان، ويحب لقومه أن يكونوا كذلك، ~~حتى أعداؤه الذين وقفوا في وجه دعوته كان إلى آخر لحظة في الصراع يرجو ~~لهم الإيمان والنجاة لذلك لما مكن منهم لم يعاجلهم بالعقوبة، بل قال: # " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به ~~شيئا ". # وفعلا صدق الله ورسوله، وجاء من ذريات هؤلاء من حملوا راية الدين، ~~وكانوا سيوفا على أعدائه، أمثال عكرمة بن أبي ms6025 جهل، وعمرو بن العاص، ~~وخالد بن الوليد، وكثير من المسلمين كانوا حريصين على قتل هؤلاء حال ~~كفرهم في معارك الإسلام الأولى، وهم لا يعلمون أن الله لم يمكنهم من ~~هؤلاء لحكمة، إنهم سوف يكونون معك من سيوف الإسلام وقادته. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس... }. ### || [17.106] # معنى { فرقناه } أي: فصلناه، أو أنزلناه مفرقا منجما حسب ~~الأحداث { على مكث } على تمهل وتؤدة وتأن. وقد جاءت هذه ~~الآية للرد على الكفار الذين اقترحوا أن ينزل القرآن جملة واحدة، كما ~~قال تعالى حكاية عنهم: # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة.. # [الفرقان: 32]. وأول ما نلحظه عليهم أن أسلوبهم فضحهم، وأبان ما هم ~~فيه من تناقض، ألم يسبق لهم أن اتهموا الرسول بافتراء القرآن. وها هم ~~الآن يقرون بأنه نزل عليه، أي: من جهة أعلى، ولا دخل له فيه، وقد ~~سبق أن أوضحنا أنهم لا يتهمون القرآن، بل يتهمون رسول الله الذي نزل عليه ~~القرآن. ثم يتولى الحق سبحانه الرد عليهم في هذا الاقتراح، ويبين ~~أنه اقتراح باطل لا يتناسب وطبيعة القرآن، فلا يصح أن ينزل جملة واحدة ~~كما اقترحوا للأسباب الآتية: 1-: # كذلك لنثبت به فؤادك.. # [الفرقان: 32]. { كذلك } أي: أنزلناه كذلك على الأمر الذي تنتقدونه ~~من أنه نزل مفرقا منجما حسب الأحداث # لنثبت به فؤادك.. # [الفرقان: 32] لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيتعرض لكثير من ~~تعنتات الكفار، وسيقف مواقف محرجة من تعذيب وتنكيل وسخرية واستهزاء، ~~وهو في كل حالة من هذه يحتاج لتثبيت وتسلية. وفي نزول الوحي عليه يوما ~~بعد يوم، وحسب الأحداث ما يخفف عنه، وما يزيل عن كاهله ما يعاني من ~~مصاعب ومشاق الدعوة وفي استدامة الوحي ما يصله دائما بمن بعثه ~~وأرسله، أما لو نزل القرآن جملة واحدة لكان التثبيت أيضا مرة واحدة، ~~ولفقد رسول الله جانب الصلة المباشرة بالوحي، وهذا هو الجانب الذي يتعلق ~~في الآية برسول الله. 2- # ورتلناه ترتيلا # [الفرقان: 32] أي: نزلناه مرتلا مفرقا آية بعد آية، والرتل: ~~هو المجموعة من الشيء. كما ms6026 نقول: رتل من السيارات، وهكذا نزل القرآن ~~مجموعة من الآيات بعد الأخرى، وهذه الطريقة في التنزيل تيسر للصحابة ~~حفظ القرآن وفهمه والعمل به، فكانوا رضوان الله عليهم يحفظون القدر ~~من الآيات ويعملون بها، وبذلك تيسر لهم حفظ القرآن والعمل به، فكانت ~~هذه الميزة خاصة بالصحابة الذين حفظوا القرآن، وما زلنا حتى الآن ~~نجزئ القرآن للحفظة، ونجعله ألواحا، يحفظ اللوح تلو الآخر. 3- # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا # [الفرقان: 33]. وهذه للمخالفين لرسول الله، وللمعاندين لمنهج الله الذين ~~سيعترضون عليه، ويحاولون أن يستدركوا عليه أمورا، وأن يتهموا رسول الله، ~~فلا بد من الرد عليهم وإبطال حججهم في وقتها المناسب، ولا يتأتى ~~ذلك إذا نزل القرآن جملة واحدة. { ولا يأتونك بمثل } أي: بشيء ~~عجيب يستدركون به عليك { إلا جئناك بالحق } أي: ردا عليهم ~~بالحق الثابت الذي لا جدال فيه. # وإليك أمثلة لرد القرآن عليهم ردا حيا مباشرا. فلما اتهموا ~~رسول الله وقالوا: # إن تتبعون إلا رجلا مسحورا # [الإسراء: 47] رد القرآن عليهم بقوله تعالى: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4] والمسحور لا يكون أبدا على خلق عظيم. ولما قالوا: # مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق.. # [الفرقان: 7] يرد القرآن عليهم بقوله تعالى: # ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.. # [الفرقان: 20]. فليس محمد صلى الله عليه وسلم بدعا في هذه المسألة، فهو ~~كغيره من الرسل الذين عرفت عنهم هذه الصفات، وفي هذا ما يؤكد سلامة ~~الأسوة في محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه بشر مثل الذين أرسلنا إليهم ~~من قبله، إنما لو كانت في محمد خاصية ليست في غيره ربما اعترضوا عليها ~~واحتجوا بها. لذلك كان من أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه ومع ~~صحابته أنه قال: # " إنما أنا بشر يرد علي - أي بالوحي - فأقول: أنا لست كأحدكم، ويؤخذ ~~مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم ". # فانظر إلى أي حد كان ms6027 تواضعه صلى الله عليه وسلم؟ ولما اتهموا الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، فقالوا: # أفترى على الله كذبا أم به جنة.. # [سبأ: 8] فرد عليهم الحق سبحانه بقوله: # أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله ~~مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين # [هود: 13]. ثم يتنزل معهم في هذا التحدي، ويترأف بهم: # وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا ~~فأتوا بسورة من مثله.. # [البقرة: 23]. ثم يناقشهم في هذه المسألة بهذا الأدب الرفيع والنموذج ~~العالي للحوار: # قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء ~~مما تجرمون # [هود: 35]. وفي آية أخرى يقول: # قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما ~~تعملون # [سبأ: 25]. فانظر إلى هذا الأدب: رسول الله حين يتحدث عن نفسه يقول { ~~أجرمنا } وحين يتحدث عن أعدائه لا ينسب إليهم الإجرام، بل يقول: { ~~ولا نسأل عما تعملون }. هذا كله من الحق الذي جاء به ~~القرآن ليرد عن رسول الله اتهامات القوم، وبالله لو نزل القرآن جملة ~~واحدة، أكان من الممكن الرد على هذه الاتهامات ومجادلة القوم فيما ~~يثيرونه من قضايا؟ وإن كانت هذه الأمثلة خاصة برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتبرئة ساحته في مجال الدعوة إلى الله، فهناك أيضا ما يتعلق ~~بالأحكام والتشريع، فالقرآن نزل بالعقائد والأحكام والتشريعات، ونزل ~~ليكون دائما ثابتا لا يتغير إلى يوم القيامة، ولن ينسخ منه حرف واحد ~~كما حدث في الكتب السابقة عليه. فإن نظرت إلى العقائد وجدت الكلام فيها ~~قاطعا لا هوادة فيه، يأتي هكذا قولا واحدا، فالله واحد أحد لا شريك ~~له، له صفات الكمال المطلق، وكذلك الحديث عن الملائكة والبعث والحساب. # لكن تجد الأمر يختلف في الحديث عن العادات التي ألفها الناس في حركة ~~الحياة، فهذه أمور تحتاج إلى تلطف وتدرج، ولا يناسبها القصر ~~والقطع. ألم تر إلى المشرع سبحانه حينما أراد أن يحرم الخمر، ~~كيف تدرج في تحريمها على عدة مراحل حتى يجتث هذه العادة التي تحكمت ~~في نفوس الناس وتملكتهم، أكان يمكن معالجة هذه المسألة بهذه الطريقة ~~إذا نزل ms6028 القرآن جملة واحدة؟ انظر كيف لفت أنظار القوم بلطف إلى أن في ~~الخمر شيئا، فقال تعالى: # ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ~~ورزقا حسنا.. # [النحل: 67]. ولما سمع بعض الصحابة هذه الآية قال: والله لكأن الله ~~يبيت للخمر شيئا، لقد فهم بملكته العربية أن الله تعالى طالما وصف ~~الرزق بأنه حسن، وسكت عن السكر فلم يصفه بالحسن، فإن وراء هذا ~~الكلام أمرا في الخمر لأنه يتلف نعمة الله ويفسدها على أصحابها. ثم ~~يحول هذه المسألة إلى عظة وإرشاد، فيقول: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من ~~نفعهما.. # [البقرة: 219]. وهكذا قرر لهم الحقيقة بعد أن سألوا هم عنها، وترك لهم ~~حرية الاختيار، فالأمر ما زال عظة ونصيحة لا تشريعا ملزما، إلا أنه ~~مهد الطريق للقطع بتحريمها بعد ذلك. ثم حدث من أحدهم أن صلى وهو مخمور ~~لا يدري ما يقول، فلما سمعوه يقول: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، ~~فغمزه من بجواره وعرف أنه مخمور، ووصل خبره إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزل قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون.. # [النساء: 43]. وبذلك أطال مدة الامتناع عن شرب الخمر، فالصلاة خمس ~~مرات في اليوم والليلة، فإذا لا بد من الامتناع عن الخمر قبل الصلاة ~~بوقت كاف، وهكذا عودهم الامتناع ودربهم على الصبر عن هذه الآفة التي ~~تمكنت منهم. ثم يتحين الحق سبحانه فرصة منهم، حيث اجتمع القوم في ~~مجلس من مجالس الشراب، ولما لعبت الخمر بالعقول تشاجروا حتى سالت ~~دماؤهم، وعندها ذهبوا بأنفسهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه: ~~يا رسول الله بين لنا في الخمر رأيا شافيا، وهنا ينزل الوحي على رسول ~~الله بالحكم القاطع: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه.. # [المائدة: 90]. فكيف كانت معالجة هذه الآفة التي تمكنت من الناس لو ~~نزل القرآن جملة واحدة؟ إن الحق تبارك وتعالى بنزول القرآن مفرقا ~~منجما حسب الأحداث، كأنه يجري ms6029 مشاركة بين آيات التنزيل والمنفعلين ~~بها الذين يصرون على تنفيذ مطلوباتها، حتى إنهم ليبادرون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالسؤال، مع أنه صلى الله عليه وسلم قد نهاهم أن ~~يبدأوه بالسؤال، كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن ~~تبد لكم تسؤكم.. # [المائدة: 101]. ولكنهم مع هذا تغمزهم المسألة فيبادرون بها رسول الله، ~~كما حكى القرآن: # يسألونك عن الخمر والميسر.. # [البقرة: 219]. # ويسألونك ماذا ينفقون.. # [البقرة: 219]. # يسألونك عن الأهلة.. # [البقرة: 189]. # ويسألونك عن الجبال.. # [طه: 105]. إذن: وراء نزول القرآن مفرقا منجما حكم بالغة يجب ~~تدبرها، هذه الحكم ما كانت لتحدث لو نزل القرآن جملة واحدة. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا... }. ### || [17.107] # قوله تعالى: { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا.. } [الإسراء: ~~107] آمنوا: أمر، ولا تؤمنوا: نهي. والأمر والنهي نوعان من الطلب، ~~والطلب أن تطلب من الأدنى أن يفعل، والنهي أن تطلب من الأدنى ألا ~~يفعل، فإن كان الطلب من مساو لك فهو التماس، وإن كان إلى أعلى منك فهو ~~دعاء. لذلك حينما نقول للطالب أعرب: رب اغفر وارحم يقول: اغفر ~~فعل أمر، نقول له: أنت سطحي العبارة لأن الأمر هنا من الأدنى للأعلى، من ~~العبد لربه تبارك وتعالى، فلا يقال: أمر، إنما يقال: دعاء. والطاعة أن ~~تمتثل الأمر والنهي، فهل نقول في قوله تعالى: { قل آمنوا به أو ~~لا تؤمنوا.. } [الإسراء: 107] أنها للتخيير، فإن آمنوا فقد ~~أطاعوا، وكذلك إن لم يؤمنوا فقد أطاعوا أيضا؟ نقول: الأمر والنهي هنا ~~لا يراد منه الطلب، بل يراد به التهديد أو التسوية كما تقول لابنك حين ~~تلاحظ عليه الإهمال: ذاكر أو لا تذاكر، أنت حر لا شك أنك لا تقصد النهي ~~عن المذاكرة، بل تقصد تهديده وحثه على المذاكرة. فقوله: { قل آمنوا ~~به أو لا تؤمنوا.. } [الإسراء: 107] للتسوية، كما قال: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29]. فهذا ليس أمرا بحيث أن الذي يفعل الأمر أو النهي يكون ~~طائعا، بل المراد هنا التهديد أو التسوية، فسواء آمنوا أو كفروا ms6030 لأن ~~الحق سبحانه جعل في ذلك عزاء لرسوله صلى الله عليه وسلم في إيمان أهل ~~الكتاب. { إن الذين أوتوا العلم من قبله.. } ~~[الإسراء: 107] أي: اليهود والنصارى الذين ارتاضوا بالكتب السماوية، ~~واستمعوا للتوراة والإنجيل، ونقلوها إلى غيرهم من المعاصرين للقرآن ~~فهؤلاء شاهدون بأن الرسول حق بما عندهم من بشارة به في التوراة ~~والإنجيل لذلك يتركون دينهم ويسارعون إلى الإسلام لأنهم يعلمون علم ~~اليقين أنه الدين الحق. ومن هؤلاء عبد الله بن سلام، وكان من علماء ~~اليهود، وكان يعلم أوصاف رسول الله وزمن بعثته لذلك قال: لقد عرفته حين ~~رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد. ولما اختمر الإسلام في نفسه ~~ذهب إلى رسول الله وصارحه بما نوى من اعتناق الإسلام، وقال: # " يا رسول الله إن اليهود قوم بهت فإن أعلنت إسلامي الآن قالوا في ~~ما ليس في، فاسألهم عني وأنا ما زلت على دينهم، وانظر ما يقولون، ~~فسألهم رسول الله: ما تقولون في ابن سلام؟ فقالوا: حبرنا وابن حبرنا، ~~ووصفوه بخير الصفات، وأطيب الخصال، فقال عبد الله: يا رسول الله، أما وقد ~~قالوا في ما قالوا فأشهد ألا إله إلا الله وأنك رسول الله، فإذا بهم ~~يذمونه ويتهمونه بأخس الخصال، فقال: يا رسول الله ألم أقل لك إنهم ~~قوم بهت ". # إذن: ففي إيمان عبد الله بن سلام وغيره من اليهود والنصارى الذين عرفوا ~~رسول الله بأوصافه في كتبهم وعرفوا موعد بعثته وأنه حق، في إيمان هؤلاء ~~عزاء لرسول الله حين كفر به قومه وكذبوه لذلك قال تعالى: # قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتاب # [الرعد: 43]. ونحن مكتفون بشهادة هؤلاء لأنهم قوم صادقون مع أنفسهم، ~~صادقون مع أنبيائهم ومع كتبهم التي تلقوها، فحينما بشرت بمحمد ووصفته ~~لم ينكروا هذه الصفات ولم يحرفوها، بل كانوا يسارعون إلى المدينة ~~انتظارا لمبعث النبي الجديد الذي سيظهر فيها، لقد كانوا يقولون لكفار ~~مكة: لقد أظل زمان نبي جديد نتبعه قبلكم، ونقتلكم به قتل عاد وإرم. # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله ~~على ms6031 الكافرين # [البقرة: 89] إلا أن الله أبقى للحق خلية، وجعل له خميرة استجابت لرسول ~~الله، وتفاعلت مع الدين الجديد. وقوله تعالى: { إذا يتلى ~~عليهم.. } [الإسراء: 107] أي: القرآن { يخرون للأذقان ~~سجدا } [الإسراء: 107]. كلمة { يخرون } توحي بأنهم يسارعون إلى ~~السجود، وكأنها عملية انفعالية غير إرادية ليس لهم فيها تصرف، فبمجرد ~~سماع القرآن يرتمون على الأرض ساجدين لأنهم تفاعلوا معه، واختمر الإيمان ~~في نفوسهم. ليس ذلك وفقط، بل ويخرون { للأذقان } جمع ذقن، وهي ~~أسفل الفك السفلي، ومعلوم أن السجود يكون على الجبهة، أما هؤلاء ~~فيسجدون بالوجه كله، وهذا دليل على الخضوع والاستسلام لله تعالى. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ويقولون سبحان ربنآ... }. ### || [17.108] # أي: يقولون حال سجودهم: سبحان ربنا الذي وفى بوعده في التوراة ~~والإنجيل، وبعث الرسول الخاتم ومعه القرآن، سبحانه حقق لنا وعده ~~وأدركناه وآمنا به، وكأن هذه نعمة يحمدون الله عليها. ويقول الحق سبحانه ~~عنهم: { ويخرون للأذقان يبكون... }. ### || [17.109] # لقد خروا ساجدين لله تعالى قبل ذلك لأنهم أدركوا القرآن الذي نزل على ~~محمد، وتحقق لهم وعد الله فعاصروه وآمنوا به. أما هذه المرة فيخرون ~~ساجدين لما سمعوا القرآن تفصيلا وانفعلوا به، فيكون له انفعال آخر، لذلك ~~يزيد هنا الخشوع والخضوع، فيقول: { ويخرون للأذقان ~~يبكون... } [الإسراء: 109] فكلما قرأوا آية ازدادوا بها خشوعا ~~وخضوعا. ثم يقول الحق سبحانه: { قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسمآء الحسنى... ~~}. ### || [17.110] # { ادعوا } اذكروا، أو نادوا، أو اطلبوا { الله } علم على واجب ~~الوجود سبحانه، ومعنى: علم على واجب الوجود أنها إذا أطلقت ~~انصرفت للذات الواجبة الوجود وهو الحق سبحانه، كما نسمي شخصا، فإذا ~~أطلق الاسم ينصرف إلى المسمى. والأسماء عندنا أنواع كثيرة: إما اسم، ~~أو كنية، أو لقب. الاسم: وهو أغلب الأعلام، ويطلق على المولود بعد ~~ولادته ويعرف المولود به. والكنية: وتطلق على الإنسان، وتسبق بأب ~~أو أم أو ابن أو بنت، كما نقول: أبو بكر، وأم المؤمنين. واللقب: وصف ~~يشعر بالمدح أو الذم، كما نقول: الصديق، الشاعر، الفاروق. فإذا كان ~~الاسم معه شريك غيره لا ms6032 بد لتمييزه من وصفه وصفا يعرف به، كما ~~يحدث أن يألف شخص أن يسمي أولاده جميعا: محمد فالتسمية في هذه الحالة لا ~~تشخص ولا تعين المسمي لذلك لا بد أن نصف كل واحد منهم بصفة ~~فنقول: محمد الكبير، محمد الصغير. محمد المهندس. فإذا أطلق الاسم بصفته ~~ينصرف إلى شخص معين. وإذا كنا نحن نسمي أولادنا: فإن الحق سبحانه ~~سمى نفسه بأسمائه التي قال عنها: الأسماء الحسنى، وكلمة حسنى أفعل ~~تفضيل للمؤنث، مثل: كبرى. والمذكر منها أحسن. لكن لماذا وصف أسماءه ~~تعالى بالحسنى؟ الاسم يبين المسمى، لكن الأسماء عند البشر قد لا ~~تنطبق على المسمى الذي أطلقت عليه، فقد نسمي شخصا " سعيد " وهو ~~شقي، أو نسمي شخصا " ذكي " وهو غبي. وهذا ليس بحسن في الأسماء، الحسن ~~في الاسم أن يطابق الاسم المسمى، ويتوفر في الشخص الصفة التي أطلقت ~~عليه، فيكون الشخص الذي سميناه " سعيد " سعيدا فعلا. وهكذا يكون الاسم ~~حسنا، لكنه لا يأخذ الحسن الأعلى لأن الحسن الأعلى لأسماء الله التي ~~سمى بها نفسه، فله الكمال المطلق. فهذه - إذن - لا تتأتى في تسمية ~~البشر، فكثيرا ما تجد " عادل " وهو ظالم، و " شريف " وليس بشريف لذلك ~~قلنا: # وأقبح الظلم بعد الشرك منزلة # أن يظلم اسم مسمى ضده جعلا # فشارع كعماد الدين تسمية # لكنه لعناد الدين قد جعلا # فالاسم قد يظلم المسمى كما حدث أن سموا الشارع عماد الدين، وهذا ~~الشارع كان في الماضي بؤرة للفسق والفجور، وما أبعده سابقا عن هذه ~~التسمية. فلفظ الجلالة الله علم على واجب الوجود، وبعد ذلك جاءت صفات ~~غلبت عليه، بحيث إذا أطلقت لا تنصرف إلا إليه. فإذا قلنا: العزيز ~~على إطلاقه فإنها لا تنصرف إلا لله تعالى، لكن يمكن أن نقول فلان العزيز ~~في قومه، فلان الرحيم بمن معه، فلان النافع لمن يتصل به، إنما لو ~~قلت: النافع على إطلاقه فهو الله سبحانه وتعالى. لذلك حلت الصفات ~~محل اسم الذات { الله } لأنها إذا أطلقت لا تنصرف إلا لله ~~تعالى، فأسماء الله الحسنى هي في الأصل صفات ms6033 له سبحانه. # ولو تأملنا هذه الأسماء لوجدناها على قسمين: أسماء ذات، وأسماء صفات ~~فعلية، اسم الذات لا يتصف الله بمقابله، فالعزيز مثلا اسم ذات فلا نقول ~~في مقابله الذليل، والحي اسم ذات فلا نقول: الميت. أما اسم الصفة ~~الفعلية فيكون له مقابل، فالمعز صفة فعل يعني يعز غيره، ومقابلها ~~المذل، والضار مقابلها النافع، والمحيي مقابلها المميت وهكذا.. إن ~~وجدت للاسم مقابلا فاعلم أنه اسم لصفة الفعل من الله تعالى، وإذا لم ~~يكن له مقابل فهو اسم ذات. لكن تقف مثلا عند الستار وهي صفة فعل ~~لأنه يستر غيره، لكن ليس لها مقابل فلا نقول الفضاح، لماذا؟ لأنه تبارك ~~وتعالى يريد أن يتخلق خلقه بهذه الصفة، وأن يربب صفة الستر عند ~~الناس للناس، فلو علم الناس، عن أحد أمرا فاضحا لزهدوا في كل ما يأتي ~~من عنده ولو كان حسنة، وبذلك يحرم المجتمع من طاقات كثيرة من الخير. ~~لكن حين تستر على صاحب العيب عيبه، فإنك تعطي للمجتمع فرصة لينتفع بما ~~لديه من صفات الخير لذلك الله تعالى يعصى ويحب أن يستر على عبده ~~العاصي لكي يستمر دولاب الحياة لأنه لا يوجد أحد له كمال إلا النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وصدق القائل: # من ذا الذي ما ساء قط # ومن له الحسنى فقط # إذن: فمن الحكمة أن يأمر الله تعالى بستر غيب خلقه عن خلقه حتى ~~تستمر حركة الحياة لأن الإنسان ابن أغيار، وقلبه سريعا ما يتقلب، ~~ولربما لو عرفت عنك شيئا مستورا لتغيرت لك وأنت كذلك، ولربما ~~تقطعت بيننا حبال المودة، إنما بالستر ينتفع كل منا بالآخر. ومن هنا ~~قالوا: لو تكاشفتم ما تدافنتم، أي: لو تكشفت الأسرار، وعرف كل منكم ~~عيب أخيه ما دفنتم من يموت منكم، وهذا منتهى ما يمكن تصوره من ~~التقاطع بين الناس. فقوله تعالى: { قل ادعوا الله.. } [الإسراء: ~~110] فاختار هذا الاسم بالذات { الله } العلم على واجب الوجود، وهو ~~اسم ذات لا يدل على صفة معينة، لكنه يحمل في طياته كل صفات الكمال فيه، ~~فإن كانت ms6034 للأسماء الأخرى مجالات، فالقادر في القدرة، والحكيم في الحكمة، ~~والقابض في القبض، والعزيز في العزة. فإن لكل اسم مجالا وسيالا، فإن ~~{ الله } هو الاسم الجامع لكل الصفات. لذلك في الحديث النبوي الشريف: # " كل شيء لا يبدأ باسم الله فهو أبتر ". # لماذا؟ لأنك حين تقدم على أي فعل تحتاج أولا إلى حكمة لتعرف من ~~خلالها لماذا تفعل، وتحتاج إلى قدرة تعينك على إنجازه، وتحتاج إلى علم ~~بمصير هذا الفعل وعاقبته، إذن: تحتاج إلى صفات كثيرة، فحين تقبل على ~~العمل لا تقل: يا حكيم يا قادر يا عليم، إنما الحق سبحانه يريحك، ~~ويكفي أن تقول في الإقدام على الفعل: باسم الله. # لأنك ذكرت الاسم الجامع لكل صفات الكمال. { أو ادعوا ~~الرحمن.. } [الإسراء: 110] واختار الرحمن دون الجبار أو القهار ~~لأن الرحمة صفة التحنين للخلق، فالحق سبحانه وتعالى يظهر هذه الصفة ~~لعباده حتى في أسماء الجبار والقهار لأنها من خدم الرحمة ومن أسبابها ~~لأن العبد إذا عرف لله: صفة الجبروت، وصفة القهر، وصفة الانتقام انتهى عن ~~أسباب الوقوع تحت طائلة هذه الصفات، فكأنه يرحم عباده حتى بصفات القهر ~~والانتقام. ومن هذا قول الحق تبارك وتعالى: # ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب.. # [البقرة: 179] لأنه إذا علم القاتل أنه سيقتل انتهى عن القتل. وفي ~~الأثر: " القتل أنفى للقتل ". إذن: فتشريع القصاص وإقامة الحدود ~~والعقوبات لا لتعذيب الخلق، وإنما رحمة بهم حتى يقفوا بعيدا عن ارتكاب ~~ما يوجب القصاص أو الحد أو العقوبة، حتى الذي يقهره الله مرحوم أيضا ~~لأنه ما دام قال: أنا قهار. فاحذرني، فهو بذلك يرحمه لأنه يحذره من ~~أسباب الوقوع فيما يستوجب غضبه وانتقامه. وكذلك اختار اسم { ~~الرحمن } لأن مجال التكليف كله الرحمة، وما نزل المنهج من الله ~~إلا لينظم حياة الناس ويحقق لهم السعادة في حركة الحياة، فيتكامل ~~الخلق فيما بينهم، ويتعاونون، ويتساندون ولا يتعاندون، ويكونون جميعا ~~على قلب رجل واحد، هذه غاية المنهج الإلهي في دنيا الناس أن يعيش ~~المجتمع المسلم آمنا سالما. فالرحمانية الإلهية هي الغالبة في كل ~~التشريع، وهي ms6035 السمة العامة، ألا ترى قوله تعالى: # الرحمن * علم القرآن # [الرحمن: 1-2]. فالقرآن الذي نزل لينظم حياة الناس ويحكمها، ويصلح ~~حركة الحياة، ويضع السلام بينك وبين الله، وبينك وبين نفسك، وبينك وبين ~~الناس، هذا القرآن مظهر من مظاهر هذه الرحمانية الإلهية. وقد اعترض بعض ~~المستشرقين على قوله تعالى في سورة الرحمن: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13] والآلاء هي النعم، وأنها جاءت تذييلا لقوله تعالى: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران # [الرحمن: 35] فالآية تتحدث عن النار والشواظ، فكيف تختم هذه الخاتمة ~~التي تدل على النعمة؟ ولو تدبر القوم ما اعترضوا لأن في النار ~~والتحذير منها والتخويف بها نعمة، كأن القرآن يقول لك: إياك أن تفعل ما ~~يوجب النار والشواظ فتقلع وترتدع من قريب، أليست هذه من نعم الله على ~~عباده؟ أليست رحمة بهم؟ وماذا كنتم ستقولون إن لم يقدم لكم الحق ~~سبحانه تحذيرا وإنذارا، ثم فاجأكم بالعذاب؟ ونقف على لطيفة أخرى ~~لاستخدام اسم الله { الرحمن } في قوله تعالى: # ثم استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا # [الفرقان: 59]. أي: بعد أن خلق الخلق كله بسمائه وأرضه وما فيهما ~~استوى على العرش لأن الاستواء على العرش يعني أن كل شيء تم له سبحانه ~~خلقا وإيجادا، وانتهى إلى الجلوس على العرش، وهذا تمثيل بالملوك ~~الذين لا يجلسون على العرش إلا بعد أن يستتب لهم الأمر، فجلوس الملك ~~على العرش يعني أنه الأوحد الذي لا يعارضه أحد. # فالحق سبحانه ينبهنا بقوله: # ثم استوى على العرش الرحمن.. # [الفرقان: 59] واختار صفة الرحمة ليوحي لنا أن قعوده على العرش لا ~~يعني القهر والجبروت، إنما قعد على عرشه رحمة بكم، قعد على العرش ~~لينظم حياتكم، ويرحم بعضكم ببعض، فتسعدوا بالحياة، فالاستواء هنا لا ~~استواء قهر وغلبة، بل استواء رحمة لمصلحتكم أنتم. وفي آية أخرى قال: # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] وقد ورد استواؤه سبحانه على العرش في سبعة مواضع في كتاب الله، ~~نظمها الناظم في قوله: # وذكر استواء الله في كلماته # على العرش في سبع مواضع فاعدد # ففي ms6036 سورة الأعراف ثمة يونس # وفي الرعد مع طه فللعد أكد # وفي سورة الفرقان ثمة سجدة # كذا في الحديد افهموا فهم مؤيد # وكل صفة من صفات جلاله سبحانه إنما هي في خدمة رحمانيته، لأنه يخوف ~~عباده بصفات الجلال حتى لا يقعوا في المخالفة، فيأخذوا نعمة الله في ~~الدنيا، ويسعدوا بها، ويأخذوا نعيم الآخرة فيسعدوا بها، فهي - إذن - ~~الرحمانية المستولية والسمة العامة لمنهج الله في الدنيا والآخرة. وفي ~~الحديث # " في آخر ليلة من رمضان يتجلى الجبار بالمغفرة.. " # ولم يقل: تجلى الغفار بالمغفرة، فلماذا آثر صفة الجبار في مجال ~~المغفرة؟ قالوا لأن المغفرة توحي بوجود ذنب، والذنب يقتضي العقوبة، ~~وهذه من اختصاص صفة الجبار، فهل تغلبت صفة الغفار على صفة الجبار، ~~وأخذت اختصاصها؟ لا بل تشفع صفة الغفار عند صفة الجبار: الموقف لك أيتها ~~الصفة، لكن نستسمحك في أن نشفع في هؤلاء، فكأن صفات الجمال تشفع عند صفات ~~الجلال. لذلك، فالذين يفسرون الحديث يقولون: شفع المؤمنون، وشفع ~~الأنبياء، وشفعت الملائكة، وبقيت شفاعة أرحم الراحمين فعند من سيشفع ~~أرحم الراحمين؟ قالوا: تشفع ذاته عند ذاته، وهكذا تشفع صفة الجمال الغفار ~~عند صفة الجلال الجبار تبارك وتعالى. ثم يقول تعالى: { قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله ~~الأسمآء الحسنى.. } [الإسراء: 110] فأي اسم تدعو به لأن ~~أسماءه كلها حسنى، لكن ليكن عندك ذكاء في الدعاء، فتدعو بما يناسب ~~حاجتك، فإن أردت علما فقل: يا عالم علمني، وإن كنت ضعيفا ~~فقل: يا قوي قوني، وإن أردت العزة فقل: يا عزيز أعزني ~~وهكذا.. فإن أردت الاختصار فقل: يا الله. تكفيك كل شيء. ثم يقول ~~تعالى: { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ ~~بين ذلك سبيلا } [الإسراء: 110] الصلاة يراد بها كل أعمال ~~الصلاة { ولا تجهر } فالجهر منهي عنه، وكذلك { ولا تخافت } ~~أي: لا تسرها بحيث لا يسمعك من خلفك، وهذا منهي عنه أيضا. # فكلا الطرفين مذموم، وخير الأمور الوسط. ونوضح هنا: إذا كان ~~الجهر بالصلاة منهيا عنه فارتفاع الصوت عاليا من باب أولى، فلا ~~يليق أبدا ms6037 رفع الصوت بالصلاة، ثم استعمال الميكروفونات أيضا، وما ~~تسببه من إزعاج للناس. والحق سبحانه وتعالى يقول: # وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ~~لعلكم ترحمون # [الأعراف: 204]. فأنت حين ترفع صوتك بالقرآن، وخاصة في الميكروفون تلزم ~~الناس بالإنصات، وتوقعهم في الإثم والحرج، أو تعطل مصالحهم، ولعل غيرك ~~في هذا الوقت يريد أن يقرأ هو الآخر، أو يستغفر، أو يسبح أو يصلي، ~~فكيف تجعل الأمر المندوب عندك حاكما على غيرك؟ هذا لا يجوز، بل اترك ~~الناس وشئونهم فكل منهم حر فيما يتنفل به، ولا تكن من الذين قال ~~الله في حقهم: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف: 103-104]. كالذي يشعل الميكروفون قبل صلاة الفجر، ويأخذ في ~~إنشاد كلام ما نزل به الشرع، يزعج به الناس، ويقلق به المريض، ولا يراعي ~~للناس حرمة. فمتى يفيق المسلمون؟ ومتى يتنبهون إلى هذه البدع التي ~~تشوش على الناس وتفسد عليهم عبادتهم؟ أما إن كان رفع الصوت ~~بالقرآن لغرض دنيوي ومكسب شخص، وأن نجعل الأمر معرضا للأصوات، ~~ومضمارا للسباق، إن كان الأمر استغلالا للدين لحساب الدنيا والعياذ ~~بالله، فقد دخل صاحبه في شريحة أخرى من الإثم، عافانا الله وإياكم. والحق ~~سبحانه يقول: { وابتغ بين ذلك سبيلا } [الإسراء: 110]. أي: ~~بين الجهر والإسرار، واسلك سبيل الوسطية التي جاء بها الشرع، وتأس برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حينما كان يتفقد الصحابة ليلا فوجد أبا بكر - ~~رضي الله عنه - يقرأ، ولا يكاد يسمع صوته، فلما سأله. قال: يا رسول الله، ~~أناجي ربي وهو عالم بي، فلما ذهب إلى عمر - رضي الله عنه - وجده يقرأ ~~بصوت عال، فلما سأله قال: يا رسول الله أزجر به الشيطان. عندها أمر صلى ~~الله عليه وسلم أبا بكر أن يرفع صوته قليلا، وأمر عمر أن يخفض صوته ~~قليلا. وهذا الاعتدال وهذه الوسطية أمرنا بها حتى في الدعاء، كما ~~جاء في قوله تعالى: # واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر ~~من القول # [الأعراف: 205]. فكلمة: { بين ms6038 ذلك.. } [الإسراء: 110] البينية هذه ~~تكاد تشيع في كل أحكام الدين لأن القرآن جاء لأمة وسط بالأمور الوسط في ~~كل شئون الحياة، ففي قمة المسائل وهي الأمور العقدية مثلا يقف الإسلام ~~موقف الوسطية بين من ينكرون وجود الإله ومن يقول بآلهة متعددة، ~~فينفي هذه وهذه ويقول بوجود إله واحد أحد لا شريك له. وفي الإنفاق يختار ~~الوسط، فيقول: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67]. وبذلك ضمن لأهله نظاما اقتصاديا ناجحا يثري حياة ~~الجماعة، ويرقى بحياة الفرد، وقد لخص هذا المنهج الاقتصادي في قوله ~~تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط فتقعد ملوما محسورا # [الإسراء: 29]. فالممسك المقتر الذي يقبض يده عن الإنفاق يتسبب في ~~ركود البضائع وتوقف حركة الحياة، وهذا خطر على المجتمع، وفي التبذير خطر ~~على الفرد حيث ينفق كل ما معه، ولا يبقي على شيء يرتقي به في الحياة، ~~فإذا لم تتبع هذا المنهج الحكيم فسوف تقعد ملوما على الإمساك، محسورا ~~على التبذير الذي فوت عليك فرصة الترقي مثل الآخرين. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ~~ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له... }. ### || [17.111] # فما المحمود عليه في الآية؟ الحق سبحانه يقول: # الذي لم يتخذ ولدا.. # [الإسراء: 111]. فكونه سبحانه لم يتخذ ولدا نعمة كبيرة على العباد ~~يجب أن يحمدوه عليها، فإن كان له ولد فسوف يخصه برعايته دون باقي ~~الخلق، فقد تنزه سبحانه عن الولد، وجعل الخلق جميعهم عياله، وكلهم ~~عنده سواء، فليس من بينهم من هو ابن لله أو من بينه وبين الله قرابة، ~~وأحبهم إليه تعالى أتقاهم له، وهكذا ينفرد الخلق بكل حنان ربهم وبكل ~~رحمته. ثم، ما الحكمة من اتخاذ الولد؟ الناس يتخذون الولد ويحرصون على ~~الذكر، خاصة لأمرين: أن يكون الولد ذكرى وامتدادا لأبيه بعد موته، ~~كما قال الشاعر: # أبني يا أنا بعدما أقضي # والحق سبحانه وتعالى باق دائم، فلا يحتاج لمن يخلد ذكراه، أو ~~يكون امتدادا له، تعالى ms6039 الله عن ذلك علوا كبيرا، فالحمد لله أنه لم ~~يتخذ ولدا. أو يكون الولد للعزوة والمكاثرة والتقوى به من ضعف، والحق ~~سبحانه وتعالى هو الغالب القهار، فلا يحتاج إلى عزوة أو كثرة، لذلك ~~يأمرنا سبحانه أن نمجده لأنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، والمتأمل في ~~حال الملوك والسلاطين يجد أكثر فسادهم إما من الولد وإما من الصاحبة. ثم ~~يقول سبحانه: { ولم يكن له شريك في الملك.. } [الإسراء: ~~111]. وهذا أيضا من النعم التي تستوجب الحمد، ولك أن تتصور لو أن لله ~~تعالى شريكا في الملك، كم تكون حيرة العباد، فأيهما تطيع وأيهما ~~ترضي؟ لقد أوضح لنا الحق سبحانه هذه المسألة في هذا المثل الذي ضربه ~~لنا: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا.. # [الزمر: 29]. لذلك، ففي أعراف الناس وأمثالهم يقولون: المركب التي بها ~~ريسين تغرق وكونه سبحانه واحدا لا شريك له يجعلك تطمئن إلى أمره ~~ونهيه فتطيعه وأنت مطمئن، فأوامره سبحانه نافذة لا معقب لها، ولا ~~معترض عليها، فليس هناك إله آخر يأمرك بأمر مخالف، أليست هذه نعمة ~~تستوجب الحمد؟ وأيضا فإن الحق سبحانه يقول: { ولم يكن له ~~ولي من الذل.. } [الإسراء: 111]. الولي: هو الذي يليك، وأنت ~~لا تجعل أمرك إلا لمن تثق به أنه يجلب لك نفعا، أو يدفع عنك ضرا، ~~أو ينصرك أمام عدو، أو يقوي ضعفك، فإذا لم يكن لك ذاتية تحقق بها ما ~~تريد تلجأ لمن له ذاتية، وتحتمي برحابه، وتجعل ولاءك له. والحق سبحانه ~~ليس له ولي يلجأ إليه ليعزه لأنه سبحانه العزيز المعز القائم بذاته ~~سبحانه، ولا حاجة له إلى أحد. ثم يقول تعالى: { وكبره تكبيرا } ~~[الإسراء: 111]. لأن عظمة الحق سبحانه في نفس المؤمن أكبر من كل شيء، ~~وأكبر من كل كبير لذلك جعلت الله أكبر شعار أذانك وصلاتك، فلا بد أن ~~تكبر الله، وتجعله أكبر مما دونه من الأغيار، فإن ناداك وأنت في ~~أي عمل فقل: الله أكبر من عملي، وإن ناداك وأنت في حضرة عظيم، فقل: ~~الله ms6040 أكبر من أي عظيم، كبره تكبيرا بأن تقدم أوامره ونواهيه على ~~كل أمر، وعلى كل نهي. # ولا تنس أنك إن كبرت الحق سبحانه وتعالى أعززت نفسك بعزة الله ~~التي لا يعطيها إلا لمن يخلص العبودية له سبحانه، فضلا عن أن ~~العبودية لله شرف للعبد، وبها يأخذ العبد خير سيده، أما العبودية ~~للبشر فهي مذمومة مكروهة، وهي مذلة وهوان، حيث يأخذ السيد خير عبده. وصدق ~~الشاعر حين قال: # حسب نفسي عزا بأني عبد # يحتفي بي بلا مواعيد رب # هو في قدسه الأعز ولكن # أنا ألقى متى وأين أحب # فكم تتحمل من المشقة والعنت في مقابلة عظيم من عظماء الدنيا، أما في ~~مقابلة رب العزة سبحانه، فبمجرد أن آمنت به أصبح الزمام في يدك تلقاه ~~متى شئت، وفي أي مكان أردت، وتحدثه في أي أمر أحببت، فأي ~~عزة بعد هذا؟ ولذلك كانت حيثية الرفعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في الإسراء والمعراج أنه عبد لله، حيث قال تعالى: # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا.. # [الإسراء: 1]. فالعزة في العبودية لله، والعزة في السجود له تعالى، ~~فعبوديتك لله تعصمك من العبودية لغيره، وسجودك له تعالى يعصمك من السجود ~~لغيره، ألا ترى قول الشاعر: # والسجود الذي تجتويه # من ألوف السجود فيه نجاة # إذن: فكبر الله تكبيرا وعظمه، والتجئ إليه، فمن التجأ إلى الله ~~تعالى كان في معيته، وأفاض عليه الحق من صفاته، وعصمه من كيد الآخرين ~~وقهرهم. وسبق أن ضربنا مثلا بالولد الصغير الذي يعتدي عليه أقرانه إن ~~سار وحده، فإن كان في يد أبيه فلا يجرؤ أحد على الاعتداء عليه. فعليك - ~~إذن - أن تكون دائما في معية ربك تأمن كيد الكائدين ومكر الماكرين، ~~ولا ينالك أحد بسوء، فإن ابتلاه الله بشيء فكأنما يقول له: أبتليك ~~بنعمتي لتأخذ من ذاتي، لأن الصحيح المعافى إن كان في معية نعمة الله، ~~فالمبتلى في معية الله ذاته. ألم يقل الحق سبحانه في الحديث القدسي: # " يا بن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا ms6041 رب وكيف أعودك وأنت رب ~~العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت ~~أنك لو عدته لوجدتني عنده ". # فالمريض الذي يأنس بزائريه ويسعد بهم ويرى في زيارتهم تخفيفا من آلامه ~~ومواساة له في شدته، ما باله إن أنس بالله وكان في جواره وكلاءته، والله ~~الذي لا إله إلا هو لا يشعر بوخز المرض أبدا، ويستحي أن يتأوه من ألم، ~~ولا ييأس مهما اشتد عليه البلاء لأنه كيف يتأوه من معية الله؟ وكيف ييأس ~~والله تعالى معه؟ إذن: كبره تكبيرا. # أي: اجعل أمره ونهيه فوق كل شيء، وقل: الله أكبر من كل كبير حتى ~~الجنة قل: الله أكبر من الجنة. ألا ترى قول رابعة العدوية: # كلهم يعبدونك من خوف نار # ويرون النجاة حظا جزيلا # أو بأن يسكنوا الجنان فيحظوا # بقصور ويشربوا سلسبيلا # ليس لي بالجنان والنار حظ # أنا لا أبتغي بحبي بديلا # وفي الحديث القدسي: # " أولو لم أخلق جنة ونارا، أما كنت أهلا لأن أعبد؟ ". # فالله تعالى بذاته سبحانه أكبر من أي شيء، حتى إن كانت الجنة، ففي آخر ~~سورة الكهف يقول تعالى: # فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا # [الكهف: 110]. فلم يقل: من كان يرجو جزاء ربه، أو جنة ربه، أو نعيم ~~ربه، إن المؤمن الحق لا ينظر إلى النعيم، بل يطمع في لقاء المنعم ~~سبحانه، وهذا غاية أمانيه. وفي حديث آخر يقول الحق سبحانه للملائكة: # " أما رأيتم عبادي، أنعمت عليهم بكذا وكذا، وأسلب عنهم نعمتي ويحبونني ~~". # وبهذه الآية ختمت سورة الإسراء، فجعلنا الحق سبحانه نختمها بما أنعم ~~علينا من هذه النعم الثلاث، وليس هذه هي كل نعم الله علينا، بل لله تعالى ~~علينا نعم لا تعد ولا تحصى، لكن هذه الثلاث هي قمة النعم التي ~~تستوجب أن نحمده عليها. فالحمد لله الذي لم يتخذ ولدا لأنه لم يلد ولم ~~يولد وهو واحد أحد، والحمد لله الذي لم يتخذ شريكا لأنه واحد، والحمد ~~لله الذي لم يكن له ولي من ms6042 الذل لأنه القاهر العزيز المعز، ولهذا يجب ~~أن نكبر هذه الإله تكبيرا في كل نعمة نستقبلها منه سبحانه. ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1] # ختم الحق سبحانه سورة الإسراء بالحمد، وبدأ سورة الكهف بالحمد، والحمد ~~لله دائما هو الشعار الذي أطلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خير ~~الكلمات: " سبحان الله والحمد لله " سبحان الله بدئت بها سورة الإسراء، ~~والحمد لله بدئت بها سورة الكهف. سبحان الله تنزيه لذاته سبحانه أن يكون ~~له شريك، لا في الذات، ولا في الأفعال، ولا في الصفات، والحمد لله كذلك ~~تكبرة للذات، وبعد ذلك جاء العطاء من الذات فقلنا: الحمد لله، فسبحان ~~الله تنزيه، والحمد لله شكر على العطاء. والحمد يشترك معه في المعنى ~~العام: ثناء وشكر ومدح، إلا أن هذه الألفاظ وإن تقاربت في المعنى ~~العام فلكل منها معناه الخاص، وكل هذه الألفاظ فيها ثناء، إلا أن ~~الشكر يكون من منعم عليه بنعمة خاصة به، كأن يسدي لك إنسان جميلا لك ~~وحدك، فتشكره عليه. أما الحمد فيكون على نعمة عامة لك ولغيرك، فرقعة ~~الحمد أوسع من رقعة الشكر، أما المدح فقد تمدح ما لا يعطيك شيئا، كأن ~~تمدح مثلا الشكل الجميل لمجرد أنه أعجبك. فقول الحق: { الحمد ~~لله } بالألف واللام الدالة على الحصر، فالمراد الحمد المطلق الكامل ~~لله، الحمد المستوعب لكل شيء، حتى إن حمدك لأي إنسان قدم لك جميلا ~~فهو - إذا سلسلته - حمد لله تعالى الذي أعان هذا الإنسان على أن ~~يحسن إليك، فالجميل جاء من حركته، وحركته موهوبة له من خالقه، والنعمة ~~التي أمدك بها موهوبة من خالقه تعالى، وهكذا إذا سلسلت الحمد لأي ~~إنسان في الدنيا تجده يصل إلى المنعم الأول سبحانه وتعالى. وكلمة { ~~الحمد لله } هذه هي الصيغة التي علمنا الله أن نحمده بها، ~~وإلا فلو ترك لنا حرية التعبير عن الحمد ولم يحدد لنا صيغة نحمده ~~ونشكره بها لاختلف الخلق في الحمد حسب قدراتهم وتمكنهم من الأداء ~~وحسب قدرتهم على استيعاب النعم، ولوجدنا البليغ صاحب القدرة الأدائية ~~أفصح من ms6043 العيي والأمي. فتحمل الله عنا جميعا هذه الصيغة، وجعلها ~~متساوية للجميع، الكل يقول { الحمد لله } البليغ يقولها، والعيي ~~يقولها، والأمي يقولها. لذلك يقول صلى الله عليه وسلم وهو يحمد الله ~~ويثني عليه: # " سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ". # فإن أردنا أن نحصي الثناء عليك فلن نستطيع لأن الثناء عليك لا يعرف ~~مداه إلا أنت، ولا يحصيه غيرك، ولا نملك إلا أن نقول ما علمتنا من ~~حمدك: الحمد لله. إذن: فاستواء الناس جميعا في الحمد لله نعمة كبرى في ~~ذاتها تستحق الحمد، فنقول: الحمد لله على ما علمنا من الحمد لله، ~~والحمد الأول أيضا نعمة، وبذلك نقول: الحمد لله على ما علمنا من ~~الحمد لله بالحمد لله. # وهكذا، لو تتبعت الحمد لوجدته سلسلة لا تنتهي، حمد على حمد على ~~حمد على حمد، فيظل الله محمودا دائما، يظل العبد حامدا إلى ما لا ~~نهاية. والحمد لله استهل بها الحق سبحانه خمس سور من القرآن: # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2]. # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون # [الأنعام: 1]. { الحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتاب.. } [الكهف: 1]. # الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في ~~الأرض وله الحمد في الآخرة.. # [سبأ: 1]. # الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل ~~الملائكة رسلا أولي أجنحة.. # [فاطر: 1]. ولكن، لكل حمد في كل سورة حيثية خاصة، فالحمد في الأولى ~~لأن الله رب العالمين، ورب يعني الخالق والمتولي للتربية، خلق من ~~عدم، وأمد من عدم، وتولى تربية عباده، فهو رب لكل العالمين لذلك ~~يجب أن نحمد الله على أنه هو الرب الذي خلق العالمين، وأمدهم ~~بفضله. وفي الثانية: نحمده سبحانه الذي خلق السماوات والأرض، وجعل ~~الظلمات والنور، وهذه آيات من آيات الله ونعم من نعمه، فالسماوات ~~والأرض فيها قيام البشر كله بما يمد حياتهم بالقوت، ويستبقي نوعهم ~~بالتكاثر. والظلمات والنور من نعم الله، وهما متكاملان لا متضادان، ~~فللظلمة مهمة، كما أن للنور مهمة، الظلمة للسكون والراحة، والنور ~~للسعي والحركة، ms6044 ولا يمكن لساع أن يسعى ويجد في عمل، إلا إذا ارتاح ~~وسكن وجدد نشاطه، فتقابل الظلمة والنور للتكامل، فالحياة لا تستقيم في ~~ظلام دائم، كما أنها لا تستقيم في نور دائم. وفي السورة الثالثة من السور ~~التي افتتحها الحق سبحانه ب { الحمد لله } - والتي نحن بصددها - ~~أراد الحق سبحانه أن يوضح أنه لم يرب الخلق تربية مادية فقط، بل ~~هناك تربية أعلى من المادة تربية روحية قيمية، فذكر هنا الحيثية الحقيقية ~~لخلق الإنسان، فهو لم يخلق لمادته فحسب، ولكن لرسالة أسمى، خلق ليعرف ~~القيم والرب والدين، وأن يعمل لحياة أخرى غير هذه الحياة المادية، فقال ~~تعالى: { الحمد لله الذي أنزل على عبده ~~الكتاب.. } [الكهف: 1]. فحيثية الحمد هنا إنزال الكتاب الذي يجمع كل ~~القيم. وقلنا: إن الحق سبحانه محمود برحمانيته قبل أن يخلق الخلق وضع ~~له النماذج التي تصلح حركة الحياة، كما قال تعالى: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه ~~البيان # [الرحمن: 1-4]. فتعليم القرآن جاء قبل خلق الإنسان، إذن: وضع الحق ~~سبحانه لعباده المنهج المنظم لحياتهم قبل أن يخلقهم، لعلمه سبحانه ~~بطبيعة خلقه، وبما يصلحهم، كالمخترع للآلة الذي يعلم مهمتها ويحدد ~~قانون صيانتها، فالكتاب الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو المهمة ~~الأساسية، فيجب أن توطن عليها نفسك، وتعلم أنه المنظم لحياتك، وبه ~~قانون صيانتك. # وقوله: { على عبده.. } [الكهف: 1] كما قلنا: في سورة الإسراء: إن ~~العبودية كانت حيثية الرفعة في الإسراء والمعراج، فقال سبحانه: # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1]. فالعبودية رفعته إلى حضرته تعالى لأنه كان عبدا بحق، ~~وهذا يعني إنزال الكتاب عليه، فكان عبدا بحق قبل أن يسرى به، وحمل ~~منهج الله أولا فالتفت لربه لفتة أراد أن يلفت بها سواه، فأخلص هو ~~أولا في العبودية، وتحمل ما تحمل، فكان من جزائه أن يرتفع إلى مقام ~~الحضرة فعرج به، وهناك أعطاه الله الصلاة لينزل بها إلى الخلق ~~ليرفع بها صوته إلى المقام الذي سعى إليه بالمعراج. إذن: فالنبي تناول ~~ليناول، وتناول لأنه أخلص العبودية، فصعد إلى حضرة ms6045 ربه، وأخذ فريضة ~~الصلاة وبلغها لقومه، وكأنه يقول لهم: من أراد أن يلتقي بالله، ~~فليدخل في الصلاة. و { الكتاب.. } [الكهف: 1] هو القرآن الكريم، لكن ~~سورة الكهف ترتيبها الثامنة عشرة بين سور المصحف من المائة والأربعة عشرة ~~سورة، أي: أن القرآن لم يكتمل بعد، فلماذا قال تعالى { الكتاب } وهو ~~لم يكتمل بعد؟ نقول: الكتاب يطلق ويراد به بعضه، كما في قوله تعالى: # فإذا قرأناه فاتبع قرآنه # [القيامة: 18] فالآية الواحدة تسمى قرآنا، والسورة تسمى قرآنا، ~~والكل نسميه قرآنا. أو: يكون المراد أنزل القرآن جملة واحدة من ~~اللوح المحفوظ، ثم نزله بعد ذلك منجما حسب الوقائع، فالمراد هنا ~~الإنزال لا التنزيل. وقوله تعالى: { ولم يجعل له عوجا } ~~[الكهف: 1] أي: جعله مستقيما، لا عوج فيه، كما قال في آية أخرى: # قرآنا عربيا غير ذي عوج.. # [الزمر: 28] والاعوجاج، أن يأخذ الشيء امتدادا منحنيا ملتويا، أما ~~الاستقامة فهي الامتداد في نفس الاتجاه، لا يميل يمينا أو شمالا، ~~ومعلوم أن الخط المستقيم يمثل أقرب مسافة بين نقطتين، ولا تستقيم حياة ~~الناس في الدنيا إلا إذا ساروا جميعا على منهج مستقيم يعصمهم من التصادم ~~في حركة الحياة. فالحق سبحانه وتعالى خلق الخلق متكاملين، فكل منهم ~~لديه موهبة يحتاجها الآخرين، فهذا طبيب، وهذا مهندس، وهذا نجار، وهذا ~~خياط، ولا يستطيع أحد أن يقوم بذاته أو يستغني عن مواهب غيره، فلا بد ~~أن يتواجه الناس في الحياة، وأن يتكاملوا. هذا التواجه إن لم ينظم ~~وتوضع له قوانين مرور دقيقة لتصادمت حركات الناس، كما يحدث على الطريق ~~الملتوي كثير المنحنيات، فالقادم من هنا لا يرى القادم من هناك، فيحدث ~~التصادم. إذن: لا بد من استقامة الطريق ليرى كل منا الآخر، فلا ~~يصطدم به. والمنهج الإلهي هو الطريق المستقيم الذي يضمن الحركة في ~~الحياة. وقد ذكر الاعوجاج أيضا في قوله تعالى: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * ~~فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها عوجا ولا ~~أمتا # [طه: 105-107]. أي: أرضا مستوية خالية من أي شيء # لا ترى فيها عوجا # [طه: 107] أي: ms6046 مستقيمة # ولا أمتا # [طه: 107]. أي: مستوية لا يوجد بها مرتفعات ومنخفضات تعوق الرؤية ~~أيضا وتسبب التصادم، وهذا ما يسميه رجال المرور العقبة. ثم يقول الحق ~~سبحانه واصفا القرآن الكريم: { قيما لينذر بأسا شديدا ~~من لدنه ويبشر المؤمنين... }. ### || [18.2] # قوله: { قيما } أي: القرآن، وقالوا: قيم يعني مستقيم، كأنها تأكيد ~~لقوله: # ولم يجعل له عوجا # [الكهف: 1] لأن الاستقامة والعوج قد لا يدرك بالعين المجردة وتحتاج ~~إلى ميزان دقيق يكشف لك مدى العوج أو الاستقامة، وهذه الظاهرة تراها في ~~الطرق المستوية المرصوفة، والتي تراها للوهلة الأولى مستقيمة تماما ~~ومستوية، فإذا ما نزل المطر فضح هذا الاستواء وأظهر ما فيه من عيوب لذلك ~~أكد الاستقامة بقوله: { قيما } [الكهف: 2]. ومن معاني القيم: ~~المهيمن على ما دونه، كما تقول: فلان قيم على فلان أي: مهيمن عليه ~~وقائم على أمره. فالقرآن - إذن - لا عوج فيه، وهو أيضا مهيمن على ~~الكتب السابقة وله الوصاية عليها كما قال تعالى: # وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه # [المائدة: 48]. ومنه قوله تعالى: # فأقم وجهك للدين القيم # [الروم: 43] أي: المهيمن على الأديان السابقة. ثم يقول تعالى: { ~~لينذر بأسا شديدا من لدنه } [الكهف: 2]. وهذه هي ~~العلة في الإنزال. والإنذار: التخويف بشر قادم، والمنذر هنا هم ~~الكفار لأنه لا ينذر بالعذاب الشديد إلا الكفار، لكن سياق الآية لم ~~يذكرها ليترك مجالا للملكة العربية وللذهن أن يعمل، وأن يستقبل ~~القرآن بفكر متفتح وعقل يستنبط، وليس بالضرورة أن يعطينا القرآن كل ~~شيء هكذا على طرف الثمام أي قريبا سهل التناول. ثم ضخم العذاب بأنه ~~شديد، ليس ذلك وفقط بل { من لدنه } ، والعذاب يتناسب مع المعذب ~~وقوته، فإن كان العذاب من الله فلا طاقة لأحد به، ولا مهرب لأحد منه. ~~ثم يقول تعالى: { ويبشر المؤمنين.. } [الكهف: 2] والبشارة ~~تكون بالخير المنتظر في المستقبل، وتلاحظ أنه في البشارة ذكر المبشر { ~~المؤمنين } ولم يسكت عنهم كما سكت عن الكفار في الإنذار، فهذا من ~~رحمة الله بنا حتى في الأسلوب، والبشارة هنا بالأجر الحسن لأنه أجر ms6047 من ~~الكريم المتفضل سبحانه لذلك قال الحق سبحانه بعدها: { ماكثين ~~فيه... }. ### || [18.3] # أي: باقين فيه بقاء أبديا، وكان لا بد أن يوصف أجر الله الحسن ~~بأنه دائم، وأنهم ماكثون فيه أبدا لأن هناك فرقا بين أجر الناس للناس ~~في الدنيا، وأجر المنعم سبحانه في الآخرة، لقد ألف الناس الأجر على ~~أنه جعل على عمل، فعلى قدر ما تعمل يكون أجرك، فإن لم تعمل فلا أجر ~~لك. أما أجر الله لعباده في الآخرة فهو أجر عظيم دائم، فإن ظلمك الناس ~~في تقدير أجرك في الدنيا، فالله تعالى عادل لا يظلم يعطيك بسخاء لأنه ~~المنصف المتفضل، وإن انقطع الأجر في الدنيا فإنه دائم في الآخرة لأنك ~~مهما أخذت من نعيم الدنيا فهو نعيم زائل، إما أن تتركه، وإما أن ~~يتركك. ثم يقول الحق سبحانه: { وينذر الذين قالوا... }. ### || [18.4] # والإنذار هنا غير الإنذار الأول، لقد كرر الإنذار ليكون خاصا بقمة ~~المعاصي، إنذار للذين قالوا اتخذ الله ولدا، أما الإنذار الأول فهو ~~لمطلق الكفر والمعصية، وأما الثاني فهو لإعادة الخاص مع العام، كأن ~~لهؤلاء الذين نسبوا لله الولد عذابا يناسب ما وقعوا فيه من جرأة على ~~الحق سبحانه وتعالى. وقد أوضح القرآن فظاعة هذه المعصية في قوله: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا ~~إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ~~ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # [مريم: 88-92]. إنها قمة المعاصي أن نخوض في ذات الله تعالى بمقولة ~~تتفطر لها السماء، وتنشق لها الأرض، وتنهد لهولها الجبال. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ما لهم به من علم ولا لآبائهم... }. ### || [18.5] # فهذه القضية التي ادعوها، وهذه المقولة التي كذبوها على الله، من ~~أين أتوا بها؟ الحقيقة أنهم ادعوها ولا علم لهم بها، والعلم إما ~~ذاتي، وإما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم وهم لا يملكون شيئا من هذا ويقولون ~~بأمر لا واقع له لذلك يقول تعالى: { ما لهم به من علم.. } ~~[الكهف: 5]. وعدم العلم ينشأ من أمرين: إما أن الشيء ms6048 موجود وأنت لا تعلم ~~به لأنه مستور عنك، وإما لأن الشيء لا وجود له أصلا، وأنت لا تعلم أنه ~~غير موجود لأن غير الموجود لا يمكن أن يتعلق به علم. وقوله تعالى: { ~~كبرت كلمة تخرج من أفواههم.. } [الكهف: 5]. { ~~كبرت } أي: عظمت وتناهت في الإثم لأنهم تناولوا مسألة فظيعة، ~~كبرت أن تخرج هذه الكلمة من أفواههم. { كلمة } الكلمة قول ~~مفرد ليس له نسبة كأن تقول: محمد أو ذهب أو في، فالاسم والفعل والحرف ~~كل منها كلمة مستقلة، والكلمة تطلق ويراد بها الكلام، فالآية عبرت ~~عن قولهم: # اتخذ الله ولدا # [الكهف: 4] بأنها كلمة، كما تقول: ألقى فلان كلمة. والواقع أنه ألقى ~~خطبة. ومن ذلك قوله تعالى: # حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون * ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة ~~هو قآئلها.. # [المؤمنون: 99-100] فسمى قولهم هذا { كلمة }. ومنها قوله تعالى: # قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء ~~بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك ~~به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون ~~الله.. # [آل عمران: 64] فسمى كل هذا الكلام كلمة. وقوله تعالى: { تخرج ~~من أفواههم.. } [الكهف: 5] أي: أن هذه الكلمة كبرت لأنها خرجت ~~منهم وقالوها فعلا، ولو أنهم كتموها في نفوسهم ولم يجهروا بها واستعظموا ~~أن تخرج منهم لكانوا في عداد المؤمنين، بدليل أن وفد اليمن حينما أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله تدور بأنفسنا أفكار ~~عن الله، نتعاظم أن نقولها - أي: لا نقدر على النطق بها فقال صلى الله ~~عليه وسلم: # " ذاك صريح الإيمان ". # إذن: المعيب عليهم أنهم أخرجوا هذه المسألة من أفواههم، وهذا منتهى ~~القبح، فالأفكار والخواطر مهما بلغت من السوء وكتمها صاحبها لا يترتب ~~عليها شيء، وكأنها لم تكن. ثم يقول تعالى: { إن يقولون إلا ~~كذبا.. } [الكهف: 5] أي: ما يقولون إلا كذبا، والكذب ألا يطابق ~~الكلام واقع الأمر، فالعاقل قبل أن يتكلم يدير الكلام على ذهنه ~~ويعرضه على تفكيره، فتأتي النسبة في ذهنه وينطقها لسانه، وهذه النسبة ~~قبل أن ms6049 يفكر فيها وينطق بها لها واقع. فمثلا حين تقول: محمد مجتهد. قبل ~~أن تنطق بها جال في خاطرك اجتهاد محمد، وهذه تسمى نسبة ذهنية، فإن ~~قلت: محمد مجتهد أصبحت نسبة كلامية، فإن وجد شخص اسمه محمد وهو ~~مجتهد فعلا، فإن النسبة الذهنية الكلامية أصبحت نسبة واقعية، والخبر ~~بها خبر صادق. # فإن كانت النسبة الكلامية لا واقع لها كأن لا يوجد شخص اسمه محمد أو ~~وجد ولكنه غير مجتهد، فالخبر هنا كاذب. وهذا هو الأسلوب الخبري الذي ~~يحتمل الصدق أو الكذب. وهناك الأسلوب الإنشائي الذي لا يحتمل الصدق، ~~ولا يحتمل الكذب لأن النسبة الواقعية فيه متأخرة عن النسبة الكلامية كما ~~لو قلت: ذاكر دروسك. فواقع هذه العبارة سيحدث في المستقبل لذلك لا ~~يوصف الإنشاء بالصدق أو بالكذب. والتدقيق العلمي يقول: الصدق الحقيقي ~~أن تطابق النسبة الكلامية الواقع والاعتقاد، فإن اعتقدت شيئا ولم ~~يحدث، فالنسبة كاذبة وأنت غير كاذب لأن هناك فرقا بين الخبر والمخبر. ~~وهذه المسألة واضحة في قوله تعالى: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1]. فقولهم: إنك لرسول الله نسبة صادقة لأنها تطابق الواقع، ~~إنما هل وافقت معتقدهم؟ لم توافق معتقدهم لذلك شهد الله أنهم كاذبون لأن ~~كلامهم لم يوافق واقعهم الاعتقادي. أو: لأن التكذيب لم يرد به قولهم: إنك ~~لرسول الله وإنما يراد به قولهم: نشهد، فالتكذيب للشهادة لأن الشهادة ~~أن يواطئ القلب اللسان، وهم شهدوا بألسنتهم، ولم تؤمن به قلوبهم. وهنا ~~لما قالوا { اتخذ الله ولدا } ، فهذه نسبة كلامية ليس لها ~~واقع، فهي نسبة كاذبة، فقال تعالى: { إن يقولون إلا كذبا.. } ~~[الكهف: 5]. ثم يسلي الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ليخفف ~~عنه ما يلاقي من متاعب وعناد وسفه في سبيل الدعوة فيقول تعالى: { ~~فلعلك باخع نفسك على آثارهم... }. ### || [18.6] # ومعنى: { باخع نفسك.. } [الكهف: 6] أي: تجهد نفسك في دعوة قومك ~~إجهادا يهلكها، وفي الآية إشفاق على رسول الله لأنه حمل نفسه في سبيل ~~هداية قومه ما ms6050 لا يحمله الله ويلزم ما لا يلزمه، فقد كان صلى الله عليه ~~وسلم يدعو قومه فيعرضوا ويتولوا عنه فيشيع آثارهم بالأسف والحزن، ~~كما يسافر عنك حبيب أو عزيز، فتسير على أثره تملؤك مرارة الأسى والفراق، ~~فكأن رسول الله لحبه لقومه وحرصه على هدايتهم يكاد يهلك نفسه { ~~أسفا }. والأسف: الحزن العميق، ومنه قول يعقوب عليه السلام: # يأسفى على يوسف.. # [يوسف: 84] وقوله تعالى عن موسى لما رجع إلى قومه غاضبا من عبادتهم ~~العجل: # فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا.. # [طه: 86]. وقد حدد الله تعالى مهمة الرسول وهي البلاغ، وجعله بشيرا ~~ونذيرا، ولم يكلفه من أمر الدعوة ما لا يطيق، ففي الآية مظهر من مظاهر ~~رحمة الله برسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول الحق سبحانه: { إنا ~~جعلنا ما على الأرض زينة لها... }. ### || [18.7] # وكأن هذه الآية تعقيب على سابقتها، وإشارة لرسول الله بأن الدنيا قصيرة، ~~فالمسألة - إذن - قريبة فلا داعي لأن يهلك نفسه حزنا على عناد ~~قومه، فالدنيا لكل إنسان مدة بقائه بها وعيشه فيها، ولا دخل له ~~بعمرها الحقيقي لأن حياة غيره لا تعود عليه بشيء، وعلى هذا فما أقصر ~~الدنيا، وما أسرع انتهائها، ثم يرجعون إلينا فنجازيهم بما عملوا، فلا ~~تحزن ولا تيأس، ولا تكدر نفسك، لأنهم لم يؤمنوا. فقوله تعالى: { إنا ~~جعلنا ما على الأرض زينة لها.. } [الكهف: 7] أي: كل ما ~~على الأرض هو زينة، والزينة هي الزخرف الذي يبرق أمام الأعين فيغريها، ثم ~~يندثر ويتلاشى، وقد أوضح لنا القرآن هذه المسألة في قوله تعالى: # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح.. # [الكهف: 45]. فإياك أن يأخذك هذا الزخرف لأنه زهر سرعان ما يذبل ~~ويصير حطاما. وقوله: { لنبلوهم.. } [الكهف: 7] البلاء يعني: ~~الاختبار والامتحان. وليس المصيبة كما يظن البعض لأن المصيبة تكون على ~~من يخفق في الاختبار، والابتلاء لهم من الله مع علمه تعالى بأمرهم وما ~~سيحدث منهم مسبقا، ولكن لنعرف معرفة الواقع وشهادة الواقع. وما أشبه ~~هذه المسألة بالتلميذ الذي يتنبأ ms6051 له أستاذه بالفشل لما يراه من مقدمات ~~يعرفها عن عقليته وعن اجتهاده والتفاته يحكم من خلالها، فإذا ما دخل ~~التلميذ الاختبار فشل فيه وأخفق، لكن هل يعني هذا أن نلغي الاختبارات في ~~مدارسنا اعتمادا على خبرة المعلم بتلاميذه؟ لا بد من الاختبار ليقوم ~~شاهدا واقعيا على من يخفق. إذن: معنى: { لنبلوهم.. } [الكهف: ~~7] أي: بلاء شهادة منهم على أنفسهم. ثم يقول الحق سبحانه: { وإنا ~~لجاعلون ما عليها... }. ### || [18.8] # الصعيد: هو طبقة التراب التي تظهر على وجه الأرض، ولا نبات فيها و { ~~جرزا } هي الأرض الخالية من النبات، وقد يكون بها نبات، إلا أن الجراد ~~أكله أو جاءته جائحة أهلكته، يقول تعالى: # أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز ~~فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم ~~أفلا يبصرون # [السجدة: 27]. وما دام الأمر كذلك والدنيا زخرف سرعان ما يزول، فالأجل ~~قريب، فدعهم لي أختبرهم، وأجازيهم بأعمالهم. ويقول الحق تبارك ~~وتعالى: { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم... }. ### || [18.9] # وقد وردت قصة أهل الكهف نتيجة لسؤال كفار مكة الذين أرادوا أن يحرجوا ~~رسول الله، ويروى أنهم أرسلوا رجلين منهم هما: النضر بن الحارث وعقبة بن ~~أبي معيط إلى أهل الكتاب في المدينة ليسألوهم عن صدق رسول الله، وما خبره ~~عندهم، وما ورد عنه في كتبهم. وقد كان يهود المدينة قبل البعثة يتوعدون ~~الأوس والخزرج عباد الأصنام ببعثة النبي الجديد، يقولون: لقد أطل زمان ~~نبي نتبعه، ونقتلكم به قتل عاد وإرم لذلك رغب أهل مكة في سؤال يهود ~~المدينة عن صدق رسول الله، فلما ذهب الرجلان إلى يهود المدينة قالوا: إن ~~أردتم معرفة صدق محمد فاسألوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجابكم فهو صادق، ~~اسألوه: ما قصة القوم الذين ذهبوا في الدهر مذاهب عجيبة؟ وما قصة الرجل ~~الطواف الذي طاف الأرض شرقا وغربا؟ وما الروح؟ وفعلا ذهب الرجلان إلى ~~رسول الله، وسألاه هذه الأسئلة فقال صلى الله عليه وسلم: # " أخبركم بما سألتم عنه غدا " # وجاء غد وبعد غد ومرت خمسة عشر يوما دون أن يوحى لرسول ms6052 الله شيء ~~من أمر هذه الأسئلة، فشق ذلك على رسول الله وكبر في نفسه أن يعطي ~~وعدا ولا ينجزه. وقالوا: إن سبب إبطاء الوحي على رسول الله في هذه ~~المسألة أنه قال: # " أخبركم بما سألتم عنه غدا " # ولم يقل: إن شاء الله ولذلك خاطبه ربه تبارك وتعالى بقوله: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24]. وهذه الآية في حد ذاتها دليل على صدق رسول الله، ~~وعلى أدبه، وعلى أمانته في البلاغ عن ربه عز وجل، وقد أراد الحق سبحانه ~~أن يكون هذا الدرس في ذات الرسول ليكون نموذجا لغيره، وحتى لا يستنكف ~~أحد إذا استدرك عليه شيء، فها هو محمد رسول الله يستدرك عليه ربه ~~ويعدل له. فكأن قوله تعالى: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24] تربية للأمة في شخصية رسولها حتى لا يستنكف المربى من ~~توجيه المربي، ما دام الهدف هو الوصول إلى الحقيقة، فإياكم أن ترفضوا ~~استدراك رأي على رأي حتى وإن كان من الخلق، فما بالك إن كان ~~الاستدراك من الخالق سبحانه، والتعديل والتربية من ناحيته؟ وإليك مثال ~~لأدب الاستدراك ومشروعية استئناف الحكم، لقد ورد هذا الدرس في قوله ~~تعالى: # وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت ~~فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين # [الأنبياء: 78]. فكان حكم داود عليه السلام في هذه المسألة أن يأخذ ~~صاحب الزرع الغنم التي أكلت زرعه، فلما بلغ سليمان هذه الحكومة استدرك ~~عليها قائلا: بل يأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بها، ويأخذ صاحب الغنم ~~الزرع يصلحه حتى يعود إلى ما كان عليه، ثم تعود الغنم إلى صاحبها، ~~والزرع إلى صاحبه. # لذلك قال تعالى بعدها: # ففهمناها سليمان.. # [الأنبياء: 79] ولم يتهم داود بالخطأ، بل قال: # وكلا آتينا حكما وعلما.. # [الأنبياء: 79]. ونلحظ هنا أن الاستدراك لم يأت من الأب للابن، فيكون ~~أمرا طبيعيا، بل جاء من الابن للأب ليؤكد على أنه لا غضاضة أن يستدرك ~~الصغير على الكبير، أو الابن على الأب، ms6053 فالهدف هو الوصول إلى الحق ~~والصواب، ونبي الله سليمان في هذه المسألة لم يغض الطرف عن هذا القصور ~~في حكومة أبيه، بل جهر بالحق ونطق به لأن الحق أعز من أي صلة حتى لو ~~كانت صلة الأبوة. ومن هذه القضية نعلم أن استدراك الخلق على الخلق ~~أمر طبيعي ومقبول لا يستنكف منه أحد، ومن هنا جاءت فكرة الاستئناف في ~~المحاكم، فلعل القاضي في محكمة الاستئناف يستدرك على زميله في المحكمة ~~الابتدائية، أو يقف على شيء لم يقف عليه، أو يرى جانبا من القضية لم ~~يره. ولنا هنا وقفة مع أمانته صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن ~~الله، وأنه لم يكتم من الوحي شيئا حتى ما جاء في عتابه والاستدراك عليه، ~~فكأنه أمين حتى على نفسه، فالرسول هو الذي بلغنا: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا # [الكهف: 23] وهو الذي بلغنا: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك.. # [التحريم: 1]. وهو الذي بلغنا في شأن غزوة بدر: # عفا الله عنك لم أذنت لهم.. # [التوبة: 43] وغيرها كثير من آيات القرآن لذلك مدحه ربه تعالى بقوله: # وما هو على الغيب بضنين # [التكوير: 24]. حتى في مجال التهديد والوعيد لم يكتم رسول الله من الوحي ~~حرفا واحدا، انظر إلى قوله تعالى: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 44-46]. إنها الأمانة المطلقة والصدق الذي لا يخفي شيئا. ~~ألم يكن جديرا بالقوم أن يفقهوا هذه الناحية من رسول الله، ويتفكروا ~~في صدقه صلى الله عليه وسلم حين يخبرهم عن نفسه أشياء لم يعرفوها، ~~وكان من المنتظر أن يخفيها عنهم؟ أليس في ذلك دليلا قاطعا على صدقه ~~فيما يقول؟ والحق تبارك وتعالى حينما يعلمنا أن نقول: إن شاء الله إذا ~~أقدمنا على عمل في المستقبل إنما يكرم عبده ويحميه حتى لا يوصف ~~بالكذب إذا لم يحقق ما وعد به، وليس في قولنا: إن شاء الله حجر على ~~أحد، أو تقييد لطموحات البشر كما يدعي البعض أن قول إن شاء الله ms6054 يلغي ~~التخطيط للمستقبل. نقول: خطط كما تريد، ودبر من أمرك ما شئت، واصنع ~~من المقدمات ما تراه مناسبا لإنجاح سعيك، لكن ما عليك إن قرنت هذا كله ~~بمشيئة الله، وهي في حد ذاتها عون لك على ما تريد، فإن أخفقت فقد ~~جعلت لنفسك حماية في مشيئة الله، فأنت غير كاذب، والحق تبارك وتعالى لم ~~يشأ بعد أن تنجز ما تسعى إليه. # والحقيقة أن الحدث في المستقبل لا يملكه أحد، ولا يضمنه أحد إلا الله ~~تبارك وتعالى لذلك عليك أن تعلق الفعل على مشيئة الله، فإن قلت ~~مثلا: سأقابل فلانا غدا لأكلمه في كذا، فهل تملك أنت من عناصر هذا ~~الحدث شيئا؟ أضمنت أن تعيش إلى غد؟ أضمنت حياة فلان هذا إلى الغد؟ ~~أضمنت أن موضوع المقابلة باق لا يتغير فيه شيء، ولا يطرأ عليه طارئ؟ ~~إذن: فكيف تقطع بالقول أنك ستفعل غدا كذا؟ قل: إن شاء الله، واخرج من ~~دائرة الحرج هذه. نعود إلى الآية التي نحن بصددها فالحق سبحانه يقول: { ~~أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ~~آياتنا عجبا } [الكهف: 9]. { أم } حرف من حروف العطف، ويفيد ~~الإضراب عما قبله وتوجيه الاهتمام إلى ما بعده، كما في قوله تعالى: # قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي ~~الظلمات والنور.. # [الرعد: 16]. فالمراد: إن سألك كفار مكة عن مسألة أصحاب الكهف على أنها ~~معضلة يريدون إحراجك بها، فدعك من كلامهم، ودعك من سوء نيتهم، ولا ~~تحسب أن أهل الكهف هي العجيبة الوحيدة لدينا، فالعجائب عندنا كثيرة، وهذه ~~واحدة منها. و { الكهف }: الفجوة في الجبل و { والرقيم } الشيء ~~المرقوم أي: المكتوب عليه كحجر أو نحوه، ولعله حجر كان على باب الكهف ~~رقم عليه أسماء هؤلاء الفتية، ومن ذلك قوله تعالى: # كتاب مرقوم # [المطففين: 9] أي: مكتوب. وقوله: { كانوا من آياتنا عجبا } ~~[الكهف: 9] أي: ليست هذه هي العجيبة الوحيدة، فكل آياتنا عجيبة تستحق ~~التأمل. ثم تأخذ الآيات في تفصيل هذه العجيبة، فيقول تعالى: { إذ أوى ~~الفتية إلى الكهف فقالوا ربنآ ءاتنا من لدنك ~~رحمة... ms6055 }. ### || [18.10] # { أوى } من المأوى، وهو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ويلجأ إليه { ~~الفتية } جمع فتى، وهو الشاب في مقتبل العمر، والشباب هم معقد ~~الآمال في حمل الأعباء والنهوض بكل أمر صعب، وهؤلاء شباب مؤمن وقفوا ~~يحملون راية عقيدتهم وإيمانهم أمام جبروت الكفر وطغيان الشرك، فالفتاء ~~فيهم فتاء إيمان وعقيدة. لذلك لجأوا إلى الكهف مخلفين وراءهم أموالهم ~~وأهلهم وكل ما يملكون، وفروا بدينهم إلى هذا المكان الضيق الخالي من ~~أي مقوم من مقومات الحياة لأنهم لا يشغلون أنفسهم بهذه ~~المقومات، بل يعلمون أن لهم ربا سيتولى أمرهم لذلك ضرعوا إليه ~~قائلين: { ربنآ ءاتنا من لدنك رحمة.. } [الكهف: 10] أي: ~~رحمة من عندك، أنت ترحم بها ما نحن فيه من انقطاع عن كل مقومات ~~الحياة، فالرحمة في فجوة الجبل لن تكون من البشر، الرحمة هنا لا تكون إلا ~~من الله: { وهيىء لنا من أمرنا رشدا } [الكهف: 10] أي: ~~يسر لنا طريقا سديدا للخير وللحق. إن هؤلاء الفتية المؤمنين حينما ~~ألجأهم الكفر إلى ضيق الكهف تضرعوا واتجهوا إلى ربهم، فهو وحده القادر ~~على أن يوسع عليهم هذا الضيق، كما قال تعالى: # فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا.. # [الأنعام: 43]. ثم يقول الحق سبحانه: { فضربنا على ءاذانهم ~~في... }. ### || [18.11] # يقال: ضرب الفسطاط على الأرض يعني الخيمة، أي: غطيت الأرض بها ~~بعد أن كانت فضاء، والضرب: أن تلمس شيئا بشيء بشدة شريطة أن يكون ~~المضروب به أقوى من المضروب، وإلا كان الضارب ضاربا لنفسه. لذلك، ~~فالشاعر عندما تكلم عن المعترضين على القدر قال: # أيا هازئا من صنوف القدر # بنفسك تعنف لا بالقدر # ويا ضاربا صخرة بالعصا # ضربت العصا أم ضربت الحجر؟ # فمعنى: { فضربنا على آذانهم.. } [الكهف: 11] أي: غطيناها ~~بغطاء محكم يحجبهم عن العالم الخارجي، والضرب على آذانهم هو الرحمة التي ~~دعوا الله بها وطلبوها لأن الإنسان الذي يحمل الفأس مثلا ويعمل بها إن ~~تعب وأجهده العمل يقف بعض الوقت ليستريح، فإن تعب من الوقوف قعد، فإن ~~تعب من القعود استلقى واضطجع، فإن لم يسترح فلا يبقى إلا أن ينام، ms6056 ففي ~~النوم تهدأ الأعصاب، ويستريح الإنسان، حتى مع الآلام في أعنف الأمراض إذا ~~نام المريض لا يشعر بشيء من الألم لذلك اختار لهم ربهم هذا الوضع ليريحهم ~~به طوال فترة مكثهم في الكهف. فالحق سبحانه - إذن - هو الضارب، ~~والمضروب هو الآذان، والضرب على الآذان هنا للرحمة لا للعذاب لأن الله ~~تعالى أراد لهم أقصى درجات الراحة والنوم الهادئ الذي لا يعكر صفوه ~~شيء، والنوم هو الراحة التامة التي تطغى على الآلام العضوية في الذات ~~الإنسانية. وقد اختار الحق سبحانه الضرب على آذانهم لأن حاسة السمع هي ~~أول الحواس عملا في الإنسان، وهي أول آلة إدراك تؤدي مهمتها في الطفل، ~~كما قال الحق سبحانه وتعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. هذه الحواس هي منافذ العلم والإدراك للإنسان، فلو وضعت ~~أصبعك أمام عين الطفل المولود تراه لا يرمش لأنه لا يرى إلا بعد ثلاثة ~~إلى عشرة أيام، أما لو صرخت في أذنه فإنه ينتبه فحاسة السمع تؤدي ~~مهمتها منذ ولادته. وكذلك فالأذن تمتاز أيضا بأنها الإدراك الوحيد الذي ~~لا يتعطل ولا يتوقف أثناء النوم لأن بها يتم الاستدعاء من النوم. وهؤلاء ~~الفتية دخلوا وأووا إلى الكهف، وهو فجوة في جبل في صحراء وهي عرضة ~~للعواصف والرياح وأصوات الحيوانات وأشياء كثيرة يمكن أن تزعج النائم، فلو ~~تركهم الخالق سبحانه في نومهم هذا على طبيعتهم لأزعجتهم هذه الأصوات ~~وأقلقت راحتهم لذلك عطل حاسة السمع عندهم، وبذلك استطاعوا أن يناموا كل ~~هذه المدة. ثم يقول تعالى: { في الكهف سنين عددا } [الكهف: ~~11] ومعنى عددا أي: سنين كثيرة لأن القليل لا يعد لأنه معروف، فإن ~~ذكر العد فاعلم أنه للشيء الكثير، كما تقول: فلان عنده مليون عدا ~~ونقدا. ثم يقول الحق سبحانه: { ثم بعثناهم لنعلم أي ~~الحزبين... }. ### || [18.12] # { بعثناهم } أي: أيقظناهم من نومهم الطويل، وما داموا قد ناموا ~~فالأمر إذن ليس موتا إلا أنهم لما طالت مدة نومهم شبهها بالموت: { ~~لنعلم أي الحزبين.. } [الكهف: 12] أي: الفريقين ms6057 منهم لأنهم ~~سأل بعضهم بعضا عن مدة لبثهم فقالوا: يوما أو بعض يوم. أو: المراد ~~الفريقان من الناس الذين اختلفوا في تحديد مدة نومهم: { أحصى لما ~~لبثوا أمدا } [الكهف: 12] أي: لنرى أي الفريقين سيقدر مدتهم ~~تقديرا صائبا. والأمد: هو المدة وعدد السنين. والمتأمل في الآيات ~~السابقة يجد فيها ملخصا للقصة وموجزا لها، وكأنها برقية سريعة بما ~~حدث، فأهل الكهف فتية مؤمنون فروا بدينهم إلى كهف من الكهوف، وضرب الله ~~على آذانهم فناموا مدة طويلة، ثم بعثهم الله ليعلم من يحصي مدة نومهم، ~~وهذه البرقية بالطبع لم تعطنا تفصيلا لكل لقطات القصة لذلك تبدأ ~~الآيات في التفصيل فيقول تعالى: { نحن نقص عليك نبأهم ~~بالحق... }. ### || [18.13] # { نحن } أي: الحق سبحانه وتعالى، فهو الذي يقص ما حدث بالحق، فلو ~~أن القاص غير الله لتوقع منه الخطأ أو النسيان، أو ترك شيء من ~~الأحداث لهوى في نفسه، إنما إن جاءك القصص من الله فهو الحق، كما قال ~~في آية أخرى: # نحن نقص عليك أحسن القصص.. # [يوسف: 3]. إذن: هناك قصص ليس بالحسن، وهو القصص غير الدقيق. ~~فالقصص القرآني يضمن لك منتهى الدقة في عرض الأحداث، ويصور لك كل ~~اللقطات، وكلمة قصة أو قصص تدل على دقة التتبع لأنها من قص الأثر ~~أي: تتبعه وكان لهذه المهمة رجال معروفون بقصاصي الأثر، وهم الذين ~~يتتبعون الواقع. و { نبأهم } النبأ: هو الخبر العظيم. ثم يقول تبارك ~~وتعالى: { إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ~~} [الكهف: 13]. هذا هو تفصيل القصة بعد أن لخصها القرآن في المذكرة ~~والبرقية السابقة، وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله: لقد ذكر ناس هذه القصة ~~من قبل، لكنها قصت بغير الحق، وغير فيها، لكن قصنا لها هو ~~القصص الحق الذي لا كذب فيه. فحقيقة هؤلاء أنهم فتية آمنوا بالله، ~~وهذه قضيتهم التي ضحوا من أجلها، فلما آمنوا بالله تولاهم ونور ~~بصائرهم وربط على قلوبهم، وزادهم إيمانا، كما قال في آية أخرى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتهم تقواهم # [محمد: 17]. وما أشبه هذه المسألة بالمعلم الذي يلمح أمارات النجابة ms6058 ~~والذكاء على أحد تلاميذه، ويراه مجيبا حريصا على العلم فيوليه ~~اهتمامه ويمنحه المزيد من المعلومات. ونلاحظ هنا أن هؤلاء المؤمنين الذين ~~ضحوا بكل شيء وفروا بدينهم ما زالوا في مرحلة الشباب، وهو مظنة ~~الانشغال بالدنيا والحرص على متعها، أما هؤلاء فقد انشغلوا بدينهم منذ ~~صغرهم ليكونوا قدوة ومثلا للشباب المؤمن في كل زمان ومكان، فالفتاء ~~في أهل الكهف: فتاء إيمان وفتاء عقيدة. والحق سبحانه يقول: { وربطنا ~~على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا... }. ### || [18.14] # والربط يعني أن تربط على الشيء وتشد عليه لتحفظ ما فيه، كما تربط ~~القربة حتى لا يسيل منها الماء، وتربط الدابة حتى لا تنفلت، وقد وردت ~~مادة ربط في القرآن كثيرا، منها قوله تعالى في قصة أم موسى: # وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به ~~لولا أن ربطنا على قلبها.. # [القصص: 10]. أي: ربط على ما في قلبها من الإيمان بالله الذي أوحى إليها ~~أن تلقي بولدها في الماء، ولولا أن ربط الله على قلبها وثبتها ~~لانطلقت خلف ولدها تصرخ وتنتحب وتلفت إليه الأنظار: # كادت لتبدي به لولا.. # [القصص: 10]. أي: تكشف عن الخطة التي أمرها الله بها لنجاة موسى عليه ~~السلام، وهكذا اطمأن قلب أم موسى، وأصبح فؤادها فارغا - أي: من ~~الانفعالات الضارة، ومعلوم أن القلب هو محل الانفعالات، بدليل ما يحدث ~~فيه من اضطراب وزيادة ضربات وتدفق للدم عند الغضب مثلا. ولا يسمى ~~القلب فؤادا إلا إذا توقد بالمشاعر وتحرك بها، وربط الله على قلب أم ~~موسى أحدث لها ضبطا للشعور يحكم تصرفاتها فتأتي سليمة متمشية مع ~~الخطة المرادة. ومن هنا نأمر الغاضب الذي تغلي الدماء في عروقه بالهدوء ~~وضبط النفس لأن الهدوء سيعينه على الحق، ويلجم جماح غضبه الذي لا تحمد ~~عقباه، ألا ترى التوجيه النبوي في حال الغضب؟ إنه ينصح بتغيير الوضع ~~الذي أنت عليه لأن هذه العملية تحدث لديك نزوعية، تصرف عنك الغضب. وفي ~~آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى: # وأفئدتهم هوآء # [إبراهيم: 43] أي: فارغة خالية ليس فيها شيء لأن الشيء إذا ms6059 فرغته من ~~محتواه امتلأ بالهواء. وهنا يقول الحق سبحانه في أهل الكهف: { ~~وربطنا على قلوبهم.. } [الكهف: 14] لتظل بداخلها العقيدة ~~والإيمان بالله لا تتزعزع ولا تخرجها الأحداث والشدائد، وهذا من زيادة ~~الهدى الذي أخبرت به الآية السابقة. وقوله تعالى: { إذ قاموا ~~فقالوا ربنا رب السماوات والأرض.. } [الكهف: 14]. ~~قاموا: القيام هنا دليل على مواجهتهم للباطل ووقوفهم في وجهه، وأن الباطل ~~أفزعهم فهبوا للتصدي له بقولهم: { ربنا رب السماوات ~~والأرض.. } [الكهف: 14] ولا بد أنهم سمعوا كلاما يناقض قولهم، ~~وتعرضوا في دعوتهم للحرب والاضطهاد، فالآية تعطي صورة لفريقين: فريق ~~الكفر الذي ينكر وجود الله أو يشرك به، وفريق الإيمان الذي يعلنها ~~مدوية: { ربنا رب السماوات والأرض.. } [الكهف: 14]. ~~وإن كان فريق الكفر يدعو إلى عبادة آلهة من دون الله فإن فريق الإيمان ~~يقول: { لن ندعوا من دونه إلها } [الكهف: 14] فإن ~~ادعينا إلها من دون الله { لقد قلنا إذا شططا } [الكهف: ~~14] أي: فقد تجاوزنا الحد، وبعدنا عن الصواب. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه ءالهة... }. ### || [18.15] # وهنا يخبر أهل الكهف الفتية المؤمنون عن قومهم أنهم اتخذوا من دون الله ~~آلهة متعددة، دون أن يكون لهم دليل أو حجة واضحة على صدق ما ذهبوا ~~إليه من عبادة هذه الآلهة. { فمن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا } [الكهف: 15] فأفظع الظلم وأقبحه أن نفتري على الله ~~الكذب، كما قال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. ثم يقول الحق سبحانه: { وإذ اعتزلتموهم وما ~~يعبدون إلا الله... }. ### || [18.16] # هذا حديث الفتية بعضهم إلى بعض: ما دمنا اعتزلنا أهل الكفر، ونأينا ~~عن طريقهم، وسلكنا مسلك الإيمان بالله الذي يسره الله لنا، فهيا بنا ~~إلى الكهف نلجأ إليه ونحتمي فيه فرارا بديننا، ومخافة أن يفتننا القوم ~~عن ديننا. ويلفتنا هنا إلى أن فرار هؤلاء الفتية ليس إلى بلد آخر فيه ~~متسع للحياة، بل إلى كهف ضيق في جبل في صحراء، وليس به مقوم من ~~مقومات الحياة لذلك ينبهنا الحق سبحانه: إياك أن تقول: إن الكهف ضيق، ~~وكيف يعيشون فيه؟ لأنهم ms6060 مهاجرون إلى الله لاجئون إليه متوكلون عليه. ~~لذلك قال بعدها: { ينشر لكم.. } [الكهف: 16] فالضيق يقابله ~~البسط والسعة، لقد قالوا هذه الكلمة وهم واثقون في رحمة الله معتقدون ~~أن الذي هاجروا إليه لن يسلمهم ولن يخذلهم، وسوف يوسع عليهم برحمته ~~هذا الضيق، وقد وسعه الله عليهم فعلا حين أنامهم، ألا ترى النائم ~~يربع في الدنيا هنا وهناك لا تحده حدود؟ ومن هذه السعة ما حدث في قصة ~~نبي الله موسى - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - حينما تبعه فرعون ~~بجنوده حتى قال أتباعه: # إنا لمدركون.. # [الشعراء: 61]، فقد ضاق عليهم الخناق حيث البحر من أمامهم، والعدو من ~~خلفهم، ولا مهرب لهم فيما يرون من واقع الأمر. فماذا قال موسى لقومه في ~~هذا الموقف؟ قال بملء فيه قولة الواثق من نصر الله: # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. فجاءه التأييد من ربه في التو واللحظة، وفرج عنه وعن ~~أصحابه ما يلاقون من ضيق المخرج، فأوحى الله إليه: # اضرب بعصاك البحر.. # [الشعراء: 63]. كذلك هنا: { ينشر لكم ربكم من ~~رحمته.. } [الكهف: 16]. ثم يقول تعالى: { ويهيئ لكم من ~~أمركم مرفقا } [الكهف: 16] والمراد بالمرفق جمع مرافق، وهي ~~مقومات الحياة التي لا يستغني عنها الإنسان، فلما أنامهم الله أغناهم ~~عن مرافق الحياة، لأنهم إن ظلوا في حال اليقظة فلا بد أن يحتاجوا ~~إلى هذه المرافق. ثم يقول الحق سبحانه: { وترى الشمس إذا ~~طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت ~~تقرضهم ذات الشمال... }. ### || [18.17] # بعد أن ضرب الله على آذانهم فعصمهم من الأصوات التي تزعجهم وتقلق ~~نومهم عصمهم أيضا من ضوء الشمس، وقد أثبتت الأبحاث خطر الأشعة خاصة على ~~النائم، وأن للظلمة مهمة، فبها تهدأ الأعصاب وترتاح الأعضاء، والشمس ~~خلق من خلق الله، لها مدار ثابت وقانون لا يتخلف، كما قال تعالى: # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33]. ولكن الخالق سبحانه وتعالى خرق لهم نظام الشمس حتى لا ~~يزعجهم ضوؤها فجعلها { تزاور } أي: تميل عند طلوعها عن الكهف، ومنه ~~الزور: أي الميل عن الحق، وازور عن الشيء أي: مال عنه، ms6061 فكانت الشمس ~~إذا طلعت تميل عن الكهف جهة اليمين. { وإذا غربت تقرضهم ~~ذات الشمال.. } [الكهف: 17] والقرض - كما هو معلوم - أن تعطي ~~غيرك شيئا يحتاج إليه، فكأن الشمس تقرضهم وتسلفهم، كونها لا تدخل عليهم ~~عند غروبها، وهذا أمر ليس من حقهم، فكأنها تقرضهم إياه. ولا شك أن هذه ~~العملية مظهر من مظاهر قدرة الله التي تصنع الشيء وضده. ونلحظ أن الحق - ~~سبحانه وتعالى - جعل الفعل للشمس في تزاور وتقرضهم، وكأنها تفعل ذلك من ~~نفسها بعد أن ضبط الله تعالى حركتها على هذه الأفعال كما تضبط الآلة ~~اليوم. وقوله: { وهم في فجوة منه.. } [الكهف: 17] أي: في ~~الكهف { ذلك من آيات الله.. } [الكهف: 17] وما دامت هذه ~~الأفعال للشمس آية من آيات الله، ومعجزة من معجزاته تعالى، فإياك أن ~~تعترض: كيف تميل الشمس؟ وكيف تغير اتجاهها؟ لأن الخالق سبحانه خلق ~~الخلق، وأعطى لكل مخلوق قانونه الذي يسير به، ومع ذلك لم يترك لكل ~~مخلوق أن يفعل بقانونه ما يريد، بل له سبحانه وتعالى قيومية على ~~القانون، تبطله إن شاء، وتحركه إن شاء. ثم يقول تعالى: { من يهد ~~الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا ~~مرشدا } [الكهف: 17]. فقضية الهداية والإضلال قائمة من قديم، ولا ~~تزال ذيول هذه المعركة موجودة إلى الآن، فهناك دائما من يقول: إذا كان ~~الله هو الهادي والمضل، فلماذا يعذبني إن ضللت؟ وشاع هذا السؤال وأخذه ~~المستشرقون والفلاسفة، ويراد منه إيجاد مبرر للنفس العاصية غير الملتزمة، ~~ونقول لكل مجادل: لماذا قصرت الاعتراض على مسألة الضر والعذاب إن ضللت؟ ~~ولماذا لم تذكر الثواب إن أحسنت وآمنت؟ إن اقتصارك على الأولى دون ~~الثانية دليل على أن الهداية التي جاءت لك هي مكسب تركته وأخذت المسألة ~~التي فيها ضرر، ولا يقول ذلك إلا المسرفون على أنفسهم. والهداية نوعان: ~~هداية دلالة، وهي للجميع، للمؤمن والكافر لأن الحق سبحانه لم يدل المؤمن ~~فقط، بل يدل المؤمن والكافر على الإيمان به، فمن يقبل على الإيمان به، ~~فإن الحق تبارك وتعالى يجد فيه أهلا للمعونة، فيأخذ بيده ms6062 ويعينه، ويجعل ~~الإيمان خفيفا على قلبه، ويعطي له طاقة لفعل الخير، ويشرح له صدره وييسر ~~له أمره. فمن شاء الحق سبحانه هدايته أعطاه الهداية، ومن شاء له الضلال ~~زاده ضلالا، وقد بين أن من شاء هدايته يهتدي، وهذه معونة من الله، ~~والكافر لا يهتدي، وكذلك الظالم والفاسق، لأنه سبحانه قد ترك كل واحد ~~منهم لاختياره، وهكذا يمنع الحق سبحانه عنهم هداية المعونة. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود... }. ### || [18.18] # أي: لو أتيح لك النظر إليهم لخيل إليك أنهم أيقاظ غير نائمين ذلك لأن ~~ربهم سبحانه حفظهم على حال اليقظة وعلى هيئتها، ثم أظهر فيهم آية أخرى من ~~الإعجاز بأن يقلبهم في نومهم مرة ناحية اليمين، وأخرى ناحية الشمال، ~~لتظل أجسامهم على حالها، لا تأكلها الأرض. ومعلوم أن الإنسان إذا قدر ~~له أن ينام فترة طويلة على سرير المرض يصاب بمرض آخر يسمونه قرحة ~~الفراش، نتيجة لنومه المستمر على جانب واحد - عافانا الله وإياكم - وقد ~~جعل لهم هذا التقليب ذات اليمين وذات الشمال على هيئة الإيقاظ. وقوله: { ~~وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد.. } [الكهف: 18] ويبدو ~~أنهم كانوا من الرعاة، فتبعهم كلبهم وجلس مادا ذراعيه بفناء الكهف أو ~~على بابه { لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ~~ولملئت منهم رعبا } [الكهف: 18] فقد ألقى الله مهابتهم ~~والخوف منهم في نفوس الناس، فإذا ما اطلع عليهم إنسان خاف وولى هاربا ~~يملؤه الرعب لأن هيئتهم توحي بذلك، حيث يتقلبون يمينا وشمالا، ومع ~~ذلك لا يصحو منهم أحد، ولا يقوم منهم أحد طوال هذه المدة. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم قال ~~قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم... }. ### || [18.19] # قوله: { بعثناهم } أي: أيقظناهم من نومهم لأن نومهم الطويل الذي ~~استغرق ثلاثمائة سنة وتسعا أشبه الموت، فقال { بعثناهم } ، ~~والبعث هنا لقضية خاصة بهم، وهي أن يسأل بعضهم بعضا عن مدة لبثهم ~~في الكهف، وقد انقسموا في سؤالهم هذا إلى فريقين الفريق الأول: { قال ~~قائل منهم كم لبثتم.. } [الكهف: 19]. فرد الفريق الآخر ~~بما ms6063 تقتضيه طبيعة الإنسان في النوم العادي، فقال: { قالوا لبثنا ~~يوما أو بعض يوم.. } [الكهف: 19] فالإنسان لا يستطيع تقدير ~~مدة نومه بالضبط، لكن المعتاد في النوم أن يكون كذلك يوما أو بعض يوم. ~~وقد أخذ العلماء من هذا القول أنهم حين تساءلوا هذا السؤال لم يجدوا في ~~ذواتهم شيئا يدل على مرور زمن طويل، حيث وجدوا أنفسهم على الحال التي ~~ناموا عليها، فلم يتغير مثلا حالهم من الشباب إلى الشيخوخة، ولم يتغير ~~شعرهم مثلا إلى البياض لذلك قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، ولو وجدوا ~~أنفسهم شيبا لقدروا الزمن المناسب لهذا الشيب. وهذه وقفة المشدوه حين ~~يسأل عن زمن لا يدري مدته، إنه طويل عند الله إنما قصير عنده، وهذا ~~كقوله تعالى في سورة البقرة: # قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال ~~بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك ~~لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك ءاية ~~للناس.. # [البقرة: 259]. لقد حكم على مدة لبثه بيوم أو بعض يوم لأنه وجد نفسه ~~على الحال التي عهدها لم يتغير منه شيء، فكيف يتأتى الصدق من الحق ~~سبحانه في قوله مائة عام والصدق في قول العزير بيوم أو بعض يوم؟ لا ~~شك أننا أمام آية من آيات الخالق سبحانه، ومعجزة من معجزاته لا يقدر ~~عليها إلا المالك للزمان وللمكان، القابض للزمان ليوم أو بعض يوم، الباسط ~~له إلى مائة عام. لذلك أظهر الخالق سبحانه في هذه المعجزة الدليل على صدق ~~القولين: ففي طعام العزير الذي ظل على حاله طازجا لم يتغير دليل على ~~يوم أو بعض يوم، وفي حماره الذي رآه عظاما بالية دليل على المائة عام، ~~فسبحان الذي يجمع الشيء وضده في آن واحد. ثم يقول تعالى حكاية عنهم: { ~~قالوا ربكم أعلم بما لبثتم.. } [الكهف: 19] وهو قول ~~الجماعة الذين أرادوا إنهاء الخلاف في هذه المسألة، فقالوا لإخوانهم: ~~دعونا من هذه القضية التي لا تفيد، واتركوا أمرها لله تعالى. ودائما ~~يأمرنا الحق سبحانه بأن ننقل الجدل من شيء لا ننتهي فيه ms6064 إلى شيء، ~~ونحوله للأمر المثمر النافع لذلك قالوا: { فابعثوا أحدكم ~~بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيهآ ~~أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ~~ولا يشعرن بكم أحدا } [الكهف: 19]. # والورق يعني العملة من الفضة، فأرادوا أن يرسلوا أحدهم بما معهم من ~~النقود ليشتري لهم من المدينة طعاما لأنهم بمجرد أن استيقظوا انتهت ~~حالتهم الاستثنائية، وعادوا إلى طبيعتهم لذلك طلبوا الطعام، لكن نلحظ هنا ~~أن الجوع لم يحملهم على طلب مطلق الطعام، بل تراهم حريصين على تزكية ~~طعامهم واختيار أطيبه وأطهره، وأبعده عن الحرام. وكذلك لم يفتهم ~~أن يكونوا على حذر من قومهم، فمن سيذهب منهم إلى هذه المهمة عليه أن ~~يدخل المدينة خلسة، وأن يتلطف في الأمر حتى لا يشعر به أحد من القوم، ~~ذلك لأنهم استيقظوا على الحالة التي ناموا عليها، وما زالوا على حذر من ~~قومهم يظنون أنهم يتتبعونهم ويبحثون عنهم، ويسعون للقضاء عليهم. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم ~~أو يعيدوكم... }. ### || [18.20] # وهذا احتياط منهم للدين، وحماية للعقيدة التي فروا بها. فإن يرجموكم ~~فسينتصرون عليكم في الدنيا، إنما ستأخذون الآخرة، وإن ردوكم إلى دينهم، ~~فلن تفلحوا في الدنيا ولا في الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: { وكذلك ~~أعثرنا عليهم ليعلموا... }. ### || [18.21] # في قوله تعالى: { وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا ~~أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها.. } ~~[الكهف: 21] يقيم من أهل الكهف دليلا على قيام الساعة والبعث بعد الموت، ~~فها أنتم ما زلتم على قيد الحياة وفي سعة الدنيا، ومع ذلك أنامكم ~~الله هذه النومة الطويلة ثم بعثكم، وقد عثر عليهم، وما زالت فيهم ~~حياة. ثم يقول تعالى: { إذ يتنازعون بينهم أمرهم ~~فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم.. ~~} [الكهف: 21] حدث هذا التنازع من الجماعة الذين عثروا عليهم، ويبدو أنهم ~~كانوا على مسحة من الدين، فأرادوا أن يحافظوا على هذه الآية الإلهية، ~~ويصح أنهم بمجرد أن عثروا عليهم قضى أجلهم فماتوا. وهذه مسألة يجب أن ~~يؤرخ لها، وأن تخلد لذلك جعلوها مثلا شرودا للعالم كله لتعرف قصة ms6065 ~~هؤلاء الفتية الذين ضحوا في سبيل عقيدتهم وفروا بدينهم من سعة ~~الحياة إلى ضيق الكهف ليكونوا مثلا لكل أهل العقيدة، ودليلا على أن ~~الله تعالى ينصر أهله ويدافع عنهم ويخلد ذكراهم إلى قيام الساعة. لذلك ~~قال بعضهم لبعض: { ابنوا عليهم بنيانا.. } [الكهف: 21] أي: ~~مطلق البنيان، فعارضهم آخرون بأن البناء يجب أن يكون مسجدا { قال ~~الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم ~~مسجدا } [الكهف: 21] ليكون موضعا للسجود لله وللعبادة ليتناسب مع ~~هذه الآية العظيمة الخالدة. ثم تحدث الحق سبحانه عن الاختلافات التي ~~نشأت عن فضول الناس لمعرفة عدد أهل الكهف، وما يتعلق بهم من تفصيلات هي ~~في حقيقتها علم لا ينفع وجهل لا يضر، فقال تعالى: { سيقولون ~~ثلاثة رابعهم كلبهم... }. ### || [18.22] # لقد اختلف القوم في عدد أهل الكهف، منهم من قال: ثلاثة رابعهم كلبهم. ~~ومنهم من قال: خمسة سادسهم كلبهم، وعلق الحق سبحانه على هذا القول ~~بأنه { رجما بالغيب } لأنه قول بلا علم، مما يدلنا على ~~خطئه ومخالفته للواقع. ومنهم من قال: سبعة وثامنهم كلبهم، ولم يعلق ~~القرآن على هذا الرأي مما يدل على أنه الأقرب للصواب. ثم يأتي القول ~~الفصل في هذه المسألة: { قل ربي أعلم بعدتهم ما ~~يعلمهم إلا قليل.. } [الكهف: 22] فلم يبين لنا الحق سبحانه ~~عددهم الحقيقي، وأمرنا أن نترك هذا لعلمه سبحانه، ولا نبحث في أمر لا ~~طائل منه، ولا فائدة من ورائه، فالمهم أن يثبت أصل القصة وهو: الفتية ~~الأشداء في دينهم والذين فروا به وضحوا في سبيله حتى لا يفتنهم ~~أهل الكفر والطغيان، وقد لجأوا إلى الكهف ففعل الله بهم ما فعل، وجعلهم ~~آية وعبرة ومثلا وقدوة. أما فرعيات القصة فهي أمور ثانوية لا تقدم ~~ولا تؤخر لذلك قال تعالى بعدها: { فلا تمار فيهم إلا ~~مرآء ظاهرا.. } [الكهف: 22] أي: لا تجادل في أمرهم. ثم يأتي فضول ~~الناس ليسألوا عن زمن القصة ومكانها، وعن أشخاصها وعددهم وأسمائهم، حتى ~~كلبهم تكلموا في اسمه. وهذه كلها أمور ثانوية لا تنفع في القصة ولا ~~تضر، ويجب هنا أن نعلم أن ms6066 القصص القرآني حين يبهم أبطاله يبهمهم ~~لحكمة، فلو تأملت إبهام الأشخاص في قصة أهل الكهف لوجدته عين البيان ~~لأصل القصة لأن القرآن لو أخبرنا مثلا عن مكان هؤلاء الفتية لقال البعض: ~~إن هذا الحدث من الفتية خاص بهذا المكان لأنه كان فيه قدر من حرية الرأي. ~~ولو حدد زمانهم لقال البعض: لقد حدث ما حدث منهم لأن زمانهم كان من ~~الممكن أن يتأتى فيه مثل هذا العمل، ولو حدد الأشخاص وعينهم لقالوا: ~~هؤلاء أشخاص لا يتكررون مرة أخرى. لذلك أبهمهم الله لتتحقق الفائدة ~~المرجوة من القصة، أبهمهم زمانا، وأبهمهم مكانا، وأبهمهم عددا، ~~وأبهمهم أشخاصا ليشيع خبرهم بهذا الوصف في الدنيا كلها لا يرتبط بزمان ~~ولا مكان ولا أشخاص، فحمل راية الحق، والقيام به أمر واجب وشائع في ~~الزمان والمكان والأشخاص، وهذا هو عين البيان للقصة، وهذا هو المغزى من ~~هذه القصة. وانظر إلى قوله تبارك وتعالى: { وقال رجل مؤمن ~~من آل فرعون.. } [غافر: 28]. هكذا { رجل مؤمن } دون أن ~~يذكر عنه شيئا، فالمهم أن الرجولة في الإيمان، أيا كان هذا المؤمن في ~~أي زمان، وفي أي مكان، وبأي اسم، وبأي صفة. كذلك في قوله تعالى: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط.. # [التحريم: 10] ولم يذكر عنهما شيئا، ولم يشخصهما لأن التشخيص هنا لا ~~يفيد، فالمهم والمراد من الآية بيان أن الهداية بيد الله وحده، وأن ~~النبي المرسل من الله لم يستطع هداية زوجته وأقرب الناس إليه، وأن ~~للمرأة حرية عقدية مطلقة. # وكذلك في قوله: # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون.. # [التحريم: 11] ولم يذكر لنا من هي، ولم يشخصها لأن تعينها لا ~~يقدم ولا يؤخر، المهم أن نعلم أن فرعون الذي ادعى الألوهية وبكل ~~جبروته وسلطانه لم يستطع أن يحمل امرأته على الإيمان به. إذن: العقيدة ~~والإيمان أمر شخصي قلبي، لا يجبر عليه الإنسان، وها هي امرأة فرعون ~~تؤمن بالله وتقول: # رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من ~~فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين # [التحريم: 11]. أما في ms6067 قصة مريم، فيقول تعالى: # ومريم ابنت عمران.. # [التحريم: 12] فشخصها باسمها، بل واسم أبيها، لماذا؟ قالوا: لأن الحدث ~~الذي ستتعرض له حدث فريد وشيء خاص بها لن يتكرر في غيرها لذلك ~~عينها الله وعرفها، أما الأمر العام الذي يتكرر، فمن الحكمة أن ~~يظل مبهما غير مرتبط بشخص أو زمان أو مكان، كما في قصة أهل الكهف، ~~فقد أبهمها الحق سبحانه لتكون مثالا وقدوة لكل مؤمن في كل زمان ومكان. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ولا تقولن لشاىء إني فاعل... }. ### || [18.23] # وتتجلى في هذه الآية رحمة الله بالمحبوب محمد صلى الله عليه وسلم فلم ~~يرد سبحانه وتعالى أن يصدم رسوله بمسألة المخالفة هذه، بل أعطاه ما ~~أراد، وأجابه إلى ما طلب من مسألة أهل الكهف، ثم في النهاية ذكره بهذه ~~المخالفة في أسلوب وعظ رقيق: { ولا تقولن لشاىء إني ~~فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله.. } [الكهف: 23-24]. ~~وقد سبق أن ذكرنا أنه صلى الله عليه وسلم حينما سأله القوم عن هذه القصة ~~قال لهم: سأجيبكم غدا ولم يقل: إن شاء الله. فلم يعاجله الله تعالى ~~بالعتاب، بل قضى له حاجته، ثم لفت نظره إلى أمر هذه المخالفة، وهذا من ~~رحمة الله برسوله صلى الله عليه وسلم. كما خاطبه بقوله: # عفا الله عنك لم أذنت لهم.. # [التوبة: 43]. فقدم العفو أولا وقرره لأن هذه المسألة منتهية ~~ومعلومة للرسول، ثم عاتبه بعد ذلك. كما لو طلب منك شخص عونا أو ~~مساعدة، وقد سبق أن أساء إليك، فمن اللياقة ألا تصدمه بأمر ~~الإساءة، وتذكره به أولا، بل اقض له حاجته، ثم ذكره بما فعل. والحق ~~سبحانه يقول: { إلا أن يشآء الله واذكر ربك إذا ~~نسيت... }. ### || [18.24] # أي: على فرض أنك نسيت المشيئة ساعة البدء في الفعل، فعليك أن تعيدها ~~ثانية لتتدارك ما حدث منك من نسيان في بداية الأمر. وقوله تعالى: { ~~وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا } ~~[الكهف: 24] أي: يهديني ويعينني، فلا أنسى أبدا، وأن يجعل ذكره لازمة ~~من لوازمي في كل عمل ms6068 من أعمالي فلا أبدأ عملا إلا بقول: إن شاء الله. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة ~~سنين... }. ### || [18.25] # وهذه الآية تعطينا لقطة من المذكرة التفصيلية التي أعطاها الله تعالى ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم عن أهل الكهف، وهي تحدد عدد السنين التي ~~قضاها الفتية في كهفهم بأنها ثلاثمائة سنة، وهذا هو عددها الفعلي ~~بحساب الشمس. لذلك فالحق سبحانه لم يقل ثلاثمائة وتسعا، بل قال: { ~~وازدادوا تسعا } [الكهف: 25] ولما سمع أهل الكتاب هذا القول ~~اعترضوا وقالوا: نعرف ثلاثمائة سنة، ولكن لا نعرف التسعة ذلك لأن حسابهم ~~لهذه المدة كان حسابا شمسيا. ومعلوم أن الخالق سبحانه حينما خلق ~~السماوات والأرض قسم الزمن تقسيما فلكيا، فجعل الشمس عنوانا لليوم، ~~نعرفه بشروقها وغروبها، ولما كانت الشمس لا تدلنا على بداية الشهر جعل ~~الخالق سبحانه الشهر مرتبطا بالقمر الذي يظهر هلالا في أول كل شهر، وقد ~~قال تعالى: { إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر ~~شهرا في كتاب الله يوم خلق السموت والأرض.. } ~~[التوبة: 36]. فلو حسبت الثلاثمائة سنة هذه بالحساب القمري لوجدتها ~~ثلاثمائة سنة وتسعا، إذن: هي في حسابكم الشمسي ثلاثمائة سنة، وفي حسابنا ~~القمري ثلاثمائة وتسعا. ونعرف أن السنة الميلادية تزيد عن الهجرية بأحد ~~عشر يوما تقريبا في كل عام. ومن حكمة الخالق سبحانه أن ترتبط التوقيتات ~~في الإسلام بالأهلة، ولك أن تتصور لو ارتبط الحج مثلا بشهر واحد من ~~التوقيت الشمسي في طقس واحد لا يتغير، فإن جاء الحج في الشتاء يظل هكذا ~~في كل عام، وكم في هذا من مشقة على من لا يناسبهم الحج في فصل الشتاء. ~~والأمر كذلك في الصيام. أما في التوقيت القمري فإن هذه العبادات تدور ~~بمدار العام، فتأتي هذه العبادات مرة في الصيف، ومرة في الخريف، ومرة في ~~الشتاء، ومرة في الربيع، فيؤدي كل إنسان هذه العبادة في الوقت الذي ~~يناسبه لذلك قالوا: يا زمن وفيك كل الزمن. والمتأمل في ارتباط شعائر ~~الإسلام بالدورة الفلكية يجد كثيرا من الآيات والعجائب، فلو تتبعت ~~مثلا الأذان ms6069 للصلاة في ظل هذه الدورة لوجدت أن كلمة " الله أكبر " نداء ~~دائم لا ينقطع في ليل أو نهار من ملك الله تعالى، وفي الوقت الذي تنادي ~~فيه " الله أكبر " ينادي آخر " أشهد ألا إله إلا الله " وينادي آخر " ~~أشهد أن محمدا رسول الله " وهكذا دواليك في منظومة لا تتوقف. وكذلك في ~~الصلاة، ففي الوقت الذي تصلي أنت الظهر، هناك آخرون يصلون العصر، ~~وآخرون يصلون المغرب، وآخرون يصلون العشاء، فلا يخلو كون الله في ~~لحظة من اللحظات من قائم أو راكع أو ساجد. إذن: فلفظ الأذان وأفعال ~~الصلاة شائعة في كل أوقات الزمن، وبكل ألوان العبادة. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { قل الله أعلم بما لبثوا له غيب ~~السماوات والأرض... }. ### || [18.26] # الأسلوب في قوله تعالى: { أبصر به وأسمع.. } [الكهف: 26] ~~وأسلوب تعجب أي: ما أشد بصره، وما أشد سمعه لأنه البصر والسمع ~~المستوعب لكل شيء بلا قانون. وقوله: { ما لهم من دونه من ~~ولي ولا يشرك في حكمه أحدا } [الكهف: 26] كأن الحق ~~سبحانه وتعالى يطمئن عباده بأن كلامه حق لا يتغير ولا يتبدل لأنه ~~سبحانه واحد أحد لا شريك له يمكن أن يغير كلامه. ثم يقول الحق سبحانه ~~لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { واتل مآ أوحي إليك من ~~كتاب ربك لا مبدل لكلماته... }. ### || [18.27] # أي بعد هذه الأسئلة التي سألك كفار مكة إياها، وأخبرك الله بها فأجبتهم، ~~اعلم أن لك ربا رفيقا بك، لا يتخلى عنك ولا يتركك لكيدهم، فإن أرادوا ~~أن يصنعوا لك مأزقا أخرجك الله منه، وإياك أن تظن أن العقبات التي ~~يقيمها خصومك ستؤثر في أمر دعوتك. وإن أبطأت نصرة الله لك فاعلم أن ~~الله يريد أن يمحص جنود الحق الذين يحملون الرسالة إلى أن تقوم ~~الساعة، فلا يبقى في ساحة الإيمان إلا الأقوياء الناضجون، فالأحداث ~~والشدائد التي تمر بطريق الدعوة إنما لتغربل أهل الإيمان حتى لا يصمد ~~فيها إلا من هو مأمون على حمل هذه العقيدة. وقوله: { لا مبدل ~~لكلماته.. } [الكهف: 27] لأن كلمات الله لا يستطيع أحد أن ms6070 ~~يبدلها إلا أن يكون معه سبحانه إله آخر، فما دام هو سبحانه إلها ~~واحدا لا شريك له، فاعلم أن قوله الحق الذي لا يبدل ولا يغير: { ~~ولن تجد من دونه ملتحدا } [الكهف: 27] أي: ملجأ تذهب إليه ~~لأن حسبك الله وهو نعم الوكيل، كما قال تعالى: # أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى ~~عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون # [العنكبوت: 51]. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { واصبر نفسك مع ~~الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي... }. ### || [18.28] # نزلت هذه الآية في " أهل الصفة " وهم جماعة من أهل الله انقطعوا ~~للعبادة فتناولتهم ألسنة الناس واعترضوا عليهم، لماذا لا يعملون؟ ولماذا ~~لا يشتغلون كباقي الناس؟ بل وذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقولون: نريد أن تلتفت إلينا، وأن تترك هؤلاء المجاذيب، فأنزل الله ~~تعالى: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم.. } ~~[الكهف: 28]. لذلك علينا حينما نرى مثل هؤلاء الذين نسميهم المجاذيب ~~الذين انقطعوا لعبادة الله أن لا نحتقرهم، ولا نقلل من شأنهم أو ~~نتهمهم لأن الله تعالى جعلهم موازين للتكامل في الكون، ذلك أن صاحب ~~الدنيا الذي انغمس فيها وعاش لها وباع دينه من أجل دنياه حينما يرى هذا ~~العابد قد نفض يديه من الدنيا، وألقاها وراء ظهره، وراح يستند إلى حائط ~~المسجد ممددا رجلا، لا تعنيه أمور الدنيا بما فيها. ومن العجيب أن ~~صاحب الدنيا هذا العظيم صاحب الجاه تراه إن أصابه مكروه أو نزلت به ~~نازلة يهرع إلى هذا الشيخ يقبل يديه ويطلب منه الدعاء، وكأن الخالق ~~سبحانه جعل هؤلاء المجاذيب ليرد بهم جماح أهل الدنيا المنهمكين في ~~دوامتها المغرورين بزهرتها. وأيضا، كثيرا ما ترى أهل الدنيا في خدمة ~~هؤلاء العباد، ففي يوم من الأيام قمنا لصلاة المغرب في مسجد سيدنا ~~الحسين، وكان معنا رجل كبير من رجال الاقتصاد، فإذا به يخرج مبلغا من ~~المال ويطلب من العامل صرفه إلى جنيهات، فأتى العامل بالمبلغ في صورة ~~جنيهات من الحجم الصغير، فإذا برجل الاقتصاد الكبير يقول له: لا، لا ~~بد من جنيهات ms6071 من الحجم الكبير لأن فلانا المجذوب على باب الحسين لا ~~يأخذ إلا الجنيه الكبير، فقلت في نفسي: سبحان الله مجذوب على باب المسجد ~~ويشغل أكبر رجل اقتصاد في مصر، ويحرص الرجل على إرضائه ويعطيه ما يريد. ~~ثم يقول تعالى: { ولا تعد عيناك عنهم.. } [الكهف: 28] أي: ~~اجعل عينيك فيهم، ولا تصرفها عنهم إلى غيرهم من أهل الدنيا لأن مدد ~~النظرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد للمؤمن { تريد زينة ~~الحياة الدنيا.. } [الكهف: 28] لأنك إن فعلت ذلك وانصرفت ~~عنهم، فكأنك تريد زينة الحياة الدنيا وزخارفها. وفي أمر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بملازمة أهل الصفة وعدم الانصراف عنهم إلى أهل الدنيا ما ~~يقوي هؤلاء النفر من أهل الإيمان الذين جعلوا ديدنهم وشاغلهم الشاغل ~~عبادة الله والتقرب إليه. لكن، هل المطلوب أن يكون الناس جميعا كأهل ~~الصفة منقطعين للعبادة؟ بالطبع لا، فالحق سبحانه وتعالى جعلهم بين ~~الناس قلة، في كل بلد واحد أو اثنان ليكونوا أسوة تذكر الناس ~~وتكبح جماح تطلعاتهم إلى الدنيا. # ومن العجيب أن ترى البعض يدعي حال هؤلاء، ويوهم الناس أنه مجذوب، ~~وأنه ولي نصبا واحتيالا، والشيء لا يدعى إلا إذا كانت من ~~ورائه فائدة، كالذي يدعي الطب أو يدعي العلم لما رأى من ميزات ~~الطبيب والعالم. فلما رأى البعض حال هؤلاء المجاذيب، وكيف أنهم عزفوا عن ~~الدنيا فجاءت إليهم تدق أبوابهم، وسعى إليهم أهلها بخيراتها، فضلا ~~عما لهم من مكانة ومنزلة في النفس ومحبة في القلوب. فلماذا - إذن - ~~لا يدعون هذه الحال؟ ولماذا لا ينعمون بكل هذه الخيرات دون أدنى مجهود؟ ~~وما أفسد على هؤلاء العباد حالهم، وما خاض الناس في سيرتهم إلا بسبب هذه ~~الطبقة الدخيلة المدعية التي استمرأت حياة الكسل والهوان. ثم يقول ~~تعالى: { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا.. } ~~[الكهف: 28] لأنه لا يأمرك بالانصراف عن هؤلاء والالتفات إلى أهل الدنيا ~~إلا من غفل عن ذكر الله، أما من اطمأن قلبه إلى ذكرنا وذاق حلاوة ~~الإيمان فإنه لا يأمر بمثل هذا الأمر، بل هو ms6072 أقرب ما يكون إلى هؤلاء ~~المجاذيب الأولياء من أهل الصفة، بل وربما تراوده نفسه أن يكون ~~مثلهم، فكيف يأمر بالانصراف عنهم؟ وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم ~~الموقف من الدنيا في قوله: # " أوحى الله إلى الدنيا: من خدمني فاخدميه، ومن خدمك فاستخدميه.. " # فالدنيا بأهلها في خدمة المؤمن الذي يعمر الإيمان قلبه، وليس في باله ~~إلا الله في كل ما يأتي أو يدع. وقوله تعالى: { واتبع هواه.. } ~~[الكهف: 28] أي: أن هذا الذي يحرضك على أهل الصفة ما غفل قلبه عن ~~ذكرنا إلا لأنه سار خلف هواه، فأخذه هواه وألهاه عن ذكر الله، فما دام قد ~~انشغل بشيء يوافق هواه فلن يهتم بمطلوب الله، إنه مشغول بمطلوب نفسه لذلك ~~يقول صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". # فالمؤمن الحق سليم الإيمان من كان هواه ورغبته موافقة لمنهج الله، لا ~~يحيد عنه، وقد قال الحق سبحانه وتعالى: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض.. # [المؤمنون: 71]. وقوله تعالى: { وكان أمره فرطا } [الكهف: 28] ~~أي: كان أمره ضياعا وهباء، فكأنه أضاع نفسه. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن... }. ### || [18.29] # قوله تعالى: { وقل الحق من ربكم.. } [الكهف: 29] أي: قل ~~الحق جاء من ربكم، واختار كلمة الرب ولم يقل من الله، لأن الكل معتقد ~~أن الرب هو الذي خلق، كما في قوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون # [الزخرف: 87]. وقوله: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان: 25]. فمعنى: { من ربكم.. } [الكهف: 29] أي: بإقراركم ~~أنتم، فالذي خلقكم ورباكم وتعهدكم هو الذي نزل لكم هذا الحق و { ~~ربكم.. } [الكهف: 29] أي: ليس ربي وحدي، بل ربكم ورب الناس ~~جميعا. والحق: هو الشيء الثابت، وما دام من الله فلن يغيره أحد لأن ~~الذي يتغير كلامه هو الذي يقضي شيئا ويجهل شيئا مقبلا، وبعد ذلك ~~يعدل، فالحق من الله لأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء ولا يعزب عن ~~علمه شيء، لذلك لا استدراك على حكم ms6073 من أحكامه من أحد من خلقه. ~~فالربوبية عطاء، فربك الذي خلقك وأمدك بالنعم، وهو الذي يربيك كما ~~يربي الوالد ولده لذلك لم يعترض على الربوبية أحد، أما الألوهية ~~فمطلوبها تكليف: افعل كذا، ولا تفعل كذا، فخاطبهم بالربوبية التي فيها ~~مصلحتهم، ولم يخاطبهم بالألوهية التي تقيد اختياراتهم والإنسان بطبعه ~~لا يميل إلى ما يقيد اختياراته لذلك يلجأون إلى عبادة آلهة أخرى لأنها ~~ليس لها مطلوبات. فالذي يعبد الشمس أو الصنم أو غيره: بماذا أمرك معبودك؟ ~~وعما نهاك؟ فما العبادة إلا طاعة عابد لمعبود، إذن: فلهم أن يقولوا: ~~نعم هذا الإله، ونعم هذا الدين لأنه يتركني بحريتي أفعل ما أريد. ~~لذلك نجد الذين يدعون ألوهية، أو يدعون نبوة دائما يميلون إلى ~~تخفيف المناهج لأنهم يعلمون أن المناهج السماوية تصعب على الناس لأن ~~فيها حجرا على حرية حركتهم وحرية اختياراتهم، فلما ادعى مسيلمة ~~النبوة رأى الناس تتبرم من الزكاة فأسقطها عنهم، وكذلك لما ادعت سجاح ~~النبوة خففت الصلاة، وإلا، فكيف سيجمعون الناس من حولهم؟ وما أشبه ~~مدعي الأمس بمدعي اليوم الذين يبيعون الدين بعرض من الدنيا، ~~فيفتون الناس بتحليل ما حرم الله، مثل الاختلاط وغيره من القضايا حتى ~~هان أمر الدين على الناس. والدين وإن كان فطريا في النفس الإنسانية إلا ~~أن الإنسان يميل إلى من يخفف عنه، وتعجب حين ترى بعض المثقفين وحملة ~~الشهادات يذهبون إلى الدجالين ويصدقونهم، وترى الواحد منهم يكذب ~~نفسه أنه على دين يريحه، ويفعل في ظله ما يريد. إذن: ما دمتم مؤمنين ~~بربوبية خلق وربوبية إمداد وإنعام، فعليكم أن تؤمنوا بما جاء من ربكم، ~~كما نقول في المثل: اللي يأكل لقمتي يسمع كلمتي، ومع ذلك ورغم فضل الله ~~ونعمه عليهم قل لهم: لا جبر في الإيمان { فمن شآء فليؤمن ~~ومن شآء فليكفر. # . } [الكهف: 29] لأن منفعة الإيمان عائدة عليكم أنتم. وقد جاء في الحديث ~~القدسي: # " " إنكم لن تملكوا نفعي فتنفعوني، ولن تملكوا ضري فتضروني، ولو أن ~~أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا على أتقى قلب ~~رجل واحد منكم ms6074 ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن أولكم وآخركم، وحيكم ~~وميتكم، وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك ~~من ملكي شيئا ". " ولو أن أولكم وآخركم اجتمعوا في صعيد واحد، وسألني ~~كل مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كمغرز إبرة إذا ~~غمسها أحدكم في بحر، وذلك أني جواد واجد ماجد، عطائي كلام وعذابي ~~كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون ". # إذن: فائدة الإيمان تعود على المؤمن، كما قال تعالى: # من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها.. # [فصلت: 46] لكني أحب لخلقي أن يكونوا دائما على خير مني، فأنا أعطيهم ~~خير الدنيا، وأحب أيضا أن أعطيهم خير الآخرة. جاءت هذه الآية بعد قوله ~~تعالى: # واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه.. # [الكهف: 28]. وكان خصوم الإسلام حينما يرون الدعوة تنتشر شيئا ~~فشيئا يحاولون إيقافها، لا من جهتهم بالعدوان على من يؤمن، ولكن من ~~جهته صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا إليه وفدا، قالوا: يا محمد إنا ~~بعثنا إليك لنعذر فيك، لقد أدخلت على قومك ما لم يدخله أحد قبلك، ~~شتمت آلهتنا وسفهت أحلامنا وسببت ديننا، فإن كنت تريد مالا ~~جمعنا لك المال حتى تصير أغنانا، وإن كنت تريد جاها سودناك علينا، ~~وجعلناك رئيسنا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك. فقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " والله ما بي ما تقولون، ولكن ربي أرسلني بالحق إليكم، فإن أنتم ~~أطعتم فبها، وإلا فإن الله ناصري عليكم ". # وكانت هذه المحاولة بينهم وبينه صلى الله عليه وسلم لعل الأمر حين يكون ~~سرا يتساهل فيه رسول الله، فلما لم يجدوا بغيتهم قالوا: نتوسل إليك ~~بمن يحب، فربما خجل أن يقبل منا ونحن خصومه، فلنرسل إليه من يحبه، ~~فذهبوا إلى عمه أبي طالب، فلما كلمه عمه قال قولته المشهورة: # " والله، يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن ~~أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله، أو أهلك دونه ". # فلما فشلت هذه المحاولة ms6075 أيضا أتوه من ناحية ثالثة، فقالوا: ننتهي ~~إلى أمر هو وسط بيننا وبينك: دعك من هؤلاء الفقراء، واصرف وجهك ~~عنهم، ولا تربط نفسك بهم، ووجه وجهك إلينا، فأنزل الله: # واصبر نفسك.. # [الكهف: 28]. ثم بين الحق سبحانه وتعالى أن الإسلام أو الدين الذي ~~أنزله الله لا يأخذ أحكامه من القوم الذين أنزل عليهم لأن رسول الله ~~إنما أرسل ليضع لهم موازين الحق، ويدعو قومه إليها، فكيف يضعون هم هذه ~~الموازين، فيأمرون رسول الله بأن يصرف وجهه عن الفقراء ويتوجه إليهم؟ ~~لذلك قال: { وقل الحق من ربكم. # . } [الكهف: 29] لأنه بعثني بالحق رسولا إليكم، وما جئت إلا لهدايتكم، ~~فإن كنتم تريدون توجيهي حسب أهوائكم فقد انقلبت المسألة، ودعوتكم لي ~~أن أنصرف عن هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي وأتوجه إليكم، فهذا ~~دليل على عدم صدق إيمانكم، وأنكم لستم جادين في اتباعي لذلك فلا حاجة ~~بي إليكم. ثم يقول تعالى: { فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر.. } [الكهف: 29] أي: ادخلوا على هذا الأساس: أن كل حق ~~ينزل من الله، لا أن آخذ الحق منكم، ثم أرده إليكم، بل الحق الذي أرسلني ~~الله به إليكم، وعلى هذا من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر. والأمر في ~~هذه الآية سبق أن أوضحناه فقلنا: إذا وجدنا أمرا بغير مطلوب فلنفهم أن ~~الأمر استعمل في غير موضعه، كما يقول الوالد لولده المهمل: العب كما ~~تريد، فهو لا يقصد أمر ولده باللعب بالطبع، بل يريد تهديده وتأنيبه. ~~وهكذا في: { فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. } ~~[الكهف: 29] وإلا لو أخذت الآية على إطلاقها لكان من آمن مطيعا ~~للأمر: { فمن شآء فليؤمن.. } [الكهف: 29] والعاصي أيضا مطيع ~~للأمر: { ومن شآء فليكفر.. } [الكهف: 29] فكلاهما - إذن - ~~مطيع، فكيف تعذب واحدا دون الآخر؟ فالأمر هنا ليس على حقيقته، وإنما ~~هو للتسوية والتهديد، أي: سواء عليكم آمنتم أم لم تؤمنوا، فأنتم أحرار في ~~هذه المسألة لأن الإيمان حصيلته عائدة إليكم، فالله سبحانه غني عنكم وعن ~~إيمانكم، وكذلك خلق الله الذين آمنوا بمحمد هم أيضا أغنياء عنكم، ~~فاستغناء الله ms6076 عنكم مسحوب على استغناء الرسول، وسوف ينتصر محمد وينتشر ~~دين الله دونكم. وقد أراد الحق سبحانه أن يصيح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالدعوة في مكة ويجهر بها في أذن صناديد الكفر وعتاة الجزيرة ~~العربية الذين لا يخرج أحد عن رأيهم وأمرهم لأن لهم مكانة وسيادة بين ~~قبائل العرب. ولحكمة أرادها الحق سبحانه لم يأت نصر الإسلام على يد ~~هؤلاء، ولو جاء النصر على أيديهم لقيل: إنهم ألفوا النصر وألفوا ~~السيادة على العرب، وقد تعصبوا لواحد منهم ليسودوا به الدنيا كلها، ~~فالعصبية لمحمد لم تخلق الإيمان بمحمد، ولكن الإيمان بمحمد خلق العصبية ~~لمحمد. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { إنا أعتدنا للظالمين ~~نارا أحاط بهم سرادقها.. } [الكهف: 29]. والعذاب هنا لمن ~~اختار الكفر، لكن لماذا تهول الآية وتفخم أمر العذاب؟ لأن الإعلام ~~بالعقاب وتهويله وتفظيعه والإنذار به لا ليقع الناس في موجبات العقاب، بل ~~لينتهوا عن الجريمة، وينأوا عن أسبابها، إذن: فتفظيع العقاب وتهويله ~~رحمة من الله بالعباد لأن خوف العذاب سيمنعهم من الجريمة. # ومعنى { أعتدنا } أي: أعددنا، فالمسألة منتهية مسبقا، فالجنة ~~والنار مخلوقة فعلا ومعدة ومجهزة، لا أنها ستعد في المستقبل، ~~وقد أعدت إعداد قادر حكيم، فأعد الله الجنة لتتسع لكل الخلق إن ~~آمنوا، وأعد النار لتتسع لكل الخلق إن كفروا، فإن آمن بعض الخلق وكفر ~~البعض، فالذي آمن وفر مكانه في النار، والذي كفر وفر مكانه في الجنة. ~~لذلك قال تعالى في هذه المسألة: # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الزخرف: 72]. إذن: فخلق الله تعالى للجنة وللنار أمر منضبط تماما، ~~ولن يحدث فيهما أزمة أو زحام أبدا، بل لكل مكانه المعد المخصص. ~~وقوله تعالى: { للظالمين.. } [الكهف: 29] والظلم أن تأخذ حقا ~~وتعطيه للغير، وللظلم أشكال كثيرة، أفظعها وأعظمها الإشراك بالله، لأنك ~~تأخذ حق الله في العبادة وتعطيه لغيره، وهذا قمة الظلم، ثم يأتي الظلم ~~فيما دون ذلك، فيأخذ كل ظالم من العذاب على قدر ظلمه، إلا أن يكون ~~مشركا. فهذا عذابه دائم ومستمر لا ينقطع ولا يفتر عنه، فإن ms6077 ظلم المؤمن ~~ظلما دون الشرك فإنه يعذب به، ثم يدخله الله الجنة، إن لم يتب، ~~وإن لم يغفر الله له. وقوله تعالى: { أحاط بهم سرادقها.. } ~~[الكهف: 29] السرادق، كما نقول الآن: أقاموا السرادق أي: الخيمة. و معنى ~~سرادق: أي محيط بهم، فكأن الله تعالى ضرب سرادقا على النار يحيط بهم ~~ويحجزهم، بحيث لا تمتد أعينهم إلى مكان خال من النار لأن رؤيته لمكان ~~خال من النار قد توحي إليه بالأمل في الخروج، فالحق سبحانه يريد أن ~~يؤيسهم من الخروج. ثم يقول تعالى: { وإن يستغيثوا يغاثوا ~~بمآء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وسآءت ~~مرتفقا } [الكهف: 29]. الاستغاثة: صرخة ألم من متألم لمن يدفع عنه ~~ذلك الألم، كما قال في آية أخرى: # مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22] أي: حين تصرخون من العذاب لا أستطيع أن أزيل صراخكم، ~~وأنتم كذلك لا تزيلون صراخي. فأهل النار حين يستغيثون من ألم العذاب { ~~يغاثوا } يتبادر إلى الذهن أنهم يغاثون بشيء من رحمة الله، ~~فتأتيهم نفحة من الرحمة أو يخفف عنهم العذاب.. لا { يغاثوا بمآء ~~كالمهل.. } [الكهف: 29] أي: فإن طلبوا الغوث بماء بارد يخفف عنهم ~~ألم النار، فإذا بهم بماء كالمهل. والمهل هو عكارة الزيت المغلي الذي ~~يسمونه الدردي، أو هو المذاب من المعادن كالرصاص ونحوه، وهذا يحتاج ~~إلى حرارة أعلى من غلي الماء، وهكذا يزدادون حرارة فوق حرارة النار، ~~ويعذبون من حيث ينتظرون الرحمة. وقوله تعالى هنا: { يغاثوا } ~~أسلوب تهكمي لأن القاعدة في الأساليب اللغوية أن تخاطب المخاطب على ~~مقتضى حاله، فتهنئه حال فرحه، وتعزيه حال حزنه بكلام موافق لمقتضى الحال، ~~فإن أخرجت المقتضى عن الحال الذي يطلبه، فهذا ينافي البلاغة إلا إن ~~أردت التهكم أو الاستهزاء. # إذن: فقوله تعالى عن الكفار: { وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء ~~كالمهل.. } [الكهف: 29] تهكم بهم، لأن الكلام فيه خرج عن مقتضى ~~الحال، كما يقول الوالد لولده الذي أخفق في الامتحان: مبارك عليك السقوط. ~~ومعنى: { يشوي الوجوه.. } [الكهف: 29] أن الماء من شدة حرارته يشوي ~~وجوههم، قبل أن يدخل أجوافهم: { بئس الشراب.. } [الكهف: ms6078 29] أي: ~~الذي يغاثون به { وسآءت مرتفقا } [الكهف: 29] المرتفق هو الشيء ~~الذي يضع الإنسان عليه مرفقه ليجلس مستريحا، لكن بالله هل هناك راحة ~~في جهنم؟ إذن: فهذه أيضا من التهكم بهم وتبكيتهم، كما قال تعالى ~~مخاطبا جبابرة الدنيا وأعزتها وأصحاب العظمة فيها ممن عصوا ~~الله: { ذق إنك أنت العزيز الكريم } [الدخان: 49]. والحق ~~سبحانه وتعالى يتكلم في هذه المسألة بأساليب متعددة، منها استخدام كلمة ~~النزل وهو ما يعد لإكرام الضيف، كما في قوله تعالى: # إن ا ;لذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم ~~جنات الفردوس نزلا # [الكهف: 107]. وقوله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * ~~نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما ~~تدعون * نزلا من غفور رحيم # [فصلت: 30-32]. فالذي أعد هذا النزل وهذه الضيافة هو الغفور ~~الرحيم، والذي يعد نزلا لضيفه يعده على قدر غناه وبسطة ~~كرمه، فما بالك بنزل أعده الله لأحبابه وأوليائه؟ وذيل الآية بقوله: # غفور رحيم # [فصلت: 32] لأنه ما من مؤمن إلا وقد عمل سيئة، أو هم بها، وكأن الحق ~~سبحانه يقول: إياك أن تذكر ما كان منك وأنت في هذا النزل الكريم، ~~فالله غفور لسيئتك، رحيم بك، يقبل توبتك، ويمحو أثر سيئتك. والحديث عن ~~النزل هنا في الجنة، فهي محل الإكرام والضيافة، فإن استخدم في النار ~~فهو للتهكم والسخرية من أهلها، كما قال تعالى: # وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من ~~حميم # [الواقعة: 92-93] فقد استخدم النزل في غير مقتضاه. بعد أن جاء الأمر ~~الإلهي في قوله تعالى: { فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر.. } [الكهف: 29] أراد سبحانه أن يبين حكم كل من ~~الاختيارين: الإيمان، والكفر على طريقة اللف والنشر، وهو أسلوب معروف ~~في العربية، وهو أن تذكر عدة أشياء، ثم تورد أحكامها حسب ترتيبها ~~الأول، أو تذكرها مشوشة دون ترتيب. ومن النوع الأول الذي يأتي فيه ~~اللف والنشر على الترتيب قوله تعالى: # ومن رحمته جعل لكم ms6079 اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله.. # [القصص: 73] أي: لتسكنوا في الليل، وتبتغوا من فضل الله في النهار. ~~فالترتيب إذا كان الحكم الأول للمحكوم عليه الأول، والحكم الثاني للمحكوم ~~عليه الثاني وهكذا، ومن ذلك قول الشاعر: # قلبي وجفني واللسان وخالقي # هذه أربع مخبر عنها، فما قصتها وبماذا أخبرنا عنها؟ يقول: # قلبي وجفني واللسان وخالقي # راض وباك شاكر وغفور # فتكون على الترتيب: قلبي راض، وجفني باك، ولساني شاكر، وخالقي غفور. ~~ومرة يأتي اللف والنشر على التشويش ودون ترتيب ثقة بأن نباهة السامع ~~سترد كل شيء إلى أصله كما في الآية التي نحن بصددها، فتلاحظ أن الحق ~~سبحانه بعد أن قال: { فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر.. } [الكهف: 29] فبدأ باختيار الإيمان ثم ذكر الكفر، أما في ~~الحكم على كل منهما فقد ذكر حكم الكفر أولا: { إنا أعتدنا ~~للظالمين نارا.. } [الكهف: 29] ثم ذكر بعده حكم المؤمنين: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع ~~أجر من أحسن عملا # [الكهف: 30]. وليكن في الاعتبار أن المتكلم رب حكيم، ما من حرف من ~~كلامه إلا وله مغزى، ووراءه حكمة، ذلك أنه تعالى لما تكلم عن الإيمان ~~جعله اختيارا خاضعا لمشيئة العبد، لكنه تعالى رجح أن يكون الإيمان ~~أولا وأن يسبق الكفر. أما حينما يتكلم عن حكم كل منهما، فقد بدأ بحكم ~~الكفر من باب أن " درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة ". ثم يقول ~~الحق سبحانه: { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات... ~~}. ### || [18.30] # وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه عطف على الإيمان العمل الصالح لأن الإيمان ~~هو العقيدة التي ينبع عن أصلها السلوك، فلا جدوى من الإيمان بلا عمل ~~بمقتضى هذا الإيمان، وفائدة الإيمان أن توثق الأمر أو النهي إلى الله ~~الذي آمنت به لذلك جاء الجمع بين الإيمان والعمل الصالح في مواضع عدة ~~من كتاب الله، منها قوله تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3]. ذلك لأن المؤمنين إذا ما أثمر فيهم الإيمان العمل ~~الصالح فإنهم سيتعرضون ولا ms6080 بد لكثير من المتاعب والمشاق التي تحتاج إلى ~~التواصي بالصبر والتواصي بالحق، ولنا أسوة في هذه المسألة بصحابة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذين تحملوا عبء الدعوة وصبروا على الأذى في ~~سبيل إيمانهم بالله تعالى. ثم يقول تعالى: { إنا لا نضيع أجر ~~من أحسن عملا } [الكهف: 30]. نلاحظ أن { من } هنا عامة للمؤمن ~~والكافر لذلك لم يقل سبحانه: إنا لا نضيع أجر من أحسن الإيمان لأن ~~العامل الذي يحسن العمل قد يكون كافرا، ومع ذلك لا يبخسه الله تعالى ~~حقه، بل يعطيه حظه من الجزاء في الدنيا. فالكافر إن اجتهد وأحسن في علم ~~أو زراعة أو تجارة لا يحرم ثمرة عمله واجتهاده، لكنها تعجل له في ~~الدنيا وتنتهي المسألة حيث لا حظ له في الآخرة. ويقول تبارك وتعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. ويقول تعالى: # من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء ~~لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما ~~مدحورا # [الإسراء: 18]. ويقول تعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. فهؤلاء قد استوفوا أجورهم، وأخذوا حظهم في الدنيا ألوانا ~~من النعيم والمدح والثناء، وخلدت ذكراهم، وأقيمت لهم التماثيل ~~والاحتفالات لذلك يأتي في الآخرة فلا يجد إلا الحسرة والندامة حيث فوجئ ~~بوجود إله لم يكن يؤمن به، والإنسان إنما يطلب أجره ممن عمل من ~~أجله، وهؤلاء ما عملوا لله بل للإنسانية وللمجتمع وللشهرة وقد نالوا هذا ~~كله في الدنيا، ولم يبق لهم شيء في الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~أولئك لهم جنات عدن... }. ### || [18.31] # { أولئك } أي: الذين آمنوا وعملوا الصالحات { لهم جنات ~~عدن.. } [الكهف: 31]الجنات رأينا منها صورة في الدنيا، وتطلق إطلاقا ~~شرعيا وإطلاقا لغويا. أما الشرعي: فهو الذي نعرفه من أنها الدار التي ~~أعدها الله تعالى لثواب المؤمنين في الآخرة. أما المعنى اللغوي: فهي ~~المكان الذي فيه زرع وثمار وأشجار تواري من سار فيها وتستره ومادة ms6081 ~~الجيم والنون تدور كلها حول الاستتار والاختفاء فالجنون استتار العقل ~~والجن مخلوقات لا ترى والجنة بالضم الدرع يستر الجسم عن المهاجم.. الخ. ~~وقلنا: إن الحق سبحانه حينما يحدثنا عن شيء غيبي يحدثنا بما يوجد ~~في لغتنا من ألفاظ، واللغة التي نتكلم بها، يوجد المعنى أولا ثم ~~يوجد اللفظ الدال عليه، فإذا عرفنا أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، ~~فإن نطق اللفظ نفهم معناه. فإذا كانت الأشياء التي يحدثنا الله ~~عنها غيبا كما قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " # إذن: فمن أين نأتي بالألفاظ الدالة على هذه المعاني ونحن لم نعرفها؟ ~~لذلك يعبر عنها الحق سبحانه بالشبيه لها في لغتنا، لكن يعطيها الوصف ~~الذي يميزها عن جنة الدنيا، كما جاء في قوله تعالى: # مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من ~~مآء غير آسن.. # [محمد: 15]. ونحن نعرف النهر، ونعرف الماء، لكن يأتي قوله: { غير ~~آسن } ليميز ماء الآخرة عن ماء الدنيا، وكذلك في: # وأنهار من خمر لذة للشاربين.. # [محمد: 15]. فالخمر في الدنيا معروفة لكنها ليست لذة لشاربها، فشاربها ~~يبتلعها بسرعة لأنه لا يستسيغ لها طعما أو رائحة، كما تشرب مثلا كوبا ~~من العصير رشفة رشفة لتلتذ بطعمه وتتمتع به، كما أن خمر الدنيا تغتال ~~العقول على خلاف خمر الآخرة لذلك لما أعطاها اسم الخمر لنعرفها ميزها ~~بأنها لذة، وخمر الدنيا ليست كذلك لأن لغتنا لا يوجد بها الأشياء التي ~~سيخلقها الله لنا في الجنة، فبها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، والعين ~~إدراكاتها أقل من إدراكات الأذن لأن العين تعطيك المشهد الذي رأيته ~~فحسب، أما الأذن فتعطيك المشهد الذي رأيته والذي رآه غيرك، ثم يقول: " ~~ولا خطر على قلب بشر " فوسع دائرة ما في الجنة، مما لا نستطيع إدراكه. ~~وكذلك في قوله تعالى: # وأنهار من عسل مصفى.. # [محمد: 15]. ونحن نعرف العسل فميزه هنا بأنه مصفى، ومعروف أن العسل ~~قديما كانوا يأخذونه من الجبال، وكان يعلق ms6082 به الحصى والرمل لذلك ~~ميز عسل الجنة بأنه مصفى. وكذلك في قوله سبحانه: # سدر مخضود # [الواقعة: 28] ونعرف سدر الدنيا، وهو نوع من الشجر له شوك، وليس كذلك ~~سدر الجنة لأنه سدر مخضود لا شوك فيه، ولا يدمي يدك كسدر الدنيا. # وهنا ميز الله الجنة في الآخرة عن جنات الدنيا، فقال: { جنات ~~عدن.. } [الكهف: 31] أي: إقامة دائمة لا تنتهي ولا تزول، وليست كذلك ~~جنات الدنيا، فهب أن واحدا يتمتع في الدنيا بالدور والقصور في ~~الحدائق والبساتين التي هي جنة الدنيا، فهل تدوم له؟ إن جنات الدنيا مهما ~~عظم نعيمها، إما أن تفوتك، وإما أن تفوتها. والعدن اسم للجنة، ~~فهناك فرق بين المسكن والمسكن في الجنة، كما ترى حدائق عامة وحدائق ~~خاصة، فالمؤمن في الجنة له مسكن خاص في جنة عدن. ويقول تعالى عن أنهار ~~الجنة: # تجري من تحتها الأنهار.. # [محمد: 12]، وفي آية أخرى يقول: # تجري تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100] ليعطينا صورتين لجريان الماء، ففي قوله: # تجري تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100] يدل على أن الماء يأتيها من بعيد، وقد تخشى أن يمنعه ~~أحد عنك أن يسده دونك لذلك يقول لك: اطمئن فالماء يجري { من ~~تحتها } أي: من الجنة نفسها لا يمنعه أحد عنك. وفي هذه الآية كأن ~~الحق سبحانه وتعالى يعطينا إشارة لطيفة إلى أننا نستطيع أن نجعل لنا ~~مساكن على صفحة الماء، وأن نستغل المسطحات المائية في إقامة المباني ~~عليها، خذ مثلا المسطحات المائية للنيل، أو الرياح التوفيقي من ~~القناطر الخيرية حتى دمياط لوجدت مساحات كبيرة واسعة يمكن بإقامة ~~الأعمدة في الماء، واستخدام هندسة البناء أن نقيم المساكن الكافية ~~لسكنى أهل هذه البلاد، وتظل الأرض الزراعية كما هي للخضرة وللزرع ~~ولقوت الناس. ويمكن أن تطبق هذه الطريقة أيضا في الريف، فيقيم ~~الفلاحون بيوتهم وحظائر مواشيهم بنفس الطريقة على الترع والمصارف ~~المنتشرة في بلادنا، ولا نمس الرقعة الزراعية. لقد هجمت الحركة ~~العمرانية على الجيزة والدقي والمهندسين، وكانت في يوم من الأيام أراضي ~~تغل كل الزراعات، وتخدم تموين القاهرة. ولما استقدموا الخبراء الأجانب ~~لتوسيع القاهرة ms6083 توجهوا إلى الصحراء وأنشأوا مصر الجديدة، ولم يعتد أحد ~~منهم على شبر واحد من الأرض الزراعية، بل جعلوا في تخطيطهم رقعة خضراء ~~لكل منزل. إذن: في الآية لفتة يمكن أن تحل لنا أزمة الإسكان، وتحمي ~~لنا الرقعة الزراعية الضيقة. ثم يقول تعالى: { يحلون فيها من ~~أساور من ذهب.. } [الكهف: 31] وقد يقول قائل: وما هذه الأساور من ~~الذهب التي يتحلى بها الرجال؟ هذه من الزخرف والزينة، نراه الآن في ~~طموحات الإنسان في زخرفية الحياة، فنرى الشباب يلبسون ما يسمى ~~بالانسيال وكذلك أساور الذهب في الآخرة زينة وزخرف، وفي آية أخرى، يقول ~~تعالى: # وحلوا أساور من فضة.. # [الإنسان: 21]. ومرة أخرى يقول: # يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ~~ولباسهم فيها حرير # [فاطر: 33]. فالأساور إما من ذهب أو فضة أو لؤلؤ لذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم عن هذه الحلية في الآخرة أنها تبلغ ما بلغه الوضوء عند المؤمن. # ونلحظ في قوله تعالى: # يحلون فيها من أساور من ذهب.. # [الكهف: 31] أن التحلية هنا للزينة، وليست من الضروريات، فجاء الفعل { ~~يحلون } أي: حلاهم غيرهم ولم يقل يتحلون لذلك لما تكلم بعدها عن ~~الملبس، وهو من الضروريات قال: { ويلبسون ثيابا خضرا من ~~سندس وإستبرق.. } [الكهف: 31]. فأتى بالفعل مبنيا للمعلوم ~~لأن الفعل حدث منهم أنفسهم بالعمل، أما الأولى فكانت بالفضل من الله، وقد ~~قدم الفضل على العمل، كما قال تعالى في آية أخرى: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا.. # [يونس: 58]. أي: إياك أن تقول هذا بعملي، بل بفضل الله وبرحمته لذلك نرى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم يقر بهذه الحقيقة، فيقول: # " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # ذلك لأنك لو نظرت إلى عملك لوجدته بعد تكليفك الذي كلفت به في سن ~~البلوغ، وقد عشت طوال هذه المدة ترتع في نعم الله ورزقه دون أن ~~يكلفك بشيء لذلك مهما قدمت لله تعالى من طاعات، فلن تفي بما ~~أنعم به عليك. وما تفعله من طاعات ms6084 إنما هو وفاء لحق الله، فإذا أدخلناك ~~الجنة كان فضلا من الله عليك، لأنك أخذت حقك سابقا ومقدما في ~~الدنيا، لكنه قسم هنا فقال: { يلبسون.. } [الكهف: 31] أي: بما ~~عملوا، أما في الزينة والتحلية فقال: { يحلون } كالرجل الذي ~~يجهز ابنته للزواج، فيأتي لها بضروريات الحياة، ثم يزيدها على ذلك من ~~الكماليات وزخرف الحياة من نجف أو سجاد أو خلافه. واللباس من ~~ضروريات الحياة التي امتن الله بها على عباده، كما جاء في قوله تعالى: # يابني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم وريشا.. # [الأعراف: 26] والريش: هو الكماليات التي يتخذها الناس للفخفخة ~~والمتعة، وهو ما زاد عن الضروريات. والسندس: هو الحرير الرقيق، ~~والإستبرق: الحرير الغليظ السميك. وقد وقف العلماء عند هذه الكلمة { ~~إستبرق } وغيرها من الكلمات غير العربية مثل: القسطاس، وهي كلمات ~~فارسية الأصل، أو كلمة آمين التي نتخذها شعارا في الصلاة وأصلها يمني أو ~~حبشي. وقالوا: كيف يستخدم القرآن مثل هذه الألفاظ، وهو قرآن عربي؟ نقول: ~~هل أدخل القرآن هذه الألفاظ في لغة العرب ساعة نزل، أم جاء القرآن وهي ~~سائرة على ألسنة الناس يتكلمون بها ويتفاهمون؟ لقد عرف العرب هذه الكلمات ~~واستعملوها، وأصبحت ألفاظا عربية دارت على الألسنة، وجرت مجرى الكلمة ~~العربية. ومن الكلمات التي دخلت العربية حديثا استخدمت ككلمة عربية ~~بنك، وربما كانت أخف في الاستعمال من كلمة مصرف لذلك أقرها مجمع ~~اللغة العربية وأدخلها العربية. # إذن: فهذا القول يمكن أن يقبل لو أن القرآن جاء بهذه الألفاظ مجيئا ~~أوليا، وأدخلها في اللغة ولم تكن موجودة، لكن القرآن جاء ليخاطب العرب، ~~وما داموا قد فهموا هذه الألفاظ وتخاطبوا بها، فقد أصبحت جزءا من ~~لغتهم. ثم يقول تعالى: { متكئين فيها على الأرآئك.. } ~~[الكهف: 31] الاتكاء: أن يجلس الإنسان على الجنب الذي يريحه، والأرائك: ~~هي السرر التي لها حلية مثل الناموسية مثلا. { نعم الثواب.. ~~} [الكهف: 31] كلام منطقي: { وحسنت مرتفقا } [الكهف: 31] أي: ~~أن هذا هو مقتضى الحال فيها، على خلاف ما أخبر به عن أهل النار: # وسآءت مرتفقا # [الكهف: 29]. ثم يقول الحق سبحانه: ms6085 { واضرب لهم مثلا ~~رجلين... }. ### || [18.32] # وما زال الكلام موصولا بالقوم الذين أرادوا أن يصرفوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وبذلك ~~انقسم الناس إلى قسمين: قسم متكبر حريص على جاهه وسلطانه، وقسم ضعيف ~~مستكين لا جاه له ولا سلطان، لكن الحق سبحانه يريد استطراق آياته ~~استطراقا يشمل الجميع، ويسوي بينهم. لذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن ~~يضرب لنا مثلا موجودا في الحياة، ففي الناس الكافر الغني والمؤمن ~~الفقير، وعليك أن تتأمل موقف كل منهما. قوله تعالى: { واضرب لهم ~~مثلا رجلين.. } [الكهف: 32] قلنا: إن الضرب معناه أن تلمس ~~شيئا بشيء أقوى منه بقوة تؤلمه، ولا بد أن يكون الضارب أقوى من ~~المضروب، إلا فلو ضربت بيدك شيئا أقوى منك فقد ضربت نفسك، ومن ذلك قول ~~الشاعر: # ويا ضاربا بعصاه الحجر # ضربت العصا أم ضربت الحجر؟ # وضرب المثل يكون لإثارة الانتباه والإحساس، فيخرجك من حالة إلى أخرى، ~~كذلك المثل: الشيء الغامض الذي لا تفهمه ولا تعيه، فيضرب الحق سبحانه له ~~مثلا يوضحه وينبهك إليه لذلك قال: { واضرب لهم مثلا.. } ~~[الكهف: 32]. وسبق أن أوضحنا أن الأمثال كلام من كلام العرب، يرد في ~~معنى من المعاني، ثم يشيع على الألسنة، فيصير مثلا سائرا، كما نقول: ~~جود حاتم، وتقابل أي جواد فتناديه: يا حاتم، فلما اشتهر حاتم بالجود ~~أطلقت عليه هذه الصفة. وعمرو بن معد اشتهر بالشجاعة والإقدام، ~~وإياس اشتهر بالذكاء، وأحنف بن قيس اشتهر بالحلم. لذلك قال أبو تمام في ~~مدح الخليفة: # إقدام عمرو في سماحة حاتم # في حلم أحنف في ذكاء إياس # فأراد خصوم أبي تمام أن يحقروا قوله، وأن يسقطوه من عين الخليفة، ~~فقالوا له: إن الخليفة فوق من وصفت، وكيف تشبه الخليفة بهؤلاء وفي ~~جيشه ألف كعمرو، وفي خزانه ألف كحاتم فكيف تشبهه بأجلاف العرب؟ كما ~~قال أحدهم: - # وشبهه المداح في الباس والغنى # بمن لو رآه كان أصغر خادم # ففي جيشه خمسون ألفا كعنتر # وفي خزانه ألف حاتم # فألهمه الله الرد عليهم، وعلى ms6086 نفس الوزن ونفس القافية، فقال: # لا تنكروا ضربي له من دونه # مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة والنبراس # إذن: فالمثل يأتي لينبه الناس، وليوضح القضية غير المفهومة، والحق ~~تبارك وتعالى قال: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها.. # [البقرة: 26]. ثم يعطينا القرآن الكريم أمثالا كثيرة لتوضيح قضايا ~~معينة، كما في قوله تعالى: # مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت لو كانوا يعلمون # [العنكبوت: 41]. وكذا قوله تعالى عن نقض الوعد وعدم الوفاء به: # ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ~~أنكاثا.. # [النحل: 92]. ومنه قوله تعالى: # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلمآ أضاءت ما ~~حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون # [البقرة: 17]. ومنه قوله تعالى مصورا حال الدنيا، وأنها سريعة ~~الزوال: # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا # [الكهف: 45]. فالمثل يوضح لك الخفي بشيء جلي، يعرفه كل من ~~سمعه، من ذلك مثلا الشاعر الذي أراد أن يصف لنا الأحدب فيصوره ~~تصويرا دقيقا كأنك تنظر إليه: # قصرت أخادعه وغاص قذاله # فكأنه متربص أن يصفعا # وكأنما صفعت قفاه مرة # وأحس ثانية لها فتجمعا # وهنا يقول الحق سبحانه: اضرب لهم يا محمد مثلا للكفر إذا استغنى، ~~والفقير إذا رضى بالإيمان. وقوله: { رجلين.. } [الكهف: 32] أي: ~~هما محل المثل: { جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب ~~وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا } [الكهف: ~~32]. لكن، هل هذا المثل كان موجودا بالفعل، وكان للرجلين وجود فعلي في ~~التاريخ؟ نعم، كانوا واقعا عند بني إسرائيل وهما براكوس ويهوذا، وكان ~~يهوذا مؤمنا راضيا، وبراكوس كان مستغنيا، وقد ورثا عن أبيهم ثمانية ~~آلاف دينار لكل منهما، أخذ براكوس نصيبه واشترى به أرضا يزرعها وقصرا ~~يسكنه وتزوج فأصبح له ولدان وحاشية، أما يهوذا، فقد رأى أن يتصدق ~~بنصيبه، وأن يشتري به أرضا في الجنة وقصرا في الجنة ms6087 وفضل الحور العين ~~والولدان في جنة عدن على زوجة الدنيا وولدانها وبهجتها. وهكذا استغنى ~~براكوس بما عنده واغتر به، كما قال تعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. وأول الخيبة أن تشغلك النعمة عن المنعم، وتظن أن ما أنت ~~فيه من نعيم ثمرة جهدك وعملك، ونتيجة سعيك ومهارتك، كما قال قارون: # قال إنمآ أوتيته على علم عندي.. # [القصص: 78] فتركه الله لعلمه ومهارته، فليحرص على ماله بما لديه من ~~علم وقوة: # فخسفنا به وبداره الأرض.. # [القصص:81] ولم ينفعه ماله أو علمه. إذن: هاتان صورتان واقعيتان في ~~المجتمع: كافر يستكبر ويستغني ويستعلي بغناه، ومؤمن قنوع بما قسم الله ~~له. وانظر إلى الهندسة الزراعية في قوله تعالى: { جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا ~~بينهما زرعا } [الكهف: 32]. فقد علمنا الله تعالى أن نجعل حول ~~الحدائق والبساتين سورا من النخيل ليكون سياجا يصد الهواء والعواصف، ~~وذكر سبحانه النخل والعنب وهي من الفاكهة قبل الزرع الذي منه القوت ~~الضروري، كما ذكر من قبل الأساور من ذهب، وهي للزينة قبل الثياب، وهي من ~~الضروريات. وقوله: { جنتين.. } [الكهف: 32] نراها إلى الآن فيمن ~~يريد أن يحافظ على خصوصيات بيته لأن للإنسان مسكنا خاصا، وله عموميات ~~أحباب، فيجعل لهم مسكنا آخر حتى لا يطلع أحد على حريمه لذلك يسمونه ~~السلاملك والحرملك. وكذلك في قوله تبارك وتعالى: # لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين ~~وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة ~~طيبة ورب غفور # [سبأ: 15]. ثم يقول الحق سبحانه: { كلتا الجنتين ءاتت ~~أكلها ولم تظلم منه شيئا... }. ### || [18.33] # أي: أعطت الثمرة المطلوبة منها، والأكل: هو ما يؤكل، ونعرف أن ~~الزراعات تتلاحق ثمارها فتعطيك شيئا اليوم، وشيئا غدا، وشيئا بعد غد ~~وهكذا. { ولم تظلم منه شيئا.. } [الكهف: 33] كلمة { تظلم ~~} تعطينا إشارة إلى عمل الخير في الدنيا، فالأرض وهي جماد لا تظلم، ولا ~~تمنعك حقا، ولا تهدر لك تعبا، فإن أعطيتها جهدك وعملك جادت عليك، ~~تبذر فيها كيلة تعطيك إردبا، وتضع فيها البذرة الواحدة فتغل ms6088 عليك ~~الآلاف. إذن: فهي كريمة جوادة شريطة أن تعمل ما عليك من حرث وبذر ~~ورعاية وسقيا، وقد تريحك السماء، فتسقي لك. لذلك، لما أراد الحق سبحانه ~~أن يضرب لنا المثل في مضاعفة الأجر، قال: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مائة حبة.. # [البقرة: 261]. فإذا كانت الأرض تعطيك بالحبة سبعمائة حبة، فما بالك ~~بخالق الأرض؟ لا شك أن عطاءه سيكون أعظم لذلك قال بعدها: # والله يضاعف لمن يشآء والله واسع عليم # [البقرة: 261]. إذن: فالأرض لا تظلم، ومن عدل الأرض أن تعطيك على قدر ~~تعبك وكدك فيها، والحق سبحانه أيضا يقدر لك هذا التعب، ويشكر لك ~~هذا المجهود، والنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أحد الصحابة وقد تشققت ~~يداه من العمل قال: # " هذه يد يحبها الله ورسوله ". # يحبها الله ورسوله لأنها تعبت وعملت لا على قدر حاجتها، بل على أكثر ~~من حاجتها، عملت لها وللآخرين، وإلا لو عمل كل عامل على قدر حاجته، ~~فكيف يعيش الذي لا يقدر على العمل؟ إذن: فعلى أصحاب القدرة والطاقة أن ~~يعملوا لما يكفيهم، ويكفي العاجزين عن العمل، وهب أنك لن تتصدق بشيء ~~للمحتاج، لكنك ستبيع الفائض عنك، وهذا في حد ذاته نوع من التيسير على ~~الناس والتعاون معهم. وما أشبه الأرض في عطائها وسخائها بالأم التي ~~تجزل لك العطاء إن بررت بها، وكذلك الأرض، بل إن الأم بطبيعتها قد ~~تعطيك دون مقابل وتحنو عليك وإن كنت جاحدا، وكذلك الأرض ألا تراها ~~تخرج لك من النبات ما لم تزرعه أو تتعب فيه؟ فكيف إذا أنت أكرمتها ~~بالبر؟ لا شك ستزيد لك العطاء. والحقيقة أن الأرض ليست أمنا على وجه ~~التشبيه، بل هي أمنا على وجه الحقيقة لأننا من ترابها وجزء منها، ~~فالإنسان إذا مرض مثلا يصير ثقيلا على كل الناس لا تتحمله وتحنو عليه ~~وتزيل عنه الأذى مثل أمه، وكذلك إن مات وصار جيفة يأنف منه كل أخ محب ~~وكل قريب، في حين تحتضنه الأرض، وتمتص كل ms6089 ما فيه، وتستره في يوم هو أحوج ~~ما يكون إلى الستر. ثم يقول تعالى: { وفجرنا خلالهما نهرا.. ~~} [الكهف: 33] ذلك لأن الماء هو أصل الزرع، فجعل الله للجنتين ماء ~~مخصوصا يخرج منهما ويتفجر من خلالهما لا يأتيهما من الخارج، فيحجبه أحد ~~عنهما. ثم يقول الحق سبحانه: { وكان له ثمر فقال لصاحبه ~~وهو يحاوره... }. ### || [18.34] # أي: لم يقتصر الأمر على أن كان له جنتان فيهما النخيل والأعناب والزرع ~~الذي يؤتي أكله، بل كان له فوق ذلك ثمر أي: موارد أخرى من ذهب وفضة ~~وأولاد لأن الولد ثمرة أبيه، وسوف يقول لأخيه بعد قليل: أنا أكثر منك ~~مالا وأعز نفرا. ثم تدور بينهما هذه المحاورة: { فقال لصاحبه ~~وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا } ~~[الكهف: 34]. دليل على أن ما تقدم ذكره من أمر الجنتين وما فيهما من ~~نعم دعته إلى الاستعلاء هو سبب القول { لصاحبه } ، والصاحب ~~هو: من يصاحبك ولو لم تكن تحبه { يحاوره } أي: يجادله بأن يقول ~~أحدهما فيرد عليه الآخر حتى يصلوا إلى نتيجة. فماذا قال صاحبه؟ قال: { ~~أنا أكثر منك مالا.. } [الكهف: 34] يقصد الجنتين وما فيهما من ~~نعم { وأعز نفرا } [الكهف: 34] داخلة في قوله: { وكان له ~~ثمر } [الكهف: 34] وهكذا استغنى هذا بالمال والولد. ثم يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه... }. ### || [18.35] # عرفنا أنهما جنتان، فلماذا قال: { ودخل جنته.. } [الكهف: 35]؟ ~~نقول: لأن الإنسان إن كان له جنتان فلن يدخلهما معا في وقت واحد، بل ~~حال دخوله سوف يواجه جنة واحدة، ثم بعد ذلك يدخل الأخرى. وقوله: { ~~وهو ظالم لنفسه.. } [الكهف: 35] قد يظلم الإنسان غيره، لكن ~~كيف يظلم نفسه هو؟ يظلم الإنسان نفسه حينما يرخي لها عنان الشهوات، ~~فيحرمها من مشتهيات أخرى، ويفوت عليها ما هو أبقى وأعظم، وظلم الإنسان ~~يقع على نفسه لأن النفس لها جانبان: نفس تشتهي، ووجدان يردع بالفطرة. ~~فالمسألة - إذن - جدل بين هذه العناصر لذلك يقولون: أعدى أعداء الإنسان ~~نفسه التي بين جنبيه، فإن قلت: كيف وأنا ونفسي شيء واحد؟ لو تأملت ~~لوجدت أنك ms6090 ساعة تحدث نفسك بشيء ثم تلوم نفسك عليه لأن بداخلك ~~شخصيتين: شخصية فطرية، وشخصية أخرى استحوازية شهوانية، فإن مالت النفس ~~الشهوانية أو انحرفت قومتها النفس الفطرية وعدلت من سلوكها. لذلك ~~قلنا: إن المنهج الإلهي في جميع الديانات كان إذا عمت المعصية في ~~الناس، ولم يعد هناك من ينصح ويرشد أنزل الله فيهم رسولا يرشدهم ~~ويذكرهم، إلا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه سبحانه حملهم ~~رسالة نبيهم، وجعل هدايتهم بأيديهم، وأخرج منهم من يحملون راية الدعوة ~~إلى الله لذلك لن يحتاجوا إلى رسول آخر وكان صلى الله عليه وسلم خاتم ~~الأنبياء والرسل. وكأنه سبحانه يطمئننا إلى أن الفساد لن يعم، فإن ~~وجد من بين هذه الأمة العاصون، ففيها أيضا الطائعون الذين يحملون راية ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه مسألة ضرورية، وأساس يقوم عليه ~~المجتمع الإسلامي. ثم يقول تعالى: { قال مآ أظن أن تبيد ~~هذه أبدا } [الكهف: 35]. فهل معنى هذا أنه ظالم لنفسه بالدخول؟ ~~لا، لأنها جنته يدخلها كما يشاء، إنما المراد بالظلم هنا ما دار في ~~خاطره، وما حدث نفسه به حال دخوله، فقد ظلم نفسه عندما خطر بباله ~~الاستعلاء بالغنى، والغرور بالنعمة، فقال: ما أظن أن تبيد هذه ~~النعمة، أو تزول هذه الجنة الوارفة أو تهلك، لقد غره واقع ملموس أمام ~~عينيه استبعد معه أن يزول عنه كل هذا النعيم، ليس هذا وفقط، بل دعاه ~~غروره إلى أكثر من هذا فقال: { ومآ أظن الساعة قآئمة... }. ### || [18.36] # هكذا أطلق لغروره العنان، وإن قبلت منه: # مآ أظن أن تبيد هذه أبدا # [الكهف: 35] فلا يقبل منه { ومآ أظن الساعة قائمة.. } ~~[الكهف: 36] لذلك لما أنكر قيام الساعة هزته الأوامر الوجدانية، ~~فاستدرك قائلا: { ولئن رددت إلى ربي.. } [الكهف: 36] أي: ~~على كل حال إن رددت إلى ربي في القيامة، فسوف يكون لي أكثر من هذا ~~وأعظم، وكأنه ضمن أن الله تعالى أعد له ما هو أفضل من هذا. ونقف ~~لنتأمل قول هذا الجاحد المستعلي بنعمة الله عليه المفتون بها: { ~~ولئن رددت إلى ربي.. ms6091 } [الكهف: 36] حيث يعرف أن له ربا ~~سيرجع إليه، فإن كنت كذوبا فكن ذكورا، لا تناقض نفسك، فما حدث ~~منك من استعلاء وغرور وشك في قيام الساعة يتنافى وقولك { ربي } ولا ~~يناسبه. و { منقلبا } أي: مرجعا. ثم يقول الحق سبحانه: { قال ~~له صاحبه وهو يحاوره... }. ### || [18.37] # هنا يرد عليه صاحبه المؤمن محاورا ومجادلا ليجلي له وجه ~~الصواب: { أكفرت بالذي خلقك من تراب.. } [الكهف: 37] ~~أي: كلامك السابق أنا أنا، وما أنت فيه من استعلاء وإنكار، أتذكر هذا كله ~~ولا تذكر بدايتك ومنشأك من تراب الذي هو أصل خلقك { ثم من ~~نطفة.. } [الكهف: 37] وهي أصل التناسل { ثم سواك رجلا } ~~[الكهف: 37] أي: كاملا مستويا ملو هدومك. و { سواك.. } [الكهف: ~~37] التسوية: هي إعداد الشيء إعدادا يناسب مهمته في الحياة، وقلنا: إن ~~العود الحديد السوي مستقيم، والخطاف في نهايته أعوج، والاعوجاج في ~~الخطاف هو عين استقامته واستواء مهمته لأن مهمته أن نخطف به الشيء، ولو ~~كان الخطاف هذا مستقيما لما أدى مهمته المرادة. والهمزة في { ~~أكفرت.. } [الكهف: 37] ليست للاستفهام، بل هي استنكار لما يقوله ~~صاحبه، وما بدر منه من كفر ونسيان لحقيقة أمره وبداية خلقه. والتراب ~~هو أصل الإنسان، وهو أيضا مرحلة من مراحل خلقه لأن الله تعالى ذكر ~~في خلق الإنسان مرة # من مآء # [السجدة: 8] ومرة # من تراب # [آل عمران: 59]، [الروم: 20] ومرة # من حمإ مسنون # [الحجر: 26] ومرة # من صلصال كالفخار # [الرحمن: 14]. لذلك يعترض البعض على هذه الأشياء المختلفة في خلق ~~الإنسان، والحقيقة أنها شيء واحد، له مراحل متعددة انتقالية، فإن أضفت ~~الماء للتراب صار طينا، فإذا ما خلطت الطين بعضه ببعض صار حمأ ~~مسنونا، فإذا تركته حتى يجف ويتماسك صار صلصالا، إذن: فهي مرحليات ~~لشيء واحد. ثم يقول الحق سبحانه أن هذا المؤمن قال: { لكنا هو ~~الله ربي... }. ### || [18.38] # قوله: { لكنا.. } [الكهف: 38] أي: لكن أنا، فحذفت الهمزة وأدغمت ~~النون في النون. ولكن للاستدراك، المؤمن يستدرك على ما قاله صاحبه: أنا ~~لست مثلك فيما تذهب إليه، فإن كنت قد كفرت بالذي خلقك من تراب، ثم من ms6092 ~~نطفة. ثم سواك رجلا، فأنا لم أكفر بمن خلقني، فقولي واعتقادي الذي ~~أومن به: { هو الله ربي.. } [الكهف: 38]. وتلاحظ أن الكافر لم ~~يقل: الله ربي، إنما جاءت ربي على لسانه في معرض الحديث، والفرق ~~كبير بين القولين لأن الرب هو الخالق المتولي للتربية، وهذا أمر لا ~~يشك فيه أحد، ولا اعتراض عليه، إنما الشك في الإله المعبود المطاع، ~~فالربوبية عطاء، ولكن الألوهية تكليف لذلك اعترف الكافر بالربوبية، وأنكر ~~الألوهية والتكليف. ثم يؤكد المؤمن إيمانه فيقول: { ولا أشرك ~~بربي أحدا } [الكهف: 38]. ولم يكتف المؤمن بأن أبان لصاحبه ما ~~هو فيه من الكفر، بل أراد أن يعدي إيمانه إلى الغير، فهذه طبيعة ~~المؤمن أن يكون حريصا على هداية غيره، لذلك بعد أن أوضح إيمانه بالله ~~تعالى أراد أن يعلم صاحبه كيف يكون مؤمنا، ولا يكمل إيمان المؤمن ~~حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأيضا من العقل للمؤمن أن يحاول أن يهدي ~~الكافر لأن المؤمن صحح سلوكه بالنسبة للآخرين، ومن الخير للمؤمن أيضا ~~أن يصحح سلوك الكافر بالإيمان. لذلك من الخير بدل أن تدعو على عدوك ~~أن تدعو له بالهداية لأن دعاءك عليه سيزيد من شقائك به، وها هو يدعو ~~صاحبه، فيقول: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء ~~الله لا قوة إلا بالله... }. ### || [18.39] # يريد أن يعلمه سبيل الإيمان في استقبال النعمة، بأن يرد النعم إلى ~~المنعم لأن النعمة التي يتقلب فيها الإنسان لا فضل له فيها، فكلها ~~موهوبة من الله، فهذه الحدائق والبساتين كيف آتت أكلها؟ إنها الأرض ~~التي خلقها الله لك، وعندما حرثتها حرثتها بآلة من الخشب أو الحديد، ~~وهو موهوب من الله لا دخل لك فيه، والقوة التي أعانتك على العمل ~~موهوبة لك يمكن أن تسلب منك في أي وقت، فتصير ضعيفا لا تقدر على ~~شيء. إذن: حينما تنظر إلى كل هذه المسائل تجدها منتهية إلى العطاء ~~الأعلى من الله سبحانه. خذ هذا المقعد الذي تجلس عليه مستريحا وهو في ~~غاية الأناقة وإبداع الصنعة، من أين أتى الصناع بمادته؟ ms6093 لو تتبعت ~~هذا لوجدته قطعة خشب من إحدى الغابات، ولو سألت الغابة: من أين لك هذا ~~الخشب لأجابتك: من الله. لذلك يعلمنا الحق سبحانه وتعالى الأدب في ~~نعمته علينا، بقوله: # أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة: 63-64]. هذه الحبة التي بذرتها في حقلك، هل جلست بجوارها ~~تنميها وتشدها من الأرض، فتنمو معك يوما بعد يوم؟ إن كل عملك فيها أن ~~تحرث الأرض وتبذر البذور، حتى عملية الحرث سخر الله لك فيها البهائم ~~لتقوم بهذه العملية، وما كان بوسعك أن تطوعها لهذا العمل لولا أن ~~سخرها الله لك، وذللها لخدمتك، كما قال تعالى: # وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 72]. ما استطعت أنت تسخيرها. إذن: لو حللت أي نعمة من النعم ~~التي لك فيها عمل لوجدت أن نصيبك فيها راجع إلى الله، وموهوب منه سبحانه. ~~وحتى بعد أن ينمو الزرع ويزهر أو يثمر لا تأمن أن تأتيه آفة أو تحل ~~به جائحة فتهلكه لذلك يقول تعالى بعدها: # لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون * إنا ~~لمغرمون * بل نحن محرومون # [الواقعة: 65-67]. كما يقول تعالى: # إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * ~~فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون * ~~فأصبحت كالصريم # [القلم: 17-20]. وكذلك في قوله تعالى: # أفرأيتم المآء الذي تشربون * أأنتم ~~أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون # [الواقعة: 68-69]. هذا الماء الذي تشربونه عذبا زلالا، هل تعرفون ~~كيف نزل؟ هل رأيتم بخار الماء الصاعد إلى الجو؟ وكيف ينعقد سحابا تسوقه ~~الريح؟ هل دريتم بهذه العملية؟ # لو نشآء جعلناه أجاجا.. # [الواقعة: 70]. أي: ملحا شديدا لا تنتفعون به. فحينما يمتن الله ~~على عبيده بأي نعمة يذكرهم بما ينقضها، فهي ليست من سعيهم، وعليهم ~~أن يشكروه تعالى عليها لتبقى أمامهم ولا تزول، وإلا فليحافظوا عليها ~~هم إن كانت من صنع أيديهم! وكذلك في مسألة خلق الإنسان يوضح سبحانه ~~وتعالى أنه يمنع الحياة وينقضها بالموت، قال تعالى: # أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون * نحن قدرنا بينكم ms6094 الموت وما نحن ~~بمسبوقين # [الواقعة: 58-60]. فإن كنتم أنتم الخالقين، فحافظوا عليه وادفعوا عنه ~~الموت. فذكر سبحانه النعمة في الخلق، وما ينقض النعمة في أصل ~~الخلق. أما في خلق النار، فالأمر مختلف، حيث يقول تعالى: # أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم ~~شجرتهآ أم نحن المنشئون # [الواقعة: 71-72]. فذكر سبحانه قدرته في خلق النار وإشعالها ولم يذكر ~~ما ينقضها، ولم يقل: نحن قادرون على إطفائها، كما ذكر سبحانه خلق ~~الإنسان وقدرته على نقضه بالموت، وخلق الزرع وقدرته على جعله حطاما، ~~وخلق الماء وقدرته على جعله أجاجا، إلا في النار، لأنه سبحانه وتعالى ~~يريدها مشتعلة مضطرمة باستمرار لتظل ذكرى للناس، لذلك ذيل الآية بقوله ~~تعالى: # نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين # [الواقعة: 73]. كما نقف في هذه الآيات على ملمح من ملامح الإعجاز ~~ودقة الأداء القرآني لأن المتكلم رب يتحدث عن كل شيء بما يناسبه، ~~ففي الحديث عن الزرع - ولأن للإنسان عملا فيه مثل الحرث والبذر ~~والسقي وغيره - نراه يؤكد الفعل الذي ينقض هذا الزرع، فيقول: # لو نشآء لجعلناه حطاما.. # [الواقعة: 65] حتى لا يراودك الغرور بعملك. أما في الحديث عن الماء - ~~وليس للإنسان دخل في تكوينه - فلا حاجة إلى تأكيد الفعل كسابقه، فيقول ~~تعالى: # لو نشآء جعلناه أجاجا.. # [الواقعة: 70] دون توكيد لأن الإنسان لا يدعي أن له فضلا في هذا الماء ~~الذي ينهمر من السماء. نعود إلى المؤمن الذي ينصح صاحبه الكافر، ~~ويعلمه كيف يستقبل نعمة الله عليه: # ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله لا ~~قوة إلا بالله.. # [الكهف: 39] { لولا } بمعنى: هلا وهي للحث والتحضيض، وعلى ~~الإنسان إذا رأى ما يعجبه في مال أو ولد حتى لو أعجبه وجهه في المرآة ~~عليه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وفي الحديث يقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ما قيل عند نعمة: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، إلا ولا ترى فيها آفة ~~إلا الموت ". # فساعة أن تطالع نعمة الله كان من الواجب عليك ألا تلهيك النعمة عن ~~المنعم، ms6095 كان عليك أن تقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أي: أن هذا كله ~~ليس بقوتي وحيلتي، بل فضل من الله فترد النعمة إلى خالقها ومسديها، وما ~~دمت قد رددت النعمة إلى خالقها فقد استأمنته عليها واستحفظته ~~إياها، وضمنت بذلك بقاءها. وذكرنا أن سيدنا جعفر الصادق - رضي الله عنه ~~- كان عالما بكنوز القرآن، ورأى النفس البشرية، وما يعتريها من تقلبات ~~تعكر عليها صفو الحياة من خوف أو قلق أو هم أو حزن أو مكر، أو زهرة ~~الدنيا وطموحات الإنسان فيها. # فكان رضي الله عنه يخرج لهذه الداءات ما يناسبها من علاجات القرآن، ~~فكان يقول في الخوف: " عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قول الله تعالى: # حسبنا الله ونعم الوكيل # [آل عمران: 173] فإني سمعت الله بعقبها يقول: # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء # [آل عمران: 174]. وعجبت لمن اغتم - لأن الغم انسداد القلب وبلبلة ~~الخاطر من شيء لا يعرف سببه - وعجبت لمن اغتم ولم يفزع إلى قول الله ~~تعالى: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87] فإني سمعت الله بعقبها يقول: # فاستجبنا له ونجيناه من الغم.. # [الأنبياء: 88] ليس هذا وفقط، بل: # وكذلك ننجي المؤمنين # [الأنبياء: 88] وكأنها وصفة عامة لكل مؤمن، وليست خاصة بنبي الله يونس ~~عليه السلام. فقول المؤمن الذي أصابه الغم: # لا إله إلا أنت.. # [الأنبياء: 87] أي: لا مفزع لي سواك، ولا ملجأ لي غيرك # إني كنت من الظالمين.. # [الأنبياء: 87] اعتراف بالذنب والتقصير، فلعل ما وقعت فيه من ذنب وما ~~حدث من ظلم لنفسي هو سبب هذا الغم الذي أعانيه. وعجبت لمن مكر به، كيف ~~لا يفزع إلى قول الله تعالى: # وأفوض أمري إلى الله.. # [غافر: 44] فإني سمعت الله بعقبها يقول: # فوقاه الله سيئات ما مكروا.. # [غافر: 45] فالله تبارك وتعالى هو الذي سيتولى الرد عليهم ومقابلة مكرهم ~~بمكره سبحانه، كما قال تعالى: # ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين # [آل عمران: 54]. وعجبت لمن طلب الدنيا وزينتها - صاحب الطموحات في ~~الدنيا المتطلع إلى زخرفها - كيف لا يفزع ms6096 إلى قول الله تعالى: { ما ~~شآء الله لا قوة إلا بالله.. } [الكهف: 39] فإني سمعت ~~الله بعقبها يقول: # فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك.. # [الكهف: 40] فإن قلتها على نعمتك حفظت ونمت، وإن قلتها على نعمة ~~الغير أعطاك الله فوقها. والعجيب أن المؤمن الفقير الذي لا يملك من متاع ~~الدنيا شيئا يدل صاحبه الكافر على مفتاح الخير الذي يزيده من خير ~~الدنيا، رغم ما يتقلب فيه من نعيمها، فمفتاح زيادة الخير في الدنيا ~~ودوام النعمة فيها أن نقول: { ما شآء الله لا قوة إلا ~~بالله } [الكهف: 39]. ويستطرد المؤمن، فيبين لصاحبه ما عيره به ~~من أنه فقير وهو غني، وما استعلى عليه بماله وولده: { إن ترن أنا ~~أقل منك مالا وولدا } [الكهف: 39]. ثم ذكره بأن الله تعالى ~~قادر على أن يبدل هذا الحال، فقال: { فعسى ربي أن يؤتين ~~خيرا من جنتك... }. ### || [18.40] # وعسى للرجاء، فإن كان الرجاء من الله فهو واقع لا شك فيه لذلك حينما ~~تقول عند نعمة الغير: ما شاء الله لا قوة إلا بالله يعطيك الله خيرا مما ~~قلت عليه: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، وإن اعترفت بنعمة الله عليك ~~ورددت الفضل إليه سبحانه زادك، كما جاء في قوله تعالى: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7]. فقوله: { فعسى ربي أن يؤتين خيرا من ~~جنتك } [الكهف: 40] أي: ينقل مسألة الغنى والفقر ويحولها، فأنت لا ~~قدرة لك على حفظ هذه النعمة، كما أنك لا قدرة لك على جلبها من ~~البداية. إذن: يمكن أن يعطيني ربي نعمة مثل نعمتك، في حين تظل نعمتك كما ~~هي، لكن إرادة الله تعالى أن يقلب نعمتك ويزيلها: { ويرسل ~~عليها حسبانا من السمآء } [الكهف: 40] هذه النعمة التي ~~تعتز بها وتفخر بزهرتها وتتعالى بها على خلق الله يمكن أن يرسل الله ~~عليها حسبانا. والحسبان: الشيء المحسوب المقدر بدقة وبحساب، كما ~~جاء في قوله تعالى: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5] والخالق سبحانه وتعالى جعل الشمس والقمر لمعرفة الوقت: # لتعلموا عدد السنين والحساب # [يونس: 5] ونحن لا نعرف من هذه عدد السنين ms6097 والحساب إلا إذا كانت هي في ~~ذاتها منضبطة على نظام دقيق لا يختل، مثل الساعة لا تستطيع أن تعرف ~~بها الوقت وتضبطه إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطة، والشيء لا يكون ~~حسبانا لغيره إلا إذا كان هو نفسه منشأ على حسبان. وحسب حسبانا ~~مثل غفر غفرانا، وقد أرسل الله على هذه الجنة التي اغتر بها صاحبها ~~صاعقة محسوبة مقدرة على قدر هذه الجنة لا تتعداها إلى غيرها، حتى ~~لا يقول: إنها آية كونية عامة أصابتني كما أصابت غيري.. لا. إنها صاعقة ~~مخصوصة محسوبة لهذه الجنة دون غيرها. ثم يقول تعالى: { فتصبح ~~صعيدا زلقا } [الكهف: 40] أي: أن هذه الجنة العامرة بالزروع ~~والثمار، المليئة بالنخيل والأعناب بعد أن أصابتها الصاعقة أصبحت ~~صعيدا أي: جدباء يعلوها التراب، ومنه قوله تعالى في التيمم: # فتيمموا صعيدا طيبا # [النساء: 43] ليس هذا وفقط، بل { صعيدا زلقا } [الكهف: 40] أي: ~~ترابا مبللا تنزلق عليه الأقدام، فلا يصلح لشيء، حتى المشي عليه. ### || [18.41] # { غورا } أي: غائرا في الأرض، فإن قلت: يمكن أن يكون الماء ~~غائرا، ونستطيع إخراجه بالآلات مثلا، لذلك يقطع أمله في أي حيلة يفكر ~~فيها: { فلن تستطيع له طلبا } [الكهف: 41] أي: لن تصل إليه ~~بأي وسيلة من وسائلك، ومن ذلك قوله تعالى في آية أخرى: # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # [الملك: 30]. لاحظ أن هذا الكلام من المؤمن لصاحبه الكافر مجرد رجاء ~~يخاطبه به: # فعسى ربي.. # [الكهف: 40] رجاء لم يحدث بعد، ولم يصل إلى إيقاعيات القدر. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه ~~على مآ أنفق فيها وهي خاوية على عروشها... }. ### || [18.42] # هكذا انتقل الرجاء إلى التنفيذ، وكأن الله تعالى استجاب للرجل المؤمن ~~ولم يكذب توقعه { وأحيط بثمره } [الكهف: 42] أحيط: كأن جعل ~~حول الثمر سورا يحيط به، فلا يكون له منفذ، كما قال في آية أخرى: # وظنوا أنهم أحيط بهم # [يونس: 22]. وتلاحظ أنه سبحانه قال: { وأحيط بثمره } [الكهف: ~~42] ولم يقل مثلا: أحيط بزرعه أو بنخله لأن الإحاطة قد تكون بالشيء، ~~ثم ms6098 يثمر بعد ذلك، لكن الإحاطة هنا جاءت على الثمر ذاته، وهو قريب الجني ~~قريب التناول، وبذلك تكون الفاجعة فيه أشد، والثمر هو الغاية والمحصلة ~~النهائية للزرع. ثم يصور الحق سبحانه ندم صاحب الجنة وأسفه عليها: { ~~فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها } [الكهف: 42] ~~أي: يضرب كفا بكف، كما يفعل الإنسان حينما يفاجئه أمر لا يتوقعه، ~~فيقف مبهوتا لا يدري ما يقول، فيضرب كفا بكف لا يتكلم إلا بعد أن ~~يفيق من هول هذه المفاجأة ودهشتها. ويقلب كفيه على أي شيء؟ ~~يقلب كفيه ندما على ما أنفق فيها { وهي خاوية على ~~عروشها } [الكهف: 42] خاوية: أي خربة جرداء جدباء، كما قال ~~سبحانه في آية أخرى: # أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على ~~عروشها # [البقرة: 259]. ومعلوم أن العروش تكون فوق، فلما نزلت عليها الصاعقة من ~~السماء دكت عروشها، وجعلت عاليها سافلها، فوقع العرش أولا، ثم ~~تهدمت عليه الجدران. وقوله تعالى: { ويقول يليتني لم ~~أشرك بربي أحدا } [الكهف: 42] بعد أن ألجمته الدهشة عن ~~الكلام، فراح يضرب كفا بكف، أفاق من دهشته، ونزع هذا النزوع ~~القولي الفوري: { يليتني لم أشرك بربي أحدا } [الكهف: ~~42] يتمنى أنه لم يشرك بالله أحدا لأن الشركاء الذين اتخذهم من دون الله ~~لم ينفعوه، لذلك قال بعدها: { ولم تكن له فئة ينصرونه ~~من دون الله... }. ### || [18.43] # أي: ليس لديه أعوان ونصراء يدفعون عنه هذا الذي حل به، ويمنعون عنه ~~الخراب الذي حاق بجنته { وما كان منتصرا } [الكهف: 43] أي: ما ~~كان ينبغي له أن ينتصر، ولا يجوز له الانتصار، لماذا؟ ثم يقول الحق ~~سبحانه: { هنالك الولاية لله الحق... }. ### || [18.44] # هنالك: أي في وقت الحالة هذه، وقت أن نزلت الصاعقة من السماء فأتت ~~على الجنة، وجعلتها خاوية على عروشها، هناك تذكر المنعم وتمنى لو لم ~~يشرك بالله، فقوله: { هنالك } أي: في الوقت الدقيق وقت القمة، قمة ~~النكد والكدر. و { هنالك } جاءت في القرآن في الأمر العجيب، ويدعو ~~إلى الأمر الأعجب، من ذلك قصة سيدنا زكريا - عليه السلام - لما دخل على ~~السيدة مريم، ms6099 فوجد عندها رزقا: # قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ~~إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. وكان زكريا - عليه السلام - هو المتكفل بها، الذي ~~يحضر لها الطعام والشراب، فلما رأى عندها أنواعا من الطعام لم يأت ~~بها سألها من أين؟ فقالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير ~~حساب، فأطمع هذا القول زكريا في فضل الله، وأراد أن يأخذ بالأسباب، فدعا ~~الله أن يرزقه الولد، وقد كانت امرأته عاقرا فقال تعالى: # هنالك دعا زكريا ربه # [آل عمران: 38]. و { الولاية } أن يكون لك ولي ينصرك، فالولي هو ~~الذي يليك،، ويدافع عنك وقت الشدة، وفي قراءة أخرى: هنالك ~~الولاية بكسر الواو يعني الملك، كما في قوله: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وقوله: { هو خير ثوابا.. } [الكهف: 44] لأنه سيجازى ~~على العمل الصالح بثواب، هو خير من الدنيا وما فيها { وخير عقبا } ~~[الكهف: 44] أي: خير العاقبة بالرزق الطيب في جنة الخلد. هكذا ضرب الله ~~تعالى لنا مثلا، وأوضح لنا عاقبة الغني الكافر، والفقير المؤمن، وبين ~~لنا أن الإنسان يجب ألا تخدعه النعمة ولا يغره النعيم لأنه موهوب من ~~الله، فاجعل الواهب المنعم سبحانه دائما على بالك، كي يحافظ لك على ~~نعمتك وإلا لكنت مثل هذا الجاحد الذي استعلى واغتر بنعمة الله فكانت ~~عاقبته كما رأيت. وهذا مثل في الأمر الجزئي الذي يتعلق بالمكلف الواحد، ~~ولو نظرت إليه لوجدته يعم الدنيا كلها فهو مثال مصغر لحال الحياة ~~الدنيا لذلك انتقل الحق سبحانه من المثل الجزئي إلى المثل العام، فقال ~~تعالى: { واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كمآء... }. ### || [18.45] # الحق تبارك وتعالى في هذه الآية يوضح المجهول لنا بما علم لدينا. وأهل ~~البلاغة يقولون: في هذه الآية تشبيه تمثيل لأنه سبحانه شبه حال الدنيا ~~في قصرها وسرعة زوالها بالماء الذي نزل من السماء، فارتوت به الأرض، ~~وأنبتت ألوانا من الزروع والثمار، ولكن سرعان ما يذبل هذا النبات ~~ويصير هشيما متفتتا تذهب به الريح. وهذه صورة - كما ms6100 يقولون - منتزعة ~~من متعدد. أي: أن وجه الشبه فيها ليس شيئا واحدا، بل عدة أشياء، ~~فإن كان التشبيه مركبا من أشياء متعددة فهو مثل، وإن كان تشبيه شيء ~~مفرد بشيء مفرد يسمونه مثل، نقول: هذا مثل هذا، لذلك قال تعالى: # فلا تضربوا لله الأمثال # [النحل: 74] لأن لله تعالى المثل الأعلى. وهكذا الدنيا تبدو جميلة ~~مزهرة مثمرة حلوة نضرة، وفجأة لا تجد في يديك منها شيئا لذلك ~~سماها القرآن دنيا وهو اسم يوحي بالحقارة، وإلا فأي وصف أقل من هذا ~~يمكن أن يصفها به؟ لنعرف أن ما يقابلها حياة عليا. وكأن الحق سبحانه ~~يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: كما ضربت لهم مثل الرجلين وما آل ~~إليه أمرهما اضرب لهم مثل الحياة الدنيا وأنها تتقلب بأهلها، وتتبدل ~~بهم، واضرب لهم مثلا للدنيا من واقع الدنيا نفسها. ومعنى { فاختلط ~~به نبات الأرض } [الكهف: 45] أي: اختلط بسببه نبات الأرض، ~~وتداخل بعضه في بعض، وتشابكت أغصانه وفروعه، وهذه صورة النبات في ~~الأرض الخصبة، أما إن كانت الأرض مالحة غير خصبة فإنها تخرج ~~النبات مفردا، عود هنا وعود هناك. لكن، هل ظل النبات على حال خضرته ~~ونضارته؟ لا، بل سرعان ما جف وتكسر وصار هشيما تطيح به الريح ~~وتذروه، هذا مثل للدنيا حين تأخذ زخرفها وتتزين، كما قال تعالى: # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا ~~أو نهارا.. # [يونس: 24]. ثم يقول تعالى: { وكان الله على كل شيء ~~مقتدرا } [الكهف: 45] لأنه سبحانه القادر دائما على إخراج الشيء ~~إلى ضده، كما قال سبحانه: # وإنا على ذهاب به لقادرون # [المؤمنون: 18]. فقد اقتدر سبحانه على الإيجاد، واقتدر على الإعدام، فلا ~~تنفك عنه صفة القدرة أبدا، أحيا وأمات، وأعز وأذل، وقبض وبسط، ~~وضر ونفع.. ولما كان الكلام السابق عن صاحب الجنة الذي اغتر بماله ~~وولده فناسب الحديث عن المال والولد، فقال تعالى: { المال ~~والبنون زينة... }. ### || [18.46] # تلك هي العناصر الأساسية في فتنة الناس في الدنيا: المال والبنون، لكن ~~لماذا قدم المال؟ أهو أغلى ms6101 عند الناس من البنين؟ نقول: قدم الحق ~~سبحانه المال على البنين، ليس لأنه أعز أو أغلى إنما لأن المال عام في ~~المخاطب على خلاف البنين، فكل إنسان لديه المال وإن قل، أما البنون ~~فهذه خصوصية، ومن الناس من حرم منها. كما أن البنين لا تأتي إلا ~~بالمال لأنه يحتاج إلى الزواج والنفقة لكي يتناسل وينجب، إذن: كل واحد ~~له مال، وليس لكل واحد بنون، والحكم هنا قضية عامة، وهي: { المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا.. } [الكهف: 46]. كلمة { ~~زينة } أي: ليست من ضروريات الحياة، فهو مجرد شكل وزخرف لأن المؤمن ~~الراضي بما قسم له يعيش حياته سعيدا بدون مال، وبدون أولاد لأن ~~الإنسان قد يشقى بماله، أو يشقى بولده، لدرجة أنه يتمنى لو مات قبل أن ~~يرزق هذا المال أو هذا الولد. وقد باتت مسألة الإنجاب عقدة ومشكلة ~~عند كثير من الناس، فترى الرجل كدرا مهموما لأنه يريد الولد ليكون له ~~عزوة وعزة، وربما يرزق الولد ويرى الذل على يديه، وكم من ~~المشاكل تثار في البيوت لأن الزوجة لا تنجب. ولو أيقن الناس أن الإيجاد ~~من الله نعمة، وأن السلب من الله أيضا نعمة لاستراح الجميع، ألم نقرأ ~~قول الله تعالى: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما ~~إنه عليم قدير # [الشورى: 49-50]. إذن: فالعقم في ذاته نعمة وهبة من الله لو قبلها ~~الإنسان من ربه لعوضه الله عن عقمه بأن يجعل كل الأبناء أبناءه، ~~ينظرون إليه ويعاملونه كأنه أب لهم، فيذوق من خلالهم لذة الأبناء دون ~~أن يتعب في تربية أحد، أو يحمل هم أحد. وكذلك، الذي يتكدر لأن الله ~~رزقه بالبنات دون البنين، ويكون كالذي قال الله فيه: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم # [النحل: 58]. إنه يريد الولد ليكون عزوة وعزة. ونسي أن عزة المؤمن ~~بالله لا بغيره، ونقول: والله لو استقبلت البنت بالفرح والرضا على أنها ~~هبة من الله لكانت ms6102 سببا في أن يأتي لها زوج أبر بك من ولدك، ثم قد ~~تأتي هي لك بالولد الذي يكون أعز عندك من ولدك. إذن: المال والبنون من ~~زينة الحياة وزخرفها، وليسا من الضروريات، وقد حدد لنا النبي صلى الله ~~عليه وسلم الدنيا، فقال: # " من أصبح معافى في بدنه، آمنا في سربه - أي: لا يهدد أمنه أحد - ~~وعنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ". # فما زاد عن ذلك فهو من الزينة، فالإنسان - إذن - يستطيع أن يعيش دون مال ~~أو ولد، يعيش بقيم تعطي له الخير، ورضا يرضيه عن خالقه تعالى. ثم يقول ~~تعالى: { والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا ~~وخير أملا } [الكهف: 46]. لأن المال والبنين لن يدخلا معك القبر، ~~ولن يمنعاك من العذاب، ولن ينفعك إلا الباقيات الصالحات. والنبي صلى الله ~~عليه وسلم حينما أهديت إليه شاة، وكانت السيدة عائشة - رضي الله عنها ~~- تعرف أن رسول الله يحب من الشاة الكتف لأنه لحم رقيق خفيف لذلك ~~احتفظت لرسول الله بالكتف وتصدقت بالباقي، فلما جاء صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " " ماذا صنعت في الشاة "؟ قالت: ذهبت كلها إلا كتفها، فضحك صلى الله ~~عليه وسلم وقال: " بل بقيت كلها إلا كتفها ". # وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: # " هل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، ~~أو تصدقت فأبقيت ". # وهذا معنى: { والباقيات الصالحات خير.. } [الكهف: 46]. ~~والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن الآن: إذا لم يكن المال والبنون ~~يمثلان ضرورة من ضروريات الحياة، فما الضروريات في الحياة إذن؟ الضروريات ~~في الحياة هي كل ما يجعل الدنيا مزرعة للآخرة، ووسيلة لحياة باقية ~~دائمة ناعمة مسعدة، لا تنتهي أنت من النعيم فتتركه، ولا ينتهي النعيم منك ~~فيتركك، إنه نعيم الجنة. الضروريات - إذن - هي الدين ومنهج الله والقيم ~~التي تنظم حركة الحياة على وفق ما أراد الله من خلق الحياة. ومعنى: { ~~والباقيات } [الكهف: 46] ما دام قال { والباقيات } فمعنى هذا ~~أن ما قبلها لم يكن من الباقيات بل هو زائل بزوال الدنيا، ms6103 ثم وصفها ~~بالصالحات ليفرق بينها وبين الباقيات السيئات التي يخلدون بها في النار. ~~{ والباقيات الصالحات خير.. } [الكهف: 46] خير عند من؟ ~~لأن كل مضاف إليه يأتي على قوة المضاف إليه، فخيرك غير خير من هو ~~أغنى منك، غير خير الحاكم، فما بالك بخير عند الله؟ {.. خير عند ~~ربك ثوابا وخير أملا } [الكهف: 46]. والأمل: ما يتطلع إليه ~~الإنسان مما لم تكن به حالته، فإن كان عنده خير تطلع إلى أعلى منه، ~~فالأمل الأعلى عند الله تبارك وتعالى، كل هذا يبين لنا أن هذه ~~الدنيا زائلة، وأننا ذاهبون إلى يوم باق لذلك أردف الحق سبحانه بعد ~~الباقيات الصالحات ما يناسبها، فقال تعالى: { ويوم نسير ~~الجبال وترى الأرض بارزة... }. ### || [18.47] # أي: اذكر جيدا يوم نسير الجبال وتنتهي هذه الدنيا، واعمل الباقيات ~~الصالحات لأننا سنسير الجبال التي تراها ثابتة راسخة تتوارث الأجيال ~~حجمها وجرمها، وقوتها وصلابتها، وهي باقية على حالها. ومعنى تسيير ~~الجبال: إزالتها عن أماكنها، كما قال في آية أخرى: # وسيرت الجبال فكانت سرابا # [النبأ: 20]. وقال في آية أخرى # وإذا الجبال سيرت # [التكوير: 3] وقال: # وإذا الجبال نسفت # [المرسلات: 10] وقال: # يوم تكون السمآء كالمهل * وتكون الجبال ~~كالعهن # [المعارج: 8-9]. ونلحظ أن الحق سبحانه ذكر أقوى مظهر ثابت في الحياة ~~الدنيا، وإلا ففي الأرض أشياء أخرى قوية وثابتة كالعمائر ناطحات السحاب، ~~والشجر الكبير الضخم المعمر وغيرها كثير. فإذا كان الحق سبحانه سينسف ~~هذه للجبال ويزيلها عن أماكنها، فغيرها مما على وجه الأرض زائل من باب ~~أولى. ثم يقول سبحانه: { وترى الأرض بارزة } [الكهف: 47]. ~~الأرض: كل ما أقلك من هذه البسيطة التي نعيش عليها، وكل ما يعلوك ~~ويظلك فهو سماء، ومعنى: { بارزة } البراز: هو الفضاء، أي: ~~وترى الأرض فضاء خالية مما كان عليها من أشكال الجبال والمباني ~~والأشجار، حتى البحر الذي يغطي جزءا كبيرا من الأرض. كل هذه الأشكال ~~ذهبت لا وجود لها، فكأن الأرض برزت بعد أن كانت مختبئة: بعضها تحت ~~الجبال، وبعضها تحت الأشجار، وبعضها تحت المباني، وبعضها تحت الماء، ~~فأصبحت فضاء واسعا، ليس فيه ms6104 معلم لشيء. ومن ذلك ما نسميه نحن ~~المبارزة، فنرى الفتوة يقول للآخر اطلع لي بره أي: في مكان خال حتى لا ~~يجد شيئا يحتمي به، أو حائطا مثلا يستند عليه، وبرز فلان لفلان وبارزه ~~أي: صارعه. { وحشرناهم } [الكهف: 47] أي: جمعناهم ليوم الحساب ~~لأنهم فارقوا الدنيا على مراحل من لدن آدم عليه السلام، والموت يحصد ~~الأرواح، وقد جاء اليوم الذي يجمع فيه هؤلاء. { فلم نغادر ~~منهم أحدا } [الكهف: 47] أي: لم نترك منهم واحدا، الكل معروض ~~على الله، وكلمة { نغادر } [الكهف: 47] ومادة غدر تؤدي جميعها معنى ~~الترك، فالغدر مثلا ترك الوفاء وخيانة الأمانة، حتى غدير وهو جدول ~~الماء الصغير سمي غديرا لأن المطر حينما ينزل على الأرض يذهب ويترك ~~شيئا قليلا في المواطئ. ثم يقول الحق سبحانه: { وعرضوا على ~~ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول ~~مرة... }. ### || [18.48] # قوله تعالى: { وعرضوا على ربك صفا.. } [الكهف: 48] ~~العرض: أن يستقبل العارض المعروض استقبالا منظما يدل على كل ~~هيئاته، كما يستعرض القائد الجنود في العرض العسكري مثلا، فيرى كل واحد ~~من جنوده { صفا } أي: صفوفا منتظمة، حتى الملائكة تأتي صفوفا، كما ~~قال تعالى: # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22]. أي: أنها عملية منظمة لا يستطيع فيها أحد التخفي، ولن ~~يكون لأحد منها مفر، وهي صفوف متداخلة بطريقة لا يخفي فيها صف ~~الصف الذي يليه، فالجميع واضح بكل أحواله. وفي الحديث عن معاذ بن جبل - ~~رضي الله عنه - قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " يحشر الله الخلق ثم ينادي: يا عبادي أحضروا حجتكم ويسروا ~~جوابكم، فإنكم مجموعون محاسبون مسئولون، يا ملائكتي أقيموا عبادي ~~صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب ". # ولك أن تتصور المعاناة والألم الذي يجده من يقف على أطراف أنامل ~~قدميه لأن ثقل الجسم يوزع على القدمين في حال الوقوف، وعلى المقعدة ~~في حال الجلوس، وعلى الجسم كله في حال النوم، وهكذا يخف ثقل الجسم حسب ~~الحالة التي هو عليها، فإن تركز الثقل كله على أطراف أنامل القدمين، ~~فلا شك أنه وضع ms6105 مؤلم وشاق، يصعب على الناس، حتى إنهم ليتمنون ~~الانصراف ولو إلى النار. ثم يقول تعالى: { لقد جئتمونا كما ~~خلقناكم أول مرة } [الكهف: 48]. أي: على الحالة التي نزلت ~~عليها من بطن أمك عريانا، لا تملك شيئا حتى ما يستر عورتك، وقد فصل ~~هذا المعنى في قوله تعالى: # ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ~~وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى ~~معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم ~~شركآء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم ~~تزعمون # [الأنعام: 94]. وقوله تعالى: { بل زعمتم ألن نجعل لكم ~~موعدا } [الكهف: 48] والخطاب هنا موجه للكفار الذين أنكروا البعث ~~والحساب { زعمتم } [الكهف: 48] والزعم مطية الكذب. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين ~~مما فيه... }. ### || [18.49] # قوله تعالى: { ووضع الكتاب } [الكهف: 49] أي: وضعته الملائكة ~~بأمر من الله تعالى، فيعطون كل واحد كتابه، فهي - إذن - صور متعددة، ~~فمن أخذ كتابه بيمينه فرح وقال: # هآؤم اقرءوا كتابيه # [الحاقة: 19] يعرضه على ناس، وهو فخور بما فيه لأنه كتاب مشرف ليس ~~فيه ما يخجل لذلك يتباهى به ويدعو الناس إلى قراءته، فهو كالتلميذ الذي ~~حصل على درجات عالية، فطار بها ليعرضها ويذيعها. وهذا بخلاف من أوتي ~~كتابه بشماله فإنه يقول: # يليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ما حسابيه * ~~يليتها كانت القاضية * مآ أغنى عني ماليه * ~~هلك عني سلطانيه # [الحاقة: 25-29]. إنه الخزي والانكسار والندم على صحيفة مخجلة. { ~~فترى المجرمين مشفقين مما فيه } [الكهف: 49] أي: ~~خائفين يرتعدون، والحق سبحانه وتعالى يصور لنا حالة الخوف هذه، ليفزع ~~عباده ويحذرهم ويضخم لهم العقوبة، وهم ما يزالون في وقت التدارك ~~والتعديل من السلوك، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده. فحالتهم الأولى ~~الإشفاق، وهو عملية هبوط القلب ولجلجته، ثم يأتي نزوع القول: { ~~ويقولون يويلتنا } [الكهف: 49] يا: أداة للنداء، كأنهم ~~يقولون: يا حسرتنا يا هلاكنا، هذا أوانك فاحضري. ومن ذلك قوله تعالى في ~~قصة ابني آدم - عليه السلام - لما قتل قابيل هابيل، وكانت أول حادثة قتل، ~~وأول ميت في ذرية آدم لذلك بعث الله له غرابا ms6106 يعلمه كيف يدفن أخاه، ~~فقال: # ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب ~~فأواري سوءة أخي.. # [المائدة: 31] # ياويلتا # [المائدة: 31] يا هلاكي كأن يتحسر على ما أصبح فيه، وأن الغراب أعقل ~~منه، وأكثر منه خبرة لكي لا نظلم هذه المخلوقات ونقول: إنها بهائم لا ~~تفهم، والحقيقة: ليتنا مثلهم. قوله تعالى: { مال هذا الكتاب ~~لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } [الكهف: ~~49] أي: لا يترك كبيرة أو صغيرة إلا عدها وحسبها { ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا } [الكهف: 49] فكل ما فعلوه مسجل مسطر في كتبهم ~~{ ولا يظلم ربك أحدا } [الكهف: 49] لأنه سبحانه وتعالى عادل ~~لا يؤاخذهم إلا بما عملوه. ثم يقول الله سبحانه: { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس... }. ### || [18.50] # تكررت قصة سجود الملائكة لآدم - عليه السلام - كثيرا في القرآن ~~الكريم، وفي كل مرة تعطينا الآيات لقطة معينة، والحق سبحانه في هذه ~~الآية يقول لنا: يجب عليكم أن تذكروا جيدا عداوة إبليس لأبيكم آدم، ~~وتذكروا جيدا أنه أخذ العهد على نفسه أمام الله تعالى أن يغويكم ~~أجمعين، فكان يجب عليكم أن تتنبهوا لهذه العداوة، فإذا حدثكم بشيء ~~فاذكروا عداوته لكم. والحق - سبحانه وتعالى - حينما يحذرنا من إبليس ~~فإنه يربي فينا المناعة التي نقاومه بها، والمناعة أن تأتي بالشيء ~~الذي يضر مستقبلا حين يفاجئك وتضعه في الجسم في صورة مكروب خامد، وهذا ~~هو التطعيم الذي يعود الجسم على مدافعة المرض وتغلب عليه إذا أصابه. ~~فكذلك الحق سبحانه يعطينا المناعة ضد إبليس، ويذكرنا ما كان منه ~~لأبينا آدم واستكباره عن السجود له، وأن نذكر دائما قوله: # أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن ~~إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا # [الإسراء: 62]. فانتبهوا ما دمنا سنسير الجبال، ونسوي الأرض، ~~ونحصر لكل كتابه، فاحذروا أن تقفوا موقفا حرجا يوم القيامة، ثم ~~تفاجأوا بكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، وها أنا أذكركم من الآن في ~~وقت السعة والتدارك، فحاولوا التوبة إلى الله، وأن تصلحوا ما بينكم ~~وبين ربكم. والأمر هنا جاء للملائكة: { وإذ قلنا للملائكة.. ~~} [الكهف: 50] لأنهم أشرف ms6107 المخلوقات، حيث لا يعصون الله ما أمرهم، ~~ويفعلون ما يؤمرون. وحين يأمر الله تعالى الملائكة الذين هذه صفاتهم ~~بالسجود لآدم، فهذا يعني الخضوع، وأن هذا هو الخليفة الذي آمركم أن ~~تكونوا في خدمته. لذلك سماهم: المدبرات أمرا، وقال تعالى عنهم: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله.. # [الرعد: 11] فكأن مهمة هؤلاء الملائكة أن يكونوا مع البشر وفي خدمتهم. ~~فإذا كان الحق سبحانه قد جند هؤلاء الملائكة وهم أشرف المخلوقات لخدمة ~~الإنسان، وأمرهم بالسجود له إعلانا للخضوع للإنسان، فمن باب أولى أن ~~يخضع له الكون كله بسمائه وأرضه، وأن يجعله في خدمته، إنما ذكر أشرف ~~المخلوقات لينسحب الحكم على من دونهم. وقلنا: إن العلماء اختلفوا ~~كثيرا على ماهية إبليس: أهو من الجن أم من الملائكة، وقد قطعت هذه الآية ~~هذا الخلاف وحسمته، فقال تعالى: { إلا إبليس كان من ~~الجن.. } [الكهف: 50] وطالما جاء القرآن بالنص الصريح الذي يوضح ~~جنسيته، فليس لأحد أن يقول: إنه من الملائكة. وما دام كان من الجن، وهم ~~جنس مختار في أن يفعل أو لا يفعل، فقد اختار ألا يفعل: { ففسق ~~عن أمر ربه.. } [الكهف: 50] أي: رجع إلى أصله، وخرج عن الأمر. ~~وقوله تعالى: { أفتتخذونه وذريته أوليآء من ~~دوني وهم لكم عدو. # . } [الكهف: 50] فهذا أمر عجيب، فكيف بعد ما حدث منه تجعلونه وليا من ~~دون الله الذي خلقكم ورزقكم، فكان أولى بهذه الولاية. و { ~~وذريته.. } [الكهف: 50] تدل على تناسل إبليس، وأن له أولادا، ~~وأنهم يتزاوجون، ويمكن أن نقول: ذريته: كل من كان على طريقته في الضلال ~~والإغواء، ولو كان من الإنس، كما قال تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا.. # [الأنعام: 112]. { بئس للظالمين بدلا } [الكهف: 50] أي: بئس ~~البدل أن تتخذوا إبليس الذي أبى واستكبر أن يسجد لأبيكم وليا، ~~وتتركوا ولاية الله الذي أمر الملائكة أن تسجد لأبيكم. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا ~~خلق أنفسهم... }. ### || [18.51] # إن هذا الشيطان الذي واليتموه ms6108 من دون الله، وأعطيتموه الميزة، واستمعتم ~~إليه ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض مجرد المشاهدة، لم يحضروها لأن ~~خلق السماوات والأرض كان قبل خلقهم، وكذلك ما شهدوا خلق أنفسهم ~~لأنهم ساعة خلقتهم لم يكونوا موجودين، إنهم لم يشهدوا شيئا من ذلك لكي ~~يخبروكم. { وما كنت متخذ المضلين عضدا } [الكهف: 51] ~~أي: مساعدين ومعاونين ومساندين، فما أشهدتهم الخلق وما عاونوني فيه. ~~والعضد: هو القوة التي تسعفك وتسندك، وهو مأخوذ من عضد الإنسان، حيث ~~يزاول أغلب أعماله بيديه، وحين يزاول أعماله بيديه تتحرك فيه مجموعة من ~~الأعضاء قبضا وبسطا واتجاها يمينا وشمالا، وأعلى وأسفل، وكل ~~هذه الحركات لا بد لها من منظم أو موتور هو العضد، وفي حركة اليد ~~ودقتها في أداء مهمتها آيات عظمى تدل على دقة الصنعة. وحينما ~~صنع البشر ما يشبه الذراع واليد البشرية من الآلات الحديثة، تجد سائق ~~البلدوزر مثلا يقوم بعدة حركات لكي يحرك هذه الآلة، أما أنت فتحرك ~~يدك كما شئت دون أن تعرف ماذا يحدث؟ وكيف تتم لك هذه الحركة بمجرد أن ~~تفكر فيها دون جهد منك أو تدبير؟ فكل أجزائك مسخرة لإرادتك، فإن ~~أردت القيام مثلا قمت على الفور لذلك إياك أن تظن أنك خلق ~~ميكانيكي، بل أنت صنعة ربانية بعيدة عن ميكانيكا الآلات، بدليل أنه إذا ~~أراد الخالق سبحانه أن يوقف جزءا منك أمر المخ أن يقطع صلته به، ~~فيحدث الشلل التام، ولا تستطيع أنت دفعه أو إصلاحه. ومن ذلك أيضا ~~قوله تعالى في قصة موسى: # سنشد عضدك بأخيك.. # [القصص: 35] أي: نقويك ونعطيك السند والعون. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ويوم يقول نادوا شركآئي الذين زعمتم ~~فدعوهم... }. ### || [18.52] # يعني: واذكر يا محمد، ولتذكر معك أمتك هذا اليوم: { ويوم ~~يقول نادوا شركآئي الذين زعمتم.. } [الكهف: 52] يقول ~~الحق سبحانه للكفار: ادعوا شركائي الذين اتخذتموهم من دوني. وزعمتم: أي: ~~كذبتم في ادعائكم أنهم آلهة { فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم.. } [الكهف: 52]. وهذا من سماجتهم وتبجحهم وسوء أدبهم مع الحق ~~سبحانه، فكان عليهم أن يخجلوا من الله، ويعودوا إلى الحق، ويعترفوا بما ms6109 ~~كذبوه، لكنهم تمادوا { فدعوهم.. } [الكهف: 52] ويجوز أن من ~~الشركاء أناسا دون التكليف، وأناسا فوق التكليف، فمثلا منهم من ~~قالوا: عيسى. ومنهم من قالوا: العزير، وهذا باطل، وهل استجابوا لهم؟ ~~ومنهم من اتخذوا آلهة أخرى، كالشمس والقمر والأصنام وغيرها، ومنهم من ~~عبد ناسا مثلهم وأطاعوهم، وهؤلاء كانوا موجودين معهم، ويصح أنهم ~~دعوهم ونادوهم: تعالوا، جادلوا عنا، وأخرجونا مما نحن فيه، لقد ~~عبدناكم وكنا طوع أمركم، كما قال تعالى عنهم: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3]. ولكن، أنى لهم ما يريدون؟ فقد تقطعت بينهم الصلات، ~~وانقطعت حجتهم { فلم يستجيبوا لهم.. } [الكهف: 52] ثم جعل ~~الحق سبحانه بين الداعي والمدعو واديا سحيقا: { وجعلنا بينهم ~~موبقا.. } [الكهف: 52]. والموبق: المكان الذي يحصل فيه الهلاك، ~~وهو واد من أودية جهنم يهلكون فيه جميعا، أو: أن بين الداعي والمدعو ~~مكانا مهلكا، فلا الداعي يستطيع أن يلوذ بالمدعو، ولا المدعو ~~يستطيع أن ينتصر للداعي ويسعفه، لأن بينهم منبع هلاك. ومن ذلك قوله ~~تعالى: # إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ~~إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور * أو يوبقهن ~~بما كسبوا ويعف عن كثير # [الشورى: 34] يعني: يهلكهن. ومن العجيب أن تكون هذه أول إطاعة منهم لله ~~تعالى، فلما قال لهم: { نادوا شركآئي.. } [الكهف: 52] استجابوا ~~لهذا الأمر، في حين أنهم لم يطيعوا الأوامر الأخرى. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ ورءا المجرمون النار فظنوا أنهم ~~مواقعوها... }. ### || [18.53] # رأى: الرؤية: وقوع البصر على المرئي، والرؤية هنا ممن سيعذب في ~~النار، وقد تكون الرؤية من النار التي ستعذبهم لأنها تراهم وتنتظرهم ~~وتناديهم، كما قال تعالى: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30]. أي: ها أنا ذا أنتظرهم ومستعدة لملاقاتهم؟ والمجرمون: الذين ~~ارتكبوا الجرائم، وعلى رأسها الكفر بالله. إذن: فالرؤية هنا متبادلة: ~~المعذب والمعذب، كلاهما يرى الآخر ويعرفه. وقوله تعالى: { ~~فظنوا أنهم مواقعوها.. } [الكهف: 53] الظن هنا يراد ~~منه اليقين. أي: أيقنوا أنهم واقعون فيها، كما جاء في قول الحق سبحانه: # الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم.. # [البقرة: 46]. أي: يوقنون. { ولم ms6110 يجدوا عنها مصرفا } ~~[الكهف: 53] أي: في حين أن بينهما موبقا، وأيضا لا يجدون مفرا ~~يفرون منه، أو ملجأ يلجؤون إليه، أو مكانا ينصرفون إليه بعيدا عن ~~النار، فالموبق موجود، والمصرف مفقود. ثم يقول تبارك وتعالى: { ~~ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل ~~مثل... }. ### || [18.54] # سبق أن تكلمنا عن تصريف الآيات، وقلنا: إن التصريف معناه تحويل الشيء ~~إلى أشياء متعددة، كما يصرف الله الرياح مثلا، فلا تأتي من ناحية ~~واحدة، بل تأتي مرة من هنا، ومرة من هناك، كذلك صرف الله الأمثال. أي: ~~أتى بأحوال متعددة وصور شتى منها. والحق سبحانه يضرب الأمثال كأنه يقرع ~~بها آذان الناس لأمر قد يكون غائبا عنهم، فيمثله بأمر واضح لهم محس ~~ليتفهموه تفهما دقيقا. وما دام أن الحق سبحانه صرف في هذا القرآن من ~~كل مثل، فلا عذر لمن لم يفهم، فالقرآن قد جاء على وجوه شتى ليعلم ~~الناس على اختلاف أفهامهم ومواهبهم لذلك ترى الأمي يسمعه فيأخذ منه على ~~قدر فهمه، والنصف مثقف يسمعه فيأخذ منه على قدر ثقافته، والعالم الكبير ~~يأخذ منه على قدر علمه ويجد فيه بغيته، بل وأكثر من ذلك، فالمتخصص في ~~أي علم من العلوم يجد في كتاب الله أدق التفاصيل لأن الحق سبحانه ~~بين فيه كل شيء. ثم يقول تعالى: { وكان الإنسان أكثر شيء ~~جدلا } [الكهف: 54] أي: كثير الخصومة والتنازع في الرأي، والجدل: هو ~~المحاورة ومحاولة كل طرف أن يثبت صدق مذهبه وكلامه، والجدل إما أن يكون ~~بالباطل لتثبيت حجة الأهواء وتراوغ لتبرر مذهبك ولو خطأ، وهذا هو الجدل ~~المعيب القائم على الأهواء. وإما أن يكون الجدل بالحق وهو الجدل البناء ~~الذي يستهدف الوصول إلى الحقيقة، وهذا بعيد كل البعد عن التحيز للهوى أو ~~الأغراض. ولما تحدث القرآن الكريم عن الجدل قال تعالى: # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي ~~أحسن.. # [العنكبوت: 46] وقال: # وجادلهم بالتي هي أحسن.. # [النحل: 125]. # " والنبي صلى الله عليه وسلم لما مر على علي وفاطمة - رضي الله ~~عنهما - ليوقظهما لصلاة الفجر، وطرق عليهما الباب ms6111 مرة بعد أخرى، ويبدو ~~أنهما كانا مستغرقين في نوم عميق، فنادى عليهما صلى الله عليه وسلم " ~~ألا تصلون؟ " فرد الإمام علي قائلا: يا رسول الله إن أنفسنا بيد الله، ~~إن شاء أطلقها وإن شاء أمسكها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: { ~~وكان الإنسان أكثر شيء جدلا } " # [الكهف: 54]. لأن الإنسان له أهواء متعددة وخواطر متباينة، ويحاول أن ~~يدلل على صحة أهوائه وخواطره بالحجة، فيقارع الحق ويغالط ويراوغ. ولو ~~دققت في رأيه لوجدت له هوى يسعى إليه ويميل إلى تحقيقه، وترى ذلك ~~واضحا إذا اخترت أحد الطرق تسلكه أنت وصاحبك مثلا لأنه أسهلها ~~وأقربها، فإذا به يقترح عليك طريقا آخر، ويحاول إقناعك به بكل السبل، ~~والحقيقة أن له غرضا في نفسه وهوى يريد الوصول إليه. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم ~~الهدى ويستغفروا ربهم... }. ### || [18.55] # ما الذي منعهم أن يؤمنوا بعد أن أنزل عليهم القرآن، وصرفنا فيه من ~~الآيات والأمثال، وبعد أن جاءهم مطابقا لكل الأحوال؟ وفي آية أخرى، أوضح ~~الحق سبحانه سبب إعراضهم عن الإيمان، فقال تعالى: # ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ~~فأبى أكثر الناس إلا كفورا * وقالوا لن نؤمن ~~لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون ~~لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها ~~تفجيرا * أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا ~~أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك ~~بيت من زخرف أو ترقى في السمآء ولن نؤمن ~~لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه.. # [الإسراء: 89-93]. فكل هذه التعنتات وهذا العناد هو الذي حال بينهم ~~وبين الإيمان بالله، والحق سبحانه وتعالى حينما يأتي بآية طلبها القوم، ~~ثم لم يؤمنوا بها يهلكهم لذلك قال بعدها: { إلا أن تأتيهم ~~سنة الأولين.. } [الكهف: 55] فهذه هي الآية التي تنتظرهم: أن ~~تأتيهم سنة الله في إهلاك من كذب الرسل. فقبل الإسلام، كانت ~~السماء هي التي تتدخل لنصرة العقيدة، فكانت تدك عليهم قراهم ~~ومساكنهم، فالرسول عليه الدعوة والبلاغ، ولم يكن من مهمته دعوة ms6112 الناس إلى ~~الحرب والجهاد في سبيل نشر دعوته، إلا أمة محمد فقد أمنها على أن ~~تحمل السيف لتؤدب الخارجين عن طاعة الله. وقوله تعالى: { ~~ويستغفروا ربهم.. } [الكهف: 55] أي: على ما فات من ~~المهاترات والتعنتات والاستكبار على قبول الحق { إلا أن ~~تأتيهم سنة الأولين.. } [الكهف: 55] أي: بهلاك المكذبين { ~~أو يأتيهم العذاب قبلا.. } [الكهف: 55] أي مقابلا لهم، ~~وعيانا أمامهم، أو { قبلا } جمع قبيل، وهي ألوان متعددة من العذاب، ~~كما قال تعالى: # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك.. # [الطور: 47] أي: لهم عذاب غير النار، فألوان العذاب لهم متعددة. ثم ~~يسلي الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم حتى لا يأبه لعمل الكفار، ~~ولا يهلك نفسه أسفا على إعراضهم، فيقول سبحانه: { وما نرسل ~~المرسلين إلا مبشرين ومنذرين... }. ### || [18.56] # قلنا: إن الجدل قد يكون بالحق، وقد يكون بالباطل كما يفعل الذين كفروا ~~هنا، فيجادلون بالباطل ويستخدمون كل الحيل لدحض الحق أي: ليعطلوه ~~ويزيلوه { واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا } [الكهف: ~~56] أي: الآيات الكونية التي جاءت لتصديق الرسل، وكذلك آيات القرآن، ~~وآيات الأحكام اتخذوها سخرية واستهزاء، ولم يعبأوا بما فيها من نذارة. ~~ولذلك قال الحق سبحانه: { ومن أظلم ممن ذكر بآيت ~~ربه فأعرض عنها... }. ### || [18.57] # { ومن أظلم.. } [الكهف: 57] جاء الخبر على صورة الاستفهام لتأكيد ~~الكلام، كأن يدعي صاحبك أنك لم تصله، ولم تصنع معه معروفا، فمن ~~الممكن أن تقول له: صنعت معك كذا وكذا على سبيل الخبر منك، والخبر يحتمل ~~الصدق ويحتمل الكذب. إنما لو عرضت المسألة على سبيل الاستفهام فقلت ~~له: ألم أصنع معك كذا؟ فسوف تجتذب منه الإقرار بذلك، وتقيم عليه الحجة من ~~كلامه هو، وأنت لا تستفهم عن شيء من خصم إلا وأنت واثق أن جوابه لا ~~يكون إلا بما تحب. وهكذا أخرج الحق سبحانه الخبر إلى الاستفهام: { ومن ~~أظلم ممن ذكر بآيت ربه.. } [الكهف: 57]؟ وترك لنا ~~الجواب لنقول نحن: لا أحد أظلم ممن فعل ذلك، والإقرار سيد الأدلة. ~~وقوله { فأعرض عنها.. } [الكهف: 57] تركها { ونسي ما ~~قدمت يداه.. } [الكهف: 57] نسى السيئات، وكان من الواجب ms6113 أن يتنبه ~~إلى هذه الآيات فيؤمن بها، لعل الله يتوب عليه بإيمانه، فيبدل سيئاته ~~حسنات. ثم يقول تعالى: { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة ~~أن يفقهوه.. } [الكهف: 57]. أكنة: أغطية جمع كن، فجعل الله على ~~قلوبهم أغطية، فلا يدخلها الإيمان، ولا يخرج منها الكفر، وليس هذا ~~اضطهادا منه تعالى لعباده، تعالى الله عن ذلك، بل استجابة لما طلبوا ~~وتلبية لما أحبوا، فلما أحبوا الكفر وانشرحت به صدورهم زادهم منه ~~لأنه رب يعطي عبده ما يريد. كما قال عنهم في آية أخرى: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب ~~أليم بما كانوا يكذبون # [البقرة: 10]. وقال تعالى في هذا المعنى: # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة.. # [البقرة: 7]. ومعنى: { أن يفقهوه.. } [الكهف: 57] أي: يفهموه، ~~يفهموا آيات الله لأنهم سبق أن ذكروا بها فأعرضوا عنها، فحرمهم ~~الله فقهها وفهمها. وقوله تعالى: { وفي آذانهم وقرا.. } [الكهف: ~~57] أي: صمم فلا يسمعون { وإن تدعهم إلى الهدى فلن ~~يهتدوا إذا أبدا } [الكهف: 57] وهذا أمر طبيعي، بعد أن ختم ~~الله على قلوبهم وعلى أسماعهم، وسد عليهم منافذ العلم والهداية لأن ~~الهدى ناشىء من أن تسمع كلمة الحق، فيستقبلها قلبك بالرضا، فتنفعل لها ~~جوارحك بالالتزام، فتسمع بالأذن، وتقبل بالقلب، وتنفعل بالجوارح طاعة ~~والتزاما بما أمرت به. وما دام في الأذن وقر وصمم فلن تسمع، ~~وإن سمعت شيئا أنكره القلب، والجوارح لا تنفعل إلا بما شحن به القلب ~~من عقائد. ويقول الحق سبحانه: { وربك الغفور ذو الرحمة... ~~}. ### || [18.58] # فمن رحمة الله بالكفار أنه لم يعاجلهم بعذاب يستأصلهم، بل أمهلهم وتركهم ~~لأن لهم موعدا لن يهربوا منه، ولن يفلتوا، ولن يكون لهم ملجأ يحميهم ~~منه، ولا شك أن في إمهالهم في الدنيا حكمة لله بالغة، ولعل الله يخرج ~~من ظهور هؤلاء من يؤمن به، ومن يحمل راية الدين ويدافع عنه، وقد حدث ~~هذا كثيرا في تاريخ الإسلام، فمن ظهر أبي جهل جاء عكرمة، وأمهل الله ~~خالد بن الوليد، فكان أعظم قائد في الإسلام. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وتلك القرى أهلكناهم ms6114 لما ظلموا... }. ### || [18.59] # تلك: أداة إشارة لمؤنث هي القرى، والكاف للخطاب، والخطاب هنا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأمته منضوية في خطابه لأن خطاب الرسول خطاب لأمته. ~~لكن الإشارة لا تكون إلا لشيء معلوم موجود محس، كما جاء في قوله ~~تعالى: # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 17]. فأين هذه القرى؟ وهل كان لها وجود على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم؟ نعم، كان لهذه القرى آثار وأطلال تدل عليها ويراها النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويراها الناس في رحلاتهم إلى الشام وغيرها مثل: قرى ~~ثمود قوم صالح، وقرى قوم لوط، وقد قال تعالى عنها: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]. إذن: فتلك إشارة إلى موجود محس دال بما ~~تبقى منه على ما حاق بهذه القرى من عذاب الله، وما حل بها من بأسه ~~الذي لا يرد عن القوم الظالمين. وكلمة { القرى } جمع قرية، ~~وتطلق على المكان الذي تتوفر فيه مقومات الحياة وضرورياتها، بل بها ~~ما يزيد على الضروريات ومقومات الحياة العادية لأن القرية لا تطلق ~~إلا على مكان تتسع فيه مقومات الحياة اتساعا يكفي لمن يطرأ عليها من ~~الضيوف فيجد بها قرى. فإن كانت قرية كبيرة يأتيها الرزق الوفير من كل ~~مكان كأنها أم، نسميها أم القرى. ثم يقول الحق سبحانه: { وإذ قال ~~موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع ~~البحرين... }. ### || [18.60] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لفتاه.. } [الكهف: 60] أي: اذكر ~~يا محمد وقت أن قال موسى لفتاه، وفتى موسى هو خادمه يوشع ابن نون، وكان ~~من نسل يوسف - عليه السلام - وكان يتبعه ويخدمه ليتعلم منه. { لا ~~أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين.. } [الكهف: 60]. لكن، ~~ما حكاية موسى مع فتاه؟ وما مناسبتها للكلام هنا؟ مناسبة قصة موسى هنا أن ~~كفار مكة بعثوا ليهود المدينة يسألونهم عن خبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنهم أهل كتاب وأعلم بالسماء، فأرادوا رأيهم في محمد: أهو محق أم ~~لا؟ فقال اليهود لوفد مكة: اسألوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجابكم فهو نبي: ~~اسألوه عن ms6115 الفتية الذين ذهبوا في الدهر، والرجل الطواف الذي طاف البلاد، ~~وعن الروح، فما كان منهم إلا أن سألوا رسول الله هذه الأسئلة، فقال لهم: ~~" في الغد أجيبكم ". إذن: إجابة هذه الأسئلة ليست عنده، وهذه تحسب له ~~لا عليه، فلو كان محمد صلى الله عليه وسلم يضرب الكلام هكذا دون علم ~~لأجابهم، لكنه سكت إلى أن يأتي الجواب من الله تعالى، وهذا من أدبه صلى ~~الله عليه وسلم مع ربه الذي أدبه فأحسن تأديبه. ومرت خمسة عشر يوما ~~دون أن يوحى لرسول الله في ذلك شيء، حتى شق الأمر عليه، وفرح الكفار ~~والمنافقون لأنهم وجدوا على رسول الله مأخذا فاهتبلوا هذه الفرصة ~~لينددوا برسول الله، إنما أدب الله لرسوله فوق كل شيء ليبين لهم أن رسول ~~الله لن يتكلم في هذه المسألة إلا بوحي من الله لأنه لا ينطق عن الهوى ~~ولا يصدر عن رأيه. ولو كان لهؤلاء القوم عقول لفهموا أن البطء في هذه ~~المسألة دليل صدق النبي صلى الله عليه وسلم لذلك جاءت قصة موسى هنا ~~لترد على مهاترات القوم، وتبين لهم أن النبي لا يعلم كل شيء، وهل ~~المفروض فيه أن يجيبكم عن كل شيء؟ وهل يقدح في مكانته أنه لا يعرف مسألة ~~ما؟ جاءت هذه الآيات لتقول لليهود ومن لف لفهم من كفار مكة: أنتم ~~متعصبون لموسى وللتوراة ولليهودية، وها هو موسى يتعلم ليس من الله، بل ~~يتعلم من عبد مثله، ويسير تابعا له طلبا للعلم. جاءت الآيات لتقول لهم: ~~يا من لقنتم كفار مكة هذه الأسئلة وأظهرتم الشماتة بمحمد حينما أبطأ ~~عليه الوحي، اعلموا أن إبطاء الوحي لتعلموا أن محمدا لا يقول شيئا من ~~عند نفسه، فكان من الواجب أن تلفتكم هذه المسألة إلى صدق محمد وأمانته، ~~وما هو على الغيب بضنين. وسبب قصة موسى عليه السلام - يقال: إنه سأل ~~الله - وكان له دلال على ربه: # رب أرني أنظر إليك.. # [الأعراف: 143] والذي أطمعه في هذا المطلب أن الله كلمه: # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 17] فأطال موسى ms6116 الكلام مع ربه، ومن الذي يكلمه الله ولا يطيل أمد ~~الأنس بكلام الله؟ لذلك قال موسى: # هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ~~ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18]. وهكذا أطال موسى مدة الأنس بالله والحديث معه سبحانه، لذلك ~~سأله: يا رب، أيوجد في الأرض أعلم مني؟ فأجابه ربه تبارك وتعالى: نعم ~~في الأرض من هو أعلم منك، فاذهب إلى مجمع البحرين، وهناك ستجد عبدا من ~~عبيدي هو أعلم منك، فأخذ موسى فتاه وذهب إلى مجمع البحرين. وقد ورد في ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن موسى - عليه السلام - خطب مرة ~~فسئل: من أعلم؟ فقال: أنا - يعني من البشر، فأخبره الله تعالى: لا بل ~~في الأرض من هو أعلم منك من البشر حتى لا يغتر موسى - عليه السلام - ~~بما أعلمه الله. ثم يقول تعالى: { لا أبرح حتى أبلغ ~~مجمع البحرين.. } [الكهف: 60]. لا أبرح: أي لا أترك، والبعض ~~يظن أن لا أبرح تعني: لا أترك مكاني الذي أنا فيه، لكنها تعني: لا أترك ~~ما أنا بصدده، فإن كنت قاعدا لا أترك القعود، وإن كنت ماشيا لا ~~أترك المشي، وقد قال موسى - عليه السلام - هذا القول وهو يبتغي بين ~~البحرين، ويسير متجها إليه، فيكون المعنى: لا أترك السير إلى هذا المكان ~~حتى أبلغ مجمع البحرين. وقد وردت مادة برح في قوله تعالى في قصة يوسف ~~عليه السلام: { فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي.. ~~} [يوسف: 80] قالها كبيرهم بعد أن أخذ يوسف أخاه بنيامين ومنعه من الذهاب ~~معهم، فهنا استحى الأخ الأكبر من مواجهة أبيه الذي أخذ عليهم العهد ~~والميثاق أن يأتوا به ويعيدوه إليه. و " مجمع البحرين " أي: موضع ~~التقائهما، حيث يصيران بحرا واحدا، كما يلتقي مثلا دجلة والفرات في ~~شط العرب. وقوله: { أو أمضي حقبا } [الكهف: 60]. الحقب: ~~جمع حقبة، وهي الفترة الطويلة من الزمن، وقد قدروها بحوالي سبعين أو ~~ثمانين سنة، فإذا كان أقل الجمع ثلاثة، فمعنى ذلك أن يسير موسى - عليه ~~السلام - مائتين وعشرة سنين، على اعتبار أن ms6117 الحقبة سبعون سنة. ويكون ~~المعنى: لا أترك السير إلى هذا المكان ولو سرت مائتين وعشرة سنين لأن ~~موسى عليه السلام كان مشوقا إلى رؤية هذا الرجل الأعلم منه، كيف وهو ~~النبي الرسول الذي أوحى الله إليه لذلك أخبره ربه أن علم هذا الرجل علم ~~من لدنا، علم من الله لا من البشر. ثم يقول الحق سبحانه: { فلما ~~بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما... }. ### || [18.61] # { بلغا } أي: موسى وفتاه { مجمع بينهما } أي: مجمع البحرين ~~{ نسيا حوتهما } أي: حدث النسيان منهما معا، وإن كان حمل الحوت ~~منوطا بفتى موسى وقد نسيه، فكان على موسى أن يذكره به، فرئيس القوم ~~لا بد أن يتنبه لكل جزئية من جزئيات الركب، وكانت العادة أن يكون ~~هو آخر المبارحين للمكان ليتفقده وينظر لعل واحدا نسي شيئا، إذن: كان ~~على موسى أن يعقب ساعة قيامهم لمتابعة السير، ويذكر فتاه بما معهم من ~~لوازم الرحلة. والحوت: نوع من السمك معروف، وفي بعض البلاد يطلقون على ~~كل سمك حوتا، وقد أعدوه للأكل إذا جاعوا أثناء السير، وكان الفتى ~~يحمله وهو مشوي في مكتل. وقوله تعالى: { فاتخذ سبيله في ~~البحر سربا } [الكهف: 61] أي: خرج الحوت المشوي من المكتل، ~~وتسرب نحو البحر، والسرب: مثل النفق أو السرداب، أو هو المنحدر، كما ~~نقول: تسرب الماء من القربة مثلا ذلك لأن مستوى الماء في القربة ~~أعلى فيتسرب منها، وهذه من عجائب الآيات أن يقفز الحوت المشوي، وتعود ~~له الحياة، ويتوجه نحو البحر لأنه يعلم أن الماء مسكنه ومكانه. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { فلما جاوزا قال لفتاه ءاتنا ~~غدآءنا... }. ### || [18.62] # أي: جاوزا في سيرهما مجمع البحرين ومكان الموعد، قال موسى - عليه السلام ~~- لفتاه: أحضر لنا الغداء فقد تعبنا من السفر، والنصب: هو التعب. ~~فمعنى ذلك أنهما سارا حتى مجمع البحرين، ثم استراحا، فلما جاوزا هذا ~~المكان بدا عليهما الإرهاق والتعب لذلك طلب موسى الطعام. وهنا تذكر ~~الفتى ما كان من نسيان الحوت. ### || [18.63] # هذا كلام فتى موسى: أرأيت: أخبرني إذ لجأنا إلى الصخرة عند مجمع ms6118 ~~البحرين لنستريح { فإني نسيت الحوت.. } [الكهف: 63] ونلحظ أنه ~~قال هنا { نسيت } وقال في الآية السابقة # نسيا.. # [الكهف: 61] ذلك لأن الأولى إخبار من الله، والثانية كلام فتى موسى. ~~فكلام الله تبارك وتعالى يدلنا على أن رئيسا متبوعا لا يترك تابعه ~~ليتصرف في كل شيء لأن تابعه قد لا يهمه أمر المسير في شيء، وقد ينشغل ~~ذهنه بأشياء أخرى تنسيه ما هو منوط به من أمر الرحلة. ثم يعتذر ~~الفتى عما بدر منه من نسيان الحوت، ويقول: { ومآ أنسانيه إلا ~~الشيطان أن أذكره.. } [الكهف: 63] فالشيطان هو الذي لعب ~~بأفكاره وخواطره حتى أنساه واجبه، وأنساه ذكر الحوت. وقوله تعالى: { ~~واتخذ سبيله في البحر عجبا } [الكهف: 63] أي: اتخذ ~~الحوت طريقه في البحر عجبا، في الآية السابقة قال: # سربا # [الكهف: 61] وهذه حال الحوت، وهنا يقول { عجبا } لأنه يحكي ما حدث ~~ويتعجب منه، وكيف أن الحوت المشوي تدب فيه الحياة حتى يقفز من المكتل، ~~ويتجه صوب الماء، فهذا حقا عجيبة من العجائب لأنها خرجت عن المألوف. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { قال ذلك ما كنا نبغ... }. ### || [18.64] # أي: قال موسى - عليه السلام { ذلك ما كنا نبغ.. } [الكهف: 64] ~~أي: نطلب، فهذا المكان الذي فقد فيه الحوت هو المكان المراد، فكأن ~~الحوت كان أعلم بالموعد من موسى، وهكذا عرف عنوان المكان، وهو مجمع ~~البحرين، حتى يلتقي البحران فيصيران بحرا واحدا. وهذه الصورة لا توجد ~~إلا في مسرح بني إسرائيل في سيناء. وهناك خليج العقبة وخليج السويس، ~~ويلتقيان في بحر واحد عند رأس محمد. ثم يقول تعالى: { فارتدا على ~~آثارهما قصصا } [الكهف: 64] أي: عادا على أثر الأقدام كما يفعل ~~قصاصو الأثر، ومعنى: { قصصا } [الكهف: 64] أي: بدقة إلى أن وصلا ~~إلى المكان الذي تسرب فيه الحوت، وهو الموعد الذي ضربه الله تعالى ~~لموسى - عليه السلام - حيث سيجد هناك العبد الصالح. ثم يقول الحق تبارك ~~وتعالى: { فوجدا عبدا من عبادنآ ءاتينه رحمة ~~من عندنا... }. ### || [18.65] # سبق أن تحدثنا عن العبودية، فإن كانت لله تعالى فهي العز والشرف، وإن ~~كانت لغير الله فهي ms6119 الذل والهوان، وقلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يأخذ حظوة الإسراء والمعراج إلا لأنه عبد لله، كما قال سبحانه: # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1]. كما أن العبودية لله يأخذ فيه العبد خير سيده، أما ~~العبودية للبشر فيأخذ السيد خير عبده. ثم وصف الحق سبحانه هذا العبد ~~الصالح، فقال: { آتيناه رحمة من عندنا.. } [الكهف: 65] وقد ~~تكلم العلماء في معنى الرحمة هنا، فقالوا: الرحمة وردت في القرآن بمعنى ~~النبوة، كما في قوله تعالى: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] فكان رد الله عليهم: # أهم يقسمون رحمت ربك.. # [الزخرف: 32]. أي: النبوة، ومطلق الرحمة تأتي على يد جبريل - عليه ~~السلام - وعلى يد الرسل، أما هذه الرحمة، فمن عندنا مباشرة دون واسطة ~~الملك لذلك قال تعالى: { آتيناه.. } [الكهف: 65] نحن، وقال: { من ~~عندنا.. } [الكهف: 65] فالإتيان والعندية من الله مباشرة. ثم يقول ~~بعدها: { وعلمناه من لدنا علما } [الكهف: 65] أي: من ~~عندنا لا بواسطة الرسل: لذلك يسمونه العلم اللدني، كأنه لا حرج على الله ~~تعالى أن يختار عبدا من عباده، وينعم عليه بعلم خاص من وراء النبوة. ~~إذن: علينا أن نفرق بين علم وفيوضات تأتي عن طريق الرسول وتوجيهاته، ~~وعلم وفيوضات تأتي من الله تعالى مباشرة لمن اختاره من عباده لأن الرسول ~~يأتي بأحكام ظاهرية تتعلق بالتكاليف: افعل كذا ولا تفعل كذا، لكن هناك ~~أحكام أخرى غير ظاهرية لها علل باطنة فوق العلل الظاهرية، وهذه هي ~~التي اختص الله بها هذا العبد الصالح الخضر كما سماه النبي صلى الله ~~عليه وسلم. والدليل على ذلك أن النبي يأتي بأحكام تحرم القتل وتحرم ~~إتلاف مال الغير، فأتى الخضر وأتلف السفينة وقتل الغلام، وقد اعترض موسى ~~- عليه السلام - على هذه الأعمال لأنه لا علم له بعلتها، ولو أن موسى ~~- عليه السلام - علم العلة في خرق السفينة لبادر هو إلى خرقها. إذن: ~~فعلم موسى غير علم الخضر لذلك قال له: # إنك لن تستطيع معي صبرا * وكيف تصبر على ما ~~لم تحط به خبرا # [الكهف: 67-68]. ms6120 فهذا علم ليس عندك، فعلمي من كيس الولاية، وعلمك ~~من كيس الرسل، وهما في الحقيقة لا يتعارضان، وإن كان لعلم الولاية علل ~~باطنة، ولعلم الرسالة علل ظاهرة. ثم يقول تعالى: { قال له موسى ~~هل أتبعك... }. ### || [18.66] # كأن موسى عليه السلام يعلمنا أدب تلقي العلم وأدب التلميذ مع معلمه، ~~فمع أن الله تعالى أمره أن يتبع الخضر، فلم يقل له مثلا: إن الله أمرني ~~أن أتبعك، بل تلطف معه واستسمحه بهذا الأسلوب: { هل أتبعك.. } ~~[الكهف: 66]. والرشد: هو حسن التصرف في الأشياء، وسداد المسلك في علة ~~ما أنت بصدده، وسبق أن قلنا: إن الرشد يكون في سن البلوغ، لكن لا ~~يعني هذا أن كل من بلغ يكون راشدا، فقد يكون الإنسان بالغا وغير ~~راشد، فقد يكون سفيها. لذلك لما تكلم الحق سبحانه عن اليتامى قال: # وابتلوا اليتامى.. # [النساء: 6] أي: اختبروهم، واختبار اليتيم يكون حال يتمه وهو ما يزال ~~في كفالتك، فعليك أن تكلفه بعمل ما لإصلاح حاله، وتعطيه جزءا من ماله ~~يتصرف فيه تحت عينك وفي رعايتك، لترى كيف سيكون تصرفه. عليك أن تحرص ~~على تدريبه لمواجهة الحياة، لا أن تجعله في معزل عنها إلى أن يبلغ ~~الرشد، ثم تدفع إليه بماله فلا يستطيع التصرف فيه لعدم خبرته، وإن فشل ~~كانت التجربة في ماله والخسارة عليه. إذن: فاختبار اليتيم يتم وهو ما ~~يزال في ولايتك، وتحت سمعك وبصرك رعاية لحقه. # حتى إذا بلغوا النكاح.. # [النساء: 6] وهو سن البلوغ، ولم يقل بعدها: فادفعوا إليهم أموالهم لأن ~~بعد البلوغ شرطا آخر # فإن آنستم منهم رشدا.. # [النساء: 6] فعلى الوصي أن يراعي هذا الترتيب: أن تراعي اليتيم ~~وهو تحت ولايتك، وتدفع به في معترك الحياة وتجاربها حتى يتمكن من ~~مواجهة الحياة ولا يتخبط في ماله لعدم تجربته وخبرته، فإن علمت رشده بعد ~~البلوغ فادفع إليه بماله ليتصرف فيه، فإن لم تأنس منه الرشد وحسن ~~التصرف فلا تترك له المال يبدده بسوء تصرفه. لذلك يقول تعالى في هذا ~~المعنى: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم.. # [النساء: 5] ولم يقل: أموالهم ms6121 لأن السفيه لا مال له حال سفهه، بل ~~هو مالكم لتحسنوا التصرف فيه وتحفظوه لصاحبه لحين تتأكدون من رشده. ~~إذن: فالرشد الذي طلبه موسى من العبد الصالح هو سداد التصرف والحكمة في ~~تناول الأشياء، لكن هل يعني ذلك أن موسى - عليه السلام - لم يكن راشدا؟ ~~لا، بل كان راشدا في مذهبه هو كرسول، راشدا في تبليغ الأحكام الظاهرية. ~~أما الرشد الذي طلبه فهو الرشد في مذهب العبد الصالح، وقد دل هذا على ~~أنه طلب شيئا لم يكن معلوما له، وهذا لا يقدح في مكانة النبوة لأن الحق ~~سبحانه وتعالى قال: # ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85]. وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: # وقل رب زدني علما # [طه: 114]. لذلك يقول الشاعر: # كلما ازددت علوما # زدت إيقانا بجهلي # لأن معنى أنه ازداد علما اليوم أنه كان ناقصا بالأمس، وكذلك هو ناقص ~~اليوم ليعلم غدا. والإنسان حينما يكون واسع الأفق محبا للعلم، تراه ~~كلما علم قضية اشتاق لغيرها، فهو في نهم دائم للعلم لا يشبع منه، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب مال ". # والشاعر الذي تنبه لنفسه حينما دعته إلى الغرور والكبرياء ~~والزهو بما لديه من علم قليل، إلا أنه كان متيقظا لخداعها، فقال: # قالت النفس قد علمت كثيرا # قلت هذا الكثير نزع يسير # ثم جاء بمثل توضيحي: # تملأ الكوز غرفة من محيط # فيرى أنه المحيط الكبير # ثم يقول الحق سبحانه: { قال إنك لن تستطيع... }. ### || [18.67] # هنا يبدأ العبد الصالح يملي شروط هذه الصحبة ويوضح لموسى - عليه ~~السلام - طبيعة علمه ومذهبه، فمذهبك غير مذهبي، وعلمي من كيس غير ~~كيسك، وسوف ترى مني تصرفات لن تصبر عليها لأنه لا علم لك ببواطنها، ~~وكأنه يلتمس له عذرا على عدم صبره معه لذلك يقول: { وكيف ~~تصبر على ما... }. ### || [18.68] # فلا تحزن لأني قلت: لن تستطيع معي صبرا لأن التصرفات التي ستعترض ~~عليها ليس لك خبر بها، وكيف تصبر على شيء لا علم لك به؟ ونلحظ في هذا ~~الحوار بين ms6122 موسى والخضر - عليهما السلام - أدب الحوار واختلاف الرأي ~~بين طريقتين: طريقة الأحكام الظاهرية، وطريقة ما خلف الأحكام الظاهرية، ~~وأن كلا منهما يقبل رأي الآخر ويحترمه ولا يعترض عليه أو ينكره، كما ~~نرى أصحاب المذاهب المختلفة ينكر بعضهم على بعض، بل ويكفر بعضهم ~~بعضا، فإذا رأوا مثلا عبدا من عباد الله اختاره الله بشيء من ~~الفيوضات، فكانت له طريقة وأتباع نرى من ينكر عليه، وربما وصل الأمر ~~إلى الشتائم والتجريح، بل والتكفير. لقد تجلى في قول الخضر: { وكيف ~~تصبر على ما لم تحط به خبرا } [الكهف: 68] مظهر من ~~مظاهر أدب المعلم مع المتعلم، حيث احترم رأيه، والتمس له العذر إن ~~اعترض عليه، فلكل منهما مذهبه الخاص، ولا يحتج بمذهب على مذهب آخر. ~~فماذا قال المتعلم بعد أن استمع إلى هذه الشروط؟ { قال ستجدني ~~إن شآء الله... }. ### || [18.69] # أي: أنا قابل لشروطك أيها المعلم فاطمئن، فلن أجادلك ولن أعارضك في ~~شيء. وقدم المشيئة فقال: { إن شآء الله.. } [الكهف: 69] ليستميله ~~إليه ويحنن قلبه عليه { صابرا.. } [الكهف: 69] على ما تفعل مهما ~~كان { ولا أعصي لك أمرا } [الكهف: 69] وهكذا جعل نفسه مأمورا، ~~فالمعلم آمر، والمتعلم مأمور. ### || [18.70] # وهذا تأكيد من الخضر لموسى، وبيان للطريقة التي يجب اتباعها في مصاحبته: ~~إن تبعتني فلا تسألني حتى أخبرك، وكأنه يعلمه أدب تناول العلم ~~والصبر عليه، وعدم العجلة لمعرفة كل أمر من الأمور على حدة. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { فانطلقا... }. ### || [18.71] # { فانطلقا } سارا معا، حتى ركبا سفينة، وكانت معدة لنقل ~~الركاب، فما كان من الخضر إلا أن بادر إلى خرقها وإتلافها، عندها لم ~~يطق موسى هذا الأمر، وكبرت هذه المسألة في نفسه فلم يصبر عليها فقال: ~~{ أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا } ~~[الكهف: 71]. أي: أمرا عجيبا أو فظيعا. ونسي موسى ما أخذه على نفسه من ~~طاعة العبد الصالح وعدم عصيانه والصبر على ما يرى من تصرفاته. كأن الحق ~~- تبارك وتعالى - يريد أن يعلمنا أن الكلام النظري شيء، والعمل ~~الواقعي شيء آخر، فقد تسمع من أحدهم القول الجميل الذي ms6123 يعجبك، فإذا ما ~~جاء وقت العمل والتنفيذ لا تجد شيئا لأن الكلام قد يقال في أول الأمر ~~بعبارة الأريحية، كمن يقول لك: أنا رهن أمرك ورقبتي لك، فإذا ما أحوجك ~~الواقع إليه كنت كالقابض على الماء لا تجد منه شيئا. ونلحظ هنا أن موسى ~~- عليه السلام - لم يكتف بالاستفهام: { أخرقتها لتغرق ~~أهلها.. } [الكهف: 71] بل تعدى إلى اتهامه بأنه أتى أمرا منكرا ~~فظيعا لأن كلام موسى النظري شيء ورؤيته لخرق السفينة وإتلافها دون مبرر ~~شيء آخر لأن موسى استحضر بالحكم الشرعي إتلاف مال الغير، فضلا عن إغراق ~~ركاب السفينة، فرأى الأمر ضخما والضرر كبيرا، هذا لأن موسى يأخذ من كيس ~~والخضر يأخذ من كيس آخر. ### || [18.72] # وهذا درس آخر من الخضر لموسى - عليهما السلام - يقول: إن كلامي لك كان ~~صادقا، وقد حذرتك أنك لن تصبر على ما ترى من تصرفاتي، وها أنت تعترض ~~علي، وقد اتفقنا وأخذنا العهد ألا تسألني عن شيء حتى أخبرك أنا به. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { قال لا تؤاخذني بما نسيت... }. ### || [18.73] # يعتذر موسى - عليه السلام - عما بدر منه لمعلمه، ويطلب منه مسامحته وعدم ~~مؤاخذته { ولا ترهقني من أمري عسرا } [الكهف: 73] أي: لا ~~تحملني من أمر اتباعك عسرا ومشقة. فسامحه الخضر وعاود السير. ### || [18.74] # تلاحظ أن الاعتداء الأول من الخضر كان على مال أتلفه، وهنا صعد الأمر ~~إلى قتل نفس زكية دون حق، فبأي جريرة يقتل هذا الغلام الذي لم يبلغ ~~رشده؟ لذلك قال في الأولى: # لقد جئت شيئا إمرا # [الكهف: 71] أي عجيبا أما هنا فقال: { لقد جئت شيئا نكرا ~~} [الكهف: 74] أي: منكرا لأن الجريمة كبيرة. والنفس الزكية: الطاهرة ~~الصافية التي لم تلوثها الذنوب ومخالفة التكاليف الإلهية. وكذلك يأتي ~~الرد من الخضر مخالفا للرد الأول، ففي المرة الأولى قال: # ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا # [الكهف: 72] أي: قلت كلاما عاما، أما هنا فقال: { قال ألم أقل ~~لك إنك لن... }. ### || [18.75] # وأكدها وأراده بالكلام أي: قلت لك أنت. ثم بعد المرة الثانية التي ~~يقاطع فيها موسى معلمه ms6124 الخضر يأخذ عهدا جديدا على نفسه. ### || [18.76] # وهكذا قطع موسى - عليه السلام - الطريق على نفسه، وأعطى لها فرصة واحدة ~~يتم بعدها الفراق لذلك في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " رحمنا الله، ورحم أخي موسى لو صبر لعرفنا الكثير ". # فهذه هي الثالثة، وليس لموسى عذر بعد ذلك. ومعنى: { قد بلغت من ~~لدني عذرا } [الكهف: 76] أي: قد فعلت معي كل ما يمكن فعله، وليس ~~لي عذر بعد ذلك. ثم يقول سبحانه: { فانطلقا حتى إذآ أتيآ ~~أهل قرية... }. ### || [18.77] # استطعم: أي طلب الطعام، وطلب الطعام هو أصدق أنواع السؤال، فلا يسأل ~~الطعام إلا جائع محتاج، فلو سأل مالا لقلنا: إنه يدخره، إنما الطعام لا ~~يعترض عليه أحد، ومنع الطعام عن سائله دليل بخل ولؤم متأصل في ~~الطباع، وهذا ما حدث من أهل هذه القرية التي مرا بها وطلبا الطعام ~~فمنعوهما. والمتأمل في الآية يجد أن أسلوب القرآن يصور مدى بخل هؤلاء ~~القوم ولؤمهم وسوء طباعهم، فلم يقل مثلا: فأبوا أن يطعموهما، بل ~~قال: { فأبوا أن يضيفوهما.. } [الكهف: 77]وفرق بين الإطعام ~~والضيافة، أبوا الإطعام يعني منعوهما الطعام، لكن أبوا أن ~~يضيفوهما، يعني كل ما يمكن أن يقدم للضيف حتى مجرد الإيواء ~~والاستقبال، وهذا منتهى ما يمكن تصوره من لؤم هؤلاء الناس. وتلحظ ~~أيضا تكرار كلمة { أهل } فلما قال: { أتيآ أهل قرية } ~~[الكهف: 77] فكان المقام للضمير فيقول: استطعموهم، لكنه قال: { ~~استطعمآ أهلها.. } [الكهف: 77] لأنهم حين دخلوا القرية: هل ~~قابلوا كل أهلها، أم قابلوا بعضهم الذين واجهوهم أثناء الدخول؟ بالطبع ~~قابلوا بعضهم، أما الاستطعام فكان لأهل القرية جميعا، كأنهما مرا على ~~كل بيت في القرية وسألا أهلها جميعا واحدا تلو الآخر دون جدوى، كأنهم ~~مجمعون على البخل ولؤم الطباع. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه.. } [الكهف: ~~77]. أي: لم يلبثا بين هؤلاء اللئام حتى وجدا جدارا يريد أن ينقض، ~~ونحن نعرف أن الإرادة لا تكون إلا للمفكر العاقل، فإن جاءت لغير العاقل ~~فهي بمعنى: قرب. أي: جدارا ms6125 قارب أن ينهار، لما نرى فيه من علامات ~~كالتصدع والشروخ مثلا. وهذا الفهم يتناسب مع أصحاب التفكير السطحي ~~وضيقي الأفق، أما أصحاب الأفق الواسع الذين يعطون للعقل دوره في ~~التفكير والنظر ويدققون في المسائل فلا مانع لديهم أن يكون للجدار ~~إرادة على أساس أن لكل شيء في الكون حياة تناسبه، ولله تعالى أن يخاطبه ~~ويكون بينهما كلام. ألم يقل الحق سبحانه: # فما بكت عليهم السمآء والأرض.. # [الدخان: 29]. فإذا كانت السماء تبكي فقد تعدت مجرد الكلام، وأصبح ~~لها أحاسيس ومشاعر، ولديها عواطف قد تسمو على عواطف البشر، فقوله: # فما بكت عليهم السمآء والأرض.. # [الدخان: 29] دليل على أنها تبكي على فقد الصالحين. وقد سئل الإمام ~~علي - رضي الله عنه - عن هذه المسألة فقال: " نعم، إذا مات المؤمن بكى ~~عليه موضعان: موضع في السماء وموضع في الأرض، أما موضعه في الأرض فموضع ~~مصلاه، أما موضعه في السماء فهو مصعد عمله ". وهذا دليل انسجام العبد ~~المؤمن مع الكون من حوله، فالكون ساجد لله مسبح لله طائع لله يحب ~~الطائعين وينبو بالعاصين ويكرههم ويلعنهم لذلك العرب تقول: نبا به ~~المكان أي: كرهه لأنه غير منسجم معه، فالمكان طائع وهو عاص، والمكان ~~مسبح وهو غافل. # وعلى هذا الفهم فقوله تعالى: { يريد أن ينقض.. } [الكهف: 77] ~~قول على حقيقته. إذن: فهذه المخلوقات لها إحساس ولها بكاء، وتحزن لفقد ~~الأحبة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث ". # وروي في السيرة حنين الجذع إلى رسول الله، وتسبيح الحصى في يده صلى ~~الله عليه وسلم. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة فقلنا: لا ينبغي أن نقول: ~~سبح الحصى في يد رسول الله لأن الحصى يسبح أيضا في يد أبي جهل، ~~لكن نقول: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسبيح الحصى في يديه. ولا ~~غرابة أن يعطينا القرآن أمثلة لكلام هذه الأشياء، فقد رأينا العلماء في ~~العصر الحديث يبحثون في لغة للأسماك، ولغة للطير، ولغة للوطاويط التي ~~أخذوا منها فكرة ms6126 الرادار، بل وتوصلوا إلى أن الحيوان يستشعر بوقوع ~~الزلزال وخاصة الحمار، وأنها تفر من المكان قبل وقوع الزلزال مباشرة. ~~إذن: فلهم وسائل إدراك، ولهم لغة يتفاهمون بها، ولهم منطق يعبرون به. ثم ~~يقول الحق سبحانه عن فعل الخضر مع الجدار الذي قارب أن ينقض { ~~فأقامه.. } [الكهف: 77] أي: أصلحه ورممه { قال لو شئت ~~لتخذت عليه أجرا.. } [الكهف: 77]. هذا قول موسى - عليه ~~السلام - لما رأى لؤم القوم وخستهم، فقد طلبنا منهم الطعام فلم ~~يطعمونا، بل لم يقدموا لنا مجرد المأوى، فكيف نعمل لهم مثل هذا العمل ~~دون أجرة؟ وجاء هذا القول من موسى - عليه السلام - لأنه لا يعلم الحكمة ~~من وراء هذا العمل. ثم يقول الحق سبحانه: { قال هذا فراق ~~بيني وبينك... }. ### || [18.78] # { قال } أي: العبد الصالح { هذا } أي: ما حدث منك من قولك: # لو شئت لتخذت عليه أجرا # [الكهف: 77] وقد سبق أن اشترط موسى - عليه السلام - على نفسه إن اعترض ~~على معلمه هذه المرة يكون الفراق بينهما، وكأن العبد الصالح لم يأت ~~بشيء من عنده، لقد قال موسى: # إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني # [الكهف: 76] وها هو يسأله، إذن: فليس إلا الفراق: { قال هذا ~~فراق بيني وبينك.. } [الكهف: 78]. قوله: { هذا فراق ~~بيني وبينك.. } [الكهف: 78] تعد دستورا من الحق - سبحانه ~~وتعالى - ودليلا على أن هذين المذهبين لا يلتقيان، فيظل كل منهما له ~~طريقه: المرتاض له طريقه، وغير المرتاض له طريقه، ولا ينبغي أن يعترض ~~أحدهما على الآخر، بل يلزم أدبه في حدود ما علمه الله. ثم يقول تعالى ~~على لسان الخضر: { سأنبئك بتأويل ما لم تستطع ~~عليه صبرا } [الكهف: 78] أي: لن أتركك وفي نفسك هذه التساؤلات، ~~حتى لا يكون في نفسك مني شيء، سوف أخبرك بحقيقة هذه الأفعال التي ~~اعترضت عليها لتعلم أن الله لم يخدعك، بل أرسلك إلى من يعلمك ~~شيئا لم تكن تعلمه. ثم أخذ العبد الصالح يكشف لموسى الحكمة من هذه ~~الأفعال واحدا تلو الآخر، كما لو عتب عليك صاحبك في أمر ما، وأنت ~~حريص على مودته فتقول ms6127 له: أمهلني حتى أوضح لك ما حدث، لقد فعلت كذا من ~~أجل كذا، لتريح قلبه وتزيل ما التبس عليه من هذا الأمر. وقالوا: إن هذا ~~من أدب الصحبة، فلا يجوز بعد المصاحبة أن نفترق على الخلاف، ينبغي ~~أن نفترق على وفاق ورضا لأن الافتراق على الخلاف ينمي الفجوة ويدعو ~~للقطيعة، إذن: فقبل أن نفترق: المسألة كيت وكيت، فتتضح الأمور وتصفو ~~النفوس. ثم يقول الحق سبحانه: { أما السفينة فكانت ~~لمساكين يعملون في البحر... }. ### || [18.79] # قوله: { لمساكين } اللام هنا للملكية، يعني مملوكة لهم، وقد حسمت ~~هذه الآية الخلاف بين العلماء حول تعريف الفقير والمسكين، وأيهما أشد ~~حاجة من الآخر، وعليها فالمسكين: هو من يملك شيئا لا يكفيه، كهؤلاء ~~الذين كانوا يملكون سفينة تعمل في البحر، وسماهم القرآن مساكين، أما ~~الفقير: فهو من لا يملك شيئا. ومعنى: { يعملون في البحر.. } ~~[الكهف: 79] أي: مجال عملهم البحر، يعملون فيه بنقل الركاب أو البضائع، ~~أو الصيد، أو خلافه. وقوله: { فأردت أن أعيبها.. } [الكهف: ~~79] المتكلم هنا هو الخضر - عليه السلام - فنسب إرادة عيب السفينة ~~إلى نفسه، ولم ينسبها إلى الله تعالى تنزيها له تعالى عما لا يليق، ~~أما في الخير فنسب الأمر إلى الله فقال: # فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا ~~كنزهما.. # [الكهف: 82] لذلك فإنه في نهاية القصة يرجع كل ما فعله إلى الله فيقول: # وما فعلته عن أمري.. # [الكهف: 82]. ثم يقول تعالى: { وكان ورآءهم ملك يأخذ ~~كل سفينة غصبا } [الكهف: 79] كلمة: كل ترسم سورا كليا لا ~~يترك شيئا، فالمراد يأخذ كل سفينة، سواء أكانت معيبة أم غير معيبة، لكن ~~الحقيقة أنه يأخذ السفينة الصالحة للاستعمال فقط، ولا حاجة له في ~~المعيبة الغير صالحة، وكأن في سياق الآية صفة مقدرة: أي يأخذ كل سفينة ~~صالحة غصبا من صاحبها. والغصب: ما أخذ بغير الحق، عنوة وقهرا ~~ومصادرة، وله صور متعددة منها مثلا السرقة: وهي أخذ المال من حرزه ~~خفية ككسر دولاب أو خزينة، ومنها الغصب: وهو أخذ مال الغير بالقوة، ~~وتحت سمعه وبصره، وفي هذه الحالة تحدث مقاومة ms6128 ومشادة بين الغاصب ~~والمغصوب. ومنها الخطف: وهو أخذ مال الغير هكذا علانية، ولكن بحيلة ما، ~~يخطف الشيء ويفر به دون أن تتمكن من اللحاق به، فالخطف - إذن - يتم ~~علانية ولكن دون مقاومة. ومنها الاختلاس: وهو أن تأخذ مال الغير وأنت ~~مؤتمن عليه، والاختلاس يحدث خفية، ولا يخلو من حيلة تستره. وما دام الأمر ~~هنا غصبا فلا بد لمالك الشيء أن يقاوم ولو بعض مقاومة يدافع بها ~~عن حقه، وقد يتوسل إليه أن يترك له ماله، فالمسألة - إذن - فيها كلام ~~وأخذ ورد. إذن: خرق السفينة في ظاهره اعتداء على ملك مقوم، ~~وهذا منهي عنه شرعا، لكن إذا كان هذا الاعتداء سيكون سببا في نجاة ~~السفينة كلها من الغاصب فلا بأس إذن، وسفينة معيبة خير من عدمها، ولو ~~علم موسى - عليه السلام - هذه الحكمة لبادر هو إلى خرقها. وما دام ~~الأمر كذلك، فعلينا أن نحول السفينة إلى سفينة غير صالحة ونعيبها ~~بخرقها، أو بخلع لوح منها لنصرف نظر الملك المغتصب عن أخذها. # وكلمة { ورآءهم } هنا بمعنى أمامهم لأن هذا الظالم كان يترصد ~~للسفن التي تمر عليه، فما وجدها صالحة غصبها، فهو في الحقيقة أمامهم، على ~~حد قوله تعالى: # من ورآئه جهنم ويسقى من مآء صديد # [إبراهيم: 16] وهل جهنم وراءه أم أمامه؟ وتستعمل وراء بمعنى: بعد، كما ~~في قوله تعالى: # فبشرناها بإسحاق ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71]. وتأتي وراء بمعنى: غير. كما في قوله تعالى في صفات المؤمنين: # والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين * فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم ~~العادون # [المؤمنون: 5-7]. وفي قوله تعالى: # حرمت عليكم أمهاتكم.. # [النساء: 23] إلى.. # وأحل لكم ما وراء ذلكم.. # [النساء: 24]. وقد تستعمل وراء بمعنى خلف، كما في قوله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ~~ظهورهم.. # [آل عمران: 187]. إذن: كلمة { وراء } جاءت في القرآن على أربعة ~~معان: أمام، خلف، بعد، غير. وهذا مما يميز العربية عن غيرها من ~~اللغات، والملكة العربية ms6129 قادرة على أن تميز المعنى المناسب للسياق، ~~فكلمة العين - مثلا - تأتي بمعنى العين الباصرة. أو: عين الماء، أو: ~~بمعنى الذهب والفضة، وبمعنى الجاسوس. والسياق هو الذي يحدد المعنى ~~المراد. ثم يقول الحق سبحانه في قرآنه عما أوضحه الخضر لموسى عليه السلام ~~مما خفي عليه: { وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين... ~~}. ### || [18.80] # الغلام: الولد الذي لم يبلغ الحلم وسن التكليف، وما دام لم يكلف ~~فما يزال في سن الطهارة والبراءة من المعاصي لذلك لما اعترض موسى على ~~قتله قال: # أقتلت نفسا زكية.. # [الكهف: 74] أي: طاهرة، ولا شك أن أخذ الغلام في هذه السن خير ~~له ومصلحة قبل أن تلوثه المعاصي، ويدخل دائرة الحساب. إذن: فطهارته هي ~~التي دعتنا إلى التعجيل بأخذه. هذا عن الغلام، فماذا عن أبيه وأمه؟ ~~يقول تعالى: { فكان أبواه مؤمنين.. } [الكهف: 80] وكثيرا ~~ما يكون الأولاد فتنة للآباء، كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم.. # [التغابن: 14]. والفتنة بالأولاد تأتي من حرص الآباء عليهم، والسعي ~~إلى جعلهم في أحسن حال، وربما كانت الإمكانات غير كافية، فيضطر الأب إلى ~~الحرام من أجل أولاده. وقد علم الحق - سبحانه وتعالى - أن هذا الغلام ~~سيكون فتنة لأبويه، وهما مؤمنان ولم يرد الله تعالى لهما الفتنة، وقضى ~~أن يقبضهما إليه على حال الإيمان. وكأن قضاء الله جاء خيرا للغلام ~~وخيرا للوالدين، وجميلا أسدي إلى كليهما، وحكمة بالغة تستتر وراء ~~الحدث الظاهر الذي اعترض عليه موسى عليه السلام. لذلك يعد من الغباء ~~إذا مات لدينا الطفل أو الغلام الصغير أن يشتد الحزن عليه، وننعى ~~طفولته التي ضاعت وشبابه الذي لم يتمتع به، ونحن لا ندري ما أعد له ~~من النعيم، لا ندري أن من أخذ من أولادنا قبل البلوغ لا يحدد له ~~مسكن في الجنة، لأنها جميعا له، يجري فيها كما يشاء، ويجلس فيها أين ~~أحب، يجلس عند الأنبياء وعند الصحابة، لا يعترضه أحد، لذلك يسمون " ~~دعاميص الجنة ". ثم يقول تعالى: { فخشينآ أن يرهقهما ~~طغيانا وكفرا } [الكهف: 80]. خشينا: خفنا. فالواحد منا ms6130 يولد له ~~ابن فيكون قرة عين وسندا، وقد يكون هذا الابن سببا في فساد دين أبيه، ~~ويحمله على الكذب والرشوة والسرقة، فهذا الابن يقود أباه إلى الجحيم، ومن ~~الخير أن يبعد الله هذا الولد من طريق الوالد فلا يطغى. ### || [18.81] # ولا يفوت الخضر - عليه السلام - أن ينسب الخير هنا أيضا إلى الله، ~~فيقول: أنا أحب هذا العمل وأريده، إنما الذي يبدل في الحقيقة هو الله ~~تعالى: { فأردنآ أن يبدلهما ربهما خيرا.. } [الكهف: ~~81] فهذا الخير من الله، وما أنا إلا وسيلة لتحقيقه. وقوله: { خيرا ~~منه زكاة.. } [الكهف: 81] أي: طهرا { وأقرب رحما } ~~[الكهف: 81] لأنهما أرادا الولد لينفعهما في الدنيا، وليكون قرة عين ~~لهما، ولما كانت الدنيا فانية لا بقاء لها، وقد ثبت في علمه تعالى أن ~~هذا الولد سيكون فتنة لأبويه، وسيجلب عليهما المعاصي والسيئات، ~~وسيجرهما إلى العذاب، كانت الرحمة الكاملة في أخذه بدل أن يتمتعا به ~~في الدنيا الفانية، ويشقيا به في الآخرة الباقية. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة... }. ### || [18.82] # { لغلامين } أي: لم يبلغا سن الرشد، وفوق ذلك هما يتيمان. ~~وكان تحت هذا الجدار المائل كنز لهذين الغلامين الغير قادرين على تدبير ~~شأنهما، ولك أن تتصور ما يحدث لو تهدم الجدار، وانكشف هذا الكنز، ~~ولمع ذهبه أمام عيون هؤلاء القوم الذين عرفت صفاتهم، وقد منعوهما الطعام ~~بل ومجرد المأوى، إن أقل ما يوصفون به أنهم لئام لا يؤتمنون على ~~شيء. ولقد تعودنا أن نعبر عن شدة الضياع بقولنا: ضياع الأيتام على ~~موائد اللئام. إذن: فلا شك أن ما قام به العبد الصالح من بناء الجدار ~~وإقامته أو ترميمه يعد بمثابة صفعة لهؤلاء اللئام تناسب ما قابلوهم ~~به من تنكر وسوء استقبال، وترد لهم الصاع صاعين حين حرمهم الخضر من ~~هذا الكنز. فعلة إصلاح الجدار ما كان تحته من مال يجب أن يحفظ لحين ~~أن يكبر هذان الغلامان ويتمكنا من حفظه وحمايته في قرية من اللئام. ~~وكأن الحق سبحانه وتعالى أرسله لهذين الغلامين في هذا الوقت ms6131 بالذات، حيث ~~أخذ الجدار في التصدع، وظهرت عليه علامات الانهيار ليقوم بإصلاحه قبل ~~أن يقع وينكشف أمر الكنز وصاحبيه في حال الضعف وعدم القدرة على حمايته. ~~ثم إن العبد الصالح أصلح الجدار ورده إلى ما كان عليه رد من ~~علمه الله من لدنه، فيقال: إنه بناه بناء موقوتا يتناسب وعمر ~~الغلامين، وكأنه بناه على عمر افتراضي ينتهي ببلوغ الغلامين سن الرشد ~~والقدرة على حماية الكنز فينهار. وهذه في الواقع عملية دقيقة لا يقدر على ~~حسابها إلا من أوتي علما خاصا من الله تعالى. ويبدو من سياق الآية ~~أنهما كانا في سن واحدة توأمين لقوله تعالى: { فأراد ربك أن ~~يبلغآ أشدهما.. } [الكهف: 82] أي: سويا، ومعنى الأشد: أي ~~القوة، حيث تكتمل أجهزة الجسم وتستوي، وأجهزة الجسم تكتمل حينما يصبح ~~المرء قادرا على إنجاب مثله. وتلاحظ أن الحق - سبحانه وتعالى - قال هنا: ~~{ يبلغآ أشدهما.. } [الكهف: 82] ولم يقل رشدهما، لأن هناك ~~فرقا بين الرشد والأشد فالرشد: حسن التصرف في الأمور، أما ~~الأشد: فهو القوة، والغلامان هنا في حاجة إلى القوة التي تحمي ~~كنزهما من هؤلاء اللئام فناسب هنا { أشدهما.. } [الكهف: 82]. ثم ~~يقول تعالى: { ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك.. } ~~[الكهف: 82] أي: يستخرجاه بما لديهما من القوة والفتوة. والرحمة: صفة ~~تعطى للمرحوم لتمنعه من الداء، كما في قوله تعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين.. # [الإسراء: 82] فقوله: شفاء: أي: يشفي داء موجودا ويبرئه. ورحمة: أي ~~رحمة تمنع عودة الداء مرة أخرى. وكذلك ما حدث لهذين الغلامين، كان رحمة ~~من الله لحماية مالهما وحفظ حقهما، ثم لم يفت العبد الصالح أن ~~يرجع الفضل لأهله، وينفي عن نفسه الغرور بالعلم والاستعلاء على صاحبه، ~~فيقول: { وما فعلته عن أمري. # . } [الكهف: 82] أي: أن ما حدث كان بأمر الله، وما علمتك إياه كان من ~~عند الله، فليس لي ميزة عليك، وهذا درس في أدب التواضع ومعرفة الفضل ~~لأهله. ثم يقول: { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ~~} [الكهف: 82] تأويل: أي إرجاع الأمر إلى حقيقته، وتفسير ما أشكل منه. ~~*** بعد ms6132 ذلك تنتقل الآيات إلى سؤال آخر من الأسئلة الثلاثة التي سألها ~~كفار مكة لرسول الله بإيعاز من اليهود، وهو السؤال عن الرجل الطواف ~~الذي طاف البلاد: { ويسألونك عن ذي القرنين... }. ### || [18.83] # ذو القرنين: هذا لقبه لأنه ربما كان في تكوينه ذا قرنين، أو يلبس تاجا ~~له اتجاهان أو لأنه بلغ قرني الشمس في المشرق وفي المغرب. وقد بحث ~~العلماء في: من هو ذو القرنين؟ فمنهم من قال: هو الإسكندر الأكبر ~~المقدوني الطواف في البلاد، لكن الإسكندر الأكبر كان في مقدونيا في ~~الغرب، وذو القرنين جاب المشرق والمغرب مما دعا عالما محققا من علماء ~~الهند هو: أبو الكلام آزاد - وزير المعارف الهندي - إلى القول بأنه ليس ~~هو الإسكندر الأكبر، بل هو قورش الصالح، وهذه رحلته في الشرق والغرب وبين ~~السدين، كما أن الإسكندر كان وثنيا، وكان تلميذا لأرسطو، وذو القرنين ~~رجل مؤمن كما سنعرف من قصته. وعلى العموم، ليس من صالح القصة حصرها في ~~شخص بعينه لأن تشخيص حادثة القصة يضعف من تأثيرها، ويصبغها بصبغة ~~شخصية لا تتعدى إلى الغير فنرى من يقول بأنها مسألة شخصية لا تتكرر. ~~إذن: لو جاء العلم في ذاته سنقول: هذه الحادثة أو هذا العمل خاص بهذا ~~الشخص، والحق - سبحانه وتعالى - يريد أن يضرب لنا مثلا يعم أي شخص، ~~ماذا سيكون مسلكه وتصرفه إن مكن الله له ومنحه الله قوة وسلطة؟ ~~ولو حدد القرآن هذه الشخصية في الإسكندر أو قورش أو غيرهما لقلنا: ~~إنه حدث فردي لا يتعدى هذا الشخص، وتنصرف النفس عن الأسوة به، وتفقد ~~القصة مغزاها وتأثيرها. ولو كان في تعيينه فائدة لعينه الله لنا. ~~وسبق أن أوضحنا أن الحق - سبحانه - عندما ضرب مثلا للذين كفروا، قال: # امرأت نوح وامرأت لوط.. # [التحريم: 10] ولم يعينهما على التحديد لأن الهدف من ضرب المثل هنا ~~بيان أن الرسول المرسل من الله لهداية الناس لم يتمكن من هداية زوجته ~~وأقرب الناس إليه لأن الإيمان مسألة شخصية، لا سيطرة فيها لأحد على أحد. ~~وكذلك لما ضرب الله مثلا للذين ms6133 آمنوا قال: # امرأت فرعون.. # [التحريم: 11]. ففرعون الذي أضل الناس وادعى الألوهية زوجته مؤمنة، ~~وكأن الحق سبحانه يلمح للناس جميعا أن رأيك في الدين وفي العقائد ~~رأي ذاتي، لا يتأثر بأحد أيا كان، لا في الهداية بنبي، ولا في ~~الغواية بأضل الضالين الذي ادعى الألوهية. وهكذا يحفظ الإسلام للمرأة ~~دورها وطاقتها ويحترم رأيها. إذن: الحق سبحانه وتعالى أتى بهذه القصة غير ~~مشخصة لتكون نموذجا وأسوة يحتذي بها كل أحد، وإلا لو شخصت ~~لارتبطت بهذا الشخص دون غيره، أما حينما تكلم الحق سبحانه عن مريم فنراه ~~يحددها باسمها، بل واسم أبيها ذلك لأن ما سيحدث لمريم مسألة خاصة بها، ~~ولن تحدث بعدها أبدا في بنات آدم، لذلك عينها وشخصها لأن التشخيص ~~ضروري في مثل هذا الموقف. # أما حين يترك المثل أو القصة دون تشخيص، فهذا يعني أنها صالحة لأن ~~تتكرر في أي زمان أو في أي مكان، كما رأينا في قصة أهل الكهف، وكيف أن ~~الحق سبحانه أبهمهم أسماء، وأبهمهم مكانا وأبهمهم زمانا، وأبهمهم ~~عددا، ليكونوا أسوة وقدوة للفتيان المؤمنين في أي زمان، وفي أي ~~مكان، وبأي عدد. وقوله: { ويسألونك عن ذي القرنين.. } ~~[الكهف: 83] نلاحظ أن مادة السؤال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~القرآن أخذت حيزا كبيرا فيه، فقد ورد السؤال للنبي من القوم ست عشرة ~~مرة، إحداها بصيغة الماضي في قوله تعالى: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب.. # [البقرة: 186]. وخمس عشرة مرة بصيغة المضارع، كما في: # يسألونك عن الأهلة.. # [البقرة: 189]. وقوله: # يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير ~~فللوالدين.. # [البقرة: 215]. # يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه.. # [البقرة: 217]. # يسألونك عن الخمر والميسر.. # [البقرة: 219]. # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو.. # [البقرة: 219]. # ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير.. # [البقرة: 220]. # ويسألونك عن المحيض.. # [البقرة: 222]. # يسألونك ماذآ أحل لهم.. # [المائدة: 4]. # يسألونك عن الساعة.. # [الأعراف: 187] ثلاث مرات، [النازعات: 42]. # يسألونك عن الأنفال.. # [الأنفال: 1]. # ويسألونك عن الروح.. # [الإسراء: 85]. { ويسألونك عن ذي القرنين.. } [الكهف: ~~83]. # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا.. # [طه: 105]. خمسة عشر سؤالا بالمضارع، إلا ms6134 أن الجواب عليها مختلف، ~~وكلها صادرة عن الله الحكيم، فلا بد أن يكون اختلاف الجواب في كل ~~سؤال له ملحظ، ومن هذه الأسئلة ما جاء من الخصوم، ومنها ما سأله ~~المؤمنون، السؤال من المؤمنين لرسول الله - وقد نهاهم أن يسألوه حتى ~~يهدأوا - إلحاح منهم في معرفة تصرفاتهم وإن كانت في الجاهلية، إلا ~~أنهم يريدون أن يعرفوا رأي الإسلام فيها، فكأنهم نسوا عادات الجاهلية ~~ويرغبون في أن تشرع كل أمورهم على وفق الإسلام. وبتأمل الإجابة على ~~هذه الأسئلة تجد منها واحدة يأتي الجواب مباشرة دون { قل } وهي في ~~قوله تعالى: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب.. # [البقرة: 186] وواحدة وردت مقرونة بالفاء { فقل } وهي قوله تعالى: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105]. وباقي الأسئلة وردت الإجابة عليها بالفعل { قل } ، فما ~~الحكمة في اقتران الفعل بالفاء في هذه الآية دون غيرها؟ قالوا: حين يقول ~~الحق سبحانه في الجواب { قل } فهذه إجابة على سؤال سئله رسول الله ~~بالفعل، أي: حدث فعلا منهم، أما الفاء فقد أتت في الجواب على سؤال لم ~~يسأله، ولكنه سيسأله مستقبلا. فقوله تعالى: # ويسألونك عن الجبال.. # [طه: 105] سؤال لم يحدث بعد، فالمعنى: إذا سألوك فقل، وكأنه احتياط ~~لجواب عن سؤال سيقع. فإذا قلت: فما الحكمة في أن يأتي الجواب في قوله ~~تعالى: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب.. # [البقرة: 186] خاليا من: قل أو فقل: مع أن { إذا } تقتضي الفاء ~~في جوابها؟ نقول: لأن السؤال هنا عن الله تعالى، ويريد سبحانه وتعالى أن ~~يجيبهم عليه بانتفاء الواسطة من أحد لذلك تأتي الإجابة مباشرة دون ~~واسطة: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع.. # [البقرة: 186]. قوله تعالى: { ويسألونك عن ذي القرنين.. ~~} [الكهف: 83] أي: عن تاريخه وعن خبره والمهمة التي قام بها: { قل ~~سأتلوا عليكم منه ذكرا } [الكهف: 83]. وأي شرف بعد هذا ~~الشرف، إن الحق تبارك وتعالى يتولى التأريخ لهذا الرجل، ويؤرخ له في ~~قرآنه الكريم الذي يتلى ويتعبد به إلى يوم القيامة والذي يتحدى ~~به، ليظل ذكره باقيا بقاء ms6135 القرآن، خالدا بخلوده، ويظل أثره فيما عمل ~~أسوة وقدوة لمن يعمل مثله. إن دل على شيء فإنما يدل على أن ~~العمل الصالح مذكور عند الله قبل أن يذكر عند الخلق. فأي ذكر أبقى ~~من ذكر الله لخبر ذي القرنين وتاريخه؟ و { منه } أي: بعضا من ذكره ~~وتاريخه، لا تاريخه كله. وكلمة ذكر وردت في القرآن الكريم بمعان ~~متعددة، تلتقي جميعها في الشرف والرفعة، وفي التذكر والاعتبار. وإن ~~كانت إذا أطلقت تنصرف انصرافا أوليا إلى القرآن، كما في قوله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] وبعد ذلك تستعمل في أي كتاب أنزله الله تعالى من الكتب ~~السابقة، كما جاء في قوله تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم ~~فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43]. وقد يطلق الذكر على ما يتبع هذا من الصيت والشرف ~~والرفعة وتخليد الاسم، كما في قوله تعالى: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم.. # [الأنبياء: 10]. وقوله تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك.. # [الزخرف: 44]. أي: صيت حسن وشرف ورفعة كون القرآن يذكر هذا الاسم لأن ~~الاسم إذا ذكر في القرآن ذاع صيته ودوى الآفاق. وقلنا في قصة زيد ~~بن حارثة أنه كان عبدا بعد أن خطف من قومه وبيع في مكة لخديجة رضي ~~الله عنها، ثم وهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك أطلقوا عليه زيد ~~بن محمد، فلما علم أهله بوجوده في مكة أتى أبوه وعمه، وكلموا رسول ~~الله في شأن زيد فقال: خيروه. فلما خيروا زيدا قال: ما كنت ~~لأختار على رسول الله أحدا، لذلك أكرمه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وسماه زيد بن محمد، فلما أراد الحق سبحانه أن يبطل التبني، ونزل قوله ~~تعالى: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله وخاتم النبيين.. # [الأحزاب: 40] وقال: # ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله.. # [الأحزاب: 5]. # فلا تقولوا: زيد بن محمد. وقولوا: زيد بن حارثة، وهنا حزن زيد لهذا ~~التغيير، ورأى أنه خسر به شرفا عظيما بانتسابه لمحمد، ولكن الحق ms6136 سبحانه ~~وتعالى يجبر خاطر زيد، ويجعل اسمه علما يتردد في قرآن يتلى ~~ويتعبد به إلى يوم القيامة، فكان زيد هو الصحابي الوحيد الذي ورد ذكره ~~باسمه في كتاب الله في قوله تعالى: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها.. # [الأحزاب: 37]. فأي شرف أعلى وأعظم من هذا الشرف؟ ونلحظ في هذه الآية: # ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله.. # [الأحزاب: 5] أن الحق سبحانه لم يتهم رسوله صلى الله عليه وسلم بالجور، ~~فقال: # هو أقسط عند الله.. # [الأحزاب: 5] فما فعله الرسول كان أيضا قسطا وعدلا، وما أمر الله ~~به هو الأقسط والأعدل. إذن: فذكر ذي القرنين في كتاب الله شرف كبير، ~~وفيه إشارة إلى أن فاعل الخير له مكانته ومنزلته عند الله، ومجازى بأن ~~يخلد ذكره ويبقى صيته بين الناس في الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~إنا مكنا له في الأرض... }. ### || [18.84] # التمكين: أي أننا أعطيناه إمكانات يستطيع بها أن يصرف كل أموره التي ~~يريدها لأنه مأمون على تصريف الأمور على حسب منهج الله، كما قال تعالى ~~في آية أخرى عن يوسف عليه السلام: # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها ~~حيث يشآء.. # [يوسف: 56]. فالتمكين يعني إعطاءه إمكانات لكل غرض يريده فيصرف به ~~الأمور، لكن لماذا مكناه؟ مكناه لأنه مأمون على تصريف الأمور وفق ~~منهج الله، ومأمون على ما أعطاه الله من إمكانات. وقوله: { وآتيناه ~~من كل شيء سببا } [الكهف: 84] أي: أعطيناه أسبابا يصل بها إلى ~~ما يريد، فما من شيء يريده إلا ويجعل الله له وسيلة موصلة إليه. فماذا ~~صنع هو؟ { فأتبع... }. ### || [18.85] # أتبع السبب، أي: لا يذهب لغاية إلا بالوسيلة التي جعلها الله له، فلقد ~~مكن الحق لذي القرنين في الأرض، وأعطاه من كل شيء سببا، ومع ذلك لم ~~يركن ذو القرنين إلى ما أعطى، فلم يتقاعس، ولم يكسل، بل أخذ من عطاء ~~الله له بشيء من كل سبب. ### || [18.86] # وبلوغه مغرب الشمس دليل على أنه لم يكن بهذا المكان، بل كان قادما ~~إليه من المشرق. ومعنى { مغرب الشمس } هل الشمس تغرب؟ ms6137 هي تغرب في ~~عين الرائي في مكان واحد، فلو لاحظت الشمس ساعة الغروب لوجدتها تغرب ~~مثلا في الجيزة، فإذا ذهبت إلى الجيزة وجدتها تغرب في مكان آخر وهكذا، ~~إذن: غروبها بمعنى غيابها من مرأى عينك أنت لأن الشمس لا تغيب أبدا، ~~فهي دائما شارقة غاربة، بمعنى أنها حين تغرب على قوم تشرق على آخرين ~~لذلك تتعدد المشارق والمغارب. وهذه أعطتنا دوام ذكر الله ودورانه على ~~الألسنة في كل الأوقات، فحين نصلي نحن الظهر مثلا يصلي غيرنا العصر، ~~ويصلي غيرهم المغرب، وهكذا فالحق سبحانه مذكور في كل وقت بكل وقت، فلا ~~ينتهي الظهر لله، ولا ينتهي العصر لله، ولا ينتهي المغرب لله، بل لا ~~ينتهي الإعلام بواحدة منها طوال الوقت، وعلى مر الزمن لذلك يقول أهل ~~المعرفة: يا زمن وفيك كل الزمن. ثم يقول تعالى: { وجدها تغرب في ~~عين حمئة.. } [الكهف: 86] أي: في عين فيها ماء. وقلنا: إن الحمأ ~~المسنون هو الطين الذي اسود لكثرة وجوده في الماء. وفي تحقيق هذه ~~المسألة قال عالم الهند أبو الكلام آزاد، ووافقه فضيلة المرحوم الشيخ عبد ~~الجليل عيسى، قال: عند موضع يسمى أزمير. وقوله: { ووجد عندها ~~قوما.. } [الكهف: 86] أي: عند هذه العين { قلنا يذا ~~القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم ~~حسنا } [الكهف: 86] إذن: فهذا تفويض له من الله، ولا يفوض إلا ~~المأمون على التصرف { إمآ أن تعذب.. } [الكهف: 86] ولا بد ~~أنهم كانوا كفرة أو وثنيين لا يؤمنون بإله، فإما أن تأخذهم بكفرهم، وإما ~~أن تتخذ فيهم حسنا. لكن ما وجه الحسن الذي يريد الله أن يتخذه؟ ~~يعني أنهم قد يكونون من أهل الغفلة الذين لم تصلهم الدعوة، فبين لهم وجه ~~الصواب ودلهم على دين الله، فمن آمن منهم فأحسن إليه، ومن أصر على ~~كفره فعذبه، إذن: عليك أن تأخذهم أولا بالعظة الحسنة والبيان ~~الواضح، ثم تحكم بعد ذلك على تصرفاتهم. ثم يقول الحق سبحانه: { قال ~~أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه... ~~}. ### || [18.87] # قوله: { فسوف نعذبه.. } [الكهف: 87] يعطينا إشارة إلى ms6138 المهلة ~~التي سيعطيها لهؤلاء، مهلة تمكنه أن يعظهم ويذكرهم ويفهمهم ~~مطلوبات دين الله. وسبق أن قلنا: إن الظلم أنواع، أفظعها وأعلاها الشرك ~~بالله، كما قال تعالى: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. ثم يقول تعالى: { ثم يرد إلى ربه ~~فيعذبه عذابا نكرا } [الكهف: 87]. فلن نعذبه على قدر ~~ما فعل، بل نعذبه عقوبة دنيوية فقط لأن العقوبات الدنيوية شرعت لحفظ ~~توازن المجتمع، وردع من لا يرتدع بالموعظة، وإلا فما فائدة الموعظة ~~في غير المؤمن؟ لذلك نرى الأمم التي لا تؤمن بإله، ولا بالقيامة والآخرة ~~تشرع هذه العقوبات الدنيوية لتستقيم أوضاعها. وبعد عذاب الدنيا ~~وعقوبتها هناك عذاب أشد في الآخرة { عذابا نكرا } [الكهف: 87] ~~والشيء النكر: هو الذي لا نعرفه، ولا عهد لنا به أو ألفة لأننا حينما ~~نعذب في الدنيا نعذب بفطرتنا وطاقتنا، أما عذاب الله في الآخرة فهو ~~شيء لا نعرفه، وفوق مداركنا وإمكاناتنا. ثم يقول الحق سبحانه: { وأما ~~من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى... }. ### || [18.88] # قوله: { فله جزآء الحسنى.. } [الكهف: 88] أي: نعطيه الجزاء ~~الحسن { وسنقول له من أمرنا يسرا } [الكهف: 88] نقول له ~~الكلام الطيب الذي يشجعه ويحفزه، وإن كلفناه كلفناه بالأمر ~~اليسير غير الشاق. وهذه الآية تضع لنا أساس عملية الجزاء التي هي ميزان ~~المجتمع وسبب نهضته، فمجتمع بلا جزاءات تثيب المجد وتعاقب المقصر ~~مجتمع ينتهي إلى الفوضى والتسيب، فإن أمن الناس العقاب تكاسلوا، ~~وربما ما تعانيه مصر الآن من سوء الإدارة راجع إلى ما في المجتمع من ~~أشخاص فوق القانون لا نستطيع معاقبتهم فيتسيب الآخرون. وكذلك نرى ~~المراتب والجوائز يظفر بها من لا يعمل، ويظفر بها من يتقرب ويتودد ~~ويتملق وينافق، ولهؤلاء أساليبهم الملتوية التي يجيدونها، أما الذي يجد ~~ويعمل ويخلص فهو منهك القوى مشغول بإجادة عمله وإتقانه، لا وقت لديه ~~لهذه الأساليب الملتوية، فهو يتقرب بعمله وإتقانه، وهذا الذي يستحق ~~التكريم ويستحق الجائزة. ولك أن تتصور مدى الفساد والتسيب الذي تسببه ~~هذه الصورة المقلوبة المعوجة. إذن: فميزان المجتمع وأساس نهضته: { أما ~~من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ms6139 ربه ~~فيعذبه عذابا نكرا * وأما من آمن وعمل ~~صالحا فله جزآء الحسنى وسنقول له من أمرنا ~~يسرا } [الكهف: 87-88]. فما أجمل أن نرصد المكافآت التشجيعية ~~والجوائز، ونقيم حفلات التكريم للمتميزين والمثاليين، شريطة أن يقوم ~~ميزان الاختيار على الحق والعدل. والحسنى: أفعل التفضيل المؤنث لحسن، ~~فإذا أعطيناه الحسنى فالحسن من باب أولى، ومن هذا قوله تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة.. # [يونس: 26]. ### || [18.89] # أي: ذهب إلى مكان آخر. ### || [18.90] # قوله تعالى: { مطلع الشمس.. } [الكهف: 90] كما قلنا في مغربها، ~~فهي دائما طالعة لأنها لا تطلع من مكان واحد، بل كل واحد له مطلع، وكل ~~واحد له مغرب حسب اتساع الأفق. ثم يقول تعالى: { وجدها تطلع ~~على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا } [الكهف: ~~90] الستر: هو الحاجز بين شيئين، وهو إما ليقيني الحر أو ليقيني ~~البرد، فقد ذهب ذو القرنين إلى قوم من المتبدين الذين يعيشون عراة كبعض ~~القبائل في وسط أفريقيا مثلا، أو ليس عندهم ما يسترهم من الشمس مثل ~~البيوت يسكنونها، أو الأشجار يستظلون بها. وهؤلاء قوم نسميهم " ضاحون " ~~أي: ليس لهم ما يأويهم من حر الصيف أو برد الشتاء، وهم أناس ~~متأخرون بدائيون غير متحضرين. ومثل هؤلاء يعطيهم الله تعالى في جلودهم ما ~~يعوضهم عن هذه الأشياء التي يفتقدونها، فترى في جلودهم ما يمنحهم ~~الدفء في الشتاء والبرودة في الصيف. وهذا نلاحظه في البيئات العادية، حيث ~~وجه الإنسان وهو مكشوف للحر وللبرد، ولتقلبات الجو، لذلك جعله الله على ~~طبيعة معينة تتحمل هذه التقلبات، على خلاف باقي الجسم المستور بالملابس، ~~فإذا انكشف منه جزء كان شديد الحساسية للحر أو للبرد، وكذلك من ~~الحيوانات ما منحها الله خاصية في جلودها تستطيع أن تعيش في القطب ~~المتجمد دون أن تتأثر ببرودته. وهؤلاء البدائيون يعيشون هكذا، ويتكيفون ~~مع بيئتهم، لا تشغلهم مسألة الملابس هذه، ولا يفكرون فيها، حتى يذهب ~~إليهم المتحضرون ويرون الملابس، وكيف أنها زينة وستر للعورة ~~فيستخدمونها. ونلاحظ هنا أن القرآن لم يذكر لنا عن هؤلاء القوم شيئا، ~~وماذا فعل ذو القرنين ms6140 معهم، وإن قسنا الأمر على القوم السابقين الذين ~~قابلهم عند مغرب الشمس نقول: ربما حضرهم ووفر لهم أسباب الرقي. ~~وبعض المفسرين يرون أن ذا القرنين ذهب إلى موضع يومه ثلاثة أشهر، أو ~~نهاره ستة أشهر، فصادف وصوله وجود الشمس فلم ير لها غروبا في هذا ~~المكان طيلة وجوده به، ولم ير لها سترا يسترها عنهم، ويبدو أنه ذهب ~~في أقصى الشمال. ويقول الحق سبحانه: { كذلك وقد أحطنا ~~بما... }. ### || [18.91] # كذلك: يعني ذهب كذلك، كما ذهب للمغرب ذهب للمشرق. ### || [18.92] # ذهب إلى مكان آخر. ### || [18.93] # السد: هو الحاجز بين شيئين، والحاجز قد يكون أمرا معنويا، وقد يكون ~~طبيعيا محسوسا كالجبال، فالمراد بالسدين هنا جبلان بينهما فجوة، وما ~~دام قد قال: { بين السدين } فالبين هنا يقتضي وجود فجوة بين ~~السدين يأتي منها العدو. { وجد من دونهما.. } [الكهف: 93] أي: ~~تحتهما { قوما لا يكادون يفقهون قولا } [الكهف: 93] أي: ~~لا يعرفون الكلام، ولا يفقهون القول لأن الذي يقدر أن يفهم يقدر أن ~~يتكلم، وهؤلاء لا يقولون كلاما، ولا يفهمون ما يقال لهم، ومعنى: { ~~لا يكادون.. } [الكهف: 93] لا يقربون من أن يفهموا، فلا ينفي عنهم ~~الفهم، بل مجرد القرب من الفهم، وكأنه لا أمل في أن يفهمهم. لكن، ~~كيف نفى عنهم الكلام، ثم قال بعدها مباشرة: # قالوا يذا القرنين.. # [الكهف: 94] فأثبت لهم القول؟ يبدو أنه خاطبهم بلغة الإشارة، واحتال على ~~أن يجعل من حركاتهم كلاما يفهمه وينفذ لهم ما يريدون، ولا شك أن هذه ~~العملية احتاجت منه جهدا وصبرا حتى يفهمهم ويفهم منهم، وإلا فقد كان ~~في وسعه أن ينصرف عنهم بحجة أنهم لا يتكلمون ولا يتفاهمون. فهو مثال ~~للرجل المؤمن الحريص على عمل الخير، والذي لا يألو جهدا في نفع ~~القوم وهدايتهم. والإشارة أصبحت الآن لغة مشهورة ومعروفة، ولها قواعد ~~ودارسون يتفاهمون بها، كما نتفاهم نحن الآن مع الأخرس. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { قالوا يذا القرنين... }. ### || [18.94] # المراد بالقول هنا: دلالة معبرة تعبير القول، فلا بد أنهم تعارفوا ~~على شيء كالإشارة مثلا يتفاهمون به. ويأجوج ms6141 ومأجوج قوم خلف السدين أو ~~الجبلين، ينفذون إليهم من هذه الفجوة، فيؤذونهم ويعتدون عليهم لذلك عرضوا ~~عليه أن يجعلوا له { خرجا } أي: أجرا وخراجا يدفعونه إليه على أن ~~يسد لهم هذه الفجوة، فلا ينفذ إليهم أعداؤهم. ثم يقول الحق - تبارك ~~وتعالى - عن ذي القرنين أنه: { قال ما مكني فيه ربي ~~خير... }. ### || [18.95] # والقول هنا أيضا قول دلالة وإشارة تفهمهم أنه في غنى عن الأجر، ~~فعنده الكثير من الخير الذي أعطاه الله، إنما هو في حاجة إلى قوة بشرية ~~عاملة تعينه، وتقوم معه بتنفيذ هذا العمل. ونفهم من الآية أن المعونة ~~من الممكن في الأرض المالك للشيء يجب أن تكون حسبة لله، وأن تعين ~~معونة لا تحوج الذي تعينه إلى أن تعينه كل وقت، بل أعنه إعانة تغنيه أن ~~يحتاج إلى المعونة فيما بعد، كأن تعلمه أن يعمل بنفسه بدل أن تعطيه ~~مثلا مالا ينفقه في يومه وساعته ثم يعود محتاجا لذلك يقولون: لا ~~تعطني سمكة، ولكن علمني كيف أصطاد، وهكذا تكون الإعانة مستمرة دائمة، ~~لها نفس، ولها عمر. ولما كان ذو القرنين ممكنا في الأرض، وفي يده ~~الكثير من الخيرات والأموال، فهو في حاجة لا إلى مال بل إلى الطاقة ~~البشرية العاملة، فقال: { فأعينوني بقوة.. } [الكهف: 95] أي: ~~قوة وطاقة بشرية قوية مخلصة { أجعل بينكم وبينهم ردما ~~} [الكهف: 95]. ولم يقل: سدا لأن السد الأصم يعيبه أنه إذا حصلت ~~رجة مثلا في ناحية منه ترج الناحية الأخرى لذلك أقام لهم ردما أي: ~~يبني حائطا من الأمام وآخر من الخلف، ثم يجعل بينهما ردما من التراب ~~ليكون السد مرنا لا يتأثر إذا ما طرأت عليه هزة أرضية مثلا، فيكون به ~~التراب مثل " السوست " التي تمتص الصدمات. والردم أن تضع طبقات التراب ~~فوق بعضها، حتى تردم حفرة مثلا وتسويها بالأرض، ومن ذلك ما نسمعه ~~عندما يعاتب أحدهم صاحبه، وهو لا يريد أن يسمع، فيقول له: اردم على هذا ~~الموضوع. ### || [18.96] # لم يكن ذو القرنين رجلا رحالة، يسير هكذا بمفرده، بل مكنه الله من ~~أسباب ms6142 كل شيء، ومعنى ذلك أنه لم يكن وحده، بل معه جيش وقوة وعدد وآلات، ~~معه رجال وعمال، معه القوت ولوازم الرحلة، وكان بمقدوره أن يأمر رجاله ~~بعمل هذا السد، لكنه أمر القوم وأشركهم معه في العمل ليدربهم ~~ويعلمهم ما داموا قادرين، ولديهم الطاقة البشرية اللازمة لهذا العمل. ~~والحق - تبارك وتعالى - يقول: # لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها.. # [الطلاق: 7] فما دام ربك قد أعطاك القوة فاعمل، ولا تعتمد على الآخرين ~~لذلك تجد هنا أوامر ثلاثة: أعينوني بقوة، آتوني زبر الحديد، آتوني أفرغ ~~عليه قطرا. زبر الحديد: أي قطع الحديد الكبيرة ومفردها زبرة، ~~والقطر: هو النحاس المذاب، لكن، كيف بنى ذو القرنين هذا السد من الحديد ~~والنحاس؟ هذا البناء يشبه ما يفعله الآن المهندسون في المعمار بالحديد ~~والخرسانة لكنه استخدم الحديد، وسد ما بينه من فجوات بالنحاس المذاب ~~ليكون أكثر صلابة، فلا يتمكن الأعداء من خرقه، وليكون أملس ناعما فلا ~~يتسلقونه، ويعلون عليه. فقوله: { حتى إذا ساوى بين ~~الصدفين.. } [الكهف: 96] الصدف: الجانب، ومنه قوله تعالى: # فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها.. # [الأنعام: 157] أي: مال عنها جانبا. فمعنى: ساوى بين الصدفين. أي: ساوى ~~الحائطين الأمامي والخلفي بالجبلين: { قال انفخوا.. } [الكهف: 96] ~~أي: في الحديد الذي أشعل فيه، حتى إذا التهب الحديد نادى بالنحاس ~~المذاب: { قال آتوني أفرغ عليه قطرا } [الكهف: 96] ~~وهكذا انسبك الحديد الملتهب مع النحاس المذاب، فأصبح لدينا حائط ~~صلب عال أملس. لذلك قال تعالى بعدها: { فما اسطاعوا أن ~~يظهروه... }. ### || [18.97] # { أن يظهروه } أي: ما استطاعت يأجوج ومأجوج أن يعلوا السد أو ~~يتسلقوه وينفذوا من أعلاه لأنه ناعم أملس، ليس به ما يمكن الإمساك به: { ~~وما استطاعوا له نقبا } [الكهف: 97] لأنه صلب. ثم يقول ~~تعالى على لسان ذي القرنين: { قال هذا رحمة من ربي... }. ### || [18.98] # لم يفت ذا القرنين - وهو الرجل الصالح - أن يسند النعمة إلى المنعم ~~الأول، وأن يعترف بأنه مجرد واسطة وأداة لتنفيذ أمر الله: { قال ~~هذا رحمة من ربي فإذا جآء وعد ربي } [الكهف: ~~98] لأنني أخذت المقومات ms6143 التي منحني الله إياها، واستعملتها في خدمة ~~عباده. الفكر مخلوق لله، والطاقة والقوة مخلوقة لله، المواد والعناصر في ~~الطبيعة مخلوقة لله، إذن: فما لي أن أقول: أنا عملت كذا وكذا؟ ثم يقول ~~تعالى: { فإذا جآء وعد ربي.. } [الكهف: 98] أي: الآخرة { ~~جعله دكآء.. } [الكهف: 98] فإياكم أن تظنوا أن صلابة هذا السد ~~ومتانته باقية خالدة، إنما هذا عمل للدنيا فحسب، فإذا أتى وعد الله ~~بالآخرة والقيامة جعله الله دكا وسواه بالأرض، ذلك لكي لا يغترون به ~~ولا يتمردون على غيرهم بعد أن كانوا مستذلين مستضعفين ليأجوج ومأجوج. ~~وكأنه يعطيهم رصيدا ومناعة تقيهم الطغيان بعد الاستغناء. { وكان ~~وعد ربي حقا } [الكهف: 98] واقعا لا شك فيه. والتحقيق ~~الأخير في مسألة ذي القرنين وبناء السد أنه واقع بمكان يسمى الآن بلخ ~~والجبلان من جبال القوقاز، وهما موجودان فعلا، وبينهما فجوة مبني ~~فيها، ويقولون: إن صاحب هذا البناء هو قورش، وهذا المكان الآن بين بحر ~~قزوين والبحر الأسود. ثم يقول الحق سبحانه: { وتركنا بعضهم ~~يومئذ... }. ### || [18.99] # فإذا كانت القيامة تركناهم يموج بعضهم في بعض، كموج الماء لا تستطيع أن ~~تفرق بعضهم من بعض، كما أنك لا تستطيع فصل ذرات الماء في الأمواج، يختلط ~~فيهم الحابل بالنابل، والقوي بالضعيف، والخائف بالمخيف، فهم الآن في ~~موقف القيامة، وقد انتهت العداوات الدنيوية، وشغل كل إنسان بنفسه. ~~وقوله تعالى: { ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا } [الكهف: ~~99]. وهذه هي النفخة الثانية لأن الأولى نفخة الصعق، كما قال تعالى: # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # [الزمر: 68]. فالنفخة الأولى نفخة الصعق، والثانية نفخة البعث ~~والقيامة، والصعق قد يكون مميتا، وقد يكون مغميا لفترة ثم يفيق ~~صاحبه، فالصعق المميت كما في قوله تعالى: # وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين * ~~فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ~~ينظرون # [الذاريات: 43-44]. أما الصعقة التي تسبب الإغماء فهي مثل التي ~~حدثت لموسى - عليه السلام - حينما قال: # قال رب أرني أنظر ms6144 إليك قال لن تراني ولكن ~~انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني ~~فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا ~~أول المؤمنين # [الأعراف: 143]. فالجبل الأشم الراسي الصلب اندك لما تجلى له ~~الله، وخر موسى مصعوقا مغمى عليه، وإذا كان موسى قد صعق من رؤية ~~المتجلى عليه، فكيف برؤية المتجلي سبحانه؟ وكأن الحق سبحانه أعطى ~~مثلا لموسى - عليه السلام - فقال له: ليست ضنينا عليك بالرؤية، ولكن ~~قبل أن تراني انظر إلى الجبل أولا ليكون لك مثالا، إذن: لا يمنع القرآن ~~أن يتجلى الله على الخلق، لكن هل نتحمل نحن تجلي الله؟ فمن رحمة الله ~~بنا ألا يتجلى لنا على الحالة التي نحن عليها في الدنيا. أما في ~~الآخرة، فإن الخالق سبحانه سيعدنا إعدادا آخر، وسيخلقنا خلقة تناسب ~~تجليه سبحانه على المؤمنين في الآخرة لأنه سبحانه القائل: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]. وسوف نلحظ هذا الإعداد الجديد في كل أمور الآخرة، ~~ففيها مثلا تقتاتون ولا تتغوطون لأن طبيعتكم في الآخرة غير طبيعتكم في ~~الدنيا. لذلك جاء السؤال من موسى - عليه السلام - سؤالا علميا دقيقا: # رب أرني أنظر إليك.. # [الأعراف: 143] أي: أرني كيفية النظر إليك لأني بطبيعتي وتكويني لا ~~أراك، إنما إن أريتني أنت أرى. وفي ضوء هذه الحادثة لموسى - عليه السلام ~~- نفهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون ~~أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، ~~فلا أدري أكان فيمن صعق، أم حوسب بصعقة الأولى ". # قالوا: لأنه صعق مرة في الدنيا، ولا يجمع الله تعالى على عبده ~~صعقتين. ثم يقول الحق سبحانه: { وعرضنا جهنم يومئذ... ~~}. ### || [18.100] # أي: تعرض عليهم ليروها ويشاهدوها، وهذا العرض أيضا للمؤمنين، كما ~~جاء في قوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها.. # [مريم: 71] والبعض يظن أن واردها يعني: داخلها، لا بل واردها بمعنى: ~~يراها ويمر بها، فقد ترد الماء بمعنى تصل إليه دون ms6145 أن تشرب منه ذلك ~~لأن الصراط الذي سيمر على الجميع مضروب على ظهر جهنم ليراها المؤمن ~~والكافر. أما المؤمن فرؤيته للنار قبل أن يدخل الجنة تريه مدى نعمة ~~الله عليه ورحمته به، حيث نجاه من هذا العذاب، ويعلم فضل الإيمان عليه، ~~وكيف أنه أخذ بيده حتى مر من هذا المكان سالما. لذلك يذكرنا الحق ~~سبحانه بهذه المسألة فيقول: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185]. أما الكافر فسيعرض على النار ويراها أولا، فتكون ~~رؤيته لها قبل أن يدخلها رؤية الحسرة والندامة والفزع لأنه يعلم أنه ~~داخلها، ولن يفلت منها. وقد وردت هذه المسألة في سورة التكاثر حيث ~~يقول تعالى: # ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا ~~سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو ~~تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم ~~لترونها عين اليقين * ثم لتسألن يومئذ عن ~~النعيم # [التكاثر: 1-8]. والمراد: لو أنكم تأخذون عني العلم اليقيني فيما ~~أخبركم به عن النار وعذابها لكنتم كمن رآها، لأنني أنقل لكم الصورة ~~العلمية الصادقة لها، وهذا ما نسميه علم اليقين، أما في الآخرة فسوف ~~ترون النار عينها. وهذا هو عين اليقين أي: الصورة العينية التي ستتحقق ~~يوم القيامة حين تمرون على الصراط. وبرحمة الله بالمؤمنين وبفضله وكرمه ~~تنتهي علاقة المؤمن بالنار عند هذا الحد، وتكتب له النجاة لذلك قال ~~تعالى بعدها: # ثم لتسألن يومئذ عن النعيم # [التكاثر: 8]. أما الكافر والعياذ بالله فله مع النار مرحلة ثالثة هي ~~حق اليقين، يوم يدخلها ويباشر حرها، كما قال تعالى: # وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من ~~حميم * وتصلية جحيم * إن هذا لهو حق اليقين ~~* فسبح باسم ربك العظيم # [الواقعة: 92-96]. إذن: عندنا علم اليقين، وهو الصورة العلمية للنار، ~~والتي أخبرنا بها الحق سبحانه وتعالى، وأن من صفات النار كذا وكذا ~~وحذرنا منها، ونحن في بحبوحة الدنيا وسعتها. وعين اليقين: في ~~الآخرة عندما نمر على الصراط، ونرى النار رؤيا العين. ثم حق اليقين: ~~وهذه للكفار حين يلقون فيها ويباشرونها فعلا. وقد ضربنا لذلك ms6146 مثلا: ~~لو قلت لك: توجد مدينة اسمها نيويورك وبها ناطحات سحاب، وأنها تقع على ~~سبع جزر، ومن صفاتها كذا وكذا فأعطيك عنها صورة علمية صادقة، فإن ~~صدقتني فهذا علم يقين. فإن مررنا عليها بالطائرة ورأيتها رأي ~~العين فهذا عين اليقين، فإن نزلت بها وتجولت خلالها فهذا حق ~~اليقين. إذن: فقوله تعالى: { وعرضنا جهنم يومئذ ~~للكافرين عرضا } [الكهف: 100] ليس كعرضها على المؤمنين، بل هو ~~عرض يتحقق فيه حق اليقين بدخولها ومباشرتها. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ الذين كانت أعينهم... }. ### || [18.101] # أي: على أبصارهم غشاوة تمنعهم إدراك الرؤية، ليس هذا وفقط، بل: { ~~وكانوا لا يستطيعون سمعا } [الكهف: 101]. والمراد هنا ~~السمع الذي يستفيد منه السامع، سمع العبرة والعظة، وإلا فآذانهم ~~موجودة وصالحة للسمع، ويسمعون بها، لكنه سماع لا فائدة منه لأنهم ~~ينفرون من سماع الحق ومن سماع الموعظة ويسدون دونها آذانهم، فهم في ~~الخير أذن من طين، وأذن من عجين كما نقول. أما المؤمنون فيقول الحق تبارك ~~وتعالى فيهم: # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق.. # [المائدة: 83]. إذن: فكراهية أولئك للمسموع جعلتهم كأنهم لا سمع لهم، ~~كما نقول نحن في لغتنا العامية: أنت مطنش عني، يعني: لا تريد أن تسمع، ~~ومن أقوال أهل الفكاهة: قال الرجل لصاحبه: فيك من يكتم السر؟ قال: ~~نعم، قال: أعطني مائة جنيه، قال: كأني لم أسمع. ولذلك حكى القرآن عن ~~كفار مكة قولهم: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون # [فصلت: 26]. يعني: شوشوا عليه، ولا تعطوا الناس فرصة لسماعه، ولو ~~أنهم علموا أن القرآن لا يؤثر في سامعه ما قالوا هذا، لكنهم بأذنهم ~~العربية وملكتهم الفصيحة يعلمون جيدا أن القرآن له تأثير في سامعه ~~تأثيرا يملك جوانب نفسه، ولا بد لهذا العربي الفصيح أن يهتز ~~للقرآن، ولا بد أنه سيعرف أنه معجز، وأنه غير قول البشر، وحتما ~~سيدعوه هذا إلى الإيمان بأن هذا الكلام كلام الله، وأن محمدا رسول الله ~~لذلك قال بعضهم لبعض محذرا: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا ms6147 فيه.. # [فصلت: 26]. وفي آية أخرى يقول الحق تبارك وتعالى: # ويل لكل أفاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى ~~عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها ~~فبشره بعذاب أليم # [الجاثية: 7-8]. وقد يتعدى الأمر مجرد السماع إلى منع الكلام كما جاء ~~في قوله تعالى: # ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح ~~وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا ~~الله جآءتهم رسلهم بالبينات فردوا ~~أيديهم في أفواههم.. # [إبراهيم: 9]. فليس الأمر منع الاستماع، بل أيضا منع الكلام، فربما ~~تصل كلمة إلى آذانهم وهم في حالة انتباه فتؤثر فيهم، أي منعوهم الكلام ~~كما يقال: اسكت، أو أغلق فمك. ثم يقول الحق سبحانه: { أفحسب ~~الذين كفروا... }. ### || [18.102] # قوله تعالى: { أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا ~~عبادي من دوني أوليآء.. } [الكهف: 102] يعني: أعموا عن ~~الحق فظنوا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء؟ وسبق أن تحدثنا عن كلمة ~~عبادي وقلنا: إنهم المؤمنون بي المحبون لي، الذين اختاروا مرادات الله ~~على اختيارات نفوسهم، وفرقنا بين عبيد وعباد. والكلام هنا عن الذين ~~كفروا الذين اتخذوا عباد الله المقربين إليه المحبين له أولياء من دون ~~الله، كما قال تعالى: # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون.. # [النساء: 172]. فكيف تتخذونهم أولياء من دوني وتعاندونني بهم وهم أحبتي؟ ~~يقول تعالى: # وقالت النصارى المسيح ابن الله.. # [التوبة: 30] ومنهم من قال: الملائكة بنات الله، فكيف تتخذونهم أولياء ~~من دون الله وهم لا يستنكفون أن يكونوا عبادا لله، ويرون شرفهم ~~وعزتهم في عبوديتهم له سبحانه، فإذا بكم تتخذونهم أولياء من دوني، ويا ~~ليتكم جعلتم ذلك في أعدائي، فهذا منهم تغفيل حتى في اتخاذ الشركاء لذلك ~~كان جزاءهم أن نعد لهم جهنم: { إنآ أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا } [الكهف: 102] والنزل: ما يعد لإكرام ~~الضيف كالفنادق مثلا، فهذا من التهكم بهم والسخرية منهم. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { قل هل ننبئكم بالأخسرين... }. ### || [18.103] # قل أي: يا محمد { هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا } ~~[الكهف: 103] الأخسر: اسم تفضيل من خاسر، فأخسر يعني أكثر خسارة ~~أعمالا أي: خسارتهم بسبب أعمالهم. ms6148 وهؤلاء الأخسرين هم: { الذين ~~ضل سعيهم... }. ### || [18.104] # وقد ضل سعي هؤلاء لأنهم يفعلون الشر، ويظنون أنه خير، فهم ضالون من ~~حيث يظنون الهداية. ومن ذلك ما نراه من أعمال الكفار حيث يبنون ~~المستشفيات والمدارس وجمعيات الخير والبر، وينادون بالمساواة وغيرها من ~~القيم الطيبة، ويحسبون بذلك أنهم أحسنوا صنعا وقدموا خيرا، لكن ~~هل أعمالهم هذه كانت لله؟ الواقع أنهم يعملونها للناس وللشهرة وللتاريخ، ~~فليأخذوا أجورهم من الناس ومن التاريخ تعظيما وتكريما وتخليدا ~~لذكراهم. ومعنى: { ضل سعيهم.. } [الكهف: 104] أي: بطل وذهب، ~~وكأنه لا شيء، مثل السراب كما صورهم الحق سبحانه في قوله: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا.. # [النور: 39]. وهؤلاء لا يبخسهم الله حقوقهم، ولا يمنعهم الأجر لأنهم ~~أحسنوا الأسباب، لكن هذا الجزاء يكون في الدنيا لأنهم لما عملوا وأحسنوا ~~الأسباب عملوا للدنيا، ولا نصيب لهم في جزاء الآخرة. وقد أوضح الحق ~~سبحانه وتعالى هذه المسألة في قوله تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. ومع ذلك يبقي للكافر حقه، فلا يجوز لأحد من المؤمنين ~~أن يظلمه أو يعتدي عليه، وفي حديث سيدنا جابر بن عبد الله - رضي الله ~~عنه - قال: # " سمعت أن محدثا حدث عن رسول الله بحديث أحببت ألا أموت، أو ~~يموت هو حتى أسمعه منه، فسألت عنه فقيل: إنه ذهب إلى الشام، قال: فاشتريت ~~ناقة ورحلتها، وسرت شهرا إلى أن وصلت إلى الشام، فسألت عنه فقيل: ~~إنه عبد الله بن أنيس، فلما ذهبت قال له خادمه: إن جابر بن عبد الله ~~بالباب، قال جابر: فخرج ابن أنيس وقد وطئ ثيابه من سرعته. قال عبد ~~الله: واعتنقا. قال جابر: حدثت أنك حدثت حديثا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " إن الله ينادي يوم القيامة: يا ملائكتي، أنا الملك، أنا ~~الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل ms6149 ~~الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ~~وله عند أحد من أهل النار حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة ". # فانظر إلى دقة الميزان وعدالة السماء التي تراعي حق الكافر، ~~فتقتص له قبل أن يدخل النار، حتى ولو كان ظالمه مؤمنا. وفي قوله ~~تعالى: { ضل سعيهم في الحياة الدنيا.. } [الكهف: 104] ~~جاءت كلمة الضلال في القرآن الكريم في عدة استعمالات يحددها السياق ~~الذي وردت فيه. فقد يأتي الضلال بمعنى الكفر، وهو قمة الضلال وقمة ~~المعاصي، كما جاء في قول الحق تبارك وتعالى: # أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من ~~قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سوآء ~~السبيل # [البقرة: 108]. ويطلق الضلال، ويراد به المعصية حتى من المؤمن، كما ~~جاء في قوله تعالى: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ~~ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا # [الأحزاب: 36]. ويطلق الضلال، ويراد به أن يغيب في الأرض، كما في ~~قوله تعالى: # أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد.. # [السجدة: 10]. يعني: غبنا فيها واختفينا. ويطلق الضلال ويراد به ~~النسيان، كما في قوله تعالى: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى.. # [البقرة: 282]. ويأتي الضلال بمعنى الغفلة التي تصيب الإنسان فيقع في ~~الذنب دون قصد. كما جاء في قصة موسى وفرعون حينما وكز موسى الرجل فقضى ~~عليه، فلما كلمه فرعون قال: # فعلتهآ إذا وأنا من الضالين # [الشعراء: 20]. أي: قتلته حال غفلة ودون قصد، ومن يعرف أن الوكزة ~~تقتل؟ والحقيقة أن أجل الرجل جاء مع الوكزة لا بها. ويحدث كثيرا أن ~~واحدا تدهسه سيارة وبتشريح الجثة يتبين أنه مات بالسكتة القلبية التي ~~صادفت حادثة السيارة. ويأتي الضلال بمعنى: ألا تعرف تفصيل الشيء، كما ~~في قوله تعالى: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7] أي: لا يعرف ما هذا الذي يفعله قومه من الكفر. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { أولئك الذين كفروا... }. ### || [18.105] # { كفروا بآيات ربهم.. } [الكهف: 105] والآيات تطلق ثلاثة ~~إطلاقات، وقد كفروا بها ms6150 جميعا وكذبوا، كفروا بآيات الكون الدالة على ~~قدرة الله، فلم ينظروا فيها ولم يعتبروا بها، وكفروا بآيات الأحكام ~~والقرآن والبلاغ من رسول الله، وكذلك كفروا بآيات المعجزات التي أنزلها ~~الله لتأييد الرسل فلم يصدقوها. إذن: كلمة: { بآيات ربهم.. } ~~[الكهف: 105] هنا عامة في كل هذه الأنواع. ولقائه أي: وكفروا أيضا بلقاء ~~الله يوم القيامة، وكذبوا به، فمنهم من أنكره كلية فقال: # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون # [المؤمنون: 82]. ومنهم من اعترف ببعث على هواه، فقال: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36]. ومنهم من قال: إن البعث بالروح دون الجسد وقالوا في ذلك ~~كلاما طويلا، إذن: إما ينكرون البعث، وإما يصورونه بصورة ليست هي ~~الحقيقة. ثم يقول تعالى: { فحبطت أعمالهم.. } [الكهف: 105] ~~أي: بطلت وذهب نفعها { فلا نقيم لهم يوم القيامة ~~وزنا } [الكهف: 105]. وقد اعترض المستشرقون على هذه الآية { فلا ~~نقيم لهم يوم القيامة وزنا } [الكهف: 105] وقالوا: كيف ~~نوفق بينها وبين الآيات التي تثبت الميزان، كما في قوله تعالى: # ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم ~~نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا ~~بها وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء: 47]. وقوله تعالى: # فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * ~~فأمه هاوية * ومآ أدراك ما هيه * نار حامية # [القارعة: 7-11]. ونقول: إن العلماء في التوفيق بين هذه الآيات قالوا: ~~المراد بقوله تعالى: { فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ~~} [الكهف: 105] جاءت على سبيل الاحتقار وعدم الاعتبار، فالمراد لا وزن ~~لهم عندنا أي: لا اعتبار لهم، وهذه نستعملها الآن في نفس هذا المعنى ~~نقول: فلان لا وزن له عندي. أي: لا قيمة له. وبالبحث في هذه الآية ~~وتدبرها تجد أن القرآن الكريم يقول: { فلا نقيم لهم.. } [الكهف: ~~105] ولم يقل: عليهم، إذن: الميزان موجود، ولكنه ليس في صالحهم، ~~فالمعنى: لا نقيم لهم ميزانا لهم، بل نقيم لهم ميزانا عليهم. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ذلك جزآؤهم جهنم.... }. ### || [18.106] # ذلك أي: ما كان من إحباط أعمالهم، وعدم إقامتنا لهم وزنا ليس تجنيا ~~منا عليهم ms6151 أو ظلما لهم، بل جزاء لهم على كفرهم فقوله { بما ~~كفروا.. } [الكهف: 106] أي: بسبب كفرهم. { واتخذوا آياتي ~~ورسلي هزوا } [الكهف: 106] فقد استهزأوا بآيات الله، وكلما سمعوا ~~آية قالوا: أساطير الأولين: # إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين # [القلم: 15]. وكذلك لم يسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سخريتهم ~~واستهزائهم، والقرآن يحكي عنهم قولهم لرسول الله: # يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر: 6] فقولهم # نزل عليه الذكر.. # [الحجر: 6] أي: القرآن وهم لا يؤمنون به سخرية واستهزاء. وفي سورة " ~~المنافقون " يقول القرآن عنهم: # هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله حتى ينفضوا.. # [المنافقون: 7] فقولهم: # رسول الله.. # [المنافقون: 7] ليس إيمانا به، ولكن إما غفلة منهم عن الكذب الذي ~~يمارسونه، وإما سخرية واستهزاء كما لو كنت في مجلس، ورأيت أحدهم ~~يدعي العلم ويتظاهر به فتقول: اسألوا هذا العالم. وفي آية أخرى يقول ~~سبحانه عن استهزائهم برسول الله: # وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ~~لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون # [القلم: 51]. ثم يتحدث القرآن عن المقابل لهؤلاء، فيقول: { إن ~~الذين آمنوا وعملوا... }. ### || [18.107] # قوله: { إن الذين آمنوا.. } [الكهف: 107] سبق أن قلنا: إن ~~الإيمان هو تصحيح الينبوع الوجداني العقدي لتصدر الأفعال مناسبة لإيمانك ~~بمن شرع، ومن هنا كان الإيمان أولا وشرطا لقبول العمل، وإلا فهناك ~~من يعمل الخير لا من منطلق إيماني بل لاعتبارات أخرى، والنية شرط ~~لازم في قبول العمل. لذلك يعاقب الله تعالى من يعمل لغير الله، يعاقبه ~~بأن ينكره صاحبه ويجحده ويكرهه بسببه، بدل أن يعترف له بالجميل. ومن ~~هنا قالوا: اتق شر من أحسنت إليه وهذا قول صحيح لأنك حين تحسن ~~إلى شخص تدك كبرياءه، وتكون يدك العليا عليه، فإذا ما أخذ حظا من ~~الحياة وأصبح ذا مكانة بين الناس فإن كان غير سوي النفس فإنه لا يحب ~~من تفضل عليه في يوم من الأيام ودك كبرياءه لذلك تراه يكره وجوده، ~~ولا يحب أن يراه وربما دبر لك المكائد لتختفي من طريقه، وتخلي له ~~الساحة لأنك الوحيد ms6152 الذي يحرجه حضورك. لذلك، من عمل عملا لغير الله ~~أسلمه الله لمن عمل له، فليأخذ منه الجزاء، وإذا بالجزاء يأتي على خلاف ~~ما تنتظر، فقد فعلت له ليكرمك فإذا به يهينك، فعلت له ليحترمك فإذا ~~به يحقرك، فعلت له ليواليك فإذا به عدو لك لذلك يقولون: العمل لله ~~عاجل الجزاء، أما العمل لغير الله فغير مضمون العواقب، فقد يوفي لك وقد ~~لا يوفي. ثم أردف الحق - سبحانه وتعالى - الإيمان بالعمل الصالح لأن ~~العمل الصالح لا بد له أن ينطلق من الإيمان ويصدر عنه، فقال تعالى: { ~~إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. } [الكهف: 107]. { ~~وعملوا الصالحات.. } [الكهف: 107] يعني: عمل الشيء الصالح، فإن ~~كان الشيء صالحا بنفسه فليتركه على صلاحه لا يفسده، أو يزيده صلاحا، ~~كبئر الماء الذي يشرب منه الناس، فإما أن تتركه على حال صلاحه لا تلقي ~~فيه ما يسده أو يفسده فتخرج الصالح عن صلاحه، وإما أن تزيده صلاحا ~~فتضيف إليه ما يحسن من أدائه ويزيد من كفاءته كأن تبني حوله سورا ~~يحميه أو غطاء يحفظه، أو آلة رفع تيسر على الناس استعماله. والفرد ~~حين يعمل الصالحات تكون حصيلته من صلاح غيره أكثر من حصيلته من عمله هو ~~لأنه فرد واحد، ويستفيد بصلاح المجتمع كله، ومن هنا لا ينبغي أن ~~تستثقل أوامر الشارع وتكليفاته لأنه يأخذ منك ليعطيك وليؤمن حياتك ~~وقت الحاجة والعوز، وحينما يتوفر لك هذا التكافل الاجتماعي تستقبل ~~الحياة بنفس راضية حال اليسر مطمئنة حال العسر. وساعة أن يأمرك ~~الشرع بكفالة اليتيم وإكرامه، فإنه يطمئنك على أولادك من بعدك، فلا ~~تحزن إن أصابك مكروه لأنك في مجتمع متعاون، سيكفل أولادك، بل قد يكون ~~اليتيم في ظل الإسلام وتعاليمه أسعد حظا من حياته في رعاية أبيه لأنه ~~بموت أبيه يجد المؤمنين جميعا آباء له، وربما كان أبوه مشغولا عنه في ~~حياته لا يفيده بشيء، بل ويصد عنه الخير حيث يقول الناس: أبوه موجود ~~وهو يتكفل به. # لذلك يقول أحمد شوقي: # ليس اليتيم من انتهى أبواه # من هم الحياة وخلفاه ذليلا ms6153 # إن اليتيم هو الذي تلقى له # أما تخلت أو أبا مشغولا # وقوله تعالى: { كانت لهم جنات الفردوس نزلا } ~~[الكهف: 107] الفردوس: هو أعلى الجنة، والنزل: ما يعده الإنسان ~~لإكرام ضيفه من الإقامة ومقومات الحياة وترفها، والإنسان حينما ~~يعد النزل لضيفه يعده على حسب قدراته وإمكانياته وعلمه ~~بالأشياء، فما بالك إن كان المعد للنزل هو الله تبارك وتعالى؟ ثم ~~يقول الحق سبحانه: { خالدين فيها لا يبغون... }. ### || [18.108] # وخلود النعيم في الآخرة يميزه عن نعيم الدنيا مهما سما، كما أن نعيم ~~الدنيا يأتي على قدر تصورنا في النعيم وعلى حسب قدراتنا، وحتى إن ~~بلغنا القمة في التنعم في الدنيا فإننا على خوف دائم من زواله، فإما ~~أن يتركك النعيم، وإما أن تتركه، وأما في الجنة فالنعمة خالدة لا مقطوعة ~~ولا ممنوعة، وأنت مخلد فيها فلن تتركك النعمة ولن تتركها. لذلك يقول ~~تعالى بعدها: { لا يبغون عنها حولا } [الكهف: 108] أي: لا ~~يطلبون تحولهم عنها إلى غيرها، لأنه لا يتصور في النعيم أعلى من ~~ذلك. ومعلوم أن الإنسان لديه طموحات ترفيهية، فكلما نال خيرا تطلع إلى ~~أعلى منه، وكلما حاز متعة ابتغى أكثر منها، هذا في الدنيا أما في الآخرة ~~فالأمر مختلف، وإلا فكيف يطلب نعيما أعلى من الجنة الذي قال الله عنه: # كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا ~~الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها.. # [البقرة: 25]. أي: كلما رزقهم الله ثمرة أتتهم أخرى فقالوا: لقد ~~رزقنا مثلها من قبل، وظنوها كسابقتها، لكنها ليست كسابقتها بل بطعم ~~جديد مختلف، وإن كانت نفس الثمرة، ذلك لأن قدرة الأسباب محدودة، أما ~~قدرة المسبب فليست محدودة. والحق سبحانه وتعالى قادر على أن يخرج لك ~~الفاكهة الواحدة على ألف لون وألف طعم لأن كمالاته تعالى لا تتناهى ~~في قدرتها لذلك يقول تعالى: # وأتوا به متشابها.. # [البقرة: 25] فالثمر واحد متشابه، أما الطعم فمختلف. والإنسان منا ~~ليشق طريقه في الحياة يظل يتعلم، ليأخذ شهادة مثلا أو يتعلم مهنة، ~~ويظل في تعب ومشقة ما يقرب من خمسة وعشرين عاما من ms6154 عمره أملا في أن ~~يعيش باقي حياته المظنونة مرتاحا هانئا، وهب أنك ستعيش باقي حياتك في ~~راحة، فكم سيكون الباقي منها؟ أما الراحة الأبدية في الآخرة فهي زمن لا ~~نهاية له، ونعيم خالد لا ينتهي، ففي أي شيء يطمع الإنسان بعد هذا كله؟ ~~وإلى أي شيء يطمح؟ لذلك قال تعالى بعدها: { قل لو كان ~~البحر... }. ### || [18.109] # لأن قدرته تعالى لا حدود لها، وما دامت قدرته لا حدود لها فالمقدورات ~~أيضا لا حدود لها لذلك لو كان البحر مدادا أي: حبرا يكتب به كلمات ~~الله التي هي كن التي تبرز المقدورات ما كان كافيا لكلمات الله { ~~ولو جئنا بمثله مددا } [الكهف: 109] أي: بمثل البحر. ونحن ~~نقول مثلا عن السلعة الجيدة: لا يستطيع المصنع أن يخرج أحسن من هذه، ~~أما صنعة الله فلا تقف عند حد لأن المصنع يعالج الأشياء، أما الحق - ~~تبارك وتعالى - فيصنعها بكلمة كن لذلك نجد في أرقى فنادق الدنيا أقصى ~~ما توصل إليه العلم في خدمة البشر أن تضغط على زر معين، فيخرج لك ~~ما تريد من طعام أو شراب. وهذه الأشياء بلا شك معدة ومجهزة ~~مسبقا، فقط يتم استدعاؤها بالضغط على زر خاص بكل نوع، لكن هل يوجد ~~نعيم في الدنيا يحضر لك ما تريد بمجرد أن يخطر على بالك؟ إذن: فنعيم ~~الدنيا له حدود ينتهي عندها. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا ~~أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون # [يونس: 24]. وكأن الحق سبحانه يقول لنا: لقد استنفدتم وسائلكم في ~~الدنيا، وبلغتم أقصى ما يمكن من متعها وزينتها، فتعالوا إلى ما ~~أعددته أنا لكم، اتركوا ما كنتم فيه من أسباب الله، وتعالوا عيشوا ~~بالله، كنتم في عالم الأسباب فتعالوا إلى المسبب. وإن كان الحق ~~سبحانه قد تكلم في هذه الآية عن المداد الذي تكتب به كلمات الله، فقد ~~تكلم عن الأقلام التي يكتب بها في آية أخرى أكثر ms6155 تفصيلا لهذه المسألة، ~~فقال تعالى: # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله.. # [لقمان: 27]. ونقف هنا عند دقة البيان القرآني، فلو تصورنا ما في ~~الأرض من شجر أقلام، مع ما يتميز به الشجر من تجدد مستمر، وتكرر دائم ~~يجعل من الأشجار ثروة لا حصر لها ولا تنتهي، وتصورنا ماء البحر ~~مدادا يكتب به إلا أن ماء البحر منذ خلقه الله تعالى محدود ثابت لا ~~يزيد ولا ينقص. لذلك لما كان الشجر يتجدد ويتكرر، والبحر ماؤه ثابت ~~لا يزيد. قال سبحانه: # والبحر يمده من بعده سبعة أبحر.. # [لقمان: 27] ليتناسب تزايد الماء مع تزايد الشجر، والمراد سبعة أمثاله، ~~واختار هذا العدد بالذات لأنه منتهى العدد عند العرب. وقد أوضح لنا ~~العلم دورة الماء في الطبيعة، ومنها نعلم أن كمية الماء في الأرض ثابتة ~~لا تزيد لأن ما يتم استهلاكه من الماء يتبخر ويعود من جديد فالإنسان ~~مثلا لو شرب طيلة عمره مائة طن من الماء، فاحسب ما يخرج منه من بول ~~وعرق وفضلات في عملية الإخراج تجدها نفس الكمية التي شربها، وقد تبخرت ~~وأخذت دورتها من جديد لذلك يقولون: رب شربة ماء شربها من آدم ~~الملايين. ثم يقول الحق سبحانه: { قل إنمآ أنا بشر ~~مثلكم... }. ### || [18.110] # قل أي: يا محمد، وهذا كلام جديد { قل إنمآ أنا بشر ~~مثلكم... } [الكهف: 110] يعني: خذوني أسوة، فأنا لست ملكا ~~إنما أنا بشر مثلكم، وحملت نفسي على المنهج الذي أطالبكم به، فأنا لا ~~آمركم بشيء وأنا عنه بنجوى. بل بالعكس كان صلى الله عليه وسلم أقل ~~الناس حظا من متع الحياة وزينتها. فكان في المؤمنين به الأغنياء ~~الذين يتمتعون بأطايب الطعام ويرتدون أغلى الثياب في حين كان صلى الله ~~عليه وسلم يمر عليه الشهر والشهران دون أن يوقد في بيته نار لطعام، ~~وكان يرتدي المرقع من الثياب، كما أن أولاده لا يرثونه، كما يرث باقي ~~الناس، ولا تحل لهم الزكاة كغيرهم، فحرموا من حق تمتع به الآخرون. ~~لذلك ms6156 كان صلى الله عليه وسلم أدنى الأسوات أي: أقل الموجودين في متع ~~الحياة وزخرفها، وهذا يلفتنا إلى أن الرسالة لم تجر لمحمد نفعا ~~دنيويا، ولم تميزه عن غيره في زهرة الدنيا الفانية، إنما ميزته ~~في القيم والفضائل. ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يقول: # " يرد علي - يعني من الأعلى - فأقول: أنا لست مثلكم، ويؤخذ مني فأقول: ~~ما أنا إلا بشر مثلكم ". # والآية هنا لا تميزه صلى الله عليه وسلم عن البشر إلا في أنه: { يوحى ~~إلي.. } [الكهف: 110] فما زاد محمد عن البشر إلا أنه يوحى إليه. ثم ~~يقول تعالى: { أنمآ إلهكم إله واحد.. } [الكهف: 110] ~~أنما: أداة قصر { إلهكم إله واحد.. } [الكهف: 110] أي: ~~لا إله غيره، وهذه قمة المسائل، فلا تلتفتوا إلى إله غيره، ومن أعظم ~~نعم الله على الإنسان أن يكون له إله واحد، وقد ضرب لنا الحق سبحانه ~~مثلا ليوضح لنا هذه المسألة فقال تعالى: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا.. # [الزمر: 29]. فلا يستوي عبد مملوك لعدة أسياد يتجاذبونه لأنهم متشاكسون ~~مختلفون يحار فيما بينهم، إن أرضي هذا سخط ذاك. هل يستوي وعبد مملوك ~~لسيد واحد؟ إذن: فمما يحمد الله عليه أنه إله واحد. { فمن كان ~~يرجوا لقآء ربه.. } [الكهف: 110] الناس يعملون الخير لغايات ~~رسمها الله لهم في الجزاء، ومن هذه الغايات الجنة ونعيمها، لكن هذه الآية ~~توضح لنا غاية أسمى من الجنة ونعيمها، هي لقاء الله تعالى والنظر إلى ~~وجهه الكريم، فقوله تعالى: { يرجوا لقآء ربه.. } [الكهف: 110] ~~تصرف النظر عن النعمة إلى المنعم تبارك وتعالى. فمن أراد لقاء ربه لا ~~مجرد جزائه في الآخرة: { فليعمل عملا صالحا.. } [الكهف: ~~110] فهذه هي الوسيلة إلى لقاء الله لأن العمل الصالح دليل على أنك ~~احترمت أمر الآمر بالعمل، ووثقت من حكمته ومن حبه لك فارتاحت نفسك ~~في ظل طاعته، فإذا بك إذا أويت إلى فراشك تستعرض شريط أعمالك، فلا ~~تجد إلا خيرا تسعد به نفسك، وينشرح له صدرك، ولا تتوجس شرا من أحد، ~~ولا ms6157 تخاف عاقبة أمر لا تحمد عقباه، فمن الذي أنعم عليك بكل هذه ~~النعم ووفقك لها؟ ثم: { ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } ~~[الكهف: 110] وسبق أن قلنا: إن الجنة أحد، فلا تشرك بعبادة الله شيئا، ~~ولو كان هذا الشيء هو الجنة، فعليك أن تسمو بغاياتك، لا إلى الجنة بل ~~إلى لقاء ربها وخالقها والمنعم بها عليك. # وقد ضربنا لذلك مثلا بالرجل الذي أعد وليمة عظيمة فيها أطايب الطعام ~~والشراب، ودعا إليها أحبابه فلما دخلوا شغلهم الطعام إلا واحدا لم يهتم ~~بالطعام والشراب، وسأل عن صاحب الوليمة ليسلم عليه ويأنس به. وما أصدق ~~ما قالته رابعة العدوية: # كلهم يعبدون من خوف # نار ويرون النجاة حظا جزيلا # أو بأن يسكنوا الجنان فيحظوا # بقصور ويشربوا سلسبيلا # ليس لي بالجنان والنار حظ # أنا لا أبتغي بحبي بديلا # وهذا يشرح لنا الحديث القدسي: # " لو لم أخلق جنة ونارا، أما كنت أهلا لأن أعبد؟ ". # فلا ينبغي للعبد أن يكون نفعيا حتى في العبادة، والحق سبحانه وتعالى ~~أهل بذاته لأن يعبد، لا خوفا من ناره، ولا طمعا في جنته، فاللهم ~~ارزقنا هذه المنزلة، واجعلنا برحمتك من أهلها. ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1] # هذه خمسة حروف مقطعة، تنطق باسم الحرف لا بمسماه، لأن الحرف له اسم ~~وله مسمى، فمثلا كلمة كتب مسماها كتب، أما بالاسم فهي كاف، تاء، باء. ~~فالاسم هو العلم الذي وضع للدلالة على هذا اللفظ. وفي القرآن الكريم ~~سور كثيرة ابتدئت بحروف مقطعة تنطق باسم الحرف لا مسماه، وهذه ~~الحروف قد تكون حرفا واحدا مثل: ن، ص، ق. وقد تكون حرفين مثل: طه، طس. ~~وقد تكون ثلاثة أحرف مثل: الم، طسم. وقد تأتي أربعة أحرف مثل: المر. وقد ~~تأتي بخمسة أحرف مثل: كهيعص، حمعسق. لذلك نقول: لا بد في تعلم ~~القرآن من السماع، وإلا فكيف تفرق بين الم في أول البقرة فتنطقها ~~مقطعة وبين # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1] فتنطقها موصولة؟ وصدق الله تعالى حين قال: # فإذا قرأناه فاتبع قرآنه # [القيامة: 18]. ونلاحظ في هذه الحروف أنه ينطق بالمسمى ms6158 المتعلم وغير ~~المتعلم، أما الاسم فلا ينطق به ولا يعرفه إلا المتعلم الذي عرف حروف ~~الهجاء. فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أميا لم يجلس إلى معلم، ~~وهذا بشهادة أعدائه، فمن الذي علمه هذه الحروف؟ إذن: فإذا رأيت هذه ~~الحروف المقطعة فاعلم أن الحق سبحانه وتعالى نطق بها بأسماء الحروف، ونحن ~~نتكلم بمسميات الحروف لا بأسمائها. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~ذكر رحمة ربك... }. ### || [19.2] # الذكر: له معان متعددة، فالذكر هو الإخبار بشيء ابتداء، والحديث عن ~~شيء لم يكن لك به سابق معرفة، ومنه التذكير بشيء عرفته أولا، ونريد أن ~~نذكرك به، كما في قوله تعالى: # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # [الذاريات: 55]. ويطلق الذكر على القرآن: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] وفي القرآن أفضل الذكر، وأصدق الأخبار والأحداث. كما يطلق ~~الذكر على كل كتاب سابق من عند الله، كما جاء في قوله تعالى: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43]. والذكر هو الصيت والرفعة والشرف، كما في قوله تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك.. # [الزخرف: 44] وقوله تعالى: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم.. # [الأنبياء: 10] أي: فيه صيتكم وشرفكم، ومن ذلك قولنا: فلان له ذكر في ~~قومه. ومن الذكر ذكر الإنسان لربه بالطاعة والعبادة، وذكر الله لعبده ~~بالمثوبة والجزاء والرحمة، ومن ذلك قوله تعالى: # فاذكروني أذكركم.. # [البقرة: 152]. فقوله تعالى: { ذكر رحمة ربك.. } [مريم: 2] ~~أي: هذا يا محمد خبر زكريا وقصته ورحمة الله به. والرحمة: هي تجليات ~~الراحم على المرحوم بما يديم له صلاحه لمهمته، إذن: فكل راحم ولو من ~~البشر، وكل مرحوم ولو من البشر، ماذا يصنع؟ يعطى غيره شيئا من النصائح ~~تعينه على أداء مهمته على أكمل وجه، فما بالك إن كانت الرحمة من الخالق ~~الذي خلق الخلق؟ وما بالك إذا كانت رحمة الله لخير خلقه محمد؟ إنها ~~رحمة عامة ورحمة شاملة لأنه صلى الله عليه وسلم أشرف الأنبياء وأكرمهم ~~وخاتمهم، فلا وحي ولا رسالة من بعده، ولا إكمال. إذن فهو أشرف الرسل ~~الذين هم أشرف ms6159 الخلق، ورحمة كل نبي تأخذ حظها من الحق سبحانه بمقدار ~~مهمته، ومهمة محمد أكرم المهمات. وكلمة رحمة هنا مصدر يؤدي معنى فعله، ~~فالمصدر مثل الفعل يحتاج إلى فاعل ومفعول،كما نقول: آلمني ضرب الرجل ~~ولده، فمعنى: { رحمة ربك عبده زكريآ } [مريم: 2] أي: ~~رحم ربك عبده زكريا. لذلك قال تعالى: { رحمة ربك.. } [مريم: 2] ~~لأنها أعلى أنواع الرحمة، وإن كان هنا يذكر رحمته تعالى بعبده زكريا، فقد ~~خاطب محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107] فرحمة الله تعالى بمحمد ليست رحمة خاصة به، بل هي رحمة ~~عامة لجميع العالمين، وهذه منزلة كبيرة عالية. فالمراد من { ذكر ~~رحمة ربك عبده زكريآ } [مريم: 2] يعنى هذا الذي يتلى ~~عليك الآن يا محمد هو ذكر وحديث وخبر رحمة ربك التي هي أجل الرحمات ~~بعبده زكريا. وسبق أن أوضحنا أن العبودية للخلق مهانة ومذلة، وهي ~~كلمة بشعة لا تقبل، أما العبودية لله تعالى فهي عز وشرف، بل منتهى ~~العز والشرف والكرامة، وعللنا ذلك بأن العبودية التي تسوء وتحزن هي ~~عبودية العبد لسيد يأخذ خيره، أما العبودية لله تعالى فيأخذ العبد خير ~~سيده. # لكن، ما نوع الرحمة التي تجلى الله تعالى بها حين أخبر رسوله صلى الله ~~عليه وسلم بخبر عبده زكريا؟ قالوا: لأنها رحمة تتعلق بطلاقة القدرة في ~~الكون، وطلاقة القدرة في أن الله تبارك وتعالى خلق للمسببات أسبابا، ~~ثم قال للأسباب: أنت لست فاعلة بذاتك، ولكن بإرادتي وقدرتي، فإذا أردتك ~~ألا تفعلي أبطلت عملك، وإذا كنت لا تنهضين بالخير وحدك فأنا أجعلك ~~تنهضين به. ومن ذلك ما حدث في قصة خليل الله إبراهيم حين ألقاه الكفار في ~~النار، ولم يكن حظ الله بإطفاء النار عن إبراهيم، أو بجعل النار ~~بردا وسلاما على إبراهيم أن ينجي إبراهيم لأنه كان من الممكن ألا ~~يمكن خصوم إبراهيم عليه السلام من القبض عليه، أو ينزل مطرا يطفئ ~~ما أوقدوه من نار، لكن ليست نكاية القوم في هذا، فلو أفلت إبراهيم من ~~قبضتهم، أو نزل المطر فأطفأ ms6160 النار لقالوا: لو كنا تمكنا منه لفعلنا ~~به كذا وكذا، ولو لم ينزل المطر لفعلنا به كذا وكذا. إذن: شاءت إرادة ~~الله أن تكيد هؤلاء، وأن تظهر لهم طلاقة القدرة الإلهية فتمكنهم من ~~إبراهيم حتى يلقوه في النار فعلا، ثم يأتي الأمر الأعلى من الخالق ~~سبحانه للنار أن تتعطل فيها خاصية الإحراق: # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. وكذلك في قصة رحمة الله لعبده زكريا تعطينا دليلا على ~~طلاقة القدرة في مسألة الخلق، وليلفتنا إلى أن الخالق سبحانه جعل للكون ~~أسبابا، فمن أخذ بالأسباب يصل إلى المسبب، ولكن إياكم أن تفتنوا ~~في الأسباب لأن الخالق سبحانه قد يعطيكم بالأسباب، وقد يلغيها نهائيا ~~ويأتي بالمسببات دون أسباب. وقد تجلت طلاقة القدرة في قصة بدء ~~الخلق، فنحن نعلم أن جمهرة الناس وتكاثرهم يتم عن طريق التزاوج بين رجل ~~وامرأة، إلا أن طلاقة القدرة لا تتوقف عند هذه الأسباب، والخالق سبحانه ~~يدير خلقه على كل أوجه الخلق، فيأتي آدم دون ذكر أو أنثى، ويخلق ~~حواء من ذكر دون أنثى، ويخلق عيسى من أنثى بدون ذكر. فالقدرة الإلهية - ~~إذن - غير مقيدة بالأسباب، وتظل طلاقة القدرة هذه في الخلق إلى أن ~~تقوم الساعة، فنرى الرجل والمرأة زوجين، لكن لا يتم بينهما الإنجاب ~~وتتعطل فيهما الأسباب حتى لا نعتمد على الأسباب وننسى المسبب سبحانه، ~~فهو القائل: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما ~~إنه عليم قدير # [الشورى: 49-50]. وطلاقة القدرة في قصة زكريا عليه السلام تتجلى في أن ~~الله تعالى استجاب لدعاء زكريا في أن يرزقه الولد. قال تعالى: { ذكر ~~رحمة ربك عبده زكريآ } [مريم: 2]. أي: رحمه الله، لكن ~~متى كانت هذه الرحمة؟ يقول الحق تبارك وتعالى: { إذ نادى ربه... ~~}. ### || [19.3] # أي: في الوقت الذي نادى فيه ربه نداء خفيا. والنداء لون من ألوان ~~الأساليب الكلامية، والبلاغيون يقسمون الكلام إلى خبر، وهو أن تخبر عن ~~شيء بكلام يحتمل ms6161 الصدق أو الكذب. وإنشاء، وهو أن تطلب بكلامك شيئا، ~~والإنشاء قول لا يحتمل الصدق أو الكذب. والنداء من الإنشاء لأنك تريد ~~أن تنشىء شيئا من عندك، فلو قلت: يا محمد فأنت تريد أن تنشئ إقبالا ~~عليك، فالنداء - إذن - طلب الإقبال عليك، لكن هل يصح أن يكون النداء من ~~الله تعالى بهذا المعنى؟ إنك لا تنادي إلا البعيد عنك الذي تريد أن ~~تستدنية منك. فكيف تنادى ربك - تبارك وتعالى - وهو أقرب إليك من حبل ~~الوريد؟ وكيف تناديه سبحانه وهو يسمعك حتى قبل أن تتكلم؟ فإذا كان إقباله ~~عليك موجودا في كل وقت، فما الغرض من النداء هنا؟ نقول: الغرض من ~~النداء: الدعاء. ووصف النداء هنا بأنه: { ندآء خفيا } [مريم: 3] ~~لأنه ليس كنداء الخلق للخلق، يحتاج إلى رفع الصوت حتى يسمع، إنه ~~نداء لله - تبارك وتعالى - الذى يستوي عنده السر والجهر، وهو القائل: # وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور # [الملك: 13]. ومن أدب الدعاء أن ندعوه سبحانه كما أمرنا: # ادعوا ربكم تضرعا وخفية.. # [الأعراف: 55]. وهو سبحانه # يعلم السر وأخفى # [طه: 7] أي: وما هو أخفى من السر لأنه سبحانه قبل أن يكون سرا، علم ~~أنه سيكون سرا. لذلك، جعل الحق سبحانه أحسن الدعاء الدعاء الخفي لأن ~~الإنسان قد يدعو ربه بشيء، إن سمعه غيره ربما استنقصه، فجعل الدعاء ~~خفيا بين العبد وربه حتى لا يفتضح أمره عند الناس. أما الحق سبحانه ~~فهو ستار يحب الستر حتى على العاصين، وكذلك ليدعو العبد ربه بما ~~يستحي أن يذكره أمام الناس، وليكون طليقا في الدعاء فيدعو ربه بما يشاء ~~لأنه ربه ووليه الذي يفزع إليه. وإن كان الناس سيحزنون ويتضجرون إن ~~سألتهم أدنى شيء، فإن الله تعالى يفرح بك أن سألته. لكن لماذا أخفى زكريا ~~دعاءه؟ دعا زكريا ربه أن يرزقه الولد، ولكن كيف يتحقق هذا المطلب وقد ~~بلغ من الكبر عتيا وامرأته عاقر؟ فكأن الأسباب الموجودة جميعها معطلة ~~عنده لذلك توجه إلى الله بالدعاء: يا رب لا ملجأ لي إلا أنت فأنت وحدك ms6162 ~~القادر على خرق الناموس والقانون، وهذا مطلب من زكريا جاء في غير وقته. ~~أخفاه أيضا لأنه طلب الولد في وجود أبناء عمومته الذين سيحملون منهجه من ~~بعده، إلا أنه لم يأتمنهم على منهج الله لأن ظاهر حركتهم في الحياة غير ~~متسقة مع المنهج، فكيف يأمنهم على منهج الله وهم غير مؤتمنين على أنفسهم؟ ~~فإذا دعا زكريا ربه أن يرزقه الولد ليرث النبوة من بعده، فسوف يغضب ~~هؤلاء من دعاء زكريا ويعادونه لذلك جاء دعاؤه خفيا يسره بينه وبين ~~ربه تعالى. # سؤال آخر تنبغي الإجابة عليه هنا: لماذا يطلب زكريا الولد في هذه السن ~~المتأخرة، وبعد أن بلغ من الكبر عتيا، وأصبحت امرأته عاقرا؟ لقد أوضح ~~زكريا عليه السلام العلة في ذلك في الآيات القادمة فقال: # يرثني ويرث من آل يعقوب.. # [مريم: 6]. إذن: فالعلة في طلب الولد دينية محضة، لا يطلبه لمغنم ~~دنيوي، إنما شغفه بالولد لأنه لم يأمن القوم من بعده على منهج الله ~~وحمايته من الإفساد. لذلك قوله: يرثني هنا لا يفهم منه ميراث المال كما ~~يتصوره البعض لأن الأنبياء لا يورثون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " # وبذلك يخرج النبي من الدنيا دون أن ينتفع أحد من أقاربه بماله حتى ~~الفقراء منهم. فالمسألة مع الأنبياء خالصة كلها لوجه الله تعالى لذلك قال ~~بعدها: # ويرث من آل يعقوب.. # [مريم: 6] أي: النبوة التي تناقلوها. فلا يستقيم هنا أبدا أن نفهم ~~الميراث على أنه ميراث المال أو متاع الدنيا الفاني. ومن ذلك قوله تعالى: # وورث سليمان داوود.. # [النمل: 16] ففي أي شيء ورثه؟ أورثه في تركته؟ إذن: فما موقف إخوته ~~الباقين؟ لا بد أنه ورثه في النبوة والملك، فالمسألة بعيدة كل البعد عن ~~الميراث المادي. ثم يقول الحق سبحانه أن زكريا عليه السلام قال: { قال ~~رب إني وهن... }. ### || [19.4] # هذا هو النداء، أو الدعاء الذي دعا به زكريا عليه السلام: { رب ~~إني وهن العظم مني.. } [مريم: 4] ويرد في الدعاء أن نقول: ~~يا رب. ms6163 أو نقول: يا الله، فقال زكريا رب أي: يا رب لأنه يدعو بأمر يتعلق ~~بعطاء الربوبية الذي يشمل المؤمن والكافر، إنه يطلب الولد، وهذا أمر ~~يتعلق ببنية الحياة وصلاحها للإنجاب، وهذه من عطاء الرب سبحانه وتعالى، ~~وإن كانت العلقة في طلب الولد إلهية، وهي أن يحمل المنهج من بعد أبيه. ~~فكأن زكريا عليه السلام دعا ربه: يا رب يا من تعطي من آمن بك، وتعطي ~~من كفر، يا من تعطي من أطاع، وتعطي من عصى، حاشاك أن تمنع عطاءك ~~عمن أطاعك ويدعو الناس إلى طاعتك. أما الدعاء بالله ففي أمور العبادة ~~والتكليف. ثم يقدم زكريا عليه السلام حيثيات هذا المطلب: { رب ~~إني وهن العظم مني.. } [مريم: 4] والوهن هو الضعف، وقال: ~~{ وهن العظم.. } [مريم: 4] لأن لكل شيء قواما في الصلابة والقوة، ~~فمثلا الماء له قوام معروف والدهن له قوام، واللحم له قوام، والعصب ~~والعظم وكل عناصر تكوين الإنسان، والعظم هو أقوى هذه الأشياء، والعظم ~~في بناء الجسم البشري مثل الشاسيه في لغة العصر الحديث، وعلى العظم يبنى ~~جسم الإنسان من لحم ودم وعصب، فإذا أصاب العظام - وهي أقوى العناصر - ~~ضعف ووهن فغيرها من باب أولى. لذلك، فإن الرجل العربي حينما شكا ~~الجدب والقحط ماذا قال؟ قال: مرت بنا سنون صعبة: فسنة أذابت الشحم - ~~أي: بعد الجوع وعدم الطعام - وسنة أذهبت اللحم - أي: بعد أن أنهت الشحم - ~~وسنة محت العظم. فكأن العظم هو آخر مخزن من مخازن القوت في جسم ~~الإنسان ساعة أن ينقطع عنه الطعام والشراب. والعظم في هذه الحالة يوجه ~~غذاءه للمخ خاصة لأنه ما دام في المخ بقية قبول حياة فما حدث للجسم من ~~تلف قابل للإصلاح والعودة إلى طبيعته، إذن: فسلامة الإنسان مرتبطة بسلامة ~~المخ. لذلك نجد الأطباء في الحالات الحرجة يركزون اهتمامهم على سلامة ~~المخ، ويرتبون عليه حياة الإنسان أو موته، حتى إن توقف القلب فيمكنهم ~~بالتدليك إعادته إلى حالته الطبيعية، أما إن توقف المخ فهذا يعني الموت. ~~فكأن نبي الله زكريا - عليه السلام - يقول: يا رب ms6164 ضعف عظمي، ولم يعد ~~لدي إلا المصدر الأخير لاستبقاء الحياة. ولما كان العظم شيئا باطنا ~~مدفونا تحت الجلد، فهو حيثية باطنة، فأراد زكريا عليه السلام أن يأتي ~~بحيثية أخرى ظاهرة بينة، فأتى بأمر واضح: { واشتعل الرأس ~~شيبا.. } [مريم: 4] فشبه انتشار الشيب في رأسه باشتعال النار، ~~فالشعر الأبيض الذي يعلوه واضح كالنار. # والمتأمل في هذا التشبيه يجد أن النار أيضا تتغذى على الحطب وتظل ~~مشتعلة لها لهب يعلو طالما في الحطب الحيوية النباتية التي تمد النار، ~~فإذا ما انتهت هذه الحيوية النباتية في الحطب أخذت النار في التضاؤل، ~~حتى تصير جذوة لا لهب لها ثم تنطفىء. واشتعال الرأس بالشيب أيضا ~~دليل على ضعف الجسم ووهن قوته لأن الشعر يكتسب لونه من مادة ملونة ~~سوداء أو حمراء أو صفراء توجد في بصيلة الشعرة، وتمد الشعرة بهذا ~~اللون، وضعف الجسم يضعف هذه المادة تدريجيا، حتى تختفي، وبالتالي ~~تخرج الشعرة بيضاء، والبياض ليس لونا، إنما البياض عدم اللون نتيجة ~~ضعف الجسم وضعف الغدد التي تفرز هذا اللون. لذلك، نجد المترفين ~~الذين يعنون كثيرا بشعرهم ويضعون عليه المواد المختلفة أول ما يظهر ~~الشيب عندهم تبيض سوالفهم لأن السوالف عادة بعد أن يهذبها الحلاق ~~تأخذ أكبر قدر من المواد الكاوية التي تؤثر على بصيلات الشعر وعلى هذه ~~المادة الملونة، والشعرة مثل الأنبوبة يسهل توصيل هذه المواد منها خاصة ~~بعد الحلاقة مباشرة وما تزال الشعرة مفتوحة. ثم يقول: { ولم أكن ~~بدعآئك رب شقيا } [مريم: 4] أي: لم أكن فيما مضى بسبب ~~دعائي لك شقيا لأني مستجاب الدعوة عندك، فكما أكرمتني سابقا ~~بالإجابة فلم أكن شقيا بدعائك، بل كنت سعيدا بالإجابة، فلا تخلف ~~عادتك معي هذه المرة، واجعلني سعيدا بأن تجيبني، خاصة وأن طلبي منك ~~طاعة لك، فأنا لا أريد أن أخرج من الدنيا إلا وأنا مطمئن على من ~~يحمل المنهج، ويقوم بهذه المهمة من بعدي. وأنت قد تدعو الله لأمر تحبه، ~~فإذا لم يأت ما تحبه ولم تجب حزنت وكأنك شقيت بدعائك، وقد يكون شقاء ~~كذب، لأنك لا ms6165 تدري الحكمة من المنع وعدم الإجابة، لا تدري أن الله تعالى ~~يتحكم في تصرفاتك. وربما دعوت بأمر تراه الخير من وجهة نظرك وفي علم ~~الله أنه لا خير لك فيه، فمنعه عنك وعدل لك ما أخطأت فيه من تقدير ~~الخير، فأعطاك ربك من حيث ترى أنه منعك، وأحسن إليك من حيث ترى أنه حرمك، ~~لأنك طلبت الخير من حيث تعلم أنت أنه خير ومنع الله من حيث يعلم أن ~~الخير ليس في ذلك. ثم يذكر زكريا عليه السلام علة أخرى هي علة العلل ~~ولب هذه المسألة، فيقول: { وإني خفت الموالي... }. ### || [19.5] # الموالي من الولاء، وهم أقاربه من أبناء عمومته، فهم الجيل الثاني ~~الذي سيأتي بعده، ويخاف أن يحملوا المنهج ودين الله من بعده لأنه رأى من ~~سلوكياتهم في الحياة عدم أهليتهم لحمل هذه المهمة. { من ورآئي.. } ~~[مريم: 5] سبق أن أوضحنا في سورة الكهف أن كلمة وراء تأتي بمعنى: خلف، أو ~~أمام، أو بعد، أو غير. وهنا جاءت بمعنى: من بعدي. ثم يقول: { وكانت ~~امرأتي عاقرا.. } [مريم: 5] والعاقر هي التي لا تلد بطبيعتها ~~بداية، أو صارت عاقرا بسبب بلوغها سن اليأس مثلا. ونحن نعلم أن ~~التكاثر والإنجاب في الجنس البشري ينشأ من رجل وامرأة، وقد سبق أن وصف ~~زكريا حاله من الضعف والكبر، ثم يخبر عن زوجته بأنها عاقر لا تلد، إذن: ~~فأسباب الإنجاب جميعها معطلة. وقوله: { وكانت امرأتي ~~عاقرا.. } [مريم: 5] أي: هي بطبيعتها عاقر، وهذا أمر مصاحب لها ليس ~~طارئا عليها، فلم يسبق لها الإنجاب قبل ذلك. ثم يقول: { فهب لي.. } ~~[مريم: 5] والهبة هي العطاء بلا مقابل، فالأسباب هنا معطلة، ~~والمقدمات تقول: لا يوجد إنجاب لذلك لم يقل مثلا: أعطني لأن العطاء قد ~~يكون عن مقابل، أما في هذه الحالة فالعطاء بلا مقابل وبلا مقدمات، فكأنه ~~قال: يارب إن كنت ستعطيني الولد فهو هبة منك لا أملك أسبابها لذلك ~~قال في آية أخرى عن إبراهيم عليه السلام: # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق.. # [إبراهيم: 39]. ولنا وقفة وملحظ ms6166 في قوله تعالى # على الكبر.. # [إبراهيم: 39] حيث قال المفسرون: على هنا بمعنى مع وعلى ثلاثة أحرف ومع ~~حرفان، فلماذا عدل الحق تبارك وتعالى عن الخفيف إلى الثقيل؟ لا بد أن ~~وراء هذه اللفظ إضافة جديدة، وهي أن مع تفيد المعية فقط، أما على فتفيد ~~المعية والاستعلاء، فكأنه قال: إن الكبر يا رب يقتضي ألا يوجد الولد، ~~لكن طلاقة قدرتك أعلى من الكبر. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم.. # [الرعد: 6] كأن الظلم يقتضي أن يعاقبوا، لكن رحمة الله بهم ومغفرته لهم ~~علت على استحقاق العقاب. وقوله: { من لدنك.. } [مريم: 5] أي: من ~~عندك أنت لا بالأسباب وليا أي: ولدا صالحا يليني في حمل أمانة ~~تبليغ منهجك إلى الناس لتسلم لهم حركة الحياة. ثم يقول: { يرثني ~~ويرث من آل يعقوب... }. ### || [19.6] # سبق أن أوضحنا أن الميراث هنا لا يراد به ميراث المال لأن الأنبياء لا ~~يورثون، وما تركوه من مال فهو صدقة من بعدهم، إنما المراد هنا ميراث ~~العلم والنبوة والملك، وحمل منهج الله إلى الناس، ونلحظ أنه لم يكتف ~~بقوله يرثني بل قال: { يرثني ويرث من آل يعقوب.. } ~~[مريم: 6] فلست أنا القمة في الطاعة في آل يعقوب، فهناك إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وهذا تواضع منه ومراعاة لأقدار الرجال وإنزالهم ~~منازلهم. وقوله: { واجعله رب رضيا } [مريم: 6] أي: مرضيا ~~عنه منك. ثم يقول الحق سبحانه: { يزكريآ إنا نبشرك ~~بغلام... }. ### || [19.7] # المتأمل لهذه القصة يجد هذه الآية قد اختصرت من القصة ما يفهم من سياقها ~~ثقة في نباهة السامع، وأنه قادر على إكمال المعنى، فكأن معنى الآية: سمع ~~الله دعاء زكريا وحيثيات طلبه، فأجابه بقوله: { يزكريآ.. } [مريم: ~~7]. وتوجيه الكلام إلى زكريا عليه السلام هكذا مباشرة دليل على سرعة ~~الاستجابة لدعائه، فجاءت الإجابة مباشرة دون مقدمات. ومثال ذلك: ما ~~حكاه القرآن من قصة سليمان - عليه السلام - وبلقيس، قال سليمان: # أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين * ~~قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم ~~من مقامك وإني عليه ms6167 لقوي أمين * قال الذي ~~عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن ~~يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال ~~هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر.. # [النمل: 38-40] فبين قوله: # قبل أن يرتد إليك طرفك.. # [النمل: 40] وقوله: # رآه مستقرا عنده.. # [النمل: 40] كلام يقتضيه سياق القصة، كأن نقول: فأذن له فذهب وأتى ~~بالعرش، لكن جاء الأسلوب سريعا ليتناسب مع سرعة الحدث في إحضار عرش ~~بلقيس من مكانه. وقوله: { إنا نبشرك.. } [مريم: 7] البشارة: هي ~~الإخبار بما يسرك قبل أن يجيء ليستطيل أمد الفرح بالشيء السار، وقد ~~يبشرك مساويك ويكذب في البشرى، وقد تأتي الظروف والأحداث مخالفة لما ~~يظنه، فكيف بك إذا بشرك الله تعالى؟ ساعة أن تكون البشارة من الله فاعلم ~~أنها حق وواقع لا شك فيه. وقوله: { بغلام اسمه يحيى.. } ~~[مريم: 7] أي: وسماه أيضا. ونحن نعلم أن للبشر اختيارات في وضع ~~الأسماء للمسميات، ولهم الحرية في ذلك، فواحدة تسمى ولدها حرنكش هي حرة، ~~والأخرى تسمى ابنتها الزنجية قمر هي أيضا حرة. إلا أن الناس حين ~~يسمون يتمنون في المسمى مواصفات تسر النفس وتقر العين، فحين ~~نسمي سعيدا تفاؤلا بأن يكون سعيدا فعلا، والاسم وضع للدلالة على ~~المسمى، لكن، أيملك هذا المتفائل أن يأتي المسمى على وفق ما يحب ~~ويتمنى؟ لا، لا يملك ذلك ولا يضمنه لأن هناك قوة أعلى منه تتحكم في هذه ~~المسألة، وقد يأتي المسمى على غير مراده. أما إذا كان الذي سمى هو ~~الله تعالى فلا بد أن يتحقق الاسم في المسمى، وينطبق عليه، ولا بد ~~أن يتحقق مراده تعالى في من سماه، وقد سمى الحق تبارك وتعالى ~~ابن زكريا يحيى فلا بد أن تنطبق عليه هذه الصفة، ويحيى فعل ضده يموت، ~~إذن: فهو سبحانه القادر على أن يحييه، لكن يحييه إلى متى؟ وكم عاما؟ ~~الحياة هنا والعيش يتحقق ولو بمتوسط الأعمار مثلا، فقد أحياه وتحققت فيه ~~صفة الحياة. # ولذلك استدل أهل المعرفة من تسميته يحيى على أن ابن زكريا سيموت شهيدا ~~ليظل حيا كما ms6168 سماه الله وقد كان. وقوله: { لم نجعل له من ~~قبل سميا } [مريم: 7] السمي: اختلف العلماء في معناها فقالوا: ~~تأتي بمعنى: نظير أو مثيل أو شبيه وإما سميا يعني: اسمه كاسمه. ومن ذلك ~~قوله تعالى: # رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده ~~واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا # [مريم: 65] فقالوا: سميا هنا تحمل المعنيين: هل تعلم له نظيرا أو ~~شبيها لأنه سبحانه # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11] # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4]. ويمكن أن نقول بهذا المعنى أيضا في قصة يحيى عليه ~~السلام، إلا أنه يقع فيه شيء وهو: أن الله تعالى حينما قال في مسألة ~~يحيى: { لم نجعل له من قبل سميا } [مريم: 7] واعتبرناها ~~بمعنى المثل أو النظير والشبيه، فهذا يعني أنه لم يسبق يحيى واحد مثله ~~في الصلاح والتقوى، فأين - إذن - أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام؟ وأين ~~إسماعيل وإسحاق؟ فهذا المعنى وإن كان السياق يحتمله في غير هذا الموضع ~~إلا أنه لا يستقيم هنا لأن الله تعالى جعل من قبل يحيى من هو أفضل من ~~يحيى، أو مثله على الأقل. أما المعنى الآخر فيكون: # هل تعلم له سميا # [مريم: 65] أي: هل هناك من تسمى باسمه تعالى؟ وهذا هو المعنى الذي ~~يستقيم في قصة يحيى عليه السلام لأنه أول اسم وضعه الحق سبحانه على ابن ~~زكريا، ولم يكن أحد تسمى به من قبل، أما بعده فقد انتشر هذا الاسم، حتى ~~قال الشاعر: # وسميته يحيى ليحيى فلم يكن # لرد قضاء الله فيه سبيل # ونقف هنا على آية من آيات الله في التسمية، حيث لم يجرؤ أحد حتى من ~~الكفرة والملاحدة الذين يجاهرون بإلحادهم ويعلنون إنكارهم للخالق سبحانه، ~~لم يجرؤ أحدهم أن يسمى ولده الله، وحرية اختيار الأسماء مكفولة، وهذا إن ~~دل فإنما يدل على أن كفرهم عناد ولجج، وأنهم غير صادقين في ~~كفرهم، ويعلمون أن الله موجود لذلك يخافون على أنفسهم وعلى أولادهم أن ~~يسموا بهذا الاسم. إذن: كلمة سميا في مسألة الألوهية تؤخذ على ~~المعنيين، أما في مسألة يحيى فلا تحتمل ms6169 إلا المعنى الثاني. وهب أن الحق ~~سبحانه وتعالى استعرض الأسماء السابقة فلم يجد في الماضي من سمى الله ~~فأعلنها تحديا: # هل تعلم له سميا # [مريم: 65]؟ فلم يحدث بعد هذا التحدي أن يسمى أحد بهذا الاسم. ### || [19.8] # لما سمع زكريا عليه السلام البشارة من ربه، واطمأن إلى حصولها أغراه ذلك ~~في أن يوغل في معرفة الوسيلة، وكيف سيتم ذلك، وتتحقق هذه البشارة حال ~~كونه قد بلغ من الكبر عتيا وامرأته عاقر؟ لكن ماذا يقصد زكريا من ~~سؤاله، وهو يعلم تماما أن الله تعالى عالم بحاله وحال زوجه؟ الواقع أن ~~زكريا عليه السلام لا يستنكر حدوث هذه البشرى، ولا يستدرك على الله، ~~وحاشاه أن يقصد ذلك، وإنما أطمعته البشرى في أن يعرف الكيفية، كما ~~حدث في قصة موسى - عليه السلام - حينما كلمه ربه واختاره، وأفرده بهذه ~~الميزة فأغراه الكلام في أن يطلب الرؤيا، فقال: # رب أرني أنظر إليك.. # [الأعراف: 143]. وكما حدث في قصة - إبراهيم عليه السلام - لما قال لربه: # رب أرني كيف تحيي الموتى.. # [البقرة: 260] وأبو الأنبياء لا يشك في قدرة الله تعالى على إحياء ~~الموتى، ولكنه يريد أن يعرف هذه الطريقة العجيبة، فالكلام ليس في ~~الحقيقة وجودا وعدما، إنما في كيفية وجود الحقيقة، والكلام في الكيفية ~~لا دخل له بالوجود. فأخبره الحق سبحانه أن هذه المسألة لا تقال إنما ~~تباشر عمليا، فأمره بما نعلم من هذه القصة: وهو أن يحضر أربعة من ~~الطير بنفسه، ثم يضمهن إليه ليتأكد بنفسه من حقيقتها، ثم أمره أن ~~يقطعهن أجزاء، ثم يفرق هذه الأجزاء على قمم الجبال، ثم بعد ذلك ترك ~~له الخالق سبحانه أن يدعوهن بنفسه، وأن يصدر الأمر منه فتتجمع هذه ~~القطع المبعثرة وتدب فيها الحياة من جديد، وهذا من مظاهر عظمته سبحانه ~~وتعالى أنه لم يفعل، بل جعل من لا يستطيع ذلك يفعله. ويقدر عليه. فإن ~~كان البشر يعدون أثر قدرتهم إلى الضعفاء، فمن لا يقدر على حمل ~~شيء يأتي بمن يحمله له، ومن يعجز عن عمل شيء يأتي بمن يقوم به، ms6170 ~~ويظل هو ضعيفا لا يقدر على شيء، أما الحق سبحانه وتعالى فيعدي قوته ~~بنفسه إلى الضعيف فيصير قويا قادرا على الفعل. فقوله: { أنى ~~يكون لي غلام.. } [مريم: 8]؟ سؤال عن الكيفية، كما أن إبراهيم ~~عليه السلام لما قال له ربه: # أولم تؤمن.. # [البقرة: 260]؟ أي: بقدرتي على إحياء الموتى، قال بلى أي: نعم أومن # ولكن ليطمئن قلبي.. # [البقرة: 260] أي: الكيفية التي يتم بها الإحياء. أو: أن زكريا عليه ~~السلام بقوله: { أنى يكون لي غلام.. } [مريم: 8] يريد أن ~~يوثق هذه البشرى ويسجلها، كما تعد ولدك بأن تشتري له هدية ~~فيلح عليك في هذه المسألة ليؤكد وعدك له، ويستلذ بأنه وعد محقق ~~لا شك فيه، ثم يذكر زكريا حيثيات تعجبه من هذا الأمر فيقول: { ~~وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا ~~} [مريم: 8]. # عتيا: من عتا يعني طغى وتجبر وأفسد كثيرا، والعتو: الكفر، ~~والعتي: هو القوي الذي لا يغالب لذلك وصف الكبر الذي هو رمز للضعف ~~بأنه عتى لأن ضعف الشيب والشيخوخة ضعف لا يقدر أحد على مقاومته، أو ~~دفعه أبدا، مهما احتال عليه بالأدوية والعقاقير والفيتامينات. ويبدو أن ~~مسألة الولد هذه كانت تشغل زكريا عليه السلام وتلح عليه لأنه دعا الله ~~كثيرا أن يرزقه الولد، ففي موضع آخر يقول: # رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين # [الأنبياء: 89]. فزكريا عليه السلام يريد الولد الذي يرثه وهو موروث ~~لأن الله تعالى خير الوارثين. لكن يأتي الرد: # فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له ~~زوجه.. # [الأنبياء: 90] ونلاحظ أنه تعالى قبل أن يقول: # وأصلحنا له زوجه.. # [الأنبياء: 90] التي ستنجب هذا الولد، قال: # ووهبنا له يحيى.. # [الأنبياء: 90] فصلاح الزوجة ليس شرطا في تحقق هذه البشرى وحدوث هذه ~~الهبة. وهنا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء، ~~فهو سبحانه قادر على إصلاح هذه الزوجة العاقر، فالصنعة الإلهية لا تقف ~~عند حد، كما لو تعطل عندك أحد الأجهزة مثلا فذهبت به إلى ~~الكهربائي لإصلاحه فوجد التلف به كبيرا، فينصحك بتركه وشراء آخر جديد، ~~فلا حيلة في إصلاحه. ms6171 لذلك أصلح الله تعالى لزكريا زوجه حتى لا نظن أن ~~يحيى جاء بطريقة أخرى، والزوجة ما تزال على حالها. ثم يقول الحق: { قال ~~كذلك قال ربك... }. ### || [19.9] # { قال } أي: الحق تبارك وتعالى { كذلك قال ربك.. } [مريم: ~~9] أي: أنه تعالى قال ذلك وقضى به، فلا تناقش في هذه المسألة، فنحن أعلم ~~بك وما أنت فيه من كبر، وأن زوجتك عاقر، ومع ذلك سأهبك الولد. وقوله ~~تعالى: { هو علي هين.. } [مريم: 9] وفي آية أخرى يقول في آية ~~البعث: # وهو أهون عليه.. # [الروم: 27] فلا تظن أن الأمر بالنسبة لله تعالى فيه شيء هين وشيء ~~أهون، وشيء شاق، فالمراد بهذه الألفاظ تقريب المعنى إلى أذهاننا. ~~والحق سبحانه يخاطبنا على كلامنا نحن وعلى منطقنا، فالخلق من موجود ~~أهون في نظرنا من الخلق من غير موجود، كما قال الحق سبحانه تعالى: # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد # [ق: 15]. إذن: فمسألة الإيجاد بالنسبة له تعالى ليس فيها سهل وأسهل ~~أو صعب وأصعب، لأن هذه تقال لمن يعمل الأعمال علاجا، ويزاولها ~~مزاولة، وهذا في إعمالنا نحن البشر، أما الحق تبارك وتعالى فإنه لا ~~يعالج الأفعال، بل يقول للشيء كن فيكون: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. ثم يدلل الحق سبحانه وتعالى بالأقوى، فيقول: { وقد ~~خلقتك من قبل ولم تك شيئا } [مريم: 9] فلأن يوجد يحيى ~~من شيء أقل غرابة من أن أوجد من لا شيء. ثم يقول الحق سبحانه: { قال ~~رب اجعل لي آية... }. ### || [19.10] # { آية } أي: علامة على أن امرأته قد حملت في يحيى، وكأن زكريا عليه ~~السلام يتعجل الأمور ولا صبر له طوال تسعة أشهر، بل يريد أن يعيش في ~~ظل هذه النعمة، وكأنها واقع لا ينفك لسانه حامدا شاكرا عليها، وتظل ~~النعمة في باله رغم أن ولده ما يزال جنينا في بطن أمه. فيجيبه ربه: { ~~آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا } [مريم: ~~10] علامتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال وألا ليست للنهي عن ~~الكلام، بل هي إخبار ms6172 عن حالة ستحدث له دون إرادته، فلا يكلم الناس مع ~~سلامة جوارحه ودون علة تمنعه من الكلام، كخرس أو غيره. لذلك قال: { ~~ثلاث ليال سويا } [مريم: 10] أي: سليما معافى، سوي ~~التكوين، لا نقص فيك، ولا قصور في جارحة من جوارحك. وهكذا لا يكون عدم ~~الكلام عيبا، بل آية من آيات الله. وهناك فرق بين أمر كوني وأمر ~~شرعي، الأمر الكوني هو ما يكون وليس لك فيه اختيار في ألا يكون، ~~والأمر الشرعي ما لك فيه اختيار من الممكن أن تطيعه فتكون طائعا، أو ~~تعصيه فتكون عاصيا. وهذا الذي حدث لزكريا أمر كوني، وآية من الله لا ~~اختيار له فيها، وكأن الحق سبحانه يعطينا الدليل على أنه يوجد من لا ~~مظنة أسباب، وقد يبقي الأسباب سليمة صالحة ولا يظهر المسبب، فاللسان ~~هنا موجود، وآلات النطق سليمة، ولكنه لا يقدر على الكلام. فتأمل طلاقة ~~القدرة، فقد شاء سبحانه لزكريا الولد بغير أسباب، وهنا منع مع وجود ~~الأسباب، فكلا الآيتين سواء في قدرته تعالى ومشيئته. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { فخرج على قومه... }. ### || [19.11] # إذن: حدثت هذه المسألة لزكريا وهو في المحراب أي: مكان العبادة ~~والصلاة، وعادة ما يكون مرتفعا على شرف عما حوله، وكان مصلى الأنبياء ~~والصالحين، وسمي محرابا لأنه يحارب فيه الشيطان بكيده ووسوسته. وقد ~~ذكر المحراب أيضا في قصة داود عليه السلام: # وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب # [ص: 21]. وقد وردت هذه اللقطة من قصة زكريا عليه السلام في آية أخرى ~~دلت أيضا على أن البشارة بيحيى كانت وهو في محرابه، حيث قال تعالى: # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ~~أن الله يبشرك بيحيى مصدقا.. # [آل عمران: 39]. وقوله تعالى: { فأوحى إليهم.. } [مريم: 11] ~~قلنا: إن الوحي له معنى لغوي ومعنى شرعي، الوحي لغة: الإخبار ~~بطريق خفي. وعلى هذا المعنى يأتي الوحي بطرق متعددة، فالله تعالى ~~يوحي للرسل والأنبياء، ويوحي لغير الرسل من المصطفين، كما في قوله ~~تعالى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه.. # [القصص: 7] أي: أخبرها بطريق خفي، هو طريق ms6173 الإلهام. ويوحي إلى ~~الملائكة: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا.. # [الأنفال: 12]. ويوحي للصالحين من أتباع الرسل: # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي.. # [المائدة: 111]. ويتعدى الإعلام بخفاء إلى الحشرات: # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون # [النحل: 68]. بل يتعدى الوحي إلى الجماد في قوله تعالى: # إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض ~~أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث ~~أخبارها * بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 1-5]. وقد يوحي الشياطين بعضهم إلى بعض: # يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.. # [الأنعام: 112]. ويوحون إلى أوليائهم: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم.. # [الأنعام: 121] لأن الشيطان لا يأتي الإنسان إلا بطريق خفي، ووسوسة في ~~خواطره. أما الوحي الشرعي فهو إعلام من الله وحده إلى نبي يدعي النبوة ~~ومعه معجزة، إذن فالوحي: إعلام خفي من الله للرسول. فقوله تعالى: { ~~فأوحى إليهم.. } [مريم: 11] أي: قال لهم بطريق الإشارة لأنه لا ~~يتكلم { أن سبحوا بكرة وعشيا } [مريم: 11] بكرة: أول ~~النهار، وعشيا: آخره، يعني: طوقوا النهار بالتسبيح بداية ونهاية. ~~وكأن زكريا عليه السلام قد بدت عليه علامات الفرح والانبساط بالبشرى، ~~ورأى أن شكره لله وتسبيحه لا ينهض بهذه النعمة، فأمر قومه أن ~~يسبحوا الله معه، ويشكروه معه على هذه النعمة لأنها لا تخصه وحده، ~~بل هي عامة لكل القوم. ثم يقول تعالى: { ييحيى خذ الكتاب... ~~}. ### || [19.12] # نلحظ أن الآية الكريمة انتقلت بنا نقلة واسعة، وطوت فترة طويلة من ~~حياة يحيى - عليه السلام - فقد كان السياق يتحدث عنه وهو بشرى لوالده، ~~وهو ما يزال في بطن أمه جنينا، وفجأة يخاطبه وكأنه أصبح أمرا واقعا: { ~~ييحيى خذ الكتاب بقوة.. } [مريم: 12] فقد بلغ مبلغ ~~النضج، وأصبح أهلا لحمل مهمة الدعوة، إذن: المسألة مأخوذة مأخذ ~~الجد، وهي حقيقة واقعة. وقوله: { خذ الكتاب.. } [مريم: 12] أي: ~~التوراة، وفيها منهج الله الذي ينظم لهم حركة حياتهم { بقوة.. } ~~[مريم: 12] أي: بإخلاص في حفظه وحرص على العمل به لأن العلم السماوي ~~والمنهج الإلهي الذي جاءكم في التوراة ms6174 ليس المراد أن تعلمه فقط بل وتعمل ~~به. وإلا فقد قال تعالى في بني إسرائيل: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا.. # [الجمعة: 5] فقد حملهم الله التوراة، فلم يحملوها ولم يعملوا بها. ~~والقوة: هي الطاقة الفاعلة التي تدير دولاب الحياة حركة وسكونا، وخذ ~~مثلا سفينة الفضاء التي تنطلق إلى الفضاء الخارجي، وتظل تدور فيه عدة ~~سنوات وتتساءل: من أين لها بالوقود الذي يحركها طوال هذه المدة؟ ~~والحقيقة أنها لا تحتاج:إلى وقود إلا بمقدار ما يخرجها من مدار ~~الجاذبية الأرضية، فإذا ما خرجت من نطاق الجاذبية وهي متحركة تظل متحركة ~~ولا تتوقف إلا بقوة توقفها، وكذلك الساكن يظل ساكنا إلى أن تأتي قوة ~~تحركه. إذن: القوة إما أن تحرك الساكن أو تسكن المتحرك وتصده، ~~ومن ذلك ما نراه في السكك الحديدية من مصدات توقف القطارات لأنك إن ~~أردت أن توقف القطار تمنع عنه الوقود، لكن يظل به قوة دفع تحركه تحتاج ~~إلى قوة معاكسة توقفه، وهذا ما يسمونه قانون العطالة. يعني: إن كان الشيء ~~متحركا فيحتاج إلى قوة توقفه، وإن كان ساكنا يحتاج إلى قوة تحركه. ومن ~~ذلك قانون القصور الذاتي الذي تعلمناه في المدارس، وتلاحظه إذا تحركت بك ~~السيارة تجد أن جسمك يندفع للخلف لأنها تحركت للأمام وأنت ساكن، فإن ~~توقفت السيارة تحرك جسمك للأمام لأنها توقفت وأنت متحرك. إذن: هذه ~~الأشياء التي تتحرك في الكون أو الساكنة نتيجة قوة. فقوله تعالى: { خذ ~~الكتاب بقوة.. } [مريم: 12] لأن الكتاب فيه أوامر وفيه نواه، ~~يأمر بالخير وينهاك عن الشر، فإن أمرك بالخير وأنت لا تفعله تحتاج إلى ~~قوة دفع تدفعك إلى الخير، وكأنك كنت ساكنا تحتاج إلى قوة تحركك، وإن ~~نهاك عن الشر وأنت تفعله فأنت في حاجة إلى قوة تمنعك وتوقف حركتك في ~~الشر. والمنهج هو هذه القوة التي تحركك إلى الخير وأنت ساكن، وتسكنك ~~عن الشر وأنت متحرك. ثم يقول تعالى: { وآتيناه الحكم صبيا } ~~[مريم: 12] الحكم: العلم والفهم للتوراة، أو الطاعة والعبادة، { صبيا ~~} [مريم: 12] في سن ms6175 مبكرة لأن المسألة عطاء من الله لا يخضع للأسباب، ~~فجاء يحيى عليه السلام مبكر النضج والذكاء، يفوق أقرانه، ويسبق زمانه، ~~وقد أثر عنه وهو صغير أن دعاه أقرانه للعب فقال لهم: # " ما للعب خلقنا ". # ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { وحنانا من لدنا... }. ### || [19.13] # ولأن يحيى جاء إلى الدنيا حال كبر وضعف والديه، وهو كطفل يحتاج من ~~يشمله بالعطف والحنان، ويعوضه حنان الوالدين، ويحتاج إلى من ~~يعلمه ويربيه لذلك تولى الحق سبحانه وتعالى هذه المهمة، فهو ~~سبحانه خالقه ومسميه ومتوليه فوهبه حنانا منه سبحانه { من ~~لدنا.. } [مريم: 13] من عندنا لأن طاقة الحنان عند الوالدين قد ~~نضبت. وقوله: { وزكاة.. } [مريم: 13] أي: طهارة من الذنوب وصفاء ~~نفس وبركة، وهذه كلها نتيجة التربية الإلهية بمنهج الله الذي يرسم له ~~حركته في الحياة: افعل كذا ولا تفعل كذا. { وكان تقيا } [مريم: ~~13] أي: استجاب لهذا الحنان، وأثمرت فيه هذه التربية فكان تقيا، أي: ~~منفذا لأوامر الله مجتنبا لنواهيه، وبذلك وقى نفسه من صفات الجلال ~~من الله تعالى. وقلنا: إن التقوى أن تجعل بينك وبين ما تتقيه مانعا ~~يحميك ويبعدك عن إيذائه، فنقول: اتق الله واتق النار، كيف ذلك ونحن ~~نريد أن نصل إلى معيته سبحانه؟ نقول: اتق الله أي: اجعل بينك وبين صفات ~~جلاله وجبروته وقاية تحميك من جبروته وجباريته وقهره، فلست مطيقا ~~لأدنى شيء من العذاب، والنار من جنود الله ومظهر من مظاهر قهره، فاتقاء ~~النار جزء من اتقاء الله، والوقاية التي تحميك من صفات الجبروت والجلال ~~هي الطاعة بامتثال الأوامر والنواهي. ثم يقول تعالى: { وبرا ~~بوالديه ولم يكن... }. ### || [19.14] # فرغم أن يحيى عليه السلام جاء أبويه في حال كبرهما وضعفهما، ولم يجد ~~منهما الحنان الكافي والتربية المناسبة، ولم يشعر معهما بالأبوة ~~الكاملة، فكان دورهما في حياته ثانويا، وحمايلهم عليه باهتة متواضعة، مع ~~هذا كله كان بارا بهما حانيا عليهما. وقال عنه أيضا: { ولم يكن ~~جبارا عصيا } [مريم: 14]. وصفة الجبروت وصفة العصيان لا ~~يتصوران من الولد على والديه، إلا حين يرى من أبيه شرودا عنه ms6176 ~~وانصرافا عن رعايته، وحين يرى من أمه انشغالا عن تربيته، فهي تاركة له ~~غير مراعية لحقه. لذلك نرى صورا من هذا الجبروت ومن هذا العصيان، ونسمع ~~من يقسو على أمه وعلى أبيه لأنه لم يجد منهما العطف والحنان والرعاية، ~~فتقطعت بينهما أواصر الأبوة. ويبدو أن زكريا حكى لولده ما حدث، وقص ~~عليه قصته، فتفهم الولد دور والديه ونفى عنهما أي تقصير، فكان بهما ~~بارا رحيما، ولهما طائعا متواضعا. ثم يقول الحق سبحانه: { وسلام ~~عليه يوم ولد... }. ### || [19.15] # هذه مسائل ثلاث تعد أعلام حياة للإنسان: الميلاد، والموت، والبعث. ~~وقد خصه الله بالسلام يوم مولده لأنه ولد على غير العادة في الميلاد ~~فأمه عاقر قد أسنت، ومع ذلك لم تتعرض لألسنة الناس ولم يعترض أحد على ~~ولادتها، وهي على هذا الوصف، فلم يتجرأ أحد عليها لأن ما حدث لها كان ~~آية من آيات الله وقد بشر الله بها زكريا لتكون البشرى إعدادا ~~ومقدمة لهذا الحدث العجيب. وخصه بالسلام يوم يموت لأنه سيموت شهيدا، ~~والشهادة غير الموت، الشهادة تعطيه حياة موصولة بالحياة الأبدية ~~الخالدة. وكذلك خصه بالسلام يوم القيامة يوم يبعث حيا. ثم يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { واذكر في الكتاب... }. ### || [19.16] # وقصة مريم في واقع الأمر كانت قبل قصة زكريا ويحيى لأن طلب زكريا للولد ~~جاء نتيجة لما سمعه من مريم حين سألها عن طعام عندها لم يأت به، وهو ~~كافلها ومتولي أمرها، فتعجب أن يرى عندها رزقا لم يحمله إليها، وهي ~~مقيمة على عبادتها في محرابها، فقال لها: # يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن ~~الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. وكأن هذا أول بداية قانون: من أين لك هذا؟ لكن عطاءه ~~تعالى لا يخضع للأسباب، بل هو سبحانه يرزق من يشاء متى شاء وبغير حساب. ~~وشاءت إرادة الله أن تنطق مريم بهذه المقولة: # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37] لأنها ستنبه زكريا إلى شيء، وستحتاجها أيضا مريم ~~فيما بعد حينما تشعر بالحمل من ms6177 غير زوج، فلن تعترض على هذا الوضع، ~~وستعلم أنه عطاء من الله. وكذلك نبهت هذه الآية زكريا - عليه السلام ~~- إلى فضل الله وسعة رحمته، وهذا أمر لا يغيب عن نبي الله، ولكن هناك ~~قضايا في النفس البشرية إلا أنها بعيدة عن بؤرة الشعور وبعيدة عن ~~الاهتمام، فإذا ما ذكر بها انتبه إليها لذلك يقول الحق - سبحانه ~~وتعالى: # هنالك دعا زكريا ربه.. # [آل عمران: 38]. فما دام أن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فلماذا لا ~~أدعو الله بولد صالح يحمل أمر الدعوة من بعدي، وطالما أن الرزق بغير حساب ~~فلن يمنعه كبر السن أو العقم أو خلافه. إذن: فمريم هي التي ~~أوحت لزكريا بهذا الدعاء، واستجاب الله لزكريا ورزقه يحيى ليكون ذلك ~~مقدمة وتمهيدا لمريم، فلا تنزعج من حملها، وترد هذه المسألة إلى أن ~~الله يرزق من يشاء بغير حساب، وليكون ذلك إيناسا لنفسها واطمئنانا، ~~وإلا فمن الممكن أن تلعب بها الظنون وتنتابها الشكوك، وتتصور أن هذا ~~الحمل نتيجة شيء حدث لم تشعر به، أو كانت نائمة مثلا. لكن الحق - تبارك ~~وتعالى - يقطع عنها كل هذه الشكوك، ويعطيها مقدمة تراها وتعايشها بنفسها ~~في طعام لم يأت به أحد إليها، وفي حمل زوجة زكريا وهي عاقر لا تلد. ~~قوله تعالى: { واذكر في الكتاب مريم.. } [مريم: 16]. الكتاب ~~هو القرآن الكريم، أي: اذكر يا محمد في كتاب الله الذي أوحاه إليك مما ~~تذكر قصة مريم، وقد سبق الحديث عن هذه القصة في سورة آل عمران لما تكلم ~~الحق - سبحانه وتعالى - عن نذر أمها لما في بطنها لخدمة بيت المقدس، ~~ولم يكن يصلح لخدمة بيت المقدس إلا الذكران الذين يتحملون مشقة هذا ~~العمل، فلما وضعتها أنثى لم يوافق ظنها إرادة الله، ولم تستطع مريم ~~خدمة البيت مكانا أفرغت نفسها لخدمته قيما، ودينا حملت نفسها عليه ~~حملا، حتى إنها هجرت أهلها وذهبت إلى هذا المكان الذي اتخذته خلوة ~~لها لعبادة الله بعيدا عن أعين الناس. # ومريم هي ابنة عمران، وقد قال القرآن في خطابها: # يأخت هارون.. ms6178 # [مريم: 28] ولذلك حدث لبس عند كثير من الناس، فظنوها أخت نبي الله ~~موسى بن عمران وأخت هارون أخي موسى عليهما السلام. والحقيقة أن هذه ~~المسألة جاءت مصادفة اتفقت فيها الأسماء لذلك لما ذهب بعض الصحابة إلى ~~اليمن قال لهم أهلها: إنكم تقولون: إن مريم هي أخت موسى وهارون، مع أن ~~بين مريم وعمران أبي موسى أحد عشر جيلا!! فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أما ذكرتم لهم أن الناس كانوا يتفاءلون بذكر الأسماء خاصة الأنبياء ~~فيسمون على أسمائهم عمران ويسمون على أسمائهم هارون ". # حتى ذكروا أنهم في جنازة بعض العلماء سار فيها أربعة آلاف رجل اسمهم ~~هارون. إذن: فالأسماء هنا مصادفة، فهي ابنة عمران، لكن ليس أبا موسى، ~~وأخت هارون، لكن ليس هو أخو موسى. وقد أفرد القرآن سورة كاملة باسم مريم ~~وخصها وشخصها باسمها واسم أبيها، وسبق أن أوضحنا أن التشخيص في قصة ~~مريم جاء لأنها فذة ومفردة بين نساء العالم بشيء لا يحدث ولن يحدث إلا ~~لها، فهذا أمر شخصي لن يتكرر في واحدة أخرى من بنات حواء. أما إن كان ~~الأمر عاما يصح أن يتكرر فتأتي القصة دون تشخيص، كما في حديث القرآن ~~عن زوجة نوح وزوجة لوط كمثال للكفر، وهما زوجتان لنبيين كريمين، وعن زوجة ~~فرعون كمثال للإيمان الذي قام في بيت الكفر وفي عقر داره، فالمراد هنا ~~ليس الأشخاص، بل المراد بيان حرية العقيدة، وأن المرأة لها في الإسلام ~~حرية عقدية مستقلة ذاتية، وأنها غير تابعة في عقيدتها لأحد، سواء أكانت ~~زوجة نبي أم زوجة إمام من أئمة الكفر. وقوله تعالى: { إذ انتبذت ~~من أهلها مكانا شرقيا } [مريم: 16]. { انتبذت من ~~أهلها.. } [مريم: 16] أي: ابتعدت عنهم، من نبذ الشيء عنه أي أبعده، ~~فكأن أنسها لا بالأهل، ولكن أنسها كان برب الأهل، والقرآن يقول: { ~~من أهلها.. } [مريم: 16] ولم يقل: من الناس، فقد تركت مريم أقرب ~~الناس إليها وأحبهم عندها وذهبت، إلى هذا المكان. { مكانا شرقيا ~~} [مريم: 16] لكن شرقي أي شيء؟ فكل مكان يصح أن يكون شرقيا، ms6179 ويصح أن ~~يكون غربيا، فهي - إذن - كلمة دائرة في كل مكان. لكن هناك علم بارز في ~~هذا المكان، هو بيت المقدس، فالمراد إذن: شرقي بيت المقدس، وقد جاء ~~ابتعادها عن أهلها إلى هذا المكان المقدس لتتفرغ للعبادة ولخدمة هذا ~~المكان. # لكن، لماذا اختارت الجهة الشرقية من بيت المقدس بالذات دون غيرها من ~~الجهات؟ قالوا: لأنهم كانوا يتفاءلون بشروق الشمس، لأنها سمة النور ~~المادى الذي يسير الناس على هداه فلا يتعثرون، وللإنسان في سيره ~~نوران: نور مادى من الشمس أو القمر أو النجوم والمصابيح، وهو النور الذي ~~يظهر له الأشياء من حوله، فلا تصطدم بما هو أقوى منه فيحطمك ولا بأضعف ~~منه فتحطمه. وكذلك له نور من منهج الله يهديه في مسائل القيم، حتى لا ~~يتخبط تائها بين دروبها، ومن ذلك قوله تعالى: # الله نور السماوات والأرض.. # [النور: 35] ثم يقول بعدها: # نور على نور.. # [النور: 35]. أي: نور السماء الذي ينزل بالوحي لهداية الناس. ### || [19.17] # الحجاب: هو الساتر الذي يحجب الإنسان عن غيره ويحجب غيره عنه، فما فائدة ~~أن تتخذ بينها وبين أهلها سترا بعد أن ابتعدت عنهم؟ نقول: انتبذت ~~من أهلها مكانا بعيدا، هذا في المكان، إنما لا يمنع أن يكون هناك ~~مكين آخر يسترها حتى لا يطلع عليها أحد، فهناك إذن مكان ومكين. والحجاب ~~قد يكون حجابا مفردا فهو ساتر فقط، وقد يكون حجابا مستورا بحجاب ~~غيره، فهو حجاب مركب، كما يصنع أهل الترف الآن الستائر من طبقتين، ~~إحداهما تستر الأخرى، فيكون الحجاب نفسه مستورا، ومن ذلك قوله تعالى: # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا # [الإسراء: 45]. وقوله تعالى: { فأرسلنآ إليهآ روحنا.. } ~~[مريم: 17]. كلمة الروح في القرآن الكريم لها إطلاقات متعددة، أولها ~~الروح التي بها قوام حياتنا المادية، فإذا نفخ الله الروح في المادة ~~دبت فيها الحياة والحس والحركة، ودارت كل أجهزة الجسم، وهذا المعنى ~~في قوله تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر: 29]. لكن، هل هذه الحياة التي تسري في ms6180 المادة بروح من الله هي ~~الحياة المقصودة من خلق الله للخلق؟ قالوا: إن كانت هذه الحياة هي ~~المقصودة فما أهونها لأن الإنسان قد يمر بها ويموت بعد ساعة، أو بعد ~~يوم، أو بعد سنة، أو عدة سنوات. إذن: هي حياة قصيرة حقيرة هينة، هي ~~أقرب إلى حياة الديدان والهوام، أما الإنسان الذي كرمه الله وخلق الكون ~~من أجله فلا بد أن تكون له حياة أخرى تناسب تكريم الله له، هذه ~~الحياة الأخرى الدائمة الباقية يقول عنها القرآن: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. { لهي الحيوان } أي: الحياة الحقيقية، أما ~~حياتك الدنيا فهي مهددة بالموت حتى لو بلغت من الكبر عتيا، فنهايتك ~~إلى الموت، فإن أردت الحياة الحقيقية التي لا يهددها موت فهي في ~~الآخرة. فإذا كان الخالق - تبارك وتعالى - جعل لك روحا في الدنيا تتحرك ~~بها وتناسب مدة بقائك فيها، ألا يجعل لك في الآخرة روحا تناسبها، ~~تناسب بقاءها وسرمديتها، والقرآن حينما يتحدث عن هذه الروح يقول للناس: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24]. فكيف يدعوهم لما يحييهم ويخاطبهم وهم أحياء؟ نعم، هم ~~أحياء الحياة الدنيا، لكنه يدعوهم إلى حياة أخرى دائمة باقية، أما من ~~لم يستجب لهذا النداء ويسعى لهذه الحياة فلن يأخذ إلا هذه الحياة القصيرة ~~الفانية التي لا بقاء لها. وكما سمى الله السر الذي ينفخه في ~~المادة فتدب فيها الحركة والحياة " روحا " ، كذلك سمى القيم التي ~~تحيا بها النفوس حياة سعيدة " روحا " ، كما قال تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا.. # [الشورى: 52] أي: القرآن الكريم. كما سمى الملك الذي ينزل بالروح ~~روحا: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193] وهو جبريل عليه السلام. إذن: فقوله تعالى: { ~~فأرسلنآ إليهآ روحنا.. } [مريم: 17] أي: جبريل عليه السلام. ~~{ فتمثل لها بشرا سويا } [مريم: 17] معنى تمثل: أي: ~~ليست هذه حقيقته، إنه تمثل بها، أما حقيقته فنورانية ذات صفات أخرى، ~~وذات أجنحة مثنى وثلاث ورباع، فلماذا - إذن - جاء الملك مريم في ~~صورة بشرية؟ لأنهما سيلتقيان، ولا ms6181 يمكن أن يتم هذا اللقاء خفية، ~~وكذلك يستحيل أن يلتقي الملك بملكتيه مع البشر ببشريته، فلكل منهما ~~قانونه الخاص الذي لا يناسب الآخر، ولا بد في لقائهما أن يتصور ~~الملك في صورة بشر، أو يرقى البشر إلى صفات الملائكة، كما رقي محمد ~~صلى الله عليه وسلم إلى صفات الملائكة في حادثة الإسراء والمعراج، ولا ~~يتم الالتقاء بين الجنسين إلا بهذا التقارب. لذلك، لما طلب الكفار أن ~~يكون الرسول ملكا رد عليهم الحق تبارك وتعالى: # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. وقال: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9] إذن: لا يمكن أن يلتقي الملك بالبشر إلا بهذا التقارب. ~~جاء جبريل - عليه السلام - إلى مريم في صورة بشرية لتأنس به، ولا تفزع ~~إن رأته على صورته الملائكية { فتمثل لها بشرا.. } [مريم: ~~17] أي: من جنسها { سويا } [مريم: 17]. أي: سوي الخلقة والتكوين، ~~وسيما، قد انسجمت أعضاؤه وتناسقت على أجمل ما يكون البشر، فلا يعيبه ~~كبر جبهته أو أنفه أو فمه، كما نرى في بعض الناس. وهذا كله لإيناس مريم ~~وطمأنينتها، وأيضا ليثبت أنها العذراء العفيفة لأنها لما رأت هذا الفتى ~~الوسيم القسيم ما أبدت له إعجابا ولا تلطفت إليه في الحديث، ولا ~~نطقت بكلمة واحدة يفهم منها ميل إليه، بل قالت كما حكى القرآن: { ~~قالت إني أعوذ بالرحمن... }. ### || [19.18] # فلم تظهر له إعجابا، ولا مالت إليه بكلمة واحدة، وهذا دليل على ~~عفتها وطهارتها واستقامتها والتزامها. وقولها: { أعوذ.. } [مريم: ~~18] أي: ألجأ وأعتصم بالله منك لأنني أخاف أن تفتك بي، أو تعتدي علي ~~وأنا ضعيفة لا حول لي ولا قوة إلا بالله، فأستعيذ به منك. والمؤمن هو ~~الذي يحترم الاستعاذة بالله ويقدرها، فإن استعذت بالله أعاذك، وإن ~~استجرت بالله أجارك. # " ولما خطب النبي صلى الله عليه وسلم امرأة، كانت على شيء من الحسن أثار ~~غيرة نسائه، فخشين أن تغلبهن على قلب رسول الله، فدبرن لها أمرا ~~يبعدها من أمامهن، فقلن لها - وكانت غرة ms6182 ساذجة - أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحب إذا اقترب منه إنسان أن يقول له: أعوذ بالله منك، فما ~~كان من المرأة إلا أن قالت هكذا لرسول الله عندما دخلت عليه، فقال لها: ~~" لقد استعذت بمعيذ، الحقي بأهلك ". # فقول مريم: { إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ~~} [مريم: 18] لأن المؤمن التقي هو الذي يخاف الله، ويحترم الاستعاذة به، ~~وكأنها قالت: إن كنت تقيا فابتعد عني، واختارت الاستعاذة بالرحمن لما ~~عندها من الأمل إن لم يكن تقيا مؤمنا أن يبتعد عنها رحمة بها ~~وبضعفها، ولجأت إلى الرحمن الرحيم الذي يحميها ويحرسها منه. ### || [19.19] # قال: { رسول ربك.. } [مريم: 19] ولم يقل رسول الله لأن الرب هو ~~المتولي للتربية الذي يحسنها ويصونها من الفساد، فعطاء الربوبية عطاء ~~مادي، أما عطاء الألوهية فهو عطاء معنوي قيمي هو العبادة، فأنا رسول ~~ربك الذي يتولاك ويرعاك ويحرسك فلا تخافي. وقوله: { لأهب لك.. } ~~[مريم: 19] يفهم منه أن ما سيحدث لمريم هبة من الله غير خاضعة للأسباب ~~التكوينية، فالهبة في هذه الحالة هبة حقيقية محضة، فقد قلنا في قصة ~~زكريا ويحيى أن الله تعالى وهب يحيى لزكريا حال كونه كبير السن وامرأته ~~عاقر، لكن على أية حال فالجهازان موجودان: الذكورة والأنوثة، لكن في حالة ~~مريم فهي أنثى بلا ذكر، فهنا الهبة المحضة، والمعجزة الحقيقية. وقوله: ~~{ غلاما زكيا } [مريم: 19] أي منقى مطهر صافي الخلقة. ثم ~~يقول الحق سبحانه عن مريم: { قالت أنى يكون لي... }. ### || [19.20] # { أنى } استفهام عن الكيفيات التي يمكن أن تتم بها هذه المسألة، ~~وتعجب كيف يحدث ذلك. وقوله: { يمسسني.. } [مريم: 20] المس هنا ~~كناية وتعبير مهذب عن النكاح، وقد نفت السيدة مريم كل صور اللقاء بين ~~الذكر والأنثى حين قالت: { ولم يمسسني بشر ولم أك ~~بغيا } [مريم: 20] فالتقاء الذكر بالأنثى له وسائل: الوسيلة الأولى: ~~هي الزواج الشرعي الذي شرعه الله لعباده للتكاثر وحفظ النسل، وهو إيجاب ~~وقبول، وعقد وشهادة، وهذا هو المس الحلال. الوسيلة الثانية: أن يتم هذه ~~اللقاء بصورة محرمة بموافقة الأنثى أو غصبا عنها. وقد ms6183 نفت مريم عن ~~نفسها كل هذه الوسائل فقالت: { ولم يمسسني بشر.. } [مريم: 20] ~~لا في الحلال، ولا في الحرام، وأنا بذاتي { لم أك بغيا } [مريم: ~~20] إذن: فمن أين لي بالغلام؟ وكلمة: مس جاءت في القرآن للدلالة على ~~الجماع، كما في قوله تعالى: # لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم ~~تمسوهن.. # [البقرة: 236] فالمراد بالمس هنا الجماع، لذلك فقد فسر الإمام أبو ~~حنيفة قوله تعالى: # لامستم النسآء.. # [النساء: 43] بأنه الجماع لأن القرآن أطلق المس، وأراد به النكاح، ~~والمس فعل من طرف واحد، أما الملامسة فهي مفاعلة بين اثنين، فهي من ~~باب أولى تعني: جامعتم. وقولها: { ولم أك بغيا } [مريم: 20] ~~البغي: هي المرأة التي تبغي الرجال. والبغاء: هو الزنا، والبغي: ~~التي تعرض نفسها على الرجال وتدعوهم، وربما تكرههم على هذه الجريمة. ~~وقولها: { بغيا } [مريم: 20] مبالغة في البغي وهو الظلم، واختارت ~~صيغة المبالغة بغي ولم تقل باغية لأن باغية تتعلق بحقوق ما حول ~~العرض، أما الاعتداء على العرض ذاته فيناسبه المبالغة في هذا الفعل. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { قال كذلك قال ربك... }. ### || [19.21] # كما قال الحق سبحانه لزكريا حينما تعجب أن يكون له ولد: # قال كذلك قال ربك.. # [مريم: 9] أي: أنا أعرف ما أنت فيه من كبر السن، وأن امرأتك عاقر لا ~~تلد، لكن الأمر جاء من الله وصدر حكمه، وهو وحده الذي يملك التنفيذ، ~~فلم التعجب إذن؟ وهنا نجد بعض المتوركين على القرآن يعترضون على ~~قوله تعالى: كذلك بالفتح في قصة زكريا وبالكسر في قصة مريم كذلك، ~~والسياق والمعنى واحد، وأيهما أبلغ من الأخرى، وإن كانت أحدهما بليغة ~~فالأخرى غير بليغة؟ وهذا الاعتراض منهم ناتج عن قصور فهمهم لكلام الله، ~~فكلمة كذلك عبارة عن ذا اسم إشارة، وكاف الخطاب التي تفتح في خطاب ~~المذكر، وتكسر في خطاب المؤنث. وهنا أيضا قال: ربك أي: الذي يتولى ~~تربيتك ورعايتك، والذي يربيه ربه يربيه تربية كاملة تعينه على أداء ~~مهمته المرادة للمربي. وقوله: { هو علي هين.. } [مريم: 21] ~~كما قال في مسألة البعث بعد الموت: # وهو أهون ms6184 عليه.. # [الروم: 27] فكلمة هين وأهون بالنسبة للحق - تبارك وتعالى - لا ~~تؤخذ على حقيقتها لأن هين وأهون تقتضي صعب وأصعب، وهذه مسائل ~~تناسب فعل الإنسان في معالجته للأشياء على قدر طاقته وإمكاناته، أما ~~بالنسبة للخالق سبحانه فليس عنده هين وأهون منه لأنه سبحانه لا يفعل ~~الأفعال معالجة، ولا يزاولها، وإنما بقوله تعالى كن. فالحق سبحانه ~~يخاطبنا على قدر عقولنا، فقوله: { هو علي هين.. } [مريم: 21] ~~أي: بمنطقكم أنتم إن كنت قد خلقتكم من غير شيء، فإعادتكم من شيء موجود ~~أمر هين. ثم يقول تعالى: { ولنجعله آية للناس ~~ورحمة منا.. } [مريم: 21]. هل كان الغرض من خلق عيسى عليه ~~السلام على هذه الصورة أن يظهر الحق سبحانه قدرته في الخلق وطلاقة ~~قدرته فقط؟ لا، بل هناك هدف آخر { ولنجعله آية للناس.. } ~~[مريم: 21] أي: أمرا عجيبا، يخرج عن مألوف العادة والأسباب، كما نقول: ~~هذا آية في الحسن، آية في الذكاء، فالآية لا تقال إلا للشيء الذي يخرج ~~عن معتاد التناول. والآية هنا أن الخالق - تبارك وتعالى - كما خلق آدم - ~~عليه السلام - من غير أب أو أم، وخلق حواء من غير أم، خلق عيسى - عليه ~~السلام - من أم دون أب، ثم يخلقكم جميعا من أب وأم، وقد يوجد الأب والأم ~~ولا يريد الله لهما فيجعل من يشاء عقيما. إذن: فهذا الأمر لا يحكمه ~~إلا إرادة المكون سبحانه. فالآية للناس في أن يعلموا طلاقة قدرته ~~تعالى في الخلق، وأنها غير خاضعة للأسباب، وليست عملية ميكانيكية، بل ~~إرادة للخالق سبحانه أن يريد أو لا يريد. # لكن، أكانت الآية في خلق عيسى عليه السلام أم في أمه؟ كان من ~~الممكن أن يوجد عيسى من أب وأم، فالآية - إذن - في أمه، إنما هو السبب ~~الأصيل في هذه الآية لذلك يقول تعالى في آية أخرى: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية.. # [المؤمنون: 50] فعيسى ومريم آية واحدة، وليسا آيتين لأنهما لا ينفصلان. ~~ثم يقول تعالى: { ورحمة منا.. } [مريم: 21] ووجه الرحمة في ~~خلق عيسى عليه السلام على هذه الصورة، أنه سبحانه يرحم الناس من ms6185 أن ~~يشكوا في أن قدرة الله منوطة بالأسباب ومتوقفة عليها، ولو كان هذا ~~الشك مجرد خاطر، فإنه لا يجوز ولا يصح بالنسبة للخالق سبحانه، وكأنه ~~تبارك وتعالى يرحمنا من مجرد الخواطر بواقع يؤكد أن طلاقة القدرة تأتي في ~~الخلق من شيء، ومن بعض شيء، ومن لا شيء. وقوله تعالى: { وكان ~~أمرا مقضيا } [مريم: 21] أي: مسألة منتهية لا تقبل المناقشة، ~~فإياك أن تناقش في كيفيتها لأن الكلام عن شيء في المستقبل إن كان من ~~متكلم لا يملك إنفاذ ما يقول فيمكن ألا يتم مراده لأي سبب من الأسباب ~~كأن تقول: سأفعل غدا كذا وكذا، ويأتي غد ويحول بينك وبين ما تريد أشياء ~~كثيرة ربما تكون خارجة عن إرادتك، إذن: فأنت لا تملك كل عناصر الفعل. ~~أما إذا كان الكلام من الله تعالى الذي يملك كل عناصر الفعل فإن قوله ~~حق وواقع، فقال تعالى: { وكان أمرا مقضيا } [مريم: 21]. ~~ولما تكلمنا عن تقسيمات الأفعال بين الماضي الذي حدث قبل الكلام، ~~والمضارع الذي يحدث في الحال، أو في الاستقبال قلنا: إن هذه الأفعال ~~بالنسبة للحق سبحانه تنحل عنها الماضوية والحالية والاستقبالية. فإذا قال ~~تعالى: # وكان الله غفورا رحيما # [الفتح: 14] فهل كان الحق سبحانه غفورا رحيما في الماضي، وليس كذلك في ~~الحاضر والمستقبل؟ لا، لأن الحق سبحانه كان ولا يزال غفورا رحيما، ~~فرحمته ومغفرته أزلية حتى قبل أن يوجد من يغفر له ومن يرحمه. ~~لذلك جاء الفعل بصيغة الماضي، فالصفة موجودة فيه سبحانه أزلا، فهو ~~سبحانه خالق قبل أن يخلق الخلق وبصفة الخلق خلق، كما ضربنا مثلا ~~لذلك: نقول فلان شاعر، فهل هو شاعر لأنه قال قصيدة؟ أم قال القصيدة لأنه ~~شاعر، وبالشعر صنع القصيدة؟ إذن: فهو شاعر قبل أن يقول القصيدة، ولولا ~~وجود الصفة فيه ما قال. فالصفة - إذن - أزلية في الحق سبحانه، فإذا قلت: # وكان الله غفورا رحيما # [الفتح: 14] فقد ثبتت له هذه الصفة أزلا، ولأنه سبحانه لا يتغير، ولا ~~يعارضه أحد فقد بقيت له، هذا معنى: كان ولا يزال. وهذه المسألة واضحة ms6186 في ~~استهلال سورة النحل: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1] لذلك وقف بعض المستشرقين أمام هذه الآية، كيف يقول سبحانه ~~أتى بصيغة الماضي، ثم يقول: # فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1] أي: في المستقبل؟ نقول: لأن قوله تعالى: أتى فهذه قضية ~~منتهية لا شك فيها ولا جدال، فليس هناك قوة أخرى تعارضها أو تمنع ~~حدوثها لذلك جاءت بصيغة الماضي وهي في الواقع أمر مستقبل. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { فحملته فانتبذت به... }. ### || [19.22] # فحملته أي: حملت به على الحذف والإيصال، والحمل يقتضي حاملا ~~ومحمولا. { فانتبذت به مكانا قصيا } [مريم: 22] لا تظن ~~أن هذه اللقطة من القصة لقطة معادة، فالانتباذ الأول كان للخلوة ~~للعبادة، وهنا { فانتبذت به.. } [مريم: 22] أي: ابتعدت عن القوم ~~لما أحست بالحمل، وخشيت أعين الناس وفضولهم فخرجت إلى مكان بعيد. ### || [19.23] # { فأجآءها.. } [مريم: 23] الفعل جاء فلان. أي: باختياره ورضاه، ~~إنما أجاءه فلان أي جاء به رغما عنه ودون إرادته، فكأن المخاض هو الذي ~~ألجأها إلى جذع النخلة وحملها على الذهاب إلى هذا المكان رغما عنها ~~{ فأجآءها.. } [مريم: 23] أي: جاء بها، فكأن هناك قوة خارجة عنها ~~تشدها إلى هذا المكان. والمخاض: هو الألم الذي ينتاب المرأة قبل ~~الولادة، وليس هو الطلق الذي يسبق نزول الجنين. وقوله: { فأجآءها ~~المخاض إلى جذع النخلة.. } [مريم: 23] أوضح لنا علة ~~مجيئها إلى جذع النخلة لأن المرأة حينما يأتي وقت ولادتها تحتاج إلى ما ~~تستند إليه، وتتشبث به ليخفف عنها ألم الوضع، أو رفيقة لها تفزع إليها ~~وتقاسمها هذه المعاناة، فألجأها المخاض - إذن - إلى جذع النخلة، وجاءت ~~النخلة معرفة لأنها نخلة معلومة معروفة. وجذع النخلة: ساقها الذي يبدأ ~~من الجذر إلى بداية الجريد، فهل ستتشبث مريم عند وضعها بكل هذه الساق؟ ~~بالطبع ستأخذ الجزء القريب منها فقط، وأطلق الجذع على سبيل المبالغة، ~~كما في قوله تعالى: # يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر ~~الموت.. # [البقرة: 19]. ومعلوم أن الإنسان يسد أذنه بأطراف الأصابع لا بأصابعه ~~كلها، فعبر عن المعنى بالأصابع مبالغة في كتم الصوت المزعج والصواعق ~~التي تنزل بهم. إذن: ms6187 فالسيدة مريم أصبحت أمام أمر واقع وحمل ظاهر لا ~~تستطيع إخفاءه، ولا تقدر على ستره، فقد قبلت قبل ذلك أن يبشرها ~~الملك بغلام زكي، وقبلت أن تحمل به، فكيف بها الآن وقد تحول الأمر ~~من الكلام إلى الواقع الفعلي، وها هو الوليد في أحشائها، وقد حان موعد ~~ولادته؟ لا بد أن ينتابها نزوع انفعالي فالأمر قد خرج عن نطاق ~~الستر والتكتم، فإذا بها تقول: { يليتني مت قبل هذا ~~وكنت نسيا منسيا } [مريم: 23] أي: تمنت لو ماتت قبل أن تقف ~~هذا الموقف العصيب، مع أن الملك حين أخبرها من قبل بأن الله تعالى سيهب ~~لها غلاما زكيا تعجبت قائلة: # أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك ~~بغيا # [مريم: 20]. مجرد تعجب وانفعال هادىء، أما وقد أصبح الأمر ولادة ~~حقيقية فلا بد من فعل نزوعي شديد يعبر عما هي فيه من حيرة، لذلك ~~تمنت الموت، مع أن الله تعالى نهانا عن تمني الموت، كما ورد في الحديث ~~الشريف الذي يرشدنا إذا ضاقت بنا الحياة ألا نتمنى الموت، بل نقول: # " اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما كانت الوفاة ~~خيرا لي ". # وقلنا: إن تمني الموت المنهي عنه ما كان فيه اعتراض على قدر الله، ~~وتمرد على إرادته سبحانه، كأن تكره الحياة والعيش إذا ضاق بك فتتمنى ~~الموت، أما أن تتمنى الموت لعلمك أنك ستصبر إلى خير مما تركت فهذا أمر ~~آخر. # وقد ورد في القرآن مسألة تمني الموت هذه في الكلام عن بني إسرائيل الذين ~~قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودة، وأن الدار الآخرة لنا خالصة عند الله، فبماذا رد عليهم القرآن ~~الكريم؟ والله طالما أن الأمر كما تقولون، والآخرة لكم # فتمنوا الموت إن كنتم صادقين # [البقرة: 94] ثم قرر الحق سبحانه ما سيكون منهم فقال: # ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم.. # [البقرة: 95]. وقال عنهم: # ولتجدنهم أحرص الناس على حياة.. # [البقرة: 96]. وما داموا لن يتمنوا الموت، وما داموا أحرص الناس على ~~الحياة، فلا بد أن ms6188 حياتهم هذه التي يعيشونها أفضل لديهم من الحياة ~~الأخرى. فالمؤمن - إذن - لا يجوز أن يتمنى الموت هربا من بلاء أصابه أو ~~اعتراض على قدر الله، ويجوز له ذلك إن علم أنه صائر إلى أفضل مما هو ~~فيه. وقولها: { نسيا منسيا } [مريم: 23] النسي: هو الشيء التافه ~~الذي لا يؤبه به، وهذا عادة ما ينسى لعدم أهميته، كالرجل الذي نسي ~~عند صاحبه علبة كبريت بها عودان اثنان، وفي الطريق تذكرها فعاد إلى صاحبه ~~يطلب ما نسيه، وهكذا تمنت مريم أن تكون نسيا منسيا حتى لا يذكرها أحد. ~~ولم تكتف بهذا، بل قالت: { نسيا منسيا } [مريم: 23] لأن النسي: ~~الشيء التافه الذي ينسى في ذاته، لكن رغم تفاهته فربما يجد من يتذكره ~~ويعرفه، فأكدت النسي بقولها منسيا أي: لا يذكره أحد، ولا يفكر فيه أحد. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { فناداها من تحتهآ... }. ### || [19.24] # { من تحتهآ.. } [مريم: 24] فيها قراءتان من، من صحيح أن جبريل ~~عليه السلام ما زال موجودا معها لكنه ليس تحتها، فدل ذلك على أن الذي ~~ناداها هو الوليد { ألا تحزني.. } [مريم: 24]، وحزن مريم منشؤه ~~الانقطاع عن الناس، وأنها في حالة ولادة، وليس معها من يسندها ~~ويساعدها، وليس معها من يحضر لها لوازم هذه المسألة من طعام وشراب ~~ونحوه. لذلك تعهدها ربها تبارك وتعالى فوفر لها ما يقيتها من الطعام ~~والشراب، فقال: { قد جعل ربك تحتك سريا } [مريم: 24] ~~والسري: هو النهر الذي يجري بالماء العذب الزلال، ثم يعطيها الطعام ~~المناسب لحالتها، فيقول تعالى: { وهزى إليك بجذع... }. ### || [19.25] # وهكذا وفر الحق سبحانه وتعالى لمريم مقومات الحياة وعناصر استبقائها، ~~وهي مرتبة على حسب أهميتها للإنسان: الهواء والشراب والطعام، ~~والإنسان يصبر على الطعام شهرا دون أن يأكل، ويمكنه أن يقتات على ما ~~هو مخزون في جسمه من غذاء، لكنه لا يصبر على الماء أكثر من ثلاثة أيام ~~إلى عشرة أيام حسب ما في جسمه من مائية، في حين لا يصبر على الهواء لحظة ~~واحدة، ويمكن أن يموت من كتم نفس واحد. لذلك، من حكمة الخالق ~~سبحانه ms6189 وتعالى أن يملك الطعام كثيرا، ويملك الماء قليلا، ولا ~~يملك الهواء لأحد أبدا، لأنك لو غضبت على أحد فمنعت عنه الهواء ~~لمات قبل أن ترضى عنه، إذن: فعناصر استبقاء الحياة مرتبة حسب أهميتها ~~في حياة الإنسان، وقد ضمنها الحق سبحانه لمريم وجعلها في متناول يدها ~~وأغناها عن أن يخدمها أحد. فالهواء موجود وهي في الخلاء، ثم الماء فأجرى ~~تحتها نهرا عذبا زلالا، ثم الطعام فقال: { وهزى إليك ~~بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا } [مريم: 25] ~~وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد أن يظهر لمريم آية أخرى من آياته، ~~فأمرها أن تهز جذع النخلة اليابس الذي لا يستطيع هزه الرجل القوي، ~~فما بالها وهي الضعيفة التي تعاني ألم الولادة ومشاقها؟ كما أن الحق ~~سبحانه قادر على أن ينزل لها طعامها دون جهد منها ودون هزها، ~~إنما أراد سبحانه أن يجمع لها بين شيئين: طلب الأسباب والاعتماد على ~~المسبب، والأخذ بالأسباب في هز النخلة، رغم أنها متعبة قد أرهقها ~~الحمل والولادة، وجاء بها إلى النخلة لتستند إليها وتتشبث بها في وحدتها ~~لنعلم أن الإنسان في سعيه مطالب بالأخذ بالأسباب مهما كان ضعيفا. لذلك ~~أبقى لمريم اتخاذ الأسباب مع ضعفها وعدم قدرتها، ثم تعتمد على المسبب ~~سبحانه الذي أنزل لها الرطب مستويا ناضجا، وهل استطاعت مريم أن ~~تهز الجذع الكبير اليابس؟ إنها مجرد إشارة إليه تدل على امتثال ~~الأمر، والله تعالى يتولى إنزال الطعام لها، وقد صور الشاعر هذا ~~الموقف بقوله: # ألم تر أن الله قال لمريم # وهزي إليك الجذع يساقط الرطب # وإن شاء أعطاها ومن غير هزة # ولكن كل شيء له سبب # وقوله: { تساقط.. } [مريم: 25] أي: تتساقط عليك { رطبا جنيا ~~} [مريم: 25] أي: استوى واستحق أن يجنى، وليس مبتسرا قبل موعده، ومن ~~الرطب ما يتساقط قبل نضجه فلا يكون صالحا للأكل. وقوله: { ~~تساقط عليك.. } [مريم: 25] فيه دليل على استجابة الجماد ~~وانفعاله، وإلا فالبلحة لم تخرج عن طوع أمها، إذن: فقد ألقتها طواعية ~~واستجابة حين تم نضجها. ثم يقول الحق سبحانه: { فكلي واشربي ~~وقري... }. ### || [19.26] # ونلحظ ms6190 هنا أن الحق - تبارك وتعالى - عند إيجاد القوت لمريم جاء بالماء ~~أولا، فقال: # قد جعل ربك تحتك سريا # [مريم: 24]، ثم أتى بالطعام فقال: # وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا ~~جنيا # [مريم: 25] لأن الماء أولى من الطعام في احتياج الإنسان، أما عند الأمر ~~بالانتفاع قال: { فكلي واشربي.. } [مريم: 26] فبدأ بالطعام قبل ~~الشراب، لماذا؟ لأن الإنسان عادة يأكل أولا، ثم يشرب، فالماء مع ~~أهميته، إلا أنه يأتي في العادة بعد الطعام، فسبحان من هذا كلامه. ~~وقوله: { وقري عينا.. } [مريم: 26] بعد أن وفر لها الحق سبحانه ~~الطعام والشراب الذي هو قوام المادة، وبه يتم استبقاء الحياة، لكن بعد ~~الطعام والشراب يبقى لديها حزن عميق وألم وحيرة مما هي فيه لذلك ~~يعطيها ربها تبارك وتعالى بعد القوت الذي هو قوام المادة يعطيها السكينة ~~والطمأنينة ويخفف عنها ألم النفس وحيرة الفؤاد. { وقري ~~عينا.. } [مريم: 26] قري: أي: اسكني. وهذا التعبير عند العرب كناية ~~عن السرور، ومنه قوله تعالى على لسان امرأة فرعون: # قرت عين لي ولك.. # [القصص: 9]. والعرب تعبر بقرة العين وسكونها عن السرور لأن سكون ~~العين على مرأى واحد لا تتحول عنه دليلا على أن العين صادفت مرأى ~~جميلا تسعد به وتسر فلا يغني عنه مرأى آخر، فتظل ساكنة عليه لا ~~تتحرك عنه. وقد يستعمل هذه التعبير في المقابل أي: في الشر والدعاء على ~~إنسان وتمني الشر له، كالمرأة التي دخلت على أحد الخلفاء فنهرها فقالت ~~له: أتم الله عليك نعمته وأقر عينك. فظن الحضور أنها تدعو له، لكنه ~~فطن لمرادها، فقال لجلسائه: ما فهمتم ما تقول، إنها تقصد أتم الله ~~عليك نعمته أي: أزالها، أما سمعتم قول الشاعر: # إذا تم شيء بدا نقصه # ترقب زوالا إذا قيل تم # ذلك لأن الإنسان بطبيعته ابن أغيار، لا يثبت على حال، فإذا ما وصل إلى ~~القمة وتمت له النعمة، وهو ابن أغيار فلا بد أن يتحول عنها. ~~وقولها: أقر الله عينك، أي: أسكنها بالعمى. فقوله تعالى لمريم: { ~~وقري عينا.. } [مريم: 26] أي: كوني سعيدة باصطفاء الله لك ms6191 مسرورة ~~بما أعطاك، فما تهتمين به وتحزنين هو عين النعمة التي ليست لأحد غيرك ~~من نساء العالمين. ثم يقول تعالى: { فإما ترين من البشر ~~أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن ~~أكلم اليوم إنسيا } [مريم: 26]. وهنا يتولى الحق سبحانه ~~وتعالى الدفاع عن مريم وتبرير موقفها الذي لا تجد له هي مبررا في أعراف ~~الناس، فمن يلتمس عذرا لامرأة تحمل وتلد دون أن يكون لها زوج؟ ومهما ~~قالت فلن تصدق ولن تسلم من ألسنة القوم وتجريحهم. # إذن: فجواب ما يكره السكوت، فأمرها سبحانه أن تلزم الصمت ولا تجادل ~~أحدا في أمرها: { فقولي إني نذرت للرحمن صوما ~~فلن أكلم اليوم إنسيا } [مريم: 26] والصوم هنا أي: عن ~~الكلام، كما حدث مثل هذا في قصة زكريا لأن المعجزات قريبة من بعضها، فقد ~~أعطى الله زكريا مع عطب الآلات، وأعطى مريم بنقص الآلات، ولا يبرر هذه ~~المعجزات ولا يدافع عنها إلا صانعها تبارك وتعالى. وهذه المسألة اعترض ~~عليها بعض الذين يحبون أن ينتقموا على القرآن، فقالوا: كيف يأمرها ~~بالصوم عن الكلام، وفي نفس الوقت يأمرها أن تقول: نذرت للرحمن صوما؟ ~~يجوز أنها قالت هذه العبارة أولا لأول بشر رأته ليتم بذلك إعلان صومها، ~~ثم انقطعت عن الكلام، ويجوز أن يكون المراد بالكلام هنا الإشارة، ~~والدلالة بالإشارات أقوى الدلالات وأعمها، فإن اختلفت اللغات بين البشر ~~لأن كل جماعة تواضعوا على لغة خاصة بهم، فإن لغة الإشارة تظل لغة عامة ~~يتفق عليها الجميع، فمثلا حين تومىء برأسك هكذا تعني نعم في كل اللغات، ~~وحين تشير بأصبعك هكذا تعني لا، إذن: فالدلالة لغة عالمية وعامة. وقد ~~تعرض القرآن الكريم في موضع آخر لهذه المسألة في قوله تعالى: # حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما ~~قوما لا يكادون يفقهون قولا # [الكهف: 93]. أي: لا يقربون من الفهم، فهم يفهمون من باب أولى، ومع ~~ذلك كان بينهم كلام وإشارة ولغة، وفهم كل منهم عن الآخر: # قالوا يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج.. # [الكهف: 94]. ونلحظ في قولها: { فلن أكلم اليوم إنسيا } ~~[مريم: ms6192 26] أن النهي عن الكلام مع البشر خاصة فلم تقل: لن أتكلم، وإلا ~~فمعها جبريل - عليه السلام - يكلمها وبينهما تفاهم، لعله يرى لها ~~مخرجا، وقد كانت مريم واثقة مطمئنة إلى هذا المخرج، فإذا كان ربها - ~~تبارك وتعالى - أمرها بالصوم عن الكلام، فإنه سينطق الوليد ليتكلم هو ~~ويدافع عن أمه أمام اتهامات القوم. ولما تكلمنا في قوله تعالى: # فناداها من تحتهآ ألا تحزني.. # [مريم: 24] استبعدنا أن يكون هذا النداء من جبريل، وقلنا: إنه نداء ~~الوليد لذلك اطمأنت مريم وعلمت أنها أمام معجزة عظمى، ووثقت تمام ~~الثقة أنها حين تشير إليه سيتكلم هو ويرد عنها الحرج مع قومها لأن ~~الكلام ممن يقدر على الكلام لا يأتي بحجة تقنع الناس عن خلاف ~~العادة، أما حين يتكلم وهو في المهد، فهذا يعني أنه معجزة خارقة للعادة، ~~فإذا كان الوليد معجزة فالمعجزة في أمه من باب أولى. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { فأتت به قومها تحمله... }. ### || [19.27] # ونعجب للسيدة مريم، فبدل أن تخجل مما حدث وتستتر بوليدها عن أعين ~~الناس، أو تنتقل به إلى مكان آخر في فيافي الأرض إذا بها تحمله، وتذهب ~~به، وتبادر به قومها، وما كانت لتفعل ذلك وتتجرأ عليه إلا لثقتها في ~~الحجة التي معها، والتي ستوافيها على يد وليدها. لذلك لما سأل بعض ~~المستشرقين الإمام محمد عبده رحمه الله في باريس: بأي وجه قابلت عائشة ~~قومها بعد حديث الإفك؟ سبحان الله إنهم يعلمون أنه إفك وباطل، لكنهم ~~يرددونه كأنهم لا يفهمون. فأجاب الشيخ رحمه الله ببساطة: بالوجه الذي ~~قابلت به مريم قومها وهي تحمل وليدها. أي: بوجه الواثق من البراءة، ~~المطمئن إلى تأييد الله، وأنه سبحانه لن يسلمها أبدا لذلك لما نزلت ~~براءة عائشة في كتاب الله قالوا لها: اشكري النبي، فقالت: بل أشكر الله ~~الذي برأني من فوق سبع سماوات. فلما رآها القوم على هذه الحال قالوا فيها ~~قولا غليظا: { يمريم لقد جئت شيئا فريا } [مريم: 27] ~~فريا: الفري للجلد: تقطيعه، والأمر الفري: الذي يقطع معتادا عند ~~الناس فليس له مثيل، أو ms6193 من الفرية وهو تعمد الكذب. ثم قالوا لها: { ~~يأخت هارون ما كان... }. ### || [19.28] # قولهم لمريم: { يأخت هارون.. } [مريم: 28] هذا كلام جارح وتقريع ~~ومبالغة منهم في تعييرها، فنسبوها إلى هارون الذي سمي على اسم النبي، ~~فأنت من بيت صلاح ونشأت في طاعة الله، فكيف يصدر منك هذا الفعل؟ كما ترى ~~أنت سيدة محجبة يصدر منها في الشارع عمل لا يتناسب ومظهرها فتلومها على ~~هذا السلوك الذي لا يتصور من مثلها. وقوله: { ما كان أبوك ~~امرأ سوء.. } [مريم: 28] الرجل السوء هو الذي إن صحبته أصابك ~~منه سوء، ونالك بالأذى { وما كانت أمك بغيا } [مريم: 28] ~~قلنا: إن البغي: هي المرأة التي تبغي الرجال وتدعوهم إليها، فالمراد: ~~من أين لك هذه الصفة، وأنت من أسرة خيرة صالحة؟ وفي هذا دليل على أن ~~نضح الأسر يؤثر في الأبناء، فحين نكون الأسرة المؤمنة والبيت ~~الملتزم بشرع الله، وحين نحتضن الأبناء ونحوطهم بالعناية والرعاية، فسوف ~~نستقبل جيلا مؤمنا واعيا نافعا لنفسه ولمجتمعه. إذن: فقولهم: { ما ~~كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا } [مريم: ~~28] اتهام صريح لمريم، وتأكيد على أنها وقعت في محظور وكأنهم مصرون على ~~رميها بالفاحشة. ثم يقول الحق سبحانه: { فأشارت إليه ~~قالوا... }. ### || [19.29] # أي: حين قال القوم ما قالوا أشارت إلى الوليد وهي واثقة أنه سيتكلم، ~~مطمئنة إلى أنها لا تحمل دليل الجريمة، بل دليل البراءة. فلما أشارت ~~إليه تقول لقومها: اسألوه، تعجبوا: { قالوا كيف نكلم من ~~كان في المهد صبيا } [مريم: 29] ونلاحظ في قولهم أنهم لم ~~يستبعدوا أن يتكلم الوليد، فلم يقولوا: كيف يتكلم من كان في المهد ~~صبيا؟ بل قالوا: { كيف نكلم.. } [مريم: 29] أي: نحن، فاستبعدوا ~~أن يكلموه، فكأنهم يطعنون في أنفسهم وفي قدرتهم على فهم الوليد إن ~~كلمهم. والمهد: هو المكان الممهد المعد لنوم الطفل، لأن الوليد لا ~~يقدر أن يبعد الأذى عن نفسه، فالكبير مثلا يستطيع أن يمهد لنفسه مكان ~~نومه، وأن يخرج منه ما يؤرق نومه وراحته، وعنده وعي، فإذا آلمه ~~شيء في نومه يستطيع أن يتحلل من الحالة ms6194 التي هو عليها، وينظر ماذا ~~يؤلمه. ثم يقول الحق سبحانه: { قال إني عبد الله... }. ### || [19.30] # وكأنه قال للقوم: لا تتكلموا أنتم، أنا الذي سأتكلم. ثم بادرهم بالكلام: ~~{ قال إني عبد الله.. } [مريم: 30] وهكذا استهل عيسى عليه ~~السلام كلامه بإظهار عبوديته لله تعالى، وفي هذا دليل على أنه قد يقال ~~فيه أنه ليس عبدا، وأنه إله أو شريك للإله. لذلك كانت أول كلمة نطق بها ~~{ قال إني عبد الله.. } [مريم: 30] فالمعجزة التي جاءت بي لا ~~تمنع كوني عبدا لله لذلك لو سألت الذين يعتقدون في عيسى عليه السلام ~~أنه إله أو شريك للإله: إنكم تقولون أنه تكلم في المهد، فماذا قال؟ فلا ~~يعترفون بقوله أبدا لأن قوله ونطقه: { إني عبد الله.. } ~~[مريم: 30] ينفي معتقدهم من أساسه. ليس هذا وفقط، بل: { آتاني ~~الكتاب.. } [مريم: 30] لكن كيف آتاه الله الكتاب وهو ما يزال وليدا ~~في مهده؟ قالوا: على اعتبار أنه أمر مفروغ منه، وحادث لا شك فيه، ~~كأنه يقول: أنا أهل لأن أتحمل أمانة السماء إلى أهل الأرض. مع أن ~~الكتاب لم يأت بعد، إلا أنه ملقن لقنه ربه الكتاب بالفعل، وإن لم ~~يأت الوقت الذي يبلغ فيه هذا الكتاب. { وجعلني نبيا } [مريم: ~~30] فسلوكي سلوك قويم، ولا يمكن أن يكون في مطعن بعد ذلك، وإن كان ~~هناك مطعن فهو بعيد عني، ولا ذنب لي فيه. ثم يقول: { وجعلني ~~مباركا أين ما كنت... }. ### || [19.31] # أي: وشرع لي أيضا ما دمت حيا.. وقد قال عيسى عليه السلام في المهد ~~هذه الكلمات ليبرىء أمه الصديقة، ذلك أنهم اتهموها في أعز شيء ~~لديها ولذلك لم يكن ليجدي أي كلام منها، وإنقاذا لها أبلغها الحق ~~عن طريق جبريل أو عيسى عليهما السلام أن تقول: # إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم ~~إنسيا # [مريم: 26]. ثم يقول: { وبرا بوالدتي ولم يجعلني... }. ### || [19.32] # فلم ذكر والدته هنا؟ ولم حرص على تقرير بره بها؟ قالوا: لأن ~~البعض قد يظن أن عيسى - عليه السلام - حينما يكبر ويعرف قصة خلقه، وأن ~~أمه أتت به ms6195 من غير أب، ودون أن يمسسها بشر قد تترك هذه المسألة ~~ظلالا في نفسه وتساوره الشكوك في أمه، فأراد أن يقطع كل هذه الظنون. ~~ذلك لأنه هو نفسه الدليل، وهو نفسه الشاهد على براءة أمه، والدليل لا ~~يشكك في المدلول، فكأنه يقول للقوم: إياكم أن تظنوا أني سأتجرأ على ~~أمي، أو يخطر ببالي خاطر سوء نحوها. ثم يقول: { ولم يجعلني ~~جبارا شقيا } [مريم: 32] فنفى عن نفسه صفة الجبروت والقسوة ~~والتعاظم لأن الرسول لا بد أن يكون لين الجانب رفيقا بقومه لأنه ~~أتى ليخرج الناس مما ألفوه من الفساد إلى ما يثقل عليهم من ~~الطاعة. والإنسان بطبعه حين يألف الفساد يكره من يخرجه عن فساده، ~~فمن الطبيعي أن يتعرض النبي لاستفزاز القوم وعنادهم ومكابرتهم، فلو لم ~~يكن لين الجانب، رقيق الكلمة، يستميل الأذن لتسمع والقلوب لتعي ما ~~صلح لهذه المهمة. لذلك يخاطب الحق - تبارك وتعالى - نبيه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك.. # [آل عمران: 159]. ومعنى { شقيا } [مريم: 32] أي: عاصيا، وما أبعد ~~من هذه صفاته عن معصية الله التي يشقى بسببها الإنسان. ثم يقول تعالى ~~عن عيسى عليه السلام أنه قال: { والسلام علي يوم ~~ولدت... }. ### || [19.33] # سبق أن قلنا في قصة يحيى عليه السلام: إن هذه الأحداث أعلام ثلاثة في ~~حياة الإنسان: يوم مولده، ويوم موته، ويوم أن يبعث يوم القيامة. فما ~~وجه السلامة في هذه الأحداث بالنسبة لعيسى عليه السلام؟ قوله: { ~~والسلام علي يوم ولدت.. } [مريم: 33] لأن يوم مولده ~~مر بسلام، رغم ما فيه من عجائب، فلم يتعرض له أحد بسوء، وهو الوليد ~~الذي جاء من دون أب، وكان من الممكن أن يتعرض له ولأمه بعض المتحمسين ~~الغيورين بالإيذاء، لكن شيئا من ذلك لم يحدث، ومر الميلاد بسلام عليه ~~وعلى أمه. { ويوم أموت.. } [مريم: 33] لأنهم أخذوه ليصلبوه، ~~فنجاه الله من أيديهم، وألقى شبهه على شخص آخر، ورفعه الله تعالى إلى ~~السماء. { ويوم أبعث حيا } [مريم: 33] فليس هناك من الرسل ~~من سيسأل هذه الأسئلة، ms6196 ويناقش هذه المناقشة التي نوقشها عيسى في ~~الدنيا: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما ~~قلت لهم إلا مآ أمرتني به # [المائدة: 116-117]. وليس هذا قدحا في مكانة عيسى عليه السلام لأن ~~ربه تبارك وتعالى يعلم أنه ما قال لقومه إلا ما أمر به، ولكن أراد ~~سبحانه توبيخ القوم الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، فوجه السلام ~~في يوم { أبعث حيا } [مريم: 33] أنه نوقش في الدنيا وبرئت ~~ساحته. ثم يقول الحق سبحانه: { ذلك عيسى ابن مريم... }. ### || [19.34] # { ذلك.. } [مريم: 34] أي: ما تقدم من قصة عيسى عليه السلام { قول ~~الحق.. } [مريم: 34] أي: يقولها الله تعالى قولة حق، والحق هو ~~الله، فالذي قص عليك هذا القصص هو الله، وقوله الحق الذي لا باطل ~~فيه، فيكون الحق الذي هو ضد الباطل، فالمعنيان ملتقيان. أو: يكون المراد ~~بقول الحق كلمة كن التي بها يتم الخلق. ثم يقول تعالى: { الذي ~~فيه يمترون } [مريم: 34] من المراء: وهو الاختلاف والجدال ~~بالباطل، فالحق سبحانه يعلم أنهم سيشكون فيه، ويتجادلون بالباطل، وأنهم ~~سيقولون فيه الأقاويل، وكأن الله تعالى يقول لهم: اتركوا هذه الأقاويل ~~والأباطيل في شأن عيسى وخذوا بما أخبرتكم به من خبره، فهو الحق الذي ~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ~~{ ما كان لله أن يتخذ... }. ### || [19.35] # لماذا تكلم الحق سبحانه هنا عن نفي الولد بالذات؟ قالوا: لأن مسألة ~~الشريك لله تعالى تنفى بأولية العقل، فإن كان كل إله صالحا للفعل ~~وللترك، فهذه صورة مكررة لا تناسب الإله، وإن كان هذا إلها لكذا وهذا ~~إله لكذا، فما عند أحدهما نقص في الآخر، وهذا محال في الإله، ولو أن هناك ~~إلها آخر لذهب كل منهما بجزء، كما قال سبحانه: # إذا لذهب كل ms6197 إله بما خلق ولعلا بعضهم ~~على بعض.. # [المؤمنون: 91]. لذلك نفى مسألة الولد لأنها ذات أهمية خاصة بالنسبة ~~لقصة عيسى عليه السلام لأن الولد من الممكن أن يستبعد فيه الدليل، ~~لماذا؟ لأن دليله اتخاذ الولد أو حب الولد، والإنسان يحب الولد ويسعى ~~إليه، لماذا؟ قالوا: لأن الإنسان ابن دنياه، وهو يعلم أنه ميت ميت، ~~فيحب أن يكون له امتداد في الدنيا وذكر من بعده، فالإنسان يتمسح في ~~الدنيا حتى بعد موته، وهو لا يدري أن ذكر الإنسان لا يأتي بعده، بل ~~ذكره يسبقه إلى الآخرة بالعمل الصالح. إذن: فحب الولد هنا لاستدامة ~~استبقاء الحياة، وهذا محال في حق الله تبارك وتعالى لأنه الباقي ~~الذي لا يزول. وقد يتخذ الولد ليكون عزوة لأبيه وسندا ومعينا، ~~وهذا دليل الضعف، والحق سبحانه هو القوي الذي لا يحتاج إلى معونة ~~أحد. إذن: فاتخاذ الولد أمر منفي عنه تبارك وتعالى، فهو أمر لا يليق ~~بمقام الألوهية، ويجب أن تنزه الله تعالى أن يكون له ولد لذلك يقول ~~تعالى بعدها: { سبحانه.. } [مريم: 35]. وسبحان تدل على التنزيه ~~المطلق لله تعالى تنزيها له في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، فهو سبحانه ~~ليس كمثله شيء، وإن وجدت صفة مشتركة بينك وبين الله كأن يكون لله ~~تعالى وجه ويد، ولك وجه ويد، فإياك أن تنزل بالمستوى الأعلى فتقول: ~~وجهه كوجهي، أو يده كيدي، لأن لك وجودا ولله تعالى وجود، فهل وجودك ~~كوجود الله؟ وجودك مسبوق بعدم ويلحقه العدم، ووجوده تعالى لم يسبق بعدم ~~ولا يلحقه العدم، فعليك - إذن - أن تقول في مثل هذه المسائل: # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 11]. والمتتبع لمادة سبح في القرآن الكريم يجد أنها جاءت ~~بكل الصيغ: الماضي: # سبح لله ما في السماوات والأرض.. # [الحديد: 1]. والمضارع: # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض.. # [الجمعة: 1]. والأمر في: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1]. فما دام الكون كله سبح لله، ولم ينقطع عن تسبيحه، بل ما ~~زال مسبحا، فلما خلق الخلق أمرهم بالتسبيح لأنهم جزء من منظومة الكون ms6198 ~~المسبح، وعليهم أن ينتظموا معه، ولا يكونوا نشازا في كون الله. أما ~~المصدر سبحان فقد جاء ليدل على التنزيه المطلق لله تعالى، حتى قبل أن ~~يخلق الخلق، التنزيه ثابت له تعالى قبل أن يخلق من ينزهه كما في ~~قوله تعالى: # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله.. # [الإسراء: 1]. لأن المسألة عجيبة وفوق إدراك العقل، فقد جاء بالمصدر ~~سبحان الدال على التنزيه المطلق لله، كأنه تعالى يحذر الذين ~~يحكمون عقولهم، ولا يحكمون قدرة الله الذي خلقهم بقانون الزمان ~~والمكان والبعد والمسافة، فكل فعل يتناسب قوة وقدرة مع فاعله. ثم ~~يقول تعالى: { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون } [مريم: 35] ذلك لأن الآية في خلق عيسى عليه السلام مخالفة ~~للنواميس كلها، وخارقة للعادة التي ألفها الناس، فإياك أن تتعجب من ~~فعل الله تعالى في يحيى، حيث جاء به مع عطب الآلات، أو تتعجب من خلق ~~عيسى حيث جاء به مع نقص الآلات. وإياك أن تتعجب من كلام عيسى وهو في ~~المهد صبيا، فهي أمور نعم خارقة للعادة وللنواميس، فخذها في إطار ~~سبحانه وتنزيها له لأنه تعالى إذا أراد شيئا لا يعالجه بعمل ومزاولة، ~~وإنما يعالجه بكن فيكون. ولا تظن أن خلق الأشياء متوقف على هذا الأمر ~~كن، فإن كان الفعل مكونا من كاف ونون فقبل أن تنطق النون يكون الشيء ~~موجودا، لكن كن هو أقصر ما يمكن تصوره لنا، والحق سبحانه يخاطبنا ~~بما يقرب هذه المسألة إلى عقولنا، وإلا فإرادته سبحانه ليست في حاجة ~~إلى قول كن فما يريده الله يكون بمجرد إرادته. كما أنك لو أمعنت النظر ~~في قوله تعالى: { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون.. } [مريم: 35] تجد يقول له أي: للشيء، فكأن الشيء موجود ~~بالفعل، موجود أزلا، فالأمر بكن ليس لإيجاده من العدم، بل لمجرد ~~إظهاره في عالم الواقع. ثم يقول: { وإن الله ربي ~~وربكم... }. ### || [19.36] # الرب: هو المتولي للتربية والرعاية. والتربية تعني أن يأخذ المربي ~~المربى بالرياضة إلى ما ms6199 يصلحه لأداء مهمته والقيام بها، كما لو أردت ~~مهندسا تربيه تربية مهندس، وإن أردت طبيبا تربيه تربية طبيب. ونحن ~~هنا أمام قوم أشركوا بالله، ونحتاج لداعية يخرجهم من الشرك إلى ~~الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة. فالمعنى: ما دام أن الله تعالى ربي ~~وربكم، والمتولي لتربيتنا جميعا، فلا بد أن يربى لكم من يصلحكم ~~لأنه تعالى لا يخاطبكم مباشرة، بل سيبعثني إليكم أبلغكم رسالته، وأدعوكم ~~إلى عبادته وحده لا شريك له، وما دام الله ربي وربكم فمن الواجب أن ~~تطيعوه { فاعبدوه.. } [مريم: 36] والعبادة أن يطيع العابد ~~معبوده في أوامره وفي نواهيه. كما قال تعالى: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله.. # [البينة: 5]. ثم يقول تعالى: { هذا صراط مستقيم } [مريم: ~~36] أي: الذي لا التواء فيه ولا اعوجاج، وهو الطريق الذي يوصلك ~~لمقصودك من أقرب طريق، وبأقل مجهود، ومعلوم أن الخط المستقيم هو أقرب ~~طريق بين نقطتين. ثم يقول الحق سبحانه: { فاختلف الأحزاب من ~~بينهم... }. ### || [19.37] # الأحزاب: أي الذين اختلفوا في عيسى عليه السلام من قومه، فمنهم من ~~قال: هو إله، ومنهم من قال: ابن إله. وآخر قال: هو ثالث ثلاثة. ومنهم ~~من رماه بالسحر وقال عنه بعضهم: ابن زنى - نستغفر الله مما يقوله ~~الظالمون والكافرون -. والأحزاب: جمع حزب، وهم طائفة من الناس اجتمعوا ~~حول مبدأ من المبادىء، ورأي من الآراء يدافعون عنه ويعتقدونه، ويسيرون ~~في حياتهم على وفقه، ويخضعون حركة حياتهم لخدمته. ومعنى: { من ~~بينهم.. } [مريم: 37] يعني من داخل المؤمنين به ومن أتباع عيسى ~~أنفسهم، فالذين قالوا عنه هذه الأباطيل ليسو من أعدائه، بل من المؤمنين ~~به. وهكذا اختلف القوم في أمر عيسى، وكان لكل منهم رأي، وجميعها ~~منافية للصواب بعيدة عن الحقيقة لذلك توعدهم الخالق سبحانه بقوله: { ~~فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم } [مريم: ~~37]. فقد قلتم في عيسى ما قلتم في الدنيا، وخضتم فيه بما أحببتم من ~~القول لأن الله تعالى جعل إرادتكم نافذة على جوارحكم، وأعطاكم حرية الفعل ~~والاختيار، فوجهتم جوارحكم واخترتم ما يغضب الله، فكأن عقوبة الدنيا ~~لا تناسب ما ms6200 فعلوه، ولا بد لهم من عقوبة آجلة في الآخرة تناسب ما حدث ~~منهم في حق نبيهم وفي حق ربهم تبارك وتعالى. { فويل ~~للذين كفروا من مشهد يوم عظيم } [مريم: 37] ومشهد ~~يوم عظيم هو يوم القيامة، يوم تبلى السرائر، يوم يقوم الناس لرب ~~العالمين، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله. وسماه المشهد ~~العظيم لأنه يوم مشهود يشهده الجميع لأن العذاب في الدنيا مثلا لا يشهده ~~إلا الحاضرون المعاصرون، ولا يشهده السابقون ولا اللاحقون، أما عذاب ~~الآخرة فهو المشهد العظيم الذي يراه كل الخلق. وربما كان بعض العذاب ~~أهون من رؤية الغير للإنسان وهو يعذب، فربما تحمل هو العذاب في ~~نفسه أما كونه يعذب على مرأى من الناس جمعيا، ويرونه في هذه المهانة ~~وهذه الذلة وقد كان في الدنيا عظيما أو جبارا أو عاتيا أو ظالما، لا ~~شك أن رؤيتهم له في هذه الحالة تكون أنكى له وأبلغ. لذلك يقول الحق ~~تبارك وتعالى عنهم في آية أخرى: # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين # [الأنعام: 27] هذا منهم مجرد كلام: # بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل.. # [الأنعام: 28] أي: ظهر لهم ما كانوا يخفون ولم يقل يخفى عنهم، كأنهم ~~كانوا يعلمون عنه شيئا ولكنهم أخفوه. وقال عنهم: # ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ~~ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل ~~صالحا إنا موقنون # [السجدة: 12]. فلماذا أبصروا وسمعوا الآن؟ لأنهم كانوا يسمعون في الدنيا ~~عن غير وعي، فينكرون ويبصرون آيات الله في الكون ولا يؤمنون، أما في ~~الآخرة فقد انكشفت لهم الحقائق التي طالما أنكروها، ولم يعد هناك ~~مجال للمكابرة أو الإنكار لذلك يقول تعالى بعدها: { أسمع بهم ~~وأبصر... }. ### || [19.38] # قوله: { أسمع بهم وأبصر.. } [مريم: 38] أي: أسمع بهم ~~وأبصر بهم، وهذه من صيغ التعجب على وزن أفعل به يعني ما أشد ~~سمعهم، وما أشد بصرهم، فهم الآن يرهفون السمع ويدققون النظر حتى ~~إن الإنسان ليتعجب من سمعهم الدقيق، وبصرهم المحيط بعد ms6201 أن كانوا في ~~الدنيا يضعون أصابعهم في آذانهم فلا يسمعون، ويستغشون ثيابهم فلا يبصرون، ~~كانوا في عمى عن آيات الله الواضحات التي تثبت صدق الرسل، وعن الآيات ~~التي تحمل الأحكام، وعن الآيات الكونية التي تدل على قدرة الصانع ~~الحكيم. وقوله: { يوم يأتوننا.. } [مريم: 38] أي: أسمع بهم وأبصر ~~بهم في هذا اليوم يوم القيامة، والإنسان بحكم خلق الله تعالى له، ~~واستخلافه في الأرض جعل له السيطرة على جوارحه فهو يأمرها فتطيعه، فجوارح ~~الإنسان وطاقاته مسخرة لإرادته، فلسانك تستطيع أن تنطق ب لا إله إلا ~~الله. كما تستطيع أن تقول: لا إله أو تقول: الله ثالث ثلاثة. واللسان ~~مطواع لك لا يعصاك في هذه أو تلك، وما أعطاك الله هذه الحرية وكفل لك ~~الاختيار إلا لأنه سيحاسبك عليها يوم القيامة: أأردت الخير الذي وجهك ~~إليه أم أردت الشر الذي نهاك عنه؟ أما يوم القيامة فتنحل هذه الإرادة، ~~ويبطل سلطانها على الجوارح في يوم ينادي فيه الحق تبارك وتعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] يومها ستشهد الجوارح على صاحبها، كما قال الحق سبحانه تعالى: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. ويقول تعالى: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.. # [فصلت: 21]. لم لا؟ وقد تحررت الجوارح من قيد الإرادة، وجاء الوقت ~~لتشتكي إلى الله، وتنطق بكلمة الحق التي كتمتها تحت وطأة الإرادة ~~وقهرها. وسبق أن ضربنا مثالا لذلك بمجموعة من الجنود يسيرون تحت إمرة ~~قائدهم المباشر، ويأتمرون بأمره، ويطيعونه طاعة عمياء، فإذا ما عادوا إلى ~~القائد الأعلى انطلقت ألسنتهم بالشكوى من تعسف قائدهم وغطرسته. ثم ~~يقول تعالى: { لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين } ~~[مريم: 38] فيا ليتهم فهموا هذه المسألة، لكنهم ظلموا، وما ظلموا إلا ~~أنفسهم، فالله تبارك وتعالى لا يضره كفر الكافرين، ولا ينقص من ملكه ~~تعالى وسلطانه، لكن كيف يظلم الإنسان نفسه؟ يظلم الإنسان نفسه لأنه صاحب ~~عقل واع يستقبل الأشياء ويميزها، وصاحب نفس شهوانية تصادم بشهواتها ~~العاجلة هذا العقل الواعي، وتصادم ms6202 المنهج الرباني الذي يأمرها بالخير ~~وينهاها عن الشر، هذه النفس بشهواتها تدعو الإنسان إلى مرادها وتوقعه ~~في المتعة الوقتية واللذة الفانية التي تستوجب العذاب وتفوت عليه ~~الخير الباقي والنعيم الدائم. لذلك يقول تعالى: # ولكن الناس أنفسهم يظلمون # [يونس: 44]. ثم يقول الحق سبحانه: { وأنذرهم يوم ~~الحسرة... }. ### || [19.39] # قوله تعالى: { وأنذرهم يوم الحسرة.. } [مريم: 39] ~~الإنذار: هو التحذير من شر قادم. والحسرة: هي الندم البالغ الذي يصيب ~~النفس الإنسانية حينما يفوتها خير لا يمكن تداركه، وحينما تلقى شيئا لا ~~تستطيع دفعه. أما الندم فيكون حزنا على خير فاتك، لكن يمكن تداركه، ~~كالتلميذ الذي يخفق في امتحان شهر من الشهور فيندم، لكنه يمكنه تدارك هذا ~~الإخفاق في الشهر التالي، أما إذا أخفق في امتحان آخر العام فإنه يندم ~~ندما شديدا، ويتحسر على عام فات لا يمكن تدارك الخسارة فيه. لذلك ~~سيقول الكفار يوم القيامة: # يحسرتنا على ما فرطنا فيها.. # [الأنعام: 31]. والمعنى: يا حسرتنا تعالى فهذا أوانك، واحضري فقد ~~فاتت الفرصة إلى غير رجعة. إذن: فيوم الحسرة هو يوم القيامة، حيث لن ~~يعود أحد ليتدارك ما فاته من الخير في الدنيا، وليت العقول تعي هذه ~~الحقيقة، وتعمل لها وهي ما تزال في سعة الدنيا. ومعنى: { إذ قضي ~~الأمر.. } [مريم: 39] أي: وقع وحدث، ولا يمكن تلافيه، ولم يعد هناك ~~مجال لتدارك ما فات لأن الذي قضى هذا الأمر وحكم به هو الله تبارك ~~وتعالى الذي لا يملك أحد رد أمره أو تأخيره عن موعده أو مناقشته فيه، ~~فسبحانه، الأمر أمره، والقضاء قضاؤه، ولا إله إلا هو. وروي عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " أن الله حينما يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار ~~يأتي بالموت على هيئة كبش، فيقول للمؤمنين: أتعرفون هذا؟ قالوا: نعم هو ~~الموت جاءنا وعرفناه، ويقول للكفار: أتعرفون هذا؟ يقولون: عرفناه، فيميت ~~الله الموت ويقول لأهل الجنة: خلود بلا موت. ولأهل النار: خلود بلا موت ~~". # وهكذا قضى الله الأمر ليقطع الأمل على الكفار الذين قد يظنون أن ~~الموت سيأتي ليخرجهم مما ms6203 هم فيه من العذاب ويريحهم، فقطع الله عليهم ~~هذا الأمل وآيسهم منه، حيث جاء بالموت مشخصا وذبحه أمامهم، فلا موت ~~بعد الآن فقد مات الموت. لذلك يخبر عنهم الحق تبارك وتعالى: # ونادوا يمالك ليقض علينا ربك قال إنكم ~~ماكثون # [الزخرف: 77]. ثم يقول تعالى: { وهم في غفلة وهم لا ~~يؤمنون } [مريم: 39]. الغفلة: أن يصرف الإنسان ذهنه عن الفكر في ~~شيء واضح الدليل على صحته لأن الحق - تبارك وتعالى - ما كان ليعذب ~~خلقه إلا وقد أظهر لهم الأدلة التي يستقبلها العقل الطبيعي فيؤمن بها. ~~فالذي لا يؤمن - إذن - إما غافل عن هذه الأدلة أو متغافل عنها أو جاحد ~~لها، كما قال سبحانه: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # [النمل: 14]. ومن الغفلة غفلتهم عن الموت، وقد قالوا: من مات قامت ~~قيامته. # ومن حكمة الله أن أبهم الموت، أبهمه وقتا، وأبهمه سببا، وأبهمه ~~مكانا، فكان إبهام الموت هو عين البيان للموت لأن إبهامه يجعل الإنسان ~~على استعداد للقائه في أي وقت، وبأي سبب، وفي أي مكان، فالموت يأتي ~~غفلة لأنه لا يتوقف على وقت أو سبب أو مكان. فالطفل يموت وهو في بطن أمه، ~~ويموت بعد يوم، أو أيام من ولادته، ويموت بعد مائة عام، ويموت بسبب وبدون ~~سبب، وقد نتعجب من موت أحدنا فجأة دون سبب ظاهر، فلم تصدمه سيارة، ولم ~~يقع عليه جدار أو حجر، ولم يداهمه مرض، فما السبب؟ السبب هو الموت، إنه ~~سيموت، أي أنه مات لأنه يموت، كما يقال: والموت من دون أسباب هو السبب. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { إنا نحن نرث الأرض... }. ### || [19.40] # كيف يقول الحق سبحانه: { نرث الأرض.. } [مريم: 40] وهي والكون كله ~~ملك له تعالى؟ قالوا: لأنه تبارك وتعالى هو المالك الأعلى، وقد ملك ~~من خلقه من ملك، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فليس لأحد ملك على ~~شيء، ليس للإنسان سيطرة حتى على جوارحه وأعضائه، فالأمر كله يومئذ لله ~~تعالى، فيرد الملك إلى صاحبه الأعلى، ولا أحد يرث هذا الملك إلا ~~الله تعالى. لذلك، فالذين اغتروا ms6204 بنعم الله في الدنيا فظنوا أن لهم ~~مثلها في الآخرة، فقال أحدهم: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36] نقول له: لا، صحيح سترد إلى ربك، لكن لن يكون لك عنده شيء ~~لأن الذي ملكك في الدنيا ملكك من باطن ملكيته تعالى، فإذا ما جاءت ~~الآخرة كان هو الوارث الوحيد. وقوله: { وإلينا يرجعون } [مريم: ~~40] أي: أن الأمر لا يتوقف على أن نرث ملكهم، ويذهبوا هم لحال سبيلهم، ~~بل سنرث ملكهم، ثم يرجعون إلينا لنحاسبهم فلن يخرجوا هم أيضا من قبضة ~~الملكية. ثم يقول الحق سبحانه: { واذكر في الكتاب ~~إبراهيم... }. ### || [19.41] # بعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى في استهلال سورة مريم عن ميلاد سيدنا ~~يحيى لزكريا، وعن ميلاد سيدنا المسيح من مريم، أراد أن يعرض لنا موكبا ~~من مواكب الرسالات التي أرسلها الله نورا من السماء لهداية الأرض، فقال: ~~{ واذكر في الكتاب إبراهيم.. } [مريم: 41]. فهو أبو ~~الأنبياء وقمتهم لأن الله تعالى مدحه بقوله: # إن إبراهيم كان أمة.. # [النحل: 120]. فليس هناك فرد يحتوي على خصال الكمال ومواهب الفضل كلها، ~~لكن المجموع يحتويها فهذا شجاع قوي البنية، وهذا ذكي، وهذا حاد البصر، ~~وهذا نابغ في الطب، وهذا في الزراعة، مواهب متفرقة بين البشر، لا يجمعها ~~واحد منهم، فلا طاقته ولا حياته ولا مجهوده يستطيع أن يكون موهوبا في كل ~~شيء، فالكمال كله موزع في الخلق، إلا إبراهيم، فقد كان عليه السلام ~~يساوي في مواهبه أمة بأكملها. وقوله: { إنه كان صديقا ~~نبيا } [مريم: 41] صديق: من مادة صدق، ومعناها: تكلم بواقع لأن ~~الكذب أن يتكلم بغير واقع. وهذا يسمى: صادق في ذاته، أما قولنا: ~~صديق أي: مبالغة في الصدق، فقد بلغ الغاية في تصديق ما يأتي من الحق ~~تبارك وتعالى، فهو يطيع ويذعن ولا يناقش، كما رأينا من أم موسى - عليه ~~السلام - لما قال لها الحق سبحانه: # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا ~~تحزني.. # [القصص: 7]. بالله، أي أم يمكن أن تصدق هذا الكلام، وتنصاع لهذا ~~الأمر؟ وكيف تنجي ولدها من ms6205 شر أو موت مظنون بموت محقق؟ إذن: فهذا ~~كلام لا يصدق، وفوق نطاق العقل عند عامة الناس، أما في موكب الرسالات ~~فالأمر مختلف، فساعة أن سمعت أم موسى هذا النداء لم يساورها خاطر مخالف ~~لأمر الله، ولم يراودها شك فيه لأن وارد الله عند هؤلاء القوم لا ~~يعارض بوارد الشيطان أبدا، وهذه قضية مسلمة عند الرسل. إذن: ~~الصديق هو الذي بلغ الغاية في تصديق الحق، فيورثه الله شفافية ~~وإشراقا بحيث يهتدي إلى الحق ويميزه عن الباطل من أول نظرة في الأمر ~~ودون بحث وتدقيق في المسألة لأن الله تعالى يهبك النور الذي يبدد ~~عندك غيامات الشك، ويهبك الميزان الدقيق الذي تزن به الأشياء، كما قال ~~سبحانه: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا # [الأنفال: 29]. ومن هنا سمي أبو بكر رضي الله عنه صديقا، ليس ~~لأنه صادق في ذاته، بل لأنه يصدق كل ما جاءه من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لذلك لما أخبروه خبر الإسراء والمعراج الذي كذب به كثيرون، ~~ماذا قال؟ قال: " إن كان قال فقد صدق ". فالأمر عنده متوقف على مجرد قول ~~رسول الله، فهذا هو الميزان عنده، وطالما أن رسول الله قد قال فهو صادق، ~~هكذا دون جدال، ودون مناقشة، ودون بحث في ملابسات هذه المسألة لذلك من ~~يومها وهو صديق عن جدارة. # والسيدة مريم قال عنها الحق تبارك وتعالى: # وأمه صديقة.. # [المائدة: 75] فسماها صديقة لأنها صدقت ساعة أن قال لها الملك: # قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا # [مريم: 19]. فوثقت بهذه البشارة، وأخذتها على أنها حقيقة واقعة، فلما ~~جاء الوليد أشارت إليه وهي على ثقة كاملة ويقين تام أنه سينطق ويتكلم. ~~إذن: فالصديق ليس هو الذي يصدق، بل الذي يصدق. وهكذا كان خليل ~~الله إبراهيم صديقا وكان أيضا نبيا لأن الإنسان قد يكون صديقا يعطيه ~~الله شفافية خاصة، وليس من الضروري أن يكون نبيا، كما كانت مريم ~~صديقة وأبو بكر صديقا، فهذه إذن صفة ذاتية إشراقية من الله، أما ~~النبوة ms6206 فهي عطاء وتشريع يأتي من أعلى، وهدى يأتي من السماء يحمل النبي ~~مسئوليته؟. ثم يقول الحق سبحانه: { إذ قال لأبيه يأبت... }. ### || [19.42] # هذا الحديث من إبراهيم عليه السلام لأبيه على اعتبار أنه نبي جاء ~~ليعدل سلوك الناس على وفق منهج الله، وأولهم أبوه، وقد ذكره القرآن ~~هكذا بأبوته لإبراهيم دون أن يذكر اسمه، إلا في آية واحدة قال فيها: # لأبيه آزر.. # [الأنعام: 74]. وهذه الآية أحدثت إشكالا فظن البعض أن آزر هو أبو ~~إبراهيم الحقيقي الصلبي، وهذا القول يتعارض مع الحديث النبوي الشريف ~~الذي يوضح طهارة أصل النبي محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: # " أنا خيار من خيار، ما زلت أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام ~~الطاهرات ". # إذن: فأصول النبي إلى آدم " طاهر متزوج طاهرة " ، فلو قلنا: إن آزر الذي ~~قال الله في حقه: # فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه.. # [التوبة: 114] هو أبو إبراهيم، لكان في ذلك تعارض مع الحديث النبوي، ~~فكيف يكون من آباء محمد صلى الله عليه وسلم مثل هذا الكافر؟ ولو تأملنا ~~إطلاقات الأبوة في القرآن الكريم لخرجنا من هذا الإشكال، فالقرآن تكلم ~~عن الأبوة الصلبية المباشرة، وتكلم عن الأبوة غير المباشرة في الجد ~~وفي العم، فسمى الجد أبا، والعم أبا لأنه يشترك مع أبي في جدي، فله ~~واسطة استحق بها أن يسمى أبا. وفي القرآن نصان: أحدهما: يطلق على ~~الجد أبا، والآخر يطلق على العم أبا. فالأول في قوله تعالى من قصة ~~يوسف عليه السلام: # ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إني ~~أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل ~~فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا ~~بتأويله إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36]. فاختاروا يوسف لتأويل رؤياهم لأنهم رأوه من المحسنين، فكأن ~~الإحسان له مقاييس معروفة حتى عند غير المحسن، فلما تعرضوا لأمر يهمهم ~~لم يلجئوا إلا لهذا الرجل الطيب، فمقاييس الكمال محترمة ومعتبرة حتى عند ~~فاقد الكمال. فلما قالوا له # إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36] علم أنهم متتبعون حركاته وتصرفاته، وكيف سلوكه بينهم، ms6207 فأراد ~~أن يزيدهم مما عنده من إشراقات، فأمره ليس مجرد سلوك طيب وسيرة حسنة ~~بينهم، بل عنده أشياء أخرى، فقال: # لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله قبل أن يأتيكما.. # [يوسف: 37]. ثم ترك الإجابة عن سؤالهم، وأخذ في الحديث فيما يخصه كنبي ~~وداعية إلى الله، فأخبرهم أن ما عنده من مواهب هو عطاء من الله، وليس هو ~~بأذكى منهم، فقال: # ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم ~~لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * ~~واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب.. # [يوسف: 37-38]. ثم يلفت نظر رفاقه إلى بطلان ما هم عليه من عبادة أرباب ~~متفرقين لم ينفعوهم بشيء، فهاهم يتركونهم ويلجئون إلى يوسف الذي له رب ~~واحد: # يصاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار # [يوسف: 39]. وهكذا كان يوسف النبي الداعية حريصا على نشر دعوته ~~وهداية من حوله، حتى وهو في سجنه ما نسي مهمته، وما قصر في دعوته، ~~فلما فرغ من موعظته واستطاع بلباقة أن يسمعهم ما يريد، وإلا لو ~~أجابهم عن سؤالهم من بداية الأمر لانصرفوا عن هذه الموعظة، وما أعاروها ~~اهتماما. والآن يعود إلى سؤالهم وتفسير رؤياهم: # أمآ أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر ~~فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي ~~فيه تستفتيان # [يوسف: 41]. شاهدنا في هذه القصة هو قوله تعالى: # واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب.. # [يوسف: 38] ويوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فسمى الأجداد آباء. ~~وقد يسمى العم أبا، كما جاء في قوله تعالى: # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق.. # [البقرة: 133] فعد إسماعيل في آباء يعقوب، وهو عمه. إذن: لو أن ~~القرآن الكريم حينما تحدث عن أبي إبراهيم فقال لأبيه في كل الآيات لانصرف ~~المعنى إلى الأبوة الصلبية الحقيقية، أما أن يقول ولو مرة واحدة # لأبيه آزر.. # [الأنعام: 74] فهذا يعني أن المراد عمه لأنه لا يؤتي بالعلم بعد ~~الأبوة إلا إذا أردنا العم، كما نقول ms6208 نحن الآن حين نريد الأبوة الحقيقية: ~~جاء أبوك هكذا مبهمة دون تسمية، وفي الأبوة غير الحقيقية نقول: جاء أبوك ~~فلان. وبناء عليه فقد ورد قوله تعالى: # لأبيه آزر.. # [الأنعام: 74] مرة واحدة، ليثبت لنا أن آزر ليس هو الأب الصلبي ~~لإبراهيم، وإنما هو عمه، وبذلك يسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~طهارة نسبه ونقاء سلسلته إلى آدم عليه السلام. وقوله: { يأبت.. } ~~[مريم: 42] وكان التركيب العربي يقتضي أن يقول: يا أبي، إلا أنهم يحذفون ~~ياء المتكلم ويعوضون عنها بالتاء، فلماذا؟ قالوا: لأن أبت لها ملحظ ~~دقيق، فهو يريد أن يثبت أنه وإن كان أبا إلا أن فيه حنان الأبوين: ~~الأب والأم. فجاء بالتاء التي تشير إلى الجانب الآخر لذلك نجدها لا تقال ~~إلا في الحنانية المطلقة يا أبت كما لو ماتت الأم مثلا، فقام الأب ~~بالمهمتين معا، وعوض الأبناء حنان الأم المفقود. وقوله: { لم تعبد ~~ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا } [مريم: ~~42] يبدو من أسلوب إبراهيم عليه السلام مع أبيه أدب الدعوة، حيث قدم ~~الموعظة على سبيل الاستفهام حتى لا يشعر أباه بالنقص، أو يظهر له أنه ~~أعلم منه. { لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا ~~يغني عنك شيئا } [مريم: 42] نلحظ أنه لم يقل من البداية: لم ~~تعبد الشيطان، بل أخر هذه الحقيقة إلى نهاية المناقشة، وبدل أن يقول ~~الشيطان حلل شخصيته، وأبان عناصره، وكشف عن حقيقته: لا يسمع ولا يبصر، ~~ولا يغني عنك شيئا، فهذه الصفات لا تكون في المعبود، وهي العلة في ~~أن نتجنب عبادة ما دون الله من شجر أو حجر أو شيطان، وخصوصا في بيئة ~~إبراهيم - عليه السلام - وكانت مليئة بالأوثان والأصنام. # لأن العبادة ماذا تعني؟ تعني طاعة عابد لمعبود في أمره ونهيه، ~~فالذين يعبدون ما دون الله من صنم أو وثن أو شمس أو قمر، بماذا ~~أمرتهم هذه المعبودات؟ وعن أي شيء نهتهم؟ وماذا أعدت هذه ~~المعبودات لمن عبدها؟ وماذا أعدت لمن عصاها؟ ما المنهج الذي جاءت ~~به حتى تستحق العبادة؟ لا ms6209 يوجد شيء من هذا كله، إذن: فعبادتهم باطلة. ~~ثم يقول: { يأبت إني قد جآءني... }. ### || [19.43] # يكرر نبي الله إبراهيم هذا النداء الحنون مرة أخرى، وكأنه يريد أن ~~يثير في أبيه غريزة الحنان، ويوقظ عنده أواصر الرحم، كأنه يقول له: إن ~~كلامي معك كلام الابن لأبيه، كما نفعل نحن الآن إن أراد أحدنا أن ~~يحنن إليه قلب أبيه يقول: يا والدي كذا وكذا.. يا أبي اسمع لي. وكذلك ~~حال إبراهيم - عليه السلام - حيث نادى أباه هذا النداء في هذه الآيات ~~أربع مرات متتاليات، وما ذلك إلا لحرصه على هدايته، والأخذ بيده إلى ~~الطريق المستقيم. وقوله: { إني قد جآءني من العلم ما لم ~~يأتك.. } [مريم: 43] أي: لا تظن يا أبي أني متعالم عليك، أو أني ~~أفضل، أو أذكى منك، فهذا الكلام ليس من عندي، بل من أعلى مني ومنك، فلا ~~غضاضة في سماعه والانصياع له، وهو رسالة كلفت بإبلاغك إياها، وهذا ~~الذي جاءني من العلم لم يأتك أنت، وهذا اعتذار رقيق من خليل الله، ~~فالمسألة ليست ذاتية بين ولد وعمه، أو ولد وأبيه، إنها مسألة عامة ~~تعدت حدود الأبوة والعمومة. ولذلك لما تحدثنا في سورة الكهف عن ~~قصة موسى والخضر - عليهما السلام -، قلنا: إن العبد الصالح التمس لموسى ~~عذرا لأنه تصرف بناء على علم عنده، ليس عند موسى مثله، فقال له: # وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا # [الكهف: 68] وكذلك قال إبراهيم لأبيه حتى لا تأخذه العزة، ويأنف من ~~الاستماع لولده. ثم يقول: { فاتبعني أهدك صراطا سويا } ~~[مريم: 43] لأن هذا المنهج الذي أدعوك إليه ليس من عندي، بل من أعلى مني ~~ومنك، والصراط السوي: هو الطريق المستقيم الذي يوصلك للغاية بأيسر ~~مشقة، وفي أقصر وقت. ثم يقول: { يأبت لا تعبد الشيطان... ~~}. ### || [19.44] # نلحظ أن إبراهيم في بداية محاورته لأبيه قال: # لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا # [مريم: 42] وهنا يقول: { لا تعبد الشيطان.. } [مريم: 44] مع ~~أن الشيطان يمكن أن يسمع ويبصر، فكيف يكون ذلك؟ قالوا: لأن الشيطان ms6210 هو ~~الذي يسول عبادة الصنم أو الشجر أو الشمس أو القمر، فالأمر مردود إليه ~~وهو سببه، إلا أن إبراهيم عليه السلام حلل المسألة المباشرة لأن أباه ~~يعبد صنما لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنه شيئا، وهذا بشهادتهم ~~أنفسهم، كما جاء في قوله تبارك وتعالى: # هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو ~~يضرون # [الشعراء: 72-73]. فهذا استفهام، ولا يستفهم مستفهم مجادل ممن ~~يجادله عن شيء، إلا وقد علم أن الجواب لا بد أن يكون في صالحه لأنه ~~ائتمنه على الجواب. إذن: فعبادة ما دون الله مردها إلى إغواء الشيطان. ~~ثم يستطرد إبراهيم قائلا: { إن الشيطان كان للرحمن ~~عصيا } [مريم: 44] عصيا: مبالغة في العصيان، فالشيطان ليس عاصيا، ~~بل عصيا يعصي أوامر الله بلدد وعناد. ثم يقول: { يأبت إني ~~أخاف... }. ### || [19.45] # ما زال خليل الله يتلطف في دعوة أبيه فيقول: { يمسك عذاب.. } ~~[مريم: 45] ولم يقل مثلا: يصيبك. فهو لا يريد أن يصدمه بهذه الحقيقة، ~~والمس: هو الالتصاق الخفيف، وكأنه يقول له: إن أمرك يهمني، وأخاف عليك ~~مجرد هبو التراب أن ينالك. وهذا منتهى الشفقة عليه والحرص على نجاته. ثم ~~يقول: { فتكون للشيطان وليا } [مريم: 45] أي: قريبا منه، ~~وتابعا له يصيبك من العذاب ما يصيبه، وتعذب كما يعذب. وهكذا انتهت ~~هذه المحاورة التي احتوت أربعة نداءات حانية، وجاءت نموذجا فريدا ~~للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة فراعت مشاعر الأب الذي يدعوه ~~ولده ويقدم له النصح، ورتبت الأمور ترتيبا طبيعيا، وسلسلتها ~~تسلسلا لطيفا لا يثير حفيظة السامع ولا يصدمه. وقد راعى الحق - تبارك ~~وتعالى - جوانب النفس البشرية فأمر أن تكون الدعوة إليه بالحكمة ~~والموعظة الحسنة حتى لا تجمع على المدعو قسوة الدعوة، وقسوة أن يترك ما ~~ألف، ويخرج منه إلى ما لم يألف. فأنت حين تدعو شخصا إلى الله فإنما ~~تخرجه عن الفساد الذي ألفه، وهو لم يألف الفساد إلا بعد أن اشتهاه ~~أولا، ثم اعتاده بالفعل والممارسة ثانيا، وهاتان مصيبتان آخذتان ~~بزمامه، فما أحوجه لأسلوب لين يستميل مشاعره ويعطفه نحوك فيستجيب لك. ~~وما ms6211 أشبه الداعية في هذا الموقف بالذي يحتال ليخلص الثوب الحرير من ~~الأشواك، أما إن نهرته وقسوت عليه فسوف يعرض عنك، وينصرف عن دعوتك، ~~ويظل على ما هو عليه من الفساد لذلك قال تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.. # [النحل: 125]. ويقولون: النصح ثقيل فلا ترسله جبلا، ولا تجعله ~~جدلا، وقالوا: الحقائق مرة فاستعيروا لها خفة البيان. وبعد أن أنهى ~~إبراهيم مقالته يرد الأب قائلا: { قال أراغب أنت عن ~~آلهتي... }. ### || [19.46] # الفعل رغب يحمل المعنى وضده حسب حرف الجر بعده، نقول: رغب في كذا. أي: ~~أحبه وذهب إليه، ورغب عن كذا أي: كرهه واعتزله، فمعنى { أراغب أنت ~~عن آلهتي يإبراهيم.. } [مريم: 46] أي: تاركها إلى غيرها، كما ~~جاء في قوله تعالى: # ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه.. # [البقرة: 130] أي: تركها إلى ملة أخرى. ونلاحظ أن الفعل رغب لم ~~يأت مقترنا بعده بفي إلا مرة واحدة، وإن كانت في مقدرة بعد الفعل، ~~وهذا في قوله تعالى عن نكاح يتامى النساء: # وترغبون أن تنكحوهن.. # [النساء: 127]. والرغبة في الشيء تعني حبه وعشقه، والرغبة في الطريق ~~الموصل إليه، إلا أنك لم تسلك هذا الطريق بالفعل، ولم تأخذ بالأسباب ~~التي توصلك إلى ما ترغب فيه، وهذا المعنى واضح في قصة أصحاب الجنة في ~~سورة ن حيث يقول تعالى: # إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * ~~فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون * ~~فأصبحت كالصريم # [القلم: 17-20]. فقد اتفقوا على قطف ثمار بستانهم في الصباح، ولم ~~يقولوا: إن شاء الله، فدمرها الله وأهلكها وهم نائمون، وفي الصباح ~~انطلقوا إلى جنتهم وهم يقولون فيما بينهم: # لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين # [القلم: 24]. وهكذا قطعوا الطريق على أنفسهم حينما حرموا المسكين # فلما رأوها قالوا إنا لضآلون * بل نحن ~~محرومون # [القلم: 26-27] ثم تنبهوا إلى ما وقعوا فيه من خطأ، وعادوا إلى صوابهم ~~فقالوا: # عسى ربنآ أن يبدلنا خيرا منهآ إنآ إلى ~~ربنا راغبون # [القلم: 32]. أي: راغبون في الطريق ms6212 الموصل إليه تعالى، فقبل أن تقول: ~~أنا راغب في الله. قل: أنا راغب إلى الله، فالمسألة ليست حبا فقط بل ~~حبا بثمن وسعي وعمل يوصلك إلى ما تحب. إذن: قبل أن تكونوا ~~راغبين في ربكم ارغبوا إليه أولا. وفي موضع آخر يقول تعالى: # ومنهم من يلمزك في الصدقات.. # [التوبة: 58] أي: يعيبك في توزيعها # فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا ~~هم يسخطون # [التوبة: 58] فهم - إذن - لا يحبون الله، وإنما يحبون العطاء والعرض ~~الزائل، بدليل أنهم لما منعوا سخطوا وصرفوا نظرهم عن دين الله كمن ~~قال الله فيهم: # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ~~خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على ~~وجهه.. # [الحج: 11]. لذلك يعدل لهم الحق سبحانه سلوكهم، ويرشدهم إلى المنهج ~~القويم: # ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ورسوله وقالوا ~~حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنآ ~~إلى الله راغبون # [التوبة: 59] أي: آخذين الوسيلة الموصلة إليه، فالذي يرغب في حب الله ~~عليه أن يرغب في الطريق الموصل إليه. # ثم يقول أبو إبراهيم: { لئن لم تنته لأرجمنك.. } [مريم: ~~46] أي: تترك هذه المسألة التي تدعو إليها. والرجم: هو الرمي بالحجارة، ~~ويبدو أن عملية الرجم كانت طريقة للتعذيب الشديد، كما في قوله تعالى: # إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم ~~في ملتهم.. # [الكهف: 20]. { واهجرني مليا } [مريم: 46] أي: ابتعد عني ~~وفارقني { مليا } [مريم: 46] الملي: البرهة الطويلة من الزمن. ~~ومنها الملاوة: الفترة الطويلة من الزمن، والملوان: الليل والنهار. ~~فماذا قال نبي الله إبراهيم لعمه بعد هذه القسوة؟ لم يخرج إبراهيم عن ~~سمته العادل، ولم يتعد أدب الحوار والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. ~~قال: { قال سلام عليك... }. ### || [19.47] # وكأن إبراهيم - عليه السلام - يريد أن يلفت نظر عمه، ويؤكد له أنه ~~في خطر عظيم يستوجب العذاب من الله، وهذا أمر يحزنه ولا يرضيه، وكيف ~~يترك عمه دون أن يأخذ بيده؟ فقال له أولا: { سلام عليك.. } ~~[مريم: 47] أي: سلام مني أنا، سلام أقابل به ما بدر منك فأمري معك سلام، ~~فلن أقابلك ms6213 بمثل ما قلت، ولن أغلظ لك، ولن ينالك مني أذى، ولن أقول ~~لك: أف. لكن السلام مني أنا لا يكفي، فلا بد أن يكون لك سلام ~~أيضا من الله تعالى لأنك وقعت في أمر خطير لا يغفر ويستوجب العذاب، ~~وأخشى ألا يكون لك سلام من الله. لذلك قال بعدها: { سأستغفر ~~لك ربي.. } [مريم: 47] كأنه يعتذر عن قوله: { سلام عليك.. } ~~[مريم: 47] فأنا ما قلت لك: سلام عليك إلا وأنا أنوي أن أستغفر لك ~~ربي، حتى يتم لك السلام إن رجعت عن عقيدتك في عبادة الأصنام، وهو بذلك ~~يريد أن يحننه ويستميل قلبه. ثم أخبر عن الاستغفار في المستقبل فلم ~~يقل استغفرت، بل { سأستغفر.. } [مريم: 47] يريد أن يبرىء ~~استغفاره لعمه من المجاملة والنفاق والخداع، وربما لو استغفرت لك الآن ~~لظننت أني أجاملك، أما { سأستغفر لك.. } [مريم: 47] أي: ~~بعيدا عنك ليكون دعاء عن ظهر غيب، وهو أرجى للقبول عند الله. ثم ~~يقول: { إنه كان بي حفيا } [مريم: 47] يريد أن يطمئن عمه ~~إلى أن له منزلة عند الله، فإذا استغفر له ربه فإنه تعالى سيقبل منه. ~~وحفيا: من الفعل حفي يحفى كرضي يرضى، ويأتي بعده حرف جر ~~يحدد معناها. تقول: حفي به: أي بالغ في إكرامه إكراما يستوعب ~~متطلبات سعادته، وقابله بالحفاوة: أي بالإكرام الذي يتناسب مع ما يحقق ~~له السعادة. وهذا أمر نسبي يختلف باختلاف الناس، فمنهم من تكون ~~الحفاوة به مجرد أن تستقبله ولو على حصيرة، وتقدم له ولو كوبا من ~~الشاي، ومن الناس من يحتاج إلى الزينات والفرش الفاخرة والموائد ~~الفخمة ليشعر بالحفاوة به. ونقول: حفي عنه: أي بالغ في البحث عنه ~~ليعرف أخباره، وبلغ من ذلك مبلغا شق عليه وأضناه، وبالعامية يقولون: ~~وصلت له بعدما حفيت، ومن ذلك قوله تعالى عن الساعة: # يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند ~~الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [الأعراف: 187] أي: كأنك معني بالساعة، مغرم بالبحث عنها، دائم ~~الكلام في شأنها. إذن: فمعنى: { إنه كان بي حفيا } [مريم: 47] ~~أي: أن ربي يبالغ في ms6214 إكرامي إكراما يحقق سعادتي، ومن سعادتي أن الله ~~يغفر لك الذنب الكبير الذي تصر عليه، وكأنه عليه السلام يضخم ~~أمرين: يضخم الذنب الذي وقع فيه عمه، وهو الكفر بالله، ويعظم الرب ~~الذي سيستغفر لعمه عنده { إنه كان بي حفيا } [مريم: 47]. # وما دام ربي حفيا بي فلن يخذلني، كيف وقد جعلني نبيا واحتفى بي، ~~فكن مطمئنا إن أنت تبت مما أنت عليه من المعتقدات الباطلة، إنه ~~سيغفر لك. وكأن إبراهيم عليه السلام يؤكد لعمه على منزلته عند ربه، وما ~~على عمه إلا أن يسمع كلامه، ويستجيب لدعوته. وظل إبراهيم - عليه ~~السلام - يستغفر لعمه كما وعده، إلى أن تبين له أنه عدو لله فانصرف ~~عند ذلك، وتبرأ منه، كما قال تعالى: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه.. # [التوبة: 114]. ثم يقول الحق سبحانه عن إبراهيم - عليه السلام - أنه قال ~~لقومه: { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله... }. ### || [19.48] # اعتزل: ترك صحبة إلى خير منها ولو في اعتقاده، وهنا يلفتنا الحق سبحانه ~~إلى أن الإنسان حين يجادل في قضية، ويرى عند خصمه لددا وعنادا في ~~الباطل، لا يطيل معه الكلام حتى لا يؤصل فيه العناد، ويدعوه إلى ~~كبرياء الغلبة ولو بالباطل. لذلك، فالحق - تبارك وتعالى - يعلم ~~المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أرادوا البحث في أمره ~~صدقا أو كذبا والعياذ بالله، أن يبحثوه مثنى أو فرادى، ولا ~~يبحثوه بحثا جماهيريا غوغائيا لأن العمل الغوغائي بعيد عن الموضوعية ~~يستتر فيه الواحد في الجماعة، وقد يحدث ما لا تحمد عقباه ولا يعرفه ~~أحد. والغوغائية لا يحكمها عقل ولا منطق، والجمهور كما يقولون: عقله في ~~أذنيه. وسبق أن قلنا: إن كليوباترا حين هزمت وحليفها صوروا هذه ~~الهزيمة على أنها نصر، كما حدث كثيرا على مر التاريخ، وفيها يقول ~~الشاعر: # أسمع الشعب ديون # كيف يوحون إليه # ملأ الجو هتافا # بحياتي قاتليه # أثر البهتان فيه # وانطلى الزور عليه # ياله من ببغاء # عقله في أذنيه # إذن: فالجمهرة ms6215 لا تبدي رأيا، ولا تصل إلى صواب. يقول الحق سبحانه ~~للمعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة.. # [سبأ: 46]. فبحث مثل هذا الأمر يحتاج إلى فردين يتبادلان النظر ~~والفكر والدليل ويتقصيان المسألة، فإن تغلب أحدهما على الآخر كان ~~الأمر بينهما دون ثالث يمكن أن يشمت في المغلوب، أو يبحثه فرد واحد ~~بينه وبين نفسه فينظر في شخص رسول الله، وما هو عليه من أدب وخلق، وكيف ~~يكون مع هذا مجنونا؟ وهل رأينا عليه أمارات الجنون؟ والذين قالوا عنه: ~~ساحر لماذا لم يسحرهم كما سحر التابعين له؟ إذن: لو أدار الشخص الواحد ~~هذه الحقائق على ذهنه، واستعرض الآراء المختلفة لاهتدى وحده إلى ~~الصواب، فالاعتزال أمر مطلوب إن وجد الإنسان البيئة غير صالحة لنقاش ~~الباطل مع الحق لا نؤصل الجدل والعناد في نفس الخصم. لذلك يقول ~~تعالى: # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها.. # [النساء: 97]. أي: كانت الفرصة أمامكم لتتركوا هذه البقعة إلى غيرها ~~من أرض الله الواسعة، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يلفت نظرنا إلى أن ~~الأرض كلها أرض الله، فأرض الله الواسعة ليست هي مصر أو سوريا أو ~~ألمانيا، بل الأرض كلها بلا حواجز هي أرض الله، فمن ضاق به مكان ذهب ~~إلى غيره لا يمنعه مانع، وهل يوجد هذا الآن؟ هل تستطيع أن تخترق هذه ~~الحواجز ودونها نظم وقوانين ما أنزل الله بها من سلطان. # لذلك يقول الحق تبارك وتعالى: # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10]. أي: الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام وهذا من المبادىء ~~التي جعلها الخالق سبحانه للإنسانية، فلما استحدث الإنسان الحواجز ~~والحدود، وأقام الأسوار والأسلاك ومنع الأنام من الحركة في أرض الله نشأ ~~في الكون فساد كبير، فإن ضاق بك موضع لا تجد بديلا عنه في غيره، وإن ~~عشت في بيئة غير مستقيمة التكوين كتب عليك أن تشقى بها ms6216 طوال حياتك. ~~وقلنا: إن هذه الحدود وتلك الحواجز أفرزت أرضا بلا رجال، ورجالا بلا ~~أرض، ولو تكاملت هذه الطاقات لاستقامت الدنيا. ومسألة الاعتزال هذه، أو ~~الهجرة من أرض الباطل، أو من بيئة لا ينتصر فيها الحق وردت في نصوص ~~عدة بالنسبة لسيدنا إبراهيم - عليه السلام - منها قوله تعالى: # قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * ~~قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم * ~~وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين * ~~ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها ~~للعالمين # [الأنبياء: 68-71]. فترك إبراهيم الأرض التي استعصت على منهج الله إلى ~~أرض أخرى، وهاجر بدعوته إلى بيئة صالحة لها من أرض الشام. نعود إلى ~~اعتزال إبراهيم عليه السلام للقوم، لا لطلب الرزق وسعة العيش، بل ~~الاعتزال من أجل الله وفي سبيل مبدأ إيماني يدعو إليه: { ~~وأعتزلكم وما تدعون من دون الله.. } [مريم: 48] وأول ~~ما نلحظ أن في هذه النص عدولا، حيث كان الكلام عن العبادة: # يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر.. # [مريم: 42]، # يأبت لا تعبد الشيطان.. # [مريم: 44]. والقياس يقتضي أن يقول: وأعتزلكم وما تعبدون.. وأدعو ربي. ~~أي: أعبده، إلا أنه عدل عن العبادة هنا وقال: { وأعتزلكم وما ~~تدعون.. } [مريم: 48] فلماذا؟ قالوا: لأن الإنسان لا ينصرف عن ربه ~~وعن وحدانيته تعالى إلا حين يستغني، فإن ألجأته الأحداث واضطرته ~~الظروف لا يجد ملجأ إلا إلى الله فيدعو. إذن: فالعبادة ستصل قطعا إلى ~~الدعاء، وما دمت ستضطر إلى الدعاء فليكن من بداية الأمر: { ~~وأعتزلكم وما تدعون من دون الله.. } [مريم: 48]. ~~إذن: استخدم الدعاء بدل العبادة لأنني أعبد الله في الرخاء، فإن حدثت ~~لي شدة لا أجد إلا هو أدعوه. وقوله: { وأدعو ربي عسى ~~ألا أكون بدعآء ربي شقيا } [مريم: 48] أي: عسى ألا ~~أكون شقيا بسبب دعائي لربي لأنه تبارك وتعالى لا يشقي من عبده ودعاه، ~~فإن أردت المقابل فقل: الشقي من لا يعبد الله ولا يدعوه. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { فلما اعتزلهم وما يعبدون... }. ### || [19.49] # قوله: { وهبنا له إسحاق ويعقوب } [مريم: 49] لم يذكر هنا ~~إسماعيل لأن ms6217 إسحاق جاء جزاء من الله لإبراهيم على صبره في مسألة ذبح ~~إسماعيل، وما حدث من تفويضهما الأمر لله تعالى، والتسليم لقضائه وقدره، ~~كما قال تعالى: # فلما أسلما.. # [الصافات: 103] أي: إبراهيم وإسماعيل # وتله للجبين * وناديناه أن يإبراهيم * قد ~~صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي المحسنين * إن ~~هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم # [الصافات: 103-107]. ولم يقتصر الأمر على الفداء، بل # وبشرناه بإسحاق.. # [الصافات: 112] فلما امتثل لأمر الله في الولد الأول وهبنا له الثاني. ~~وفي آية أخرى يقول تعالى: # ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا ~~صالحين # [الأنبياء: 72]. كأن الحفيد نافلة وزيادة في عطاء الذرية، ومبالغة في ~~الإكرام. ثم يمتن الله على الجميع بأن يجعلهم أنبياء { وكلا ~~جعلنا نبيا } [مريم: 49] فليس الامتنان بأن وهب له إسحاق ومن ~~بعده يعقوب، بل بأن جعلهم أنبياء، وهذه جاءت بشرى لإبراهيم، وكان حظه ~~أن يرعى دعوة الله حيا، ويطمع أن تكون في ذريته من بعده، وكانت هذه ~~هي فكرة زكريا - عليه السلام - فكلهم يحرصون على الذرية لا للعزوة ~~والتكاثر وميراث عرض الدنيا، بل لحمل منهج الله وامتداد الدعوة فيهم ~~والقيام بواجبها. انظر إلى قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن.. # [البقرة: 124] أي: حمله تشريعات فقام بها على أتم وجه وأداها على ~~وجهها الصحيح، فلما علم الله منه عشقه للتكليف أتمها عليه: # إني جاعلك للناس إماما # [البقرة: 124] فتثور مسألة الإمامة في نفس إبراهيم، ويطمع أن تكون في ~~ذريته من بعده فيقول: # ومن ذريتي.. # [البقرة: 124] لذلك يعدل الحق سبحانه فكرة إبراهيم عن الإمامة، ويضع ~~المبدأ العام لها، فهي ليست ميراثا، إنها تكليف له شروط: # قال لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]. فالظالمون لا يصلحون لهذه المهمة. فوعي إبراهيم عليه ~~السلام هذا الدرس، وأخذ هذا المبدأ، وأراد أن يحتاط به في سؤاله لربه ~~بعد ذلك، فلما دعا ربه: # وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا ~~وارزق أهله من الثمرات.. # [البقرة: 126] فاحتاط لأن يكون في بلده ظالمون، فقال: # من آمن منهم بالله واليوم الآخر.. ms6218 # [البقرة: 126]. لكن جاء قياس إبراهيم هنا في غير محله، فعدل الله له ~~المسألة لأنه يتكلم في أمر خاص بعطاء الربوبية الذي يشمل المؤمن ~~والكافر، والطائع والعاصي، فقد ضمن الله الرزق للجميع فلا داعي للاحتياط ~~في عطاء الربوبية لذلك أجابه ربه: # قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى ~~عذاب النار وبئس المصير # [البقرة: 126]. إذن: فهناك فارق بين العطاءين: عطاء الربوبية وعطاء ~~الألوهية، والإمامية في منهج الله، فعطاء الربوبية رزق يساق للجميع ~~وخاضع للأسباب، فمن أخذ بأسبابه نال منه ما يريد، أما عطاء الألوهية ~~فتكليف وطاعة وعبادة. يقول تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. ثم يقول الحق سبحانه: { ووهبنا لهم من ~~رحمتنا... }. ### || [19.50] # قوله تعالى: { من رحمتنا.. } [مريم: 50] المراد بالرحمة النبوة ~~لذلك لما قال أهل العظمة والجاه المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] وكأنهم استقلوا رسول الله أن يكون في هذه المنزلة، رد ~~عليهم القرآن: # أهم يقسمون رحمت ربك.. # [الزخرف: 32]. إذن: فعطاؤه تعالى في النبوات رحمة أشاعها الله في ذرية ~~إبراهيم. وقوله: { وجعلنا لهم لسان صدق عليا } [مريم: ~~50] أي: كلمة صدق وحق ثابت مطابق للواقع، ولسان الصدق يعني مدحا في ~~موضعه، وثناء بحق لا مجاملة فيه، والثناء يكون باللسان، وها نحن نذكر ~~هذا الركب من الأنبياء إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب بالثناء الحسن ~~والسيرة الطيبة، ونأخذهم قدوة، وهذا كله من لسان الصدق، ويبدو أنها دعوة ~~إبراهيم حين قال: # رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين * واجعل لي ~~لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 83-84]. ثم يقول الحق سبحانه: { واذكر في الكتاب ~~موسى... }. ### || [19.51] # وهذا أيضا ركب من ركب النبوات، وقد أخذت قصة موسى عليه السلام ~~حيزا كبيرا من كتاب الله لم تأخذه قصة نبي آخر، مما دعا الناس إلى ~~التساؤل عن سبب ذلك، حتى بنو إسرائيل يفضلون أنفسهم على الناس بأنهم ~~أكثر الأمم أنبياء، وهذا ms6219 من غبائهم لأن هذه تحسب عليهم لا لهم، فكثرة ~~الأنبياء فيهم دليل على عنادهم وغطرستهم مع أنبيائهم. فما من أمة حيرت ~~الأنبياء، وآذتهم كبني إسرائيل لذلك كثر أنبياؤهم، والأنبياء أطباء ~~القيم وأساة أمراضها، فكثرتهم دليل تفشي المرض، وأنه أصبح مرضا ~~عضالا يحتاج في علاجه لا لطبيب واحد، بل لفريق من الأطباء. والبعض يظن ~~أن قصة موسى في القرآن مجرد حكاية تاريخ، كما نقول نحن ونقص: كان يا ما ~~كان حدث كذا وكذا، ولو كانت قصة موسى في القرآن مجرد حكاية تاريخ لجاءت ~~مرة واحدة. لكنها ليست كذلك لأن الحكمة من قصها على رسول الله كما قال ~~تعالى: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك.. # [هود: 120]. إذن: فالهدف من هذا القصص تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~في دعوته لقومه لأنه سيتعرض لمواقف وشدائد كثيرة يحتاج فيها إلى تثبيت ~~ومواساة وتسلية، فكلما جد بينه وبين قومه أمر قال له ربه: اذكر موسى ~~حين فعل كذا وكذا، وأنت خاتم الرسل، وأنت التاج بينهم، فلا بد لك أن ~~تتحمل وتصبر. أما لو نزلت مثل هذه القصة مرة واحدة لكان التثبيت بها ~~مرة واحدة، وما أكثر الأحداث التي تحتاج إلى تثبيت في حياة الدعوة. لذلك ~~نجد خصوم الإسلام يتهمون القرآن بالتكرار في قصة موسى عليه السلام، وهذا ~~دليل على قصورهم في فهم القرآن، فهذه المواضع التي يرون فيها ~~تكرارا ما هي إلا لقطات مختلفة لموضوع واحد، لكن لكل لقطة منها موقع ~~وميلاد، فإذا جاء موقعها وحان ميلادها نزلت. ومما رأوا فيه تكرارا، ~~وليس كذلك قوله تعالى عن موسى عليه السلام طفلا: # عدو لي وعدو له.. # [طه: 39] ونتساءل: متى تستعر العداوة بين عدوين؟ إن كانت العداوة من ~~طرف واحد فإن الطرف الآخر يقابلها بموضوعية ودون لدد في الخصومة إلى ~~أن تهدأ العداوة بينهما، فهو عدو دون عداوة، فحينما يراه صاحب العداوة ~~على هذا الخلق يصرف ما في نفسه من عداوة له، كما قال تعالى: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ms6220 ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34]. أما إن كانت العداوة بين عدوين حقيقيين: هذا عدو وهذا ~~عدو، هنا تستعر العداوة، وتزكو نارها، ويحتدم بينهما صراع، ولا بد أن ~~يصرع أحدهما الآخر. والحق تبارك وتعالى حينما تكلم عن موسى وفرعون، جعل ~~العداوة مرة من موسى في قوله تعالى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا.. # [القصص: 8]. فالعداوة هنا من موسى ليفضح الله أمر فرعون، فها هو يأخذ ~~موسى ويربيه، وهو لا يعلم أنه عدو له، وعلى يديه ستكون نهايته ~~غريقا، فالمقاييس عنده خاطئة، وهو يدعي الألوهية. ومرة أخرى يثبت ~~العداوة من فرعون في قوله تعالى: # يأخذه عدو لي وعدو له.. # [طه: 39]. فالعداوة هنا من فرعون: إذن: فالعداوة من الطرفين، لذلك ~~فالمعركة بينهما كانت حامية. كذلك من المواضع التي ظنوا بها تكرارا قوله ~~تعالى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني ~~إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7]. وفي آية أخرى يقول تبارك وتعالى: # إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له.. # [طه: 38-39]. والمستشرقون أحدثوا ضجة حول هذه الآيات: لأنهم لا يفهمون ~~أسلوب القرآن، وليست لديهم الملكة العربية للتلقي عن الله، فهناك ~~فرق بين السياقين، فالكلام الأول: # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم.. # [القصص: 7] هذه أحداث لم تقع بعد، إنها ستحدث في المستقبل، والكلام مجرد ~~إعداد أم موسى للأحداث قبل أن تقع. أما المعنى الثاني فهو مباشر ~~للأحداث وقت وقوعها لذلك جاء في عبارات مختصرة كأنها برقيات حاسمة لتناسب ~~واقع الأحداث: # أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم.. # [طه: 39]. كما أن الآية الأولى ذكرت: # فألقيه في اليم.. # [القصص: 7] ولم تذكر التابوت كما في الآية الأخرى: # أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم.. # [طه: 39]. إذن: ليس في المسألة تكرار كما يدعي المغرضون فكل منهما ~~تتحدث عن حال معين ومرحلة من مراحل القصة. ثم يقول تعالى: { واذكر ~~في الكتاب موسى إنه كان ms6221 مخلصا.. } [مريم: 51] من ~~خلص شيئا من أشياء، أي: استخرج شيئا من أشياء كانت مختلطة به، كما ~~نستخلص مثلا العطور من الزهور، فقد أخذت الجيد وتركت الرديء، وبالنسبة ~~للإنسان نقول: فلان مخلص لأن الإنسان مركب من ملكات متعددة لتخدم كل ~~حركة في الحياة، وكل ملكة من ملكاته، أو جهاز من أجهزته له مهمة ~~يؤديها، إلا أنها قد تدخل عليها أشياء ليست من مهمته، أو تخرج عن غاياتها ~~فتحدث فيه بعض الشوائب، فيحتاج الإنسان لأن يخلص نفسه من هذه ~~الشوائب. فمثلا، الحق - تبارك وتعالى - جعل التقاء الرجل والمرأة لهدف ~~محدد، وهو بقاء النوع لذلك تجد الحيوان المحكوم بالغريزة لا بالعقل ~~والاختيار إذا أدى كل من الذكر والأنثى هذه المهمة لا يمكن أن ~~تمكن الأنثى الذكر منها، وكذلك الذكر لا يأتي الأنثى إذا علم من ~~رائحتها أنها حامل. إذن: وقف الحيوان بهذه الغريزة عند مهمتها، وهي حفظ ~~النوع، لكن الإنسان لم يقف بهذه الغريزة عند حدودها، بل جعلها متعة ~~شخصية يأتي حفظ النوع تابعا لها. # وكذلك الحال في غريزة الطعام، فالإنسان إذا جاع يحتاج بغريزته إلى أن ~~يأكل، والحكمة من ذلك استبقاء الحياة، لا الامتلاء باللحم والشحم. ~~فالحيوان يقف بهذه الغريزة عند حدها، فإذا شبع لا يمكن أن تجبره على ~~عود برسيم واحد فوق ما أكل. أما في الإنسان فالأمر مختلف تماما، فيأكل ~~الإنسان حتى الشبع، ثم حتى التخمة، ولا مانع بعد ذلك من الحلو ~~والمشروبات وخلافه لذلك وضع لنا الخالق سبحانه وتعالى المنهج الذي ينظم ~~لنا هذه الغريزة، فقال تعالى: # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا.. # [الأعراف: 31]. وفي الحديث الشريف: # " بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولا بد فاعلا، ~~فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه ". # ومن الغرائز أيضا غريزة حب الاستطلاع، فالإنسان يحب أن يعرف ما عند ~~الآخر ليحدث بين الناس الترقي اللازم لحركة الحياة، ومعرفة أسرار الله في ~~الكون، وهذا هو الحد المقبول أما أن يتحول حب الاستطلاع إلى التجسس ~~وتتبع عورات الآخرين، فهذا لا يقبل ويعد من شوائب النفوس، يحتاج ms6222 ~~إلى أن نخلص أنفسنا منه. إذن: لكل غريزة حكمة ومهمة يجب ألا نخرج ~~عنها، والمخلص هو الذي يقف بغرائزه عند حدها لا يتعداها ويخلصها ~~من الشوائب التي تحوط بها. وهذه الصفة إما أن يكرم الله بها العبد ~~فيخلصه من البداية من هذه الشوائب، أو يجتهد هو ليخلص نفسه من ~~شوائبها باتباعه لمنهج الله. هذا هو المخلص: أي الذي خلص نفسه. لذلك، ~~يقولون: من الناس من يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، ومن الناس من ~~يصل بكرامة الله إلى طاعة الله. وقد جعل الله تعالى الأنبياء مخلصين من ~~بدايتهم، ليكونوا جاهزين لهداية الناس، ولا يضيعون أوقاتهم في تخليص ~~أنفسهم من شوائب الحياة وتجاربها. ألم يستمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثلاثا وعشرين سنة يعلم الناس كيف يخلصون أنفسهم؟ فكيف إن كان ~~النبي نفسه في حاجة لأن يخلص نفسه؟ ولمكانة هؤلاء المخلصين ومنزلتهم ~~تأدب إبليس وراعى هذه المنزلة حين قال: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص: 82-83]. لأن هؤلاء لا يقدر إبليس على غوايتهم. ثم يقول تعالى: { ~~وكان رسولا نبيا } [مريم: 51] لأن من عباد الله من يكون ~~مخلصا دون أن يكون نبيا أو رسولا كالعبد الصالح مثلا لذلك أخبر ~~تعالى عن موسى - عليه السلام - أنه جمع له كل هذه الصفات. والرسول: من ~~أوحي إليه بشرع يعمل به ويؤمر بتبليغه لقومه، أما النبي، فهو من ~~أوحي إليه بشرع يعمل به لكن لم يؤمر بتبليغه. إذن: فكل رسول نبي، ~~وليس كل نبي رسولا لأن النبي يعيش على منهج الرسول الذي يعاصره أو ~~يسبقه. ثم يقول الحق سبحانه: { وناديناه من جانب الطور... ~~}. ### || [19.52] # قوله تعالى: { من جانب الطور الأيمن.. } [مريم: 52] أيمن ~~الطور، أم أيمن موسى؟ أي مكان لا يقال له أيمن ولا أيسر، إنما الأيمن ~~والأيسر بالنسبة لك أو لغيرك، فالذي تعتبره أنت يمينا يعتبره غيرك ~~يسارا، ولا يقال للمكان أيمن ولا أيسر إلا إذا قسته إلى شيء ثابت ~~كالقبلة مثلا فتقول: أيمن القبلة، وأيسر القبلة، وخلف القبلة، وأمام ~~القبلة. إذن: فقوله: ms6223 { من جانب الطور الأيمن.. } [مريم: 52] ~~أي: أيمن موسى، وهو مقبل على الجبل، وهذه لقطة مختصرة من القصة جاءت ~~مفصلة في قوله تعالى: # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب ~~الطور نارا.. # [القصص: 29]. وقوله: { وقربناه نجيا } [مريم: 52] أي: ~~قربناه لنناجيه بكلام. والنجي: هو المناجي الذي يسر القول ~~إلى صاحبه، كما جاء في الحديث الشريف: # " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر، فإن ذلك يحزنه ". # وقد قرب الله تعالى موسى ليناجيه لأن هذه خصوصية لموسى عليه السلام، ~~فكلام الله لموسى خاص به وحده لا يسمعه أحد غيره، فإن قلت: فكيف ~~يكلمه الله بكلام، ويسمى مناجاة؟ قالوا: لأنه تعالى أسمعه موسى، وأخفاه ~~عن غيره، فصار مناجاة كما يتناجى اثنان سرا. وهذا من طلاقة قدرته تعالى ~~أن يسمع هذا، ولا يسمع ذاك. وبعض المفسرين يرى أن الأيمن ليس من ~~اليمين، ولكن من اليمن والبركة. و { وقربناه.. } [مريم: 52] أي: ~~من حضرة الحق تبارك وتعالى. لكن هل حضرة الحق قرب منه، أم موسى هو الذي ~~قرب من حضرة الحق سبحانه؟ كيف نقول إن الله قرب منه وهو سبحانه أقرب ~~إليه من حبل الوريد، فالتقريب إذن لموسى عليه السلام. وهكذا جمع الحق - ~~تبارك وتعالى - لموسى عدة خصال، حيث جعله مخلصا ورسولا ونبيا، ~~وخصه بالكلام والمناجاة، ثم يزيده هبة أخرى في قوله: { ووهبنا ~~له من رحمتنآ... }. ### || [19.53] # وهب الله لموسى أخاه هارون رحمة بموسى لأن هارون كان معينا لأخيه ~~ومساندا له في مسألة الدعوة، وهذه لم تحدث مع نبي آخر أن يجعل الله له ~~معينا في حمل هذه المهمة لذلك قال موسى عليه السلام: # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ~~ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون # [القصص: 34]. والردء: هو المعين. وهكذا أعطانا الحق - تبارك وتعالى - ~~لقطة سريعة من موكب النبوة في قصة موسى، ولمحة موجزة هنا أتى تفصيلها ~~في موضع آخر. ثم يقول الحق سبحانه: { واذكر في الكتاب... }. ### || [19.54] # قوله تعالى: { إنه كان صادق الوعد.. } [مريم: 54] ما ~~الميزة هنا وكل الرسل كانوا صادقي ms6224 الوعد؟ قالوا: لأن هناك صفة تبرز في ~~شخص ويتميز بها، وإن كانت موجودة في غيره، فالذي يصدق في وعد أعطاه، أو ~~كلمة قالها صدق في أمر يملكه ويتعلق به. أما إسماعيل - عليه السلام - ~~فكان صادق الوعد في أمر حياة أو موت، أمر يتعلق بنفسه، حين قال لأبيه: # يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من ~~الصابرين # [الصافات: 102]. وليت الأمر جاء مباشرة، إنما رآه غيره، وربما كانت ~~المسألة أيسر لو أن الولد هو الذي رأى أباه يذبحه، لكنها رؤيا رآها ~~الأب، والرؤيا لا يثبت بها حكم إلا عند الأنبياء. فكان إسماعيل دقيقا في ~~إجابته حينما أخبره أبوه كأنه يأخذ رأيه في هذا الأمر: # إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ~~ترى.. # [الصافات: 102]. فخاف إبراهيم عليه السلام أن يقبل على ذبح ولده دون ~~أن يخبره حتى لا تأتي عليه فترة يمتلىء غيظا من أبيه إذا كان لا يعرف ~~السبب، فأحب إبراهيم أن يكون استسلام ولده للذبح قربى منه لله، له ~~أجرها وثوابها. قال إسماعيل عليه السلام لأبيه إبراهيم: # يأبت افعل ما تؤمر.. # [الصافات: 102]. والوعد الذي صدق فيه قوله: # ستجدني إن شآء الله من الصابرين # [الصافات: 102] وصدق إسماعيل في وعده، واستسلم للذبح، ولم يتردد ولم ~~يتراجع لذلك استحق أن يميزه ربه بهذه الصفة { إنه كان صادق ~~الوعد.. } [مريم: 54]. فلما رأى الحق - تبارك وتعالى - استسلام ~~إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - لقضاء الله رفع عنه قضاءه وناداه: # وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا ~~كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء ~~المبين * وفديناه بذبح عظيم # [الصافات: 104-107] فكانت نتيجة الصبر على هذا الابتلاء أن فدى الله ~~الذبيح، وخلصه من الذبح، ثم أكرم إبراهيم فوق الولد بولد آخر: # ووهبنا له إسحاق.. # [الأنعام: 84]. وهذه لقطة قرآنية تعلمنا أن المسلم إذا استسلم لقضاء ~~الله، ورضي بقدره فسوف يجني ثمار هذا الاستسلام، والذي يطيل أمد القضاء ~~على الناس أنهم لا يرضون به، والحق تبارك وتعالى لا يجبره أحد، فالقضاء ~~نافذ نافذ، رضيت به أم لم ترض. وحين تسلم ms6225 لله وترضى بقضائه يرفعه ~~عنك، أو يبين لك وجه الخير فيه. إذن: عليك أن تحترم القدر وترضى به ~~لأنه من ربك الخالق الحكيم، ولا يرفع قضاء الله عن الخلق حتى يرضوا به. ~~وكثيرا ما نرى اعتراض الناس على قضاء الله خاصة عند موت الطفل الصغير، ~~فنراهم يكثرون عليه البكاء والعويل، يقول أحدهم: إنه لم يتمتع بشبابه. # ونعجب من مثل هذه الجهالات: أي شباب؟ وأية متعة هذه؟ وقد فارق في ~~صغره دنيا باطلة زائلة، ومتعة موقوتة إلى دار باقية ومتعة دائمة؟ كيف ~~وقد فارق العيش مع المخلوق، وذهب إلى رحاب الخالق سبحانه؟ إنه في نعيم لو ~~عرفته لتمنيت أن تكون مكانه، ويكفي أن هؤلاء الأطفال لا يسألون ولا ~~يحاسبون، وليس لهم مسكن خاص في الجنة لأنهم طلقاء فيها يمرحون كما ~~يشاؤون لذلك يسمونهم دعاميص الجنة. وآخر يعترض لأن زميله في العمل رقي ~~حتى صار رئيسا له، فإذا به يحقد عليه ويحقره، وتشتعل نفسه عليه غضبا، ~~وكان عليه أن يتساءل قبل هذا كله: أأخذ زميله شيئا من ملك الله دون ~~قضائه وقدره، إذن: فعليك إذا لم تحترم هذا الزميل أن تحترم قدر الله فيه، ~~فما أخذ شيئا غصبا عن الله. لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " اسمعوا وأطيعوا، ولو ولى عليكم عبد حبشي، كأن رأسه زبيبة ". # ثم يقول الحق سبحانه: { وكان يأمر أهله بالصلاة... }. ### || [19.55] # أي: من خصال إسماعيل العظيمة التي ذكرها الله تعالى له: { وكان ~~يأمر أهله بالصلاة والزكاة.. } [مريم: 55] أي: ~~زوجته. والحق تبارك وتعالى لا يهتم بخصلة ولا يذكرها إلا إن كانت ~~كبيرة عنده، تساوي كونه صادق الوعد وكونه رسولا ونبيا، فمن أراد أن ~~يتصف بصفة من صفات النبوة، فعليه أن يأمر أهله بالصلاة والزكاة. لكن، ~~لماذا اختص أهله بالذات؟ اختص أهله لأنهم البيئة المباشرة التي إن ~~صلحت للرجل صلح له بيته، وصلحت له ذريته، إذا كان الرجل يلفت ~~أهله إلى ذكر الله والصلاة خمس مرات في اليوم والليلة فإنه بذلك يسد ~~الطريق على الشيطان، فليس له مجال في ms6226 بيت يصلي أهله الخمس صلوات. لذلك ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " رحم الله امرأ استيقظ من الليل، فصلى ركعتين ثم أيقظ أهله فإن ~~امتنعت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت ~~ركعتين، ثم أيقظت زوجها، فإن امتنع نضحت في وجهه الماء ". # إذن: فكل رجل وكل امراة يستطيع في كل ليلة أن يكون رسولا لأهله ولبيئته ~~يقوم فيها بمهمة الرسول لأن محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء ~~والرسل، فليس بعد تشريعه تشريع، وليس بعد كتابه كتاب لأن أمته ستحمل ~~رسالته من بعده، وكل مؤمن منهم يعلم من الإسلام حكما فهو خليفة لرسول ~~الله في تبليغه. كما قال تعالى: # لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا.. # [البقرة: 143] فالرسول يشهد أنه بلغكم، وعليكم أن تشهدوا أنكم ~~بلغتم الناس، وما دمتم بلغتم الناس منطقا ولفظا فلا بد أن ~~يكون سلوكا أيضا، لأن لكم في رسول الله أسوة حسنة. ودائما ما يقرن ~~الحق - تبارك وتعالى - بين الصلاة والزكاة، والصلاة تأخذ بعض الوقت، ~~والزكاة تأخذ المال الذي هو فرع العمل الذي هو فرع الوقت، فإن كانت ~~الزكاة تأخذ نتيجة الوقت، فالصلاة تأخذ الوقت نفسه. إذن: ففي الصلاة زكاة ~~أبلغ من الزكاة. وإن كان في الزكاة نماء المال وبركته - وإن كانت في ~~ظاهرها نقصا - ففي الصلاة نماء الوقت وبركته، فإياك أن تقول: أنا ~~مشغول، ولا أجد وقتا للصلاة لأن الدقائق التي ستصلي فيها فرض ربك هي ~~التي ستشيع البركة في وقتك كله. كما أنك حين تقف بين يدي ربك في ~~الصلاة تأخذ شحنة إيمانية نوارنية تعينك على أداء مهمتك في الحياة، ~~وتعرض نفسك على ربك وخالقك وصانعك، ولن تعدم خيرا ينالك من هذا ~~اللقاء. ولك أن تتصور صنعة تعرض على صانعها خمس مرات كل يوم، هل ~~يصيبها عطل أو عطب؟! وإن كان المهندس الصانع يعالج بأشياء مادية ~~فلأنه حسي مشهود، أما الخالق سبحانه فهو غيب يصلحك من حيث لا ~~تدري. وإن كان إسماعيل - عليه السلام - يأمر أهله بالصلاة والزكاة ms6227 فهو ~~حريص عليها من باب أولى. وقوله تعالى: { وكان عند ربه ~~مرضيا } [مريم: 55] أي: رضي الله عنه، ليس لخصال الخير التي وصفه ~~بها، بل من بدايته، فقد رضي عنه فاختاره رسولا ونبيا. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { واذكر في الكتاب إدريس... }. ### || [19.56] # ما زال القرآن يعطينا لقطات من موكب الرسالات والنبوات. وإدريس عليه ~~السلام أول نبي بعد آدم عليه السلام، فهو إدريس بن شيث بن آدم. وبعد ~~إدريس جاء نوح ثم إبراهيم، ومنه جاءت سلسلة النبوات المختلفة. وقوله: { ~~إنه كان صديقا نبيا } [مريم: 56]. تحدثنا عن معنى ~~الصديق في الكلام عن إبراهيم عليه السلام، والصديق هو الذي يبالغ ~~في تصديق ما جاءه من الحق، فيجعل الله له بذلك فرقانا وإشراقا يميز ~~به الحق فلا يتصادم معه شيطان لأن الشيطان قد ينفذ إلى عقلي وعقلك. أما ~~الوارد من الحق سبحانه وتعالى فلا يستطيع الشيطان أن يعارضه أو يدخل فيه، ~~لذلك فالصديق وإن لم يكن نبيا فهو ملحق بالأنبياء والشهداء، ~~كما قال تعالى: # ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهدآء والصالحين وحسن أولئك رفيقا # [النساء: 69]. وكذلك كان إدريس عليه السلام نبيا ولم يقل: رسولا ~~نبيا، لأن بينه وبين آدم عليه السلام جيلين، فكانت الرسالة لآدم ما زالت ~~قائمة. ثم يقول الحق سبحانه: { ورفعناه مكانا... }. ### || [19.57] # مكانا عاليا في السماء، رفعه معنوية، أو رفعة حسية، خذها كما ~~شئت، لكن إياك أن تجادل: كيف رفعه؟ لأن الرفعة من الله تعالى، والذي ~~خلقه هو الذي رفعه. ثم يقول الحق سبحانه: { أولئك الذين ~~أنعم الله عليهم... }. ### || [19.58] # قوله تعالى: { أولئك.. } [مريم: 58] أي: الذين تقدموا وسبق ~~الحديث عنهم من الأنبياء والرسل { من ذرية ءادم.. } [مريم: 58] ~~أي: مباشرة مثل إدريس عليه السلام { وممن حملنا مع نوح.. } ~~[مريم: 58] الذين جاءوا بعد إدريس مباشرة { ومن ذرية ~~إبراهيم.. } [مريم: 58] أي: الذين جاءوا بعد نوح. وقد انقسموا إلى ~~فرعين من ذرية إبراهيم. الأول: فرع إسحاق الذي جاء منه جمهرة النبوة، ~~بداية من يعقوب، ثم يوسف، ثم موسى ms6228 وهارون، ثم داود وسليمان، ثم زكريا ~~ويحيى، ثم ذو الكفل، ثم أيوب، ثم ذو النون. والفرع الآخر: فرع إسماعيل ~~عليه السلام الذي جاء منه جماع جواهر النبوة، وهو محمد صلى الله عليه ~~وسلم. { وإسرائيل.. } [مريم: 58] هو نبي الله يعقوب { وممن ~~هدينا واجتبينآ.. } [مريم: 58] الذين هديناهم واجتبيناهم. أي: ~~اخترناهم واصطفيناهم للنبوة { إذا تتلى عليهم آيات ~~الرحمن خروا سجدا وبكيا } [مريم: 58]. لماذا قال { ~~آيات الرحمن } [مريم: 58] ولم يقل: آيات الله؟ قالوا: لأن ~~آيات الله تحمل منهجا وتكليفا، وهذا يشق على الناس، فكأنه يقول لنا: ~~إياكم أن تفهموا أن الله يكلفكم بالمشقة، وإنما يكلفكم بما يسعد ~~حركة حياتكم وتتساندون، ثم يسعدكم به في الآخرة لذلك اختار هنا صفة ~~الرحمانية. وقوله: { خروا سجدا وبكيا } [مريم: 58] لم يقل: ~~سجدوا، بل سقطوا بوجوههم سريعا إلى الأرض. وهذا انفعال قسري طبيعي، لا ~~دخل للعقل فيه ولا للتفكير، فالساجد يستطيع أن يسجد بهدوء ونظام، ~~أما الذي يخر فلا يفكر في ذلك، وهذا أشبه بقوله تعالى: # فخر عليهم السقف من فوقهم.. # [النحل: 26] أي: سقط عليهم فجأة. وهذا الانفعال يسمونه " انفعال ~~نزوعي " ناتج عن الوجدان، والوجدان ناتج عن الإدراك، وهذه مظاهر الشعور ~~الثلاثة: الإدراك، ثم الوجدان، ثم النزوع. والإنسان له حواس يدرك بها: ~~العين والأذن والأنف واللسان.. الخ. فهذه وسائل إدراك المحسات، فإذا ~~أدركت شيئا بحواسك تجد له تأثيرا في نفسك، إما حبا وإما بغضا، ~~إما إعجابا وإما انصرافا، وهذا الأثر في نفسك هو الوجدان، ثم يصدر عن ~~هذا الوجدان حركة هي " النزوع ". فمثلا، لو رأيت وردة جميلة فهذه ~~الرؤيا " إدراك " ، فإن أعجبت بها وس ررت فهذا " وجدان " ، فإن ~~مددت يدك لتقطفها فهذا " نزوع ". والشرع لا يحاسبك على الإدراك ولا على ~~الوجدان، لكن حين تمد يدك لقطف هذه الوردة نقول لك: قف فهذه ليست لك، ~~ولا يمنعك الشارع ويتركك، إنما يمنعك ويوحي لك بالحل المناسب لنزوعك، ~~فعليك أن تزرع مثلها، فتكون ملكا لك أو على الأقل تستأذن صاحبها. ~~كذلك الحال فيمن يتسمع لكلام الله وقرآنه يدرك القرآن بسمعه فينشأ عنه ms6229 ~~حلاوة ومواجيد في نفسه، وهذا هو الوجدان الذي ينشأ عنه انفعال نزوعي، ~~فلا يجد إلا أن يخر ساجدا لله تعالى. # والنزوع هنا لم يكن نزوعا ظاهريا بل وأيضا داخليا، ففاضت أعينهم ~~بالدمع { سجدا وبكيا } [مريم: 58]. وقد عولج هذا المعنى في ~~عدة مواضع أخر، كما في قوله تعالى: # قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا ~~العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون ~~للأذقان سجدا # [الإسراء: 107]. ومعنى: للأذقان: مبالغة في الخضوع والخشوع واستيفاء ~~السجود لأن السجود يكون أولا على الجبهة ثم الأنف لكن على الأذقان، فهذا ~~سجود على حق، وليس كنقر الديكة كما يقولون. إذن: فأهل الكتاب كانوا ~~على علم ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه سيأتي بالقرآن على فترة ~~من الرسل، وها هم الآن يسمعون القرآن لذلك يقولون: # سبحان ربنآ إن كان وعد ربنا لمفعولا # [الإسراء: 108]. ومن النزوع الانفعالي أيضا قوله تعالى عن أهل الكتاب: # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق.. # [المائدة: 83]. وقوله تعالى: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني ~~تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم ~~تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.. # [الزمر: 23]. فلماذا يؤثر الانفعال بالقرآن في كل هذه الحواس ~~والأعضاء من جسم الإنسان؟ قالوا: لأن الذي خلق التكوين الإنساني هو الذي ~~يتكلم، والخالق سبحانه حينما يتكلم وحينما تفهم عنه وتعي، فإنه سبحانه لا ~~يخاطب عقلك فقط، بل يخاطب كل ذرة من ذرات تكوينك لذلك تخر الأعضاء ~~ساجدة، وتدمع العيون، وتقشعر الجلود، وتلين القلوب، كيف لا والمتكلم هو ~~الله؟ ثم يقول الحق سبحانه: { فخلف من بعدهم خلف... }. ### || [19.59] # قوله تعالى: { فخلف من بعدهم خلف.. } [مريم: 59] أي: أن ~~المسائل لم تستمر على ما هي عليه من الكلام السابق ذكره، بل خلف ~~هؤلاء القوم خلف والخلف: هم القوم الذين يخلفون الإنسان: أي: يأتون ~~بعده أو من ورائهم. وهناك فرق بين خلف وخلف: الأولى: بسكون اللام ~~ويراد بها الأشرار من عقب الإنسان وأولاده، والأخرى: بفتح اللام ~~ويراد بها الأخيار. ms6230 لذلك، فالشاعر حينما أراد أن يتحسر على أهل الخير ~~الذين مضوا قال: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في خلف كجلد الأجرب # فماذا تنتظر من هؤلاء الأشرار؟ لا بد أن يأتي بعدهم صفات سوء { ~~أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات.. } [مريم: 59] إذن: ~~هم خلف فاسد، فأول ما أضاعوا أضاعوا الصلاة التي هي عماد الدين، ~~وأولى أركانه بالأداء. صحيح أن الإسلام بني على عدة أركان، لكن بعض ~~هذه الأركان قد يسقط عن المسلم، ولا يطلب منه كالزكاة والحج والصيام، ~~فيبقى ركنان أساسيان لا يسقطان عن المسلم بحال من الأحوال، هما: شهادة أن ~~لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقامة الصلاة. وسئلنا مرة ~~من بعض إخواننا في الجزائر: لماذا نقول لمن يؤدي فريضة الحج: الحاج فلان، ~~ولا نقول للمصلي: المصلي فلان، أو المزكي فلان، أو الصائم فلان؟ فقلت ~~للسائل: لأن بالحج تتم نعمة الله على العبد، وحين نقول: الحاج فلان. فهذا ~~إشعار وإعلام أن الله أتم له النعمة، واستوفى كل أركان الإسلام، فمعنى ~~أنه أدى فريضة الحج أنه مستطيع مالا وصحة، وما دام عنده مال فهو ~~يزكي، وما دام عنده صحة فهو يصوم، وهو بالطبع يشهد ألا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله ويؤدي الصلاة، وهكذا تمت له بالحج جميع أركان ~~الإسلام. ثم يقول تعالى: { فسوف يلقون غيا } [مريم: 59] هذه ~~العبارة أخذها المتمحكون الذين يريدون أن يدخلوا على القرآن بنقد، ~~فقالوا: الغي هو الشر والضلال والعقائد الفاسدة، وهذه حدثت منهم ~~بالفعل في الدنيا فأضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فكيف يقول: فسوف ~~يلقونه في المستقبل؟ لكن المراد بالغي هنا أي: جزاء الغي وعاقبته. كما ~~لو قلت: أمطرت السماء نباتا، فالسماء لم تمطر النبات، وإنما الماء ~~الذي يخرج النبات، كذلك غيهم وفسادهم في الدنيا هو الذي جر عليهم ~~العذاب في الآخرة. إذن: المعنى: فسوف يلقون عذابا وهلاكا في الآخرة. ~~ومع ذلك، فالحق - تبارك وتعالى - لرحمته بخلقه شرع لهم التوبة، وفتح ~~لهم بابها، ويفرح بهم إن تابوا لذلك فالذين اتصفوا بهذه الصفات السيئة ~~فأضاعوا الصلاة ms6231 واتبعوا الشهوات لا ييأسون من رحمة الله، ما دام باب ~~التوبة مفتوحا. وفتح باب التوبة أمام العاصين رحمة يرحم الله بها ~~المجتمع كله من أصحاب الشهوات والانحرافات، وإلا لو أغلقنا الباب في ~~وجوههم لشقي بهم المجتمع، حيث سيتمادون في باطلهم وغيهم، فليس ~~أمامهم ما يستقيمون من أجله. والتوبة تكون من العبد، وتكون من الرب تبارك ~~وتعالى، فتشريع التوبة وقبولها من الله وإحداث التوبة من العبد لذلك قال ~~تعالى: # ثم تاب عليهم ليتوبوا.. # [التوبة: 118] أي: شرعها لهم ليتوبوا فيقبل توبتهم، فهي من الله أولا ~~وأخيرا لذلك يأتي هذا الاستثناء. { إلا من تاب وآمن وعمل ~~صالحا... }. ### || [19.60] # وللتوبة شروط يجب مراعاتها، وهي: أن تقلع عن الذنب الذي تقع فيه، وأن ~~تندم على ما بدر منك، وأن تنوي وتعزم عدم العودة إليه مرة أخرى. وليس ~~معنى ذلك أنك إن عدت فلن تقبل منك التوبة، فقد تتعرض لظروف ~~توقعك في الذنب مرة أخرى. لكن المراد أن تعزم صادقا عند التوبة عدم ~~العود، فإن وقعت فيه مرة أخرى تكون عن غير قصد ودون إصرار. وإلا لو ~~دبرت لهذه المسألة فقلت: أذنب ثم أتوب، فمن يدريك أن الله تعالى ~~سيمهلك إلى أن تتوب؟ إذن: فبادر بها قبل فوات أوانها. هذه - إذن - شروط ~~التوبة إن كانت في أمر بين العبد وربه، فإن كانت تتعلق بالعباد فلا ~~بد أن يتوفر لها شرط آخر وهو رد المظالم إلى أهلها إن كانت ترد، ~~أو التبرع بها في وجوه الخير على أن ينوي ثوابها لأصحابها، إن كانت ~~مظالم لا ترد. ثم يقول تعالى بعدها: { وآمن وعمل صالحا.. } ~~[مريم: 60] معنى: وآمن بعد أن تاب، تعني أن ما أحدثه من معصية خدش ~~إيمانه، فيحتاج إلى تجديده. وهذا واضح في الحديث الشريف: # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". # فساعة مباشرة هذه المعاصي تنتفي عن الإنسان صفة الإيمان لأن إيمانه غاب ~~في هذه اللحظة لأنه لو استحضر الإيمان وما يلزمه ms6232 من عقوبات الدنيا ~~والآخرة ما وقع في هذه المعاصي. لذلك قال: وآمن أي: جدد إيمانه، ~~وأعاده بعد توبته، ثم { وعمل صالحا.. } [مريم: 60] ليصلح به ما ~~أفسده بفعل المعاصي. والنتيجة: { فأولئك يدخلون الجنة ~~ولا يظلمون شيئا } [مريم: 60] وفي موضع آخر، كان جزاء من تاب ~~وآمن وعمل صالحا: # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات.. # [الفرقان: 70]. فلماذا كل هذا الكرم من الله تعالى لأهل المعاصي ~~الذين تابوا؟ قالوا: لأن الذي ألف الشهوة واعتاد المعصية، وأدرك ~~لذته فيها يحتاج إلى مجهود كبير في مجاهدة نفسه وكبحها، على خلاف ~~من لم يتعود عليها، لذلك احتاج العاصون إلى حافز يدفعهم ليعودوا إلى ~~ساحة ربهم. لذلك قال سبحانه: { فأولئك يدخلون الجنة.. ~~} [مريم: 60] دون أن يعيروا بما فعلوه لأنهم صدقوا التوبة إلى ~~الله { ولا يظلمون شيئا } [مريم: 60] وبقدر ما تكون التوبة ~~صادقة، والندم عليها عظيما، وبقدر ما تلوم نفسك، وتسكب الدمع على ~~معصيتك بقدر ما يكون لك من الأجر والثواب، وبقدر ما تبدل سيئاتك ~~حسنات. وكل هذا بفضل الله وبرحمته. ثم يقول الحق سبحانه: { جنات ~~عدن التي وعد الرحمن... }. ### || [19.61] # قوله: { جنات عدن.. } [مريم: 61] أي: إقامة دائمة لانك قد تجد في ~~الدنيا جنات، وتجد أسباب النعيم، لكنه نعيم زائل، إما أن تتركه أو ~~يتركك. إذن: فكل نعيم الدنيا لا ضامن له. وجنات عدن ليست هي مساكن ~~أهل الجنة، بل هي بساتين عمومية يتمتع بها الجميع، بدليل أن الله تعالى ~~عطف عليها في آية أخرى ومساكن طيبة في قوله تعالى: # وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في ~~جنات عدن.. # [التوبة: 72]. وقوله: { التي وعد الرحمن عباده ~~بالغيب.. } [مريم: 61] والوعد: إخبار بخير قبل أوانه ليشجع الموعود ~~على العمل لينال هذا الخير، وضده الوعيد: إخبار بشر قبل أوانه ~~ليحذره المتوعد، ويتفادى الوقوع في أسبابه. واختبار هنا اسم الرحمن ~~ليطمئن الذين أسرفوا على أنفسهم بالمعاصي أن ربهم رحمن رحيم، إن ~~تابوا إليه قبلهم، وإن وعدهم وعدا وفى. وقد وعدنا الله تعالى في ~~قرآن فآمنا بوعده غيبا { وعد ms6233 الرحمن عباده ~~بالغيب.. } [مريم: 61]. وحجة الإيمان بالغيب فيما لم يوجد بعد ~~المشهد الذي نراه الآن، فالكون الذي نشاهده قد خلق على هيئة مهندسة ~~هندسة لا يوجد أبدع منها، فالذي خلق لنا هذا الكون العجيب المتناسق إذا ~~أخبرنا عن نعيم آخر دائم في الآخرة، فلا بد أن نصدق، ونأخذ من ~~المشاهد لنا دليلا على ما غاب عنا لذلك نؤمن بالآخرة إيمانا غيبيا ~~ثقة منا في قدرته تعالى التي رأينا طرفا منها في الدنيا. ثم يقول ~~تعالى: { إنه كان وعده مأتيا } [مريم: 61] فما دام الرحمن ~~- تبارك وتعالى - هو الذي وعد، فلا بد أن يكون وعده مأتيا أي: ~~محققا وواقعا لا شك فيه، ووعده تعالى لا يتخلف و مأتيا أى ~~نأتيه نحن، فهي اسم مفعول. وبعض العلماء يرى أن مأتيا بمعنى آتيا، ~~فجاء باسم المفعول، وأراد اسم الفاعل، لكن المعنى هنا واضح لا يحتاج إلى ~~هذا التأويل لأن وعد الله تعالى محقق، والموعود به ثابت في مكانه، ~~والماهر هو الذي يسعى إليه ويسلك طريقه بالعمل الصالح حتى يصل إليه. ثم ~~يقول الحق سبحانه عن أهل الجنة في الجنة: { لا يسمعون فيها ~~لغوا... }. ### || [19.62] # اللغو: هو الكلام الفضولي الذي لا فائدة منه، فهو يضيع الوقت ويهدر ~~طاقة المتكلم وطاقة المستمع، وبعد ذلك لا طائل من ورائه ولا معنى له. ~~والكلام هنا عن الآخرة { لا يسمعون فيها لغوا.. } [مريم: 62] ~~فإن كانوا قد سمعوا لغوا كثيرا في الدنيا فلا مجال للغو في الآخرة. ~~ثم يستثني من عدم السماع { إلا سلاما.. } [مريم: 62] والسلام ليس ~~من اللغو، وهو تحية أهل الجنة وتحية الملائكة: # تحيتهم فيها سلام.. # [يونس: 10]. وقد يراد بالسلام السلامة من الآفات التي عاينوها في ~~الدنيا، وهم في الآخرة سالمون منها، فلا عاهة ولا مرض ولا كد ولا ~~نصب. لكن نرجح هنا المعنى الأول أي: التحية لأن السلام في الآية مما ~~يسمع. فإن قلت: فكيف يستثنى السلام من اللغو؟ نقول: من أساليب ~~اللغة: تأكيد المدح بما يشبه الذم، كأن نقول: لا عيب في فلان إلا أنه ~~شجاع، ms6234 وكنت تنتظر أن نستثني من العيب عيبا، لكن المعنى هنا: إن ~~عددت الشجاعة عيبا، ففي هذا الشخص عيب، فقد نظرنا في هذا الشخص فلم ~~نجد به عيبا، إلا إذا ارتكبنا محالا وعددنا الشجاعة عيبا. وهكذا ~~نؤكد مدحه بما يشبه الذم. ومن ذلك قول الشاعر: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم # بهن فلول من قراع الكتائب # ثم يقول تعالى: { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } ~~[مريم: 62] لم يقل الحق سبحانه وتعالى: وعلينا رزقهم، بل: ولهم زرقهم: ~~أي أنه أمر قد تقرر له وخصص لهم، فهو أمر مفروغ منه. والرزق: كل ~~ما ينتفع به، وهو في الآخرة على قدر عمل صاحبه من خير في الدنيا. ومن ~~رحمة الله تعالى بعباده من أهل الجنة أن نزع ما في صدورهم من غل ومن ~~حسد ومن حقد، فلا يحقد أحد على أحد أفضل مرتبة منه، ولا يشتهي من نعيم ~~الجنة إلا على قدر عمله ودرجته، فإن رأى من هو أفضل منه درجة لا ~~يجد في نفسه غلا منه، أو حقدا عليه لأن موجب الغل في الدنيا أن ~~ترى من هو أفضل منك. أما في الآخرة فسوف ترى هذه المسألة بمنظار آخر، ~~منظار النفس الصافية التي لا تعرف الغل، قال تعالى: # ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين # [الحجر: 47]. فإن رأيت من هو أعلى منك درجة فسوف تقول: إنه يستحق ما ~~نال من الخير والنعيم، فقد كان يجاهد نفسه وهواه في الدنيا. ويكفي في ~~وصف ما في الجنة من الرزق والنعيم قوله تعالى: # فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.. # [الزخرف: 71]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " فيها ما لا عين رأت، ولا إذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # إذن: ففي الجنة أشياء لا تقع تحت إدراكنا لذلك ليس في لغتنا ألفاظ ~~تعبر عن هذا النعيم لأنك تضع في اللغة اللفظ الذي أدركت معناه، وفي ~~الجنة أشياء لا تدركها ولا علم لك بها لذلك حينما يريد الحق - تبارك ~~وتعالى - أن يصف لنا نعيم الجنة ms6235 بصفة بما نعرف من نعيم الدينا: نخل ~~وفاكهة ورمان ولحم طير وريحان. ويقول: # مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من ~~مآء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار ~~من عسل مصفى.. # [محمد: 15]. مع الفارق بين هذه الأشياء في الدنيا والآخرة. ويكفي أن ~~تعرف الفرق بين خمر الدنيا وما فيها من سوء في طعمها ورائحتها واغتيالها ~~للعقل، وبين خمر الآخرة التي نفى الله عنها السوء، فقال: # لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون # [الصافات: 47]. وقوله: { بكرة وعشيا } [مريم: 62] فكيف يأتيهم ~~رزقهم بكرة وعشيا، وليس في الجنة وقت لا بكرة ولا عشيا، لا ليل ~~ولا نهار؟ نقول: إن الحق - تبارك وتعالى - يخاطبنا على قدر عقولنا، وما ~~نعرف نحن من مقاييس في الدنيا، وإلا فنعيم الجنة دائم لا يرتبط بوقت، ~~كما قال سبحانه: # أكلها دآئم وظلها.. # [الرعد: 35]. وفي آية أخرى قال تعالى: # أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس ~~هم فيها خالدون # [المؤمنون: 10-11]. ثم يقول الحق سبحانه: { تلك الجنة التي ~~نورث... }. ### || [19.63] # قوله: { تلك الجنة.. } [مريم: 63] أي: التي يعطينا صورة لها هي: ~~{ التي نورث من عبادنا من كان تقيا } [مريم: 63] أ ي: ~~يرثونها، فهل كان في الجنة أحد قبل هؤلاء، فهم يرثونه؟ الحق - تبارك ~~وتعالى - قبل أن يخلق الخلق عرف منهم من سيؤمن باختياره، ومن سيكفر ~~باختياره، علم من سيطيع ومن سيعصي، فلم يرغم سبحانه عباده على شيء، ~~إنما علم ما سيكون منهم بطلاقة علمه تعالى، إلا أنه تعالى أعد الجنة ~~لتسع جميع الخلق إن أطاعوا، وأعد النار لتسع جميع الخلق إن ~~عصوا، فلن يكون هناك إذن زحام ولا أزمة إسكان، إن دخل الناس جميعا ~~الجنة، أو دخلوا جميعا النار. إذن: حينما يدخل أهل النار النار، أين ~~تذهب أماكنهم التي أعدت لهم في الجنة؟ تذهب إلى أهل الجنة، فيرثونها ~~بعد أن حرم منها هؤلاء. ثم يقول رب العزة سبحانه: { وما نتنزل ~~إلا بأمر ربك... }. ### || [19.64] # هنا ينتقل السياق إلى موضوع آخر، فبعد أن تحدث عن ms6236 الجنة وأهلها عرض ~~لأمر حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما يحدث له حين ينزل عليه ~~الوحي، وقلنا: إن الوحي ينزل بواسطة جبريل عليه السلام ، وهو ملك، على ~~محمد صلى الله عليه وسلم وهو بشر. ولقاء جبريل بقانون ملكيته بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم بقانون بشريته لا يمكن أن يتم إلا بتقارب هذين الجنسين ~~وعملية تغيير لا بد أن تطرأ على أحدهما، إما أن ينزل الملك على ~~صورة بشرية، وإما أن يرتفع ببشرية الرسول إلى درجة تقرب من الملك ليأخذ ~~عنه، وذلك ما كان يحدث لرسول الله حين يأتيه الوحي. وقد وصف النبي صلى ~~الله عليه وسلم هذا التغيير فقال: # "... فغطني حتى بلغ مني الجهد... " # وكان صلى الله عليه وسلم يتفصد جبينه عرقا لما يحدث في جسمه من تفاعل ~~وعمليات كيماوية، ثم حينما يسري عنه تذهب هذه الأعراض. وقد أخبر بعض ~~الصحابة، وكان يجلس بجوار رسول الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يضع ~~ركبته على ركبته، فلما نزل على رسول الله الوحي قال الصحابي: شعرت ~~بركبة رسول الله وكأنها جبل. وإذا أتاه الوحي وهو على دابة كانت الدابة ~~تئط أي: تنخ من ثقل الوحي، وقد قال تعالى: # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # [المزمل: 5]. إذن: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعب بعد هذا اللقاء ~~ويشق عليه، حتى يذهب إلى السيدة خديجة رضي الله عنها يقول: # " زملوني زملوني " أو " دثروني دثروني " # كأن به حمى مما لاقى من لقاء الملك ومباشرة الوحي أولا. ثم أراد الحق ~~سبحانه وتعالى أن يجعل الوحي يفتر عن رسوله ليرتاح من تعبه ومشقته، فإذا ~~ما ارتاح وذهب عنه التعب بقيت له حلاوة ما نزل من الوحي، فيتشوق إليه من ~~جديد، كما يشتاق الإنسان لمكان يحبه دونه الأشواك ومصاعب الطريق، فالحب ~~للشيء يحدث عملية كالتخدير، فلا تشعر في سبيله بالتعب. وقلنا: لما فتر ~~الوحي عن رسول الله شمت فيه الكفار وقالوا: إن رب محمد قد قلاه يعني: ~~أبغضه وتركه. وهذا القول دليل على غبائهم وحماقتهم، كيف ms6237 وقد كانوا بالأمس ~~يقولون عنه: ساحر وكذاب؟ ففي البغض يتذكرون أنه له ربا منع عنه الوحي، ~~وحين دعاهم إلى الإيمان بهذا الرب قالوا: من أين جاء بهذا الكلام؟ لذلك، ~~فالحق تبارك وتعالى يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: # ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 1-4] إذن: كانت مسألة الوحي شاقة على رسول الله. # فأراد الحق سبحانه أن يعطي هؤلاء درسا من خلال درس كوني مشاهد يشهد به ~~المؤمن والكافر، هذا الأمر الكوني هو الزمن، وهو ينقسم إلى ليل ونهار، ~~ولكل منهما مهمته التي خلقه الله من أجلها، كما قال سبحانه: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى # [الليل: 1-2]. فإياك أن تغير مهمة الليل إلى النهار، أو مهمة النهار ~~إلى الليل. ثم يرد عليهم قائلا: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى * وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى: 1-4]. والمعنى: إن كان النهار لحركة الحياة واستبقائها، والليل ~~للراحة والسكون، فهما آيتان متكاملتان لا متضادتان، وليس معنى أن يأتي ~~الليل بسكونه أن النهار لن يأتي من بعده، بل سيأتي نهار آخر، وستستمر ~~حركة الحياة. وكذلك الأمر إن فتر الوحي عن رسول الله، فلا تظنوا أنه ~~انقطع إلى غير رجعة، بل هي فترة ليرتاح فيها رسول الله، كالليل الذي ~~ترتاحون فيه من عناء العمل في النهار، ومن هنا كانت الحكمة في أن يقسم ~~سبحانه وتعالى بالضحى والليل إذا سجى على # ما ودعك ربك وما قلى # [الضحى: 3]. ونلحظ في هذا التعبير دقة الإعجاز في أداء القرآن، حيث ~~قال: # ما ودعك.. # [ضحى: 3] بكاف الخطاب لأن التوديع يكون لمن تحب ولمن تكره، أما في ~~القلى فلم يقل: قلاك. لأن القلى لا يكون إلا لمن تكره. ومعنى: # وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى: 4] الآخرة أي: الفترة الأخيرة من نزول الوحي خير لك من الفترة ~~الأولى لأنها ستكون أوسع، وستأتيك بلا تعب ولا مشقة، وفعلا نزلت جمهرة ~~القرآن بعد ذلك في يسر على رسول الله صلى ms6238 الله عليه وسلم. وهكذا كان ~~الأمر في الآية التي نحن بصددها: { وما نتنزل إلا بأمر ~~ربك.. } [مريم: 64] فيقال: إنها نزلت حينما قال الكفار: إن رب محمد ~~قد قلاه، أو أنها نزلت بعد أن سأل كفار مكة الأسئلة الثلاثة التي تحدثنا ~~عنها في سورة الكهف. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: # " سأخبركم غدا " # لكن الوحي لم يأته مدة خمسة عشر يوما، فشق ذلك عليه وحزن له فنزلت: ~~{ وما نتنزل إلا بأمر ربك.. } [مريم: 64] أي: ~~الملائكة لا تنزل إلا بأمر، ولا تغيب إلا بأمر. ثم يقول الحق سبحانه ~~تعالى: { له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ~~ذلك.. } [مريم: 64]. قوله تعالى: { ما بين أيدينا.. } [مريم: ~~64] أي: الذي أمامنا { وما خلفنا.. } [مريم: 64] أي: في الخلف { ~~وما بين ذلك.. } [مريم: 64] أي: ما بين الأمام والخلف، فماذا بين ~~الأمام والخلف؟ ليس بين الأمام والخلف إلا أنت. فسبحانه وتعالى المالك، ~~الذي له الملك والمملوك، وله المكان والمكين، وله الزمان والزمين. وقوله: ~~{ وما كان ربك نسيا } [مريم: 64] وهل يرسل الحق - تبارك ~~وتعالى - رسولا، ثم ينساه هكذا دون إمداد وتأييد؟ فسبحانه تنزه عن ~~الغفلة وعن النيسان. ثم يقول الحق سبحانه: { رب السماوات ~~والأرض... }. ### || [19.65] # أولا: ما علاقة قوله تعالى: # وما كان ربك نسيا # [مريم: 64] بقوله تعالى في هذه الآية: { رب السماوات ~~والأرض وما بينهما.. } [مريم: 65]؟ قالوا: لأن هذا الكون ~~العظيم بسمائه وأرضه، وما فيه من هندسة التكوين وإبداع الخلق قائم ~~بقيومية الله تعالى عليه، كما قال سبحانه: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا.. # [فاطر: 41]. فلا تظن أن الكون قائم على قانون يديره، بل على القيومية ~~القائمة على كل أمر من أمور الكون، والحق - تبارك وتعالى - لا تأخذه سنة ~~ولا نوم. فما دام الأمر كذلك، وأنه تعالى يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا، ~~وما بين ذلك، وأنه تعالى قيوم لا ينسى ولا يغفل وبه يقوم الكون. فهو - ~~إذن - يستحق العبادة والطاعة فيما أمر، وقد أعطاك قبل أن يكلفك عطاء لا ~~تستطيع أنت أن تفعله لنفسك، ms6239 ثم تركك تربع في هذا النعيم خمس عشرة سنة دون ~~أن يكلفك بشيء من العبادات. لذلك هنا يقول تعالى: { رب ~~السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر ~~لعبادته.. } [مريم: 65] وقد أكد القرآن الكريم في آيات كثيرة ~~مسألة الوحدانية، وأنه رب واحد فقال: { رب السماوات ~~والأرض وما بينهما.. } [مريم: 65]. وقال: # رب العالمين # [الفاتحة: 2]. وقال: # ربكم ورب آبآئكم الأولين # [الشعراء: 26]. لأن القدماء، ومنهم - مثلا - قدماء المصريين كانوا ~~يجعلون ربا للسماء، وربا للأرض، وربا للجو، وربا للأموات، وربا ~~للزرع.. إلخ وما دام هو سبحانه رب كل شيء فقد رتب العبادة على الربوبية. ~~والعبادة: طاعة معبود فيما أمر وفيما نهى، وكيف لا نطيع الله ونحن خلقه ~~وصنعته، ونأكل رزقه، ونتقلب في نعمه؟ وفي ريفنا يقول الرجل لولده ~~المتمرد عليه: من يأكل لقمتي يسمع كلمتي. ولا بد أن نعلم أن الله ~~تعالى له الكمال المطلق قبل أن يخلق الخلق وبصفات الكمال خلق، فلا ~~تنفعه طاعة، ولا تضره معصية. فإن قلت: فلماذا - إذن - يكلف الخلق ~~بالأمر والنهي؟ نقول: كلف الله الخلق لتستمر حركة الحياة وتتساند ~~الجهود ولا تتصادم، فيحدث في حياتهم الارتقاء ويسعدوا بها، إنما لو تركهم ~~وأهواءهم لفسدت الحياة، فأنت تبني وغيرك يهدم. لذلك يقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". # والحق تبارك وتعالى يقول: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض.. # [المؤمنون: 71]. إذن: التشريعات جعلت لصالحنا نحن: { فاعبده ~~واصطبر لعبادته.. } [مريم: 65] لأن العبادة فيها مشقة، فلا ~~بد لها من صبر لأنها تأمرك بأشياء يشق عليك أن تفعلها، وينهاك عن ~~أشياء يشق عليك أن تتركها لأنك ألفتها. والصبر يكون منا جميعا، يصبر ~~كل منا على الآخر لأننا أبناء أغيار، فإن صبرت على الأذى صبر ~~الناس عليك إن حدث منك إيذاء لهم لذلك يقول تعالى: # وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3]. والحق - سبحانه وتعالى - يعلمنا: إن أذنب أحد في حقك، ~~أو أساء إليك فاغفر له كما تحب أن أغفر لك ذنبك، واعفو عن سيئتك. يقول ~~تعالى: # ولا يأتل أولوا ms6240 الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل ~~الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم والله غفور رحيم # [النور: 22]. ولا تظن أن صبرك على أذى الآخرين أو غفرانك لهم تطوع من ~~عندك لأنه لن يضيع عليك عند الله، وسترد لك في سيئة تغفر لك. حتى ~~من فضح مثلا أو ادعي عليه ظلما لا يضيعها الله، بل يدخرها له ~~في فضيحة سترها عليه، فمن فضح بما لم يفعل، ستر عليه ما فعل. وقوله ~~تعالى: { هل تعلم له سميا } [مريم: 65]؟ سبق أن تكلمنا في ~~معنى السمي وقد اختلف العلماء في معناها، قالوا: السمي: الذي ~~يساميك، أي: أنت تسمو وهو يسمو عليك، أو السمي: النظير والمثيل. ~~والحق سبحانه وتعالى ليس له سمي يساميه في صفات الكمال، وليس له نظير ~~أو مثيل أو شبيه، بدليل قوله تعالى: # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. وقوله تعالى: # قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم ~~يولد * ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 1-4]. وللسمي معنى آخر أوضحناه في قصة يحيى، حيث قال تعالى: # لم نجعل له من قبل سميا # [مريم: 7] أي: لم يسبق أن تسمى أحد بهذا الاسم. وكذلك الحق - تبارك ~~وتعالى - لم يتسم أحد باسمه، لا قبل هذه الآية، ولا بعد أن أطلقها ~~رسول الله تحديا بين الكفار والملاحدة الذين يتجرؤون على الله. فلماذا ~~لم يجرؤ أحد من هؤلاء أن يسمى ولده الله؟ الحقيقة أن هؤلاء وإن كانوا ~~كفارا وملاحدة إلا أنهم في قرارة أنفسهم يؤمنون بالله، ويعترفون بوجوده، ~~ويخافون من عاقبة هذه التسمية، ولا يأمنون أن يصيبهم السوء بسببها. إذن: ~~لم تحدث، ولم يجرؤ أحد عليها لأن الله تعالى قالها وأعلنها تحديا، وإذا ~~قال الله تعالى، ملك اختيار الخلق، وعلم أنهم لن يجرؤوا على هذه ~~الفعلة. ثم يقول الحق سبحانه: { ويقول الإنسان أإذا ما ~~مت... }. ### || [19.66] # ما المراد بالإنسان؟ الإنسان تطلق ويراد بها عموم أي إنسان مثل: # إن الإنسان خلق هلوعا # [المعارج: 19] ويراد بها خصوصية لبعض الناس، كما في قوله ms6241 تعالى: # أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله.. # [النساء: 54] فالمراد بالناس هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو قوله ~~تعالى: # الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ~~ونعم الوكيل # [آل عمران: 173] فالمراد: ناس مخصوصون. والمعنى هنا: { ويقول ~~الإنسان.. } [مريم: 66] أي: الكافر الذي لا يؤمن بالآخرة، ويستبعد ~~الحياة بعد الموت: { أإذا ما مت لسوف أخرج حيا } ~~[مريم: 66] والاستفهام هنا للإنكار، لكن هذه مسألة الرد عليها سهل ~~ميسور، فيقول تعالى: { أولا يذكر الإنسن... }. ### || [19.67] # فلأن يعاد الإنسان من شيء أهون من إن يعاد من لا شيء لذلك قال ~~تعالى في توضيح هذه المسألة: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه.. # [الروم: 27] مع أن الخالق سبحانه وتعالى لا يقال في حقه تعالى هين ~~وأهون، أو صعب وأصعب، ولكنه يحدثنا بما نفهم وبما نعلم في أعرافنا. ففي ~~عرفنا نحن أن تنشىء من موجود أسهل من أن تنشىء من عدم، وإن كان فعل ~~العبد يقوم على المعالجة ومزاولة الأسباب، ففعل الخالق سبحانه إنما ~~يكون بقوله للشيء " كن فيكون ". وفي آية أخرى يقول تعالى: # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة.. # [لقمان: 28]. ولما سئل الإمام علي - كرم الله وجهه: كيف يحاسب ~~الله الناس جميعا في وقت واحد؟ قال: كما يرزقهم جميعا في وقت واحد. ~~فقوله: { أولا يذكر الإنسن.. } [مريم: 67] أي: لو تذكر هذه ~~الحقيقة ما كذب بالبعث، وقد عولجت هذه المسألة أيضا في قوله تعالى: # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم # [يس: 78]. فلو تذكر خلقه الأول ما ضرب لنا هذا المثل. ثم يأتي ~~الجواب منطقيا: # قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل ~~خلق عليم # [يس: 79]. وهنا أيضا يكون الدليل: { أنا خلقناه من قبل ~~ولم يك شيئا } [مريم: 67]. ثم يقول الحق سبحانه: { فوربك ~~لنحشرنهم والشياطين... }. ### || [19.68] # قوله تعالى: { فوربك لنحشرنهم والشياطين.. } ~~[مريم: 68] الحشر: أن يبعثهم الله من قبورهم، ثم يسوقهم مجتمعين إلى ~~النار هم والشياطين الذين كانوا يغرونهم ms6242 بالمعصية ويزينونها لهم. { ~~ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا } [مريم: 68] يقال: ~~جثا يجثو فهو جاث. أي: ينزل على ركبتيه، وهي دلالة على الذلة ~~والانكسار والمهانة التي لا يقوى معها على القيام. ### || [19.69] # النزع: خلع الشيء من أصله بشدة، ولا يقال: نزع إلا إذا كان المنزوع ~~متماسكا مع المنزوع منه، ومن ذلك قوله تعالى: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء.. # [آل عمران: 26] كأنهم كانوا متمسكين به حريصين عليه. وقوله: { من ~~كل شيعة.. } [مريم: 69] أي: جماعة متشايعون على رأي باطل، ويقتنعون ~~به، ويسايرون أصحابه: { أيهم أشد على الرحمن عتيا ~~} [مريم: 69] العتي: وهو الذي بلغ القمة في الجبروت والطغيان، بحيث لا ~~يقف أحد في وجهه، كما قلنا كذلك في صفة الكبر # وقد بلغت من الكبر عتيا # [مريم: 8] لأنه إذا جاء الكبر لا حيلة فيه، ولا يقدر عليه أحد. ومعلوم ~~أن رسالات السماء لما نزلت على أهل الأرض كان هناك أناس يضارون من هذه ~~الرسالات في أنفسهم، وفي أموالهم، وفي مكانتهم وسيادتهم، فرسالات الله ~~جاءت لتؤكد حقا، وتثبت وحدانية الله، وسواسية الخلق بالنسبة لمنهج ~~الله. وهناك طغاة وجبارون وسادة لهم عبيد، وفي الدنيا القوى والضعيف، ~~والغني والفقير، والسليم والمريض، فجاءت رسالات السماء لتحدث ~~استطراقا للعبودية. فمن الذي يضار ويغضب ويعادي رسالات السماء؟ ~~إنهم هؤلاء الطغاة الجبارون، أصحاب السلطة والمال والنفوذ، ولا بد أن ~~لهؤلاء أتباعا يتبعونهم ويشايعونهم على باطلهم. فإذا كان يوم القيامة ~~ويوم الحساب، فبمن نبدأ؟ الأنكى أن نبدأ بهؤلاء الطغاة الجبابرة، ~~ونقدم هؤلاء السادة أمام تابعيهم حتى يروهم أذلاء صاغرين، وقد كانوا في ~~الدنيا طغاة متكبرين، كذلك لنقطع أمل التابعين في النجاة. فربما ظنوا ~~أن هؤلاء الطغاة الجبابرة سيتدخلون ويدافعون عنهم، فقد كانوا في الدنيا ~~خدمهم، وكانوا تابعين لهم ومناصرين، فإذا ما أخذناهم أولا وبدأنا بهم، ~~فقد قطعنا أمل التابعين في النجاة. وقد ورد هذا المعنى أيضا في قوله ~~تعالى: # ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب ~~بآياتنا فهم يوزعون # [النمل: 83] أي: من كبارهم وطغاتهم، ليرى ms6243 التابعون مصارع المتبوعين، ~~ويشهد الضعفاء مصارع الأقوياء، فينقطع أملهم في النجاة. وفي حديث القرآن ~~عن فرعون، وقد بلغ قمة الطغيان والجبروت حيث ادعى الألوهية، فقال عنه: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ~~وبئس الورد المورود # [هود: 98] فهو قائدهم ومقدمتهم إلى جهنم، كما كان قائدهم إلى الضلال في ~~الدنيا، فهو المعلم وهم المقلدون. فعليه - إذن - وزران: وزر ضلاله في ~~نفسه، ووزر إضلاله لقومه، كما جاء في قوله تعالى: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا.. # [البقرة: 79]. ثم يقول الحق سبحانه: { ثم لنحن أعلم ~~بالذين... }. ### || [19.70] # صليا: اصطلاء واحتراقا في النار من صلي يصلى: أي دخل النار وذاق ~~حرها. أما: اصطلى أي: طلب هو النار، كما في قوله تعالى: # لعلكم تصطلون # [النمل: 7]. والمعنى: أننا نعرف من هو أولى بدخول النار أولا، وكأن ~~لهم في ذلك أولويات معروفة لأنهم سيتجادلون في الآخرة ويتناقشون ~~ويتلاومون وسيدور بينهم مشهد فظيع رهيب يفضح ما اقترفوه. فالتابع ~~والمتبوع، والعابد والمعبود، كل يلقي باللائمة على الآخر، اسمعهم وهم ~~يقولون: # ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا ~~السبيلا * ربنآ آتهم ضعفين من العذاب ~~والعنهم لعنا كبيرا # [الأحزاب: 67-68]. وفي آية أخرى: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب # [البقرة: 166]. وصدق الله العظيم حين قال: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { وإن منكم إلا ~~واردها... }. ### || [19.71] # وهذا خطاب عام لجميع الخلق دون استثناء، بدليل قوله تعالى بعدها: # ثم ننجي الذين اتقوا.. # [مريم: 72] إذن: فالورود هنا يشمل الأتقياء وغيرهم. فما معنى الورود ~~هنا؟ الورود أن تذهب إلى مصدر الماء للسقيا أي: أخذ الماء دون أن تشرب ~~منه، كما في قوله تعالى: # ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون.. # [القصص: 23] أي: وصل إلى الماء. إذن: معنى: { وإن منكم إلا ~~واردها.. } [مريم: 71] أي: أنكم جميعا متقون ومجرمون، ستردون ~~النار وترونها لأن الصراط الذي يمر عليه الجميع مضروب على متن جهنم. ~~وقد ms6244 ورد في ذلك حديث أبي سعيد الخدري قال قال صلى الله عليه وسلم: # " يوضع الصراط بين ظهراني جهنم، عليه حسك كحسك السعدان، ثم يستجيز ~~الناس، فناج مسلم، ومخدوش به، ثم ناج ومحتبس به، ومنكوس ومكدوس فيها ~~". # فإذا ما رأى المؤمن النار التي نجاه الله منها يحمد الله ويعلم نعمته ~~ورحمته به. ومن العلماء من يرى أن ورد أي: أتى الماء وشرب منه ويستدلون ~~بقوله تعالى: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار.. # [هود: 98] أي: أدخلهم. لكن هذا يخالف النسق العربي الذي نزل القرآن به، ~~حيث يقول الشاعر: # ولما وردن الماء زرقا جمامه # وضعنا عصي الحاضر المتخيم # أي: حينما وصلوا إلى الماء ضربوا عنده خيامهم، فساعة أن وصلوا إليه ~~وضربوا عنده خيامهم لم يكونوا شربوا منه، أو أخذوا من مائه، فمعنى ~~الورود أي: الوصول إليه دون الشرب من مائه. وأصحاب هذه الرأي الذين ~~يقولون { واردها } [مريم: 71] أي: داخلها يستدلون كذلك بقوله تعالى: # ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها ~~جثيا # [مريم: 72] يقولون: لو أن الورود مجرد الوصول إلى موضع الماء دون الشرب ~~منه أو الدخول فيه ما قال تعالى: # ونذر الظالمين فيها # [مريم: 72] ولقال: ثم ينجي الله الذين اتقوا ويدخل الظالمين.. ~~لكن # ونذر الظالمين # [مريم: 72] فيها الدليل على دخولهم جميعا النار. فعلى الرأي الأول: ~~الورود بمعنى رؤية النار دون دخولها، تكون الحكمة منه أن الله تعالى ~~يمتن على عباده المؤمنين فيريهم النار وتسعيرها ليعلموا فضل الله ~~عليهم، وماذا قدم لهم الإيمان بالله من النجاة من هذه النار، كما قال ~~تعالى: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز # [آل عمران: 185]. ويمكن فهم الآية على المعنى الآخر: الورود بمعنى ~~الدخول لأن الخالق سبحانه وتعالى خلق الأشياء، وخلق لكل شيء طبيعة ~~تحكمه، وهو سبحانه وحده القادر على تعطيل هذه الطبيعة وسلبها خصائصها. ~~كما رأينا في قصة إبراهيم عليه السلام، فيكون دخول المؤمنين النار كما ~~حدث مع إبراهيم، وجعلها الله تعالى عليه بردا وسلاما، وقد مكنكم ~~الله منه، فألقوه في النار، وهي على طبيعتها بقانون ms6245 الإحراق فيها، ولم ~~ينزل مثلا على النار مطرا يطفئها ليوفر لهم كل أسباب الإحراق، ومع ~~ذلك ينجيه منها لتكون المعجزة ماثلة أمام أعينهم. # وكما سلب الله طبيعة الماء في قصة موسى عليه السلام فتجمد وتوقفت ~~سيولته، حتى صار كل فرق كالطود العظيم، فهو سبحانه القادر على تغيير ~~طبائع الأشياء. إذن: لا مانع من دخول المؤمنين النار على طريقة إبراهيم ~~عليه السلام # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. ثم ينجي الله المؤمنين، ويترك فيها الكافرين، فيكون ~~ذلك أنكى لهم وأغيظ. ثم يقول تعالى: { كان على ربك حتما ~~مقضيا } [مريم: 71] الحتم: هو الشيء الذي يقع لا محالة، والعبد ~~لا يستطيع أن يحكم بالحتمية على أي شيء لأنه لا يملك المحتوم ولا ~~المحتوم عليه. فقد تقول لصديقك: أحتم عليك أن تزورني غدا، وأنت لا تملك ~~من أسباب تحقيق هذه الزيارة شيئا، فمن يدريك أن تعيش لغد؟ ومن ~~يدريك أن الظروف لن تتغير وتحول دون حضور هذا الصديق؟ إذن: أنت لا تحتم ~~على شيء، إنما الذي يحتم هو القادر على السيطرة على الأشياء بحيث لا ~~يخرج شيء عن مراده. فإن قلت: فمن الذي حتم على الله؟ حتم الله ~~على نفسه تعالى، وليست هناك قوة أخرى حتمت عليه، كما في قوله تعالى: # كتب ربكم على نفسه الرحمة # [الأنعام: 54]. ثم يؤكد هذا الحتم بقوله: { مقضيا } [مريم: 71] ~~أي: حكم لا رجعة فيه، وحكم الله لا يعدله أحد، فهو حكم قاطع. ~~فمثلا: حينما قال كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نعبد إلهك ~~سنة وتعبد إلهنا سنة، يريدون أن يتعايش الإيمان والكفر. لكن الحق - ~~تبارك وتعالى - يريد قطع العلاقات معهم بصورة نهائية قطعية، لا تعرف ~~هذه الحلول الوسط، فقال سبحانه: # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم ~~* ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم دينكم ولي ~~دين # [الكافرون: 1-6]. وقطع العلاقات هنا ليس كالذي نراه مثلا بين دولتين، ~~تقطع كل منهما علاقتها سياسيا بالأخرى، وقد تحكم ms6246 الأوضاع بعد ذلك ~~بالتصالح بينهما والعودة إلى ما كانا عليه، إنما قطع العلاقات مع ~~الكفار قطعا حتميا ودون رجعة، وكأنه يقول لهم: إياكم أن تظنوا أننا ~~قد نعيد العلاقات معكم مرة أخرى لذلك تكرر النفي في هذه السورة، حتى ~~ظن البعض أنه تكرار ذلك لأنهم يستقبلون القرآن بدون تدبر. فالمراد ~~الآن: لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، وكذلك في المستقبل: ~~ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد. فلن يرغمنا أحد على ~~تعديل هذا القرار أو العودة إلى المصالحة. لذلك أتى بعد سورة الكافرون ~~سورة الحكم: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] فلا ثاني له يعدل عليه، فكلامه تعالى وحكمه نهائي ~~وحتما مقضيا لا رجعة فيه ولا تعديل. ثم يقول الحق سبحانه: { ثم ~~ننجي الذين اتقوا... }. ### || [19.72] # جثيا: من جثا يجثو أي: قعد على ركبه دلالة على المهانة والتنكيل. ~~ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى لقطة أخرى، فيقول: { وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا... }. ### || [19.73] # هذا حوار دار بين المؤمنين والكافرين، المؤمنين وكانوا عادة هم الضعفاء ~~الذين لا يقدرون حتى على حماية أنفسهم، وليس لهم جاه ولا سيادة يحافظون ~~عليها، وجاء منهج الله في صالحهم يسوي بين الناس جميعا: السادة ~~والعبيد، والقوي والضعيف. فطبيعي أن يقابل هذا الدين بالتكذيب من كفار ~~مكة، أهل الجاه والسيادة، وأهل القوة الذين يأخذون خير الناس من حولهم، ~~أما الضعفاء فقد آمنوا بدين الله في وقت لم يكن لديهم القوة الكافية ~~لحماية أنفسهم، فعندما نزل قول الحق - تبارك وتعالى -: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. قال عمر - رضي الله عنه - وما أدراك من هو عمر؟ قال: أي ~~جمع هذا؟ وأي هزيمة، ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ وفي هذه ~~الآونة، يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين المستضعفين بالهجرة ~~إلى الحبشة وإلى المدينة. فلما جاء نصر الله للمؤمنين، وتأييده لهم في ~~بدر. قال عمر: صدق الله: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. وفي هذا الحوار يعير الكفار المؤمنين بالله: ماذا ~~أفادكم الإيمان بالله وها أنتم ms6247 على حال من الضعف والهوان والذلة وضيق ~~العيش؟ أيرضى رب أن يكون المؤمنون به على هذه الحال، وأعداؤه ~~والكافرون به هم أهل الجاه والسيادة وسعة الرزق؟ وهكذا فتن الله بعضهم ~~ببعض، كما قال سبحانه: # وكذلك فتنا بعضهم ببعض # [الأنعام: 53]. فالمؤمن والكافر، والغني والفقير، والصحيح والمريض، ~~كل منهم فتنة للآخر ليمحص الله الإيمان، ويختبر اليقين في قلوب ~~المؤمنين لأن الله تعالى يعدهم لحمل رسالته صلى الله عليه وسلم إلى ~~الدنيا كلها في جميع أزمنتها وأماكنها، فلا بد أن يختار لهذه المهمة ~~أقوياء الإيمان الذين يدخلون الإسلام، ليس لمغنم دنيوي، بل لحمل رسالته ~~والقيام بأعبائه، فهذا هو المؤمن المؤتمن على حمل منهج الله. ومن ذلك ~~ما نراه من أن مناهج الباطل في الدنيا من يدعو إليها يرشو المدعو ~~ويعطيه، أما منهج الله فيأخذ منه ليختبره وليمحصه. فكيف يكون الغني ~~فتنة للفقير، والفقير فتنة للغني؟ الغني مفتون بالفقير حيث هو في سعة ~~من العيش والفقير في ضيق، الغني يأكل حتى التخمة والفقير جائع، ويرتدي ~~الغني الفاخر من الثياب والفقير عريان. فهل سيعرف نعمة الله عليه ويؤدي ~~حقها؟ والفقير مفتون بالغني حين يراه على هذه الحال، فهل سيصبر على هذه ~~الشدة؟ أم سيعترض على ما قدره الله له، ويحقد على الغني؟ ولو علم ~~الفقير أن الفقر درس تدريبي أجري لجنود الحق الذين يحملون منهج الله ~~إلى خلق الله في كل زمان ومكان، وأن هذه قسمة الله بين خلقه لما ~~اعترض على قسمة الله، ولما حقد على صاحب الغني. وكذلك يفتن الصحيح ~~بالمريض والمريض بالصحيح، فالصحيح يعيش مع نعمة الله بالعافية، أما ~~المريض فيعيش مع المنعم سبحانه، كما جاء في الحديث القدسي: # " يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني. فيقول: وكيف أعودك وأنت رب ~~العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك ~~لو عدته لوجدتني عنده ". # لذلك ترى أهل الأمراض من المؤمنين يتألم زوارهم من أمراضهم، في حين ~~أنهم في أنس بالله يشغلهم عن أمراضهم وعن آلامهم، ومن الذي يزهد في ms6248 ~~معية الله؟ إذن: لو حقد المريض على السليم فهو مفتون به، وكان يجب عليه ~~أن يعلم: إن كان الصحيح في معية النعمة فهو في معية المنعم سبحانه ~~وتعالى. وسيدنا نوح - عليه السلام - بعد أن لبث يدعو قومه ألف سنة إلا ~~خمسين عاما كان جواب قومه: # وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي ~~الرأي.. # [هود: 27] فكان أتباع نوح في نظرهم حثالة القوم، ثم حاولوا أن يغروه ~~بهم ليطردهم، فهم ضعاف لا جاه لهم ولا سلطان، فما كان منه إلا أن قال: # ومآ أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ~~ربهم # [هود: 29]. وقال في آية أخرى: # ولا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم ~~الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين ~~تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله ~~أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين # [هود: 31]. فعلى مر الأزمان واختلاف الرسالات كان الكفار تزدري ~~أعينهم الفقراء والضعفاء المؤمنين، ويحاولون طردهم وإخراجهم من ديارهم، ~~ألم يقل الحق - تبارك وتعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من ~~شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم ~~فتكون من الظالمين # [الأنعام: 52]. وهكذا جاءت اللقطة التي معنا: { وإذا تتلى ~~عليهم آياتنا بينت قال الذين كفروا للذين ~~آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا } ~~[مريم: 73]. قوله: { آياتنا بينت } [مريم: 73] الآيات: جمع آية ~~وهي الشيء العجيب الذي يتحدث به، وتطلق - كما قلنا - على الآيات الكونية ~~التي تثبت قدرة الله تعالى، وتلفتنا إلى بديع صنعه كآيات الليل والنهار ~~والشمس والقمر، وتطلق على المعجزات التي تثبت صدق الرسول، كما جاء في ~~قوله تعالى: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف ~~أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى ~~تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي ms6249 هل ~~كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 90-93]. كما تطلق الآيات على آيات القرآن التي تحمل الأحكام، ~~وهذه هي المرادة هنا لأن آيات القرآن تنطوي فيها كل الآيات. # وقوله: { قال الذين كفروا للذين آمنوا أي ~~الفريقين.. } [مريم: 73] أي: لقد ارتضينا حكمكم في هذه المسألة: ~~نحن الكفار في سعة، وأنتم يا أهل الإيمان في ضيق، فأي الفريقين خير ~~مقاما؟ والله بمقاييسكم أنتم. فأنتم خير، أما بمقياس الأعلى والأبقى ~~فنحن. والمقام - بفتح الميم: اسم لمكان قيامك من الفعل: قام. أما " مقام ~~" بضم الميم، فمن أقام. والمراد هنا { خير مقاما } [مريم: 73] ~~أي: مكانا يقوم فيه على الآخر أي: بيت كبير وأثاث ومجلس يتباهى به على ~~غيره. { وأحسن نديا } [مريم: 73] الإنسان عادة له بيت يأويه، ~~وله مجلس يأوي إليه، ويجلس فيه مع أصحابه وأحبابه يسمونه " حجرة ~~الجلوس " أو " المندرة " ، وفيها يجلس كبير القوم ومن حوله أهله وأتباعه، ~~كما نقول في العامية: عامل قعر مجلس لذلك إذا قام أنفض المجلس كله ~~لأنهم تابعون له، كما قال الشاعر: # وانفض بعدك يا كليب المجلس # وهناك النادي، وهو المكان الذي يجتمع فيه عظماء القوم والأعيان، بدل أن ~~يكون لكل منهم مجلسه الخاص، كما نرى الآن: نادي الرياضيين ونادي القضاة.. ~~إلخ إذن: فالنادي دليل على أنهم متفقون ومتكاتفون ومتكتلون ضد الإسلام ~~وضد الحق. ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى: # فليدع ناديه # [العلق: 17] ومن ذلك ما كان يسمى قبل الإسلام " دار الندوة " ، و ~~كانوا يجتمعون فيها ليدبروا المكائد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن ~~النادي ما كان مأخوذا لعمل المنكر والفاحشة والعياذ بالله، فيجتمعون فيه ~~لكل ما هو خبيث من شرب الخمر والرقص والفواحش، كما في قول الحق - ~~تبارك وتعالى -: # .. وتأتون في ناديكم المنكر.. # [العنكبوت: 29]. وفي هذا دليل على شيوع الفاحشة والقحة بين القادرين ~~والمجاهرة بها، فلم يكونوا يقترفونها سرا، بل في جمع من رواد هذه ~~الأماكن. والنادي أو المنتدى مأخوذ من الندى أي: الكرم، ولما مدحت ~~المرأة العربية زوجها قالت: رفيع العماد، كثير الرماد، قريب البيت من ~~الناد. والمعنى: ms6250 أن بيته أقرب البيوت إلى النادي، فهو مقصد الناس في ~~قضاء حاجياتهم. إذن: كان قول الكفار للمؤمنين: { أي الفريقين ~~خير مقاما وأحسن نديا } [مريم: 73] موضع فتنة للفريقين، ~~فقال المؤمنون: # لو كان خيرا ما سبقونآ إليه # [الأحقاف: 11] وقال الكفار: ما دام أن الله حبانا في الدنيا وهو الرزاق، ~~فلا بد أن يحبونا في الآخرة، لكن لم تتعرض الآيات للقول المقابل من ~~المؤمنين، إنما جاء الرد عليهم من طريق آخر، فقال تعالى: { وكم ~~أهلكنا قبلهم... }. ### || [19.74] # كم: خبرية تدل على الكثرة التي لا تحصى، وأن المقول بعدها وقع كثيرا، ~~كأن يقول لك صاحبك: أنت ما عملت معي معروفا أبدا، فتعدد له صنائع ~~المعروف التي أسديتها إليه، فتقول: كم فعلت معك كذا، وكم فعلت كذا. ~~والقرن: هم الجماعة المتعايشون زمانا. بحيث تتداخل بينهم الأجيال، فترى ~~الجد والأب والابن والحفيد معا، وقد قدروا القرن بمائة عام. كما ~~يطلق القرن على الجماعة الذين يجتمعون على ملك واحد، أو رسالة واحدة ~~مهما طال زمنهم كقوم نوح مثلا. والأثاث: هو فراش البيت، وهذا أمر يتناسب ~~وإمكانات صاحبه. والرئى: على وزن فعل، ويراد به المفعول أي: المرئي، ~~كما جاء في قوله تعالى: # وفديناه بذبح عظيم # [الصافات: 107] فذبح بمعنى: مذبوح. وورد في قراءة أخرى: أحسن ~~أثاثا وزيا وهي غير بعيدة عن المعنى الأول: لأن الزي أيضا من ~~المرئي، إلا أنه يتكون من الزي والذي يرتديه، والمراد هنا جمال الشكل ~~والهيئة ونضارة الشخص وهندامه، وقد افتخر الكفار بذلك، في حين كان ~~المؤمنون شعثا غبرا يرتدون المرقع والبالي من الثياب. وقد جاء ~~الاختلاف في بعض ألفاظ القرآن من قراءة لأخرى لأن القرآن الكريم دون ~~أول ما دون غير منقوط ولا مشكول اعتمادا على ملكة العربي وفصاحته ~~التي تمكنه من توجيه الحرف حسب المعنى المناسب للسياق، وظل كذلك إلى ~~أن وضع له العلماء النقاط فوق الحروف في العصر الأموي. فمثلا النبرة ~~في كلمة دون نقط يحتمل أن تقرأ من أعلى: نون أو تاء أو ثاء. ومن أسفل ~~تقرأ: باء أو ياء. والعربي ms6251 لمعرفته بمواقع الألفاظ يستطيع تحديد الحرف ~~المراد، فكلمة رئيا تقرأ زيا والمعنى غير بعيد. ومن ذلك كلمة # فتبينوا # [النساء: 94] قرأها بعضهم فتثبتوا وكلمة # صبغة # [البقرة: 138] قرأها بعضهم صنعة، ودليل فصاحتهم أن الاختلاف في مثل هذه ~~الحروف لا يؤدي إلى اختلاف المعنى. لذلك، كان العربي قديما يغضب إن ~~كتب إليه كتاب مشكل، لأن تشكيل الكلام كأنه اتهام له بالغباء وعدم ~~معرفته باللغة. ومن هنا وجدنا العلماء الذين وضعوا قواعد اللغة ليسوا من ~~العرب لأن العربي في هذا الوقت كان يستنكف أن يضع للغة قواعد، فهي ~~بالنسبة له ملكة معروفة لا تحتاج إلى دراسة أو تعليم. أما الأعاجم ~~فلما دخلوا الإسلام ما كان لهم أن يتعلموا لغته إلا بهذه الدراسة ~~لقواعدها. والحق تبارك وتعالى يقول هنا: { وكم أهلكنا قبلهم ~~من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا } [مريم: 74] لأنهم قالوا: # أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا # [مريم: 73] يريد أن يدلل على أنهم حمقى لا ينظرون إلى واقع ~~الحياة ليروا عاقبة من كانوا أعز منهم مكانا ومكانة، وكيف صار الأمر ~~إليهم؟ الحق - تبارك وتعالى - يرد على الكفار ادعاءهم الخيرية على ~~المؤمنين، فهذه الخيرية ليست بذاتيتكم، بل هي عطاء من الله وفتنة، حتى ~~إذا أخذكم أخذكم عن عزة وجاه ليكون أنكى لهم وأشد وأغيظ، أما إن ~~أخذهم على حال ذلة وهوان لم يكن لأخذه هذا الأثر فيهم. # فالحق سبحانه يملي لهم بنعمه ليستشرفوا الخير ثم يأخذهم، على حد قول ~~الشاعر: # كما أبرقت قوما عطاشا غمامة # فلما رأوها أقشعت وتجلت # فأطمعهم في البداية، ثم أخذهم وخيب آمالهم في النهاية. وضربنا لذلك ~~مثلا بالأسير الذي بلغ به العطش مبلغا، فطلب الماء، فجاءه الحارس ~~بالماء حتى كان على فيه، واستشرف الري منعه وحرمه لتكون حسرته أشد، ~~وألمه أعظم، ولو لم يأته بالماء لكان أهون عليه. إذن: حينما تجرون ~~مقارنة بينكم وبين المؤمنين وتعيرونهم بما معكم من زينة الدنيا، فقد ~~قارنتم الوسائل وطرحتم الغايات، ومن الغباء أن نهتم بالوسائل وننسى ~~الغايات، فلكي تكون المقارنة صحيحة فقارنوا حالكم بحال المؤمنين، بداية ms6252 ~~ونهاية. ومثال ذلك: فلاح مجتهد في زراعته يعتني بها ويعفر نفسه من ~~تراب أرضه كل يوم، وآخر ينعم بالثياب النظيفة والجلوس على المقهى ~~والتسكع هنا وهناك، وينظر إلى صاحبه الذي أجهده العمل، ويرى نفسه أفضل ~~منه، فإذا ما جاء وقت الحصاد وجد الأول ثمرة تعبه ونتيجة مجهوده، وجلس ~~الآخر حزينا محروما. فلا بد أن تأخذ في الاعتبار عند المقارنة ~~الوسائل مع الغايات. لذلك وفق الشاعر حين قال: # ألا من يريني غايتي قبل مذهبي # ومن أين والغايات بعد المذاهب؟ # وقد عزل الكفار الوسيلة في الدنيا عن الغاية في الآخرة، فتباهوا ~~وعيروا المؤمنين: # أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا # [مريم: 73]. وفي قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام -: # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو ~~حرقوه # [العنكبوت: 24]. وهكذا اتفقوا على الإحراق، ونجى الله نبيه وخيب ~~سعيهم، ثم كانت الغاية في الآخرة: # وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا ~~مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين # [العنكبوت: 25]. فكان عليهم ألا ينظروا إلى الوسيلة منفصلة عن ~~غايتها. وهنا يرد الحق - تبارك وتعالى - على هؤلاء المغترين بنعمة ~~الله: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن ~~أثاثا ورءيا } [مريم: 74] وكما قال في آيات أخرى: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 6-10]. وهلاك هؤلاء وأمثالهم سهل لا يكلف الحق سبحانه إلا أن ~~تهب عليهم عواصف الرمال، فتطمس حضارتهم، وتجعلهم أثرا بعد عين. ~~فدعاهم إلى النظر في التاريخ، والتأمل في عاقبة أمثالهم من الكفرة ~~والمكذبين، وما عساه أن يغني عنهم من المقام والندى الذي يتباهون به، ~~وهل وسائل الدنيا هذه تدفع عنهم الغاية التي تنتظرهم في الآخرة؟ وكأن ~~الحق - تبارك وتعالى - لا يرد عليهم بكلام نظري يقول: إن عاقبتكم كذا ~~وكذا من العذاب، بل يعطيهم مثالا من الواقع. # ويخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: # فإما نرينك ms6253 بعض الذي نعدهم # [غافر: 77] أي: من القهر والهزيمة والانكسار # أو نتوفينك فإلينا يرجعون # [غافر: 77] فمن أفلت من عذاب الدنيا، فلن يفلت من عذاب الآخرة. ~~والقرآن حين يدعوهم إلى النظر في عاقبة من قبلهم { وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن } [مريم: 74] فإنما يحثهم على أخذ العبرة ~~والعظة ممن سبقوهم، ويستدل بواقع شيء حاضر على صدق غيب آت، ~~فالحضارات التي سبقتهم والتي لم يوجد مثلها في البلاد، وكان من صفاتها ~~كذا وكذا، ماذا حدث لهم؟ فهل أنتم أشد منهم قوة؟ وهل تمنعون عن أنفسكم ~~ما نزل بغيركم من المكذبين؟ هذا من ناحية الواقع، أما الغيب فيعرض له ~~القرآن في مشهد آخر، حيث يقول تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين # [المطففين: 29-33]. هذا المشهد في الدنيا، فما بالهم في الآخرة؟: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على ~~الأرآئك ينظرون # [المطففين: 34-35]. ثم يخاطب الحق - سبحانه وتعالى - المؤمنين فيقول: # هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 36]. يعني: بعد ما رأيتموه من عذابهم، هل قدرنا أن نجازيهم ~~عما فعلوه بكم من استهزاء في الدنيا؟ وعلى كل فإن استهزاءهم بكم في ~~الدنيا موقوت الأجل، أما ضحككم الآن عليهم فأمر أبدي لا نهاية له. ~~فأي الفريقين خير إذن؟ فإياكم أن تغركم ظواهر الأشياء، أو تخدعكم ~~برقات النعيم وانظروا إلى الغايات والنهايات لذلك يقول سبحانه: # المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات ~~الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا # [الكهف: 46]. وفي سورة الأعراف لقطة أخرى من مواقف القيامة، حيث يقول ~~أصحاب الأعراف لأهل النار: # مآ أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون # [الأعراف: 48] ثم يلتفتون إلى المؤمنين في الجنة: # أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة # [الأعراف: 49] فأين أنتم منهم الآن؟ ### || [19.75] # قوله: قل أمر لرسوله صلى الله عليه وسلم: { من كان في الضلالة ~~فليمدد له الرحمن مدا } [مريم: 75] أي: يمهله ~~ويستدرجه لأنه رب للجميع، وبحكم ربوبيته يعطي ms6254 المؤمن والكافر، وكما ~~يعين المؤمن بالنصر، كذلك يعين الكافر بمراده، كما في قوله تعالى: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا # [البقرة: 10]. لأنهم ارتاحوا إليه، ورضوا به، وطلبوا منه المزيد. { ~~فليمدد له الرحمن } [مريم: 75] أي: في الدنيا وزينتها، ~~كما قال: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. وفي موضع آخر يقول: إياك أن تعجبك أموالهم وأولادهم ~~لأنها فتنة لهم، يعذبهم بها في الدنيا بالسعي في جمع الأموال ~~وتربية الأولاد، ثم الحسرة على فقدهما، ثم يعذبهم بسببها في الآخرة: # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون # [التوبة: 55]. ثم يقول تعالى: { حتى إذا رأوا ما يوعدون ~~إما العذاب وإما الساعة.. } [مريم: 75]. العذاب: عذاب ~~الدنيا. أي: بنصر المؤمنين على الكافرين وإهانتهم وإذلالهم { وإما ~~الساعة } [مريم: 75] أي: ما ينتظرهم من عذابها، وعند ذلك: { ~~فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا } [مريم: ~~75] لكنه علم لا يجدي، فقد فات أوانه، فالموقف في الآخرة حيث لا ~~استئناف للإيمان، فالنكاية هنا أعظم والحسرة أشد. لكن، ما مناسبة ذكر ~~الجند هنا والكلام عن الآخرة؟ وماذا يغني الجند في مثل هذا اليوم؟ ~~قالوا: هذا تهكم بهم كما في قوله تعالى: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم # [الصافات: 22-23]، فهل أخذهم إلى النار هداية؟ ثم يلتفت إليهم: # ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون * ~~وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قالوا ~~إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين * قالوا بل لم ~~تكونوا مؤمنين * وما كان لنا عليكم من سلطان ~~بل كنتم قوما طاغين # [الصافات: 25-30]. أي: لم نجبركم على شيء، مجرد أن أشرنا لكم ~~أطعتمونا. لذلك، سيقولون في موضع آخر: # ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين # [فصلت: 29]. ### || [19.76] # قلنا: إن للهداية معنيين: هداية بمعنى الدلالة على الخير وبيان طريقه، ~~وهداية المعونة والتوفيق للإيمان، ms6255 فمن صدق في الأولى أعانه الله على ~~الأخرى، ومن ذلك قوله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. وقوله تعالى: { والباقيات الصالحات خير عند ~~ربك ثوابا وخير مردا } [مريم: 76] الباقيات الصالحات: هي ~~الأعمال الصالحة التي كانت منك خالصة لوجه الله: { خير عند ربك ~~ثوابا وخير مردا } [مريم: 76] هذه هي الغاية التي ننتظرها ~~ونسعى إليها، فساعة أن تقارن السبل الشاقة فاقرنها بالغاية ~~المسعدة، فيهون عليك عناء العبادة ومشقة التكليف. وقوله: { وخير ~~مردا } [مريم: 76] أي: مرجعا ترد إليه. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~أفرأيت الذي كفر... }. ### || [19.77] # نلاحظ هنا أن القرآن لم يذكر لنا هذا الشخص الذي قال هذه المقولة ولم ~~يعينه، وإن كان معلوما لرسول الله الذي خوطب بهذا الكلام وذلك لأن ~~هذه المقولة يمكن أن تقال في زماننا وفي كل زمان، إذن: فليس المهم ~~الشخص بل القول نفسه. وقد أخبر عنه أنه أمية بن خلف، أو العاصي بن وائل ~~السهمي. وقوله تعالى: { أفرأيت } [مريم: 77] يعني: ألم تر ~~هذا، كأنه يستدل بالذي رآه على هذه القضية { الذي كفر بآياتنا ~~وقال لأوتين مالا وولدا } [مريم: 77] ويروي أنه قال: إن ~~كان هناك بعث فسوف أكون في الآخرة كما كنت في الدنيا، صاحب مال وولد. ~~كما قال صاحب الجنة لأخيه: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36]. والإنسان لا يعتز إلا بما هو ذاتي فيه، وليس له في ~~ذاتيته شيء، وكذلك لا يعتز بنعمة لا يقدر على صيانتها، ولا يصون النعمة ~~إلا المنعم الوهاب سبحانه إذن: فلم الاغترار بها؟ لذلك يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # [الملك: 30]. ويقول: # قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو ~~رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم # [الملك: 28]. ثم يرد الحق تبارك وتعالى على هذه المقولة الكاذبة: ~~{ أطلع الغيب أم اتخذ... }. ### || [19.78] # يعني: أقلت هذا القول متطوعا به من عند نفسك، أم اطلعت على ~~الغيب، فعرفت منه ما سيكون لك في الآخرة: { أم اتخذ عند ~~الرحمن عهدا } [مريم: ms6256 78] أي: أعطاه الله تعالى عهدا بأن يكون ~~له في الآخرة كما له في الدنيا، فإما هذه وإما هذه، فأيهما توافرت ~~لك حتى تجزم بهذا القول؟ وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: # أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف ~~تحكمون * أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن لكم ~~فيه لما تخيرون * أم لكم أيمان علينا بالغة ~~إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون # [القلم: 35-39]. والمراد: من يضمن لهم هذا الذي يدعونه؟ وقد أخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " " من أدخل على مؤمن سرورا فقد أخذ العهد من الله " ، " ومن صلى ~~الصلوات بفرائضها وفي وقتها فقد أخذ العهد من الله ". # فمن هؤلاء الذين لهم عهد من الله تعالى ألا يدخلهم النار؟ ~~والعهد: الشيء الموثق بين اثنين، والعهد إن كان بين الناس فهو عهد ~~غير موثوق به، فقد ينفذ أو لا ينفذ لأن الإنسان ابن أغيار، ويمكن أن ~~تحول الظروف بينه وبين ما وعد به، أما إن كان العهد من الله تعالى ~~المالك لكل شيء، وليست هناك قوة تبطل إرادته تعالى، فهو العهد الحق ~~الموثوق به، والذي لا يتخلف أبدا. فحين تعاهد ربك على الإيمان فإنك لا ~~تضمن ما يطرأ عليك من الأغيار، أما حين يعاهدك ربك على الجزاء، فثق أنه ~~نافذ لا يخلف. لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن ينصح ~~الإمام عليا رضي الله عنه قال: # " أدعو الله أن يجعل لك عهدا في قلوب المؤمنين ". # أي: حبا ومودة في قلوبهم، وما دام أن الله أعطاه هذا العهد، فهو نافذ ~~محقق. واختار هنا اسم الرحمن لما فيه من صفة الرحمانية التي تناسب ~~المعونة على الوفاء. ثم يقول الحق سبحانه: { كلا سنكتب ما ~~يقول... }. ### || [19.79] # كلا: أداة لنفي ما قيل قبلها وإبطاله، أي: قوله: # لأوتين مالا وولدا * أطلع الغيب أم اتخذ ~~عند الرحمن عهدا # [مريم: 77-78] ثم يأتي ما بعد كلا حجة، ودليلا على النفي. وقد ورد هذا ~~الحرف كلا في قوله تعالى: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ms6257 ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن * ~~كلا.. # [الفجر: 15-17]. فالحق تبارك وتعالى ينفي الكلام السابق لأن النعمة ~~وسعة الرزق ليست دليل إكرام، كما أن الفقر وضيق الرزق ليس دليل ~~إهانة، فكلاهما ابتلاء واختبار كما أوضحت الآيات، فإتيان النعمة في ~~حد ذاته ليس هو النعمة إنما النعمة هي النجاح في الابتلاء في ~~الحالتين. فقد يعطيك الله المال فلا تصرفه فيما أحل الله، فيكون لك ~~فتنة وتخفق في الاختبار، إذن: لم يكرمك بالمال، بل جعله لك وسيلة إغواء ~~وإغراء، فبيدك يتحول المال إلى نعمة أو نقمة، ويكون إكراما أو إهانة. ~~وقوله تعالى: { سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب ~~مدا } [مريم: 79]. لقد جاءت كلمة سنكتب حتى لا يؤاخذه سبحانه ~~وتعالى يوم القيامة بما يقول هو إنه فعله، ولكن بما كتب عليه وليقرأه ~~بنفسه، وليكون حجة عليه، كأن الكتابة ليست كما نظن فقط، ولكنها تسجيل ~~للصوت وللأنفاس، ويأتي يوم القيامة ليجد كل إنسان ما فعله مسطورا. يقول ~~تعالى: # اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14] وهذا القول يدل على أنه ساعة يرى الإنسان ما كتب في ~~الكتاب سيعرف أنه منه، وإذا كنا نحن الآن نسجل على خصومنا أنفاسهم ~~وكلماتهم، أتستبعد على من علمنا ذلك أن يسجل الأنفاس والأصوات والحركات ~~بحيث إذا قرأها الإنسان ورآها لا يستطيع أن يكابر فيها أو ينكرها. وقوله ~~سبحانه: { ونمد له من العذاب مدا } [مريم: 79] أي: يزيده ~~في العذاب، لأن المد هو أن تزيد الشيء، ولكن مرة تزيد في الشيء من ذاته، ~~ومرة تزيد عليه من غيره، قد تأتي بخيط وتفرده إلى آخره، وقد تصله بخيط ~~آخر، فتكون مددته من غيره، فالله يزيده في العذاب. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ ونرثه ما يقول... }. ### || [19.80] # أي: في حين ينتظر أن نزيده ونعطيه سنأخذ منه { ونرثه } [مريم: ~~80] أي: نأخذ منه كما في قوله تعالى: # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا ~~يرجعون # [مريم: 40]. وقوله: # وكنا نحن الوارثين # [القصص: 58]. فكأن قوله تعالى: { ونرثه } [مريم: 80] تقابل قوله: ms6258 # لأوتين مالا # [مريم: 77] وقوله تعالى: { ويأتينا فردا } [مريم: 80] تقابل # وولدا # [مريم: 77]، فسيأتينا في القيامة فردا، ليس معه من أولاده أحد يدفع ~~عنه. ثم يقول الحق سبحانه: { واتخذوا من دون الله... }. ### || [19.81] # آلهة: جمع إله، وهو المعبود والرب الذي أوجدك من عدم، وأمدك من ~~عدم، وتولاك بالتربية، فعطاء الألوهية تكليف وعبادة، وعطاء الربوبية ~~نعم وهبات. إذن: فمن أولى بعبادتك ومن أحق بطاعتك؟ هؤلاء ~~الذين اتخذوا من دون الله آلهة من شمس، أو قمر، أو حجر، أو شجر، بماذا ~~تعبدتكم هذه الآلهة؟ بماذا أمرتكم؟ وعن أي شيء نهتكم؟ وبماذا أنعمت ~~عليك؟ وأين كانت وأنت جنين في بطن أمك؟ إن أباك الذي رباك وأنت صغير ~~وتكفل بكل حاجياتك، وأمك التي حملتك في بطنها وسهرت على راحتك، هما ~~أولى الناس بطاعتك، ولا ينبغي أن تقدم على أمرهما أمرا. أما أن ~~يستحوذ عليك آخرون، ويكون لهم طاعتك وولاؤك دون أبويك فهذا لا يجوز ~~وأنت في ريعان شبابك وأوج قوتك. لذلك، من أصول التربية أن يربي ~~الآباء أبناءهم على السمع والطاعة لهم، ونحذرهم من طاعة الآخرين خاصة ~~غير المؤتمنين على التربية، من العامة في الشارع، أو أصدقاء السوء ~~الذين يجرون الأبناء على ما لا تحمد عقباه. والآن نحذر أبناءنا من ~~السير مع شخص مجهول، أو قبول طعام، أو شراب منه. وما نراه في عصرنا ~~الحاضر يغني عن الإطالة في هذه المسألة. هذه - إذن - مناعة يجب أن ~~تعطى للأبناء، كالمناعة ضد الأمراض تماما. وهكذا الحال فيمن اتخذوا ~~من دون الله آلهة وارتاحوا إلى إله لا تكليف له ولا مشقة في عبادته، ~~إله يتركهم يعبدونه كما يحلو لهم، إنهم أخذوا عطاء الربوبية فتمتعوا ~~بنعمة الله، وتركوا عطاء الألوهية فلم يعبدوه سبحانه وتعالى. ولما كان ~~الإنسان متدينا بطبعه فقد اختار هؤلاء دينا على وفق أهوائهم ~~وشهواتهم، واتخذوا آلهة لا أمر لها ولا تكليف. ومن ذلك ما نراه من كثير ~~من المثقفين الذين يأخذون دين الله على هواهم، ويطيعون أعداء الله في ~~قضايا بعيدة كل البعد عن دين الله، وهم ms6259 أصحاب ثقافة وعقول ناضجة، ومع ~~ذلك يقنعون أنفسهم أنهم على دين وأنهم على الحق. ثم يقول تعالى: { ~~ليكونوا لهم عزا } [مريم: 81] العز: هو الغلبة والامتناع ~~من الغير، بحيث لا ينال أحد منه شيئا، يقولون: فلان عزيز أي: لا يغلب. ~~ولنا أن نسأل: ما العزة في عبادة هذه الآلهة؟ وما الذي سيعود عليكم من ~~عبادتها؟ لذلك يرد عليهم الحق تبارك وتعالى: { كلا سيكفرون ~~بعبادتهم... }. ### || [19.82] # كلا: تنفي أن يكون لهؤلاء عز في عبادة ما دون الله، بل { كلا ~~سيكفرون بعبادتهم } [مريم: 82]. هذه الآلهة نفسها ستكفر ~~بعبادتهم، وتنكر أن تكون هي آلهة من دون الله، وأكثر من ذلك { ~~ويكونون عليهم ضدا } [مريم: 82] أي: في حين اتخذها الكفار ~~آلهة من دون الله وطلبوا العزة في عبادتها تنقلب عليهم، وتكون ضدا لهم ~~وخصما. والضد: هو العدو المخالف لك، والذي يحاول أن ينكل بك. وفي ~~القرآن الكريم حوارات كثيرة بين هذه المعبودات ومن عبدوها، فمثلا ~~الذين عبدوا الملائكة واتخذوها آلهة من دون الله: يسأل الله الملائكة: # أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون # ؟ [سبأ: 40] فيجيبون: # سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ~~الجن أكثرهم بهم مؤمنون # [سبأ: 41]. ويقول الحق سبحانه وتعالى: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا.. # [البقرة: 166]. لذلك يقول الحق تبارك وتعالى عن هؤلاء: # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ~~يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم ~~غافلون # [الأحقاف: 5]. إذن: ما ظنه الكفار عزا ومنعة صار عليهم ضدا ~~وعداوة، كالفتاة التي قالت لأبيها: يا أبت ما حملك على أن تقبلني ~~مخطوبة لابن فلان؟ أي: ماذا أعجبك فيه؟ قال: يا بنيتي إنهم أهل عز ~~وأهل جاه وشرف وأهل قوة ومنعة، فقالت: يا أبت لقد قدرت أن يكون ~~بيني وبين ابنهم ود، ولم تقدر أن يكون بيني وبينه كراهية، فإن ~~حدثت الكراهية سيكون ما قلته ضدك، وستشقى أنت بهذا العز وبهذا الجاه. ~~ومن الناس من اتخذ من المال إلها، على حد قول الشاعر: # وللمال قوم إن بدا المال قائلا # أنا المال قال القوم ms6260 إياك نعبد # وهؤلاء الذين يعبدون المال، ويرون فيه القوة، ويعتزون به لا يدرون ~~أنه سيكون وبالا ونكالا عليهم يوم القيامة: # يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها ~~جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم ~~لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون # [التوبة: 35]. وهكذا، كلما زاد حرصه على المال زاد كيه. وتلحظ في ~~الآية الترتيب الطبيعي لموقف السؤال حين يقف السائل الفقير أمام الغني ~~اللئيم، فأول ما يطالع السائل يتغير وجهه، ثم يشيح عنه بوجهه، فيعطيه ~~جنبه، ثم يدير له ظهره معرضا عنه، وبنفس هذا الترتيب يكون العذاب ~~ويكون الكي والعياذ بالله. وينقلب المال الذي ظن العزة فيه إلى ~~نكال ووبال. يقول تعالى: # وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 6]. حتى الجوارح التي تمتعت بمعصيتك في الدنيا ستشهد عليك: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. ذلك لأنك غفلت عمن كان يجب ألا تغفل عنه، وذكرت من ~~كان يجب ألا تذكره، فالإله الحق الذي غفلت عنه يطلبك الآن ويحاسبك، ~~والإله الباطل الذي اتخذته يتخلى عنك ويسلمك للهلاك. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ألم تر أنآ أرسلنا... }. ### || [19.83] # الأز: هو الهز الشديد بعنف أي: تزعجهم وتهيجهم، ومثله النزغ في ~~قوله سبحانه وتعالى: # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله.. # [الأعراف: 200]. والأز أو النزغ يكون بالوسوسة والتسويل ليهيجه على ~~المعصية والشر، كما يأتي هذا المعنى أيضا بلفظ الطائف، كما في قوله ~~تبارك وتعالى: # إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا فإذا هم مبصرون # [الأعراف: 201]. وهذه الآية: { ألم تر أنآ أرسلنا ~~الشياطين.. } [مريم: 83] تثير سؤالا: إذا كان الحق تبارك وتعالى ~~يكره ما تفعله الشياطين بالإنسان المؤمن أو الكافر، فلماذا أرسلهم الله ~~عليه؟ أرسل الله الشياطين على الإنسان لمهمة يؤدونها، هذه المهمة هي ~~الابتلاء والاختبار، كما قال تعالى: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2]. إذن: فهم يؤدون مهمتهم التي خلقوا من أجلها، فيقفوا ~~للمؤمن ليصرفوه عن الإيمان فيمحص الله المؤمنين بذلك، ويظهر صلابة من ~~يثبت ms6261 أمام كيد الشيطان. وقلنا: إن للشيطان تاريخا مع الإنسان، بداية من ~~آدم عليه السلام حين أبى أن يطيع أمر الله له بالسجود لآدم، فطرده الله ~~تعالى وأبعده من رحمته، فأراد الشيطان أن ينتقم من ذرية آدم بسبب ما ~~ناله من آدم، فقال: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82]. وقال: # قال فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم # [الأعراف: 16]. وهكذا أعلن عن منهجه وطريقته، فهو يتربص لأصحاب ~~الاستقامة، أما أصحاب الطريق الأعوج فليسوا في حاجة إلى إضلاله وغوايته. ~~لذلك نراه يتهدد المؤمنين: # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم.. # [الأعراف: 17]. ومعلوم أن الجهات ست، يأتي منها الشيطان إلا فوق وتحت ~~لأنهما مرتبطتان بعز الألوهية من أعلى، وذل العبودية من أسفل، حين ~~يرفع العبد يديه لله ضارعا وحين يخر لله ساجدا لذلك أغلقت دونه ~~هاتان الجهتان لأنهما جهتا طاعة وعبادة وهو لا يعمل إلا في الغفلة ~~ينتهزها من الإنسان. والمتأمل في مسألة الشيطان يجد أن هذه المعركة وهذا ~~الصراع ليس بين الشيطان وربه تبارك وتعالى، بل بين الشيطان والإنسان لأنه ~~حين قال لربه تعالى: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] التزم الأدب مع الله. فالغواية ليست مهارة مني، ولكن إغويهم ~~بعزتك عن خلقك، وتركك لهم الخيار ليؤمن من يؤمن، ويكفر من ~~يكفر، هذه هي النافذة التي أنفذ منها إليهم، بدليل أنه لا سلطان لي على ~~أهلك وأوليائك الذين تستخلصهم وتصطفيهم: # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83]. وهنا أيضا يثار سؤال: إذا كان الشيطان لا يقعد إلا على الصراط ~~المستقيم ليضل أهله، فلماذا يتعرض للكافر؟ نقول: لأن الكافر بطبعه ~~وفطرته يميل إلى الإيمان وإلى الصراط المستقيم، وها هو الكون بآياته ~~أمامه يتأمله، فربما قاده التأمل في كون الله إلى الإيمان بالله لذلك ~~يقعد له الشيطان على هذا المسلك مسلك الفكر والتأمل ليحول بينه وبين ~~الإيمان بالخالق عز وجل. # فالشيطان ينزغك، إما ليحرك فيك شهوة، أو لينسيك طاعة، كما قال تعالى: # ومآ أنسانيه إلا الشيطان.. # [الكهف: 63]. وقال: # وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ~~مع ms6262 القوم الظالمين # [الأنعام: 68]. وكثير من الإخوان يسألون: لماذا في الصلاة بالذات ~~تلح علينا مشاكل الحياة ومشاغل الدنيا؟ نقول: هذه ظاهرة صحية في ~~الإيمان، لأن الشيطان لولا علمه بأهمية الصلاة، وأنها ستقبل منك ويغفر ~~لك بها الذنوب ما أفسدها عليك، لكن مشكلتنا الحقيقية أننا إذا أعطانا ~~الشيطان طرف الخيط نتبعه ونغفل عن قول ربنا تبارك وتعالى: # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله.. # [فصلت: 36]. فما عليك ساعة أن تشعر أنك ستخرج عن خط العبادة ~~والإقامة بين يدي الله إلا أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ~~حتى وإن كنت تقرأ القرآن، لك أن تقطع القراءة وتستعيذ بالله منه، ~~وساعة أن يعلم منك الانتباه لكيده وألاعيبه مرة بعد أخرى سينصرف عنك ~~وييأس من الإيقاع بك. وسبق أن ضربنا لذلك مثلا باللص لأنه لا يحوم حول ~~البيت الخرب، إنما يحوم حول البيت العامر، فإذا ما اقترب منه تنبه صاحب ~~البيت وزجره، فإذا به يلوذ بالفرار، وربما قال اللص في نفسه: لعل صاحب ~~البيت صاح مصادفة فيعاود مرة أخرى، لكن صاحب الدار يقظ منتبه، وعندها ~~يفر ولا يعود مرة أخرى. ويجب أن نعلم أن من حيل الشيطان ومكائده أنه ~~إذا عز عليه أغواؤك في باب، أتاك من باب آخر لأنه يعلم جيدا أن للناس ~~مفاتيح، ولكل منا نقطة ضعف يؤتى من ناحيتها، فمن الناس من لا تستميله ~~بقناطير الذهب، إنما تستميله بكلمة مدح وثناء. وهذا اللعين لديه طفاشات ~~مختلفة باختلاف الشخصيات. لذلك من السهل عليك أن تميز بين المعصية ~~إن كانت من النفس أم من الشيطان: النفس تقف بك أمام شهوة واحدة تريدها ~~بعينها ولا تقبل سواها، فإن حاولت زحزحتها إلى شهوة أخرى أبت إلا ما ~~تريد، أما الشيطان فإن عزت عليك معصية دعاك إلى غيرها، المهم أن ~~يوقع بك. فالحق تبارك وتعالى يحذرنا الشيطان لأنه يحارب في الإنسان ~~فطرته الإيمانية التي تلح عليه بأن للكون خالقا قادرا، والدليل على ~~الوجود الإلهي دليل فطري لا يحتاج إلى فلسفة، كما قال العربي قديما: ~~البعرة تدل ms6263 على البعير، والقدم تدل على المسير.. سماء ذات أبراج، وأرض ~~ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟! وكذلك، ~~فكل صاحب صنعة عالم بصنعته وخبير بدقائقها ومواطن العطب فيها، فما بالك ~~بالخالق سبحانه: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. إذن: فالأدلة الإيمانية أدلة فطرية يشترك فيها الفيلسوف ~~وراعي الشاة، بل ربما جاءت الفلسفة فعقدت الأدلة. # ولنا وقفة مع قوله تعالى: { ألم تر أنآ أرسلنا ~~الشياطين.. } [مريم: 83] ومعلوم أن عمل الشيطان عمل مستتر، كما قال ~~تعالى: # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم.. # [الأعراف: 27]. فكيف يخاطب الحق - تبارك وتعالى - رسوله صلى الله عليه ~~وسلم في هذه المسألة بقوله: { ألم تر.. } [مريم: 83] وهي مسألة لا ~~يراها الإنسان؟ نقول: { ألم تر.. } [مريم: 83] بمعنى ألم تعلم؟ ~~فعدل عن العلم إلى الرؤيا، كما في قوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1] والنبي صلى الله عليه وسلم لم ير هذه الحادثة، فكيف يخاطبه ~~ربه عنها بقوله: # ألم تر.. # [الفيل: 1]؟ ذلك، ليدلك على أن إخبار الله لك أصح من إخبار عينك لك ~~لأن رؤية العين بما تخدعك، أما إعلام الله فهو صادق لا يخدعك أبدا. ~~فعلمك من إخبار الله لك أولى وأوثق من علمك بحواسك. والشياطين: جمع ~~شيطان، وهو العاصي من الجن، والجن خلق مقابل للإنسان قال الله عنهم: # وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرآئق ~~قددا # [الجن: 11] فمن هم دون الصالحين، هم الشياطين. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~فلا تعجل عليهم... }. ### || [19.84] # تمنى النبي صلى الله عليه وسلم لو أن الله أراحه من رؤوس الكفر وأعداء ~~الدعوة، فقال تعالى: { فلا تعجل عليهم إنما نعد ~~لهم عدا } [مريم: 84] فالله يريد أن تطول أعمارهم، وتسوء فعالهم، ~~وتكثر ذنوبهم، فالكتبة يعدون عليهم ويحصون ذنوبهم. ومعنى: { ~~إنما نعد لهم عدا } [مريم: 84] أنها مسألة ستنتهي لأن كل ~~ما يعد ينتهي، إنما الشيء الذي لا يحصى ولا يعد فلا ينتهي، كما ~~في قول الحق سبحانه وتعالى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. ms6264 # [إبراهيم: 34]. لأن نعم الله لا تحصى ولا تعد ولا تنتهي لذلك ~~سبقت بإن التي تفيد الشك، فهي مسألة لا يجرؤ أحد عليها لأن: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق # [النحل: 96]. وها نحن نرى علم الإحصاء وما وصل إليه من تقدم حتى أصبح ~~له جامعات وعلماء متخصصون أدخلوا الإحصاء في كل شيء، لكن لم يفكر أحد ~~منهم أن يحصي نعم الله في كونه، لماذا؟ لأن الإقبال على العد ~~معناه ظن أنك تستطيع أن تنتهي، وهم يعلمون تماما أنهم مهما عدوا ~~ومهما أحصوا فلن يصلوا إلى نهاية. إذن: { نعد لهم عدا } ~~[مريم: 84] نحصي سيئاتهم ونعد ذنوبهم قبل أن تنتهي أعمارهم، وكلما ~~طالت الأعمار كثرت الذنوب، وكل ما ينتهي بالعدد ينتهي بالمدد. ثم يقول ~~الحق تبارك وتعالى: { يوم نحشر المتقين... }. ### || [19.85] # الحق - تبارك وتعالى - أعطانا صورا متعددة ومشاهد مختلفة ليوم القيامة، ~~فأعطانا صورة للمعبود الباطل، وللعابدين للباطل، وما حدث بين الطرفين من ~~جدال ونقاش، وأعطانا صورة لمن تعاونوا على الشر، ولمن تعاونوا على ~~الخير. وهذه صورة أخرى تعرض للمتقين في ناحية، والمجرمين في ناحية، فما ~~هي صورة المتقين؟ نحشر: أي: نجمع، والوفد هم الجماعة ترد على الملك ~~لأخذ عطاياه، جمعها وفود، والواحد وافد. وهذه حال المتقين حين يجمعهم ~~الله يوم القيامة وفدا لأخذ عطايا ربهم تبارك وتعالى. ولا تظن أنهم ~~يحشرون ماشين مثلا، لا، بل كل مؤمن تقي يركب ناقة لم ير مثل ~~حسنها، رحلها من ذهب، وأزمتها من الزبرجد. وفي المقابل يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { ونسوق المجرمين إلى جهنم... }. ### || [19.86] # نسوق: والسائق يكون من الخلف ينهرهم ويزجرهم، كما جاء في قوله تعالى: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13] ولم يقل مثلا: نقودهم لأن القائد يكون من الأمام، وربما ~~غافله أحدهم وشرد منه. وقوله تعالى: { وردا } [مريم: 86] الورد: هو ~~الذهاب للماء لطلب الري، أما النار فمحل اللظى والشواظ واللهب ~~والحميم. فلماذا سمي إتيان النار بحرها وردا؟ وهذا تهكم بهم، ~~كما جاء في آيات أخرى: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي ~~الوجوه.. ms6265 # [الكهف: 29]. وأنت ساعة تسمع يغاثوا تنتظر الخير وتأمل الرحمة، لكن ~~هؤلاء يغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه. وكذلك في قوله تعالى: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49] في توبيخ عتاة الكفر والإجرام. ومنه قوله تعالى: # فبشره بعذاب أليم # [لقمان: 7] والبشرى لا تكون إلا بشيء. سار. إذن: فقوله تعالى: { ~~ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا } [مريم: 86] تهكم، ~~كما تقول للولد المهمل الذي أخفق في الامتحان: مبروك عليك السقوط. ثم ~~يقول تعالى: { لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ... }. ### || [19.87] # الكافر حين يباشر العذاب يطمع أول ما يطمع في أن يشفع له معبوده، ~~ويخرجه مما هو فيه لكن هيهات، ألم تقرأ قول الحق تبارك وتعالى: # ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا ~~يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعآئهم ~~غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء ~~وكانوا بعبادتهم كافرين # [الأحقاف: 5-6]. لذلك يقول تعالى عن هؤلاء يوم القيامة: { لا ~~يملكون الشفاعة.. } [مريم: 87] لأن الشفاعة لا تكون إلا لمن ~~أخذ الإذن بها { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا } ~~[مريم: 87]. والعهد الذي تأخذه على الله بالشفاعة أن تقدم من الحسنات ~~ما يسع تكاليفك أنت، ثم تزيد عليها ما يؤهلك لأن تشفع للآخرين، والخير ~~لا يضيع عند الله، فما زاد عن التكليف فهو في رصيدك في كتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة، ولا يهمل مثقال ذرة. وعلى المؤمن - مهما كان مسرفا ~~على نفسه - ساعة يرى إنسانا مقبلا على الله مستزيدا من الطاعات أن ~~يدعو له بالمزيد، وأن يفرح به لأن فائض طاعاته لعله يعود عليك، ولعلك ~~تحتاج شفاعته في يوم من الأيام. أما من يحلو لهم الاستهزاء والسخرية من ~~أهل الطاعات، كما أخبر الحق تبارك وتعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون # [المطفيين: 29-32]. فكيف ستقابل أهل الطاعات، وتطمع في شفاعتهم بعدما ~~كان منك؟ فإن لم تكن طائعا فلا أقل من أن تحب الطائعين وتتمسح ~~بهم، فهذه ms6266 في حد ذاتها حسنة لك ترجو نفعها يوم القيامة. وما أشبه ~~الشفاعة في الآخرة بما حدث بيننا من شفاعة في الدنيا، فحين يستعصي عليك ~~قضاء مصلحة يقولون لك: اذهب إلى فلان وسوف يقضيها لك. وفعلا يذهب معك ~~فلان هذا، ويقضي لك حاجتك، فلماذا قضيت على يديه هو؟ لا بد أن له عند ~~صاحب الحاجة هذه أيادي لا يستطيع معها أن يرد له طلبا. إذن: لا بد ~~لمن يشفع أن يكون له رصيد من الطاعات يسمح له بالشفاعة، وإذا تأملت لوجدت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من قدم رصيدا إيمانيا وسع تكليفه ~~وتكليف أمته، ألم يخبر عنه ربه بقوله: # يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين.. # [التوبة: 61] لذلك وجبت له الشفاعة، وأذن له فيها. والحق - تبارك ~~وتعالى - لا يغفل الرصيد في خلقه أبدا، فكل ما قدمت من طاعات فوق ما ~~كلفك الله به مدخر لك، حتى إن الإنسان إذا اتهم ظلما، وعوقب ~~على عمل لم يرتكبه فإن الله يدخرها له ويستر عليه ما ارتكبه فعلا فلا ~~يعاقب عليه. # فالعهد - إذن - في قوله تعالى: { إلا من اتخذ عند ~~الرحمن عهدا } [مريم: 87] أن تدخل مع ربك في مقام الإحسان، ولا ~~يدخل هذا المقام إلا من أدى ما عليه من تكليف، وإلا فكيف تكون ~~محسنا وأنت مقصر في مقام الإيمان؟ وأقرأ إن شئت قول الله تعالى: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم.. # [الذاريات: 15-16] ما العلة؟ # إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من ~~الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * ~~وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 16-19]. فالمحسن من يؤدي من الطاعات فوق ما فرض الله ~~عليه، ومن جنس ما فرض، فالله تعالى لم يكلفنا بقيام الليل والاستغفار ~~بالأسحار، ولم يفرض علينا صدقة للسائل والمحروم، ولا بد أن نفرق ~~هنا بين حق وحق معلوم هنا قال حق فقط لأن الكلام عن الصدقة أما الحق ~~المعلوم ففي الزكاة. ثم يقول الحق سبحانه: { وقالوا اتخذ ~~الرحمن... }. ### || [19.88] # هذا الكلام منهم عبث وافتراء لأنه متى ms6267 كان اتخاذ هذا الولد؟ في أي ~~قرن من القرون من ميلاد المسيح عليه السلام؟ إن هذه المقولة لم تأت ~~إلا بعد ثلاثمائة سنة من ميلاد المسيح، فما الموقف قبلها؟ وما الذي زاد ~~في ملك الله بعد أن جاء هذا الولد؟ الشمس هي الشمس، والنجوم هي ~~النجوم، والهواء هو الهواء، إذن: موضوعية اتخاذ الولد هذه عبث لأنه لم ~~يزد شيء في الملك على يد هذا الولد، ولم تكن عند الله تعالى صفة ~~معطلة اكتملت بمجيء الولد لأن الصفات الكمالية لله تعالى موجودة قبل ~~أن يخلق أي شيء. فهو سبحانه وتعالى خالق قبل أن يخلق، ورازق قبل أن ~~يرزق، ومحي قبل أن يحيى، ومميت قبل أن يميت. فالبصفات أوجد هذه ~~الأشياء، فصفات الكمال فيه سبحانه موجودة قبل متعلقاتها. وضربنا لذلك ~~مثلا - ولله المثل الأعلى - بالشاعر الذي قال قصيدة. وقلنا: إنه قال ~~القصيدة لأنه شاعر بداية، ولولا أنه شاعر ما قالها. لذلك يرد الحق ~~سبحانه على هذا الافتراء بقوله: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا # [الكهف: 5]. وهنا يرد عليهم بقوله: { لقد جئتم... }. ### || [19.89] # والإد: المتناهي في النكر والفظاعة، وهو الأمر المستبشع، من: آده ~~الأمر. أي: أثقله ولم يقو عليه، ومنه قوله تعالى في آية الكرسي: # ولا يؤوده حفظهما.. # [البقرة: 255] أي: لا يثقل عليه. لكن، لماذا جعل هذا الأمر إدا ~~ومنكرا فظيعا؟ قالوا: لأن اتخاذ الولد له مقاصد، فالولد يتخذ ليكون لك ~~عزوة وقوة أو ليكون امتدادا لك بعد موتك، والحق سبحانه وتعالى هو ~~العزيز، الذي لا يحتاج إلى أحد، وهو الباقي الدائم الذي لا يحتاج إلى ~~امتداد. إذن: فاتخاذ الولد بالنسبة لله تعالى لا علة له، كما أن اتخاذ ~~الولد لله تعالى ينفي سواسية العبودية له سبحانه. ولذلك يقول الحق ~~سبحانه: { تكاد السماوات يتفطرن... }. ### || [19.90] # أي: فلسنا نحن فحسب الذين ننكر هذا الأمر، بل الجماد غير المكلف أيضا ~~ينكره، فالسماوات بقوتها وعظمها تتفطر أي: تتشقق، وتكاد تكون مزعا ~~لهول ما قيل، تقرب أن تنفطر لكن لماذا لم تنفطر بالفعل؟ لم ms6268 تنفطر لأن ~~الله يمسكها: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا.. # [فاطر: 41]. وفي الحديث القدسي: # " قالت السماء يا رب ائذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم، فقد طعم ~~خيرك ومنع شكرك، وقالت الأرض: يارب ائذن لي أن أخسف بابن آدم فقد طعم ~~خيرك ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب ائذن لي أن أخر على ابن آدم فقد ~~طعم خيرك ومنع شكرك. وقالت البحار: يا رب ائذن لي أن أغرق ابن آدم فقد ~~طعم خيرك ومنع شكرك. فقال لهم: دعوني وخلقي لو خلقتموهم لرحمتموهم، فإن ~~تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". # فما العلة في أن السماء تقرب أن تنفطر، والأرض تقرب أن تنشق، والجبال ~~تقرب أن تخر؟ ### || [19.91] # هذه هي العلة والحيثية التي من أجلها يكاد الكون كله وأن يتزلزل، ~~ويثور غاضبا لهذه المقولة الشنيعة. ثم يعقب الحق سبحانه فيقول: { وما ~~ينبغي للرحمن... }. ### || [19.92] # وعلينا هنا أن نفرق بين نفي الحدث ونفي انبغاء الحدث، فمثلا في قول ~~الحق - تبارك وتعالى - في شأن نبيه صلى الله عليه وسلم: # وما علمناه الشعر وما ينبغي له.. # [يس: 69] فنفى عنه قول الشعر، ونفي عنه انبغاء ذلك له، فقد يظن ظان ~~أن النبي لا يستطيع أن يقول شعرا، أو أن أدوات الشعر من اللغة ورقة ~~الإحساس غير متوافرة لديه صلى الله عليه وسلم، لكن رسول الله قادر على ~~قول الشعر إن أراد، فهو قادر على الحدث، إلا أنه لا ينبغي له. كذلك في ~~قوله تعالى: { وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } ~~[مريم: 92] فإن أراد سبحانه وتعالى أن يكون له ولد لكان ذلك، كما جاء ~~في قوله تبارك وتعالى: # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # [الزخرف: 81]. أي: إن كان له سبحانه ولد فعلى العين والرأس، إنما هذه ~~مسألة ما أرادها الحق سبحانه، وما تنبغي له، فكيف أدعي أنا أن لله ~~ولدا هكذا من عندي؟ وما حاجته تعالى للولد، وقد قال في الآية بعدها: { ~~إن كل من في السماوات والأرض... }. ### || [19.93] # ذلك ms6269 لأن الخالق - تبارك وتعالى - خلق الإنسان، وجعل له منطقة اختيار ~~يفعل أو لا يفعل، يؤمن أو لا يؤمن، وكذلك جعل فيه منطقة قهر، فالكافر ~~الذي ألف الكفر، وتعود عليه، وتمرد على الطاعة والإيمان، هل يستطيع ~~أن يتمرد مثلا على المرض أو يتمرد على الموت، أو على الفقر؟ إذن: ~~فأنت مختار في شيء وعبد في أشياء، كما أن منطقة الاختيار هذه لك في ~~الدنيا، وليست لك في الآخرة. وسبق أن فرقنا بين العباد والعبيد، ~~فالجميع: المؤمن والكافر عبيد لله تعالى، أما العباد فهم الذين تنازلوا ~~عن اختيارهم ومرادهم لمراد ربهم، فجاءت كل تصرفاتهم وفقا لما يريده ~~الله. وهؤلاء الذين قال الله فيهم: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا.. # [الفرقان: 63]. ومعنى: { إلا آتي الرحمن عبدا } [مريم: ~~93] أي: في الآخرة، حيث تلغى منطقة الاختيار، ولا يستطيع أحد الخروج ~~عن مراد الله تعالى، ويسلب الملك من الجميع، فيقول تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وهو سبحانه القادر على العطاء، القادر على السلب: # تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء ~~وتعز من تشآء وتذل من تشآء.. # [آل عمران: 26]. ثم يقول الحق سبحانه: { لقد أحصاهم... }. ### || [19.94] # الإحصاء: هو العد، وكانوا قديما يستخدمون الحصى أو النوى في ~~العد، لكن النوى فرع ملكية النخل، فقد لا يتوفر للجميع لذلك كانوا ~~يستخدمون الحصى، ومنه كلمة الإحصاء. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { ~~وكلهم آتيه يوم... }. ### || [19.95] # أي: وحده، ليس معه أهل أو أولاد أو عزوة، كما قال تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37]. فكل مشغول بحاله، ذاهل عن أقرب الناس إليه: # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت.. # [الحج: 2]. وتأمل قوله: { آتيه.. } [مريم: 95] فالعبد هو الذي يأتي ~~بنفسه مختارا لا يؤتى به، فكأن الجميع منضبط على وقت معلوم، إذا ~~جاء يهرع الجميع طواعية إلى الله عز وجل. ثم يقول رب العزة سبحانه: { ~~إن الذين آمنوا وعملوا... }. ### || [19.96] # ودا: مودة ومحبة تقوم على الإيمان، وتقود ms6270 إلى شدة التعلق، وقد جعل ~~الحق - تبارك وتعالى - في كونه أسبابا لهذه المحبة والمودة، كأن ترى ~~إنسانا يحبك ويتودد إليك، فساعة تراه مقبلا عليك تقوم له وتبش في ~~وجهه، وتفسح له في المجلس، ثم تسأل عنه إن غاب، وتعوده إن مرض، ~~وتشاركه الأفراح وتواسيه في الأحزان وتؤازره عند الشدائد، فهذه المودة ~~ناشئة عن حب ومودة سابقة. وقد تنشأ المودة بسبب القرابة أو المصالح ~~المتبادلة أو الصداقة، فهذه أسباب المودة في الدنيا بين الخلق جميعا ~~مؤمنهم وكافرهم، أما هنا: # سيجعل لهم الرحمن ودا # [مريم: 96]. أي: بدون سبب من أسباب المودة هذه، مودة بدون قرابة، وبدون ~~مصالح مشتركة أو صداقة، وهذه المودة بين الذين آمنوا، كأن ترى شخصا ~~لأول مرة فتشعر نحوه بارتياح كأنك تعرفه، وتقول له: إني أحبك لله. هذه ~~محبة جعلها الله بين المؤمنين، فضلا منه سبحانه وتكرما، لا بسبب من ~~أسباب المودة المعروفة. لذلك قال هرم بن حيان - رحمه الله -: إن الحق ~~تبارك وتعالى حين يرى عبده المؤمن قد أقبل عليه بقلبه وأسكنه فيه، وأبعد ~~عن قلبه الأغيار، وسلم قلبه وهو أسمى ما يملك من مستودعات العقائد ~~وينبوع الصالحات وقدمه لربه إلا فتح له قلوب المؤمنين جميعا. كما جاء ~~في الحديث القدسي: # " ما أقبل علي عبد بقلبه إلا أقبلت عليه بقلوب المؤمنين جميعا " # أي: بالمودة والرحمة دون أسباب. وفي الحديث القدسي: # " إن الله إذا أحب عبدا نادى في السماء: إنني أحببت فلانا فأحبوه، ~~وينادي جبريل في الأرض: إن الله أحب فلانا فأحبوه. ويوضع له القبول في ~~الأرض ". # فيحبه كل من رآه عطية من الله وفضلا، دون سبب من أسباب المودة، وإن ~~كنت قد تبرعت لله تعالى بما تملك وهو قلبك مستودع العقائد وينبوع ~~الصالحات كلها، فإنه تعالى وهب لك ما يملك من قلوب الناس جميعا، فهي في ~~يده تعالى يوجهها كيف يشاء. وقد علمنا ربنا - تبارك وتعالى - في ~~قوله: # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ~~ردوهآ.. # [النساء: 86] أن نرد الجميل بأحسن منه، فإن لم نقدر على الأحسن فلا ms6271 ~~أقل من الرد بالمثل، فإن كان هذا عطاء العبد، فما بالك بعطاء الرب؟ ~~ومن ذلك ما جاء في الحديث الشريف: # " من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ~~ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون ~~أخيه ". # والعون يقتضي معينا ومعانا، ولا بد أن يكون المعين أقوى من ~~المعان، فيفيض عليه من فضل ما عنده: صحة، أو قدرة، أو غنى، أو علما. # وإعانة العبد لأخيه محدودة بقدراته وإمكاناته، أما معونة الله لعبده ~~فغير محدودة لأنها تناسب قدرة وإمكانات الحق تبارك وتعالى. وهكذا عودنا ~~ربنا - تبارك وتعالى - حين نضحي بالقليل أن يعطينا الكثير وبلا حدود، ~~فضلا من الله وكرما. ألم تر أن الحسنة عنده تعالى بعشر أمثالها، ~~وتضاعف إلى سبعمائة ضعف؟ أليست هذه تجارة مع الله رابحة، كما قال سبحانه: # يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم # [الصف: 10]. وقال عنها: # تجارة لن تبور # [فاطر: 29]. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد منا المحبة المتبادلة التي ~~تربط بين قلوبنا وتؤلف بيننا، ثم يمنحنا سبحانه الثمن. إذن: العملية ~~الإيمانية لا تظن أنها إيثار، بل الإيمان أثره، وأنت حين تتصدق بكذا إنما ~~تأمل ما عند الله من مضاعفة الأجر، فالإيمان - إذن - أنانية عالية. والحق ~~- سبحانه وتعالى - يريد منا أن نعود على غيرنا بفضل ما نملك، كما جاء ~~في الحديث: # " من كان عنده فضل مال فليعد به على من لا مال له... ". # واعلم أن الله سيعوضك خيرا مما أعطيت. ومثال ذلك - ولله المثل ~~الأعلى -: هب أن عندك ولدين، أعطيت لكل منهما مصروفه، فالأول اشترى به ~~حلوى أكل منها، وأعطى رفاقه، والآخر بدد مصروفه فيما لا يجدي من ألعاب ~~أو خلافه، فأيهما تعطي بعد ذلك؟ كذلك الحق سبحانه يعاملنا هذه المعاملة. ~~ويقول الحق سبحانه: { فإنما يسرناه بلسانك... }. ### || [19.97] # الفاء هنا تفيد: ترتيب شيء على شيء فابحث في الجملة بعدها عن هذا ~~الترتيب، فالمعنى: بشر المتقين، وأنذر القوم اللد لأننا يسرنا لك ~~القرآن. ويسرنا ms6272 القرآن: أي: طوعناه لك حفظا وأداء وإلقاء معان، ~~فأنت توظفه في المهمة التي نزل من أجلها. وتيسير القرآن ورد في آيات ~~كثيرة، كقوله تعالى في سورة القمر: # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # [القمر: 17]. والمتأمل في تيسير القرآن يجد العجائب في أسلوبه، فترى ~~الآية تأتي في سورة بنص، وتأتي في نفس السياق في سورة أخرى بنص آخر، ~~فالمسألة - إذن - ليست أكلاشيه ثابت، وليست عملية ميكانيكية صماء، إنه ~~كلام رب. خذ مثلا قوله تعالى: # كلا إنه تذكرة * فمن شآء ذكره # [المدثر: 54-55]. وفي آية آخرى: # إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه ~~سبيلا # [الإنسان: 29]. مرة يقول: # إن هذه تذكرة.. # [الإنسان: 29] ومرة يقول: # كلا إنها تذكرة # [عبس: 11]. ونقف هنا أمام ملحظ دقيق في سورة الرحمن حيث يقول الحق تبارك ~~وتعالى: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46] ثم يأتي الحديث عنهما: فيهما كذا، فيهما كذا إلى أن يصل ~~إلى قاصرات الطرف فيقول: # فيهن قاصرات الطرف.. # [الرحمن: 56]. وكذلك في: # ومن دونهما جنتان # [الرحمن: 62] فيهما كذا وفيهما كذا إلى أن يصل إلى الحور العين فيقول: # فيهن خيرات حسان # [الرحمن: 70]. ولك أن تتساءل: الحديث هنا عن الجنتين، فلماذا عدل ~~السياق عن فيهما إلى فيهن في هذه النعمة بالذات؟ قالوا: لأن نعيم الجنة ~~مشترك، يصح أن يشترك فيه الجميع إلا في نعمة الحور العين، فلها ~~خصوصيتها، فكأن الحق تبارك وتعالى يحترم مشاعر الغيرة عند الرجل، ففي ~~هذه المسألة يكون لكل منا جنته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد. لذلك # " لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة رأى فيها قصرا فابتعد ~~عنه، فلما سئل عن ذلك صلى الله عليه وسلم قال: " إنه لعمر، وأنا أعرف ~~غيرة عمر ". # فإلى هذه الدرجة تكون غيرة المؤمن، وإلى هذه الدرجة تكون دقة التعبير ~~في القرآن الكريم. ولولا أن الله تعالى أنزل القرآن ويسره لما حفظه ~~أحد فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الآيات، وحين يسري عنه ~~يمليها على الصحابة، ويظل يقرؤها كما هي، ولولا أن الله ms6273 قال له: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6] ما تيسر له ذلك. ونحن في حفظنا لكتاب الله تعالى نجد ~~العجائب أيضا، فالصبي في سن السابعة يستطيع حفظ القرآن وتجويده، فإن ~~غفل عنه بعد ذلك تفلت منه، على خلاف ما لو حفظ نصا من النصوص في هذه ~~السن يظل عالقا بذهنه. إذن: مسألة حفظ القرآن ليست مجرد استذكار حافظة، ~~بل معونة حافظ، فإن كنت على ود وألفة بكتاب الله ظل معك، وإن ~~تركته وجفوته تفلت منك، كما جاء في الحديث الشريف: # " تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في ~~عقلها ". # ذلك لأن حروف القرآن ليست مجرد حرف له رسم ومنطوق، إنما حروف القرآن ~~ملائكة تصف، فتكون كلمة، وتكون آية، فإن وددت الحرف، وودت الكلمة ~~والآية، ودتك الملائكة، وتراصت عند قراءتك. ومن العجائب في تيسير حفظ ~~القرآن أنك إن أعملت عقلك في القراءة تتخبط فيها وتخطىء، فإن أعدت ~~القراءة هكذا على السليقة كما حفظت تتابعت معك الآيات وطاوعتك. وتلحظ هنا ~~أن القرآن لم يأت باللفظ الصريح، إنما جاء بضمير الغيبة في { ~~يسرناه.. } [مريم: 97] لأن الهاء هنا لا يمكن أن تعود إلا على ~~القرآن، كما في قوله تعالى: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] فضمير الغيبة هنا لا يعود إلا على الله تعالى. وقوله: { ~~بلسانك } [مريم: 97] أي: بلغتك، فجعلناه قرآنا عربيا في أمة عربية ~~ليفهموا عنك البلاغ عن الله في البشارة والنذارة، ولو جاءهم بلغة أخرى ~~لقالوا كما حكى القرآن عنهم: # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته ءاعجمي وعربي.. # [فصلت: 44]. وقول الحق سبحانه وتعالى: { وتنذر به قوما ~~لدا } [مريم: 97]. والإنذار: التحذير من شر سيقع في المستقبل، ~~واللدد: عنف الخصومة، وشراسة العداوة، نقول: فلان عنده لدد أي: ~~يبالغ في الخصومة، ولا يخضع للحجة والإقناع، ومهما حاولت معه يصر ~~على خصومته. وينهي الحق سبحانه سورة مريم بقوله تعالى: { وكم ~~أهلكنا قبلهم... }. ### || [19.98] # الحق - تبارك وتعالى - يسري عن نبيه صلى الله عليه وسلم ما يلاقي من ~~عنت في سبيل دعوته، كأنه يقول له: ms6274 إياك أن ينال منك بغض القوم لك ~~وكرههم لمنهج الله، إياك أن تتضاءل أمام جبروتهم في عنادك، فهؤلاء ~~ليسوا أعز من سابقيهم من المكذبين، الذين أهلكهم الله، إنما أستبقى ~~هؤلاء لأن لهم مهمة معك. وسبق أن أوضحنا أن الذين نجوا من القتل من ~~الكفار في بعض الغزوات، وحزن المسلمون لنجاتهم، كان منهم فيما بعد سيف ~~الله المسلول خالد بن الوليد. يقول تعالى: { وكم أهلكنا ~~قبلهم من قرن.. } [مريم: 98]. كم: خبرية تفيد الكثرة، من قرن: ~~من أمة { هل تحس منهم من أحد.. } [مريم: 98] لأننا ~~أخذناهم فلم نبق منهم أثرا يحس. ووسائل الحس أو الإدراك كما هو ~~معروف: العين للرؤية، والأذن للسمع، والأنف للشم، واللسان للتذوق، واليد ~~للمس، فبأي آداة من أدوات الحس لا تجد لهم أثرا. وقوله: { أو ~~تسمع لهم ركزا } [مريم: 98] الركز: الصوت الخفي، الذي لا ~~تكاد تسمعه. وهذه سنة الله في المكذبين من الأمم السابقة كما قال ~~سبحانه: # أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم ~~أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين # [الدخان: 37]. أين عاد وثمود وإرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد؟ وأين فرعون ذو الأوتاد؟ فكل جبار مهما علت حضارته ما استطاع ~~أن يبقي هذه الحضارة لأن الله تعالى أراد لها أن تزول، وهل كفار مكة ~~أشد من كل هؤلاء؟ لذلك حين تسمع هذا السؤال: { هل تحس منهم ~~من أحد أو تسمع لهم ركزا } [مريم: 98] لا يسعك إلا ~~أن تجيب: لا أحس منهم من أحد، ولا أسمع لهم ركزا. ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1] # تكلمنا كثيرا عن الحروف المقطعة في بدايات السور، ولا مانع هنا أن ~~نشير إلى ما ورد في طه، فالبعض يرى أنها حروف متصلة، وهي اسم من أسماء ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، وآخرون يرون أنها حروف مقطعة مثل الم ~~ومثل يس فهي حروف مقطعة، إلا أنها صادفت اسما من الأسماء كما في ن ~~حرف وهو اسم للحوت: # وذا النون إذ ذهب مغاضبا.. # [الأنبياء: 87] وق حرف، وهو اسم لجبل اسمه جبل قاف. إذن: لا مانع ms6275 أن تدل ~~هذه الحروف على اسم من الأسماء، فتكون طه اسما من أسماء الرسول صلى الله ~~عليه وسلم خاصة، وأن بعدها: # مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى # [طه: 2]. لكن تلاحظ هنا مفارقة، حيث نطق الطاء والهاء بدون الهمزة، مع ~~أنها حروف مقطعة مثل الف لام ميم، لكن لم ينطق الحرف كاملا، لأنهم كانوا ~~يستثقلون الهمز فيخففونها، كما في ذئب يقولون: ذيب وفي بئر، ~~يقولون: بير. وهذا النطق يرجح القول بأنها اسم من أسماء النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وسبق أن أوضحنا أن فواتح السور بالحروف المقطعة تختلف عن ~~باقي آيات القرآن، فكل آيات القرآن من بدايته لنهايته بنيت على ~~الوصل، وإن كان لك أن تقف لذلك فكل المصاحف تبنى على الوصل في ~~الآيات وفي السور، فتنطق آخر السورة على الوصل ببسم الله الرحمن الرحيم ~~في السورة التي بعدها. تقول: # هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا # [مريم: 98] بسم الله الرحمن الرحيم حتى في آخر سور القرآن ونهايته تقول: # من الجنة والناس # [الناس: 6] بسم الله الرحمن الرحيم مع أنها آخر كلمة في القرآن، وماذا ~~سيقول بعدها؟ لكنها جاءت على الوصل إشارة إلى أن القرآن موصول أوله ~~بآخره، لا ينعزل بعضه عن بعض، فإياك أن تجفوه، أو تظن أنك أنهيته لأن ~~نهايته موصولة ببدايته فنقرأ { من الجنة والناس } { بسم ~~الله الرحمن الرحيم } الحمد لله رب العالمين.... إذن: ~~فالقرآن كله في كل جملة وكل آية وكل سورة مبني على الوصل، إلا في ~~فواتح السور بالحروف المقطعة تبنى على الوقف ألف - لام - ميم، وهذا ~~وجه من وجوه الإعجاز، وأن القرآن ليس ميكانيكا، بل كلام معجز من رب ~~العالمين. لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أوضح استقلالية هذه الحروف ~~بذاتها، فقال # " تعلموا هذا القرآن، فإنكم تؤجرون بتلاوته، بكل حرف عشر حسنات، أما إني ~~لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف، بكل حرف عشر حسنات ~~". # يقول الحق سبحانة: { مآ أنزلنا عليك... }. ### || [20.2] # الشقاء: هو التعب والنصب والكد، فالحق سبحانه ينفي عن ms6276 رسوله صلى ~~الله عليه وسلم التعب بسبب إنزال القرآن عليه، إذن: فما المقابل؟ ~~المقابل: أنزلنا عليك القرآن لتسعد، تسعد أولا بأن اصطفاك لأن تكون ~~أهلا لنزول القرآن عليك، وتسعد بأن تحمل نفسك أولا على منهج الله ~~وفعل الخير كل الخير. فلماذا - إذن - جاءت كلمة { لتشقى } [طه: ~~2]؟. هذا كلام الكفار أمثال أبي جهل، ومطعم بن عدي، والنضر بن الحارث، ~~والوليد بن المغيرة حينما ذهبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: ~~لقد أشقيت نفسك بهذه الدعوة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله بعثني رحمة للعالمين ". # فقد بعث رسول الله ليسعد ويسعد معه قومه والناس أجمعين لا ليشقى ويشقي ~~معه الناس. لكن من أين جاء الكفار بمسألة الشقاء هذه؟ المؤمن لو نظر إلى ~~منهج الله الذي نزل به القرآن لوجده يتدخل في إراداته واختياراته، ويقف ~~أمام شهواته، فيأمره بما يكره وما يشق على نفسه، ويمنعه مما يألف ومما ~~يحب. إذن: فمنهج الله ضد مرادات الاختيار، وهذا يتعب النفس ويشق ~~عليها إذا عزلت الوسيلة عن غايتها، فنظرت إلى الدنيا والتكليف ~~منفصلا عن الآخرة والجزاء. أما المؤمن فيقرن بين الوسيلة والغاية، ~~ويتعب في الدنيا على أمل الثواب في الآخرة، فيسعد بمنهج الله، لا يشقى به ~~أبدا. كالتلميذ الذي يتحمل مشقة الدرس والتحصيل لأنه يستحضر فرحة ~~الفوز والنجاح آخر العام. من هنا رأى هؤلاء الكفار في منهج الله مشقة ~~وتعبا، لأنهم عزلوا الوسيلة عن غايتها لذلك شعروا بالمشقة، في حين شعر ~~المؤمنون بلذة العبادة ومتعة التكليف من الله، وهذه المسألة هي التي ~~جعلتهم يتخذون آلهة لا مطالب لها، ولا منهج، ولا تكليف، آلهة يعبدونها ~~على هواهم، ويسيرون في ظلها على حل شعورهم. لذلك أوضح القرآن أنهم ~~مغفلون في هذه المسألة، فقال: { مآ أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى } [طه: 2]. أو يكون الشقاء: تعرضه لعتاة قريش وصناديدها ~~الذين سخروا منه، وآذوه وسلطوا عليه سفهاءهم وصبيانهم، يشتمونه ويرمونه ~~بالحجارة، وهو صلى الله عليه وسلم يشقي نفسه بدعوتهم والحرص على ~~هدايتهم. والحق تبارك وتعالى ينفي الشقاء ms6277 بهذا المعنى أيضا: { مآ ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى } [طه: 2] أي: لتشقي نفسك ~~معهم، إنما أنزلناه لتبلغهم فحسب، وقد تكرر هذا المعنى في القرآن كثيرا ~~في مثل قوله تعالى: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6] وقوله: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4]. وسبق أن ضربنا لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - برجل ~~عنده عبدان: ربط أحدهما إليه بحبل، وأطلق الآخر حرا، فإذا ما دعاهما ~~فاستجابا لأمره، فأيهما أطوع له، وأكثر احتراما لأمره؟ لا شك أنه الحر ~~الطليق لأنه جاء مختارا، في حين كان قادرا على العصيان. # وكذلك ربك - تبارك وتعالى - يريد منك أن تأتيه حرا مختارا مؤمنا، ~~وأنت قادر ألا تؤمن. والبعض يحلو لهم نقد الإسلام واتهام الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، فيقولون: إن رسول الله يخطىء والله يصوب له، ونتعجب: ~~وما يضيركم أنتم؟ طالما أن ربه هو الذي يصوب له، هل أنتم الذين ~~صوبتم لرسول الله!؟ ثم من أخبركم بخطأ رسول الله؟ أليس هو الذي ~~أخبركم؟ أليس هذا من قوة أمانته في التبليغ ويجب أن تحمد له؟ إذن: فرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يستنكف أن يربيه ربه لذلك يقول: # " إنما أنا بشر يرد علي - يعني من الحق - فأقول: أنا لست كأحدكم، ~~ويؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم ". # وقد تمحك هؤلاء كثيرا في قصة عبد الله بن أم مكتوم، حينما انشغل عنه ~~رسول الله بكبار قريش، والمتأمل في هذه القصة يجد أن ابن أم مكتوم كان ~~رجلا مؤمنا جاء ليستفهم من رسول الله عن شيء، فالكلام معه ميسور وأمر ~~سهل، أما هؤلاء فهم رؤوس الكفر وكبار القوم، ولديهم مع ذلك لدد في ~~خصومتهم للإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم يحرص على هدايتهم ويرهق ~~نفسه في جدالهم أملا في أن يهدي الله بهم من دونهم. إذن: النبي في ~~هذا الموقف اختار لنفسه الأصعب، وربه يعاتبه على ذلك، فهو عتاب لصالحه، ~~له لا عليه. ثم يقول الحق سبحانه: ms6278 { إلا تذكرة لمن... }. ### || [20.3] # أي: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، وإنما أنزلناه تذكرة أي تذكيرا ~~لمن يخشى الخشية: خوف بمهابة لأن الخوف قد يكون خوفا دون مهابة، ~~أما الخوف من الله فخوف ومهابة معا. ### || [20.4] # تنزيلا: مصدر أي: أنزلناه تنزيلا، وقد ورد في نزول القرآن: أنزلناه، ~~ونزلناه ونزل، يقول تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر * ومآ أدراك ما ~~ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر * ~~تنزل الملائكة والروح فيها.. # [القدر: 1-4]. لأن القرآن أخذ أدوارا عدة في النزول، فقد كان في ~~اللوح المحفوظ، فأراد الله له أن يباشر القرآن مهمته في الوجود، فأنزله ~~من اللوح المحفوظ مرة واحدة إلى السماء الدنيا. فأنزله - أي الله تعالى - ~~ثم تنزل مفرقا حسب الأحداث من السماء الدنيا على قلب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والذي نزل به جبريل: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. وقوله تعالى: { ممن خلق الأرض ~~والسماوات العلى } [طه: 4]. خص السماوات والأرض، لأنها من ~~أعظم خلق الله، وقد أعدهما الله ليستقبلا الإنسان، فالإنسان طرأ على ~~كون معد جاهز لاستقباله، فكان عليه ساعة أن يرى هذا الكون ~~المعد لخدمته بأرضه وسمائه، ولا قدرة له على تسيير شيء منها، كان عليه ~~أن يعمل عقله، ويستدل بها على الموجد سبحانه وتعالى. كأن الحق - تبارك ~~وتعالى - يقول لك: إذا كان الخالق سبحانه قد أعد لك الكون بما يقيم ~~حياتك المادية، أيترك حياتك المعنوية بدون عطاء؟ والخالق عز وجل خلق هذا ~~الكون بهندسة قيومية عادلة حكيمة توفر لخليفته في الأرض استبقاء ~~حياته، وتعطيه كل ما يحتاج إليه بقدر دقيق، واستبقاء الحياة يحتاج إلى ~~طعام وشراب وهواء، وقد أعطاها الله للإنسان بحكمة بالغة. فالطعام يحتاجه ~~الإنسان، ويستطيع أن يصبر عليه شهرا، دون أن يأكل، ويحتاج إلى الماء ~~ولكن لا يستطيع أن يصبر عليه أكثر من عشرة أيام، ويحتاج إلى الهواء ولكن ~~لا يصبر عليه لحظة تستغرق عدة أنفاس. لذلك، فمن رحمته تعالى بعباده ~~أن يمتلك بعض الناس القوت، فالوقت أمامك طويل لتحتال على كسبه، ~~وقليلا ما ms6279 يملك أحد الماء، أما الهواء الذي لا صبر لك عليه، فمن ~~حكمة الله أنه لا يملكه أحد، وإلا لو منع أحد عنك الهواء لمت قبل أن ~~يرضى عنك. فمن حكمة الله أن خلق جسمك يستقبل مقومات استبقاء الحياة ~~فترة من الزمن تتسع للحيلة وللعطف من الغير، وحين تأكل يأخذ الجسم ما ~~يحتاجه على قدر الطاقة المبذولة، وما فاض يختزن في جسمك على شكل ~~دهن يغذي الجسم حين لا يتوفر الطعام. ومن عجائب قدرة الله أن هذه ~~المادة الدهنية تتحول تلقائيا إلى أي مادة أخرى يحتاجها الجسم، فإن ~~احتاج الحديد تتحول كيماويا إلى الحديد، وإن احتاج الزرنيخ تتحول ~~كيماويا إلى زرنيخ، وهي في الواقع مادة واحدة، فمن يقدر على هذه ~~العملية غيره تعالى؟ وبعد أن أعطاك ما يستبقي حياتك من الطعام والشراب ~~والهواء أعطاك ما يستبقي نوعك بالزواج والتناسل. وقوله تعالى: { ~~السماوات العلى } [طه: 4] العلا: جمع عليا، كما نقول في جمع ~~كبرى: كبر # إنها لإحدى الكبر # [المدثر: 35]. وهكذا تكتمل مقومات التكوين العالي لخليفة الله في ~~الأرض، فكما أعطاه ما يقيم حياته ونوعه بخلق السماوات والأرض، أعطاه ما ~~يقيم معنوياته بنزول القرآن الذي يحرس حركاتنا من شراسة الشهوات، فالذي ~~أنزل القرآن هو الذي خلق الأرض والسماوات العلا. والصفة البارزة في هذا ~~التكوين العالي للإنسان هي صفة الرحمانية لذلك قال بعدها: { ~~الرحمن على... }. ### || [20.5] # فالآية السابقة أعطتنا مظهرا من مظاهر العطف والرحمة، وهذه تعطينا ~~مظهرا من مظاهر القهر والغلبة، واستواء الرحمن - تبارك وتعالى - على ~~العرش يؤخذ في إطار. # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. وسبق أن تكلمنا في الصفات المشتركة بين الحق سبحانه وبين ~~خلقه، فلك سمع وبصر، ولله سمع وبصر، لكن إياك أن تظن أن سمع الله ~~كسمعك، أو أن بصره كبصرك. كذلك في مسألة الاستواء على العرش، فللحق ~~سبحانه استواء على عرشه، لكنه ليس كاستوائك أنت على الكرسي مثلا. والعرش ~~في عرف العرب هو سرير الملك، وهل يجلس الملك على سريره ليباشر أمر ~~مملكته ويدير شئونها إلا بعد أ ن يستتب له الأمر؟ ms6280 وكذلك الخالق - ~~جل وعلا - خلق الكون بأرضه وسمائه، وخلق الخلق، وأنزل القرآن لينظم ~~حياتهم، وبعد أن استتب له الأمر لم يترك الكون هكذا يعمل ميكانيكيا، ~~ولم ينعزل عن كونه وعن خلقه لأنهم في حاجة إلى قيوميته تعالى في ~~خلقه. ألم يقل الحق سبحانه في الحديث القدسي: # " يا عبادي ناموا ملء جفونكم، لأني قيوم لا أنام ". # فكون الله ليس آلة تعمل من تلقاء نفسها، وإنما هو قائم بقيوميته عليه ~~لا يخرج عنها لذلك كانت المعجزات التي تخرق نواميس الكون دليلا على هذه ~~القيومية. ثم يقول الحق سبحانه: { له ما في السماوات وما في ~~الأرض... }. ### || [20.6] # الحق - تبارك وتعالى - يمتن بما يملكه سبحانه في السماوات وفي الأرض ~~وما تحت الثرى، والله تعالى لا يمتن إلا بملكية الشيء النفيس الذي ~~ينتفع به. وكأنه سبحانه يلفت أنظار خلقه إلى ما في الكون من مقومات ~~حياتهم المادية ليبحثوا عنها، ويستنبطوا ما ادخره لهم من أسرار وثروات ~~في السماوات والأرض، والناظر في حضارات الأمم يجد أنها جاءت إما حفريات ~~الأرض، أو من أسرار الفضاء الأعلى في عصر الفضاء. ولو فهم المسلمون هذه ~~الآية منذ نزلت لعلموا أن في الأرض وتحت الثرى وهو: التراب كنوزا ~~وثروات ما عرفوها إلا في العصر الحديث بعد الاكتشافات والحفريات، فوجدنا ~~البترول والمعادن والأحجار الثمينة، كلها تحت الثرى مطمورة تنتظر من ~~ينقب عنها وينتفع بها. وقد أوضح العلماء أن هذه الثروات موزعة في أرض ~~الله بالتساوي، بحيث لو أخذت قطاعات متساوية من أراض مختلفة لوجدت أن ~~الثروات بها متساوية: هذه بها ماء، وهذه مزروعات، وهذه معادن، وهذه بترول ~~وهكذا. فهي أشبه بالبطيخة حين تقسمها إلى قطع متساوية من السطح إلى ~~المركز. لذلك يقول تعالى: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21]. إذن: فالخير موجود ينتظر القدر ليظهر لنا وننتفع به. ثم ~~يقول تبارك وتعالى: { وإن تجهر بالقول... }. ### || [20.7] # الحق - سبحانه وتعالى - حينما يطلب من رسوله أن يذكر يريد منه أن ~~يذكر تذكيرا مرتبطا بنيته، لا ليقطع العتب ms6281 عنه نفسه، فالمسألة ~~ليست جهرا بالتذكير. وإذا كان تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: ~~إنني سأحرس سرك كما أحرس علانيتك، وأن الجهر عندي مثل السر، بل وأخفى من ~~السر، وهو صلى الله عليه وسلم مؤتمن على الرسالة فإنه تعالى يقول أيضا ~~لأمته: إياكم أن تقولوا كلاما ظاهره فيه الرحمة، ونيتكم غير مستقرة عليه ~~لأن الله كما يعلم الجهر يعلم السر، وما هو أخفى من السر. وتكلمنا عن ~~الجهر، وهو أن تسمع من يريد أن يسمع، والسر: أن تخص واحدا بأن تضع ~~في أذنه كلاما لا تحب أن يشيع عند الناس، وتهمس في أذنه بأنك المأمون ~~على هذا الكلام، وأنت ترتاح نفسيا حينما تلقي بسرك إلى من تثق ~~فيه، وتأمن ألا يذيعه، وهناك في حياة كل منا أمور تضيق النفس بها، فلا ~~بد لك أن تنفس عن نفسك، كما قال الشاعر: # ولا بد من شكوى إلى ذي مروءة # يواسيك أو يسليك أو يتوجع # فأنت - إذن - في حاجة لمن يسمع منك ليريحك، وينفس عنك، ولا يفضحك ~~بما أسررت إليه. ومعنى { وأخفى } [طه: 7] أي: أخفى من السر، فإن ~~كان سرك قد خرج من فمك إلى أذن سامعك، فهناك ما هو أخفى من السر، ~~أي: ما احتفظت به لنفسك ولم تتفوه به لأحد. لذلك يقول تعالى: # وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات ~~الصدور # [الملك: 13] أي: مكنوناتها قبل أن تصير كلاما. وقال أيضا: # ونعلم ما توسوس به نفسه.. # [ق: 16] فوسوسة النفس، وذات الصدور هي الأخفى من السر، فلدينا - إذن ~~- جهر، وسر، وأخفى من السر، لكن بعض العارفين يقول: وهناك في علم ~~الله ما هو أخفى من الأخفى، فما هو؟ يقول: إنه تعالى يعلم ما سيكون في ~~النفس قبل أن يكون. وبعد ذلك جاء الحق سبحانه بالكلمة التي بعث عليها ~~الرسل جميعا: { الله لا إله إلا هو... }. ### || [20.8] # هذه الكلمة لا إله إلا هو هي قمة العقيدة، وقال عنها النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " خير ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله ms6282 إلا الله ". # وما دام لا إله إلا الله، فهو سبحانه المؤتمن عليك، فليس هناك إله آخر ~~يعقب عليه، فاعمل لوجهه يكفك كل الأوجه وتريح نفسك أن تتنازعك قوى ~~شتى ومختلفة، ويغنيك عن كل غنى. # " وحينما دخل أعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم مع أبي ~~بكر - رضي الله عنه - لم يفهم من كلامهما شيئا، فقال: يا رسول الله أنا ~~لا أحسن دندنتك ولا دندنة أبي بكر، أنا لا أعرف إلا: لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: " حولها ندندن يا أخا العرب ~~". # فهي الأساس والمركز الذي يدور حوله الإسلام. وكلمة الله علم على واجب ~~الوجود بكل صفات الكمال له، فهو الله الموجود، الله القادر، الله العالم، ~~الله الحي، الله المحيي، الله الضار. فكل هذه صفات له سبحانه، لكن هذه ~~الصفات لما بلغت حد الكمال فيه تعالى أصبحت كالاسم العلم، بحيث ~~إذا أطلق الخالق لا ينصرف إلا له، والرازق لا ينصرف إلا له. وقد يشترك ~~الخلق مع الخالق في بعض الصفات، كما في قوله تعالى: # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم.. # [النساء: 8]. فالإنسان أيضا يرزق، لكن رزقه من باطن رزق الله، فهو ~~سبحانه الرازق الأعلى، ومن بحره يغترف الجميع. وكما في قوله تعالى: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] وقال تعالى: # وتخلقون إفكا.. # [العنكبوت: 17]. ومعنى ذلك أن هناك خالقين غيره سبحانه، ومعنى الخلق: ~~الإيجاد من عدم، فالذي جاء بالرمل وصنع منه كوبا فهو خالق للكوب، فأنت ~~أوجدت شيئا من عدم، والله تعالى أوجد شيئا من عدم، ولكنك أوجدت من ~~موجود الله قبل أن توجد أنت، فهو - إذن - أحسن الخالقين في حين لم يضن ~~عليك ربك بأن ينصفك ويسميك خالقا. وهذا يوجب عليك أن تنصفه سبحانه ~~وتقول # أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. وأيضا، فإن الله تعالى إذا احترم إيجادك لمعدوم ~~فسماك خالقا له، ولم يضن عليك فأعطاك صفة من صفاته إنما أخبرك أنه ~~أحسن الخالقين لأنك توجد معدوما يظل على إيجادك ويجمد على هذه الحالة، ms6283 ~~لكن الخالق - سبحانه وتعالى - يوجد معدوما ويمنحه الحياة، ويجعله ~~يلتقي بمثله وينجب، فهل يستطيع الإنسان الذي أوجد كوبا أن يجعل منه ~~ذكرا وأنثى ينتجان لنا الأكواب؟! وهل يكبر الكوب الصغير، أو يتألم إن ~~كسر مثلا؟! إذن: فالخالق سبحانه هو أحسن الخالقين، وكذلك هو خير ~~الرازقين، وخير الوارثين، وخير الماكرين. # وقوله تعالى: { له الأسمآء الحسنى } [طه: 8] الحسنى: صيغة ~~تفضيل للمؤنث مثل: كبرى، تقابل " أحسن " للمذكر. إذن: فهناك أسماء حسنة ~~هي أسماء الخلق، أما أسماء الله فحسنى لأنها بلغت القمة في الكمال، ~~ولأن الأسماء والصفات التي تنطبق عليها موجودة في الخالق الأعلى سبحانه، ~~فحين تقول في أسماء الله تعالى الرازق فهي الصفة الحسنى لا الحسنة. ~~لذلك لما أراد رجل يدعى سعد أن يشاور أباه في خطبة ابنته حسنى وقد تقدم ~~لها رجلان: حسن وأحسن. فقال له أبوه فحسنى يا سعد للأحسن. وقال تعالى: # للذين أحسنوا الحسنى وزيادة.. # [يونس: 26] فلم يقل: حسنة، لأنهم أحسنوا فاستحقوا الحسنى بل وزيادة. ~~وأسماء الله تعالى هي في الحقيقة صفات، إلا أنها لما أطلقت على الحق - ~~تبارك وتعالى - أصبحت أسماء. ولك أن تسمى فتاة زنجية قمر وتسمى ~~قزما الطويل لأن الاسم إذا أطلق علما على الغير انحل عن معناه ~~الأصلي ولزم العلمية فقط، لكن أسماء الله بقيت على معناها الأصلي حتى ~~بعد أن أصبحت علما على الله تعالى، فهي - إذن - أسماء حسنى. وبعد ~~أن تكلم الحق - تبارك وتعالى - عن الرسول الخاتم صاحب المنهج الخاتم - ~~فليس بعده نبي وليس بعد منهجه منهج - أراد سبحانه أن يسليه تسلية ~~تبين مركزه في موكب الرسالات، وأن يعطيه نموذجا لمن سبقوه من الرسل، ~~وكيف أن كل رسول تعب على قدر رسالته، فإن كانت الرسالات السابقة ~~محدودة الزمان محدودة المكان، ومع ذلك تعب أصحابها في سبيلها، فما بالك ~~برسول جاء لكل الزمان ولكل المكان؟ لا بد أنه سيواجه من المتاعب مثل ~~هؤلاء جميعا. إذن: فوطن نفسك يا محمد على أنك ستلقى من المتاعب ~~والصعاب ما يناسب عظمتك في الرسالة وخاتميتك للأنبياء، وامتداد رسالتك في ms6284 ~~الزمان إلى أن تقوم الساعة، وفي المكان إلى ما اتسعت الأرض. لذلك ~~اختار الحق - تبارك وتعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم نبيا من أولي ~~العزم لأنه جاء لبني إسرائيل وجاء لفرعون، وقد كان بنو إسرائيل قوما ~~ماديين، أما فرعون فقد ادعى الألوهية، اختار موسى - عليه السلام - ~~ليقص على رسول الله قصته ويسليه فيما يواجهه من متاعب الدعوة، كما ~~قال تعالى: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك وجآءك في هذه الحق وموعظة وذكرى ~~للمؤمنين # [هود: 120]. وقال تعالى: # قل ما كنت بدعا من الرسل.. # [الأحقاف: 9]. فأنت يا محمد كغيرك من الرسل، وقد وجدوا من المشقة على ~~قدر رسالاتهم، وسوف تجد أنت أيضا من المشقة على قدر رسالتك. ونضرب ~~لذلك مثلا بالتلميذ الذي يكتفي بالإعدادية وآخر بالثانوية أو الجامعة، ~~وآخر يسعى للدكتوراة، فلا شك أن كلا منهم يبذل من الجهد على قدر ~~مهمته. لذلك يقول تعالى: { وهل أتاك... }. ### || [20.9] # إذا جاء الاستفهام من الله تعالى فاعلم أنه استفهام على غير حقيقته، فلا ~~يراد هنا طب الفهم، لأن أخبار محمد تأتيه من ربه - عز وجل - فكيف ~~يستفهم منه. إنما المراد بالاستفهام هنا التشويق لما سيأتي كما تقول ~~لصاحبك: هل بلغك ما حدث بالأمس؟ فيشوقه لسماع ما حدث. والحديث: أي ~~الخبر عنه سواء أكان بالوحي، أو بغير الوحي، كأن حكيت له قصة موسى عليه ~~السلام.. فهل بلغتك هذه القصة؟ اسمعها الآن مني: { إذ رأى نارا ~~فقال لأهله... }. ### || [20.10] # نلحظ هنا أن السياق لم يذكر قصة موسى من أولها لما قال تعالى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه.. # [القصص: 7] ثم خروجه من المدينة خائفا وذهابه إلى شعيب.. الخ، وإنما ~~قصد إلى مناط الأمر، وهي الرسالة مباشرة. وقوله: { إني آنست ~~نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على ~~النار هدى } [طه: 10] آنست: أي أبصرت، وشعرت بشيء يستأنس به ويفرح ~~به ويطمأن إليه، ومقابلها توجست للشر الذي يخاف منه كما في قوله: # فأوجس في نفسه خيفة موسى # [طه: 67]. لعلى رجاء أن أجد فيها القبس، ms6285 وهو شعلة النار التي ~~تتخذ من النار إن إدركت النار وهي ذات لهب، فتأخذ منها عودا ~~مشتعلا مثل الشمعة. وفي سياق آخر قال: جذوة وهي النار حينما ينطفىء ~~لهبها ويبقى منها جمرات يمكن أن تشعل منها النار. وفي موضع آخر قال: # سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس.. # [النمل: 7]. وهذه كلها صور متعددة، وحالات للنار، ليس فيها تعارض كما ~~يحلو للبعض أن يقول، فموسى عليه السلام حينما قال { لعلي ~~آتيكم.. } [طه: 10] يرجو أن يجد القبس، لكن لا يدري حال النار عندما ~~يأتيها، أتكون قبسا أم جذوة؟ وقد طلب موسى - عليه السلام - القبس ~~لأهله لأنهم كانوا في ليلة مطيرة شديدة البرد، وهم غرباء لا يعلمون شيئا ~~عن المكان، فهو غير مطروق لهم فيسيرون لا يعرفون لهم اتجاها، فماذا يفعل ~~موسى عليه السلام ومعه زوجته وولده الصغير وخادمه؟ إنهم في أمس الحاجة ~~للنار، إما للتدفئة في هذا الجو القارس، وإما لطلب هداية الطريق، لذلك ~~قال: { أو أجد على النار هدى } [طه: 10] أي: هاديا يدلنا ~~على الطريق. وفي موضع آخر قال: # لعلي آتيكم منها بخبر.. # [القصص: 29]. لذلك لما أبصر موسى عليه السلام النار أسرع إليها بعد أن ~~طمأن أهله: { امكثوا إني آنست نارا.. } [طه: 10]. وهذه ~~المسألة من قصة موسى كانت مثار تشكيك من خصوم الإسلام، حيث وجدوا ~~سياقات مختلفة لقصة واحدة، فمرة يقول: { امكثوا إني آنست ~~نارا لعلي آتيكم.. } [طه: 10]، وفي موضع آخر يقول: # لعلي آتيكم منها بخبر.. # [القصص: 29]. ومرة يقول: قبس وأخرى يقول بشهاب قبس ومرة ~~بجذوة ومرة يقول: { أو أجد على النار هدى } [طه: 10] ومرة ~~يقول: # لعلي آتيكم منها بخبر.. # [القصص: 29]. والمتأمل في الموقف الذي يعيشه الآن موسى وامرأته وولده ~~الصغير وخادمه في هذا المكان المنقطع وقد أكفهر عليهم الجو، يجد اختلاف ~~السياق هنا أمرا طبيعيا، فكل منهم يستقبل الخبر من موسى بشكل خاص، ~~فلما رأى النار وأخبرهم بها أراد أن يطمئنهم فقال: # سآتيكم.. # [النمل: 7] فلما رآهم متعلقين به يقولون: لا تتركنا في هذا المكان ~~قال: { امكثوا.. } [طه: 10] وربما قال هذه ms6286 لزوجه وولده وقال هذه ~~لخادمه. فلا بد أنهم راجعوه. فاختلفت الأقوال حول الموقف الواحد. كذلك ~~في قوله: قبس أو جذوة لأنه حين قال: { لعلي آتيكم.. } ~~[طه: 10] يرجو أن يجد هناك القبس، لكن لعله يذهب فيجد النار جذوة. وفي ~~مرة أخرى يجزم فيقول: # سآتيكم.. # [النمل: 7]. إذن: هي لقطات مختلفة تكون نسيج القصة الكاملة، وتعددت ~~الكلمات لأن الموقف قابل للمراجعة، ولا ينتهي بكلمة واحدة. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { فلمآ أتاها نودي... }. ### || [20.11] # يقال: إن موسى عليه السلام لما أتاها وجد نورا يتلألأ في شجرة، لكن لا ~~خضرة الشجرة تؤثر في النور فتبهته، ولا النور يطغى على خضرة الشجرة ~~فيمنع عنها الخضرة، فهي - إذن - مسألة عجيبة لا يقدر عليها إلا الله. ~~فكانت هذه النار هي أول الإيناس لموسى في هذا المكان الموحش، وكأن هذا ~~المنظر العجيب الذي رآه إعداد إلهي لموسى حتى يتلقى عن ربه، فليست ~~المسألة مجرد منظر طبيعي. وقوله تعالى: { نودي يموسى.. } [طه: 11] ~~أي: في هذه الدهشة { نودي.. } [طه: 11] فالذي يناديه يعرفه تماما ~~لذلك ناداه باسمه { يموسى.. } [طه: 11] وما دام الأمر كذلك فطمع ~~الخير فيه موجود، وبدأ موسى يطمئن إلى مصدر النداء، ويأنس به، ويبحث عن ~~مصدر هذا الصوت، ولا يعرف من أين هو لذلك اعتبرها مسألة عجيبة مثل منظر ~~الشجرة التي ينبعث منها النور. ### || [20.12] # فساعة أن كلمه ربه: { إني أنا ربك.. } [طه: 12] أزال ما ~~في نفسه من العجب والدهشة لما رآه وسمعه، وعلم أنها من الله تعالى ~~فاطمأن واستبشر أن يرى عجائب أخرى؟ ونلحظ في قوله تعالى: { إني ~~أنا ربك.. } [طه: 12] أن الحق - تبارك وتعالى - حينما يتحدث عن ~~ذاته تعالى يتحدث بضمير المفرد { إني أنا ربك.. } [طه: 12] ~~وحينما يتحدث عن فعله يتحدث بصيغة الجمع، كما في قوله عز وجل: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] # إنا نحن نزلنا الذكر.. # [الحجر: 9] # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها.. # [مريم: 40]. فلماذا تكلم عن الفعل بصيغة الجمع، في حين يدعونا إلى ~~توحيده وعدم الإشراك به؟ قالوا: الكلام عن ذاته تعالى لا بد فيه ms6287 من ~~التوحيد، كما في: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري # [طه: 14]. لكن في الفعل يتكلم بصيغة الجمع لأن الفعل يحتاج إلى صفات ~~متعددة وإمكانات شتى، يحتاج إلى إرادة تريده، وقدرة على تنفيذه ~~وإمكانات وعلم وحكمة. إذن: كل صفات الحق تتكاتف في الفعل لذلك جاء الحديث ~~عنه بصيغة الجمع، ويقولون في النون في قوله: # نزلنا الذكر.. # [الحجر: 9] # نرث الأرض.. # [مريم: 40] أنها: نون التعظيم. وقد جاء الخطاب لموسى بلفظ الربوبية { ~~إني أنا ربك.. } [طه: 12] لإيناس موسى لأن الربوبية عطاء، ~~فخطابه بربك أي الذي يتولى رعايتك وتربيتك، وقد خلقك من عدم، وأمدك من ~~عدم، ولم يقل: إني أنا الله لأن الألوهية مطلوبها تكليف وعبادة وتقييد ~~للحركة بافعل كذا ولا تفعل كذا. وقوله تعالى: { إني أنا ربك.. ~~} [طه: 12] أي: ربك أنت بالذات لا الرب المطلق لأن الرسل مختلفون عن ~~الخلق جميعا، فلهم تربية مخصوصة، كما قال تعالى: # ولتصنع على عيني # [طه: 39] وقال: # واصطنعتك لنفسي # [طه: 41]. إذن: فالحق تبارك وتعالى يربي الرسل تربية تناسب المهمة ~~التي سيقومون بها. وقوله تعالى: { فاخلع نعليك.. } [طه: 12] هذا ~~أول أمر، وخلع النعل للتواضع وإظهار المهابة ولأن المكان مقدس ~~والعلة { إنك بالواد المقدس طوى } [طه: 12] فاخلع نعليك ~~حتى لا تفصل جسمك عن تربة هذا المكان المقدس الطاهر، ولا تجعل نعليك ~~يحولان بينك وبين مباشرة ذرات هذا التراب. ومن ذلك ما نراه في مدينة رسول ~~الله من أناس يمشون بها حافيي الأقدام، يقول أحدهم: لعلي أصادف بقدمي ~~موضع قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله: { طوى } [طه: 12] اسم ~~الوادي وهذا كلام عام جاء تحديده في موضع آخر، فقال سبحانه: # فلمآ أتاها نودي من شاطىء الوادي الأيمن في ~~البقعة المباركة من الشجرة.. # [القصص: 30]. والبعض يرى في الآية تكرارا، وليست الآية كذلك، إنما هو ~~تأسيس لكلام جديد يوضح ويحدد مكان الوادي المقدس طوى أين هو، فإن ~~قلت: أين طوى؟ يقول لك: في الواد الأيمن، لكن الواد الأيمن نفسه طويل، ~~فأين منه هذا المكان؟ يقول لك: عند البقعة ms6288 المباركة من الشجرة. إذن: ~~فالآية الثانية تحدد لك المكان، كما تقول أنت: أسكن في حي كذا، وفي شارع ~~كذا، في رقم كذا. ثم يقول الحق سبحانه: { وأنا اخترتك ~~فاستمع... }. ### || [20.13] # أي: وإن كنت ربا لك وربا للكافرين فسوف أزيدك خصوصية لك { وأنا ~~اخترتك } [طه: 13] أي: للرسالة، والله أعلم حيث يجعل رسالته. لذلك ~~لم نزل القرآن على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اعترض كفار مكة ~~على القرآن، ولم يجدوا فيه عيبا فيما يدعو إليه من أخلاق فاضلة ومثل ~~عليا، ولم يجدوا فيه مأخذا في أسلوبه، وهم أمة ألفت الأسلوب الجيد، ~~وعشقت آذانها فصاحة الكلام، فتوجهوا بنقدهم إلى رسول الله فقالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. فكل اعتراضهم أن ينزل القرآن على محمد بالذات لذلك ~~رد عليهم القرآن بما يكشف غباءهم في هذه المسألة، فقال: # أهم يقسمون رحمت ربك # [الزخرف: 32] كيف ونحن قد قسمنا بينهم معيشتهم الأدنى: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم # [الزخرف: 32]. وهم يريدون أن يقسموا رحمة الله فيقولون: نزل هذا على ~~هذا، وهذا على هذا؟ ثم يقول تعالى: { فاستمع لما يوحى } [طه: ~~13] مادة: سمع. منها: سمع، واستمع وتسمع. قولنا: سمع أي مصادفة وأنت ~~تسير في الطريق تسمع كلاما كثيرا. منه ما يهمك وما لا يهمك، فليس على ~~الأذن حجاب يمنع السمع كالجفن للعين، مثلا حين ترى منظرا لا تحبه. ~~إذن: أنت تسمع كل ما يصل إلى أذنك، فليس لك فيه خيار. إنما: استمع أن ~~تتكلف السماع، والمتكلم حر في أن يتكلم أو لا يتكلم. وتسمع. أي: ~~تكلف أشد تكلفا لكي يسمع. لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم حين يخبر ~~أنه ستعم بلوى الغناء، وستنتشر الأجهزة التي ستشيع هذه البلوى، وتصبها ~~في كل الآذان رغما عنها يقول: # " من تسمع إلى قينة صب الآنك في أذنيه ". # أي: تكلف أن يسمع، وتعمد أن يوجه جهاز الراديو أو التليفزيون إلى ~~هذا الغناء، ولم يقل: سمع، وإلا فالجميع يناله من هذا الشر رغما ~~عنه. وهنا قال تعالى: فاستمع ms6289 ولم يقل: تسمع: لأنه لا يقترح على ~~الله تعالى أن يتكلم، ومعنى: استمع أي: جند كل جوارحك، وهيىء كل ~~حواسك لأن تسمع، فإن كانت الأذن للسمع، فهناك حواس أخرى يمكن أن ~~تشغلها عن الانتباه، فالعين تبصر، والأنف يشم، واللسان يتكلم. فعليك أن ~~تجند كل الحواس لكي تسمع، وتستحضر قلبك لتعي ما تسمعه، وتنفذ ما طلب ~~منك لذلك حين تخاطب صاحبك فتجده منشغلا عنك تقول: كأنك لست معنا. ~~لماذا؟ لأن جارحة من جوارحه شردت، فشغلته عن السماع. وقوله تعالى: { ~~لما يوحى } [طه: 13] الوحي عموما: إعلام بخفاء من أي لأي في ~~أي، خيرا كان أم شرا، أما الوحي الشرعي فهو: إعلام من الله إلى رسول ~~أرسله بمنهج خير للعباد، فإن كان الوحي من الله إلى أم موسى مثلا، أو ~~إلى الحواريين فليس هذا من الوحي الشرعي. # وهكذا تحددت من أي لأي في أي. لكن، كيف ينزل الوحي من الله ~~تعالى على الرسول؟ كيف تلتقى الألوهية في علوها بالبشرية في دنوها؟ ~~إذن: لا بد من واسطة لذلك قال تعالى: # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس.. # [الحج: 75]. فالمصطفى من الملائكة يتقبل من الله، ويعطي للمصطفى من ~~البشر لأن الأعلى لا يمكن أن يلتقي بالأدنى مباشرة # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشآء.. # [الشورى: 51]. فاستعداد الإنسان وطبيعته لا تؤهله لهذا اللقاء، كيف ~~ولما تجلى الحق - سبحانه - للجبل جعله دكا، ومن عظمته سبحانه أننا ~~لا نراه ولا نتكلم معه مباشرة، ولا نحسه بأي حاسة من حواسنا، ولو ~~حس الإله بأي حاسة ما استحق أن يكون إلها. وكيف يحس الحق - ~~تبارك وتعالى - ومن خلقه وصنعته ما لا يحس، كالروح مثلا؟ فنحن ~~لا نعلم كنهها، ولا أين هي، ولا نحسها بأي حاسة من حواسنا، فإذا ~~كانت الروح المخلوقة لم نستطع أن ندركها، فكيف ندرك خالقها؟ الحق الذي ~~يدعيه الناس ويتمسحون فيه، ويفخر كل منهم أنه يقول كلمة الحق، وكذلك ~~العدل وغيرها من المعاني: أتدركها، أتعرف ms6290 لها شكلا؟ فكيف - إذن - تطمع ~~في أن تدرك الخالق عز وجل؟ إذن: من عظمته سبحانه أنه لا تدركه الحواس، ~~ولا يلتقي بالخلق لقاء مباشرا، فالمصطفى من الملائكة يأخذ عن الله، ~~ويعطى للمصطفى من الخلق، ثم المصطفى من الخلق يعطى للخلق، ومع ذلك ~~كان صلى الله عليه وسلم يجهد، ويتصبب جبينه عرقا في أول الوحي؟ ~~ولذلك شاء الحق سبحانه أن يحجب الوحي عن رسوله فترة ليستريح من مباشرة ~~الملك له، وبانقطاع الوحي تبقى لرسول الله حلاوة ما أوحي إليه ويتشوق ~~إلى الوحي من جديد، فيهون عليه ما يلاقي في سبيله من مشقة لأن انشغال ~~القلب بالشيء ينسي متاعبه؟. وقد روي أنه صلى الله عليه وسلم حين ينزل ~~عليه الوحي يسمع حوله دوي كدوي النحل، ولو صادف أن رسول الله ~~وضع رجله على أحد أصحابه حين نزول الوحي عليه فكان الصحابي يشعر كأنها ~~جبل، وإن نزل الوحي وهو على دابة كانت تنخ وتئن من ثقله. وقد مثلنا ~~للواسطة بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية بالتيار الكهربائي حين ~~نوصله بمصباح صغير لا يتحمل قوة التيار، فيضعون له جهازا ينظم ~~التيار، ويعطي للمصباح على قدر حاجته وإلا يحترق. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { إنني أنا الله... }. ### || [20.14] # في الآية قبل السابقة خاطبه ربه: # إني أنا ربك # [طه: 12] ليطمئنه ويؤنسه بأنه المربي العطوف، يعطي حتى للكافر الذي ~~يعصاه، لكن هنا يخاطبه بقوله: { إنني أنا الله } [طه: 14] أي: ~~صاحب التكاليف، والمعبود المطاع في الأمر والنهي، وأول هذه التكاليف ~~وقمتها، والينبوع الذي يصدر عنه كل السلوك الإيماني: { إنني أنا ~~الله لا إله إلا أنا } [طه: 14]. لذلك قال عنها النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله ". # وما دام لا إله إلا هو فلا يصح أن نتلقى الأمر والنهي إلا منه، ولا ~~نعتمد إلا عليه، ولا يشغل قلوبنا غيره، وهو سبحانه يريد منا أن نكون ~~وكلاء: # وتوكل على الحي الذي لا يموت # [الفرقان: 58]. فالناصح الفطن الذي لا يتوكل على أحد غير الله، ms6291 فربما ~~توكلت على أحد غيره، فأصبحت فلم تجده، وصدق الشاعر حين قال: # اجعل بربك كل عزك # يستقر ويثبت # فإذا اعتززت بمن يموت # فإن عزك ميت # فكأن الحق سبحانه في قوله: { لا إله إلا أنا } [طه: 14] يقول ~~لموسى: لا تخف، فلن تتلقى أوامر من غيري، كما قال سبحانه في آية أخرى: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. أي: لذهب هؤلاء الذين يدعون الألوهية إلى الله ~~يجادلونه أو يتوددون إليه، ولم يحدث شيء من هذا. ويشترط فيمن يعطي ~~الأوامر ويشرع ويقنن ألا ينتفع بشيء من ذلك، وأن تكون أوامره ~~ونواهيه لمصلحة المأمورين، ومن هنا يختلف قانون الله عن قانون البشر الذي ~~يدخله الهوى وتخالطه المصالح والأغراض، فمثلا إن كان المشرع ~~والمقنن من العمال انحاز لهم ورفعهم فوق الرأسماليين، وإن كان من هؤلاء ~~رفعهم فوق العمال. وكذلك ألا يغيب عنه شيء يمكن أن يستدرك فيما بعد، ~~وهذه الشروط لا توجد إلا في التشريع الإلهي، فله سبحانه صفات الكمال قبل ~~أن يخلق الخلق. لذلك قال بعدها: { فاعبدني } [طه: 14] بطاعة ~~أوامري واجتناب نواهي، فليس لي هوى فيما آمرك به، إنما هي مصلحتك ~~وسلامتك. ومعنى العبادة: الناس يظنون أنها الصلاة والزكاة والصوم والحج، ~~إنما للعبادة معنى أوسع من ذلك بكثير، فكل حركة في الحياة تؤدي إلى ~~العبادة، فهي عبادة كما نقول في القاعدة: كل ما لا يتم الواجب إلا ~~به فهو واجب. فالصلاة مثلا لا تتم إلا بستر العورة، وعليك أن تتأمل ~~قطعة القماش هذه التي تستر بها عورتك: كم يد ساهمت فيها منذ كانت بذرة ~~في الأرض، إلى أن أصبحت قماشا رقيقا يستر عورتك؟ فكل واحد من هؤلاء ~~كان في عبادة وهو يؤدي مهمته في هذه المسألة. # كذلك رغيف العيش الذي تأكله، صنبور المياه الذي تتوضأ منه، كم وراءها من ~~أياد وعمال ومصانع وعلماء وإمكانات جندت لخدمتك، لتتمكن من أداء ~~حركتك في الحياة؟ لذلك، فالحق - تبارك وتعالى - حينما يحدثنا عن ~~الصلاة يوم الجمعة يقول: # يأيها الذين آمنوا ms6292 إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله # [الجمعة: 9-10]. وهكذا أخرجنا إلى الصلاة من عمل، وبعد الصلاة أمرنا ~~بالعمل والسعي والانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله، فمخالفة الأمر ~~في: # فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير ~~لكم إن كنتم تعلمون # [الجمعة: 9] كمخالفة الأمر في: # فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله # [الجمعة: 10]. وخص البيع هنا لأن البائع أحرص على بيعه من المشتري ~~على شرائه، وربما كان من مصلحة المشتري ألا يشتري؟ فالإسلام - إذن - لا ~~يعرف التكاسل، ولا يرضى بالتنبلة والقعود، ومن أراد السكون فلا ينتفع ~~بحركة متحرك. وسيدنا عمر - رضي الله عنه - حينما رأى رجلا يقيم ~~بالمسجد لا يفارقه سأل: ومن ينفق عليه؟ قالوا: أخوه، قال: أخوه أعبد ~~منه. لماذا؟ لأنه يسهم في حركة الحياة ويوسع المنفعة على الناس. إذن: ~~فكل عمل نافع عبادة شريطة أن تتوفر له النية، فالكافر يعمل وفي نيته ~~أن يرزق نفسه، فلو فعل المؤمن كذلك، فما الفرق بينهما؟ المؤمن يعمل، نعم ~~ليقوت نفسه، وأيضا لييسر لإخوانه قوتهم وحركة حياتهم. فسائق ~~التاكسي مثلا إذا عمل بمبلغ يكفيه، ثم انصرف إلى بيته، وأوقف سيارته، ~~فمن للمريض الذي يحتاج من يوصله للطبيب؟ والبائع لو اكتسب رزقه، ~~ثم أغلق دكانه من يبيع للناس؟ إذن: اعمل لنفسك، وفي بالك أيضا مصلحة ~~الغير وحاجتهم، فإن فعلت ذلك فأنت في عبادة. تعمل على قدر طاقتك، لا ~~على قدر حاجتك، ثم تأخذ حاجتك من منتوج الطاقة، والباقي يرد على ~~الناس إما في صورة صدقة، وإما بثمن، وحسبك أن يسرت له السبيل. إذن: ~~نقول: العبادة كل حركة تؤدي خدمة في الكون نيتك فيها لله. ثم يقول تعالى: ~~{ وأقم الصلاة لذكري } [طه: 14] فلماذا خص الصلاة دون ~~سائر العبادات؟ قالوا: لأن الصلاة هي العبادة الدائمة التي لا تنحل عن ~~المؤمن، ما دام فيه نفس، فالزكاة مثلا تسقط عن الفقير، والصيام يسقط ~~عن المريض، ms6293 والحج يسقط عن غير المستطيع، أما الصلاة فلا عذر أبدا يبيح ~~تركها، فتصلي قائما أو قاعدا أو مضطجعا، فإن لم تستطيع تصلي، ولو ~~إيماء برأسك أو بجفونك، فإن لم تستطع فحسبك أن تخطرها على قلبك، ما ~~دام لك وعي، فهي لا تسقط عنك بحال. كذلك، فالصلاة عبادة متكررة: خمس ~~مرات في اليوم والليلة لتذكرك باستمرار إن أنستك مشاغل الحياة رب هذه ~~الحياة، وتعرض نفسك على ربك وخالقك خمس مرات كل يوم. # وما بالك بآلة تعرض على صانعها هكذا، أيمكن أن يحدث بها عطل أو ~~عطب؟ أما الزكاة فهي كل عام، أو كل محصول، والصوم شهر في العام، والحج ~~مرة واحدة في العمر. لذلك، كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما حزبه أمر ~~قام إلى الصلاة ليعرض نفسه على ربه وخالقه عز وجل، ونحن نصنع هذا في ~~الصنعة المادية حين نعرض الآلة على صانعها ومهندسها الذي يعرف قانون ~~صيانتها. وفي الحديث الشريف: # " وجعلت قرة عيني في الصلاة ". # وسبق أن ذكرنا أن للصلاة أهميتها لأنها تذكرك بربك كل يوم خمس مرات، ~~وتذكرك أيضا بنفسك، وبقدر الله في الآخرين حين ترى الرئيس ومرؤوسه ~~جنبا إلى جنب في صفوف الصلاة، فإن جئت قبل رئيسك جلست في الصف ~~الأول، وجلس هو خلفك، ثم تراه وهو منكسر ذليل لله تعالى، وهو يعرف أنك ~~تراه على هذه الهيئة فيكون ذلك أدعى لتواضعه معك وعدم تعاليه عليك بعد ~~ذلك. وكم رأينا من أصحاب مناصب وقيادة يبكون عند الحرم، ويتعلقون بأستار ~~الكعبة وعند الملتزم، وهو العظيم الذي يعمل له الناس ألف حساب. ففي ~~الصلاة - إذن - استطراق للعبودية لله تعالى. لذلك من أخطر ما مني به ~~المسلمون أن تجعل في المسجد أماكن خاصة لنوعية معينة يخلى لها ~~المكان، ويصاحبها الحرس حتى في بيت الله، ثم يأتي في آخر الوقت ويجلس في ~~الصف الأول، وآخر يفرش سجادته ليحجز بها مكانا لحين حضوره، فيجد المكان ~~خاليا. وينبغي على عامة المسلمين أن يرفضوا هذا السلوك، وعليك أن ~~تنحي سجادته جانبا، وتجلس أنت لأن ms6294 أولوية الجلوس بأولوية الحضور، فقد ~~صفها الله في المسجد إقبالا عليه. وهذه العادة السيئة توقع صاحبها في ~~كثير من المحظورات، حيث يتخطى رقاب الناس، ويميز نفسه عنهم دون حق، ~~ويحدث انتقاص عبودي في بيت الله. ولأهمية الصلاة ومكانتها بين العبادات ~~تميزت في فرضها بما يناسب أهميتها، فكل العبادات فرضت بالوحي ~~إلا الصلاة، فقد استدعى الحق رسوله الصدق ليبلغه بها مباشرة لأهميتها. ~~وقد ضربنا لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - بالرئيس إذا أراد أن ~~يبلغ مرؤوسه أمرا يكتب إليه، فإن كان الأمر مهما اتصل به ~~تليفونيا، فإن كان أهم استدعاه إليه ليبلغه بنفسه. ولما قربه ~~الله إليه بفرض الصلاة جعل الصلاة تقربا لعباده إلى الله. وقوله: { ~~وأقم الصلاة لذكري } [طه: 14] أقام الشيء: جعله قائما على ~~أسس محكمة، فإقامة الصلاة أن تؤديها محكمة كاملة الأركان غير ناقصة. { ~~لذكري } [طه: 14] أي: لتذكري لأن دوام ورتابة النعمة قد تنسيك ~~المنعم، فحين تسمع نداء الله أكبر، وترى الناس تهرع إلى بيوت الله لا ~~يشغلهم عنها شاغل تتذكر إن كنت ناسيا، وينتبه قلبك إن كنت غافلا. ~~ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { إن الساعة آتية أكاد ~~أخفيها... }. ### || [20.15] # أي: مع ما سبق وطن نفسك على أن الساعة آتية لا محالة، والساعة هنا ~~هي عمر الكون كله، أما أعمار المكين في الكون فمتفاوته، كل حسب أجله، ~~فمن مات فقد قامت قيامته وانتهت المسألة بالنسبة له. إذن: نقول: الساعة ~~نوعان: ساعة لكل منا، وهي عمره وأجله الذي لا يعلم متى سيكون، وساعة ~~للكون كله، وهي القيامة الكبرى. فقوله تعالى: { إن الساعة آتية ~~} [طه: 15] أي: اجعل ذلك في بالك دائما، وما دام الموت سينقلك إليها ~~سريعا فإياك أن تقول: سأموت قريبا، أما القيامة فبعد آلاف أو ملايين ~~السنين لأن الزمن ملغى بعد الموت، كيف؟ الزمن لا يضبطه إلا الحدث، فإن ~~انعدم الحدث فقد انعدم الزمن، كما يحدث لنا في النوم، وهل تستطيع أن ~~تحدد الوقت الذي نمته؟ لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها ms6295 # [النازعات: 46]. والعبد الذي أماته الله مائة عام لما بعثه قال: يوما ~~أو بعض يوم، وكذلك قال أهل الكهف بعد ثلاثمائة سنة وتسع، لأن يوما أو ~~بعض يوم هي أقصى ما يمكن تصوره للنائم حين ينام لذلك نقول: " من مات ~~فقد قامت قيامته ". ومن حكمته سبحانه أن أخفى الساعة، أخفاها للفرد، ~~وأخفاها للجميع وربما لو عرف الإنسان ساعته لقال: أفعل ما أريد ثم أتوب ~~قبل الموت لذلك أخفاها الحق - تبارك وتعالى - لنكون على حذر أن نلقى ~~الله على حال معصية. وكذلك أخفى الساعة الكبرى، حتى لا تأخذ ما ليس لك من ~~خلق الله، وتنتفع به ظلما وعدوانا، وتعلم أنك إن سرقت سترجع إلى ~~الله فيحاسبك، فما دمت سترجع إلى الله فاستقم وعدل من سلوكك، كما ~~يقول أهل الريف ارع مساوي. وقوله تعالى: { آتية } [طه: 15] أي: ليس ~~مأتيا بها، فهي الآتية، مع أن الحق - تبارك وتعالى - هو الذي سيأتي ~~بها، لكن المعنى آتية كأنها منضبطة أوتوماتيكيا، فإن جاء وقتها حدثت. ~~وقوله تعالى: { أكاد أخفيها } [طه: 15] كاد: أي: قرب مثل: كاد ~~زيد أن يجيء أي: قرب لكنه لم يأت بعد، فالمراد: أقرب أن أخفيها، فلا ~~يعلم أحد موعدها، فإذا ما وقعت فقد عرفناها. كما قال تعالى: # إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ إلا ~~هو.. # [الأعراف: 187]. وقد تكون { أخفيها } [طه: 15] بمعنى آخر، فبعض ~~الأفعال الثلاثية تعطى عكس معناها عند تضعيف الحرف الثاني منها، كما في: ~~مرض أي: أصابه المرض. ومرضه الطبيب. أي: عالجه وأزال مرضه. وقشرت ~~الشيء أي: جعلت له قشرة، وقشرت البرتقالة أزلت قشرها. ومن ذلك ~~قوله تعالى: # تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا # [يوسف: 85] والحرض: هو الهلاك. من: حرض مثل: تعب. وقوله تعالى: # يأيها النبي حرض المؤمنين على القتال # [الأنفال: 65]. ومعنى حرض حثهم على القتال، الذي يزيل عنهم الهلاك ~~أمام الكفار لأنهم إن لم يجاهدوا هلكوا، فحرض: هلك، وحرض: أزال ~~الهلاك. وقد يأتي مضاد الفعل بزيادة الهمزة على الفعل مثل: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15] فالقاسط من قسط. أي: ms6296 الجائر بالكفر. أما في قوله تعالى: # إن الله يحب المقسطين # [المائدة: 42] فالمقسط من أقسط: العادل الذي يزيل الجور. وإن كانت ~~المادة واحدة هي قسط فالمصدر مختلف نقول: قسط قسطا أي: عدل، وقسط ~~قسطا وقسوطا يعني: جار. فهذه الهمزة في أقسط تسمى " همزة الإزالة ". ~~ومن الفعل الثلاثي قسط يستعمل منها: القسط والميزان والفرق بين قسط ~~وأقسط: قسط أي: عدل من أول الأمر وبادىء ذي بدء، إنما أقسط: إذا وجد ~~ظلما فرفعه وأزاله، فزاد على العدل أن أزال جورا. وأيضا الفعل ~~عجم عجم الأمر: أخفاه، وأعجمه: أزال خفاءه. ومن ذلك كلمة المعجم الذي ~~يزيل خفاء الكلمات ويوضحها. وكذلك في قوله تعالى: { أكاد ~~أخفيها.. } [طه: 15] خفى بمعنى: استتر وأخفاها: أزال خفاءها، ولا ~~يزال خفاء الشيء إلا بإعلانه. ثم يقول تعالى: { لتجزى كل ~~نفس بما تسعى } [طه: 15]. وإلا لو لم يكن في الآخرة حساب ~~وجزاء لكان الذين أسرفوا على أنفسهم وعربدوا في الوجود أكثر حظا من ~~المؤمنين المتلزمين بمنهج الله لذلك في نقاشنا مع الشيوعيين قلنا لهم: ~~لقد قتلتم من أدركتموه من أعدائكم من الرأسماليين، فما بال من مات ~~ولم تدركوه؟ وكيف يفلت منكم هؤلاء؟ لقد كان أولى بكم أن تؤمنوا بمكان ~~آخر لا يفلت منه هؤلاء، وينالون فيه جزاءهم، إنها الآخرة التي تجزى ~~فيها كل نفس بما تسعى. ثم يقول الحق سبحانه: { فلا يصدنك ~~عنها من لا يؤمن... }. ### || [20.16] # كأن الحق تبارك وتعالى يعطي لموسى - عليه السلام - مناعة لما سيقوله ~~الكافرون الذين يشككون في الآخرة ويخافون منها، وغرضهم أن يكون هذا ~~كذبا فليست الآخرة في صالحهم، ومن حظهم إنكارها. فإياك أن تصغي إليهم ~~حين يصدونك عنها، يقولون: # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ~~* أو آبآؤنا الأولون # [الصافات: 16-17]. ولماذا يستبعدها هؤلاء؟ أليس الذي خلقهم من لا شيء ~~بقادر على أن يعيدهم بعد أن صاروا عظاما؟ والحق سبحانه يقول: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]. وهذا قياس على قدر أفهامكم وما تعارفتم عليه من هين ~~وأهون، أما بالنسبة للحق ms6297 - تبارك وتعالى - فليس هناك هين وأهون منه ~~لأن أمره بين الكاف والنون؟ لكن لماذا يصد الكفار عن الآخرة، والإيمان ~~بها؟ لأنهم يعلمون أنهم سيجازون بما عملوا، وهذه مسألة صعبة عليهم، ومن ~~مصلحتهم أن تكون الآخرة كذبا. وصدق أبو العلاء المعري حين قال: # زعم المنجم والطبيب كلاهما # لا تحشر الأجساد قلت إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر # أو صح قولي فالخسار عليكما # أي أن المؤمن بالبعث إن لم يكسب فلن يخسر، أما أنتم أيها المنكرون ~~فخاسرون. وقوله تعالى: { فتردى } [طه: 16] أي: تهلك من الردى، وهو ~~الهلاك. وهكذا جاء الكلام من الله تعالى لموسى - عليه السلام - أولا: ~~البداية إيمانا بالله وحده لا شريك له، وهذه القمة الأولى، ثم جاء ~~بالقمة الأخيرة، وهي البعث فالأمر - إذن - منه بداية، وإليه نهاية: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا.. # [طه: 14] إلى أن قال: # إن الساعة آتية أكاد أخفيها... # [طه: 15]. وبعد ذلك شرح لنا الحق - سبحانه - بدء إيحائه لرسوله موسى ~~عليه السلام: { وما تلك بيمينك... }. ### || [20.17] # ما: استفهامية. والتاء بعدها إشارة لشيء مؤنت، هو الذي يمسكه موسى في ~~يده، والكاف للخطاب، كأنه قال له: ما هذا الشيء الذي معك؟ والجواب عن هذا ~~السؤال يتم بكلمة واحدة: عصا. أما موسى - عليه السلام - فهو يعرف أن ~~الله تعالى هو الذي يسأل، ولا يخفى عليه ما في يده، ولكنه كلام ~~الإيناس لأن الموقف صعب عليه، ويريد ربه أن يطمئنه ويؤنسه. وإذا ~~كان الإيناس من الله، فعلى العبد أن يستغل هذه الفرصة ويطيل أمد ~~الائتناس بالله عز وجل، ولا يقطع مجال الكلام هكذا بكلمة واحدة لذلك رد ~~موسى عليه السلام: { قال هي عصاي أتوكأ عليها... }. ### || [20.18] # قال موسى: { هي عصاي } [طه: 18]، ثم يفتح لنفسه مجالا آخر للكلام: ~~{ أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي } [طه: 18] وهنا ~~يرى موسى أنه تمادى وزاد، فيحاول الاختصار: { ولي فيها مآرب ~~أخرى } [طه: 18]. وكان موسى ينتظر سؤالا يقول: وما هذه المآرب؟ ~~ليطيل أنسه بربه، وإذا كان الخطاب مع الله فلا ينهيه إلا زاهد في ~~الله. وللعصا ms6298 تاريخ طويل مع الإنسان، فهي لازمة من لوازم التأديب ~~والرياضة، ولازمة من لوازم الأسفار، ولها أهميتها في الرعي.. الخ وهنا ~~يذكر موسى - عليه السلام - بعض هذه الفوائد - يقول: { أتوكأ ~~عليها } [طه: 18] أي: أعتمد عليها، وأستند عندما أمشي، والإنسان ~~يحتاج إلى الأعتماد على عصا عند السير وعند التعب لأنه يحتاج إلى طاقتين: ~~طاقة للحركة والمشي، وطاقة لحمل الجسم والعصا تساعده في حمل ثقل جسمه، ~~خاصة إن كان متعبا لا تقوى قدماه على حمله. فقوله: { أتوكأ ~~عليها } [طه: 18] أي: أعتمد عليها حين المشي وحين أقف لرعي الغنم ~~فأستند عليها، والاتكاء يراوح الإنسان بين قدميه فيريح القدم التي ~~تعبت، وينتقل من جنب إلى جنب. والإنسان إذا ما استقر جسمه على شيء لمدة ~~طويلة تنسد مسام الجسم في هذا المكان، ولا تسمح بإفراز العرق، فيسبب ~~ذلك ضررا بالغا نراه في المرضى الذين يلازمون الفراش لمدة طويلة، ويظهر ~~هذا الضرر في صورة قرحة يسمونها " قرحة الفراش " لذلك ينصح الأطباء هؤلاء ~~المرضى بأن يغيروا من وضعهم، فلا ينامون على جنب واحد. لذلك شاءت ~~قدرة الله عز وجل أن يقلب أهل الكهف في نومهم من جنب إلى جنب، ~~كما قال سبحانه: # ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال.. # [الكهف: 18]. لذلك إذا وقف الإنسان طويلا، أو جلس طويلا ولم يجد له ~~متكأ تراه قلقا غير مستقر، ومن هنا كان المتكأ من مظاهر النعمة ~~والترف في الدنيا وفي الآخرة، كما قال تعالى في شأن امرأة العزيز: # وأعتدت لهن متكئا.. # [يوسف: 31]. وقال عن نعيم الآخرة: # متكئين على سرر مصفوفة.. # [الطور: 20]. وقال: # متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق.. # [الرحمن: 54]. وقال الحق تبارك وتعالى: # متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان # [الرحمن: 76]. فالاتكاء وسيلة من وسائل الراحة، وعلى الإنسان أن ~~يغير متكأه من جنب إلى جنب حتى لا يتعرض لما يسمى ب " قرحة الفراش ~~". ومن فوائد العصا: { وأهش بها على غنمي.. } [طه: 18] أي: ~~أضرب بها أوراق الشجر فتتساقط فتأكلها الغنم والماشية لأن الراعي يمشي ~~بها في الصحراء، فتأكل من العذي، وهو النبات الطبيعي الذي لم ms6299 يزرعه ~~أحد، ولا يسقيه إلا المطر، فإن انتهى هذا العشب اتجه الراعي إلى الشجر ~~العالي فيسقط ورقه لتأكله الغنم، فيحتاج إلى العصا ليؤدي بها هذه ~~المهمة. # إذن: قوله: { أتوكأ عليها.. } [طه: 18] لراحته هو، و { ~~وأهش بها على غنمي.. } [طه: 18] لخدمة الرعية، وفيها سياسة ~~إدارة الرزق كلها للماشية وللناس، ورعي الغنم وسياستها تدريب على سياسة ~~الأمة بأسرها لذلك ما بعث الله من نبي إلا ورعى الغنم ليتعلم من سياسة ~~الماشية سياسة الإنسان. وفي الحديث الشريف: # " ما بعث الله من نبي إلا ورعى الغنم، وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل ~~مكة ". # ولما أحس موسى - عليه السلام - أنه أطال في خطاب ربه عز وجل أجمل ~~فقال: { ولي فيها مآرب أخرى } [طه: 18] أي: منافع. وقد حاول ~~العلماء جزاهم الله عنا خيرا البحث في هذه المآرب الأخرى التي لم ~~يذكرها موسى عليه السلام، فتأملوا حال الرعاة، وما وظيفة العصا في حياتهم ~~فوجدوا لها منافع أخرى غير ما ذكر. من هذه المنافع أن الراعي البدائي يضع ~~عصاه على كتفه ويعلق عليها زاده من الطعام والشراب، وبعض الرعاة يستغل ~~وقته أيضا في الصيد، فيحتاج إلى أدوات مثل: القوس، والنبل، والسهام ~~والمخلاة التي يجمع فيها صيده، فتراه يضع عصاه على كتفه هكذا بالعرض، ~~ويعلق عليها هذه الأدوات من الجانبين. فإذا ما اشتدت حرارة الشمس ولم ~~يجد ظلالا غرز عصاه في الأرض، وألقى بثوبه عليها فجعل منها مثل الخيمة ~~أو المظلة تقيه حرارة الجو. فإن احتاج للماء ذهب للبئر، وربما وجده غائر ~~الماء لا يبلغه الدلو فيحتاج للعصا يربطها ويطيل بها الحبل، إلى غير ذلك ~~من المنافع. وبعض العلماء يقولون: لقد كان موسى عليه السلام ينتظر أن ~~يسأله ربه عن هذه المآرب ليطيل الحديث معه، لكن الحق سبحانه لم يسأله عن ~~ذلك لأنه سينقله إلى شيء أهم من مسألة العصا، فما ذكرته يا موسى مهمة ~~العصا معك، أما أنا فأريد أن أخبرك بمهمتها معي: ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ قال ألقها... }. ### || [20.19] # ارم بها على الأرض، وهو هنا إلقاء الدربة ms6300 والتمرين على لقاء فرعون، ~~وهنا خرجت العصا عن ناموسها الذي يعلمه موسى عليه السلام، فلم تعد للتوكؤ ~~والهش على الغنم، ولكنها تنتقل من جنس الخشب إلى جنس الحيوان فتصير حية، ~~قال الحق سبحانه: { فألقاها فإذا هي حية... }. ### || [20.20] # وهذه نقلة كبيرة في مسألة العصا، فقد كان في الإمكان لإثبات المعجزة ~~أن تتحول العصا، وهي عود جاف من الخشب إلى شجرة خضراء، لكن الحق - ~~تبارك وتعالى - يجري لموسى هذه المعجزة لأنه سيحتاج إليها فيما بعد، ~~ولو تحولت العصا إلى شجرة خضراء فسوف تستقر في مكانها، أما حين تتحول ~~إلى حية فهي حيوان متحرك، تجري هنا وهناك، وهذا ما سيحتاجه موسى في ~~معركته القادمة. ألقى موسى عصاه { فإذا هي.. } [طه: 20] إذا هنا ~~فجائية كما تقول: خرجت فإذا أسد بالباب. وحينما ألقى موسى العصا سرعان ~~ما تحولت وهي جافة يابسة إلى حية، وحية تسعى ليست جامدة ميتة، أليست ~~هذه مفاجأة؟ وطبيعي أن يخاف موسى - عليه السلام - مما رآه، فطمأنه ربه ~~فقال: { قال خذها ولا تخف... }. ### || [20.21] # أي: امسكها بيدك، وسوف نعيدها في الحال { سيرتها الأولى } [طه: ~~21] أي: كما كانت عصا يابسة جافة في يدك، وقال: { لا تخف.. } [طه: ~~21] لما ظهر عليه من أمارات الخوف. وقد أخبر عن خوفه في آية أخرى: # فأوجس في نفسه خيفة موسى # [طه: 67]. وكانت هذه المسألة تدريبا لموسى - عليه السلام - وتجربة، ~~فللعصا مهمة في رسالته، وسوف تكون هي معجزته في صراعه مع فرعون حين يضرب ~~بها البحر وفي دعوته لبني إسرائيل حين يضرب بها الحجر فيتفجر منه الماء. ~~وقد عالج القرآن هذه القصة في لقطات مختلفة، فمرة يقول عن العصا كأنها ~~ثعبان. ومرة يقول: حية. وأخرى يقول: جان لذلك اعترض البعض على هذه ~~الاختلافات، فأيها كانت العصا؟ الحقيقة أنها صور مختلفة للعصا حينما ~~انقلبت، فمن ناحية قتلتها المميتة هي حية، ومن ناحية ضخامتها ثعبان، ~~ومن ناحية خفة حركتها جان، وكل هذه الخصائص كانت في العصا، وحين تجمع ~~كل هذه اللقطات تعطيك الصورة الكاملة للعصا بعد أن صارت حية. فآيات ms6301 ~~القرآن - إذن - تتكامل لترسم الصورة المرادة للحق تبارك وتعالى. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { واضمم يدك إلى جناحك... }. ### || [20.22] # اليد معروفة، والجناح للطائر، ويقابله في الإنسان الذراع بداية من ~~العضد، والحق سبحانه حينما أوصانا بالوالدين قال: # واخفض لهما جناح الذل من الرحمة.. # [الإسراء: 24] يعني: تواضع لهما، ولا تتعال عليهما. وفي موضع آخر قال ~~تعالى: # اسلك يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء.. # [القصص: 32]. والجيب: طوق القميص، سمي جيبا لأنهم كانوا في ~~الماضي يجعلون الجيب الذي يضعون به النقود أو خلافه في داخل الثوب، ليكون ~~بعيدا عن يد السارق، فإذا ما احتاج الإنسان شيئا في جيبه يدخل يده ~~من طوق القميص ليصل إلى الجيب فسمي الطوق جيبا. وهذا من مظاهر ~~التكامل بين الآيات. والمعنى هنا: اضمم كف يدك اليمنى، وأدخله من طوق ~~قميصك إلى تحت عضدك الأيسر { تخرج بيضآء من غير سوء.. ~~} [طه: 22] أي: ساعة أن تخرج يدك تجدها بيضاء، لها ضوء ولمعان وبريق ~~وشعاع. ومعلوم أن موسى - عليه السلام - كان أسمر اللون، كما وصفه النبي ~~صلى الله عليه وسلم حينما طلب منه أن يصف الرسل الذين لقيهم في رحلة ~~الإسراء والمعراج، فقال: # " أما موسى، فرجل آدم طوال، كأنه من رجال أزدشنوءة.... ". # أي: أسمر شديد الطول لأن طوال يعني: أكثر طولا من الطويل. ومن هنا ~~كان بياض اليد ونورها في سمرة لونه آية من آيات الله، ولو كان موسى ~~أبيض اللون ما ظهر بياض يده. وقوله: { من غير سوء.. } [طه: 22] ~~أي: من غير مرض، فقد يكون البياض في السمرة مرضا - والعياذ بالله - ~~كالبرص مثلا. فنفى عنه ذلك. وقوله تعالى: { آية أخرى } [طه: 22] ~~أي: معجزة، لكنه لم يقل شيئا عن الآية الأولى، فدل ذلك على أن العصا ~~كانت الآية الأولى، واليد الآية الأخرى. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~لنريك من آياتنا... }. ### || [20.23] # أي: نريك الآيات العجيبة عندنا لتكون مقدمة لك، فحين نأمرك بشيء من هذا ~~القبيل فاعلم أن الذي يأمرك رب لن يغشك، ولن يتخلى عنك، وسوف يؤيدك ~~وينصرك، فلا ترتع ولا تخف ms6302 أو تتراجع. وكأن الحق - تبارك وتعالى - ~~يعد نبيه موسى للقاء مرتقب مع عدوه فرعون الذي ادعى الألوهية. ثم بعد ~~هذه الشحنة والتجربة العملية يقول له: { اذهب إلى فرعون... }. ### || [20.24] # فلماذا أرسله إلى فرعون أولا، ولم يرسله إلى قومه؟ قالوا: لأن فرعون ~~فعل فعلا فظيعا، حيث ادعى الألوهية، وهي القمة في الاعتداء، ثم استعبد ~~بني إسرائيل، فلا بد أن نصفي الموقف أولا مع فرعون. لذلك حدثت ~~معجزة العصا في ثلاثة مواقف. الأول: وكان لدربة موسى ورياضته على هذه ~~العملية، وكانت هذه المرة بين موسى وربه - عز وجل - تدريبا، حتى إذا أتى ~~وقت مزاولتها أمام فرعون لم يتهيب منها أو يتراجع، بل باشرها بقلب ثابت ~~واثق. والثاني: كان مع فرعون بمفرده ترويعا له. والثالث: مع السحرة ~~تجميعا. فكل موقف من هذه المواقف كان لحكمة وله دور، وليس في المسألة ~~تكرار كما يدعي البعض. وقوله تعالى: { إنه طغى } [طه: 24] ~~الطغيان: مجاوزة الحد، ومجاوزة الحد يكون بأخذ ما ليس لك والمبالغة ~~في ذلك، وليته أخذ من المساوي له من العباد، إنما أخذ ما ليس له من ~~صفات الله عز وجل. ولما سمع موسى اسم فرعون، تذكر ما كان من أمره في ~~مصر، وأنه تربى في بيت هذا الفرعون الذي ادعى الألوهية، فكيف ~~سيواجهه. كما تذكر قصة الرجل الذي وكزه فقتله، ثم خرج منها خائفا ~~يترقب، فلما شعر موسى أن العبء ثقيل قال: { قال رب اشرح... }. ### || [20.25] # كأنه قال: يا رب أنا سأنفذ أوامرك لكني لا أريد أن أقبل على هذه ~~المهمة وأنا منقبض الصدر من ناحيتها لأن انقباض الصدر من الشيء يهدر ~~الطاقة ويبددها، ويعين الأحداث على النفس. لذلك دعا موسى بهذا الدعاء: ~~{ رب اشرح لي صدري } [طه: 25] ليوفر قوته لأداء هذه المهمة ~~الصعبة التي تحتاج إلى مجهود يناسبها، ومعنى ذلك أنه انقبض صدره من لقاء ~~فرعون للأسباب التي ذكرت. ثم قال: { ويسر لي... }. ### || [20.26] # لأن شرح الصدر في هذه المسألة لا يكفي، فشرح الصدر من جهة الفاعل، ~~وقد يجد من القليل لددا شديدا ms6303 وعنادا لذلك قال بعدها: { ويسر ~~لي أمري } [طه: 26] فلا أجد لددا وطغيانا من فرعون، فتيسير ~~الامر من جهة القابل للفعل بعد شرح الصدر عند الفاعل. ### || [20.27] # لأن الكلام وتبليغ الرسالة يحتاج إلى منطق ولسان منطلق بالكلام، وكان ~~موسى - عليه السلام - لديه رتة أو حبسة في لسانه، فلا ينطلق في ~~الكلام. وكانت هذه الرتة أيضا في لسان الحسين بن علي - رضي الله ~~عنهما - وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع الحسين يضحك ويقول: # " ورثها عن عمه موسى ". # وتلحظ دقة التعبير في قوله: { من لساني } [طه: 27] ولم يقل: ~~احلل عقدة لساني. فقد يفهم منها أنه متمرد على قدر الله من حبسة ~~لسانه، إنما هو لا يعترض ويطلب مجرد جزء من لسانه، يمكنه من القيام ~~بمهمته في التبليغ. ### || [20.28] # هذه هي العلة في طلبه، ولولاها ما طلب انطلاقة اللسان. والفقه هو أن ~~يفهموا الكلام والحديث عنه. ويواصل موسى - عليه السلام - ما يراه معينا ~~له على أداء مهمته: { واجعل لي... }. ### || [20.29] # وزيرا: أي: معينا وظهيرا. والحق - سبحانه وتعالى - لما أراد أن ~~يخوف الناس من الآخرة قال: # كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر # [القيامة: 11-12]. أي: لا ملجأ ولا معين تفزع إليه إلا الله، فالوزير من ~~وزر، ويطلب الوزير حين لا يستطيع صاحب الأمر القيام به بمفرده، فيحتاج ~~إلى من يعينه على أمره، وهو وزير إن كان ناصحا أمينا يعين صاحبه ~~بصدق، فإن كان غاشا لئيما يعمل لصالح نفسه، فليس بوزير، بل هو ~~وزر ، ومنه قوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى.. # [فاطر: 18]. وفي الحديث النبوي الشريف: # " خير الملوك ملك جعل الله له وزيرا، إن نسي ذكره، وإن نوى على ~~خير - مجرد نية - أعانه، وإن أراد شرا كفه... ". # تلك علامات الوزير الناصح للرعية كما بينتها سياسة السماء لأن لكل ~~حاكم بطانتين: واحدة تأمر بالمعروف، وأخرى تأمر بالمنكر كما جاء في ~~الحديث الشريف. فإن كانت هذه هي سياسة السماء، فماذا عن سياسة البشر؟ ~~يقول أنو شروان: إياكم أن تفهموا أن أحدا منا يستغني عن ms6304 أحد، ~~فلكل واحد مهمته، فإن زدت في شيء فقد نقصت في أشياء، جعلها الله في ~~غيرك ليكمل بها نقصك، فالمعايشة مشتركة، لكن هذه المشاركة تفرضها الضرورة ~~لا التفضل، وإلا لو لم يتفضل عليك غيرك فماذا تفعل؟ وسبق أن ضربنا ~~مثلا لحاجة الناس بعضهم لبعض، قلنا: ماذا يحدث لو امتنع رجال الصرف ~~الصحي أو الكناسون عن العمل لعدة أيام؟ أما لو غاب الوزراء لعدة أيام فلن ~~يحدث شيء. إذن: لا تظن أنك أفضل من الآخرين لأن لكل منهم مهمة يؤديها، ~~فإن كنت خيرا منه في هذه فهو خير منك في هذه لأن مجموع مواهب كل إنسان ~~يساوي مجموع مواهب الآخر، فإن قلت: فلماذا وجد التفاوت بين الناس؟ ~~قالوا: لتكون هناك ضرورة في حاجة بعضنا لبعض، فلو تساوى الجميع لقلنا ~~لجماعة منا: تفضلوا بكنس الشوارع يوم كذا فلن يتفضلوا، أما إن ألجأتهم ~~الحاجة إلى مثل هذا العمل فسوف يسارعون إليه، كما نرى الآن في أشق ~~المهن وأصعب المهام التي ينفر منها الناس بل ويحتقرونها ترى صاحبها ~~مقبلا عليها حريصا على القيام بها، رغم ما فيها من مشقة، بل ويغضب ~~إن لم يجد فرصة للعمل، لماذا؟ لأنه مصدر قوته وقوت عياله. وبهذه ~~النظرة لا يتعالى أحد أو يستكبر ليحدث في المجتمع توازن استطراقي. وقوله: ~~{ من أهلي } [طه: 29] أي: ليكون مأمونا علي. وهذا المطلب من ~~موسى - عليه السلام - يشير لأدب عال من آداب النبوة، وقد اختار الله موسى ~~للرسالة، فلماذا يشرك معه أخاه في هذه المهمة؟ إذن: موسى لا يريد أن ~~يفخر بالرسالة، أو يتعالى بها، أو يطغى، إنما يريد أن يقوم بها على أكمل ~~وجه لذلك يحاول أن يكمل ما فيه من نقص بأخيه ليعينه على تبليغ رسالته، ~~ولو أراد الاستئثار بالرسالة ما طلب هذا الطلب. وهذا نموذج يجب أن ~~يحتذى، فإن كلفت بأمر فوق طاقتك فلا غبار عليك أن تستعين عليه ~~بغيرك، فهذا دليل على إخلاصك للمهمة التي كلفت بها. ### || [20.30] # فاختار أخاه هارون ليعينه في مهمة الرسالة. ثم أوضح العلة في ms6305 ذلك، ~~فقال في آية آخرى: # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا.. # [القصص: 34]. وهكذا يتكامل موسى وهارون ويعوض كل منهم النقص في أخيه. ~~ويقال: إن هارون - عليه السلام - كان يمتاز على موسى في أمور أخرى، فكان ~~به لين وحلم، وكان موسى حادا سريع الغضب، فكان هارون للين، وموسى ~~للشدة. ويتضح هذا حينما عاد موسى إلى قومه، وقد تركهم في صحبة أخيه ~~هارون فعبدوا العجل فاشتد غضبه، كما قال تعالى: # ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا.. # [الأعراف: 150]. تم احتد على أخيه، وجذبه من ذقنه، وظهرت حدته. ~~وقسوته، فماذا قال هارون؟ # قال ابن أم.. # [الأعراف: 150] ليستعطفه ويذكره برأفة الأم وحنانها # لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي.. # [طه: 94]، كأنه يقول لأخيه: اضربني كما تريد، لكن لا تروعني في لحيتي، ~~وفي رأسي. إذن: فالفصاحة في هارون تجبر العقدة في لسان موسى، واللين ~~يجبر الشدة والحدة. وأيضا فإن موسى - عليه السلام - كان أسمر اللون، ~~أجعد الشعر، أقنى الأنف، أما هارون فكان أبيض اللون، مرسل الشعر، وسيم ~~التقاطيع والملامح، ترتاح له الأبصار، فمن لم يرتح لموسى ارتاح ~~لهارون. ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن ينزل الوحي عليه في ~~صورة دحية الكلبي، وكان - رضي الله عنه - وسيما، ترتاح له العين ~~لرؤيته، فكان جبريل - عليه السلام - ينزل عليه في هذه الصورة ليؤنسه. ~~وموسى - عليه السلام - مع ما تميز به أخوه هارون عليه من هذه الصفات لم ~~يحقد على أخيه، ولم ينظر إليه على أنه أفضل منه، إنما جعل صفات أخيه ~~مكملة لصفاته، والجميع من أجل أداء الرسالة وتبليغها على وجهها الأكمل، ~~فلم ينظر إلى نفسه ونجاحه هو، وإنما إلى نجاح المهمة التي كلفه الله ~~بها. ويجب أن يشيع هذا الخلق بين الناس، فإن رأيت خصلة خير في ~~غيرك، أو وجها من وجوه الكمال في غيرك، فاحمد الله عليها، واعلم أنها ~~سيعود عليك نفعها، وستجبر ما عندك من نقص فلا تحقد عليه لأنه سيتحمل ما ~~فيك من قصور، وتنتفع أنت بخيره. ثم يقول الحق سبحانه أن موسى ms6306 - عليه ~~السلام - قال: { اشدد به... }. ### || [20.31] # الأزر: القوة. وكأن موسى - عليه السلام - عرف أن حمل الرسالة إلى ~~فرعون وإلى قومه من بعده عملية شاقة، فقال لله: أعطني أخي يساعدني في هذه ~~المشقة. ### || [20.32] # قوله: وأشركه أي: أنت يا رب، ليس أنا الذي أشركه تفضلا مني ~~عليه، فأراد موسى - عليه السلام - أن يكون الفضل من الله، وأن يكون ~~التكليف أيضا من الله حتى لا يعترض هارون أو يتضجر عند مباشرة أمر ~~الدعوة. لذلك لما ذهبا إلى فرعون قالا: # إنا رسولا ربك.. # [طه: 47] ولم يقل موسى: إن هارون تابع له بل هو مثله تماما مرسل ~~من الله، وإذا تكلم موسى تكلم عنه وعن هارون. فلما دعا موسى على ~~قومه: # ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 88]. جاءت الإجابة من الله: # قال قد أجيبت دعوتكما.. # [يونس: 89] لأن الدعاء كان من موسى، وهارون يؤمن عليه، والمؤمن أحد ~~الداعيين. ثم يقول الحق سبحانه عن هارون وموسى أنهما قالا: { كي ~~نسبحك... }. ### || [20.33-34] # فهذه هي العلة في مشاركة هارون لأخيه في مهمته، لا طلبا لراحة نفسه، ~~وإنما لتتضافر جهودهما في طاعة الله، وتسبيحه وذكره. والتسبيح: تقديس ~~الله وتنزيهه ذاتا وصفاتا وأفعالا، ذاتا. فلا ذات مثل ذاته تعالى: # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11] لا في الذات، ولا في الصفات ولا في الأفعال، فلا تقل: إن ~~سمع الله كسمعك، أو أن بصره تعالى كبصرك، أو أن فعله كفعلك. ~~والمعنى: نسبحك ونقدسك تقديسا يرفعك إلى مستوى الألوهية الثابتة ~~لك، فلا نزيد شيئا من عندنا. وقوله: { نسبحك كثيرا } [طه: 33] ~~أي: دائما، فكأن التسبيح يورث المسبح لذة في نفسه، والطاعة من ~~الطائع تورثه لذة في نفسه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # "... وجعلت قرة عيني في الصلاة ". # وكان صلى الله عليه وسلم # " إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة ". ### || [20.35] # فأنت قيوم علينا، مطلع على أفعالنا، أنؤديها على الوجه الأكمل، أم ~~نقصر فيها؟ ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: { قال قد أوتيت ~~سؤلك... }. ### || [20.36] # سؤل: أي: الشيء ms6307 المسئول مثل خبز أي: مخبوز، فالمراد: أعطيناك ما ~~سألت، بل وأعطيناك قبل أن تسأل، بل وقبل أن تعرف كيف تسأل: { ولقد ~~مننا عليك مرة... }. ### || [20.37] # مننا من المنة، وهي العطاء بلا مقابل على خلاف الجزاء، وهو العطاء ~~مقابل عمل { مرة أخرى } [طه: 37] إذن: هناك مرة أولى، لكن المراد ~~بالمنة هنا ما حدث من الوحي إلى أم موسى وهو صغير، فهي في الحقيقة ~~المنة الأولى إنما قال هنا { مرة أخرى } [طه: 37] هذا ترتيب ~~ذكري حسب ذكر الأحداث. فمتى كانت هذه المنة؟ ### || [20.38] # إذ: يعني وقت أن أوحينا إلى أمك ما يوحى. فكانت هذه هي المنة الأولى ~~عليك حين ولدت في عام، يقتل فيه فرعون الذكور، فمننا عليك لما قلنا ~~لأمك: # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا ~~تحزني إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7]. ومعنى { ما يوحى } [طه: 38] أي: أمرا عظيما لك أن ~~تقدره أنت فتذهب فيها نفسك كل مذهب، كما جاء في قوله تعالى: # فغشيهم من اليم ما غشيهم # [طه: 78] ويفصل الحق سبحانه هذا الوحي لأم موسى، فيقول تعالى: { أن ~~اقذفيه في التابوت... }. ### || [20.39] # هذا ما أوحينا به إلى أم موسى. واليم: البحر الكبير، سواء أكان مالحا ~~أم عذبا، فلما تكلم الحق سبحانه عن فرعون قال: # فأغرقناهم في اليم.. # [الأعراف: 136] والمراد: البحر الأحمر، أما موسى فقد ولد في مصر ~~وألقي تابوته في النيل، وكان على النيل قصر فرعون. وبالله.. أي أم هذه ~~التي تصدق هذه الكلام: إن خفت على ولدك فألقيه في اليم؟ وكيف يمكن ~~لها أن تنقذه من هلاك مظنون وترمي به في هلاك متيقن؟ ومع ذلك لم تتردد ~~أم موسى لحظة في تنفيذ أمر الله، ولم تتراجع، وهذا هو الفرق بين وارد ~~الرحمن ووارد الشيطان، وارد الرحمن لا تجد النفس له ردا، بل تتلقاه على ~~أنه قضية مسلمة، فوارد الشيطان لا يجرؤ أن يزاحم وارد الرحمن، فأخذت ~~الأم الوليد وألقته كما أوحى إليها ربها. وتلحظ في هذه الآيات أن آية ~~القصص لم تذكر شيئا عن ms6308 مسألة التابوت: # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم.. # [القصص: 7] هكذا مباشرة. قالوا: لأن الحق سبحانه تكلم عن الغاية التي ~~تخيف، وهي الرمي في اليم، وطبيعي في حنان الأم أن تحتال لولدها وتعمل ~~على نجاته، فتصنع له مثل هذا التابوت، وتعده إعدادا مناسبا للطفو ~~على صفحة الماء. فالكلام هنا لإعداد الأم وتهيئتها لحين الحادثة، وفرق ~~بين الخطاب للإعداد قبل الحادثة والخطاب حين الحادثة، فسوف يكون للأمومة ~~ترتيب ووسائل تساعد على النجاة، صنعت له صندوقا جعلت فيه مهدا ~~لينا واحتاطت للأمر، ثم يطمئنها الحق سبحانه على ولدها: # ولا تخافي ولا تحزني.. # [القصص: 7] فسوف ننجيه لأن له مهمة عندي # إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7]. فإذا ما جاء وقت التنفيذ جاء الأمر في عبارات سريعة ~~متلاحقة: { أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم ~~فليلقه اليم بالساحل.. } [طه: 39]. لذلك، تجد السياق في ~~الآية الأولى هادئا رتيبا يناسب مرحلة الإعداد، أما في التنفيذ فقد جاء ~~السياق سريعا متلاحقا يناسب سرعة التنفيذ، فكأن الحق سبحانه أوحى ~~إاليها: أسرعي إلى الأمر الذي سبق أن أوحيته إليك، هذا الكلام في ~~الحبكة الأخيرة لهذه المسألة. وقوله تعالى: { فليلقه اليم ~~بالساحل.. } [طه: 39] أي: تحمله الأمواج وتسير به، وكأن لديها أوامر ~~أن تدخله في المجرى الموصل لقصر فرعون. فعندنا - إذن - لموسى ثلاثة ~~إلقاءات: إلقاء الرحمة والحنان في التابوت، وإلقاء التابوت في اليم ~~تنفيذا لأمر الله، وإلقاء اليم للتابوت عند قصر فرعون. وقوله تعالى: ~~{ يأخذه عدو لي وعدو له.. } [طه: 39] عدو لي أي: ~~لله تعالى لأن فرعون ادعى الألوهية، وعدو له أي: لموسى لأنه سيقف ~~في وجهه ويوقفه عند حده. # وفي الآية إشارة إلى إنفاذ إرادته سبحانه، فإذا أراد شيئا قضاه، ولو ~~حتى على يد أعدائه وهم غافلون، فمن يتصور أو يصدق أن فرعون في جبروته ~~وعتوه وتقتيله للذكور من أولاد بني إسرائيل هو الذي يضم إليه موسى ~~ويرعاه في بيته، بل ويحبه ويجد له قبولا في نفسه. وهل التقطه فرعون ~~بداية ليكون له عدوا؟ أم التقطه ليكون ابنا؟ كما قالت ms6309 زوجته آسية: # قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا ~~أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون # [القصص: 9]. إذن: كانت محبة، إلا أنها آلت إلى العداوة فيما بعد، آلت ~~إلى أن يكون موسى هو العدو الذي ستربيه بنفسك وتحافظ عليه ليكون تقويض ~~ملكك على يديه لذلك سيقول فرعون: # ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ~~سنين # [الشعراء: 18]. ومسألة العداوة هذه استغلها المشككون في القرآن واتهموه ~~بالتكرار في قوله تعالى: { يأخذه عدو لي وعدو له.. } ~~[طه: 39] ثم قال في آية أخرى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا.. # [القصص: 8]. والمتأمل في الآيتين يجد أن العداوة في الآية الأولى من ~~جانب فرعون لموسى وربه تبارك وتعالى، أما العداوة في الآية الثانية فمن ~~جانب موسى لفرعون، وهكذا تكون العداوة متبادلة، وهذا يضمن شراستها ~~واستمرارها، وهذا مراد في هذه القصة. أما إن كانت العداوة من جانب ~~واحد، فلربما تسامح غير العدو وخجل العدو فتكون المصالحة. والعداوة بين ~~موسى وفرعون ينبغي أن تكون شرسة لأنها عداوة في قضية القمة، وهي ~~التوحيد. ولكن، لماذا لم يلفت مجيء موسى على هذه الحالة انتباه فرعون ~~فيسأل عن حكايته ويبحث في أمره؟ إنها إرادة الله التي لا يعجزها شيء، ~~فتحبه زوجة فرعون، وتقول: # قرة عين لي ولك.. # [القصص: 9] لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى بعدها: { وألقيت ~~عليك محبة مني.. } [طه: 39]. فأحبته آسية امرأة فرعون لما ~~رأته، وأحبه فرعون لما رآه، وهذه محبة من الله بلا سبب للمحبة لأن ~~المحبة لها أسباب بين الناس، فتحب شخصا لأنك توده، أو لأنه قريب لك أو ~~صديق، أو أسدى لك معروفا، وقد يكون الحب من الله دون سبب من هذه ~~الأسباب، فلا سبب له إلا إرادة الله. فمعنى: { وألقيت عليك ~~محبة مني.. } [طه: 39] وليس فيك ما يوجب المحبة، وليس لديك ~~أسبابها، خاصة وقد كان موسى عليه السلام أسمر اللون، أجعد الشعر، أقنى ~~الأنف، أكتف، وكأن هذه الخلقة جاءت تمهيدا لهذه المحبة، وإثباتا ~~لإرادة الله التي طوعت فرعون لمحبة موسى، كما قال تعالى: # واعلموا ms6310 أن الله يحول بين المرء وقلبه.. # [الأنفال: 24]. وهكذا، حول الله قلب فرعون، وأدخل فيه محبة موسى ~~ليمرر هذه المسألة على هذا المغفل الكبير، فجعله يأخذ عدوه ويربيه ~~في بيته، ولم يكن في موسى الوسامة والجمال الذي يجذب إليه القلوب. # ثم يقول سبحانه: { ولتصنع على عيني } [طه: 39] أي: تربى ~~على عين الله وفي رعايته، وإن كان الواقع أنه يربى في بيت فرعون، ~~فالحق - تبارك وتعالى - يرعاه، فإن تعرض لشيء في التربية تدخل ربه ~~عز وجل ليعلمه ويربيه. ومن هذه المواقف أن فرعون كان يجلس وزوجته آسية، ~~ومعهما موسى صغير يلعب، فإذا به يمسك بلحية فرعون ويجذبها بشدة أغاظته، ~~فأمر بقتله، فتدخلت امرأته قائلة: إنه ما يزال صغيرا لا يفقه شيئا، ~~إنه لا يعرف التمرة من الجمرة. فأتوا له بتمرة وجمرة ليمتحنوه، فأزاح ~~الله يده عن التمرة إلى الجمرة ليفوت المسألة على هذا المغفل الكبير، ~~بل وأكثر من هذا، فأخذها موسى رغم حرارتها حتى وضعها في فمه، فلدغت ~~لسانه، وسببت له هذه العقدة في لسانه التي اشتكى منها فيما بعد. وكأن ~~الحق - تبارك وتعالى - يطمئن نبيه موسى - عليه السلام -: لا تخف، فأنت ~~تحت عيني وفي رعايتي، وإن فعلوا بك شيئا سأتدخل، وفي آية أخرى قال: # واصطنعتك لنفسي # [طه: 41] فأنا أرعاك وأحافظ عليك لأن لك مهمة عندي. ثم يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { إذ تمشي أختك... }. ### || [20.40] # إذن: كان لأخت موسى دور في قصته، كما قال تعالى في موضع آخر: # وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا ~~يشعرون # [القصص: 11]. والمراد: تتبعيه بعد أن علمت نجاته من اليم، فتتبعته، ~~وعرفت أنه في بيت فرعون، ثم حرم الله عليه المراضع، فكان يعاف ~~المرضعات، وهنا تدخلت أخته لتقول: { هل أدلكم على من ~~يكفله.. } [طه: 40] وهذا الترتيب لا يقدر عليه إلا الله. ويقول ~~تعالى: { فرجعناك إلى أمك.. } [طه: 40] حين نستقرىء مادة ~~رجع في القرآن نجدها تأتي مرة لازمة كما في: # ولما رجع موسى إلى قومه.. # [الأعراف: 150]. وتأتي متعدية كما في: { فرجعناك إلى أمك.. ~~} [طه: 40] وفي: # فإن ms6311 رجعك الله إلى طآئفة منهم.. # [التوبة: 83]. والفرق بين اللازم والمتعدي أن اللازم رجع بذاته، ~~أما المتعدي فقد أرجعه غيره، فالرجوع أن تصير إلى حال كنت عليها ~~وتركتها، فإن رجعت بنفسك دون دوافع حملتك على الرجوع فالفعل لازم، فإن ~~كانت هناك أمور دفعتك للرجوع فالفعل متعد. ومثل رجعك: أرجعك، إلا أن ~~رجعك: الرجوع - في ظاهر الأمر منك من دون دوافع منك. وأرجعك: أي رغما ~~عن إرادتك. وقوله: { كي تقر عينها.. } [طه: 40] تقر العين أي: ~~تثبت لأن التطلعات إما أن تكون معنوية أو حسية، فالإنسان لديه أمان ~~يتطلع إلى تحقيقها، فإذا ما تحققت نقول: لم يعد يتطلع إلى شيء. وكذلك ~~في الشيء الحسي، فالعرب يقولون للشيء الجميل: قيد النواظر. أي: يقيد ~~العين فلا تتحول عنه لأن الإنسان لا يتحول عن الجميل إلا إذا رأى ما هو ~~أجمل ، وهذا ما يسمونه قرة العين. يعني الشيء الحسن الذي تستقر عنده ~~العين، ولا تطلب عليه مزيدا في الحسن. ثم يقول تعالى: { وقتلت ~~نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا.. } [طه:40] ~~وهذه منة أخرى من منن الله تعالى على موسى عليه السلام، فمنن ~~الله عليه كثيرة كما قال: # ولقد مننا عليك مرة أخرى # [طه: 37] فهي مرة، لكن هناك مرات. ومسألة القتل هذه وردت في قوله ~~تعالى: # ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد ~~فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من ~~عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من ~~عدوه فوكزه موسى فقضى عليه.. # [القصص: 15]. وخرج من المدينة خائفا يترقب الناس لئلا يلحقوا به ~~فيقتلوه، وهذا معنى { فنجيناك من الغم.. } [طه: 40] أي: من ~~القتل، أو من الإمساك بك { وفتناك فتونا.. } [طه: 40] أي: ~~عرضناك لمحن كثيرة، ثم نجيناك منها، أولها: أنك ولدت في عام يقتل ~~فيه الأطفال، ثم رمتك أمك في اليم، ثم ما حدث منه مع فرعون لما جذبه من ~~ذقنه. # ثم يقول تعالى: { فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت ~~على قدر يموسى } [طه: 40] ذكر الله تعالى مدة مكثه في أهل ~~مدين على أنها من ms6312 مننه على موسى مع أنه كان فيها أجيرا، وقال عن نفسه: # رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير # [القصص: 24]. وفي مدين تعرف على شعيب عليه السلام، وتزوج من ابنته ~~وأنجب منها ولدا، وموسى في هذا كله غريب عن وطنه، بعيد عن أمه، فلما ~~أراد الله له الرسالة شوقه إلى وطنه ورؤية أمه، وقدر له العودة ~~فقال تعالى: { ثم جئت على قدر يموسى } [طه: 40]. أي: على ~~قدر من اصطفائك، فقدر الله هو الذي حرك في قلبك الشوق للعودة، ~~وحملك على أن تمشي في الطريق غير المأهول، وتتحمل مشقة البرد وعناء ~~السفر، قدر الله هو الذي حرك فيك خاطر الشوق لأمك، ففي طريق العودة ~~وفي طوى أنت على موعد مع الاصطفاء والرسالة. لذلك، فإن الشاعر الذي مدح ~~الخليفة قال له: # جاء الخلافة أو كانت له قدرا # كما أتى ربه موسى على قدر # ثم يقول الحق سبحانه لموسى: { واصطنعتك... }. ### || [20.41] # أي: نجيتك وحافظت عليك لأنني أعدك لمهمة عندي، هي إرسالك رسولا ~~بمنهجي إلى فرعون وإلى قومك. وقد حاول العلماء إحصاء المطالب التي طلبها ~~موسى عليه السلام من ربه فوجدوها ثمانية: # قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل ~~عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا ~~من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه ~~في أمري * كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا # [طه: 25-34]. ثم وجدوا أن الله تعالى أعطاه ثمانية أخرى دون سؤال منه: # إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت ~~عليك محبة مني ولتصنع على عيني * إذ ~~تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله ~~فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن ~~وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا ~~فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر ~~يموسى # [طه: 38-40]. فإن كان موسى عليه السلام قد طلب من ربه ثمانية مطالب فقد ~~أعطاه ربه عز وجل ثمانية أخرى دون أن يسألها موسى ليجمع ms6313 له بين العطاء ~~بالسؤال، والعطاء تكرما من غير سؤال لأنك إن سألت الله فأعطاك دل ~~ذلك على قدرته تعالى في إجابة طلبك، لكن إن أعطاك بدون سؤال منك دل ~~ذلك على محبته لك. ثم يقول الحق سبحانه: { اذهب أنت وأخوك... }. ### || [20.42] # { بآياتي.. } [طه: 42] الآيات هنا هي المعجزات الباهرات التي تبهر ~~فرعون، فلن تذهبا مجردين، بل معكما دليل على صدق الرسالة التي ~~تحملونها إليه: { لا تنيا في ذكري } [طه: 42] من التواني أي: ~~الفتور أو التقصير لأنني أعددتكما الإعداد المناسب لهذه المهمة الشاقة، ~~فإياكم والتهاون فيها، فإن حدث منكما تقصير فهو تقصير في الأداء، لا في ~~الإعداد. ومعنى: { في ذكري } [طه: 42] أي: لأكن دائما على بالكما، ~~فأنا الذي أرسلت، وأنا الذي أيدت بالمعجزات، وأنا الذي أرعاكما ~~وأرقبكما، وأنا الذي سأجازيكما فلا يغب ذلك عنكما. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { اذهبآ إلى فرعون... }. ### || [20.43] # وهل هناك طغيان فوق ادعاء أنه رب؟ وقد قال تعالى في موضع آخر: # وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن ~~المسرفين # [يونس: 83] والمسرف: هو الذي يتجاوز الحدود، وهو قد تجاوز في إسرافه ~~وادعى الألوهية، فعلا في الأرض علو طاغية من البشر على غيره من ~~البشر المستضعفين. ### || [20.44] # هذا لفرعون بعد أن طغى، ومن الذي حكم عليه بالطغيان؟ حين تحكم أنت عليه ~~بالطغيان فهو طغيان يناسب قدرات وإمكانات البشر، أما أن يقول عنه الحق ~~تبارك وتعالى # إنه طغى # [طه: 43] فلا بد أنه تجاوز كل الحدود، وبلغ قمة الطغيان، فربنا هو ~~الذي يقول. فقوله: { فقولا له قولا لينا.. } [طه: 44] فلا ~~بد أن تعطيه فسحة كي يرى حججك وآياتك، ولا تبادره بعنف وغلظة، ~~وقالوا: النصح ثقيل، فلا ترسله جبلا، ولا تجعله جدلا، ولا تجمع على ~~المنصوح شدتين: أن تخرجه مما ألف بما يكره، بل تخرجه مما ألف بما ~~يحب. وهذا منهج في الدعوة واضح وثابت، كما في قوله تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة.. # [النحل: 125]. لأنك تخلعه مما اعتاد وألف، وتخرجه عما أحب من حرية ~~واستهتار في الشهوات والملذات، ثم تقيده ms6314 بالمنهج، فليكن ذلك برفق ~~ولطف. وهذه سياسة يستخدمها البشر الآن في مجال الدواء، فبعد أن كان ~~الدواء مرا يعافه المرضى، توصلوا الآن إلى برشمة الدواء المر وتغليفه ~~بطبقة حلوة المذاق حتى تتم عملية البلع، ويتجاوز الدواء منطقة المذاق. ~~وكذلك الحال في مرارة الحق والنصيحة، عليك أن تغلفها بالقول اللين ~~اللطيف. وقوله: { لعله يتذكر أو يخشى } [طه: 44] لعل: ~~رجاء، فكيف يقول الحق تبارك وتعالى: { لعله يتذكر أو ~~يخشى } [طه: 44] وفي علمه تعالى أنه لن يتذكر ولن يخشى، وسيموت ~~كافرا غريقا؟ قالوا: لأن الحق سبحانه يريد لموسى أن يدخل على فرعون ~~دخول الواثق من أنه سيهتدي، لا دخول اليائس من هدايته، لتكون لديه ~~الطاقة الكافية لمناقشته وعرض الحجج عليه، أما لو دخل وهو يعلم هذه ~~النتيجة لكان محبطا لا يرى من كلامه فائدة، كما يقولون ضربوا الأعور على ~~عينه قال خسرانة خسرانة. فالحق سبحانه يعلم ما سيكون من أمر فرعون، لكن ~~يريد أن يقيم الحجة عليه # لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.. # [النساء: 165]. وقوله: { يتذكر أو يخشى } [طه: 44] كأن ~~الإنسان إذا ما ترك شراسة تفكيره، وغمة شهواته في نفسه، لا بد أن ~~يهتدي بفطرته إلى وجود الله أو يتذكر عالم الذر، والعهد الذي أخذه الله ~~عليه يوم أن قال: # ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ.. # [الأعراف: 172]. والذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو ~~يمجسانه ". # فلو تذكر الإنسان، وجرد نفسه من هواها لا بد له أن يهتدي إلى ~~وجود الله، لكن الحق - سبحانه وتعالى - جعل للغفلة مجالا، وأرسل الرسل ~~للتذكير لذلك قال: # رسلا مبشرين ومنذرين.. # [النساء: 165] ولم يقل: بادئين. # أما مسألة الإيمان بالله فكان ينبغي أن تكون واضحة معروفة للناس أن ~~هناك إيمانا بإله خالق قادر فقط ينتظرون ما يطلبه منهم وما يتعبدهم به. ~~ماذا تفعل؟ وماذا تترك؟ وهذه هي مهمة الرسل. وسبق أن ضربنا مثلا برجل ~~انقطعت به السبل في صحراء دوية، لا يجد ماء ولا طعاما، حتى أشرف ~~على ms6315 الهلاك، ثم غلبه النوم فنام، فلما استيقظ إذا بمائدة عليها ألوان ~~الطعام والشراب. بالله قبل أن يمد يده للطعام، ألا يسأل: من أتى إليه ~~به؟ وهكذا الإنسان، طرأ على كون معد لاستقباله: أرض، وسماء، وشمس، ~~وقمر، وزرع، ومياه، وهواء. أليس جديرا به أن يسأل: من الذي خلق هذا ~~الكون البديع؟ فلو تذكرت ما طرأت عليه من الخير في الدنيا لانتهيت إلى ~~الإيمان. فمعنى: { يتذكر.. } [طه: 44] أي: النعم السابقة فيؤمن ~~بالمنعم { أو يخشى } [طه: 44] يخاف العقوبة اللاحقة، فيؤمن بالله ~~الذي تصير إليه الأمور في الآخرة. ثم يقول الحق تبارك وتعالى عنهما: { ~~قالا ربنآ إننا نخاف... }. ### || [20.45] # الخوف: شعور في النفس يحرك فيك المهابة من شيء، ومم يخافان؟ { أن ~~يفرط علينآ.. } [طه: 45] يفرط: أي: يتجاوز الحد.. ومضادها: فرط ~~يعني: قصر في الأمر لذلك يقولون: الوسط فضيلة بين إفراط وتفريط. ومن ~~أفرط يقولون: فرس فارط عندما يسبق في المضمار. ويقولون: حاز قصب ~~السبق، وكانوا يضعون في نهاية المضمار قصبة يركزونها في الأرض، والفارس ~~الذي يلتقطها أولا هو الفائز، والفرس فارط يعني: سبق الحد المعمول له، ~~لا مجرد أن يسبق غيره. لذلك عندما يحدثنا القرآن عن الحدود، يقول مرة: # تلك حدود الله فلا تعتدوها.. # [البقرة: 229] أي: إياك أن تسبق الحد الذي وضع لك ومرة أخرى يقول: # تلك حدود الله فلا تقربوها.. # [البقرة: 187] ففي المحللات قال # فلا تعتدوها.. # [البقرة: 229] قفوا على الحد لا تسبقوه، وفي المحرمات قال # فلا تقربوها.. # [البقرة: 187] لأنك لو اقتربت منها وقعت فيها. فالمعنى إذن { يفرط ~~علينآ.. } [طه: 45] يتجاوز الحد، وربما عاجلنا بالقتل قبل أن نقول ~~شيئا فيسبق قتله لنا كلامنا له. وقوله تعالى: { أو أن يطغى } ~~[طه: 45] فلا يكتفي بقتلنا، بل ويخوض في حق ربنا، أو يقول كلاما لا ~~يليق، كما سبق له أن ادعى الألوهية. ومن واجب الدعاة ألا يصلوا مع ~~المدعوين إلى درجة أن يخوضوا في حق الله تبارك وتعالى لذلك فالحق ~~سبحانه يؤدب المؤمنين به بأدب الدعوة في مجابهة هؤلاء فيقول: # ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ms6316 فيسبوا ~~الله عدوا بغير علم.. # [الأنعام: 108]. ثم يقول الحق سبحانه: { قال لا تخافآ إنني ~~معكمآ... }. ### || [20.46] # أي: لن أسلمكما ولن أترككما، وأنا معكما أسمع وأرى لأن الحركة إما قول ~~يسمع، أو فعل يرى، فاطمئنا، لأننا سنحفظكما، وقد قال تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. وهذه سنة من سنن الله تعالى، فإن رأيت جندا ~~من الجنود منسوبين لله تعالى وهزموا، فاعلم أنهم انحلوا عن الجندية ~~لله، وإلا فوعد الله لجنوده لا يمكن أن يتخلف أبدا. والدليل على ذلك ما ~~حدث للمسلمين في أحد، صحيح أن المسلمين هزموا في هذه الغزوة لأنهم ~~انحرفوا عن أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالفوه عندما قال ~~للرماة: # " لا تتركوا أماكنكم على أي حال من الأحوال " # ، لكن بمجرد أن رأوا بوادر النصر تركوا أماكنهم، ونزلوا لجمع ~~الغنائم، فالتف من خلفهم خالد بن الوليد وألحق بهم الهزيمة، وإن انهزم ~~المسلمون فقد انتصر الإسلام لأنهم لما خالفوا أوامر رسولهم انهزموا، ~~وبالله لو انتصروا مع المخالفة أكان يستقيم لرسول الله أمر بعد ذلك؟ ففي ~~الآية التي معنا يطمئنهم الحق - تبارك وتعالى - حتى لا يخافا، فقدرة الله ~~ستحفظهما، وسوف تتدخل إن لزم الأمر كما تدخلت في مسألة التمرة ~~والجمرة، وهو صغير في بيت فرعون. ثم يقول لهما الحق سبحانه وتعالى: { ~~فأتياه فقولا إنا رسولا ربك... }. ### || [20.47] # ونلحظ هنا أنهما لم يواجهاه بما ادعاه من الألوهية مرة واحدة، إنما ~~أشارا إلى مقام الربوبية { رسولا ربك.. } [طه: 47] وهذه هزة ~~قوية تزلزل فرعون، ثم تحولا إلى مسألة أخرى، وهي قضية بني إسرائيل، وكان ~~فرعون يسخرهم في خدمته ويعذبهم ويشق عليهم. { فأرسل معنا ~~بني إسرائيل.. } [طه: 47] فقد جئنا لنأخذ أولادنا وننقذهم من هذا ~~العذاب { قد جئناك بآية.. } [طه: 47] أي: معجزة { من ~~ربك.. } [طه: 47] فأعادوا عليه هذه الكلمة مرة أخرى. وقد علمهما ~~الحق سبحانه كيف يدخلون على فرعون؟ وكيف يتحدثون معه في أمر لا يمس ~~كبرياءه وألوهيته. وبنو إسرائيل هم البقية الباقية من يوسف عليه ms6317 السلام ~~وإخوته، لما جاءوا إلى مصر في أيام العزيز الذي قرب يوسف وجعله على ~~خزائن الأرض، كما قال تعالى في قصة يوسف: # وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما ~~كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين * قال ~~اجعلني على خزآئن الأرض إني حفيظ عليم # [يوسف: 54-55]. وقوله: { والسلام على من اتبع الهدى } ~~[طه: 47] وهذه ليست تحية لأنك تحيي من كان متبعا للهدى، وتدعو له ~~بالسلام، فإن لم يكن كذلك فهي نهاية للكلام. لذلك كان يكتبها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في كتبه إلى المقوقس عظيم القبط، وإلى هرقل عظيم ~~الروم، يقول: # " اسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم ~~الأريسيين والسلام على من اتبع الهدى ". # قال موسى وهارون لفرعون: { إنا قد أوحي إلينآ... }. ### || [20.48] # فأعطاه هنا القضية النهائية: جاءنا في الوحي أن من كذب وتولى فله ~~العذاب، ومعنى { أوحي إلينآ.. } [طه: 48] أي: من ربك. فلما سمع ~~فرعون هذه المقولة أحب أن يدخل معهما في متاهات يشغلهم بها، ويطيل الجدل ~~ليرتب أفكاره، وينظر ما يقول: { قال فمن ربكما... }. ### || [20.49] # ووجه الخطاب إلى الرئيس الأصلي في هذه المهمة، وهو موسى عليه السلام. ### || [20.50] # معنى { أعطى كل شيء خلقه.. } [طه: 50] أي: كل ما في ~~الوجود، خلقه الله لمهمة، فجاء خلقه مناسبا للمهمة التي خلق لها { ~~ثم هدى } [طه: 50] أي: دل كل شيء على القيام بمهمته ويسره لها. ~~والحق سبحانه أعطى كل شيء خلقه الخلق يطلق، ويراد به المخلوق، ~~فالمخلوق شيء لا بد له من مادة، لا بد أن يكون له صورة وشكل، له ~~لون ورائحة، له عناصر ليؤدي مهمته. فإذا أراد الله سبحانه خلق شيء ~~يقدر له كل هذه الأشياء فأمد العين كي تبصر، والأنف كي يشم، واللسان ~~كي يتذوق، ثم هدى كل شيء إلى الأمر المراد به لتمام مهمته، بدون أي تدخل ~~فيه من أحد. وإذا كان الإنسان، وهو المقدور للقادر الأعلى يستطيع أن يصنع ~~مثلا القنبلة الزمنية، ويضبطها على وقت، فتؤدي مهمتها بعد ذلك تلقائيا ~~دون اتصال ms6318 الصانع بها. فالحق سبحانه خلق كل شيء وأقدره على أن يؤدي ~~مهمته على الوجه الأكمل تأدية تلقائية غريزية، فالحيوانات التي نتهمها ~~بالغباء، ونقول عنها: " بهائم " هي في الحقيقة ليست كذلك، وقد أعطانا ~~الحق - سبحانه وتعالى - صورة لها في مسألة الغراب الذي بعثه الله ~~ليعلم ولد آدم كيف يواري سوءة أخيه كما قال سبحانه: # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ~~يواري سوءة أخيه قال ياويلتا أعجزت أن أكون ~~مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من ~~النادمين # [المائدة: 31]. فكيف صنع الغراب هذا الصنيع؟ صنعه بالغريزة التي جعلها ~~الله فيه، ولو تأملت الحمار الذي يضربون به المثل في الغباء حين تريده ~~أن يتخطى قناة مثلا، تراه ينظر إليها ويقدر مسافتها، فإن استطاع أن ~~يتخطاها قفز دون تردد، وإن كانت فوق إمكانياته تراجع، ولم يقدم مهما ~~ضربته أو أجبرته على تخطيها، هذه هي الغريزة الفطرية. لذلك تجد ~~المخلوقات غير المختارة لا تخطىء لأنها محكومة بالغريزة، وليس لها عقل ~~يدعو إلى هوى، وليس لها اختيار بين البدائل مثل العقل الإلكتروني الذي ~~يعطيك ما أودعته فيه لا يزيد عليه ولا ينقص، أما الإنسان فيمكن أن ~~يغير الحقيقة، ويخفي ما تريده منه، لأن له عقلا يفاضل: قل هذه، ~~ولا تقل هذه ، وهذا ما ميز الله به الإنسان عن غيره من المخلوقات. ~~كذلك، ترى الحيوان إذا شبع يمتنع عن الطعام ولا يمكن أن تؤكله عود برسيم ~~واحد مهما حاولت، إنما الإنسان صاحب العقل والهوى يقول لك: أرها الألوان ~~تريك الأركان، فلا مانع - بعد أن أكل حتى التخمة - من تذوق أصناف شتى ~~من الحلوى والفاكهة وخلافه. وفي هذه الآية يقول الحق سبحانه وتعالى أنه: ~~{ أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [طه: 50]. # خذ مثلا الأذن، وكيف هي محكمة التركيب مناسبة لتلقي الأصوات، ففي الأذن ~~من الخارج تجاعيد وتعاريج تتلقى الأصوات العالية، فتخفف من حدتها حتى ~~تصل إلى الطبلة الرقيقة هادئة، وإلا خرقتها الأصوات وأصمتها، وكذلك ~~جعلها الله لصد الرياح حتى إذا هبت لم تجد الأذن هكذا عارية ms6319 فتؤذيها. ~~وكذلك العين، كم بها من آيات لله، فقد خلقها الله بقدر، من هذه الآيات ~~أن حرارتها إن زادت عن 12 درجة تفسد، وأرنبة الأنف إن زادت عن 9 درجات ~~لا تؤدي مهمتها، مع أن في الجسم عضوا حرارته 40 درجة هو الكبد، والحرارة ~~الكلية للإنسان 37 درجة، تكون ثابتة في المناطق الباردة حيث الجليد كما ~~هي في المناطق الحارة، لا ترتفع ولا تنخفض إلا لعلة أو آفة في الجسم. ~~إذن: كل شيء في الوجود خلقه الله بقدر وحكمة وكيفية لأداء مهمته، كما قال ~~في آية أخرى: # الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. اللسان مثلا جعل الله به حلمات متعددة، كل واحدة منها ~~تتذوق طعما معينا، فواحدة للحلو، وواحدة للمر، وواحدة للحريف، ~~وهكذا، وجميعها في هذه المساحة الضيقة متجاورة ومتلاصقة بقدر دقيق ~~ومعجز. الأنف وما فيه من مادة مخاطية عالقة لا تسيل منك، وشعيرات ~~دقيقة، ذلك لكي يحدث لهواء الشهيق عملية تصفية وتكييف قبل أن يصل إلى ~~الرئتين لذلك لا ينبغي أن نقص الشعيرات التي بداخل الأنف لأن لها ~~مهمة. عضلة القلب وما تحتويه من أذين وبطين، ومداخل للدم، ومخارج ~~محكمة دقيقة تعمل ميكانيكيا، ولا تتوقف ولا تتعطل لمدة 140 أو 120 سنة، ~~تعمل تلقائيا حتى وأنت نائم، فأي آلة يمكن أن تؤدي هذه المهمة؟ ~~والحق سبحانه وتعالى عندما أرسل موسى وهارون بآية دالة على صدقهما إلى ~~فرعون كانت مهمتهما الأساسية أخذ بني إسرائيل، وإنقاذهم من طغيان ~~فرعون، وجاءت المسألة الإيمانية تبعية، أما أصل مهمة موسى فكان: # فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم.. # [طه: 47]. والحق سبحانه حين يعرض قضية الإيمان يعرضها مبدوءة بالدليل ~~دليل البدء الذي جاء في قوله تعالى: { قال ربنا الذي أعطى ~~كل شيء خلقه ثم هدى } [طه: 50] لأن، فرعون الذي ادعى ~~الألوهية لا بد أن يكون له مألوهون، وهم خلق مثله، وهو يعتز بملكه ~~وماله من أرض مصر ونيلها وخيراتها حتى قال: # أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي.. # [الزخرف: 51]. فأراد الحق سبحانه ms6320 وتعالى أن يرد عليه: ألك شيء في ~~خلق هؤلاء المألوهين لك؟ وما أشبه موقف فرعون أمام هذه الحجة بموقف ~~النمروذ أمام نبي الله إبراهيم عليه السلام عندما قال له: # ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت.. # [البقرة: 258]. فلم يجد النمروذ إلا الجدل والسفسطة، فلجأ إلى حيلة ~~المفلسين، وجاء برجلين فقال: أنا أحكم على هذا بالموت وأعفو عن هذا لذلك ~~لما أحس إبراهيم - عليه السلام - منه المراوغة والجدال نقله إلى مسألة ~~لا يستطيع منها فكاكا. # قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من ~~المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر ~~والله لا يهدي القوم الظالمين # [البقرة: 258]. إذن: فالرد إلى قضية الخلق الأول دليل لا يمكن لأحد ~~رده، حتى فرعون ذاته لم يدع أنه خلق شيئا، إنما تجبر وتكبر ~~وادعى الألوهية فقط على مألوه لم يخلقه، ولم يخلق نفسه، ولم يخلق الملك ~~الذي يعتز به. ولما كان دليل الخلق الابتدائي هو الدليل المقنع، لم يكن ~~لفرعون رد عليه لذلك لما سمع هذه المسألة { قال ربنا الذي ~~أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } [طه: 50] لم يستطع أن ~~ينقض هذا الدليل، فأراد أن يخرج الحوار من دليل الجد إلى مسألة أخرى ~~يهرب إليها، مسألة فرعية لا قيمة لها: { قال فما بال القرون... ~~}. ### || [20.51] # أي: ما شأن الأمم السابقة؟ لكن ما دخل القرون الأولى بما نتكلم فيه؟ ~~كلمة البال: هو الفكر، نقول: خطر ببالي. أي: بفكري، ولا يأتي في الفكر ~~وبؤرة الشعور إلا الأمر المهم. لكن، سرعان ما أحس موسى بمراوغة ~~فرعون، ومحاولة الهرب من الموضوع الأساسي فسد عليه الباب. ### || [20.52] # فهذه المسألة ليست من اختصاصي لأن الذي يسأل عن القرون الأولى هو الذي ~~يجازيها، وينبغي أن يعلم حالها، وما هي عليه من الإيمان أو الكفر ~~ليجازيها على ذلك، إذن: هذا سؤال لا موضع له، إنه مجرد هزل ومهاترة ~~وهروب، فلا يعلم حال القرون الأولى إلا الله لأن سبحانه هو الذي ~~سيجازيها. ومعنى { في كتاب.. } [طه: 52] أي: سجلها في كتاب، يطلع ~~عليه الملائكة المدبرات ms6321 أمرا ليمارسوا مهمتهم التي جعلهم الله لها، وليس ~~المقصود من الكتاب أن الله يطلع عليه ويعلم ما فيه لأنه سبحانه { لا ~~يضل ربي ولا ينسى } [طه: 52]. ثم أرجعه موسى إلى القضية ~~الأولى قضية الخلق، ولكن بصورة تفصيلية: { الذي جعل لكم ~~الأرض مهدا... }. ### || [20.53] # مهدا: من التمهيد وتوطئة الشيء ليكون صالحا لمهمته، كما تفعل في ~~فراشك قبل أن تنام، ومن ذلك يسمى فراش الطفل مهدا لأنك تمهده له ~~وتسويه، وتزيل عنه ما يقلقه أو يزعجه ليستقر في مهده ويستريح. ولا ~~بد لك أن تقوم له بهذه المهمة لأنه يعيش بغريزتك أنت، إلا أن تتنبه ~~غرائزه لمثل هذه الأمور، فيقوم بها بنفسه لذلك لزمك في هذه الفترة رعايته ~~وتربيته والعناية به. فمعنى { جعل لكم الأرض مهدا.. } [طه: ~~53] أي: سواها ومهدها لتكون صالحة لحياتكم ومعيشتكم عليها. وليس معنى ~~مهدها جعلها مستوية، إنما سواها لمهمتها، وإلا ففي الأرض جبال ومرتفعات ~~ووديان، وبدونها لا يستقيم لنا العيش عليها، فتسويتها تقتضي إصلاحها ~~للعيش عليها، سواء بالاستواء أو التعرج أو الارتفاع أو الانخفاض. فمثلا ~~في الأرض المستوية نجد الطرق مستوية ومستقيمة، أما في المناطق الجبلية ~~فهي متعرجة ملتوية لأنها لا تكون إلا كذلك، ولها ميزة في التوائها أنك ~~لا تواجه الشمس لفترة طويلة، بل تراوح بين مواجهة الشمس مرة والظل أخرى. ~~وسبق أن ضربنا مثلا بالخطاف الذي نصنعه من الحديد، فلو جعلناه مستقيما ~~ما أدى مهمته، إذن: فاستقامته في كونه معوجا فتقول: سويته ليؤدي ~~مهمته، ولو كان مستقيما ما جذب الشيء المراد جذبه به. إذن: نقول ~~التسوية: جعل الشيء صالحا لمهمته، سواء أكان بالاعتدال أو الاعوجاج، ~~سواء أكان بالأمت أو بالاستقامة. ثم يقول تعالى: { وسلك لكم ~~فيها سبلا.. } [طه: 53] أي: طرقا ممهدة توصلكم إلى مهماتكم ~~بسهولة. سلك: بمعنى دخل، وتأتي متعدية، تقول: سلك فلان الطريق. وقال ~~تعالى: # ما سلككم في سقر # [المدثر: 42] فالمخاطبون مسلوكون في سقر يعني: داخلون، وقال: # اسلك يدك في جيبك # [القصص: 32] أي: أدخلها. فتعديها إلى المفعول الداخل أو للمدخول فيه، ~~فقوله: { وسلك لكم فيها ms6322 سبلا.. } [طه: 53] متعدية للمدخول ~~فيه أي: عديت المخاطب إلى المدخول فيه، فأنتم دخلتم، والسبل مدخول فيه. ~~إذن: المفعول مرة يكون المسلوك، ومرة يكون المسلوك فيه. وحينما تسير في ~~الطرق الصحراوية تجدها مختلفة على قدر طاقة السير فيها، فمنها الضيق ~~على قدر القدم للشخص الواحد، ومنها المتسع الذي تسير فيه الجمال ~~المحملة أو السيارات، فسلك لكم طرقا مختلفة ومتنوعة على قدر المهمة ~~التي تؤدونها. ثم يقول تعالى: { وأنزل من السمآء مآء ~~فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } [طه: 53]. وهذه ~~أيضا من مسألة الخلق التي لا يدعيها أحد لأنها دعوى مردودة على ~~مدعيها، فأنت يا من تدعي الألوهية أخرج لنا شيئا من ذلك، إرنا ~~نوعا من النبات فلن يقدر، وبذلك لزمته الحجة. كما أن إنزال الماء من ~~السماء ليس لأحد عمل فيه، لكن عندما يخرج النبات قد يكون لنا عمل مثل ~~الحرث والبذر والسقي وخلافه، لكن هذا العمل مستمد من الأسباب التي ~~خلقها الله لك لذلك لما تكلم عن الماء قال أنزل فلا دخل لأحد فيه، ~~ولما تكلم عن إخراج النبات قال أخرجنا لأنه تتكاتف فيه صفات كثيرة، ~~تساعد في عملية إخراجه، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يحترم عملك السببي ~~ويقدره. # اقرأ قوله تعالى: # أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة: 63-64] فأثبت لهم عملا، واحترم مجهودهم، إنما لما حرثتم من ~~أين لكم بالبذور؟ فإذا ما تتبعت سلسلة البذور القبلية لانتهت بك إلى ~~نبات لا قبل له. كما لو تتبعت سلسلة الإنسان لوجدتها تنتهي إلى أب، ~~لا أب له إلا من خلقه. وأنت بعد أن ألقيت البذرة في الأرض وسقيتها، ~~ألك حيلة في إنباتها ونموها يوما بعد يوم؟ أأمسكت بها وجذبتها ~~لتنمو؟ أم أنها قدرة القادر # الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. لذلك يقول تعالى بعدها: # لو نشآء لجعلناه حطاما.. # [الواقعة: 65]، فإن كانت هذه صنعتكم فحافظوا عليها. كما حدث مع قارون ~~حينما قال عن نعمة الله: # إنمآ أوتيته على علم.. # [الزمر: 49]. فما دام الأمر كذلك فحافظ عليه يا قارون ms6323 بما عندك من ~~العلم، فلما خسف الله به وبداره الأرض دل ذلك على كذبه في مقولته. ~~ونلحظ في قوله تعالى: # لجعلناه حطاما.. # [الواقعة: 65] أنه مؤكد باللام، لماذا؟ لأن لك شبهة عمل في مسألة الزرع، ~~قد تطمعك وتجعلك مترددا في القبول. إنما حينما تكلم عن الماء قال: # أفرأيتم المآء الذي تشربون * أأنتم ~~أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء ~~جعلناه أجاجا.. # [الواقعة: 68-70]. هكذا بدون توكيد لأنها مسألة لا يدعيها أحد لنفسه. ~~وقوله تعالى: { أزواجا من نبات شتى } [طه: 53] لم يقل: ~~نباتا فقط. بل أزواجا لأن الله تعالى يريد أن تتكاثر الأشياء، والتكاثر ~~لا بد له من زوجين: ذكر وأنثى. وكما أن الإنسان يتكاثر، كذلك باقي ~~المخلوقات لأن الحق - تبارك وتعالى - خلق الأرض وقدر فيها أقواتها، ولا ~~بد لهذه الأقوات أن تكفي كل من يعيش على هذه الأرض. فإذا ضاقت ~~الأرض، ولم تخرج ما يكفينا، وجاع الناس، فلنعلم أن التقصير منا نحن ~~البشر من استصلاح الأرض وزراعتها لذلك حينما حدث عندنا ضيق في الغذاء ~~خرجنا إلى الصحراء نستصلحها، وقد بدأت الآن تؤتي ثمارها ونرى خيرها، ~~والآن عرفنا أننا كنا في غفلة طوال المدة السابقة، فتكاثرنا ولم نكثر ~~ما حولنا من الرقعة الزراعية. والذكر والأنثى ليسا في النبات فحسب، بل ~~في كل ما خلق الله: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36]. فالزوجية في كل شيء، علمته أو لم تعلمه، حتى في الجمادات، ~~هناك السالب والموجب والألكترونيات والأيونات في الذرة، وهكذا كلما تكاثر ~~البشر تكاثر العطاء. # وقوله تعالى: { من نبات شتى } [طه: 53] شتى مثل: مرضى جمع ~~مريض فشتى جمع شتيت. يعني أشياء كثيرة مختلفة ومتفرقة، ليست في الأنواع ~~فقط، بل في النوع الواحد هناك اختلاف. فلو ذهبت مثلا إلى سوق التمور في ~~مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم تجد أنواعا كثيرة، مختلفة الأشكال ~~والطعوم والأحجام، كلها تحت مسمى واحد هو: التمر. وهكذا لو تأملت ~~باقي الأنواع من المزروعات. ثم يذكر الحق - تبارك وتعالى ms6324 - العلة في ~~إخراج النبات: { كلوا وارعوا أنعامكم... }. ### || [20.54] # كلوا: تدل على أن الخالق عز وجل خلق الحياة، وخلق مقومات الحياة، ~~وأولها القوت من الطعام والشراب، وهذه المقومات تناسبت فيها الملكية مع ~~الأهمية، فالقوت أولا، ثم الماء، ثم الهواء. فأنت تحتاج الطعام وتستطيع ~~أن تصبر عليه شهرا على قدر ما يختزن في جسمك من شحم ولحم، يتغذى منها ~~الجسم في حالة فقد الطعام لأنك حين تأكل تستهلك جزءا من الطعام في ~~حركتك، ثم يختزن الباقي في صورة دهون هي مخزن الغذاء في الجسم، فإذا ما ~~نفد الدهن امتص الجسم غذاءه من اللحم، ثم من العظم، فهو آخر مخازن ~~الغذاء في جسم الإنسان. لذلك لما أراد سيدنا زكريا عليه السلام أن يعبر ~~عن ضعفه، قال: # رب إني وهن العظم مني.. # [مريم: 4]. لذلك تجد كثيرا ما يتملك الغذاء لأنك تصبر عليه مدة طويلة ~~تمكنك من الاحتيال في طلبه، أو تمكن غيرك من مساعدتك حين يعلم أنك ~~محصور جوعان. أما الماء فلا تصبر عليه أكثر من ثلاثة أيام إلى عشرة لذلك ~~قليلا ما يملك الماء لأحد. أما الهواء فلا تصبر عليه أكثر من نفس ~~واحد، فمن رحمة الله بعباده ألا يملك الهواء لأحد، وإلا لو غضب ~~عليك صاحب الهواء، فمنعه عنك لمت قبل أن يرضى عنك، وليس هناك وقت تحتال ~~في طلبه. وقوله تعالى: { وارعوا أنعامكم.. } [طه: 54] لأنها ~~تحتاج أيضا إلى القوت، وقال تعالى في أية أخرى: # متاعا لكم ولأنعامكم # [النازعات: 33] ثم يصب الجميع في أن يكون متاعا للإنسان الذي سخر ~~الله له كل هذا الكون. وقوله تعالى: { إن في ذلك لآيات لأولي ~~النهى } [طه: 54]. آيات: عجائب. والنهى: جمع نهية مثل قرب ~~جمع: قربة. والنهى: العقول، وقد سماها الله تعالى أيضا الألباب، ~~وبها تتم عملية التدبير في الاختيارات. والعقل من العقال الذي تعقل به ~~الدابة حتى لا تشرد منك، وكذلك العقل لم يخلق لك كي تشطح به كما تحب، ~~إنما لتعقل غرائزك، وتحكمها على قدر مهمتها في حياتك، فغريزة الأكل ~~مثلا لبقاء الحياة، وعلى ms6325 قدر طاقة الجسم، فإن زادت كانت شراهة ~~مفسدة. وقد جعل حب الاستطلاع للنظر في الكون وكشف أسراره وآيات ~~الله فيه، فلا ينبغي أن تتعدى ذلك، فتتجسس على خلق الله. وسميت ~~العقول كذلك النهى، لأنها تنهى عن مثل هذه الشطحات. إذن: فلا بد ~~للإنسان من عقل يعقل غرائزه، حتى لا تتعدى المهمة التي جعلت لها، ~~ويوقفها عند حدها المطلوب منها، وإلا انطلقت وعربدت في الكون، لا ~~بد للإنسان من نهية تنهاه وتقول له: لا لشهوات النفس وأهوائها، وإلا ~~فكيف تطلق العنان لشهواتك، ولست وحدك في الكون؟ وما الحال لو أطلق غيرك ~~العنان لشهواتهم؟ وسمي العقل لبا، ليشير لك إلى حقائق الإشياء لا ~~إلى قشورها، ولتكون أبعد نظرا. # وأعمق فكرا في الأمور. فحين يأمرك أن تعطي شيئا من فضل مالك للفقراء، ~~فسطحية التفكير تقول: لا كيف أتعب وأعرق في جمعه، ثم أعطيه للفقير؟ وهو ~~لم يفعل شيئا؟ أما حين تتعمق في فهم الحكمة من هذا الأمر تجد أن الحق ~~- تبارك وتعالى - قال لك: أعط المحتاجين الآن وأنت قادر حتى إذا ما ~~احتجت تجد من يعطيك، فقد يصير الغني فقيرا، أو الصحيح سقيما، أو ~~القوي ضعيفا، فهذه سنة دائرة في الخلق متداولة عليهم. وحين تنظر إلى ~~تقييد الشرع لشهواتك، فلا تنس أنه قيد غيرك أيضا بنفس المنهج وبنفس ~~التكاليف. فحين يقول لك: لا تنظر إلى محارم الناس وأنت فرد فهو في نفس ~~الأمر يكون قد أمر الناس جميعا ألا ينظروا إلى حرماتك. وهكذا جعل ~~الخالق عز وجل آلة العقل هذه، لا لنعربد بها في الكون، إنما لنضبط بها ~~الغرائز والسلوك، ونحرسها من شراسة الأهواء، فيعتدل المجتمع ويسلم ~~أفراده. وإلا فإذا سمحت لنفسك بالسرقة، فاسمح للآخرين بالسرقة منك!! ~~إذن: فمن مصلحتك أنت أن يوجد تقنين ينهاك، ومنهج ينظم حياتك وحياة ~~الآخرين. والحق سبحانه يقول: { منها خلقناكم وفيها ~~نعيدكم... }. ### || [20.55] # نلحظ هنا أن موسى - عليه السلام - يعرض على فرعون قضايا لا تخص فرعون ~~وحده، إنما تمنع أن يوجد فرعون آخر. وقوله: { منها.. } [طه: 55] أي: ~~من ms6326 الأرض التي سبق أن قال عنها: # الذي جعل لكم الأرض مهدا.. # [طه: 53]. ثم ذكر لنا مع الأرض مراحل ثلاث: { منها خلقناكم ~~وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } [طه: ~~55]. وفي آية أخرى يذكر مرحلة رابعة، فيقول: # فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون # [الأعراف: 25]. بذلك تكون المراحل أربعة: منها خلقناكم، وفيها تحيون، ~~وإليها ترجعون بالموت، ومنها نخرجكم بالبعث. فقوله تعالى: { منها ~~خلقناكم.. } [طه: 55] الخلق قسمان: خلق أولي، وخلق ثانوي، ~~الخلق الأولي في أدم عليه السلام، وقد خلق من الطين أي: من الأرض. ثم ~~الخلق الثاني، وجاء من التناسل، وإذا كان الخلق الأولي من طين، فكل ~~ما ينشأ عنه يعد كذلك لأنه الأصل الأول. ويمكن أن نوجه الكلام ~~توجيها آخر، فنقول: التناسل يتولد من ميكروبات الذكورة وبويضات الأنوثة، ~~وهذه في الأصل من الطعام والشراب، وأصله أيضا من الأرض. إذن: فأنت من ~~الأرض بواسطة أو بغير واسطة. وإن كانت قضية الخلق هذه قضية غيبية، فقد ~~ترك الخالق في كونه عقولا تبحث وتنظر في الكون، وتعطينا الدليل على ~~صدق هذه القضية، فلما حلل العلماء طينة الأرض وجدوها ستة عشر عنصرا ~~تبدأ بالأكسوجين، وتنتهي بالمنجنيز، وحين حللوا عناصر الإنسان وجدوها ~~نفس العناصر الستة عشر، ليثبتوا بذلك البحث التحليلي صدق قضية الخلق ~~التي أخبر عنها الخالق عز وجل. وقوله: { وفيها نعيدكم.. } [طه: ~~55] هذه مرحلة مشاهدة، فكل من يموت منا ندفنه في الأرض لذلك يقول ~~الشاعر: # إن سئمت الحياة فارجع إلى # الأرض تنم آمنا من الأوصاب # هي أم أحنى عليك من الأم # التي خلفتك للإتعاب # فبعد أن تنقض بنية الإنسان بالموت لا يسارع إلى مواراته التراب إلا ~~أقرب الناس إليه، فترى المرأة التي مات وحيدها، وأحب الناس إليها، والتي ~~كانت لا تطيق فراقه ليلة واحدة، لا تطيق وجوده الآن، بل تسارع به إلى أمه ~~الأصيلة الأرض. وذلك لأن الجسد بعد أن فارقته الروح سرعان ما يتحول إلى ~~جيفة لا تطاق حتى من أمه وأقرب الناس إليه، أما الأرض فإنها تحتضنه ~~وتمتص كل ما فيه من أذى. ومن العجائب ms6327 في نقض بنية الإنسان بالموت ~~أنها تتم على عكس بنائه، فعندما تكلم الخالق عز وجل عن الخلق الأول ~~للإنسان قال: إنه خلق من تراب، ومن طين، ومن حمأ مسنون، ومن صلصال ~~كالفخار. وقلنا: إن هذه كلها أطوار للمادة الواحدة، ثم بعد ذلك ينفخ ~~الخالق فيه الروح، فتدب فيه الحياة. # فإذا ما تأملنا الموت لوجدناه على عكس هذا الترتيب، كما أنك لو بنيت ~~عمارة من عدة أدوار، فآخر الأدوار بناء أولها هدما. كذلك الموت ~~بالنسبة للإنسان يبدأ بنزع الروح التي وضعت فيه آخرا، ثم يتصلب ~~الجسد ويشضب كالصلصال ثم يرم، وينتن كالحمأ المسنون، ثم يتبخر ما فيه ~~من ماء، وتتحلل باقي العناصر، فتصير إلى التراب. ثم يقول تعالى: { ~~ومنها نخرجكم تارة أخرى } [طه: 55] أي: مرة أخرى بالبعث ~~يوم القيامة، وهذا الإخراج له نظام خاص يختلف عن الإخراج الأول لأنه ~~سيبدأ بعودة الروح، ثم يكتمل لها الجسد. هذه كلها قضايا كونية تلقى ~~على فرعون علها تثنيه عما هو عليه من ادعاء الألوهية، والألوهية ~~تقتضي مألوها، فالإله معبود له عابد، فكيف يدعي الألوهية، وليس له في ~~الربوبية شيء؟ فلا يستحق الألوهية والعبادة إلا من له الربوبية أولا، ~~وفي الأمثال: اللي ياكل لقمتي يسمع كلمتي. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~ولقد أريناه آياتنا... }. ### || [20.56] # الآيات: الأمور العجيبة، كما نقول: فلان آية في الذكاء، آية في الحسن، ~~آية في الكرم. يعني: عجيب في بابه، وسبق أن قسمنا آيات الله إلى: آيات ~~كونية كالشمس والقمر، وآيات لإثبات صدق الرسل، وهي المعجزات وآيات ~~القرآن الكريم، والتي تسمى حاملة الأحكام. لكن آيات الله - عز وجل - ~~كثيرة ولا تحصى، فهل المراد هنا أن فرعون رأى كل آيات الله؟ لا لأن ~~المراد هنا الآيات الإضافية، وهي الآيات التسعة التي جعلها الله حجة ~~لموسى وهارون، ودليلا على صدقهما، كما قال سبحانه: # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات.. # [الإسراء: 101]. وهي: العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم والسنين والنقص من الثمرات. تلك هي الآيات التي أراها الله لفرعون. ~~والكلية في قوله: { آياتنا كلها.. ms6328 } [طه: 56] كلية إضافية. أي: كل ~~الآيات الخاصة به كما تقول لولدك لقد أحضرت لك كل شيء وليس المقصود أنك ~~أتيت له بكل ما في الوجود، إنما هي كلية إضافية تعني كل شيء تحتاج إليه. ~~ومع ذلك كانت النتيجة { فكذب وأبى } [طه: 56] كذب: يعني نسبها ~~إلى الكذب، والكذب قول لا واقع له، وكان تكذيبه لموسى علة إبائه { ~~وأبى } [طه: 56] امتنع عن الإيمان بما جاء به موسى. ولو ناقشنا ~~فرعون في تكذيبه لموسى عندما قال: # ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى # [طه: 50]. لما كذبت يا فرعون؟ الحق سبحانه قال: خلقت هذا الكون بما ~~فيه، ولم يأت أحد لينقض هذا القول، أو يدعيه لنفسه، حتى أنت يا ~~من ادعيت الألوهية لم تدع خلق شيء، فهي - إذن - قضية مسلم ~~بها للخالق عز وجل لم ينازعه فيها أحد، فأنت - إذن - كاذب في تكذيبك ~~لموسى، وفي إبائك الإيمان به. ثم يقول الحق سبحانه: { قال أجئتنا ~~لتخرجنا من أرضنا... }. ### || [20.57] # عاش المصريون قديما على ضفاف النيل لذلك يقولون: مصر هبة النيل، حتى ~~إذا ما انحسر الماء بذروا البذور وانتظروها طوال العام، ليس لهم عمل ~~ينشغلون به، وهذه الحياة الرتيبة عودتهم على شيء من الكسل، إلا أنهم ~~أحبوا هذا المكان، ولو قلت لواحد منهم: اترك هذه الأرض لمدة يوم أو ~~يومين يثور عليك ويغضب. لذلك استغل فرعون ارتباط قومه بأرض مصر، وحاول ~~أن يستعدي هؤلاء الذين يمثل عليهم أنه إله، يستعديهم على موسى وهارون ~~فقال مقولته هذه { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ~~يموسى } [طه: 57]. وهنا ثار القوم، لا لألوهية فرعون المهددة، إنما ~~دفاعا عن مصلحتهم الاقتصادية، وما ينتفعون به على ضفاف هذا النيل ~~المبارك، الذي لا يضن عليهم في فيضانه ولا في انحساره، فكان القوم ~~يسمونه: ميمون الغدوات والروحات، ويجري بالزيادة والنقصان كجري الشمس ~~والقمر، له أوان. وهكذا نقل فرعون مجال الخلاف مع موسى وهارون إلى رعيته، ~~فأصبحت المسألة بين موسى وهارون وبين رعية فرعون لأنه خاف من كلام موسى ~~ومما يعرضه من قضايا إن فهمها ms6329 القوم كشفوا زيفه، وتنمروا عليه، ~~وثاروا على حكمه، ورفضوا ألوهيته لهم، فأدخلهم طرفا في هذا الخلاف. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { فلنأتينك بسحر مثله... }. ### || [20.58] # فسمى فرعون ما جاء به موسى سحرا لذلك قال { فلنأتينك ~~بسحر مثله.. } [طه: 58] وهذه التسمية خاطئة في حق موسى، وإن ~~كانت صحيحة بالنسبة لقوم فرعون. فما الفرق - إذن - بين ما جاء به موسى ~~وما جاء به قوم فرعون؟ السحر لا يقلب حقيقة الشيء، بل يظل الشيء على ~~حقيقته، ويكون السحر للرائي، فيرى الأشياء على غير حقيقتها، كما قال ~~تعالى: # سحروا أعين الناس.. # [الأعراف: 116] فلما ألقى السحرة حبالهم كانت حبالا في الحقيقة، وإن ~~رآها الناظر حيات وثعابين تسعى، أما عصا موسى فعندما ألقاها انقلبت حية ~~حقيقية، بدليل أنه لما رآها كذلك خاف منها. وقوله: { فاجعل بيننا ~~وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت.. } [طه: 58] ~~أي: نتفق على موعد لا يخلفه واحد منا { مكانا سوى } [طه: 58] أي: ~~مستويا لأنه سيكون مشهدا للناس جميعا فتستوي فيه مرائي النظارة، ~~بحيث لا تحجب الرؤية عن أحد. أو سوى يعني: سواء بالنسبة لنا ولك، كما ~~نقول: نلتقي في منتصف الطريق، لا أنا أتعب ولا أنت. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ قال موعدكم يوم الزينة... }. ### || [20.59] # معلوم أن الحدث يحتاج إلى محدث له، ويحتاج إلى مكان يقع عليه، ويحتاج ~~إلى زمان يحدث فيه، وقد عرفنا المحدث لهذا اللقاء، وهما موسى وهارون من ~~ناحية، وفرعون وسحرته من ناحية. وقد حدد فرعون المكان، فقال # مكانا سوى # [طه: 58] بقي الزمان لإتمام الحدث لذلك حدده موسى، فقال: { موعدكم ~~يوم الزينة.. } [طه: 59] لأن الحدث لا يتم إلا في زمان ومكان. ~~لذلك لا نقول: متى الله ولا: أين الله؟ فالحق - تبارك وتعالى - ليس ~~حدثا، ومتى وأين مخلوقة لله تعالى، فكيف يحده الزمان أو المكان؟ ~~وقول موسى { موعدكم يوم الزينة.. } [طه: 59] ولم يقل: يوم ~~الاثنين أو الثلاثاء مثلا، ويوم الزينة يوم يجتمع فيه كل سكان مصر، ~~يظهر أنه يوم وفاء النيل، فيخرجون في زينتهم مسرورين بفيضان النيل وكثرة ~~خيره وبركاته، وما ms6330 زالت مصر تحتفل بهذا اليوم. وكان القاضي لا يقضي بأمر ~~الخراج إلا بعد أن يطلع على مقياس النيل، فإن رآه يوفي بري البلاد ~~حدد الخراج وإلا فلا. لكن، لماذا اختار موسى هذه اليوم بالذات؟ لماذا ~~لم يحدد أي يوم آخر؟ ذلك لأن موسى - عليه السلام - كان على ثقة تامة بنصر ~~الله له، ويريد أن تكون فضيحة فرعون على هذا الملأ، ووسط هذا الجمع، ~~فمثل هذا التجمع فرصة لا يضيعها موسى لأن النفس في هذا اليوم تكون ~~مسرورة منبسطة، فهي أقرب في السرور لقبول الحق من أي وقت آخر. وقوله: { ~~وأن يحشر الناس ضحى } [طه: 59] أي: ضاحين، ويوم الزينة يمكن ~~أن يكون في الصباح الباكر، أو في آخر النهار، لكن موسى متمكن واثق من ~~الفوز، يريد أن يتم هذا اللقاء في وضح النهار، حتى يشهده الجميع. ثم يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { فتولى فرعون فجمع... }. ### || [20.60] # تولى: أي: ترك موسى وانصرف ليدبر شأنه { فجمع كيده.. } [طه: ~~60] الكيد: التدبير الخفي للخصم، والتدبير الخفي هنا ليس دليل قوة، ~~بل دليل ضعف لأنه لا قوة له على المجابهة الواضحة، مثل الذي يدس ~~السم للآخر لعدم قدرته على مواجهته. إذن: الكيد دليل ضعف لذلك نفهم ~~من قوله تعالى عن النساء: # إن كيدكن عظيم # [يوسف: 28] أنه ليس دليلا على قوة المرأة، إنما دليل على ضعفها، فكما ~~أن كيدهن عظيم، فكذلك ضعفهن عظيم. فمعنى { فجمع كيده.. } [طه: ~~60] أدار فكره على ألوان الكيد المختلفة، ليختار منها ما هو أنكى ~~لخصمه، كما جاء في آية أخرى في شأن نوح عليه السلام # فأجمعوا أمركم.. # [يونس: 71]. وكأن الأمر الذي هو بصدده يتطلب وجهات نظر متعددة: نفعل ~~كذا، أو نفعل كذا؟ ثم ينتهي من هذه المشاورة إلى رأي يجمع كل ~~الاحتمالات، بحيث لا يفاجئه شيء بعد أن احتاط لكل الوجوه. فالمعنى: ~~اتفقوا على الخطة الواضحة التي توحد آراءكم عند تحقيق الهدف. ومن ~~ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: # وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب.. # [يوسف: 15]. أي: اتفقوا على هذا الرأي، وأجمعوا ms6331 عليه، بعد أن قال أحدهم # اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا.. # [يوسف: 9]، فكان الرأي النهائي أن يجعلوه في غيابة الجب. فهم على آية ~~حال سلالة نبوة، لم يتأصل الشر في طباعهم لذلك يتضاءل شرهم من القتل ~~إلى الإلقاء في متاهات الأرض إلى أهون هذه الأخطار، أن يلقوه في ~~الجب، وهذه صفة الأخيار، أما الأشرار الذين تأصل الشر في نفوسهم ~~وتعمق، فشرهم يتزايد ويتنامى، فيقول أحدهم: أريد أن أقابل فلانا، ~~فأبصق في وجهه، أو أضربه، أو أقطعه، بل رصاصة تقضي عليه فيصعد ما ~~عنده من الشر. وبعد ذلك يرجون له النجاة، فيقولون: # يلتقطه بعض السيارة.. # [يوسف: 10]. ثم يقول تعالى في شأن فرعون: { ثم أتى } [طه: 60] أي: ~~أتى الموعد الذي سبق تحديده، مكانا وزمانا. ثم يحدثنا الحق سبحانه ~~عن وقائع هذا اليوم، فيقول: { قال لهم موسى ويلكم... }. ### || [20.61] # لما رأى موسى السحرة أراد أن يحذرهم مما هم مقبلون عليه، وأن ~~يعطيهم المناهي التي تمنعهم، فذكرهم بأن لهم ربا سيحاسبهم كما تقول ~~لشخص، تراه مقدما على جريمة، لو فعلت كذا سأبلغ عنك الشرطة، ~~وستعاقب بكذا وكذا، وتذكره بعاقبة جريمته. { لا تفتروا على ~~الله كذبا.. } [طه: 61] افترى أي: جاء بالفرية، وهي تعمد الكذب ~~{ فيسحتكم بعذاب.. } [طه: 61] يعني: يستأصلكم بعذاب الدنيا قبل ~~عذاب الآخرة { وقد خاب من افترى } [طه: 61] أي: خسر. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { فتنازعوا أمرهم بينهم... }. ### || [20.62] # يبدو أن تخويف موسى لهم بقوله: # ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم ~~بعذاب.. # [طه: 61] قد أثر فيهم وأخافهم { فتنازعوا أمرهم.. } [طه: ~~62] أخذوا يتساومون القول ويتبادلون الآراء. { وأسروا ~~النجوى } [طه: 62] تحدثوا سرا، وهذا دليل خوفهم من كلام موسى، ~~ودليل ما فيهم من استعداد للخير، لكن انتهى رأيهم إلى الاستمرار في الشوط ~~إلى آخره. ### || [20.63] # توقف العلماء طويلا حول هذه الآية، لأن فيها قراءتين إن هذان بسكون ~~إن والأخرى إن هذان بالتشديد. والقراءة التي نحن عليها قراءة حفص { ~~إن هذان لساحران.. } [طه: 63] و إن شرطية إن دخلت على ~~الفعل، كما نقول: إن زارني زيد أكرمته، وتأتي نافية بمعنى ms6332 ما، كما في ~~قوله تعالى: # الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم.. # [المجادلة: 2]. فالمعنى: ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم. كذلك في قوله ~~تعالى: { إن هذان لساحران.. } [طه: 63] فالمعنى: ما هذان إلا ~~ساحران، فتكون اللام في { لساحران.. } [طه: 63] بمعنى إلا. كأنك ~~قلت: ما هذان إلا ساحران. وتأتي اللام بمعنى إلا، إذا اختلفنا مثلا ~~على شيء، كل واحد منا يدعيه لنفسه، فيأتي الحكم يقول: لزيد أحق ~~به، كأنه قال: ما هذا الشيء إلا لزيد. إذن: اللام تأتي بمعنى إلا. وعلى ~~القراءة الثانية بالتشديد إن هذان لساحران فإن حرف ناسخ ينصب المبتدأ ~~ويرفع الخبر، تقول: إن زيدا مجتهد، أما في الآية بهذه القراءة: إن ~~هذان لساحران جاء اسم إن هذان بالرفع بالألف لأنه مثنى، والقاعدة تقتضي ~~أن نقول هذين. فكيف يتم توجيه إن المشددة الناسخة وبعدها الاسم مرفوع؟ ~~قالوا: هذه لغة كنانة إحدى قبائل العرب، وكان لكل قبيلة لهجتها الخاصة ~~ولغتها المشهورة فيقولون: جعجعة خزاعة، وطمطمانية حمير، وتلتلة ~~بهراء، وفحفحة هذيل.. الخ. ولما نزل القرآن نزل على جمهرة اللغة ~~القرشية لأن لغات العرب جميعها كانت تصب في لغة قريش في مواسم الحج ~~والشعر والتجارة وغيرها، فكانت لغة قريش هي السائدة بين لغات كل هذه ~~القبائل لذلك نزل بها القرآن، لكن الحق تبارك وتعالى أراد أن يكون ~~للقبائل الأخرى نصيب، فجاءت بعض ألفاظ القرآن على لهجات العرب المختلفة ~~للدلالة على أن القرآن ليس لقريش وحدها، ليجعل لها السيادة على العرب، ~~وإنما جاء للجميع. ومن لهجات القبائل التي نزل بها القرآن لهجة كنانة ~~التي تلزم المثنى الألف في كل أحواله رفعا ونصبا وجرا. وشاهدهم ~~في كتب النحو قول شاعرهم: # واها لسلمى ثم واها واها # يا ليت عيناها لنا وافاها # هي المنى لو أننا نلناها # وموضع الخلخال من قدماها # إن أباها وأبا أباها # قد بلغا في المجد غايتاها # فقال: إن أباها. ولم يقل: إن أبيها لأنه يلزم المثنى الألف. إذن: ~~لم ينزل القرآن بلغة قريش على أنها لغة سيادة، وإنما ms6333 لأنها تنطوي على ~~زبدة فصاحات لغات الجزيرة كلها، وكانت لغة قريش تصفى في مواسم الشعر ~~والأدب في عكاظ وذى المجنة وغيرها. نعود إلى قول الحق تبارك وتعالى: { ~~قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم ~~من أرضكم بسحرهما.. } [طه: 63] ويبدو أن استعداء فرعون ~~لقومه على موسى وهارون جاء بنتيجة ونالت حيلته من نفوسهم لذلك يرددون ~~نفس كلام المعلم الكبير فرعون، فيتهمون موسى وهارون بالسحر. وقولهم: { ~~ويذهبا بطريقتكم المثلى } [طه: 63] طريقتهم المثلى. أي: ~~ما ارتضاه القوم للعيش عليه، والمذهب والطريق الذي سلكوه. والمراد ~~بالطريقة المثلى التي ساروا عليها أنهم اتخذوا واحدا منهم إلها يعبدونه ~~ويأتمرون بأمر، تلك هي الطريقة المثلى!! والمثلى: أي الفاضلة مذكرها ~~أمثل. ### || [20.64] # أي: تنبهوا واشحذوا كل أذهانكم، وكل فنونكم، وحركاتكم في السحر حتى لا ~~يتمكنا من هذين الأمرين: إخراجكم من أرضكم، والقضاء على طريقتكم المثلى. ~~وهذا قول بعضهم لبعض { فأجمعوا كيدكم.. } [طه: 64] فلا ~~يخفي أحد فنا من فنون السحر، وليقدم كل منا ما عنده لأن عادة ~~أهل الحرف أن يوجد بينهم تحاسد، فلا يظهر الواحد منهم كل ما عنده مرة ~~واحدة، أو يحاول أن يخفي ما عنده حتى لا يطلع عليه الآخر، لكن في مثل ~~هذا الموقف لا بد لهم من تضافر الجهود فالموقف حرج ستعم بلواه ~~الجميع إن فشلنا في هذه المهمة. وقوله: { ثم ائتوا صفا.. } ~~[طه: 64] يعني: مجتمعين كأنكم يد واحدة، فهذا أهيب لكم وأدخل للرعب ~~في قلوب خصمكم، كما أننا إذا جئنا سويا لم يتمكن أحد من التراجع، ~~فيكون بعضنا رقيبا على بعض. { وقد أفلح اليوم من ~~استعلى } [طه: 64] أفلح: فاز، كما في قوله تعالى: # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1] وهذا اللفظ مأخوذ من فلح الأرض ومنه الفلاحة لأن الفلاح ~~إذا شق الأرض أو حرثها ورعاها تعطيه خيرها، فحركته فيها حركة ميمونة ~~مباركة. لذلك، لما أراد الحق - تبارك وتعالى - أن يبين لنا مضاعفة ~~الأجر والثواب على الصدقة وعلى فعل الخير ضرب لنا مثلا بالزرع، فقال ~~تعالى: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت ms6334 سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم # [البقرة: 261]. فإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعالى تعطي كل هذا ~~العطاء، فما بالك بعطاء الخالق لهذه الأرض؟ لذلك عقب المثل بقوله تعالى: # والله يضاعف لمن يشآء.. # [البقرة: 261]. ثم أخذت كلمة الفلاح علما على كل فلاح، ولو لم يكن ~~فيه صلة بالأرض لأن قصارى كل حركات الحياة أن تضمن للإنسان بقاء نوعه ~~بالأكل، والأرض مصدر هذا كله، فكانت لذلك مصدرا للفوز. وقوله: { من ~~استعلى } [طه: 64] أي: طلب العلو على خصمه. لكن هل الفلاح يكون ~~لمن طلب العلو أم لمن علا بالفعل؟ طبعا يكون لمن علا، إذن: من علا ~~بالفعل لا بد أن يشحذ ذهنه على أن يطلب العلو على خصمه، فمهما علا ~~الخصم استعلى عليه أي: طلب العلو، إذن: قبل علا استعلى. ثم يقول الحق ~~سبحانه عن السحرة: { قالوا يموسى إمآ أن تلقي... }. ### || [20.65] # تلقي: ترمي. والمراد أن يرمي واحد منهم ما أعده من سحر، فاختار موسى ~~أن يلقوا هم أولا. ### || [20.66] # لأنهم إن ألقوا سحرهم كانت للعصا مهمة حين يلقيها موسى، فأراد أن ~~يكون للعصا حركة بعد أن تنقلب إلى ثعبان أو حية أو جان، وإلا لو ألقى هو ~~أولا، فماذا سيكون عملها؟ وقد ألهم الله تعالى سحرة فرعون هذا الأدب في ~~معركتهم مع موسى، فخيروه بين أن يلقي هو، أو يلقوا هم، والله - ~~تبارك وتعالى - يحول بين المرء وقلبه، فألهمهم ذلك مع أنهم خصومه، ~~وأنطقهم بما يؤيد صاحب المعجزة الخالدة، فقالوا: # إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول من ألقى # [طه: 65]. وقد اختار موسى - عليه السلام - أن يلقي أخيرا لأن التجربة ~~التي مر بها في طوى مع ربه - عز وجل - لما قال له ربه: # قال ألقها يموسى # [طه: 19]. فلما ألقى موسى عصاه انقلبت إلى حية تسعى ورأى هو حركتها، ~~لكن لم يكن بهذه التجربة شيء تلقفه العصا، فإذا ألقى موسى أولا ~~وتحولت العصا حية أو ثعبانا، فما الفرق بينها وبين حبال السحرة التي ~~تحولت ms6335 أمامهم إلى حيات وثعابين؟ إذن: لا بد من شيء يميز عصا ~~موسى كمعجزة عن سحر السحرة وشعوذتهم لذلك اختار موسى أن يلقي هو ~~آخرا بإلهام من الله حتى تلقف عصاه ما يأفكون، فما يلقف لا بد أن ~~يسبق ما يلقف. فمن حيث الحركة أمام الناظرين لا فرق بين عصا موسى ~~وحبال السحرة وعصيهم، فكلها تتحرك، إنما تميزت عصا موسى بأنها تلقف ما ~~يصنعون من السحر، وتتتبع حبالهم وعصيهم، وتقفز هنا وهناك، فلها - إذن ~~- عين تبصر، ثم تلقف سحرهم في جوفها، ومع ذلك تظل كما هي لا تنتفخ ~~بطنها مثلا، وهذا هو موضع المعجزة في عصا موسى عليه السلام. وقوله ~~تعالى: { فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من ~~سحرهم أنها تسعى } [طه: 66] إذن: فحركة العصي والحبال ~~ليست حركة حقيقية، إنما هي تخيل { يخيل إليه.. } [طه: 66] ~~فيراها تسعى، وهي ليست كذلك. وقد قال تعالى عن هؤلاء السحرة: # سحروا أعين الناس.. # [الأعراف: 116] فجاءوا بأعمال تخيلية خادعة بأي وسيلة كانت، فالبعض ~~يقول مثلا: إنهم وضعوا بها الزئبق، فلما حميت عليه الشمس تمدد، ~~فصارت الأشياء تتلوى وتتحرك، فأيا كانت وسائلهم فهي مجرد تخيلات، ~~أما الساحر نفسه فيراها حبالا على حقيقتها، وهذا هو الفرق بين سحر ~~السحرة، ومعجزة عصا موسى. والسحر يختلف عن الحيل التي تعتمد على خفة ~~الحركة والألاعيب والخدع، فالسحر أقرب ما يكون إلى الحقيقة في نظر ~~الرائي، كما قال تعالى: # واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ~~وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا ~~يعلمون الناس السحر.. # [البقرة: 102]. إذن: هو فن يتعلم، يعطي التخييل بواسطة تسخير ~~الجن، فهم الذين يقومون بكل هذه الحركات، فهي - إذن - ليست حيلا ولا ~~خفة حركة، إنما هي عملية لها أصول وقواعد تدرس وتتعلم. # والخالق - عز وجل - حينما يعرض علينا قضية السحر، وأنه عبارة عن تسخير ~~الشياطين لخدمة الساحر، ويجعل لكل منهما القدرة على مضرة الآخرين: ~~الساحر بالسحر، والشياطين بما لديهم من قوة التشكل في الأشكال المختلفة ~~والنفاذ من الحواجز لأن الجن خلقوا من النار، والنار لها شفافية تنفذ ~~خلال الجدار ms6336 مثلا. أما الإنسان فخلق من الطين، والطين له كثافة، ~~وضربنا مثلا لنقرب هذه المسألة، قلنا: هب أنك تجلس خلف جدار، ووراء ~~هذا الجدار تفاحة مثلا وهي من الطينية المتجمدة، أيصل إليك من التفاحة ~~شيء؟ إنما لو خلف الجدار نار فسوف تشعر من خلال الجدار بحرارتها. هذه - ~~إذن - خصوصيات جعلها الخالق عز وجل للشياطين فضلا عن أنهم يرونكم من ~~حيث لا ترونهم. لكن، كان من لطف القدير بنا أن جعل لنا ما يحمينا من ~~الشياطين، فجعل الحق - تبارك وتعالى - حين يتشكلون في الأشكال المختلفة ~~تحكمهم هذه الأشكال، بمعنى لو أن الشيطان تشكل لك في صورة إنسان فقد ~~حكمته هذه الصورة، فلو أطلقت عليه الرصاص في هذه اللحظة لقتلته فعلا. ~~لذلك فالشيطان يخاف منك أكثر مما تخاف منه، ولا يظهرون لنا إلا ومضة ~~ولمحة سريعة خوفا أن يكون الرائي له على علم بهذه المسألة فيمسك به ~~وساعتها لن يفلت منك. وقد أمسك النبي صلى الله عليه وسلم شيطانا وقال: # " لقد هممت أن أربطه بسارية المسجد، يلعب به غلمان المدينة، إلا أنني ~~ذكرت دعوة أخي سليمان { وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعدي.. } ". # إذن: الحق سبحانه أعطاهم خصوصية التشكل كما يحبون، إنما قيدهم بما ~~يشكلون به، كأنه يقول له: إذا تركت طبيعتك وتشكلت بصورة أخرى فارض ~~بأن تحكمك هذه الصورة، وأن يتحكم فيك الأضعف منك، وإلا لفزعوا الناس ~~وأرهبوهم، ولم نسلم من شرهم. وكذلك الحال مع الساحر نفسه، فلديه ~~بالسحر والطلاسم أن يسخر الجن يفعلون له ما يريد، وهذه خصوصية تفوق ~~بها قدرته قدرة الآخرين، ولديه بالسحر فرصة لا تتوفر لغيره من عامة ~~الناس، فليس بينه وبينهم تكافؤ في الفرص. والله عز وجل يريد لخلقه أن ~~تتكافأ فرصهم في حركة الحياة فيقول الساحر: إياك أن تفهم أن ما يسرته ~~لك من تسخير الأقوى منك ليقدر على ما لا تقدر عليه يفيدك بشيء. أو أنك ~~أخذت بالسحر فرصة على غيرك، بل العكس هو الصحيح فلن تجني من سحرك ~~إلا الضرر والشقاء، فالسحر فتنة ms6337 للإنسان، كما أنه فتنة للجن. لذلك يقول ~~تعالى: # وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر.. # [البقرة: 102]. والفتنة هنا معناها أن نختبر استعماله لمدى ما أعده ~~الله له، أيستعمله في الخير أم في الشر؟ فإن قلت: أتعلم السحر ~~لأستعمله في الخير. نقول: هذا كلامك ساعة التحمل، ولا تضمن نفسك ساعة ~~الأداء. كما قلنا سابقا في تحمل الأمانة حين تقبلها ساعة التحمل، وأنت ~~واثق من قدرتك على أدائها في وقتها، ومطمئن إلى سلامة نيتك في تحملها، ~~أما وقت الأداء فربما يطرأ عليك ما يغير نيتك. وكما جاء في قول الحق ~~تبارك وتعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. فاخترن التسخير على الاختيار وحمل الأمانة لأنهن لا ~~يضمن القيام بها. وقد أعذر الله تعالى إلى السحرة في قوله: # وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن ~~فتنة فلا تكفر.. # [البقرة: 102]. كأن الساحر مآله إلى الكفر لأنه ابن أهواء وأغيار، لا ~~يستطيع أن يتحكم في نفسه فيسخر قوة السحر في الخير، كما أن الله ~~تعالى إذا أراد أن يسخر القوى للخير: أيسخر الطائع؟ أم يسخر ~~العاصي؟ سيسخر الطائع، والجن الطائع لا يرضى أبدا بهذه المسألة. إذن: ~~لن يستطيع الساحر إلا تسخير الجن العاصي، كما قال تعالى: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم.. # [الأنعام: 121]. لذلك تلاحظ أن كل الذين يشتغلون بهذه العملية على ~~سمتهم الغضب، وعلى سحنتهم آثار الذنوب وشؤمها، ينفر منهم من رآهم، ~~يعيشون في أضيق صور العيش، فترى الساحر يأخذ من هذا، ويأخذ من هذا، ويبتز ~~الناس ويخدعهم، ومع ذلك تراه شحاذا يعيش في ضيق، ويموت كافرا مبعدا ~~من رحمة الله حتى أولاده من بعده لا يسلمون من شؤمه، وصدق الله ~~العظيم حين قال: # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا # [الجن: 6]. كما أن في حياة السحرة لفتة، يجب أن نلتفت إليها، وهي أن ~~السحرة الذين يصنعون السحر للناس ويخدعونهم: من أين يرتزقون؟ ms6338 من عامة ~~الناس الذين لا يفهمون في السحر شيئا، ولو أنه أفلح بالسحر لأغنى نفسه ~~عن أن تمتد يده إلى هذا، فيأخذ منه عدة جنيهات، وإلى هذا يطلب منه أشياء ~~غريبة يوهمه أن مسألته لن تحل إلا بها. ولماذا لم يستخدم سحره في سرقة ~~خزينة مثلا ويريح نفسه من هذا العناء، وإن قال: كيف وهي أموال الناس ~~والسطو عليها سرقة، فليذهب إلى الركاز وكنوز الأرض فليست مملوكة لأحد. ~~نعود إلى سحرة فرعون أيا كان سحرهم أمن نوع الألاعيب وخفة الحركة ~~وخداع الناظرين؟ أم من نوع السحر الذي علمته الشياطين من زمن سليمان - ~~عليه السلام - فهو سحر لن يقف أمام معجزة باهرة جاءت على يد موسى لإثبات ~~صدقه. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { فأوجس في نفسه خيفة... ~~}. ### || [20.67] # أوجس: من الإيجاس، وهو تحرك شيء مخيف في القلب لا يتعدى إلى الجوارح، ~~فإن تعدى إلى الجوارح يتحول إلى عمل نزوعي، كأن يهرب أو يجري، فالعمل ~~النزوعي يأتي بعد الإحساس الوجداني لذلك يقول بعدها: { في نفسه.. } ~~[طه: 67]. وقد شعر موسى عليه السلام بالخوف لما رأى حبال السحرة وعصيهم ~~تتحول أمام النظارة إلى حيات وثعابين، وربما اكتفى المشاهدون بما ~~رأوه فهرجوا عليه وأنهوا الموقف على هذا قبل أن يتمكن هو من عمل شيء. ~~فإن قلت: فلماذا لم يلق عصاه وتنتهي المسألة؟ نقول: لأن أوامره من ~~الله أولا بأول، وهو معه يتتبعه سماعا ورؤية، فتأتيه التعاليم جديدة ~~مباشرة. ### || [20.68] # هذا حكم الله عز وجل يأتي موسى على هيئة برقية مختصرة { أنت ~~الأعلى } [طه: 68] أنت المنصور الفائز فاطمئن، لكن تتحرك في موسى ~~بشريته: منصور كيف؟ وهنا يأتيه الأمر العملي التنفيذي بعد هذا الوعد ~~النظري، وكأن الحق سبحانه متتبع لكل حركات نبيه موسى، ولم يتركه يباشر ~~هذه المسألة وحده، إنما كان معه يسمع ويرى، فيرد على السماع بما ~~يناسبه، ويرد على الرؤية بما يناسبها. ودائما يرهف النبي سمعه وقلبه ~~إلى ما يلقي عليه من توجيهات ربه عز وجل لذلك خاطبه ربه بقوله: # إنني معكمآ أسمع وأرى # [طه: ms6339 46]. فسيأتيك الرد المناسب في حينه. إذن: الحق سبحانه لم يخبر موسى ~~بمهمته مع فرعون ثم تركه يباشرها بنفسه، وإنما تمت هذه المسألة ~~بتوجيهات مباشرة من الله تعالى. ### || [20.69] # وهذا أصل المعجزة في عصا موسى، أن تلقف وتبتلع ما يأفكون من السحر وكلمة ~~{ تلقف.. } [طه: 69] تعطيك الصورة الحركية السريعة التي تشبه لمح ~~البصر، تقول: تلقفته يعني أخذته بسرعة وشدة، وهذه هي العلة في العصا ~~أن تلقف ما صنعوا من السحر { إنما صنعوا كيد ساحر.. } [طه: ~~69] والكيد: التدبير الخفي للتغلب على الخصم، لكن ماذا يفعل كيد ~~الساحر وألاعيبه وتلفيقه أمام قدرة الرب تبارك وتعالى؟ ثم يقول تعالى: { ~~ولا يفلح الساحر حيث أتى } [طه: 69] سبق أن تكلمنا في ~~مسألة فلاح الساحر، وأنه مهما أوتي من قدرة على تسخير الجن لعمل شيء ~~فوق طاقة الإنس، فلن يعطيه ذلك ميزة على غيره، ولن تكون له قدرة على ~~شيء. فإياكم أن تظنوا أن الله تعالى ملك مصالحكم لهؤلاء، صحيح هو يفعل، ~~أما الإصابة والأذى فبإذن الله وتحت عنايته: # وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله.. # [البقرة: 102] وهذه القضية لا تنسحب على الساحر فحسب، إنما على الوجود ~~كله، وإلى أن تقوم الساعة. ثم يقول الحق سبحانه: { فألقي ~~السحرة سجدا... }. ### || [20.70] # قال الزجاج في هذا الموقف: عجيب أمر هؤلاء، فقد ألقوا حبالهم وعصيهم ~~للكفر والجحود، فإذا بهم يلقون أنفسهم للشكر والسجود. نعم، لقد دخلوا ~~كافرين فجرة فخرجوا مؤمنين بررة، لأنهم جاءوا بكل ما لديهم من الكيد، ~~وجمعوا صفوة السحر وأساتذته ممن يعلمون السحر جيدا، ولا تنطلي ~~عليهم حركات السحرة وألاعيبهم، فلما رأوا العصا وما فعلت بسحرهم لم ~~يخالطهم شك في أنها معجزة بعيدة عما يصنعونه من السحر لذلك سارعوا ~~ولم يترددوا في إعلان إيمانهم بموسى وهارون. وهذا يدلنا على أن الفطرة ~~الإيمانية في النفس قد تطمسها الأهواء، فإذا ما تيقظت الفطرة الإيمانية ~~وأزيلت عنها الغشاوة سارعت إلى الإيمان وتأثرت به. لقد سارع السحرة ~~إلى الإيمان، وكان له هوى في نفوسهم، بدليل أنهم سيقولون فيما بعد: # ومآ ms6340 أكرهتنا عليه من السحر.. # [السحر: 73] فكانوا مكرهين، كانوا أيضا مسخرين، بدليل قولهم: # .. إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين # [الأعراف: 113]. كأنهم كانوا لا يأخذون على السحر أجرا، فلما كانت هذه ~~المهمة صعبة طلبوا عليها أجرا، فهي معركة تتوقف عليها مكانته بين قومه، ~~أما ممارستهم للسحر إرهابا للناس وتخويفا لمن تسول له نفسه الخروج ~~والتمرد على فرعون، فكان سخرة، لا يتقاضون عليه أجرا. لذلك لم يعارض ~~فرعون سحرته في طلبهم، بل زادهم منحة أخرى # وإنكم لمن المقربين # [الأعراف: 114] فسوف تكونون سدنة الفرعونية، يريد أن يشحن هممهم، ~~ويشحذ عزائمهم، حتى لا يدخروا وسعا في فن السحر في هذه المعركة. ~~إذن: فطباعهم وفطرتهم تأبى هذا الفعل، وتعلم أنه كذب وتلفيق، لكن مذا ~~يفعلون وكبيرهم يأمرهم به، بل ويكرههم عليه، ويلزمهم أن يعلموا ~~غيرهم، لماذا؟ لأن السحر والشعوذة والتلفيق هي رأس ماله وبضاعته التي ~~يسعى إلى ترويجها، فعليها يقوم ملكه وتبنى ألوهيته. وقوله تعالى: { ~~فألقي السحرة سجدا.. } [طه: 70] فرق بين # فألقوا حبالهم وعصيهم.. # [الشعراء: 44] وهذا منهم عمل اختياري، وبين { فألقي السحرة ~~سجدا.. } [طه: 70]: يعني على غير اختيارهم وعلى غير إرادتهم، كأن ~~صولة الحق فاجأت صحوة الفطرة، فلم يملكوا إلا أن خروا لله ساجدين، ~~فالإلقاء هنا عمل تلقائي دون تفكير منهم ودون شعور، فقد فاجأهم الحق ~~الواضح والمعجزة الباهرة في عصا موسى، لأنها ليست سحرا فهم أعلم ~~الناس بالسحر. ونلحظ في هذه الآية أنها جاءت بصيغة الجمع ألقي السحرة، ~~قالوا، آمنا. لتدل على أنهم كانوا يدا واحدة لم يشذ منهم واحد، مما ~~يدل على أنهم كانوا مكرهين مسخرين. كما أن إعلان إيمانهم جاء بالفعل ~~المرئي المشاهد للجميع { فألقي السحرة سجدا.. } [طه: 70]، ~~ثم بالقول المسموع { قالوا آمنا برب هارون وموسى } ~~[طه: 70] وفي آية أخرى: # قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون # [الشعراء: 47-48]. ونعلم أن موسى - عليه السلام - هو الأصل، ثم أرسل ~~معه أخوه هارون، ولما عرض القرآن موقف السحرة مع موسى حكى قولهم: { ~~آمنا برب هارون وموسى } [طه: 70] وقولهم: # آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون ms6341 # [الشعراء: 47-48]. لذلك كانت هذه المسألة مثار جدل من خصوم الإسلام، ~~يقولون: ماذا قال السحرة بالضبط؟ أقالوا الأولى أم الثانية؟ ولك أن تتصور ~~جمهرة السحرة الذين حضروا هذه المعركة، فكان رؤساؤهم وصفوتهم سبعين ~~ساحرا، فما بالك بالمرؤوسين؟ إذن: هم كثيرون، فهل يعقل مع هذه الكثرة ~~وهذه الجمهرة أن يتحدوا في الحركة وفي القول؟ أم يكون لكل منهم انفعاله ~~الخاص على حسب مداركه الإيمانية؟ لا شك أنهم لم يتفقوا على قول ~~واحد، فمنهم من قال { آمنا برب هارون وموسى } [طه: 70] ~~وآخرون قالوا: # آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون # [الشعراء: 47-48]. كذلك كان منهم سطحي العبارة، فقال # آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون # [الشعراء: 47-48] ولم يفطن إلى أن فرعون قد ادعى الألوهية وقال أنا ~~ربكم الأعلى فربما يفهم من قوله # رب موسى وهارون # [الشعراء: 48] أنه فرعون، فهو الذي ربى موسى وهو صغير. وآخر قد فطن إلى ~~هذه المسألة، فكان أدق في التعبير، وأبعد موسى عن هذه الشبهة، فقال: { ~~آمنا برب هارون وموسى } [طه: 70] وجاء أولا بهارون الذي ~~لا علاقة لفرعون بتربيته، ولا فضل له عليه، ثم جاء بعده بموسى. إذن: هذه ~~أقوال متعددة ولقطات مختلفة لمجتمع جماهيري لا تنضبط حركاته، ولا تتفق ~~تعبيراته، وقد حكاها القرآن كما كانت فليس لأحد بعد ذلك أن يقول: إن كان ~~القول الأول صحيحا، فالقول الآخر خطأ أو العكس. وما أشبه هذا الموقف ~~الآن بمباراة رياضية يشهدها الآلاف ويعلقون عليها، ترى أتتفق ~~تعبيراتهم في وصف هذه المباراة؟ نقول: إذن، تعددت اللقطات وتعددت الأقوال ~~للقصة الواحدة لينقل لنا القرآن كل ما حدث. ثم يقص الحق سبحانه رد فعل ~~فرعون على ما حدث، فيقول: { قال آمنتم له قبل أن ءاذن ~~لكم... }. ### || [20.71] # طبيعي أن يشتاط فرعون غضبا بعدما سمعه من سحرته، فقد جمعهم لينصروه ~~فإذا بهم يخذلونه، بل ويقوضون عرشه من أساسه فيؤمنون بإله غيره، ويا ~~ليتهم لما خذلوه سكتوا، إنما يعلنونها صريحة عالية مدوية: # آمنا برب هارون وموسى # [طه: 70]. { قال آمنتم له قبل أن ءاذن لكم... } [طه: ms6342 ~~71] فمع الخيبة التي مني بها ما يزال يتمسك بفرعونيته وألوهيته، ويهرب ~~من الاستخزاء الذي حاق به، يريد أن يعطي للقوم صورة المتماسك الذي لم ~~تؤثر فيه هذه الأحداث، فقال { قال آمنتم له قبل أن ءاذن ~~لكم.. } [طه: 71] فأنا كبيركم الذي علمكم السحر، وكان عليكم أن ~~تحترموا أستاذيته، وقد كنت سآذن لكم. وكلمة آمنتم مادتها: أمن. وقد ~~أخذت حيزا كبيرا في القرآن الكريم، والأصل فيها: أمن فلان آمنا ~~يعني: اطمأن. فليس هناك ما يخوفه. لكن هذه المادة تأتي مرة ثلاثية ~~أمن وتأتي مزيدة بالهمزة آمن. وهذا الفعل يأتي متعديا إلى المفعول ~~مباشرة، كما في قوله تعالى # فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4] يعني: آمن سكان مكة من الخوف. وقد يتعدى بالباء كما في: ~~آمنت بالله، أو يتعدى باللام كما في قوله تعالى: # فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه.. # [يونس: 83] وآمن له يعني: صدقه فيما جاء به. إذن: لدينا: آمنه يعني ~~أعطاه الأمن، وآمن به: يعني اعتقده، وآمن له: يعني صدقه. وقد تأتي ~~أمن وآمن بمعنى واحد، كما في قول سيدنا يعقوب: # هل آمنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه من ~~قبل.. # [يوسف: 64]. فلماذا اختلفت الصيغة من آمن إلى أمن؟ قالوا: لأن قوله # كمآ أمنتكم على أخيه من قبل.. # [يوسف: 64] كانت تجربة أولى، فجاء الفعل أمن مجردا على خلاف الحال ~~في المرة الثانية، فقد احتاجت إلى نوع من الاحتياط للأمر، فقال # هل آمنكم عليه.. # [يوسف: 64] فزاد الهمزة للاحتياط. فمعنى قول فرعون: { آمنتم له.. } ~~[طه: 71] يعني أي: صدقتموه. وتأمل هنا بلاغة القرآن في هذا التعبير { ~~قبل أن ءاذن لكم.. } [طه: 71] ومن الذي يقولها؟ إنه فرعون ~~الآمر الناهي في قومه يتحدث الآن عن الإذن. وفرق بين أمر وأذن، أمر ~~بالشيء يعني: أنه يحب ما أمر به، ويجب عليك أنت التنفيذ. أما الإذن فقد ~~يكون في أمر لا يحبه ولا يريده، فهو الآن يأذن لأنه لا يقدر على الأمر. ~~وما دمتم قد آمنتم له قبل أن آذن ms6343 لكم فلا بد أن يكون هو كبيركم ~~الذي علمكم السحر، فكان وفاؤكم له، واحترمتم هذا الكبر وساعدتموه على ~~الفوز. وهذا من فرعون سوء تعليل لواقع الإيمان، ففي نظره أن موسى تفوق ~~عليهم، لا لأنه يجيد فن السحر أكثر منهم، إنما تفوق عليهم لأنهم ~~جاملوه وتواطأوا معه لأنه كبيرهم ومعلمهم. # لذلك يتهددهم قائلا: { فلأقطعن أيديكم وأرجلكم ~~من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل.. } [طه: 71]. ~~جاء هذا التهديد والوعيد جزاء لهم لأنهم - في نظره - هزموه وخذلوه في ~~معركته الفاصلة أمام موسى عليه السلام، ومعنى: { من خلاف.. } [طه: ~~71] الخلاف أن يأتي شيء على خلاف شيء آخر، والكلام هنا عن الأيدي ~~والأرجل، فيكون المراد اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، أو اليد اليسرى ~~مع الرجل اليمنى. وقوله: { ولأصلبنكم في جذوع ~~النخل.. } [طه: 71] المعروف أن التصليب يكون على الجذوع لذلك حاول ~~بعض المفسرين الخروج من هذا الإشكال فقالوا: في هنا بمعنى على. لكن هذا ~~تفسير لا يليق بالأسلوب الأعلى للبيان القرآني، ويجب أن نتفق أولا على ~~معنى التصليب: وهو أن تأتي بالمصلوب عليه وهو الخشب أو الحديد مثلا، ثم ~~تأتي بالشخص المراد صلبه، وتربطه في هذا القائم رباطا قويا، ثم تشد ~~عليه بقوة. ولك أن تجرب هذه المسألة، فتربط مثلا عود كبريت على ~~إصبعك، ثم تشد عليه الرباط بقوة، وسوف تجد أن العود يدخل في اللحم، ~~ساعتها تقول: العود في إصبعك، لا على إصبعك. إذن قوله تعالى: { ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل.. } [طه: 71] في هنا على ~~معناها الأصلي للدلالة على المبالغة في الصلب تصليبا قويا، بحيث ~~يدخل المصلوب في المصلوب فيه، كأنه ليس عليه، بل داخل فيه. ثم يقول: { ~~ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى } [طه: 71] أينا: ~~المراد فرعون وموسى، أو فرعون ورب موسى الذي أرسله { أشد عذابا ~~وأبقى } [طه: 71] فجمع في العذاب شدته من حيث الكيفية، ودوامه ~~وبقاءه في الزمن. ولم يذكر القرآن شيئا عن تهديد فرعون، أفعله أم لا؟ ~~والأقرب أنه نفذ ما هدد به. وكان من المفروض في تهديد فرعون أن يأخذ من ~~قلوب السحرة ويرهبهم، ms6344 فيحاولون على الأقل الاعتذار عما حدث، لكن ~~شيئا من هذا لم يحدث، بل قالوا ما أهاجه أكثر: { قالوا لن ~~نؤثرك على ما جآءنا... }. ### || [20.72] # الإيثار: تفضيل شيء على شيء في مجال متساو تقول: آثرت فلانا على ~~فلان، وهما في منزلة واحدة، أو أن معك شيئا ليس معك غيره، ثم جاءك فقير ~~فآثرته على نفسك. ومنه قوله تعالى: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. # [الحشر: 9]. فقولهم: { لن نؤثرك على ما جآءنا من ~~البينات والذي فطرنا.. } [طه: 72] لأنه قال # ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى # [طه: 71] أنا أم موسى؟ فالمعركة في نظره مع موسى، فأرادوا أن يواجهوه ~~بهذه الحقيقة التي اتضحت لهم جميعا، وهي أن المعركة ليست مع موسى، بل ~~مع آيات الله البينات التي أرسل بها موسى، ولن نفضلك على آيات الله ~~التي جاءتنا واضحة بينة. ولما رأى السحرة معجزة العصا كانوا هم أكثر ~~القوم إيمانا، وقد وضح عمق إيمانهم لما قالوا: # آمنا برب هارون وموسى # [طه: 70] ولم يقولوا: آمنا بموسى وهارون، إذن: فإيمانهم صحيح صادق من ~~أول وهلة. وقد تعرضنا لهذه المسألة في قصة سليمان مع ملكة سبأ، حين ~~قالت: # وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين # [النمل: 44] فأنا وهو مسلمان لله، ولم تقل: أسلمت لسليمان، فهناك رب ~~أعلى، الجميع مسلم له. إذن: فقول السحرة لفرعون: { لن ~~نؤثرك على ما جآءنا من البينات والذي ~~فطرنا.. } [طه: 72] تعبير دقيق وواع وحكيم لا تلحظ فيه ذاتية موسى ~~إنما تلحظ البينة التي جاء بها موسى من الله. لذلك يقول تعالى: # لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة # [البينة: 1] ثم يبين عند من جاءت البينة: # رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة # [البينة: 2]. فالارتقاء من الرسول إلى البينة إلى من أعطى له البينة، ~~فهذه مراحل ثلاث. والبينات، هي الأمور الواضحة التي تحسم كل جدل ~~حولها، فلا تقبل الجدل والمهاترات لأن حجتها جلية واضحة. وقولهم: { ~~والذي فطرنا.. } [طه: 72] أي: ولن نؤثرك أيضا على الله الذي ~~فطرنا، أو تكون { والذي فطرنا.. } [طه: 72] قسم ms6345 على ما يقولون، ~~كما تقول: لن أفعل كذا والذي خلقك، فأنت تقسم ألا تفعل هذا الشيء. ~~وهذه حيثية عدم الرجوع فيما قالوه وهو الإيمان برب هارون وموسى. ثم لم ~~يفتهم الإشارة إلى مسألة التهديدات الفرعونية: # فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل.. # [طه: 71]. لذلك يقولون: { فاقض مآ أنت قاض.. } [طه: 72] أي: ~~نفذ ما حكمت به من تقطيع الأيدي والأرجل، أو اقض ما أنت قاض من أمور ~~أخرى، وافعل ما تريد فلم تعد تخيفنا هذه التهديدات { إنما تقضي ~~هذه الحياة الدنيآ } [طه: 72]. فأنت إنسان يمكن أن تموت في ~~أي وقت، فما تقضي إلا مدة حياتك، وربما يأتي من بعدك من هو أفضل منك ~~فلا يدعي ما ادعيته من الألوهية. وهب أن من جاء بعدك كان على ~~شاكلتك، فحياته أيضا منتهية، وحتى لو ظل ما سننته للناس من ادعاء ~~الألوهية إلى يوم القيامة، وامتد طغيان غيرك من بعدك، فالمسألة ستنتهي، ~~ولو حتى بقيام الساعة. كما سبق أن قلنا: إن نعيم الدنيا مهما بلغ ~~فيتهدده أمران: إما أن تفوته أو يفوتك، أما نعيم الآخرة فنعيم باق ~~دائم، لا تفوته ولا يفوتك. ثم يقول الحق سبحانه: { إنآ آمنا ~~بربنا ليغفر لنا خطايانا... }. ### || [20.73] # فما دمنا رجعنا من الإيمان بالبشر إلى الإيمان بخالق البشر، فهذا ~~رشد في تفكيرنا لا يصح أن تلومنا عليه، ثم أوضحوا حيثية إيمانهم { ~~ليغفر لنا خطايانا ومآ أكرهتنا عليه من ~~السحر.. } [طه: 73] فالإيمان بالله سينفعنا، وسيغفر لنا الخطايا وهي ~~كثيرة، وسيغفر لنا ما أكرهتنا عليه من مسألة السحر، فقد صنعوا السحر ~~مكرهين، ومارسوه مجبرين، فهو عمل لا يوافق طبيعتهم ولا تكوينهم ولا ~~فطرتهم. وما أكثر ما يكره الناس على أمور لا يرضونها، وينفذون أوامر ~~وهم غير مقتنعين بها، خاصة في عصور الطغاة والجبارين، وقد سمعنا ~~كثيرا عن السجانين في المعتقلات، فكان بعضهم تأتيه الأوامر بتعذيب ~~فلان، فماذا يفعل وهو يعلم أنه بريء مظلوم، ولا يطاوعه قلبه في تعذيبه، ~~فكان يدخل على المسجون ويقول له: اصرخ بأعلى صوتك، ويمثل أنه ms6346 يضربه. ~~ثم يقولون: { والله خير وأبقى } [طه: 73] فأنت ستزول، بل ~~دنياك كلها ستزول بمن جاء بعدك من الطغاة، ولن يبقى إلا الله، وهو ~~سبحانه يمتع كل خلقه بالأسباب في الدنيا، أما في الآخرة فلن يعيشوا ~~بالأسباب. إنما بالمسبب عز وجل دون أسباب. لذلك إذا خطر الشيء ببالك تجده ~~بين يديك، وهذا نعيم الآخرة، ولن تصل إليه حضارات الدنيا مهما بلغت من ~~التطور. لذلك في قوله تعالى: # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا ~~أو نهارا.. # [يونس: 24]، فمهما ظن البشر أنهم قادرون على كل شيء في دنياهم فهم ~~ضعفاء لا يستطيعون الحفاظ على ما توصلوا إليه. إذن: اجعل الله - تبارك ~~وتعالى - في بالك دائما يكن لك عوضا عن كل فائت، واستح أن يطلع ~~عليك وأنت تعصيه. وجاء في كتاب جامع العلوم والحكم 1/36 قال بعض ~~العارفين: اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك. ولما سئل أحد العارفين: ~~فيم أفنيت عمرك؟ قال: في أربعة أشياء: علمت أني لا أخلو من نظر الله ~~تعالى طرفة عين، فاستحييت أن أعصيه، وعلمت أن لي رزقا لا ~~يتجاوزني وقد ضمنه الله لي فقنعت به، وعلمت أن علي دينا لا يؤديه ~~عني غيري فاشتغلت به، وعلمت أن لي أجلا يبادرني فبادرته. وقد شرح ~~أحد العارفين هذه الأربع، فقال: اجعل مراقبتك لمن لا تخلو عن نظره إليك، ~~واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل ~~خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه. وهكذا جمعت هذه الأقوال ~~الثمانية الدين كله. ثم يقدم السحرة الذين أعلنوا إيمانهم حيثيات هذا ~~الإيمان، فقالوا: { إنه من يأت ربه مجرما... }. ### || [20.74] # قوله: { من يأت ربه مجرما.. } [طه: 74] يعني مجرما عمل ~~الجريمة، والجريمة أن تكسر قانونا من قوانين الحق - عز وجل - كما يفعل ~~البشر في قوانينهم، فيضعون عقوبة لمن يخرج عن هذه القوانين، لكن ينبغي ~~أن تعين هذه الجريمة وتعلن على الناس، فإذا ما وقع أحد في الجريمة ~~فقد أعذر من أنذر. ms6347 إذن: لا يمكن أن تعاقب إلا بجريمة، ولا توجد جريمة إلا ~~بنص. وقوله: { يأت } أي: هو الذي سيأتي رغم إجرامه، ورغم ما ينتظره من ~~العذاب. لكن لماذا خاطبوه بلفظ الإجرام؟ لأنه قال: # فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل.. # [طه: 71] ولم يفعلوا أكثر من أن قالوا كلمة الحق، فأينا إذن المجرم؟ ~~وقوله تعالى: { فإن له جهنم لا يموت فيها ولا ~~يحيى } [طه: 74] لأن الموت سيريحهم من العذاب لذلك يتمنون ~~الموت، كما جاء في قوله تعالى: # ونادوا يمالك ليقض علينا ربك.. # [الزخرف: 77] فيأتي رده # إنكم ماكثون # [الزخرف: 77]. وفرق بين عذاب وموت، فالموت إنهاء للحياة، وليس بعد ~~الموت إيلام، أما العذاب فلا ينشأ إلا مع الحياة لأنه إيلام حي. ~~لذلك، فالحق - تبارك وتعالى - لما عرض لهذه المسألة في قصة سليمان عليه ~~السلام والهدهد وأن سليمان قال: # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه.. # [النمل: 21] فالعذاب شيء، والذبح شيء آخر لأنه إنهاء للحياة الحاسة. ~~ومعنى: { لا يموت فيها ولا يحيى } [طه: 74] أن هناك مرحلة ~~وحلقة بين الموت والحياة، حيث لا يموت فيستريح، ولا يحيى حياة سالمة من ~~العذاب، فبقاؤهم في جهنم في هذه المرحلة، التي لا هي موت ولا هي حياة. ### || [20.75] # فكأنهم كانوا يشيرون بقولهم: # إنه من يأت ربه مجرما.. # [طه: 74] إلى فرعون، والآن يشيرون إلى أنفسهم، وما سلكوه من طريق ~~الإيمان { ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات.. } [طه: ~~75]. فجمعوا بين الإيمان والعمل الصالح لأن الإيمان هو الينبوع الوجداني ~~الذي تصدر عنه الحركات النزوعية على وفق المنهج الذي آمنت به، وإلا فما ~~فائدة أن تؤمن بشيء، ولا تعمل له، وكثيرا ما جمع القرآن بين الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات. وقوله: { فأولئك لهم الدرجات ~~العلى } [طه: 75] الدرجات أي: درجات الجنة، فالجنة درجات، بعضها فوق ~~بعض، أما النار فدركات، بعضها تحت بعض. وقد جعل الحق - تبارك وتعالى - ~~الجنة درجات لأن أهلها متفاوتون في الأعمال، كما أنهم متفاوتون حتى في ~~العمل الواحد لأن مناط الإخلاص في العمل متفاوت. لذلك جاء في الأثر: # " الناس على خطر إلا ms6348 العالمون، والعالمون على خطر إلا العاملون، ~~والعاملون على خطر إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم ". # والعلا: جمع عليا. فما الدرجات العلا؟ ### || [20.76] # عدن: أي إقامة. من عدن في المكان: أقام فيه، فالمراد جنات أعدت ~~لإقامتك، وفرق بين أن تعد المكان للإقامة وأن تعد مكانا لعابر، ~~كما أن المكان يختلف إعداده وترفه حسب المعد وإمكاناته، فالإنسان ~~العادي يعد مكانا غير الذي يعده عظيم من العظماء، فما بالك إذن بمكان ~~أعده لك ربك - عز وجل - بقدراته وإمكاناته؟ وقوله: { تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها.. } [طه: 76]. نعلم أن الماء من ~~أهم مقومات الحياة الدنيا، فبه تنبت الأرض النبات، وفيه تذوب العناصر ~~الغذائية، وبدونه لا تقوم لنا حياة على وجه الأرض. والحق سبحانه وتعالى ~~ساعة ينزل مطرا من السماء قد لا ينتفع بالمطر من نزل عليه المطر، ~~فربما نزل على جبل مثلا، فالنيل الذي نحيا على مائه يأتي من أين؟ من ~~الحبشة وغيرها. لذلك جعل الخالق - عز وجل - كلمة { تجري من تحتها ~~الأنهار.. } [طه: 76] رمزا للخضرة وللنضارة وللنماء وللحياة السعيدة ~~الهانئة، حتى الإنسان وإن لم يكن محتاجا للطعام بأن كان شبعان ~~مثلا، يجد لذة في النظر إلى الطبيعة الخضراء، وما فيها من زرع وورود ~~وزهور، فليس الزرع للأكل فقط، بل للنظر أيضا، وإن كنت تأكل في اليوم ~~ثلاث مرات، والأكل غذاء للجسم، فأنت تتمتع بالمنظر الجميل وتسر به ~~كلما نظرت إليه، والنظر متعة للروح، وسرور للنفس. وكأن الحق - تبارك ~~وتعالى - يقول لنا: لا تقصروا انتفاعكم بنعم الله على ما تملكون، فتقول ~~مثلا: لا آكل هذه الفاكهة لأنها ليست ملكي، لأن هناك متعة أخرى: # انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه.. # [الأنعام: 99] فقبل أن تأكل انظر، فالنظر متعة، وغذاء مستمر. فقوله ~~تعالى: { تجري من تحتها الأنهار.. } [طه: 76] لأن ظاهرة ~~جريان الأنهار في الدنيا وسيلة للخضرة والخصب والإيناع، و { من ~~تحتها.. } [طه: 76] أي: أن الماء ذاتي فيها، ونابع منها، ليس جاريا ~~إليك من مكان آخر، ربما يمنع عنك أن تحرم منه. لذلك يقول تعالى في آية ~~أخرى: ms6349 # تجري تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100] فتحتها أنهار جارية، لكن مصدرها ومنبعها من مكان آخر. ~~ونسب الجريان إلى النهر، لا إلى الماء للمبالغة. فالنهر هو المجرى الذي ~~يجري فيه الماء. ثم يقول تعالى: { خالدين فيها.. } [طه: 76] وهذا ~~هو التأمين الحق للنعيم لأن آفة النعم أن تزول، إما بأن تفوتها أنت ~~أو تفوتك هي، أما نعيم الجنة فقد سلمه الله تعالى من هذه الآفة، فهو ~~خالد باق، لا يزول ولا يزال عنه. { وذلك جزآء من تزكى } ~~[طه: 76] الزكاة: تطلق على الطهارة وعلى النماء، فالطهارة: أن يكون ~~الشيء في ذاته طاهرا، والنماء: أن توجد فيه خصوصية نمو فيزيد عما ~~تراه أنت عليه. # كما ترى مثلا الورد الصناعي والورد الطبيعي في البستان، وفيه المائية ~~والنضارة والرائحة الطيبة والألوان المختلفة والنمو، وكلها صفات ذاتية في ~~الوردة، على خلاف الورد الصناعي فهو جامد على حالة واحدة. وهذا هو الفرق ~~بين صنعة البشر وصنعة الخالق للبشر لذلك كانت صنعة الله أخلد وأبقى، ~~وصدق الله العظيم حين قال: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. وتلحظ أنه لم يضن عليك بصفة الخلق لأنك استعملت ~~الأسباب وأعملت الفكر، فكان لك شيء من الخلق، لكن ربك أحسن الخالقين ~~لأنك خلقت من باطن خلقته، خلقت من موجود، وهو سبحانه يخلق من عدم، ~~خلقت شيئا جامدا لا حياة فيه، وخلق سبحانه شيئا حيا ناميا، يتكاثر ~~بذاته. ومن هنا سمي المال الذي تخرجه للفقراء زكاة لأنه يطهر ~~الباقي وينميه. ومن العجائب أن الله تعالى سمى ما يخرج من المال ~~زكاة ونماء، وسمى زيادة الربا محقا. فمعنى: { وذلك جزآء ~~من تزكى } [طه: 76] أي: تطهر من المعاصي، ثم نمى نفسه، ومعنى ~~التنمية هنا ارتقاءات المؤمن في درجات الوصول للحق، فهو مؤمن بداية، لكن ~~يزيد إيمانه وينمو ويرتقي يوما بعد يوم، وكلما ازداد إيمانه ازداد ~~قربه من ربه، وازدادت فيوضات الله عليه. والطهارة للأشياء سابقة على ~~تنميتها لأن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. إذن: زكى نفسه: ~~طهرها أولا، ثم ينميها ثانيا، كمن يريد التجارة، فعليه أولا أن ~~يأتي ms6350 برأس المال الطاهر من حلال ثم ينميه، لكن لا تأتي برأس المال ~~مدنسا ثم تنميه بما فيه من دنس. وكلما نمى الإنسان إيمانه ~~ارتقى في درجاته، فكانت له الدرجات العلا في الآخرة. ### || [20.77] # كان هذا الوحي لموسى - عليه السلام - بعد أن انتهت المعركة، وانتصر ~~فيها معسكر الإيمان، أما فرعون فقد خسر سلاحا من أهم أسلحته وجانبا ~~كبيرا من سطوته وجبروته. وهنا جمع موسى بني إسرائيل، وهم بقايا ذرية ~~آل يعقوب ليذهب بهم إلى أرض الميعاد، وسرعان ما أعد فرعون جيشه وجمع ~~جموعه، وسار خلفهم يتبعهم إلى ساحل البحر، فإذا بموسى وقومه محاصرين: ~~البحر من أمامهم، وفرعون بجيشه من خلفهم، وليس لهم مخرج من هذا المأزق. ~~هذا حكم القضايا البشرية المنعزلة عن رب البشر، أما في نظر المؤمن ~~فلها حل لأن قضاياه ليست بمعزل عن ربه وخالقه لأنه مؤمن حين تصيبه ~~مصيبة، أو يمسه مكروه ينظر فإذا ربه يرعاه، فيلجأ إليه، ويرتاح في ~~كنفه. لذلك يقولون: لا كرب وأنت رب، وما دام لي رب ألجأ إليه ~~فليست هناك معضلة، المعضلة فيمن ليس له رب يلجأ إليه. وقد ضربنا لذلك ~~مثلا - ولله المثل الأعلى - لو أن إنسانا معه في جيبه جنيه، فسقط منه ~~في الطريق، فإذا لم يكن عنده غيره يحزن أما إن كان لديه مال آخر فسوف ~~يجد فيه عوضا عما ضاع منه، هذا الرصيد الذي تحتفظ به هو إيمانك ~~بالله. وهنا جاء الأمر من الله تعالى لموسى - عليه السلام - ليخرجه ~~وقومه من هذا المأزق: { أن أسر بعبادي فاضرب لهم ~~طريقا في البحر يبسا.. } [طه: 77]. أسر: من الإسراء ليلا. ~~أي: السير لأنه أستر للسائر. وقوله: { بعبادي.. } [طه: 77] كملة " ~~عبد " تجمع على " عبيد " و " عباد " والفرق بينهما أن كل من في ~~الكون عبيد لله تعالى لأنهم وإن كانوا مختارين في أشياء، فهم مقهورون في ~~أشياء أخرى، فالذي تعود باختياره على مخالفة منهج الله، وله دربة على ~~ذلك، فله قهريات مثل المرض أو الموت. أما العباد فهم الصفوة التي ~~اختارت مراد الله على ms6351 مرادها، واختياره على اختيارها، فإن خيرهم: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29] خرجوا عن اختيارهم لاختيار ربهم. لذلك نسبهم الله إليه ~~فقال: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان.. # [الحجر: 42] وقال عنهم: # عباد مكرمون # [الأنبياء: 26] وقال: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا.. # [الفرقان: 63]. ويقول الحق سبحانه: { فاضرب لهم طريقا في ~~البحر يبسا.. } [طه: 77] أي: يابسا جافا وسط الماء. والضرب: ~~إيقاع شيء من ضارب بآلة على مضروب، ومنه ضرب العملة أي: سكها وختمها، ~~فبعد أن كان قطعة معدن أصبح عملة متداولة. وضرب موسى البحر بعصاه ~~فانفلق البحر وانحسر الماء عن طريق جاف صالح للمشي بالأقدام، وهذه مسألة ~~لا يتصورها قانون البشر لذلك يطمئنه ربه { لا تخاف دركا. # . } [طه: 77] أي: من فرعون أن يدركك { ولا تخشى.. } [طه: 77] ~~أي: غرقا من البحر لأن الطريق مضروب أي: معد وممهد وصالح لهذه ~~المهمة. وهذه معجزة أخرى لعصا موسى التي ألقاها، فصارت حية تسعى، وضرب ~~بها البحر فانفلق فصار ما تحت العصا طريقا يابسا، وما حولها جبالا # كل فرق كالطود العظيم # [الشعراء: 63] وهي التي ضرب بها الحجر فانبجس منه الماء. والسياق هنا لم ~~يذكر شيئا عن الحوار الذي دار بين موسى وقومه حينما وقعوا في هذه ~~الضائقة، لكن جاء في لقطة أخرى من القصة حيث قال تعالى: # فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 61-62]. وبتعدد اللقطات في القرآن تكتمل الصورة العامة للقصة، ~~وليس في ذلك تكرار كما يتوهم البعض. فقبل أن يوحي إليه: { فاضرب ~~لهم طريقا في البحر يبسا.. } [طه: 77] قال القوم: # إنا لمدركون # [الشعراء: 61] فقال: كلا. لكن كيف يقولها قولة الواثق وما يخافون ~~منه محتمل أن يقع بعد لحظة؟ نقول: لأنه لم يقل كلا من عنده، لم ~~يقلها بقانون البشر، إنما بقانون خالق البشر # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62] فأنا لا أغالطكم، ولست بمعزل عن السماء وتوجيه ربي. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { فأتبعهم فرعون بجنوده... }. ### || [20.78] # قوله تعالى: { فغشيهم من اليم ما غشيهم } [طه: ms6352 78] ~~غشيهم يعني: غطاهم الماء، وقد أبهم هذا الحدث للدلالة على فظاعته ~~وهوله، وأنه فوق الحصر والوصف، كأن تقول في الأمر الذي لا تقدر على ~~تفصيله: حصل ما حصل. وفي لقطة أخرى لهذه الحادثة يبين الحق - تبارك ~~وتعالى - أن موسى - عليه السلام - بعد أن عبر بقومه آمنا أراد باجتهاده ~~وترجيحاته الإيمانية أن يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى سيولته فلا يتمكن ~~فرعون من اللحاق به، لكن توجيهات ربه لها شأن آخر. فأوحى الله إليه: # واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون # [الدخان: 24]. أي: اتركه كما هو لا تعده إلى استطراق سيولته، فكما ~~أنجيتك بالماء سأتلف عدوك بالماء، فسبحان من ينجي ويهلك بالشيء ~~الواحد. ثم يقول الحق سبحانه: { وأضل فرعون قومه... }. ### || [20.79] # وسبق أن قال فرعون لقومه: # ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد # [غافر: 29]. فأين سبيل الرشاد الذي تحدث عنه فرعون بعد أن أطبق الله ~~عليهم البحر؟ لقد سقتهم إلى الهلاك، ولم تسلك بهم مناط النجاة ~~والهداية. فأنت - إذن - كاذب في ادعاء سبيل الرشاد لأنك أضللتهم ما ~~هديتهم، وأهلكتهم ما نجيتهم. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { يبني ~~إسرائيل قد أنجيناكم... }. ### || [20.80] # لله عز وجل على بني إسرائيل منن كثيرة ونعم لا تعد، كان مقتضى ~~العبادية التي وصفهم بها # أن أسر بعبادي.. # [طه: 77] أن ينفذوا منهج ربهم، ويذكروا نعمه ذكرا لا يغيب عن ~~بالهم أبدا، بحيث كلما تحركت نفوسهم إلى مخالفة ذكروا نعمة من نعم ~~الله عليهم، تذكروا أنهم غير متطوعين بالإيمان، إنما يردون لله ما ~~عليهم من نعم وآلاء. والحق - تبارك وتعالى - هنا يذكرهم ببعض نعمه، ~~ويناديهم بأحب نداء { يبني إسرائيل.. } [طه: 80] وإسرائيل يعني ~~عبد الله، عبده المخلص، كما تقول لصاحبك: يا ابن الرجل الطيب.. الورع، ~~فالحق يذكرهم بأصلهم الطيب، وينسبهم إلى نبي من أنبيائه. كأنه يلفت ~~أنظارهم أنه لا يليق بكم المخالفة، ولا الخروج عن المنهج. وأنتم سلالة ~~هذا الرجل الصالح. وقوله تعالى: { قد أنجيناكم من ~~عدوكم.. } [طه: 80] أي: من فرعون الذي استذلكم، وذبح أبناءكم، ~~واستحى نساءكم ويسخرهم في الأعمال دون أجر، وفعل ms6353 بكم الأفاعيل، ثم { ~~وواعدناكم جانب الطور الأيمن.. } [طه: 80] لتأخذوا ~~المنهج السليم لحركة الحياة. إذن: خلصناكم من أذى، وواعدناكم لنعمة. { ~~وواعدناكم.. } [طه: 80] واعد: مفاعلة لا تكون إلا من طرفين مثل: ~~شارك وخاصم، فهل كان الوعد من جانبهما معا: الله عز وجل وبني إسرائيل؟ ~~الوعد كان من الله تعالى، لكن لم يقل القرآن: وعدناكم. بل أشرك بني ~~إسرائيل في الوعد، وهذا ينبهنا إلى أنه إذا وعدك إنسان بشيء ووافقت، ~~فكأنك دخلت في الوعد. وجانب الطور الأيمن: مكان تلقي منهج السماء، وهو ~~مكان بعيد في الصحراء، لا زرع فيه ولا ماء لذلك يضمن لهم ربهم عز وجل ~~ما يقيتهم { ونزلنا عليكم المن والسلوى } [طه: ~~80]. المن: سائل أبيض يشبه العسل، يتساقط مثل قطرات بلورية تشبه الندى ~~على ورق الأشجار، وفي الصباح يجمعونه كطعام حلو. وهذه النعمة ما زالت ~~موجودة في العراق مثلا، وتقوم عليها صناعة كبيرة هي صناعة المن. ~~والسلوى: طائر يشبه طائر السمان. وهكذا وفر لهم الحق - تبارك ~~وتعالى - مقومات الحياة بهذه المادة السكرية لذيذة الطعم تجمع بين ~~القشدة مع عسل النحل، وطائر شهي دون تعب منهم، ودون مجهود، بل يرونه ~~بين أيديهم معدا جاهزا، وكان المنتظر منهم أن يشكروا نعمة الله ~~عليهم، لكنهم اعترضوا عليها فقالوا: # لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج ~~لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها ~~وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير.. # [البقرة: 61]. وفي سورة البقرة ذكر مع هذه النعمة التي صاحبتهم في جدب ~~الصحراء نعمة أخرى، فقال تعالى: # وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن ~~والسلوى.. # [البقرة: 57] أي: حميانكم من وهج الشمس وحرارتها حين تسيرون في هذه ~~الصحراء. ونلحظ اختلاف السياق هنا { نزلنا } ، وفي البقرة قال: { ~~أنزلنا } ذلك لأن الحق - تبارك وتعالى - يعالج الموضوع في لقطات ~~مختلفة من جميع زواياه، فقوله { أنزلنا } تدل على التعدي الأول ~~للفعل، وقد يأتي لمرة واحدة، إنما { نزلنا } فتدل على التوالي في ~~الإنزال. وأهل الريف في بلادنا يطلقون المن على مادة تميل إلى الحمرة ~~الداكنة، ثم ms6354 تتحول إلى السواد، تسقط على النبات، لكنها ليست نعمة، بل ~~تعد آفة من الآفات الضارة بالنبات. ثم يقول الحق سبحانه: { كلوا ~~من طيبات ما رزقناكم... }. ### || [20.81] # الطعام والشراب والهواء مقومات الحياة التي ضمنها الله عز وجل لنا، ~~والأمر بالأكل هنا للإباحة، وليست فرضا عليك أن تأكل إلا إذا أردت ~~الإضراب عن الطعام إضرابا يضر بحياتك فعندها تجبر عليه. وقوله: { من ~~طيبات ما رزقناكم.. } [طه: 81] خص الطيبات لأن الرزق: منه ~~الطيب، ومنه غير الطيب، فالرزق: كل ما انتفعت به ولو كان حراما. ~~بمعنى أن ما نلته من الحرام هو أيضا من رزقك إلا أنك تعجلته ~~بالحرام، ولو صبرت عليه وعففت نفسك عنه لنلت أضعافه من الحلال. ~~ثم يقول تعالى: { ولا تطغوا فيه.. } [طه: 81] وفي آية البقرة # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 118] فكأن ظلم النفس علته أنهم طغوا في الأكل من الرزق. ~~والطغيان: من طغى الشيء إذا زاد عن حده المألوف الذي ينتفع به، ومنه ~~طغيان الماء إذا زاد عن الحد الذي يزيل الشرق والعطش إلى حد أنه ~~يغرق، كما قال تعالى: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية # [الحاقة: 11] أي: تجاوز الحد الذي ينتفع به إلى العطب والهلاك. وهكذا ~~في أي حد، لكن كيف تتأتى مجاوزة الحد في الطعام والأقوات؟ الحق - ~~تبارك وتعالى - لما خلق الأرض قدر فيها أقواتها إلى يوم القيامة، فقال ~~تعالى: # وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 10]. فاطمئنوا إلى هذه المسألة، وإذا رأيتم الأرض لا تعطي فلا ~~تتهموها، إنما اتهموا أنفسكم بالتقصير والتكاسل عن عمارة الأرض وزراعتها، ~~كما أمركم الله: # هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. # [هود: 61]. وقد غفلنا زمنا عن هذه المسألة، حتى فاجأتنا الأحداث بكثرة ~~العدد وقلة المدد، فكان الخروج إلى الصحراء وتعميرها. وما دام أن ~~الخالق - عز وجل - خلق لنا أرزاقنا ومقومات حياتنا، وجعلها مناسبة ~~لهذا الإنسان الذي كرمه وجعله خليفة له في الأرض، وجعل لهذا الرزق ولهذه ~~المقومات حدودا حدها وبينها هي الحلال، فلا ينبغي لك بعد ذلك أن ~~تتعدى هذه الحدود، ms6355 وتطغى في تناول طعامك وشرابك. ونحن نرى حتى الآلات ~~التي صنعها البشر، لكل منها وقودها الخاص، وإذا أعطيتها غيره لا تؤدي ~~مهمتها، فمثلا لو وضعت للطائرة سولارا لا تتحرك، فليس هو الوقود ~~المناسب لطبيعتها. إذن: حدودك في مقومات حياتك الحلال، ولو استقرأنا ~~ما أحل الله وما حرم لوجدنا الأصل في الأشياء أنها حلال، والكثير هو ~~المحلل لك، أما المحرم عليك فهو القليل المحصور الذي يمكن تحديده. لذلك ~~يقول عز وجل: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم.. # [الأنعام: 151] ولم يقل مثلا في آية أخرى: تعالوا أتل ما أحل الله ~~لكم لأنها مسألة تطول ولا تحصى. إذن: ساعة أعطاك ربك قال لك: هذا ~~رزقك الحلال الخالص، ومنه وقودك ومقومات حياتك، وبه بقاؤك ونشاط ~~حركتك. # فلا تتعد الحلال على كثرته إلى الحرام على قلته وانحصاره في عدة ~~أنواع، بينها لك وحذرك منها. وبالغذاء تتم في الجسم عملية الأيض ~~يعني: الهدم والبناء، وهي عملية مستمرة في كل لحظة من لحظاتك، فإياك أن ~~تبني ذرة من ذراتك من الحرام لأن ذرة الحرام هذه تظل تشاغبك وتلح ~~عليك كي توقعك في أصلها. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين ~~بما أمر به المرسلين فقال: { يأيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } ~~وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم } ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، ثم يمد يديه إلى ~~السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي ~~بالحرام، فأنى يستجاب لذلك ". # ذلك لأن ذرات بنائه غير منسجمة، لأنها نمت على وقود ما أحله الله له. ~~لذلك تسمع من بعض المتمحكين: ما دام أن الله خلق الخنزير فلماذا حرمه؟ ~~نقول: لقد فهمت أن كل مخلوق خلق ليؤكل، وهذا غير صحيح، فالله خلق ~~البترول الذي تعمل به الآلات، أتستطيع أن تشربه كالسيارة؟ إذن: فرق بين ~~شيء مخلوق لشيء، وأنت توجهه لشيء آخر، هذه ms6356 تسمى إحالة أي: تحويل الشيء ~~إلى غير ما جعل له، وهذا هو الطغيان في القوت لأنك نقلت الحرام إلى ~~الحلال. وقد يأتي الطغيان في صورة أخرى، كأن تأكل ما أحل الله من ~~الطيبات، لكنك تحصل عليها بطريق غير مشروع، وتعود نفسك الكسل عن ~~الكسب الحلال، فتأخذ مجهود غيرك وتعيش عالة عليه، فإلى جانب أنك ~~تتغذى على الحرام فأنت أيضا تزهد غيرك في الحركة والإنتاج والملك، ~~وما فائدة أن يتعب الإنسان ويأخذ غيره ثمرة تعبه؟ وقد أخذ الطغيان بهذا ~~المعنى صورا متعددة في مجتمعاتنا، فيمكن أن ندرج تحته: الغصب، والخطف، ~~والسرقة، والاختلاس، والرشوة، وخيانة الأمانة، وخداع من استأجرك إلى غير ~~ذلك من أخذ أموال الناس بالباطل ودون وجه حق، وكل عمل من هذه التعديات ~~له صورته. فالخطف: أن تخطف مال غيرك دون أن يكون في متناول يد المخطوف ~~منه ثم تفر منه، فإن كان في متناول يده وأنت غالبته عليه، وأخذته ~~عنوة فهو غصب مأخوذ من: غصب الجلد عن الشاة أي: سلخه عنها. فإن ~~كان أخذ المال خفية وهو في حرزه فهي سرقة. وإن كنت مؤتمنا على مال ~~بين يديك فأخذت منه خفية فهو اختلاس.. الخ. إذن: أحل الله لك أشياء، ~~وحرم عليك أخرى، فإن كان الشيء في ذاته حلالا فلا تأخذه إلا بحقه ~~حتى يحترم كل منا عمل الآخر وحركته في الحياة وملكيته للأشياء، وبذلك ~~تستقيم بنا حركة الحياة، ويسعد الجميع ونعين المنفق، ونأخذ على يد ~~المتسيب البلطجي. # وللإسلام منهج قويم في القضاء على مسألة البطالة، تأخذ به بعض النظم ~~الحديثة الآن، وهو أن الشرع يأمر للقضاء على البطالة أن تحفر بئرا ~~وتطمها: أي احفرها وأردمها ثم اعط الأجير فيها أجره. كيف هذا؟ ~~تحفر البئر ولا تستفيد منها وتردمها فما الفائدة؟ ولماذا لم نعط الأجير ~~أجره دون حفر ودون ردم؟ قالوا: حتى لا يتعود على الخمول والكسل، وحتى ~~لا يأكل إلا من عرقه وكده، وإلا فسد المجتمع. وللطغيان في القوت صورة ~~أخرى، هي أن تستخدم القوت الذي جعله الله طاقة ms6357 لك في حركة الحياة ~~النافعة، فإذا بك تصرف هذه الطاقة التي أنعم الله بها عليك في معصيته. ~~وهكذا، كان الطغيان هو علة # وما ظلمناهم.. # [النحل: 118] أي: بالعقوبة # ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 118] أي: بالطغيان. ثم يقول تعالى: { فيحل عليكم ~~غضبي.. } [طه: 81] الفعل: حل، يحل يأتي بمعنى: صار حلالا، كما ~~تقول للسارق: حلال فيه السجن. وتأتي حل يحل بمعنى: نزل في المكان، ~~تقول: حل بالمكان أي: نزل به. فيكون المعنى: { فيحل عليكم ~~غضبي.. } [طه: 81] أي: صار حلالا، ووجب لكم، أو بمعنى: ينزل بكم. وقد ~~يكون المعنى أعم من هذا كله. والغضب انفعال نفسي يحدث تغييرا في ~~كيماوية الجسم، فترى الغاضب قد انتفخت أوداجه واحمر وجهه، وتغيرت ~~ملامحه، فهذه أغيار تصاحب هذا الانفعال. فهل غضب الله عز وجل من هذا ~~النوع؟ بالطبع لا لأنه تعالى ليس عنده أغيار، وإذا كان الغضب يتناسب ~~وقدرة الغاضب على العذاب، فما بالك إن كان الغضب من الله؟ ثم يقول ~~تعالى: { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى } [طه: 81] ~~مادة: هوى لها استعمالان، الأول: هوى يهوي: يعني سقط من أعلى ~~سقوطا لا إرادة له في منعه، كأن يسقط فجأة من على السطح مثلا، ومن ~~ذلك قوله: # هوى الدلو أسلمها الرشاء # إذا انقطع الحبل الذي يخرج الدلو. والآخر: هوى يهوى: أي ~~أحب. فيكون المعنى { فقد هوى } [طه: 81] سقط إلى القاع سقوطا لا ~~يبقى له قيمة في الحياة، أو هوى في الدنيا، ويهوي في الآخرة، كما جاء ~~في قوله تعالى: # فأمه هاوية # [القارعة: 9] فأمه ومصدر الحنان له هاوية، فكيف به إذا هوى في الهاوية؟ ~~هذه كلها عظات ومواعظ للمؤمن، يبينها الحق - سبحانه وتعالى - له - ~~كي يبني حركة حياته على ضوئها وهداها. ولما كان الإنسان عرضة ~~للأغيار لا يثبت على حال يتقلب بين عافية ومرض، بين غنى وفقر، ~~فكل ما فيه موهوب له لا ذاتي فيه، لذلك إياك أن تحزن حين يفوتك شيء ~~من النعمة لأنها لن تبقى ولن تدوم، وهب أنك بلغت قمة النعيم، فماذا ~~تنتظر إلا أن تزول، كما ms6358 قال الشاعر: # إذا تم شيء بدا نقصه # ترقب زوالا إذا قيل تم # فإذا تم لك الشيء، وأنت ابن أغيار، ولا يدوم لك حال فلا بد لك ~~أن تنحدر إلى الناحية الأخرى. فكأن نقص الإنسان في آماله في الحياة هي ~~تميمة حراسة النعم، وما فيه من نقص أو عيب يدفع عنه حسد الحاسد، ~~كما قال الشاعر في المدح: # شخص الأنام إلى كمالك # فاستعذ من شر أعينهم بعيب واحد # أي: أن الأعين متطلعة إليك، فاصرفها عنك، ولو بعيب واحد يذكره الناس ~~وينشغلون به. وفي الريف يعيش بعض الفلاحين على الفطرة، فإن رزق أحدهم ~~بولد جميل وسيم يلفت نظر الناس إليه. وتراهم يتعمدون إهمال شكله ~~ونظافته، أو يضعون له فاسوخة دفعا للحسد وللعين. لذلك، فالمرأة التي ~~دخلت على الخليفة، فقالت له: أتم الله عليك نعمته، وأقر عينك، ففهم ~~الحضور أنها تدعو له، فلما خرجت قال الخليفة: أعرفتم ما قالت المرأة؟ ~~قالوا: تدعو لك، قال: بل تدعو علي، فقد أرادت بقولها: أتم الله عليك ~~نعمته تريد أزالها لأن النعمة إذا تمت لم يبق لها إلا الزوال، وقولها: ~~أقر الله عينك تريد: أسكنها عن الحركة. إذن: لا تغضب إن قالوا عنك: ~~ناقص في كذا، فهذا النقص هو تميمة الكمال، ويريدها الله لك لمصلحتك أنت. ~~وما دام الإنسان ابن أغيار، فلا بد أن يغفل عن منهج الله، فتكون له ~~سقطات وهفوات تحتاج إلى غفران لذلك يقول تعالى: { وإني ~~لغفار لمن تاب... }. ### || [20.82] # غفار: صيغة مبالغة من غفر، فإذا أثبت المبالغة فالترتيب اللغوي بالتالي ~~يثبت الأقل وهو غافر، هذا في الإثبات: وكذلك في النفي في مثل قوله ~~تعالى: # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46] فنفى المبالغة في الظلم، فهل يعني ذلك أنه - تبارك وتعالى - ~~يمكن أن يكون ظالما؟ والشيء يبالغ فيه لأمرين: الأول: أن تبالغ في نفس ~~الحدث، كأن تأكل رغيفا في الوجبة أو رغيفين، وآخر يأكل خمسة أرغفة، ~~فهذه منه مبالغة في نفس الحدث وهو الأكل، والثاني: قد تكون المبالغة ~~بتكرار الحدث، فالعادة أن نأكل ثلاث مرات، ms6359 وهناك من يأكل ست وجبات، ~~ونسميه أكول أي: كثير الأكل، لا في الوجبة الواحدة، إنما في عدد الوجبات. ~~فمعنى غفار غافر لي، وغافر لك، وغافر لهذا وهذا.. غافر لكل الخلق، ~~فتكررت مغفرته عز وجل لخلقه. وقد شرع الحق - سبحانه وتعالى - المغفرة ~~والتوبة ليحمي المجتمعات من شرار الناس فيها، فالشرير إذا ارتكب جريمة ~~ولم يجد له فرصة للمغفرة والتوبة، فإنه يستمرىء الجريمة، بل ويبالغ فيها. ~~أما إذا فتح له باب التوبة والمغفرة فإن هذا يرحم المجتمع من شراسة ~~أصحاب السوء. والله - عز وجل - ليس غافرا للذنوب فحسب، بل هو غفار لها، ~~وكلما عدت إليه غفر لك، ولكن وطن نفسك أنك إذا فعلت الذنب وتبت منه ~~فلا تعد إليه، ولا ترتب وتخطط لمعصيتك على أمل أن تتوب، فما يدريك أن ~~تعيش إلى أن تتوب؟ والمغفرة تكون { لمن تاب وآمن.. } [طه: 82] ~~وما دام قال { تاب وآمن.. } [طه: 82] فلا بد أن التوبة هنا عن ~~الكفر، ثم أنشأ إيمانا بالله وبرسوله. والإيمان هو الينبوع الذي يصدر ~~عنه السلوك البشري، وهذا يقتضي أن تسمع كلامه وتنفذ أوامره، وتجتنب ~~نواهيه، وهذا هو المراد بقوله { وعمل صالحا.. } [طه: 82]. لكن، ~~أليس العمل الصالح هداية؟ فلماذا قال بعدها { ثم اهتدى } [طه: 82] ~~قالوا: لأن الهداية أن تستمر على هذا العمل الصالح، وأن تستزيد منه، ~~كما قال تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى.. # [محمد: 17]. ثم يقول الحق سبحانه: { ومآ أعجلك عن قومك... }. ### || [20.83] # نقول: ما أعجلك؟ يعني: ما أسرع بك؟ لماذا جئت قبل موعدك؟ وكان موسى ~~عليه السلام على موعد مع ربه - عز وجل - ليتلقى عنه المنهج، والمفروض في ~~هذا اللقاء أن يأتي معه مجموعة من صفوة قومه ورؤسائهم، فتعجل موسى ~~موعد ربه، وذهب دون قومه، فقال له: { ومآ أعجلك عن قومك ~~يموسى } [طه: 83] أي: أسرعت وتعجلت وجئت بدونهم. فقال موسى ~~عليه السلام: { قال هم أولاء على أثري... }. ### || [20.84] # أي: قادمين خلفي وسيتبعونني، أما أنا فقد { عجلت إليك رب ~~لترضى } [طه: 84] تعجلت في المثول بين يديك لترضى. وقد تعجل ~~موسى إلى ميقات ربه، ms6360 وسبق قومه لحكمة، فالإنسان حين يأمر غيره بأمر فيه ~~مشقة على النفس وتقييد لشهواتها، لا بد أن يبدأ بنفسه يقول: أنا لست ~~بنجوة عن هذا الأمر، بل أنا أول من أنفذ ما آمركم به، وسوف ~~أسبقكم إليه. لذلك يقول القائد الفاتح طارق بن زياد لجنوده: " واعلموا ~~أني إذا التقى الفريقان مقبل بنفسي على طاغية القوم - لزريق - فقاتله ~~إن شاء الله، فإن قتلته فقد كفيتم أمره " وهكذا تكون القيادة قدوة ~~ومثلا كما يقولون في الأمثال اعمل كذا وإيدي في إيدك وهنا يقول: يدي ~~قبل يدك. فموسى عليه السلام يقول: { وعجلت إليك رب ~~لترضى } [طه: 84] ترضى أن منهجك يطبق من جهتي كرسول مؤتمن عليه، ~~ومن جهة قومي لأنهم حين يروني قد تعجلت للقائك في الموعد يعلمون أن في ~~ذلك خيرا لهم، وإلا ما سبقتهم إليه. وبذلك يسود منهج الله ويمكن في ~~الأرض، وإذا ساد منهج الله رضي الله. عن خليفته في الأرض. ثم يخبر الحق ~~- تبارك وتعالى - نبيه موسى - عليه السلام - بما كان من قومه بعد مفارقته ~~لهم من مسألة عبادة العجل. ### || [20.85] # الفتنة: ليست مذمومة في ذاتها لأن الفتنة تعني الاختبار، ونتيجته هي ~~التي تحمد أو تذم، كما لو دخل التلميذ الامتحان فإن وفق فهذا خير ~~له، وإن أخفق فهذا خير للناس، كيف؟ قالوا: لأن هناك أشياء إن تحققت ~~مصلحة الفرد فيها انهدمت مصلحة الجماعة. فلو تمكن التلميذ المهمل ~~الكسول من النجاح دون مذاكرة ودون مجهود، فقد نال انتفاعا شخصيا، ~~وإن كان انتفاعا أحمق، إلا أنه سيعطي الآخرين إشارة، ويوحي لهم بعدم ~~المسئولية، ويفرز في المجتمع الإحباط والخمول، وكفى بهذا خسارة للمجتمع. ~~وقد جاءت الفتنة بهذا المعنى في قول الحق تبارك وتعالى: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2]. إذن: لا بد من الاختبار لكي يعطي كل إنسان حسب نتيجته، ~~فإن سأل سائل: وهل يختبر الله عباده ليعلم حالهم؟ نقول: بل ليعلم الناس ~~حالهم، وتتكشف حقائقهم فيعاملونهم على أساسها: هذا منافق، وهذا مخلص، ~~وهذا كذاب، فيمكنك أن ms6361 تحتاط في معاملتهم. إذن: الاختبار لا ليعلم الله، ~~ولكن ليعلم خلق الله. أو: لأن الاختبار من الله لقطع الحجة على ~~المختبر، كأن يقول: لو أعطاني الله مالا فسأفعل به كذا وكذا من وجوه ~~الخير، فإذا ما وضع في الاختبار الحقيقي وأعطى المال أمسك وبخل، ~~ولو تركه الله دون مال لقال: لو عندي كنت فعلت كذا وكذا. فهناك علم ~~واقع من الله، أو علم من خلق الله لكل من يفتن، فإن كان محسنا ~~يقتدون به، ويقبلون عليه، ويحبونه ويستمعون إليه، وإلا انصرفوا عنه. ~~فالاختبار - إذن - قصده المجتمع وسلامته. وقد سمى الحق سبحانه ما ~~حدث من بني إسرائيل في غياب موسى من عبادة العجل سماه فتنة، ثم نسبها إلى ~~نفسه { فتنا.. } [طه: 85] أي: اختبرنا. ثم يقول تعالى: { ~~وأضلهم السامري } [طه: 85] أضلهم: سلك بهم غير طريق الحق، ~~وسلوك غير طريق الحق قد يكون للذاتية المحضة، فيحمل الإنسان فيها وزر ~~نفسه فقط، وقد تتعدى إلى الآخرين فيسلك بهم طريق الضلال، فيحمل وزره ~~ووزر غيره ممن أضلهم. وفي هذه المسألة يقول تعالى: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم.. # [النحل: 25]. مع أن الله تعالى قال في آية أخرى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى.. # [فاطر: 18]. وهذه من المسائل التي توقف عندها بعض المستشرقين، محاولين ~~اتهام القرآن وأسلوبه بالتناقض، وما ذلك منهم إلا لعدم فهمهم للغة ~~القرآن واتخاذها صناعة لا ملكة، ولو فهموا القرآن لعلموا الفرق ~~بين أن يضل الإنسان في ذاته، وبين أن يتسبب في إضلال غيره. والسامري: ~~اسمه موسى السامري، ويروى أن أمه وضعته في صحراء لا حياة فيها، ثم ~~ماتت في نفاسها، فظل الولد بدون أم ترعاه، فكان جبريل عليه السلام يتعهده ~~ويربيه إلى أن شب. وقد عبر الشاعر عن هذه اللقطة وما فيها من ~~مفارقات بين موسى عليه السلام وموسى السامري، فقال: # إذا لم تصادف في بنيك عناية # فقد كذب الراجي وخاب المؤمل # فموسى الذي رباه جبريل كافر # وموسى الذي رباه فرعون مرسل # ثم يقول الحق سبحانه: { فرجع موسى إلى قومه ms6362 غضبان... ~~}. ### || [20.86] # رجع: تستعمل لازمة. مثل: رجع فلان إلى الحق. ومتعدية مثل # فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاستأذنوك ~~للخروج.. # [التوبة: 83] والمعنى فيهما مختلف. هنا رجع موسى أي: حين سمع ما حدث ~~لقومه من فتنة السامري { غضبان أسفا.. } [طه: 86] أي: شديد الحزن ~~على ما حدث { قال يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا ~~حسنا.. } [طه: 86] الوعد الحسن أن الله يعطيهم التوراة، وفيها أصول ~~حركة الحياة، وبها تحسن حياتنا في الدنيا، ويحسن ثوابنا في الآخرة. ~~وقوله: { أفطال عليكم العهد.. } [طه: 86]. يعني: أطال عهدي ~~بكم، وأصبح بعيدا لدرجة أن تنسوه ولم أغب عنكم إلا مدة يسيرة. ~~قال الله عنها: # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر.. # [الأعراف: 142]. ثم يقول: { أم أردتم أن يحل عليكم ~~غضب من ربكم فأخلفتم موعدي } [طه: 86]. وما دام ~~أن عهدي بكم قريب لا يحدث فيه النسيان، فلا بد أنكم تريدون العصيان، ~~وتبغون غضب الله، وإلا فالمسألة لا تستحق، فبمجرد أن أغيب عنكم ~~تنتكسون هذه النكسة، وإن كان هذا حال القوم ورسولهم ما زال بين أظهرهم، ~~فما بالهم بعد موته؟ لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " أذلك وأنا بين ظهرانيكم؟ ". # أي: ما هذا الذي يحدث منكم، وأنا ما زلت موجودا بينكم؟ وقوله: { ~~فأخلفتم موعدي } [طه: 86] وفي آية أخرى قال: # بئسما خلفتموني من بعدي.. # [الأعراف: 150] فكأنه كان له معهم وعد وكلام، فقد أوصاهم قبل أن ~~يفارقهم أن يسلكوا طريق هارون، وأن يطيعوا أوامره إلى أن يعود إليهم، ~~فهارون هو الذي سيخلفه من بعده في قومه، وهو شريكه في الرسالة، وله مهابة ~~الرسول وطاعته واجبة. هذا هو الوعد الذي أخلفوه مع نبيهم موسى - عليه ~~السلام -. ### || [20.87] # مادة " ملك " لها صور ثلاثة، لكل منها معنى، وليست بمعنى واحد كما ~~يدعي البعض، فتأتي ملك بفتح الميم، وملك بكسرها، وملك بضم ~~الميم، وجميعها تفيد الحيازة والتملك، إلا أن ملك تعني تملك الإنسان ~~لنفسه وذاته وإرادته، دون أن يملك شيئا آخر مما حوله. وملك: ~~لتملك ما هو خارج عن ذاتك. وملك: أن تملك شيئا، وتملك من ms6363 ملكه. ~~إذن: هذه الثلاثة ليست مترادفات بمعنى واحد. فقوله تعالى: { قالوا ~~مآ أخلفنا موعدك بملكنا.. } [طه: 87] أي: بإرادتنا، بل ~~أمور أخرى خارجة عن إرادتنا حملتنا على إخلاف الوعد، فما هذه الأمور ~~الخارجة عن إرادتكم؟ قالوا: { ولكنا حملنآ أوزارا من ~~زينة القوم.. } [طه: 87] أوزارا جمع وزر، وهو الشيء الثقيل ~~على النفس، ويطلق الوزر على الإثم لأنه ثقيل على النفس ثقلا يتعدى ~~إلى الآخرة أيضا، حيث لا ينتهي ألم الحمل فيها لذلك يقول تعالى: # وسآء لهم يوم القيامة حملا # [طه: 101]. وكانت هذه الأوزار من زينة القوم: أي: قوم فرعون. وقالوا ~~إنهم كانوا في أعيادهم يستعيرون الحلي من جيرانهم ومعارفهم من قوم ~~فرعون يتزينون بها. فلماذا لم يردوا الأمانات هذه إلى أصحابها قبل ~~أن يخرجوا إلى الميقات الذي واعدهم عليه؟ قالوا: لأنهم أرادوا أن ~~يسروا ساعة خروجهم حتى لا يستعد لهم أعداؤهم، ويصدوهم عن الخروج ~~فأعجلوا عن ردها. وقال قوم: إن هذه الزينات والحلي كانت مما قذف به ~~البحر بعد أن غرق فرعون وقومه، لكن هذا القول مردود لأنهم إن أخذوها ~~بعد أن ألقى بها البحر فسوف تكون أسلابا لا أوزارا. ثم يقول تعالى: ~~{ فقذفناها فكذلك ألقى السامري } [طه: 87]. إذا ~~أطلقت الزينة تنصرف عادة إلى الذهب، والقذف هو الرمي بشدة، ~~وكأن الرامي يتأفف أن يحمل المرمي، وفي ذلك دلالة على أن بني إسرائيل ~~ما يزال عندهم خميرة إيمان، فتألموا وحزنوا لأنهم لم يردوا الأمانات ~~إلى أهلها. لذلك دخل عليهم السامري من هذه الناحية، فأفهمهم: إنكم لن ~~تبرأوا من هذه المعصية إلا أن ترموا بهذه الزينة في النار، وهو يقصد ~~شيئا آخر، هو أن ينصهر الذهب، ويخرج ما فيه من الشوائب { فكذلك ~~ألقى السامري } [طه: 87] أي: ألقى ما معه من الحلي، لكن فرق ~~بين القذف والإلقاء، الإلقاء فيه لطف وتمهل، فهو كبيرهم ~~ومعلمهم. ثم يقول الحق سبحانه: { فأخرج لهم عجلا جسدا ~~له خوار... }. ### || [20.88] # أي: أخرج لهم من هذا الذهب المنصهر { عجلا جسدا.. } [طه: 88] كلمة ~~جسد وردت أيضا في القرآن في قصة سليمان عليه ms6364 السلام، حيث قال تعالى: # ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه ~~جسدا ثم أناب # [ص: 34]. وقد أعطى الله سليمان ملكا عظيما لا ينبغي لأحد من بعده، ~~فسخر له الطير والجن والإنس والريح يأتمرون بأمره، ويبدو أنه أخذه ~~شيء من الزهو أو الغرور، فأراد الحق سبحانه أن يلفته إلى مانح هذا ~~الملك ويذكره بأن هذا الملك لا يقوم بذاته، إنما بأمر الله القادر ~~على أن يقعدك على كرسيك جسدا، لا حركة فيه ولا قدرة له حتى على ~~جوارحه وذاته. كما ترى الرجل - والعياذ بالله - قد أصابه شلل كلي ~~أقعده جسدا، لا حركة فيه، ولا إرادة على جوارحه، فإذا لم تكن له إرادة ~~على جارحة واحدة من جوارحه، أفتكون له إرادة على الخارج عنه من طير أو ~~إنس أو جن؟ فلا تغتر بأن جعل الله لك إمرة على كل الأجناس لأنه قادر ~~أن يسلبك هذا كله. ويروى أن سليمان - عليه السلام - ركب بساط الريح ~~يحمله إلى حيث يريد، كما قال تعالى: # ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر.. # [سبأ: 12] فداخله شيء من الفخر والزهو، فسمع من تحته من يقول: يا ~~سليمان - هكذا دون ألقاب - أمرنا أن نطيعك ما أطعت الله، ثم رده ~~حيث كان. لذلك استغفر سليمان - عليه السلام - وأناب. وكذلك نرى الإنسان ~~ساعة أن يموت أول ما ينسى منه اسمه، فيقولون: الجثة: الجثة هنا، ماذا ~~فعلتم بالجثة، ثم تنسى هذه أيضا بمجرد أن يوضع في نعشه فيقولون ~~الخشبة: أين الخشبة الآن، انتظروا الخشبة.. سبحان الله بمجرد أن يأخذ ~~الخالق - عز وجل - سره من العبد صار جثة، وصار خشبة، فما هذه الدنيا ~~التي تكون نهايتها هكذا؟ ففي قوله تعالى { عجلا جسدا له ~~خوار.. } [طه: 88] أي: لا حركة فيه، فهو مجرد تمثال. صنع على هيئة ~~معينة، بحيث يستقبل الريح، فيحدث فيه صفيرا يشبه الخوار أي: صوت البقر. ~~لكن، لماذا فكر السامري هذا التفكير، واختار مسألة العجل هذه؟ قالوا: ~~لأن السامري استغل تشوق بني إسرائيل، وميلهم إلى الصنمية والوثنية، ~~وأنها متأصلة فيهم. ألم يقولوا لنبيهم عليه ms6365 السلام وما زالت أقدامهم ~~مبتلة من البحر بعد أن أنجاهم الله من فرعون، وكان جديرا بهم شكر الله، ~~فإذا بهم يقولون وقد أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم: # يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة.. # [الأعراف: 138]. فجاءهم بهذا العجل، وقد ترقى به من الصنمية، فجعله ~~جسدا، وجعل له خوارا وصوتا مسموعا. ثم يقول تعالى: { فقالوا ~~هذآ إلهكم وإله موسى فنسي } [طه: 88] أي: نسي ~~السامري خميرة الإيمان في نفسه، ونسي أن هذا العمل خروج عن الإيمان إلى ~~الكفر، وليته يكفر في ذاته، إنما هو يكفر ويكفر الناس. لا بد ~~أنه نسي، فلو كان على ذكر من الإيمان ومن عاقبه عمله وخيبة ما أقدم ~~عليه ما فعل. ثم يقول الحق سبحانه: { أفلا يرون ألا يرجع ~~إليهم... }. ### || [20.89] # أي: كيف يعبدون هذا العجل، وهو لا يرد عليهم جوابا، ولا يملك لهم ~~شيئا، كما قال تعالى في آية أخرى: # واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه ~~وقومه ما تعبدون * قالوا نعبد أصناما فنظل ~~لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ~~ينفعونكم أو يضرون # [الشعراء: 69-73]. فمن كان لديه ذرة من عقل لا يقدم على هذه المسألة ~~لذلك فالحق - سبحانه - يناقش هؤلاء: # كيف تكفرون بالله.. # [البقرة: 28]. أي: أخبرونا بالطريق الذي يحملكم على الكفر، كأنها مسألة ~~عجيبة لا يقبلها العقل ولا يقرها. ألم يخطر ببال هؤلاء الذين عبدوا ~~العجل أنه لا يرد عليهم إن سألوه، ولا يملك لهم ضرا إن كفروا به، ~~ولا نفعا إن آمنوا به وعبدوه. ثم يقول الحق سبحانه: { ولقد قال ~~لهم هارون من قبل... }. ### || [20.90] # وكان هارون - عليه السلام - خليفة لأخيه في غيبته، كما قال تعالى: # وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ~~ولا تتبع سبيل المفسدين # [الأعراف: 142]. اخلفني واعمل الصالح، فكان هذا تفويضا من موسى ~~لأخيه هارون أن يقضي في القوم بما يراه مناسبا، وأن يقدر المصلحة ~~كما يرى. وقد شفع هذا التفويض لهارون أمام أخيه بعد ذلك. فقوله تعالى: ~~{ ولقد قال لهم هارون من قبل يقوم إنما ms6366 ~~فتنتم به.. } [طه: 90]. وهكذا وعظهم هارون على قدر استطاعته، ~~وبين لهم أن مسألة العجل هذه اختبار من الله. وكان تقديره في هذه ~~القضية ألا يدخل مع هؤلاء في معركة لأن القوم كانوا جميعا ثلاثمائة ~~ألف، عبد العجل منهم اثنا عشر ألفا، ولو جعلها هارون - عليه السلام - ~~معركة لأفنى كل هذا العدد. لذلك اكتفى بالوعظ { يقوم إنما ~~فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني ~~وأطيعوا أمري } [طه: 90] كما أخذتم العهد عند موسى. ### || [20.91] # { لن نبرح.. } [طه: 91]. أي: سنظل عل هذا الحال، البعض يظن أنها ~~للمكان فقط، إنما هي حسب ما تتعلق به، تقول: لا أبرح سائرا حتى أصل ~~لغرضي، ولا أبرح هذه المكان فقد تكون للمكان، وقد تكون للحال. كما ورد في ~~القرآن: - للمكان والإقامة في قوله: # فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي.. # [يوسف: 80]. - وللحال في قوله تعالى: # وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع ~~البحرين.. # [الكهف: 60] أي: لا أبرح السير. فالمعنى { لن نبرح عليه ~~عاكفين.. } [طه: 91] سنظل على عبادته حتى يرجع موسى، فلن نمكث هذه ~~الفترة دون إله. ثم يقول الحق سبحانه: { قال يهرون ما منعك ~~إذ رأيتهم... }. ### || [20.92-93] # هذا حوار دار بين موسى وأخيه هارون { ما منعك.. } [طه: 92] وقد ~~وردت هذه الكلمة في القرآن بأسلوبين: الأول: قوله تعالى: # ما منعك أن تسجد.. # [ص: 75] أي: ما منعك من السجود. والآخر: # ما منعك ألا تسجد.. # [الأعراف: 12]. أي: ما منعك أن لا تسجد لأن المانع قد يكون قهرا عنك، ~~وأنت لا تريد أن تفعل، وقد يأتي آخر فيقنعك أن تفعل. فمرة يرغمك: ~~أنت لا تريد أن تسجد يقول لك: اسجد. إذن: منعك أن تسجد يعني قهرا عنك، ~~لكن أقنعك أن تسجد أنت باختيارك فقد منعك ألا تسجد. إذن: مرة من النفس، ~~ومرة من الغير، وهكذا يلتقي الأسلوبان. فقوله: { ما منعك إذ ~~رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن أفعصيت أمري } ~~[طه: 92-93] أي: من اتباعي، لكن هل موسى عليه السلام هنا يستفهم؟ الحقيقة ~~أنه لا يريد الاستفهام، فقد تخاطب إنسانا بذنب، وأنت لا ms6367 تعلم ذنبه، إنما ~~تخاطبه بصورة الذنب لتسمع الرد منه، فيكون ردا على من يعترض ~~عليه. ومن ذلك ما كان من سيدنا عمر - رضي الله عنه - عند الحجر الأسود، ~~فلما قبله قال: " اللهم إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا ~~أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك ". إذن: قبله عمر لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبله، إلا أنه جاء بهذا الكلام ليعطينا الجواب ~~المستمر على مر التاريخ لكل من يسأل عن تقبيل الحجر. وهنا أثارها ~~موسى شبهة كي نسمع نحن الجواب، ولنسمع الرد من صاحب الشأن باقيا سائرا ~~في طول الأزمان. ### || [20.94] # إذن: صاحب خطاب موسى لأخيه هارون فعل نزوعي وحركة، فهمناها من قول ~~هارون: { يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي.. } [طه: ~~94]. ثم ذكر العلة { إني خشيت أن تقول فرقت بين بني ~~إسرآئيل ولم ترقب قولي } [طه: 94] يقصد قول أخيه: # اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين # [الأعراف: 142]. فذكره بالتفويض الذي أعطاه إياه. وقد اجتهد هارون ~~حسب رؤيته للموقف، ونأى بالقوم عن معركة ربما انتهت بالقضاء على ~~خلية الإيمان في بني إسرائيل، اجتهد في إطار # وأصلح.. # [الأعراف: 142]. إذن: أثار موسى هذه القضية مع أخيه، لا ليسمع هو الرد، ~~وإنما ليسمع الدنيا كلها على مر التاريخ. ثم ينقل موسى الخطاب إلى ~~رأس هذه الفتنة: { قال فما خطبك... }. ### || [20.95] # أي: ما شأنك؟ وما قصتك؟ والخطب: يقال في الحدث المهم الذي يسمونه ~~الحدث الجلل، والذي يقال فيه " خطب " ، فليس هو الحدث العابر الذي لا ~~يقف عنده أحد. ومن ذلك قوله تعالى: # ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه.. # [يوسف: 51]. وما حكاه القرآن من قول موسى - عليه السلام - لابنتي ~~شعيب: # ما خطبكما.. # [القصص: 23]. ثم يقول الحق سبحانه عن السامري: { قال بصرت بما ~~لم يبصروا به... }. ### || [20.96] # مادة: بصر منها أبصرت للرؤية الحسية، وبصرت للرؤية العلمية أي: بمعنى ~~علمت. فمعنى { بصرت بما لم يبصروا به.. } [طه: 96] يعني: ~~اقتنعت بأمر هم غير مقتنعين به، فأنا فعلت وهم قلدوني فيما فعلت من ~~مسألة ms6368 العجل. وقد أدى به اجتهاده إلى صناعة العجل لأنه رأى قومه ~~يحبون الأصنام، وسبق أن طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلها لما رأوا قوما ~~يعبدون الأصنام، فانتهز السامري فرصة غياب موسى، وقال لهم: سأصنع لكم ~~ما لم يستطع موسى صناعته، بل وأزيدكم فيه، لقد طلبتم مجرد صنم من حجارة ~~إنما أنا سأجعل لكم عجلا جسدا من الذهب، وله صوت وخوار مسموع. ~~وقوله: { فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها.. } ~~[طه: 96] قبض على الشيء: أخذه بجمع يده. ومثلها: قبص. وقوله: { من ~~أثر الرسول.. } [طه: 96] للعلماء في هذه المسألة روايات متعددة. ~~منها: أن السامري حين كان جبريل عليه السلام يتعهده وهو صغير، كان ~~يأتيه على جواد فلاحظ السامري أن الجواد كلما مر على شيء اخضر مكان ~~حافره، ودبت الحياة فيه، لذلك: فأصحاب هذا القول رأوا أن العجل كان ~~حقيقيا، وله صوت طبيعي ليس مجرد مرور الهواء من خلاله. ورأى آخر يقول: ~~{ من أثر الرسول.. } [طه: 96] الرسول كما نعلم هو المبلغ ~~لشرع الله المباشر للمبلغ، أما جبريل فهو رسول للرسول، ولم يره أحد ~~فأطلقت الرسول على حامل المنهج إلى المتكلم به، لكنها قد تطلق ويراد ~~بها التهكم، كما جاء في قوله تعالى: # هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله.. # [المنافقون: 7] فيقولون: رسول الله تهكما لا إيمانا بها. وكذلك في ~~قوله تعالى: # وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق.. # [الفرقان: 7]. إذن: قد يراد بها التهكم. لكن، ما المراد بأثر الرسول؟ ~~الرسول جاء ليبلغ شرعا من الله، وهذا هو أثره الذي يبقى من بعده. ~~فيكون المعنى: قبضت قبضة من شرع الرسول، قبضة من قمته، وهي مسألة الإله ~~الواحد الأحد المعبود، لا صنم ولا خلافه. وقوله تعالى: { ~~فنبذتها.. } [طه: 96] أي: أبعدتها وطرحتها عن مخيلتي، ثم تركت ~~لنفسي العنان في أن تفكر فيما وراء هذا. بدليل أنه قال بعدها { ~~وكذلك سولت لي نفسي } [طه: 96] أي: زينتها لي، وألجأتني ~~إلى معصية. فلا يقال: سولت لي نفسي الطاعة، إنما المعصية وهي أن يأخذ ~~شيئا ms6369 من أثر الرسول ووحيه الذي جاء به من الله، ثم يطرحه عن منهجه ~~ويبعده عن فكره، ثم يسير بمحض اختياره. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~قال فاذهب فإن لك... }. ### || [20.97] # كان رد موسى - عليه السلام - على هذه الفعلة من السامري: جزاؤك أن ~~تذهب، ويكون قولك الملازم لك { لا مساس.. } [طه: 97] والمساس أي: ~~المس. المعنى يحتمل: لا مساس مني لأحد، أو لا مساس من أحد لي. ذلك ~~لأن الذين يفترون الكذب ويدعون أن لهم رسالة ولهم مهمة الأنبياء، ~~حظهم من هذا كله أن تكون لهم سلطة زمنية ومكانة في قلوب الناس، وأن ~~يكون لهم مذهب وأتباع وأشياع. لذلك تراهم دائما - في سبيل الوصول إلى ~~هذه الغاية - يتحللون من المنهج الحق، ويستبدلونه بمناهج حسب أهوائهم، ~~فيميلون إلى تسهيل المنهج وتبسيطه، ويعطون لأتباعهم حرية ما أنزل الله ~~بها من سلطان، كالذي خرج علينا يبيح للناس الاختلاط بين الرجال والنساء. ~~ومن العجيب أن تجد لهذه الأفكار أنصارا يؤمنون بها ويطبقونها، لا من ~~عامة الناس، بل من المثقفين وأصحاب المناصب. فكيف تحجب عنهم المرأة، وهي ~~نصف المجتمع؟ إذن: ما أجمل هذ الدين وما أيسره على الناس، فقد جاء على ~~وفق أهوائهم وشهواتهم، ووسع لهم المسائل، فالنفس تميل بطبعها إلى ~~التدين لأنها مفطورة عليه، لكن تريد هذا الدين سهلا لا مشقة فيه، حتى ~~وإن خالف منهج الله. لذلك تجد مثلا مسيلمة وسجاح وغيرهما من مدعي ~~النبوة يخففون عن أتباعهم تكاليف الشرع في الصلاة والصوم، أما الزكاة ~~فهي ثقيلة على النفس فلا داعي لها. وإلا فما الميزة التي جاءوا بها ~~ليتبعهم الناس؟ وما وسائل التشجيع لاتباع الدين الجديد؟ وهكذا يصبح ~~لهؤلاء سلطة زمنية ومكانة، وأتباع، وجمهور، إذن: الذي أفسد حياته أن ~~يجد العز والمكانة في انصياع الناس له وتبعيتهم لأفكاره، فيعاقبه الله ~~بهم، ويجعل ذله على أيديهم وفتنته من ناحيتهم، فهم الذين أعانوه على ~~هذا الباطل، فإذا به يكرههم ويبتعد بنفسه عنهم، لدرجة أن يقول { لا ~~مساس.. } [طه: 97] كأنه يفر منهم يقول: إياك أن تقرب مني أو ~~تمسني. ms6370 لقد تحول القرب والمحبة إلى بعد وعداوة، هذه الجمهرة التي ~~كانت حوله وكان فيها عزه وتسلطه يفر منها الآن، فهي سبب كبوته، ~~وهي التي أعانته على معصية الله. وهكذا، كانت نهاية السامري أن ينعزل ~~عن مجتمعه، ويهيم على وجهه في البراري، ويفر من الناس، فلا يمسه أحد، ~~بعد أن صدمه الحق، وواجهته صولته. وما أشبه هذا الموقف بما يحدث ~~لشاب متفوق مستقيم يغريه أهل الباطل، ويجذبونه إلى طريقهم، وبعد أن ~~انخرط في سلكهم وذاق لذة باطلهم وضلالهم إذا به يصحو على صدمة الحق ~~التي تفيقه، ولكن بعد أن خسر الكثير، فتراه بعد ذلك يفر من هذه ~~الصحبة وينأى بنفسه عن مجرد الاقتراب منهم. لذلك من الذين اختاروا ~~دينهم وفق أهوائهم عبدة الأصنام، فإن كانت العبادة أن يطيع العابد ~~معبوده، فما أيسر عبادة الأصنام لأنها آلهة بدون تكليف، وعبادة بدون ~~مشقة، لا تقيد لك حركة، ولا تمنعك من شهوة، وإلا فماذا أعدت الأصنام ~~من ثواب لمن عبدها؟ وماذا أعدت من عذاب لمن كفر بها. # فكأن الحق - تبارك وتعالى - قال للسامري: ستعاقب بنفس المجتمع الذي كنت ~~تريد منه العزة والسلطة والسيطرة والذكر، فتتبرأ أنت منهم وتفر من ~~جوارهم، ولا تتحمل أن يمسك أحد منهم، فهم سبب بلائك، ومصدر فتنتك، كما ~~قال تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. فأخلاء الباطل، وصحبة السوء الذين يجتمعون على معصية ~~الله في سهرات محرمة عليهم أن يحذروا هذا اللقاء. أما الخلة ~~الحقيقية الصادقة فهي للمتقين، الذين يأتمرون بالحق، ويتواصون بطاعة ~~الله. وفرق بين من يقاسمك الكأس ومن يكسرها ويريقها قبل أن ~~تذوقها، فرق بين من يلهيك عن الصلاة ومن يحثك عليها، فرق بين ~~من يسعدك الآن بمعصية ومن يحملك على مشقة الطاعة، فانظر وتأمل. ~~ثم يقول: { وإن لك موعدا لن تخلفه.. } [طه: 97] أي: ما ~~ينتظرك من عذاب الآخرة. { وانظر إلى إلهك الذي ظلت ~~عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم ~~نسفا } [طه: 97]. عاكفا أي: مقيما على عبادته، والاعتكاف: الإقامة ~~في المسجد، والانقطاع عن المجتمع ms6371 الخارجي. ومعنى { لنحرقنه.. } ~~[طه: 97] أي: نصيره كالمحروق، بأن نبرده بالمبرد حتى يصبح فتاتا ~~وذرات متناثرة، بحيث يمكن أن نذروه في الهواء { ثم لننسفنه في ~~اليم نسفا } [طه: 97] أي: نذروه كما يفعل الفلاحون حين يذرون ~~الحبوب لفصل القشر عنها بآلة تسمى المنسف تشبه الغربال، وقد استبدلوا ~~هذه الأدوات البدائية الآن بآلات ميكانيكية حديثة تؤدي نفس الغرض. ذلك ~~لأن إله السامري كان هذا العجل الذي اتخذه من ذهب، فلا يناسبه الحرق ~~في النار، إنما نريد له عملية أخرى، تذهب به من أصله، فلا نبقي له على ~~أثر. وهذا هو إلهك الذي عبدته إن أفلح كان يدافع عن نفسه ويحمي روحه. ~~وبعد أن بين الحق - سبحانه - وجه البطلان فيما فعله السامري، ومن ~~تبعه من القوم، عاد ليذكرهم بمنطقه الحق وجادة الطريق، وأن كل ما ~~فعلوه هراء في هراء: { إنمآ إلهكم الله... }. ### || [20.98] # الحق - تبارك وتعالى - حينما يقول: { لا إله إلا هو.. } [طه: ~~98] نقولها نحن هكذا، ونشهد بها، فقد تعلمناها من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي سمعها من ربه ونقلها إلينا، فهي الشهادة بالوحدانية ~~الحقة، شهادة من الله لذاته أولا: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم.. # [آل عمران: 18]. فهذه شهادة الذات للذات قبل أن يخلق شاهدا يشهد بها. ~~ثم شهدت له بذلك الملائكة شهادة المشهد أنه لا إله غيره، ثم شهد بذلك ~~أولو العلم شهادة استدلال بالمخلوقات التي رأوها على أبدع نظام وأعجبه، ~~ولا يمكن أن ينشأ هذا كله إلا عن إله قادر. وقد سلمت لله تعالى هذه ~~الدعوى لأنها قضية صادقة شهد بها سبحانه لنفسه، وشهد بها الملائكة ~~وأولو العلم ولم يقم لها معارض يدعيها لنفسه. وإلا - والعياذ بالله ~~- أين ذلك الإله الذي أخذ الله تعالى منه الألوهية؟ فإما أن يكون لا ~~يعلم، أو علم بذلك ولم يعترض، وفي كلتا الحالتين لا يستحق أن يكون ~~إلها. والدعوى إذا لم تجبه بمعارض فقد سلمت لصاحبها، إلى أن ~~يوجد المعارض. وكأن الحق سبحانه قال: لا إله إلا أنا، وأنا ms6372 خالق الكون ~~كله ومدبر أمره، ولم يأت أحد حتى من الكفار يدعي شيئا من هذا. ~~وقد ضربنا لهذه المسألة مثلا - ولله المثل الأعلى -: هب أنه نزل عندك ~~مجموعة ضيوف وزوار، وبعد انصرافهم وجدت حافظة نقود فسألت عن صاحبها، ~~فلم يدعها أحد إلى أن قال واحد منهم: هي لي، إذن: فهو صاحبها، وهو ~~أحق بها حيث لم يقم له معارض. لذلك يقول تعالى: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. يعني إن كان هناك آلهة أخرى فلا بد أن يذهبوا إلى ~~صاحب العرش، إما ليخضعوا له ويستلهموا منه القدرة على فعل الأشياء، أو ~~ليحاسبوه ويحاكموه: كيف يدعي الألوهية وهم آلهة؟ ولم يحدث شيء من هذا ~~كله، ولا أقام أحد دليلا على أنه إله، والدعوى إذا لم يقم عليها ~~دليل فهي باطلة. وينفي الحق سبحانه وجود آلهة أخرى، فيقول في موضع آخر: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض.. # [المؤمنون: 91]. فهذا إله للسماء، وهذا إله للأرض، وهذا الجن، وهذا ~~الإنس.. إلخ، وبذلك تكون الميزة في أحدهم نقصا في الآخر، والقدرة في ~~أحدهم عجزا في الآخر، وهذا لا يليق في صفات الألوهية. ونلحظ هنا في قوله ~~تعالى: { إنمآ إلهكم الله.. } [طه: 98] أن كلمة إله لا ~~تعني الله، وإلا لو كان إلها بمعنى الله لأصبح المعنى: إنما الله الله. # إذن: هناك فرق بين اللفظين: الله علم على واجب الوجود الأعلى، أما ~~الإله فهو المعبود المطاع فيما يأمر، فالمعنى: أن المعبود المطاع فيما ~~يأمر به هو الله خالق هذا الوجود، وصاحب الوجود الأعلى. فالله تعالى هو ~~المعبود المطاع بحق، لأن هناك معبودا ومطاعا لكن بالباطل، كالذين ~~يعبدون الشمس والقمر والأشجار والأحجار ويسمونهم آلهة، فإذا كانت ~~العبادة إطاعة أمر ونهي المعبود، فبماذا أمرتهم هذه الآلهة؟ وعن أي ~~شيء نهتهم؟ وماذا أعدت لمن عبدها أو لمن كفر بها؟ إذن: هي معبودة، ~~لكن بالباطل لأنها آلهة بلا منهج. ms6373 وكلمة { إنمآ.. } [طه: 98] لا تأتي ~~إلا استدراكا على باطل، وتريد أن تصوبه، كأن تقول: إنما الذي حضر ~~زيد، فلا تقولها إلا لمن ادعى أن الذي حضر غير زيد، فكأنك تقول: لا، ~~فلان لم يحضر، إنما الذي حضر زيد. فلا بد أن قوله تعالى: { إنمآ ~~إلهكم الله.. } [طه: 98] جاء ردا على كلام قيل يدعي أن هناك ~~إلها آخر، وإنما لا تقال إلا إذا ادعي أمر يخالف ما بعدها، فتنفي ~~الأمر الأول، وتثبت ما بعدها. وهنا يقول: { إنمآ إلهكم ~~الله.. } [طه: 98] لأن السامري لما صنع لهم العجل قال: # هذآ إلهكم وإله موسى.. # [طه: 88] فكذبه الله واستدرك بالحق على الباطل: { إنمآ ~~إلهكم الله الذي لا إله إلا هو.. } [طه: 98]. ثم ~~أضاف الحق - تبارك وتعالى - ما يفرق بين إله الحق وإله الباطل، فقال: ~~{ وسع كل شيء علما } [طه: 98] لأنه سبحانه هو الإله الحق، ~~وهذه أيضا رد على السامري وما اتخذه إلها من دون الله، فالعجل الذي ~~اتخذه لا علم عنده، وكذلك السامري الذي أمر الناس بعبادته، فلو كان ~~عنده علم لعرف أن عجله سيحرق وينسف وتذروه الرياح، ولعرف العاقبة ~~التي انتهى إليها من قوله للقوم لا مساس، وأنه سينزل به عذاب الدنيا قبل ~~عذاب الآخرة، فلو علم هذه الحقائق ما أقدم على هذه المسألة. ووسع علم ~~الله لكل شيء يعني: من أطاع ومن عصى، لكن من رحمته تعالى بنا ألا ~~يحاسبنا عما علم منا، بل يعلمنا حين ندعوه أن نقول: # ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما.. # [غافر: 7] فسبقت رحمته تعالى سيئاتنا وذنوبنا، وسبقت عذابه ونقمته، وفي ~~موضع آخر يقول عز وجل: # ورحمتي وسعت كل شيء.. # [الأعراف: 156]. فلو وقفنا عند { وسع كل شيء علما } [طه: ~~98] لأتعبتنا هذه المسألة لأنه سيجازينا عن السيئة وعن الحسنة، ومن ~~يطيق هذا؟ ثم يبين الحق سبحانه حكمة القصص في القرآن، والقصص لون ~~من التاريخ، وليس مطلق التاريخ، القصص تاريخ لشيء مشهود يهمني وتفيدني ~~معرفته، وإلا فمن التاريخ أن نقول: كان في مكان كذا رجل يبيع كذا، وكان ~~يفعل كذا أو ms6374 كذا. # إذن: فالقصص حدث بارز، وله تأثيره فيمن سمعه، وبه تحدث الموعظة، ومنه ~~تؤخذ العبرة. والتاريخ هو ربط الأحداث بأزمنتها، فحين تربط أي حدث ~~بزمنه فقد أرخت له، فإذا كان حدثا متميزا نسميه قصة تروى، فإن ~~كانت قصة شهيرة تعلو على القصص كله نسميها سيرة، لذلك خص باسم السيرة ~~تاريخ قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن القصص شيء مميز، أما ~~السيرة فهي أميز، ورسول الله خاتم الأنبياء لذلك نقول عن تاريخه سيرة ولا ~~نقول قصة لأن واقعه في الحياة كان سيرا على منهج الله، وعليه نزل ~~القرآن، وكان خلقه القرآن. والقصص يأتي مرة بالحدث، ثم تدور حوله ~~الأشخاص، أو يأتي بشخصية واحدة تدور حولها الأحداث، فإذا أردت أن تؤرخ ~~للثورة العرابية مثلا وضعت الحدث أولا، ثم ذكرت الأشخاص التي تدور ~~حوله، فإن أردت التأريخ لشخصية عرابي وضعت الشخصية أولا، ثم أدرت ~~حولها الأحداث. وقصص القرآن يختلف عن غيره من الحكايات والقصص التي ~~نسمعها ونحكيها من وضع البشر وتأليفهم، فهي قصص مخترعة تبنى على ~~عقدة وحلها، فيأخذ القاص حدثا، ثم ينسخ حوله أحداثا من خياله. ~~وبذلك يكونون قد أخذوا من القصص اسمه، وعدلوا عن مسماه، فهم يسمون ~~هذا النسيج قصة، وليست كذلك لأن قصة من قص الأثر اي: مشى على أثره وعلى ~~أقدامه، لا يميل عنها ولا يحيد هنا أو هناك. فالقصة - إذن - التزام ~~حدثي دقيق لا يتحمل التأليف أو التزييف، وهذا هو الفرق بين قصص ~~القرآن الذي سماه الحق سبحانه وتعالى: # القصص الحق.. # [آل عمران: 62] و # أحسن القصص.. # [يوسف: 3] وبين قصص البشر وتآليفهم. القصص الحق وأحسن القصص لأنه ~~ملتزم بالحقيقة لا يتجاوزها، وله غاية سامية أسمى من قصص دنياكم، ~~فقصص الدنيا غايته وخلاصته - إن أفلح - أن يحميك من أحداث الدنيا، أما ~~قصص القرآن فحمايته أوسع لأنه يحميك في الدنيا والآخرة. فإن رأيت في ~~قصص القرآن تكرارا فاعلم أنه لهدف وغاية، وأنها لقطات شتى لجوانب ~~الحدث الواحد، فإذا ما تجمعت لديك كل اللقطات أعطتك الصورة الكاملة ~~للحدث. وهنا يقول ms6375 تعالى: { كذلك نقص عليك... }. ### || [20.99] # وفي موضع آخر قال تعالى: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك.. # [هود: 120]. فكأن فؤاده صلى الله عليه وسلم كان في حاجة إلى تثبيت لأنه ~~سيتناول كل أحداث الحياة، وسيتعرض لما تشيب لهوله الرؤوس، ألم يقل ~~الحق تبارك وتعالى عن الرسل قبله: # وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله.. # [البقرة: 214]. ألم يضطهد رسول الله والمؤمنون ويضربوا ويحاصروا في ~~الشعب بلا مأوى ولا طعام، حتى أكلوا الجلود وأوراق الشجر؟ فهذه أحداث ~~وشدائد تضطرب النفس البشرية حين تستقبلها، ولا بد لها من تأييد السماء ~~لتثبت على الإيمان لذلك يقص الحق - تبارك وتعالى - على رسوله قصص من ~~سبقوه في موكب الرسالات ليقول له: لست يا محمد بدعا من الرسل، فقد ~~تحملوا من المشاق كيت وكيت، وأنت سيدهم، فلا بد أن تتحمل من المشاق ~~ما يتناسب ومكانتك، فوطن نفسك على هذا. فقوله تعالى: { كذلك ~~نقص عليك من أنبآء ما قد سبق.. } [طه: 99] كذلك: ~~أي: كما قصصنا عليك قصة موسى وهارون وفرعون والسامري نقص عليك قصصا ~~آخر من أنباء من سبقوك من الرسل. وأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر الهام ~~العظيم، فلا يقال للأمر التافه نبأ. ومن ذلك قوله تعالى عن يوم القيامة: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم # [النبأ: 1-2] إنما يقال " خبر " في أي شيء. ثم يقول تعالى: { وقد ~~آتيناك من لدنا ذكرا } [طه: 99]. وأكد الإتيان بأنه { من ~~لدنا.. } [طه: 99] أي: من عندنا، فلم يقل مثلا: آتيناك ذكرا. ~~وهذا له معنى لأن كل الكتب التي نزلت على الرسل السابقين نزلت ورويت ~~بالمعنى، ثم صاغها أصحابها بألفاظ من عند أنفسهم، أما القرآن فهو ~~الكتاب الوحيد الذي نزل بلفظه ومعناه لذلك قال { من لدنا.. } [طه: ~~99] أي: مباشرة من الله لرسوله. والمتأمل في تبليغ الرسول وتلقيه عن ~~ربه يجد أنه يحافظ على لفظ القرآن، لا يخفى منه حرفا واحدا، كما في ~~قوله تعالى مثلا: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] فكان يكفي في تبليغ هذه العبارة أن يقول ms6376 رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: الله أحد، لكنه يقول نص ما جاءه من ربه مباشرة. أرأيت ~~لو قلت لولدك: اذهب إلى عمك وقل له: أبي سيزورك غدا، ألا يكفي أن ~~يقول الولد: أبي سيزورك غدا؟ إذن: فالقرآن الذي بين آيدينا هو نفسه كلام ~~الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لم يتغير فيه حرف واحد لا ~~بالزيادة ولا بالنقصان لأنه نص الإعجاز، وما دام نص الإعجاز فلا بد ~~أن يظل كما قاله الله. # ومعنى { ذكرا } [طه: 99] للذكر معان متعددة، فيطلق الذكر، ويراد ~~به القرآن، كما في قوله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. ويطلق ويراد به الصيت والشرف والجاه في الدنيا، كما ~~في قوله تعالى: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم.. # [الأنبياء: 10] أي: شرفكم ورفعتكم بين الناس، وقال: # وإنه لذكر لك ولقومك.. # [الزخرف: 44]. وقد يقول قائل: كيف يكون القرآن ذكرا وشرفا للعرب، وقد ~~أبان عجزهم، وأظهر ما فيهم من عي؟ وهل يكون للمغلوب صيت وشرف. نقول: ~~كونهم مغلوبين للحق شهادة بأنهم أقوياء، فالقرآن أعجز العرب وهم أمة ~~فصاحة وبلاغة وبيان، والحق - سبحانه وتعالى - حين يتحدى لا يتحدى الضعيف، ~~إنما يتحدى القوي، ومن الفخر أن تقول: غلبت البطل الفلاني، لكن أي فخر ~~في أن تقول: غلبت أي إنسان عادي؟ وكذلك يطلق الذكر على كل كتاب أنزله ~~الله تعالى، كما قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43] أي: أهل الذكر قبلكم، وهم أهل التوراة وأهل الإنجيل. ~~ويطلق الذكر، ويراد به فعل العمل الصالح والجزاء من الله عليه، كما ~~قال تعالى: # فاذكروني أذكركم.. # [البقرة: 152] أي: اذكروني بالطاعة أذكركم بالخير. ويأتي الذكر بمعنى ~~التسبيح والتحميد، وبمعنى التذكر والاعتبار، فله - إذن - معان متعددة ~~يحددها السياق. لكن، لماذا اختار كلمة ذكر ولم يقل مثلا كتابا؟ ~~قالوا: لأن الذكر معناه أن تذكر الشيء بداية لأنه أمر مهم لا ينسى، ~~وهو ذكر لأنه يستلهم، ومن الذكر الاعتبار والتذكير، والشيء لا يذكر ~~إلا إذا كان له أهمية، ms6377 هذه الأهمية تتناسب مع الأمر من حيث مدة أهميته ~~ومقدار أهميته، وكل ذكر لشيء في الدنيا قصارى أمره أن يعطيك خير الدنيا، ~~أما القرآن فهو الذكر الذي يعطيك خيري الدنيا والآخرة لذلك فهو أهم ذكر ~~يجب أن يظل على بالك لا ينسى أبدا. إذن: فالقرآن ذكر ذكر أولا، ~~وذكر يذكر ثانيا، ويستلهم ذكرا يشمل الزمن كله في الدنيا وفي ~~الآخرة. ثم يصف الحق تبارك وتعالى هذا الذكر، فيقول: { من أعرض ~~عنه فإنه... }. ### || [20.100] # أعرض: نعرف أن الطول أبعد المسافات، وأن العرض أقصر المسافات لذلك لما ~~أراد الحق سبحانه أن يصور لنا اتساع ملكه سبحانه قال: # وجنة عرضها السماوات والأرض.. # [آل عمران: 133] فأتى بالأوسع للأقل، فإن كان عرضها السماوات والأرض، ~~فما بالك بطولها؟ لا بد أنه لا نهاية له. والإنسان منا له طول، وله ~~عرض، ولا يميز العرض إلا الكتفان، ودائما مرآهما من الخلف، لا من الأمام ~~لذلك نجد الخياط إذا أراد أن يقيس لك الثوب قاسه من الخلف، فعرض ~~الإنسان مؤخرته من أعلى. وبذلك يكون أعرض عن كذا، يعني: تركه وذهب بعيدا ~~عنه، أو: أعطاه ظهره وانصرف عنه. ومن ذلك ما نقوله اديني عرض كتافك يعني: ~~در وجهك وانصرف عني، فإن كان جالسا نقول انقض طولك أو اطول أي: قم ~~وأرني طولك، كي تريني عرض أكتافك وتنصرف عني. والحق - سبحانه وتعالى - ~~يعطينا صورة من الإعراض للذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل ~~الله، فيقول: # يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها ~~جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم ~~لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون # [التوبة: 35]. وهكذا ترى ترتيب العذاب حسب ترتيب الإعراض، فأول ما ~~واجهه السائل قطب جبهته، وكشر وبدت عليه ملامح الغضب والضيق، ثم ~~أدار له جنبه، ثم أعطاه ظهره وانصرف عنه. والوزر: الحمل الثقيل، ~~وليته في الدنيا فيمكنك أن تتخلص منه، إما بأن يوضع عنك، وإما أن ~~تفوته بالموت، إنما الوزر هنا في الآخرة لذلك فهو وزر ثقيل لا ينحط عنك ~~ولا تفوته بالموت، فهو حمل لا نهاية ms6378 له ولا أمل في الخلاص منه. فهو ~~ثقيل ممتد الإيلام، فقد يكون الحمل ثقيلا إلا أنه محبب إلى النفس، ~~كمن يحمل شيئا نافعا له، أما هنا فحمل ثقيل مكروه. وبعد ذلك ~~يستدرك به على العقوبة، فالذي يأثم يقال: أتى وزرا. { خالدين فيه ~~وسآء... }. ### || [20.101] # ساء: قبح ذلك الحمل يوم القيامة لأن الحمل قد لا يكون قبيحا إن كان ~~خيرا، وإن كان شرا فقد يحمله صاحبه في الدنيا ويزول عنه أما الوزر ~~فحمل سيىء قبيح، لأنه في دار الخلد التي لا نهاية لها. فمتى يكون ~~ذلك؟ ### || [20.102] # وهو يوم القيامة، والصور: هو البوق الذي ينفخ فيه النفخة الأولى ~~والثانية، كما جاء في قوله تعالى: # ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا ~~هم قيام ينظرون # [الزمر: 68]. وقوله تعالى: { ونحشر المجرمين يومئذ ~~زرقا } [طه: 102]. أي: نجمعهم ونسوقهم زرقا، والزرقة هي لونهم، ~~كما ترى شخصا احتقن وجهه، وازرق لونه بسبب شيء تعرض له، هذه ~~الزرقة نتيجة لعدم السلام والانسجام في كيماوية الجسم من الداخل، فهو ~~انفعال داخلي يظهر أثره على البشرة الخارجية، فكأن هول القيامة ~~وأحداثها تحدث لهم هذه الزرقة. والبعض يفسر { زرقا } [طه: 102] أي: ~~عميا، ومن الزرقة ما ينشأ عنها العمى، ومنها المياه الزرقاء التي ~~تصيب العين وقد تسبب العمى. ### || [20.103] # أي: في هذه الحال التي يحشرون فيها زرقا { يتخافتون ~~بينهم.. } [طه: 103] أي: يسرون الكلام، ويهمس بعضهم إلى بعض، لا ~~يجرؤ أحد منهم أن يجهر بصوته من هول ما يرى، والخائف حينما يلاقي من ~~عدوه ما لا قبل له به يخفي صوته حتى لا ينبهه إلى مكانه أو: لأن ~~الأمر مهول لدرجة الهلع الذي لا يجد معه طاقة للكلام، فليس في وسعه ~~أكثر من الهمس. فما وجه التخافت؟ وبم يتخافتون؟ يسر بعضهم إلى ~~بعض { إن لبثتم إلا عشرا } [طه: 103] يقول بعضهم لبعض: ما ~~لبثنا في الدنيا إلا عشرة أيام، ثم يوضح القرآن بعد ذلك أن العشرة هذه ~~كلامهم السطحي، بدليل قوله ms6379 في الآية بعدها: # إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما # [طه: 104]. فانتهت العشرة إلى يوم واحد، ثم ينتهي اليوم إلى ساعة في ~~قوله تعالى حكاية عنهم: # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة.. # [الروم: 55] فكل ما ينتهي فهو قصير. إذن: أقوال متباينة تميل إلى ~~التقليل كأن الدنيا على سعة عمرها ما هي إلا ساعة: # كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ~~ساعة من نهار.. # [الأحقاف: 35]. وما هذا التقليل لمدة لبثهم في الدنيا إلا لإفلاسهم ~~وقلة الخير الذي قدموه فيها، لقد غفلوا فيها، فخرجوا منها بلا ثمرة ~~لذلك يلتمسون لأنفسهم عذرا في انخفاض الظرف الزمني الذي يسع الأحداث، ~~كأنه لم يكن لديهم وقت لعمل الخير؟؟ ثم يقول الحق سبحانه: { نحن ~~أعلم بما يقولون... }. ### || [20.104] # الحق - تبارك وتعالى - يقص على رسوله صلى الله عليه وسلم في الدنيا ما ~~سيكون من أمر هؤلاء المجرمين في الآخرة، فإذا ما وقعت القيامة جاءت ~~الصورة كما حكاها الله لرسوله هي هي ذلك لأن الله تعالى وسع كل شيء ~~علما. وهذا القول الذي حكاه القرآن عنهم أمر في اختيارهم، وقد سمعوا ذلك ~~من رسول الله، وبوسعهم ألا يقولوا، لكن إذا جاءت القيامة فسوف يقولونه ~~بالحرف الواحد لا يغيرون منه شيئا. وقوله: { أمثلهم ~~طريقة.. } [طه: 104] يعني: أحسنهم حكما. ثم يقول الحق تبارك ~~وتعالى: { ويسألونك عن الجبال... }. ### || [20.105] # تكلمنا عن يسألونك في قوله تعالى: # يسألونك عن الخمر والميسر.. # [البقرة: 219]. والسؤال استفهام يعني: طلب فهم يحتاج إلى جواب، ~~والسؤال إما أن يكون من جاهل لعالم، كالتلميذ يسأل أستاذه ليعلم الجواب، ~~أو: من عالم لجاهل، كالأستاذ يسأل تلميذه ليعرف مكانته من العلم وإقراره ~~بما يعلم. وهذه المسألة حلت لنا إشكالا كان المستشرقون يوغلون فيه، ~~يقولون: بينما الحق - تبارك وتعالى - يقول: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39] يقول في آية أخرى: # وقفوهم إنهم مسئولون # [الصافات: 24] فالأولى تنفي السؤال، والثانية تثبته لذلك اتهموا القرآن ~~بالتضارب بين آياته. وهؤلاء معذورون، فليست لديهم الملكة العربية ~~لفهم الأداء القرآني، ms6380 وبيان هذه الإشكال أن السؤال يرد في اللغة ~~إما لتعلم ما جهلت، وإما لتقرير المجيب بما تعلم أنت ليكون حجة عليه. ~~فالحق سبحانه حين يقول: # وقفوهم إنهم مسئولون # [الصافات: 24] أي: سؤال إقرار، لا سؤال استفهام، فحين ينفي السؤال ~~ينفي سؤال العلم من جهة المتكلم، وحين يثبت السؤال فهو سؤال التقرير. ~~والحدث مرة ينفى، ومرة يثبت، لكن جهة النفي منفكة عن جهة الإثبات، ~~فمثلا الحق سبحانه يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: # وما رميت إذ رميت.. # [الأنفال: 17]. فنفى الرمي في الأولى، وأثبته في الثانية، والحدث واحد، ~~والمثبت له والمنفي عنه واحد هو محمد صلى الله عليه وسلم. فكيف نخرج من ~~هذا الإشكال؟ أرمى الرسول أم لم يرم؟ ولتوضيح هذه المسألة ضربنا ~~مثلا بالأب الذي جلس بجوار ولده كي يذاكر دروسه، فأخذ الولد يذاكر، ~~ويقلب صفحات الكتاب، وحين أراد الأب اختبار مدى ما حصل من معلومات ~~لم يجد عنده شيئا، فقال للولد: ذاكرت وما ذاكرت. ذاكرت يعني: فعلت فعل ~~المذاكر، وما ذاكرت لأنك لم تحصل شيئا. فرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حينما رمى، أيمكنه أن يوصل هذه الرمية إلى أعين الجيش كله؟ إذن: ~~فرسول الله أخذ قبضة من التراب ورمى بها ناحية الجيش، إنما قدرة الله هي ~~التي أوصلت حفنة التراب هذه وذرتها في أعين الأعداء جميعا. ومن ~~ذلك أيضا قوله تعالى: # ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [الجاثية: 26] فنفت عنهم العلم، وفي آية أخرى: # يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا.. # [الروم: 7] فأثبتت لهم علما. نعود إلى قوله تعالى: { ~~ويسألونك عن الجبال.. } [طه: 105] وحينما استعرضنا ~~يسألونك في القرآن الكريم وجدنا جوابها مسبوقا ب قل كما في قوله ~~تعالى: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنافع للناس.. # [البقرة: 219]. وقوله تعالى # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج.. # [البقرة: 189] وهكذا في كل الآيات، ما عدا قوله تعالى هنا { ~~ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا } ~~[طه: 105] فاقترن الفعل قل بالفاء، لماذا؟ قالوا: لأن السؤال في كل ~~هذه الآيات سؤال عن شيء وقع ms6381 بالفعل، فكان الجواب بقل. # مثل: # ويسألونك عن المحيض قل هو أذى.. # [البقرة: 222] أما { ويسألونك عن الجبال.. } [طه: 105] قال ~~في الجواب { فقل ينسفها ربي نسفا } [طه: 105] لأنه حدث ~~لم يقع بعد. والحق - سبحانه وتعالى - يخبر رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أنه سيسأل هذا السؤال، فكأن الفاء هنا دلت على شرط مقدر، بمعنى: ~~إن سألوك بالفعل فقل: كذا وكذا. إذن: السؤال عن الجبال لم يكن وقت ~~نزول الآية، أما الأسئلة الأخرى فكانت موجودة، وسئلت لرسول الله قبل ~~نزول آياتها. وقد تأتي إجابة السؤال بدون قل كما في قوله تعالى: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب.. # [البقرة: 186] ولم يقل هنا قل أو فقل لأنها تدل على الواسطة بين ~~الله تعالى وبين عباده، وكأن الحق - سبحانه - يوضح أنه قريب من عباده ~~حتى عن الجواب بقل. وقد تتعجب: كيف تأتي في القرآن كل هذه الأسئلة ~~لرسول الله مع أن القرآن كتاب منهج جاء بتكاليف قد تشق على الناس لأنه ~~يلزمهم بأمور تخالف ما يشتهون، فكان المفروض ألا يسألوا عن الأمور التي ~~لم ينزل فيها حكم. نقول: دلت أسئلتهم هذه على عشقهم لأحكام الله ~~وتكاليفه، فالأشياء التي كانت عادات لهم في الجاهلية يريدون الآن أن ~~يؤدوها على طريقة الإسلام على أنها عبادة، لا مجرد عادة جاهلية. مع أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن السؤال فقال: # " دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم ". # ومع ذلك سألوا وأرادوا أن تبنى حياتهم على منهج القرآن من الله، لا ~~على أنه إلف عادة كانت لهم في الجاهلية، إذن: هذه الأسئلة ترسيم للأمر ~~من جانب الحق سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: { فقل ينسفها ربي ~~نسفا } [طه: 105] تكلمنا عن هذا المعنى في قوله تعالى: # لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا # [طه: 97] فالمراد: نفتتها ونذروها في الهواء، وأكد النسف، فقال # نسفا # [طه: 97] ليؤكد أن الجبل سيتفتت إلى ذرات صغيرة يذروهاالهواء. فقد ~~يتصور البعض أن الجبال تهد، وتتحول إلى كتل صخرية كما نفجر ~~نحن الصخور الآن إلى ms6382 قطع كبيرة لذلك أكد على النسف، وأن الجبال ستكون ~~ذرات تتطاير لذلك قال في آية أخرى: # وتكون الجبال كالعهن المنفوش # [القارعة: 5] أي: كالصوف المندوف. لكن، لماذا ذكر الجبال بالذات؟ قالوا: ~~لأن الإنسان يرى أنه ابن أغيار في ذاته، وابن أغيار فيما حوله مما ~~يخدمه من حيوان أو نبات، فيرى الحيوان يموت أو يذبح، ويرى النبات يذبل ~~ثم يجف ويتفتت، والإنسان نفسه يموت وينتهي. إذن: كل ما يراه حوله ~~بين فيه التغيير والانتهاء، إلا الجبال يراها راسية ثابتة، لا يلحقها ~~تغيير ظاهر على مر العصور. لذلك يضرب بها المثل في الثبات، كما في ~~قوله الحق سبحانه وتعالى: # وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان ~~مكرهم لتزول منه الجبال # [إبراهيم: 46]. فالجبال مظهر للثبات، فقد يتساءل الإنسان عن هذا الخلق ~~الثابت المستقر، ماذا سيفعل الله به؟ ثم يقول الحق سبحانه: { فيذرها ~~قاعا صفصفا... }. ### || [20.106] # { قاعا صفصفا } [طه: 106]: أرضا مستوية ملساء لا نبات فيها ~~ولا بناء، والضمير في { فيذرها.. } [طه: 106] يعود على الأرض لا على ~~الجبال لأن الجبال لا تكون قاعا صفصفا، أما الأرض مكان الجبال فتصير ~~ملساء مستوية، لا بناء فيها ولا جبال، فالأرض شيء والجبال فوقها شيء ~~آخر. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 9-10]. فالضمير في # وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 10] لا يعود على الأرض، إنما على الجبال. لأن الجبال في الحقيقة ~~هي مخازن القوت ومصدر الخصب للأرض، التي هي مصدر القوت، فالإنسان ~~مخلوق من الأرض، واستبقاء حياته من الأرض، فالنبات قوت للإنسان وللحيوان، ~~والنبات والحيوان قوت للإنسان. إذن: لا بد للأرض من خصوبة تساعدها ~~وتمدها بعناصر الغذاء، ولو أن الخالق - عز وجل - جعل الأرض هكذا طبقة ~~واحدة بها المخصبات لانتهت هذه الطبقة بعد عدة سنوات، ولأجدبت الأرض ~~بعد ذلك. إذن: خلق الله الجبال لحكمة، وجعلها مصدرا للخصب الذي يمد ms6383 ~~الأرض مددا دائما ومستمرا ما بقيت الحياة على الأرض، ومن هنا تتضح ~~لنا حكمة الخالق - سبحانه - في أن تكون الجبال صخرا أصم، فإذا ما ~~تعرضت لعوامل التعرية على مر السنين تتفتت منها الطبقة الخارجية ~~نتيجة لتغير الظروف المناخية من حرارة وبرودة. ثم تأتي الأمطار وتعمل ~~في الصخر عمل المبرد، وتكون ما يسمى بالغرين، فتحمل هذا الفتات ~~إلى الوديان ومجاري الأنهار، وتوزعه على طبقة الأرض، فتزيدها ~~خصبا تدريجيا كل عام، وإلا لو كانت الجبال هشة غير متماسكة ~~لانهالت في عدة أعوام، ولم تؤد هذا الغرض. لذلك نقول: إن الجبال هي ~~مصدر القوت، وليست الأرض. ألا ترى أن خصوبة الوادي والدلتا جاءت من طمي ~~النيل، والغرين الذي يحمله الماء من أعالى أفريقيا. وهذا الغرين ~~الذي ينحت من الجبال هو الذي يسبب الزيادة في رقعة اليابسة، وتستطيع ~~أن تلاحظ هذه الظاهرة في المدن المطلة على البحر، فبعد أن كانت على ~~شاطئه أصبحت الآن داخل اليابسة. وقد مثلنا سابقا للجبل بأنه مثلث ~~قاعدته إلى أسفل، والوادي مثلث قاعدته إلى أعلى، فكل نحت في الجبل ~~زيادة في الوادي، وكأن الخالق - عز وجل - جعل هذه الظاهرة لتتناسب مع ~~زيادة السكان في الأرض. وقد حذف العائد في { فيذرها.. } [طه: 106] ~~اعتمادا على ذهن السامع ونباهته إلى أنه لا يكون إلا ذلك، كما في قوله ~~تعالى: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] فلم يذكر عائد الضمير هو لأنه إذا قيل لا ينصرف إلا إلى ~~الحق سبحانه وتعالى، وإن لم يتقدم اسمه. وكما في قوله تعالى: # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32] والمراد: الشمس التي غابت، ففاتت سليمان - عليه السلام - ~~الصلاة، ولم تذكر الآية شيئا عن الشمس. كذلك في: # ما ترك على ظهرها من دآبة.. # [فاطر: 45] أي: على الأرض ولم تذكرها الآية، كذلك هنا فيذرها أي ~~الأرض. ### || [20.107] # أي: كأنها مستوية على " ميزان الماء " لا ترى فيها اعوجاجا ولا ~~أمتا يعني: منخفض ومرتفع، فهي مستوية استواء تاما، كما نفعل نحن في ~~الجدار، ونحرص على استوائه. لذلك نرى المهندس إذا أراد استلام مبنى من ms6384 ~~المقاول يعتمد إما على شعاع الضوء لأنه مستقيم ويكشف له أدنى عيب في ~~الجدار أو على ذرات التراب لأنها تسقط على استقامتها، وبعد عدة أيام ~~تستطيع أن تلاحظ من ذرات التراب ما في الجدار من التواءات أو نتوءات. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { يومئذ يتبعون الداعي... }. ### || [20.108] # الداعي: المنادي، كالمؤذن الذي كثيرا ما دعا الناس إلى حضرة الله ~~تعالى في الصلاة، فمنهم من أجاب النداء، ومنهم من تأبى وأعرض، أما ~~الداعي في الآخرة، وهو الذي ينفخ في الصور فلن يتأبى عليه أحد، ولن ~~يمتنع عن إجابته أحد. وقوله: { لا عوج له.. } [طه: 108] لأننا نرى ~~داعي الدنيا حين ينادي في جمع الناس، يتجه يمينا ويتجه يسارا، ~~ويدور ليسمع في كل الاتجاهات، فإذا لم يصل صوته إلى كل الآذان ~~استيعابا يستعمل مكبر الصوت مثلا، أما الداعي في الآخرة فليس له عوج ~~هنا أو هناك لأنه يسمع الجميع، ويصل صوته إلى كل الآذان، دون انحراف أو ~~ميل. ثم يقول تعالى: { وخشعت الأصوات للرحمن فلا ~~تسمع إلا همسا } [طه: 108] هذا الهمس الذي قال عنه في الآيات ~~السابقة: # يتخافتون بينهم.. # [طه: 103]. ونعرف أن كل تجمع كبير لا تستطيع أن تضبط فيه جلبة ~~الصوت، فما بالك بجمع كجمع القيامة من لدن آدم عليه السلام حتى قيام ~~الساعة، ومع ذلك: { وخشعت الأصوات للرحمن فلا ~~تسمع إلا همسا } [طه: 108] فلماذا كتمت هذه الأصوات التي طالما ~~قالت ما تحب، وطالما كان لها جلبة وضجيج؟ الموقف الآن مختلف، والهول ~~عظيم، لا يجرؤ أحد من الهول على رفع صوته، والجميع كل منشغل ~~بحاله، مفكر فيما هو قادم عليه، فإن تحدثوا تحدثوا سرا ومخافتة: ~~ماذا حدث؟ ماذا جرى؟ وكذلك نحن في أوقات الشدائد لا نستطيع الجهر بها، ~~كما حدث لما مات سعد زغلول - رحمه الله - وكان أحمد شوقي وقتها في لبنان، ~~فسمع الناس يتخافتون، ويهمس بعضهم إلى بعض بأن سعدا قد مات، ولا يجرؤ ~~أحد أن يجهر بها لهول هذا الحادث على النفوس، فقال شوقي: # يطأ الآذان همسا والشفاها # قلت يا قوم اجمعوا ms6385 أحلامكم # كل نفس في وريديها رداها # ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة... ~~}. ### || [20.109] # والشفاعة تقتضي مشفوعا له وهو الإنسان. وشافعا وهو الأعلى منزلة، ~~ومشفوعا عنده: والمشفوع عنده لا يسمح بالشفاعة هكذا ترتجلها من نفسك، ~~إنما لا بد أن يأذن لك بها، وأن يضعك في مقام ومرتبة الشفاعة، ~~وهذا شرط في الشافع. وقوله تعالى: { ورضي له قولا } [طه: 109] ~~هذه للمشفوع له، أن يقول قولا يرضى الله عنه - وإن قصر في جهة أخرى - ~~وخير ما يقوله العبد ويرضى عنه الله أن يقول: لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله، فهذه مقولة مرضية عند الله، وهي الأمل الذي يتعلق به، ~~والبشرى لأهل المعاصي لأنها كفيلة أن تدخلهم في شفاعة النبي صلى ~~الله عليه وسلم. فإذا كان لديك خصلة سيئة، أو نقطة ضعف في تاريخك تراها ~~عقبة فلا تيأس، وانظر إلى زاوية أخرى في نفسك تكون أقوى، فأكثر بها ~~الحسنات، لأن الحسنات يذهبن السيئات. ### || [20.110] # معنى { ما بين أيديهم.. } [طه: 110] ما أمامهم، ويعلم ما ~~خلفهم، أما أنت فلا تحيط به علما، ولا تعرف إلا ما يخبرك به، إلا أن ~~تكون هناك مقدمات تستنبط منها، لأن ما ستره الحق في الكون كثير، منه ما ~~جعل الله له مقدمات، فمن ألم بهذه المقدمات يصل إليها. ومع ذلك لا ~~يقال له: علم غيبا. إنما اكتشف غيبا بمقدمات أعطاها له الحق سبحانه ~~وتعالى، كما نعطي التلميذ تمرينا هندسيا، ونذكر له المعطيات، فيستدل ~~بالمعطيات على المطلوب. والكون مليء بالأشياء والظواهر التي إن تأملناها ~~وبحثناها ولم نعرض عنها وجدنا فيها كثيرا من الأسرار، فبالنظر في ~~ظواهر الكون اكتشفوا عصر البخار ويسروا الحركة على الناس، وبالنظر في ~~ظواهر الكون اكتشف أرشميدس قانون الأجسام الطافية، واكتشفوا البنسلين.. ~~إلخ. هذه كلها ظواهر موجودة في كون الله، كانت تنتظر من ينقب عنها ~~ويكتشفها لذلك ينعى علينا الحق تبارك وتعالى: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. فلو التفتوا إليها الالتفات الحق لانتفعوا بها. لكن هناك ~~أشياء ms6386 استأثر الله تعالى بعلمها، وقد يعطيها لمن أحب من عباده، ~~ويطلعهم عليها، أو تظل في علم الله لا يعرفها أحد. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وعنت الوجوه للحي القيوم... }. ### || [20.111] # الوجه أشرف وأكرم شيء في تكوين الإنسان، وهو الذي يعطي الشخص سمته ~~المميزة لذلك يحميه الإنسان ويحفظه، ألا ترى لو أصاب وجهك غبار أو ~~تراب أو طين مثلا تمسحه بيدك، لم تزد على أنك جعلت ما في وجهك في ~~يدك لماذا؟ لأنه أشرف شيء فيك. لذلك، كان السجود لله تعالى في الصلاة ~~علامة الخضوع والخشوع والذلة والانكسار له عز وجل، ورضيت أن تضع أشرف ~~جزء فيك على الأرض وتباشر به التراب، والإنسان لا يعنو بوجهه إلا لمن ~~يعتقد اعتقادا جازما بأنه يستحق هذا السجود، وأن السجود له وحده ~~يحميه من السجود لغيره، كما قال الشاعر: # والسجود الذي تجتويه # من ألوف السجود فيه نجاة # فاسجد لواحد يكفك السجود لسواه، واعمل لوجه واحد يكفك كل الأوجه. ~~وقوله: { وقد خاب من حمل ظلما } [طه: 111] حمل: يعني أخذه ~~عبئا ثقيلا عليه. والظلم في أصله أن تأخذ خيرا ليس لك لتنتفع به ~~وتزيد ما عندك، فأنت في الظاهر تزداد كما تظن، إنما الحقيقة أنك تحمل ~~نفسك وزرا وحملا ثقيلا، سوف تنوء به، وازددت إثما لا خيرا. ~~والظلم مراتب ودرجات، أدناها أن تأخذ ما ليس لك وإن كان حقيرا لا قيمة ~~له، أو تظلم غيرك بأن تتناوله في عرضه، ثم ترقى الظلم إلى أن تصل به ~~إلى القمة، وهو الشرك بالله، كما قال سبحانه: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. وهو عظيم لأنك أخذت حقا لله تعالى، وأعطيته لغيره. إذن: ~~فحاول أن تسلم من هذه الآفة لأن الله قال فيها: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء.. # [النساء: 48]. ثم يقول الحق سبحانه: { ومن يعمل من ~~الصالحات... }. ### || [20.112] # الصالحات: هي الأعمال التي تعود بالخير عليك أو على غيرك، وأضعف ~~الإيمان في عمل الصالح أن تترك الصالح في ذاته على صلاحه فلا تفسده، كأن ms6387 ~~تجد بئرا يشرب منه الناس فلا تطمسه ولا تلوثه. فإن رقيت العمل الصالح ~~فيمكنك أن تزيد من صلاحه، فتبنى حوله جدارا يحميه أو تجعل له غطاء.. ~~إلخ. ومن رحمة الله بنا أنه سبحانه حينما حثنا على العمل الصالح قال: { ~~من الصالحات.. } [طه: 112] ومن هنا للتبعيض، فيكفي أن تفعل بعض ~~الصالحات لأن طاقة الإنسان لا تسع كل الصالحات ولا تقوى عليها، فحسبك ~~أن تأخذ منها طرفا، وآخر يأخذ طرفا، فإذا ما تجمعت كل هذه الأطراف من ~~العمل الصالح من الخلق كونت لنا الصلاح الكامل. كما سبق أن ذكرنا أن ~~ليس بوسع أحد منا أن يجمع الكمال المحمدي في أخلاقه، والرسول صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " الخير في - حقا - وفي أمتي إلى يوم القيامة ". # ففي كل فرد من أفراد الأمة خصلة من خصال الخير، بحيث إذا تجمعت خصال ~~الكمال في الخلق أعطتنا الكمال المحمدي. وقوله: { وهو مؤمن.. } ~~[طه: 112] لأن الإيمان شرط في قبول العمل الصالح، فإن جاء العمل الصالح ~~من غير المؤمن أخذ أجره في الدنيا ذكرا وشهرة وتخليدا لذكراه، فقد ~~عمل ليقال وقد قيل، وانتهت المسألة. ثم يقول تعالى: { فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما } [طه: 112] والظلم هنا غير الظلم في قوله تعالى: # وقد خاب من حمل ظلما # [طه: 111] فالظلم هنا من الإنسان لنفسه أو لغيره، إنما { فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما } [طه: 112] أي: ظلما يقع عليه، بألا يأخذ ~~حقه على عمله، بمعنى أننا لا نعاقبه على سيئة لم يعملها، ولا نضيع عليه ~~ثواب حسنة عملها لأن الحق سبحانه لا يظلم الناس مثقال ذرة. { ولا ~~هضما } [طه: 112] الهضم يعني النقصان، فلا ننقصه أجره وثوابه، ومنه ~~هضم الطعام، فكمية الطعام التي نأكلها تهضم ثم تمتص، وتتحول إلى سائل ~~دموي، فتأخذ حيزا أقل، ومنه نقول: فلان مهضوم الحق. يعني: كان له حق ~~فلم يأخذه. لكن، ما فائدة عطف هضما على ظلما فنفي الظلم نفي ~~للهضم؟ نقول: لأنه مرة يبطل الثواب نهائيا، ومرة يقلل الجزاء على ~~الثواب. ثم يقول الحق سبحانه: { وكذلك أنزلناه قرآنا ~~عربيا... ms6388 }. ### || [20.113] # كذلك أي: كالإنزال الذي أنزلناه إلى الأمم السابقة، فكما أرسلنا ~~إليهم رسلا أرسلنا إلى الأمم المعاصرة لك رسلا، إلا أن فارق ~~الرسالات أنهم بعثوا لزمان محدود، في مكان محدود، وبعثت للناس ~~كافة، وللزمان كافة إلى أن تقوم الساعة. ونفهم من كلمة { ~~أنزلناه.. } [طه: 113] أن المنزل أعلى من المنزل عليه، ~~فالإنزال من شيء عال، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يلفت أنظارنا ويصعد ~~هممنا، فيقول: لا تهبطوا إلى مستوى تشريع الأرض لأنه يقنن للحاضر ~~ويجهل المستقبل، ويتحكم فيه الهوى فتغيب عنه أشياء فيحتاج إلى استدراك. ~~لذلك، حين ينادينا إلى منهجه العلوي يقول: # قل تعالوا.. # [الأنعام: 151] يعني: اعلوا وخذوا منهجكم من أعلى، لا من الأرض. { ~~قرآنا.. } [طه: 113] يعني: مقروء، كما قال # كتابا.. # [الأنبياء: 10] يعني: مكتوب، ليحفظ في الصدور وفي السطور. وقال { ~~قرآنا عربيا.. } [طه: 113] مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مرسل إلى الناس كافة في امتداد الزمان والمكان، والقرآن نزل معجزة ~~للجميع. قالوا: لأنه صلى الله عليه وسلم هو المباشر لهذه الأمة العربية ~~التي ستستقبل أول دعوة له، فلا بد أن تأتي المعجزة بلسانها، كما أن ~~معجزة القرآن ليست للعرب وحدهم، إنما تحد للإنس والجن على امتداد ~~الزمان والمكان. كما قال سبحانه: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله.. # [الإسراء: 88]. فالقرآن تحد لكل الأجناس: الروسي، والأمريكي، ~~والياباني، والدنيا كلها، ومعهم الجن أيضا. لكن لماذا والجن أيضا داخل ~~في مجال التحدي؟ قالوا: لأن العرب قديما كانوا يعتقدون أن لكل شاعر أو ~~خطيب مفوه شيطانا يمده ويوحي إليه لذلك أدخل الجن أيضا في هذا ~~المجال. وقد يقول قائل: وكيف نتحدى بالقرآن غير العرب وهو بلسان عربي، ~~فهو حجة على العرب دون غيرهم؟ نقول: وهل إعجاز القرآن من حيث أسلوبه ~~العربي وأدائه البياني فقط؟ لا، فجوانب الإعجاز في القرآن كثيرة لا تختلف ~~فيها اللغات، فهل تختلف اللغات في التقنين لخير المجتمع؟ ألم يأت ~~القرآن بمنهج في أمة بدوية أمية يغزو أكبر حضارتين معاصرتين له، هما ~~حضارة فارس في ms6389 الشرق، وحضارة الروم في الغرب؟ ألم تكن هذه الظاهرة ~~جديرة بالتأمل والبحث؟ ثم الكونيات التي تحدث القرآن عنها منذ ما يزيد ~~على أربعة عشر قرنا، وما زال العلم الحديث يكتشفها الآن. إذن: طبيعي أن ~~يأتي القرآن عربيا لأنه نزل على رسول عربي، وفي أمة عربية، والحق سبحانه ~~يقول: # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم.. # [إبراهيم: 4]. فهم الذين يستقبلون الدعوة، وينفعلون لها، ويقتنعون بها، ~~ثم ينساحون بها في شتى بقاع الأرض، ومن العجيب أنهم بدعوة القرآن ~~أقنعوا الدنيا التي لا تعرف العربية، أقنعوها بالمبادىء والمناهج التي ~~جاء بها القرآن لأنها مبادىء ومناهج لا تختلف عليها اللغات. # ثم يقول تعالى: { وصرفنا فيه من الوعيد.. } [طه: 113] أي: ~~حينما ينذر القرآن بشيء يصرف هذا الإنذار على أوجه مختلفة، ويكرر ~~الإنذار لينبه أهل الغفلة. يعني: لونا فيه كل أساليب الوعد والوعيد، ~~فكل أسلوب يصادف هوى في نفس أحد المستقبلين، فخاطبنا الأهواء كلها بكل ~~مستوياتها، فالعالم والجاهل ومتوسط الفكر، الكل يجد في القرآن ما يناسبه ~~لأنه يشرع للجميع، للفيلسوف وللعامي، فلا بد أن يكون في القرآن ~~تصريف لكل ألوان الملكات ليقنع الجميع. وفي القرآن وعد ووعيد، فلكل ~~منهما أهل، ومن لم يأت بالإغراء بالخير يأتي بأن ينزعه بالقوة ~~والجبروت، كما قال الشاعر: # أناة فإن لم تغن عقب بعدها وعيدا # فإن لم يغن أغنت عزائمه # وفي الأثر: # " إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ". # والإنذار والتخويف نعمة من الله، كما ورد في سورة الرحمن، حيث يقول ~~تعالى: # مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا ~~يبغيان * فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 19-21] فهذه نعم من الله. أما قوله: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36] فما النعمة في النار والشواظ؟ النعمة أن ينذرك الله ~~بها ويحذرك منها، قبل أن تقع فيها، ويعظك بها وأنت ما زلت في فترة ~~المهلة والتدارك، فلا يأخذك على غرة ولا يتركك على غفلتك. كما تحذر ~~ولدك: إن أهملت دروسك فسوف تفشل في الامتحان ms6390 فيحتقرك زملائك، ويحدث لك ~~كيت وكيت، فلم يترك ولده على غفلته وإهماله، إلى أن يداهمه الامتحان ~~ويفاجئه الفشل، أليست هذه نعمة؟ أليست نصيحة مهمة؟ والتصريف: يعني ~~التحويل والتغيير بأساليب شتى لتناسب استقبال الأمزجة المختلفة عند ~~نزول القرآن لعلها تصادف وعيا واهتماما { لعلهم يتقون ~~أو يحدث لهم ذكرا } [طه: 113]. { لعلهم يتقون.. } ~~[طه: 113] الاتقاء عادة يكون للشر والمعاصي المهلكة، أو يحدث لهم ~~الذكر والشرف والرفعة بفعل الخيرات، وهذا من ارتقاءات الطاعة. ذلك لأن ~~التكليف قسمان: قسم ينهاك عن معصية، وقسم يأمرك بطاعة، فينهاك عن شرب ~~الخمر، ويأمرك بالصلاة، فهم يتقون الأول، ويحدث لهم ذكرا يوصيهم ~~بعمل الثاني. وما دام القرآن نازلا من أعلى فلا بد أن يقول بعدها: { ~~فتعلى الله الملك الحق... }. ### || [20.114] # { تعلى.. } [طه: 114] تنزه وارتفع عن كل ما يشبه الحادث، تعالى ~~ذاتا، فليست هناك ذات كذاته، وتعالى صفاتا فليست هناك صفة كصفته، ~~فإن وجدت صفة في الخلق تشبه صفة في الخالق سبحانه، فخذها في ضوء # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. فالحق سبحانه لا يضن على عبده أن يسميه خالقا إن ~~أوجد شيئا من عدم، إنما لما تكلم عن خلقه سبحانه، قال: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنين: 14]. فأنت خالق، لكن ربك أحسن الخالقين، فأنت خلقت من ~~موجود أما ربك عز وجل فقد خلق من العدم، أنت خلقت شيئا جامدا على ~~حالة واحدة، والله خلق خلقا حيا ناميا، يحس ويتحرك ويتكاثر، وسبق ~~أن مثلنا لذلك - ولله المثل الأعلى - بصانع الأكواب الزجاجية من ~~الرمال، وأوضحنا الفرق بين خلق وخلق. وقوله تعالى: { فتعلى ~~الله الملك الحق.. } [طه: 114] تلفتنا إلى ضرورة التطلع إلى ~~أعلى في التشريع. فما الذي يجبرك أن تأخذ تشريعا من عبد مثلك؟ ولماذا ~~لا يأخذ هو تشريعك؟ إذن: لا بد أن يكون المشرع أعلى من المشرع له. ~~ومن ألفاظ تنزيه الله التي لا تقال إلا له سبحانه كلمة سبحان الله ~~أسمعت بشرا يقولها لبشر؟ وهناك كفرة وملاحدة ومنكرون للألوهية ~~ومعاندون، ومع ذلك لم يقلها أحد مدحا في أحد. كذلك كلمة تعالى ~~وتبارك لا ms6391 تقال إلا لله، فنقول: تباركت ربنا وتعاليت أي: وحدك لا شريك ~~لك. فقوله: { فتعلى الله.. } [طه: 114] علا قدره وارتفع ~~التنزيه ارتفاعا لا يوصل إليه، أما التعالي في البشر فيما بينهم فأمر ~~ممقوت أما تعالى الحق سبحانه فمن مصلحة الخلق، وهذه اللفتة يعبر ~~عنها أهل الريف، يقولون اللي ملوش كبير يشتري له كبير لأن الكبير هو الذي ~~سيأخذ بيد الضعيف ويدك طغيان القوى، فإذا لم يكن لنا كبير نختلف ~~ونضيع. إذن: من مصلحة الكون كله أن يكون الله متعاليا، والحق ليس ~~متعاليا علينا، بل متعال من أجلنا ولصالحنا، فأي متعال أو جبار من ~~البشر عندما يعلم أن الله أعلى منه يندك جبروته وتعاليه، وأي ضعيف يعلم ~~أن له سندا أعلى لا يناله أحد، فيطمئن ويعيش آمنا وبذلك يحدث التوازن ~~الاجتماعي بين الناس. ونحن نحب عبوديتنا لله عز وجل، وإن كانت العبودية ~~كلمة بغيضة مكروهة حين تكون عبودية الخلق للخلق فيأخذ السيد خير ~~عبده، إلا أن العبودية لله شرف وكرامة لأن العبد لله هو الذي يأخذ خير ~~سيده، فأنا عبد لله وعبوديتي له لصالحي أنا، ولن أزيد في ملكه شيئا، ~~ولن ينتفع من ورائي بشيء لأنه سبحانه زوال ملكه وزوال سلطانه في الكون ~~قبل أن يخلق الخلق، فبقدرته وعظمته خلق، وقبل أن توجد أنت أيها ~~الإنسان الطاغي المتمرد أوجد لك الكون كله بما فيه. # فأنت بإيمانك لن تزيد شيئا في ملك الله، كما جاء في الحديث القدسي: # " يا عبادي إنكم لن تملكوا نفعي فتنفعوني، ولن تملكوا ضري فتضروني.. " # فأنا إن تصرفت فيكم فلمصلحتكم، لا يعود علي من ذلك شيء. وقوله ~~تعالى: { الملك الحق.. } [طه: 114] لأن هناك ملوكا كثيرين، ~~أثبت الله لهم الملك وسماهم ملوكا، كما قال سبحانه: # وقال الملك ائتوني به.. # [يوسف: 50] وقال: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه ~~الله الملك.. # [البقرة: 258]. إذن: في الدنيا ملوك، لكنهم ليسوا ملوكا بحق، الملك ~~بحق هو الله لأن ملوك الدنيا ملوك في ملك موهوب لهم من الله، فيمكن أن ~~يفوت ملكه، ms6392 أو يفوته الملك، وأي ملك هذا الذي لا يملكه صاحبه؟ ~~أي ملك هذا الذي يسلب منك بانقلاب أو بطلقة رصاص؟ إذن: الملك الحق ~~هو الله، وإن ملك بعض الخلق شئون بعض لمصلحتهم، فهو سبحانه الذي يهب ~~الملك، وهو الذي ينزعه إن أراد: # تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء ~~وتعز من تشآء وتذل من تشآء.. # [آل عمران: 26]. فالحق سبحانه له الملك الحق، ويهب من ملكه لمن ~~يشاء، لكن يظل الملك وما ملكه في قبضة الله لأنه سبحانه قيوم على ~~خلقه لا يخرج أحد عن قيوميته. وقد نسمع من يسب الملوك والرؤساء، ~~ومن يخوض في حقهم، وهو لا يدري أن ملكهم من الله، فهو سبحانه الذي ~~ملكهم وفوضهم، ولم يأخذ أحد منهم ملكا رغما عن الله، فلا تعترض ~~على اختيار الله واحترم من فوضه الله في أمرك، واعلم أن في ذلك مصلحة ~~البلاد والعباد، ومن يدريك لعل الطاغية منهم يصبح غدا واحدا من ~~الرعية. إذن: الحق سبحانه ملك بعض الناس أمر بعض: هذا يتصرف في هذا، ~~وهذا يملك هذا لتسير حركة الكون، فإذا كانت القيامة، قال عز وجل: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] هذا هو الملك الحق. ومن عظمته في التعالى أنه يريحك هو ~~سبحانه بعمله لك، فيقول لك: نم ملء جفونك، فأنا لا تأخذني سنة ولا ~~نوم، نم فلك رب قيوم قائم على أمرك يرعاك ويحرسك. ومن معاني { ~~الملك الحق.. } [طه: 114] أي: الثابت الذي لا يتغير، وكل ~~ظاهرة من ظواهر القوة في الكون تتغير إلا قوة الحق - تبارك وتعالى - لذلك ~~يلقي سبحانه أوامره وهو واثق أنها ستنفذ لأنه سبحانه ملك حق، بيده ~~ناصية الأمور كلها، فلو لم يكن سبحانه كذلك، فكيف يقول للشيء: كن ~~فيكون؟ فلا يعصاه أحد، ولا يخرج عن طوعه مخلوق، فيقول له: كن فلا ~~يكون. فالحق - تبارك وتعالى - أنزل القرآن عربيا، وصرف فيه من الوعيد ~~لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا لأنه من حقه أن يكون له ذلك لأنه ملك حق ~~ليس له هوى ms6393 فيما شرع لذلك يجب أن تقبل تشريعه، فلا يطعن في القوانين إلا ~~أن تصدر عن هوى، فإن قنن رأسمالي أعطى الامتياز للرأسماليين، وإن ~~قنن فقير أعطى الامتياز للفقراء، والله عز وجل لا ينحاز لأحد على حساب ~~أحد. # وأيضا يجب في المقنن أن يكون عالما بمستجدات الأمور في المستقبل، ~~حتى لا يستدرك أحد على قانون فيغيره كما يحدث معنا الآن، وتضطرنا ~~الأحداث إلى تغيير القانون لأننا ساعة شرعناه غابت عنا هذه الأحداث، ولم ~~نحتط لها لذلك لا استدراك على قانون السماء أبدا. وطالما أن الحق ~~سبحانه وتعالى هو { الملك الحق.. } [طه: 114] فلا بد أن يضمن ~~للخلق أن يصلهم الكتاب والمنهج كما قاله سبحانه، لا تغيير فيه لذلك قال ~~عز وجل: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. نحن الذين سنحفظه لأن البشر جربوا في حفظ مناهج ~~السماء، ولم يكونوا أمناء عليها، فغيروا في التوراة وفي الإنجيل وفي ~~الكتب المقدسة، إما بأن يكتموا بعض ما أنزل الله، وإما أن ينسوا ~~بعضه، والذي ذكروه لم يتركوه على حاله بل حرفوه. وإن قبل منهم هذا ~~كله فلا يقبل منهم أن يفتروا على الله فيؤلفون من عندهم، ~~ويقولون: # هو من عند الله وما هو من عند الله.. # [آل عمران: 78]. ذلك لأن الحفظ للمنهج كان موكولا للبشر تكليفا، ~~والتكليف عرضة لأن يطاع، ولأن يعصى، كما قال تعالى: # إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب ~~الله.. # [المائدة: 44]. أي: طلب منهم أن يحفظوها بهذا الأمر التكليفي، فعصوه ~~نسيانا، وكتمانا، وتحريفا، وزيادة لذلك تولى الحق - تبارك وتعالى - ~~حفظ القرآن لأنه الكتاب الخاتم الذي لا استدراك عليه، وضمن سبحانه ~~للقرآن ألا يحرف بأي وجه من أوجه التحريف. فاطمئنوا إلى أن ~~القرآن كتاب الله الذي بين أيديكم هو كلام الله الذي جاء من علمه تعالى ~~في اللوح المحفوظ الذي قال عنه: # في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون # [الواقعة: 78-79]. ثم نزل به الروح الأمين، وهو مؤتمن عليه ms6394 لم يتصرف ~~فيه، ثم نزل على قلب سيد المرسلين الذي قال الله عنه: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين # [الحاقة: 44-45]. إذن: حفظ القرآن علما في اللوح المحفوظ، وحفظ ~~في أمانة من نزل به من السماء، وحفظ في من استقبله وهو النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فلا حجة لنا بعد أن جمع الحق - سبحانه وتعالى - للقرآن ~~كل ألوان الحفظ. لذلك كان ولا بد حين ينزل الله القرآن على رسوله ~~أن يقول له: { فتعلى الله الملك الحق } [طه: 114] فليست ~~هناك حقيقة بعد هذا أبدا، وليس هناك شيء ثابت ثبوت الحق سبحانه وتعالى. # ثم يقول تعالى { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى ~~إليك وحيه.. } [طه: 114] وهذه مقدمات ليطمئن رسول الله على ~~حفظ القرآن لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي، فيحاول ~~إعادته كلمة كلمة. فإذا قال الوحي مثلا: # قل أوحي إلي.. # [الجن: 1] فيأخذ الرسول في تكرارها في سره ويرددها خلف جبريل عليه ~~السلام مخافة أن ينساها لشدة حرصه على القرآن. فنهاه الله عن هذه ~~العجلة { ولا تعجل بالقرآن.. } [طه: 114] أي: لا تتعجل، ولا ~~تنشغل بالتكرار والترديد، فسوف يأتيك نضجها حين تكتمل، فلا تخش أن ~~يفوتك شيء منه طالما أنني تكفلت بحفظه لذلك يقول له في موضع آخر: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6]. فاطمئن ولا تقلق على هذه المسألة لأن شغلك بحفظ كلمة قد ~~يفوت عليك أخرى. والعجلة أن تخرج الحدث قبل نضجه، كأن تقطف ~~الثمرة قبل نضجها وقبل أوانها، وعند الأكل تفاجأ بأنها لم تستو ~~بعد، أو تتعجل قطفها وهي صغيرة لا تكفي شخصا واحدا، ولو تركتها ~~لأوانها لكانت كافية لعدة أشخاص. والقرآن كلام في مستوى عال من ~~البلاغة، وليس كلاما مألوفا له يسهل عليه حفظه لذلك كان حريصا على ~~الحفظ والتثبيت. وفي آية أخرى يوضح الحق سبحانه هذه المسألة: # لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا ~~جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه # [القيامة: 16-18] أي: لما تكتمل الآيات فلك أن تقرأها كما تحب. وهذه ~~الظاهرة من ms6395 معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، نبي ينزل عليه عدة أرباع من ~~القرآن، أو السورة كاملة، ثم حين يسرى عنه الوحي يعيدها كما أنزلت ~~عليه، ولك أن تأتي بأكثر الناس قدرة على الحفظ، واقرأ عليه لمدة عشر ~~دقائق مثلا من أي كتاب أو أي كلام، ثم اطلب منه إعادة ما سمع فلن ~~يستطيع. أما النبي صلى الله عليه وسلم فكان يأمر الكتبة بكتابة القرآن، ~~ثم يمليه عليهم كما سمعه، لا يغير منه حرفا واحدا، بل ويملي الآيات ~~في موضعها من السور المختلفة فيقول: # " ضعوا هذه في سورة كذا، وهذه في سورة كذا ". # ولو أن السورة نزلت كاملة مرة واحدة لكان الأمر إلى حد ما سهلا، ~~إنما تنزل الآيات متفرقة، فإذا ما قرأ صلى الله عليه وسلم في الصلاة ~~مثلا قرأ بسورة واحدة نزلت آياتها متفرقة، هذه نزلت اليوم، وهذه نزلت ~~بالأمس، وهكذا، ومع ذلك يقرؤها مرتبة آية آية. وقوله تعالى بعدها: # ثم إن علينا بيانه # [القيامة: 19] وخاطب النبي في آية أخرى: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم.. # [النحل: 44] فالبيان من الله تعالى والتبيين من النبي صلى الله عليه ~~وسلم. ومعنى: { من قبل أن يقضى إليك وحيه.. } [طه: 114] ~~أي: انتظر حتى يسري عنك، لكن كيف يعرف الرسول ذلك؟ كيف يعرف أن الحالة ~~التي تعتريه عند نزول الوحي قد زالت؟ والصحابة يصفون حال النبي صلى الله ~~عليه وسلم عند نزول الوحي عليه فيقولون: كنا نسمع حول رأسه كغطيط النحل، ~~وكان جبينه يتفصد عرقا، ويبلغ منه الجهد مبلغا، وإن نزل الوحي وهو على ~~دابة كانت تنخ برسول الله لأن الله تعالى قال: # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # [المزمل: 5]. إذن: هناك آيات مادية تعرض لرسول الله عند نزول الوحي لأن ~~الوحي من ملك له طبيعته التكوينية التي تختلف وطبيعة النبي البشرية، ~~فلكي يتم اللقاء بينهما مباشرة لا بد أن يحدث بينهما نوع من التقارب ~~في الطبيعة فإما أن يتحول الملك من صورته الملائكية إلى صورة بشرية، أو ~~ينتقل رسول الله من حالته ms6396 البشرية إلى حالة ملائكية ارتقائية حتى يتلقى ~~عن الملك. لذلك، كانت تحدث لرسول الله تغييرات كيماوية في طبيعته، هذه ~~التغييرات هي التي تجعله يتصبب عرقا حتى يقول: # " " زملوني زملوني " أو " دثروني دثروني " " # لما حدث في تكوينه من تفاعل. فكان الوحي شاقا على رسول الله خاصة في ~~أوله، فأراد الحق - سبحانه - أن يخفف عن رسوله هذه المشقة، وأن ~~يريحه فترة من نزول الوحي ليريحه من ناحية وليشوقه للوحي من ناحية ~~أخرى، فقال تعالى: # ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك # [الشرح: 1-3] والوزر هو الحمل الثقيل الذي كان يحمله رسول الله في ~~نزول الوحي عليه. فلما فتر الوحي عن رسول الله شمت به الأعداء، وقالوا: ~~إن رب محمد قد قلاه. سبحان الله، أفي الجفوة تذكرون أن لمحمد ربا؟ ~~ألستم القائلين له: كذاب وساحر؟ والآن أصبح له رب لأنه قلاه؟ وما فهم ~~الكفار أن فتور الوحي لحكمة عالية، أرادها رب محمد، هي أن يرتاح ~~نفسيا من مشقة هذه التغيرات الكيماوية في تكوينه، وأن تتجدد طاقته، ~~ويزداد شوقه للقاء جبريل من جديد، والشوق إلى الشيء يهون الصعاب في ~~سبيله. كما يسير المحب إلى حبيبه، لا تمنعه مشاق الطريق. فرد الله على ~~الكفار: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 1-5]. فنفى عن رسوله ما قاله الكفار، ثم عدل عبارتهم: إن رب ~~محمد قد قلاه فقال: # ما ودعك ربك وما قلى # [الضحى: 3] هكذا بكاف الخطاب لأن التوديع قد يكون للحبيب. أما في ~~قوله: # وما قلى # [الضحى: 3] فلم يأت هنا بكاف الخطاب حتى مع النفي، فلم يقل وما قلاك ~~لأن النفي مع ضمير المخاطب يشعر بإمكانية حدوث الكره لرسول الله. # كما لو قلت: أنا لم أر شيخ الأزهر يشرب الخمر، أمدحت شيخ الأزهر بهذا ~~القول أم ذممته؟ الحقيقة أنك ذممته لأنك جعلته مظنة أن يحدث منه ذلك. ~~فهذا التعبير القرآني يعطي لرسول الله منزلته العالية ومكانته عند ربه عز ~~وجل. ms6397 لكن، ما الحكمة في أن الحق - تبارك وتعالى - أقسم في هذه المسألة ~~بالضحى وبالليل إذا سجى؟ وما صلتهما بموضوع غياب الوحي عن رسول الله؟ ~~الله عز وجل يريد بقوله: # والضحى * والليل إذا سجى # [الضحى: 12] أن يرد هؤلاء إلى ظاهرة كونية مشاهدة ومعترف بها عند ~~الجميع، وهي أن الله خلق النهار وجعله محلا للحركة والنشاط والسعي، ~~وخلق الليل وجعله محلا للراحة والسكون، فيرتاح الإنسان في الليل ~~ليعاود نشاطه في الصباح من جديد. وهكذا أمر الوحي مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فلما أجهده الوحي احتاج إلى وقت يرتاح فيه، لا لتنتهي المسألة ~~بلا عودة، بل ليجدد نشاط النبي، ويشوقه للوحي من جديد لذلك بشره ~~بقوله: # وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى: 4] أي: انتظر يا محمد، فسوف يأتيك خير كثير. فالحق سبحانه ~~يرجعهم إلى ظواهر الكون، وإلى الطبيعة التي يعيشون عليها، فأنتم ~~ترتاحون من عناء النهار بسكون الليل، فلماذا تنكرون على محمد أن يرتاح ~~من عناء الوحي ومشقته؟ وهل راحتكم في سكون الليل تعني دوام الليل وعدم ~~عودة النهار؟ وقوله تعالى: { وقل رب زدني علما } [طه: 114] ~~هذا توجيه للنبي صلى الله عليه وسلم للاستزادة من العلم، فما دمت أنت ~~يا رب الحافظ فزدني منه، ذلك لأن رسول الله سيحتاج إلى علم تقوم عليه ~~حركة الحياة من لدنه إلى أن تقوم الساعة، علم يشمل الأزمنة ~~والأمكنة، فلا بد له أن يعد الإعداد اللازم لهذه المهمة. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { ولقد عهدنآ إلى ءادم... }. ### || [20.115] # كأن الحق - تبارك وتعالى - يعزي رسوله صلى الله عليه وسلم ويخفف ~~عنه ما يعانيه من كفر القوم وعنادهم بقوله له: اقبلهم على علاتهم، ~~فهم أولاد آدم، والعصيان أمر وارد فيهم، وسبق أن عهدنا إلى أبيهم فنسى، ~~فإذا نسى هؤلاء فاقبل منهم فهم أولاد " نساي ". لذلك، إذا أوصيت أحدا ~~بعمل شيء فلم يقم به، فلا تغضب، وارجع الأمر إلى هذه المسألة، والتمس ~~له عذرا. وقوله: { عهدنآ إلى ءادم.. } [طه: 115] أي: أمرنا ~~ووصينا ووعظنا، وقلنا كل شيء. { من قبل.. } [طه: ms6398 115] هذه الكلمة ~~لها دور في القرآن، وقد حسمت لنا مواقف عدة، منها قوله هنا عن آدم ~~والمراد: خذ لهم أسوة من أبيهم الذي كلفه الله مباشرة، ليس بواسطة ~~رسول، وكلفه بأمر واحد، ثم نهاه أيضا عن أمر واحد: كل من كل الجنة ~~إلا هذه بأمر واحد، ثم نهاه أيضا عن أمر واحد: كل من كل الجنة إلا ~~هذه الشجرة، هذا هو التكليف، ومع ذلك نسى آدم ما أمر به. إذن: حينما ~~يأتي التكليف بواسطة رسول، وبأمور كثيرة، فمن نسى من ولد آدم فيجب أن ~~نعذره ونلتمس له عذرا، ولكثرة النسيان في ذرية آدم قال تعالى: # وإني لغفار.. # [طه: 82] بالمبالغة لأن الجميع عرضة للنسيان وعرضة للخطأ، فالأمر - ~~إذن - يحتاج إلى مغفرة كثيرة. كذلك جاءت من قبل في قوله تعالى: # فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل.. # [البقرة: 91]. فكان لها دور ومغزى، فلو قال الحق سبحانه: فلم ~~تقتلون أنبياء الله؟ فحسب، فربما جرأهم على الاعتداء على رسول الله ~~أن يقتلوه، أو يفهم منها رسول الله أنه عرضة للقتل كما حدث مع سابقيه ~~من الأنبياء. لذلك قيدها الحق - تبارك وتعالى - وجعلها شيئا من الماضي ~~الذي لن يكون، فهذا شيء حدث من قبل، وليس هذا زمانه. وقوله: { فنسي ~~ولم نجد له عزما } [طه: 115] أي: نسي العهد، هذه واحدة. { ~~ولم نجد له عزما } [طه: 115] ليس عنده عزيمة قوية تعينه على ~~المضي والثبات في الأمر. فالحق - تبارك وتعالى - يريد أن يعطينا فكرة ~~بأنه سبحانه حين يأمر بأمر فيه نفع لك تتهافت عليه، أما إذا أمر بشيء ~~يقيد شهواتك تأبيت وخالفت، ومن هنا احتاج التكليف إلى عزيمة قوية ~~تعينك على المضي فيه والثبات عليه، فإن أقبلت على الأمر الذي يخالف ~~شهوتك نظرت فيه وتأملت: كيف أنه يعطيك شهوة عاجلة زائلة لكن يعقبها ~~ذل آجل مستمر، فالعزم هنا ألا تغريك الشهوة. ألا ترى أن الله تعالى ~~سمى الرسل أصحاب الدعوات والرسالات الهامة في تاريخ البشرية # أولوا العزم.. # [الأحقاف: 35] لأنهم سيتحملون مشاق ومهام صعبة تحتاج إلى ثبات وصبر ~~على التكاليف. ms6399 ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # خذوا مآ ءاتينكم بقوة.. # [البقرة: 63] أي: عزيمة تدفع إلى الطاعات، وتمنع من المعاصي. ومسألة ~~نسيان العبد للمنهيات التي يترتب عليها عقاب وعذاب أثارت عند الناس ~~مشكلة في القضاء والقدر، فتسمع البعض يقول: ما دام أن الله تعالى كتب ~~علي هذا الفعل فلم يعاقبني عليه؟ ونعجب لهذه المقولة، ولماذا لم ~~تقل أيضا: لماذا يثيبني على هذا الفعل، ما دام قد كتبه علي؟ لماذا ~~توقفت في الأولى وبلعت الأخرى، بالطبع لأن الأولى ليست في صالحك. إذن، ~~عليك أن تتعامل مع ربك معاملة واحدة، وتقيس الأمور بمقياس واحد. والعهد ~~الذي أخذه الله على آدم أن يأكل رغدا من كل نعيم الجنة كما يشاء إلا ~~شجرة واحدة حذره من مجرد الاقتراب منها هو وزوجه: # ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين # [البقرة: 35]. وهذه المسألة تلفتنا إلى أن المحللات كثيرة لا تعد ~~ولا تحصى أما المحرمات فقليلة معدودة محصورة لذلك حينما يحدثنا ~~الحق سبحانه عن التكليف يقول: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم.. # [الأنعام: 151] فالمحرمات هي التي يمكن حصرها، أما المحللات فخارجة عن ~~نطاق الحصر. ونلحظ أن الله تعالى حينما يحذرنا من المحرمات لا ~~يحذرنا من مباشرتها، بل من مجرد الاقتراب منها # ولا تقربا هذه الشجرة.. # [البقرة: 35] ولم يقل: لا تأكلا منها ليظل الإنسان بعيدا عن منطقة ~~الخطر ومظنة الفعل. وحينما يحدثنا ربنا عن حدوده التي حدها ~~لنا يقول في الحد المحلل: # تلك حدود الله فلا تعتدوها.. # [البقرة: 229] وفي الحد المحرم يقول: # تلك حدود الله فلا تقربوها.. # [البقرة: 187] ذلك لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وقد كان ~~للعلماء كلام طويل حول ما نسيه آدم عليه السلام، فمنهم من قال: نسى كل ~~من هذه ولا تقرب هذه، وعلى هذا الرأي لم ينس آدم لأنه نفذ الأمر ~~فأكل مما أحله الله له، أما كونه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها ~~فليس في هذه أيضا نسيان لأن إبليس ذكره بهذا النهي فقال: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة ms6400 إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين # [الأعراف: 20]. فحينما أكل آدم من الشجرة لم يكن ناسيا ما نهاه الله ~~عنه. إذن: ما المقصود بالنسيان هنا؟ المقصود أن آدم - عليه السلام - نسى ~~ما أخبره الله به من عداوة إبليس - لعنه الله - حين قال له: # إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من ~~الجنة فتشقى # [طه: 117]. والفكر البشري لا بد أن تفوته بعض المسائل، ولو كان عند ~~الإنسان يقظة وحذر ما انطلى عليه تغفيل إبليس، فتراه يذكر آدم ~~بالنهي ولم يدعه في غفلته ثم يحاول إقناعه: إن أكلتما من هذه ~~الشجرة فسوف تكونا ملكين، أو تكونا من الخالدين. # وما دمت أنت يا إبليس بهذا الذكاء، فلماذا لم تأكل أنت من الشجرة ~~وتكون ملكا أو تكون من الخالدين؟ لماذا تضاءلت فصرت أرنبا تقول: # أنظرني إلى يوم يبعثون # [الأعراف: 14]. إذن: هذا نموذج من تغفيل إبليس لآدم وذريته من بعده، ~~يلفتنا الله تعالى إليه يقول: تيقظوا واحذروا، فعداوته لكم مسبقة منذ ~~سجد الجميع لآدم تكريما، وأبى هو أن يسجد. فكان على آدم أن يحذر ~~عدوه، وأن يتحصن له بسوء الظن فيه، فينظر في قوله ويفكر في كلامه ~~ويفتش في اقتراحه. والبعض يقول: إن خطأ آدم ناتج عن نسيان، فهو خطأ غير ~~متعمد، والنسيان مرفوع، كما جاء في الحديث الشريف: # " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". # فهل كان النسيان قديما لا يرفع، ورفع لهذه الأمة إكراما لها؟ ~~فأصحاب هذا القول يلتمسون العذر لآدم عليه السلام، لكن كيف وقد كلفه ~~ربه مباشرة، وكلفه بأمر واحد، فالمسألة لا تحتمل نسيانا، فإذا نسي ~~آدم مع وحدة التكليف وكونه من الله مباشرة، فهذا على آية حال جريمة. ثم ~~يقص الحق سبحانه علينا قصة آدم مع إبليس: { وإذ قلنا ~~للملائكة اسجدوا لأدم... }. ### || [20.116] # الحق - تبارك وتعالى - يقص علينا قصة آدم عليه السلام، لكن نلاحظ أنه ~~سبحانه أعطانا مجمل القصة وموجزها في قوله تعالى: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه: 115] وأصل ms6401 القصة وترتيبها الطبيعي أنه سبحانه يقول: خلقت آدم ~~بيدي وصورته، وكذا وكذا، ثم أمرت الملائكة بالسجود له ثم قلت له: ~~كذا.... وعرض القصة بهذه الطريقة أسلوب من أساليب التشويق، يصنعه الآن ~~المؤلفون والكتاب في قصصهم، فيعطوننا في بداية القصة لقطة لنهايتها ~~لإثارة الرغبة في تتبع أحداثها، ثم يعود فيعرض لك القصة من بدايتها ~~تفصيلا، إذن: هذا لون من ألوان الإثارة والتشويق والتنبيه. ومن ذلك ~~أسلوب القرآن في قصة أهل الكهف، حيث ذكر القصة موجزة فقال: # أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من ~~آياتنا عجبا * إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ~~ربنآ آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا ~~رشدا * فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا ~~* ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما ~~لبثوا أمدا # [الكهف: 9-12]. ثم أخذ في عرضها تفصيلا: # نحن نقص عليك نبأهم بالحق.. # [الكهف: 13]. وقد جاء هذا الأسلوب كثيرا في قصص القرآن، ففي قصة لوط ~~- عليه السلام - يبدأ بنهاية القصة وما حاق بهم من العذاب: # كذبت قوم لوط بالنذر * إنآ أرسلنا عليهم ~~حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر # [القمر: 33-34]. ثم يعود إلى تفصيل الأحداث: # ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر * ولقد ~~راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم فذوقوا عذابي ~~ونذر # [القمر: 36-37]. ومن أبرز هذه المواضع قوله تعالى في قصة موسى وفرعون: # ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنآ إلى فرعون ~~وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة ~~المفسدين # [الأعراف: 103] أي: من بعد موكب الرسالات إلى فرعون وملئه فظلموا بها، ~~فانظر كيف كان عاقبة المفسدين، هذا مجمل القصة، ثم يأخذ في قص ~~الأحداث بالتفصيل: # وقال موسى يفرعون إني رسول من رب العالمين # [الأعراف: 104]. وهكذا أسلوب القرآن في قصة آدم عليه السلام، يعطينا ~~مجمل القصة، ثم يفصلها: { وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لأدم فسجدوا } [طه: 116] يعني: إذكر إذ قلنا ~~للملائكة # اسجدوا لأدم.. # [البقرة: 34]. وقبل أن نخوض في قصة أبينا آدم - عليه السلام - يجب أن ~~نشير إلى أنها تكررت كثيرا في القرآن، لكن هذا التكرار مقصود لحكمة، ~~ولا يعني ms6402 إعادة الأحداث، بل هي لقطات لجوانب مختلفة من الحدث الواحد ~~تتجمع في النهاية لتعطيك القصة الكاملة من جميع زواياها. كما أن الهدف من ~~قصص القرآن تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم لأنه سيمر بكثير من ~~الأحداث والشدائد، سيحتاج في كل منها إلى تثبيت، وهذا الغرض لا يتأتى ~~إذا سردنا القصة مرة واحدة، كما في قصة يوسف عليه السلام مثلا. # قوله تعالى: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لأدم ~~فسجدوا.. } [طه: 116] البعض يعترض يقول: كيف تسجد الملائكة لبشر؟ ~~نعم، هم سجدوا لآدم، لكن ما سجدوا من عند أنفسهم، بل بأمر الله لهم، ~~فالمسألة ليست سجودا لآدم، بقدر ما هي إطاعة لأمر الله. ولقائل هذا ~~الكلام: أأنت ملكي أكثر من الملك؟ يعني: أأنت رباني أكثر من الرب؟ ~~وما معنى السجود؟ السجود معناه: الخضوع، كما جاء في قوله تعالى: # ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا.. # [يوسف: 100] أي: سجود تعظيم وخضوع، لا سجود عبادة. وآدم - عليه السلام ~~- هو خليفة الله في الأرض، لكنه ليس الوحيد عليها، فعلى الأرض مخلوقات ~~كثيرة منها المحس، كالشمس والقمر والنجوم والهواء والماء والأرض ~~والجبال، وكل ما فيه مصلحة لهذا الخليفة، ومنها ما هو خفي كالملائكة ~~التي تدير خفى هذا الكون، فمنهم الحفظة والكتبة، ومنهم المكلفون بالريح ~~وبالمطر.. إلخ من الأمور التي تخدم الخلق. فلا بد - إذن - أن يخضع ~~الجميع لهذا المخدوم الآتي. وقد يحلو للبعض أن يقول: لقد ظلمنا آدم ~~حين عصى ربه، فأنزلنا من الجنة إلى الأرض. نقول: يجب أن نفهم عن الله ~~تعالى، فالحق - تبارك وتعالى - لم يخلق آدم للجنة التي هي دار الخلد، ~~إنما خلقه ليكون خليفة له في الأرض، كما قال سبحانه: # إني جاعل في الأرض خليفة.. # [البقرة: 30]. فأول بلاغ من الله عن آدم أنه خالقه للأرض لا للجنة. ~~والجنة، وإن كانت تطلق على دار الخلد ودار النعيم الأخروي فهي ~~تطلق أيضا على حدائق وبساتين الدنيا، كما جاء في قول الحق سبحانه: # إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين # [القلم: 17]. وقوله: # واضرب لهم ms6403 مثلا رجلين جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب.. # [الكهف: 32]. إذن: تطلق الجنة على شيء في الدنيا يضم كل ما تطلبه ~~النفس وسموها الجنة لأنها تستر بشجرها وكثافتها من يدخل فيها، أو ~~جنة لأنها تكفي الإنسان ولا تحوجه إلى شيء غيرها. فلا تظلموا آدم بأنه ~~أخرجكم من الجنة لأنه لم يكن في جنة الخلد، إنما في مكان أعده الله ~~له، وأراد أن يعطيه في هذا المكان درسا، ويدربه على القيام بمهمته ~~في الحياة وخلافته في الأرض. أرأيت ما نفعله الآن من إقامة معسكرات ~~للتدريب في شتى مجالات الحياة، وفيها نتكفل بمعيشة المتدرب وإقامته ~~ورعايته. إنها أماكن معدة للتدريب على المهام المختلفة: رياضية، أو ~~علمية، أو عسكرية.. الخ. هكذا كانت جنة آدم مكانا لتدريبه قبل أن يباشر ~~مهمته كخليفة لله في الأرض، فأدخله الله في هذه التجربة العملية ~~التطبيقية، وأعطاه فيها نموذجا للتكليف بالأمر والنهي، وحذره من عدوه ~~الذي سيتربص به وبذريته من بعده، وكشف له بعض أساليبه في الإضلال ~~والإغواء. # وهذه هي خلاصة منهج الله في الأرض، وما من رسول إلا وجاء بمثل هذا ~~المنهج: أمر، ونهي، وتكليف، وتحذير من الشيطان ووسوسته حتى يخرجنا عن ~~أمر الله ونهيه. وبعد هذا الكورس التدريبي في الجنة علم آدم بالتطبيق ~~العملي أن الشيطان عدوه، وأنه سيغريه ويخدعه، ثم بعد هذه التجربة أنزله ~~الله ليباشر مهمته في الأرض، فيكون من عدوه على ذكر وحذر. والبعض يقف ~~طويلا عند مسألة عصيان آدم: كيف يعصي الله وهو نبي؟ ويذكرون قوله تعالى: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121]. نقول: ما دام أن آدم - عليه السلام - هو خليفة الله في أرضه، ~~ومنه أنسال الناس جميعا إلى أن تقوم الساعة، ومن نسله الأنبياء ~~وغير الأنبياء، من نسله الرسل والمرسل إليهم. إذن: فهو بذاته يمثل ~~الخلق الآتي كله بجميع أنواعه المعصومين وغير المعصومين. كما أن آدم - ~~عليه السلام - مر بهذه التجربة قبل أن ينبأ، ومر بها بعد أن نبىء، ~~بدليل قوله تعالى: # وعصى ءادم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب ~~عليه وهدى # [طه: ms6404 121-122]. فكان الاجتباء والعصمة بعد التجريب، ثم لما أهبط آدم ~~وعدوه إلى الأرض خاطبه ربه: # فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا ~~خوف عليهم ولا هم يحزنون # [البقرة: 38]. وهكذا بدأت مرحلة جديدة في حياة آدم عليه السلام، ومثل ~~آدم الدورين: دور العصمة والنبوة بعدما اجتباه ربه، ودور البشر ~~العادي غير المعصوم والمعرض للنسيان وللمخالفة كأي إنسان من أناس ~~الأرض. ينبغي - إذن - أن نفهم أن آدم خلق للأرض وعمارتها، وقد هيأها ~~الله لآدم وذريته من بعده، وأعدها بكل مقومات الحياة ومقومات ~~بقاء النوع، فمن أراد ترف الحياة فليعمل عقله في هذه المقومات ~~وليستنبط منها ما يريد. لقد ذكرنا أن في الكون ملكا وملكوتا: الملك ~~هو الظاهر الذي نراه ونشاهده، والملكوت ما خفى عنا وراء هذا الملك، ومن ~~الملكوت أشياء تؤدي مهمتها في حياتنا دون أن نراها، فمثلا ظاهرة ~~الجاذبية الأرضية التي تتدخل في أمور كثيرة في حياتنا، كانت في حجاب ~~الملكوت لا نراها ولا نعرف عنها شيئا، ثم لما اهتدت إليها العقول ~~واكتشفتها عرفنا أن هناك ما يسمى بالجاذبية. ومن الملكوت الملائكة ~~الموكلون، كما قال تعالى: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله.. # [الرعد: 11]. ومنهم الكتبة: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. فلما خلق الله آدم، وخلق الملائكة الموكلين بمصالحه في الأرض ~~أمرهم بالسجود له لأنهم سيكونون في خدمته، فالسجود طاعة لأمر الله، وخضوع ~~للخليفة الذي سيعمر الأرض. وقوله تعالى: { إلا إبليس أبى } ~~[طه: 116] وفي آية أخرى: # إلا إبليس استكبر.. # [ص: 74]. وقد أوضح الحق سبحانه سبب رفض إبليس للسجود لآدم بقوله: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75]. أي: لا سبب لامتناعك إلا الاستكبار على السجود، أو تكون من ~~العالين. أي: الملائكة الذين لم يشملهم الأمر بالسجود، فكأن الأمر كان ~~للملائكة خاصة هم الموكلون بخدمة آدم، أما العالون فهم الملائكة ~~المهيمون، ولا علاقة لهم بآدم، وربما لا يدرون به. ومن الأساليب التي ~~أثارت جدلا حول بلاغة القرآن لدى المستشرقين قوله تعالى: # ما منعك أن ms6405 تسجد.. # [ص: 75] وقوله في موضع آخر: # ما منعك ألا تسجد.. # [الأعراف: 12] فأي التعبيرين بليغ؟ وإن كان أحدهما بليغا فالآخر ~~غير بليغ. وهذا كله ناتج عن قصور في فهم لغة القرآن، وعدم وجود الملكة ~~العربية عند هؤلاء، فهناك فرق بين أنك تريد أن تسجد ويأتي من يقول ~~لك: لا تسجد، وبين أن يقنعك شخص بألا تسجد. فقوله: # ما منعك أن تسجد.. # [ص: 75] كنت تريد السجود وواحد منعك، وقوله: # ما منعك ألا تسجد.. # [الأعراف: 12] يعني: أمرك ألا تسجد، وأقنعك وأنت اقتنعت. ومن المسائل ~~التي أثيرت حول هذه القصة: أكان إبليس من الملائكة فشمله الأمر بالسجود؟ ~~وكيف يكون من الملائكة وهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون؟ ~~وإذا لم يكن ملكا فماذا أدخله في الأمر؟ ولتوضيح هذه المسألة نقول: ~~خلق الله الثقلين: الجن والإنس، وجعلهم مختارين في كثير من الأمور، ~~ومقهورين في بعض الأمور، ليثبت طلاقة قدرته تعالى في خلقه، فإن كنت ~~مختارا في أمور التكليف وفي استطاعتك أن تطيع أو أن تعصي، فليس من ~~اختيارك أن تكون صحيحا أو مريضا، طويلا أو قصيرا، فقيرا أو غنيا، ~~ليس في اختيارك أن تحيا أو تموت. والحق - تبارك وتعالى - لا يكلفك ~~بافعل كذا ولا تفعل كذا، إلا إذا خلقك صالحا للفعل ولعدم الفعل، هذا في ~~أمور التكليف وما عداه أمور قهرية لا اختيار لك فيها هي القدريات. ~~لذلك نقول للذين ألفوا التمرد وتعودوا الخروج على أحكام الله في ~~التكليفات: لماذا لا تتمردوا أيضا على القدريات ما دمتم قد ألفتم ~~المخالفة؟ إذن: أنت مقهور وعبد رغما عنك. لذلك، إذا كان المختار ~~طائعا يلزم نفسه بمنهج ربه، بل ويتنازل عن اختياره لاختيار الله، ~~فمنزلته عند الله كبيرة، وهي أفضل من الملك، لأن الملك يطيع وهو مرغم. ~~ومن هنا يأتي الفرق بين عباد وعبيد، فالكل في القهر عبيد، لكن العباد هم ~~الذين تركوا اختيارهم لاختيار ربهم. ومن هنا نقول: إن إبليس من الجن، ~~وليس من الملائكة لأنه أمر فامتنع فعوقب، وإن كان الأمر في الأصل ~~للملائكة. ms6406 وقد حسم القرآن هذه القضية حين قال: # إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه.. # [الكهف: 50] وهذا نص صريح لا جدال حوله. فإن قلت: فلماذا شمله ~~الأمر بالسجود، وهو ليس ملكا؟ نقول: لأن إبليس قبل هذا الأمر كان ~~طائعا، وقد شهد عملية خلق آدم، وكان يدعي " طاووس الملائكة " لأنه ~~ألزم نفسه في الأمور الاختيارية ففاق بذلك الملائكة، وصار يزهو عليهم ~~ويجلس في مجلسهم، فلما جاء الأمر للملائكة بالسجود لآدم شمله الأمر ولزمه ~~من ناحيتين: الأولى: إن كان أعلى منهم منزلة وهو طاووسهم الذي ألزم ~~نفسه الطاعة رغم اختياره فهو أولى بطاعة الأمر منهم، ولماذا يعصي هذا ~~الأمر بالذات؟ الأخرى: إن كان أقل منهم، فالأمر للأعلى لا بد أن ~~يشمل الأدنى، كما لو أمرت الوزراء مثلا بالقيام لرئيس الجمهورية، ~~وبينهم وكلاء ومديرون، فطبيعي أن يشملهم الامر. ثم يقول الحق: { ~~فقلنا يآءادم إن هذا عدو لك... }. ### || [20.117] # قوله تعالى: { ولزوجك.. } [طه: 117] كلمة الزوج لا تعني اثنين كما ~~يظن البعض، الزوج فرد واحد معه مثله، فليس صحيحا أن نقول: توأم إنما ~~توأمان، فكل منهما توأم للآخر لذلك يقول تعالى: # ومن كل شيء خلقنا زوجين.. # [الذاريات: 49]. ملحظ آخر في قوله تعالى: { فلا يخرجنكما ~~من الجنة.. } [طه: 117] الخطاب لآدم وزوجه يحذرهما من إغواء ~~إبليس وكيده، ثم يقول { فتشقى } [طه: 117] بصيغة الإفراد، ولم ~~يقل: فتشقيا. لماذا؟ لأن مسئولية الكدح والحركة للرجل أما المرأة ~~فهي السكن المريح المنشط لصاحب الحركة، على خلاف ما نرى في مجتمعنا من ~~الحرص على عمل المرأة بحجة المساعدة في تبعات الحياة. ### || [20.118] # فقد أعددت لك الجنة، وجعلت لك فيها كل ما تحتاجه، وأبحت لك كل ~~نعيمها ونهيتك عن شيء واحد منها، ولك علينا { ألا تجوع فيها ~~ولا تعرى } [طه: 118] فلن تجوع فيها لأن فيها كل الثمرات # وكلا منها رغدا حيث شئتما.. # [البقرة: 35]. ونلحظ هنا أن الله تعالى تكفل لهما بشيء ظاهر يلبي ~~غريزة ظاهرة هي اللباس والتستر، وغريزة باطنة هي غريزة الطعام. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { وأنك لا تظمأ فيها... }. ### || [20.119] ms6407 # تظمأ يعني: تعطش، وتضحى: أي: لا تتعرض لحرارة الشمس اللافحة، فتكفل ~~لهما ربهما أيضا بغريزة باطنة هي العطش، وغريزة ظاهرة هي ألا تلفحك ~~حرارة الشمس. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { فوسوس إليه ~~الشيطان... }. ### || [20.120] # نلحظ أن الحق سبحانه اختار لعمل الشيطان اسما يناسب الإغراء بالشيء، ~~وهي كلمة الوسوسة وهي في الأصل صوت الحلي - أي: الذهب الذي تتحلى ~~به النساء، كما نقول: نقيق الضفادع، وصهيل الخيل، وخوار البقر، ونهيق ~~الحمير، وثغاء الشاة، وخرير الماء، وحفيف الشجر. وكذلك الوسوسة اسم لصوت ~~الحلي الذي يجذب الأسماع، ويغري بالتطلع إليه، وكأن الحق سبحانه ~~يحذرنا أن الشيطان سيدخل لنا من طريق الإغراء والتزيين. فما الذي ~~وسوس به إلى آدم؟ { قال يآدم هل أدلك على شجرة ~~الخلد وملك لا يبلى } [طه: 120]. ونعجب لإبليس: ما دمت ~~تعرف شجرة الخلد والملك الذي لا يبلى، لماذا لم تأكل أنت منها وتحوز ~~هذه الميزة؟ ### || [20.121] # أي: بعد أن أكلا من هذه الشجرة ظهرت لهما سوءآتهما، والسوأة هي ~~العورة أي: المكان الذي يستحي الإنسان أن ينكشف منه، والمراد القبل ~~والدبر في الرجل والمرأة. ولكل من القبل والدبر مهمة، وبهما يتخلص ~~الجسم من الفضلات، الماء من ناحية الكلى والحالب والمثانة عن طريق ~~القبل، وبقايا وفضلات الطعام الناتجة عن حركة الهضم وعملية الأيض، ~~وهذه تخرج عن طريق الدبر. لكن، متى أحس آدم وزوجه بسوءاتهما، أبعد ~~الأكل عموما من شجر الجنة، أم بعد الأكل من هذه الشجرة بالذات؟ الحق - ~~تبارك وتعالى - رتب ظهور العورة على الأكل من الشجرة التي نهاهما عنها ~~{ فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما.. } [طه: 121] ~~فقبل الأكل من هذه الشجرة لم يعرفا عورتيهما، ولم يعرفا عملية الإخراج ~~هذه لأن الغذاء كان طاهيه ربه، فيعطي القدرة والحياة دون أن يخلف في ~~الجسم أي فضلات. لكن، لما خالفوا وأكلوا من الشجرة بدأ الطعام يختمر ~~وتحدث له عملية الهضم التي نعرفها، فكانت المرة الأولى التي يلاحظ فيها ~~آدم وزوجه مسألة الفضلات، ويلتفتان إلى عورتيهما: ما هذا الذي يخرج منها؟ ~~وهنا مسألة رمزية ينبغي الالتفات إليها، ms6408 فحين ترى عورة في المجتمع فاعلم ~~أن منهجا من مناهج الله قد عطل. إذن: لم يعرف آدم وزوجه فضلات الطعام ~~وما ينتج عنه من ريح وأشياء منفرة قذرة إلا بعد المخالفة، وهنا ~~تحيرا، ماذا يفعلان؟ ولم يكن أمامهما إلا ورق الشجر { وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة.. } [طه: 121]. أي: أخذا ~~يلصقان الورق على عورتيهما لسترها هكذا بالفطرة، وإلا ما الذي جعل هاتين ~~الفتحتين عورة دون غيرهما من فتحات الجسم كالأنف والفم مثلا؟ قالوا: لأن ~~فتحتي القبل والدبر يخرج منهما شيء قذر كريه يحرص المرء على ~~ستره، ومن العجيب أن الإنسان وهو حيوان ناطق فضله الله، وحين يأكل ~~يأكل باختيار، أما الحيوان فيأكل بغريزته، ومع ذلك يتجاوز الإنسان الحد ~~في مأكله ومشربه، فيأكل أنواعا مختلفة، ويأكل أكثر من حاجته ويأكل بعدما ~~شبع، على خلاف الحيوان المحكوم بالغريزة. ولذلك ترى رائحة الفضلات في ~~الإنسان قذرة منفرة، ولا فائدة منها في شيء، أما فضلات الحيوان فلا ~~تكاد تشم لها رائحة، ويمكن الاستفادة منها فيجعلونها وقودا أو سمادا ~~طبيعيا. وبعد ذلك نتهم الحيوان ونقول: إنه بهيم.. إلخ. وقوله تعالى: { ~~وعصى ءادم ربه فغوى } [طه: 121] أي: فيما قبل النبوة، وفي ~~مرحلة التدريب، والإنسان في هذه المرحلة عرضة لأن يصيب، ولأن يخطىء، ~~فإن أخطأ في هذه المرحلة لا تضربه بل تصوب له الخطأ. كالتلميذ في ~~فترة الدراسة، إن أخطأ صوب له المعلم، أما في الامتحان فيحاسبه. ~~ومعنى: { فغوى } [طه: 121] يعني: لم يصب الحقيقة، كما يقولون لمن ~~تاه في الصحراء غاو أي: تائه. ثم تأتي المرحلة الأخرى: مرحلة العصمة. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ثم اجتباه ربه... }. ### || [20.122] # إذن: مثل آدم دور الإنسان العادي الذي يطيع ويعصي، ويسمع كلام ~~الشيطان، لكن ربه شرع له التوبة كما قال سبحانه: # فتلقى ءادم من ربه كلمات فتاب عليه.. # [البقرة: 37]. إذن: عصى آدم وهو إنسان عادي وليس وهو نبي كما يقول ~~البعض. فقوله: { ثم اجتباه.. } [طه: 122] هذه بداية لمرحلة النبوة ~~في حياة آدم عليه السلام، وثم تعني الترتيب مع التراخي { اجتباه.. ~~} [طه: ms6409 122] اصطفاه ربه. ولم يقل الحق سبحانه: ثم اجتباه الله، إنما { ~~اجتباه ربه.. } [طه: 122] لأن الرب المتولي للتربية والرعاية، ~~ومن تمام التربية الإعداد للمهمة، ومن ضمن إعداد آدم لمهمته أن يمر ~~بهذه التجربة، وهذا التدريب في الجنة. { وهدى } [طه: 122] المراد ~~بالهداية قوله: { قال اهبطا منها جميعا... }. ### || [20.123] # أي: اهبطا إلى الأرض وامضوا فيها على ضوء التجربة الماضية، واعلما أن ~~هناك أمرا ونهيا وعدوا يوسوس ويزين ويغوي حتى يظهر عوراتكم، ~~وكأنه - عز وجل - يعطي آدم المناعة الكافية له ولذريته من بعده لتستقيم ~~لهم حركة الحياة في ظل التكاليف لأن التكاليف إما أمر وإما نهي، والشيطان ~~هو الذي يفسد علينا هذه التكاليف. ومع ذلك لا ننسى طرفا آخر هو النفس ~~الأمارة التي تحركك نحو المعصية والمخالفة. إذن: ليس عدوك الشيطان ~~فحسب فتجعله شماعة تعلق عليها كل معاصيك، فهناك معاص لا يدخل عليك ~~الشيطان بها إلا عن طريق النفس، وإلا إبليس لما غوى؟ من أغواه؟ ومن ~~وسوس له؟ وقوله: { اهبطا.. } [طه: 123] بصيغة التثنية أمر لاثنين: آدم ~~مطمور فيه ذريته، وإبليس مطمور فيه ذريته، فقوله: { اهبطا.. } [طه: ~~123] إشارة إلى الأصل، وقوله في موضع آخر: # اهبطوا.. # [البقرة: 38] إشارة إلى ما يتفرع عن هذا الأصل. وقوله: # بعضكم لبعض عدو.. # [البقرة: 36] أي: بعض عدو للبعض الآخر، وكلمة بعض لها دور كبير في ~~القرآن، والمراد: أنت عدو الشيطان إن كنت طائعا، والشيطان عدوك إن ~~كنت طائعا. فإن كنت عاصيا فلا عداوة إذن لأن الشيطان يريدك عاصيا. ~~وحين لا يعين البعض تكون العداوة متبادلة، فالبعض شائع في الجميع. كما ~~في قوله تعالى: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات.. # [الزخرف: 32] فمن المرفوع؟ ومن المرفوع عليه؟ أصحاب النظرة السطحية ~~يفهمون أن الغني مرفوع على الفقير. والمعنى أوسع من هذا بكثير، فكل ~~الخلق بالنسبة للحق سبحانه سواء، ومهمات الحياة تحتاج قدرات كثيرة ~~ومواهب متعددة لذلك لا تتجمع المواهب في شخص، ويحرم منها آخر، بل ينشر ~~الخالق - عز وجل - المواهب بين خلقه، فهذا ماهر ms6410 في شيء، وذاك ماهر في ~~شيء آخر، وهكذا ليحتاج الناس بعضهم لبعض، ويتم الربط بين أفراد المجتمع، ~~ويحدث بينهما الانسجام اللازم لحركة الحياة. إذن: كل بعض في الوجود ~~مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر، فليكن الإنسان مؤدبا في ~~حركة حياته لا يتعالى على غيره لأنه نبغ في شيء، ولينظر إلى ما نبغ فيه ~~الآخرون، وإلى ما تميزوا به حتى لا يسخر قوم من قوم، عسى أن يكونوا ~~خيرا منهم، وربما لديهم من المواهب ما لم يتوفر لك. لكن ما دام بعضكم ~~لبعض عدوا أي: آدم مطمور فيه ذريته، وإبليس مطمور فيه ذريته، فمن ~~سيكون الحكم؟ الحكم بينهما منهج الله: { فإما يأتينكم ~~مني هدى.. } [طه: 123] فإياكم أن تجعلوا الهدى من عندكم لأن الهدى ~~إن كان من عندكم فلن ينفع ولن يفلح. # { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى } [طه: 123] ~~فكأن هدى الله ومنهجه هو كتالوج سلامة الإنسان وقانون صيانته. ألا ترى ~~الصانع من البشر حين يرفق بصنعته كتالوجا يضم تعليمات عن تشغيلها ~~وصيانتها، فإن اتبعت هذه التعليمات خدمتك هذه الآلة وأدت لك مهمتها ~~دون تعطل. وكما أن هذا الكتالوج لا يضعه إلا صانع الآلة، فكذلك الخالق - ~~عز وجل - لا يضع لخلقه قانونهم وهديهم إلا هو سبحانه، فإن وضعه آخر ~~فهذا افتئات على الله عز وجل، وكما لو ذهبت إلى الجزار تقول له: ضع لي ~~التعليمات اللازمة لصيانة الميكروفون!! إذن: الفساد في الكون يحدث حينما ~~نخرج عن منهج الله، ونعتدي على قانونه وتشريعه، ونرتضي بهدي غير هديه ~~لذلك يقول تعالى بعدها: { فمن اتبع هداي فلا يضل ولا ~~يشقى } [طه: 123] فإن كانت هذه نتيجة من اتبع هدى الله وعاقبة ~~السير على منهجه تعالى، فما عاقبة من أعرض عنه؟ { ومن أعرض عن ~~ذكري... }. ### || [20.124] # والإعراض: هو الانصراف، وأن تعطيه عرض أكتافك كما ذكرنا من قبل. ~~وقوله: { معيشة ضنكا.. } [طه: 124] الضنك هو الضيق الشديد الذي ~~تحاول أن تفلت منه هنا أو هناك فلا تستطيع، والمعيشة الضنك هذه ~~تأتي من أعرض عن الله، لأن ms6411 من آمن بإله إن عزت عليه الأسباب لا ~~تضيق به الحياة أبدا لأنه يعلم أن له ربا يخرجه مما هو فيه. أما غير ~~المؤمن فحينما تضيق به الأسباب وتعجزه لا يجد من يلجأ إليه فينتحر. ~~المؤمن يقول: لي رب يرزقني ويفرج كربي، كما يقول عز وجل: # الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا ~~بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]. لذلك يقولون: لا كرب وأنت رب، وإذا كان الولد لا يحمل ~~هما في وجود أبيه فله أب يكفيه متاعب الحياة ومشاقها، فلا يدري ~~بأزمات ولا غلاء أسعار، ولا يحمل هم شيء، فما بالك بمن له رب؟ ~~وسبق أن ضربنا مثلا - ولله المثل الأعلى -، قلنا: هب أن معك جنيها ~~ثم سقط من جيبك، أو ضاع منك فسوف تحزن عليه إن لم يكن معك غيره، فإن ~~كان معك غيره فلن تحزن عليه، فإن كان لديك حساب في البنك فكأن شيئا لم ~~يحدث. وهكذا المؤمن لديه في إيمانه بربه الرصيد الأعلى الذي يعوضه عن ~~كل شيء. والحق - تبارك وتعالى - أعطانا مثالا لهذا الرصيد الإيماني في ~~قصة موسى عليه السلام مع فرعون، حينما حوصر موسى وقومه بين البحر من ~~أمامهم وفرعون بجنوده من خلفهم، وأيقن القوم أنهم مدركون، ماذا قال نبي ~~الله موسى؟ قال: # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62] هكذا بملء فيه يقولها قولة الواثق مع أنها قولة ~~يمكن أن تكذب بعد لحظات، لكنه الإيمان الذي تطمئن به القلوب، والرصيد ~~الذي يثق فيه كل مؤمن. إذن: من آمن بالله واتبع هداه فلن يكون ~~أبدا في ضنك أو شدة، فإن نزلت به شدة فلن تخرج عزمه عن ~~الرضى، واللجوء إلى ربه. ومن آيات الإعجاز القرآني في مسألة الضيق، قوله ~~تعالى: # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السمآء.. # [الأنعام: 125]. فمن أين عرف محمد صلى الله عليه وسلم أن من يصعد في ~~السماء يضيق صدره؟ وهل صعد أحد إلى السماء في هذا الوقت وجرب هذه ms6412 ~~المسألة؟ ومعنى ضيق الصدر أن حيز الرئة التي هي آلة التنفس يضيق بمرض ~~أو مجهود زائد أو غيره، ألا ترى أنك لو صعدت سلما مرتفعا تنهج، ~~معنى ذلك أن الرئة وهي خزينة الهواء لا تجد الهواء الكافي الذي يتناسب ~~والحركة المبذولة، وعندها تزداد حركة التنفس لتعوض نقص الهواء. ~~والآن وبعد غزو الفضاء عرفنا مسألة ضيق التنفس في طبقات الجو العليا مما ~~يضطرهم إلى أخذ أنابيب الأكسجين وغيرها من آلات التنفس. ### || [20.125] # وكلمة { أعمى.. } [طه: 125] جاءت في قوله تعالى: # ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ~~وأضل سبيلا # [الإسراء: 72]. والمراد بالعمى ألا تدرك المبصرات، وقد توجد ~~المبصرات ولا تتجه لها بالرؤية، فكأنك أعمى لا ترى، وكذلك المعرض عن ~~الآيات الذي لا يتأملها، فهو أعمى لا يراها. لذلك في الآخرة يقول تعالى: # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما.. # [الإسراء: 97] فساعة يبعث الكافرون يفزعون بالبعث الذي كانوا ~~ينكرونه ويضطربون اضطرابا، يحاول كل منهم أن يرى منفذا وطريقا للنجاة، ~~ولكن هيهات، فقد سلبهم الله منافذ الإدراك كلها، وسد في وجوههم كل طرق ~~النجاة، والإنسان يهتدي إلى طريقه بذاته وبعيونه، فإن كان أعمى أمكنه ~~أن ينادي على من يأخذ بيده، فإن كان أيضا أبكم، فلربما سمع من ~~يناديه ويحذره ويدله، فإن كان أصم لا يسمع؟ إذن: سدت أمامه كل ~~وسائل النجاة، فهو أعمى لا يبصر النجاة بذاته، وأبكم لا يستطيع أن ~~يستغيث بمن ينقذه، وهو أيضا أصم لا يسمع من يتطوع بإرشاده أو ~~تحذيره. وقد وجد كثير من المشككين في هذه الآية شيئا ظاهريا يطعنون به ~~على أسلوب القرآن، حيث يقول هنا: { قال رب لم حشرتني ~~أعمى.. } [طه: 125] وفي موضع آخر يقول: # ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم ~~مواقعوها.. # [الكهف: 53] فنفى عنهم الرؤية في آية، وأثبتها لهم في آية أخرى. وفات ~~هؤلاء المتمحكين أن الإنسان بعد البعث يمر بمراحل عدة: فساعة ~~يحشرون من قبورهم يكونون عميا حتى لا يهتدوا إلى طريق النجاة، لكن ~~بعد ذلك يريهم الله بإيلام آخر ما يتعذبون به ms6413 من النار. وهذا الذي حآق ~~بهم كفاء لما صنعوه، فقد قدموا هم العمى والصمم والبكم في الدنيا، ~~فلما دعاهم الرسول إلى الله صموا آذانهم، واستغشوا ثيابهم. ### || [20.126] # أي: نعاملك كما عاملتنا، فننساك كما نسيت آياتنا. والآيات جمع آية، وهي ~~الأمر العجيب، وتطلق على الآيات الكونية التي تلفت إلى المكون سبحانه، ~~وتطلق على المعجزات التي تؤيد الرسل، وتثبت صدق بلاغهم عن الله، وإن ~~كانت الآيات الكونية تلفت إلى قدرة الخالق - عز وجل - وحكمته، فالرسول ~~هو الذي يدل الناس على هذه القوة، وعلى صاحب هذه الحكمة والقدرة التي ~~يبحث عنها العقل. أيها المؤمنون هذه القوة هي الله، والله يريد منك كذا ~~وكذا، فإن أطعته فلك من الأجر كذا وكذا، وإن عصيته فعقابك كذا ~~وكذا، ثم يؤيد الرسول بالمعجزات التي تدل على صدقه في البلاغ عن ربه. ~~وتطلق الآيات على آيات الكتاب الحاملة للأحكام وللمنهج. وأنت كذبت ~~بكل هذه الآيات ولم تلتفت إليها، فلما نسيت آيات الله كان جزاءك النسيان ~~جزاء وفاقا. والنسيان هنا يعني الترك، وإلا فالنسيان الذي يقابله ~~الذكر معفى عنه ومعذور صاحبه. أما قوله: { وكذلك اليوم ~~تنسى } [طه: 126] أي تنسى في النعيم وفي الجنة، لكنك لا تنسى في ~~العقاب والجزاء. ثم يقول الحق سبحانه: { وكذلك نجزي من ~~أسرف... }. ### || [20.127] # قوله تعالى: { كذلك.. } [طه: 127] أي: مثل هذا الجزاء { نجزي ~~من أسرف.. } [طه: 127] والإسراف: تجاوز الحد في الأمر الذي له ~~حد معقول، فالأكل مثلا جعله الله لاستبقاء الحياة، فإن زاد عن هذا ~~الحد فهو إسراف. دخلك الذي يسره الله لك يجب أن تنفق منه في حدود، ~~ثم تدخر الباقي لترقى به في الحياة، فإن أنفقته كله فقد أسرفت، ولن ~~تتمكن من أن ترقى نفسك في ترف الحياة. ولذلك يقول الحق سبحانه: # إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين.. # [الإسراء: 27]. وللإسلام نظرته الواعية في الاقتصاديات، فالحق يريد منك ~~أن تنفق، ويريد منك ألا تسرف وبين هذين الحدين تسير دفة ~~المجتمع، ويدور دولاب الحياة، فإن بالغت في حد منهما تعطلت حركة ~~الحياة، وارتبك المجتمع وبارت السلع. ms6414 وقد أوضح الحق سبحانه هذه النظرة في ~~قوله: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67]. فربك يريد منك أن تجمع بين الأمرين لأن التقتير ~~والإمساك يعطل حركة الحياة، والإسراف يجمد الحياة ويحرمك من ~~الترقي، والأخذ بأسباب الترف لذلك قال تعالى: # فتقعد ملوما محسورا # [الإسراء: 29]. وقد يكون الإسراف من ناحية أخرى: فربك عز وجل خلقك، ~~وخلق لك مقومات حياتك، وحدد لك الحلال والحرام، فإذا حاولت أنت أن ~~تزيد في جانب الحلال مما حرمه الله عليك، فهذا إسراف منك، وتجاوز للحد ~~الذي حده لك ربك، تجاوزت الحد فيما أحل لك، وفيما حرم عليك. ~~وقد يأتي الإسراف من ناحية أخرى: فالشيء في ذاته قد يكون حلالا، لكن أنت ~~تأخذه من غير حلة. فإذا نقلنا المسألة إلى التكاليف وجدنا أن الله ~~تعالى أحل أشياء وحرم أشياء، فلا تنقل شيئا مما حرم إلى شيء ~~أحل، ولا شيئا مما أحل إلى شيء حرم، كما قال سبحانه: # قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق.. # [الأعراف: 32]. وخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك.. # [التحريم: 1]. إذن: فربك لا يضيق عليك، وينهاك أن تضيق على نفسك ~~وتحرم عليها ما أحل لها، كما يلومك على أن تحلل ما حرم عليك لأن ~~ذلك في صالحك. وكما يكون الإسراف في الطعام والشراب وهما من مقومات ~~استبقاء الحياة، يكون كذلك في استبقاء النوع بالزواج والتناسل، إلى أن ~~تقوم الساعة، فجعل الحق سبحانه للممارسة الجنسية حدودا تضمن النسل ~~والاستمتاع الحلال، فمن تعدى هذه الحدود فقد أسرف. ومن رحمته تعالى ~~أنه يغفر لمن أسرف على نفسه شريطة أن يكون مؤمنا: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله.. # [الزمر: 53]. وقوله تعالى: { وكذلك نجزي من أسرف. # . } [طه: 127] فأنزل الإسراف منزلة تالية لعدم الإيمان لذلك قال بعدها: ~~{ ولم يؤمن بآيات ربه.. } [طه: 127] لأنه حين ينقل الحلال ~~إلى الحرام، أو الحرام إلى الحلال، فكأنه عطل آيات الله. ثم يقول ms6415 تعالى: ~~{ ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } [طه: 127] إذن: فالكلام ~~هنا عن الدنيا، فلا تظن أن الله يؤخر للكافر كل العذاب، فهناك ~~أشياء تعجل له في الدنيا لا تؤخر. وأول ما لا يؤخر ويعجل الله ~~به في الدنيا عقوبة الظلم، فلا يمكن أن يموت الظالم قبل أن يرى المظلوم ~~ما صنعه الله به، وإلا فالذين لا يؤمنون بالقيامة ولا بالجزاء كانوا ~~فجروا في الخلق وعاثوا في الأرض، فمن حكمة الله أن نرى لكل ظالم ~~مصرعا حتى تستقيم حركة الحياة، ولو لم يكن الإنسان مؤمنا. والحق ~~سبحانه حين يريد أن يعذب يتناسب تعذيبه مع قدرته تعالى، كما أن ضربة ~~الطفل غير ضربة الشاب القوي. إذن: ما يناله من عذاب في الحياة هين لأنه ~~من الناس، أما عذاب الآخرة فشيء آخر لأنه عذاب من الله يتناسب مع قدرته ~~تعالى. { ولعذاب الآخرة أشد وأبقى } [طه: 127] أبقى ~~لأن عذاب الدنيا ينتهي بالموت، أو بأن يرضى عنك المعذب ويرحمك، وقد ~~يتوسط لك أحد فيزيل عنك العذاب، أما في الآخرة فلا شيء من ذلك، ولا ~~مفر من العذاب ولا ملجأ. ثم يقول الحق سبحانه: { أفلم يهد ~~لهم كم أهلكنا قبلهم... }. ### || [20.128] # الهداية: الدلالة والبيان، وتهديه أي: تدله على طريق الخير. والاستفهام ~~في { أفلم يهد لهم.. } [طه: 128] والاستفهام يرد مرة لتعلم ~~ما تجهل، أو يرد للتقرير بما فعلت. فالمراد: أفلم ينظروا إلى الأمم ~~السابقة وما نزل بهم لما كذبوا رسل الله؟ كما قال في آية أخرى: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين # [الصافات: 137]. وقال سبحانه: # والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * واليل ~~إذا يسر * هل في ذلك قسم لذى حجر * ألم تر ~~كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم ~~يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا ~~الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 1-10]. ألا ترون كل هذه الآيات في المكذبين؟ ألا ترون أن ~~الله ناصر رسله؟ ولم يكن سبحانه ليبعثهم، ثم يتخلى عنهم، ويسلمهم، ~~كما قال سبحانه: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173] وقال: # ولينصرن الله من ينصره.. # [الحج: 40]. وبعد هذا ms6416 كله يعرض المكذبون، وكأنهم لم يروا شيئا من هذه ~~الآيات. وساعة ترى كم فاعلم أنها للشيء الكثير الذي يفوق الحصر، كما ~~تقول لصاحبك: كم أعطيتك، وكم ساعدتك. أي: مرات كثيرة، فكأنك وكلته ~~ليجيب هو بنفسه، ولا تستفهم منه إلا إذا كان الجواب في صالحك قطعا. ~~فمعنى { أفلم يهد لهم.. } [طه: 128] يعني: يبين لهم ويدلهم ~~على القرى الكثيرة التي كذبت رسلها، وماذا حدث لها وحاق بها من العذاب، ~~وكان عليهم أن يتنبهوا ويأخذوا منهم عبرة ولا ينصرفوا عنها. وقوله ~~تعالى: { يمشون في مساكنهم.. } [طه: 128] كقوله: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين # [الصافات: 137] فليس تاريخا يحكى إنما واقع ماثل ترونه بأعينكم، ~~وتسيرون بين أطلاله { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } ~~[طه: 128] أي: عجائب لمن له عقل يفكر. وكلمة النهى جمع نهية، وهي ~~العقل، وهذه الكلمة تحل لنا إشكالات كثيرة في الكفر، فالبعض يظن أن ~~الله تعالى خلق لنا العقل لنرتع به في مجالات الفكر كما نشاء، وننفلت من ~~كل القيود. إنما العقل من العقال الذي يعقل به البعير حتى لا ينفلت ~~منك، وكذلك عقلك يعقلك، وينظم حركتك حتى لا تسير في الكون على ~~هواك، عقلك لتعقل به الأمور فتقول: هذا صواب، وهذا خطأ. قبل أن تقدم ~~عليه. فالسارق لو عقل ما يفعل ما أقدم على سرقة الناس، وما رأيك لو ~~أبحنا للناس جميعا أن يسرقوك، وأنت فرد، وهم جماعة؟ الحق ساعة يعقل ~~بصرك أن يمتد لما حرم عليك فلا تقل: ضيق علي، لأنه أمر الآخرين ~~أن يغضوا أبصارهم عن محارمك، والغير أكثر منك، إذن: فأنت المستفيد. ~~فإن أردت أن تعربد في أعراض الناس، فأبح لهم أن يعربدوا في ~~أعراضك. # " والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه شاب يشكو عدم صبره على غريزة ~~الجنس، يريد أن يبيح له الزنا والعياذ بالله، فأراد صلى الله عليه وسلم ~~أن يلقنه درسا يصرفه عن هذه الجريمة، فماذا قال له؟ قال: " يا أخا ~~العرب، أتحب هذا لأمك؟ أتحب هذا لأختك؟ أتحب هذا لزوجتك؟ " والشاب يقول ~~في كل مرة: لا ms6417 يا رسول الله جعلت فداك. ولك أن تتصور ماذا ينتاب ~~الواحد منا إن سمع سيرة أمه وأخته وزوجته في هذا الموقف. ثم يقول صلى ~~الله عليه وسلم للشاب بعد أن هزه هذه الهزة العنيفة: " كذلك الناس لا ~~يحبون لذلك لأمهاتهم، ولا لزوجاتهم، ولا لأخواتهم، ولا لبناتهم. وهنا قال ~~الشاب: " فو الله ما همت نفسي لشيء من هذا إلا وذكرت أمي وزوجتي ~~وأختي وابنتي ". # إذن: فالعقل هو الميزان، وهو الذي يجري المعادلة، ويوازن بين ~~الأشياء، وكذلك إن جاء بمعنى النهى أو اللب فإنها تؤدي نفس المعنى: ~~فالنهى من النهي عن الشيء، واللب أي: حقيقة الشيء وأصله، لا أن يكون ~~سطحي التفكير يشرد منك هنا وهناك. ثم يقول الحق سبحانه: { ولولا ~~كلمة سبقت... }. ### || [20.129] # الكلام عن آيات الله في المكذبين للرسل وما حاق بهم من العذاب وقد مر ~~عليها القوم دون أن يعتبروا بها، أو يرتدعوا، أو يخافوا أن تكون نهايتهم ~~كنهاية سابقيهم، وربما قال هؤلاء القوم: ها نحن على ما نحن عليه دون أن ~~يصيبنا شيء من العذاب: لا صعق ولا مسخ ولا ريح، فبماذا تهددنا؟ لذلك ~~يوضح لهم الحق - سبحانه وتعالى - هذه المسألة: ما منعنا أن نفعل بكم ما ~~فعلنا بسابقيكم من المكذبين بالرسل، ما منعنا من إذلالكم وتدميركم إلا ~~شيء واحد هو كلمة سبقت من الله. { ولولا كلمة سبقت من ~~ربك لكان لزاما وأجل مسمى } [طه: 129]. فما هذه ~~الكلمة التي سبقت من الله، ومنعت عنهم العذاب؟ المراد بالكلمة قوله ~~تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال: 33]. فهذه الكلمة التي سبقت مني هي التي منعت عنكم عذابي، ~~والرسول صلى الله عليه وسلم يوضح هذه المسألة فيقول: # " بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به ~~شيئا ". # فإن قال قائل: الله يهدد الذين كذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم بأن ~~ينزل بهم ما أنزل بالمكذبين من الأمم السابقة، وها هم كفار مكة ~~يكذبون رسول ms6418 الله دون أن يحدث لهم شيء. نقول: لأن لهم أمانين من ~~العذاب، الكلمة التي سبقت، والأجل المسمى عند الله { وأجل ~~مسمى } [طه: 129] فلكل واحد أجل معلوم. معنى: { لكان ~~لزاما.. } [طه: 129] أي: لزم لزاما أن يحيق بهم ما حاق بالأمم ~~السابقة. ثم يقول الحق سبحانه: { فاصبر على ما يقولون... }. ### || [20.130] # فما دام أن القوم يكذبون رسول الله، وهم في مأمن من العذاب، فلا ~~بد أن يتمادوا في تكذيبهم، ويستمروا في عنادهم لرسول الله لذلك يتوجه ~~الحق - سبحانه وتعالى - إلى الناحية الأخرى فيعطي رسوله صلى الله عليه ~~وسلم المناعة اللازمة لمواجهة هذا الموقف { فاصبر على ما ~~يقولون.. } [طه: 130] لأن لك بكل صبر أجرا يتناسب مع ما تصبر عليه. ~~والصبر قد يكون ميسورا سهلا في بعض المواقف، وقد يكون شديدا ~~وصعبا ويحتاج إلى مجاهدة، فمرة يقول الحق لرسوله: اصبر. ومرة يقول: ~~اصطبر. فما الأقوال التي يصبر عليها رسول الله؟ قولهم له: ساحر. وقولهم: ~~شاعر وقولهم: مجنون وكاهن، كما قالوا عن القرآن: أضغاث أحلام. وقالوا: ~~أساطير الأولين. فاصبر يا محمد على هذا كله لأن كل قولة من أقوالهم ~~تحمل معها دليل كذبهم. فقولهم عن رسول الله: ساحر، فمن الذي سحره رسول ~~الله؟ سحر المؤمنين به، فلماذا - إذن - لم يسحركم أنتم أيضا، وتنتهي ~~المسألة. إذن: بقاؤكم على عناده والكفر به دليل براءته من هذه التهمة. ~~وقولهم: شاعر، كيف وهم أمة صناعتها الكلام، وفنون القول شعره ونثره، فكيف ~~يخفى عليهم أسلوب القرآن؟ والشعر عندهم كلام موزون ومقفى، فهل القرآن ~~كذلك؟ ولو جاء هذا الاتهام من غيركم لكان مقبولا، أما أن يأتي منكم ~~أنتم يا من تجعلون للكلام أسواقا ومعارض كمعارض الصناعات الآن، فهذا ~~غير مقبول منكم. وسبق أن قلنا: إنك إذا قرأت مقالا مثلا، ومر بك ~~بيت من الشعر تشعر به وتحس أذنك أنك انتقلت من نثر إلى شعر، أو من شعر ~~إلى نثر. فخذ مثلا قول ابن زيدون: " هذا العذل محمود عواقبه، وهذه ~~النبوة غمرة ثم تنجلي، ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبه، أو ms6419 تأخر ~~غير ضنين غناؤه، فأبطأ الدلاء فيضا أملؤها، وأثقل السحائب مشيا ~~أحفلها. ومع اليوم غد، ولكل أجل كتاب، له العتب في احتباله، ولا عتب ~~عليه في اغتفاله. # فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا # فأفعاله اللائي سررن ألوف " # على الفور تحس أذنك أنك انتقلت من نثر إلى شعر. فإذا ما قرأت في ~~القرآن مثلا قوله تعالى: # وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود ~~فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ~~ضلال مبين * فلما سمعت بمكرهن أرسلت ~~إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة ~~منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه ~~أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما ~~هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم * قالت ~~فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم.. # [يوسف: 30-32]. فهل أحسست بانتقال الأسلوب من نثر إلى شعر، أو من شعر ~~إلى نثر؟ ومع ذلك لو وزنت # فذلكن الذي لمتنني فيه.. # [يوسف: 32] لوجدت لها وزنا شعريا. وقوله تعالى: # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم # [الحجر: 49]. لو أردتها بيتا شعريا تقول نبىء عبادي أني * أنا الغفور ~~الرحيم. ومع ذلك تقرأها في سياقها، فلا تشعر أنها شعر لأن الأسلوب فريد ~~من نوعه، وهذه من عظمة القرآن الكريم، كلام فذ لوحده غير كلام البشر. ~~أما قولهم " مجنون " فالمجنون لا يدري ما يفعل، ولا يعقل تصرفاته ولا ~~يسأل عنها، ولا نستطيع أن نتهمه بشيء فنقول عنه مثلا كذاب أو قبيح لأن ~~آلة الاختيار عنده معطلة، وليس لديه انسجام في التصرفات، فيمكن أن يضحك ~~في وجهك، ثم يضربك في نفس الوقت، يمكن أن يعطيك شيئا ثم يتفل في وجهك. ~~والمجنون ليس له خلق، والحق سبحانه يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4]. والخلق هو الملكة المستقرة للخير، فكيف يكون محمد ~~مجنونا، وهو على خلق عظيم؟ ثم هل جربتم عليه شيئا مما يفعله ~~المجانين. أما قولهم: إن رسول الله افترى ms6420 هذا القرآن، كيف وأنتم لم ~~تسمعوا منه قبل البعثة شعرا أو خطبا ولم يسبق أن قال شيئا مثل هذا؟ ~~كيف يفتري مثل هذا الأسلوب المعجز، وليس عنده صنعة الكلام؟ وإن كان محمد ~~قد افترى القرآن فلماذا لا تفترون أنتم مثله وتعارضونه؟ # قل فأتوا بسورة مثله.. # [يونس: 38]. وهكذا تقوم من نفس أقوالهم الأدلة على كذبهم وادعائهم على ~~رسول الله. ثم يقول تعالى { وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل غروبها.. } [طه: 130]. والتسبيح هو التنزيه لله ~~تعالى، وهو صفة لله قبل أن يخلق من يسبحه وينزهه لذلك يقول ~~تعالى في استهلال سورة الإسراء: # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] لأن العملية مخالفة لمنطق القوانين، فقال: نزه فعل الله ~~عن أفعالك. إذن: فسبحان معناها أن التنزيه ثابت لله، ولو لم يوجد ~~المنزه، فلما خلق الله الكون سبحت السماوات والأرض وما فيهن لله. ~~فإذا كان التسبيح ثابتا لله قبل أن يوجد المسبح، ثم سبح لله أول خلقه، ~~ولا يزالون يسبحون، فأنت أيضا سبح باسم ربك الأعلى. أي: نزهه ~~سبحانه ذاتا وصفاتا وأفعالا وأقوالا عما تراه من المخلوقات. ومعنى ~~{ بحمد ربك.. } [طه: 130] لأن من لوازم الخلق أن يكون مختلفا في ~~الأهواء والأغراض والمصالح، يتشاكلون ويتحاربون على عرض زائل، فمنهم ~~الظالم والمظلوم، والقوي والضعيف. إذن: لا بد من وجود واحد لا توجد ~~فيه صفة من هذه الصفات، ليضع القانون والقسطاس المستقيم الذي ينظم ~~حياة الخلق، فهذا التنزه عن مشابهة الأحداث كلها، وعن هذه النقائض ~~نعمة يجب أن نشكر الله ونحمده على وجودها فيه، نحمده على أنه ليس كمثله ~~شيء. # فذلك يجعل الكون كله طائعا، إنما لو مثله شيء فلربما تأبى على الطاعة ~~في " كن فيكون ". والتسبيح والتنزيه يعني المقياس الذي يضبط العالم ليس ~~كمقياس العالم، إنما أصلح وأقوى، وهذا في صالحك أنت، فساعة أن تسبح ~~الله اذكر أن التسبيح نعمة، فاحمد الله على أنه لا شيء مثله. سبح ~~تسبيحا مصحوبا بحمد ربك لأن تنزيهه إنما يعود بالخير على من خلق، ~~وهذه نعمة تستحق أن تحمد الله عليها. ms6421 ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - ~~رب الأسرة، هذا الرجل الكبير العاقل صاحب كلمة الحق والعدل بين أفرادها، ~~وصاحب المهابة بينهم تراهم جميعا يحمدون الله على وجوده بينهم لأنه يحفظ ~~توازن الأسرة، وينظم العلاقات بين أفرادها. ألم نقل في الأمثال ~~اللي ملوش كبير يشتري له كبير؟ حتى وإن كان هذا الكبير متعاليا لأن ~~تعاليه لصالح أفراد أسرته، حيث سليزم كل واحد منهم حدوده. لذلك من أسماء ~~الله تعالى: المتعال المتكبر، وهذه الصفة وإن كانت ممقوتة بين البشر ~~لأنها بلا رصيد، فهي محبوبة لله تعالى لأنها تجعل الجميع دونه سبحانه ~~عبدا له، فتكبره سبحانه وتعاليه بحق: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. إذن: لا يحفظ التوازن في الكون إلا قوة مغايرة للخلق. ~~وقوله: { قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنآء ~~الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى } [طه: ~~130]. أي: تسبيحا دائما متواليا، كما أن نعم الله عليك متوالية لا ~~تنتهي، فكل حركة من حركاتك نعمة، النوم نعمة، والاستيقاظ نعمة، الأكل ~~نعمة، والشرب نعمة، البصر والسمع، كل حركة من حركات الأحداث نعمة تستحق ~~الحمد، وكل نعمة من هذه ينطوي تحتها نعم. خذ مثلا حركة اليد التي ~~تبطش بها، وتأمل كم هي مرنة مطواعة لك كما شئت دون تفكير منك، أصابعك ~~تتجمع وتمسك الأشياء دون أن تشعر أنت بحركة العضلات وتوافقها، وربما لا ~~يلتفت الإنسان إلى قدرة الله في حركة يده، إلا إذا أصابها شلل والعياذ ~~بالله، ساعتها يعرف أنها عملية صعبة، ولا يقدر عليها إلا الخالق عز وجل. ~~لذلك فالحق - سبحانه وتعالى - يعطينا زمن التسبيح، فيعيشه في كل الوقت { ~~قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنآء الليل ~~فسبح وأطراف النهار.. } [طه: 130]. وآناء: جمع إنى، وهو ~~الجزء من الزمن، وهذا الجزء يترقى حسب تنبهك لتسبيح التحميد، فمعنى ~~التسبيح آناء الليل، يعني أجزاء الليل كله، فهل يعني هذا أن يظل الإنسان ~~لا عمل له إلا التسبيح؟ المناطقة يقولون عن الجزء من الوقت: مقول ~~بالتشكيك، فيمكن أن تجزىء الليل إلى ساعات، فتسبح ms6422 كل ساعة، أو ~~تترقى فتسبح كل دقيقة، أو تترقى فتسبح كل ثانية، وهكذا حسب مقامات ~~المسبح الحامد وأحواله. # فهناك من عباد الله من لا يفتر عن تسبيحه لحظة واحدة، فتراه يسبح ~~الله في كل حركة من حركاته لأنه يعلم أنه لا يؤديها بذاته بدليل أنها قد ~~تسلب منه في أي وقت. إذن: فأجزاء الوقت تختلف باختلاف المقامات ~~والأحوال، ألا تراهم في وحدة القياس يقيسون بالمتر، ثم بالسنتيمتر، ثم ~~بالمللي متر، وفي قياس الوقت توصل اليابانيون إلى أجهزة تحدد جزءا ~~من سبعة آلاف جزء من الثانية. ثم يقول: { وأطراف النهار.. } ~~[طه: 130] ليستوعب الزمن كله ليله ونهاره، والمقامات والأحوال كلها لذلك ~~يقول بعض العارفين في نصائحه التي تضمن سلامة حركة الحياة: اجعل مراقبتك ~~لمن لا تخلو عن نظره إليك فهذا الذي يستحق المراقبة، وعلى المرء أن ~~يتنبه لهذه المسألة، فلا تكن مراقبته لمن يغفل عنه، أو ينصرف، أو ينام ~~عنه. واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك فإذا شربت كوب ماء فقل: الحمد ~~لله أن أرواك، فساعة تشعر بنشاطها في نفسك قل: الحمد لله. وساعة أن ~~تخرجها عرقا أو بولا قل: الحمد لله، وهكذا تكون موالاة حمد الله، ~~والمداومة على شكره. واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه فطالما أنك لا ~~تستغني عنه، فهو الأولى بطاعتك. واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه ~~وسلطانه وإلا فأين يمكنك أن تذهب؟ لكن، لماذا أطلق زمن التسبيح بالليل، ~~فقال { آنآء الليل.. } [طه: 130] وحدده في النهار فقال { ~~وأطراف النهار.. } [طه: 130]؟ قالوا: لأن النهار عادة يكون ~~محلا للعمل والسعي، فربما شغلك التسبيح عن عملك، وربنا يأمرنا أن ~~نضرب في الأرض ونسهم في حركة الحياة، والعمل يعين على التسبيح، ~~ويعين على الطاعة، ويعينك أن تلبي نداء: الله أكبر. ألا تقرأ قول ~~الله - عز وجل - في سورة الجمعة: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ~~ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت ~~الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ~~واذكروا ms6423 الله كثيرا لعلكم تفلحون # [الجمعة: 9-10]. ذلك لأن حركة الحياة هي التي تعينك على أداء فرض ربك ~~عليك، فأنت مثلا تحتاج في الصلاة إلى ستر العورة، فانظر إلى هذا ~~الثواب الذي تستر به عورتك: كم يد ساهمت فيه؟ وكم حركة من حركات ~~الحياة تضافرت في إخراجه على هذه الصورة؟ أما في الليل فأنت مستريح، ~~يمكنك التفرغ فيه لتسبيح الله في أي وقت من أوقاته. ويلفتنا قوله ~~تعالى: { قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنآء ~~الليل فسبح وأطراف النهار.. } [طه: 130] فأي طلوع؟ ~~وأي غروب؟ وأي ليل؟ وأي نهار؟ أهي لمصر أم للجزائر أم للهند أم ~~لليابان؟ إنها ظواهر متعددة وممتدة بامتداد الزمان والمكان لا تنتهي، ~~فالشمس في كل أوقاتها طالعة غاربة، ففي هذا إشارة إلى أن ذكر الله ~~وتسبيح الله دائم لا ينقطع. # ثم يذكر سبحانه الغاية من التسبيح، فيقول { لعلك ترضى } [طه: ~~130] ونلحظ أن الحق سبحانه يحث على العمل بالنفعية، فلم يقل: لعلي ~~أرضى، قال: لعلك أنت ترضى، فكأن المسألة عائدة عليك ولمصلحتك. والرضا: ~~أن تصل فيما تحب إلى ما تؤمل، والإنسان لا يرضى إلا إذا بلغ ما يريد، ~~وحقق ما يرجو، كما تقول لصاحبك: أأنت سعيد الآن؟ يقول: يعني: يقصد أنه ~~لم يصل بعد إلى حد الرضا، فإن تحقق له ما يريد يقول لك: سعيد ~~والحمد لله. فإن أحسنت إليه إحسانا يفوق ما يتوقعه منك يأخذك بالأحضان ~~ويقول: ربنا يديم عمرك، جزاك الله خيرا. إذن: رضا الإنسان له مراحل ~~لذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي كما روى النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن الله يتجلى على خلقه في الجنة: يا عبادي هل رضيتم؟ فيقولون: وكيف ~~لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، قال: أعطيكم أفضل ~~من ذلك، قالوا: يا رب، وهل يوجد أفضل من ذلك؟ قال: نعم، أحل عليكم ~~رضواني فلا أسخط بعده عليكم أبدا ". # وهكذا يكون الرضى في أعلى مستوياته. الغاية من التسبيح - إذن - الذي ~~كلفك ربك به أن ترضى أنت، وأن يعود ms6424 عليك بالنفع، وإلا فالحق سبحانه ~~مسبح قبل أن يخلق، أنت مسبح قبل أن يخلق الكون كله، ولا يزيد تسبيحك ~~في ملكه تعالى شيئا. ويتم لك هذا الرضا حين ترضي الله فيرضيك. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا... }. ### || [20.131] # بعد أن قال الحق سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: # فاصبر على ما يقولون.. # [طه: 130] حذره أن ينظر إلى هؤلاء الجبابرة والمعاندين على أنهم في نعمة ~~تمتد عينه إليها. ومعنى مد العين ألا تقتصر على مجرد النظر على ~~قدر طاقتها، إنما يوجهها باستزادة ويوسعها لترى أكثر مما ينبغي، ~~ومد العين يأتي دائما بعد شغل النفس بالنعمة وتطلعها إليها، فكأن ~~الله يقول: لا تشغل نفسك بما هم فيه من نعيم لأنه زهرة الدنيا التي سرعان ~~ما تفنى. وقوله: { إلى ما متعنا به أزواجا منهم.. } ~~[طه: 131] الأزواج لا يراد بها هنا الرجل والمرأة، إنما تعني الأصناف ~~المقترنة، كما في قوله تعالى: # وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم.. # [فصلت: 25]. كل واحد له شيطان يلازمه لا يفارقه. هذه هي الزوجية ~~المرادة، كذلك في قوله تعالى: # قال قآئل منهم إني كان لي قرين # [الصافات: 51]. والزهرة إشارة إلى سرعة النهاية والحياة القصيرة، وهي ~~زهرة لحياة دنيا، وأي وصف لها أقل من كونها دنيا؟ وهذا الذي ~~أعطيناهم من متاع الدنيا الزائل فأخذوا يزهون به، ما هو إلا فتنة ~~واختبار { لنفتنهم فيه.. } [طه: 131]. والاختبار يكون بالخير ~~كما يكون بالشر، يقول تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة.. # [الأنبياء: 35]. ويقول تعالى: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن # [الفجر: 15]. ويشكر أنه عرفها لله # وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ~~ربي أهانن # [الفجر: 16]. وهنا يصحح لهم الحق سبحانه هذه الفكرة، يقول: كلاكما ~~كاذب في هذا القول، فلا النعمة دليل الإكرام، ولا سلبها دليل الإهانة: # كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحآضون على ~~طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلا لما # [الفجر: 1719]. فهب أن الله أعطاك نعمة ولم تؤد شكرها وحقها، ~~فأي إكرام ms6425 فيها؟ ثم يقول تعالى: { ورزق ربك خير وأبقى ~~} [طه: 131] أي: لا تشغل بالك بما أعطاهم الله لأنه سبحانه سيعطيك أعظم ~~من هذا، ورزق ربك خير من هذا النعيم الزائل وأبقى وأخلد لأنه دائم لا ~~ينقطع في دار البقاء التي لا تفوتها ولا تفوتك، أما هؤلاء فنعيمهم موقوت، ~~إما أن يفوتهم بالفقر، أو يفوتوه هم بالموت. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وأمر أهلك بالصلاة... }. ### || [20.132] # هنا يعطينا الحق - تبارك وتعالى - منهجا لإصلاح المجتمع وضمان انسجامه، ~~منهج يبدأ بالوحدة الأولى وهو رب الأسرة، فعليه أن يصلح نفسه أولا، ~~ثم ينظر إلى الوحدة الثانية، وهي الخلية المباشرة له وأقرب الناس إليه ~~وهم أهله وأسرته، فهو مركز الدائرة فإذا أصلح نفسه، فعليه أن يصلح ~~الدوائر الأخرى المباشرة له. فقوله تعالى: { وأمر أهلك ~~بالصلاة.. } [طه: 132] لتستقيم الوحدة الأولى في بناء الكون، فإذا ~~ما صلحت الوحدة الأولى في بناء الكون، فأمر كل واحد أهله بالصلاة، ~~استقام الكون كله وصلح حال الجميع. والمسألة هنا لا تقتصر على مجرد ~~الأمر وتنتهي مسئوليته عند هذا الحد إنما { واصطبر عليها.. } ~~[طه: 132] لأن في الصلاة مشقة تحتاج إلى صبر، فالصلاة تحتاج إلى وقت ~~تأخذه من حركة الحياة التي هي سبب الخير والنفع لك، فلا بد - إذن - ~~من صبر عليها. وفرق بين اصبر واصطبر: اصبر الفعل العادي، إنما اصطبر ~~فيها مبالغة أي: تكلف حتى الصبر وتعمده. ومن ذلك أن تحرص على أداء ~~الصلاة أمام أولادك لترسخ في أذهانهم أهمية الصلاة، فمثلا تدخل البيت ~~فتجد الطعام قد حضر فتقول لأولادك: انتظروني دقائق حتى أصلي، هنا يلتفت ~~الأولاد إلى أن الصلاة أهم حتى من الأكل، وتغرس في نفوسهم مهابة ~~التكليف، واحترام فريضة الصلاة، والحرص على تقديمها على أي عمل مهما ~~كان. وكان سيدنا عمر - رضي الله عنه - يقوم من الليل يصلي ما شاء الله له ~~أن يصلي حتى يؤذن للفجر، فيوقظ أهله للصلاة فإن أبوا رش في ~~وجوههم الماء لأن الصلاة خير من النوم، فالنوم في مثل هذا الوقت فيه ~~راحة للبدن، أما الصلاة فهي ms6426 أفضل وأعظم، ويكفي أنك تكون فيها في حضرة ~~الله تعالى. وهب أن رب الأسرة غاب عنها لمدة شهر أو عام، ثم فجأة ~~قالوا: أبوكم جاء، فترى الجميع يهرولون إليه، وهكذا لله المثل الأعلى، ~~إذا دعاك، فلا تتخلف عن دعوته، بل هرول إليه، وأسرع إلى تلبية ندائه، ~~ولك أن تتصور واحدا يناديك وأنت لا ترد عليه ولا تجيبه، أعتقد أنه ~~شيء غير مقبول، ولا يرضاه صاحبك. إذن: عليك أن تعود أولادك احترام ~~هذا النداء، وبمجرد أن يسمعوا " الله أكبر " يلبون النداء، ولا ~~يقدمون عليه شيئا آخر، فالله لا يبارك في عمل ألهاك عن نداء الله ~~أكبر لأنك انشغلت بالنعمة عن المنعم عز وجل. لذلك، إن أردت أن تعرف ~~خير عناصر المجتمع فانظر إلى أسبقيتهم إلى إجابة نداء الله أكبر، فإن ~~أردت أن تعرف من هو أعلى منه منزلة، فانظر إلى آخرهم خروجا من ~~المسجد، وليس كذلك من يأتي الصلاة دبرا، وبمجرد السلام يسرع إلى ~~الانصراف. # " ويروى أن سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عاب على أحد ~~الصحابة إسراعه في الانصراف من المسجد بعد السلام، فتعمد رسول الله أن ~~يناديه في إحدى المرات، قال: " أزهدا فينا "؟ وهل هناك من يزهد في ~~رؤية رسول الله والجلوس معه؟ فقال الرجل: لا يا رسول الله، ولكن لي زوجة ~~بالبيت تنتظر ثوبي هذا لتصلي فيه، فيدعو له رسول الله، وينصرف الرجل إلى ~~زوجته، فإذا بها تقول له: تأخرت بقدر كذا تسبيحة، فقال: لقد استوقفني ~~رسول الله وحدث كذا وكذا، فقالت له: شكوت ربك لمحمد؟ " # ثم يقول تعالى: { لا نسألك رزقا نحن نرزقك.. } [طه: ~~132] إذن: ما الذي يشغلك عن حضرة ربك، الرزق؟ { لا نسألك ~~رزقا.. } [طه: 132] فالذي لا يستطيع العمل نوجه إليه من الأغنياء ~~من يطرق بابه ويعطيه، فالغني شرط في إيمانه الفقير، وليس شرطا في ~~إيمان الفقير الغني. وكأن الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى ضرورة البحث عن ~~الفقير، والطرق على بابه لإعطائه حقه في مال الغني، لا ينتظره حتى ~~يسأل، ويريق ماء وجهه وهو ms6427 يطلب حقا من حقوقه في مجتمع الإيمان. ~~وقوله: { نحن نرزقك.. } [طه: 132] أي: لا نسألك رزقا ثم نتركك، ~~إنما لا نسألك ثم نحن نرزقك، فاطمئن إلى هذه المسألة. { والعاقبة ~~للتقوى } [طه: 132] لأنك إذا تأزمت معك أمور الحياة تلجأ إلى ~~الله، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى ~~الصلاة، وتأزم الأمور يأتي حينما نفقد نحن الأسباب المعطاة من الله، ~~فإذا فقدت الأسباب وضاقت بك الحيل لم يبق لك إلا أن تلجأ إلى ~~المسبب سبحانه، كما يقول في آية أخرى: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب.. # [الطلاق: 2-3]. ثم يقول الحق سبحانه: { وقالوا لولا يأتينا ~~بآية... }. ### || [20.133] # مرت بنا لولا في قوله تعالى: # ولولا كلمة سبقت.. # [يونس: 19] وتعني: امتناع التعذيب لوجود الكلمة، أما لولا هنا فتعني: ~~هلا، للحث والطلب { لولا يأتينا بآية من ربه.. } [طه: ~~133] كما في # ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شآء الله.. # [الكهف: 39]. فكأن القرآن لا يعجبهم، مع أنهم أمة بلاغة وبيان، وأمة ~~فصاحة وكلام، والقرآن يخجلهم لفصاحته وبلاغته، فأي آية تريدونها بعد ~~هذا القرآن؟ { وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه.. } ~~[طه: 133] كدليل صدق على بلاغه عن الله كالمعجزات الحسية التي حدثت ~~لمن قبله من الرسل، كما قال تعالى: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف ~~أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى ~~تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل ~~كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 90-93]. إذن: فالآيات من الله لا دخل لي فيها ولا أختارها، ~~وها هو القرآن بين أيديكم يخبركم بما كان في الأمم السابقة # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43]. وقال تعالى # قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل ~~تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى * ~~إن هذا لفي الصحف ms6428 الأولى * صحف إبراهيم ~~وموسى # [الأعلى: 14-19]. وقال تعالى # إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح.. # [النساء: 163]. لذلك يقول تعالى بعدها: { أولم تأتهم بينة ~~ما في الصحف الأولى } [طه: 133]. فالقرآن جاء جامعا ومهيمنا ~~على الكتب السابقة، وفيه ذكر لكل ما حدث فيها من معجزات حسية، وهل شاهد ~~هؤلاء معجزة عيسى عليه السلام في إبراء الأكمه والأبرص؟ هل شاهدوا عصا ~~موسى أو ناقة صالح؟ لقد عرفوا هذه المعجزات عندما حكاها لهم القرآن، ~~فصارت خبرا من الأخبار، وليست مرأى، والمعجزة الحسية تقع مرة ~~واحدة، من رآها آمن بها، ومن لم يرها فهي بالنسبة له خبر، ولولا أن ~~القرآن حكاها ما صدقها أحد منهم. لكن هؤلاء يريدون معجزة حسية تصاحب ~~رسالة محمد العامة للزمان وللمكان، ولو كانت معجزة محمد حسية لكانت ~~لمن شاهدها فقط، والحق سبحانه يريدها معجزة دائمة لامتداد الزمان ~~والمكان، فمن آمن بمحمد نقول له: هذه هي معجزته الدائمة الباقية إلى ~~أن تقوم الساعة. لذلك، كان القرآن معجزة لكل القرون، ولو أفنى القرآن ~~معجزته مرة واحدة للمعاصرين له فحسب لاستقبلته القرون الآتية بلا إعجاز، ~~لكن شاءت إرادة الله أن يكون إعجاز القرآن سرا مطمورا فيه، وكل قرن ~~يكتشف من أسراره على قدر التفاتهم إليه وتأملهم فيه، وهكذا تظل الرسالة ~~محروسة بالمعجزة. ثم يقول الحق سبحانه: { ولو أنآ أهلكناهم ~~بعذاب... }. ### || [20.134] # يقول تعالى: أنا قطعت عليهم الحجة لأنني لو أهلكتهم على فترة من ~~الرسل لقالوا: لماذا لم تبقنا إلى أن يأتينا رسول، فلو جاءنا رسول ~~لآمنا به قبل أن نقع في الذل والخزي، فمعنى: ولو أنا أهلكناهم ~~بعذاب من قبل أن يأتي القرآن لقالوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~لآمنا به واهتدينا. وهذه مجرد كلمة هو قائلها، وكما قال عنهم الحق ~~سبحانه: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28] إنها مجرد كلمة تنقذهم من الإشكال. وقولهم: { من قبل ~~أن نذل ونخزى } [طه: 134] الذل: ما يعتري الحيي مما ينشأ ~~عنه انكساره بعد أن كان متعاليا، والذل يكون أولا بالهزيمة، وأذل من ~~الهزيمة ms6429 الأسر، لأنه قد يهزم ثم يفر، وأذل منهما القتل. إذن: ~~الذل يكون في الدنيا أمام المشاهدين له والمعاصرين لانكساره بعد تعاليه. ~~أما الخزي: نخزى يعني: يصيبنا الخزي، وهو تخاذل النفس بعد ارتفاعها. ومن ~~ذلك يقولون: أنت خزيت. يعني: كنت تنتظر شيئا فوجدت خلافه. ومنه قوله ~~تعالى: # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا ~~يوم القيامة.. # [آل عمران: 194] فإن عجل لهم الذل في الدنيا، فإن الخزي مؤخر ~~للآخرة حتى تكون فضيحتهم على رؤوس الأشهاد، كما يقولون فضيحة بجلاجل حيث ~~يشهد خزيهم أهل الموقف جميعا. وكلمة " الخزي " هذه لها معنا موقف ~~طريف أيام كنا صغارا نحفظ القرآن على يد سيدنا فضيلة الشيخ حسن زغلول - ~~عليه رحمة الله - وكان رجلا مكفوف البصر، وكنا نستلخمه فإذا وجدنا فرصة ~~تفلتنا منه وهربنا من تصحيح اللوح الذي نحفظه، فالذي يحفظ بمفرده هكذا ~~من المصحف يكون عرضة للخطأ. ومن ذلك ما حدث فعلا من زميل لنا كان اسمه ~~الشيخ محمد حسن عبد الباري، وقد حضر مدير المدرسة فجأة، وأراد أن يسمع ~~لنا، وكان الشيخ عبد الباري لم يصحح لوحه الذي سيقرأ منه فقرأ: إنك من ~~تدخل النار فقد أخزيته فقرأها بالراء بدلا من الزاي، فضحك الشيخ طويلا ~~- رحمه الله - وقال: يا بني المعنى صحيح، لكن الرواية ليست هكذا. فكنا ~~نأخذها على الشيخ عبد الباري، فمن أراد أن يغيظه قال: إنك من تدخل ~~النار.. ويسكت!! فشاء الله تعالى أن يتعرض كل منا لموقف مشابه ~~يؤخذ عليه، وقد أخذ علي مثل هذا حين قرأت دون أن أصحح اللوح ~~أول سورة الشورى: حم عسق وقد سبق لي أن عرفت حم لكن لم يمر بي عسق فقرأت: ~~حم عسق بالوصل، فصار الشيخ عبد الباري كلما قلت له: إنك من تدخل ~~النار.... يقول: حم. فقلنا سبحان الله: # من يعب يوما بشيء # لم يمت حتى يراه # إذن: فقول هؤلاء: { ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } [طه: 134] ~~تمحك منهم: لو أرسلت لنا رسولا لاتبعناه من قبل أن ms6430 نذل في الدنيا ~~هزيمة، أو أسرا، أو قتلا، ونخزى في الآخرة بفضيحة علنية على رؤوس ~~الأشهاد. ### || [20.135] # التربص: التحفز لوقوع شيء بالغير، تقول: فلان يتربص بي يعني: ~~يلاحظني ويتابعني، ينتظر مني هفوة أو خطأ، فقوله: { قل كل ~~متربص فتربصوا.. } [طه: 135] فكل منا يتربص بالآخر، ~~لأننا أعداء، كل منا ينتظر من الآخر هفوة ويترقب ماذا يحدث له. وقد أوضح ~~سبحانه وتعالى توجيهات التربص منه ومنهم في آية أخرى: # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين.. # [التوبة: 52]. ماذا تنتظرون إلا إحدى الحسنيين: إما أن نموت في قتالكم ~~شهداء، أو ننتصر عليكم ونذلكم، فأي تربص يحدث شرف لنا، إما النصر ~~أو الشهادة، فكلاهما حسنى، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من ~~عنده أو بأيدينا، فكلاهما سوءة. وما دام الأمر كذلك فتربصوا بنا كما ~~تحبون، ونحن نتربص بكم كما نريد لأن تربصنا بكم يفرحنا، وتربصكم بنا ~~يؤلمكم ويحزنكم. ومعنى { قل.. } [طه: 135] هنا أن القول { كل ~~متربص.. } [طه: 135] ليست من عند محمد، فليس في يده زمام الكون ~~ولا يعلم الغيب، فهو قول الله الذي قال له قل يا محمد { كل ~~متربص فتربصوا.. } [طه: 135]. إذن: قيلت ممن يملك ~~أزمة الأمور وأعنتها، ولا يخرج شيء عن مراده تعالى، وربما لو قلت ~~لكم من عندي تقولون: كلام بشر لا يملك من الأمور شيئا. إذن: خذوها لا ~~بمقياس كلام البشر، إنما بمقياس من يملك زمام أقضية البشر كلها. ثم ~~يقول تعالى: { فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ~~ومن اهتدى } [طه: 135] متى سيحدث هذا؟ ساعة تقوم الساعة حيث ~~الانصراف، إما إلى جنة، وإما إلى نار، ساعتها ستعلمون من أصحاب الصراط ~~السوي: نحن أم أنتم؟ لكنه سيكون علما لا ينفع ولا يجدي، فقد جاء بعد ~~فوات الأوان، جاء وقت الحساب لا وقت العمل وتلافي الأخطاء. إنه علم لا ~~يترتب عليه عمل ينجيكم، فقد انتهى وقت العمل، وهكذا يكون علما يزيد ~~حسرتهم، ويؤذيهم ولا ينفعهم. والصراط: الطريق المستقيم. والسوي: ~~المستقيم الذي لا عوج فيه ولا أمت. وقال بعدها { ومن اهتدى } ~~[طه: 135] لأنه ms6431 قد يوجد الصراط السوي، ولا يوجد من يسلكه، فالمراد: ~~الصراط السوي ومن اهتدى إليه وسلكه. وقد يظن ظان أن مسألة التربص ~~هذه قد تطول، فيقطع الحق سبحانه هذا الظن بقوله في سورة الأنبياء الآتية ~~بعد: # اقترب للناس حسابهم.. # [الأنبياء: 1]. وهكذا تنسجم السورتان، ويتصل المعنى بين الآيات. ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1] # والاقتراب: إما أن يكون زمنا أو مكانا، فإذا كانت المسألة في مسافات ~~قلنا: اقترب للناس حسابهم يعني مكانه. وإذا كانت للزمن قلنا: اقترب زمنه. ~~فالاقتراب: دنو الحدث من ظرفية زمانا أو مكانا. والحق سبحانه حينما ~~يعبر بالماضي { اقترب.. } [الأنبياء: 1] يدل على أن ذلك أمر لازم ~~وسيحدث ولا بد، والبشر حينما يتحدثون عن أمر مقبل يقولون: يقترب لا ~~اقترب لأن اقترب هكذا بالجزم والحكم بأنه حدث فعلا لا يقولها إلا ~~الله الذي يملك الأحداث ويقدر عليها، أما الإنسان فلا يملك الأحداث، ولا ~~يستطيع الحكم على شيء لا يملكه بعد أن يتلفظ بهذا اللفظ. ومثال ذلك في ~~قوله تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1] فلا يقال لك: لا تستعجل شيئا إلا إذا كان لم يحدث بعد: ~~فكيف - إذن - جمع بين الماضي # أتى.. # [النحل: 1] والمستقبل # فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1]؟ قالوا: أنت ممنوع أن تحكم بمضي على أمر مستقبل لأنك لا ~~تملك نفسك، ولا تملك ظروف المستقبل، كما في قوله تعالى: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24]. لا بد أن تردف هذا القول بالمشيئة لأن قولك " سأفعل ~~ذلك غدا " قضية لها عناصر: الفاعل أنت والمفعول به والزمن غدا، والسبب ~~الذي يدعوك للفعل والقدرة التي تعينك أن تفعل. وهذه كلها عناصر لا تملك ~~أنت شيئا منها، وربما جاء غد فتغير عنصر من هذه العناصر، وحال بينك ~~وبين ما تريد، فينبغي أن تبريء نفسك من احتمال الكذب فتقول: إن شاء ~~الله وترد الأمر إلى القادر عليه الذي يملك كل هذه العناصر، وكأن ربك ~~يعلمك ألا تكون كاذبا. لذلك نجد أن اللغة قد راعت قدرة المتكلم، ~~ووضعت له الزمن المناسب، ms6432 فإن علمت حدوث الفعل قل بالماضي: حضر فلان، ~~انتهت القضية، فإن علمت أنه توجه للحضور واستعد له قل: سيحضر فلان ~~أي قريبا، أو سوف يحضر أي: بعد ذلك. هذا الذي يناسب قدرة البشر. أما ~~الحق سبحانه فيملك زمام الأشياء وتوجيهها، وكل شيء مرهون بأمره ~~التكويني، فإن قال للأمر المستقبل: أتى أو اقترب فصدق لأنه لا شيء ~~يخرج الأمر عن مراده تعالى، وهو وحده الذي يملك الانفعال لكلمة كن، ~~فإن قالها فقد انتهت المسألة. لذلك يقول سبحانه: { اقترب ~~للناس حسابهم.. } [الأنبياء: 1] بصيغة الماضي ولم يقل: يقترب أو ~~سيقترب لأن المتكلم هو الله. وقد ورد الماضي اقترب أيضا في قوله تعالى: # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1]. وفي قوله تعالى # واسجد واقترب # [العلق: 19] فاقترب غير قرب، قرب: يعني دنا، أما اقترب أي: دنا جدا ~~حتى صار قريبا منك. والحساب: كلمة تطلق إطلاقات عدة، فالحساب أن ~~تحسب الشيء بالأعداد جمعا، أو طرحا، أو ضربا، وتدير حصيلة لك أو ~~عليك، فإن كانت لك فأنت دائن، وإن كانت عليك فأنت مدين. # أو تربط المسببات بأسبابها. وهناك أمور تأتي بغير حساب، كما قال ~~تعالى: # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37] فهذه مسألة لا تستطيع ضبطها، والله لا يسأل: أعطاني ~~زيادة أم نقصانا. أما الحساب في { اقترب للناس حسابهم.. } ~~[الأنبياء: 1] فيقتضي محاسبا هو الله عز وجل، ومحاسبا هم الناس، ~~ومحاسبا عليه وهي الأعمال والأحداث التي أحدثوها في دنياهم، وهذه ~~قسمان: قسم قبل أن يكلفوا، وقسم بعد أن كلفوا. ما كان قبل التكليف ~~وسن البلوغ لا يحاسبنا الله عليه، إنما تركنا نمرح ونرتع في نعمه ~~سبحانه دون أن نسأل عن شيء، أما بعد البلوغ فقد كلفنا بأشياء تعود ~~علينا بالخير، وألزمنا المنهج الذي يضمن سعادتنا " بافعل " و " لا تفعل " ~~وهذا يقتضي أن نحاسب، فعلنا، أم لم نفعل. إذن: المسألة حساب، ليست ~~جزافا، جماعة في الجنة وجماعة في النار، وقوله سبحانه في الحديث ~~القدسي: " هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي " بناء ~~على علمه ms6433 تعالى بما يؤدونه وقت الحساب، ففي علم الله ما فعلوا وما ~~تركوا. ولا تنس أن المحاسب في هذا الموقف هو الله، فإن كان الحساب في ~~الخير عاملك بالفضل والزيادة كما يشاء سبحانه لذلك يضاعف الحسنات، وإن ~~كان الحساب في الشر كان على قدره دون زيادة، كما قال تعالى: # جزآء وفاقا # [النبأ: 26]. وما دام المحاسب هو الله سبحانه وتعالى، وهو لا ينتفع بما ~~يقضيه على الخلق، فمن رحمته بنا ونعمته علينا أن حذرنا من أسباب ~~الهلاك، ولم يأخذنا على غفلة، ولم يفاجئنا بالحساب على غرة، إنما ~~أبان لنا التكاليف، وأوضح الحلال والحرام، وأخبرنا بيوم الحساب لنستعد ~~له، فلا نسير في الحياة على هوانا. فقال سبحانه: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. فمن رحمته تعالى بعباده أن وعدهم هذا الوعد، وعرفهم ~~هذا الميزان وهم في سعة الدنيا، وإمكان تدارك الأخطاء، واستئناف التوبة ~~والعمل الصالح، من رحمته بنا أن يعظنا هذه الموعظة ويكررها على ~~أسماعنا ليل نهار. إذن: ما أخذنا ربنا على غرة، ولم تفاجئنا ~~القيامة بأهوالها، فمن الآن اعلم { اقترب للناس حسابهم.. } ~~[الأنبياء: 1] وما دام الأمر كذلك فعلى الإنسان أن يقدر قدر ~~الاقتراب، ومتى سينتقل إلى يوم الحساب، ولا تظن أن عمرك هو عمر الدنيا ~~منذ خلقها الله، إنما عمرك ودنياك على قدر مكثك فيها، وهو مكث ~~مظنون غير متيقن، فمن الخلق من عمر دهرا، ومنهم من مات في بطن ~~أمه. إذن: لا تؤجل لأنك لا تدري، أيمهلك الأجل حتى تتوب؟ أم يعاجلك ~~فتؤخذ بذنبك؟ والحق سبحانه يقول: { اقترب للناس حسابهم. # . } [الأنبياء: 1] مع أن الساعة ما زالت بعيدة، وبيننا وبين القيامة ما ~~لا يعلمه إلا الله. فكيف ذلك؟ قالوا: لأن الحساب إنما يكون على الأعمال، ~~والأعمال لها وقت هو الدنيا، فمن مات فقد انقطع عمله، واقترب وقت حسابه ~~لأن المدة التي يقضيها في القبر لا يشعر بها، فكأنها ساعة من نهار. فإن ~~قلت: من الناس من يعيش مائة عام، ومائة وخمسين عاما. نقول: هذا ms6434 شيء ~~ظني لا نضمنه، والإنسان عرضة للموت في أي لحظة لسبب أو دون سبب. ~~ونلحظ في قوله تعالى: { اقترب للناس حسابهم.. } [الأنبياء: ~~1] فقال للناس مع أن الحساب لهم وعليهم، فهل معنى للناس أي: لمصلحتهم؟ ~~لا يبدو ذلك لأنه قال بعدها: { وهم في غفلة معرضون } ~~[الأنبياء: 1]. إذن: الحساب ليس في مصلحتهم إنما الحساب عليهم، إذن: كيف ~~يكون ف مثل هذا السياق { اقترب للناس حسابهم.. } [الأنبياء: ~~1] ما دام الأمر على الكفار؟ كان المفروض أن يقول: اقترب على الناس ~~حسابهم. نقول: هذا إذا أخذت اللام للحساب، إنما اللام هنا للاقتراب، لا ~~للحساب، أي: اقترب من الناس، إنما الحساب لهم أو عليهم، هذه مسألة أخرى. ~~وقوله: { وهم في غفلة معرضون } [الأنبياء: 1] الغفلة ~~معناها: زحزحة الشيء عن بال الواجب ألا يزحزح عنه، فكان الواجب أن ~~يتذكره ولا يغفل عنه، والغفلة غير النسيان لأن الغفلة أن تهمل مسألة كان ~~يجب ألا تهمل، وألا تغيب عن بالك، أما النسيان فخارج عن إرادتك. ~~وغفلتهم هنا عن أصل وقمة الدين، وهو الإيمان بالألوهية، فإن آمنت ~~بالألوهية فالغفلة عن الأحكام التي جاء بها الدين، وهذه هي المعاصي، ~~والكلام هنا عن الكافرين بدليل قوله بعدها: # ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث.. # [الأنبياء: 2] والغفلة عن الرب الأعلى مثلها الغفلة عن حكم الرب ~~الأعلى، وفرق بين غفلة وغفلة. وقد حدث النبي صلى الله عليه وسلم ~~صحابته عن هذه الغفلة، كما روى سيدنا حذيفة بن اليمان قال: حدثنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حديثين، قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر. حدثنا ~~أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال والأمانة هي الإيمان الحق بالله، ~~أي: حل الإيمان، واستقر في القلب، ونطقنا بالشهادة ثم نزل القرآن، ~~فعلموا من القرآن، وعلموا من السنة ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ~~ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه أي: يغفل الغفلة فيظل أثرها ~~مثل أثر الوكت الوكت: مثل سيجارة مثلا تقع على الجلد فلسعته، فيتغير ~~لونه ثم ينام النومة أي: مرة أخرى فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل ms6435 أثرها مثل ~~أثر المجل والمجل: جمرة النار فنفط فتراه منتبرا عاليا، وليس به شيء ~~أي: انتفخ فيصبح الناس أي: بعد رفع الأمانة يتبايعون فلا يكاد يوجد أحد ~~منهم يؤدي الأمانة حتى يقال: إن في بني فلان رجلا أمينا لندرة الأمانة ~~بين الناس. # ثم يقول الراوي: وقد مر علي زمان ما كنت أبالي أيكم بايعت، فلئن كان ~~مسلما ليردنه علي دينه يعني: إن غشني في شيء أو حدث خطأ ما في ~~البيع ولئن كان يهوديا أو نصرانيا ليردنه علي ساعيه أي: الناس ~~المكلفون بمراقبة الأسواق، وهم أهل الحسبة، فإن رأوا غشا منعوه، ~~وردوا إلى صاحب الحق حقه وأما الآن فأنا لا أكاد أبايع منكم إلا فلانا ~~وفلانا فإن كان هذا في أيامهم فما بال أيامنا؟ وصدق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين قال: # " الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة " # أي: رغم كثرتها لا تجد فيها جملا يحمل رحلك ويحملك. وفي رواية ~~أخرى: " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا " أي: كنسج الحصير، ~~عودا بعد عود، حتى تتم الحصيرة، ثم يكون الران على القلب. فغفلة ~~هؤلاء غفلة عن القمة، وعن الألوهية، لا عن التكاليف لأنهم ليسوا مؤمنين ~~بالمكلف سبحانه. وقوله تعالى: { معرضون } [الأنبياء: 1] تدل على ~~الافتعال أي: أنهم مفتعلون هذا الإعراض؟ ثم يقول الحق سبحانه: { ما ~~يأتيهم من ذكر... }. ### || [21.2] # أي: ذكر من القرآن { محدث.. } [الأنبياء: 2] يعني: يسمعونه جديدا ~~لأول مرة { إلا استمعوه وهم يلعبون } [الأنبياء: 2] لا ~~يعطونه اهتماما، ولا يلقون له بالا، وهم يتعمدون هذا، ويوصي بعضهم ~~بعضا به ويحرضون عليه، كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى حكاية عنهم: # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون # [فصلت: 26]. إنهم يخافون إن سمعوا القرآن أن يتأثروا به فيؤمنوا لذلك ~~لا تسمعوه، بل شوشوا عليه حتى لا يسمعه أحد في هدوء واطمئنان فيؤمن ~~به. وهذا يعني أن هذا العمل في مصلحتهم لأنهم لا يستطيعون رد حجج ~~القرآن ولا الثبات أمام إعجازيته ولا بلاغته ولا تأثيره على النفوس، ms6436 ~~فهم لا يملكون إلا أن يصرفوا الناس عن سماعه، والتشويش عليه، حتى لا ~~يتمكن من الأسماع، وينفذ إلى القلوب، فيخالطها الإيمان. واللعب: أن تشغل ~~نفسك بعمل لا قصد فيه لغاية، كما يأخذ الطفل الصغير كراسة أخيه، ويعبث ~~فيها بالقلم دون نظام ودون هدف. وهناك أيضا اللهو: وهو عمل مقصود لغاية، ~~لكن هذه الغاية تضعها أنت لنفسك، أو يضعها غيرك ممن يريد أن يفسدك ~~بها، إذن: هو عمل مقصود وله غاية، ليس مجرد شخبطة كمن ينشغل مثلا برسم ~~بعض الصور للتسلية، أو ينشغل بحل الكلمات المتقاطعة، فهي أعمال لا ~~فائدة منها. أما العمل النافع الذي ينبغي أن ينشغل الإنسان به فهو الذي ~~يضعه لك من هو أعلى منك، وأن يكون حكيما محبا لك، وهذه المواصفات ~~لا تجدها إلا في الإله، لذلك كل ما يلهيك عما يضعه لك إلهك فهو ~~لهو لأنه شغلك عما هو أهم. لذلك يقول تعالى: # إنما الحياة الدنيا لعب ولهو.. # [محمد: 36]. فاللعب في مرحلة الطفولة، بل نأتي نحن باللعب ونقول ~~للطفل: العب، إنما اللهو أن تنشغل بعمل مقصود وله غاية، لكنها تلهيك عن ~~غاية أسمى هي التي وضعها لك الحكيم القادر الأعلى منك المحب لك. إذن: ~~منتهي اللهو واللعب أن يلعبوا عند سماع القرآن، فلم يستمعوا له، حتى على ~~أنه لهو له غاية، إنما على أنه لعب لا غاية له ولا فائدة منه لأن ~~غايته ضارة. واللعب وإن كان مباحا في فترة ما قبل البلوغ، إنما ~~القلوب يجب أن تربى على أن تلتفت إلى الله عز وجل الخالق الرازق في ~~هذه الفترة المبكرة من حياة الإنسان، وهذه مهمة الأب، فإن أتى لولده ~~بطعام أو شراب يقول أمام الولد الصغير: ربنا رزقنا به. وهكذا في كل أمور ~~الحياة يسند الأمر إلى الله وينبه الولد الصغير: قل: بسم الله قل: الحمد ~~لله. وهكذا تربى في الولد مواجيده على اليقين بالله القوي، وإن كان ~~الولد لا يراه فإنه يرى آثاره ونعمه. # ويرى أباه الذي يتعهده، ويأتي له بكل شيء لا يتصيد ms6437 المجد لنفسه، إنما ~~ينسب كل شيء إلى الله. فأبوه - وهو المثل الأعلى له - يزحزح هذه المسائل ~~عنه وينسبها لله، فيتربى وجدان الولد على الإيمان. فإذا لم يرب ~~الولد هذه التربية تسلل إلى نفسه اللهو واللعب. وسبق أن قلنا: إن ~~كل فعل من الأفعال لا بد أن ينشأ عن موجدة من المواجيد، ولا ~~ينشأ الفعل دون موجدة إلا فعل المجنون، والقلوب هي التي توجه ~~الجوارح، ولو لم تكن القلوب لاهية ما لعبت الجوارح. لذلك سيدنا عمر - ~~رضي الله عنه - حينما دخل على رجل يعبث بذقنه هو يصلي - كما يفعل ~~الكثيرون - قال: لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه. فحركة الجوارح دليل على ~~انشغال القلب؟ لذلك يقول تعالى بعدها: { لاهية قلوبهم ~~وأسروا النجوى... }. ### || [21.3] # ويا ليت كلا منهم يفعل هذا الفعل في نفسه، إنما يتآمرون جميعا على ~~الحق ليفسدوه باللعب واللهو { وأسروا النجوى.. } [الأنبياء: 3] ~~أي: يتناجون في الإثم، ويسرونه يعني: يجعلونه سرا. والنجوى أو ~~التناجي: خفض الصوت، كما جاء في قوله تعالى: # ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا ~~خمسة إلا هو سادسهم.. # [المجادلة: 7]. فلا تظنوا أنكم مستورون عن الله، أو تخفون عنه شيئا. ~~وتلاحظ في ارتقاءات العدد في هذه الآية أنها لم تذكر اثنين، فبدأت من ~~العدد ثلاثة لأنه عادة لا تكون النجوى بين الاثنين، إنما تكون بين ~~الثلاثة، حيث يتناجى اثنان حتى لا يسمع الثالث. كما أنها لم تذكر الأعداد ~~بالترتيب، فلم تقل مثلا: ولا أربعة إلا هو خامسهم ذلك لأن الآية لا ~~تقصد الترتيب العددي، إنما تعطيك مجرد أمثلة ونماذج من الأعداد. وكذلك في ~~قوله تعالى: # ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون ~~لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ~~ومعصيت الرسول.. # [المجادلة: 8]. وما داموا يخفون كلاما ويسرونه، فلا بد أنه ~~مخالف للفطرة السليمة، ولو كان حقا لقالوه علانية، فالنجوى دليل ~~اتهامهم في العقل، وفي القلب، وفي كل شيء. أما قوله تعالى في شأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين ms6438 يدي نجواكم صدقة.. # [المجادلة: 12]. وهل كان الصحابة يحدثون الرسول سرا؟ لا بل هنا ~~إشارة أخرى أوضحها قوله تعالى: # لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا.. # [النور: 63]. فالمراد ألا نرفع أصواتنا في حضرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما يحدث منا حين يكلم بعضنا بعضا، بل نكلمه كلام المهيب، ~~ونلتزم معه الأدب والخشوع. وقوله تعالى: { وأسروا النجوى ~~الذين ظلموا.. } [الأنبياء: 3] هل الذين هنا هي الفاعل لأسروا؟ ~~القاعدة النحوية: إذا تقدم الفعل على الفاعل لزم صورة الإفراد نقول: أكل ~~القوم. لا نقول: أكلوا القوم، وهنا { وأسروا النجوى.. } ~~[الأنبياء: 3] لو أن الذين ظلموا هي الفاعل لقال: وأسر الذين ظلموا، ~~إنما جاء الفاعل واو الجماعة ثم الاسم الموصول الذين بعدها فليست هي ~~الفاعل، وليست هذه من لغات العرب الصحيحة. فكأن سائلا سأل: ومن الذي ~~أسر؟ فأجاب: الذين ظلموا وكلمة ظلموا عامة في الظلم، فقد ~~ظلموا أنفسهم أولا لأن ظلمهم عائد عليهم بالعذاب، وظلم نفسه ناشىء من ~~أنه ظلم الحق الأعلى # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. ثم ظلم الناس في أمور أخرى وفي حقوق لهم، لكن جاءت ظلموا ~~عامة لأن الظلم الواحد سيشمل كل أنواع الظلم، وما دام قد وصل به الأمر ~~إلى أن ظلم الله فلا غرابة أن يظلم ما دونه تعالى. # فما النجوى التي أسرها القوم؟ ومن أخبر رسول الله بها؟ النجوى قوله ~~تعالى: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول.. # [المجادلة: 8]. فكيف عرف محمد هذه المقولة، وقد قالوها في أنفسهم ~~وأسروها؟ ألم يكن على هؤلاء أن يتنبهوا: كيف عرف محمد مقولتهم؟ وأن ~~الذي أخبره بما يدور هو ربه الإله الأعلى، الذي لا تخفى عليه خافية، ~~كان عليهم أن يلتفتوا إلى رب محمد، الله الإله الحق الذي يعلم خبء كل ~~شيء فيرتدعوا عما هم فيه، وبدل أن يشغلوا عقولهم بمسائل الشرك ينتهوا ~~بها إلى الإيمان. ومما جاء في تناجيهم: { هل هذآ إلا بشر ~~مثلكم.. } [الأنبياء: 3] إذن: أنكروا أن يكون رسولا لأنه بشر، ~~والرسول لا بد أن يكون ملكا { أفتأتون السحر وأنتم ms6439 ~~تبصرون } [الأنبياء: 3] فسموا القرآن سحرا، لأنهم يرون السحر ~~يفرق بين الابن وأبيه، والأخ وأخيه { وأنتم تبصرون } ~~[الأنبياء: 3] أن القرآن يفعل مثل هذا. ثم يقول الحق سبحانه: { قال ~~ربي يعلم القول في السمآء... }. ### || [21.4] # كأن سائلا قال: من أين لك يا محمد بكل هذا وقد أسره القوم؟ { قال ~~ربي يعلم القول في السمآء والأرض.. } [الأنبياء: 4] ~~فلا تخفى عليه خافية { وهو السميع العليم } [الأنبياء: 4] ~~السميع لما يقال ويسر العليم بما يفعل، فالأحداث أقوال وأفعال. ومما ~~قالوه أيضا: { بل قالوا أضغاث... }. ### || [21.5] # بل تعني أنهم تمادوا، ولم يكتفو بما قالوا، بل قالوا أيضا { ~~أضغاث أحلام.. } [الأنبياء: 5] وأضغاث: جمع ضغث، وهو الحزمة من ~~الحشيش مختلفة الأشكال، كما جاء في قصة أيوب عليه السلام: # وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث.. # [ص: 44] أي حزمة من أعواد الحشيش. ووردت أيضا في رؤيا عزيز مصر: # قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام ~~بعالمين # [يوسف: 44]. وقوله { بل افتراه.. } [الأنبياء: 5] أي تمادوا ~~فقالوا: تعمد كذبه واختلافه { بل هو شاعر.. } [الأنبياء: 5] إذن: ~~أقوالهم واتهاماتهم لرسول الله متضاربة في ماهية ما هو؟ وهذا دليل ~~تخبطهم، فمرة ينكرون أنه من البشر، ومرة يقولون: ساحر، ومرة يقولون: ~~مفتر، والآن يقولون: شاعر!! وقد سبق أن فندنا كل هذه الاتهامات وقلنا: ~~إنها تحمل في طياتها دليل كذبهم وافترائهم على رسول الله. ثم يقولون: { ~~فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون } [الأنبياء: 5] كأن ~~آية القرآن ما أقنعتهم، فلم يكتفوا بها، ويطلبون آية أخرى مثل التي جاء ~~بها السابقون، والقرآن يرد عليهم في هذه المسألة: لو أنهم سيؤمنون إذا ~~جاءتهم الآية التي اقترحوها لأنزلناهم عليهم، إنما السوابق تؤكد أنهم لن ~~يؤمنوا مهما جاءتهم من الآيات، وهذا من أسباب العذاب. وقد أوضح الحق ~~سبحانه أنه لن يعذبهم ما دام فيهم رسول الله لذلك لم يجبهم إلى ما ~~طلبوا من الآيات لأن الله تعالى لا يخلف وعده، فإن جاءتهم الآية فلم ~~يؤمنوا بها لا بد أن ينزل بهم العذاب لذلك يقول تعالى بعدها: { مآ ~~آمنت قبلهم... }. ### || [21.6] # إذن: هذه التجربة مرت ms6440 مع غيرهم من الأمم السابقة، وهم كأمثالهم من ~~السابقين لو أنزلنا عليهم الآية ما آمنوا، كما لم يؤمن سابقوهم # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]. ثم يقول الحق سبحانه: { ومآ أرسلنا قبلك ~~إلا رجالا... }. ### || [21.7] # الحق - تبارك وتعالى - يرد على اعتراضهم على بشرية الرسول وطلبهم أن ~~يكون الرسول ملكا، كما قالوا في موضع آخر: # أبشر يهدوننا.. # [التغابن: 6]. يعني: هم مثلنا، وليسوا أفضل منا، فكيف يهدوننا؟! وهل ~~الرسول يهديكم ببشريته؟ أم بشيء جاءه من أعلى؟ هل منهجه من عنده؟ الرسول ~~ليس مصلحا اجتماعيا، إنما هو مبلغ عن الله ربي وربكم. وقد سبقت ~~السوابق فيمن قبلكم أن يكون الرسول بشرا { ومآ أرسلنا قبلك ~~إلا رجالا نوحي إليهم.. } [الأنبياء: 7] ولو أرسلنا إليهم ~~ملكا لجاءكم الرسول ملكا. { فاسئلوا أهل الذكر إن ~~كنتم لا تعلمون } [الأنبياء: 7] وهم اليهود والنصارى، ماذا ~~أرسلنا إليهم أرجالا أم ملائكة؟ ذلك لأن المفروض في النبي أن يكون قدوة ~~لقومه وأسوة، مبلغ منهج، وأسوة سلوك، منهج يحققه عن الله، ثم ~~يطبقه على نفسه، فهو لا يحمل الناس على أمر هو عنه بنجوة، إنما هو ~~أسوتهم وقدوتهم، وشرط أساسي في القدوة أن يتحد فيها الجنس: ~~المتأسي مع المتأسى به. فلو رأيت مثلا في الغابة أسدا يصول ويجول ~~ويفترس، هل تفكر في يوم ما أن تكون أسدا؟ هل تأخذ الأسد لك أسوة؟! لا، ~~لأنه يشترط في أسوتك أن يكون من جنسك، فإذا رأيت فارسا على جواده ~~يصول ويجول ويضرب في الأعداء يمينا وشمالا، لا شك أنك تود أن تكون ~~مثله. كذلك إذا جاء النبي ملكا، والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ~~ويفعلون ما يؤمرون، إنما نحن بشر، ولو جاءنا الرسول ملكا لجاءنا في ~~صورة بشرية. يقول تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا * قل لو ~~كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ~~عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. ويرد الحق سبحانه عليهم: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون ms6441 # [الأنعام: 9]. وهكذا تظل الشبهة موجودة. إذن: لا يمكن أن يكون الرسول ~~للبشر إلا من البشر. ونعم، محمد بشر لكن بشر يوحى إليه، كما جاء في ~~الحديث الشريف: # " يرد علي - يعني من الحق الأعلى - فأقول: أنا لست كأحدكم، ويؤخذ ~~مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم ". # وقوله: { فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون } ~~[الأنبياء: 7] أي: إن كنتم في شك من هذه المقولة فاسألوا أهل الذكر من ~~السابقين: اليهود والنصارى أهل الكتاب. وقال: { إن كنتم لا ~~تعلمون } [الأنبياء: 7] لأنها مسألة علمها مشكوك فيه. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { وما جعلناهم جسدا... }. ### || [21.8] # { جعلناهم.. } [الأنبياء: 8] أي: الرسل { جسدا.. } [الأنبياء: ~~8] يعني: شيئا مصبوبا جامدا لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرك، إنما هم بشر ~~يأكلون ويشربون كأي بشر، ويمشون في الأسواق، ويعيشون حياة البشر العادية ~~{ وما كانوا خالدين } [الأنبياء: 8] فليس الخلود من صفة البشر ~~وقد تابعوا الرسل، وعلموا عنهم هذه الحقيقة، وقال تعالى: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { ثم صدقناهم ~~الوعد... }. ### || [21.9] # وهذه سنة من سنن الله في الرسل أن يصدقهم وعده، وهل رأيتم رسولا ~~عانده قومه وحاربوه واضطهدوه، وكانت النهاية أن انتصروا عليه؟ ألم يقل ~~الحق تبارك وتعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. وكان صدق الوعد أن أنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا ~~المسرفين والمسرفون هم الذين تجاوزوا الحد المعروف. فنهاية الرسل ~~جميعا النصرة من الله، والوفاء لهم بما وعدهم. ### || [21.10] # الحق سبحانه يخاطب المكذبين للنبي: ما أنزلت إليكم آية بعيدة عن ~~معرفتكم، إنما أرسلت إليكم رسولا بآية من جنس ما نبغتم فيه، ولما نزل ~~فهمتموه وعرفتم مراميه، بدليل أن في القرآن ألفاظا تستقبل بالغرابة ولم ~~تعترضوا أنتم عليها، ولم تكذبوا محمدا فيها مع أنكم تتلمسون له خطأ، ~~وتبحثون له عن زلة. فمثلا لما نزلت الم ما سمعنا أحدا منهم قال: أيها ~~المؤمنون بمحمد، إن محمدا يدعي أنه أتى بكتاب معجز فاسألوه: ما معنى ~~الم؟ مما يدل على أنهم فهموها وقبلوها، ولم ms6442 يجدوا فيها مغمزا في رسول ~~الله لأن العرب في لغتهم وأسلوبهم في الكلام يستخدمون هذه الحروف ~~للتنبيه. فالكلام سفارة بين المتكلم والسامع، المتكلم لا يفاجأ ~~بكلامه إنما يعده ويحضره قبل أن ينطق به، أما السامع فقد يفاجأ ~~بكلام المتكلم، وقد يكون غافلا يحتاج إلى من يوقظه وينبهه حتى لا ~~يفوته شيء. وهكذا وضعت في اللغة أدوات للتنبيه، إن أردت الكلام في ~~شيء مهم تخشى أن يفوت منه شيء تنبه السامع، ومن ذلك قول عمرو ابن ~~كلثوم: # * ألا هبي بصحنك فاصبحينا * # وقول آخر: # ألا أنعم صباحا أيها الطلل البالي # وهل ينعمن من كان في العصر الخالي # إذن: ألا هنا أداة للتنبيه فقط يعني: اسمعوا وانتبهوا لما أقول. وكذلك ~~أسلوب القرآن: # ألا إن أوليآء الله لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # [يونس: 62] # ألا إنهم يثنون صدورهم.. # [هود: 5]. إذن: عندما نزل القرآن عليهم فهموا هذه الحروف، وربما فهموا ~~منها أكثر من هذا، ولم يردوا على رسول الله شيئا من هذه المسائل مع ~~حرصهم الشديد على نقده والأخذ عليه. وقوله تعالى: { فيه ذكركم.. } ~~[الأنبياء: 10] الذكر: سبق أن أوضحنا أن الذكر يطلق بمعنى: القرآن، أو ~~بمعنى: الكتب المنزلة، أو بمعنى: الصيت والشرف. أو بمعنى: التذكير أو ~~التسبيح والتحميد. والذكر هنا قد يراد به تذكيرهم بالله خالقا، ~~وبمنهجه الحق دستورا، ولو أنكم تنبهتم لما جاء به القرآن لعرفتم أن ~~الفطرة تهدي إليه وتتفق معه، ولعرفتم أن القرآن لم يتعصب ضدكم، بدليل ~~أنه أقر بعض الأمور التي اهتديتم إليها بالفطرة السليمة ووافقكم عليها. ~~ومن ذلك مثلا الدية في القتل هي نفس الدية التي حددها القرآن، ~~مسائل الخطبة والزواج والمهر كانت أمورا موجودة أقرها القرآن، كثيرون ~~منهم كانوا يحرمون الخمر ولا يشربونها، هكذا بالفطرة، وكثيرون كانوا ~~لا يسجدون للأصنام، إذن: الفطرة السليمة قد تهتدي إلى الحق، ولا تتعارض ~~ومنهج الله. أو: يكون معنى { ذكركم.. } [الأنبياء: 10] شرفكم ~~وصيتكم ومكانتكم ونباهة شأنكم بين الأمم لأن القرآن الذي نزل للدنيا ~~كلها نزل بلغتكم، فكأن الله تعالى يثني عقول الناس جميعا، ويثني ms6443 قلوبهم ~~للغتكم، ويحثهم على تعلمها ومعرفتها والحديث بها ونشرها في الناس، ~~فمن لم يستطع ذلك ترجمها، وأي شرف بعد هذا؟! وقوله تعالى: { أفلا ~~تعقلون } [الأنبياء: 10] أفلا تعملون عقولكم وتتأملون أن خيركم في ~~هذا القرآن، فإن كنتم تريدون خلقا ودينا ففي القرآن، وإن كنتم ~~تريدون شرفا وسمعة وصيتا ففي القرآن، وأي شرف بعد أن يقول الناس: ~~النبي عربي، والقرآن عربي؟ ثم يقول الحق سبحانه: { وكم قصمنا من ~~قرية كانت ظالمة... }. ### || [21.11] # قصمنا: القصم هو الكسر الذي لا جبر فيه، وكأن الحق - سبحانه ~~وتعالى - يضع أمام أعينهم القرى المكذبة الظالمة، ليأخذوا منها ~~عبرة وعظة، فليس بدعا أن نقصم ظهور المكذبين، بل لها سوابق ~~كثيرة في التاريخ. لذلك قال: { وكم قصمنا.. } [الأنبياء: 11] وكم ~~هنا خبرية تفيد الكثرة التي لا تعد، فاحذروا إن لويتم أعناقكم أن ~~ينزل بكم ما نزل بهم. وقوله: { وأنشأنا بعدها قوما ~~آخرين } [الأنبياء: 11] أي: خلف بعدهم خلف آخرون. ### || [21.12] # أي: حين أحسوا العذاب { إذا هم منها يركضون } [الأنبياء: ~~12] حتى لا يلحقهم العذاب. والركض: الجرى السريع بهرولة، والأصل ~~فيه: ركض الدابة. يعني: ضربها برجله كي تسرع. ومنها: # اركض برجلك.. # [ص: 42] يعني: اضرب الأرض برجلك لتخرج الماء # هذا مغتسل بارد وشراب # [ص: 42]. وفي هذه الآية ملمح من ملامح الإعجاز القرآني، فقد أصاب ~~أيوب عليه السلام مرض في جلده، وأراد له ربه - عز وجل - الشفاء. فقال ~~له: اضرب الأرض برجلك تخرج لك ماء باردا، منه مغتسل ومنه شراب، ~~فالماء هنا دواء يعالج أمرين: يعالج الظاهر والباطن. وآفة المعالجين ~~أنهم إذا رأوا مثلا البثور والدمامل في الجلد يعالجونها بالمراهم التي ~~يندمل معها الجرح، لكنها لا تعالج أسباب الظاهرة من الداخل، أما ~~العلاج الإلهي فمغتسل لعلاج الظاهرة، وشراب لعلاج أسباب الظاهرة في ~~الجوف. ثم يقول الحق سبحانه: { لا تركضوا وارجعوا... }. ### || [21.13] # الحق - سبحانه وتعالى - في قصة هؤلاء المكذبين قدم الغاية من ~~العذاب، فقال: # وكم قصمنا من قرية.. # [الأنبياء: 11] ثم فصل القصم بأنهم لما أحسوا العذاب تركوا ~~قريتهم، وأسرعوا هاربين أن يلحقهم العذاب، وهنا يقول لهم: ms6444 لا تركضوا ~~وعودوا إلى مساكنكم، وإلى ما أترفتم فيه. والترف: هو التنعم ~~نقول: ترف الرجل يترف مثل: فرح يفرح أي: تنعم، فإذا زيدت عليها همزة ~~فقيل: أترف الرجل فمعناها: أخذ نعيما وأبطره. ومنها أيضا: أترفه الله ~~يعني: غره بالنعيم ليكون عقابا له. فقوله هنا { إلى مآ ~~أترفتم فيه.. } [الأنبياء: 13] من أترفه الله يعني: أعطاهم ~~نعيما لا يؤدون حقه، فيجر عليهم العذاب. لكن ما دام أن الله تعالى ~~يريد بهم العذاب، فلماذا ينعمهم؟ قالوا: فرق بين عذاب واحد وعذابين: ~~العذاب أن توقع على إنسان شيئا يؤلمه، أما أن تنعمه وترفعه ثم ~~تعذبه، فقد أوقعت به عذابا فوق عذاب. وقد مثلنا لذلك بأن إن أردت ~~أن توقع عدوك لا توقعه من فوق حصيرة مثلا، إنما ترفعه إلى أعلى ~~ليكون أشد عليه وآلم له. ومن ذلك قول القرآن # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء.. # [الأنعام: 44] أعطيناهم الصحة والمال والجاه والأرض والدور والقصور # حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة ~~فإذا هم مبلسون # [الأنعام: 44] وهكذا يكون أخذه أليما شديدا، فعلى قدر ما رفعهم ~~الله على قدر ما يكون عذابهم. وملمح آخر في قوله تعالى: # فتحنا عليهم.. # [الأنعام: 44] لا لهم كما في: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # [الفتح: 1] فليس هذا كله في صالحهم، بل هو وبال عليهم، فلا تغتروا ~~بها، فقد أعطاها الله لهم، وهم سيبطرون بها، فتكون سبب عذابهم. وقوله ~~تعالى: { لعلكم تسألون } [الأنبياء: 13] أي: عودوا إلى ~~مساكنكم وقصوركم وما كنتم فيه من النعيم، لعل أحدا يمر بكم فيسألكم: ~~أين ما كنتم فيه من النعيم؟ أين ذهب؟ لكن ما هم فيه الآن من الخزي سيخرس ~~ألسنتهم، ولن يقولوا شيئا مما حدث، إنما سيكون قولهم وسلوكهم: { ~~قالوا يويلنآ... }. ### || [21.14] # لما أحس المكذبون بأس الله وعذابه حاولوا الهرب ليفوتوا ~~العذاب، فقال لهم: ارجعوا إلى ما كنتم فيه، فلن ينجيكم من عذاب الله ~~شيء، ولا يفوت عذاب الله فائت، فلما وجدوا أنفسهم في هذا الموقف لم يجدوا ~~شيئا إلا الحسرة فتوجهوا إلى أنفسهم ms6445 ليقرعوها، ويحكموا عليها بأنها ~~تستحق ما نزل بها. فقولهم: { يويلنآ.. } [الأنبياء: 14] ينادون على ~~العذاب، كما تقول يا بؤسي أو يا شقائي وهل أحد ينادي على العذاب أو ~~البؤس أو الشقاء؟ الإنسان لا ينادي إلا على ما يفرح. فالمعنى: يا ~~ويلتي تعالى، فهذا أوانك، فلن يشفيه من الماضي إلا أن يتحسر عليه، ~~ويندم على ما كان منه. فالآن يتحسرون، الآن يعلمون أنهم يستحقون العذاب ~~ويلومون أنفسهم. { إنا كنا ظالمين } [الأنبياء: 14] ظالمين ~~لأنفسنا بظلمنا لربنا في أننا كفرنا به، كما قال في آية أخرى: # أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب ~~الله.. # [الزمر: 56]. ### || [21.15] # قوله تعالى: { فما زالت تلك دعواهم.. } [الأنبياء: 15] أي: ~~قولهم: # قالوا يويلنآ إنا كنا ظالمين # [الأنبياء: 14] فلم يقولوها مرة واحدة سرقة عواطف مثلا، إنما كانت ~~ديدنهم، وأخذوها تسبيحا: يا ويلنا إنا كنا ظالمين، يا ويلنا إنا كنا ~~ظالمين، فلا شيء يشفي صدورهم إلا هذه الكلمة يرددونها. كما يجلس ~~المجرم يعزي نفسه نادما يقول: أنا مخطىء، أنا أستحق السجن، أنا كذا ~~وكذا. وقوله تعالى: { حتى جعلناهم حصيدا خامدين } ~~[الأنبياء: 15] الحصيد: أي المحصود وهو الزرع بعد جمعه { خامدين } ~~[الأنبياء: 15] الخمود من أوصاف النار بعد أن كانت متأججة مشتعلة ~~ملتهبة صارت خامدة، ثم تصير ترابا وتذهب حرارتها. كأن الحق - سبحانه ~~وتعالى - يشير إلى حرارتهم في عداء الرسول وجدلهم وعنادهم معه صلى الله ~~عليه وسلم، وقد خمدت هذه النار وصارت ترابا. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وما خلقنا السمآء... }. ### || [21.16] # ربنا - سبحانه وتعالى - يعطينا المثل الأعلى في الخلق لأن خلق ~~السماوات والأرض مسألة كبيرة: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57] فالناس تولد وتموت وتتجدد، أما السماء والأرض وما بينهما ~~من نجوم وكواكب فهو خلق هائل عظيم منضبط ومنظوم طوال هذا العمر الطويل، ~~لم يطرأ عليه خلل أو تعطل. والحق سبحانه لا يمتن بخلق السماء ~~والأرض وما بينهما لأنها أعجب شيء، ولكن لأنها مخلوقة للناس ومسخرة ~~لخدمتهم، فالسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وهواء ومطر وسحاب والأرض ~~وما عليها من ms6446 خيرات، بل وما تحتها أيضا # وما تحت الثرى # [طه: 6]. الكل مخلوق لك أيها الإنسان، حتى ما تتصوره خادما لغيرك هو في ~~النهاية يصب عندك وبين يديك، فالجماد يخدم النبات، والنبات يخدم ~~الحيوان، وكلهم يخدمون الإنسان. فإن كان الإنسان هو المخدوم الأعلى في ~~هذا الكون فما عمله هو؟ وما وظيفته في كون الله؟ فكل ما دونك له مهمة ~~يؤديها فما مهمتك؟ إذن: إن لم يكن لك مهمة في الحياة فأإنت أتفه من ~~الحيوان، ومن النبات، حتى ومن الجماد، فلا بد أن تبحث لك عن عمل ~~يناسب سيادتك على هذه المخلوقات. ثم هل سخرت هذه المخلوقات لنفسك ~~بنفسك، أم سخرها الله وذللها لخدمتك؟ فكان عليك أن تلتفت لمن سخر ~~لك هذه المخلوقات وهي أقوى منك، ألك قدرة على السماء؟ أتطول الشمس ~~والقمر؟ # إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا # [الإسراء: 37]. إذن: كان يجب عليك أن تبحث بعقلك فيمن سخر لك هذا ~~كله، كان عليك أن تهتدي إلى الخالق للسماء والأرض وما بينهما، لأنه ~~سبحانه ما خلقها عبثا، ولا خلقها للعب، إنما خلقها من أجلك أنت. لذلك ~~يقول سبحانه في الحديث القدسي: # " يا ابن آدم، خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تنشغل بما ~~هو لك عمن أنت له ". # فالكون مملوك لك، وأنت مملوك لله، فلا تنشغل بالمملوك لك عن المالك لك. ~~فما الحكمة من خلق السماء والأرض وما بينهما؟ الحكمة أن هذه المخلوقات ~~لولاها ما كنا نستدل على القوة القادرة وراء خلق هذه الأشياء، وهو ~~الخالق سبحانه، فهي - إذن - لإثبات صفات الجلال والجمال لله عز وجل. فلو ~~ادعى أحد أنه شاعر - ولله المثل الأعلى - نقول له: أين القصيدة التي ~~قلتها؟ فلا نعرف أنه شاعر إلا من خلال شعره وآثاره التي ادعاها. وهي ~~دعوى دون دليل؟! وقد خلق الله هذا الخلق من أجلك، وتركك تربع فيه، ~~وخلقه مقهورا مسيرا، فالشمس ما اعترضت يوما على الشروق، والقمر ~~والنجوم والمطر والهواء والأرض والنبات كلها تعطي المؤمن والكافر والطائع ~~والعاصي لأنها تعمل بالتسخير، لا ms6447 بالإرادة والاختيار. # أما الإنسان هو المخلوق صاحب الاختيار في أن يفعل أو لا يفعل. ولو نظرت ~~إلى هذا الكون لأمكنك أن تقسمه إلى قسمين: قسم لا دخل لك فيه ~~أبدا، وهذا تراه منسجما في نظامه واستقامته وانضباطه، وقسم تتدخل فيه، ~~وهذا الذي يحدث فيه الخلل والفساد. قال الحق سبحانه وتعالى: # والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز ~~العليم * والقمر قدرناه منازل حتى عاد ~~كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك ~~القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك ~~يسبحون # [يس: 38-40]. فالكون من حولك يسير بأمر خالقه، منضبط لا يتخلف منه ~~شيء، فلو أخذت مثلا سنة كاملة 365 يوما، ثم حاولت أن تعيدها في عام ~~آخر لوجدت أن الشمس طلعت في اليوم الأول من نفس المكان، وفي اليوم ~~الثاني من نفس مكان اليوم الثاني، وهكذا بدقة متناهية، سبحان خالقها. ~~لذلك فالذين يضعون التقويم لمعرفة الأوقات يضعون تقويم ثلاث وثلاثين سنة ~~يسجلون دورة الفلك، ثم يتكرر ما سجلوه بانضباط شديد، ومن ذلك مثلا ~~إذا حدد العلماء موعد الكسوف أو الخسوف أو نوعه جزئي أو حلقي، فإذا ~~ما تابعته وجدته منضبطا تماما في نفس موعده، وهذا دليل على انضباط هذا ~~الكون وإحكامه لأنه لا تدخل لنا فيه أبدا. وفي المقابل انظر إلى أي ~~شيء للإنسان فيه تدخل: فمثلا نحن يكيل بعضنا لبعض، ويزن بعضنا لبعض، ~~ويقيس بعضنا لبعض، ويخبز بعضنا لبعض، ويبيع بعضنا لبعض.. الخ انظر إلى ~~هذه العلاقات تجدها - إلا ما رحم الله - فاسدة مضطربة، ما لم تسر على ~~منهج الله، فإن سارت على منهج الله استقامت كاستقامة السماء والأرض. إذن: ~~كلما رأيت شيئا فاسدا شيئا قبيحا فاعلم أن الإنسان وضع أنفه فيه. ~~وكأن الخلق - عز وجل - يقول للإنسان: أنت لست أمينا حتى على نفسك، فقد ~~خلقت لك كل هذا الكون، ولم يشذ منه شيء، ولا اختلت فيه ظاهرة، أما ~~أنت - لأنك مختار - فقد أخللت بنفسك وأتعبتها. فاعلم أن المسائل عندي ~~أنا آمن لك، فإذا أخذتك من دنيا الأسباب إلى ms6448 الآخرة وإلى المسبب، ~~فأنا أمين عليك أنعمك نعيما لا تعب فيه ولا نصب ولا شقاء، وإن كنت ~~تخدم نفسك في الدنيا، فأنا أخدمك في الآخرة، وألبي لك رغبتك دون أن ~~تحرك أنت ساكنا. إذن: لو أنني شغلت نفسي بمن يملكني وهو الله تعالى ~~لاستقام لي ما أملكه. فهذا الكون وهذا الإيجاد خلقه الله لخدمة الإنسان، ~~فلماذا؟ كأن الحق - سبحانه وتعالى - يقول: لأني يكفيني من خلقي أن ~~يشهدوا مختارين أنه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وإن كانت ~~المخلوقات قد شهدت هذه الشهادة مضطرة، فالعظمة أن يشهد المختار الذي ~~يملك أن يشهد أو لا يشهد. كما أنني بعد أن أنعمت عليك كل هذه النعم ~~أنزلت إليك منهجا بافعل كذا ولا تفعل كذا، فإن أطعت أثبتك، وإن عصيت ~~عاقبتك، وهذه هي الغاية من خلق السماء والأرض، وأنها لم تخلق لعبا. ~~وهذا المنهج تعرفه من الرسل، والرسل يعرفونه من الكتاب. فلو كذبت ~~بالرسل لم تعرف هذه الأحكام ولم تعرف المنهج، وبالتالي لا نستطيع أن ~~نثيب أو نعاقب، فيكون خلق السماء والأرض بدون غاية. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { لو أردنآ أن نتخذ لهوا... }. ### || [21.17] # فلو أردنا اللهو لفعلناه، فنحن نقدر على كل شيء، وقوله: { إن كنا ~~فاعلين.. } [الأنبياء: 17] تدل على أن ذلك لن يحدث. فمعنى اللهو هو ~~أن تنصرف إلى عمل لا هدف له ولا فائدة منه، فالإنسان اللاهي يترك الأمر ~~المهم ويذهب إلى الأمر غير المهم، فاللهو واللعب حركتان من حركات ~~الجوارح، ولكنها حركات لا مقصد لها إلا الحركة في ذاتها، فليس لها هدف ~~كمالي نسعي له في الحركة، ولذلك فاللهو واللعب دون هدف يسمى عبثا. ~~وهذا يمتنع في حق الله سبحانه وتعالى: { بل نقذف بالحق على ~~الباطل... }. ### || [21.18] # ما دام أنهم فعلوا اللهو واللعب، وخانوا نعم الله في السماء والأرض ~~فليعلموا أن هذا الحال لن يستمر، فالحق سبحانه يملي للباطل ويوسع له ~~حتى يزحف ويمتد، حتى إذا أخذه أخذ عزيز مقتدر، وقذف عليه بالحق. فقوله: ~~{ بل نقذف بالحق على الباطل.. } [الأنبياء: ms6449 18] القذف: ~~الرمي بشدة مثل القذائف المدمرة { فيدمغه.. } [الأنبياء: 18] ~~يقال: دمغه أي: أصاب دماغه. والدماغ أشرف أعضاء الإنسان ففيه المخ، وهو ~~ميزان المرء، فإن كان المخ سليما أمكن إصلاح أي عطل آخر، أما إن ~~تعطل المخ فلا أمل في النجاة بعده. لذلك جعل الحق - سبحانه وتعالى - ~~عظمة الدماغ أغوى عظام الجسم لتحفظ هذا العضو الهام، والأطباء لا ~~يحكمون على شخص بالموت - مثلا - إذا توقف القلب لأن القلب يجري له تدليك ~~معين فيعود إلى عمله كذلك التنفس، أما إن توقف المخ فقد مات صاحبه، فهو ~~الخلية الأولى والتي تحتفظ بآخر مظاهر الحياة في الجسم لذلك يقولون: موت ~~إكلينيكي. وللمخ يصل خلاصة الغذاء، وهو المخدوم الأعلى بين الأعضاء، ~~فالجسم يأخذ من الغذاء ما يكفي طاقته الاحتراقية في العمل، وما زاد على ~~طاقته يختزن على شكل دهون يتغذى عليها الجسم، حين لا يوجد الطعام، ~~فإذا ما انتهى الدهن تغذى على اللحم، ثم على العظم ليوفر ~~للمخ ما يحتاجه، فهو السيد في الجسم، ومن بعده تتغذى باقي الأعضاء. إذن: ~~كل شيء في الجسم يخدم المخ لأنه أعلى الأعضاء، أما النبات مثلا فيخدم ~~أسفله، فإذا جف الماء في التربة ولم يجد النبات الغذاء الكافي يتغذى ~~على أعلاه فيذبل أولا، ثم تتساقط الأوراق، ثم تجف الفروع الصغيرة، ثم ~~الجذع، ثم الجذر. ومن ذلك قول سيدنا زكريا عليه السلام: # قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس ~~شيبا.. # [مريم: 4] فالعظم آخر مخزن للغذاء في الجسم، فوهن العظم دليل على ~~أن المسألة أوشكت على النهاية. إذن: فقوله تعالى: { فيدمغه.. } ~~[الأنبياء: 18] أي: يصيبه في أهم الأعضاء وسيدها والمتحكم فيها، لا في ~~عضو آخر يمكن أن يجبر لذلك يقول بعدها: { فإذا هو زاهق.. } ~~[الأنبياء: 18] زاهق: يعني خارج بعنف. وقوله تعالى: { ولكم الويل ~~مما تصفون } [الأنبياء: 18] يعني: أيها الإنسان المغتر بلججه ~~وعناده في الباطل، ووقف بعقله وقلبه ليصادم الحق، سنقذف بالحق على باطلك، ~~فنصيب دماغه فيزهق، ساعتها ستقول: يا ويلتي كما سبق أن قالوا: # يويلنآ إنا كنا ظالمين # [الأنبياء: 14] حينما يباشرون العذاب. ms6450 ومعنى: { تصفون } [الأنبياء: ~~18] تكذبون كذبا افترائيا، كما لو رأيت شخصا جميلا، فتقول: وجهه ~~يصف الجمال، يعني: إن كنت تريد وصفا للجمال، فانظر إلى وجهه يعطيك ~~صورة للجمال، كما جاء في قوله تعالى: # وتصف ألسنتهم الكذب.. # [النحل: 62] يعني: إن أردت أن تعرف الكذب بعينه، فاسمع كلامهم وما ~~قالته ألسنتهم. كما يقولون: حديث خرافة، وأصل هذه المقولة رجل اسمه ~~خرافة، كان يقول: أنا عندي سهم إن أطلقته على الظبي يسير وراءه، فإن ~~التفت يمينا سار وراءه، فإن ذهب شمالا ذهب وراءه، فإن صعد الجبل صعد ~~وراءه، فإن نزل نزل وراءه. وكأن سهمه صاروخ موجه كالذي نراه اليوم!! ~~فسار كلامه مثالا يضرب للكذب. لذلك قال الشاعر: # * حديث خرافة يا أم عمرو * # فإن أردت تعريفا للكذب فأنا لا أعرفه لك بأنه قول لا يوافق ~~الواقع، إنما اسمع إلى كلامهم، فهو أصدق وصف للكذب لأنه كذب مكشوف ~~مفضوح. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # سبحانه وتعالى عما يصفون # [الأنعام: 100] أي: يكذبون ويفترون على الله. وقد يقول قائل: لماذا ~~يملي الله للباطل حتى يتمرد ويعلو، ثم يعلو عليه الحق فيدمغه؟ نقول: ~~الحكمة من هذا أن تتم الابتلاءات، والناس لا تتعشق الحق إلا إذا رأت ~~بشاعة الباطل، ولا تعرف منزلة العدل إلا حين ترى بشاعة الظلم، وبضدها ~~تتميز الأشياء، كما قال الشاعر: # فالوجه مثل الصبح مبيض # والشعر مثل الليل مسود # ضدان لما استجمعا حسنا # والضد يظهر حسنه الضد # إذن: لا نعرف جمال الحق إلا بقبح الباطل، ولا حلاوة الإيمان إلا ~~بمرارة الكفر. { وله من في السماوات والأرض... }. ### || [21.19] # سبق أن أخبر الحق سبحانه أنه خلق السماء والأرض وما بينهما، وهذا ظرف، ~~فما المظروف فيه؟ المظروف فيه هم الخلق، وهم أيضا لله: { وله من ~~في السماوات والأرض.. } [الأنبياء: 19] وإن كان من الخلق ~~من ميزه الله بالاختيار يؤمن أو يكفر، يطيع أو يعصي، فإن كان ~~مختارا في أمور التكليف فهو مقهور في الأمور الكونية لا دخل له فيها. ~~فليس للإنسان تحكم في ميلاده أو وفاته، ولا تحكم له في صحته ms6451 وعافيته أو ~~مرضه أو ذكائه أو طوله أو قصره، إذن: فهو ملك لله، مقهور له، إلا أنه ~~سبحانه ترك زاوية اختيار تكليفية. أما السماء والأرض فهي مسخرة ~~مقهورة: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.. # [الأحزاب: 72]. فاختارت التسخير على الاختيار الذي لا طاقة لها به. أما ~~الإنسان فقد دعاه عقله إلى حملها وفضل الاختيار، ورأى أنه سيوجه هذه ~~الأمانة التوجيه السليم # وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. فوصفه ربه بأنه كان في هذا العمل ظلوما جهولا لأنه ~~لا يدري عاقبة هذا التحمل. فإن قلت: فما ميزة طاعة السماوات والأرض وهي ~~مضطرة؟ نقول: هي مضطرة باختيارها، فقد خيرها الله فاختارت الاضطرار. ~~وقوله: { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته.. } ~~[الأنبياء: 19] أي ليسوا أمثالكم يكذبون ويكفرون، بل هم في عبادة دائمة ~~لا تنقطع، والمراد هنا الملائكة لأنهم # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. { ولا يستحسرون } [الأنبياء: 19] من حسر: يعني ~~ضعف وكل وتعب وأصابه الملل والإعياء. ومنه قوله تعالى: # ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير # [الملك: 4] أي: كليل ضعيف، لا يقوى على مواجهة الضوء الشديد كما لو ~~واجهت بعينيك ضوء الشمس أو ضوء سيارة مباشر، فإنه يمنعك من الرؤية لأن ~~الضوء الأصل فيه أن نرى به ما لا نراه. وفي آية أخرى يقول تعالى: # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون.. # [النساء: 172] لأن عزهم في هذه المسألة. ### || [21.20] # فهؤلاء الملائكة يعبدون الله ويسبحونه، لا يصيبهم ضعف، ولا يصيبهم ~~فتور، ولا يشعرون بالملل من العبادة والتنزيه له سبحانه فالملائكة لا ~~تتكبر عن عبادته والخضوع له. والحق سبحانه يقول: # إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ~~ويسبحونه وله يسجدون # [الأعراف: 206]. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { أم اتخذوا ~~آلهة... }. ### || [21.21] # أي: فما لهم أعرضوا عن كل هذه الحقائق؟ ألهم آلهة غيري وأنا خالق السماء ~~والأرض، وهي لي بمن فيها من الإنس والجن والملائكة؟ فالجميع عبد لي ~~يسبح بحمدي، فما الذي ms6452 أعجبهم في غيري فأعرضوا عني، وانصرفوا إليه؟ أهو ~~أحسن مني، أو أقرب إليهم مني؟ كأن الحق - تبارك وتعالى - يستنكر انصرافهم ~~عن الإله الحق الذي له كل هذا الملك، وله كل هذه الأيادي والنعم. ~~وقوله تعالى: { هم ينشرون } [الأنبياء: 21] أي: لهم قدرة على إحياء ~~الموتى وبعثهم. وشيء من هذا كله لم يحدث لأنه: { لو كان فيهمآ ~~آلهة إلا... }. ### || [21.22] # فمع انصرافكم عن الإله الحق الذي له ملك السماء والأرض، وله تسبح ~~جميع المخلوقات، لا يوجد إله آخر { لو كان فيهمآ آلهة إلا ~~الله لفسدتا.. } [الأنبياء: 22] أي: ما زال الكلام مرتبطا ~~بالسماء والأرض { لفسدتا.. } [الأنبياء: 22] السماء والأرض، وهما ~~ظرفان لكل شيء من خلق الله. ومعنى { إلا الله.. } [الأنبياء: ~~22] إلا: أداة استثناء تخرج ما بعدها عن حكم ما قبلها كما لو قلت: جاء ~~القوم إلا محمد، فقد أخرجت محمدا عن حكم القوم وهو المجيء، فلو أخذنا ~~الآية على هذا المعنى: { لو كان فيهمآ آلهة إلا الله ~~لفسدتا.. } [الأنبياء: 22] يعني: لو كان هناك آلهة، الله خارج عنها ~~لفسدت السماوات والأرض. إذن: ما الحال لو قلنا: لو كان هناك آلهة والله ~~معهم؟ معنى ذلك أنها لا تفسد. فإلا إن حققت وجود الله، فلم تمنع ~~الشركة مع الله، وليس هذا مقصود الآية، فالآية تقرر أنه لا إله غيره. ~~إذن: إلا هنا ليست أداة استثناء. إنما هي اسم بمعنى غير كما جاء في قوله ~~تعالى: # وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من ~~قد آمن.. # [هود: 36]. فالمعنى: لو كان فيهما آلهة موصوفة بأنها غير الله لفسدتا، ~~فامتنع أن يكون هناك شريك. وهناك آية أخرى: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. الحق - سبحانه وتعالى - يعطينا القسمة العقلية في ~~القرآن: فلنفرض جدلا أن هناك آلهة أخرى: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا.. # [الإسراء: 42] أي: لو حدث هذا # لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. السبيل: الطريق، أي طلبوا طريقا إلى ذي العرش أي: إلى ~~الله، لماذا؟ إما ليجادلوه ms6453 ويصاولوه، كيف أنه أخذ الألوهية من خلف ~~ظهورهم، وإما ليتقربوا إليه ويأخذوا ألوهية من باطنه، وقوة في ظل قوته، ~~كما أعطى الله تعالى قوة فاعلة للنار مثلا من باطن قوته تعالى، فالنار ~~لا تعمل من نفسها، ولكن الفاعل الحقيقي هو الذي خلق النار، بدليل أنه لو ~~أراد سبحانه لسلبها هذه القدرة، كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى: # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. وقوله: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض.. # [المؤمنون: 91] وهذه الآية الكريمة وأمثالها تثبت أنه سبحانه موجود ~~وواحد. أما على اعتبار أن إلا استثناء فهي تثبت أنه موجود، إنما معه ~~شريك، وليس واحدا. فهي - إذن - اسم بمعنى غير، ولما كانت مبنية بناء ~~الحروف ظهر إعرابها على ما بعدها لو كان فيهما آلهة إلا الله فيكون ~~إعراب غير إعراب إلا الذي ظهر على لفظ الجلالة الله. # لكن، لماذا تفسد السماء والأرض إن كان فيهما آلهة غير الله؟ قالوا: ~~لأنك في هذه المسألة أمام أمرين: إما أن تكون هذه الآلهة مستوية في صفات ~~الكمال، أو واحد له صفات الكمال والآخر له صفة نقص. فإن كان لهم صفات ~~الكمال، اتفقوا على خلق الأشياء أم اختلفوا؟ إن كانوا متفقين على ~~خلق شيء، فهذا تكرار لا مبرر له، فواحد سيخلق، والآخر لا عمل له، ~~ولا يجتمع مؤثران على أثر واحد. فإن اختلفوا على الخلق: يقول أحدهم: ~~هذه لي. ويقول الآخر: هذه لي، فقد علا بعضهم على بعض. أما إن كان لأحدهم ~~صفة الكمال، وللآخر صفة النقص، فصاحب النقص لا يصح أن يكون إلها. ~~وهكذا الحق - سبحانه وتعالى - يصرف لنا الأمثال ويوضحها ليجلي هذه ~~الحقيقة بالعقل وبالنقل: لا إله إلا الله، واتخاذ آلهة معه سبحانه أمر ~~باطل. كذلك يرد على الذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل من قالوا: ~~العزير ابن الله ومن قالوا: المسيح ابن الله. ومن اتخذوا الملائكة ~~آلهة من دون الله: # أولئك الذين يدعون ms6454 يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب.. # [الإسراء: 57]. إن هؤلاء الذين تدعونهم مع الله يطلبون إليه وسيلة، ~~ويتقربون إليه سبحانه، وينظرون أيهم أقرب إلى الله من الآخر، فكيف ~~يكونون آلهة؟ ثم يقول تعالى: { فسبحان الله رب العرش.. } ~~[الأنبياء: 22] أي: تنزيها لله عما قال هؤلاء { عما يصفون } ~~[الأنبياء: 22] أي: يلحدون ويكذبون ويفترون. والعرش: هو السرير الذي ~~يجلس عليه الملك، وهو علامة الملك والسيطرة، كما في قوله تعالى عن ملكة ~~سبأ على لسان الهدهد: # إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ~~ولها عرش عظيم # [النمل: 23] فحين يقول سبحانه { رب العرش.. } [الأنبياء: 22] ~~ينصرف إلى عرشه تعالى، الذي لا يعلو عليه، ولا ينازعه عرش آخر. ثم يقول ~~الحق سبحانه عن ذاته سبحانه: { لا يسأل عما... }. ### || [21.23] # فالله تعالى لا يسأل عما يفعل لأن السائل له مراتب مع المسئول، ~~والعادة أن يكون المسئول في مرتبة أدنى من السائل لذلك لا أحد يسأل ~~الله تعالى عما يفعل، أما هو سبحانه فيسأل الناس. لذلك قال بعض ~~الظرفاء: الدليل على أن الله لا شريك له، خلقه لفلان، لأنه لو كان له ~~شريك كان عارضه في هذه المسألة. إذن: لا أحد أعلى من الله، حتى يسأله: ~~لم فعلت كذا وكذا؟ ثم يقول الحق سبحانه: { أم اتخذوا من ~~دونه... }. ### || [21.24] # طالما اتخذوا من دون الله آلهة فهاتوا البرهان على صدقها، كما أن الله ~~تعالى - وهو الإله الحق - أتى بالبراهين الدامغة على وجوده، وعلى قدرته، ~~وعلى وحدانيته، وعلى أحديته، فهاتوا أنتم أيضا ما لديكم، أم أنها آلهة ~~لا أدلة لها ولا برهان عليها، فلم تنزل كتابا، ولا أرسلت رسولا، ولا ~~جاءت بمنهج. فأين هم إذن؟ إذا لم يكونوا على دراية بما يحدث، فهي آلهة ~~غافلة لا يصح أن يحتلوا هذه المنزلة، وإن كانوا على دراية فلم لم ~~يجابهوا الحقائق ويدافعوا عن أنفسهم؟ إذن: هم ضعفاء عن هذه المواجهة. ~~وقوله تعالى: { قل هاتوا برهانكم.. } [الأنبياء: 24] أي: ~~هاتوا الدليل على وجود آلهة غير الله، والبرهان: التدليل بإيجاد الكون ~~على هذا النظام البديع، فهل ms6455 سمعتم أن إلها آخر قال: أنا الذي أوجدت؟ هل ~~أرسل رسولا بآية؟ إذن: هذا كلام كذب وافتراء واختلاق من عند أنفسكم ~~لأنكم لستم أهل علم في شيء، ولا يعني هذا عدم وجود العلم، إنما العلم ~~موجود، ولكنكم معرضون عن سماعه: { بل أكثرهم لا يعلمون ~~الحق فهم معرضون } [الأنبياء: 24]. كأن للحق سمات يعلم بها، ~~فمن أقبل على معرفة الحق وجده، أما من أعرض عن المعرفة، فمن أين له ~~أن يعرف؟ إذن: فالحق موجود ولو التمسوه لوجدوه وعرفوه، وأمسكوا بالدليل ~~عليه. ثم يقول الحق سبحانه: { ومآ أرسلنا من قبلك من ~~رسول... }. ### || [21.25] # إذن: فقضية التوحيد واضحة منذ بداية الرسالات إلى خاتمها، الكل جاء بقول ~~لا إله إلا الله قضية مشتركة بين جميع رسالات السماء. وقوله تعالى: { من ~~رسول.. } [الأنبياء: 25] من هنا للشمول والتعميم، يعني: كل أفراد ~~الرسل، كل من يقال له رسول. فلو قال لك شخص: ما عندي مال، لا يمنع ~~هذا القول أن يكون عنده قليل من المال، قروش مثلا لا يقال لها مال، ~~فإن قال لك: ما عندي من مال فقد نفى وجود جنس المال من بداية ما يقال له ~~مال، ما عندي حتى مليم واحد. إذن: ما جئتم به من مسألة الشرك بالله أو ~~إنكاره عز وجل مسألة جديدة موضة طلعتم علينا بها. ### || [21.26] # قوله: { سبحانه.. } [الأنبياء: 26] أي: تنزيها له أن يكون له ~~ولد، فقل: إن كان له، فله عباد مكرمون وهم الملائكة. ومن صفات هؤلاء ~~العباد المكرمين الذين هم الملائكة أنهم: { لا يسبقونه ~~بالقول... }. ### || [21.27] # ومع أنهم عباد مكرمون إنما لا يسبقونه بالقول، فلا يقولون ما لم يقله ~~ولا يتقدمون عليه بقول حتى إن وافق مراد الله، ولا يفعلون ما لم يأمر ~~به، وكأن الحق سبحانه يعطينا إشارة لبعض آفات المجتمع، فمن آفات المجتمع ~~أن ترى العظماء المكرمين إلا أنهم يصنعون لأنفسهم سلطة زمنية من باطنهم، ~~فيقولون ما لم يقله ربهم عز وجل، ويفعلون ما لم يأمر به، ويقدمون ~~أوامرهم على أوامره. وقوله تعالى: { وهم بأمره يعملون } ~~[الأنبياء: ms6456 27] أي: يأتمرون بأمره، فإن أمر فعلوا، وإن نهى تركوا. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم... }. ### || [21.28] # الكلام هنا عن العباد المكرمين من الملائكة، فمع أن الله أكرمهم ~~وفضلهم، إلا أنه لم يتركهم دون متابعة ومراقبة، إنما يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم، ولم تترك لهم مسألة الشفاعة يدخلون فيها من أحبوا ~~إنما { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى.. } [الأنبياء: 28]. ~~أي: لمن ارتضاه الله وأحبه، فإياكم أن تفهموا أنكم حين تقولون: الملائكة ~~بنات الله، أو تعبدونهم من دون الله أنهم يكونون لكم شفعاء عند الله ~~لأنهم لا يشفعون إلا لمن أحبه الله، وارتضاه من أهل الإيمان، فلا تظن ~~أنهم # عباد مكرمون # [الأنبياء: 26] أي: مدللون يفعلون ما يحلو لهم، لا، إنهم مع ذلك ~~ملتزمون بحدودهم لا يتعدونها، فما أكرمتهم كل هذا الإكرام إلا لأنهم ~~مطيعون ملتزمون. وهم مع هذه الطاعة { من خشيته مشفقون } ~~[الأنبياء: 28] فليسوا مع هذا الإكرام مطمئنين آمنين، بل مشفقون خائفون ~~وجلون من خشية الله. ولذلك يقول الحق سبحانه: { ومن يقل منهم ~~إني إله من دونه... }. ### || [21.29] # أي: على فرض أن قال أحدهم هذا القول، إذن: هذا كلام لم يحدث، ولا ~~يمكن أن يقال منهم { فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي ~~الظالمين } [الأنبياء: 29] لماذا؟ لأنهم أخذوا الظلم في أعلى ~~مراتبة وعنفوانه وطغيانه، ظلم في مسألة القمة # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. لذلك يهددهم، مع أنهم ملائكة ومكرمون، لكن إن بدر من ~~أحدهم هذا القول فجزاؤه جهنم، وفي هذا اطمئنان للخلق أجمعين. *** بعد ~~ذلك أراد الحق - سبحانه وتعالى - أن يدلل على هذه الوحدانية التي ~~أكدها في كلامه السابق، والوحدانية في طيها الأحدية، لأن هناك ~~فرقا بينهما، وليسا مترادفين كما يظن البعض، فواحد وأحد وصفان لله ~~عز وجل # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] وقال: # الواحد القهار # [الرعد: 16]. فالواحد أي: الفرد الذي لا يوجد له نظير، وهذا الواحد في ~~ذاته أحد أي: ليس له أجزاء، فالواحدية تمنع أن يوجد فرد مثله، ~~والأحدية تمنع أن يكون في ذاته مكونا من أجزاء لأنه ms6457 سبحانه لو كون من ~~أجزاء لصار كل جزء محتاجا في وجوده إلى الجزء الآخر، فلا احتياج له في ~~وجوده ليكون كله، إذن: فلا هو كلي، ولا هو جزئي. فاختار سبحانه ~~للتدليل آيات الكون الموجودة والمشهودة التي لا يمكن أن ينكرها أحد ~~لأنها آيات مرتبة واضحة ونافعة في الوقت نفسه، فقد يكون المرئي واضحا ~~لكن لا حاجة لك فيه - فالإنسان يشعر بمنفعة الشمس لو غابت عنه، ويشعر ~~بمنفعة المطر إن امتنعت السماء عن المطر.. إلخ. فمشهودية هذه الآيات ~~تقتضي الالتفات إليها، والنفعية فيها تقتضي أيضا الالتفات إليها، حتى ~~وهي غائبة عنك، فتنظر وتتطلع إلى عودتها من جديد. فيقول الحق سبحانه: { ~~أولم ير الذين كفروا أن السماوات... }. ### || [21.30] # قوله تعالى: { أولم ير الذين كفروا.. } [الأنبياء: 30] ~~يعني: أعميت أبصارهم، فلم ينظروا إلى هذا الكون البديع الصنع المحكم ~~الهندسة والنظام، فيكفروا بسبب أنهم عموا عن رؤية آيات الله. وهكذا كما ~~رأيت الهمزة بعد الواو والفعل المنفي. لكن كيف يقول الحق سبحانه: { ~~أولم ير الذين كفروا.. } [الأنبياء: 30] والحديث هنا عن ~~السماء والأرض، وقد قال تعالى: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]؟ فهذه مسألة لم يشهدها أحد، ولم يخبرهم أحد بها، فكيف ~~يرونها؟ سبق أن تكلمنا عن الرؤية في القرآن، وأن لها استعمالات مختلفة: ~~فتارة تأتي بمعنى: نظر أي: بصرية. وتأتي بمعنى: علم، ففي قوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. والنبي صلى الله عليه وسلم لم ير هذه الحادثة ولم يشهدها ~~لأنه ولد في نفس عامها، فالمعنى: ألم تعلم، فلماذا عدل السياق عن ~~الرؤية البصرية إلى الرؤية العلمية، مع أن رؤية العين هي آكد الرؤى، ~~حتى أنهم يقولون: ليس مع العين أين؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أن ~~ينبه رسوله صلى الله عليه وسلم: أنت صحيح لم ترها بعينيك، لكن ربك أخبرك ~~بها، وإخبار الله أصدق من رؤية عينيك، فإذا أخبرك الله بشيء فإخبار الله ~~أصدق من رؤية العين، فالعين يمكن أن تخدعك، أو ms6458 ترى بها دون أن تتأمل. ~~أما إخبار الله لك فصادق لا خداع فيه. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على الكافرين ~~تؤزهم أزا # [مريم: 83]. لكن، كيف تمت الرؤية العلمية لهم في مسألة خلق ~~السماوات والأرض؟ قالوا: لأن الإنسان حين يرى هذا الكون البديع كان يجب ~~عليه ولو بغريزة الفضول أن يتساءل: من أين جاء هذا الكون العجيب؟ ~~والإنسان بطبعه يلتفت إلى الشيء العجيب، ويسأل عنه، وهو لا يعنيه ولا ~~ينتفع به، فما بالك إن كان شيئا نافعا له؟ إذن: كان عليهم أن ~~ينظروا: من الذي نبأ رسول الله بهذه المسألة؟ خاصة وقد كانوا يسألون ~~عنها، وقد جاءهم رسول الله بمعجزة تثبت صدقه في البلاغ عن الله، ~~وتخبرهم بما كانوا يبحثون عنه، وما دام الكلام من الله فهو صدق: # ومن أصدق من الله قيلا # [النساء: 122]. وقد نزل القرآن وفي جزيرة العرب كفار عباد أصنام، ~~وفيها اليهود وبعض النصارى، وهما أهل الكتاب يؤمنون بإله وبرسل وبكتب، ~~حتى إنهم كانوا يجادلون الكفار الوثنيين يقولون لهم: لقد أطل زمان نبي ~~سنتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. ومع ذلك، لما جاءهم ما عرفوا من الحق ~~كفروا به، والتحموا بالكفار، وكونوا معهم جبهة واحدة، وحزبا واحدا، ~~ما جمعهم إلا كراهية النبي، وما جاء به من الدين الحق، وما أشبه هذا بما ~~يفعله الآن كل من المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي من اتحاد ضد ~~الإسلام. # إذن: بعد أن جاء الإسلام أصبح أهل الكتاب والكفار ضد الإسلام في خندق ~~واحد، وكان الكفار يسمعون من أهل الكتاب، وفي التوراة كلام عن خلق ~~السماء والأرض يقول: إن الله أول ما خلق الخلق خلق جوهرة، ثم نظر إليها ~~نظر الهيبة فحصل فيها تفاعل وبخار ودخان، فالدخان صعد إلى أعلى فكون ~~السماء، والبقية ظلت فكونت الأرض. وهكذا كان لديهم طرف من العلم عن ~~مسألة الخلق لذلك قال الله عنهم: { أولم ير الذين ~~كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~ففتقناهما.. } [الأنبياء: 30]. وقد كان للمستشرقين كلام حول قوله ~~تعالى: { كانتا رتقا.. ms6459 } [الأنبياء: 30] قالوا: السماوات جمع، ~~والأرض كذلك جنس لها جمع، فالقاعدة تقتضي أن نقول: كن رتقا بضمير ~~الجمع. وصاحب هذا الاعتراض لم يدر أن الله سبحانه وتعالى نظر إلى ~~السماء كنوع والأرض كنوع، فالمراد هنا السماوية والأرضية وهما مثنى. ~~وفي القرآن نظائر كثيرة لهذه المسألة لأن القرآن جاء بالأسلوب العربي ~~المبني على الفطنة والذكاء ومرونة الفهم. فخذ مثلا قوله تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما.. # [الحجرات: 9]. فلم يقل حسب الظاهر: اقتتلتا لأن الطائفة وإن كانت ~~مفردا إلا أنها تحوي جماعة، والقتال لا يكون بين طائفة وطائفة، إنما بين ~~أفراد هذه وأفراد هذه، فالقتال ملحوظ فيه الجمع # اقتتلوا.. # [الحجرات: 9] فإذا ما جئنا للصلح نرى أن الصلح لا يتم بين ~~هؤلاء الأفراد، وإنما بين ممثل عن كل طائفة، فالصلح قائم بين طرفين ~~لذلك يعود السياق للتثنية. # فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى ~~فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ~~فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل.. # [الحجرات: 9]. والرتق: الشيء الملتحم الملتصق، ومعنى { ~~ففتقناهما.. } [الأنبياء: 30] أي: فصلناهما وأزحنا هذا ~~الالتحام، وما ذكر في التوراة من أن الله تعالى خلق جوهرة، ثم نظر ~~إليها في هيبة، فحصل لها كذا وكذا في القرآن له ما يؤيده في قوله ~~تعالى: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها.. # [فصلت: 11]. والعلماء ساعة يستقبلون الآية الكونية لهم فيها مذاهب ~~اجتهادية مختلفة لأنها تتعرض لحقيقة الكون، وهذا أمر قابل للخلاف، ~~فكل واحد منهم يأخذ منه على قدر ثقافته وعلمه. فالعربي القديم لم ~~يكن يعرف كثيرا عن الظواهر الكونية، لا يعرف الجاذبية، ولا يعرف ~~كروية الأرض ولا حركتها، فلو أن القرآن تعرض لمثل هذه الأمور التي لا ~~يتسع لها مداركه وثقافته فلربما صرفه هذا الكلام الذي لا يفهمه، ولك أن ~~تتصور لو قلت له مثلا: إن الأرض كرة تدور بنا بما عليها من بحار ~~وجبال الخ. والقرآن بالدرجة الأولى كتاب منهج " افعل كذا " و " لا تفعل ~~كذا " لذلك كل ما يتعلق بهذا المنهج جاء ms6460 واضحا لا غموض فيه، أما ~~الأمور الكونية التي تخضع لثقافات البشر وارتقاءاتهم الحضارية فقد جاءت ~~مجملة تنتظر العقول المفكرة التي تكشف عن هذه الظواهر واحدة بعد ~~الأخرى، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعطينا مجرد إشارة، وعلى العقول ~~المتأملة أن تكمل هذه المنظومة. # وقد كان لعلماء الإسلام موقفان في هذه المسألة، كلاهما ينطلق من الحب ~~لدين الله، والغرام بكتابه، والرغبة الصادقة في إثبات صدق ما جاء به ~~القرآن من آيات كونية جاء العلم الحديث ليقول بها الآن، وقد نزل بها ~~القرآن منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان. الموقف الأول: وكان ~~أصحابه مولعين بأن يجدوا لكل اكتشاف جديدا شاهدا من القرآن ليقولوا: ~~إن القرآن سبق إليه وأن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق في بلاغه عن ~~الله. الموقف الثاني: أما أصحاب الموقف الآخر فكانوا يتهيبون من هذه ~~المسألة خشية أن يقولوا بنظرية لم تثبت بعد، ويلتمسون لها شاهدا من ~~كتاب الله، ثم يثبت بطلانها بعد أن ربطوها بالقرآن. والموقف الحق أن ~~هناك فرقا بين نظرية علمية، وحقيقة علمية، فالنظرية مسألة محل بحث ~~ومحل دراسة لم تثبت بعد لذلك يقولون: هذا كلام نظري أي: يحتاج إلى ما ~~يؤيده من الواقع، أما الحقيقة العلمية فمسألة وقعت تحت التجربة، وثبت ~~صدقها عمليا ووثقنا أنها لا تتغير. فعلينا - إذن - ألا نربط القرآن ~~بالنظرية التي تحتمل الصدق أو الكذب، حتى لا يتذبذب الناس في فهم ~~القرآن، ويتهمونا أننا نفسر القرآن حسب أهوائنا. أما الحقيقة ~~العلمية الثابتة فإذا جاءت بحيث لا تدفع فلا مانع من ربطها بالقرآن. ~~من ذلك مسألة كروية الأرض، فعندما قال بها العلماء اعترض كثيرون وأثاروها ~~ضجة وألفوا فيها كتبا، ومنهم من حكم بكفر من يقول بذلك لأن هذه ~~المسألة لم ينص عليها القرآن. فلما تقدم العلم، وتوفرت له الأدلة ~~الكافية لإثبات هذه النظرية، فوجدوا الكواكب الأخرى مدورة كالشمس ~~والقمر، فلماذا لا تكون الأرض كذلك؟! كذلك إذا وقفت مثلا على شاطئ ~~البحر، ونظرت إلى مركب قادم من بعيد لا ترى منها إلا طرف شراعها، ms6461 ولا ~~ترى باقي المركب إلا إذا اقتربت منك، علام يدل ذلك؟ هذا يدل على أن ~~سطح الأرض ليس مستويا، إنما فيه تقوس وانحناء يدل على كرويتها. فلما ~~جاء عصر الفضاء، وصعد العلماء للفضاء الخارجي، وجاءوا للأرض بصور، فإذا ~~بها كروية فعلا، وهكذا تحولت النظرية إلى حقيقة علمية لا تدفع، ولا ~~جدال حولها، ومن خالفها حينما كانت نظرية لا يسعه الآن إلا قبولها ~~والقول بها. وما قلناه عن كروية الأرض نقوله عن دورانها، ومن كان يصدق ~~قديما أن الأرض هي التي تدور حول الشمس بما عليها من مياه ومبان ~~وغيره؟ ولك أن تأخذ كوزا ممتلئا بالماء، واربطه بخيط من أعلى، ثم ~~أدره بسرعة من أسفل إلى أعلى، تلاحظ أن فوهة الكوز إلى أسفل دون أن ~~ينسكب الماء، لماذا؟ لأن سرعة الدوران تفوق جاذبية الأرض التي تجذب الماء ~~إليها، بدليل أنك إذا تهاونت في دوران الكوز يقع الماء من فوهته، ولا ~~بد من وجود تأثير للجاذبية، فجاذبية الأرض هي التي تحتفظ بالماء عليها ~~أثناء دورانها. # أما أن نلتقط نظرية وليدة في طور البحث والدراسة، ثم نفرح بربطها ~~بالقرآن كما حدث أوائل العصر الحديث والنهضة العلمية، حين اكتشف العلماء ~~المجموعة الشمسية، وكانت في بدايتها سبعة كواكب فقط مرتبة حسب قربها ~~من الشمس في المركز: عطارد، فالزهرة، فالأرض، فالمريخ، فالمشتري، فزحل، ~~فأورانوس. وهنا أسرع بعض علمائنا الكبار - منهم الشيخ المراغي - بالقول ~~بأنها السماوات السبع، وكتبوا في ذلك بحوثا، وفي القرآن الذي سبق إلى ~~هذا. ومرت الأيام، واكتشف العلماء الكواكب الثامن نبتون، ثم التاسع. ~~إذن: ربط النظرية التي لم تتأكد بعد علميا بالقرآن خطأ كبير، ومن ~~الممكن إذا توفر لهم أجهزة أحدث ومجاهر أكبر - كما يقول بعض علماء ~~الفضاء - لاكتشفوا كواكب أخرى كثيرة، لأن مجموعتنا الشمسية هذه واحدة من ~~مائة مليون مجموعة في المجرة التي نسميها سكة التبانة، والإغريق ~~يسمونها الطريق اللبني. وهذه الكواكب التي نراها كبيرة وعظيمة، لدرجة ~~تفوق تصورات الناس، فالشمس التي نراها هذه أكبر من الأرض بمليون وربع ~~مليون مرة، وهناك من ms6462 الكواكب ما يمكنه ابتلاع مليون شمس في جوفه. ~~والمسافة بيننا وبين الشمس ثماني دقائق ضوئية، وتحسب الدقيقة الضوئية ~~بأن تضرب في ستين ثانية، الثانية الواحدة السرعة فيها 186 ألف ميل يعني: ~~ثلاثمائة ألف كيلومتر. أما المسافة بين الأرض والمرأة المسلسلة فقد ~~حسبوها بالسنين الضوئية لا الدقائق، فوجدوها مائة سنة ضوئية، أما ~~الشعرى الذي امتن الله به في قوله # وأنه هو رب الشعرى # [النجم: 49] فهو أبعد من ذلك. وهذه الكواكب والأفلاك كلها في السماء ~~الدنيا فقط، فما دخل هذا بالسماوات السبع التي تحدثوا عنها؟! لذلك حاول ~~كثيرون من عشاق هؤلاء العلماء أن يمحوا هذه المسألة من كتبهم، حتى لا ~~تكون سبة في حقهم وزلة في طريقهم العلمي. كذلك من النظريات التي ~~قالوا بها وجانبت الصواب قولهم: إن المجموعة الشمسية ومنها الأرض ~~تكونت نتيجة دوران الشمس وهي كتلة ملتهبة، فانفصل عنها بعض طراطيش، ~~وخرج منها بعض الأجزاء التي بردت بمرور الوقت، ومنها تكونت الأرض، ولما ~~بردت الأرض أصبحت صالحة لحياة النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان بدليل أن ~~باطن الأرض ما يزال ملتهبا حتى الآن. وتتفجر منه براكين كبركان فيزوف ~~مثلا. والقياس العقلي يقتضي أن نقول: إذا كانت الأرض قطعة من الشمس ~~وانفصلت عنها، فمن الطبيعي أن تبرد مع مرور الزمن وتقل حرارتها حتى ~~تنتهي بالاستطراق الحراري، إذن: فهذه نظرية غير سليمة، وقولكم بها يقتضي ~~أنكم عرفتم شيئا عن خلق السماوات والأرض ما أخبر الله به، وقد قال ~~تعالى: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض.. # [الكهف: 51]. ثم يقول في آية جامعة # وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. والمضل هو الذي يأخذ بيدك عن الحقيقة إلى الباطل، وكأن ~~الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى ما سيكون من أقوال مضللة في هذه المسألة ~~تقول: حدث في الخلق كيت وكيت. والواجب علينا أن نأخذ هذه التفاصيل من ~~الخالق - عز وجل - وأن نقف عند هذا الحد، لأن معرفتك بكيفية الشيء ليست ~~شرطا لانتفاعك به، فأنت تنتفع بمخلوقات الله وإن لم تفهم كيف خلقت؟ ~~وكيف كانت؟ انتفعنا بكروية الأرض وبالشمس ms6463 وبالقمر دون أن نعرف شيئا ~~عنها، ووضع العلماء حسابات للكسوف وللخسوف والأوقات قبل أن تكتشف كروية ~~الأرض. فالرجل الأمي الذي لا يعلم شيئا يشتري مثلا " التليفزيون " ~~ويتعلم كيفية تشغيله والانتفاع به، دون أن يعلم شيئا عن تكوينه أو ~~كيفية عمله ونقله للصورة وللصوت.. إلخ. فخذ ما في الكون من جمال ~~وانتفع به كما خلقه الله لك دون أن نخوض في أصل خلقه وكيفية تكوينه، ~~كما لو قدم لك طعام شهي أتبحث قبل أن تأكل: كيف طهي هذا الطعام؟! ~~وقد تباينت آراء العلماء حول هذه الآية ومعنى الرتق والفتق، فمنهم ~~من قال بالرأي الذي قالته التوراة، وأنها كانت جوهرة نظر الله إليها ~~نظرة المهابة، وحدث لها كذا وكذا، وتكونت السماء والأرض. ومنهم من ~~رأى أن المعنى خاص بكل من الأرض والسماء، كل على حدة، وأنهما لم ~~يكونا أبدا ملتحمتين، واعتمدوا على بعض الآيات مثل قوله تعالى: # فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا المآء ~~صبا * ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فيها حبا ~~* وعنبا وقضبا # [عبس: 24-28]. وفي موضع آخر قال: # ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر * وفجرنا ~~الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر # [القمر: 11-12]. فالمراد - إذن - أن الأرض وحدها كانت رتقا، فتفجرت ~~بالنبات، وأن السماء كانت رتقا فتفجرت بالمطر، فشق الله السماء ~~بالمطر، وشق الأرض بالنبات الذي يصدعها: # والسمآء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع # [الطارق: 11-12]. وقال عن السماء: # ويوم تشقق السمآء بالغمام.. # [الفرقان: 25] على اعتبار أن السماء كل ما علاك فأظلك، فيكون السحاب ~~من السماء. نفهم من هذا الرأي أن الفتق ليس فتق السماء عن الأرض، ~~إنما فتق كل منهما على حدة، وعلى كل حال هو فهم لا يعطي حكما ~~جديدا، واجتهاد على قدر عطاء العقول قد تثبته الأيام، وقد تأتي بشيء ~~آخر، المهم أن القولين لا يمنع أحدهما الآخر. # وقوله تعالى: { وجعلنا من المآء كل شيء حي.. } ~~[الأنبياء: 30] قال أصحاب التأويل الثاني: ما دام ذكر هنا الماء، فلا ~~بد أن له صلة بالرتق والفتق في كل من الأرض ms6464 والسماء. ونلحظ أن ~~الآية لم تقل: كل شيء حيا، إنما { وجعلنا من المآء كل ~~شيء حي.. } [الأنبياء: 30] وقد استدلوا بها على أن الحي المراد ~~به الحياة الإنسانية التي نحياها، ولم يفطنوا إلى أن الماء داخل في ~~تكوين كل شيء، فالحيوان والنبات يحيا على الماء فإن فقد الماء مات ~~وانتهى، وكذلك الأدنى من الحيوان والنبات فيه مائية أيضا، فكل ما فيه ~~لمعة أو طراوة أو ليونة فيه ماء. فالمعنى { كل شيء حي.. } ~~[الأنبياء: 30] أي: كل شيء مذكور موجود. والتحقيق العلمي أن لكل شيء ~~حياة تناسبه، وكل شيء فيه ماء، بدليل قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24]. والحق سبحانه يخاطبهم وهم أحياء، إذن: يحييكم أي: حياة ~~أخرى لها قيمة لأن حياتكم هذه قصاراها الدنيا، إنما استجيبوا لحياة أخرى ~~خالدة هي حياة الآخرة. وسمي الشيء الذي يتصل بالمادة، فتدب فيها ~~الحياة روحا، فقال: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي.. # [الحجر: 29]. وسمي المنهج الذي ينزل من السماء لهداية الأرض روحا، ~~وسمي الملك الذي ينزل به روحا لأنه يعطينا حياة دائمة باقية، لا فناء ~~لها، وهكذا يتم الارتقاء بالحياة. فإذا نزلنا أدنى من ذلك وجدنا للحيوان ~~حياة، وللنبات حياة، فالحيوان ينفق ويموت، والنبات إن منعته الماء ~~جف وذبل وانتهى. أما الجماد فله حياة أيضا، بدليل قوله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88]. فوصف كل ما يقال له شيء بأنه هالك، والهلاك ضد الحياة، ~~فلا بد أن تكون له حياة، ألم تقرأ قوله تعالى: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة.. # [الأنفال: 42] فالحياة ضدها الهلاك. إذن: فكل شيء في المخلوقات حتى ~~الجماد له حياة، وفي تكوينه مائية، كما قال سبحانه: { وجعلنا من ~~المآء كل شيء حي.. } [الأنبياء: 30]. ويختتم سبحانه هذه ~~الآية بقوله: { أفلا يؤمنون } [الأنبياء: 30] يعني: أعموا عن ~~هذه الآيات التي نبهوا إليها، وامتنعوا عن الإيمان؟ فكان يجب عليهم ~~أن يلتفتوا إلى هذه الآيات العجيبة والنافعة لهم، كيف والبشر الآن يقفون ~~أمام مخترع أو آله ms6465 حديثة أو حتى لعبة تبهرهم فيقولون: من فعل هذه؟ ~~ويؤرخون له ولحياته، وتخرج في كلية كذا... إلخ. فمن الأولى أن ~~نلتفت إلى الخالق العظيم الذي أبدع لنا هذا الكون، فالانصراف - إذن - عن ~~آيات الله والإعراض عنها حالة غير طبيعية لا تليق بأصحاب العقول. يقول ~~الحق سبحانه: { وجعلنا في الأرض... }. ### || [21.31] # الرواسي: الجبال جمع راس يعني: ثابت، وقد عبر عنها أيضا بالأوتاد، ~~فقال: # والجبال أوتادا # [النبأ: 7] شبه الجبال بالنسبة للأرض بالأوتاد بالنسبة للخيمة. ثم يذكر ~~علة ذلك: { أن تميد بهم... } [الأنبياء: 31] أي: مخافة أن تميل ~~وتضطرب وتتحرك بهم، ولو أنها مخلوقة على هيئة الثبوت ما كانت لتميد أو ~~تتحرك، وما احتاجت لأن يثبتها بالجبال لذلك قال تعالى: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب.. # [النمل: 88]. فليس غريبا الآن أن نعرف أن للجبال حركة، وإن كنا لا ~~نراها لأنها ثابتة بالنسبة لموقعك منها لأنك تسير بنفس حركة سيرها، كما ~~لو أنك وصاحبك في مركب، والمركب تسير بكما، فأنت لا تدرك حركة صاحبك لأنك ~~تتحرك بنفس حركته. وقد شبه الله حركة الجبال بمر السحاب، فالسحاب لا ~~يمر بحركة ذاتية فيه، إنما يمر بدفع الرياح، كذلك الجبال لا تمر ~~بحركة ذاتية إنما بحركة الأرض كلها، وهذا دليل واضح على حركة الأرض. ثم ~~يقول تعالى: { وجعلنا فيها فجاجا سبلا... } [الأنبياء: 31] ~~أي من حكمة الله أن جعل لنا في الأرض سبلا نسير فيها، فلو أن الجبال ~~كانت كتلة تملأ وجه الأرض ما صلحت لحياة البشر وحركتهم فيها، فقال { ~~فجاجا سبلا.. } [الأنبياء: 31] أي: طرقا واسعة في الوديان، ~~والأماكن السهلة. وفي موضع آخر قال: # لتسلكوا منها سبلا فجاجا # [نوح: 20]. ومعنى: { وجعلنا فيها.. } [الأنبياء: 31] يصح في ~~الجبال أو في الأرض، ففي كل منهما طرق يسلكها الناس، وهي في الجبال على ~~شكل شعاب ووديان. ثم يذكر سبحانه علة ذلك، فيقول: { لعلهم ~~يهتدون } [الأنبياء: 31] والهداية هنا تحتمل معنيين: يهتدون ~~لخالقها ومكونها، ويستدلون بها على الصانع المبدع سبحانه، أو يهتدون ~~إلى البلاد والأماكن والاتجاهات، وقديما كانوا يتخذون من الجبال دلائل ~~وإشارات ms6466 ويجعلونها علامات، فيصفون الأشياء بمواقعها من الجبال، فيقولون: ~~المكان الفلاني قريب من جبل كذا، وعلى يمين جبل كذا، وقد قال شاعرهم: # خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه # كلا جانبي هرشى لهن طريق # فالهداية هنا تشمل هذا وذاك، كما في قوله تعالى: # وعلامات وبالنجم هم يهتدون # [النحل: 16] أي: يهتدون إلى الطرق والاتجاهات، وكان العربي يقول مثلا: ~~اجعل الثريا عن يمينك أو النجم القطبي، أو سهيل أو غيرها، فكانوا على ~~علم بمواقع هذه النجوم ويسيرون على هديها. أو: يهتدون إلى أن للنجوم ~~علاقة بحياة الإنسان الحي، وقديما كانوا يقولون: فلان هوى نجمه، ~~كأن لكل واحد منا نجما في السماء له علاقة ما به، وهذه يعرفها بعض ~~المختصين، وربما اهتدوا من خلالها إلى شيء، شريطة أن يكونوا صادقين أمناء ~~لا يخدعون خلق الله. ويؤيد هذا قوله تعالى: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة: 75-76] أي: لو كنتم على معرفة بها لعلمتم أن للنجوم دورا ~~كبيرا وعظيما في الخلق. ثم يقول الحق سبحانه: { وجعلنا ~~السمآء سقفا... }. ### || [21.32] # سمى السماء سقفا لأن السماء كل ما علاك فأظلك، وفرق بين سقف من ~~صنع البشر يعتمد على أعمدة ودعائم.. الخ، وسقف من صنع الخالق العظيم، ~~سقف يغطي الأرض كلها ومحفوظ بلا أعمدة، سقف مستو لا نتوء فيه ولا ~~فتور. والسماء أخذت دورا تكوينيا خصها الله به كما خص آدم عليه ~~السلام، فالخلق جميعا خلقوا بكن من أب وأم، أما آدم فقد خلق ~~خلقا مباشرا بيد الله سبحانه، لذلك قال تعالى: # قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي... # [ص: 75] وهذا شرف كبير لآدم. وكذلك قال في خلق السماء: # والسمآء بنيناها بأييد.. # [الذاريات: 47]. وفي آية أخرى قال سبحانه: # والسمآء ذات الحبك # [الذاريات: 7] يعني: محبوكة ومحكمة، والحبكة معناها أن ذراتها التي لا ~~تدرك ملتحمة مع بعضها، ليس التحاما كليا إنما التحام ذرات لذلك ترى ~~السماء ملساء ولذلك قال عنها الخالق عز وجل: # رفع سمكها فسواها # [النازعات: 28]. ولك أن تلاحظ صنعة البشر إذا أراد أحدنا ms6467 أن يبني ~~مثلا، أو يصنع سقفا، فالبناء يبنى بمنتهى الدقة، ومع ذلك ترى طوبة ~~بارزة عن طوبة، فيأتي عامل المحارة فيحاول تسوية الجدار، ويزنه بميزان ~~الماء، ومع ذلك نجد في الجدار تعاريج، ثم يأتي عامل الدهانات، فيحاول ~~إصلاح مثل هذه العيوب فيعد لها معجونا ويكون له في الحائط دور هام. وبعد ~~أن يستنفد الإنسان كل وسائله في إعداد بيته كما يحب تأتي بعد عدة أيام، ~~فترى الحق - سبحانه وتعالى - يعدل على الجميع، ويظهر لهم عيوب صنعتهم ~~مهما بلغت من الدقة بقليل من الغبار ينزل عموديا فيريك بوضوح ما في ~~الحائط من عيوب. وإذا كانت صنعة البشر تختلف باختلاف مهارة كل منهم ~~وحذقة في عمله، فما بالك إن كان الصانع هو الله الذي يبني ويسوي ~~ويزين؟ # الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت.. # [الملك: 3]. وانظر إلى أمهر الصناع الآن، يسوي سقفا لعدة حجرات، ~~ويستخدم مادة واحدة ويلونها بلون واحد، لا بد أن تجد اختلافا من ~~واحدة للأخرى، حتى إن خلط العامل اللون مرة واحدة لكل الحجرات يأتي ~~اللون مختلفا، لماذا؟ لأنه حين يأخذ من هذا الخليط تجد ما يتبقى أكثر ~~تركيزا، فإذا لم يكمل العمل في نفس اليوم تجد ما تبقى إلى الغد يفقد ~~كمية من الماء تؤثر أيضا في درجة اللون. ومعنى: { محفوظا.. } ~~[الأنبياء: 32] أي: في بنية تكوينه لأنه محكم لا اختلاف فيه، ولا يحفظ ~~إلا الشيء النفيس، تحافظ عليه لنفاسته وأصالته. لكن من أي شيء يحفظه ~~الله؟ يحفظها أن تمور، يحفظها أن تقع على الأرض إلا بإذنه. # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.. # [الحج: 65]. وقال: # ومن آياته أن تقوم السمآء والأرض بأمره.. # [الروم: 25]. إذن: في خلق السماء عظمة خلق، وعظمة تكوين، وعظمة ~~صيانة تناسب قدرته تعالى، ولا يقدر عليها إلا الله، فالصيانة من عندنا ~~نحن، ولن نترك لكم صيانتها، وإن كانت لا تحتاج إلى صيانة لأنها صنعتنا. ~~ومن المسائل التي بينها لنا الحق - سبحانه وتعالى - في أمر السماء ~~مسألة استراق السمع، فكانت ms6468 الشياطين قبل الإسلام تسترق السمع، لكن بعد ~~رسالة محمد صلى الله عليه وسلم شاء الحق سبحانه ألا يدلس على دعوته ~~بسماع شيطان يوحي إلى أعدائه، فمنع الجن من استراق السمع بالشهب، ~~فقال سبحانه: # ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين * وحفظناها من كل شيطان رجيم * إلا ~~من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين # [الحجر: 16-18]. ثم يقول سبحانه: { وهم عن آياتها معرضون } ~~[الأنبياء: 32] كأن للسماء آيات خاصة بها، ففي الكون آيات كثيرة، ~~وللسماء آياتها، فالشمس والقمر والنجوم والأفلاك من آياتها. وبعد ذلك ~~نسمع من رجال الأرصاد أن من كواكب السماء ما لم يصلنا ضوؤه منذ خلق ~~الله الأرض حتى الآن، مع أن سرعة الضوء ثلثمئة ألف كيلومتر في الثانية، ~~ويمكن أن نفهم هذا في ضوء قوله تعالى: # والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون # [الذاريات: 47]. لذلك يعطينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة تقريبية ~~لهذه المسألة، حتى لا نرهق أنفسنا بالتفكير فيها: " ما السماوات والأرض ~~وما بينهما بالنسبة لملك الله إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ". ومع ذلك لما ~~صعد رواد الفضاء للقمر سارع بعض علمائنا من منطلق حبهم للإسلام ~~وإخلاصهم للقرآن بالقول بأنهم صعدوا للسماء، وهذا هو المراد بقوله تعالى: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان # [الرحمن: 33]. والمراد هنا: سلطان العلم الذي مكنهم من الصعود. لكن ~~ما داموا نفذوا بسلطان العلم، فلماذا قال بعدها: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران # [الرحمن: 35] إذن: السلطان المراد ليس هو سلطان العلم كما يظنون، إنما ~~المراد سلطان منى، بإذني وإرادتي. ولو كان الأمر كما يقولون لقالوا ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخبرهم بالمعراج: كيف تقول ذلك يا ~~محمد وربك هو القائل: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان # [الرحمن: 33]. إذن: المراد هنا سلطان من الله تعالى هو سبحانه الذي يأذن ~~بهذه المسألة، فتفتح له أبواب السماء. ثم ما علاقة القمر بالسماء؟ ~~والكلام عن ms6469 النفاذ من أقطار السماوات، وأين القمر من السماء؟ إن المسافة ~~بين الأرض والقمر سنتان ضوئيتان، فالقمر - إذن - ما هو إلا ضاحية من ~~ضواحي الأرض، كالمعادي مثلا بالنسبة للقاهرة، فأي سماء هذه التي ~~يتحدثون عنها؟! وقوله تعالى: { معرضون } [الأنبياء: 33] سبق أن ~~تحدثنا عن الإعراض، وهو الانصراف عن الشيء من أعرض يعني: أعطاه ظهره. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { وهو الذي خلق الليل... }. ### || [21.33] # الحق - سبحانه وتعالى - يمتن ببعض خلقه، ولا يمتن الله إلا بشيء عظيم ~~ونعمة من نعمه على عباده، ومن ذلك الليل والنهار، وقد أقسم سبحانه بهما ~~في قوله تعالى: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى # [الليل: 1-2]. وقال: # والضحى * والليل إذا سجى # [الضحى: 1-2] فالليل والنهار آيتان متكاملتان، ليستا متضادتين، فالأرض ~~خلقها الله ليعمرها خليفته فيها: # هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. # [هود: 61]. أي: طلب منكم عمارتها بما أعطاكم الله من مقومات الحياة، ~~فالعقل المدبر، والجوارح الفاعلة، والقوة، والمادة كلها مخلوقة لله ~~تعالى، وما عليك إلا أن تستخدم نعم الله هذه في عمارة أرضه، فإذا ما ~~تمت الحركة في النهار احتاج الجسم بعدها إلى الراحة في الليل. لذلك ~~كان النوم آية عظمى من آيات الله للإنسان تدل على أن الخالق - عز وجل ~~- أمين على النفس أكثر من صاحب النفس. لذلك نرى البعض منا يرهق نفسه ~~في العمل، ولا يعطي لجسده راحته الطبيعية، إلى أن يصير غير قادر على ~~العمل والعطاء، وهنا يأتي النوم كأنه رادع ذاتي فيك يجبرك على الراحة، ~~ويدق لك ناقوس الخطر: أنت لست صالحا الآن للعمل، ارحم نفسك وأعطها ~~حقها من الراحة، فإن حاولت أنت أن تنام قبل وقت النوم يتأبى عليك ~~ولا يطاوعك، أما هو فإن جاء أخذك من أعتى المؤثرات. وغلبك على كل شيء ~~فتنام حتى على الحصى. وفي المثل العربي: فراش المتعب وطيء، وطعام الجائع ~~هنيء أي: حين ينام الإنسان المتعب المجهد ينام، ولو على الحصى، ولو ~~دون أي وسائل للراحة، ومع ذلك ينام نومة مريحة. وفي المثل أيضا: ~~النوم ضيف، إن طلبته أعنتك، ms6470 وإن طلبك أراحك والحق سبحانه ~~يحدثنا عن آية النوم في موضع آخر: # ومن آياته منامكم بالليل والنهار.. # [الروم: 23]. وهنا احتياط وملحظ، فإن كان النوم بالليل للسكن ~~وللراحة، فهناك من يعملون بالليل، فينامون بالنهار كالحراس ورجال ~~الشرطة والخبازين وغيرهم، وهؤلاء لا مانع أن يناموا بالنهار ليسايروا ~~حركة الحياة. ثم يقول تعالى: { والشمس والقمر.. } [الأنبياء: ~~33] نعم هناك آيات أخرى كثيرة في كون الله، لكن أوضحها وأشهرها: الشمس ~~والقمر فهما تحت المشاهدة { كل في فلك يسبحون } [الأنبياء: ~~33] فالليل والنهار والشمس والقمر يدور كل منهم خلف الآخر ويخلفه، ~~كما قال سبحانه: # وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة.. # [الفرقان: 62]. وكلمة { يسبحون } [الأنبياء: 33] تعبير قرآني دقيق ~~للأداء الحركي، وهي مأخوذة من سبحة السمك في الماء حيث يسبح السمك في ~~ليونة الماء بحركة انسيابية سهلة لأن الحركة لقطع المسافات إما حركة ~~إنسيابية، وإما حركة قفزية. وتلاحظ هاتين الحركتين في عقارب الساعة، فلو ~~لاحظت عقرب الثواني مثلا لوجدته يتحرك حركة قفزية، يعني: ينطلق من ~~الثبات إلى الحركة إلى الثبات، فالزمن فيه جزء للحركة وجزء للسكون. # أما عقرب الدقائق فيسير بحركة انسيابية مستمرة، كل جزء من الزمن فيه جزء ~~من الحركة، وهكذا تكون سبحة السمك، ومنها قوله تعالى: # والسابحات سبحا # [النازعات: 3]. وكذلك تكون حركة الظل: # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل.. # [الفرقان: 45] وأيضا حركة نمو الطفل، فلو أدمت النظر إلى طفلك ~~الصغير لا تكاد تلاحظ عليه مظاهر النمو، وكأنه لا يكبر أمام عينيك، أما ~~لو غبت عنه مثلا عدة شهور يمكن أن تلاحظ نموه ذلك لأن النمو حركة ~~موزعة على كل ثانية في الزمن لا أن النمو يتجمع ثم يظهر فجأة. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { وما جعلنا لبشر من قبلك... }. ### || [21.34] # ذلك لأن الكفار حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بإلقاء حجر عليه من ~~مكان عال وهكذا يتخلصون منه صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتمنون ذلك، ~~فيخاطبه ربه: يا محمد لست بدعا من الرسل # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. وهذه سنة الله في خلقه، بل موتك يا ms6471 محمد لنسرع لك ~~بالجزاء على ما تحملته من مشاق الدعوة، وعناء الحياة الدنيا. لذلك # " لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموت قال: " بل الرفيق ~~الأعلى " # أما نحن فنتشبث بالحياة، ونطلب امتدادها. فقوله: { وما جعلنا ~~لبشر من قبلك الخلد.. } [الأنبياء: 34] فأنت كغيرك من ~~البشر قبلك، أما من بعدك فلن يخلدوا بعد موت { أفإن مت فهم ~~الخالدون } [الأنبياء: 34] فلا يفرحوا بموتك لأنهم ليسوا خالدين من ~~بعدك. ### || [21.35] # إذن: فالموت قضية كونية عامة، وهي في حقيقتها خير، فإن كانوا أخيارا ~~نعجل لهم جزاءهم عند الله، وإن كانوا أشرارا فقد أراح الله منهم ~~البلاد والعباد. لكن، كيف يذاق الموت؟ الذوق هنا يعني إحساس ~~الإنسان بالألم من الموت، فإن مات فعلا يستحيل أن يذوق، أما قبل أن ~~يموت فيذوق مقدمات الموت، والشاعر يقول: # والأسى بعد فرقة الروح عجز # والأسى لا يكون قبل الفراق # فعلى أي شيء يحزن الإنسان بعد أن يموت؟ ولماذا الحزن قبل أن يموت؟ ~~فالمراد - إذن - ذائقة مقدمات الموت، التي يعرف بها أنه ميت، فالإنسان ~~مهما كان صحيحا لا بد أن يأتي عليه وقت يدرك أنه لا محالة ميت، ذلك ~~إذا بلغت الروح الحلقوم، كما قال تعالى: # كلا إذا بلغت التراقي * وقيل من راق * وظن ~~أنه الفراق # [القيامة: 26-28] فالموت في هذه الحالة أمر مقطوع به. ثم يقول سبحانه: { ~~ونبلوكم بالشر والخير فتنة.. } [الأنبياء: 35] أي: ~~نختبركم، والإبتلاء لا يذم في ذاته، إنما تذم غاية الابتلاء: أينجح ~~فيه أم يفشل؟ كما نختبر الطلاب، فهل الاختبار في آخر العام شر؟ لكن هل ~~الحق سبحانه في حاجة لأن يختبر عباده ليعلم حالهم؟ الحق يختبر الخلق ~~لا ليعلم، ولكن ليقيم عليهم الحجة. والمخاطب في { ونبلوكم.. } ~~[الأنبياء: 35] الجميع: الغني والفقير، والصحيح والسقيم، والحاكم ~~والمحكوم.. إلخ. إذن: كلنا فتنة، بعضنا لبعض: فالغني فتنة للفقير، ~~والفقير فتنة للغني، كيف؟ الفقير: هل يصبر على فقره ويرضى به؟ هل سيحقد ~~على الغني ويحسده، أم يقول: بسم الله ما شاء الله، اللهم بارك له، وأعطني ~~من خيرك؟ والغني: هل يسير ms6472 في ماله سيرا حسنا، فيؤدي حقه وينفق ~~منه على المحتاجين؟ وهكذا، يمكنك أن تجري مثل هذه المقابلات لتعلم أن ~~الشر والخير كلاهما فتنة واختبار، ينتهي إما بالنجاح وإما بالفشل لذلك ~~يقول بعدها: { وإلينا ترجعون } [الأنبياء: 35] لنجازي كلا ~~على عمله، فإن حالفك التوفيق فلك الأجر والمكافأة، وإن أخفقت فلك ~~العقوبة، فلا بد أن تنتهي المسألة بالرجوع إلى الله. ثم يقول الحق ~~تبارك وتعالى: { وإذا رآك الذين كفروا إن ~~يتخذونك... }. ### || [21.36] # هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن واقع حدث له مع الكفار: { ~~وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا.. ~~} [الأنبياء: 36] و إن هنا ليست شرطية، إنما للنفي كما في قوله تعالى: # الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم.. # [المجادلة: 2] أي: ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم. فالمعنى: إذا رآك ~~الذين كفروا لا يتخذونك إلا هزوا، أي: يهزأون بك، لكن ما وجه ~~الهزو هنا؟ قولهم: { أهذا الذي يذكر آلهتكم.. } ~~[الأنبياء: 36] أي: يعيبها ويسبها، ويقول عنها: إنها باطلة ومعنى { ~~أهذا.. } [الأنبياء: 36] كأنهم يستقلونه، ويستقلون أن يقول هذا ~~عن آلهتهم. والذكر قد يكون بالخير، وقد يكون بالشر، فإن ذكرك صديق تتوقع ~~أن يذكرك بخير، وإن ذكرك عدو تتوقع أن يذكرك بشر، وطالما أن محمدا ~~سيذكر آلهتهم، فلا بد أنه سيذكرها بشر، والشر الذي ذكره محمد عن ~~آلهتكم أنها أصنام وحجارة لا تضر ولا تنفع. # إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم.. # [فاطر: 14]. ثم يقول تعالى: { وهم بذكر الرحمن هم ~~كافرون } [الأنبياء: 36] فكيف تتعجبون وتغضبون أن يسب محمد آلهتكم ~~الباطلة، وأنتم تسبون الإله الحق، وتكفرون به، ونلحظ أن السياق ذكر ~~الضمير العائد عليهم مرتين: { وهم بذكر الرحمن هم ~~كافرون } [الأنبياء: 36] ليؤكد أن ذلك حدث منهم. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { خلق الإنسان من عجل... }. ### || [21.37] # معنى: { من عجل.. } [الأنبياء: 37] أي: متعجلا كأن في طينته ~~عجلة، والعجلة أن تريد الشيء قبل نضجه، وقبل أوانه، وقد يتعجل ~~الإنسان الخير، وهذا أمر جائز، أما ms6473 أن يتعجل الشر فهذا هو الحمق بعينه ~~والغباء، ألم يقولوا لرسول الله: # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # [الأنبياء: 38]. ألم يقولوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. إذن: تعجل هؤلاء العذاب لأنهم غير مؤمنين به، لا ~~يصدقون أن شيئا من هذا سيحدث لذلك يرد عليهم: { سأوريكم ~~آياتي فلا تستعجلون } [الأنبياء: 37] وخاطب نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بقوله: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. أي: سنريك فيهم آياتنا، وسترى ما وعدناهم من العذاب، فإن ~~قبضناك إلينا فسترى ما ينزل بهم في الآخرة. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { ~~ويقولون متى هذا الوعد... }. ### || [21.38] # وهذا استبطاء منهم لوعد الله بالآخرة والعرض عليه سبحانه، وأن ~~سيعذبهم بالنار التي تنضج جلودهم، ويبدلهم الله جلودا غيرها.. ~~إلخ لأنهم لا يصدقون هذا ولا يؤمنون به، وسبق أن قالوا لرسول الله: # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا أو ~~تأتي بالله والملائكة قبيلا # [الإسراء: 92]. ثم يقول تعالى: { لو يعلم الذين كفروا... ~~}. ### || [21.39] # أي: لو يعلمون ما يحدث لهم في هذا الوقت حين لا يستطيعون دفع النار عن ~~وجوههم، وذكر الوجه بالذات لأنه أشرف أعضاء الإنسان وأكرمها لذلك إذا ~~أصابك أذى في وجهك تحرص على إزالته بيدك، وأنت لم تفعل أكثر من أنك ~~نقلت الأذى من وجهك إلى يدك، لماذا؟ لأن الوجه عزيز عليك، لا تقبل ~~إهانته، ولا تتحمل عليه أي سوء. فقوله تعالى: { لا يكفون عن ~~وجوههم النار.. } [الأنبياء: 39] دلالة على إهانتهم { ولا عن ~~ظهورهم.. } [الأنبياء: 39] لأنها تأتيهم من كل مكان: { ولا هم ~~ينصرون } [الأنبياء: 39] أي: لا يجدون من ينقذهم، أو يأخذ بأيديهم ~~ويدفع عنهم. حتى الشيطان الذي أغواهم وأغراهم في الدنيا سيتبرأ منهم يوم ~~القيامة، ويقول: # مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22] وأصرخه: أزال سبب صراخه، والهمزة في أصرخه تسمى همزة ~~إزالة، تقول: صرخ فلان إذا وقع عليه ما هو فوق طاقته واحتماله، فيصرخ ~~صرخة يستدعي بها من يغيثه ms6474 ويعينه، فإن أجابه وأزال ما هو فيه فقد ~~أصرخه، يعني: أزال سبب صراخه. فالمعنى: لا أدافع عنكم، ولا تدافعون عني، ~~ولا أنقذكم من العذاب، ولاتنقذونني. وفي موضع آخر: # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر ~~قال إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين # [الحشر: 16] فحظ الشيطان أن يوقعك في المعصية، ثم يتبرأ منك. فما ~~جواب لو هنا؟ المعنى: لو يعلم الذين كفروا الوقت الذي لا يكفون فيه ~~النار عن وجوههم، ولا عن ظهورهم ولا ينصرون لكفوا عما يؤدي بهم إلى ~~ذلك، وانتهوا عن أسبابه. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { بل ~~تأتيهم بغتة فتبهتهم... }. ### || [21.40] # أي: القيامة، والبغتة: نزول الحدث قبل توقعه لذلك { فتبهتهم.. } ~~[الأنبياء: 40] من البهت: أي: الدهشة والحيرة، فإذا ما باغتتهم القيامة ~~يندهشون ويتحيرون ماذا يفعلون؟ وأين يفرون؟ والبغتة تمنع الاستعداد ~~والتأهب، وتمنع المحافظة على النفس. ومن ذلك ما كانوا يفعلونه أوقات ~~الحروب من صافرات الإنذار التي تنبه الناس إلى حدوث غارة مثلا، فيأخذ ~~الناس استعدادهم، ويلجئون إلى المخابىء، أما إن داهمهم العدو فجأة فلن ~~يتمكنوا من ذلك، ولن يجدوا فرصة للنجاة من الخطر. ومن البهت قوله تعالى ~~في قصة الذي حاج إبراهيم عليه السلام في ربه: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب فبهت الذي كفر.. # [البقرة: 258]. وقوله: { ولا هم ينظرون } [الأنبياء: 40] أي: لا ~~يمهلون ولا يؤخرون، فليست المسألة تهديدا وننصرف عنهم إلى وقت ~~آخر، إنما هي الأخذة الكبرى التي لا ترد عنهم ولا تؤخر. ثم ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: { ولقد استهزىء برسل من ~~قبلك... }. ### || [21.41] # سبق أن خاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: # وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا ~~هزوا.. # [الأنبياء: 36] لذلك يسليه هنا: لست بدعا من الرسل، فخذ هذه ~~المسألة بصدر رحب، فلقد استهزئ بالرسل من قبلك فلا تحزن، فسوف يحيق بهم ~~ما صنعوا، ويجدون عاقبة هذا الاستهزاء. كما جاء في قصة نوح عليه السلام: # ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه ~~سخروا منه.. # [هود: 38] فيرد ms6475 نوح: # إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون # [هود: 38] أي: انتظروا النهاية، وسوف ترون!!. ومعنى: { فحاق.. } ~~[الأنبياء: 41] أي: حل ونزل بقسوة { بالذين سخروا منهم ~~ما كانوا به يستهزئون } [الأنبياء: 41]. وهذا المعنى واضح ~~في قوله تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين # [المطففين: 29-31] أي: مسرورين فرحين، وهذا دليل على لؤمهم ورذالة ~~طباعهم، فلم يكتفوا بالاستهزاء، وإنما يحكونه وينبجحون به. # وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ ~~أرسلوا عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا ~~من الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ~~ثوب الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 32-36]. هل استطعنا أن نجازيهم بما عملوا؟ نعم يا رب. ولا ~~ننسى أن استهزاء الكفار بأهل الحق استهزاء موقوت بوقته في الدنيا، أما ~~استهزاء الله بهم فاستهزاء أبدي لا نهاية له. ويجب هنا أن نتنبه لهذه ~~المسألة، فكثيرا ما يتعرض أهل الإيمان للاستهزاء وللسخرية من أهل ~~الباطل، وهؤلاء الذين يسخرون منهم لأجلهم يصون الله لهم الحياة ويدفع ~~عنهم العذاب، كما جاء في الحديث القدسي: # " فلولا أطفال رضع، وشيوخ ركع، وبهائم رتع لصببت عليكم العذاب ~~صبا ". # فحين ترى تقيا، فإذا لم تشكره على تقواه وتقتدي به فلا أقل من أن ~~تدعه لحاله، لا تهزأ به، ولا تسخر منه لأن في وجوده استبقاء لحياتك ~~وأمنك، وأقل ما يمكنك أن تقيم به التقى: يكفيك منه أن أمنت ~~شره، فلن يعتدي عليك، ولن ترى منه شيئا يسؤوك. ثم يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { قل من يكلؤكم بالليل والنهار... }. ### || [21.42] # أي: يرعاكم ويحفظكم، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يجري مقارنة بين ~~إنعامه سبحانه على عباده وما يقابلونه به من جحود ونكران وكفران، أنتم ~~تكفرون بالله وتؤذون الصالحين من عباده وتسخرون منهم، وهو سبحانه الذي ~~{ يكلؤكم بالليل والنهار.. } [الأنبياء: 42] أي: كلاءة ~~صادرة من الله الرحمن. كما في قوله تعالى: # يحفظونه من أمر الله.. # [الرعد: 11] فليس المراد أنهم يحفظونه من أمر الله الذي أراده الله فيه ~~لأن الحفظ صادر من الله، ms6476 والحفظة مكلفون من قبله تعالى بحفظكم، وليس ~~تطوعا منهم. وكلاءة الله لك وحفظه إياك في النهار وفي الليل وأنت ~~نائم عليك حفظة يحفظونك، ويدفعون عنك الأذى. وكثيرا ما نسمع أن بعض ~~الناس قام من نومه فوجد ثعبانا في فراشه، ولم يصبه بسوء، وربما فزع ~~لرؤيته فأصابه مكروه بسبب هذا الخوف، وهو لا يعلم أن الثعبان لا يؤذيه ~~طالما أنه لم يتعرض له، وهذا من عجائب هذه المخلوقات أنها لا تؤذيك ~~طالما لا تؤذيها. إذن: لا أحد يرقبك ويحفظك في نومك مما يؤذيك إلا ~~الحق سبحانه. وكلاءة الله لكم لا تقتصر على الحفظ من المعاطب، فمن ~~كلاءته سبحانه أن يمدكم بمقومات الحياة، فالشمس بضوئها، والقمر بنوره، ~~والأرض بنباتها، والسماء بمائها. ومع هذا تكفرون به، وتسخرون من رسله ~~وأهل طاعته لذلك يقول بعدها: { بل هم عن ذكر ربهم ~~معرضون } [الأنبياء: 42] وما كان يصح أن يغيب ذكره تعالى ~~عنهم. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { أم لهم آلهة تمنعهم ~~من دوننا... }. ### || [21.43] # ألهم آلهة أخرى تمنعهم من الإيمان بالله هؤلاء الآلهة لا يستطيعون ~~نصر أنفسهم، وكيف ينصرون أنفسهم، وهي أصنام من حجارة نحتها عبادها ~~على أشكال اختاروها؟ كيف ينصرون أنفسهم، ولو أطاحت الريح بأحدهم لاحتاج ~~لمن يرفعه ويقيمه؟ وقوله تعالى: { ولا هم منا يصحبون } ~~[الأنبياء: 43] كانوا قديما في البادية، إذا فعل أحدهم ذنبا، أو فعل ~~فعلة في إحدى القبائل، واحتاج إلى المرور عليهم في طريقه يذهب إلى واحد ~~قوي يصاحبه في مشواره، ويحميه منهم إلى أن يمر على ديارهم، كما في ~~قوله تعالى: # ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون # [الشعراء: 14]. فالمراد: يصحبه كي يحميه بهذه الصحبة وينجو من ~~العذاب، فهؤلاء لن نكون في صحبتهم لننجيهم، ولا أحد يستطيع أن يصحبهم ~~لينجيهم من عذابنا، فلا هذه ولا تلك. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { بل ~~متعنا هؤلاء وآبآءهم... }. ### || [21.44] # أي: أنهم مكثوا فترة طويلة من الزمن يتقلبون في نعم الله، لكن انظروا ~~ماذا حدث لهم بعد ذلك، فخذوا منهم عبرة: # أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ms6477 كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ~~وأثاروا الأرض وعمروهآ أكثر مما عمروها.. # [الروم: 9]. ومع ذلك أخذوا أخذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى: # ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ~~مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا ~~السمآء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من ~~تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من ~~بعدهم قرنا آخرين # [الأنعام: 6]. ثم يقول سبحانه: { أفلا يرون أنا نأتي ~~الأرض ننقصها من أطرافهآ.. } [الأنبياء: 44]. وفي موضع ~~آخر: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو ~~سريع الحساب # [الرعد: 41]. وهذه آية من الآيات التي وقف عندها بعض علمائنا من ~~المعنيين بعلميات القرآن، فلما أعلن العلماء أن الأرض بيضاوية الشكل، ~~وليست كاملة الاستدارة، يعني: أقطارها مختلفة بالنسبة لمركزها، سارع ~~بعضهم من منطلق الغيرة على دين الله ومحاولة إثبات صدق القرآن، وأنه ~~سبق إلى ذكر هذه المسألة فقالوا: لقد ذكر القرآن هذا الاكتشاف في قوله ~~تعالى: { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافهآ.. } [الأنبياء: 44] يعني: من ناحية خط الاستواء، لا من ~~ناحية القطبين. وغفل هؤلاء أن الآية تقول: { ننقصها من ~~أطرافهآ.. } [الأنبياء: 44] لا من طرفها، فالنقص من جميع الأطراف، ~~فمثل هذه الأقوال تفتح الباب للطعن في القرآن والخوض فيه. ونتساءل { ~~أفلا يرون.. } [الأنبياء: 44] رأى هنا علمية أم بصرية؟ لو قلنا: ~~إنها بصرية فهذه ظاهرة لم تعرف إلا في القرن العشرين، ولم ينتبه لها ~~أحد قبل ذلك، إذن: فهي ليست بصرية. وأيضا ليست علمية، فلم تصل هذه ~~المعلومة إلى هؤلاء، ولم يكن العرب حينذاك أمة علم، ولا أمة ثقافة، ~~ولاشيء من ذلك أبدا. فإذا ما استبعدنا هذا التفسير، فما المعنى المناسب؟ ~~نقول: إن كانت رأى بصرية، فقد رأوا هذه الظاهرة في الأمم السابقة، وقد ~~كانوا يصادمون دين الله ويحاربونه لأنه جاء ليقضي على سلطتهم الزمنية، ~~ويجعل الناس سواء، ومع ذلك كان الدين ينتشر كل يوم وتزيد رقعته وتقل ~~رقعة الكفر. فالمعنى: ننقص أرض الكفر إما من الناس، أو من العمائر التي ~~تهدم ms6478 وتخرب بالزلازل والخسف وغيره، فننقص الأرض، وننقص الناس، وننقص ~~مظاهر العمران في جانب الكفر، وهذا النقص هو نفسه الزيادة في أرض ~~الإيمان. وهذه الظاهرة حدثت في جميع الرسالات. فإن قال قائل: كيف نقبل ~~هذا التفسير، وزيادة أرض الإيمان لم تحدث إلا بعد الهجرة، والآية مكية؟ ~~نقول: كون الآية مكية لا يقدح في المعنى هنا، فليس من الضروري أن ~~يروا ذلك في أنفسهم، ويكفي أن يروها في الأمم السابقة، كما جاء في ~~قوله تعالى: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين # [الصافات: 137]. وقال: # وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى ~~الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها ~~الفساد # [الفجر: 9-12]. وإن اعتبرنا رأى علمية، فقد علموا ذلك من أهل الكتاب ~~ممن تحالفوا معهم، فما حدث للأمم السابقة سيحدث لكم. وقوله تعالى: { ~~أفهم الغالبون } [الأنبياء: 44] يعني: أفلم يشاهدوا أنا ننقص ~~الأرض من أطرافها، أم أن هذا لم يحدث، وهم الغالبون؟ أيهما الغالب: رسل ~~الله، أم الكافرون؟ الإجابة أنهم غلبوا واندحروا، فقال تعالى: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173] وقال: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا.. # [غافر: 51]. ويخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم: { قل ~~إنمآ أنذركم بالوحي... }. ### || [21.45] # أي: أن رسول الله ما أبلغكم بشيء من عند نفسه، إنما كل ما جاء به من وعد ~~ووعيد فهو من عند الله، وأنتم أنفسكم تؤكدون على بشريته، نعم هو بشر لا ~~يعلم شيئا كما تقولون، وهذه تحسب له لا عليه، إنما ربه يوحي إليه. فلو ~~قال محمد: إنما أنذركم.. لكان لكم حق أن تتشككوا، إنما القائل هو ~~الله، وأنا مجرد مبلغ عن الله الذي يملك أعنة الأحداث، فإذا قال ~~بوجود حدث فلا بد أن يقع. ثم يقول تعالى: { ولا يسمع الصم ~~الدعآء إذا ما ينذرون } [الأنبياء: 45] وحاسة السمع هي أول ~~معلوميات الإنسان، وأول حواسه عملا، وقبل أن يتكلم الطفل لا بد أن ~~يسمع أولا، لينطق ما سمعه لأن السمع هو الإدراك الأول المصاحب لتكوين ~~الإدراكات، والأذن - كما قلنا - تسبق العين في أداء مهمتها. لذلك قدمه ms6479 ~~الحق سبحانه، فقال: # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا # [الإسراء: 36]. والسمع هو الآلة التي لا تتعطل عن مهمتها، حتى ولو كان ~~الإنسان نائما لأن به يتم الاستدعاء لذلك لما أراد الحق سبحانه أن ~~ينيم أهل الكهف هذه المدة الطويلة ضرب على آذانهم، وعطل عندهم حاسة ~~السمع حتى لا تزعجهم أصوات الطبيعة خارج الغار، فقال: # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا # [الكهف: 11]. ومعنى: { ولا يسمع الصم الدعآء.. } ~~[الأنبياء: 45] صحيح أنهم يسمعون، وآلة السمع عندهم صالحة للعمل، إلا أنه ~~سماع لا فائدة منه، ففائدة السمع أن تستجيب لمن يحدثك، فإذا لم ~~تستجب فكأنك لم تسمع، وإذا أمرت العامل مثلا بشيء فتغافل عنه تقول له: ~~أأنت أطرش؟ ولذلك سماهم القرآن: صما. وقوله تعالى: { إذا ما ~~ينذرون } [الأنبياء: 45] أي: ليتهم يتغافلون عن نداء عادي، إنما ~~يتغافلون وينصرفون { إذا ما ينذرون } [الأنبياء: 45] حين ~~يخوفهم عذاب الله، والإنذار والتحذير أولى ما يجب على الإنسان ~~الاهتمام به، ففيه مصلحته، ومن الغباء ألا يهتم به، كما لو أنذرت ~~إنسانا وحذرته من مخاطر طريق، وأن فيه ذئابا أو أسودا أو ثعابين ~~أو قطاع طريق، فلا يهتم بكلامك، ولا يحتاط للنجاة بنفسه. وقلنا: إن ~~الإنذار: أن تخبر بشر قبل أوانه ليستعد لتلافيه، لا أن تنذره ساعة ~~الحادث فلا يجد فرصة. إذن: المسألة ليست طبيعة في التكوين، إنما توجيه ~~إدراكات، كأن تكلم شخصا في أمر لا يعجبه، فتجده " أذن من طين، وأذن ~~من عجين " ينصرف عنك كأنه لم يسمع شيئا، كأحدهم لما قال لصاحبه: فيك ~~من يكتم السر؟ قال: نعم سرك في بير، قال: أعطني عشرة جنيهات، فرد ~~عليه: كأني لم أسمع شيئا!!! ثم يقول الحق سبحانه: { ولئن ~~مستهم نفحة من... }. ### || [21.46] # الآن فقط تنبهتم ووعيتم؟ الآن بعد أن مسكم العذاب؟ ومعنى: { ~~مستهم نفحة من عذاب ربك.. } [الأنبياء: 46] أي: ~~مسا ولمسا خفيفا، والنفحة: هي الريح اللينة التي تحمل إليك آثار ~~الأشياء دون حقيقتها، كأن تحمل لك الريح رائحة الورود مثلا، هي لا تحمل ~~لك الورود نفسها، إنما ms6480 رائحتها، وتظل الورود كما هي. كذلك هذه المسة من ~~العذاب، إنها مجرد رائحة عذاب، كما نقول لفح النار الذي نشعر به، ونحن ~~بعيدون عنها. والنفحة: اسم مرة أي: تدل على حدوثها مرة واحدة، كما ~~تقول: جلس جلسة أي: مرة واحدة، وهذا أيضا دليل على التقليل. ~~فمستهم تقليل و نفحة تقليل، وكونها مرة واحدة تقليل آخر، ومع ذلك ~~يضجون ويجأرون، فما بالك إن نزل بهم العذاب على حقيقته، وهو عذاب ~~أبدي؟! وقوله تعالى: { ليقولن يويلنآ إنا كنا ~~ظالمين } [الأنبياء: 46] الآن ينطقون، الآن يقولون كلمة الحق التي ~~طالما كتموها، الآن ظهرت حساسية الإدراك لديهم، فمن أقل القليل ومن ~~رائحة العذاب يجأرون، وأين كان هذا الإدراك، وهذه الحساسية من قبل؟ إذن: ~~المسألة - كما قلنا - ليست طبيعة تكوين، إنما توجيه إدراكات. وقولهم: { ~~يويلنآ.. } [الأنبياء: 46] إحساس بما هم مقبلون عليه، وهذا القول ~~صادر عن مواجيد في النفس وفي الذهن قبل أن ينطق بالكلمة، ثم يقرون ~~على أنفسهم ويعترفون: { إنا كنا ظالمين } [الأنبياء: 46]. ### || [21.47] # نقلهم الحق سبحانه من إنكار وتكذيب وتسفيه كلام الرسول، وعدم الإيمان ~~بالوحي، وصم آذانهم عن الخير إلى مسألة الحساب والميزان القسط، فلماذا ~~هذه النقلة؟ لينبههم ويلفت أنظارهم إلى أن هذا الكلام الذي قابلتموه ~~بالتكذيب والتشكيك كان لمصلحتكم، وأن كل شيء محسوب، وسوف يوزن عليكم ~~ويحصى، وكأنه ينصحهم، فما تزال رحمانية الله بهم وحرصه على نجاتهم. ~~وكلمة موازين جمع: ميزان، وهو آلة نقدر بها الأشياء من حيث كثافتها، ~~لأن التقدير يقع على عدة أشياء: على الكثافة بالوزن، وعلى المسافات ~~بالقياس.. الخ، وقد جعلوا لهذه المعايير ثوابت، فمثلا: المتر صنعوه من ~~البلاتين حتى لا يتآكل، وهو موضوع الآن - تقريبا - في باريس، وكذلك ~~الياردة. وجعلوا للوزن معايير من الحديد: الكيلو والرطل.. إلخ. وقديما ~~كانوا يزنون قطعة من الحجارة تساوي كيلو مثلا، ويستعملونها في الوزن ~~لأن لها مرجعا، لكن هذه القطعة تتآكل من كثرة الاستعمال، فلا بد من ~~تغييرها. وهنا تكلم عن الشيء الذي يوزن، ولم يذكر المعايير الأخرى، ~~قالوا: لأن الأشياء التي لها كثافة هي ms6481 الأكثر، وكانوا يختبرون الأولاد ~~يقولون: كيلو الحديد أثقل، أم كيلو القطن؟ فالولد ينظر إلى القطن فيراه ~~هشا منتفشا فيقول: القطن، والقطن أزيد من الحديد في الحجم، لكن ~~كثافته يمكن أن تستطرق، فنرقق القطن إلى أن يتحول إلى مساحة طول وعرض. ~~إذن: العمدة في التقدير: الثقل. وفي موضع آخر قال تعالى: # والسمآء رفعها ووضع الميزان # [الرحمن: 7] فهل هي موازين متعددة، أم هو ميزان واحد؟ الخلق جميعا ~~سيحاسبون مرة واحدة، فلن يقفوا طابورا ينتظر كل منهم دوره، بل في وقت ~~واحد لذلك لما سئل الإمام على - كرم الله وجهه: كيف يحاسب الله ~~الخلق جميعا في وقت واحد؟ قال: كما يرزقهم جميعا في وقت واحد. ~~فالمسألة صعبة بالنسبة لك، إنما سهلة ميسورة للحق سبحانه. والقسط: صفة ~~للموازين، وهي مصدر بمعنى عدل، كما تقول في مدح القاضي: هذا قاض عادل. ~~أي: موصوف بالعدل، فإذا أردت المبالغة تقول: هذا قاض عدل، كأنه هو ~~نفسه عدل أي معجون بالعدل لذلك نقول في أسماء الحق سبحانه: الحكم ~~العدل. ولا نقول: العادل. وهذه المادة قسط لها دور في اللغة، فهي من ~~الكلمات المشتركة التي تحمل المعنى وضده، مثل الزوج تطلق على الرجل ~~والمرأة، و العين تطلق على العين: العين الباصرة، وعلى عين الماء، وعلى ~~الجاسوس، وعلى الذهب والفضة. كذلك القسط نقول: القسط بالكسر مثل: ~~حمل بمعنى العدل من قسط قسطا. ومنه قوله تعالى: # إن الله يحب المقسطين # [المائدة: 42] ونقول: القسط بالفتح يعني: الظلم من قسط قسوطا ~~وقسطا، ومنه قوله تعالى: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15] أي: الجائرون الظالمون. # والقسط بمعنى العدل إذا حكم بالعدل أولا وبداية، لكن أقسط يعني كان ~~هناك حكم جائر فعدله إلى حكم بالعدل في الاستئناف. ومن هذه المادة ~~أيضا قوله تعالى: # ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله.. # [الأحزاب: 5] فأقسط هنا: أفعل تفضيل، تدل على أن حكم محمد صلى الله عليه ~~وسلم في مسألة زيد كان عدلا وقسطا، إنما حكم ربه تعالى هو أقسط ~~وأعدل. ومعلوم من قصة زيد بن حارثة أنه فضل رسول ms6482 الله واختاره على ~~أهله، وكان طبيعيا أن يكافئه رسول الله على محبته وإخلاصه ويعوضه عن ~~أهله الذين آثر عليهم رسول الله، وكانت المكافأة أن سماه زيد بن محمد. ~~إذن: الحق سبحانه عدل لرسوله، لكن عدل له العدل لا الجور، وعدل الله ~~أولى من عدل محمد لذلك قال: # أقسط عند الله.. # [الأحزاب: 5] أما عندكم أنتم فقد صنع محمد عين العدل. وقوله تعالى: # ادعوهم لآبآئهم.. # [الأحزاب: 5] جاء ليبطل التبني ليكون ذلك مقدمة لتشريع جديد في الأسرة ~~والزواج والمحارم وأمور كثيرة في شرع الله لا تستقيم في وجود هذه ~~المسألة، وإلا فكيف سيكون حال الأسرة حين يكبر المتبني ويبلغ مبلغ ~~الرجال؟ وما موقفه من الزوجة ومن البنت، وهو في الحقيقة غريب عن الأسرة؟ ~~ومسألة الموازين هذه من المسائل التي وجد فيها المستشرقون تعارضا في ~~ظاهر الآيات، فجعلوا منها مأخذا على كتاب الله، من ذلك قولهم بالتناقض ~~بين الآيتين: { ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة.. } [الأنبياء: 47] وقوله تعالى: # فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا # [الكهف: 105] حيث أثبت الميزان في الأولى، ونفاه في الثانية. وقلنا: إن ~~هؤلاء معذورون لأنهم لا يملكون الملكة اللغوية التي تمكنهم من فهم ~~كلام الله. ولو تأملنا اللام في # نقيم لهم.. # [الكهف: 105] لانحل هذا الإشكال، فاللام للملك والانتفاع، كما يقولون ~~في لغة البنوك: له وعليه. والقرآن يقول: # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.. # [البقرة: 286]. فالمعنى: # فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا # [الكهف: 105] أي: وزنا في صالحهم، إنما نقيم عليهم وندينهم. كذلك نجد ~~أن كلمة الوزن تستعمل في اللغة إما لوزن المادي، أو لوزن المعنى، كما ~~نقول: فلان لا وزن له في الرجال. وعلى هذا يكون المعنى: أنهم لا ~~وزن لذواتهم ومادتهم، إنما الوزن لأعمالهم، فلا نقول: كان من الأعيان، ~~كان أصله كذا وكذا، وهذه المسألة واضحة في قصة ابن نوح عليه السلام: # قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير ~~صالح.. # [هود: 46]. فالبنوة هنا بنوة عمل وإيمان، لا بنوة ذات. وقد ظن ~~الكفار والعصاة أن لهم وزنا عند الله، ومنزلة ستكون ms6483 لهم في الآخرة، ~~كما كانت لهم في الدنيا، كما جاء في قصة صاحب الجنتين الذي قال لأخيه ~~متباهيا مفتخرا. # أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا * ودخل جنته ~~وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هذه ~~أبدا * ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ~~ربي لأجدن خيرا منها منقلبا # [الكهف: 34-36]. لكن هيهات أن يكون لهم وزن في الآخرة، فالوزن في ~~القيامة للأعمال، لا للأعيان. إذن: المعنى لا نقيم لذواتهم، إنما نزن ~~أعمالهم لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لقرابته: # " لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأحسابكم ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " يا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا ". # فالذوات والأحساب والأنساب لا قيمة لها في هذا الموقف. وقوله تعالى: { ~~فلا تظلم نفس شيئا.. } [الأنبياء: 47] مع أن القاعدة: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم.. # [البقرة: 194] وهؤلاء قد ظلموا الحق سبحانه ظلما عظيما حين أشركوا ~~به، وظلموا رسول الله لما قالوا عنه: ساحر، وكاذب ومجنون، ومع ذلك فلن ~~نرد هذا الاعتداء بمثله بظلمهم. وقوله تعالى: { وإن كان مثقال ~~حبة من خردل أتينا بها.. } [الأنبياء: 47] والخردل: ~~مثال للصغر، للدلالة على استقصاء كل شيء، ولا يزال الخردل هو المقياس ~~العالمي للكيلو، فقد وجدوا حب الخردل متساويا في الوزن، فأخذوا منه ~~وحدة الكيلو الآن، وقد أتى بها القرآن منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنا ~~من الزمان. ومعنى: { أتينا بها.. } [الأنبياء: 47] أي: لهم أو ~~عليهم، فإن كانت لهم علموا أن الله لا يظلمهم، ويبحث لهم عن أقل ~~القليل من الخير، وإن كانت عليهم علموا أن الله يستقصي كل شيء في ~~الحساب، وحبة الخردل تدل على صغرها على الحجم، وكلمة مثقال تدل على ~~الوزن، فجمع فيها الحجم والوزن. ثم يعقب سبحانه على هذه المسألة: { ~~وكفى بنا حاسبين } [الأنبياء: 47] فلا أحد يجيد هذه المسألة ~~ويدققها كما نفعل نحن، فليست عندنا غفلة بل دقة وضبط لمعايير ~~الحساب. ولا تظن أن مسألة الحساب والميزان مسألة سهلة يمكن أن تصل فيها ms6484 ~~إلى الدقة الكاملة مهما أخذت من وسائل الحيطة، فأنت بشر لا تستطيع أن ~~تزن الوزن المضبوط لأن المعيار الحديد الذي تزن به عرضة في استعماله ~~للزيادة أو النقصان. فقد يتراكم عليه الغبار ويقع عليه مثلا نقطة زيت، ~~وبمرور الوقت يزيد المعيار ولو شيئا ضيئلا، وهذا في صالح الموزون له، ~~وقد يحدث العكس فينقص الميزان نتيجة الملامسة للأشياء، ولك أن تنظر مثلا ~~إلى أكرة الباب تراها لامعة على خلاف ما حولها. إذن: أي ملامسة أو ~~احتكاك للأشياء ينقصها. حتى في الموازين الحديثة التي تضمن لك أقصى ~~درجات الدقة فبشرية الإنسان لا يمكن أن تعطى الدقة المتناهية، وهذا معنى # وكفى بالله حسيبا # [الأحزاب: 39] { وكفى بنا حاسبين } [الأنبياء: 47] لأن معياره ~~تعالى لا يختلف، ولا ينسى شيئا، ولا يغفل عن شيء. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ ولقد آتينا موسى... }. ### || [21.48] # يريد الحق - تبارك وتعالى - أن يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم ~~ويخفف عنه ما لاقاه من قومه، فيذكر له نماذج من إخوانه أولي العزم ~~من الرسل الذين اضطهدهم أقوامهم، وآذوهم ليسهل على رسول الله مهمته، ~~فلا يصده إيذاء قومه عن غايته نحو ربه. فبدأ بموسى - عليه السلام - لأنه ~~من أكثر الرسل الذين تعبوا في دعوتهم، فقد تعب موسى مع المؤمنين به فضلا ~~عن الكافرين به، فقال سبحانه: { ولقد آتينا موسى وهارون ~~الفرقان.. } [الأنبياء: 48] لأن رسالتهما واحدة، وهم فيها شركاء: # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا.. # [القصص: 34] وقال: # اشدد به أزري * وأشركه في أمري # [طه: 31-32]. والفرقان: هو الفارق القوي بين شيئين لأن الزيادة في ~~المبنى تدل على زيادة في المعنى، كما تقول: غفر الله لفلان غفرانا، ~~وتقول: قرأت قراءة، وقرأت قرآنا، فليست القراءة واحدة، ولا كل كتاب ~~يقرأ. والفرقان من أسماء القرآن: # تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون ~~للعالمين نذيرا # [الفرقان: 1]. فالفرقان - إذن - مصدر يدل على المبالغة، تقول: فرق ~~تفريقا وفرقانا، فزيادة الألف والنون تدل على زيادة في المعنى، وأن ~~الفرق في هذه المسألة فرق جليل وفرق واضح لأن كونك تفرق بين ~~شيئين الأمر ms6485 بينهما هين تسمى هذا فرقا، أما أن تفرق بين شيئين ~~يترتب على ذلك خطورة في تكوين المجتمع وخطورة في حركة الحياة، فهذا فرقان ~~لذلك سمى القرآن فرقانا لأنه يفرق بين الحق والباطل. ومن الفرقان، ~~قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا.. # [الأنفال: 29] وتقوى الله لا تكون إلا بتنفيذ أوامره وتعاليمه الواردة ~~في القرآن الذي نزل على محمد، والفرقان هنا يعني: نور تفرق به بين ~~الأشياء وتميز به بين المتشابهات. وعلى قدر ما تتقي الله باتباع ~~الفرقان الأول يجعل لكم الفرقان الثاني، وتتكون لديكم فراسة المؤمن ~~وبصيرته، وتنزل عليكم الإشراقات التي تسعف المؤمن عندما يقع في مأزق. ~~ألا تراهم يقولون: فلان ذكي، فلان حاضر البديهة. أي: يستحضر الأشياء ~~البعيدة وينتفع بها في الوقت الحاضر، وهذا من توفيق الله له، ونتيجة ~~لبصيرته وفراسته، وكانت العرب تضرب المثل في الفراسة والذكاء بإياس بن ~~معاوية حتى قال الشاعر: # إقدام عمرو في سماحة حاتم # في حلم أحنف في ذكاء إياس # ويروى أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور لما أراد أن يحج بيت ~~الله في آخر مرة، بلغه أن سفيان الثوري يتناوله وينتقده ويتهمه بالجور، ~~فقال: سوف أحج هذا العام، وأريد أن أراه مصلوبا في مكة، فبلغ الخبر أهل ~~مكة، وكان سفيان الثوري يقيم بها في جماعة من أصحابه من المتصوفة وأهل ~~الإيمان، منهم سفيان بن عيينة والفضيل بن عياض، وكانا يدللان الثوري ~~ويعتزان به. # وفي يوم كان الثلاثة في المسجد والثوري مستلق بين صاحبيه يضع رأسه ~~في حجر أحدهما، ورجليه في حجر الآخر، وقد بلغهم خبر المنصور ~~ومقالته، فتوسل ابن عيينة والفضيل للشيخ الثوري: يا سفيان لا تفضحنا ~~واختف حتى لا يراك، فلو تمكن منك المنصور ونفذ فيك تهديده فسوف يضعف ~~اعتقاد الناس في المنسوبين إلى الله. وهنا يقول الثوري: والذي نفسي بيده ~~لن يدخلها، وفعلا دخل المنصور مكة من ناحية الحجون، فعثرت به الدابة، ~~وهو على مشارف مكة فوقع وأصيب بكسر فمات لساعته. ودخل المنصور مكة ~~محمولا وأتوا به ms6486 إلى المسجد الحرام حيث صلى عليه الثوري. هذا هو ~~الفرقان والنور والبصيرة وفراسة المؤمن الذي يرى بنور الله، ولا يصدر في ~~أمر من أموره إلا على هديه. ويروى أن المهدي الخليفة العباسي أيضا ~~دخل الكعبة، فوجد صبيا صغيرا في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمره ~~يلتف حوله أربعمائة شيخ كبير من أصحاب اللحى والهيبة والوقار، والصبي ~~يلقي عليهم درسا، فتعجب المهدي وقال: أف لهذه السعانين يعني ~~الذقون، أما كان فيهم من يتقدم؟! ثم دنا من الصبي يريد أن يقرعه ~~ويؤنبه فقال له: كم سنك يا غلام؟ فقال الصبي: سني سن أسامة بن زيد ~~حينما ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إمارة جيش فيه أبو بكر وفيه ~~عمر، فقال له المهدي - معترفا بذكائه وأحقيته لهذا الموقف: بارك الله ~~فيك. فالفرقان - إذن - لا تستعمل إلا للأمور الجليلة العظيمة، سواء ما ~~نزل على موسى، أو ما نزل على محمد، إلا أن الفرقان أصبح علما على ~~القرآن، فهناك فرق بين العلم والوصف، فكل ما يفرق بين حق وباطل ~~تصفه بأنه فرقان، أما إن سمي به ينصرف إلى القرآن. والمتأمل في ~~مادة فرق في القرآن يجد أن لها دورا في قصة موسى عليه السلام، فأول ~~آية من آياته: # وإذ فرقنا بكم البحر.. # [البقرة: 50]. والفرق أن تفصل بين شيء متصل مع اختلاف هذا الشيء، ~~وفي علم الحساب يقولون: الخلط والمزج، ففرق بين أن تفصل بين أشياء ~~مخلوطة مثل برتقال وتفاح وعنب، وبين أن تفصلها وهي مزيج من العصير، ~~تداخل حتى صار شيئا واحدا. إذن: ففرق البحر لموسى - عليه السلام - ~~ليس فرقا بل فرقانا، لأن أعظم ألوان الفروق أن تفرق السائل إلى ~~فرقين، كل فرق كالطود العظيم، ومن يقدر على هذه المسألة إلا الله؟ ~~ثم يقول تعالى: { وضيآء وذكرا للمتقين } [الأنبياء: 48] ~~أي: نورا يهدي الناس إلى مسالك حياتهم دون عطب، وإلا فكيف يسيرون في ~~دروب الحياة؟ فلو سار الإنسان على غير هدى فإما أن يصطدم بأقوى منه ~~فيتحطم هو، وإما أن يصطدم بأضعف منه فيحطمه، ms6487 فالضياء - إذن - هام وضروري ~~في مسيرة الإنسان، وبه يهتدي لحركة الحياة الآمنة ويسعى على بينة، فلا ~~يتعب، ولا يتعب الآخرين. # { وذكرا.. } [الأنبياء: 48] أي: يذكر وينبه الغافلين، فلو ~~تراكمت الغفلات تكون الران الذي يحجب الرؤية ويعمي البصيرة، لذلك ~~لما شبه النبي صلى الله عليه وسلم غفلة الناس قال: # " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا ". # وفي رواية " عوذا عوذا " أي يستعيذ بالله أن يحدث هذا لمؤمن، فهل ~~رأيت صانع الحصير حينما يضم عودا إلى عود حتى يكون الحصير؟ كذلك ~~تعرض علينا الفتن، فإن جاء التذكير في البداية أزال ما عندك من الغفلة ~~فلا تتراكم عليك الغفلات. " فأيما قلب أشربها - يعني قبلها - ~~العود تلو العود - نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت ~~فيه نكتة بيضاء، حتى تكون على قلبين - صدق رسول الله - على أبيض مثل ~~الصفا لا تضره فتنة، ما دامت السماوات والأرض. أو على أسود كالكوز ~~مجخيا - يعني منكوسا - لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا ". ~~قالوا: فذلك هو الران الذي يقول الله فيه: # كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون # [المطففين: 14] والذكر هو الذي يجلي هذا الران. { وذكرا ~~للمتقين } [الأنبياء: 48] ومن صفاتهم أنهم: { الذين ~~يخشون ربهم بالغيب... }. ### || [21.49] # الخشية: الخوف بتعظيم ومهابة، فقد تخاف من شيء وأنت تكرهه أو تحتقره. ~~فالخشية كأن تخاف من أبيك أو من أستاذك أن يراك مقصرا، وتخجل منه ~~أن يراك على حال تقصير. فمعنى الخوف من الله: أن تخاف أن تكون مقصرا ~~فيما طلب منك، وفيما كلفك به لأن مقاييسه تعالى عالية، وربما فاتك ~~من ذلك شيء. وفي موضع آخر يشرح الحق سبحانه هذه المسألة، فيقول: # إنما يخشى الله من عباده العلماء.. # [فاطر: 28] لماذا؟ لأنهم الأعلم بالله وبحكمته في كونه، وكلما تكشفت ~~لهم حقائق الكون وأسراره ازدادوا لله خشية، ومنه مهابة وإجلالا لذلك قال ~~عنهم: # يخافون ربهم من فوقهم.. # [النحل: 50] أي: أعلى منهم وعلى رؤوسهم، لكن بحب ومهابة. ومعنى: { ~~بالغيب.. } [الأنبياء: 49] أنهم يخافون الله، مع أنهم لا يرونه ~~بأعينهم، إنما يرونه في آثار صنعه، ms6488 أو بالغيب يعني: الأمور الغيبية ~~التي لا يشاهدونها، لكن أخبرهم الله بها فأصبحت بعد إخبار الله كأنها ~~مشهد لهم يرونها بأعينهم. أو يكون المعنى: يخشون ربهم في خلواتهم ~~عن الخلق، فمهابة الله والأدب معه تلازمهم حتى في خلوتهم وانفرادهم، ~~على خلاف من يظهر هذا السلوك أمام الناس رياء، وهو نمرود في ~~خلوته. وقوله تعالى: { وهم من الساعة مشفقون } ~~[الأنبياء: 49] والإشفاق بمعنى الخوف أيضا، لكنه خوف يصاحبه الحذر ~~مما تخاف، فالخوف من الله مصحوب بالمهابة، والخوف من الساعة مصحوب بالحذر ~~منها، مخافة أن تقوم عليهم قبل أن يعدوا أنفسهم لها إعدادا كاملا ~~يفرحهم بجزاء الله ساعة يلقونه. ### || [21.50] # أي: كما جاءت التوراة { ذكرا.. } [الأنبياء: 48] كذلك القرآن الذي ~~نزل عليك يا محمد ذكر، لكنه { ذكر مبارك.. } [الأنبياء: 50] ~~يقولون: هذا شيء مبارك يعني: فيه البركة، والبركة في الشيء أن يعطي من ~~الخير فوق ما يتوقع فيه. كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسقي صحابته ~~من قعب واحد من اللبن، ويطعم الجيش كله من الطعام اليسير القليل. ~~وتسمعهم يقولون: فلان راتبة ضئيل، ومع ذلك يعيش هو وأولاده في كذا وكذا ~~فنقول: لأن الله يبارك له في هذا القليل. فمعنى { ذكر مبارك.. } ~~[الأنبياء: 50] أي: فيه من الخير فوق ما تظنون، فإياك أن تقولوا: إنه ~~كتاب أحكام وتكاليف فحسب، فالقرآن فيه صفة الخلود، وفيه من الأسرار ما ~~لا ينتهي، فبركته تشمل جميع النواحي وجميع المجالات إلى أن تقوم الساعة. ~~فمهما رددنا آياته نجدها جميلة موحية معبرة. فكل عصر يأتي بجديد، لا ~~يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه فهو مبارك لأن ما فيه من الخير ~~يتجاوز عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وكل العصور والأعمار والقرون فيعطي ~~كل يوم سرا جديدا من أسرار قائله سبحانه. إذن: فالقرآن { ذكر ~~مبارك.. } [الأنبياء: 50] لأن ما فيه من وجوه الخير سيتجاوز العصر ~~الذي نزل فيه، ويتجاوز كل الأعمار وكل القرون، فيعطي كل يوم لونا ~~جديدا من أسرار قائله والمتكلم به لذلك يتعجب بعدها من إنكار القوم ~~له: { أفأنتم له ms6489 منكرون } [الأنبياء: 50] أمثل هذا الكلام ~~ينكر؟ وسبق أن أوضحنا أقوالهم في القرآن. منهم من قال: سحر. ومنهم من ~~قال: شعر. ومنهم من قال كذب وأساطير الأولين، وهذا كله إفلاس في ~~الحجة، وتصيد لا معنى له، ودليل على تضارب أفكارهم. ألم يقولوا هم ~~أنفسهم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] إذن: هم يعرفون صدق القرآن ومكانته، وأنه من عند الله، ~~ولا يعترضون عليه في شيء، إنما اعتراضهم على من جاء بالقرآن، وفي هذا ~~دليل على أنهم ليست عندهم يقظة في تغفيلهم. وتأمل: { وهذا ذكر ~~مبارك.. } [الأنبياء: 50] ولم يقل: هذا القرآن، كأنه لا يشار إلا ~~إلى القرآن. ### || [21.51] # نلاحظ أن الحق سبحانه بدأ تسليته لرسوله صلى الله عليه وسلم بذكر طرف ~~من قصة موسى، ثم ثنى بقصة إبراهيم، مع أن إبراهيم عليه السلام سابق ~~لموسى، فلماذا؟ قالوا: لأن موسى له صلة مباشرة باليهود وقريب منهم، ~~وكان اليهود معه أهل جدل وعناد. ومعنى { رشده.. } [الأنبياء: 51] ~~الرشد: اهتداء العقل إلى الأكمل في الصلاح والأعلى في الخير، بحيث لا ~~يأتي بعد الصلاح فساد، ولا بعد الخير شر، ولا يسلمك بعد العلو إلى ~~الهبوط، هذا هو الرشد. أما أن يجرك الصلاح الظاهر إلى فساد، أو ~~يسلمك الخير إلى شر، فليس في ذلك رشد. والآن نسمعهم يتحدثون عن ~~الفنون الجميلة، ويستميلون الناس بشعارات براقة أعجبت الناس حتى وصلت ~~بهم الجرأة إلى أن قالوا عن الرقص: فن راق وفن جميل.. سبحان الله، ~~الرقص كما قلتم لو أنه فعلا راق وجميل، وظل كذلك إلى آخر الطريق، ولم ~~ينحدر إلى شيء قبيح وهابط، ماذا يحدث حين يجلس الرجل أمام راقصة تبدي ~~من مفاتنها وحركاتها ما لا تحسنه زوجته في البيت؟ كم بيوت خربت ~~وأسر تهدمت بسبب راقصة، فأي رقي؟ وأي جمال في هذا الفن؟! لذلك ~~فالإمام علي - كرم الله وجهه - لخص هذه المسألة فقال: " لا شر في ~~شر بعده الجنة، ولا خير في خير بعده النار ". إذن: على الإنسان أن ~~ينتبه إلى الرشد الذي هو اهتداء ms6490 العقل إلى الصالح الأعلى أو إلى ~~الكمال الأعلى أو الخير الأعلى. وهذا الرشد له اتجاهان: رشد ~~البنية، ورشد المعنى. رشد البنية وهو اكتمال تكوين الإنسان بحيث ~~يؤدي كل جهاز فيه وظيفته، وهذا لا يكون إلا بعد سن البلوغ، وقد جعل ~~الخالق سبحانه استواء الأعضاء التناسلية دليلا على اكتمال هذا الرشد ~~حين يصير المرء قادرا على إنجاب مثله. وهذا واضح في الثمار حيث لا يحلو ~~مذاقها إلا بعد نضجها واكتمال بذرتها لتكون صالحة للإنبات إذا زرعتها، ~~وهذا من حكمة الخالق - سبحانه وتعالى - فنأكل الثمرة ونستبقي نوعها ~~ببذرتها الصالحة، أما لو استوت الثمرة للأكل قبل نضج بذرتها لأكلنا ~~الثمار الموجودة ولم نستبق نوعها فتنقرض. لذلك، من حكمة الله أيضا أن ~~الثمرة إذا استوت ونضجت ولم تجد من يقطفها تسقط من تلقاء نفسها، ~~وتجدد دورتها في الحياة. ولأمر ما جعل الله التكليف بعد البلوغ، فلو ~~كلفك قبل البلوغ لوجدت في التكاليف نهيا عن بعض الأمور التي لا ~~تعرفها ولا تدركها، وقد تعترض على ربك: كيف أفعل يا رب وقد جاءتني هذه ~~الغريزة ففعلت بي كذا وكذا. ولكل آلة وجهاز في جسم الإنسان رشد ~~يناسبه، ونمو يناسب تكوينه، فمثلا عين الطفل وفمه وأصابع يده كلها ~~تنمو نموا مناسبا لتكوين الطفل. # أما الأسنان ففيها حكمة بالغة من الخالق عز وجل، فقد جعل للطفل في ~~المرحلة التي لا يستطيع فيها تنظيف أسنانه بنفسه، ولا حتى يستطيع غيره ~~تنظيفها جعل له طقما احتياطيا من الأسنان، يصاحبه في صغره تسمى ~~الأسنان اللبنية، حتى إذا ما شب وكبر واستطاع أن ينظف أسنانه ~~بنفسه أبدله الله طقما آخر يصاحبه طوال عمره. وهناك رشد أعلى، رشد ~~فكري معنوي، رشد يستوي فيه العقل والتفكير ويكتمل الذهن الذي يختار ~~ويفاضل بين البدائل، فقد يكتمل للمرء رشده البنياني الجسماني دون ~~أن يكتمل عقله وفكره، وفي هذه الحالة لا نمكنه من التصرف حتى ~~نختبره، لنعلم مدى إحسانه للتصرف فيما يملك، فإن نجح في الاختبار ~~فلنعطه المال الذي له، يتصرف فيه كما جاء في قول الحق ms6491 سبحانه ~~وتعالى: # وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم.. # [النساء: 6] أي: لا تنتظر حتى يكبر، ثم تعطيه ماله، يفعل فيه ما يشاء ~~دون خبرة ودون تجربة، إنما تختبره وتشركه في خضم الحياة ~~ومعتركها، فيشب متمرسا قادرا على التصرف السليم. وفي آية أخرى قال ~~تعالى: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم.. # [النساء: 5] لأنهم إن بلغوا الرشد البدني فلم يبلغوا الرشد ~~العقلي، وإياك أن تقول: هو ماله يتصرف فيه كما يشاء، فليس للسفيه مال ~~بدليل: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم.. # [النساء: 5] ولم يقل: أموالهم، فهو مالك تحافظ عليه كأنه لك، وأنت ~~مسئول عنه أمام الله، ولا يكون مال السفيه له إلا إذا أحسن التصرف ~~فيه. ومن الرشد ما سماه القرآن الأشد: # حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ~~رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ~~وعلى والدي.. # [الأحقاف: 15]. والأشد هو: التسامي في الرشد وقال هنا أربعين سنة ~~مع أننا ذكرنا أن الإنسان يبلغ رشد البنية ورشد العقل بعد سن ~~البلوغ في الخامسة عشرة تقريبا، إذن: من لم يرشد حتى الأربعين فلا ~~أمل فيه، والنار أولى به لأنه حين يكفر أو ينحرف عن الطريق في عنفوان ~~شبابه وقوته نقول: شراسة الشباب والشهوة والمراهقة، إلى آخر هذه الأعذار ~~فإذا ما بلغ الأربعين فما عذره؟ وإذا لم يتلق مبادئ الرشد في صغره ~~وفي شبابه، فلا شك أنه سيجد في أحداث الحياة طوال أربعين سنة واقعا ~~يرشده قهرا عنه، حيث يرى أعماله وعواقبها وأخطاءه وسقطاته، وينبغي ~~أن يأخذ منها درسا عمليا نظريا في الرشد. ومن ذلك ما نسمعه من ~~مصطلحات معاصرة يقولون " الرشد السياسي " ويقولون " ترشيد الاستهلاك " ، ~~ما معنى هذه المصطلحات؟ معناها أن أحداث الحياة وتجاربها وعدم الرشد ~~في مسيرتهم عضت الناس، وألجأتهم إلى التفكير في ترشيد يذهب هذا ~~الفساد. # إذن: فالرشد للذات والترشيد للغير كما نفعل في ترشيد استهلاك القمح ~~مثلا وكنا نعلف به المواشي، حتى أصبحنا لا نجده لذلك بدأنا في ترشيد ~~استهلاك رغيف الخبز وصرنا نقسمه أربعة أقسام، ms6492 ونأكل بحساب، ولا نهدر ~~شيئا، وما يتبقى يتبقى نظيفا نأكله في وجبة أخرى. وقد لا يكون عند ~~الخباز نفسه ترشيد، فيخرج الرغيف قبل استوائه فتجده عجينا، كله لبابة، ~~فتأتي ربة البيت الواعية فتفتح الرغيف قبل وضعه على المائدة، وتخرج منه ~~هذه البابة، وتجمعها ثم تحمصها في الفرن، وتصنع منها طعاما آخر. وما ~~يقال في " ترشيد الخبز " يقال في " ترشيد الماء " ، وقد أمرنا رسول الله ~~بترشيد استهلاك الماء حتى في الوضوء الذي هو قربى إلى الله. هذا الرشد ~~الذي وصفنا رشد كل عاقل غير الرسل، وهو أنه يهتدي إلى قضايا حياته، ~~ويتصرف فيها تصرفا سليما، إنما مقتضى نتيجة هذا الصلاح في الدنيا، أما ~~الرسل فلهم رشد آخر، رشد أعلى للدنيا وللآخرة، وهذه هبة من الله ~~للرسل. قال تعالى في حق إبراهيم عليه السلام: { ولقد آتينآ ~~إبراهيم رشده من قبل.. } [الأنبياء: 51] وكأن رشد إبراهيم ~~لا يخضع لهذه القواعد، ولا يرتبط ببلوغ، ولا نبوة، بل هو رشد سابق ~~لأوانه منذ أن كان صغيرا يتأمل في النجوم ويبحث عن ربه: # فلمآ رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلمآ ~~أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم ~~الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ~~هذآ أكبر فلمآ أفلت قال يقوم إني بريء ~~مما تشركون # [الأنعام: 77-78]. فكان - عليه السلام - مؤهلا للرسالة منذ صغره، ~~ولما أرسل ونبيء ظهرت مواهب رشده حين ألقي في النار، وجاءه ~~جبريل - عليه السلام - يعرض عليه المساعدة، فيقول إبراهيم: أما إليك فلا. ~~وهذه أول بشائر الرشد الفكري والعقدي عند إبراهيم. وفي حقه قال تعالى: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن.. # [البقرة: 124] أي: اختبره في أشياء فأتمهن وأتى بهن على أكمل وجه، ~~منها: أنه طلب منه أن يرفع قواعد البيت، وكان يكفي أن يرفع إبراهيم ~~قواعد البيت إلى ما تطول يده، إنما إبراهيم عليه السلام كان حريصا أن ~~يتم الأمر على أكمل وجه، فيفكر ويحتال في أن يأتي بحجر ويقف عليه ليرفع ~~البناء بمقدار الحجر، ويساعده ولده الصغير إسماعيل فيناوله الحجارة، ms6493 لكن ~~الولد الصغير تتزحلق قدماه حينما يرفع الحجارة لأبيه، فيحتال على هذا ~~الأمر فيحفر في الحجر على قدر قدميه حتى يثبت، وهاتان القدمان نشاهدهما ~~حتى الآن في حجر إسماعيل. إذن: كان عنده عشق لللتكاليف وحرص على ~~إتمامها. وقوله تعالى: { وكنا به عالمين } [الأنبياء: 51] هذا ~~واضح في قوله تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته.. # [الأنعام: 124]. ### || [21.52] # أي: اذكر يا محمد، إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه { ما هذه ~~التماثيل.. } [الأنبياء: 52]. والتماثيل: جمع تمثال، وهو مأخوذ من ~~مثل أو مثل، ومثل الشيء يعني: شبيهه ونظيره، وكانوا يعمدون إلى ~~الأشياء التي لها جرم ويصورونها على صورة أشياء مخلوقة لله تعالى، ~~كصورة الإنسان أو الحيوان، من الحجر أو الحديد أو الخشب أو غيرها ~~ويسمونه تمثالا، ويقيمونه ليعبدوه. وكانوا يبالغون في ذلك: فهذا من ~~الحجر، وهذا من المرمر، وهذا صغير، وهذا كبير، وقد يضعون في عينيه خرزتين ~~ليظهر للرائي أن له نظرا، وهي ألوان من التفنن في هذه الصناعة. فإبراهيم ~~- عليه السلام - يقول مستنكرا لأبيه وقومه { ما هذه التماثيل ~~التي أنتم لها عاكفون } [الأنبياء: 52]. فالاستفهام هنا على ~~غير حقيقته، بل هو استفهام إنكاري يحمل لهجة الاستهزاء والسخرية ~~والتقريع، ولا بد أنه ألقى عليهم هذا السؤال بشكل أدائي يوحي بالتقريع. ~~وسبق أن تحدثنا في معنى أبيه هنا وقلنا: المراد عمه، بدليل قوله في ~~موضع آخر: # لأبيه آزر.. # [الأنعام: 74] فقد بدأ المسألة بأبيه أو عمه، وهو أقرب الناس إليه، ~~يريد أن يطمئن الناس إلى ما يدعو إليه، وأنه خير، وإلا ما بدأ بأبيه. ~~وأيضا لأن القوم قد لا يكون لهم في نفسه تأثير هيبة أو حب إنما ~~الهيبة والحب موجود بالنسبة لأبيه أو لعمه، ومع ذلك لم تمنعه هذه الهيبة ~~أن يسفه كلامهم وأفعالهم الباطلة، كما جاء في قول الله تعالى: # قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها ~~وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونهآ أحب ~~إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا ~~يهدي القوم الفاسقين # [التوبة: 24]. وقد وقف المفسرون ms6494 عند اللام في قوله تعالى: { لها ~~عاكفون } [الأنبياء: 52] مع أن المعنى: يعكفون على عبادتها، كما جاء ~~في آية أخرى: # فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم.. # [الأعراف: 138] وهنا جاءت باللام لذلك قال بعضهم: اللام هنا بمعنى على، ~~فلماذا عدل عن علي إلى اللام؟ ولو تنبهنا لمعطيات الألفاظ { لها ~~عاكفون } [الأنبياء: 52] نقول: الاعتكاف: هو الإقامة. فلان عاكف في ~~المسجد يعني: على الإقامة في المسجد، فكلمة عاكفون وحدها تعطي معنى على ~~أي: لصالح هذه الآلهة. أما اللام فلشيء آخر، اللام هنا لام الملكية ~~والنفعية. وذكروا لها مثالا آخر في قوله تعالى: # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب.. # [الأنبياء: 104]. السجل هو: القرطاس والورق الذي نكتب فيه، ومنه ~~قولهم: نسجل كذا يعني: نكتبه في السجل أو الورق لتحفظ، ومعنى # للكتب.. # [الأنبياء: 104] يعني: الشيء المكتوب، فكأن المعنى: نطوي الورق على ما ~~كتب فيه. ثم يقول الحق سبحانه: { قالوا وجدنآ آبآءنا... }. ### || [21.53] # إذن: لا حجة لهم في عبادتهم لهذه التماثيل التي صنعوها وأقاموها ~~بأنفسهم، إلا أنهم رأوا آباءهم يعبدونها، فحجتهم التقليد الأعمى، ~~ولو كان عندهم حجة لذاتية العمل لقالوها. وفي موضع آخر قالوا: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون # [الزخرف: 23] إذن: نعيب عليهم هذا التقليد ونعيب على آبائهم أيضا، فكيف ~~يكون رد إبراهيم إذن؟ وكلمة { عابدين } [الأنبياء: 53] هنا تعبير ~~عن أن عبادتهم لهم عبادة عن غير فهم، لأن العبادة طاعة عابد لأوامر ~~معبوده، فبماذا أمرتهم الأصنام؟ ثم يقول الحق سبحانه عن إبراهيم أنه قال ~~لقومه: { قال لقد كنتم أنتم... }. ### || [21.54] # أراد أن يرشد هذا السفه فقال: أنتم في ضلال لأنكم قلدتم في ~~الإيمان، والإيمان لا يكون بالتقليد، وآباؤكم لأنهم اخترعوا هذه المسألة ~~وسنوها لكم. ومن العجيب أن يقلدوا آباءهم في هذه المسألة بالذات ~~دون غيرها، وإلا فمن الذي يظل على ما كان عليه أبوه، ونحن نرى كل ~~جيل يأتي بجديد مما لم يكن معروفا للجيل السابق. لذلك يقولون: ~~الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم، فلكل زمن وضعه وارتقاءاته، وأنت ~~تتحكم في ولدك ما دام ms6495 صغيرا، فيأكل الولد ويشرب ويلبس حسب ما تحب أنت، ~~فإذا ما شب وكبر صارت له شخصيته الخاصة وفكره المستقل، فيختار ~~هو مأكله وملبسه، والكلية التي يدخلها، وربما انتقدك في بعض الأمور. ~~إذن: هؤلاء قلدوا آباؤهم في هذه المسألة دون غيرها، فلماذا مسألة ~~الإيمان بالذات تتمسكون فيها بالتقليد؟ ولو أن كل جيل جاء صورة ~~طبق الأصل لسابقه لما تغير وجه الحياة، ففي هذا دلالة على أن لكل ~~جيل ذاتيته المستقلة وفكره الخاص. لقد قلد هؤلاء آباءهم في هذه ~~العبادة دون غيرها من الأمور لأنها عبادة وتدين بلا تكليف، وآلهة بلا ~~منهج، لا تضيق عليهم في شيء، ولا تمنعهم شيئا مما ألفوه من ~~الشهوات، فهو تدين بلا تبعة. لذلك فالحق سبحانه يرد عليهم في ~~أسلوبين مختلفين، فمرة يقول تعالى: # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم ~~لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة: 170]. وفي موضع آخر يقول: # وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ ~~أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # [المائدة: 104]. ونلحظ أن عجز الآيتين مختلف، فمرة: # لا يعقلون شيئا.. # [البقرة: 170] ومرة: # لا يعلمون شيئا.. # [المائدة: 104] فلماذا؟ قالوا: لأن عجز كل آية مناسب لصدرها، ~~وصدر الآيتين مختلف، ففي الأولى قالوا: # بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ.. # [البقرة: 170] فيمكن أن نتبع هذا أو هذا، دون أن يقصروا أنفسهم على شيء ~~واحد. وفي الثانية قالوا: # حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ.. # [المائدة: 104] يعني: يكفينا، ولا نريد زيادة عليه، فقصروا أنفسهم على ~~ما وجدوا عليه آباؤهم. لذلك قال في عجز الأولى: # لا يعقلون شيئا.. # [البقرة: 170] وفي عجز الثانية # لا يعلمون شيئا.. # [المائدة: 104] لأن العاقل هو الذي يهتدي إلى الأمر بذاته. أما الذي ~~يعلم فيعلم ما عقله هو، وما عقله غيره، إذن: فدائرة العلم أوسع من ~~دائرة العقل لأن العقل يهتدي للشيء بذاته، أما العلم فيأخذ اهتداء ~~الآخرين. فكان ردهم: { قالوا أجئتنا... }. ### || [21.55] # يعني: أهذا الكلام يا ms6496 إبراهيم جد؟ أم أنك تهزر معنا؟ كأنهم ~~يستبعدون أن يكون كلام إبراهيم جدا لأنه بعيد عن مداركهم. ### || [21.56] # يرد إبراهيم: لقد جئتكم بالحق الذي يقول: إن هذه الأصنام لا تعبد، بل ~~الذي يستحق العبادة هو الله رب السماوات والأرض: { قال بل ~~ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن.. } ~~[الأنبياء: 56] ف بل تضرب عما قبلها، وتثبت الحكم لما بعدها { ~~الذي فطرهن.. } [الأنبياء: 56] يعني: خلق السماوات والأرض ~~والأصنام، وكل ما في الوجود. { وأنا على ذلكم من ~~الشاهدين } [الأنبياء: 56] والشاهد هو الذي اهتدى إلى الحق، كأنه ~~رأي العين، وليس مع العين أين، واهتدى إلى الدليل على هذا الحق، ~~فقال: أنا شاهد على أن ربكم رب السماوات والأرض ومعي الدليل على هذه ~~الحقيقة. ### || [21.57] # بعد ما حدث منهم من لجج وجدال بالباطل أقسم إبراهيم عليه السلام { ~~وتالله.. } [الأنبياء: 57] والتاء هنا للقسم { لأكيدن ~~أصنامكم.. } [الأنبياء: 57] وهل الأصنام تكاد؟ أم أن المراد: ~~لأكيدنكم في أصنامكم؟ فالأصنام كمخلوق من مخلوقات الله تسبح لله، ~~وتشكر إبراهيم على هذا العمل. وما أجمل ما قاله الشاعر في هذا المعنى ~~حين تكلم بلسان الأحجار في غار حراء وغار ثور، حيث كانت الحجارة ~~تغار وتحسد حراء لأن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يتعبد به قبل ~~البعثة، فحراء شاهد تعبد لرسول الله يزهو بهذه الصحبة، فلما نزل ~~رسول الله بغار ثور عند الهجرة فرح ثور لأنه صار في منزلة حراء: # كم حسدنا حراء حين ترى # الروح أمينا يغزوك بالأنوار # فحراء وثور صارا سواء # بهما تشفع لدولة الأحجار # عبدونا ونحن أعبد # لله من القائمين بالأسحار # تخذوا صمتنا علينا دليلا # فغدونا لهم وقود النار # لأن الله قال: # وقودها الناس والحجارة.. # [البقرة: 24]. # قد تجنوا جهلا كما قد # تجنوه على ابن مريم والحواري # للمغالي جزاؤه والمغالي فيه # تنجيه رحمة الغفار # إذن: فتحطيم الأصنام ليس كيدا للأصنام، بل لعبادها الذين يعتقدون ~~فيها أنها تضر وتنفع، وكأن إبراهيم - عليه السلام - يقيم لهؤلاء الدليل ~~على بطلان عبادة الأصنام، الدليل العملي الذي لا يدفع وكأن إبراهيم ~~يقول بلسان الحال: حين أكسر ms6497 الأصنام إن كنت على باطل فليمنعوني ~~وليردوا الفأس من يدي، وإن كنت على حق تركوني وما أفعل. وقوله ~~تعالى: { بعد أن تولوا مدبرين } [الأنبياء: 57] أي: بعد ~~أن تنصرفوا عنها. يعني: على حين غفلة منهم. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~فجعلهم جذاذا إلا كبيرا... }. ### || [21.58] # ونلحظ هنا أن السياق القرآني يحذف ما يفهم من الكلام، كما في قصة ~~سليمان - عليه السلام - والهدهد: # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول ~~عنهم فانظر ماذا يرجعون # [النمل: 28] وحذف ما كان من الهدهد ورحلته إلى بلقيس، وإلقائه الكتاب ~~إليها، وأنها أخذته وعرضته على مستشاريها: # قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم # [النمل: 29]. ومعنى { جذاذا.. } [الأنبياء: 58] أي: قطعا متناثرة ~~وحطاما، بعد أن كانت هياكل مجتمعة { إلا كبيرا لهم.. } ~~[الأنبياء: 58] أي: أنه تركه فلم يحطمه، وقد كانوا يضعون الأصنام على ~~هيئة خاصة و ديكور، بحيث يكون الكبير في الوسط، وحوله الأصنام الصغيرة ~~يعني: كأن له سيطرة عليهم ومنزلة بينهم، وكانوا يضعون في عينه الزبرجد، ~~حتى يخيل لمن يراه أنه ينظر إليه. وقوله: { لعلهم إليه ~~يرجعون } [الأنبياء: 58] فيسألونه عما حدث لأولاده الآلهة ~~الصغار، ولماذا لم يدافع عنهم خاصة وقد وجدوا الفأس على كتفه؟ ### || [21.59] # أي: لما ذهبوا إلى المعبد الذي يعبدون فيه أصنامهم وجدوها محطمة ~~فقالوا: { من فعل هذا بآلهتنآ إنه لمن الظالمين ~~} [الأنبياء: 59] لأنه اعتدى على الآلهة السليمة وكسرها. إذن: هذه ~~الآلهة لا تستطيع أن تدفع عن نفسها الضر، وكان عليهم أن يتنبهوا إلى ~~هذه المسألة، كيف يقبلون عبادتها، ولو أوقعت الريح أحدهم لكسرته، ~~فيحتاج الإله إلى من يصلح ذراعه ويرممه ويقيمه في مكانه، فأي ~~ألوهية هذه التي يدافعون عن حقوقها؟! ### || [21.60] # أي: تطوع بعضهم وقالوا هذا، وكان للقوم يوم محدد يذهبون فيه إلى ~~معبدهم ومكان أصنامهم، ويأخذون طعامهم وشرابهم، ويبدو أنه كان يوم عيد ~~عندهم، وقد استعد آزر لهذا اليوم، وأراد أن يأخذ معه إبراهيم لعل ~~الآلهة تجذبه فيهتدي وينصرف عما هو فيه. لكن إبراهيم عليه السلام ~~ادعى أنه مريض، لا يستطيع الخروج معهم، فقال # إني ms6498 سقيم # [الصافات: 89] وعندها عزم إبراهيم على تحطيم أصنامهم وقال: # وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا ~~مدبرين # [الأنبياء: 57] سمعه بعض القوم فأخبرهم بأمره. { قالوا سمعنا ~~فتى يذكرهم.. } [الأنبياء: 60] والذكر هنا يعني بالشر بالنسبة ~~لهم، { يقال له إبراهيم } [الأنبياء: 60] يعني: اسمه إبراهيم، ~~أو حين نناديه نقول: يا إبراهيم. ثم يقول الحق سبحانه: { قالوا ~~فأتوا به على أعين... }. ### || [21.61] # ومعنى { على أعين الناس.. } [الأنبياء: 61] يعني: على مرأى ~~منهم ليشاهدوه بأعينهم { لعلهم يشهدون } [الأنبياء: 61] أي: ~~يشهدون ما نوقعه به من العذاب حتى لا يجترئ أحد آخر أن يفعل هذه ~~الفعلة، ويكون عبرة لغيره. ### || [21.62] # هنا أيضا كلام محذوف: فأتوا به، ثم سألوه هذا السؤال، والاستفهام { ~~أأنت فعلت هذا.. } [الأنبياء: 62] استفهام عن الفاعل لأن ~~الفعل واضح لا يحتاج إلى استفهام لذلك لم يقل: أفعلت هذا يا إبراهيم، ~~بل اهتم بالفاعل: { أأنت فعلت هذا.. } [الأنبياء: 62] كما ~~تقول: أبنيت الدار التي كنت تنوي بناءها؟ فهذا استفهام عن الفعل، ~~إنما أأنت بنيت الدار، فالمراد الفاعل. ### || [21.63] # وكأنه يريد أن ينتزع منهم الإقرار بأن هذا الكبير لا يفعل شيئا، ~~فيواجههم: فلماذا - إذن - تعبدونهم؟ وقول إبراهيم { بل فعله ~~كبيرهم هذا.. } [الأنبياء: 63] فيه توبيخ وتبكيت لهم، حيث رد ~~الأمر إلى من لا يستطيعه ولا يتأتى منه، وقد ضرب الزمخشري - رحمه الله ~~- مثلا لذلك برجل جميل الخط، وآخر لا يحسن الكتابة، فيرى الأخير ~~لوحة جميلة، فيقول للأول: أأنت كاتب هذه اللوحة؟ فيقول: لا بل أنت الذي ~~كتبتها!! تبكيتا له وتوبيخا. ثم يصرح إبراهيم لهم بما يريد: { ~~فاسألوهم إن كانوا ينطقون } [الأنبياء: 63] وهم لن ~~يسألوهم لأنهم يعرفون حقيقتهم. ### || [21.64] # أي: تنبهوا وعادوا إلى عقولهم، ونطقوا بالحق: { إنكم أنتم ~~الظالمون } [الأنبياء: 64] يعني: بعبادتكم هذه الأصنام، وأنتم ~~تعلمون أنها لا تنفع ولا تضر، ولا ترى ولا تتكلم. هكذا واجهوا أنفسهم ~~بهذه الحقيقة وكشفوا عن بطلان هذه العبادة، لكن هذه الصحوة ستكون على ~~حسابهم، وخسارتهم بها ستكون كبيرة، هذه الصحوة ستفقدهم السلطة ~~الزمنية التي يعيشون في ظلها، وينتفعون من ورائها بما يهدي للأصنام ~~لذلك سرعان ما ms6499 يتراجعون ويعودون على أعقابهم بعد أن غلبهم الواقع ~~وتذكروا ما تجره هذه الصحوة. ### || [21.65] # فبعد أن جابهوا أنفسهم بالحق { نكسوا على رءوسهم.. } ~~[الأنبياء: 65] والنكسة: أن الأعلى يأتي في الأسفل، وأنتم تعلمونها ~~طبعا!! ورجعوا يقولون له نفس حجته عليهم: { لقد علمت ما ~~هؤلاء ينطقون } [الأنبياء: 65] وهذا هو التغفيل بعينه. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { قال أفتعبدون من دون... }. ### || [21.66] # يعني: لا ينفعكم بشيء إن عبدتموه ولا يضركم بشيء إن تركتم عبادته. ### || [21.67] # أف: اسم فعل بمعنى أتضجر، فليس اسما، ولا فعلا، ولا حرفا، إنما أف ~~اسم مدلوله فعل، ففيه من الاسمية، وفيه من الفعلية لذلك يسمونها " ~~الخالفة " لأن كلام العرب يدور على اسم أو فعل أو حرف، مثل هيهات: اسم ~~فعل بمعنى بعد. فإبراهيم - عليه السلام - يعبر بهذه الكلمة أف عن ~~ضيقه وتضجره مما يفعل قومه من عبادة الأصنام من دون الله. ### || [21.68] # ونلحظ قولهم { حرقوه.. } [الأنبياء: 68] بالتضعيف الدال على ~~المبالغة، ولم يقولوا مثلا: احرقوه، وقد اجتمعوا على هذا الفعل ~~فبنوا بناء وضعوا فيه النار، ومكثوا أربعين يوما يسجرونها بكل ما ~~يمكن أن يشتعل، وبذلك اشتدت حرارة النار، حتى إن الطير الذي يمر فوق ~~هذه النار كان يسقط مشويا من شدة حرها. والدليل على ذلك أنهم لما أرادوا ~~إلقاء إبراهيم في النار لم يستطيعوا الاقتراب منها لشدة لفحها، فصنعوا ~~له منجنيقا ليلقوه به في النار من بعيد. وقولهم: { وانصروا ~~آلهتكم.. } [الأنبياء: 68] حسب اعتقادهم كأن المعركة بين إبراهيم ~~والآلهة، والحقيقة أن الآلهة التي يعبدونها مع إبراهيم وليست ضده، ~~فالمعركة - إذن - بين إبراهيم وبين عباد الأصنام. وقولهم: { إن ~~كنتم فاعلين } [الأنبياء: 68] يعني: إن فعلتم شيئا بإبراهيم ~~فحرقوه. ثم يقول الحق سبحانه عن إنجائه لإبراهيم - عليه السلام - من ~~هذه المحرقة: { قلنا ينار كوني... }. ### || [21.69] # جاء هذا الأمر من الحق الأعلى سبحانه ليخرق بالمعجزة نواميس الكون ~~السائدة، ولا يخرق الناموس إلا خالق الناموس، كما قلنا في قصة موسى ~~عليه السلام: الماء قانونه السيولة والاستطراق، ولا يسلبه هذه الخاصية ~~إلا خالقه لذلك فرقه لموسى فرقانا - كما قلنا ms6500 - كل فرق ~~كالطود العظيم، فلا يعطل قانون الأشياء إلا خالقها لأن الأشياء لم ~~تخلق لتكون لها القدرة على قيومية نفسها، بل مخلوقة تؤدي مهمة، ~~والذي خلقها للمهمة هو القادر أن يسلبها خواصها. وفرق بين فعل ~~العبد وفعل الحق سبحانه: فلو أن في يدك مسدسا، وأنت تحسن التصويب، ~~وأمامك الهدف، ثم أطلقت تجاه الهدف رصاصة، ألك تحكم فيها بعد ذلك؟ ~~أيمكن أن تأمرها أن تميل يمينا أو شمالا؟ لكن الحق سبحانه يتحكم ~~فيها، ويسيرها كيف يشاء، فالحق سبحانه خلق النار وخلق فيها خاصية ~~الإحراق، وهو وحده القادر على سلب هذه الخاصية منها، فتكون نارا بلا ~~إحراق، فليس للنار قيومية بذاتها. لذلك يقول البعض: بمجرد ن صدر الأمر: ~~{ ينار كوني بردا وسلما.. } [الأنبياء: 69] انطفأت كل نار ~~في الدنيا، فلما قال: { على إبراهيم } [الأنبياء: 69] أصبح الأمر ~~خاصا بنار إبراهيم دون غيرها، فاشتعلت نيران الدنيا عدا هذه النار. ~~ونلحظ أن الحق سبحانه قيد بردا بسلام لأن البرد المطلق يؤذي. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وأرادوا به كيدا... }. ### || [21.70] # والمراد بالكيد هنا مسألة الإحراق، ومعنى الكيد: تدبير خفي للعدو حتى ~~لا يشعر بما يدبر له، فيحتاط للأمر، والكيد يكون لصالح الشيء، ويكون ~~ضده، ففي قوله تعالى: # كذلك كدنا ليوسف.. # [يوسف: 76]. أي: لصالحه فلم يقل: كدنا يوسف إنما كدنا له، وقالوا ~~في الكيد: إنه دليل ضعف وعدم قدرة على المواجهة، فالذي يدبر لغيره، ~~ويتآمر عليه خفية ما فعل ذلك إلا لعدم قدرته على مواجهته. لذلك ~~يقولون: أعوذ بالله من قبضة الضعيف، فإني قوي على قبضة القوي. فإذا ~~ما تمكن الضعيف من الفرصة لا يدعها لأنه لا يضمنها في كل وقت، أما القوي ~~فواثق من قوته يستطيع أن ينال خصمه في أي وقت، ومن هنا قال الشاعر: # وضعيفة فإذا أصابت فرصة # قتلت كذلك قدرة الضعفاء # لذلك استدلوا على ضعف النساء بقوله تعالى: # إن كيدكن عظيم # [يوسف: 28] وما دام أن كيدهن عظيم، فضعفهن أيضا عظيم أو حتى أعظم. ثم ~~قول تعالى: { فجعلناهم الأخسرين } [الأنبياء: 70] والأخسرون ~~جمع أخسر، على وزن ms6501 أفعل ليدل على المبالغة في الخسران، وقد كانت ~~خسارتهم في مسألة حرق إبراهيم من عدة وجوه: أولا أن إبراهيم عليه ~~السلام لم يصبه سوء رغم إلقائه في النار، ثم إنهم لم يسلموا من ~~عداوته، وبعد ذلك سيجازون على فعلهم، هذا في الآخرة، فأي خسران ~~بعد هذا؟ ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { ونجيناه ولوطا إلى... ~~}. ### || [21.71] # { ونجيناه.. } [الأنبياء: 71] يعني: كان هناك شر يصيبه، وأذى ~~يلحق به، فنجاه الله منه، وهذه النجاة مستمرة، فبعد أن أنجاه الله من ~~النار أنجاه أيضا مما تعرض له من أذاهم. { ولوطا.. } ~~[الأنبياء: 71] وكان لوط عليه السلام ابن أخ إبراهيم { إلى الأرض ~~التي باركنا فيها للعالمين } [الأنبياء: 71] أي: قلنا ~~لإبراهيم: اترك هذه الأرض - وهي أرض بابل من العراق - واذهب إلى الأرض ~~المقدسة بالشام، وخذ معك ابن أخيك، فبعد أن نجاهما الله لم يتركهما في ~~هذا المكان، بل اختار لهما هذا المكان المقدس. والأرض حينما توصف يراد ~~بها أرضا محددة مخصوصة، فإذا لم توصف فتطلق على الأرض عامة إلا أن ~~يعينها سياق الحال، فمثلا لما قال أخو يوسف: # فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي.. # [يوسف: 80] فالسياق يوضح لنا أنها أرض مصر. لكن قوله: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض.. # [الإسراء: 104] فلم تعين، فدل ذلك على أنها الأرض عامة، اسكنوا ~~كل الأرض، يعني: تبعثروا فيها، ليس لكم فيها وطن مستقل، كما قال في ~~آية أخرى: # وقطعناهم في الأرض أمما.. # [الأعراف: 168]. فإذا أراد الله تجمعوا من الشتات # فإذا جآء وعد الآخرة.. # [الإسراء: 104] أي: المرة التي سينتصرون فيها # جئنا بكم لفيفا # [الإسراء: 104] وهكذا يتجمعون في مكان واحد، فيسهل القضاء عليهم. ~~ومعنى { باركنا فيها.. } [الأنبياء: 71] البركة قد تكون مادية أو ~~معنوية، وهي الزروع والثمار والأنهار والخيرات، أو بركة معنوية، وهي بركة ~~القيم في الأرض المقدسة، وهي أرض الأنبياء، ومعالم النبوة والرسالات. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ووهبنا له إسحاق... }. ### || [21.72] # يعطينا الحق سبحانه هنا لقطة من قصة إبراهيم لكن بعيدة عما نحن بصدده ~~من الحديث عنه، فقد وهب الله لإبراهيم إسحاق ms6502 لما دعا الله قال: # رب هب لي من الصالحين # [الصافات: 100] مع أنه كان عنده إسماعيل، لكن إسماعيل من هاجر، وقد ~~تحركت مشاعر الغيرة لدى سارة، ووجدت في نفسها ما تجده النساء في مسألة ~~الولد، وكيف يكون لإبراهيم ولد من هاجر التي زوجتها له دون أن يكون لها ~~مثله. لذلك ألحت سارة على إبراهيم أن يدعو الله أن يرزقها الولد، ~~فدعا إبراهيم ربه، وأراد الحق سبحانه أن يجيب إبراهيم، وأن يحقق له ما ~~ترجوه زوجته، لكن أراد أن يعطيه هذا الولد في ملحظ عقدي يسجل ولا يزول ~~عن الأذهان أبدا، ويظل الولد مقترنا بالحادثة. فبداية قصة إسحاق لما ~~أمر الله نبيه إبراهيم في الرؤيا أن يذبح ولده إسماعيل، فأخبره برؤياه: # يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ~~ماذا ترى.. # [الصافات: 102]. أراد إبراهيم أن يشرك ولده معه في هذا الاختبار، ~~وألا يأخذه على غرة حتى لا تتغير نفسه نحو أبيه فيكرهه وهو لا يعلم ~~ما حدث، وأراد أيضا ألا يحرم ولده من الثواب والأجر على هذه الطاعة ~~وهذا الصبر على البلاء. أما إسماعيل فمن ناحيته لم يعارض، ولم يقل ~~مثلا: يا أبت هذه مجرد رؤيا وليست وحيا، وكيف نبني عليها، بل نراه ~~يقول: # يأبت افعل ما تؤمر.. # [الصافات: 102] ولم يقل: أفعل ما تقول، فما دام الأمر من الله فافعل ~~ما أمرت به # ستجدني إن شآء الله من الصابرين # [الصافات: 102]. # فلما أسلما.. # [الصافات: 103] أي: هما معا إبراهيم وإسماعيل # وتله للجبين.. # [الصافات: 103] يقال: تله يعني جعل رأسه على التل، وهو المكان المرتفع ~~من الأرض، و # للجبين # [الصافات: 103] يعني: جعل جبهته مباشرة للأرض، بحيث يذبحه من قفاه، وهذا ~~هو الذبح العاجل المثمر. # وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ.. # [الصافات: 104-105] وما دمت صدقت الرؤيا، فلك جزاء الإحسان لأنك ~~أسرعت بالتنفيذ مع أنها رؤيا، كان يمكنه أن يتراخى في تنفيذها، لكنه ~~بمجرد أن جاء الأمر قام وولده بتنفيذه. إذن: الحق سبحانه لا يريد من عبده ~~إلا أن يسلم بقضائه، وصدق القائل: # سلم لربك حكمه فلحكمة ms6503 يقضي # ه حتى تستريح وتنعما # واذكر خليل الله في ذبح ابنه # إذ قال خالقه فلما أسلما # لذلك لا يرفع الله قضاء يقضيه على خلقه إلا إذا رضي به، فلا أحد ~~يجبر الله على شيء، وضربنا لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - بالأب حين ~~يدخل، فيجد ولده على أمر يكرهه، فيزجره أو يضربه ضربة خفيفة، تعبر عن ~~غضبه، فإن خضع الولد لأبيه واستكان عاد الوالد عطوفا حانيا عليه وربما ~~احتضنه وصالحه، أما لو عارض الولد وتبجح في وجه والده فإنه يشتد عليه ~~ويضاعف له العقوبة، وتزداد قسوته عليه. # وهكذا الحال مع إبراهيم # وفديناه بذبح عظيم # [الصافات: 107] ففدينا له إسماعيل، ليس هذا وفقط بل # وبشرناه بإسحاق.. # [الصافات: 112] ثم زاده بأن جعل إسحاق أيضا نبيا مثل إسماعيل، هذه هي ~~مناسبة الكلام عن إسحاق ويعقوب. هنا يقول تعالى: { ووهبنا له ~~إسحاق ويعقوب نافلة.. } [الأنبياء: 72] والنافلة: الزيادة، ~~وقد طلب من ربه ولدا من الصالحين، فبشره الله بإسحاق ومن بعده يعقوب ~~وجميعهم أنبياء لذلك قال { نافلة.. } [الأنبياء: 72] يعني: أمر زائد ~~عما طلبت فإجابة الدعاء بإسحاق، والزيادة بيعقوب، وسرور الإنسان بولده ~~كبير، وبولد ولده أكبر، كما يقولون: " أعز من الولد ولد الولد " ~~والإنسان يضمن بقاء ذكره في ولده، فإن جاء ولد الولد ضمن ذكره لجيل ~~آخر. والهبة جاءت من الله لأن المرأة لم تكن صالحة للإنجاب، بدليل قوله ~~تعالى: # فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت ~~عجوز عقيم # [الذاريات: 29] فرد عليها: # قالوا أتعجبين من أمر الله.. # [هود: 73] أي: أنه سبحانه قادر على كل شيء. ويقول الحق سبحانه: { ~~وكلا جعلنا صالحين } [الأنبياء: 72] فالحفيد نافلة وزيادة في ~~عطاء الذرية، ومبالغة في الإكرام، ثم يمتن الله على الجميع بأن يجعلهم ~~صالحين، ويجعلهم أنبياء، كما قال في آية أخرى: # وكلا جعلنا نبيا # [مريم: 49]. ### || [21.73] # أئمة: ليس المقصود بالإمامة هنا السلطة الزمنية من باطنهم، إنما ~~إمامة القدوة بأمر الله { يهدون بأمرنا.. } [الأنبياء: 73] فهم ~~لا يصدرون في شيء إلا على هدى من الله. وقوله تعالى: { وأوحينآ ~~إليهم فعل الخيرات.. } [الأنبياء: 73] أي: يفتح لهم أبواب ms6504 ~~الخير وييسر لهم ظروفه لأن الموفق الذي يتوفر لديه الاستعداد للخير ~~يفتح الله له مصارف الخير ويعينه عليه. { وإقام الصلاة ~~وإيتآء الزكاة.. } [الأنبياء: 73] وإقامة الصلاة هي: عين ~~الخيرات كلها لأن الخيرات نعمة، لكن إقامة الصلاة حضرة في جانب المنعم ~~سبحانه، فالصلاة هي خير الخير. ومع ذلك نجد من يتشاغل عن الصلاة، ~~ويعتذر بالعمل وعدم الوقت... الخ وكلها أعذار واهية، فكنت أقول لبعض ~~هؤلاء: بالله عليك لو احتجت دورة المياه أتجد وقتا أم لا؟ يقول: أجد ~~الوقت، فلماذا - إذن - تحتال في هذه المسألة وتدبر الوقت اللازم، ولا ~~تحتال في وقت الصلاة؟ وربك عز وجل لو علم منك أنك تجيب نداءه لسهل لك ~~الإجابة وقد رأينا الحق سبحانه يسخر لك حتى الكافر ليعينك على أمر ~~الصلاة. ففي إحدى سفرياتنا إلى بلجيكا رأينا أن أولاد المسلمين هناك لا ~~يدرسون شيئا من الدين الإسلامي في المدارس، بل يدرسون لهم الدين ~~المسيحي، فطلبنا مقابلة وزير المعارف عندهم، وتكلمنا معه في هذا الأمر، ~~وكانت حجتنا أنكم قبلتم وجود هؤلاء المسلمين في بلادكم لحاجتكم ~~إليهم، وإسهامهم في حركة حياتكم، ومن مصلحتكم أن يكون عند هؤلاء المسلمين ~~دين يراقبهم قبل مراقبتكم أنتم، وأنتم أول المستفيدين من تدريس الدين ~~الإسلامي لأولاد المسلمين. وفعلا في اليوم التالي أصدروا قرارا بتدريس ~~الدين الإسلامي في مدارسهم لأولاد المسلمين ذلك لأن الإسلام دين مثمر، ~~ودين إيجابي تضمنه وتأمنه. فلأهمية الصلاة ذكرها الحق سبحانه في أول ~~أفعال الخيرات، وفي مقدمتها، فقمة الخيرات أن تتواجد مع الإله الذي ~~يهبك هذه الخيرات. { وإيتآء الزكاة.. } [الأنبياء: 73] ~~والزكاة تطبيق عملي للاستجابة لله حين تخرج جزءا من مالك لله، ~~والصلاة دائما ما تقرن بالزكاة، فالعلاقة بينهما قوية، فالزكاة تضحية ~~بجزء من المال، والمال في الحقيقة نتيجة العمل، والعمل فرع الوقت، أما ~~الصلاة فهي تضحية بالوقت ذاته. وقوله تعالى: { وكانوا لنا ~~عابدين } [الأنبياء: 73] أي: مطيعين لأوامرنا، مجتنبين لنواهينا، ~~فالعبادة طاعة عابد لمعبوده. ثم يقول الحق سبحانه: { ولوطا آتيناه ~~حكما وعلما... }. ### || [21.74] # { ولوطا.. } [الأنبياء: 74] جاءت منصوبة لأنها معطوفة على قوله ~~تعالى: ms6505 # ولقد آتينآ إبراهيم رشده.. # [الأنبياء: 51] وأيضا: آتينا لوطا رشده. والحكم: يعني الحكمة، وأصله ~~من الحكمة التي توضع في حنك الفرس لأن الفرس قد يشرد بصاحبه أو يتجه ~~إلى جهة غير مرادة لراكبه لذلك يوضع في حنكه اللجام أو الحكمة، وهي قطعة ~~من الحديد لها طرفان، يتم توجيه الفرس منهما يمينا أو شمالا. ومن ذلك ~~الحكمة، وهي وضع الشيء في موضعه، ومنه الحكم، وهو: وضع الحق في ~~موضعه من الشاكي أو المشكو أي: الخصمين. { ولوطا آتيناه حكما ~~وعلما.. } [الأنبياء: 74] وفرق بين العلم والحكم: العلم أن ~~تحقق وتعرف، أما الحكم فسلوك وتطبيق لما تعلم، فالعلم تحقيق والحكم ~~تطبيق. ثم يقول تعالى: { ونجيناه من القرية التي كانت ~~تعمل الخبائث.. } [الأنبياء: 74] فقد نجى الله إبراهيم عليه ~~السلام من النار، وكذلك نجى لوطا من أهل القرية التي كانت تعمل ~~الخبائث، والخبائث في قوم لوط معروفة. لذلك يقول بعدها: { إنهم ~~كانوا قوم سوء فاسقين } [الأنبياء: 74] ورجل السوء هو ~~الذي يسوء كل من يخالطه، لا يسوء البعض دون البعض، فكل من يخالطه أو ~~يحتك به يسؤوه. والفسق: الخروج عن أوامر التكليف، وهذا التعبير ككل ~~التعابير القرآنية مأخوذ من واقعيات الحياة عند العرب، فأصل الفسق من ~~فسقت الرطبة عن قشرتها حين تستوي البلحة فتنفصل عنها القشرة حتى ~~تظهر منها الرطبة، وهذه القشرة جعلت لتؤدي مهمة، وهي حفظ الثمرة، ~~كذلك نقول في الفسق عن المنهج الديني الذي جاء ليؤدي مهمة في حياتنا، ~~فمن خرج عنه فهو فاسق. ثم يقول الحق سبحانه: { وأدخلناه في ~~رحمتنآ... }. ### || [21.75] # كيف؟ ألسنا جميعا في رحمة الله؟ قالوا: لأن هناك رحمة عامة لجميع ~~الخلق تشمل حتى الكافر، وهناك رحمة خاصة تعدي الرحمة منه إلى الغير، ~~وهذه يعنون بها النبوة، بدليل قول الله تعالى: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] فرد الله عليهم: # أهم يقسمون رحمت ربك.. # [الزخرف: 32] أي: النبوة: # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا.. # [الزخرف: 32]. فكيف يقسمون رحمة الله التي هي النبوة، وهي قمة حياتهم، ~~ونحن نقسم لهم ms6506 أرزاقهم ومعايشهم في الدنيا؟ فمعنى { وأدخلناه في ~~رحمتنآ.. } [الأنبياء: 75] أي: في ركب النبوة { إنه من ~~الصالحين } [الأنبياء: 75] أي: للنبوة، والله أعلم حيث يجعل رسالته، ~~لكن قمة هذه الرحمة جاءت في النبي الخاتم والرسول الذي لا يستدرك عليه ~~برسول بعده لذلك خاطبه ربه بقوله: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. فالرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا رحمة ~~لأممهم، أما محمد فرحمة لجميع العالمين. ثم يحدثنا الحق سبحانه عن رسول ~~آخر من أولي العزم من الرسل: { ونوحا إذ نادى من قبل... }. ### || [21.76] # قوله تعالى: { ونوحا.. } [الأنبياء: 76] مثلما قلنا في # ولوطا.. # [الأنبياء: 74] أي: آتيناه هو أيضا رشده { إذ نادى من قبل ~~فاستجبنا له.. } [الأنبياء: 76] والنداء في حقيقته: طلب إقبال، ~~فإن كان من أعلى لأدنى فهو نداء، وإن كان من مساو لك فهو التماس، ~~فإن كان من أدنى لأعلى فهو دعاء، فحين تقول يا رب: الياء هنا ليست ~~للنداء بل للدعاء. وحين تمتحن تلميذا تقول له: أعرب: رب اغفر لي، فلو ~~كان نبيها يقول: رب مدعو. والتقدير يا رب، ومن قال: منادى نسامحه لأنه ~~صحيح أيضا، فالياء في أصلها للنداء، لكنه غير دقيق في الأداء. كذلك في: ~~اغفر لي، إن قال فعل أمر نعطيه نصف الدرجة، أما إن قال دعاء فله ~~الدرجة الكاملة. فماذا قال نوح عليه السلام في ندائه؟ المراد قوله: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] فاستجاب الله لنبيه نوح عليه السلام: { فنجيناه ~~وأهله من الكرب العظيم } [الأنبياء: 76] والمراد بالكرب ~~ما لبثه نوح في دعوة قومه من عمر امتد ألف سنة إلا خمسين عاما، وما ~~تحمله في سبيل دعوته من عنت ومشقة قال الله فيها: # وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا ~~أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا ~~واستكبروا استكبارا * ثم إني دعوتهم جهارا * ~~ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا # [نوح: 7-9]. ثم لما أمره الله بصناعة الفلك أخذوا يسخرون منه: # ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه ~~سخروا منه.. # [هود: 38] إذن: استجاب الله دعاءه ونداءه ms6507 { فاستجبنا له.. } ~~[الأنبياء: 76] وفي موضع آخر: # ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون # [الصافات: 75] فوصف الحق سبحانه إجابته لنوح ب نعم الدالة على المدح. ~~فهل يعني ذلك أن هناك من يكون بئس المجيب؟ قالوا: نعم إذا سألته ~~شيئا فأجابك إليه وهو شر لك، أما الحق سبحانه فهو نعم المجيب ~~لأنه لا يجيبك إلا بما هو صالح ونافع لك، فإن كان في دعائك شر رده ~~لعلمه سبحانه أنه لن ينفعك. وكأن الحق الأعلى سبحانه يقول لك: أنا لست ~~موظفا عندك، أجيبك إلى كل ما تطلب، إنما أنا قيوم عليك، وقد تدعو ~~بما تظنه خيرا لك، وأعلم بأزلية علمي أن ذلك شر لا خير فيه، فيكون ~~الخير لك ألا أجيبك لأنني نعم المجيب. وهب أن الله تعالى يجيب ~~كلا منا إلى ما يريد، فكيف حال الأم التي تغضب مثلا من وحيدها، وفي ~~لحظة الغضب والثورة تدعو عليه فتقول مثلا: إلهي أشرب نارك؟ فالحق - ~~تبارك وتعالى - حين يرد مثل هذا الدعاء هو نعم المجيب لأنه نعم ~~المانع. لذلك يقول تعالى: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # [الإسراء: 11] أي: يدعو ويلح في الدعاء بما يظنه خيرا، وهو ليس ~~كذلك. { ونصرناه من القوم... }. ### || [21.77] # ما زالت الآيات تقص علينا طرفا موجزا من ركب النبوات، ونحن في ~~سورة الأنبياء، وحينما نتأمل هذه الآية نجد أن الله تعالى يعذب بالماء ~~كما يعذب بالنار، مع أنهما ضدان لا يلتقيان، فلا يقدر على هذه ~~المسألة إلا خالقهما سبحانه وتعالى. وقصة غرق قوم نوح وأهل سبأ بعد ~~انهيار سد مأرب أحدثا عقدة عند أهل الجزيرة العربية، فصاروا حين ~~يرون الماء يخافون منه ويبتعدون عنه، حتى إذا احتاجوا الماء يذهبون إلى ~~مكان بعيد يملأون قربهم، ذلك لعلمهم بخطر الطوفان، وأنه لا يصد ولا ~~يرده عنهم شيء. ثم يحدثنا الحق سبحانه عن نبيين من أنبياء بني إسرائيل ~~من بعد موسى: { وداوود وسليمان إذ يحكمان... }. ### || [21.78] # يحكمان تعني أن هناك خصومة بين طرفين، والحرث: إثارة الأرض وتقليب ~~التربة لتكون صالحة للزراعة، وقد وردت ms6508 كلمة الحرث أيضا في قوله تعالى: # ويهلك الحرث والنسل # [البقرة: 205]. والحرث ذاته لا يهلك، إنما يهلك ما نشأ عنه من زروع ~~وثمار، فسمى الزرع حرثا لأنه ناشىء عنه، كما في قوله تعالى أيضا: # كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا ~~أنفسهم فأهلكته.. # [آل عمران: 117]. لكن، لماذا سمى الحرث زرعا، مع أن الحرث مجرد ~~إعداد الأرض للزراعة؟ قالوا: ليبين أنه لا يمكن الزرع إلا بحرث لأن ~~الحرث إهاجة تربة الأرض، وهذه العملية تساعد على إدخال الهواء للتربة ~~وتجفيفها من الماء الزائد لأن الأرض بعد عملية الري المتكررة يتكون ~~عليها طبقة زبدية تسد مسام التربة، وتمنع تبخر المياه الجوفية ~~التي تسبب عطبا في جذور النبات. لذلك، ليس من جودة التربة أن تكون ~~طينية خالصة، أو رملية خالصة، فالأرض الطينية تمسك الماء، والرملية ~~يتسرب منها الماء، وكلاهما غير مناسب للنبات، أما التربة الجيدة، فهي ~~التي تجمع بين هذه وهذه، فتسمح للنبات بالتهوية اللازمة، وتعطيه من ~~الماء على قدر حاجته. لذلك سمى الزرع حرثا لأنه سبب نمائه ~~وزيادته وجودته، وليلفت أنظارنا أنه لا زرع بدون حرث، كما جاء في ~~قوله تعالى: # أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة: 63-64]. ففي هذه المسألة إشارة إلى سنة من سنن الله في ~~الكون، هي أنك لا بد أن تعمل لتنال، فربك وخالقك قدم لك العطاء ~~حتى قبل أن توجد، وقبل أن يكلفك بشيء، ومكثت إلى سن البلوغ، تأخذ ~~من عطاء الله دون أن تحاسب على شيء من تصرفاتك. وكذلك الأمر في ~~الآخرة سيعطيك عطاء لا ينتهي، دون أن تتعب في طلبه، هذا كله نظير أن ~~تطيعه في الأمور الاختيارية في سن التكليف. إذن: لقد نلت قبل أن ~~تعمل، وستنال في الآخرة كذلك بدون أن تعمل، فلا بد لك من العمل بين ~~بدايتك ونهايتك لتنال الثمرة. لذلك، في الحديث الشريف يقول صلى الله عليه ~~وسلم: # " أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه " # ما دام قد عمل فقد استحق الأجر، والأمر كذلك في مسألة الحرث. ثم ms6509 يقول ~~تعالى: { إذ نفشت فيه غنم القوم.. } [الأنبياء: 78] هذه ~~خصومة بين طرفين، احتكما فيها لداود عليه السلام: رجل عنده زرع، وآخر ~~عنده غنم، فالغنم شردت في غفلة من صاحبها فأكلت الزرع، فاشتكى صاحب ~~الزرع صاحب الغنم لداود، فحكم في هذه القضية بأن يأخذ صاحب الزرع ~~الغنم، وربما وجد سيدنا داود أن الزرع الذي أتلفته الغنم يساوي ثمنها. ~~فحينما خرج الخصمان لقيهما سليمان - عليه السلام - وكان في الحادية ~~عشرة من عمره، وعرف منهما حكومة أبيه في هذه القضية، فقال: غير هذا أرفق ~~بالفريقين فسمى حكم أبيه رفقا، ولم يتهمه بالجور مثلا، لكن ~~عنده ما هو أرفق. # فلما بلغت مقالته لأبيه سأله: ما الرفق بالفريقين؟ قال سليمان: نعطي ~~الغنم لصاحب الزرع يستفيد من لبنها وأصوافها، ونعطي الأرض لصاحب الغنم ~~يصلحها حتى تعود كما كانت، ساعتها يأخذ صاحب الغنم غنمه، وصاحب الزرع ~~زرعه. ومعنى { نفشت.. } [الأنبياء: 78] نقول: نفش الشيء أي: أخذ ~~حجما فوق حجمه، كما لو أخذت مثلا قطعة من الخبز أو البقسماط ~~ووضعتها في لبن أو ماء، تلاحظ أنها تنتفش ويزداد حجمها نقول: انتفشت، ~~كما نقول لمن يأخذ حجما أكثر من حجمه: " أنت نافش ريشك ". وقوله تعالى: ~~{ وكنا لحكمهم شاهدين } [الأنبياء: 78] أي مراقبين. يقول ~~الحق سبحانه: { ففهمناها سليمان وكلا آتينا... }. ### || [21.79] # فداود وسليمان - عليهما السلام - نبيان، لكل منهما مكانته، وقد أعطاهما ~~الله حكما وعلما، ومع ذلك اختلف قولهما في هذه القضية، فما توصل ~~إليه سليمان لا يقدح في علم داود، ولا يطعن في حكمه. وما أشبه حكم ~~كل من داود وسليمان بمحكمة درجة أولى، ومحكمة درجة ثانية، ومحكمة ~~النقض، ومحكمة الاستئناف، وإياك أن تظن أن محكمة الاستئناف حين ترد ~~قضاء درجة أولى أنها تطعن فيها. فهذا مثل قوله تعالى: { ففهمناها ~~سليمان.. } [الأنبياء: 79] فجاء بحكم غير ما حكم به أبوه لذلك ~~فالقاضي الابتدائي قد يحكم في قضية، ويتم تأجيلها إلى أن يترقى إلى قاضي ~~استئناف، فيقرأ نفس القضية لكن بنظرة أخرى، فيأتي حكمه غير الأول. ثم ~~يقول تعالى: { وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن ms6510 ~~والطير.. } [الأنبياء: 79] حينما جمع السياق القرآني بين داود ~~وسليمان أراد أن يبين لنا طرفا مما وهبهما الله، فقوله تعالى: { ~~ففهمناها سليمان.. } [الأنبياء: 79] مظهر من مظاهر امتيازه، ~~وهنا يبين ميزة لداود عليه السلام: { وسخرنا مع داوود ~~الجبال يسبحن والطير.. } [الأنبياء: 79]. والتسخير: قهر ~~المسخر على فعل لا يستطيع أن ينفك عنه، وليس مختارا فيه، ونلحظ هنا ~~الارتقاء من الأدنى إلى الأعلى: أولا: سخر الجبال وهي جماد، ثم الطير ~~وهي أرقى من الجماد، لكن إن تصورنا التسبيح من الطير لأنه حي، ~~وله روح، وله حركة وصوت معبر، فكيف يكون التسبيح من الجبال الصماء؟ بعض ~~العلماء حينما يستقبلون هذه الآية يأخذونها بظواهر التفسير، لا بعمق ~~ونظر في لب الأشياء، فالجبال يرونها جامدة، ليس لها صوت معبر كما ~~للطير لذلك يعجبون من القول بأن الجبال تسبح، فكيف لها ذلك وهي ~~جمادات؟ لكن ما العجب في ذلك، وأنت لو قمت بمسح شامل لأجناس الناس ~~الأرض، واختلاف لغاتهم وألسنتهم وأشكالهم وألوانهم بحسب البيئات التي ~~يعيشون فيها، فالناس مختلفون في مثل هذه الأمور متفقون فقط في الغرائز، ~~فالجوع والعطش والخوف والضحك والعواطف كلها غرائز مشتركة بين جميع ~~الأجناس، وهذه الغرائز المشتركة ليس فيها اختيار. ألم تر إلى قوله ~~تعالى: # وأنه هو أضحك وأبكى # [النجم: 43] فما دام أنه سبحانه الذي يضحك، والذي يبكي، فلن نختلف ~~في هذه الأمور. فالكلام - إذن - من الأشياء التي يختلف فيها الناس، وهذا ~~الاختلاف ليس في صوت الحروف، فالحروف هي هي، فمثلا حين ننطق شرشل ينطقها ~~أهل اللغات الأخرى كذلك: شين وراء وشين ولام، فنحن - إذن - متحدون في ~~الحروف، لكن نختلف في معاني الأشياء. وقد يعز على بعض الحناجر أن تنطق ~~ببعض الحروف بطبيعة تكوينها، فغير العربي لا ينطق الضاد مثلا، فليس ~~عندهم إلا الدال، أما في العربية فعندنا فرق بين الدال المرققة والضاد ~~المفخمة، وفرق بين السين والثاء، وبين الزاي والذال، وبين الهمزة ~~والعين، لذلك نجد غير العربي يقول في على: ألي، فليس له قدرة على نطق ~~العين، وهو إنسان ناطق بلغة ومتكلم. # فإذا ms6511 كنا - نحن البشر - لا يفهم بعضنا لغات بعض، فهذا عربي، وهذا ~~إنجليزي، وهذا فرنسي.. إلخ فإذا لم تتعلم هذه اللغة لا تفهمها. ومعلوم أن ~~اللغة بنت المحاكاة وبنت السماع، فما سمعته الأذن يحكيه اللسان، والأبكم ~~الذي لا يتكلم كان أصم لا يسمع، والطفل ينطق بما سمع، فلو وضع الطفل ~~الإنجليزي في بيئة عربية لنطق بالعربية.. وهكذا. فلماذا نعجب حين لا نفهم ~~لغة الطير أو لغة الجمادات، وهي أشياء مختلفة عنا تماما، فلا يعني ~~عدم فهمنا للغاتهم أنهم ليست لهم لغة فيما بينهم يتعارفون عليها ~~ويعبرون بها. إذن: لا تستبعد أن يكون للأجناس الأدنى منك لغات ~~يتفاهمون بها وأنت لا تفهمها، بدليل أن الله تعالى أعطانا صورة من لغات ~~الطير، وهذه يعلمها من علمه الله، كما امتن الله على سليمان ~~وعلمه لغة الطير، ففهم عنها وخاطبها. وقد حكى الحق سبحانه وتعالى عنه: # يأيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من ~~كل شيء.. # [النمل: 16] ولولا أن الله علمه لغة الطير ما علمها. وها هو الهدهد ~~يقول لسليمان عليه السلام لما تفقد الطير، ولم يجد الهدهد فتوعده: # أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين # [النمل: 22]. ونلحظ هنا دقة سليمان - عليه السلام - في استعراض ~~مملكته، فلم يترك شيئا حتى الهدهد، ونلحظ أدبه في قوله: # مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغآئبين # [النمل: 20] فقد اتهم نظره وشك أولا، فربما الهدهد يكون موجودا، ~~ولم يره سليمان. وانظر إلى قول الهدهد للملك: # أحطت بما لم تحط به.. # [النمل: 22] ثم معرفته الدقيقة بقضية التوحيد والعقائد: # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله.. # [النمل: 24]. ويعترض الهدهد على هذا الشرك، ويرد عليه بشيء خاص به، ~~وبظاهرة تهمه: # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السماوات والأرض.. # [النمل: 25]. فاختار الهدهد مسألة إخراج الخبء لأن منه طعامه، فلا يأكل ~~من ظاهر الأرض، بل لا بد أن ينبش الأرض، ويخرج خبأها ليأكله. ~~وكذلك النمل، وهو أقل من الهدهد، فقد كان للنملة مع سليمان لغة، وكلام، ~~وفهم عنها: # حتى إذآ أتوا ms6512 على واد النمل قالت نملة ~~يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * فتبسم ضاحكا ~~من قولها.. # [النمل: 19]. إذن: كان الكلام للنمل، لكن فهمه سليمان لذلك قال: # رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي.. # [النمل: 19]. ذلك لأننا لا نفهم هذه اللغات إلا إذا فهمنا الله ~~إياها. ومع هذا حينما وقف العلماء أمام هذه الآية { وسخرنا مع ~~داوود الجبال يسبحن. # . } [الأنبياء: 79] قالوا: يعني تسبيح دلالة، فهي بحالها تدل على ~~الخالق سبحانه، وليس المراد التسبيح على حقيقته، وأولى بهم أن يعترفوا ~~لها بالتسبيح لكنه تسبيح لا نفهمه نحن، كما قال تعالى: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. والآن نرى في طموحات العلماء السعي لعمل قاموس للغة ~~الأسماك ولغة بعض الحيوانات، ولا نستبعد في المستقبل عمل قاموس للغة ~~الأحجار والجمادات، وإلا فكيف ستكون ارتقاءات العلم في المستقبل؟ وهذه ~~حقيقة أثبتها القرآن تنتظر أن يكتشفها العلم الحديث. والمزية التي ~~أعطاها الله تعالى لنبيه داود - عليه السلام - ليست في تسبيح الجبال لأن ~~الجبال تسبح معه ومع غيره، إنما الميزة في أنها تردد معه، وتوافقه ~~التسبيح، وتجاوبه، فحين يقول داود: سبحان الله تردد وراءه الجبال: سبحان ~~الله، وكأنهم جميعا كورس يردد نشيدا واحدا. وليس معنى الجماد أنه جامد ~~لا حياة فيه، فهو جماد من حيث صورة تكوينه، ولو تأملت المحاجر في ~~طبقات الأرض لوجدت بين الأحجار حياة وتفاعلا وحركة منذ ملايين السنين، ~~ونتيجة هذه الحركة يتغير لون الحجر وتتغير طبيعته، وهذا دليل الحياة ~~فيها، انظر مثلا لو دهنت الحجرة لونا معينا تراه يتغير مع مرور ~~الزمن، إذن: في هذه الجمادات حياة، لكن لا ندركها. وسبق أن أشرنا إلى أن ~~الذين يقولون في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أنه سبح الحصى في ~~يده. أن هذه المقولة غير دقيقة تحتاج إلى تنقيح عقلي، فالحجر مسبح في ~~يد رسول الله، وفي يد أبي جهل، إذن: قل: إن المعجزة هي أن رسول الله سمع ~~تسبيح الحصى في يده. فما من شيء في كون الله إلا وله ms6513 حياة تناسبه، وله ~~لغة يسبح الله بها، أدركناها أم لم ندركها لأن الكلام فرع وجود حياة، ~~وكل شيء في الوجود له حياة، فعلبة الكبريت هذه التي نستعملها يقول ~~العلماء: إن بين ذراتها تفاعلات تكفي لإدارة قطار حول العالم. هذه ~~التفاعلات دليل حركة وحياة. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88]. فكل ما يقال له شيء - إلا وجه الله - هالك، والهلاك ~~يعني أن فيه حياة لأن الهلاك ضد الحياة، كما جاء في قوله تعالى: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42]. فكل شيء في الوجود له حياة بقانونه، وليس من الضروري ~~أن تسمع الكلام حتى تعترف بوجوده، فهناك مثلا لغة الإشارة، وهي لغة ~~مفهومة ومعبرة، ألا ترى مثلا إلى الخادم ينظر إليه سيده مجرد نظرة ~~يفهم منها ما يريد أن يقدمه للضيف مثلا. البحارة لهم إشارات ~~يتعارفون عليها ويتفاهمون بها. جهاز التلغراف لون من ألوان الأداء ~~ووسيلة من وسائل التفاهم، إذن: الأداء والبيان ليس من الضروري أن يتم ~~بالكلام المسموع، إنما تتفاهم الأجناس ويكلم بعضها بعضا كل بلغته، ~~فإذا أراد الله أن يفيض عليك من إشراقاته أعطاك من البصيرة والعلم ما ~~تفهم به لغات غيرك من الأجناس. # لذلك يقول تعالى: # كل قد علم صلاته وتسبيحه.. # [النور: 41] والتنوين هنا دال على التعميم، فلكل شيء صلاته التي ~~تناسبه، وتسبيحه الذي يناسب طبيعته. والحق - سبحانه وتعالى - حين يعرض ~~قضية التسبيح والخضوع والقهر من المخلوقات جميعا لله يأتي الكلام ~~عاما في كل الأجناس بلا استثناء، إلا في الكلام عن الإنسان، فإن التسبيح ~~والخضوع خاص ببعض الناس. اقرأ قوله تعالى: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب.. # [الحج: 18] هكذا بلا استثناء، أما في الإنسان، فقال: # وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن ~~يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما ~~يشآء # [الحج: 18]. ثم يقول تعالى: { وكنا فاعلين } [الأنبياء: 79] ~~نعم، الحق سبحانه خالق كل شيء، ms6514 وفاعل كل شيء، لكن مع ذلك يؤكد هذه ~~الحقيقة حتى لا نتعجب من تسبيح الطير والجماد، فالله هو الفاعل، وهو ~~المانح والمحرك. ثم يقول الحق سبحانه عن داود عليه السلام: { ~~وعلمناه صنعة لبوس... }. ### || [21.80] # { وعلمناه... } [الأنبياء: 80] العلم نقل قضية مفيدة في الوجود ~~من عالم بها إلى جاهل بها، والإنسان دائما في حاجة إلى معرفة وتعلم، ~~لأنه خليفة الله في الأرض، ولن يؤدي هذه المهمة إلا بحركة واسعة بين ~~الناس، هذه الحركة تحتاج إلى فهم ومعرفة وتفاعل وتبادل معارف وثقافات، ~~فمثلا تشكيل الحديد يحتاج إلى تسخين حتى يصير لينا قابلا للتشكيل، ~~الماء لا بد أن نغليه لكذا وكذا.. إلخ. وقضايا العلم التي تحتاجها ~~حركة الإنسان في الأرض نوعان: نوع لم يأمن الله فيه الخلق على أنفسهم، ~~فجاء من الله بالوحي، حتى لا يكون للعقل مجال فيه، ولا تختلف حوله ~~الأهواء والرغبات، وهذا هو المنهج الذي نزل يقول لك: افعل كذا، ولا تفعل ~~كذا. لكن الأمور التي لا تختلف فيها الأهواء، بل تحاول أن تلتقي عليها ~~وتتسابق إليها، وربما يسرق بعضهم من بعض، هذه الأمور تركها الحق - سبحانه ~~- لعمل العقول وطموحاتها، وقد يلهم فيها بالخاطر أو بالتعلم، ولو من ~~الأدنى كما تعلم ابن آدم قابيل من الغراب، كيف يواري سوأة أخيه، فقال ~~سبحانه: # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ~~يواري سوءة أخيه.. # [المائدة: 31]. والقضية العلمية قد يكون لها مقدمات في الكون حين نعمل ~~فيها العقل، ونرتب بعض الظواهر على بعض، نتوصل منها إلى حقائق علمية، ~~وقد تأتي القضية العلمية بالتجربة، أو بالخاطر يقذفه الله في قلب ~~الإنسان. فقوله تعالى: { وعلمناه صنعة لبوس لكم.. } ~~[الأنبياء: 80] يصح أن نقول: كان هذا التعليم بالوحي، أو بالتجربة أو ~~الإلقاء في الروع، وهذه الصنعة لم تكن معروفة قبل داود عليه السلام. ~~واللبوس: أبلغ وأحكم من اللباس، فاللباس من نفس مادة لبس هي الملابس ~~التي تستر عورة الإنسان، وتقيه الحر والبرد، كما جاء في قوله تعالى: # وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر.. # [النحل: 81]. أما في الحرب فنحتاج ms6515 إلى حماية أكبر ووقاية أكثر من ~~العادية التي نجدها في اللباس، في الحرب نحتاج إلى ما يقينا البأس، ~~ويحمينا من ضربات العدو في الأماكن القاتلة لذلك اهتدى الناس إلى صناعة ~~الخوذة والدرع لوقاية الأماكن الخطرة في الجسم البشري، وتتمثل هذه في ~~الرأس والصدر، ففي الرأس المخ، وفي الصدر القلب، فإن سلمت هذه ~~الأعضاء فما دونها يمكن مداوته وجبره. إذن: اللبوس أبلغ وأكثر حماية من ~~اللباس لأن مهمته أبلغ من مهمة اللباس، وهذه كانت صنعة داود - عليه ~~السلام - كان يصنع الدروع، وكانت قبل داود ملساء يتزحلق السيف عليها، ~~فلما صنعها داود جعلها مركبة من حلقات حتى ينكسر عليها السيف لذلك قال ~~تعالى بعدها: { لتحصنكم من بأسكم.. } [الأنبياء: 80] أي: ~~تحميكم في حربكم مع عدوكم، وتمنعكم وتحوطكم. # إذن: ألهمنا داود عليه السلام، فأخذ يفكر ويبتكر، وكل تفكير في ~~ارتقاء صنعة إنما ينشأ من ملاحظة عيب في صنعة سابقة، فيحاول اللاحق ~~تلافي أخطاء السابق، وهكذا حتى نصل إلى شيء لا عيب فيه، أو على الأقل ~~يتجنب عيوب سابقة لذلك يسمونه آخر موديل. ثم يقول تعالى: { فهل ~~أنتم شاكرون } [الأنبياء: 80] شاكرون على نعمة الله الذي يرعاكم ~~ويحفظم في المآزق والمواقف الصعبة، واختار سبحانه موقف البأس أمام العدو ~~ليعطينا إشارة إلى ضرورة إعداد المؤمن لمواجهة الكافر، والأخذ بأسباب ~~النجاة إذا تمت المواجهة. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس ~~وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن ~~الله قوي عزيز # [الحديد: 25]. فليست مهمة الحديد في الحياة أنه ينفع الناس فحسب، إنما ~~له مهمة قتالية أيضا لذلك قال: # وأنزلنا الحديد.. # [الحديد: 25] كما قال: # نزلنا عليك القرآن.. # [الإنسان: 23] فإن كان القرآن للهداية فالحديد يؤيد هذه الهداية، ~~حيث نضرب به على أيدي الكافرين العاصين، ونحمي به صدور المؤمنين ~~المصدقين لذلك قال # وأنزلنا.. # [الحديد: 25] أي: من أعلى مع أنه خارج من الأرض. إذن: مسألة الحديد في ~~الأرض نعمة كبيرة من نعم الله علينا، بها نحفظ أنفسنا من العدو، فالحق ~~- سبحانه وتعالى - خلق الخلق ولم يتركه هكذا ms6516 يدبر أمره، إنما خلقه ~~ووضع له قانون حمايته وصيانته، وهذا يستحق منا الشكر الدائم الذي لا ~~ينقطع. ثم ينتقل السياق من الكلام عن داود إلى ابنه سليمان عليهما ~~السلام، فيقول الحق سبحانه: { ولسليمان الريح عاصفة... }. ### || [21.81] # لا شك أن سليمان - عليه السلام - قد استفاد بما علم الله به أباه ~~داود، وأخذ من نعمة الله على أبيه، وهنا يزيده ربه - تبارك وتعالى - ~~أمورا يتميز بها، منها الريح العاصفة أي: القوية الشديدة { تجري ~~بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها.. } [الأنبياء: 81] ~~وكأنها مواصلات داخلية في مملكته من العراق إلى فلسطين. وفي موضع آخر ~~قال: # وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت ~~الوهاب * فسخرنا له الريح تجري بأمره رخآء ~~حيث أصاب # [ص: 35-36]. رخاء: أي: هينة لينة ناعمة، وهنا قال { عاصفة.. } ~~[الأنبياء: 81] فكأن الله تعالى جمع لهذه الريح صفة السرعة في عاصفة وصفة ~~الراحة في رخاء، وهاتان صفتان لا يقدر على الجمع بينهما إلا الله، فنحن ~~حين تسرع بنا السيارة مثلا لا تتوفر لنا صفة الراحة والاطمئنان، بل ~~يفزع الناس ويطلبون تهدئة السرعة. أما ريح سليمان فكانت تسرع به إلى ~~مراده، وهي في الوقت نفسه مريحة ناعمة هادئة لا تؤثر في تكوينات جسمه، ~~ولا تحدث له رجة أو قوة اندفاع يحتاج مثلا إلى حزام أمان، فمن ~~يقدر على الجمع بين هذه الصفات إلا الله القابض الباسط، الذي يقبض الزمن ~~في حق قوم ويبسطه في حق آخرين. ومعنى: { باركنا فيها.. } ~~[الأنبياء: 81] أي: بركة حسية بما فيها من الزروع والثمار والخصب ~~والخيرات، وبركة معنوية حيث جعل فيها مهابط الوحي والنبوات وآثار ~~الأنبياء. وليس تسخير الريح لسليمان أنها تحمله مثلا، كما رأينا في ~~السينما بساط الريح الذي نراه يحمل شيئا ويسير به في الهواء، أو: أنها ~~كانت تسير المراكب في البحار، إنما المراد بتسخيرها له أن تكون تحت ~~مراده، وتأتمر بأمره، فتسير حيث شاء يمينا أو شمالا، فهي لا تهب ~~على مرادات الطبيعة التي خلقها الله عليها، ولكن على مراده هو. وإن كانت ~~هذه ms6517 الريح الرخاء تحمله في رحلة داخلية في مملكته، فهناك من الرياح ما ~~يحمله في رحلات وأسفار خارجية، كالتي قال الله تعالى عنها: # ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر.. # [سبأ: 12] فيجوب بها في الكون كيف يشاء # حيث أصاب # [ص: 36]. ثم يقول تعالى: { وكنا بكل شيء عالمين } ~~[الأنبياء: 81] أي عندنا علم نرتب به الأمور على وفق مرادنا، ونكسر ~~لمرادنا قانون الأشياء فنسير الريح كما نحب، لا كما تقتضيه الطبيعة. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ومن الشياطين من يغوصون... }. ### || [21.82] # فبعد أن سخر الله له الريح سخر له الشياطين { يغوصون له.. } ~~[الأنبياء: 82] والغوص: النزول إلى أعماق البحر ليأتوه بكنوزه ونفائسه ~~وعجائبه التي ادخرها الله فيه { ويعملون عملا دون ذلك.. } ~~[الأنبياء: 82] أي: مما يكلفهم به سليمان من أعمال شاقة لا يقدر عليها ~~الإنسان، وقد شرحت هذه الآية في موضع آخر: # يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وجفان ~~كالجواب وقدور راسيات.. # [سبأ: 13] فأدخل مرادات العمل في مشيئته. والمحاريب جمع محراب، وهو مكان ~~العبادة كالقبلة مثلا، والجفان: جمع جفنة، وهي القصعة الكبيرة ~~الواسعة التي تكفي لعدد كبير، والقدور الراسيات أي: الثابتة التي لا تنقل ~~من مكان لآخر وهي مبنية. وقد رأينا شيئا من هذا في الرياض أيام الملك ~~عبد العزيز رحمه الله، وكان هذا القدر من الاتساع والارتفاع بحيث إذا ~~وقف الإنسان مادا ذراعيه إلى أعلى لا يبلغ طولها، وفي الجاهلية أشتهرت ~~مثل هذه القدور عند ابن جدعان، وعند مطعم بن عدي. أما التماثيل فهي ~~معروفة، والموقف منها واضح منذ زمن إبراهيم عليه السلام حينما كسرها ~~ونهى عن عبادتها، وهذا يرد قول من قال بأن التماثيل كانت حلالا، ثم ~~فتن الناس فيها، فعبدوها من دون الله فحرمت، إذن: كيف نخرج من هذا ~~الموقف؟ وكيف يمتن الله على نبيه سليمان أن سخر له من يعملون التماثيل ~~وهي محرمة؟ نقول: كانوا يصنعون له التماثيل لا لغرض التعظيم والعبادة، ~~إنما على هيئة الإهانة والتحقير، كأن يجعلوها على هيئة رجل جبار، أو أسد ~~ضخم يحمل جزءا من القصر أو شرفة ms6518 من شرفاته، أو يصورونها تحمل مائدة ~~الطعام.. الخ. أي أنها ليست على سبيل التقديس. ثم يقول تعالى: { وكنا ~~لهم حافظين } [الأنبياء: 82] حافظين للناس المعاصرين لهذه الأعمال ~~حتى لا تؤذيهم الشياطين أو تفزعهم، ومعلوم أن الشياطين يرون البشر، ~~والبشر لا يرونهم، كما قال تعالى: # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم.. # [الأعراف: 27]. أما سليمان عليه السلام فكان يرى الجن ويراقبهم وهم ~~يعملون له، وفي قصته: # فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته ~~إلا دابة الأرض تأكل منسأته.. # [سبأ: 14]. وفي هذا دليل على أن الجن لا يعلمون الغيب لذلك قال تعالى: # فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون ~~الغيب ما لبثوا في العذاب المهين # [سبأ: 14]. ويقال: إن سليمان - عليه السلام - بعد أن امتن الله ~~عليه، وأعطاه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، أخذ هؤلاء الجن وحبسهم في ~~القماقم حتى لا يعملوا لأحد غيره. هذه مجرد لقطة من قصة سليمان، ينتقل ~~السياق منها إلى أيوب عليه السلام: { وأيوب إذ نادى ربه... ~~}. ### || [21.83] # نادى: قلنا النداء لمثلك طلب إقبال، أما بالنسبة لله تعالى فهو بمعنى ~~الدعاء، فمعنى { إذ نادى ربه.. } [الأنبياء: 83] أي: دعاه ~~وناداه بمطلوب هو: { أني مسني الضر وأنت أرحم ~~الراحمين } [الأنبياء: 83] والضر: ابتلاء من الله في جسده بمرض أو ~~غيره. أما الضر بفتح الضاد، فهو إيذاء وابتلاء في أي شيء آخر غير ~~الجسد، ولا مانع أن يمرض الأنبياء لكن بمرض غير منفر. لكن، كيف ينادي ~~أيوب عليه السلام ربه ويتوجع { أني مسني الضر.. } [الأنبياء: ~~83] أليس في علم الله أن أيوب مسه الضر؟ وهل يليق بالنبي أن يتوجع ~~من ابتلاء الله؟ نعم، يجوز له التوجع لأن العبد لا يشجع على ربه ~~لذلك فإن الإمام عليا رضي الله عنه لما دخل عليه رجل يعوده وهو يتألم من ~~مرضه ويتوجع، فقال له: أتتوجع وأنت أبو الحسن؟ فقال: أنا لا أشجع على ~~الله يعني: أنا لست فتوة أمام الله. ألا ترى أنه من الأدب مع من يريد ~~أن يثبت لك قوته فيمسك بيدك ms6519 مثلا، ويضغط عليها لتضج وتتألم، أليس من ~~الأدب أن تطاوعه فتقول: آه وتظهر له ولو مجاملة أنه أقوى منك؟ ومعنى: { ~~وأنت أرحم الراحمين } [الأنبياء: 83] ساعة أن ترى جمعا ~~في صفة من الصفات يدخل الله فيه نفسه مع خلقه، كما في: { أرحم ~~الراحمين } [الأنبياء: 83] و # أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] و # خير الماكرين # [آل عمران: 54] فاعلم أن الله تعالى يثبت نفس الصفة لعباده، ولا ~~يبخسهم حقهم. فالرحمة من صفات البشر، كما جاء في الحديث الشريف: # " الراحمون يرحمهم الرحمن ". # وفي # " ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ". # فالرحمة تخلق بأخلاق الحق سبحانه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " تخلقوا بأخلاق الله ". # إذن: للخلق صفة الرحمة، لكن الله هو أرحم الراحمين جميعا لأن رحمته ~~تعالى وسعت كل شيء. كما قلنا في صفة الخلق: فيمكنك مثلا أن تصنع من ~~الرمل كوبا، وتخرجه إلى الوجود، وتنتفع به، لكن أخلقك للكوب كخلق ~~الله؟ ثم يقول الحق سبحانه: { فاستجبنا له فكشفنا... }. ### || [21.84] # استجاب الله لأيوب فيما دعا به من كشف الضر الذي أصابه، وأعطاه ~~زيادة عليه ونافلة لم يدع بها، حيث كان في قلة من الأهل، وليس له ~~عزوة. # رحمة من عندنا وذكرى للعابدين # [الأنبياء: 84] ليعلم كل عابد أخلص عبادته لله تعالى، أنه إذا مسه ~~ضر أو كرب ولجأ إلى الله أجابه الله إلى ما يريد، وأعطاه فوق ~~الإجابة نافلة أخرى، وكأن ما حدث لنبي الله أيوب نموذج يجب أن يحتذى. ### || [21.85] # قلنا: إن سورة الأنبياء لا تذكر قصصا كاملا للأنبياء، إنما تعطينا ~~طرفا منها، وهنا تذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل بالاسم فقط. ثم يقول ~~تعالى: { كل من الصابرين } [الأنبياء: 85] كأن الصبر في حد ~~ذاته حيثية يرسل الله من أجلها الرسول، ولنتأمل الصبر عند إسماعيل، وكيف ~~أنه صبر على أن يذبحه أبوه برؤيا رآها، فأي صبر أعظم من هذا؟ ثم يعيش ~~في صغره - وحتى كبر - في واد غير ذي زرع، ويتحمل مشاق هذه البيئة ~~الجافة المجدبة، ويخضع لقول الله تعالى: # ربنا ليقيموا الصلاة.. # [إبراهيم: 37]. وكأن في خروجه من ms6520 هذه الأرض وطلبه لأرض أخرى فيها النعيم ~~والزروع والثمار تأبيا على إقامة الصلاة لذلك نراه يفضل البقاء في ~~هذا المكان، ويزهد في نعيم الدنيا الذي يتمتع به غيره امتثالا لأمر ~~الله. وتكون النتيجة أن أعطاه الله ما هو خير من الزروع والثمار، ~~أعطاه عطاء يفخر به بين جميع الأنبياء، هو أنه جعل من نسله النبي الخاتم ~~محمد بن عبد الله، وأي ثمرة أحسن من هذه؟ وإدريس: وهو من الجيل الخامس ~~من أولاد آدم عليه السلام، وبعض العلماء يقولون هو " أوزوريس " ، ونحن لا ~~نقول إلا ما قاله القرآن إدريس وأهل السير يقولون: إن نبي الله إدريس أول ~~من علمه الله غزل الصوف وخياطة الملابس، وكانوا قبلها يسترون عوراتهم ~~بقطع الجلود. وهو أول من استخدم النجوم لمعرفة الاتجاهات والأحوال، وأول ~~من خط بالقلم، هذه يسمونها أوليات إدريس. وذا الكفل: الكفل هو ~~الحظ والنصيب، فلماذا سمي " ذو الكفل "؟ ذو الكفل ابن أيوب عليه ~~السلام، ويظهر أن أولاد أيوب كانوا كثيرين، إنما اختص الله ذا الكفل ~~بالرسالة، وكان هذا حظه دون غيره من أبناء أيوب لذلك سمي " ذو الكفل ~~". وقد جاءت هذه المادة كفل أيضا في قوله الحق سبحانه وتعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا ~~برسوله يؤتكم كفلين من رحمته.. # [الحديد: 28]. جاءت هذه الآية بعد الكلام عن عيسى - عليه السلام - ~~والذين آمنوا به واتبعوه، يقول تعالى: يا من آمنتم بالرسل السابقين، ~~وآخرهم عيسى - عليه السلام - آمنوا بالرسول الخاتم ليكون لكم كفلان أي: ~~نصيبان وحظان من رحمة الله، نصيب لإيمانكم بعيسى، ومن سبقه من ~~الرسل، ونصيب لإيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم. ثم يقول تعالى في ~~وصفهم { كل من الصابرين } [الأنبياء: 85] فوصف كل الأنبياء ~~بالصبر لأنهم تعرضوا لأنواع الاضطهاد والإيذاء والأهوال في سبيل ~~دعوتهم، وصبروا على هذا كله. ### || [21.86] # والرحمة هنا بمعنى النبوة، وهي أمر عظيم وعطاء كبير، فإن تحملوا في ~~سبيله بعض المتاعب، فلا غضاضة في ذلك. ### || [21.87] # " ذو النون ": هو سيدنا يونس بن متى صاحب الحوت، والنون من أسماء الحوت، ~~وجمعه نينان ms6521 كحوت وحيتان لذلك سمي به، وقد أرسل يونس عليه السلام ~~إلى أهلنينوى من أرض الموصل بالعراق. وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لعداس: # " أنت من بلد النبي الصالح: يونس ابن متى ". # والنون أيضا اسم لحرف من حروف المعجم، لكن قد يوافق اسم الحرف اسما ~~لشيء آخر، كما في ق وهو اسم جبل، وكذلك السين، فهناك نهر اسمه نهر السين، ~~وهكذا تصادف أسماء الحروف أسماء أشياء. وقوله تعالى: { إذ ذهب ~~مغاضبا.. } [الأنبياء: 87] مادة غضب نأخذ منها الوصف للمفرد. نقول: ~~غاضب وغضبان، أما مغاضب فتعطي معنى آخر لأنها تدل على المفاعلة، فلا ~~بد أن أمامك شخصا آخر، أنت غاضب وهو غاضب، مثل: شارك فلان فلانا. ~~لكن في أصول اللغة رجحنا جانب الفاعلية في أحدهما، والمفعولية في الآخر، ~~كما نقول: شارك زيد عمرا، فالمشاركة حدثت منهما معا، لكن جانب ~~الفاعلية أزيد من ناحية زيد، فكل واحد منهما فاعل مرة ومفعول أخرى. ~~واللغة أحيانا تلحظ هذه المشاركة فتحمل اللفظ المعنيين معا: الفاعل ~~والمفعول، كما جاء في قول الشاعر العربي الذي يصف السير في أرض معقربة، ~~والتي إذا سرت فيها دون أن تتعرض للعقارب فإنها تسالمك ولا تؤذيك، ~~فيقول: # قد سالم الحيات منه القدما # الأفعوان والشجاع القشعما # أي: أنه سالم الحيات، فالحيات سالمته، فالمسالمة منهما معا، لكن غلب ~~جانب الحيات فجاءت فاعلا لأن إيذاءها أقوى من إيذائه، فلما أبدل من ~~الحيات الأفعوان والشجاع القشعما وهما من أسماء الحيات كان عليه أن يأتي ~~بالبدل مرفوعا تابعا للمبدل منه، إلا أنه نصبه فقال: الأفعوان ~~والشجاع القشعما لأنه لاحظ في جانب الحيات أنها أيضا مفعول. فمم ~~غضب ذو النون؟ غضب لأن قومه كذبوه، فتوعدهم إن لم يتوبوا أن ينزل بهم ~~العذاب، وأتى الموعد ولم ينزل بهم ما توعدهم به، فخاف أن يكذبوه، وأن ~~يتجرأوا عليه، فخرج من بينهم مغاضبا إلى مكان آخر، وهو لا يعلم أنهم ~~تابوا فأخر الله عذابهم، وأجل عقوبتهم. وفي آية أخرى يوضح الحق ~~سبحانه هذا الموقف: # فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا ms6522 ~~قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في ~~الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين # [يونس: 98]. أي: لم يحدث قبل ذلك أن آمنت قرية ونفعها إيمانها إلا ~~قرية واحدة هي قوم يونس، فقد آمنوا وتابوا فأجل الله عذابهم. إذن: خرج ~~يونس مغاضبا لا غاضبا لأن قومه شاركوه، وكانوا سبب غضبه، كما حدث في ~~مسألة هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فرسول الله هاجر من مكة لكنه لم ~~يهجرها، فسميت هجرة لأن أهل مكة هجروا رسول الله أولا، وهجروا ~~دعوته وألجئوه أيضا إلى الهجرة وترك مكة، فهم طرف في الهجرة وسبب ~~لها. # لذلك قال صلى الله عليه وسلم مخاطبا مكة: # " والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلي، ولولا أن أهلك ~~أخرجوني منك ما خرجت ". # وقد أخذ المتنبي هذا المعنى، وعبر عنه بقوله: # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا # ألا تفارقهم فالراحلون هم # وقوله تعالى: { فظن أن لن نقدر عليه.. } [الأنبياء: 87] ~~البعض ينظر في الآية نظرة سطحية، فيقولون: كيف يظن يونس أن الله لن يقدر ~~عليه؟ وهذا الفهم ناشىء عن جهل باستعمالات اللغة، فليس المعنى هنا من ~~القدرة على الشيء والسيطرة، ولو استوعبت هذه المادة في القرآن قدر ~~لوجدت لها معنى آخر، كما في قوله تعالى: # لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق ممآ آتاه الله.. # [الطلاق: 7] معنى قدر عليه رزقه يعني: ضيق عليه. ومنها قوله تعالى: # إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر.. # [الإسراء: 30]. وقوله سبحانه تعالى: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن # [الفجر: 15-16]. إذن: فقوله: { فظن أن لن نقدر عليه.. } ~~[الأنبياء: 87] أي: أن يونس لما خرج من بلده مغاضبا لقومه ظن أن الله ~~لن يضيق عليه، بل سيوسع عليه ويبدله ببلده مكانا أفضل منها، ~~بدليل أنه قال بعدها { فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين } [الأنبياء: ~~87] يريد منه سبحانه تنفيس كربته، وتنفيس الكربة لا ms6523 يكون إلا بصفة القدرة ~~له. فكيف يستقيم المعنى لو قلنا: لن يقدر عليه بمعنى: أن الله لا يقدر ~~على يونس؟ إذن: المعنى: لن يضيق عليه لأنه يعلم أنه رسول من الله، وأن ~~ربه لن يسلمه، ولن يخذله، ولن يتركه في هذا الكرب. وقد وجدت شبهة في ~~قصة يونس - عليه السلام - في قوله تعالى: # فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه ~~إلى يوم يبعثون # [الصافات: 143-144]. فكيف يلبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون، مع أن ~~يونس سيموت، وسيأتي أجل الحوت ويموت هو أيضا، أم أن الحوت سيظل إلى يوم ~~القيامة يحمل يونس في بطنه؟ وفات هؤلاء نظرية الاحتواء في المزيجات، كما ~~لو أذبت قالبا من السكر في كوب ماء، فسوف تحتوي جزئيات الماء جزئيات ~~السكر، والأكثر يحتوي الأقل، فقالب السكر لا يحتوي الماء، إنما الماء ~~يحتوي السكر. فلو مات الحوت، ومات في بطنه يونس - عليه السلام - وتفاعلت ~~ذراتهما وتداخلت، فقد احتوى الحوت يونس إلى أن تقوم الساعة، وعلى هذا ~~يظل المعنى صحيحا، فهو في بطنه رغم تناثر ذراتهما. { فاستجبنا ~~له... }. ### || [21.88] # استجاب الله نداء يونس - عليه السلام - ونجاه من الكرب { وكذلك ~~ننجي المؤمنين } [الأنبياء: 88] إذن: فهذه ليست خاصة بيونس، بل ~~بكل مؤمن يدعو الله بهذا الدعاء { وكذلك.. } [الأنبياء: 88] أي: مثل ~~هذا الإنجاء ننجي المؤمنين الذين يفزعون إلى الله بهذه الكلمة: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87] فيذهب الله غمه، ويفرج كربه. لذلك يقول ابن ~~مسعود رضي الله عنه: " ثوروا القرآن " يعني: أثيروه ونقبوا في آياته ~~لتستخرجوا كنوزه وأسراره. وكان سيدنا جعفر الصادق من المثورين للقرآن ~~المتأملين فيه، وكان يخرج من آياته الدواء لكل داء، ويكون كما نقول ~~روشتة لكل أحوال المؤمن. والمؤمن يتقلب بين أحوال عدة منها: الخوف سواء ~~الخوف أن يفوته نعيم الدنيا، أو الخوف من جبار يهدده، وقد يشعر بانقباض ~~وضيق في الصدر لا يدري سببه وهذا هو الغم، وقد يتعرض لمكر الماكرين، ~~وكيد الكائدين، وتدبير أهل الشر. هذه كلها أحوال تعتري الإنسان، ms6524 ويحتاج ~~فيها لمن يسانده ويخرجه مما يعانيه، فليس له حول ولا قوة، ولا ~~يستطيع الاحتياط لكل هذه المسائل. وقد تراوده بهجة الدنيا وزخرفها، ~~فينظر إلى أعلى مما هو فيه، ويطلب المزيد، ولا نهاية لطموحات الإنسان ~~في هذه المسألة، كما قال الشاعر: # تموت مع المرء حاجاته # وتبقى له حاجة ما بقي # والناس تحرص دائما على أن تستوعب نعم الحياة وراحتها، وهم في ذلك ~~مخطئون لأن تمام الشيء بداية زواله، كما قال الشاعر: # إذا تم شيء بدا نقصه # ترقب زوالا إذا قيل تم # لأن الإنسان ابن أغيار، ولا يدوم له حال من صحة أو مرض، أو غنى أو ~~فقر، أو حزن أو سرور، فالتغير سمة البشر، وسبحان من لا يتغير، إذن: ~~فماذا بعد أن تصل إلى القمة، وأنت ابن أغيار؟ ونرى الناس يغضبون ~~ويتذمرون إن فاتهم شيء من راحة الدنيا ونعيمها، أو انتقصتهم الحياة ~~شيئا؟ وهم لا يدرون أن هذا النقص هو الذي يحفظ عليك النعمة، ويدفع عنك ~~عيون الحاسدين فيسلم لك ما عندك. فتجد مثلا أسرة طيبة حازت اهتمام ~~الناس واحترامهم، غير أن بها شخصا شريرا سيئا، يعيب الأسرة، فهذا ~~الشخص هو الذي يدفع عنها عيون الناس وحسدهم. وقد أخذ المتنبي هذا ~~المعنى، وعبر عنه في مدحه لسيف الدولة، فقال: # شخص الأنام إلى كمالك فاستعذ # من شر أعينهم بعيب واحد # نعود إلى روشته سيدنا جعفر الصادق التي استخلصها لنا من كتاب الله، كما ~~يستخلص الأطباء الدواء والعقاقير من كتب الحكماء: يقول: عجبت لمن خاف ~~ولم يفزع إلى قول الله تعالى: # حسبنا الله ونعم الوكيل # [آل عمران: 173] فإني سمعت الله بعقبها يقول: # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء.. # [آل عمران: 174]. # وعجبت لمن اغتم، ولم يفزع إلى قوله تعالى: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87] فإني سمعت الله بعقبها يقول: { فاستجبنا له ~~ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين } ~~[الأنبياء: 88]. وعجبت لمن مكر به، ولم يفزع إلى قوله تعالى: # وأفوض أمري إلى الله.. # [غافر: 44] فإني سمعت الله بعقبها ms6525 يقول: # فوقاه الله سيئات ما مكروا.. # [غافر: 45]. وعجبت لمن طلب الدنيا وزينتها، ولم يفزع إلى قوله تعالى: # ما شآء الله لا قوة إلا بالله.. # [الكهف: 39] فإني سمعت الله بعقبها يقول: # فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك.. # [الكهف: 40]. وهكذا يجب على المؤمن أن يكون مطمئنا واثقا من معية ~~الله، ويضع كما نقول في بطنه بطيخة صيفي لأنه يفزع إلى ربه بالدعاء ~~المناسب في كل حال من هذه الأحوال، وحين يراك ربك تلجأ إليه وتتضرع، ~~وتعزو كل نعمة في ذاتك أو في أهلك أو في مالك وتنسبها إلى الله، وتعترف ~~بالمنعم سبحانه فيعطيك أحسن منها. ثم يحدثنا الحق سبحانه عن نبي آخر ~~من أنبيائه، فيقول تعالى: { وزكريآ إذ نادى ربه... }. ### || [21.89] # لقد بلغ زكريا - عليه السلام - من الكبر عتيا، ولم يرزقه الله الولد، ~~فتوجه إلى الله: # قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس ~~شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا * وإني خفت ~~الموالي من ورآئي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من ~~لدنك وليا # [مريم: 4-5]. فلما بشره الله بالولد تعجب لأنه نظر إلى معطيات ~~الأسباب، كيف يرزقه الله الولد، وقد بلغ من الكبر عتيا وامرأته عاقر، ~~فأراد أن يؤكد هذه البشرى: # قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا ~~وقد بلغت من الكبر عتيا * قال كذلك قال ربك ~~هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 8-9]. يطمئن الله تعالى نبيه زكريا: اطرح الأسباب الكونية ~~للخلق لأن الذي يبشرك هو الخالق. وقد تعلم زكريا من كفالته لمريم ~~أن الله يعطي بالأسباب، ويعطي إن عزت الأسباب، وقد تبارى أهل مريم في ~~كفالتها، وتسابقوا في القيام بهذه الخدمة لأنهم يعلمون شرفها ومكانتها ~~لذلك أجروا القرعة على من يكفلها فأتوا بالأقلام ورموها في البحر فخرج ~~قلم زكريا، ففاز بكفالة مريم: # ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت ~~لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم ~~وما كنت لديهم إذ يختصمون # [آل عمران: 44]. وإجراء القرعة لأهمية هذه المسألة، وعظم شأنها، ~~والقرعة ms6526 إجراء للمسائل على القدر، حتى لا تتدخل فيها الأهواء. فلما ~~كفل زكريا مريم كان يوفر لها ما تحتاج إليه، ويرعى شئونها، وفي أحد ~~الأيام دخل عليها، فوجد عندها طعاما لم يأت به: # قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ~~إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. وهنا ملخظ وإشارة إلى ضرورة متابعة رب الأسرة ~~لأسرته، فإذا ما رأى في البيت شيئا لم يأت به فليسأل عن مصدره، فربما ~~امتدت يد الأولاد إلى ما ليس لهم، إنه أصل لقانون " من أين لك هذا؟ " ~~الذي نحتاج إلى تطبيقه حين نشك. التقط زكريا إجابة مريم التي جاءت ~~سريعة واثقة، تدل على الحق الواضح الذي لا يتلجلج: # قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء ~~بغير حساب # [آل عمران: 37]. نعم، هذه مسألة يعرفها زكريا، لكنها لم تكن في بؤرة ~~شعوره، فقد ذكرته بها مريم: # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ~~ذرية طيبة إنك سميع الدعآء # [آل عمران: 38]. أي: ما دام الأمر كذلك، فهب لي ولدا يرث النبوة من ~~بعدي. ثم يذكر حيثيات ضعفه وكبر سنه، وكون امرأته عاقرا، وهي ~~حيثيات المنع لا حيثيات الإنجاب لأن الله يرزق من يشاء بغير حساب وبغير ~~أسباب. وهكذا، استفاد زكريا من هذه الكلمة، واستفادت منها مريم كذلك ~~فيما بعد، وحينما جاءها الحمل في المسيح بدون الأسباب الكونية. وهنا ~~يدعو زكريا ربه، فيقول: { رب لا تذرني فردا وأنت خير ~~الوارثين } [الأنبياء: 89] أي: لا أطلب الولد ليرث ملكي من بعدي، ~~فأنت خير الوارثين ترث الأرض والسماء، ولك كل شيء. ### || [21.90] # فلم تكن استجابة الله لزكريا أن يهبه الولد حال كبره وكون امرأته ~~عاقرا، إنما أيضا سماه، ولله تعالى سر في هذه التسمية لأن الناس ~~أحرار في وضع الأسماء للمسميات كما قلنا فلا مانع أن نسمي فتاة زنجية ~~قمر لأن الاسم يخرج عن معناه الأصلي، ليصير علما على هذا المسمى. إذن: ~~هناك فرق بين الاسم وبين المسمى. وقد نسمي الأسماء ms6527 تفاؤلا أن ~~يكونوا كذلك، كالذي سمي ولده يحيى، ويظهر أنه كان يعاني من موت الأولاد ~~لذلك قال: # فسميته يحيى ليحيى فلم يكن # لرد قضاء الله فيه سبيل # أي: سميته يحي أملا في أن يحيا، لكن هذا لم يرد عنه قضاء الله. ~~وكذلك لما سمى عبد المطلب محمدا قال: سميته محمدا ليحمد في الأرض ~~وفي السماء. لكن، حين يسمي يحيى من يملك الحياة ويملك الموت، فلا ~~بد أن يكون اسما على مسمى، ولا بد له أن يحيا، حتى إن مات ~~يموت شهيدا، لتتحقق له الحياة حتى بعد الموت. ومعنى: { ووهبنا.. } ~~[الأنبياء: 90] أي: أعطيناه بدون قانون التكوين الإنساني، وبدون أسباب. ~~ثم يقول سبحانه: { وأصلحنا له زوجه.. } [الأنبياء: 90] فبعد ~~أن كانت عاقرا لا تلد أجرينا لها عملية ربانية أعادت لها مسألة ~~الإنجاب لأن المرأة تلد طالما فيها البويضات التي تكون الجنين، فإذا ما ~~انتهت هذه البويضات قد أصبحت عقيما، وهذه البويضات في عنقود، ولها عدد ~~محدد أشبه بعنقود البيض في الدجاجة لذلك يسمون آخر الأولاد " آخر ~~العنقود ". إذن: وجد يحيى من غير الأسباب الكونية للميلاد لأن المكون ~~سبحانه أراد ذلك. لكن، لماذا لم يقل لزكريا أصلحناك؟ قالوا: لأن الرجل ~~صالح للإنجاب ما دام قادرا على العملية الجنسية، مهما بلغ من الكبر ~~على خلاف المرأة المستقبلة، فهي التي يحدث منها التوقف. وأصحاب ~~العقم وعدم الإنجاب نرى فيهم آيات من آيات الله، فنرى الزوجين صحيحين، ~~أجهزتهما صالحة للإنجاب، ومع ذلك لا ينجبان، فإذا ما تزوج كل منهما بزوج ~~آخر ينجب لأن المسألة ليست آلية، بل وراء الأسباب الظاهرة إرادة الله ~~ومشيئته. لذلك يقول تعالى: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما.. # [الشورى: 49-50]. ثم توضح الآيات سبب وعلة إكرام الله واستجابته ~~لنبيه زكريا - عليه السلام: { إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا ~~خاشعين } [الأنبياء: 90] هذه صفات ثلاث أهلت زكريا وزوجته لهذا ~~العطاء الإلهي، وعلينا أن نقف ms6528 أمام هذه التجربة لسيدنا زكريا، فهي أيضا ~~ليست خاصة به إنما بكل مؤمن يقدم من نفسه هذه الصفات. # لذلك، أقول لمن يعاني من العقم وعدم الإنجاب وضاقت به أسباب الدنيا، ~~وطرق باب الأطباء أن يلجأ إلى الله بما لجأ به زكريا - عليه السلام - ~~وأهله { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ~~ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } ~~[الأنبياء: 90] خذوها روشتة ربانية، ولن تتخلف عنكم الاستجابة بإذن الله. ~~لكن، لماذا هذه الصفة بالذات: { إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات.. } [الأنبياء: 90]؟ قالوا: لأنك تلاحظ أن أصحاب العقم ~~وعدم الإنجاب غالبا ما يكونون بخلاء ممسكين، فليس عندهم ما ~~يشجعهم على الإنفاق، فيستكثرون أن يخرجوا شيئا لفقير لأنه ليس ولده. ~~فإذا ما سارع إلى الإنفاق وسارع في الخيرات بشتى أنواعها، فقد تحدى ~~الطبيعة وسار ضدها في هذه المسألة، وربما يميل هؤلاء الذين ابتلاهم الله ~~بالعقم إلى الحقد على الآخرين، أو يحملون ضغينة لمن ينجب، فإذا طرحوا ~~هذا الحقد ونظروا لأولاد الآخرين على أنهم أولادهم، فعطفوا عليهم وسارعوا ~~في الخيرات، ثم توجهوا إلى الله بالدعاء رغبا ورهبا، فإن الله ~~تعالى وهو المكون الأعلى يخرق لهم النواميس والقوانين، ويرزقهم الولد ~~من حيث لا يحتسبون. ومعنى: { وكانوا لنا خاشعين } [الأنبياء: ~~90] يعني: راضين بقدرنا فيهم، راضين بالعقم على أنه ابتلاء وقضاء، ولا ~~يرفع القضاء عن العبد حتى يرضى به، فلا ينبغي للمؤمن أن يتمرد على ~~قدر الله، ومن الخشوع التطامن لمقادير الخلق في الناس. ### || [21.91] # ولك أن تسأل: لماذا يأتي ذكر السيدة مريم ضمن مواكب النبوة؟ نقول: لأن ~~النبوة اصطفاء الله لنبي من دون خلق الله، وكونه يصطفي مريم من دون ~~نساء العالمين لتلد بدون ذكورة، فهذا نوع من الاصطفاء، وهو اصطفاء خاص ~~بمريم وحدها من بين نساء العالمين لأن اصطفاء الأنبياء تكرر، أما ~~اصطفاء مريم لهذه المسألة فلم يتكرر في غيرها أبدا. وقوله تعالى: { ~~والتي أحصنت فرجها.. } [الأنبياء: 91] يعني: عفت ~~وحفظت فرجها، فلم تمكن منها أحدا. ومعنى: { فنفخنا فيها من ~~روحنا.. } [الأنبياء: 91] يعني: مسألة خاصة به، خارجة على قانون ~~الطبيعة، ms6529 فليس في الأمر ذكورة أو انتقاء، إنما النفخة التي نفخها الله في ~~آدم، فجاءت منها كل هذه الأرواح، هي التي نفخها في مريم، فجاءت منها روح ~~واحدة. فالروح هي نفسها التي قال الله فيها: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي.. # [الحجر: 29]. ثم يقول تعالى: { وجعلناها وابنهآ آية ~~للعالمين } [الأنبياء: 91] يعني: شيئا عجيبا في الكون، والعجيبة ~~فيها أن تلد بدون ذكورة، والعجيبة فيه أن يولد بلا أب، فكلاهما آية ~~لله ومعجزة. ثم يقول الحق سبحانه بعد سرد لقطات من موكب الأنبياء: { ~~إن هذه أمتكم أمة واحدة... }. ### || [21.92] # الأمة: الجماعة يجمعها رباط واحد من أرض أو ملك ملك أو دين، كما جاء ~~في قوله تعالى: # وجدنآ آبآءنا على أمة.. # [الزخرف: 22] يعني: على دين. فالمراد: هذه أمتكم أمة حال كونها أمة ~~واحدة، لا اختلاف فيها والرسل جميعا إنما جاءوا ليتمموا بناء واحدا، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا ~~موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا ~~وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين ". # والمعنى أن به صلى الله عليه وسلم تتم النبوة وتختم. وتطلق الأمة على ~~الرجل الذي يجمع خصال الخير كلها لأن الله تعالى بعثر خصال الخير في ~~الخلق، فليس هناك من هو مجمع مواهب وفضائل، إنما في كل منا ميزة ~~وفضيلة في جانب من الجوانب ليتكامل الناس ويحتاج بعضهم إلى بعض، ويحدث ~~الترابط بين عناصر المجتمع، هذا الترابط يتم إما بحاجات تطوعية، أو ~~حاجات اضطرارية. فلو تعلم الناس جميعا وتخرجوا في الجامعة فمن ~~للمهن والحرف الأخرى؟ من سيكنس الشوارع، ويقضي مثل هذه الأمور؟ لو ~~تعطلت مجاري الصرف الصحي، أيجتمع هؤلاء الدكاترة والأساتذة لإصلاحها، ~~ولو أصلحوها مرة فهذا تطوع. أما المصالح العامة فلا تقوم على التطوع ~~إنما تقوم على الحاجة والاضطرار، ولولا هذه الحاجة لما خرج عامل الصرف ~~الصحي في الصباح إلى هذا العمل الشاق المنفر، لكن كيف وفي رقبته ~~مسئولية أسرة وأولاد ms6530 ونفقات؟ وسبق أن قلنا: ينبغي ألا يغتر ~~المرء بما عنده من مواهب ومميزات، ولا يتعالى بها على خلق الله، وعليه ~~أن يسأل عما عند الآخرين من مواهب يحتاج هو إليها، ولا يؤديها بنفسه. ~~إذن: الحاجة هي الرابطة في المجتمع، ولو كان التطوع والتفضل فلن نحقق ~~شيئا، فلو قلنا للعامل: تفضل بكنس الشارع لوجد ألف عذر يعتذر به، أما ~~إن كان أولاده سيموتون جوعا إن لم يعمل فلا شك أنه سيسرع ويبادر. ~~فالحقيقة أن كل فرد في المجتمع لا يخدم إلا نفسه، فكما تنفع الآخرين ~~تنتفع بهم لذلك إياك أن تحسد صاحب التفوق على تفوقه في أمر من الأمور ~~لأن تفوقه في النهاية عائد عليك. وكما نقول هذه المسائل في أمور الدنيا ~~نقولها في أمور الآخرة، حين نرى صاحب التدين، وصاحب الخلق والالتزام ~~لا نهزأ به ولا نسخر منه، كما يحلو للبعض لأن صلاحه سيعود عليك، وسوف ~~تنتفع بتدينه واستقامته ولعلنا نرزق بسبب هؤلاء. وقد يكون في البيت ~~الواحد فتوات وأذكياء ومتعلمون وفيهم معوق أو مجنون أو مجذوب، فترى ~~الجميع يحتقرونه، ويهونون من شأنه، أو تراه منبوذا بين هؤلاء ~~مبعدا، لا يشرف بمعرفته أحد، وربما يعيشون جميعا في ظله ~~ويرزقون كرامة له. # وكثيرا ما نرى الناس يغضبون وينقمون على قضاء الله إن رزقهم بمولود فيه ~~عيب أو إعاقة، ووالله لو رضيت به وتقبلت قضاء الله فيه، لكان هو الظل ~~الظليل لك. فهؤلاء خلقوا هكذا لحكمة، حتى لا نتمرد على صنعة الله في ~~كونه، وحتى يشعر أهل النعمة والسلامة والصحة بفضل الله عليهم، ولنعلم ~~أن الله تعالى لا يسلب شيئا من عبده إلا وقد أعطاه عوضا عنه. ولك أن ~~تلاحظ مثلا أحوال الناس المجاذيب الذين تراهم في أي مكان مهملين ~~يستقلهم الناس، وينفرون من هيئتهم الرثة، ومع ذلك ترى أصحاب الجاه ~~والسلطان إذا نزلت بهم ضائقة وأعيتهم الأسباب يلجئون لمثل هؤلاء ~~المجاذيب يلتمسون منهم البركة والدعاء، وهذا في حد ذاته أسمى ما يمكن ~~أن يتطلع إليه أهل الجاه وأهل السلطان والنفوذ، أن ms6531 تكون كلمتهم مسموعة ~~وأمرهم مطاعا، وأن يلجأ الناس إليهم كما لجئوا إلى هذا المجذوب ~~المسكين. فإذا ما أجرى الله الخير على يد هذا الشيخ المجذوب ترى السيد ~~العظيم يتمحك فيه، ويدعوه إلى طعامه، ويدفع عنه أذى الناس ويحتضنه، لأنه ~~جرب وعلم أن لديه فيضا من فيض الله وكرامة يختص الله بها من يشاء من ~~عباده، ونحن جميعا عباد الله ليس فينا من هو ابن لله، أو بينه وبين ~~الله قرابة. وإن كان العقل هو أعز ما يعتز به الإنسان، وهو زينته ~~وحليته، فلك أن تنظر إلى المجنون الذي فقد العقل، وحرم هذه الآلة ~~الغالية، وترى الناس يشيرون إليه: هذا مجنون، نعم هو مجنون، لكن انظر إلى ~~سلوكه: هل رأيتم مجنونا يسرق؟ هل رأيتم مجنونا يزني؟ هل رأيتم مجنونا ~~انتحر؟ إذن: مع كونه مجنونا إلا أنه مدرك لنفسه تماما لأن خالقه عز وجل ~~وإن سلبه العقل إلا أنه أعطاه غريزة تحكمه كما تحكم الغريزة الحيوان، ~~وهل رأيتم حمارا ألقى بنفسه مثلا أمام القطار؟ إذن: علينا ألا ~~نحقر هؤلاء، وألا نستقل بهم فقد عوضهم الله عما سلبه منهم، ومنا ~~من يسعى ليصل إلى ما وصلوا هم إليه ولا يستطيع، ومن منا لا يتمنى ~~أن يكون مثل هذا المجذوب الذي يتمسح الناس فيه، ويطلبون منه البركة ~~والدعاء؟ وأي عظمة يطلبها الإنسان فوق هذا؟ ويكفي هذا أنه لا يسأل ~~عما يفعل في الدنيا، ولا يسأل كذلك في الآخرة. نعود إلى قول الله ~~تعالى: { إن هذه أمتكم أمة واحدة.. } [الأنبياء: ~~92] فمن معاني أمة: الرجل الذي جمع خصال الخير كلها لذلك وصف الله نبيه ~~إبراهيم بأنه أمة، فقال: # إن إبراهيم كان أمة.. # [النحل: 120]. يعني: جمع من خصال الخير ما لا يوجد إلا في أمة كاملة. ~~والأمة لا تكون واحدة، إلا إذا صدر تكوينها المنهجي عن إله واحد، فلو كان ~~تكوينها من متعدد لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، ولفسد ~~الحال. # إذن: كما قال سبحانه: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض.. # [المؤمنون: 71]. فلا ms6532 تكون الأمة واحدة إلا إذا استقبلت أوامرها من إله ~~واحد وخضعت لمعبود واحد، فإن نسيت هذا الإله الواحد تضاربت وتشتتت. ~~وكأن الحق سبحانه يقول: أنتم ستجربون أمة واحدة، تسودون بها الدنيا ~~وتنطلق دعوتكم من أمة أمية لا تعرف ثقافة، ولا تعرف علما، ولم تتمرس ~~بحكم الأمم لأنها كانت أمة قبلية، لكل قبيلة قانونها وسيادتها وقيادتها. ~~ثم ينزل لكم نظام يجمع الدنيا كلها بحضاراتها، نظام يطوي تحت جناحه حضارة ~~فارس وحضارة الروم ويطوعها، ولو أنكم أمة مثقفة لقالوا قفزة حضارية، ~~إنما هذه أمة أمية، ونبيها أيضا أمي إذن: فلا بد أن يكون المنهج ~~الذي جاء به ليسلب هذه الحضارات عزها ومجدها منهجا أعلى من كل هذه ~~المناهج والحضارات. ثم يقول تعالى: { وأنا ربكم فاعبدون } ~~[الأنبياء: 92] أي: التزموا بمنهجي لتظلوا أمة واحدة، واختار صفة ~~الربوبية فلم يقل: إلهكم لأن الرب هو الذي خلق ورزق وربى، أما الإله ~~فهو الذي يطلب التكاليف. فالمعنى: ما دمت أنا ربكم الذي خلقكم من ~~عدم، وأمدكم من عدم، وأنا القيوم على مصالحكم، أكلؤكم بالليل ~~والنهار، وأرزق حتى العاصي والكافر بي، فأنا أولى بالعبادة، ولا يليق ~~بكم أن أصنع معكم هذا كله وتذهبون إلى إله غيري، هذا منطق العقل السليم، ~~وكما يقولون اللي يأكل لقمتي يسمع كلمتي. ومن العبادة أن تطيع الله في ~~أمره ونهيه لأن ثمرة هذه الطاعة عائدة عليك بالنفع، فلله تعالى صفات ~~الكمال الأزلي قبل أن يخلق من يطيعه، فطاعتك لن تزيد شيئا في ملك ~~الله، ومعصيتك لن تنتقص منه شيئا. إذن: فالأمر راجع إليك، وربك يثيبك ~~على فعل هو في الحقيقة لصالحك. لكن، هل سمع الناس هذا النداء وعملوا ~~بمقتضاه، فكانوا أمة واحدة كهذه الأمة التي أدخلت الدنيا في رحاب ~~الإسلام في نصف قرن؟ هذه الأمة التي ما زلنا نرى أثرها في البلاد التي ~~تمردت على العروبة، وعلى لغة القرآن، ومع ذلك هم مسلمون على لغاتهم وعلى ~~حضارتهم، إن الدين الذي يصنع هذا ، والأمة الواحدة التي تحملت هذه ~~المسئولية ما كان ينبغي أن نتخلى ms6533 عنها. والسؤال: هل بقيت الأمة الواحدة؟ ~~تجيب الآيات: { وتقطعوا أمرهم... }. ### || [21.93] # أي: صاروا شيعا وأحزابا وجماعات وطوائف، كما قال تعالى: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء.. # [الأنعام: 159]. لماذا، لست منهم في شيء؟ لأنهم يقضون على واحدية الأمة، ~~ولا يقضون على واحدية الأمة إلا إذا اختلفت، ولا تختلف الأمة إلا إذا ~~تعددت مناهجها، هنا ينشأ الخلاف، أما إن صدروا جميعا عن منهج واحد ~~فلن يختلفوا. وما داموا قد تقطعوا أمرهم بينهم، فصاروا قطعا مختلفة، ~~لكل قطعة منهج وقانون، ولكل قطعة تكاليف، ولكل قطعة راية، وكأن آلهتهم ~~متعددة، فهل سيتركون على هذا الحال، أم سيعودون إلينا في النهاية؟ { ~~كل إلينا راجعون } [الأنبياء: 93] إذن: أنتم أمة واحدة في ~~الخلق من البداية، وأمة واحدة في المرجع وفي النهاية، فلماذا تختلفون ~~في وسط الطريق؟ إذن: الاختلاف ناشىء من اختلاف المنهج، وكان ينبغي أن ~~يكون واضع المنهج واحدا. وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم خاتما ~~للرسالات، وجاءت شريعته جامعة لمزايا الشرائع السابقة، بل وتزيد عليها ~~المزايا التي تتطلبها العصور التي تلي بعثته. فكان المفروض أن تجتمع ~~الأمة المؤمنة على ذلك المنهج الجامع المانع الشامل، الذي لا يمكن أن ~~يستدرك عليه، وبذلك تتحقق وحدة الأمة، وتصدر في تكليفاتها عن إله واحد، ~~فلا يكون فيها مدخل للأهواء ولا للسلطات الزمنية أو الأغراض الدنيئة. ~~لذلك، إذا تعددت الجماعات التي تقول بالإسلام وتفرقت نقول لهم: كونوا ~~جماعة واحدة، وإلا فالحق مع أي جماعة منكم؟! لأن الله تعالى خاطب نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بقوله: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء.. # [ الأنعام: 159]. ولا يتفرق الداعون لدعوة واحدة إلا باتباع الأهواء ~~والأغراض، أما الدين الحق فهو الذي يأتي على هوى السماء، موافقا لما ~~ارتضاه الله تعالى لخلقه. لقد انفض المؤمنون عن الجامع الذي يجمعهم ~~بأمر الله، فانفضت عنهم الوحدة، وتدابروا حتى لم يعد يجمعهم إلا ~~قول " لا إله إلا الله محمد رسول الله " أما مناهجهم وقوانينهم فقد ~~أخذوها من هنا أو من هناك، ms6534 وسوف تعضهم هذه القوانين، وسوف تخذلهم هذه ~~الحضارات، ويرون أثرها السيء، ثم يعودون في النهاية إلى الإسلام فهو ~~مرجعهم الوحيد، كما نسمع الآن نداء لا حل إلا الإسلام. نعم، الإسلام ~~حل للمشاكل والأزمات والخلافات والزعامات، حل للتعددية التي أضعفت ~~المسلمين وقوضت أخوتهم التي قال الله فيها: # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ~~واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا.. # [آل عمران: 103]. ووالله، لو عدنا إلى حبل الله الواحد فتمسكنا به، ~~ولم تلعب بنا الأهواء لعدنا إلى الأمة الواحدة التي سادت الدنيا ~~كلها. إذن: { إلينا راجعون } [الأنبياء: 93] أي: في الآخرة ~~للحساب، وأنا أقول يا رب.. لعل هذا الرجوع يكون في الدنيا بأن تعضنا ~~قوانين البشر، فنفزع إلى الله ونعود إليه من جديد، فيعود لنا مجدنا، ~~ويصدق فينا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء ". # ويعزز هذا الفهم ويقوي هذا الرجاء قول الله تعالى بعدها: { فمن ~~يعمل من الصالحات وهو مؤمن.. }. ### || [21.94] # الحق - سبحانه وتعالى - يستأنف معنا العظة بالعمل الصالح ليعطينا الأمل ~~لو رجعنا إلى الله، والدنيا كلها تشهد أن أي مبدأ باطل، أو شعار زائف ~~زائل يزخرفون به أهواءهم لا يلبث أن ينهار ولو بعد حين، ويتبين ~~أصحابه أنه خطأ ويعدلون عنه. ومثال ذلك الفكر الشيوعي الذي ساد روسيا منذ ~~عام 1917وانتهكت في سبيله الحرمات، وسفكت الدماء، وهدمت البيوت، وأخذت ~~الثروات، وبعد أن كانت أمة تصدر الغذاء لدول العالم أصبحت الآن تتسول من ~~دول العالم، وهم أول من ضج من هذا الفكر وعانى من هذه القوانين. ~~وقوله تعالى: { فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن.. } ~~[الأنبياء: 94] ربط العمل الصالح بالإيمان، لأنه منطلق المؤمن في كل ~~ما يأتي وفي كل ما يدع لينال بعمله سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. أما ~~من يعمل الصالح لذات الصلاح ومن منطلق الإنسانية والمروءة، ولا يخلو ~~هذا كله في النهاية عن أهواء وأغراض، فليأخذ نصيبه في الدنيا، ويحظى فيها ~~بالتكريم والسيادة والسمعة، وليس له ms6535 نصيب في ثواب الآخرة لأنه فعل ~~الخير وليس في باله الله. والحق سبحانه يعطينا مثالا لذلك في قوله ~~تعالى: # الذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه.. # [ النور: 39]. يعني: فوجئ بوجود إله يحاسبه ويجازيه، وهذه مسألة لم ~~تكن على باله، فيقول له: عملت ليقال وقد قيل. وانتهت المسألة لذلك ~~يقول تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه.. # [الشورى: 20] أي: نعطيه أجره في عالم آخر لا نهاية له # ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. لأنه عمل للناس، فليأخذ أجره منهم، يخلدون ذكراه، ~~ويقيمون له المعارض والتماثيل.. الخ. وقوله تعالى: { فلا كفران ~~لسعيه.. } [الأنبياء: 94] يعني: لا نبخسه حقه ولا نجحد سعيه ~~أبدا { وإنا له كاتبون } [الأنبياء: 94] نسجل له أعماله ~~ونحفظها، والمفروض أن الإنسان هو الذي يسجل لنفسه، فإن سجل لك ~~عملك ربك الذي يثيبك عليه، وسجله على نفسه، فلا شك أنه تسجيل ~~دقيق لا يبخسك مثقال ذرة من عملك. ثم يقول الحق سبحانه: { وحرام ~~على قرية أهلكناهآ... }. ### || [21.95] # { حرام.. } [الأنبياء: 95] يعني: ممتنع: لا يجب أن يكون، والقرية: أي ~~قرية أهلكناها لأنها كذبت الرسل، ووقفت منهم موقف اللدد والعناد ~~والمعارضة، فأهلكها الله بذنوبها في الدنيا، أيعقل بعد هذا أن نتركها ~~في الآخرة من غير أن نأخذها بذنوبها؟ لا بد - إذن - أن ترجع إلينا في ~~الآخرة لنحاسبها الحساب الدائم الخالد، فلا نكتفي بحساب الدنيا المنتهي. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج... ~~}. ### || [21.96] # وردت قصة يأجوج ومأجوج في آخر سورة الكهف، حينما سئل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن الرجل الجوال الذي طاف الأرض، فنزلت: # ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم ~~منه ذكرا # [الكهف: 83]. وقد تكلم العلماء في ذي القرنين، منهم من قال: هو قورش ~~ومنهم من قال هو: الإسكندر الأكبر. والقرآن لا يعنيه الشخص وإلا ~~لذكره باسمه، فالقرآن لا يؤرخ له، ولا يقيم له تمثالا، إنما يريد ~~التركيز ms6536 على الأوصاف التي تعني الحق وتعني الخلق. فيكفي أن نعلم أنه ~~إنسان مكنه الله في الأرض. يعني: أعطاه من أسباب القوة وأسباب المهابة ~~والسيطرة، وأعطاه من كل مقومات القوة: أعطاه المال والعلم والجيوش، ~~فلم يكتف بذلك كله، بل # فأتبع سببا # [الكهف: 85] يعني: أخذ بالأسباب التي تؤدي إلى الخير. وسبق أن تحدثنا ~~عن تشخيص البطل في قصص القرآن لأن القرآن لا يؤرخ للشخصية، ولا يعطى ~~لها خصوصية، وإنما يريدها عامة لتكون مثلا يحتذى، ويتم بها الاعتبار، ~~وتحدث الأثر المراد من القصة. فما يعنينا في قصة ذي القرنين أنه رجل ~~مكن في الأرض، وكان من صفاته كذا وكذا، وما يعنينا من أهل الكهف أنهم ~~فتية آمنوا بربهم وتمسكوا بدينهم وعقيدتهم وضحوا في سبيلها، لا ~~يهمنا الأشخاص ولا الزمان ولا المكان ولا العدد. لذلك أبهم القرآن كل هذه ~~المسائل، فأي فتية، في أي زمان، وفي أي مكان، وبأي أسماء يمكن أن ~~يقفوا هذا الموقف الإيماني، ولو شخصناهم وعيناهم لقال الناس: إنها ~~حادثة خاصة بهؤلاء، أو أنهم نماذج لا تتكرر لذلك أبهمهم القرآن ليكونوا ~~عبرة وأسوة تسير في الزمان كله. كذلك، لما أراد القرآن أن يضرب مثلا ~~للذين كفروا ذكر امرأة نوح وامرأة لوط ولم يعينهما، وكذلك ضرب مثلا ~~للذين آمنوا بامرأة فرعون ولم يذكر من هي، فالغرض من ضرب هذه الأمثال ~~ليس الأشخاص، إنما لنعلم أن للمرأة حرية العقيدة واستقلالية الرأي، ~~فليست هي تابعة لأحد، بدليل أن نوحا ولوطا لم يتمكن كل منهما من ~~هداية امرأته. وفرعون الكافر الذى ادعى الألوهية، لم يستطع أن يمنع ~~زوجته من الإيمان، وهي التي قالت: # رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من ~~فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين # [التحريم: 11]. إذن: ما يعنينا في قصة " ذي القرنين " أن الله مكن له ~~في الأرض وأعطاه كل أسباب القوة والسيطرة لذلك ائتمنه أن يكون ~~ميزانا للخير وللحق، وفوضه أن يقضي في الخلق بما يراه من الحق ~~والعدل. # حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين ~~حمئة ووجد ms6537 عندها قوما قلنا يذا القرنين إمآ ~~أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا # [الكهف: 86]. لأننا مكناه وفوضناه، فاستعمل التمكين في موضعه، ~~وأخذ الأمانة بحقها، فقال: # أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه ~~فيعذبه عذابا نكرا # [الكهف: 87] أي: نعذبه على قدر مقدرتنا، ثم يرد إلى ربه ~~فيعذبه على قدر قدرته تعالى. # وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى ~~وسنقول له من أمرنا يسرا # [الكهف: 88]. وهكذا يكون دستور الحياة من الحاكم الممكن في الخلق، ~~دستور الثواب والعقاب الذي تستقيم به أمور البلاد والعباد، فحين يرى ~~تقصيرا لا بد أن يأخذ على يد صاحبه مهما تكن منزلته، لا يخافه ولا ~~ينافقه ولا يخشى في الله لومة لائم، وإن رأى المحسن المجتهد يثيبه ~~ويكافئه. وهذا القانون نراه في مجتمعنا يكاد يكون معطلا بين العاملين، ~~فاختلط الحابل بالنابل، وتدهورت الأمور، ودخلت بيننا مقاييس أخرى للثواب ~~وللعقاب ما أنزل الله بها من سلطان، فانقلبت الموازين، حيث تبجح ~~الكسالى، وأحبط المجدون المحسنون. # حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على ~~قوم لم نجعل لهم من دونها سترا # [الكهف: 90]. هذا كل ما أخبر الله به، ويبدو أنه وصل في تجواله ~~العام إلى بلاد تظل الشمس بها مشرقة ثلاثة أو ستة أشهر لا تغرب لذلك لم ~~يجد لهم من دون الشمس سترا يسترها أي ظلمة # حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما ~~قوما لا يكادون يفقهون قولا # [الكهف: 93]. ومع ذلك احتال أن يفهم منهم، ويخاطبهم لحرصه على نفعهم ~~وما يصلحهم، وهذه صفة الحاكم المؤمن حين يمكن في الأرض، وتعطى له ~~أسباب القيادة، ويفوض في خلق الله، ولو لم يكن حريصا على نفعهم ~~لوجد العذر في كونه لا يفهم منهم ولا يفهمون منه. فلما توصلوا إلى لغة ~~مشتركة، ربما هي لغة الإشارة التي نتفاهم بها مع الأخرس مثلا: # قالوا يذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون ~~في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل ~~بيننا وبينهم سدا # [الكهف: 94]. ثم أمرهم أن يأتوا بقطع الحديد، فأشعل فيها ms6538 النار حتى ~~احمرت فقال # آتوني أفرغ عليه قطرا # [الكهف: 96] وهكذا صنع لهم السد الذي يحميهم من هؤلاء القوم، فلم ~~يقصر نفعه لهم على هذه القضية ذاتها، إنما نفعهم نفعا يعطيهم الخير ~~والقوة في ألا يتعرضوا لمثلها بعد ذلك، عملا بالحكمة التي تقول: لا ~~تعطني سمكة، ولكن علمني كيف أصطاد. ذلك لأنه أشركهم في العمل ليشعروا ~~بأهميته ويتمسكوا بالمحافظة عليه وصيانته، وإذا ما تعرضوا لمثل هذا ~~الموقف لا ينتظرون من يصنع لهم. هذا هو النموذج الذي تقدمه قصة " ذي ~~القرنين " وهو نموذج صالح لكل الزمان ولكل المكان ولكل حاكم مكنه الله ~~في الأرض، وألقى بين يديه أزمة الأمور، وفي حديث أفضل العمل يقول صلى ~~الله عليه وسلم: # " تعين صانعا، أو تصنع لأخرق ". # وقد تضاربت الأقوال حول: من هم يأجوج ومأجوج، فمن قائل: هم التتار. # وآخر قال: المغول. وآخر قال: هم الحتيت، أو السرديال، أو قبائل الهون. ~~ولو كان في تحديدهم فائدة لعينهم القرآن، إنما المهم من قصتهم أنهم ~~قوم مفسدون في الأرض لا يتركون الصالح على صلاحه، فإذا ما تصدى لهم ~~الممكن في الأرض فعليه أن يحول بينهم وبين هذا الإفساد في غيرهم، ~~وعلينا نحن ألا نفسد الصالح كهؤلاء، إنما نترك الصالح على صلاحه، بل ~~ونزيده صلاحا. وفي بناء ذي القرنين للسد دروس يجب أن يعيها أولو الأمر ~~الذين يتولون مصالح الخلق، من هذه الدروس أنه لم يقف عند طلبهم في ~~بناء سد يمنع عنهم أذى عدوهم، إنما اجتهد وترقى بالمسألة إلى ما هو ~~أفضل لهم، فالسد الأصم المتماسك كقطعة واحدة يسهل هدمه أو النفاذ ~~منه لذلك قال: # فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما # [الكهف: 95]. لقد طلبوا سدا وهو يقول: ردما، لقد رقى لهم الفكرة، ~~وأراد أن يصنع لهم سدا على هيئة خاصة تمتص الصدمات، ولا تؤثر في بنائه ~~لأنه جعل بين الجانبين ردما كأنه سوسته تعطي السد نوعا من ~~المرونة. وهكذا يجب أن يكون المؤمن عند تحمل مسئولية الخلق. ولما ~~عرضوا عليه المال نظير عمله أبى، وقال: # ما مكني فيه ms6539 ربي خير فأعينوني بقوة.. # [الكهف: 95] أي: عندي المال الكثير من عطاء الله لكن أعينوني بما لديكم ~~من قوة. إذن: زكاة القوة أن تمنع الفساد من الغير. نعود إلى قوله تعالى: ~~{ حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج.. } [الأنبياء: 96] فلها ~~علاقة بقوله تعالى: # وتقطعوا أمرهم بينهم.. # [الأنبياء: 93] فتقطع أهل الخير وتفرقهم يجرئ عليهم أصحاب الفساد، ~~وأقل ما يقولونه في حقهم أنهم لو كانوا على خير لنفعوا أنفسهم، فدعوكم ~~من كلامهم، وهكذا يفت أهل الباطل في عضد أهل الحق، ويصرفون الناس ~~عنهم. { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج.. } [الأنبياء: ~~96] يعني: جاءت عناصر الفساد والفتنة في الكون، وعناصر الفساد والفتنة لا ~~تتمكن ولا تجد الفرصة والسلطة الزمنية إلا إذا غفل أهل الحق وتفرقوا فلم ~~يردوهم، ويأخذوا على أيديهم. ويأجوج ومأجوج هم أهل الفساد في كل زمان ~~ومكان، فجنكيزخان الذي هدم أول ولاية إسلامية في خوارزم، وكان عليها ~~الملك قطب أرسلان، ثم جاء من ذريته الثالثة هولاكو الذي دخل بغداد عاصمة ~~الخلافة الإسلامية وخربها وقتل أهلها حتى سالت الدماء، وألقى بالكتب ~~الإسلامية في النهر حتى كانت قنطرة يعبرون عليها. هؤلاء الذين نسميهم ~~التتار. إذن: فالقرآن قص علينا من التاريخ القديم قصة يأجوج ومأجوج ~~أيام ذي القرنين، ثم رأيناهم في حياتنا الإسلامية، وشاء الله أن يستفيد ~~المسلمون من هجمات هؤلاء البرابرة، وأن تتجمع ولاياتهم ويصدوا هجمات ~~التتار على أرض مصر بقيادة قطز والظاهر بيبرس، وهما مثالان للممكنين في ~~الأرض، مع أنهما من المماليك. # هذه الهجمات التترية للمفسدين في الأرض كانت هجمات همجية وحشية، وقد ~~تجمع أحفاد هؤلاء من يأجوج ومأجوج العصر الحديث في هجمات مدنية تغزونا ~~بحضارتها، إنهم الصليبيون الذين انهزموا أمام وحدة المسلمين بقيادة صلاح ~~الدين. وهكذا على مر التاريخ ننتصر إذا كنا أمة واحدة، ونهزم إذا ~~تفرقنا وتقطعنا أمما وأحزابا، وهذه حقائق تثبت صدق القرآن فيما ~~وجهنا إليه من الوحدة وعدم التفرق. ثم يقول تعالى: { وهم من كل ~~حدب ينسلون } [الأنبياء: 96]. الحدب: المكان المرتفع، نقول: فلان ~~أحدب الظهر يعني: في ظهره منطقة مرتفعة، وكذلك هؤلاء المفسدون ms6540 أتوا من ~~أماكن مرتفعة في هضبة شمال الصين. ومعنى { ينسلون } [الأنبياء: 96] ~~يعني: يسرعون، ومنه نقول: انسل القماش لأن القماش مكون من سدى ~~ولحمة، يعني خيوط طولية وخيوط عرضية، تتداخل فتكون القماش، فنسل ~~القماش أن تنزع خيوط العرض وتفك تداخلها مع خيوط الطول، ولا تنزع خيوط ~~الطول لأنها دائما محكمة بثنى السدى على اللحمة. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة ~~أبصار الذين كفروا.. }. ### || [21.97] # فكون أهل الفساد يأتون مسرعين من كل حدب وصوب إلا أن فسادهم لن ~~يطول، فقد اقتربت القيامة، قال تعالى: # اقتربت الساعة وانشق القمر # [القمر: 1]. وقال: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1]. وهذا تنبيه للغافل، وتحذير للباغي من أهل الفساد، وتطمين ~~ورجاء للمظلومين المستضعفين المعتدى عليهم: اطمئنوا فقد قرب وقت الجزاء. ~~{ واقترب الوعد الحق.. } [الأنبياء: 97] والوعد الحق أي: ~~الصادق الذي يملك صاحبه أن ينفذه، فقد تعد وعدا ولا تملك تنفيذه فهو ~~وعد، لكنه وعد باطل، فالوعد يختلف حسب مروءة الواعد وإمكانياته ~~وقدرته على إنفاذ ما وعد به. لكن مهما كانت عندك من إمكانيات، ومهما ~~ملكت من أسباب التنفيذ، أتضمن أن تمكنك الظروف والأحوال من التنفيذ؟ ~~ولا يملك هذا كله إلا الله عز وجل، فإذا وعد حقق ما وعد به، فالوعد الحق ~~- إذن - هو وعد الله. وحين يقول الحق سبحانه: { واقترب الوعد ~~الحق.. } [الأنبياء: 97] فتنبه ولا تقس الدنيا بعمرها الأساسي، ~~إنما قس الدنيا بعمرك فيها، فهذه هي الدنيا بالنسبة لك، ولا دخل لك ~~بدنيا غيرك، فإذا كنت لا تعلم متى تفارق دنياك فلا شك أن عمرك قريب، ~~واقترب الوعد الحق بالنسبة لك. وكذلك مدة مكثك في قبرك إلى أن تقوم ~~الساعة ستمر عليك كساعة من نهار، كما قال سبحانه: # كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار.. # [يونس: 45]. ولو تنبه كل منا إلى إخفاء الله لأجله، لعلم أن في هذا ~~الإخفاء أعظم البيان، فحين أخفاه ترقبناه في كل طرفة عين، وتنفس ~~نفس لذلك يقولون: " من مات قامت قيامته " ، لأن القيامة تعني الحساب ~~والجزاء على الأعمال، ومن ms6541 مات انقطع عمله، وطويت صحيفته. وقوله ~~تعالى: { فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا.. } ~~[الأنبياء: 97] وعد الله هنا هو القيامة، وهي تفاجئنا وتأتينا بغتة ~~لذلك نقول في فإذا أنها الفجائية، كما تقول: خرجت فإذا أسد بالباب، ~~يعني: فوجئت به، وهكذا ساعة تقوم الساعة سوف تفاجئ الجميع، لا يدري ~~أحد ماذا يفعل. لذلك يقول سبحانه: { فإذا هي شاخصة أبصار ~~الذين كفروا.. } [الأنبياء: 97] وشخوص البصر يأتي حين ترى شيئا ~~لا تتوقعه، ولم تحسب حسابه، فتنظر مندهشا يجمد جفنك الأعلى الذي ~~يتحرك على العين، فلا تستطيع حتى أن ترمش أو تطرف. وفي آية أخرى يقول ~~تعالى: # إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # [إبراهيم: 42]. وإذا أردت أن ترى شخوص البصر فانظر إلى شخص يفاجأ ~~بشيء لم يكن في باله، فتراه - بلا شعور وبغريزته التكوينية - شاخص ~~البصر، لا ينزل جفنه. ثم يقولون: { يويلنا قد كنا في غفلة ~~من هذا.. } [الأنبياء: 97]. # فلم يقتصر الموقف على شخوص البصر إنما تتحرك أيضا أدوات الإدراك فيقول ~~اللسان: { يويلنا } وهذا نداء للويل أي: جاء وقتك فلم يعد ~~أمامهم إلا أن يقولوا: يا عذاب هذا أوانك فاحضر. والويل: هو الهلاك ~~السريع ينادونه، فهل يطلب الإنسان الهلاك، ويدعو به لنفسه؟ نقول: نعم، ~~حين يفعل الإنسان الفعل ويجد عواقبه السيئة، وتواجهه الحقيقة المرة ~~يميل إلى تعذيب نفسه، ألا تسمع مثل هؤلاء يقولون: أنا أستحق.. أنا ~~أستاهل الضرب..؟ إنه لوم النفس وتأنيبها على ما كان منها، فهي التي ~~أوقعته في هذه الورطة. لذلك يقول سبحانه: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. فلماذا لا يؤنب نفسه، ويطلب لها العذاب، وهي التي ~~أردته في التهلكة، ففي هذا الموقف تنقلب موازينهم التي اعتادوها في ~~الدنيا، فالأصدقاء في الشر وفي المعصية هم الآن الأعداء. { قد كنا ~~في غفلة من هذا.. } [الأنبياء: 97] لم يكن هذا الموقف في ~~بالنا، ولم نعمل له حسابا، والغفلة: أن تدرأ عن بالك ما يجب أن يكون ~~على بالك دائما. لكن، أي غفلة هذه والله - عز وجل - يذكرنا بهذا ~~الموقف في كل وقت من ms6542 ليل أو نهار، ألا ترى أنه سبحانه سمى القرآن ~~ذكرا ليزيح عنا هذه الغفلة، فكلما غفلت ذكرك، وهز مواجدك، وأثار ~~عواطفك. إذن: المسألة ليست غفلة لذلك نراهم يستدركون على كلامهم، ~~فيقولون: { بل كنا ظالمين } [الأنبياء: 97] لأنهم تذكروا أن ~~الله تعالى طالما هز عواطفهم، وحرك مواجيدهم ناحية الإيمان، فلم ~~يستجيبوا. لذلك اعترفوا هنا بظلمهم، ولم يستطيعوا إنكاره في مثل هذا ~~الموقف، فلم يعد الكذب مجديا، ولعلهم يلتمسون بصدقهم هذا نوعا من ~~الرحمة، ويظنون أن الصدق نافعهم، لكن هيهات. وكأن الحق سبحانه يحكي عنهم ~~هذه المواجهة حين تفاجئهم القيامة بأهوالها، فتشخص لها أبصارهم، ويقول ~~بعضهم { يويلنا قد كنا في غفلة من هذا.. } ~~[الأنبياء: 97] فيرد عليهم إخوانهم: أي غفلة هذه، وقد كان الله ~~يذكرنا بالقيامة وبهذا الموقف في كل وقت { بل كنا ظالمين } ~~[الأنبياء: 97]. و بل حرف إضراب عن الكلام السابق، وإثبات للكلام ~~اللاحق، وهكذا يراجعون أنفسهم، ويواجه بعضهم بعضا، لكن بعد فوات ~~الأوان. ثم يقول الحق سبحانه: { إنكم وما تعبدون من دون ~~الله... }. ### || [21.98] # فالذين اتخذتموهم آلهة من دون الله من الأصنام والأوثان والشمس والقمر ~~والأشجار سيسبقونكم إلى جهنم لنقطع عليكم أي أمل في النجاة لأنهم حين ~~يرون العذاب ربما تذكروا هؤلاء، وفكروا في اللجوء إليهم والاستنجاد ~~بهم، لعلهم يخرجونهم من هذا المأزق، وقد سبق أن قالوا عنهم: # هؤلاء شفعاؤنا عند الله.. # [يونس: 18]. وقالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3]. لذلك، يجمعهم الله جميعا في جهنم ليقطع عنهم الآمال، ويبدو ~~خجل المعبود وخيبة العابد لأنه جاء النار فوجد معبوده قد سبقه إليها.. ~~لكن، هل هذا الكلام على إطلاقه فقد عبد الكفار الأصنام، ومنهم من ~~عبدوا عيسى عليه السلام، ومنهم من عبدوا عزيرا، ومنهم من عبدوا ~~الملائكة، فهل سيجمع هؤلاء أيضا مع عابديهم في النار؟ لو قلنا بهذا ~~الرأي فدخولهم النار مثلما دخلها إبراهيم، فجمع الله له النار والسلامة ~~في وقت واحد، ويكون وجودهم لمجرد أن يراهم عابدوهم، ويعلموا أنهم لا ~~ينفعونهم. ومعنى { حصب جهنم.. } [الأنبياء: 98] الحصب مثل: ~~الحطب، وهو كل ms6543 ما توقد به النار أيا كان خشبا أو قشا أو بترولا أو ~~كهرباء، وفي آية أخرى: # وقودها الناس والحجارة.. # [التحريم: 6] لذلك فإن النار نفسها تشتاق للكفار، وتنتظرهم، وتتلهف ~~عليهم كما يقول تعالى: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30]. وقوله تعالى: # إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور * ~~تكاد تميز من الغيظ.. # [الملك: 7-8]. وقوله تعالى: { أنتم لها واردون } [الأنبياء: ~~98] الورود هنا بمعنى: الدخول والمباشرة، لا كالورود في الآية الأخرى: # وإن منكم إلا واردها.. # [مريم: 71]. ثم يقول الحق سبحانه: { لو كان هؤلاء آلهة ~~ما وردوها... }. ### || [21.99] # لأنهم سيدخلون فيجدون آلهتهم أمامهم لينقطع أملهم في شفاعتهم التي ~~يظنونها، كما قال تعالى في شأن فرعون: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار.. # [هود: 98] فرئيسهم وفتوتهم يتقدمهم، ويسبقهم إلى النار، فلو لم يكن ~~أمامهم لظنوا أنه ينقذهم من هذا المأزق. ولو كان هؤلاء آلهة - كما ~~تدعون - ما وردوا النار. ومعنى: { وكل فيها خالدون } ~~[الأنبياء: 99] لأن المعروف عن النار أنها تأكل ما فيها، ثم تنتهي، أما ~~هذه النار فلا نهاية لها، فكلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها، ~~وهكذا تظل النار متوقدة لا تنطفئ. ومعنى { كل.. } [الأنبياء: 99] ~~أي: العابد والمعبود. ### || [21.100] # معلوم أن الزفير هو الخارج من عملية التنفس، فالإنسان يأخذ في الشهيق ~~الأكسجين، ويخرج في الزفير ثاني أكسيد الكربون، فنلحظ أن التعبير هنا ~~اقتصر على الزفير دون الشهيق لأن الزفير هو الهواء الساخن الخارج، وليس ~~في النار هواء للشهيق، فكأنه لا شهيق لهم، أعاذنا الله من العذاب. { ~~وهم فيها لا يسمعون } [الأنبياء: 100]. وهذه من الآيات التي ~~توقف عندها المستشرقون، لأن هناك آيات أخرى تثبت لهم في النار سمعا ~~وكلاما. كما في قوله سبحانه: # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ~~ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم ~~حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة ~~الله على الظالمين # [الأعراف: 44]. نعم، هم يسمعون، لكن لا يسمعون كلاما يسر، إنما ~~يسمعون تبكيتا وتأنيبا، كما في قوله تعالى: # ونادى أصحاب النار ms6544 أصحاب الجنة أن أفيضوا ~~علينا من المآء أو مما رزقكم الله قالوا إن ~~الله حرمهما على الكافرين # [الأعراف: 50]. ### || [21.101] # بعد أن ذكر سبحانه جزاء الكافرين في النار ذكر المقابل، وذكر المقابل ~~يوضح المعنى، اقرأ قوله تعالى: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13 - 14]. ويقول: # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا.. # [التوبة: 82] لذلك تظل المقارنة حية في الذهن. ومعنى: { سبقت ~~لهم منا الحسنى.. } [الأنبياء: 101] الحسنى: مؤنث الأحسن، ~~تقول: هذا حسن، وهذه حسنة، فإن أردت المبالغة تقول: هذا أحسن، وهذه ~~حسنى. مثل: أكبر وكبرى. ومعنى: { سبقت لهم منا ~~الحسنى.. } [الأنبياء: 101] أنهم من أهل الطاعة، ومن أهل الجنة، ~~فهكذا حكم الله لهم، وقد أخذ الله تعالى جزءا من خلقه وقال: " هؤلاء ~~للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي ". ولا تقل: ما ذنب هؤلاء؟ ~~لأنه سبحانه حكم بسابق علمه بطاعة هؤلاء، ومعصية هؤلاء. وقوله: { ~~أولئك عنها مبعدون } [الأنبياء: 101] أي: مبعدون عن ~~النار. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { لا يسمعون حسيسها وهم ~~في ما اشتهت... }. ### || [21.102] # حسيس النار: أزيزها، وما ينبعث منها من أصوات أول ما تشتعل { وهم في ~~ما اشتهت أنفسهم خالدون } [الأنبياء: 102] فلم يقل ~~مثلا: وهم بما اشتهت أنفسهم، إنما { في ما اشتهت أنفسهم.. } ~~[الأنبياء: 102] كأنهم غارقون في النعيم مما اشتهت أنفسهم، كأن شهوات ~~أنفسهم ظرف يحتويهم ويشملهم. وهذا يشوق أهل الخير والصلاح للجنة ~~ونعيمها، حتى نعمل لها، ونعد العدة لهذا النعيم. وسبق أن قلنا: إن ~~الإنسان يتعب في أول حياته، ويتعلم صنعة، أو يأخذ شهادة لينتفع بها فيما ~~بعد ويرتاح في مستقبل حياته، وعلى قدر تعبك ومجهودك تكون راحتك، فكل ~~ثمرة لا بد لها من حرث ومجهود، والله عز وجل لا يضيع أجر من ~~أحسن عملا. وكنا نرى بعض الفلاحين يقضي يومه في حقله، مهمل الثياب، ~~رث الهيئة، لا يشغله إلا العمل في زرعه، وآخر تراه مهندما نظيفا ~~يجلس على المقهى سعيدا بهذه الراحة، وربما يتندر على صاحبه الذي يشقى ~~نفسه في العمل، حتى إذا ما جاء وقت الحصاد وجد العامل ms6545 ثمرة تعبه، ولم يجد ~~الكسول غير الحسرة والندم. إذن: ربك - عز وجل - أعطاك الطاقة والجوارح، ~~ويريد منك الحركة، وفي الحركة بركة، فلو أن الفلاح جلس يقلب في أرضه ~~ويثير تربتها دون أن يزرعها لعوضه الله وأثمر تعبه، ولو أن يجد ~~شيئا في الأرض ينتفع به مثل خاتم ذهب أو غيره. وترف الإنسان وراحته بحسب ~~تعبه في بداية حياته، فالذي يتعب ويعرق مثلا عشر سنين يرتاح طوال ~~عمره، فإن تعب عشرين سنة يرتاح ويرتاح أولاده من بعده، وإن تعب ثلاثين ~~سنة يرتاح أحفاده وهكذا. وترف المتعلم يكون بحسب شهادته: فهذا شهادة ~~متوسطة، وهذا عليا، وهذا أخذ الدكتوراة، ليكون له مركز ومكانة في ~~مجتمعه. لكن مهما أعد الإنسان لنفسه من نعيم الحياة وترفها فإنه نعيم ~~بقدر إمكانياته وطاقاته لذلك ذكرنا أننا حين سافرنا إلى سان فرانسيسكو ~~رأينا أحد الفنادق الفخمة وقالوا: إن الملك فيصل - رحمه الله - كان ينزل ~~فيه، فأردنا أن نتجول فيه، وفعلا أخذنا بما فيه من مظاهر الترف ~~والأبهة وروعة الهندسة، وكان معي ناس من علية القوم فقلت لهم: هذا ما ~~أعده العباد للعباد، فما بالكم بما أعده رب العباد للعباد؟ فإذا ما ~~رأيت أهل النعيم والترف في الدنيا فلا تحقد عليهم لأن نعيمهم يذكرك ~~ويشوقك لنعيم الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: { لا يحزنهم ~~الفزع الأكبر... }. ### || [21.103] # ذلك لأنهم في نعيم دائم لا ينقطع، وعطاء غير مجذوذ، لا يفوتك بالفقر ولا ~~تفوته بالموت لذلك: { لا يحزنهم الفزع الأكبر.. } ~~[الأنبياء: 103] وأي فزع مع هذه النعمة الباقية؟ أو: لا يحزنهم فزع ~~القيامة وأهوالها. وقوله: { وتتلقاهم الملائكة هذا ~~يومكم الذي كنتم توعدون } [الأنبياء: 103] فقد صدقكم ~~الله وعده، وأنجز لكم ما وعدكم به من نعيم الآخرة. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب ~~كما بدأنآ... }. ### || [21.104] # أي: ما يحدث من عذاب الكفار وتنعيم المؤمنين سيكون { يوم نطوي ~~السمآء كطي السجل للكتب.. } [الأنبياء: 104] و يوم: ~~زمن وظرف للأحداث، فكأن ما يحدث للكافرين من العذاب والتنكيل، وما يحدث ~~للمؤمنين من الخلود في النعيم ms6546 يتم في هذا اليوم. والسجل: هو القرطاس، ~~والورق الذي نكتب فيه يسمى سجلا ولذلك الناس يقولون: نسجل كذا، أي: ~~نكتبه في ورقة حتى يكون محفوظا، والكتاب: هو المكتوب. والحق سبحانه يقول ~~في آية أخرى: # والسماوات مطويات بيمينه.. # [الزمر: 67] يطويها بقدرته لأن اليمين عندنا هي الفاعلة في الأشياء، ~~ولكن لا نأخذ الطي أنه الطي المعروف، بل نأخذه في إطار # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. وقوله تعالى: { كما بدأنآ أول خلق ~~نعيده.. } [الأنبياء: 104] يدلنا على أن الحق سبحانه يتكلم عن ~~الخلق الأول و { نعيده.. } [الأنبياء: 104] تدل على وجود خلق ~~ثان. إذن: فقوله تعالى في موضع آخر: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا ~~لله الواحد القهار # [إبراهيم: 48] دليل على أن الخلق الأول خلق فيه الأسباب وفيه ~~المسبب، فالحق سبحانه أعطاك في الدنيا مقومات الحياة من: الشمس ~~والقمر والمطر والأرض والماء.... الخ، وهذه أمور لا دخل لك فيها، وكل ~~ما عليك أن تستخدم عقلك الذي خلقه الله في الترقي بهذه الأشياء والترف ~~بها. أما في الخلق الثاني فأنت فقط تستقبل النعيم من الله دون أخذ ~~بالأسباب التي تعرفها في الدنيا لأن الآخرة لا تقوم بالأسباب إنما ~~بالمسبب سبحانه، وحين ترى في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا ~~خطر على قلب بشر تعلم أن فعل ربك لك أعظم من فعلك لنفسك. ومهما ~~ارتقت أسباب الترف في الدنيا، ومهما تفنن الخلق في أسباب الراحة ~~والخدمة الراقية، فقصارى ما عندهم أن تضغط على زر يفتح لك الباب، أو ~~يحضر لك الطعام أو القهوة، لكن أتحدى العالم بما لدية من تقدم ~~وتكنولوجيا أن يقدم لي ما يخطر ببالي من طعام أو شراب، فأراه أمامي دون ~~أن أتكلم لأن هذه مسألة لا يقدر عليها إلا الله عز وجل. فقوله: { كما ~~بدأنآ أول خلق نعيده.. } [الأنبياء: 103] فالمعنى ليست ~~مجرد إعادته كما كان، إنما نعيده على أرقى وأفضل مما كان بحيث يصل بك ~~النعيم أن يخطر الشيء ببالك فتجده بين يديك، بل إن المؤمن في الجنة ~~يتناول الصنف ms6547 من الفاكهة فيقول: لقد أكلت مثل هذا من قبل فيقال له: ~~ليس كذلك بل هو أفضل مما أكلت، وأهنأ مما تذوقت. فلو تناولت مثلا ~~تفاح الدنيا تراه خاضعا لنوعية التربة والماء والجو المحيط به ~~والمبيدات التي لا يستغني عنها الزرع هذه الأيام... إلخ. أما تفاح ~~الآخرة فهو شيء آخر تماما، إنه صنعة ربانية وإعداد إلهي. وكأن الحق ~~سبحانه يلفت عباده إلى أن عنايته بهم أفضل من عنايتهم بأنفسهم لأنه ~~سبحانه أولى بنا من أنفسنا، ولكي نعلم الفرق بين الشيء في أيدينا ~~والشيء في يده عز وجل. ثم يقول تعالى: { وعدا علينآ إنا كنا ~~فاعلين } [الأنبياء: 104] أي: لا يخرجنا شيء عما وعدنا به، ولا ~~يخالفنا أحد. ثم يقول الحق سبحانه: { ولقد كتبنا في الزبور ~~من بعد الذكر أن... }. ### || [21.105] # والكتب: التسجيل، لكن علم الله أزلي لا يحتاج إلى تسجيل، إنما ~~التسجيل من أجلنا نحن حتى نطمئن، كما لو أخذت من صاحبك قرضا وبينكما ~~ثقة، ويأمن بعضكم بعضا، لكن مع هذا نكتب القرض ونسجله حتى تطمئن ~~النفس. ومعنى: { كتبنا في الزبور.. } [الأنبياء: 105] الزبور: ~~الكتاب الذي أنزل على نبي الله داود، ومعنى الزبور: الشيء المكتوب، ~~فإن أطلقتها على عمومها تطلق على كل كتاب أنزله الله، ومعنى: { من ~~بعد الذكر.. } [الأنبياء: 105] الذكر: يطلق مرة على القرآن، ~~ومرة على الكتب السابقة. وما دام الزبور يطلق على كل كتاب أنزله الله ~~فلا بد أن للذكر معنى أوسع لذلك يطلق الذكر على اللوح المحفوظ، لأنه ~~ذكر الذكر، وفيه كل شيء. فمعنى: { كتبنا في الزبور.. } ~~[الأنبياء: 105] أي: في الكتب التي أنزلت على الأنبياء ما كتبناه في ~~اللوح المحفوظ، أو ما كتبناه في الزبور، لا أن سيدنا داود أعطاه الله ~~فوق ما أعطى الآخرين. ومعنى: { من بعد الذكر.. } [الأنبياء: 105] ~~هذه تدل على أن واحدا أسبق من الآخر، نقول: القرآن هو كلام الله القديم، ~~ليس في الكتب السماوية أقدم منه، والمراد هنا { من بعد الذكر.. } ~~[الأنبياء: 105] بعدية ذكرية، لا بعدية زمنية. فما الذي كتبه الله ~~لداود في الزبور؟ كتب له ms6548 { أن الأرض يرثها عبادي ~~الصالحون } [الأنبياء: 105] كلمة الأرض إذا أطلقت عموما يراد ~~بها الكرة الأرضية كلها. وقد تقيد بوصف معين. كما في: # الأرض المقدسة.. # [المائدة: 21]. وفي: # فلن أبرح الأرض.. # [يوسف:80] أي: التي كان بها. وهنا يقول تعالى: { أن الأرض.. } ~~[الأنبياء: 105] أي: الأرض عموما { يرثها.. } [الأنبياء: 105] أي: ~~تكون حقا رسميا لعبادي الصالحين. فأي أرض هذه؟ أهي الأرض التي نحن ~~عليها الآن؟ أم الأرض المبدلة؟ ما دمنا نتكلم عن بدء الخلق ~~وإعادته، فيكون المراد الأرض المبدلة المعادة في الآخرة، والتي يرثها ~~عباد الله الصالحون، والإرث هنا كما في قوله تعالى: # تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون # [الأعراف: 43]. فعن من ورثوا هذه الأرض؟ الحق سبحانه وتعالى حينما خلق ~~الخلق أعد الجنة لتسع كل بني آدم إن آمنوا، وأعد النار لتسع ~~كل بني آدم إن كفروا، فليس في المسألة زحام على أي حال. فإذا ما ~~دخل أهل الجنة الجنة، ودخل أهل النار النار ظلت أماكن أهل النار ~~في الجنة خالية فيورثها الله لأهل الجنة ويقسمها بينهم، ويفسح لهم ~~أماكنهم التي حرم منها أهل الكفر. أو نقول: الأرض يراد بها أرض ~~الدنيا. ويكون المعنى أن الله يمكن الصالح من الأرض، الصالح الذي ~~يعمرها ولو كان كافرا لأن الله تعالى لا يحرم الإنسان ثمار عمله، حتى ~~وإن كان كافرا، يقول تعالى # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. لكن عمارة الكفار للأرض وتكوينهم للحضارة سرعان ما تنزل ~~بهم النكبات، وتنقلب عليهم حضارتهم، وها نحن نرى نكبات الأمم المرتقية ~~والمتقدمة وما تعانيه من أمراض اجتماعية مستعصية، فليست عمارة الأرض ~~اقتصادا وطعاما وشرابا وترفا. ففي السويد - مثلا - وهي من أعلى دول ~~العالم دخلا ومع ذلك بها أعلى نسبة انتحار، وأعلى نسبة شذوذ، وهذه هي ~~المعيشة الضنك التي تحدث عنها القرآن الكريم في قوله تعالى: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى # [ طه: 124]. فالضنك لا يعني فقط الفقر ms6549 والحاجة، إنما له صور أخرى ~~كثيرة. إذن: لا تقس مستوى التحضر بالماديات فحسب، إنما خذ في ~~حسبانك كل النواحي الأخرى، فمن أتقن النواحي المادية الدنيوية ~~أخذها وترف بها في الدنيا، أما الصلاح الديني والخلقي والقيمي فهو ~~سبيل لترف الدنيا ونعيم الآخرة. وهكذا تشمل الآية: { يرثها عبادي ~~الصالحون } [الأنبياء: 105] الصلاح المادي الدنيوي، والصلاح المعنوي ~~الأخروي، فإن أخذت الصلاح مطلقا بلا إيمان، فإنك ستجد ثمرته إلى حين، ~~ثم ينقلب عليك، فأين أصحاب الحضارات القديمة من عاد وثمود والفراعنة؟ إن ~~كل هذه الحضارات مع ما وصلت إليه ما أمكنها أن تحتفظ لنفسها بالدوام، ~~فزالت وبادت. يقول تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 6-10]. إنها حضارات راقية دفنت تحت أطباق التراب، لا نعرف ~~حتى أماكنها. أما إن أخذت الصلاح المعنوي، الصلاح المنهجي من الله عز ~~وجل فسوف تحوز به الدنيا والآخرة ذلك لأن حركة الحياة تحتاج إلى منهج ~~ينظمها: افعل كذا ولا تفعل كذا. وهذا لا يقوم به البشر أما رب ~~البشر فهو الذي يعلم ما يصلحهم ويشرع لهم ما يسعدهم. إن منهج الله ~~وحده هو الذي يأمرنا وينهانا، ويخبرنا بالحلال والحرام، وعلينا نحن ~~التنفيذ، وعلى الحكام وأولياء الأمر الممسكين بميزان العدل أن يراقبوا ~~مسألة التنفيذ هذه، فيولوا من يصلح للمهمة، ويقوم بها على أكمل ~~وجه، وإلا فسد حال المجتمع، الحاكم يشرف ويراقب، يشجع العامل ~~ويعاقب الخامل، ويضع الرجل المناسب في مكانه المناسب. فعناصر الصلاح في ~~المجتمع: علماء يخططون، وحكام ينفذون، ويديرون الأمور، وكلمة حاكم ~~مأخوذة من الحكمة بالفتح وهي: اللجام الذي يكبح الفرس ويوجهها. لذلك ~~جاء في الحديث الشريف: # " من ولى أحدا على جماعة، وفي الناس خير منه لا يشم رائحة الجنة ". # لماذا؟ لأن ذلك يشيع الفساد في الأرض، ويثبط العزائم العالية والهمم ~~القوية حين ترى من هو أقل منك كفاءة يتولى الأمر، وتستبعد أنت. # أما حين تعتد كفة الميزان فسوف يجتهد كل منا ms6550 ليصل إلى مكانه ~~المناسب. إذن: مهمة الحكام وولاة الأمر ترقية المجتمع، فلا نقول لحاكم ~~مثلا يعد لنا طعاما، أو يصنع لنا آلة، فليست هذه مهمته، ولقد ~~رأينا أحد الأمراء وكان له أرض يزرعها، يتولاها أحد الموظفين يقولون له ~~الخولي ومهمة الخولي الإشراف والمراقبة. وفي يوم جاء الأمير ليباشر أرضه ~~ويتفقد أحوالها في صحبة الخولي، وفي أثناء جولتهما بالأرض رأى الخولي ~~قناة ينساب منها الماء حتى أغرق الزرع فنزل وسد القناة بنفسه. ~~وعندها غضب الأمير وفصله من عمله لأنه عمل بيده في حين أن مهمته الإشراف ~~ولديه من العمال من يقوم بمثل هذا العمل. لكن لماذا هذه النظرة في ~~إدارة الأعمال؟ قالوا: لإنك إن عملت بيدك فأنت واحد، لكن إن أشرفت ~~فيمكن أن تشرف على آلاف من العمال. ومن هنا جاءت مسألة التخصص في ~~الأعمال. وعلى الحاكم وولي الأمر أن يحافظ على منهج الله، ويتابع تطبيق ~~الناس له، فيقف أمام أي فساد، ويأخذ على يد صاحبه، ويثيب المجتهد العامل، ~~كما جاء في قوله تعالى في قصة القرنين: # قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ~~ربه فيعذبه عذابا نكرا * وأما من آمن وعمل ~~صالحا فله جزآء الحسنى وسنقول له من أمرنا ~~يسرا # [الكهف: 87-88]. ذلك، لأن الله تعالى يزع بالسلطان ما لا يزع ~~بالقرآن، ولو تركنا أهل الفساد والمنحرفين لجزاء القيامة لفسد المجتمع، ~~لا بد من قوة تصون صلاح المجتمع، وتضرب على أيدي المفسدين، لا بد ~~من قوة تمنع من يتجرؤون علينا ويطالبون بتغيير نظامنا الإسلامي. لذلك ~~يقول تعالى: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.. # [الأنفال: 60] لا بد أن يعلم العدو أن لديك الرادع الذي يردعه إن ~~اعتدى عليك أو حاول إفساد صلاح المجتمع. لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول في الحديث إن السهم الذي يرمى في سبيل الله، لكل من شارك في ~~إعداده ورمية جزء من الثواب، فالذي قطعه من الشجرة والذي براه، والذي ~~وضعه في القوس ورمى به لأن ms6551 في ذلك صيانة للحق وصيانة للصلاح حتى يدوم، ~~ولا يفسده أحد. والمسئولية هنا لا تقتصر على الحكام وولاة الأمر، إنما هي ~~مسئولية كل فرد فيمن ولي أمرا من أمور المسلمين، كما جاء في الحديث: # " كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته: فالأمير الذي على الناس راع وهو ~~مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية ~~على بيت بعلها وولده وهي مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو ~~مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ". # وعلى العامل ألا ينظر إلى مراقبة صاحب العمل، وليكن هو رقيبا على ~~نفسه، والله عز وجل يراقب الجميع، وقد جاء في الحديث القدسي # " " إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم ~~تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ ". # والمتأمل في حركة الحياة يجدها متداخلة، فمثلا لو أردت بناء بيت، ~~فالهندسة حركة، والبناء حركة، والكهرباء حركة، والنجارة حركة، وهكذا..، ~~فلو قلنا: إن هذا العمل يتكون من مائة حركة مثلا، فإنك لا تملك منها إلا ~~حركة واحدة هي عملك الذي تتقنه، والباقي حركات لغيرك، فإن أخلصت فيما ~~للناس عندك ألهمهم الله أن يخلصوا لك ولو عن غير قصد، فأنت أخلصت ~~وأتقنت حركة واحدة، وأخلص الناس لك في تسع وتسعين حركة. واعلم أن ~~الخواطر والأفكار بيد الله سبحانه، فإن راقبت الله فيما للناس عندك ~~راقبهم الله لك فيما لك عندهم، وكفاك مؤنة المراقبة، فقد يصنع لك ~~الصانع شيئا، ويريد أن يغشك فيه فيحول الله بينه وبين هذا ربما يجلس ~~معه أحد معارفه فيستحي أن يغش أمامه، أو لا يجد الشيء الذي يغشك به، أو ~~غير ذلك من الأسباب التي يسخرها الله لك، فيتقن لك الصانع صنعته، ~~ولو رغما عن إرادته. إذن: إن أردت صلاح أمرك فأصلح أمور الآخرين. ~~ومن الأساسيات التي نصلح بها ونرث الأرض أن ننظر إلى الناس جميعا على ~~أنهم سواسية، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح، فليس فينا ~~من هو ابن لله ms6552 عز وجل، وليس منا من بينه وبين الله قرابة، قال تعالى: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم.. # [الحجرات: 13]. والإسلام لا يعرف الطبقية إلا في إتقان العمل، فقيمة كل ~~امرىء ما يحسنه، وقد ضربنا لذلك مثلا، وما نزال نذكره مع أنه لرجل غير ~~مسلم، إنه رجل فرنسي كان نقيبا للعمال، وكان يدافع عن حقوقهم، ويطلب لهم ~~زيادة الدخل من ميزانية الوزارة، فلما تولى منصب الوزارة وتولى ~~المسئولية عدل عما كان يطالب به، فضج العمال، وأراد أحدهم أن ~~يغيظه فقال له: اذكر يا معالي الوزير أنك كنت في يوم من الأيام ماسح ~~أحذية، فما كان من الرجل إلا أن قال: نعم.. لكني كنت أجيدها. وسبق أن ~~ذكرنا أن الله تعالى وزع المواهب والقدرات بين خلقه، فساعة ترى نفسك ~~مميزا على غيرك في شيء فلا تغتر به، وابحث فيما ميز به عنك غيرك ~~لأننا جميعا عند الله سواء، لا يحابي منا أحدا على أحد، فأنت مميز ~~بعلمك أو قوتك، وغيرك أيضا مميز في سعادته مع أهله أو في أمانته وثقة ~~الناس به، أو في رضاه بما قسم له أو في مقدرته على نفسه ورضاه بالقليل، ~~وقد يميز الواحد منا بالولد الصالح الذي يكون مطواعا لأبيه، ~~وقرة عين له. # إذن: هذه مسألة مقدرة محسوبة لأن ربك سبحانه قيوم عليك، لا تخفى ~~عليه منك خافية، وحين يميز بعضنا على بعض إنما ليدك فينا الغرور ~~والكبرياء، وينزع من قلوبنا الحقد والغل، وهكذا يتوازن المجتمع، ولا ~~يكون التميز مثار حقد لأن تميز غيرك لصالحك، وسيعود عليك. والحق - ~~سبحانه وتعالى - يحدثنا عن يوم القيامة، وكيف أن الشمس ستدنو من ~~الرؤوس، ويشتد بالناس الكرب، إلا هؤلاء الذين يظلهم الله في ظله ~~يوم لا ظل إلا ظله، ذلك لأنهم كانوا مظلة أمان في الدنيا، فأظلهم الله في ~~الآخرة. كما جاء في الحديث الشريف: # " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب ~~نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في ~~الله اجتمعا عليه ms6553 وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني ~~أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ~~ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ". # نعم، لقد صنع هؤلاء بسلوكهم القويم مظلة أمان في الكون، فاستحقوا ~~مظلة الله في الآخرة. وبمثل هؤلاء يتوازن المجتمع المسلم ويرقى إلى ~~القمة، هذا المجتمع الذي نريده هو مجتمع غنيه متواضع، وفقيره كريم شريف، ~~وشابه طائع. يقول رب العزة سبحانه في الحديث القدسي: # " " أحب ثلاثة وحبي لثلاثة أشد - فهؤلاء ستة نقسمهم إلى قسمين - ~~أحب الفقير المتواضع، وحبي للغني المتواضع أشد - لأن عنده أسباب ~~الكبر ومع ذلك يتواضع - وأحب الغني الكريم وحبي للفقير الكريم أشد، ~~وأحب الشيخ الطائع وحبي للشاب الطائع أشد ". " وأكره ثلاثة وكرهي ~~لثلاثة أشد: أكره الغني المتكبر، وكرهي للفقير المتكبر أشد، وأكره ~~الفقير البخيل، وكرهي للغني البخيل أشد، وأكره الشاب العاصي وكرهي ~~للشيخ العاصي أشد ". # هؤلاء اثنا عشر نوعا: ستة في المحبوبية، وستة في المكروهية، وكلما ~~التزمنا بتطبيق هذا المنهج وجدنا مجتمعا راقيا من الدرجة الأولى. ### || [21.106] # البلاغ: الشيء المهم الذي يجب أن يعلمه الناس لذلك حين ينشغل الناس ~~بالحرب، وينتظرون أخبارها تأتيهم على صورة بلاغات، يقولون: بلاغ رقم ~~واحد، لأنه أمر مهم. فقوله تعالى: { إن في هذا لبلاغا.. } ~~[الأنبياء: 106] أي: أن ما جاء به القرآن هو البلاغ الحق، والبلاغ الأعلى ~~الذي لم يترك لكم عذرا، ولا لغفلتكم مجالا، ولا لمستدرك أن يستدرك ~~عليه في شيء. فهو منتهى ما يمكن أن أخبركم به. وهو بلاغ لمن؟ { ~~لقوم عابدين } [الأنبياء: 106] أي: يتلقفون مراد الله ~~لينفذوه، سواء أكان أمرا أم نهيا. ### || [21.107] # وما دام صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل، وبعثته للناس كافة، وللزمن ~~كله إلى أن تقوم الساعة. وقد جاء الرسل السابقون عليه لفترة زمنية ~~محددة، ولقوم بعينهم، أما رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فجاءت رحمة ~~للعالمين جميعا لذلك لا بد لها أن تتسع لكل أقضية الحياة التي ~~تعاصرها أنت، والتي يعاصرها خلفك، وإلى يوم القيامة. ومعنى: العالمين، ~~كل ms6554 ما سوى الله عز وجل: عالم الملائكة، وعالم الجن، وعالم الإنس، ~~وعالم الجماد، وعالم الحيوان، وعالم النبات. لكن كيف تكون رسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم رحمة لهم جميعا؟ قالوا: نعم، رحمة للملائكة، فجبريل - ~~عليه السلام - كان يخشى العاقبة حتى نزل على محمد قوله تعالى: # ذي قوة عند ذي العرش مكين # [التكوير: 20] فاطمأن جبريل عليه السلام وأمن. ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رحمة للجماد لأنه أمرنا بإماطة الأذى عن الطريق. وهو رحمة ~~بالحيوان. وفي الحديث الشريف: # " ما من مسلم يزرع زرعا، أو يغرس غرسا فيأكل منه طير أو إنسان ~~أو بهيمة، إلا كان له به صدقة ". # وحديث المرأة التي دخلت النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ~~وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. وحديث الرجل الذي دخل ~~الجنة لأنه سقى كلبا كان يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، فنزل الرجل ~~البئر وملأ خفه فسقى الكلب، فشكر الله له وغفر له، لأنه نزل البئر ~~وليس معه إناء يملأ به الماء، فاحتال للأمر، واجتهد ليسقي الكلب. وهكذا ~~نالت رحمة الإسلام الحيوان والطير والإنسان، ففي الدين مبدأ ومنهج ~~ينظم كل شيء ولا يترك صغيرة ولا كبيرة في حياة الناس لذلك فهو رحمة ~~للعالمين. فقوله تعالى: { ومآ أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين } [الأنبياء: 107] يعني أن كل ما يجيء به الإسلام داخل ~~في عناصر الرحمة. ثم يقول سبحانه: { قل إنمآ يوحى إلي ~~أنمآ إلهكم إله واحد... }. ### || [21.108] # فالوحدانية هي أول رحمة بنا، أن نكون كلنا سواء، ليس لنا إلا إله واحد، ~~هذه من أعظم رحمات الله أن نعبده وحده لا شريك له، فعبادته تغنينا عن ~~عبادة غيره، ولو كانت آلهة متعددة لأصابتنا الحيرة بين إله يأمر، وإله ~~ينهى. لذلك فالحق - سبحانه وتعالى - يطلب منا أن نعتز وأن نفخر بهذه ~~الوحدانية، وبهذه الألوهية، وفي هذا يقول الشاعر الإسلامي محمد إقبال: # والسجود الذي تجتويه # من ألوف السجود فيه نجاة # فسجودك لله وتعفير وجهك له سبحانه يحميك من السجود لغيره، ولولا سجودك ~~لله لسجدت لكل من ms6555 هو أقوى منك، فعليك - إذن - أن تعتز بعبوديتك لله ~~لأنها تحميك من العبودية لغيرك من البشر، وحتى لا يقول لك شخص أنت عبد، ~~نعم أنا عبد لكن لست عبدا لك، فعبد غيرك حر مثلك. وقد ضرب لنا الحق ~~سبحانه مثلا في هذه المسألة في قوله تعالى: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا.. # [الزمر: 29] فهل يستوي عبد لعدة أسياد يتجاذبونه في وقت واحد، وهم مع ~~ذلك مختلفون بعضهم مع بعض، وعبد سلما لسيد واحد؟ وهكذا، نحن جميعا ~~عبيد لله - عز وجل - حين نخضع لا نخضع إلا له سبحانه، فلا أخضع لك ولا ~~تخضع أنت لي لذلك يقولون " اللي الشرع يقطع صباعه ميخرش دم " لأنه أمر من ~~أعلى، من السماء، لا دخل لأحد فيه. لذلك فالعبودية تكره حين تكون ~~عبودية للبشر، لأن عبودية البشر للبشر يأخذ السيد خير عبده، أما ~~العبودية لله فيأخذ العبد خير سيده. والشاعر يقول: # حسب نفسي عزا بأني عبد # يحتفي بي بلا مواعيد رب # هو في قدسه الأعز ولكن # أنا ألقى متى وأين أحب # ولك أن تقارن بين مقابلة عظيم من عظماء الدنيا، ومقابلة ربك عز وجل. ~~فإن أردت الدخول على أحد هؤلاء لا بد أن تطلب المقابلة، ويا ترى ~~تقبل أم ترفض، وإن قبلت فلا تملك من عناصرها شيئا، فالزمان، والمكان، ~~وموضوع الكلام. كلها أمور يحددها غيرك. أما إن أردت مقابلة ربك - عز وجل ~~- فما عليك إلا أن تتوضأ وترفع يديك قائلا: الله أكبر بعدها ستكون في ~~معية الله، وقد اخترت أنت الزمان، والمكان، وموضوع الحديث، وإنهاء ~~اللقاء. ألا ترى كيف امتن الله تعالى على رسوله في رحلة " الإسراء ~~والمعراج " بأن وصفه بالعبودية له سبحانه، فقال: # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] إذن: جاء قوله تعالى: { قل إنمآ يوحى إلي ~~أنمآ إلهكم إله واحد.. } [الأنبياء: 108] بعد قوله: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107] ليدلنا: أن دعوة الله لنا إلى عبادة إله واحد ترحمنا من ~~عبوديتنا بعضنا لبعض. ثم يرغبنا الحق سبحانه ms6556 في هذه العبودية، فيقول: ~~{ فهل أنتم مسلمون } [الأنبياء: 108] كما تحث ولدك المتكاسل ~~أن يكون مثل زميله الذي تفوق، وأخذ المركز الأول، فتقول له: ألا تذاكر ~~وتجتهد حتى تكون مثله؟ وهكذا في { فهل أنتم مسلمون } ~~[الأنبياء: 108] أي: مسلمون لله لأن مصلحتكم في الإسلام وعزكم في ~~عبوديتكم لله. ### || [21.109] # { فإن تولوا.. } [الأنبياء: 109] يعني: أعرضوا وانصرفوا { ~~فقل آذنتكم.. } [الأنبياء: 109] مادة: أذن ومنها الأذان تعني ~~الإعلام بالشيء، والأصل في الإعلام كان في الأذن بالكلام، حيث لم يكن ~~عندهم قراءة وكتابة، فاعتمد الإعلام على الكلام، والسماع بالأذن، فمعنى: ~~{ آذنتكم.. } [الأنبياء: 109] أعلمتكم وأخبرتكم. وقوله تعالى: { ~~على سوآء.. } [الأنبياء: 109] يعني: جاء الإعلام لكم جميعا لم ~~أخص أحدا دون الآخر، فأنتم في الإعلام سواء، لا يتميز منكم أحد على أحد ~~لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرص على إبلاغ الجميع، فيقول: # " نضر الله امرا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، ~~فرب مبلغ أوعى من سامع " # وهكذا يشيع الخير ويتداول بين الجميع. { فقل آذنتكم على ~~سوآء.. } [الأنبياء: 109] فلم أعلم قوما دون قوم، ولم أسمع ~~أذنا دون أذن، وجعلت من كمال الإيمان أن يخبر السامع من لم يسمع ~~لأنه لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ثم ينبههم إلى أمر ~~الساعة: { وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون } ~~[الأنبياء: 109] فانتبهوا وخذوا بالكم، واحتاطوا، فلا أدري لعل ~~الساعة تكون قريبا، ولعلها تفاجئكم من قبل أن أنهي كلامي معكم. لذلك ~~لما سألوا أحد الصالحين: فيم أفنيت عمرك؟ قال: " أفنيت عمري في أربعة ~~أشياء: علمت أني لا أخلو من نظر الله طرفة عين فاستحييت أن أعصيه، ~~وعلمت أن لي رزقا لا يتجاوزني قد ضمنه الله لي فقنعت به، وعلمت أن ~~علي دينا لا يؤديه عني غيري فاشتغلت به، وعلمت أن لي أجلا ~~يبادرني فبادرته ". إذن: فالمراد: استعدوا لهذه المسألة قبل أن تفاجئكم. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { إنه يعلم الجهر من القول... }. ### || [21.110] # وما دام ربك - عز وجل - يعلم الجهر ويعلم السر وأخفى، فإياك أن ~~تنافق لأننا ننهاك ms6557 عن النفاق مع البشر، فمن باب أولى أن ننهاك عن نفاق ~~ربك سبحانه الذي يعلم سرك كما يعلم علانيتك، وقصارى أمر البشر أن ~~يراقبوا علانيتك. لذلك، فإن كل احتياطات أهل الإجرام التخفي عن أعين ~~الدولة، والهرب من مراقبة الشرطة، لكن كيف التخفي عن نظر الله وعلمه؟ ~~وقوله تعالى: { إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ~~ما تكتمون } [الأنبياء: 110] يعلمنا الأدب حتى فيما نكتم، فالأدب ~~في الجهر من باب أولى، ونحن مؤمنون بأن الله سبحانه غيب غير مشهد، ~~وهب أنك في بيتك تعلم كل شيء فيه لأنه مشهد لك، أما ما كان خارج البيت ~~فهو غيب عنك لا تعلمه، أما الحق سبحانه فهو غيب يعلم كل مشهد وكل ~~غيب. ثم يقول الحق سبحانه: { وإن أدري لعله فتنة ~~لكم... }. ### || [21.111] # أي: لعل الإمهال وبقاءكم دون عذاب وتباطؤ الساعة عنكم فتنة واختبار، يا ~~ترى أتوفقون وتفوزون في هذا الاختبار، كما قال سبحانه في موضع آخر: # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون # [التوبة: 55]. وقال تعالى: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين # [آل عمران: 178]. وقوله تعالى: { ومتاع إلى حين } [الأنبياء: ~~111] أي: لن يدوم هذا النعيم وهذا المتاع لأن له مدة موقوتة. ثم يقول ~~الحق سبحانه في ختام سورة الأنبياء: { قال رب احكم بالحق ~~وربنا الرحمن... }. ### || [21.112] # قوله تعالى: { قال رب احكم بالحق.. } [الأنبياء: 112] كما ~~دعا بذلك الرسل السابقون: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # [الأعراف: 89]. وهل يحكم الله سبحانه إلا بالحق؟ قالوا: الحق سبحانه ~~يبين لنا لأننا عشنا في الدنيا ورأينا كثيرا من الباطل، فكأننا ~~لأول مرة نسمع الحكم بالحق. ثم يقول سبحانه: { وربنا الرحمن ~~المستعان على ما تصفون } [الأنبياء: 112] أي: المستعان على ~~تجرمون فيه من نسبتنا إلى الجنون، أو إلى السحر.. الخ. وتلاحظ أن الحق ~~سبحانه في آيات سورة الأنبياء تكلم عن طي السماء كطي السجل للكتب، ~~ثم قال: # لعله ms6558 فتنة لكم.. # [الأنبياء: 111] # ومتاع إلى حين # [الأنبياء: 111]، ثم قال: { رب احكم بالحق.. } [الأنبياء: ~~112]. هذا كله ليقرب لنا مسألة الساعة وقيامها، ويعدنا لاستقبال " ~~سورة الحج ". ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1] # الخطاب هنا عام للناس جميعا، وعادة ما يأتي الخطاب الذي يطلب الإيمان ~~عاما لكل الناس، إنما ساعة يطلب تنفيذ حكم شرعي يقول: يا أيها الذين ~~آمنوا. لذلك يقول هنا: { يأيها الناس اتقوا ربكم.. } ~~[الحج: 1] يريد أن يلفتهم إلى قوة الإيمان. وكلمة { اتقوا ~~ربكم.. } [الحج: 1] التقوى: أن تجعل بينك وبين ما أحدثك عنه ~~وقاية، أي: شيئا يقيك العذاب الذي لا طاقة لك به. ونلحظ أن الله تعالى ~~يقول مرة: # واتقوا الله.. # [البقرة: 194] ومرة يقول: # فاتقوا النار.. # [البقرة: 24] نعم، لأن المعنى ينتهي إلى شيء واحد. معنى: # فاتقوا النار.. # [البقرة: 24] أي: اجعل بينك وبينها وقاية تحميك منها، ويكون هذا بفعل ~~الأمر وترك النهي. وقوله: # واتقوا الله.. # [البقرة: 194] لأن لله تعالى صفات جمال، وصفات جلال، صفات الجمال ~~كالرحمن، والرحيم، والباسط، والستار، وصفات الجلال كالقهار والجبار ~~وغيرها مما نخاف منه. فاجعل بينك وبين صفات الجلال وقاية، فليست بك ~~طاقة لقاهريته، وبطشه سبحانه، والنار من جنود الله، ومن مظاهر قهره. ~~فكما نقول: اتق الله نقول: اتق النار. واختار في هذا الأمر صفة ~~الربوبية، فقال: { اتقوا ربكم.. } [الحج: 1] ولم يقل: اتقوا ~~الله لأن الرب هو المتولي للرعاية وللتربية، فالذي يحذرك هو الذي ~~يحبك ويعطيك، وهو الذي خلقك ورباك ورعاك. فالربوبية عطاء: إيجاد من ~~عدم وإمداد من عدم، فأولى بك أن تتقيه، لأنه قدم لك الجميل. أما صفة ~~الألوهية فتعني التكاليف والعبادة بافعل ولا تفعل، الله معبود ومطاع ~~فيما أمر وفيما نهى. ثم يقول تعالى: { إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم } [الحج: 1] الزلزلة: هي الحركة العنيفة الشديدة التي ~~تخرج الأشياء عن ثباتها، كما لو أردت أن تخلع وتدا من الأرض، فعليك ~~أولا أن تهزه وتخلخله من مكانه، حتى تجعل له مجالا في الأرض يخرج ~~منه، إنما لو حاولت جذبه بداية فسوف تجد مجهودا ومشقة في خلعه، ~~وكذلك يفعل الطبيب في خلع ms6559 الضرس. فمعنى الزلزلة: الحركة الشديدة التي ~~تزيل الأشياء عن أماكنها، والحق سبحانه وتعالى تكلم عن هذه الحركة كثيرا ~~فقال: # إذا رجت الأرض رجا * وبست الجبال بسا * ~~فكانت هبآء منبثا # [الواقعة: 4-6]. ويقول: # إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض ~~أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث ~~أخبارها * بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 1-5]. فالزلزال هنا ليس زلزالا كالذي نراه من هزات أرضية ~~تهدم بعض البيوت، أو حتى تبتلع بعض القرى، فهذه مجرد آيات كونية تثبت ~~صدق البلاغ عن الله، وتنبهك إلى الزلزال الكبير في الآخرة، إنه صورة ~~مصغرة لما سيحدث في الآخرة، حتى لا نغتر بسيادتنا في الدنيا فإن السيادة ~~هبة لنا من الله. # وعندما حدث زلزال " أغادير " لاحظوا أن الحيوانات ثارت وهاجت قبل ~~الزلزال بدقائق، ومنها ما خرج إلى الخلاء، فأي إعلام هذا؟ وأي ~~استشعار لديها وهي بهائم في نظرنا لا تفهم ولا تعي؟ إن في ذلك إشارة ~~للإنسان الذي يعتبر نفسه سيد هذا الكون: تنبه، فلولا أن الله سيدك ~~لوكزتك هذه البهائم فقضت عليك. نقول: ليس هذا زلزالا عاما، إنما هو ~~زلزال مخصوص منسوب إلى الأرض بوحي من الله، وبأمر منه سبحانه أن تتزلزل. ~~لذلك وصف هذا الزلزال بأنه شيء عظيم: { إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم } [الحج: 1] فحين تقول أنت أيها الإنسان: هذا شيء عظيم ~~فهو عظيم بمقياسك أنت، أما العظيم هنا فعظيم بمقاييس الحق سبحانه، فلك ~~أن تتصور فظاعة زلزال وصفه الله سبحانه بأنه عظيم. لقد افتتحت هذه ~~السورة بزلزلة القيامة لأن الحق سبحانه سبق أن قال: # واقترب الوعد الحق.. # [الأنبياء: 97] فلا بد أن يعطينا هنا صورة لهذا الوعد، ونبذة عما ~~سيحدث فيه، وصورة مصغرة تدل على قدرته تعالى على زلزال الآخرة، وأن ~~الأرض ليس لها قوام بذاتها، إنما قوامها بأمر الله وقدرته، فإذا أراد لها ~~أن تزول زالت. وكذلك في قوله تعالى: # وأخرجت الأرض أثقالها # [الزلزلة: 2]. فما نراه من البراكين ومن الثروات في باطن الأرض وعجائب ~~يقع تحت هذه الآية لذلك قال تعالى: # له ما في السماوات ms6560 وما في الأرض وما بينهما وما ~~تحت الثرى # [طه: 6]. ما دام الحق سبحانه يمتن بملكية ما تحت الثرى فلا بد أن ~~تحت الثرى ثروات وأشياء نفيسة، ونحن الآن نخرج معظم الثروات من باطن ~~الأرض، ومعظم الأمم الغنية تعتمد على الثروات المدفونة من بترول ومعادن ~~ومناجم وذهب.. إلخ. وسبق أن ذكرنا أن الحق - سبحانه وتعالى - بعثر ~~الخيرات في كونه، وجعل لكل منها وقته المناسب، فالرزق له ميلاد يظهر فيه: # وما ننزله إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21]. ثم يقول الحق سبحانه: { يوم ترونها تذهل كل ~~مرضعة عمآ أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها... ~~}. ### || [22.2] # والرؤية: قلنا قد تكون رؤية علمية أو رؤية بصرية، والشيء الذي نعلمه ~~إما: علم اليقين، وإما عين اليقين، وإما حقيقة اليقين. علم اليقين: أن ~~يخبر من تثق به بشيء، كما تواترت الأخبارعن الرحالة بوجود قارة أسموها ~~فيما بعد أمريكا، وبها كذا وكذا، فهذا نسميه " علم يقين " ، فإذا ركبت ~~الطائرة إلى أمريكا فرأيتها وشاهدت ما بها فهذا " عين اليقين " فإذا ~~نزلت بها وتجولت بين شوارعها ومبانيها فهذا نسميه " حقيقة اليقين ". ~~لذلك حين يخبر الله تعالى الكافرين بأن هناك عذابا في النار فهذا ~~الإخبار صادق من الله فعلمنا به " علم يقين " ، فإذا رأيناها فهذا " ~~عين اليقين " كما قال سبحانه: # ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر: 7] فإذا ما باشرها أهلها، وذاقوا حرها ولظاها - وهذا مقصور ~~على أهل النار - فقد علموها حق اليقين، لذلك يقول تعالى: # وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * فسلام لك من ~~أصحاب اليمين * وأمآ إن كان من المكذبين ~~الضآلين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم * إن ~~هذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ربك العظيم # [الواقعة: 90-96]. ومعنى: { تذهل كل مرضعة عمآ ~~أرضعت.. } [الحج: 2] الذهول: هو انصراف جارحة عن مهمتها الحقيقية ~~لهول رأته فتنشغل بما رأته عن تأدية وظيفتها، كما يذهل الخادم حين ~~يرى شخصا مهيبا أو عظيما، فيسقط ما بيده مثلا، فالذهول - إذن - سلوك ~~لا إرادي قد يكون ذهولا عن شيء تفرضه العاطفة، أو عن شيء تفرضه الغريزة. ~~العاطفة كالأم التي ms6561 تذهل عن ولدها، وعاطفة الأمومة تتناسب مع حاجة ~~الولد، ففي مرحلة الحمل مثلا تجد الأم تحتاط في مشيتها، وفي حركاتها، ~~خوفا على الجنين في بطنها، وهذه العاطفة من الله جعلها في قلب الأم ~~للحفاظ على الوليد، وإلا تعرض لما يؤذيه أو يودي بحياته. لذلك، لما ~~سألوا المرأة العربية عن أحب أبنائها ، قالت: الصغير حتى يكبر، والغائب ~~حتى يعود، والمريض حتى يشفى، فحسب الحاجة يعطي الله العاطفة، فالحامل ~~عاطفتها نحو ولدها قوية، وهي كذلك في مرحلة الرضاعة. فانظر إلى المرضعة، ~~وكيف تذهل عن رضيعها وتنصرف عنه، وأي هول هذا الذي يشغلها، ويعطل ~~عندها عاطفة الأمومة والحنان ويعطل حتى الغريزة. وقد أعطانا القرآن ~~صورة أخرى في قوله تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه # [عبس: 34-36]. ومن عظمة الأسلوب القرآني أن يذكر هنا الأخ قبل الأب ~~والأم، قالوا: لأن الوالدين قد يوجدان في وقت لا يرى أنهما في حاجة ~~إليه، ولا هو في حاجة إليهما لأنه كبر، أما الأخ ففيه طمع المعونة ~~والمساعدة. # وقوله تعالى: { كل مرضعة.. } [الحج: 2]. والمرضعة تأتي بفتح ~~الضاد وكسرها: مرضعة بالفتح هي التي من شأنها أن ترضع وصالحة لهذه ~~العملية، أما مرضعة بالكسر فهي التي ترضع فعلا، وتضع الآن ثديها في ~~فم ولدها، فهي مرضعة فانظر - إذن - إلى مدى الذهول والانشغال في مثل ~~هذه الحالة. وقوله تعالى: { وتضع كل ذات حمل حملها.. } ~~[الحج: 2] بعد أن تكلم عن المرضع رقى المسألة إلى الحامل، ومعلوم أن ~~الاستمساك بالحمل غريزة قوية لدى الأم حتى في تكوينها الجسماني، فالرحم ~~بمجرد أن تصل إليه البويضة المخصبة ينغلق عليها، كما قال سبحانه وتعالى: # ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى.. # [الحج: 5]. فإذا ما جاء وقت الميلاد انفتح له بقدرة الله، فهذه - إذن - ~~مسألة غريزية فوق قدرة الأم ودون إرادتها. إذن: وضع هذا الحمل دليل ~~هول كبير وأمر عظيم يحدث. والحمل نوعان: ثقل تحمله وهو غيرك، وثقل ~~تحمله في ذاتك، ومنه قوله تعالى: # وسآء لهم يوم القيامة حملا # [طه: 101] والحمل بكسر ms6562 الحاء: هو الشيء الثقيل الذي لا يطيقه ظهرك، ~~أما الحمل بالفتح فهو: الشيء اليسير تحمله في نفسك. وفي هذا المعنى ~~يقول الشاعر: # ليس بحمل ما أطاق الظهر # ما الحمل إلا ما وعاه الصدر # أي: أن الشيء الذي تطيق حمله ويقوى عليه ظهرك ليس بحمل، إنما الحمل ~~هو الهم الذي يحتويه الصدر. ثم يقول سبحانه: { وترى الناس ~~سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } ~~[الحج: 2] سكارى: أي يتمايلون مضطربين، مثل السكارى حين تلعب بهم الخمر، ~~وتطوحهم يمينا وشمالا، وتلقي بهم على الأرض، وكلما زاد سكرهم ~~وخروجهم عن طبيعتهم كان النوع شديدا!! وهكذا سيكون الحال في موقف ~~القيامة لا من سكر ولكن من خوف وهول وفزع { وما هم بسكارى ~~ولكن عذاب الله شديد } [الحج: 2]. لكن، من أين يأتي ~~اضطراب الحركة هذا؟ قالوا: لأن الله تعالى خلق الجوارح، وخلق في كل جارحة ~~غريزة الانضباط والتوازن، وعلماء التشريح يحددون في الجسم أعضاء ~~ومناطق معينة مسئولة عن حفظ التوازن للجسم، فإذا ما تأثرت هذه الغدد ~~والأعضاء يشعر الإنسان بالدوار، ويفقد توازنه، كأن تنظر من مكان ~~مرتفع، أو تسافر في البحر مثلا. فهذا الاضطراب لا من سكر، ولكن من ~~هول ما يرونه، فيحدث لديهم تغييرا في الغدد والخلايا المسئولة عن ~~التوازن، فيتمايلون، كمن اغتالته الخمر. وقوله تعالى: { ولكن ~~عذاب الله شديد } [الحج: 2] إنهم لم يروا العذاب بعد، إنها ~~مجرد قيام الساعة وأهوالها أفقدتهم توازنهم لأن الذي يصدق في أن ~~القيامة تقوم بهذه الصورة يصدق في أن بعدها عذابا في جهنم، إذن: ~~انتهت المسألة وما كنا نكذب به، ها هو ماثل أمام أعيننا. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ومن الناس من يجادل في الله... }. ### || [22.3] # الجدل: هو المحاورة بين اثنين، يريد كل منهما أن يؤيد رأيه ويدحض ~~رأي الآخر، ومنه: جدل الخوص أو الحبل أي: فتله واحدة على الأخرى. ~~ولو تأملت عملية غزل الصوف أو القطن لوجدته عبارة عن شعيرات قصيرة لا ~~تتجاوز عدة سنتيمترات، ومع ذلك يصنعون منه حبلا طويلا، لأنهم يداخلون ~~هذه الشعيرات بعضها في ms6563 بعض، بحيث يكون طرف الشعرة في منتصف الأخرى، وهكذا ~~يتم فتله وغزله، فإذا أردت تقوية هذه الفتلة تجدلها مع فتلة ~~أخرى، وهكذا يكون الجدل في الأفكار، فكل صاحب فكرة يحاول ان يقوي ~~رأيه وحجته ليدحض حجة الآخرين. فقوله تعالى: { ومن الناس من ~~يجادل في الله.. } [الحج: 3] فكيف يكون الجدل في الله تعالى؟ ~~يكون الجدل في الله وجودا، كالملحد الذي لا يعترف بوجود إله، أو يكون ~~الجدل في الوحدانية، كمن يشرك بالله إلها آخر، أو يكون الجدل في إعلام ~~الله بشيء غيبي، كأمر الساعة الذي ينكره البعض ولا يصدقون به، هذا كله ~~جدل في الله. وقوله: { بغير علم.. } [الحج: 3] إذن: فالجدل في ~~ذاته مباح مشروع، شريطة أن يصدر عن علم وفقه، كما جاء في قوله تعالى: # وجادلهم بالتي هي أحسن.. # [النحل: 125]. فالحق سبحانه لا يمنع الجدل، لكن يريده بالطريقة الحسنة ~~والأسلوب اللين، وكما يقولون: النصح ثقيل، فلا تجعله جدلا، ولا ترسله ~~جبلا، ولا تخرج الإنسان مما يألف بما يكره، واقرأ قوله تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة.. # [النحل: 125]. وقال سبحانه: # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي ~~أحسن.. # [العنكبوت: 46]. لذلك فالقرآن الكريم يعلم الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لونا من الجدل في قوله تعالى: # قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما ~~تعملون # [سبأ: 25]. فانظر إلى هذا الجدل الراقي والأسلوب العالي: ففي خطابهم ~~يقول: # قل لا تسألون عمآ أجرمنا.. # [سبأ: 25] وينسب الإجرام إلى نفسه، وحين يتكلم عن نفسه يقول: # ولا نسأل عما تعملون # [سبأ: 25] ولم يقل هنا: تجرمون لتكون مقابلة بين الحالين. وفي هذا ~~الأسلوب ما فيه من جذب القلوب وتحنينها لتقبل الحق. ولما اتهموا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بالجنون رد عليهم القرآن بالعقل وبالمنطق، ~~فسألهم: ما الجنون؟ الجنون أن تصدر الأفعال الحركية عن غير بدائل ~~اختيارية من المخ، فهل جربتم على محمد شيئا من هذا؟ وما هو الخلق؟ ~~الخلق: استقامة المنهج والسلوك على طريق الكمال والخير، فهل رأيتم على ~~محمد خلاف هذا؟ لذلك يقول تعالى في ms6564 الرد عليهم: # قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة.. # [سبأ: 46]. وكيف يكون صاحب هذا الخلق القويم والسلوك المنضبط في الخير ~~مجنونا؟ ولما قالوا: كذاب، جادلهم القرآن: # فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. لقد أتته الرسالة بعد الأربعين، فهل سمعتم عنه خطيبا أو ~~شاعرا؟ فهل قال خطبة أو قصيدة تحتفظون بها كما تحتفظون بقصائد شعرائكم؟ ~~وقالوا: إنها عبقرية كانت عند محمد، فأي عبقرية هذه التي تتفجر بعد ~~الأربعين، ولو تأملت العبقريات لوجدتها في العقد الثاني أو الثالث من ~~عمر صاحبها، فكيف يؤجل محمد عبقريته إلى الأربعين، ومن يضمن له ~~الحياة وهو يرى الناس يتساقطون من حوله: أبوه مات قبل أن يولد، وأمه ~~ماتت وهو رضيع، وجده مات وهو ما يزال صغيرا. وهكذا، يعطينا القرآن ~~مثالا للجدل بالحكمة والموعظة الحسنة، للجدل الصادر عن علم بما تقول، ~~وإدراك لحقائق الأمور. لذلك لما ذهب الشعبي لملك الروم قال له الملك: ~~عندكم في الإسلام أمور لا يصدقها العقل، فقال الشعبي: ما الذي في ~~الإسلام يخالف العقل؟ قال: تقولون إن في الجنة طعاما لا ينفد أبدا، ~~ونحن نعلم أن كل ما أخذ منه مرة بعد مرة لا بد أن ينفد. انظر إلى ~~الجدل في هذه المسألة كيف يكون. قال الشعبي: أرأيت لو أن عندك ~~مصباحا، وجاءت الدنيا كلها فقبست من ضوئه، أينقص من ضوء المصباح شيء؟ ~~هذا - إذن - جدل راق وعلى أعلى مستوى. ويستمر ملك الروم فيقول: كيف نأكل ~~في الجنة كل ما نشتهي دون أن نتغوط أو تكون لنا فضلات؟ نقول: أرأيتم ~~الجنين في بطن الأم: أينمو أم لا؟ إنه ينمو يوما بعد يوم، وهذا دليل على ~~أنه يتغذى، فهل له فضلات؟ لو كان للجنين فضلات ولو تغوط في مشيمته ~~لمات، إذن: يتغذى الجنين غذاء على قدر حاجة نموه، بحيث لا يتبقى من ~~غذائه شيء. ثم قال: أين تذهب الأرواح بعد أن تفارق الأجساد؟ أجاب الرجل ~~إجمالا: تذهب حيث كانت قبل أن تحل فيك، ms6565 وأمامك المصباح وفيه ضوء، ثم ~~نفخ المصباح فانطفأ، فقال له: أين ذهب الضوء؟ ومن الجدل الذي جاء عن ~~علم ودراية ما حدث من الإمام علي رضي الله عنه، حيث قتل أصحاب معاوية ~~عمار بن ياسر، فغضب الصحابة في صفوف معاوية وتذكروا # " قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمار: " تقتله الفئة الباغية " " # وأخذوا يتركون جيش معاوية واحدا بعد الآخر، فذهب عمرو بن العاص إلى ~~معاوية وقال: لقد فشت في الجيش فاشية، إن هي استمرت فلن يبقى معنا ~~رجل واحد، فقال معاوية: وما هي؟ قال: يقولون: إننا قتلنا عمارا والنبي ~~صلى الله عليه وسلم قال عنه: " تقتله الفئة الباغية ". فاحتار معاوية ثم ~~قال: قل لهم قتله من أخرجه للقتال - يعني: علي بن أبي طالب، فلما بلغ ~~الكلام سيدنا عليا، قال: قولوا لهم: فمن قتل حمزة بن عبد المطلب؟ أي: ~~إن كان الأمر كما تقولون فالنبي صلى الله عليه وسلم هو قاتل حمزة لأنه هو ~~الذي أخرجه للقتال. # هذا هو الجدل عن علم، والعلم قد يكون علما بدهيا وهو العلم الذي تؤمن ~~به ولا تستطيع أن تدلل عليه. أو علما عقليا استدلاليا، وقد يكون العلم ~~بالوحي من الله لا دخل لأحد فيه، وسبق أن ضربنا مثلا للبدهيات ~~بالولد الصغير حينما يرى أخاه يجلس بجوار أبيه على المقعد مثلا، فيأتي ~~الصغير يريد أن يجلس هو بجوار الأب، فيحاول أولا أن يقيم أخاه من ~~المكان فيشده ويجذبه ليخلي له المكان. وهنا نتساءل: كيف عرف الطفل ~~الصغير أن الحيز لا يسع اثنين؟ ولا يمكن أن يحل بالمكان شيء إلا إذا ~~خرج ما فيه أولا؟ هذه أمور لم نعلمها إلا في دراستنا الثانوية، فعرفنا ~~معنى الحيز وعدم تداخل الأشياء، هذه المسألة يعرفها الطفل بديهة. ولو ~~تأملت النظريات الهندسية لوجدت أن كل نظرية تبنى على نظرية سابقة، ~~فلو أردت أن تبرهن على النظرية المائة تستخدم النظرية تسعين مثلا، ~~وهكذا إلى أن تصل إلى نظرية بدهية لا برهان عليها. وهكذا تستطيع أن ~~تقول: إن كل شيء علمي ms6566 في الكون مبني على البدهيات التي لا تحتاج إلى ~~برهان، ولا تستطيع أن تضع لها تعريفا، فالسماء مثلا، يقولون هي كل ما ~~علاك فأظلك، فالسقف سماء، والغيم سماء، والسحاب سماء، والسماء سماء، مع ~~أن السماء لا تحتاج إلى مثل هذا التعريف لأنك حين تسمع هذه الكلمة السماء ~~تعرف معناها بديهة دون تعريف. وهذه الأمور البدهية لا جدل فيها لأنها ~~واضحة، فلو قلت لهذا الطفل: اجلس على أخيك، فهذا ليس جدلا لأنه لا يصح. ~~أما العلم الاستدلالي فأن تستدل بشيء على شيء، كأن تدخل بيتك فتجد عقب ~~سيجارة مثلا في طفاية السجائر فتسأل: من جاءكم اليوم؟ ومثل الرجل ~~العربي حين سار في الصحراء، فوجد على الأرض آثارا لخف البعير وبعره، ~~فقال: البعرة تدل على البعير، والقدم تدل على المسير. أما علم الوحي ~~فيأتي من أعلى، يلقيه الله سبحانه على من يشاء من عباده. فعلى المجادل ~~أن يستخدم واحدا من هذه الثلاثة ليجادل به، فإن جادل بغير علم فهي سفسطة ~~لا طائل من ورائها. وقد نزلت هذه الآية: { ومن الناس من يجادل ~~في الله بغير علم.. } [الحج: 3] في النضر بن الحارث، وكان ~~يجادل عن غير علم في الوجود، وفي الوحدانية، وفي البعث.. إلخ. والآية لا ~~تخص النضر وحده، وإنما تخص كل من فعل فعله، ولف لفه من الجدل. ~~ثم يقول تعالى: { ويتبع كل شيطان مريد } [الحج: 3] أي: ~~أن هذا الجدل قد يكون ذاتيا من عنده، أو بوسوسة الشيطان له بما يخالف ~~منهج الله، سواء أكان شيطان الإنس أو شيطان الجن. # إذن: فالسيئات والانحرافات والخروج عن منهج الله لا يكون بوسوسة، إما من ~~النفس التي لا تنتهي عن مخالفة، وإما من الشيطان الذي يلح عليك إلى ~~أن يوقع بك في شراكه. لكن، لا نجعل الشيطان شماعة نعلق عليها كل ~~سيئاتنا وخطايانا، فليست كل الذنوب من الشيطان، فمن الذنوب ما يكون من ~~النفس ذاتها، وسبق أن قلنا: إذا كان الشيطان هو الذي يوسوس بالشر، ~~فمن الذي وسوس له أولا؟ وكما قال الشاعر: # * إبليس لما ms6567 غوى من كان إبليسه؟ * # وفرق بين المعصية من طريق النفس، والمعصية من طريق الشيطان، الشيطان ~~يريدك عاصيا على أي وجه من الوجوه، أما النفس فتريدك عاصيا من وجه ~~واحد لا تحيد عنه، فإذا صرفتها إلى غيره لا تنصرف وتأبى عليك، إلا أن ~~توقعك في هذا الشيء بالذات. وهذا بخلاف الشيطان إذا تأبيت عليه ولم ~~تطعه في معصية صرفك إلى معصية أخرى، أيا كانت، المهم أن تعصي، ~~وهكذا يمكنك أن تفرق بين المعصية من نفسك، أو من الشيطان. ولما سئل ~~أحد العلماء: كيف أعرف: أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟ قال: هذه ~~مسألة ليست عند العلماء إنما عندك أنت، قال: كيف؟ قال: انظر في نفسك، ~~فإن كان الذي يأخذ منك الصدقة أحب إليك ممن يعطيك هدية، فاعلم أنك ~~من أهل الآخرة، وإن كانت الهدية أحب إليك من الصدقة فأنت من أهل ~~الدنيا. ذلك لأن الإنسان يحب من عمر له ما يحب، فالذي يعطيك يعمر لك ~~الدنيا التي تحبها فأنت تحبه، وكذلك الذي يأخذ منك يعمر لك الآخرة التي ~~تحبها فأنت تحبه. فهذه مسألة لا دخل للشيطان فيها. وفي آية أخرى يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: # ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير # [لقمان: 20]. فهذه الآية تجمل أنواع العلم الثلاثة التي تحدثنا عنها: ~~فالعلم يراد به البدهيات، والهدى أي: الاستدلال، والكتاب المنير يراد ~~به ما جاء وحيا من الله ، وبهذه الثلاثة يجب أن يكون الجدال وبالتي هي ~~أحسن. ومعنى: { مريد } [الحج: 3] من مرد أو مرد يمرد كنثر ~~ينثر، والمرود: العتو وبلوغ الغاية من الفساد، ومنها مارد ومريد ~~ومتمرد، والمارد: هو المستعلي أعلى منك. ### || [22.4] # أي: كتب الله على هذا الشيطان المريد، وحكم عليه حكما ظاهرا، هكذا ~~عيني عينك كما يقال { أنه من تولاه... } [الحج: 4] أي: تابعه ~~وسار خلفه { فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير ~~} [الحج: 4] يضله ويهديه ضدان، فكيف نجمع بينهما؟ المراد: يضله عن ~~طريق الحق والخير، ويهديه أي: للشر لأن معنى الهداية: الدلالة مطلقا، ms6568 ~~فإن دللت على خير فهي هداية، وإن دللت على شر فهي أيضا هداية. واقرأ ~~قوله سبحانه وتعالى: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم # [الصافات: 22-23]. أي: دلوهم وخذوا بأيديهم إلى جهنم. ويقول تعالى ~~في آية أخرى: # إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر ~~لهم ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنم.. # [النساء: 168-169]. والسعير: هي النار المتوهجة التي لا تخمد ولا ~~تنطفئ. ثم يقول الحق سبحانه: { يأيها الناس إن كنتم في ~~ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من ~~نطفة ثم من علقة ثم... }. ### || [22.5] # قوله: { يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث.. ~~} [الحج: 5]. الريب: الشك. فالمعنى: إن كنتم شاكين في مسألة البعث، ~~فإليكم الدليل على صدقه { فإنا خلقناكم من تراب.. } ~~[الحج: 5] أي: الخلق الأول، وهو آدم عليه السلام، أما جمهرة الناس بعد ~~آدم فخلقوا من نطفة حية من إنسان حي. والمتتبع لآيات القرآن يجد الحق - ~~سبحانه وتعالى - يقول مرة في خلق الإنسان: { من تراب.. } [الحج: ~~5]، ومرة # من مآء.. # [الطارق: 6]، و # من طين.. # [الأنعام: 2]، و # من حمإ مسنون.. # [الحجر: 26]، و # من صلصال كالفخار # [الرحمن: 14] وهذه التي دعت المستشرقين إلى الاعتراض على أسلوب القرآن، ~~يقولون: من أي هذه الأشياء خلقتم؟ وهذا الاعتراض ناشىء من عدم ~~فهم لغة القرآن، فالتراب والماء والطين والحمأ المسنون والصلصال، كلها ~~مراحل متعددة للشيء الواحد، فإذا وضعت الماء على التراب صار طينا، فإن ~~تركت الطين حتى يتخمر، ويتداخل بعضه في بعض حتى لا تستطيع أن تميز ~~عنصرا فيه عن الآخر. وهذا عندما يعطن وتتغير رائحته يكون هو الحمأ ~~المسنون، فإن جف فهو صلصال كالفخار، ومنه خلق الله الإنسان وصوره، ~~ونفخ فيه من روحه، إذن: هذه مراحل للشيء الواحد، ومرور الشيء بمراحل ~~مختلفة لا يغيره. ثم تكلم سبحانه عن الخلق الثاني بعد آدم عليه ~~السلام، وهم ذريته، فقال: { ثم من نطفة.. } [الحج: 5] والنطفة ~~في الأصل هي قطرة الماء العذب، كما جاء في قول الشاعر: # بقايا نطاف أودع الغيم ms6569 صفوها # مثقلة الأرجاء زرق الجوانب # ولا تظهر زرقة الماء إلا إذا كان صافيا لا يشوبه شيء، وكذلك النطفة ~~هي خلاصة الخلاصة، لأن جسم الإنسان تحدث فيه عملية الاحتراق، وعملية ~~الأيض أي: الهدم والبناء بصفة مستمرة ينتج عنها خروج الفضلات المختلفة من ~~الجسم: فالبول، والغائط، والعرق، والدموع، وصمغ الأذن، كلها فضلات ~~ناتجة عن احتراق الطعام بداخل الجسم حيث يمتص الجسم خلاصة الغذاء، ~~وينقلها إلى الدم. ومن هذه الخلاصة يستخلص مني الإنسان الذي تؤخذ منه ~~النطفة، فهو - إذن - خلاصة الخلاصة في الإنسان، ومنه يحدث الحمل، ~~ويتكون الجنين، وكأن الخالق - عز وجل - قد صفاها هذه التصفية ~~ونقاها كل هذا النقاء لأنها ستكون أصلا لأكرم مخلوقاته، وهو الإنسان. ~~وهذه النطفة لا تنزل من الإنسان إلا في عملية الجماع، وهي ألذ متعة في ~~وجود الإنسان الحي، لماذا؟ لو تأملت متعة الإنسان ولذاته الأخرى مثل: ~~لذة الذوق، أو الشم، أو الملمس، فهي لذات معروفة محددة بحاسة ~~معينة من حواس الإنسان، أما هذه اللذة المصاحبة لنزول المني أثناء هذه ~~العملية الجنسية فهي لذة شاملة يهتز لها الجسم كله، ولا تستطيع أن ~~تحدد فيها منطقة الإحساس، بل كل ذرة من ذرات الجسم تحسها. # لذلك أمرنا ربنا - عز وجل - أن نغتسل بعد هذه العملية لأنها شغلت كل ~~ذرة من ذرات تكوينك، وربما - عند العارفين بالله - لا تغفل عن الله تعالى ~~إلا في هذه اللحظة لذلك كان الأمر بالاغتسال بعدها، هذا قول العلماء. أما ~~أهل المعرفة عن الله وأهل الشطح وأهل الفيوضات فيقولون: إن الله خلق آدم ~~من طين، وجعل نسله من هذه النطفة الحية التي وضعها في حواء، ثم أتى ~~منها كل الخلق بعده، فكأن في كل واحد منا ذرة من أبيه آدم لأنه لو طرأ ~~على هذه الذرة موت ما كان نسل بعد آدم، فهذه الذرة موجودة فيك في ~~النطفة التي تلقيها ويأتي منها ولدك، وهي أصفى شيء فيك لأنها الذرة التي ~~شهدت الخلق الأول خلق أبيك آدم عليه السلام. وقد قربنا هذه المسألة ~~وقلنا: لو أنك أخذت ms6570 سنتيمترا من مادة ملونة، ووضعته في قارورة ماء، ثم ~~أخذت ترج القارورة حتى اختلط الماء بالمادة الملونة فإن كل قطرة من ~~الماء بها ذرة من هذه المادة، وهكذا لو ألقيت القارورة في برميل.. الخ. ~~إذن: فكل إنسان منا فيه ذرة من أبيه آدم عليه السلام، هذه الذرة شهدت ~~خلق آدم، وشهدت العهد الأول الذي أخذه الله على عباده في قوله تعالى: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم.. # [الأعراف: 172]. لذلك يسمي الله تعالى إرسال الرسل بعثا فيقول: # بعث الله رسولا # [الفرقان: 41] بعثه: كأنه كان موجودا وله أصل في رسالة مباشرة من ~~الله حين أخذ العهد على عباده، وهم في ظهر آدم عليه السلام، كما يخاطب ~~الرسول بقوله: # فذكر إنمآ أنت مذكر # [الغاشية: 21] أي: مذكر بالعهد القديم الذي أخذناه على أنفسنا. لذلك ~~اقرأ الآية: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ.. # [الأعراف: 172]. هذا في مرحلة الذر قبل أن يأتي الهوى في النفوس # أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل ~~وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون # [الأعراف: 172-173]. إذن: بعث الله الرسل لتذكر بالعهد الأول، حتى لا ~~تحدث الغفلة، وحتى تقيم على الناس الحجة. ثم يقول تعالى: { ثم من ~~علقة.. } [الحج: 5] سميت النطفة علقة لأنها تعلق بالرحم، يقول ~~تعالى في آية أخرى: # ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة ~~فخلق فسوى # [القيامة: 37-38]. فالمني هو السائل الذي يحمل النطفة، وهي الخلاصة ~~التي يتكون منها الجنين، والعلقة هنا هي البويضة المخصبة، فبعد ~~أن كان للبويضة تعلق بالأم، وللحيوان المنوي النطفة تعلق بالأب، ~~اجتمعا في تعلق جديد والتقيا ليتشبثا بجدار الرحم، وكأن فيها ذاتية ~~تجعلها تعلق بنفسها، يسمونها زيجوت. # ومنها قولهم: فلان هذا مثل العلقة إذا كان ملازما لك. بعد ذلك تتحول ~~العلقة إلى مضغة { ثم من مضغة.. } [الحج: 5] والمضغة: هي قطعة ~~لحم صغيرة ms6571 قدر ما يمضغ من الطعام، وهو خليط من عدة أشياء، كما لو ~~أكلت مثلا قطعة لحم مع ملعقة خضار مع ملعقة أرز، وبالمضغ يتحول هذا ~~إلى خليط، ذلك لأن جسم الإنسان لا يتكون من عنصر واحد، بل من ستة عشر ~~عنصرا. هذه المضغة { مخلقة وغير مخلقة.. } [الحج: 5] ~~معنى مخلقة يعني: يظهر عليها هيكل الجسم، وتتشكل على صورته، فهذه ~~للرأس، وهذه للذراع، وهذه للرجل وهكذا، يعني تخلقت على هيئة ~~الإنسان. أما غير المخلقة، فقد عرفنا مؤخرا أنها الخلايا التي تعوض ~~الجسم وترقعه إذا أصابه عطب فهي بمثابة احتياطي لإعادة تركيب ما تلف ~~من أنسجة الجسم وترميمها، كما يحدث مثلا في حالة الجرح فإن تركته ~~لطبيعة الجسم يندمل شيئا فشيئا، دون أن يترك أثرا. نرى هذا في أولاد ~~الفلاحين، حين يجرح الواحد منهم، أو تظهر عنده بعض الدمامل، فيتركونها ~~لمقاومة الجسم الطبيعية، وبعد فترة تتلاشى هذه الدمامل دون أن تترك ~~أثرا على الإطلاق لأنهم تركوا الجسم للصيدلية الربانية. أما إذا ~~تدخلنا في الجرح بمواد كيماوية أو خياطة أو خلافه فلا بد أن يترك ~~أثرا، فترى مكانه لامعا لأن هذه المواد أتلفت مسام الجسم لذلك نجد مثل ~~هذه الأماكن من الجسم قد تغيرت، ويميل الإنسان إلى حكها وهرشها لأن ~~هذه المسام كانت تخرج بعض فضلات الجسم على هيئة عرق، فلما انسدت هذه ~~المسام سببت هذه الظاهرة. هذا كله لأننا تدخلنا في الطبيعة التي خلقها ~~الله. إذن: فمعنى { وغير مخلقة.. } [الحج: 5] هي الصيدلية التي ~~تعوض وتعيد بناء ما تلف من جسم الإنسان. ثم يقول سبحانه: { ~~لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشآء إلى ~~أجل مسمى.. } [الحج: 5] أي: نوضح لكم كل ما يتعلق بهذه ~~المسألة { ونقر في الأرحام ما نشآء.. } [الحج: 5] وهي ~~المضغة التي قدر لها أن تكون جنينا يكتمل إلى أن يولد لذلك قال: { ~~إلى أجل مسمى.. } [الحج: 5] أو نسقطه ميتا قبل ولادته. فإن ~~قلت: وما الحكمة من خلقه وتصويره، إن كان قد قدر له أن يموت ~~جنينا؟ نقول: لنعرف أن الموت أمر مطلق ms6572 لا رابط له ولا سن، فالموت ~~يكون للشيخ كما يكون للجنين في بطن أمه، ففي أي وقت ينتهي الأجل. وقوله ~~تعالى: { ثم نخرجكم طفلا.. } [الحج: 5] قال: { ~~نخرجكم.. } [الحج: 5]بصيغة الجمع ولم يقل: أطفالا إنما { ~~طفلا.. } [الحج: 5] بصيغة المفرد، لماذا؟ قالوا: في اللغة ألفاظ يستوي ~~فيها المفرد والجمع، فطفل هنا بمعنى أطفال، وقد وردت أطفال في موضع آخر ~~في قوله سبحانه: # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم.. # [النور: 59]. وكما تقول هذا رجل عدل، ورجال عدل. وفي قصة سيدنا ~~إبراهيم - عليه السلام - يتكلم عن الأصنام فيقول: # فإنهم عدو لي.. # [الشعراء: 77] ولم يقل: أعداء. وحينما تكلم عن ضيفه قال: # هؤلآء ضيفي.. # [الحجر: 68] ولم يقل: ضيوفي، إذن: المفرد هنا يؤدي معنى الجمع. ثم ~~يقول سبحانه: { ثم لتبلغوا أشدكم.. } [الحج: 5] وهكذا، ~~ينقلنا السياق من الطفولة إلى المرحلة النهائية من عمر الإنسان، وسبق أن ~~تحدثنا عن مراحل عمر الإنسان، وأنه يمر بمرحلة الرشد: رشد البنية ~~حين يصبح قادرا على إنجاب مثله، ورشد العقل حين يصبح قادرا على ~~التصرف السليم، ويحسن الاختيار بين البدائل. ثم تأتي مرحلة الأشد: # حتى إذا بلغ أشده.. # [الأحقاف: 15] يعني: نضج نضجا من حوادث الحياة أيضا. ثم يقول تعالى: ~~{ ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل ~~العمر.. } [الحج: 5] وأرذل العمر يعني رديئه، حين تظهر على الإنسان ~~علامات الخور والضعف { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا.. ~~} [الحج: 5] لأنه ينسى، وعندها يعرف أن صحته وقوته وسلطانه ليست ذاتية ~~فيه، إنما موهوبة له من الله. وإذا بلغ الرجل أرذل العمر يعود من جديد ~~إلى مرحلة الطفولة تدريجيا، فيحتاج لمن يأخذ بيده ليقوم أو ليمشي، كما ~~تأخذ بيد الطفل الصغير، فإذا تكلم يتهته ويتلعثم كالطفل الذي يتعلم ~~الكلام.. وهكذا في جميع شئونه. لذلك يقولون: الزواج المبكر أقرب طريق ~~لإنجاب والد يعولك في طفولة شيخوختك، ولم يقل: ولدا لأنه سيقوم معك ~~فيما بعد بدور الوالد، يقولون: لحق والده يعني سنهما متقارب. لكن، ~~لماذا يرد بعضنا إلى أرذل العمر دون بعض؟ الحق سبحانه جعلها نماذج ~~حتى لا نقول: يا ms6573 ليت أعمارنا تطول لأن أعمار الجميع لو طالت إلى أرذل ~~العمر لأصبح الأمر صعبا علينا، فمن رحمة الله بنا أن خلق الموت. ثم ~~يقول تعالى: { وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها ~~المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج } ~~[الحج: 5]. أي: كما كان خلق الإنسان من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ~~ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، ثم أخرجه طفلا، وبلغ أشده، ~~ومنهم من مات، ومنهم من يرد إلى أرذل العمر، كذلك الحال في ~~الأرض: { وترى الأرض هامدة.. } [الحج: 5]. هامدة: ساكنة، ومنه ~~قولنا للولد كثيرالحركة: اهمد { فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت.. } [الحج: 5] أي: تحركت ذراتها بالنبات بعد سكونها. ~~والاهتزاز: تحرك ما كنت تظنه ثابتا، وليس ما كان ثابتا في الواقع لأن ~~لكل كائن حركة في ذاته، حتى قطعة الحديد الجامدة لها حركة بين ذراتها، ~~لكن ليس لديك من وسائل الإدراك ما تدرك به هذه الحركة. # ولو تأملت المغناطيس لأدركت هذه الحركة بين ذراته، فحين تدلك القضيب ~~الممغنط وتمرره على قضيب آخر غير ممغنط في اتجاه واحد، فإنه يكتسب ~~منه المغناطيسية، وتمرير المغناطيس في اتجاه واحد معناه تعديل للذرات ~~لتحمل شحنة واحدة سالبة أو موجبة، فإن اختلف اتجاه الدلك فإن الذرات ~~أيضا تختلف. إذن: في الحديد - رمز الصلابة والجمود - حركة وحياة تناسبه، ~~وإن خيل إليك أنه أصم جامد في ظاهره. لذلك نقول { هامدة.. } ~~[الحج: 5] يعني: ساكنة في رأي العلم، حيث لا نبات فيها ثم { ~~اهتزت.. } [الحج: 5] يعني: زادت وربت وتحركت لإخراج النبات، ~~إنما هي في الحقيقة لم تكن ساكنة مطلقا لأن فيها حركة ذاتية بين ~~ذراتها. ومعنى: { وربت.. } [الحج: 5] أي: زادت عن حجمها، كما تزيد ~~حبة الفول مثلا حين توضع في الماء، وتأخذ حظها من الرطوبة، وكذلك في ~~جميع البقول، وهذه الزيادة في حجم الحبة هي التي تفلقها إلى فلقتين في ~~عملية الإنبات، ويخرج منها زبان يتجه إلى أعلى فيكون الساق الذي يبحث عن ~~الهواء، وإلى أسفل فيكون الجذر الذي يبحث عن الماء. وتظل هاتان الفلقتان ~~مصدر غذاء للنبتة ms6574 حتى تقوى، وتستطيع أن تمتص غذاءها من التربة، فإذا ~~أدت هاتان الفلقتان مهمتهما في تغذية النبتة تحولتا إلى ورقتين، ~~وهما أول ورقتين في تكوين النبتة. كذلك، نلاحظ في تغذية النبات أنه لا ~~يأخذ كل غذائه من التربة، إنما يتغذى بنسبة ربما 90 بالمائة من غذائه ~~من الهواء، وتستطيع أن تلاحظ هذه الظاهرة إذا نظرت إلى إصيص به زرع، ~~فسوف تجد ما نقص من التربة كمية لا تذكر بالنسبة لحجم النبات الذي خرج ~~منها. وحين تتأمل جذر النبات تجد فيه آية من آيات الله، فالجذر يمتد إلى ~~أن يصل إلى الرطوبة أو الماء، حتى إذا وصل إلى مصدر غذائه توقف، ولك أن ~~تنظر مثلا إلى كوز الحلبة فسوف تجد الجذور غير متساوية في الطول، بحسب ~~بعد الحبة عن مصدر الرطوبة. { وربت.. } [الحج: 5] أي: زادت ~~وانتفشت، كما يحدث في العجين حين تضع فيه الخميرة { وأنبتت من ~~كل زوج بهيج } [الحج: 5]. هذه صورة حية واقعية نلاحظها جميعا ~~عيانا: الأرض تكون جرداء ساكنة، لا حركة فيها، فإذا ما نزل عليها الماء ~~تغيرت وتحركت ذراتها وتشققت عن النبات، ولو حتى بالمطر الصناعي، كما ~~نرى في عرفة مثلا ينزل عليها المطر الصناعي فيخضر الوادي، لكن حينما ~~ينقطع الماء يعود كما كان لعدم موالاة الماء، ولو واليت عليها بالماء ~~لصارت غابات وأحراشا وبساتين كالتي نراها في أوروبا. والمطر لا يحتاج ~~أن تسوى له الأرض لأنه يسقي المرتفع والمنخفض على السواء، على خلاف ~~الأرض التي تسقيها أنت لا بد أن تسويها للماء حتى يصل إليها ~~جميعا. # فإذا أنزل الله تعالى المطر على الأرض الجدباء الجرداء تراها تتفتق ~~بالنبات، فمن أين جاءت هذه البذور؟ وكيف لم يصبها العطب، وهي في الأرض ~~طوال هذه الفترات؟ الأرض هي التي تحفظها من العطب إلى أن تجد البيئة ~~المناسبة للإنبات، وهذا النبات الذي يخرج من الأرض دون تدخل الإنسان ~~يسمونه عذى. أما عن نقل هذه البذور في الصحراء وفي الوديان، فهي ~~تنتقل بواسطة الريح، أو في روث الحيوانات. ومعنى: { من كل زوج ~~بهيج ms6575 } [الحج: 5] الزوج: البعض يظن الزوج يعني الاثنين، إنما الزوج ~~كلمة مفردة تدل على واحد مفرد معه مثله من جنسه، ففي قوله تعالى: # وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى # [النجم: 45] فكل منهما زوج، وكما نقول: زوج أحذية يعني فردة حذاء معها ~~فردة أخرى مثلها، ومثلها كلمة توأم يعني مولود معه مثله فكل واحد منهما ~~يسمى توأم وهما معا توأمان ولا نقول: هما توأم. وهنا مظهر من مظاهر ~~دقة الأداء القرآني: { من كل زوج.. } [الحج: 5] لأن كل ~~المخلوقات، سواء أكانت جمادا أو نباتا أو حيوانا، لا بد فيه من ذكر ~~وأنثى، هذه الزوجية قال الله فيها: # ومن كل شيء خلقنا زوجين.. # [الذاريات: 49] حتى في الجماد الذي نظنه جمادا لا حركة فيه، يتكون ~~من زوجين: سالب وموجب في الكهرباء، وفي الذرة، وفي المغناطيس، فكل شيء ~~يعطي أعلى منه، فلا بد فيه من زوجين. لذلك، فالحق سبحانه وتعالى ~~حينما عالج هذه المسألة عالجها برصيد احتياطي في القرآن، يقول سبحانه: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36]. فقوله سبحانه: # ومما لا يعلمون # [يس: 36] رصيد عال لما سيأتي به العلم من اكتشافات تثبت صدق القرآن ~~على مر الأيام، ففي الماضي عرفنا الكهرباء، وأنها سالب وموجب فقلنا: ~~هذه مما لا نعلم، وفي الماضي القريب عرفنا الذرة فقلنا: هذه مما لا نعلم، ~~وهذا وجه من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم. إذن: خذها قضية عامة: كل ~~شيء يتكاثر إلى أعلى منه، فلا بد ان فيه زوجية. فقوله تعالى: { ~~وأنبتت من كل زوج بهيج } [الحج: 5] فالزوج من النبات مفرد ~~معه مثله، وهذا واضح في لقاح الذكر والأنثى، هذا اللقاح قد يكون في الذكر ~~وحده، أو في الأنثى وحدها كما في النخل مثلا، وقد يكون العنصران معا في ~~النبات الواحد كما في سنبلة القمح أو في كوز الذرة. ولو تأملت نبات الذرة ~~لوجدت له في أعلاه شوشة بها حبيبات دقيقة تحمل لقاح الذكورة، وفي منتصف ~~العود يخرج الكوز، وبه شعيرات تصل كل شعرة منها إلى ms6576 حبة من حبات الذرة ~~المصطفة على الكوز، وهذه تحمل لقاح الأنوثة، فإذا هبت الريح هزت ~~أعلى العود فتساقطت لقاحات الذكورة على هذه الشعيرات فلقحتها لذلك نرى ~~الحبة التي لا يخرج منها شعرة إلى خارج الغلاف تضمر وتموت لأنها لم تأخذ ~~حظها من اللقاح. # ومعنى: { بهيج } [الحج: 5] من البهجة، فالمراد: الشيء حسن المنظر ~~والجميل الذي يجذب الأنظار إليه، وبهجة النظر إلى النبات شائعة لا تقتصر ~~على من يملكه بخلاف الأكل منه، فحين تمر ببستان أو حديقة تتمتع بمنظرها ~~وجمال ألوانها وتسر برائحتها. وفي النفس الإنسانية ملكات تتغذى على ~~هذه الخضرة، وعلى هذه الألوان وتنبسط لهذا الجمال، ولو لم تكن تمتلكه. ~~لذلك الحق - سبحانه وتعالى - ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: # انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه.. # [الأنعام: 99] أي: أن النظر مشاع للجميع، ثم بعد ذلك اتركوا الخصوصيات ~~لأصحابها، تمتعوا بما خلق الله، ففي النفس ملكات أخرى غير الطعام. ~~واقرأ أيضا قوله تعالى في الخيل: # ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون # [النحل: 6] فليست الخيل لحمل الأثقال وفقط، وإنما فيها جمال وأبهة، ~~ترضي شيئا في نفوسكم، وتشبع ملكة من ملكاتها. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ذلك بأن الله هو الحق... }. ### || [22.6] # أي: أن ما حدث في خلق الإنسان تكوينا، وما حدث في إنبات الزرع ~~تكوينا ونماء، يرد هذا كله إلى أن الله تعالى { هو الحق.. } ~~[الحج: 6] فلماذا أتى بالحق ولم يقل الخالق؟ قالوا: لأن الخالق قد يخلق ~~شيئا ثم يتخلى عنه، أما الله - سبحانه وتعالى - فهو الخالق الحق، ومعنى ~~الحق أي: الثابت الذي لا يتغير، كذلك عطاؤه لا يتغير، فسوف يظل سبحانه ~~خالقا يعطيك كل يوم لأن عطاءه سبحانه دائم لا ينفد. وإذا نظرت إلى ~~الوجود كله لوجدته دورة مكررة، فالله عز وجل قد خلق الأرض وقدر فيها ~~أقواتها، فمثلا كمية الماء التي خلقها الله في الكون هي هي لم تزد ~~ولم تنقص لأن للماء دورة في الحياة، فالماء الذي تشربه طوال حياتك لا ~~ينقص في كمية الماء الموجودة لأنه سيخرج منك ms6577 على صورة فضلات ليعود في ~~دورة الماء في الكون من جديد. وهكذا في الطعام الذي تأكله، وفي الوردة ~~الجميلة الطرية التي نقطفها، كل ما في الوجود له دورة يدور فيها، وهذا ~~معنى: # وقدر فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 10]. فمعنى: { الحق.. } [الحج: 6] هنا الثابت الذي لا يتغير ~~في الخلق وفي العطاء. فلا تظن أن عطاء الله لك شيء جديد، إنما هو عطاء ~~قديم يتكرر لك ولغيرك. ثم يقول تعالى: { وأنه يحيي ~~الموتى.. } [الحج: 6] كما قلنا في الآية السابقة: { وترى ~~الأرض هامدة.. } [الحج: 5] أي: ساكنة لا حياة فيها، والله وحده ~~القادر على إحيائها لذلك نجد علماء الفقه يسمون الأرض التي نصلحها ~~للزراعة إحياء الموات فالله تعالى هو القادر وحده على إحياء كل ميت لذلك ~~يقول بعدها: { وأنه على كل شيء قدير } [الحج: 6] وما ~~دام الأمر كذلك وما دمتم تشاهدون آية إحياء الموات في الأرض الميتة فلا ~~تنكروا البعث وإعادتكم بعد الموت. فيقول تعالى: { وأن الساعة ~~آتية لا ريب فيها... }. ### || [22.7] # وقد سبق أن أنكروا البعث بعد الموت وقالوا: # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ~~* أو آبآؤنا الأولون # [الصافات: 16-17]. فيرد عليهم الحق سبحانه: نعم، سنعيدكم بعد الموت، ~~والذي خلقكم من لا شيء قادر على إعادتكم من باب أولى لذلك يقول ~~تعالى: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه.. # [الروم: 27] والحق سبحانه هنا يخاطبنا على قدر عقولنا لأننا نفهم أن ~~الخلق من موجود أهون من الخلق من عدم، أما بالنسبة للخالق - عز وجل - ~~فليس هناك سهل وأسهل، ولا هين وأهون. فقوله تعالى: { وأن ~~الساعة آتية لا ريب فيها.. } [الحج: 7] كأن عملية إحياء ~~الموتى ليست منتهى قدرة الله، إنما في قدرته تعالى كثير من الآيات ~~والعجائب، ومعنى: { لا ريب فيها.. } [الحج: 7] أي: لا شك فيها. ~~والساعة أي: زمن القيامة وموعدها، لكن القيامة ستكون للحساب وللفصل بين ~~الناس، فلا بد من بعثهم من القبور لذلك يقول بعدها: { وأن ~~الله يبعث من في القبور } [الحج: 7]. فكل ما تقدم ~~ناشىء من أنه سبحانه هو الحق ولأنه ms6578 سبحانه الحق فهو يحيي الموتى، وهو ~~على كل شيء قدير، والساعة آتية لا ريب فيها، وهو سبحانه يبعث من في ~~القبور. ثم يقول الحق سبحانه: { ومن الناس من يجادل في ~~الله... }. ### || [22.8] # تكلمنا في أول السورة عن الجدل بالعلم والموعظة الحسنة وقلنا: العلم إما ~~علم بدهي أو علم استدلالي عقلي، أو علم بالوحي من الله سبحانه، أما ~~هؤلاء الذين يجادلون في الله بغير علم بدهي { ولا هدى.. } [الحج: 8] ~~يعني: علم استدلالي عقلي، { ولا كتاب منير } [الحج: 8] يعني: ~~وحي من الله، فهؤلاء أهل سفسطة وجدل عقيم لا فائدة منه، وعلى العاقل حين ~~يصادف مثل هذا النوع من الجدال أن لا يجاريه في سفسطته لأنه لن يصل معه ~~إلى مفيد، إنما عليه أن ينقله إلى مجال لا يحتمل السفسطة. ولنا في هذه ~~المسألة مثل وقدوة بسيدنا إبراهيم - عليه السلام - حينما جادل ~~النمرود، اقرأ قول الله تعالى: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه ~~الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن ~~الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من ~~المغرب فبهت الذي كفر.. # [البقرة: 258]. لقد اتبع النمرود أسلوب السفسطة حين قال # أنا أحيي وأميت.. # [البقرة: 258] لأنه ما فعل حقيقة الموت، ولا حقيقة الحياة، فأراد ~~إبراهيم أن يلجئه إلى مجال لا سفسطة فيه لينهي هذا الموقف ويسد على ~~خصمه باب اللدد والتهريج، فقال: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب.. # [البقرة: 258] وكانت النتيجة أن حار عدو الله جوابا # فبهت الذي كفر.. # [البقرة: 258] أي: دهش وتحير. ### || [22.9] # { ثاني.. } [الحج: 9] ثنى الشيء يعني: لواه، وعطفه: يعني ~~جنبه، والإنسان في تكوينه العام له رأس ورقبة وكتفان، وله جانبان ~~وظهر، وهذه الأعضاء تؤدي دورا في حياته وحركته، وتدل على ~~تصرفاته، فالذي يجادل في الله عن غير علم ولا هدى ولا كتاب منير يثني ~~عنك جانبه، ويلوي رأسه لأن الكلام لا يعجبه ليس لأن كلامك باطل، إنما ~~لا يعجبه لأنه أفلس وليست لديه الحجة ms6579 التي يواجهك بها، فلا يملك إلا هذه ~~الحركة. لذلك يسمى هذا الجدل " مراء " ، ومنه قوله تعالى: # أفتمارونه على ما يرى # [النجم: 12] يعني: أتجادلون رسول الله في أمر رآه؟ والمراء: هو الجدل ~~العنيف، مأخوذ من مرى الضرع يعني: حلب ما فيه من لبن إلى آخر قطرة ~~فيه، وأهل الريف يقولون عن هذه العملية قرقر البقرة يعني: أخذ كل لبنها ~~ولم يبق في ضرعها شيء. كذلك المجادل بالباطل، أو المجادل بلا علم ولا ~~حجة تراه يكابر ليأخذ آخر ما عند خصمه، ولو كان عنده علم وحجة لأنهى ~~الموقف دون لجج أو مكابرة. والقرآن الكريم يعطينا صورة لهذا الجدل ~~والإعراض عن الحق، فيقول سبحانه: # وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله ~~لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون # [المنافقون: 5]. والقرآن يعطينا التدرج الطبيعي للإعراض عن الحق الذي ~~يبدأ بلي الرأس، ثم الجانب، ثم يعطيك دبره وعرض أكتافه، هذه كلها ~~ملاحظ للفرار من الجدل، حين لا يقوى على الإقناع. ثم يقول سبحانه: { ~~ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله.. } [الحج: 9] هذه ~~علة ثنى جانبه، لأنه يريد أن يضل من اهتدى، فلو وقف يستمع ~~لخصمه وما يلقيه من حجج ودلائل لانهزم ولم يتمكن من إضلال الناس لذلك ~~يثني عطفه هربا من هذا الموقف الذي لا يقدر على مواجهته والتصدي ~~له. فما جزاء هذا الصنف؟ يقول تعالى: { له في الدنيا خزي.. } ~~[الحج: 9] والخزي: الهوان والذلة، هذا جزاء الدنيا قبل جزاء ~~الآخرة، ألم يحدث للكفار هذا الخزي يوم بدر؟ ألم يمسك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقضيب في يده قبل المعركة ويشير به: " هذا مصرع فلان، ~~وهذا مصرع فلان " ويسمي صناديد الكفر ورؤوس الضلال في قريش؟ وبعد انتهاء ~~المعركة كان الأمر كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصرع كل ~~هؤلاء الصناديد في نفس الأماكن التي أشار إليها رسول الله. ولما قتل في ~~هذه المعركة أبو جهل علاه سيدنا عبد الله بن مسعود، سبحان الله، عبد ~~الله بن مسعود راعي الغنم يعتلي ظهر سيد قريش، عندها ms6580 قال أبو جهل - وكان ~~فيه رمق حياة: لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم، ~~يعني: ركبتني يا ابن الإيه!! فأي خزي بعد هذا؟! وأبو سفيان بعد أن ~~شفع له العباس رضي الله عنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأى موكب ~~النبي يوم الفتح، وحوله رايات الأنصار في موكب رهيب مهيب، لم يملك نفسه ~~ولم يستطع أن يخفي ما في صدره، فقال للعباس رضي الله: لقد أصبح ملك ~~ابن أخيك قويا، فقال له: إنها النبوة يا أبا سفيان يعني: المسألة ليست ~~ملكا، إنما هي النبوة المؤيدة من الله. # وسيدنا أبو بكر - رضي الله عنه - حينما استأذن عليه القوم في الدخول، ~~فأذن للسابقين إلى الإسلام من العبيد والموالي، وترك بعض صناديد قريش ~~على الباب، فورمت أنوفهم من هذا الأمر واغتاظوا، وكان فيهم أبو سيدنا ~~أبي بكر فقال له: أتأذن لهؤلاء وتتركنا؟ فقال له: إنه الإسلام الذي ~~قدمهم عليكم. وقد شاهد عمر هذا الموقف فقال لهم: ما لكم ورمت ~~أنوفكم؟ وما بالكم إذا أذن لهم على ربهم وتأخرتم أنتم. فالغضب الحقيقي ~~سيكون في الآخرة حين ينادى بهؤلاء إلى الجنة، وتتأخرون أنتم في هول ~~الموقف. واقرأ قوله تعالى: # والسابقون السابقون * أولئك المقربون # [ الواقعة: 10-11]. ثم يقول تعالى: { ونذيقه يوم القيامة ~~عذاب الحريق } [الحج: 9] فهذا الخزي الذي رأوه في الدنيا لن ~~يفلتهم من خزي وعذاب الآخرة، ومعنى { عذاب الحريق } [الحج: 9] ~~الحريق: هو الذي يحرق غيره من شدته، كالنار التي أوقدوها لإبراهيم - ~~عليه السلام - وكانت تشوي الطير الذي يمر بها في السماء فيقع مشويا. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ذلك بما قدمت يداك وأن... }. ### || [22.10] # { ذلك.. } [الحج: 10] يعني خزي الدنيا وعذاب الحريق في الآخرة بما ~~قدمت، وبما اقترفت يداك، لا ظلما منا ولا اعتداء، فأنت الذي ظلمت ~~نفسك، كما قال سبحانه: # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 118] وهل أخذناهم دون إنذار، ودون أن نجرم هذا الفعل؟ لأنك ~~لا تعاقب شخصا على ذنب إلا إذا كنت قد نبهته إليه، وعرفته بعقوبته، ~~فإن عاقبته دون علمه ms6581 بأن هذا ذنب وهذه جريمة فقد ظلمته لذلك فأهل ~~القانون يقولون: لا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص. وقد جاءكم ~~النص الذي يبين لكم ويجرم هذا الفعل، وقد أبلغتكم الرسل، وسبق ~~إليكم الإنذار، كما في قوله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. { ذلك بما قدمت يداك.. } [الحج: 10] فهل ~~الذنوب كلها تقديم اليد فقط؟ الذنوب: إما أقوال، وإما أفعال، وإما عمل ~~من أعمال القلب، كالحقد مثلا أو النفاق.. إلخ لكن في الغالب ما تزاول ~~الذنوب بالأيدي. ثم يقول تعالى: { وأن الله ليس بظلام ~~للعبيد } [الحج: 10] ظلام: صيغة مبالغة من الظلم، تقول: ظالم. ~~فإن أردت المبالغة تقول: ظلام، كما تقول: فلان آكل وفلان أكول، ~~فالفعل واحد، لكن ما ينشأ عنه مختلف، والمبالغة في الفعل قد تكون في ~~الفعل نفسه أو في تكراره، فمثلا قد تأكل في الوجبة الواحدة رغيفا ~~واحدا، وقد تأكل خمسة أرغفة هذه مبالغة في الوجبة الواحدة، فأنت تأكل ~~ثلاث وجبات، لكن تبالغ في الوجبة الواحدة، وقد تكون المبالغة في عدد ~~الوجبات فتأكل في الوجبة رغيفا واحدا، لكن تأكل خمس وجبات بدلا من ~~ثلاث. فهذه مبالغة بتكرار الحدث. وصيغة المبالغة لها معنى في الإثبات ~~ولها معنى في النفي: إذا قلت: فلان أكول وأثبت له المبالغة فقد ~~أثبت له أصل الفعل من باب أولى فهو آكل، وإذا نفيت المبالغة فنفي ~~المبالغة لا ينفي الأصل، تقول: فلان ليس أكولا، فهذا لا ينفي أنه آكل. ~~فإذا طبقنا هذه القاعدة على قوله تعالى: { وأن الله ليس ~~بظلام للعبيد } [الحج: 10] فهذا يعني أنه سبحانه وتعالى ظالم ~~حاشا لله، وهنا نقول: هناك آيات أخرى تنفي الفعل، كما في قوله تعالى: # ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49] وقوله تعالى: # وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين # [الزخرف: 76]. كما أن صيغة المبالغة هنا جاءت مضافة للعبيد، فعلى فرض ~~المبالغة تكون مبالغة في تكرار الحدث { بظلام للعبيد } [الحج: ~~10] ظلم هذا، وظلم هذا، وظلم هذا، فالمظلوم عبيد، وليس عبدا واحدا. ~~والظلم في حقيقته أن يأخذ القوي حق الضعيف، ويكون ms6582 الظلم على قدر ~~قوة الظالم وقدرته، وعلى هذا إن جاء الظلم من الله تعالى وعلى قدر ~~قوته وقدرته فلا شك أنه سيكون ظلما شديدا لا يتحمله أحد، فلا نقول ~~- إذن - ظالم بل ظلام، وهكذا يتمشى المعنى مع صيغة المبالغة. فالحق ~~سبحانه ليس بظلام للعبيد لأنه بين الحلال والحرام، وبين الجريمة ووضع ~~لها العقوبة، وقد بلغت الرسل من بداية الأمر فلا حجة لأحد. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { ومن الناس من يعبد الله على حرف ~~فإن أصابه خير اطمأن به... }. ### || [22.11] # قوله تعالى: { ومن الناس من يعبد الله على حرف.. } ~~[الحج: 11] العبادة: أن تطيع الله فيما أمر فتنفذه، وتطيعه فيما نهى ~~فتجتنبه، بعض الناس يعبد الله هذه العبادة طالما هو في خير دائم وسرور ~~مستمر، فإذا أصابه شر أو وقع به مكروه ينقلب على وجهه { فإن ~~أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب ~~على وجهه.. } [الحج: 11]. والحق سبحانه يريد من عبده أن يقبل ~~على عبادته في ثبات إيمان، لا تزعزعه الأحداث، ولا تهز إيمانه فيتراجع، ~~ربك يريدك عبدا له في الخير وفي الشر، في السراء وفي الضراء، فكلاهما ~~فتنة واختبار، وما آمنت بالله إلا لأنك علمت أنه إله حكيم عادل قادر، ~~ولا بد أن تأخذ ما يجري عليك من أحداث الحياة في ضوء هذه الصفات. فإن ~~أثقلتك الحياة فاعلم أن وراء هذه حكمة إن لم تكن لك فلأولادك من بعدك، ~~فلعلهم إن وجدوك في سعة وفي خير طمعوا وفسدوا وطغوا، ولعل حياة ~~الضيق وقلة الرزق وتعبك لتوفر متطلبات الحياة يكون دافعا لهم. واقرأ ~~قوله تعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7] وقوله تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون # [الأنبياء: 35]. لا بد أن تعرف هذه الحقائق، وأن تؤمن بحكمة ربك ~~في كل ما يجريه عليك، سواء أكان نعيما أو بؤسا، فإن أصابك مرض ~~أقعدك في بيتك فقل: ماذا حدث خارج البيت، أبعدني الله عنه وعافاني ~~منه؟ فلعل الخير فيما تظنه شرا، كما قال تعالى: # وعسى أن تكرهوا شيئا ms6583 وهو خير لكم.. # [البقرة: 216]. وقد أجرى علماء الإحصاء إحصاءات على بعض بيوتنا، فوجدوا ~~الإخوة في البيت الواحد، وفي ظروف بيئية واحدة وأب واحد، وأم واحدة، حتى ~~التعليم في المدرس على مستوى واحد، ومع ذلك تجد أحد الأبناء مستقيما ~~ملتزما، وتجد الآخر على النقيض، فلما بحثوا في سبب هذه الظاهرة وجدوا ~~أن الولد المستقيم كانت فترة تربيته وطفولته في وقت كان والده مريضا ~~ويلازم بيته لمدة ست سنوات، فأخذ هذا الولد أكبر قسط من الرعاية ~~والتربية، ولم يجد الفرصة للخروج من البيت أو الاختلاط برفاق السوء. وفي ~~نموذج آخر لأحد الأبناء المنحرفين وجدوا أن سبب انحرافه أن والده في فترة ~~تربيته وتنشئته كان تاجرا، وكان كثير الأسفار، ومع ذلك كان يغدق على ~~أسرته، فتربى الولد في سعة من العيش، بدون مراقبة الأب. وفي نموذج ~~آخر وجدوا أخوين: أحدهما متفوق، والآخر فاشل، ولما بحثوا أسباب ذلك رغم ~~أنهما يعيشان ظروفا واحدة وجدوا أن الابن المتفوق صحته ضعيفة، فمال إلى ~~البيت والقراءة والاطلاع، وكان الآخر صحيحا وسيما، فمال إلى حياة ~~الترف، وقضى معظم وقته خارج البيت. # والأمثلة في هذا المجال كثيرة. إذن: فالابتلاءات لها مغانم، ومن ورائها ~~حكم لأنها ناشئة وجارية عليك بحكمة ربك وخالقك، وليست من سعيك ولا من ~~عمل يدك، وما دامت كذلك فارض بها، واعبد الله بإخلاص وإيمان ثابت في ~~الخير وفي الشر. ومعنى: { يعبد الله على حرف.. } [الحج: 11] ~~والحرف: هو طرف الشيء، كأن تدخل فتجد الغرفة ممتلئة فتجلس على طرف في آخر ~~الجالسين، وهذا عادة لا يكون معه تمكن واطمئنان، كذلك من يعبد الله ~~على حرف يعني: لم يتمكن الإيمان من قلبه، وسرعان ما يخرجه الابتلاء ~~عن الإيمان، لأنه عبد الله عبادة غير متمكنة باليقين الذي يصدر عن ~~المؤمن بإله حكيم فيما يجريه على عبده. والآية لم تترك شيئا من هواجس ~~النفس البشرية سواء في الخير أو في الشر. وتأمل قول الله تعالى: { فإن ~~أصابه خير.. } [الحج: 11] وكذلك: { وإن أصابته فتنة.. ~~} [الحج: 11] فأنت لا تقول: أصبت الخير، إنما الخير ms6584 هو الذي أصابك ~~وأتاك إلى بابك، فأنت لا تبحث عن رزقك بقدر ما يبحث هو عنك لذلك يقول ~~تعالى: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب.. # [الطلاق: 2-3]. ويقول أهل المعرفة: رزقك أعلم بمكانك منك بمكانه، يعني ~~يعرف عنوانك أما أنت فلا تعرف عنوانه، بدليل أنك قد تطلب الرزق في مكان ~~فلا ترزق منه بشيء، وقد ترى الزرع في الحقول زاهيا تأمل فيه المحصول ~~الوفير، وتبني عليه الآمال، فإذا بعاصفة أو آفة تأتي عليه، فلا ترزق ~~منه حتى بما يسد الرمق. ولنا عبرة ومثل في ابن أذينة حين ضاقت ~~به الحال في المدينة، فقالوا له: إن لك صحبة بهشام بن عبد الملك الخليفة ~~الأموي فاذهب إليه ينالك من خير الخلافة، وفعلا سافر ابن أذينة إلى ~~صديقه، وضرب إليه أكباد الإبل حتى الشام، واستأذن فأذن له، واستقبله ~~صاحبه، وسأله عن حاله فقال: في ضيق وفي شدة. وكان في مجلس الخليفة علماء ~~فقال له: يا عروة ألست القائل - وكان ابن أذينة شاعرا: # لقد علمت وما الإسراف من خلقي # أن الذي هو رزقي سوف يأتيني؟ # وهنا أحس عروة أن الخليفة كسر خاطره، وخيب أمله فيه، فقال له: جزاك ~~الله خيرا يا أمير المؤمنين، لقد ذكرت مني ناسيا، ونبهت مني ~~غافلا، ثم انصرف. فلما خرج ابن أذينة من مجلس الخليفة، وفكر الخليفة ~~في الموقف وأنب نفسه على تصرفه مع صاحبه الذي قصد خيره، وكيف أنه ~~رده بهذه الصورة، فأراد أن يصلح هذا الخطأ، فأرسل إليه رسولا يحمل ~~الهدايا الكثيرة، إلا أن رسول الخليفة كلما تبع ابن أذينة في مكان ~~وجده قد غادره إلى مكان آخر، إلى أن وصل إلى بيته، فطرق الباب، وأخبره ~~أن أمير المؤمنين قد ندم على ما كان منه، وهذه عطاياه وهداياه. # وهنا أكمل ابن أذينة بيته الأول، فقال: # أسعى له فيعنيني تطلبه # ولو قعدت أتاني لا يعنيني # كذلك نلحظ في هذه الآية: { فإن أصابه خير اطمأن به ~~وإن أصابته فتنة.. } [الحج: 11] ولم يقابل الخير بالشر، إنما ms6585 ~~سماها فتنة أي: اختبار وابتلاء لأنه قد ينجح في هذا الاختبار فلا يكون ~~شرا في حقه. ومعنى: { انقلب على وجهه.. } [الحج: 11] ~~يعني: عكس الأمر، فبعد أن كان عابدا طائعا انقلب إلى الضد فصار ~~عاصيا { خسر الدنيا والأخرة.. } [الحج: 11] وخسران الإنسان ~~لعبادته خسران كبير لا يجبر ولا يعوضه شيء لذلك يقول بعدها: { ~~ذلك هو الخسران المبين } [الحج: 11] فهل هناك خسران ~~مبين، وخسران غير مبين؟ نعم: الخسران هو الخسارة التي تعوض، أما ~~الخسارة التي لا عوض لها فهذه هي الخسران المبين الذي يلازم الإنسان ~~ولا ينفك عنه، وهو خسران لا يقتصر على الدنيا فقط فيمكن أن تعوضه ~~أو تصبر عليه، إنما يمتد للآخرة حيث لا عوض لخسارتها ولا صبر على ~~شدتها. فالخسران المبين أي: المحيط الذي يطوق صاحبه. لذلك نقول لمن ~~فقد عزيزا عليه، كالمرأة التي فقدت وحيدها مثلا: إن كان الفقيد حبيبا ~~وغاليا فبيعوه غاليا وادخلوا به الجنة، ذلك حين تصبرون على فقده ~~وتحتسبونه عند الله، وإن كنتم خسرتم به الدنيا فلا تخسروا به الآخرة، ~~فإن لطمنا الخدود وشققنا الجيوب، واعترضنا على قدر الله فيه فقد ~~خسرنا به الدنيا والآخرة. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: # " عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا ~~له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك إلا للمؤمن ". # والصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء مرتبة من مراتب الإيمان، ومرحلة ~~من مراحل اليقين في نفس المؤمن، وهي بداية وعتبة يتلوها مراحل أخرى ~~ومراق، حسب قوة الإيمان. اسمع إلى هذا الحوار الذي دار بين أهل ~~المعرفة من الزهاد، وكيف كانوا يتبارون في الوصول إلى هذه المراقي ~~الإيمانية، ويتنافسون فيها، لا عن مباهاة ومفاخرة، إنما عن نية خالصة ~~في الرقي الإيماني. يسأل أحد هؤلاء المتمكنين صاحبه: كيف حال الزهاد ~~في بلادكم؟ فقال: إن أصابنا خير شكرنا، وإن أصابنا شر صبرنا، فضحك ~~الشيخ وقال: وما في ذلك؟! إنه حال الكلاب في بلخ. أما عندنا: فإن ~~أصابنا خير آثرنا، وإن ms6586 أصابنا شر شكرنا. وهذه ليست مباهاة إنما ~~تنافس، فكلا الرجلين زاهد سالك لطريق الله، يرى نفسه محسوبا على هذا ~~الطريق، فيحاول أن يرتقي فيه إلى أعلى مراتبه، فإياك أن تظن أن ~~الغاية عند الصبر على البلاء والشكر على العطاء، فهذه البداية وبعدها ~~منازل أعلى ومراق أسمى لمن طلب العلا، وشمر عن ساعد الجد في ~~عبادة ربه. انظر إلى أحد هؤلاء الزهاد يقول لصاحبة: ألا تشتاق إلى ~~الله؟ قال: لا، قال متعجبا: وكيف ذلك؟ قال: إنما يشتاق لغائب، ومتى ~~غاب عني حتى أشتاق إليه؟ وهكذا تكون درجات الإيمان وشفافية العلاقة بين ~~العبد وربه عز وجل. ثم يقول الحق سبحانه عن هذا الذي يعبد الله على حرف: ~~{ يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه... ~~}. ### || [22.12] # معنى: { ما لا يضره.. } [الحج: 12] هل الصنم الذي يعبده الكافر ~~من دون الله يمكن أن يضره؟ لا، الصنم لا يضر، إنما الذي يضره حقيقة من ~~عانده وانصرف عن عبادته، تضره الربوبية التي يعاندها والمجازي الذي ~~يجازيه بعمله، إذن: فما معنى: { يضره.. } [الحج: 12] هنا؟ المعنى: ~~لا يضره إن انصرف عنه ولم يعبده، ولا ينفعه إن عبده: { ذلك هو ~~الضلال البعيد } [الحج: 12] نعم ضلال: لأن الإنسان يعبد ويطيع ~~من يرجو نفعه في أي شيء، أو يخشى ضره في أي شيء. وقد ذكرنا سابقا ~~قول بعض العارفين: واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، ولو قلنا هذه المقولة ~~لأبنائنا في الكتب الدراسية، واهتم بها القائمون على التربية لما أغرى ~~الأولاد بعضهم بعضا بالفساد، ولوقف الولد يفكر مرة وألف مرة في توجيهات ~~ربه، ونصائح أبيه وأمه، وكيف أنه سيترك توجيهات من يحبونه ويخافون عليه ~~ويرجون له الخير إلى إغراء صديق لا يعرف عنه وعن أخلاقه شيئا. لا بد ~~أن نطعم أبناءنا مبادئ الإسلام، ليعرف الولد منذ صغره من يحبه ~~ومن يكرهه، ومن هو أولى بطاعته. وتلحظ في الآية أن الضر سابق ~~للنفع: { ما لا يضره وما لا ينفعه.. } [الحج: 12] لأن ~~درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة لأن المفسدة خروج ms6587 الشيء عن ~~استقامة تكوينه، والنفع يزيدك ويضيف إليك، أما الضر فينقصك، لذلك خير ~~لك أن تظل كما أنت لا تنقص ولا تزيد، فإذا وقفت أمام أمرين: أحدهما ~~يجلب خيرا، والآخر يدفع شرا، فلا شك أنك ستختار دفع الشر أولا، ~~وتشتغل بدرء المفسدة قبل جلب المصلحة. وضربنا لذلك مثلا: هب أن ~~إنسانا سيرمي لك بتفاحة، وآخر سيرميك بحجر في نفس الوقت، فماذا تفعل؟ ~~تأخذ التفاحة، أو تتقي أذى الحجر؟ هذا هو معنى " درء المفسدة مقدم ~~على جلب المصلحة ". ### || [22.13] # الآية السابقة تثبت أنه يدعو ما لا يضره وما لا ينفعه، وهذه الآية ~~تثبت أنه يدعو من ضره أقرب من نفعه. صيغة أفعل التفضيل أقرب تدل ~~على أن شيئين اشتركا في صفة واحدة، إلا أن أحدهما زاد عن الآخر في هذه ~~الصفة، فلو قلت: فلان أحسن من فلان. فهذا يعني أن كلاهما حسن، لكن ~~زاد أحدهما عن الآخر في الحسن. فقوله تعالى: { يدعو لمن ضره ~~أقرب من نفعه.. } [الحج: 13] إذن: هناك نفع وهو قريب، لكن ~~الضر أقرب منه، فهذه الآية في ظاهرها تناقض الآية السابقة، والحقيقة ~~ليس هناك تناقض، ولا بد أن نفهم هذه المسألة في ضوء قوله تعالى: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82]. فالأوثان التي كانوا يعبدونها كان لها سدنة يتحكمون ~~فيها وفي عابديها، فإذا أرادوا من الآلهة شيئا قالوا للسدنة: ادعوا ~~الآلهة لنا بكذا وكذا، إذن: كان لهم نفوذ وسلطة زمنية، وكانوا هم ~~الواسطة بين الأوثان وعبادها، هذه الواسطة كانت تدر عليهم كثيرا ~~من الخيرات وتعطيهم كثيرا من المنافع، فكانوا يأخذون كل ما يهدى ~~للأوثان. فالأوثان - إذن - سبب في نفع سدنتها، لكن هذا النفع قصاراه في ~~الدنيا، ثم يتركونه بالموت، فمدة النفع قصيرة، وربما أتاه الموت قبل أن ~~يستفيد بما أخذه، وإن جاء الموت فلا إيمان ولا عمل ولا توبة، وهذا ~~معنى { ضره أقرب من نفعه.. } [الحج: 13]. لذلك يقول تعالى ~~بعدها: { لبئس المولى ولبئس العشير } [الحج: 13] كلمة ~~بئس تقال للذم وهي بمعنى: ساء وقبح، ms6588 والمولى: الذي يليك ويقرب ~~منك، ويراد به النافع لك لأنك لا تقرب إلا النافع لك، إما لأنه يعينك ~~وقت الشدة، ويساعدك وقت الضيق، وينصرك إذا احتجت لنصرته، وهذا هو ~~الولي. وإما أن تقربه منك لأنه يسليك ويجالسك وتأنس به، لكنه ضعيف ~~لا يقوى على نصرتك، وهذا هو العشير. والأصنام التي يعبدونها بئست ~~المولى لأنها لا تنصرهم وقت الشدة، وبئست العشير لأنها لا تسليهم، ولا ~~يأنسون بها في غير الشدة. ثم يقول الحق سبحانه: { إن الله يدخل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات... }. ### || [22.14] # بعد أن تكلم الحق - سبحانه وتعالى - عن الكفار وأهل النار ومن ~~يعبدون الله على حرف، كان لا بد أن يأتي بالمقابل لأن النفس عندها ~~استعداد للمقارنة والتأمل في أسباب دخول النار، وفي أسباب دخول الجنة، ~~وهذا أجدى في إيقاع الحجة. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14] وقوله تعالى: # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا.. # [التوبة: 82]. فذكر النعمة وحدها دون أن تقابلها النقمة لا تؤتي ~~الأثر المطلوب، لكن حينما تقابل النعمة بالنقمة وسلب الضر بإيجاب ~~النفع فإن كلاهما يظهر الآخر لذلك يقول تعالى: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185] فإن آمنت لا تزحزح عن النار فقط - مع أن هذه في ~~حد ذاتها نعمة - لكن تزحزح عن النار وتدخل الجنة. والإيمان: عمل ~~قلبي ومواجيد تطمئن بها النفس، لكن الإيمان له مطلوب: فأنت آمنت بالله، ~~واطمأن قلبك إلى أن الله هو الخالق الرازق واجب الوجود.. إلخ، فما ~~مطلوب هذا الإيمان؟ مطلوب الإيمان أن تستمع لأوامره، لأنه حكيم، وتثق في ~~قدرته لأنه قادر، وتخاف من بطشه لأنه جبار، ولا تيأس من بسطه لأنه ~~باسط، ولا تأمن قبضه لأنه قابض. لقد آمنت بكل هذه القضايا، فحين يأمرك ~~بأمر فعليك أن تستحضر حيثيات هذا الأمر، وأنت واثق أن ربك عز وجل لم ~~يأمرك ولم ينهك من فراغ، إنما من خلال صفات الكمال فيه سبحانه، أو ~~صفات الجلال والجبروت، فاستحضر في كل أعمالك وفي ms6589 كل ما تأتي أو تدع ~~هذه الصفات. لذلك، جمعت الآية بين الإيمان والعمل الصالح: { إن ~~الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات.. } [الحج: 14]. وفي سورة العصر: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات.. # [العصر: 1-3] ليس ذلك وفقط إنما أيضا: # وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3]. فالتواصي بالحق والصبر على الشدائد من الاستجابة لداعي ~~الإيمان وثمرة من ثماره لأن المؤمن سيتعرض في رحلة الحياة لفتن كثيرة ~~قد تزلزله، وسيواجه سخرية واستهزاء، وربما تعرض لألوان العذاب. ~~فعليه إذن - أن يتمسك بالحق ويتواصى به مع أخيه، وعليه أن يصبر، وأن ~~يتواصى بالصبر مع إخوانه، ذلك لأن الإنسان قد تعرض له فترات ضعف وخور، ~~فعلى القوي في وقت الفتنة أن ينصح الضعيف. وربما تبدل هذا الحال في ~~موقف آخر وأمام فتنة أخرى، فمن أوصيته اليوم بالصبر ربما يوصيك غدا، ~~وهكذا يثمر في المجتمع الإيماني التواصي بالحق والتواصي بالصبر. إذن: ~~تواصوا لأنكم ستتعرضون لهزات ليست هزات شاملة جامعة، إنما هزات ~~يتعرض لها البعض دون الآخر، فإن ضعفت وجدت من إخوانك من يواسيك: ~~اصبر، تجلد، احتسب. # وإياك أن تزحزحك الفتنة عن الحق، أو تخرج عن الصبر، وهذه عناصر النجاة ~~التي ينبغي للمؤمنين التمسك بها: إيمان، وعمل صالح، وتواص بالحق، وتواص ~~بالصبر. وقوله سبحانه: { جنات تجري من تحتها الأنهار.. } ~~[الحج: 14] الجنات: هي الحدائق والبساتين المليئة بأنواع المتع: الزرع، ~~والخضرة، والنضارة، والزهور، والرائحة الطيبة، وهذه كلها بنت الماء لذلك ~~قال { تجري من تحتها الأنهار.. } [الحج: 14] ومعنى: { من ~~تحتها.. } [الحج: 14] أن الماء ذاتي فيها، لا يأتيها من مكان آخر ~~ربما ينقطع عنها، كما جاء في آية أخرى: # تجري تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100]. ثم يقول سبحانه: { إن الله يفعل ما يريد } ~~[الحج: 14] لأنه سبحانه لا يعجزه شيء، ولا يعالج أفعاله كما يعالج ~~البشر أفعالهم # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82] ولو تأملت هذه الآية لوجدت الشيء الذي يريده الله ويأمر ~~بكونه موجودا في الحقيقة، بدليل أن الله تعالى يخاطبه # يقول له كن فيكون ms6590 # [يس: 82] فهو - إذن - كائن فعلا، وموجود حقيقة، والأمر هنا إنما هو ~~لإظهاره في عالم المشاهدة. ثم يقول سبحانه: { من كان يظن أن لن ~~ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد... }. ### || [22.15] # يظن تفيد علما غير يقيني وغير متأكد، وسبق أن تكلمنا في نسبة ~~القضايا، فهناك حكم محكوم به ومحكوم عليه، تقول: زيد مجتهد، فأنت تعتقد ~~في نسبة الاجتهاد لزيد، فإن كان اعتقادك صحيحا فتستطيع أن تقدم ~~الدليل على صحته فتقول: بدليل أنه ينجح كل عام بتفوق. أما إذا اعتقد هذه ~~القضية ولم يقدم عليها دليلا كأن سمع الناس يقولون: زيد مجتهد. ~~فقال مثلهم، لكن لا دليل عنده على صدق هذه المقولة، كالطفل الذي ~~نلقنه # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] هذه قضية واقعية يعتقدها الولد، لكن لا يستطيع أن يقدم ~~الدليل عليها إلا عندما يكبر ويستوي تفكيره. فمن أين أخذ الطفل هذه ~~القضية واعتقدها؟ أخذها من المأمون عليه: من أبيه أو من أستاذه ثم ~~قلده. إذن: إن كانت القضية واقعة، لكن لا تستطيع أن تقيم الدليل ~~عليها فهي تقليد، فإن اعتقدت قضية واقعة، وأقمت الدليل عليها، فهذا ~~أسمى مراتب العلم، فإن اعتقدت قضية غير واقعية، فهذا جهل. فالجاهل: ~~من يعتقد شيئا غير واقع، وهذا الذي يتعب الدنيا كلها، ويشقي من ~~حوله، لأن الجاهل الأمي الذي لا يعلم شيئا، وليست لديه فكرة يعتقدها ~~صفحة بيضاء، تستطيع أن تقنعه بالحقيقة ويقبلها منك لأنه خالي الذهن ولا ~~يعارضك. أما الجاهل صاحب الفكرة الخاطئة فيحتاج منك أولا أن تقنعه ~~بخطأ فكرته حتى يتنازل عنها، ثم تلقي إليه بالفكرة الصواب. فإن ~~تشككت في النسبة بحيث استوت عندك نسبة الخطأ مع نسبة الصواب، فهذا هو ~~الشك، فلا تستطيع أن تجزم باجتهاد زيد، ولا بعدم اجتهاده، فإن غلب ~~الاجتهاد فهو ظن، فإن غلب عدم الاجتهاد فهو وهم. إذن: نسبة القضايا ~~إما علم تعتقده: وهو واقع وتستطيع أن تقيم الدليل عليه، أو تقليد: وهو ~~ما تعتقده وهو واقع، لكن لا تقدر على إقامة الدليل عليه، أو جهل: حين ~~تعتقد شيئا ms6591 غير واقع، أو شك: حين لا تجزم بالشيء ويستوي عندك النفي ~~والإثبات، أو ظن: حين ترجح الإثبات، أو وهم: حين ترجح النفي. فالظن ~~في قوله تعالى: { من كان يظن أن لن ينصره الله.. } ~~[الحج: 15] أي: يمر بخاطره مجرد مرور أن الله لن ينصر محمدا، أو يتوهم ~~ذلك - ولا يتوهم ذلك إلا الكفار - لأنهم يأملون ذلك في معركة الإيمان ~~والكفر - من ظن هذا الظن فعليه أن ينتهي عنه لأنه أمر بعيد، لن ~~يحدث ولن يكون. وقد ظن الكفار هذا الظن حين رأوا بوادر نصر الإيمان ~~وعلامات فوزه، فاغتاظوا لذلك، ولم يجدوا شيئا يريح خاطرهم إلا هذا الظن. ~~لذلك يرد الله غيظهم عليهم، فيقول لهم: ستظلون بغيظكم لأن النصر ~~للإيمان ولجنوده مستمر، فليس أمامك إلا أن تجعل حبلا في السماء وتربط ~~عنقك به، تشنق نفسك حتى تقع، فإن كان هذا الكيد لنفسك ينجيك من الغيظ ~~فافعل: { فليمدد بسبب إلى السمآء ثم ليقطع ~~فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ } [الحج: 15]. # لكن ما الغيظ؟ الغيظ: نوع من الغضب مصحوب ومشوب بحزن وأسى وحسرة ~~حينما ترى واقعا يحدث أمام عينيك ولا يرضيك، وفي الوقت نفسه لا تستطيع ~~أن تفعل شيئا تمنع به ما لا يرضيك. وهذه المادة غيظ موجودة في مواضع ~~أخرى من كتاب الله، وقد استعملت حتى للجمادات التي لا تحس، اقرأ ~~قول الله تعالى عن النار: # تكاد تميز من الغيظ.. # [الملك: 8] وقال: # إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا ~~وزفيرا # [الفرقان: 12] فكأن النار مغتاظة من هؤلاء، تتأهب لهم وتنتظرهم. ~~والغيظ يقع للمؤمن والكافر، فحين نرى عناد الكفار وسخريتهم واستهزاءهم ~~بالإيمان نغتاظ، لكن يذهب الله غيظ قلوبنا، كما قال سبحانه: # ويذهب غيظ قلوبهم.. # [التوبة: 15]. أما غيظ الكفار من نصر الإيمان فسوف يبقى في قلوبهم، ~~فربنا - سبحانه وتعالى - يقول لهم: ثقوا تماما أن الله لم يرسل ~~رسولا إلا وهو ضامن أن ينصره، فإن خطر ببالكم خلاف ذلك فلن يريحكم ~~ويشفي غيظكم إلا أن تشنقوا أنفسكم لذلك خاطبهم الحق سبحانه في آية ~~أخرى فقال: # قل ms6592 موتوا بغيظكم.. # [آل عمران: 119]. ومعنى: { فليمدد بسبب إلى السمآء.. } ~~[الحج: 15] { فليمدد.. } [الحج: 15]: من مد الشيء يعني: أطاله ~~بعد أن كان مجتمعا، ومنه قوله تعالى: # والأرض مددناها.. # [الحجر: 19] فكلما تسير تجد أرضا ممتدة ليس لها نهاية، وليس لها ~~حافة. والسبب: الحبل، يخرجون به الماء من البئر، لكن هل يستطيع أحد ~~أن يربط حبلا في السماء؟ إذن: علق المسألة على محال، وكأنه يقول لهم: ~~حتى إن أردتم شنق أنفسكم فلن تستطيعوا، وسوف تظلون هكذا بغيظكم. أو: ~~يكون المعنى: { إلى السمآء.. } [الحج: 15] يعني: سماء البيت وسقفه، ~~كمن يشنق نفسه في سقف البيت. ويمكن أن نفهم السبب على أنه أي شيء ~~يوصلك إلى السماء، وأي وسيلة للصعود، فيكون المعنى: خذوا أي طريقة ~~توصلكم إلى السماء لتمنعوا عن محمد أسباب النصر لأن نصر محمد يأتي ~~من السماء فامنعوه، وهذه أيضا لا يقدرون عليها، وسيظل غيظهم في قلوبهم. ~~وتلحظ أننا نتكلم عن محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن الآية لم تذكر شيئا ~~عنه، وكل ما جاء في الآية ضمير الغائب المفرد في قوله تعالى: { من كان ~~يظن أن لن ينصره الله.. } [الحج: 15] والحديث موجه ~~للكفار المغتاظين من بوادر النصر لركب الإيمان، فقوله: { ينصره.. } ~~[الحج: 15] ينصر من؟ لا بد أنه محمد، لماذا؟ قالوا: لأن الأسماء ~~حينما تطلق تدل على معان، فعندما تقول " سماء " نفهم المراد، ~~وعندما تقول " قلب " نفهم، " نور " نعرف المراد. # والأسماء إما اسم ظاهر مثل: محمد وعلي وعمر وأرض وسماء، وإما ضمائر تدل ~~على هذه الأسماء الظاهرة مثل: أنا، أنت، هو، هم. والضمير مبهم لا ~~يعينه إلا التكلم، فأنت تقول: أنا وكذلك غيرك يقول أنا أو نحن، ~~فالذي يعين الضمير المتكلم به حال الخطاب، فعمدة الفهم في الضمائر ~~ذات المتكلم وذات المخاطب. فإن لم يكن متكلما ولا مخاطبا فهو غائب، ~~فمن أين تأتي بقرينة التعريف للغائب؟ حين تقول: هو، هي، هم. من المراد ~~بهذه الضمائر؟ كيف تعينها؟ إن عينت المتكلم بكلامه، والمخاطب ~~بمخاطبته، كيف تعين الغائب؟ قالوا: لا بد أن يسبقه شيء يدل عليه، ms6593 ~~كأن تقول: جاءني رجل فأكرمته، أكرمت من؟ أكرمت الرجل الذي تحدثت عنه، ~~جاءتني امرأة فأكرمتها، جاء قوم فلان فأكرمتهم. إذن: فمرجع الضمير هو ~~الذي يدل عليه. لكن لم يسبق ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~الضمير ليعينه ويدل عليه، نعم لم يسبق ذكر لرسول الله، لكن تأمل ~~المعنى: الكلام هنا عن النصر بين فريق الإيمان وعلى رأسه محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وفريق الكفر وعلى رأسه هؤلاء المعاندون، فالمقام متعين أنه ~~لا يعود الضمير إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثال ذلك قوله ~~تعالى: # إنا أنزلناه.. # [القدر: 1]. فالضمير هنا متعين، ولا ينصرف إلا إلى القرآن، ولا يتعين ~~الضمير إلا إذا كان الخاطر لا ينصرف إلى غيره في مقامه. اقرأ: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] تلحظ أن الضمير سابق على الاسم الظاهر، فالمرجع متأخر، ومع ~~ذلك لا ينصرف الضمير إلا إلى الله، فإذا قيل: هو هكذا على انفراد لا ~~يمكن أن ينصرف إلا لله عز وجل. كذلك في قوله تعالى: # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها ~~من دآبة.. # [النحل: 61]. على ظهر أي شيء؟ الذهن لا ينصرف في هذا المقام إلا ~~إلى الأرض. وقوله تعالى: { فلينظر هل يذهبن كيده ما ~~يغيظ } [الحج: 15] الاستفهام هنا ممن يعلم، فهو استفهام للتقرير، ~~ليقروا هم بأنفسهم أن غيظهم سيظل كما هو، لا يشفيه شيء، وأنهم ~~سيموتون بغيظهم، كما قال تعالى: # قل موتوا بغيظكم.. # [آل عمران: 119]. ثم يقول الحق سبحانه: { وكذلك أنزلناه ~~آيات بينات... }. ### || [22.16] # قوله { أنزلناه.. } [الحج: 16] أي: القرآن لأن الضمير هنا كما ~~ذكرنا مرجعه متعين، وما دام مرجعه متعينا فلا يحتاج لذكر سابق. ~~والإنزال يحمل معنى العلو، فإن رأيت في هذا التشريع الذي جاءك في ~~القرآن ما يشق عليك أو يحول بينك وبين ما تشتهيه نفسك، فاعلم أنه من ~~أعلى منك، من الله، وليس من مساو لك، يمكن أن تستدرك عليه أو ~~تناقشه: لماذا هذا الأمر؟ ولماذا هذا النهي؟ فطالما أن الأمر يأتيك من ~~الله فلا بد أن تسمع ms6594 وتطيع ولا تناقش. ولنا أسوة في هذا التسليم ~~بسيدنا أبي بكر لما قالوا له: إن صاحبك يقول: إنه أسري به الليلة من ~~مكة إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء، فما كان من الصديق إلا ~~أن قال: إن كان قال فقد صدق، هكذا دون مناقشة، فالأمر من أعلى، من ~~الله. وقلنا: إنك لو عدت مريضا فوجدت بجواره كثيرا من الأدوية ~~فسألته: لماذا كل هذا الدواء؟ قال: لقد وصفه الطبيب، فأخذت تعترض على هذا ~~الدواء، وتذكر من تفاعلاته وأضراره وعناصره، وأقحمت نفسك في مسألة لا ~~دخل لك بها. هذا قياس مع الفارق ومع الاعتراف بأخطاء الأطباء في وصف ~~الدواء، لكن لتوضيح المسألة ولله المثل الأعلى، وصدق القائل: # سبحان من يرث الطبيب وطبه # ويري المريض مصارع الآسينا # إذن: حجة كل أمر ليس أن نعلم حكمته، إنما يكفي أن نعلم الآمر به. ~~ومعنى { آيات.. } [الحج: 16] أي: عجائب { بينات.. } [الحج: 16] ~~واضحات. وسبق أن ذكرنا أن كلمة الآيات تطلق على معان ثلاثة: الآيات ~~الكونية التي تثبت قدرة الله، وبها يستقر الإيمان في النفوس، ومنها ~~الليل والنهار والشمس والقمر، والآيات بمعنى المعجزات المصاحبة للرسل ~~لإثبات صدق بلاغهم عن الله، والآيات التي يتكون منها القرآن، ~~وتسمى " حاملة الأحكام ". فالمعنى هنا { وكذلك أنزلناه ~~آيات بينات.. } [الحج: 16] تحمل كلمة الآيات كل هذه المعاني، ~~فآيات القرآن فيها الآيات الكونية، وفيها المعجزة، وهي ذاتها آيات ~~الأحكام. ثم يقول سبحانه: { وأن الله يهدي من يريد } ~~[الحج: 16] وهذه من المسائل التي وقف الناس حولها طويلا: # يضل من يشآء ويهدي من يشآء.. # [النحل: 93] وأمثالها تمسك بها من ليس لهم حظ من الهداية، ~~يقولون: لم يرد الله لنا الهداية، فماذا نفعل؟ وما ذنبنا؟ وهذه وقفة ~~عقلية خاطئة لأن الوقفة العقلية تقتضي أن تذكر الشيء ومقابله، أما ~~هؤلاء فقد نبهوا العقل للتناقض في واحدة وتركوا الأخرى، فهي - إذن - ~~وقفة تبريرية، فالضال الذي يقول: لقد كتب الله علي الضلال، فما ذنبي؟ ~~لماذا لم يقل: الطائع الذي كتب الله له الهداية، لماذا يثيبه؟! # فلماذا تركتم الخير وناقشتم ms6595 في الشر؟ والمتأمل في الآيات التي تتحدث عن ~~مشيئة الله في الإضلال والهداية يجد أنه سبحانه قد بين من شاء أن ~~يضله، وبين من شاء أن يهديه، اقرأ قوله تعالى: # إن الله لا يهدي القوم الكافرين # [المائدة: 67] إذن: كفره سابق لعدم هدايته وقوله: # إن الله لا يهدي القوم الفسقين # [المنافقون: 6] وقوله: # إن الله لا يهدي القوم الظالمين # [القصص: 50]. إنما يهدي من آمن به، أما هؤلاء الذين اختاروا الكفر ~~واطمأنوا إليه وركنوا، فإن الله تعالى يختم على قلوبهم، فلا يدخلها ~~الإيمان، ولا يخرج منها الكفر، لأنهم أحبوه فزادهم منه كما زاد ~~المؤمنين إيمانا: # والذين اهتدوا زادهم هدى.. # [محمد: 17]. والهداية هنا بمعنى الدلالة على الخير، وسبق أن ضربنا لها ~~مثلا، ولله تعالى المثل الأعلى: هب أنك تسلك طريقا لا تعرفه، ~~فتوقفت عند جندي المرور وسألته عن وجهتك فدلك عليها، ووصف لك الطريق ~~الموصل إليها. لكن، هل دلالته لك تلزمك أن تسلك الطريق الذي وصف ~~لك؟ بالطبع أنت حر تسير فيه أو في غيره. فإذا ما حفظت لرجل المرور ~~جميله وشكرته عليه، ولمس هو فيك الخير، فإنه يعينك بنفسه على عقبات ~~الطريق، وربما ركب معك ليجتاز بك منطقة خطرة يخاف عليك منها. هذا معنى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. أما لو تعاليت على هذا الرجل، أو اتهمته بعدم المعرفة ~~بمسالك الطرق، فإنه يدعك وشأنك، ويضن عليك بمجرد النصيحة. وهكذا.. ~~الحق - سبحانه وتعالى - دل المؤمن ودل الكافر على الخير، المؤمن ~~رضي بالله وقبل أمره ونهيه، وحمد الله على هذه النعمة، فزاده إيمانا ~~وأعانه على مشقة العبادة، وجعل له نورا يسير على هديه، أما الكافر فقد ~~تركه يتخبط في ظلمات كفره، ويتردد في متاهات العمى والضلال. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئين والنصارى والمجوس... }. ### || [22.17] # هذه فئات ست أخبر الله عنها بقوله: { إن الله يفصل بينهم ~~يوم القيامة.. } [الحج: 17] ومعنى الفصل بينهم أن بينهم خلافا ~~ومعركة، ولو تتبعت الآيات التي ذكرت هذه الفئات تجد أن هناك آيتين في ~~البقرة ms6596 وفي المائدة. يقول تعالى: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ~~ولا هم يحزنون # [البقرة: 62]. وفي المائدة يقدم الصابئين على النصارى، وفي هذا ~~الموضع تأتي بالرفع بالواو، يقول تعالى: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ~~والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل ~~صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [المائدة: 69]. { الذين آمنوا.. } [الحج: 17] أي: بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، { والذين هادوا.. } [الحج: 17] أي: اليهود، ثم ~~النصارى وهما قبل الإسلام، أما الصابئون: فهؤلاء جماعة كانوا على دين ~~إبراهيم عليه السلام، ثم عبدوا الكواكب فسموا الصابئة لخروجهم عن ~~الدين الحق. أما المجوس: فهم عبدة النار، والذين أشركوا: هم المشركون ~~عبدة الأصنام والأوثان. أما التقديم والتأخير بين النصارى والصابئين، ~~قالوا: لأن النصارى فرقة كبيرة معروفة ولهم نبي، أما الصابئة فكانوا ~~جماعة خرجوا على نبيهم وخالفوه وأتوا بعقيدة غير عقيدته، فهم قلة، ~~لكن سبقوا النصارى في الترتيب الزمني لذلك حين يراعي السبق الزمني ~~يقول: { والصابئين والنصارى.. } [الحج: 17] وحين يراعي الكثرة ~~والشهرة، يقول: # والنصارى والصابئين.. # [البقرة: 62] فكل من التقديم أو التأخير مراد لمعنى معين. أما ~~قوله: # والصابئون.. # [المائدة: 69] بالرفع على خلاف القاعدة في العطف، حيث عطفت على منصوب، ~~والمعطوف تابع للمعطوف عليه في إعرابه، فلماذا وسط مرفوعا بين ~~منصوبات؟ قالوا: لا يتم الرفع بين المنصوبات إلا بعد تمام الجملة، فكأنه ~~قال: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، والصابئون كذلك، فعطف هنا ~~جملة تامة، فهي مؤخرة في المعنى، مقدمة في اللفظ، وهكذا تشمل الآية ~~التقديم والتأخير السابق. لكن، كيف ينشأ الخلاف بين الأديان؟ ينشأ الخلاف ~~من أن قوما يؤمنون بإله ويؤمنون بالنبي المبلغ عن هذا الإله، لكنهم ~~يختلفون على أشياء فيما بينهم، كما نرى الخلاف مثلا بين المعتزلة وأهل ~~السنة، أو الجبرية والقدرية، فجماعة تثبت الصفات، وآخرون ينكرونها، ~~جماعة يقولون: الإنسان مجبر في تصرفاته، وآخرون يقولون: بل هو مختار. ~~وقد ينشأ الخلاف بين الأديان للاختلاف في النبوات، فأهل الديانات يؤمنون ~~بالإله الفاعل ms6597 المختار، لكن يختلفون في الأنبياء موسى وعيسى ومحمد مع ~~أنهم جميعا حق. وقد ينشأ الخلاف من الادعاء، كالذين يدعون النبوة ~~كهؤلاء الذين يعبدون النار، أو يعبدون بوذا مثلا. فهذه ست طوائف مختلفة ~~ذكرتهم الآية، فما حكم هؤلاء جميعا بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؟ ~~نقول: أما المشركون الذين عبدوا الأصنام، وكذلك الذين عبدوا النبوة ~~المدعاة، فهؤلاء كفار ضائعون. # أما اليهود والنصارى الذين يؤمنون بإله فاعل مختار، ويؤمنون بنبوة ~~صادقة، فشأنهم بعد ظهور الإسلام، أن الله تعالى أقام لنا تصفية آخر الأمر ~~لهذه الديانات، فمن كان يهوديا قبل الإسلام، ومن كان نصرانيا قبل ~~الإسلام، فإن الله أجرى لهم تصفية عقدية هي الإسلام، فإن كانوا مؤمنين ~~الإيمان الأول بالله تعالى فعليهم أن يبدأوا من جديد مؤمنين مسلمين. ~~لذلك قال بعدها: # من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون # [البقرة: 62]. فبعد ظهور الإسلام بدأت لهؤلاء جميعا - اليهود والنصارى ~~والمجوس والمشركين - حياة جديدة، وفتحت لهم صفحة جديدة هم فيها أولاد ~~اليوم، حيث لزمهم جميعا الإيمان بالله تعالى والإيمان بنبيه محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وكأن الإسلام تصفية وأوكازيون إيماني يجب ما قبله، ~~وعفا الله عما سلف. والحق - سبحانه - حينما تكلم عن الأجيال السابقة ~~لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم قال: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم من الشاهدين # [آل عمران: 81]. لذلك نبه كل من موسى وعيسى - عليهما السلام - ~~بوجود محمد صلى الله عليه وسلم وبشروا به، بدليل قول الله تعالى: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به.. # [البقرة: 89] والمراد اليهود والنصارى. وقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم ~~رحمة للعالمين، وجامعا للأديان كلها في الإسلام الذي زاد عليها ما زاد ~~مما تقتضيه أمور الحياة وتطورات العصر، إلى أن تقوم الساعة. جاء الإسلام ~~تصفية لهؤلاء، استأنفوها بإيمان، واستأنفوها بعمل صالح، فكان ms6598 لهم أجرهم ~~كاملا عند ربهم لا يطعن فيهم دينهم السابق، ولا عقائدهم الفاسدة ~~الكافرة. أما إن حدث خلاف حول النبوات كما تذكر الآية التي نحن بصددها: ~~{ إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله ~~على كل شيء شهيد } [الحج: 17] والفصل أن نعرف من المحق ~~ومن المبطل، وهكذا جمعت الآيات بين حالة الاتفاق وحالة الاختلاف ~~وبينت جزاء كل منهما. فالفصل إما فصل أماكن، وإما فصل جزاءات، قالوا: ~~بالطبع فالحكم بينهم: هذا محق وهذا مبطل سيؤدي إلى اختلاف الأماكن ~~واختلاف الجزاءات. وقوله تعالى: { إن الله على كل شيء ~~شهيد } [الحج: 17] لأن الله تعالى هو الحكم الذي يفصل بين عباده، ~~والحكم يحتاج إما إلى بينة أو شهود، والشهود لا بد أن يكونوا عدولا، ~~ولا يتحقق العدل في الشهادة إلا بدين يمنع الإنسان أن يميل عن الحق، فإن ~~كان الحكم هو الله فلا حاجة لبينة، ولا حاجة لشهود لأنه سبحانه يحيط ~~علمه بكل شيء، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. # ومن العجيب أن الحكم والفصل من الحق سبحانه يشمل كل السلطات: ~~التشريعية والقضائية والتنفيذية، فحكمه سبحانه لا يؤجل ولا يتحايل ~~عليه، ولا تضيع فيه الحقوق كما تضيع في سراديب وأدراج المحاكم. أما حكم ~~البشر فينفصل فيه التشريع عن القضاء عن التنفيذ، فربما صدر الحكم وتعطل ~~تنفيذه، أما حكم الله فنافذ لا يؤجله شيء. إذن: المسألة لن تمر ~~هكذا، بل هي محسوبة لك أو عليك. ثم يقول الحق سبحانه: { ألم تر ~~أن الله يسجد له من في السماوات ومن في ~~الأرض... }. ### || [22.18] # قوله تعالى: { ألم تر.. } [الحج: 18] يعني: ألم تعلم لأن السجود ~~من هذه الأشياء سجود على حقيقته كما نعلمه في السجود من أنفسنا، ولكل جنس ~~من أجناس الكون سجود يناسبه. وسبق أن تحدثنا عن أجناس الكون وهي أربعة: ~~أدناها الجماد، ثم يليه النبات، حيث يزيد عليه خاصية النمو وخاصية ~~الحركة، ثم يليه الحيوان الذي يزيد خاصية الإحساس، ثم يليه الإنسان ويزيد ~~عليه خاصية الفكر والاختيار بين البدائل. وكل جنس ms6599 من هذه الأجناس يخدم ما ~~هو أعلى منه، حيث تنتهي هذه الدائرة بأن كل ما في كون الله مسخر ~~لخدمة الإنسان، وفي الخبر: " يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك ~~من أجلي، فلا تشتغل بما هو لك عمن أنت له ". فكان على الإنسان أن ~~يفكر في هذه الميزة التي منحه ربه إياها، ويعلم أن كل شيء في الوجود ~~مهما صغر فله مهمة يؤديها، ودور يقوم به. فأولى بك أيها الإنسان ~~وأنت سيد هذا الكون أن يكون لك مهمة، وأن يكون لك دور في الحياة فلست ~~بأقل من هذه المخلوقات التي سخرها الله لك، وإلا صرت أقل منها ~~وأدنى. إن كانت مهمة جميع المخلوقات أن تخدمك لأنك أعلى منها، فانظر إلى ~~مهمتك لمن هو أعلى منك، فإذا جاءك رسول من أعلى منك لينبهك إلى هذه ~~المهمة كان عليك أن تشكره لأنه نبهك إلى ما ينبغي لك أن تشتغل به، وإلى ~~من يجب عليك الاتصال به دائما لذلك فالرسول لا يصح أن تنصرف عنه أبدا ~~لأنه يوضح لك مسائل كثيرة هي محل للبحث العقلي. وكان على العقل ~~البشري أن يفكر في كل هذه الأجناس التي تخدمه: ألك قدرة عليها؟ لقد ~~خدمتك منذ صغرك قبل أن توجه إليها أمرا، وقبل أن توجد عندك ~~القدرة لتأمر أو لتتناول هذه الأشياء، كان عليك أن تتنبه إلى القوة ~~الأعلى منك ومن هذه المخلوقات، القوة التي سخرت الكون كله لخدمتك، ~~وهذا بحث طبيعي لا بد أن يكون. هذه الأشياء في خدمتها لك لم تتأب ~~عليك، ولم تتخلف يوما عن خدمتك، انظر إلى الشمس والقمر وغيرهما: أقالت ~~الشمس يوما: إن هؤلاء القوم لا يستحقون المعروف، فلن أطلع عليهم اليوم؟! ~~الأرض: هل ضنت في يوم على زارعها؟ الريح: هل توقفت عن الهبوب. وكلها ~~مخلوقات أقوى منك، ولا قدرة لك عليها، ولا تستطيع تسخيرها، إنما هي في ~~قبضة الله - عز وجل - ومسخرة لك بأمره سبحانه، ولأنها مسخرة فلا ~~تتخلف أبدا عن أداء مهمتها. أما الإنسان فيأتي منه الفساد، ويأتي ms6600 منه ~~الخروج عن الطاعة لما منحه الله من منطقة الاختيار. # البعض يقول عن سجود هذه المخلوقات أنه سجود دلالة، لا سجودا على ~~حقيقته، لكن هذا القول يعارضه قول الله تعالى: # كل قد علم صلاته وتسبيحه.. # [النور: 41]. فلكل مخلوق مهما صغر صلاة وتسبيح وسجود، يتناسب وطبيعته، ~~إنك لو تأملت سجود الإنسان بجبهته على الأرض لوجدت اختلافا بين الناس ~~باختلاف الأحوال، وهم نوع واحد، فسجود الصحيح غير سجود المريض الذي يسجد ~~وهو على الفراش، أو جالس على مقعد، وربما يشير بعينه، أو أصبعه للدلالة ~~على السجود، فإن لم يستطع أجرى السجود على خاطره. فإذا كان السجود يختلف ~~بهذه الصورة في الجنس الواحد حسب حاله وقدرته وطاقته، فلماذا نستبعد أن ~~يكون لكل جنس سجوده الخاص به، والذي يتناسب مع طبيعته؟ وإذا كان هذا حال ~~السجود في الإنسان، فهل ننتظر مثلا أن نرى سجود الشمس أو سجود القمر؟! ~~ما دام الحق - سبحانه وتعالى - قال إنها تسجد، فلا بد أن نؤمن ~~بسجودها، لكن على هيئة لا يعلمها إلا خالقها عز وجل. بالله، لو جلس مريض ~~يصلي على مقعد أو على الفراش، أتعرف وهو أمامك أنه يسجد؟ إذن: كيف نطمع ~~في معرفة كيفية سجود هذه المخلوقات؟ ومن معاني السجود: الخضوع والطاعة، ~~فمن يستبعد أن يكون سجود هذه المخلوقات سجودا على الحقيقة، فليعتبر ~~السجود هنا للخضوع والانقياد والطاعة، كما تقول على إنسان متكبر: جاء ~~ساجدا يعني: خاضعا ذليلا، ومنه قوله تعالى: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين # [فصلت: 11]. إذن: لك أن تفهم السجود على أي هذه المعاني تحب، فلن تخرج ~~عن مراده سبحانه، ومن رحمة الله أن جعل هذه المخلوقات خاضعة لإرادته، لا ~~تنحل عنها أبدا ولا تتخلف، كما قال سبحانه: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. ونحن نتناقل الآن، ونروي بعض حوارات السالكين وأهل ~~المعرفة وأصحاب الفيوضات الذين فهموا عن الله وتذوقوا لذة ms6601 قربه، ~~وكانوا يتحاورون ويتنافسون لا للمباهاة والافتخار، إنما للترقي في القرب ~~من الله. جلس اثنان من هؤلاء العارفين وفي فم أحدهم نخمة يريد أن ~~يبصقها، وبدت عليه الحيرة، وهو ينظر هنا وهناك فقال له صاحبه: ألقها ~~واسترح، فقال: كيف وكلما أردت أن أبصقها سمعت الأرض تسبح فاستحيت ~~أن ألقيها على مسبح، فقال الآخر - ويبدو أنه كان في منزلة أعلى منه ~~- وقد افتعل البصق وقال: مسبح في مسبح. إذن: فأهل الكشف ~~والعارفون بالله يدركون هذا التسبيح، ويعترفون به، وعلى قدر ما لديك من ~~معرفة بالله، وما لديك من فهم وإدراك يكون تلقيك وتقبلك لمثل هذه ~~الأمور الإيمانية. والحق - سبحانه وتعالى - حين قال: { ألم تر أن ~~الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض. # . } [الحج: 18] معلوم أن من في السماوات هم الملائكة ولسنا منهم، لكن ~~نحن من أهل الأرض ويشملنا حكم السجود وندخل في مدلولة، فلماذا قال بعدها: ~~{ وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب.. } ~~[الحج: 18]. كلمة: { وكثير من الناس وكثير حق عليه ~~العذاب.. } [الحج: 18] تبين أن لنا قهرية وتسخيرا وسجودا كباقي ~~أجناس الكون، ولنا أيضا منطقة اختيار. فالكافر الذي يتعود التمرد ~~على خالقه: يأمره بالإيمان فيكفر، ويأمره بالطاعة فيعصي، فلماذا لا يتمرد ~~على طول الخط؟ لماذا لا يرفض المرض إن أمرضه الله؟ ولماذا لا يرفض الموت ~~إن حل به؟ إذن: الإنسان مؤتمر بأمر الله مثل الشجر والحجر ~~والحيوان، ومنطقة الاختيار هي التي نشأ عنها هذا الانقسام: كثير آمن، ~~وكثير حق عليه العذاب. لكن، لماذا لم يجعل الله - سبحانه وتعالى - ~~الخلق جميعا مسخرين؟ قالوا: لأن صفة التسخير وعدم الخروج عن مرادات ~~الله تثبت لله تعالى صفة القدرة على الكل، إنما لا تثبت لله المحبوبية، ~~المحبوبية لا تكون إلا مع الاختيار: أن تكون حرا مختارا في أن ~~تؤمن أو تكفر فتختار الإيمان، وأن تكون حرا وقادرا على المعصية، ~~لكنك تطيع. وضربنا لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى -: هب أن عندك ~~عبدين، تربط أحدهما إليك في سلسلة مثلا، وتترك الآخر حرا، فإن ناديت ~~عليهما ms6602 أجاباك، فأيهما يكون أطوع لك: المقهور المجبر، أم الحر الطليق؟. ~~إذن: التسخير والقهر يثبت القدرة، والاختيار يثبت المحبة. والخلاف الذي ~~حدث من الناس، فكثير منهم آمن، وكثير منهم حق عليه العذاب، من أين هذا ~~الاختلاف يا رب؟ مما خلقته فيك من اختيار، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء ~~فليكفر، فكأن كفر الكافر واختياره لأن الله سخره للاختيار، فهو حتى في ~~اختياره مسخر. أما قوله تعالى: { وكثير من الناس.. } [الحج: ~~18] يعني: باختياراتهم، وكان المفروض أن يقول في مقابلها: وقليل، لكن ~~هؤلاء كثير، وهؤلاء كثير أيضا. ومعنى: { حق عليه العذاب.. } ~~[الحج: 18] حق: يعني ثبت، فهذا أمر لا بد منه، حتى لا يستوي المؤمن ~~والكافر: # أفنجعل المسلمين كالمجرمين # [القلم: 35] إذن: لا بد أن يعاقب هؤلاء، والحق يقتضي ذلك. وقوله ~~سبحانه: { ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله ~~يفعل ما يشآء } [الحج: 18] لأن أحقية العذاب من مساو لك. قد ~~يأتي من هو أقوى منه فيمنعه، أو يأتي شافع يشفع له، وكأن الحق - سبحانه ~~وتعالى - ييئس هؤلاء من النجاة من عذابه، فلن يمنعهم أحد. فمن أراد ~~الله إهانته فلن يكرمه أحد، لابنصرته ولا بالشفاعة له، فالمعنى: { ~~ومن يهن الله.. } [الحج: 18] أي: بالعذاب الذي حق عليه وثبت { ~~فما له من مكرم.. } [الحج: 18] يعني: يكرمه ويخلصه من هذا ~~العذاب، كذلك لا يوجد من يعزه لأن عزته لا تكون إلا قهرا عن ~~الله، وهذا محال، أو يكون بشافع يشفع له عند الله، ولا يشفع أحد عند ~~الله إلا بإذنه سبحانه. لذلك، نقول: إن الحق سبحانه يجير على خلقه ولا ~~يجار عليه، يعني: لا أحد يقول لله: هذا في جواري لذلك ذيل الآية ~~بقوله تعالى: { الله يفعل ما يشآء } [الحج: 18]. ثم يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { هذان خصمان اختصموا في ربهم ~~فالذين كفروا... }. ### || [22.19] # كلمة خصم من الألفاظ التي يستوي فيها المفرد والمثنى والجمع، وكذلك ~~المذكر والمؤنث كما في قوله تعالى # وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب # [ص: 21]. ويقول تعالى: # خصمان بغى بعضنا على بعض.. # [ص: 22]. والمراد بقوله: ms6603 { خصمان.. } [الحج: 19] قوله تعالى: # وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب.. # [الحج: 18] والخصومة تحتاج إلى فصل بين المتخاصمين، والفصل يحتاج ~~إلى شهود، لكن إن جاء الفصل من الله تعالى فلن يحتاج إلى شهود # وكفى بالله شهيدا # [النساء: 79]. وإن جاء عليهم بشهود من أنفسهم، فإنما لإقامة الحجة ~~ولتقريعهم، يقول تعالى: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.. # [فصلت: 21]. فإن قلت: كيف تشهد الجوارح على صاحبها يوم القيامة وهي ~~التي فعلت؟ نقول: هناك فرق بين عمل أريده وعمل أؤديه، وأنا أبغضه ~~وضربنا لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - بالقائد الذي يأمر جنوده، ~~وعليهم أن يطيعوه حتى إن كانت الأوامر خاطئة، فإن رجعوا إلى القائد ~~الأعلى حكوا له ما كان من قائدهم ذلك لأن القائد الأعلى جعل له ولاية ~~عليهم، وألزمهم طاعته والائتمار بأمره. فالخالق - عز وجل - جعل لإرادة ~~الإنسان ولاية على جوارحه، فالفعل - إذن - للإرادة، وما الجوارح إلا أداة ~~للتنفيذ. فحينما تريد مثلا أن تقوم، مجرد أن تريد ذلك تجد نفسك قائما ~~دون أن تفكر في حركة القيام أو العضلات التي تحركت لتؤدي هذا العمل، مع ~~أنها عملية معقدة تتضافر فيها الإرادة والعقل والأعصاب والأعضاء، وأنت ~~نفسك لا تشعر بشيء من هذا كله، وهل في قيامك أمرت الجوارح أن تتحرك ~~فتحركت؟ فإذا كانت جوارحك تنفعل لك وتطاوعك لمجرد الإرادة، أفلا يكون ~~أولى من هذا أن ينفعل خلق الله لإرادة الله؟ إذن: العمدة في الأفعال ~~ليست الجوارح وإنما الإرادة، بدليل أن الله تعالى إذا أراد أن يعطل ~~جارحة من الجوارح عطل الإرادة الآمرة، وقطعها عن الجارحة، فإذا هي ~~مشلولة لا حركة فيها، فإن أراد الإنسان تحريكها بعد ذلك فلن يستطيع، ~~لماذا؟ لأنه لا يعلم الأبعاض التي تحرك هذه الجارحة، ولو سألت أعلم ~~الناس في علم الحركة والذين صنعوا الإنسان الآلي: ما الحركة الآلية التي ~~تتم في جسم الإنسان كي يقوم من نومه أو من جلسته؟ ولن يستطيع أحد أن ~~يصف لك ما يتم بداخل الجسم في هذه المسألة. أما ms6604 لو نظرت مثلا إلى ~~الحفار، وهو يؤدي حركات أشبه بحركات الجسم البشري لوجدت صبيا ~~يشغله باستخدام بعض الأزرار، ويستطيع أن يصف لك كل حركة فيه، وما ~~الآلات التي تشترك في كل حركة. فقل لي بالله: ما الزر الذي تضغط عليه ~~لتحرك يدك أو ذراعك؟ ما الزر الذي تحرك به عينيك، أو لسانك، أو قدمك؟ ~~إنها مجرد إرادة منك فينفعل لك ما تريد لأن الله تعالى خلقك، وجعل ~~لإرادتك السيطرة الكاملة على جوارحك، فلا تستبعد أن تنفعل المخلوقات لله ~~- عز وجل - إن أراد منها أن تفعل. # حتى العذاب في الآخرة ليس لهذه الجوارح والأبعاض، إنما العذاب للنفس ~~الواعية، بدليل أن الإنسان إذا تعرض لألم شديد لا يستريح منه لا أن ~~ينام، فإذا استيقظ عاوده الألم، إذن: فالنفس هي التي تألم وتتعذب لا ~~الجوارح. والحق سبحانه هو الذي يفصل بين هذين الخصمين، كما قال سبحانه ~~في آية أخرى # إن الله يفصل بينهم يوم القيامة.. # [الحج: 17]. لذلك يقول الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه: أنا ~~أول من يجثو بين يدي الله يوم القيامة للفصل ومعي عبيدة بن الحارث ~~وحمزة بن عبد المطلب. هؤلاء في جانب وفي الجانب المقابل: عتبة ابن ربيعة، ~~وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. لماذا؟ لأن بين هؤلاء كانت أول معركة ~~في الإسلام، وهذه أول خصومة وقعت فيه، ذلك لأنهم في معركة بدر أخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قوما للمبارزة، وكانت عادتهم في الحروب أن ~~يخرج أقوياء القوم وأبطالهم للمبارزة بدل أن يعذبوا القوم ويشركوا ~~الجميع في القتال، ويعرضوا أرواح الناس جميعا للخطر. ومن ذلك ما حدث ~~بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما - في موقعة صفين حيث قال علي ~~لمعاوية: ابرز إلي يا معاوية، فإن غلبتني فالأمر لك، وإن غلبتك ~~فاجعل الأمر لي، فقال عمرو بن العاص وكان في صفوف معاوية: والله، يا ~~معاوية لقد أنصفك الرجل، وفي هذا حقن لدماء المسلمين في الجانبين. ~~فنظر معاوية إلى عمرو وقال: والله يا عمرو ما أردت إلا إن ms6605 أبرز له ~~فيقتلني، ويكون لك الأمر من بعدي، وما دمت قد قلت ما قلت فلا يبارزه ~~غيرك فاخرج إليه. فقام عمرو لمبارزة علي، لكن أين عمرو من شجاعة علي ~~وقوته؟ وحمل علي على عمرو حملة قوية، فلما أحس عمرو أن عليا سيضربه ~~ضربة تميته لجأ إلى حيلة، واستعمل دهاءه في صرف علي عنه، فكشف عمرو ~~عن عورته، وهو يعلم تماما أن عليا يتورع عن النظر إلى العورة، وفعلا ~~تركه علي وانصرف عنه، ونجا عمرو بحيلته هذه. وقد عبر الشاعر عن هذا ~~الموقف فقال: # ولا خير في رد الردى بدنية # كما ردها يوما بسوأته عمرو # ويقول الشريف الرضي - وهو من آل البيت - في القصيدة التي مطلعها: # أراك عصي الدمع شيمتك الصبر # أما للهوى أمر عليك ولا نهي # بلى أنا مشتاق وعندي لوعة # ولكن مثلي لا يذاع له سر # وفيها يقول: # وإنا أناس لا توسط بيننا # لنا الصدر دون العالمين أو القبر # نعود إلى بدر، حيث اعترض الكفار حينما أخرج لهم رسول الله بعض رجال ~~الأنصار فقالوا: هؤلاء نكرات من الأنصار، نريد أن تخرج لنا أكفاءنا ~~من رجال قريش، فأخرج لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وحمزة وعبيد ~~بن الحارث بن عبد المطلب، وأخرجوا هم عتبة وشيبة والوليد، وكان ما كان من ~~نصرة المسلمين وهزيمة المشركين. وهذا هو اليوم الذي قال الله فيه: # ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا ~~الله لعلكم تشكرون # [آل عمران: 123]. إذن: فبدر كانت فصلا دنيويا بين هذين الخصمين، ~~ويبقى فصل الآخرة الذي قال فيه الإمام علي: " أنا أول من يجثو بين ~~يدي الله يوم القيامة للفصل ". ومعنى: { اختصموا في ربهم.. } ~~[الحج: 19] أي: بسبب اختلافهم في ربهم، ففريق يؤمن بوجود إله، وفريق ~~ينكره، فريق يثبت له الصفات، وفريق ينفي عنه هذه الصفات، يعني: انقسموا ~~بين إيمان وكفر. ثم يفصل القول: { فالذين كفروا قطعت ~~لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم } ~~[الحج: 19]. { قطعت لهم ثياب من نار.. } [الحج: 19] كأن ~~النار تفصيل على قدر جسومهم إحكاما ms6606 للعذاب، ومبالغة فيه، فليس فيها ~~اتساع يمكن أن يقلل من شدتها، وليست فضفاضة عليهم. ثم { يصب ~~من فوق رءوسهم الحميم } [الحج: 19] والحميم: الماء الذي بلغ ~~منتهى الحرارة، حتى صار هو نفسه محرقا من شدة حره، ولك أن ~~تتصور ماء يغليه ربنا عز وجل!! وهكذا يجمع الله عليهم ألوان العذاب لأن ~~الثياب يرتديها الإنسان لتستر عورته، وتقيه الحر والبرد، ففيها شمول ~~لمنفعة الجسم، يقول تعالى: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. فالإذاقة ليست في اللباس، إنما بشيء آخر، واللباس يعطي ~~الإحاطة والشمول، لتعم الإذاقة كل أطراف البدن، وتحكم عليه مبالغة في ~~العذاب. ### || [22.20] # قلنا: إن هذا الماء بلغ من الحرارة منتهاها، فلم يغل عند درجة الحرارة ~~التي نعرفها، إنما يغليه ربه الذي لا يطيق عذابه أحد. وأنت إذا ~~صببت الماء المغلي على جسم إنسان فإنه يشوي جسمه من الخارج، إنما لا يصل ~~إلى داخله، أما هذا الماء حين يصب عليهم فإنه يصهر ما في بطونهم ~~أولا، ثم جلودهم بعد ذلك، فاللهم قنا عذابك يوم تبعث عبادك. ### || [22.21] # المقامع: هي السياط التي تقمع بها الدابة، وتردعها لتطاوعك، أو ~~الإنسان حين تعاقبه، لكنها سياط من حديد، ففيها دلالة على الذلة ~~والانكسار، فضلا عن العذاب. ثم يبين الحق سبحانه مهمة هذه المقامع، ~~فيقول: { كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها... }. ### || [22.22] # الحق - سبحانه وتعالى - يصور حال أهل النار وما هم فيه من العذاب ومن ~~اليأس في أن يخفف عنهم، فإذا ما حاولوا الخروج من غم العذاب جاءتهم ~~هذه السياط فأعادتهم حيث كانوا، والإنسان قد يتعود على نوع من العذاب ~~فيهون عليه الأمر، كالمسجون مثلا الذي يضرب بالسياط على ظهره، فبعد ~~عدة ضربات يفقد الإحساس ولا يؤثر فيه ضرب بعد ذلك. وقد أجاد المتنبي في ~~وصف هذا المعنى حين قال: # رماني الدهر بالأرزاء حتى # كأني في غشاء من نبال # فكنت إذا أصابتني سهام # تكسرت النصال على النصال # لكن ms6607 أنى يخفف عن أهل النار، والحق سبحانه وتعالى يقول: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. # [النساء: 56]. ففي إعادتهم تيئيس لهم بعد أن طمعوا في النجاة، وما ~~أشد اليأس بعد الطمع على النفس لذلك يقولون: لا أفجع من يأس مقمع، بعد ~~أمل مقمع. كما يقول تعالى: # وإن يستغيثوا يغاثوا.. # [الكهف: 29] ساعة يسمعون الإغاثة يأملون ويستبشرون، فيأتيهم اليأس في # بمآء كالمهل يشوي الوجوه.. # [الكهف: 29]. وقوله تعالى: { وذوقوا عذاب الحريق } [الحج: ~~22] الحريق: الشيء الذي يحرق غيره لشدته. وبعد أن تحدثت الآيات عن ~~الكافرين، وما حاق بهم من العذاب كان لا بد أن تتحدث عن المقابل، ~~عن المؤمنين ليجري العقل مقارنة بين هذا وذاك، فيزداد المؤمن تشبثا ~~بالإيمان ونفرة من الكفر، وكذلك الكافر ينتبه لعاقبة كفره فيزهد فيه ~~ويرجع إلى الإيمان، وهكذا ينتفع الجميع بهذه المقابلة، وكأن الحق سبحانه ~~وتعالى يعطينا في آيات القرآن وفي المقابلات وسائل النجاة والرحمة. يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جنات... }. ### || [22.23] # يبين الحق سبحانه وتعالى ما أعده لعباده المؤمنين حيث السكن: { ~~جنات تجري من تحتها الأنهار.. } [الحج: 23] والزينة: { ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا.. } [الحج: ~~23] واللباس: { ولباسهم فيها حرير } [الحج: 23] فجمع لهم نعيم ~~السكن والزينة واللباس. وفي الآخرة ينعم الرجال بالحرير وبالذهب ~~الذي حرم عليهم في الدنيا، وهنا قد يعترض النساء، وما النعيم في شيء ~~تنعمنا به في الدنيا وهو الحرير والذهب؟ نعم تتمتعن بالحرير والذهب في ~~الدنيا، أما في الآخرة فهو نوع آخر ومتعة كاملة لا ينغصها شيء، ~~فالحلي للمرأة خالص من المكدرات، وباق معها لا يأخذه أحد، ولا تحتاج ~~إلى تغييره أو بيعه لأنه يتجدد في يدها كل يوم، فتراه على صياغة جديدة ~~وشكل جديد غير الذي كان عليه. كما قلنا سابقا في قوله تعالى عن أهل ~~الجنة: # قالوا هذا الذي رزقنا من قبل.. # [البقرة: 25]. فحسبوا أن طعام الجنة وفاكهتها كفاكهة الدنيا التي أكلوها ~~من قبل، فيبين لهم ربهم أنها ليست كفاكهة الدنيا # وأتوا به متشابها.. # [البقرة: 25] يعني: ms6608 أنواعا مختلفة للصنف الواحد. ثم يقول الحق: { ~~وهدوا إلى الطيب من القول... }. ### || [22.24] # هدوا هداهم الله، فالذي دلهم على وسائل دخول الجنة والتمتع فيها ~~بالسكن والزينة واللباس كذلك يهديهم الآن في الجنة ويدلهم على كيفية ~~شكر المنعم على هذه النعمة، هذا معنى: { وهدوا إلى الطيب ~~من القول.. } [الحج: 24] هذا القول الطيب لخصته آيات أخرى، ومنها ~~قوله تعالى: # الحمد لله الذي صدقنا وعده.. # [الزمر: 74]. وقوله: # الحمد لله.. * الذي أحلنا دار المقامة من ~~فضله.. # [فاطر: 34-35]. وقوله: # الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن.. # [فاطر: 34]. فحين يدخل أهل الجنة الجنة، ويباشرون النعيم المقيم لا ~~يملكون إلا أن يقولوا: الحمد لله، كما يقول الحق سبحانه عنهم: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]. وقالوا: { الطيب من القول.. } [الحج: 24] هو ~~كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فهذه الكلمة هي المعشوقة التي أتت بنا ~~إلى الجنة، والمعنى يسع كل كلام طيب، كما قال سبحانه: # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء # [إبراهيم: 24]. ثم يقول تعالى: { وهدوا إلى صراط الحميد ~~} [الحج: 24] أي: هداهم الله إلى طريق الجنة، أو إلى الجنة ذاتها، كما ~~قال في آية أخرى عن الكافرين: # ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنم.. # [النساء: 168-169]. ثم يقول الحق سبحانه: { إن الذين كفروا ~~ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام... }. ### || [22.25] # انتقلت بنا الآيات إلى موضوع جديد: { إن الذين كفروا.. } ~~[الحج: 25] بصيغة الماضي، لأن الكفر وقع منهم فعلا { ويصدون.. } ~~[الحج: 25] بصيغة المضارع، والقياس أن نقول: كفروا وصدوا، لكن المسألة ~~ليست قاعدة ولا هي عملية آلية لأن الصد عن سبيل الله ناشىء عن الكفر ~~وما يزال صدهم مستمرا. ومعنى { عن سبيل الله.. } [الحج: 25] ~~أي: عن الجهاد { والمسجد الحرام.. } [الحج: 25] لأنهم منعوا ~~المسلمين من دخوله، وكان في قبضتهم وتحت سيطرتهم، وهذا ما حدث فعلا في ~~الحديبية حينما اشتاق صحابة رسول الله إلى أداء العمرة والطواف بالبيت ~~الذي طالت مدة حرمانهم منه، فلما ذهبوا منعهم كفار مكة، وصدوهم عن ~~دخوله. { والمسجد الحرام.. ms6609 } [الحج: 25] كلمة حرام يستفاد ~~منها أنه محرم أن تفعل فيه خطأ، أو تهينه، أو تعتدي فيه. وكلمة ~~الحرام وصف بها بعض المكان وبعض الزمان، وهي خمسة أشياء: نقول: البيت ~~الحرام وهو الكعبة، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، ثم المشعر الحرام. ~~وهذه عبارة عن دوائر مركز الكعبة، هذه أماكن، ثم الخامس وهو زمن: الشهر ~~الحرام الذي قال الله فيه: { يسألونك عن الشهر الحرام ~~قتال فيه.. } [الحج: 25]. وحرمة الزمان والمكان هنا لحكمة أرادها ~~الخالق سبحانه لأنه رب رحيم بخلقه يريد أن يجعل لهم فرصة لستر ~~كبريائهم، والحد من غرورهم، وكانت تنتشر بين القوم الحروب والصراعات ~~التي كانت تذكي نارها عادات قبلية وسعار الحرب، حتى أن كلا الفريقين ~~يريد أن يفني الآخر، وربما استمروا في الحرب وهم كارهون لها، لكن ~~يمنعهم كبرياؤهم من التراجع والانسحاب. لذلك جعل الله سبحانه لهذه ~~الأماكن والأزمنة حرمة لتكون ستارا لهذا الكبرياء الزائف، ولهذه العزة ~~البغيضة. وكل حدث يحتاج إلى زمان وإلى مكان، فحرم الله القتال في ~~الأشهر الحرم، حتى إذا ما استعرت بينهم حرب جاء شهر حرام، فأنقذ الضعيف ~~من قبضة القوي دون أن يجرح كبرياءه، وربما هز رأسه قائلا: لولا الشهر ~~الحرام كنت فعلت بهم كذا وكذا. فهذه - إذن - رحمة من الله بعباده، وستار ~~يحميهم من شرور أنفسهم ونزواتها ويحقن دماءهم. وما أشبه كبرياء العرب ~~في هذه المسألة بكبرياء زوجين تخاصما على مضض، ويريد كل منهم أن يأتي ~~صاحبه، لكن يمنعه كبرياؤه أن يتنازل، فجلس الرجل في غرفته، وأغلق الباب ~~على نفسه، فنظرت الزوجة، فإذا به يرفع يديه يدعو الله أن تصالحه ~~زوجته، فذهبت وتزينت له، ثم دفعت الباب عليه وقالت - وكأن أحدا ~~يجبرها على الدخول - مودياني فين يا أم هاشم وكذلك، جعل في المكان ~~محرما لأن الزمن الحرام الذي حرم فيه قتال أربعة أشهر: ثلاثة سرد وواحد ~~فرد، الفرد هو رجب، والسرد هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. # فحرم أيضا القتال في هذه الأماكن ليعصم دماء الخلق أن تراق بسبب ~~تناحر القبائل بالغل والحقد والكبرياء والغرور. ms6610 يقول تعالى في تحريم ~~القتال في البيت الحرام: # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك ~~جزآء الكافرين # [البقرة: 191]. فلعلهم حين تأتي شهور التحريم، أو يأتي مكانه يستريحون ~~من الحرب، فيدركون لذة السلام وأهمية الصلح، فيقضون على أسباب النزاع ~~بينهم دون حرب، فسعار الحرب يجر حربا، ولذة السلام وراحة الأمن ~~والشعور بهدوء الحياة يجر ميلا للتصالح وفض مثل هذه المنازعات ~~بالطرق السلمية. والمتأمل في هذه الأماكن التي حرمها الله يجدها على ~~مراتب، وكأنها دوائر مركزها بيت الله الحرام وهو الكعبة، ثم المسجد ~~الحرام حولها، ثم البلد الحرام وهي مكة، ثم المشعر الحرام الذي يأخذ ~~جزءا من الزمن فقط في أيام الحج. أما الكعبة فليست كما يظن البعض أنها ~~هذا البناء الذي نراه، الكعبة هي المكان، أما هذا البناء فهو المكين، فلو ~~نقضت هذا البناء القائم الآن فمكان البناء هو البيت، هذا مكانه إن ~~نزلت في أعماق الأرض أو صعدت في طبقات السماء. إذن: فبيت الله الحرام ~~هو هذه البقعة من الأرض حتى السماء، ألا ترى الناس يصلون في ~~الأدوار العليا، وهم أعلى من هذا البناء بكثير؟ إنهم يواجهون جو ~~الكعبة، لا يواجهون الكعبة ذاتها، لماذا؟ لأن الكعبة ممتدة في الجو إلى ~~ما شاء الله. ثم يلي البيت المسجد، وهو قطعة أرض حكرت على المسجدية، لكن ~~هناك مسجد بالمكان حين تقيمه أنت، وتجعل له بناء مثل هذا البناء الذي ~~نتحدث فيه الآن يسمى " مسجد " بالمكان، أو مسجد بالمكين حين يضيق علينا ~~هذا المسجد فنخرج نصلي في الشارع فهو في هذه الحالة مسجد، قالوا: ولو ~~امتد إلى صنعاء وتواصلت الصفوف فكله مسجد. نعود إلى # " ما دار بين المسلمين والمشركين يوم الحديبية، فقد صد الكفار ~~المسلمين عن بيت الله الحرام وهم على مرمى البصر منه، فاغتاظ المسلمون ~~لذلك، ورأى بعضهم أن يدخل مكة عنوة ورغما عنهم. لكن كان لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم سر بينه وبين ربه عز وجل، فنزل على شروطهم، وعقد ~~معهم صلحا هو " صلح الحديبية ms6611 " الذي أثار حفيظة الصحابة، وعلى رأسهم ~~عمر بن الخطاب، فقال لرسول الله: يا رسول الله، ألسنا على الحق؟ قال صلى ~~الله عليه وسلم: " بلى " قال: أليسوا هم على باطل؟ قال: " بلى " قال: ~~فلم نعطى الدنية في ديننا؟ ". # وكان من بنود هذا الصلح: إذا أسلم كافر ودخل في صفوف المسلمين يرده محمد ~~صلى الله عليه وسلم، وإذا ذهب مسلم إليهم لا يردونه إلى المسلمين. # وكان للسيدة أم المؤمنين أم سلمة - رضوان الله عليها - موقف عظيم في هذه ~~الشدة، ورأي سديد رد آراء الرجال إلى الرشد وإلى الصواب، وهذا مما ~~نفخر به للمرأة في الإسلام، ونرد به على المتشدقين بحقوق المرأة. فلما ~~عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فسطاطه مغضبا فقال لأم سلمة: # " هلك المسلمون يا أم سلمة، لقد أمرتهم فلم يمتثلوا " # يعني امرهم بالعودة دون أداء العمرة هذا العام. فقالت السيدة أم ~~المؤمنين: يا رسول الله، إنهم مكروبون، فقد منعوا عن بيت الله وهم على ~~مرأى منه، لكن اذهب يا رسول الله إلى ما أمرك به ربك، فافعل فإذا ~~رأوك فعلته علموا أن الأمر عزيمة - يعني لا رجعة فيه - وفعلا أخذ ~~رسول الله بهذه النصيحة، فذهب فحلق، وذبح هديه وفعل الناس مثله، وانتهت ~~هذه المسألة. لكن قبل أن يعودوا إلى المدينة شاءت إرادة الله أن ~~يخبرهم بالحكمة في قبول رسول الله لشروط المشركين مع أنها شروط ظالمة ~~مجحفة: أولا: في هذا الصلح وهذه المعاهدة اعتراف منهم بمحمد ومكانته ~~ومنزلته، وأنه أصبح مساويا لهم، وهذا مكسب في حد ذاته. ثانيا: اتفق ~~الطرفان على وقف القتال بينهم لعدة سنوات، وهذه الفترة أعطت المسلمين ~~فرصة كي يتفرغوا لاستقبال الوفود ونشر دين الله. ثالثا: كان في إمكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخلهم مكة رغما عن أهلها، وكان في ~~مقدوره أن يقتلهم جميعا، لكن ماذا سيكون موقف المؤمنين من أهل مكة ~~والذين يسترون إيمانهم ولا يعرفهم أحد؟ إنهم وسط هؤلاء الكفار، وسينالهم ~~ما ينال الكفار، ولو تميز المؤمنون من الكفار أو ms6612 خرجوا في جانب لأمكن ~~تفاديهم. اقرأ قوله تعالى: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال ~~مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ~~ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما # [الفتح: 25]. ثم يقول تعالى عن المسجد الحرام: { الذي جعلناه ~~للناس.. } [الحج: 25] أي: جميعا { سوآء العاكف فيه ~~والباد.. } [الحج: 25] العاكف فيه يعني: المقيم، والباد: القادم إليه ~~من خارج مكة، ومعنى { سوآء.. } [الحج: 25] يعني: هذان النوعان ~~متساويان تماما. لذلك نقول للذين يحجزون الأماكن لحسابهم في بيت الله ~~الحرام خاصة، وفي بيوت الله عامة: أريحوا أنفسكم، فالمكان محجوز عند الله ~~لمن سبق، لا لمن وضع سجادته، وشغل بها المكان. وقد دعت هذه الآية: { ~~سوآء العاكف فيه والباد.. } [الحج: 25] البعض لأن يقول: لا ~~يجوز تأجير البيوت في مكة، فمن أراد أن ينزل في بيت ينزل فيه دون أجرة ~~حتى يستوي المقيم والغريب. # وهذا الرأي مردود عليه بأن البيوت مكان ومكين، وأرض مكة كانت للجميع حين ~~كان المكان حرا يبني فيه من أراد، أما بعد أن بنى بيتا، وسكنه أصبح ~~مكينا فيه، لا يجوز لأحد دخوله إلا بإذنه وإرادته. وقد دار حول هذه ~~المسألة نقاش بين الحنظلي في مكة والإمام الشافعي، حيث يرى الحنظلي أنه ~~لا يجوز تأجير البيوت في مكة لأنها حسب هذه الآية للجميع، فرد عليه ~~الشافعي رضي الله عنه: لو كان الأمر كذلك لما قال سبحانه في المهاجرين: # الذين أخرجوا من ديارهم.. # [الحشر: 8]. فنسب الديار إليهم. ولما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لما نزل مكة: # " وهل ترك لنا عقيل من دار أو من ربع؟ " # وكون عقيل يبيع دورهم بعد أن هاجروا، فهذا دليل على ملكيتهم لها. ~~لذلك رجع الحنظلي إلى رأي الشافعي. هذا مع أن الآية تعني البيت فقط، لا ~~مكة كلها، فما كان الخلاف ليصل إلى مكة كلها. ثم يقول تعالى: { ومن ~~يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } ~~[الحج: ms6613 25]. الإلحاد قد يكون في الحق الأعلى، وهو الإلحاد في الله عز ~~وجل، أما هنا فيراد بالإلحاد: الميل عن طريق الحق، وقوله: { ~~بظلم.. } [الحج: 25] الظلم في شيء لا يسمو إلى درجة الكفر، والإلحاد ~~بظلم إن حدث في بيت الله فهو أمر عظيم لأنك في بيت ربك الكعبة. وكان يجب ~~عليك أن تستحي من مجرد حديث النفس بمعصية، مجرد الإرادة هنا تعد ~~ذنبا لأنك في مقام يجب أن تستشعر فيه الجلال والمهابة، فكما أعطى الله ~~لبيته ميزة في مضاعفة الحسنات، كذلك عظم أمر المعصية وأنت في رحاب ~~بيته، فتنبه لهذه المسألة. حتى في أمثال أهل الريف يقولون: تيجي في بيت ~~العالم وتسكر يعني: السكر يتصور في بيت أحد العصاة، في بيت فاسق، ~~في خمارة، لكن في بيت عالم، فهذا شيء كبير، وجرأة عظيمة. لماذا؟ فللمكان ~~حرمة بحرمة صاحبة، فإذا كان للمكان حرمة بحرمة صاحبه، والبيت ~~منسوب إلى الله، فأنت تعصي ربك في عقر داره، وأي جرأة أعظم من الجرأة ~~على الله؟ وهذه خاصية للمسجد الحرام، فكل المساجد في أي مكان بيوت ~~الله، لكن هناك فرق بين بيت الله باختيار الله، وبيت الله باختيار عباد ~~الله لذلك جعل بيت الله باختيار الله البيت الحرام هو القبلة التي ~~تتجه إليها كل بيوت الله في الأرض. فما عاقبة الإلحاد في بيت الله؟ { ~~نذقه من عذاب أليم } [الحج: 25] إنهم سيذوقون العذاب بأمر ~~من الحق دائما وأبدا، والإذاقة أشد الإدراكات تأثيرا، وذلك هو العذاب ~~المهين، والذوق هو الإحساس بالمطعوم شرابا كان أو طعاما، إلا أنه تعدى ~~كل محس به، ولو لم يكن مطعوما أو مشروبا، ويقول ربنا عز وجل: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. أي: ذق الإهانة والمذلة، لا مما يطعم أو مما يشرب، ولكن ~~بالإحساس، فالإذاقة تتعدى إلى كل البدن، فالأنامل تذوق، والرجل تذوق، ~~والصدر يذوق، والرقبة تذوق. وهذا اللون من إذاقة الذل والإهانة في الدنيا ~~لهؤلاء مجرد نموذج بسيط لشدة عقاب الله. وعذاب الآخرة سيكون مهولا، ~~والعذاب هو إيلام الحس. إذا أحببت أن تديم ms6614 ألمه، فأبق فيه آلة الإحساس ~~بالألم. ### || [22.26] # ما دام الكلام السابق كان حول البيت الحرام، فمن المناسب أن يتكلم عن ~~تاريخه وبنائه، فقال سبحانه: { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان ~~البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي ~~للطآئفين والقآئمين والركع السجود } [الحج: 26] ~~معنى بوأه: أي: جعله مباءة يعني: يذهب لعمله ومصالحه، ثم يبوء إليه ~~ويعود، كالبيت للإنسان يرجع إليه، ومنه قوله تعالى: # وبآءو بغضب من الله.. # [البقرة: 61]. وإذ: ظرف زمان لحدث يأتي بعده الإخبار بهذا الحدث، ~~والمعنى خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اذكر يا محمد الوقت الذي ~~قيل فيه لإبراهيم كذا وكذا. وهكذا في كل آيات القرآن تأتي إذ في خطاب ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحدث وقع في ذلك الظرف. لكن، ما علاقة ~~المباءة أو المكان المتبوأ بمسألة البيت؟ قالوا: لأن المكان المتبوأ ~~بقعة من الأرض يختارها الإنسان ليرجع إليها من متاعب حياته، ولا يختار ~~الإنسان مثل هذا المكان إلا توفرت فيه كل مقومات الحياة. لذلك يقول ~~تعالى في قصة يوسف عليه السلام: # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها ~~حيث يشآء.. # [يوسف: 56]. وقال في شأن بني إسرائيل: # ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق.. # [يونس: 93] فمعنى: { بوأنا لإبراهيم مكان البيت.. } ~~[الحج: 26] أي: جعلناه مباءة له، يرجع إليه من حركة حياته بعد أن ~~أعلمناه، ودللناه على مكانه. وقلنا: إن المكان غير المكين، المكان ~~هو البقعة التي يقع فيها ويحل بها المكين، فأرض هذا المسجد مكان، ~~والبناء القائم على هذه الأرض يسمى " مكين في هذا المكان ". وعلى هذا ~~فقد دل الله إبراهيم عليه السلام على المكان الذي سيأمره بإقامة البيت ~~عليه. وقد كان للعلماء كلام طويل حول هذه المسألة: فبعضهم يذهب إلى أن ~~إبراهيم عليه السلام هو أول من بنى البيت. ونقول لأصحاب هذا الرأي: ~~الحق - تبارك وتعالى - بوأ لإبراهيم مكان البيت، يعني: بينه له كأن ~~البيت كان موجودا، بدليل أن الله تعالى يقول في القصة على لسان إبراهيم: # إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند ~~بيتك ms6615 المحرم.. # [إبراهيم: 37]. وفي قوله تعالى: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت ~~وإسماعيل.. # [البقرة: 127]. ومعلوم أن إسماعيل قد شارك أباه وساعده في البناء لما ~~شب، وأصبح لديه القدرة على معاونة أبيه، أما مسألة السكن فكانت ~~وإسماعيل ما يزال رضيعا، وقوله تعالى: # عند بيتك المحرم.. # [إبراهيم: 37] يدل على أن العندية موجودة قبل أن يبلغ إسماعيل أن ~~يساعد أباه في بناية البيت، إذن: هذا دليل على أن البيت كان موجودا قبل ~~إبراهيم. وقد أوضح الحق - سبحانه وتعالى - هذه المسألة في قوله تعالى: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين # [آل عمران: 96]. وحتى نتفق على فهم الآية نسأل: من هم الناس؟ الناس ~~هم آدم وذريته إلى أن تقوم الساعة، إذن: فآدم من الناس، فلماذا لا يشمله ~~عموم الآية، فالبيت وضع للناس، وآدم من الناس، فلا بد أن يكون وضع ~~لآدم أيضا. إذن: يمكنك القول بأن البيت وضع حتى قبل آدم لذلك نصدق ~~بالرأي الذي يقول: إن الملائكة هي التي وضعت البيت أولا، ثم طمس ~~الطوفان معالم البيت، فدل الله إبراهيم بوحي منه على مكان البيت، ~~وأمره أن يرفعه من جديد في هذا الوادي. ويقال: إن الله تعالى أرسل إلى ~~إبراهيم سحابة دلته على المكان، ونطقت: يا إبراهيم خذ على قدري، ~~أي: البناء. ولو تدبرت معنى: # وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت.. # [البقرة: 127] الرفع يعني: الارتفاع، وهو البعد الثالث، فكأن القواعد ~~كان لها طول وعرض موجود فعلا، وعلى إبراهيم أن يرفعها. لكن لماذا ~~بوأ الله لإبراهيم مكان البيت؟ لما أسكن إبراهيم ذريته عند البيت قال: # ربنا ليقيموا الصلاة.. # [إبراهيم: 37] كأن المسألة من بدايتها مسألة عبادة وإقامة للصلاة، ~~الصلاة للإله الحق والرب الصدق لذلك أمره أولا: { أن لا ~~تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطآئفين والقآئمين ~~والركع السجود } [الحج: 26] والمراد: طهر هذا المكان من كل ~~ما يشعر بالشرك، فهذه هي البداية الصحيحة لإقامة بيت الله. وهل كان ~~يعقل أن يدخل إبراهيم - عليه السلام - في الشرك؟ بالطبع لا، وما أبعد ~~إبراهيم عن الشرك، لكن حين ms6616 يرسل الله رسولا، فإنه أول من يتلقى ~~عن الله الأوامر ليبلغ أمته، فهو أول من يتلقى، وأول من ينفذ ~~ليكون قدوة لقومه فيصدقوه ويثقوا به لأنه أمرهم بأمر هو ليس بنجوة ~~عنه. ألا ترى قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: # يأيها النبي اتق الله.. # [الأحزاب: 1] وهل خرج محمد صلى الله عليه وسلم عن تقوى الله؟ إنما الأمر ~~للأمة في شخص رسولها، حتى يسهل علينا الأمر حين يأمرنا ربنا بتقواه، ~~ولا نرى غضاضة في هذا الأمر الذي سبقنا إليه رسول الله لأنك تلحظ أن ~~البعض يأنف أن تقول له: يا فلان اتق الله، وربما اعتبرها إهانة واتهاما، ~~وظن أنها لا تقال إلا لمن بدر منه ما يخالف التقوى. وهذا فهم خاطىء ~~للأمر بالتقوى، فحين أقول لك: اتق الله. لا يعني أنني أنفي عنك التقوى، ~~إنما أذكرك أن تبدأ حركة حياتك بتقوى الله. إذن: قوله تعالى لإبراهيم ~~عليه السلام: { أن لا تشرك بي شيئا.. } [الحج: 26] لا تعني ~~تصور حدوث الشرك من إبراهيم، وقال { شيئا.. } [الحج: 26] ليشمل ~~النهي كل ألوان الشرك، أيا كانت صورته: شجر، أو حجر، أو وثن، أو ~~نجوم، أو كواكب. ويؤكد هذا المعنى بقوله: { وطهر بيتي.. } ~~[الحج: 26] والتطهير يعني: الطهارة المعنوية بإزالة أسباب الشرك، وإخلاص ~~العبادة لله وحده لا شريك له، وطهارة حسية مما أصابه بمرور الزمن ~~وحدوث الطوفان، فقد يكون به شيء من القاذورات مثلا. ومعنى { ~~للطآئفين.. } [الحج: 26] الذين يطوفون بالبيت: { والقآئمين.. ~~} [الحج: 26] المقيمين المعتكفين فيه للعبادة { والركع السجود ~~} [الحج: 26] الذين يذهبون إليه في أوقات الصلوات لأداء الصلاة، عبر عن ~~الصلاة بالركوع والسجود لأنهما أظهر أعمال الصلاة. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا... }. ### || [22.27] # أمر الله نبيه إبراهيم بعد أن رفع القواعد من البيت أن يؤذن في ~~الناس بالحج، لماذا؟ لأن البيت بيت الله، والخلق جميعا خلق الله، ~~فلماذا تقتصر رؤية البيت على من قدر له أن يمر به، أو يعيش إلى ~~جواره؟ فأراد الحق - سبحانه وتعالى - أن يشيع هذه الميزة بين خلقه ms6617 ~~جميعا، فيذهبوا لرؤية بيت ربهم، وإن كانت المساجد كلها بيوت الله، إلا ~~أن هذا البيت بالذات هو بيت الله باختيار الله لذلك جعله قبلة لبيوته ~~التي اختارها الخلق. إن من علامات الولاء بين الناس أن نزور قصور ~~العظماء وعلية القوم، ثم يسجل الزائر اسمه في سجل الزيارات، ويرى ~~في ذلك شرفا ورفعة، فما بالك ببيت الله، كيف تقتصر زيارته ورؤيته على ~~أهله والمجاورين له أو من قدر لهم المرور به؟ ومعنى { أذن.. } ~~[الحج: 27] الأذان: العلم، وأول وسائل العلم السماع بالأذن، ومن الأذن ~~أخذ الأذان. أي: الإعلام. ومن هذه المادة قوله تعالى: # وإذ تأذن ربكم.. # [إبراهيم: 7] أي: أعلم لأن الأذن وسيلة السماع الأولى، والخطاب المبدئي ~~الذي نتعلم به لذلك قبل أن تتكلم لا بد أن تسمع. وحينما أمر ~~الله إبراهيم بالأذان لم يكن حول البيت غير إبراهيم وولده وزوجته، ~~فلمن يؤذن؟ ومن سيستمع في صحراء واسعة شاسعة وواد غير مسكون؟ ~~فناداه ربه: " يا إبراهيم عليك الأذان وعلينا البلاغ ". مهمتك أن ترفع ~~صوتك بالأذان، وعلينا إيصال هذا النداء إلى كل الناس، في كل الزمان، وفي ~~كل المكان، سيسمعه البشر جميعا، وهم في عالم الذر وفي أصلاب آبائهم ~~بقدرة الله تعالى الذي قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.. # [الأنفال: 17]. يعني: أد ما عليك، واترك ما فوق قدرتك لقدرة ربك. ~~فأذن إبراهيم في الناس بالحج، ووصل النداء إلى البشر جميعا، وإلى أن ~~تقوم الساعة، فمن أجاب ولبى: لبيك اللهم لبيك كتبت له حجة، ~~حتى إن من العلماء من قال: من لبى مرة كتبت له حجة، ومن لبى ~~مرتين كتبت له حجتين وهكذا، لأن معنى لبيك: إجابة لك بعد إجابة. ~~فإن قلت: إن مطالب الله وأوامره كثيرة، فلماذا أخذ الحج بالذات هذه ~~المكانة؟ نقول: أركان الإسلام تبدأ بالشهادتين: لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله، ثم الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحج، لو نظرت إلى هذه ~~الأركان لوجدت أن الحج هو الركن الوحيد الذي يجتهد المسلم ms6618 في أدائه وإن ~~لم يكن مستطيعا له فتراه يوفر ويقتصد حتى من قوته، وربما حرم نفسه ~~ليؤدي فريضة الحج، ولا يحدث هذا ولا يتكلفه الإنسان إلا في هذه ~~الفريضة، لماذا؟ قالوا: لأن الله تعالى حكم في هذه المسألة فقال: أذن ~~- يأتوك، هكذا رغما عنهم، ودون اختيارهم، ألا ترى الناس ينجذبون ~~لأداء هذه الفريضة، وكأن قوة خارجة عنهم تجذبهم. # وهذا معنى قوله تعالى: # فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم.. # [إبراهيم: 37] ومعنى تهوي: تأتي دون اختيار من الهوي أي: السقوط، ~~وهو أمر لا يملكه الإنسان، كالذي يسقط من مكان عال، فليس له اختيار في ~~ألا يسقط. وهكذا تحن القلوب إلى بيت الله، وتتحرق شوقا إليه، ~~وكأن شيئا يجذبها لأداء هذه الفريضة لأن الله تعالى أمر بهذه الفريضة، ~~وحكم فيها بقوله { يأتوك.. } [الحج: 27] أما في الأمور الأخرى فقد ~~أمر بها وتركها لاختيار المكلف، يطيع أو يعصي، إذن: هذه المسألة قضية ~~صادقة بنص القرآن. وبعض أهل الفهم يقولون: إن الأمر في: { وأذن ~~في الناس بالحج.. } [الحج: 27] ليس لإبراهيم، وإنما لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم - الذي نزل عليه القرآن، وخاطبه بهذه الآية، فالمعنى # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت.. # [الحج: 26] يعني: اذكر يا من أنزل عليه كتابي إذ بوأنا لإبراهيم ~~مكان البيت، اذكر هذه القضية { وأذن في الناس بالحج.. } ~~[الحج: 27] فكأن الأمر هنا لمحمد صلى الله عليه وسلم. لذلك لا نشاهد هذا ~~النسك في الأمم الأخرى كاليهود والنصارى، فهم لا يحجون ولا يذهبون إلى ~~بيت الله أبدا، وقد ثبت أن موسى - عليه السلام - حج بيت الله، لكن لم ~~يثبت أن عيسى عليه السلام حج، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال # " " يوشك أن ينزل ابن مريم، ويأتي حاجا، ويزور قبري، ويدفن هناك ". # فقال رسول الله: " ويأتي حاجا " لأنه لم يمت، وسوف يدرك عهد التكليف من ~~رسول الله حين ينزل من السماء، وسيصلي خلف إمام من أمة محمد صلى الله على ~~جميع أنبياء الله ورسله. ومن المسائل التي نحتج بها عليهم قولهم: إن ~~الذبيح إسحاق، ms6619 فلو أن الذبيح إسحاق كما يدعون لكانت مناسك الذبح ~~والفداء ورمي الجمار عندكم في الشام، أما هذه المناسك فهي هنا في مكة، ~~حيث كان إسماعيل. ثم تذكروا جيدا ما قاله كتابكم المقدس في الأصحاح ~~23، 24 من أن الحق - سبحانه وتعالى - أوحى إلى إبراهيم أن يصعد على جبل ~~فاران، ويأخذ ولده الوحيد ويذبحه، فالوحيد إسماعيل لا إسحاق لأن الله فدى ~~إسماعيل، ثم بشر إبراهيم بإسحاق. ومن حكمة الله - عز وجل - أن جعل في ~~كذب الكاذب منفذا للحق، وثغرات نصل منها إلى الحقيقة لذلك يقول رجال ~~القضاء: ليست هناك جريمة كاملة أبدا، لا بد أن يترك المجرم قرينة ~~تدل عليه مهما احتاط لجريمته، كأن يسقط منه شيء ولو أزرار من ملابسه، ~~أو ورقة صغيرة بها رقم تليفون. # . إلخ، لذلك نقول: الجريمة لا تفيد لأن المجرم سيقع لا محالة في يد من ~~يقتص منه. ولرجال القضاء ووكلاء النيابة مقدرة كبيرة على استخلاص ~~الحقيقة من أفواه المجرمين أنفسهم، فيظل القاضي يحاوره إلى أن يجد في ~~كلامه ثغرة أو تضاربا يصل منه إلى الحقيقة. ذلك لأن للصدق وجها واحدا ~~لا يمكن أن يتلجلج صاحبه أو يتردد، أما الكذب فله أكثر من وجه، والكاذب ~~نفسه لو حاورته أكثر من مرة لوجدت تغييرا وتضاربا في كلامه لذلك ~~العرب يقولون: إن كنت كذوبا فكن ذكورا. يعني: تذكر ما قلته ~~أولا، حتى لا تغيره بعد ذلك. ومن أمثلة الكذب الذي يفضح صاحبه قول ~~أحدهم للآخر: هل تذكر يوم كنا في مكان كذا ليلة العيد الصغير، وكان القمر ~~ظهرا!! فقال: كيف، يكون القمر مثل الظهر في آخر الشهر؟ وقد يلجأ القاضي ~~إلى بعض الحيل، ولا بد أن يستخدم ذكاءه لاستجلاء وجه الحق، كالقاضي ~~الذي احتكم إليه رجلان يتهم أحدهما الآخر بأنه أخذ ماله أمانة، ثم أخذها ~~لنفسه ودفنها في موضع كذا وكذا، فلما حاور القاضي المتهم أنكر فانصرف ~~عنه، وتوجه إلى صاحب الأمانة، وقال له: اذهب إلى المكان، وابحث لعلك ~~تكون قد نسيته هنا أو هناك. أو لعل آخر أخذه ms6620 منك، فذهب صاحب المال، ~~وفجأة سأل القاضي المتهم: لماذا تأخر فلان طوال هذا الوقت؟ فرد ~~المتهم: لأن المكان بعيد يا سيادة القاضي. فخانته ذاكرته، ونطق بالحق ~~دون أن يشعر. ثم يقول تعالى: { يأتوك رجالا.. } [الحج: 27] ~~ورجالا هنا ليست جمعا لرجل، إنما جمع لراجل، وهو الذي يسير على ~~رجليه { وعلى كل ضامر.. } [الحج: 27] الضامر: الفرس أو ~~البعير المهزول من طول السفر. وتقديم الماشين على الراكبين تأكيد للحكم ~~الإلهي { يأتوك.. } [الحج: 27] فالجميع حريص على أداء الفريضة حتى ~~إن حج ماشيا. وقوله: { يأتين من كل فج عميق } [الحج: ~~27] أي: من كل طريق واسع { عميق } [الحج: 27] يعني: بعيد. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم ~~الله في أيام... }. ### || [22.28] # كلمة { منافع.. } كلمة عامة واسعة تشمل كل أنواع النفع: مادية ~~دنيوية، أو دينية أخروية، ولا ينبغي أن نضيق ما وسعه الله، فكل ~~ما يتصل بالحج من حركات الحياة يعد من المنافع، فاستعدادك للحج، وتدبير ~~نفقاته وأدواته وراحلته فيها منافع لك ولغيرك حين توفر لأهلك ما يكفيهم ~~حتى تعود. ما يتم من حركة بيع وشراء في مناطق الحج، كلها منافع متبادلة ~~بين الناس، التاجر الذي يبيع لك، وصاحب البيت الذي يؤجره لك، وصاحب ~~السيارة التي تنقلك. إذن: المنافع المادية في الحج كثيرة ومتشابكة، ~~متداخلة مع المنافع الدينية الأخروية، فحين تشتري الهدي مثلا تؤدي ~~نسكا وتنفع التاجر الذي باع لك، والمربي الذي ربى هذا الهدي، ~~والجزار الذي ذبحه، والفقير الذي أكل منه. إذن: لا يتم الحج إلا بحركة ~~حياة واسعة، فيها نفع لك وللناس من حيث لا تدري، ولك أن تنظر في ~~الهدايا التي يجلبها الحجاج معهم لأهليهم وذويهم، خاصة المصريين منهم، ~~فترى بعضهم ينشغل بجمع هذه الأشياء قبل أن يؤدي نسكه ويقضي معظم ~~وقته في الأسواق، وكأنه لن يكون حاجا إلا إذا عاد محملا بهذه ~~الهدايا. لذلك كان يأتي إلينا بعض هؤلاء يسألون: أنا علي دم متعة ~~وليس معي نقود، فماذا أفعل؟ يريد أن يصوم. صحيح: كيف سيؤدي ما عليه وقد ~~أنفق كل ما ms6621 معه؟ فكنت أقول له: اعطني حقيبة سفرك، وسأبيع ما بها، ~~ولن أبقي لك إلا ما يكفيك من نفقات حتى تعود. أليست هذه كلها من ~~المنافع؟ ومن منافع الحج ان الحاج منذ أن ينوي أداء هذه الفريضة ~~ويعد نفسه لها إعدادا ماديا، وإعدادا نفسيا معنويا، فيحاول أن ~~يعيد حساباته من جديد، ويصلح من نفسه ما كان فاسدا، وينتهي عما كان ~~يقع فيه من معصية الله، ويصلح ما بينه وبين الناس، إذن: يجري عملية ~~صقل خاصة تحوله إلى إنسان جديد يليق بهذا الموقف العظيم، ويكون ~~أهلا لرؤية بيت الله والطواف به. ومن الإعداد للحج أن يتعلم الحاج ~~ما له وما عليه، ويتأدب بآداب الحج فيعرف محظوراته وما يحرم عليه، وأنه ~~سوف يتنازل عن هندامه وملابسه التي يزهو بها، ومكانته التي يفتخر بها ~~بين الناس، وكيف أن الإحرام يسوي بين الجميع. يتعلم كيف يتأدب مع ~~نفسه، ومع كل أجناس الكون من حوله، مع نفسه فلا يفكر في معصية، ولا ~~تمتد يده حتى على شعرة من شعره، أو ظفر من أظافره ولا يقرب طيبا، ~~ولا حتى صابونة لها رائحة. والعجيب أن الحاج ساعة يدخل في الإحرام يحرص ~~كل الحرص على هذه الأحكام، وأتحدى أي إنسان ينوي الحج ويأخذ في الإحرام ~~به، ثم يفكر في معصية لأنه يعد نفسه لمرحلة جديدة يتطهر فيها من ~~الذنوب، فكيف يكتسب المزيد منها وقد أتى من بلاد بعيدة ليتطهر منها؟ وفي ~~الحج يتأدب الحاج مع الحيوان، فلا يصيده ولا يقتله، ومع النبات فلا ~~يقطع شجرا. # يتأدب حتى مع الجماد الذي يعتبره أدنى أجناس الكون، فيحرص على تقبيل ~~الحجر الأسود، ويجتهد في الوصول إليه، فإن لم يستطع أشار إليه بيده. إن ~~الحج التزام وانضباط يفوق أي انضباط يعرفه أهل الدنيا في حركة حياتهم، ~~ففي الحج ترى هذا الإنسان السيد الأعلى لكل المخلوقات كم هو منكسر خاضع ~~مهما كانت منزلته، وكم هي طمأنينة النفس البشرية حين تقبل حجرا وهي ~~راضية خاضعة، بل ويحزن الإنسان إذ لم يتمكن من تقبيل الحجر. ثم ms6622 يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات.. } [الحج: 28] يذكروا اسم الله لأن كل أعمال الحج مصحوبة ~~بذكر الله وتلبيته، فما من عمل يؤديه الحاج إلا ويقول: لبيك اللهم ~~لبيك. وتظل التلبية شاغله وديدنه إلى أن يرمي جمرة العقبة، ومعنى " ~~لبيك اللهم لبيك " أن مشاغل الدنيا تطلبني، وأنت طلبتني لأداء فرضك ~~علي، فأنا ألبيك أنت أولا لأنك خالقي وخالق كل ما يشغلني ويأخذني ~~منك. والأيام المعلومات هي: أيام التشريق. ومعنى: { على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام.. } [الحج: 28] أي: يشكرون الله ~~على هذا الرزق الوقتي الذي يأكلون منه ويشربون، ويبيعون ويشترون في أوقات ~~الحج. أو يشكرون الله على أن خلق لهم هذه الأنعام، وإن لم يحجوا، ~~ففي خلق الأنعام - وهي الإبل والبقر والغنم والماعز - وتسخيرها للإنسان ~~حكمة بالغة، ففضلا عن الانتفاع بلحمها وألبانها وأصوافها وأوبارها ~~اذكروا الله واشكروه أن سخرها لكم، فلولا تسخير الله لها لما ~~استطعتم أن تنتفعوا بها، فالجمل مثلا هذا الحيوان الضخم يقوده الطفل ~~الصغير، وينيخه ويحمله في حين لم يستطع الإنسان تسخير الثعبان مثلا أو ~~الذئب. لذلك يقول تعالى: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم.. # [يس: 71-72]. لذلك نذكر الله ونشكره على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ~~استمتاعا بها أكلا، أو استمتاعا بها بيعا أو زينة، كما قال ~~تعالى: # ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون # [النحل: 6]. ولولا أن الله تعالى ذللها لخدمتك ما استطعت أنت ~~تذليلها والانتفاع بها لذلك من حكمة الله أن يترك بعض خلقه غير ~~مستأنس، ولا يمكن لك بحال أن تستأنسه أو تذلله لتظل على ذكر لهذه ~~النعمة وتشكر الله عليها. وسبق أن ضربنا مثلا بالبرغوث، وهو من أدنى ~~هذه المخلوقات، ولا تكاد تراه، ومع ذلك لا تقدر عليه، وربما أقض ~~مضجعك، وأقلق نومك طوال الليل. وتلمس هذه النعمة في الجمل الذي يقوده ~~الصبي الصغير، إذا حرن منك فلا تستطيع أن تجعله يسير رغما عنه، أو صال ~~فلا يقدر عليه أحد، وقد يقتل ms6623 صاحبه ويبطش بمن حوله. # إذن: لا قدرة لك عليه بذاتك، إنما بتذليل الله يمكن الانتفاع به، فتسوقه ~~إلى نحره، فيقف ساكنا مستسلما لك. والمتأمل في حال الحيوانات التي ~~أحلها الله لنا يجد أمرها عجيبا، فالحيوان الذي أحله الله لك تظل ~~تنتفع به طوال عمره، فإذا ما تعرض لما يزهق روحه، ماذا يفعل؟ يرفع ~~رأسه إلى أعلى، ويعطيك مكان ذبحه، وكأنه يقول لك: أنا في اللحظات ~~الأخيرة فاجتهد في أن تنتفع بلحمي، وأهل الريف إذا شاهدوا مثل هذه ~~الحالة يقولون: طلب الحلال يعني الذبح. أما الحيوان الذي لا يذبح ولا ~~يحله الله فيموت منكس الرأس لأنه لا فائدة منه. هذا الحيوان الذي ~~نتهمه بالغباء ونقول أنه بهيم.. الخ لو فكرت فيه لتغير رأيك، ~~فالحمار الذي نتخذه رمزا للغباء وعدم الفهم تسوقه أمامك وتحمله ~~القاذورات وتضربه فلا يعترض عليك ولا يخالفك، فإن نظفته وزينته ~~بلجام فضة، وبردعة قطيفة تتخذه ركوبة وزينة ويسير بك ويحملك، وأنت على ~~ظهره، فإن غضبت عليه واستخدمته في الأحمال وفي القاذورات تحمل ~~راضيا مطيعا.. وانظر إلى هذا الحمار الذي نتخذه مثالا للغباء، إذا ~~أردت منه أن يقفز قناة أوسع من مقدرته وإمكانياته، فإنه يتراجع، ومهما ~~ضربته وقسوت عليه لا يقدم عليها أبدا لأنه يعلم مدى قفزته، ويعلم ~~مقدرته، ولا يقدم على شيء فوق ما يطيق - وبعد ذلك نقول عنه: حمار!! ثم ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: { فكلوا منها وأطعموا البآئس ~~الفقير } [الحج: 28]. البائس: هو الذي يبدو على سحنته وشكله ~~وزيه أنه فقير محتاج، أما الفقير فهو محتاج الباطن، وإن كان ظاهره ~~اليسر والغنى، وهؤلاء الفقراء لا يلتفت الناس إليهم، وربما لا يعلمون ~~حالهم وحاجتهم، وقد قال الله فيهم: # يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف تعرفهم ~~بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا.. # [البقرة: 273]. والمعنى: كلوا مما يباح لكم الأكل منه، وهي الصدقة ~~المحضة، أو الهدية للبيت غير المشروطة بشيء، يعني: لا هي دم قران أو ~~تمتع، ولا هي فدية لمخالفة أمر من أمور الإحرام، أو كانت نذرا فهذه ~~كلها لا يؤكل منها. ms6624 إذن: كلوا من الصدقة والتطوع، وأطعموا كذلك البائس ~~والفقير، ومن رحمة الله بالفقراء أن جعل الأغنياء والمياسير هم الذين ~~يبحثون عن الذبائح ويشترونها ويذهبون لمكان الذبح ويتحملون مشقة هذا ~~كله، ثم يبحثون عن الفقير ليعطوه وهو جالس في مكانه مستريحا، يأتيه ~~رزقه من فضل الله سهلا ميسرا. لذلك يقولون: من شرف الفقير أن ~~جعله الله ركنا من أركان إسلام الغني، أي: في فريضة الزكاة، ولم يجعل ~~الغني ركنا من أركان إسلام الفقير. ثم يقول الحق سبحانه: { ثم ~~ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا... ~~}. ### || [22.29] # { ليقضوا.. } [الحج: 29] كلمة قضاء تقال، إما لقضاء الله الذي ~~يقضيه على الإنسان مثلا، وهو أمر لازم محكوم به، وإما قضاء من إنسان بين ~~متخاصمين، وأول شيء في مهمة القضاء أن يقطع الخصومة، كأن المعنى { ~~ليقضوا.. } [الحج: 29] أي: يقطعوا. ومعنى { تفثهم.. } [الحج: ~~29] لما نزل القرآن بهذه الكلمة لم تكن مستعملة في لسان قريش، ولم تكن ~~دائرة على ألسنتهم، فسألوا عنها أهل البادية، فقالوا: التفث يعني: ~~الأدران والأوساخ التي تعلق بالجسم، فقالوا: والله لم نعرفها إلا ساعة ~~نزل القرآن بها. فالمراد - إذن - ليقطعوا تفثهم أي الأدران التي لحقتهم ~~بسبب التزامهم بأمور الإحرام، حيث يمكث الحاج أيام الحج محرما لا ~~يتطيب، ولا يأخذ شيئا من شعره أو أظافره، فإذا ما أنهى أعمال الحج وذبح ~~هدية يجوز له أن يقطع هذا التفث، ويزيل هذه الأدران بالتحلل من ~~الإحرام، وفعل ما كان محظورا عليه. وقوله تعالى: { وليوفوا ~~نذورهم.. } [الحج: 29] إن كان قد نذر لله شيئا فعليه الوفاء به. { ~~وليطوفوا بالبيت العتيق } [الحج: 29] يعني: طواف ~~الإفاضة، والطواف: أن تدور حول شيء بحيث تبدأ وتنتهي، وتبدأ وتنتهي، ~~وهكذا، وقد وصف البيت بأنه عتيق، وكلمة عتيق استعملت في اللغة استعمالات ~~واسعة، منها: القديم، وما دام هو أول بيت وضع للناس فهو إذن قديم، ~~والقدم هنا صفة مدح لأنها تعني الشيء الثمين الذي يحافظ عليه ويهتم ~~به. كما نرى عند بعض الناس أشياء ثمينة ونادرة يحتفظون بها ويتوارثونها ~~يسمونها " العاديات " مثل: التحف وغيرها، وكلما مر عليها ms6625 الزمن زادت ~~قيمتها، وغلا ثمنها. والعتيق: الشيء الجميل الحسن، والعتيق: المعتوق من ~~السيطرة والعبودية لغيره، فما المراد بوصف البيت هنا بأنه عتيق؟ وصف ~~البيت بالقدم يشمل كل هذه المعاني: فهو قديم لأنه أول بيت وضع ~~للناس، وهو غال ونفيس ونادر حيث نرى فيه ما لا نراه في غيره من آيات، ~~ويكفي أن رؤيته والطواف به تغفر الذنوب، وهو بيت الله الذي لا مثيل له. ~~وهو كذلك عتيق بمعنى معتوق من سيطرة الغير لأن الله حفظه من اعتداء ~~الجبابرة، ألا ترى قصة الفيل، وما فعله الله بأبرهة حين أراد هدمه؟ ~~حتى الفيل الذي كان يتقدم هذا الجيش أدرك أن هذا اعتداء على بيت الله، ~~فتراجع عن البيت، وأخذ يتوجه أي وجهة أرادوا إلا ناحية الكعبة. ويقال: ~~إن رجلا تقدم إلى الفيل. وقال في أذنه: ابرك محمود - اسم الفيل - ~~وارجع راشدا فإنك ببلد الله الحرام. وقد عبر الشاعر عن هذا الموقف، ~~فقال: # حبس الفيل بالمغمس حتى # ظل يعوي كأنه معقور # ثم ينزل الله عليهم الطير الأبابيل التي ترميهم بالحجارة حتى الموت. ~~لذلك لما ذهب عبد المطلب جد الرسول صلى الله عليه وسلم ليكلم أبرهة ~~في الإبل المائة التي أخذها من إبله، قال أبرهة: لقد كنت أهابك حين ~~رأيتك، لكنك سقطت من نظري لما كلمتني في مائة بعير أصبتها لك، وتركت ~~البيت الذي فيه مجدكم وعزكم. فماذا قال عبد المطلب؟ قال: أما الإبل ~~فإنها لي، أما البيت فله رب يحميه. البعض يتهم عبد المطلب لمقالته هذه ~~بالسلبية، وليست هذه سلبية من كبير قريش، إنما ثقة منه في حماية الله ~~لبيته لذلك رده إلى أقوى منه، وكأنه قال: إن كنت أحميه أنا، فسأحميه ~~بقوتي وقدرتي وحيلتي، لكنني أريد أن أرعبه بقدرة الله وقوته، وما ~~سلمت البيت إلا وأنا واثق أن رب البيت سيحميه، وهذه تزلزل العدو ~~وتربكه. وما أشبه موقف عبد المطلب بموقف موسى عليه السلام، لما قال له ~~قومه: # إنا لمدركون # [الشعراء: 61] فقال في يقين وثقة: # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. إذن: ms6626 لم يكن عبد المطلب سلبيا كما يتهمه البعض، بل ~~كان إيجابيا من النوع الراقي، فلو كان إيجابيا بالمعنى الذي تريدون ~~لأعطته هذه الإيجابية منعة بقوته هو، إنما تصرفه وما تعتبرونه سلبية ~~أعطاه منعة بقدرة الله وقوته سبحانه لذلك تدخلت فورا جنود ~~السماء. لكن لماذا الطواف والدوران حول الكعبة؟ قالوا: لأن المسلم وهو ~~غائب عن الكعبة يصلي لجهتها، كل حسب موقعه منها، فتجد المسلمين في كل ~~أنحاء العالم يتجهون نحوها، كل من ناحية، هذا من الشمال، وهذا من الجنوب، ~~وهذا من الشرق، وهذا من الغرب، يعني بكل الجهات الأصلية والفرعية. فإذا ~~ما ذهبت إلى الكعبة ذاتها، وتشرفت برؤيتها، فهل تستقبلها من نفس المكان ~~الذي كنت تتجه إليه في صلاتك وغيرك وغيرك؟ إذن: فكل اتجاهات الكعبة سواء ~~لك ولغيرك، كما قال تعالى: # فأينما تولوا فثم وجه الله.. # [البقرة: 115] فليس هناك مكان أولى من مكان لذلك نطوف حول البيت. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو ~~خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام... }. ### || [22.30] # { ذلك.. } إشارة إلى الكلام السابق بأنه أمر واضح، لكن استمع إلى ~~أمر جديد سيأتي، فهنا استئناف كلام على كلام سابق، فبعد الكلام عن البيت ~~وما يتعلق به من مناسك الحج يستأنف السياق: # ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه.. # [الحج: 30] فالحق - سبحانه - يريد لعبده أن يلتزم أوامره بفعل الأمر ~~واجتناب النهي، فكل أمر لله يحرم عليك أن تتركه، وكل نهي يحرم ~~عليك أن تأتيه، فهذه هي حرمات الله التي ينبغي عليك تعظيمها بطاعة الأمر ~~واجتناب النهي. وحين تعظم هذه الحرمات لا تعظمها لذاتها، فليس هناك ~~شيء له حرمة في ذاته، إنما تعظمها لأنها حرمات الله وأوامره لذلك قد ~~يجعل الالتزام بها متغيرا، وقد يطرأ عليك ما يبدو متناقضا في الظاهر. ~~فالوضوء مثلا، البعض يرى فيه نظافة للبدن، فإذا انقطع الماء وعدم ~~وجوده حل محله التيمم بالتراب الطاهر الذي نغبر به أعضاء التيمم، ~~إذن: ليس في الأمر نظافة، إنما هو الالتزام والانقياد واستحضار أنك ~~مقبل ms6627 على أمر غير عادي يجب عليك أن تتطهر له بالوضوء، فإن أمرتك ~~بالتيمم فعليك الالتزام دون البحث في أسباب الأمر وعلته. وهكذا يكون ~~الأدب مع الأوامر وتعظيمها لأنها من الله، ولم لا ونحن نرى مثل هذا ~~الالتزام أو رياضة التأديب في الالتزام في تعاملاتنا الطبيعية الحياتية، ~~فمثلا الجندي حين يجند يتعلم أول ما يتعلم الانضباط قبل أن يمسك ~~سلاحا أو يتدرب عليه، يتعلم أن كلمة " ثابت " معناها عدم الحركة مهما ~~كانت الظروف فلو لدغه عقرب لا يتحرك. ويدخل المدرب على الجنود في صالة ~~الطعام فيقول: ثابت فينفذ الجميع.. الملعقة التي في الطبق تظل في الطبق، ~~والملعقة التي في فم الجندي تظل في فمه، فلا ترى في الصالة الواسعة حركة ~~واحدة. وهذا الانضباط الحركي السلوكي مقدمة للانضباط في الأمور العسكرية ~~الهامة والخطيرة بعد ذلك. إذن: فربك - عز وجل - أولى بهذا الانضباط ~~لأن العبادة ما هي إلا انضباط عابد لأوامر معبود وطاعة مطلقة لا تقبل ~~المناقشة لأنك لا تؤديها لذاتها وإنما انقيادا لأمر الله، ففي الطواف ~~تقبل الحجر الأسود، وفي رمي الجمار ترمي حجرا، وهذا حجر وذاك حجر، ~~هذا ندوسه وهذا نقبله فحجر يقبل وحجر يقنبل لأن المسألة ~~مسألة طاعة والتزام، هذا كله من تعظيم حرمات الله. لذلك الإمام علي - رضي ~~الله عنه - يلفتنا إلى هذه المسألة فيقول في التيمم: لو أن الأمر كما نرى ~~لكان مسح باطن القدم أولى من ظاهرها لأن الأوساخ تعلق بباطن القدم ~~أولا. وقد ذكرنا في الآيات السابقة أن الحرمات خمس: البيت الحرام، ~~والمسجد الحرام، والبلد الحرام، والمشعر الحرام، والشهر الحرام، وحرمات ~~الله هي الأشياء المحرمة التي يجب ألا تفعلها. # ثم يبين الحق سبحانه جزاء هذا الالتزام: { فهو خير له عند ~~ربه.. } [الحج: 30] الخيرية هنا ليست في ظاهر الأمر وعند الناس أو في ~~ذاته، إنما الخيرية للعبد عند الله. ثم يقول سبحانه: { وأحلت ~~لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم.. } [الحج: 30] قد ~~تقول: كيف وهي حلال من البداية وفي الأصل، قالوا: لأنه لما حرم الصيد ~~قد يظن البعض ms6628 أنه حرام دائما فلا ينتفعون بها، فبين سبحانه أنها حلال ~~إلا ما ذكر تحريمه، ونص القرآن عليه في قوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~ومآ أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة ومآ أكل السبع إلا ما ~~ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا ~~بالأزلام.. # [المائدة: 3]. وقوله تعالى: # ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ~~وإنه لفسق.. # [الأنعام: 121]. ومعنى: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان.. ~~} [الحج: 30] الرجس: النجاسة الغليظة المتغلغلة في ذات الشيء. يعني: ~~ليست سطحية فيه يمكن إزالتها، وإنما هي في نفس الشيء لا يمكن أن تفصلها ~~عنه. { واجتنبوا.. } [الحج: 30] لا تدل على الامتناع فقط، إنما على ~~مجرد الاقتراب من دواعي هذه المعصية لأنك حين تقترب من دواعي المعصية ~~وأسبابها لا بد أن تداعبك وتشغل خاطرك، ومن حام حول الشيء يوشك أن ~~يقع فيه، لذلك لم يقل الحق - سبحانه وتعالى - امتنعوا إنما قال: ~~اجتنبوا، ونعجب من بعض الذين أسرفوا على أنفسهم ويقولون: إن الأمر في ~~اجتنبوا لا يعني تحريم الخمر، فلم يقل: حرمت عليكم الخمر. نقول: ~~اجتنبوا أبلغ في النهي والتحريم وأوسع من حرمت عليكم، لو قال الحق - ~~تبارك وتعالى - حرمت عليكم الخمر، فهذا يعني أنك لا تشربها، ولكن لك أن ~~تشهد مجلسها وتعصرها وتحملها وتبيعها، أما اجتنبوا فتعني: احذروا مجرد ~~الاقتراب منها على أي وجه من هذه الوجوه. لذلك، تجد الأداء القرآني ~~للمطلوبات المنهجية في الأوامر والنواهي من الله يفرق بين حدود ما ~~أحل الله وحدود ما حرم، ففي الأوامر يقول: # تلك حدود الله فلا تعتدوها.. # [البقرة: 229]. وفي النواهي يقول: # تلك حدود الله فلا تقربوها.. # [البقرة: 187]. ففي الأوامر وما أحل الله لك قف عند ما أحل، ولا ~~تتعداه إلى غيره، أما المحرمات فلا تقترب منها مجرد اقتراب، فلما أراد ~~الله نهي آدم وحواء عن الأكل من الشجرة قال لهما: # ولا تقربا هذه الشجرة.. # [البقرة: 35]. وبعد أن أمر الحق سبحانه باجتناب الرجس في عبادة الأصنام ~~قال: { واجتنبوا قول الزور } [الحج: 30] فقرن عبادة الأوثان ~~بقول الزور، كأنهما في ms6629 الإثم سواء لذلك النبي صلى الله عليه وسلم سلم ~~يوما من صلاة الصبح، ثم وقف وقال: # " ألا وإن شهادة زور جعلها الله بعد الأوثان ". # لماذا؟ لأن في شهادة الزور جماع لكل حيثيات الظلم، فساعة يقول: ليس ~~للكون إله، فهذه شهادة زور، وقائلها شاهد زور، ساعة يقول: الإله له شريك ~~فهذه شهادة زور، وقائلها شاهد زور، كذلك حين يظلم أو يغير في الحقيقة، ~~أو يذم الآخرين، كلها داخلة تحت شهادة الزور. ولما عدد النبي صلى ~~الله عليه وسلم الكبائر، قال: # " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك ~~بالله وعقوق الوالدين - وكان متكئا فجلس - فقال: ألا وقول الزور ألا ~~وقول الزور، قال الراوي: فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت أو حتى ظننا ~~أنه لا يسكت ". # ويقولون في شاهد الزور: يا شاهد الزور أنت شر منظور، ضللت القضاة، ~~وحلفت كاذبا بالله. ومن العجيب في شاهد الزور أنه أول ما يسقط من نظر ~~الناس يسقط من نظر من شهد لصالحه، فرغم أنه شهد لصالحك، ورفع رأسك ~~على خصمك لكن داست قدمك على كرامته وحقرته، ولو تعرض للشهادة في ~~قضية أخرى فأنت أول من تفضحه بأنه شهد زورا لصالحك. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { حنفآء لله غير مشركين به ومن يشرك ~~بالله فكأنما خر من السمآء... }. ### || [22.31] # اكتفت الآية بذكر صفتين فقط من صفات كثيرة على وجه الإجمال، وهما حنفاء ~~لله، غير مشركين به، وحنفاء: جمع حنيف، مأخوذة من حنف الرجل يعني: ~~تقوسها وعدم استقامتها، فيقال: فيه حنف أي: ميل عن الاستقامة، وليس ~~الوصف هنا بأنهم معوجون، إنما المراد أن الاعوجاج عن الاعوجاج استقامة. ~~لذلك وصف إبراهيم - عليه السلام - بأنه # كان حنيفا.. # [آل عمران: 67] يعني: مائلا عن عبادة الأصنام. وقلنا: إن السماء لا ~~تتدخل برسالة جديدة إلا حين يعم الفساد القوم، ويستشري بينهم ~~الضلال، وتنعدم أسباب الهداية، حيث لا واعظ للإنسان لا من نفسه وضميره، ~~ولا من دينه، ولا من مجتمعه وبيئته ذلك لأن في النفس البشرية مناعة للحق ~~طبيعية، لكن ms6630 تطمسها الشهوات، فإذا عدم هذا الواعظ وهذه المناعة في ~~المجتمع تدخلت السماء بنبي جديد، ورسالة جديدة، وإنذار جديد لأن ~~الفساد عم الجميع، ولم يعد أحد يعظ الآخر ويهديه. وهذا المعنى ~~الذي قال الله فيه: # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما ~~كانوا يفعلون # [المائدة: 79]. ومن هنا شهد الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أنها خير ~~أمة أخرجت للناس لأن المناعة للحق فيها قائمة، ولها واعظ من نفسها ~~يأمر بالخير، ويأخذ على يد المنحرف حتى يستقيم لذلك قال فيها النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة ". # والمعنى: الخير في حصرا وفي أمتي نثرا، فرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جمع خصال الخير كله، وخصه الله بالكمال، لكن من يطيق الكمال ~~المحمدي من أمته؟ لذلك نثر الله خصال الخير في جميع أمة محمد، فأخذ كل ~~واحد منهم صفة من صفاته، فكماله صلى الله عليه وسلم منثور في أمته: هذا ~~كريم، وهذا شجاع، وهذا حليم.. إلخ. ولما كان لأمة محمد هذا الدور كان هو ~~خاتم الأنبياء لأن أمته ستؤدي رسالته من بعده، فلا حاجة - إذن - لتدخل ~~السماء برسالة جديدة إلى أن تقوم الساعة. إذن نقول: الرسل لا تأتي إلا ~~عند الاعوجاج، يأتون هم ليقوموا هذا الاعوجاج، ويميلون عنه إلى ~~الاستقامة، هذا معنى الحنيف أو { حنفآء لله.. } [الحج: 31]. وهذه ~~الصفة هي مقياس الاستقامة على أوامر الله لا على أوامر البشر، فنحن لا ~~نضع لأنفسنا أسباب الكمال ثم نقول: ينبغي أن يكون كذا وكذا، لا إنما ~~الذي يضع أسباب الكمال للمخلوق هو الخالق. والحق - سبحانه وتعالى - ليس ~~مراده من الفعل أن يفعل لذاته ولمجرد الفعل، إنما مراده من الفعل أن ~~يفعل لأنه أمر به، وقد أوضحنا هذه المسألة بالكافر الذي يفعل الخير ~~وينفع الناس والمجتمع، لكن ليس من منطلق الدين وأمر الله، إنما من منطلق ~~الإنسانية والمكانة الاجتماعية والمهابة والمنزلة بين الناس، ومثل هذا لا ~~يجحفه الله حقه، ولا يبخسه ثواب عمله، يعطيه لكن في الدنيا عملا بقول ms6631 ~~الله تعالى: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع ~~أجر من أحسن عملا # [الكهف: 30]. لكن لا حظ لهؤلاء في ثواب الآخرة لأنهم عملوا للمجتمع ~~وللناس وللمنزلة، وقد أخذوا المقابل في الدنيا شهرة وصيتا ذائعا، ~~ومكانة وتخليدا. وفي الحديث القدسي يقول الحق سبحانه لهم: # " لقد فعلت ليقال وقد قيل " # وانتهت المسألة. والحق - تبارك وتعالى - ضرب لنا عدة أمثلة لهؤلاء، ~~فقال: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. فعمل الكافر كالسراب يتراءى له من بعيد، يظن من ورائه ~~الخير، وهو ليس كذلك، حتى إذا ما عاين الأمر لم يجد شيئا، وفوجئ بوجود ~~إله عادل لم يكن في باله يوم عمل ما عمل. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما ~~كسبوا على شيء.. # [إبراهيم: 18]. وقال: # كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ~~فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء ~~مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين.. # [البقرة: 264]. وهل ينبت المطر شيئا إذا نزل على الحجر الصلد الأملس؟ ~~هكذا عمل الكافر، فمن أراد ثواب الآخرة فليحقق معنى { حنفآء لله.. ~~} [الحج: 31] ويعمل من منطلق أن الله أمر. إذن: العمل لا يفعل لأنه حسن ~~في ذاته، إنما لأن الله أمرك به، بدليل أن الشارع سيأمرك بأمور لا تجد ~~فيها حسنا، ومع ذلك عليك أن تلتزم بها لتحقق الانضباط الذي أراده منك ~~الشارع الحكيم، وبعد ذلك سينكشف لك وجه الحسن في هذا العمل، وتعلم ~~الحكمة منه. خذ مثلا موقف الإسلام من اليتيم، وقد حث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على رعايته وإكرامه وكفالته حتى أنه قال: # " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى " # فكافل اليتيم قرين لرسول الله في الجنة. ففي هذا الموقف حكم كثيرة، قد ~~لا يعلمها كثير من الناس لأن اليتيم فقد ms6632 أباه وهو صغير، ونظر فلم يجد ~~له أبا، في حين يتمتع رفاقه بأحضان آبائهم، فإذا لم يجد هذا الصغير ~~حنانا من كل الناس كأنهم آباؤه لتربي عنده شعور بالسخط على الله ~~والاعتراض على القدر الذي حرمه دون غيره من حنان الأب ورعايته. لذلك يريد ~~الإسلام أن ينشأ اليتيم نشأة سوية في المجتمع، لا يسخط على الله، ولا ~~يسخط على الناس لأنهم جميعا عاملوه كأنه ولد لهم. # وهناك ملحظ آخر: حين ترى مكانة اليتيم، وكيف يرعاه المجتمع وينهض به ~~يطمئن قلبك إن فاجأك الموت وأولادك صغار، هذه مناعات يجعلها الإسلام في ~~المجتمع: مناعة في نفس اليتيم، ومناعة فيمن يرعاه ويكفله. وكفالة ~~اليتيم وإكرامه لا بد أن تتم في إطار { حنفآء لله.. } [الحج: ~~31] فيكون عملك لله خالصا، دون نظر إلى شيء آخر من متاع الدنيا، كالذي ~~يسعى للوصاية على اليتيم لينتفع بماله، أو أن له مطمعا في أمه.. إلخ ~~فهذا عمله كالذي قلنا: كسراب بقيعة أو كرماد اشتدت به الريح أو كحجر ~~أملس صلد لا ينبت شيئا. فإن حاول الإنسان إخلاص النية لله في مثل هذا ~~العمل فإنه لا يأمن أن يخالطه شيء، كما جاء في الحديث الشريف: # " اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ". # الصفة الثانية التي وصف الله بها عباده المؤمنين: { غير مشركين ~~به.. } [الحج: 31] فالشرك أمر عظيم لأن الحق - تبارك وتعالى - كما قال ~~في الحديث القدسي - أغنى الشركاء عن الشرك، فكيف تلجأ إلى غير الله والله ~~موجود؟ لذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي: # " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معى غيري، تركته ~~وشركه ". # ويعطينا الحق سبحانه بعدها صورة توضيحية لعاقبة الشرك: { ومن يشرك ~~بالله فكأنما خر من السمآء فتخطفه الطير ~~أو تهوي به الريح في مكان سحيق } [الحج: 31]. خر: ~~يعني سقط من السماء لا يمسكه شيء، ومنه قوله تعالى: # فخر عليهم السقف من فوقهم.. # [النحل: 26]. وفي الإنسان جمادية لأن قانون الجاذبية يتحكم فيه، فإن ~~صعد إلى أعلى لا ms6633 بد أن يعود إلى الأرض بفعل هذه الجاذبية، لا يملك ~~أن يمسك نفسه معلقا في الهواء، فهذا أمر لا يملكه وخارج استطاعته، ~~وفي الإنسان نباتية تتمثل في النمو، وفيه حيوانية تتمثل في الغرائز، وفيه ~~إنسانية تتمثل في العقل والتفكير والاختيار بين البدائل، وبهذه كرم عن ~~سائر الأجناس. وتلحظ أن خر ترتبط بارتفاع بعيد { خر من ~~السمآء.. } [الحج: 31] بحيث لا تستطيع قوة أن تحميه، أو تمنعه لا ~~بذاته ولا بغيره، وقبل أن يصل إلى الأرض تتخطفه الطير، فإن لم تتخطفه ~~تهوي به الريح في مكان بعيد وتتلاعب به، فهو هالك هالك لا محالة، ولو ~~كانت واحدة من هذه الثلاث لكانت كافية. وعلى العاقل أن يتأمل مغزى هذا ~~التصوير القرآني فيحذر هذا المصير، فهذه حال من أشرك بالله، فإن أخذت ~~الصورة على أنها تشبيه حالة بحالة، فها هي الصورة أمامك واضحة، وإن ~~أردت تفسيرا آخر يوضح أجزاءها: فالسماء هي الإسلام، والطير هي ~~الشهوات، والريح هي ريح الشيطان، يتلاعب به هنا وهناك. فأي ضياع بعد ~~هذا؟ ومن ذا الذي ينقذه من هذا المصير؟ ثم يقول سبحانه: { ذلك ومن ~~يعظم شعائر الله... }. ### || [22.32] # { ذلك.. } [الحج: 32] كما قلنا في السابقة: إشارة إلى الكلام السابق ~~الذي أصبح واضحا معروفا، ونستأنف بعدها كلاما جديدا تنبه له. { ~~ومن يعظم شعائر الله.. } [الحج: 32] الشعائر: جمع شعيرة، ~~وهي المعالم التي جعلها الله لعباده لينالوا ثوابه بتعظيمها، فالإحرام ~~شعيرة، والتكبير شعيرة، والطواف شعيرة، والسعي شعيرة، ورمي الجمار ~~شعيرة.. إلخ. وهذه أمور عظمها الله، وأمرنا بتعظيمها. وتعظيم الشيء أبلغ ~~وأشمل من فعله، أو أدائه، أو عمله، عظم الشعائر يعني: أداها بحب ~~وعشق وإخلاص، وجاء بها على الوجه الأكمل، وربما زاد على ما طلب منه. ~~ومثالنا في ذلك: خليل الله إبراهيم، عندما أمره الله أن يرفع قواعد ~~البيت: كان يكفيه أن يبني على قدر ما تطوله يده، وبذلك يكون قد أدى ~~ما أمر به، لكنه عشق هذا التكليف وأحبه فاحتال للأمر ووضع حجرا على ~~حجر ليقف عليه، ويرفع البناء بقدر ما ارتفع إليه. ms6634 فمحبة أمر الله مرقي ~~من مراقي الإيمان، يجب أن نسمو إليه، حتى في العمل الدنيوي: هب أنك ~~نقلت إلى ديوان جديد، ووصل إلى علمك أن مدير هذا الديوان رجل جاد ~~وصعب، ويحاسب على كل صغيرة وكبيرة، فيمنع التأخير أو التسيب أثناء ~~الدوام الرسمي، فإذا بك تلتزم بهذه التعليمات حرفيا، بل وتزيد عليها ليس ~~حبا في العمل، ولكن حتى لا تسئل أمام هذا المدير في يوم من الأيام. ~~إذن: الهدف أن نؤدي التكاليف بحب وعشق يوصلنا إلى حب الله عز ~~وجل لذلك نجد من أهل المعرفة من يقول: رب معصية أورثت ذلا ~~وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا. فالمهم أن نصل إلى ~~الله، أن نخضع لله، أن نذل لعزته وجلاله، والمعصية التي توصلك إلى ~~هذه الغاية خير من الطاعة التي تسلمك للغرور والاستكبار. هذه المحبة ~~للتكاليف، وهذا العشق عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: # " وجعلت قرة عيني في الصلاة " # لذلك نعى القرآن على أولئك الذين # إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون ~~الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا.. # [النساء: 142]. وابنته فاطمة - رضي الله عنها - كانت تجلو الدرهم ~~وتلمعه، فلما سألها رسول الله عما تفعل، قالت: لأنني نويت أن أتصدق ~~به، وأعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير. هذا هو التعظيم ~~لشعائر الله والقيام بها عن رغبة وحب. وفي عصور الإسلام الأولى كان الناس ~~يتفاضلون بأسبقهم إلى صلاة الجماعة حين يسمع النداء، وبآخرهم خروجا من ~~المسجد بعد أداء الصلاة، ولك أن تقيس حال هؤلاء بحالنا اليوم. هؤلاء قوم ~~عظموا شعائر الله فلم يقدموا عليها شيئا. # وقد بلغ حب التكاليف وتعظيم شعائر الله بأحد العارفين إلى أن قال: ~~لقد أصبحت أخشى ألا يثيبني الله على طاعته، فسألوه: ولماذا؟ قال: ~~لأنني أصبحت أشتهيها يعني: أصبحت شهوة عندي، فكيف يثاب - يعني - على ~~شهوة؟! لذلك أهل العزم وأهل المعرفة عن الله إذا ورد الأمر من الله وثبت ~~أخذوه على الرحب والسعة دون جدال ولا مناقشة، وكيف ms6635 يناقشون أمر ~~الله وهم يعظمونه؟ ومن هنا نقول للذين يناقشون في أمور فعلها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مثل تعدد زوجاته مثلا ويعترضون، بل ومنهم ~~من يتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يليق. نقول لهم: ما ~~دمتم آمنتم بأنه رسول الله، فكيف تضعون له موازين الكمال من عند ~~أنفسكم. وتقولون: كان ينبغي أن يفعل كذا، ولا يفعل كذا؟ وهل عندكم من ~~الكمال ما تقيسون به فعل رسول الله؟ المفروض أن الكمال منه صلى الله ~~عليه وسلم ومن ناحيته، لا من ناحيتكم. ثم يقول سبحانه: { فإنها من ~~تقوى القلوب } [الحج: 32] ليست من تقوى الجوارح، بل تقوى قلب لا ~~تقوى قالب، فالقلب هو محل نظر الله إليك، ومحل قياس تعظيمك لشعائر ~~الله. وسبق أن ذكرنا أن الله تعالى لا يريد أن يخضع قوالبنا، إنما ~~يريد أن يخضع قلوبنا، ولو أراد سبحانه أن تخضع القوالب لخصعت له ~~راغمة، كما جاء في قوله تعالى: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. وأنت تستطيع أن ترغم من هو أضعف منك على أي شيء ~~يكرهه، إن شئت سجد لك، لكن لا تملك أن تجعل في قلبه حبا أو احتراما ~~لك، لماذا؟ لأنك تجبر القالب، أما القلب فلا سلطة لك عليه بحال. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى... ~~}. ### || [22.33] # يعني: ما دامت هذه المسائل من شعائر الله ومن تقوى القلوب فاعملوها ~~وعظموها لأن لكم فيها منافع عرفتها أو لم تعرفها، وربما تعرف بعضها ولا ~~تعرف الباقي لأنه مستور عنك ولو أنك لا تعلم قيمة الجزاء على هذه ~~الشعائر، فقيمة الجزاء على العمل بحسب أنفاس الإخلاص في هذا العمل. ومعنى ~~{ إلى أجل مسمى.. } [الحج: 33] ما دام الحق - سبحانه وتعالى - ~~ذيل الآية بقوله { ثم محلهآ إلى البيت العتيق } ~~[الحج: 33] إذن: فالمراد هنا شعيرة الذبح، ولا يخفى ما فيها من منافع ~~حيث ننتفع بصوفها ووبرها ولبنها ولحمها، ونتخذها زينة وركوبة. ms6636 كل هذا { ~~إلى أجل مسمى.. } [الحج: 33] يعني: زمن معلوم، وهو حين تقول ~~وتنوي: هذه هدية للحرم، ساعة تعقد هذه النية فليس لك الانتفاع بشيء منها، ~~لا أنت ولا غيرك لذلك يميزونها بعلامة حتى إن ضلت من صاحبها يعرفون ~~أنها مهداة لبيت الله، فلا يأخذها أحد. وما دامت هذه منافع إلى أجل ~~مسمى، فلا بد أنها المنافع الدنيوية، أما المنافع الأخروية فسوف تجدها ~~فيما بعد في الآخرة. ثم يقول سبحانه: { ثم محلهآ إلى ~~البيت العتيق } [الحج: 33] أي: بعد هذا الأجل المسمى ينتهي بها ~~المطاف عند الحرم حيث تذبح هناك. وقد كان للعلماء كلام حول هذه الآية: ~~{ ثم محلهآ إلى البيت العتيق } [الحج: 33] حيث قالوا: ~~محل الذبح في منى، وليس في مكة، والآية تقول، محلها البيت العتيق. ~~نقول: الأصل كما جاء في الآية أن الذبح في مكة وفي الحرم، إلا أنهم لما ~~استقذروا الذبح في الحرم بسبب ما يخلفه من قاذورات ودماء وخلافه ~~نتيجة هذه العملية، فرؤي أن يجعلوا الذبح بعيدا عن الحرم حتى يظل ~~نظيفا، وهذا لا يمنع الأصل، وهو أن يكون الذبح في الحرم، كما جاء في ~~آية أخرى: # هديا بالغ الكعبة.. # [المائدة: 95] وفي الحديث الشريف: # " مكة كلها منحر ". # ثم يقول الحق سبحانه: { ولكل أمة جعلنا منسكا ~~ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام... }. ### || [22.34] # المنسك: هو العبادة، كما جاء في قول الله تعالى على لسان إبراهيم عليه ~~السلام: # قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين.. # [الأنعام: 162]. ومعنى { ولكل أمة جعلنا منسكا.. } ~~[الحج: 34] لأن الشعائر والمناسك والعبادات ليس من الضروري أن تتفق عند ~~جميع الأمم، بل لكل أمة ما يناسبها، ويناسب ظرفها الزمني والبيئي. ~~لذلك، فإن الرسل لا تأتي لتغير القواعد والأسس التي يقوم عليها الدين ~~لأن هذه القواعد وهذه الأسس ثابتة في كل رسالات السماء، لا تتبدل ولا ~~تتغير بتغير الرسل. يقول تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ms6637 فيه.. # [الشورى: 13]. هذا في الأصول العقدية الثابتة، أما في الفرعيات فنرى ~~ما يصلح المجتمع، وما يناسبه من طاعات وعبادات. ثم يبين الحق سبحانه ~~الحكمة من هذه المناسك: { ليذكروا اسم الله على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام.. } [الحج: 34] أي: يذكروا الله ~~في كل شيء، ويشكروه على كل نعمة ينالونها من بهيمة الأنعام. لذلك نذكر ~~الله عند الذبح نقول: بسم الله، الله أكبر، لماذا؟ لأن الذبح إزهاق روح ~~خلقها الله، وما كان لك أن تزهقها بإرادتك، فمعنى " بسم الله والله أكبر ~~" هنا أنني لا أزهق روحها من عندي، بل لأن الله أمرني وأباحها لي، فالله ~~أكبر في هذا الموقف من إرادتك، ومن عواطفك. ونرى البعض يأنف من مسألة ~~الذبح هذه، يقول: كيف تذبحون هذا الحيوان أو هذه الدجاجة؟ يدعي ~~الرحمة والشفقة على هذه الحيوانات، لكنه ليس أرحم بها من خالقها، وما ~~ذبحناها إلا لأن الله أحلها، وما أكلناها إلا بسم الله، بدليل أن ما ~~حرمه الله علينا لا نقرب منه أبدا. وهل أنا أكرم القطة عن الأرنب، فأذبح ~~الأرنب وأترك القطة؟ وهل احترم الكلب عن الخروف؟ أبدا، المسألة مسألة ~~تشريع وأمر ثبت عن الله، فعلي أن أعظمه وأطيعه. وقوله تعالى: { ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام.. } [الحج: 34] الرزق ~~يعني: أنه تعالى أوجدها لك، وملكك إياها، وذللها لك فاستأنستها ~~وسخرها لك فانتفعت بها، ولولا تسخيره ما انقادت لك بقوتك وقدرتك. ثم ~~يقول سبحانه: { فإلهكم إله واحد.. } [الحج: 34] يعني: ~~إن اختلفت الشرائع من أمة لأمة فإياك أن تظن أن هذا من إله، وهذا ~~من إله آخر، إنما هو إله واحد يشرع لكل أمة ما يناسبها وما يصلحها لأن ~~التشريعات السماوية تأتي علاجا لآفات اجتماعية. والأصل الأصيل هو إيمان ~~بإله واحد فاعل قادر مختار، يبلغ عنه رسول بمعجزة تبين صدقه في ~~التبليغ عن الله. # هذا أصل كل الديانات السماوية، كذلك قواعد الدين وأساسياته واحدة متفق ~~عليها، فالسرقة والزنا وشهادة الزور.. إلخ كلها محرمة في كل الأديان. ~~لكن، هناك أمور تناسب أمة، ولا تناسب أخرى، والمشرع ms6638 للجميع إله واحد، ~~الناس جميعا من لدن آدم وإلى أن تقوم الساعة عياله، وهم عنده سواء، ~~لذلك يختار لكل ما يصلحه. ألا ترى رب الأسرة كيف ينظم حياة ~~أولاده - ولله المثل الأعلى - فيقول: هذا يفعل كذا، وهذا يفعل كذا، وإذا ~~جاء الطعام قال: هذا يأكل كذا وكذا لأنه مريض مثلا، لا يناسبه طعام ~~الآخرين، ويأمر الأم أن تعد لهذا المريض ما يناسبه من الطعام. ذلك ~~لأنه راع للجميع مسئول عن الجميع، وعليه أن يراعي مصلحة كل واحد منهم ~~على حدة. إذن: اختلاف التشريعات في هذه المسائل الجزئية بين الأمم لا ~~يعني تعدد الآلهة كلا وحاشا لله، بل هو إله واحد، يعطي عباده كلا ~~على حسب حاجته، كي يتوازن المجتمع ويستقيم حاله. نذكر أنه كان عند طبيب ~~الوحدة الصحية دورقان، في كل منهما مزيج معين، وكان يعطي كل المرضى مع ~~اختلاف أمراضهم من هذين النوعين فقط لذلك كانت عديمة الجدوى، أما الآن ~~فالطبيب الماهر لا بد أن يجري على مريضه الفحوص والتحاليل اللازمة ~~ليقف على مرضه بالتحديد، ثم يصف العلاج المناسب لهذه الحالة بمقادير ~~دقيقة تبرئ المرض ولا تضر المريض من ناحية أخرى.. كذلك الأمر في ~~اختلاف الشرائع السماوية بين الأمم. وما دام أن إلهكم إله واحد، وما ~~دمتم عنده سواء، وليس منكم من هو ابن الله، ولا بينه وبين الله ~~قرابة. إذن: { فله أسلموا.. } [الحج: 34] يعني: أسلموا كل ~~أموركم لله، فإن أمر فعظموا أمره، وخذوه على الرحب والسعة، فإن ~~ترك مجالا لاختيارك فاصنع ما تشاء. ولا تنس أن الله تعالى أعطاك فرصة ~~للترقي الإيماني، وللترقي الإحساني، وفتح لك مجال الإحسان إن أردت. ~~ثم يقول سبحانه: { وبشر المخبتين } [الحج: 34] المخبت: في ~~المعنى العام: يعني الإنسان الخاشع الخاضع المتواضع لكل أوامر الله، ~~والمعنى الدقيق للمخبت: هو الذي إذا ظلم لا ينتصر لنفسه، عملا بقول ~~الله تعالى: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] هكذا بلام التوكيد. أما في وصية لقمان لولده: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور ms6639 # [لقمان: 17] بدون توكيد لماذا؟ قالوا: لأن لقمان يوصي ولده بالصبر على ~~ما أصابه، والمصائب قسمان: مصيبة تصيب الإنسان، وله فيها غريم هو الذي ~~أوقع به المصيبة، وهذه يصاحبها غضب وسعار للانتقام، ومصيبة تصيب الإنسان ~~وليس له غريم كالمرض مثلا، فإن كان له غريم فالصبر أشد، لذلك احتاج ~~إلى التوكيد، على خلاف المصيبة التي ليس أمامك فيها غريم، فهي من الله ~~فالصبر عليها أهون من الأولى. # ومع ذلك جعل الحق - سبحانه وتعالى - للنفس البشرية منافذ تنفس من ~~خلالها عن نفسها، حتى لا يختمر بداخلها الغضب، فيتحول إلى حقد وضغينة، قد ~~تؤدي إلى أكثر مما وقع بك لذلك أباح لك الرد لكن حببك في مراق أخرى، ~~هي أجدى لك، فقال تبارك وتعالى: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. وهذه مراحل ثلاث، تختار منها بحسب فهمك عن الله ~~وقربك منه: الأولى: # والكاظمين الغيظ.. # [آل عمران: 134] يعني: تكظم غيظك في نفسك، دون أن تترجم هذا الغيظ إلى ~~عمل نزوعي فتنتقم، فالغيظ - إذن - مسألة وجدانية في القلب، وموجود في ~~مواجيد نفسه، وهذه مرحلة. الثانية: # والعافين عن الناس.. # [آل عمران: 134] يعني: لا ينتقم، ولا حتى يجعل للغيظ مكانا في نفسه، ~~فيصفيها من مشاعر الحنق والغيظ راضيا. الثالثة: # والله يحب المحسنين # [آل عمران: 134] وهي أعلى المراتب، وهي ألا تكتفي بالعفو، بل وتحسن ~~إلى من أساء إليك، والبعض يقول: هذا ضد طباع البشر، نعم هي ضد طباع ~~البشر العاديين، لكن الذين يعرفون الجزاء، ويعرفون أنهم بذلك سيكونون في ~~حضانة ربهم يهون عليهم هذا العمل، بل ويحبون الإحسان إلى من أساء. ~~لذلك فالحسن البصري - رضوان الله عليه - لما بلغه أن شخصا نال منه في ~~أحد المجالس - وكان الوقت بواكير الرطب - أرسل خادمه إليه بطبق من ~~الرطب، وقال له: بلغني أنك أهديت إلي حسناتك بالأمس. ومعلوم أن ~~الحسنات أغلى وأثمن بكثير من طبق الرطب. ومن هنا يقولون: ما أعجب من ~~الذي يسيء إلى من أساء إليه، لأنه أعطاه حسناته، وهي خلاصة عمله، فكيف ~~يسيء إليه؟! وكأن ms6640 الحق سبحانه يريد أن يحدث توازنا في المجتمع، ~~ويقضي على دواعي الحقد وأسباب الضغائن في النفس البشرية، فحين تحسن إلى ~~من يسيء إليك فإنك تجتث جذور الكره والحقد من نفسه، كما قال ~~سبحانه وتعالى: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34] فقد أخرجت خصمك من قالب الخصومة، إلى قالب الولاية ~~والمحبة. فالمخبت المتواضع لله. أما غير المخبت فتراه متكبرا يتفرعن ~~على من حوله، ويرى نفسه أعظم من الجميع، ولو أنه استحضر جلال ربه لخشع ~~له، وتواضع وانكسر لخلقه، فالتكبر دليل غفلة عن عظمة الله، كأنه لم ~~يشهد خالقه. إذن: تستطيع أن تقول أن الإخبات على نوعين: إخبات لله ~~بالخضوع والخشوع والتعظيم لأوامره، وإخبات لخلق الله، بحيث لا ينتصر ~~لظلمه ولا يظلم، إنما يتسامح ويعفو لأنه يعلم جيدا أنه إذا ظلم من ~~مخلوق تعصب له الخالق. ولك أن تنظر إلى أولادك إذا ظلم أحدهم الآخر ~~فإلى من تنحاز، ومع من تتعاطف؟ لا شك أنك ستميل إلى المظلوم، وتحنو ~~عليه، وتريد أن تعوضه عما لحقه من الظلم، حتى إن الظالم ليندم على ~~ظلمه لأنه ميز أخاه المظلوم عليه، وربما تمنى أن يكون هو المظلوم ~~لا الظالم. # كذلك حال المخبت يرى أن الخلق جميعا عيال الله، وأن أحبهم إليه ~~أرأفهم بعياله لذلك يعفو عمن ظلمه، ويترك أمره لله رب الجميع، كما أن ~~المظلوم إذا رد الظلم فإنه يرده بقوته ومقدرته هو، إنما إن ترك ~~الرد لله جاء الرد على مقدار قوته سبحانه. ملحظ آخر ينبغي أن يتنبه ~~له المظلوم قبل أن يفكر في الانتقام، وهو: من يدريك لعلك ظلمت أنت ~~أيضا دون أن تدري، لعل للناس عندك مظالم لا تشعر بها، وليست في ~~حسبانك، فالمسألة - إذن - لك وعليك. لذلك يقول الحق سبحانه في الحديث ~~القدسي: # " يا ابن آدم دعوت على من ظلمك ". # وهذا مباح لك بقوله تعالى: # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ~~ظلم.. # [النساء: 148] يعني: أعطيناك فرصة أن تدعو على من ظلمك. ثم ms6641 يقول ~~سبحانه: # " ودعا عليك من ظلمته، فإن شئت أجبناك وأجبنا عليك، وإن شئت ~~أخرتكما للآخرة فيسعكما عفوي ". # فالمخبت يستحضر هذا كله، ويركن إلى العفو والتسامح ليأخذ ربه عز وجل ~~في صفه لذلك يقولون: لو علم الظالم ما أعده الله للمظلوم من الكرامة ~~لضن عليه بالظلم. فحين ترى المظلوم يعفو عنك ويتسامح معك، فلا تظن أنك ~~أخضعته لك، إنما هو خضع لله الذي سيرفعه عليك، ويعلي رأسه عليك في يوم ~~من الأيام. لذلك من أنماط السلوك السوي إذا تشاجر اثنان يقول أحد ~~العقلاء: لكما أب نرد عليه، أو لكما كبير نرجع إليه في هذه الخصومة. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم والصابرين على مآ أصابهم... }. ### || [22.35] # يبين لنا الحق سبحانه بعض صفات المخبتين، فهم { الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم.. } [الحج: 35] وجلت: يعني خافت، ~~واضطربت، وارتعدت لذكر الله تعظيما له، ومهابة منه. وفي آية أخرى يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: # ألا بذكر الله تطمئن القلوب # [الرعد: 28]. فمرة يقول { وجلت قلوبهم.. } [الحج: 35] ومرة # تطمئن القلوب # [الرعد: 28]، لماذا؟ لأن ذكر الله إن جاء بعد المخالفة لا بد للنفس ~~أن تخاف وتوجل وتضطرب هيبة لله عز وجل، أما إن جاء ذكر الله بعد ~~المصيبة أو الشدة فإن النفس تطمئن به، وتأنس لما فيها من رصيد إيماني ~~ترجع إليه عند الشدة وتركن إليه عند الضيق والبلاء، فإن تعرضت ~~لمصيبة وعزت أسباب دفعها عليك تقول: أنا لي رب فتلجأ إليه، كما كان ~~من موسى - عليه السلام - حين قال: # إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. { والصابرين على مآ أصابهم.. } [الحج: ~~35] ومعنى أصاب: يعني جاء بأمر سيء في عرفك أنت، فتعده مصيبة لأننا ~~نقدر المصيبة حسب سطحية العمل الإيذائي، إنما لو أخذت مع المصيبة ~~في حسابك الأجر عليها لهانت عليك وما أعتبرتها كذلك لذلك في الحديث ~~الشريف يقول صلى الله عليه وسلم: # " المصاب من حرم الثواب ". # هذا هو المصاب حقا الذي لا تجبر مصيبته، أما أن تصاب بشيء فتصبر ~~عليه حتى تنال الأجر فليس في هذا ms6642 مصيبة. ثم يقول سبحانه: { ~~والمقيمي الصلاة.. } [الحج: 35] لأن الصلاة هي الولاء الدائم ~~للعبد المسلم، والفرض الذي لا يسقط عنه بحال من الأحوال، فالشهادتان يكفي ~~أن تقولها في العمر مرة، والزكاة إن كان عندك نصاب فهي مرة واحدة في ~~العام كله، والصيام كذلك، شهر في العام، والحج إن كنت مستطيعا فهو مرة ~~واحدة في العمر، وإن لم تكن مستطيعا فليس عليك حج. إذن: الصلاة هي ~~الولاء المستمر للحق سبحانه على مدار اليوم كله، وربك هو الذي يدعوك ~~إليها، ثم لك أن تحدد أنت موعد ومكان هذا اللقاء في حضرته تعالى ~~لأنه سبحانه مستعد للقائك في أي وقت. وتصور أن رئيس الجمهورية أو الملك ~~مثلا يدعوك ويحتم عليك أن يراك في اليوم خمس مرات لتكون في حضرته، ~~والحق سبحانه حين يدعو عباده للقائه، لا يدعوهم مرة واحدة إنما خمس مرات ~~في اليوم والليلة لأنه سبحانه لا يتكلف في هذه العملية تكرار لقاءات، فهو ~~سبحانه يلقى الجميع في وقت واحد. ولما سئل الإمام علي - رضي الله عنه ~~-: كيف يحاسب الله كل هؤلاء الناس في وقت واحد؟ قال: كما أنه يرزقهم ~~جميعا في وقت واحد. وقوله تعالى: { ومما رزقناهم ينفقون } ~~[الحج: 35] لا ينفقون من جيوبهم، إنما من عطاء الله ورزقه. # ومن العجيب أن الله تعالى يعطيك ويهبك ويغدق عليك تفضلا منه ~~سبحانه، فإذا أرادك تعين محتاجا قال لك: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا.. # [الحديد: 11]. وكأن الله تعالى يقول لنا: أنا لا أعود في هبتي ولا ~~عطائي، فأقول: أعط ما أخذته لفلان، بل إن أعطيت الفقير من مالك فهو ~~أيضا لك مدخر لا يضيع، فرزقك الذي وهبك الله إياه ملكك، ولا ~~نغبنك في شيء منه أبدا، فربك يحترم ملكيتك ويحترم جزاء عملك وجدك ~~واجتهادك. نقول - ولله المثل الأعلى -: كالرجل الذي يحتاج مبلغا كبيرا ~~لأحد الأبناء فيأخذ من الباقين ما معهم وما ادخروه من مصروفاتهم على ~~وعد أن يعوضهم بدلا منها فيما بعد. لذلك يقول بعدها: # فيضاعفه له.. # [الحديد: 11] فيعاملك ربك بالزيادة لذلك يقول ms6643 البعض: إن الله تعالى ~~حرم علينا الربا وهو يعاملنا به، نعم يعاملك ربك بالربا ويقول لك: اترك ~~لي أنا هذا التعامل لأنني حين أزيدك لا أنقص الآخرين، ولا أنقص مما ~~عندي، ولا أرهق ضعيفا ولا محتاجا ولا أستغل حاجته. والصدقة في ~~الإسلام تأمين لصاحبها ضد الفقر إن احتاج، فأخوف ما يخافه المرء ~~الحاجة عند الكبر، وعدم القدرة على الكسب، وعند الإعاقة عن العمل، ~~يخاف أن ينفد ماله، ويحتاج إلى الناس حال كبره. وعندها يقول له ربه: ~~اطمئن، فكما أعطيت حال يسرك سيعطيك غيرك حال عوزك وحاجتك. إذن: ~~أخذ منك ليعطيك، وليؤمن لك مستقبل حياتك الذي تخاف منه. الصدقة في ~~الإسلام صندوق لتكافل المجتمع، كصندوق التأمين في شركات التأمين، فإذا ما ~~ضاقت بك أسباب الرزق وشكوت الكبر والعجز نقول لك: لا تحزن فأنت في ~~مجتمع مؤمن متكافل، وكما طلبنا منك أن تعطي وأنت واجد طلبنا من غيرك أن ~~يعطيك وأنت معدم. ثم يقول الحق سبحانه: { والبدن جعلناها ~~لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم ~~الله عليها... }. ### || [22.36] # بعد أن تكلم الحق سبحانه وتعالى في النفقة مما رزقكم الله تكلم في ~~النفقة في البدن، والبدن: جمع بدنة، وهي الجمل أو الناقة، أو ما ~~يساويهما من البقر، وسماها بدنة إشارة إلى ضرورة أن تكون بدينة ~~سمينة وافرة، ولا بد أن تراعي فيها هذه الصفة عند اختيارك للهدي ~~الذي ستقدمه لله، واحذر أن تكون من أولئك الذين يجعلون لله ما يكرهون، ~~إنما كن من الذين قال الله لهم: # يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما ~~كسبتم.. # [البقرة: 267]. وقوله تعالى: { فاذكروا اسم الله عليها ~~صوآف.. } [الحج: 36] أي: اذكروا الله بالشكر على أن وهبها وذللها ~~لكم، واذكروا اسم الله عليها حين ذبحها. ومعنى { صوآف.. } [الحج: ~~36] يعني: واقفة قائمة على أرجلها، لا ضعف فيها ولا هزال، مصفوفة ~~وكأنها في معرض أمامك. وهذه صفات البدن الجيدة التي تناسب هذه الشعيرة ~~وتليق أن تقدم هديا لبيت الله. ومعنى: { فإذا وجبت ~~جنوبها.. } [الحج: 36] وجب الشيء وجبا يعني: سقط ms6644 سقوطا قويا على ~~الأرض، ومعلوم أن البدنة لا تذبح وهي ملقاة على الأرض مثل باقي ~~الأنعام، وإنما تنحر وهي واقفة، فإذا ما نحرت وقعت على الأرض ~~وارتمت بقوة من بدانتها. { فكلوا منها.. } [الحج: 36] وقلنا: إن ~~الأكل لا يكون إلا من الهدي المحض والتطوع الخالص الذي لا يرتبط بشيء ~~من مسائل الحج، فلا يكون هدي تمتع أو قران، ولا يكون جبرا ~~لمخالفة، ولا يكون نذرا.. إلخ. وعلة الأمر بالأكل من الهدي لأنهم ~~كانوا يتأففون أن يأكلوا من المذبوح للفقراء، وكأن في الأمر بالأكل منها ~~إشارة لوجوب اختيارها مما لا تعافه النفس. ومعنى: { القانع ~~والمعتر.. } [الحج: 36] القانع: الفقير الذي يتعفف أن يسأل ~~الناس، والمعتر: الفقير الذي يتعرض للسؤال. ثم يقول سبحانه: { ~~كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون.. } [الحج: 36] ~~يعني: سخرناها لكم، ولو في غير هذا الموقف، لقد سخرها الله لكم منذ ~~وجد الإنسان لذلك عليكم أن تشكروا الله على أن أوجدها وملككم إياها، ~~وتشكروه على أن سخرها وذللها لكم، وتشكروه على أن هداكم للقيام ~~بهذا المنسك، وأداء هذه الشعيرة وعمل هذا الخير الذي سيعود عليكم بالنفع ~~في الدنيا وفي الآخرة. ثم يقول الحق سبحانة: { لن ينال الله ~~لحومها ولا دمآؤها ولكن يناله التقوى منكم... ~~}. ### || [22.37] # ذلك لأنهم كانوا قبل الإسلام حين يذبحون للأوثان يلطخون الصنم بدماء ~~الذبيحة، كأنهم يقولون له: لقد ذبحنا لك، وها هي دماء الذبيحة، وفي هذا ~~العمل منهم دليل على غبائهم وحمق تصرفهم، فهم يرون أنهم إذا لم ~~يلطخوه بالدم ما عرف أنهم ذبحوا من أجله. وهنا ينبه الحق - سبحانه ~~وتعالى - إلى هذه المسألة: { لن ينال الله لحومها ولا ~~دمآؤها.. } [الحج: 37] يعني: لا يأخذ منها شيئا، وهو سبحانه قادر ~~أن يعطي الفقير الذي أمرك أن تعطيه، ويجعله مثلك تماما غير محتاج. ~~إنما أراد سبحانه من تباين الناس في مسألة الفقر والغني أن يحدث ~~توازنا في المجتمع، فالمجتمع ليس آلة ميكانيكية تسير على وتيرة واحدة، ~~إنما هي حياة بشر لا بد أن تقوم على الحاجة وعلى التكامل، فلا بد ~~من هذه ms6645 التفاوتات بين الناس، ثم تتدخل الشرائع السماوية فتأخذ من القوي ~~وتعطي الضعيف، وتأخذ من الغني وتعطي الفقير.. وساعتها، نقضي على مشاعر ~~الحقد والحسد والبغضاء والأثرة. فحين يعطي القوي الضعيف من قوته لا ~~يحسده عليها، ويتمنى له دوامها لأن خيرها يعود عليه، وحين يعطي الغني ~~مما أفاض الله عليه للفقير يؤلف قلبه، ويجتث منه الغل والحسد، ~~ويدعو له بدوام النعمة. لا بد من هذا التفاوت ليتحقق فينا قول الرسول صلى ~~الله عليه وسلم: # " المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا ". # لذلك، ترى صاحب النعمة الذي ينثر منها على غيره، إن أصابته في ماله ~~مصيبة يحزن له الآخرون ويتألمون بألمه لأن نعمته تفيض عليهم، وخيره ~~ينالهم. وأهل الريف إلى عهد قريب كان الواحد منهم يربي البقرة أو ~~الجاموسة ليحلب لبنها، وكان لا ينسى الجيران وأهل الحاجة، فكانوا يدعون ~~الله له أن يبارك له في ماله، وإن أصابته ضراء في ماله حزنوا من ~~أجله. إذن: حين تفيض من نعمة الله عليك على من حرم منها تدفع عن نفسك ~~الكثير من الحقد والحسد، فإن لم تفعل فلا أقل من إخفاء هذا الخير عن ~~أعين المحتاجين حتى لا تثير حفائظهم، وربما لو رآك الرجل العاقل ~~يردعه إيمانه فلا تمتد عيناه إلى ما في يدك، إنما حين يراك الأطفال ~~الصغار تحمل ما حرموا منه، أو رأوا ولدك يأكل وهم محرومون هنا تكون ~~المشكلة وقوله تعالى: { ولكن يناله التقوى منكم.. } ~~[الحج: 37]. واتقاء الله هو اتباع منهجه، فيطاع الله باتباع المنهج فلا ~~يعصي، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وطريق الطاعة يوجد في اتباع ~~المنهج ب " افعل " و " لا تفعل " ، ويذكر فلا ينسى لأن العبد قد يطيع ~~الله وينفذ منهج الله، ولكن النعم التي خلقها الله قد تشغل العبد عن ~~الله، والمنهج يدعوك أن تتذكر في كل نعمة من أنعم بها، وإياك أن ~~تنسيك النعمة المنعم. # ثم يقول تبارك وتعالى: { كذلك سخرها لكم لتكبروا ~~الله على ما هداكم وبشر المحسنين } [الحج: 37]. ~~تلحظ هنا مسألة المتشابهات في القرآن الكريم، ms6646 ففي الآية السابقة ذيلها ~~الحق سبحانه بقوله: # كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون # [الحج: 36]. هذه المتشابهات يقف عندها العلماء الذين يبحثون في القرآن ~~ويقلبون في آياته لذلك يجمعون مثل هذه الآيات المتشابهة التي تتحدث في ~~موضوع واحد ويرتبونها في الذهن لذلك لا يؤتمنون على الحفظ، ومن ~~هنا قالوا: ينبغي لمن أراد حفظ القرآن أن يدع مسألة العلم جانبا ~~أثناء حفظه، حتى إذا نسي كلمة وقف مكانه لا يتزحزح إلى أن يعرفها، ~~أما العالم فربما وضع مرادفها مكانها، واستقام له المعنى. والمراد بقوله ~~تعالى: { لتكبروا الله على ما هداكم.. } [الحج: 37] ~~يعني: تذكرونه وتشكرونه على ما وفقكم إليه من هذه الطاعات { وبشر ~~المحسنين.. } [الحج: 37] بشر يعني: أخبر بشيء سار قبل ~~مجيء زمنه، ليستعد له المبشر ويفرح به، كذلك الإنذار: أن تخبر بشيء ~~سيء قبل حلوله أيضا ليستعد له المنذر، ويجد الفرصة التي يتلافى فيها ~~خطأه، ويجنب نفسه ما ينذر به، ويقبل على ما ينجيه. و { ~~المحسنين.. } [الحج: 37]: جمع محسن، والإحسان: أعلى مراتب ~~الإيمان، وهو أن تلزم نفسك بشيء من طاعة الله التي فرضها عليك فوق ما ~~فرض، فربك عز وجل فرض عليك خمس صلوات في اليوم والليلة، وفي إمكانك أن ~~تزيد من هذه الصلوات ما تشاء، لكن من جنس ما فرض الله عليك، لا تخترع أنت ~~عبادة من عندك، كذلك الأمر في الصوم، وفي الزكاة، وفي الحج، وفي سائر ~~الطاعات التي ألزمك الله بها، فإن فعلت هذا فقد دخلت في مقام الإحسان. ~~وفي الإحسان أمران: محسن به وهو العبادة أو الطاعة التي تلزم نفسك بها ~~فوق ما فرض الله عليك، ودافع عليه، وهو أن تؤدي العمل كأن الله يرقبك، ~~كما جاء في حديث جبريل: # " والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". # فمراقبتك لله ومراعاتك لنظره تعالى إليك، يدفعك إلى هذا الإحسان، ألا ~~ترى العامل الذي تباشره وتشرف عليه، وكيف ينهي العمل في موعده؟ وكيف ~~يجيده؟ على خلاف لو تركته وانصرفت عنه. فإن لم تصل إلى هذه ~~المرتبة التي ms6647 كأنك ترى الله فيها، فلا أقل من أن تتذكر نظره هو إليك، ~~ومراقبته سبحانه لحركاتك وسكناتك. لذلك، في سورة الذاريات: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين # [الذاريات: 15-16]. ثم يفسر سبب هذا الإحسان: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار ~~هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم # [الذاريات: 17-19]. ومن يلزمك بهذه التكاليف؟ لك أن تصلي العشاء ثم ~~تنام إلى الفجر، كذلك لم يلزمك بالاستغفار وقت السحر، ولم يلزمك ~~بصدقة التطوع. إذن: هذه طاعات فوق ما فرض الله وصلت بأصحابها إلى مقام ~~الإحسان، وأعلى مراتب الإيمان، فليشمر لها من أراد. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا... }. ### || [22.38] # صدر الآية: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا.. } ~~[الحج: 38] يشعرنا أن هناك معركة، والمعركة التي يدافع الله فيها لا ~~بد أنها بين حق أنزله، وباطل يواجهه، وقد تقدم قبل ذلك أن قال ~~تبارك وتعالى: # هذان خصمان اختصموا في ربهم.. # [الحج: 19]. وما دام أن هناك خصومة فلا بد أن تنشأ عنها معارك، هذه ~~المعارك قد تأخذ صورة الألفاظ والمجادلة، وقد تأخذ صورة العنف والقوة ~~والشراسة والالتحام المباشر بأدوات الحرب. ومعركة النبي صلى الله عليه ~~وسلم مع معارضيه من كفار مكة لم تقف عند حد المعركة الكلامية فحسب، ~~فقد قالوا عنه - صلوات الله وسلامه عليه: ساحر، وكاهن، ومجنون، وشاعر، ~~ومفتر.. إلخ ثم تطور الأمر إلى إيذاء أصحابه وتعذيبهم، فكانوا يأتون ~~رسول الله مشدوخين ومجروحين فيقول لهم صلى الله عليه وسلم: # " لم أومر بقتال، اصبروا اصبروا، صبرا صبرا.. ". # إلى أن زاد اعتداء الكفار وطفح الكيل منهم أذن الله لرسوله ~~بالقتال، فقال: # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله ~~على نصرهم لقدير # [الحج: 39]. فقوله تعالى: { إن الله يدافع عن الذين ~~آمنوا.. } [الحج: 38] صيغة يدافع: مبالغة من يدفع، معنى يدفع يعني: ~~شيئا واحدا، أو مرة واحدة، وتنتهي المسألة، أما يدافع فتدل على مقابلة ~~الفعل بمثله، فالله يدفعهم وهم يقابلون أيضا بالمدافعة، فيحدث تدافع ~~وتفاعل من الجانبين، ms6648 وهذا لا يكون إلا في معركة. والمعركة تعني: منتصر ~~ومنهزم، لذلك الحق - تبارك وتعالى - يطمئن المؤمنين أنه سيدخل المعركة ~~في صفوفهم، وسيدافع عنهم. فقوله تعالى: { إن الله يدافع عن ~~الذين آمنوا.. } [الحج: 38] أمر طبيعي لأن الحق سبحانه ما كان ~~ليرسل رسولا، ويتركه لأهل الباطل يتغلبون عليه، وإلا فما جدوى ~~الرسالة إذن لذلك يطمئن الله تعالى رسوله ويبشره، فيقول: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. وقال: # ولينصرن الله من ينصره.. # [الحج: 40]. وقال: # إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم # [محمد: 7]. فهذه كلها آيات تطمئن المؤمنين وتبشرهم، وقد جاءت على ~~مراحل لحكمة أرادها الحق سبحانه، فمنعهم عن القتال في البداية لحكمة، ثم ~~جعل القتال فيما بينهم، وقبل أن يأذن لهم في قتال أعدائهم لحكمة: هي ~~أن يبلوا المؤمنين ويمحصهم ليخرج من صفوفهم أهل الخور ~~والجبن، وضعيفي الإيمان الذين يعبدون الله على حرف، ولا يبقى بعد ذلك ~~إلا قوي الإيمان ثابت العقيدة، الذي يحمل راية هذا الدين وينساح بها ~~في بقاع الأرض لأنها دعوة عالمية لكل زمان ولكل مكان إلى أن تقوم ~~الساعة، ولما كانت هذه الدعوة بهذه المنزلة كان لا بد لها من رجال ~~أقوياء يحملونها، وإلا لو استطاع الأعداء القضاء عليها فلن تقوم لدين ~~الله قائمة. # إذن: كان لا بد أن يصفي الحق سبحانه أهل الإيمان كما يصفي ~~الصائغ الذهب، ويخرج خبثه حين يضعه في النار، كذلك كانت الفتن ~~والابتلاءات لتصفية أهل الإيمان وتمييزهم، لكن بالقتال في صف واحد. ثم ~~يقول سبحانه: { إن الله لا يحب كل خوان كفور } ~~[الحج: 38] فكأن الحق - سبحانه وتعالى - أصبح طرفا في المعركة، ~~والخوان: صيغة مبالغة من خائن، وهو كثير الخيانة وكذلك كفور: صيغة ~~مبالغة من كافر. ومعنى الخيانة يقتضي أن هناك أمانة خانها. نعم، هناك ~~الأمانة الأولى، وهي أمانة التكليف التي قال الله فيها: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان.. # [الأحزاب: 72] فلقد خان هذه الأمانة بعد أن رضي أن يكون ms6649 أهلا ~~لها. وهناك أمانة قبل هذه، وهي العهد الذي أخذه الله على عباده، وهم في ~~مرحلة الذر: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم.. # [الأعراف: 172-173]. فإن قالوا: نعم هذه أمانة، لكنها بعيدة، ومن ~~منا يذكرها الآن؟ نقول: ألم تقروا بأن الله خلقكم، وأوجدكم من ~~عدم، وأمدكم من عدم؟ كما قال سبحانه: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # [الزخرف: 87] كما أقروا بخلق السماوات والأرض وما فيها من خيرات لله ~~عز وجل، فكان وفاء هذا الإقرار أن يؤمنوا، لكنهم مع هذا كله كفروا، ~~أليست هذه خيانة للأمانة عاصروها جميعا وعايشوها وأسهموا فيها؟ ~~والكفور: من كفر نعم الله وجحدها. وما دام هناك الخوان ~~والكفور فلا بد للسماء أن تؤيد رسولها، وأن تنصره في هذه ~~المعركة أولا، بأن تأذن له في القتال، ثم تأمره بأخذ العدة والأسباب ~~المؤدية للنصر، فإن عزت المسائل عليكم، فأنا معكم أؤيدكم بجنود من ~~عندي. وقد حدث هذا في بدء الدعوة، فأيد الله نبيه بجنود من عنده، بل ~~أيده حتى بالكافر المعاند: ألم يكن دليل رسول الله في الهجرة كافرا؟ ~~ألم ينصره الله بالحمام وبالعنكبوت وهو في الغار؟ ألم ينصره بالأرض التي ~~ساخت تحت أقدام فرس " سراقة " الذي خرج في طلبه؟ هذه جنود لم نرها، ~~ولم يؤيد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن استنفد أسبابه، ~~ولو أراد سبحانه لطوع لرسوله هؤلاء المعاندين، فما رفع أحد منهم رأسه ~~بعناد لمحمد، إنما الحق - تبارك وتعالى - يريد أن يعطيه طواعية ويخضع له ~~القوم، ألم يقل سبحانه وتعالى: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4]. وقلنا: إن الله تعالى يريد أن يخضع قلوب عباده لا ~~قوالبهم، فلو أخضعهم الله بآية كونية طبيعية كالريح أو الصاعقة أو ~~الخسف، أو غيره من الآيات التي أخذت أمثالهم ms6650 من السابقين لقالوا: إنها ~~آفات طبيعية جاءتنا، لكن جعل الله بين الفريقين هذه المواجهة، ثم يسر ~~لحزبه وجنوده أسباب النصر. قال سبحانه: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين # [التوبة: 14]. ثم يقول الحق سبحانه: { أذن للذين يقاتلون ~~بأنهم ظلموا... }. ### || [22.39] # ودفاع الحق سبحانه عن الحق يأخذ صورا متعددة، فأول هذا الدفاع: أن ~~أذن لهم في أن يقاتلوا. ثانيا: أمرهم بإعداد القوة للقتال: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل.. # [الأنفال: 60]. والمراد أن يأخذوا بكل أسباب النصر على عدوهم، وأن ~~يستنفدوا كل ما لديهم من وسائل، فإن استنفدتم وسائلكم، أتدخل أنا ~~بجنود من عندي لا ترونها، فليس معنى أن الله يدافع عن الذين آمنوا أن ~~تدخل السماء لحمايتهم وهم جالسون في بيوتهم، لا إنما يأخذون بأسباب ~~القوة ويسعون ويبادرون هم أولا إلى أسباب النصر. ومعنى { أذن.. } ~~[الحج: 39] أنهم كانوا ينتظرون الأمر بالقتال، ويستشرفون للنصر على ~~الأعداء، لكن لم يؤذن لهم في ذلك، فلما أراد الله لهم أن يقاتلوا أذن ~~لهم فيه، فقال تعالى: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } [الحج: 39]. ~~وعلة القتال أنهم ظلموا، لذلك أمرهم ربهم - تبارك وتعالى - أن ~~يقاتلوا، لكن لا يعتدوا، كما قال سبحانه: # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * واقتلوهم ~~حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم.. # [البقرة: 190-191]. إذن: أمرهم أولا بالصبر، وفي المرحلة الأولى بأن ~~يقاتلوا لرد العدوان، وللدفاع عن أنفسهم دون أن يعتدوا، وفي المرحلة ~~الثانية سيقول لهم: # يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله ~~مع المتقين # [التوبة: 123]. وقوله تعالى: { وإن الله على نصرهم ~~لقدير } [الحج: 39] بأسباب يمكنهم منها، أو بغير أسباب فتأتيهم ~~قوة خفية لا يرونها، وقد رأوا نماذج من ذلك فعلا. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن ~~يقولوا ربنا الله... }. ### || [22.40] # فلو أنهم أخرجوا بحق كأن فعلوا شيئا يستدعي إخراجهم من ديارهم، ~~كأن ms6651 خدشوا الحياء، أو هددوا الأمن، أو أجرموا، أو خرجوا على قوانين ~~قبائلهم لكان إخراجهم بحق. إنما الواقع أنهم ما فعلوا شيئا، وليس ~~لهم ذنب { إلا أن يقولوا ربنا الله.. } [الحج: 40] هذه ~~المقولة اعتبرها القوم ذنبا وجريمة تستحق أن يخرجوهم بها من ديارهم. ~~كما قال سبحانه في أهل الأخدود: # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز ~~الحميد # [البروج: 8]. وفي آية أخرى: # هل تنقمون منآ إلا أن آمنا بالله.. # [المائدة: 59]. وفي قصة لوط عليه السلام: # قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون # [النمل: 56]. إذن: أخرجوهم، لا لأنهم أهل نجاسة ومعصية، إنما لأنهم ~~أناس يتطهرون، فالطهارة والعفة جريمتهم التي يخرجون من أجلها!! ~~كما تقول: لا عيب في فلان إلا أنه كريم، أو تقول: لا كرامة في فلان ~~إلا أنه لص. فهذه - إذن - صفة لا تمدح، وتلك صفة لا تذم. لقد قلب ~~هؤلاء الموازين، وخالفوا الطبيعة السوية بهذه الأحكام الفاسدة التي تدل ~~على فساد الطباع، وأي فساد بعد أن قلبوا المعايير، فكرهوا ما يجب أن ~~يحب، وأحبوا ما يجب أن يكره؟ ولا أدل على فساد طبائعهم من عبادتهم ~~لحجر، وتركهم عبادة خالق السماوات والأرض. ثم يقول تعالى: { ولولا ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع ~~وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله ~~كثيرا.. } [الحج: 40]. وفي آية أخرى يبين الحق سبحانه نتيجة انعدام ~~هذا التدافع: # ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض.. # [البقرة: 251]. والفساد إن حدث بين الناس في حركة الحياة فيمكن أن ~~يعوض ويتدارك، أما إن تعدى الفساد إلى مقومات اليقين الإيماني ~~في الأرض فكره الناس ما يربطهم بالسماء، وهدموا أماكن العبادة، فهذه ~~الطامة والفساد الذي لا صلاح بعده، فكأن الآيتين تصوران نوعا من ~~الإيغال في الفساد، والاتضاع في الجرائم. وتفسد الأرض حين ينعدم هذا ~~التدافع، كيف؟ هب أن ظالما مستبدا في بلد ما يستعبد الناس ويمتص ~~خيراتهم بل ودماءهم دون أن يرده أحد، لا شك أن هذا سيحدث في ~~المجتمع تهاونا وفوضى، ولن يجتهد أحد فوق طاقته، ولمن سيعمل ms6652 وخيره ~~لغيره؟ وهذا بداية الفساد في الأرض. فإن قلنا: هذا فساد بين الناس في ~~حركة حياتهم يمكن أن يصلح فيما بعد، فما بالك إن امتد الفساد إلى ~~أماكن الطاعات والعبادات، وقطع بين الناس الرباط الذي يربطهم بالسماء؟ ~~إن كان الفساد الأول قابلا للإصلاح، ففساد الدين لا يصلح، لأنك ~~خربت الموازين التي كانت تنظم حركة الحياة، فأصبح المجتمع بلا ~~ميزان وبلا ضوابط يرجع إليها. ونلحظ في قوله تعالى: { ولولا دفع ~~الله الناس بعضهم ببعض. # . } [الحج: 40] جاءت قضية عامة لكل الناس، فلم يخص طائفة دون أخرى، فلم ~~يقل مثلا: لولا دفع الله الكافرين بالمؤمنين، إنما قال مطلق ~~الناس لأنها قضية عامة يستوي فيها الجميع في كل المجتمعات. كذلك جاءت ~~كلمة بعض عامة لتدل على أن كلا الطرفين صالح أن يكون مدفوعا مرة، ~~ومدفوعا عنه أخرى، فهم لبعض بالمرصاد: من أفسد يتصدى له الآخر ~~ليوقفه عند حده، فليس المراد أن طائفة تدفع طائفة على طول الخط. ~~ومثال ذلك قوله تعالى: # ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات.. # [الزخرف: 32] دون أن يحدد أيهما مرفوع، وأيهما مرفوع عليه لأن كلا ~~منهما مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر ذلك لأن العباد كلهم عيال ~~الله، لا يحابي منهم أحدا على أحد. انظر الآن إلى قوة روسيا في الشرق ~~وقوة أمريكا في الغرب، إنهما مثال لقوله تعالى: { ولولا دفع ~~الله الناس بعضهم ببعض.. } [الحج: 40] فكل منهما تقف ~~للأخرى بالمرصاد، ترقبها وترصد تحركاتها وتقدمها العسكري، وكأن الله ~~تعالى جعلهما لحماية سلامة الآخرين أن تقف كل منهما موقف الحذر ~~والخوف من الأخرى. وهذا الخوف والترقب والإعداد هو الذي يمنع اندلاع ~~الحرب بينهما، فما بالك لو قامت بينهما حرب أسفرت عن منتصر ومهزوم؟ لا ~~بد أن المنتصر سيعيث في الأرض فسادا ويستبد بالآخرين، ويستشري ~~ظلمه لعدم وجود من يردعه. ومن رحمة الله بالمؤمنين أن يكيد ~~الظالمين بالظالمين بكل ألوانهم وفنونهم، ويؤدب الظالم بمن هو أشد ~~منه ظلما ليظل أهل الخير بعيدين عن هذه المعركة، لا يدخلون طرفا ~~فيها لأن الأخيار لا ms6653 يصمدون أمام هذه العمليات، لأنهم قوم رقاق القلوب، ~~لا تناسبهم هذه القسوة وهذه الغلظة في الانتقام. اقرأ قول الله تعالى: # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا ~~يكسبون # [الأنعام: 129]. وهكذا يوفر الله أهل الخير، ويحقن دماءهم، ويريح ~~أولياءه من مثل هذه الصراعات الباطلة. لذلك لما دخل النبي صلى الله عليه ~~وسلم مكة دخول المنتصر، بعد أن أخرجه قومه منها، وبعد أن فعلوا به ~~وبأصحابه الأفاعيل، كيف دخلها وهو القائد المنتصر الذي تمكن من رقاب ~~أعدائه؟ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة مطأطىء الرأس، حتى لتكاد ~~رأسه تلمس قربوس السرج الذي يجلس عليه، تواضعا منه صلى الله عليه وسلم، ~~ومع ذلك قال أبو سفيان لما رأى رسول الله في هذا الموقف، قال للعباس: لقد ~~أصبح ملك ابن أخيك عظيما. وبعد أن تمكن رسول الله من كفار مكة، وكان ~~باستطاعته القضاء عليهم جميعهم، قال: # " يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ ~~كريم، قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء ". # فأي رحمة هذه؟ وأي لين هذا الذي جعله الله في قلوب المؤمنين؟ وهل ~~مثل هذا الدين يعارض وينصرف عنه؟ إذن: يسلط الحق - تبارك ~~وتعالى - الأشرار بعضهم على بعض، وهذه آية نراها في الظالمين في كل زمان ~~ومكان، ويجلس الأخيار يرقبون مثل هذه الصراعات التي يهلك الله فيها ~~الظالمين بالظالمين. # ثم يقول سبحانه وتعالى: { لهدمت صوامع وبيع.. } [الحج: ~~40] صوامع جمع صومعة، وهي مكان خاص للعبادة عند النصارى، وعندهم ~~متعبد عام يدخله الجميع هو الكنائس، أما الصومعة فهي مكان خاص ~~لينفرد فيه صاحبه وينقطع للعبادة، ولا تكون الصومعة في حضر، إنما تكون ~~في الجبال والأودية، بعيدا عن العمران لينقطع فيها الراهب عن حركة حياة ~~الناس، وهي التي يسمونها الأديرة وتوجد في الأماكن البعيدة. وقد حرم ~~الإسلام الرهبانية بهذا المعنى لأنها رهبانية ما شرعها الله، كما قال ~~سبحانه: # ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ~~ابتغآء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها.. # [الحديد: 27]. ومعنى: { وبيع.. } [الحج: 40] البيع هي الكنائس. ~~فالحق - سبحانه وتعالى ms6654 - ما نعى عليهم الانقطاع للعبادة، لكن نعى ~~عليهم انقطاعهم عن حركة الحياة، وأسباب العيش لذلك قال: # فما رعوها حق رعايتها.. # [الحديد: 27]. وقد أباح الإسلام أيضا الترهب والانقطاع للعبادة، لكن ~~شريطة أن تكون في جلوة يعني: بين الناس، لا تعتزل حركة الحياة، إنما ~~تعبد الله في كل حركة من حركات حياتك، وتجعل الله تعالى دائما في بالك ~~ونصب عينيك في كل ما تأتي، وفي كل ما تدع، إذن: هناك فرق بين ~~من يعبد الله في خلوته، ومن يعبد الله في جلوته. لذلك سيدنا عمر ~~- رضي الله عنه - قال عن الرجل الذي لازم المسجد للعبادة وعرف أن أخاه ~~يتكفل به وينفق عليه، قال: أخوه أعبد منه. كيف؟ قالوا: لأنك تستطيع أن ~~تجعل من كل حركة لك في الحياة عبادة، حين تخلص النية فيها لله عز وجل. ~~ولك أن تقارن بين مؤمن وكافر، كلاهما يعمل ويجتهد ليقوت نفسه وأهل ~~بيته، ويحيا الحياة الكريمة، وهذا هدف الجميع من العمل، لكن لو أن المؤمن ~~اقتصر في عمله على هذا الهدف لاستوى مع الكافر تماما. إنما للمؤمن فوق ~~هذا مقاصد أخرى تكمن في نيته وضميره، المؤمن يفعل على قدر طاقته، لا ~~على قدر حاجته، ثم يأخذ ما يحتاج إليه وينفق من الباقي ويتصدق على ~~من لا يقدر على الحركة الحياتية. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * ~~والذين هم للزكاة فاعلون # [المؤمنون: 1-4] هل يعني: مؤدون فقط؟ لا، بل إن المؤمن يتحرك ويعمل ~~ويسعى، وفي نيته من لا يقدر على السعي والعمل، فكأنه يقبل على ~~العمل ويجتهد فيه، وفي نيته أن يعمل شيئا لله بما يفيض عن حاجته من ~~ناتج عمله وهذا ما يميز المؤمن في حركة الحياة عن الكافر. # وأذكر مرة أننا جئنا من الريف في الشتاء في الثلاثينيات لزيارة سيدنا ~~الشيخ الحافظ التيجاني، وكان مريضا - رحمه الله ورضي الله عنه - وكان ~~يسكن في حارة، وفضلنا أن نأخذ تاكسي يوصلنا بدل أن نمشي في ms6655 وحل ~~الشتاء، وعند مدخل الحارة رفض سائق التاكسي الدخول وقال: إن أجرة التوصيل ~~لا تكفي لغسيل السيارة وتنظيفها من هذا الوحل، وبعد إلحاح وافق وأوصلنا ~~إلى حيث نريد، فأعطيناه ضعف أجرته، لكني قبل أن أنصرف قلت له: أنت ~~لماذا تعمل على هذا التاكسي ولماذا تتعب؟ قال: من أجل مصالحي ومصالح ~~أولادي، فقلت له: وما يضيرك إن زدت على ذلك وجعلت في نيتك أن ~~تيسر بعملك هذا على الناس؟ فاهتم الرجل ولبسته الكلمة فقال: والله لا ~~أرد راكبا أبدا. ومعنى: # والذين هم للزكاة فاعلون # [المؤمنون: 4] لم يقل مؤدون لأن # فاعلون # [المؤمنون: 4] تعني: أن نيتهم في الفعل أن يفعلوا على قدر طاقتهم ~~ويجتهدوا لتوفير شيء بعد نفقاتهم يتصدقون منه. إذن: حرم الإسلام ~~الرهبانية التي تحرم المجتمع من مشاركة الإنسان فقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا رهبانية في الإسلام " # لأنه اعتبر كل حركة مقصود منها صالح المجتمع كله حركة إيمانية ~~عبادية، ومن هنا كان العمل عبادة. وقد وضع العلماء شروطا لمن أراد ~~الانقطاع للعبادة: أولها: ألا يأخذ نفقته من أحد، بمعنى أن يعمل أولا ~~ليوفر احتياجاته طوال فترة انقطاعه، وصدق إقبال حين قال: # ليس زهدا تصوف من تقي # فر من غمرة الحياة بدين # إنما يعرف التصوف في ال # سوق بمال ومطمع وفتون # ثم يقول تعالى: { وصلوات.. } [الحج: 40] وهذه لليهود يسمون مكان ~~التعبد: صالوتا. لكن، لماذا لم يرتبها القرآن ترتيبا زمنيا، فيقول: ~~لهدمت صلوات وصوامع وبيع؟ قالوا: لأن القرآن يؤرخ للقريب منه فالأبعد. ~~{ ومساجد.. } [الحج: 40] وهذه للمسلمين { يذكر فيها اسم ~~الله كثيرا.. } [الحج: 40]. وما دام الحق سبحانه ذكر المساجد بعد ~~الفعل { لهدمت.. } [الحج: 40] فهذا دليل على أنه لا بد أن يكون ~~للمسلمين مكان يحكر للعبادة، وإن جعلت الأرض كلها لهم مسجدا ~~وطهورا، ومعنى ذلك أن تصلي في أي بقعة من الأرض، وإن عدم الماء ~~تتطهر بترابها، وبذلك تكون الأرض محلا للعبادة ومحلا لحركة الحياة ~~وللعمل وللسعي، فيمكنك أن تباشر عملك في مصنعك مثلا وتصلي فيه، ~~لكن الحق سبحانه يريد منا أن نخصص بعض أرضه ms6656 ليكون بيتا له تنقطع منه ~~حركة الحياة كلها، ويوقف فقط لأمور العبادة. لذلك قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتا في ~~الجنة ". # فقوله تعالى: { لهدمت.. ومساجد.. } [الحج: 40] تدل على ~~مكان خاص للعبادة وإلا لو اعتبرت الأرض كلها مسجدا، فماذا تهدم؟ ~~وعليه، فكل مكان تزاول فيه أمور غير العبادة لا يعتبر مسجدا، كأماكن ~~الصلاة التي يتخذونها تحت العمارات السكنية، هذه ليست مساجد، والصلاة ~~فيها كالصلاة في الشارع وفي البيت لأن المسجد مكان وما يبنى عليه مكين. # والمسجدية تعني: المكان من الأرض إلى السماء، بدليل أننا في بيت الله ~~الحرام نصلي فوق سطح المسجد، ونتجه لجو الكعبة، لا للكعبة ذاتها، ~~لماذا؟ لأن جو الكعبة إلى السماء كعبة، وكذلك لو كنا في مخابىء أو في ~~مناجم تحت الأرض لأن ما تحت الكعبة من الأرض كعبة. وكذلك في المسعى إذا ~~ضاق الدور الأول يسعى الناس في الثاني وفي السطح، لأن جو المسعى ~~مسعى. إذن: المسجد ما حكر للعبادة، وخصص للمسجدية من أرضه إلى ~~سمائه، وهذا لا يمارس فيه عمل دنيوي ولا تعقد فيه صفقة.. إلخ. أما أن ~~نجعل المسجد تحت عمارة سكنية، وفوق المسجد مباشرة يباشر الناس حياتهم ~~ومعيشتهم بما فيها من هرج ولهو، حلال وحرام، وطهارة ونجاسة، ومعاشرة ~~زوجية.. إلخ فهذا كله يتنافى مع المسجدية التي جعلها الله حكرا ~~للعبادة من الأرض إلى السماء. فلنسم هذه الأماكن: مصلى. ولا نقول: ~~مسجد. ثم يصف الحق سبحانه المساجد بقوله: { يذكر فيها اسم الله ~~كثيرا.. } [الحج: 40] لأن ذكر الله في المساجد دائم لا ينقطع، ونحن ~~لا نتحدث عن مسجد، ولا عن مساجد قطر من الأقطار، إنما المراد مساجد ~~الدنيا كلها من أقصى الشرق لأقصى الغرب، ومن الشمال للجنوب. ولو نظرت ~~إلى أوقات الصلوات لرأيت أنها مرتبطة بحركة الفلك وبالشمس في الشروق، ~~وفي الزوال، وفي الغروب، وباعتبار فارق التوقيت في كل بلاد الله تجد أن ~~ذكر الله دائم لا ينقطع أبدا في ليل أو نهار، فأنت تؤذن للصلاة، ms6657 ~~وغيرك يقيم، وغيركما يصلي، أنت تصلي الظهر، وغيرك يصلي الصبح أو العصر، ~~بل أنت في الركعة الأولى من الصبح، وغيرك في الركعة الثانية، أنت تركع ~~وغيرك يسجد. إذن: هي منظومة عبادية دائمة في كل وقت، ودائرة في كل مكان ~~من الأرض، فلا ينفك الكون ذاكرا لله. أليس هذا ذكرا كثيرا؟ أليست ~~كلمة الله أكبر دائرة على ألسنة الخلق لا تنتهي أبدا؟ ثم لما كان ~~دفع الله الناس بعضهم ببعض ينتج عنه معركة تسفر عن منتصر ومنهزم، ~~قال سبحانه: { ولينصرن الله من ينصره.. } [الحج: 40] فإن ~~كان التدافع بين الكفار فإنه لا ينتهي، وإن كان بين حق لله وباطل حكم ~~الله بأنه باطل لا بد أن تنتهي بنصرة الحق، وغالبا لا تطول هذه ~~المعركة لأن الحق دائما في حضانة الله، إنما تطول المعارك بين باطل ~~وباطل، فليس أحدهما أولى بنصرة الله من الآخر، فيظل كل منهما يطحن ~~في الآخر، وإن لم تكن حربا ساخنة كانت حربا باردة، لماذا؟ لأنه لا ~~يوجد قوي لا هوى له يستطيع أن يفصل فيها، وطالما تدخل الهوى تستمر ~~المعركة. # يبقى في القسمة العقلية المعركة بين حق وحق، وهذه لا وجود لها لأن الحق ~~واحد في الوجود، فلا يمكن أن يحدث تصادم أبدا بين أهل الحق. والحق - ~~تبارك وتعالى - في نصرته لأوليائه يستطيع أن ينصرهم دون حرب، ويهلك ~~أعداءهم، لكن الحق سبحانه يريد أن يأخذوا هم بأسباب النصر لذلك يعلمهم ~~أصول هذه المسألة، فيقول سبحانه: # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى ~~إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد ~~وإما فدآء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو ~~يشآء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا ~~بعضكم ببعض.. # [محمد: 4]. ومعنى # أثخنتموهم.. # [محمد: 4] يعني: جعلتموهم لا يقدرون على الحركة # فشدوا الوثاق.. # [محمد: 4] لا تجهزوا عليهم، ولا تقتلوهم، إنما شدوا قيودهم ~~واستأسروهم، وهذه من رحمة الإسلام وآدابه في الحروب، فليس الهدف القتل ~~وإزهاق الأرواح ثم # فإما منا بعد وإما فدآء.. # [محمد: 4] منا إن كان هناك تبادل للأسرى. فأنت تمن وهو يمن. ~~والفداء أن ms6658 يفدي نفسه. وكانت هذه المسألة حجة لنا حينما نتحدث عن الرق ~~في الإسلام، ونرد على هؤلاء الذين يحلو لهم اتهام الإسلام، ويستخدمون في ~~ذلك السفسطة والمراوغة اللغوية لإقناع الناس بأن الإسلام ساهم في نشر ~~الرق والعبودية. ونقول: لقد جاء الإسلام والرق موجود ومنتشر لم ~~يشرعه الإسلام، ولم يوجده بداية، حيث كانت أسباب الرق كثيرة، ~~وأسباب الاستعباد متعددة: فمن تحمل دينا وعجز عن سداده يستعبد ~~لصاحب الدين، ومن عمل ذنبا وخاف من عقوبته أخذوه عبدا، ومن اختطفه ~~الأشرار في الطريق جعلوه عبدا.. إلخ. فلما جاء الإسلام عمل على سد ~~منابع الرق هذه، وجعل الرق مقصورا على الحرب المشروعة. ثم فتح عدة ~~مصارف شرعية للتخلص من الرق القائم، حيث لم يكن موجودا من أبواب ~~العتق إلا إرادة السيد في أن يعتق عبده، فأضاف الإسلام إلى هذا الباب ~~أبوابا أخرى، فجعل العتق كفارة لبعض الذنوب، وكفارة لليمين، وكفارة ~~للظهار، وحث على الصدقة في سبيل العتق، ومساعدة المكاتب الذي يريد ~~العتق ويسعى إليه.. إلخ. فإذا لم تعتق عبدك، فلا أقل من أن تطعمه من ~~طعامك، وتلبسه من ملبسك، ولا تحمله ما لا يطيق، وإن حملته ~~فأعنه، وكما يقول النبي صلى الله عليه وسلم # " إنما هم إخوانكم ". # ونلاحظ على الذين يعيبون على الإسلام مسألة الرق في الحروب أنهم ~~يقارنون بين الرق والحرية، لكن المقارنة هنا ليست كذلك، المقارنة هنا ~~بين الرق والقتل لأنه لا يسترق إلا من قدر المسترق عليه وتمكن ~~منه في المعركة، وكان باستطاعته قتله، لكن رحمة الله بعباده منعت ~~قتله، وأباحت أخذه رقيقا، فالنفعية للمقاتل المنتصر يقابلها حقن دم ~~الآخر، ثم بعد انتهاء الحرب نحث على عتقه، ونفتح له أبواب الحرية. # إذن: لا تقارن بين عبد وحر، إنما قارن بين العبودية والقتل: أيهما أقل ~~ضررا؟ لذلك قال تعالى: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين * ~~ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشآء ~~والله عليم حكيم # [التوبة: 14-15]. هذه نتائج ست للأمر # قاتلوهم.. # [التوبة: 14] وجواب الأمر مجزوم بالسكون ms6659 كما في يعذبهم ومجزوم بحذف ~~حرف العلة كما في ويخزهم، والخزي لأنهم كانوا مغترين بقوتهم، ولديهم ~~جبروت مفتعل، يظنون ألا يقدر عليهم أحد، وكذلك في: ينصركم، ويشف، ~~ويذهب. ثم قطع السياق الحكم السابق، واستأنف كلاما جديدا، وإن كان ~~معطوفا على ما قبله في اللفظ، وهذا مظهر من مظاهر الدقة في الأداء ~~القرآني، وملحظ لرحمة الله تعالى حتى بالكفار، فقال تعالى: # ويتوب الله على من يشآء.. # [التوبة: 15] هكذا بالرفع، لا بالجزم فقطع الفعل يتوب عما قبله لأن الله ~~تعالى لم يشأ أن يشرك بينهم حتى في جواب الأمر. وحتى على اعتبار أنهم ~~هزموا، وكسرت شوكتهم، وضاعت هيبتهم، لعلهم يفيقون لأنفسهم، ويعودون ~~للحق، وهذه من رحمة بالكافرين في معاركهم مع الإيمان. لكن، لماذا يتوب ~~الله على الكفار ويرحمهم وهم أعداء دينه وأعداء نبيه؟ قالوا: لأنه سبحانه ~~وتعالى ربهم وخالقهم، وهم عباده وعياله، وهو أرحم بهم، ومرادات الله في ~~الخلق أن يكونوا جميعا طائعين. لذلك، يقول سبحانه في الحديث القدسي: # " قالت السماء: يا رب ائذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم فقد طعم خيرك ~~ومنع شكرك، وقالت الأرض: يا رب ائذن لي أن أخسف بابن آدم فقد طعم خيرك ~~ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب ائذن لي أن أسقط على ابن آدم فقد طعم ~~خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب ائذن لي أن أغرق ابن آدم فقد طعم ~~خيرك ومنع شكرك ". # فالكون كله ناقم على الكافرين، متمرد على العصاة، مغتاظ منهم، فماذا قال ~~الحق - تبارك وتعالى - لهم؟ قال سبحانه: # " دعوني وخلقي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، فإن تابوا إلي، فأنا ~~حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". # نعود إلى قوله تعالى: { ولينصرن الله من ينصره.. } ~~[الحج: 40] وما دام أن النصر من عند الله فإياكم أن تبحثوا في القوة أو ~~تقيسوا قوتكم بقوة عدوكم، فلربك عز وجل جنود لا يعلمها إلا هو، ووسائل ~~النصر وأنت في حضانة الله كثيرة تأتيك من حيث لا تحتسب وبأهون الأسباب، ~~أقلها أن الله يريكم أعداءكم قليلا ويكثر المؤمنين في ms6660 أعين ~~الكافرين ليفت ذلك في عضدهم ويرهبهم ويزعزع معنوياتهم، وقد يحدث ~~العكس، فيرى الكفار المؤمنين قليلا فيجترئون عليهم، ويتقدمون، ثم ~~تفاجئهم الحقيقة. # إذن: # وما يعلم جنود ربك إلا هو.. # [المدثر: 31] فلا تعول فقط على قوتك وتحسب مدى تكافئك مع عدوك، ~~دعك من هذه الحسابات، وما عليك إلا أن تستنفد وسائلك وأسبابك، ثم تدع ~~المجال لأسباب السماء. وأقل جنود ربك أن يلقي الرعب في قلوب أعدائك، ~~وهذه وحدها كافية، ويروى أنهم في إحدى المعارك الإسلامية تغيرت رائحة ~~أفواه المسلمين، وأحسوا فيها بالمرارة لطول فترة القتال، فأخرجوا ~~السواك ينظفون أسنانهم، ويطيبون أفواههم، عندها قال الكفار: إنهم ~~يسنون أسنانهم ليأكلونا، وقذف الله في قلوبهم الرعب من حيث لا يدرون. ~~ثم يقول تعالى: { إن الله لقوي عزيز } [الحج: 40] عزيز: ~~يعني لا يغلب، وما دام أن الله تعالى ينصر من نصره فلا بد أن تنتهي ~~المعركة بالنصر مهما خارت القوى ومهما ضعفت، ألم يكن المسلمون في ~~مكة ضعفاء مضطهدين، لا يستطيع واحد منهم أن يرفع رأسه بين الكفار؟ ولما ~~نزل قول الله تعالى وهم على هذه الحال: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] تعجب عمر بفراسته وعبقريته: أي جمع هذا الذي سيهزم ونحن ~~غير قادرين حتى على حماية أنفسنا؟ فلما رأى يوم بدر قال: صدق الله # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. فما دام أن الله قوي عزيز فلا بد أن ينصركم، وهذه مسألة ~~محكوم بها أزلا: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي.. # [المجادلة: 21]. فإذا تمت لكم الغلبة، فاعلموا أن لكم دورا، ~~ألا وهو: { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة... }. ### || [22.41] # معنى: { مكناهم في الأرض.. } [الحج: 41] جعلنا لهم سلطانا ~~وقوة وغلبة، فلا يجترىء أحد عليهم أو يزحزحهم، وعليهم أن يعلموا أن ~~الله ما مكنهم ونصرهم لذاتهم، وإنما ليقوموا بمهمة الإصلاح وينقوا ~~الخلافة الإنسانية في الأرض من كل ما يضعف صلاحها أو يفسده. لذلك، ~~سيدنا سليمان عليه السلام كان يركب بساط الريح يحمله حيث أراد، فداخله ~~شيء من الزهو، فمال به البساط وأوشك أن يلقيه، ثم ms6661 سمع من البساط من ~~يقول له: أمرنا أن نطيعك ما أطعت الله. والممكن في الأرض الذي ~~أعطاه الله البأس والقوة والسلطان، يستطيع أن يفرض على مجتمعه ما يشاء، ~~حتى إن مكن في الأرض بباطل يستطيع أن يفرض باطله ويخضع الناس له، ~~ولو إلى حين. فماذا يناط بالمؤمن إن مكن في الأرض؟ يقول تعالى: { ~~الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة.. } ~~[الحج: 41] ليكونوا دائما على ذكر وولاء من ربهم الذي وهبهم هذا ~~التمكين ذلك لأنهم يترددون عليه سبحانه خمس مرات في اليوم والليلة. { ~~وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر } [الحج: 41] فهذه أسس الصلاح في المجتمع والميزان الذي ~~يسعد به الجميع. { ولله عاقبة الأمور } [الحج: 41] يعني: ~~النهاية إلينا، وآخر المطاف عندنا، فمن التزم هذه التوجيهات وأدى دوره ~~المنوط في مجتمعه، فبها ونعمت، ومن ألقاها وراء ظهره فعاقبته ~~معروفة. ثم يسلي الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم حتى لا يهتم ~~بما يفعله قومه من كفر وعناد ومجابهة للدعوة: { وإن يكذبوك ~~فقد كذبت قبلهم... }. ### || [22.42] # { وإن يكذبوك.. } [الحج: 42] يعني: في دعوتك فيواجهونك، ويقفون ~~في سبيل دعوتك ليبطلوها، فاعلم أنك لست في ذلك بدعا من الرسل، فقد ~~كذب كثير من الرسل قبلك، وعليك ألا تلاحظ مسألة التكذيب منفصلة عن ~~عاقبته، نعم: كذب القوم لكن كيف كانت العاقبة؟ أتركناهم أم أخذناهم أخذ ~~عزيز مقتدر؟ فلا تحزن، فسوف يحل بهم ما حل بسابقيهم من المكذبين ~~والمعاندين. وقلنا: إن الرسول يتحمل من مشقة الرسالة وعناء الدعوة على ~~قدر رسالته، فكل رسل الله قبل محمد كان الرسول يرسل إلى قومه ~~خاصة، وفي مدة محدودة، وزمان محدود، ومع ذلك تعبوا كثيرا في سبيل ~~دعوتهم، فما بالك برسول بعث إلى الناس كافة في كل زمان وفي كل مكان، ~~لا شك أنه سيتحمل من التعب والعناء أضعاف ما تحمله إخوانه من الرسل ~~السابقين. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعد رسوله صلى الله علية وسلم ~~ويوطنه على تحمل المشاق من بداية الطريق حتى لا تفت في عضده ~~حين يواجهها عند مباشرة أمر ms6662 الدعوة، يقول له: ليست السيادة أمرا سهلا، ~~إنما دونها متاعب وأهوال ومصاعب فاستعد، كما تنبه ولدك: انتبه، ~~فالامتحانات ستأتي هذا العام صعبة، فالوزارة تريد تقليل عدد المتقدمين ~~للجامعة، فاجتهد حتى تحصل على مجموع مرتفع، وحين يسمع الولد هذا التنبيه ~~يجمع تماسكه، ويجمع تركيزه، فلا يهتز حين يواجه الامتحانات. ثم يذكر ~~الحق - تبارك وتعالى - نماذج للمكذبين للرسل: { قوم نوح وعاد ~~وثمود } [الحج: 42]. ثم يقول تعالى: { وقوم إبراهيم ~~وقوم لوط * وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت ~~للكافرين... }. ### || [22.43-44] # نلحظ هنا أن الحق سبحانه ذكر المكذبين، إلا في قصة موسى فذكر المكذب، ~~فلم يقل: وقوم موسى بل قال: وكذب موسى، لماذا؟ قالوا: لأن مهمته ~~كانت أصعب حيث تعرض في دعوته لمن ادعى الألوهية ذاتها. وقوله تعالى: ~~{ فأمليت للكافرين ثم أخذتهم.. } [الحج: 44] أمليت: ~~أمهلت حتى ظنوه إهمالا، وهو إمهال بأن يمد الله لهم، ويطيل في ~~مدتهم، لا إكراما لهم، ولكن ليأخذهم بعد هذا أخذ عزيز مقتدر، وفي آية ~~أخرى يوضح لنا هذه البرقية المختصرة، فيقول سبحانه: # ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما.. # [آل عمران: 178]. وفي هذا المعنى يقول أيضا: # فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد ~~الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق ~~أنفسهم وهم كافرون # [التوبة: 55]. إذن: لا تغتر بما في أيديهم لأنه فتنة، حتى إذا أخذهم ~~الله كانت حسرتهم أكبر، فمن عدم هذه النعم لا يتعلق قلبه بها، ولا يألم ~~لفقدها. وقد حدث شيء من هذا في أيام سعد زغلول، وكان أحد معارضيه يشتمه ~~ويتطاول عليه، لكن فوجئ الجميع بأنه يوليه منصبا مرموقا في القاهرة، ~~فتعجب الناس وسألوه في ذلك فقال: نعم، وضعته في هذا المنصب ليعرف العلو ~~والمنزلة حتى يتحسر عليها حين تسلب منه، وتكون أنكى له. يعني: يرفعه ~~إلى أعلى حتى يهوي على رقبته، لأنه ما فائدة أن توقعه من على الحصيرة ~~مثلا ؟!! ثم يقول تعالى: { فكيف كان نكير } [الحج: 44] الحق ~~سبحانه يلقي الخبر في صورة استفهام لتقول أنت ما حدث وتشهد به. ms6663 ~~والمراد: أعاقبناهم بما يستحقون؟ والنكير: هو الإنكار على شخص بتغيير ~~حاله من نعمة إلى نقمة، كالذي يكرمك ويواسيك ويبش في وجهك ويغدق ~~عليك، ثم يقطع عنك هذا كله، فتقول: لماذا تنكر لي فلان؟ يعني: قطع عني ~~نعمته. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد أن ينتزع منا الإقرار بقدرته ~~تعالى على عقاب أعدائه ومكذبي رسله، وهذا المعنى جاء أيضا في قوله ~~تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 29-36] يعني: هل جوزي الكفار بما عملوا؟ وهل استطعنا أن ~~نعاقبهم بما يستحقون من العذاب؟ { فكيف كان نكير } [الحج: 44] ~~أي: إنكاري لموقفهم من عدم أداء حقوق النعمة فبدلها الله عليهم نقمة. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { فكأين من قرية أهلكناها وهي ~~ظالمة فهي خاوية على عروشها... }. ### || [22.45] # قوله تعالى: { فكأين من قرية.. } [الحج: 45] كأين أداة تدل ~~على الكثرة مثل: كم الخبرية حين تقول: كم أحسنت إليك. تعني مرات ~~عديدة تفوق الحصر، فهي تدل على المبالغة في العدد والكمية، ومنها قوله ~~تعالى: # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير.. # [آل عمران: 146]. والقرية: اسم للمكان، وحين يهلك الله القرية لا ~~يهلك المكان، إنما يهلك المكين فيه، فالمراد بالقرية أهلها، كما ورد في ~~قوله تعالى: # وسئل القرية التي كنا فيها.. # [يوسف: 82] أي: اسأل أهل القرية. ويحتمل أن يكون المعنى: اسأل القرية ~~تجبك، لأنك لو سألت أهل القرية فلربما يكذبون، أما القرية فتسجل ~~الأحداث وتخبر بها كما حدثت. وقد يتعدى الهلاك إلى القرية ذاتها، فيغير ~~معالمها بدليل قوله تعالى: # فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا.. # [النمل: 52]. ومعنى: { أهلكناها وهي ظالمة.. } [الحج: 45] ~~أي: بسبب ظلمها، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، ~~وفي آية أخرى يقول تعالى: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت ms6664 بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. فهلاك القرى لا بد أن يكون له سبب، فلما وقع عليها ~~الهلاك أصبحت { خاوية على عروشها.. } [الحج: 45] الشيء الخاوي ~~يعني: الذي سقط وتهدم على غيره، وقوله: { على عروشها.. } [الحج: ~~45] يدل على عظم ما حل بها من هلاك، حيث سقط السقف أولا، ثم انهارت ~~عليه الجدران، أو: أن الله تعالى قلبها رأسا على عقب، وجعل عاليها ~~سافلها. وقوله سبحانه: { وبئر معطلة.. } [الحج: 45] البئر: هو ~~الفجوة العميقة في الأرض، بحيث تصل إلى مستوى الماء الجوفي، ومنه ~~يخرجون الماء للشرب وللزراعة.. إلخ ومنه قوله تعالى: # ولما ورد مآء مدين.. # [القصص: 23] أي: البئر الذي يشربون منه. والبئر حين تكون عاملة ~~ومستفادا منها تلحظ حولها مظاهر حياة، حيث ينتشر الناس حولها، وينمو ~~النبات على بقايا المياه المستخرجة منها، ويحوم حولها الطير ليرتوي منها، ~~أما البئر المعطلة غير المستعملة فتجدها خربة ليس بها علامات حياة، ~~وربما تسفو عليها الرياح، وتطمسها فتعطل وتهجر، فالمراد معطلة عن ~~أداء مهمتها، ومهمة البئر السقيا. { وقصر مشيد } [الحج: 45] ~~القصر: اسم للمأوى الفخم لأن المأوى قد يكون خيمة، أو فسطاطا، أو ~~عريشة، أو بيتا، أو عمارة، وعندما يرتقي الإنسان في المأوى فيبني لنفسه ~~شيئا خاصا به، لكن لا بد له أن يخرج لقضاء لوازم الحياة من طعام ~~وخلافه، أما القصر فيعني مكان السكن الذي يتوفر لك بداخله كل ما تحتاج ~~إليه، بحيث لا تحتاج إلى الخروج منه، يعني: بداخله كل مقومات الحياة. ~~ومنه: سميت الحور مقصورات في قوله تعالى: # حور مقصورات في الخيام # [الرحمن: 72] يعني: لا تتعداها ولا تخرج منها. و { مشيد } [الحج: ~~45] من الشيد، وهو الجير الذي يستعمل كمونة في بناء الحجر يعني: مادة ~~للصق الحجارة، وجعلها على مستوى واحد، وقديما كان البناء بالطوب ~~اللبن، والمونة من الطين، أما في القصور والمساكن الفخمة الراقية ~~فالبناء بالحجر، والمشيد أيضا العالي المرتفع، ومنه قولهم: أشاد به ~~يعني: رفعه وأعلى من مكانته، والارتفاع من ميزات القصور، ومعلوم أن ~~مقاسات الغرف في العمارات مثلا ms6665 غيرها في القصور، هذه ضيقة منخفضة، وهذه ~~واسعة عالية. وفي قوله تعالى { وقصر مشيد } [الحج: 45] دليل على ~~أن هؤلاء المهلكين كانوا من أصحاب الغنى والنعيم، ومن سكان القصور ~~ومن علية القوم. ثم يقول الحق سبحانه: { أفلم يسيروا في ~~الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ أو آذان ~~يسمعون بها... }. ### || [22.46] # السير: قطع مسافات من مكان إلى آخر، ويسمونه السياحة، والحق سبحانه ~~يدعو عباده إلى السياحة في أنحاء الأرض لأن للسياحة فائدتين: فإما أن ~~تكون سياحة استثمارية لاستنباط الرزق إن كنت في مكان يضيق بك العيش ~~فيه، كهؤلاء الذين يسافرون للبلاد الأخرى للعمل وطلب الرزق. وإما أن تكون ~~سياحة لأخذ العبرة والتأمل في مخلوقات الله في ملكه الواسع ليستدل ~~بخلق الله وآياته على قدرته تعالى. والسياحة في البلاد المختلفة تتيح ~~لك فرصة ملاحظة الاختلافات من بيئة لأخرى، فهذه حارة وهذه باردة، وهذه ~~صحراء جرداء وهذه خضراء لا يوجد بها حبة رمل، لذلك يخاطبنا ربنا تبارك ~~وتعالى: # قل سيروا في الأرض ثم انظروا.. # [الأنعام: 11]. فالعطف في الآية ب ثم يدل على أن للسياحة مهمة أخرى، ~~هي الاستثمار وطلب الرزق، ففي الآية إشارة إلى الجمع بين هاتين المهمتين، ~~فحين تذهب للعمل إياك أن تغفل عن آيات الله في المكان الذي سافرت إليه، ~~وخذ منه عبرة كونية تفيدك في دينك. وفي آية أخرى يقول سبحانه: # قل سيروا في الأرض فانظروا # [النمل: 69]. العطف هنا بالفاء التي تفيد الترتيب، يعني: سيروا في الأرض ~~لتنظروا آيات الله، فهي خاصة بسياحة الاعتبار والتأمل، لا سياحة ~~الاستثمار وطلب الرزق. لذلك يقولون في الأمثال: اللي يعيش ياما يشوف، ~~واللي يمشي يشوف أكثر فكلما تعددت الأماكن تعددت الآيات والعجائب الدالة ~~على قدرة الله، وقد ترى منظرا لا يؤثر فيك، وترى منظرا آخر يهزك ~~ويحرك عواطفك، وتأملاتك في الكون. وقوله: { أفلم يسيروا.. } ~~[الحج: 46] تعني وتؤكد أنهم ساروا فعلا، كما تقول: أفلم أكرمك؟ ولا ~~تقول هذا إلا إذا أكرمته فعلا، وقد حدث أنهم ساروا فعلا في البلاد ~~أثناء رحلة الشتاء والصيف، وكانوا يمرون على ms6666 ديار القوم المهلكين، كما ~~قال تعالى: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين # [الصافات: 137]. يعني: أنتم أهل سير وترحال وأهل نظر في مصير من ~~قبلكم، فكيف يقبل منكم الانصراف عن آيات الله؟ { أفلم يسيروا في ~~الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن ~~تعمى القلوب التي في الصدور } [الحج: 46] فما داموا قد ~~ساروا وترحلوا في البلاد، فكيف لا يعقلون آيات الله؟ وكيف لا تحرك ~~قلوبهم؟ ولنا وقفة عند قوله تعالى: { فتكون لهم قلوب ~~يعقلون بهآ.. } [الحج: 46] وهل يعقل الإنسان بقلبه؟ معلوم أن ~~العقل في المخ، والقلب في الصدر. نعم، للإنسان وسائل إدراك هي الحواس ~~التي تلتقط المحسات يسمونها تأدبا مع العلم: الحواس الخمس ~~الظاهرة لأن العلم أثبت للإنسان في وظائف الأعضاء حواسا أخرى غير ظاهرة، ~~فحين تمسك بشيئين مختلفين يمكنك أن تميز أيهما أثقل من الآخر، ~~فبأي حاسة من الحواس الخمس المعروفة توصلت إلى هذه النتيجة؟ إن ~~قلت بالعين فدعها على الأرض وانظر إليها، وإن قلت باللمس فلك أن ~~تلمسها دون أن ترفعها من مكانها، إذن: فأنت لا تدرك الثقل بهذه الحواس، ~~إنما بشيء آخر وبآلة إدراك أخرى هي حاسة العضل الذي يميز لك الخفيف ~~من الثقيل. # وحين تذهب لشراء قطعة من القماش تفرك القماش بلطف بين أناملك، فتستطيع ~~أن تميز الثخين من الرقيق، مع أن الفارق بينهما لا يكاد يذكر، ~~فبأي حاسة أدركته؟ إنها حاسة البين. كذلك هناك حاسة البعد وغيرها ~~من الحواس التي يكتشفها العلم الحديث في الإنسان. فلما يدرك الإنسان هذه ~~الأشياء بوسائل الإدراك يتدخل العقل ليغربل هذه المدركات، ويختار من ~~البدائل ما يناسبه، فإن كان سيختار ثوبا يقول: هذا أنعم وأرق من هذا، ~~وإن كان سيختار رائحة يقول: هذه ألطف من هذه، إن كان في الصيف اختار ~~الخفيف، وإن كان في الشتاء اختار السميك. وبعد أن يختار العقل ويوازن ~~بين البدائل يحكم بقضية تستقر في الذهن وتقتنع بها، ولا تحتاج لإدراك ~~بعد ذلك، ولا لاختيار بين البدائل، وعندها تنفذ ما استقر في ms6667 نفسك، ~~وارتحت إليه بقلبك. إذن: إدراك بالحواس وتمييز بالعقل ووقوف عند مبدأ ~~بالقلب، وما دام استقر المبدأ في قلبك فقد أصبح دستورا لحياتك، وكل ~~جوارحك تخدم هذا المبدأ الذي انتهيت إليه، واستقر في قلبك ووجدانك. لكن، ~~لماذا القلب بالذات؟ قالوا: لأن القلب هو الذي يقوم بعملية ضخ سائل ~~الحياة، وهو الدم في جميع أجزاء الجسم وجوارحه، وهذه الجوارح هي أداة ~~تنفيذ ما استقر في الوجدان لذلك قالوا: الإيمان محله القلب، كيف؟ قالوا: ~~لأنك غربلت المسائل وصفيت القضايا إلى أن استقرت العقيدة والإيمان ~~في قلبك، والإيمان أو العقيدة هي ما انعقد في القلب واستقر فيه، ومن ~~القلب تمتد العقيدة إلى جميع الأعضاء والحواس التي تقوم بالعمل بمقتضى ~~هذا الإيمان، وما دمت قد انتهيت إلى مبدأ وعقيدة، فإياك أن تخالفه ~~إلى غيره، وإلا فيكون قلبك لم يفهم ولم يفقه. وكلمة { يعقلون ~~بهآ } [الحج: 46] تدل على أن للعقل مهام أخرى غير أنه يختار ويفاضل بين ~~البدائل، فالعقل من مهامه أن يعقل صاحبه عن الخطأ، ويعقله أن يشرد في ~~المتاهات، والبعض يظن أن معنى عقل يعني حرية الفكر وأن يشطح المرء بعقله ~~في الأفكار كيف يشاء، لا، العقل من عقال الناقة الذي يمنعها، ويحجزها ~~أن تشرد منك. ثم يقول سبحانه: { أو آذان يسمعون بها } ~~[الحج: 46] كيف ولهؤلاء القوم آذان تسمع؟ نعم، لهم آذان تسمع، لكن سماع ~~لا فائدة منه، فكأن الحاسة غير موجودة، وإلا ما فائدة شيء سمعته لكن ~~لم تستفد به ولم توظفه في حركة حياتك، إنه سماع كعدمه، بل إن عدمه ~~أفضل منه لأن سماعك يقيم عليك الحجة. # { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور } [الحج: 46] فعمى الأبصار شيء هين، إذا ما ~~قيس بعمى القلوب لأن الإنسان إذا فقد رؤية البصر يمكنه أن يسمع، وأن ~~يعمل عقله، وأن يهتدي، وما لا يراه بعينه يمكن أن يخبره به غيره، ~~ويصفه له وصفا دقيقا وكأنه يراه، لكن ما العمل إذا عميت القلوب، ~~والأنظار مبصرة؟ وإذا كان لعمى الأبصار بديل وعوض، فما ms6668 البديل إذا عمي ~~القلب؟ الأعمى يحاول أن يتحسس طريقه، فإن عجز قال لك: خذ بيدي، أما ~~أعمى القلب فماذا يفعل؟ لذلك، نقول لمن يغفل عن الشيء الواضح والمبدأ ~~المستقر: أعمى قلب. يعني: طمس على قلبه فلا يعي شيئا. وقوله: { ~~القلوب التي في الصدور } [الحج: 46] معلوم أن القلوب في ~~الصدور، فلماذا جاء التعبيرهكذا؟ قالوا: ليؤكد لك على أن المراد القلب ~~الحقيقي، حتى لا تظن أنه القلب التفكيري التعقلي، كما جاء في قوله ~~تعالى: # يقولون بأفواههم # [آل عمران: 167]. ومعلوم أن القول من الأفواه، لكنه أراد أن يؤكد على ~~القول والكلام لأن القول قد يكون بالإشارة والدلالة، فالقول بالكلام هو ~~أبلغ أنواع القول وآكده لذلك قال الشاعر: # جراحات السنان لها التئام # ولا يلتام ما جرح اللسان # ويقولون: احفظ لسانك الذي بين فكيك، وهل اللسان إلا بين الفكين؟ ~~لكن أراد التوكيد على القول والكلام خاصة، لا على طرق التفاهم والتعبير ~~الأخرى. ثم يقول الحق سبحانه: { ويستعجلونك بالعذاب ولن ~~يخلف الله... }. ### || [22.47] # ألم يقولوا في استعجال العذاب: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وقالوا: # فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # [الأعراف: 70]. ولا يستعجل الإنسان العذاب إلا إذا كان غير مؤمن ~~به، المؤمن بالعذاب - حقيقة - يخاف منه، ويريد أن يبطئ عنه أو أن ~~ينجو منه. والمعنى: { ويستعجلونك بالعذاب.. } [الحج: 47] ~~أنهم يظنون أنه إن توعدهم الله بالعذاب فإنه سيقع لتوه. لذلك، ~~الحق سبحانه يصحح لهم هذا الفهم، فيقول: { ولن يخلف الله ~~وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون } [الحج: 47] فلا تتعجلوا توعدكم به، فهو واقع بكم لا محالة ~~لأنه وعد من الله، والله لا يخلف وعده، لكن اعلموا أن اليوم عند الله ~~ليس كيومكم، اليوم عندكم أربع وعشرون ساعة، أما عند الله فهو كألف سنة من ~~حسابكم أنتم للأيام. واليوم زمن يتسع لبعض الأحداث، ولا يسع أكثر مما ~~قدر أن يفعل فيه من الأحداث، أما اليوم عند الله - عز وجل - ~~فيسع أحداثا ms6669 كثيرة تملأ من الزمن ألف سنة من أيامكم ذلك لأنكم تزاولون ~~الأعمال وتعالجونها، أما الخالق سبحانه فإنه لا يزاول الأفعال بعلاج، ~~وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون، ففعلك يحتاج إلى ~~وقت، أما فعل ربك فبكلمة كن. وقد شاء الحق سبحانه أن يعيش هؤلاء في ~~عذاب التفكير في هذا الوعيد طول عمرهم، فيعذبون به قبل حدوثه. إذن: لا ~~تظن أن العذاب الذي توعدكم به سيحدث اليوم أو غدا، لا لأن حساب الوقت ~~مختلف. ألم تقرأ قول الله تعالى لنبيه موسى - عليه السلام - لما دعا ~~على قومه: # ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 88]. قال له ربه: # قال قد أجيبت دعوتكما.. # [يونس: 89]. ويقول المفسرون: حدثت هذه الإجابة لموسى بعد أربعين سنة من ~~دعوته عليهم. وفي موضع آخر يقول تعالى: # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون # [السجدة: 5]. وتزيد هذه المدة في قوله سبحانه: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4] لماذا؟ لأن الزمن عندكم في هذه الحالة معطل، فأنتم من ~~هول ما ترون تستطيلون القصير، ويمر عليكم الوقت ثقيلا لذلك تتمنون ~~الانصراف ولو إلى النار. كما أن صاحب النعيم يستقصر الطويل، ويمر عليه ~~الوقت كأنه لمح البصر، ومن ذلك ما تلاحظه من قصر الوقت مع الأحبة وطوله ~~مع الأعداء ومن لا يهواه قلبك، ولهذه المسألة شواهد كثيرة في شعرنا ~~العربي، منها قول أحدهم: # حادثات السرور توزن وزنا # والبلايا تكال بالقفزان # وقول الآخر: # لم يطل ليلي ولكن لم أنم # ونفى عني الكرى طيف ألم # ويقول ابن زيدون: # إن يطل بعدك ليلي فلكم # بت أشكو قصر الليل معك # ثم يقول سبحانه: { وكأين من قرية أمليت لها وهي ~~ظالمة... }. ### || [22.48] # { وكأين } [الحج: 48] قلنا: تدل على الكثرة يعني: كثير من القرى، { ~~أمليت } [الحج: 48]: أمهلت، لكن طوال الإمهال لا يعني الإهمال لأن ~~الله تعالى يملي للكافر ويمهله لأجل، فإذا جاء الأجل ms6670 والعقاب أخذه. { ~~ثم أخذتها } [الحج: 48] وأخذ الشيء يتناسب مع قوة الآخذ وقدرته ~~وعنف الانتقام بحسب المنتقم، فإذا كان الآخذ هو الله عز وجل، فكيف سيكون ~~أخذه؟ في آية أخرى يوضح ذلك فيقول: # أخذ عزيز مقتدر # [القمر: 42] لا يغالب، ولا يمتنع منه أحد، وكلمة الأخذ فيها معنى ~~الشدة والعنف والقهر. ثم يقول سبحانه: { وإلي المصير } [الحج: ~~48] يعني: المرجع والمآب، فلن يستطيعوا أن يفلتوا. إذن: الإملاء: ~~تأخير العذاب إلى أجل معين، كما قال سبحانه: # فمهل الكافرين أمهلهم رويدا # [الطارق: 17]. هذا الأجل قد يكون لمدة، ثم يقع بهم العذاب، كما حدث في ~~الأمم السابقة التي أهلكها الله بالخسف أو بالغرق.. الخ، أما في أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون الإملاء بأحداث سطحية في الدنيا، كالذي ~~حل بالكفار من الخزي والهوان والهزيمة وانكسار شوكتهم، أما العذاب ~~الحقيقي فينتظرهم في الآخرة. لذلك يقول الحق - تبارك وتعالى - لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: لا تستبطئ عذابهم والانتقام منهم في الدنيا، فما لم ~~تره فيهم من العذاب في الدنيا ستراه في الآخرة: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. ثم يقول الحق سبحانه: { قل يأيها الناس ~~إنمآ... }. ### || [22.49] # والإنذار نوع من الرحمة، لأنك تخبر بشر قبل أوانه، ليحذره المنذر، ~~ويحاول أن ينجي نفسه منه، ويبتعد عن أسبابه، فحين أذكرك بالله، وأنه ~~يأخذ أعداءه أخذ عزيز مقتدر، فعليك أن تربأ بنفسك عن هذه النهاية، وأن ~~تنجو من دواعي الهلاك. ومعنى { مبين } [الحج: 49] محيط، لا يترك ~~صغيرة ولا كبيرة. ### || [22.50] # وطالما آمنوا وعملوا الصالحات فقد انتفعوا بالنذراة، وأثمرت فيهم، ~~فآمنوا بالله إلها فاعلا مختارا له صفات الكمال المطلق، ثم عملوا على ~~مقتضى أوامره لذلك يكون لهم مغفرة إن كانت ألمت نفوسهم بشيء من ~~المعاصي، ويكون لهم رزق كريم. والكريم هو البذال، كأن الرزق نفسه وصل ~~إليهم بكرم وزيادة، كما أن الكريم هو الذي تظل يده مبسوطة دائما ~~بالعطاء، على حد قول الشاعر: # وإني امرؤ لا تستقر دراهمي # على الكف إلا عابرات سبيل # فالرزق نفسه كريم لأنه ms6671 ممدود لا ينقطع، كما لو أخذت كوب ماء من ماء ~~جار، فإنه يحل محله غيره على الفور، وهكذا. ### || [22.51] # السعي: عمل يذهب إلى غاية، فإن كان قطع مسافة نقول: سرنا من كذا إلى ~~كذا، وإن كان في قضية علمية فكرية، فيعني: أن الحدث يعمل من شيء بداية ~~إلى شيء غاية. والسعي لا يحمد على إطلاقه، ولا يذم على إطلاقه، ~~فإن كان في خير فهو محمود ممدوح، كالسعي الذي قال الله فيه: # فأولئك كان سعيهم مشكورا # [الإسراء: 19]، وإن كان في شر فهو قبيح مذموم، كالسعي الذي قال الله ~~تعالى فيه: # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ~~ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * ~~وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل # [البقرة: 204-205]. أما السعاية فعادة تأخذ جانب الشر. وتعني: الوشاية ~~والسعي بين الناس بالنميمة، تقول: فلان سعاء بين الخلق يعني: بالشر ~~ينقله بين الناس بقصد الأذى، وهؤلاء إن علموا الخير أخفوه، وإن ~~علموا الشر أذاعوه، وإن لم يعلموا كذبوا. لذلك، نقول عما ينتج من هذه ~~السعاية من الشر بين الناس: هذا آفة الآخذ، يعني: الذي سمع الشر ونقله ~~وسعى به، وكان عليه أن يحبسه ويخفيه، حتى لا تنتشر هذه الرذيلة بين ~~الخلق. وقد وشى واش بمهام بن عبد الله السلولي إلى زياد بن أبيه، ~~وكان زياد جبارا فقال للواشي: أأجمع بينك وبينه؟ فلم يجد الواشي بدا ~~من أن يقول: نعم، فكيف ينكر ما قال؟! ولعله قال في نفسه: لعل الله يقضي ~~أمرا يخرجني من هذه الورطة قبل هذه المواجهة؟ ثم أرسل زياد إلى ابن ~~همام فأتي به، وقد جعل زياد الواشي في مجلسه خلف ستار، وأدخل همام، ~~فقال له: يا همام بلغني أنك هجوتني، فقال: كلا، أصلحك الله ما فعلت: ~~ولا أنت لذلك بأهل، فكشف زياد الستار وقال: هذا الرجل أخبرني أنك ~~هجوتني، فنظر ابن همام، فإذا هو صديق له يجالسه، فقال له: # أنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا # فخنت وإما قلت قولا بلا علم ms6672 # فأبت من الأمر الذي كان بيننا # بمنزلة بين الخيانة والإثم # يعني: أنت مذموم في كل الأحوال لأنك إما خنت أمانة المجلس والحديث ~~ولم تحفظ سرا فضفضت لك به، وإما اختلقت هذا القول كذبا وبلا ~~علم. وعندها خلع زياد على همام الخلع، لكنه لم يعاقب الواشي، وفي هذا ~~إشارة إلى ارتياحهم لمن ينقل إليهم، وأن آذانهم قد أخذت على ذلك ~~وتعودت عليه. ومعنى { في آياتنا } [الحج: 51] والآيات إما ~~كونية، كالشمس والقمر، وإما معجزات، وإما آيات الأحكام، وسعوا فيها ~~يعني: قالوا فيها قولا باطلا غير الحق، كما يسعى الواشي بالباطل بين ~~الناس، فهؤلاء إن نظروا في آيات الكون قالوا: من صنع الطبيعة. # وإن شاهدوا معجزة على يد نبي قالوا: سحر وأساطير الأولين، وإن سمعوا ~~آيات الأحكام تتلى قالوا: شعر. وهم بذلك كله يريدون أن يفسدوا على ~~أهل الإيمان إيمانهم، ويصدوا عن سبيل الله. ومعنى { معاجزين } ~~[الحج: 51] جمع لاسم الفاعل معاجز مثل: مقاتل، وهي من عاجز غير عجز عن ~~كذا يعني: لم يقدر عليه، عاجز فلان فلانا يعني باراه أيهما يعجز ~~قبل الآخر، فعاجزه مثل باراه ليثبت أنه الأفضل، ومثل: سابقه ونافسه. ~~إذن: فالمعاجزة مفاعلة ومشاركة، وكلمة نافسه الأصل فيها من النفس الذي ~~نأخذه في الشهيق، ونخرجه في الزفير، والذي به يتأكسد الدم، وتستمر حركة ~~الإنسان، فإن امتنع التنفس يموت لأن الإنسان يصبر على الطعام ويصبر على ~~الماء، لكنه لا يصبر على الهواء ولو لنفس واحد. وقد حدثت هذه المعاجزة ~~أو المنافسة بين سيدنا عمر وسيدنا العباس رضي الله عنهما: قال عمر ~~للعباس: أتنافسني في الماء، يعني: نغطس تحت الماء وننظر أيهما يعجز ~~الآخر، ويتحمل عملية توقف النفس، ومثل هذه المنافسة قد يحتال عليها ~~الإنسان إن كتم نفسه وهو في جو الهواء، أما إن نزل تحت الماء حيث ~~ينعدم الهواء، فكيف سيحتال على هذه المسألة؟ وتحت الماء لا يكون إلا ~~الهواء الذاتي الذي اختزنه كل منهما في رئته، ومثل هذه المنافسة توضح ~~أيهما أفسح صدرا من الآخر، وأيهما أكثر تحملا تحت الماء. هذه ms6673 هي ~~المعاجزة. فمعنى { سعوا في آياتنا معاجزين.. } [الحج: 51] ~~أي: يظنون أنهم قادرون أن يعجزونا، فحين نأتي إليهم بكلام بليغ معجز ~~يختلقون كلاما فارغا ليعجزونا به، فأنى يكون لهم ذلك؟ وأنى لهم أن ~~يطعنوا بكلامهم على كلام الله؟ ثم يبين جزاء هذا الفعل وهذه المكابرة: ~~{ أولئك أصحاب الجحيم } [الحج: 51] فهذا حكم الله فيهم ~~قضية واضحة من أقصر الطرق، فمن ذا الذي يعجز الله؟ ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ~~إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته... }. ### || [22.52] # أثارت هذه الآية جدلا طويلا بين العلماء، ودخل فيه كثير من الحشو ~~والإسرائيليات، خاصة حول معنى { تمنى } [الحج: 52] وهي ترد في اللغة ~~بمعنيين، وما دام اللفظ يحتمل معنيين فليس أحدهما أولى من الآخر إلا ~~بمدى استعماله وشيوعه بين جمهور العربية، ويأتي التمني في اللغة بمعنى ~~القراءة، كما ورد في قول حسان بن ثابت في رثاء عثمان بن عفان رضي الله ~~عنهما: # تمنى كتاب الله أول ليلة # وآخرها وافاه حتم المقادر # يعني: قتل عثمان وهو يقرأ القرآن، وهذا المعنى غريب في حمل القرآن ~~عليه لعدم شيوعه. وتأتي تمنى بمعنى: أحب أن يكون الشيء، وهذا هو القول ~~المشهور في لغة العرب. أما بمعنى قرأ فهو غير شائع، ويرد هذا القول، ~~وينقضه نقضا أوليا مبدئيا قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي.. } [الحج: 52]. ومعلوم أن الرسول ~~ينزل عليه كتاب يمكن أن يقرأه، أما النبي فلا ينزل عليه كتاب، بل يعمل ~~بشرع من سبقه من الرسل. إذن: فما دام الرسول والنبي مشتركين في إلقاء ~~الشيطان، فلا بد أن تكون الأمنية هنا بمعنى: أحب أن يكون الشيء، لا ~~بمعنى قرأ، فأي شيء سيقرأ النبي وليس معه كتاب؟ والذين فهموا التمني ~~في قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~} [الحج: 52] أنه بمعنى: قرأ، سواء أكانوا من العلماء المتعمقين أو ~~السطحيين، قالوا: المعنى إذا قرأ رسول الله القرآن تدخل الشيطان في ~~القراءة، ms6674 حتى يدخل فيها ما ليس منها. وذكروا دليلا على ذلك في قوله ~~تعالى: # أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى # [النجم: 19-20] ثم أضافوا: والغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى. وكأن ~~الشيطان أدخل في القرآن هذا الكلام، ثم نسخه الله بعد ذلك، وأحكم الله ~~آياته. لكن هذا القول يشكك في قضية القرآن، وكيف نقول به بعد أن قال ~~تعالى في القرآن: # نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من ~~المنذرين # [الشعراء: 193-194]. وقال: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم ~~من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 44-47]. إذن: الحق سبحانه وتعالى حفظ قرآنه وكلامه من أمثال ~~هذا العبث، وكيف ندخل في القرآن هذه الكفريات؟ وكيف تستقيم عبارتهم: ~~والغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى مع قول الله تعالى: # أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى * ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا ~~قسمة ضيزى # [النجم: 19-22] كيف ينسجم هذا وذاك؟ فهذا الفهم في تفسير الآية لا ~~يستقيم، ولا يمكن للشيطان أن يدخل في القرآن ما ليس منه، لكن يحتمل ~~تدخل الشيطان على وجه آخر: فحين يقرأ رسول الله القرآن، وفيه هداية ~~للناس، وفيه مواعظ وأحكام ومعجزات، أتنتظر من عدو الله أن يخلي الجو ~~للناس حتى يسمعوا هذا الكلام دون أن يشوش عليهم، ويبلبل أفكارهم، ~~ويحول بينهم وبين سماعه؟ فإذا تمنى الرسول يعني: قرأ ألقى الشيطان في ~~أمنيته، وسلط أتباعه من البشر يقولون في القرآن: سحر وشعر وإفك ~~وأساطير الأولين: فدور الشيطان - إذن - لا أن يدخل في كلام الله ما ~~ليس منه، فهذا أمر لا يقدر عليه ولا يمكنه الله من كتابه أبدا، إنما ~~يمكن أن يلقي في طريق القرآن وفهمه والتأثر به العقبات والعراقيل ~~التي تصد الناس عن فهمه والتأثر به، وتفسد القرآن في نظر من يريد ~~أن يؤمن به. # لكن، هل محاولة تشويه القرآن هذه وصد الناس عنه جاءت بنتيجة، وصرفت ~~الناس فعلا عن كتاب الله؟ لقد خيب الله سعيه، ولم تقف محاولاته ~~عقبة في سبيل الإيمان بالقرآن والتأثر ms6675 به لأن القرآن وجد قلوبا وآذانا ~~استمعت وتأملت فآمنت وانهارت لجلاله وعظمته وخضعت لأسلوبه وبلاغته، ~~فآمنوا به واحدا بعد الآخر. ثم يقول تعالى: { فينسخ الله ما ~~يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم ~~حكيم } [الحج: 52] يعني: ألغى وأبطل ما ألقاه الشيطان من الأباطيل ~~والعقبات التي أراد بها أن يصد الناس عن القرآن، وأحكم الله آياته، ~~وأوضح أنها منه سبحانه، وأنه كلام الله المعجز الذي لو اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. هذا على قول ~~من اعتبر أن { تمنى } [الحج: 52] بمعنى: قرأ. أما على معنى أنها ~~الشيء المحبوب الذي نتمناه، فنقول: الرسول الذي أرسله الله تعالى بمنهج ~~الحق إلى الخلق، فإن كان قادرا على تطبيق المنهج في نفسه فإن ~~أمنيته أن يصدق وأن يطاع فيما جاء به، أمنيته أن يسود منهجه ~~ويسيطر ويسوس به حركة الحياة في الناس. والنبي أو الرسول هو أولى ~~الناس بقومه، وهو أحرصهم على نفعهم وهدايتهم، والقرآن خير يحب للناس أن ~~يأخذوا به عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". # لكن، هل يترك الشيطان لرسول الله أن تتحقق أمنيته في قومه أم يضع في ~~طريقه العقبات، ويحرك ضده النفوس، فيتمرد عليه قومه حيث يذكرهم ~~الشيطان بما كان لهم من سيادة ومكانة سيفقدونها بالإسلام؟ وهكذا يلقي ~~الشيطان في أمنية الرسول { إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته } [الحج: 52] وما كان الشيطان ليدع ~~القرآن ينفذ إلى قلوب الناس أو حتى آذانهم، أليس هو صاحب فكرة: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه.. # [فصلت: 26]. إن الشيطان لو لم يلق العراقيل في سبيل سماع القرآن ~~ويشكك فيه لآمن به كل من سمعه لأن للقرآن حلاوة لا تقاوم، وأثرا ~~ينفذ إلى القلوب مباشرة. # ومع ذلك لم يفت ما ألقى الشيطان في عضد القرآن، ولا في عضد ~~الدعوة، فأخذت تزداد يوما بعد يوم، ويزداد عدد المؤمنين بالقرآن ~~المصدقين به، المهم أن نتنبه: كيف نستقبل القرآن، وكيف نتلقاه، لا بد ms6676 ~~أن نستقبله استقبال الخالي من هوى، فالذي يفسد الأحكام أن تستقبل ~~وتدخل على هوى سابق. وسبق أن قلنا: إن الحيز الواحد لا يسع شيئين في وقت ~~واحد، لا بد أن تخرج أحدهما لتدخل الآخر، فعليك - إذن - أن ~~تخلي عقلك وفكرك تماما، ثم تستقبل كلام الله، وابحث فيه كما شئت، فسوف ~~تنتهي إلى الإيمان به شريطة أن تصفي له قلبك، فلا تبق في ذهنك ما ~~يعكر صفو الفطرة التي خلقها الله فيك، عندها سيأخذ القرآن طريقه إلى ~~قلبك، فإذا أشرب قلبك حب القرآن، فلا يزحزحه بعد ذلك شيء. ولنا في ~~إسلام سيدنا عمر مثال وعظة، فلما سمع القرآن من أخته لأول مرة، وقد ~~أغلق قلبه على كفره لم يتأثر به، وضربها حتى أدمى وجهها، وعندها رق ~~قلبه، وتحركت عاطفته نحو أخته، وكأن عاطفة الحب زحزحت عاطفة العداوة، ~~وكشفت عن صفاء طبعه، فلما سمع القرآن بعدها آمن به على الفور. كذلك، ~~إن أردت أن تناقش قضية الإيمان أو الكفر، وأن تختار بينهما لأنهما ~~يجتمعان أبدا، ولا بد أن تختار، فحين تناقش هذه القضية وأنت مصر ~~على الكفر فلن تصل إلى الإيمان لأن الله يطبع على القلب المصر فلا ~~يخرج منه الكفر، ولا يدخله الإيمان، إنما أخرج الكفر أولا وتحرر من ~~أسره، ثم ناقش المسائل كما تحب. كما قال تعالى: # قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة.. # [سبأ: 46]. أما أن تناقش قضية، وفي ذهنك فكرة مسبقة، فأنت كهؤلاء ~~الذين قال الله فيهم: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا.. # [محمد: 16] يعني: ما الجديد الذي جاء به، وما المعجزة في هذا الكلام؟ ~~فيأتي الرد: # أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهوآءهم * والذين اهتدوا زادهم هدى ~~وآتاهم تقواهم # [محمد: 16-17]. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه عن القرآن: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى.. # [فصلت: 44]. فالقرآن واحد، لكن ms6677 المستقبل مختلف، وقد ذكرنا أنك حين تريد ~~أن تبرد كوب الشاي الساخن فإنك تنفخ فيه، وكذلك إن أردت أن تدفئ ~~يديك في برد الشتاء فإنك أيضا تنفخ فيها، كيف - إذن - والفاعل واحد؟ ~~نعم، الفاعل واحد، لكن المستقبل للفعل مختلف. وقوله تعالى: { من ~~قبلك من رسول ولا نبي } [الحج: 52]. # من هنا للدلالة على العموم وشمول كل الأنبياء والرسل السابقين، فكل نبي ~~أو رسول يتمنى يعني: يود ويحب ويرغب أن ينتشر دينه ويطبق منهجه، ~~ويؤمن به جميع قومه، لكن هيهات أن يتركه الشيطان وما أحب، بل لا بد ~~أن يقف له بطريق دعوته ليصد الناس عنه ويصرفهم عن دعوته ومنهجه، لكن ~~في النهاية ينصر الله رسله وأنبياءه، وينسخ عقبات الشيطان التي ألقاها ~~في طريق الدعوة، ثم يحكم الله آياته، ويؤكدها ويظهرها، فتصير محكمة ~~لا ينكرها أحد. وساعة تسمع كلمة { ألقى } [الحج: 52] فاعلم أن بعدها ~~عقبات وشرورا، كما يقول تعالى: # وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم ~~القيامة # [المائدة: 64]. ومما قاله أصحاب الرأي الأول في تفسير { تمنى } ~~[الحج: 52] وأنها بمعنى قرأ: يقولون: إن الله تعالى ينزل على رسوله صلى ~~الله عليه وسلم أشياء تثبت بشريته، ثم يمحو الله آثار هذه البشرية ليبين ~~أن الله صنعه على عينه، حتى إن همت بشريته بشيء يعصمه الله منها. ~~لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: # " يرد علي فأقول: أنا لست كأحدكم، ويؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا ~~بشر مثلكم ". # إذن: فالرسول بشر إلا أنه يوحى إليه ما يعصمه من زلات البشر. ومن ~~بشريته صلى الله عليه وسلم أنه تعرض للسحر، وهذه واقعة لا تنكر، وقد ~~ورد فيها أحاديث صحيحة، وقد كاد الكفار لرسول الله بكل أنواع الكيد: ~~استهزاء، وسبابا، واضطهادا، وإهانة، ثم تآمروا عليه بليل ليقتلوه، ~~وبيتوا له، فلم يفلحوا قال تعالى: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين # [الأنفال: 30]. وكاد الله لرسوله وأخرجه من بينهم سالما، وهكذا فضح ~~الله تبييتهم وخيب سعيهم، وفشلت محاولاتهم الجهرية والسرية فلجئوا ~~إلى ms6678 السحرة ليفعلوا برسول الله ما عجزوا هم عنه، وعملوا لرسول الله سحرا ~~في مشط ومشاطة من شعره صلى الله عليه وسلم وطلع نخلة ذكر ففضحهم ~~الله، وأخبر رسوله بذلك فأرسل الإمام عليا فأتى به من بئر ذروان. وكأن ~~الحق سبحانه يريد أن يبين لنا بشرية الرسول، وأنه يجري عليه ما يجري ~~على البشر، لكن ربه لا يترك بشريته وحدها، وإنما يعصمه بقيوميته. وهذا ~~المعنى هو ما قصده أصحاب الرأي الأول: أن الرسول يطرأ عليه ما يطرأ على ~~البشر العادي، لكن تتدخل السماء لتعصمه ونحن نختار الرأي الآخر الذي ~~يقول أن تمنى بمعنى ود وأحب. ثم تختتم الآية بقوله تعالى: { والله ~~عليم حكيم } [الحج: 52] عليم بكيد الشيطان، وتدبيره، حكيم في علاج ~~هذا الكيد. ### || [22.53] # ولسائل أن يقول: إذا كان الله تعالى ينسخ ما يلقي الشيطان، فلماذا كان ~~الإلقاء بداية؟ جعل الله الإلقاء فتنة ليختبر الناس، وليميز من ~~ينهض بأعباء الرسالة، فهي مسئولية لا يقوم بها إلا من ينفذ من الفتن، ~~وينجو من إغراءات الشيطان، ويتخطى عقباته وعراقيله لذلك قال تعالى ~~عنهم: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]. وما تبوأتم هذه المنزلة إلا لأنكم أهل لحمل هذه ~~الأمانة، تمر بكم الفتن فتهزأون بها ولا تزعزعكم لذلك قال تعالى: { ~~ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في ~~قلوبهم مرض } [الحج: 53] أي: نفاق، فإن تعرض لفتنة انقلب على ~~وجهه. يقول كما يقولون: سحر وكذب وأساطير الأولين. وكذلك فتنة { ~~والقاسية قلوبهم } [الحج: 53] وهم الذين فقدوا لين القلب، فلم ~~ينظروا إلى الجميل عليهم في الكون خلقا وإيجادا وإمدادا، ولم ~~يعترفوا بفضل الله عليهم، ولم يستبشروا به ويأتوا إليه. ونحن نلحظ الولد ~~الصغير يأنس بأمه وأبيه، ويركن إليهما لأنه ذاق حنانهما، وتربى في ~~رعايتهما، فإن ربته مثلا المربية حتى في وجود أمه فإنه يميل إليها، ~~ويألف حضنها، ولا يلتفت لأمه، لماذا؟ لأنه نظر إلى الجميل، من أين أتاه، ~~ومن صاحب الفضل عليه فرق له قلبه، بصرف النظر من هو صاحب الجميل. ~~فهؤلاء طرأوا على كون الله، لا ms6679 حول لهم ولا قوة، فاستقبلهم بكل ~~ألوان الخير، ومع ذلك كانت قلوبهم قاسية متحجرة لا تعترف بجميل. ثم ~~يقول سبحانه: { وإن الظالمين لفي شقاق بعيد } [الحج: ~~53] فهم ظالمون أولا لأنفسهم حين نظروا إلى منفعة عاجلة قليلة، وتركوا ~~منفعة كبيرة دائمة. والشقاق: الخلاف، ومنه قولنا: هذا في شق، وهذا ~~في شق، يعني: غير ملتئمين، وليته شقاق هين يكون له اجتماع ~~والتئام، ليته كشقاق الدنيا بين الناس على عرض من أعراض الحياة، ~~إنما هم في شقاق بعيد. يعني: أثره دائم، وأثره فظيع. إذن: العلة الأولى ~~لما يلقي الشيطان أن يكون فتنة. أما العلة الثانية ففي قوله تعالى: { ~~وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ~~ربك... }. ### || [22.54] # قوله تعالى: { وليعلم الذين أوتوا العلم أنه ~~الحق من ربك } [الحج: 54] يعني: يتأكدوا تأكيدا واضحا أن هذا ~~هو الحق، مهما شوش عليه المشوشون، ومهما قالوا عنه: إنه سحر، أو ~~كذب، أو أساطير الأولين لأن الله سيبطل هذا كله، وسيقف أهل العلم والنظر ~~على صدق القرآن بما لديهم من حقائق ومقدمات واستدلالات يعرفون بها أنه ~~الحق. وما دام هو الحق الذي لم تزعزعه هذه الرياح الكاذبة فلا بد أن ~~يؤمنوا به { فيؤمنوا به } [الحج: 54] ثم يتبع هذا الإيمان عمل ~~وتطبيق { فتخبت له } [الحج: 54] يعني: تخشع وتخضع وتلين وتستكين. ~~ثم يقول سبحانه: { وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى ~~صراط مستقيم } [الحج: 54]. فمسألة كيد الشيطان وإلقائه لم تنته ~~بموت الرسول، بل هو قاعد لأمته من بعده فالشيطان يقعد لأمة محمد كلها، ~~ولكل من حمل عنه الدعوة. يقول تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ~~ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون # [الأنعام: 112]. يعني: دعهم جانبا فالله لهم بالمرصاد، فلماذا - إذن - ~~فعلوه؟ وما الحكمة؟ يقول تعالى: # وليمحص الله الذين آمنوا.. # [آل عمران: 141]. وقال: # ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة # [الأنعام: 113]. فمهمة الشيطان أن يستغل ضعاف الإيمان، ومن يعبدون ~~الله على حرف من أصحاب الاحتجاجات التبريرية الذين يريدون أن يبرروا ms6680 ~~لأنفسهم الانغماس في الشهوة والسير في طريق الشيطان، وهؤلاء يحلو لهم ~~الطعن في الدين، ويتمنون أن يكون الدين والقيامة والرب أوهاما لا حقيقة ~~لها، لأنهم يخافون أن تكون حقيقة، وأن يتورطوا بأعمالهم السيئة ونهايتهم ~~المؤلمة، فهم - إذن - يستبعدون القيامة ويقولون: # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون # [الصافات: 16]. لماذا؟ لأنه يريد أن يبرر سلوكه، إنه يريد أن يخرج ~~نفسه من ورطة، لا مخرج منها، وهؤلاء يتبعون كل ناعق، ويجرون وراء كل ~~شبهة في دين الله يتلقفونها ويرددونها، ومرادهم أن يهدموا الدين من ~~أساسه. نسمع من هؤلاء المسرفين على أنفسهم مثلا من يعترض على تحريم ~~الميتة وأكل الذبيحة، وهذا دليل على خميرة الشرك والكفر في نفوسهم، ولهم ~~حجج واهية لا تنطلي إلا على أمثالهم من الكفرة والمنافقين، وهذه مسألة ~~واضحة، فالموت غير القتل، غير الذبح. الموت: أن تخرج الروح أولا دون ~~نقض بنية الجسم، وبعد خروج الروح ينقض بناء الجسد، أما القتل فيكون ~~بنقض البنية أولا، ويترتب على نقض البنية خروج الروح، كأن يضرب ~~الإنسان أو الحيوان على رأسه مثلا، فيموت بعد أن اختل مخه وتهشم، ~~فلم يعد صالحا لبقاء الروح فيه. يقول تعالى: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل.. # [آل عمران: 144] إذن: فالموت غير القتل. وقد مثلنا لذلك بضوء ~~الكهرباء الذي نراه، والذي يسري في الأسلاك، ويظهر أثره في هذه اللمبات، ~~نحن لا نعرف حتى الآن كنه هذه الكهرباء وماهية هذا الضوء، إنما نراه ~~وننعم به، فإذا ما كسرت هذه اللمبة ينطفئ النور لأنها لم تعد صالحة ~~لاستقبال هذا النور، رغم أنه موجود في الأسلاك، إذن: لا يظهر نور ~~الكهرباء إلا في بنية سليمة لهذا الشكل الزجاجي المفرغ من الهواء. كذلك ~~الروح لا تسكن الجسم، ولا تبقى فيه إلا إذا كانت له مواصفات معينة، فإن ~~اختلت هذه المواصفات خرجت الروح من الجسد. أما الذبح فهو أيضا إزهاق ~~روح، لكن بأمر الله خالقها وبرخصة منه سبحانه، كأن يقتل إنسان في قصاص، ~~أو في قتال ms6681 مشروع، أو نذبح الحيوان الذي أحله الله لنا وأمرنا بذبحه، ~~ولولا أمر الله بذبحه ما ذبحناه، ولولا أن الله أحله ما أكلناه، بدليل ~~أننا لا نأكل ما لم يحل لنا من الحيوانات الأخرى. والذين يجادلون في ~~عملية الذبح الشرعية، ويزهقون أرواح الحيوان بالخنق مثلا غفلوا عن ~~الحكمة من الذبح: الذبح إراقة للدم، وفي الدم مواد ضارة بالإنسان يجب أن ~~يتخلص منها بتصفية دم ذبيحته لأن بها كمية من الدم الفاسد الذي لم يمر ~~على الكلية لتنقيه. فالمسلم حريص على أن يحمل منهج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وحريص على أن يسود هذا المنهج حركة الحياة، لكن لن يدعه ~~الشيطان يحقق هذه الأمنية، كما لم يدع رسوله صلى الله عليه وسلم من ~~قبل، فكيده وإلقاؤه لم ينته بموت الرسول، وإنما هو باق، وإلى أن ~~تقوم الساعة. لذلك يقول تعالى في الآية بعدها: { ولا يزال ~~الذين كفروا في مرية منه حتى... }. ### || [22.55] # قوله: { في مرية } [الحج: 55] يعني: في شك من هذا، لذلك قلنا: إن ~~أتباع رسوله صلى الله عليه وسلم مكلفون من الله بأن يكونوا امتدادا ~~لرسالته: # لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا.. # [البقرة: 143] شهداء أنكم بلغتم كما كان الرسول شهيدا عليكم، فكل ~~منا كأنه مبعوث من الله، وكما شهد رسول الله عليه أنه أبلغه، كذلك هو ~~يشهد أنه بلغ من بعد رسول الله لذلك جاءت هذه الآية للأمرين ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم، وتكونوا شهداء على الناس. والحق - سبحانه وتعالى - ~~حينما حملنا هذه الرسالة قال: ما دمتم امتدادا لرسالة الرسول، فلا ~~بد أن تتعرضوا لما تعرض له الرسول من استهزاء وإيذاء وإلقاء في ~~أمنياتكم، فإن صمدتم فإن الله تعالى ينسخ ما يلقي الشيطان، وينصر في ~~النهاية أولياءه، وسيظل الإسلام إلى أن تقوم الساعة، وسيظل هناك أناس ~~يعادون الدين ويشككون فيه، وسيظل الملحدون الذين يشككون الناس ~~في وجود الله يخرجون علينا من حين إلى آخر بما يتناقض ودين الله كقولهم: ~~إن هذا الكون خلق بالطبيعة، وترى وتسمع هذا الكلام في ms6682 كتاباتهم ~~ومقالاتهم. ولم يسلم العلم التجريبي من خرافاتهم هذه، فإن رأوا ~~الحيوان منسجما مع بيئته قالوا: لقد أمدته الطبيعة بلون مناسب وتكوين ~~مناسب لبيئته. وفي النبات حينما يقفون عند آية من آياته مثلا: # يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل.. # [الرعد: 4] يقولون: إن النبات يتغذى بعملية الانتخاب، يعني النبات هو ~~الذي ينتخب ويختار غذاءه، ففي التربة الواحدة وبالماء الواحد ينمو النبات ~~الحلو والمر والحمضي والحريف، فبدل أن يعترفوا لله تعالى بالفضل والقدرة ~~يقولون: الطبيعة وعملية الانتخاب. وقد تحدثنا مع بعض هؤلاء في فرنسا، ~~وحاولنا الرد عليهم وإبطال حججهم، وأبسطها أن عملية الانتخاب تحتاج إلى ~~إرادة واعية تميز بين الأشياء المنتخبة، فهل عند النبات إرادة ~~تمكنه من اختيار الحلو أو الحامض؟ وهل يميز بين المر والحريف؟ إنهم ~~يحاولون إقناع الناس بدور الطبيعة ليبعدوا عن الأذهان قدرة الله فيقولون: ~~إن النبات يتغذى بخاصية الأنابيب الشعرية يعني: أنابيب ضيقة جدا تشبه ~~الشعرة فسميت بها ، ونحن نعرف أن الشعرة عبارة عن أنبوبة مجوفة. وحين تضع ~~هذه الأنبوبة الضيقة في الماء، فإن الماء يرتفع فيها إلى مستوى أعلى لأن ~~ضغط الهواء داخل هذه الأنبوبة لضيقها أقل من الضغط خارجها لذا يرتفع ~~فيها الماء، أما إن كانت هذه الأنبوبة واسعة فإن الضغط بداخلها سيساوي ~~الضغط خارجها، ولن يرتفع فيها الماء. فقلنا لهم: لو أحضرنا حوضا به ~~سوائل مختلفة، مذاب بعضها في بعض، ثم وضعنا به الأنابيب الشعرية، هل ~~سنجد في كل أنبوبة سائلا معينا دون غيره من السوائل، أم سنجد بها ~~السائل المخلوط بكل عناصره؟ لو قمت بهذه التجربة فستجد السائل يرتفع نعم ~~في الأنابيب بهذه الخاصية، لكنها لا تميز بين عنصر وآخر، فالسائل واحد ~~في كل الأنابيب، وما أبعد هذا عن نمو النبات وتغذيته. # وصدق الله حين قال: # الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. إذن: ما أبعد هذه التفسيرات عن الواقع! وما أجهل ~~القائلين بها والمروجين لها! خاصة في عصر ارتقى فيه العلم، وتقدم ~~البحث، وتنوعت وسائلة في عصر استنارت فيه ms6683 العقول، واكتشفت أسرار ~~الكون الدالة على قدرة خالقه عز وجل، ومع ذلك لا يزال هناك مبطلون. والحق ~~سبحانه وتعالى يقول: { ولا يزال الذين كفروا في مرية ~~منه حتى تأتيهم الساعة بغتة.. } [الحج: 55]. فهم - ~~إذن - موجودون في أمة محمد إلى أن تقوم الساعة، وسنواجههم نحن كما ~~واجههم رسول الله، وسيظل الشيطان يلقي في نفوس هؤلاء، ويوسوس لهم، ~~ويوحي إلى أوليائه من الإنس والجن، ويضع العقبات والعراقيل ليصد الناس ~~عن دين الله. هذا نموذج من إلقاء الشيطان في مسألة القمة، وهي الإيمان ~~بالله. كما يلقي الشيطان في مسألة الرسول، فنجد منهم من يهاجم شخصية ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف وهو الأمي البدوي يقود أمة ~~ويتهمونه ويخوضون في حقه، وفي مسألة تعدد زوجاته صلى الله عليه ~~وسلم.. الخ مما يمثل عقبة في سبيل الإيمان به صلى الله عليه وسلم. ~~ونعجب لهجوم هؤلاء على رسول الله طالما هم كافرون به، إن هذا الهجوم يحمل ~~في طياته إيمانا بأنه رسول الله، وإلا لما استكثروا عليه ولما ~~انتقدوه، فلو كان شخصا عاديا ما تعرض لهذه الانتقادات. لذلك لا تناقش ~~مثل هؤلاء في مسألة الرسول، إنما في مسألة القمة، ووجود الإله، ثم الرسول ~~المبلغ عن هذا الإله، أما أن تخوض معهم في قضية الرسول بداية فلن ~~تصل معهم إلى حل لأنهم يضعون مقاييس الكمال من عندهم، ثم يقيسون ~~عليها سلوكيات رسول الله، وهذا وضع مقلوب، فالكمال نأخذه من الرسول ومن ~~فعله، لا نضع له نحن مقاييس الكمال. ثم يشككون بعد ذلك في الأحكام، ~~فيعترضون مثلا على الطلاق في الإسلام، وكيف نفرق بين زوجين؟ وهذا أمر ~~عجيب منهم، فكيف نجبر زوجين كارهين على معاشرة لا يبغونها، وكأنهما ~~مقترنان في سلسلة من حديد؟ كيف وأنت لا تستطيع أن تربط صديقا بصديق لا ~~يريده، وهو لا يراه إلا مرة واحدة في اليوم مثلا؟ فهل تستطيع أن تربط ~~زوجين في مكان واحد، وهما مأمونان على بعض في حال الكراهية؟ ويخيب ~~الله سعيهم، ويظهر بطلان هذه الأفكار، وتلجئهم أحداث الحياة ms6684 ~~ومشاكلها إلى تشريع الطلاق، حيث لا بديل عنه لحل مثل هذه المشاكل. ~~وقد ناقش هؤلاء كثيرا في قوله تعالى: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله # [التوبة: 33]. وفي قوله: # يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله ~~متم نوره ولو كره الكافرون # [الصف: 8] # ولو كره المشركون # [الصف: 9]. يقولون: ومع ذلك لم يتم الدين، ولا يزال الجمهرة العالمية في ~~الدنيا غير مؤمنين بالإسلام، يريدون أن يشككوا في كتاب الله. وهذا ~~القول منهم ناشىء عن عدم فهم للآية، ولمعنى # ليظهره # [التوبة: 33] فهي لا تعني أن ينتصر الإسلام على كل ما عداه انتصارا ~~يمحو المخالفين له. إنما يظهره يعني: يكتب له الغلبة بصدق حججه ~~وقضاياه على كره من الكافرين والمشركين، فهم - إذن - موجودون، لكن يظهر ~~عليهم، ويعلو دين الإسلام، ويضطرون هم للأخذ بقوانينه وتشريعاته حلا ~~لمشاكلهم، وكونهم يتخذون منه حلا لمشاكلهم وهم كافرون به أبلغ في ~~الرد عليهم لو آمنوا به، فلو آمنوا بالإسلام ما كان ليظهر عليهم ~~ويعلوهم. فما كنتم تشككون فيه وتقولون إنه ما كان يصدر من إله ولا من ~~رسول، فها هي الأيام قد عضتكم بأحداثها وتجاربها وألجأتكم إلى هذا الحكم ~~الذي تعارضونه، وها أنتم تشرعون بتشريع الإسلام وأنتم كافرون به، وهذا ~~دليل ظهوره عليكم. ومعنى { حتى تأتيهم الساعة بغتة } ~~[الحج: 55] يعني: فجأة، وقد تكلم العلماء في معنى الساعة: أهي يوم ~~القيامة، أم يوم يموت الإنسان؟ الساعة تشمل المعنيين معا، على اعتبار أن ~~من مات فقد قامت قيامته حيث انقطع عمله، وموت الإنسان يأتي فجأة، كما ~~أن القيامة تأتي فجأة، فهما - إذن - يستويان. لكن، إن كانت الساعة بغتة ~~تفجؤهم بأهوالها، فما العلامات الصغرى؟ وما العلامات الكبرى؟ أليست ~~مقدمات تأذن بحلول الساعة، وحينئذ لا تعد بغتة؟ قالوا: علامات الشيء ~~ليست هي إذن وجوده، العلامة تعني: قرب موعده فانتبهوا واستعدوا، أما ~~وقت حدوثه فلا يعلمه أحد، ولا بد أن يأتي بغتة رغم هذه المقدمات. ثم ~~يقول تعالى: { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم } [الحج: 55] ~~البعض اعتبر: { عذاب يوم عقيم } [الحج: 55] يعني ms6685 القيامة، ~~وبالتالي فالساعة تعني الموت، وآخرون يقولون: { عذاب يوم عقيم } ~~[الحج: 55] المراد يوم بدر الذي فصل الله فيه بين الحق والباطل. وهذا ~~اجتهاد يشكرون عليه، لكن لما نتأمل الآية: { ولا يزال الذين ~~كفروا في مرية منه.. } [الحج: 55] يعني: المرية مستمرة، لكن ~~بدرا انتهت، المرية ستظل إلى أن تقوم الساعة. ولا مانع أن تكون الساعة ~~بمعنى القيامة، واليوم العقيم أيضا هو يوم القيامة، فيكون المدلول ~~واحدا، لأن هناك فرقا بين زمن الحدث والحدث نفسه، فالساعة هي زمن يوجد ~~فيه الحدث وهو العذاب، فالساعة أولا ثم يأتي العذاب، مع أن مجرد قيام ~~الساعة في حد ذاته عذاب. ومعنى { عذاب يوم عقيم } [الحج: 55] ~~العقيم: الذي لا يلد، رجل كان أو امرأة، فلا يأتي بشيء بعده، ومنه قوله ~~تعالى عن سارة امرأة إبراهيم عليه السلام: # عجوز عقيم # [الذاريات: 29] وكذلك يوم القيامة يوم عقيم، حيث لا يوم بعده أبدا، فهي ~~نهاية المطاف على حد قول أحدهم: حبتهم به الدنيا وأدركها ~~العقم. أو { عقيم } [الحج: 55] بمعنى: أنها لا تأتي بخير، بل بشر، ~~كما في قوله تعالى: # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم * ما ~~تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # [الذاريات: 41-42]. ذلك لأن الريح حين تهب ينتظر منها الخير، إما ~~بسحابة ممطرة، أو تحريك لقاح الذكورة بالأنوثة # وأرسلنا الرياح لواقح.. # [الحجر: 22] أما هذه فلا خير فيها، ولا طائل منها، وليتها تقف عند عدم ~~النفع، ولكن تتعداه إلى جلب الضر # ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # [الذاريات: 42] فهي تدمر كل شيء تمر عليه. وكما جاء في قوله سبحانه: # فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا ~~هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح ~~فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها ~~فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم # [الأحقاف: 24-25]. فالمعنى - إذن - { عقيم } [الحج: 55] لا خير فيها ~~ولا نفع، بل فيها الشر والعذاب، أو عقيم يعني: لا يأتي يوم بعده لأنكم ~~تركتم دنيا الأغيار، وتقلب الأحوال حال بعد حال، فالدنيا تتقلب من فقر ms6686 ~~إلى غنى، ومن صحة إلى مرض، ومن صغر إلى كبر، ومن أمن إلى خوف، ~~وتتحول من صيف إلى شتاء، ومن حر إلى برد، ومن ليل إلى نهار.. وهكذا. أما ~~في الآخرة فقد انتقلتم من عالم الأغيار الذي يعيش بالأسباب إلى عالم آخر ~~يعيش مع المسبب سبحانه، وإلى يوم آخر لا يوم بعده، كأنه عقم أن يكون ~~له عقب من بعده أو مثيل له، كما لو حضرت حفلا مثلا قد استكمل ألوان ~~الكمال والنعم، فتقول: هذا حدث لا يتكرر يعني: عقيم لا يأتي بعده مثله. ~~وإذا كنت في الدنيا تعيش بالأسباب التي خلقها الله لك، فأنت في الآخرة ~~ستجلس مستريحا تتمتع بالمسبب عز وجل، ويكفي أن يخطر الشيء ~~ببالك، فتراه بين يديك ولأن القيامة لا أغيار فيها ولا تقلب، فسيظل ~~الجميع كل على حاله في سن واحدة، لا يشيب ولا يهرم، ولا يمرض ولا ~~يموت. ألا ترى إلى قوله تعالى في نساء الجنة: # إنآ أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن أبكارا * ~~عربا أترابا * لأصحاب اليمين # [الواقعة: 35-38]. والكاره لزوجته في الدنيا لأنها كانت تتعبه نقول له: ~~لا تقس زوجة الدنيا بزوجة الآخرة لأن الله تبارك وتعالى يقول: # لهم فيهآ أزواج مطهرة # [النساء: 57]. أي: مطهرة من كل ما كنت تكرهه فيها في الدنيا شكلا ~~وطبعا وخلقا، فأنت الآن في الآخرة التي لا يعكر نعيمها كدر. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { الملك يومئذ لله يحكم بينهم ~~فالذين آمنوا... }. ### || [22.56] # ولقائل أن يقول: أليس الملك لله يومئذ، وفي كل يوم؟ نعم، الملك لله ~~في الدنيا وفي الآخرة، لكن في الدنيا خلق الله خلقا وملكهم، وجعلهم ~~ملوكا من باطن ملكه تعالى، لكنه ملك لا يدوم، كما قال سبحانه: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير # [آل عمران: 26]. إذن: ففي الدنيا ملوك ملكهم الله أمرا من الأمور، ~~ففيها ملك للغير، أما في الآخرة فالملك لله تعالى وحده: # لمن الملك اليوم لله الواحد ms6687 القهار # [غافر: 16]. وفي القيامة { الملك يومئذ لله يحكم ~~بينهم.. } [الحج: 56] فقد رد الملك كله إلى صاحبه، وردت ~~الأسباب إلى مسببها. ومعنى { يحكم بينهم.. } [الحج: 56] أن ~~هناك خصومة بين طرفين، أحدهما على حق، والآخر على باطل، والفصل في ~~خصومات الدنيا تحتاج إلى شهود، وإلى بينة، وإلى يمين فيقولون في المحاكم: ~~البينة على المدعي واليمين على من أنكر، هذا في خصومات الدنيا، أما ~~خصومات الآخرة فقاضيها الحق - سبحانه وتعالى - الذي يعلم السر وأخفى، ~~فلا يحتاج إلى بينة ولا شهود ولا سلطة تنفذ ما حكم به. محكمة الآخرة ~~لا تحتاج فيها إلى محام، ولا تستطيع فيها أن تدلس على القاضي، أو ~~تؤجر شاهد زور، لا تستطيع في محكمة الآخرة أن تستخدم سلطتك الزمنية ~~فتنقض الحكم، أو تسقطه لأن الملك يومئذ لله وحدة، والحكم يومئذ لله ~~وحدة، هو سبحانه القاضي والشاهد والمنفذ، الذي لا يستدرك على حكمه أحد. ~~وما دام هناك حكومة، فلا بد أن تسفر عن محكوم له ومحكوم عليه، ~~ويوضحهما قوله تعالى: { فالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات في جنات النعيم } [الحج: 56]. وهؤلاء هم الفائزون ~~الذين جاء الحكم في صالحهم. ### || [22.57] # وهؤلاء هم الجبابرة وأصحاب السيادة في دنيا الكفر والعناد، والذين حكم ~~الله عليهم بالعذاب الذي يهينهم بعد عزتهم وسلطانهم في الدنيا، وتلحظ ~~أن العذاب يوصف مرة بأنه أليم، ومرة بأنه عظيم، ومرة بأنه مهين. ~~فالعذاب الأليم الذي يؤلم صاحبه، لكنه قد يكون لفترة ثم ينتهي، أما ~~العذاب العظيم فهو الدائم، والمهين هو الذي يذله ويدوس كرامته التي ~~طالما اعتز بها. وأنت تجد الناس يختلفون في تقبل ألوان العذاب: فمنهم ~~من لا يؤثر فيه الضرب الموجع ولا يحركه، لكن تؤلمه كلمة تجرح عزته ~~وكرامته. لذلك جاء العذاب هكذا ألوانا ليستوعب كل صنوف الملكات ~~النفسية، ويواجه كل نفس بما يؤلمها. ثم تكلم الحق سبحانه عن أمر كان ~~لا بد أن نعرفه، فالمسلمون الأوائل في مكة أخرجوا من ديارهم ~~وأبنائهم وأموالهم لأنهم قالوا: ربنا الله، ولا شك أن للوطن وللأهل ~~والبيئة التي نشأ فيها المرء أثرا ms6688 في ملكات نفسه، لا يمكن أن يمحى ~~بحال، فإن غاب عنه اشتاق إليه وتمنى العودة، وكما يقول الشاعر: # بلدي وإن جارت علي عزيزة # أهلي وإن ضنوا علي كرام # لذلك، فطالب العالم عندما يترك بلده إلى القاهرة يقولون: لا بد له ~~أن يرجع، ولو أن تعضه الأحداث والشدائد، فيعود ليطلب من أهله العون ~~والمساعدة، أو حتى يعود إليها في نهاية المطاف ليدفنوه في تراب بلده. ~~وقالوا: إن سيدنا سليمان - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - لما تفقد ~~الطير # فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغآئبين * ~~لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ~~ليأتيني بسلطان مبين # [النمل: 20-21] ذلك لأنه نبي، فالمسألة ليست جبروتا وتعذيبا، دون أن ~~يسمع منه. وقالوا: إن الطير سأل سليمان: كيف يعذب الهدهد؟ قال: أضعه في ~~غير بني جنسه، وفي غير المكان الذي يألفه، يعني: في غير موطنه. يقول ~~تعالى: { والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا ~~أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا... }. ### || [22.58] # وفي موضع آخر يقول تعالى: # الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن ~~يقولوا ربنا الله # [الحج: 40] هؤلاء تحملوا الكثير ، وتعبوا في سبيل عقيدتهم، فلا بد ~~أن يعوضهم الله عن هذه التضحيات، لذلك يقول هنا: { والذين ~~هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ~~ليرزقنهم الله رزقا حسنا } [الحج: 58] وأوضحنا أن ~~الموت غير القتل: الموت أن تخرج الروح دون نقض للبنية، أما القتل فهو ~~نقض للبنية يترتب عليه خروج الروح. { ليرزقنهم الله ~~رزقا حسنا.. } [الحج: 58] تعويضا لهم عما فاتوه في بلدهم من ~~أهل ومال، كما يعوض الحاكم العادل المظلوم فيعطيه أكثر مما أخذ منه ~~لذلك يقول سبحانه في موضع آخر: # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله.. # [النساء: 100]. لأن من قتل فقد فاز بالشهادة ونال إحدى الحسنيين، ~~أما من مات فقد حرم هذا الشرف لذلك فقد وقع أجره على الله، وما بالك ~~بأجر مؤديه ربك عز وجل؟ وكما لو أن رجلا متعبا يسير ليس معه شيء ms6689 ~~ولا يجد حتى من يقرضه، وفجأة سقطت رجله في حفرة فتكدر وقال: حتى ~~هذه؟! لكن سرعان ما وجد قدمه قد أثارت شيئا في التراب له بريق، فإذا هو ~~ذهب كثير وقع عليه بنفسه. ويروى أن فضالة حضرهم وهم يدفنون شهيدا، ~~وآخر مات غير شهيد، فرأوه ترك قبر الشهيد وذهب إلى قبر غير الشهيد، فلما ~~سألوه: كيف يترك قبر الشهيد إلى غير الشهيد؟ قال: والله ما أبالي في أي ~~حفرة منهما بعثت ما دام قد وقع أجري على الله، ثم تلا هذه الآية: # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله.. # [النساء: 100]. ثم يقول سبحانه: { وإن الله لهو خير ~~الرازقين } [الحج: 58] حين يصف الحق سبحانه ذاته بصفة، ثم تأتي ~~بصيغة الجمع، فهذا يعني أن الله تعالى أدخل معه الخلق في هذه الصفة، ~~كما سبق أن تكلمنا في قوله تعالى: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. فقد أثبت للخلق صفة الخلق، وأشركهم معه سبحانه في ~~هذه الصفة لأنه سبحانه لا يبخس عباده شيئا، ولا يحرمهم ثمرة مجهودهم، ~~فكل من أوجد شيئا فقد خلقه، حتى في الكذب قال # وتخلقون إفكا.. # [العنكبوت: 17]. لأن الخلق إيجاد من عدم، فأنت حين تصنع مثلا كوب ~~الماء من الزجاج أوجدت ما لم يكن موجودا، وإن كنت قد استخدمت المواد ~~المخلوقة لله تعالى، وأعملت فيها عقلك حتى توصلت إلى إنشاء شيء جديد ~~لم يكن موجودا، فأنت بهذا المعنى خالق حسن، لكن خلق ربك أحسن، فأنت ~~تخلق من موجود، وربك يخلق من عدم، وما أوجدته أنت يظل على حالته ويجمد ~~على خلقتك له، ولا يتكرر بالتناسل، ولا ينمو، وليست فيه حياة، أما خلق ~~ربك سبحانه فكما تعلم. # كذلك يقول سبحانه هنا: { وإن الله لهو خير الرازقين } ~~[الحج: 58] فأثبت لخلقه أيضا صفة الرزق، من حيث هم سبب فيه، لأن ~~الرزق: هو كل ما ينتفع به حتى الحرام يعد رزقا لذلك قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم.. # [البقرة: 172]. نقول: فالعبد سبب ms6690 في الرزق لأن الله تعالى هو خالق الرزق ~~أولا، ثم أعطاك إياه تنتفع به وتعمل فيه، وتعطي منه للغير، فالرزق منك ~~مناولة عن الرازق الأول سبحانه، فأنت بهذا المعنى رازق وإن كرهوا أن ~~يسمى الإنسان رازقا، رغم قوله تعالى: { وإن الله لهو ~~خير الرازقين } [الحج: 58] لماذا؟ قالوا: حتى لا يفهم أن الرزق ~~من الناس. لذلك نسمع كثيرا من العمال البسطاء، أو موظفا صغيرا، أو ~~بواب عمارة مثلا حين يفصله صاحب العمل، يقول له: يا سيدي الأرزاق بيد ~~الله. كيف وقد كنت تأخذ راتبك من يده ومن ماله؟ قالوا: لأنه نظر إلى ~~المناول الأول للرزق، ولم ينظر إلى المناول الثاني. أما الرزق الحسن ~~الذي أعده الله للذين هاجروا في سبيله، فيوضحه سبحانه في قوله: { ~~ليدخلنهم مدخلا يرضونه... }. ### || [22.59] # لأن الرزق قد يكون حسنا لكنه لا يرضي صاحبه، أما رزق الله لهؤلاء فقد ~~بلغ رضاهم، والرضا: هو اقتناع النفس بشيء تجد فيه متعة، بحيث لا تستشرف ~~إلى أعلى منه، ولا تبغي أكثر من ذلك. لذلك بعد أن ينعم أهل الجنة ~~بنعيمها، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ~~بعدها يتجلى الحق - سبحانه - عليهم فيقول لعباده المؤمنين: يا عبادي ~~أرضيتم؟ فيقولون: وكيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من ~~العالمين؟ قال: ألا أعطيكم أفضل من هذا؟ قالوا: وهل شيء أفضل مما نحن ~~فيه؟ قال: نعم، أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا. ومن ذلك ~~قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5]. وقوله تعالى: # يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك ~~راضية مرضية # [الفجر: 27-28]. يبالغ في الرضا، حيث يتعداك الرضا إلى أن تكون عيشتك ~~نفسها راضية، وكأنها تعشقك هي، وترضى بك. ثم يقول سبحانه: { وإن ~~الله لعليم حليم } [الحج: 59]. عليم: بما يستحقه كل إنسان عند ~~الحساب من النعيم، ثم يزيد من يشاء من فضله، فليس حساب ربك في الآخرة ~~كحسابكم في الدنيا، إنما حسابه تعالى بالفضل لا بالعدل. وحليم: يحلم ms6691 على ~~العبد إن أساء، ويتجاوز للصالحين عن الهفوات، فإن خالط عملك الصالح ~~سوء، وإن خالفت منهج الله في غفلة أو هفوة، فلا تجعل هذا يعكر صفو ~~علاقتك بربك أو ينغص عليك طمأنينة حياتك لأن ربك حليم سيتجاوز عن مثل ~~هذا على حد قولهم حبيبك يبلع لك الزلط. لذلك # " لما وشى أحد المؤمنين للكفار في فتح مكة، وهم عمر أن يقتله فنهاه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: ~~افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم ". # ويكفي أنهم خرجوا بأنفسهم واقتحموا معركة غير متكافئة في العدد ~~والعدة، ألا نذكر لهم هذا الموقف؟ ألم يقل الحق سبحانه: # إن الحسنات يذهبن السيئات.. # [هود: 114] ومن ابتلي بشيء يضعف أمامه، فليكن قويا فيما يقدر عليه، ~~وإن غلبك الشيطان في باب من أبواب الشر فشمر له أنت في أبواب الخير، ~~فإن هذا يعوض ذاك. ثم يقول الحق سبحانه: { ذلك ومن عاقب ~~بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه... }. ### || [22.60] # { ذلك } يعني: هذا الأمر الذي تحدثنا فيه قد استقر، وإليك هذا الكلام ~~الجديد { ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي ~~عليه لينصرنه.. } [الحج: 60]. الحق - سبحانه وتعالى - خلق ~~الإنسان وجعل فيه ملكات مختلفة ليؤدي خلافته في الأرض بحركات متوازنة، ~~فخلق لنا عواطف وجعل لها مهمة، هذه العواطف لا يحكمها قانون. وخلق لنا ~~أيضا غرائز ولها مهمة، لكن محكومة بقانون تعلية الغرائز عند الخلق، ~~فإياك أن تتعدى بغريزتك إلى غير المهمة التي خلقها الله لها. فمثلا، ~~غريزة حب الطعام جعلها الله فيك لاستبقاء الحياة، فلا تجعلها غرضا ~~أصيلا لذاتها، فتأكل لمجرد أن تلتذ بالأكل لأنها لذة وقتية تعقبها ~~آلام ومتاعب طويلة. وهذه الغريزة جعلها الله في النفس البشرية منضبطة ~~تماما كما تضبط المنبة مثلا، فحين تجوع تجد نفسك تاقت للطعام وطلبته، ~~وإن عطشت مالت نفسك نحو الماء، وكأن بداخلك جرسا ينبهك إلى ما ~~تحتاجه بنيتك من مقومات استبقائها. حب الاستطلاع غريزة جعلها الله فيك ~~لتنظر بها وتستطلع ما في الكون ms6692 من أسرار دالة على قدرة الله وعظمته، فلا ~~تتعدى هذا الغرض، ولا تحرك هذه الغريزة إلى التجسس على الخلق ~~والوقوف على أسرارهم. التناسل غريزة جعلها الله لحفظ النوع، فلا ينبغي ~~أن تتعدى ما جعلت له إلى ما حرم الله. الغضب غريزة وانفعال قسري لا ~~تختاره بعقلك تغضب أو لا تغضب، إنما إن تعرضت لأسبابه فلا تملك إلا أن ~~تغضب، ومع ذلك جعل له حدودا وقنن له وأمر فيه بضبط النفس وعدم النزوع. ~~الحب والكره غريزة وعاطفة لا تخضع لقانون، ولا يحكمها العقل، فلك أن ~~تحب وأن تكره، لكن إياك أن تتعدى هذه العاطفة إلى عمل عقلي ونزوع ~~تعتدي به أو تظلم. لذلك يقول تعالى: # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا.. # [المائدة: 8]. لأن هذه المسألة لا يحكمها قانون، وليس بيدك الحب أو ~~الكره لذلك لما قابل سيدنا عمر قاتل أخيه قال له عمر: أدر وجهك عني ~~فإني لا أحبك. وكان الرجل عاقلا فقال لسيدنا عمر: أو عدم حبك لي ~~يمنعني حقا من حقوقي؟ قال عمر: لا، فقال الرجل: إنما يبكي على الحب ~~النساء. يعني أحب أو اكره كما شئت، لكن لا تتعد ولا تحرمني حقا ~~من حقوقي. فهل وقفنا بالغرائز عند حدودها وأهدافها؟ لو تأملت مثلا ~~الغريزة الجنسية التي يصفها البعض بملء فيه يقول: غريزة بهيمية.. ~~سبحان الله ألا تستحي أن تظلم البهائم لمجرد أنها لا تتكلم، وهي أفهم ~~لهذه الغريزة منك، ألا تراها بمجرد أن يخصب الذكر أنثاه لا يقربها ~~أبدا، وهي لا تمكنه من نفسها إذا ما حملت، في حين أنك تبالغ في هذه ~~الغريزة، وتنطلق فيها انطلاقا يخرجها عن هدفها والحكمة منها؟ على مثل ~~هذا أن يخزى أن يقول مثل هذه المقولة، وألا يظلم البهائم، فمن الناس ~~من هم أدنى من البهائم بكثير. # وما يقال عن غريزة الجنس في الحيوان يقال كذلك في الطعام والشراب. إذن: ~~الخالق سبحانه خلق الغرائز فيك، ولم يكبتها، وجعل لها منافذ شرعية لتؤدي ~~مهمتها في حياتك لذلك أحاطها بسياج من التكليف ينظمها ms6693 ويحكمها حتى لا ~~تشرد بك، فقال مثلا في غريزة الطعام والشراب: # يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا.. # [الأعراف: 31]. وقال في غريزة حب الاستطلاع: # ولا تجسسوا.. # [الحجرات: 12] وهكذا في كل غرائزك تجد لها حدودا يجب عليك ألا ~~تتعداها. لذلك قلنا في صفات الإيمان وفي صفات الكفر أن الله تعالى يصف ~~المؤمنين بأنهم # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم.. # [الفتح: 29] لأنهم يضعون كل غريزة في موضعها فالشدة مع الأعداء، والرحمة ~~مع إخوانهم المؤمنين، ويقف عند هذه الحدود لا يقلب مقاييسها، ويلتزم بقول ~~الحق سبحانه وتعالى: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.. # [المائدة: 54]. وكأن الخالق عز وجل يسوينا تسوية إيمانية، فالمؤمن لم ~~يخلق عزيزا ولا ذليلا، إنما الموقف هو الذي يضعه في مكانه المناسب، ~~فهو عزيز شامخ مع الكفار، وذليل منكسر متواضع مع المؤمنين. ويتفرع عن ~~هذه المسألة مسألة رد العقوبة إذا اعتدي عليك: { ومن عاقب ~~بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه ~~الله.. } [الحج: 60]. الحق - سبحانه وتعالى - هو خالق النفس البشرية، ~~وهو أعلم بنوازعها وخلجاتها لذلك أباح لك إن اعتدى عليك أن ترد ~~الاعتداء بمثله، حتى لا يختمر الغضب في نفسك، وقد ينتج عنه ما هو أشد ~~وأبلغ في رد العقوبة، يبيح لك الرد بالمثل لتنتهي المسألة عند هذا الحد ~~ولا تتفاقم، فمن ضربك ضربة فلك أن تنفس عن نفسك وتضربه مثلها، لك ~~ذلك، لكن تذكر المثلية هنا، لا بد أن تكون تامة، كما قال سبحانه في ~~موضع آخر: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. # [النحل: 126]. وهل تستطيع أن تضبط هذه المثلية فترد الضربة بمثلها؟ وهل ~~قوتك كقوته، وحدة انفعالك في الرد كحدة انفعاله؟ ولو حدث وزدت في ~~ردك نتيجة غضب، ماذا تفعل؟ أتسمح له أن يرد عليك هذه الزيادة؟ أم ~~تكون أنت ظالما معتديا؟ إذن: ماذا يلجئك لمثل هذه المتاهة، ولك في ~~التسامح سعة، وفي قول الله بعدها: # ولئن صبرتم لهو خير للصابرين # [النحل: 126] مخرج من هذا الضيق؟ وسبق أن حكينا قصة المرابي اليهودي ~~الذي ms6694 قال لطالب الدين: إن تأخرت في السداد أشترط عليك أن آخذ رطلا ~~من لحمك. وجاء وقت السداد ولم يوف المدين، فرفعه الدائن إلى القاضي ~~وأخبره بما اشترطه عليه، فقال القاضي: نعم من حقك أن تأخذ رطلا من لحمه ~~لكن بضربة واحدة بالسكين تأخذ رطلا، إن زاد أو نقص أخذناه منك. # إذن: مسألة المثلية هنا عقبة تحد من ثورة الغضب، وتفتح بابا ~~للارتقاءات الإيمانية، فإن كان الحق سبحانه سمح لك أن تنفس عن نفسك ~~فقال: # وجزآء سيئة سيئة مثلها.. # [الشورى: 40] فإنه يقول لك: لا تنس العفو والتسامح # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. لذلك، فالآية التي معنا تلفتنا لفتة إيمانية: { ~~ومن عاقب بمثل ما عوقب به.. } [الحج: 60] واحدة بواحدة { ~~ثم بغي عليه.. } [الحج: 60] يعني: زاده بعد أن رد العدوان ~~بمثله وظلمه واعتدى عليه { لينصرنه الله.. } [الحج: 60] ينصره ~~على المعتدي الذي لم يرتض حكم الله في رد العقوبة بمثلها. وتلحظ في ~~قوله تعالى مخايل النصر بقوله { إن الله لعفو غفور } ~~[الحج: 60] مع أن الصفة التي تناسب النصرة أن يقول قوي عزيز لأن ~~النصرة تحتاج قوة وتحتاج عزة، لكنه سبحانه اختار صفة العفو والمغفرة ~~ليلفت نظر من أراد أن يعاقب إلى هذه الارتقاءات الإيمانية: اغفر وارحم ~~واعف لأن ربك عفو غفور، فاختار الصفة التي تحنن قلب المؤمن على أخيه ~~المؤمن. ثم أليس لك ذنب مع الله؟ # ألا تحبون أن يغفر الله لكم.. # [النور: 22] فما دمت تحب أن يغفر الله لك فاغفر لعباده، وحين تغفر ~~لمن يستحق العقوبة تأتي النتيجة كما قال ربك عز وجل: # فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم # [فصلت: 34]. فالحق سبحانه يريد أن يشيع بيننا الصفاء النفسي والتلاحم ~~الإيماني، فأعطاك حق رد العقوبة بمثلها لتنفس عن نفسك الغيظ، ثم ~~دعاك إلى العفو والمغفرة. ثم يقول الحق سبحانه: { ذلك بأن الله ~~يولج الليل في النهار ويولج... }. ### || [22.61] # { ذلك.. } [الحج: 61] يعني ما قلته لك سابقا له دليل، فما هو؟ أن ~~الله يأخذ من القوي ويعطي للضعيف، ويأخذ ms6695 من الطويل ويعطي للقصير، ~~فالمسألة ليست ثابتة أو ميكانيكا وإنما خلقها الله بقدر. والليل والنهار ~~هما ظرفا الأحداث التي تفعلونها، والحق سبحانه { يولج الليل في ~~النهار ويولج النهار في الليل.. } [الحج: 61]. يولج ~~الليل يعني: يدخل الليل على النهار، فيأخذ منه جزءا جزءا فيطول ~~الليل ويقصر النهار، ثم يدخل النهار على الليل فيأخذ منه جزءا ~~جزءا، فيطول النهار ويقصر الليل لذلك نراهما لا يتساويان، فمرة ~~يطول الليل في الشتاء مثلا، ويقصر النهار، ومرة يطول النهار في الصيف، ~~ويقصر الليل. فزيادة أحدهما ونقص الآخر أمر مستمر، وأغيار متداولة ~~بينهما. وإذا كانت الأغيار في ظرف الأحداث، فلا بد أن تتغير الأحداث ~~نفسها بالتالي، فعندما يتسع الظرف يتسع كذلك الخير فيه، فمثلا عندنا في ~~المكاييل: الكيلة والقدح والويبة وعندنا الأردب، وكل منهما يسع من ~~المحتوى على قدر سعته. وهكذا كما نزيد أن ننقص في ظرف الأحداث نزيد وننقص ~~في الأحداث نفسها. ثم تذيل الآية بقوله سبحانه: { وأن الله ~~سميع بصير } [الحج: 61] سميع لما يقال، بصير بما يفعل، فالقول ~~يقابله الفعل، وكلاهما عمل، والبعض يظن أن العمل شيء والقول شيء آخر، لا ~~لأن العمل وظيفة الجارحة، فكل جارحة تؤدي مهمتها فهي تعمل، عمل العين ~~أن ترى، وعمل الأذن أن تسمع، وعمل اليد أن تلمس، وعمل الأنف أن يشم، ~~وكذلك عمل اللسان القول، فالقول للسان وحده، والعمل لباقي الجوارح ~~وكلاهما عمل، فدائما نضع القول مقابل الفعل، كما في قوله تعالى: # لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2]. والسمع والبصر هما الجارحتان الرئيسيتان في الإنسان، وهما ~~عمدة الحواس كلها، حيث تعملان باستمرار على خلاف الشم مثلا، أو التذوق ~~الذي لا يعمل إلا عدة مرات في اليوم كله. ### || [22.62] # { ذلك.. } [الحج: 62] أي الكلام السابق أمر معلوم انتهينا منه { ~~بأن الله هو الحق.. } [الحج: 62] والحق هو الشيء الثابت ~~الذي لا يتغير أبدا، فكل ما سوى الله - عز وجل - يتغير، وهو سبحانه ~~الذي يغير ولا يتغير ولذلك أهل المعرفة يقولون: إن الله تعالى لا ~~يتغير من أجلكم، لكن يجب عليكم أن ms6696 تتغيروا أنتم من أجل الله. وما دام أن ~~ربك - عز وجل - هو الحق الثابت الذي لا يتغير، وما عداه يتغير، فلا تحزن، ~~ويا غضبان ارض، ويا من تبكي اضحك واطمئن لأنك ابن أغيار، وفي دنيا ~~أغيار لا تثبت على شيء لذلك فالإنسان يغضب إذا أصيب بعقبة في حياته ~~يقول: لو لم تكن هذه!! نقول له: وهل تريدها كاملة؟ لا بد أن يصيبك ~~شيء لأنك ابن أغيار، فماذا تنتظر إن وصلت إلى القمة لا بد أن ~~تتراجع لأنك ابن أغيار دائم التقلب في الأحوال، وربك وحده هو الثابت ~~الذي لا يتغير. ثم يقول سبحانه: { وأن ما يدعون من دونه ~~هو الباطل.. } [الحج: 62] كل ما تدعيه أو تعبده من دون الله هو ~~الباطل، يعني الذي يبطل، كما جاء في قوله تعالى: # إن الباطل كان زهوقا # [الإسراء: 81] يعني: يزول ولا يثبت أبدا { وأن الله هو ~~العلي الكبير } [الحج: 62] العلي يعني: كل خلقه دونه. وكبير ~~يعني: كل خلقه صغير. ومن أسمائه تعالى { الكبير } [الحج: 62] ولا ~~نقول أكبر إلا في الأذان، وفي افتتاح الصلاة، والبعض يظن أن أكبر أبلغ في ~~الوصف من كبير، لكن هذا غير صحيح لأن أكبر ما دونه كبير، إنما كبير ~~مقابله صغير، فهو سبحانه الكبير لأن ما دونه وما عداه صغير. أما حين ~~يناديك ويستدعيك لأداء فريضة الله يقول: الله أكبر لأن حركة الحياة ~~وضروريات العيش عند الله أمر كبير وأمر هام لا يغفل، لكن إن كانت حركة ~~الحياة والسعي فيها أمر كبيرا فالله أكبر، فربك يخرجك للصلاة من عمل، ~~ويدعوك بعدها إلى العمل: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله.. # [الجمعة: 10]. ثم يقول الحق سبحانه: { ألم تر أن الله ~~أنزل من السمآء مآء... }. ### || [22.63] # { ألم تر.. } [الحج: 63] إن كانت للأمر الحسي الذي تراه العين، ~~فأنت لم تره وننبهك إليه، وإن كانت للأمر الذي لا يدرك بالعين فهي ~~بمعنى: ألم تعلم. وتركنا العلم إلى الرؤية لنبين لك أن الذي يعلمك ~~الله به أوثق مما تهديك إليه عينك. فالمعنى: ms6697 ألم تعلم وألم تنظر؟. ~~المعنيان معا. { ألم تر أن الله أنزل من السمآء ~~مآء.. } [الحج: 63] فهذه آية تراها، لكن ترى منها الظاهر فقط، فترى ~~الماء ينهمر من السماء، إنما كيف تكون هذا الماء في طبقات الجو؟ ولماذا ~~نزل في هذا المكان بالذات؟ هذه عمليات لم ترها، وقدرة الله تعالى ~~واسعة، ولك أن تتأمل لو أردت أن تجمع كوب ماء واحد من ماء البخار، وكم ~~يأخذ منك من جهد ووقت وعمليات تسخين وتبخير وتكثيف، فهل رأيت هذه ~~العمليات في تكوين المطر؟ إذن: رأيت من المطر ظاهره، لذلك يلفتك ربك إلى ~~ما وراء هذا الظاهر لتتأمله. لذلك جعل الخالق - عز وجل - مسطح الماء ~~ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، فاتساع مسطح الماء يزيد من البخر الذي ~~ينشره الله تعالى على اليابس، كما لو وضعت مثلا كوب ماء في غرفتك، ~~وتركته مدة شهر أو شهرين، ستجد أنه ينقص مثلا سنتيمترا، أما لو نثرت ~~الكوب على أرض الغرفة فسوف يجف بعد دقائق. إذن: فاتساع رقعة الماء يزيد ~~من كمية البخار المتصاعد منها، ونحن على اليابس نحتاج كمية كبيرة من ~~الماء العذب الصالح للزراعة وللشرب.. الخ، ولا يتوفر هذا إلا بكثرة ~~كمية الأمطار. ثم يبين سبحانه نتيجة إنزال الماء من السماء: { ~~فتصبح الأرض مخضرة.. } [الحج: 63] يعني: تصير بعد وقت قصير ~~خضراء زاهية. دون أن يذكر شيئا عن تدخل الإنسان في هذه العملية، ~~فالإنسان لم يحرث ولم يبذر ولم يرو، إنما المسألة كلها بقدرة الله، لكن ~~من أين أتت البذور التي كونت هذا النبات؟ ومن بذرها ووزعها؟ ~~البذور كانت موجودة في التربة حية كامنة لم يصبها شيء، وإن مر ~~عليها الزمن لأن الله تعالى يحفظها إلى أن تجد الماء وتتوفر لها عوامل ~~الإنبات فتنبت لذلك نسمي هذا النبات العذى لأنه خرج بقدرة الله لا ~~دخل لأحد فيه. وتولت الرياح نقل هذه البذور من مكان لآخر، كما قال ~~تعالى: # وأرسلنا الرياح لواقح.. # [الحجر: 22] ولو سلسلت هذه البذرة ستجدها من شجرة إلى شجرة حتى تصل ~~إلى شجرة أم، خلقها الخالق ms6698 سبحانه لا شجرة قبلها ولا بذرة. لذلك ~~يروى أن يوسف النجار وكان يرعى السيدة مريم عليها السلام ويشرف عليها، ~~ويقال كان خطيبها - لما رآها حاملا وليس لها زوج سألها بأدب: يا مريم، ~~أتوجد شجرة بلا بذرة؟ قالت: نعم الشجرة التي أنبتت أول بذرة. # ثم يقول سبحانه: { إن الله لطيف خبير } [الحج: 63] اللطف ~~هو دقة التناول للأشياء، فمثلا حين تريد أن تدخل خيطا في إبرة، تجد ~~الخيط لا ينفذ من ثقبها لأول مرة، فتحاول أن ترفق من طرف الخيط ~~وتبرمه حتى يدق فينفذ من الثقب، فالخيط بعد أن كان غليظا أصبح لطيفا ~~دقيقا. ويقولون: الشيء كلما لطف عنف، في حين يظن البعض أن الشيء ~~الكبير هو القوي، لكن هذا غير صحيح، فكلما كان الشيء لطيفا دقيقا كان ~~خطره أعظم، ألا ترى الميكروب كيف يصيب الإنسان وكيف لا نشعر به ولا نجد ~~له ألما؟ ذلك لأنه دقيق لطيف، وكذلك له مدخل لطيف لا تشعر به لأنه من ~~الصغر بحيث لا تراه بالعين المجردة. والبعوضة كم هي هينة صغيرة لذلك ~~تؤلمك لدغتها بخرطومها الدقيق الذي لا تكاد تراه، وكلما دق الشيء ~~احتاج إلى احتياط أكثر لتحمي نفسك من خطره، فمثلا إن أردت بناء بيت في ~~الخلاء أو منطقة نائية، فإنك ستضطر أن تضع حديدا على الشبابيك يحميك من ~~الحيوانات المفترسة كالذئاب مثلا، ثم تضع شبكة من السلك لتحميك من ~~الفئران، فإن أردت أن تحمي نفسك من الذباب والبعوض احتجت إلى سلك ~~أدق، وهكذا كلما صغر الشيء ولطف احتاج إلى احتياط أكثر. فاللطيف هو ~~الذي يدخل في الأشياء بلطف لذلك يقولون: فلان لطيف المدخل يعني: يعني: ~~يدخل لكل إنسان بما يناسبه، ويعرف لكل إنسان نقطة ضعف يدخل إليه منها، ~~كأن معه طفاشة للرجال، يستطيع أن يفتح بها أي شخصية. لكن، ما علاقة قوله ~~تعالى { إن الله لطيف خبير } [الحج: 63] بعد قوله: { ~~فتصبح الأرض مخضرة.. } [الحج: 63]؟ قالوا: لأن عملية ~~الإنبات تقوم على مسام وشعيرات دقيقة تخرج من البذرة بعد الإنبات، ~~وتمتص الغذاء من التربة، هذه ms6699 الشعيرات الجذرية تحتاج إلى لطف، وامتصاص ~~الغذاء المناسب لكل نوع يحتاج إلى خبرة، كما قال تعالى: # يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في ~~الأكل.. # [الرعد: 4]. فالأرض تصبح مخضرة من لطف الحق سبحانه، ومن خبرته في ~~مداخل الأشياء، لذلك قال بعدها: { إن الله لطيف خبير } ~~[الحج: 63]. ولدقة الشعيرات الجذرية نحرص ألا تعلو المياه الجوفية في ~~التربة لأنها تفسد هذه الشعيرات فتتعطن وتموت فيصفر النبات ويموت. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { له ما في السماوات وما في الأرض ~~وإن الله... }. ### || [22.64] # فما في السماوات وما في الأرض ملك لله تعالى، ومع ذلك لا ينتفع منها ~~الحق سبحانه بشيء، إنما خلقها لمنفعة خلقه، وهو سبحانه غني عنها ~~وغني عنهم، وبصفات الكمال فيه سبحانه خلق ما في السماوات وما في الأرض ~~لذلك قال بعدها: { وإن الله لهو الغني الحميد } ~~[الحج: 64]. وصفات الكمال في الله تعالى موجودة قبل أن يخلق الخلق، ~~وبصفات الكمال خلق، وملكيته تعالى للسماوات وللأرض، ولما فيهما ملكية ~~للظرف وللمظروف، ونحن لا نملك السماوات، ولا نملك الأرض، إنما نملك ما ~~فيهما من خيرات ومنافع مما ملكنا الله له، فهو الغني سبحانه، المالك لكل ~~شيء، وما ملكنا إلا من باطن ملكه. والحميد: يعني المحمود، فهو غني ~~محمود لأن غناه لا يعود عليه سبحانه، إنما يعود على خلقه، فيحمدونه ~~لغناه، لا يحقدون عليه، ومن العجيب أن الحق سبحانه يملك خلقه من ~~ملكه، فمن استخدم النعمة فيما جعلت له، ومن أعطى غير القادر من ~~نعمة الله عليه يشكر الله له، وهي في الأصل نعمته. ذلك لأنك أنت عبده، ~~وقد استدعاك للوجود، وعليه سبحانه أن يتولاك ويرعاك. فإن احتاج غير ~~القادر منك شيئا، قال تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا.. # [البقرة: 245]. فاعتبره قرضا، وهو ماله، لكنه ملكك إياه لذلك لا يسلبه ~~منك إنما يأخذه قرضا حسنا ويضاعفه لك لأنه غني حميد أي: محمود، ولا ~~يكون الغنى محمودا إلا إذا كان غير الغني مستفيدا من غناه. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ألم تر أن الله سخر ms6700 لكم ما في ~~الأرض والفلك تجري في البحر بأمره... }. ### || [22.65] # هذه الآية امتداد للآية السابقة، فما في السماء وما في الأرض ملك له ~~سبحانه لكنه سخره لمنفعة خلقه، فإن سأل سائل: فلماذا لا يجعلها الله ~~لنا ويملكنا إياها؟ نقول: لأن ربك يريد أن يطمئنك أنه لن يعطيها لأحد ~~أبدا، وستظل ملكا لله وأنت تنتفع بها، وهل تأمن إن ملكها الله ~~لغيره أن يتغير لك ويحرمك منها؟ فأمنك في أن يظل الملك لله وحده ~~لأنه ربك ومتوليك، ولن يتغير لك، ولن يتنكر في منفعتك. وقوله تعالى: { ~~والفلك تجري في البحر بأمره.. } [الحج: 65] الفلك: ~~السفن، تطلق على المفرد وعلى الجمع، تجري في البحر بأمره تعالى، فتسير ~~السفن بالريح حيث أمرها الله، كما قال سبحانه: # وتصريف الرياح.. # [البقرة: 164] وهذه لا يملكها ولا يقدر عليها إلا الله، وقال في آية ~~أخرى: # إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره.. # [الشورى: 33]. وتأمل دقة الأداء القرآني من الله الذي يعلم ما كان، ~~ويعلم ما يكون، ويعلم ما سيكون، فلقائل الآن أن يقول: لم نعد في حاجة ~~إلى الريح تسير السفن، أو توجهها لأنها أصبحت تسير الآن بآلات ~~ومحركات، نعم السفن الآن تسير بالمحركات، لكن للريح معنى أوسع من ذلك، ~~فالريح ليست هذه القوة الذاتية التي تدفع السفن على صفحة الماء، إنما ~~الريح تعني القوة في ذاتها، أيا كانت ريحا أم بخارا أم كهرباء أم ~~ذرة.. إلخ. بدليل قوله تعالى: # ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.. # [الأنفال: 46] يعني: تذهب قوتكم أيا كانت هذه القوة حتى الصياد الذي ~~يركب البحر بقارب صغير يسيره بالمجاديف بقوة يده وعضلاته هي أيضا ~~قوة، لا تخرج عن هذا المعنى. وهكذا يظل معنى الآية صالحا لكل زمان ولكل ~~مكان، وإلى أن تقوم الساعة. والريح إن أفردت دلت على حدوث شر ~~وضرر، كما في قوله تعالى: # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # [الذاريات: 41]. وقوله: # وتذهب ريحكم.. # [الأنفال: 46]. وقوله: # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم # [الأحقاف: 24]. وإن جاءت بصيغة الجمع دلت على ms6701 الخير، كما في قوله ~~تعالى: # وأرسلنا الرياح لواقح.. # [الحجر: 22]. وسبق أن تحدثنا عن مهمة الريح في تماسك الأشياء وقيامها ~~بذاتها، فالجبل الأشم الذي تراه ثابتا راسخا إنما ثبت بأثر الريح ~~عليه، وإحاطته به من كل جانب، بحيث لو فرغ الهواء من أحد جوانب الجبل ~~لانهار، وهذه هي الفكرة التي قامت عليها القنبلة، فالهواء هو الذي يقيم ~~المباني والعمارات ويثبتها لأنه يحيطها من كل جانب، فيحدث لها هذا ~~التوازن، فإن فرغ من أحد الجوانب ينهار المبنى. ثم يقول سبحانه: { ~~ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.. } ~~[الحج: 65] فالسماء مرفوعة فوقنا بلا عمد، لا يمسكها فوقنا إلا الله ~~بقدرته وقيوميته أن تقع على الأرض إلا بإذنه تعالى، كما قال في آية ~~أخرى: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده.. # [فاطر: 41]. { إن الله بالناس لرءوف رحيم } [الحج: ~~65] فمن صفاته تعالى الرأفة والرحمة، والفهم السطحي لهاتين الصفتين يرى ~~أنهما واحد، لكن هما صفتان مختلفتان، فالرأفة تزيل الآلام، والرحمة تزيد ~~الإنعام، والقاعدة أن درء المفسدة مقدم دائما على جلب المصلحة، ~~فربك يرأف بك فيزيل عنك أسباب الألم قبل أن يجلب لك نفعا برحمته. وسبق ~~أن أوضحنا هذه المسألة بمثل: قلنا هب أن واحدا يرميك بحجر، وآخر يرمي ~~لك تفاحة، فأيهما يشغلك أولا؟ لا شك ستشغل بالحجر، كيف تقي نفسك من ~~ضرره ثم تحاول أن تنال هذه التفاحة؟ لذلك قال تعالى: # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها ~~من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى.. # [النحل: 61]. ثم يقول سبحانه: { وهو الذي أحياكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم... }. ### || [22.66] # الحق - تبارك وتعالى - يذكرنا ببعض نعمه وببعض العمليات التي لو ~~تتبعناها لوقفنا بمقتضاها على نعم الله علينا، ولم ننسها أبدا. ~~أولها: { وهو الذي أحياكم.. } [الحج: 66] والإحياء: أن يعطي ~~المحيي ما يحييه قوة يؤدي بها المهمة المخلوق لها. والإحياء الأول في ~~آدم - عليه السلام - حين خلقه ربه وسواه ونفخ فيه من روحه، ثم أوجدنا ~~نحن من ذريته. { ثم يميتكم.. } [الحج: ms6702 66] وكما أن الخلق آية ~~من آيات الله، فكذلك الموت آية من آيات الله، نراها ونلمسها، وما دمت ~~تصدق بآية الخلق وآية الموت، وتراهما، ولا تشك فيهما، فحين نقول لك ~~إن بعد هذا حياة أخرى فصدق لأن صاحب هذه الآيات واحد، والمقدمات التي ~~تحكم أنت بصدقها يجب أن تؤدي إلى نتيجة تحكم أيضا بصدقها، وها هي ~~المقدمات بين يديك صادقة. لذلك يقول تعالى بعدها: { ثم يحييكم.. ~~} [الحج: 66] والإحياء يطلق في القرآن على معان متعددة، منها الحياة ~~المادية التي تتمثل في الحركة والأكل والشرب، ومنها الحياة في الآخرة ~~التي قال الله عنها: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. وهذه هي الحياة الحقيقية لأن حياة الدنيا تعتريها ~~الأغيار، ويتقلب فيها الإنسان بين القوة والضعف، والصحة والمرض، والغنى ~~والفقر، والصغر والكبر، وبعد ذلك يعتريها الزوال، أما حياة الآخرة ~~التي وصفها الله بأنها الحيوان يعني: مبالغة في الحياة، فهي حياة لا ~~أغيار فيها ولا زوال لها. إذن: لديك حياتان: حياة لبنية المادة وبها ~~تتحرك وتحس وتعيش، وحياة أخرى باقية لا زوال لها. لذلك يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24] كيف - إذن - ونحن أحياء؟ قالوا: لما يحييكم ليست حياة ~~الدنيا المادية التي تعتريها الأغيار، إنما يحييكم الحياة الحقيقية في ~~الآخرة، الحياة الباقية التي لا تزول، التي قال الله عنها: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64] يعني: العلم الحقيقي الذي يهدي صاحبه. فإن كانت الحياة ~~المادية الدنيوية بنفخ الروح في الإنسان، فبم تكون الحياة الثانية # إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24]. قالوا: هذه الحياة تكون بروح أيضا، لكن غير الروح ~~الأولى، إنها بروح القرآن الذي قال الله فيه: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا.. # [الشورى: 52] وسمى الملك الذي ينزل به روحا: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. فالروح الثانية التي تحييك الحياة الحقيقية الخالدة هي ~~منهج الله في كتابه الكريم، إن اتبعته نلت هذه الحياة الباقية الخالدة ~~وتمتعت فيها بما لا عين رأت، ولا ms6703 أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهي ~~لا مقطوعة ولا ممنوعة. ثم يقول سبحانه: { إن الإنسان لكفور } ~~[الحج: 66] كفور: صيغة مبالغة من كافر، والكفور الذي لم يعرف للمنعم ~~حق النعمة، مع أنه لو تبينها لما انفك أبدا عن شكر المنعم سبحانه. # والإنسان يمر بمراحل مختلفة بين الحياة والموت، كما جاء في قوله ~~تعالى: # قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ~~فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل # [غافر: 11]، فمتى سيقولون هذا الكلام؟ قالوا: هذا يوم القيامة، وقد ~~أحياهم الله من موت العدم، فأحياهم في الدنيا ثم أماتهم، ثم أحياهم في ~~الآخرة، فهناك موت قبل إيجاد، وموت بعد إيجاد، ثم يأتي البعث في القيامة. ~~وقوله تعالى: { وهو الذي أحياكم.. } [الحج: 66] قضية قالها ~~الخالق - عز وجل - ولم يدعها أحد لنفسه مع كثرة الكفار والملاحدة ~~والأفاقين في كل زمان ومكان، لم نسمع من ادعى مسألة الخلق، وهذه ~~قضية يجب أن نقف عندها وأن نبحث: لماذا لم يظهر من يدعي ذلك؟ وإذا لم ~~يدع الخلق أحد، ولم يدع الإحياء أحد، فمن - إذن - صاحب الخلق ~~والإحياء والإماتة؟ إذا كان الناس يهتمون ويؤرخون لأي مخترع آلة مثلا، ~~فيقولون: مخترع الكهرباء فلان وعاش في بلدة كذا، وكان من أمره كذا وكذا، ~~وتعلم في كذا، وحصل على كذا.. الخ فكيف بمن خلقكم وأحياكم من عدم؟ خاصة ~~وهذه المسألة لم يتبجح بادعائها أحد فثبتت القضية له سبحانه وتعالى. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { لكل أمة جعلنا منسكا هم ~~ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك... ~~}. ### || [22.67] # الحق - سبحانه وتعالى - خلق آدم عليه السلام خليفة له في الأرض، وأجرى ~~له تدريبا على مهمته بالأمر الإلهي والنهي الإلهي، وأخبره بعداوة ~~الشيطان له ولذريته، وحذره أن يتبع خطواته، وقد انتهت هذه التجربة ~~بنزول آدم من الجنة إلى الأرض ليباشر مهمته كخليفة لله في أرضه على أن ~~يظل على ذكر من تجربته مع الشيطان. وقد سخر الله له كل شيء في ~~الوجود يخدمه ويعمل من أجله. ثم أنزل الله عليه منهجا، يعمل به ms6704 لتستقيم ~~حركة حياته وحياة ذريته، وذكره بالمنهج التدريبي السابق الذي كلفه به ~~في الجنة، وما حدث له لما خالف منهج ربه، حيث ظهرت عورته: # وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة.. # [الأعراف: 22]. كذلك إن خالفت هذا المنهج الإلهي في الدنيا ستظهر ~~عوراتكم لذلك إذا رأيت أي عورة في المجتمع في أي ناحية: في الاجتماع، ~~في الاقتصاد، في التربية، فاعلم أن حكما من أحكام الله قد عطل، فظهرت ~~سوأة من سوءات المجتمع لأن منهج الله هو قانون الصيانة الذي يحميك وينظم ~~حياتك لتؤدي مهمتك في الحياة. كما لو دخلت بيتك فوجدت آلة من آلات ~~البيت لا تؤدي مهمتها، فتعلم أن بها عطلا فتذهب بها إلى المهندس المختص ~~بصيانتها، كذلك إن تعطل في حياتكم شيء عن أداء مهمته فردوه إلى صاحب ~~صيانته إلى الله وإلى الرسول، وهذا منطق حازم يعترف به الجميع المؤمن ~~والكافر أن ترد الصنعة إلى صانعها، وإلى العالم بقانون صيانتها، وأنت لم ~~يدع أحد أنه خلقك، فحين يحدث فيك خلل، فعليك أن تذهب إلى ربك ~~وخالقك. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة، ~~ومعنى " حزبه أمر " يعني: شيء فوق طاقته وأسبابه، يهرع إلى الصلاة ~~ليعرض نفسه على ربه عز وجل، فإن وجدت في نفسك خللا في أي ناحية، فما ~~عليك إلا أن تتوضأ، وتقف بين يدي ربك ليصلح ما تعطل فيك. وإن كان ~~المهندس يصلح لك الآلة بشيء مادي، ولو قطعة صغيرة من السلك، فإن ربك عز ~~وجل غيب، وعلاجه أيضا غيب يأتيك من حيث لا تدري. ومنهج الله الذي ~~وضعه لصيانة خلقه فيه أصول وفيه فروع، الأصول: أن تؤمن بالإله الواحد ~~الفاعل المختار، وهذه قاعدة ما اختلف عليها أي من رسالات السماء أبدا، ~~كما يقول تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك.. # [الشورى: 13]. فهذه أصول لا يختلف عليها دين من الأديان، لكن لما كان ~~الناس منثورين في شتى بقاع الأرض، تعيش كل جماعة منهم منعزلة عن الأخرى ~~لبعد ms6705 المسافات وانعدام وسائل الاتصال والالتقاء التي نراها اليوم، ~~والتي جعلت العالم كله قرية واحدة، ما يحدث في أقصى الشرق تراه وتسمع به ~~في أقصى الغرب، وفي نفس الوقت. # لما عاش الناس هذه العزلة لا يدري أحد بأحد لدرجة أنهم كانوا منذ مائتي ~~عام يكتشفون قارات جديدة. وقد نشأ عن هذه العزلة أن تعددت الداءات بتعدد ~~الجماعات، فكان الرسول أو النبي يأتي ليعالج الداءات في جماعة بعينها ~~يبعث إلى قومه خاصة، فهذا ليعالج مسألة الكيل والميزان، وهذا ليعالج ~~طغيان المال، وهذا ليعالج انحراف الطباع وشذوذها، وهذا ليعالج التعصب ~~القبلي. أما رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءت في بداية التقاء ~~الجماعات هنا وهناك، فكانت رسالته صلى الله عليه وسلم عامة للناس كافة، ~~وتجد أصول الرسالات عند موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام أصولا ~~واحدة، أما الفروع فتختلف باختلاف البيئات. لكن، لما كان في علمه تعالى ~~أن هذه العزلة ستنتهي، وأن هذه البيئات ستجتمع وتلتقي على أمر واحد ~~وستتحد فيها الداءات لذلك أرسل الرسول الخاتم لهم جميعا على امتداد ~~الزمان والمكان. وفي هذه الآية: { لكل أمة جعلنا منسكا ~~هم ناسكوه.. } [الحج: 67] أي: أن الحق سبحانه جعل لكل أمة من الأمم ~~التي بعث فيها الرسل مناسك تناسب أقضية زمانهم لأنهم كانوا في عزلة بعضهم ~~عن بعض، كما جاء في قوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا.. # [المائدة: 48]. فالشرائع تختلف في الفروع المناسبة للزمان وللمكان ~~وللبيئة، أما الأخلاق والعقائد فهي واحدة، فالله عز وجل إله واحد في كل ~~ديانات السماء، والكذب محرم في كل ديانات السماء لم يأت نبي من ~~الأنبياء ليبيح لقومه الكذب. والمنسك: المنهج التعبدي، ومنه قوله تعالى: # قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين # [الأنعام: 162]. # هم ناسكوه.. # [الحج: 67] يعني: فاعلوه. ثم يقول سبحانه: { فلا ينازعنك في ~~الأمر.. } [الحج: 67] كأن يقولوا: أنت رسول ونحن أيضا نتبع رسولا، ~~له منهج وله شريعة، نعم: لكن هذه شريعة خاتمة جاءت مهيمنة على كل الشرائع ~~قبلها، ومناسبة لمستجدات الأمور. لذلك يطمئن الحق - تبارك وتعالى ms6706 - ~~رسوله صلى الله عليه وسلم - بعدها: { وادع إلى ربك إنك ~~لعلى هدى مستقيم } [الحج: 67] يعني: اطمئن، فأنت على الحق ~~وادع إلى ربك لأنك على هدى مستقيم سيصل إليهم إن لم يكن إيمانا ~~فسيكون إصلاحا وتقنينا بشريا تلجئهم إليه أحداث الحياة ومشاكلها، فلن ~~يجدوا أفضل من شرع الله يحكمون به، وإن لم يؤمنوا. وكأن الحق سبحانه ~~يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: لا تنازعهم ولا ينازعونك، وخذ ما أمرك ~~الله به: # فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين # [الحجر: 94] الذين يجادلونك وينازعونك في الرسالة، وسوف تحدث لهم أقضية ~~بقدر ما يحدثون من الفجور ويلجئون إلى شرعك وقانونك ليحلوا به مشاكلهم. ~~والهدى وصف بأنه مستقيم، لأنه هدى من الله صنعه لك، هدى الخالق الذي ~~يعلم ملكات النفس الإنسانية كلها، وشرع لكل ملكة ما يناسبها، وأحداث ~~الحياة ستضطرهم إلى ما قنن الله لخلافته في الأرض. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ وإن جادلوك فقل الله أعلم... }. ### || [22.68] # الجدل: مأخوذ من جدل الحبل بعضه على بعض لتقويته، وإن كانت خيطا ~~رفيعا نبرمه فنعطيه سمكا وقوة لذلك الخيط حين نبرمه يقل في الطول ~~لأن أجزاءه تتداخل فيكون أقوى، فالجدل من تمتين الشيء وتقويته، وكذلك ~~الجدال فهو محاولة تقوية الحجة أمام الخصم. وفي آية أخرى: # وجادلهم بالتي هي أحسن.. # [النحل: 125] فالمعنى: إن جادلوك بعد التي هي أحسن فقل { الله ~~أعلم بما تعملون } [الحج: 68] يعني: ردهم إلى الله واحتكم ~~إليه لذلك جاء بعدها: { الله يحكم بينكم يوم ~~القيامة... }. ### || [22.69] # لاحظ أن الحق سبحانه لم يقل: يحكم بيننا وبينكم كما يقتضي المعنى ~~لأنكما طرفان تتجادلان. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم: أتركهم فسوف يختلفون هم فيما بينهم، ولن يظل الخلاف معك لأن ~~الخلاف في شيء واحد ينشأ عن هوى النفس، وهوى النفس ينشأ من الحرص على ~~السلطة الزمنية، يعني: أرح نفسك، فربك سيحكم بينهم فيما كانوا فيه ~~يختلفون. ثم يقول الحق سبحانه: { ألم تعلم أن الله يعلم ~~ما في السمآء والأرض... }. ### || [22.70] # هذه قضية حكم بها الحق ms6707 سبحانة لنفسه، ولم يدعها أحد، فلا يعلم ما في ~~السماء والأرض إلا الله، وهذه الآية جاءت بعد الحكم في المنازعة فربما ~~اعترض أحد وقال: ما دام الأمر من الله أحكاما تنظم حركة الحياة وقد جاء ~~كل رسول بها، فما ضرورة أن يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس ~~كافة. وقلنا: إن الدين نوعان: نوع لا يختلف باختلاف الرسل والأمم ~~والعصور، وهذا في القضايا العامة الشاملة التي لا تتغير، وهي العقائد ~~والأصول والأخلاق، ونوع آخر يختلف باختلاف العصور والأمم، فيأتي الحكم ~~مناسبا لكل عصر، ولكل أمة. وما دام الحق سبحانه هو الذي سيحكم بين ~~الطرفين قال: { ألم تعلم أن الله يعلم ما في ~~السمآء والأرض.. } [الحج: 70] أعلم كل شيء كائن في الوجود ظاهره ~~وباطنه، فأنا أحكم عن علم وعن خبرة. { إن ذلك في كتاب.. } ~~[الحج: 70] والعلم شيء، والكتاب شيء آخر، فما دام الله تعالى يعلم كل ~~شيء، وما دام سبحانه لا يضل ولا ينسى، فما ضرورة الكتاب؟ قالوا: الكتاب ~~يعني به اللوح المحفوظ الذي يحوي كل شيء. وفي آية أخرى قال: # كلا إنها تذكرة * فمن شآء ذكره * في صحف ~~مكرمة * مرفوعة مطهرة * بأيدي سفرة # [عبس: 11-15]. حتى القرآن نفسه في ذلك الكتاب: # بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ # [البروج: 21-22]. وقال تعالى: # يمحوا الله ما يشآء ويثبت وعنده أم الكتاب # [الرعد: 39] ويقول تعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتاب مبين # [الأنعام: 59]. فضرورة الكتاب ليدلك وليدل الملائكة المطلعين على أن ~~الأشياء التي تحدث مستقبلا كتبها الله أزلا، فمجيئها في المستقبل على ~~وفق ما كتبه دليل علمه سبحانه بها، فالذي كتب الشيء قبل أن يكون، ثم ~~جاء الشيء موافقا لما أكبر دليل على علمه وإحاطته. إذن: مجيء الكتاب ~~لا ليساعدنا على شيء، إنما ليكون حجة عليك، فيقال لك: # اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14] ها ms6708 هو تاريخك، وها هي قصتك، ليس كلاما من عندنا، وإنما ~~فعلك والحجة عليك. وعلم الله تعالى في قوله: { يعلم ما في ~~السمآء والأرض.. } [الحج: 70] يحمل الوعد والوعيد في وقت واحد، ~~وهذا من عجائب الأداء القرآني، أن يعطي الشيء ونقيضه، كيف؟ هب أن عندك ~~ولدين اعتدى أحدهما على الآخر في غيبتك، فلما عدت أسرعا بالشكوى، كل ~~من صاحبه، فقلت لهما: اسكتا لا أسمع لكما صوتا. وقد عرفت ما حدث وسأرتب ~~لكل منكما ما يناسبه وما يستحقه على وفق ما علمت، لا شك عندها أن ~~المظلوم سيفرح ويستبشر، وأن الظالم سيخاف ويتغير لونه. إذن: فعلم الله ~~بكل شيء في السماء والأرض وإحاطته سبحانه بما يجري بين خلقه وعد ~~للمحق، ووعيد للمبطل. ثم يقول الحق سبحانه: { ويعبدون من دون ~~الله ما لم ينزل به سلطانا... }. ### || [22.71] # كأن العبادة - وهي: طاعة أمر واجتناب نهي - يجب أن تكون صادرة من أعلى ~~منا جميعا، فليس لأحد منا أن يشرع للآخر، فيأمره أو ينهاه لأن الأمر ~~من المساوى لك لا مرجح له، وله أن يقول لك: لماذا أنت تأمر وأنا أطيع؟ ~~أما إن جاء الأمر من أعلى منك فأنت تطيع بلا اعتراض، ومعك الحجة أن ~~الأمر من أعلى، تقول: أبي أمرني بكذا وكذا، أو ربي أمرني بكذا وكذا، أو ~~نهاني عن كذا وكذا. إذن: كل دليل على حكم الفعل أو الترك لا بد أن ~~يكون مصدره من الحق سبحانه وتعالى، فهو الأعلى مني ومنك، وإذا انصعت ~~لأمره ونهيه فلا حرج علي ولا ضرر لأنني ما انصعت لمساو إنما انصعت ~~لله الذي أنا وأنت عبيد له، ولا غضاضة في أن نتبع حكمه. لذلك في حكم ~~أهل الريف يقولون: اللي الشرع يقطع صباعه ميخرش دم لماذا؟ لأنك ما ~~قطعته أنت إنما قطعه الله، فليس الأمر تسلط أو جبروت من أحد، وليس فيه ~~مذلة ولا استكانة لأحد. ومعنى: { ويعبدون من دون الله.. } ~~[الحج: 71] يعني: يعبدون غيره تعالى { ما لم ينزل به ~~سلطانا.. } [الحج: 71] السلطان: إما سلطان قهر، أو سلطان حجة، ms6709 ~~سلطان القهر أن يقهرك ويجبرك على ما لم ترد فعله، أما سلطان الحجة ~~فيقنعك ويثبت لك بالحجة أن تفعل باختيارك، وهذه الآلهة التي يعبدونها ~~من دون الله ليس لها سلطان، لا قهر ولا حجة. لذلك في جدل إبليس يوم ~~القيامة للذين اتبعوه يقول لهم: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي.. # [إبراهيم: 22] يعني: كنتم على إشارة فاستجبتم لي، وليس لي عليكم سلطان، ~~لا قوة أقهركم بها على المعصية، ولا حجة أقنعكم بها. ثم يقول تعالى: { ~~وما ليس لهم به علم.. } [الحج: 71] يعني: علم الاجتهاد الذي ~~يستنبط الأحكام من الحكم المجمل الذي ينزله الحق تبارك وتعالى، وهذه ~~هي حجة العلم التي قال الله تعالى عنها: # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم.. # [النساء: 83] يعني: أهل العلم. إذن: العبادة لا بد أن تكون بسلطان من ~~الله نصا قاطعا وصريحا لا يحتمل الجدل، وإما أن تكون باجتهاد أولي ~~العلم. وقوله تعالى: { وما للظالمين من نصير } [الحج: 71] ~~لم يقل سبحانه: لن ينتصر الظالمون، ولم ينف عنهم النصر لأن هذه مسألة ~~مسلمة إنما لا يفزع لنصرتهم أحد، فلن ينتصروا ولن ينصرهم أحد، ولا يفزع ~~أحد لينصر أحدا إلا إذا كان المنصور ضعيفا. ثم يقول سبحانه: { وإذا ~~تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه ~~الذين كفروا المنكر... }. ### || [22.72] # تصور هذه الآية حال الكفار عند سماعهم لكتاب الله وآياته من رسول الله ~~أو صحابته، فإذا سمعوها { تعرف في وجوه الذين كفروا ~~المنكر.. } [الحج: 72] أي: الكراهية تراها وتقرؤها في وجوههم ~~عبوسا وتقطيبا وغضبا وانفعالا، ينكر ما يسمعون، ويكاد أن يتحول ~~الانفعال إلى نزوع غضبي يفتك بمن يقرأ القرآن لما بداخلهم من شر ~~وكراهية لما يتلى عليهم. لذلك قال تعالى بعدها: { يكادون يسطون ~~بالذين يتلون عليهم آيتنا.. } [الحج: 72] والسطو: ~~الفتك والبطش لأن العمل الوجداني الذي يشغل نفوسهم يظهر أولا على ~~وجوههم انفعالا ينبىء بشيء يريدون إيقاعه بالمؤمنين، ثم يتحول الوجدان ~~إلى نزوع حركي هو الفتك والبطش. قل في الرد عليهم: ms6710 ماذا يغضبكم حتى ~~تسطوا علينا وتكرهوا ما نتلو عليكم من كتاب الله. والغيظ والكراهية عند ~~سماعهم القرآن دليل على عدم قدرتهم على الرد بالحجة، وعدم قدرتهم أيضا ~~على الإيمان لذلك يتقلبون بين غيظ وكراهية. لذلك يخاطبهم بقوله: { قل ~~أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله ~~الذين كفروا.. } [الحج: 72] يعني: مالي أراكم مغتاظين من آيات ~~الله كارهين لها الآن، والأمر ما يزال هينا؟ أمجرد سماع الآيات يفعل ~~بكم هذا كله؟ فما بالكم حينما تباشرون النار في الآخرة، الغيظ الذي ~~تظنونه شرا فتسطون علينا بسببه أمر بسيط، وهناك أشر منه ينتظركم { ~~النار وعدها الله الذين كفروا.. } [الحج: 72]. وما ~~أشبه هذا بموقف الصديق أبي بكر حينما أوقف صناديد قريش بالباب، وقدم ~~عليهم المستضعفين من المؤمنين، فغضبوا لذلك وورمت أنوفهم، فقال لهم: ~~أورمت أنوفكم أن قدمتهم عليكم الآن، فكيف بكم حين يقدمهم الله ~~عليكم في دخول الجنة؟ وكلمة { وعدها.. } [الحج: 72] الوعد دائما ~~يكون بالخير، أما هنا فاستعملت على سبيل الاستهزاء بهم والتقليل من ~~شأنهم، كما قال في آية أخرى: # فبشرهم بعذاب أليم # [الانشقاق: 24] فساعة أن يسمع البشرى يستشرف للخير، فيفاجئه العذاب، ~~فيكون أنكى له. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي ~~الوجوه.. # [الكهف: 29] لأن انقباض النفس ويأسها بعد بوادر الانبساط أشد من العذاب ~~ذاته. وقوله: { وبئس المصير } [الحج: 72] أي: ساءت نهايتكم ~~ومرجعكم. ### || [22.73] # قلنا: الضرب إيقاع شيء على شيء بقوة، ومنه نقول: ضربنا الدينار يعني: ~~بعد أن كان قطعة من الذهب أو الفضة مثلا أصبح عملة معروفة متداولة. ~~والمثل: تشبيه شيء غير معلوم بشيء آخر معلوم وعجيب وبديع يعلق في ~~الذهن، كما نصف لك إنسانا لم تره بإنسان تعرفه. نقول هو مثل فلان. ~~وهكذا كل التشبيهات: شيء تريد أن تعلمه للمخاطب وهو لا يعلمه. ومنه قوله ~~تعالى: # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلمآ أضاءت ما ~~حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا ~~يبصرون # [البقرة: 17] وقوله تعالى: # فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو ~~تتركه يلهث ذلك مثل القوم ms6711 الذين كذبوا ~~بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون # [الأعراف: 176] وقوله تعالى: # مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت لو كانوا يعلمون # [العنكبوت: 41]. إذن: الأمثال: إعلام بشيء معلوم ليصل العلم فيه إلى شيء ~~مجهول، وكلمة مثل استقلت بأن يكون المثل بديعا في النسج، بليغا ~~موجزا، بحيث تتناقله الألسنة بسرعة في كلمات معدودة. فلو وجدت مثلا ~~تلميذا مهملا تكاسل طوال العام، ولم يذاكر، فلما حضر الامتحان راح ~~يجتهد في المذاكرة، فتقول له: قبل الرماء تملأ الكنائن يعني: قبل أن ~~تصطاد بالسهام يجب أن تعدها أولا وتملأ بها كنانتك، فهذا مثل ~~يضرب للاستعداد للأمر قبل حلوله. ومن أمثلة أهل الريف يقولون: أعط ~~العيش لخبازه ولو يأكل نصفه ويضرب لمن يجعل الصنعة عند غير صانعها ~~والمتخصص فيها. ويقولون فيمن يقصر في الأمر المنوط به: باب النجار ~~مخلع. وحين ترسل من يقضي لك حاجة فيفلح فيها ويأتي بالنتيجة المرجوة ~~يقول لك: أبدى المخض عن الزبد والمخض عملية خض اللبن في القربة ~~لفصل الزبد عن اللبن. وهكذا، المثل قول موجز بليغ قيل في مناسبته، ~~ثم استعمله الناس لخفته وجماله وبلاغته في المواقف المشابهة، والمثل ~~يظل على حاله الأول لا يغير، ويجب الالتزام بنصه مع المفرد والمثنى ~~والجمع، ومع المذكر والمؤنث، فمثلا إن أرسلت رسولا يقضي لك حاجة، ~~فعندما يعود تقول له: ما وراءك يا عصام هكذا بالكسر في خطاب المؤنث مع ~~أنه رجل، لماذا؟ لأن المثل قيل أول ما قيل لمؤنث، فظل على هذه الصيغة ~~من التأنيث حتى ولو كان المخاطب مذكرا. وقصة هذا المثل أن الحارث ~~ملك كندة أراد أن يتزوج أم إياس، وبعث من تخطبها له، وكان اسمها عصام، ~~فلما ذهبت إليها قالت لها أمها: إن فلانة جاءت تخطبك لفلان، فلا تخفي ~~عنها شيئا، ودعيها تشمك إن أرادت، وناطقيها فيما استنطقتك به، فلما ~~دخلت على الفتاة وأرادت أن ترى جسمها خلعت ثوبها، وكشفت عن جسمها، ~~فقالت المرأة: ترك الخداع من كشف القناع فسارت مثلا، ثم عادت ms6712 إلى الحارث ~~فاستقبلها متعجلا ردها فقال: ما وراءك يا عصام يعني: ما الخبر؟ فظل ~~المثل هكذا للمؤنث، وإن خوطب به المذكر. # والحق - تبارك وتعالى - يضرب لكم هذا المثل ويقول: خذوه في بالكم، ~~وانتبهوا له، وافتحوا له آذانكم جيدا واعقلوه لأنه سينفعكم في علاقتكم ~~برسول الله وبالمؤمنين. والخطاب هنا موجه للناس كافة، لم يخص أحدا ~~دون أحد: { يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له.. } ~~[الحج: 73] فلم يقل يا أيها المؤمنون لأن هذا المثل موجه إلى ~~الكفار، فالمؤمنون ليسوا في حاجة إليه { فاستمعوا له.. } [الحج: ~~73] يعني: انصتوا وتفهموا مراده ومرماه، لتسيروا في حركتكم على وفق ~~ما جاء فيه، وعلى وفق ما فهمتم من مغزاه. فما هو هذا المثل؟ { إن ~~الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له.. } [الحج: 73]. أي: الذين تعبدونهم وتتجهون إليهم من ~~دون الله { لن يخلقوا ذبابا.. } [الحج: 73] وهو أصغر المخلوقات ~~{ ولو اجتمعوا له.. } [الحج: 73] يعني: تضافرت جهودهم، ~~واجتمع أمرهم جميعا لا واحدا واحدا، وهذا ترق في التحدي، حيث زاد في ~~قوة المعاند. كما ترقى القرآن في تحدي العرب، فتحداهم أولا بأن ~~يأتوا بمثل القرآن، ولأن القرآن كثير تحداهم بعشر سور فما استطاعوا، ~~فتحداهم بسورة واحدة فلم يستطيعوا. ثم يترقى في التحدي فيقول: اجمعوا ~~كل فصحائكم وبلغائكم، بل والجن أيضا يساعدونكم ولن تستطيعوا: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله.. # [الإسراء: 88]. وقوله تعالى: { لن يخلقوا ذبابا.. } [الحج: 73] ~~جاءت بنفي المستقبل فلم يقل مثلا: لم يخلقوا، فالنفي هنا للتأبيد، فهم ~~ما استطاعوا في الماضي، ولن يستطيعوا أيضا فيما بعد حتى لا يظن أحد أنهم ~~ربما تمكنوا من ذلك في مستقبل الأيام، ونفي الفعل هكذا على وجه التأبيد ~~لأنك قد تترك الفعل مع قدرتك عليه، إنما حين تتحدى به تفعل لترد على ~~هذا التحدي،فأوضح لهم الحق سبحانه أنهم لم يستطيعوا قبل التحدي، ولن ~~يستطيعوا بعد التحدي. ثم يقول تعالى: { وإن يسلبهم الذباب ~~شيئا لا يستنقذوه.. } [الحج: 73] فقد تقول: إن عملية الخلق ~~هذه عملية ms6713 صعبة لا يتحدى بها، لذلك تحداهم بما هو أسهل من الخلق { ~~وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه.. } ~~[الحج: 73] وهل يستطيع أحد أن يعيد ما أخذه الذباب من طعامه على جناحيه ~~أو أرجله أو خرطومه؟ وكانوا يذبحون القرابين عند الأصنام، ويضعون أمامها ~~الطعام ليباركوه، فكانت الدماء تسيل عندها وتتناثر عليها، فيحط عليها ~~الذباب، ويأخذ من هذه الدماء على أرجله النحيفة هذه أو على أجنحته أو ~~على خرطومه، فتحداهم أن يعيدوا من الذباب ما أخذه، وهذه مسألة أسهل من ~~مسألة الخلق. # ولك أن تجرب أنت هذه العملية، إذا وقع ذباب على العسل الذي أمامك، ~~فلا بد أن يأخذ منه شيئا ولو كان ضئيلا لا يدرك ولا يوزن ولا ~~تكاد تراه، لكن أتستطيع أن تمسك الذبابة وترد ما أخذت منك؟ لذلك ~~يقول تعالى بعدها: { ضعف الطالب والمطلوب } [الحج: 73] ~~يعني: كلاهما ضعيف، فالذباب في ذاته ضعيف وهم كذلك ضعفاء، بدليل أنهم لن ~~يقدروا على هذه المسألة، لكن هناك ضعيف يدعي القوة، وضعيف قوته في أنه ~~مقر بضعفه، فالذباب وإن كان ضعيفا إلا أن الله تعالى قال فيه: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها.. # [البقرة: 26] يعني: ما فوقها في الصغر، ليس المراد ما فوقها في الكبر ~~كالعصفور مثلا. ثم يقول الحق سبحانه: { ما قدروا الله حق ~~قدره... }. ### || [22.74] # يعني: هؤلاء الكفار الذين عبدوا من دون الله آلهة لا تستطيع أن تخلق ~~ذبابا، ولا تستطيع حتى أن ترد من الذباب ما أخذه، هؤلاء ما عرفوا لله ~~قدره، ولو عرفوا قدر الله ما عبدوا غيره. والقدر: يعني مقدار ~~الشيء، وقلنا: إن مقادير الأشياء تختلف حسب ما تريده من معرفة المقادير، ~~فالطول مثلا له مقياس يقاس به مقدار الطول، لكن هذا المقياس يختلف ~~باختلاف المقيس، فإن أردت أن تقيس المسافة بين القاهرة والأسكندرية ~~مثلا لا تستخدم المللي أو السنتيمتر ولا حتى المتر، إنما تستخدم ~~الكيلومتر، فإن أردت شراء قطعة من القماش تقول متر، أما إن أردت صورة ~~شخصية تقول سنتيمتر. إذن: لكل ms6714 شيء مقدار يقدر به، ومعيار يقاس به، ~~فإن أردت المسافة تقيس الطول، فإن أردت المساحة تقيس الطول في العرض، ~~فإن أردت الحجم تقيس الطول في العرض في الارتفاع، الطول بالمتر ~~والمساحة بالمتر المربع، والحجم بالمتر المكعب. كذلك في الوزن تقدره ~~بالكيلو أو الرطل أو الجرام.. إلخ. وقدر تأتي بمعنى: ضيق، كما جاء في ~~قوله تعالى: # وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه.. # [الفجر: 16]. ويقول الحق سبحانه وتعالى: # ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله.. # [الطلاق: 7]. والمقدار كما يكون في الماديات يكون أيضا في المعنويات، ~~فمثلا تعبر عن الزيادة المادية تقول: فلان كبر يعني شب وزاد، أما في ~~المعنويات فيقول الحق سبحانه: كبر # كبرت كلمة تخرج من أفواههم.. # [الكهف: 5] يعني: عظمت. والحق - تبارك وتعالى - ليس مادة لأنه سبحانه ~~فوق المادة، فمعنى المقدار في حقه تعالى عظمته في صفات الكمال فيه { ما ~~قدروا الله حق قدره.. } [الحج: 74] ما عظموه حق ~~التعظيم الذي ينبغي له، وما عرفوا قدره، ولو عرفوا ما عبدوا غيره، ولا ~~عبدوا أحدا معه من هذه الآلهة التي لا تخلق ذبابا، ولا حتى تسترد ما ~~أخذه منهم الذباب، فكيف يسوون هؤلاء بالله ويقارنونهم به عز وجل؟ ~~إنهم لو عرفوا لله تعالى قدره لاستحيوا من ذلك كله. ثم تذيل الآية ~~بقوله تعالى: { إن الله لقوي عزيز } [الحج: 74] فما مناسبة ~~هاتين الصفتين للسياق الذي نحن بصدده؟ قالوا: لأن الحق - سبحانه وتعالى - ~~تكلم في المثل السابق عمن انصرفوا عن عبادته سبحانه إلى عبادة ~~الأصنام وقال: # ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73] فقال في مقابل هذا الضعف إن الله لقوي، قوة عن العابد لأنه ~~ليس في حاجة إلى عبادته، وقوة عن المعبود لأنه لو شاء حطمه، وما ~~دمتم انصرفتم عن الله وعبدتم غيره، فهذا فيه مضارة، وكأن هناك ~~معركة، فإن كان كذلك فالله عزيز لا يغالب. والآية: { ما قدروا ~~الله حق قدره. # . } [الحج: 74] وردت في عدة مواضع في كتاب الله، منها: # وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا مآ أنزل ~~الله على بشر من شيء.. ms6715 # [الأنعام: 91] فلم يعرفوا لله تعالى قدره لأنهم اتهموه، وله سبحانه ~~كمال العدل، فكيف يكلف عباده بعبادته، ولا يبلغهم برسول؟ وهو سبحانه ~~القائل: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. فحين يقولون: # مآ أنزل الله على بشر من شيء.. # [الأنعام: 91] كأنهم يصفون الحق سبحانه بأنه يعذب الناس دون أن ~~يبلغهم بشيء. ويرد عليهم في هذه المسألة: # قل من أنزل الكتاب الذي جآء به موسى.. # [الأنعام: 91]. وفي موضع آخر: # وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا ~~قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات ~~بيمينه.. # [الزمر: 67]. ونقول: قدره حق قدره، وقدره قدره، كأن الأمور ~~تختلف في تقدير الأشياء، فمثلا تنظر إلى حجرة فتقول: هذه تقريبا 5×4 ~~هذا تقدير إجمالي تقريبي، إنما إن أخذت المقياس وقدرت تقديرا ~~حقيقيا، فقد تزيد أو تنقص، فالأول تقول: قدرت الحجرة قدرها. والآخر ~~تقول: قدرت الحجرة حق قدرها. وعليه فإنك إن أردت أن تقدر الله ~~تعالى حق قدره فإنك تقدره على قدر استيعاب العقل البشري، إنما ~~قدره تعالى حقيقة فلا تحيط به لأن كمالاته تعالى لا تتناهى ولا تدرك ~~إدراكا تاما. ومن ذلك ما سبق أن ذكرناه عن علم اليقين وعين اليقين ~~وحق اليقين. ولما نزل قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته.. # [آل عمران: 102] قال بعض الصحابة: ومن يقدر على ذلك إنها مسألة صعبة ~~أن نتقي الله التقوى الكاملة التي يستحقها عز وجل، فأنزل الله تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم.. # [التغابن: 16] ونزلت: # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.. # [البقرة: 286]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أثنى على الله تعالى ~~يقول: # " سبحانك، لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ". # لماذا؟ لأنه لا يملك أحد مهما أوتي من بلاغة الأسلوب أن يثني على ~~الله الثناء المناسب الذي يليق به سبحانه، ومن رحمة الله تعالى بعباده أن ~~تحمل عنهم هذه المسألة فأثنى الحق سبحانه على نفسه، وعلمنا كيف نثني ~~عليه سبحانه، فإذا ما تحدث البليغ وأثنى على الله بفنون القول والثناء، ~~فإن العيي الذي لا يجيد الكلام يطمئن ms6716 حيث يثني على ربه بما علمه من ~~الثناء، وما وضعه من صيغ يقولها الفيلسوف، ويقولها راعي الشاة. ولولا أن ~~الله تعالى علمنا صيغة الحمد في سورة الفاتحة فقال: # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2] ما تعلمنا هذه الصيغة، فتعليم الله لعباده صيغة الحمد في ~~ذاتها نعمة تستحق الحمد، والحمد يستحق الحمد، وهكذا في سلسلة لا تنتهي، ~~ليظل الحق - تبارك وتعالى - محمودا دائما، ويظل العبد حامدا دائما. ~~وبعد أن تكلم الحق سبحانه عن مسألة الألوهية وما ينبغي لها من صفات ~~الكمال المطلق، وحذر أن ندخل عليها ما ليس منها وما لا يستحقها، وهذه ~~قمة العقائد، وبعد أن نؤمن بالإلهيات بهذا الصفاء ونخلص إيماننا من كل ~~ما يشوبه لا بد من البلاغ عن هذه القوة الإلهية التي آمنا بها، ~~والبلاغ يكون بإرسال الرسل. لذلك قال سبحانه: { الله يصطفي من ~~الملائكة رسلا ومن الناس... }. ### || [22.75] # إذن: المرحلة الثانية في الإيمان بعد الإيمان بالقمة الإلهية الإيمان ~~بالرسل { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن ~~الناس.. } [الحج: 75]. والاصطفاء: اختيار نخبة من كثير، واختيار ~~القليل من الكثير دليل على أنها الخلاصة والصفوة، كما يختلف الاصطفاء ~~باختلاف المصطفي، فإن كان المصطفي هو الله تعالى فلا بد أن يختار ~~خلاصة الخلاصة. والاصطفاء سائر في الكون كله، يصطفي من الملائكة رسلا، ~~ومن الناس رسلا، ويصطفي من الزمان، ويصطفي من المكان، كما اصطفى رمضان ~~من الزمان، والكعبة من المكان. ولم يجعل الحق سبحانه الاصطفاء لتدليل ~~المصطفى على غيره، إنما ليشيع اصطفاءه على خلق الله، فما اصطفى رمضان ~~على سائر الزمن - لا ليدلل رمضان - إنما لتأخذ منه شحنة تقوي روحك، ~~وتصفيها بقية الأيام، لتستفيد من صالح عملك فيها. وقد يتكرر الاصطفاء ~~مع اختلاف متعلق الاصطفاء لذلك وقف المستشرقون عند قول الله تعالى: # يمريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على ~~نسآء العالمين # [آل عمران: 42]. يقولون: ما فائدة تكرار الاصطفاء هنا؟ ولو تأملنا الآية ~~لوجدنا فرقا بين الاصطفاء الأول والآخر: الاصطفاء الأول اصطفاء لأن ~~تكوني عابدة تقية متبتلة منقطعة في محرابك لله، أما الاصطفاء الآخر ms6717 ~~فاصطفاء على نساء العالمين جميعا، بأن تكوني أما لمولود بلا أب، ~~فمتعلق الاصطفاء - إذن - مختلف. وتنقسم الملائكة في مسألة الاصطفاء ~~إلى ملائكة مصطفاة، وملائكة مصطفى منها. وفي آية أخرى يقول تعالى: # جاعل الملائكة رسلا # [فاطر: 1] يعني: كلهم لهم رسالة مع عوالم أخرى غيرنا. أما في الآية التي ~~معنا، فالكلام عن الملائكة الذين لهم صلة بالإنسان أمثال جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل وعزرائيل، والحفظة الكاتبين والمكلفين بحفظ الإنسان، فالله ~~تعالى يصطفي هؤلاء، أما الباقون منهم فالله مصطفيهم لعبادته فهم ~~مهيمون لا يدرون عن هذا الخلق شيئا، وهم الملائكة العالون الذين قال ~~الله عنهم في الحديث عن إبليس: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75] يعني: الذين لم يشملهم الأمر بالسجود لأن لهم مهمة أخرى. ثم ~~يقول تعالى: { إن الله سميع بصير } [الحج: 75] السمع يتعلق ~~بالأصوات، والبصر يتعلق بالأفعال، وهما كما قلنا عمدة الحواس كلها، ~~والحق سبحانه في قوله: { سميع بصير } [الحج: 75] يبين لنا أن ~~رسله سيواجهون بأقوال تؤذيهم واستهزاء، وسيقابلون بأفعال تعرقل ~~مسيرة دعوتهم، فليكن هذا معلوما حتى لا يفت في عضدهم، وأنا معهم ~~سميع لما يقال، بصير بما يفعل، فهم تحت سمعي وبصري وكلاءتي. ### || [22.76] # { ما بين أيديهم } [الحج: 76] ما أمامهم، ويعلم أيضا ما ~~خلفهم، فليعمل الإنسان ما يشاء، فعلم الله محيط به. { وإلى الله ~~ترجع الأمور } [الحج: 76] فالمرجع في النهاية إليه سبحانه، فالحق ~~- تبارك وتعالى - لم يخلق خلقه ليتركهم هملا، إنما خلقهم لحكمة، ~~وجعل لهم نهاية يجازي فيها كل بعمله، فمن تعب ونصب في سبيل دعوة ~~الله وتحمل المشاق في مساندة رسل الله فله جزاؤه، ومن جابههم وعاندهم ~~سواء بالأقوال السابة الشاتمة المستهزئة، أو بالأفعال التي تعوق ~~دعوتهم، فله أيضا ما يستحق من العقاب. وبعد أن حدثنا ربنا عز وجل عن ~~الإلهيات وعن الرسل التي تبلغ عنه سبحانه، يحدثنا عن المنهج الذي ~~سيأتون به لينظم حركة حياتنا، هذا المنهج موجز في افعل كذا، ولا تفعل ~~كذا، وهو لا يشمل في أوامره ونواهيه كل حركات الحياة. فالأوامر والنواهي ~~محصورة في عدة أمور، والباقي ms6718 مباح لأن الله تعالى وضع الأوامر ~~والنواهي في الأصول التي تعصم حركة الحياة من الأهواء والنزوات، وترك ~~الباقي لاختيارك تفعله على أي وجه تريد. لذلك نرى العلماء يجتهدون ~~ويختلفون في مثل هذه الأمور التي تركها الله لنا، ولو أراد سبحانه لأنزل ~~فيها حكما محكما، لا يختلف عليه أحد. ولك أن تقول: ولماذا ترك الحق ~~سبحانه هذه الأمور تتضارب فيها الأقوال، وتختلف فيها الآراء، وتحدث فيها ~~نزاعات بين الناس؟ قالوا: هذا مراد الله لأن الله تعالى خلق الإنسان ~~مسخرا في أشياء، ومختارا في أشياء أخرى، فللناس أن يتركوا المجتهد ~~يجتهد ما وسعه الاجتهاد، ثم يحكمون على ما وصل إليه أنه حق، وآخر يجتهد ~~ويقررون أنه باطل لأن الله لو أراده على لون واحد لقاله، إنما تركه ~~محتملا للآراء. إذن: أراد سبحانه أن تكون هذه الآراء لأن الإنسان كما هو ~~محكوم بقهر في كثير من الكونيات وله اختيار في بعض الأمور، كذلك الحال في ~~التكليف، فهو مقهور في الأصول التي لو حاد عنها يفسد العالم، ومختار في ~~أمور أخرى يصح فعلها ويصح تركها. يقول تعالى في هذا المنهج: { ~~يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ~~ربكم... }. ### || [22.77] # النداء في ضرب المثل السابق كان للناس كافة لأنه يريد أن يلفت ~~عباد الأصنام إلى هذا المثل، ويسمعهم إياه، أما هنا فالكلام عن ~~منهج ودستور موجه، خاصة إلى الذين آمنوا، لأنه لا يكلف بالحكم إلا ~~من آمن به، أما من كفر فليس أهلا لحمل هذه الأمانة لذلك تركه ولم ~~ينظم له حركة حياته. وكما قلنا في رجل المرور أنه يساعد من استعان به ~~ووثق فيه، فيدله ويرشده، أما من شك في كلامه وقلل من شأنه يتركه ~~يضل في مفترق الطرق. فإذا ناداك ربك بما يكلفك به، فاعلم أن الجهة ~~منفكة، كما في قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا.. # [النساء: 136]. وقد اعترض على أسلوب القرآن في هذه الآية بعض الذين ~~يأخذون الآيات على ظاهرها، يقولون: كيف يخاطبهم بيا أيها الذين آمنوا ثم ~~يقول: آمنوا، كيف وهم ms6719 يؤمنون بالفعل؟ قالوا: المراد يا أيها الذين آمنوا ~~قبل سماع الحكم الجديد ظلوا على إيمانكم في الحكم الجديد، واستمروا ~~على إيمانكم لذلك إذا طلبت شيئا ممن هو موصوف به فاعلم أن المراد ~~الدوام عليه. كما أن هناك فرقا بين الإيمان بالحكم وبين تنفيذ الحكم، ~~فقد تؤمن بالحكم أنه من الله ولا تشك فيه ولا تعترض عليه، لكنك لا تنفذه ~~وتعصاه، فمثلا في الحج يقول تعالى: # ولله على الناس حج البيت.. # [آل عمران: 97] الذي لله تعالى على عباده أن يحجوا البيت # من استطاع إليه سبيلا # [آل عمران: 97] وهذا شرط ضروري، فلا تكليف بلا استطاعة، ثم يقول: # ومن كفر # [آل عمران: 97]. فهل يعني هذا أن من لم يحج فهو كافر؟ قالوا: لا، لأن ~~المراد: لله على الناس حكم يعتقده المؤمن، بأن لله على الناس حج البيت، ~~فمن اعتقد هذا الاعتقاد فهو مؤمن، أما كونه ينفذه أو لا ينفذه هذه مسألة ~~أخرى. ثم يبدأ أول ما يبدأ في التكليف بمسألة الصلاة: { اركعوا ~~واسجدوا واعبدوا ربكم.. } [الحج: 77] لقد جاء الرسل من ~~عند الله بتكاليف كثيرة، لكن خص هنا الصلاة لأنها التكليف الذي يتكرر ~~كل يوم خمس مرات، أما بقية التكاليف فهي موسمية: فالصوم شهر في العام ~~كله، والحج مرة في العمر كله لمن استطاع، والزكاة عند خروج المحصول لمن ~~يملك النصاب أو عند حلول الحول. إذن: تختلف فريضة الصلاة عن باقي ~~الفرائض لذلك خصها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: # " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ". # ويقول: # " الصلاة عماد الدين ". # وخصها الحق - تبارك وتعالى - بظرف تشريعي خاص، حيث فرضت الصلاة ~~بالمباشرة، وفرضت باقي الفرائض بالوحي. وضربنا لذلك مثلا - ولله المثل ~~الأعلى - قلنا: إن رئيس العمل يمكن أن يرسل لك ورقة يقول: افعل كذا وكذا، ~~فإن كان أمرا هاما اتصل بك تليفونيا، وأخبرك بما يريد لأهميته، فإن ~~كان الأمر أهم من ذلك وجاء من جهة أعلى يقول لك: تعال عندي لأمر هام، ~~ويكلفك به مباشرة، وكذلك على حسب الأهمية يوجد ms6720 ظرف التشريع. # فالصلاة لم تأت بالوحي كباقي الفرائض، إنما جاءت مباشرة من الموحي ~~سبحانه وتعالى لأنها ستكون صلة بين العبد وربه، فشاء أن ينزهها حتى من ~~هذه الواسطة، ثم ميزها على غيرها من التكاليف، فجعلها الفريضة التي لا ~~تسقط عن المسلم بحال أبدا. فقد تكون فقيرا فلا تلزمك الزكاة، وغير ~~مستطيع فلا يلزمك حج، ومريض أو مسافر فلا يلزمك صوم. أما الصلاة فلا ~~يسقطها عنك شيء من هذا كله، فإن كنت غير قادر على القيام فلك أن ~~تصلي قاعدا أو مضطجعا أو راقدا، تشير بطرفك لركوعك وسجودك، ولو حتى ~~تجري أفعال الصلاة على قلبك، المهم أن تظل ذاكرا لربك متصلا به، لا ~~يمر عليك وقت إلا وهو سبحانه في بالك. وقلنا: إن ذكر الله في الأذان ~~والإقامة والصلاة ذكر دائم في كل الوقت لا ينقطع أبدا، فحين تصلي أنت ~~الصبح مثلا غيرك يصلي الظهر، وحين تركع غيرك يسجد، وحين تقول: بسم الله ~~الرحمن الرحيم. غيرك يقول: الحمد لله رب العالمين.. الخ. فهي عبادة ~~متداخلة دائمة لا تنقطع أبدا لذلك يقول أحد أهل المعرفة مخاطبا الزمن: ~~يا زمن فيك كل الزمن. يعني: في كل جزئية من الزمن الزمن كله، كأنه قال: ~~يا ظهر، وفيك العصر، وفيك المغرب، وفيك العشاء، وهكذا العالم كله يدور ~~بعبادة لله لا تنتهي. وذكر من الصلاة الركوع والسجود لأنهما أظهر أعمال ~~الصلاة، لكن الركوع والسجود حركات يؤديها المؤمن المخلص، ويؤديها ~~المنافق، وقد كان المنافقون أسبق الناس إلى الصفوف الأولى لذلك أراد الحق ~~سبحانه أن يميز هذا من هذا، فقال: { واعبدوا ربكم.. } ~~[الحج: 77]. فليست العبرة في حركات الركوع والسجود، إنما العبرة في ~~التوجه بها إلى الله، وإخلاص النية فيها لله، وإلا أصبحت الصلاة مجرد ~~حركات لا تعدو أن تكون تمارين رياضية كما يحلو للبعض أن يقول: الصلاة ~~فيها تمارين رياضية تحرك كل أجزاء الجسم، نعم هي كما تقولون رياضة، ~~لكنها ليست عبادة، العبادة أن تؤديها لأن الله تعالى أمرك بها. ثم يقول ~~تعالى: { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون } [الحج: ms6721 77]. ~~والخير كلمة عامة تشمل كل أوامر التكليف، لكن جاءت مع الصلاة على سبيل ~~الإجمال، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالخير - إذن - كلمة ~~جامعة لكل ما تؤديه وظائف المناهج من خير المجتمع لأن المنهج ما جاء إلا ~~لينظم حركة الحياة تنظيما يتعاون ويتساند لا يتعاند، فإن جاء الأمر على ~~هذه الصورة سعد المجتمع بأسره. # ولا تنس أن المنهج حين يضيق عليك ويقيد حركتك يفعل ذلك لصالحك ~~أنت، وأنت المستفيد من تقييد الحركة لأن ربك قيد حركتك وضيق عليك حتى ~~لا تلحق الشر بالآخرين، وفي الوقت نفسه ضيق على الآخرين جميعا أن ~~يتحركوا بالشر ناحيتك، وأنت واحد وهم كثير، فمن أجل تقييد حركتك قيد لك ~~حركة الناس جميعا، فمن الكاسب في هذه المسألة. الشرع قال لك: لا تسرق ~~وأنت واحد وقال للناس جميعا: لا تسرقوا منه، وقال لك: غض بصرك عن ~~محارم الغير وأنت واحد. وقال لكل غير: غضوا أبصاركم عن محارم فلان، ~~فكل تكليف من الله للخلق يعود عليك. فالمعنى: { وافعلوا الخير ~~} [الحج: 77] أي: الذي لا يأتي منه فساد أبدا، وما دامت الحركات صادرة ~~عن مراد لهوى واحد فإنها تتساند وتتعاون، فإن كان لك هوى ولغيرك هوى ~~تصادمت الأهواء وتعاندت، والخير: كل ما تأمر به التكاليف المنهجية ~~الشرعية من الحق تبارك وتعالى. ثم يقول سبحانه: { لعلكم ~~تفلحون } [الحج: 77] لكن، أين سيكون هذا الفلاح: في الدنيا أم في ~~الآخرة؟ الفلاح يكون في الدنيا لمن قام بشرع الله والتزم منهجه وفعل ~~الخير، فالفلاح ثمرة طبيعية لمنهج الله في أي مجتمع يتحرك أفراده في ~~اتجاه الخير لهم وللغير، مجتمع يعمل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " # وعندها لن ترى في المجتمع تزاحما ولا تنافرا ولا ظلما ولا رشوة.. الخ ~~هذا الفلاح في الدنيا، ثم يأتي زيادة على فلاح الدنيا فلاح الآخرة. إذن: ~~لا تظنوا التكاليف الشرعية عبئا عليكم لأنها في صالحكم في الدنيا، ~~وبها فلاح دنياكم، ثم يكون ثوابها في ms6722 الآخرة محض الفضل من الله. وقد ~~نبهنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه المسألة فقال: # " لا يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا ~~أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته " # ذلك لأن الإنسان يفعل الخير في الدنيا لصالحه وصالح دنياه التي يعيشها، ~~ثم ينال الثواب عليها في الآخرة من فضل الله كما قال تعالى: # ويزيدهم من فضله # [النساء: 173]. وقوله تعالى: { لعلكم تفلحون } [الحج: 77] ~~نعرف أن لعل أداة للترجي، وهو درجات بعضها أرجى من بعض، فمثلا حين ~~تقول: لعل فلانا يعطيك، فأنت ترجو غيرك ولا تضمن عطاءه، فإن قلت: ~~لعلي أعطيك. فالرجاء - إذن - في يدك، فهذه أرجى من سابقتها، لكن ما ~~زلنا أنا وأنت متساويين، وربما أعطيك أولا، إنما حين تقول: لعل الله ~~يعطيك فقد رجوت الله، فهذه أرجى من سابقتها، فإذا قال الله تعالى ~~بذاته: لعلي أعطيك فهذا أقوى درجات الرجاء وآكدها لأن الوعد من الله ~~والرجاء فيه سبحانه لا يخيب. ثم يقول الحق سبحانه: { وجاهدوا في ~~الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج... }. ### || [22.78] # معنى { حق جهاده } [الحج: 78] كالذي قلناه في # ما قدروا الله حق قدره # [الحج: 74] لأن الجهاد أيضا يحتاج إلى إخلاص، وأن تجعل الله في بالك، ~~فربما خرجت لمجرد أن تدفع اللوم عن نفسك وحملت السلاح فعلا ودخلت ~~المعركة، لكن ما في بالك أنها لله وما في بالك إعلاء كلمة الله، كالذي ~~يقاتل للشهرة وليرى الناس مكانته، أو يقاتل طمعا في الغنائم، أو لأنه ~~مغتاظ من العدو وبينه وبينه ثأر، ويريد أن ينتقم منه ، هذه وغيرها أمور ~~تخرج القتال عن هدفه وتفرغه من محتواه. لذلك لما سئل سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ~~ليذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " # وهذا هو حق الجهاد، وأنت فيه حكم على ms6723 نفسك، لأن ميزان ذلك في يدك. وقد ~~تسأل: ولماذا الجهاد؟ قالوا: لأنك إذا انتفعت بالمنهج تطبيقا له بعد ~~التحقيق الذي أتى به الرسل تنفع نفسك، لكن ربك - عز وجل - يريد أن يشيع ~~النفع لمن معك أيضا، وهذا لا يتأتى إلا بالجهاد بالنفس أو المال أو أي ~~شيء محبوب، وإلا فكيف ستربح الصفقة التي قال الله تعالى عنها: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة.. # [التوبة: 111]. وكما أن للجنود في ساحة القتال مهمة، كذلك لمن قعد ولم ~~يخرج مهمة: الجندي حين يقتحم الأهوال والمخاطر ويعرض نفسه للموت، فهذا ~~يعني أنه دخل المعركة وما عرض نفسه للقتل إلا وهو واثق تمام الثقة، أن ~~ما يذهب إليه بالقتل خير مما يناله بالجبن، وهذا يشجع الآخرين ويحثهم ~~على القتال. لذلك، في غزوة بدر لما سمع الصحابي كلام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن أجر الشهيد وكان في فمه تمرة يمصها، فقال: يا رسول الله، ~~أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقتل في سبيل الله؟ قال: نعم، فألقى ~~التمرة من فيه وخرج لتوه إلى الجهاد لأنه واثق تمام الثقة أن ما سيذهب ~~إليه بالشهادة خير مما ترك. أما الذين بقوا ولم يخرجوا، فمهمتهم أن ~~يحملوا المنهج، وأن يحققوه، وإلا لو خرج الجميع إلى القتال واستشهدوا ~~جميعا، فمن يحمل منهج الله وينشره؟ وجاءت كلمة الجهاد عامة لتشمل كل ~~أنواع الجهاد، فإذا ما أثمر الجهاد ثمرته وتعلبنا على الكفر فلم يعد ~~هناك كفار، أو خلوا طريق دعوتنا وتركونا، وأحبوا أن يعيشوا في ~~بلادنا أهل ذمة، فلا داعي - إذن - للقتال، ويتحول الجهاد إلى ميدان آخر ~~هو جهاد النفس. # لذلك قال تعالى بعدها: { هو اجتباكم.. } [الحج: 78] يعني: ~~اختاركم واصطفاكم لتكونوا خير أمة أخرجت للناس، وثمن هذا الاجتباء أن ~~نكون أهلا له، وعلى مستوى مسئوليته، وأن نحقق ما أراده الله منا. كما ~~ننصح جماعة من أهل الدعوة الذين حملوا رايتها، نقول لهم: لقد اختاركم ~~الله، فكونوا أهلا لهذا الاختيار، واجعلوا كلامه تعالى في محله. ثم ~~يقول ms6724 سبحانه: { وما جعل عليكم في الدين من حرج.. } ~~[الحج: 78] يعني: ما اجتباكم ليعنتكم، أو ليضيق عليكم، أو ليعسر ~~عليكم الأمور، إنما جعل الأمر كله يسر، وشرعه على قدر الاستطاعة، ~~ورخص لكم ما يخفف عنكم، ويذهب عنكم الحرج والضيق، فمن لم يستطع ~~القيام صلى قاعدا، ومن كان مريضا أفطر، والفقير لا زكاة عليه ولا ~~حج.. الخ. كما قال سبحانه في موضع آخر: # ولو شآء الله لأعنتكم.. # [البقرة: 220] لكنه سبحانه ما أعنتكم ولا ضيق عليكم، وما كلفكم إلا ~~ما تستطيعون القيام به. وقوله تعالى: { ملة أبيكم إبراهيم ~~} [الحج: 78] كلمة ملة جاءت هكذا بالنصب، لأنها مفعول به لفعل تقديره: ~~الزموا ملة أبيكم إبراهيم لأنكم دعوته حين قال: # ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة ~~مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينآ.. # [البقرة: 128]. ومن دعوة إبراهيم عليه السلام: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم.. # [البقرة: 129] لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ". # يعني: من ذريته وذرية ولده إسماعيل # وأرنا مناسكنا.. # [البقرة: 128] أعطنا التكاليف، وكأنه متشوق إلى تكاليف الله، وهل ~~يشتاق الإنسان للتكليف إن كان فيه ضيق أو مشقة؟ وكذلك كان صحابة النبي ~~صلى الله عليه وسلم يعشقون تكاليف الإسلام، ويسألون عنها رسول الله رغم ~~قوله لهم: # " ذروني ما تركتكم " # إلا أنهم كانوا يسألون عن أمور الدين ليبنوا حياتهم الجديدة، لا على ما ~~كانت الجاهلية تفعله، بل على ما أمر به الإسلام. ولنا ملحظ في قوله ~~تعالى: { ملة أبيكم إبراهيم.. } [الحج: 78] فالخطاب هنا ~~لأمة الدعوة، ولأمة الإجابة، وهل أمة الإسلام كلها من ذرية إبراهيم حتى ~~يقول { ملة أبيكم إبراهيم.. } [الحج: 78]؟ نقول: الإسلام ~~انقياد عقدي للجميع، وفي أمة الإسلام من ليس من ذرية إبراهيم، لكن ~~إبراهيم عليه السلام أب لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، والرسول أب ~~لكل من آمن به لأن أبوة الرسول أبوة عمل واتباع، كما جاء في قول الله ~~تعالى في قصة نوح عن ابنه: # إنه ليس من أهلك.. # [هود: 46]. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم ms6725 أبا لكل من آمن به ~~سمى الله زوجاته أمهات للمؤمنين، فقال سبحانه: # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه ~~أمهاتهم # [الأحزاب: 6]. وما دامت الأزواج أمهات، فالزوج أب، وبناء على هذه الصلة ~~يكون إبراهيم عليه السلام أبا لأمة الإسلام، وإن كان فيهم من ليس من ~~سلالته. # ونجد البعض ممن يحبون الاعتراض على كلام الله يقولون في مسألة أبوة ~~الرسول لأمته: لكن القرآن قال غير ذلك، قال في قصة زيد بن حارثة: # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم.. # [الأحزاب: 40] فنفى أن يكون محمد أبا لأحد، وفي هذا ما يناقض كلامكم. ~~نقول: لو فهمتم عن الله ما اعترضتم على كلامه، فالله يقول: ما كان محمد ~~أبا لأحدكم، بل هو أب للجميع، فالمنفي أن يكون رسول الله أبا لواحد، ~~لا أن يكون أبا لجميع أمته. وقال بعدها: # ولكن رسول الله.. # [الأحزاب: 40] وما دام رسول الله، فهو أب للكل. ثم يقول تعالى عن ~~إبراهيم عليه السلام: { هو سماكم المسلمين من قبل.. } ~~[الحج: 78] يعني: إبراهيم عليه السلام سماكم المسلمين، فكأن هذه مسألة ~~واضحة وأمر معروف أنكم مسلمون منذ إبراهيم عليه السلام: { وفي هذا ~~ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على ~~الناس.. } [الحج: 78]. وفي موضع آخر يحدث تقديم وتأخير، فيقول سبحانه: # لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا # [البقرة: 143]. لماذا؟ قالوا: لأن رسول الله بلغ رسالة الله، وأشهد ~~الله على ذلك حين قال: # " اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد " # أشهد أني بلغت، وهو صلى الله عليه وسلم يريد من أمته أن يكون كل شخص ~~فيها حاملا لهذه الرسالة، مبلغا لها حتى يسمع كلام الرسول من لم ~~يحضره ولم يره، وهكذا يكون الرسول شهيدا على من آمن به، ومن آمن ~~شهيدا على من بلغه. لذلك من شرف أمة محمد أولا أنه لا يأتي بعده ~~رسول لأنهم مأمونون على منهج الله، وكأن الخير لا ينطفىء فيهم أبدا. ~~وقلنا: إن الرسل لا يأتون إلا بعد أن يعم الفساد، ويفقد الناس ~~المناعة الطبيعية التي تحجزهم عن الشر، وكذلك يفقدها المجتمع كله ms6726 فلا ~~ينهى أحد أحدا عن شر عندها يتدخل الحق سبحانه برسول ومعجزة جديدة ليصلح ~~ما فسد. فختام الرسالات بمحمد صلى الله عليه وسلم شهادة أن الخير لا ~~ينقطع من أمته أبدا، ومهما انحرف الناس سيبقى جماعة على الجادة يحملون ~~المنهج ويتمسكون به ويكونون قدوة لغيرهم. لذلك حدد رسول الله هذه ~~المسألة فقال: # " الخير في حصرا، وفي أمتي نثرا " # فالخير كله والكمال كله في شخص رسول الله، ومنثور في أمته. ثم يعود ~~السياق إلى الأمر بالصلاة: { فأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة.. } [الحج: 78] لأنها الفريضة الملازمة للمؤمن، وفيها إعلاء ~~الولاء المكرر في اليوم خمس مرات، وبها يستمر ذكر الله على مدى الزمن ~~كله لا ينقطع أبدا في لحظة من لحظات الزمن حين تنظر إلى العالم كله، ~~وتضم بعضه إلى بعض. والمتأمل في الزمن بالنسبة للحق - تبارك وتعالى - ~~يجده دائما لا ينقطع، فاليوم مثلا عندنا أربع وعشرون ساعة، واليوم عند ~~الله ألف سنة مما تعدون، واليوم في القيامة خمسون ألف سنة، وهناك يوم ~~اسمه يوم الآن أي: اللحظة التي نحن فيها، وهو يوم الله الذي قال عنه: # كل يوم هو في شأن # [الرحمن: 29] لذلك يقول: ما شغل ربك الآن وقد صح أن القلم قد جف؟ ~~قال: " أمور يبديها ولا يبتديها، يرفع أقواما، ويضع آخرين ". فيوم الآن ~~يوم عام، لا هو يوم مصر، ولا يوم سوريا، ولا يوم اليابان إذن: في كل لحظة ~~يبدأ لله يوم ينتهي يوم، فيومه تعالى مستمر لا ينقطع. ونقرأ في الحديث ~~النبوي الشريف: # " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ~~ليتوب مسيء الليل ". # نهار من؟ وليل من؟ فالنهار والليل في الزمن دائم لا ينقطع، وفي كل ~~لحظة من لحظات الزمن ينتهي يوم ويبدأ يوم، وينتهي ليل ويبدأ ليل. إذن: ~~فالله تعالى يده مبسوطة دائما لا يقبضها أبدا، كما قال سبحانه: # بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء # [المائدة: 64]. ثم يقول سبحانه: { واعتصموا بالله } [الحج: ~~78] الجئوا إليه في الشدائد، وهذا يعني أنكم ستواجهون وتضطهدون، فما من ~~حامل منهج ms6727 لله إلا اضطهد، فلا يؤثر فيكم هذا ولا يفت في عضدكم، ~~واجعلوا الله ملجأكم ومعتصمكم في كل شدة تداهمكم، كما قال سبحانه: # لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم # [هود: 43]. واعتصامكم بالله أمر لا تأتون إليه بأنفسكم إنما { هو ~~مولاكم } [الحج: 78] يعني: المتولي لشأنكم، وما دام هو سبحانه ~~مولاكم { فنعم المولى ونعم النصير }. ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1] # لما قال الحق - تبارك وتعالى - في الآية قبل السابقة من سورة الحج # لعلكم تفلحون # [الحج: 77] ولعل تفيد الرجاء، أراد سبحانه أن يؤكد هنا على فلاح ~~المؤمنين فقال: { قد أفلح المؤمنون } [المؤمنون: 1] وأن ~~الرجاء من الله واقع ومؤكد، لذلك جاء بأداة التحقيق { قد } التي تفيد ~~تحقق وقوع الفعل، وهكذا تنسجم بداية سورة المؤمنون مع نهاية سورة الحج. ~~وقوله تعالى هناك # تفلحون # [الحج: 77] وهنا { أفلح } [المؤمنون: 1] مادة فلح مأخوذة من فلاحة ~~الأرض، والفلح هو الشق لذلك قالوا: إن الحديد بالحديد يفلح، وشق ~~الأرض: إهاجتها وإثارتها بالحرث، وهذه العملية هي أساس الزرع، ومن هنا ~~سمي الزرع حرثا في قوله سبحانه: # ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ~~ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * ~~وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل # [البقرة: 204-205]. ومعنى أفلح: فاز بأقصى ما تتطلع إليه النفس من خير. ~~والأرض حين تحرثها تكون خالية ليس فيها شيء يهلك، إذن: المراد بالحرث ~~هنا الزرع الناتج عن عملية الحرث، والتي لا بد منها كي تتم عملية ~~الزراعة لأنك بالحرث تثير التربة ليتخللها الهواء، فيزيد من خصوبتها ~~وصلاحها لاستقبال البذرة، وسبق أن تحدثنا عن عملية الإنبات، وكيف تتم، ~~وأن النبات يتغذى على فلقتي البذرة إلى أن يصبح له جذر قوي يستطيع أن ~~يمتص من التربة، فإن ألقيت البذرة في أرض صماء غير مثارة فإن الجذر يجد ~~صعوبة في اختراق التربة والامتصاص منها. فالحق - تبارك وتعالى - يعطينا ~~صورة من واقعنا المشاهد، ويستعير من فلاحة الأرض ليعبر عن فلاح المؤمن ~~وفوزه بالنعيم المقيم في الآخرة، فالفلاح يحرث أرضه ويسقيها ms6728 ويرعاها ~~فتعطيه الحبة بسبعمائة حبة، وهكذا سيكون الجزاء في الآخرة: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم # [البقرة: 261]. فإذا كانت الأرض المخلوقة لله عز وجل تعطي كل هذا ~~العطاء، فما بالك بعطاء مباشر من خالقك وخالق الأرض التي تعطيك؟ وكما أن ~~الفلاح إذا تعب واجتهد زاد محصوله، كذلك المؤمن كلما تعب في العبادة ~~واجتهد زاد ثوابه وتضاعف جزاؤه في الآخرة. ### || [23.2] # كان أول ظاهرية الفلاح في الصلاة، وما يزال الحديث عنها موصولا بما ~~قاله ربنا في الآيات السابقة: # يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ~~ربكم # [الحج: 77] وقال بعدها: # فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة.. # [الحج: 78]. وهنا جعل أول وصف للمؤمنين الذين أفلحوا { الذين هم ~~في صلاتهم خاشعون } [المؤمنون: 2] فلم يقل مثلا: مؤدون لأن ~~أمر أداء الصلاة في حق المؤمنين مفروغ منه، العبرة هنا بالهيئة والكيفية، ~~العبرة بالخشوع والخضوع وسكينة القلب وطمأنينته واستحضار الله الذي تقف ~~بين يديه. كما تقول لولدك: اجلس أمام المعلم باهتمام، واستمع إليه ~~بإنصات، فأنت لا توصيه بالذهاب إلى المدرسة أو حضور الدرس، فهذا أمر ~~مفروغ منه لذلك تهتم بجوهر الموضوع والحالة التي ينبغي أن يكون عليها. ~~والخشوع أن يكون القلب مطمئنا ساكنا في مهمته هذه، فلا ينشغل بشيء آخر ~~غير الصلاة لأن الله ما جعل لرجل من قلبين في جوفه، وما دام في حضرة ربه ~~عز وجل فلا ينبغي أن ينشغل بسواه، حتى إن بعض العارفين لمعنى الخشوع ~~يقول: إن الذي يتعمد معرفة من على يمينه أو من على يساره في الصف ~~تبطل صلاته. ولما دخل سيدنا عمر - رضي الله عنه - على رجل يصلي ويعبث ~~بلحيته، فضربه على يده وقال: لو خشع قلبك لخشعت جوارحك. ذلك لأن الجوارح ~~تستمد طاقتها من القلب ومن الدم الذي يضخه فيها، فلو شغل القلب عن ~~الجوارح ما تحركت. لذلك لما سأل أحد الفقهاء صوفيا: ما حكم من سها في ~~صلاته؟ قال: حكمه عندنا أم عندكم؟ ms6729 قال: ألنا عند ولكم عند؟ قال: نعم، عند ~~الفقهاء من يسهو في الصلاة يجبره سجود السهو، أما عندنا فمن يسهو في ~~الصلاة نقتله. يعني مسألة كبيرة. ثم ألا يستحق منك ربك وخالقك أن تتفرغ ~~له سبحانه على الأقل وقت صلاتك، وهي خمس دقائق في كل وقت من الأوقات ~~الخمسة، وقد تركك باقي الوقت تفعل ما تشاء؟ اتستكثر على ربك أن تفرغ ~~له قلبك، وأن تستحضره سبحانه، وهذه العملية في صالحك أنت قبل كل شيء، في ~~صالحك أن تكون في جلوة مع ربك تستمد منه سبحانه الطاقة والمعونة، وتتعرض ~~لنفحاته وإشراقاته وتقتبس من أنواره وأسراره؟ ومن حرص أهل التقوى على ~~سلامة الصلاة وتمامها قال أحدهم لصاحبه الذي يحرص على أن يؤم الناس: ~~لماذا تحرص على الإمامة وأنت تعرف أن طالب الولاية لا يولى؟ قال: نعم ~~أحرص عليها لأخرج من الخلاف بين الشافعي الذي قال بقراءة الفاتحة خلف ~~الإمام، وأبي حنيفة الذي قال بأن قراءة الإمام قراءة للمأموم، فأحرص على ~~الإمامة حتى أقرأ أنا، ولا أنشغل بهذا الخلاف. ### || [23.3] # اللغو: الكلام الذي لا فائدة منه، ويطلق أيضا على كل فعل لا جدوى منه، ~~وفي موضع آخر يقول تعالى: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72] لا يشغلون به ولا يأبهون له، وحكى القرآن عن الكفار عند ~~سماعهم القرآن قولهم: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه.. # [فصلت: 26]. لذلك جعل الحق - تبارك وتعالى - من نعيم الجنة: # لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا قيلا ~~سلاما سلاما # [الواقعة: 25-26] كأن من المعايب في الدنيا ومن مصائبها أن نسمع فيها ~~لغوا كثيرا لا فائدة منه، وفي آية أخرى يقول عن خمر الآخرة التي لا ~~تذهب العقل، ولا تجعل صاحبها يهذي بلغو الكلام: # يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم # [الطور: 23]. و { معرضون } [المؤمنون: 3] الإعراض في الأصل تجنب ~~الشيء، وهو صورة لحركة إباء النفس لشيء ما. وأهل المعرفة يضعون للغو ~~مقياسا، فيقولون: كل عمل لا تنال عليه ثوابا من الله فهو لغو. لذلك ~~احرص دائما أن تكون ms6730 حركتك كلها لله حتى تثاب عليها، كصاحبنا الذي دخل ~~عليه رجل وقصده في قضاء أمر من الأمور وهو لا يملك هذا الأمر، لكن أراد ~~أن يستغل فرصة الخير هذه، وأن يكون له ثواب حتى في حركة الامتناع عنه، ~~فرفع يده: اللهم إنه عبد قصد عبدا وأنا آخذ بيده وأقصد ربا، فاجعل ~~تصويب خطئه في قصدي تصويبا لقصدك. يعني: أنا وإن كنت لا أقدر على ~~قضائها إلا أنني أدخل بها على الله من هذه الناحية. ### || [23.4] # الزكاة أولا تطلق على معنى التطهير، كما جاء في قول الحق تبارك وتعالى: # خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها # [التوبة: 103] لأن الغفلة قد تصيب الإنسان حال جمع المال، فيخالط ماله ~~ما فيه شبهة مثلا، فيحتاج إلى تطهير، وتطهير المال يكون بالصدقة منه. ~~والزكاة بمعنى النماء، فبعد أن تطهر المال تنميه وتزيده، كما جاء في ~~قوله تعالى: # قد أفلح من زكاها # [الشمس: 9] يعني: نمى ملكة الخير فيها، ورقاها وصعدها بأن ينظر ~~إلى العمل إن كان سينقص منك في الظاهر، إلا أنه سيجلب لك الخير فيما ~~بعد، فترتقي بذلك ملكات الخير في نفسك. لذلك لما تكلم الحق سبحانه عن ~~الربا، وهو الزيادة جمع المتناقضات في آية واحدة، فالربا يزيد المال ~~ويأخذ المرابي المائة مائة وعشرا، في حين تنقص الزكاة من المال في ~~الظاهر، فالمائة بعد الزكاة تصبح سبعة وتسعين ونصفا، ثم تأتي الآية لتضع ~~أمامك المقياس الحقيقي: # يمحق الله الربا ويربي الصدقات # [البقرة: 276]، فالربا الذي تظنه زيادة هو محق، والذي تظنه نقصا هو ~~بركة وزيادة ونماء. وفي آية أخرى يقول تعالى: # ومآ آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا ~~يربو عند الله ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه ~~الله فأولئك هم المضعفون # [الروم: 39] أي: الذين يضاعف الله لهم ويزيدهم. وكما أمرنا ربنا - تبارك ~~وتعالى - بالخشوع في الصلاة أمرنا كذلك في الزكاة، فلم يقل: مؤدون. ولكن ~~{ فاعلون } [المؤمنون: 4] وهذه من تربية مقامات العبادة في الإنسان، ~~فأنت حين تصلي ينبغي أن تخشع وتخضع في صلاتك لله، وكذلك ms6731 حين تزكي ~~ترقي ملكة الخير في نفسك، فحين تعمل وتسعى لا تعمل على قدر حاجتك، ~~وإنما على قدر طاقتك، فتأخذ من ثمرة سعيك حاجتك، وفي نيتك أن تخرج ~~من الباقي زكاة مالك وصدقتك، فالزكاة - إذن - في بالك وفي نيتك بداية. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { والذين هم لفروجهم... }. ### || [23.5] # الفروج: جمع فرج، والمقصود سوءتا كل من الرجل والمرأة، وقد أمر ~~الله تعالى بحفظها على المهمة التي خلقت من أجلها، ومهمة هذه الأعضاء ~~إما إخراج عادم الجسم من بول أو غائط، أو العملية الجنسية وهدفها حفظ ~~النسل، وعلى الإنسان أن يحفظ فرجه على ما أحله له في قوله تعالى: { ~~إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم... }. ### || [23.6] # أي: يحفظون فروجهم إلا على أزواجهم لأن الله أحلها { أو ما ملكت ~~أيمانهم } [المؤمنون: 6] وملك اليمين حلال لم يعد له موضع، ولم ~~يعد له وجود الآن، وقد حرم هذا القانون البشري الدولي، فلم يعد هناك ~~إماء كما كان قبل الإسلام، فهذا حكم معطل لم يعد له مدلول، وفرق بين ~~أن يعطل الحكم لعدم وجود موضوعه وبين أن يلغى الحكم، فملك اليمين ~~حكم لم يلغ، الحكم قائم إنما لا يوجد له موضوع. ولتوضيح هذه المسألة: ~~هب أنك في مجتمع كله أغنياء، ليس فيهم فقير ولا مستحق للزكاة عندها ~~تقول: حكم الزكاة معطل، فهي كفريضة موجودة، لكن ليس لها موضوع. وبعض ~~السطحيين يقولون: لقد ألغى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سهام المؤلفة ~~قلوبهم، والحقيقة أنه ما ألغى ولا يملك أن يلغي حكما من أحكام الله، ~~إنما لم يجد أحدا من المؤلفة قلوبهم ليعطيه، فالحكم قائم لكن ليس له ~~موضوع، بدليل أن حكم تأليف القلوب قائم ومعمول به حتى الآن في بلاد ~~المسلمين، وكثيرا ما نحاول تأليف قلوب بعض الكتاب وبعض الجماعات ~~لنعطفها نحو الإسلام، خاصة وغيرنا يبذلون قصارى جهودهم في ذلك. إذن: ~~فسهم المؤلفة قلوبهم ما زال موجودا ويعمل به. كما نسمع من يقول: ~~إن عمر - رضي الله عنه - عطل حد السرقة في عام الرمادة، وهذا ms6732 ادعاء ~~مخالف للحقيقة لأنه ما عطل هذا الحد إنما عطل نصا وأحيا نصا لأن ~~القاعدة الشرعية تقول: ادرأوا الحدود بالشبهات. وما دام قد سرق ليسد ~~جوعته فلم يصل إلى نصاب السرقة، فالسرقة تكون بعد قدر يكفي الضرورة. ~~ولقائل أن يقول: إذا دارت حرب بين المؤمنين والكافرين وأسروا منا وأسرنا ~~منهم، ألا يوجد حينئذ ملك اليمين؟ نقول: نعم يوجد ملك اليمين، لكن ~~ستواجهك قوانين دولية ألزمت نفسك بها وارتضيتها تقول بمنع الرق وعليك ~~الالتزام بها، لكن إن وجد الرق فملك اليمين قائم وموجود. وهذه ~~المسألة يأخونها سبة في الإسلام، وكيف أنه يبيح للسيد كذا وكذا من ~~ملك يمينه. وهذا المأخذ ناشىء عن عدم فهم هؤلاء للحكمة من ملك ~~اليمين، وأن كرامة المملوكة ارتفعت بهذه الإباحة، فالمملوكة أخذت في ~~حرب أو خلافه، وكان في إمكان من يأخذها أن يقتلها، لكن الحق سبحانه حمى ~~دمها، ونمى في النفس مسألة النفعية، فأباح لمن يأسرها أن ينتفع بها ~~وأحلها له أيضا. ولك أن تتصور هذه الأمة أو الأسيرة في بيت سيدها ~~ومعه زوجة أو أكثر وهي تشاهد هذه العلاقات الزوجية في المجتمع من حولها، ~~إن من حكمة الله أن أباح لسيدها معاشرتها لأنها لن ترى لربة البيت بعد ~~ذلك مزية عليها لأنهما أصبحا سواء، فإذا ما حملت من سيدها فقد أصبحت ~~حرة بولدها، وكأن الحق سبحانه يسير الأمور تجاه العتق والحرية. ~~ألا تراه بعد هذا يفتح باب العتق ويعدد أسبابه، فجعله أحد مصارف ~~الزكاة وبابا من أبواب الصدقة وكفارة لبعض التجاوزات التي يرتكبها ~~الإنسان. ثم يقول سبحانه: { فإنهم غير ملومين } [المؤمنون: ~~6] يعني: لا نمدحهم ولا نذمهم، وكأن المسألة هذه في أضيق نطاق. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { فمن ابتغى ورآء ذلك... }. ### || [23.7] # { ابتغى }: طلب، { ورآء ذلك }: غير ما ذكرناه من الأزواج ~~وملك اليمين. وسبق أن ذكرنا أن كلمة { ورآء } استعملت في القرآن ~~لمعان عدة، فهي هنا بمعنى غير الأزواج وملك اليمين. ومن ذلك أيضا ~~قوله سبحانه: # .. وأحل لكم ما وراء ذلكم # [النساء: 24] يعني: حرمت عليكم كذا ms6733 وكذا، وأحللت لكم غير ما ~~ذكر. وتستعمل وراء بمعنى بعد لأن الغيرية قد تتحد في الزمن، فيوجد ~~الاثنان في وقت واحد، أما البعدية فزمنها مختلف، كما في قوله تعالى: # وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن ~~ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71] يعني: من بعده لأن الزمن مختلف. وتأتي وراء بمعنى: خلف، كما ~~في قوله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ~~ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما ~~يشترون # [آل عمران: 187] يعني: جعلوه خلف ظهورهم. وتأتي وراء أيضا بمعنى أمام، ~~كما في قوله تعالى: # وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # [الكهف: 79] ومعلوم أن الملك كان أمامهم ينتظر كل سفينة تمر به ~~فيأخذها غصبا. وقوله تعالى: # من ورآئه جهنم.. # [ابراهيم: 16] وجهنم أمامه، وستأتي فيما بعد، ولم تمض فتكون خلفه. ~~ومعنى: { فأولئك هم العادون.. } [المؤمنون: 7] أي: ~~المعتدون المتجاوزون لما شرع لهم، وربنا - تبارك وتعالى - حينما ~~يحذرنا من التعدي يفرق بين التعدي في الأوامر، والتعدي في النواهي، ~~فإن كان في الأوامر يقول: # فلا تعتدوها # [البقرة: 229]. وإن كان في النواهي يقول: # فلا تقربوها # [البقرة: 187]. ثم يقول الحق سبحانه: { والذين هم ~~لأماناتهم وعهدهم... }. ### || [23.8] # { راعون }: يعني يحافظون عليها ويراعونها بالتنفيذ، والأمانة: كل ما ~~استؤمنت عليه، وأول شيء استؤمنت عليه عهد الإيمان بالله الذي أخذه ~~الله عليك، وما دمت قد آمنت بالإله فعليك أن تنفذ أوامره. إذن: ~~هناك أمانة للحق وأمانة للخلق، أمانة الحق التي قال الله تعالى عنها: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. فما دمت قد قبلت تحمل الأمانة، فعليك الأداء. أما ~~العهد: فكل ما يتعهد به الإنسان في غير معصية ويلزمه الوفاء بما عاهد به ~~لأنك حين تعاهد إنسانا على شيء فقد ربطت حركته وقيدتها في دائرة إنفاذ ~~هذا العهد، فحين تقول لي: سأقابلك غدا في المكان الفلاني في الوقت ~~الفلاني لعمل كذا وكذا، فإنني سأرتب حركة حياتي بناء على هذا الوعد، ~~فإذا أخلفت ms6734 وعدك فقد أطلقت نفسك في زمنك وتصرفت حسب راحتك، وقيدت ~~حركتي أنا في زمني وضيعت مصالحي، وأربكت حركة يومي لذلك شدد الإسلام ~~على مسألة خلف الوعد. ### || [23.9] # في الآيات السابقة تحدث عن الصلاة من حيث هيئة الخشوع والخضوع فيها، ~~وهنا يذكر الصلاة من حيث أدائها والحفاظ عليها لأن الحفظ يعني أن تأخذ كل ~~وقت من أوقات الصلاة بميلاده وميلاد الأوقات بالأذان، لكن البعض يقولون: ~~إن الوقت ممتد، فالظهر مثلا ممتد من أذان الظهر إلى قبل أذان ~~العصر، وهكذا في باقي الصلوات. نقول: نعم هذا صحيح والوقت ممتد، لكن ~~من يضمن لك الحياة إلى آخر الوقت؟ من يضمن لك أن تصلي العشاء مثلا ~~قبل أذان الفجر؟ نعم، تظل غير آثم إلى آخر لحظة إذا تمكنت من الصلاة ~~وصليت، لكن هل تضمن هذا؟ كالذي يستطيع أن يحج، إلا أنه أخر الحج إلى ~~آخر أيامه، فإن حج فلا شيء عليه، لكنه لا يضمن البقاء إلى أن يحج لذلك ~~يجب المبادرة بالحج عند أول استطاعة حتى لا تأثم إن فاتك وأنت قادر. ### || [23.10] # { أولئك } [المؤمنون: 10] يعني: أصحاب الصفات المتقدمة، وهم ستة ~~أصناف: الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم ~~للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون. هؤلاء هم الوارثون، والإرث: ~~أخذ حق من غير عقد أو هبة لأن أخذ مال الغير لا بد أن يكون إما ~~ببيع وعقد، وإما هبة من صاحب المال. لذلك سألوا الوارث: أهذا حقك؟ قال: ~~نعم، قالوا: فما صكك عليه؟ يعني: أين العقد الذي أخذته به؟ قال: عقدي ~~وصكي: # يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين # [النساء: 11] فهو عقد أوثق وأعلى من تعاقد البشر. وما دام عقدي من الحق ~~- تبارك وتعالى - فلا تقل: إن الميراث مأخوذ بغير عقد لأنه قائم على ~~أوثق العقود، وهو العقد من الله. وكثيرا ما يخرج الناس في مسألة الميراث ~~عما شرع الله حبا في المال واستئثارا به، أو بخلا على ms6735 من جعل له ~~الشرع نصيبا، فمن كان عنده البنون والبنات يعطي البنين ويحرم البنات، ~~ومن كان عنده بنات يكتب لهن ما يملك حتى يحرم إخوته وأعمامهم من ~~حقهم في ماله، وهذا كثيرا ما يحدث في المجتمع. ويجب عليك أن تتنبه ~~لمسألة الميراث وتحترم شرع الله فيه وتقسيم الله للمال، فقد وهبك الله ~~المال وتركك تتصرف فيه طوال حياتك، وليس لك أن تتصرف فيه أيضا بعد موتك، ~~عليك أن تدع المال لصاحبه وواهبه يتصرف فيه لذلك قال الله تعالى عن ~~الإرث: # فريضة من الله # [النساء: 11] يعني: ليست من أحد آخر، وما دامت فريضة من الله فعليك أن ~~تمتثل لها وتنفذها، وحين تتأبى عليها فإنك تتأبى على الله وترفض ~~قسمته. والمتأمل في مسألة الإرث يجد الخير كل الخير فيما شرعه الله، ~~ومن كان يحب البنين فليعط البنات حتى لا يفسد علاقة أولاده من بعده، ~~ويأتي إلينا بعض الرجال الذين أخذوا كل مال أبيهم وحرموا منه البنات، ~~يقولون: نريد أن نصحح هذا الخطأ ونعيد القسمة على ما شرع الله. ونجد ~~عند بعض الناس إشراقات إيمانية، فإن رفض بعض الإخوة إعادة التقسيم على ~~شرع الله يقول: أنا أتحمل ميراث أخواتي من مالي الخاص، ومثل هؤلاء يفتح ~~الله عليهم ويبارك لهم فيما بقي لأنهم جعلوا اعتمادهم على الله فيزيدهم ~~من فضله ويربي لهم القليل حتى يصير كثيرا، أما من اعتمد على ما في ~~يده فإن الله يكله إليه. ونعجب من الذي يجعل ماله للبنات ليحرم منه ~~إخوته، نقول له: أنت لست عادلا في هذا التصرف، يجب أن تعاملهم بالمثل، ~~فلو تركت بناتك فقراء لا مال لهن، فمن يعولهن ويرعاهن من بعدك؟ ~~يعولهن الأعمام. # إذن: لتكن معاملة بالمثل. والحق - تبارك وتعالى - حين يورث هذه ~~الأصناف يورثهم بفضله وكرمه، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~بقوله: # " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # أما قوله تعالى: # ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون # [النحل: ms6736 32] فهذا خاص بمجرد دخول الجنة، أما الزيادة فهي من فضل الله # ويزيدهم من فضله # [النساء: 173]. ومن أسمائه تعالى الوارث وقال: # وأنت خير الوارثين # [الأنبياء: 89] فماذا يرث الحق سبحانه وتعالى منا؟ لقد خلق الله ~~الخلق، وأعطى للناس أسباب ملكيته، ووزع هذه الملكية بين عباده: هذا ~~يملك كذا، وهذا يملك كذا من فضل الله تعالى. فإذا كان يوم القيامة عاد ~~الملك كله إلى صاحبه، وكان الحق سبحانه وتعالى هو الوارث الوحيد يوم ~~يقول: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. والله خير الوارثين لأن الوارث يأخذ ما ورثه لينتفع هو به، ~~لكن الحق سبحانه يرث ما تركه للغير ليعود خيره عليهم ويزيدهم، ويعطيهم ~~أضعافا مضاعفة، وإذا كان يعطيهم في الدنيا بأسباب فإنه في الآخرة يرث ~~هذه الأسباب، ويعطيهم من فضله بلا أسباب، حيث تعيش في الجنة مستريحا لا ~~تعب ولا نصب ولا سعي، وما يخطر ببالك تجده بين يديك دون أن تحرك ~~ساكنا. إذن: البشر يرثون ليأخذوا، أما الحق سبحانه فيرث ليعطي لذلك فهو ~~خير الوارثين. فأي شيء يرثه المؤمنون الذين توفرت فيهم هذه الصفات؟ ~~يجيب الحق سبحانه: { الذين يرثون الفردوس... }. ### || [23.11] # إذن: الحق سبحانه ورثهم في الفانية ليعطيهم الفردوس الخالد في الآخرة، ~~والفردوس أعلى الجنة، فورث الحق لينفع عباده ويصعد النفع لهم، ففي ~~الدنيا كنا ننتفع بالأسباب، وفي الآخرة ننتفع بغير أسباب، الحق ورث ~~ليعطي، لا مثل ما أخذ إنما فوق ما أخذ لأننا نأخذ في الميراث ما يفنى، ~~ولله تعالى يعطينا في ميراثه ما يبقى. لكن ممن يرثون الفردوس؟ قالوا: ~~الحق - تبارك وتعالى - عندما خلق الخلق، وجعل فيهم الاختيار بين ~~الإيمان والكفر، وبين الطاعة والمعصية رتب على ذلك أمورا، فجعل الجنة ~~على فرض أن الخلق كلهم مؤمنون، بحيث لو دخلوا الجنة جميعا ما كانت ~~هناك أزمة أماكن ولا زحام، وكذلك جعل النار على فرض أن الخلق كلهم ~~كافرون، فلو كفر الناس جميعا لكان لكل منهم مكانه في النار. وعليه فحين ~~يدخل أهل الجنة الجنة يتركون أماكنهم في النار، وحين يدخل ms6737 أهل النار ~~النار يتركون أماكنهم في الجنة، فيرث أهل النار الأماكن الشاغرة فيها، ~~ويرث أهل الجنة الأماكن الشاغرة فيها. والفردوس أعلى مكان في الجنة، لذلك ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول # " إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة " # ذلك لأن الفردوس جنة على أعلى ربوة في الجنة. يعني: في مكان مميز ~~منها، والعلو في مسألة المسكن والجنان أمر محبوب في الدنيا، الناس يحبون ~~السكنى في الأماكن العالية، حيث نقاء الهواء ونقاء الماء، ألا تراهم ~~يزرعون في المرتفعات، وإن كانت الأرض مستوية يجعلون فيها مصارف منخفضة ~~تمتص الماء الزائد الذي يفسد الزرع لذلك يقول سبحانه: # كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ~~ضعفين # [البقرة: 265]. كذلك الأرض المرتفعة لا تسقى بالماء الغمر، إنما ~~تسقى من ماء السماء الذي يغسل الأوراق قبل أن يروي الجذور، فيكون ~~النبات على أفضل ما يكون لذلك يقول عنها رب العزة: # فآتت أكلها ضعفين # [البقرة: 265]. ومعلوم أن الأوراق هي رئة النبات، وعليها تقوم عملية ~~التمثيل الضوئي التي يصنع منها النبات غذاءه، فإذا ما سدت مسام ~~الأوراق وتراكم عليها الغبار فإن ذلك يقلل من قدرة النبات على التنفس، ~~مثل الإنسان حينما يصاب بشيء في رئته تزعجه وتقلل من كفاءته. وفي ~~الفردوس ميزة أخرى هي أن الحق سبحانه وتعالى هو الذي غرس شجرها بيده، كما ~~كرم آدم عليه السلام فخلقه بيده تعالى، فقال: # يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي.. # [ص: 75]. ويروى أن الحق - تبارك وتعالى - لما خلق الفردوس، وغرس ~~أشجارها بيده قال للفردوس: تكلمي، فلما تكلمت الفردوس قالت: # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1]. ثم يقول تعالى: { هم فيها خالدون } [المؤمنون: ~~11] لأن نعيم الجنة باق ودائم لا ينقطع، وقد عرفنا أن نعيم الدنيا موقوت ~~مهما أوتي الإنسان منه، فإنه منقطع زائل، إما أن يتركك بالفقر ~~والحاجة، وإما أن تتركه أنت بالموت، لذلك يقول تعالى في نعيم الآخرة: # لا مقطوعة ولا ممنوعة # [الواقعة: 33]. وهكذا نلحظ على استهلال هذه السورة أن الحق سبحانه بدأ ~~بالكلام عن الفلاح في ms6738 الآخرة كأنه قدم ثمرة الإيمان أولا، ووضع الجزاء ~~بداية بين يديك كأنه سبحانه يقول لك: هذا جزاء من آمن بي واتبع منهجي. ~~كما جاء في قوله تعالى في استهلال سورة الرحمن: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه ~~البيان # [الرحمن: 1-4] كيف وقد خلق الله الإنسان أولا، ثم علمه القرآن؟ ~~قالوا: لأن الذي يصنع صنعة يضع لها قانونها، ويحدد لها مهمتها أولا ~~قبل أن يشرع في صناعتها، فمثلا - ولله المثل الأعلى - الذي يصنع ~~الثلاجة، قبل أن يصنعها حدد عملها ومهمتها وقانون صيانتها والغاية منها. ~~والقرآن هو منهج الإنسان، وقانون صيانته في حركة الحياة لذلك خلق الله ~~المنهج ووضع قانون الصيانة قبل أن يخلق الإنسان. ### || [23.12] # سبق أن تكلمنا عن خلق الإنسان، وعرفنا أن الخالق - عز وجل - خلق ~~الإنسان الأول، وهو آدم عليه السلام من طين، ومن أبعاضه خلق زوجه، ثم ~~بالتزاوج جاء عامة البشر كما قال تعالى: # وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء # [النساء: 1]. ومسألة خلق السماء والأرض والناس مسألة احتفظ الله بها، ~~ولم يطلع عليها أحد، كما قال سبحانه: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. فلا تصغ إلى هؤلاء المضلين في كل زمان ومكان، الذين ~~يدعون العلم والمعرفة، ونسمعهم يقولون: إن العالم كان كتلة واحدة تدور ~~بسرعة فانفصل عنها أجزاء كونت الأرض.. الخ وعن الإنسان يقولون: كان ~~أصله قردا، إلى آخر هذه الخرافات التي لا أساس لها من الصحة. لذلك ~~أعطانا الله تعالى المناعة الإيمانية التي تحمينا أن ننساق خلف هذه ~~النظريات، فأخبرنا سبحانه خبر هؤلاء وحذرنا منهم لأنهم ما شهدوا شيئا من ~~الخلق، ولم يتخذهم الله أعوانا فيقولون مثل هذا الكلام. إذن: هذا أمر ~~استأثر الله بعلمه، فلا تأخذوا علمه إلا مما أخبركم الله به. وكلمة ~~الإنسان اسم جنس تطلق على المفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث، فكل ~~واحد منا إنسان، بدليل أن الله تعالى استثنى من المفرد اللفظ جمعا في ~~قوله تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا.. # [العصر: 1-3] ms6739 فاستثنى من المفرد الجماعة. ومعنى { خلقنا } ~~[المؤمنون: 12] أوجدنا من عدم، وسبق أن قلنا: إن الله تعالى أثبت للبشر ~~صفة الخلق أيضا مع الفارق بين خلق الله من عدم وخلق البشر من ~~موجود، وخلق الله فيه حركة وحياة فينمو ويتكاثر، أما ما يخلق البشر ~~فيجمد على حاله لا يتغير لذلك وصف الحق سبحانه ذاته فقال: { فتبارك ~~الله أحسن الخالقين } [المؤمنون: 14]. أما قول القرآن ~~حكاية عن عيسى عليه السلام: # أخلق لكم من الطين كهيئة الطير.. # [آل عمران: 49] فهذه من خاصياته عليه السلام، والإيجاد فيها بأمر من ~~الله يجريه على يد نبيه. فالمعنى: { ولقد خلقنا الإنسان.. } ~~[المؤمنون: 12] أي: الإنسان الأول، وهو آدم عليه السلام { من سلالة ~~من طين } [المؤمنون: 12] والسلالة: خلاصة الشيء تسل منه كما ~~يسل السيف من غمده أي: الجراب الذي يوضع فيه، فالسيف هو الأداة ~~الفتاكة الفاعلة، أما الغمد فهو مجرد حافظ وحامل لهذا الشيء الهام. ~~فالسلالة - إذن - هي أجود ما في الشيء، وقد خلق الله الإنسان الأول من ~~أجود عناصر الطين وأنواعه، وهي زبد الطين، فلو أخذت قبضة من الطين ~~وضغطت عليها بين أصابعك يتفلت منها الزبد، وهو أجود ما في الطين ~~ويبقى في قبضتك بقايا رمال وأشياء خشنة. # " ولما أحب سيدنا حسان بن ثابت أن يهجو قريشا لمعاداتهم لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: إئذن لي يا رسول الله أن أهجوهم من على ~~المنبر فقال صلى الله عليه وسلم: أتهجوهم وأنا منهم؟ فقال حسان: أسلك ~~منهم كما تسل الشعرة من العجين ". # وتطلق السلالة على الشيء الجيد فيقولون: فلان من سلالة كذا، وفلان ~~سليل المجد. يعني: في مقام المدح، حتى في الخيل يحتفظون لها بسلالات ~~معروفة أصيلة ويسجلون لها شهادات ميلاد تثبت أصالة سلالتها، ومن هنا ~~جاءت شهرة الخيل العربية الأصيلة. وقد أثبت العلم الحديث صدق هذه ~~الآية، فبالتحليل المعملي التجريبي أثبتوا أن العناصر المكونة للإنسان ~~هي نفسها عناصر الطين، وهي ستة عشر عنصرا، تبدأ بالأكسوجين، وتنتهي ~~بالمنجنيز، والمراد هنا التربة الطينية الخصبة الصالحة للرزاعة لأن ~~الأرض عامة بها ms6740 عناصر كثيرة قالوا: مائة وثلاثة عشر عنصرا. ### || [23.13] # يعني: بعد أن جعلناه بشرا مستويا فيه روح جعلناه يتكاثر من نفسه، ~~وكما خلقناه من خلاصة الطين في الإنسان الأول نخلقه في النسل من خلاصة ~~الماء وأصفى شيء فيه، وهي النطفة لأن الإنسان يأكل ويشرب ويتنفس، والدم ~~يمتص خلاصة الغذاء، والباقي يخرج على هيئة فضلات، ثم يصفى الدم ويرشح ~~في الرئة وفي الكلى، ومن خلاصة الدم تكون طاقة الإنسان وتكون النطفة التي ~~يخلق منها الإنسان. إذن: فهو حتى في النطفة من سلالة منتقاة. والنطفة ~~التي هي أساس خلق الإنسان تعيش في وسط مناسب هو السائل المنوي، لذلك ~~قال سبحانه: # ألم يك نطفة من مني يمنى # [القيامة: 37] ثم جعلنا هذه النطفة { في قرار مكين } [المؤمنون: ~~13] قرار: يعني مستقر تستقر فيه النطفة، والقرار المكين هو الرحم خلقه ~~الله على هذه الهيئة، فحصنه بعظام الحوض، وجعله معدا لاستقبال هذه ~~النطفة والحفاظ عليها. ### || [23.14] # يقول العلماء: بعد أربعين يوما تتحول هذه النطفة إلى علقة، وسميت ~~كذلك لأنها تعلق بجدار الرحم، والعلماء يسمونها الزيجوت، وهي عبارة عن ~~بويضة مخصبة، وتبدأ في أخذ غذائها منه. ومن عجائب قدرة الله في تكوين ~~الإنسان أن المرأة إذا لم تحمل ينزل عليها دم الحيض، فإذا ما حملت لا ~~ترى الحيض أبدا، لماذا؟ لأن هذا الدم ينزل حين لم تكن له مهمة ولا ~~تستفيد به الأم، أما وقد حدث الحمل فإنه يتحول بقدرة الله إلى غذاء لهذا ~~الجنين الجديد. ثم يقول سبحانه: { فخلقنا العلقة مضغة.. } ~~[المؤمنون: 14] وهي قطعة صغيرة من اللحم على قدر ما يمضغ، وسبق أن ~~قلنا: إن المضغة تنقسم بعد ذلك إلى مخلقة وغير مخلقة، كما قال ~~تعالى في الآية الأخرى: # ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين ~~لكم.. # [الحج: 5] هذا على وجه التفصيل، أما في الآية التي معنا فيحدثنا عن ~~أطوار الخلق عامة، حتى لا نظن أن القرآن فيه تكرار كما يدعي البعض. ~~المضغة المخلقة هي التي يتكون منها جوارح الإنسان وأعضاؤه، وغير ~~المخلقة تظل كما قلنا: احتياطيا لصيانة ms6741 ما يتلف من الجسم، كما يحدث ~~مثلا في الجروح وما شابه ذلك من عطب يصيب الإنسان، فتقوم غير المخلقة ~~بدورها الاحتياطي. ثم يقول تعالى: { فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر.. } ~~[المؤمنون: 14] لأنه كان في كل هذه الأطوار: النطفة، ثم العلقة، ثم ~~المضغة، ثم العظام واللحم ما يزال تابعا لأمه متصلا بها ويتغذى منها، ~~فلما شاء الله له أن يولد ينفصل عن أمه ليباشر حياته بذاته ولذلك نجد ~~لحظة انفصال الجنين عن أمه في عملية الولادة مسألة صعبة لأنه سيستقبل ~~حياة ذاتية تستلزم أن تعمل أجهزته لأول مرة، وأول هذه الأجهزة جهاز ~~التنفس. ومن رحمة الله بالجنين أن ينزل برأسه أولا ليستطيع التنفس، ثم ~~يخرج باقي جسمه بعد ذلك، فإن حدث العكس ونزل برجليه فربما يموت لأنه ~~انفصل عن تبعيته لأمه، وليس له قدرة على التنفس ليحتفظ بحياته الذاتية ~~الجديدة لذلك في هذه الحالة يلجأ الطبيب إلى إجراء عملية قيصرية لإنقاذ ~~الجنين من هذا الوضع، وقبل أن يختنق. ولما كانت مسألة خلق الإنسان فيها ~~كثير من العبر والآيات ودلائل القدرة طوال هذه المراحل التي يتقلب ~~فيها الإنسان، ناسب أن تختم الآية بقوله تعالى: { فتبارك الله ~~أحسن الخالقين } [المؤمنون: 14] لأنك حين تقف وتتأمل قدرة الله ~~في خلق الإنسان لا تملك إلا أن تقول: سبحان الله، تبارك الله الخالق. # " لذلك يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قرأ هذه الآية سبق ~~عمر فقال فتبارك الله أحسن الخالقين فقال صلى الله عليه وسلم للكاتب: ~~اكتبها فقد نزلت " # ، لأنها انفعال طبيعي لقدرة الله، وعجيب صنعه، وبديع خلقه، وهذا نوع ~~من التجاوب بين السليقة العربية واللسان العربي وبين أسلوب القرآن الذي ~~جاء بلسان القوم. ويقال: إن سيدنا معاذ بن جبل نطق بها أيضا، وكذلك نطق ~~بها رجل آخر هو عبد الله بن سعد بن أبي السرح، مع اختلاف في نتيجة هذا ~~النطق: لما نطق بها عمر ومعاذ رضي الله عنهما كان استحسانا وتعجبا ~~ينتهي إلى الله، ويقر له سبحانه بالقدرة ms6742 وبديع الصنع. أما ابن أبي ~~السرح فقد قالها كذلك تعجبا، لكن لما وافق قوله قول القرآن أعجب ~~بنفسه، وادعى أنه يوحى إليه كما يوحى إلى محمد، ولم لا وهو يقول كما ~~يقول القرآن، ومع ذلك هو ما يزال مؤدبا يدعي مجرد أنه يوحى إليه، لكن ~~زاد تعاليه وجره غرور إلى أن قال: سأنزل مثلما أنزل الله، فليس ~~ضروريا وجود الله في هذه المسألة، فارتد والعياذ بالله بسببها، وفيه ~~نزل قول الله تعالى: # ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال ~~أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل ~~مثل مآ أنزل الله.. # [الأنعام: 93]. # " وظل ابن أبي السرح إلى فتح مكة حيث شفع فيه عثمان رضي الله عنه عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى رسول الله حرص عثمان عليه سكت، ~~ولم يقل فيه شيئا، وعندها أخذه عثمان رضي الله عنه وانصرف، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لصحابته: " أما كان فيكم من يجهز عليه؟ " فقالوا: ~~يا رسول الله لو أومأت لنا برأسك؟ يعني: أشرت إلينا بهذا، انظر هنا ~~إلى منطق النبوة، قال صلى الله عليه وسلم: " لا ينبغي أن يكون لنبي خائنة ~~الأعين " # يعني: هذا تصرف لا يليق بالأنبياء، فلو فعلتموها من أنفسكم كان لا ~~بأس. ثم بعد ذلك تحل بركة عثمان على ابن أبي السرح فيؤمن ويحسن ~~إسلامه، ثم يولي مصر، ويقود الفتوحات في إفريقيا، ويتغلب على الضجة ~~التي أثاروها في بلاد النوبة، وكأن الله تعالى كان يدخره لهذا الأمر ~~الهام. وبعد هذه العجائب التي رأيناها في مراحل خلق الإنسان وخروجه إلى ~~الحياة والإقرار لله تعالى بأنه أحسن الخالقين، يذكرنا سبحانه بأن هذه ~~الحياة لن تدوم، فيقول تبارك وتعالى: { ثم إنكم بعد... }. ### || [23.15] # ولك أن تسأل: كيف يحدثنا الحق - تبارك وتعالى - عن مراحل الخلق، ~~ثم يحدثنا مباشرة عن مراحل الموت والبعث؟ نقول: جعلهما الله تعالى ~~معا لتستقبل الحياة وفي الذهن وفي الذاكرة ما ينقض هذه الحياة، حتى ~~لا تتعالى ولا تغفل عن هذه النهاية ولتكن ms6743 على بالك، فترتب حركة ~~حياتك على هذا الأساس. ومن ذلك أيضا قول الله تعالى: # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا.. # [الملك: 1-2] كأنه سبحانه ينعى إلينا أنفسنا قبل أن يخلق فينا الحياة، ~~وقدم الموت على الحياة حتى تستقبل الحياة وتستقبل قبلها الموت الذي ~~ينقضها فلا تغتر بالحياة، وتعمل لما بعد الموت. وقد خاطب الحق - سبحانه ~~وتعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30] البعض يظن أن ميت بالتشديد يعني من مات بالفعل، وهذا ~~غير صحيح، فالميت بتشديد الياء هو ما يؤول أمره إلى الموت، وإن كان ما ~~يزال على قيد الحياة، فكلنا بهذا المعنى ميتون، أما الذي مات بالفعل ~~فهو ميت بسكون الياء، ومنه قول الشاعر: # ليس من مات فاستراح بميت # إنما الميت ميت الأحياء # ومعنى: { بعد ذلك } [المؤمنون: 15] يعني: بعد أطوار الخلق التي ~~تقدمت من خلق الإنسان الأول من الطين إلى أن قال سبحانه: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. والمتأمل في هذه الآية وهي تحدثنا عن الموت الذي لا ~~ينكره أحد ولا يشك فيه أحد، ومع ذلك أكدها الحق - تبارك وتعالى - ~~بأداتين من أدوات التوكيد: { ثم إنكم بعد ذلك لميتون ~~} [المؤمنون: 15] فأكدها بإن وباللام، ومعلوم أننا لا نلجأ إلى التوكيد ~~إلا حين يواجهنا منكر، فيأتي التأكيد على قدر ما يواجهك من إنكار، أما ~~خالي الذهن فلا يحتاج إلى توكيد. تقول مثلا لخالي الذهن الذي لا يشك في ~~كلامك: يجتهد محمد، فإن شك تؤكد له بالجملة الاسمية التي تفيد ثبوت ~~واستقرار الصفة: محمد مجتهد، وتزيد من تأكيد الكلام على قدر الإنكار، ~~فتقول: إن محمدا مجتهد، أو إن محمدا لمجتهد، أو والله إن محمدا ~~لمجتهد. هذه درجات للتأكيد على حسب حال من تخاطبه. إذن: أكد الكلام ~~عن الموت الذي لا يشك فيه أحد، فقال: { ثم إنكم بعد ذلك ~~لميتون } [المؤمنون: 15] ومع ذلك لما تكلم عن البعث وهو محل ~~الشك والإنكار قال سبحانه: { ثم إنكم يوم... }. ### || [23.16] ms6744 # ولم يقل: لتبعثون كما قال # لميتون # [المؤمنون: 15] فكيف يؤكد ما فيه تصديق وتسليم، ولا يؤكد ما فيه إنكار؟ ~~قالوا: نعم لأن المتكلم هو الله تعالى، الذي يرى غفلتكم عن الموت رغم ~~وضوحه، فلما غفلتم عنه كنتم كالمكذبين به المنكرين له، لذلك أكد عليه، ~~لذلك يقال: " ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت " فالكل ~~يعلم الموت ويعاينه، لكن يبعده عن نفسه، ولا يتصوره في حقه. أما البعث ~~والقيامة فأدلتها واضحة لا يصح لأحد أن ينكرها لذلك جاءت دون توكيد: { ~~ثم إنكم يوم القيامة تبعثون } [المؤمنون: 16] فأدلة ~~البعث أوضح من أن يقف العقل فيها أو ينكرها لذلك سأطلقها إطلاقا دون ~~مبالغة في التوكيد، أما من يتشكك فيه أو ينكره، فهذا نؤكد له الكلام، ~~فانظر إلى بصر الحق - سبحانه وتعالى - بعقليات خلقه وبنفوسهم ~~وملكاتهم. ثم يقول الحق سبحانه: { ولقد خلقنا فوقكم ~~سبع طرآئق... }. ### || [23.17] # نلحظ أن للعدد سبعة مواقف في هذه السورة وأسرارا يجب أن نتأملها، ففي ~~استهلال السورة ذكر سبحانه سبعة أصناف: # قد أفلح المؤمنون * الذين هم.. # [المؤمنون: 1-2]. وفي مراحل خلق الإنسان نجده مر بسبعة أطوار: ~~سلالة من طين، ثم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم لحما، ثم ~~أنشأناه خلقا آخر. وهنا يقول: { ولقد خلقنا فوقكم سبع ~~طرآئق.. } [المؤمنون: 17]. وفي موضع آخر قال: # الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض ~~مثلهن.. # [الطلاق: 12]. فهذه سبعة للغاية، وسبعة للمغيا له، وهو الإنسان، وسبعة ~~للسماوات والأرض المخلوقة للإنسان. وطرائق: جمع طريقة أي: مطروقة ~~للملائكة، والشيء المطروق ما له حجم يتسع بالطرق، كما تطرق قطعة من ~~الحديد مثلا، فانظر إلى السماء واتساعها. وقل: سبحان من طرقها. ~~وتلحظ أن الحق سبحانه لم يذكر هنا الأرض، لماذا؟ قالوا: لأن الأرض نقف ~~عليها ثابتين لا نخاف من شيء، إنما الخوف من السماء أن تندك فوقنا لذلك ~~يقول سبحانه بعدها: { وما كنا عن الخلق غافلين } ~~[المؤمنون: 17] فلن نغفل عن السماء من فوقكم، وسوف نمسكها بأيدينا، كما ~~قال سبحانه: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ms6745 ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده.. # [فاطر: 41]. ثم يعطينا الحق - تبارك وتعالى - الدليل الحسي على هذه ~~الآية، وكيف أن الله تعالى رفع السماء فوقنا بلا عمد، ومثال ذلك الطير ~~يمسكه الله في السماء: # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن.. # [الملك: 19]. نعلم أن الطير يطير في السماء بحركة الجناحين التي تدفع ~~الهواء وتقاوم الجاذبية فلا يسقط، كالسباح الذي يدفع بذراعيه الماء ~~ليسبح، فإذا ما قبض الطائر جناحيه ومع ذلك يظل معلقا في السماء لا ~~يسقط فمن يمسكه في هذه الحالة؟ هذه صورة تشاهدونها لا يشك فيها أحد، ~~فإذا قلت لكم أني أمسك السماء أن تقع على الأرض فصدقوا وآمنوا، واستدلوا ~~على الغيب بالمشاهد. وكأن الحق سبحانه في قوله: { وما كنا عن ~~الخلق غافلين } [المؤمنون: 17] يقول: اطمئنوا إلى السماء من ~~فوقكم، فقد جعلت لها التأمينات اللازمة التي تؤمن معيشتكم تحت سقفها، ~~اطمئنوا لأنها بأيدينا وفي رعايتنا. لكن، ما المراد بقوله { عن ~~الخلق.. } [المؤمنون: 17] أهو الإنسان أم خلق السماء؟ المراد: ما ~~كنا غافلين عن خلق السماء، فبنيناها على ترتيبات ونظم تحميكم وتضمن ~~سلامتكم. والغفلة: ترك شيء لأنه غاب عن البال، وهذه مسألة لا تكون ~~أبدا في حق الله - عز وجل - لأنه لا تأخذه سنة ولا نوم. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر فأسكناه ~~في الأرض... }. ### || [23.18] # يقول تعالى عن الماء: { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر } ~~[المؤمنون: 18] فهل الماء مقره السماء؟ لا، الماء مقره الأرض، كما ~~جاء في قول الله تعالى: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 9-10]. لما استدعى الخالق - عز وجل - الإنسان إلى هذا الوجود جعل ~~له في الأرض مقومات استبقاء حياته من الهواء والقوت والماء، والإنسان ~~كما قلنا يستطيع أن يصبر على الطعام، وصبره أقل على الماء، لكن لا صبر ~~له على الهواء لذلك شاءت قدرة الله ms6746 ألا يملكه لأحد لأنه مقوم ~~الحياة الأول، فالغلاف الجوي والهواء المحيط بالأرض تابع لها وجزء منها ~~داخل تحت قوله: # وقدر فيهآ أقواتها # [فصلت: 10] بدليل أنهم حينما يخرجون عن نطاق الأرض يمتنع الهواء. ومن ~~حكمة الخالق - عز وجل - وقدرته أن جعل الماء على الأرض مالحا لأن الملح ~~أساس في صلاح الأشياء التي يطرأ عليها الفساد، فالماء العذب عرضة ~~للتغير والعطن، وبالملح نصلح ما نخشى تغيره فنضعه على الطعام ليحفظه ~~ونستخدمه في دباغة الجلود.. الخ لذلك قال الشاعر: # يا رجال الدين يا ملح البلد # من يصلح الملح إذا الملح فسد # إذن: أصل الماء في الأرض، لكن ينزل من السماء بعد عملية البخر التي ~~تصفيه فينزل عذبا صالحا للشرب وللري، وقلنا: إن الخالق سبحانه جعل ~~رقعة الماء على الأرض أكبر من رقعة اليابسة حتى تتسع رقعة البخر، ~~ويتكون المطر الذي يكفي حاجة أهل الأرض. ومن رحمة الله بنا أن ينزل الماء ~~من السماء { بقدر } [المؤمنون: 18] يعني: بحساب وعلى قدر الحاجة، ~~فلو نزل هكذا مرة واحدة لأصبح طوفانا مدمرا، كما حدث لقوم نوح ولأهل ~~مأرب. وفي موضع آخر يقول سبحانه: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21]. ثم يقول سبحانه: { فأسكناه في الأرض.. } ~~[المؤمنون: 18] لأننا نأخذ حاجتنا من ماء المطر، والباقي يتسرب في باطن ~~الأرض، كما قال سبحانه: # فسلكه ينابيع في الأرض # [الزمر: 21] ومن عجيب قدرة الله في المياه الجوفية أنها تسير في مسارب ~~مختلفة، بحيث لا يختلط الماء العذب بالماء المالح مع ما يتميز به الماء ~~من خاصية الاستطراق، والعاملون في مجال حفر الآبار يجدون من ذلك عجائب، ~~فقد يجدون الماء العذب بجوار المالح، بل وفي وسط البحر لأنها ليست ~~مستطرقة، إنما تسير في شعيرات ينفصل بعضها عن بعض. والمياه الجوفية مخزون ~~طبيعي من الماء نخرجه عند الحاجة، ويسعفنا إذا نضب الماء العذب ~~الموجود على السطح { فأسكناه في الأرض. # . } [المؤمنون: 18] ليكون احتياطيا لحين الحاجة إليه، فإذا جف المطر ~~تستطيعون أن تستنبطوه. ثم يذكرنا الحق سبحانه بقدرته على سلب ms6747 هذه ~~النعمة { وإنا على ذهاب به لقادرون } [المؤمنون: 18] ~~يعني: سيروا في هذه النعمة سيرا لا يعرضها للزوال، وقال في موضع ~~آخر: # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # [الملك: 30]. وحين تعد نعم الله التي أمتن علينا بها بداية من ~~نعمة الماء: { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر } [المؤمنون: ~~18] تجدها أيضا سبعة. ويبدو أن لهذا العدد أسرارا في هذه السورة، فقد ~~ذكر من أوصاف المؤمنين سبعة، ومن مراحل خلق الإنسان سبعا، ومن السماء ~~والأرض سبعة، وهنا يذكر من نعمه علينا سبعة لذلك كان للعلماء وقفات عند ~~هذا العدد بالذات. وأذكر ونحن في المملكة السعودية وكنت أستاذا في كلية ~~الشريعة ومعي بعض الأساتذة ورئيس بعثتنا الشيخ زكي غيث - رحمه الله وغفر ~~الله له - ورئيس بعثة المعارف الأستاذ صلاح بك الباقر، وكان دائما ما ~~يجلس معنا شيخ علماء المملكة في هذا الوقت السيد إسحاق عزوز، وكان يجمعنا ~~كل ليلة الفندق الذي نقيم فيه، وكنا نتدارس بعض قضايا العلم. وقد أثار ~~الشيخ إبراهيم عطية قضية هذا العدد في القرآن الكريم، وكان يقرأ في تفسير ~~القرطبي فوجد فيه: قال عمر بن الخطاب لابن عباس: يا ابن عباس أتعرف متى ~~ليلة القدر؟ فقال ابن عباس: أغلب الظن أنها ليلة السابع والعشرين، فلما ~~سمعنا هذا الكلام قلنا: هذه سبعة، وهذه سبع وعشرون، فلما اختلفنا اقترح ~~علينا الشيخ محمد أبو علي - أطال الله عمره - أن نذهب لنصلي في الحرم بدل ~~أن نصلي في الفندق عملا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان ~~كلما حزبه أمر يقوم إلى الصلاة، وقلنا: ربما يفتح الله علينا في هذه ~~المسألة. وبعد أن صلينا جلسنا نناقش هذه المسألة، فإذا برجل لا نعرفه على ~~سمة المجاذيب غير مهتم بنفسه، يجلس بجوارنا وينصت لما نقول، ثم شاركنا ~~الكلام وقال: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " التمسوها في العشر الأواخر من رمضان " # ؟ إذن: فدعكم من العشرين يوما، واحسبوا في العشر الأواخر، ثم نظرنا فلم ~~نجده، كأن وحدة الزمن التي توجد ms6748 بها ليلة القدر هي هذه العشر، وكأنها ~~بهذا المعنى ليلة السابع، وهذه أيضا من أسرار هذا العدد # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف: 76]. أطال الله في عمر من بقي من هؤلاء، وغفر الله لمن ذهب. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { فأنشأنا لكم به جنات من نخيل ~~وأعناب لكم فيها فواكه... }. ### || [23.19] # الجنة: المكان المليء بالأشجار العالية والمزروعات التي تستر من يسير ~~فيها، أو تستره عن الخارج، فلا يحتاج في متطلبات حياته إلى غيرها، فهي من ~~الكمال بحيث تكفيه، فلا يخرج عنها. واختار هذه الأنواع { نخيل ~~وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة } [المؤمنون: 19] لما ~~لها من منزلة عند العرب، وقال { فواكه كثيرة } [المؤمنون: 19] ~~لأنه لم يحصر جميع الأنواع. ### || [23.20] # الطور: جبل منسوب إلى سيناء، وسيناء مكان حسن لأن الله بارك فيها، ~~والطور كلم الله عليه موسى، فهو مكان مبارك، كما بارك الله أرض بيت ~~المقدس فقال: # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله # [الإسراء: 1]. ومعنى { تنبت بالدهن } [المؤمنون: 20] الدهن هو ~~الدسم، والمراد هنا شجرة الزيتون التي يستخرجون منها الزيت المعروف { ~~وصبغ للآكلين } [المؤمنون: 20] يعني: يتخذونه إداما يغمسون ~~فيه الخبز ويأكلونه، وهو من أشهى الأكلات وألذها عند من يزرعون ~~الزيتون في سيناء وفي بلاد الشام، وقد ذقنا هذه الأكلة الشهيرة في ~~لبنان، عندما ذهبنا إليها في موسم حصاد الزيتون. ### || [23.21] # الأنعام: يراد بها الإبل والبقر، وألحق بالبقر الجاموس، ولم يذكر ~~لأنه لم يكن موجودا بالبيئة العربية، والغنم وتشمل الضأن والماعز، وفي ~~سورة الأنعام يقول تعالى: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين.. # [الأنعام: 143]. ويقال فيها: أنعام ونعم بفتح النون والعين. والعبرة: ~~شيء تعتبرون به وتستدلون به على قدرة الله وبديع صنعه في خلق ~~الأنعام. لكن، ما العبرة في خلق هذه الأنعام؟ الحق - سبحانه وتعالى - ~~تكلم عن خلق الإنسان، وأنه تعالى خلقه من صفوة وخلاصة وسلالة من ~~الطين ومن النطفة، وهكذا في جميع أطوار خلقه. وفي الأنعام ترى شيئا من ~~هذا الاصطفاء والاختيار، فالأنعام تأكل من هنا ms6749 وهناك وتجمع شتى الأنواع ~~من المأكولات، ومن هذا الخليط يخرج الفرث، وهو منتن لا تطيق رائحته ~~ويتكون دم الحيوان، ومن بين الفرث والدم يصفي لك الخالق - عز وجل - ~~لبنا خالصا، وهذه سلالة أيضا وتصفية. قال تعالى: # وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في ~~بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سآئغا ~~للشاربين # [النحل: 66]. ونلحظ أن الآية التي معنا تقول: { نسقيكم مما ~~في بطونها } [المؤمنون: 21] وفي آية النحل: # نسقيكم مما في بطونه # [النحل: 66] ذلك لأننا نأخذ اللبن من إناث الأنعام ليس من كل الأنعام، ~~فالمعنى { مما في بطونها } [المؤمنون: 21] أي: الإناث منها و # مما في بطونه # [النحل: 66] أي: بطون البعض ولذا عاد الضمير مذكرا. وقوله: { ~~نسقيكم } [المؤمنون: 21] من سقى، وفي موضع آخر # فأسقيناكموه # [الحجر: 22] من الفعل أسقى. البعض يقول إنهما مترادفان، وهما ليسا كذلك ~~لأن لكل منهما معنى، فسقى يعني: أعطاه الشراب، أما أسقى فيعني جهز له ~~ما يشربه لحين يحب أن يشرب. لذلك لما تكلم الحق سبحانه عن شراب الجنة، ~~قال: # وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا ~~طهورا # [الإنسان: 21]. ولما تكلم عن ماء المطر قال سبحانه: # وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السمآء ماء ~~فأسقيناكموه ومآ أنتم له بخازنين # [الحجر: 22] يعني: جعله في مستودع لحين الحاجة إليه. كما قلنا في مرضع ~~بالكسر، و مرضع بالفتح، فمرضع بالكسر للتي ترضع بالفعل، ومنه قوله ~~تعالى: # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت # [الحج: 2]. أما مرضع بالفتح، فهي الصالحة للرضاعة. ثم يقول تعالى: { ~~ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون } [المؤمنون: ~~21] نلحظ أن آية النحل ركزت على مسألة تصفية اللبن من بين فرث ودم، أما ~~هنا فقد ركزت على منافع أخرى للأنعام، فكل آية تأخذ جانبا من الموضوع، ~~وتتناوله من زاوية خاصة، نوضح ذلك لمن يقولون بالتكرار في القرآن الكريم، ~~فالآيات في الموضوع الواحد ليست تكرارا، إنما هو تأسيس بلقطات مختلفة، ~~كل لقطة تؤدي في مكانها موقعا من العظة والعبرة، بحيث إذا جمعت كل ~~هذه المكررات الظاهرة تعطيك الصورة الكاملة للشيء. # والمنافع في ms6750 الأنعام كثيرة: منها نأخذ الصوف والوبر، وكانوا يصنعون منه ~~الملابس والفرش والخيام، قبل أن تعرف الملابس والمنسوجات الحديثة، ومن ~~ملابس الصوف سميت الصوفية لمن يلبسون الثياب الخشنة، وهم الآن يصنعون ~~من الصوف ملابس ناعمة كالحرير يرتديها المترفون. ومن منافع الأنعام أيضا ~~الجلود والعظام وغيرها، يقول تعالى: # والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من ~~جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ~~ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها ~~وأشعارهآ أثاثا ومتاعا إلى حين # [النحل: 80]. { ومنها تأكلون } [المؤمنون: 21] أي: لحما، وذكر ~~اللحم في آخر هذه المنافع لأنه آخر ما يمكن الانتفاع به من الحيوان، وسبق ~~أن ذكرنا أن الحيوان الذي أحله الله لنا إذا تعرض لما يزهق روحه، فإنه ~~يرفع لك رقبته، ويكشف لك عن موضع ذبحه كأنه يقول لك: أسرع واستفد مني ~~قبل أن أموت. وفي لقطة أخرى لمنافع الأنعام يقول سبحانه: # وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس # [النحل: 7] إذن: كل آية تحدثت عن الأنعام تعطينا فائدة لتظل مربوطا ~~بالقرآن كله. ### || [23.22] # { وعليها } [المؤمنون: 22] أي: على الدواب تحملون، فنركب الدواب، ~~ونحمل عليها متاعنا، لكن لما كانت الأرض ثلاثة أرباعها ماء، فإن الحق - ~~سبحانه وتعالى - ما تركنا في البحر، إنما حملنا فيه أيضا { وعلى ~~الفلك تحملون } [المؤمنون: 22] فكما أعددت لكم المطايا على ~~اليابسة الضيقة أعددت لكم كذلك ما تركبونه في هذه المساحة الواسعة من ~~الماء. ولما كان الكلام هنا عن الفلك فقد ناسب ذلك الحديث عمن له ~~صلة بالفلك، وهو نوح عليه السلام: { ولقد أرسلنا نوحا ~~إلى قومه فقال يقوم اعبدوا الله... }. ### || [23.23] # بعد أن حدثنا القرآن الكريم عن خلق الإنسان وخلق الحيوان، وحدثنا ~~عن بعض نعمه التي امتن بها علينا تدرج بنا إلى صناعة الفلك لأنه قد ~~يسأل سائل: وكيف تكون هذه الفلك أي: تخلق كالإنسان والحيوان بالتوالد، ~~أم تنبت كالزرع؟ فأوضح الخالق سبحانه أنها وجدت بالوحي في قوله تعالى: # فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ~~ووحينا # [المؤمنون: 27]. ومعنى # بأعيننا # [المؤمنون: 27] أنها صنعة دقيقة، لم يترك فيها الحق ms6751 سبحانه نبيه يفعل ~~ما يشاء، إنما تابعه ولاحظه ووجهه إلى كيفية صناعتها والمواد المستخدمة ~~فيها، كما قال سبحانه: # وحملناه على ذات ألواح ودسر # [القمر: 13] وهي الحبال، كانوا يربطون بها ألواح الخشب، ويضمون بعضها ~~إلى بعض، أو المسامير تشد بها الألواح بعضها إلى بعض. لكن، مهما ~~أحكمت ألواح الخشب بعضها إلى بعض، فلا بد أن يظل بينها مسام ~~يتسرب منها الماء، فكيف نتفادى ذلك في صناعة الفلك خاصة في مراحلها ~~البدائية؟ يقولون: لا بد لصانع الفلك أن يجفف الخشب جيدا قبل ~~تصنيعه فإذا ما نزل الخشب الماء يتشرب منه، فيزيد حجمه فيسد هذه ~~المسام تماما، ولا يتسرب منها الماء. ومن عجائب القرآن ومعجزاته في ~~مسألة الفلك قوله تعالى: # وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام # [الرحمن: 24] يعني: كالجبال العالية. وهذه الفلك لم تكن موجودة وقت ~~نزول القرآن إنما أخبر الله بها، مما يدل على أنه تعالى الذي امتن علينا ~~بهذه النعمة، علم ما يمكن أن يتوصل إليه الإنسان من تطور في صناعة الفلك، ~~وأنها ستكون عالية شاهقة كالجبال. وطالما أن الكلام معنا عن الفلك، ~~فطبيعي ومن المناسب أن نذكر نوحا عليه السلام لأنه أول من اهتدى بالوحي ~~إليه إلى صناعة الفلك، فقال سبحانه: { ولقد أرسلنا نوحا ~~إلى قومه.. } [المؤمنون: 23] لما تكلم الحق سبحانه عما في ~~الأنعام من نعم وفوائد، لكنها تؤول كلها - بل والدنيا معها - إلى زوال، ~~أراد سبحانه أن يعطينا طرفا من الحياة الباقية والنعيم الدائم الذي لا ~~يزول فذكر منهج الله الذي أرسل به نوح، وهو واحد من أولي العزم من ~~الرسل. والإرسال: هو أن يكلف مرسل مرسلا إلى مرسل إليه، ~~فالمكلف هو الحق سبحانه، والمكلف بالرسالة نوح عليه السلام، والمرسل ~~إليهم هم قومه، والله لا يرسل إلى قوم إلا كانوا يهمونه، وكيف لا وهم ~~عباده وخلقه، وقد جعلهم خلفاء له في الأرض؟ والذي خلق خلقا، أو صنع ~~صنعة لا بد أن يضع لها قانون صيانتها، لتؤدي مهمتها في الحياة، ~~وتقوم بدورها على الوجه الأكمل، كما مثلنا لذلك - ولله تعالى ms6752 المثل ~~الأعلى - بصانع الثلاجة أو التلفزيون حين يضع معه كتالوجا يحوي تعليمات ~~التشغيل وطريقة الصيانة وكيفية إصلاح الأعطال. # فالذي خلق الإنسان وجعله خليفة له في الأرض أولى بهذا القانون ~~وأولى بصيانة خلقه لذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي: # " يا ابن آدم، خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل ~~بما هو لك عما أنت له " # يعني: ما دام كل شيء من أجلك يعمل لك ويؤدي مهمته، فعليك أيضا أن ~~تؤدي مهمتك التي خلقتك من أجلها. لذلك وضع لك ربك قانون صيانتك بافعل ~~كذا ولا تفعل كذا، فعليك أن تلتزم الأمر فتؤديه فهو سر الجمال في ~~الكون، وسر السعادة والتوافق في حركة الحياة، وعليك أن تجتنب النهي ~~فلا تقربه لأنه سيؤدي إلى قبح، وسيكشف عورة من عورات المجتمع، أما ~~الأمور التي سكت عنها فأنت حر فيها تفعل أو لا تفعل لأن ذلك لا يأتي ~~بقبيح في المجتمع، وهذه المسائل تسمى المباحات، وقد تركها الله لحريتك ~~واختيارك. والحق - تبارك وتعالى - لما استدعى الإنسان إلى هذا الكون خلق ~~له مقومات حياته من مقومات استبقاء الحياة من طعام وشراب وهواء ~~واستبقاء النوع بالتناسل، وقد شمل قانون الصيانة كل هذه المقومات، فنظمها ~~وحدد ما يحل وما يحرم. فقال: كل هذه ولا تأكل هذه، واشرب هذا ولا تشرب ~~ذاك، ولو شاهدنا المخترعين في مسائل المادة نجد الصانع يحدد مقومات ~~صنعته، فمثلا هذا الجهاز يعمل على 110 فولت، وهذا يعمل 220 فولت، وهذه ~~الآلة تعمل بالبنزين، وهذه بالسولار، فلو غيرت في هذه المقومات تفسد ~~الآلة ولا تؤدي مهمتها. كذلك - ولله المثل الأعلى - عليك أن تلتزم بقانون ~~ومنهج خالقك عز وجل، ولا تحد عنه، وإلا فسد حالك وعجزت عن أداء مهمتك ~~في الحياة. فإن أردنا أن تستقيم لنا الخلافة التي خلقنا الله لها وهي ~~خلافة مصلحة لا مفسدة، فعلينا بقانون الصيانة الذي وضعه لنا خالقنا عز ~~وجل. لذلك، إن رأيت في المجتمع عورة ظاهرة في أي ناحية من نواحي الحياة ~~فاعلم أنها نتيجة طبيعية للخروج عن ms6753 منهج الله، وتعطيل حكم من أحكامه، ~~فمثلا حين ترى الفقراء والجوعى والمحاويج فاعلم أن في الأمر تعطيلا ~~لحكم من أحكام الله، فهم إما كسالى لا يحاولون السعي في مناكب الأرض، ~~وإما غير قادرين حرمهم القادرون واستأثروا بالثروة دونهم. البعض يقول: ~~إذا كان الحق سبحانه قد حرم علينا بعض الأشياء، فلماذا خلقها؟ ~~ويمثلون لذلك بالخنزير مثلا وبالخمر. وخطأ هؤلاء أنهم يظنون أن كل ~~شيء خلق ليؤكل، وهذا غير صحيح لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء لمهمة ~~تؤديها في الحياة، وليس بالضرورة أن تؤكل، فالخنزير خلقه الله لينظف ~~البيئة من القاذورات، لذلك لا تراه يأكل غيرها. أما الخمر فلم تخلق ~~خمرا، إنما هي ثمرة العنب الحلوة التي تؤكل طازجة، أخذها الإنسان وتدخل ~~في هذه الطبيعة وأفسدها بتخميره، فصار الحلال بذلك محرما. # نعود إلى قول الله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى ~~قومه.. } [المؤمنون: 23] القوم: هم الرجال، خاصة من المجتمع، وليس ~~الرجال والنساء، بدليل قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى ~~أن يكن خيرا منهن.. # [الحجرات: 11] فالنساء في مقابل القوم أي: الرجال. ومن ذلك قول الشاعر: # وما أدري وسوف أخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # لكن هل أرسل نوح عليه السلام إلى الرجال دون النساء؟ أرسل نوح إلى ~~الجميع، لكن ذكر القوم لأنهم هم الذين سيحملون معه أمر الدعوة ويسيحون ~~بها، ويبلغونها لمن لهم ولاية عليهم من النساء، والرجال منوط بهم ~~القيام بمهام الأمور في عمارة الكون وصلاحه. والإضافة في { قومه.. } ~~[المؤمنون: 23] بمعنى اللام يعني: قوم له لأن الإضافة تأتي بمعنى من مثل: ~~أردب قمح يعني من قمح، وبمعنى في مثل: مكر الليل يعني في الليل، وبمعنى ~~اللام مثل: قلم زيد يعني لزيد. فالمعنى هنا: قوم له لأنه منهم ومأمون ~~عليهم ومعروف لهم سيرته الأولى، فإذا قال لهم لا يتهمونه، إذن: فمن رحمة ~~الله بالخلق أن يرسل إليهم واحدا منهم، كما قال سبحانه: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم.. # [التوبة: 128] ففي ms6754 هذا إيناس وإلف للقوم على خلاف ما إن كان الرسول ~~ملكا مثلا، فإن القوم يستوحشونه ولا يأنسون إليه. لذلك، فالنبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يسمى بين قومه وقبل بعثته بالصادق الأمين لأنه ~~معروف لهم ماضيه وسيرته ومقومات حياته تشجع على أن يصدقوه فيما ~~جاء به، وكيف يصدقونه في أمر الدنيا، ولا يصدقونه في البلاغ عن الله؟ ~~إذن: { إلى قومه } [المؤمنون: 23] أننا لم نأت لكم برسول من جنس ~~آخر، ولا من قبيلة أخرى، بل منكم، وتعرفون ماضيه وتاريخه، فتأنسون بما ~~يجيء به، ولا تقفون منه موقف العداء. أو يكون المعنى: إلى قوم منه لأنهم ~~لا يكونون قوما قوامين على شئون إصلاح الحياة، إلا إذا استمعوا منهجه، ~~فهم منه لأنهم سيأخذون منه منهج الله. ثم يقول سبحانه: { فقال ~~يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.. } ~~[المؤمنون: 23] يا قوم استمالة وتحنين لهم { اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره.. } [المؤمنون: 23] والعبادة طاعة عابد ~~لأمر معبود، والعبادة تقتضي تكليفا بأمر ونهي. فالألوهية تكليف وعبادة، ~~أما الربوبية فعطاء وتربية لذلك قال سبحانه # هو ربكم وإليه ترجعون # [هود: 34] أي: ربكم جميعا: رب المؤمن، ورب الكافر، رب الطائع، ورب ~~العاصي. وكما قلنا: الشمس والقمر والأرض والمطر.. الخ كلها تخدم الجميع، ~~لا فرق بين مؤمن وكافر لأن ذلك عطاء الربوبية، وإن سألت الكافر ~~الجاحد: من خلقك؟ من رزقك؟ فلن يملك إلا أن يقول: الله، إذن: فليخز ~~هؤلاء على أعراضهم، وليعلموا أنه تعالى وحده المستحق للطاعة وللعبادة. # فمقتضيات الربوبية والإيمان بها تقتضي أن نؤمن بالألوهية. كما أن الطفل ~~الصغير ينشأ بين أبيه وأمه ويشب، فلا يجد غيرهما يخدمه ويقضي حاجته ~~ويوفر متطلباته، بل ويزيل عنه الأذى ويسهر على راحته. كل ذلك بروح ~~سعيدة ونفس راضية مطمئنة، ربما يجوعان لتشبع، ويعريان لتكسى، ويحرمان ~~نفسيهما ليوفرا لك الحياة الكريمة، فإذا ما كبر الصغير وبلغ الحلم ~~ومبلغ الرجال نجده يعقهما، ويخرج عن طاعتهما، ويأخذه من أحضانهما ~~أصدقاء السوء، ويزينون له التمرد على أبيه وأمه. ونقول لمثل هذا العاق: ~~اخز على ms6755 عرضك واستح، فليس هكذا يكون رد الجميل، وأين كان هؤلاء ~~الأصدقاء يوم أن كنت صغيرا تحتاج إلى من يعولك ويميط عنك الأذى، ويسهر ~~على راحتك؟ قد كان ينبغي عليك ألا تسمع إلا لمن أحسن إليك. وهذا مثال ~~لتوحيد الألوهية وتوحيد الربوبية - ولله المثل الأعلى - فكيف تأخذ من ربك ~~عطاء الربوبية، ثم تتمرد عليه سبحانه في الألوهية، فتعصي أمره وتكفر ~~بنعمه؟ كان من الواجب عليك الوفاء للنعمة. ولا بد أن تعلم أن ربك - عز ~~وجل - مأمون عليك في التكليف بالأمر والنهي، لأنك عبده وصنعته، وأنك حين ~~تؤدي ما عليك تجاه الألوهية لا ينتفع الله سبحانه من ذلك بشيء، إنما ~~تعود منفعتها عليك، وهكذا إذا ما رددت أمور الطاعة والعبادة والتكاليف ~~لوجدتها تعود في النهاية أيضا إلى عطاء الربوبية لأنها تعود عليك أنت ~~بالنفع. فنحن نأخذ الأوامر والنواهي على أنها تكاليف وأعباء يقتضيها ~~الإيمان بالألوهية، نقول: نعم هي تكاليف من الله لكن لصالحك، فلو أنصفت ~~لوجدت الألوهية من الربوبية، فحين يحرم مثلا عليك شرب الخمر ويحميك ~~من فساد العقل، هل ينتفع سبحانه من ذلك بشيء؟ لذلك يقول تعالى عن هؤلاء: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله.. # [لقمان: 25]. ويقول: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # [الزخرف: 87]. فما دام هو سبحانه خالقكم ورازقكم وخالق السماوات والأرض، ~~فلماذا تعصونه؟ وهل نقص عصيانكم من ملكه شيئا؟ وهل زاد في ملكه شيء ~~بطاعة من أطاع؟ هل زاد في ملك الله بطاعة الطائعين أرض أو سماء، أو ~~شمس أو قمر؟ إن الحق سبحانه قبل أن يخلقكم خلق لكم بصفات الكمال فيه كل ~~مقومات حياتكم واستدعاكم إلى كون معد لاستقبالكم ولمعيشتكم. إذن: ~~فربك - عز وجل - لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية. لذلك يقول في الحديث ~~القدسي: # " يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل ~~واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ~~كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، ولو ms6756 أن ~~أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم وشاهدكم وغائبكم اجتمعوا في صعيد واحد، وسألني ~~كل واحد مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كمغرز إبرة أحدكم ~~إذا غمسه في البحر، وذلك أني جواد واجد ماجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، ~~إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن فيكون ". # إذن: حين تطيعني فالخير لك لأنك ضمنت بهذه الطاعة حياة أخرى خالدة ~~باقية بعد هذه الحياة الفانية التي مهما أترفت فيها فهي إلى زوال، فإما ~~أن تفوت نعيمها بالموت، وإما أن يفوتك بالحاجة والفقر، أما في الآخرة ~~فالنعيم دائم باق لا يفوتك ولا تفوته لأنها نعمة لا مقطوعة ولا ممنوعة. ~~لذلك قال سبحانه: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64] فكأن عطاء الألوهية ربوبية متعدية إلى زمن آخر غير زمن ~~الدنيا، فلا تظن أن طاعتك ستفيدني في شيء، أو أن معصيتك ستضرني بشيء، ومن ~~هنا قال تعالى: # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 118]. وقوله تعالى: { ما لكم من إله غيره } ~~[المؤمنون: 23] أي: معبود غيره { أفلا تتقون } [المؤمنون: 23] ~~هذا استفهام يحمل معنى التهديد والتوبيخ، لكن كيف يوبخهم وهو لم ~~يزل في مرحلة الأمر بعبادة الله، ولم يسمع منهم بعد بوادر الطاعة أو ~~العصيان؟ قالوا: يبدو أنه رأى منهم إعراضا فأمرهم بتقوى الله. والتقوى ~~معناها أن تجعل بينك وبين ربك وقاية تقيك صفات جبروته وقهره وتحميك من ~~أسباب بطشه وانتقامه، فلست مطيقا لهذه الصفات. والوقاية التي تجعلها ~~بينك وبين هذه الصفات هي أن تنفذ منهج الله بطاعة الأوامر واجتناب ~~النواهي. ومن عجيب تركيبات التقوى في القرآن الكريم أن يقول سبحانه: # واتقوا الله # [البقرة: 194] ويقول: # فاتقوا النار.. # [البقرة: 24] قالوا: نعم اتق الله، واتق النار لأنك تتقي الله من ~~متعلقات صفات قهره وغضبه ومنها النار، فحين تتقي الله بالمنهج فقد ~~اتقيت النار أيضا. ثم يقول سبحانه: { فقال الملأ الذين ~~كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد ~~أن يتفضل عليكم... }. ### || [23.24] # الملأ: من الملء يعني: الشيء الذي يملأ الشيء، فالملأ يعني ms6757 الذين يملأون ~~العيون بشرفهم ومكانتهم وعظمتهم وأبهتهم، ومن ذلك قولهم: فلان ملء ~~العين، أو ملء السمع والبصر، ويقولون للرجل إذا بلغ في الحسن ~~مبلغا: فلان قيد العيون يعني: حين تراه لا تصرف بصرك إلى غيره من ~~شدة حسنه كأنه قيد بصرك نحوه. أما في المقابل فيقولون: فلان تتقحمه ~~العين ولا تراه وكأنه غير موجود. إذن: الملأ: هم الذين يملؤون صدور ~~المجالس أبهة وفخامة ووجاهة وسيادة، لكن، لماذا هؤلاء بالذات هم الذين ~~تعصبوا ضده وواجهوه؟ قالوا: لأن منهج الله ما جاء إلا لإصلاح ما فسد في ~~الكون وما استشرى فيه من شر، فالحق - تبارك وتعالى - ينزل منهجا على ~~لسان رسول أول، ويطلب من قومه أن يبلغوا منهج رسولهم من بعده، لكن ~~تأتي الغفلة على هذا المنهج فيخرج الناس عنه ويأتي خروجهم عن منهج ربهم ~~على عدة صور: فمنهم من يخرج عن منهج ربه ويصنع الذنب، إلا أنه يعاود ~~نفسه ويراجعها ويلومها وسرعان ما يتوب ويندم، فزاجره من نفسه وواعظه من ~~داخله، وهؤلاء الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا. ومنهم من يخرج على ~~منهج ربه خروجا لا رجعة له ولا زاجر، وهذا نسميه بلغتنا فاقد يعني: لم ~~يعد له زاجر من شرع ولا من ضمير. ويبقى بعد ذلك زاجر المجتمع حين يرى ~~مثل هؤلاء الخارجين عن منهج الحق عليه أن يتصدى لهم، ويقاطعهم ولا ~~يودهم ولا يحترمهم، وإلا لو ظل المنحرف ومرتكب القبائح على حاله من ~~احترام الناس وتقديرهم، ولو ظل على مكانته في المجتمع لتمادى في غيه ~~وأسرف على نفسه وعلى مجتمعه فيستشري بذلك الشر في المجتمع، ويعم الفساد ~~وتشيع الفوضى. ألا ترى الشرع الحكيم حين جعل الدية في القتل على العاقلة ~~يعني: عائلة القاتل، لا على القاتل وحده؟ لماذا؟ لكي يأخذوا على يد ولدهم ~~إن انحرف أو بدت عنده بوادر الاعتداء لأنهم جميعا سيحملون هذه التبعة. ~~ونقول: خص الملأ بالذات لأنهم هم المنتفعون بالشر والفساد في المجتمع، ~~ومن مصلحتهم أن يستمر هذا الوضع لتبقى لهم سلطتهم الزمنية ومكانتهم لذلك ~~هم ms6758 أول من يقابلون الرسالات بالجحود والنكران. ألم يقل الحق سبحانه ~~عنهم في آية أخرى: # ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا.. # [هود: 27]. فهؤلاء الذين يسمونهم أراذل هم المستضعفون والفقراء ~~والمطحونون والمهمومون بأمور الخلق والدين والقيم، فما إن تسمع آذانهم ~~عن رسالة إلا تلهفوا عليها وارتموا في أحضانها لأنها جاءت لتنقذهم لذلك ~~يكونون أول من يؤمن. وإن جاء المنهج لإنصاف هؤلاء، فقد جاء أيضا ~~لينزع من أصحاب السلطان والقهر والجبروت سلطانهم وتعاليهم، فلا بد أن ~~يواجهوه ويعاندوه. # ومعنى: { الذين كفروا من قومه.. } [المؤمنون: 24] كفروا: ~~يعني جحدوا وجود الله { ما هذا إلا بشر مثلكم } ~~[المؤمنون: 24] فأول شيء صدهم عن الرسول كونه بشرا، إذن: فماذا كنتم ~~تنتظرون؟ وقد شرح هذا المعنى في قوله تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. ولا بد في الرسول أن يكون من جنس المرسل إليهم ليصح ~~أن يكون لهم أسوة، فيقلدوه ويهتدوا به، وإلا لو جاء الرسول ملكا فكيف ~~تتحقق فيه القدوة؟ وكيف تطيعونه وأنتم تعلمون أنه ملك لا يأكل ولا ~~يشرب ولا يتناسل، وليست لديه شهوة، ولا مقومات المعصية؟ ولنفرض أن ~~الله نزل عليكم ملكا، فكيف ستشاهدونه وتتلقون عنه؟ لا بد - إذن - ~~أن يأتيكم في صورة رجل لتتمكنوا من مشاهدته والتلقي عنه، وهكذا نعود في ~~نقاش هذه المسألة إلى أنه رجل لذلك قال سبحانه: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9] وتظل الشبهة باقية. إذن: من الحمق أن نقول بأن يكون ~~الرسول ملكا. أما قولهم: { بشر مثلكم } [المؤمنون: 24] نعم، ~~هو بشر، لكن ليس كمثلكم، فأنتم كاذبون في هذه المثلية، لأنه بشر اصطفاه ~~الله بالوحي لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم، وأعطى من الله فأقول: أنا ~~لست كأحدكم ". # ويقول تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ ~~إلهكم إله واحد # [فصلت: 6] ومن هنا ms6759 كانت الأفضلية في أنه بشر يوحى إليه، وما بشريته ~~إلا للإيناس والإلف. ثم يتابع الحق سبحانه مقالة هؤلاء الكافرين من قوم ~~نوح: { يريد أن يتفضل عليكم } [المؤمنون: 24] يتفضل: ~~يعني ينسب نفسه إلى الفضل والشرف والسيادة ليكون متبوعا وهم تابعون { ~~ولو شآء الله } [المؤمنون: 24] يعني: لو شاء أن يرسل رسولا { ~~لأنزل ملائكة } [المؤمنون: 24] أي: رسلا، وقد رد الله تعالى ~~عليهم هذا القول، فقال تبارك وتعالى: # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. ثم يقولون: { ما سمعنا بهذا في آبآئنا ~~الأولين } [المؤمنون: 24] المراد بهذا: يعني أن يأتي من يقول ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، لأن آباءنا الأولين كانوا يعبدون ~~الأصنام، ولم يأت من يقول لنا هذا الكلام مثل نوح. وهذا دليل على ~~أنهم مقلدون للآباء، ليس لديهم تفكير واستقلال في الرأي ينظرون به إلى ~~الأشياء نظرة الحق والعدالة، وفي موضع آخر قال تعالى عنهم: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون # [الزخرف: 23]. ولو تأملنا حال المجتمعات، ومنها مجتمعنا الذي نعيش فيه ~~لوضح لنا كذب هؤلاء في ادعائهم التقليد للآباء، كيف؟ تأمل حال الأجيال ~~المختلفة تجد كل جيل له رأيه وتطلعاته ورغباته التي ربما اختلف فيها ~~الابن عن أبيه، فالأبناء الآن لهم رأي مستقل، فالولد يختار مثلا الكلية ~~التي يرغبها، الملابس التي يحبها، وإن خالفت رأي أبيه، بل ويصل الأمر ~~إلى اتهام الآباء بالجمود والتخلف إن لزم الأمر، وهذا موجود في كل ~~الأجيال. # إذن: لماذا لم تقولوا في مثل هذه الأمور: إنا وجدنا آباءنا على أمة؟ ~~لماذا كانت لكم ذاتية ورأي مستقل في أمور الدنيا دون أمور الدين؟ إنكم ~~تتخذون الذاتية فيما يلبي رغباتكم وشهواتكم وانحرافاتكم، وتتخذون ~~التقليد فيما يقلل تكليفكم لأن التكليف سيقيد هذه الرغبات والشهوات ~~ويقضي على هذه الانحرفات لذلك يتمرد هؤلاء على منهج الله. لذلك، نعجب لما ~~نراه ونسمعه من حال أبنائنا اليوم، وكيف أفلت الزمام من الآباء ~~والأمهات، فالشاب يسير على هواه في أمور انحرافية، فإن وجهه ms6760 أبوه أعرض ~~عنه واتهمه بأنه من جيل قديم وقد ذهب زمانه بلا رجعة، وقد تعدى الأمر من ~~الأولاد إلى البنات، فصرن أيضا يتمردن على هذه القيم ولا يهتممن ~~بها. فقولهم: { ما سمعنا بهذا في آبآئنا الأولين } ~~[المؤمنون: 24] وقولهم: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة # [الزخرف: 23] هم كاذبون أيضا في هذه المقولة لأنهم لو صدقوا ~~لقلدوهم في كل شيء وما عليهم في أمور الدنيا وفي أمور الدين والقيم ~~والأخلاق. لذلك الحق - تبارك وتعالى - يعالج هذه القضية في مواضع عدة من ~~كتابه الكريم، وبأساليب مختلفة، منها قوله سبحانه: # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ.. # [البقرة: 170]. لأن هذا يريحهم من مشقة التكاليف، وإن كانت العبادة: ~~طاعة عابد لمعبود في أمره ونهيه، فما أسهل عبادة الأصنام لأنها آلهة كما ~~يدعون لكن ليس لها منهج، وليس معها تكاليف، فبأي شيء أمرك الصنم؟ وعن ~~أي شيء نهاك؟ وماذا أعد من جزاء لمن أطاعه؟ وماذا أعد من عقاب لمن ~~عصاه، إذن: معبود بلا منهج وبلا تكاليف، وهذا دليل كذبهم في عبادة ~~الأصنام وغيرها من آلهتهم. الم يقولوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] فهذا حمق وسفه وجهل لأن الكلام منطقيا لا يستقيم، كيف ~~تقولون نعبدهم وليس لهم منهج، وليس لهم تكاليف، والعبادة طاعة عابد ~~لمعبود؟ إذن: ما هو إلا خواء وإفلاس عقدي لذلك يرد الحق - تبارك ~~وتعالى - عليهم فيقول سبحانه: # أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة: 170]. وفي موضع آخر يقول - سبحانه وتعالى - عنهم: # قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ.. # [المائدة: 104] وهذه أبلغ من سابقتها، لأنهم يصعدون كفرهم ويصرون ~~عليه، فقولهم: # بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ # [البقرة: 170] فلربما يراجعون أنفسهم فيهتدون إلى الحق، ويخالفون ~~الآباء. # لكن هنا: # حسبنا.. # [المائدة: 104] يعني: كافينا، ولن نغيره ولن نحيد عنه لذلك يأتي كل آية ~~بما يناسبها: ففي الأولى قال تعالى ردا عليهم: # أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا # [البقرة: 170] وفي الأخرى قال ردا عليهم: # أولو كان آباؤهم لا يعلمون ms6761 شيئا.. # [المائدة: 104]. فذكر العقل في الأولى لأن الإنسان يأتمر فيه بنفسه، ~~وذكر في الأخرى العلم لأن الإنسان في العلم يأتمر بعقله، وعقل العلم ~~أيضا، فالعلم - إذن - أوسع من العقل لذلك ذكره مع قولهم # حسبنا.. # [المائدة: 104] الدالة على المبالغة والإصرار على الكفر. كما نلحظ عليهم ~~في قولهم: { ما سمعنا بهذا.. } [المؤمنون: 24] أن الغفلة قد ~~استحكمت فيهم لأن نوحا عليه السلام يعتبر الجد الخامس بعد آدم عليه ~~السلام، فبينهما فترة طويلة، فكيف ما سمعوا طوال هذه الفترة برسول أو ~~نبي، يقول: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره؟ ### || [23.25] # { إن هو.. } [المؤمنون: 25] يعني: ما هو و { جنة }: يعني جنون، ~~وهو ستر العقل الذي ستر العقل الذي يسيطر على حركة الإنسان في الحياة ~~فيسير حسب تقنيناتها افعل كذا و لا تفعل كذا، أما المجنون فيعمل ما يخطر ~~له دون أن يعرض الأعمال على العقل أو التفكير لذلك من عدالة الله في ~~خلقه أننا لا نؤاخذ المجنون على تصرفاته حين يعتدى على أحد منا ~~بالسب أو الضرب مثلا، ولا نملك إلا أن نبتسم له، وندعو الله أن ~~يعافينا مما ابتلاه به. فإن كان هذا حال المجنون في حركة حياته، فهل ~~يكون ذو الخلق الذي يسير وفق قوانين الحياة ومحكوما بنظم وقيم خلقية، ~~هل يكون مجنونا؟ ومن العجيب أن تهمة الجنون هذه سائرة على لسان ~~المكذبين للرسل في كل زمان ومكان، وقد اتهم بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فرد الله عليهم ونفى عن رسوله هذه الصفة في قوله: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4]. فكيف يكون ذو الخلق مجنونا؟ ولو كان صلى الله عليه وسلم ~~مجنونا، فلماذا استأمنوه على ودائعهم ونفائسهم، واطمأنوا إليه، وسموه ~~الصادق الأمين؟ إنهم ما فعلوا ذلك إلا لأنهم يعلمون خلقه، وأنه محكوم ~~بقيم من الحق والخير لا تتزحزح. وما دام الأمر لا يعدو أن يكون رجلا به ~~جنة { فتربصوا به حتى حين } [المؤمنون: 25] أي: ~~انتظروا ms6762 واتركوه وشأنه، فربما عاد إلى صوابه، وترك هذه المسألة من تلقاء ~~نفسه حين يرانا منصرفين عنه غير مهتمين به، أو دعوه فإن كان على حق ~~ونصره الله وأظهر أمره عندها نتبعه، وإن كانت الأخرى فها نحن معرضون ~~عنه من بداية الأمر. ### || [23.26] # بعد أن كذبه قومه دعا الله أن ينصره { بما كذبون } [المؤمنون: ~~26] يعني: انصرني بسبب تكذيبهم، واجعل تكذيبهم لا مدلول له فينتصر عليهم ~~رغم تكذيبهم، أو: يا رب عوضني بتكذيبهم نصرا، يعني: أبدلني من كذبهم ~~نصرا، كما تقول: اشتريت كذا بكذا، فأخذت هذا بدل هذا. ثم يقول الحق ~~سبحانه وتعالى: { فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك ~~بأعيننا ووحينا فإذا جآء أمرنا... }. ### || [23.27] # استجاب الله تعالى دعاء نبيه نوح - عليه السلام - في النصرة على ~~قومه، فأمره بأن يصنع الفلك. والفلك هي السفينة، وتطلق على المفرد ~~والجمع، قال تعالى: # فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون # [الشعراء: 119] وقال: # وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون # [فاطر: 12] فدلت مرة على المفرد، ومرة على الجمع. وقوله تعالى: { ~~بأعيننا ووحينا.. } [المؤمنون: 27] دليل على أن نوحا - عليه ~~السلام - لم يكن نجارا كما يقول البعض، فلو كان نجارا لهداه عقله إلى ~~صناعتها، إنما هو صنعها بوحي من الله وتوجيهاته ورعايته، كما قال سبحانه: # ولتصنع على عيني # [طه: 39] فالمعنى: اصنع الفلك، وسوف أوفقك إلى صناعتها، وأهديك إلى ما ~~يجب أن يكون، وأصحح لك إن أخطأت في وضع شيء في غير موضعه، إذن: ~~أمرت وأعنت وتابعت. والوحي: هو خطاب الله لرسوله بخفاء. ثم يقول ~~تعالى: { فإذا جآء أمرنا وفار التنور } [المؤمنون: 27]. ~~وهنا لم يتعرض السياق للفترة التي صنع فيها نوح السفينة، والتي جاءت في ~~قوله تعالى: # ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه ~~سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر ~~منكم كما تسخرون # [هود: 38] ذلك لأنهم لا يعلمون شيئا عن سبب صناعتها. وفي موضع آخر ~~يعلمنا - سبحانه وتعالى - عن كيفية صنعها فيقول: # وحملناه على ذات ألواح ودسر # [القمر: 13] وقلنا: إن الدسر: الحبال التي تضم بها ألواح ms6763 الخشب ~~بعضها إلى بعض شريطة أن تكون جافة، وتضم إلى بعضها بحكمة حتى إذا ما ~~نزل الماء وتشربت منه يزيد حجمها فتسد المسام بين الألواح، كما نراهم ~~مثلا يصنعون براميل الزيت من شرائح الخشب. وقد صنع أحدهم سفينة من ~~البردى بهذه الطريقة، وسافر بها إلى أمريكا واستخدم فيها الحبال بدلا ~~من المسامير. ثم يقول سبحانه: { فإذا جآء أمرنا.. } [المؤمنون: ~~27] يعني: بإنجاء المؤمنين بك، وإهلاك المكذبين { وفار التنور } ~~[المؤمنون: 27] والتنور: هو الفرن الذي يخبزون فيه الخبز، ويقال: إنه كان ~~موروثا لنوح من أيام آدم، يفور بالماء يعني: يخرج منه الماء، وهو في ~~الأصل محل للنار، فيخرج منه الماء وكأنه يغلي. لكن هل كل الماء سيخرج ~~من التنور؟ الماء سيخرج من كل أنحاء الأرض وسينزل من السماء، وفوران ~~التنور هو إيذان بمباشرة هذه العملية وبداية لها. إذا حدث هذا { ~~فاسلك فيها من كل زوجين اثنين } [المؤمنون: 27] يعني: ~~احمل وأدخل فيها زوجين ذكرا وأنثى من كل نوع من المخلوقات، كما في قوله ~~تعالى: # ما سلككم في سقر # [المدثر: 42] يعني: أدخلكم، وقال سبحانه: # اسلك يدك في جيبك.. # [القصص: 32] يعني: أدخلها، وقال سبحانه: # كذلك نسلكه في قلوب المجرمين # [الحجر: 12]. ومن مادة سلك أخذنا في أعرافنا اللغوية. # نقول: سلك الماسورة أو العين يعني: أدخل فيها ما يزيل سدتها. ~~والتنوين في { من كل زوجين اثنين.. } [المؤمنون: 27] يعني: ~~من كل شيء نريد حفظ نوعه واستمراره لأن الطوفان سيغرق كل شيء، والحق - ~~تبارك وتعالى - يريد أن يحفظ لعباده المؤمنين مقومات حياتهم وما ~~يخدمهم من الحيوانات والأنعام وجميع أنواع المخلوقات الأخرى من كل ما ~~يلد أو يبيض. ومعنى { زوجين } [المؤمنون: 27] ليس كما يظن البعض ~~أن زوج يعني: اثنين، إنما الزوج يعني فرد ومعه مثله، ومنه قوله تعالى: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر ~~اثنين.. # [الأنعام: 143-144]. فسمى كل فرد من هذه الثمانية زوجا لأن معه ~~مثله. هذا في ms6764 جميع المخلوقات، أما في البشر فلم يقل زوجين، إنما قال { ~~وأهلك } [المؤمنون: 27] أيا كان نوعهم وعددهم، لكن الأهلية هنا ~~أهلية نسب، أم أهلية إيمانية؟ الأهلية هنا يراد بها أهلية الإيمان ~~والاتباع، بدليل أن الله تعالى شرح هذه اللقطة في آية أخرى، فقال على ~~لسان نوح عليه السلام: # فقال رب إن ابني من أهلي.. # [هود: 45]. فقال له ربه: # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح # [هود: 46] فبنوة الأنبياء بنوة عمل واتباع، فإن جاءت من صلبه فأهلا ~~وسهلا، وإن جاءت من الغير فأهلا وسهلا. # " لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن سلمان الفارسي: " سلمان منا آل ~~البيت " " # فقد تعدى أن يكون مسلما إلى أن صار واحدا من آل البيت. وكذلك أدخل ~~فيها أهلك من النسب بدليل أنه استثنى منهم: { إلا من سبق عليه ~~القول منهم } [المؤمنون: 27] وكان له امرأتان، واحدة كفرت به ~~وخانته هي وولدها كنعان، والتي ذكرت في قول الله تعالى في سورة التحريم: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين فخانتاهما.. # [التحريم: 10]. وكنعان هو الذي قال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء وهذه ~~اللقطة لم تذكر هنا لأن أحداث القصة جاءت مفرقة في عدة مواضع، بحيث ~~لو جمعت تعطي الصورة العامة للقصة، فإن قلت: فلماذا لم تأت مرة ~~واحدة كما في قصة يوسف عليه السلام؟ نقول: جاءت قصة يوسف كاملة في موضع ~~واحد ليعطينا بها الحق - سبحانه وتعالى - نموذجا للقصة الكاملة المحبوكة ~~التي تدل على قدرته تعالى على الإتيان بالقصة مرة واحدة لمن أراد ذلك، ~~فإن أردتها كاملة فنحن قادرون على ذلك، وها هي قصة يوسف، إنما الهدف من ~~القصص في القرآن هو تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: # كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا # [الفرقان: 32] لأنه صلى الله عليه وسلم سيقابل مواقف تكذيب وعداء وعناد ~~من قومه، وسيتعرض لأزمات شديدة ويحتاج إلى ما يسليه ويثبته أمام ~~هذه الأحداث. لذلك جاءت لقطات القصص القرآني في عدة ms6765 مواضع لتسلية رسول ~~الله، والتخفيف عنه كلما تعرض لموقف من هذه المواقف، وبجمع هذه ~~اللقطات المتفرقة تتكون لديك القصة الكاملة المستوية. وقد أدخل نوح معه ~~زوجته الأخرى المؤمنة وأولاده: سام وحام ويافث وزوجاتهم، فهؤلاء ستة ونوح ~~وزوجه فهم ثمانية، ومعهم اثنان وسبعون من المؤمنين وأصول الإيمان الباقي ~~مع نوح عليه السلام. ولما كان الحكم بغرق من كفر من أهله أمرا لا ~~استئناف فيه، قال تعالى بعدها: # ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون # [هود: 37] لكن ظلموا من؟ ظلموا أنفسهم حين كفروا بالله، والحق سبحانه ~~يقول: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. صحيح أنت حين كفرت أخذت حق الله في أنه واحد أحد موجود، ~~وإله لا معبود غيره، وأعطيته لغيره، لكن هذا الظلم لم يضر الله تعالى في ~~شيء إنما أضر بك وظلمت به نفسك، ومنتهى الحمق والسفه أن يظلم ~~الإنسان نفسه. ثم يقول سبحانة: { فإذا استويت أنت ومن ~~معك على الفلك فقل الحمد لله... }. ### || [23.28] # { استويت } [المؤمنون: 28] يعني: استعليت وركبت أنت ومن معك ~~على الفلك واطمأن قلبك إلى نجاة المؤمنين معك { فقل الحمد ~~لله } [المؤمنون: 28] فلا بد للمؤمن أن يستقبل نعم الله عليه ~~بالحمد، وبألا تنسيه النعمة جلال المنعم، فساعة أن يستتب لك ~~الأمر على الفلك وتطمئن بادر بحمد الله. وفي موضع آخر يقول سبحانه: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما ~~كانوا يعملون # [يونس: 12]. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعطينا حصانة، ويجعل لنا أسوة ~~بذاته سبحانه، حتى إذا ما تعرضنا لنكران الجميل ممن أحسنا إليه لا ~~نغضب لأن الناس ينكرون الجميل حتى مع الله عز وجل. لذلك لما قال موسى - ~~عليه السلام - يا رب أسألك ألا يقال في ما ليس في. يعني: لا ~~يتهمني الناس ظلما، فرد عليه ربه عز وجل: # " يا موسى، كيف ولم أصنع ذلك لنفسي ". # إذن: فهذه مسألة لا يطمع فيها أحد، ولو أن كل فاعل للجميل يضن به على ms6766 ~~الناس لأنهم ينكرونه لفسد الحال، وتوقفت المصالح بين الخلق، وضن ~~أهل الخير بخيرهم لذلك وضع لنا ربنا - عز وجل - الأسوة بنفسه سبحانه. ~~والإنسان إن كان حسيسا لا يقف عند إنكار الجميل، إنما يتعدى ذلك فيكره ~~من أحسن إليه ويحقد عليه، ذلك لأن الإنسان مجبول على حب النفس والتعالي ~~والغطرسة، فإذا ما رأى من أحسن إليه كرهه لأنه يدك فيه كبرياء نفسه، ~~ويحد من تعاليه. ومن هنا قالوا: " اتق شر من أحسنت إليه " لماذا؟ ~~لأنه يخزى ساعة يراك، وهو يريد أن يتعالى، ووجودك يكسر عنده هذا ~~التعالي. إذن: وطن نفسك على أن الجميل قد ينكر حتى لو كان فاعله رب ~~العزة سبحانه، فلا يحزنك أن ينكر جميلك أنت. وعن ذلك قال الشاعر: # يسير ذوو الحاجات خلفك خضعا # فإن أدركوها خلفوك وهرولوا # وأفضلهم من إن ذكرت بسيء # توقف لا ينفي وقد يتقول # فلا تدع المعروف مهما تنكروا # فإن ثواب الله أربى وأجزل # فالمعنى: إذا استويت أنت ومن معك، واستتب لك الأمر على الفلك، ~~فإياك أن تغتر أو تنأى بجانبك فتنسى حمد الله على هذه النعمة لذلك ~~أمرنا حين نركب أي مركب أن نقول: " بسم الله مجريها ومرساها " لأنك ما ~~أجريتها بمهارتك وقوتك، إنما باسم الله الذي ألهم، وباسم الله الذي أعان، ~~وباسم الله الذي تابعني، ورعاني بعينه، وما دمت تذكر المنعم عند ~~النعمة وتعترف لصاحب الفضل بفضله يحفظها لك. أما أن تنكرها على صاحبها، ~~وتنسبها لنفسك، كالذي قال: # إنمآ أوتيته على علم عندي.. # [القصص: 78] فيقول: ما دام الأمر كذلك، فحافظ أنت عليه. حتى في ركوب ~~الدابة يعلمنا صلى الله عليه وسلم أن نقول: # " سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ". # وقوله تعالى: { الذي نجانا من القوم الظالمين } ~~[المؤمنون: 28] وذكر النجاة لأن درء المفسدة مقدم على جلب ~~المنفعة. ثم يعلمه ربه دعاء آخر يدعو به حين تستقر به السفينة على ~~الجودي، وعندما ينزل منها ليباشر حياته الجديدة على الأرض: { وقل ~~رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير... }. ### || [23.29] ms6767 # وفي موضع آخر قال سبحانه: # قيل ينوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى ~~أمم ممن معك.. # [هود: 48] لأنك ستنزل منها وليست هي مكان معيشتك. وكذلك دعا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال كما حكى القرآن: # وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج ~~صدق.. # [الإسراء: 80]. فلا بد أن تذكر في النعمة المنعم بها، لذلك فالذين ~~يصابون في نعم الله عليهم بأعين الحاسدين، ثق تمام الثقة أنهم حين ~~رأوا نعمة الله عليهم لم يذكروا المنعم بها، ولو أن الإنسان حين يرى ~~نعمة من نعم الله عليه في ماله أو ولده فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله، ووضع النعمة في حماية المنعم لضمن دوام نعمته وسلامتها من أعين ~~الحاسدين لأنه وضعها تحت قانون الصيانة الإلهية. ومعنى: { منزلا ~~مباركا.. } [المؤمنون: 29] الشيء المبارك: الذي يعطي فوق ما يتصور ~~من حجمه، كأن يعيش شخص براتب بسيط عيشة كريمة ويربي أولاده أفضل ~~تربية، فيتساءل الناس: من أين له ذلك؟ ونقول: إنها البركة التي تحل في ~~القليل فيصير كثيرا، صحيح أن الوارد قليل لكن يكثره قلة المنصرف منه. ~~وقد مثلنا لذلك بواحد يرتزق من الحلال، فييسر الله أمره، ويقضي ~~مصالحه بأيسر تكلفه، فإذا مرض ولده مثلا يشفيه الله بقرص أسبرين وكوب من ~~الشاي، ولا يفزع لمرضه لأنه مطمئن القلب، راضي النفس، واثق في معونة ~~الله. أما الذي يتكسب من الحرام ويأكل الرشوة.. الخ إن مرض ولده يهرع ~~به إلى الأطباء ويتوقع في ولده أخطر الأمراض، فإن ارتشى بعشرة صرف عليها ~~مائة. وسبق أن قلنا: إن هذه البركة هي رزق السلب الذي لا يزيد من ~~دخلك، إنما يقلل من مصروفاتك. وكلمة { وأنت خير المنزلين } ~~[المؤمنون: 29] أم أنه سبحانه المنزل الوحيد؟ الله خير المنزلين يعني: ~~أباح أن يقال للعبد أيضا منزل حين ينزل شخصا في مكان مريح، كأن ~~يسكنه مثلا في شقة مريحة، أو يستقبله ضيفا عليه.. الخ. وإن كنت ~~منزلا بهذا المعنى، فالله عز وجل هو خير المنزلين لأنه سبحانه حين ~~ينزلك ينزل على قدره تعالى، وعلى ms6768 قدر كرمه وعطائه. إذن: الحق - ~~تبارك وتعالى - لم يضن عليه خلقه أن يصفهم بما وصف به نفسه، فلم ~~يضن عليك أن يصفك بالخلق فقال: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] فأثبت لك صفة الخلق، لأنك توجد معدوما مع أنك توجده ~~من موجود الله، كأن تصنع من الرمل والنار كوبا من الزجاج مثلا، لكن ما ~~توجده يظل جامدا على حالته لا ينمو ولا يتناسل، وليست فيه حياة، ومع ذلك ~~سماك ربك خالقا، وكذلك قال: # وأنت خير الوارثين # [الأنبياء: 89] وقال: # خير الماكرين # [آل عمران: 54]. وكما أن الله عز وجل لم يضن عليك بهذه الصفات، فلا ~~تضن عليه سبحانه بأنه خير المنزلين، وخير الوارثين، وخير الماكرين، ~~وأحسن الخالقين. ثم يقول الحق سبحانه: { إن في ذلك لآيات... }. ### || [23.30] # { في ذلك.. } [المؤمنون: 30] يعني: فيما تقدم { لآيات.. } ~~[المؤمنون: 30] عبر وعظات وعجائب، لو فكر فيها المرء بعقل محايد لانتهى ~~إلى الخير { وإن كنا لمبتلين } [المؤمنون: 30] فلا تظن أن ~~الابتلاء مقصور على الظلمة والكافرين الذين أخذهم الله وأهلكهم، فقد يقع ~~الابتلاء بمن لا يستحق الابتلاء، وحين يبتلي الله أهل الخير والصلاح ~~فما ذلك إلا ليزداد أجرهم وترفع مكانتهم ويمحص إيمانهم. ومن ذلك ~~الابتلاءات التي وقعت بالمسلمين الأوائل، فإنها لم تكن كراهية لهم أو ~~انتقاما منهم، إنما كانت تصفية لمعدنهم وإظهارا لإيمانهم الراسخ الذي ~~لا يتزعزع لأنهم سيحملون دعوة الله إلى أن تقوم الساعة، فلا بد من ~~تمحيصهم وتصفيتهم. كما قال سبحانه: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2] لا، لا بد من الابتلاء الذي يميز الصادقين ممن ~~يعبد الله على حرف، لا بد أن يتساقط هؤلاء من موكب الدعوة، ولا يبقى ~~إلا المؤمنون الراسخون على إيمانهم الذين لا تزعزعهم الأحداث. إذن: ~~المعنى { وإن كنا لمبتلين } [المؤمنون: 30] يعني: أهل الإيمان ~~الذين لا يستحقون العذاب لأننا نحب أن نرفع درجاتهم ونمحص إيمانهم ~~ليكونوا أهلا لدعوة الله لذلك يقول الحق - تبارك وتعالى - في الحديث ~~القدسي: # " وعزتي وجلالي، لا أخرج عبدي من الدنيا وقد أردت به الخير حتى أوفيه ms6769 ~~ما عمله من السيئات، من مرض في جسمه وخسارة في ماله، وفقد في ولده، فإذا ~~بقيت عليه سيئة ثقلت عليه سكرات الموت حتى يأتيني كيوم ولدته أمه.. ~~وعزتي وجلالي، لا أخرج عبدي من الدنيا وقد أردت به الشر حتى أوفيه ما ~~عمله من الحسنات، صحة في جسمه، وبركة في ماله وولده، فإذا بقيت له حسنة ~~خففت عليه سكرات الموت حتى يأتيني وليست له حسنة ". # إذن: فالابتلاء كما يكون انتقاما من الكفرة والظلمة يكون كذلك تربيبا ~~للنفع، وتمحيصا للإيمان، وإرادة للثواب. ثم يقول الحق سبحانه: { ثم ~~أنشأنا من بعدهم... }. ### || [23.31] # أي: من بعد قوم نوح عليه السلام، وقلنا: إن القرن: الزمن الذي يجمع ~~أناسا متقاربين في مسائل الحياة، وانتهى العلماء إلى أن القرن مائة ~~عام، أو إلى ملك مهما طال، أو رسالة مهما طالت، كلها تسمى قرنا. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن ~~اعبدوا الله... }. ### || [23.32] # جاء بعد قوم نوح عليه السلام قوم عاد، وقد أرسل الله إليهم سيدنا هودا ~~عليه السلام، كما جاء في قوله تعالى: # وإلى عاد أخاهم هودا.. # [الأعراف: 65] وقد دعاهم بنفس دعوة نوح: { أن اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره.. } [المؤمنون: 32] وقال لهم أيضا: { ~~أفلا تتقون } [المؤمنون: 32]. إذن: هو منهج موحد عند جميع ~~الرسالات، كما قال سبحانه: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. # [الشورى: 13]. فدين الله واحد، نزل به جميع الرسل والأنبياء، فإن قلت: ~~فما بال قوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا.. # [المائدة: 48]. نقول: نعم، لأن العقائد والأصول هي الثابتة التي لا ~~تتغير: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، أما المنهج والشريعة الخاصة ~~بالفروع فهي محل التغيير بين الرسل لأنها أمور تتعلق بحركة الحياة، ~~والحق - تبارك وتعالى - يعطي لكل بيئة على لسان رسولها ما يناسبها وما ~~يعالج أمراضها وداءاتها. والشرعة: هي القانون الذي يحكم حركة حياتك، ~~أما الدين فهو الأمر الثابت والموحد من قبل ms6770 الله - عز وجل - والذي لا ~~يملك أحد أن يغير فيه حرفا واحدا. لذلك، كانت آفة الأمم أن يجعلوا ~~أنفسهم فرقا مختلفة وأحزابا متباينة، وهؤلاء الذين قال الله فيهم: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء.. # [الأنعام: 159]. وتأمل: # فرقوا دينهم.. # [الأنعام: 159] ولم يقل: فرقوا شريعتهم ولا منهجهم، ذلك لأن الدين ~~واحد عند الله، أما المناهج والشرائع فهي مجال الاختلاف على حسب ما في ~~الأمة من داءات، فهؤلاء كانوا يعبدون الأوثان، وهؤلاء كانوا يطففون ~~الكيل والميزان، وهؤلاء كانوا يجحدون نعم الله.. الخ. وسبق أن أوضحنا ~~أن اختلاف الداءات في هذه الأمم ناتج عن العزلة التي كانت تبعدهم، فلا ~~يدري هذا بهذا، وهم في زمن واحد. أما في رسالة الإسلام - هذه الرسالة ~~العامة الخاتمة - فقد جاءت على موعد من التقاء الأمم وتواصل الحضارات، ~~فما يحدث في أقصى الشمال يعرفه من في أقصى الجنوب لذلك توحدت الداءات، ~~فجاء رسول واحد خاتم بتشريع صالح لجميع الزمان ولجميع المكان، وإلى قيام ~~الساعة. وآفة المسلمين في التعصب الأعمى الذي ينزل الأمور الاجتهادية ~~التي ترك الله لعباده فيها حرية واختيارا منزلة الأصول والعقائد التي ~~لا اجتهاد فيها، فيتسرعون في الحكم على الناس واتهامهم بالكفر لمجرد ~~الاختلاف في وجهات النظر الاجتهادية. نقول: من رحمة الله بنا أن جعل ~~الأصول واحدة لا خلاف عليها، أما الفروع والأمور الاجتهادية التي تتأتى ~~بالفهم من المجتهد فقد تركها الله لأصحاب الفهم، وينبغي أن يحترم كل ~~منا فيها رأي الآخر، بدليل قول الله تعالى: # ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم.. # [النساء: 83]. وإلا لو أراد الحق سبحانه لما جعل لنا اجتهادا في شيء، ~~ولجاءت كل مسائل الدين قهرية، لا رأي فيها لأحد ولا اجتهاد، أما ~~الحق - سبحانه وتعالى - فقد شاءت حكمته أن يجمعنا جمعا قهريا على ~~الأمور التي إن لم نجمع عليها تفسد، أما الأمور التي تصلح على أي وجه ~~فتركها لاجتهاد خلقه. فعلينا - إذن - أن نحترم رأي الآخرين، وألا ~~نتجرأ عليهم بل لنحترم ما اختاره ms6771 الله لنا من حرية الفكر والاجتهاد. ~~وأسوتنا في هذه المسألة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسلف هذه ~~الأمة في غزوة الأحزاب، فلما هبت الريح على معسكر الكفار فاقتلعت ~~خيامهم وشتتت شملهم وفروا من الميدان انصرف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة، لكن سرعان ما أمره ربه بالتوجه إلى بني قريظة ~~لتأديبهم، وأخبره - سبحانه وتعالى - أن الملائكة ما زالت على حال ~~استعدادها، ولم يضعوا عنهم أداة الحرب، فجمع رسول الله الصحابة وقال لهم: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ~~". # وفعلا، سار الصحابة نحو بني قريظة فيما بين العصر والمغرب، فمنهم من ~~خاف أن يدركه المغرب قبل أن يصلي العصر، فصلى في الطريق ومنهم من ~~التزم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بألا يصلي إلا في بني قريظة، ~~حتى وإن أدركه المغرب، حدث هذا الخلاف إذن بين صحابة رسول الله وفي ~~وجوده، لكنه خلاف فرعي، لما رفعوه إلى رسول الله وافق هؤلاء، ووافق ~~هؤلاء، ولم ينكر على أحد منهم ما اجتهد. إذن: في المسائل الاجتهادية ~~ينبغي أن نحترم رأي الآخرين لذلك فالعلماء - رضي الله عنهم - وأصحاب ~~الفكر المتزن يقولون: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل ~~الصواب. فليت المسلمين يتخلصون من هذه الآفة التي فرقتهم، وأضعفت ~~شوكتهم بين الأمم. ليتهم يذكرون دائما قول الله تعالى: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء.. # [الأنعام: 159]. ولما تكلم الحق - تبارك وتعالى - عن مسألة الوضوء، قال ~~سبحانه: # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا ~~برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين.. # [المائدة: 6]. نلحظ أنه تعالى عند الوجه قال # فاغسلوا وجوهكم.. # [المائدة: 6] دون أن يحدد للوجه حدودا، لماذا؟ لأن الوجه لا خلاف عليه ~~بين الناس، لكن في الأيدي قال: # وأيديكم إلى المرافق.. # [المائدة: 6] فحدد اليد إلى المرفق لأنها محل خلاف، فمن الناس من ~~يقول: الأيدي إلى الكتف. ومنهم من يقول: إلى المرفق. ومنهم من يقول: ~~هي كف ms6772 اليد. لذلك حددها ربنا - عز وجل - ليخرجنا من دائرة الخلاف في ~~غسل هذا العضو، ولو تركها - سبحانه وتعالى - دون هذا التحديد لكان ~~الأمر فيها مباحا: يغسل كل واحد يده كما يرى، كذلك في الرأس قال سبحانه: # وامسحوا برؤوسكم.. # [المائدة: 6] وتركها لاحتمالات الباء التي يراها البعض للإلصاق، أو ~~للتعدية، أو للتبعيض. إذن: حين ترى مخالفا لك في مثل هذه الأمور لا ~~تتهمه لأن النص أجاز له هذا الاختلاف، وأعطاه كما أعطاك حق الاجتهاد. ~~ثم قال الحق سبحانه: { وقال الملأ من قومه الذين ~~كفروا وكذبوا بلقآء الآخرة وأترفناهم في... }. ### || [23.33] # تكلمنا عن معنى { الملأ.. } [المؤمنون: 33] وهم عين الأعيان وأصحاب ~~السلطة والنفوذ في القوم، والذين يضايقهم المنهج الإيماني، ويقضي على ~~مكانتهم، ويقف في وجه طغيانهم وسيطرتهم واستضعافهم للخلق. { وقال ~~الملأ من قومه الذين كفروا.. } [المؤمنون: 33] تماما ~~كما حدث مع سابقيهم من قوم نوح { وكذبوا بلقآء الآخرة ~~وأترفناهم في الحياة الدنيا.. } [المؤمنون: 33] مادة: ~~ترف مثل فرح، نقول: ترف الرجل يترف إذا تنعم، فإذا زدت عليها الهمزة ~~أترف نقول: أترفته النعمة، أترفه الله، يعني: كانت النعمة سبب طغيان، ~~ووسع الله عليه في النعمة ليتسع في الطغيان. وفي هذا المعنى ورد قوله ~~تعالى: # فلما نسوا ما ذكروا به.. # [الأنعام: 44] يعني من منهج الحق # فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا ~~بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون # [الأنعام: 44]. ذلك، ليكون الأخذ أقوى وأعنف وأبلغ في الإيلام ~~والحسرة، وسبق أن ذكرنا تشبيها أضحك الحاضرين كثيرا، ولله تعالى - ~~المثل الأعلى -، قلنا: إن الله تعالى إذا أراد أن يوقع معاندا لا ~~يوقعه من فوق الحصيرة، إنما يوقعه من فوق كرسي عال ومكانة رفيعة، ليكون ~~الهدر أقوى وأشد. فإن أخذ الإنسان العادي الذي لا يملك ما يتحسرعليه ~~من مال أو جاه أو منصب، فالأمر هين، أما حين يرقيه ويعلي منزلته ~~ويترفه في النعيم، ثم يأخذه على هذه الحال فلا شك أنه أخذ عزيز ~~مقتدر، وهذا أشد وأنكى. إذن: أترفناهم يعني: وسعنا عليهم وأمددناهم ~~بالنعم المختلفة ليزدادوا في كفرهم وطغيانهم، ms6773 على حد قوله تعالى: # فذرهم في غمرتهم حتى حين * أيحسبون أنما ~~نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في ~~الخيرات بل لا يشعرون # [المؤمنون: 54-56]. إن الله تعالى يمد لهؤلاء في وسائل الغي ~~والانحراف ليزدادوا منها، ويتعمقوا في آثامها لنتعمق نحن في عذابهم ~~والانتقام منهم. ثم يحكي القرآن عنهم هذه المقولة التي سارت على ألسنتهم ~~جميعا في كل الرسالات: { ما هذا إلا بشر مثلكم.. } ~~[المؤمنون: 33] وكأن هذه الكلمة أصبحت لازمة من لوازم المكذبين للرسل ~~المعاندين لمنهج الله، ثم يؤكدون على بشرية الرسول فيقولون: { يأكل ~~مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون } [المؤمنون: ~~33] ألم يقل كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق.. # [الفرقان: 7]. سبحان الله، كأنهم يتكلمون بلسان واحد مع اختلاف الأمم ~~وتباعد الأزمان، لكن كما يقولون: الكفر ملة واحدة. ### || [23.34] # خاسرون إن أطعتم بشرا مثلكم، لكنه بشر ليس مثلكم، إنه بشر يوحى ~~إليه، فأنا لا أتبع فيه بشريته، إنما أتبع ما ينزل عليه من الوحي. ### || [23.35] # إنهم ينكرون البعث بعد الموت الذي يعدهم به نبيهم، لكن ما الإشكال في ~~مسألة البعث؟ أليست الإعادة أهون من البدء؟ وإذا كان الخالق - عز وجل ~~- قد خلقكم من لا شيء فلأن يعيدكم من الرفات أهون، وإن كانت كلمة أهون ~~لا تليق في حق الله تعالى لأنه سبحانه لا يفعل أموره عن علاج ومزاولة، ~~إنما عن كلمة " كن " لكن الحديث في هذه المسألة يأتي بما تعارفت عليه ~~العقول، وبما يقرب القضية إلى الأذهان. ### || [23.36] # { هيهات.. } [المؤمنون: 36] اسم فعل بمعنى بعد، يعني بعد هذا ~~الأمر، وهو أن نرجع بعد الموت، وبعد أن صرنا عظاما ورفاتا. والكلمة ~~في اللغة إما اسم أو فعل أو حرف: الاسم ما دل على معنى مستقل بالفهم ~~غير مرتبط بزمن، فحين تقول: سماء نفهم أنها كل ما علاك فأظلك. والفعل ~~كلمة تدل أيضا على معنى مستقل بالفهم لكنه مرتبط بزمن، فحين نقول: أكل ~~نفهم المقصود منها، وهي متعلقة بالزمن الماضي، أما الحرف فكلمة تدل ms6774 على ~~معنى غير مستقل بذاته، فالحرف على يدل على معنى الاستعلاء، لكن استعلاء ~~أي شيء؟ فالمعنى - إذن - لا يستقل بذاته، إنما يحتاج إلى ما يوضحه، كذلك ~~في تدل على الظرفية، لكن لا تحدد بذاتها هذه الظرفية، كذلك من للابتداء ~~وإلى للغاية، ولكل من الاسم والفعل والحرف علامات خاصة يعرف بها. وغير ~~هذه الثلاثة قسم رابع جاء مخالفا لهذه القاعدة لذلك يسمونه الخالفة وهو ~~اسم الفعل مثل هيهات أي بعد، فهو اسم يدل على معنى الفعل دون أن يقبل ~~علامات الفعل، ومثله شتان بمعنى تفرق، أف بمعنى أتضجر.. الخ. ثم يقول ~~الحق سبحانه وتعالى عنهم أنهم قالوا: { إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا نموت ونحيا... }. ### || [23.37] # لقد استبعد هؤلاء أمر البعث لأنهم لا يعتقدون في حياة غير حياتهم ~~الدنيا، فالأمر عندهم محصور فيها { إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا.. } [المؤمنون: 37] إن: حرف نفي يعني. ما هي، كما جاء في قوله ~~تعالى: # ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم.. # [المجادلة: 2] يعني: ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم. وقوله: { نموت ~~ونحيا.. } [المؤمنون: 37] قد يظن البعض أنهم بهذا القول يؤمنون ~~بالبعث، لأنهم قالوا: نموت ونحيا فكيف ينكرونه؟ والمراد: نموت نحن، ~~ويحيا من خلف بعدنا من أولادنا، بدليل قولهم بعدها: { وما نحن ~~بمبعوثين }. ### || [23.38] # يعني: الرجل الذي أخبركم بمسألة البعث { افترى على الله ~~كذبا.. } [المؤمنون: 38] وعجيب منهم هذا القول، فهم يعرفون الله ~~ويعترفون { افترى على الله.. } [المؤمنون: 38] فكيف يكون إلها ~~دون أن يبلغكم رسالة على لسان رسوله؟ وإلا، فكيف ستعرفون منهج الله؟ ~~قالوا: بالعقل، لكن العقل في هذه المسألة لا يصح. وسبق أن مثلنا لذلك ~~- ولله المثل الأعلى: هب أننا نجلس في حجرة مغلقة ودق جرس الباب، لا ~~شك أننا سنتفق جميعا على أن طارقا بالباب، وهذا يسمى " تعقل " ، لكنا ~~سنختلف في التصور: أهو رجل؟ أم امرأة؟ أم طفل، أهو بشير أم نذير؟.... ~~الخ. إذن: نتفق حين نقف عند التعقل، لكن كيف نعرف من بالباب؟ نجعله ~~هو يخبر عن نفسه حين نقول: من الطارق؟ يقول: أنا فلان، ms6775 وجئت لكذا ~~وكذا. فمن الذي يبلغ عن التعقل؟ صاحبه. وكذلك عقلك يؤمن بأن الكون له ~~خالق واجد تدل عليه آيات الكون، فأنت لو نظرت إلى لمبة الكهرباء هذه ~~التي تنير غرفة واحدة، وتأملت لوجدت وراءها مصانع وعددا وآلات ~~وعمالا ومهندسين ومخترعين، ومع ذلك لها قدرة محدودة، ولها عمر افتراضي ~~وربما كسرت لأي سبب وطفئت. أفلا تنظر كذلك إلى الشمس وتتأمل ما فيها ~~من آيات وعجائب، وكيف أنها تنير نصف الكرة الأرضية في وقت واحد دون أن ~~تتعطل ودون أن تحتاج إلى صيانة أو قطعة غيار، ومع ذلك لم يدعها أحد ~~لنفسه، أفلا يدل ذلك على أن وراء هذا الخلق العظيم خالقا أعظم؟ إذا ~~كنا نؤرخ لمكتشف الكهرباء ومخترع المصباح الكهربائي، ونذكر ماذا صنع؟ ~~وكيف توصل إلى ما توصل إليه، أليس يجدر بنا أن نبحث في خالق هذا الكون ~~العجيب؟ إنك لو حاولت أن تنظر إلى قرص الشمس أثناء النهار، فإن نظرك ~~يكل ولا تستطيع، وإذا اشتدت حرارتها لا يطيقها أحد، مع أن بينك وبين ~~الشمس ثماني دقائق ضوئية، كل ثانية فيها ثلاثمائة ألف كيلومتر، فأي طاقة ~~هذه التي تنبعث من الشمس؟ ومن عجائبها أيضا أنك تشعر بحرارتها على الأرض ~~المنبسطة فإذا ما ارتفعت فوق جبل مثلا أو منطقة عالية تقل درجة الحرارة ~~مع أنك تقترب من الشمس، على خلاف ما لو أوقدت نارا مثلا فتجد أن ~~حرارتها تنخفض كلما ابتعدت عنها، أما الشمس فكلما اقتربت منها قلت ~~درجة الحرارة، فمن يقدر على هذه الظاهرة؟ فإذا جاء من يخبرني أنه ~~خالق هذه الشمس أقول له: إذن هي لك، إلى أن يأتي منازع يدعيها لنفسه، ~~ولم يأت منازع يدعيها إلى الآن. وقولهم: { افترى.. } [المؤمنون: 38] ~~مبالغة منهم في حق رسولهم لأن الافتراء: تعمد الكذب، والكذب كما ~~قلنا: أن يأتي الكلام مخالفا للواقع، وقد يأتي الكلام مخالفا للواقع ~~لكن حسب علم صاحبه، فهو في ذاته صادق. ### || [23.39] # سبحان الله، كأن تاريخ الرسالات يعيد نفسه مع المكذبين، وكأنه أكلشيه ~~ثابت على ألسنة الرسل: اعبدوا الله ms6776 ما لكم من إله غيره، فيتهمونه ~~ويكذبونه ويقولون: ما أنت إلا بشر مثلنا، فتأتي النهاية واحدة: رب ~~انصرني بما كذبون، يعني: أبدلني بتكذيبهم نصرا. هذه قولة هود - ~~عليه السلام - حين كذبه قومه، وقولة نوح، وقولة كل نبي كذبه القوم ~~لأن الرسول حين يكذب من الرسل إليهم لا يفزع إلا إلى من أرسله لأن ~~من أرسله وعده بالنصرة والتأييد: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. وقال: # ولينصرن الله من ينصره.. # [الحج: 40]. وقال سبحانه: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون # [الصافات: 171-172]. فالمعنى: انصرني لأنك أرسلتني، وقد كذبني القوم ~~بعد أن استنفدت في دعوتهم كل أسبابي، ولم يعد لي بهم طاقة، ولم يعد ~~لي إلا معونتك. والإنسان حين يستنفد كل الأسباب التي منحه الله إياها دون ~~أن يصل إلى غايته فقد أصبح مضطرا داخلا في قوله سبحانه: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه.. # [النمل: 62]. إذن: لا تلجأ إلى الله إلا بعد أن تؤدي ما عليك أولا، ~~وتفرغ كل ما في طاقتك في سبيل غايتك، لكن لا تقعد عن الأسباب وتقول: يا ~~رب فالأرض أمامك والفأس في يدك ومعك عافية وقدرة، فاعمل واستنفد أسبابك ~~أولا حتى تكون في جانب المضطر الذي يجيب الله دعاءه. لذلك نسمع كثيرا ~~من يقول: دعوت الله ولم يستجب لي، ونقول له: أنت لم تدع بدعاء ~~المضطر، أنت تدعو بدعاء من في يده الأسباب ولكنه تكاسل عنها لذلك لا ~~يستجاب لك. وهذه نراها حتى مع البشر، ولله تعالى المثل الأعلى: هب أنك ~~صاحب مال وتجارة وجاءتك بضاعة من الجمرك مثلا، وجلست تراقب العمال وهم ~~يدخلونها المخازن، فليس من مهامك الحمل والتخزين فهذه مهمة العمال، لكن ~~هب أنك وجدت عاملا ثقل عليه حمله وكاد الصندوق أن يوقعه على ~~الأرض، ماذا يكون موقفك؟ لا شك أنك ستفزع إليه وتأخذ بيده وتساعده لأنه ~~فعل كل ما في وسعه، واستفرغ كل أسبابه وقواه، فلم تضن أنت عليه ~~بالعون. كذلك ربك - عز وجل - يريد منك أن تؤدي ما عليك ولا تدعه لشيء قد ~~جعل ms6777 لك فيه أسبابا لأن الأسباب يد الله الممدودة لخلقه، فلا ترد يد ~~الله بالأسباب لتطلب الذات بلا أسباب. لذلك جاء قول الرسل الذين كذبوا: ~~{ رب انصرني.. } [المؤمنون: 39] ليس وأنا قاعد متخاذل متهاون، ~~ولكن { بما كذبون } [المؤمنون: 39] يعني: فعلت كل ما في وسعي، ~~ولم يعد لي بهم طاقة. فتأتي الإجابة على وجه السرعة: { قال عما ~~قليل... }. ### || [23.40] # { عما قليل.. } [المؤمنون: 40] يعني: بعد قليل، ف عن هنا بمعنى ~~بعد، كما جاء في قوله تعالى: # لتركبن طبقا عن طبق # [الانشقاق: 19] يعني: بعد طبق. أما { ما.. } [المؤمنون: 40] هنا فقد ~~دلت على الظرف الزمني لأن المراد بعد قليل من الزمن. { ليصبحن ~~نادمين } [المؤمنون: 40] حين يقع بهم ما كانوا به يكذبون، ويحل ~~عليهم العذاب يندمون، لأنهم لن يستطيعوا تدارك ما فاتهم، فليس أمامهم إذن ~~إلا الندم، وهذه المسألة دلت على أن الفطرة الإنسانية حين لا تختلط ~~عليها الأهواء تنتهي في ذاتها إلى الحق، وإن أخرجها الغضب إلى الباطل، ~~فإنها تعود إلى توازنها وإلى الجادة حين تهدأ ثورة الغضب. والحق - تبارك ~~وتعالى - يعطينا أدلة وإشارات حول هذه القضية في قصة ولدي آدم عليه ~~السلام فيقول: # واتل عليهم نبأ ابني ءادم بالحق إذ قربا ~~قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ~~قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من ~~المتقين # [المائدة: 27]. إلى أن قال سبحانه: # فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله.. # [المائدة: 30] فجاء القتل أثرا من آثار الغضب، والمفروض أنه بعد أن ~~قتله شفى نفسه، وينبغي له أن يسر لأنه حقق ما يريد، لكن # فأصبح من النادمين # [المائدة: 31]. أي: بعد أن هدأت ثورة الغضب بداخله ندم على ما فعل، ~~لماذا؟ لأن هذه طبيعة النفس البشرية التي لا يطغيها ولا يخرجها عن ~~توازنها إلا الهوى، فإن خرج الهوى عادت إلى الاستقامة وإلى الحق، وكأن ~~الله تعالى خلق في الإنسان مقاييس يجب ألا تفسدها الأهواء ولا ~~يخرجها الغضب عن حد الاعتدال، لذلك يقولون: آفة الرأي الهوى. لقد ~~استيقظ قابيل، لكن بعد أن رأى عاقبة السوء التي وصل إليها بتسرعه، لكن ms6778 ~~الذكي يستيقظ قبل رد الفعل. لكن، لماذا اختار لهم وقت الصباح بالذات: ~~{ ليصبحن نادمين } [المؤمنون: 40] المتتبع لما حاق بالأمم ~~المكذبة من العذاب والانتقام يجد أنه غالبا ما يكون في الصباح، كما ~~قال تعالى: # أفبعذابنا يستعجلون * فإذا نزل بساحتهم ~~فسآء صباح المنذرين # [الصافات: 176-177]. وقال سبحانه: # ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر # [القمر: 38]. وقال سبحانه: # فتنادوا مصبحين # [القلم: 21]. ذلك، لأن الصباح يعقب فترة النوم والخمول الحركي، فيقومون ~~من نومهم فيفاجئهم العذاب، ويأخذهم على حين غفلة وعدم استعداد للمواجهة، ~~على خلاف إن جاءهم العذاب أثناء النهار وهم مستعدون. وندمهم على أنهم ~~كذبوا أمرا ما كان ينبغي أن يكذب وقد جر عليهم الويلات، ~~والندم على خير فات من طبيعة النفس البشرية التي عادة ما تغلبها الشهوة ~~ويغريها الحمق برد الحق، ويمنعها الكبر من الانصياع للرسول خاصة وهو ~~بشر مثلهم، ويريد في ظنهم أن يستعلي عليهم، لكن حين يواجهون عاقبة هذا ~~التكذيب ونتيجة هذا الحمق يندمون، ولات ساعة مندم. # إذن: فشهوة النفس تجعل الإنسان يقف موقفا، إذا ما جوزي عليه بالشدة ~~يندم أنه لم ينفذ ولم يطع، يندم على غطرسته في موقف كان ينبغي عليه أن ~~يتنازل عن كبريائه لذلك يقولون: من الشجاعة أن تجبن ساعة. ويحسن ذلك إذا ~~كنت أمام عدو لا تقدر على مجابهته، ونذكر للرئيس الراحل السادات مثل هذا ~~الموقف حين قال: لا أستطيع أن أحارب أمريكا، فالبعض فهم هذا القول على ~~أنه ضعف وجبن، وهو ليس كذلك، إنما هو شجاعة من الرجل، شجاعة من نوع ~~راق لأن من الشجاعة أيضا أن تشجع على نفسك، وهذه شجاعة أعلى من الشجاعة ~~على عدوك، وتصور لو دخل السادات مثل هذه الحرب فهزم كيف سيكون ندمه على ~~شجاعة متهورة لا تحسب العواقب. وقد رأينا عاقبة الجرأة على دخول حرب غير ~~متكافئة. ثم يقول الحق سبحانه: { فأخذتهم الصيحة بالحق ~~فجعلناهم غثآء... }. ### || [23.41] # ما دام أن الحق - تبارك وتعالى - توعدهم وحدد لهم موعدا، فلا بد ~~أن يقع بهم هذا الوعيد في الوقت ذاته، وإلا لو مر دون ms6779 أن يصيبهم ما ~~يندمون لأجله لانهدم المبدأ من أساسه، ما دام أن الله تعالى قالها ~~وسجلها على نفسه سبحانه في قرآن يحفظه هو. # عما قليل ليصبحن نادمين # [المؤمنون: 40] فلا بد أن ينزل بهم العذاب في الصباح. لذلك { ~~فأخذتهم الصيحة بالحق.. } [المؤمنون: 41] لا بالظلم ~~والعدوان، وفي موضع آخر قال سبحانه عنهم: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6] والمعنيان يلتقيان، لأن الريح الصرصر لها صوت مزمجر كأنه ~~الصيحة والصراخ. { فجعلناهم غثآء.. } [المؤمنون: 41] الغثاء: ~~ما يحمله السيل من قش وأوراق وبقايا النبات، فتكون طبقة طافية على وجه ~~الماء تذهب بها الريح في إحدى الجوانب، والغثاء هو الزبد الذي قال ~~الحق سبحانه وتعالى عنه: # فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس ~~فيمكث في الأرض.. # [الرعد: 17]. وفي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: # " يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها - يعني: ~~يدعو بعضهم بعضا لمحاربتكم كأنكم غنيمة يريدون اقتسامها - فقالوا: أمن ~~قلة نحن يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء ~~السيل " # يعني: شيئا هينا لا قيمة له يذهب سريعا. وقوله تعالى: { فبعدا ~~للقوم الظالمين } [المؤمنون: 41] أي: بعدا لهم عن رحمتنا ~~ونعيمنا الذي كنا نمنيهم به ونعدهم به لو آمنوا، وليس البعد عن ~~العذاب لأن البعد مسافة زمنية أو مكانية، نقول: هذا بعيد، أي: زمنه أو ~~مكانه، المراد هنا البعد عن النعيم الذي كان ينتظرهم إن آمنوا. ~~والظلم: كما قلنا أخذ حق الغير، والشرك هو الظلم الأعظم لأنه ظلم في ~~مسألة القمة، والبعض من السطحيين يظن أن الشرك ظلم عظيم لأنك ظلمت الله ~~سبحانه وتعالى، لأنك أنكرت وجوده وهو موجود، وأشركت معه غيره وهو واحد ~~لا شريك له، نعم أنت ظلمت، لكن ما ظلمت الله لأنه سبحانه لا يظلمه أحد، ~~وإن كان الظلم - كما نقول - أخذ حق الغير، فحق الله محفوظ وثابت ~~له سبحانه قبل أن يوجد من يعترف له بهذا الحق، حق الله ثابت مهما ~~علا الباطل وتبجح أهل الضلال. لذلك يقول عز وجل: ms6780 # وجعل كلمة الذين كفروا السفلى.. # [التوبة: 40] وفي المقابل: # وكلمة الله هي العليا.. # [التوبة: 40] ولم يقل قياسا على الأولى: وكلمة الله العليا لأن معنى ~~ذلك أن كلمة الله لم تكن عليا في يوم ما لذلك جاءت وكلمة الله مرفوعة ~~على صورة الجملة الاسمية الدالة على الثبوت # وكلمة الله هي العليا.. # [التوبة: 40] أي: دائما ومهما علت كلمة الكافرين. لماذا؟ قالوا: لأن ~~علو كلمة الكافرين في ذاته علو لكلمة الله، فإذا علا الكفر ~~واستشرى شره وفساده يعض الناس ويوقظ غفلتهم وينبههم إلى خسة ~~الكفر ودناءته وما جره عليهم من ظلم وفساد فينكروه ويعودوا إلى جادة ~~الطريق، وإلى الحق الثابت لله عز وجل. إذن: فكلمة الله هي العليا مهما ~~كانت الجولة لكلمة الذين كفروا، وكما يقولون: والضد يظهر حسنه الضد. ~~والله عز وجل لا يسلم الحق، ولكن يتركه ليبلو غيره الناس عليه، فإن ~~لم يغاروا عليه غار هو عليه. وما داموا ما ظلموا الله، ولا يستطيعون ذلك، ~~فما ظلموا إلا أنفسهم، وإن عقل ظلمك لغيرك وأخذك لحقه فلا يعقل ظلمك ~~لنفسك لأنه أبشع أنواع الظلم وأبلغها. ### || [23.42] # قبل عدة آيات قال الحق تبارك وتعالى: # ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين # [المؤمنون: 31] فجاءت قرنا بصيغة المفرد لأن الحديث مقصور على عاد قوم ~~هود، أما هنا فقال تعالى: { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا.. ~~} [المؤمنون: 42] لأن الكلام سيأتي عن أمم ورسالات مختلفة ومتعددة، فجاءت ~~قرونا بصيغة الجمع، قرونا متتابعة أو متعاصرة، كما تعاصر إبراهيم ولوط، ~~وكما تعاصر موسى وشعيب عليهم جميعا وعلى نبينا الصلاة والسلام. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ما تسبق من أمة أجلها... }. ### || [23.43] # تأملوا هذه الآية جيدا وارعوها انتباهكم، فلكل أمة أجل تنتهي عنده ~~تماما، مثل أجل الأفراد الذي لا يتقدم ولا يتأخر، فقرن بعد قرن، ~~وأمة بعد أمة، تمر بأطوار شتى كأطوار حياة الإنسان، ثم تنتهي إلى زوال ~~ويعقبها غيرها. فلكل أمة رسول يحمل إليها دعوة الله ومنهجه ويجاهد في ~~سبيل نشرها إلى أن ينصره الله وتنتشر دعوته ويتمسك الناس بها، ثم ~~تصيبهم غفلة ms6781 وفتور عن منهج الله، فينصرفون عنه ويختلفون ويتفرقون، فيكون ~~ذلك إيذانا بزوالها ثم يخلفها غيرها؟ كذلك في مسألة الحضارات التي تندثر ~~ليحل محلها حضارات أخرى أقوى، نسمع عن حضارة قديمة في مصر وفي الصين ~~وفي اليمن، نسمع عن الحضارة الرومانية والفينيقية.. الخ حضارات تتوالى ~~وتأخذ حظها من الرقي والرفاهية، وتورث أصحابها رخاوة وطراوة، ~~وتبدلهم بالجلد والقوة لينا وضعفا، فيغفلوا عن أسباب رقيهم ~~وتقدمهم، فتنهدم حضارتهم ويحل محلها أقوى منها وأصلب. وهذا مثال ~~ونموذج في حضارة بلغت أوج عظمتها: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 6-10]. وإلى الآن، ونحن نرى آثار الحضارة الفرعونية، وكيف أنها ~~تجذب انتباه أصحاب الحضارات الحديثة وتنال إعجابهم، فيأتون إليها من كل ~~أنحاء العالم، مع أن حضارة عاد كانت أعظم منها لأن الله تعالى قال في ~~حقها: # التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 8]. ومع ذلك لا نرى لهم أثرا يدل على عظم حضارتهم، ولم يكن ~~لهذه الحضارة مناعة لتحمي نفسها، أو تحتفظ لها بشيء، فانهارت وبادت ولم ~~يبق منها حتى أثر. كذلك أتباع الرسل يمرون بمثل هذه الدورة، فبعد ~~قوة الإيمان تصيبهم الغفلة ويتسرب إليهم الضعف وسوء الحال، إلى أن يرسل ~~الحق سبحانه رسولا جديدا. { ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون } [المؤمنون: 43]. المعنى في الجملة الأولى واضح، فأي ~~أمة لا يمكن أن تسبق أجلها الذي حدده الله لها، ولا يمكن أن تنتهي أو ~~تقوض قبل أن يحل هذا الأجل. لكن ما المراد بقوله سبحانه: { وما ~~يستأخرون } [المؤمنون: 43] كيف يتأتى ذلك؟ فهمنا: لا تسبق أجلها ~~يعني أجلها أن تقوض بعد عشرين سنة، فلا يمكن أن تقوض قبل خمس عشرة، ~~أما كونها تستأخر بعد أن بلغت العشرين إلى عشرة، فكيف يتم ذلك؟ نقول: لا ~~تستأخر يعني: من حيث الحكم هي لا تسبق الأجل وهي محكوم عليها بأنها لا ~~تستأخر لأن الاستئخار بعد بلوغ الأجل مستحيل، كما لو قلنا: شخص ms6782 بلغ سن ~~العشرين لا يقدر أن يموت في العاشرة. فالمعنى: الأصل فيه أنه لا يستأخر. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما ~~جآء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم ~~بعضا... }. ### || [23.44] # { تترا.. } [المؤمنون: 44] يعني: متوالين يتبع بعضهم بعضا لذلك ~~ظنها البعض فعلا وهي ليست بفعل، بدليل أنها جاءت في قراءة أخرى تترا ~~بالتنوين والفعل لا ينون، إذن: هي اسم، والألف فيها للتأنيث مثل ~~حبلى. أضف إلى ذلك أن التاء الأولى تأتي في اللغة بدلا من الواو، ~~كما جاء في الحديث الشريف من نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم: # " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك - أو وجاهك " # يعني: مواجهك. فإذا أبدلت التاء الأولى في تترا واوا تقول وترا ~~يعني: متتابعين فردا فردا، والوتر هو الفرد. ثم يقول سبحانه: { ~~كل ما جآء أمة رسولها كذبوه.. } [المؤمنون: 44] فهذه ~~طبيعة ولازمة من لوازم المرسل إليهم، وما من رسول أرسل إلى قوم إلا ~~كذبوه، ثم يلجأ إلى ربه: # قال رب انصرني بما كذبون # [المؤمنون: 39]. ولو لم يكذب الرسول ما كان هناك ضرورة لإرساله ~~إليهم، وما جاء الرسول إلا بعد أن استشرى الباطل، وعم الطغيان، فطبيعي ~~أن يكذب من هؤلاء المنتفعين بالشر المستفيدين من الباطل والذين ~~يدافعون عنه بكل قواهم، وكأن تكذيبهم للرسل دليل على صواب مجيء الرسل، ~~وإلا لما كان هناك ضرورة لرسالات جديدة. وقوله تعالى: { فأتبعنا ~~بعضهم بعضا.. } [المؤمنون: 44] يعني: يمضي واحد ويأتي غيره من ~~الرسل، أو نهلك المكذبين ثم يأتي بعدهم آخرون، فيكذبون فنهلكهم أيضا. ~~{ وجعلناهم أحاديث.. } [المؤمنون: 44] أحاديث: إما جمعا ~~لحديث كما نقول: أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو جمع: أحدوثة. ~~وهي المقولة التي يتشدق بها الجميع، وتلوكها كل الألسنة، ومن ذلك قول ~~الإنسان إذا كثر كلام الناس حوله: جعلوني حدوتة يعني على سبيل التوبيخ ~~والتقريع لهم. فقوله: { وجعلناهم أحاديث.. } [المؤمنون: 44] ~~كأنه لم يبق منهم أثر إلا أن نتكلم عنهم، ونذكرهم كتاريخ يحكى، وفي ~~موضع آخر قال تعالى: # فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق.. # [سبأ: 19]. ثم يقول تعالى ms6783 عنهم كما قال عن سابقيهم: { فبعدا ~~لقوم لا يؤمنون } [المؤمنون: 44] يعني: بعدا لهم عن رحمة ~~الله، وبعدا لهم عن نعيم الله الذي كان ينتظرهم، ولو أنهم آمنوا ~~لنالوه. ثم يقول الحق سبحانه: { ثم أرسلنا موسى وأخاه ~~هارون بآياتنا... }. ### || [23.45] # تكررت قصة موسى - عليه السلام - كثيرا ومعه أخوه هارون، كما قال: # اشدد به أزري * وأشركه في أمري # [طه: 31-32] والبعض يظن أن موسى جاء برسالة واحدة، لكنه جاء برسالتين: ~~رسالة خاصة إلى فرعون ملخصها: # فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم.. # [طه: 47]. وجاء له بمعجزات تثبت صدق رسالته من الله، ولم يكن جدال ~~موسى لفرعون في مسألة الإيمان جزءا من هذه الرسالة، إنما جاء هكذا عرضا ~~في المناقشة التي دارت بينهما. والرسالة الأخرى هي رسالته إلى بني ~~إسرائيل متمثلة في التوراة. وقوله: { بآياتنا.. } [المؤمنون: 45] ~~قلنا: إن الآيات جمع آية، وهي الشيء العجيب الملفت للنظر الفائق على ~~نظرائه وأقرانه، والذي يكرم ويفتخر به. والآيات إما كونية دالة على قدرة ~~الله في الخلق كالشمس والقمر.. إلخ كما قال سبحانه: # ومن آياته اليل والنهار.. # [فصلت: 37]. ومهمة هذه الآيات الكونية أن تلفت نظر المخلوق إلى بديع ~~صنع الخالق وضرورة الإيمان به، فمنها نعلم أن وراء الكون البديع خالقا ~~وقوة تمده وتديره، فمن يمد هذه الشمس بهذه القوة الهائلة؟ إن التيار ~~الكهربائي إذا أنقطع تطفأ هذه اللمبة، فمن خلق الشمس من عدم، ~~وأمدها بالطاقة من عدم؟ إذن: وراء هذا الكون قوة ما هي؟ وماذا تطلب ~~منا؟ وهذه مهمة الرسول أن يبلغنا، ويجيب لنا عن هذه الأسئلة. وتطلق ~~الآية أيضا على المعجزة التي تثبت صدق الرسول في البلاغ عن الله. ~~وتطلق الآية على آيات القرآن الحاملة للأحكام والحاوية لمنهج الله إلى ~~خلقه. ثم يقول تعالى: { وسلطان مبين } [المؤمنون: 45] فعطف { ~~وسلطان مبين } [المؤمنون: 45] على { بآياتنا.. } [المؤمنون: ~~45] وهذا من عطف الصفة على الموصوف لمزيد اختصاص لأن الآيات هي السلطان، ~~فالسلطان: الحجة. والحجة على الوجود الأعلى آيات الكون، والحجة على صدق ~~الرسول المعجزات، والحجة على الأحكام الآيات الحاملة لها. وسمى معجزة ms6784 ~~موسى عليه السلام العصا سلطانا مبينا أي: محيطا لأنها معجزة متكررة ~~رأينا لها عدة حالات: فهذه العصا الجافة مرة تنقلب إلى حية تلقف ~~الحيات، ومرة يضرب بها البحر فينفلق، ومرة يضرب بها الحجر فيتفجر منه ~~الماء، وفوق ذلك قال عنها: # ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18]. ومن معاني السلطان: القهر على عمل شيء أو الإقناع بالحجة ~~لعمل هذا الشيء، لذلك كانت حجة إبليس الوحيدة يوم القيامة أن يقول ~~لأتباعه: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي.. # [إبراهيم: 22] يعني: كنتم رهن الإشارة، إنما أنا لا سلطان لي عليكم، ~~لا سلطان قهر، ولا سلطان حجة. لذلك قال في النهاية: # مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22] والإنسان يصرخ إذا فزعه أمر لا حيلة له به، فيصرخ ~~استنفارا لمعين يعينه، فمن أسرع إليه وأعانه يقال: أصرخه. يعني: أزال ~~سبب صراخه. ### || [23.46] # { فرعون.. } [المؤمنون: 46] لقب لكل من كان يحكم مصر، مثل كسرى ~~في الفرس، وقيصر في الروم، وتكلمنا عن معنى الملأ وهي من الامتلاء، ~~والمراد القوم الذين يملؤون العيون مهابة ومنزلة، وهم أشراف القوم ~~وصدور المجالس، ومنه قولهم: فلان قيد النواظر يعني: من ينظر إليه لا ~~ينصرف عنه إلى غيره. وقوله تعالى: { فاستكبروا وكانوا قوما ~~عالين } [المؤمنون: 46] والاستكبار غير التعالي، فالمستكبر يعلم الحكم ~~ويعترف به، لكن يأبى أن يطيعه، ويأنف أن يصنع ما أمر به، أما العالي فهو ~~الذي يظن أنه لم يدخل في الأمر من البداية. ومن هنا جاء قوله تعالى ~~لإبليس لما أبى السجود لآدم: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75]. والعالون هم الملائكة المهيمون في الله، والذين لا يدرون ~~شيئا عن آدم وذريته. ### || [23.47] # اعترضوا أيضا هنا على بشرية موسى وهارون كما حدث من الأمم السابقة، ~~إنهم يريدون الرسول ملكا، كما جاء في موضع آخر: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. ومن الغباء أن يطلبوا ملكا رسولا، فلو جاءهم الرسول ~~ملكا، فكيف سيكون أسوة للبشر؟ وكيف سيرونه ويتلقون ms6785 عنه؟ إذن: لا ~~بد أن يأتيهم في صورة بشر لذلك يقول تعالى: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9]. وستظل الشبهة قائمة، فما الذي يجعلك تصدق أنه ملك؟ ~~وقوله تعالى: { وقومهما لنا عابدون } [المؤمنون: 47] يعني: ~~كيف نؤمن لموسى وهارون وقومهما - أي: بني إسرائيل - خدم لنا، يأتمرون ~~بأمرنا، بل ونذلهم ونذبح أولادهم، ونستحيي نساءهم، ونسومهم سوء ~~العذاب؟ وسمى ذلك عبادة، لأن من يخضع لإنسان، ويطيع أمره كأنه عبده. ### || [23.48] # أي: بالغرق، وهذه قصة مشهورة معروفة، وجعلها الله مثلة وعبرة. ### || [23.49] # { الكتاب.. } [المؤمنون: 49] أي: التوراة، وفيه منهج الهداية { ~~لعلهم يهتدون } [المؤمنون: 49] أي: يأخذون الطريق الموصل ~~للغاية الشريفة المفيدة من أقصر طريق. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وجعلنا ابن مريم وأمه آية... }. ### || [23.50] # بعد أن أعطانا هذه اللقطة الموجزة من قصة موسى وهارون انتقل إلى المسيح ~~ابن مريم، والقرآن في حديثه عن عيسى عليه السلام مرة يقول: ابن مريم، ~~ومرة يقول: عيسى بن مريم. وتسمية عيسى عليه السلام بأمه هي التي جعلت ~~سيدتنا وسيدة نساء العالمين مريم ساعة تبشر بغلام تستنكر ذلك، وتقول: ~~كيف ولم يمسسني بشر؟ ولم يخطر ببالها أنها يمكن أن تتزوج وتنجب، ~~لماذا؟ لأن الله سماه ابن مريم، وما دام سماه بأمه، إذن: فلن يكون له أب. ~~وليس أصعب على الفتاة من أن تجد نفسها حاملا ولم يمسسها رجل لأن عرض ~~الفتاة أغلى وأعز ما تملك، لذلك مهد الحق - تبارك وتعالى - لهذه ~~المسألة، وأعد مريم لاستقبالها، وأعطاها المناعة اللازمة لمواجهة هذا ~~الأمر العجيب، كما نفعل الآن في التطعيم ضد الأمراض، وإعطاء المناعة التي ~~تمنع المرض. فلما دخل زكريا - عليه السلام - على مريم فوجد عندها رزقا ~~لم يأت به، وهو كفيلها والمسئول عنها، سألها: # أنى لك هذا قالت هو من عند الله.. # [آل عمران: 37] وكان هذا الرد من مريم عن فهم تام لقضية الرزق، ولم ~~يكن كلام دراويش، بدليل أنها قالت بعدها: # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. وفي هذا الموقف درس لكل أب ولكل ولي ms6786 أمر ورب أسرة أن ~~يسأل أهل بيته عن كل شيء يراه في بيته ولم يأت هو به، حتى لا يدع ~~لأولاده فرصة أن تمتد أيديهم إلى ما ليس لهم. لقد انتفع زكريا - عليه ~~السلام - بهذا القول وانتبه إلى هذه الحقيقة، نعم زكريا يعلم أن الله ~~يرزق من يشاء بغير حساب، لكن ذلك العلم كان معلومة في حاشية الشعور، ~~فلما سمعها من مريم خرجت إلى بؤرة شعوره، وعند ذلك دعا الله أن يرزقه ~~الولد وقد بلغ من الكبر عتيا، وامرأته عاقر. وكذلك انتفعت بها مريم ~~حين أحست بالحمل دون أن يمسسها بشر فاطمأنت لأن الله يرزق من يشاء ~~بغير حساب. وقوله تعالى: { وجعلنا ابن مريم وأمه.. } ~~[المؤمنون: 50] فأخبر سبحانه عن المثنى بالمفرد { آية.. } [المؤمنون: ~~50] لأنهما مشتركان فيها: مريم آية لأنها أنجبت من غير زوج، وعيسى آية ~~لأنه ولد من غير أب، فالآية إذن لا تكون في أحدهما دون الآخر، وهما ~~فيها سواء. لذلك يراعي النص القرآني هذه المساواة فيقدم عيسى في ~~آية: { وجعلنا ابن مريم وأمه آية.. } [المؤمنون: 50] ~~ويقدم مريم في آية أخرى: # وجعلناها وابنهآ آية للعالمين # [الأنبياء: 91] هذه العدالة في النص لأنهما سواء في الخبرية لا يتميز ~~أحدهما على الآخر. والآية هي الأمر العجيب الذي يثبت لنا طلاقة قدرة ~~الخالق في الخلق، وحتى لا يظن البعض أن مسألة الخلق مسألة ميكانيكية ~~من أب وأم، لذلك كان وجه العجب في خلق عيسى أن يخرج عن هذه القاعدة ~~ليجعله الله دليلا على قدرته تعالى، فإن أراد أن يخلق خلق من العدم، ~~أو من أب فقط، أو من أم فقط، وحتى في اكتمال العنصرين يوجد الأب والأم، ~~لكن لا يوجد الإنجاب، إذن: المسألة إرادة لله عز وجل، وطلاقة لقدرة إلهية ~~لا حدود لها. # يقول سبحانه: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما.. # [الشورى: 50]. والآن نلاحظ أن البعض يحاول منع الإنجاب بشتى الوسائل، ~~لكن إن قدر له مولود ms6787 جاء رغم أنف الجميع، ورغم إحكام وسائل منع الحمل ~~التي تفننوا فيها. ثم يقول سبحانه: { وآويناهمآ إلى ربوة ~~ذات قرار ومعين } [المؤمنون: 50] من الطبيعي بعد أن حملت مريم ~~بهذه الطريقة أن تضطهد من قومها وتطارد، بل وتستحي هي من الناس ~~وتتحاشى أن يراها أحد، ألا ترى قوله تعالى عن ابنة شعيب: # فجآءته إحداهما تمشي على استحيآء.. # [القصص: 25] على استحياء، لأنها ذهبت لاستدعاء فتى غريب عنها، فما بالك ~~بمريم حين يراها القوم حاملا وليس لها زوج؟ إنها مسألة أصعب ما تكون على ~~المرأة. لذلك لما سئل الإمام محمد عبده وهو في باريس: بأي وجه قابلت ~~عائشة قومها بعد حادثة الإفك؟ فألهمه الله الجواب وهداه إلى الصواب، ~~فقال: بالوجه الذي قابلت به مريم قومها وقد جاءت تحمل ولدها ذلك ~~لأنهم أرادوا أن يأخذوها سبة ومطعنا في جبين الإسلام. ولما كانت مريم ~~بهذه الصفة تولاها الله ودافع عنها، فهذا يوسف النجار وكان خطيب مريم حين ~~يرى مسألة حملها، وهو أغير الناس عليها بدل أن يتشكك فيها ويتهمها ~~يتحول قلبه عليها بالعطف، كما قال تعالى: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه.. # [الأنفال: 24]. فإذا به يخدمها ويحنو عليها لأن الله أنزل المسألة على ~~قلبه منزل الرضا، وكل ما قاله في مجادلة مريم وفي الاستفسار عما حدث ~~بطريقة مهذبة: يا مريم أرأيت شجرة بدون بذرة؟ فضحكت مريم وقد فهمت ما ~~يريد وقالت: نعم الشجرة التي أنبتت أول بذرة إنه كلام أهل الإيمان والفهم ~~عن الله. لذلك آواها الله وولدها { وآويناهمآ إلى ربوة ~~ذات قرار ومعين } [المؤمنون: 50] وساعة تسمع كلمة الإيواء تفهم ~~أن شخصا اضطر إلى مكان يلجأ إليه ويأوي إليه، وكذلك كانت مريم مضطرة ~~تحتاج إلى مكان يحتويها وهي مضطهدة من قومها. ولا بد في مكان الإيواء ~~هذا أن تتوفر فيه مقومات الحياة، خاصة لمثل مريم التي تستعد لاستقبال ~~وليدها، ومقومات الحياة: هواء وماء وطعام. فانظر كيف أعد الحق - سبحانه ~~وتعالى - لمريم مكان الإيواء: { وآويناهمآ إلى ربوة. # . } [المؤمنون: 50] وهي المكان العالي عن الأرض المنخفض عن ms6788 الجبل، فهو ~~معتدل الجو لأنه بين الحرارة في الأرض المستوية والبرودة في أعلى الجبل. ~~{ ذات قرار.. } [المؤمنون: 50] يعني: توفرت لها أسباب الاستقرار من ~~ماء وطعام، فالماء يأتيها من أعلى الجبال ويمر عليها ماء معينا، ~~يعني: تراه بعينك، والطعام يأتيها من ثمار النخلة التي نزلت يجوارها. ~~ومعلوم أن الربوة هي أنسب الأماكن حيث يمر عليها الماء من أعلى، ولا ~~يتبقى فيها مياه جوفية تضر بمزروعاتها لأنها تتصرف في الأرض المنخفضة ~~عنها. لذلك ضرب لنا الحق - تبارك وتعالى - المثل للأرض الخصبة التي تؤتي ~~المحصول الوافر، فقال: # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات ~~الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة.. # [البقرة: 265]. إذن: اختار الله تعالى لمريم القرار الذي تتوفر فيه ~~مقومات الحياة على أعلى مستوى بحيث لا تحتاج أن تنتقل منه إلى غيره. وبعد ~~ذلك يتكلم الحق - سبحانه وتعالى - عن قضية عامة بعد أن تكلم عن القرار ~~ومقومات الحياة، وهي الطعام والشراب والهواء، فناسب ذلك أن يتكلم ~~سبحانه عن المطعم: { يأيها الرسل كلوا من الطيبات ~~واعملوا صالحا... }. ### || [23.51] # لكن، كيف يخاطب الحق - تبارك وتعالى - الرسل جميعا في وقت واحد؟ نقول: ~~لأن القرآن الكريم هو كلام الله القديم، لم يأت خاصا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم، وإن نزل عليه فهو إذن خطاب لكل رسول جاء. وبعد أن أمرهم الحق ~~سبحانه بالأكل من الطيب أمرهم بالعمل الصالح: { واعملوا صالحا.. ~~} [المؤمنون: 51] ثم يقول سبحانه: { إني بما تعملون عليم } ~~[المؤمنون: 51] كأن الحق سبحانه يقول: اسمعوا كلامي فيما آمركم به، فأنا ~~عليم وخبير بكل ما يصلحكم لأنني الخالق الذي أعلم كيف تستقيم بنيتكم ~~للحركة الصالحة للخير، ولا تستقيم بنيتكم للحركة الصالحة للخير إلا إذا ~~أخذتم المطعم من الحلال الطيب. وكما قلنا: إن صانع الآلة يضع لها الوقود ~~المناسب لتشغيلها، وإلا تعطلت عن أداء مهمتها. فلكي تؤدي الصالح في ~~حركة حياتك عليك أن تبدأ بالمطعم الطيب الذي يبني ذراتك من الحلال، ~~فيحدث انسجاما بين هذه الذرات، وتعمل معا متعاونة غير متعاندة، وإن ~~انسجمت ذراتك وتوافقت أعانتك على الصالح. فإن ms6789 دخل الحرام إلى طعامك ~~وتلوثت به ذراتك تنافرت وتعاندت، كما لو وضعت للآلة وقودا غير ما ~~جعل لها، فافهموا هذه القضية لأنني أنا الخالق فآمنوا لي كما تؤمنون ~~بقدرة الصانع حين يصنع لكم صناعة، ويضع لكم قانون صيانتها. إذن: أمر الحق ~~سبحانه أولا رسله بالأكل من الطيبات لأن العمل الصالح يحتاج إلى جهاز ~~سليم متوافق من داخله لذلك في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أن أم عبد ~~الله أخت شداد بن أوس، أرسلت إلى النبي في يوم صامه وهو حار شيئا من ~~اللبن يفطر عليه، وهو صلى الله عليه وسلم يعلم أنها فقيرة لا تملك شيئا ~~فأرسل إليها: من أين لك هذا اللبن؟ فأرسلت إليه: من شاة عندي، فبعث ~~إليها: ومن أين لك بالشاة؟ قالت: اشتريتها بمال دبرته. فشرب رسول الله ~~من اللبن. وإن كنا نحن لا نتحرى في مطعمنا كل هذا التحري، لكن هذا ~~رسول الله الذي ينفذ منهج الله كما جاءه، وعلى أكمل وجه. وفي الحديث ~~الشريف: # " أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين ~~بما أمر به المرسلين، فقال: { يأيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } ~~[المؤمنون: 51] وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم.. } [البقرة: 172] ثم ذكر الرجل يطيل ~~السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه ~~حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟ ". # نعم، كيف يستجاب له وهو يدعو الله بجهاز إرسال فاسد مشوش دنسه ~~وخالطه الحرام؟ وفي حديث سيدنا سعد رضي الله عنه لما قال لرسول الله: يا ~~رسول الله ادع الله لي أن أكون مستجاب الدعوة، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ". # ثم يذيل الحق سبحانه هذه الآية بقوله تعالى: { إني بما ~~تعملون عليم } [المؤمنون: 51] يعني: أعلم ما يصلحكم، وما يجلب ~~لكم الخير. ثم يقول الحق سبحانه: { وإن هذه أمتكم أمة ~~واحدة... }. ### || [23.52] # بعد أن تكلم الحق - سبحانه وتعالى ms6790 - عن المعركة بين الإيمان والكفر ~~أراد هنا أن يتكلم عن معركة أخرى لا تقل خطورة عن الأولى، وهي معركة ~~الفرقة والاختلاف بين صفوف المؤمنين، ليحذرنا من الخلافات التي تشق ~~عصانا، وتفت في عضد الأمة وتضعفها أمام أعدائها، ونسمعهم الآن ~~يقولون عنا بعدما وصلنا إليه من شيع وأحزاب - ليتفقوا أولا فيما ~~بينهم، ثم يبشروا بالإسلام. الأمة: الجماعة يجمعهم زمن واحد أو دين ~~واحد، وتطلق على الفرد الواحد حين تجتمع فيه خصال الخير التي لا تجتمع ~~إلا في أمة، لذلك سمى الله تعالى نبيه إبراهيم أمة في قوله تعالى: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم ~~يك من المشركين # [النحل: 120]. أما قوله سبحانه: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا.. # [المائدة: 48] فكيف نقول: إنها أمة واحدة؟ قالوا: لأن الدين يتكون من ~~أصول وعقائد، وهذه واحدة لا تختلف باختلاف الأديان، وأخلاق وفروع. وهذه ~~تختلف من دين لآخر باختلاف البيئة لأنها تأتي بما يناسب حركة الحياة في ~~كل عصر. يقول تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. # [الشورى: 13]. إذن: فالأمة واحدة يعني في عقائدها وإن اختلفت في ~~الشريعة والمنهج، والأحكام الجزئية التي تتعرض لأقضية الحياة. ومن ذلك ~~قوله تعالى: { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم.. } ~~[آل عمران: 50]. وكانوا في الأمم السابقة إذا وقعت نجاسة على ثوب يقطعون ~~الموضع الذي وقعت عليه، فلما جاء الإسلام خفف عن الناس هذا العنت، ~~وشرع لهم أن يغسلوه فيطهر. وما دام أن أمتكم أمة واحدة { وأنا ~~ربكم فاتقون } [المؤمنون: 52] يعني: اتقوا الله في هذه الأمة ~~الواحدة وأبقوا على وحدتها، واحذروا ما يفرقها من خلافات حول فروع إن ~~اختلف البعض عليها اتهموا الآخرين بالكفر لأنهم يريدون أن ينهبوا من ~~الدين الجامع سلطة زمنية لأنفسهم. والحق - تبارك وتعالى - يقول: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء.. # [الأنعام: 159]. فالأمور التي أحكمها الله باللفظ الصريح المحكم أصول ~~لا خلاف عليها ولا اجتهاد فيها، وأما ms6791 الأمور التي تركها سبحانه ~~للاجتهاد فيجب أن نحترم فيها اجتهاد الآخرين، وإلا لو أراد الحق سبحانه ~~لجعل الأمر كله محكما لا مجال فيه لرأي أو اجتهاد. ومعنى { وأنا ~~ربكم.. } [المؤمنون: 52] أن من عطاء ربوبيتي أن جعلت لكم أمورا ~~محكمة وعقائد ثابتة لأن الاختلاف فيها يفسد المجتمع، وتركت لكم أمورا ~~أخرى تأتون بها أو تتركونها، كل حسب اجتهاده لأن الاختلاف فيها لا ~~يترتب عليه فساد في المجتمع، وسبق أن مثلنا لهذه الأمور. وقوله: { ~~فاتقون } [المؤمنون: 52] يعني: بطاعة الأمر، فما أحكمته ~~فأحكموه، وما جعلت لكم فيه اجتهادا فاقبلوا فيه اجتهاد الآخرين. ~~لكن، هل سمعنا قول الله وأطعنا؟ يقول سبحانه: { فتقطعوا ~~أمرهم بينهم زبرا... }. ### || [23.53] # { زبرا.. } [المؤمنون: 53] يعني: قطعا متفرقة، ومنه # آتوني زبر الحديد.. # [الكهف: 96]. { كل حزب بما لديهم فرحون } [المؤمنون: ~~53] يعني: كل جماعة تتعصب لرأيها وتفرح به، وكأنها على الحق وغيرها على ~~الباطل، يريدون أن تكون لهم سلطة زمنية بين الناس، ويصورون لهم أنهم ~~أتوا بما لم يأت به أحد قبلهم، وتنبهوا إلى ما غفل عنه الآخرون. { ~~بما لديهم.. } [المؤمنون: 53] بالرأي الذي يريدونه، لا بالحكم ~~الذي يرتضيه الحق سبحانه وتعالى. من ذلك قولهم: إن الصلاة في مسجد به قبر ~~أو ضريح باطلة، وأن ذلك شرك في العبادة.. إلخ ولو أن الأمر كما يقولون ~~فليهدموا القبر في المدينة. إن على هؤلاء الذين يثيرون مثل هذه الخلافات ~~أن يتفهموا الأمور على وجهها الصحيح، حتى لا نكون من الذين قال الله ~~عنهم: { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب ~~بما لديهم فرحون } [المؤمنون: 53]. وما أفسد استقبال الأديان ~~السابقة على الإسلام إلا مثل هذه الخلافات، وإلا فكل دين سبق الإسلام ~~وخصوصا الموسوية والعيسوية قد بشرت بمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~وكانوا وهم أهل كتاب ورسالة وعلى صلة بالسماء - يجادلون أهل الكفر من ~~عبدة الأصنام يقولون: لقد أطل زمان نبي يظهر فيكم نتبعه ونقتلكم به قتل ~~عاد وإرم. ومع ذلك: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به.. # [البقرة: 89] لماذا؟ لأنهم يريدون أن يحتفظوا بسلطتهم الزمنية. كيف لا ~~ينكرون رسول ms6792 الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان أحدهم يستعد لتنصيب نفسه ~~ملكا على المدينة يوم أن دخلها رسول الله، فأفسد عليه ما أراد؟ ### || [23.54] # { فذرهم.. } [المؤمنون: 54] يعني: دعهم، والعرب لم تستعمل الماضي ~~من هذين الفعلين، فورد فيهما يدع ويذر. وقد ورد هذا الفعل أيضا في قوله ~~تعالى: # وذرني والمكذبين أولي النعمة.. # [المزمل: 11]. وفي قوله تعالى: # فذرني ومن يكذب بهذا الحديث.. # [القلم: 44]. والمعنى: ذرهم لي أنا أتولى عقابهم، وأفعل بهم ما أشاء، ~~أو: ذرهم يفعلون ما يشاءون ليستحقوا العقاب، وينزل بهم العذاب. والغمرة: ~~جملة الماء التي تغطي قامة الرجل وتمنع عنه التنفس، فلا يبقى له من أمل ~~في الحياة إلا بمقدار ما في رئته من الهواء لذلك يحرص الإنسان على أن ~~يمرن نفسه على أن تتسع رئته لأكبر قدر من الهواء. ومن ذلك أخذت كلمة ~~المنافسة، وأصلها أن يغطس اثنان تحت الماء ليختبر كل منهما الآخر: أيهما ~~يبقى فترة أطول تحت الماء ودون تنفس. ويقول تعالى: # وفي ذلك فليتنافس المتنافسون # [المطففين: 26] وتستطيع أن تجري مع نفسك هذه المنافسة، بأن تأخذ نفسا ~~عميقا ثم تعد: واحد، اثنان وسوف ترى مقدار ما في رئتك من الهواء. ~~فالمعنى: ذرهم في غبائهم وغفلتهم فلن يطول بهم الوقت لأنهم كمن غمره ~~الماء، وسرعان ما تنكتم أنفاسه ويفارق الحياة لذلك قال تعالى بعدها: { ~~حتى حين } [المؤمنون: 54] والحين مدة من الزمن قد تطول، كما في ~~قوله تعالى: # تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.. # [إبراهيم: 25]. وقد تقصر كما في قوله تعالى: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم: 17] وكأن الله تعالى عبر بالغمرة ليدل على أن حينهم لن يطول. ~~ثم ينتقل السياق ليعالج قضية قد تشغل حتى كثيرا من المؤمنين: { ~~أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * ~~نسارع لهم... }. ### || [23.55-56] # هذه قضية شغلت كثيرا من المؤمنين حين يرون الكافرين بالله مرفهين ~~منعمين، في يدهم المال والنفوذ، في حين أن المؤمنين فقراء، وربما تشكك ~~البعض واهتز إيمانه لهذه المتناقضات. ونقول لهؤلاء: لم تكن هذه صورة ~~المؤمنين في الماضي، إنهم سادوا ms6793 الدنيا بعلومهم وثقافاتهم وازدهرت ~~حضارتهم على مدى ألف سنة من الزمان، فلما تخلوا عن دينهم وقيمهم ~~حل بهم ما هم فيه الآن. لقد تقدم علينا الآخرون لأنهم أخذوا بأسباب ~~الدنيا، وينبغي علينا نحن المسلمين أن نأخذ أيضا بهذه الأسباب لأنها من ~~عطاء الربوبية الذي لا يحرم منه لا مؤمن ولا كافر، فمن أحسنه نال ~~ثمرته وأخذ خيره. قال سبحانه: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. والأسباب يد الله الممدودة لخلقه، فمن رد يد الله ~~إليه فلا بد أن يشقى في رحلة الحياة. وقد يكون تنعم هؤلاء مجرد ترف ~~يجرهم إلى الطغيان، كما جاء في قوله تعالى: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون # [الأنعام: 44]. لذلك فالحق - تبارك وتعالى - يعالج هنا هذه المسألة: { ~~أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * ~~نسارع لهم في الخيرات.. } [المؤمنون: 55-56] أيظنون أن هذا ~~خير لهم؟ لا، بل هو إمهال واستدراج ليزدادوا طغيانا. وفي موضع آخر يقول ~~سبحانه: # ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد ~~الله أن يعذبهم بها في الدنيا.. # [التوبة: 85]. وقوله تعالى: { بل لا يشعرون.. } [المؤمنون: 56] ~~بل: تفيد الإضراب عما قبلها وإثبات ما بعدها، إضراب عن مسألة تنعم ~~هؤلاء لأنها نعمة موقوته وزائلة، وهي في الحقيقة عليهم نقمة، لكنهم لا ~~يشعرون، لا يشعرون أن هذه النعمة لا تعني محبتهم ورضانا عنهم، ولا يشعرون ~~بالمكيدة وبالفخ الذي يدبر لهم. وسبق أن أوضحنا أن الله تعالى حين ~~يريد الانتقام من عدوه يمده أولا، ويوسع عليه ويعلي مكانته، حتى ~~إذا أخذه كان أخذه مؤلما وشديدا. وقوله تعالى: { نسارع لهم ~~في الخيرات.. } [المؤمنون: 56] المسارعة ترد في كتاب الله على ~~معان: مرة يتعدى الفعل بإلى، مثل: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم.. # [آل عمران: 133] ومرة يتعدى بفي، مثل: { يسارعون في ~~الخيرات.. } [المؤمنون: 61] فما الفرق بين المعنيين؟ سارع إلى كذا: ~~إذا كنت ms6794 خارجا عنه، وتريد أن تخطو إليه خطى عاجلة، لكن إن كنت في ~~الخير أصلا وتريد أن ترتقي فيه تقول: سارع في الخيرات. فالأولى يخاطب ~~بها من لم يدخل في حيز الخير، والأخرى لمن كان مظروفا في الخير، ~~ويريد الارتقاء. ### || [23.57] # الخشية: هي أشد الخوف، والإنسان قد يخاف من شيء، لكن يبقى عنده أمل في ~~النجاة، ويتوقع من الأسباب ما ينقذه ويؤمن خوفه، لكن حين تخاف من ~~الله فهو خوف لا منفذ للأمل فيه، ولا تهب فيه هبة تشعرك بلطف. ~~ومعنى { مشفقون } [المؤمنون: 57] الإشفاق أيضا الخوف، وهو خوف ~~يمدح ولا يذم لأنه خوف يحمل صاحبه ويحثه على تجنب أسباب الخشية ~~بالعمل الصالح، إنه إشفاق من الذنب الذي يستوجب العقوبة، كالتلميذ الذي ~~يذاكر ويجتهد خوفا من الرسوب، وهكذا حال المؤمن يخاف هذا الخوف المثمر ~~الممدوح الذي يجعله يأخذ بأسباب النجاة، وهذا دليل الإيمان. أما الإشفاق ~~بعد فوات الأوان، والذي حكاه القرآن عن المجرمين: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا.. # [الكهف: 49] فهذا إشفاق لا فائدة منه لأنه جاء بعد ضياع الفرصة وانتهاء ~~وقت العمل، فقد قامت القيامة ونشرت الكتب ولا أمل في النجاة إذن. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { والذين هم بآيات ربهم يؤمنون * ~~والذين هم بربهم... }. ### || [23.58-59] # نلحظ في هذه الآيات أن الحق سبحانه حدثنا عن الإشفاق والخشية، ثم عن ~~الإيمان بآيات الله، ثم في النهاية عن مسألة الشرك. وقد تسأل: لماذا لم ~~يبدأ بالتحذير من الشرك؟ نقول: لأن الشرك المراد هنا الشرك الخفي الذي ~~يقع فيه حتى المؤمن، والذي قال الله فيه: # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف: 106] فلا تظن أن الشرك فقط أن تجعل لله شريكا، أو أن تسجد لصنم، ~~فمن الشرك شرك خفي دقيق يتسرب إلى القلب ويخالط العمل مهما كان صاحبه ~~مؤمنا. لذلك، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الأدب في هذه ~~المسألة، فيقول في دعائه: # " اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ". # فالإنسان يشرع في العمل ms6795 ويخلص فيه النية لله، ومع ذلك يتسرب إليه شيء من ~~الرياء وتزيين الشيطان لذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم الشرك الخفي ~~بأنه أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء. ~~كما أن الشرك الأكبر لا يتصور ممن هذه الصفات المتقدمة صفاته. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم ~~وجلة... }. ### || [23.60] # { يؤتون.. } [المؤمنون: 60] يعني المال، وقال بعدها: { مآ آتوا.. ~~} [المؤمنون: 60] حتى لا يجعل لها حدا، لا العشر ولا نصف العشر، ~~يريد سبحانه أن يفسح لأريحية العطاء وسخاء النفس، لذلك جاءت { مآ ~~آتوا.. } [المؤمنون: 60] هكذا مبهمة حتى لا نظن أنها الزكاة، ونعرف ~~أن الله تعالى يفتح المجال للإحسانية والتفضل، وهذا هو مقام الإحسان ~~الذي قال الله تعالى عنه: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين # [الذاريات: 15-16]. والمحسن: الذي يلزم نفسه من الطاعات فوق ما ألزمه ~~الله، لكن من جنس ما فرض الله عليه، فإن كان الفرض في الصوم شهر رمضان ~~يصوم المحسن رمضان ويزيد عليه لذلك تجد الدقة في الأداء القرآني، حيث ~~يقول بعدها: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار ~~هم يستغفرون # [الذاريات: 17-18]. وهذه أمور فوق ما فرض الله عليهم، ولم يطلب منك أن ~~تقوم الليل لا تنام، لكن صل العشاء ونم حتى الفجر، وهذه المسألة ~~واضحة في قوله تعالى بعدها: # وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # [الذرايات: 19] ولم يقل معلوم لأن الآية لا تتكلم عن الحق المعلوم وهو ~~الزكاة، إنما عن الصدقة والتطوع فوق ما فرض الله. والإبهام في { مآ.. } ~~[المؤمنون: 60] جاء أيضا في قول الله تعالى: # فغشيهم من اليم ما غشيهم # [طه: 78] ولم يحدد مقدار الماء الذي غشيهم، وترك المسألة مبهمة ليكون ~~المعنى أبلغ، ولتذهب الظنون في هولها كل مذهب. لكن ما داموا قد أعطوا ~~ومدوا أيديهم للآخرين بالعطاء، فلماذا يقول تعالى: { وقلوبهم ~~وجلة.. } [المؤمنون: 60]. نقول: لأن العبرة ليست بمجرد العمل، إنما ~~العبرة بقبول العمل، والعمل لا يقبل إلا إذا كان خالصا لوجه الله لا ms6796 ~~يخالطه رياء ولا سمعة، فهم إذن يعملون ويتحرون الإخلاص وأسباب القبول ~~ويتصدق أحدهم بالصدقة، بحيث لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ومع ذلك ~~يخاف عدم القبول، وهذه أيضا من علامات الإيمان. وكأن ربك عز وجل يغار ~~عليك أن تعمل عملا لا تأخذ عليه أجرا لأنك إن رأيت الناس في شيء من ~~العمل تركك الله وإياهم تأخذ منهم الجزاء، فهذا إذن جهد مهدر لا ~~فائدة منه، وهذه المسألة لا يرضاها لك ربك. وفي الحديث القدسي: # " الإخلاص سر من أسراري أودعته قلب من أحببت من عبادي، لا يطلع ~~عليه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده ". # والوجل: انفعال قسري واضطراب يطرأ على العضو من خوف أو خشية، والخوف شيء ~~يخيفك أنت، أما الخشية فهي أعلى من الخوف، وهي أن تخاف ممن يوقع بك أذى ~~أشد مما أنت فيه. ومن أهل التفسير من يرى أن الآية { والذين ~~يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة. # . } [المؤمنون: 60] جاءت في الرجل الذي يسرق، والذي يزني، والذي يشرب ~~الخمر، لكن قلبه وجل من لقاء الله وخشيته، فما يزال فيه بقية من بقايا ~~الإيمان والحياء من الله تعالى. وقالوا: إن عائشة رضي الله عنها فهمت هذا ~~من الآية. لكن هذا الفهم لا يستقيم مع قوله تعالى { يؤتون.. } ~~[المؤمنون: 60] أي: يؤتون غيرهم، فهناك إذن مؤت ومؤتى له، ولو أراد ~~السرقة والزنى وشرب الخمر لقال: يأتون. فالمراد: يؤتون غيرهم ما عليهم ~~من الحق، سواء أكانت هذه الحقوق لله تعالى كالزكاة والكفارات والنذور ~~والحدود، أو كانت متعلقة بالعباد كالودائع والأمانات والعدالة في الحكم ~~بينهم.. الخ فيؤدي المؤمن ما عليه من هذه الحقوق، وقلبه وجل ألا ~~يصاحب الإخلاص عمله فلا يقبل. ثم يقول تعالى: { أنهم إلى ~~ربهم راجعون } [المؤمنون: 60] فالمؤمن يؤدي ما عليه، ومع ذلك ~~تراه خائفا وجلا لأنه يثق في الرجوع إلى الله والوقوف بين يديه ~~سبحانه، وهو ربه الذي يجازيه على قدر إخلاصه، ويخاف أيضا أن يفتضح ~~أمره إن خالط عمله شيء من الرياء لأن ربه غيور لا يرضى معه شريكا في ~~العمل، وهو ms6797 سبحانه يعلم كل شيء ويحاسب على ذرات الخير وعلى ذرات الشر. ~~وهناك أعمال في ظاهرها أنها من الدين، لكن في طيها شيء من الرياء، وإن ~~لم يدر الإنسان به، ومن ذلك قولهم: أفعل هذا لله ثم لك، أو: توكلت على ~~الله وعليك.. الخ، فهذه العبارات وأمثالها تحمل في طياتها معاني الشرك ~~التي ينبغي أن ننزه الله منها، فلا نعطف على الله تعالى أحدا حتى لا ~~نشركه مع الله، ولو عن غير قصد. لذلك يقول تعالى: # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف: 106] ويوم القيامة يطمئن أهل الإخلاص إلى الجزاء، ويفاجأ أهل ~~الشرك والرياء بوجود الله تعالى، ولم يكن على بالهم حين عملوا: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه.. # [النور: 39] إذن: ما دمنا سنفاجأ بوجود الحق، ولا شيء غير الحق، ~~فليكن عملنا للحق، ولا شيء لغير الحق. { أولئك يسارعون في ~~الخيرات... }. ### || [23.61] # { أولئك.. } [المؤمنون: 61] أي: أصحاب الصفات المتقدمة { ~~يسارعون في الخيرات.. } [المؤمنون: 61] وفرق بين أسرع وسارع: ~~أسرع يسرع يعني: بذاته، إنما سارع يسارع أي: يرى غيره يسرع، فيحاول أن ~~يتفوق عليه، ففيه مبالغة وحافز على المنافسة. وسبق أن أوضحنا الفرق بين ~~سارع إلى وسارع في، فمعنى { يسارعون في الخيرات.. } ~~[المؤمنون: 61] أنهم كانوا في حيز الخيرات ومظروفين فيه، لكن يحاولون ~~الارتقاء والازدياد من الخيرات للوصول إلى مرتبة أعلى. وقوله تعالى: { ~~وهم لها سابقون } [المؤمنون: 61] هل المسارعة هي علة أنهم ~~سبقوا إلى الخيرات، أم أن سبقهم إلى الخيرات علة المسارعة؟ في اللغة ~~يقولون: سبب ومسبب، وشرط وجزاء، وعلة ومعلول. فحين تقول: إن تذاكر ~~تنجح، فالمذاكرة سبب في النجاح، لكن هل سبقت المذاكرة النجاح؟ لا، بل ~~وجد النجاح أولا في بالك، واستحضرت مميزاته وكيف ستكون منزلتك في ~~المجتمع وبين الناس، وبذلك وجد عندك دافع وخاطر، ثم أردت أن تحققه ~~واقعا، فذاكرت للوصول إلى هذا الهدف. إذن: فكل شرط وجواب: الجواب سبب في ~~الشرط، والشرط سبب في الجواب، الجواب سبب في ms6798 الشرط دافعا له، والشرط سبب ~~في الجواب واقعا وتنفيذا، فالنجاح وجد دافعا على المذاكرة، والمذاكرة ~~جاءت واقعا ليتحقق النجاح. وكذلك في { أولئك يسارعون في ~~الخيرات وهم لها سابقون } [المؤمنون: 61] فالمعنى: القصد ~~أن يسبق فسارع، سارع في الواقع ليسبق بالفعل، لكن السبق قبل المسارعة ~~لأن الذهن متهيىء له أولا وحقائقه واضحة. إذن: الشرط والجزاء، والسبب ~~والمسبب، والعلة والمعلول تدور بين دافع هو الجواب، وواقع هو الشرط. ~~ومعنى: { وهم لها سابقون } [المؤمنون: 61] يعني: هم أهل لهذا ~~العمل وقادرون عليه، كما لو طلبت منك شيئا فتقول لي: هذا شيء صعب فأقول ~~لك: وأنت لها. ثم يقول الحق سبحانه: { ولا نكلف نفسا إلا ~~وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق... }. ### || [23.62] # بعد أن تكلم الحق سبحانه عن المسارعة والمنافسة بين أنها على قدر ~~الوسع والطاقة، وأنه سبحانه ما كلفك إلا بعد علمه بقدرتك، وأنك تسع ~~هذا التكليف، فإياك أن تنظر إلى الحكم فتقول: أنا أسعه أو لا أسعه، لكن ~~انظر إلى التكليف: ما دام ربك قد كلفك فاعلم أنه في وسعك، وحين يعلم ~~منك ربك عدم القدرة يخفف عنك التكليف دون أن تطلب أنت ذلك. والأمثلة ~~على تخفيف التكاليف واضحة في الصلاة والصوم والحج.. الخ. والآن نسمع من ~~يقول: لم تعد الطاقة في هذا العصر تسع هذه التكاليف، فالزمن تغير، ~~والأعمال والمسئوليات كثرت، إلى غير ذلك من هذه الأقوال التي يريد ~~أصحابها التنصل من شرع الله. ونقول: ما دام التكليف باقيا فالوسع ~~باق، والحق - سبحانه وتعالى - أعلم بوسع خلقه وطاقاتهم. إذن: أنا ~~أنظر أولا إلى التكليف، ثم أحكم على الوسع من التكليف، ولا أحكم على ~~التكليف من الوسع. ثم يقول سبحانه: { ولدينا كتاب ينطق ~~بالحق وهم لا يظلمون } [المؤمنون: 62] المراد هنا كتاب ~~أعمالنا الذي سجل فيه كل شيء قدمته الأيدي، لكن: ما الحكمة من تسجيل ~~الأعمال؟ وهل يكذب العباد ربهم عز وجل فيما سجل عليهم؟ قالوا: ~~الحكمة من تسجيل الأعمال أن تكون حجة على صاحبها، وليعلم أن الله ما ظلمه ~~شيئا لذلك سيقول له ربه: # اقرأ ms6799 كتبك.. # [الإسراء: 14] يعني: بنفسك حتى تقام عليك الحجة، ولا يكون عندك اعتراض. ~~ثم قال بعدها: { وهم لا يظلمون } [المؤمنون: 62] لأن الظلم لا ~~يتصور من الحق - سبحانه وتعالى - فالظلم نتيجة الحاجة، وأنت تظلم غيرك ~~حين تريد أن تنتفع بأثر الغير في الخير زيادة عما عندك، فالظلم إذن ~~نتيجة الحاجة، والحق سبحانه هو المعطي، وهو الغني الذي لا حاجة له إلى ~~أحد، فلماذا يظلم؟ كذلك قد يظلم الضعيف ليأخذ ما في يد غيره ليسد حاجته ~~أو شهوته، ولو كان قويا لكفى نفسه بمجهوده. ثم يقول الحق سبحانه: { بل ~~قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال... }. ### || [23.63] # { بل.. } [المؤمنون: 63] حرف يدل على الإضراب عن الكلام السابق، ~~وإثبات الحكم للكلام بعدها. والغمرة كما قلنا: هي جملة الماء الذي يعلو ~~قامة الإنسان حتى يمنع عنه التنفس ويحرمه الهواء، وهو أول مقوم من ~~مقومات الحياة. فالإنسان يصبر على الطعام شهرا، ويصبر على الماء من ~~ثلاثة أيام لعشرة، إنما لا يصبر على النفس إلا بمقدار ما يحتويه الصدر ~~من الهواء، فإن كان كانت رئتك سليمة تتسع لأكبر كمية من الهواء، وتستطيع ~~أن تتحمل عدم التنفس لفترة أطول، أما إن كانت الرئة معتلة، فإنها لا ~~تتسع لكمية كبيرة، وسرعان ما ينتهي الهواء ويموت الإنسان. ومن التنفس ~~جاءت المنافسة، كما في قوله تعالى: # وفي ذلك فليتنافس المتنافسون # [المطففين: 26] ثم استعملت لكل عمل تنافس فيه غيرك لأن الهواء هو ~~العنصر الأساسي في الحياة. لذلك الخالق - عز وجل - حينما خلق هذه ~~البنية الإنسانية جعل لها نظاما فريدا في وقودها وغذائها على خلاف ~~صنعة البشر، فلو منعت البنزين مثلا عن السيارة توقفت، أما صنعة ~~الخالق - عز وجل - فالجسم يأخذ حاجته من الطعام والماء، ثم يختزن الباقي ~~لوقت الحاجة، وقد علم الحق سبحانه شهوتك وحبك للطعام وللشراب، وأخذك ~~منهما فوق حاجتك، فإن غاب عنك الطعام تغذى جسمك من هذا المخزن ~~الرباني. لذلك نرى البعض حين يتأخر عنه الطعام يقول: نفسي انصدت عن ~~الأكل، والحقيقة أنه أكل فعلا، وتغذى من مخزون الطعام والشراب في ms6800 جسمه. ~~ومن حكمة الله أن الطعام الفائض يختزن في صورة واحدة هي الشحم، الذي ~~يتحول تلقائيا إلى أي عنصر آخر يحتاجه الجسم، فإذا انتهى الشحم تغذى ~~الجسم على اللحم والعضلات، ثم على العظام، وهي آخر مخزن للقوت في جسم ~~الإنسان لذلك جاء في قصة زكريا عليه السلام: # قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس ~~شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا # [مريم: 4]. أما الهواء فليس له مخزن إلا بقدر ما تتسع له الرئة، فإذا ~~نفد منها الهواء بشهيق وزفير فلا حيلة فيه، ومن رحمة الله بعباده ألا ~~يملك الهواء لأحد، فقد يملك الطعام وربما يملك الماء، أما الهواء ~~الذي يحتاجه في كل نفس، فقد جعله الله ملكا للجميع، حتى لا يمنعه أحد ~~عن أحد لأنك لا تستطيع أن تحتال له كما تحتال للطعام وللشراب، ولو غضب ~~عليك مالك الهواء لمت قبل أن يرضى عنك. ونلحظ هنا أن الغمرة لا تحتويهم ~~هم، إنما تحتوي القلوب: { بل قلوبهم في غمرة.. } [المؤمنون: ~~63] وهذه بلوى أعظم لأن القلب محل لحصيلة المدركات التي يأخذها العقل، ~~ويميز بينها ويختار منها ويرجح، ثم تتحول هذه المدركات إلى عقائد ~~تستقر في القلب وعلى هديها تسير في حركة الحياة. # لذلك إن كان القلب نفسه في الغمرة فالمصيبة أشد والبلاء أعظم لأنه ~~مستودع العقائد والمبادئ التي تنير لك الطريق. والقلب هو محل نظر ~~الله إلى عباده، لذلك يقول سبحانه: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~لهم قلوب لا يفقهون بها.. # [الأعراف: 179]. وقال سبحانه: # ختم الله على قلوبهم.. # [البقرة: 7] لأنهم أحبوا الكفر واطمأنوا إليه، ولأنه سبحانه رب متول ~~ربوبية الخلق، يعطيهم ما أراداوا حتى إن كان كفرا لذلك ختم على قلوبهم ~~حتى لا يدخلها إيمان ولا يخرج منها كفر لأنهم عشقوا الكفر وأحبوه. لذلك ~~نقول لأهل المصائب الذين يصابون في غال أو عزيز فيحزنون عليه، ~~ويبالغون بإقامة المآتم والسرادقات، ويقيمون ذكرى الخميس والأربعين ~~وغيرها، وربما كان الابن عاقا لوالديه في حياتهما، فإذا مات أبوه أو أمه ~~أقام المآتم وشغل الناس، ms6801 وهو كما قال الشاعر: # لا أعرفنك بعد الموت تندبني # وفي حياتي ما بلغتني زادا # أو الأم التي فقدت وحيدها مثلا، فتعيش حزينة مكدرة، وكأنها عشقت ~~الحزن وأحبته، نحذر هؤلاء وننصح كل حزين أن يغلق باب الحزن بمسامير ~~الرضا والتسليم، فالحزن إن رأى بابه مواربا دخل وظل معك ولازمك. ~~وسبق أن وضحنا أن الحق سبحانه لا يرفع بلاء عن عبده حتى يرضى به، ولنا ~~القدوة في هذه المسألة بأبينا إبراهيم - عليه السلام - حين ابتلاه ربه ~~بذبح ولده في رؤيا رآها، واعتبرها هو تكليفا، ورضي بقدر الله وسلم ~~لأمره، ثم أخبر ولده ووحيده بهذه الرؤيا حتى لا يحرمه هذا الأجر ولا ~~يأخذه على غرة، فيتغير قلبه عليه: # فلما أسلما وتله للجبين * وناديناه أن ~~يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي ~~المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * ~~وفديناه بذبح عظيم # [الصافات: 103-107]. فبعد أن رضي إبراهيم وولده بقضاء الله رفع عنهما ~~البلاء، وجاءهما الفداء من الله لإسماعيل، بل وزاده بأن بشره بولد آخر ~~هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، أجيال متعاقبة جاءت فضلا من الله ~~وجزاء على الرضا بقضائه وقدره، وما أحسن ما قال الشاعر في هذا الموقف: # سلم لربك حكمه فلحكمة # يقضيه حتى تستريح وتغنما # واذكر خليل الله في ذبح ابنه # إذ قال خالقه فلما أسلما # إذن: إذا كانت القلوب نفسها في غمرة، فقد خرب جهاز العقائد والمبادئ، ~~وينشأ عن خرابه خراب حركة الحياة وانحراف السلوك. وقد أخذ القلب هذه ~~الأهمية لأنه معمل الدم، ومصدر سائل الحياة، فإن فسد لا بد أن ينضح ~~على باقي الجوارح، فتفسد هي الأخرى، ولو كان القلب صالحا فلا بد أن ~~ينضح صلاحه على الجوارح كلها فتصلح، كما جاء في الحديث الشريف: # " ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد ~~الجسد كله، ألا وهي القلب ". # ثم يقول سبحانه: { ولهم أعمال من دون ذلك هم لها ~~عاملون } [المؤمنون: 63] يعني الأمر لا يتوقف بهم عند مسألة العقائد، ~~إنما لهم أعمال أخرى كثيرة سيقعون فيها، ms6802 فالحق سبحانه لا يذكر لهم إلا ~~قمم المخالفات ونماذج منها، إنما في علمه تعالى وفي لوحه المحفوظ أنهم ~~سيفعلون كذا ويفعلون كذا، وإن كانوا هم أنفسهم لا يعلمون أن ذلك سيحدث ~~منهم لكن ربهم - عز وجل - يعلم بطلاقة القدرة ما كان وما سيكون. ومن ~~عجائب قدرة الله أنه سبحانه يحكم على عبده الكافر أنه سيعمل كذا وكذا، ~~ومع ذلك لم يعاند أحد الكفار، فيقول: إن الله حكم علي بكذا، ولكني لن ~~أفعل فيكون حكم الله عليه غير صحيح لأن الحق سبحانه لا يتحكم فيما يجريه ~~علينا فحسب، وإنما في اختيار العبد ومراده، مع أن العبد حر في أن يفعل ~~أو لا يفعل. وهذه القضية واضحة في قوله تعالى عن أبي لهب: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب # [المسد: 1-3] فقوله: { سيصلى نارا.. } تفيد المستقبل، فقد حكم ~~الحق سبحانه عليه أنه سيكون في النار، وكان أبو لهب في أمة ومجمع من ~~القوم الكافرين، ومنهم من آمن فمن يضمن أن يسمع أبو لهب هذا الحكم ومع ~~ذلك لا يؤمن ويموت كافرا؟ ثم ألم يكن بإمكان هذا المغفل أن يقف على ~~ملأ ويقول: " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ويدخل في الإسلام، فيكون ~~الحكم فيه غير صحيح؟ لكن هذا كلام الله وحكمه القديم لا يرد ولا يخالفه ~~أحد مهما كان أمره في يده وهو قادر على الاختيار، هذا من طلاقة قدرة الله ~~في فعله وعلى خلقه في أفعالهم. فالمعنى: { هم لها عاملون } ~~[المؤمنون: 63] حكم لا يرد ولا يكذب، حتى وإن أخبر به صاحبه لأن علم ~~الله تعالى مستوعب لما كان ولما سيكون، وكأن الحق سبحانه يقول: إن طلاقة ~~القدرة ليست فيما أفعله فحسب، إنما يفعله غيري ممن أعطيته حرية ~~الاختيار. ثم يقول الحق سبحانه: { حتى إذآ أخذنا مترفيهم ~~بالعذاب... }. ### || [23.64] # يعني: بعد أن أشركوا بالله وكفروا به، وبعد أن أصبحت قلوبهم في غمرة ~~وعمى إذا مسهم شيء من العذاب يجأرون ويصرخون، ومن ذا ms6803 الذي يطيق لفحة ~~أو رائحة من عذاب الله؟ ومعنى { أخذنا.. } [المؤمنون: 64] كلمة الأخذ ~~لها مجال واسع في كتاب الله، والأخذ: هو الاستيلاء بعنف على شيء هو لا ~~يحب أن تستولي عليه، والأخذ يوحي بالعنف والشدة، بحيث لا يستطيع ~~المأخوذ الإفلات مهما حاول. ومن ذلك قوله تعالى: # أخذ عزيز مقتدر # [القمر: 42] يعني: أخذا شديدا يتململ منه فلا يستطيع الفكاك. وقوله: # وأخذ الذين ظلموا الصيحة.. # [هود: 67]. ويقول: # إن أخذه أليم شديد # [هود: 102]. ومعنى: { مترفيهم.. } [المؤمنون: 64] من الترف وهو ~~التنعم لأن الحياة تقوم على ضروريات تستبقي الحياة وكماليات تسعدها ~~وترفهها وتثريها، فالمترف من عنده من النعيم فوق الضروريات، ~~يقال: ترف الرجل يترف من باب فرح يفرح، وأترفته النعمة إذا أطغته، ~~وأترفه الله يعني: وسع عليه النعمة وزاده منها. وعلى قدر الإتراف يكون ~~الأخذ أبلغ والألم أشد. وسبق أن ذكرنا قول الله عز وجل: # فلما نسوا ما ذكروا به.. # [الأنعام: 44] يعني: من منهج الله، لم نضيق عليهم إنما: # فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا ~~بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * ~~فقطع دابر القوم الذين ظلموا.. # [الأنعام: 44-45]. فهنا تكون النكاية أشد، والحسرة أعظم. والكلام هنا ~~عن كفار قريش، فكيف أخذهم الله وهم في ترف من العيش، حيث تصب عندهم كل ~~خيرات الجزيرة حتى عاشوا عيشة الترف والتنعم؟ أخذهم الله حال ترفهم ~~بالقحط والسنين لذلك لما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أترفوا ~~بالنعمة وطغوا بها قال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ". # واستجاب الله تعالى دعاء نبيه، فأصابهم الجدب والقحط حتى أكلوا الجيف ~~و العلهز وهو شعر الذبيحة أو وبرها المخلوط بدمها بعد أن جف وتجمد ~~تحت حرارة الشمس، وهذا هو المراد بقوله تعالى: { حتى إذآ أخذنا ~~مترفيهم بالعذاب.. } [المؤمنون: 64]. وقوله تعالى: { إذا ~~هم يجأرون.. } [المؤمنون: 64]. يصرخون ويضجون، فهذا أبو سفيان ~~بعد أن أكلوا الجيف والفضلات يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد ~~ألست رحمة للعالمين؟ إذن: فادع الله أن يفرج عنا، فدعا رسول الله ~~صلى ms6804 الله عليه وسلم ربه حتى فرج عنهم. أو: يراد بالعذاب هنا ما حدث لهم ~~يوم بدر، حيث أذلهم الله، فقتل منهم من قتل، وأسر من أسر، وانهارت ~~سيادتهم وضاعت هيبتهم، وقد كانوا يعذبون المؤمنين ويقتلونهم، ~~ويقيمونهم في حر الشمس ويضعون الأحجار الكبيرة فوق بطونهم، حتى أنزل ~~الله تعالى في هذه الحالة القاسية التي يعانيها المؤمنون: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. فيستقبلون الآية بتعجب: حتى يقول عمر: أي جمع هذا الذي ~~سيهزم، فليس هناك أي بادرة لنصر المؤمنين، فلما جاء يوم بدر ورأى ~~المؤمنون ما حاق بالكافرين قال عمر نفسه: صدق الله، سيهزم الجمع وقد ~~هزم. وقوله تعالى: { إذا هم يجأرون } [المؤمنون: 64] يجأر: ~~يصرخ بصوت عال، والإنسان لا يصرخ إلا إذا كان في محنة لا تقدر أسبابه ~~على دفعها، فيصرخ طلبا لمن ينجده، ويرفع صوته ليسمع كل من حوله، كما ~~يقولون يجعر. والجؤار مثل الخوار يعني: يصيحون مثل العجول بعد ما كانوا ~~رجالا وسادة وطغاة، فلماذا لم تظلوا سادة، لماذا تصرخون الآن؟ وكان ~~المنتظر منهم في وقت الشدة أن يتماسكوا، وأن يتجلدوا حتى لا يشمت بهم ~~العبيد والفقراء الذين آمنوا، كما يقول الشاعر: # وتجلدي للشامتين أريهمو # أني لريب الدهر لا أتضعضع # لكن، هيهات فقد حاق بهم العذاب، ولن يخدعوا أنفسهم الآن، فليس أمامهم ~~إلا الصراخ يطلبون به المغيث والمنجي من المهالك. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~لا تجأروا اليوم إنكم... }. ### || [23.65] # يرد عليهم الحق سبحانه: { لا تجأروا اليوم.. } [المؤمنون: 65] ~~لأن من يجأر ينادي من ينصره وأنتم لن تنصروا { إنكم منا ~~لا تنصرون } [المؤمنون: 65] لا تنصرون من جهتنا لأنني أنصر ~~أوليائي، وأنصر رسلي، وأنصر من ينصرني، فاقطعوا الظن في نصري لكم لأنني ~~أنا الذي أنزلت بكم ما جعلكم تجأرون بسببه، فكيف أزيله عنكم؟ وفي موضع ~~آخر يتكلم الحق سبحانه عن أهل الكفر الذين تمالئوا عليه، وشجع بعضهم ~~بعضا على التجرؤ على القرآن وعلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويصفقون ~~لمن يخوض في حقهما: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون * من دون الله ms6805 فاهدوهم إلى صراط الجحيم ~~* وقفوهم إنهم مسئولون * ما لكم لا تناصرون * ~~بل هم اليوم مستسلمون # [الصافات: 22 - 26]. إذن: لا تجأروا لأنكم لن تنصروا منا، وكيف ~~ننصركم بجؤاركم هذا، وقد انصرفتم عن آياتي؟ ### || [23.66] # كيف تستغيثون بالله وتجأرون إليه وأنتم تلقى عليكم آياته تشرح لكم ~~وتثبت لكم وجود الله بالآيات الكونية، وتثبت لكم صدق الرسول بالمعجزات، ~~وتحمل لكم منهج الله في الآيات حاملة الأحكام، ولكنكم عميتم عن ذلك كله. ~~ومعنى { فكنتم على أعقابكم تنكصون } [المؤمنون: 66] ~~العقب: مؤخرة القدم، فبدل أن يمشي إلى الأمام كما خلقه الله وجعل له ~~كشافات يبصر بها الطريق، ويهتدي إلى موضع قدميه، إذا به يمشي للخلف على ~~عقبه، وكأنهم أخذوا أخذا غير عندهم دولاب السير، لماذا؟ لأنهم ~~عموا عن أسباب الهداية، فصاروا يتخبطون في متاهات الحياة على غير هدى، ~~كمن يسير بظهره لا يعرف مواقع قدميه، وهكذا فعلوا هم بأنفسهم. وهذا ~~التراجع يسمونه في قيادة السيارات مارشادير، ويحتاج فيه الإنسان لمن ~~يوجهه ويرشد حركته يمينا أو شمالا لأنه لا يرى. فالمعنى: لا تلم ~~إلا نفسك حيث حرمتها من أسباب الهداية، فبعد أن جاءتك وأصبحت بين يديك ~~أغمضت عنها عينيك. وفي موضع آخر قال سبحانه عن الشيطان: # فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه وقال ~~إني بريء منكم.. # [الأنفال: 48]. ### || [23.67] # مادة: كبر تأتي بكسر الباء للدلالة على العمر تقول: كبر فلان. يعني: ~~كان صغيرا ثم كبر، وبضم الباء للشيء المعنوي وللقيم، كما في قوله تعالى: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم.. # [الكهف: 5] يعني: عظمت. ومعنى الاستكبار افتعال الكبر وطلبه، مثل: ~~استفهم يعني: طلب الفهم، في حين هو ليس كبيرا في ذاته، فهو محتاج إلى ~~غيره. فالكبير في ذاته من تكون عنده وتتوفر له في ذاته مقومات ~~الحياة وضرورياتها وترفها، لا يستمدها من أحد. لكن الإنسان ضروريات ~~حياته، وأسباب ترفه موهوبة له من غيره، فلا يصح له أن يتكبر، فمن ~~أراد أن يتكبر فليتكبر بشيء ذاتي فيه من صحة أو مال أو سلطان... الخ، ~~وهذه كلها أمور موهوبة لك، فالصحيح قد ms6806 يصبح سقيما، والغني قد يصبح ~~فقيرا. لذلك، فالكبرياء لله تعالى وحده لأنه الواهب للغير، والمتفضل ~~على الخلق بما يمكن أن يتكبروا به، ومن صفات جلاله وكماله سبحانه ~~المتكبر لأنه سبحانه رب الخلق أجمعين، ومن مصلحة الخلق أن يكون المتكبر ~~هو الله وحده، حتى لا يرفع أحد رأسه على خلقه ويتكبر عليهم. وهكذا ~~يحمي الحق سبحانه خلقه من خلقه، فإن تكبر عليك ربك، وأجري عليك ~~قدرا لأنك فعلت شيئا وأنت واحد، فاعلم أنه يتكبر على الآخرين جميعا ~~وهم كثيرون، إن فعلوا بك هذا الشيء، إذن: فصفة الكبرياء لله عز وجل في ~~صالحك. ومثلنا لذلك، ولله المثل الأعلى: من مصلحة الأسرة ألا يكون ~~لها إلا كبير واحد يرجع إليه، ومن أقوال العامة اللي ملوش كبير يشتري ~~له كبير لأنه الميزان الذي تستقيم به الأمور ويسير دفة الحياة. ~~وقلنا: إن من أسمائه تعالى الكبير ولا نقول: الأكبر مع أنها صيغة مبالغة، ~~لماذا؟ لأن أكبر صيغة مبالغة عندنا نحن البشر، نقول: هذا كبير وذاك أكبر، ~~وهذا قوي وذاك أقوى، ولا يقال هذا في صفته تعالى لأنك لو قلت: الله ~~أكبر لكان المعنى أنك شركت معه غيره، فهو سبحانه أكبر وغيره كبير، لذلك ~~لا تقال: الله أكبر إلا في النداء للصلاة. إذن: المستكبر: الذي يطلب ~~مؤهلات كبر وليس لذاتيته شيء من هذه المؤهلات، والإنسان لا ينبغي له أن ~~يتكبر إلا إذا ملك ذاتيات كبره، والمخلوق لا يملك شيئا من ذلك. ومعنى { ~~مستكبرين به.. } [المؤمنون: 67] الهاء في به ضمير مبهم، ~~يعرف بمرجعه، كما تقول: جاءني رجل فأكرمته، فالذي أزال إبهام الهاء ~~مرجعه إلى رجل. وفي الآية لم يتقدم اسم يعود عليه الضمير، لكن الكلام هنا ~~عن الرسول الذي أرسل إليهم، والقرآن الذي أنزل عليهم معجزة ومنهاجا، ~~إذن: لا يعود الضمير إلا إلى واحد منهما. أو: أن الضمير في به يعود إلى ~~بيت الله الحرام، وقد كان سببا لمكانة قريش ومنزلتهم بين العرب، وأعطاهم ~~وضعا من السيادة والشرف، فكانوا يسيرون في رحلات التجارة إلى اليمن ~~وإلى الشام ms6807 دون أن يتعرض لهم أحد، في وقت انتشر فيه بين القبائل السلب ~~والنهب والغارة وقطع الطريق. # وما كانت هذه المنزلة لتكون لهم لولا بيت الله الحرام الذي يحجه العرب ~~كل عام، وخدمته وسدانته في أيدي قريش لذلك استكبروا به على الأمة كلها، ~~ليس هذا فقط، إنما تجرأوا أيضا على البيت. ويقول تعالى بعدها: { ~~سامرا تهجرون } [المؤمنون: 67] السامر: الجماعة يسمرون ليلا، ~~وكانوا يجتمعون حول بيت الله ليلا يتحدثون في حق النبي صلى الله عليه ~~وسلم، يشتمونه ويخوضون في حقه، وفي حق القرآن الذي نزل عليه. وليتهم ~~يسمرون عند البيت بالخير إنما بهجر، والهجر هو فحش الكلام في محمد ~~صلى الله عليه وسلم وفي القرآن. فأمر هؤلاء عجيب: كيف يفعلون هذا وهم في ~~رحاب بيت الله الذي جعل لهم السيادة والمنزلة؟ كيف يخوضون في رسول الله ~~الذي جاء ليطهر هذا البيت من الأصنام ورجسها؟ إنه سوء أدب مع الله، ومع ~~رسوله، ومع القرآن، يصدق فيه قول الشاعر: # أعلمه الرماية كل يوم # فلما اشتد ساعده رماني # وكم علمته نظم القوافي # فلما قال قافية هجاني # لقد استكبر هؤلاء على الأمة كلها بالبيت، ومع ذلك ما حفظوا حرمته، ~~وجعلوه مكانا للسمر وللهجر وللسفه وللطيش، ولكل ما لا يليق ~~به، فالقرآن عندهم أساطير الأولين، ومحمد عندهم ساحر وكاهن وشاعر ~~ومجنون.. وهكذا. والحق - سبحانه وتعالى - ينبهكم إلى أن ضروريات ~~حياتكم هبة منه سبحانه وتفضل، فحينما جاءكم أبرهة ليهدم هذا البيت ~~العتيق، وينقل هذه العظمة وهذه القداسة إلى الحبشة، ولم يكن لكم طاقة ~~لرده ولا قدرة على حماية البيت، فلو هدمه لضاعت هيبتكم وسيادتكم بين ~~القبائل، ولتجرأوا عليكم كما تجرأوا على غيركم، لكن حمى الله بيته، ودافع ~~عن حرماته، حتى إن الفيل نفسه وعى هذا الدرس، ووقف مكانه لا يتحرك نحو ~~البيت خاصة، ويوجهونه في أي ناحية أخرى فيسير. ويروى أن أحدهم قال ~~للفيل يخاطبه: ابرك محمود وارجع راشدا - يعني: انفد بجلدك لأنك في بلد ~~الله الحرام، وكما قال الشاعر: # حبس الفيل بالمغمس حتى # صار يحبو كأنه معقور ms6808 # وهكذا ردهم الله مقهورين مدحورين، وحفظ لكم البيت، وأبقى لكم السيادة. ~~لذلك لاحظ الانتقال من سورة الفيل إلى سورة قريش، يقول تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم ~~يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم ~~كعصف مأكول # [الفيل: 1-5] يعني: مثل التبن والفتات الذي تذروه الرياح. ثم يقول في ~~أول قريش: # لإيلاف قريش # [قريش: 1] يعني ما حل بأصحاب الفيل، فاللام في لإيلاف لام التعليل، ~~يعني: حل ما حل بأصحاب الفيل لتألف قريش ما اعتادته من رحلة الشتاء ~~والصيف # إيلافهم رحلة الشتآء والصيف # [قريش: 2] وما دام أن الله تعالى قد حماكم وحمى لكم البيت، وحفظ لكم ~~السيادة كان ينبغي عليكم أن تعبدوه وحده لا شريك له # فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4]. ثم يقول الحق سبحانه: { أفلم يدبروا القول ~~أم جآءهم ما لم يأت... }. ### || [23.68-69] # في هذه الآية والآيات بعدها يريد - سبحانه وتعالى - أن يوبخهم بعدة ~~أمور واحد بعد واحد بعد الآخر. أولها: { أفلم يدبروا ~~القول.. } [المؤمنون: 68] فالاستفهام هنا للتوبيخ وللتقريع: ماذا جرى ~~لهؤلاء؟ أفلم يعقلوا القول الذي جاءهم في القرآن، وهم أمة الفصاحة ~~والبلاغة والبيان، وأمة القول بكل فنونه حتى أقاموا له المواسم والمعارض ~~وعلقوه على الجدار؟ لذلك لا يعقل ألا تفهموا القرآن، وقد جاءكم ~~بأسلوب على مستوى أعلى من البلاغة والفصاحة، لا بد أنكم فهمتموه ~~ووعيتم ما فيه، بدليل قولكم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. وهكذا الكذاب يسرقه طبعه، وينم منطقه عما في ضميره، ~~فاعتراضكم ليس على القرآن إنما على محمد لأنه فقير من أوسط القوم، ~~فالمسألة - إذن - منازعة سيادة وسلطة زمنية، لكن ألم يدر هؤلاء أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم ما جاء ليسلبهم سلطتهم، أو يعلو هو عليهم، ~~إنما جاء ليحكمهم بمنهج الله، ويتحمل هو الأذى والتعب والمشقة في سبيل ~~راحتهم وسعادتهم؟ لقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليأخذ الحكم ويحمل ~~منهج الله تكليفا لا تشريفا، ms6809 بدليل أنه عاش في مستوى أقل منكم، فلا ~~ترى رسول الله إلا أقلهم طعاما وأقلهم شرابا، أقلهم لباسا وأثاثا، ~~حتى أقاربه كانوا فقراء، ومع ذلك حرم عليهم الزكاة التي أباحها لعامة ~~المسلمين الفقراء، كذلك يرث الناس وهم لا يرثون. وبعد ذلك كله تقولون: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] يبدو أنكم ألفتم العبودية للعظماء وللجبابرة، ألفتم ~~العبودية لغير الله، وعز عليكم أن يحرركم الله من هذه العبودية على يد ~~رجل منكسر فقير منكم، جاء ليصلحكم ويخرجكم من العبودية للمخلوق إلى ~~العبودية للخالق عز وجل. ألم يقل أحد رؤوس الكفر عن القرآن: " والله إن ~~أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه ". إذن: { ~~أفلم يدبروا القول.. } [المؤمنون: 68] توبيخ، لأنهم فهموا ~~القرآن، لكن حسدوا محمدا صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه، وأن ينال ~~دونهم هذه المكانة، كما قال سبحانه: # أم يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله.. # [النساء: 54]. الأمر الثاني: { أم جآءهم ما لم يأت ~~آبآءهم الأولين } [المؤمنون: 68] يعني: جاءهم أمر غريب لا عهد ~~لهم به، وهو أن يأتي رسول من عند الله، وهذه المسألة معروفة لهم، فمنهم ~~إبراهيم عليه السلام، ومنهم إسماعيل وهم مؤمنون بهما، إذن: ليست مسألة ~~عجيبة، بل يعرفونها جيدا، لكن ما منعهم في الأولى منعهم في هذه، إنه ~~الحسد لرسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك يقول تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # [الزخرف: 87]. الأمر الثالث: { أم لم يعرفوا رسولهم ~~فهم له منكرون } [المؤمنون: 69]. يعني: أنزل عليهم رسول من ~~السماء لا يعرفون سيرته وخلقه ونسبه ومسلكه قبل أن يبعث؟ إنهم يعرفونه ~~جيدا، وقبل بعثته سموه " الصادق الأمين " وارتضوا حكومته بينهم في ~~مسألة الحجر الأسود، وكانوا يأتمنونه على ودائعهم ونفائس أموالهم، ولم ~~يجربوا عليه كذبا أوخيانة أو سقطة من سقطات الجاهلية. وقد شرحت هذه ~~المسألة في قول الله تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم.. # [التوبة: 128] يعني: من جنسكم، ومن نوعكم، ومن قبيلتكم، ليس غريبا عنكم ~~وهو معروف لكم: سلوكه وسيرته ms6810 وخلقه، وإذا لم تجربوا عليه الكذب مع ~~الخلق، أتتصورون منه أن يكذب على الخالق؟ وهل رسول الله في أول بعثته ~~لما أخبر الناس أنه رسول الله جاء القرآن ليحمل الناس على الإيمان به؟ ~~لا، إنما جاء ليتحدى من لم يؤمن، أما من آمن بداية، بمجرد أن قال ~~محمد: أنا رسول الله قال: صدقت، وأنه لم يكذب أبدا لذلك كان المقياس عند ~~الصحابة أن يقول رسول الله، فإن قال فالمسألة منتهية لأنه صادق لا يشك ~~أحد منهم في صدقه. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما قال أبو بكر في ~~مسألة الإسراء والمعراج: إن كان قال فقد صدق، يحملها رسول الله تقديرا ~~لأبي بكر ويقول: # " كنت أنا وأبو بكر في الجاهلية كفرسي رهان " # يعني: في الخلق الطيب والسلوك السوي # " فسبقته للنبوة فاتبعني، ولو سبقني هو لاتبعته ". # " ولما نزل جبريل - عليه السلام - على سيدنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في أول الوحي فأجهده، فذهب إلى السيدة خديجة - رضي الله عنها - وحكى ~~لها ما حدث له كأنه يستفهم منها عما حدث ولم يخبرها أنه رسول من عند ~~الله، ومع ذلك أخذته إلى ورقة بن نوفل، وكان على علم بالكتب السابقة، ~~فلما سمع ورقة بن نوفل ما حدث قال: إنه الناموس الذي كان ينزل على موسى ~~وليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~أومخرجي هم؟ " قال: " ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن ~~يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ". # ومع ذلك يظل رسول الله صلى الله عليه وسلم خائفا قلقا أن يكون هذا ~~شيئا من الشيطان، فتطمئنه السيدة خديجة، فهذا لا يعقل مع رسول الله، ~~لذلك تقول له: " إنك لتصل الرحم، وتكسب المعدوم، وتحمل الكل، وتعين ~~على نوائب الدهر، والله لن يخذلك الله أبدا ". ومن هنا اعتبروا السيدة ~~خديجة أول مجتهدة في الإسلام لأنها اجتهدت واستنبطت من مقدمات رسول ~~الله قبل البعثة دليلا على صدقه بعد البعثة لذلك كانت أول من ~~سميت بأم المؤمنين، حتى قال بعض ms6811 العارفين: خديجة أم المؤمنين بما فيهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه في هذه السن كان في حاجة إلى أم ~~أكثر من حاجته إلى عروس صغيرة تدلله، وقد قامت خديجة - رضي الله عنها ~~- فعلا بدور الأم لرسول الله فاحتضنته، وطمأنته ووقفت إلى جواره في ~~أشد الأوقات وأحرجها. كما نلحظ في الآية: { أم لم يعرفوا ~~رسولهم.. } [المؤمنون: 69] فأضاف الرسول إليهم يعني: رسول لهم، أما ~~في الإضافة إلى الله تعالى: رسول الله، فالمعنى رسول منه ، وهكذا يختلف ~~المعنى باختلاف الإضافة. ### || [23.70] # والمسألة الرابعة في توبيخ الله لهم: { أم يقولون به جنة.. ~~} [المؤمنون: 70] يعني: جنون، والجنون أن تتعطل الآلة العقلية التي تزن ~~الحركات على وفق النفع والضر، فتفعل الخير النافع، وتترك الشر الضار. ~~ولننظر: أي خصلة من خصال الجنون في محمد صلى الله عليه وسلم. ودعك من ~~قضية الدين والإله إنما خذ خلقه، والخلق أمر يتفق عليه الجميع ~~ويحمدونه، حتى وإن كانوا ضد صفته، فالكذاب يحب الصادق، ويعترف أن الصدق ~~شرف وكرامة، والبخيل يحب الكريم، والغضوب يحب الحليم، ألا ترى الكاذب ~~يزاول كذبه على الناس، لكن لا يحب من يكذب عليه؟ ألا ترى شاهد الزور ~~ينقذ غيره بشهادته، ومع ذلك يسقط من نظره ويحتقره، حتى إن أهل الحكمة ~~ليقولون: إن شاهد الزور ترتفع رأسك على الخصم بشهادته، وتدوس قدمك على ~~كرامته، ومن جعلك موضعا للنقيصة فقد سقطت من نظره، وإن أعنته على ~~أمره. إذن: فالأخلاق مقاييسها واحدة، فقيسوا محمدا بأخلاقه، لا بالدين ~~والرسالة التي جاء بها، انظروا إلى خلقه فيكم، ولن يستطيع واحد منكم أن ~~يتهمه في خلقه بشيء، وما دام لا يتهم في خلقه فلا يتهم كذلك في ~~عقله لأن العقل هو ميزان الخلق وأساسه. لذلك يقول ربه - عز وجل - في ~~حقه: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4] فخلقك العظيم أكبر دليل على أنك لست مجنونا. إذن: محمد ~~بريء من هذه التهمة، والمسألة كلها كما قال تعالى: ms6812 { بل جآءهم ~~بالحق.. } [المؤمنون: 70] فهذا عيبه في نظرهم لأن الحق يغيظ أهل ~~الباطل المنتفعين منه، والبعض يرى الحق في الخير الذي يأتيه، فإن كان في ~~شيء لا ينتفع منه فهو شر لذلك إن أردت أن تحكم على خصلة فاحكم ~~عليها وهي عليك، لا وهي لك، فمثلا أن تكره الكاذب سواء كذب لك أو كذب ~~عليك، إذن: فخذ المسائل على أنها لك وعليك. والحق - سبحانه وتعالى - ~~حينما قيد حركتك في النظر إلى محارم الآخرين، لا تتبرم ولا تقل: منعني ~~متعة النظر.. الخ، لكن انظر إلى أنه قيد عينيك وأنت واحد، وقيد عيون ~~الآخرين عن محارمك وهم كثيرون. ويقول تعالى بعدها: { وأكثرهم ~~للحق كارهون } [المؤمنون: 70] وطبيعي أن يكره أهل الباطل الذين ~~استشرى ظلمهم وطغيانهم، يكرهون الحق الذي جاء ليعدل الميزان، ويقوم ~~المعوج في حركة الحياة، وكراهية أهل الباطل لرسول الله كان ينبغي أن ~~تكون معيار تصديق له لا تكذيب به، ينبغي أن نقول: طالما أن أهل الباطل ~~يكرهون هذا فلا بد أنه الحق وإلا ما كرهوه. ### || [23.71] # إذن: فالمسائل لا تسير على هوى المخلوق، إنما على مرادات الخالق لأن ~~الخالق سبحانه هو صانع هذا الكون، وكل صانع يغار على صنعته، وهذا ~~مشاهد حتى في صنعة البشر، ولك أن تتصور ماذا يحدث لو أفسدت على ~~صانع ما صنعه. وعدالة الأشياء أن تسير على وفق مرادات الصانع، لا هوى ~~المصنوع لأن الأهواء تملكها الأغيار، فالإنسان لو سار في حركة حياته على ~~وفق هواه لأخذ ما ليس له، ولقبل الرشوة، ومال إلى الفسق والانحراف ~~لأنه في الظاهر يرى أنه منتفع بهذا ولا ينظر إلى العاقبة والمحصلة ~~النهائية، لقد نظر إلى متعة زائلة موقوته، ونسي تبعة ثقيلة لن يقدر عليها ~~فيما بعد. لذلك يقول الحق سبحانه: { ولو اتبع الحق ~~أهوآءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن.. } ~~[المؤمنون: 71] ولك أن تقول: نعم، اتباع الأهواء يفسد الأرض، ويفسد ~~حركة الحياة فيها، لكن كيف يفسد السماء؟ وهل لأحد قدرة عليها؟ ونقول: ~~ألم يكن من أمنيات هؤلاء: # وقالوا لن نؤمن لك ms6813 حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا.. # [الإسراء: 90-92]. إذن: من أهوائهم أن تتهدم السماء، ولو حتى على ~~رؤوسهم، وأي فساد بعد هذا، وهكذا لو اتبعت أهواءهم لفسدت السماوات ~~والأرض، ليس هذا وفقط بل { ومن فيهن.. } [المؤمنون: 71] حيث ~~سيتعدى فسادهم ليشمل كل ما في الوجود. لذلك يقيد النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذه الأهواء في قوله: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " # لأنه صلى الله عليه وسلم: # وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3-4]. وقد توقف بعض المستشرقين معترضا على هذه الآية # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3] يقولون: يعني كلامه كله صحيح، فلماذا يعدل له ربه بعض ~~الأحكام؟ ومعنى ذلك أن الحكم المعدل حين نطق به كان ينطق عن هوى. ولو ~~فهم هؤلاء معنى الهوى ما كان منهم هذا الاعتراض، فالهوى أن تعرف الحق، ~~لكن هواك يصرفك عنه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف في هذه ~~المسائل حكما وانصرف عنه، إنما نطق وحكم على مقتضى ما فهم في أمر لم ~~ينزل فيه من الله شيء، ثم نزل الحكم من الله ليعدل اجتهاد رسوله. إذن: ~~لم يكن لرسول الله هوى ينطق بمقتضاه، وفي تعديل الحق سبحانه لرسوله، ~~وتبليغ الرسول لأمته بهذا التعديل أكبر دليل على صدقه صلى الله عليه ~~وسلم وأمانته في البلاغ عن ربه، وإلا فلم يكن أحد ليعلم هذا التعديل، ~~لو أخفاه رسول الله تعصبا لنفسه، أو لدفع الخطأ عنه. # ومن ذلك قوله تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ~~تبتغي مرضاة أزواجك.. # [التحريم: 1] ويقول سبحانه: # عفا الله عنك لم أذنت لهم.. # [التوبة: 43]. وكان بوسع رسول الله أن يكتم هذه الآيات التي تعاتبه ~~وتعد مأخذا عليه، لكنه صلى الله عليه وسلم كان أمينا يقول ما له ~~وما عليه، لذلك يقول عنه ربه: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ms6814 ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 44-46]. ثم يقول تعالى: { بل أتيناهم بذكرهم ~~فهم عن ذكرهم معرضون } [المؤمنون: 71] و بل تفيد الإضراب ~~عن الكلام السابق، وإثبات كلام جديد بعدها، والذكر هنا يعني: الشرف ~~والصيت والمكانة العالية، كما جاء في قوله تعالى عن القرآن: # وإنه لذكر لك ولقومك.. # [الزخرف: 44]. وقوله تعالى: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا ~~تعقلون # [الأنبياء: 10] فكان يجب عليهم أن يحتضنوا هذا القرآن، ويرفعوه فوق ~~رؤوسهم، ففيه مجدهم وشرفهم وعزتهم، والعرب بدون القرآن لا ذكر لهم، ~~فقد كانوا أمة أمية تعيش على الترحال والتنقل، ولا تستقر إلا على منابع ~~الماء ومواضع الكلأ، كانوا بدوا تنتشر فيما بينهم الحروب والغارات ~~وقطع الطريق، كان الواحد منهم يسرق ليكرم ضيفه بما سرق. وهذه من ~~الأمور العجيبة في عادات العرب في الجاهلية، فلم يكن لديهم منهج يحكم ~~حياتهم، عجيب أن ترى حب الغارة والاعتداء مع الشهامة والكرم في طبيعة ~~واحدة، فهو يفعل ما يعن له، وما يخطر بباله، فالمسألة ليست محكومة ~~عندهم بقانون، حتى قال فيهم الشاعر: # لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت # كفاه بالجود حتى أشبه الديما # فإنها خطرات من وساوسه # يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما # ومن أشهر قصائد الشعر العربي في الكرم هذه القصيدة التي تأصل فيها هذا ~~الخلق حتى عند الأطفال، وحتى أن الأب يهم بذبح ولده للضيف، لأنه لم ~~يجد ما يذبحه لقراه. ويقول فيها الشاعر: # وطاو ثلاثا عاصب البطن مرمل # ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما # أخي جفوة فيه من الأنس وحشة # يرى البؤس فيها من شراسته نعمى # رأى شبحا وسط الظلام فراعه # فلما رأى ضيفا تشمر واهتما # وقال هيا رباه ضيف ولا قرى!! # بحقك لا تحرمه تالليلة اللحما # وأفرد في شعب عجوزا إزاءها # ثلاثة أشباح تخالهموا بهما # حفاة عراة ما اغتذوا خبز ملة # ولا عرفوا للبر مذ خلقوا طعما # فقال ابنه لما رآه بحيرة # أيا أبت اذبحني ويسر لهم طعما # ولا تعتذر بالعدم على الذي طرا # يظن لنا مالا فيوسعنا ذما # فروى قليلا ثم ms6815 أحجم برهة # وإن هو لم يذبح فتاه فقد هما # فبينا هما عنت على البعد عانة # قد انتظمت من خلف مسحلها نظما # عطاشا تريد الماء فانساب نحوها # على أنه منها إلى دمها أظما # فأمهلها حتى تروت عطاشها # وأرسل فيها من كنانته سهما # فخرت نحوص ذات جحش قد # اكتنزت لحما وقد طبقت شحما # فيا بشره إذ جرها نحو قومه # ويا بشرهم لما رأوا كلمها يدمى # وبات أبوهم من بشاشته أبا # لضيفهموا والأم من بشرها أما # لقد تأصلت خصلة الكرم في العربي، حتى في الأطفال الصغار، فهو وإن ~~كان فقيرا لكن لا يحب أن يعرف عنه الفقر، يحب أن يظهر في صورة الغني ~~الكريم المعطاء، وإن ناقض ذلك صفات أخرى ذميمة فيه. والشاهد أنهم جماعة ~~تناقضت خصالهم، وقد عاشوا في أمية تامة فلم يعالجوا حضارة، وهذه حسبت ~~لهم بعد ظهور الإسلام وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم من بينهم، فكيف ~~لمثل هؤلاء أن يأتوا بهذه المعاني والأساليب العالية التي تحكم العالم ~~كله؟ ولو كانوا أهل علم وحضارة لقالوا عنهم وعن الإسلام: إنه قفزة ~~حضارية. ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارئا لقالوا: قرأ لفلان ~~وفلان، كما حكى عنهم الحق سبحانه وتعالى: # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر.. # [النحل: 103]. إذن: فذكر العرب وشرفهم ومجدهم وكرامتهم في القرآن، ومع ~~ذلك لم يعملوا حتى لمصلحتهم، ولم يهتموا بهذا القرآن، إنما أعرضوا عنه { ~~فهم عن ذكرهم معرضون } [المؤمنون: 71]. أي: عن القرآن، ~~وهذا دليل أنهم كانوا مغفلين، لا يعرفون حتى مصلحتهم. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير... }. ### || [23.72] # الخرج: ما يخرج منك طواعية، أما الخراج فهو ما يخرج منك رغما عنك، ~~والزيادة في المبنى تدل على الزيادة في المعنى، فالخراج أبلغ من الخرج. ~~والمراد بقوله تعالى: { أم تسألهم خرجا فخراج ربك ~~خير.. } [المؤمنون: 72] إن كنت تريد خرجا فلا تأخذه من أيديهم، ~~إنما خذه من ربك، فما عندهم ليس خرجا بل خراج { فخراج ربك ~~خير.. } [المؤمنون: 72]. فلا تأخذ الرزق إلا من يد ms6816 الخير والبركة لأن ~~الحق سبحانه لا يمن على خلقه برزق يرزقهم به، فهو سبحانه قد استدعاهم ~~إلى الحياة لذلك تكفل سبحانه بأرزاقهم، كما لو دعوت صديقا إلى طعام ~~فإنك تعد له ما يكفي عشرة، فما بالك حينما يعد لك ربك عز وجل؟ ثم ~~يذيل الحق سبحانه الآية بقوله تعالى { وهو خير الرازقين } ~~[المؤمنون: 72] وهذه أحدثت إشكالا عند البعض لأن الحق سبحانه جعل ~~لخلقه شراكة في صفة الرزق، فغيره سبحانه يرزق أيضا، لكن هو خير ~~الرازقين لأنه يرزق الخلق بأصول الأشياء التي يرزقون منها غيرهم، فإن ~~كنت ترزق غيرك مثلا طعاما فهو سبحانه أصل هذا الطعام ومصدره. هو ~~سبحانه خالق التربة، وخالق الماء، وخالق الهواء، وخالق البذرة، وما عليك ~~إلا أن أعملت عقلك، واستخدمت الطاقات التي منحك الله إياها، فأخرجت ~~هذا الطعام، فلو أنك جئت لأهلك بحاجيات المطبخ ولوازم المعيشة طوال ~~الشهر من دقيق وسمن وأرز وسكر.. إلخ وقامت زوجتك وقامت زوجتك بإعداد ~~الطعام أتقول: إن الزوجة هي التي جاءت بالطعام؟ لذلك يقول العلماء وأهل ~~المعرفة: نزهوا ألسنتكم عن قول: فلان رازق، ودعوها لقول الله تعالى ~~لأنه سبحانه هو خالق الرزق، وواجد أصوله، وما أنت إلا مناول للغير. ~~وتلحظ أنه تعالى أضاف الخراج إلى الربوبية التي تفيد الرعاية والعناية ~~والتربية، فما دام الخراج خراج ربك يا محمد، فهو خراج كثير وعطاء لا ~~ينفد. ### || [23.73] # الصراط المستقيم: الطريق المعتدل الذي لا عوج فيه ولا أمتا، فكيف إذن ~~يتأبون عليك ويقفون في طريقك وأنت تدعوهم إلى الصراط المستقيم؟ وإن انتفع ~~بالصراط المعوج واحد فسوف ينتفع بالصراط المستقيم الملايين. ومن ذلك ما ~~سبق أن أوضحناه من أنه يجب عليك أن تنظر إلى ما أعطاه لك التشريع قبل أن ~~تنظر إلى ما أخذه منك، فالشرع حين يأخذ منك وأنت غني يعطيك وأنت فقير، ~~ويأمرك برعاية اليتيم ليرعى أولادك من بعدك إن تركتهم وهم صغار. فالشرع ~~- إذن - يؤمن حياتك ويجعلك تستقبل مقادير الله بالرضا لأنك في مجتمع ~~إيماني لن يتخلى عنك إن افتقرت، ولن يترك أولادك ms6817 إن تيتموا، فالمجتمع ~~الإيماني إن مات فيه الأب كان الجميع لليتيم آباء. أما إن ضاع اليتيم ~~في مجتمع الإيمان فإن ذلك يفتح الباب للسخط على قدر الله، ويغري ضعاف ~~الإيمان أن يقولوا: ما الحكمة في أن يأخذ أباهم ويتركهم عالة لا يتكفل ~~بهم أحد؟ ### || [23.74] # { الصراط.. } [المؤمنون: 74] هو الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى ~~الغاية بأقل مجهود، وفي أقل وقت ويوصلك إلى أفضل غاية. والطريق يأخذ حظه ~~من العناية والاهتمام بقدر الغاية الموصل إليها، فالطريق من القاهرة ~~إلى الإسكندرية غير الطريق بين القرى والنجوع. ومعنى: { لناكبون } ~~[المؤمنون: 74] يعني: منحرفون عن الطريق، ولهم حظ في الاعوجاج وعدم ~~الاستقامة لذلك يقول لك من يريد الصدق تعال دوغري يعني: من الطريق ~~المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا مراوغة. لكن، ما الذي جعلهم يتنكبون ~~الطريق المستقيم الذي ينظم لهم حركة الحياة، ويجعلها تتساند لا ~~تتعاند، ويعود مجهود الفرد على الباقين؟ لماذا يحرمون أنفسهم من مزايا ~~هذا الطريق؟ قالوا: لأنهم مكذبون بالآخرة، ولو لم يكونوا مكذبين بالآخرة ~~لآمنوا واتبعوا منهج الله لأنهم سيئولون إلى الله أيلولة، تعطي المحسن ~~جزاءه وتعطي المسيء جزاءه. فالذي أفسد هؤلاء أنهم اتبعوا أهواءهم، وظنوا ~~أن الدنيا هي الغاية وهي نهاية المطاف، وغفلوا عن الآخرة، وأنها دار ~~النعيم الحقيقي الذي لا يفوتك ولا تفوته. كما قال عنها الحق سبحانه ~~وتعالى: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64] يعني: الحياة الحقيقية. ثم يقول الحق سبحانه: { ولو ~~رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في ~~طغيانهم... }. ### || [23.75] # يعني: لو حدث هذا لعادوا إلى ما كانوا عليه، كما قال سبحانه في موضع ~~آخر: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه.. # [يونس: 12]. وليته اكتفى عند هذا الحد، إنما يتعدى هذا، كما جاء في ~~قوله تعالى: # وجعل لله أندادا.. # [الزمر: 8] يقول كما قال قارون: # إنمآ أوتيته على علم عندي.. # [القصص: 78] يعني: هذا بمجهودي وتعبي، وقد كلمت فلانا، وفعلت كذا وكذا. ~~لذلك ms6818 كان طبيعيا أن يقول له ربه: ما دمت قد أوتيته على علم عندك، ~~فاحفظه بعلم عندك قال تعالى: # فخسفنا به وبداره الأرض.. # [القصص: 81]. فأين الآن علمك؟ وأي علم هذا الذي لا يستطيع أن يحتفظ ~~بما أتى به؟ ومعلوم أن استنباط الشيء أصعب من حفظه وصيانته. ومعنى { ~~للجوا.. } [المؤمنون: 75] تمادوا { في طغيانهم.. } ~~[المؤمنون: 75] والطغيان: مجاوزة الحد لأن الله تعالى جعل لكل شيء في ~~الوجود حدا مرسوما لا ينقص ولا يزيد، فإن اتبعت هذا الحد الذي ~~رسمه الله لك استقمت واستقامت حركة حياتك بلا منازع، ولو طغى الشيء ~~أفسد حركة الحياة، حتى لو كان الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي، لو ~~طغى يغرق ويدمر بعد أن كان سر الحياة حال اعتداله. ومنه قوله سبحانه: # إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية # [الحاقة: 11]. ويقال لمن جاوز الحد: طاغية بتاء التأنيث الدالة على ~~المبالغة، فإن تجاوز هذه أيضا نقول: طاغوت. ثم تأتي نتيجة التمادي في ~~الطغيان { يعمهون } [المؤمنون: 75] يعني: يتحيرون ويعمون عن ~~الرشد والصواب، فلا يميزون بين خير وشر. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم... ~~}. ### || [23.76] # استكان فلان لا تقال إلا لمن كان متحركا حركة شريرة، ثم هدأ وسكن، ~~نقول: فلان انكن أو استكان وأصلها كون فالمعنى: طلب وجودا جديدا غير ~~الوجود الذي كان عليه، أو حالا غير الحال الذي كان عليه أولا، فقبل أن ~~يستكين ويخضع كان لا بد متمردا على ربه. والوجود نوعان: وجود أولي ~~مطلق، ووجود ثان بعد الوجود الأولي، كما نقول مثلا: ولد زيد يعني ~~وجد زيد وجودا أوليا، إنما على أي هيئة وجد؟ جميلا، قبيحا.. هذه ~~تحتاج إلى وجود آخر، تقول: كان زيد هكذا فعل وفاعل لا يحتاج إلى إخبار ~~آخر لأنها للوجود الأول، لكن حين نقول: كان زيد مجتهدا، فهذا هو الوجود ~~الثاني وهو الاجتهاد، وهو وجود ناتج عن الوجود الأول. فكان الأولى هي كان ~~التامة التي وردت في قوله تعالى: # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة.. # [البقرة: 280] أي: وجد ذو ms6819 عسرة، ولا تحتاج في هذه الحالة إلى خبر. ~~ونقول: تمنى فلان على الله أن يوجد له ولد، فكان محمد، يعني: وجد. ~~أما كان الناقصة فتحتاج إلى خبر لأن كان فعل يدل على زمان الماضي، ~~والفعل لا بد أن يدل على زمن وحدث لذلك لا بد لها من الخبر الذي ~~يعطي الحدث تقول: كان زيد مجتهدا، فجاء الخبر ليكمل الفعل الناقص، فكأنك ~~قلت: زيد مجتهد. ومعنى { فما استكانوا لربهم.. } ~~[المؤمنون: 76] أن خضوعهم واستكانتهم لم تكن لأنفسهم ولا للناس، إنما ~~استكانة لله بأخذ أوامره بمنتهى الخضوع وبمنتهى الطاعة، لكنهم ما فعلوا ~~وما استكانوا، لا في حال الرحمة وكشف الضر، ولا في حال الأخذ ~~والعذاب، وكان عليهم أن يعلموا أن الله غير حاله معهم، ومقتضى ذلك أن ~~يغيروا هم أيضا حالهم مع الله، فيستكينوا لربهم ويخضعوا لأوامره. { ~~وما يتضرعون } [المؤمنون: 76] الضراعة: هي الدعاء والذلة ~~والخضوع لمن أخذ بيدك في شيء، كما جاء في قوله تعالى: # فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا.. # [الأنعام: 43] يعني: لجئوا إلى الله وتوجهوا إليه بالدعاء والاستغاثة. ### || [23.77] # لقد فشلت معهم كل المحاولات، فما أجدت معهم الرحمة واستمروا على ~~غلوائهم، وما أجدى معهم العذاب وما استكانوا بعد أن أخذهم الله به، ~~إذن: لم يبق لهم حجة ولا أمل في النجاة، ففتح الله عليهم { بابا ~~ذا عذاب شديد.. } [المؤمنون: 77] يعني: أصابتهم محنة كأنهم من ~~وراء باب مغلق تفاجئهم { إذا هم فيه مبلسون } [المؤمنون: ~~77] آيسون من النجاة متحسرون على ما فاتهم. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة... }. ### || [23.78] # الحق - سبحانه وتعالى - يقول: خلقت عبادي من عدم، وأمددتهم بأقوات ~~الحياة ومقوماتها من عدم، ثم جعلت لهم منهجا ينظم حركة حياتهم ويصون ~~بنيتهم، لأن صاحب الصنعة أعلم بصنعته، وأعلم بما يصلحها، ويعرف غايتها ~~التي خلقها من أجلها، فالذي صنع الثلاجة مثلا هل صنعها أولا ثم قال ~~لنا: انظروا في أي شيء تفيدكم هذه الآلة؟ لا، إنما قبل أن يصنعها حدد ~~مهمتها، والغاية منها، وكذلك خلق الله، ولله المثل الأعلى. والذي ms6820 خلق ~~وحدد الغاية أعلم بقانون الصيانة الذي يحمي صنعته من الفساد، ويجعلها ~~تؤدي مهمتها على أكمل وجه، فإن خالفت قانون الصيانة الذي وضعه لك ربك ~~تفسد حياتك وتتعطل عن أداء مهمتك التي خلقت لها، وهي عبادة الله وحده لا ~~شريك له: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. لذلك أمركم إن اختلفتم في شيء أن تردوه إلى الله وإلى ~~الرسول، كما ترد الآلة إلى صانعها العالم بطبيعتها وبمواطن الخلل فيها، ~~ونستنبط من هذه المسألة: إذا رأيت خللا في الكون أو فسادا في ناحية من ~~نواحيه، وإذا رأيت عورة من العورات قد ظهرت فاعلم أن حكما لله قد ~~عطل. فمثلا إن رأيت فقيرا جائعا عاريا فإما أنه قادر على العمل ~~لكنه قعد عن السعي وخالف قوله تعالى: # فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور # [الملك: 15] أو: أن القادرين العاملين حرموه حقه الذي جعله الله له في ~~أموالهم، وخالفوا قوله تعالى: # وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 19]. لذلك، فالحق - سبحانه وتعالى - يجري على عباده من ~~المقادير ما يحفظ لهم توازن الحياة ويسد حاجة المحتاجين، كما نرى ~~مثلا أحد الأثرياء يترك بلده، وينتقل إلى بلد آخر يضع فيها أمواله ~~وثرواته، وليس هناك سبب لهذه النقلة إلا أنها خاطر سلطه الله عليه ~~ليحفظ به توزيع المال في المجتمع، ولو حسبتها لوجدت أن هذا المكان زادت ~~فيه حصيلة الزكاة عن حاجة المحتاجين، فانتقل إلى بلد آخر قلت فيه ~~الأموال عن حاجة الفقراء والمحتاجين. وبعد ذلك لم يتركك ربك، بل عرض لك ~~الآيات التي تلفتك إليه، وتحننك إلى التعرف عليه، وهي إما آيات ~~كونية عجيبة تدل على قدرة الله تعالى، أو معجزات تثبت صدق الأنبياء في ~~البلاغ عن الله لأن الله تعالى لا يخاطب عباده كل واحد بمفرده، إنما يرسل ~~رسولا ليبلغهم ثم يؤيده بالمعجزة الدالة على صدقه في البلاغ. ~~فحين تنظر في آيات الكون وتستدل بها على وجود خالق قادر لكنك لا تعرف ~~من هو هذا الخالق يأتي الرسول ليقول لك: إنه الله، وقد ms6821 ضربنا لذلك ~~مثلا - ولله المثل الأعلى: هب أن أحدا دق الباب ونحن جلوس بالداخل ~~فما الذي يحدث؟ نتفق نحن جميعا على أن طارقا بالباب. # لكن من هو؟ لا أحد يعلم. فالاتفاق هنا في التعقل، وأن هناك قوة خلف ~~الباب تدقه، لكن من هو؟ وماذا يريد؟ لا بد لمعرفة هذه المسائل من ~~بلاغ عن هذه القوة، وإياك أن تقول بالظن: هذا فلان وأنا أقول هذا فلان، ~~إنما علينا أن ننتظر البلاغ منه لنعرف من هو، وما عليك إلا أن تقول: ~~من بالباب وسوف يخبرك هو عن نفسه، وعن سبب مجيئه، وماذا يريد. ثم بعد ~~ذلك تأتي الآيات التي تحمل منهج الله، وتخبرك أنه يريد منك كذا وكذا. ~~الشاهد: أن هذه الآيات كلها تحتاج إلى وسائل لإدراكها، تحتاج إلى سمع ~~وبصر لنراها ونسمعها، ثم تحتاج إلى عقل لنفكر فيها ونتأملها لذلك يقول ~~سبحانه: { وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة.. } [المؤمنون: 78]. السمع والبصر من الحواس التي سماها ~~العلماء احتياطا الحواس الخمس الظاهرة أي: أن هناك حواس أخرى لم ~~يكتشفوها، وفعلا اكتشفها العلم بعد ذلك كحاسة العضل التي تميز بها ~~الثقل، وحاسة البين التي تميز بها الغليظ من الرقيق في الثياب مثلا، ~~فهذه الأشياء لا تستطيع التعرف عليها بالحواس الخمس المعروفة. وعمدة ~~الحواس: السمع والبصر لأنه إذا جاءني رسول يبلغني عن الله لا بد أن ~~أسمع منه، فإن كنت مؤمنا بإله فقد اكتفيت بحاسة السمع، وإن كنت غير ~~مؤمن تحتاج إلى بصر لتبصر به آياته الدالة على وجوده وقدرته، وتستدل ~~بالصنعة على الصانع، وبالخلقة على الخالق، وتقف على ما في كون الله ~~من الدقة والإحكام والهندسة والإبداع. وهذه مهمة العقل بعد أن تحولت ~~المسموعات والمرئيات إلى قضايا ومبادئ عقلية تحكم حياتك، كما لو رأيت ~~النار بعينك ثم لمستها بيدك فأحرقتك فتكونت لديك قضية عقلية مؤداها ~~أن النار لها خاصية الإحراق فلا تلمسها بعد ذلك، وهذه تراها حتى في الطفل ~~الصغير حينما يعجبه قرن الشطة مثلا فيقضمه فيشعر بحرارته وألمه. فإن رآه ~~بعد ذلك ms6822 يقول أوف، فهذه اللفظة بالنسبة للطفل قضية عقلية تكونت لديه ~~نتيجة تجربة استقرت في فؤاده، وأخذها مبدأ يسير عليه في كل حياته، ~~وهكذا من المحسات ومن تجارب الحياة تتكون لديك قضايا عقلية تستفيد بها ~~فيما بعد. إذن: من وسائل الإدراك تتكون المبادئ والقضايا التي يأخذها ~~العقل، ويفاضل بينها حتى ينتهي إلى قضية ومبدأ يستقر في القلب ونسميها ~~عقيدة يعني: شيء معقود عليه لا ينحل. وحين تتأمل حديث القرآن عن الحواس ~~تجده يرتبها دائما هذا الترتيب: السمع والبصر والفؤاد لأنها عمدة ~~الحواس، فالشم مثلا والتذوق واللمس لا نحتاج إليه إلا قليلا، أما ~~السمع والبصر فعليهما تقوم مسألة الدعوة: السمع لسماع البلاغ، والبصر ~~لنرى آيات الله الدالة على قدرته تعالى. وقد أثبت العلم الحديث هذا ~~الترتيب للسمع والبصر والفؤاد مما يدل على أنه ترتيب من خالق عن حكمة ~~وعلم وقدرة، بحيث لا يأتي واحد منها قبل الآخر، كما أثبت علماء وظائف ~~الأعضاء صدق هذا الترتيب، فأول أداة تؤدي مهمتها في الإنسان هي الأذن ~~ثم العين، وتعمل من ثلاثة إلى عشرة أيام من الولادة، ثم من السمع والبصر ~~توجد القضايا التي يعمل فيها العقل. # إذن: فهذا ترتيب خلقي وتكويني. كما أن السمع وهو أول حاسة تؤدي ~~مهمتها في الإنسان هو أيضا الإدراك الوحيد الذي يصاحب الإنسان في كل ~~أطواره، فالأذن تسمع مثلا حتى في حالة النوم على خلاف العين ذلك لأن ~~بالسمع يتم الاستدعاء، لذلك تظل تؤدي مهمتها حتى في حال النوم. كما أن ~~العين لا ترى في الظلام ولها غطاء طبيعي ومغاليق تحجب الرؤية، وليست ~~الأذن كذلك، فالصوت إذا خرج تسمعه جميع الآذان، أما المرئي فقد يوجد معك ~~في نفس المكان ولا تراه وقد يراه غيرك، إذن: فالمسموع واحد والمرائي ~~متعددة، لذلك قال سبحانه: { السمع والأبصار.. } [المؤمنون: 78]. ~~فليس لك خيار في السمع، لكن لك خيار في الرؤية، فالمبصرات تتعدد بتعدد ~~الأبصار، لكن السمع لا يتعدد بتعدد الأسماع. لذلك من إعجازات البيان ~~القرآني في قصة أهل الكهف أن الله تعالى ضرب على آذانهم ms6823 في الكهف ليناموا ~~ولا تزعجهم الأصوات في هذه الصحراء الدوية، ولو بقي لهم السمع كشأن ~~الخلق جميعا لما استقر لهم قرار طوال هذه الفترة الطويلة، ولأفزعتهم ~~الأصوات. يقول الحق سبحانه وتعالى: # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا # [الكهف: 11]. كذلك من آيات الإعجاز في القرآن الكريم أن جميع الآيات ~~التي ذكرت السمع والبصر ذكرته بهذا الترتيب: السمع والأبصار، إلا في ~~آية واحدة في موقف القيامة قالوا: # ربنآ أبصرنا وسمعنا.. # [السجدة: 12]. فقدم البصر على السمع لأن في القيامة تفجؤهم المرائي ~~أولا قبل أن تفجأهم الأصوات، وهذه من مظاهر الدقة في الأداء القرآني ~~المعجز. وكأن الحق سبحانه يقول: لا عذر لك عندي فقد أعطيتك سمعا ~~لتسمع البلاغ عني من الرسول، وأعطيتك عينا لتلتفت إلى آيات الكون، ~~وأعطيتك فؤادا تفكر به، وتنتهي إلى حصيلة إيمانية تدلك على وجود ~~الخالق عز وجل. إذن: ما أخذتك على غرة، ولا خدعتك في شيء، إنما ~~خلقتك من عدم، وأمددتك من عدم، ورتبت لك منافذ الإدراك ترتيبا ~~منطقيا تكوينيا، فأي عذر لك بعد ذلك.. وإياكم بعد هذا كله أن تشغلكم ~~الأهواء، وتصرفكم عن البلاغ الذي جاءكم على لسان رسولنا. والمتأمل في ~~تركيب كل من الأذن والعين يجد فيهما آيات ومعجزات للخالق - عز وجل - ما ~~يزال العلماء لم يصلوا رغم تقدم العلوم إلى أسرارها وكنهها. ثم يقول ~~سبحانه في ختام الآية: { قليلا ما تشكرون } [المؤمنون: 78] لأن ~~هذه نعم وآلاء وآيات لله، كان ينبغي أن تشكر حق الشكر. # البعض يقول في معنى { قليلا ما تشكرون } [المؤمنون: 78] أنه ~~تعالى عبر عن عدم الشكر بالقلة، وهذا الفهم لا يستقيم هنا لأن الله ~~تعالى أثبت لعباده شكرا لكنه قليل، وربك - عز وجل - يريد شكرا دائما ~~يصاحب كل نعمة ينعم بها عليك، فساعة ترى الأعمى الذي حرم نعمة البصر ~~يتخبط في الطريق تقول الحمد لله، تقولها هكذا بالفطرة لأنك تعيش وتتقلب ~~في نعم الله، لكن لا تتذكرها إلا حين ترى من حرم منها. لذلك، إن ~~أردت أن تدوم لك النعمة فاعقلها بذكر الله المنعم ms6824 قل عند النعمة، ~~أو عند رؤية ما يعجبك في أهل أو مال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، ~~ألا ترى أن الله تعالى جعل الحسد لينبهنا: إن أردت صيانة النعمة فلا ~~تنس المنعم لأنه وحده القادر على حفظها وصيانتها، كما نشتري الآن ~~آلة، ونتفق مع صانعها على صيانتها صيانة دورية مقابل أجر معين. كذلك إن ~~قلت عند النعمة: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فلن ترى فيها سوء ~~أبدا، لأنك أيقظت ب " ما شاء الله لا قوة إلا بالله " قانون صيانتها، ~~وجعلت حفظها إلى من صنعها. ولا يصاب الإنسان في النعمة إلا إذا غفل ~~عن المنعم وترك الشكر عليها. وأذكر أنه كان في قريتنا رجل من أهل ~~الفهم عن الله، وكان يملك ثلث فدان يزرعه المزروعات التقليدية، وفي أحد ~~الأعوام زرعه قطنا، فجاءت عليه الدودة وكادت تهلكه، فكلمه والدي في ~~مسألة الدودة هذه فقال له: يا عم متولي لا تقلق فأنا أؤدي صيانتها يعني: ~~أخرج منها الزكاة. ثم يقول الحق سبحانه: { وهو الذي ذرأكم ~~في الأرض... }. ### || [23.79] # { ذرأكم.. } [المؤمنون: 79] بثكم ونشركم في أنحاء الأرض لتعمر ~~كلها، وتعجب حين ترى أناسا متشبثين بالجبال والصحراء القفر الجرداء، ولا ~~يرضون بها بديلا، ويتحملون في سبيل البقاء بها العنت والمشقة، حتى إنك ~~لتقول: لماذا لا يتركون هذا المكان إلى مكان خصب. وقد رأينا مثل هؤلاء ~~الذين صبروا على أقدار الله في بلادهم، رأيناهم في اليمن بعد أن أغرقها ~~سيل العرم، وكانت تسمى " اليمن السعيد " ورأيناهم في السعودية وفي ~~الكويت، وحكى لنا أهل هذه البلاد ما كانوا فيه من الضيق وقسوة الحياة، ثم ~~جاءتهم عاقبة صبرهم، وجعل الله - سبحانه وتعالى - هذه الجبال وهذه ~~الصحراوات أغنى بلاد الدنيا لأنهم رضوا في الأولى بقضاء الله، فأبدلهم ~~بصبرهم على لأواء الصحراء نعيما، لو حرم منه المنعمون في الدنيا ~~لماتوا من البرد. ذلك لأن الخالق - عز وجل - نثر خيراته في كل أنحاء ~~الأرض بالتساوي، فكل قطعة طولية من الأرض فيها من الخيرات مثل ما في ~~القطعة الأخرى، ms6825 وفي يوم من الأيام كان أصحاب الزرع هم أصحاب المال وأصحاب ~~السيادة، ثم تغيرت هذه الصورة بظهور خيرات أخرى غير الزراعة، فالخيرات ~~- إذن - مطمورة في أنحاء الأرض لكن لها أوان تظهر فيه. إذن: فبث ~~الخليقة ونشرها في أنحاء الأرض له حكمة أرادها الخالق عز وجل. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { وإليه تحشرون } [المؤمنون: 79] يعني: لا تفهموا ~~أنكم بنشركم في الأرض وتفريقكم فيها أنكم تفلتون منا، أو أننا لا نقدر ~~على جمعكم مرة أخرى، فكما نشرناكم لحكمة نجمعكم لحكمة لا يخرج من أيدينا ~~أحد. ثم يقول الحق سبحانه: { وهو الذي يحيي ويميت وله ~~اختلاف... }. ### || [23.80] # { يحيي ويميت.. } [المؤمنون: 80] فعلان لا بد أن ينشآ بعد ~~وجود الحياة ووجود الموت، فالخالق - عز وجل - يوجد الحياة أولا، ويوجد ~~الموت، ثم يجري حدثا منهما على ما يريده. والحياة سبقت الموت في كل ~~الآيات، إلا في آية واحدة في سورة تبارك: # الذي خلق الموت والحياة.. # [الملك: 2] وعلة ذلك أن الله تعالى يعطي للإنسان بالحياة إرادة ~~تنشىء الحركة في كل أجهزته، ولك أن تتأمل: ما الذي تفعله إن أردت أن ~~تقوم من مكانك؟ ماذا تفعل إن أردت تحريك يدك أو قدمك؟ إنها مجرد إرادة ~~وتتحرك أعضاؤك دون أن تدري أو تجهد نفسك للقيام بهذه الحركات، ودون أن ~~تباشر أي شيء. إذن: بمجرد إرادتك تنفعل لك الجوارح وأنت مخلوق لربك، فإذا ~~كان المخلوق يفعل ما يريد بلا معالجة، فكيف نستبعد هذا في حقه - سبحانه ~~وتعالى - ونكذب أنه يقول للشيء: كن فيكون، مع أننا نفعل ما نريد ~~بجوارحنا بمجرد الإرادة، ودون أن نأمرها بشيء أو نقول شيئا، والله ~~سبحانه وتعالى يقول للشيء: كن فيكون، وأنت تفعل دون أن تقول. وقد قدم ~~الحق سبحانه الموت في هذه الآية: # الذي خلق الموت والحياة.. # [الملك: 2] لأن الحياة ستورث الإنسان غرورا في سيطرة إرادته على ~~جوارحه فيطغى، فأراد ربه - عز وجل - أن ينبهه: تذكر أنني أميت ليستقبل ~~الحياة ومعها نقيضها، فيستقيم في حركة الحياة. وصفة الخلق والإماتة ~~صفات لله قديمة قبل أن يخلق شيئا ms6826 أو يميت شيئا لأنها صفات ثابتة لله ~~قبل أن يباشر متعلقات هذه الصفات كما قلنا، ولله المثل الأعلى: الشاعر ~~حين يقول قصيدة قالها لأنه شاعر ولا نقول: إنه شاعر لأنه قال هذه ~~القصيدة، فلولا صفة الشعر فيه ما قال. وكما أن الحياة مخلوقة، فالموت ~~كذلك مخلوق، وقد يقول قائل: إذا أطلقت رصاصة على شخص أردته قتيلا ~~فقد خلقت الموت. نقول: الحمد لله أنك لم تدع الإحياء واكتفيت بالموت، ~~لكن فرق بين الموت والقتل، القتل نقض للبنية يتبعه إزهاق للروح، ~~أما الموت فتخرج الروح أولا دون نقض للبنية. لذلك يقول سبحانه: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم.. # [آل عمران: 144]. والنمرود الذي حاج إبراهيم - عليه السلام - في ربه ~~أمر بقتل واحد وترك الآخر، وادعى أنه أحيا هذا، وأمات هذا، وكانت منه ~~هذه الأعمال سفسطة لا معنى لها، ولو كان على حق لأمر بإحياء هذا الذي ~~قتله لذلك قطع عليه إبراهيم - عليه السلام - هذا الطريق ونقله إلى مجال ~~آخر لا يستطيع المراوغة فيه. إذن: هدم البنية يتبعه خروج الروح لأن ~~للروح مواصفات خاصة، بحيث لا تحل إلا في بنية سليمة، وقد أوضحنا هذه ~~المسألة - ولله المثل الأعلى - بلمبة الكهرباء، فقوة الكهرباء كامنة في ~~الأسلاك لا نرى نورها إلا إذا وضعنا اللمبة مكانها، ويكون لها مواصفات ~~بحيث لا تضيء إلا إذا توفرت لها هذه الصفات، فإن كسرت ينطفىء نورها. # ثم يقول تعالى: { وله اختلاف الليل والنهار.. } ~~[المؤمنون: 80] الليل يحل بغياب الشمس وحلول الظلمة التي تمنع رؤية ~~الأشياء، وقديما كانوا يظنون أن الرؤية تتم حين يقع شعاع من العين على ~~المرئي، ثم جاء العالم المسلم الحسن بن الهيثم، فأثبت خطأ هذه النظرية، ~~وقرر أن الرؤية تتم حين يقع شعاع من المرئي على العين فتراه، بدليل أنك ~~لا ترى الشيء إن كان في الظلام. وظلمة الليل تنبهنا إلى أهمية الضوء ~~الذي لا بد منه لنهتدي إلى حركة الحياة، والإنسان يواجه خطورة إن سار ~~في الظلام لأنه ms6827 إما أن يصطدم بأضعف منه فيحطمه، أو بأقوى منه فيؤلمه ~~ويؤذيه. إذن: لا بد من وجود النور لتتم به حركة الحياة والسعي في ~~مناكب الأرض، وكذلك لا بد من الظلمة التي تمنع الإشعاع عن الجسم، ~~فيستريح من عناء العمل، وقد أثبت العلم الحديث خطر الإشعاعات على صحة ~~الإنسان. لذلك يقول تعالى: { وله اختلاف الليل والنهار.. ~~} [المؤمنون: 80] فجعلهما يختلفان ويتعاقبان ليؤدي كل منهما وظيفته في ~~الكون، يقول تعالى: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى # [الليل: 1-2] وطالما أن لكل منهما مهمته، فإياك أن تقلب الليل إلى نهار، ~~أو النهار إلى ليل لأنك بذلك تخالف الطبيعة التي خلقك الله عليها، وانظر ~~إلى هؤلاء الذين يسلكون هذا المسلك فيسهرون الليل حتى الفجر، وينامون ~~النهار حتى المغرب، وكم أحدثوا من فساد في حركة الحياة، فالتلميذ ينام في ~~الدرس، والعامل ينام ويقصر في أداء عمله. والنبي صلى الله عليه وسلم ~~ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله: # "... أطفئوا المصابيح إذا رقدتم " # لأن الجسم لا يأخذ راحته، ولا يهدأ إلا في الظلمة، فيصبح الإنسان قويا ~~مستريحا نشيطا، واقرأ قول الله تعالى: # وجعلنا اليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا # [النبأ: 10-11]. ومن دقة الأداء القرآني أن يراعي هؤلاء الذين يعملون ~~ليلا، وتقتضي طبيعة أعمالهم السهر، مثل رجال الشرطة وعمال المخابز ~~وغيرهم، فيقول تعالى: # ومن آياته منامكم باليل والنهار.. # [الروم: 23] فالليل هو الأصل، والنهار لمثل هؤلاء الذين يخدمون المجتمع ~~ليلا لذلك عليهم أن يجعلوا من النهار ليلا صناعيا، فيغلقوا النوافذ ~~ويناموا في مكان هادئ ليأخذ الجسم حظه من الراحة والهدوء. إذن: الليل ~~والنهار ليسا ضدين، إنما هما خلقان متكاملان لا متعاندان، وهما ~~كالذكر والأنثى، يكمل كل منها الآخر، لا كما يدعي البعض أنهما ضدان ~~متقابلان لذلك بعد أن أقسم الحق سبحانه بالليل إذا يغشى، وبالنهار إذا ~~تجلى، قال: # وما خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى # [الليل: 3-4] فالليل والنهار كالذكر والأنثى لكل منهما مهمة في حركة ~~الحياة. واختلاف الليل والنهار من حيث الضوء والظلمة والطول والقصر ~~وفي اختلاف الأماكن، فالليل ms6828 لا ينتظم الكون كله، وكذلك النهار، فحين يكون ~~عندك ليل فهو عند غيرك نهار، يقول تعالى: # يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل.. # [فاطر: 13]. وينتج عن هذا تعدد المشارق والمغارب بتعدد الأماكن بحيث ~~كل مشرق يقابله مغرب، وكل مغرب يقابله مشرق، لدرجة أنهم قالوا: ينشأ ~~ليل ونهار في كل واحد على مليون من الثانية. وينشأ عن هذا كما قلنا ~~استدامة ذكر الله على مدى الوقت كله، بحيث لا ينتهي الأذان، ولا تنتهي ~~الصلاة في الكون لحظة واحدة، فأنت تصلي المغرب، وغيرك يصلي العشاء.. ~~وهكذا. إذن: فالحق سبحانه يريد أن يكون مذكورا في كل الكون بجميع أوقات ~~الصلاة في كل وقت. حتى إن أحد الصوفية وأهل المعرفة يقول مخاطبا الزمن: ~~يا زمن وفيك كل الزمن. يعني: يا ظهر وفيك عصر ومغرب وعشاء وفجر، لكن عند ~~غيري. ومن اختلاف الليل والنهار ينشأ أيضا الصيف الحار والشتاء البارد، ~~والحق سبحانه وتعالى كلف العبيد كلهم تكليفا واحدا كالحج مثلا، وربط ~~العبادات كلها بالزمن الهجري، فالصيف والشتاء يدوران في الزمن، ويتضح هذا ~~إذا قارنت بين التوقيت الهجري والميلادي، وبذلك من لم يناسبه الحج في ~~الصيف حج في الشتاء لأن اختلاف التوقيت القمري يلون السنة كلها بكل ~~الأجواء. لذلك قالوا: إن ليلة القدر تدور في العام كله لأن السابع ~~والعشرين من رمضان يوافق مرة أول يناير، ومرة يوافق الثاني، ومرة يوافق ~~الثالث، وهكذا. ومن اختلاف الليل والنهار أنهما خلفة، كما قال تعالى: # وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر أو أراد شكورا # [الفرقان: 62]. فنحن نرى الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لكن ~~احكم القضية في كل أطوار زمنها، فما دام الحق - سبحانه وتعالى - جعل ~~الليل والنهار خلفة، فلا بد أن يكون ذلك من بداية خلقهما، فلو وجد ~~الليل أولا ثم وجد النهار، فلا يكون الليل خلفة لأنه لم يسبقه شيء، ~~فهذا يعني أنهما خلقا معا، فلما دار الزمن خلف بعضهما الآخر، وهذا لا ~~ينشأ إلا إذا كانت الأرض مكورة، بحيث يجتمع فيها ms6829 الليل والنهار في وقت ~~واحد، فالذي واجه الشمس كان نهارا، والذي واجه الظلمة كان ليلا. ثم ~~يقول سبحانه: { أفلا تعقلون } [المؤمنون: 80] لأن هذه المسائل ~~كان يجب أن تعقلوها خاصة، وقد كانت اختلافات الأوقات مبنية على التعقل، ~~أما الآن فهي مبنية على النقل، حيث تقاربت المسافات، وصرنا نعرف فارق ~~التوقيت بيننا وبين جميع أنحاء العالم بالتحديد. # كذلك كان الناس في الماضي ينكرون نظرية كروية الأرض، حتى بعد أن التقطوا ~~لها صورا أظهرت كرويتها وجدنا من مفكرينا من ينكر ذلك. ونقول: لماذا نقف ~~هذا الموقف من نظريات ثابتة قد سبق قرآننا إلى هذا القول؟ ولماذا نعطي ~~الآخرين فكرة أن ديننا يغفل هذه المسائل، مع أنه قد سبق كل هذه ~~الاكتشافات؟ ولو تأملت قوله تعالى: # وهو الذي مد الأرض.. # [الرعد: 3] لوجدت فيه الدليل القاطع على صدق هذه النظرية لأن الأرض ~~الممدودة هي التي لا تنتهي إلى حافة، وهذا لا يتأتى إلا إذا كانت الأرض ~~كروية بحيث تسير فيها، لا تجد لها نهاية حتى تصل إلى الموضع الذي منه ~~بدأت، ولو كانت الأرض على أي شكل آخر غير الكروي مثل المربع أو المستطيل ~~لكان لها نهاية. لكن لم تتوفر لنا في الماضي الآلات التي توضح هذه ~~الحقيقة وتظهرها. إذن: الحق سبحانه في قوله: { أفلا تعقلون } ~~[المؤمنون: 80] ينبهنا إلى ضرورة إعمال العقول في المسائل الكونية لأنها ~~ستوفر علينا الكثير في الطريق إلى الله عز وجل، ولماذا يعمل الإنسان ~~عقله ويتفنن مثلا في ارتكاب الجرائم فيرتب لها ويخطط؟ لكن الله ~~تعالى يكون له بالمرصاد فيوقعه في مزلق، فيترك وراءه منفذا لإثبات ~~جريمته، وثغرة توصل إليه لذلك يقول رجال القضاء: ليست هناك جريمة ~~كاملة، وهذه مهمة القاضي أو المحقق الذي يحاور المجرم ليصل إلى هذه ~~الثغرة. وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يقول: لقد استخدمت عقلك فيما لا ~~ينبغي، وسخرته لشهوات نفسك، فلا بد أن أوقعك في مزلق ينكشف فيه ~~أمرك، فإن سترتها عليك مرة فإياك أن تتمادى، أو تظن أنك أفلت بعقلك ~~وترتيبك وإلا أخذتك ولو بجريمة لم ms6830 تفعلها لأنك لا تستطيع أن ترتب ~~بعقلك على الله، وعدالته سبحانه فوق كل ترتيب. كما لو فضح إنسان بأمر ~~هو منه بريء، ولحقه الأذى والضرر بسبب هذه الإدانة الكاذبة، فتأتي عدالة ~~السماء فيستر الله عليه فضيحة فعلها جزاء لما قد أصابه في الأولى، وهذه ~~مسألة لا يفعلها إلا رب. والحق - سبحانه وتعالى - حينما ينبه العقل ~~ويثيره: تفكر، تدبر، تعقل، ليدرك الأشياء الكونية من حوله، فهذا دليل ~~على أنه سبحانه واثق من صنعته وإبداعه لكونه لذلك يثير العقول للبحث ~~وللتأمل في هذه الصنعة. وهذه المسألة نلاحظها فيمن يعرض صنعته من ~~البشر، فالذي يتقن صنعته يعرضها ويدعوك إلى اختبارها والتأكد من جودتها ~~على خلاف الصنعة الرديئة التي يلفها لك صانعها، ويصرفك عن تأملها حتى لا ~~تكشف عيبها. فحين ينبهك ربك إلى التأمل في صنعته فعليك أن تدرك المغزى ~~من هذه الإثارة لتصل إلى مراده تعالى لك. ثم يقول الحق سبحانه: { بل ~~قالوا مثل ما قال... }. ### || [23.81] # أي: لم يتعظوا بكل هذه الآيات، بل قالوا مثلما قال الألون: { قالوا ~~أإذا متنا وكنا ترابا... }. ### || [23.82] # وسواء أكان هذا قولهم أو قول سابقيهم من الأولين، فقد كان الشك عند ~~الذين عاصروا الدعوة المحمدية في مسألة البعث من الموت، وكل كلامهم يؤدي ~~إلى ذلك، فهم تعجبوا من حدوث هذا الأمر. ولذلك قال قائلهم: # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم # [يس: 78-97]. ### || [23.83] # أتظنون أن الله تعالى إذا وعدكم بالموت ثم بالبعث أن هذا سيكون في ~~الدنيا؟ لذلك تقولون: وعدنا بهذا من قبل ولم يحدث، وقد مات منا ~~كثيرون ولم يعودوا ولم يبعثوا، فمن قال لكم إنكم ستموتون اليوم ~~وتبعثون غدا؟ البعث لا يكون إلا بعد أن يموت جميع الخلق، ثم يبعثوا ~~كلهم مرة واحدة. إذن: هذا الكلام منهم مجرد سفسطة وجدل لا معنى له. وكلمة ~~{ وعدنا.. } [المؤمنون: 83] يعني بالبعث، والوعد عادة يكون بالخير، ~~كما أن الوعيد يكون بالشر، كما جاء في ms6831 قول الشاعر: # وإني إذا أوعدته أو وعدته # لمخلف إيعادي ومنجز موعدي # يعني: هو رجل كريم يترك الشر الذي توعد به، ويفعل الخير الذي وعد به، ~~وإن قال العلماء: قد يستعمل هذا مكان هذا. لكن، هل الوعد للكفار بالبعث ~~وما يتبعه من عذاب وعقاب يعد وعدا؟ قالوا: نعم يعد هذا الشر وهذا ~~العذاب الذي ينتظر وعدا بالخير لأنه ينبههم ويلفتهم إلى خطورته حتى ~~لا يقعوا فيه إذن: هو خير لهم الآن حيث يحذرهم كما تحذر ولدك من ~~الرسوب إن أهمل في دروسه. ومن ذلك أيضا في هذه المسألة ما أشرنا إليه ~~من تكرار قوله تعالى: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13] في سورة الرحمن، وأنها جاءت بعد ذكر نعم الله على سبيل ~~التوبيخ لمن أنكر هذه النعم أو كذب بها، وتكررت مع كل نعمة تأكيدا ~~لهذا التوبيخ، لكن العجيب أن تذكر هذه الآية حتى بعد النقم أيضا، كما في ~~قوله تعالى: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36]. وهل في النار والشواظ نعمة؟ نقول: نعم فيها نعمة ~~لأنها نصيحة لك قبل أن تقع في هذا المصير وتحذير لك في وقت التدارك حتى ~~تراجع نفسك. وقولهم: { إن هذآ إلا أساطير الأولين } ~~[المؤمنون: 83] { إن هذآ.. } [المؤمنون: 83] يعني: ما هذا. وأساطير ~~جمع أسطورة مثل: أعاجيب وأعجوبة، وهناك من يقول: إن أساطير جمع سطر ~~أسطار أساطير مثل شكل وأشكال، فهي جمع للجمع. وسواء أكانت جمع أسطورة ~~أو جمع سطر، فالمعنى لا يختلف لأن الشيء المسطور قد يعتبره الناس خرافة ~~وكلاما لا معنى له. والأساطير هي الكلام المكذوب الذي لا أصل له، فلا ~~يسمى الكلام أسطورة إلا إذا جاء وقته ولم يحدث، فلك أن تقول أساطير ~~إنما البعث الذي تقولون عنه { أساطير الأولين } [المؤمنون: 83] ~~لم يأت وقته بعد، فلم يمت جميع الخلق حتى يبعثوا، فقد أخطأتم التوقيت ~~وظننتم أنكم في الدنيا تموتون وتبعثون هكذا على رؤوس الأشهاد، والناس ما ~~زالت في سعة الدنيا. إذن: ليس البعث كما تقولون، بل هو ms6832 حق، ولكنكم لم ~~تضعوا له الكلمة المناسبة لذلك يوجه إليهم هذه الأسئلة التقريرية التي ~~تقيم عليهم الحجة: { قل لمن الأرض ومن فيهآ... }. ### || [23.84] # ويأتي في السؤال بإن الشرطية الدالة على الشك في كونهم يعلمون. ### || [23.85] # فما دمتم أقررتم بأن الأرض ومن فيها لله { أفلا تذكرون } ~~[المؤمنون: 85] يعني: ما الذي صرفكم عن مالك الأرض وخالقها؟ ثم يقول الحق ~~سبحانه: { قل من رب السماوات السبع... }. ### || [23.86] # نلحظ أنهم لم يجادلوا في هذه المسألة، ولم يقولوا مثلا إنها سماء واحدة ~~هي التي نراها، مما يدل على أنها أمر غير منكور عندهم، ولا بد أن ~~الأنبياء السابقين قد أخبروهم خبر السماء، وأنها سبع سماوات، وأصبحت ~~عندهم قضية عقلية يعرفونها، وإلا كان بوسعهم الاعتراض، حيث لا يرون إلا ~~سماء واحدة. إذن: لم يجادلوا في هذا الموضوع. وقوله تعالى: { ورب ~~العرش العظيم } [المؤمنون: 86] العرش مخلوق عظيم لا يعلم كنهه ~~إلا الله الذي قال فيه # ثم استوى على العرش.. # [الأعراف: 54] وقال # وكان عرشه على المآء.. # [هود: 7]. والعرش لم يره أحد، إنما أخبر عنه ربه الذي خلقه، فقال: لي ~~كذا ولي كذا، ويكفي أن الله تعالى وصفه بأنه عظيم. وفي هذه أيضا لم ~~يجادلوا رسول الله ولم يقولوا إننا لم نر العرش، مما يدل على أن عندهم ~~حصيلة من تراث الأنبياء السابقين انتقلت إليهم فطرة من فطر التكوين ~~البشري في السماع من الموجودين. وقد وصف العرش بأنه عظيم عند البشر ~~أيضا، ففي قصة سليمان وملكة سبأ قال الهدهد: # ولها عرش عظيم # [النمل: 23] لأن العرش رمزية لاستقرار الملك واستتباب الأمر للملك ~~الذي لا ينازعه في ملكه أحد، ولا يناوشه عليه عدو لذلك أول ما قال ~~سليمان - عليه السلام - في أمرها قال: # أيكم يأتيني بعرشها.. # [النمل: 38] وكأنه يريد أن يسلب منها أولا رمز العظمة والأمن والأمان ~~والاستقرار في الملك. ثم يقول الحق سبحانه: { سيقولون لله ~~قل... }. ### || [23.87] # فما دام الأمر كذلك وما دمتم تعترفون بأن لله ملك السماوات والأرض، ~~وله العرش العظيم، فلماذا لا تتقون هذا الإله؟ لماذا تتمردون على ms6833 منهجه؟ ~~إن هذا الكون كله بما فيه خلق لخدمتك، أفلا يلفتك هذا إلى الصانع ~~المنعم. لذلك يقول تعالى في الحديث القدسي: # " يا ابن آدم، خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تنشغل ~~بما هو لك عما أنت له " # يعني: لا تلهك النعمة عن المنعم. وعلى العبد أن ينظر أولا إلى خالقه ~~ومالكه، فيؤدي حقه، ثم ينظر إلى ما يملك هو. ومعنى: { أفلا تتقون ~~} [المؤمنون: 87] الاتقاء: أن تجعل بينك وبين صفات الجلال من الله وقاية، ~~وسبق أن قلنا: من عجيب آيات القرآن أن تقول مرة اتقوا الله ومرة اتقوا ~~النار، والمعنى لا تعارض فيه كما يظنه البعض، بل المعنى واحد لأن النار ~~جند من جنود الله ومن صفات جلاله، فالمراد: اتقوا عذاب الله، واتقوا ~~صفات القهر والجبروت بأن تجعل بينك وبينها وقاية. ثم يقول الحق تبارك ~~وتعالى: { قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير... ~~}. ### || [23.88] # معنى: { بيده.. } [المؤمنون: 88] تدل على التمكن من الشيء، كما ~~تقول: هذا الأمر في يدي يعني في مكنتي وتصرفي، أقلبه كيف أشاء { ~~ملكوت كل شيء.. } [المؤمنون: 88] مادة ملك منها ملك، ومنها ~~ملك، ومنها ملكوت. الملك ما تملكه أنت، حتى لو لم يكن عندك إلا ثوب ~~واحد فهو ملك، أما ملك فيعني أن تملك من يملك، وهذا يكون ظاهرا. ~~أما الملكوت فالأشياء المخلوقة التي لا تقع عليها حواسك، ولا يمكن أن ~~تعلم عنها شيئا إلا بإخبار خالقها، والإنسان لا يرى كل ما في الكون، بل ~~إن في نفسه وذاته أشياء لا يعرفها، فهذا كله من عالم الملكوت. بل إن ~~الإنسان لا يرى حتى الملك الظاهر المحس لأنه لا يرى منه إلا على قدر ~~مد بصره، وما خرج عن هذا النطاق لا يراه، وإن كان يراه غيره، ويمكن أن ~~يدخل هذا الملك الذي لا تراه في دائرة الملكوت بمعناه الواسع. إذن: ~~الملكوت يطلق على الأشياء المحجوبة التي لا يراها أحد، أو على الأشياء ~~التي يراه واحد دون الآخر. والإنسان إذا تعمق في عبادة الله وفي طاعته ms6834 ~~يفيض عليه من التجليات، ويعطيه من هذا الملكوت عطاء مباشرا، كما قال: # من لدنآ.. # [النساء: 67]. ألا ترى إبراهيم عليه السلام قال عنه ربه # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37] وقال عنه: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن.. # [البقرة: 124] يعني: يؤدي ما لله بدقة وعلى الوجه الأكمل لذلك يأتمنه ~~ربه على أن يكون إماما للناس # قال إني جاعلك للناس إماما.. # [البقرة: 124]. فلما أحسن إبراهيم ما بينه وبين ربه وبلغ هذه المنزلة ~~قال عنه ربه: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض.. # [الأنعام: 75]. لأنه أحسن في الأولى فرقي إلى أعلى منه. كما لو دخل رجل ~~بيتك وشاهد ما عندك من نعيم، ففرح لما أنت فيه، وقال: ما شاء الله تبارك ~~الله، ودعا لك بالزيادة، فلما رأيت منه ذلك قلت له إذن: تعالى أريك ما هو ~~أعظم. كذلك العبد الصالح الذي عبد الله وتقرب إليه بمنهج موسى عليهما ~~السلام، فلما استقام على هذا المنهج وتعمق في عبادة الله وطاعته أعطاه ~~الله من علمه اللدني دون واسطة ودون رسول، حتى كان هو معلما لموسى ~~عليه السلام. ثم يقول سبحانه: { وهو يجير ولا يجار ~~عليه.. } [المؤمنون: 88] يجير: تقول: استجار بفلان فأجاره يعني: ~~استغاث به فأغاثه، ومنه قوله تعالى: # وإني جار لكم.. # [الأنفال: 48] والإنسان لا يستجير بغيره إلا إذا ضعفت قوته عن ~~حمايته، فيلجأ إلى قوي يحميه ويدافع عنه. إذن: هذه المسألة لها ثلاثة ~~عناصر: مجير، وهو الذي يقبل أن يغيثك ويحتضنك ويدافع عنك. # ومجار: وهو الضعيف الذي يطلب الحماية. ومجار عليه: وهو القوي الذي ~~يريد أن يبطش. ومن المعروف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى ~~الطائف وبعد أن فعلوا به صلى الله عليه وسلم ما فعلوا استجار، ودخل في ~~حمى كافر. فالحق - سبحانه وتعالى - يجير من استجار به، ويغيث من ~~استغاثة لكن { ولا يجار عليه.. } [المؤمنون: 88] لأن الذي يجيرك ~~إنما يجيرك من مساو له في القوة، فيستطيع أن يمنعك منه، ويحميك من بطشه، ~~فمن ذا الذي يحميك من الله؟ ومن يجيرك إن كان الله ms6835 هو طالبك؟! لذلك ~~يقول سبحانه في مسألة ابن نوح: # قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم.. # [هود: 43] فالله - عز وجل - يجير على كل شيء، ومن أصبح وأمسى في جوار ~~ربه فلا خوف عليه. وتلحظ هنا العلاقة بين صدر هذه الآية وعجزها: ~~فالله تعالى بيده وفي قبضته سبحانه كل شيء، والأمر كله إليه، فإياك أن ~~تظن أنك تفلت من قبضته بالنعمة التي أعطاك لأنه سبحانه قادر أن يسلبك ~~إياها، وساعتها لن يجيرك أحد، ولن يغيثك من الله مغيث، ولن يعصمك من الله ~~عاصم. ثم قرأ قوله تعالى: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير # [آل عمران: 26]. وهنا أيضا يقول سبحانه: { إن كنتم تعلمون } ~~[المؤمنون: 88] إن كان عندكم علم بهذه المسألة ووصلت إليكم وعاينتموها. ~~ثم يقول الحق سبحانه عنهم: { سيقولون لله قل... }. ### || [23.89] # ففي هذه أيضا يقولون " لله " لأنه واقع ملموس لا ينكر، وطالما أن ~~الأمر كذلك { فأنى تسحرون } [المؤمنون: 89] كيف تسحرون أو ~~أسحرتم عن هذا الواقع وصرفتم عنه إلى هذا الكلام الباطل؟ هذه قضايا ~~ثلاث جاءت على صورة سؤال لتدينهم بوضوح العقيدة في الوجود الأعلى، وبوضوح ~~البينات في إعجاز البلاغ عن الله، وبوضوح الآيات في آيات المنهج، وقد ~~أراد الحق سبحانه أن يأتي الكلام منهم وبإقرارهم هم على أنفسهم ليكون حجة ~~وشهادة حق عليهم. ومعلوم أن الإقرار سيد الأدلة لذلك سألهم: # قل لمن الأرض ومن فيهآ.. # [المؤمنون: 84]. # قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم # [المؤمنون: 86]. { قل من بيده ملكوت كل شيء.. } ~~[المؤمنون: 88]. وهم يقولون في هذا كله لله إذن: فماذا بقي لكم؟ ما الذي ~~منعكم أن تتقوا الذي تؤمنون بأنه المالك للأرض وللسماء وبيده كل شيء؟ إنه ~~مجرد استكبار وعناد وغطرسة، وإلا فماذا تعني كلمة الله التي تنطقون بها؟ ~~إنكم تعرفون الله، وتعرفون مدلول هذه الكلمة لأن مدلول الكلمة سابق على ~~وجودها في لغة البشر ، فاللغة عادة ألفاظ توضع ms6836 لمعان تدل عليها، فالمعنى ~~يوجد أولا، ثم نضع له اللفظ الدال عليه، وما دام أن لفظ الله يدور ~~على ألسنتكم ولا بد أنكم تعرفون مدلولة، وهو قضية لغوية انتهيتم منها، ~~وإلا فالأمر العدمي لا اسم له. فالتليفزيون مثلا: ما اسمه قبل أن يخترع؟ ~~لم يكن له اسم لأنه لم يكن له معنى، فلما وجد وضع له الاسم. وحيث ~~دارت الألسنة بكلمة الله فمعنى ذلك أنه تعالى موجود قبل وجود الاسم، ~~فالمسألة - إذن - حجة عليكم. لذلك عرض الحق - سبحانه وتعالى - هذه ~~القضايا في صورة سؤال لينتزع منهم الإقرار بها، كما لو أنكر شخص جميلك ~~فيه، فإن قلت له على سبيل الإخبار: لقد قدمت لك كذا وكذا، والخبر ~~يحتمل الصدق ويحتمل الكذب وله أن يعترف أو ينكر. أما حين تقول له: ألم ~~أقدم لك كذا وكذا؟ على سبيل الاستفهام، فإنه لا يملك إلا الاعتراف، ~~وينطق لك بالحق وبالواقع، وتصل بإقراره إلى ما لا تؤديه الشهادة أو ~~البينة عليه. ثم يقول الحق سبحانه: { بل أتيناهم بالحق ~~وإنهم... }. ### || [23.90] # يعني: دعوني أخبركم عن أمرهم، ولماذا أنكروا الحق ولم ينطقوا به، إنهم ~~ينكرون الحق لأنهم كاذبون ويريدون أن يثبتوا أن ما هم عليه أمر طبيعي، ~~لماذا؟ لأنهم مستفيدون من الانحراف ومن الباطل لذلك يقفون في وجه الرسالة ~~التي جاءت لتعديل الميزان والقضاء على الانحراف والباطل، ويلجئون إلى ~~تكذيبها وصرف الناس عنها ليظلوا ينتفعون هم بالباطل. لذلك تأمل: لماذا ~~يكذب الناس؟ يكذبون لأنهم ينتفعون من الكذب، ويتعبهم الصدق، ~~ويضيق عليهم الخناق. ثم يقول الحق سبحانه: { ما اتخذ الله من ~~ولد وما كان معه من إله... }. ### || [23.91] # يا ليت الأمر وقف بهم عند مجرد عدم الإيمان بالله، إنما تعداه إلى أن ~~وصفوا الله تعالى بما لا يليق من الصفات، وما دام أن الله تعالى ينفي عن ~~نفسه تعالى اتخاذ الولد { ما اتخذ الله من ولد.. } ~~[المؤمنون: 91] فلا بد أنهم قالوا: اتخذ الله ولدا، فترقوا في فجورهم ~~وطغيانهم، وتجرأوا حتى على مقام العزة. ونقول أولا: ما الولد؟ الولد ms6837 ما ~~ينجبه الإنسان من ذكر أو أنثى، وقد سمعنا هؤلاء يقولون: عيسى ابن الله، ~~والعزير ابن الله، وقالوا عن الملائكة: بنات الله، وقد قال تعالى: { ما ~~اتخذ الله من ولد.. } [المؤمنون: 91] ليشمل البنين والبنات. ~~ومعنى { اتخذ الله من ولد.. } [المؤمنون: 91] أن الله تعالى ~~كان موجودا، ثم اتخذ له ولدا، فاتخاذ الولد إذن حادث، وهذا يعني أنه قد ~~مرت فترة لم يتخذ الله له فيها ولدا، لذلك نسأل: ما الذي زاد في ملك ~~الله بوجود الولد؟ هل أصبحت السماوات ثمانية؟ هل زاد في الكون شمس أخرى ~~أو قمر؟ الكون كما خلقه الله تعالى، وجعل فيه ضرورياته وأصوله وفروعه لم ~~يزد فيه شيء. إذن فاتخاذ الولد عبث لم يحدث منه شيء. ويقولون: اتخذ ~~الله الولد ليؤنس خلقه بوجود ولده وشيء من رائحته بين الخلق، قالوا ~~هذا في مؤتمر نيقية، كأنه عندهم يقوم مقام الألوهية. لكن كم كانت مدة ~~بقائه بينكم؟ لقد أقام المسيح في الأرض بضعا وثلاثين سنة قبل أن يرفع، ~~فكيف يحرم من هذا الأنس من سبقوا ميلاده عليه السلام؟ وكيف يحرم منه ~~من أتوا بعده؟ أليس في هذا ما يتعارض وعدالة الربوبية لأن الخلق ~~جميعا خلق الله، وهم عنده سواء؟ ومنهم من يقول: إنه جاء ليرفع ~~الخطيئة، لكن الخطيئة ما زالت في الأرض بعدما فعل ما فعل. إذن: فكلها ~~حجج واهية. ولو ناقشنا هذه المسألة مناقشة منطقية فلسفية: لماذا ~~يتخذ الإنسان الولد؟ يتخذ الإنسان الولد لأنه يحب الحياة، وموته ~~يختصر هذه الحياة، فيريد الولد ليكون امتدادا لحياته، ويضمن به بقاء ~~الذكر جيلا من بعده، فإن جاء للولد ولد ضمن جيلين لذلك يقولون " أعز ~~من الولد ولد الولد ". لكن أي ذكر هذا الذي يتمسكون به؟ إن الذكر ~~الحقيقي ما تخلفه من بعدك من عمل صالح يسبقك عند الله. والحق - سبحانه ~~وتعالى - لا يحتاج إلى ذكر من بعده تعالى لأنه باق لا يموت، فهذه ~~المسألة إذن ممنوعة في حقه تعالى. وقد يتخذ الولد ليكون سندا ~~وعونا لأبيه حين يكبر وتضعف قواه لذلك ms6838 يقولون: خير الزواج الزواج ~~المبكر لأنه يساعدك على إنجاب أب يعولك في طفولة شيخوختك لأنك تنجب طفلا ~~وأنت صغير، فيعاصرك أكبر مدة من الزمن، وتطول به قرة عينك على خلاف ~~من ينجب على كبر لذلك قال: أب يعولك في طفولة شيخوختك ولم يقل ابنا ~~لأنك في هذه الحال تحتاج إلى حنان الأب. # وهذه أيضا ممتنعة في حقه تعالى لأنه سبحانه القوي، الذي لا يحتاج إلى ~~معين، ولا إلى عزوة. مسألة أخرى: أن الإنسان يحب الولد لأنه بعض منه، ~~وهو سبب في وجوده، فيحب أن يكون له ولد من صلبه، وهذا فرع من حبه ~~للتملك، فالإنسان أول ما يحب يحب أن تكون له أرض، ثم يحب أن يزرعها ~~ويأكل من خيراتها، ثم يحب أن تكون له حيوانات يشرب لبنها ويستفيد منها، ~~ثم إن تم له هذا كله يتطلع إلى الولد، وكأنه تدرج من حب الجماد إلى ~~النبات، إلى الحيوان، إلى الإنسان. وهذه المسألة أيضا لا تجوز في حقه ~~تعالى، فإن أحببت الولد ليكون جزءا منك ومن صلبك تعتز به وببنوته، ~~فالخلق جميعا عيال الله وأولاده، فكيف يحتاج إلى الولد بعد ذلك؟ إذن: ~~كلها حجج ومسائل باطلة لذلك رد الله عليهم { ما اتخذ الله من ~~ولد.. } [المؤمنون: 91] وأتى بمن الدالة على العموم، يعني: ما اتخذ ~~الله شيئا من بداية ما يقال له ولد، ولو كان حتى متبنى، كما تقول: ~~ليس عندي مال، فتنفي أن يكون عندك مال يعتد به أو ذو قيمة، لكن هذا لا ~~يمنع أن يكون عندك عدة جنيهات أو قروش. فإن قلت: ما عندي من مال، فقد ~~نفيت أن يكون عندك أقل ما يقال له مال. ونرد بهذه المسألة على ~~من يقول أن من هنا زائدة لأن كلام الله دقيق لا زيادة فيه، الزيادة في ~~كلام البشر، والحق سبحانه منزه عن هذه المسألة. ثم يرتقي بنا الحق ~~سبحانه في الرد عليهم فيقول: { وما كان معه من إله.. } ~~[المؤمنون: 91] يعني: معبود بحق أو بغير حق لذلك سمى الأصنام آلهة، لكن ms6839 ~~كلمة الله انصرفت إلى المعبود بحق سبحانه وتعالى، فنفى الحق سبحانه ~~الشركاء معه في العبادة، كما جاء في موضع آخر: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا.. # [الأنبياء: 22]. يعني: لو كان فيهما آلهة الله خارج منها لفسدت السماء ~~والأرض، وكذلك لو كان فيهما آلهة مع الله لفسدتا أيضا لأن إلا هنا ~~ليست استثنائية، إنما هي اسم بمعنى غير، وقد ظهر إعرابها على لفظ الجلالة ~~بعدها الله. ومسألة تعدد الآلهة لو تأملتها لبان لك بطلانها، فإن ~~كان مع الله آلهة لاقتسموا هذا الكون فيما بينهم، وجعلوه قطاعات، يأخذ كل ~~منهم قطاعا فيه، فواحد للأرض، وآخر للسماء، وثالث لما بين الأرض والسماء ~~وهكذا. ولكن، هل يستغني قطاع من الكون عن الآخر؟ اتستغني الأرض عن ~~السماء؟ إذن: سيحدث تضارب لا يستقيم معه حال الكون. # كذلك نقول: الإله الذي أخذ الأرض مثلا، لماذا لم يأخذ السماء؟ لا بد ~~أنه أخذ الأرض بقوته، وترك السماء لعجزه، ولا يصلح إلها من وصف ~~بهذه الصفة، فإن قالوا: إنهم جميعا أقوياء يستطيع كل واحد منهم أن يخلق ~~الخلق بمفرده نقول: إذن ما فائدة الآخرين؟ ثم يقول سبحانه: { إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض.. } [المؤمنون: 91] يعني: لو استقل كل منهم بقطاع من الكون دون ~~الآخر لفسدت الأمور، كما رأينا في دنيا البشر أن يحاول أحد الملوك أن ~~يستقل بقطاع من الأرض لا حق له فيه، ورأينا ما أحدثه من فساد في ~~الأرض، هذا مثال لقوله تعالى: { ولعلا بعضهم على بعض.. } ~~[المؤمنون: 91] وهي صورة من صور الفساد. لذلك يعالج الحق سبحانه هذه ~~القضية ويعلنها على الملأ: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم.. # [آل عمران: 18]. فليس هذا كلامنا، وليست هذه شهادتنا، بل كلام الله ~~وشهادته سبحانه لنفسه، لكن هل علم هؤلاء الآلهة بهذه الشهادة؟ إن علموا ~~بهذه الشهادة فسكوتهم عليها وعدم اعتراضهم عجز، وإن لم يدروا فهم ~~غافلون نائمون، ففي كلتا الحالتين لا يصح أن يكونوا آلهة. وفي موضع آخر ~~يرد عليهم الحق ms6840 سبحانه: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا.. # [الإسراء: 42] يعني في هذه الحالة # لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42] يعني: ذهبوا يبحثون عن الإله الذي أخذ منهم الكون، ~~وتعدى على سلطانهم، إما ليجابهوه ويحاكموه، وإما ليتقربوا إليه. لذلك ~~سيقول عن الذين تدعون أنهم آلهة من دون الله: # يبتغون إلى ربهم الوسيلة.. # [الإسراء: 57] يعني: عيسى والعزير والملائكة الذين قلتم إنهم بنات الله، ~~هؤلاء جميعا يتوسلون إلى الله ويتقربون إليه # أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه.. # [الإسراء: 57]. وفي موضع آخر يقول تعالى: # لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا ~~الملائكة المقربون.. # [النساء: 172]. إنهم لا يستنكفون عن عبوديتهم لله، بل يعتزون بهذه ~~العبودية، ويغضبهم ويسوؤهم أن نقول عنهم آلهة، أو نعطيهم من التقديس ~~أكبر مما يستحقون ذلك لأن ولاءهم وعصبيتهم لله تعالى أكبر من ولائهم ~~وعصبيتهم لأنفسهم. لذلك، فإن هذه الأشياء التي يتخذونها آلهة من دون الله ~~هي أول من يلعنهم، فالأحجار التي عبدوها من دون الله - مع أن كلمة ~~العبادة هنا خطأ ونقولها تجاوزا لأن العبادة طاعة العابد لأمر المعبود، ~~وانتهاؤه ينهيه، والأحجار ليس لها أوامر وليس لها نواه - هذه الأحجار ~~أعبد منهم لله، وأعرف منهم بالله لذلك تكرههم الحجارة وتلعنهم، وتتحول ~~عليهم في القيامة نارا تحرقهم. اقرأ هذا الحوار الذي يتنافس فيه غار ~~حراء الذي شهد بداية الوحي وأنس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأول ~~آيات القرآن، وغار ثور الذي احتمى فيه رسول الله عند الهجرة، وكلاهما ~~أحجار، يقول الشاعر: # كم حسدنا حراء حين ترى # الروح أمينا يغذوك بالأنوار # فحراء وثور صارا سواء # بهما اشفع لدولة الأحجار # عبدونا ونحن أعبد لله # من القائمين بالأسحار # تخذوا صمتنا علينا دليلا # فغدونا لهم وقود النار # قد تجنوا جهلا كما قد تجنوه # على ابن مريم والحوارى # للمغالى جزاؤه والمغالى # فيه تنجيه رحمة الغفار # لذلك يقول تعالى لعيسى عليه السلام: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله.. # [المائدة: 116]. فيقول عيسى: # إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا ms6841 ~~أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب # [المائدة: 116]. نعم، الله تعالى يعلم ما قال عبده ونبيه عيسى، لكن يريد ~~أن يقر عليهم بأنه كاره لقولهم هذه الكلمة. والنبي صلى الله عليه وسلم ~~حينما هزم الرومان من الفرس حزن لهزيمة الرومان، لماذا؟ لأنهم أهل كتاب ~~يعرفون الله، ويعرفون البلاغ عن الله، وإن كانوا كافرين به، أما الفرس ~~فكانوا مجوسا يعبدون النار لذلك يطمئنه ربه بقوله: # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من ~~قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر ~~الله.. # [الروم: 1-5]. فإن كانوا لا يؤمنون بمحمد، فهم يؤمنون برب محمد، ~~فالعصبية - إذن - لله أكبر من العصبية للرسول المبلغ عن الله. ثم يقول ~~سبحانه: { سبحان الله عما يصفون } [المؤمنون: 91]. يصفون ~~بمعنى: يكذبون، لكن عبر عنه بالوصف كأن المعنى: إن أردت أن تعرف ~~الكذب فاسمع إلى كلامهم فهو الوصف الدقيق له، وقال في موضع آخر: # وتصف ألسنتهم الكذب.. # [النحل: 62] فكلامهم هو الكذب بعينه، وهو أصدق وصف له لأن الكذب ما ~~خالف الواقع، وهم لا يقولون إلا ما خالف الواقع. كما لو سألت: ما ~~الحماقة؟ فأقول لك: انظر إلى تصرفات فلان، يعني: هي الوصف الصادق ~~للحماقة، والترجمة الواضحة لها، وكأنه بلغ من الوصف مبلغا يجسم لك ~~المعنى الذي تريده. ومعنى: { سبحان الله.. } [المؤمنون: 91] تنزه، ~~وهي مصدر وجد قبل أن يوجد المسيح، فهي صفة لله تعالى أزلية، حيث ثبت ~~تنزيه الله قبل أن يخلق الخلق، فلما خلق الله السماء والأرض سبحت ~~لله: # سبح لله ما في السماوات والأرض.. # [الحديد: 1] ولم ينقطع التسبيح بعد ذلك، قال الحق سبحانه: # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض.. # [الجمعة: 1]. وما دام الكل يسبح لله، وما زال مسبحا، فسبح أنت ~~يا محمد: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1]. فكيف يكون الكون كله مسبحا، ولا تسبح أنت، وأنت سيد ~~هذا الكون؟ ثم يقول الحق سبحانه عن ذاته العلية: { عالم الغيب ~~والشهادة فتعالى... }. ### || [23.92] # العلم: إدراك قضية أو نسبة واقعة ms6842 مجزوم بها وعليها دليل، ولا يصل إلى ~~العلم إلا بهذه الشروط، فإن كانت القضية مجزوما بها وواقعة، لكن لا ~~تستطيع أن تدلل عليها كالطفل حين يقول: الله أحد، فهذا تقليد كما ~~يقلد الولد أباه أو معلمه، فهو يقلد غيره في هذه المسألة إلى أن ~~يوجد عنده اجتهاد فيها ويستطيع هو أن يدلل عليها. فإن كانت القضية ~~مجزوما بها وليست واقعة، فهذا هو الجهل، فليس الجهل كما يظن البعض ألا ~~تعلم، إنما الجهل أن تجزم بقضية مناقضة للواقع. لذلك تجد الجاهل أشق ~~وأتعب لأهل الدعوة وللمعلمين من الخالي الذهن الذي لا يعرف شيئا، ليست ~~لديه قضية بداية، فهذا ينتظر منك أن تعلمه، أما الجاهل فيحتاج إلى ~~أن تخرج من ذهنه القضية الخاطئة أولا، ثم تضع مكانها الصواب. ~~والغيب: المراد به الغيب المطلق يعني: ما غاب عنك وعن غيرك، فنحن الآن ~~مشهد لمن حضر مجلسنا هذا، إنما نحن غيب لمن غاب عنه، وهذا غيب مقيد، ~~ومنه الكهرباء والجاذبية وغيرهما لأن هذه الأشياء كانت غيبا عمن ~~قبلنا مع أنها كانت موجودة، فلما توصلنا إلى مقدماتها ظهرت لنا وصارت ~~مشهدا لذلك قال تعالى: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء.. # [البقرة: 255]. فأثبت الإحاطة للناس لكن بشرط مشيئته تعالى، فإن شاء ~~أطلعهم على الغيب، وأوصلهم إلى معرفته حين يأتي أجل ميلاده وظهوره. إذن: ~~المعلوم لغيرك وغيب عنك ليس غيبا، وكذلك الغيب عنك وله مقدمات توصل ~~إليه ليس غيبا، إنما الغيب هو الغيب المطلق الذي غاب عنك وعن غيرك، ~~والذي قال الله تعالى عنه: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول.. # [الجن: 27]. والشهادة: يعني المشهود، لكن ما دام الحق سبحانه يعلم ~~الغيب، فمن باب أولى يعلم المشهود، فلماذا ذكر الشهادة هنا؟ قالوا: ~~المعنى: يعلم الغيب الذي غيب عني، ويعلم الشهادة لغيري. ومن ناحية ~~أخرى: ما دام أن الله تعالى غيب مستتر عنا، وهناك كون ظاهر، فربما ظن ~~البعض أن المستتر الغيب لا يعلم إلا الغيب، فأراد - سبحانه وتعالى - أن ~~يؤكد ms6843 على هذه المسألة، فهو سبحانه غيب، لكن يعلم الغيب والشهادة. ونرى من ~~الناس من يحاول أن يهتك ستار الغيب، ويجتهد في أن يكشف ما استتر عنه، ~~فيذهب إلى العرافين والمنجمين وأمثالهم، وهو لا يدري أن الغيب من أعظم ~~نعم الله على خلقه، فالغيب هو علة إعمار الكون، وبه يتم التعامل بين ~~الناس، ذلك لأن الإنسان ابن أغيار، كثير التقلب، ولو علم كل منا وكشف ~~له ما عند أخيه لتقاطع الناس، وما انتفع بعضهم ببعض. # لذلك يقولون: لو تكاشفتم ما تدافنتم. يعني: لو كشف لك عما في قلب أخيك ~~لضننت عليه حتى بدفنه بعد موته. إذن: فجعل هذه المسائل غيبا ~~مستورا يحنن القلوب، ويثري الخير بين الناس، فينتفع كل منهم بالآخر، ~~وإلا لو علمت لواحد سيئة، وعرفت موقفه العدائي منك لكرهت حتى الخير ~~الذي يأتيك من ناحيته، ولتحرك قلبك نحوه بالحقد والغل، وما انتفعت بما ~~فيه من حسنات. لذلك، نقول لمن يبحث عن غيب الآخرين: إن أردت أن تعرف ~~غيب غيرك، فاسمح له أن يعرف غيبك، ولن تسمح له بذلك، إذن: فدع ~~الأمر كما أراده الله، ولا تبحث عن غيب الآخرين حتى تستقيم دفة ~~الحياة. وربك دائما يلفتك إلى النظر إلى المقابل ، ففي الحديث القدسي: # " يا ابن آدم، دعوت على من ظلمك، ودعا عليك من ظلمته، فإن شئت ~~أجبناك وأجبنا عليك، وإن شئت تركتكما إلى الآخرة فيسعكما عفوي ". # فالحق - تبارك وتعالى - يريد أن يصفي نفوس الخلق، وأن يقف الناس ~~عند حدود ما أطلعك الله عليه، ولا تبحث عن المستور حتى لا تتعب نفسك، حتى ~~تواجه مشاكل الحياة بنفس صافية راضية عنك وعن الناس. ثم يقول تعالى: { ~~فتعالى عما يشركون } [المؤمنون: 92] لأن ما تشركونهم مع ~~الله لا يعلمون شيئا من هذا كله، لا غيبا ولا شهادة لذلك لا ينفعك ~~إن عبدته، ولا يضرك إن لم تعبده. ثم يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم: { قل رب إما تريني ما يوعدون * رب فلا ~~تجعلني... }. ### || [23.93-94] # { قل.. } [المؤمنون: 93] أمر من الله تعالى لرسوله ms6844 صلى الله عليه وسلم ~~{ رب.. } [المؤمنون: 93] منادى حذفت منه أداة النداء يعني: يا رب ~~{ إما تريني ما يوعدون } [المؤمنون: 93] يعني: من العذاب { ~~رب فلا تجعلني في القوم الظالمين } [المؤمنون: 94] ~~أي: إن قدرت أن تعذبهم في حياتي فلا تعذبهم وأنا فيهم. وهذا من رقة ~~قلبه صلى الله عليه وسلم، وحين اشتد به إيذاء الكفار وعنادهم في أول ~~الدعوة أرسل الله إليه الملائكة تعرض عليه الانتقام من قومه المكذبين ~~به، لكنه يأبى ذلك ويقول: # " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون " # ويقول: # " لعل الله يخرج من أصلابهم من يقول: لا إله إلا الله ". # كما أن موقفه يوم فتح مكة واضح ومعروف ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم ~~أرسل رحمة للعالمين. لكن، هل قال الرسول ودعا بهذا الدعاء لأنه يعتقد ~~أن الله يجعله معهم حين ينزل بهم العذاب؟ نقول: لا لأنه لم يقل هذه ~~الجملة من نفسه، إنما أمره الله بها، ولم يكن رسول الله ليعتقد هذا ~~الاعتقاد، إذن: المسألة وحي من الله لا بد أن يبلغه، وأن يقولها ~~كما قالها الله لأن مدلولها رحمة به في ألا يرى من يعذب، أو من باب ~~قوله تعالى: # واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم ~~خآصة.. # [الأنفال: 25]. وهذا الدعاء الذي دعا به رسول الله يدفع عنه أي خاطر ~~يطرأ عليه، ويطمئنه أن هذا الأمر لن يحدث. وقوله: { إما تريني.. ~~} [المؤمنون: 93] عبارة عن إن و ما وهما يدلان على معنى الشرطية ~~والزمنية، فكأنه قال: قل ساعة أن ينزل بهم العذاب: رب لا تجعلني في ~~القوم الظالمين. ### || [23.95] # أي: أننا قادرون على أن نريك شيئا مما وعدناهم به من العذاب، لكنه ليس ~~عذاب الاستئصال لأن الله تعالى أكرم أمتك - حتى الكافر منها - بأن عافاها ~~من هذا العذاب، لأنه يأتي على الكافرين فلا يبقي منهم أحدا، ويمنع أن ~~يكون من ذريتهم مؤمن بالله. فهب أن عذاب الاستئصال نزل بهم في بدر ~~مثلا، أكنا نرى المؤمنين منهم ومن ذرياتهم بعد بدر؟ إذن: لا يكون ~~عذاب الاستئصال إلا إذا علم الله ms6845 تعالى أنه لا فائدة منهم، ولا حتى من ~~ذريتهم من بعدهم، كما حدث مع قوم نوح، ألا ترى نوحا عليه السلام يقول ~~عنهم: # إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا # [نوح: 27]. ولا يمكن أن يقول نوح هذا الكلام، أو يحكم على قومه هذا ~~الحكم إلا بوحي من الله لأنه لا يستطيع أن يحكم على هذه القضية الكونية ~~التي لا يعلمها إلا المكون الأعلى سبحانه، فنحن نرى عتاة الكفر ورؤوس ~~الضلال، ثم يؤمنون بعد ذلك كله ويبلون في الإسلام بلاء حسنا. وانظر ~~إلى عكرمة وخالد وعمرو بن العاص، وكم تألم المؤمنون وحزنوا لأنهم ~~أفلتوا من القتل، لكن لله تعالى تدبير آخر، وكأنه يدخرهم لخدمة الإسلام ~~وحماية الدعوة. فعكرمة بن أبي جهل يظهر شجاعة نادرة في موقعة اليرموك ~~حتى يطعن طعنة الموت، ويستند إلى عمر ويقول وهو يجود بروحه في سبيل ~~الله: أهذه ميتة ترضي عني الله ورسوله؟ هذا في يوم الخندمة الذي قال ~~فيه الشاعر: # إنك لو شاهدت يوم الخندمه # إذ فر صفوان وفر عكرمه # ولحقتنا بالسيوف المسلمه # يفلقن كل ساعد وجمجمه # ضربا فلا تسمع إلا غمغمه # لهم نهيت حوله وحمحمه # لم تنطقي باللوم أدنى كلمه # أما عمرو بن العاص وخالد بن الوليد فقد كان من أمرهما ما نعرف جميعا. ### || [23.96] # { ادفع.. } [المؤمنون: 96] تدل على المدافعة يعني: أمامك خصم يهاجمك، ~~يريد أن يؤذيك، وعليك أن تدفعه عنك، لكن دفع بالتي هي أحسن أي: ~~بالطريقة أو الحال التي هي أحسن، فإن أخذك بالشدة فقابله باللين، فهذه ~~هي الطريقة التي تجمع الناس على دعوتك وتؤلفهم من حولك. كما جاء في ~~قوله تعالى: # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك.. # [آل عمران: 159]. فإن أردت أن تعطفهم نحوك فادفع بالتي هي أحسن، ومن ~~ذلك الموقف الذي حدث من رسول الله يوم الفتح، يوم أن مكنه ربه من رقاب ~~أعدائه، ووقف أمامهم يقول: # " يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن ~~أخ كريم، قال: " اذهبوا فأنتم الطلقاء ms6846 ". # ونلحظ أنهم كلموه بما يستميل قلبه ويعطفه نحوهم، وذكروه بأواصر ~~القرابة والرحم، وحدثوه بما يحنن قلبه، ولقنوه ما ينتفعون هم به: ~~أخ كريم وابن أخ كريم، ولم يقولوا مثلا: أنت قائد منتصر تستطيع أن تفعل ~~بنا ما تشاء. وفعلا كان من هؤلاء ومن ذرياتهم نصراء للإسلام وأعوان ~~لدعوة رسول الله. وقصة فضالة الذي كان يبغض رسول الله، حتى قال قبل ~~الفتح: والله ما أحد أبغض إلي من محمد، وقد زاد غيظه من رسول الله ~~حينما رآه يدخل مكة ويحطم الأصنام، فأراد أن يشق الصفوف إليه ~~ليقتله، وبعدها قال: " فو الله، ما وضعت يدي عليه حتى كان أحب خلق ~~الله إلي ". لكن ماذا ندفع؟ ندفع السيئة. ونلحظ هنا أن ربنا - تبارك ~~وتعالى - يدعونا أن ندفع السيئة بالتي هي أحسن، لا بالحسن لأن السيئة ~~يقابلها الحسنة، إنما ربك يريد أن يرتقي بك في هذا المجال، فيقول لك: ~~ادفع السيئة بالأحسن. وفي موضع آخر يعطينا ثمرة هذا التصرف الإيماني: # فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم # [فصلت: 34] ولو تأملت معنى هذه الآية لوجدت أن المجازاة من الله، ~~وليست ممن عاملته هذه المعاملة لأن الله تعالى يقول: # كأنه.. # [فصلت: 34] ولم يقل: يصبح لك وليا حميما. ذلك لأنك حين تدفع بالتي هي ~~أحسن يخجل منك صاحبك، ويندم على إساءته لك، ويحاول أن يعوضك عنها ~~فيما بعد، وألا يعود إلى مثلها مرة أخرى، لكنه مع كل هذا لا يسمى ~~وليا حميما، إنما هو ولي وحميم لأنه كان سببا في أن يأخذك ربك إلى ~~جانبه، ويتولاك ويدافع عنك. لذلك لما شتم أحدهم الحسن البصري وسبه في ~~أحد المجالس، وكان في وقت رطب البلح أرسل الحسن إليه طبقا من الرطب ~~وقال لخادمه: اذهب به إلى فلان وقل له: لم يجد سيدي أثمن من هذا يهديه ~~إليك، وقد بلغه أنك أهديت إليه حسناتك بالأمس، وهي بلا شك أعظم من هديتي ~~تلك. # إذن: من الغباء أن نتناول الآخرين بالهمز واللمز والطعن والغيبة فإنك ~~بهذا الفعل كأنك أهديت لعدوك حسناتك، ms6847 وأعطيت أعظم ما تملك لأبغض الناس ~~إليك. ألا ترى موقف الأب حين يقسو على ولده، فيستسلم له الولد ويخضع، أو ~~يظلمه أخوه فيتحمل ظلمه ولا يقابله بالمثل، ساعتها يحنو الأب على ولده، ~~ويزداد عطفا عليه، ويحرص على ترضيته، كذلك يعامل الحق - تبارك وتعالى - ~~العباد فيما بينهم من معاملات - ولله المثل الأعلى. لذلك قلنا: لو علم ~~الظالم ما أعده الله للمظلوم من الجزاء لضن عليه بالظلم لأنه سيظلمه ~~من ناحية، ويرضيه الله من ناحية أخرى. ويقال: إنه كان عند أحد الملوك ~~رجل ينفس فيه الملك عن نفسه، فإن غضب استدعى هذا الرجل وراح يشتم فيه ~~ويسبه أمام الناس حتى يهدأ، فإذا أراد أن ينصرف الرجل أخذه على انفراد ~~وأعطاه كيسا من المال، وفي أحد الأيام احتاج هذا الرجل إلى مال ليقضي ~~أمرا عنده، فحاول أن يتمحك ليصل إلى الملك، ثم قال له: ألست في حاجة ~~لأن تشتمني اليوم؟ فمسألتنا بهذا الشكل، إذن: ما عليك إلا أن تدفع ~~بالتي هي أحسن، فإن صادفت من صاحبك مودة وصفاء، وإلا فجزاء الله لك ~~أوسع، وعطاؤه أعظم، وما أجمل قول الشاعر حين عبر عن هذا المعنى: # يا من تضايقه الفعال من التي ومن الذي # ادفع فديتك بالتي حتى ترى فإذا الذي # يعني: إن أردت الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم فاعمل بالتي هي ~~أحسن. ثم يقول سبحانه: { نحن أعلم بما يصفون } [المؤمنون: ~~96] معناه: أنت يا محمد تأخذ بحقك من هؤلاء إذا كنا نحن لا نعرف ما ~~يفعلونه بك، لكن الحال أننا نعرفه جيدا ونحصيه عليهم، وقد أعددنا لهم ~~الجزاء المناسب، فدع هذه المسألة لنا ولا تشغل نفسك بها. وكأن الحق - ~~تبارك وتعالى - يريد أن ينزه ذات رسوله صلى الله عليه وسلم من ~~انفعالات الغضب، وألا ينشغل حتى بمجرد الانفعال لأنه حين يتعرض لك شخص ~~بسيئة تريد أن تجمع نفسك لترد عليه، وخصوصا إذا كان هذا الرد مخالفا ~~لطبعك الحسن وخلقك الجميل، فكأنه يكلفك شيئا فوق طاقتك. فالله تعالى ~~يريد أن يرحم نبيه وأن يريحه: ms6848 دعك منهم، وفوض أمرهم إلينا، فنحن ~~أعلم بما يصفون أي: بما يكذبون في حقك. ثم يقول الحق سبحانه: { وقل ~~رب أعوذ بك من همزات... }. ### || [23.97] # لماذا جاءت الاستعاذة من همزات الشياطين بعد هذه المسألة؟ قالوا: لأن ~~الشيطان يريد أن يتدخل، ويظهر لك أنه معك، وأنه يغار عليك، فيحرضك ~~عليهم ويغريك بهم، ويدفعك إلى الانتقام منهم والتسلط عليهم. وهمزات: ~~جمع همزة، وهي النزغة أو النخسة يثير بها الشيطان الإنسان، ومنه قوله ~~تعالى: # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله.. # [الأعراف: 200]. ### || [23.98] # يعني: إن دخل عليك الشيطان بهمزه ووسوسته فقل: أعوذ بالله من همزات ~~الشياطين، بل وأزيد من ذلك الزم جانب الحيطة معه، فقل: أعوذ بالله أن ~~يحضرون مجرد حضور، وإن لم يهمزوا لي، فأنا لا أريدهم في محضري، ولا ~~أريد أن أجالسهم. ### || [23.99-100] # ذلك لمجرد أن تحضره سكرات الموت ويوقن أنه ميت تتكشف له الحقائق ويرى ~~ما لا نراه نحن، كما جاء في قوله تعالى: # فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد # [ق: 22]. فيتمنى الإنسان أن يرجع إلى الدنيا وهو ما يزال يحتضر، لماذا؟ ~~لأنه رأى الحقيقة التي كان ينكرها ويكذب بها، والذين يشاهدون حال ~~الموتى ساعة الاحتضار يرون منهم إشارات تدل على أنهم يرون أشياء لا ~~نراها نحن، كل حسب حاله وخاتمته. وأذكر حين مات أبي، وكان على صدري ~~ساعتها أنه قال لي: يا أمين - وهذا اسمي في بلدي - كيف تبني كل هذه ~~القصور ولا تخبرني بها؟ والجنود الذين صاحوا في المعركة: هبي يا رياح ~~الجنة. لا بد أنهم رأوها وشموا رائحتها، وإلا ما الذي جعلهم ~~يتلهفون للموت، ويشتاقون للشهادة إلا أنهم يرون حالا ينتظرهم أفضل مما ~~هم فيه. ومن هؤلاء الصحابي الجليل الذي حدثه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن أجر الشهداء عند الله، وكان في يده تمرات أو في فمه يمضغها، ~~فقال: يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة إلا أن أدخل هذه المعركة ~~فأقتل في سبيل الله؟ قال: نعم، فألقى التمرة من فمه ومضى إلى المعركة. ~~كأنه ms6849 استكثر أن يقعد عن طلب الجنة مدة مضغ هذه التمرات. فإلى هذه ~~الدرجة بلغ يقين هؤلاء الرجال في الله وفي رسول الله. ونلحظ في هذه ~~الآية: { حتى إذا جآء أحدهم الموت.. } [المؤمنون: 99] ~~هكذا بصيغة المفرد { قال رب ارجعون } [المؤمنون: 99] جاء بالجمع ~~على سبيل التعظيم، ولم يقل: رب ارجعني، كما جاء في قوله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. فهنا الحق - تبارك وتعالى - يعظم ذاته، لكن هذا يعظم ~~الله الآن، وهو في حال الاحتضار، وقد كان كافرا به، وهو في سعة الدنيا ~~وبحبوحة العيش. أو: أنه كرر الطلب: أرجعني أرجعني أرجعني، فجمعها الله ~~تعالى. أو: أنه استغاث بالله فقال: رب ثم خاطب الملائكة: ارجعون إلى ~~الدنيا. لكن، لماذا الرجوع؟ { لعلي أعمل صالحا فيما ~~تركت كلا إنها كلمة هو قآئلها ومن ورآئهم ~~برزخ إلى يوم يبعثون } أي: أنني تركت كثيرا من أعمال ~~الخير، فلعلي إن رجعت بعد أن عاينت الحقيقة أستدرك ما فاتني من ~~الصالحات، أو لعلي أعمل صالحا فيما تركت، لأنني ضننت بمالي ~~وبمجهودي وفضلي على الناس، وكنزت المال الكثير، وتركته خلفي ثم ~~أحاسب أنا عليه، فإن عدت قدمته وأنفقته فيما يدخر لي ليوم القيامة. ثم ~~تأتي الإجابة: { كلا إنها كلمة هو قآئلها.. } ~~[المؤمنون: 100] أي: قوله: ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت، إنها ~~مجرد كلمة لا واقع لها، كلمة يقولها وقت الضيق والشدة، فالله تعالى لن ~~يرجعهم، ولو أرجعهم ما فعلوا لذلك نفاها بقوله كلا التي ترد على قضايا ~~تريد إثباتها، ويريد الله تعالى نفيها كما ورد في سورة الفجر: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن # [الفجر: 15-16]. فيرد الحق سبحانه: كلا لا أنت صادق ولا هو، فليس المال ~~والغنى وكثرة العرض دليل كرامة، ولا الفقر دليل إهانة، فكلتا القضيتين ~~خطأ، بدليل أنك إذا أعطاك الله المال، ثم لا تؤدي فيه حق الله وحق ~~العباد، ولا يعينك على أداء ما فرض عليك صار ms6850 المال وبالا عليك وإهانة ~~لا كرامة. ما جدوى المال إن دخلت في قوله تعالى: # كلا بل لا تكرمون اليتيم # [الفجر: 17]؟ ساعتها سيكون مالك حجة عليك. كذلك الحال مع من يظن ~~أن الفقر إهانة، فإن سلب الله منك المال الذي يطغيك فقد أكرمك، وإن ~~كنت لا تدري بهذا الإكرام. ثم يقول سبحانه: { ومن ورآئهم برزخ ~~إلى يوم يبعثون } [المؤمنون: 100] أي: كيف يتمنون الرجوع ~~وبينهم وبينه برزخ يمنعهم العودة إلى الدنيا لذلك تسمى الفترة بين ~~الحياة الدنيا والآخرة بالحياة البرزخية، فليست من الدنيا، وليست من ~~الآخرة. وفي موضع آخر يصور الحق سبحانه هذا الموقف بقوله: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه.. # [الأنعام: 28] أي: لو رددناهم من الآخرة لعادوا لما كانوا عليه من معصية ~~الله، وإن كانت هذه قضية عقلية ففي واقعهم ما يثبت صدق هذه القضية، ~~واقرأ فيهم قول الله تعالى: # وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه.. # [الإسراء: 83] فأخذ نعمة الله وتقلب فيها، ثم تنصل من طاعة الله. ~~ويقول تعالى في هذا المعنى أيضا: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه.. # [يونس: 12]. إذن: المسألة اضطرارات، كلما اضطروا دعوا الله ولجئوا ~~إليه، وتوسلوا، فخذوا من واقع حياتهم ما يدل على صدق حكمي عليهم لو ~~عادوا من الآخرة. والبرزخ: هو الحاجز بين شيئين، وهذا الحاجز يأخذ قوته ~~من صاحب بنائه، فإن كان هذا الحاجز من صناعته - سبحانه وتعالى - فلن ~~ينفذ منه أحد. ومن ذلك قوله تعالى: # مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا ~~يبغيان # [الرحمن: 19-20] وما داما يلتقيان، فما فائدة البرزخ هنا؟ قالوا: نعم ~~يلتقيان، ولا يبغي أحدهما على الآخر لأن المسألة ليست سدا أو بناء ~~هندسيا، إنما برزخ خاص لا يقدر عليه إلا طلاقة القدرة الإلهية التي ~~خرقت النواميس، فجعلت الماء السائل جبلا ، بعد أن ضربه موسى بعصاه، ~~فصار كل فرق كالطود العظيم، طلاقة القدرة التي فجرت الحجر عيونا. إذن: ~~المسألة ليست ميكانيكا كما يظن البعض. # والبرزخ بين ms6851 الماء المالح والماء العذب آية من آيات الله شاخصة ~~أمامنا، يمكننا جميعا أن نتأكد من صحة هذه الظاهرة. لكن هذا البرزخ من ~~أمامهم، فلماذا قال تعالى: { ومن ورآئهم برزخ إلى يوم ~~يبعثون } [المؤمنون: 100]. قالوا: لأن اللفظ الواحد يطلق في اللغة ~~وله معان عدة واللفظ واحد لذلك يسمونه المشترك، فمثلا كلمة عين ~~تطلق على العين الباصرة، وعلى عين الماء، وعلى الجاسوس، وتقال للذهب ~~وللفضة، وللرجل البارز في قومه، والسياق هو الذي يحدد المعنى المراد ~~لذلك على السامع أن تكون عنده يقظة ليرد اللفظ إلى المعنى المناسب ~~لسياقه. وكذلك كلمة النجم فتعني الكوكب في السماء، وتعني كذلك ما لا ~~ساق له من النبات، وهو العشب الذي ترعاه البهائم، ومنه قول الشاعر: # أراعي النجم في سيري إليكم # ويرعاه من البيدا جوادي # فكلمة وراء تطلق ويراد بها معان عدة، قد تكون متقابلة يعينها ~~السياق، فتأتي وراء بمعنى بعد كما في قوله تعالى: # ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71] وتأتي بمعنى غير كما في قوله تعالى: # فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون # [المؤمنون: 7]. وتأتي بمعنى أمام كما قوله تعالى: # وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # [الكهف: 79] فالملك كان أمامهم ينتظر كل سفينة قادمة. وكذلك في قوله ~~تعالى: # من ورآئه جهنم # [إبراهيم: 16]. فقوله تعالى: { ومن ورآئهم برزخ إلى ~~يوم يبعثون } [المؤمنون: 100] أي: أمامهم. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ... ~~}. ### || [23.101] # الصور: البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل، والمراد هنا النفخة الثانية ~~للبعث. والأنساب: جمع نسب، وهو الالتقاء في أصل مباشر، كالتقاء الابن ~~بالأب، أو الأب بالابن، أو التقاء بواسطة كالعمومة والخؤولة. والنسب هو ~~أول لحمة في الكون تربط بين الناس في مصالح مشتركة، وهو الالتقاء ~~الضروري الذي يوجد لكل الناس، فقد لا يكون لك أصدقاء ولا أصحاب ولا زملاء ~~عمل، لكن لا بد أن يكون لك نسب وقرابة وأهل. فحين ينفي الحق - ~~سبحانه وتعالى - النسب يقول: { فلا أنساب بينهم.. } [المؤمنون: ~~101] فليس النفي لوجود النسب، فإذا نفخ في الصور منعت البنوة ms6852 من ~~الأبوة، أو الأبوة من البنوة. إنما النسب موجود حقيقة، لكن لأن النسب ~~المعروف فيه التعاون على الخير والتآزر في دفع الشر، فالنفي هنا لهذه ~~المنفعة في هذا اليوم بالذات حيث لا ينفع أحد أحدا، فالنسب موجود لكن ~~دون نفع، فالنفع من أمور الدنيا أن يوجد قوي وضعيف، فالقوي يعين ~~الضعيف، ويفيض عليه، أما في هذا الموقف فالكل ضعيف. كما قال تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37]. ويقول: # كل نفس بما كسبت رهينة # [المدثر: 38]. لذلك حينما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا ~~سنحشر يوم القيامة حفاة عراة تعجبت السيدة عائشة، واستحيت من هذا ~~الموقف، فأخبرها رسول الله أن الأمر ليس كذلك، فهذا موقف ينشغل كل ~~بنفسه، والحال أصعب من أن ينظر أحد لأحد. إذن: النفي لنفع الأنساب، لا ~~للأنساب نفسها. وإن كان نفع الأنساب يمتنع لهول الآخرة فقد يتسامى ~~الإنسان فيمنع نفعه حتى في الدنيا عن ذوي قرابته إن كانوا غير مؤمنين، ~~وقد ضربها الله مثلا في قصة نوح - عليه السلام - وولده، وخاطبه ربه: # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.. # [هود: 46] فامتنع النسب حتى في الدنيا، فالنبوة ليست بنوة الدم واللحم، ~~البنوة - خاصة عند الأنبياء - بنوة عمل واتباع. وإذا تأملت تاريخ ~~المسلمين الأوائل لوجدتهم يعتزون بالإسلام، لا بالأنساب، فالدين ~~والعقيدة هما اللحمة، وهما الرابطة القوية التي تربط الإنسان بغيره، ~~وإن كان أدنى منه في مقاييس الحياة. قرأنا في قصة بدر أن مصعب بن عمير - ~~رضوان الله عليه - وكان فتى قريش المدلل، وأغنى أغنيائها، يلبس أفخر ~~الثياب ويعيش ألين عيشة، فلما أشرب قلبه الإيمان زهد في كل هذا النعيم، ~~وحرم من خير أهله، ثم هاجر إلى المدينة، وهناك رآه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يلبس جلد شاة فقال: # " انظروا ماذا فعل الإيمان بأخيكم ". # وفي المعركة، رأى مصعب أخاه أبا عزيز أسيرا في يد واحد من الأنصار هو ~~الصحابي أبو اليسر فقال له مصعب: اشدد ms6853 على أسيرك - يعني: إياك أن يفلت ~~منك - فإن أمه غنية، وستفديه بمال كثير، فنظر أو عزيز إلى مصعب وقال: ~~أهذه وصاتك بأخيك؟ فقال: هذا أخي دونك. # إذن: فلا أنساب بينهم، حتى في الدنيا قبل الآخرة. وفي غزوة أحد استشهد ~~مصعب بن عمير، ولم يجدوا ما يكفنونه فيه إلا ثوبا قصيرا، إن غطى رأسه ~~انكشفت رجلاه، وإن غطى رجليه انكشفت رأسه، فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر ". # والسيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان لما أسلمت وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، ~~لكن اتهمها البعض بأنها هاجرت لا من إجل دينها، ولكن من أجل زوجها، فيشاء ~~الله تعالى أن يظهر براءتها، فينتصر زوجها عبيد الله بن جحش هناك ~~وتظل هي على الإيمان، ولما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمرها ~~أراد أن يعوضها فخطبها لنفسه، ولم ينتظر إلى أن تجيء ليعقد عليها، فوكل ~~النجاشي ملك الحبشة ليعقد له عليها. وبعد زواجها من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أراد أبوها سفيان زيارتها، وكانت تمهد فراش رسول الله، فلما ~~أراد أبو سفيان أن يجلس عليه نحته جانبا، ومنعته أن يجلس - وهو ~~كافر - على فراش رسول الله، فقال: أضنا بالفراش علي؟ فقالت: نعم. ~~إذن: نفع الأنساب يمتنع في الدنيا قبل امتناعه في الآخرة، لكن الحق - ~~سبحانه وتعالى - تفضل بأن أبقى مطلوبات النسب في الدنيا ودعانا إلى ~~الحفاظ عليها حتى مع الكافرين لأنه سبحانه وسع الكافر، فعلى المؤمن أن ~~يسعه من باب أولى، فإن رأيت الكافر في شدة وقدرت أن تعينه فأعنه. ~~واقرأ في هذا قوله تعالى: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15]. فهما كافران، بل ويريدانك كافرا، ومع ذلك احفظ لهما حق ~~النسب، ولا تقطع الصلة بهما. ويروى أن إبراهيم - عليه السلام - وقد ~~أعطاه الله الخلة، وقال عنه: # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37] وابتلاه بكلمات فأتمهن، مر عليه عابر سبيل بليل، فقبل ~~أن يدخله ويضيفه سأله ms6854 عن ديانته، فأخبره أنه غير مؤمن، فأعرض عنه ~~إبراهيم - عليه السلام - وتركه ينصرف، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم ~~وسعت عبدي وهو كافر بي، وتريده أن يغير دينه لضيافة ليلة؟ فأسرع ~~إبراهيم خلف الرجل حتى لحق به، وأخبره بما كان من عتاب ربه له في شأنه، ~~فقال الرجل: نعم الرب الذي يعاتب أحبابه في أمر أعدائه، وشهد أن لا إله ~~إلا الله وأن إبراهيم رسول الله. ويرتقي أهل المعرفة بالنسب، فيرون أنه ~~يتعدى الارتباط بسبب وجودك، وهو الأب أو الأم، فالنسب وإن كان ميلاد ~~شيء من شيء، أو تفرع شيء من شيء، فهناك نسب أعلى، لا لمن أوجدك بسبب، ~~وإنما لمن أوجدك بلا سبب الوجود الأول، فكان عليك أن تراعي هذا النسب ~~أولا الذي أوجدك من عدم، وإن أثبت حقا للوالدين لأنهما سبب وجودك. # فكيف بالموجد الأعلى؟ وقوله تعالى: { ولا يتسآءلون } [المؤمنون: ~~101] سأل: تقتضي سائلا ومسئولا، أما الفعل تساءل فيدل على المفاعلة ~~يعني: كل منهما سائل مرة، ومسئول أخرى، كما تقول: شارك محمد عمرا، ~~وقاتل.. الخ. وقد اعترض على هذه الآية بعض المستشرقين الذين يحبون أن ~~يتوركوا على كتاب الله، قائلين: إن المسلمين ينظرون إلى كتاب الله بمهابة ~~وتقديس يمنعهم ويحجب عقولهم عن تعقل ما فيه، لماذا وقد قال تعالى عن ~~القرآن: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82]؟ يقول هؤلاء: إن القرآن نفى التساؤل في هذه الآية، وأثبته ~~في قوله تعالى: # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون # [الطور: 25] في الحوار بين الكفار. وهناك تساؤل بين المؤمنين والكافرين: # كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين * ~~في جنات يتسآءلون * عن المجرمين * ما سلككم في ~~سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم ~~المسكين * وكنا نخوض مع الخآئضين * وكنا ~~نكذب بيوم الدين # [المدثر: 38-46]. ومرة يكون التساؤل بين المؤمنين بعضهم وبعض: # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قالوا إنا ~~كنا قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ~~ووقانا عذاب السموم * إنا كنا من قبل ندعوه ~~إنه هو البر الرحيم ms6855 # [الطور: 25-28]. إذن: كيف بعد ذلك ينفي التساؤل؟ ويقول: { ولا ~~يتسآءلون } [المؤمنون: 101]. وهذا التضارب الذي يرونه تضارب ~~ظاهري لأنه هناك فرقا بين أن تسمع عن شيء وبين أن تفاجأ به وأنت غير ~~مؤمن، لقد قالوا: # إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن ~~بمبعوثين # [المؤمنون: 37]. فحين فوجئوا بالنفخ في الصور، وداهمتهم القيامة التي ~~كانوا يكذبون بها بهتوا ودهشوا، وخرست ألسنتهم عن الكلام من شدة ~~دهشتهم، وكيف وما كانوا ينكرونه ماثل أمامهم فجأة، ثم يتدرجون من هذه ~~الحالة إلى أن يأخذوه أمرا واقعا لا مفر منه، فيبدأون بالكلام ويسأل ~~بعضهم بعضا عما هم فيه وعما نزل بهم. إذن: فالسؤال له زمن، ونفي ~~السؤال له زمن لذلك يقولون في مثل هذه المسألة أن الجهة منفكة، فإذا ~~رأيت شيئا واحدا أثبت مرة، ونفي أخرى من قائل واحد منسوب إلى ~~الحكمة وعدم التضارب، فاعلم أن الجهة منفكة. ومثل هذا الموقف من أهل ~~الاستشراق وقفوه أيضا في سؤال أهل المعاصي، حيث يقول تعالى في إثبات ~~سؤالهم: # وقفوهم إنهم مسئولون # [الصافات: 24] ويقول في نفي سؤالهم # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39] فكيف يثبت الفعل وينفيه، والفاعل واحد؟ وهذا الاعتراض منهم ~~ناشىء عن عدم فهم للغة القرآن والملكة العربية، أو لأنهم يريدون مجرد ~~الاستدراك على كتاب الله وإثارة الشكوك حوله. لكن رب ضارة نافعة، ~~فقد حركت شكوكهم ومآخذهم علماء المسلمين للتصدي لهم، وللرد على ~~أباطيلهم وكشف نواياهم، فمثلنا كمثل الذي يستعد لملاقاة المرض بالطعم ~~المناسب الذي يعطي للجسم مناعة وحصانة ضد هذا المرض. وسيدنا عمر - رضي ~~الله عنه - وكان القرآن ينطق على وفق ما يريد، يرى الناس يقبلون ~~الحجر الأسود، فتوقع أن يتكلم الناس في هذه المسألة، وكيف أن الدين ~~ينهاهم عن عبادة الأصنام وهي حجارة ويأمرهم بتقبيل الحجر، وكان رضي الله ~~عنه يقبله ويقول: " والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا ~~أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك ". فلفت الناس إلى أصل التشريع ~~وأن الحجرية لا عبادة لها عندنا، ms6856 لكن عندنا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو مشرع لنا وواجب علينا اتباعه، وهكذا كان رد عمر على من أثاروا ~~هذه الفتنة. ولما تكلم عمر في غلاء المهور وكان ملهما يوافق قوله ~~قول القرآن الكريم، وقفت له امرأة وراجعته وقالت له: اخطأت يا عمر، ~~كيف تنهى عن الغلاء في المهور، والله تعالى يقول: # وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا.. # [النساء: 20]. فأجاز أن يكون المهر قنطارا من ذهب، عندها قال عمر ~~بجلالة قدره: " أصابت امرأة وأخطأ عمر " ليبين أنه لا كبير أمام شرع ~~الله. إذن: هذه مسائل مرسومة ولها أصل، يجب أن تعلم لنرد بها حين نسأل ~~في أمور ديننا. نعود إلى مسألة سؤال أهل المعصية، حيث نفاه القرآن مرة ~~وأثبته أخرى. ونقول: جاء القرآن بأسلوب العرب وطريقتهم، والسؤال في ~~الأسلوب العربي إما سؤال ممن يجهل ويريد المعرفة، كما يسأل التلميذ ~~معلمه، أو يسأل العالم الجاهل لا ليعلم منه، ولكن ليقرره بما يريد. ~~فإذا نفى الله تعالى السؤال، فلا تظنوا أنه يسألكم ليعرف منكم، إنما ~~يسألكم لتقروا لذلك قال سبحانه: # كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. إذن: إثبات السؤال له معنى، ونفيه له معنى، فإذا نفى ~~فقد نفى سؤال العلم من جهتهم، وإذا أثبت فقد أثبت سؤال الإقرار من جهتهم ~~لتكون الحجة ألزم لأن الإقرار سيد الأدلة. وقد أوضحنا هذه المسألة بمثال: ~~التلميذ المهمل الذي يتظاهر أمام أبيه بالمذاكرة، فيفتح كتابه ويهز رأسه ~~كأنه يقرأ، فإذا ما سأله والده لم يجده حصل شيئا، فيقول له: ذاكرت وما ~~ذاكرت. ومن ذلك أيضا قوله تعالى مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال: 17] هكذا نفي وإثبات في آية واحدة لفاعل واحد، لأن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أخذ فعلا حفنة من الحصى ورمى بها نحو ~~الأعداء، لكن هل في قدرته أن يوصل هذه الحفنة إلى أعين الأعداء جميعا؟ ~~فالعمل والرمي للرسول، والنتيجة والغاية لله عز وجل. ثم يقول الحق ~~سبحانة: { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم ms6857 ~~المفلحون * ومن خفت موازينه... }. ### || [23.102-103] # ثقلت وخفت هنا للحسنات. يعني: كانت حسناته كثيرة أو كانت قليلة. ~~ويمكن أن نقول: ثقلت موازينه بالسيئات يعني: كثرت الحسنات، لكن القرآن ~~تكلم من ناحية أن العمدة في الأمر الحسنات. والميزان يقوم على كفتين ~~في أحدهما الموزون، وفي الأخرى الموزون به، وللوزن ثلاث صور عقلية: أن ~~يخف الموزون، أو يخف الموزون به، أو يستويا، وقد ذكرت الآية حالتين: خفت ~~موازينه، وثقلت موازينه، كما جاء في قوله تعالى: # فأما من ثقلت موازينه * فهو في عيشة راضية * ~~وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * ومآ ~~أدراك ما هيه * نار حامية # [القارعة: 6-11]. أما حالة التساوي فقد جاءت لها إشارة رمزية في سورة ~~الأعراف: # وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ~~ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم ~~يدخلوها وهم يطمعون * وإذا صرفت أبصارهم ~~تلقآء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع ~~القوم الظالمين # [الأعراف: 46-47]. فمن غلبت حسناته ذهب إلى الجنة، ومن غلبت سيئاته ~~ذهب إلى النار وبقي أهل الأعراف بين الجنة والنار لأنهم تساوت عندهم ~~كفتا الميزان، فلا هو من أهل الجنة، ولا هو من أهل النار، فهم على ~~الأعراف، وهو السور بين الجنة والنار ينظرون إلى هؤلاء وإلى هؤلاء. ثم ~~يقول تعالى في شأنهم: # لم يدخلوها وهم يطمعون # [الأعراف: 46] لأن رحمة الله سبقت غضبه، وعفوه سبق عقابه. ومعنى ثقلت ~~موازينه وخفت موازينه يدل على أن الأعمال تصبح ولها كثافة وجرم يعطي ~~ثقلا، أو أن الله تعالى يخلق في كل عمل له كتلة، فحسنة كذا بكذا، ~~والمراد من الميزان دقة الفصل والحساب. ونلحظ في الآية: { فمن ~~ثقلت موازينه.. } [المؤمنون: 102] بالجمع ولم يقل: ميزانه، ~~لماذا؟ قالوا: لأنه يمكن أن يكون لكل جهة عمل ميزان خاص، فللصلاة ميزان، ~~وللمال ميزان، وللحج ميزان.. إلخ ثم تجمع له كل هذه الموازين. وقوله: { ~~ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم.. } [المؤمنون: 103] لأنهم أخذوا لها القليل العاجل، ~~وفوتوا عليها الكثير الآجل، وسارعوا إلى متعة فانية، وتركوا متعة باقية ~~لأن الدنيا أجلها محدود والزمن فيها ms6858 مظنون، والخير فيها على قدر ~~إمكانات أهلها. أما الآخرة فزمنها متيقن، وأجلها ممدود خالد، والخير ~~فيها على قدر إمكانات المنعم عز وجل، فلو قارنت هذا بذاك ~~لتبين لك مدى ما خسروا، لذلك تكون النتيجة أنهم { في جهنم ~~خالدون } [المؤمنون: 103]. ثم يعطينا الحق سبحانه صورة تبشع ~~الجزاء في جهنم، وتصور أهوالها، وذلك رحمة بنا لنرتدع من قريب، ونعمل ~~جاهدين على أن ننجي أنفسنا من هذا المصير، وننفر من هذه العاقبة البشعة، ~~كما يقول الشرع بداية: سنقطع يد السارق، فهو لا يريد أن يقطع أيدي الناس، ~~إنما يريد أن يمنعهم ويحذرهم هذه العاقبة. ومن ذلك قوله تعالى في مسألة ~~القصاص: # ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب.. # [البقرة: 179]. وقد هوجم القصاص كثيرا من أعداء الإسلام، إذ يقولون: ~~يكفي أن قتل واحد من المجتمع، فكيف نقتل الآخر؟ والقرآن لم يضع القصاص ~~ليقتل الاثنين، إنما وضعه ليمنع القتل، وليستبقي القاتل والقتيل أحياء، ~~فحين يعرف القاتل أنه سيقتل قصاصا يمتنع ويرتدع، فإن امتنع عن القتل ~~فقد أحيينا القاتل والقتيل، وقد عبروا عن هذا المعنى فقالوا: القتل ~~أنفى للقتل. يقول تعالى في تبشيع جهنم: { تلفح وجوههم النار ~~وهم... }. ### || [23.104] # اللفح: أن تمس النار بحرارتها الشيء فتشويه، ومثله النفح { وهم ~~فيها كالحون } [المؤمنون: 104] كلمة " كالح " نقولها حتى في ~~العامية: فلان كالح الوجه. يعني تغير وجهه تغيرا ينكر لا تستريح له، ~~وضربوا للوجه الكالح مثلا برأس الخروف المشوية التي غيرت النار ~~ملامحها، فأصبحت مشوهة كالحة تلتصق الشفة العليا بجبهته، والسفلى ~~بصدره، فتظهر أسنانه في شكل منفر. بعد ذلك يخاطبهم الحق سبحانه خطابا ~~يلقي اللوم عليه ويحملهم مسئولية ما وصلوا إليه، فلم يعذبهم ربهم ~~ابتداء، إنما عذبهم بعد أن أنذرهم، وأرسل إليهم رسولا يحمل منهجا يبين ~~ثواب الطائع وعقاب العاصي، ونبههم إلى كل شيء، ومع ذلك عصوا ~~وكذبوا، ولم يستأنفوا عملا جديدا على وفق ما أمر الله. إذن: فهم ~~المقصرون. ### || [23.105] # يعني: أنتم السبب فيما أنتم فيه من العذاب، فليس للناس على الله حجة بعد ~~الرسل، وليس لأحد عذر بعد ms6859 البلاغ، لذلك حينما يدخل أهل النار النار ~~يخاطبهم ربهم: # ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ~~ربكم.. # [الزمر: 71]. فالآية تثبت أنهم هم المذنبون أمام نفوسهم: # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 118] فلم نفاجئهم بعقوبة على شيء لم نبصرهم به، إنما أرسلنا ~~إليهم رسولا يأمرهم وينهاهم ويبشرهم وينذرهم. والإنذار بالشر قبل أن ~~يقع نعمة من النعم، كما قلنا في سورة الرحمن عن قوله تعالى: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36] وهل النار والشواظ نعمة؟ نعم نعمة لأننا نحذرك منها قبل ~~وقوعها، وأنت ما زلت في سعة الدنيا، وأمامك فرصة الاستدراك. والآيات - ~~كما قلنا - تطلق على الآيات الكونية التي تلفت الناس إلى وجود الخالق ~~الأعلى الذي أنشأ هذا الكون بهذه الهندسة البديعة، وتطلق على المعجزات ~~التي تثبت صدق الرسول في البلاغ عن الله، وتطلق على الآيات الحاملة ~~للأحكام وهي آيات القرآن. وقد جئناكم بكل هذه الآيات تتلى عليكم ~~وتسمعونها وترونها، ومع ذلك كذبتم، ومعنى { تتلى عليكم.. } ~~[المؤمنون: 105] أننا نبهناكم إليها، ولفتنا أنظاركم إلى تأملها، حتى ~~لا تقولوا: غفلنا عنها. ### || [23.106] # { شقوتنا.. } [المؤمنون: 106] أي: الشقاوة وهي الألم الذي يملك كل ~~ملكات النفس لا يترك منها جانبا، يقولون: فلان شقي يعني مضيق عليه ~~ومتعب في كل أمور حياته، لا يرى راحة في شيء منها. وكأنهم بقولهم: { ~~غلبت علينا شقوتنا.. } [المؤمنون: 106] يريدون أن يبعدوا ~~المسألة عن أنفسهم ويلقون بها عند الله تعالى، يقولون: يا رب لقد كتبت ~~علينا الشقوة من الأزل، فلا ذنب لنا، وكيف نسعد نحن أنفسنا؟ يقولون: لو ~~شاء ربنا ما فعلنا ذلك. ونقول لهم: لقد كتب الله عليكم أزلا لأنه سبحانة ~~علم أنكم ستختارون هذا. ### || [23.107] # فوصفوا أنفسهم بالظلم، كما قال سبحانه عنهم في آية أخرى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]. فيقول الحق سبحانه: { قال اخسئوا فيها... }. ### || [23.108] # { اخسئوا } [المؤمنون: 108] كلمة بليغة في الزجر تعني: السكوت مع ~~الذلة والهوان لذلك يقولونها للكلاب، وقد تقول لصاحبك: اسكت على سبيل ~~التكريم ms6860 له، كما لو حدثك عن فضلك عليه، وأنك قدمت له كذا وكذا ~~فتقول له: اسكت اسكت، تريد له العزة، وألا يقف أمامك موقف الضعف ~~والذلة. والخسوء من معانيها أنك تضعف عن تحمل الشيء، كما في قوله ~~تعالى: # ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير # [الملك: 4] يعني: ضعيف عن تحمل الضوء. وفي قوله سبحانه: # ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت ~~فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين # [البقرة: 65] يعني: مطرودون مبعدون عن سمو الإنسانية وعزتها لذلك ~~نرى القردة مفضوحي السوءة، خفيفي الحركة بما لا يتناسب وكرامة ~~الإنسان. إذن: ليس المراد أنهم أصبحوا قردة، إنما كونوا على هيئة القردة ~~لذلك نراهم حتى الآن لا يهتمون بمسألة العرض وانكشاف العورة. إذن: ~~المعنى { اخسئوا فيها ولا تكلمون } [المؤمنون: 108] اسكتوا ~~سكوتا بذلة وهوان، ويكفي ما صنعتموه بالمؤمنين بي فيقول الحق سبحانه: ~~{ إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنآ آمنا... ~~}. ### || [23.109] # والمراد هنا الضعاف من المؤمنين أمثال عمار وبلال وخباب بن الأرت، ~~وكانوا يقولون هذا الكلام، وهو كلام طيب لا يرد، بل يجب أن يسمع، وأن ~~يحتذى به، ويؤخذ قدوة. ### || [23.110] # تكلمنا عن هذه المسألة في قوله تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 29-36]. إذن: اتخذ الكفار ضعاف المؤمنين محل سخرية ~~واستهزاء، وبالغوا في ذلك، حتى لم يعد لهم شغل غير هذا، وحتى شغلهم ~~الاستهزاء والسخرية عن التفكر والتأمل فلم يبق عندهم طاقة فكرية تفكر ~~فيما آمن به هؤلاء، وهذا معنى: { حتى أنسوكم ذكري.. } ~~[المؤمنون: 110] أي: شغلكم الاستهزاء بالمؤمنين عن الإيمان بمن خلقكم ~~وخلقهم. ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد من السخرية، إنما تعداه إلى أن ~~يضحكوا من أهل الإيمان، ويضحكوا أهلهم { وكنتم منهم ~~تضحكون } [المؤمنون: 110] وفي الآية الأخرى: # وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا ms6861 فكهين # [المطففين: 31] وسخرية أهل الباطل من أهل الحق موجودة في كل زمان، وحتى ~~الآن نرى من يسخرون من أهل الاستقامة والدين والورع ويتندرون بهم. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { إني جزيتهم اليوم بما صبروا ~~أنهم... }. ### || [23.111] # لما صبر أهل الإيمان على الاستهزاء والسخرية عوضهم الله تكريما ~~ونعيما، وهذه مسألة يجب ألا يغفل عنها المؤمن حين يسخر منه أعداؤه، ~~عليه أن يتذكر عطاء ربه وجزاء صبره، وإن كان الساخر منك عبدا له قدرته ~~المحدودة، فالمكرم لك ربك بقدرة لا حدود لها، ولك أن تقارن إذن بين ~~مشقة الصبر على أذاهم، ولذة النعيم الذي تجده بعد ذلك جزاء صبرك. ### || [23.112] # لبث: مكث وأقام، فالمعنى: ما عدد السنين التي ظللتموها في الأرض، لكن ~~لماذا هذا السؤال؟ قالوا: لأن الذي شغلكم عن دين يضمن لكم ميعادا ~~خالدا، ونعيما باقيا هو الدنيا التي صرفتكم بزينتها وزخرفها وشهواتها ~~- وعلى فرض أنكم تمتعتم بهذا في الدنيا - فهل يقارن بما أعد ~~للمؤمنين في الآخرة من النعيم المقيم الذي لا يفوتهم ولا يفوتونه؟ ~~والقيامة حين تقوم ستقوم على قوم ماتوا في ساعتها، فيكون لبثهم قريبا، ~~وعلى أناس ماتوا من أيام آدم فيكون لبثهم طويلا، إذن: فاللبث في الأرض ~~مقول بالتشكيك كما يقولون، لكن هل يدرك الأموات المدة التي لبثوها في ~~الأرض؟ معلوم أنهم لا يدركون الزمن لأن إدراك الزمن إنما يتأتى بمشاهدة ~~الأحداث، فالميت لا يشعر بالزمن لأنه لا يعيش أحداثا، كالنائم لا يدري ~~المدة التي نامها، وكل من سئل هذا السؤال قال # يوما أو بعض يوم.. # [البقرة: 259]. قالها العزير الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه، ~~وقالها أهل الكهف الذين أنامهم الله ثلاثمائة سنة وتسعا لأن هذه هي أطول ~~مدة يمكن أن يتخيلها الإنسان لنومه، ولا يستطيع النائم تحديد ذلك بدقة ~~لأن الزمن ابن الحدث، فإن انعدم الحدث انعدم الزمن. لذلك يقول تعالى ~~عمن ماتوا حتى من أيام آدم عليه السلام: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46]. وكذلك يقول هؤلاء أيضا في الإجابة على هذا ms6862 السؤال: { ~~قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل... }. ### || [23.113] # أي: أصحاب العد الذين يمكنهم العد والحساب لأننا لم نكن في وعينا ~~لنعد كما لبثنا، والمراد بالعادين هم الملائكة الذين يعدون الأيام ~~ويحسبونها. ### || [23.114] # إن: بمعنى ما، يعني: ما لبثتم إلا قليلا، فمهما قدرتم من طول ~~الحياة حتى من مات منذ أيام آدم عليه السلام، فسيكون قليلا بالمقارنة ~~بالزمن الذي ينتظركم في الجزاء الأخروي، فما لبثتموه في الدنيا لا يقاس ~~بعذاب الآخرة الممتد الباقي، هذا { لو أنكم كنتم تعلمون ~~} [المؤمنون: 114] تعلمون طول ما تصيرون إليه من العذاب الخالد المقيم. ### || [23.115] # حسبتم ظننتم يعني: ماذا كنتم تظنون في خلقنا لكم؟ كما قال في موضع ~~آخر: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2] وكلمة { عبثا.. } [المؤمنون: 115] العبث هو الفعل ~~الذي لا غاية له ولا فائدة منه، كما تقول: فيم تعبث؟ لمن يفعل فعلا ~~لا جدوى منه، وغير العبث نقول: الجد ونقول: اللعب واللهو، كلها أفعال في ~~حركات الحياة. لكن الجد: هو أن تعمل العمل لغاية مرسومة. أما اللعب فهو ~~أن تعمل عملا هو في واقع الأمر لا غاية له الآن إلا دربتك أنت على ~~الحركة وشغل ملكاتك حتى لا تتوجه إلى فساد شيء أو الإضرار بشيء، كما ~~تشتري لولدك لعبة يلهو بها، وينشغل بها عن الأشياء القيمة في المنزل، ~~والتي إن لعب بها حطمها، فأنت تصرف حركاته إلى شيء لتمنعه عن أشياء ~~ضارة، أو تعلمه باللعب شيئا يفيده فيما بعد، كالسباحة أو ركوب الخيل. ~~واللهو كاللعب في أنه يكون لغاية قد تأتي بعد، أو لغاية تنفي ضررا، إلا ~~أن اللعب حين تزاوله لا يشغلك عن مطلوب، أما اللهو فهو الذي يشغلك عن ~~مطلوب، فمثلا الطفل دون السابعة يلعب في أوقات الصلاة، فيسمى فعله ~~لعبا، فإن كان في العاشرة يسمي فعله لهوا لأنه شغله عن الصلاة، ~~وهي واجبة عليه. واللعب يدربك على أشياء قد تحتاجها وقت الجد فتكون سهلة ~~عليك، أما العبث فلا فائدة منه، لذلك قال سبحانه: { أفحسبتم ~~أنما ms6863 خلقناكم عبثا.. } [المؤمنون: 115] فنفى أن يكون ~~الخلق عبثا بلا غاية لأن الله تعالى خلق الخلق لغاية مرسومة، ووضع ~~لهم منهجا يحدد هذه الغاية، ولا يضع المنهج للخلق إلا الخالق. كما ~~قلنا سابقا: إن الصانع الذي صنع هذا الميكروفون لم يصنعه ثم طلب منا أن ~~نبحث له عن مهمة، إنما قبل أن يصنعه حدد له مهمته والغاية منه، وهي أن ~~ينقل الصوت لمسافات بعيدة، إذن: فالغاية مرسومة بداية وقبل العمل. فالذي ~~يحدد الغاية هو الصانع المبدع للشيء، وهو أيضا الذي يحدد صلاح الصنعة ~~لغايتها، ويحدد قانون صيانتها لتؤدي مهمتها على أكمل وجه، وأنت أيها ~~الإنسان صنعة الله فدعه يحدد لك غايتك، ويضع لك منهج حياتك وقانون ~~صيانتك، بافعل كذا ولا تفعل كذا. إذن: فساد الدنيا يأتي من أن الصنعة ~~تريد أن تأخذ حق الصانع في تحديد الغاية، وفي تحديد المنهج، وقانون ~~الصيانة، وليس من مهمتها ذلك، والخالق حينما يحدد لك الغاية يضع لك ~~المنهج الذي يعينك على غايتك، إنما أنت: متى تستطيع أن تدرك الأشياء ~~لتضع غاية أو تضع قانون الصيانة؟ إنك لا يمكن أن تبلغ هذا المبلغ قبل ~~سن العشرين على أحسن تقدير، فمن - إذن - يضع لك غايتك وقانون صيانتك ~~قبل هذه السن؟ لا أحد غير خالقك عز وجل، ولن يستقيم الحال إلا إذا ~~تركنا الصنعة للصانع غاية ومنهجا وصيانة. # وكيف تظن أن الله تعالى خلقك عبثا، وهو الذي استدعاك للوجود وأعد لك ~~مقومات حياتك وضرورياتها، وحثك بإعمال عقلك في هذه المقومات لتستطيع ~~أن ترفه بالطاقة والقدرة المخلوقة لله تعالى لتسعد نفسك وترفه ~~حياتك. وقد كنا في الماضي نجلس على ضوء المسرجة، والآن على أضواء النيون ~~والكريستال، ومهما ترفهت حياتك وتوفرت لك وسائل الراحة فلا تنس أنها ~~عطاء من الله في المادة وفي الطاقة وفي العقل المفكر، كلها مخلوقة لله ~~عز وجل، لا تملك أنت منها شيئا، بدليل أن الله إذا سلبك العقل لصرت ~~مجنونا، ولو سلبك الطاقة والقدرة لصرت ضعيفا لا تستطيع مجرد التنفس، ~~فهذه نعم موهوبة لك ليست ms6864 ذاتية فيك. إذن: عليك أن تتأمل في خالقك عز ~~وجل، وما وهبك من مقومات الحياة، لتعلم أن هذا الخلق لا يمكن أن يكون ~~عبثا، ولا بد أن له غاية رسمها الخالق سبحانه، وأنت في ذاتك تحاول أن ~~تضع لك غاية في جزئية ما من الغاية الكبرى التي خلقك الله لها. ألا ترى ~~الولد الصغير كيف تعتني به وتعلمه وتنفق عليه مرحلة بعد الأخرى، حتى ~~يصل إلى الجامعة، وتتعلق أنت بأمل كبير في أن يكون لولدك هذا مكانة في ~~المجتمع ومنزلة بين الناس؟ هذه العملية في حد ذاتها غاية، لكن بعد أن ~~يحصل على الوظيفة المرموقة والمكانة والمنزلة ينتهي الأمر بالموت. إذن: ~~لا بد من وجود غاية أخرى أعظم من هذه، غاية لا يدركها الفناء، وليس ~~لها بعد، هذه الغاية الكبرى هي لقاء الله وملاقاة الجزاء، إما إلى الجنة ~~وإما إلى النار. وعلينا أن نأخذ كل مسائل الحياة وجزئياتها في ضوء هذه ~~الحقيقة، أننا لم نخلق عبثا، بل لغاية مرادة لله، ولها أسباب توصل ~~إليها. ثم يقول سبحانه: { وأنكم إلينا لا ترجعون } ~~[المؤمنون: 115] ترجعون يعني: رغما عنكم، ودون إرادتكم، كأن شيئا ~~ما يسوقهم، كما في قوله تعالى: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13] يعني: يدفعون إليها، ويضربون على أقفائهم، ويساقون ~~سوق الدواب. ### || [23.116] # { فتعالى.. } [المؤمنون: 116] تنزه وتقدس، وكلمة العلو تعني علو ~~المنزلة. نقول: علا فلان على فلان، أما حين نقول: تعالى الله، فالمراد ~~العلو الأعلى، وإن وهب علوا للغير فهو علو الداني، وعلو المتغير، بدليل ~~أنه تعالى يعليك، وإن شاء سلبك، فالعلو ليس ذاتيا فيك. وكلمة الملك ~~نعرفها فيمن يملك قطعة من الأرض بمن فيها ويحكم وله رعية، ومن هذه ~~المادة: المالك. ويطلق على أي مالك لأي شيء، ولو لم يكن لديه إلا ~~الثوب الذي يلبسه فهو مالك، أما: الملك فهو من يملك الذين يملكون، ~~فله ملك على المالكين، وهذا الملك لم يأخذ ملكه بذاته، إنما بإيتاء ~~الله له. لذلك يقول تعالى: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ms6865 ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء.. # [آل عمران: 26]. فلو كان ملك هؤلاء الملوك ذاتيا ما نزع منهم، ~~ألا ترى الملك من ملوك الدنيا يقوى ويستتب له الأمر، ويكون له صولجان ~~وبطش وفتك.. إلخ، ومع كل هذا لا يستطيع الاحتفاظ بملكه؟ وفي لحظة ~~ينهار هذا الملك ولو على يد جندي من جنوده، بل وربما تلفظه بلاده، ولا ~~تقبل حتى أن يدفن بها، وتتطوع له بعض الدول، وتقبل أن تواري رفاته ~~بأرضها، فأي ملك هذا؟ وهذه آية من الآيات نراها في كل عصر - وكأنها ~~قائمة - دليلا على صدق الآية: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء.. # [آل عمران: 26] إذن: إن ملكك الله فاعلم أنه ملك موهوب، مهما استتب ~~لك فلا تضمن بقاءه لأن الله تعالى ملكك لغاية، ولا يملك الغاية إلا هو ~~سبحانه. لذلك كان الحق - سبحانه وتعالى - { الملك الحق.. } ~~[المؤمنون: 116] يعني: الذي لا يزحزحه أحد عن ملكه، أو يسلبه منه، وهو ~~الذي يتصرف في ملكه كيف يشاء لا ينازعه فيه أحد، وإن أعطى من باطن ~~ملكه تعالى ملكا لأحد، فيظل في يده سبحانه زمام هذا الملك، إن شاء ~~بسطه، وإن شاء سلبه ونزعه. فهو وحده الملك الحق، أما غيره فملكهم ~~موهوب مسلوب، وإن ملك سبحانه أناسا. أمر أناس في الدنيا يأتي يوم ~~القيامة فيقول: # لمن الملك اليوم.. # [غافر: 16]. وتلحظ أن كلمة # تؤتي الملك.. # [آل عمران: 26] سهلة على خلاف # وتنزع الملك.. # [آل عمران: 26]، ففي النزع دليل على المشقة والمعاناة لأن صاحب الملك ~~يحاول أن يتمسك به ويتشبث وينازع، لكن أينازع الله؟ فقوله سبحانه: { ~~فتعالى الله الملك الحق.. } [المؤمنون: 116] المراد: ~~تعالى عن أن يكون خلقكم عبثا، وتعالى عن أن تشردوا من قبضته، أو ~~تخرجوا عن نفوذه، أو تستقلوا بخلقكم عن سيطرته، وتعالى أن تفلتوا ~~من عقابة أو تمتنعوا عنه لأنه لا إله غيره: { لا إله إلا هو ~~رب العرش الكريم } [المؤمنون: 116]. # فالحق تبارك وتعالى يحكم في إطار: # قل ms6866 هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم ~~يولد * ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 1-4]. فإذا قال لك شيئا فاعلم أنه لا إله غيره يعارضه. ~~والعرش: رمز لاستتباب الأمر للمالك لأنه ينشغل بتدبير ملكه والقضاء ~~على المناوئين له وتأديب أعدائه، فإذا ما استتب له ذلك جلس على عرشه، ~~إذن: الجلوس على العرش يعني استقرار الأمور واستتباب أمر الملك لذلك فإن ~~الحق سبحانه بعد أن خلق الخلق استوى على العرش. والعرش يفيد أيضا ~~السيطرة والتحكم، وعرش الله عرش كريم لأنه تعالى عليك لا ليذلك ~~ويهينك، وإنما تعالى عليك ليعاليك إليه ويعطيك من فضله. كما سبق أن ~~قلنا: إن من مصلحتنا أن يكون الله تعالى متكبرا، ومن عظمة الحق ~~سبحانه أن يكون له الكبرياء، فساعة يعلم الجميع أن الكبرياء لله وحدة لا ~~يتكبر أحد على أحد. يقول الحق سبحانه: # وله الكبريآء في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم # [الجاثية: 37]. لذلك يقولون في الأمثال: اللي ملوش كبير يشتري له كبير ~~يعني: ليعيش في ظله، فالحق - تبارك وتعالى - يتعالى لصالح خلقه. ومن ~~ذلك ما قلناه في مسألة العبودية، وأنها مكروهه ثقيلة إن كانت للبشر ~~لأن السيد يأخذ خير عبده، إنما هي محبوبة إن كانت لله تعالى لأن ~~العبودية لله يأخذ العبد خير ربه. فإن كانت عروش الدنيا للسيطرة ~~والتحكم في مصائر الناس وامتصاص دمائهم وأخذ خيراتهم، فعرش ربك عرش ~~كريم، والكريم في كل شيء أشرف غاياته، اقرأ قوله تعالى: # كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم # [الدخان: 25-26]. وحين يوصينا بالوالدين، يقول سبحانه: # ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما # [الإسراء: 23]. فالعرش الكريم أشرف غايات الملك لأن الملك ليس ~~تسلطا وقهرا، إنما هو ملك لصالح الناس، والحق - تبارك وتعالى - ~~حينما خلق الحياة وزع فيها أسباب الفضل، ولكنه جعل فيها القوي القادر، ~~وجعل فيها الضعيف العاجز، ثم أمر القوي أن يأخذ بيد الضعيف، وأن يعوله، ~~فالكرم استطراق نفع القوى للضعيف، فكل خصلة من خصال الخير توصف بالكرم. ~~إذن: إياك أن تفهم أن عرش ربك للسيطرة ms6867 والعلو والجبروت لأنه عرش كريم. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ومن يدع مع الله إلها آخر لا ~~برهان له... }. ### || [23.117] # { يدع مع الله.. } [المؤمنون: 117] يعني: يعبد مع الله، ~~والعبادة طاعة المعبود في أمره ونهيه، لكن كيف تدعو إلها، لا ينفعك ~~ولا يضرك، ولا برهان عندك على ألوهيته؟ لذلك هدده سبحانه وتوعده ~~بقوله: { فإنما حسابه عند ربه.. } [المؤمنون: 117] أي: ~~ربه الحق { إنه لا يفلح الكافرون } [المؤمنون: 117]. ~~وعجيب أن تبدأ السورة بقوله تعالى: { قد أفلح المؤمنون } ~~[المؤمنون: 1] وتنتهي بقوله: { إنه لا يفلح الكافرون } ~~[المؤمنون: 117] أي: بنقيض ما بدأت به، وعليك أنت أن تتأمل ما بين هذين ~~القوسين، وما دامت المسألة مسألة إيمان يفلح أهله، وكفر لا يفلح أهله، ~~فتمسكوا بربكم، والتزموا منهجه في افعل و لا تفعل. وإن غلبتكم النفس ~~على شيء من الذنوب فتذكروا: { وقل رب اغفر وارحم... }. ### || [23.118] # إن هفوتم هفوة فإياكم أن تنسوا هذه الحقيقة، والجئوا إلى ربكم فإنه ~~غفار شرع لكم التوبة لتتوبوا، والاستغفار لتستغفروا، وهو سبحانه أرحم بكم ~~من الوالدة بولدها، وهو خير الراحمين. والمعنى { اغفر.. } [المؤمنون: ~~118] أي: الذنوب السابقة الماضية { وارحم.. } [المؤمنون: 118] أي: ~~ارحمنا أن نقع في الذنوب فيما بعد، واعصمنا في مستقبل حياتنا من الزلل. ~~إذن: تمسك بربك وبمنهج ربك في كل حال، لا يصرفك عنه صارف. ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1] # اسمها سورة النور، وإذا استقرأنا موضوع المسمى أو المعنون له بسورة ~~النور تجد النور شائعا في كل أعطافها - لا أقول آياتها ولا أقول كلماتها ~~- ولكن النور شائع في كل حروفها، لماذا؟ قالوا: لأن النور من الألفاظ ~~التي يدل عليها نطقها ويعرفها أكثر من أي تعريف آخر، فالناس تعرف النور ~~بمجرد نطق هذه الكلمة، والنور لا يعرف إلا بحقيقة ما يؤديه، وهو ما ~~تتضح به المرئيات، وتتجلى به الكائنات، فلولا هذا النور ما كنا نرى ~~شيئا. إذن: يعرف النور بخاصيته، وهو الذي يجعل لك قدرة على أن ترى ~~المرئيات، بدليل أنها إن كانت في ظلمة لا تراها. إذن: فالنور لا يرى، ~~ولكن نرى به الأشياء، فالله ms6868 تعالى نور السماوات والأرض ينورهما لنا، ~~لكن لا نراه سبحانه. لكن، هل كل الأشياء مرائي؟ أليس منها المسموع ~~والمشموم والمتذوق؟ قالوا: نعم، لكن الدليل الأول على كل هذه وفعل ~~الحوادث هي المرئيات؟ لأن كل أدلة الكون مرئية نراها أولا، ثم حين تسمع، ~~وحين تشم، وحين تلمس، وحين تميز الثقيل من الخفيف، أو القريب من البعيد. ~~فهذا كله فرع ما يوجد فيك، بعد ما تؤمن أن الله الذي أوجدك هو الذي أوجد ~~لك كل شيء، فإذا ما نظرت إلى النور وجدت النور أمرا حسيا ترى به ~~الأشياء. وكانوا في الماضي يعتقدون أن الإنسان يبصر الأشياء بشعاع يخرج ~~من العين، فيسقط على الشيء فتراه، إلى أن جاء العالم الإسلامي الحسن بن ~~الهيثم، وأبطل هذه النظرية وقال: إن الشعاع يأتي من المرئي إلى العين ~~فتراه، وليس العكس، واستدل على ذلك بأن الشيء إن كان في الظلام لا نراه، ~~ونحن في النور، فلو أن الشعاع يخرج منك لرأيته. وفي ضوء هذه النظرية ~~فهمنا قوله تعالى: # وجعلنآ آية النهار مبصرة.. # [الإسراء: 12] فهي مبصرة لأن الشعاع يأتي من هناك، فكأنها هي التي ~~ترى. لكن، ما نفع هذا النور الحسي للإنسان الخليفة في الأرض؟ أنت حين ~~ترى الأشياء تتعامل معها تعاملا يعطيك خيرها ويكف عنك شرها، ولو لم ~~تر الأشياء ما أمكنك التعامل معها، وإلا فكيف تسير في مكان مظلم فيه ما ~~يؤذيك مثل الثعابين أو زجاج متكسر؟ إذن: لا تستطيع أن تهتدي إلى مواضع ~~قدمك، وتأخذ خير الأشياء، وتتجنب شرها إلا بالنور الحسي، كذلك إن ~~سرت في ظلمة وعلى غير هدى، فلا بد أن تصطدم بأقوى منك فيحطمك، ~~أو بأضعف منك فتحطمه. لذلك سمى الحق - تبارك وتعالى - المنهج الذي ~~يهديك في دروب الحياة نورا. والناس حين لا يوجد النور الرباني الإلهي ~~يصنعون لأنفسهم أنوارا على قدر إمكاناتهم وبيئاتهم بداية من المسرجة ~~ولمبة الجاز، وكان الناس يتفاوتون حتى في هذه - حتى عصر الكهرباء ~~والفلوروسنت والنيون وخلافه من وسائل الإضاءة التي يتفاوت فيها الناس ~~تفاوتا كبيرا، هذا في ms6869 الليل، فإذا ما أشرقت الشمس أطفأ الجميع أنوارهم ~~ومصابيحهم، لماذا؟ لأن مصباح الله قد ظهر واستوى فيه الجميع لا يتميز فيه ~~أحد عن أحد. # وكذلك النور المعنوي نور المنهج الذي يهديك إن كان لله فيه توجيه، ~~فأطفىء مصابيح توجيه البشر لا يصح أن تستضيء بنور ونور ربك موجود، بل ~~عليك أن تبادر وتأخذ ما تقدر عليه من نور ربك، فكما أخذت نور الله ~~الحسي فألغيت به كل الأنوار، فخذ نور الله في القيم، خذ نور الله ~~في الأخلاق وفي المعاملات وفي السلوك يغنيك هذا عن أي نور من أنوار ~~البشر ومناهجهم. ألا ترى النمرود كيف بهت حينما قطع عليه إبراهيم - ~~عليه السلام - جدله وألجأه إلى الحجة التي لا يستطيع الفكاك منها، حين ~~قال له: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب.. # [البقرة: 258]. والحق - تبارك وتعالى - يفيض من أنواره وصفات كماله على ~~خلقه الذين جعلهم خلفاء له سبحانه في الأرض، فقال: # إني جاعل في الأرض خليفة.. # [البقرة: 30] والخليفة في الأرض ليس جيلا واحدا خلقه الله واستخلفه في ~~الأرض إلى قيام الساعة، إنما الخليفة أجيال وأنسال تتوالى، يموت واحد ~~ويولد آخر في حلقات موصولة الأنسال لا الذوات. والخليفة لا ينجح في ~~خلافته إلا إذا سار فيها على وفق مراد من استخلفه، وآفة الناس في ~~خلافتهم لله في الأرض أن يعتبروا أنفسهم أصلاء لا خلفاء، فالخليفة في ~~ذهنه دائما هذه الخلافة لذلك يلتفت إلى الأصل، وينظر ماذا يريد منه ~~من استخلفه. والحق - تبارك وتعالى - جعل له خليفة في الأرض لتظهر عليه ~~سمات قدرته تعالى وصفات كماله، فالله تعالى قادر، الله عالم، الله حكيم، ~~الله غني، الله رحيم، الله غفور.. الخ وهو سبحانه يعطي من صفاته ويفيض ~~منها على خلقه وخليفته في أرضه بعضا من هذه الصفات، فيعطيك من قدرته ~~قدرة، ومن رحمته رحمة، ومن غنائه غنى، لكن تظل الصفة في يده تعالى أن ~~شاء سلبها، ألا ترى القوي قد يصير ضعيفا، والغني قد يصير فقيرا؟ ذلك ~~لنعلم أن هذه الصفات ms6870 ليست ذاتية فينا، وأن هذه الهبات ليست أصلا عندنا، ~~إنما هي فيض من فيض الله وهبة من هباته سبحانه، لذلك علينا أن نستعملها ~~وفق مراده تعالى، فإن أعطاك ربك القدرة فإنما أفاض بها عليك لتفيض ~~أنت بها على غيرك، أعطاك العلم لتنثره على الناس، أعطاك الغنى لترعى حق ~~الفقير. إذن: ما دام أن الله تعالى أفاض عليك من صفات الكمال واحتفظ هو ~~سبحانه بملكية هذه الصفات، فإن شاء سلبها منك، فعليك أن تستغل الفرصة ~~وتنتهز وجود هذه الخصلة عندك، فتثمرها فيما أراده الله منك قبل أن ~~تسلب، حتى إذا سلبت منك نالتك من غيرك. # فتصدق وأنت غني لتنال صدقة الآخرين إن أصابك الفقر، وأكرم اليتيم ~~لتجد من يكرم يتيمك من بعدك، فإن قابلت أحداث الحياة بهذه النظرة ~~اطمأن قلبك، وأمنت من حوادث الزمن، واستقبلت الأحداث بالرضا، وكيف ~~تهتم وأنت في مجتمع يرعاك كما رعيته، ويحملك كما حملته، ويتعاون معك كما ~~تعاونت معه؟ وصدق الله تعالى حين قال: # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]. إذن: الحق - تبارك وتعالى - يريد من خليفته في أرضه أن ~~يكون جماعا لصفات الكمال التي تسعد الخلق بآثار الخالق فيهم، وهذه ~~هي الخلافة الحقة. وسورة النور جاءت لتحمل نور المعنويات، نور القيم، نور ~~التعامل، نور الأخلاق، نور الإدارة والتصرف، وما دام أن الله تعالى وضع ~~لنا هذا النور فلا يصح للبشر أن يضعوا لأنفسهم قوانين أخرى لأنه كما قال ~~سبحانه: # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور: 40] فلو لم تكن هذه الشمس ما استطاع أحد أن يصنع لنفسه نورا ~~أبدا. فالحق - تبارك وتعالى - يريد لخليفته في أرضه أن يكون طاهرا ~~شريفا كريما عزيزا لذلك وضع له من القوانين ما يكفل له هذه الغاية، ~~وأول هذه القوانين وأهمها قانون التقاء الرجل والمرأة التقاء سليما في ~~وضح النهار لينتج عن هذا اللقاء نسل طاهر جدير بخلافة الله في أرضه ~~لذلك أول ما تكلم الحق سبحانه ms6871 في هذه السورة تكلم عن مسألة الزنى. ~~والعجيب أن تأتي هذه السورة بعد سورة المؤمنون التي قال الله في أولها # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1] ثم ذكر من هؤلاء المؤمنين المفلحين # والذين هم لفروجهم حافظون # [المؤمنون: 5] وهنا قال: # الزانية والزاني.. # [النور: 2] فجاء بالمقابل للذين هم لفروجهم حافظون. نفهم من هذا أنه لا ~~يلتقي رجل وامرأة إلا على نور من الله وهدى من شريعته الحكيمة لأنه عز ~~وجل هو خالق الإنسان، وهو أعلم بما يصلحه، وهو خالق ذراته، ويعلم كيف ~~تنسجم هذه الذرات بعضها البعض، وهو سبحانه خالق ملكات النفس، ويعلم كيف ~~تتعايش هذه الملكات ولا تتنافر. إذن: طبيعي أن أردت أن تنشىء خليفة في ~~الكون على غير مراد الله وعلى غير مواصفات الحق، لا بد أن يضطرب ~~الكون وتتصارع فيه ملكات النفس، وماذا تنتظر من هذا الخليفة إن جاء في ~~الظلام؟ ساعتها تظهر أمراض النسل من وأد الأولاد وقتلهم حتى في بطون ~~الأمهات، وقد يتشكك الرجل في ولده، فيبغضه ويهمله ويتركه للتشرد. إذن: ~~لن تستقيم هذه المسألة إلا حين يأتي الخليفة وفق مواصفات ربه، وأن ~~يلتقي الزوجان على ما شرع الله في وضح النهار، لا أن يندس كل منهما على ~~الآخر في ظلمة الإثم، فيحدث المحظور الذي تختلط به الأنساب، ويتفكك رباط ~~المجتمع. # إن من أقسى تجارب الحياة على المرء أن يشك في نسبة ولده إليه، وأن ~~تعتصره هذه الفكرة، فيهمل ولده وفلذة كبده، وينفق هنا وهناك ويحرمه على ~~خلاف النسل الطاهر، حيث يتلهف الأب لولده، ويجوع ليشبع، ويتعرى ليلبس. ~~فالحق سبحانه يريد النسل المحضون بالأبوين في أبوة صحيحة شرعية وأمومة ~~صحيحة شرعية اجتمعا على نور الله. ولك أن تجري مقارنة بين امرأة حملت ~~سفاحا وأخرى حملت حملا شرعيا طاهرا، ستجد الأولى تحمله على مضض ~~وكره، وتود أن تتخلص منه وهو جنين في بطنها، فإن تحاملت على ~~نفسها إلى حين ولادته تخلصت منه في ليلتها ولو بإلقائه على قارعة ~~الطريق. أما صاحبة الحمل الشرعي فتتلهف على الولد، وإن تأخر بعض الوقت ms6872 ~~صارت قلقة تدور بين الأطباء، فإن أكرمها الله بالحمل طارت به فرحا ~~وفخرا، وحافظت عليه في مشيها وحركاتها ونومها وقيامها إلى حين الوضع، ~~فتتحمل آلامه راضية ثم تحتضنه وترضعه وتعيش حياتها في خدمته ورعايته. ~~فالله يريد أن يأتي خليفته في أرضه من إخصاب طاهر على أعين الناس ~~جميعا وفي نور الله المعنوي، يريد للزوج أن يأتي من الباب في ضوء هذا ~~النور، لا أن يتلصص في الظلام من باب الخدم. لذلك يتوعد الحق - سبحانه ~~وتعالى - من يخالف هذا المنهج ويريد أن يفسد شرف الخلافة التي يريدها ~~الله طاهرة، ويدنس النسل، ويوغر الصدور بالأحقاد والعداوات، ويزرع ~~الشك في نفوس الخلق، وجرائم العرض لا يقتصر ضررها على العداوات الشخصية ~~إنما تتعدى هذه إلى الإضرار بالمجتمع كله. وانظر إلى الإيدز الذي يهدد ~~المجتمعات الآن، وهو ناتج عن الالتقاء غير الشرعي، وخطر الإيدز لا يقتصر ~~على طرفيه إنما يتعداها إلى الغير، إذن: من صالح المجتمع كله أن نقيم ~~حد الزنا حتى لا يستشري هذا الداء. ونعجب من هؤلاء الذين يهاجمون شرع ~~الله في مسألة الحدود حين تقضي برجم الزاني المحصن حتى الموت، ألا ~~يعلم هؤلاء أننا نضحي بواحد لنحفظ سلامة الملايين في صحة وعافية؟ ~~ألا يرون ما يحدث مثلا في وباء الطاعون الذي أعجز العلماء حتى الآن، ~~ولم يجدوا له علاجا، وكيف أن الشرع أمرنا إن نزل الطاعون بأرض ألا ~~نذهب إليها، وأمر من فيها ألا يخرجوا منها، لماذا؟ لنحصر هذا الوباء ~~حتى لا يستشري بين الناس. كذلك الحال في مسألة الزنا لأن الزاني لا يقتصر ~~شره عليه وحده، إنما يتعدى شره إلى المجتمع كله، مع مراعاة أن الشرع ~~فرق بين الزاني المحصن وغير المحصن، وكذلك الزانية، ففي حالة الإحصان ~~تتعدد الماءات في المكان الواحد ، لذلك سئلنا في سان فرانسيسكو: لماذا ~~أبحتم تعدد الزوجات، ولم تبيحوا تعدد الأزواج؟ هذا منهم على سبيل ~~قياس الرجل على المرأة: لماذا لا تتزوج المرأة وتجمع بين أربعة رجال؟ ~~قلت: اسألوهم، أليس عندهم أماكن يستريح فيها الشباب جنسيا - يعني ms6873 بيوت ~~للدعارة - قالوا: نعم في بعض الولايات، قلت: فبماذا احتطتم لصحة المجتمع ~~وسلامته؟ قالوا: نجري عليهم كشفا دوريا كل أسبوع، قلت: وهل هذا الكشف ~~الدوري يستوعب الجميع؟ أم أنه مجرد ششن وعينات عشوائية. # إذن: من الممكن أن يتسرب المرض بين هؤلاء الشباب، وهب أنك أجريت على ~~إحداهن الكشف يوم الأحد مثلا، وفي يوم الاثنين جاءها المرض، فإلى كم ~~واحد سينتقل المرض إلى أن يأتي الأحد القادم؟ فهذه مسألة لا تستطيع ~~السيطرة فيها على الداء. ثم أتجرون هذه الفحوصات على المتزوجين ~~والمتزوجات؟ وهل اكتشفتم بينهم مثل هذه الأمراض؟ قالوا: لا لم يحدث أن ~~اكتشفنا هذا بين المتزوجين. قلت: إذن كان عليكم أن تنتبهوا إلى سبب هذه ~~الداءات، وأنها تأتي من تعدد ماءات الرجال في المكان الواحد لأن كل ماء ~~سياله وله ميكروبات تتصارع، إن اجتمعت في المكان الواحد فينشأ منها ~~المرض. لكن حين يكون للزوجة زوج واحد، فلن نرى مثل هذه الداءات في ~~المجتمع، ومن هنا يأتي دور الوازع الديني، فإن فقد الوازع الديني فلا ~~بد من الوازع الحسي ليزجر مثل هؤلاء ويوقفهم عند حدود الله رغما ~~عنهم، حتى وإن لم يكونوا يؤمنون بها. إذن: هذه أقضية ومشاكل وداءات ~~حدثت للناس بقدر ما أحدثوا من الفجور، وبقدر ما انتهكوا من حرمات ~~الله، وانظر مثلا لمن يضطر للسفر إلى مثل هذه البلاد، كم يكون حذرا ~~مفزعا حين يقيم مثلا في فندق، فيأخذ أدواته الشخصية، ويخاف أن ~~يستعمل أشياء غيره، ويحرص على نظافة المكان وتغيير الفراش قبل أن ينام ~~عليه.. الخ كل هذه الاحتياطات. فالشرع حين يأمر بقتل الزاني أو الزانية ~~إنما فعل ذلك ليسلم المجتمع بأسره، وكثيرا ما نواجه مثل هذه ~~الاعتراضات من أصحاب الرحمة الحمقاء والشعارات الجوفاء، أهم أرحم ~~بالخلق من الخالق؟ ألا يرون للزلزال أو لحوادث السيارات والطائرات ~~التي تحصد الآلاف من الأرواح؟ فلماذا هي الضجة حين نبتر العضو المريض من ~~المجتمع؟ قوله تعالى: { سورة أنزلناها وفرضناها.. } ~~[النور: 1] السورة: مأخوذة من سور البيت، وهي طائفة من نجوم القرآن أو ~~آياته ms6874 محوطة ببداية ونهاية، تحمل أحكاما وقد تكون طويلة كسورة البقرة، ~~أو قصيرة كالإخلاص والكوثر، فليس للسورة كمية مخصوصة لأنها توقيفية. { ~~أنزلناها.. } [النور: 1] نفهم من أنزل أن الإنزال من أعلى إلى من ~~هو أدنى منه، كما يكتب الموظف مثلا يريد التظلم لرئيسه: أرفع إليك كذا ~~وكذا، فيقول الأعلى: وأنا أنزلت القرار الفلاني، فالأدنى يرفع للأعلى، ~~والأعلى ينزل للأدنى. # لذلك يقول تعالى: أنزلنا حتى للشيء الذي لا ينزل من السماء، كما قال ~~سبحانه: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. # [الحديد: 25] فالحديد وإن كان مصدره الأرض، إلا أنه لا يكون إلا بقدرة ~~الأعلى سبحانه. { وفرضناها.. } [النور: 1] الشيء المفروض يعني ~~الواجب أن يعمل لأن المشرع قاله وحكم به وقدره، ومنه قوله سبحانه: # فنصف ما فرضتم.. # [البقرة: 237] أي: نصف ما قدرتم، إذن: كل شيء له حكم في الشرع، فإن ~~الله تعالى مقدره تقديرا حكيما على قدره. وقوله تعالى: { ~~وأنزلنا فيهآ آيات بينات.. } [النور: 1] الآيات الواضحات، ~~وتطلق الآيات - كما قلنا - على الآيات الكونية التي تلفت أنظارنا إلى ~~قدرة الله وبديع صنعه، وتطلق على المعجزات التي تثبت صدق الرسل، ~~وتطلق على آيات القرآن الحاملة للأحكام. وفي هذه السورة كثير من الأحكام ~~إلى أن قال فيها الحق سبحانه: # الله نور السماوات والأرض.. # [النور: 35] وقال: # نور على نور.. # [النور: 35] فطالما أنكم أخذتم نور الدنيا، وأقررتم أنه الأحسن، وأنه ~~إذا ظهر ألغى جميع أنواركم، فكذلك خذوا نور التشريع واعملوا به واعلموا ~~أنه نور على نور. إذن: لديكم من الله نوران: نور حسي ونور معنوي. { ~~لعلكم تذكرون } [النور: 1] بعد أن قال سبحانه أنزلت كذا ~~وكذا أراد أن يلهب المشاعر لتستقبل آياته الاستقبال الحسن، وتطبق ~~أحكامه التطبيق الأمثل يقول: أنزلت إليكم كذا لعلكم تذكرون، ففيها حث ~~وإلهاب لنستفيد بتشريع الحق للخلق. ثم يتحدث الحق سبحانه عن أول قضية ~~فيما فرضه على عبادة: { الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مئة جلدة... }. ### || [24.2] # قلنا: إن الحق سبحانه تناول هذه المسألة حرصا على سلامة النشء، وطهارة ~~هذا الإنسان الذي جعله الله خليفة له في ms6875 الأرض، وحين نتأمل السياق ~~القرآني في هذه الآية نجد أن كلمة الزاني تدل على كل من الأنثى ~~والذكر، ففي اللغة الاسم الموصول: الذي للمفرد المذكر، والتي للمفردة ~~المؤنثة، واللذان للمثنى المذكر، واللتان للمثنى المؤنث، والذين لجمع ~~الذكور، واللائي لجمع الإناث. لكن هناك أسماء تدل على كل هذه الصيغ مثل: ~~من، ما، ال. تقول: جاء من أكرمني، وجاءت من أكرمتني، وجاء من ~~أكرموني. فكذلك ال في الزاني تدل على المؤنث وعلى المذكر، لكن الحق ~~سبحانه ذكرهما صراحة ليزيل ما قد يحدث عند البعض من خلاف: أيهما السبب ~~في هذه الجريمة، هذا الخلاف الذي وقع فيه حتى الأئمة والفقهاء، فهناك ~~من يقول: الزاني واطئ وفاعل، والمرأة موطوءة، فالفعل للرجل لا للمرأة، ~~فهو وحده الذي يتحمل هذه التبعة. لذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه يحكي # " أن رجلا ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله وطئت ~~امرأتي في رمضان. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " كفر ". # وأخذ الشافعي من هذا الحديث أن الكفارة إنما تكون على الرجل دون المرأة، ~~وإلا لقال له الرسول: كفرا. لكن يجب أن نفرق بين وطئ وجامع: الوطء ~~فعل الرجل حتى وإن كانت الزوجة كارهة رافضة، أما الجماع فهو حال الرضا ~~والقبول من الطرفين، وفي هذه الحالة تكون الكفارة عليهما معا لذلك صرح ~~الحق تبارك وتعالى بالزاني والزانية ليزيل هذه الشبهة وهذا الخلاف. ~~وأرى في هذه المسألة أن الذي استفتى رسول الله هو الرجل، ولو كانت ~~المرأة لقال لها أيضا: كفري، فالحكم خاص بمن استفتى. والمتأمل في ~~آيات الحدود يجد مثلا في حد السرقة قوله تعالى # والسارق والسارقة.. # [المائدة: 38] فبدأ بالمذكر، أما في حد الزنا فقال: { الزانية ~~والزاني.. } [النور: 2] فبدأ بالمؤنث، لماذا الاختلاف في التعبير ~~القرآني؟ قالوا: لأن دور المرأة في مسألة الزنا أعظم ومدخلها أوسع، فهي ~~التي تغري الرجل وتثيره وتهيج عواطفه لذلك أمر الحق - تبارك وتعالى - ~~الرجال بغض البصر وأمر النساء بعدم إبداء الزينة، ذلك ليسد نوافذ ~~هذه الجريمة ويمنع أسبابها. أما في حالة ms6876 السرقة فعادة يكون عبء ~~النفقة ومؤنة الحياة على كاهل الرجل، فهو المكلف بها لذلك يسرق الرجل، ~~أما المرأة فالعادة أنها في البيت تستقبل، وليس من مهمتها توفير تكاليف ~~الحياة، لكن لا مانع مع ذلك أن تسرق المرأة أيضا لذلك بدأ في السرقة ~~بالرجل. إذن: بمقارنة آيات القرآن تجد الكلام موزونا دقيقا غاية الدقة، ~~لكل كلمة ولكل حرف عطاؤه، فهو كلام رب حكيم، ولو كانت المسألة مجرد تقنين ~~عادي ما التفت إلى مثل هذه المسائل. # ثم يأتي الحد الرادع لهذه الجريمة { فاجلدوا كل واحد ~~منهما مئة جلدة.. } [النور: 2] اجلدوا: أمر، لكن لمن؟ لم ~~يقل أيها الحاكم أو القاضي لأن الأمر هنا للأمة كلها، فأمر إقامة الحدود ~~منوط بالأمة كلها، لكن أتنهض الأمة بأسرها وتعددها بفعل واحد في كل ~~مكان؟ قالوا: الأمة مثل النائب العام للوالي، عليه أن يختار من يراه ~~أهلا للولاية لينفذ له ما يريد، ومن ولى قاضيا فقد قضى، وما دام ~~الأمر كذلك فإياك أن تولي القضاء من لا يصلح للقضاء لأن التبعة - ~~إذن - ستكون عليك إن ظلم أو جار، فالواو والألف في { فاجلدوا.. } ~~[النور: 2] تدل على معان كبيرة، فالأمة في مجموعها لا تستطيع أن تجلد كل ~~زان أو زانية، لكن حين تولي إمامها بالبيعة، وحين تختاره ليقيم حدود ~~الله، فكأنها هي التي أقامت الحدود وهي التي نفذت. لذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " من ولى أحدا أمرا وفي الناس خير منه لا يشم رائحة الجنة ". # لماذا؟ لأنك حين تولي أمور الناس من لا يصلح لها في وجود من يصلح ~~إنما تشيع الفساد في المجتمع، ولا تظن أنك تستطيع أن تخفي شيئا عن ~~أعين الناس، فلهم من الوعي والانتباه ما يفرقون به بين الكفء وغيره، ~~وإن سكتوا وتغافلوا فإنهم يتساءلون من ورائك: لماذا ولى هذا، وترك من ~~هو أكفأ منه، لا بد أن له مؤهلات أخرى، دخل بها من الباب الخلفي، ~~ولماذا لا نفعل مثله؟ عندها تسود الفوضى وتضيع الحقوق وينتشر الإحباط ~~والتكاسل والخمول، ويحدث خلل في المجتمع ms6877 وتتعطل المصالح. ومع هذا كله لا ~~نستطيع أن نلوم الوالي حين يختار من لا يصلح قبل أن نلوم أنفسنا أولا، ~~فنحن الذين اخترناه ودلسنا في البيعة له، فسلطه الله علينا ليدلس ~~هو أيضا في اختياره، أما لو أدى كل منا واجبه في اختيار من يصلح ما ~~وصل إلى مراتب القيادة من يدلس على الناس، وبذلك تستقيم الأمور، ويتقرب ~~الإنسان للولاية بالعمل وبالجد والإخلاص والأمانة والصدق والتفاني في ~~خدمة المجتمع. ومن رحمة الله تعالى بالخلق أن يقذف الإخلاص وحب ~~العمل ويزرع الرحمة بالخلق في بعض القلوب لذلك ترى في كل مصلحة أو في كل ~~مكتب موظفا متواضعا يحب الناس ويحرص على قضاء مصالحهم، تراه يرتدي ~~نظارة سميكة يرى من خلالها بصعوبة، وهو دائما منكب على الأوراق ~~والملفات، ويقصده الخلق لقضاء مصالحهم: يا فلان أفندي، أعطني كذا، ~~واكتب لي كذا، وقد وسع الله صدره للناس فلا يرد أحدا. هذه المسائل ~~كلها نفهمها من الواو والألف في { فاجلدوا.. } [النور: 2] أما ~~الجلد فهو الضرب، نقول: جلده: يعني ضرب جلده، ورأسه: يعني ضرب ~~رأسه، وظهره: ضرب ظهره. # والجلد ضرب بكيفية خاصة، بحيث لا يقطع لحما ولا يكسر عظما لأن ~~الضربة حسب قوتها وحسب الآلة المستخدمة في الضرب، فمن الضرب ما يكسر ~~العظم ولا يقطع الجلد، ومنه ما يقطع الجلد ولا يكسر العظم، ومنه ما يؤلم ~~دون هذا أو ذاك. ثم يقول سبحانه: { ولا تأخذكم بهما رأفة ~~في دين الله.. } [النور: 2] تحذير من الرحمة الحمقاء، الرحمة في ~~غير محلها، وعلى حد قول الشاعر: # فقسا ليزدجروا ومن يك حازما # فليقس أحيانا على من يرحم # فالرأفة لا تكون في حدود الله، ارأفوا بهم في مسائلكم الخاصة فيما ~~بينكم، وعجيب أن تدعوا الرأفة في مسائل الحدود وأنتم من ناحية أخرى ~~تضربون وتسرقون أموال الناس، وتنتهكون حرماتهم، وتثيرون بينهم الفتنة ~~والحروب، فأين الرأفة إذن؟ إذن: لا مجال للرحمة وللرأفة في حدود الله، ~~فلسنا أرحم بالخلق من الخالق، وما وضعت الحدود حبا في تعذيب ~~الناس، إنما وضعت وشدد عليها لتمنع الوقوع ms6878 في الجريمة التي تستوجب ~~الحد، فقطع يد واحدة تمنع قطع آلاف الأيدي. والذين يتهمون الإسلام ~~بالقسوة والبشاعة في تطبيق الحدود أنسوا ما فعلوه في هيروشيما، وما ~~زالت آثاره حتى الآن؟ أنسوا الحروب التي يشعلونها في أنحاء العالم، والتي ~~تحصد آلاف الأرواح؟ أهي الرحمة الحمقاء التي لا معنى لها؟ أم هي الكراهية ~~لحدود الله؟ ونذكر في الماضي أنه كان يخرج مع فوج الحجيج قوة حماية ~~وحراسة من الجيش، تحمي الحجيج من قطاع الطرق، وكانوا يسمون بعثة الحج ~~هذه المحمل، فلما أقامت السعودية حكم الله وطبقت الحدود أمنت ~~الطرق، واستغنى الناس عن هذه الحراسات مع اتساعها وتشعب طرقها ووعورتها ~~بين الجبال والوديان والصحاري الشاسعة التي لا يمكن أن تحكمها أو تحرسها ~~عين بشر، لا بد لها من تقنين الخالق عز وجل. ومع ذلك حين أحصوا ~~الأيدي التي قطعت وجدوها قليلة جدا، وأغلبها من خارج المملكة - ~~وأذكر أنني قلت مرة في خطبة عرفة: ارجعوا إلى حكامكم وقولوا لهم: اقطعوا ~~يد السارق، فالذي لا يقطع يد السارق في نيته أن يسرق لذلك يخاف على يده، ~~فحين تذكر له مسألة قطع يد السارق ترتجف يده. والذين يعارضون حدود الله ~~هم أنفسهم يسيرون على مبدأ أن هلاك الثلث جائز لإصلاح الثلثين، لكن تقف ~~حدود الله غصة في حلوقهم. والجلد مائة جلدة يخص الزاني غير المحصن ~~يعني غير المتزوج، أما المتزوج فله حكم آخر لم يأت في كتاب الله، إنما ~~أتى في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لأن القرآن الكريم ليس ~~كتاب منهج فقط، إنما كتاب منهج ومعجزة ومعه أصول، من هذه الأصول أنه ~~قال في آية من آياته: إننا وكلنا رسول الله في أن يشرع للناس. # والحكم الذي يؤخذ من القول عرضة لأن نتمحك فيه ونقف أمامه نقلب ~~ألفاظه أو نؤوله، أما إن أخذ الحكم من فعل المشرع، فليس فيه شك أو ~~تمحك، وليس قابلا للتأويل لأنه فعل، وقد فعل الرسول ورجم الزاني ~~والزانية المحصنين في قصة ماعز والغامدية، لأنه مفوض من الله. ms6879 ولا بد أن ~~نفرق بين الحدين، ففي حد الأمة إن زنت يقول تعالى: # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب.. # [النساء: 25] البعض فهم من الآية أنها تشمل حدي الرجم والجلد، ~~فقالوا: في الجلد يمكن أن تجلد خمسين جلده، لكن كيف نجزىء الرجم؟ وما دام ~~الرجم لا يجزأ فليس عليها رجم. ولو تأمل هؤلاء نص الآية لخرجوا من ~~هذا الخلاف، فالحق سبحانه وتعالى لم يقل # فعليهن نصف ما على المحصنات.. # [النساء: 25] وسكت، إنما قال # من العذاب.. # [النساء: 25] فخص بذلك حد الجلد لأن العذاب إيلام حي، أما ~~الرجم فهو إزهاق حياة، فهما متقابلان. ألا ترى قول القرآن في قصة ~~سليمان عليه السلام والهدهد: # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه.. # [النمل: 21] فالعذاب غير الذبح. إذن: تجزئة الحد في الجلد فقط، أما ~~الرجم فلا يجزأ، فإن زنت الأمة المحصنة رجمت. وقوله تعالى: ~~{ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر.. } [النور: 2] ~~هذا كلام موجع، وإهاجة لجماعة المؤمنين، فهذا هو الحكم، وهذا هو الحد ~~قد شرعه الله، فإن كنتم مؤمنين بالله وبالحساب والعقاب فطبقوا شرع ~~الله، وإلا فراجعوا إيمانكم بالله وباليوم الآخر لأننا نشك في صدق ~~هذا الإيمان. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يهيجنا ويثيرنا على أهل هذه ~~الجريمة، لنأخذ على أيديهم ونخوفهم بما شرع الله من الحدود. فالمعنى: ~~إن كنتم تؤمنون بالله إلها حكيما مشرعا، خلق خلقا، ويريد أن يحمي ~~خلقه ويطهره ليكون أهلا لخلافته في الأرض الخلافة الحقة، فاتركوا ~~الخالق يتصرف في كونه وفي خلقه على مراده عز وجل، فالخلق ليس ~~خلقكم لتتدخلوا فيه. ثم يقول تعالى: { وليشهد عذابهما ~~طآئفة من المؤمنين } [النور: 2] فالأمر لا يقف عند حد ~~التعذيب والجلد، إنما لا بد أن يشهد هذا العذاب جماعة من المؤمنين، ~~والطائفة هم الجماعة وأقلها أربعة لماذا؟ قالوا: لأن النفس قد تتحمل ~~الإهانة إن كانت سرا لا يطلع عليها أحد، فلا يؤلمه أن تعذبه ~~أشد العذاب بينك وبينه، إنما لا يتحمل أن تشتمه أمام الناس. إذن: ~~فمشاهدة الحد إهانة لصاحبه، وهي أيضا زجر للمشاهد، ونموذج عملي ~~رادع. لذلك ms6880 يقولون: الحدود زواجر وجوابر، زواجر لمن شاهدها أي: تزجره عن ~~ارتكاب ما يستوجب هذا الحد، وجوابر لصاحب الحد تجبر ذنبه وتسقط عنه ~~عقوبة الآخرة، فلا يمكن أن يستوي من أقر وأقيم عليه الحد بمن لم يقر، ~~ولأن الزنا لم يثبت بشهود أبدا، وإنما بإقرار، وهذا دليل على أن الحكم ~~صحيح في ذهنه، ويرى أن فضوح الدنيا وعذابها أهون من فضوح الآخرة ~~وعذابها، إلا لما أقر على نفسه. # فالمسألة يقين وإيمان ثابت بالقيامة وبالبعث والحساب، والعقوبة اليوم ~~أهون، وإن كان الزنا يثبت بالشهود فلربما دلسوا، لذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يأتيه الرجل مقرا بالزنا فيقول له: # " لعلك قبلت، لعلك غمزت، لعلك لمست " # يعني: لم تصل إلى الحد الذي يسمى زنا، يريد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يدرأ الحد بالشبهة. ولهذا المبدأ الإسلامي السمح إن أخذت ~~الزاني وذهبت ترجمه فآلمه الحجر فحاول الفرار يأمرنا الشرع ألا نتبعه ~~وألا نلاحقه، لماذا؟ لأنه اعتبر أن فراره من الحد كأنه رجوع عن ~~الإقرار. يقول الحق سبحانه: { الزاني لا ينكح إلا زانية ~~أو مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو ~~مشرك... }. ### || [24.3] # { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة.. } [النور: ~~3] لأن الزواج يقوم على التكافؤ، حتى لا يستعلي أحد الزوجين على الآخر، ~~والزاني فيه خسة، فلا يليق به إلا خسيسة مثله يعني: زانية، أو أخس وهي ~~المشركة لأن الشرك أخس من الزنا، لأن الزنا مخالفة أمر توجيهي من الله، ~~أما الشرك فهو كفر بالله لذلك فالمشركة أخبث من الزانية. وما نقوله في ~~زواج الزاني نقوله في زواج الزانية { والزانية لا ينكحهآ ~~إلا زان أو مشرك.. } [النور: 3]. وهنا يعترض البعض: كيف إن ~~كانت الزانية مسلمة: أينكحها مشرك؟ قالوا: التقابل هنا غرضه التهويل ~~والتفظيع فقط لا الإباحة لأن المسلمة لا يجوز أن تتزوج مشركا أبدا، ~~فالآية توبيخ لها: يا خسيسة، لا يليق بك إلا خسيس مثلك أو أخس. وأرى أن ~~النص محتمل لانفكاك الجهة لأن التي زنت تدور بين أمرين: إما أنها أقبلت ~~على ms6881 الزنا وهي تعلم أنه محرم، فتكون عاصية باقية على إسلامها، أو أنها ~~ردت حكم الزنا واعترضت عليه فتكون مشركة، وفي هذه الحالة يستقيم لنا ~~فهم الآية. ثم يقول تعالى: { وحرم ذلك على المؤمنين } ~~[النور: 3] فهذا سبب طهر الأنسال أن يحرم الله تعالى الزنا، فيأتي ~~الخليفة طاهر النسل والعنصر، محضونا بأب وأم، مضموما بدفء العائلة، لا ~~يتحملون عليه نسمة الهواء لأنه جاء من وعاء طيب طاهر نظيف. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم... }. ### || [24.4] # الرمي: قذف شيء بشيء، والمحصنات: جمع محصنة من الإحصان، وهو الحفظ، ~~ومنه قولنا: فلان عنده حصانة برلمانية مثلا. يعني: تكفل القانون بحفظه ~~لذلك إن أرادوا محاسبته أو مقاضاته يرفعون عنه الحصانة أولا، ومنه ~~أيضا كلمة الحصن وهو الشيء المنيع الذي يحمي من بداخله. يقول تعالى: # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم.. # [الأنبياء: 80] يعني: الدروع التي تحمي الإنسان وتحفظه في الحرب. ~~والمحصنات: تطلق على المتزوجة، لأنها حصنت نفسها بالزواج أن تميل ~~إلى الفاحشة، وتطلق أيضا على الحرة، لأنهم في الماضي كانت الإماء هن ~~اللائي يدعين لمسألة البغاء، إنما لا تقدم عليها الحرائر أبدا. لذلك فإن ~~السيدة هندا التي نسيدها الآن بعد إسلامها، وهي التي لاكت كبد سيدنا ~~حمزة في غزوة أحد، لكن لا عليها الآن لأن الإسلام يجب ما قبله. لما ~~سمعت السيدة هند رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى النساء عن الزنا ~~قالت: أو تزني حرة؟ لأن الزنا انتشر قبل الإسلام بين البغايا من ~~الإماء، حتى كانت لهن رايات يرفعنها على بيوتهن ليعرفن بها. والمعنى: ~~يرمون المحصنات بما ينافي الإحصان، والمراد الزنا { ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة.. } [النور: ~~4] وهذا يسمى حد القذف، أن ترمي حرة بالزنا وتتهمها بها، ففي هذه ~~الحالة عليك أن تأتي بأربعة شهداء يشهدون على ما رميتها به، فإن لم ~~تفعل يقام عليك أنت حد القذف ثمانين جلدة، ثم لا ينتهي الأمر عند ~~الجلد، إنما لا تقبل منك شهادة بعد ذلك أبدا. ms6882 { ولا تقبلوا ~~لهم شهادة أبدا.. } [النور: 4] لماذا؟ لأنه لم يعد أهلا ~~لها لأنه فاسق { وأولئك هم الفاسقون } [النور: 4] والفاسق ~~لا شهادة له، وهكذا جمع الشارع الحكيم على القاذف حد الجلد، ثم أسقط ~~اعتباره من المجتمع بسقوط شهادته، ثم وصفه بعد ذلك بالفسق، فهو في مجتمعه ~~ساقط الاعتبار ساقط الكرامة. هذا كله ليزجر كل من تسول له نفسه ~~الخوض في أعراض الحرائر واتهام النساء الطاهرات لذلك عبر عن القذف ~~بالرمي لأنه غالبا ما يكون عن عجلة وعدم بينة، فالحق - تبارك وتعالى - ~~يريد أن يحفظ مجتمع الإيمان من أن تشيع فيه الفاحشة، أو مجرد ذكرها ~~والحديث عنها. ثم يقول الحق سبحانه: { إلا الذين تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا... }. ### || [24.5] # اختلف العلماء في معنى الاستثناء هنا: أهو استثناء من الفسق؟ أم ~~استثناء من عدم قبول الشهادة؟ ذكرنا أن مشروعية التوبة منة وتكرم من ~~الحق - تبارك وتعالى - لأنه لو لم تشرع التوبة كان من يقع في معصية ~~مرة، ولا تقبل منه توبة يتجرأ على المعصية ويكثر منها، ولم لا؟ فلا ~~دافع له للإقلاع. إذن: حين يشرع الله التوبة إنما يحمي المجتمع من ~~الفاقدين الذين باعوا أنفسهم، وفقدوا الأمل في النجاة. فمشروعية التوبة ~~كرم، وقبولها كرم آخر، لذلك يقول الحق سبحانه: # ثم تاب عليهم ليتوبوا.. # [التوبة: 118] أي: شرع لهم التوبة ليتوبوا فيقبل منهم. وقوله تعالى: { ~~وأصلحوا.. } [النور: 5] تدل على أن من وقعت منه سيئة عليه أن ~~يتبعها بحسنة، وقد ورد في الحديث الشريف: # " وأتبع السيئة الحسنة تمحها... " # لذلك تجد الذين أسرفوا على أنفسهم في ناحية ما، حينما يكبرون ويحبون ~~التوبة تراهم شغوفين بحب الخير وعمل الطاعات، يريدون أن يكفروا بها ~~ما سبق من السيئات، على خلاف من حافظ على نفسه، ونأى بها عن المعاصي، ~~فتراه باردا من ناحيتها يفعل الخير على قدر طاقته. وكأن الحق - تبارك ~~وتعالى - يحذر عباده: يا عبادي احذروا: من أخذ مني شيئا خلسة أو ~~ترك لي حكما، أو تجرأ علي بمعصية سيتعب فيما بعد، ويلاقي الأمرين ~~لأن السيئة ستظل وراءه تطارده ms6883 وتجهده لأغفرها له، وسيحتاج لكثير من ~~الحسنات وأفعال الخير ليجبر بها تقصيره في حق ربه. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم ~~شهدآء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الصادقين * والخامسة ~~أن... }. ### || [24.6-7] # بعد أن تكلم الحق - تبارك وتعالى - عن الذين يرمون المحصنات، وبين حكم ~~القذف، أراد أن يبين حكم الرمي إن كان من الزوج لزوجته لأن الأمر ~~هنا مختلف، وربما يكون بينهما أولاد منه أو من غيره، فعليه أن يكون ~~مؤدبا بأدب الشرع، ولا يجرح الأولاد برمي أمهم ولا ذنب لهم. لذلك شرع ~~الحق - سبحانه وتعالى - في هذه الحالة حكما خاصا بها هو الملاعنة، وقد ~~سميت هذه الآية آية اللعان. ويروى أن هلال بن أمية ذهب إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله إني رأيت فلانا على بطن ~~زوجتي، فإن تركته لآتي بأربعة شهداء لقضى حاجته وانصرف، وإن قتلته ~~فقد اعتديت عليه. إذن: ما حل هذا اللغز؟ وينبغي أن نعلم أن الله ~~تعالى لا ينزل التشريع والحكم بداية، إنما يترك في الكون من أقضية ~~الحياة وأحداثها ما يحتاج لهذا الحكم، بحيث ينزل الحكم فيصادف الحاجة ~~إليه، كما يقولون: موقع الماء من ذي الغلة الصادي، يعني: حين ينزل ~~الحكم يكون له موضع فيتلقفه الناس، ويشعرون أنه نزل من أجلهم بعد أن ~~كانوا يستشرفون لحكم في مسألة لم يأت فيها حكم. وقد شرع الله تعالى حكم ~~الملاعنة أو اللعان خاصة، لهذه الحالة التي يلاحظ فيها الزوج شيئا على ~~أهله، وقد يضع يده عليه، لكن لا يستطيع أن يأتي عليه بشهود ليثبت هذه ~~الحالة لذلك جعله الشارع الحكيم يقوم وحده بهذه الشهادة، ويكررها أربع ~~مرات بدل الشهداء الأربع. يقول: أشهد الله أنني صادق فيما رميت به ~~امرأتي، يقولها أربع مرات، وفي الخامسة يقول: ولعنة الله علي إن كنت ~~كاذبا، وهكذا ينتهي دور الزوج في الملاعنة. ### || [24.8-9] # يدرأ أي: يدفع العذاب عن الزوجة أن تشهد هي الأخرى أربع شهادات ~~بالله، تقول: أشهد ms6884 الله أنه كاذب فيما رماني به، وفي الخامسة تقول: غضب ~~الله علي إن كان هو من الصادقين. فإن امتنعت الزوجة عن هذه الشهادة ~~فقد ثبت عليها الزنا، وإن حلفت فقد تعادلا، ولم يعد كل منهما صالحا ~~للآخر، وعندها يفرق الشرع بينهما تفريقا نهائيا لا عودة بعده، ولا ~~تحل له أبدا. هذا التشريع فضل من الله لأنه أنهى هذه المسألة على خير ~~ما تنتهي عليه لذلك يقول سبحانه بعدها: { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته... }. ### || [24.10] # أي: لولا هذا لفضحتم ولتفاقمت بينكم العداوة، لكن عصمكم فضل الله في ~~هذا التشريع الحكيم المناسب لهذه الحالة. والقذف جريمة بشعة في حق ~~المجتمع كله، تشيع فيه الفاحشة وتتقطع الأواصر، هذا إن كان للمحصنات ~~البعيدات، وهو أعظم إن كان للزوجة، لكن ما بالك إن وقع مثل هذا القول ~~على أم ليست أما لواحد، إنما هي أم لجميع المؤمنين، هي أم المؤمنين ~~السيدة عائشة - رضي الله عنها وأرضاها - فكانت مناسبة أن يذكر السياق ما ~~كان من قذف السيدة عائشة، والذي سمي بحادثة الإفك لماذا؟ لأن الله ~~تعالى يريد أن يعطينا الأسوة في النبوة نفسها، ويريد أن يسلي ~~عائشة صاحبة النسب العريق وأم المؤمنين، وقد قيل فيها ما قيل لذلك ستظل ~~السيدة عائشة أسوة لكل شريفة ترمى في عرضها، ويحاول أعداؤها تشويه ~~صورتها، نقول لها: لا عليك، فقد قالوا مثل هذا في عائشة. وتقوم آيات ~~الإفك دليلا على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم - في البلاغ عن ربه، ~~فذكر أنهم يرمون المحصنات، ويرمون زوجاتهم، والأفظع من ذلك أن يرموا ~~زوجة النبي وأم المؤمنين، فيقول سبحانه: { إن الذين جآءوا ~~بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو ~~خير لكم... }. ### || [24.11] # الإفك: لدينا نسب ثلاث للأحداث: نسبة ذهنية، ونسبة كلامية حين تتكلم، ~~ونسبة خارجية. فحين أقول: محمد مجتهد. هذه قضية ذهنية، فإن نطقت بها فهي ~~نسبة كلامية، فهل هناك شخص اسمه محمد ومجتهد، هذه نسبة خارجية، فإن ~~وافقت النسبة الكلامية النسبة الخارجية، فالكلام صدق، وإن خالفت ~~فالكلام كذب. ms6885 فالصدق أن تطابق النسبة الكلامية الواقع، والكذب ألا ~~تطابق النسبة الكلامية الواقع، والكذب قد يكون غير متعمد، وقد يكون ~~متعمدا، فإن كان متعمدا فهو الإفك، وإن كان غير متعمد كأن أخبره ~~شخص أن محمدا مجتهد وهو غير ذلك، فالخبر كاذب، لكن المخبر ليس كاذبا. ~~فالإفك - إذن - تعمد الكذب، ويعطي ضد الحكم، كأن تقول: محمد مجتهد. ~~وأنت تعلم أنه مهمل لذلك كان الإفك أفظع أنواع الكذب لأنه يقلب الحقائق ~~ويختلق واقعا مضادا لما لم يحدث. يقول تعالى: # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53] وهي القرى التي جعل الله عاليها سافلها، وكذلك الإفك ~~يغير الواقع، ويقلبه رأسا على عقب. والعصبة: الجماعة التي ترتبط ~~حركتها لتحقيق غاية متحدة، ومن ذلك نقول: عصابة مخدرات، عصابة سرقات، ~~يعني: جماعة اتفقوا على تنفيذ حدث لغاية واحدة، ومنه قوله تعالى في ~~سورة يوسف: # ونحن عصبة.. # [يوسف: 14]. وما دام أهل الإفك عصبة فلا بد أن لهم غاية واحدة في ~~التشويه والتبشيع، وكان رئيسهم عبد الله بن أبي بن سلول، وهو شيخ ~~المنافقين، ومعذور في أن يكون كذلك، ففي اليوم الذي دخل فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة كانوا يصنعون لعبد الله بن أبي تاجا ~~لينصبوه ملكا على المدينة، فلما فوجىء برسول الله واجتماع الناس ~~عليه وانفضاضهم من حوله بقيت هذه في نفسه. لذلك فهو القائل: # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل.. # [المنافقون: 8] يقصد أنه الأعز، فرد عليه الحق - تبارك وتعالى - ~~صدقت، لكن العزة ستكون لله وللرسول وللمؤمنين، وعليه فالخارج منها أنت. ~~وهو أيضا القائل: # لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا.. # [المنافقون: 7] والعجيب أنه يعترف أن محمدا رسول الله، ويقولها علانية، ~~ومع ذلك ينكرها بأعماله وتصرفاته، ويحدث تشويشا في الفكر وفي أداء ~~العبارة. وما دام أن الحق سبحانه سمى هذه الحادثة في حق أم المؤمنين ~~عائشة إفكا فلا بد أنهم قلبوا الحقائق وقالوا ما يناقض الواقع. ~~والقصة حدثت في غزوة بن المصطلق، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ~~أجرى قرعة بين زوجاته: من ms6886 تخرج منهن معه. وهذا ما تقتضيه عدالته صلى ~~الله عليه وسلم، وفي هذه الغزوة أقرع بينهن فخرج السهم لعائشة فخرجت ~~معه، وبعد الغزوة وأثناء الاستعداد للعودة قالت السيدة عائشة: ذهبت ~~لأقضي حاجتي في الخلاء، ثم رجعت إلى هودجي ألتمس عقدا لي من جزع ~~ظفار وهو نوع نفيس. # فلما عادت السيدة عائشة وجدت القوم قد ذهبوا، ولم تجد هودجها فقالت في ~~نفسها لا بد أنهم سيفتقدونني وسيعودون. لكن كيف حمل القوم هودج عائشة ~~ولم تكن فيه؟ قالوا: لأن النساء كن خفافا لم يثقلن، وكانت عائشة ~~نحيفة، لذلك حمل الرجال هودجها دون أن يشعروا أنها ليست بداخله. ثم ~~نامت السيدة عائشة في موضع هودجها تنتظر من يأتيها، وكان من عادة القوم ~~أن يتأخر أحدهم بعد الرحيل ليتفقد المكان ويعقب عليه، عله يجد شيئا ~~نسيه القوم أو شخصا تخلف عن الركب. وكان هذا المعقب هو صفوان بن ~~المعطل، فلما رأى شبح إنسان نائم فاقترب منه، فإذا هي عائشة رضي الله ~~عنها، فأناخ ناقته بجوارها، وأدار وجهه حتى ركبت وسار بها دون أن ينظر ~~إليها وعف نفسه، بدليل أن القرآن سمى ما قالوه إفكا يعني: مناقضا ~~للواقع، فصفوان لم يفعل إلا نقيض ما قالوا. ولما قدم صفوان يقود ناقته ~~بعائشة رآه بعض أهل النفاق فاتهموهما، وقالوا في حقهما ما لا يليق بأم ~~المؤمنين، وقد تولى هذه الحملة رأس النفاق في المدينة عبد الله بن ~~أبي ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش امرأة طلحة بن ~~عبيد الله وأخت زينب بنت جحش، فروجوا هذا الاتهام وأذاعوه بين الناس. ~~ثم يقول سبحانه: { لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير ~~لكم.. } [النور: 11] لكن ما الخير في هذا الكلام وفي إذاعته؟ قالوا: ~~لأن القرآن حين تتهم عائشة وتنزل براءتها من فوق سبع سماوات في قرآن ~~يتلى ويتعبد به إلى يوم القيامة، وحين يفضح قوم على لسان القرآن، ~~لا بد أن يعتبر الآخرون، ويخافوا إن فعلوا مخالفة أن يفتضح أمرهم ~~لذلك جاء هذا الموقف درسا عمليا لمجتمع ms6887 الإيمان. نعم، أصبحت الحادثة ~~خيرا لأنها نوع من التأييد لرسول الله ولدعوته، فالحق - تبارك وتعالى - ~~يؤيد رسوله في الأشياء المسرة ليقطع أمل أعدائه في الانتصار عليه، ~~ولو بالتدليس، وبالمكر ولو بالإسرار والكيد الخفي، ففي ذروة عداء قريش ~~لرسول الله كان إيمان الناس به يزداد يوما بعد يوم. وقد ائتمروا عليه ~~وكادوا له ليلا ليلة الهجرة، فلم يفلحوا، فحاولوا أن يسحروه، وفعلا ~~صنعوا له سحرا، ووضعوه في بئر ذروان في مشط ومشاطة، فأخبره بذلك جبريل ~~عليه السلام، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فجاء به. إذن: ~~عجزوا في المواجهة، وعجزوا في التبييت والكيد، وعجزوا حتى في استخدام ~~الجن والاستعانة به، وهنا أيضا عجزوا في تشويه صورة النبوة والنيل من ~~سمعتها، وكأن الحق سبحانه يقول لأعدائه: اقطعوا الأمل فلن تنالوا من محمد ~~أبدا، ومن هنا كانت حادثة الإفك خيرا لجماعة المؤمنين. # ومع ذلك، لم يجرؤ أحد أن يخبر السيدة عائشة بما يقوله المنافقون في ~~حقها، لكن تغير لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يعد يداعبها ~~كعادته، وكان يدخل عليها فيقول: " كيف تيكم " وقد لاحظت عائشة هذا ~~التغير لكن لا تعرف له سببا إلى أن تصادف أن سارت هي وأم مسطح أحد ~~هؤلاء المنافقين، فعثرت فقالت: تعس مسطح فنهرتها عائشة: كيف تدعو على ~~ابنها، فقالت: إنك لا تدرين ما يقول؟ عندها ذهبت السيدة عائشة إلى أمها ~~وسألتها عما يقوله الناس فأخبرتها. لذلك لما نزلت براءة عائشة في ~~القرآن قال لها أبو بكر: قومي فاشكري رسول الله، فقالت: بل أشكر الله ~~الذي برأني. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { لكل امرىء منهم ~~ما اكتسب من الإثم.. } [النور: 11]. عادة ما يستخدم الفعل ~~كسب المجرد في الخير، والفعل اكتسب المزيد الدال على الافتعال في ~~الشر، لماذا؟ قالوا: لأن فعل الخير يتمشى وطبيعة النفس، وينسجم مع ~~ذراتها وتكوينها، فالذي يقدم على عمل الخير لا يقاوم شيئا في نفسه، ~~ولا يعارض ملكة من ملكاته، أو عادة من العادات. وهذه نلاحظها حتى في ~~الحيوانات، ألا ترى ms6888 القطة: إن وضعت لها قطعة لحم تجلس بجوارك ~~وتأكلها، وإن أخذتها منك خطفا تفر بها هاربة وتأكلها بعيدا عنك. ~~إذن: في ذاتية الإنسان وفي تكوينه - وحتى في الحيوان - ما يعرف به الخير ~~والشر، والصواب والخطأ. وأنت إذا نظرت إلى ابنتك أو زوجتك تكون طبيعيا ~~مطمئنا لأن ملكات نفسك معك موافقة لك لا تعارضك في هذا الفعل، فإن ~~حاولت النظر إلى ما لا يحل لك تختلس النظرة وتسرقها، وتحاول سترها حتى ~~لا يلحظها أحد، وقد ترتبك ويتغير لونك، لماذا؟ لأنك تفعل شيئا غير ~~طبيعي، لا حق لك فيه، فتعارضك ملكات نفسك، وذرات تكوينك. فالأمر ~~الطبيعي تستجيب له النفس تلقائيا، أما الخطأ والشر فيحتاج إلى افتعال، ~~لذلك عبر عن المكر والتبييت والكيد ب اكتسب الدال على الافتعال. وقوله ~~تبارك تعالى: { والذي تولى كبره منهم له عذاب ~~عظيم } [النور: 11]. تولى كبر الشيء: يعني قام به وله حظ وافر ~~فيه، أو نقول: هو ضالع فيه، والمقصود هنا عبد الله بن أبي الذي قاد هذه ~~الحملة، وتولى القيام بها وترويجها { له عذاب عظيم } [النور: ~~11] أي: يناسب هذه الجريمة. ### || [24.12] # يوجهنا الحق - تبارك وتعالى - إلى ما ينبغي أن يكون في مثل هذه ~~الفتنة من ثقة المؤمنين بأنفسهم وبإيمانهم، وأن يظنوا بأنفسهم خيرا ~~وينأوا بأنفسهم عن مثل هذه الاتهامات التي لا تليق بمجتمع المؤمنين، ~~فكان على أول أذن تسمع هذا الكلام على أول لسان ينطق به أن يرفضه لأن ~~الله تعالى ما كان ليدلس على رسوله وصفوته من خلقه، فيجعل زوجته ~~محل شك واتهام فضلا عن رميها بهذه الجريمة البشعة. { لولا ~~إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا وقالوا هذآ إفك مبين } [النور: ~~12] كان من المنتظر قبل أن تنزل المناعة في القرآن أن تأتي من نفوس ~~المؤمنين أنفسهم، فيردون هذا الكلام. و لولا أداة للخص والحث، وقال: ~~{ المؤمنون والمؤمنات.. } [النور: 12] لأنه جال في هذه ~~الفتنة رجال ونساء، والقرآن لا يحثهم على ظن الخير برسول الله أو ~~بزوجته، وإنما ظن الخير بأنفسهم هم لأن هذه المسألة لا تليق ms6889 بالمؤمنين، ~~فما بالك بزوجة نبي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؟ { وقالوا.. } ~~[النور: 12] أي: قبل أن ينزل القرآن ببراءتها { هذآ إفك مبين ~~} [النور: 12] يعني: كذب متعمد واضح بين لأنه في حق من؟ في حق أم ~~المؤمنين التي طهرها الله واختارها زوجة لرسوله صلى الله عليه وسلم. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء ~~فإذ لم يأتوا بالشهدآء... }. ### || [24.13] # وسبق أن ذكرت الآيات حكم القذف، وأن على من يرمي المحصنة بهذه ~~التهمة عليه أن يأتي بأربعة شهداء ليثبت صدق ما قال، فإن لم يأت بهم ~~فهو كاذب عند الله، ويجب أن يقام عليه حد القذف. ثم يقول تعالى: { ~~ولولا فضل الله عليكم ورحمته... }. ### || [24.14] # { أفضتم.. } [النور: 14] أن تندفع إلى الشيء اندفاعا تقصد فيه ~~السرعة، ومعنى السرعة أن يأخذ الحدث الكبير زمنا أقل مما يتصور له، ~~كالمسافة تمشيها في دقيقتين، فتسرع لتقطعها في دقيقة واحدة، فكأنهم ~~أسرعوا في هذا الكلام لما سمعوه، كما يقولون: خب فيها ووضع. لكن، لماذا ~~تفضل الله عليهم ورحمهم، فلم يمسهم العذاب، ولم يجازهم على افترائهم ~~على أم المؤمنين؟ قالوا: لأن الحق - تبارك وتعالى - أراد من هذه المسألة ~~العبرة والعظة، وجعلها للمؤمنين وسيلة إيضاح، فليس المراد أن ينزل الله ~~بهم العذاب، إنما أن يعلمهم ويعطيهم درسا في حفظ أعراض المؤمنين. ### || [24.15] # انظر إلى بلاغة الأداء القرآني في التعبير عن السرعة في إفشاء هذا ~~الكلام وإذاعته دون وعي ودون تفكير، فمعلوم أن تلقي الأخبار يكون ~~بألأذن لا بالألسنة، لكن من سرعة تناقل هذا الكلام فكأنهم يتلقونه ~~بألسنتهم، كأن مرحلة السماع بالأذن قد ألغيت، فبمجرد أن سمعوا قالوا. { ~~وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم } [النور: ~~15]. { بأفواهكم.. } [النور: 15] يعني: مجرد كلام تتناقله ~~الأفواه، دون أن يدققوا فيه لذلك قال بعدها { ما ليس لكم ~~به علم.. } [النور: 15] وهذا الكلام ليس هينا كما تظنون، إنما هو ~~عظيم عند الله لأنه تناول عرض مؤمن، وللمؤمن حرمته، فما بالك إن كان ~~ذلك في حق رسول الله؟ ثم يقول الحق سبحانه: { ولولا إذ ms6890 ~~سمعتموه قلتم ما يكون لنآ أن نتكلم... }. ### || [24.16] # هذا ما كان ما يجب أن تقابلوا به هذا الخبر، أن تقولوا لا يجوز لنا ولا ~~يليق بنا أن نتناقل مثل هذا الكلام. وكلمة { سبحانك.. } [النور: 16] ~~تقال عند التعجب من حدوث شيء. والمعنى: سبحان الله ننزهه ونجله ~~ونعليه أن يسمح بمثل هذا الكذب الشنيع في حق رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، فهذا كلام لا يصح أن نتكلم به ولو حتى بالنفي، فإن كان الكلام ~~بالإثبات جريمة فالكلام بالنفي فيه مظنة أن هذا قد يحدث. كما لو قلت: ~~الورع فلان، أو الشيخ فلان لا يشرب الخمر، فكأنه رغم النفي جعلته مظنة ~~ذلك، فلا يصح أن ينسب إليه السوء ولو بالنفي، فذلك ذم في حقه لا ~~مدح. كذلك التحدث بهذه التهمة لا يليق بأم المؤمنين، ولو حتى بالنفي، ~~ومعنى { بهتان عظيم } [النور: 16] كذب يبهت سامعه، ويدهشه ~~لفظاعته، وشناعته. فنحن نأنف أن نقول هذا الكلام، ولو كنا منكرين له. ### || [24.17-18] # الوعظ: أن تأتي لقمة الأشياء فتعظ بها، كالرجل حينما يشعر بنهايته ~~يحاول أن يعظ أولاده ويوصيهم، لكن لا يوصيهم بكل أمور الحياة، ~~إنما بالأمور الهامة التي تمثل القمة في أمور الحياة. ووعظ الحق - تبارك ~~وتعالى - لعباده من لطفه تعالى ورحمته، يعظكم لأنه عزيز عليه أن ~~يؤاخذكم بذنوبكم. وتذييل الآية بهذا الشرط: { إن كنتم مؤمنين } ~~[النور: 17] حث وإهاجة لجماعة المؤمنين، لينتهوا عن مثل هذا الكلام، ~~وألا يقعوا فيه مرة أخرى، وكأنه تعالى يقول لهم: إن عدتم لمثل هذا ~~فراجعوا إيمانكم لأن إيمانكم ساعتها سيكون إيمانا ناقصا مشكوكا فيه. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { إن الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة في الذين آمنوا... }. ### || [24.19] # { يحبون.. } [النور: 19] الحب عمل قلبي، والكلام عمل لساني، وترجمة ~~عملية لما في القلب، فالمعنى: الذين يحبون هذا ولو لم يتكلموا به لأن ~~لهذه المسألة مراحل تبدأ بالحب وهو عمل القلب، ثم التحدث، ثم السماع دون ~~إنكار. ولفظاعة هذه الجريمة ذكر الحق سبحانه المرحلة الأولى منها، وهي ~~مجرد عمل القلب الذي لم يتحول إلى نزوع ms6891 وعمل وكلام إذن: المسألة خطيرة. ~~والبعض يظن أن إشاعة الفاحشة فضيحة للمتهم وحده، نعم هي للمتهم، لكن قد ~~تنتهي بحياته، وقد تنتهي ببراءته، لكن المصيبة أنها ستكون أسوة سيئة في ~~المجتمع. وهذا توجيه من الحق - سبحانه وتعالى - إلى قضية عامة وقاعدة يجب ~~أن تراعى، وهي: حين تسمع خبرا يخدش الحياء أو يتناول الأعراض أو يخدش ~~حكما من أحكام الله، فإياك أن تشيعه في الناس لأن الإشاعة إيجاد أسوة ~~سلوكية عند السامع لمن يريد أن يفعل، فيقول في نفسه: فلان فعل كذا، وفلان ~~فعل كذا، ويتجرأ هو أيضا على مثل هذا الفعل، لذلك توعد الله تعالى من ~~يشيع الفاحشة وينشرها ويذيعها بين الناس { لهم عذاب أليم في ~~الدنيا والآخرة.. } [النور: 19]. والحق - تبارك وتعالى - لم يعصم ~~أحدا من المعصية وعمل السيئة، لكن الأسوء من السيئة إشاعتها بين ~~الناس، وقد تكون الإشاعة في حق رجل محترم مهاب في مجتمعه مسموع الكلمة ~~وله مكانة، فإن سمعت في حقه ما لا يليق فلربما زهدك ما سمعت في ~~هذا الشخص، وزهدك في حسناته وإيجابياته فكأنك حرمت المجتمع من حسنات ~~هذا الرجل. وهذه المسألة هي التعليل الذي يستر الله به غيب الخلق عن ~~الخلق، إذن: ستر غيب الناس عن الناس نعمة كبيرة تثري الخير في ~~المجتمع وتنميه، ويجعلك تتعامل مع الآخرين، وتنتفع بهم على علاتهم، ~~وصدق الشاعر الذي قال: # فخذ بعلمي ولا تركن إلى عملي # واجن الثمار وخل العود للنار # ثم يقول الحق سبحانه: { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته وأن... }. ### || [24.20] # انظر كم فضل من الله تعالى تفضل به على عباده في هذه الحادثة، ففي كل ~~مرحلة من مراحل هذه القضية يقول سبحانه: { ولولا فضل الله ~~عليكم ورحمته.. } [النور: 20] وهذا دليل على أن ما حدث كان ~~للمؤمنين نعمة وخير، وإن ظنوه غير ذلك. لكن أين جواب لولا؟ الجواب ~~يفهم من السياق وتقديره: لفضحتم ولهلكتم، وحصل لكم كذا وكذا، ولك ~~أن تقدره كما تشاء. وما منع عنكم هذا كله إلا فضل الله ورحمته. وفي ~~موضع آخر يوضح الحق ms6892 سبحانه منزلة هذا الفضل: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. فالحق - سبحانه وتعالى - شرع منهجا ويحب من يعمل به، لكن ~~فرحة العبد لا تتم بمجرد العمل، وإنما بفضل الله ورحمته في تقبل هذا ~~العمل. إذن: ففضل الله هو القاسم المشترك في كل تقصير من الخلق في ~~منهج الخالق عز وجل. وبعد هذه الحادثة كان لا بد أن يقول تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات ~~الشيطان... }. ### || [24.21] # كأن الشيطان له خطوات متعددة ليست خطوة واحدة، وقد أثبت الله عداوته ~~لبني آدم، وهي عداوة مسببة ليست كلاما نظريا، إنما هو عدو بواقعة ~~ثابتة، حيث امتنع عن السجود لآدم، وعصى أمر الله له، بل وأبدى ما في نفسه ~~وقال: # أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف: 12]. وقال: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61] وهكذا علل امتناعه بأنه خير، وكأن عداوته لآدم عداوة ~~حسد لمركزه ومكانته عند ربه. والحق - تبارك وتعالى - حينما يخبرنا بعداوة ~~الشيطان من خلال امتناعه عن السجود، إنما يحذرنا منه، وينبهنا إلى ~~خطره ويربي فينا المناعة من الشيطان لأن عداوته لنا عداوة مركزة، ليست ~~عداوة يمارسها هكذا كيفما اتفق، إنما هي عداوة لها منهج ولها خطة. فأول ~~هذه الخطة أنه عرف كيف يقسم، فدخل على الإنسان من باب عزة الله عن ~~خلقه، فقال: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82]. فلو أرادنا ربنا - عز وجل - مؤمنين ما كان للشيطان علينا سبيل، ~~إنما تركنا سبحانه للاختيار، فدخل علينا الشيطان من هذا الباب لذلك قال ~~بعدها: # إلا عبادك منهم المخلصين # [الحجر: 40] فمن اتصف بهذه الصفة فليس للشيطان إليه سبيل. إذن: مسألة ~~العداوة هذه ليست بين الحق سبحانه وبين الشيطان، إنما بين الشيطان وبني ~~آدم. فقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا.. } [النور: 21] ~~نداء: يا من آمنتم بإله كأنه يقول: تنبهوا إلى شرف إيمانكم به، ~~وابتعدوا عما يضعف هذا الإيمان، أو يفت في عضد المؤمنين بأي ~~وسيلة، وتأكدوا أن الشيطان له خطوات متعددة. { لا تتبعوا ~~خطوات الشيطان.. } [النور: 21] فإن وسوس لك ms6893 من جهة، فتأبيت ~~عليه ووجد عندك صلابة في هذه الناحية وجهك إلى ناحية أخرى، وزين لك ~~من باب آخر، وهكذا يظل بك عدوك إلى أن يوقعك، فهو يعلم أن لكل إنسان ~~نقطة ضعف في تكوينه، فيظل يحاوره إلى أن يصل إلى هذه النقطة. ~~والشيطان: هو المتمرد العاصي من الجن، فالجن مقابل الإنس، فمنهم الطائع ~~والعاصي، والعاصي منهم هو الشيطان، وعلى قمتهم إبليس لذلك يقول تعالى في ~~سورة الكهف: # إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه.. # [الكهف: 50]. وسبق أن ذكرنا أنك تستطيع أن تفرق بين المعصية من قبل ~~النفس والمعصية من قبل الشيطان، فالنفس تلح عليك في معصية بعينها لا ~~تتعداها إلى غيرها، أما الشيطان فإنه يريدك عاصيا على أي وجه من ~~الوجوه، فإن امتنعت عليه في معصية جرك إلى معصية أخرى أيا كانت. ثم ~~يقول سبحانه: { ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه ~~يأمر بالفحشآء والمنكر.. } [النور: 21] ولك أن تسأل: ~~أين جواب من الشرطية هنا؟ قالوا: حذف الجواب لأنه يفهم من السياق، ~~ودل عليه بذكر علته والمسبب له، وتستطيع أن تقدر الجواب: من ~~يتبع خطوات الشيطان يذقه ربه عذاب السعير لأن الشيطان لا يأمر إلا ~~بالفحشاء والمنكر، فمن يتبع خطواته، فليس له إلا العذاب، فقام المسبب ~~مقام جواب الشرط. # والكلام ليس كلام بشر، إنما هو كلام رب العالمين. وأسلوب القرآن ~~أسلوب راق يحتاج إلى فكر واع يلتقط المعاني، وليس مجرد كلام وحشو. ~~ألا ترى بلاغة الإيجاز في قوله تعالى من سورة النمل: # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول ~~عنهم فانظر ماذا يرجعون # [النمل: 28]. ثم يقول تعالى بعدها: # قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم # [النمل: 29]. وتأمل ما بين هذين الحدثين من أحداث حذفت للعلم بها، ~~فوعي القارىء ونباهته لا تحتاج أن نقول له فذهب الهدهد.. وو إلخ فهذه ~~أحداث يرتبها العقل تلقائيا. وقد أوضح الشيطان نفسه هذه الخطوات ~~وأعلنها، وبين طرقه في الإغواء، ألم يقل: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] فلا حاجة للشيطان بأصحاب الصراط المعوج لأنهم أتباعه، ms6894 ~~فالشيطان لا يذهب إلى الخمارة مثلا، إنما يذهب إلى المسجد ليفسد على ~~المصلين صلاتهم، لذلك البعض ينزعج من الوساوس التي تنتابه في صلاته، وهي ~~في الحقيقة ظاهرة صحية في الإيمان، ولولا أنك في طاعة وعبادة ما وسوس لك. ~~لكن مصيبتنا أن الشيطان يعطينا فقط طرف الخيط، فنسير نحن خلفه نكر في ~~الخيط كرا ولو أننا ساعة ما وسوس لنا الشيطان استعذنا بالله من ~~الشيطان الرجيم، كما أمرنا ربنا تبارك وتعالى: # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله.. # [الأعراف: 200]. إذن: إياك أن تقبل منه طرف الخيط لأنك لو قبلته فلن ~~تقدر عليه بعد ذلك. ومن خطوات الشيطان أيضا قوله: # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم.. # [الأعراف: 17]. إذن: للشيطان في إغواء الإنسان منهج وخطة مرسومة، فهو ~~يأتي الإنسان من جهاته الأربع: من أمامه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن ~~شماله. لكن لم يذكر شيئا عن أعلى وأسفل لأن الأولى تشير إلى علو ~~الربوبية، والأخرى إلى ذل العبودية، حين ترفع يديك إلى أعلى بالدعاء، ~~وحين تضع جبتهك على الأرض في سجودك لذلك لا يأتيك عدوك من هاتين ~~الناحيتين. ثم يقول تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن ~~الله يزكي من يشآء.. } [النور: 21]. قلنا: إن فضل الجزاء ~~يتناوبه أمران: جزاء بالعدل حين تأخذ ما تستحقه، وجزاء بالفضل حينما ~~يعطيك ربك فوق ما تستحق لذلك ينبغي أن نقول في الدعاء: اللهم عاملنا ~~بالفضل لا بالعدل وبالإحسان لا بالميزان، وبالجبر لا بالحساب. فإن ~~عاملنا ربنا - عز وجل - بالعدل لضعنا جميعا. لكن، في أي شيء ظهر ~~هذا الفضل؟ ظهر فضل الله على هذه الأمة في أنه تعالى لم يعذبها ~~بالاستئصال، كما أخذ الأمم السابقة، وظهر فضل الله على هذه الأمة في ~~أنه تعالى أعطاها المناعة قبل أن تتعرض للحدث، وحذرنا قديما من ~~الشيطان قبل أن نقع في المعصية، وقبل أن تفاجئنا الأحداث، فقال سبحانه: # فقلنا يآءادم إن هذا عدو لك ولزوجك.. # [طه: 117] وإلا لغرق الإنسان في دوامة ms6895 المعاصي. لأن التنبيه للخطر قبل ~~وقوعه يربي المناعة في النفس، فلم يتركنا ربنا - عز وجل - في غفلة إلى ~~أن نقع في المعصية، كما نحصن نحن أنفسنا ضد الأمراض لنأخذ المناعة ~~اللازمة لمقاومتها. وقوله تعالى: { ما زكا منكم من أحد ~~أبدا.. } [النور: 21] زكى تطهر وتنقى وصفي { ولكن ~~الله يزكي من يشآء والله سميع عليم } [النور: 21] ~~وقال: { سميع عليم } [النور: 21] لأنه تعالى سبق أن قال: # إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا.. # [النور: 19] ذلك في ختام حادثة الإفك التي هزت المجتمع الإسلامي في ~~قمته، فمست رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصديق وزوجته أم ~~المؤمنين عائشة وجماعة من الصحابة. لذلك قال تعالى والله سميع لما ~~قيل عليم [النور: 21] بما تكنه القلوب من حب لإشاعة الفاحشة. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ولا يأتل أولوا الفضل منكم ~~والسعة أن يؤتوا أولي القربى... }. ### || [24.22] # تورط في حادثة الإفك جماعة من أفاضل الصحابة ممن طبع على الخير، لكنه ~~فتن بما قيل وانساق خلف من روجوا لهذه الإشاعة، وكان من هؤلاء ~~مسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر ينفق عليه ويرعاه ~~لفقره، فلما قال في عائشة ما قال وخاض في حقها أقسم أبو بكر ألا ينفق ~~عليه، وقد كان يعيش وأهله في سعة أبي بكر وفضله لأن هذه الفتنة جعلت ~~بعض أهل الخير يضن به. وهذا نموذج لمن ينكر الجميل ولا يقدر صنائع ~~المعروف، وهذا الفعل يزهد الناس في الخير، ويصرفهم عن عمل المعروف، ~~والله تعالى يريد أن يصحح لنا هذه المسألة، فهذه نظرة لا تتفق ~~وطبيعة الإيمان لأن الذي يعصي الله فيك لا تكافئه إلا بأن تطيع الله ~~فيه. وحين تترك من أساء إليك لعقاب الله وتعفو عنه أنت، فإنما تركته ~~للعقاب الأقوى لأنك إن عاقبته عاقبته بقدرتك وطاقتك، وإن تركت عقابه ~~لله عاقبه بقدر طاقته تعالى وقدرته. إذن: العافي أقسى قلبا من ~~المنتقم، وسبق أن مثلنا لذلك بالأخ حين يعتدي على أخيه الأصغر، فيأتي ~~الأب فيجد صغيره مهانا مظلوما، ms6896 فيأخذه في حضنه، ويحاول إرضاءه وتعويضه ~~عما لحقه من ظلم أخيه، كذلك الحال في هذه المسألة ولله المثل ~~الأعلى. ومن هنا يجب عليك أن تسر بمن جعل الله في جانبك، وتحسن ~~إليه، لا أن ترد له الإساءة بمثلها. إذن: نزلت هذه الآية في مسطح بن ~~أثاثة حين أقسم أبو بكر ألا ينفق عليه وعلى أهله، وأن يمنع عنه عطاءه ~~وبره، نزلت لتصحح للصديق هذه النظرة وتوجه انتباهه إلى جانب الخير ~~الباقي عند الله لا عند الناس. فقال تعالى: { ولا يأتل أولوا ~~الفضل منكم والسعة.. } [النور: 22]. { يأتل.. } [النور: ~~22] ائتلى مثل اعتلى تماما، ومنها تألى يعني: حلف وأقسم، يوجه الحق - ~~تبارك وتعالى - الصديق أبا بكر، ويذكر لفظ { أولوا.. } [النور: 22] ~~الدال على الجماعة لتعظيمه لما له من فضل ومنزلة في الإسلام، ففي كل ~~ناحية له فضل لذلك أعطاه وصفين مثل ما أعطى للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال للصديق: { وليعفوا وليصفحوا.. } [النور: 22] وقال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: # فاعف عنهم واصفح.. # [المائدة: 13]. كذلك، ألا ترى الصديق ثاني اثنين في الغار، ~~وثاني اثنين في أمور كثيرة، فهو ثاني اثنين في الهجرة، وثاني اثنين في ~~قبول دعوة الإسلام الأولى لذلك صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين قال عن الصديق: # " " كنت أنا وأبو بكر في الجاهلية كفرسي رهان ". يعني: في التسابق في ~~الخير " فسبقته إلى النبوة فاتبعني، ولو سبقني إليها لاتبعته " ". # ولما كان لأبي بكر أفضال كثيرة في زوايا متعددة لم يخاطبه بصيغة المفرد، ~~إنما بصيغة الجمع تكريما وتعظيما. ألا ترى الصديق مع ما عرف عنه ~~من الحلم ورقة القلب لما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق ~~الأعلى وحدثت مسألة الردة يقف ويقول: " والله لو منعوني عقال بعير ~~كانوا يؤدونها لرسول الله لجالدتهم بالسيف، لو لم أجد إلا الذر ". هذا ~~موقف الصديق رقيق القلب، لين الجانب، صاحب الرحمة والحنان، الذي تقول ~~عنه ابنته " إنه رجل بكاء " يعني: كثير البكاء. في حين يعارضه في أمر ~~الحرب عمر مع ما عرف عنه ms6897 من الشدة والقسوة على الكفار. لكن هذا التناقض ~~في موقف كل منهما يقوم دليلا على أن الإسلام ليس طبعا غالبا على ~~المسلم إنما موقف يعود المسلم إليه، فموقف الردة هو الذي جعل من ~~الصديق أسدا شجاعا قاسي القلب، ولو أن عمر في مكانه من المسئولية ~~وفعل كما فعل الصديق لقالوا: شدة ألفها الناس من عمر. فكأن ~~الإسلام لا يريد أن يطبع المسلم على طبع خاص يظل عليه، إنما الموقف هو ~~الذي يطبعك إيمانيا، وهذا ما ذكرناه في قوله تعالى: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم.. # [الفتح: 29]. فالمسلم ليس مفطورا لا على الشدة وحدها، ولا على الرحمة ~~وحدها، إنما عليه أن يتصرف في كل موقف بما يناسبه على ضوء ما شرع ~~الله. فقوله تعالى: { أولوا الفضل منكم والسعة.. } ~~[النور: 22] يقول للصديق: أنت رجل فاضل صديق، وعندك سعة فلا تعطي ~~ولا تؤثر على نفسك من ضيق، ولا يليق بالفاضل أن يقطع صلته ورحمه لمثل ~~هذا الخطأ الذي وقع فيه مسطح، خاصة أنه أخذ جزاءه كما شرع الله، ~~وعوقب بحد القذف ثمانين جلدة، وليس لك أن تعاقبه بعد ذلك. ومن ~~سماحة الإسلام أن من وقع في حد وعوقب به لا يجوز لأحد أن ~~يعيره بذنبه لأنه تاب وأناب وطهره الله منه بالحد، وانتهت المسألة، ~~وليس لأحد أن يدخل بين العبد وربه. فكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول: ~~ارجع إلى فضلك يا أبا بكر، وعد أنت إلى سعتك، وكن موصول المروءة، ~~ولا تقطع رحمك، يريد - سبحانه وتعالى - أن يصفي ما في النفوس من آثار ~~هذه الفتنة التي زلزلت المجتمع المؤمن في المدينة. ولا يليق بذي الفضل ~~والسعة أن يعامل الناس بالعدل، فصحيح أن مسطح كان يستحق هذه ~~القطيعة وهذا الحرمان، إنما هذا الجزاء لا يليق بالصديق صاحب الفضل ~~والسعة. ولو أجريت إحصاء للمؤمنين بإله وللكافرين في الكون، ستعلم ~~أن المؤمنين قلة والكافرين كثرة، فهل قال الله تعالى لجنود خيره في ~~الكون: أعطوا من آمن، واتركوا من كفر؟ وكأن الحق - تبارك وتعالى ms6898 - ~~يعطينا مثلا في ذاته عز وجل، فكما أنه يعطي من كفر به ويرزقه، بل ~~ربما كان أحسن حالا ممن آمن، فأنت كذلك لا تمنع عطاءك عمن أساء ~~إليك. # لذلك يقول سبحانه في آية أخرى: # ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم # [البقرة: 224]. فإن كنت بارا بأحد وبدر منه شيء فلا تحلف بالله أنك ~~لا تبره، فقد تهدأ ثورتك عليه، وتريد أن تبره، وتتحجج بحلفك، إذن: ~~لا تجعلوا الله عرضة لحلف يمنعكم من المعروف. ثم يقول سبحانه: { أن ~~يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في ~~سبيل الله.. } [النور: 22] صحيح أن مسطح من ذوي قربى أبي بكر ~~ومن المساكين، لكن يعطيه الله نيشانا آخر، فلم يخرجه ما قال من وصف ~~المهاجر، ولم يخرجه ذنبه من هذا الشرف العظيم. فمن فضل الله تعالى على ~~عباده أن السيئة لا تحبط الحسنة، إنما الحسنة بعد السيئة تحبطها، كما ~~قال عز وجل: # إن الحسنات يذهبن السيئات.. # [هود: 114]. فرغم ما وقع فيه مسطح، فقد أبقاه الله في العتب على ~~أبي بكر، وتحنين قلبه، وأبقاه في المهاجرين. { وليعفوا ~~وليصفحوا.. } [النور: 22] العفو: ترك العقوبة على الذنب، لكن قد ~~تعفو عن المذنب ثم تؤنبه، وتمن عليه بعفوك، وتذكره دائما أنه لا ~~يستحق منك هذا العفو لذلك يحثنا ربنا - تبارك وتعالى - على الصفح بعد ~~العفو، والصفح: ترك المن وعدم ذكر الزلة لصاحبها حتى تصبح العقوبة ~~عنده أهون من عفوك عنه. ذلك لأن الحق سبحانه حينما يشرع للبشر ما ~~ينظم العلاقات بينهم يراعي جميع ملكات النفس، لا يقتصر على الملكات ~~العالية فحسب، إنما لكل الملكات التي تنتظم الخلق جميعا، وليأخذ كل ~~منا على قدر إيمانه وامتثاله لأمر ربه. وفي ذلك يقول سبحانه: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين # [النحل: 126]. لو تأملنا حقيقة المثلية في رد الإساءة لوجدناها صعبة ~~في تقديرها، فإن ضربك شخص ضربة، أعندك القدرة التي ترد بها هذه ~~الضربة بمثلها تماما بنفس الطريقة، وبنفس القوة، وبنفس الألم، بحيث ms6899 لا ~~تكون أنت معتديا؟ إنك لو تأملت هذه المثلية لفضلت العفو بدل ~~الدخول في متاهات أخرى. وسبق أن ذكرنا قصة المرابي الذي اشترط على المدين ~~إن تأخر في السداد أن يقطع رطلا من لحمه، ولما تأخر الرجل في السداد ~~خاصمه عند القاضي، وأخبره بما كان بينهما من شرط، وكان القاضي ذكيا فقال ~~للمرابي: خذ السكين واقطع رطلا من لحمه، لكن إن زاد أخذناه منك، وإن ~~نقص أخذناه منك، فتراجع المرابي لأنه لا يستطيع تقدير هذه المسألة. فإن ~~انصرفنا عن المعاقبة بالمثل وسعنا العفو، وانتهت المسألة على خير ما ~~يكون. # وفي مرتبة أخرى يقول سبحانه: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. فالحق - تبارك وتعالى - يجعل لنا مراتب في رد ~~السيئة، فالعقاب بالمثل مرتبة، وكظم الغيظ مرتبه، والعفو مرتبة، والصفح ~~مرتبة، وأعلى ذلك كله مرتبة الإحسان إلى من أساء إليك # والله يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. ثم يجعل الحق سبحانه من نفسه أسوة لعباده فيقول: { ~~ألا تحبون أن يغفر الله لكم.. } [النور: 22] فكما تحب ~~أن يغفر الله لك ذنبك، فلماذا لا تغفر أنت لمن أساء إليك؟ وكأن ربنا - ~~عز وجل - يريد أن يصلح ما بيننا لذلك لما نزلت هذه الآية في شأن أبي ~~بكر قال: أحب يا رب، أحب يا رب، أحب يا رب. ومعنى { ألا.. } [النور: ~~22] أداة للحض وللحث على هذا الخلق الطيب { والله غفور ~~رحيم } [النور: 22] فمن تخلق بأخلاق الله تعالى فليكن له غفران، ~~وليكن لديه رحمة، ومن منا لا يريد أن يتصف ببعض صفات الله، فيتصف ~~بأنه غفور ورحيم؟ ثم يقول الحق سبحانه: { إن الذين يرمون ~~المحصنات الغافلات المؤمنات... }. ### || [24.23] # نلحظ أن الآيات تحدثت عن حد القذف وما كان من حادثة الإفك، ثم ذكرت ~~آية العتاب لأبي بكر في مسألة الرزق، ثم عاد السياق إلى القضية الأساسية: ~~قضية القذف، فلماذا دخلت مسألة الرزق في هذا الموضوع؟ قالوا: لأن كل ~~معركة فيها خصومة قد يكون لها آثار تتعلق بالرزق، والرزق تكفل الله به ~~لعباده لأنه سبحانه هو ms6900 الذي استدعاهم إلى الوجود، سواء المؤمن أو الكافر، ~~وحين تعطي المحتاج فإنما أنت مناول عن الله، ويد الله الممدودة بأسباب ~~الله. والحق تبارك وتعالى يحترم ملكية الإنسان مع أنه سبحانه رازقه ~~ومعطيه، لكن طالما أعطاه صار العطاء ملكا له، فإن حثه على النفقة ~~بعد ذلك يأخذها منه قرضا لذلك يقول سبحانه: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا.. # [البقرة: 245]. فإن أنفق الموسر على المعسر جعله الله قرضا، وتولى ~~سداده بنفسه ذلك لأن الله تعالى لا يرجع في هبته، فطالما أعطاك الرزق، ~~فلا يأخذه منك إلا قرضا. لذلك يقول تعالى: # ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ~~فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن ~~نفسه.. # [محمد: 38]. وفي موضع آخر يقول عن الأموال: # إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج ~~أضغانكم # [محمد: 38] لأن الإنسان تعب في جمع المال وعرق في سبيله، وأصبح عزيزا ~~عليه لذلك يبخل به، فأخذه الله منه قرضا مردودا بزيادة، وكان الرزق ~~والمال بهذه الأهمية لأنه أول مناط لعمارة الخليفة في الأرض لذلك ترك ~~الحديث عن القضية الأساسية هنا، وذكر هذه الآية التي تتعلق بالرزق. ومن ~~ذلك أيضا قوله تعالى: # حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى.. # [البقرة: 238] وقد ذكرت وسط مسائل تتعلق بالعدة والكفارة، ~~وعدة المتوفى عنها زوجها، فما علاقة الصلاة بهذه المسائل؟ قالوا: ~~لأن النزاعات التي تحدث غالبا ما تغير النفس البشرية وتثير حفيظتها، ~~فإذا ما قمت للوضوء والصلاة تهدأ نفسك وتطمئن. وتستقبل مسائل الخلاف هذه ~~بشيء من القبول والرضا. نعود إلى قوله تعالى: { إن الذين ~~يرمون المحصنات الغافلات.. } [النور: 23] المحصنة: لها ~~إطلاقات ثلاث، فهي المتزوجة لأن الإحصان: الحفظ وكأنها حفظت نفسها ~~بالزواج، أو هي العفيفة، وإن لم تتزوج فهي محصنة في ذاتها، والمحصنة ~~هي أيضا الحرة لأن عملية البغاء والزنا كانت خاصة بالإماء. و { ~~الغافلات.. } [النور: 23] جمع غافلة، وهي التي لا تدري بمثل هذه ~~المسائل، وليس في بالها شيء عن هذه العملية، ومن ذلك ما ورد في الحديث ~~الشريف # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل بريرة ms6901 خادمة السيدة عائشة: ما ~~تقولين في عائشة يا بريرة؟ فقالت: تعجن العجين ثم تنام بجانبه فتأتي ~~الدواجن فتأكله وهي لا تدري " # وهذا كناية عن الغفلة لأنها ما زالت صغيرة لم تنضج نضج المراهقة ومع ~~نضج المراهقة نضج اليقين والإيمان. # وتلحظ هذه الغفلة في البنت الصغيرة حين تقول لها: أتتزوجين فلانا؟ ~~تقول: لا أنا أتزوج فلانا، ذلك لأنها لا تدري معنى العلاقة الزوجية، ~~إنما حينما تكبر وتفهم مثل هذه الأمور فإن ذكرت لها الزواج تستحي وتخزى ~~أن تتحدث فيه لأنها عرفت ما معنى الزواج. لذلك لما أمرنا الشرع باستئذان ~~البنت للزواج جعل إذنها سكوتها، فإن سكتت فهذا إذن منها، ودليل على ~~فهمها لهذه العلاقة، إنما إن قالت: نعم أتزوجه لأنه جميل و.. و..، فهذا ~~يعني أنها لم تفهم بعد معنى الزواج. إذن: الغافلة حتى عن مسائل الزواج ~~والعلاقات الزوجية، ولا تدري شيئا عن مثل هذه الأمور كيف تفكر في الزنا؟ ~~ثم يذكر ربنا - تبارك وتعالى - جزاء هذه الجريمة: { لعنوا في ~~الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم } [النور: 23]. وإن ~~كانت الغافلة هي التي ليس في بالها مثل هذه الأمور، ولا تدري شيئا حتى ~~عن الزواج والعلاقات الزوجية بين الرجل والمرأة، فكيف نقول: إنها تفكر في ~~هذه الجريمة؟ واللعن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، وأيضا الطرد ~~والإبعاد عن حظيرة المؤمنين لأن القاذف حكمه أن يقام عليه الحد، ثم ~~تسقط شهادته، ويسقط اعتباره في المجتمع الذي يعيش فيه، فجمع الله عليه ~~الخزي في الدنيا بالحد وإسقاط الاعتبار، إلى جانب عذاب الآخرة، فاللعن ~~في الدنيا لا يعقبه من عذاب الآخرة. وقلنا: إن العذاب: إيلام حي، وقد ~~يوصف العذاب مرة بأليم، ومرة بمهين، ومرة بعظيم، هذه الأوصاف تدور بين ~~العذاب والمعذب، فمن الناس من لا يؤلمه الجلد، لكن يهينه، فهو في ~~حقه عذاب مهين لكرامته، أما العذاب العظيم فهو فوق ما يتصوره المتصور ~~لأن العذاب إيلام من معذب لمعذب، والمعذب في الدنيا يعذب بأيدي ~~البشر وعلى قدر طاقته، أما العذاب في الآخرة فهو بجبروت الله وقهر ms6902 ~~الله لذلك يوصف بأنه عظيم. ثم يقول الحق سبحانه: { يوم تشهد ~~عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم... }. ### || [24.24] # نعلم جميعا أن اللسان هو الذي يتكلم، فماذا أضافت الآية: { يوم ~~تشهد عليهم ألسنتهم.. } [النور: 24]. قالوا: في الدنيا ~~يتكلم اللسان وينطق، لكن المتكلم في الحقيقة أنت لأنه ما تحرك إلا ~~بمرادك له، فاللسان آلة خاضعة لإرادتك، إذن: فهو مجرد آلة، أما في ~~الآخرة فسوف ينطق اللسان على غير مراد صاحبه لأن صاحبه ليس له مراد الآن. ~~ولتقريب هذه المسألة: ألا ترى كيف يخرس الرجل اللبيب المتكلم، ويمسك ~~لسانه بعد طلاقته، بسبب مرض أو نحوه، فلا يستطيع بعدها الكلام، وهو ما ~~يزال في سعة الدنيا. فما الذي حدث؟ مجرد أن تعطلت عنده آلة الكلام، ~~فهكذا الأمر في الآخرة تتعطل إرادتك وسيطرتك على جوارحك كلها، فتنطق ~~وتتحرك، لا بإرادتك، إنما بإرادة الله وقدرته. فالمعنى { يوم تشهد ~~عليهم ألسنتهم.. } [النور: 24] أي: شهادة ونطقا على مراد ~~الله، لا على مراد أصحابها. ولم نستبعد نطق اللسان على هذه الصورة، ~~وقد قال تعالى: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82] وقد جعل فيك أنت أيها الإنسان نموذجا يؤكد صدق هذه القضية. ~~فقل لي: ماذا تفعل إن أردت أن تقوم الآن من مكان؟ مجرد إرادة القيام ~~ترى نفسك قد قمت دون أن تفكر في شيء، ودون أن تستجمع قواك وفكرك ~~وعضلاتك، إنما تقوم تلقائيا دون أن تدري حتى كيفية هذا القيام، وأي ~~عضلات تحركت لآدائه. ولك أن تقارن هذه الحركة التلقائية السلسة بحركة ~~الحفار أو الأوناش الكبيرة، وكيف أن السائق أمامه عدد كبير من العصي ~~والأذرع، لكل حركة في الآلة ذراع معينة. فإذا كان لك هذه السيطرة وهذا ~~التحكم في نفسك وفي أعضائك، فكيف تستبعد أن يكون لربك - عز وجل - هذه ~~السيطرة على خلقه في الآخرة؟ إذن: فاللسان محل القول، وهو طوع ~~إرادتك في الدنيا، أما في الآخرة فقد شلت هذه الإرادة ودخلت في قوله ~~تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. ثم يقول سبحانه: { وأيديهم ms6903 وأرجلهم بما ~~كانوا يعملون } [النور: 24] وهذه جوارح لم يكن لها نطق في ~~الدنيا، لكنها ستنطق اليوم. ويحاول العلماء تقريب هذه المسألة فيقولون: ~~إن الجارحة حين تعمل أي عمل يلتقط لها صورة تسجل ما عملت، فنطقها ~~يوم القيامة أن تظهر هذه الصورة التي التقطت. والأقرب من هذا كله أن ~~نقول: إنها تنطق حقيقة، كما قال تعالى حكاية عن الجوارح: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم ~~أول مرة وإليه ترجعون # [فصلت: 21]. ومعنى: { الذي أنطق كل شيء } أن لكل شيء في ~~الكون نطقا يناسبه، كما نطقت النملة وقالت: # يأيها النمل ادخلوا مساكنكم.. # [النمل: 18] ونطق الهدهد، فقال: # أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين # [النمل: 22]. وقد قال تعالى عن نطق هذه الأشياء: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. لكن، إن أراد الله لك أن تفقه نطقهم فقهك كما فقه ~~سليمان عليه السلام، حين فهم عن النملة: # فتبسم ضاحكا من قولها.. # [النمل: 19] كما فهم عن الهدهد، وخاطبه في قضية العقيدة. وإن كان ~~النطق عادة يفهم عن طريق الصوت، فلكل خلق نطقه الذي يفهمه جنسه لذلك ~~نسمع الآن مع تقدم العلوم عن لغة للأسماك، ولغة للنحل... إلخ. وسبق ~~أن قلنا: إن الذين قالوا من معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أن الحصى ~~سبح في يده، نقول: عليكم أن تعدلوا هذه العبارة، قولوا: سمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تسبيح الحصى في يده، وإلا فالحصى مسبح في ~~يده صلى الله عليه وسلم، كما هو مسبح في يد أبي جهل. ولو سألت هذه ~~الجوارح: لم شهدت علي وأنت التي فعلت؟ لقالت لك: فعلنا لأننا كنا على ~~مرادك مقهورين لك، إنما يوم ننحل عن إرادتك ونخرج عن قهرك، فلن نقول إلا ~~الحق. ثم يقول الحق سبحانه: { يومئذ يوفيهم الله دينهم ~~الحق... }. ### || [24.25] # قوله: { يومئذ.. } [النور: 25] أي: يوم أن تحدث هذه الشهادة، وهو ~~يوم القيامة { يوفيهم الله دينهم الحق.. } [النور: 25] ~~الدين: يطلق على ms6904 منهج الله لهداية الخلق، ويطلق على يوم القيامة، ~~ويطلق على الجزاء. فالمعنى: يوفيهم الجزاء الذي يستحقونه { الحق.. ~~} [النور: 25] أي: العدل الذي لا ظلم فيه ولا تغيير، فليس الجزاء ~~جزافا، إنما جزاء بالحق لأنه لم يحدث منهم توبة، ولا تجديد إيمان لذلك ~~لا بد أن يقع بهم ما حذرناهم منه وأخبرناهم به من العقاب، وليس هناك ~~إله آخر يغير هذا الحكم أو يؤخره عنهم. لذلك بعد أن قال تعالى: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد # [المسد: 1-5]. قال بعدها: # قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم ~~يولد * ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 1-4]. يعني: ليس هناك إله آخر يغير هذا الكلام، فما قلته ~~سيحدث لا محالة. ثم يقول تعالى: { ويعلمون أن الله هو ~~الحق المبين } [النور: 25] و { الحق } [النور: 25] هو الشيء ~~الثابت الذي لا يتغير، فكل ما عدا الله تعالى متغير، إذن: فالله بكل ~~صفات الكمال فيه سبحانه لا تغيير فيه، لذلك يقولون: إن الله تعالى لا ~~يتغير من أجلنا، ولكن يجب أن نتغير نحن من أجل الله، كما قال سبحانه: # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم.. # [الرعد: 11]. فالله هو الحق الثابت، هذا بالبراهين العقلية وبالواقع، ~~وقد عرفنا الكثير من البراهين العقلية، أما الواقع فإلى الآن لم يظهر ~~من يقول أنا الله ويدعي هذا الكون لنفسه، وصاحب الدعوى تثبت له إن ~~لم يقم عليها معارض ومعنى { المبين } [النور: 25] الواضح الظاهر ~~الذي تشمل أحقيته الوجود كله. ثم يقول الحق سبحانه: { الخبيثات ~~للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات ~~للطيبين... }. ### || [24.26] # قلنا في تفسير { الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك.. ~~} [النور: 3] أن الزواج يقوم على التكافؤ، حتى لا يستعلي طرف على الآخر، ~~ومن هذا التكافؤ قوله تعالى: { الخبيثات للخبيثين ~~والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين ~~والطيبون للطيبات.. } [النور: 26]. ثم يقول سبحانه: { ~~أولئك.. } [النور: 26] أي: الذين دارت ms6905 عليهم حادثة الإفك، وخاض ~~الناس في حقهم، وهما عائشة وصفوان { مبرءون مما يقولون.. } ~~[النور: 26] أي: مما يقال عنهم، بدليل هذا التكافؤ الذي ذكرته الآية، ~~فمن أطيب من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكما ذكرنا أن الله تعالى ما ~~كان ليدلس على رسوله صلى الله عليه وسلم ويجعل من زوجاته من تحوم ~~حولها الشبهات. إذن: فلا بد أن تكون عائشة طيبة طيبة تكافي ~~وتناسب طيبة رسول الله لذلك برأها الله مما يقول المفترون. وقوله: { ~~لهم مغفرة ورزق كريم } [النور: 26] مغفرة نزلت من السماء ~~قبل القيامة، ورزق كريم، صحيح أن الرزق كله من الله بكرم، لكن هنا يراد ~~الرزق المعنوي للكرامة وللمنزلة وللسمو، لا الرزق الحسي الذي يقيم قوام ~~البدن من أكل وشرب وخلافه. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { يأيها ~~الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم... }. ### || [24.27] # كلمة بيت: نفهم منها أنه ما أعد للبيتوتة، حيث يأوي إليه الإنسان آخر ~~النهار ويرتاح فيه من عناء اليوم، ويسمى أيضا الدار لأنها تدور على ~~مكان خاص بك لذلك كانوا في الماضي لا يسكنون إلا في بيوت خاصة مستقلة لا ~~شركة فيها مثل العمارات الآن، يقولون: بيت من بابه. حيث لا يدخل ولا يخرج ~~عليك أحد، وكان السكن بهذه الطريقة عصمة من الريبة لأنه بيتك الخاص ~~بأهلك وحدهم لا يشاركهم فيه أحد. لكن هناك أمور تقتضي أن يدخل الناس على ~~الناس لذلك تكلم الحق - تبارك وتعالى - هنا عن آداب الاستئذان وعن ~~المبادئ والنظم التي تنظم هذه المسألة لأن ولوج البيوت بغير هذه الآداب، ~~ودون مراعاة لهذه النظم يسبب أمورا تدعو إلى الريبة والشك لذلك في ~~الفلاحين حتى الآن: إذا رأوا شخصا غريبا يدخل حارة لا علاقة له بها لا ~~بد أن يسأل: لماذا دخل هنا؟ إذن: فشرع الله لا يحرم المجتمع من ~~التلاقي، إنما يضع لهذا التلاقي حدودا وآدابا تنفي الريب والشبهة ~~التي يمكن أن تأتي في مثل هذه المسائل. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في ~~آداب الاستئذان: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا ms6906 ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها.. } [النور: 27]. { حتى تستأنسوا.. } ~~[النور: 27] من الأنس والاطمئنان، فحين تجلس وأهلك في بيتك، وأقبل عليك ~~غريب لا تعرفه، إذا لم يقدم لك ما تأنس به من الحديث أو الاستئذان لا ~~بد أن تحدث منه وحشة ونفور إذن: على المستأذن أن يحدث من الصوت ما ~~يأنس به صاحب الدار، كما نقول: يا أهل الله، أو نطرق الباب، أو نتحدث مع ~~الولد الصغير ليخبر من بالبيت. ذلك لأن للبيوت حرمتها، وكل بيت له ~~خصوصياته التي لا يحب صاحب البيت أن يطلع عليها أحد، إما كرامة لصاحب ~~البيت، وإما كرامة للزائر نفسه، فالاستئذان يجعل الجميع يتحاشى ما يؤذيه. ~~لذلك قال تعالى بعدها: { ذلكم خير لكم.. } [النور: 27]. أي: ~~خير للجميع، للزائر وللمزور، فالاستئذان يمنع أن يتجسس أحد على أحد، يمنع ~~أن ينظر أحد إلى شيء يؤذيه، وهب أن أبا الزوجة أراد زيارتها ودخل عليها ~~فجأة فوجدها في شجار مع زوجها، فلربما اطلع على أمور لا ترضيه، فيتفاقم ~~الخلاف. ثم تختم الآية بقوله تعالى: { لعلكم تذكرون } ~~[النور: 27] يعني: احذروا أن تغفلوا هذه الآداب، أو تتهاونوا فيها، كمن ~~يقولون: نحن أهل أو أقارب لا تكليف بيننا لأن الله تعالى الذي شرع لكم ~~هذه الآداب أعلم بما في نفوسكم، وأعلم بما يصلحكم. بل ويتعدى هذا ~~الأدب الإسلامي من الغريب إلى صاحب البيت نفسه، ففي الحديث الشريف # " نهى أن يطرق المسافر أهله بليل " # إنما عليه أن يخبرهم بقدومه حتى لا يفاجئهم وحتى يستعد كل منهما لملاقاة ~~الآخر. ثم يقول الحق سبحانه: { فإن لم تجدوا فيهآ أحدا ~~فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم... }. ### || [24.28] # فإذا استأذنت على بيت ليس فيه أحد، فلا تدخل لأنك جئت للمكين لا ~~للمكان، إلا إذا كنت تريد الدخول لتتلصص على الناس وتتجسس عليهم. ~~وقوله تعالى: { حتى يؤذن لكم.. } [النور: 28] كيف والدار ليس ~~فيها أحد؟ ربما كان صاحب الدار خارجها، فلما رآك تستأذن نادى عليك من ~~بعيد: تفضل. فلا بد أن يأذن لك صاحب الدار أو من ينوب عنه ms6907 في الإذن ~~لأنه لا يأذن إلا وقد أمن خلو الطريق مما يؤذيك، أو مما يؤذي أهل ~~البيت. ثم يقول سبحانه: { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا ~~هو أزكى لكم.. } [النور: 28]. لأنك إن تمسكت بالدخول بعد أن ~~قال لك: ارجع فقد أثرت الريبة في نفسه، فعليك أن تمتثل وتحترم رغبة صاحب ~~الشأن، فهذا هو الأزكى والأفضل، ألا ترى قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". # { والله بما تعملون عليم } [النور: 28] أي: عالم سبحانه ~~بدخائل النفوس ووساوس الصدور، فإن قال لك صاحب الدار ارجع فوقفت أمام ~~الباب ولم تنصرف، فإنك تثير حولك الظنون والأوهام، وربك - عز وجل - يريد ~~أن يحميك من الظنون ودخائل النفوس. ثم يقول الحق سبحانه: { ليس ~~عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة... }. ### || [24.29] # سأل الصديق أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ~~رسول الله نحن قوم أهل تجارة، نذهب إلى بلاد ليس لنا فيها بيوت ولا أهل، ~~ونضطر لأن ننزل في أماكن عامة كالفنادق نضع فيها متاعنا ونبيت بها، فنزلت ~~هذه الآية. و { جناح.. } [النور: 29] يعني: إثم أو حرج، وهذه خاصة ~~بالأماكن العامة التي لا يسكنها أحد بعينه، والمكان العام له قوانين في ~~الدخول غير قوانين البيوت والأماكن الخاصة، فهل تستأذن في دخول الفندق أو ~~المحل التجاري أو الحمام... إلخ، هذه أماكن لا حرج عليك في دخولها دون ~~استئذان. فمعنى { غير مسكونة.. } [النور: 29] أي: لقوم مخصوصين { ~~فيها متاع لكم.. } [النور: 29] كأن تنام فيها وتأكل وتشرب وتضع ~~حاجياتك، فالمتاع هنا ليس على إطلاقه إنما مقيد بما أحله الله وأمر به، ~~فلا يدخل في المتاع المحرمات. لذل قال بعدها: { والله يعلم ما ~~تبدون وما تكتمون } [النور: 29] يعني: في تحديد الاستمتاع، ~~فلا تأخذه على إطلاقه فتدخل فيه الحرام، وإلا فالبغايا كثيرا ما ~~يرتادون مثل هذه الأماكن لذلك يحصنك ربك، ويعطيك المناعة اللازمة ~~لحمايتك. ثم يقول رب العزة سبحانه: { قل للمؤمنين يغضوا ~~من أبصارهم ويحفظوا فروجهم... }. ### || [24.30] # تحدثت سورة النور من ms6908 أولها عن مسألة الزنا والقذف والإحصان، وحذرت من ~~اتباع خطوات الشيطان التي تؤدي إلى هذه الجريمة، وتحدثت عن التكافؤ في ~~الزواج، وأن الزاني للزانية، والزانية للزاني، والخبيثون للخبيثات ~~والطيبون للطيبات. وهذا منهج متكامل يضمن سلامة المجتمع والخليفة لله في ~~أرضه، فالله تعالى يريد مجتمعا تضيء فيه القيم السامية، مجتمعا يخلو من ~~وسائل العكننة والمخالفة والشحناء والبغضاء، فلو أننا طبقنا منهج ~~الله الذي ارتضاه لنا لارتاح الجميع في ظله. ومسألة غض البصر التي ~~يأمرنا بها ربنا - عز وجل - في هذه الآية هي صمام الأمان الذي يحمينا من ~~الانزلاق في هذه الجرائم البشعة، ويسد الطريق دونها لذلك قال تعالى: { ~~قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم.. } [النور: 30]. ~~وقلنا: إن للإنسان وسائل إدراكات متعددة، وكل جهاز إدراك له مناط: فالأذن ~~تسمع الصوت، والأنف يشم الرائحة، واللسان للكلام، ولذوق المطعومات، ~~والعين لرؤية المرئيات، لكن أفتن شيء يصيب الإنسان من ناحية الجنس هي ~~حاسة البصر لذلك وضع الشارع الحكيم المناعة اللازمة في طرفي الرؤية في ~~العين الباصرة وفي الشيء المبصر، فأمر المؤمنين بغض أبصارهم، وأمر ~~المؤمنات بعدم إبداء الزينة، وهكذا جعل المناعة في كلا الطرفين. وحين ~~تتأمل مسألة غض البصر تجدها من حيث القسمة العقلية تدور حول أربع ~~حالات: الأولى: أن يغض هو بصره ولا تبدي هي زينتها، فخط الفتنة مقطوع ~~من المرسل ومن المستقبل، الثانية: أن يغض هو بصره وأن تبدي هي زينتها، ~~الثالثة: أن ينظر هو ولا تبدي هي زينتها. وليس هناك خطر على المجتمع أو ~~فتنة في هذه الحالات الثلاث فإذا توفر جانب انعدام الآخر. إنما الخطر في ~~القسمة الرابعة: وهي أن ينظر هو ولا يغض بصره، وأن تتزين هي وتبدي ~~زينتها، ففي هذه الحالة فقط يكون الخطر. إذن: فالحق - تبارك وتعالى - ~~حرم حالة واحدة من أربع حالات ذلك لأن المحرمات هي الأقل دائما، وهذا ~~من رحمة الله بنا، بدليل قوله تعالى: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم.. # [الأنعام: 151] فالمحرمات هي المحصورة المعدودة، أما المحللات فهي فوق ~~الحصر والعد، فالأصل في الأشياء أنها ms6909 حلال، وإذا أراد الحق سبحانه ~~تحريم شيء نص عليه، فانظر إلى هذه المعاملة الطيبة من ربك عز وجل. ~~وكما أمر الرجل بغض بصره، كذلك أمرت المرأة بغض بصرها، لأن ~~اللفتة قد تكون أيضا للرجل ذي الوسامة و.. و فإن كان حظ المرأة في ~~رجل تتقحمه العين، فلربما نظرت إلى غيره، فكما يقال في الرجال يقال في ~~النساء. هذا الاحتياط وهذه الحدود التي وضعها الله عز وجل وألزمنا بها ~~إنما هي لمنع هذه الجريمة البشعة التي بدئت بها هذه السورة لأن النظر ~~أول وسائل الزنا، وهو البريد لما بعده، ألا ترى شوقي رحمه الله حين ~~تكلم عن مراحل الغزل يقول: # نظرة فابتسامة فسلام # فكلام فموعد فلقاء # فالأمر بغض البصر ليسد منافذ فساد الأعراض، ومنع أسباب تلوث ~~النسل ليأتي الخليفة لله في الأرض طاهرا في مجتمع طاهر نظيف شريف لا ~~يتعالى فيه أحد على أحد، بأن له نسبا وشرفا، والآخر لا نسب له. ذلك ~~ليطمئن كل إنسان على أن من يليه في الخلافة من أبناء أو أو أحفاد إنما ~~جاءوا من طريق شرعي شريف، فيجتهد كل إنسان في أن ينشىء أطفاله ~~تنشئة فيها شفقة، فيها حنان ورحمة لأنه واثق أنه ولده، ليس مدسوسا ~~عليه، وأغلب الظن أن الذين يهملون أطفالهم ولا يراعون مصالحهم يشكون ~~في نسبهم إليهم. ولا يصل المجتمع إلى هذا الطهر إلا إذا ضمنت له ~~الصيانة الكافية، لئلا تشرد منه غرائز الجنس، فيعتدي كل نظر على ما لا ~~يحل له لأن النظر بريد إلى القلوب، والقلوب بريد إلى الجنس، فلا يعف ~~الفرج إلا بعفاف النظر. ونلحظ في قوله تعالى: { قل للمؤمنين ~~يغضوا من أبصارهم.. } [النور: 30] دقة بلاغ الرسول عن ربه - ~~عز وجل - وأمانته في نقل العبارة كما أنزلت عليه، ففي هذه الآية كان ~~يكفي أن يقول رسول الله: غضوا أبصاركم، لكنه التزم بنص ما أنزل عليه ~~لأن القرآن لم ينزل للأحكام فقط، وإنما القرآن هو كلام الله المنزل على ~~رسوله والذي يتعبد بتلاوته، فلا بد أن يبلغه الرسول كما جاءه ms6910 من ~~ربه. لذلك قال في البلاغ عن الله قل وفي الفعل يغضوا دلالة على ~~ملحظية قل، فالفعل يغضوا مضارع لم تسبقه أداة جزم، ومع ذلك حذفت منه ~~النون، ذلك لأنه جعل قل ملحظية في الأسلوب. والمعنى: إن تقل لهم ~~غضوا أبصاركم يغضوا، فالفعل - إذن - مجزوم في جواب الأمر قل. إذن ~~{ قل.. } [النور: 30] تدل على أمانة الرسول في البلاغ، وعلى أن القرآن ~~ما نزل للأحكام فحسب، إنما هو أيضا كلام الله المعجز لذلك نحافظ عليه ~~وعلى كل لفظة فيه، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أتيت لكم ~~بشيء من عندي، ومهمتي أن أبلغكم ما قاله الله لي. وقوله: { ~~للمؤمنين.. } [النور: 30] فما داموا مؤمنين بإله حكيم، وقد دخلوا ~~حظيرة الإيمان باختيارهم لم يرغمهم عليه أحد، فلا بد أن يلتزموا بما ~~أمرهم ربهم به وينفذوه بمجرد سماعه. والغض: النقصان، يقال: فلان ~~يغض من قدر فلان يعني: ينقصه، فكيف يكون النقصان في البصر؟ أينظر ~~بعين واحدة؟ قالوا: البصر له مهمة، وبه تتجلى المرائي، والعين مجالها حر ~~ترى كل ما أمامها سواء أكان حلالا لها أو محرما عليها. # فنقص البصر يعني: قصره على ما أحل، وكفه عما حرم، فالنقص نقص في ~~المرائي وفي مجال البصر، فلا تعطى له الحرية المطلقة فينظر إلى كل شيء، ~~إنما توقفه عند أوامر الله فيما يرى وفيما لا يرى. و { من.. } ~~[النور: 30] في قوله تعالى: { من أبصارهم.. } [النور: 30] البعض ~~يرى أنها للتبعيض كما تقول: كل من هذا الطعام يعني: بعضا منه، ~~فالمعنى: يغضوا بعض البصر لأن بعضه حلال لا أغض عنه بصري، وبعضه محرم ~~لا أنظر إليه. أو: أن { من.. } [النور: 30] هنا لتأكيد العموم في أدنى ~~مراحله، وسبق أن تكلمنا عن من بهذا المعنى، ونحن كلما توغلنا في ~~التفسير لا بد أن تقابلنا أشياء ذكرناها سابقا، ونحيل القارئ عليها. ~~قلنا: فرق بين قولك: ما عندي مال، وقولك: ما عندي من مال. ما عندي مال، ~~يحتمل أن يكون عندك مال قليل لا يعتد به، لكن ما عندي من ms6911 مال نفي لجنس ~~المال مهما قل، فمن تعني بداية ما يقال له مال. فالمعنى هنا: { ~~قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم.. } [النور: 30] ~~يعني: بداية ما يقال له بصر، ولو لمحة خاطفة، ناهيك عن التأمل وإدامة ~~البصر. وقلنا: إن الشرع لا يتدخل في الخواطر القلبية والهواجس، إنما ~~يتدخل في الأعمال النزوعية التي يترتب عليها فعل، قلنا: لو مررت ببستان ~~فرأيت به وردة جميلة، فأعجبت بها وسررت وانبسطت لها أسارير نفسك، كل ~~هذا مباح لك لا حرج عليك فيه، فإن تعدى الأمر ذلك فمددت إليها يدك ~~لتقطفها، هنا يتدخل الشرع يقول لك: قف، فليس هذا من حقك لأنها ليست ~~لك. هذه قاعدة عامة في جميع الأعمال لا يستثني منها إلا النظر وحده، وكأن ~~ربنا - عز وجل - يستسمحنا فيه، هذه المسألة من أجلنا ولصالحنا نحن ~~ولراحتنا، بل قل رحمة بنا وشفقة علينا من عواقب النظر وما يخلفه في ~~النفس من عذابات ومواجيد. ففي نظر الرجل إلى المرأة لا نقول له: انظر كما ~~تحب واعشق كما شئت، فإن نزعت إلى ضمة أو قبلة قلنا لك: حرام. لماذا؟ ~~لأن الأمر هنا مختلف تماما، فعلاقة الرجل بالمرأة لها مراحل لا تنفصل ~~إحداها عن الأخرى أبدا. فساعة تنظر إلى المرأة هذا إدراك، فإن أعجتبك ~~وانبسطت لها أساريرك، فهذا وجدان، لا بد أن يترك في تكوينك تفاعلا ~~كيماويا لا يهدأ، إلا بأن تنزع فإن طاوعت نفسك في النزوع فقد ~~اعتديت، وإن كبت في داخلك هذه المشاعر أصابتك بعقد نفسية ودعتك ~~إلى أن تبحث عن وسيلة أخرى للنزوع لذلك رحمك ربك من بداية الأمر ودعاك ~~إلى منع الإدراك بغض البصر. لذلك بعد أن أمرنا سبحانه بعض البصر ~~قال: { ويحفظوا فروجهم.. } [النور: 30] لأنك لا تملك أن تفصل ~~النزوع عن الوجدان، ولا الوجدان عن الإدراك، وإن أمكن ذلك في الأمور ~~الأخرى، فحين نمنعك عن قطف الوردة التي أعجبتك لا يترك هذا المنع في ~~نفسك أثرا ولا وجدا، على خلاف ما يحدث إن منعت عن امرأة أعجبتك، ~~وهيجك الوجدان إليها. # وحفظ الفروج يكون ms6912 بأن نقصرها على ما أحله الله وشرعه فلا أنيله لغير ~~محلل له، سواء كان من الرجل أو من المرأة، أو: أحفظه وأصونه أن يرى ~~لأن رؤيته تهيج إلى الشر وإلى الفتنة. { ذلك أزكى لهم.. } ~~[النور: 30] يعني: أطهر وأسلم وأدعى لراحة النفس لأنه إما أن ينزع ~~فيرتكب محرما، ويلج في أعراض الناس، وإما ألا ينزع فيكدر نفسه ~~ويؤلمها بالصبر على ما لا تطيق. ثم يقول سبحانه: { إن الله ~~خبير بما يصنعون } [النور: 30] فهو سبحانه خالق هذه النفس ~~البشرية، وواضع مسألة الشهوة والغريزة الجنسية التي هي أقوى الغرائز ~~ليربط بها بين الرجل والمرأة، وليحقق بها عملية النسل وبقاء الاستخلاف في ~~الأرض، ولو لم تربط هذه العلاقة بالشهوة الملحة لزهد الكثيرون في ~~الزواج وفي الإنجاب وما يترتب عليه من تبعات. ألا ترى المرأة وما ~~تعانيه من آلام ومتاعب في مرحلة الحمل، وأنها ترى الموت عند الولادة، حتى ~~إنها لتقسم أنها لا تعود، لكن بعد أن ترى وليدها وتنسى آلامها سرعان ما ~~يعاودها الحنين للإنجاب مرة أخرى، إنها الغريزة التي زرعها الله في النفس ~~البشرية لدوام بقائها. وللبعض نظرة فلسفية للغرائز، خاصة غريزة الجنس، ~~حيث جعلها الله تعالى أقوى الغرائز، وربطها بلذة أكثر أثرا من لذة ~~الطعام والشراب والشم والسماع.. إلخ فهي لذة تستوعب كل جوارح الإنسان ~~وملكاته، وما ذلك إلا حرصا على بقاء النوع ودواما للخلافة في الأرض. ~~ثم يقول الحق سبحانه لرسوله: { وقل للمؤمنات يغضضن من ~~أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن ~~إلا ما ظهر منها... }. ### || [24.31] # ذكر هنا المقابل، فأمر النساء بما أمر به الرجال، ثم زاد هنا مسألة ~~الزينة. والزينة: هي الأمر الزائد عن الحد في الفطرية لذلك يقولون للمرأة ~~الجميلة بطبيعتها والتي لا تحتاج إلى أن تتزين: غانية يعني: غنيت ~~بجمالها عن التزين فلا تحتاج إلى كحل في عينيها، ولا أحمر في خديها، ~~لا تحتاج أن تستر قلبها بأسورة، ولا صدرها بعقد.. إلخ. فإن كانت ~~المرأة دون هذا المستوى احتاجت لشيء من الزينة، لكن العجيب أنهن ~~يبالغن في هذه ms6913 الزينة حتى تصبح كاللافتة النيون على كشك خشبي مائل، ~~فترى مسنات يضعن هذا الألوان وهذه المساحيق، فيظهرن في صورة لا ~~تليق لأنه جمال مصطنع وزينة متكلفة يسمونها تطرية، وفيها قال المتنبي، ~~وهو يصف جمال المرأة البدوية وجمال الحضرية: # حسن الحضارة مجلوب بتطرية # وفي البداوة حسن غير مجلوب # ومن رحمة الله بالنساء أن قال بعد { ولا يبدين زينتهن.. } ~~[النور: 31] قال: { إلا ما ظهر منها.. } [النور: 31] يعني: ~~الأشياء الضرورية، فالمرأة تحتاج لأن تمشي في الشارع، فتظهر عينيها ~~وربما فيها كحل مثلا، وتظهر يدها وفيها خاتم أو حناء، فلا مانع أن تظهر ~~مثل هذه الزينة الضرورية. لكن لا يظهر منها القرط مثلا لأن الخمار ~~يستره ولا الديكولتيه أو العقد أو الأسورة أو الدملك ولا الخلخال، ~~فهذه زينة لا ينبغي أن تظهر. إذن: فالشارع أباح الزينة الطبيعية شريطة ~~أن تكون في حدود، وأن تقصر على من جعلت من أجله. ونلحظ في قوله ~~تعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها.. } ~~[النور: 31] المراد تغطية الزينة، فالجارحة التي تحتها من باب أولى، ~~فالزينة تغطي الجارحة، وقد أمر الله بستر الزينة، فالجارحة من باب ~~أولى. وقوله تعالى: { وليضربن بخمرهن على ~~جيوبهن.. } [النور: 31]. الخمر: جمع خمار، وهو غطاء الرأس الذي ~~يسدل ليستر الرقبة والصدر. الجيوب: جميع جيب، وهو الفتحة العليا للثوب ~~ويسمونها القبة والمراد أن يستر الخمار فتحة الثوب ومنطقة الصدر، ~~فلا يظهر منها شيء. والعجيب أن النساء تركن هذا الواجب، بل ومن ~~المفارقات أنهن يلبسن القلادة ويعلقن بها المصحف الشريف، إنه تناقض ~~عجيب يدل على عدم الوعي وعدم الدراية بشرع الله منزل هذا المصحف. وتأمل ~~دقة التعبير القرآني في قوله تعالى { وليضربن.. } [النور: 31] ~~والضرب هو: الوقع بشدة، فليس المراد أن تضع المرأة الطرحة على رأسها ~~وتتركها هكذا للهواء، إنما عليها أن تحكمها على رأسها وصدرها وتربطها ~~بإحكام. لذلك لما نزلت هذه الآية قالت السيدة عائشة: رحم الله نساء ~~المهاجرات، لما نزلت الآية لم يكن عندهم خمر، فعمدن إلى المروط ~~فشقوها وصنعوا منها الخمر. إذن: راعى الشارع الحكيم ms6914 زي المرأة من ~~أعلى، فقال: { وليضربن بخمرهن على جيوبهن. # . } [النور: 31] ومن الأدنى فقال: # يدنين عليهن من جلابيبهن.. # [الأحزاب: 59]. ثم يقول تعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن.. } [النور: 31] أي: أزواجهن لأن الزينة جعلت من ~~أجلهم { أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن.. } [النور: 31] ~~أبو الزوج، إلا أن يخاف منه الفتنة، فلا تبدي الزوجة زينتها أمامه. ~~ومعنى { أو نسآئهن.. } [النور: 31] أي: النساء اللائي يعملن ~~معها في البيت كالوصيفات والخادمات { أو ما ملكت أيمانهن.. ~~} [النور: 31] والمراد هنا أيضا ملك اليمين من النساء دون الرجال. ~~ويشترط في هؤلاء النساء أن يكن مسلمات، فإن كن كافرات كهؤلاء ~~اللائي يستقدمونهن من دول أخرى، فلا يجوز للمرأة أن تبدي زينتها أمامهن، ~~وأن تعتبرهن في هذه المسألة كالرجال، لأنهن غير مسلمات وغير مؤتمنات على ~~المسلمة، وربما ذهبت فوصفت ما رأت من سيدتها للرجل الكافر فينشغل بها. ~~ومن العلماء من يرى أن ملك اليمين لا يخص النساء فقط، إنما الرجال ~~أيضا، فللمرأة أن تبدي زينتها أمامهم، قالوا: لأن هناك استقبالا ~~عاطفيا وامتناعا عاطفيا في النفس البشرية، فالخادم في القصر لا ينظر ~~إلى سيدته ولا إلى بناتها لأنه لا يتسامى إلى هذه المرتبة، إلا إذا ~~شجعنه، وفتحن له الباب، وهذه مسألة أخرى. وقوله تعالى: { أو ~~التابعين غير أولي الإربة من الرجال.. } [النور: ~~31] أي: التابعين للبيت، والذين يعيشون على فضلاته، فتكون حياة التابع من ~~حياة متبوعه، فليس عنده بيت يأويه لذلك ينام في أي مكان، وليس عنده ~~طعام لذلك يطعمه الناس وهكذا، فهو ضائع لا هدف له ولا استقلالية ~~لحياته، وترى مثل هؤلاء يأكلون فضلات الموائد ويلبسون الخرق وينامون ~~ولو على الأرصفة. مثل الأهبل أو المعتوه الذي يعطف الناس عليه، وليس له ~~مطمع في النساء، ولا يفهم هذه المسألة، فلا يخاف منه على النساء لأنه لا ~~حاجة له فيهن ولا يتسامى لأن ينظر إلى أهل البيت. ومعنى: { غير ~~أولي الإربة من الرجال.. } [النور: 31] يعني: كأن يكون كبير ~~السن واهن القوى، لا قدرة له على هذه المسائل، أو يكون مجبوبا، ~~مقطوع المتاع، ولا خطر ms6915 من مثل هؤلاء على النساء. وقوله تعالى: { أو ~~الطفل الذين لم يظهروا على عورات النسآء.. } ~~[النور: 31]. نلحظ هنا أن الطفل مفرد، لكن وصف بالجمع { الذين لم ~~يظهروا على عورات النسآء.. } [النور: 31] لماذا؟ قالوا: ~~هذه سمة من سمات اللغة، وهي الدقة في التعبير، حيث تستخدم اللفظ المفرد ~~للدلالة على المثنى وعلى الجمع. كما نقول: هذا قاض عدل، وهذان قاضيان ~~عدل، وهؤلاء قضاة عدل، ولم نقل: عدلان وعدول، فإذا وحد الوصف في ~~الجميع بدون هوى كان الوصف كالشيء الواحد، فالقاضي لا يحكم بمزاجه وهواه، ~~والآخر بمزاجه وهواه، إنما الجميع يصدرون عن قانون واحد وميزان واحد. # إذن: فالعدل واحد لا يقال بالتشكيك، وليس لكل واحد منهم عدل خاص به، ~~العدل واحد. كذلك الحال في { الطفل.. } [النور: 31] مع أن المراد ~~الأطفال، لكن قال الطفل لأن غرائزه مشتركة مع الكل، وليس له هوى، فكل ~~الأطفال - إذن - كأنهم طفل واحد حيث لم يتكون لكل منهم فكره الخاص به، ~~الجميع يحب اللهو واللعب، ولا شيء وراء ذلك، فالجمعية هنا غير واضحة ~~لوجود التوحيد في الغرائز وفي الميول. بدليل أنه إذا كبر الأطفال ~~وانتقلوا إلى مرحلة البلوغ وتكون لديهم هوى وفكر وميل يقول القرآن ~~عنهم: # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم.. # [النور: 59] فنظر هنا إلى الجمع لعدم وجود التوحد في مرحلة الطفولة ~~المبكرة. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين # [الذاريات: 24] فوصف ضيف وهي مفرد بالجمع مكرمين ذلك لأن ضيف تدل ~~أيضا على الجمع، فالضيف من انضاف على البيت وله حق والتزامات لا ~~بد أن يقدمها المضيف، مما يزيد على حاجة البيت، والضيف في هذه ~~الالتزامات واحد، سواء كان مفردا أو جماعة لذلك دل بالمفرد على ~~الجمع. وقوله تعالى: { الذين لم يظهروا على عورات ~~النسآء.. } [النور: 31] يظهر على كذا: لها معنيان في اللغة: الأول: ~~بمعنى يعلم كما في قوله تعالى: # إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم.. # [الكهف: 20] يعني: إن علموا بكم وعرفوا مكانكم. والثاني: بمعنى يعلو ~~ويغلب ويقهر، كما في قوله تعالى: # فما اسطاعوا أن يظهروه ms6916 # [الكهف: 97] أي: السد الذي بناه ذو القرنين، فالمعنى: ما استطاعوا أن ~~يعلوه ويرتفعوا عليه. وهنا { لم يظهروا على عورات ~~النسآء.. } [النور: 31] يعني: يعرفونها ويستبينونها، أو يقدرون على ~~مطلوباتها، فليس لهم علم أو دراية بهذه المسائل. ثم يقول سبحانه: { ~~ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من ~~زينتهن.. } [النور: 31]. الحق - تبارك وتعالى - يكشف ألاعيب النساء ~~وحيلهن في جذب الأنظار، فإذا لم يلفتك إليها النظر لفتك الصوت ~~الذي تحدثه بمشيتها كأنها تقول لك: يا بجم اسمع، يا للي ما نتاش شايف ~~اسمع، وفي الماضي كن يلبسن الخلخال الذي يحدث صوتا أثناء المشي، ~~والآن يجعلن في أسفل الحذاء ما يحدث مثل هذا الصوت أثناء المشي، وأول ~~من استخدم هذه الحيل الراقصات ليجذبن إليهن الأنظار. ومعلوم أن طريقة ~~مشي المرأة تبدي الكثير من زينتها التي لا يراها الناس، وتسبب ~~كثيرا من الفتنة لذلك يقول تعالى بعدها وفي ختام هذه المسائل: { ~~وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم ~~تفلحون } [النور: 31]. لم يقل الحق تبارك وتعالى: يا من أذنبتم ~~بهذه الذنوب التي سبق الحديث عنها، إنما قال { جميعا.. } [النور: 31] ~~فحث الجميع على التوبة ليدل على أن كل ابن آدم خطاء، ومهما كان المسلم ~~متمسكا ملتزما فلا يأمن أن تفوته هفوة هنا أو هناك، والله - عز وجل ~~- الخالق والأعلم بمن خلق لذلك فتح لهم باب التوبة وحثهم عليها، وقال ~~لهم: ما عليكم إلا أن تتوبوا، وعلي أنا الباقي. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من ~~عبادكم.. }. ### || [24.32] # بعد أن تكلم الحق - سبحانه وتعالى - عن مسألة حفظ الفروج ودعا إلى ~~الحفاظ على طهارة الأنساب، أراد أن يتكلم عن هؤلاء الرجال أو النساء ~~الذين لم يتيسر لهم أمر الزواج ذلك ليعالج الموضوع من شتى نواحيه لأن ~~المشرع لا بد أن يستولي بالتشريع على كل ثغرات الحياة فلا يعالج ~~جانبا ويترك الآخر. و { الأيامى.. } [النور: 32] جمع أيم، والأيم ~~من الرجال من لا زوجة له، والأيم من النساء من لا زوج لها. ونلحظ ~~أن الأمر في { أنكحوا.. } [النور: 32] جاء هكذا ms6917 بهمزة القطع، مع ~~أن الأمر للواحد انكح بهمزة الوصل، ذلك لأن الأمر هنا أنكحوا ليس للمفرد ~~الذي سينكح الأيم، إنما لغيره أن ينكحه، والمراد أمر أولياء الأمور ~~ومن عندهم رجال ليس لهم زوجات، أو نساء ليس لهن أزواج: عجلوا ~~بزواج هؤلاء، ويسروا لهم هذه المسألة، ولا تتشددوا في نفقات الزواج حتى ~~تعفوا أبناءكم وبناتكم، وإذا لم تعينوهم فلا أقل من عدم التشدد ~~والمغالاة. وفي الحديث الشريف: # " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في ~~الأرض وفساد كبير ". # ومع ذلك في مجتمعاتنا الكثير من العادات والتقاليد التي تعرقل زواج ~~الشباب أخطرها المغالاة في المهور وفي النفقات والنظر إلى المظاهر.. إلخ ~~وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لأولياء الأمور: يسروا للشباب أمور ~~الالتقاء الحلال ومهدوا لهم سبيل الإعفاف. وقد أعطانا القرآن نموذجا ~~لما ينبغي أن يكون عليه ولي الأمر، فقال تعالى عن سيدنا شعيب عليه ~~السلام: # قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين.. # [القصص: 27] ذلك لأن موسى - عليه السلام - سيكون أجيرا عنده، وربما لا ~~يتسامى إلى أن يطلب يد ابنته لذلك عرضها عليه وخطبه لها وشجعه على ~~الإقبال على زواجها، فأزال عنه حياء التردد، وهكذا يجب أن يكون أبو ~~الفتاة إن وجد لابنته كفؤا، فلا يتردد في إعفافها. وقوله تعالى: { ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم.. } [النور: 32]. وقوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " تنكح المرأة لأربع: لمالها، وجمالها، وحسبها ودينها، فاظفر بذات ~~الدين تربت يداك ". # ولما سئل الحسن - رضي الله عنه - عن مسألة الزواج قال لوالد الفتاة ~~الذي جاء يستشيره: زوجها من تأمنه على دينه، فإن أحب ابنتك ~~أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها. وماذا يريد الإنسان في زوج ابنته أكثر من ~~هذا؟ فالدين والخلق والقيم السامية هي الأساس الذي يبنى عليه الاختيار، ~~أما المال فهو شيء ثانوي وعرض زائل لذلك يقول تعالى: { إن يكونوا ~~فقرآء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم } ~~[النور: 32]. فالفقر قد يكون سببا في عدم الإقبال على البنت، أو عدم ~~إقبال أهل البنت على الزوج، لكن كيف ms6918 يتخلى الله عنا ونحن نتقيه ونقصد ~~الإعفاف والطهر؟ لا يمكن أن يضن الله على زوجين التقيا على هذه القيم ~~واجتمعا على هذه الآداب، ومن يدريك لعل الرزق يأتي للاثنين معا، ويكون ~~اجتماعهما في هذه الرابطة الشرعية هو باب الرزق الذي يفتح للوجهين معا؟ ~~{ والله واسع عليم } [النور: 32] فعطاء الله دائم لا ينقطع لأن ~~خزائنه لا تنفد ولا تنقص، والإنسان يمسك عن الإنفاق لأنه يخاف الفقر، ~~أما الحق - تبارك وتعالى - فيعطي العطاء الواسع لأن ما عنده لا ينفد. # ثم يقول الحق سبحانه: { وليستعفف الذين لا يجدون ~~نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله... }. ### || [24.33] # في حالة إذا لم ننكح الأيامى، ولم نعنهم على الزواج، ولم يقدروا هم ~~على القيام بنفقاته يصف لهم الحق - سبحانه وتعالى - العلاج المناسب، وهو ~~الاستعفاف، وقد طلب الله تعالى من المجتمع الإسلامي سواء - تمثل في ~~أولياء الأمور أو في المجتمع العام - أن ينهض بمسألة الأيامى، وأن ~~يعينهم على الزواج، فإن لم يقم المجتمع بدوره، ولم يكن لهؤلاء ~~الأيامى قدرة ذاتية على الزواج، فليستعفف كل منهم حتى يغنيهم الله، مما ~~يدل على أن التشريع يبني أحكامه، ويراعي كل الأحوال، سواء أطاعوا جميعا ~~أو عصوا جميعا. وقوله تعالى: { وليستعفف.. } [النور: 33] ~~يعني: يحاول العفاف ويطلبه ويبحث عن أسبابه، يجاهد أن يكون عفيفا، وأول ~~أسباب العفاف أن يغض بصره حين يرى، فلا يوجد له مهيج ومثير، فإن ~~وجد في نفسه فتوة وقوة فعلية أن يلجمها ويضعفها بالوسائل الشرعية كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة - يعني: نفقات الحياة الزوجية ~~- فليتزوج، ومن لم يجد فعليه بالصوم فإنه له وجاء ". # والصوم يعمل على انكسار هذه الشهوة ويهدىء من شراسة الغريزة ذلك لأنه ~~يأكل فقط ما يقيم أوده، ولا يبقى في بدنه ما يثير الشهوة، كما جاء في ~~الحديث الشريف: # " بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه... ". # أو: أن يفرغ الشاب نفسه للعمل النافع المفيد الذي يشغله ويستنفد ~~جهده وطاقته، التي إن لم تصرف في الخير صرفت في الشر، ms6919 وبالعمل يثبت ~~الشاب ذاته، ويثق بنفسه، ويكتسب الحلال الذي يشجعه مع الأيام على ~~الزواج وتحمل مسئولياته. لذلك قال تعالى: { وليستعفف.. } ~~[النور: 33] ولم يقل: وليعف، فالمعنى ليسلك سبيل الإعفاف لنفسه وليسع ~~إليه، بأن يمنع المهيج بالنظر ويهدئ شراسة الغريزة بالصوم، أو بالعمل ~~فيشغل وقته ويعود آخر النهار متعبا يريد أن ينام ليقوم في الصباح لعمله ~~نشيطا، وهكذا لا يجد فرصة لشيء مما يغضب الله. ومعنى: { الذين لا ~~يجدون نكاحا.. } [النور: 33] أي: بذواتهم قدرة أو بمجتمعهم معونة. ~~وقوله تعالى: { حتى يغنيهم الله من فضله.. } [النور: ~~33] يدل على أن الاستعفاف وسيلة من وسائل الغنى لأن الاستعفاف إنما نشأ ~~من إرادة التقوى، وقد قال تعالى في قضية قرآنية: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3] فمن هذا الباب يأتيه غنى الله. ثم يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { والذين يبتغون الكتاب مما ملكت ~~أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ~~وآتوهم من مال الله الذي آتاكم.. } [النور: 33]. ~~الكتاب: معروف أنه اجتماع عدة أشياء مكتوبة في ورق، والمراد هنا ~~المكاتبة، وهي أن تكتب عقدا بينك وبين العبد المملوك، تشترط فيه أن ~~يعمل لك كذا وكذا بعدها يكون حرا، إن أدى ما ذكر في عقد المكاتبة. # { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا.. } [النور: 33] ~~يعني: إن كانت حريتهم ستؤدي إلى خير كأن ترفع عنهم ذلة العبودية، ~~وتجعلهم ينشطون في الحياة نشاطا يناسب مواهبهم. لذلك جعل الحق - سبحانه ~~وتعالى - هذه المكاتبة مصرفا من مصارف الزكاة، فقال تعالى: # وفي الرقاب.. # [البقرة: 177] يعني: المماليك الذين نريد أن نفك رقابهم من أسر ~~العبودية وذلها بالعتق، وإن كان مال الزكاة يدفع للفقراء ~~وللمساكين.. إلخ ففي الرقاب يدفع المال للسيد ليعتق عبده. كما جعل ~~الإسلام عتق الرقاب كفارة لبعض الذنوب بين العبد وبين ربه ذلك لأن ~~الله تعالى يريد أن ينهي هذه المسألة. { وآتوهم من مال الله ~~الذي آتاكم.. } [النور: 33]. الحق - تبارك وتعالى - هو الرازق، ~~والمال في الحقيقة مال الله، لكن إن ملكك وطلب منك أن تعطي أخاك الفقير ~~يحترم ملكيتك، ms6920 ولا يعود سبحانه في هبته لك لذلك يأخذ منك الصدقة على ~~أنها قرض لا يرده الفقير، إنما يتولى ربك عز وجل رده، فيقول: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا.. # [البقرة: 245] ولم يقل سبحانه: يقرض فلانا، وإنما يقرض الله لأنه ~~تعالى هو الخالق، ومن حق عبده الذي استدعاه للوجود أن يرزقه ويتكفل له ~~بقوته. واحترام الملكية يجعل الإنسان مطمئنا على آثار حركة حياته ~~وثمره جهده، وأنها ستعود عليه، وإلا فما الداعي للعمل ولبذل المجهود إن ~~ضاعت ثمرته وحرم منها صاحبها؟ عندها ستتعطل مصالح كثيرة وسيعمل الفرد ~~على قدر حاجته فحسب، فلا يفيض عنه شيء للصدقة. ثم يقول سبحانه: { ولا ~~تكرهوا فتياتكم على البغآء إن أردن تحصنا ~~لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن ~~الله من بعد إكراههن غفور رحيم } [النور: 33]. ~~يقال للمملوك: فتى، وللمملوكة: فتاة، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يقول الرجل: عبدي وأمتي إنما يقول: فتاي وفتاتي، فهذه التسمية أكرم ~~لهؤلاء وأرفع، فالفتى من الفتوة والقوة كأنك تقول: هذا قوتي الذي ~~يساعدني ويعينني على مسائل الحياة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يريد أن ~~يرفع من شأنهم. ومن هؤلاء جماعة المماليك الذين حكموا مصر في يوم من ~~الأيام، وكانوا من أبناء الملوك والسلاطين والأعيان. والبغاء ظاهرة جاء ~~الإسلام فوجدها منتشرة، فكان الرجل الذي يملك مجموعة من الإماء ينصب ~~لهن راية تدل عليهن، ويأتيهن الشباب ويقبض هو الثمن، ومن هؤلاء عبد ~~الله بن أبي بن سلول رأس النفاق، وكان عنده مسيكة، ومعاذة وفيه نزلت هذه ~~الآية. وتأويل الآية: لا تكرهوا الإماء على البغاء، وقد كن يبكين، ~~ويرفضن هذا الفعل، وكن يؤذين ويتعرضن للغمز واللمز، ويتجرأ ~~عليهن الناس، وكان من هؤلاء الإماء بنات ذوات أصول طيبة شريفة، لكن ~~ساقتهن الأقدار إلى السبي في الحروب أو خلافه، في حين أن الحرة ~~العفيفة تسير لا يتعرض لها أحد بسوء. # ومعنى: { إن أردن تحصنا.. } [النور: 33] يتكلم القرآن هنا عن ~~الواقع بحيث إن لم يردن تحصنا فلا تكرهوهن { لتبتغوا ~~عرض الحياة الدنيا.. } [النور: ms6921 33] طلبا للقليل من المال ~~الزائل { ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن ~~غفور رحيم } [النور: 33] لأنهن في حالة الإكراه على البغاء يفقدن ~~شرط الاختيار، فلا يتحملن ذنب هذه الجريمة، عملا بالحديث النبوي الشريف: # " رفع عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". # لذلك يطمئن الحق - تبارك وتعالى - هؤلاء اللاتي يردن التحصن ~~والعفاف، لكن يكرههن سيدهن على البغاء، ويرغمهن بأي وسيلة: اطمئنن فلا ~~ذنب لكن في هذه الحالة، وسوف يغفر لكن والله غفور رحيم. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { ولقد أنزلنآ إليكم آيات ~~مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم... }. ### || [24.34] # المعنى: لا عذر لكم لأن الله تعالى قد أنزل إليكم الآيات الواضحة التي ~~تضمن لكم شرف الحياة وطهارتها ونقاء نسل الخليفة لله في الأرض، وهذه ~~الآيات ما تركت شيئا من أقضية الحياة إلا تناولته وأنزلت الحكم فيه، ~~وقد نلتمس لكم العذر لو أن في حياتكم مسألة أو قضية ما لم يتناولها ~~التشريع ولم ينظمها. لذلك يقول سيدنا الإمام علي - رضي الله عنه - عن ~~القرآن: فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، هو الفصل ليس ~~بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله ~~الله. ولا يزال الزمان يثبت صدق هذه المقولة، وانظر هنا وهناك لتجد ~~مصارع الآراء والمذاهب والأحزاب والدول التي قامت لتناقض الإسلام، سواء ~~كانت رأسمالية شرسة أو شيوعية شرسة. إلخ. كلها انهارت على مرأى ~~ومسمع من الجميع. نعم، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى ~~في غيره أضله الله، لأنه خالقك، وهو أعلم بما يصلحك، فلا يليق بك - ~~إذن - أن تأخذ خلق الله لك ثم تتكبر عليه وتضع لنفسك قانونا من عندك ~~أنت. وسبق أن قلنا: إن الآيات تطلق على ثلاثة إطلاقات: الآيات الكونية ~~التي تلفتك إلى الصانع المبدع عز وجل، وعلى المعجزات التي تأتي لتثبت ~~صدق الرسول في البلاغ عن الله، وتطلق على الآيات الحاملة للأحكام وهي ~~آيات القرآن الكريم، وفي القرآن هذا كله. وقوله تعالى: { ومثلا من ~~الذين خلوا ms6922 من قبلكم وموعظة للمتقين } ~~[النور: 34]. أي: جعلنا لكم موعظة وعبرة بالأمم السابقة عليكم، والتي ~~بلغت شأوها في الحضارة، ومع ذلك لم تملك مقومات البقاء، ولم تصنع ~~لنفسها المناعة التي تصونها فانهارت، ولم يبق منهم إلا آثار كالتي نراها ~~الآن لقدماء المصريين، وقد بلغوا من الحضارة منزلة أدهشت العالم المتقدم ~~الحديث، فيأتون الآن متعجبين: كيف فعل قدماء المصريين هذه الحضارة؟ وكان ~~أعظم من حضارة الفراعنة حضارة عاد التي قال الله عنها: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * ~~الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * ~~فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك ~~لبالمرصاد # [الفجر: 6-14] يعني: لن يفلت من المخالفين أحد، ولن ينجو من عذاب الله ~~كافر. والمثل كذلك في مسألة الزنا وقذف المحصنات العفيفات، كحادثة ~~الإفك التي سبق الكلام عنها، وأنها كانت مثلا وعبرة، كذلك كانت قصة ~~السيدة مريم مثلا وقد اتهمها قومها، وقالوا: # يأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت ~~أمك بغيا # [مريم: 28]. وكذلك كانت قصة يوسف عليه السلام وامرأة العزيز، وكلها ~~مسائل تتعلق بالشرف، ولم تخل من رمي العفيفات المحصنات، أو العفيف ~~الطاهر يوسف بن يعقوب عليهما السلام. وهذه الآيات مبينات للوجود الأعلى ~~في آيات الكون، مبينات لصدق المبلغ عن الله في المعجزات، مبينات ~~للأحكام التي تنظم حركة الحياة في آيات القرآن، ثم أريناهم عاقبة الأمم ~~السابقة سواء من أقبل منهم على الله بالطاعة، أو من أعرض عنه ~~بالمعصية، ولا يستفيد من هذه المواعظ والعبر إلا المتقون الذين يخافون ~~الله وتثمر فيهم الموعظة. ### || [24.35] # قلنا: فإن الله تعالى أعطانا النور الحسي الذي نرى به مرائي الأشياء، ~~وجعله وسيلة للنور المعنوي، وقلنا إن الدنيا حينما تظلم ينير كل منا ~~لنفسه على حسب قدراته وإمكاناته في الإضاءة، فإذا ما طلعت الشمس وأنار ~~الله الكون أطفأ كل منا نوره لأن نور الله كاف، فكما أن نور الله ~~كاف في الحسيات فنوره أيضا كاف ms6923 في المعنويات. فإذا شرع الله حكما ~~معنويا ينظم حركة الحياة، فإياكم أن تعارضوه بشيء من عندكم، فكما ~~أطفأتم المصابيح الحسية أمام مصباحه فأطفئوا مصابيحكم المعنوية كذلك أمام ~~أحكامه تعالى وأوامره، والأمر واضح في الآيات الكونية. { الله نور ~~السماوات والأرض.. } [النور: 35] كما نقول ولله المثل الأعلى: ~~فلان نور البيت، فالآية لا تعرف الله لنا، إنما تعرفنا أثره ~~تعالى فينا، فهو سبحانه منور السماوات والأرض، وهما أوسع شيء نتصوره، ~~بحيث يكون كل شيء فيهما واضحا غير خفي. ثم يضرب لنا ربنا - عز وجل - ~~مثلا توضيحيا لنوره، فيقول: { مثل نوره كمشكاة فيها ~~مصباح.. } [النور: 35] أي: مثل تنويره للسماوات وللأرض { ~~كمشكاة.. } [النور: 35] وهي الطاقة التي كانوا يجعلونها قديما في ~~الجدار، وهي فجوة غير نافذة يضعون فيها المصباح أو المسرجة، فتحجز هذه ~~الفجوة الضوء وتجمعه في ناحية فيصير قويا، ولا يصنع ظلا أمام مسار ~~الضوء. والمصباح: إناء صغير يوضع فيه زيت أو جاز فيما بعد، وفي وسطه ~~فتيل يمتص من الزيت فيظل مشتعلا، فإن ظل الفتيل في الهواء تلاعب به ~~وبدد ضوءه وسبب دخانا لأنه يأخذ من الهواء أكثر من حاجة الاحتراق ~~لذلك جعلوا على الفتيل حاجزا من الزجاج ليمنع عنه الهواء، فيأتي الضوء ~~منه صافيا لا دخان فيه، وكانوا يسمونه الهباب. وهكذا تطور المصباح إلى ~~لمبة وصعد نوره وزادت كفاءته، ومن ذلك قوله تعالى: { المصباح في ~~زجاجة.. } [النور: 35] لكنها ليست زجاجة عادية، إنما زجاجة { ~~كأنها كوكب دري.. } [النور: 35] يعني: كوكب من الدر، ~~والدر ينير بنفسه. كذلك زيتها ليس زيتا عاديا، إنما زيت زيتونة ~~مباركة. يقول الحق سبحانه: { يوقد من شجرة مباركة ~~زيتونة لا شرقية ولا غربية.. } [النور: 35]. يعني: ~~شجرة زيتون لا شرقية ولا غربية، يعني: لا شرقية لأنها غربية، ولا غربية ~~لأنها شرقية، فهي إذن شرقية غربية على حد سواء، لكن كيف ذلك؟ قالوا: ~~لأن الشجرة الزيتونة حينما تكون في الشرق يكون الغرب مظلما، وحينما تكون ~~في الغرب يكون الشرق مظلما، إذن: يطرأ عليها نور وظلمة، إنما هذه لا هي ~~شرقية ولا هي غربية، ms6924 إنما شرقية غربية لا يحجز شيء عنها الضوء. وهذا يؤثر ~~في زيتها، فتراه من صفائه ولمعانه { يضيء ولو لم تمسسه ~~نار. # . } [النور: 35]، وتعطي الشجرة الضوء القوي الذي يناسب بنوتها للشمس، ~~فإن كانت الشمس هي التي تنير الدنيا، فالشجرة الزيتونة هي ابنتها، ومنها ~~تستمد نورها، بحيث لا يغيب عنها ضوء الشمس. إذن: مثل تنوير الله ~~للسماوات وللأرض مثل هذه الصورة مكتملة كما وصفنا، وانظر إلى مشكاة فيها ~~مصباح بهذه المواصفات، أيكون بها موضع مظلم؟ فالسماوات والأرض على سعتهما ~~كمثل هذه المشكاة، والمثل هنا ليس لنور الله، إنما لتنويره للسماوات ~~وللأرض، أما نوره تعالى فشيء آخر فوق أن يوصف. وما المثل هنا إلا ~~لتقريب المسألة إلى الأذهان. وسبق أن ذكرنا قصة أبي تمام حين وصف ~~الخليفة ومدحه بأبرز الصفات عند العرب، فقال: # إقدام عمرو في سماحة حاتم # في حلم أحنف في ذكاء إياس # فجمع للخليفة كل هذه الصفات ومدحه بأشهر الخصال عند العرب لذلك قام إليه ~~أحد الحاقدين وقال معترضا عليه: كيف تشبه الخليفة بصعاليك العرب؟ ~~فالأمير فوق من وصفت. فأكمل أبو تمام على البديهة وبنفس الوزن ~~والقافية: # لا تنكروا ضربي له من دونه مثلا # شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة والنبراس # فالله - تبارك وتعالى - هو نور السماوات والأرض أي: منورهما، وهذا ~~أمر واضح جدا حينما تنظر إلى نور الشمس ساعة يظهر يجلو الكون، بحيث لا ~~يظهر معه نور آخر، وتتلاشى أنوار الكواكب الأخرى والنجوم رغم وجودها مع ~~الشمس في وقت واحد، لكن يغلب على نورها نور الشمس، على حد قول الشاعر ~~في المدح: # كأنك شمس والملوك كواكب # إذا ظهرت لم يبد منهن كوكب # ثم يقول سبحانه: { نور على نور.. } [النور: 35] فلم يتركنا الحق ~~- سبحانه وتعالى - في النور الحسي فقط، إنما أرسل إلينا نورا آخر على ~~يد الرسل هو نور المنهج الذي ينظم لنا حركة الحياة، كأنه تعالى يقول لنا: ~~بعثت إليكم نورا على نور، نور حسي، ونور قيمي معنوي، وإذا شهدتم أنتم ~~بأن نوري الحسي ms6925 ينير لكم السماوات والأرض، وإذا ظهر تلاشت أمامه كل ~~أنواركم، فاعلموا أن نور منهجي كذلك يطغى على كل مناهجكم، وليس لكم أن ~~تأخذوا بمناهج البشر في وجود منهج الله. وقوله تعالى: { يهدي الله ~~لنوره من يشآء.. } [النور: 35] أي: لنوره المعنوي نور المنهج ~~ونور التكاليف، والكفار لم يهتدوا إلى هذا النور، وإن اهتدوا إلى النور ~~الحسي في الشمس والقمر وانتفعوا به، وأطفأوا له مصابيحهم، لكن لم يكن ~~لهم حظ في النور المعنوي، حيث أغلقوا دونه عيونهم وقلوبهم وأسماعهم فلم ~~ينتفعوا به. وكان عليهم أن يفهموا أن نور الله المعنوي مثل نوره الحسي ~~لا يمكن الاستغناء عنه، لذلك جاء في أثر علي بن أبي طالب: " من تركه من ~~جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله ". والعجيب أن ~~العبد كلما توغل في الهداية ازداد نورا على نور، كما قال سبحانه: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا.. # [الأنفال: 29]. وقال تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. ثم يقول تعالى: { ويضرب الله الأمثال ~~للناس.. } [النور: 35] يعني: للعبرة والعظة مثل المثل السابق لنوره ~~تعالى { والله بكل شيء عليم } [نور: 35]. ### || [24.36] # بدأت الآية بالجار والمجرور { في بيوت.. } [النور: 36] ولا بد أن ~~نبحث له عن متعلق، فالمعنى: هذا النور الذي سبق الحديث عنه في بيوت أذن ~~الله أن ترفع. والبيت: هو ما أعد للبيتوتة، بل لمعيشة الحياة ~~الثابتة، وإليه يأوي الإنسان بعد عناء اليوم وطوافه في مناكب الأرض، ~~والبيت على أية صورة هو مكان الإنسان الخاص الذي يعزله عن المجتمع العام، ~~ويجعل له خصوصية في ذاته، وإلا فالإنسان لا يرضى أن يعيش في ساحة عامة مع ~~غيره من الناس. وهذه الخصوصية في البيوت يتفاوت فيها الناس وتتسامى حسب ~~إمكاناتهم، وكل إنسان يريد أن يتحيز إلى مكان خاص به لأن التحيز أمر ~~مطلوب في النفس البشرية: الأسرة تريد أن تتحيز عن المجتمع العام، ~~والأفراد داخل الأسرة يريدون أن يتحيزوا أيضا، كل إلى حجرة تخصه، وكذلك ~~الأمر في اللباس، ذلك لأن لكل ms6926 واحد منا مساتير بينه وبين نفسه، لا يحب أن ~~يطلع عليها أحد. وقد اتخذ الله له بيتا في الأرض، هو أول بيت وضع ~~للناس، كما قال الحق سبحانه وتعالى: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا.. # [آل عمران: 96]. وهذا هو بيت الله باختيار الله، ثم تعددت بيوت الله ~~التي اختارها خلق الله، فكما اتخذتم لأنفسكم بيوتا اتخذ الله لنفسه ~~بيوتا { أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.. } ~~[النور: 36] وأنتم جميعا عباد الله وعيال الله، وسوف تجدون الراحة في ~~بيته تعالى كما تجدون الراحة في بيوتكم، مع الفارق بين الراحة في بيتك ~~والراحة في بيت الله. الراحة في بيوتكم راحة حسية بدنية في صالون مريح ~~أو مطبخ مليء بالطعام، أما في بيت الله فالراحة معنوية قيمية لأن ربك - ~~عز وجل - غيب فيريحك أيضا بالغيب. لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~كلما حزبه أمر يقوم إلى الصلاة ليلقي بأحماله على ربه. وماذا تقول في ~~صنعة تعرض على صانعها مرة واحدة كل يوم، أيبقى بها عطل أو فساد؟ فما ~~بالك إن عرضت على صانعها خمس مرات في اليوم والليلة؟ فربك يدعوك ~~إلى بيته ليريحك، وليحمل عنك همومك، ويصلح ما فسد فيك، ويفتح لك أبواب ~~الفرج. إذن فنور على نور هذه لا تكون إلا في بيوت الله التي أذن سبحانه ~~أن ترفع بالذكر وبالطاعات وترفع عما يحل في الأماكن الأخرى وتعظم. ~~فالبيوت كلها لها مستوى واحد، لكن ترفع بيوت عن بيوت وتعلى وقد ~~رفعت بيوت الله بالطاعة والعبادة، فالمسجد مكان للعبادة لا يعصى ~~الله فيه أبدا على خلاف البيوت والأماكن الأخرى، فعظم الله بيوته أن ~~يعصى فيها، وعظم روادها أن يشتغلوا فيها بسفاسف الأمور الحياتية ~~الدنيوية، فعليك أن تترك الدنيا على باب المسجد كما تترك الحذاء. # لذلك نهى الإسلام أن نعقد صفقة في بيت الله، أو حتى ننشد فيه الضالة لأن ~~الصفقة التي تعقد في بيت الله خاسرة بائرة، والضالة التي ينشدها صاحبها ~~فيه لا ترد عليه، وقد أمرنا رسول الله صلى ms6927 الله عليه وسلم أن نقول لمن ~~يفعل هذا بالمسجد # " لا ردها الله عليك ". # وإن جعل الله الأرض كلها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم مسجدا وطهورا، ~~لكن فرق بين الصلاة في المسجد والصلاة في أي مكان آخر، المسجد ~~خصص للعبادة، ولا نذكر فيه إلا الله، أما الأماكن الأخرى فتصلح ~~للصلاة، وأيضا لمزاولة أمور الدنيا. وإلا، فكيف تعيش كل وقتك لأمور ~~الدنيا على مدار اليوم والليلة، ثم تستكثر على ربك هذه الدقائق التي تؤدي ~~فيها فرض الله عليك فتجرجر الدنيا معك حتى في بيت الله؟ ألا تعلم أن ~~بيوت الله ما جعلت إلا لعبادة الله؟ لا بد للمؤمن أن يترك دنياه خارج ~~المسجد، وأن ينوي الاعتكاف على عبادة ربه والمداومة على ذكره في بيته، ~~فلا يليق بك أن تكون في بيت الله وتنشغل بغيره. فإن التزمت بآداب المسجد ~~تلقيت من ربك نورا على نور، وزال عن كاهلك الهم والغم وحلت مشاكلك ~~من حيث لا تحتسب. إذن: فالحق - تبارك وتعالى - جعل في الفطرة الإيمانية ~~أن تؤمن بإله، فالإيمان أمر فطري مهما حاول الإنسان إنكاره، فالكافر الذي ~~ينكر وجود الله ساعة يتعرض لأزمة لا منجاة منها بأسباب البشر تجده ~~تلقائيا يتوجه إلى الله يقول: يا رب، لا يمكن أن يكذب على نفسه في هذه ~~الحالة أو يسلم نفسه ويبيعها رخيصة. وفي ذلك يقول تعالى: # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم ~~إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعوا إليه ~~من قبل وجعل لله أندادا.. # [الزمر: 8]. ومن دقة الأداء القرآني في هذه المسألة قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع.. # [الجمعة: 9]. فذكر طرفا واحدا من عملية التجارة وهو البيع، ولم يقل: ~~والشراء، قالوا: لأنه حين يمنع البيع يمنع الشراء في الوقت نفسه ولأن ~~الإنسان يحرص على البيع لكن قد يشتري وهو كاره، فشهوة الإنسان متعلقة ~~بالبيع لا بالشراء، لأن الشراء يحتاج منه إلى مال على خلاف البيع الذي ~~يجلب له المال. ms6928 إذن: قوله تعالى: # وذروا البيع.. # [الجمعة: 9] إنما ذكر قمة حركة الحياة وخلاصتها، فكل حركات الحياة من ~~تجارة أو زراعة أو صناعة تنتهي إلى مسألة البيع لذلك يحزن البائع إذا لم ~~يبع، أما المشتري فيقول حين لا يجد الشيء أو يجد المحل مغلقا: بركة ~~يا جامع. # ثم إذا انتهت الصلاة يعيدنا من جديد إلى حركة الحياة: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله.. # [الجمعة: 10]. كأنك ذهبت للمسجد لتأخذ شحنة إيمانية تعينك وتسيطر على ~~كل حواسك في حركتك في التجارة، وفي الإنتاج، وفي الاستهلاك، وفي كل ما ~~ينفعك وينمي حياتك. وحين يأمرك ربك أن تفرغ لأداء الصلاة لا يريد من هذا ~~الفراغ أن يعطل لك حركة الحياة، إنما ليعطيك الوقود اللازم لتصبح حركة ~~حياتك على وفق ما أراده الله. وما أشبه هذا الوقت الذي نختزله من مصالح ~~دنيانا في عبادة الله بشحن بطارية الكهرباء، فحين تذهب بالبطارية إلى ~~جهاز الشحن لا نقول: إنك عطلت البطارية إنما زدت من صلاحيتها لأداء ~~مهمتها وأخذ خيرها. فأنت تذهب إلى بيت الله بنور الإيمان، وبنور ~~الاستجابة لنداء: الله أكبر، فتخرج بأنوار متعددة من فيوضات الله لذلك ~~ضرب لنا الحق - تبارك وتعالى - مثلا لها النور بالمصباح الذي يتنامى ~~نوره ويتصاعد لأنه في زجاجة تزيد من ضوئه لأنها مثل كوكب دري والنور ~~يتصاعد لأنها بزيت زيتونة، ويتصاعد لأنها شرقية وغربية في آن واحد، إذن: ~~عندنا ألوان متعددة في المثل، فكذلك النور في بيوت الله. لذلك قال بعض ~~العارفين: أهل الأرض ينظرون في السماء نجوما متلألئة، والملائكة في ~~السماء ينظرون نجوما متلألئة من بيوت الله، ولا عجب في ذلك لأنها أنوار ~~الله تتلألأ وتتدفق في بيته وفي مسجده، وكيف نستبعد ذلك ونحن نرى نور ~~الشمس كيف يفعل حينما ينعكس على سطح القمر فيلقي إلينا بالضوء الذي ~~نراه؟ والشمس والقمر أثر من آثار نور الله الذي يسطع في بيوت الله، ~~ألا يعطينا ذلك الإشعاع الذي يفوق إشعاع البدور؟ ثم يقول تعالى: { ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال } [النور: ms6929 36] فالمساجد ~~جعلت لتسبيح الله لذلك كان بعض الصالحين إذا نزل بلدا يتحيل أن ~~ينزلها في غير وقت الصلاة، ثم يذهب إلى المسجد فإن وجده عامرا في غير ~~وقت الصلاة بالمسبحين علم أن هؤلاء ملتزمون بمنهج الله، حيث يجلسون قبل ~~وقت الصلاة يسبحون الله وينتظرون الصلاة، وإن وجد الحال غير ذلك ~~انصرف عنها وعلم أنها بلد لا خير فيها. والغدو: يعني الصباح، ~~والآصال: يعني المساء، فهي لا تخلو أبدا من ذكر الله وتسبيحه، وقد وصف ~~هؤلاء الذين يعمرون بيوت الله بالذكر والتسبيح بأنهم: { رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله... }. ### || [24.37] # قلنا: إن التجارة هي قمة حركة الحياة لأنها واسطة بين منتج زارع أو صانع ~~وبين مستهلك، وهي تقتضي البيع والشراء، وهما قمة التبادلات، وهؤلاء ~~الرجال لم تلههم التجارة عن ذكر الله لأنهم عرفوا ما في الزمن ~~المستقطع للصلاة من بركة تنثر في الزمن الباقي. أو نقول: إن التجارة لم ~~تلههم عن ذكر الله في ذاتها، فهم حال تجارتهم لا يغفلون عن ذكر ~~الله، وقد كنا في الصغر نسمع في الأسواق بين البائع والمشتري، يقول ~~أحدهما للآخر: وحد الله، صل على النبي، مدح النبي، بالصلاة على ~~النبي، كل هذه العبارات انقرضت الآن من الأسواق والتعاملات التجارية ~~وحل محلها قيم وعبارات أخرى تعتمد على العرض والإعلان، بل الغش ~~والتدليس. ولم نعد نسمع هذه العبارات، حتى إذا لم يتم البيع كنت تسمع ~~البائع يقول: كسبنا الصلاة على النبي، فهي في حد ذاتها مكسب حتى لو لم ~~يتم البيع. { وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة.. } [النور: ~~37] الصلاة لأنها تأخذ وقتا من العمل، وكثيرا ما ينشغل المرء بعمله ~~وتجارته عن إقامة الصلاة ظانا أنها ستضيع عليه الوقت، وتفوت عليه ~~مصالح كثيرة، وكذلك ينظر إلى الزكاة على أنها تنقص من ماله، وهذه نظرة ~~خاطئة حمقاء لأن الفلاح الذي يخرج من مخزنه أردبا من القمح ليزرع به ~~أرضه: الأحمق يقول: المخزن نقص أردبا، أما العاقل فيثق أن هذا الأردب ~~سيتضاعف عند الحصاد أضعافا مضاعفة. أو: أن الله ms6930 تعالى يفيض عليه من ~~أنواره، فيبارك له في وقته، وينجز من الأعمال من الوقت المتبقي ما لا ~~ينجزه تارك الصلاة، أو: يرزقه بصفقة رابحة تأتيه في دقائق، ومن حيث لا ~~يحتسب، والبركة كما قلنا قد تكون سلبا وقد تكون إيجابا، وهذه كلها ~~أنوار وتجليات يفيض الله بها على الملتزم بمنهجه. ثم يقول سبحانه في صفات ~~هؤلاء الرجال: { يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار } [النور: 37] ذلك لأنهم يتاجرون لهدف أسمى وأخلد، فأهل ~~الدنيا إنما يتاجرون لصيانة دنياهم، أما هؤلاء فيتاجرون مع الله تجارة ~~لن تبور، تجارة تصون الدنيا وتصون الآخرة. وإذا قست زمن دنياك بزمن ~~أخراك لوجدته هباء لا قيمة له، كما أنه زمن مظنون لعمر مظنون، لا تدري ~~متى يفاجئك فيه الموت، أما الآخرة فحياة يقينية باقية دائمة، وفي الدنيا ~~يفوتك النعيم مهما حلا وطال، أما الآخرة فنعيمها دائم لا ينقطع. إذن: ~~فهم يعملون للآخرة { يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار } [النور: 37] واليوم في ذاته لا يخاف منه، وإنما يخاف ~~ما فيه، كما يقول الطالب: خفت يوم الامتحان، واليوم يوم عادي لا يخاف ~~منه، إنما يخاف مما سيحدث في هذا اليوم، فالمراد: يخافون عذاب هذا ~~اليوم. # ومعنى { تتقلب فيه القلوب والأبصار } [النور: 37] ~~يعني: رجفة القلب واضطراب حركته، وما ينتابه من خفقان شديد، ونحن نرى ما ~~يصيب القلوب من ذلك لمجرد أحداث الدنيا، فما بالك بهول الآخرة، وما يحدث ~~من اضطراب في القلب؟ كذلك تضطرب الأبصار وتتقلب هنا وهناك لأنها حين ~~ترى الفزع الذي يخيفها تتقلب، تنظر هنا وتنظر هنا علها ترى ما ~~يطمئنها أو يخفف عنها ما تجد، لكن هيهات فلن ترى إلا فزعا آخر أشد ~~وأنكى. لذلك ينتهي الموقف إلى: # خاشعة أبصارهم.. # [القلم: 43] # قلوب يومئذ واجفة * أبصارها خاشعة # [النازعات: 8-9] يعني: ذليلة منكسرة حيث لا مفر ولا منجى، ولن يجد ~~في هذا اليوم راحة إلا من قدم له العمل الصالح كالتلميذ المجتهد الواثق ~~من نفسه ومعلوماته، يتلهف إلى ورقة الأسئلة، أما الآخر فيقف حائرا لا ~~يدري. ثم يقول الحق ms6931 سبحانه: { ليجزيهم الله أحسن ما ~~عملوا ويزيدهم من فضله... }. ### || [24.38] # أي: في هذا اليوم يجزيهم الله أحسن ما عملوا، ما شاء الله على رحمة ~~الله!! لكن كيف بأسوأ ما عملوا؟ هذه دعوها لرحمة الله ولمغفرته { ~~ويزيدهم من فضله.. } [النور: 38] لأن الله تعالى لا يعاملنا ~~في الحسنات بالعدل، ولا يجازينا عليها بالقسطاس المستقيم وعلى قدر ما ~~نستحق، إنما يزيدنا من فضله. لذلك ورد في الدعاء: اللهم عاملنا بالفضل لا ~~بالعدل، وبالإحسان لا بالميزان. فليس لنا نجاة إلا بهذا، كما يقول ~~سبحانه: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. { والله يرزق من يشآء بغير حساب } ~~[النور: 38] والرزق: كل ما ينتفع به، وكل معنى فيه فوقية لك هو رزق، ~~فالصحة رزق، والعلم رزق، والحلم رزق، والشجاعة رزق.. الخ. والبعض يظن أن ~~الرزق يعني المال، وهذا خطأ لأن الرزق مجموع أمور كثيرة، فإن كان ~~رزقك علما فعلم الجاهل، وإن كان رزقك قوة فأعن الضعيف، وإن كان ~~رزقك حلما فاصبر على السفيه، وإن كان رزقك صنعة تجيدها، فاصنع ~~لآخرق لا يجيد شيئا. وإذن: هذا كله رزق، وما دام ربك - عز وجل - يرزقك ~~بغير حساب، ويفيض عليك من فضله فأعط المحتاجين، وارزق أنت أيضا ~~المعدمين، واعلم أنك مناول عن الله، والرزق في الأصل من الله وقد تكفل ~~لعباده به، وما أنت إلا يد الله الممدودة بالعطاء، واعلم أنك ما دمت ~~واسطة في العطاء، فأنت تعطي من خزائن لا تنفد، فلا تضن ولا تبخل، فما ~~عندكم ينفد وما عند الله باق. والحساب: أن تحسب ثمرة الأفعال: هذه ~~تعطي كذا، وهذا ينتج كذا، يعني ميزانية ودراسة جدوى، أما عطاء الله ~~فيأتيك دون هذه الحسابات، فأنت تحسب لأن وراءك من سيحاسبك، أما ربك عز ~~وجل فلا يحاسبه أحد لذلك يعطيك بلا عمل ودون أسباب، ويعطيك بلا ~~مقدمات، ويعطيك وأنت لا تستحق، ألا ترى من تتعثر قدمه فيجد تحتها ~~كنزا؟ ثم يقول الحق سبحانه: { والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب... }. ### || [24.39] # الحق - تبارك وتعالى - يريد أن يلفت أنظار ms6932 من شغلتهم الدنيا بحركتها ~~ونشاطها عن المراد بالآخرة، فيصنعون صنائع معروف كثيرة، لكن لم يخلصوا ~~فيها النية لله، والأصل في عمل الخير أن يكون من الله ولله، وسوف يواجه ~~هؤلاء بهذه الحقيقة فيقال لأحدهم كما جاء في الحديث: # " عملت ليقال وقد قيل ". # لقد مدحوك وأثنوا عليك، وأقاموا لك التماثيل وخلدوا ذكراك لذلك ~~رسم لهم القرآن هذه الصورة: { والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه ~~لم يجده شيئا.. } [النور: 39]. { أعمالهم.. } [النور: 39] ~~أي: التي يظنونها خيرا، وينتظرون ثوابها، والسراب: ما يظهر في الصحراء ~~وقت الظهيرة كأنه ماء وليس كذلك. وهذه الظاهرة نتيجة انكسار الضوء، و " ~~قيعة ": جمع قاع وهي الأرض المستوية مثل جار وجيرة. وأسند الفعل { ~~يحسبه.. } [النور: 39] إلى الظمآن لأنه في حاجة للماء، وربما لو لم ~~يكن ضمآنا لما التفت إلى هذه الظاهرة، فلظمئه يجري خلف الماء، لكنه ~~لا يجد شيئا، وليت الأمر ينتهي عند خيبة المسعى إنما { ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه.. } [النور: 39] فوجىء بإله لم يكن على ~~باله حينما فعل الخير، إله لم يؤمن به، والآن فقط يتنبه، ويصحو من ~~غفلته، ويفاجأ بضياع عمله. إذن: تجتمع عليه مصيبتان: مصيبة الظمأ ~~الذي لم يجد له ريا، ومصيبة العذاب الذي ينتظره، كما قال الشاعر: # كما أبرقت قوما عطاشا غمامة # فلما رأوها أقشعت وتجلت # وسبق أن ضربنا مثلا لهذه المسألة بالسجين الذي بلغ منه العطش مبلغا، ~~فطلب الماء، فأتاه الحارس به حتى إذا جعله عند فيه واستشرف المسكين ~~للارتواء أراق الحارس الكوب، ويسمون ذلك: يأس بعد إطماع. لذلك ~~الحق تبارك وتعالى يعطينا في الكون أمثلة تزهد الناس في العمل ~~للناس من أجل الناس، فالعمل للناس لا بد أن يكون من أجل الله. وفي ~~الواقع تصادف من ينكر الجميل ويتنكر لك بعد أن أحسنت إليه، وما ذلك ~~إلا لأنك عملت من أجله، فوجدت الجزاء العادل لتتأدب بعدها ولا تعمل من ~~أجل الناس، ولو فعلت ما فعلت من أجل الله لوجدت الجزاء والثواب من ~~الله قبل أن تنتهي من مباشرة ms6933 هذا الفعل. وفي موضع آخر يشبه الحق ~~سبحانه الذي ينفق ماله رياء الناس بالحجر الأملس الذي لا ينتفع بالماء، ~~فلا ينبت شيئا: # كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ~~فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء ~~مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264]. وقوله تعالى: { والله سريع الحساب } [النور: ~~39] فإياك أن تستبعد الموت أو البعث، فالزمن بعد الموت وإلى أن تقوم ~~الساعة زمن لا يحسب لأنه يمر عليك دون أن تشعر به ، كما قال سبحانه: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46]. والله تعالى أخفى الموت أسبابا وميعادا لأن الإبهام ~~قد يكون غاية البيان، وبإبهام الموت تظل ذاكرا له عاملا للآخرة لأنك ~~تتوقعه في أي لحظة، فهو دائما على بالك، ومن يدريك لعلك إن خفضت ~~طرفك لا ترفعه، وعلى هذا فالحساب قريب وسريع لذلك قالوا: من مات فقد ~~قامت قيامته. ثم يقول الحق سبحانه: { أو كظلمات في بحر ~~لجي يغشاه موج من فوقه موج... }. ### || [24.40] # هذا مثل آخر توضيحي لأعمال الذين كفروا، والبحر اللجي: الواسع الكبير ~~الذي تتلاطم فيه الأمواج، بعضها فوق بعض، وفوق هذا كله سحاب إذن: فالظلام ~~مطبق لأنه طبقات متتالية، وفي أعماق بعيدة، وقد بلغت هذه الظلمة حدا ~~لا يرى الإنسان معها حتى يده التي هي جزء منه، فما بالك بالأشياء الأخرى؟ ~~وقوله: { لم يكد يراها.. } [النور: 40] أي: لم يقرب من أن ~~يراها، وإذا نفى القرب من أن يرى فقد نفى الرؤية من باب أولى ذلك ~~لأنه ليس له نور من الله يرى به ويهتدي { ومن لم يجعل الله ~~له نورا فما له من نور } [النور: 40] فكما أنه لم ينتفع ~~بالنور، ولم ير حتى يده، كذلك لا ينتفع بشيء من عمله. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ألم تر أن الله يسبح له من في ~~السماوات والأرض... }. ### || [24.41] # يريد الحق - سبحانه وتعالى - أن يلفتنا إلى ما يدل على وحدة الخالق ~~الأعلى، وكمال قيوميته، وكمال قدرته، وذكرت ms6934 هذه الآية بعد عدة أوامر ~~ونواه، وكأن ربك - عز وجل - يريد أن يطمئنك على أن هذا الكون الذي ~~خلقه من أجلك وقبل أن تولد، بل، وقبل أن يخلق الله آدم أعد له هذا ~~الكون، وجعله في استقباله بسمائه وأرضه وشمسه وقمره ومائه وهوائه، يقول ~~لك ربك: اطمئن فلن يخرج شيء من هذا الكون عن خدمتك فهو مسخر لك، ولن ~~يأتي يوم يتمرد فيه، أو يعصي أوامر الله: { ألم تر أن الله ~~يسبح له من في السماوات والأرض.. } [النور: 41]. { ~~ألم تر.. } [النور: 41] يعني: ألم تعلم، كما في قوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1] ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل، ولم ~~ير هذه الحادثة، فلماذا لم يخاطبه ربه بألم تعلم ويريح الناس الذين ~~يتشككون في الألفاظ؟ قالوا: ليدلك على أن ما يخبرك الله به - غيبا عنك ~~- أوثق مما تخبرك به عينك مشهدا لك لأن مصدر علمك هو الله، ألا ترى ~~أن النظر قد يصيبه مرض فتختل رؤيته، كمن عنده عمى ألوان أو قصر نظر.. ~~إلخ إذن: فالنظر نفسه وهو أوثق شيء لديك قد يكذب عليك. والتسبيح: هو ~~التنزيه، والتنزيه أن ترتفع بالمنزه عن مستوى ما يمكن أن يجول بخاطرك: ~~فالله تعالى له وجود، وأنت لك وجود، لكن وجود الله ليس كوجودك، الله له ~~ذات وصفات، لكن ليست كذاتك وصفاتك.. إلخ. إذن: نزه ذات الله تعالى عن ~~الذوات التي تعرفها لأنها ذوات وهبت الوجود، أما ذات الله فغير ~~موهوبة، ذات الله ذاتية، كذلك لك فعل، ولله تعالى فعل. وقد ذكرنا في ~~قوله تعالى: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا.. # [الإسراء: 1]. إن الذين اعترضوا على هذا الفعل اعترضوا بغباء، فلم ~~يفرقوا بين فعل الله وفعل العبد، فرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم يقل: سريت من مكة إلى بيت المقدس. إنما قال: أسري بي. فالاعتراض ~~على هذا فيه مغالطة، فإن كنتم تضربون إليها أكباد الإبل شهرا فذلك لأن ~~سيركم خاضع لقدرتكم ms6935 وإمكاناتكم، أما الله تعالى فيقول للشيء: كن ~~فيكون، فلا يحتاج في فعله سبحانه إلى زمن. فمن الأدب ألا تقارن ~~فعل الله بفعلك، ومن الأدب أن تنزه الله عن كل ما يخطر لك ببال، ~~نزه الله ذاتا، ونزهه صفاتا، ونزهه أفعالا. ألا ترى أن سبحان مصدر ~~للتسبيح، يدل على أن تنزيه الله ثابت له سبحانه قبل أن يخلق من ينزهه، ~~كما جاء في قوله تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18] فشهد الحق - تبارك وتعالى - لنفسه قبل أن تشهدوا، وقبل ~~أن تشهد الملائكة، فهذه هي شهادة الذات للذات. وقبل أن يخلق الله الإنسان ~~المسبح سبح لله السماوات والأرض ساعة خلقهما سبحانه وتعالى. وحين ~~تتتبع ألفاظ التسبيح في القرآن الكريم تجدها جاءت مرة بصيغة الماضي # سبح لله ما في السماوات والأرض.. # [الحديد: 1] فهل سبحت السماوات والأرض مرة واحدة، فقالت: سبحان الله ~~ثم سكتت عن التسبيح؟ لا إنما سبحت في الماضي، ولا تزال تسبح في ~~الحاضر: # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض.. # [الجمعة: 1]. وما دام أن الكون كله سبح لله، وما يزال يسبح فلم ~~يبق إلا أنت يا ابن آدم: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1] يعني: استح أن يكون الكون كله مسبحا وأنت غير مسبح، ~~فصل أنت تسبيحك بتسبيح كل هذه المخلوقات. وعجيب أن نسمع من يقول أن ~~من في الآية للعاقل، فهو الذي يسبح أما السماوات والأرض فلا دخل ~~لهما في هذه المسألة، ونقول: لا دخل لها في تصورك أنت، أما الحقيقة ~~فإنها مثلك تسبح كما قال تعالى: { كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه.. } [النور: 41]. وقال: # ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.. # [الرعد: 13] فليس لك بعد كلام الله كلام. وآخر يقول لك: التسبيح هنا ليس ~~على الحقيقة، إنما هو تسبيح دلالة وحال، لا مقال، يعني: هذه المخلوقات ~~تدل بحالها على تسبيح الله وتنزيهه، وأنه واحد لا شريك له، على حد قول ~~الشاعر: # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه الواحد # وهذا القول مردود بقوله تعالى: # وإن من ms6936 شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. إذن: فهذه المخلوقات تسبح على الحقيقة ولها لسان ~~ولغة، لكنك لا تفهم عنها ولا تفقه لغاتها، وهل فهمت أنت كل لغات بني ~~جنسك حتى تفهم لغات المخلوقات الأخرى؟ إن العربي إذا لم يتعلم الإنجليزية ~~مثلا لا يستطيع أن يفهم منها شيئا، وهي لغة منطوقة مكتوبة، ولها ألفاظ ~~وكلمات وتراكيب مثل العربية. إذن: لا تقل تسبيح حال، هو تسبيح مقال، ~~لكنك لا تفهمه، وكل شيء له مقال ويعرف مقاله، بدليل أن الله تعالى إن ~~شاء أطلع بعض أهل الاصطفاء على هذه اللغات، ففهمها كما فهم سليمان عليه ~~السلام عن النملة # فتبسم ضاحكا من قولها.. # [النمل: 19] وسمع كلام الهدهد وفهم عنه ما يقول عن ملكة سبأ. ونقول ~~لأصحاب هذا الرأي: تأملوا الخلية المسدسة التي يصنعها النحل وما فيها ~~من هندسة تتحدى أساطين الهندسة والمقاييس أن يصنعوا مثلها، تأملوا عش ~~الطائر وكيف ينسج عيدان القش، ويدخل بعضها في بعض، ويجعل للعش حافة ~~تحمي الصغار، فإذا وضعت يدك في العش وهو من القش وجدت له ملمس ~~الحرير، تأملوا خيوط العنكبوت وكيف يصطاد بها فرائسه؟ لقد شاهدت فيلما ~~مصورا يسجل صراعا بين دب وثور، الدب رأى قرون الثور طويلة حادة، ~~وعلم أنها وسيلة الثور التي ستقضي عليه، فما كان منه إلا أن هجم على ~~الثور وأمسك قرنيه بيديه، وظل ينهش رأس الثور بأسنانه حتى أثخنه ~~جراحا حتى سقط فراح يأكله. # إذن: كيف نستبعد أن يكون لهذه المخلوقات لغات تسبح الله بها لا ~~يعرفها إلا بنو جنسها، أو من أفاض الله عليه بعلمها؟ ثم ألم يتعلم ~~الإنسان من الغراب كيف يدفن الموتى لما قتل قابيل هابيل؟ كما يقول ~~سبحانه: # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ~~يواري سوءة أخيه.. # [المائدة: 31] وكأن ربنا - عز وجل - يعلمنا الأدب وعدم الغرور. ~~وقرأنا أن بعض الباحثين والدارسين لحياة النمل وجدوا أنه يكون مملكة ~~متكاملة بلغت القمة في النظام والتعاون، فقد لاحظوا مجموعة تمر هنا ~~وهناك، حتى وجدت قطعة من طعام ms6937 فتركوها وانصرفوا، حيث أتوا، ثم جاءت ~~بعدهم كوكبة من النمل التفت حول هذه القطعة وحملتها إلى العش، ثم ~~قام الباحث بوضع قطعة أخرى ضعف الأولى، فإذا بمجموعة الاستكشاف أو ~~الناضورجية تمر عليها وتذهب دون أن تحاول حملها، وبعدها جاء جماعة من ~~النمل ضعف الجماعة الأولى، فكأن النمل يعرف الحجم والوزن والكتلة ~~ويجيد تقديرها. وفي إحدى المرات لاحظ الباحث فتاتا أبيض أمام عش ~~النمل، فلما فحصه وجده من جنين الحبة الذي يكون النبتة، وقد اهتدى ~~النمل إلى فصل هذا الجنين حتى لا تنبت الحبة فتهدم عليهم العش، لهذا ~~الحد علم النمل قانون صيانته، وعلم كيف يحمي نفسه، وهو من أصغر ~~المخلوقات، أبعد هذا كله نستبعد أن يكون للنمل أو لغيره لغته الخاصة؟ ثم ~~يقول سبحانه: { والطير صآفات كل قد علم صلاته ~~وتسبيحه.. } [النور: 41] فلماذا خص الطير بالذكر مع أنها داخلة ~~في { من في السماوات والأرض.. } [النور: 41]. قالوا: خصها ~~لأن لها خصوصية أخرى وعجيبة، يجب أن نلتفت إليها لأن الله تعالى يريد أن ~~يجعل الطير مثلا ونموذجا لشيء أعظم، فالطير كائن له وزن وثقل، يخضع ~~لقانون الجاذبية التي تجذب للأرض كل ثقل يعلق في الهواء. لكن الحق - ~~سبحانه وتعالى - يخرق هذا القانون للطير حين يصف أجنحته في الهواء، ~~يظل معلقا لا يسقط: # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن.. # [الملك: 19]. وكأن الخالق - عز وجل يقول: خذوا من الطير المشاهد ~~نموذجا ووسيلة إيضاح، فإذا قلت لكم: # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.. # [الحج: 65] فصدقوا وآمنوا أن الله يمسك السماء، بل: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده.. # [فاطر: 41]. فخذ من المشهد الذي تدركه دليلا على ما لا تدركه. لكن، ~~من الفاعل في { علم صلاته وتسبيحه.. } [النور: 41]. يمكن ~~أن يكون الفاعل الطير وكل ما في الوجود، وأحسن منه أن نقول: علم الله ~~صلاتها وتسبيحها لأنه سبحانه خالقها وهاديها إلى هذا التسبيح. إذن: فكل ~~ما في الوجود يعلم صلاته ويعلم تسبيحه، ms6938 كما تعلم أنت المنهج، لكنه استقام ~~على منهجه لأنه مسخر وانحرفت أنت لأنك مخير. فإن أردت أن تستقيم ~~أمور حياتك فطبق منهج الله كما جاءك لذلك لا تجد في الكون خللا أبدا ~~إلا في منطقة الاختيار عند الإنسان، كل شيء لا دخل للإنسان فيه يسير ~~منتظما، فالشمس لم تعترض في يوم من الأيام ولم تتخلف، كذلك القمر ~~والنجوم والهواء، إنها منضبطة غاية الانضباط، حتى إن الناس يضبطون عليها ~~حساباتهم ومواعيدهم واتجاهاتهم. لذلك يقول تعالى: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5] يعني: بحساب دقيق، وما كان للشمس أن تضبط الوقت إلا إذا ~~كانت هي في ذاتها منضبطة. { والله عليم بما يفعلون } ~~[النور: 41] أي: لقيوميته تعالى على خلقه. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~ولله ملك السماوات والأرض... }. ### || [24.42] # يريد ربك - عز وجل - أن يطمئنك أن الذي كلفك بما كلفك به يضمن لك ~~مقومات حياتك، فلن ينقطع عنك الهواء في يوم من الأيام، ولن تتأبى ~~عليك الشمس أو القمر أو الأرض لأنها ملك لله، لا يشاركه سبحانه في ~~ملكيتها أحد يمنعها عنك، فاطمئن إلى أنها ستؤدي مهمتها في خدمتك إلى يوم ~~القيامة، ولا تشغل نفسك بها، فقد ضمنها الله. ثم يقول رب العزة سبحانه: { ~~ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ~~ثم يجعله ركاما... }. ### || [24.43] # قوله تعالى: { ألم تر.. } [النور: 43] يعني: ألم تعلم، وقد وقفنا ~~مع تطور العلم على كيفية تكون المطر بين التبخير والتكثيف الذي يكون ~~السحاب، وقلنا سابقا: إن مسطح الماء على الأرض ثلاثة أرباع اليابسة حتى ~~تكفي هذه المساحة البخر اللازم لتكون المطر، ونحن نجري مثل هذه العملية ~~في تقطير الماء حين نغلي الماء ونستقبل البخار على سطح بارد، فتحدث له ~~عملية التكثيف. وقد أوضحنا هذه العملية بكوب الماء حين تتركه ممتلئا ~~وتسافر مثلا، فحين تعود تجد الكوب قد نقص قليلا، أما إذا أرقته على ~~الأرض، فإنه يجف سريعا، وقبل أن تغادر المكان، لماذا؟ لأنك وسعت ~~مساحة البخر. ومعنى { يزجي سحابا.. } [النور: 43] أي: يرسله ~~برفق ومهل لذلك لما وصف الشاعر مشي ms6939 الفتاة قال: # كأن مشيتها من بيت جارتها # مر السحابة لا ريث ولا عجل # { ثم يؤلف بينه.. } [النور: 43] أي: يجمع بعضه على بعض، ~~وحين يجمع الشيء بعضه على بعض لا بد أن يبقى بينه فاصل، فلا يلتحم ~~بغيره التحاما تاما، ولولا هذه الفواصل بين قطع السحاب، ولولا هذه ~~الفتوق ما نزل الودق من خلاله. ولو شاء سبحانه لجعل السحاب قطعة واحدة، ~~ولكنه سبحانه يؤلف بينه ويجمعه بعضه على بعض دون أن يوحده ~~تكوينا، فيحدث بذلك فراغا بين قطع السحاب. أرأيت حين نلصق الورق ~~بالصمغ مثلا فمهما وضعت عليه من ثقل لا بد أن يبقى بينه فراغات لأنه ~~ليس ذاتا واحدة. وعملية تفريغ الهواء هذه تلاحظها حين تضع كوبا مبلولا ~~وتتركه لفترة، فيتبخر الماء من تحته ويخرج الهواء، فإذا أردت رفعه ~~وجدته صعبا لماذا؟ لتفريغ الهواء من تحت قاعدة الكوب، وفي هؤلاء الذين ~~يعالجون الآلام الناتجة عن البرد، فيضعون الكوب مقلوبا على مكان الألم، ~~ثم يشعلون بداخله قطعة من القماش مثلا لتحرق الهواء بداخل الكوب. ~~وبذلك نمنع الخلل في التقاء الكوب بالجسم، وهذه المسألة هي سر عظمة ~~قدماء المصريين في البناء، حيث تتماسك الحجارة دون وجود مونه تربط بينها. ~~إذن: وجود الهواء بين الشيئن يحدث خللا بينهما، ولولا هذا الخلل في ~~السحاب ما نزل منه الماء، والمطر آية عظيمة من آيات الله لا نشعر بها، ~~ولك أن تتصور كم يكلفنا كوب الماء المقطر حين نعده في المعمل، ~~فما بالك بالمطر الذي يسقي الأرض كلها؟ ثم يقول تعالى: { ثم ~~يجعله ركاما.. } [النور: 43] يعني: مكدسا بعضه على بعض، وفي ~~آية أخرى: # وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا سحاب ~~مركوم # [الطور: 44] متراكم بعضه على بعض { فترى الودق.. } [النور: 43] ~~أي: المطر: { يخرج من خلاله.. } [النور: 43] أي: من خلال هذه ~~الفجوات والفواصل التي تفصل بين السحب. # وهذا الماء الذي ينزل من السماء فيحيي به الله الأرض قد يأتي نقمة ~~وعذابا، كما قال سبحانه: { وينزل من السمآء من جبال ~~فيها من برد فيصيب به من يشآء ويصرفه ms6940 عن من ~~يشآء.. } [النور: 43] ولنا في أهل مأرب الذين أغرقهم الله عبرة وعظة. ~~ولو تأملت لوجدت الماء والنار عدوين متقابلين يصعب مقاومتهما لذلك كان ~~العرب إلى عهد قريب يخافون الماء لما عاينوه من غرق بعد انهيار سد مأرب ~~لذلك آثروا أن يعيشوا في الصحراء بعيدا عن الماء. وبالماء نجى الله ~~تعالى موسى - عليه السلام - وأغرق عدوه فرعون، ففعل سبحانه الشيء وضده ~~بالشيء الواحد. وقوله تعالى: { يكاد سنا برقه يذهب ~~بالأبصار } [النور: 43] أي: الضوء الشديد الذي يحدثه السحاب يكاد ~~أن يخطف الأبصار، وفي البرق تتولد النار من الماء لذلك حينما يقول تعالى: # وإذا البحار سجرت # [التكوير: 6] فصدق هذه الآية الغيبية لأنك شاهدت نموذجا لها في مسألة ~~البرق. ثم يقول الحق سبحانه: { يقلب الله اليل ~~والنهار... }. ### || [24.44] # فالليل والنهار آيتان يتتابعان لكن دون رتابة، فالليل قد يأخذ من ~~النهار، والنهار يأخذ من الليل، وقد يستويان في الزمن تماما. ومن تقليب ~~الليل والنهار ما يعتريهما من حر أو برد أو نور وظلمة. إذن: فالمسألة ~~ليست ميكانيكية رتيبة، إنما هي قيومية الله تعالى وقدرته في تصريف الأمور ~~على مراده تعالى لذلك يقول تعالى بعدها: { إن في ذلك لعبرة ~~لأولي الأبصار } [النور: 44]. العبرة والعبرة والعبور والتعبير ~~كلها من مادة واحدة، نقول: هذا مكان العبور يعني الانتقال من جهة إلى جهة ~~أخرى، وفلان عبر عن كذا، يعني: نقل الكلام النفسي إلى كلام باللسان، ~~والعبرة أن ننظر في الشيء ونعتبر، ثم ننتقل منه إلى غيره، وكذلك ~~العبرة لأنها حزن أسال شيئا، فنزل من عيني الدمع. والعبرة هنا لمن؟ { ~~لأولي الأبصار } [النور: 44] والمراد: الأبصار الواعية لا الأبصار ~~التي تدرك فقط، والإنسان له إدراكات بوسائلها، وله عقل يستقبل المدركات ~~ويغربلها، ويخلص منها إلى قضايا، ومن الناس من يبصر لكنه لا يرى شيئا ~~ولا يصل من رؤيته إلى شيء، ومنهم أصحاب النظر الواعي المدقق، فالذي ~~اكتشف قوة البخار رأى القدر وهي تغلي وتفور فيرتفع عليها الغطاء، وهذا ~~منظر نراه جميعا الرجل والمرأة، والكبير والصغير، لكن لم يصل أحد إلى ~~مثل ms6941 ما وصل إليه. إذن: المراد الأبصار التي تنقل المبصر إلى العقل ~~ليحلله ويستنبط ما فيه من أسباب، لعله يستفيد منها بشيء ينفعه، والله ~~تعالى قد خلق في الكون ظواهر وآيات لو تأملها الإنسان ونظر إليها ~~بتعقل وتبصر لاستنبط منها ما يثري حياته ويرتقي بها. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من ~~يمشي على بطنه... }. ### || [24.45] # الدابة: كل ما يدب على الأرض، سواء أكان إنسانا أو أنعاما أو ~~وحشا، فكل ما له دبيب على الأرض خلقه الله من ماء حتى النملة لها على ~~الأرض دبيب. وكل شيء يضخم قابل لأن يصغر، وقد يضخم تضخيما لدرجة ~~أنك لا تستطيع أن تدرك كنهه، وقد يصغر تصغيرا حتى لا تكاد تراه، ~~وتحتاج في رؤيته إلى مكبر، ومن عجائب الخلق أن النملة أو الناموسة ~~فيها كل أجهزة الحياة ومقوماتها، وفيها حياة كحياة الفيل الضخم، ومن ~~عظمة الخالق سبحانه أن يخلق الشيء الضخم الذي يفوق الإدراك لضخامته، ~~ويخلق الشيء الضئيل الذي يفوق الإدراك لضآلته. ألا ترى أن ساعة بج بن ~~أخذت شهرتها لضخامة حجمها، ثم جاء بعد ذلك من صنع الساعة في حجم فص ~~الخاتم، وفيها نفس الآلات التي في ساعة بج بن، كذلك خلق الله من الماء ~~الفيل الضخم، وخلق الناموسة التي تؤرق الفيل رغم صغرها.. سبحان الخالق. ~~ولما كان الماء هو الأصل في خلقة كل شيء حي وجدنا العلماء يقتلون حتى ~~الميكروب الصغير الدقيق بأن يحجبوا عنه المائية فيموت، ومن ذلك مداواة ~~الجروح بالعسل لأنه يمتص المائية أو يحجبها، فلا يجد الميكروب وسطا ~~مائيا يعيش فيه. وهذه الخلقة ليست على شكل واحد ولا وتيرة واحدة في ~~قوالب ثابتة، إنما هي ألوان وأشكال { فمنهم من يمشي على ~~بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من ~~يمشي على أربع.. } [النور: 45]. والمشي: هو انتقال الموصوف ~~بالمشي من حيز مكاني إلى حيز مكاني آخر، والناس تفهم أن المشي ما ~~كان بالقدمين، لكن يوضح لنا سبحانه أن المشي أنواع: فمن الدواب ~~من يمشي على ms6942 بطنه، ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على ~~أربع. وربنا - سبحانه وتعالى - بسط لنا هذه المسألة بسطا يتناسب ~~وإعجاز القرآن وإيجازه، فلم يذكر مثلا أن من الدواب من له أربع ~~وأربعون مثلا، وفي تنوع طرق المشي في الدواب عجائب تدلنا على قدرته ~~تعالى وبديع خلقه. لذلك قال بعدها: { يخلق الله ما يشآء.. } ~~[النور: 45] لأن الآية لم تستقص كل ألوان المشي، إنما تعطينا نماذج، ~~وتحت { يخلق الله ما يشآء.. } [النور: 45] تندرج مثلا أم ~~أربعة وأربعين وغيرها من الدواب، والآية دليل على طلاقة قدرته سبحانه. ~~وكما سخر الله الإنسان لخدمة الإنسان، كذلك سخر الحيوان لخدمة الحيوان ~~ليوفر له مقومات حياته، ألا ترى الطير يقتات على فضلات الطعام بين ~~أسنان التمساح مثلا فينظفها له، إذن: فما في فم التمساح من الخمائر ~~والبكتيريا هي مخزن قوت لهذه الطيور، ويحدث بينها توافق وانسجام وتعاون، ~~حتى إن الطير إن رأى الصياد الذي يريد أن يصطاد التمساح فإنها تحدث ~~صوتا لتنبه التمساح حتى ينجو. ومن المشي أيضا السعي بين الناس ~~بالنميمة، كما قال تعالى: # هماز مشآء بنميم # [القلم: 11]. وبعد أن أعطانا الحق - تبارك وتعالى - الأدلة على أن ~~الملك له وحده، وأن كل شيء يسبح بحمده تعالى وإليه ترجع الأمور، ~~وأنه تعالى خلق كل دابة من ماء، قال سبحانه: { لقد أنزلنآ ~~آيات مبينات... }. ### || [24.46] # يعني: من ملك هذا الملك وحده، وخلق لكم هذه العجائب أنزل لكم آيات ~~بينات تحمل إليكم الأحكام، فكما فعل لكم الجميل، ووفر لكم ما يخدمكم في ~~الكون، سمائه وأرضه، فأدوا أنتم ما عليكم نحو منهجه وأحكامه، واتبعوا ~~هذه الآيات البينات. ومعنى: { مبينات.. } [النور: 46] أي: ~~لاستقامة حركة الحياة لأن حركة الحياة تحتاج لأن يتحرك الجميع ويؤدي ~~كل مهمته حتى تتساند الحركات ولا تتعاند، فالذي يتعب الدنيا أن تبنى ~~وغيرك يهدم. إذن: لا بد من ضابط قيمي يضبط كل الحركات ويحث كل صانع ~~أن يتقن صنعته ويخلص فيها، والإنسان غالبا لا يحسن إلا زاوية واحدة ~~في حياته، هي حرفته وتخصصه، وربما لا يحسنها لنفسه ms6943 لأنه لا يتقاضى عليها ~~أجرا، لذلك يقولون باب النجار مخلع أما إن عمل للآخرين فإنه يحسن ~~عمله ويتقن صنعته، وكذلك يتقن الناس لك ما في أيديهم، فتستقيم الأمور، ~~فأحسن ما في يدك للناس، يحسن لك الناس ما في أيديهم. وقوله تعالى: { ~~والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } [النور: ~~46]. ولقائل أن يسأل: وما ذنب من لم يدخل في هذه المشيئة فلم يهتد؟ ~~وسبق أن قلنا: إن الهداية نوعان: هداية الدلالة وهداية المعونة على ~~الدلالة. فالله تعالى يهدي الجميع هداية الدلالة، ويبين للكل أسباب الخير ~~وسبل النجاة وطريق الفلاح والأسلوب الأمثل في إدارة حركة الحياة، فمن ~~سمع كلام الله ووثق في توجيهه وأطاع في هداية الدلالة أعانه بهداية ~~المعونة. فساعة تسمع: # والله لا يهدي القوم الفاسقين # [المائدة: 108]. # والله لا يهدي القوم الظالمين # [البقرة: 258]. فاعلم أنهم امتنعوا عن هداية الدلالة فامتنعت عنهم هداية ~~المعونة، لا هداية الدلالة والإرشاد والبيان. وقلنا: إن كلمة { ~~أنزلنآ.. } [النور: 46] تشعر باحترام الشيء المنزل لأن الإنزال لا ~~يكون إلا من العلو إلى الأدنى، فكأن ربك - عز وجل - حين يكلفك يقول لك: ~~أريد أن أرتفع بك من مستوى الأرض إلى علو السماء لذلك يقول تعالى في ~~موضع آخر: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم.. # [الأنعام: 151]. أي: لا تضعوا لأنفسكم القوانين، ولا تسيروا خلف آرائكم ~~وأفكاركم، إنما تعالوا إلى الله وخذوا منه سبحانه منهج حياتكم، فهو الذي ~~خلقكم، وخلق لكم هذه الحياة. ثم يقول الحق سبحانه: { ويقولون ~~آمنا بالله وبالرسول... }. ### || [24.47] # وفي آية أخرى يقول سبحانه: # وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا # [النساء: 61]. وهؤلاء هم المنافقون، وخيبة المنافق أنه متضارب الملكات ~~النفسية ذلك لأن للإنسان ملكات متعددة تتساند حال الاستقامة، وتتعاند ~~حال المعصية، فالإنسان تراه طبيعيا حين ينظر إلى ابنته أو زوجته، لأن ~~ملكاته منسجمة مع هذا الفعل، أما حين ينظر إلى محارم الغير فتراه يختلس ~~النظرة، يخاف أن يراه أحد يتلصص ويحتاط لأن ملكاته مضطربة غير منسجمة ~~مع هذا ms6944 الفعل. لذلك يقولون: الاستقامة استسامة، فملكات النفس بطبيعتها ~~متساندة لا تتعارض أبدا، لكن المنافق فضلا عن كذبه، فهو متضارب ~~الملكات في نفسه لأن القلب كافر واللسان مؤمن. لذلك فكرامة الإنسان تكون ~~بينه وبين نفسه قبل أن تكون بينه وبين الناس، فقد يصنع الإنسان أمام ~~الناس صنائع خير تعجب الآخرين، لكنه يعلم من نفسه الشر، فهو وإن كسب ثقة ~~المجتمع من حوله، إلا أنه خسر رأى نفسه في نفسه، وإذا خسر الإنسان نفسه ~~فلن يعوضه عنها شيء حتى إن كسب العالم كله لأن المجتمع لا يكون معك ~~طول الوقت، أما نفسك فملازمة لك كل الوقت لا تنفك عنها، فأنا كبير أمام ~~الناس ما دمت معهم، أما حين أختلي بنفسي أجدها حقيرة: فعلت كذا، ~~وفعلت كذا. إذن: أنت حكمت أن رأى الناس أنفس من رأيك، ولو كان لرأيك ~~عندك قيمة لحاولت أن يكون رأيك في نفسك صحيحا، لكن أنت تريد أن يكون رأي ~~الناس فيك صحيحا، وإن كان رأيك عند نفسك غير ذلك. ويقول تعالى في ~~هؤلاء: # ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ ~~أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك يريدون أن ~~يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ~~به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا # [النساء: 60]. فقد حكم عليهم أنهم يزعمون، والزعم مطية الكذب، والدليل ~~على أنهم يزعمون أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ولو كانوا مؤمنين ~~بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ما تحاكموا إلى الطاغوت، وهكذا فضحوا ~~هم أنفسهم، فالثانية فضحت الأولى. لذلك قالوا: إن الكافر أحسن منهم لأنه ~~منسجم الملكات: قلبه موافق للسانه، قلبه كافر ولسانه كذلك، ومن هنا كان ~~المنافقون في الدرك الأسفل من النار. والحق - تبارك وتعالى - يعطينا ~~صورة ونموذجا يحذرنا ألا نحكم على القول وحده، فيقول تعالى عن ~~المنافقين: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1]. وهذه المقولة # إنك لرسول الله.. # [المنافقون: 1] مقولة صادقة، لكن القرآن يكذبهم في أنهم شهدوا بها. ~~وقد ms6945 نزلت هذه الآية في أحد المنافقين أظن أنه بشر، وكانت له خصومة مع ~~يهودي، فطلب اليهودي أن يتحاكما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلب ~~المنافق أن يتحاكما عند كعب بن الأشرف، لكن رد اليهودي حكومة كعب لما ~~يعلمه من تزييفه وعدم أمانته - والإنسان وإن كان في نفسه مزيفا إلا ~~أنه يحب أن يحتكم في أمره إلى الأمين العادل - وفعلا تغلب اليهودي ~~وذهبا إلى رسول الله فحكم لليهودي. # وفي هذا دلالة على أن اليهودي كان ذكيا فطنا، يعرف الحق ويعرف مكانة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن المنافق لم يرض حكم رسول الله، ~~وانتهى بهما الأمر إلى عمر رضي الله عنه وقصا عليه ما كان، ولما علم ~~أن المنافق رد حكم رسول الله قام عمر وجاء بالسيف يشهره في وجه ~~المنافق وهو يقول: من لم يرض بقضاء رسول الله فذلك قضائي فيه. إذن: ~~فهؤلاء يقولون: { آمنا بالله وبالرسول وأطعنا.. } ~~[النور: 47] كلام جميل وأكثر الله من خيركم، لكن هذا قول فقط لا يسانده ~~تطبيق عملي، والإيمان يقتضي أن تجيء الأعمال على وفق منطوق الإيمان. ~~فهذا منهم مجرد كلام، أما التطبيق: { ثم يتولى فريق ~~منهم من بعد ذلك.. } [النور: 47] والتولي: الانصراف عن ~~شيء كان موجودا إلى شيء مناقض { ومآ أولئك بالمؤمنين } ~~[النور: 47] فما داموا قد تولوا فهم لم يطيعوا ولم يؤمنوا. ### || [24.48-49] # المراد ما كان من أمر بشر واليهودي، وقد أعرضا عن حكم الله ورسوله، وإن ~~كان إعراض المنافق واضحا فالآية لا تريد تبرئة ساحة اليهودي، لأنه ما ~~رضي بحكم الله إلا لأنه واثق أن الحق له وواثق أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لن يحكم إلا بالحق، حتى وإن كان ليهودي، وإذن: ما أذعن لحكم ~~الله ورسوله محبة فيه أو إيمانا به، إنما لمصلحته الشخصية، لذلك يقول ~~تعالى بعدها: { أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا... }. ### || [24.50] # والمرض: خروج الشيء عن استقامة سلامته، فكل عضو من أعضائك له سلامة: ~~العين لها سلامة، والأذن لها سلامة.. الخ والعجيب أن تعيش بالجارحة ms6946 لا ~~تدري بها طالما هي سليمة صحيحة، فإذا أصابها مرض تنبهت إليها، وأحسست ~~بنعمة الله عليك فيها حال سلامتها. { أم ارتابوا.. } [النور: 50] ~~يعني: شكوا في رسول الله { أم يخافون أن يحيف الله ~~عليهم ورسوله.. } [النور: 50] يعني: يجور ويظلم { بل ~~أولئك هم الظالمون } [النور: 50] أي: لأنفسهم أولا، وذلك ~~منتهى الحمق أن يظلم الإنسان نفسه، لو ظلم غيره لقلنا: خير يجلبه ~~لنفسه، لكن ما الخير في ظلم الإنسان لنفسه؟ ومن ظلم نفسه لا تلمه إن ~~ظلم الآخرين. والحق - تباك وتعالى - حينما يعاقب الظالم، فذلك لمصلحته ~~حتى لا يتمادى في ظلمه، ويجر على نفسه جزاء شر بعد أن كان الحق ~~سبحانه يمنيه بجزاء خير. ثم يأتي السياق بالمقابل: { إنما كان ~~قول المؤمنين... }. ### || [24.51] # فما دمت قد آمنت، والإيمان لا يكون إلا عن رغبة واختيار لا يجبرك أحد ~~عليه، فعليك أن تحترم اختيار نفسك بأن تطيع هذا الاختيار، وإلا سفهت ~~رأيك واختيارك، لذلك كان حال المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن ~~يقولوا: سمعنا وأطعنا. ولو تأملت الكون من حولك لوجدته يسير على هذه ~~القاعدة، فما دون الإنسان في كون الله مسير لا مخير، وإن كان ~~الأصل أنه خير أولا، فاختار أن يكون مسيرا من البداية، وأراح ~~نفسه، كما قال سبحانه: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.. # [الأحزاب: 72]. وتصدير الآية الكريمة ب إنما يدل على أنها سبقها مقابل، ~~هذا المقابل على النقيض لما يجيء بعدها، فالمنافقون أعرضوا وردوا حكم ~~الله ورسوله، والمؤمنون قالوا سمعنا وأطعنا، كما تقول: فلان كسول إنما ~~أخوه مجد. فقول المنافقين أنهم لا يقبلون حكم الله ورسوله، أما ~~المؤمنون فيقبلون حكم الله ورسوله. ومعنى { سمعنا وأطعنا.. } ~~[النور: 51] يعني: سمعنا سمعا واعيا يليه إجابة وطاعة، لا مجرد أن يصل ~~الصوت إلى أذن السامع دون أن يؤثر فيه شيء. ويقول تعالى في موضع آخر: # وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق.. # [المائدة: 83]. فالسمع له وظيفة، وهو هنا بمعنى: أجبنا ms6947 يا رب، وصممنا ~~على الإجابة، وهذا وعد كلامي يتبعه تنفيذ وطاعة. مثل قولنا في الصلاة: ~~سمع الله لمن حمده، يعني: أجاب الله من حمده. { وأولئك هم ~~المفلحون } [النور: 51] المفلحون: الفائزون الذين بلغوا درجة ~~الفلاح، ومن العجيب أن يستخدم الحق سبحانه كلمة الفلاح، وهي من فلاحة ~~الأرض لأن الفلاحة في الأرض هي أصل الاقتيات، وكل من أتقن فلاحة أرضه ~~جاءت عليه بالثمرة الطيبة، وزاد خيره، وتضاعف محصوله، حتى إن حبة القمح ~~تعطي سبعمائة حبة، فإذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله تعالى تعطي من يزرعها ~~كل هذا العطاء، فما بالك بخالق الأرض كيف يكون عطاؤه؟ ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ومن يطع الله ورسوله... }. ### || [24.52] # كان سيدنا الشيخ موسى شريف - رحمه الله ورضي الله عنه - يدرس لنا ~~التفسير، فلما جاءت هذه الآية قال: اسمعوا، هذه برقية من الله تعالى: { ~~ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفآئزون } [النور: 52] فلم تدع هذه الآية ~~حكما من أحكام الإسلام إلا جاءت به في هذه البرقية الموجزة التي ~~جمعت المنهج كله. ومعنى { يطع الله ورسوله.. } [النور: 52] ~~آمن بالله وأطاعه وصدق رسوله { ويخش الله.. } [النور: 52] أي: ~~يخافه لما سبق من الذنوب { ويتقه.. } [النور: 52] في الباقي من ~~عمره { فأولئك هم الفآئزون } [النور: 52] وهكذا جمعت ~~الآية المعاني الكثيرة في اللفظ القليل الموجز. ومعلوم أن التعبير ~~الموجز أصعب من الإطناب والتطويل، وسبق أن ذكرنا قصة الخطيب الإنجليزي ~~المشهور حين قالوا له: إذا طلب منك إعداد خطاب تلقيه في ربع ساعة في كم ~~تعده؟ قال: في أسبوع، قالوا: فإن كان في نصف ساعة؟ قال: أعده في ~~ثلاثة أيام، قالوا: فإذا كان في ساعة؟ قال: أعده في يومين، قالوا: ~~فإن كان في ثلاث ساعات؟ قال: أعده الان. وقالوا: إن سعد باشا زغلول ~~رحمه الله أرسل من فرنسا خطابا لصديق في أربع صفحات قال فيه: أما بعد، ~~فإني أعتذر إليك عن الإطناب الإطالة لأنه لا وقت عندي للإيجاز. وبعد أن ~~تحدث القرآن عن قول المنافقين وعن ما يقابله من قول المؤمنين وما ms6948 ترتب ~~عليه من حكم { فأولئك هم الفآئزون } [النور: 52] ذلك لأن ~~ذكر المقابل يظهر المقابل، كما قالوا: والضد يظهر حسنه الضد. ~~بعدها عاد إلى الحديث عن النفاق والمنافقين، فقال سبحانه: { ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم... }. ### || [24.53] # القسم: هو اليمين والحلف، والإنسان يقسم ليؤكد المقسم عليه يريد ~~أن يطمئن المخاطب على أن المقسم عليه حق، وهؤلاء لم يقسموا بالله ~~سرا في أنفسهم، إنما { جهد أيمانهم.. } [النور: 53] يعني: ~~بالغوا وأتوا بمنتهى الجهد في القسم، فلم يقل أحدهم: وحياة أمي أو ~~أبي، إنما أقسموا بالله، وليس هناك قسم أبلغ من هذا القسم، لذلك يقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت ". # فلما أقسموا بالله للرسول أن يخرجوا من بيوتهم وأولادهم وأموالهم إلى ~~الجهاد مع رسول الله فضح الله سرائرهم، وكشف سترهم، وأبان عن زيف ~~نواياهم، كما قال في آية أخرى: # ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة ~~منهم غير الذي تقول.. # [النساء: 81]. وتأمل دقة الأداء القرآني في: # بيت طآئفة منهم.. # [النساء: 81] وهذا احتياط لأن منهم أناسا يراود الإيمان قلوبهم ~~ويفكرون في أن يخلصوا إيمانهم ونواياهم لله تعالى، ويعودوا إلى ~~الإسلام الصحيح. والقرآن يفضح أمر هؤلاء الذي يقسمون عن غير صدق في ~~القسم، كمن تعود كثرة الحلف والحنث فيه لذلك ينهاهم عن هذا ~~الحلف: { قل لا تقسموا.. } [النور: 53] ولا يمكن أن ينهي ~~المتكلم المخاطب عن القسم خصوصا إذا أقسم على خير، لكن هؤلاء حانثون ~~في قسمهم، فهو كعدمه، فهم يقسمون باللسان، ويخالفون بالوجدان. وقوله ~~تعالى: { طاعة معروفة.. } [النور: 53]. يشعر بتوبيخهم، كأنه ~~يقول لهم: طاعتكم معروفة لدينا ولها سوابق واضحة، فهي طاعة باللسان فحسب، ~~ثم يؤكد هذا المعنى فيقول: { إن الله خبير بما تعملون } ~~[النور: 53] والذي يؤكد هذه الخبرة أنه يفضح قلوبهم ويفضح نواياهم. ~~والعجيب أنهم لا يعتبرون بالأحداث السابقة، ولا يتعظون بها، وقد سبق لهم ~~أنه كان يجلس أحدهم يحدث نفسه الحديث فيفضح الله ما في نفسه ويخبر به ~~رسول الله، فيبلغهم بما يدور في نفوسهم، كما جاء في قول ms6949 الله تعالى: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول.. # [المجادلة: 8]. ومع ذلك لم يعتبروا ولم يعترفوا لرسول الله بأنه مؤيد ~~من الله، وأنه تعالى لن يتخلى عن رسوله، ولن يدعه لهم يخادعونه ~~ويغشونه، وهذه سوابق تكررت منهم مرات عدة، ومع ذلك لم ينتهوا عما هم ~~فيه من النفاق، ولم يخلصوا الإيمان لله. وبعد هذا كله يوصي الحق تبارك ~~وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبقي عليهم، وألا يرمي طوبتهم لعل ~~وعسى، فيقول عز وجل: { قل أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول... }. ### || [24.54] # وكأنه تعالى لا يريد أن يغلق الباب دونهم، فيعطيهم الفرصة: جددوا ~~طاعة لله، وجددوا طاعة لرسوله، واستدركوا الأمر ذلك لأنهم عباده ~~وخلقه. وكما ورد في الحديث الشريف: # " لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في فلاة.. ". # ونلحظ في هذه الآية تكرار الأمر أطيعوا { أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول.. } [النور: 54] وفي آيات أخرى يأتي الأمر مرة ~~واحدة، كما في الآية السابقة: # ومن يطع الله ورسوله.. # [النور: 52]، وفي # أطيعوا الله ورسوله.. # [الأنفال: 20] وفي # من يطع الرسول فقد أطاع الله.. # [النساء: 80] أي: أن طاعتهما واحدة. قالوا: لأن القرآن ليس كتاب أحكام ~~فحسب كالكتب السابقة، إنما هو كتاب إعجاز، والأصل فيه أنه معجز، ومع ~~ذلك أدخل فيه بعض الأصول والأحكام، وترك البعض الآخر لبيان الرسول ~~وتوضيحه في الحديث الشريف، وجعل له صلى الله عليه وسلم حقا في التشريع ~~بنص القرآن: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. والقرآن حين يورد الأحكام يوردها إجمالا ثم يفصلها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالصلاة مثلا أمر بها الحق - تبارك ~~وتعالى - وفرضها، لكن تفصيلها جاء في السنة النبوية المطهرة، فإن أردت ~~التفصيل فانظر في السنة. كالذي يقول: إذا غاب الموظف عن عمله خمسة عشر ~~يوما يفصل، مع أن الدستور لم ينص على هذا، نقول: لكن في الدستور مادة ~~خاصة بالموظفين تنظم مثل هذه الأمور، وتضع لهم اللوائح المنظمة للعمل. ~~وذكرنا أن الشيخ محمد عبده سأله بعض المستشرقين: تقولون في القرآن: ms6950 # ما فرطنا في الكتاب من شيء.. # [الأنعام: 38] فهات لي من القرآن: كم رغيفا في إردب القمح؟ فما كان من ~~الشيخ إلا أن أرسل لأحد الخبازين وسأله هذا السؤال فأجابه: في الإردب كذا ~~رغيف. فاعترض السائل: أريد من القرآن. فرد الشيخ: هذا من القرآن لأنه ~~يقول: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43]. فالأمر الذي يصدر فيه حكم من الله وحكم من رسول الله، ~~كالصلاة مثلا: # إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا # [النساء: 103]. وفي الحديث: # " الصلاة عماد الدين ". # ففي مثل هذه المسألة نقول: أطيعوا الله والرسول لأنهما متواردان على أمر ~~واحد، فجاء الأمر بالطاعة واحدا. أما في مسائل عدد الركعات وما يقال ~~في كل ركعة وكونها سرا أو جهرا، كلها مسائل بينها رسول الله. إذن: ~~فهناك طاعة لله في إجمال التشريع أن الصلاة مفروضة، وهناك طاعة خاصة ~~بالرسول في تفصيل هذا التشريع، لذلك يأتي الأمر مرتين { أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول.. } [النور: 54]. كما نلحظ في القرآن: # وأطيعوا الرسول.. # [النور: 56] هكذا فحسب. # قالوا: هذه في المسائل التي لم يرد فيها تشريع ونص، فالرسول في ~~هذه الحالة هو المشرع، وهذه من مميزات النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~جميع الرسل، فقد جاءوا جميعا لاستقبال التشريع وتبليغه للناس، وكان صلى ~~الله عليه وسلم هو الوحيد الذي فوض من الله في التشريع. ثم يقول ~~تعالى: { فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم.. } [النور: 54] لأنه تعالى أعلم بحرص ~~النبي على هداية القوم، وكيف أنه يجهد نفسه في دعوتهم، كما خاطبه في موضع ~~آخر: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3] وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنبيه: قل لهم وادعهم ~~مرة ثانية لتريح نفسك { قل أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول.. } [النور: 54] وإن كنت غير مكلف بالتكرار، فما عليك إلا ~~البلاغ مرة واحدة. ومعنى: { فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم.. } [النور: 54] أي: من الله تعالى، ~~فالرسول حمل الدعوة والبلاغ، وأنتم حملتم الطاعة والأداء، فعليكم ~~أن تؤدوا ما كلفكم الله به. { وإن تطيعوه تهتدوا.. } ~~[النور: 54] نلحظ ms6951 أن المفعول في { وإن تطيعوه.. } [النور: 54] ~~مفرد، فلم يقل: تطيعوهما، لتناسب صدر الآية { أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول.. } [النور: 54] ذلك لأن الطاعة هنا غير منقسمة، ~~بل هي طاعة واحدة. وقوله: { وما على الرسول.. } [النور: 54] ~~تكليفا من الله { إلا البلاغ المبين } [النور: 54] المحيط ~~بكل تفصيلات المنهج التشريعي لتنظيم حركة الحياة. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات... }. ### || [24.55] # في أول الحديث عن سورة النور قلنا: إنها سميت بالنور لأنها تبين ~~للناس النور الحسي في الكون، وتقيس عليه النور المعنوي في القيم، وما ~~دمنا نطفىء أنوارنا الحسية حين يظهر نور الله في الشمس، يجب كذلك أن ~~نطفىء أنوارنا المعنوية حين يأتينا شرع من الله. فليس لأحد رأي مع شرع ~~الله ذلك لأن الخالق - عز وجل - يريد لخليفته في الأرض أن يكون في نور ~~حسي ومعنوي، ثم ضمن له مقومات بقاء حياته بالطعام والشراب شريطة ~~أن يكون من حلال حتى تبنى خلاياه وتتكون من الحلال فيسلم له جهاز ~~الاستقبال عن الله وجهاز الإرسال إن أراد الدعاء. وفي الحديث الشريف: # " أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين ~~بما أمر به المرسلين فقال: { يأيها الرسل كلوا من ~~الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم } ~~وقال: { يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم.. } ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى ~~السماء يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام ~~فأنى يستجاب لذلك؟ ". # فهذه أجهزة معطلة خربة أشبه ما تكون بالراديو الذي لا يحسن استقبال ~~ما تذيعه محطات الإذاعة، فالإرسال قائم يستقبله غيره، أما هو فجهاز ~~استقباله غير سليم. فإذا ضمنت سلامة تكوينك بلقمة الحلال ضمن الله لك ~~إجابة الدعاء، وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي ~~وقاص رضي الله عنه: # " أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ". # ثم ضمن الله للإنسان مقومات بقاء نوعه بالزواج لاستمرار الذرية ~~لتستمر الخلافة في الأرض طاهرة نظيفة، ثم تحدثت السورة محذرة إياكم ~~أن ms6952 تجترئوا على أعراض الناس، أو ترموا المحصنات، أو تدخلوا البيوت دون ~~استئذان، حتى لاتطلعوا على عورات الناس.. إلخ. فالحق - سبحانه وتعالى - ~~يريد سلامة المجتمع وسلامة الخلافة في الأرض، وكل هذه الأحكام والمعاني ~~تصب في هذه الآية: { وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض.. } ~~[النور: 55]. فمن فعل ذلك كان أهلا للخلافة عن الله، إنها معركة ~~ابتلاءات وتمحيص تبين الغث من السمين، ألا ترى المسلمين ~~الأوائل كيف كانوا يعذبون ويضطهدون، ولا يجرؤ أحد على حمايتهم حتى ~~اضطروا للهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وقد قال تعالى: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2]. وهؤلاء الصحابة هم الذي حملوا للدنيا مشاعل الهداية، ~~وساحوا بدعوة الله في أنحاء الأرض، فلا بد أن يربوا هذه التربية ~~القاسية، وأن يمتحنوا كل هذا الامتحان، وهم يعلمون جيدا ثمن هذه ~~التضحية وينتظرون ثوابها من الله، فأهل الحق يدفعون الثمن أولا، أما أهل ~~المبادىء الباطلة فيقبضون الثمن أولا قبل أن يتحركوا في اتجاه مبادئهم. # وهذا الابتلاء الذي عاشه المسلمون الأوائل هو من تنقية الخليفة ليكون ~~أهلا لها. لذلك قال سبحانه: { وعد الله.. } [النور: 55] ~~والوعد: بشارة بخير لم يأت زمنه بعد، حتى يستعد الناس بالوسيلة له، ~~وضده الوعيد أو الإنذار بشر لم يأت زمنه بعد، لتكون هناك فرصة ~~للاحتياط وتلافي الوقوع في أسبابه. وما دام الوعد من الله تعالى فهو ~~صدق، كما قال سبحانه: # ومن أصدق من الله قيلا # [النساء: 122] وقال سبحانه: # ومن أوفى بعهده من الله # [التوبة: 111]. والذي يفسد على الناس وعودهم، ويجر عليهم عدم الوفاء ~~أن الإنسان متغير بطبعه متقلب، فقد يعد إنسانا بخير ثم يتغير ~~قلبه عليه فلا يفي له بما وعد، وقد يأتي زمن الوفاء فلا يقدر عليه، أما ~~الحق - تبارك وتعالى - فلا يتغير أبدا، وهو سبحانه قادر على الوفاء بما ~~وعد به، فليست هناك قوة أخرى تمنعه، فهو سبحانه واحد لا إله غيره لذلك ~~فوعده تعالى ناجز. { وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات.. } [النور: 55] قلنا: إن الإيمان الذي ms6953 يقوم ~~على صفاء الينبوع والعقيدة ليس مطلوبا لذاته، إنما لا بد أن تكون له ~~ثمرة، وأن يرى أثره طاعة وتنفيذا لأوامر الله، فطالما آمنت بالله ~~فنفذ ما يأمرك به، وهناك من الناس من يفعل الخير، لكن ليس من منطلق ~~إيماني مثل المنافقين الذين قال الله فيهم: # قالت الأعراب آمنا.. # [الحجرات: 14] فرد الله عليهم: # قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا.. # [الحجرات: 14] يعني: خضعنا للأوامر، لكن عن غير إيمان، إذن: فقيمة ~~الإيمان أن تنفذ مطلوبه. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3]. فبماذا وعد الله الذين آمنوا؟ { ليستخلفنهم ~~في الأرض.. } [النور: 55] وهذه ليست جديدة، فقد سبقهم أسلافهم ~~الأوائل { كما استخلف الذين من قبلهم.. } [النور: 55]، ~~فاستخلاف الذين آمنوا ليس بدعا، إنما هو أمر مشاهد في مواكب الرسل ~~والنبوة ومشاهد في المسلمين الأوائل من الصحابة الذين أوذوا ~~وعذبوا واضطهدوا وأخرجوا من ديارهم وأولادهم وأموالهم ولم يؤمروا ~~برد العدوان. حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قدم المدينة ~~في جمع من صحابته استقبله الأنصار بالحفاوة، واحتضنوا هؤلاء المهاجرين، ~~وفعلوا معهم نموذجا من الإيثار ليس له مثيل في تاريخ البشرية، وهل هناك ~~إيثار أعظم من أن يعرض الأنصاري زوجاته على المهاجر يقول: اختر إحداهما ~~أطلقها لك، إلى هذه الدرجة فعل الإيمان بنفوس الأنصار. ولما رأى كفار ~~قريش ما صنعه الأنصار مع المهاجرين توقدوا نارا: كيف يعيش المهاجرون ~~في المدينة هذه العيشة الهنية وتكتلوا جميعا ضد هذا الدين ليضربوه عن ~~قوس واحدة، وتآمروا على القدوة ليقضوا على هذا الدين الوليد الذي يشكل ~~أعظم الخطر عليهم. # حتى إن الأمر قد بلغ بالمهاجرين والأنصار أنهم لا يبيتون إلا بالسلاح، ~~ولا يصبحون إلا بالسلاح مخافة إن ينقض عليهم أعداؤهم، حتى إن أحد ~~الصحابة يقول لإخوانه: أترون أنا نعيش حتى نأمن ونطمئن و لانبيت في ~~السلاح ونصبح فيه، ولا نخشى إلا الله؟ يعني: أهناك أمل في هذه الغاية؟ ~~وآخر يذهب إلى رسول الله صلى الله ms6954 عليه وسلم يقول: يا رسول الله أبد ~~الدهر نحن خائفون.؟ ألا يأتينا يوم نضع فيه السلاح ونبيت آمنين؟ فيقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم بلسان الواثق من وعد ربه، وليس كلاما قد ~~يكذب فيما بعد: # " لا تصبرون إلا يسيرا، حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ~~ليست فيه حديدة " # يعني: في الملأ الواسع، والاحتباء جلسة المستريح الهانىء، والحديدة ~~كناية عن السلاح. وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما ~~زوي لي منها ". # ومعنى " إن الله زوى لي الأرض " معلوم أن للإنسان مجال رؤية يلتقي فيه ~~إلى نهاية الأفق، أما الأرض ذاتها فواسعة، فزويت الأرض لرسول الله ~~يعني: جمعت في زاوية، فصار ينظر إليها كلها. إذن: فهم في هذه المرحلة ~~يشتهون الأمن وهدوء البال، وقد قال تعالى عنهم في هذه الفترة: # وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله.. # [البقرة: 214]. وفي غمرة هذه الشدة وقمة هذا الضيق ينزل تعالى على ~~رسوله: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] حتى إن الصحابة ليتعجبون، يقول عمر رضي الله عنه: أي جمع ~~هذا؟ وقد نزلت الآية وهم في مكة في أشد الخوف لا يستطيعون حماية أنفسهم. ~~لكن بعد بدر وبعد أن رأى ما نزل بالكفار قال: صدق الله # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. ثم ينزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بعض ~~الآيات التي تطمئن المؤمنين وتصبرهم: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه.. # [الرعد: 41]. فاطمئنوا، فكل يوم ننقص من أرض الكفر، ونزيد في أرض ~~الإيمان، فالمقدمات في صالحكم، ثم يأتي فتح مكة ويدخلها النبي صلى الله ~~عليه وسلم في موكب مهيب مطأطئا رأسه، تواضعا لمن أدخله، مظهرا ~~ذلة العبودية لله. حتى إن أبا سفيان لما رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في هذا الموكب يقول للعباس: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، فيقول ~~العباس: إنها النبوة يا أبا سفيان، يعني: المسألة ليست ملكا ms6955 إنما هو ~~بشائر النصر لدين الله وظهوره على معقل الأصنام والأوثان في مكة. # ثم يذهب إلى خيبر معقل أهل الكتاب من بني قينقاع وبني النضير وبني ~~قريظة وينتصر عليهم، ثم تسقط في يده البحرين ومجوس هجر، ويدفعون ~~الجزية. بعد ذلك يرسل صلى الله عليه وسلم كتبه إلى الملوك والرؤساء ~~يدعوهم إلى الإسلام، فيرسل إلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى المقوقس، ~~وإلى هرقل، وإلى كسرى، وتأتيه الهدايا من كل هؤلاء. ويستمر المد ~~الإسلامي والوفاء بوعد الله تعالى لخليفة رسول الله، فإن كان المد ~~الإسلامي قد شمل الجزيرة العربية على عهد رسول الله، فإنه تعداها إلى ~~شتى أنحاء العالم في عهد الخلفاء الراشدين، حتى ساد الإسلام العالم ~~كله، وأظهره الله على أكبر حضارتين في ذلك الوقت: حضارة فارس في الشرق، ~~وحضارة الروم في الغرب في وقت واحد، ويتحقق وعد الله للذين آمنوا بأن ~~يستخلفهم في الأرض. وبعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم تتحقق ~~النبوءات التي أخبر بها، ومنها ما كان من أمر سراقة بن مالك الذي خرج خلف ~~رسول الله في رحلة الهجرة يريد طلبه والفوز بجائزة قريش، وبعد أن تاب ~~سراقة وعاد إلى الجادة كان الصحابة يعجبون لدقة ساعديه ويصفونهما بما ~~يدعو إلى الضحك # " فكان صلى الله عليه وسلم يقول عن ساعدي سراقة: كيف بهما في سواري ~~كسرى؟ " # ويفتح المسلمون بعد ذلك ملك كسرى، ويكون سوارا كسرى من نصيب ~~سراقة، فيلبسهما، ويراهما الناس في يديه. هذه كلها بشائر ومقدمات لوعد ~~الله يراها المؤمنون في أنفسهم، لا فيمن يأتي بعد { وعد الله ~~الذين آمنوا منكم.. } [النور: 55] يعني المسألة لن تطول. كذلك # " أم حرام بنت ملحان التي خرجت في غزوة ذات الصواري وركبت البحر ذكرت أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينام هناك ثم يصحو وهو يضحك، فقالت له: ~~ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: " أناس من أمتي يركبون زبد هذا البحر، ~~ملوك على الأسرة أو كالملوك على الأسرة " فقال: ادع الله أن ~~أكون منهم، فدعا لها فاستجاب الله دعاءه، ms6956 وخرجت في الغزوة، ولما ركبوا ~~البحر الأبيض أرادت أن تخرج فماتت ". # إذن: فالبشارة في هذه الآية ليست بشارة لفظية، إنما هي بشارة واقعية لها ~~واقع يؤيدها، قد حدث فعلا. لكن، ما المراد بالأرض في { ~~ليستخلفنهم في الأرض.. } [النور: 55]؟ إذا جاءت الأرض ~~هكذا مفردة غير مضافة لشيء فتعني كل الأرض، كما في قوله تعالى: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض.. # [الإسراء: 104] يعني: تقطعوا في كل أنحائها، # فإذا جآء وعد الآخرة.. # [الإسراء: 104] الذي وعد الله به # جئنا بكم لفيفا # [الإسراء: 104] يعني: جمعناكم من الأراضي كلها، وهذا هو الأمل القوي ~~الذي نعيش عليه، وننتظر من الله أن يتحقق. ثم يقول تعالى: { ~~وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم. # . } [النور: 55] ففوق الاستخلاف في الأرض يمكن الله لهم الدين، ومعنى ~~تمكين الدين: سيطرته على حركة الحياة، فلا يصدر من أمور الحياة أمر إلا ~~في ضوئه وعلى هديه، لا يكون دينا معطلا كما نعطله نحن اليوم، ~~تمكين الدين يعني توظيفه وقيامه بدوره في حركة الحياة تنظيما وصيانة. ~~وقوله سبحانه: { وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا.. ~~} [النور: 55] وهم الذين قالوا: نبيت في السلاح، ونصبح في السلاح، ~~فيبدلهم الله بعد هذا الخوف أمنا، فإذا ما حدث ذلك فعليهم أن يحافظوا ~~على الخلافة هذه، وأن يقوموا بحقها { يعبدونني لا يشركون ~~بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم ~~الفاسقون } [النور: 55]. ومعنى { كفر بعد ذلك.. } [النور: ~~55] يعني: بعد أن استخلفه الله، ومكن له الدين وأمنه وأزال عنه أسباب ~~الخوف. وفرق بين تمكين الإسلام وتمكين من ينسب إلى الإسلام، فالبعض ~~يدعي الإسلام، ويركب موجته حتى يحكم ويستتب له الأمر وتنتهي المسألة، ~~لا.. لأن التمكين ليس لك أيها الحاكم، إنما التمكين لدين الله. ### || [24.56] # دائما ما يقرن القرآن بين هذين الركنين، وتأتي الزكاة بعد الصلاة ذلك ~~لأن الصلاة هي الركن الوحيد الذي فرض من الله مباشرة، أما بقية الأركان ~~فقد فرضت بالوحي، وضربنا لذلك مثلا، ولله تعالى المثل الأعلى ~~بالرئيس الذي يكلف مرؤوسيه بتأشيرة أو بالتليفون، فإن كان الأمر ~~مهما استدعى الموظف المختص ms6957 إلى مكتبه وكلفه بهذا الأمر مباشرة ~~لأهميته. فكذلك الحق - تبارك وتعالى - أمر بكل التكاليف الشرعية بالوحي، ~~إلا الصلاة فقد فرضها على رسول الله بعد أن استدعاه إلى رحلة المعراج ~~فكلفه بها مشافهة دون واسطة، ولما يعلمه الله تعالى من محبة النبي صلى ~~الله عليه وسلم لأمته قال له: # " أنا فرضت عليك الصلاة بالقرب، وكذلك أجعلها للمصلى في الأرض بالقرب، ~~فإن دخل المسجد وجدني ". # وإن كانت أركان الإسلام خمسة، فإن الشهادة والصلاة هما الركنان ~~الدائمان اللذان لا ينحلان عن المؤمن بحال من الأحوال، فقد لا تتوفر لك ~~شروط الصوم أو الزكاة أو الحج فلا تجب عليك، كما أن الصلاة هي الفريضة ~~المكررة على مدار اليوم والليلة خمس مرات، وبها يتم إعلان الولاء لله ~~دائما، وقد وزعها الحق سبحانه على الزمن ليظل المؤمن على صلة دائمة ~~بربه كلما شغلته الدنيا وجد الله أكبر تناديه. وانظر إلى عظمة الخالق - ~~عز وجل - حين يطلب من صنعته أن تقابله وتعرض عليه كل يوم خمس مرات، وهو ~~سبحانه الذي يطلب هذا اللقاء ويفرضه عليك لمصلحتك أنت، ولك أن تتصور صنعة ~~تعرض على صانعها كل يوم خمس مرات أيصيبها عطب؟ وربك هو الذي يناديك ~~ويدعوك للقائه ويقول: # " لا أمل حتى تملوا " # ومن رحمته بك ومحبته لك ترك لك حرية اختيار الزمان والمكان، وترك لك ~~حرية إنهاء المقابلة متى تشاء، فإن أردت أن تظل في بيته وفي معيته ~~فعلى الرحب والسعة. ولأهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام اجتمع فيها ~~كل أركان الإسلام، ففي الصلاة تتكرر الشهادة: لا إله إلا الله محمد رسول ~~الله، وفي الصلاة زكاة لأن الزكاة فرع العمل، والعمل فرع الوقت، والصلاة ~~تأخذ الوقت نفسه، وفيها صيام حيث تمتنع في الصلاة عما تمتنع عنه في الصوم ~~بل وأكثر، وفيها حج لأنك تتجه في صلاتك إلى الكعبة. إذن: فالصلاة نائبة ~~عن جميع الأركان في الاستبقاء، لذلك كانت هي عمود الدين، والتي لا تسقط ~~عن المؤمن بحال من الأحوال حتى إن لم يستطع الصلاة قائما صلى جالسا أو ~~مضطجعا، ms6958 ولو أن يشير بأصبعه أو بطرفه أو حتى يخطرها على باله ذلك ~~لاستدامة الولاء بالعبودية لله المعبود. والصلاة تحفظ القيم، فتسوي ~~بين الناس، فيقف الغني والفقير والرئيس والمرؤوس في صف واحد، الكل ~~يجلس حسب قدومه، وهذا يحدث استطراقا عبوديا في المجتمع، ففي الصلاة ~~مجال يستوي فيه الجميع. # وإن كانت الصلاة قوام القيم، فالزكاة قوام المادة لمن ليست له قدرة ~~على الكسب والعمل. إذن: لدينا قوانين للحياة، ولاستدامة الخلافة على ~~الأرض قوام القيم في الصلاة، وقوام المادة في الزكاة. ثم يقول سبحانه: { ~~وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون } [النور: 56] وهنا في ~~الصلاة والزكاة خص الرسول بالإطاعة لأنه صاحب البيان والتفصيل لما ~~أجمله الحق سبحانه في فرضية الصلاة والزكاة، حيث تفصيل كل منهما في ~~السنة المطهرة، فقال: { وأطيعوا الرسول.. } [النور: 56]. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { لا تحسبن الذين كفروا معجزين ~~في الأرض... }. ### || [24.57] # يعود السياق للحديث عن الكافرين: { لا تحسبن الذين كفروا ~~معجزين في الأرض.. } [النور: 57] يعني: لا تظنن، والشيء المعجز ~~هو الذي يثبت العجز للمقابل، نقول: عملنا شيئا معجزا لفلان يعني: لا ~~يستطيع الإتيان بمثله. فإياك أن تظن أن الكافرين مهما علت مراتبهم ~~ومهما استشرى طغيانهم يفلتون من عقاب الله، فلن يثبتوا له سبحانه ~~العجز عنهم أبدا، ولن يعجزوه، إنما يملي لهم سبحانه ويمهلهم حتى إذا ~~أخذهم، أخذهم أخذ عزيز مقتدر، وهو سبحانه مدركهم لا محالة. وجاء على ~~لسان الجن: # وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض ولن ~~نعجزه هربا # [الجن: 12]. ونلحظ في قوله تعالى: { ومأواهم النار.. } [النور: ~~57] أنها عطفت هذه الجملة على سابقتها، وهي منفية { لا تحسبن.. } ~~[النور: 57] فهل يعني هذا أن معناها: ولا تحسبن مأواهم النار؟ قالوا: لا، ~~إنما المعنى: ولا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض لأن مأواهم النار. { ~~ولبئس المصير } [النور: 57] أي: المرجع والمآب. ثم ينتقل السياق ~~إلى سلوك يمس المجتمع من داخله والأسرة في أدق خصوصياتها، بعد أن ~~ذكر في أول السورة الأحكام الخاصة بالمجتمع الخارجي، فيقول سبحانه: { ~~يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمنكم... }. ### || [24.58] # تعلمنا هذه ms6959 الآية آداب الاستئذان داخل الأسرة المكونة من الأبوين ~~والأبناء، ثم الأتباع مثل الخدم وغيرهم، والحق - تبارك وتعالى - يريد أن ~~ينشىء هذه الأسرة على أفضل ما يكون، ويخص بالنداء هنا الذين آمنوا، ~~يعني: يا من آمنتم بي ربا حكيما مشرعا لكم حريصا على مصلحتكم ~~استمعوا إلى هذا الأدب: { ليستأذنكم الذين ملكت ~~أيمنكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث ~~مرات.. } [النور: 58]. معلوم أن طلب المتكلم من المخاطب يأتي على ~~صورتين: فعل الأمر وفعل المضارع المقترن بلام الأمر، فقوله تعالى: { ~~ليستأذنكم.. } [النور: 58] يعني: علموا هؤلاء أن يستأذنوا ~~عليكم، مثل: # وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا.. # [النور: 33] يعني: استعفوا، لأن اللام هنا لام الأمر، ومثل: # لينفق ذو سعة من سعته.. # [الطلاق: 7]. وهذا الأدب تكليف من الله تعالى يكلف به كل مؤمن داخل ~~الأسرة، وإن كان الأمر هنا لغير المأمور، فالمأمور بالاستئذان هم ملك ~~اليمين والأطفال الصغار، فأمر الله الكبار أن يعلموا الصغار، كما ورد ~~في الحديث الشريف: # " مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر ". # فلم يكلف بهذا الصغار إنما كلف الكبار لأن الأطفال لم يبلغوا ~~بعد مبلغ التكليف من ربهم، إنما بلغوا مبلغ التكليف عندكم أنتم، لذلك ~~أنت الذي تأمر وأنت الذي تتابع وتعاقب. وأمر الصغير بالصلاة أو ~~بالاستئذان لتربي فيه الدربة والتعود على أمر قد يشق عليه حال ~~كبره، إنما إن عودته عليها الآن فإنها تسهل عليهم عند سن ~~التكليف، وتتحول العادة في حقه إلى عبادة يسير عليها. وشرع الله لنا آداب ~~الاستئذان لأن للإنسان ظاهرا يراه الناس جميعا ويكثر ظاهره للخاصة من ~~أهله في أمور لا يظهرها على الآخرين، إذن: فرقعة الأهل والملاصقين لك ~~أوسع، وهناك ضوابط اجتماعية للمجتمع العام، وضوابط اجتماعية للمجتمع ~~الخاص وهو الأسرة، وحرية المرء في أسرته أوسع من حريته في المجتمع العام، ~~فإن كان في حجرته الخاصة كانت حريته أوسع من حريته مع الأسرة. فلا ~~بد إذن من ضوابط تحمي هذه الخصوصيات، وتنظم علاقات الأفراد في ~~الأسرة الواحدة، كما سبقت ضوابط تنظم علاقات الأفراد خارج الأسرة. ~~ومعنى: { الذين ملكت ms6960 أيمنكم.. } [النور: 58] هم العبيد ~~الذين يقومون على خدمة بعض الناس وليس الأجير لأن الأجير حر يستطيع أن ~~يتركك في أي وقت، أما العبد فليس كذلك لأنه مملوك الرقبة لا حرية له، ~~فالمملوكية راجحة في هؤلاء، وللسيد السيطرة والمهابة فلا يستطيع أن ~~يفلت منه. { والذين لم يبلغوا الحلم منكم.. } ~~[النور: 58] هم الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا مبلغ التكليف، ويقضون ~~المصالح فتراهم في البيت يدخلون ويخرجون دون ضابط، فهل نتركهم هكذا ~~يطلعون على خصوصياتنا؟ وللخدم في البيت طبيعة تقتضي أن يدخلوا علينا ~~ويخرجوا، وكذلك الصغار، إلا في أوقات ثلاثة لا يسمح لهم فيها بالدخول ~~إلا بعد الاستئذان: { من قبل صلوة الفجر. # . } [النور: 58] لأنه وقت متصل بالنوم، والإنسان في النوم يكون حر ~~الحركة واللباس { وحين تضعون ثيبكم من الظهيرة.. } ~~[النور: 58] وهو وقت القيلولة، وهي وقت راحة يتخفف فيها المرء من ملابسه ~~{ ومن بعد صلوة العشآء.. } [النور: 58] وبعد العشاء النوم. ~~هذه أوقات ثلاثة، لا ينبغي لأحد أن يدخل عليك فيها إلا بإذنك. وانظر إلى ~~هذا التحفظ الذي يوفره لك ربك - عز وجل - حتى لا تقيد حريتك في أمورك ~~الشخصية ومسائلك الخاصة، وكأن هذه الأوقات ملك لك أيها المؤمن تأخذ ~~فيها راحتك وتتمتع بخصوصياتك، والاستئذان يعطيك الفرصة لتتهيأ لمقابلة ~~المستأذن. أما في بقية الأوقات فالكل يستأذن عليك حتى الزوجة. وسبب نزول ~~هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد سيدنا عمر في أمر من ~~الأمور، فأرسل إليه غلاما من الأنصار، فلما ذهب الغلام دفع الباب ونادى: ~~يا عمر. فلم يرد لأنه كان نائما، فخرج الغلام وجلس في الخارج ودق ~~الباب فلم يستيقظ عمر، فماذا يفعل الغلام؟ رفع الغلام يديه إلى السماء ~~وقال: يا رب أيقظه. ثم دفع الباب ودخل عليه، وكان عمر نائما على وضع لا ~~يصح أن يراه عليه أحد، واستيقظ عمر ولحظ أن الغلام قد رآه على هذا الوضع، ~~فلما ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله نريد أن يستأذن ~~علينا أبناؤنا ونساؤنا وموالينا وخدمنا، فقد حدث ms6961 من الغلام كيت وكيت، ~~فنزلت هذه الآية. ويسمي الله تعالى هذه الأوقات الثلاثة عورة: { ~~ثلاث عورات لكم.. } [النور: 58] والعورة: هي ما يحب الإنسان ~~ألا يراها أحد، أو يراه عليها لأنها نوع من الخلل والخصوصية، والله لا ~~يريد أن يراك أحد على شيء تكرهه. لذلك يقولون لمن به خلل في عينه ~~مثلا: أعور، والعرب تقول للكلمة القبيحة: عوراء، كما قال الشاعر: # وعوراء جاءت من أخ فرددتها # بسالمة العينين طالبة عذرا # يعني: كلمة قبيحة لم أرد عليها بمثلها، إنما بسالمة لا عين واحدة، بل ~~بسالمة العينين الاثنين. ثم يقول سبحانه: { ليس عليكم ولا ~~عليهم جناح بعدهن.. } [النور: 58] يعني: بعد هذه الأوقات: ~~لا إثم ولا حرج عليكم، ولا على المماليك، أو الصغار أن يدخلوا عليكم، ~~ففي غير هذه الأوقات يجلس المرء مستعدا لممارسة حياته العادية، ولا ~~مانع لديه من استقبال الخدم أو الأطفال الصغار دون استئذان لأن طبيعة ~~المعيشة في البيوت لا تستغني عن دخول هؤلاء وخروجهم باستمرار. لذلك قال ~~تعالى بعدها: { طوفون عليكم بعضكم على بعض.. } ~~[النور: 58] يعني: حركتهم في البيت دائمة، دخولا وخروجا، فكيف ~~نقيدها في غير هذه الأوقات؟ { كذلك يبين الله لكم ~~الأيت.. } [النور: 58] أي: بيانا واضحا، حتى لا يحدث في المجتمع ~~تناقضات فيما بعد { والله عليم.. } [النور: 58] بكل ما يصلح ~~الخلافة في الأرض { حكيم } [النور: 58] في تشريعاته وأوامره، لا يضع ~~الحكم إلا بحكمة. ثم يقول الحق سبحانه: { وإذا بلغ الأطفال ~~منكم الحلم... }. ### || [24.59] # الطفل حين كان طفلا لم يبلغ الحلم كان يدخل دون استئذان في غير هذه ~~الأوقات، فإن بلغ الحلم فعليه أن يستأذن، لا نقول: إنه تعود ~~الاستئذان في هذه الأوقات فقط، لا، إنما عليه أن يستأذن في جميع الأوقات ~~فقد شب وكبر، وانتهت بالنسبة له هذه الحالة. وبلوغ الحلم أن ينضج ~~الإنسان نضجا يجعله صالحا لإنجاب مثله، فهذه علامة اكتمال تكوينه، ~~وهذا لا يتأتى إلا باستكمال الغريزة الجنسية التي هي سبب النسل ~~والإنجاب، ومثلنا ذلك بالثمرة التي لا تحلو إلا بعد نضجها، فإن ~~تركتها بعد النضج سقطت ms6962 من نفسها، وهذه آية من آيات الله لبقاء النوع، ~~فلو أكلنا الثمرة قبل نضجها لا تنبت بذرتها وينقرض نوعها، فمن حكمة ~~الله في الخلق ألا تحلو الثمرة إلا بعد النضج. كذلك الولد حين ~~يبلغ يصبح صالحا للإنجاب، ونقول له: انتهت الرخصة التي منحها لك الشرع، ~~وعليك أن تستأذن في جميع الأوقات. لذلك يقول تعالى في موضع آخر: # أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النسآء.. # [النور: 31]. وجاء بالطفل بصيغة المفرد لأن الأطفال في هذه السن لم ~~تتكون لديهم الغريزة، وليست لهم هذه الميول أو المآرب، فكأنهم واحد، ~~أما بعد البلوغ وتكون الميول الغريزية قال: { الأطفال.. } [النور: ~~59] لأن لكل منهم بعد البلوغ ميوله وشخصيته وشطحاته. وقوله: { كما ~~استأذن الذين من قبلهم.. } [النور: 59] أي: من الكبار ~~الذين يستأذنون في كل الأوقات { كذلك.. } [النور: 59] أي: مثل ما ~~بينا في الاستئذان الأول { يبين الله لكم آياته.. } ~~[النور: 59] لأنه سبحانه { عليم.. } [النور: 59] بما يصلحكم { ~~حكيم } [النور: 59] لا يشرع لكم إلا بحكمة. ثم يقول سبحانه: { ~~والقواعد من النسآء اللاتي لا يرجون نكاحا... }. ### || [24.60] # نعلم أن الشارع الحكيم وضع للمرأة المسلمة قواعد تسير عليها في زيها ~~وسلوكها ومشيتها، حماية لها وصيانة للمجتمع من الفتنة، وحتى لا يطمع ~~فيها أصحاب النفوس المريضة، فجعل لها حجابا يسترها يخفي زينتها لا يكون ~~شفافا ولا واصفا، وقال: # يدنين عليهن من جلابيبهن.. # [الأحزاب: 59]. لكن القواعد من النساء والكبيرات منهن لهن حكم آخر. ~~والقواعد: جمع قاعد لا قاعدة، قاعدة تدل على الجلوس، أما القاعد ذكرا ~~أو أنثى فهو الذي قعد عن دورة الحياة، ولم يعد له مهمة الإنجاب، ومثل ~~هؤلاء لم يعد فيهن إربة ولا مطمع لذلك لا مانع أن يتخففن بعض ~~الشيء من اللباس الذي فرض عليهن حال وجود الفتنة، ولها أن تضع طرحتها ~~مثلا. لكن هذه مسألة مقولة بالتشكيك: نسبية يعني: فمن النساء من ~~ينقطع حيضها ويدركها الكبر، لكن ما يزال فيها جمال وفتنة لذلك ربنا - ~~تبارك وتعالى - وضع لنا الحكم الاحتياطي { فليس عليهن جناح ~~أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة.. ms6963 } [النور: ~~60] ثم يدلهن على ما هو خير من ذلك { وأن يستعففن خير ~~لهن.. } [النور: 60]. والمقصود بوضع الثياب: التخفف بعض الشيء من ~~الثياب الخارجية شريطة { غير متبرجات بزينة.. } [النور: ~~60] فلا يجوز للمرأة أن تضع ثيابها أخذا بهذه الرخصة، ثم تضع الزينة ~~وتتبرج. ونخشى أن نعلم النساء هذا الحكم فلا يأخذن به حتى لا نقول ~~عنهن: إنهن قواعد!! وتعجب حين ترى المرأة عندما تبلغ هذه السن فتجدها ~~ورعة في ملبسها، ورعة في مظهرها، ورعة في سلوكها، فتزداد جمالا ~~وتزداد بهاء وآسرية، على خلاف التي لا تحترم سنها فتضع على وجهها ~~المساحيق والألوان فتبدو مسخا مشوها. ومعنى { يستعففن.. } ~~[النور: 60] أي: يحتفظن بملابسهن لا يضعن منها شيئا، فهذا أدعى ~~للعفة. ### || [24.61] # قوله تعالى: { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج ~~حرج ولا على المريض حرج.. } [النور: 61] الحرج: هو الضيق، ~~كما جاء في قوله سبحانه: # ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السمآء.. # [الأنعام: 125]. أو الحرج بمعنى: الإثم، فالحرج المرفوع عن هؤلاء هو ~~الضيق أو الإثم الذي يتعلق بالحكم الآتي في مسألة الأكل، بدليل أنه ~~يقول { ولا على أنفسكم.. } [النور: 61]. والأعمى يتحرج أن ~~يأكل مع الناس لأنه لا يرى طعامه، وربما امتدت يده إلى أطيب الطعام ~~فيأكله ويترك أدناه، والأعرج يحتاج إلى راحة خاصة في جلسته، وربما ضايق ~~بذلك الآخرين، والمريض قد يتأفف منه الناس. فرفع الله تعالى عن عباده ~~هذا الحرج، وقال: { ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا ~~أو أشتاتا.. } [النور: 61]. فيصح أن تأكلوا معا لأن الحق - سبحانه ~~وتعالى - يريد أن يجعل التكامل في الذوات لا في الأعراض، وأيضا أنك إن ~~رأيت شابا مؤوفا يعني به آفة، ثم تعامله معاملة خاصة فربما جرحت ~~شعوره، حتى إن كان ما به أمرا خلقيا من الله لا يتأباه، والبعض ~~يتأبى أن يخلقه الله على هيئة لا يرضاها. لذلك كانوا في الريف نسمعهم ~~يقولون: اللي يعطي العمى حقه فهو مبصر، لماذا؟ لأنه رضي بهذا الابتلاء. ~~وتعامل مع الناس على أنه كذلك، فطلب منهم المساعدة ms6964 لذلك ترى الناس جميعا ~~يتسابقون إلى مساعدته والأخذ بيده، فإن كان قد فقد عينا فقد عوضه ~~الله بها ألف عين، أما الذي يتأبى ويرفض الاعتراف بعجزه ويرتدي نظارة ~~سوداء ليخفي بها عاهته فإنه يسير متعسرا يتخبط لا يساعده أحد. وكأن ~~الحق - تبارك وتعالى - يريد لأصحاب هذه الآفات أن يتوافقوا مع المجتمع، ~~لا يأخذون منه موقفا، ولا يأخذ المجتمع منهم موقفا لذلك يعطف على { ~~ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج.. } [النور: 61] ثم يقول سبحانه { ولا على ~~أنفسكم.. } [النور: 61] يعني: هم مثلكم تماما، فلا حرج بينكم في ~~شيء. { أن تأكلوا من بيوتكم.. } [النور: 61] إلخ. وكان في ~~الأنصار قزازة، إذا جلس في بيت لا يأكل منه إلا إذا أذن له صاحب ~~البيت، وقد يسافر الرجل منهم ويترك التابع عنده في البيت دون أن يأذن ~~له في الأكل من طعام بيته ويعود، فيجد الطعام كما هو، أو يجده قد فسد دون ~~أن يأكل منه التابع شيئا، فأراد الحق سبحانه أن يرفع هذا الحرج عن ~~الناس، فقال: { ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج ~~حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن ~~تأكلوا من بيوتكم. # . } [النور: 61] إلى آخر هذه المعطوفات. ولقائل أن يقول: وأي حرج في ~~أن يأكل المرء من بيته؟ وهل كان يخطر على البال أن تجد حرجا، وأنت ~~تأكل من بيتك؟ قالوا: لو حاولت استقصاء هؤلاء الأقارب المذكورين في ~~الآية لتبين لك الجواب، فقد ذكرت الآية آباءكم وأمهاتكم وإخوانكم ~~وأخواتكم وأعمامكم وعماتكم وأخوالكم وخالاتكم، ولم تذكر شيئا عن الأبناء ~~وهم في مقدمة هذا الترتيب، لماذا؟ قالوا: لأن بيوت الأبناء هي بيوت ~~الآباء، وحين تأكل من بيت ولدك كأنك تأكل من بيتك، على اعتبار أن الولد ~~وما ملكت يداه ملك لأبيه، إذن: لك أن تضع مكان { بيوتكم.. } ~~[النور: 61] بيوت أبنائكم. ذلك لأن الحق - تبارك وتعالى - لم يرد أن ~~يجعل للأبناء بيوتا مع الآباء، لأنهما شيء واحد. إذن: لا حرج عليك أن ~~تأكل من بيت ابنك أو أبيك ms6965 أو أمك أو أخيك أو أختك أو عمك أو عمتك، أو ~~خالك أو خالتك { أو ما ملكتم مفاتحه.. } [النور: 61] يعني: ~~يعطيك صاحب البيت مفتاح بيته، وفي هذا إذن لك بالتصرف والأكل من ~~طعامه إن أردت. { أو صديقكم.. } [النور: 61] وتلحظ في هذه أنها ~~الوحيدة التي وردت بصيغة المفرد في هذه الآية، فقبلها: بيوتكم، آباءكم، ~~أمهاتكم.. إلخ إلا في الصديق فقال { أو صديقكم.. } [النور: 61] ~~ولم يقل: أصدقائكم. ذلك لأن كلمة صديق مثل كلمة عدو تستعمل للجميع بصيغة ~~المفرد، كما في قوله تعالى: # فإنهم عدو لي.. # [الشعراء: 77]. لأنهم حتى إن كانوا جماعة لا بد أن يكونوا على قلب ~~رجل واحد، وإلا ما كانوا أصدقاء، وكذلك في حالة العداوة نقول عدو، وهم ~~جمع لأن الأعداء تجمعهم الكراهية، فكأنهم واحد. ثم يقول سبحانه: { ليس ~~عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا.. } ~~[النور: 61] { جميعا.. } [النور: 61] سويا بعضكم مع بعض، { أو ~~أشتاتا.. } [النور: 61] متفرقين، كل وحده. وقوله تعالى: { فإذا ~~دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من ~~عند الله مباركة طيبة.. } [النور: 61] على أنفسكم، لأنك ~~حين تسلم على غيرك كأنك تسلم على نفسك، لأن غيرك هو أيضا سيسلم ~~عليك، ذلك لأن الإسلام يريد أن يجعل المجتمع الإيماني وحدة متماسكة، فحين ~~تقول لغيرك: السلام عليكم سيرد: وعليكم السلام. فكأنك تسلم على نفسك. ~~أو: أن المعنى: إن دخلتم بيوتا ليس فيها أحد فسلموا على أنفسكم، وإذا ~~دخلوا المسجد قالوا: السلام على رسول الله وعلينا من ربنا، قالوا: تسمع ~~الملائكة وهي ترد. وقوله تعالى: { تحية من عند الله ~~مباركة طيبة.. } [النور: 61] وفي آية أخرى يقول سبحانه: # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ~~ردوهآ.. # [النساء: 86]. والتحية فوق أنها من عند الله فقد وصفها بأنها { ~~مباركة.. } [النور:61] والشيء المبارك: الذي يعطي فوق ما ينتظر منه ~~{ كذلك.. } [النور: 61] أي: كما بين لكم الأحكام السابقة يبين ~~لكم { الآيات لعلكم تعقلون } [النور: 61]. أي: أن الذي ~~كلفكم بهذه الأحكام رب يحب الخير لكم، وهو غني عن هذه، إنما يأمركم ~~بأشياء ليعود نفعها عليكم، فإن أطعتموه فيما ms6966 أمركم به انتفعتم ~~بأوامره في الدنيا، ثم ينتظركم جزاؤه وثوابه في الآخرة. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ~~ورسوله... }. ### || [24.62] # المؤمن: من آمن بإله وآمن بالرسول المبلغ عن الإله، وما دمت قد ~~آمنت بالرسول المبلغ عن الله فلا بد أن تكون حركتك خاضعة لأوامره، ~~ويجب أن تكون ذاتك له، فإذا رأى الرسول أمرا جامعا يجمع المسلمين في ~~خطب أو حدث أو حرب، ثم يدعوكم إلى التشاور ليدلي كل منكم برأيه ~~وتجربته، ويوسع مساحة الشورى في المجتمع ليأتي الحكم صحيحا سليما ~~موافقا للمصلحة العامة. فالمؤمن الحق إذا دعي إلى مثل هذا الأمر ~~الجامع، لا يقوم من مجلسه حتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس ~~إلزاما أن يأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن أمر المسلمين ~~الجامع لهم قد يكون أهم من الأمر الذي يشغلك، وتريد أن تقوم من أجله، ~~وتترك مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { إن ~~الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون ~~بالله ورسوله.. } [النور: 62] فالاستئذان هنا من علامات ~~الإيمان، لا يقوم خلسة وينسلت من المجلس، لا يشعر به أحد، لا بد من ~~أن يستأذن رسول الله حتى لا يفوت مصلحة على المؤمنين، ولربما كان له ~~رأي ينتفع به. والرسول إنما يستشير أصحابه ليستنير برأيهم وتجاربهم، ~~فحين يدعوهم إلى أمر جامع يجب أن يفهم هذا الأمر على نطاق منزلة الرسول ~~من بلاغه عن الله للأمة، فإذا دعا نفر نفرا للتشاور، فإنما يتشاوران في ~~أمر شخصي يخص صاحبه، لكن حين يدعوهم رسول الله لا يدعو لخصوصية واحدة، ~~وإنما لخصوصية أمة، شاء الله أن تكون خير أمة أخرجت للناس، وسوف ~~يستفيد الفرد أيضا من هذه الدعوة، وربما كانت استفادته من الاستجابة ~~للدعوة العامة التي تنتظم كل الناس خيرا من استفادته من دعوته الخاصة، ~~فيجب أن يقدر المدعو هذا الفارق. ومع وجود هذا الفارق لم يحرم ~~الله بعض الناس الذين لهم مشاغل أن يستأذنوا فيها رسول الله وينصرفوا ~~لذا شرع لهم الاستئذان، لكن يجب ms6967 أن يضعوا هذا الفارق في بالهم، وأن ~~يذكروا أنهم انصرفوا لبعض شأنهم، والرسول قائم في أمر لشئون الدنيا كلها ~~إلى أن تقوم الساعة. فكأنه إن شارك في هذا الاجتماع فسيستفيد كفرد، ~~وستستفيد أمته: المعاصرون منهم والآتون إلى أن تقوم الساعة، فإن فضل ~~شأنه الخاص على هذه الشئون فقد أساء، وفعل ما لا يليق بمؤمن لذلك أمر ~~رسول الله أن يأذن لمن يشاء، ثم يستغفر له الله. يقول سبحانه: { ~~فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت ~~منهم.. } [النور: 62] فالأمر متروك لرسول الله يقدره حسب مصلحة ~~المسلمين العامة، فله أن يأذن أو لا يأذن. إذن: لا بد من استئذان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأذن لمن يشاء منهم ممن يرى أن في ~~الباقين عوضا عنه وعن رأيه، فإن استأذن صاحب رأي يستفيد منه المسلمون ~~لم يأذن له. # ثم يقول سبحانه: { واستغفر لهم الله.. } [النور: 62]، وكأن ~~مسألة الاستئذان والقيام من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر لا ~~يريده الله تعالى. حتى إن استأذنت لأمر يهمك، وحتى إن أذن لك رسول ~~الله، فالأفضل ألا تستأذن لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حين يدعو لأمر ~~جامع يهم جماعة المسلمين، يجب ألا ينشغل أحد عما دعي إليه، ~~وألا يقدم على مصلحة المسلمين ومجلس رسول الله شيئا آخر، ففي الأمر ~~الجامع ينبغي أن يكتل الجميع مواهبهم وخواطرهم في الموضوع، وساعة ~~تستأذن لأمر يخصك فأنت منشغل عن الجماعة شارد عنهم. فحين تنشغل بأمرك ~~الخاص عن أمر المسلمين العام، فهذه مسألة تحتاج إلى استغفار لك من رسول ~~الله، فالرسول يأذن لك، ثم يستغفر لك الله. ثم يقول الحق سبحانه: { لا ~~تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم ~~بعضا... }. ### || [24.63] # قوله سبحانه: { لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم ~~كدعآء بعضكم بعضا.. } [النور: 63] فأنتم يدعو بعضكم بعضا في ~~مسألة خاصة، لكن الرسول يدعوكم لمسألة عامة تتعلق بحركة حياة الناس ~~جميعا إلى أن تقوم الساعة. أو: أن الدعاء هنا بمعنى النداء يعني: ~~يناديكم الرسول أو تنادونه لأن لنداء الرسول صلى الله ms6968 عليه وسلم آدابا ~~يجب مراعاتها، فهو ليس كأحدكم تنادونه: يا محمد، وقد عاب القرآن على ~~جماعة لم يلتزموا أدب النداء مع رسول الله، فقال: # إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم ~~لا يعقلون # [الحجرات: 4]. فأساءوا حين قالوا: يا محمد، ولو قالوا حتى: يا أيها ~~الرسول فقد أساءوا لأنه لا يصح أن يتعجلوا رسول الله، ويجب أن يتركوه ~~على راحته، إن وجد فراغا للقائهم خرج إليهم، إذن: أساءوا من وجهين. ولا ~~يليق أن نناديه صلى الله عليه وسلم باسمه: يا محمد. لأن الجامع بين ~~الرسول وأمته ليس أنه محمد، إنما الجامع أنه رسول الله، فلا بد أن ~~نناديه بهذا الوصف. ولم لا وربه عز وجل وهو خالقه ومصطفيه قد ميزه عن ~~سائر إخوانه من الرسل، ومن أولي العزم، فناداهم بأسمائهم: # يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة.. # [البقرة: 35]. وقال: # ينوح اهبط بسلام منا.. # [هود: 48]. وقال: # يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ.. # [الصافات: 104-105]. وقال: # يموسى إني أنا الله.. # [القصص: 30]. وقال: # يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس.. # [المائدة: 116]. وقال: # يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض.. # [ص: 26]. لكن لم يناد رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه أبدا، ~~إنما يناديه ب " يأيها " الرسول، يأيها النبي. فإذا كان الحق - تبارك ~~وتعالى - لم يجعل دعاءه للرسول كدعائه لباقي رسله، أفندعوه نحن باسمه؟ ~~ينبغي أن نقول: يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا رسول الله، يا نبي ~~الله، فهذا هو الوصف اللائق المشرف. وكما نميز دعاء رسول الله حين ~~نناديه، كذلك حين ينادينا نحن يجب أن نقدر هذا النداء، ونعلم أن هذا ~~النداء لخير عام يعود نفعه على الجميع. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { ~~قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ~~فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } [النور: 63]. لا شك أن ~~الذين يستأذنون رسول الله فيهم إيمان، فيراعون مجلس رسول الله، ولا ~~يقومون إلا بإذنه، لكن هناك آخرون يقومون دون استئذان: { ~~يتسللون.. } [النور: 63] والتسلل: هو الخروج بتدريج وخفية كأن ~~يتزحزح من مكان لآخر حتى ms6969 يخرج، أو يوهمك أنه يريد الكلام مع شخص آخر ~~ليقوم فينسلت من المجلس خفية، وهذا معنى { يتسللون منكم ~~لواذا. # . } [النور: 63] يلوذ بآخر ليخرج بسببه. ويحذر الله هؤلاء: { ~~فليحذر الذين يخالفون عن أمره.. } [النور: 63] ~~والتحذير إنذار بالعاقبة السيئة التي تترتب على الانسحاب من مجلس رسول ~~الله، كأنه يقول لهم: قارنوا بين انسحابكم من مجلس الرسول وبين ما ~~ينتظركم من العقاب عليه. وقال: { يخالفون عن أمره.. } [النور: ~~63] لا يخالفون أمره، فجعل في المخالفة معنى الإعراض، لا مجرد المخالفة، ~~فالمعنى: يعرضون عنه. والأمر: يراد به فعل الأمر أو النهي أو الموضوع ~~الذي نحن بصدده يعني: ليس طلبا، وهذا المعنى هو المراد هنا: أي الموضوع ~~الذي نبحثه ونتحدث فيه، فانظروا ماذا قال رسول الله ولا تخالفوه ولا ~~تعارضوه لأنه وإن كان بشرا مثلكم إلا أنه يوحى إليه. لذلك يحدد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مركزه كبشر وكرسول، فيقول: # " يرد علي - يعني من الحق الأعلى - فأقول: أنا لست كأحدكم، ويؤخذ ~~مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم ". # لذلك كان الصحابة يفهمون هذه المسألة، ويتأدبون فيها مع رسول الله، ~~ويسألونه في الأمر: أهو من عند الله قد نزل فيه وحي، أم هو الرأي ~~والمشورة؟ فإن كان الأمر فيه وحي من الله فلا كلام لأحد مع كلام ~~الله، وإن كان لم يرد فيه من الله شيء أدلى كل منهم برأيه ومشورته. ~~وهذا حدث فعلا # " في غزوة بدر حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلا رأى بعض ~~الصحابة أن غيره خير منه، فسألوا رسول الله: أهذا منزل أنزلكه الله، أم ~~هو الرأي والمشورة؟ فقال: " بل هو الرأي والمشورة " فأخبروه أنه غير ~~مناسب، وأن المكان المناسب كذا وكذا ". # وقوله تعالى: { أن تصيبهم فتنة.. } [النور: 63] أي: في الدنيا ~~{ أو يصيبهم عذاب أليم } [النور: 63] أي: في الآخرة، فإن ~~أفلتوا من فتنة الدنيا فلن يفلتوا من عذاب الآخرة. ثم تختم السورة ~~بقوله تعالى: { ألا إن لله ما في السماوات والأرض... ~~}. ### || [24.64] # ألا: أداة تنبيه لشيء مهم بعدها، والتنبيه يأتي لأن ms6970 الكلام سفارة بين ~~المتكلم والمخاطب، المتكلم عادة يعد كلامه، ولديه أنس بما سيقول، ~~لكن المخاطب قد لا يكون خالي الذهن فيفاجئه القول، وربما شغله ذلك عن ~~الكلام، فيضيع منه بعضه. والحق - تبارك وتعالى - يريد ألا يضيع منك حرف ~~واحد من كلامه، فينبهك بكلمة هي في الواقع لا معنى لها في ذاتها، إلا ~~أنها تنبهك وتذهب ما عندك من دهشة أو غفلة، فتعي ما يقال لك، وهذا ~~أسلوب عربي عرفته العرب، وتحدثت به قبل نزول القرآن. ويقول الشاعر ~~الجاهلي يخاطب المرأة التي تناوله الكأس: # ألا هبي بصحنك فاصبحينا # ولا تبقي خمور الأندرينا # يريد أن ينبهها إلى الكلام المفيد الذي يأتي بعد. وبعد ألا التنبيهية ~~يقول سبحانه: { إن لله ما في السماوات والأرض.. } ~~[النور: 64]. والسماوات والأرض ظرف فيهما كل شيء في الكون العلوي ~~والسفلي، فلله ما في السماوات وما في الأرض أي: المظروف فيهما، فما ~~بال الظرف نفسه؟ قالوا: هو أيضا لله، كما جاء في آية أخرى: # لله ملك السماوات والأرض.. # [النور: 42] إذن: فالظرف والمظروف ملك له سبحانه. وعادة ما يكون ~~الظرف أقل قيمة من المظروف فيه، فما بداخل الخزينة مثلا أثمن منها، ~~وما بداخل الكيس أثمن منه، وكذلك عظمة السماوات والأرض بما فيهما من ~~مخلوقات. لذلك إياك أن تجعل المصحف الشريف ظرفا لشيء مهم عندك فتحفظه ~~في المصحف لأنه لا شيء أغلى ولا أثمن من كتاب الله، فلا يليق أن تجعله ~~حافظة لنقودك، أو لأوراقك المهمة لأن المحفوظ عادة أثمن من المحفوظ فيه. ~~وفي الآية: { ألا إن لله ما في السماوات والأرض.. } ~~[النور: 64] أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور، فكل ما في السماوات، وكل ~~ما في الأرض ملك لله وحده، لا يشاركه فيه أحد، وعلى كثرة المفترين في ~~الألوهية والفرعونية لم يدع أحد منهم أن له ملك شيء منها. حتى إن ~~النمرود الذي جادل أبانا إبراهيم عليه السلام وقال: أنا أحي وأميت لما ~~قال له إبراهيم: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب.. # [البقرة: 258] لم يستطع فعل شيء وبهت ms6971 وانتهت المسألة. وملكه تعالى ~~لم يقتصر على الخلق، فخلق الأشياء ثم تركها تؤدي مهمتها وحدها، إنما ~~خلقها وله تعالى قيومية على ما خلق، وتصرف في كل شيء، فلا تظن الكون من ~~حولك يخدمك آليا، إنما هو خاضع لإرادة الله وتصرفه سبحانه. فالماء ~~الذي ينساب لك من الأمطار والأنهار قد يمنع عنك ويصيب أرضك الجفاف، أو ~~يزيد عن حده، فيصبح سيولا تغرق وتدمر، إذن: المسألة ليست رتابة ~~خلق، وليست المخلوقات آلات ميكانيكية، إنما لله الملك والقيومية ~~والتصرف في كل ما خلق. # ثم يقول سبحانه: { قد يعلم مآ أنتم عليه.. } [النور: 64] ~~لفهم هذه الآية لا بد أن نعلم أن علاقة الحق - تبارك وتعالى - ~~بالأحداث ليست كعلاقتنا نحن، فنحن نعلم من علم النحو أن الأفعال ماض، ~~وهو ما وقع بالفعل قبل أن تتكلم به مثل: جاء محمد، ومضارع وهو إما للحال ~~مثل: يأكل محمد. أو للاستقبال مثل: سيأكل محمد. أما بالنسبة لله تعالى، ~~فالأحداث سواء كلها ماض وواقع، وقد تكلمنا في هذه المسألة في قوله ~~تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1]. ومعلوم أن الاستعجال يكون للأمر الذي يأت بعد، والقيامة ~~لم تأت بعد لكن عبر عنها بالماضي أتى لأنه سبحانه لا يعوقه ولا يخرجه ~~شيء عن مراده، فكأنها أتت بالفعل، إذن: # فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1] ليست منطقية مع كلامك أنت، إنما هي منطقية مع كلام الله. ~~كذلك في قوله تعالى: { قد يعلم مآ أنتم عليه.. } [النور: ~~64] فقد: للتحقيق، ويعلم بالنسبة لله تعالى تعني علم، لكنه بالنسبة لك ~~أنت يعلم: إذن: فهناك طرف منك وطرف من الحق سبحانه، فبالنسبة للتحقيق جاء ~~بقد، وبالنسبة للاستقبال جاء بيعلم. ثم يقول سبحانه: { ويوم ~~يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل ~~شيء عليم } [النور: 64] وجاء في آية أخرى: # وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين # [يونس: 61]. فإياك أن تفهم أن نظر الله ورؤيته سبحانه للأبعاض المختلفة ~~في الأماكن المختلفة رؤية جزئية، تتجه إلى ms6972 شيء فلا ترى الآخر، إنما هي ~~رؤية شاملة، كأن لكل شيء رؤية وحده، وهذا واضح في قوله تعالى: # أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت.. # [الرعد: 33]. فسبحانه لا يشغله سمع عن سمع، ولا بصر عن بصر، فبصره ~~سبحانه محيط، واطلاعه دقيق لذلك يأتي جزاؤه حقا يناسب دقة اطلاعه، ~~فإياك إذن أن تغفل هذه الحقيقة، فربك قائم عليك، ناظر إليك، لا تخفى ~~عليه منك خافية. فيا من تتسلل لواذا احذر، فلا شيء أهم من مجلس مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله نفسه كان حريصا أن يرى أصحابه ~~في مجلسه باستمرار، والله تعالى يوصيه بذلك فيقول له: # ولا تعد عيناك عنهم.. # [الكهف: 28]. وكان بعض أصحابه يصلي خلفه، فكان عندما يسلم ينصرف ~~الرجل مسرعا فيراه صلى الله عليه وسلم في أول الصلاة، ولا يراه في ~~آخرها، فاستوقفه في إحدى الصلوات وقال له: " أزهدا فينا "؟ وكأنه يعز ~~على رسول الله أن يجد أحد أصحابه لا يتواجد مع حضرته، أو يزهد في ~~مجلسه، فيحرم من الخيرات والتجليات التي تتنزل على مجلس رسول الله، ~~ويحرم من إشعاعات بصيرته وبصره إليه. # لذلك أحرج الرجل، وأخذ يوضح لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدفعه ~~كل صلاة إلى الإسراع بالانصراف، وأن هذا منه ليس زهدا في حضرة رسول الله ~~ومجلس رسول الله، فقال: يا رسول الله إن لي امرأة بالبيت تنتظر ردائي هذا ~~لتصلي فيه. يعني: ليس لديه في بيته إلا ثوب واحد، فدعا له النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالخير، فلما عاد لزوجته سألته عن سبب غيابه، فقص عليها ~~ما كان من أمر رسول الله، وأنه استوقفه وحكى لها ما دار بينهما، فقالت ~~لزوجها: أتشكو ربك لمحمد؟ ولما سألوها بعد ذلك قالت: " غاب عني مقدار ~~مائة تسبيحة " فانظر إلى ساعتها التي تضبط عليها وقتها. ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1] # { تبارك.. } [الفرقان: 1] مادة الباء والراء والكاف عادة تدل على ~~البركة، وهي أن يعطيك الشيء من الخير فوق ما تظن فيه ويزيد عن تقديرك، ~~كما لو ms6973 رأيت طعام الثلاثة يكفي العشرة، فتقول: إن هذا الطعام مبارك ~~أو فيه بركة. ومن معاني تبارك: تعالى قدره و { تبارك.. } [الفرقان: ~~1] تنزه عن شبه ما سواه، وتبارك: عظم خيره وعطاؤه. وهذه الثلاثة ~~تجدها مكملة لبعضها. ومن العجيب أن هذا اللفظ { تبارك.. } ~~[الفرقان: 1] معجز في رسمه ومعجز في اشتقاقه، فلو تتعبت القرآن ~~لوجدت أن هذه الكلمة وردت في القرآن تسع مرات: سبع منها بالألف { ~~تبارك.. } [الفرقان: 1] ومرتان بدون الألف، فلماذا لم تكتب بالألف ~~في الجميع، أو بدونها في الجميع؟ ذلك ليدلك على أن رسم القرآن رسم ~~توقيفي، ليس أمرا ميكانيكيا، كما في قوله تعالى في أول سورة العلق: # اقرأ باسم ربك الذي خلق # [العلق: 1] فرسم كلمة اسم هنا بالألف، وفي باقي القرآن بدون الألف. ~~إذن: فالقرآن ليس عاديا في رسمه وكتابته، وليس عاديا في قراءته، فأنت ~~تقرأ في أي كتاب آخر على أي حال كنت، إلا في القرآن لا بد أن تكون ~~على وضوء وتدخل عليه بطهر.. الخ ما نعلم من آداب تلاوة القرآن. ومن حيث ~~الاشتقاق نعلم أن الفعل يشتق منه الماضي والمضارع والأمر واسم ~~الفاعل.. الخ، لكن { تبارك.. } [الفرقان: 1] لم يذكر منها القرآن إلا ~~هذه الصيغة، وكأنه يريد أن يخصها بتنزيه الله تعالى، مثلها مثل كلمة ~~سبحان لذلك على كثرة ما مر في التاريخ من الجبابرة أرغموا الناس على ~~مدحهم والخضوع لهم، لكن ما رأينا واحدا مهما كان مجرما في الدين يقول ~~لأحد هؤلاء: سبحانك. لذلك نقول في تسبيح الله: سبحانك، ولا تقال إلا لك. ~~مهما اجترأ الملاحدة فإنهم لا ينطقونها لغير الله. إذن: { تبارك.. } ~~[الفرقان: 1] تدور حول معان ثلاثة: تعالى قدره، وتنزه عن مشابهة ما ~~سواه، وعظم خيره وعطاؤه، ومن تعاظم خيره سبحانه أنه لا مثيل له: ~~في قدره، ولا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في فعله. وهذا كله من مصلحتنا ~~نحن، فلا كبير إلا الله، ولا جبار إلا الله، ولا غني إلا الله. ~~وسمي القرآن فرقانا لأنه يفرق بين الحق والباطل، وقد نزل القرآن ~~ليخرج الناس ms6974 من الظلمات إلى النور، فيسير الناس على هدى وعلى بصيرة، ~~فالقرآن إذن فرق لهم مواضع الخير عن مواضع العطب، فالفرقان سائر في كل ~~جهات الدين، ففي الدين قمة هي الحق - تبارك وتعالى - ومبلغ عن القمة ~~هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومرسل إليه هم المؤمنون، فجاء القرآن ~~ليفرق بين الحق والباطل في هذه الثلاثة. # ففي القمة، وجد من ينكر وجود إله خالق لهذا الكون، وآخرون يقولون ~~بوجود آلهة متعددة، وكلاهما على طرفي نقيض للآخر، ليس هناك سيال فكر ~~يجمعهم، فجاء القرآن ليفرق بين الحق والباطل في هذه المسألة، ويقول: ~~الأمر وسط بين ما قلتم: فالإله موجود، لكنه إله واحد لا شريك له، ~~ففرق في مسألة القمة. كذلك فرق في مسألة الرسول وهو بشر من قومه، فلما ~~اعترض بعضهم عليه وحسدوه على هذه المكانة وهو واحد منهم أيده الله ~~بالمعجزة التي تؤيده وتظهر صدقه في البلاغ عن الله، وكانت معجزته ~~صلى الله عليه وسلم في شيء نبغ فيه القوم، وهي الفصاحة والبلاغة والبيان، ~~والعرب أهل بيان، وهذه بضاعتهم الرائجة وتحداهم بهذه المعجزة فلم ~~يستطيعوا. وكذلك فرق في مسألة الخلق من حيث مقومات حياتهم، فبين ~~لهم الحلال والحرام، وفي استبقاء النوع بين لهم الحلال، وشرع لهم ~~الزواج، ونهاهم عن الزنا ليحفظ سلالة الخليفة لله في الأرض. إذن: فرق ~~القرآن في كل شيء: في الإله، وفي الرسول، وفي قوام حياة المرسل إليهم، ~~وما دام قد فرق في كل هذه المسائل فلا يوجد لفظ أفضل من أن نسميه " ~~الفرقان ". ولا شك أن الألفاظ التي ينطق بها الحق - تبارك وتعالى - لها ~~إشعاعات، وفي طياتها معان يعلمها أهل النظر والبصيرة ممن فتح الله ~~عليهم، وما أشببها بفصوص الماس! والذي جعل الماس ثمينا أن به في كل ذرة ~~من ذراته تكسرات إشعاعية ليست في شيء غيره، فمن أي ناحية نظرت إليه ~~قابلك شعاع معكوس يعطي بريقا ولمعانا يتلألأ من كل نواحيه، وكذلك ألفاظ ~~القرآن الكريم. ومن معاني الفرقان التي قال بها بعض العلماء أنه نزل ~~مفرقا، كما ms6975 جاء في قوله تعالى: # وقرآنا فرقناه.. # [الإسراء: 106] يعني: أنزلناه مفرقا لم ينزل مرة واحدة كالكتب ~~السابقة عليه، وللحق - تبارك وتعالى - حكمة في إنزال القرآن مفرقا، حيث ~~يعطي الفرصة لكل نجم ينزل من القرآن أن يستوعبه الناس لأنه يرتبط ~~بحادثة معينة، كذلك ليحدث التدرج المطلوب في التشريعات. يقول تعالى: # وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ~~ونزلناه تنزيلا # [الإسراء: 106]. لقد كان المسلمون الأوائل في فترة نزول القرآن كثيري ~~الأسئلة، يستفسرون من رسول الله عن مسائل الدين، كما قال تعالى: # يسألونك عن الأهلة.. # [البقرة: 189] # يسألونك عن الخمر والميسر.. # [البقرة: 219] # يسألونك عن الأنفال.. # [الأنفال: 1] فكان النجم من القرآن ينزل ليجيب عليهم ويشرع لهم، وما ~~كان يتأتى ذلك لو نزل القرآن جملة واحدة. وكلمة: { نزل ~~الفرقان.. } [الفرقان: 1] تؤيد هذا المعنى وتسانده لأن نزل تفيد ~~تكرار الفعل غير " أنزل " التي تفيد تعدى الفعل مرة واحدة. # وقوله تعالى: { على عبده.. } [الفرقان: 1] كأن حيثية التنزيل ~~عليه هي العبودية لله تعالى، فهو العبد المأمون أن ينزل القرآن عليه. ~~وسبق أن قلنا: أن العبودية لفظ بغيض إن استعمل في غير جانب الحق ~~سبحانه، أما العبودية لله فهي عز وشرف ولفظ محبوب في عبودية الخلق ~~للخالق لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خير عبده، أما العبودية لله فيأخذ ~~العبد خير سيده. لذلك جعل الله تعالى العبودية له سبحانه حيثية للارتقاء ~~السماوي في رحلة الإسراء، فقال: # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] فالرفعة هنا جاءت من العبودية لله. ثم يقول سبحانه: { ~~ليكون للعالمين نذيرا } [الفرقان: 1] العالمين: جمع عالم، ~~والعالم ما سوى الله تعالى، ومن العوالم: عالم الملائكة، عالم الإنس، ~~وعالم الجن، وعالم الحيوان، وعالم النبات، وعالم الجماد، إلا أن بعض هذه ~~العوالم لم يأتها بشير ولا نذير لأنها ليست مخيرة، والبشارة ~~والنذارة لا تكون إلا للمخير. يقول تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. فإن عزلت من هذه العوالم من ليس له اختيار، فيتبقى ~~منها: الجن والإنس، وإليهما أرسل الرسول ms6976 صلى الله عليه وسلم بشيرا ~~ونذيرا، لكن لماذا قال هنا { ليكون للعالمين نذيرا } ~~[الفرقان: 1] ولم يقل: بشيرا ونذيرا؟ قالوا: لأنه سبحانه سيتكلم هنا عن ~~الذين خاضوا في الألوهية، وهؤلاء تناسبهم النذارة لا البشارة لذلك قال ~~في الآية بعدها: { الذي له ملك السماوات والأرض... }. ### || [25.2] # في آخر سورة النور قال سبحانه: # ألا إن لله ما في السماوات والأرض.. # [النور: 64] فذكر ملكية المظروف، وهنا قال: { الذي له ملك ~~السماوات والأرض.. } [الفرقان: 2] فذكر ملكية الظرف أي: ~~السماوات والأرض. ثم تكلم سبحانه في مسألة القمة التي تجرأوا عليها، ~~فقال: { ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك.. } [الفرقان: 2]. وسبق أن تكلمنا كثيرا عن مسألة اتخاذ الولد ~~والحكمة منها، فالناس تحب الولد، إما ليكون امتدادا للذكر، وإما ليساند ~~والده حال ضعفه، وإما للكثرة، والحق - تبارك وتعالى - هو الحي ~~الباقي الذي لا يموت، ولا يحتاج لمن يخلد ذكراه، وهو القوي الذي ~~لا يحتاج لغيره، فلم إذن يتخذ ولدا؟ وقوله: { ولم يكن له ~~شريك في الملك.. } [الفرقان: 2] وهذا أمر يؤيده الواقع لأن الله ~~تعالى أول ما شهد شهد لنفسه، فقال سبحانه: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم.. # [آل عمران: 18]. أي: لما خلقت الملائكة شهدوا لله تعالى، ثم شهد أولو ~~العلم بالاستدلال، فشهادة الحق سبحانه لنفسه شهادة الذات للذات، ~~والملائكة شهدت شهادة المشاهدة، ونحن شهدنا شهادة الاستدلال والبرهان. ~~والحق - تبارك وتعالى - يعطينا الدليل على صدق هذه الشهادة، فيقول ~~تعالى: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض.. # [المؤمنون: 91]. وقال سبحانه: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. وهذا هو التفصيل المنطقي العاقل الذي نرد به على ~~هؤلاء، فلو كان مع الله تعالى آلهة أخرى لذهب كل منهم بجزء من الكون، ~~وجعله إقطاعية خاصة به، وعلا كل منهم على الآخر وحاربه، ولو كان معه ~~سبحانه آلهة أخرى لاجتمعوا على هذا الذي أخذ الملك منهم ليحاكموه ms6977 أو ~~ليتوسلوا إليه. وقلنا: إن الدعوى تثبت لصاحبها إذا لم يدعها ~~أحد غيره لنفسه، وهذه المسألة لم يدعها أحد، فهي - إذن - ثابتة لله ~~تعالى إلى أن يوجد من يدعي هذا الخلق لنفسه. وسبق أن مثلنا ~~لذلك بجماعة في مجلس فقد أحدهم محفظته فيه، ولما انصرفوا وجدها صاحب ~~البيت، فسألهم عنها، فلم يدعها أحد منهم، ثم اتصل به أحدهم يقول: إنها ~~لي، فلا شك أنها له حتى يوجد مدع آخر، فنفصل بينهما. ثم يقول تعالى: ~~{ وخلق كل شيء فقدره تقديرا } [الفرقان: 2] فخلق ~~الله تعالى ليس خلقا كما اتفق، إنما خلقه سبحانه بقدر وحساب ~~وحكمة، فيخلق الشيء على قدر مهمته التي يؤديها لذلك قال في موضع ~~آخر: # الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. ### || [25.3] # أي: أتوا بآلهة غير الله، هذه الآلهة بإقرارهم وبشهادتهم وواقعهم لا ~~تخلق شيئا، ويا ليتها فقط لا تخلق شيئا، ولكن هي أنفسها مخلوقة، فاجتمع ~~فيها الأمران. وهذه من الآيات التي وقف عندها المستشرقون وقالوا: إن فيها ~~شبهة تناقض لأن الله - سبحانه وتعالى - قال: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] فأثبت أن معه آخرين لهم صفة الخلق، بدليل أنه جمعهم ~~معه، وهو سبحانه أحسنهم. وفي موضع آخر يقول سبحانه: # ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية ~~من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة ~~الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله.. # [آل عمران: 49]. وللرد على هؤلاء نقول: تعالوا أولا نفهم معنى ~~الخلق، الخلق: إيجاد لمعدوم، كما مثلنا سابقا بصناعة كوب الزجاج ~~من صهر بعض المواد، فالكوب كان معدوما وهو أوجده، لكن من شيء موجود، ~~كما أن الكوب يجمد على حالته، لكن الحق سبحانه وتعالى يوجد من معدوم: ~~معدوما من معدوم، ويوجده على هيئة فيها حياة ونمو وتكاثر من ذاته، كما ~~قال سبحانه: # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون # [الذاريات: 49]. والذين يصنعون الآن الورد الصناعي، ويحاولون جاهدين ~~مضاهاة الورد الطبيعي الذي خلقه، فيضعون عليه رائحة الورد ليتوفر لها ~~الشكل والرائحة، ثم ترى الوردة الصناعية زاهية لا تذبل، ms6978 لكن العظمة في ~~الوردة الطبيعية أنها تذبل لأن ذبولها يدل على أن بها حياة. لذلك ~~سمى الله الإنسان خالقا، فأنصفه واحترم إيجاده للمعدوم، لكنه سبحانه ~~أحسن الخالقين، ووجه الحسن أن الله تعالى خلق من لا شيء، وأنت خلقت ~~من موجود، الله خلق خلقا فيه حياة ونمو وتكاثر، وأنت خلقت شيئا ~~جامدا على حالته الأولى، ومع ذلك أنصفك ربك. ففي قوله تعالى: # أخلق لكم من الطين كهيئة الطير.. # [آل عمران: 49] معلوم أنه في مقدور كل إنسان أن يصور من الطين ~~طيرا؟ ويصممه على شكله، لكن أيقال له: إنه خلق بهذا التصوير ~~طيرا؟ وهل العظمة في تصويره على هيئة الطير؟ العظمة في أن تبعث فيه ~~الحياة، وهذه لا تكون إلا من عند الله لذلك قال عيسى عليه السلام: # فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله.. # [آل عمران: 49]. فإن سلمنا أنهم يخلقون شيئا فهم في ذات الوقت ~~مخلوقون، والأدهى من هذا أن الذي يتخذونه إلها لا يستطيع حتى أن يحمي ~~نفسه أو يقيمها، إن أطاحت به الريح، وإن كسر ذراع الإله أخذوه ~~ليرمموه، الإله في يد العامل ليصلحه!! شيء عجيب وعقليات حمقاء. لذلك ~~يقول تعالى عن آلهتهم: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73]. ثم يقول سبحانه: { ولا يملكون لأنفسهم ضرا ~~ولا نفعا.. } [الفرقان: 3] يعني: لا تنفعهم إن عبدوها، ولا تضرهم ~~إن كفروا بها { ولا يملكون موتا ولا حياة ولا ~~نشورا } [الفرقان: 3] أي: موتا أو حياة لغيرهم، فهم لا يملكون شيئا ~~من هذا كله، لأنه من صفات الإله الحق الذي يحيي ويميت، ثم ينشر الناس ~~في الآخرة. إذن: للإنسان مراحل متعددة، فبعد أن كان عدما أوجده الله، ~~ثم يطرأ عليه الموت فيموت، ثم يبعثه الله، ويحييه حياة الآخرة. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { وقال الذين كفروا إن هذا إلا ~~إفك... }. ### || [25.4] # بعد أن تكلم الفرقان وفرق في مسألة القمة والألوهية واتخاذ الولد ~~والشركاء، وبين الإله الحق من الإله الباطل، ms6979 أراد سبحانه أن يتكلم عن ~~الفرقان في الرسالة، فيحكى ما قاله الكفار عن القرآن { إن هذا.. } ~~[الفرقان: 4] يعني: ما هذا - أي القرآن - الذي يقوله محمد { إلا ~~إفك } [الفرقان: 4] الإفك: تعمد الكذب الذي يقلب الحقائق، وسبق أن ~~قلنا: إن النسبة الكلامية إن وافقت الواقع فهي صدق، وإن خالفته ~~فهي كذب. والإفك قلب للواقع يجعل الموجود غير موجود، وغير الموجود ~~موجودا، كما جاء في حادثة الإفك حين اتهموا عائشة أم المؤمنين بما يخالف ~~الواقع، فالواقع أن صفوان أناخ لها ناقته حتى ركبت دون أن ينظر إليها، ~~وهذا يدل على منتهى العفة والصيانة، وهم بالإفك جعلوا الطهر ~~والعفة عهرا. ومن العجيب أن هؤلاء الذين اتهموا القرآن بأنه إفك هم ~~أنفسهم الذين قالوا عنه: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. فهم يعترفون بالقرآن ويشهدون له، لكن يتعبهم وينغص ~~عليهم أن ينزل على محمد بالذات، فلو نزل - فرضا - على غير محمد لآمنوا ~~به. ومن حمقهم أن يقولوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. والمنطق أن يقولوا فاهدنا إليه، لكنه العناد والمكابرة. ~~وقوله: { افتراه.. } [الفرقان: 4] أي: ادعاه، وعجيب أمر هؤلاء، ~~يتهمون القرآن بأنه إفك مفترى، فلماذا لا يفترون هم أيضا مثله، وهم ~~أمة بلاغة وبيان؟! وفي موضع آخر يقول تعالى: # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ~~لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. وقديما قالوا: إن كنت كذوبا فكن ذكورا، وإلا فكيف ~~تتهمون محمدا أن رجلا أعجميا يعلمه القرآن، والقرآن عربي؟ وقوله ~~تعالى: { وأعانه عليه قوم آخرون.. } [الفرقان: 4] الذي ~~قال هذه المقولة هو النضر بن الحارث، ولما قالها رددها بعده آخرون أمثال: ~~عداس، ويسار، وأبي فكيهة الرومي، والقرآن يرد على كل هذه الاتهامات: ~~{ فقد جآءوا ظلما وزورا } [الفرقان: 4] أي: حكموا به والظلم ~~هو: الحكم بغير الحق، والزور هو: عدة الحكم ودليله. والظلم يأتي بعد ~~الزور، لأن القاضي يستمع أولا إلى الشهادة، ثم يرتب عليها الحكم، فإن ms6980 ~~كانت الشهادة شهادة زور كان الحكم حينئذ ظلما. لكن الحق - تبارك ~~وتعالى - يقول { ظلما وزورا } [الفرقان: 4] وهذا دليل على أن الحكم ~~جاء منهم مسبقا، ثم التمسوا له دليلا. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وقالوا أساطير الأولين... }. ### || [25.5] # الأساطير: جمع أسطورة، مثل أعاجيب جمع أعجوبة، وأحاديث جمع أحدوثة، ~~والبكرة أو النهار، والأصيل آخره، والمعنى أنهم قالوا عن القرآن: إنه ~~حكايات وأساطير السابقين { اكتتبها.. } [الفرقان: 5] يعني: أمر ~~بكتابتها. وهذا من ترددهم واضطراب أقوالهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم ~~أمي لا يقرأ ولا يكتب، وقولهم: { فهي تملى عليه بكرة ~~وأصيلا } [الفرقان: 5] أي: باستمرار ليكررها ويحفظها. ويرد ~~القرآن عليهم: { قل أنزله الذي يعلم السر... }. ### || [25.6] # { أنزله.. } [الفرقان: 6] أي: القرآن مرة واحدة من اللوح المحفوظ ~~إلى السماء الدنيا { الذي يعلم السر في السماوات ~~والأرض.. } [الفرقان: 6] فلا تظن أنك بمجرد خلقك قدرت أن تكشف ~~أسرار الله في كونه، إنما ستظل إلى قيام الساعة تقف على سر، وتقف عند سر ~~آخر. لماذا؟ لأن الحق - سبحانه وتعالى - يريد أن يبطل هذه المدعيات، ~~ويأتي بأشياء غيبية لم تكن تخطر على بال المعاصرين لمحمد، ثم تتضح هذه ~~الأشياء على مر القرون، مع أن القرآن نزل في أمة أمية، والرسول الذي ~~نزل عليه القرآن رجل أمي، ومع ذلك يكشف لنا القرآن كل يوم عن آية جديدة ~~من آيات الله. كما قال سبحانه: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. والحق - تبارك وتعالى - يكشف لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~شيئا من الغيبيات، ليراها المعاصرون له ليلقم الكفار الذين اتهموه ~~حجرا، فيكشف بعض الأسرار كما حدث في بدر حيث وقف النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ساحة المعركة بعد أن عرف أن مكة ألقت بفلذات أكبادها وسادتها في ~~المعركة، وقف يشير بعصاه إلى مصارع الكفار، ويقول: # " هذا مصرع أبي جهل، وهذا مصرع عتبة بن ربيعة.. " # . الخ يخطط على الأرض مصارع القوم. ومن الذي يستطيع أن يحكم مسبقا ~~على معركة فيها كر وفر، وضرب وانتقال وحركة، ثم يقول: سيموت فلان ms6981 ~~في هذا المكان. والوليد بن المغيرة والذي قال عنه القرآن # سنسمه على الخرطوم # [القلم: 16] يعني: ستأتيه ضربة على أنفه تسمه بسمة تلازمه، وبعد ~~المعركة يتفقده القوم فيجدونه كذلك. هذه كلها أسرار من أسرار الكون يخبر ~~بها الحق - تبارك وتعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم، والرسول يخبر بها ~~أمته في غير مظنة العلم بها. ومن ذلك ما يروى من # " أن ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوجتا من ولدين لأبي لهب، ~~فلما حدثت العداوة بينه وبين رسول الله أمر ولديه بتطليق ابنتي رسول ~~الله، وبعدها رأى أحد الولدين رسول الله ماشيا، فبصق ناحيته، ورأى رسول ~~الله ذلك فقال له: " أكلك كلب من كلاب الله ". # فقال أبو لهب بعد أن علم بهذه الدعوة: أخاف على ولدي من دعوة محمد. ~~وعجيب أن يخاف هذا الكافر من دعوة رسول الله، وهو الذي يتهمه بالسحر ~~وبالكذب ويكفر به وبدعوته. ولما خرج هذا الولد في رحلة التجارة إلى الشام ~~أوصى به القوم أن يحرسوه، ويجعلوا حوله سياجا من بضائعهم يحميه خشية أن ~~تنفذ فيه دعوة محمد، وهذا منه كلام غير منطقي، فهو يعلم صدق النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأنه مرسل من عند الله، لكن يمنعه من الإيمان حقده على ~~رسول الله وتكبره على الحق. # وخرج الولد في رحلة التجارة ورغم احتياطهم في حمايته هجم عليه سبع في ~~إحدى الليالي واختطفه من بين أصحابه، فتعجبوا لأن رسول الله قال: # " كلب من كلاب الله " # وهذا أسد ليس كلبا. قال أهل العلم: ما دام أن رسول الله نسب الكلب إلى ~~الله، فكلب الله لا يكون إلا أسدا. فالمعنى: قل يا محمد في الرد عليهم ~~ولإبطال دعاواهم: { أنزله الذي يعلم السر في ~~السماوات والأرض.. } [الفرقان: 6] وسوف يفضحكم ويبطل افتراءكم ~~على رسول الله من قولكم إفك وكذب وافتراء وأساطير الأولين، وسوف ~~يخزيكم أمام أعين الناس جميعا. وعلى عهد رسول الله قامت معركة بين ~~الفرس والروم غلبت فيها الروم، فحزن رسول الله لهزيمة الروم لأنهم أهل ~~كتاب يؤمنون بالله ms6982 وبالرسل، أما الفرس فكانوا كفارا لا يؤمنون بالله ~~ويعبدون النار وغيرها. فمع أنهما يتفقان في تكذيبهم لرسول الله، إلا أن ~~إيمان الروم بالله جعل رسول الله يتعصب لهم مع أنهم كافرون به، فعصبية ~~رسول الله لا تكون إلا لربه عز وجل. فلما حزن رسول الله لذلك أنزل الله ~~تعالى عليه: # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من ~~قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر ~~الله # [الروم: 1-5]. فأي عقل يستطيع أن يحكم على معركة ستحدث بعد عدة ~~سنوات؟ لو أن المعركة ستحدث غدا لأمكن التنبؤ بنتيجتها، بناء على حساب ~~العدد والعدة والإمكانات العسكرية، لكن من يحكم على معركة ستدور ~~رحاها بعد سبع سنين؟ ومن يجرؤ أن يقولها قرآنا يتلى ويتعبد به ~~إلى يوم القيامة. فلو أن هذه المدة مرت ولم يحدث ما أخبر به رسول الله ~~لكفر به من آمن وانفض عنه من حوله. إذن: ما قالها رسول الله ~~قرآنا يتلى ويتعبد به إلا وهو واثق من صدق ما يخبر به لأن الذي ~~يخبره ربه - عز وجل - الذي يعلم السر في السماوات والأرض لذلك قال هنا ~~الحق سبحانه وتعالى: { قل أنزله الذي يعلم السر في ~~السماوات والأرض.. } [الفرقان: 6]. ومن العجيب أن ينتصر الروم ~~على الفرس في نفس اليوم الذي انتصر فيه الإيمان على الكفر في غزوة بدر، ~~هذا اليوم الذي قال الله تعالى عنه: # ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله.. # [الروم: 4-5]. وما دام أن الذي أنزل القرآن هو سبحانه الذي يعلم السر ~~في السماوات والأرض، فلن يحدث تضارب أبدا بين منطوق القرآن ومنطوق ~~الأكوان لأن خالقهما واحد - سبحانه وتعالى - فمن أين يأتي الاختلاف أو ~~التضارب؟ ثم يقول سبحانه: { إنه كان غفورا رحيما } ~~[الفرقان: 6] فما مناسبة الحديث عن المغفرة والرحمة هنا؟ قالوا لأن الله ~~- تبارك وتعالى - يريد أن يترك لهؤلاء القوم الذين يقرعهم مجالا للتوبة ~~وطريقا للعودة إليه - عز وجل - وإلى ساحة الإيمان. # لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ms6983 أشار عليه بقتل الكفار: # " لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ". # وكان الصحابة يألمون أشد الألم إن أفلت أحد رءوس الكفر من القتل في ~~المعركة، كما حدث مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص قبل إسلامهما، وهم لا ~~يدرون أن الله تعالى كان يدخرهم للإسلام فيما بعد. فقوله تعالى: { ~~إنه كان غفورا رحيما } [الفرقان: 6] حتى لا يقطع سبيل ~~العودة إلى الإيمان بمحمد على من كان كافرا به، فيقول لهم: على رغم ما ~~حدث منكم. إن عدتم إلى الجادة وإلى حظيرة الإيمان ففي انتظاركم مغفرة ~~الله ورحمته. والحق - تبارك وتعالى - يبين لنا هذه المسألة حتى في ~~النزوع العاطفي عند الخلق، فهند بنت عتبة التي أغرت وحشيا بقتل ~~حمزة عم رسول الله وأسد الله وأسد رسوله، ولم تكتف بهذا، بل مثلت به ~~بعد مقتله ولاكت كبده رضي الله عنه، ومع ذلك بعد أن أسلمت وبايعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم نسيت لها هذه الفعلة وكأنها لم تكن. ولما ~~قال أحدهم لعمر بن الخطاب: هذا قاتل أخيك يشير إليه والمراد زيد بن ~~الخطاب، فما كان من عمر إلا أن قال: وماذا أفعل به وقد هداه الله ~~للإسلام؟ ثم يقول الحق سبحانه: { وقالوا مال هذا الرسول ~~يأكل الطعام... }. ### || [25.7] # عجيب أمر هؤلاء المعاندين: يعترضون على رسول الله أن يأكل الطعام ويمشي ~~في الأسواق لكسب العيش، فهل سبق لهم أن رأوا نبيا لا يأكل الطعام، ~~ولا يمشي في الأسواق؟ ولو أن الأمر كذلك لكان لاعتراضهم معنى، إذن: قولهم ~~{ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق.. } [الفرقان: 7] قول بلا حجة من الواقع، ليستدركوا بهذه ~~المسألة على رسول الله. فماذا يريدون؟ قالوا: { لولا أنزل إليه ~~ملك فيكون معه نذيرا } [الفرقان: 7] صحيح أن الملك لا ~~يأكل، لكن معنى { لولا أنزل إليه ملك.. } [الفرقان: 7] ~~يعني: يسانده، وفي هذه الحالة لن يغير من الأمر شيئا، وسيظل كلام ~~محمد هو هو لا يتغير. إذن: لن يضيف الملك جديدا إلى الرسالة.. وعليه، ~~فكلامهم هذا سفسطة ms6984 وجدل لا معنى له. وكلمة { فيكون معه ~~نذيرا } [الفرقان: 7] لم يقولوا بشيرا، مما يدل على اللدد واللجاج، ~~وأنهم لن يؤمنوا لذلك لن يفارقهم الإنذار. ### || [25.8] # تلحظ أنهم يتنزلون في لددهم وجدلهم، فبعد أن طلبوا ملكا يقولون ~~{ أو يلقى إليه كنز } [الفرقان: 8] أي: ينزل عليه ليعيش منه ~~{ أو تكون له جنة يأكل منها } [الفرقان: 8] أي: بستان ~~{ وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } ~~[الفرقان: 8]. والمسحور هو الذي ذهب السحر بعقله، والعقل هو الذي ~~يختار بين البدائل ويرتب التصرفات، ففاقد العقل لا يمكن أن يكون ~~منطقيا في تصرفاته ولا في كلامه، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس كذلك، ~~فأنتم تعرفون خلقه وأمانته، وتسمونه " الصادق الأمين " وتعترفون ~~بسلامة تصرفاته وحكمته، كيف تقولون عنه مجنون؟ لذلك يقول تعالى ردا ~~عليهم: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4]. والخلق يسوي تصرفات الإنسان فيجعلها مسعدة غير ~~مفسدة، فكيف - إذن - يكون ذو الخلق مجنونا؟ إذن: ليس محمد مسحورا. وفي ~~موضع آخر قالوا: ساحر، وعلى فرض أنه صلى الله عليه وسلم ساحر، فلماذا لم ~~يسحركم كما سحر المؤمنين به؟ إنه لجج الباطل وتخبطه واضطرابه في ~~المجابهة. ثم يقول الحق سبحانه: { انظر كيف ضربوا لك ~~الأمثال... }. ### || [25.9] # { انظر.. } [الفرقان: 9] خطاب لإيناس رسول الله وتطمينه { كيف ~~ضربوا لك الأمثال.. } [الفرقان: 9] أي: اتهموك بشتى التهم ~~فقالوا ساحر. وقالوا: مسحور. وقالوا: شاعر. وقالوا: كاهن { فضلوا ~~فلا يستطيعون سبيلا } [الفرقان: 9] لأنهم يقولون كذبا ~~وهراء وتناقضا في القول. { فضلوا.. } [الفرقان: 9] أي: عن المثل ~~الذي يصدق فيك ليصرف عنك المؤمنين بك، ويجعل الذين لم يؤمنوا يصرون ~~على كفرهم، فلم يصادفوا ولو مثلا واحدا، فقالوا: ساحر وكذبوا وقالوا: ~~مسحور وكذبوا { فلا يستطيعون سبيلا } [الفرقان: 9] أي: إلى ~~ذلك. ثم يقول الحق سبحانه: { تبارك الذي إن شآء جعل لك ~~خيرا... }. ### || [25.10] # { تبارك.. } [الفرقان: 10] كما قلنا: تنزه وعظم خيره لأن الكلام ~~هنا أيضا فيه عطاء متمثل في الخير الذي ساقه الله تعالى لرسوله صلى ~~الله عليه ms6985 وسلم، فعطاؤه سبحانه دائم لا ينقطع، بحيث لا يقف خير عند ~~عطائه، بل يظل عطاؤه خيرا موصولا، فإذا أعطاك اليوم عرفت أن ما عنده ~~في الغد خير مما أعطاك بالأمس. ثم يقول الحق سبحانه: { بل كذبوا ~~بالساعة... }. ### || [25.11] # يضرب السياق عن الكلام السابق، ويعود إلى مسألة تكذيبهم وعدم الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن الإيمان ليس في مصلحتهم، فالإيمان يقتضي ~~حسابا وجزاء، وهم يريدون التمادي في باطلهم والاستمرار في لغوهم ~~واستهتارهم ومعاصيهم لذلك يكذبهم أنفسهم ويخدعونها ليظلوا على ما هم ~~عليه. ولذلك ترى الذين يسرفون على أنفسهم في الدنيا من الماديين ~~والملاحدة والفلاسفة يتمنون أن تكون قضية الدين قضية فاسدة كاذبة، ~~فينكرونها بكل ما لديهم من قوة، فالدين عندهم أمر غير معقول لأنهم لو ~~أقروا به فمصيبتهم كبيرة. ومعنى: { وأعتدنا.. } [الفرقان: 11] ~~هيأنا وأعددنا لهم سعيرا لأن عدم إيمانهم بالساعة هو الذي جر عليهم ~~العذاب، ولو أنهم آمنوا بها وبلقاء الله وبالحساب وبالجزاء لاهتدوا، ~~واعتدلوا على الجادة، ولنجوا من هذا السعير. والسعير: اسم للنار ~~المسعورة التي تلتهم كل ما أمامهم، كما نقول: كلب مسعور، ثم يقول ~~سبحانه في وصفها: { إذا رأتهم من مكان بعيد... }. ### || [25.12] # يريد الحق - تبارك وتعالى - أن يشخص لنا النار، فهي ترى أهلها من ~~بعيد، وتتحرش بهم تريد من غيظها أن تثب عليهم قبل أن يصلوا ~~إليها. والتغيظ: ألم وجداني في النفس يجعل الإنسان يضيق بما يجد، ومن ~~ذلك نسمع من يقول: أنا ح أطق من جنابي، يعني: نتيجة ما بداخله من الغيظ ~~لا يتسع له جوفه، وما دام الغيظ فوق تحمل النفس وسعتها فلا بد أن ~~يشعر الإنسان بالضيق، وأنه يكاد ينفجر. لذلك يقول تعالى عن النار في موضع ~~آخر # تكاد تميز من الغيظ # [الملك: 8] تميز يعني: تكاد أبعاضها تنفصل بعضها عن بعض. لكن، لماذا ~~تميز النار من الغيظ؟ قالوا: لأن الكون كله مسبح لله حامد شاكر لربه ~~لذلك يسر بالطائع ويحبه، ويكره العاصي، ألا ترى أن الوجود كله قد ~~فرح لمولد النبي صلى الله عليه ms6986 وسلم، فرح لمولده الجماد والنبات ~~والحيوان واستبشر، لأنه صلى الله عليه وسلم جاء ليعيد للإنسان انسجامه ~~مع الكون المخلوق له، ويعدل الميزان. ومع ذلك نرى من البشر العقلاء أصحاب ~~الاختيار من يكفر، لذلك تغتاظ النار من هؤلاء الذين شذوا عن منظومة ~~التسبيح والتحميد ورضوا لأنفسهم أن يكونوا أدنى من الجماد والنبات ~~والحيوان، ومن ذلك يقولون: نبا بهم المكان من كفرهم، يعني الأماكن من ~~الأرض تنكرهم وتتضايق من وجودهم عليها، كما تفرح الأرض بالطائع وتحييه ~~لأنه منسجم معها، المكان والمكين ينتظمان في منظومة التسبيح والطاعة. ~~لذلك ينبهنا إلى هذه المسألة الإمام علي - رضي الله عنه - فيقول: إذا ~~مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء، وموضع في الأرض، أما في ~~الأرض فموضع مصلاه لأنه حرم من صلاته، وأما موضعه في السماء فمصعد ~~عمله الطيب. والحق - تبارك وتعالى - يظهر لنا هذه الصورة في قوله ~~سبحانه: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30]. فالنار تتشوق لأهلها كالذي يأكل ولا يشبع، فمهما ألقي فيها ~~من العصاة تقول: # هل من مزيد # [ق: 30]. ومعنى { وزفيرا.. } [الفرقان: 12] النفس الخارج. وفي موضع ~~آخر يقول تعالى: # إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور # [الملك: 7] فذكر أن لها شهيقا وزفيرا، وهي في المكان الضيق. ### || [25.13] # فجمع الله عليهم من العذاب ألوانا حتى يقول الواحد منهم لمجرد أن يرى ~~العذاب: # يليتني كنت ترابا # [النبأ: 40] وهنا يدعو بالويل والثبور، يقول: يا ويلاه يا ثبوراه يعني: ~~يا هلاكي تعال احضر، فهذا أوانك لتخلصني مما أنا فيه من العذاب، فلن ~~ينجيني من العذاب إلا الهلاك لذلك يقولون: أشد من الموت الذي يطلب ~~الموت على حد قول الشاعر: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا # وحسب المنايا أن يكن أمانيا # ولك أن تتصور بشاعة العذاب الذي يجعل صاحبه يتمنى الموت، ويدعو به ~~لنفسه. ثم يقول الحق سبحانه: { لا تدعوا اليوم ثبورا ~~واحدا... }. ### || [25.14] # يوبخهم الحق - سبحانه وتعالى - ويبكتهم: يا خيبتكم ويا ضياعكم، لن ~~ينفعكم أن تدعوا ثبورا واحدا، بل ادعوا ثبورا ms6987 وثبورا وثبورا ~~لأنها مسألة لن تنتهي، فسوف يسلمكم العذاب إلى عذاب، حتى ينادوا: # يمالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون # [الزخرف: 77] وهو عذاب متجدد: # كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. # [النساء: 56]. ثم يذكر الحق سبحانه المقابل ليكون ذلك أنكى لأهل الشر ~~وأغيظ لهم، فيذكر بعد العذاب الثواب على الخير وعظم الجزاء على ~~الطاعة، ومثل هذه المقابلات كثيرة في كتاب الله، كما في قوله تعالى: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الإنفطار: 13-14]. ويقول سبحانه: # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزآء بما ~~كانوا يكسبون # [التوبة: 82]. وهنا بعد أن ذكر النار وما لها من شهيق وزفير، يقول ~~سبحانه: { قل أذلك خير أم جنة الخلد... }. ### || [25.15] # { قل } [الفرقان: 15] أمر لرسول الله بأن يقول، والمقول له هم الذين ~~اعترضوا على نبوته صلى الله عليه وسلم باعتراضات واهية من المعاصرين له، ~~وكانوا يتخبطون في هذه المسائل تخبط من لا يعرف فيها حقيقة، وإنما ~~غرضه فقط أن يتعرض لرسول الله في أمر دعوته، والتعرض لأي نبي في ~~أمر دعوته من المعاصرين له أمر طبيعي لأن الرسل إنما يجيئون حين يستشري ~~الفساد. وسبق أن قلنا: إن الحق - سبحانه وتعالى - جعل في كل نفس ~~ملكة تجعل الإنسان يفعل شيئا، ثم تأتي ملكة أخرى فيه لتلومه على ذلك، ~~حينئذ تكون المناعة في ذات الإنسان ويسمونها النفس اللوامة، لكن قد ~~تنطمس فيه هذه الملكة، فتتعاون كل ملكاته على الشر، بحيث تكون النفس ~~بكل ملكاتها أمارة بالسوء، وهي أمارة بصيغة المبالغة لا آمرة أي: ~~أنها أخذت هذا الأمر حرفة لها. كما لو رأيت رجلا ينجر في قطعة من ~~الخشب تقول له: ناجر، فإن اتخذها حرفة له، لا يعمل إلا هي، تقول له: ~~نجار، ومثله: خائط وخياط. فالمعنى: أمارة يعني: لم يعد لها عمل في ~~أن تردع عن الشر، بل دائما تقوي نوازع الشر في النفس، وتتأصل فيها ~~حتى تصير لها حرفة. فماذا يكون الموقف إذن؟ لا بد أن يجعل الحق ~~سبحانه في نفوس قوم آخرين ملكة الخير ليواجهوا ms6988 أصحاب هذه الأنفس ~~الأمارة بالسوء، يواجهونهم بالنصح والإرشاد والموعظة، ويصرفونهم عن الشر ~~إلى الخير. فإذا ما فسد المجتمع كله، لا نفس مانعة، ولا مجتمع مانع، ~~فلا بد أن تتدخل السماء برسول جديد. ومن رحمة الله بالعالم أنه ~~سبحانه ضمن لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون فيها النفس اللوامة، ~~وضمن لها أن يظل مجتمعها آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر لذلك لا ~~حاجة لرسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن: فالمناعة موجودة في ~~أمة الإسلام، ولو لم تكن هذه المناعة موجودة في النفس أولا، وفي ~~المجتمع ثانيا لتدخلت السماء بعد رسول الله برسول جديد ومعجزة جديدة ~~ليعيد الخلق إلى رشدهم. ولا شك أن في المجتمع طائفة تنتفع بهذا ~~الفساد، ويعيشون في ترف في ظله، فطبيعي - إذن - أن يدافعوا عنه، وطبيعي ~~أن يتصدوا لدعوة الرسول التي جاءت لتعدل ميزان المجتمع، وأن يقفوا ~~له بالمرصاد لأنه يهدد هذه النفعية ويقضي على مصلحتهم. وإن كان الرسل ~~السابقون قد تعرضوا لمثل هذا الاضطهاد، فقد تعرض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأضعاف ما تعرضوا له لأن اضطهاده صلى الله عليه وسلم جاء ~~مناسبا لضخامة مهمته، فقد جاءت الرسل قبله، كل إلى أمته خاصة في زمن ~~محدد، أما رسالته صلى الله عليه وسلم فقد جاءت للناس كافة، تعم كل ~~الزمان وكل المكان إلى أن تقوم الساعة، فلا بد إذن أن تكون مهمته ~~أصعب. # وهؤلاء الكبراء الذين ينتفعون بالفساد في المجتمع يظنون أن رسول الله ~~إذا لوح له بالمال والنعيم يمكن أن يتنازل عن دعوته، ويترك لهم الساحة ~~لذلك اجتمع صناديد قريش على رسول الله، يلوحون له بالمال والجاه ~~والسلطان، ليصدوه عن الدعوة ويصرفوه عنها، هؤلاء الذين سماهم أستاذنا ~~الشيخ موسى: دستة الشر، وكانوا اثنا عشر رجلا، منهم: أبو البختري، وأبو ~~جهل، وأبو سفيان، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ~~وعتبة بن ربيعة، ومنبه بن الحجاج، والوليد بن المغيرة، والنضر بن ~~الحارث، وشيبة بن ربيعة، ونبيه بن الحجاج. لقد ذهب هؤلاء ms6989 إلى سيدنا محمد ~~رسول الله يقولون: " نحن وفد قومك إليك، جئنا لنقدم المعذرة حتى لا ~~يلومنا أحد بعد ذلك، فإن كنت تريد مالا جمعنا لك الأموال، وإن كنت ~~تريد شرفا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ". ~~وفرق بين المال والشرف: المال أن يكون الإنسان غنيا، لكن ربما لا شرف ~~له، ولا مكانة بين الناس، وهناك من له شرف وسيادة، وليس له مال. ونلحظ ~~أنهم ارتقوا في مساومة رسول الله من المال إلى الشرف والسيادة، ثم إلى ~~الملك. فماذا كان موقفه صلى الله عليه وسلم؟ كان موقفه هو الموقف الذي ~~مهد الله له به، حينما عرض عليه جبريل عليه السلام أن يجعل الله له ~~جبال مكة ذهبا، فقال صلى الله عليه وسلم: # " بل أشبع يوما فأشكر، وأجوع ثلاثة أيام فأتضرع ". # وفي موقف آخر، قال له جبريل: # " يخيرك ربك أن تكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا فقال: بل نبيا ~~عبدا ". # والنبي مالك منهج السماء، والملك الذي يملك السيطرة بحيث لا يستطيع أحد ~~أن يقف في وجهه، مثل سليمان عليه السلام، حيث آتاه الله ملكا لا ينبغي ~~لأحد من بعده، ومع ذلك لم يكن هذا الملك هو المطلوب في ذاته، بدليل أن ~~سليمان - عليه السلام - مع ما أوتية من الملك كان لا يأكل إلا الخوشكار ~~يعني: الخبز الأسمر غير النقي الردة في حين يأكل عبيده ومواليه الدقيق ~~الفاخر النقي، فلم يكن سليمان يريد الملك لذاته، إنما ليقوى به على ~~دعوته، فلا يعارضه فيها أحد. لذلك، لما أرسلت إليه ملكة سبأ بهدية ~~لتستميله بها وتصرفه عما يريد رد عليها: # فلما جآء سليمان قال أتمدونن بمال فمآ آتن ~~الله خير ممآ آتاكم بل أنتم بهديتكم ~~تفرحون # [النمل: 36]. لذلك جاءته صاغرة تقول: # رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله ~~رب العالمين # [النمل: 44]. إذن: مسألة المال هذه عرضت على رسول الله قبل أن ~~يقترحها كفار مكة، فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد رفضه ممن يملكه، ~~فكيف يقبله ممن لا يملك شيئا؟ لذلك قال ms6990 لهم: # " والله ما بي حاجة إلى ما تقولون، فلست طالب مال، ولا ملك، ولا شرف، ~~إنما أنا رسول الله أرسلت إليكم، ومعي كتاب فيه منهجكم، وأمرني ربي ~~أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فإن جئتم على ما أحب فقد ضمنتم حظ الدنيا ~~والآخرة، وإن رددتم علي قولي فإنني سأصبر إلى أن يحكم الله بيننا، ~~وهو خير الحاكمين ". # فلجئوا إلى عم النبي صلى الله عليه وسلم، لعله يستطيع أن يستميله، فلما ~~كلمه عمه قال قولته المشهورة: # " والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا ~~الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ". # { أذلك } [الفرقان: 15] أي: ما أنتم فيه الآن من العذاب خير، أم جنة ~~الخلد التي وعد المتقون؟ احكموا أنتم في هذه المسألة وسنرضى بحكمكم، ~~إنها إغاظة لأهل النار، حيث جمع الله عليهم مقاساة العذاب مع النظر إلى ~~أهل الجنة وما هم فيه من النعيم، ولو كانت الأولى وحدها لكانت كافية، ~~إنما هو في العذاب ويأتيه أهل الجنة ليبكتوه: انظر ما فاتك من ~~النعيم!! وفيها أيضا تقريع لهم، فليس هناك وجه للمقارنة بين الجنة ~~والنار، فأنت مثلا لا تقول: العسل خير أم الخل لأنه أمر معروف بداهة. ~~وسبق أن تكلمنا عن الصراط، ولماذا ضرب على متن جهنم، والجميع يمرون ~~عليه لأن الله - تبارك وتعالى - يريد أن يجعل لك من مرائي النار التي ~~تمر عليها فوق الصراط نعمة أخرى تذكرك بالنجاة من النار قبل أن ~~تباشر نعيم الجنة. لذلك لا يمتن الله علينا بدخول الجنة فحسب، إنما أيضا ~~بالنجاة من النار، فيقول سبحانه: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185]. فالحق - سبحانه وتعالى - يذكر لنا النار، وأن من ~~صفاتها كذا وكذا، أما في الآخرة فسوف نراها رأي العين، كما قال سبحانه: # ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر: 7] وذلك حين تكون على الصراط، فتحمد الله على الإسلام الذي ~~أنجاك من النار، وأدخلك الجنة، فكل نعمة منها أعظم من الأخرى. وفي قوله ~~تعالى: { قل أذلك خير أم ms6991 جنة الخلد.. } [الفرقان: 15] ~~كلمة خير في اللغة تدور على معنيين: خير يقابله شر، وخير يقابله خير ~~أعظم منه. كما جاء في الحديث الشريف: # " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير " # فكلاهما فيه خير، وإن زاد الخير في المؤمن القوي، وعادة ما تأتي من في ~~هذا الأسلوب: هذا خير من هذا. أما الخير الذي يقابله شر، فمثل قوله ~~تعالى: # أولئك هم خير البرية # [البينة: 7]. والجنة كما نستعملها في استعمالات الدنيا، هي المكان ~~المليء بالأشجار والمزروعات التي تستر السائر فيها، أو تستر صاحبها أن ~~ينتقل منها إلى خارجها لأن بها كل متطلبات حياته، بحيث يستغني بها عن ~~غيرها، لذلك أردفها الحق - تبارك وتعالى - بقوله: { الخلد.. } ~~[الفرقان: 15]. إذن: فالجنة التي تراها في الدنيا مهما بلغت فليست هي جنة ~~الخلد لأنها لا بد إلى زوال، فعمرها من عمر دنياها، كأنه سبحانه ~~يقول لكل صاحب جنة في الدنيا: لا تغتر بجنتك لأنها ستؤول إلى زوال، ~~وأشد الغم لصاحب السرور أن يتيقن زواله، كما قال الشاعر: # أشد الغم عندي في سرور # تيقن عنه صاحبه انتقالا # لذلك يطمئن الله تعالى عباده المؤمنين بأن الجنة التي وعدهم بها هي ~~جنة الخلد والبقاء، حيث لا يفنى نعيمها، ولا ينغص سرورها، فلذاتها ~~دائمة، لا مقطوعة ولا ممنوعة. وقوله تعالى: { التي وعد ~~المتقون } [الفرقان: 15] الوعد هنا من الله تعالى الذي يملك كل ~~أسباب الوفاء، والوعد بشارة بخير قبل مجيئه لتستعد لأن تكون من أهله، ~~ويقابله الإنذار، وهو التهديد بشر قبل مجيئه لتتلافاه، وتجتنب أسباب ~~الوقوع فيه. وكلمة متق الأصل فيها من جعل بينه وبين الشر وقاية، ~~كما يقول سبحانه: # فاتقوا النار # [البقرة: 24] يعني: اجعلوا بينكم وبينها وقاية. ومن العجيب أن يقول ~~سبحانه: # واتقوا الله # [البقرة: 194] ويقول # فاتقوا النار # [البقرة: 24] والمعنى: اجعلوا بينكم وبين صفات جلاله القهرية وقاية ~~لأنكم لا تتحملون صفات قهره، والنار جند من جنود الله في صفات ~~جلاله، فكأنه تعالى قال: اتقوا جنود صفات الجلال من الله. وقوله تعالى: { ~~كانت لهم جزآء.. } [الفرقان: 15] أي: ms6992 جزاء لما قدموا، وهذا ~~المعنى واضح في قوله تعالى: # كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام ~~الخالية # [الحاقة: 24] فهذا تعليل ما هم فيه من النعيم: أنهم كثيرا ما ~~تعبوا، واضطهدوا وعذبوا، وجزاء من عذب في ديننا أن نسعده الآن ~~في الآخرة. { ومصيرا } [الفرقان: 15] أي: يصيرون إليه، إذن: لا تنظر ~~إلى ما أنت فيه الآن، لكن انظر إلى ما تصير إليه حتما، وتأمل وجودك في ~~الدنيا، وأنه موقوت مظنون، ووجودك في الآخرة وأنه باق دائم لا ينتهي، ~~لذلك يقولون: إياك أن تدخل مدخلا لا تعرف كيفية الخروج منه. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { لهم فيها ما يشآءون خالدين... }. ### || [25.16] # في الآية السابقة قال سبحانه: # جنة الخلد.. # [الفرقان: 15] وهنا يقول: { خالدين.. } [الفرقان: 16] وهذه من ~~المواضع التي يرى فيها السطحيون تكرارا في كلام الله، مع أن الفرق واضح ~~بينهما، فالخلد الأول للجنة، أما الثاني فلأهلها، بحيث لا تزول عنهم ~~ولا يزولون هم عنها. وقوله: { لهم فيها ما يشآءون.. } ~~[الفرقان: 16] كأن امتياز الجنة أن يكون للذي دخلها ما يشاء، وفي هذه ~~المسألة بحث يجب أن نتنبه إليه { لهم فيها ما يشآءون.. } ~~[الفرقان: 16] يعني: إذا دخلت الجنة فلك فيها ما تشاء. إذن: لك فيها ~~مشيئة من النعيم، ولا تشاء إلا ما تعرف من النعيم المحدود، أما الجنة ~~ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وهذا الوعد ~~لا يتحقق للمؤمن إلا في الجنة، أما في الدنيا فلا أحد ينال كل ما يشاء - ~~حتى الأنبياء - ألا ترى أن نوحا عليه السلام طلب من ربه نجاة ولده. ~~فقال: # إن ابني من أهلي.. # [هود: 45] فلم يجب إلى ما يشاء. ومحمد صلى الله عليه وسلم - رغم كل ~~المحاولات - لم يتمكن من هداية عمه أبي طالب، وهذا لا يكون إلا في ~~الدنيا، لذلك فاعلم أن الله تعالى حين يحجب عنك ما تشاء في الدنيا إنما ~~ليدخره لك كما يشاء في الآخرة، مع أن الكثيرين يظنون هذا حرمانا، وحاشا ~~لله تعالى أن يحرم عبده. وفي قوله: { لهم ms6993 فيها ما يشآءون.. } ~~[الفرقان: 16] عطاءات أخرى، لكن ربك يعطيك على قدر معرفتك بالنعيم، ~~ويجعل عليك كنترولا فأنت تطلب وربك يعطيك، ويدخر لك ما هو أفضل مما ~~أعطاك. والمشيئة في الأخرى ستكون بنفسيات وملكات أخرى غير نفسيات ~~وملكات مشيئات الدنيا، إنها في الآخرة نفوس صفائية خالصة لا تشتهي غير ~~الخير، على خلاف ما نرى في الدنيا من ملكات تشتهي السوء، لأن الملكات ~~هنا محكومة بحكم الجبر في أشياء والاختيار في أشياء: الجبر في الأشياء ~~التي لا تستطيع أن تتزحزح عنها كالمرض والموت مثلا، أما الاختيار ففي ~~المسائل الأخرى. ثم يقول سبحانه: { كان على ربك وعدا ~~مسئولا } [الفرقان: 16] الوعد - كما قلنا - البشارة بخير قبل أوانه. ~~وبعض العلماء يرى أن وعدا هنا بمعنى حق، لكن هل لأحد حق عند الله؟ وفي ~~موضع آخر يسميه تعالى جزاء، فهل هو وعد أم جزاء؟ نقول: حينما شرع ~~الحق سبحانه الوعد صار جزاء لأن الحق - تبارك وتعالى - لا يرجع في وعده، ~~ولا يحول شيء دون تحقيقه. وكلمة { مسئولا } [الفرقان: 16] من ~~السائل هنا؟ قالوا: الله تعالى علمنا أن نسأله، واقرأ قوله تعالى: # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك.. # [آل عمران: 194] فقد سألناها نحن. وكذلك سألتها الملائكة، كما جاء في ~~قوله سبحانه على لسان الملائكة: # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم.. # [غافر: 8]. فالجنة - إذن - مسئولة من أصحاب الشأن، ومسئولة من الملائكة ~~الذين يستغفرون لنا. ### || [25.17] # قوله: { ويوم يحشرهم.. } [الفرقان: 17] الحشر: جمع الناس ~~أجمعين من لدن آدم - عليه السلام - وإلى أن تقوم الساعة في مكان ~~واحد، ولغاية واحدة، وإذا كنا الآن نضج من الزحام ونشكو من ضيق الأرض ~~بأهلها، ونحن في جيل واحد، فما بالك بموقف يجمع فيه كل الخلائق من آدم ~~إلى قيام الساعة؟ والعبادة: أن يطيع العابد أوامر معبوده، فينبغي أن ~~ننظر في كل من له أمر نطيعه: أهو أمر من ذاته؟ أم أمر مبلغ من أعلى ~~منه: رسول أو إله؟ فإن كان الأمر من ذاته فعليك أن تنظر أهو مباح أم ~~يتعارض مع نص شرعي؟ فإن كان ms6994 مباحا فلا بأس في إطاعته، أما إن كان ~~مخالفا للشرع فإن أطعته فكأنك تعبده من دون الله. إذن: حينما يأمرك ~~الآمر بالصلاة أو الزكاة أو الصوم فأنت قبل أن تطيعه أطعت من حمله ~~هذه الأمانة، والذين يطيعون من يأمرونهم بأشياء مخالفة لمنهج الله ~~عبدوهم من دون الله، وجعلوهم آلهة مطاعين، كما قال سبحانه في الشياطين: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم.. # [الأنعام: 121] وآخرون عبدوا الطاغوت، أو عبدوا الشمس، أو القمر، أو ~~النجوم، أو الأصنام والجماد. ومعلوم أن عبادة هذه الجمادات عبادة باطلة ~~خاطئة، فالعبادة إطاعة أمر، وهل للجمادات أمر لأحد؟ إنما العبادة إن ~~صحت بهذا المعنى فتكون لمن يملك أمرا أو سلطة زمنية من الرهبان، ~~أو من الشياطين، أو الملائكة، أو من عيسى عليه السلام حيث قال البعض ~~بألوهيته أو العزير الخ. ودخلت الجمادات مع هؤلاء على سبيل العموم. لذلك ~~يقول تعالى: { ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون ~~الله.. } [الفرقان: 17] يعني: يجمع العابد على الضلال والمعبود على ~~الضلال في مكان واحد معا، لماذا؟ لأن العابد إذا وجد نفسه في العذاب ~~ربما انتظر معبوده أن ينقذه من العذاب، لكن ها هو يسبقه إلى النار ويقطع ~~عنه كل أمل في النجاة. وقول الحق سبحانه وتعالى: { أأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل } ~~[الفرقان: 17]. والخطاب هنا موجه لمن يعقل منهم، ولا مانع أن يكون ~~للجميع، فنحن نتحدث عن القانون الذي نعرفه، وقد بين لنا الحق - تبارك ~~وتعالى - أن لكل شيء لغة، فلماذا نستبعد أن يكون الخطاب هنا للعاقل ~~ولغير العاقل، بدليل قوله تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. وقد قال سليمان عليه السلام وهو ممن فقه التسبيح: # رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي.. # [الأحقاف: 15] لما سمع النملة تحذر قومها: # ادخلوا مساكنكم.. # [النمل: 18] فتبسم سليمان - عليه السلام - لما سمع من النملة وسماه ~~قولا، وفي هذا رد على من يقول: إن التسبيح هنا من النملة تسبيح ~~حال، لا تسبيح مقال. # وهو قول مخالف لنص القرآن الذي ms6995 قال: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44] فقد حكم الحق سبحانه بأنك لا تفقه هذا التسبيح، فإن ~~قلت: هو تسبيح دلالة فقد فقهته، وقد حكم سبحانه بعدم فقهك له إلا ~~إذا عرفك الله تعالى، وأطلعك على لغات هذه المخلوقات. ولماذا نستبعد هذه ~~المسألة والعلم الحديث يقرر الآن أن لكل أمة من أمم الموجودات لغتها ~~الخاصة، وألسنا نتحدث الآن فيما بيننا بلغة غير منطوقة، وهي لغة ~~الإشارات التي يتفاهم بها البحارة مثلا؟ فالحق - سبحانه وتعالى - يسأل ~~المعبودين: { أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء.. } [الفرقان: ~~17] والله يعلم إن كانوا أضلوهم أم لا لذلك أجاب عيسى - عليه السلام - ~~على مثل هذا السؤال في قوله تعالى: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي.. # [المائدة: 116]. وسؤال الله للمعبودين تقريع للعابدين أمام من عبدوهم، ~~ولو أن عبادتهم بحق لكان المعبودون دافعوا عن هؤلاء أمام الله لذلك ~~أجاب عيسى عليه السلام: # ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ~~ربي وربكم.. # [المائدة: 117]. أما الآخرون فقالوا: ما أضللناهم، بل هم ضلوا ~~السبيل. وكلمة { عبادي.. } [الفرقان: 17] سبق أن قلنا إن عبد تجمع ~~على عباد وعبيد، وعبد يعني أنه خاضع لأمر السيد، وليس له تصرف من ذاته، ~~إن نظرت هذه النظرة فكل خلق الله عبيد لأن هناك أشياء لا يخرجون فيها ~~عن مراد الله تعالى كميلاده على شكل خاص أو مرضه أو وفاته. لذلك نقول ~~للذين ألفوا مخالفة أوامر الله والتمرد عليه سبحانه: قد تتمردون على ~~الإيمان به فتكفروا، وقد تتمردون على الإيمان برسوله فتكذبوا، وقد ~~تتمردون على حكم من الأحكام فتخالفوه. إذن: لكم جرأة على المخالفة ~~وإلف للتمرد، وما دام لك دربة على ذلك، فعليك أن تتمرد أيضا عند ~~المرض وتقول: لن أمرض وتتمرد على الموت فلا تموت، لكن هيهات، فهذه ~~مسائل، الكل فيها عبيد لله مقهورون لإرادته سبحانه، المؤمن والكافر، ~~والطائع ms6996 والعاصي. وهناك أمور أخرى جعلها الله بالاختيار، فالذين سبقت ~~لهم من الله الحسنى، وألهموا التوفيق يتنازلون عن اختيارهم لاختيار ~~ربهم ومراده، فيكونون عبيدا لله في كل الأمور القهريات وغير القهريات، ~~وهؤلاء هم الذين يستحقون أن يكونوا عبادا لله. فالعباد - إذن - يشتركون ~~مع العبيد في القهريات، ويتميزون عنهم بتنازلهم عن مرادهم لمراد ربهم، ~~وعن اختيارهم لاختياره عز وجل لذلك سماهم عبادا، كما جاء في قوله ~~سبحانة: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]. والاستفهام في قوله سبحانه: { أأنتم أضللتم ~~عبادي.. } [الفرقان: 17] يقول فيه بعض غير المؤهلين للفهم عن ~~الله: أما كان يقول: أأضللتم عبادي؟ ونقول لهؤلاء: ليس لديكم الملكة ~~اللغوية لفهم القرآن، فأنت تستفهم عن الفعل إذا لم يكن موجودا أمامك، ~~تقول: أبنيت البيت الذي أخبرتني أنك ستبنيه؟ فيخبرك: بنيته أو لم ~~أبنه، أما حين تقول: أبنيت هذا البيت؟ فالسؤال ليس عن البناء، إنما ~~عن فاعله، أنت أم غيرك؟ لأن البناء قائم أمامك. إذن: فرق بين السؤال ~~عن الحدث، والسؤال عن فاعل الحدث، والضلال هنا موجود فعلا، فالسؤال عن ~~الفاعل { أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل } [الفرقان: 17]. وسماهم عبادا هنا مع أنهم ضالون لأن ~~الكلام في الآخرة، حيث لم يعد لأحد اختيار، الاختيار كان في الدنيا ~~وعليه ميزنا بين العبيد والعباد، أما في الآخرة فالجميع عبيد والجميع ~~عباد، فقد زال ما يميزهم لأنهم جميعا مقهورون لا اختيار لأحد منهم. ### || [25.18] # كلمة سبحان أي: تنزيها لله تعالى في ذاته عن مشابهة الذوات، وتنزيها ~~لله تعالى في صفاته وأفعاله عن مشابهة الصفات والأفعال، فلله سمع ولك ~~سمع، ولله وجود ولك وجود، ولله حياة ولك حياة، لكن أحياتك كحياة الله؟ ~~الله جبار وأنت قد تكون جبارا، الله غني وأنت قد تكون غنيا، فهل غناك ~~كغنى الله؟ ولله تعالى فعل ولك فعل، فهل فعلك كفعل الله؟ إذن: ~~هناك فرق بين الصفات الذاتية والصفات الموهوبة التي يقبضها واهبها إن ~~شاء. وقد تقال سبحان الله ويقصد بها التعجب، فحين ms6997 تسمع كلاما عجيبا ~~تقول: سبحان الله يعني: أنا أنزه أن يكون هذا الكلام حدث. لذلك يقولون ~~هنا: { سبحانك.. } [الفرقان: 18] يعني: عجيبة أننا نضل، كيف ونحن ~~نعبدك نجعل الآخرين يعبدوننا، والمعنى: أن هذا لا يصح منا، كيف ونحن ~~ندعو الناس إلى عبادتك، وليس من المعقول أننا ندعوهم إلى عبادتك ونتحول ~~نحن لكي يعبدونا: { سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ ~~من دونك من أوليآء.. } [الفرقان: 18]. فأنت ولينا الذي ~~نتقرب إليه، وقد بعثتنا لمهمة من المهمات، ولا بد أن صواب اختيارك ~~لنا يمنعنا أن نفعل هذا، وإلا ما كنا أمناء على هذه المهمة. فسبحانك: ~~تنزيها لك أن تختار من ليس جديرا بالمهمة، فيأخذ الأمر منك لنفسه. ~~ومعنى: { ما كان ينبغي لنآ.. } [الفرقان: 18] نفي الانبغاء، ~~نقول: ما ينبغي لفلان أن يفعل كذا، كما قال تعالى في حق رسوله صلى الله ~~عليه وسلم: # وما علمناه الشعر وما ينبغي له.. # [يس: 69] والشعر ملكة وموهبة بيان أدائية، وكان العرب يتفاضلون بهذه ~~الموهبة، وإن نبغ فيهم شاعر افتخروا به ورفع من شأنهم، ولقد توفرت لرسول ~~الله هذه الملكة. ولو كان صلى الله عليه وسلم شاعرا لكان شاعرا ~~مبدعا، لكنه صلى الله عليه وسلم ما ينبغي له ذلك لأن الشعر مبني على ~~التخيل لذلك أبعده الله عن الشعر حتى لا يظن القوم أن ما يأتي به محمد ~~من القرآن تخيلات شاعر، فلم تكن طبيعة رسول الله جامدة لا تصلح للشعر، ~~إنما كان صلى الله عليه وسلم ذا إحساس مرهف، ولو قدر له أن يكون ~~شاعرا لكان عظيما. وقد قال الحق سبحانه وتعالى عن الشعراء: # والشعرآء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في ~~كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون # [الشعراء: 224-226]. وقالوا عن الشعر: أعذبه أكذبه، لذلك لم يدخل ~~رسول الله طوال حياته هذا المجال. إذن: فقولهم { سبحانك.. } ~~[الفرقان: 18] رد على # أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء.. # [الفرقان: 17] ثم يذكر الدليل على # أم هم ضلوا السبيل # [الفرقان: 17] في قوله: { ولكن متعتهم وآبآءهم ~~حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا } [الفرقان: 18] ~~فلما ms6998 متعتهم يا رب أترفهم النعيم، وشغلتهم النعمة عن المنعم، ~~فانحرفوا عن الجادة. # والآية تنبه المؤمن ألا يأسى على نعيم فاته، فربما فتنك هذا النعيم ~~وصرفك عن المنعم عز وجل، فمن الخير - إذن - أن يمنعه الله عنك لأنك ~~لا تضمن نفسك حال النعمة. وقوله تعالى: { حتى نسوا الذكر.. } ~~[الفرقان: 18] أي: نسوا المنعم، وحق النعمة ألا تنسى المنعم، ~~لذلك سبق أن قلنا: إن الصحيح إن كان في نعمة العافية من المنعم ~~سبحانه، فالمريض الذي حرم منها ليس في نعمة المنعم، إنما في صحبته ~~ومعيته. ومن هنا لما مرض أحد العارفين بالله كان يغضب إذا دعي له ~~بالشفاء، ويقول لعائده: لا تقطع علي أنسي بربي. وجاء في الحديث ~~القدسي: # " يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: وكيف أعودك وأنت رب ~~العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما إنك لو ~~عدته لوجدتني عنده ". # إذن: حينما يعلم المريض أنه في معية الله يستحي أن يجزع ومعنى { قوما ~~بورا } [الفرقان: 18] البور: الهلاك، ومنه أرض بور، وهي التي لا ~~تنبت. ثم يقول الحق سبحانه: { فقد كذبوكم بما تقولون... ~~}. ### || [25.19] # بعد أن سألهم الحق - تبارك وتعالى - وهو أعلم بهم: # أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء.. # [الفرقان: 17] وأجابوا: # ولكن متعتهم وآبآءهم حتى نسوا الذكر ~~وكانوا قوما بورا # [الفرقان: 18] وقد هزهم هذا السؤال هزة عنيفة أراد سبحانه أن ~~يبرئهم فقال { فقد كذبوكم بما تقولون.. } [الفرقان: 19] ~~يعني: أنا أعرف أنكم قلتم الحق، لكنهم كذبوكم بما تقولون { فما ~~تستطيعون صرفا ولا نصرا.. } [الفرقان: 19] فالتفت إليهم. ~~والصرف: أن تدفع بذاتك عن ذاتك الشر إن تعرض به أحد لك، والنصر: إذا لم ~~تستطع أنت أن تدفع عن نفسك فيأتي من يدفع عنك. ثم يقول سبحانه: { ~~ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا } [الفرقان: 19] وقد ~~يسأل سائل: لماذا يخاطب الحق سبحانه أولياءه بهذا العنف؟ قالوا: في ~~الواقع ليس هذا العنف نهرا لأولياء الله، إنما زجر ولفت نظر ~~للآخرين، فإذا كان الحق سبحانه يخاطب أهل طاعته بهذا العنف، فما بالك ~~بأعدائه، والخارجين على منهجه؟ إنهم ms6999 حين يسمعون هذا الخطاب لا بد أن ~~يقولوا: مع أن الله اصطفاهم وقربهم لم يمنعه ذلك أن يوجههم إلى الحق ~~وينهرهم. ألم يقل سبحانه عن حبيبه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 44-46] فالحق - تبارك وتعالى - يتحدث عن نبيه بهذه الطريقة ~~ليخيف الآخرين ويرهبهم. والظلم: أخذ حق الغير، ما دام أن الله تعالى ~~حرم ذلك، فهذا يعني أن الله يريد أن يتمتع كل واحد بثمرة مجهوده لأن ~~أمور الحياة لا تستقيم إن أخذ الإنسان ثمرة غيره، وتعود أن يعيش على ~~دماء الآخرين وعرقهم لذلك نرى في المجتمع بعض المجرمين والمنحرفين ~~الفاقدين الذين يعيشون على عرق الآخرين وهم لا يعرقون. وحين يؤخذ الحق ~~من صاحبه، ثم لا يجد من ينصفه، ويعيد له حقه المسلوب يميل إلى الكسل ~~ويزهد في العمل وبذل المجهود، ومعلوم أن العمل لا تعود ثمرته على صاحبه ~~فحسب، وإنما على الآخرين حيث ييسر للناس مصالحهم، ويسهم بحركته في ~~حركة المجتمع. وسبق أن قلنا: إن الفرق بين المؤمن وغيره في العمل أن ~~الكافر يعمل لنفسه، أما المؤمن فيعمل لما يكفيه، ويجهد ليساعد الآخرين ~~لذلك عليك أن تعمل على قدر طاقتك لا على قدر حاجتك، فحاجتك تتوفر لك ~~مما أتيته بطاقتك، ثم يكون الباقي عندك لمن لا يقدر على العمل وليس لديه ~~طاقة. والمعركة التي تدور بين الكفار والمؤمنين وعلى رأسهم الرسل، الله ~~تعالى يفصل فيها، يقول: لا يستطيع أحد من خلقي أن يظلمني، لأن المظلوم ~~فيه نقطة ضعف، والظالم فيه نقطة قوة لذلك يقول سبحانه: # وما ظلمونا.. # [البقرة: 57] أي: لا يقدر أحد على ذلك # ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [البقرة: 57] فظلمهم لأنفسهم، لا للمؤمنين. فالحق - تبارك وتعالى - ~~يغار على عبده أن يظلم نفسه لأن للإنسان ملكات متعددة: ملكة الاشتهاء ~~العاجل وملكة التأني الآجل. فالتلميذ المجتهد اختار الراحة الآجلة، ~~والكسول اختار الراحة العاجلة، فكلاهما محب لنفسه يسعى إلى راحتها، ~~لكن فرق بين حب واع، وحب أحمق، فالأول يتحمل ms7000 المشاق لينال في ~~نهاية الأمر أعلى المراتب، والآخر تستهويه الراحة العاجلة، وسرعان ما يجد ~~نفسه صعلوكا في المجتمع، فمتعة الأول أبقى وأطول، ومتعة الآخر سريعة ~~منتهية. هذه قاعدة عامة تقال في عمل الدنيا، وتقال في عمل الآخرة، ~~فالحق - تبارك وتعالى - خلق الإنسان ويحب منه ألا تظلم ملكة في النفس ~~ملكة أخرى، وألا تظلم ملكة العجلة ملكة التأني لأن ملكة العجلة تأخذ ~~خيرا عاجلا منتهيا، أما ملكة التأني فتنال الخير الآجل الباقي غير ~~المنتهي. إذن: فالله تعالى يريد لصنعته، سواء المؤمن أو الكافر ألا يظلم ~~نفسه لأن الله كرمه وخلق الكون كله لخدمته وسخره من أجله لذلك يقول ~~له: إنك لا تستطيع أن تظلمني ولا تظلم المؤمنين، إنما تظلم نفسك، فرب ~~يعاقب الإنسان على أنه ظلم نفسه فهو نعم الرب. لذلك جاء في الحديث ~~القدسي: # " يا ابن آدم، أنا لك محب - بدليل أنني أعاقبك إذا ظلمت نفسك - ~~فبحقي عليك كن لي محبا ". # وحين يضخم الحق - سبحانه وتعالى - العقوبة: { ومن يظلم منكم ~~نذقه عذابا كبيرا } [الفرقان: 19] إنما لينفر عباده منها، ~~ويبتعد بهم عن أسبابها، فلا تقع. وكثيرا ما يعترض أعداء الإسلام على ~~قوله تعالى: # لا إكراه في الدين.. # [البقرة: 256] يقولون: فلماذا تقتلون من يرتد عن الإسلام؟ وهؤلاء لا ~~يدرون أن هذا الحكم نضعه عقبة في طريق كل من يريد الإيمان، وتنبيه ~~له حتى يفكر جيدا فيما هو مقبل عليه إن اختار الإسلام، فلا يدخله إلا ~~بعد رضا واقتناع تام، وحين يعلم هذا الحكم يحتاط للأمر فيدخل عليه ~~بمحض اختياره وتعقله. فالإسلام لا يريد كثرة متسرعة، إنما يريد ~~ترويا وتعقلا وتدبرا، وهذا يحسب للإسلام لا عليه، فهو سلعة غالية ~~يثق صاحبها في جودتها، كما تذهب إلى تاجر القماش مثلا، فيعرض عليك ~~بضاعته ويظهر لك جودتها ويختبرها أمامك، لماذا؟ لأنه واثق من جودة ~~بضاعته. ومن ذلك ما ختمت به كثير من آيات الذكر الحكيم مثل: ~~تفكرون، تعقلون، تذكرون. وهذا دليل على أنك لو تعقلت، لو تدبرت، لو ~~تذكرت لاهتديت إلى ما جاء به القرآن. ms7001 إذن: فقوله تعالى: { ومن يظلم ~~منكم نذقه عذابا كبيرا } [الفرقان: 19] كان الذي يؤخذ على ~~القرآن، أو على الحق سبحانه أن الظالم حين يظلم هو يعاقب لنفسه حيث ~~أخذ منه شيء، لكن الحق سبحانه ما أخذ منه شيء، إنما هو سبحانه بصفات ~~الكمال فيه سبحانه خلقكم، فما ظلمتم إلا أنفسكم. ثم يقول الحق سبحانه عن ~~رسله وأنبيائه: { ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين... }. ### || [25.20] # سبق أن تكلمنا في قوله تعالى: # وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق.. # [الفرقان: 7] وهذه صفة كل الرسل، وليس محمد بدعا في ذلك، وإذا كان ~~أكل الطعام يقدح في كونه صلى الله عليه وسلم رسولا، وكانوا يريدون ~~رسولا لا يأكل الطعام، فنقول: بالله إذا كان أكل الطعام منعه عندكم أن ~~يكون رسولا، فكيف تقولون لمن أكل الطعام أنه إله؟ كيف وأنتم ما رضيتم به ~~رسولا؟ وقد جعل الحق - تبارك وتعالى - الرسل يأكلون الطعام ويمشون في ~~الأسواق لأن الرسول يجب أن يكون قدوة وأسوة في كل شيء للخلق، ولذلك ~~كان رسول الله على أقل حالات الكون المادية من ناحية أمور الدنيا من ~~أكل وشرب ولباس، ذلك ليكون أسوة للناس، وكذلك نجده صلى الله عليه ~~وسلم حريصا على أن يكون أهل بيته مثله، لذلك لم يجعل لهم نصيبا في ~~الزكاة التي يأخذها أمثالهم من الفقراء. ويقول صلى الله عليه وسلم: # " إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ". # ومن كان عليه دين من المسلمين تحمله عنه رسول الله، وهذا كله إن ~~دل فإنما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم واثق من جزاء أخراه، فلا ~~يحب أن يناله منه شيء في الدنيا. لذلك قلنا: لو نظرت في مبادىء الحق ~~ومبادىء الباطل أمامك في الدنيا لوجدت أن مبدأ الباطل يدفع ثمنه أولا، ~~فمثلا لكي تكون شيوعيا لا بد أن تأخذ الثمن أولا، أما مبدأ الحق ~~فأنت تدفع الثمن مقدما: تتعب وتظلم وتعذب وتجوع وتتشرد، وتخرج من ~~أهلك ومن مالك، ثم تنتظر الجزاء في الآخرة. وبهذا المقياس تستطيع أن ~~تفرق ms7002 بين الحق والباطل. وقوله تعالى: { ويمشون في الأسواق.. ~~} [الفرقان: 20] أي: يرتادونها لقضاء مصالحهم وشراء حاجياتهم، دليل على ~~تواضعهم وعدم تكبرهم على مثل هذه الأعمال لذلك كان سيدنا رسول الله ~~يحمل حاجته بنفسه، فإن عرض عليه أحد صحابته أن يحملها عنه يقول صلى ~~الله عليه وسلم: # " صاحب الشيء أحق بحمله ". # ومعنى: { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون.. } ~~[الفرقان: 20] فأي بعض فتنة لأي بعض؟ كما في قوله تعالى: # ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات.. # [الزخرف: 32] أي بعض مرفوع، وأي بعض مرفوع عليه؟ نلاحظ في مثل هذه ~~المسائل أن الناس لا تنظر إلا إلى زاوية واحدة: أن هذا غني وهذا فقير، ~~لكنهم لو أخذوا في المفاضلة بكل جوانب النفس الإنسانية لوجدوا أن في كل ~~إنسان موهبة خصه الله بها، فكل منا عنده ميزة ليست عند أخيه ~~ذلك ليتكاتف الناس ويتكامل الخلق لأن العالم لو كان نسخة واحدة مكررة ~~ما احتاج أحد لأحد، وما سأل أحد عن أحد، أما حين تتعدد المواهب فيكون ~~عندك ما ليس عندي، فيترابط المجتمع ترابط الحاجة لا ترابط التفضل. # ولو تصورنا الناس جميعا تخرجوا في الجامعة وأصبحوا دكاترة فمن يكنس ~~الشارع؟ ساعتها سيتطوع أحدنا يوما لهذه المهمة، إذن: تصبح الحاجة بنت ~~تطوع وتفضل، والتفضل لا يلزم أحدا بعمل، فقد تتعطل المصالح. ~~أما حين تدعوك الحاجة فأنت الذي تسرع إلى العمل وتبحث عنه. ألا ترى ~~أصحاب المهن الشاقة يخرجون في الصباح يبحثون عن عمل، ويغضب الواحد منهم ~~إذا لم يجد فرصة عمل في يومه مع ما سيتحمله من آلام ومشاق، لماذا؟ إنها ~~الحاجة. فالعامل الذي يعمل في المجاري مثلا ويتحمل أذاها هو في قدرته ~~على نفسه ورضاه بقدر الله فيه أفضل مني أنا في هذه المسألة، لأنني لا ~~أقدر على هذا العمل وهو يقدر، ولو ترك الله مثل هذه الأعمال للتفضل ما ~~أقدم عليها أحد، إذن: التسخيرات من الحق سبحانه وتعالى لحكمه. ومثل هذه ~~الأعمال الشاقة أو التي تؤذي العامل يعدها البعض أعمالا حقيرة، وهذا ~~خطأ، فأي عمل يصلح المجتمع لا يعد ms7003 حقيرا، فلا يوجد عمل حقير ~~أبدا، وإنما يوجد عامل حقير. فمعنى: { وجعلنا بعضكم لبعض ~~فتنة.. } [الفرقان: 20] كل بعض منا فتنة للآخر، فالغني فتنة ~~للفقير، والفقير فتنة للغني.. إلخ فحين يتعالى الغني على الفقير ويستذله ~~فالفقير هنا فتنة للغني، وحين يحقد الفقير على الغني ويحسده، فالغني هنا ~~فتنة للفقير، وهكذا الصحيح فتنة للمريض، والرسل فتنة لمن كذبوهم، ~~والكفار فتنة للرسل. والناس يفرون من الفتنة في ذاتها، وهذا لا يصح لأن ~~الفتنة تعني الاختبار، فالذي ينبغي أن نفر منه نتيجة الفتنة، لا الفتنة ~~ذاتها، فالامتحان فتنة للطلاب، من ينجح فالفتنة له خير ومن يخفق ~~فالفتنة في حقه شر. إذن: الفتنة في ذاتها غير مذمومة. لذلك تؤخذ ~~الفتنة من فتنة الذهب حين يصهر، ومعلوم أن الذهب أفضل المعادن، وإن ~~وجد ما هو أنفس منه، لماذا؟ لأن من ميزاته أنه لا يتأكسد ولا يتفاعل ~~مع غيره، وهو كذلك سهل السبك لذلك يقولون: المعدن النفيس كالأخيار ~~بطيء كسره، سريع جبره. فمثلا حين يتكسر الذهب يسهل إعادته وتصنيعه ~~على خلاف الزجاج مثلا. إذن: الفتنة اختبار، الماهر من يفوز فيه، فإن ~~كان غنيا كان شاكرا مؤديا لحق الغني متواضعا يبحث عن الفقراء ~~ويعطف عليهم، والفقير هو العاجز عن الكسب، لا الفقير الذي احترف البلطجة ~~وأكل أموال الناس بالباطل. ولما كانت الفتنة تقتضي صبرا من المفتون، ~~قال سبحانه: { أتصبرون.. } [الفرقان: 20] فكل فتنة تحتاج إلى صبر، ~~فهل تصبرون عليها؟ ولأهمية الصبر يقول تعالى في سورة العصر: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 1-2] يعني: مطلق الإنسان في خسر لا ينجيه منه إلا أن يتصف ~~بهذه الصفات: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا ~~بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3]. وتختم الآية بقوله سبحانه: { وكان ربك بصيرا } ~~[الفرقان: 20] لينبهنا الحق سبحانه أن كل حركة من حركاتكم في الفتنة ~~مبصرة لنا، وبصرنا للأعمال ليس لمجرد العلم، إنما لنرتب على ~~الأعمال جزاء على وفقها. ثم يقول الحق سبحانه: { وقال الذين ~~لا يرجون لقآءنا... }. ### || [25.21] # واللقاء: يعني البعث، وقد آمنا بالله غيبا، وفي الآخرة نؤمن به ms7004 تعالى ~~مشهدا # لمن الملك اليوم.. # [غافر: 16] حتى من لم يؤمن في الدنيا سيؤمن في الآخرة. لذلك يقول ~~سبحانه في موضع آخر: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. ويا ليته جاء فلم يجد عمله، المصيبة أنه وجد عمله كاملا، ~~ووجد الله تعالى يحاسبه ويجازيه، ولم يكن هذا كله على باله في الدنيا ~~لذلك يفاجأ به الآن. وقوله: { لا يرجون لقآءنا.. } [الفرقان: ~~21] يعني: لا ينتظرونه ولا يؤمنون به لذلك لم يستعدوا له، لماذا؟ لأنهم ~~آثروا عافية العاجلة على عافية الآجلة، ورأوا أمامهم شهوات ومتعا لم ~~يصبروا عليها، وغفلوا عن الغاية الأخيرة. ما هو اللقاء؟ اللقاء يعني ~~الوصل والمقابلة، لكن كيف يتم الوصل والمقابلة بين الحق - تبارك ~~وتعالى - وبين الخلق - وهذه من المسائل التي كثر فيها الجدال، وحدثت ~~فيها ضجة شككت المسلمين في كثير من القضايا. قالوا: اللقاء يقتضي أن ~~يكون الله تعالى مجسما وهذا ممنوع، وقال آخرون: ليس بالضرورة أن يكون ~~اللقاء وصلا، فقد يكون مجرد الرؤية لأن رؤية العين للرب ليست لقاء، ~~وهذا قول أهل السنة. أما المعتزلة فقد نفوا حتى الرؤية، فقال: لا ~~يلقونه وصلا ولا رؤية، لأن الرائي يحدد المرئي، وهذا محال على الله ~~عز وجل. ونقول للمعتزلة: أنتم تأخذون المسائل بالنسبة لله، كما تأخذونها ~~بالنسبة لمخلوقات الله، لماذا لا تأخذون كل شيء بالنسبة لله تعالى في ~~إطار # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11] فإذا كان لكم ببعض لقاء يقتضي الوصل، فلله تعالى لقاء لا ~~يقتضي الوصل، وإذا كانت الرؤية تحدد فلله تعالى رؤية لا تحدد. إن لك ~~سمعا ولله سمع أسمعك كسمع الله عز وجل؟ إذن. لماذا تريد أن يكون لقاء ~~الله كلقائك يقتضي تجسدا، أو رؤيته كرؤيتك؟ لذلك في قصة رؤية موسى ~~عليه السلام لربه عز وجل، ماذا قال موسى؟ قال: # رب أرني أنظر إليك.. # [الأعراف: 143] فطلب من ربه أن يريه لأنه لا يستطيع ذلك بذاته، ولا ~~يصلح لهذه الرؤية، ألا أن ms7005 يريه الله ويطلعه، فالمسألة ليست من جهة ~~المرئي، إنما من جهة الرائي. لكن هل قرعه الله على طلبه هذا وقال عنه: ~~استكبر وعتا عتوا كبيرا كما قال هنا؟ لا إنما قال له: # لن تراني.. # [الأعراف: 143] ولم يقل سبحانه: لن أرى، وفرق بين العبارتين. ~~فقوله: # لن تراني.. # [الأعراف: 143] المنع هنا ليس من المرئي بل المنع من الرائي لذلك أعطاه ~~ربه عز وجل الدليل: # ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني.. # [الأعراف: 143] يعني: أأنت أقوى أم الجبل؟ # فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا.. # [الأعراف: 143]. ولاحظ: # فلما تجلى ربه للجبل.. # [الأعراف: 143] كلمة تجلى أي: أن الله تعالى يتجلى على بعض خلقه، لكن ~~أيصبرون على هذا التجلي؟ وليس الجبل أكرم عند الله من الإنسان الذي سخر ~~الله له الجبل وكل شيء في الوجود. إذن: فالإنسان هو الأكرم، لكن تكوينه ~~وطبيعته لا تصلح لهذه الرؤية، وليس لديه الاستعداد لتلقي الأنوار ~~الإلهية ذلك لأن الله تعالى خلقه للأرض. أما في الآخرة فالأمر مختلف لذلك ~~سيعدل الله هذا الخلق بحيث تتغير حقائقه ويمكنه أن يرى، وإذا كان موسى ~~- عليه السلام - قد صعق لرؤية المتجلى عليه وهو الجبل، فكيف به إذا ~~رأى المتجلي عز وجل؟ لذلك، كان من نعمة الله تعالى على عباده في ~~الآخرة: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]. وقال عن الكفار: # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15] إذن: ما يميز المؤمنين عن الكافرين أنهم لا يحجبون ~~عن رؤية ربهم عز وجل بعد أن تغير تكوينهم الأخروي، فأصبحوا قادرين ~~على رؤية ما لم يروه في الدنيا. وإذا كان البشر الآن بتقدم العلم ~~يصنعون لضعاف البصر ما يزيد من بصرهم ورؤيتهم، فلماذا نستبعد هذا ~~بالنسبة لله تعالى؟ لذلك، تجد المسرفين على أنفسهم يجادلونك بما يريحهم، ~~فتراهم ينكرون البعث، ويبعدون هذه الفكرة عن أنفسهم لأنهم يعلمون سوء ~~عاقبتهم إن أيقنوا بالبعث واعترفوا به. ومن المسرفين على أنفسهم حتى ~~مؤمنون بإله، يقول أحدهم: ما دام أن الله تعالى قدر علي المعصية، ms7006 ~~فلماذا يحاسبني عليها؟ ونعجب لأنهم لم يذكروا المقابل ولم يقولوا: ما ~~دام قد قدر علينا الطاعة، فلماذا يثيبنا عليها؟ إذن: لم يقفوا الوقفة ~~العقلية السليمة لأن الأولى ستجر عليهم الشر فذكروها، أما الأخرى فخير ~~يساق إليهم لذلك غفلوا عن ذكرها. وقولهم: { لولا أنزل ~~علينا الملائكة أو نرى ربنا.. } [الفرقان: 21] وهذا ~~يدل على تكبرهم واعتراضهم على كون الرسول بشرا، وفي موضع آخر ~~قالوا: # أبشر يهدوننا.. # [التغابن: 6]. إذن: كل ما يغيظهم أن يكون الرسول بشرا، وهذا الاستدراك ~~يدل على غبائهم، فلو جاء الرسول ملكا ما صح أن يكون لهم قدوة، وما ~~جاء الرسول إلا ليكون قدوة ومعلما للمنهج وأسوة سلوك، ولو جاء ~~ملكا لأمكنه نعم أن يعلمنا منهج الله، لكن لا يصح أن يكون لنا ~~أسوة سلوك، فلو أمرك بشيء وهو ملك لكان لك أن تعترض عليه تقول: أنت ~~ملك تقدر على ذلك، أما أنا فبشر لا أقدر عليه. فالحق سبحانه يقول: ~~لاحظوا أن للرسل مهمتين: مهمة البلاغ، ومهمة الأسوة السلوكية، فلو ~~أنهم كانوا من غير طبيعة البشر لتأتى لهم البلاغ، لكن لا يتأتى لهم أن ~~يكونوا قدوة ونموذجا يحتذى. # ولو جاء الرسول ملكا على حقيقته ما رأيتموه، ولاحتجتم له على صورة ~~بشرية، وساعتها لن تعرفوا أهو ملك أم بشر، إذن، لا بد أن تعود ~~المسألة إلى أن يكون بشرا، لذلك يقول سبحانه: # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9]. ومسألة نزول الملائكة مع الرسول من الاقتراحات التي ~~اقترحها الكفار على رسول الله ليطلبها من ربه، وهذا يعني أنهم يريدون ~~دليل تصديق على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وسبق أن جاءهم رسول الله ~~بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه وعجزوا أن يجاروه فيها، ليثبت أن ذلك جاء ~~من عند ربهم القوي، ومعنى هذه المعجزة أنها تقوم مقام قوله صدق عبدي في ~~كل ما يبلغ عني. وما دامت المعجزة قد جاءت بتصديق الرسول، فهل هناك ~~معجزة أولى من معجزة؟ لقد كانت معجزة القرآن كافية لتقوم دليلا على ~~صدق الرسول ms7007 في البلاغ عن الله، وأيضا جاءكم بغيبيات لا يمكن أن يطلع ~~عليها إنسان، لا في القديم الذي حدث قبل أن يولد، ولا في الحديث الذي ~~سيكون بعد أن يولد. إذن: فدليل صدق الرسول قائم، فما الذي دعاكم إلى ~~اقتراح معجزات أخرى؟ وقولهم: { أو نرى ربنا.. } [الفرقان: 21] ~~والله، لو كان إله يرى لكم ما صح أن يكون إلها لأن المرئي محاط ~~بحدقة الرائي، وما دام أحاط به فهو - إذن - محدود، ومحدوديته تنافي ~~ألوهيته. وإلا فالمعاني التي تختلج بها النفس الإنسانية مثل الحق ~~والعدل الذي يتحدث عنه الناس وينشدونه ويتعصبون له، ويتهافتون عليه ~~لحل مشاكلهم وتيسير حياتهم: أتدرك هذه المعاني وأمثالها بالحواس؟ كيف ~~تطلب أن تدرك خالقها عز وجل بالحواس؟ لذلك يختم الحق سبحانه هذه المسألة ~~بقوله: { لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا ~~كبيرا } [الفرقان: 21] استكبر وتكبر: حاول أن يجعل نفسه فوق قدره، ~~وكل إنسان منا له قدر محدود. ومن هنا جاء القول المأثور: " رحم ~~الله امرء عرف قدر نفسه ". فلماذا إذن يتكبر الإنسان؟ لو أنك إنسان ~~سوى فإنك تسعد حين نمنع عنك من يسرقك، أو ينظر إلى محارمك أو يعتدي ~~عليك، فلماذا تغضب حينما نمنعك عن مثل هذا؟ النظرة العقلية أن تقارن بين ~~ما لك وما عليك، لقد منعنا يدك - وهي واحدة - أن تسرق، ومقابل ذلك ~~منعنا عنك جميع أيدي الناس أن تسرق منك، منعنا عينك أن تمتد إلى محارم ~~الآخرين، ومنعنا جميع الأعين أن تمتد إلى محارمك فلماذا إذن تفرح ~~لهذه وتغضب من هذه؟ كان يجب عليك أن تحكم بنفس المنطق، فإن أحببت ما ~~كان لك وكرهت ما كان لغيرك فقد جانبت الصواب وخالفت العدالة. # ومن استكبارهم مواجهتهم لرسول الله في بداية دعوته وقولهم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] إذن: القرآن لا غبار عليه، وهذا حكم واقعي منهم لأنهم أمة ~~بلاغة وفصاحة، والقرآن في أرقى مراتب الفصاحة والبيان، إنما الذي وقف ~~في حلوقهم أن يكون الرسول رجلا من عامة الناس، يريدونه عظيما في ~~نظرهم، حتى ms7008 إذا ما اتبعوه كان له حيثية تدعو إلى اتباعه. إذن: الاستكبار ~~أن تستكبر أن تكون تابعا لمن تراه دونك، ونحن ننكر هذا لأنك لم تر ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قبل أن يقوم بالرسالة أنه دونك، بل كنت تضعه ~~في المكان الأعلى، وتسميه الصادق الأمين، فمتى إذن جعلته دونك؟ إنها ~~الهبة التي وهبه الله، إنها الرسالة التي جعلتك تأخذ منه ما كنت تعطيه ~~قبل أن يكون رسولا. وهل سبق لكم أن سمعتم عن رسول جاء معه ربه عز ~~وجل يقول لقومه: هذا رسولي؟ وما دام أن الله تعالى سيواجهكم هذه ~~المواجهة فلا داعي إذن للرسول لأن الله تعالى سيخاطبكم بالتكليف مباشرة ~~وتنتهي المسألة. ومعلوم أن هذا الأمر لم يحدث، فأنتم تطلبون شيئا لم ~~تسمعوا به، وهذا دليل على تلكؤكم واستكباركم عن قبول الإيمان فجئتم بشيء ~~مستحيل. إذن: المسألة من الكفار تلكؤ وعناد واستكبار عن قبول الحق ~~الواضح، وقد سبق أن اقترحوا مثل هذه الآيات والمعجزات، فلما أجابهم الله ~~كذبوا، مع أن الآيات والمعجزات ليست باقتراح المرسل إليهم، إنما تفضل ~~من الله تعالى واهب هذه الرسالة. والاستكبار مادته الكاف والباء والراء. ~~وتأتي بمعان عدة: تقول كبر يكبر أي: في عمره وحجمه، وكبر ~~يكبر أي: عظم في ذاته، ومنها قوله تعالى: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم.. # [الكهف: 5]. وتكبر: أظهر صفة الكبرياء للناس، واستكبر: إذا لم يكن ~~عنده مؤهلات الكبر، ومع ذلك يطلب أن يكون كبيرا. فالمعنى { ~~استكبروا.. } [الفرقان: 21] ليس في حقيقة تكوينهم إنما { ~~استكبروا في أنفسهم.. } [الفرقان: 21] في أنهم يتبعون ~~الرسول، أي: أنها كبيرة عليهم أن يكونوا تابعين لرجل يرون غيره أغنى ~~منه أو أحسن منه على زعمهم. ونرى مثلا أحد الفتوات الذي يخضع له الجميع ~~إذا ما رأى من هو أقوى منه انكمش أمامه وتواضع لأنه يستكبر بلا رصيد ~~وبشيء ليس ذاتيا فيه.. إذن: المتكبر بلا رصيد غافل عن كبرياء ربه، ولو ~~استشعر كبرياء الله عز وجل لاستحى أن يتكبر. لذلك نرى أهل الطاعة ~~والمعرفة دائما منكسرين، لماذا؟ لأنهم دائما مستشعرون ms7009 كبرياء الله، ~~والإنسان لا يتفرعن إلا إذا رأى الجميع دونه، وليس هناك من هو أكبر ~~منه. فينبغي ألا يتكبر الإنسان إلا بشيء ذاتي فيه لا يسلب منه، فإن ~~استكبرت بغناك فربما افتقرت، وإن استكبرت بقوتك فربما أصابك ~~المرض، وإن استكبرت بعلمك لا تأمن أن يسلب منك لكي لا يعلم من بعد ~~علم شيئا. # ومن لطف الله بالخلق ورحمته بهم أن يكون له وحده الكبرياء، وله ~~وحده سبحانه التكبر والعظمة، ويعلنها الحق تبارك وتعالى: # " الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما أدخلته جهنم ~~". # والحق - تبارك وتعالى - لا يجعلها جبروتا على خلقه، إنما يجعلها لهم ~~رحمة لأن الخلق منهم الأقوياء والفتوات والأغنياء.. حين يعلمون أن لله ~~تعالى الكبرياء المطلق يعرف كل منهم قدره ويرعى مساوى، فالله هو المتكبر ~~الوحيد، ونحن جميعا سواء. لذلك يقول أهل الريف اللي ملوش كبير يشتري له ~~كبير وحين يكون في البلد كبير يخاف منه الجميع لا يجرؤ أحد أن يعتدي ~~على أحد في وجوده، إنما إن فقد هذا الكبير فإن القوي يأكل الضعيف. ~~إذن: فالكبرياء من صفات الجلال لله تعالى أن جعلها الله لنفع الخلق. ~~ولو تصورنا التكبر ممن يملك مؤهلاته، كأن يكون قويا، أو يكون ~~غنيا.. إلخ فلا نتصور الكبر من الضعيف أو من الفقير لذلك جاء في الحديث: # " أبغض ثلاثا وبغضي لثلاث أشد، أبغض الغني المتكبر وبغضي للفقير ~~المتكبر أشد، وأبغض الفقير البخيل وبغضي للغني البخيل أشد، وأبغض الشاب ~~العاصي وبغضي للشيخ العاصي أشد ". # وقوله تعالى: { وعتوا عتوا كبيرا } [الفرقان: 21] عتوا: ~~بالغوا في الظلم والتحدي وتجاوزوا الحدود، وكأن هذا غير كاف في وصفهم، ~~فأكد العتو بالمصدر عتوا ثم وصف المصدر أيضا { عتوا كبيرا } ~~[الفرقان: 21] لماذا كل هذه المبالغة في التعبير؟ قالوا: لأنهم ما ~~عتوا بعضهم على بعض، إنما يتعاتون على رسول الله، بل وعلى الله عز وجل ~~لذلك استحقوا هذا الوصف وهذه المبالغة. والعاتي الذي بلغ في الظلم ~~الحد مثل الطاغوت الذي إن خاف الناس منه انتفش، وتمادى وازداد قوة. ~~ومن ذلك قوله تعالى: ms7010 # وقد بلغت من الكبر عتيا # [مريم: 8] ومعلوم أن الكبر ضعف، كما قال سبحانه: # ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة.. # [الروم: 54] فكيف - إذن - يصف الكبر بأنه عات؟ قالوا: العاتي هو القوي ~~الجبار الذي لا يقدر أحد على صده أو رفع رأسه أمامه، وكذلك الكبر ~~على ضعفه، إلا أنه لا توجد قوة تطغى عليه فتمنعه. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ يوم يرون الملائكة... }. ### || [25.22] # يتحدث الحق - تبارك وتعالى - عن هؤلاء الذين اقترحوا على رسول الله ~~الآيات وطلبوا أن تنزل معه الملائكة فيرونها، وتشهد لهم بصدقه صلى الله ~~عليه وسلم، فيقول لهم سبحانه: أنتم تشتهون أن تروا الملائكة، فسوف ~~ترونها لكن في موقف آخر، ليس موقف البشريات والخيرات، إنما في موقف ~~الخزي والندامة والعذاب: { يوم يرون الملائكة لا بشرى ~~يومئذ للمجرمين.. } [الفرقان: 22] فسوف ترونهم رؤيا الفزع ~~والخوف عندما يأتون لقبض أرواحكم، أو سترونهم يوم القيامة يوم ~~يبشرونكم بالعذاب. يوم يستقبلون المؤمنين: # بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار.. # [الحديد: 12] فيستشرف الكفار لسماع هذه الكلمة لكن هيهات { لا بشرى ~~يومئذ للمجرمين.. } [الفرقان: 22] فيمنعون عنهم هذه الكلمة ~~المحببة التي ينتظرونها، ويقابلونهم بكلمة أخرى تناسبهم. يقولون لهم: { ~~حجرا محجورا } [الفرقان: 22] والحجر: المنع، ومنه: نحجر على ~~فلان يعني: نمنعه من التصرف. وقديما كانوا يقولون في دفع الشر: ~~حجرا محجورا يعني: منعا، ومثل ذلك ما نسمعهم يقولون إذا ذكر ~~الجن: حابس حابس يعني: ابتعد عني لا تقربني. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه... }. ### || [25.23] # حين تنظر في غير المؤمنين تجد من بينهم أهلا للخير وعمل المعروف، ومنهم ~~أصحاب ملكات طيبة، كالذين اجتمعوا في حلف الفضول لنصرة المظلوم، ~~وكأهل الكرم وإطعام الطعام، ومنهم من كانت له قدر عظيمة استظل رسول ~~الله في ظلها يوم حر قائظ، وهذا يعني أنها كانت كبيرة واسعة منصوبة ~~وثابتة كالبناء، كان يطعم منها الفقراء والمساكين، وحتى الطير والوحوش، ~~وما زلنا حتى الآن نضرب المثل في الكرم بحاتم الطائي. وكان منهم من ~~يصل الرحم ويغيث الملهوف.. الخ. لكن هؤلاء وأمثالهم ms7011 عملوا لجاه الدنيا، ~~ولم يكن في بالهم إله يبتغون مرضاته، والعامل يأخذ أجره ممن عمل ~~له، كما جاء في الحديث القدسي: # " فعلت ليقال، وقد قيل ". # والحق - تبارك وتعالى - يوضح هذه المسألة في قوله تعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. وقال تعالى أيضا: # أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.. # [إبراهيم: 18]. فقد عمل هؤلاء أعمال خير كثيرة، لكن لم يكن في بالهم ~~الله، إنما عملوا للإنسانية وللشهرة وليقال عنهم لذلك نراهم في رفاهية ~~من العيش وسعة ممتعين بألوان النعيم، لماذا؟ لأنهم أخذوا الأسباب ~~المخلوقة لله تعالى، ونفذوها بدقة، والله - تبارك وتعالى - لا يحرم عبده ~~ثمرة مجهوده، وإن كان كافرا، فإن ترك العبد الأسباب وتكاسل حرمه ~~الله وإن كان مؤمنا. وفرق بين عطاءات الربوبية التي تشمل المؤمن ~~والكافر والطائع والعاصي، وبين عطاءات الألوهية. فمن الكفار من أحسن ~~الأخذ بالأسباب، فاخترعوا أشياء نفعت الإنسانية، وأدوية عالجت كثيرا ~~من الأمراض. ولا بد أن يكون لهم جزاء على هذا الخير، وجزاؤهم أخذوه في ~~الدنيا ذكرا وتكريما وتخليدا لذكراهم، وصنعت لهم التماثيل ~~وأعطوا النياشين، وألفت في سيرتهم الكتب، كأن الله تعالى لم يجحدهم ~~عملهم، ولم يبخسهم حقهم. ألا ترى أن أبا لهب الذي وقف من رسول الله ~~موقف العداء حتى نزل فيه قوله تعالى: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب # [المسد: 1-2] ومع ذلك يخفف الله عنه العذاب لأنه أعتق جاريته ثويبة ~~حينما بشرته بميلاد محمد بن عبد الله لأنه فرح بهذه البشرى وأسعده ~~هذا الخبر. ومن العجيب أن هؤلاء يقفون عند صناعات البشر التي لا تعدو أن ~~تكون ترفا في الحياة، فيؤرخون لها ولأصحابها، وينسون خالق ~~الضروريات التي أعانتهم على الترقي في كماليات الحياة وترفها. وكلمة { ~~هبآء.. } [الفرقان: 23]: الأشياء تتبين للإنسان، إما لأن حجمها كبير ~~أو لأنها قريبة، فإن كانت صغيرة الحجم عزت رؤيتها، فمثلا يمكنك رؤية ~~طائر أو عصفور إن ms7012 طار أمامك أو حتى دبور أو نحلة، لكن لو طارت أمامك ~~بعوضة لا تستطيع رؤيتها. # إذن: الشيء يختفي عن النظر لأنه صغير التكوين، لا تستطيع العين إدراكه ~~لذلك اخترعوا المجاهر والتليسكوب. وقد يكون الشيء بعيدا عنك فلا تراه ~~لبعده عن مخروطية الضوء لأن الضوء يبدأ من نقطة، ثم يتسع تدريجيا على ~~شكل مخروط، كما لو نظرت من ثقب الباب الذي قطره سنتيمتر فيمكن رؤية ~~مساحة أوسع منه بكثير. إذن: إن أردت أن ترى الصغير تكبره، وإن ~~أردت أن ترى البعيد تقربه. والهباء: هو الذرات التي تراها في ~~المخروط الضوئي حين ينفذ إلى حجرتك، ولا تراها بالعين المجردة لدقتها، ~~وهذا الهباء الذي تراه في الضوء { هبآء منثورا } [الفرقان: 23] ~~يعني: لا تستطيع أن تجمعه لأنه منتشر وغير ثابت، فمهما أوقفت حركة ~~الهواء تجده في الضوء يتحرك لصغر حجمه. فإن قلت: نراهم الآن يصنعون ~~فلاتر لحجز هذا الهباء فتجمعه وتنقي الهواء منه، وهي على شكل ~~مسام أسفنجية يعلق بها الهباء، فيمكن تجميعه. نقول: حتى مع وجود هذه ~~الفلاتر، فإنها تجمع على قدر دقة المسام، وتحجز على قدرها، وعلى ~~فرض أنك جمعته في هذا الفلتر، ثم أفرغته وقلت لي: هذا هو الهباء، ~~نقول لك: أتستطيع أن ترد كل ذرة منها إلى أصلها الذي طارت منه؟ ### || [25.24] # بعد أن وصف الحق - تبارك وتعالى - ما يؤول إليه عمل الكافرين أراد ~~سبحانه أن يحدثنا عن جزاء المؤمنين على عادة القرآن في ذكر ~~المتقابلات التي يظهر كل منها الآخر، وهذه الطريقة في التعبير كثيرة في ~~كتاب الله منها: # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا.. # [التوبة: 82]. ومنها أيضا قول الحق سبحانه: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14]. وهكذا، ينقلك القرآن من الشيء إلى ضده لتميز ~~بينهما، فالمؤمن في النعيم ينظر إلى النار وحرها، فيحمد الله الذي ~~نجاه منها، وهذه نعمة أخرى أعظم من الأولى. والكافر حين ينظر إلى نعيم ~~الجنة يتحسر ويعلم عاقبة الكفر الذي حرمه من هذا النعيم، فيكون هذا ~~أبلغ في النكاية وأشد في العذاب ms7013 لذلك قالوا: وبضدها تتميز الأشياء. ~~وقوله سبحانه: { أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا ~~وأحسن مقيلا } [الفرقان: 24] صاحب الشيء: المرافق له عن حب، ~~فكأن الجنة تعشق أهلها وهم يعشقونها، فقد نشأت بينهما محبة وصحبة، ~~فكما تحب أنت المكان يحبك المكان، وأيضا كما تبغضه يبغضك. ومنه قولهم: ~~نبا به المكان يعني: كرهه المكان. وكلمة { أصحاب الجنة.. } ~~[الفرقان: 24] تدل أيضا على الملكية لأنهم لن يخرجوا منها، وهي لن تزول ~~ولن تنتهي. وكلمة { خير.. } [الفرقان: 24] قلنا: إنها تستعمل ~~استعمالين: خير يقابله شر، كما في قوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8] وقوله تعالى: # أولئك هم خير البرية # [البينة: 7].... # أولئك هم شر البرية # [البينة: 6]. وهناك أيضا خير يقابله خير، لكن أقل منه، كما لو قلت: ~~هذا خير من هذا، وكما في الحديث الشريف: # " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير ". # وفي بعض الأساليب لا نكتفي بصيغة خير للتمييز بين شيئين، فنقول بصيغة ~~أفعل التفصيل: هذا أخير من هذا. وكلمة { مستقرا.. } [الفرقان: ~~24] المستقر: المكان الذي تستقر أنت فيه، والإنسان لا يؤثر الاستقرار ~~في مكان عن مكان آخر، إلا إذا كان المكان الذي استقر فيه أكثر راحة ~~لنفسه من غيره، كما نترك الغرفة مثلا في الحر، ونجلس في الحديقة أو ~~الشرفة. ومن ذلك نقول: إذا ضاقت بك أرض فاتركها إلى غيرها، على حد ~~قوله تعالى: # ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما ~~كثيرا.. # [النساء: 100]. ويقول الشاعر: # لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها # ولكن أخلاق الرجال تضيق # ومعنى { وأحسن مقيلا } [الفرقان: 24] المقيل: هو المكان الذي ~~كانت تقضي فيه العرب وقت القيلولة، وهي ساعة الظهيرة حين تشتد حرارة ~~الشمس، ونسميها في العامية القيالة ويقولون لمن لا يستريح في هذه الساعة: ~~العفاريت مقيلة!! # لكن أفي الجنة قيلولة وليس فيها حر، ولا برد، ولا زمهرير؟ قالوا: ~~القيلولة تعني محل فراغ الإنسان لخاصة نفسه، ألا ترى أن الحق - تبارك ~~وتعالى - حينما ذكر أوقات الاستئذان في سورة النور جعل ms7014 منها هذا الوقت، ~~فقال سبحانه: # وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة.. # [النور: 58] فأمر الصغار أن يستأذنوا علينا في هذا الوقت لأنه من أوقات ~~العورة. إذن: المستقر شيء، والمقيل للراحة النفسية الشخصية شيء آخر، لأنك ~~قد تستقر في مكان ومعك غيرك، أما المقيل فمكان خاص بك، إذن: لك في ~~الجنة مكانان: عام وخاص لذلك قالوا في قول الله تعالى: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46] قالوا: جنة عامة وجنة خاصة، كما يكون لك مكان لاستقبال ~~الضيوف، ومكان لخاصة نفسك وأهلك. ويقول الحق سبحانه: { ويوم ~~تشقق السمآء بالغمام... }. ### || [25.25] # وقد سبق منهم أن طلبوا من الله أن ينزل عليهم ملائكة، فها هي الملائكة ~~تنزل عليهم كما يريدون، لكن في غير مسرة لكم، ولا إجابة لسؤال منكم. ~~والسماء: هي السقف المرفوع فوقنا المحفوظ الذي ننظر إليه، فلا نرى فيه ~~فطورا ولا شروخا، ولك أن تنظر إلى السماء حال صفائها، وسوف تراها ملساء ~~لا نتوء فيها، ولا اعوجاج على اتساعها هذا وقيامها هكذا بلا عمد. لذلك ~~يدعوك الحق - تبارك وتعالى - إلى النظر والتأمل، يقول لك: لن نغشك.. انظر ~~في السماء وتأمل: # ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير # [الملك: 4]. والسماء التي تراها فوقك على هذه القوة والتماسك لا يمسكها ~~فوقك إلا الله، كما يقول سبحانه: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده.. # [فاطر: 41]. ويقول تعالى: # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.. # [الحج: 65] إذن: هناك إذن للسماء أن تقع على الأرض، وأن تتشقق وتتبدل، ~~كما قال سبحانه: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات.. # [إبراهيم: 48]. ويقول تعالى عن تشقق السماء في الآخرة: # إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 1-2]. معنى: # وأذنت لربها.. # [الانشقاق: 2] يعني: استمعت وأطاعت بمجرد الاستماع. وهنا يقول تعالى: ~~{ ويوم تشقق السمآء بالغمام.. } [الفرقان: 25] أي: ~~تنشق وينزل من الشقوق الغمام، وقد ذكر الغمام أيضا في قوله تعالى: # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة.. # [البقرة: 210]. وقوله تعالى: ms7015 { ونزل الملائكة تنزيلا } ~~[الفرقان: 25] يدل على قوة النزول ليباشروا عملية الفصل في موقف القيامة. ### || [25.26] # إن كانت الدنيا يملك الله فيها بعض خلقه بعض خلقه، كما قال ~~سبحانه: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء.. # [آل عمران: 26] وقلنا: فرق بين الملك والملك: الملك كل ما تملك ~~ولو كان حتى ثوبك الذي ترتديه فهو ملك، أما الملك فهو أن تملك من ~~يملك، وهذا يعطيه الله تعالى، ويهبه لمن يشاء من باطن ملكه تعالى، كما ~~أعطاه للذي حاج خليله إبراهيم عليه السلام: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه ~~الله الملك.. # [البقرة: 258]. هذا في الدنيا، أما في الآخرة فلا ملك ولا ملك لأحد، ~~فقد سلب هذا كله، والملك اليوم لله وحده: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. إذن: فما في يدك من ملك الدنيا ملك غير مستقر، سرعان ~~مان يسلب منك لذلك يقول أحد العارفين للخليفة: لو دام الملك لغيرك ما ~~وصل إليك، فالمسألة ليست ذاتية فيك، فملكك من باطن ملك الله تعالى ~~صاحب الملك، وهو الملك الحق، فملكه تعالى ثابت مستقر، لا ينتقل ولا ~~يزول. وإن انتقلت الملكية في الدنيا من شخص لآخر فإنها تجمع يوم ~~القيامة في يده تعالى، وتجمع الملك والسلطة في يد واحدة إن كانت ~~ممقوتة عندنا في الدنيا، حيث نكره الاحتكار والدكتاتورية التي تجعل ~~السلطة والقهر في يد واحدة، إن كانت هذه مذمومة في البشر فهي محمودة عند ~~الله تعالى لأنها تتركز في الدنيا في يد واحد صاحب هوى. أما في الآخرة ~~فهي في يده تعالى، فالرحمة في الدنيا أن يوزع الملك والسلطان، والرحمة ~~في الآخرة أن تجمع في يده تعالى: { الملك يومئذ الحق ~~للرحمن.. } [الفرقان: 26] إذن: اجتماع الملك يوم القيامة لله ~~تعالى من مظاهر الرحمة بنا، فلا تأخذها على أنها احتكار أو جبروت لأنها ~~في يد الرحمن الرحيم. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يطمئنك: لا تقلق، ~~فالملك يوم القيامة ليس لأحد تخاف أن تقع تحت سطوته، إنما الملك ms7016 يومئذ ~~الحق للرحمن. والحق: الشيء الثابت الذي لا يتغير، وما دام ثابتا لا ~~يتغير فهو لا يتناقض ولا يتعارض، فالرجل إذا كلمك بكلام له واقع في ~~الحياة وطلبت منه أن يعيده لك أعاده ألف مرة، دون أن يغير منه شيئا، ~~لماذا؟ لأنه يقول من خلال ما يستوحي من الحقيقة التي شاهدها، أما إن ~~كان كاذبا فإنه لا يستوحي شيئا لذلك لا بد أن يختلف قوله في كل مرة ~~عن الأخرى لذلك قالوا: إن كنت كذوبا فكن ذكورا. ومن رحمانيته تعالى ~~أن يقول سبحانه: { وكان يوما على الكافرين عسيرا } ~~[الفرقان: 26] فينبهنا إلى الخطر قبل الوقوع فيه، وهذه رحمة بنا أن ~~ينصحنا ربنا ويعدل لنا، وإلا لو فاجأنا بالعقوبة لكان الأمر صعبا. فإن ~~ذكرت المقابل تقول إنه يسير على المؤمنين، فاحرص أيها الإنسان أن تكون من ~~الميسر لهم لا من المعسر عليهم. ثم يقول الحق سبحانه: { ويوم ~~يعض الظالم على يديه... }. ### || [25.27] # هذه عدة أيام ذكرتها هذه الآيات: # يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ ~~للمجرمين.. # [الفرقان: 22]، # ويوم تشقق السمآء بالغمام.. # [الفرقان: 25]، # الملك يومئذ الحق.. # [الفرقان: 26]، { ويوم يعض الظالم على يديه.. } ~~[الفرقان: 27] فيوم القيامة جامع لهذا كله. وقلنا: إن الظالم: الذي يأخذ ~~حق غيره، والحق - تبارك وتعالى - يوضح هذا الظلم بقوله تعالى: # وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [البقرة: 57]. لأنهم لا يقدرون على ظلم الله تعالى، ولا على ظلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فكلمة الله ورسوله هي العليا، وسينتصر دين ~~الله في نهاية المطاف. ومع ذلك يعاقبهم الله تعالى على ظلمهم لأنفسهم، ~~فنعم الإله إله يفعل هذا مع من عصاه. والكافر حتى في مظهرية ظلمه ~~للغير يظلم نفسه لأنه يضعها في موضع المسئولية عن هذه المظالم. إذن: لو ~~حقق الإنسان الظلم لوجده لا يعود إلا على الظالم نفسه. وحين يرى ~~الظالم عاقبة ظلمه، ويعاين جزاء فعله يعض على يديه ندما ~~وحسرة. والعض: انطباق الفكين الأعلى والأسفل على شيء، وللعض ~~مراحل تتناسب مع المفزع الذي يلجىء الإنسان له، وفي موضع آخر يقول ~~سبحانه: ms7017 # وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ.. # [آل عمران: 119]. والأنامل: أطراف الأصابع وعضها من الغيظ عادة ~~معروفة حينما يتعرض الإنسان لموقف يصعب عليه التصرف فيه فيعض على ~~أنامله عضا يناسب الموقف والحدث، فإن كان الحدث أعظم ناسبه أن يعض ~~يده لا مجرد أصابعه، فإن عظم عض على يديه معا كما يحدث لهم في ~~الآية التي معنا: { ويوم يعض الظالم على يديه.. } ~~[الفرقان: 27] لأنه في موقف حسرة وندم على الفرصة التي فاتته ولن تعود، ~~والخطأ الذي لا يمكن تداركه لذلك يعذب نفسه قبل أن يأتيه العذاب. ~~فيعض على يديه معا، فكأن الأمر المفزع الذي يعاينه بلغ الغاية ~~لذلك عض على يديه ليبلغ الغاية في المعضوض، وهو العاض والمعضوض، ولا ~~يعذب نفسه بهذه الطريقة إلا من يئس من النجاة. ثم يبين علة ذلك: ~~{ يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } [الفرقان: ~~27] وإن كانت هذه الآية قد نزلت في حدث مخصوص وفي شخص بعينه، فإنها تعم ~~كل من فعل هذا، فالعبرة - كما يقولون - بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ~~فهذا جزاء كل ظالم حاد عن الجادة. وهذه الآية # " نزلت في حدث خاص باثنين: عقبة بن أبي معيط، وكان رجلا كريما يطعم ~~الطعام، وقد دعا مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه، لكن رسول ~~الله اعتذر له وقال: لا أستطيع أن أحضر طعامك إلا أن تشهد أن: لا إله ~~إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فلما شهد الرجل الشهادتين زاره رسول ~~الله وأكل من طعامه، فأغضب ذلك أمية ابن خلف صاحب عقبة فقال له: لقد ~~صبوت يا عقبة، فقال عقبة: والله ما قلت ذلك إلا لأنني أحببت أن يأكل ~~محمد عندي كما يأكل الناس، فقال أمية: فلا يبرئك مني إلا أن تذهب إلى ~~محمد في دار الندوة فتطأ عنقة وتبصق.. إلخ، وفعل عقبة ما أشار عليه به ~~صاحبه " # فنزلت الآية: { ويوم يعض الظالم على يديه يقول ~~يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } [الفرقان: 27] ~~والمراد بالسبيل قوله: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ثم يقول: ms7018 { ~~يويلتى ليتني لم... }. ### || [25.28] # الويل: الهلاك، فهو يدعو الهلاك ويناديه أن يحل به، والإنسان لا يطلب ~~الهلاك لنفسه إلا إذا تعرض لعذاب أشد من الهلاك، كما قال أحدهم: # * أشد من السقم الذي يذهب السقما * # وقول الشاعر: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا # وحسب المنايا أن يكن أمانيا # فلما كانت المسألة أكبر منه وفوق احتماله نادى يا ويلتي احضري، فهذا ~~أوانك لتخلصيني مما أنا فيه من العذاب. وقوله { ليتني.. } ~~[الفرقان: 28] تمن، والتمني طلب أمر محبوب لا سبيل إلى حصوله، كما ~~قال الشاعر في التمني: # ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها # عقود مدح فما أرضى لكم كلمي # وهذا أمر لا يمكن أن ينال. وآخر يقول: # فيا ليت الشباب يعود يوما # فأخبره بما فعل المشيب # فقصارى ما يعطيه أسلوب التمني أنه يدل على أمر محبوب، كنت أحب أن يحدث، ~~لكن أيحدث بالفعل؟ لا. وكلمة فلان تقولها كناية عن شخص لا تحب حتى ذكر ~~اسمه، فعقبة ابن أبي معيط لم يقل: ليتني لم أتخذ أمية بن خلف خليلا ~~إنما قال فلانا لأنه كاره له يبغض حتى ذكر اسمه. والخليل: من الخلة ~~والمخالة يعني: الصداقة المتداخلة المتبادلة وفي ذلك يقول الشاعر: # ولما التقينا قرب الشوق جهده # خليلين ذابا لوعة وعتابا # كأن خليلا في خلال خليله # تسرب أثناء العناق وغابا # ثم ذكر علة ذلك: { لقد أضلني عن الذكر... }. ### || [25.29] # { خذولا } [الفرقان: 29] صيغة مبالغة من الخذلان، نقول: خاذل وخذول، ~~ومعنى خذلك أي: تخلى عنك في الأمر بعد أن مد لك حبال الأمل، فإذا ما ~~جاء وقت الحاجة إليه تخلى عنك وتركك، كذلك الشيطان يفعل بأوليائه، كما ~~جاء في آيات أخرى: # كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر ~~قال إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين # [الحشر: 16] وفي آية أخرى: # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب ~~لكم اليوم من الناس وإني جار لكم.. # [الأنفال: 48]. وفي موضع آخر يقول لأتباعه: # مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22]. فحين يقولون له: لقد أغويتنا وأضللتنا يقول لهم: ms7019 # وما كان لي عليكم من سلطان # [إبراهيم: 22] لا سلطان حجة أقنعكم به ولا سلطان قهر أحملكم به وأقهركم ~~على طاعتي، بل كنتم على تشويرة: # إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي.. # [إبراهيم: 22]. ثم يقول الحق سبحانه عن رسوله صلى الله عليه وسلم: { ~~وقال الرسول يرب إن قومي... }. ### || [25.30] # القوم: قوم الرجل: أهله وعشيرته والمقيمون معه ويجمعهم: إما أرض، وإما ~~دين. وسموا قوما لأنهم هم الذين يقومون على أمر الأشياء، فهم ~~الرجال خاصة لأن النساء المفروض فيهن السكن والقرار في البيوت. والحق - ~~تبارك وتعالى - يوضح لنا هذا الفرق في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى ~~أن يكن خيرا منهن.. # [الحجرات: 11] إذن: فالقوم هم الرجال خاصة. ومن ذلك أيضا قول الشاعر: # وما أدري ولست إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # وقوله تعالى: { إن قومي اتخذوا هذا القرآن ~~مهجورا } [الفرقان: 30] أضاف القوم إليه - صلى الله عليه وسلم - لأنه ~~منهم يعرفونه ويعرفون أصله، وقد شهدوا له بالصدق والأمانة ومكارم ~~الأخلاق قبل أن يبعث، وكان عندهم مؤتمنا على نفائس أموالهم لذل خاطبهم ~~الحق تبارك وتعالى بقوله: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. إذن: فالرسول ليس بعيدا عنكم، ولا مجهولا لكم، فمن ~~لم يؤمن به كرسول ينبغي أن يؤمن به كأسوة وقدوة سلوك لسابق تاريخه ~~فيكم. لذلك نرى أن سيدنا أبا بكر ما انتظر من رسول الله دعوة، ولا أن ~~يقرأ له قرآنا، أو يظهر له معجزة، إنما آمن وصدق بمجرد أن قال رسول ~~الله، فما دام قد قال فقد صدق، ليس بمعجزة رآها أبو بكر، إنما برصيده ~~القديم في معرفة رسول الله في سلوكه وخلقه، فما كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليدع الكذب على الخلق، ويكذب على الخالق. وكذلك السيدة ~~خديجة: هل انتظرت من رسول الله ما يثبت نبوته؟ إنها بمجرد أن قال رسول ~~الله صدقت به، ووقفت بجانبه وثبتته وهدأت ms7020 من روعه، وقالت له: " ~~والله لا يسلمك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على ~~نوائب الدهر ". ومعنى: { مهجورا } [الفرقان: 30] من الهجر وهو قطع ~~الصلة، فإن كانت من جانب واحد فهي هجر، وإن كانت من الجانبين فهي ~~هاجرا. والمعنى: أنهم هجروا القرآن، وقطعوا الصلة بينهم وبينه، وهذا ~~يعني أنهم انقطعوا عن الألوهية وانقطعوا عن الرسالة المحمدية، فلم يأخذوا ~~أدلة اليقين العقدية، وانقطعوا عن الرسالة المحمدية حينما كذبوا بها، ~~وانقطعوا عن الأحكام حينما عصوها، وبذلك اتخذوا هذا القرآن مهجورا في ~~كل هذه المسائل: العقائد والعبادات والتصديق بالرسول. مع أن العرب لو ~~فهموا قوله تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك.. # [الزخرف: 44] لمجدوا القرآن وتمسكوا به، فهو الذي عصمهم وعصم لغتهم، ~~وأعلى ذكرهم بين الأمم، ولو أن كل أمة من الأمم المعاصرة أخذت ~~لهجتها الخاصة الوطنية، وجعلت منها لغة لتلاشت العربية كلغة. # وفي كثير من بلدان الوطن العربي لو حدثوك بلهجتهم الخاصة لا تفهم منها ~~شيئا، ولولا أن الفصحى لغة القرآن تربط بين هذه اللهجات لأصبحت كل ~~منها لغة خاصة، كما حدث في اللغات اللاتينية التي تولدت منها الفرنسية ~~والإيطالية والألمانية والإنجليزية، ولكل منها أسسها وقواعدها الخاصة ~~بها، وكانت في الأصل لغة واحدة، إلا أنها لا رابط لها من كتاب مقدس. ~~فالحق - تبارك وتعالى - ينبههم إلى أن القرآن فيه ذكرهم وشرفهم ~~وعزتهم، وفيه شهرتهم وصيتهم، فالقرآن جعل العرب على كل لسان، ولولاه ~~لذابوا بين الأمم كما ذابت قبلهم أمم وحضارات لم يسمع عنها أحد. لذلك ~~يقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن تؤمنوا بما جئت به يكن حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا علي ~~قولي صبرت حتى يحكم الله بيني وبينكم ". ### || [25.31] # وإذا لم يكن للرسول أعداء، فلماذا جاء؟ لو انتظرنا من الجميع ساعة ~~يأتي الرسول أن يصدقوه ويؤمنوا به إذن: فلماذا جاء الرسول؟ لا يأتي ~~الرسول إلى إذا طم الفساد وعم، كما أننا لا نأتي بالطبيب إلا إذا ~~حدث مرض أو وباء. وهؤلاء القوم كانت لهم سيادة ومكانة، وقد جاء الإسلام ms7021 ~~ليسوي بين الناس، ويسلب هؤلاء سيادتهم، فلا بد أن يقفوا منه موقف ~~العداء، وهذا العداء هو حيثية وجود الرسول فيهم. وليس النبي صلى الله ~~عليه وسلم بدعا في ذلك، فما من نبي إلا وكان له أعداء، مع أن الأنبياء ~~السابقين كان النبي منهم في فترة زمنية محدودة وفي مكان محدود. أما رسالة ~~محمد صلى الله عليه وسلم فكانت رسالة عامة في الزمان وفي المكان، ولا ~~بد أن يتناسب العداء - إذن - مع انتشار الرسالة وعمومها في الزمان ~~والمكان إلى قيام الساعة وعلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يوطن نفسه ~~على ذلك. وكلمة عدو من الكلمات التي تطلق مفردة، وتشمل المثنى والجمع، ~~ومن ذلك قوله تعالى على لسان سيدنا إبراهيم: # فإنهم عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77]. وفي سورة الكهف: # أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني وهم ~~لكم عدو.. # [الكهف: 50] ولم يقل: أعداء. وفي بعض الآيات تأتي بصيغة الجمع كما في ~~قوله تعالى: # واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم.. # [آل عمران: 103] فلو كانت قضية لغوية لجاءت بصيغة المفرد في كل الآيات. ~~لكن لماذا عدل القرآن هنا عن صيغة المفرد إلى صيغة الجمع؟ قالوا: إن ~~كانت العداوة من المفرد والمثنى والجمع عداوة واحدة قال: عدو بصيغة ~~المفرد لاتحاد سبب العداوة، فإن كانت العداوات مختلفة: هذا يعاديك ~~لشرفك، وهذا يعاديك لعلمك، وهذا يعاديك لمالك، فتعددت أسباب العداوة قال ~~أعداء أما في مسألة الإيمان واليقين بالنسبة للكافرين فالعداوة واحدة، ~~لكن في أمور الدنيا العداوات متعددة: هذا يعاديك لكذا، وهذا يعاديك لكذا ~~لأنه مخالف لهواه. وحينما تحدثنا عن قوله تعالى: # ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ~~آبآئكم أو بيوت أمهاتكم.. # [النور: 61] كلها بصيغة الجمع إلا في قوله تعالى: # أو صديقكم.. # [النور: 61] بصيغة المفرد، لماذا؟ لأن صداقة المؤمنين ينبغي ألا تكون ~~إلا لمعنى واحد، هو الحب لله، وفي الله، لا ينبغي أن يكون لك صديق لكذا ~~وصديق لكذا. وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث من كن فيه ms7022 وجد حلاة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه ~~مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في ~~الكفر كما يكره أن يقذف في النار ". # فإذا كان أصدقاؤك يحبونك لله، فهم جميعا كصديق واحد. وقوله تعالى: { ~~وكذلك.. } [الفرقان: 31] يعني: كأعدائك الذين اتخذوا القرآن ~~مهجورا، والذين وقفوا منك موقف التعنت والإيذاء والسخرية. { جعلنا ~~لكل نبي عدوا من المجرمين.. } [الفرقان: 31] أي: ~~الذين يجرمون يعني: يرتكبون الجرائم، وهي المعاصي والذنوب حسب ~~مدلولاتها. الحق - تبارك وتعالى - حينما يكشف لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~حقيقة أعدائه، وأنهم كثيرون، وأنهم مجرمون إنما ليوطن نفسه على ذلك، ~~فلا يفاجأ به، ويتحمل أذاهم إن أصابوه بسوء. وهذه المسألة كالمصل ~~والتحصين الذي يعطونه للناس لمواجهة المرض قبل حدوثه، فالحق سبحانه يعطي ~~رسوله المناعة اللازمة لمواجهة أعداء الدعوة. لذلك نجد " تشرشل " القائد ~~البريطاني الذي ساس الحرب العالمية الثانية كان يواجه جنوده بالحقائق ~~أفظع مما هي في الواقع ليوطن شعبه على قوة التحمل، وعلى التصدي ~~للصعوبات الشديدة، ومهما واجههم من مصاعب قال لهم ما زال هناك المزيد ~~منها، حتى إذا ما حدث ذلك كانوا على استعداد له. وقوله تعالى: { وكفى ~~بربك هاديا ونصيرا } [الفرقان: 31] أي: أن الله تعالى سيهديك ~~إلى الطريق الذي بمقتضاه تنتصر على هؤلاء جميعا. وسبق أن ذكرنا عن ~~الفاروق عمر - رضي الله عنه - أنه حينما نزل قوله تعالى: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] قال: أي جمع هذا؟ يعني تعجب كيف سنهزم هؤلاء ونحن الآن ~~عاجزون حتى عن حماية أنفسنا؟ ولا نبيت إلا في السلاح، ولا نصبح إلا في ~~السلاح نخاف أن يتخطفنا الناس، فلما وقعت بدر وهزم المشركون وحصدت ~~أرواح صناديدهم قال: صدق الله: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. كيف حدث هذا؟ حدث من هداية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~إلى أسباب النصر، والحق - تبارك وتعالى - ينصر بالشيء وينصر بضده، وقد ~~اجتمع في بدر سادات قريش وأقوياؤها وأغنياؤها وصناديد الكفر بها، حتى قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هذه مكة، قد ms7023 ألقت إليكم أفلاذ كبدها " # ، وقد خرجوا جميعا على حال الاستعداد للحرب، أما المؤمنون فقد كانوا ~~قلة مستضعفين على غير استعداد للحرب، ومع ذلك نصرهم الله. والحق ~~سبحانه يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه: # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله.. # [البقرة: 249]. وقال تعالى: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. وقال تعالى: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها.. # [الرعد: 41] أي: ننقص من أرض الكفر، ونزيد في أرض الإيمان، والحق سبحانه ~~أخبرنا بقضايا، يجب أن توجد أحداث في الحياة والواقع خادمة لتصديق هذه ~~القضايا. ثم يقول الحق سبحانه: { وقال الذين كفروا لولا ~~نزل عليه... }. ### || [25.32] # هذا أيضا أحد الأمور التي يتعلقون بها كي لا يؤمنوا، وكيف يطلبون أن ~~ينزل القرآن جملة واحدة، وهم لا يطيقون منه آية واحدة؟ لكنه الجدل ~~والسفسطة والإفلاس في الحجة، فاعتراضهم على نزول القرآن منجما. إذن: ~~لا غضاضة عندهم في القرآن، وعيبه في نظرهم أنه نزل على محمد بالذات، ~~وأنه ينزل منجما لا جملة واحدة، وكأن طاقة الإيمان عندهم تناسب نزول ~~القرآن جملة واحدة!! ثم يقول سبحانه: { كذلك.. } [الفرقان: 32] يعني: ~~أنزلناه كذلك منجما حسب الأحوال، والحكمة من ذلك { لنثبت به ~~فؤادك.. } [الفرقان: 32] لأنك ستتعرض على مدى ثلاث وعشرين سنة لمواقف ~~تزلزل، فكلما تعرضت لموقف من هذه المواقف نزل القرآن تسلية لك ~~وتثبيتا وصلة بالسماء لا تنقطع. ولو نزل القرآن مرة واحدة لكان ~~التثبيت مرة واحدة، ثم تأتي بقية الأحداث بدون تثبيت، ولا شك أن الصلة ~~بالسماء تقوي المنهج وتقوي الإيمان. كما أن القرآن لو نزل مرة ~~واحدة، كيف يتسنى لهم أن يسألوا عما سألوا عنه مما حكاه القرآن: يسألونك ~~عن كذا، يسألونك عن كذا.. إلخ. إذن: نزوله منجما اقتضاء لحكمة الحق ~~سبحانه ليعدد مواقف تثبيتك، لتعدد مواقف الإيذاء لك. ومعنى: { ~~ورتلناه ترتيلا } [الفرقان: 32] أي: أنزلناه منجما حسب ~~الأحوال، فكلما نزل نجم تمكنتم من حفظه وتكراره في الصلاة. ### || [25.33] # المثل مثل قولهم: # لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة.. # [الفرقان: 32] أو قولهم: # لولا نزل هذا ms7024 القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] والمثل: الأشياء العجيبة التي طلبوها. ولو أجابهم الله لما ~~قالوا لأنكروا قولهم وتنصلوا منه، كما قال تعالى عن اليهود: # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها.. # [البقرة: 142] ومع ذلك قالوا ما حكاه القرآن عنهم. أما كان فيهم رجل ~~يتنبه لقول القرآن، فيحذرهم من هذا القول ليوقع رسول الله في حرج، ~~ويظهر القرآن على أنه كذب، ويقول كلاما يخالف الحقيقة، وعندها، لهم أن ~~يقولوا: لقد قال القرآن كذا وكذا ولم يحدث منا هذا؟ ### || [25.34] # { الذين.. } [الفرقان: 34] إجمال الأشخاص معروفين بذواتهم، وقفوا من ~~الرسول موقف العداء، ومنهم من سبق أن قال: # يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ~~ليتني لم أتخذ فلانا خليلا # [الفرقان: 27-28]. والحشر: الجمع للحساب، لكن سيحشرون على وجوههم لذلك ~~لما نزلت هذه الآية سألوا رسول الله: كيف يمشون على وجوههم قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم ". # فالذي يمشي على وجهه كالذي يمشي على بطنه، ولعله يجر جرا، سواء أكان ~~على وجهه أو على أي شيء آخر، ثم إن الإنسان لا ينبغي له أن يسأل عن أمور ~~هي مناط القدرة المطلقة. والحق - تبارك وتعالى - يوضح هذه المسألة في ~~قوله تعالى: # والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي ~~على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم ~~من يمشي على أربع يخلق الله ما يشآء إن ~~الله على كل شيء قدير # [النور: 45]. إذن: المشي لا ينحصر في الحالات التي نعرفها فقط، إنما هي ~~طلاقة القدرة التي تفعل ما تشاء. لكن، لماذا لم يذكر القرآن أسماء هؤلاء ~~الأشخاص الظالمين المعاندين للإسلام؟ قالوا: هذا من باب إرخاء العنان ~~للخصم، وكلمة العنان تأتي بكسر العين وفتحها، واللغويون يقولون: هي على ~~وزن ما هي بمعناه، فإن قصدت بها عنان السماء فهي على وزن سحاب، وإن ~~أردت بها عنان الفرس، فهي على وزن لجام. وراكب الدابة إن أرخى لها ~~العنان تركها تسير كما تشاء، كذلك الحق ms7025 - تبارك وتعالى - يرخي للخصم ~~العنان ليقول كل ما عنده، وليأخذه إلى جانبه، لا بما يكره، بل بما يحب. ~~وقد علم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم كيف يرد عليهم ويجادلهم ~~الجدل الهادىء بالتي هي أحسن. فحين قالوا عنه مفتر، وعن القرآن مفترى ~~ومكذوب رد عليهم: # أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله.. # [يونس: 38]. ثم يترقى في جدالهم: # أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي ~~إجرامي وأنا بريء مما تجرمون # [هود: 35] وفي آية أخرى يرد عليهم: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24]. وهل النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف من على الهدى ومن ~~على الضلال؟ لا شك أنه إرخاء العنان للخصم، يقول لهم: أنا وأنتم على ~~طرفي نقيض: أنا أقول بإله واحد وأنتم تكذبون قولي، فأنا متناقض معكم ~~في هذه القضية، والقضية لا بد أن تأتي على شكل واحد، فإما أنا على ~~الهدى، وإما أنتم، وأنا لا أدعي الحق لنفسي. إذن: المطلوب أن تعملوا ~~عقولكم لتميزوا من منا على الهدى ومن منا على الضلال، وكأن ~~رسول الله يرتضي حكومتهم في هذه المسألة، وما ترك لهم رسول الله الحكم ~~إلا وهو واثق أنهم لو تجردوا من الهوى لعرفوا أن الحق معه، وأنه على ~~الهدى، وأنهم على الضلال. # إذن: عندما تكلم القرآن عن كفار قريش الذين تعنتوا في اقتراحاتهم، ~~وعاندوا وآذوا رسول الله بكل أنواع الإيذاء، ومع ذلك حينما تكلم عنهم جاء ~~بأسلوب عام فقال: الذين ولم يقل هؤلاء، بل جاء بالقضية العامة ولم ~~يواجههم بالجزاء مما يدل على التلطف في أمر الدعوة، وهذا نوع من ~~استمالة الخصم لنقطع منه شراسة العداء والعناد. لذلك يخاطب الحق - ~~تبارك وتعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم # فبما رحمة من الله لنت لهم.. # [آل عمران: 159] كأنك لم تلن لهم بطبعك لأن عنادهم وأذاهم كان ~~سيرغم طبعك على أن تكون قاسيا معهم ولكن رحمة الله شملتك فلنت ~~لهم # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك.. # [آل عمران: 159]. هذا يعني أن الداعية ms7026 لا بد أن يكون رحب الصدر، ~~رحب الساحة، ذلك لأنه يخرج أهل الضلال عما ألفوه إلى شيء يكرهونه، ~~فلا تخرجهم من ذلك بأسلوب يكرهونه، فتجمع عليهم شدتين، إنما تلطف ~~معهم، كما قال عز وجل لموسى وهارون عندما أمرهما بدعوة فرعون: # فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 44]. لأن الذي بلغ من عناده أن يتكبر لا على المخلوقين أمثاله، ~~إنما يتكبر على الخالق فيدعي الألوهية لا بد أن تأتيه بأسلوب لين ~~لطيف. وفي آية أخرى يعلم الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم كيف ~~يجادل المشركين، فيقول سبحانه: # قل لا تسألون عمآ أجرمنا.. # [سبأ: 25] وهل يتصور الإجرام من رسول الله؟! وفي المقابل: # ولا نسأل عما تعملون # [سبأ: 25] مع أن منطق الجدل هنا أن يقول: ولا نسأل عما تجرمون، لكنه ~~نسب الإجرام لنفسه، ولم يذكره في حق الآخرين، فهل هناك تلطف وترقيق ~~للقلوب فوق هذا؟ الحق - تبارك وتعالى - يعرض لكل هذه المسائل ليثبت أن ~~رسوله صلى الله عليه وسلم كان حريصا على إيمان قومه، وأنه لم يدخر ~~وسعا في سبيل هدايتهم وجذبهم إليه لدرجة أنه حمل نفسه فوق ما يطلبه ~~الله منه، حتى قال له ربه: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. وقال: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. يعني: مهلك نفسك من أجل هدايتهم، وما عليك إلا البلاغ، ~~ولا يقول له ربه هذا الكلام إلا إذا كان قد علم منه حرصا ورغبة ~~أكيدة في هداية قومه. ومعنى: { أولئك شر مكانا وأضل ~~سبيلا } [الفرقان: 34] قوله تعالى { شر.. } [الفرقان: 34] ولم ~~يقل أشر لأن معناها: أن الجهة الثانية فيها شر، وهذا أيضا من إرخاء ~~العنان للخصم. ثم يحدثنا الحق سبحانه عن أقوام الرسل السابقين: { ~~ولقد آتينا موسى الكتاب... }. ### || [25.35] # سبق قول الحق تبارك وتعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين.. # [الفرقان: 31] فلا بد أن يكون لكل نبي أعداء لأنه جاء ليعدل ميزان ~~المكارم الذي تحكم فيه ناس مستبدون في شراسة، وأهل فساد سيحرمون من ms7027 ~~ثمرة هذا الفساد، فطبيعي أن يقفوا في وجه الدعوة. لذلك يضرب الحق سبحانه ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم بعض الأمثال من موكب الرسالات، فيقول: { ~~ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه ~~هارون وزيرا } [الفرقان: 35]. كأن الحق سبحانه يقول لرسوله: لقد ~~تعرضت لمشقة دعوة أناس لا يؤمنون بالإله، أما موسى فقد تعرض لدعوة ~~من ادعى أنه إله، إذن: هناك من تحمل كثيرا من المشقات في سبيل ~~الدعوة، لدرجة أن موسى عليه السلام رأى نفسه لن يستطيع القيام بهذه ~~المهمة وحده. فنراه وهو النبي الرسول الذي اختاره الله - يقول: # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ~~ردءا يصدقني.. # [القصص: 34] وهذا يعني أن موسى - عليه السلام - يعلم مدى المشقة، وحجم ~~المهمة التي سيقوم بها. فالرسالات السابقة كان الرسول يبعث إلى أمته ~~المحدودة في الزمان وفي المكان، ومع ذلك لاقوا المشقات، أما أنت يا محمد ~~فقد أرسلت برسالة عامة في الزمان وفي المكان إلى أن تقوم الساعة، فلا ~~بد أن تكون متاعبك مثل متاعب من سبقوك جميعا. ### || [25.36] # الخطاب في { اذهبآ.. } [الفرقان: 36] للرسول موسى، وللوزير هارون ~~وقال: { إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا.. } [الفرقان: ~~36] مع أن فيهم من ادعى الألوهية استمرارا لإرخاء العنان للخصم، ~~فقد كذب فرعون بأن من آيات الله أن يؤمن بإله واحد. ثم كانت النهاية { ~~فدمرناهم تدميرا } [الفرقان: 36] لأنهم وقفوا من موسى وهارون ~~موقف العداء، وقامت بينهما معركة تدخل فيها الحق سبحانه، ودمرهم ~~تدميرا، كأن الحق سبحانه يقول لرسوله: اطمئن فإن حادوا عن جادة الحق ~~وأبوا أن يأتوك طائعين، فسوف تكون نهايتهم كنهاية هؤلاء. { وقوم ~~نوح لما كذبوا الرسل... }. ### || [25.37] # ذكر الحق - تبارك وتعالى - نوحا بعد موسى عليهما السلام لأن كلا منهما ~~تميز في دعوته بشيء، وتحمل كل منهما ألوانا من المشقة، فموسى واجه ~~من ادعى الألوهية، ونوح أخذ سلطة زمنية واسعة انتظمت كل الموجودين ~~على الأرض في وقته - ولا يعني هذا أنه - عليه السلام - أرسل إلى الناس ~~كلهم، إنما كان قومه هم الموجودون على الأرض في هذا الوقت - فقد لبث ms7028 ~~فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما. واقرأ قصته - عليه السلام - في سورة نوح ~~لتقف على مدى معاناته في دعوة قومه طوال هذه الفترة، ومع ذلك ما آمن معه ~~إلا قليل، وكانت الغلبة له في النهاية. وأيضا لأنه - عليه السلام - ~~تعرض لأمر يتعلق بالبنوة، بنوة في المنهج، وبنوة في النسب، فقد كان ~~ابنه - نسبا - كافرا، ولم يتمكن من هدايته، ولما قال لربه عز وجل # إن ابني من أهلي.. # [هود: 45] قال له: # ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.. # [هود: 46]. فجعل حيثية النفي # إنه عمل غير صالح.. # [هود: 46] فالنسب هنا عمل وطاعة، فكأن البنوة للأنبياء بنوة عمل، لا ~~بنوة نسب، فابنك الحق من سار على منهجك، وإن لم يكن من دمك. مسألة ~~أخرى نلحظها في الجمع بين موسى ونوح عليهما السلام في مقام تسلية رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فهما يشتركان في ظاهرة كونية تستحق التأمل ~~والنظر، فكل مظاهر الكون التي أمامنا لو حققنا في كل مظهر من مظاهرها ~~بعقل وتؤدة ويقين لأمكننا أن نستنبط منها ما يثري حياتنا ويترفها ~~ويسعدها. لذلك الحق - تبارك وتعالى - ينعى على الذين يعرضون عن النظر ~~في آياته، فيقول: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. وسبق أن قلنا: إن كل المخترعات التي رفهت حياة الناس ~~وأسعدتهم، وقللت مجهوداتهم، وقصرت الوقت عليهم، كانت نتيجة الملاحظة ~~والتأمل في مظاهر الكون كالذي اخترع العجلة والبخار.. إلخ. وهنا نلاحظ أن ~~العلاقة بين موسى ونوح - عليهما السلام - أن الله تعالى يهلك وينجي ~~بالشيء الواحد، فالماء الذي نجى موسى هو الماء الذي أغرق فرعون، والماء ~~الذي نجى نوحا هو الماء الذي أغرق الكافرين من قومه. فهذا تسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فالله تعالى إن أراد الإنجاء ينجي، وإن ~~أراد الإهلاك يهلك، ولو بالشيء الواحد. ألا ترى أن أصحاب موسى حينما ~~رأوا البحر من أمامهم، وفرعون من خلفهم قالوا: # إنا لمدركون # [الشعراء: 61] فهذه حقيقة وقضية كونية من يملك ردها؟ إنما ردها موسى ~~فقال ms7029 كلا لن ندرك، قالها بملء فيه، لا ببشريته، إنما بالربوبية التي ~~يثق في أنها لن تسلمه، # قال كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. وكذلك كانت مسألة نوح عليه السلام، لكن بطريقة أخرى، هي ~~السفينة، وفكرة السفينة لم تكن موجودة قبل نوح عليه السلام، ألم يصادف ~~واحد شجرة ملقاة في الماء تطفو على سطحه، ففكر في ظاهرة الطفو هذه، ~~وكيف أن الشجرة لم تغطس في الماء لقد كان النجارون الماهرون يقيسون كثافة ~~الخشب بأن يلقوه في الماء، ثم ينظروا مقدار الغطس منه في الماء، وعليه ~~يعرفون كثافته. هذه الظاهرة التي تنبه لها أرشميدس وبنى عليها نظرية ~~الأجسام الطافية والماء المزاح، وتوصل من خلالها إلى النقائض، فبها ~~تطفو الأشياء أو تغوص في الماء، إن زادت الكثافة يثقل الشيء ويغوص في ~~الماء، وإن قلت الكثافة يطفو. وتلاحظ ذلك إذا رميت قطعة نقود مثلا، ~~فإنها تغطس في الماء، فإن طرقتها حتى جعلتها واسعة الرقعة رقيقة، ~~فإنها تطفو مع أن الكتلة واحدة، نعم الكتلة واحدة، لكن الماء المزاح في ~~الحالة الثانية أكثر، فيساعد على طفوها. وقد أراد الحق - تبارك وتعالى - ~~أن ينبه الإنسان إلى هذه الظواهر، ويهديه إلى صناعة السفن التي تحمله ~~في الماء لأن ثلاثة أرباع الكرة الأرضية مياه، وقد جعل الله لك وسائل ~~مواصلات في الربع، ألا يجعل لك مواصلات في الثلاثة أرباع، فتأخذ خيرات ~~البحر، كما أخذت خيرات البر؟ وتأمل أسلوب القرآن: { وقوم نوح ~~لما كذبوا الرسل.. } [الفرقان: 37] ومعلوم أنهم كذبوا ~~رسولهم نوحا لا جميع الرسل، قالوا: لأن النبوة لا تأتي بمتعارضات، إنما ~~تأتي بأمور متفق عليها لذلك جعل تكذيب رسول واحد كتكذيب جميع الرسل. ثم ~~ذكر عاقبة ذلك: { أغرقناهم وجعلناهم للناس آية.. } ~~[الفرقان: 37] وكلمة { أغرقناهم.. } [الفرقان: 37] تعني: أن الذي ~~أغرق المكذبين نجى المؤمنين، وإغراق المكذبين أو عملية ترد على ~~سخريتهم من نوح، حينما مروا عليه وهو يصنع السفينة: # وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال ~~إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون # [هود: 38]. ولم يكن الغرق نهاية الجزاء، ms7030 إنما هو بدايته، فهناك العذاب ~~الذي ينتظرهم في الآخرة: { وأعتدنا للظالمين عذابا ~~أليما } [الفرقان: 37] وهكذا جمع الله عليهم الغرق في الدنيا والحرق ~~في الآخرة. ثم يضرب الحق - تبارك وتعالى - لرسوله مثلا آخر: { وعادا ~~وثمودا وأصحاب الرس... }. ### || [25.38] # إنها نماذج من المتاعب التي لاقاها الرسل من أممهم، كما قال في موضع ~~آخر: # وإلى عاد أخاهم هودا.. # [الأعراف: 65]. # وإلى ثمود أخاهم صالحا.. # [الاعراف: 73]. وكانت النهاية أن نصر الله أولياءه ورسله، ودحر خصومهم ~~والمكذبين بهم، كل ذلك ليقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: يا محمد لست ~~بدعا من الرسل، فإن وقف منك قومك موقف العناد والتكذيب، فكن على ~~يقين وعلى ثقة من نصر الله لك كما قال: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. إنها قضية يطلقها الحق تبارك وتعالى لا للتأريخ ~~فقط، ولكن لتربية النفس البشرية، فإن أردت الغلبة فكن في جند الله ~~وتحت حزبه، ولن تهزم أبدا، إلا إذا اختلت فيك هذه الجندية، ولا ~~تنس أن أول شيء في هذه الجندية الطاعة والانضباط، فإذا هزمت في ~~معركة فعليك أن تنظر عن أي منهما تخليت. لذلك رأينا في غزوة أحد أن ~~مخالفة الرماة لأمر رسول الله قائد المعركة كانت هي سبب الهزيمة، وماذا ~~لو انتصروا مع مخالفتهم لأمر الرسول؟ لو انتصروا لفهموا أنه ليس من ~~الضروري الطاعة والانقياد لأمر رسول الله. إذن: هذا دليل على وجوب ~~الطاعة، وألا يخرجوا عن جندية الإيمان أبدا خضوعا وطاعة، ولا تقولوا: ~~إن الرسول بيننا فهو يربيكم لأنه لن يخلد فيكم. وقوله تعالى: { ~~وأصحاب الرس.. } [الفرقان: 38] الرس: هو البئر أو الحفرة، ~~وكانت في اليمامة، ويسمونها الأخدود، وقد ورد ذكرها في سورة البروج. ~~وقد قال سبحانه هنا: { وقرونا بين ذلك كثيرا } [الفرقان: ~~38] لم يرد الحق سبحانه أن يعدد كل الأمم السابقة، واكتفى بذكر ~~نماذج منها، وفي مواضع أخرى يجمعهم جملة، فيقول تعالى: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من ms7031 أغرقنا.. # [العنكبوت: 40]. ثم يقول الحق سبحانه: { وكلا ضربنا له ~~الأمثال... }. ### || [25.39] # { وكلا.. } [الفرقان: 39] أي: كل من المتقدمين { ضربنا له ~~الأمثال.. } [الفرقان: 39] يعني: لم أدع رسولا إلا وجئت له ~~بالعبرة برسول قبله، أقول له: انظر فيمن سبقك كيف كذبه قومه؟ وكيف ~~عاندوه ووقفوا منه هذا الموقف، ومع ذلك كانت له الغلبة عليهم ذلك ليأخذ ~~كل نبي شحنة مناعة وطاقة يصمد بها أمام شدائد الدعوة، فلا يلين، ولا ~~ييأس، وليكن على يقين أن النهاية له وفي صالحه. { وكلا تبرنا ~~تتبيرا } [الفرقان: 39] أي: أهلكنا ودمرنا كل من كذب الرسل بأنواع ~~مختلفة ومتعددة من ألوان العذاب، فعوقب بعضهم بالصيحة أو الخسف أو ~~الإغراق أو بالريح الصرصر العاتية. ثم يقول الحق سبحانه: { ولقد ~~أتوا على القرية... }. ### || [25.40] # هذه المشاهد لم تكن مجرد تاريخ يحكيه القرآن، إنما مشاهد ومراء رآها ~~كفار مكة في رحلة الصيف يمرون على هذه الديار، كما قال سبحانه في موضع ~~آخر: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138] إذن: فهذا التاريخ له واقع يسانده، وآثار تدل عليه. ~~والقرية التي أمطرت مطر السوء هي سدوم قرية قوم لوط { أفلم ~~يكونوا يرونها.. } [الفرقان: 40] ألم يشاهدوها في أسفارهم. { ~~بل كانوا لا يرجون نشورا } [الفرقان: 40] كلمة بل ~~للإضراب، فهي تنفي ما قبلها، وتثبت ما بعدها، فالمعنى: أنهم مروا ~~عليها وشاهدوها، ويعرفونها تمام المعرفة، لكنهم لا يرجون نشورا ~~يعني: لا ينتظرون البعث، ولا يؤمنون به، ولا يعترفون بالوقوف بين يدي ~~الله للحساب، ألم يقولوا: # أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون # [المؤمنون: 82]. وعجيب ألا يؤمن هؤلاء بالبعث والحساب، وهم أنفسهم ~~كانوا إذا رأوا ظالما وقفوا في وجهه ومنعوه من الظلم، كما كان في ~~حلف الفضول مثلا، فيأخذون الظالم ويعاقبونه حتى يرجع عن ظلمه، ثم ~~يردون للمظلوم حقه، لكن ألم ينظروا في حال الظالمين الذين مروا في ~~الدنيا دون عقاب، ودون قصاص؟ أليس من العدل أن تكون لهم دار أخرى ~~يحاسبون فيها؟ لذلك كنا نرد على الشيوعيين بهذه المسألة، نقول لهم: ~~لقد عذبتم أعداءكم من الإقطاعيين ms7032 والرأسماليين، وانتقمتم منهم فما بال ~~الذين سبقوكم ولم تدركوهم؟ أليس من العدل أن تعترفوا بيوم جامع يحاسب ~~فيه هؤلاء؟ ولما قال القائل: لن يموت ظلوم حتى ينتقم الله منه، قالوا له: ~~إن فلانا الظالم قد مات، ولم نر فيه شيئا، فقال: إن وراء هذه الدار ~~دارا يجازي فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. وبعد أن عرض الحق - ~~تبارك وتعالى - بعض النماذج من موكب النبوات تسلية لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم يبين أن الأمر مع هؤلاء الكفار لن يتوقف عند العناد والتعنت ~~بمطالب سخيفة، إنما يتعدى ذلك إلى محاولة الاستهزاء به والسخرية منه، ~~فقال سبحانه: { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا... ~~}. ### || [25.41] # إن نافية بمعنى: ما يتخذونك إلا هزوا، ثم ذكر صيغة الاستهزاء: { ~~أهذا الذي بعث الله رسولا } [الفرقان: 41] وفي موضع آخر ~~قالوا: # أهذا الذي يذكر آلهتكم.. # [الأنبياء: 36] كأنه صلى الله عليه وسلم دون هذه المنزلة، وما دام ~~الرسول في نظرهم دون هذه المنزلة فإنهم يريدون شخصا على مستوى المنزلة، ~~كما قالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. ومعنى هذا أنهم مؤمنون بضرورة وجود إله ورسول ومنهج، وكل ~~اعتراضهم أن تكون الرسالة في محمد بالذات. ثم تناقضون مع أنفسهم، ~~فيقولون: { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا... }. ### || [25.42] # فكيف تستهزئون به وترونه دون مستوى الرسالة، ثم تقولون إنه كاد أن ~~يضلكم عن آلهتكم يعني: قرب أن يضلكم عن آلهتكم، مع ما أنتم عليه ~~من التعنت والعناد؟ هذا دليل وشهادة لرسول الله أنه قوي وأنه على ~~مستوى الرسالة، وأنه لم يدخر وسعا في دعوتكم، حتى كاد أن يصرفكم عن ~~آلهتكم. والدليل على أنهم كانوا يخافون من تأثير رسول الله عليهم قولهم ~~لأتباعهم إذا رأوهم يستمعون للقرآن: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون # [فصلت: 26] إذن: يريدون أن يشوشوا على القرآن لما يعلمون من تأثيره ~~في النفوس، وهم أمة فصاحة وبلاغة، فإن سمعوا القرآن فلا بد أن يؤثر ~~في قلوبهم ويجذبهم إليه. ألا ترى قصة إسلام عمر - رضي الله عنه - وكيف ms7033 ~~كان قبل الإسلام شديدا جبارا؟ فلما تهيأت له الفرصة فاستمع للقرآن ~~وصادف منه ملكة سليمة وفطرة نقية، حيث أعاده حادث ضربه لأخته وشجه ~~لها، أعاده إلى سلامة الفطرة والطوية، فلما سمع منها القرآن وصادف منه ~~قلبا نقيا وفطرة سليمة تأثر به، فأسرع إلى رسول الله يعلن إسلامه. إذن: ~~فقولكم: { إن كاد ليضلنا عن آلهتنا.. } [الفرقان: 42] ~~دليل على أنه كفء للمهمة التي بعث بها، وهذا يناقض قولكم سخرية منه ~~واستهزاء: # أهذا الذي بعث الله رسولا # [الفرقان: 41]. وقولهم: { لولا أن صبرنا عليها.. } ~~[الفرقان: 42] يدل على أنه صلى الله عليه وسلم فعل معهم أفعالا اقتضت ~~منهم أن يصبروا على الضلال { وسوف يعلمون حين يرون ~~العذاب من أضل سبيلا } [الفرقان: 42] سيعرفون ذلك، لكن بعد ~~فوات الأوان، وبعد ألا تنفعهم هذه المعرفة. ### || [25.43] # الحق - تبارك وتعالى - يضع لرسوله صلى الله عليه وسلم قضية، هي أن الدين ~~إنما جاء ليعصم الناس من أهواء الناس، فلكل نفس بشرية هوى، وكل ~~إنسان يعجبه هواه، وما دام الأمر كذلك فلن ينقاد لغيره لأن غيره أيضا له ~~هوى لذلك يقول تعالى: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض.. # [المؤمنون: 71]. لكن، لماذا تختلف الأهواء؟ قالوا: لأن طبيعة الحياة ~~تتطلب أن تكون الأهواء مختلفة لأن مجالات الحياة متعددة، فهذا هواه في ~~كذا، وهذا هواه في كذا. فترى الصديقين يلازم أحدهما الآخر، ويشاركه ~~طعامه وشرابه، فلا يفرقهما شيء، فإذا ما ذهبا لشراء شيء ما تباينت ~~أهواؤهما، كما أن هوى مختلفا يخدم هوى مختلفا، فالذين اختلفوا مثلا ~~في تصميم الأشياء يخدمون اختلاف الأذواق والأهواء، لذلك يقولون: خلاف هو ~~عين الوفاق، ووفاق هو عين الخلاف. وقد ضربنا لذلك مثلا بسيطا: هب ~~أنك دخلت مطعما، وأنت تفضل مثلا ورك الدجاجة وغيرك كذلك يفضله، وصادف ~~أن في المطعم وركا واحدا، فلا شك أنكما ستختلفان عليه. إذن: اتفقتما ~~في الأول لتختلفا في الآخر، لكن إن اختلفت رغباتكما، فسوف ينتج عن هذا ~~الاختلاف اتفاق في النهاية، فأنت ستأخذ الورك، وغيرك سيأخذ الصدر، فهذا ~~- إذن - خلاف يؤدي إلى وفاق، ووفاق ms7034 يؤدي إلى خلاف. هنا يقول الحق سبحانه: ~~{ أرأيت من اتخذ إلهه هواه.. } [الفرقان: 43] ~~الهوى. أن تكون هناك قضية ظاهر فيها وجه الحق، إلا أنك تميل عنه ~~وأنت تعرفه، لا أنك تجهله. لذلك يقول العلماء: آفة الرأي الهوى. فالرأي ~~قد يكون صائبا، لكن يميل به الهوى حيث يريد الإنسان، وقلنا: لا أدل على ~~ذلك من أن الرجل منهم كان يسير فيجد حجرا أجمل من حجره الذي يعبده، ~~فيلقى الإله الذي يعبده ليأخذ هذا الذي هو أجمل منه فيتخذه إلها، إذن: ~~هواه في جمال الحجر غلب أنه إله. وقد وقف المستشرقون عند قوله تعالى في ~~حق النبي صلى الله عليه وسلم: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3]. يقولون: كيف يحكم الله بأن رسوله لم ينطق عن الهوى، وقد ~~عدل له بعض ما نطق به، مثل قوله تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك.. # [التحريم: 1]. وقال تعالى: # عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك.. # [التوبة: 43]. ولا بد أن نحدد مفهوم الهوى أولا: أنت مدرك أن ~~لديه قضيتين: الحق واضح في إحداهما، إلا أن هواه يميل إلى غير الحق. إنه ~~صلى الله عليه وسلم نطق لأنه لم تكن هناك قضية واقعة، وهو يعرف وجه الحق ~~فيها، فهو - إذن - لم يسر على الهوى، إنما على ما انتهى إليه اجتهاده. # ألا ترى قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في مسألة تبنيه لزيد ~~بن حارثة # ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله.. # [الأحزاب: 5] فمعنى أن نسبته لأبيه أقسط أن رسول الله لم يكن جائرا، ~~فما فعله قسط، لكن فعل الله أقسط منه. فالحق - تبارك وتعالى - لم ~~يخطىء رسوله صلى الله عليه وسلم، وسمى فعله عدلا، وهو عدل بشري ~~يناسب ما كان من تمسك زيد برسول الله، وتفضيله له على أهله، فلم يجد ~~رسول الله أفضل من أن يتبناه مكافأة له. ثم يقول سبحانه: { ~~أفأنت تكون عليه وكيلا } [الفرقان: 43] وكيلا يتولى ~~توجيهه، ليترك هواه ويتبع الحق، كما قال سبحانه في موضع آخر: # لست عليهم بمصيطر ms7035 # [الغاشية: 22] وقال: # أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين # [يونس: 99] وقال: # إن عليك إلا البلاغ.. # [الشورى: 48]. فالذي اتبع هواه حتى جعله إلها له لا يمكن أن تحمله على ~~أن يعدل عن هواه لأن الأهواء مختلفة، فالبعض يريد أن يتمتع بجهد غيره، ~~فيضع يده في جيوب الآخرين ليسرقهم، لكن أيسره أن يفعل الناس معه مثل ~~فعله معهم؟ إذن: هوى صادم هوى، فأيهما يغلب؟ يغلب من يحكم بلا ~~هوى، لا لك ولا عليك، وقضية الحق في ذاتها لا توجد إلا من الله تعالى. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون... }. ### || [25.44] # { يسمعون.. } [الفرقان: 44] أي: سماع تعقل وتدبر، فلو سمعوا ~~وعقلوا ما وصلت بهم المسائل إلى هذا الحد { إن هم إلا ~~كالأنعام.. } [الفرقان: 44] مع أن الأنعام مسخرة وتؤدي مهمتها ~~ولم تمتنع عن شيء خلقت له، فقد شبههم الله بالأنعام لأن الأنعام لا ~~يطلب منها أن تسمع الهداية لأنها مسخرة، والذي يطلب منه السماع ~~والهداية هو المخير بين أن يفعل أو لا يفعل. كأن الحق سبحانه يقول: ~~أتظن أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟ وكلمة { أكثرهم.. } [الفرقان: ~~44] تدل على أن بعضهم يسمع ويعقل، وهذا من قانون الاحتمال، فكثير من كفار ~~قريش ناصبوا رسول الله العداء، وانتهى الأمر بهم إلى أن أسلموا وحسن ~~إسلامهم، إذن: كان فيهم من يسمع، ومن يفكر ويعقل لذلك قال: { ~~أكثرهم.. } [الفرقان: 44] ليحمي هذا الحكم، وليحتاط لما سيقع من ~~إيمان هؤلاء البعض، هذا دقة في تحري الحقيقة. وسبق أن ذكرنا ما كان ~~من أسف المؤمنين حين يفوتهم قتل أحد صناديد الكفر في المعركة، فكانوا ~~يألمون لذلك أشد الألم، وهم لا يدرون أن حكمة الله كانت تدخرهم للإيمان ~~فيما بعد، ومنهم خالد ابن الوليد الذي أصبح بعد ذلك سيف الله المسلول. ~~والأنعام قلنا: لا دخل لها في مسألة الهداية أو الضلال لأنها مسخرة ~~لا اختيار لها لذلك ضرب الله بها المثل لليهود: # كمثل الحمار يحمل أسفارا.. # [الجمعة: 5] فالحمار مهمته أن يحمل فحسب، أما أنت أيها اليهودي فمهمتك ~~أن تحمل وتطبق، الحمار لا ms7036 يطبق لأنه لم يطلب منه ذلك، مع أن الحيوان ~~يعرف صاحبه ويعرف طعامه ومكان شرابه، ويعرف طريقه ومكان مبيته، حتى أن ~~أحدهم مات على ظهر جواده، فسار به الجواد إلى بيته. إذن: فالأنعام تفهم ~~وتعقل في حدود المهمة التي خلقها الله لها، ولا تقصر في مهمتها، أما ~~المهمة الدينية فتعلمها في باطن الأمر، لكن لا يطلب منها شيء الآن، ~~لأنها انتهت من هذه المسألة أولا، كما قال سبحانه وتعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]؟ فاختاروا أن يكونوا مسيرين بالغريزة محكومين بها، ~~إذن: فلهم اختيار، لكن نفذوا اختيارهم جملة واحدة من أول الأمر. خذ ~~مثلا الهدهد وهو من المملوكات التي سخرها الله لسليمان - عليه السلام - ~~يقول له: # أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين # [النمل: 22] أي ديمقراطية هذه التي تمتع بها الهدهد مع سليمان.؟! ~~إذن: فحتى الحيوانات تعرف هذه القضية، وإن لم يطلب منها شيء، ~~والحيوانات لا يمكن أن تفعل شيئا إلا إذا كان منوطا بغرائزها وفي ~~مقدورها. وسبق أن ضربنا مثلا بالحمار، إذا أردت منه أن يقفز فوق جدول ~~ماء فإنه ينظر إليه، فإن كان في مقدوره قفز، وإن كان فوق مقدوره ~~تراجع، ولا يمكن أن يقدم مهما ضربته لأنه علم بغريزته أنه فوق ~~إمكاناته، أما الإنسان فقد يقدم على مثل هذا دون حساب للإمكانات، ~~فيوقع نفسه فيما لا تحمد عقباه. ثم يقول الحق سبحانه: { ألم تر ~~إلى ربك كيف مد الظل... }. ### || [25.45] # الحق - سبحانه وتعالى - وهو خالق الآيات في الكون ينبه إليها ~~الخلق، وكان من المفروض ممن يرى الآيات أن يتنبه إليها دون أن ~~ينبه، فإذا رأى عجيبة من عجائب الكون تأملها، وسبق أن ضربنا لذلك مثلا ~~بمن انقطعت به السبل في صحراء شاسعة، ليس بها أنيس ولا حياة، وقد بلغ ~~به الجهد حتى نام، فلما استيقظ وجد مائدة عليها أطايب الطعام أو الشراب، ~~بالله قبل أن تمتد يده إلى الطعام، أليس ms7037 من المفروض أن يفكر في هذا ~~الطعام، من أتى به؟ وأعده على هذه الصورة؟ إذن: في الكون آيات كان ~~يجب أن تشد انتباهك لتبحث فيها وفي آثار وجودها وكلها آيات عالية ~~عنا وفوق إمكاناتنا: الشمس والقمر، الهواء والمطر.. إلخ. ومع ذلك لم ~~يتركك الله لأن تتنبه أنت، بل نبهك ولفتك وجذب انتباهك لهذه ولهذه. ~~وهنا، الحق - تبارك وتعالى - يعرض الآيات والكونيات التي يراها الإنسان ~~برتابة كل يوم، يراها الفيلسوف كما يراها راعي الشاة، يراها الكبير كما ~~يراها الصغير كل يوم على نظام واحد، لا يكاد يلتفت إليها. يقول سبحانه: { ~~ألم تر.. } [الفرقان: 45] أي: ألم تعلم، أو ألم تنظر إلى صنعة ربك ~~{ كيف مد الظل ولو شآء لجعله ساكنا ثم ~~جعلنا الشمس عليه دليلا } [الفرقان: 45] نعم نرى الظل، ~~فما هو؟ الظل أن يحجب شيء كثيف على الأرض - مثل جبل أو بناء أو شجرة ~~أو نحوه - ضوء الشمس، فتظهر منطقة الظل في المكان المشمس، فالمسألة - ~~إذن - متعلقة بالشمس، وبالأرض التي نعيش عليها. وقد علمنا أن الأرض كرة ~~تواجه الشمس، فالجهة المواجهة منها للشمس تكون مضاءة، والأخرى تكون ~~ظلاما لا نقول - ظلا، فما الفرق بين الظل والظلام؟ قالوا: إذا كان ~~الحاجب لضوء الشمس من نفس الأرض فهي ظلمة، وإن كان الحاجب شيئا على ~~الأرض فهو ظل. والظل نراه في كل وقت، وقد ورد في عدة مواضع من كتاب الله، ~~فقال سبحانه: # إن المتقين في ظلال وعيون # [المرسلات: 41]. وقال: # لهم فيهآ أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا # [النساء: 57] وقال: # أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ~~ظلاله.. # [النحل: 48]. ينبهنا ربنا - تبارك وتعالى - إلى مهمة أخرى من مهام الظل، ~~وهي أنه يحمينا من وخزة الشمس وحرارتها، ويرتقي الإنسان في استخدام ~~الظل فيجعله كما قال تعالى # ظلا ظليلا # [النساء: 57] أي: أن الظل نفسه مظلل، فيجعلون الخيمة مثلا لها سقفان ~~منفصلان حتى لا يتأثر داخل الخيمة بالحرارة خارجها. لذلك تجد ظل الشجرة ~~ألطف من ظل الحائط مثلا أو المظلة لأن أوراق الشجرة يظلل بعضها ~~بعضا، فالظل ms7038 يأتيك من مظلل آخر، فتشعر تحت ظل الشجرة وكأنك في تكييف ~~لأن الأوراق تحجب عنك حرارة الشمس، في حين تسمح بمرور الهواء، كما قال ~~الشاعر في وصف دوحة: # يصد الشمس أنى واجهتنا # فيحجبها ويأذن للنسيم # وقال تعالى: # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة.. # [الأعراف: 171]. وحين تتأمل هذه الظاهرة ساعة طلوع الشمس ترى الشيء ~~الكثيف الذي يحجب ضوء الشمس يطول ظله إلى نهاية الأفق، ثم يأخذ في ~~القصر كلما ارتفعت الشمس إلى أن يصير في زوال، ثم ينعكس الظل مع ميل ~~الشمس ناحية الغرب فيطول إلى نهاية الأفق. والحق - تبارك وتعالى - يريد ~~منا أن نلاحظ هذه الظاهرة، وأن نتأملها { ألم تر إلى ربك ~~كيف مد الظل.. } [الفرقان: 45] أي: ساعة طلوع الشمس { ولو ~~شآء لجعله ساكنا.. } [الفرقان: 45] لأن مشيئة الله تستطيع أن ~~تخلق الشيء ونقيضه، فإن شاء مد الظل، وإن شاء أمسكه. ولكنه يتغير: ~~ينقص في أول النهار، ويزيد في آخره وكل ما يقبل الزيادة يقبل النقص، ~~والنقص أو الزيادة حركة، وللحركة نوعان: حركة قفزية كحركة عقرب الدقائق ~~في الساعة، فهو يتحرك بحركة قفزية، وهي أن يمر على المتحرك وقت ساكن ~~ثم يتحرك، إنما أتدرك ذلك في حركة عقرب الساعات؟ لا لأنه يسير بحركة ~~انسيابية، بحيث توزع أجزاء الحركة على أجزاء الزمن. ومثلنا هذه الحركة ~~بنمو الطفل الصغير الذي لا تدرك حركة نموه حال نظرك له منذ ولادته، إنما ~~إن غبت عنه فترة أمكنك أن تلاحظ أنه يكبر ويتغير شكله لأن نموه ~~موزع على فترات الزمن، لا يكبر هكذا مرة واحدة، فهي مجموعات كبر ~~تجمعت في أوقات متعددة، وليس لديك المقياس الدقيق الذي تلاحظ به كبر ~~الطفل في فترة قصيرة. وإذا كنا نستطيع إجراء هذه الحركة في الساعات ~~مثلا، فالحق - تبارك وتعالى - يحدثها في حركة الظل وينسبها لعظمها إلى ~~نفسه تعالى لأن الظل لا يسير بحركة ميكانيكية كالتي تراها في الساعة إنما ~~يسير بقدرة الله. والحق سبحانه يلفتنا إلى هذه الظاهرة، لا لأنها مجرد ~~ظاهرة كونية نراها ونتعجب منها، إنما لأننا سنستغلها ms7039 وننتفع بها في أشياء ~~كثيرة. فقدماء المصريين أقاموا المسلات ليضبطوا بها الزمن عن طريق الظل، ~~وصنع العرب المسلمون المزولة لضبط الوقت مع حركة الشمس، ونرى الفلاح ~~البسيط الآن ينظر إلى ظل شيء ويقول لك: الساعة الآن كذا لأنه تعود أن ~~يقيس الوقت بالظل، مع أن مثل هذا التقدير يكون غير دقيق لأن للشمس مطالع ~~متعددة على مر أيام العام لذلك في أحد معابد الفراعنة معبد به 365 ~~طاقة، تدخل الشمس كل يوم واحدة منها. إذن: أفادنا الظل في المسلات ~~والمزاول، ومنها انتقل المسلمون إلى عمل الساعات، وأولها الساعة الدقاقة ~~التي كانت تعمل بالماء، وقد أهدوا شارلمان ملك فرنسا واحدة منها فقال: ~~إن فيها شيطانا، هكذا كان المسلمون الأوائل. وقوله تعالى: { ثم ~~جعلنا الشمس عليه دليلا } [الفرقان: 45] أي: أن الضوء هو ~~الذي يدل على الظل. ### || [25.46] # الحق - تبارك وتعالى - يبين الحركة البطيئة للظل فيقول: { قبضا ~~يسيرا } [الفرقان: 46] لا تدركه أنت أبدا لأن في كل لحظة من لحظات ~~الزمن حركة فلا يخلو الوقت مهما قل من الحركة، لكن ليس لديك المقياس ~~الذي تدرك به بطء هذه الحركة. وقوله: { قبضناه إلينا.. } ~~[الفرقان: 46] دليل على أن المسألة ليست ميكانيكا، إنما هي بقيومية الله ~~تعالى لذلك فكأن الحق سبحانه يقول: يا عبادي ناموا ملء جفونكم، ~~فربكم قيوم على مصالحكم لا ينام. وأهل المعرفة يستنبطون من ظاهرة ~~الظل أسرارا، فيرون أن ظل الأشياء الشاهقة المتعالية يخضع لله ~~تعالى، ويسجد على الأرض، رغم أنه متعال شامخ، كما جاء في قوله سبحانه: # ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال # [الرعد: 15]. وقال سبحانه: # كل قد علم صلاته وتسبيحه.. # [النور: 41] فللظل حركة بطيئة لا يعلمها إلا الله لأنك لا تدرك مدى ~~صغرها لذلك قلنا في الهباء: إنه نهاية ما يمكن أن يكون من التفتيت ~~المنظور. ثم يقول الحق سبحانه: { وهو الذي جعل لكم اليل ~~لباسا... }. ### || [25.47] # { اليل.. } [الفرقان: 47] يعني: الظلمة لا الظل، فالظلمة هي التي ~~منعت النور، وإياك أن تظن أن الظلمة ضد النور، وتحاول أنت ms7040 أن تنسخ ~~الظلمة بنور من عندك، وهذه آفة الحضارة الآن أن جعلت الليل نهارا. وقد ~~تنبه العلماء أخيرا إلى مدى ضرر الأشعة على صحة الإنسان، لذلك جاء في ~~الحديث الشريف: # " أطفئوا المصابيح إذا رقدتم " # فالشعاع له عمل وقت حركتك، لكن ساعة نومك وراحتك ليس له مهمة، بل هو ضار ~~في هذا الوقت. والحق - تبارك وتعالى - يمتن علينا بالليل والنهار، ~~فيقول: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم اليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون # [القصص: 71-72]. إذن: فلليل مهمة، وللنهار مهمة يوضحها هنا الحق ~~سبحانه بقوله: { وهو الذي جعل لكم اليل لباسا.. } ~~[الفرقان: 47] أي: ساترا، كما أن اللباس يستر الجسم، والنوم ردع ذاتي ~~يقهر الكائن الحي، وليس ردعا اختياريا. لذلك تلاحظ أنك إن أردت أن ~~تنام في غير وقت النوم تتعب وترهق، أما إن أتاك النوم فتسكن وتهدأ، ~~ومن هنا قالوا: النوم ضيف ثقيل إن طلبته أعنتك، وإن طلبك أراحك. ~~لذلك ساعة يطلبك النوم تنام ملء جفونك، ولو على الحصى يغلبك النوم ~~فتنام، وكأن النوم يقول لك: اهمد واسترح، فلم تعد صالحا للحركة، أما ~~من غالب هذه الطبيعة فأخذ مثلا حبوبا تساعده على السهر، فإن سهر ~~ليلة نام بعدها ليلتين، كما أن الذي يغالب النوم تأتي حركته مضطربة غير ~~متوازنة. فعليك - إذن - أن تخضع لهذه الطبيعة التي خلقك الله عليها ~~وتستسلم للنوم إن ألح عليك، ولا تكابر لتقوم في الصباح نشيطا وتستأنف ~~حركة حياتك قويا صالحا للعمل وللعطاء. وللصوفية في النوم ملحظ دقيق ~~يبنى على أن الكون كله غير المختار مسبح لربه، كما قال تعالى: # كل قد علم صلاته وتسبيحه.. # [النور: 41] وعليه، فذرات الكافر في ذاتها مؤمنة، يؤلمها ويغيظها أن ~~صاحبها عاص أو كافر فتطيعه، وهي كارهة لفعله بدليل أنها ستشهد عليه يوم ~~القيامة، فإن كانت مسخرة لمراداته في الدنيا فإنها ستتحرر من هذه ms7041 ~~الإرادة في الآخرة. فاللسان مسخر لصاحبه، إن شاء نطق به الشهادتين، ~~وإن شاء نطق به كلمة الكفر لأنه مقهور لإرادته، أما في القيامة فلا ~~إرادة إلا للحق تبارك وتعالى. وفي النوم ترتاح هذه الجوارح وهذه الذرات ~~من سيئات صاحبها ومن ذنوبه، تستريح من نكده وإكراهه لها على معصية الله. ~~فالنوم ردع طاقي، فلم يعد الإنسان صالحا للحركة، ولا للتعايش ~~السالم مع جوارحه، لقد كثرت ذنوبه ومعاصيه حتى ضاقت بها الجوارح، ~~فيأتي النوم ليريحها. # وهذه الظاهرة نشاهدها مثلا في موسم الحج، يقول لك الحاج: يكفيني أن ~~أنام في اليوم ساعة أو ساعتين لماذا؟ لأن السيئات في هذا المكان قليلة، ~~فجوارحك في راحة وانسجام معك فلا تحملك على النوم، أما العاصي فلا يكفيه ~~أن ينام عشرة ساعات لأن جوارحه وأعضاءه متعبة متضايقة من أفعاله. وهذه ~~نفسر بها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تنام عيناه ولا ينام ~~قلبه ذلك لأن جوارحه صلى الله عليه وسلم تصحبه خير صحبة، فهي في طاعة ~~دائمة مستمرة، فكيف تحمله على أن ينام؟ والخالق - عز وجل - يعامل الناس ~~على المعنى العام، فالنفوس دائما ميالة للشر جانحة للسوء لذلك تتعب ~~الطاقة وتتعب الجوارح، وكأن الله تعالى يريد إحداث هدنة للتعايش بينك ~~وبين جوارحك، نم لتصبح نشيطا. ومعنى { والنوم سباتا.. } ~~[الفرقان: 47] السبت أي: القطع. فمعنى { سباتا.. } [الفرقان: 47] ~~يعني: قاطعا للحركة، لا انقطاعا نهائيا، إنما انقطاعا مستأنفا ~~لحركة أفضل، وبدن أقوى وأصح، فالذي يقضي ليله ساهرا يقوم من نومه ~~متعبا مضطربا، على خلاف من جعل وقت النوم للنوم لأن الخالق عز وجل ~~جعل نومك بالليل على قدر ما تتحرك بالنهار، فإن أردت حركة متزنة ~~نشيطة وقوية فنم على مقدار هذه الحركة. وقوله تعالى: { وجعل ~~النهار نشورا } [الفرقان: 47] النشور مثل الشكور: # إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ~~ولا شكورا # [الإنسان: 9] أي: شكر، وكذلك النشور أي نشر، والنشر يعني الانطلاق في ~~الأرض بالحركة، كما في قوله تعالى: # فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله.. # [الجمعة: 10]. ثم يقول سبحانه: ms7042 { وهو الذي أرسل ~~الرياح... }. ### || [25.48] # قلنا: إن الرياح إذا جاءت هكذا بصيغة الجمع دلت على الخير، وإن ~~جاءت مفردة فهي آتية بالشر، وإذا نظرت إلى الجبال العالية وإلى ناطحات ~~السحاب تقول: ما الذي يقيم هذه المباني العالية، فلا تميل؟ الذي يمسكها ~~هو الهواء الذي يحيط بها من كل ناحية، ولو فرغت الهواء من أحد ~~نواحيها تنهار فورا. إذن: فالريح من هنا، ومن هنا، ومن هنا، فهي رياح ~~متعددة تصلح ولا تفسد، وتحدث هذا التوازن الذي نراه في الكون، أما ~~الريح التي تأتي من ناحية واحدة فهي مدمرة مهلكة، كما جاء في قوله تعالى: # بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6]. وقال الحق سبحانه وتعالى: # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم # [الأحقاف: 24]. ومعنى { بشرا.. } [الفرقان: 48] بسكون الشين، مع أنها ~~في الأصل بشرا مثل رسل، فلما خففت صارت بشرا، والبشرى هي ~~الإخبار بما يسر قبل زمنه، فلا تقول يبشر إلا في الخير، وكان العربي ~~ساعة تمر عليه الرياح يعرف كم بينه وبين المطر، فيحكم على مجيء المطر ~~بحركة الرياح الطرية التي تداعب خده. وقوله سبحانه: { بين يدي ~~رحمته.. } [الفرقان: 48] يقال: بين يديك يعني: أمامك. والمراد هنا ~~المطر الذي يسبق رحمة الله. ثم يقول تعالى: { وأنزلنا من ~~السمآء مآء طهورا } [الفرقان: 48] السماء لها معنى لغوي، ومعنى ~~شرعي. فهي لغة: كل ما علاك، وشرعا: هي هذه السماء العالية والتي تتكون ~~من سبع سماوات، لكن أينزل المطر من السماء أم من جهة السماء؟ المطر ينزل ~~من الغمام من جهة السماء، والغمام أصله من الأرض نتيجة عملية البخر الذي ~~يتجمع في طبقات الجو، كما قال سبحانه: # ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ~~ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله ~~وينزل من السمآء من جبال فيها من برد.. # [النور: 43]. إذن: فرحمة الله هي الماء الذي خلق الله منه كل شيء حي. ~~وقوله تعالى: { مآء طهورا } [الفرقان: 48] الطهور: الماء الطاهر ~~في ذاته، المطهر لغيره، فالماء الذي تتوضأ به طاهر ومطهر، أما بعد أن ~~تتوضأ ms7043 به فهو طاهر في ذاته غير مطهر لغيره، وماء السماء طاهر ومطهر ~~لأنه مصفى مقطر، والماء المقطر أنقى ماء. بالإضافة إلى أن الماء ~~قوام الحياة، منه نشرب ونسقي الزرع والحيوان والطير، فالماء يعطيك ~~الحياة ويعطيك الطهارة. ثم يقول الحق سبحانه: { لنحيي به ~~بلدة ميتا ونسقيه... }. ### || [25.49] # قوله تعالى: { بلدة ميتا.. } [الفرقان: 49] أي: أرض بلدة ~~ميت، وفرق بين ميت وميت: الميت هو الذي مات بالفعل، والميت هو ~~الذي يؤول أمره إلى الموت، وإن كان ما يزال على قيد الحياة، ومن ذلك ~~قوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. والأرض الميتة هي الجرداء الخالية من النبات، فإذا نزل ~~عليها الماء أحياها بالنبات، كما في قوله سبحانه: # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج # [الحج: 5]. وقوله تعالى: { ونسقيه مما خلقنآ أنعاما ~~وأناسي كثيرا } [الفرقان: 49] يقال سقاه وأسقاه: أسقاه: أعد ~~له ما يستقي منه، وإن لم يشرب الآن، لكن سقاه يعني: ناوله ما يشربه، ومن ~~ذلك قوله سبحانه: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21]. أما في المطر فيقول سبحانه: # فأسقيناكموه.. # [الحجر: 22] أي: أعددناه لسقياكم إن أردتم السقيا. ومعنى { ~~وأناسي.. } [الفرقان: 49] جمع إنسان، وأصلها أناسين، وخففت ~~إلى أناسي. ثم يقول الحق سبحانه: { ولقد صرفناه بينهم... ~~}. ### || [25.50] # التصريف: التحويل والتغيير، والمعنى حولناه من هنا إلى هنا، ومع كل ~~هذه العبر والآيات { فأبى أكثر الناس إلا كفورا } ~~[الفرقان: 50] فالكافرون بآيات الله كثير لا يلتفتون إلى آيات الله، حتى ~~بعد أن تقدم العلم وتقدمت الحضارة الإنسانية، ووقف الناس على كثير ~~من الآيات. فالحق - تبارك وتعالى - يصرف المطر إلى بلاد بغزارة، فإن ~~شاء أصابها الجفاف والجدب حتى تموت مزروعاتهم وحيواناتهم. إذن: ليست ~~المسألة بيئة باردة أو كثيرة الأمطار، إنما المسألة مرادات خالق، ومرادات ~~حق. ### || [25.51] # يريد الحق - تبارك وتعالى - أن يمتن على رسوله صلى الله عليه وسلم ~~منة، فيقول له: المسألة ليست قلة رسل عندنا حتى نرسل رسولا للناس ~~كافة وللزمن كله، ونحن نستطيع أن نخفف عنك ms7044 ونبعث في كل قرية رسولا ~~يخفف عنك عبء الرسالة، لكنا نريد لك أن تنال شرف الجهاد وشرف ~~المكافحة، فجمعناها كلها لك إلى أن تقوم الساعة. ونستفيد من هذه المسألة ~~أن الحق - سبحانه وتعالى - حين يهب الطاقات لا يعنى هذا أن الطاقة هي ~~التي تحكم قدرته في الأمر أن يبعث في كل قرية رسولا، إنما يقدر أن يرسل ~~رسولا ويعطيه طاقة تتحمل هذا كله. ثم يقول الحق سبحانه: { فلا تطع ~~الكافرين وجاهدهم... }. ### || [25.52] # أي: ما دمنا قد جمعنا لك كل القرى، وحملناك الرسالة العامة في كل ~~الزمان وفي كل المكان، فعليك أن تقف الموقف المناسب لهذه المهمة { فلا ~~تطع الكافرين.. } [الفرقان: 52] إن لوحوا لك بالملك أو ~~بالمال أو بالجاه والشرف، واعلم أن ما أعده الله لك وما ادخره لك فوق هذا ~~كله. وحين يقول سبحانه لرسول صلى الله عليه وسلم { فلا تطع ~~الكافرين.. } [الفرقان: 52] فإنه يعذره أمامهم، فالرسول ينفذ أوامر ~~الله. ونهى الرسول عن طاعة الكافرين لا يعني أنه صلى الله عليه وسلم ~~يطيعهم، فهذه كقوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا آمنوا.. # [النساء: 136] فكيف يطلب الإيمان ممن ناداهم بالإيمان؟ إنه تحصيل ~~حاصل. قالوا المعنى: أنت آمنت قبل أن أقول لك هذه الكلمة، وأقولها لك ~~الآن لتواصل إيمانا جديدا بالإيمان الأول، وإياك أن ينحل عنك ~~الإيمان. إذن: إذا طلب الموجود فالمراد استدامة الوجود. وقوله تعالى: { ~~وجاهدهم به.. } [الفرقان: 52] أي: بما جاءك من القرآن { جهادا ~~كبيرا } [الفرقان: 52] واعلم أنك غالب بأمر الله عليهم، ولا تقل: إن ~~هناك تيار إشراك وكفر وإيمان، وسوف أعطيك مثلا كونيا في أهم شيء في ~~حياتك، وهو الماء: { وهو الذي مرج البحرين هذا عذب ~~فرات... }. ### || [25.53] # تأتي هذه الآية استمرارا لذكر بعض آيات الله في الكون التي تلفت نظر ~~المكابرين المعاندين لرسول الله، وسبق أن ذكر سبحانه: الظل والليل ~~والرياح.. الخ إذن: كلما ذكر عنادهم يأتي بآية كونية ليلفتهم إلى أنهم ~~غفلوا عن آيات الله، وجدالهم مع رسول الله يدل على أنهم لم يلتفتوا إلى ~~شيء من هذا لذلك ms7045 ذكر آية كونية من آيات الله المرئية للجميع ومكررة، ~~وعليها الدليل القائم إلى يوم القيامة، فقال تعالى: { وهو الذي ~~مرج البحرين.. } [الفرقان: 53]. المرج: المرعى المباح، أو ~~الكلأ العام الذي يسوم فيه الراعي ماشيته تمرح كيف تشاء. فمعنى { مرج ~~البحرين.. } [الفرقان: 53] أي: جعل العذب والمالح يسيران، كل ~~كما يشاء، لذلك تجد البحار والمحيطات المالحة التي تمثل ثلاثة أرباع ~~اليابسة ليس لها شكل هندسي منتظم، بل تجده تعاريج والتواءات، وانظر مثلا ~~إلى خليج المكسيك أو خليج العقبة، وكأن الماء يسير على هواه ودون نظام، ~~فلا يشكل مستطيلا أو مربعا أو دائرة. وكذلك الأنهار التي تولدت من ~~الأمطار على أعلى الجبال، فتراها حين تتجمع وتسير تسير كما تشاء، ملتوية ~~ومتعرجة لأن الماء يشق مجراه في الأماكن السهلة، فإن صادفته عقبة ~~بسيطة ينحرف هنا أو هناك، ليكمل مساره، وانظر إلى التواء النيل مثلا عند ~~قنا. إذن: الماء عذب أو مالح يسير على هواه، وليست المسألة ميكانيكا، ~~وليست منتظمة كالتي يشقها الإنسان، فتأتي مستقيمة. ونلحظ هذه الظاهرة ~~مثلا حينما يقضي الإنسان حاجته في الخلاء، فينزل البول يشق له مجرى في ~~المكان الذي لا يعوقه، فإن صادفته حصاة مثلا انحرف عنها كأنه يختار ~~مساره على هواه. والبحر يقال عادة للمالح وللعذب على سبيل التغليب، كما ~~نقول الشمسان للشمس والقمر. ومرج البحرين آية كونية تدل على قدرة الله، ~~فالماء مع ما عرف عنه من خاصية الاستطراق - يعني: يسير إلى المناطق ~~المنخفضة، يسير المالح والعذب معا دون أن يختلط أحدهما بالآخر، ولو ~~اختلطا لفسدا جميعا لأن العذب إن خالطه المالح أصبح غير صالح ~~للشرب، وإن خالط المالح العذب فسد المالح، وقد خلقه الله على درجة معينة ~~من الملوحة بحيث تصلحه فلا يفسد، وتحفظه أن يكون آسنا. فالماء العذب ~~حين تحصره في مكان يأسن ويتغير، أما البحر فقد أعده الله ليكون مخزن ~~الماء في الكون ومصدر البخر الذي تتكون منه الأنهار لذلك حفظه، وجعل ~~بينه وبين الماء العذب تعايشا سلميا، لا يبغي أحدهما على الآخر رغم ~~تجاورهما. وقوله تعالى: ms7046 { هذا عذب فرات.. } [الفرقان: 53] أي: ~~مفرط في العذوبة مستساغ، ومن هذه الكلمة سموا نهر الفرات لعذوبة ~~مائه، فليس المراد بالفرات أن الماء كماء نهر الفرات لأن الكلمة وضعت ~~أولا، ثم سمي بها النهر، ذلك لأن القرآن هو كلام الله الأزلي. # { وهذا ملح أجاج.. } [الفرقان: 53] أي: شديد الملوحة، ومع ~~ذلك تعيش فيه الأسماك والحيوانات المائية، وتتغذى عليه كما تتغذى على ~~الماء العذب، كما قال سبحانه: # ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية ~~تلبسونها.. # [فاطر: 12]. ثم يقول سبحانه: { وجعل بينهما برزخا ~~وحجرا محجورا } [الفرقان: 53] البرزخ: شيء بين شيئين، وأصل كلمة ~~برزخ: اليابسة التي تفصل بين ماءين، فإن كان الماء بين يابستين فهو خليج. ~~{ وحجرا محجورا } [الفرقان: 53] الحجر: هو المانع الذي ينمع ~~العذب والمالح أن يختلطا، والحجر نفسه محجور، مبالغة في المنع من ~~اختلاط الماءين، كما جاء في قوله تعالى: # وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا # [الإسراء: 45]. ومثل قوله تعالى: # ظلا ظليلا # [النساء: 57]. ثم يقول الحق سبحانه: { وهو الذي خلق من ~~المآء... }. ### || [25.54] # وفي آية عامة عن الماء، قال تعالى: # وجعلنا من المآء كل شيء حي.. # [الأنبياء: 30] يعني: كل شيء فيه حياة فهو من الماء، لا أن الماء داخل ~~في كل شيء، فالمعنى: # كل شيء حي.. # [الأنبياء: 30] أي: كل شيء موصوف بأنه حي، فالماء - إذن - دليل الحياة ~~لذلك إذا أراد العلماء أن يقضوا على الميكروبات أو الفيروسات جعلوا لها ~~دواء يفصل عنها المائية فتموت. والإنسان الذي كرمه الله تعالى وجعله ~~أعلى الأجناس، خلقه الله من الماء، { وهو الذي خلق من ~~المآء بشرا.. } [الفرقان: 54] وفي موضع آخر قال سبحانه: # فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من مآء دافق * ~~يخرج من بين الصلب والترآئب # [الطارق: 5-7] وهو ماء له خصوصية، وهو المني الذي قال الله فيه: # ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة ~~فخلق فسوى # [القيامة: 37-38]. والبشر أي: الإنس { فجعله نسبا وصهرا.. } ~~[الفرقان: 54] فمن الماء خلق الله البشر، وهم قسمان: ذكور وإناث، فكلمة ~~نسبا تعني: الذكورة وصهرا ms7047 تعني: الأنوثة لأن النسب يعني انتقال ~~الأدنى من الأعلى بذكورة، فيظل الإنسان فلان بن فلان بن فلان.. الخ. ~~فالنسب يأتي من ناحية الذكورة، أما الأنوثة فلا يأتي نسب، إنما مصاهرة، ~~حينما يتزوج رجل ابنتي، أو أتزوج ابنته، يسمونه صهرا. لذلك قال ~~الشاعر: # وإنما أمهات القوم أوعية # مستحدثات وللأحساب آباء # فمن عظمة الخالق - عز وجل - أن خلق من الماء هذين الشيئين، كما قال في ~~موضع آخر: # فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى # [القيامة: 39]، وقد توصل العلماء مؤخرا إلى أن بويضة الأنثى لا ~~دخل لها في نوع الجنين، وما هي إلا حاضنة للميكروب الذكري الآتي من ~~مني الرجل. وهذا معنى قوله تعالى: # ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة ~~فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر ~~والأنثى # [القيامة: 37-39]. فالذكر والأنثى كلاهما من المني، والذي يطلق عليه ~~العلماء الآن الإكس، والإكس واي فالحيوان المنوي يخرج من الرجل، منه ما ~~هو خاص بالذكورة، ومنه ماهو خاص بالأنوثة، ثم تتم عملية انتخاب للأقوى ~~الذي يستطيع تلقيح البويضة. وهذه الظاهرة واضحة في النحل، حيث تضع الملكة ~~البيض، ولا يخصبها إلا الأقوى من الذكور، لذلك تطير الملكة على ~~ارتفاعات عالية، لماذا؟ لتنتخب الأقوى من الذكور. كذلك الميكروب ينزل من ~~الرجل، والأقوى منه هو الذي يستطيع أن يسبق إلى بويضة المرأة، فإن سبق ~~الخاص بالذكورة كان ذكرا، وإن سبق الخاص بالأنوثة كان أنثى، والحق ~~سبحانه قال: # الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. وبهذه الآية الكونية في خلق الإنسان نرد على الذين ~~يحلو لهم أن يقولوا: إن الإنسان خلق صدفة، فإذا كان الإنسان ذكرا ~~وأنثى بينهما مواصفات مشتركة وأجهزة ومقومات واحدة، إلا أن الذكر ~~يختلف في الجهاز التناسلي وكذلك الأنثى، فهل يرد هذا الى الصدفة؟ ~~ومعلوم أن الصدفة من أعدائها الاتفاق، فإذا جاء الذكر صدفة، وجاءت ~~الأنثى كذلك صدفة، فهل من الصدفة أن يلتقيا على طريقة خاصة، فيثمر هذا ~~اللقاء أيضا ذكورة وأنوثة؟! إذن: المسألة ليست مصادفة، إنما هي غاية ~~مقصودة للخالق عز وجل. # ثم يقول ms7048 سبحانه في ختام الآية { وكان ربك قديرا } [الفرقان: ~~54] وذكر سبحانه القدرة هنا لأن هذه مسألة دقيقة لا تحدث إلا بقدرة الله ~~تعالى. وقد فطن العرب حتى قبل نزول القرآن إلى هذه العملية بالفطرة، ~~فهذه زوجة أبي حمزة تعاتبه لأنه تركها وتزوج من أخرى، لأنها لم تلد له ~~ذكرا، فتقول: # ما لأبي حمزة لا يأتينا # غضبان ألا نلد البنينا # تالله ما ذلك في أيدينا # فنحن كالأرض لغارسينا # نعطي لهم مثل الذي أعطينا # وهذه المسألة التي فطن إليها العربي القديم لم يعرفها العلم إلا في ~~القرن العشرين. وبعد هذه الآية الكونية يعود - سبحانه وتعالى - إلى ~~خطابهم مرة أخرى لعل قلوبهم ترق، فالحق - تبارك وتعالى - يتعهدهم مرة ~~بالنصح، ومرة بإظهار آياته تعالى في الكون. ### || [25.55] # يعني: أيليق بهم بعد أن أوضحنا لهم كل هذه الآيات أن يلتفتوا إلى ~~غير الله، ويقصدوه بالعبادة؟ وقوله تعالى: { ما لا ينفعهم ولا ~~يضرهم.. } [الفرقان: 55] البعض يرى أن هذه الآلهة نعم لا تنفع ~~لكنها تضر، نقول لهم: هي لا تنفع، ولا تضر، أما الذي يضر فهو الإله ~~الحق الذي انصرفوا عنه إلى عبادة غيره، والمعنى هنا: { ما لا ~~ينفعهم.. } [الفرقان: 55] إن عبدوه { ولا يضرهم } ~~[الفرقان: 55] إن كفروا به وتركوه. والقرآن يسمي فعلهم من هذه الآلهة ~~عبادة، وهم أنفسهم يقولون: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3]. إذن: أثبتوا لهم عبادة، والعبادة طاعة العابد للمعبود فيما ~~يأمر به، وفيما ينهي عنه، فما الذي أمرتهم به الأصنام؟ وما الذي نهتهم ~~عنه؟ فكلمة عبادة هنا خطأ، وهم ما عبدوا هذه الآلهة إلا لأنها لا أوامر ~~لها ولا التزام معها، فتدينهم تدين فنطزية. وما أسهل أن تعبد إلها لا ~~يأمرك ولا ينهاك، والذي يكرهونه في التدين الحقيقي أنه التزام وتكليف: ~~افعل كذا، ولا تفعل كذا. لذلك ترى المسرفين على أنفسهم من خلق الله ~~يتمنى كل منهم أن يكون هذا الدين كذبا، لماذا؟ ليسيروا على هواهم، ~~ويعملوا ما يحلو لهم. كذلك رأينا الدجالين الذين ادعوا النبوة بداية ~~من مسيلمة وسجاح، كيف كانوا ms7049 يجذبون الناس إليهم؟ كانوا يجذبونهم بتخفيف ~~الأوامر وتبسيط الدين، ولما شقت الزكاة على البعض أسقطوها من حسابهم، ~~وأعفو الناس منها.. إلخ. ولكل زمان دجالون يناسبون العصر الذي يعيشون ~~فيه، وفي عصرنا الحاضر دجالون يخففون عنك الدين ويطوعونه لأهواء ~~الناس ورغباتهم، فلا مانع عندهم من الاختلاط، ولا بأس في أن ترتدي المرأة ~~من اللباس ما تشاء.. إلى آخر هذه المسائل. ثم يقول سبحانه: { وكان ~~الكافر على ربه ظهيرا } [الفرقان: 55]. الظهير: هو المعين: ~~كما ورد في قوله سبحانه وتعالى: # .. وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ~~وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ~~ظهير # [التحريم: 4]. وكانوا في الماضي يحملون الأحمال على الظهر قبل اختراع ~~آلات الحمل، وحتى الآن نرى الشيالين يحملون الأثقال على ظهورهم، ويخيطون ~~لهم ظهرية يرتدونها على ظهورهم لتحميهم ساعة حمل الأثقال، وإذا أراد ~~أحدهم معاونة الآخر يقول له: أعطني ظهرك، فكان الظهر إذن بهذا المعنى. ~~والظهر أيضا يقتضي العلو، ومنه قوله تعالى عن السد الذي بناه ذو ~~القرنين: # فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا # [الكهف: 97] يعني: ما استطاعوا اعتلاءه. لكن، كيف يكون الكافر ظهريا ~~على الله؟ قالوا: لأنه يفعل المعصية، ويتخذ أسوة فيها يقلده الناس، ~~ولو كان طائعا لكان أسوة خير ونموذج صلاح، فالكافر أسوة شر، وأسوة ~~فساد، وهو شيطان الإنس الذي يوازي شيطان الجن الذي عصى ربه، ورفض السجود ~~لآدم. # وتوعد ذريته حين قال: # قال رب بمآ أغويتني لأزينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين # [الحجر: 39]. وكل من شياطين الجن وشياطين الإنس يستعين بالنفس ~~فيسلطها على صاحبها حتى توقعه، فالإنسان حينما يستمع لنداء الشيطان، ~~سواء شيطان الإنس أو شيطان الجن ويطيعه بعمل المخالفة، فإنه يعينه على ~~الله، والمعنى الصحيح: على معصية الله. كما أن الظهير يطلق على من ~~جعلته وراء ظهرك، لا تأبه به، ولا تلتفت إليه، ومنه قول العرب: لا ~~تجعلن حاجتي منك بظهر يعني: اجعلها أمام عينيك لا تطوها وراء ظهرك. ~~إذن: فكلا المعنيين جائز: ظهيرا أي: معينا، كأن الحق - تبارك ~~وتعالى - يقول لنبيه صلى الله ms7050 عليه وسلم: اعلم يا محمد أن الكافر ظهير ~~على الله، فقف له بالمرصاد، وجاهده ما استعطت، فكأنه تعالى يحمس ~~رسوله ليقف هذا الموقف، ويشجعه ليكون من عدوه على حذر وعلى يقظة. ~~أو: ظهيرا لا يؤبه له، وهذا طمأنه لرسول الله، فالكافر هين على ~~الله، فلا يهمك كيدهم. ثم يقول الحق سبحانه: { ومآ أرسلناك ~~إلا مبشرا... }. ### || [25.56] # صحيح أن الله تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم: # يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم.. # [التوبة: 73] لكن لا يعني هذا أن يهلك رسول الله نفسه في دعوتهم، ويألم ~~أشد الألم لعدم إيمانهم لأن مهمة الرسول البلاغ، وقد أسف رسول الله لحال ~~قومه حتى خاطبه ربه بقوله: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. وما أمره الله بجهاد الكفار والمنافقين إلا ليحفزه، فلا ~~يترك جهدا إلا بذله معهم، وإلا فأنت عندي مبشر ومنذر { ومآ ~~أرسلناك إلا مبشرا.. } [الفرقان: 56] أي: بالخير قبل أوانه ~~ليتلفت الناس إلى وسائله { ونذيرا } [الفرقان: 56] أي: بالشر قبل ~~أوانه ليحذره الناس، ويجتنبوا أسبابه ووسائله. ثم يوجه رب العزة نبيه ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم: { قل مآ أسألكم عليه من ~~أجر... }. ### || [25.57] # في آية أخرى: يقول تعالى: # أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون # [الطور: 40]. يعني: غير قادرين على دفع الثمن لأنهم بخلاء وعندهم ~~كزازة؟ أو لا يريدون أن يخرجوا من جيوبهم شيئا تنتفع أنت به؟ مع أنك ~~لم تسألهم أجرا، فهل يعني ذلك أن النبي كان من المفروض أن يسألهم أجرا؟ ~~قالوا: نعم لأنه إذا قدم إنسان لإنسان شيئا نافعا، فعليه أن يدفع له ~~أجرا بمقتضى التبادل والمعاوضة، وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول لهم: لقد ~~قدمت إليكم جميلا يفترض أن لي عليه أجرا، لكني لا أريد منكم أجرا، ~~والمسألة من عندي تفضل. وما هو الأجر؟ الأجر: جعل يقابل عملا، ~~والثمن: جعل يقابل تملكا، وقيمة هذا الجعل تختلف باختلاف مشقة ~~العمل، وطول زمنه، ومهارة العامل فيما يقتضيه العمل ومخاطر ما يقتضيه ~~العمل. فكل مسألة من ms7051 هذه ترفع من قيمة الأجر، فحين تسافر مثلا تحتاج إلى ~~شيال يحمل لك الحقائب، فتعطيه الأجر الذي يتناسب ومجهوده، فإن استأجرت ~~سيارة وسرت بها مسافة فلا بد أن الأجر سيزيد لأنه أخذ مجهودا ~~ووقتا أكثر، فإن احتجت مثلا سباكا ليصلح لك شيئا فسوف ترى ما في هذا ~~العمل من المشقة، ولا تبخل عليه بأكثر من سابقيه. وربما كان العمل في ~~نظرك بسيطا لا يستغرق وقتا، لكنه يحتاج إلى مهارة. هذه المهارة ليست ~~وليدة اللحظة، ولكنها مجهود ونتيجة عوامل من التعلم والخبرة حتى وصل ~~صاحبها إلى هذه المهارة. فالمهندس مثلا الذي يصمم لك منزلك في ساعة ~~أو ساعتين، ومع ذلك يطلب مبلغا كبيرا، لماذا؟ لأنه لا يتقاضى أجرا على ~~هذا الوقت، إنما على سنوات طويلة من الدراسة والمجهود والتحصيل، حتى وصل ~~إلى هذه المهارة. إذن: كل أجر يقدر بما يقابله من عمل، ويتناسب مع ما ~~يقتضيه العمل من وقت ومجهود ومشقة ومخاطرة ومهارة.. ألخ. وإذا كان الأمر ~~كذلك فانظروا إلى عمل الرسول وإلى مدى إفادتكم من رسالته، انظروا إلى ~~المنهج الذي جاءكم به، وكيف أنه يريحكم مع أنفسكم، ويريحكم مع المجتمع، ~~ويريحكم مع ربكم عز وجل، ويريحكم من شرور أنفسكم، ومن شرور الناس جميعا. ~~إذن: للرسول عمل كبير ومجهود عظيم، لو قدرت له أجرا لكان كذلك ~~عظيما. إن الإنسان إذا أجر مثلا حارسا يحرسه بالليل، كم يدفع له؟ ~~فالنبي يأتيك بمنهج يحرسك ويحميك في نفسك وفي مالك وفي عرضك وفي كل ما ~~تملك، ولا يحميك من فئة معينة إنما يحميك من الناس أجمعين. بل إن حماية ~~منهج الله لك لا تقتصر على الدنيا، إنما تتعدى إلى الآخرة، فتحميك فيها ~~حماية ممتدة لا نهاية لها، فإن قدرت لهذه الحماية أجرا، فكم يكون؟ ~~إنما أنا أقول لك: لا أريد أجرا، لا كراهية في الأجر، بل لأنك أنت أيها ~~الإنسان لا تستطيع تقدير هذا العمل أو تقييم الأجر عليه، أما الذي ~~يقدر ذلك فهو ربي الذي بعثني، وأنت أيها العبد مهما قدمت لي من ms7052 ~~أجر على ذلك فهو قليل. # وحكينا قصة الرجل الطيب الذي قابلناه في الجزائر، يقف على الطريق ~~يلوح لسيارة تحمله، فوقفنا وفتحنا له الباب ليركب معنا، وقبل أن يركب ~~قال: بكم؟ يعني: الأجرة. فقال له صاحبي: لله، فقال الرجل: إذن فهي ~~غالية جدا. هذا هو المعنى في قوله تعالى: # إن أجري إلا على الله.. # [هود: 29]. وفي موضع آخر يقول سبحانه: # إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من ~~المسلمين # [يونس: 72] فما العلاقة بين الأجر وبين # وأمرت أن أكون من المسلمين # [يونس: 72]؟ كأن المسلم ينبغي عليه أن يعمل العمل، لا لمن يعمل له، ولكن ~~يعمله لله ليأخذ عليه الأجر الذي يناسب هذا العمل من يده تعالى، إنما إن ~~أخذه من صاحبه فهو كالذي " فعل ليقال وقد قيل " وانتهت المسألة، وربما ~~حتى لا يشكر على عمله. لذلك وردت هذه العبارة على ألسنة كل الرسل: # ومآ أسألكم عليه من أجر.. # [الشعراء: 109] وليس هناك آية طلب فيها الأجر الظاهر إلا هذه الآية التي ~~نحن بصددها: { قل مآ أسألكم عليه من أجر إلا من ~~شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا } [الفرقان: 57]. وقوله ~~تعالى: # إلا المودة في القربى.. # [الشورى: 23]. ومعنى: { إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه ~~سبيلا } [الفرقان: 57] أي: سبيلا للمثوبة، وسبيلا للأجر من جهاد في ~~سبيل الله، أو صدقة على الفقراء.. إلخ. وقوله: { إلا من شآء.. } ~~[الفرقان: 57] تدل على التخيير في دفع الأجر، فالرسول لا يأخذ إلا ~~طواعية، والأجر: { أن يتخذ إلى ربه سبيلا } [الفرقان: ~~57] من الجهاد والعمل الصالح، فكأن أجر الرسول العمل للغير، لتأخذ أنت ~~الأجر من الله، فالرسول لا يأخذ شيئا لنفسه. ونلحظ في آيات الأجر أنها ~~جاءت مرة # أجرا.. # [الأنعام: 90] ومرة { من أجر.. } [الفرقان: 57] و البعض يرى أن من ~~هنا زائدة، وهذا لا يقال في كلام الله، عيب أن نتهم كلام الله بأن فيه ~~زيادة، فكل حرف فيه له معناه. وسبق أن ضربنا لمن هذه مثلا بقولنا: ~~ما عندي مال، وما عندي من مال. فالأولى نفت أن يكون عندك مال يعتد ms7053 ~~به، لكن قد يكون عندك القليل منه، أما القول الثاني فيعني نفي المال ~~مطلقا بداية مما يقال له مال، إذن: فأيهما أبلغ في النفي؟ فمن ~~هنا تفيد العموم. لذلك يقول تعالى: # أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير.. # [المؤمنون: 72] لماذا؟ لأنه سيعطيك ويكافئك على قدره هو، وبما يناسب ~~جوده تعالى وكرمه الذي لا ينفد، أما الإنسان فسيعطيك على قدره وفي ~~حدود إمكاناته المحدودة. # ملحظ آخر في هذه المسألة في سورة الشعراء، وهي أحفل السور بذكر ~~مسألة الأجر، حيث تعرضت لموكب الرسل، فذكرت ثمانية هم: موسى وهارون ~~وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب. تلحظ أن كل هؤلاء الرسل قالوا: # إن أجري إلا على رب العالمين # [الشعراء: 109] عدا إبراهيم وموسى عليهما السلام لم يقولا هذه الكلمة، ~~لماذا؟ قالوا: لأنك حين تطلب أجرا على عمل قمت به لا يكون هناك ما ~~يوجب عليك أن تعمل له مجانا، فأنت لا تتقاضى أجرا إن عملت مثلا ~~مجاملة لصديق، وكذلك إبراهيم - عليه السلام - أول ما دعا إلى الإيمان ~~دعا عمه آزر، ومثل هذا لا يطلب منه أجرا، وموسى عليه السلام أول ما دعا ~~دعا فرعون الذي احتضنه ورباه في بيته، ولو طلب منه أجرا لقال له: أي ~~أجر وقد ربيتك وو.. إلخ. الآية الأخرى في الاستثناء هي قوله تعالى: # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى.. # [الشورى: 23] فكأن المودة في القربى أجر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على رسالته، لكن أي قربى: قربى النبي أم قرباكم؟ لا شك أن ~~النبي الذي يجعل حب القريب للقريب ورعايته له هو أجره، يعني بالقربى ~~قربى المسلمين جميعا، كما قال عنه ربه عز وجل: # النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم.. # [الأحزاب: 6]. ### || [25.58] # الحق - تبارك وتعالى - يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم يا محمد لا تهتم ~~بكثرة الكفار ومكرهم بك وتعاونهم مع شياطين الإنس والجن لأن هؤلاء ~~سيتساقطون ويموتون، إما بأيديكم، أو بعذاب من عند الله، وعلى فرض أنهم ~~عاشوا فلن تغلب قوتهم وحيلهم قوة الله تعالى ومكره، وإن توكلوا ms7054 على ~~أصنام لا تضر ولا تنفع، فتوكل أنت على الله: { وتوكل على ~~الحي الذي لا يموت.. } [الفرقان: 58]. والعاقل لا يتوكل إلا ~~على من يثق به ويضمن معاونته، وأنه سيوافقك في كل ما تريد، لكن ما جدوى ~~أن تتوكل على أحد ليقضي لك مصلحة، وفي الصباح تسمع خبر موته؟ وكأن الحق ~~- تبارك وتعالى - يريد أن ينصح خلقه: إن أردت أن تتوكل فتوكل على ~~من ينفعك ولا يتركك، على من يظل على العهد معك لا يتخلى عنك، على ~~من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. هذه هي الفطنة. لكن ما ~~جدوى أن تتوكل على من ليس فيه حياة؟ وعلى فرض أن فيه حياة دائمة فلا ~~تضمن ألا يتغير قلبه عليك. { وسبح بحمده.. } [الفرقان: 58] ~~سبح يعني: نزه، والتنزيه تضعه في إطار # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11] فلله وجود، ولك وجود، لكن وجوده تعالى ليس كوجودك، ولله ~~صفة ولك نفس الصفة، لكن صفته تعالى ليست كصفتك، ولله تعالى فعل، ولك فعل، ~~لكن فعله تعالى ليس كفعلك. إذن: نزه الله في ذاته، وفي صفاته، وفي ~~أفعاله عن مشابهة الخلق، وما دام الحق سبحانه منزها في ذاته، وفي ~~صفاته، وفي أفعاله، فأنت تتوكل على إله لا تطرأ عليه عوامل التغيير ~~أبدا. وهذا التنزيه لله تعالى، وهذه العظمة والكبرياء له سبحانه في ~~صالحك أنت أيها الإنسان، من صالحك ألا يوجد لله شبيه، لا في وجوده، ولا ~~في بقائه، ولا في تصرفه، من صالحك أن يعرف كل إنسان أن هناك من هو ~~أعلى منه، وأن الخلق جميعا محكومون بقانون الله، فهذا يضمن لك أن تعيش ~~معهم آمنا، إذن: من الخير لنا أن يكون الإله ليس كمثله شيء، وأن يكون ~~سبحانه عاليا فوق كل شيء. ويجب عليك حين تنزه الله تعالى ألا ~~تنزهه تنزيها مجردا، إنما تنزيها مقرونا بالحمد { وسبح ~~بحمده.. } [الفرقان: 58] فتحمده على أنه واحد لا شريك له، ولا مثيل ~~له، وليس كمثله شيء، ففي ظل هذه العقيدة لا يستطيع القوي أن يطغى على ~~الضعيف، ولا الغني ms7055 على الفقير.. إلخ. ثم يقول سبحانه: { وكفى به ~~بذنوب عباده خبيرا } [الفرقان: 58] نقول: كفاك فلان. يعني: لا ~~تحتاج لغيره. كقولنا: حسبك الله يعني: كافيك عن الاحتياج لغيره لأنه ~~يعطيك كل ما تحتاج إليه، ويمنع عنك الشر، وإن كنت تظنه خيرا لك. # وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقيم لك كنترولا يضبط حياتك ويضمن لك ~~السلامة، لذلك حين تدعو الله فلا يستجيب لك، لا تظن أن الله تعالى موظف ~~عندك، لا بد أن يجيبك لما تريد، إنما هو ربك ومتول أمرك، فيختار ~~لك ما يصلح لك، ويقدم لك الجميل وإن كنت تراه غير ذلك. وقد ضربنا لهذه ~~المسألة مثلا بالأم التي تكثر الدعاء على ولدها، فكيف بها إذا استجاب ~~الله لها؟ إذن: من رحمة الله بها أن يرد دعاءها، ويمنع إجابتها، فمنع ~~الإجابة هنا إجابة. { وكفى به بذنوب عباده خبيرا } ~~[الفرقان: 58] المعنى: إذا توكلت على الحي الذي لا يموت، فآثار هذا ~~التوكل أن يحميك من ذنوب العباد، فهو وحده الذي يعلم ذنوبهم، ويعلم حتى ~~ما يدور في أنفسهم. ألم يقل الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم: # ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون ~~لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ~~ومعصيت الرسول وإذا جآءوك حيوك بما لم ~~يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا ~~يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها ~~فبئس المصير # [المجادلة: 8]. فما زال القول في أنفسهم لم يخرج، ومع ذلك أخبره الله ~~به، وكأن الحق سبحانه يطمئن رسوله: مهما تآمروا عليك، ومهما دبروا لك، ~~ومهما تكاتف ضدك جنود الإنس والجن، فاطمئن لأن ربك عليم بالذنوب التي ~~قد لا تدركها أنت، ولا حيلة عندك لردها، فيكفيك أن يعلم الله ذنوب ~~أعدائك. # ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين # [الأنفال: 30]. والخبير: الذي يعلم خبايا الأمور، حتى في مسائل الدنيا ~~الهامة نقول: نستدعي لها الخبير لأن المختص العادي لا يقدر عليها. وفي ~~موضع آخر يقول تعالى: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. ثم ينقلنا الحق - تبارك وتعالى - إلى آية كونية، تنضاف ms7056 إلى ~~الآيات السابقة، والهدف من ذكر المزيد من الآيات الكونية أنه لعلها ~~تصادف رقة قلب واستمالة مواجيد، فتعطف الخلق إلى الخالق، وتلفت ~~الأنظار إليه سبحانه. ### || [25.59] # البعض يظن أن خلق السماوات والأرض شيء سهل، وأعظم منه خلق الإنسان، ~~لكن الحق - تبارك وتعالى - يقول: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57]. فالإنسان يخلقه الله، وقد يموت بعد يوم، أو بعد مائة عام، ~~وقد تصيبه في حياته الأمراض، أما السماوات والأرض، فقد خلقها الله تعالى ~~بهندسة دقيقة، وقوانين لا تختلف ولا تختل مع ما يمر عليها من أزمنة، ~~وكأن الحق سبحانه يقول للإنسان: إن السماوات والأرض هذه خلقتي وصنعتي، ~~لو تدبرت فيها وتأملتها لوجدتها أعظم من خلقك أنت. وقوله تعالى: { ~~في ستة أيام.. } [الفرقان: 59] سبق أن تكلمنا في هذه المسألة ~~وقلنا: إن جمهرة آيات القرآن تدل على أن الخلق تم في مدة ستة أيام ~~إلا سورة واحدة تشعر آياتها أن الخلق في ثمانية أيام، وهي سورة فصلت: ~~حيث يقول فيها الحق سبحانه وتعالى: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين * ~~ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى ~~في كل سمآء أمرها وزينا السمآء الدنيا ~~بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم # [فصلت: 9-12]. وجملة هذه ثمانية أيام، وكل مجمل يخضع للتفصيل إلا ~~تفصيل العدد فيرجع للمجمل، كيف؟ الحق سبحانه يتكلم هنا عن خلق السماوات ~~والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم تكلم عن خلق الأرض في يومين، وجعل ~~فيها رواسي من فوقها، وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، ~~فالأربعة الأيام هذه تكملة لخلق الأرض فهي تكملة لليومين، كأنه قال في ~~تتمة أربعة أيام، فالأرض في يومين والباقي أكمل الأربعة. كما تقول: ~~سرت إلى طنطا في ساعة، وإلى الأسكندرية في ساعتين أي يدخل فيهما ms7057 ~~الساعة الأولى إلى طنطا، فاليومان من الأربعة الأيام. لكن، كيف نقدر ~~هذا اليوم؟ الله يخاطبنا باليوم الذي نعرفه ونعرف مدلوله، فالمعنى: في ~~ستة أيام من أيامكم التي تعرفونها. وإلا لو كان المراد يوما لا نعرفه ~~نحن، فسيكون لا معنى له لأننا لا نفهمه. ولقائل أن يقول: كيف يستغرق ~~الخلق كل هذه المدة والحق - تبارك وتعالى - يخلق بكن، وكن لا تحتاج ~~وقتا؟ قالوا: فرق بين عملية الخلق وما يحتاجه المخلوق في ذاته. فأنت ~~مثلا، إن أردت أن تصنع كوبا من الزبادي تحضر اللبن مثلا وتضع عليه ~~خميرة الزبادي المعروفة المأخوذة من زبادي دسم سبق صنعه، وتضعه في درجة ~~حرارة معينة، بعد هذه العملية تكون قد صنعت الزبادي فعلا، لكن هل يمكنك ~~أن تأكل منه فور الانتهاء من صناعته؟ لا، بل لا بد أن تتركه عدة ~~ساعات لتتفاعل عناصره، فهل تقول: أنا صنعت الزبادي في عدة ساعات مثلا؟ ~~كذلك، حين تذهب إلى الترزي لتفصيل ثوب مثلا يقول لك: موعدنا بعد شهر، ~~فهل تستغرق خياطة الثوب شهرا؟ لا، إنما مدته عنده شهر. # فالحق - تبارك وتعالى - يفعل ويخلق دون معالجة، وبالتالي دون زمن لأنه ~~سبحانه يقول للشيء: كن فيكون. وقوله سبحانه: { ثم استوى على ~~العرش.. } [الفرقان: 59] سبق أن تكلمنا في هذه المسألة، فاستوى تعني: ~~صعد وارتفع وعلا وجلس، ونحن ننزه الله تعالى عن استواء يشابه استواء ~~خلقه. والاستواء هنا رمزية لتمام الأمر بما نعرفه في عادة الملوك في ~~الجلوس على كرسي العرش، حين يتم لهم الأمر ويستتب. و { الرحمن.. ~~} [الفرقان: 59] دليل على أن مسألة الخلق كلها تدور في إطار الرحمانية ~~{ فسئل به خبيرا } [الفرقان: 59] لأنه سبحانه خلق السماوات ~~والأرض وخلقنا، ومع ذلك لا نعرف: كيف تم هذا الخلق؟ ولن نستطيع أن نقف ~~على تفصيل هذا الخلق، إلا إذا أطلعنا الخالق عليه، وإلا فهذا أمر لم ~~نشاهده، فكيف نخوض فيه، كمن يقول: إن الأرض كانت قطعة من الشمس، ثم ~~انفصلت عنها مع دوران الشمس.. إلخ هذه الأقوال. لذلك الحق - تبارك ~~وتعالى - يحذرنا من سماع مثل ms7058 هذه النظريات، لأن مسألة الخلق لا تخضع ~~للعلم التجريبي أبدا، فيقول سبحانه: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. إذن: سيوجد في الكون مضلون يقولون للناس مثل هذه الأقوال ~~في الخلق ويدعون بها أنهم علماء يعرفون ما لا يعرفه الناس، فاحذروهم ~~فما شاهدوا عملية الخلق، وما كانوا مساعدين لله تعالى، فيطلعوا على ~~تفاصيل الخلق. لذلك تقوم هذه الأقوال في خلق الإنسان وخلق السماء ~~والأرض دليلا على صدق هذه الآية، فما موقف هذه الآية - إذن - إذا لم ~~تقل هذه الأقوال؟ ومثال ذلك الذين يحلو لهم التعصب للقرآن الكريم ضد ~~الحديث النبوي يقول لك أحدهم: حدثني عن القرآن، سبحان الله، أتتعصب ~~للقرآن ضد الرسول الذي بلغك القرآن، وما عرفت القرآن إلا من طريقه؟ ~~يعني الواد رباني لا يعترف إلا بالقرآن. ونقول لمثل هذا الذي يهاجم ~~الحديث النبوي: أنت صليت المغرب ثلاث ركعات، فأين هذا من القرآن؟ لذلك ~~يقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " يوشك الرجل يتكىء على أريكته يحدث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب ~~الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما كان حراما حرمناه، وإن ما ~~حرم رسول الله كما حرم الله ". # لماذا؟ لأني أقول لكم من باطن قول الله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. بالله، لو لم يوجد الآن من يقول بهذا القول، فماذا ~~سيكون موقف هذا الحديث؟ وكيف لنا أن نفهمه؟ لقد فضحهم هذا الحديث، وأبان ~~ما عندهم من غباء، فقد كان بإمكانهم بعد أن عرفوا حديث رسول الله أن ~~يمسكوا عن التعصب للقرآن ضد الحديث النبوي، فيكون الحديث ساعتها غير ذي ~~معنى لكن هيهات. نعود إلى موضوعنا، ونحن بصدد الكلام عن خلق السماوات ~~وخلق الأرض، واستواء الحق - تبارك وتعالى - على العرش، وهاتان ~~المسألتان لا تسأل فيهما إلا الله { فسئل به خبيرا } [الفرقان: ~~59] لأنه وحده الذي يعلم خبايا الأمور، وهذه أمور لم يطلع عليها أحد ~~فيخبرك بها. وكلمة: سأل الإنسان لا يسأل عن شيء إلا إذا كان يجهله، ms7059 ~~والسؤال له مراحل: فقد تجهل الشيء ولا تهتم به، ولا تريد أن تعرفه، فأنت ~~واحد من ضمن الذين لا يعرفون، وقد تجهل الشيء لكن تهتم به، فتسأل عنه ~~لاهتمامك به، فمرة نقول: اسأل به. ومرة نقول: اسأل عنه. والمعنى: اسأل ~~اهتماما به، أي: بسبب اهتمامك به اسأل عنه خبيرا ليعطيك ويخبرك بما ~~تريد، فهو وحده الذي يعرف خبايا الأمور ودقائقها، وعنده خبر خلق ~~السماوات وخلق الأرض، ويعلم مسألة الاستواء على العرش لذلك إن سألت ~~عن هاتين المسألتين، فلا تسأل إلا خبيرا. والذين قالوا في قوله تعالى: { ~~فسئل به خبيرا } [الفرقان: 59] أي: ممن يعلم الكلام عن الله ~~من أهل الكتاب نقول: لا بأس لأنه سيؤول إلى الله تعالى في النهاية. ### || [25.60] # نلحظ أن الحق - تبارك وتعالى - حينما ذكر الصفة الملزمة لأن تخضع له ~~سبحانه لم يقل مثلا: اسجدوا لله، إنما { اسجدوا للرحمن.. ~~} [الفرقان: 60] وأتى بالصفة التي تعدي رحمانيته إليك، فكان من الواجب ~~أن تطيع، وأن تخضع له. كما قلنا سابقا: اجعل طاعتك لمن لا تستغني ~~عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه. { قالوا وما ~~الرحمن.. } [الفرقان: 60] كأنهم لا يعرفون هذه الكلمة، إنهم لا ~~يعرفون إلا رحمن اليمامة. وقولهم: { أنسجد لما تأمرنا.. } ~~[الفرقان: 60] دليل على أن الامتناع عن السجود ليس للذات المسجود لها، بل ~~لمن أمر بالسجود، كما سبق وأن قالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] فكأنهم إن أمرهم الله بالسجود لسجدوا، لكن كيف يأتي الأمر ~~من الرسول خاصة؟ وما ميزته عليهم حتى يأمرهم لذلك قال بعدها: { ~~وزادهم نفورا } [الفرقان: 60] والنفور: الانفكاك عن الشيء ~~بكره. ثم يقول الحق سبحانه: { تبارك الذي جعل في ~~السمآء... }. ### || [25.61] # يعود السياق مرة أخرى لذكر آية كونية لأن الحق - تبارك وتعالى - يراوح ~~بين آية تطلب منهم شيئا، وأخرى تلفتهم إلى قدرة الله وعظمته، وهذا يدل ~~على مدى تعنتهم ولجاجتهم وعنادهم، وحرص الحق - سبحانه وتعالى - على ~~لفتهم إليه، والأخذ بأيديهم إلى ساحته تعالى. ولو شاء سبحانه لسرد ~~الآيات الكونية مرة واحدة، وآيات ms7060 التكذيب مرة واحدة، ولكن يزاوج - ~~سبحانه وتعالى - بين هذه وهذه لتكون العبرة أنفذ إلى قلوب المؤمنين. ~~قلنا: { تبارك.. } [الفرقان: 61] يعني: تنزه، وعلا قدره، وعظم ~~خيره وبركته. والبروج: جمع برج، وهو الحصن الحصين العالي الذي لا ~~يقتحمه أحد، والآن يطلقونها على المباني العالية يقولون: برج المعادي، ~~برج النيل.. الخ، ومنه قوله تعالى: # والسمآء ذات البروج # [البروج: 1]. وقوله سبحانة: # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة.. # [النساء: 78]. والبروج: منازل في السماء يحسب الناس بها الأوقات، ~~ويربطون بينها وبين الحظوظ، فترى الواحد منهم أول ما يفتح جريدة الصباح ~~ينظر في باب " حظك اليوم " ، وقد دلت الآيات على أن هذه البروج جعلها ~~الله لتسهل على الناس أمور الحساب. كما قال سبحانه: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5]. وقال تعالى: # والشمس والقمر حسبانا.. # [الأنعام: 96]. يعني: بها تحسب المواقيت، فالشمس تعطيك المواقيت ~~اليومية والليلية، والقمر يدلك على أول كل شهر لأنه يظهر على جرم ~~معين، وكيفية مخصوصة توضح لك أول الشهر ومنتصفه وآخره، ثم تعطيك الشمس ~~بالظل حساب جزئيات الزمن. ومعلوم أن في السماء اثني عشر برجا جمعها ~~الناظم في قوله: # حمل الثور جوزة السرطان # ورعى الليث سنبل الميزان # عقرب القوس جدي دلو # وحوت ما عرفنا من أمة السريان # فهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، ~~والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. فأولها الحمل، وآخرها الحوت، ~~وكل برج يبدأ من يوم 21 في الشهر وينتهي يوم 20. ثم يقول تعالى: { ~~وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا } [الفرقان: 61] السراج هو ~~المصباح الذي نشعله ليعطي حرارة وضوءا ذاتيا، والمراد هنا الشمس لأن ~~ضوءها ذاتي منها، وكذلك حرارتها، على خلاف القمر الذي يضيء بواسطة ~~الأشعة المنعكسة على سطحه، فإضاءته غير ذاتية لذلك يقولون عن ضوء القمر: ~~الضوء الحليم لأنه ضوء بلا حرارة. والعجيب أن سطح القمر - كما وجدوه - ~~حجارة، ولما أخذوا منه حجرا ليجروا عليه بحوثهم فهل قل ضوء القمر؟ ~~لا لأن دائرته الكاملة هي التي تعكس إلينا ضوء الشمس وحين تأخذ منه حجرا ~~يعكس لك ما تحته أشعة الشمس. وفي ms7061 موضع آخر، يوضح الحق سبحانه هذه ~~المسألة، فيقول تعالى: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا.. # [يونس: 5] فالضياء هو الذي يأتي من الكوكب ذاتيا، والنور هو انعكاس ~~الضوء على جسم آخر، فهو غير ذاتي. ثم يقول الحق سبحانه: { وهو الذي ~~جعل اليل والنهار... }. ### || [25.62] # عرفنا أن الليل: غياب الشمس عن نصف الكرة الأرضية، والنهار مواجهة الشمس ~~للنصف الآخر، والليل والنهار متعاقبان { خلفة } الفرقان: 62] يأتي ~~الليل ثم يعقبه النهار، كل منهما خلف الآخر، وهذه المسألة واضحة لنا ~~الآن، لكن كيف كانت البداية عندما خلق الله تعالى الخلق الأول، ~~فساعتها، هل كانت الشمس مواجهة للأرض أم غائبة عنها؟ إن كان الحق سبحانه ~~خلق الشمس مواجهة للأرض، فالنهار هو الأول، ثم تغيب الشمس، ويأتي الليل ~~ليخلف النهار، أما النهار فلم يسبق بليل. وكذلك إن كانت الشمس عند ~~الخلق غير مواجهة للأرض، فالليل هو الأول، ولا يسبقه نهار، وفي كلتا ~~الحالتين يكون أحدهما ليس خلفة للآخر، ونحن نريد أن تصدق الآية على ~~كليهما. إذن: لا بد أنهما خلفة منذ الخلق الأول ذلك لأن الأرض - كما ~~عرفنا ولم يعد لدينا شك في هذه المسألة - كروية، والحق - تبارك وتعالى ~~- حينما خلق الشمس والقمر الخلق الأول كان المواجه منها للشمس نهارا، ~~والمواجه منها للقمر ليلا، ثم تدور حركة الكون، فيخلف أحدهما الآخر منذ ~~البداية. وهذه النظرية لا تستقيم إلا إذا قلنا بكروية الأرض، وهذه ~~يؤيدها قوله تعالى: # ولا اليل سابق النهار.. # [يس: 40]. والمعنى أيضا: ولا النهار سابق الليل، لكن ذكر الليل لأنهم ~~كانوا يعتقدون أن الليل خلق أولا، لماذا؟ لأن الزمن عندهم يثبت بليله، ~~كما يحدث مثلا في الصوم، فهل تصوم أولا في النهار ثم ترى الهلال ~~بالليل؟ إنما ترى الهلال بالليل أولا، فكأن رمضان يبدأ يومه بليله. وما ~~دام الأمر كذلك فالليل سابق النهار عندهم، وهذه قضية يعتقدونها ~~ومسلمة عندهم، وجاء القرآن وخاطبهم على أساس هذا الاعتقاد: أنتم ~~تعتقدون أن الليل سابق النهار يعني: النهار لا يسبق الليل، نعم لكن: ~~اعلموا أيضا أن الليل لا يسبق ms7062 النهار. إذن: المحصلة: لا الليل سابق ~~النهار، ولا النهار سابق الليل. ولو قلنا بأن الأرض مسطوحة لما استقام ~~لنا هذا القول. لكن أي ليل؟ وأي نهار؟ نهاري أنا، أم نهار المقابل لي؟ ~~وكل واحد على مليون من الثانية يولد نهار ويبدأ ليل لأن الشمس حين تغيب ~~عني تشرق على آخرين، والظهر عندي يوافقه عصر أو مغرب أو عشاء عند آخرين. ~~إذن: كل الزمن فيه الزمن، وهذا الاختلاف في المواقيت يعني أن نغمة الأذان ~~الله أكبر شائعة في كل الزمن، فالله تعالى معبود بكل وقت وفي كل زمن، ~~فأنت تقول: الله أكبر وغيرك يقول: أشهد أن لا إله إلا الله.. وهكذا. وإن ~~كان الحق - تبارك وتعالى - خلق الليل للسبات وللراحة، والنهار للسعي ~~والعمل، فهذه الجمهرة العامة لكنها قضية غير ثابتة، حيث يوجد من مصالح ~~الناس ما يتعارض وهذه المسألة، فمن الناس من تقتضي طبيعة عمله أن يعمل ~~بالليل كالخبازين والحراس والممرضين. # . إلخ. فهؤلاء يسمح لهم بالعمل بالليل والراحة بالنهار، ولو لم يكن ~~لهؤلاء منفذ لقلنا: إن هذا الكلام متناقض مع كونيات الخلق لذلك يقول - ~~سبحانه وتعالى - في آية أخرى: # ومن آياته منامكم باليل والنهار.. # [الروم: 23] فتراعي هذه الآية ظروف هؤلاء الذين يضطرون للعمل ليلا، ~~وللراحة نهارا. وقوله تعالى: { لمن أراد أن يذكر أو ~~أراد شكورا } [الفرقان: 62] يعني: يا من شغله نهار عمله عن ذكر ~~ربه انتهز فرصة الليل، ويا من شغله نوم الليل عن ذكر ربه انتهز ~~فرصة النهار، وذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب ~~مسيء الليل ". # فمن فاته شيء في ليله فليتداركه في نهاره، ومن فاته شيء في نهاره ~~فليتداركه في ليله، وإذا كان الله تعالى يبسط يده بالليل ويبسط يده ~~بالنهار، وهما مستمران، فمعنى ذلك أن يده تعالى مبسوطة دائما. ومعنى { ~~يذكر.. } [الفرقان: 62] يتمعن ويتأمل في آيات الله، في الليل وفي ~~النهار، كأنه يريد أن يصطاد لله نعما يشكره عليها، على خلاف الغافل الذي ~~لا يلتفت ms7063 إلى شيء من هذا، فمن فضل الله علينا أن ينبهنا إلى هذه ~~النعم، ويلفت نظرنا إليها لأننا أهل غفلة. وقوله: { أو أراد ~~شكورا } [الفرقان: 62] أي: شكرا، فهي صيغة مبالغة في الشكر. ### || [25.63] # يعطينا الحق - تبارك وتعالى - صورة للعبودية الحقة، ونموذجا للذين ~~اتبعوا المنهج، كأنه - سبحانه وتعالى - يقول لنا: دعكم من الذين ~~أعرضوا عن منهج الله وكذبوا رسوله، وانظروا إلى أوصاف عبادي الذين ~~أمنوا بي، ونفذوا أحكامي، وصدقوا رسولي. نقول: عباد وعبيد. والتحقيق ~~أن عبيد جمع لعبد، وأن عباد جمع لعابد مثل: رجال جمع راجل: # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا.. # [الحج: 27] إذن: عبيد غير عباد. وسبق أن تحدثنا عن الفرق بين العبيد ~~والعباد، فكلنا عبيد لله تعالى: المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فما ~~دام يطرأ عليه في حياته ما لا يستطيع أن يدفعه مع أنه يكرهه فهو مقهور، ~~فالعبد الكافر الذي تمرد على الإيمان بالله، وتمرد على تصديق الرسول، ~~وتمرد على أحكام الله فلم يعمل بها. فهل بعد أن ألف التمرد يستطيع أن ~~يتمرد على المرض إن أصابه؟ أو يستطيع التمرد على الموت إن حل بساحته؟ ~~إذن: فأنت عبد رغما عنك، وكلنا عبيد فيما نحن مقهورون عليه، ثم لنا بعد ~~ذلك مساحة من الاختيار. أما المؤمن فقد خرج عن اختياره الذي منحه الله في ~~أن يؤمن أو يكفر، وتنازل عنه لمراد ربه، فاستحق أن يكون من عباد الله { ~~وعباد الرحمن.. } [الفرقان: 63] فنحن وإن كنا عبيدا فنحن ~~سادة لأننا عبيد الرحمن لذلك كانت حيثية تكريم الله لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم في الإسراء هي عبوديته لله تعالى، حيث قال: # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1]، فالعبودية هي علة الارتقاء. فلما أخلص رسول الله العبودية ~~لله نال هذا القرب الذي لم يسبقه إليه بشر. لذلك وصف الملائكة بأنهم # عباد مكرمون # [الأنبياء: 26] وباستقراء الآيات لم نجد سوى آية واحدة تخالف في ظاهر ~~الأمر هذا المعنى الذي قلناه في معنى العباد، وهي قوله تعالى في الكلام ~~عن الآخرة: # أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء.. # [الفرقان: 17]. فقال للضالين عبادي ms7064 وهي لا تقال إلا للطائعين، لماذا؟ ~~قالوا: لأن في القيامة لا اختيار لأحد، فالجميع في القيامة عباد، حيث ~~انتفى الاختيار الذي يميزهم. والعلماء يقولون: إن العباد تؤخذ منها ~~العبادية، وأن العبيد تؤخذ منها العبودية: العبادية في العباد أن يطيع ~~العابد أمر الله، وينتهي عن نواهيه طمعا في ثوابه في الآخرة، وخوفا من ~~عقابه فيها، إذن: جاءت العبادية لأخذ ثواب الآخرة وتجنب عقابها. أما ~~العبودية فلا تنظر إلى الآخرة، إنما إلى أن الله تعالى تقدم بإحسانه على ~~عبيده إيجادا من عدم، وإمدادا من عدم، وتربية وتسخيرا للكون، فالله ~~يستحق بما قدم من إحسان أن يطاع بصرف النظر عن الجزاء في الآخرة ثوابا ~~أو عقابا. أما العبودة فهي: ألا ينظر العبد إلى ما قدم من إحسان، ~~ولا ما أخر من ثواب وعقاب، وإنما ينظر إلى أن جلال الله يستحق أن ~~يطاع، وإن لم يسبق له الإحسان، وإن لم يأت بعد ذلك ثواب وعقاب. # وإن كانت العبودية مكروهة في البشر كما قال أحد الساسة: متى استعبدتم ~~الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ ذلك لأن العبودية للبشر يأخذ السيد ~~خير عبده، أما العبودية لله تعالى فعز وشرف، حيث يأخذ العبد خير ~~سيده، فهي عبودية سيادة، لا عبودية قهر. فحين تؤمن بالله يعطيك الله ~~الزمام: يقول لك: إن أردت أن أذكرك فاذكرني، وفي الحديث القدسي: # " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ ~~خير منهم ". # وإن كان - سبحانه وتعالى - يستدعيك إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، ~~فما ذلك إلا لتأنس بربك، لكن أنت حر تأتيه في أي وقت تشاء من غير ~~موعد، وأنت تستطيع أن تحدد بدء المقابلة ونهايتها وموضوعها.. إلخ، ~~فزمام الأمر في يدك. وقد تعلم سيدنا رسول الله خلق الله، فكان إذا وضع ~~يده في يد أحد الصحابة يسلم عليه لا ينزع يده منه حتى يكون هو الذي ~~ينزع يده من يد رسول الله، وهذا أدب من أدب الحق - تبارك وتعالى - إذن: ~~فالعبودية لله تعالى عبودية لرحمن، لا ms7065 عبودية لجبار. وأول ما نلحظ في هذه ~~الآية أنه تعالى أضاف العباد إلى الرحمن، حتى لا نظن أن العبودية لله ~~ذلة، وأن القرآن كلام رب وضع بميزان، ثم يذكر - سبحانه وتعالى - ~~صفات هؤلاء العباد، صفاتهم في ذواتهم، وصفاتهم مع مجتمعهم، وصفاتهم مع ~~ربهم، وصفاتهم في الارتقاء بالمجتمع إلى الطهر والنقاء. أما في ذواتهم، ~~فالإنسان له حالتان هما محل الاهتمام: إما قاعد، وإما سائر، ونخرج ~~حالة النوم لأنه وقت سكون، أما حال القعود فالحركة محدودة في ذاته، ~~والمهم حال الحركة والمشي، وهذا هو الحال الذي ينبغي الالتفات إليه. لذلك ~~يوضح لنا ربنا - عز وجل - كيف نمشي فيقول: { وعباد الرحمن ~~الذين يمشون على الأرض هونا.. } [الفرقان: 63]. يعني: ~~برفق وفي سكينة، وبلين دون اختيال، أو تكبر، أو غطرسة، لماذا؟ لأن ~~المشي هو الذي سيعرضك لمقابلة مجتمعات متعددة، وهذا الأدب الرباني في ~~المشي يحدث في المجتمع استطراقا إنسانيا يسوي بين الجميع. وفي ~~موضع آخر يقول تعالى في هذه المسألة: # ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا.. # [لقمان: 18] # إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا # [الإسراء: 37]. وتصعير الخد أن تميله كبرا وبطرا وأصله الصعر ~~مرض في البعير يصيب عنقه فيسير مائلا، ومن أراد أن يسير متكبرا ~~مختالا فليتكبر بشيء ذاتي فيه، وهل لديك شيء ذاتي تستطيع أن تضمنه لنفسك ~~أو تحتفظ به؟ إن كنت غنيا فقد تفتقر، وإن كنت قويا صحيحا قد يصيبك ~~المرض فيقعدك، وإن كنت عزيزا اليوم فقد تذل غدا. # إذن: فكل دواعي التكبر ليست ذاتية عندك، إنما هي موهوبة من الله، ~~فعلام التكبر إذن؟! لذلك يقولون في المثل اللي يخرز يخرز على وركه ~~إنما يخرز على ورك غيره؟! وأصل هذا المثل أن صانع السروج كان يأتي بالصبي ~~الذي يعمل تحت يده، ويجعله يمد رجله، ويضع السرج على وركه، ثم يأخذ في ~~خياطته، فرآه أحدهم فرق قلبه للصبي فقال للرجل: إنه ضعيف لا يتحمل ~~هذا، فإن أردت فاجعله على وركك أنت. كذلك الحال هنا، من أراد أن ~~يتكبر فليتكبر بشيء ms7066 ذاتي فيه، لا بشيء موهوب له. والمتكبر شخص ضرب ~~الحجاب على قلبه، فلم يلتفت إلى ربه الأعلى، ويرى أنه أفضل من خلق الله ~~جميعا، ولو استحضر كبرياء ربه لاستحى أن يتكبر على خلق الله، فتكبره ~~دليل على غفلته عن هذه المسألة. لذلك يقول الناظم: # فدع كل طاغية للزمان # فإن الزمان يقيم الصعر # يعني: سيرى من الزمان ما يقوم اعوجاجه، ويرغم أنفه. ومعنى # مرحا.. # [لقمان: 18] المرح: الفرح ببطر. والبطر: أن تأخذ النعمة وتنسى المنعم، ~~وتتنعم بها، وتعصي من وهبك إياها، إذن: المنهي عنه الفرح المصاحب ~~للبطر، وإنكار فضل المنعم، أما الفرح المصاحب للشكر فمحمود، كما قال ~~تعالى: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا.. # [يونس: 58]. وفي موضع آخر يعلمنا أدب المشي، فيقول: # واقصد في مشيك واغضض من صوتك.. # [لقمان: 19]. وقالوا: إن المراد بالمشي الهون، هو الذي يسير فيه ~~الإنسان على سجيته دون افتعال للعظمة أو الكبر، لكن دون انكسار وذلة، ~~وسيدنا عمر - رضي الله عنه - حينما رأى رجلا يسير متماوتا ضربه، ونهاه ~~عن الانكسار والتماوت في المشية، وهكذا فمشية المؤمن وسط، لا متكبر ~~ولا متماوت متهالك. ثم تتحدث الآية بعد ذلك عن صفات عباد الرحمن ~~وعلاقتهم. بالناس: { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما.. } [الفرقان: 63] والجاهل: هو السفيه الذي لا يزن الكلام، ~~ولا يضع الكلمة في موضعها، ولا يدرك مقاييس الأمور، لا في الخلق ولا في ~~الأدب. وسبق أن فرقنا بين الجاهل والأمي: الأمي هو خالي الذهن، ليس ~~عنده معلومة يؤمن بها، وهذا من السهل إقناعه بالصواب. أما الجاهل فعنده ~~معلومة مخالفة للواقع لذلك يأخذ منك مجهودا في إقناعه لأنه يحتاج أولا ~~لأن تخرج من ذهنه الخطأ، ثم تدخل في قلبه الصواب. والمعنى: إذا خاطبك ~~الجاهل، فحذار أن تكون مثله في الرد عليه فتسفه عليه كما سفه ~~عليك، بل قرعه بأدب وقل { سلاما } [الفرقان: 63] لتشعره بالفرق ~~بينكما. والحق - تبارك وتعالى - يوضح في آية أخرى ثمرة هذا الأدب، ~~فيقول: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34]. وما أجمل ما ms7067 قاله الإمام الشافعي في هذا المعنى: # إذا نطق السفيه فلا تجبه # فخير من إجابته السكوت # فإن كلمته فرجت عنه # وإن خليته كمدا يموت # فإن اشتد السفيه سفاهة، وطغى عليك وتجبر، فلا بد لك من رد ~~العدوان بمثله لأنك حلمت عليه، فلم يتواضع لك، وظن حلمك ضعفا، ~~وهنا عليك أن تريه الفرق بين الضعف وكرم الخلق، كالشاعر الذي قال: # صفحنا عن بني ذهل # وقلنا القوم إخوان # عسى الأيام أن ير # جعن قوما كالذي كانوا # فلما صرح الشر فأم # سى وهو عريان # ولم يبق سوى العدوا # ن دناهم كما دانوا # مشينا مشية الليث # غدا والليث غضبان # بضرب فيه توهين # وتخضيع وإقران # وطعن كفم الزق # غدا والزق ملآن # وفي الشر نجاة حي # ن لا ينجيك إحسان # وبعض الحلم عند الجه # ل للذلة إذعان # وللإمام علي كرم الله وجهه: # إذا كنت محتاجا إلى الحلم إنني # إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج # ولي فرس للحلم بالحلم ملجم # ولي فرس للجهل بالجهل مسرج # فمن رام تقويمي فإني مقوم # ومن رام تعويجي فإني معوج # ومعنى: { قالوا سلاما } [الفرقان: 63] قالوا: المراد هنا سلام ~~المتاركة، لا سلام الأمان الذي نقوله في التحية السلام عليكم فحين ~~تتعرض لمن يؤذيك بالقول، ويتعدى عليك باللسان تقول له سلام يعني: سلام ~~المتاركة. وبعض العلماء يرى أن كلمة { قالوا سلاما } [الفرقان: 63] ~~هنا تعني المعنيين: سلام المتاركة، وسلام التحية والأمان، فحين تحلم على ~~السفيه فلا تجاريه تقول له: لو تماديت معك سأوذيك، وأفعل بك كذا ~~وكذا، فأنت بذلك خرجت من سلام المتاركة إلى سلام التحية والأمان. ومن ~~ذلك قوله تعالى: # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ ~~أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي ~~الجاهلين # [القصص: 55]. ألم يقل إبراهيم - عليه السلام - لعمه آزر لما أصر على ~~كفره: # سلام عليك سأستغفر لك ربي.. # [مريم: 47]. والمعنى: لو وقفت أمامك لربما اعتديت عليك، وتفاقمت ~~بيننا المشكلة. وبعد أن تناولت الآيات حال عباد الرحمن في ذواتهم، ~~وحالهم مع الناس، تتحدث الآن عن حالهم مع ربهم. ### || [25.64] # والبيتوتة تكون بالليل، ms7068 حين يأوي الإنسان إلى بيته بعد عناء اليوم ~~وسعيه، وبعد أن تقلب في ألوان شتى من نعم الله عليه، فحين يأوي ~~إلى مبيته يتذكر نعم الله التي تجلت عليه في ذلك اليوم، وهي نعم ~~ليست ذاتية فيه، إنما موهوبة له من الله لذلك يتوجه إليه سبحانه بالشكر ~~عليها، فيبيت لله ساجدا وقائما. كما قال سبحانه: # أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما يحذر ~~الآخرة ويرجوا رحمة ربه.. # [الزمر: 9]. وقال سبحانه: # كانوا قليلا من اليل ما يهجعون * وبالأسحار ~~هم يستغفرون # [الذاريات: 17-18]. لكن، أيطلب الله تعالى منا ألا نهجع بالليل، ~~وقد قال في آية أخرى: # وجعلنا نومكم سباتا # [النبأ: 9]. قالوا: ليس المراد قيام الليل كله، إنما جزء منه حين تجد ~~عندك النشاط للعبادة، كما قال الحق سبحانه وتعالى في خطاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # قم اليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا ~~* أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا # [المزمل: 2-4]. حتى قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء ركعتين فأكثر ~~كان كمن بات لله ساجدا وقائما، فربك يريد منك أن تذكره قبل أن ~~تنام، وأن تتأمل نعمه عليك فتشكره عليها. وذكر سبحانه حالتي السجود ~~والقيام { سجدا وقياما } [الفرقان: 64] لأن بعض الناس يصعب ~~عليهم أن يسجدوا، وآخرين يسهل عليهم السجود، ويصعب عليهم القيام، فذكر ~~الله سبحانه الحالتين ليعدل فيهما. ### || [25.65] # هذا القول يناسب عباد الرحمن الذين يفعلون الخيرات، طمعا في الثواب، ~~وخوفا من العقاب، فهم الذين يقولون { ربنا اصرف عنا عذاب ~~جهنم إن عذابها كان غراما } [الفرقان: 65] كلمة غرام ~~نقولها بمعنى الحب والهيام والعشق، ومعناها: اللزوم، أي لازم لهم لا ~~ينفك عنهم في النار أبدا لأن العاقبة إما جنة أبدا، أو نار أبدا. ~~فمعنى { إن عذابها كان غراما } [الفرقان: 65] أي: لازما ~~دائما، ليس مرة واحدة وتنتهي المسألة. ومنه كلمة الغريم، وهو الذي يلازم ~~المدين ليأخذ منه دينه. وكلمة { ربنا اصرف عنا عذاب ~~جهنم.. } [الفرقان: 65] كأنهم متصورون أن جهنم ستسعى إليهم، وأن ~~بينها وبينهم لددا، بدليل أنها ستقول: # هل من مزيد ms7069 # [ق: 30]. ثم تذكر الآيات سبب هذه المقوله: { إنها سآءت ~~مستقرا... }. ### || [25.66] # ساء الشيء أي: قبح، وضده حسن، لذلك قال تعالى عن الجنة في مقابل ~~هذه الآية: # حسنت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 76] وهكذا السوء يلازمه القبح، والحسن يلازمه الحسن. ~~وقال: { مستقرا ومقاما } [الفرقان: 66] حتى لا يظنوا أن النار ~~فترة وتنتهي، ثم يخرجون منها، فهي مستقرهم الدائم، ومقامهم الذي لا ~~يفارقونه. أو أن الحق - سبحانه وتعالى - أراد بهذا نوعين من الناس: مؤمن ~~أسرف في بعض السيئات ولم يتب، أو لم يتقبل الله منه توبته، فهو في ~~النار لحين، والمستقر هنا بمعنى المكان المؤقت، أما المقام فهو الطويل. ~~إذن: النار ساءت مستقرا لمن أسرف على نفسه ولم يتب، أو لم يتقبل الله ~~توبته، إنما ليست إقامة دائمة، والمقام يكون للخالدين فيها أبدا. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا... ~~}. ### || [25.67] # الإسراف: تبديد ما تملك فيما عنه غناء، فلا نقول مسرف مثلا للذي يأكل ~~ليحفظ حياته لذلك يقول سيدنا عمر - رضي الله عنه - لولده عاصم: كل نصف ~~بطنك، ولا تطرح ثوبا إلا إذا استخلقته، ولا تجعل كل رزقك في بطنك وعلى ~~جسدك. والإسراف أن تنفق في غير حل، فلا سرف في حل، حتى إن أسرف ~~الإنسان في شيء من الترف المباح، فإنه يؤدي لنفسه بعض الكماليات، في حين ~~يؤدي للمجتمع أشياء ضرورية، فالذي لا يرتدي الثوب إلا مكويا كان ~~بإمكانه أن يرتديه دون كي، فكي الثوب في حقه نوع من الترف، لكنه ~~ضرورة بالنسبة للمكوجي حيث يسر له أكل العيش. والذي يستقل سيارة أجرة ~~وهو قادر على السير، أو يجلس على القهوة كل يوم ليمسح حذاءه وهو قادر على ~~أن يمسحه بنفسه، هذه كلها ألوان من الترف بالنسبة لك، لكنها ضرورة لغيرك، ~~فلا يسمى هذا إسرافا. وقوله تعالى: { وكان بين ذلك قواما ~~} [الفرقان: 67] أي: بين الإسراف والتقتير { قواما } [الفرقان: 67] ~~يعني: وسطا أي: أن الإنفاق وسط بين طرفين، وقوام الشيء: ما به يقوم، ~~والحياة كلها تقوم على عملية التوسط بين الإسراف والتقتير. وأذكر ونحن ms7070 ~~تلاميذ كانوا يعلموننا نظرية الروافع، وكيف نوسط مركزا على عصا من ~~الخشب، بحيث يتساوى الذراعان، ويكونان سواء، لا تميل إحداهما بالأخرى، ~~وإذا أرادت إحداهما أن تميل قاومتها الأخرى، كأنها تقول لها: نحن هنا. ~~فإذا ما علقت ثقلا بأحد الذراعين لزمك أن تطيل الأخرى لتقاوم هذا ~~الثقل. ويروى أن عبد الملك بن مروان لما أراد أن يزوج ابنته فاطمة من ~~عمر بن عبد العزيز اختبره بهذا السؤال ليعرف ميزانه في الحياة: يا عمر، ~~ما نفقتك؟ قال: يا أمير المؤمنين، نفقتي حسنة بين سيئتين، ثم تلا هذه ~~الآية: { والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا وكان بين ذلك قواما } [الفرقان: 67]. فعلم ~~الخليفة أن زوج ابنته يسير سيرا يضمن له ولزوجته مقومات الحياة، ~~ويضمن كذلك المقومات العليا للنفس وللمجتمع. وسبق أن ذكرنا أن الإنسان ~~الذي ينفق كل دخله لا يستطيع أن يرتقي بحياته وحياة أولاده لأنه أسرف ~~في الإنفاق، ولم يدخر شيئا ليبني مثلا بيتا، أو يشتري سيارة.. الخ. ~~ومصيبة المجتمع أعظم في حال التقتير، فمصلحة المجتمع أن تنفق، وأن ~~تدخر، كما قال سبحانه: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط.. # [الإسراء: 29]. وهكذا جعل الله لنا ميزانا بين الإسراف والتقتير ذلك ~~لأن المال قوام الحياة، والذي يقتر يقتر على نفسه وعلى الناس، ~~فليست له مطلوبات يشتريها، ويشارك بها في حركة الحياة، وينتفع بها غيره، ~~فهذه السلع وهذه الصناعات وهؤلاء العمال، وأهل الحرف من أين يرتزقون ~~إذن وليس هناك استهلاك ورواج لسلعهم؟ لا شك أن التقتير يحدث كسادا، ~~ويحدث بطالة، وهما من أشد الأمراض فتكا بالمجتمع. # ولو نظرت إلى رغيف العيش، وهو أبسط ضروريات الحياة، كم وراءه من عمال ~~وصناع وزراع ومهندسين ومطاحن ومخازن ومصانع وأفران، وهب أنك ~~أحجمت مثلا عنه، ماذا يحدث؟ إذن: ربك يريدك أن تنفق شيئا، وتدخر شيئا ~~يتيح لك تحقيق ارتقاءات حياتك وطموحاتها لذلك ختمت الآية السابقة ~~بقوله تعالى: # فتقعد ملوما محسورا # [الإسراء: 29]. ملوم النفس لما بددت من أموال لم ينتفع بها عيالك، ~~ومحسورا حينما ترى غيرك ms7071 ارتقى في حياته وأنت لم تفعل شيئا. إذن: ~~فالإنسان ملوم إن أسرف، محسور إن قتر، والقوام في التوسط بين ~~الأمرين، وبالحسنة بين السيئتين، كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله ~~عنه، ولذلك قالوا: خير الأمور الوسط. ثم يقول الحق سبحانه: { والذين ~~لا يدعون مع الله إلها آخر... }. ### || [25.68] # وهنا قد يسأل سائل: أبعد كل هذه الصفات لعباد الرحمن ننفي عنهم هذه ~~الصفة { لا يدعون مع الله إلها آخر.. } [الفرقان: 68] ~~وهم ما اتصفوا بالصفات السابقة إلا لأنهم مؤمنون بالإله الواحد سبحانه؟ ~~قالوا: هذه المسألة عقيدة وأساس لا بد للقرآن أن يكررها، ويهتم ~~بالتأكيد عليها. ومعنى: { لا يدعون مع الله إلها آخر.. ~~} [الفرقان: 68] أي: لا يدعون أصحاب الأسباب لمسبباتهم، وهذا هو الشرك ~~الخفي. ومنه قولهم: توكلت على الله وعليك. فنقول له، انتبه ليس علي ~~شيء، الأمر كله على الله. فقل: توكلت على الله. وإن أردت فقل: ~~ثم عليك. ونسمع آخر يقول للأمر الهام: هذا علي، والباقي على الله، ~~فجعل الأصل المهم لنفسه، وأسند الباقي لله، أيليق هذا والمسألة كلها ~~أصلها وفروعها على الله؟ إذن: يمكن أن تكون هذه الآية للمفتونين في ~~الأسباب الذين ينتظرون منها العطاء، وينسون المسبب سبحانه، وهذا هو ~~الشرك الخفي. ثم يقول سبحانه: { ولا يقتلون النفس التي ~~حرم الله إلا بالحق.. } [الفرقان: 68] سبق أن تحدثنا عن ~~الفرق بين الموت والقتل، وقلنا: إن كليهما تذهب به الحياة، لكن في الموت ~~تذهب الحياة أولا، ثم تنقض البنية بعد ذلك، أما في حالة القتل فتنقض ~~البنية أولا، ثم يتبعها خروج الروح. فالموت - إذن - بيد الله عز وجل، ~~أما القتل فقد يكون بيد البشر. وهنا نهى صريح عن هذه الجريمة لأنه " ~~ملعون من يهدم بنيان الله " ويقضي على الحياة التي وهبها الله تعالى ~~لعباده. وقوله تعالى: { إلا بالحق.. } [الفرقان: 68] أي: حق يبيح ~~القتل كرجم الزاني حتى الموت، وكالقصاص من القاتل، وكقتل المرتد عن ~~دينه، فإن قتلنا هؤلاء فقتلهم بناء على حق استوجب قتلهم. فإن قال ~~قائل: فأين حرية الدين إذن؟ نقول: أنت ms7072 حر في أن تؤمن أو لا تؤمن، لكن ~~اعلم أولا أنك إن ارتددت عن إيمانك قتلناك، فإياك أن تدخل في ديننا ~~إلا بعد اقتناع تام حتى لا تعرض نفسك لهذه العاقبة. وهذا الشرط يمثل ~~عقبة وحاجزا أمام من أراد الإيمان ويجعله يفكر مليا قبل أن ينطق ~~بكلمة الإيمان ويحتاط لنفسه، إذن: فربك عز وجل ينبهك أولا، ويشترط ~~عليك، وليس لأحد بعد ذلك أن يقول: أين حرية الدين؟ وقوله تعالى: { ولا ~~يزنون.. } [الفرقان: 68] تحدثنا عن هذه المسألة في أول سورة النور ~~وقلنا: إن الإنسان الذي كرمه الله وجعله خليفة له في أرضه أراد له ~~الطهر والكرامة، وإن يسكن الدنيا على مقتضى قانون الله، فلا يدخل ~~في عنصر الخلافة شيئا يخالف هذا القانون لأن الله تعالى يريد أن يبنى ~~المجتمع المؤمن على الطهر ويبنيه على عناية المربي بالمربى. # لذلك تجد الرجل يعتني بولده مطعما ومشربا وملبسا ويفديه بنفسه، ~~لماذا؟ لأنه ولده من صلبه ومحسوب عليه، أما إن شك في نسب ولده إليه ~~فإنه يهمله، وربما فكر في الخلاص منه، وإن ربي مثل هذا ربي ~~لقيطا لا أصل له، وهذا لا يصلح لخلافة الله في أرضه، ولا لأن يحمل هذا ~~الشرف. وهذا يدل على أن الفطرة السليمة تأبى أن يوجد في كون الله شخص ~~غير منسوب لأبيه الحق، من هنا نهى الإسلام عن الزنا، وجعل من صفات عباد ~~الرحمن أنهم لا يزنون. { ومن يفعل ذلك يلق أثاما } ~~[الفرقان: 68] أثاما مثل: نكالا وزنا ومعنى، والآثام: عقوبة الإثم ~~والجزاء عليه. ### || [25.69] # كيف نفهم مضاعفة العذاب في هذه الآية مع قوله تعالى في آية أخرى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها.. # [الشورى: 40]. ويقول سبحانه: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جآء ~~بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون # [الأنعام: 160]. الحقيقة لا يوجد تناقض بين آيات القرآن الكريم، فالذي ~~يرتكب هذه الفعلة يكون أسوة في المجتمع تجرىء الغير على ارتكاب هذه ~~الجريمة لذلك عليه وزرة كفاعل أولا، وعليه وزر من اقتدى به. كما ~~جاء في قوله تعالى ms7073 حكاية عن الكافرين: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون # [الزخرف: 23] إذن: فوجود الآباء كقدوة للشر يزيد من شر الأبناء، ~~فكأنهم شركاء فيه. لذلك يقول الله تعالى في موضع آخر: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم.. # [النحل: 25]. وقال: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم.. # [العنكبوت: 13]. فالوزر الأول لضلالهم في ذاته، والوزر الآخر لأنهم ~~أضلوا غيرهم، هذا هو المراد بمضاعفة العذاب. وقوله تعالى: { ويخلد ~~فيه مهانا } [الفرقان: 69] معنى مهانا: حينما وصف القرآن العذاب ~~وصفه مرة بأنه أليم، ومرة عظيم، ومرة مهين. فالذي ينظر إلى إيلام ~~الجوارح يقول: هذا عذاب أليم لأنه يؤلم كل جارحة فيه، فالعذاب أمر ~~حسي، أما الإهانة فأمر معنوي، ومن الناس من تؤلمه كلمة تنال من ~~كرامته، ومنهم من يضرب فلا يؤثر فيه. والخالق - عز وجل - خلق الناس ~~وعلم أزلا أنهم أبناء أغيار، ليس معصوما منهم إلا الرسل، إذن: فالسيئة ~~محتملة منهم. ومن تمام رحمته تعالى بربوبيته أن فتح باب التوبة ~~لعباده، لمن أسرف منهم على نفسه في شيء لأن صاحب السيئة إن يئس من ~~المغفرة استشرى خطره وزاد فساده، لكن إن فتحت له باب التوبة والمغفرة ~~عاد إلى الجادة، واستقام على الطاعة، وفي هذا رحمة بالمجتمع كله. يقول ~~تعالى: { إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا... }. ### || [25.70] # فربكم كريم ورحيم، إن تبتم تاب عليكم وقبلكم، فإن قدمتم ~~العمل الصالح واشتد ندمكم على ما فات منكم من معصية يبدل سيئاتكم ~~حسنات. وللتوبة أمران: مشروعيتها من الله أولا، وقبولها من صاحبها ~~ثانيا، فتشريعها فضل، وقبولها فضل آخر لذلك يقول سبحانه: # ثم تاب عليهم ليتوبوا.. # [ التوبة: 118] والمعنى: تاب عليهم بأن شرع لهم التوبة حتى لا ~~يستحوا من الرجوع إلى الله. وقوله تعالى: { إلا من تاب وآمن ~~وعمل عملا صالحا.. } [الفرقان: 70] تاب وآمن لمن عمل معصية ~~تخرجه عن الإيمان، فالعاصي لم يقارف المعصية إلا في غفلة عن إيمانه، كما ~~جاء في الحديث الشريف: # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها ms7074 وهو ~~مؤمن ". # ولو استحضر العاصي جلال ربه ما عصاه، ولتضخمت عنده المعصية فانصرف ~~عنها، وما دام قد غاب عنه إيمانه فلا بد له من تجديده، ثم بعد ذلك ~~يوظف هذا الإيمان في العمل الصالح. { إلا من تاب وآمن ~~وعمل عملا صالحا.. } [الفرقان: 70] فالجزاء { فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات.. } [الفرقان: 70] وليس ~~المراد أن السيئة تبدل فتصير حسنة مباشرة، إنما يرفع العبد السيئة ~~ويحل محلها التوبة، وبعد التوبة يضع الله له الحسنة. وقد أطمعت رحمة ~~الله ومغفرته بعض الناس، حتى قال الشاعر: # مولاي إني قد عصيتك عامدا # لأراك أجمل ما تكون غفورا # ولقد جنيت من الذنوب كبارها # ضنا بعفوك أن يكون صغيرا # حتى وصل الحال ببعضهم أن يستكثر من السيئة طمعا في أن تبدل حسنات، ~~لكن من يضمن له أن يعيش إلى أن يتوب، أو أنه إن تاب قبل الله منه؟ ~~والعلة النفسية التي تكلم عنها العلماء في هذه المسألة أن الذي ابتعد ~~عن المعصية فلم يقع في شراكها لم يدرك لذة الشهوة، فلا تأتي على باله، ~~أما من خاض فيها، وذاق لذتها، وأسرف فيها على نفسه فيعاني كثيرا ~~حينما يحجز نفسه وينأى به عن معصية الله، فهذه المعاناة هي التي جعلت له ~~هذه المنزلة. ### || [25.71] # معنى { يتوب إلى الله متابا } [الفرقان: 71] يعني: توبة ~~نصوحا، لا عودة بعدها إلى المعصية، لا يرجع في توبته كالمستهزيء بربه، ~~يقول: أفعل كذا ثم أتوب، وكلمة { متابا } [الفرقان: 71] تعني: العزم ~~ساعة أن يتوب ألا يعود، والخطر في أن يقدم العبد على الذنب لوجود ~~التوبة، فقد يقبض في حال المعصية، وقبل أن يمكنه التوبة. ثم تذكر ~~الآيات خصلة أخرى من خصال عباد الرحمن: { والذين لا يشهدون ~~الزور... }. ### || [25.72] # الزور: الشيء الكذب، ويزور في الشهادة. أي: يثبت الحق لغير صاحبه، ~~لكن نلاحظ أن الآية لم تقل: والذين لا يشهدون بالزور، مما يدل على أن ~~للآية معنى أوسع من النطق بقول الزور في مجال التقاضي، حيث تقول عند ~~القاضي: فلان فعل وهو لم يفعل. فللشهادة معنى آخر: أي: لا ms7075 يحضرون الزور، ~~والزور كل ما خالف الحق، ومنه قوله تعالى في شهر رمضان: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه.. # [البقرة: 185]. فمعنى: { لا يشهدون الزور.. } [الفرقان: 72] ~~أي: لا يحضرون الباطل في أي لون من ألوانه قولا أو فعلا أو إقرارا، ~~وكل ما خالف الحق. لذلك يقول الحق سبحانه في موضع آخر: # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ ~~أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي ~~الجاهلين # [القصص: 55]. ويقول سبحانه: # وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ~~مع القوم الظالمين # [الأنعام: 68]. وقال تعالى: # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات ~~الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره.. # [النساء: 140]. ومعلوم أن قول الزور والشهادة بغير حق تقلب الحقائق ~~وتضر بالمجتمع لأنك حين تشهد بالزور تأخذ الحق من صاحبه وتعطيه ~~لغيره، وهذا يؤدي إلى تعطل حركة الحياة، وتجعل الإنسان لا يأمن على ثمار ~~تعبه وعرقه، فيحجم الناس عن السعي والعمل ما دامت المسألة زورا في ~~النهاية. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة ~~الزور، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس، فما زال يكررها ~~حتى قلنا: ليته سكت ". # لماذا؟ لأن شهادة الزور تهدم كل قضايا الحق في المجتمع. ثم يقول ~~سبحانه: { وإذا مروا باللغو مروا كراما } [الفرقان: 72] ~~اللغو: هو الذي يجب في عرف العاقل أن يلغى ويترك، وهو الهراء ~~الذي لا فائدة منه لذلك قال فيمن يتركه { مروا كراما } [الفرقان: ~~72] والكرام يقابلها اللئام، فكأن المعنى: لا تدخل مع اللئام مجال اللغو ~~والكلام الباطل الذي يصادم الحق ليصرف الناس عنه. ومن ذلك ما حكاه ~~القرآن عن الكفار ليصرفوا الناس عن الاستماع لآيات الذكر: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه.. # [فصلت: 26] يعني: شوشوا عليه حتى لا يتمكن الناس من سماعه، وهذه ~~شهادة منهم بأنهم لو تركوا آذان الناس على طبيعتها وسجيتها فسمعت القرآن، ~~فلا بد أن ينفعلوا به، وأن يؤمنوا به، ولو لم يكن للقرآن أثر في ~~النفوس ms7076 ما قالوا هذه المقولة. وقولهم: # والغوا فيه.. # [فصلت: 26] يعني: وإن سمعتموه يقرأ فالغوا فيه، وشوشوا عليه، حتى ~~لا يصل إلى الآذان، لماذا؟ ألم يؤمن سيدنا عمر لما سمع آيات منه في بيت ~~أخته فاطمة؟ لكن لماذا أثر القرآن في عمر هذه المرة بالذات، وقد سمعه ~~كثيرا فلم يتأثر به؟ قالوا: لأن اللجج والعناد يجعل الإنسان يسمع غير ~~سامع، أما سماع عمر هذه المرة، فكان بعد أن ضرب أخته فشجها، وسال منها ~~الدم، فحرك فيه عاطفة الأخوة وحنانها، ونفض عنه الكبرياء والعناد ~~واللجاج، فصادف القرآن منه نفسا صافية، وقلبا خاليا من اللدد للإسلام ~~فأسلم. # ألا ترى الكفار يقول بعضهم لبعض عند سماع القرآن - كما حكاه القرآن: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا.. # [محمد: 16]. يعني: ما معنى ما يقول، أو: ما الجديد الذي جاء به، وهذا ~~على وجه التعجب منهم. فيرد القرآن: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى.. # [فصلت: 44]. إذن: فالقرآن واحد، لكن المستقبل له مختلف: هذا استقبله ~~بنفس صافية راضية، وهذا استقبله بلدد وقلب مغلق، فكأنه لم يسمع، ~~فالمسألة مسألة فعل وقابل للفعل، وسبق أن مثلنا لذلك بمن ينفخ في ~~يده أيام البرد والشتاء بقصد التدفئة، وينفخ في كوب الشاي مثلا بقصد ~~التبريد، فالفعل واحد، لكن المستقبل مختلف. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~والذين إذا ذكروا بآيات ربهم... }. ### || [25.73] # قوله تعالى: { ذكروا.. } [الفرقان: 73] لا تقال إلا إذا كان ~~المقابل لك الذي تذكره عنده إلف بالذكر، وعنده علم به، والآيات التي ~~تذكر بها لها قدوم أول، ولها قدوم ثان: القدوم الأول: هو الإعلان ~~الأول بها، والقدوم الثاني: حين تنسى نذكرك بها. وسبق أن قلنا: إن ~~الآيات تطلق على معان ثلاثة: إما آيات كونية تلفت النظر إلى قدرة ~~الله تعالى، وأنه صانع حكيم.. الخ، وإما آيات معجزات جاءت لتأييد الرسل ~~وإثبات صدقهم في البلاغ عن الله، وإما آيات الذكر الحكيم، والتي ~~تسمى حاملة الأحكام، وهي ms7077 تنبه من الغفلة، وتذكر الناس. فالمعنى ~~{ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم.. } [الفرقان: 73] ~~أي: في القرآن الكريم: { لم يخروا عليها صما وعميانا ~~} [الفرقان: 73] لم يخروا: الخر: هو السقوط بلا نظام وبلا ترتيب. كما ~~جاء في قوله تعالى: # فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم ~~السقف من فوقهم.. # [النحل: 26] فالسقف إن خر يخر بلا نظام وبلا ترتيب. ومنه قوله تعالى ~~في صفات المؤمنين: # ويقولون سبحان ربنآ إن كان وعد ربنا ~~لمفعولا * ويخرون للأذقان يبكون.. # [الإسراء: 108-109] لأنهم يخرون بانفعال قسري، ينشأ من سماع القرآن. ~~إذن: حين يذكرون بآيات الله لم يخروا عليها صما وعميانا، إنما ~~يخرون وهم مصغون تمام الإصغاء، ومبصرون تمام الإبصار. ثم يقول الحق ~~سبحانه عنهم: { والذين يقولون ربنا هب لنا... }. ### || [25.74] # هذه صفة أخرى من صفات عباد الرحمن، يطلبون فيها أمرين { ربنا هب ~~لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين.. } ~~[الفرقان: 74] والذرية لا تأتي إلا بعد الزواج لذلك جاء الدعاء للأزواج، ~~ثم للذرية. وكلمة { قرة.. } [الفرقان: 74] تستعمل بمعنيين، وفي ~~اللغة شيء يسمونه عامل اشتقاق يعني: يشتق اللفظ من معنى عام، وقد يختلف ~~معناه، لكن في النهاية يلتقيان على معنى واحد. وكلمة قرة تأتي بمعنى ~~اللزوم والثبات، من قر في المكان يعني: لزمه وثبت فيه، وتأتي بمعنى ~~السرور والقر يعني أيضا: شدة البرودة، كما جاء في قول الشاعر: # أوقد فإن الليل ليل قر # والريح يا غلام ريح صر # عل أن يرى نارك من يمر # إن جلبت ضيفا فأنت حر # فالقر: البرد: والقرور: السكون، والعين الباردة: دليل السرور، والعين ~~الساخنة دليل الحزن والألم، على حد قول الشاعر: # فأما قلوب العاشقين فأسخنت # وأما قلوب العازلين فقرت # لذلك يكنون ببرودة العين عن السرور، وبسخونتها عن الحزن، يقولون: رزقني ~~الله ولدا قرت به عيني، ويقولون: أسخن الله عين فلان يعني: أصابه ~~بحزن تغلي منه عينه. ولأن العين جوهرة غالية في جسم الإنسان فقد أحاطها ~~الخالق - عز وجل - بعناية خاصة، وحفظ لها في الجسم حرارة مناسبة تختلف ~~عن حرارة الجسم التي تعتدل عند 37، فلو أخذت العين ms7078 هذه الدرجة ~~لانفجرت. ومن عجيب قدرة الله تعالى أن تكون حرارة العين تسع درجات، ~~وحرارة الكبد أربعين، وهما في جسم واحد. فالمعنى { قرة أعين.. } ~~[الفرقان: 74] يعني: اجعل لنا من أزواجنا ما نسر به، كما جاء في ~~الحديث الشريف عن صفات الزوجة الصالحة: # " ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة: إن أمرها ~~أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها ~~نصحته في نفسها وماله ". # وهب لنا من ذرياتنا أولادا ملتزمين بمنهج الله، لا يحيدون عنه، ولا ~~يكلفوننا فوق ما نطيق في قول أو فعل لأن الولد إن جاء على خلاف هذه ~~الصورة كان مصيبة كبرى لوالديه، بدليل أن الرجل قد يسرف على نفسه بأنواع ~~المعاصي، وقد يقصر في حق الله، لكن يحزن إن فعل ولده مثل فعله. ~~فالأب قد لا يصلي، لكن يحث ولده على الصلاة، ويفرح له إن صلى واستقام، ~~لماذا؟ لأنه يريد أن يرى وأن يعوض ما فاته من الخير والجمال في ابنه، ~~ولا يحب الإنسان أن يرى غيره أحسن منه إلا ولده، لأنه امتداده وعوضه ~~فيما فات. وإن أخذنا { قرة أعين.. } [الفرقان: 74] على أنها ~~بمعنى الاستقرار والثبات، فالمعنى أن تكون الزوجة على خلق وأدب وجمال، ~~بحيث ترضي الزوج، فلا تمتد عينه إلى غيرها، وتسكن عندها لأنها استوفت ~~كل الشروط، ومن ذلك قوله تعالى: # لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم.. # [الحجر: 88]. وكذلك إن وجد صفات الخير والأدب والجمال في أولاد بحيث لا ~~تمتد عينه إلى أكثر من ذلك لأنه يرى في أولاده كل تطلعاته، وكل ما ~~يتمناه، فلا يتطلع إلى غيرهم لذلك حين يمدحون. يقولون: فلان لم يعد ~~عنده تطلعات، لماذا؟ لأنه حقق كل ما يريد. ويقولون في المدح أيضا: ~~فلان هذا قيد النظر، يعني: حين تراه تسكن عنده عينك، ولا تتحول عنه ~~لجماله وكمال صفاته. والولد حين يكون على هذه الصورة، يريح والديه في ~~الدنيا وفي الآخرة لأنه ولد صالح لا ينقطع بره بوالديه لموتهما، إنما ~~يظل ms7079 بارا بهما حتى بعد الموت فيدعو لهما. وفي الآخرة يجمعهم الله ~~جميعا في مستقر رحمته: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم.. # [الطور: 21]. وهكذا كله في الأزواج وفي الأولاد هبة ومنحة من الله. ~~ونلحظ أن بعض الأزواج يعيشون مع أزواجهم على مضض، وربما على كره ~~تحملهم عليه ظروف الحياة والأولاد واستقرار الأسرة، فإن قلت للزوج: إن ~~زوجتك ستكون معك في الجنة يقول: كيف، حتى في الآخرة؟! وهو لا يعلم أن ~~الله تعالى سيطهرها من الصفات التي كرهها منها في الدنيا. قال سبحانه: # للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة.. # [آل عمران: 15]. ويقول سبحانه: # إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون * هم ~~وأزواجهم في ظلال على الأرآئك متكئون # [يس: 55-56]. وقول تعالى: { واجعلنا للمتقين إماما } ~~[الفرقان: 74] نلحظ أن الدعوة هنا جماعية، ومع ذلك لم يقل أئمة، وذكر ~~إماما بصيغة المفرد، فلماذا؟ قالوا: لأنه تعالى ينبهنا إلى أن ~~الإمام هو الذي يسير على وفق منهج الله ولا يحيد عنه لذلك إن تعددت ~~الأئمة فهم جميعا في حكم إمام واحد لأنهم يصدرون عن رب واحد، وعن ~~منهج واحد لا تحكمهم الأهواء فتفرقهم كالأمراء مثلا. فجمعهم في القول ~~من كل منهم على حدة ووحدهم في الإمامة. ثم يقول الحق سبحانه عن جزاء عباد ~~الرحمن: { أولئك يجزون الغرفة بما صبروا... }. ### || [25.75] # { أولئك.. } [الفرقان: 75] خبر عن عباد الرحمن الذين تقدمت ~~أوصافهم، فجزاؤهم { يجزون الغرفة.. } [الفرقان: 75] وجاءت ~~الغرفة مفردة مع أنهم متعددون، يحتاج كل منهم إلى غرفة خاصة به. قالوا ~~لأن الغرفة هنا معناها المكان العالي الذي يشتمل على غرفات، كما قال ~~تعالى: # إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزآء ~~الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون # [سبأ: 37]. وهذا الجزاء نتيجة { بما صبروا.. } [الفرقان: 75] ~~صبروا على مشاق الطاعات، وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذه ~~المسألة بقوله: # " حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ". # فالجنة تستلزم أن أصبر على مشاق الطاعات، وأن أقدر الجزاء على ~~العمل، وأستحضره في الآخرة، ms7080 فإن ضقت بالطاعات وكذبت بجزاء ~~الآخرة، فلم العمل إذن؟ ومثلنا لذلك بالتلميذ الذي يجد ويجتهد في ~~دروسه، لأنه يستحضر يوم الامتحان ونتيجته، وكيف سيكون موقفه في هذا ~~اليوم، إذن: لو استحضر الإنسان الثواب على الطاعة لسهلت عليه ~~وهانت عليه متاعبها، ولو استحضر عاقبة المعصية وما ينتظره من جزائها ~~لابتعد عنها. فالتكاليف الشرعية تستلزم الصبر، كما قال تعالى: # واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة ~~إلا على الخاشعين # [البقرة: 45]. فالحق - تبارك وتعالى - يريد منا ألا نعزل التكاليف عن ~~جزائها، بل ضع الجزاء نصب عينيك قبل أن تقدم على العمل. لذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم يسأل أحد صحابته: # " " كيف أصبحت يا حارثة " فيقول: أصبحت مؤمنا حقا، فقال: " إن لكل ~~حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك ". قال: عزفت نفسي عن الدنيا، حتى استوى ~~عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى ~~أهل النار في النار يعذبون ". # فالمسألة - إذن - في نظرهم لم تكن غيبا، إنما مشاهدة، كأنهم يرونها ~~من شدة يقينهم بها لذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: # " عرفت فالزم ". # والإمام علي - كرم الله وجهه - يقول: لو كشف عني الحجاب ما ازددت ~~يقينا. لماذا؟ لأنه بلغ من اليقين في الغيب إلى حد العلم والمشاهدة. ~~ثم يقول تعالى: { ويلقون فيها تحية وسلاما } [الفرقان: ~~75]. التحية أن نقول له: إننا نحييك يعني: نريد حياتك بأنسك بنا، ~~والسلام: الأمان والرحمة، لكن ممن يكون السلام؟ ورد السلام في ~~القرآن الكريم بمعان ثلاثة: سلام من الله، كما في قوله تعالى: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. وسلام من الملائكة: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام ~~عليكم.. # [الرعد: 23-24]. وسلام من أهل الأعراف، وهم قوم استوت حسناتهم ~~وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة، ولم يدخلوا النار، وهؤلاء يقولون: # وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ~~ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم ~~يدخلوها وهم يطمعون # [الأعراف: 46]. إذن: فعباد الرحمن يلقون في الجنة سلاما من الله، ~~وسلاما من الملائكة، وسلاما من أهل الأعراف. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~خالدين فيها حسنت... ms7081 }. ### || [25.76] # وسبق أن قال تعالى عن النار # سآءت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 66] لأنها قبيحة، ومقابلها هنا { حسنت.. } [الفرقان: 76] ~~والمستقر: مكان الإقامة العابرة غير الدائمة، والمقام: مكان الإقامة ~~الدائمة، ومعلوم أن من يدخل الجنة يقيم فيها إقامة أبدية دائمة، أما ~~من يدخل النار فقد يخرج منها، إن كان مؤمنا. فكيف قال عن كل منهما: ~~مستقرا ومقاما؟ قالوا: لأنهم ساعة يأتيهم نعيم وجزاء نقول لهم: ليس ~~هذا هو النعيم الدائم، فالمستقر في نعمة واحدة، إنما المقام في نعم ~~أخرى كثيرة مترقية مستعلية، لدرجة أن الكمالات في عطاء الله لا تتناهى. ~~ثم ينهي الحق سبحانه سورة الفرقان بقوله تعالى: { قل ما يعبؤا ~~بكم ربي... }. ### || [25.77] # بعد أن تحدث الحق - تبارك وتعالى - عن عباد الرحمن، وذكر أوصافهم ~~وجزاءهم توجه إلى الآخرين الذين لم يتصفوا بهذه الصفات ولن ينالهم شيء ~~من هذا النعيم، يقول لهم: إياكم أن تظنوا أن الله تعالى سيبالي بكم، أو ~~يهتم، أو يكون في معونتكم لأن الله تعالى لا يبالي إلا بعباده الذين ~~عبدوه حق العبادة، وأطاعوه حق الطاعة، وأنتم خالفتم الأصل الأصيل ~~من إيجاد الخلق، ولم تحققوا معنى الاستخلاف في الأرض الذي خلقكم الله ~~تعالى من أجله. فكما أنكم انصرفتم عن منهج الله ولم تعبئوا به ولم ~~تعبدوه، ولم يكن على بالكم، فكذلك لا يعبأ الله بكم، ولن تكونوا على ~~ذكر منه سبحانه، وسوف يهملكم. وقوله تعالى: { لولا دعآؤكم.. } ~~[الفرقان: 77] يعني: لولا عبادتكم، حيث إنها لم تقع { فقد ~~كذبتم.. } [الفرقان: 77] أي: بالأصل الأصيل، وهو أنكم مخلوقون ~~للعبادة { فسوف يكون لزاما } [الفرقان: 77] كما لازمتم أنتم ~~الكفر بي ولم تعبدوني وأصررتم على الكفر، كذلك يكون الجزاء من جنس العمل ~~لزاما لكم، فلا يفارقكم أبدا. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1] # سبق أن تكلمنا عن الحروف المقطعة في أوائل السور، وقلنا فرق بين اسم ~~الحرف ومسمى الحرف، مسمى الباء مثلا: با أو بو أو بي أو إب في ~~حالة السكون، إنما اسمها: باء مفتوحة، أو مضمومة، أو ساكنة، لكن حين ~~تنطق هذا الحرف في كتب - مثلا ms7082 - تقول: كتب فتنطق مسمى الحرف لا ~~اسمه. وقلنا: في هذه المسألة معان كثيرة، أيسرها: أن القرآن، وهو كلام ~~الله المعجز منزل من حروف مثل حروفكم التي تتكلمون بها، وكلمات مثل ~~التي في لغتكم، لكن ما الذي جعله متميزا بالإعجاز عن كلامكم؟ نقول: لأنه ~~كلام الله، هذا هو الفرق، أما الحروف فواحدة. ولو تأملت لوجدت أن ~~الحروف المقطعة في أوائل السور مجموعها أربعة عشر حرفا، هي نصف الحروف ~~الهجائية، مرة يأتي حرف واحد، ومرة حرفان، ومرة ثلاثة أحرف، ومرة أربعة ~~أحرف، ومرة خمسة أحرف. وهذا يدلنا على أن القرآن معجز، مع أنه بنفس ~~حروفكم، وبنفس كلماتكم. وسبق أن ضربنا لتوضيح هذه المسألة مثلا: هب ~~أنك أردت أن تختبر جماعة في إجادة النسج مثلا، فأعطيت أحدهم صوفا، ~~وللثاني حريرا، وللثالث قطنا، وللرابع كتانا، فهل تستطيع أن تحكم على ~~دقة نسج كل منهم وأيهما أرق وأجمل؟ بالطبع لا تستطيع لأن الحرير ~~أنعم وأرق من القطن، والقطن أرق من الصوف، والصوف أرق من الكتان، فإن ~~أردت تمييز الدقة والمهارة في هذه الصنعة فعليك أن توحد النوع. إذن: ~~سر الإعجاز في القرآن أن تكون مادته ومادة غيره من الكلام واحدة، ~~حروفا وكلمات لذلك كثيرا ما يقول الحق - تبارك وتعالى - بعد الحروف ~~المقطعة: { تلك آيات الكتاب... }. ### || [26.2] # أي: أن الكتاب المبين مكون من مثل هذه الحروف، ولله تعالى معان ~~أخرى، فيها مرادات له سبحانه، لعل الزمن يكشف لنا عنها.. والقرآن كلام ~~الله، وصفاته لا تتناهى في الكمال، فإن استطعت أن تصف الأشياء، هذا ~~كذا، وهذا كذا فهذه طاقة البشر والعقل البشري. أما آيات الله في كتابه ~~المبين فهي الآيات الفاصلة التي لها بدء ولها ونهاية، وتتكون منها سور ~~القرآن. ومعنى { المبين } [الشعراء: 2] الواضح المحيط بكل شيء، كما ~~قال سبحانه في آية أخرى: # ما فرطنا في الكتاب من شيء.. # [الأنعام: 38]. ثم يقول الحق سبحانه: { لعلك باخع نفسك... ~~}. ### || [26.3] # هذه هي التسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه حمل نفسه في تبليغ ~~الرسالة فوق ما يطيق، وفوق ms7083 ما يطلبه الله منه حرصا منه على هداية ~~الناس، وإرجاعهم إلى منهج الله ليستحقوا الخلافة في الأرض، ولأن من شروط ~~الإيمان أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك. والحق - تبارك وتعالى - يسلي ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال له في سورة الكهف: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [لكهف: 6]. كأن ترى ولدك يرهق نفسه في المذاكرة، فتشفق عليه أن يهلك ~~نفسه، فأنت تعتب عليه لصالحه، كذلك الحق - تبارك وتعالى - يعتب على رسوله ~~شفقة وخوفا عليه أن يهلك نفسه. ومعنى { باخع.. } [الشعراء: 3] ~~البخع: الذبح الذي لا يقتصر على قطع المرىء والودجين، إنما يبالغ ~~فيه حتى يفصل الفقرات، ويخرج النخاع من بينها، والمعنى: تحزن حزنا ~~عميقا يستولي على نفسك حتى تهلك، وهذا يدل على المشقة التي كان يعانيها ~~الرسول صلى الله عليه وسلم من تكذيب قومه له. وفي موضع آخر، يقول سبحانه ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم: # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.. # [فاطر: 8] فهذا أمر نهائي واضح، ونهي صريح، بعد أن لفت نظره ~~بالإنكار، فقال: { لعلك باخع نفسك.. } [الشعراء: 3]. وقد ~~نبه الله تعالى رسوله في عدة مواضع حتى لا يحمل نفسه فوق طاقتها، ~~فقال الحق سبحانه وتعالى: # فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب # [الرعد: 40]. وقال: # لست عليهم بمصيطر # [الغاشية: 22]. وقال: # ومآ أنت عليهم بجبار.. # [ق: 45]. فالحق - تبارك وتعالى - يقول لرسوله: يسر على نفسك، ولا ~~تكلفها تكليفا شاقا مضنيا، والعتاب هنا لصالح الرسول، لا عليه. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { إن نشأ ننزل عليهم من ~~السمآء... }. ### || [26.4] # والآية هنا ليست آية إقناع للعقول، إنما آية ترغمهم وتخضع رقابهم، ~~وتخضع البنية والقالب، وهذا ليس كلاما نظريا يقال للمكذبين، إنما ~~حقائق وقعت بالفعل في بني إسرائيل. واقرأ إن شئت قوله تعالى: # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا ~~أنه واقع بهم خذوا مآ ءاتينكم بقوة.. # [الأعراف: 171]. فأخذوا ما آتيناهم بقوة، لماذا؟ بالآية التي أرغمتهم ~~وأخضعت قوالبهم، لكن الحق - تبارك وتعالى - كما قلنا - لا يريد بالإيمان ~~أن يخضع القوالب، إنما يريد أن يخضع ms7084 القلوب باليقين والاتباع. فلو شاء ~~ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، لا يتخلف منهم أحد، بدليل أنه ~~سبحانه خلق الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وبدليل ~~أنه سبحانه بعث رسلا وعصمهم، ولم يجعل للشيطان سبيلا عليهم، وبدليل أن ~~الشيطان بعد أن تعهد أن يغوي بني آدم ليكونوا معه سواء في المعصية قال ~~له: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان.. # [الحجر: 42]. والشيطان نفسه يقول: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص: 82-83]. إذن لو أراد سبحانه لجعل الناس جميعا مؤمنين وما عز ~~عليه ذلك، لكنه أراد سبحانه أن يكون الإيمان باختيار المؤمن، فيأتي ربه ~~طواعية مختارا. حتى في أمور الدنيا وأهلها، قد ترى جبارا يضرب الناس، ~~ويخضعهم لأمره ونهيه، فيطيعونه طاعة قوالب، إنما أيستطيع أن يخضع ~~بجبروته قلوبهم؟! وقال: { فظلت أعناقهم لها خاضعين } ~~[الشعراء: 4] خص الأعناق لأنها مظهر الخضوع، فأول الخضوع أن تلوى ~~الأعناق، أو الأعناق تطلق عند العرب على وجوه القوم وأعيانهم لذلك ~~يقولون في التهديد: هذه مسألة تضيع فيها رقاب. والمراد: الرقاب الكبيرة ~~ذات الشأن، لا رقاب لمامة القوم، والضعفاء، أو العاجزين. ومثلها كلمة ~~صدور القوم يعني: أعيانهم والمقدمين منهم الذين يملأون العيون. ~~والمعنى: فأنت لا تخضع الناس لأني لو أردت أن أخضعهم لأخضعتهم لذلك ~~يقول تعالى في آية آخرى: # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ~~أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين # [يونس: 99]. فإذا كان ربك لا يكره الناس على الإيمان، أفتكرههم أنت؟ ~~ولماذا الإكراه في دين الله؟ إن الحق - تبارك وتعالى - يوالي تنزيل ~~القرآن عليهم - آية بعد آية - فلعل نجما من نجومه يصادف فراغا، وقلبا ~~صافيا من الموجدة على رسول الله فيؤمن. لكن هيهات لمثل هؤلاء الذين ~~طبعوا على اللدد والعناد والجحود أن يؤمنوا لذلك يقول الله عنهم: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # [النمل: 14]. وقال عنهم: { وما يأتيهم من ذكر... }. ### || [26.5] # قوله: { محدث.. } [الشعراء: 5] يعني: جديد على أذهانهم لأننا لا ~~نلفتهم بآية واحدة، بل بآيات الواحدة تلو الأخرى: ms7085 { إلا كانوا ~~عنه معرضين } [الشعراء: 5]. فكلما جاءتهم آية كذبوها، وهذا ~~دليل على اللدد والعداوة التي لا تفارق قلوبهم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، بحيث لا يصادف نجم من القرآن قلوبا خالية، فكأن عداوتهم لك يا ~~محمد منعتهم من الإيمان بالقرآن، فهم مستعدون للإيمان بالقرآن إن جاء ~~من غيرك. أليسوا هم القائلين: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إذن: فاللدد والخصومة ليست في منهج الله، إنما في شخص ~~رسول الله لذلك ربك يعزيك ويحرص عليك: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون.. # [الأنعام: 33] مرة ساحر، ومرة مجنون.. إلخ. انظر إلى التسلية: # فإنهم لا يكذبونك.. # [الأنعام: 33] فأنت عندهم صادق وأمين # ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33]. وقوله تعالى: { إلا كانوا عنه معرضين } ~~[الشعراء: 5] أي: في غباء ولدد، وهل هناك أشد لددا من قولهم: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. بدل أن يقولوا: اهدنا إليه!! ### || [26.6] # أي: كلما جاءهم ذكر من الرحمن، وآية من آياته أصروا على تكذيبها { ~~فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } [الشعراء: ~~6]. كما جاء في آيات أخرى: # وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون # [الشعراء: 227]. وقال: # ولتعلمن نبأه بعد حين # [ص: 88]. يعني: غدا تعلمون عاقبة تكذيبكم، فآيات الله تسير أمامكم، ~~فكل يوم يزداد المؤمنون بمحمد، ويتناقص عدد الكافرين، كل يوم تزداد أرض ~~الإيمان، وتتراجع أرض الكفر. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى لهم: # أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافهآ.. # [الأنبياء: 44]. فهذه - إذن - مقدمات ترونها بأعينكم، وكان ينبغي عليكم ~~أن تأخذوا منها عبرة وعظة، فبوادر نجاح الدعوة وظهور الدين واضحة، هذا ~~معنى: { فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون } ~~[الشعراء: 6]. فليتهم اقتصروا على التكذيب والإصرار عليه، إنما تعدى ~~الأمر منهم إلى الاستهزاء بالرسل وبكلام الله، ألم يقولوا على سبيل ~~الاستهزاء: # أهذا الذي بعث الله رسولا # [الفرقان: 41]. ثم يقول الحق سبحانه: { أولم يروا إلى ~~الأرض... }. ### || [26.7] # لما لم يفلح الذكر المحدث والآيات المتجددة مع هؤلاء المعاندين فلم ms7086 ~~يرعووا. ردهم الله تعالى إلى الآيات الكونية الظاهرة لهم والتي ~~سبقتهم في الوجود، آيات في السماء: الشمس والقمر والنجوم، وآيات في ~~الأرض: البحار والقفار والجبال والنبات والحيوان. وكلها آيات كونية لم ~~يدعها أحد منهم، بل جاء الإنسان إلى الوجود وطرأ عليها، وقد سبقته هذه ~~الآيات التي يراها: الكبير والصغير، والرجل والمرأة، والعاقل وغير ~~العاقل، ألا ينظرون فيها نظرة اعتبار، فيسألون عن مبدعها؟ ضربنا لذلك ~~مثلا بالإنسان الذي انقطعت به السبل في صحراء جرداء حتى أشرف على ~~الهلاك، فأخذته سنة فنام، ولما استيقظ وجد في هذا المكان المنقطع ~~مائدة، عليها أطايب الطعام والشراب، ألا ينبغي عليه قبل أن تمتد يده ~~إلى هذا الطعام أن يسأل نفسه من الذي أعده له؟ كذلك الإنسان طرأ على كون ~~معد لاستقباله، وعلى وجود لا تتناوله قدرته، ولا سلطان له عليه، فهو ~~لا يتناول الشمس مثلا ليوقدها ولم يدع هذه الآيات الكونية أحد، ~~ألا يدل ذلك على الخالق - عز وجل - ويوجب علينا الإيمان به؟ لذلك ~~يقول سبحانه # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله.. # [لقمان: 25]. وقال: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # [الزخرف: 87]. ولو تأمل الإنسان في اللمبة الصغيرة التي تضيء غرفة، ولها ~~عمر افتراضي لا يتعدى عدة أشهر وهي عرضة للكسر وللأعطال، ومع ذلك ~~تكاتف في صناعتها فريق من المهندسين والعمال والفنيين، وكثير من الآلات ~~والعدد، ومع ذلك نؤرخ لمخترع المصباح، ونعرف تاريخه، وكيفية صنعه.. ~~الخ. نعرف مخترع التلفون والراديو و.. أليس من الأولى أن ننظر ونتأمل ~~في خلق الشمس، هذا الكوكب العظيم الذي يضيء الدنيا كلها، دون وقود، أو ~~قطعة غيار، أو عطل طوال هذه المدد المتعاقبة؟ فإذا ما جاء رسول، ~~وقطع على الناس هذه الغفلة، وقال لهم: ألا أنبئكم بمن خلق كل هذا؟ ~~إنه الله. كان يجب عليهم أن يعيروه آذانهم ويؤمنوا. هنا يقول تعالى: { ~~أولم يروا إلى الأرض.. } [الشعراء: 7] وهي آية ظاهرة أمام ~~أعينهم، يرونها هامدة جرداء مقفرة، فإذا نزل عليها الماء أحياها الله ~~بالنبات، ألم ينظروا إلى الجبال والصحراء بعد ms7087 نزول المطر، وكيف تكتسي ~~ثوبا بديعا من النبات بعد فصل الشتاء. ألم يسألوا أنفسهم: من نقل ~~هذه البذور وبذرها في الجبال لذلك يقول سبحانه في موضع آخر: # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج # [الحج: 5]. وقوله تعالى هنا: { كم أنبتنا فيها من كل زوج ~~كريم } [الشعراء: 7] كم: خبرية تفيد الكثرة، جاءت بصيغة الاستفهام ~~للتقرير، كما تقول لصاحبك: كم أحسنت إليك، بدل أن تعدد مظاهر إحسانك ~~إليه، فتسأله لأنك واثق أن الإجابة في صالحك، فالكلام بالإخبار دعوى ~~منك، لكن الإجابة على سؤال إقرار منه. # فالمعنى: أن نبات الأرض كثير يفوق الحصر. والزوج: الصنف، والزوج أيضا ~~الذكر أو الأنثى، والبعض من العامة يظن أن الزوج يعني الاثنين وهذا خطأ، ~~فالزوج واحد معه مثله، كما في قوله سبحانه: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر ~~اثنين.. # [الأنعام: 143-144]. فهذه أربعة أصناف، فيها ثمانية أزواج، فالزوج فرد ~~واحد معه مثله، فلا تقول زوج أحذية. بل زوجا أحذية. والحق سبحانه ~~وتعالى يقول: # وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى # [النجم: 45]. وكذلك النبات لا بد فيه من ذكورة وأنوثة، وإن كانت غير ~~واضحة فيه كله كما هي واضحة مثلا في النخل، ففيه ذكر نلقح منه الأنثى ~~لتثمر، وكذلك شجرة الجميز منها ذكر وأنثى. لكن لم نر ذكورة وأنوثة في ~~الجوافة مثلا أو في الليمون، لماذا؟ قالوا: مرة توجد الذكورة والأنوثة ~~في الشيء الواحد كعود الذرة مثلا، قبل أن يخرج ثمرته تخرج سنبلة في ~~أعلاه تحمل لقاح الذكورة، وحينما يهزها الريح يقع اللقاح على شرابة كوز ~~الذرة، وتتم عملية التلقيح. وقد تكون الذكورة والأنوثة في شيء لا تعرفه ~~أنت كالمانجو والتفاح مثلا، فلم نعلم لها ذكرا وأنثى. لكن الحق تعالى ~~قال: # وأرسلنا الرياح لواقح.. # [الحجر: 22]. وقال: # ومن كل شيء خلقنا زوجين.. # [الذاريات: 49]. ثم وصف الزوج بأنه { كريم } [الشعراء: 7] فماذا يعني ~~الكرم ms7088 هنا؟ قالوا: لأنك إذا أخذت الثمرة الواحدة ونظرت وتأملت فيها ~~لوجدت لها صفات متعددة ونعما كثيرة، كما قال سبحانه: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. # [إبراهيم: 34] وهي نعمة واحدة بصيغة المفرد ولم يقل نعم الله. قالوا: ~~لأن الحق - عز وجل - يريد أن يلفتنا إلى أن كل نعمة واحدة لو استقصيت ~~عناصرها وتكوينها لوجدت في طياتها نعما لا تعد ولا تحصى. ~~فمعنى { كريم } [الشعراء: 7] يعني: كثير العطاء وكثير الخيرات. ### || [26.8] # قوله تعالى: { إن في ذلك.. } [الشعراء: 8] أي: في آية الإنبات، ~~وكل زوج كريم يخرج من الأرض { لآية.. } [الشعراء: 8] شيء عجيب ودلالة ~~واضحة على مكون حكيم يعمل الشيء بقصد ونظام، ينبغي أن تلفتنا إلى قدرة ~~الخالق - عز وجل -. { وما كان أكثرهم مؤمنين } [الشعراء: ~~8] يعني: مع كل هذه الآيات لم يؤمنوا، إلا القليل منهم كما قال تعالى في ~~آية أخرى: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105] مع أنك لو تأملت آية واحدة لكانت كافية لأن تلفتك إلى ~~الله. # وفي كل شيء له آية # تدل على أنه الواحد # ثم يقول الحق سبحانه: { وإن ربك لهو العزيز... }. ### || [26.9] # جاء الحق تبارك وتعالى هنا بصفة { العزيز.. } [الشعراء: 9] بعد أن ~~قال # وما كان أكثرهم مؤمنين # [الشعراء: 8] لنعلم أن الذين كفروا لم يكفروا رغما عن الله، إنما ~~كفروا بما أودع الله فيهم من الاختيار. فهو سبحانه الذي أعانهم عليه ~~لما أحبوه وأصروا عليه لأنه تعالى ربهم، بدليل أنه تعالى لو تركهم ~~مجبرين مرغمين ما فعلوا شيئا يخالف منهج الله أبدا، وبدليل أنهم مجبرون ~~الآن على أشياء ومقهورون في حياتهم في مسائل كثيرة، ومع ذلك لا يستطيع ~~أحد منهم أن يخرج على شيء من ذلك. فمع إلفهم العناد والتمرد على منهج ~~الله، أيستطيع أحدهم أن يتأبى على المرض، أو على الموت، أو على ~~الأقدار التي تنزل به؟ أيختار أحد منهم يوم مولده مثلا، أو يوم وفاته؟ ~~أيختار طوله أو قوته أو ذكاءه؟ لكن لما أعطاهم الله الصلاحية والاختيار ~~اختاروا الكفر، فأعانهم الله على ms7089 ما أحبوا، وختم على قلوبهم حتى لا ~~يخرج منها كفر، ولا يدخلها إيمان. وكلمة { العزيز.. } [الشعراء: 9] ~~تعني: الذي لا يغلب ولا يقهر، لكن هذه الصفة لا تكفي في حقه تعالى ~~لأنها تفيد المساواة للمقابل، فلا بد أن نزيد عليها أنه سبحانه هو ~~الغالب أيضا. لذلك يقول سبحانه وتعالى: # والله غالب على أمره.. # [يوسف: 21] فالله تعالى عزيز يغلب ولا يغلب. ومثال ذلك قوله ~~تعالى: # يطعم ولا يطعم # [الأنعام: 14]. وقوله تعالى: # قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا ~~يجار عليه.. # [المؤمنون: 88]. ثم يذكر سبحانه بعدها صفة الرحمة، فهو سبحانه مع عزته ~~رحيم، إنه تعالى رحيم حين يغلب، ألم يتابع لهم الآيات ويدعهم إلى ~~النظر والتأمل، لعلهم يثوبون إلى رشدهم فيؤمنوا؟ فلما أصروا على ~~الكفر أمهلهم، ولم يأخذهم بعذاب الاستئصال، كما أخذ الأمم الأخرى حين ~~كذبت رسلها. كان الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم يبلغون الدعوة، ~~ويظهرون المعجزة، فمن لم يؤمن بعد ذلك يعاقبه الله، كما قال سبحانه: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا.. # [العنكبوت: 40]. أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد قال تعالى في ~~شأنها: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال: 33]. وقال هنا: { وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم } [الشعراء: 9] فالحق - تبارك وتعالى - في كل هذه الآيات ~~يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم، ويعطيه عبرة من الرسل الذين سبقوه، ~~فليس محمد بدعا في ذلك، ألم يقل له ربه: # يحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به يستهزئون # [يس: 30] فالمسألة - إذن - قديمة - قدم الرسالات. لذلك، يأخذنا السياق ~~بعد ذلك إلى موكب النبوات، فيذكر الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ~~طرفا من قصة نبي الله موسى: { وإذ نادى ربك موسى... }. ### || [26.10] # الحق - تبارك وتعالى - يقص على رسوله قصص الأنبياء، وهو أحسن القصص ~~لحكمة: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك.. # [هود: 120]. لأن رسول الله ms7090 صلى الله عليه وسلم مر بمعارك كثيرة مع ~~الكفر، فكان يحتاج إلى تثبيت مستمر كلما تعرض لشدة لذلك تكرر القصص ~~القرآني لرسول الله على مدى عمر الدعوة، والقصص القرآني لا يراد به ~~التأريخ لحياة الرسل السابقين، إنما إعطاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم ~~عبرة وعظة بمن سبقه من إخوانه الرسل لذلك كانت القصة تأتي في عدة ~~مواضع، وفي كل موضع لقطة معينة تناسب الحدث الذي نزلت فيه. وهنا يقول ~~سبحانه: { وإذ نادى ربك موسى.. } [الشعراء: 10] يعني: اذكر ~~يا محمد، إذ نادى ربك موسى أي: دعاه. لكن لماذا بدأ بقصة موسى عليه ~~السلام بالذات؟ قالوا: لأن كفار مكة كفروا بك أنت، فلا تحزن لأن غيرهم ~~كان أفظع منهم، حيث ادعى الألوهية، وقال: # ما علمت لكم من إله غيري.. # [القصص: 38]. والسياق هنا لم يذكر: أين ناداه ربه، ولا متى ناداه، وبدأ ~~الحوار معه مباشرة، لكن في مواضع أخرى جاء تفصيل هذا كله. ثم يأتي الأمر ~~المباشر من الله تعالى لنبيه موسى: { أن ائت القوم الظالمين ~~} [الشعراء: 10] أي: الذين ظلموا أنفسهم، بأن جعلوا لله تعالى شريكا، ~~والشرك قمة الظلم # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. ولم يبين القرآن من هم هؤلاء الظالمون لأنهم معروفون ~~مشهورون، فهم في مجال الشرك أغنياء عن التعريف، بحيث إذا قلنا { ~~القوم الظالمين } [الشعراء: 10] انصرف الذهن إليهم، إلى ~~فرعون وقومه لأنه الوحيد الذي تجرأ على ادعاء الألوهية، وبعد أن ذكرهم ~~بالوصف يعينهم: { قوم فرعون... }. ### || [26.11] # أي: قل لهم يا موسى ألا تتقون ربكم؟ واعرض عليهم هذا العرض لأن الطلب ~~يأتي مرة بالأمر الصريح: افعل كذا، ومرة يتحنن إليك بأسلوب العرض، ألا ~~تفعل كذا؟ على سبيل الاستفهام والعرض والحض. والمعنى: ألا يتقون الله ~~في ظلمهم لأنفسهم باتخاذهم مع الله شريكا ولا إله غيره، وظلموا بني ~~إسرائيل في أنهم يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم. لكن، لماذا تكلم ~~عن قوم فرعون أولا، ولم يعرض عليه هو أولا، وهو رأس الفساد في القوم؟ ~~ويجيب على هذا السؤال المثل القائل يا فرعون ماذا فرعنك؟ قال: ms7091 لأنني لم ~~أجد أحدا يردني فلو وقف له قومه وردعوه لارتدع، لكنهم تركوه، بل ساروا ~~في ركبه إلى أن صار طاغية، وأعانوه حتى أصبح طاغوتا. فقال موسى: { ~~قال رب إني أخاف... }. ### || [26.12] # لما دعا الحق - تبارك وتعالى - نبيه موسى - عليه السلام - لأن يذهب إلى ~~قوم فرعون لم يبادر بالذهاب، إنما أبدى لربه هواجس نفسه وخلجاتها لأنه ~~يعلم مقدما مشقة هذه المهمة، فقد عاش مع فرعون ويعلم طبيعته، فقال: { ~~إني أخاف أن يكذبون } [الشعراء: 12] وكيف لمن يدعي ~~الألوهية أن يسمع لرسول؟ ويروى أنه في عهد الخليفة المأمون ادعى ~~أحدهم النبوة، فحبسوه، ثم ادعاها آخر فقال: اجمعوا بينهما حتى يواجه ~~أحدهما الآخر، فلما حضرا قالوا: يا هذا إن هذا الرجل يدعي النبوة، ~~فقال: كذب، أنا لم أرسل أحدا. وهكذا جعل من نفسه إلها بعد أن كان ~~نبيا. ويواصل موسى الحديث عن مخاوفه: { ويضيق صدري ولا ~~ينطلق لساني... }. ### || [26.13] # يضيق صدري ساعة يكذبونني، وضيق الصدر ينتج عنه أن أتلجلج وأتعصب، فلا ~~أستطيع أن أتكلم الكلام المقنع ذلك لأنني سأشاهد باطلا واضحا يجابه ~~حقا واضحا، ولا بد أن يضيق صدري بذلك، خاصة وأن لموسى عليه السلام ~~سابقه في مسألة الكلام. لذلك قال: { فأرسل إلى هارون } ~~[الشعراء: 13] وفي آية أخرى: # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ~~ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون # [القصص: 34]. يعني: مساعدا لي يتكلم بدلا عني، إن عجز لساني عن ~~الكلام، وهذا يدل على حرصه - عليه السلام - على تبليغ دعوة ربه إلى فرعون ~~وقومه. وعليه، فقد كان موسى وهارون كلاهما رسول، إلا أن القرآن قال مرة ~~عنهما: # إنا رسول رب العالمين # [الشعراء: 16] بصيغة المفرد، وقال مرة أخرى: # إنا رسولا ربك.. # [طه: 47] بصغية المثنى. الرسول: هو المرسل من شخص لآخر، سواء كان ~~واحدا أو مثنى أو جمعا. ومعلوم أن الإنسان يحتاج لاستبقاء حياته ~~طعاما وشرابا، وقبل ذلك وأهم منه يحتاج لاستبقاء نفسه، ألا تراه ~~يصبر على الطعام، ويصبر على الشراب، لكنه لا يصبر بحال على الهواء، فإن ~~حبس عنه شهيق أو ms7092 زفير فارق الحياة؟ وسبق أن قلنا: إن من رحمة الله ~~تعالى بنا أن يملك الطعام كثيرا، وقليلا ما يملك الماء، لكن ~~الهواء لا يملكه الله لأحد، لماذا؟ لأنه لو ملك عدوك الهواء فمنعه ~~عنك، فسوف تموت قبل أن يرضى عنك، بالإضافة إلى أن الهواء هو العنصر ~~الأساسي في الحياة، وعليه تقوم حركتها. ونلحظ أن الإنسان إذا صعد مكانا ~~عاليا ينهج، وتزداد ضربات قلبه وحركة تنفسه، لماذا؟ لأن الحركة تحتاج ~~لكثير من الهواء، فإن قل الهواء يضيق الصدر لأنه يكفي فقط لاستبقاء ~~الحياة، لكنه لا يكفي الحركة الخارجية للإنسان. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~ولهم علي ذنب... }. ### || [26.14] # وليت المسألة تقف بين نبي الله موسى وبين قومه عند مسألة الكلام، إنما ~~لهم عنده ثأر قديم لأنه قتل منهم واحدا، وإن كان عن غير قصد، كما ~~قال تعالى في آية أخرى: # فوكزه موسى فقضى عليه.. # [القصص: 15] فأخاف أن يقتلوني به. فيقول الحق سبحانه لموسى وهارون: { ~~قال كلا فاذهبا... }. ### || [26.15] # كلا تفيد نفي ما قبلها، وقبلها مسائل ثلاث: # أخاف أن يكذبون # [الشعراء: 12]، # ويضيق صدري ولا ينطلق لساني.. # [الشعراء: 13]، # فأخاف أن يقتلون # [الشعراء: 14] فعلى أي منها ينصب هذا النفي؟ النفي هنا يتوجه إلى ~~ما يتعلق بموسى - عليه السلام - لا بما يتعلق بالقوم من تكذيبهم إياه، ~~يقول له ربه: اطمئن، فلن يحدث شيء من هذا كله. ولا ينصب النفي على ~~تكذيبهم له لأنه سيكذب لذلك نرى دقة الأداء القرآني حيث جاءت # أخاف أن يكذبون # [الشعراء: 12] في نهاية الآية، وبعدها كلام جديد # ويضيق صدري.. # [الشعراء: 13] وهو المقصود بالنفي. وقد بينت سورة الفجر معنى كلا ~~بوضوح في قوله تعالى # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن # [الفجر: 15-16]. فيقول تعالى بعدها ردا عليها # كلا.. # [الفجر: 17] يعني: ليس الإعطاء دليل إكرام، ولا المنع دليل إهانة، ~~إنما المراد الابتلاء بالنعمة وبالنقمة. وكيف يكون الأمر كما تظنون، وقد ~~أعطاكم الله فبخلتم، وأحببتم المال حبا جما، فلم تنفقوا ms7093 منه على ~~اليتيم أو المسكين، بل تنافستم في جمعه حتى أكلتم الميراث، وأخذتم ~~أموال الناس. إذن: فالمال الذي أكرمكم الله به لم يكن نعمة لكم لأنكم ~~جعلتموه نقمة ووبالا، حين أعطيتم فمنعتم. وكلمة كلا هذه أصبح لها ~~تاريخ مع موسى - عليه السلام - فقد تعلمها من ربه، ووعى درسها جيدا، ~~فلما حوصر هو وأتباعه بين البحر من أمامهم، وفرعون وجنوده من خلفهم، ~~حتى أيقن أتباعه أنهم مدركون هالكون، قالها موسى عليه السلام بملء فيه # قال كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. وقوله تعالى: { فاذهبا بآياتنآ.. } [الشعرءا: ~~15] الآيات هنا يقصد بها المعجزات الدالة على صدقهما في البلاغ عن ~~الله، وهي هنا العصا { إنا معكم مستمعون } [الشعراء: 15] ~~كما قال لهما في موضع آخر: # إنني معكمآ أسمع وأرى # [طه: 46]. فمرة يأتي بالسمع فقط، ومرة بالسمع والرؤية، لماذا؟ لأن ~~موقفه مع فرعون في المقام الأول سيكون جدلا ونقاشا، وهذا يناسبه السمع، ~~وبعد ذلك ستحدث مقامات في فعل و عمل في مسألة السحر وإلقاء العصا، وهذا ~~يحتاج إلى سمع وإلى بصر لأن الإيذاء قد يكون من السمع فقط في أول اللقاء، ~~وقد يكون من السمع والعين فيما بعد. ### || [26.16] # وسبق أن قال سبحانه: # أن ائت القوم الظالمين * قوم فرعون.. # [الشعراء: 10-11] فذكر قوم فرعون أولا لأنهم سبب فرعنته، حين سمعوا ~~كلامه وأعانوه عليه، وهنا يذكره { فأتيا فرعون.. } [الشعراء: ~~16] لأنه حين يهزم فرعون يهزم قومه الذين أيدوه، فالكلام هنا مع ~~قمة الكفر مع فرعون. { فقولا إنا رسول رب العالمين } ~~[الشعراء: 16] إنا: جمع يقال للمثنى، ومع ذلك جاءت رسول بصيغة ~~الإفراد، ولم يقل: رسولا لأن الرسول واسطة بين المرسل والمرسل إليه، ~~سواء أكان مفردا أو مثنى أو جمعا. وكلمة { إنا.. } [الشعراء: 16] ~~سيقولها موسى وهارون في نفس واحد؟ لا، إنما سيتكلم المقدم منهما، ~~وينصت الآخر، فيكون كمن يؤمن على كلام صاحبه. ألا ترى القرآن الكريم ~~حينما عرض قضية موسى وقومه يوضح أن فرعون علا في الأرض واستكبر.. الخ. ~~حتى دعا عليهم: # ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~فلا ms7094 يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 88]. هذا كلام موسى - عليه السلام - فرد الله عليه: # قد أجيبت دعوتكما.. # [يونس: 89] بالمثنى مع أن المتكلم واحد. قالوا: لأن موسى كان يدعو، ~~وهارون يؤمن على دعائه، والمؤمن أحد الداعيين، وشريك في الدعوة. فما ~~مطلوبك يا رسول رب العالمين؟ { أن أرسل معنا... }. ### || [26.17] # فالأصل في لقاء موسى بفرعون أن ينقذ بني إسرائيل من العذاب، ثم ~~يبلغهم منهج الله، ويأخذ بأيديهم إليه، وجاءت دعوة فرعون للإيمان ~~ونقاشه في ادعائه الألوهية تابعة لهذا الأصل. وفي موضع آخر: # فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد ~~جئناك بآية من ربك.. # [طه: 47]. إذن: فتلوين الأساليب في القصص القرآني يشرح لقطات مختلفة من ~~القصة، ويوضح بعض جوانبها، وإن بدا هذا تكرارا في المعنى الإجمالي، ~~وهذا واضح في وقوله تعالى في أول قصة موسى عليه السلام: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا.. # [القصص: 8]. وفي أية أخرى يقول تعالى على لسان امرأة فرعون: # قرة عين لي ولك.. # [القصص: 9] وكأن الله تعالى يقول: ستأخذونه ليكون قرة عين لكم، إنما ~~هو سيكون عدوا. والله تعالى يقول: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه.. # [الأنفال: 24] ففرعون في حين كان يقتل الأطفال من بني إسرائيل، ويستحيي ~~البنات، جاءه هذا الطفل بهذه الطريقة اللافتة للنظر، فكان عليهم أن ~~يفهموا أن من ألقي في التابتوت وفي اليم بافتعال، هو بهدف نجاته من ~~القتل، فلو كان فرعون إلها، فكيف مرت عليه هذه الحيلة وجازت عليه؟ ~~وهذا يدل على أن الله تعالى إذا أراد إنفاذ أمر سلب من ذوي العقول ~~عقولهم، وحال بين المرء وقلبه، ويدل على غباء قومه لأنهم لو تأملوا هذه ~~المسألة لظهر لهم كذب فرعون في ادعائه الألوهية. فكان رد فرعون على موسى ~~عليه السلام: { قال ألم نربك فينا وليدا... }. ### || [26.18] # يريد فرعون أن يذكر موسى بما كان من أمر تربيته في بيته لعدة سنوات، ~~حتى شب وكبر، وكأنه يوبخه كيف يقف منه هذا الموقف العدائي بعدما ~~كان منه. { ولبثت فينا من عمرك سنين } [الشعراء: 18] ~~ويقال: إن ms7095 موسى لبث في بيت فرعون حتى سن الثامنة عشرة، أو سن ~~الثلاثين، فالمعنى أنه رباه ولبث معه أيضا عدة سنوات. والمتأمل في هذه ~~الحجة التي يظنها فرعون لصالحه يجد أنها ضده، وأنها تكشف عن غبائه، فلو ~~كان إلها كما يدعي لعرف أن هلاكه سيكون على يدي هذا الطفل الذي ضمه ~~إليه ورعاه. ### || [26.19] # والمراد بالفعلة قتل موسى عليه السلام للرجل الذي وكزه فمات { وأنت ~~من الكافرين } [الشعراء: 19] يصح من الكافرين بألوهية فرعون، أو ~~من الجاحدين لنعمنا عليك وتربيتنا لك. لذلك العقلاء يرون أن الإنسان ~~حين يربي الأولاد ويراهم كما يحب، فليعلم أنه توفيق وعناية من الله ~~تعالى، بدليل أن الأبناء يربون في بيئة واحدة، وربما كانا توأمين، ~~ومع ذلك ترى أحدهما صالحا والآخر طالحا، فالمسألة عناية إلهية عليا، ~~وقد التقط أحد الشعراء هذا المعنى فقال: # إذا لم تصادف في بنيك عناية # فقد كذب الراجي وخاب المؤمل # فموسى الذي رباه جبريل كافر # وموسى الذي رباه فرعون مرسل # والمراد موسى السامري صاحب العجل، وقد وضعته أمه في صحراء وماتت، فأرسل ~~الله إليه جبريل عليه السلام يرعاه ويربيه. ولا تأتي هذه المفارقات ~~إلا بعناية الله سبحانه. ### || [26.20] # يقول موسى عليه السلام: أنا لا أنكر أنني قتلت، لكنني قتلت وأنا من ~~الضالين. يعني: الجاهلين بما يترتب على عملية القتل، وما كنت أعتقد ~~أبدا أن هذه الوكزة ستقضي على الرجل. فكلمة { الضالين } ~~[الشعراء: 20] هنا لا تعني عدم الهدى، فمن هذا المعنى للضلال قولهم: ~~ضل الطريق، وهو لم يتعمد أن يضل، إنما تاه رغما عنه. ومنه قوله ~~تعالى في الشهادة: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى.. # [البقرة: 282]. وقوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7] أي: متحيرا بين الباطل الذي يمارسه قومه، وبين الحق الذي لا ~~يجد له بينة. ### || [26.21] # { حكما.. } [الشعراء: 21] أي: في أن أضع الأشياء في مواضعها، وجاءت ~~هذه الكلمة بعد # فعلتهآ إذا وأنا من الضالين # [الشعراء: 20] كأنه يقول: أنا وكزت الرجل، هذا صحيح، فمات، وهذا خطأ ~~غير مقصود وإنني ms7096 مظلوم فيه لأن الله قد أعطاني حكما وقدرة لأضع الأشياء ~~في محلها. ليس هذا فحسب، إنما أيضا: { وجعلني من المرسلين ~~} [الشعراء: 21]. ### || [26.22] # يعني: ما من به فرعون على موسى من قوله: # ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ~~سنين * وفعلت فعلتك التي فعلت.. # [الشعراء: 18-19]. كأنه يقول له: أتمن علي بهذه الأشياء، وتذكر هذه ~~الحسنة، وهي لا تساوي شيئا لو قارنتها بما حدث منك من استعباد بني ~~إسرائيل وتذبيح أبنائهم واستحياء نسائهم، وتسخيرهم في خدمتك. وقتل ~~الذكران واستحياء الإناث، لا يعني الرأفة بهن، إنما يعني لهن الذلة ~~والهوان، حين لا تجد المرأة من محارمها من يحميها أو يدافع عنها، فتبقى ~~بعد الرجال في هوان وذلة في خدمة فرعون. ثم يقول الحق سبحانه: { قال ~~فرعون وما رب... }. ### || [26.23] # يعني: مسألة جديدة هذه الذي جئت بها يا موسى، فمن رب العالمين الذي ~~تتحدث عنه؟ ### || [26.24] # لأن السماوات بما فيها من كواكب ونجوم وشمس وقمر وأفلاك وأبراج، والأرض ~~وما فيها من بحار وأنهار وجبال وقفار ونبات وحيوان وإنسان. قد وجدت ~~قبل أن توجد أنت أيها الإله الفرعون!! إذن: رد عليه بشيء ثبت في الكون ~~قبل مجيئه، وقبل مولده. وكأن المعنى المراد لموسى عليه السلام: أخبرني يا ~~فرعون، يا من تدعي الألوهية، ما الذي زاد في الكون بألوهيتك له؟ وإن ~~كان هذا الكون كله بسمائه وأرضه لله رب العالمين، فماذا فعلت أنت؟ ولم ~~يقتصر على السماوات والأرض، وإنما { وما بينهمآ.. } [الشعراء: 24] ~~أي: من هواء وطير يسبح في الفضاء، وكانوا لا يعرفون ما نعرفه الآن من ~~أسرار الهواء، وانتقال الصوت والصورة من خلاله، ففي جو السماء فيما ~~بين السماء والأرض من الأسرار ما يستحق التأمل. ثم يتلطف معهم فيقول: { ~~إن كنتم موقنين } [الشعراء: 24] يعني: إن كنتم موقنين بأن هذه ~~الأشياء لم يخلقها إلا الله. ثم يقول الحق سبحانه ذاكرا جدال فرعون، ~~فقال: { قال لمن حوله... }. ### || [26.25] # يقول فرعون لمن حوله من أتباعه الذين أقروا له بالألوهية: ألا تستمعون ~~لما يقول؟ يعني: موسى عليه السلام. ms7097 وهذه الكلمة لا يقولها فرعون إلا إذا ~~أحس من قومه ارتياحا لما قاله موسى من نفي الربوبية والألوهية عن ~~فرعون ونسبتها لله تعالى، خالق السماوات والأرض. وكان فرعون ينتظر من ~~قومه أن يتصدوا لما يقوله موسى، فينهروه ويسكتوه، لكن لم يحدث شيء ~~من هذا، مما يدل على أنهم كانوا يتمنون أن ينتصر موسى، وأن يندحر فرعون ~~لأنه كبت حرياتهم وآراءهم، كما كانوا يعرفون كذبه وينتظرون الخلاص منه. ~~بدليل ما حكاه القرآن عن الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه من آل فرعون، ~~وبدليل الذين أتوا فيما بعد وحسنوا له مسألة السحرة وهم يريدون أن ~~يهزم. وقبل أن يرد أحد من قوم فرعون بادرهم موسى عليه السلام: { ~~قال ربكم ورب آبآئكم... }. ### || [26.26] # هنا ينقل موسى عليه السلام فرعون من الجو الكوني المحيط به في السماء ~~والأرض وما بينهما إلى ذات نفسه، يقول له: إن لك آباء قبل أن تولد، ~~وقبل أن تدعي الألوهية، فمن كان ربهم؟ فلما ضيق موسى عليه السلام ~~الخناق على فرعون، أراد أن يخرج من هذا الجدل وهذه المناظرة الخاسرة ~~فقال محاولا إنقاذ موقفه: { قال إن رسولكم... }. ### || [26.27] # وهذه العبارة من فرعون تفضح المتكلم بها، فقد شهد لموسى بأنه رسول، ~~وخانه لفظه من حيث لا يدري. ### || [26.28] # يرد موسى عليه السلام بحجة أخرى، لكن يختمها هذه المرة بقوله: { إن ~~كنتم تعقلون } [الشعراء: 28] وقد قال في سابقتها # إن كنتم موقنين # [الشعراء: 24] كأنه يقول لفرعون: ما دام قد وصل بك الأمر لأن تتهمني ~~بالجنون فلن أقول إن كنتم موقنين، إنما إن كنتم تعقلون، فجاء بمقابل ~~الجنون. فينهي فرعون هذا النقاش، ويأتي بخلاصة الأمر كما يرى، فيقول: { ~~قال لئن اتخذت... }. ### || [26.29] # وهذا من فرعون إفلاس في الحجة، ولو كان عنده رد لما يقوله موسى لرد ~~عليه، ولقرع الحجة بالحجة، لكنه تقوى على خصمه بأن هدده بالسجن ~~والإبعاد، وكان المسجون عندهم يظل في السجن حتى الموت. ولم يراع فرعون ~~في هذه المسألة الناس من حوله، أن يكتشفوا هذا الإفلاس، وهذا الحمق في ~~رده. ms7098 ويؤخر موسى عليه السلام ما معه من الآيات، ويستمر في الجدل ~~وإظهار الحجة: { قال أولو جئتك... }. ### || [26.30] # يعني: إذا لم تقنع بكل الحجج السابقة، فهل لو جئتك بآية واضحة دالة على ~~صدق رسالتي، أتجعلني أيضا من المسجونين؟ ### || [26.31] # انظر إلى تعارض فرعون مع نفسه، فكان عليه ساعة أن يسمع من موسى هذا ~~الكلام أن يصر على سجنه، لكن الحق - تبارك وتعالى - يريد أن يظهر ~~حجته، فيجعل فرعون هو الذي يطلبها بنفسه { قال فأت به إن كنت ~~من الصادقين } [الشعراء: 31] وما كان لموسى أن يأتي بآية إلا أن ~~يطلبها منه فرعون. ### || [26.32] # إلقاء العصا له في القرآن ثلاث مراحل: الأولى: هي التي واكبت اختيار ~~الله لموسى ليكون رسولا، حين قال له: # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 17] وقلنا: إن موسى عليه السلام أطال في إجابة هذا السؤال لحرصه ~~على إطالة مدة الأنس بالله - عز وجل - فقال: # هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ~~ولي فيها مآرب أخرى # [اطه: 18]. فالعصا في نظر موسى - عليه السلام - عود من الخشب قريب عهد ~~بأصله، كغصن في شجرة، لكنها عند الله لها قصة أخرى: # قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية ~~تسعى # [طه: 19-20]. وما صارت العصا عصا إلا بعد أن قطعت من شجرتها، وفقدت ~~الحياة النباتية، وتحولت إلى جماد، فلو عادت إلى أصلها وصارت شجرة من ~~جديد لكان الأمر معقولا، لكنها تجاوزت مرتبة النباتية، وتحولت إلى ~~الحيوانية، وهي المرتبة الأعلى لذلك فزع منها موسى وخاف فطمأنه ربه: # قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى # [طه: 21]. وكانت هذه المرة بمثابة تدريب لموسى عليه السلام ليألف العصا ~~على هذه الحالة، وكأن الله تعالى أراد لموسى أن يجري هذه التجربة ~~أمامه، ليكون على ثقة من صدق هذه الآية، فإذا ما جاء لقاء فرعون ألقاها ~~دون خوف، وهو واثق من نجاحه في هذه الجولة. إذن: كان الإلقاء الثاني ~~للعصا أمام فرعون وخاصته، ثم كان الإلقاء للمرة الثالثة أمام السحرة. ~~ومعنى { ثعبان مبين } [الشعراء: 32] يعني: بين الثعبانية، فيه ~~حياة وحركة، ms7099 وقال { ثعبان مبين } [الشعراء: 32] يعني: واضح ~~للجميع لأنهم كانوا يجيدون هذه المسألة ويخيلون للناس مثل هذه ~~الأشياء، ويجعلونها تسعى وتتحرك، ولم تكن عصا موسى كذلك، إنما كانت ~~ثعبانا مبينا واضحا وحقيقيا لا يشك في حقيقته أحد. والمتتبع للقطات ~~المختلفة لهذه الحادثة في القرآن الكريم يجد السياق يسميها مرة ~~ثعبانا، ومرة حية، ومرة جانا، لماذا؟ قالوا: لأنها جمعت كل هذه الصفات: ~~فهي خفة حركتها كأنها جان، وفي شكلها المرعب كأنها حية، وفي التلوي ~~كأنها ثعبان. والجان: فرخ الحية. ثم يقول الحق سبحانه: { ونزع يده ~~فإذا هي بيضآء... }. ### || [26.33] # هنا يتكلم عن نزع اليد لأنه قال في آية أخرى: # اسلك يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء.. # [القصص: 32]. وهكذا تتكامل لقطات القصة الواحدة، والتي يظنها البعض ~~تكرارا، وليست هي كذلك. { ونزع.. } [الشعراء: 33] يعني: أخرج يده { ~~فإذا هي بيضآء للناظرين } [الشعراء: 33] مع أن موسى عليه ~~السلام كان آدم اللون يعني فيه سمرة، ومع ذلك خرجت بيضاء، لها شعاع ~~وبريق يأخذ بالأبصار. وبمقارنة هذه الآية بآية سورة القصص نجد أنه حذف من ~~آية سورة الشعراء الجيب، وهو فتحة الثوب من أعلى، لا الجيب المتعارف ~~عليه، والذي نضع فيه النقود مثلا، وكانوا في الماضي يجعلون الجيب بداخل ~~ملابس الإنسان، ليكون في مأمن، فإذا أراد الإنسان شيئا فيه مد يده من ~~خلال الفتحة العليا للثوب، فسميت جيبا. ### || [26.34] # الملأ: هم علية القوم، الذين يملأون العيون، ويتصدرون المجالس { ~~إن هذا لساحر عليم } [الشعراء: 34] فاتهمه بالسحر ليخرج من ~~ورطته وقال: ساحر لأن موسى لم يمارس هذه المسألة إلا مرة واحدة هي التي ~~أجراها أمام فرعون، لكن الملأ على علم بالسحر وإلف له، وعندهم سحارون ~~كثيرون. وفرق بين ساحر وسحار: ساحر لمن مارس هذه العملية مرة واحدة، ~~إنما سحار مبالغة تدل على أنها أصبحت حرفته، مثل ناجر ونجار، وخائط ~~وخياط. و { عليم } الشعراء: 34] أي: بسحره. ### || [26.35] # هنا يستعدي فرعون قومه على موسى، ويحذرهم أنه سيفسد العامة والدهماء، ~~وتكون له الأغلبية، وتكون له شيعة يناصرونه عليكم حتى يخرجكم من ms7100 أرضكم، ~~وهذا أقل ما ينتظر منه، يريد أن يهيج عليه الملأ من قومه ليكونوا أعداء ~~له يقفون في صف فرعون. وعجيب أن يقول الفرعون الإله { فماذا ~~تأمرون } [الشعراء: 35] فهذه هي الألوهية الكاذبة التي انحدرت إلى ~~مرتبة العبيد، ومتى يأخذ الإله رأي عبيده، ويطلب منهم المعونة والمشورة؟ ~~ولو كان إلها بحق لكان عنده الحل ولديه الرد. فلما نزل فرعون من منزلة ~~الألوهية، وطلب الاستعانة بالملأ من قومه التفتوا إلى كذبه، ووجدوا ~~الفرصة مواتية للخلاص منه، مما يدل على أن أكثرهم وجمهرتهم كانوا يجارونه ~~على مضض، وينتظرون لحظة الخلاص من قهره وكذبه لذلك قالوا: { قالوا ~~أرجه وأخاه... }. ### || [26.36] # { أرجه.. } [الشعراء: 36] من الإرجاء وهو التأخير، أي: أخره وأخاه ~~لمدة { وابعث في المدآئن حاشرين } [الشعراء: 36] ابعث رسلك ~~يجمعون السحارين من أنحاء البلاد، ليقابلوا بسحرهم موسى وهارون. ~~والمدائن: جمع مدينة. ### || [26.37] # وقال { سحار.. } [الشعراء: 37] بصيغة المبالغة { عليم } ~~[الشعراء: 37] أي: بفنون السحر وألاعيب السحرة. ### || [26.38] # الميقات: أي الوقت المعلوم، وفي آية أخرى: # قال موعدكم يوم الزينة.. # [طه: 59] وكان يوما مشهودا عندهم، ترتدي فيه الفتيات أبهى حللها، ~~وكان يوم عيد يختارون فيه عروس النيل التي سيلقونها فيه، فحدد اليوم، ~~ثم لم يترك اليوم على إطلاقه، إنما حدد من اليوم وقت الضحى # وأن يحشر الناس ضحى # [طه: 59]. وفي لقطة أخرى حدد المكان، فقال: # مكانا سوى # [طه: 58] يعني: فيه سوائية، إما باستواء المكان حتى يتمكن الجميع من ~~رؤية هذه المباراة السحرية، بحيث تكون في ساحة مستوية الأرض، أو يكون ~~مكانا سواسية متوسطا بين المدائن التي سيجمع منها السحرة، بحيث لا يكون ~~متطرفا، يشق على بعضهم حضوره. وهكذا تتكاتف اللقطات المختلفة لترسم ~~الصورة الكاملة للقصة. ونرى في هذه المشورة حرص الملأ على إتمام هذا ~~اللقاء، وأن يكون على رؤوس الأشهاد، لأنهم يعلمون أنها ستكون لصالح موسى، ~~وسوف يفضح هذا اللقاء كذب فرعون في ادعائه الألوهية. ### || [26.39-40] # أي: أخذوا يدعون الناس، وكأنهم في حملة دعاية وتأييد، إما لموسى من ~~أنصاره الكارهين لفرعون في الخفاء، وإما لفرعون، فكان هؤلاء وهؤلاء ~~حريصين على ms7101 حضور هذه المباراة. إننا نشاهد الجمع الغفير من الجماهير ~~يتجمع لمشاهدة مباراة في كرة القدم مثلا، فما بالك بمباراة بين سحرة ~~من يدعي الألوهية وموسى الذي جاء برسالة جديدة يقول: إن له إلها غير ~~هذا الإله؟ إنه حدث هز الدنيا كلها، وجذب الجميع لمشاهدته. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { فلما جآء السحرة... }. ### || [26.41] # فانظر إلى مسيرة الإله فرعون في رعيته، فالإله الحق يطعم ولا يطعم، ~~ويجير ولا يجار عليه، الإله الحق يعطي ولا يأخذ، ولما اجتمع السحرة ~~وهم أبطال هذه المباراة، ويعلمون مدى حاجة فرعون إليهم في هذا الموقف ~~لذلك بادروا بالاتفاق معه والاشتراط عليه: إن كنت تسخر الناس في ~~خدمتك دون أجر، فهذه المسألة تختلف، ولن تمر هكذا دون أجر. وهذا دليل على ~~معرفتهم بفرعون، وأنه رجل أكلتى، لذلك اشترطوا عليه أجرا إن كانوا ~~هم الغالبين، ولا ندري فربما جاء آخر يهدد هذه الألوهية، فنحن ندخركم ~~لمثل هذا الموقف. ### || [26.42] # هنا يتنازل فرعون عن تعاليه وكبريائه ويذعن لشروط سحرته، بل ويزيدهم ~~فوق ما طلبوا { وإنكم إذا لمن المقربين } [الشعراء: ~~42] فسوف تكونون من خاصتنا، نستعين بكم في مثل هذه الأمور، ولا نستغني ~~عنكم لأنكم الذين حافظتم على باطل ألوهيتنا. ### || [26.43] # هنا كلام محذوف، نعرفه من سياق القصة لأن الآية السابقة كان الكلام ما ~~يزال بين فرعون والسحرة، والقرآن يحذف بعض الأحداث اعتمادا على فطنة ~~السامع أو القارىء، كما قلنا في قصة الهدهد مع سيدنا سليمان، حيث قال له: # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول ~~عنهم فانظر ماذا يرجعون # [النمل: 28]. ثم قال بعدها: # قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم # [النمل: 29] وحذف ما بين هذين الحدثين مما نعلمه نحن من السياق. وقوله: ~~{ ألقوا مآ أنتم ملقون } [الشعراء: 43] هذه هي الغاية التي ~~انتهى إليها بعد المحاورة مع السحرة. ### || [26.44] # فكانت العصى والحبال هي آلات سحرهم { وقالوا بعزة فرعون ~~إنا لنحن الغالبون } [الشعراء: 44] بعزة فرعون: هذا قسمهم، ~~وما أخيبه من قسم لأن فرعون لا يغلب ولا يقهر في نظرهم، وسبق أن ~~أوضحنا ms7102 أن العزة تعني عدم القهر وعدم الغلبة، لكن عزة فرعون عزة كاذبة ~~وأنفة وكبرياء بلا رصيد من حق، وعزة بالإثم كالتي قال الله عنها: # وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم.. # [البقرة: 206]. وقال تعالى: # ص والقرآن ذي الذكر * بل الذين كفروا في عزة ~~وشقاق # [ص: 1-2] أي: عزة بإثم، وعزة بباطل. ومنه أيضا قوله تعالى عن ~~المنافقين: # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل.. # [المنافقون: 8] فصدق القرآن على قولهم بأن الأعز سيخرج الأذل، لكن # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.. # [المنافقون: 8]. وما دام الأمر كذلك فأنتم الأذلة، وأنتم الخارجون، وقد ~~كان. ويقال: إن أدوات سحرهم وهي العصي والحبال كانت مجوفة وقد ملئوها ~~بالزئبق، فلما ألقوها في ضوء الشمس وحرارتها أخذت تتلاعب، كأنها تتحرك، ~~وهذا من حيل السحرة وألاعيبهم التي تخيل للأعين وهي غير حقيقية، ~~فحقيقة الشيء ثابتة، أما المسحور فيخيل إليه أنها تتحرك. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { فألقى موسى عصاه... }. ### || [26.45] # ولم يأت إلقاء موسى عليه السلام لعصاه مباشرة بعد أن ألقى السحرة، ~~إنما هنا أحداث ذكرت في آيات أخرى، وفي لقطات أخرى للقصة، يقول تعالى: # فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم ~~أنها تسعى # [طه: 66]. # فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك ~~أنت الأعلى * وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ~~إنما صنعوا.. # [طه: 6769]. هكذا كانت الصورة، فلما خاف موسى ثبته ربه، وأيده بالحق ~~وبالحجة، وتابعه فيما يفعل لحظة بلحظة ليوجهه وليعدل سلوكه، ويشد ~~على قلبه، وما كان الحق - تبارك وتعالى - ليرسله ثم يتخلى عنه، وقد قال ~~له ربه قبل ذلك: # ولتصنع على عيني # [طه: 39] وقال: # إنني معكمآ أسمع وأرى # [طه: 46] فالحق سبحانه يعطي نبيه موسى الأوامر، ويعطيه الحجة لتنفيذها، ~~ثم يتابعه بعنايته ورعايته. ومن ذلك قوله تعالى لنبيه نوح: # واصنع الفلك بأعيننا ووحينا.. # [هود: 37]. فحينما تجمع هذه اللقطات تجدها تستوعب الحدث، ويكمل بعضها ~~بعضا، وهذا يظنه البعض تكرارا، وليس هو كذلك. إذن: جاء إلقاء موسى ~~لعصاه بعد توجيه جديد من الله أثناء المعركة: # وألق ما في ms7103 يمينك.. # [طه: 69] وهنا: { فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما ~~يأفكون } [الشعراء: 45] ومعنى { تلقف.. } [الشعراء: 45] تبتلع ~~وتلتهم في سرعة وقوة، أما السرعة واختصار الزمن والقوة، فتدل على الأخذ ~~بشدة وعنف، وفي هذا دليل على أنه خاض المعركة بقوة، فلم تضعف قوته لما ~~رأى من ألاعيب السحرة. ومعنى { ما يأفكون } [الشعراء: 45] من ~~الإفك يعني: قلب الحقائق لذلك سموا الكذب إفكا لأنه يقلب الحقيقة ~~ويغير الواقع. ومنها # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53] وهي القرى الظالمة التي أهلكها الله، فجعل عاليها سافلها. ~~وسبق أن أوضحنا أن الكذب وقلب الحقائق يأتي من أنك حين تتكلم، فللكلام ~~نسب ثلاث: نسبة في الذهن، ونسبة على اللسان، ونسبة في الواقع. فإن ~~طابقت النسبة الكلامية الواقع، فأنت صادق، وإن خالفته فأنت كاذب. ~~وسمى ما يفعله السحرة إفكا لأنهم يغيرون الحقيقة، ويخيلون ~~للناس غيرها. ### || [26.46] # لم يقل الحق سبحانه: فسجد السحرة، إنما { فألقي السحرة ~~ساجدين } [الشعراء: 46] والإلقاء يدل على سرعة الاستجابة، وأن السجود ~~تم منهم دون تفكير لأنه أمر فوق إرادتهم، وكأن جلال الموقف وهيبته ~~وروعة ما رأوا ألقاهم على الأرض ساجدين لله، صاحب هذه الآية الباهرة ~~لذلك لم يقولوا عندها آمنا برب موسى وهارون، إنما قالوا: { قالوا ~~ءامنا برب... }. ### || [26.47-48] # وحين نتأمل رد فعل السحرة هنا نجد أنهم خروا لله ساجدين أولا، ثم ~~أعلنوا إيمانهم ثانيا، ومعلوم أن الإيمان يسبق العمل، وأن السجود لا ~~يتأتى إلا بعد إيمان، فكيف ذلك؟ قالوا: هناك فرق بين وقوع الإيمان، ~~وبين أن تخبر أنت عن الإيمان، فالمتأخر منهم ليس الإيمان بل الإخبار به ~~لأنهم ما سجدوا إلا عن إيمان واثق ينجلي معه كل شك، إيمان خطف ألبابهم ~~وألقاهم على الأرض ساجدين لله، حتى لم يمهلهم إلى أن يعلنوا عنه، لقد ~~أعادهم إلى الفطرة الإيمانية في النفس البشرية، والمسائل الفطرية لا ~~علاج للفكر فيها. وكأن سائلا سألهم: لم تسجدون؟ قالوا: { آمنا ~~برب العالمين * رب موسى وهارون } [الشعراء: 47-48]. ~~وقالوا: رب موسى وهارون بعد رب العالمين، ليقطعوا الطريق على فرعون ~~وأتباعه أن يقول مثلا: أنا رب ms7104 العالمين، فأزالوا هذا اللبس بقولهم { ~~رب موسى وهارون } [الشعراء: 48]. ومثال ذلك قول بلقيس عندما ~~رأت عرشها عند سليمان - عليه السلام - لم تقل: أسلمت لسليمان، إنما قالت: # وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين # [النمل: 44] فأنا وأنت مسلمان لإله واحد هو الله رب العالمين، وهكذا ~~يكون إسلام الملوك، وحتى لا يظن أحد أنها إنما خضعت لسليمان لذلك ~~احتاطت في لفظها لتزيل هذا الشك. ### || [26.49] # إذن: فهو لا يشك في أن ما رآه السحرة موجب للإيمان، ولا يشكك في ذلك، ~~لكن المسألة كلها { قبل أن آذن لكم.. } [الشعراء: 49] فما يزال ~~حريصا على ألوهيته وجبروته، حتى بعد أن كشف أمره وظهر كذبه، وآمن ~~الملأ بالإله الحق. ثم أراد أن يبرر موقفه بين دهماء العامة حتى لا يقول ~~أحد: إنه هزم وضاعت هيبته، فقال: { إنه لكبيركم الذي ~~علمكم السحر.. } [الشعراء: 49] في حين أن القوم يعلمون أن موسى ~~عليه السلام لم يجلس طيلة عمره إلى ساحر، لكن فرعون يأخذها ذريعة، لينقذ ~~ما يمكن إنقاذه من مركزه الذي تهدم، وألوهيته التي ضاعت. ثم يهددهم ~~بأسلوب ينم عن اضطرابه، وأنه فقد توازنه، واختل حتى في تعبيره، حيث ~~يقول { فلسوف تعلمون.. } [الشعراء: 49] وسوف تدل على المستقبل ~~مع أنه لم يؤخر تهديده لهم بدليل أنه قال بعدها: { لأقطعن ~~أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم ~~أجمعين } [الشعراء: 49] { من خلاف.. } [الشعراء: 49] يعني: ~~اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، أو اليد اليسرى مع الرجل اليمنى. ~~وقوله: { ولأصلبنكم.. } [الشعراء: 49] أوضحه في آية أخرى: # ولأصلبنكم في جذوع النخل.. # [طه: 71]. فما كان جواب المؤمنين برب العالمين؟ { قالوا لا ~~ضير... }. ### || [26.50] # أي: لا ضرر علينا إن قتلتنا لأن مصير الجميع إلى الموت، لكن إن كانت ~~نهايتنا على يديك فسوف نسعد نحن بلقاء ربنا، وتشقى أنت بجزاء ربك. ~~كالطاغية الذي قال لعدوه: لأقتلنك فضحك، فقال له: أتسخر مني وتضحك؟ قال: ~~وكيف لا أضحك من أمر تفعله بي يسعدني الله به، وتشقى به أنت؟ إذن: لا ~~ضرر علينا إن قتلنا لأننا سنرجع إلى الله ربنا، وسنخرج من ألوهية ~~باطلة إلى لقاء ms7105 الألوهية الحقة، فكأنك فعلت فينا جميلا، وأسديت لنا ~~معروفا إذ أسرعت بنا إلى هذا اللقاء، وما تظنه في حقنا شر هو عين ~~الخير، لذلك فهم الشاعر هذا المعنى، فقال عنه: # ولست أبالي حين أقتل مسلما # على أي جنب كان في الله مصرعي # يعني: ما دمت قد مت في سبيل الإسلام، فلا يهم بعد ذلك، ولا أبالي ~~أي موتة هي. والمؤمنون هنا حريصون على أمرين: الأول: نفي الضرر لأن ~~درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، والثاني: التأكيد على النفع ~~الذي سينالونه من هذا القتل. ثم يقول الحق سبحانه: { إنا نطمع أن ~~يغفر... }. ### || [26.51] # لأنك أكرهتنا على السحر، وحملتنا على الكذب، ومكثنا عمرا نعتقد أنك ~~إله، فلعل مبادرتنا إلى الإيمان وكوننا أول المؤمنين يشفع لنا عند ~~ربنا، فيغفر لنا خطايانا، وفي موضع آخر: # إنآ آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ومآ ~~أكرهتنا عليه من السحر.. # [طه: 73]. فذكر هناك مسألة الإكراه، وذكر هنا العلة: { أن كنآ ~~أول المؤمنين } [الشعراء: 51]. ### || [26.52] # قلنا: الوحي لغة: إعلام بخفاء، وشرعا: إعلام من الله لرسول من رسله ~~بمنهج خير لخلقه. ومن الوحي المطلق قوله تعالى: # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا.. # [النحل: 68]. وقوله سبحانه: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم.. # [الأنعام: 121]. وقوله تعالى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه.. # [القصص: 7]. فالوحي العام إذن لا نسأل عن الموحي، أو الموحى إليه، أو ~~موضوع الوحي، فقد يكون الوحي من الشيطان، والموحى إليه قد يكون الأرض أو ~~الملائكة أو الحيوان، على خلاف الوحي الشرعي، فهو محدد ومعلوم. لقد قام ~~فرعون بحملة دعاية لهذه المعركة مع موسى - عليه السلام - وحشد الناس ~~لمشاهدة هذه المباراة، وهذا دليل على أنه قدر أنه سيغلب، لكن خيب ~~الله ظنه، وكانت الجولة لمصلحة موسى عليه السلام، فآمن السحرة بالله ~~تعالى رب موسى وهارون، فأخذ يهددهم ويتوعدهم، وهو يعلم أن ما رأوه من ~~الآيات الباهرات يستوجب الإيمان. ومع ذلك لما غلب فرعون وضاعت هيبته ~~وجباريته وقاهريته سكت جمهور الناس، فلم ينادوا بسقوطه، واكتفوا بسماع ~~أخبار موسى، ms7106 وظل هذا الوضع لمدة طويلة من الزمن حدث فيها الآيات التسع ~~التي أنزلها الله ببني إسرائيل. ومن غباء فرعون أن ينصرف عن موسى بعد أن ~~أصبح له أتباع وأنصار، ولم يحاول التخلص منه حتى لا يزداد أتباعه وتقوى ~~شوكته، فكأن مسألة الآيات التسع التي أرسلها الله عليهم قد هدت كيانه ~~وشغلته عن التفكير في آمر موسى عليه السلام. وهكذا استشرى أمر موسى ~~وأصبحت له أغلبية وشعبية، حتى إن الأقباط أتباع فرعون كانوا يعطفون على ~~أمر موسى وقومه لذلك استعاروا من القبط حلي النساء قبل الخروج مع ~~موسى، ومن هذه الحلي صنع السامري العجل الذي عبدوه فيما بعد. وهنا يقول ~~تعالى: { وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم ~~متبعون } [الشعراء: 52] وقبل ذلك نبهه ربه للخروج بعد أن قتل ~~الرجل: # وجآء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يموسى ~~إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك ~~من الناصحين # [القصص: 20]. أما الآن، فالمؤامرة عليه وعلى من معه من المؤمنين. ~~ومعنى { أسر.. } [الشعراء: 52] الإسراء: المشي ليلا { إنكم ~~متبعون } [الشعراء: 52] يعني: سيتبعكم جنود فرعون ويسيرون خلفكم. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { فأرسل فرعون في المدآئن... }. ### || [26.53-55] # الفاء هنا للتعقيب، فوحى الله لموسى أن يسري ببني إسرائيل تم قبل ~~أن يبعث فرعون في المدائن حاشرين، وكأن الله تعالى يحتاط لنبيه موسى ~~ليخرج قبل أن يهيج فرعون الناس، ويجمعهم ضد موسى ويجري لهم ما نسميه ~~نحن الآن غسيل مخ، أو يعلن على موسى وقومه حرب الأعصاب التي تؤثر على ~~خروجهم. و { حاشرين } [الشعراء: 53] من الحشر أي: الجمع، لكن جمع هذه ~~المرة للجنود لا للسحرة، لأنهم هزموا في مباراة السحرة، فأرادوا أن ~~يستخدموا سلاحا آخر هو سلاح الجبروت والتسلط والحرب العسكرية، فإن ~~فشلت الأولى فلعل الأخرى تفلح، لكن الحق - تبارك وتعالى - أخبر نبيه ~~موسى بما يدبر له وأمره بالخروج ببني إسرائيل. وقول فرعون عن أتباع ~~موسى: { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } [الشعراء: 54] يريد ~~أن يهون من شأنهم ويغري قومه بهم، ويشجعهم على مواجهتهم، لكن مع ~~ذلك يحذرهم من خطرهم، فيقول ms7107 { وإنهم لنا لغآئظون } ~~[الشعراء: 55] فأعدوا لهم العدة، ولا تستهينوا بأمرهم. ### || [26.56] # يعني: لا بد أن نأخذ حذرنا ونحتاط للأمر. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~فأخرجناهم من جنات... }. ### || [26.57-58] # أي: لم ينفعه احتياطه، ولم يجد حذره، فلا يمنع حذر من قدر { ~~فأخرجناهم من جنات.. } [الشعراء: 57] أي: بساتين وحدائق { ~~وعيون } [الشعراء: 57] أي: عيون تجري بالماء { وكنوز.. } ~~[الشعراء: 58] كانت عندهم { ومقام كريم } [الشعراء: 58] يعني: ~~عيشة مترفة في سعة ورغد من الحياة، وخدم وحشم. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { كذلك وأورثناها... }. ### || [26.59] # { كذلك.. } [الشعراء: 59] أي: الأمر كما أقول لكم وكما وصفت { ~~وأورثناها بني إسرائيل } [الشعراء: 59] أي: أورثنا هذا ~~النعيم من بعدهم لبني إسرائيل، وهنا قد يسأل سائل: كيف وقد ترك بنو ~~إسرائيل مصر وخرجوا منها، ولم يأخذوا شيئا من هذا النعيم؟ قالوا: المعنى ~~أورثهم الله أرضا مثلها، قد وعدهم بها في الشام. ### || [26.60] # أي: عند الشروق، وعادة ما تكون الغارة على الجيش عند الصباح، ومن ذلك ~~قوله تعالى: # فإذا نزل بساحتهم فسآء صباح المنذرين # [الصافات: 177]. وعادة ما يقوم الإنسان من النوم كسولا غير نشيط، فكيف ~~بمن هذه حاله إن التقى بعدوه؟ ثم يقول الحق سبحانه: { فلما ~~ترءا الجمعان... }. ### || [26.61] # معنى: { ترءا الجمعان.. } [الشعراء: 61] أي: صار كل منهما يرى ~~الآخر، وحدثت بينهما المواجهة، وعندها { قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون } [الشعراء: 61] فالحال أن البحر من أمامهم وجنود فرعون من ~~خلفهم، فلا مناص ولا مهرب، لكن موسى - عليه السلام - وقد سبق أن تعلم ~~كلمة كلا من ربه تعالى، حينما قال: # ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون # [الشعراء: 14] فرد عليه ربه: # كلا # [الشعراء: 62] عندها تعلمها موسى، وعرف كيف ومتى يقولها قولة ~~الواثق بها. ### || [26.62] # لكن كيف يقول موسى عليه السلام هذه الكلمة كلا بملء فيه، والأمر ~~بقانون الماديات أنه عرضة لأن يدرك قبل أن يكملها؟ والإجابة في ~~بقية الآية: { إن معي ربي سيهدين } [الشعراء: 62] فلم ~~يقل موسى: كلا اعتمادا على قوته واحتياطه للأمر، إنما قالها ~~اعتمادا على ربه الذي يكلؤه بعينه، ويحرسه بعنايته. فالواقع أنني لا ~~أعرف ماذا أفعل، ولا ms7108 كيف أتصرف، لكن الشيء الذي أثق منه { إن معي ~~ربي سيهدين } [الشعراء: 62] لذلك يأتي الفرج والخلاص من هذا ~~المأزق مباشرة: { فأوحينآ إلى موسى... }. ### || [26.63] # ذلك لأن البحر هو عائقهم من أمامهم، والبحر مياه لها قانونها الخاص من ~~الاستطراق والسيولة، فلما ضرب موسى بعصاه البحر انفلق وانحصر الماء على ~~الجانبين، كل فرق - أي: كل جانب - كالطود يعني الجبل العظيم. لكن بعد ~~أن صار الماء إلى ضده وتجمد كالجبل، وصنع بين الجبلين طريقا، أليس ~~في قاع البحر بعد انحسار الماء طين ورواسب وأوحال وطمي يغوص فيها ~~الإنسان؟ إننا نشاهد الإنسان لا يكاد يستطيع أن ينقل قدما إذا سار في ~~وحل إلى ركبتيه مثلا، فما بالك بوحل البحر؟ لذلك قال له ربه: # لا تخاف دركا ولا تخشى # [طه: 77]. فالذي جعل الماء جبلا، سيجعل لك الطريق يابسا. والحق - ~~تبارك وتعالى - لم يبين لنا في انفلاق البحر، إلى كم فلقة انفلق، ~~لكن العلماء يقولون: إنه انفلق إلى اثنتي عشرة فلقة بعدد الأسباط، بحيث ~~يمر كل سبط من طريق. وفي لقطة أخرى من القصة أراد موسى - عليه السلام - ~~أن يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى طبيعته، فيسد الطريق في وجه فرعون ~~وجنوده على حد تفكيره كبشر، لكن الحق - تبارك وتعالى - نهاه عن ذلك: # فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون * واترك ~~البحر رهوا إنهم جند مغرقون # [الدخان: 23-24]. اتركه على حاله ليغري الطريق اليابس فرعون وجنوده، ~~لذلك قال سبحانه: { وأزلفنا ثم... }. ### || [26.64] # أي: قربناهم من منتصف البحر، ثم أطبقه الله عليهم حين أمر الماء أن ~~يعود إلى سيولته وقانون استطراقه، وهكذا ينجي الله ويهلك بالشيء ~~الواحد و { الآخرين } [الشعراء: 64] يعني: قوم فرعون، و { ثم.. } ~~[الشعراء: 64] أي: هناك وسط البحر. وللعصا مع موسى - عليه السلام - تاريخ ~~طويل منذ أن سأله ربه # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 17] فأخبر بما يعرفه عنها # قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على ~~غنمي.. # [طه: 18]. وقوله # وأهش بها على غنمي.. # [طه: 18] لا تعني كما يظن البعض أنها مجرد الإشارة بها إلى الغنم أو ~~ضربها، ms7109 فأهش تعني أضرب بها أوراق الشجر لتتساقط، فتأكلها الأغنام ~~الصغار التي لا تطول أوراق الشجر، أو الكبار التي أكلت ما طالته ~~أعناقها وتحتاج المزيد. ولما وجد موسى نفسه قد أطال في هذا المقام قال # ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18] كأن أدافع بها عن نفسي ليلا، إن تعرض لي كلب أو ذئب ~~مثلا، أو أغرسها في الأرض وألقي عليها بثوبي لأستظل به وقت القيلولة، ~~أو أجعلها على كتفي وأعلق عليها متاعي حين أسير.. الخ. هذه مهمة العصا ~~كما يراها موسى - عليه السلام - لكن للعصا مهمة أخرى لا يعلمها، فهي ~~حجته وآية من الآيات التي أعطاه الله، فبها انتصر في معركة الحجة مع ~~السحرة، وبها انتصر في معركة السلاح حين ضرب بها البحر فانفلق. ومن ~~العجيب في أمر العصا أن يضرب بها البحر، فيصر جبلا، ويضرب بها الحجر ~~فينفجر بالماء، وهذه آيات باهرات لا يقدر عليها إلا الله عز وجل. لذلك ~~جعلوا عصا موسى حجة ودليلا وعلما على الانتصار في كل شيء، فلما كان ~~الخصيب واليا على مصر، وتمرد عليه بعض قطاع الطرق، وكانت لديه القوة ~~التي قهرهم بها، لذلك قال: # فإن يك باق إفك فرعون فيكم # فإن عصا موسى بكف خصيب # وفي هذا المعنى يقول شاعر آخر: # إذا جاء موسى وألقى العصا # فقد بطل السحر والساحر # إذن: صارت عصا موسى عليه السلام مثلا وعلما للغلبة في أي مجال ~~من مجالات الحياة. ### || [26.65] # فقد حسمت هذه المعركة لصالح موسى ومن معه دون إراقة دماء، ودون ~~خسارة جندي واحد، في حين أن المعارك على فرض الانتصار فيها لا بد أن ~~تكون لها نسبة خسائر في الأرواح وفي العتاد، أما هذه فلا. ### || [26.66] # أي: بنفس السبب الذي أنجى الله به موسى وقومه أهلك فرعون وقومه لأنه ~~وحده سبحانه القادر على أن ينجي، وأن يهلك بالشيء الواحد. ### || [26.67] # قوله سبحانه { إن في ذلك.. } [الشعراء: 67] أي: فيما حدث { ~~لآية.. } [الشعراء: 67] وهي الأمر العجيب الذي يخرج عن المألوف وعن ~~العادة، فيثير إعجاب الناس، ويستوجب الالتفات إليه والنظر ms7110 فيه، والآية ~~تقنع العقل بأن الله هو مجريها على يدي موسى، وتدل على صدق ~~رسالته وبلاغة عن الله، وإلا فهي مسألة فوق طاقة البشر. ومع ذلك { وما ~~كان أكثرهم مؤمنين } [الشعراء: 67] أي: أن المحصلة النهائية ~~للذين آمنوا كانوا هم القلة مع هذه الآيات، حتى الذين آمنوا مع موسى عليه ~~السلام واتبعوه وأنجاهم الله من آل فرعون ومن الغرق، سرعان ما تراجعوا ~~وانتكسوا، كما يحكي القرآن عنهم: # وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر فأتوا على قوم ~~يعكفون على أصنام لهم قالوا يموسى اجعل لنآ ~~إلها كما لهم آلهة.. # [الأعراف: 138]. سبحان الله، لقد كفروا بالله، وما تزال أقدامهم ~~مبتلة من عبور البحر، وما زالوا في نشوة النصر وفرحة الغلبة!! ### || [26.68] # أي: بعد ما مر من حيثيات فإن الله تعالى هو العزيز، أي: الذي لا يغلب ~~ولا يقهر، إنما هو الغالب وهو القاهر، فهو سبحانه يغلب ولا يغلب، ~~ويطعم ولا يطعم، ويجير ولا يجار عليه. ومع عزته سبحانه وقوته بحيث ~~يغلب ولا يغلب هو أيضا { الرحيم } الشعراء: 68] لأنه رب الخلق ~~أجمعين، يرحمهم إن تابوا، ويقبلهم إن رجعوا إلى ساحته، كما جاء في ~~الحديث الشريف: # " لله أفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض ~~فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ~~ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ ~~بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة ~~الفرح ". ### || [26.69] # جاءت هذه الآية بعد الانتهاء في إيجاز مبسط لقصة موسى عليه السلام مع ~~فرعون، وختمت بقوله تعالى: # إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * ~~وإن ربك لهو العزيز الرحيم # [الشعراء: 67-68]. ثم تكلم الحق سبحانه عن نبيه إبراهيم عليه السلام { ~~واتل عليهم نبأ إبراهيم } [الشعراء: 69] مما يدل على أن ~~المسألة في القرآن ليست سردا للتاريخ، فإبراهيم كان قبل موسى، ولو ~~أردنا التأريخ لجاءت قصة إبراهيم أولا، إنما الهدف من القصص في القرآن ~~التقاط مواضع العبرة ms7111 والعظة واتخاذ الأسوة من تاريخ الرسل، ليثبت ~~الله بها فؤاد رسوله صلى الله عليه وسلم حينما يواجه الأحداث الشاقة ~~والعصيبة. والمتأمل في رسالة موسى ورسالة إبراهيم عليهما السلام يجد أن ~~موسى جاء ليعالج مسألة هي قمة العقيدة، ويواجه من ادعى الألوهية وقال: ~~إني إله من دون الله، أما إبراهيم فقد عالج مسألة الشرك مع الله وعبادة ~~الأصنام، فعندهم طرف من إيمان، بدليل أنهم إذا ضيقنا عليهم الخناق ~~قالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3]. لذلك كانت قصة موسى أولى بالتقديم هنا. ومعنى: { واتل ~~عليهم.. } [الشعراء: 69] أي: اقرأ، أو وضح، أو عبر، ونقول ~~للقراءة تلاوة لأنه لا يتلى إلا المكتوب المعلوم المفهوم { ~~عليهم.. } [الشعراء: 69] على أمة الدعوة كلها، أم على المكذبين ~~خاصة؟ قالوا: على المكذبين خاصة لأن المصدقين برسول الله لا يحتاجون ~~هذه التلاوة، وإن تليت عليهم فإنما التلاوة للتذكرة أو لعلم التاريخ. ~~إذن: المراد هنا المكذبون المنكرون ليعلموا أن نهاية كل رسل الله في ~~دعوتهم النصر والغلبة، وأن نهاية المكذبين المخالفين الهزيمة والاندحار. ~~فكأن القرآن يقول لهم: لا تغتروا بقوتكم، ولا بجاهكم، ولا تنخدعوا ~~بسيادتكم على العرب، ومعلوم أن مكانة قريش بين العرب إنما أخذوها من خدمة ~~بيت الله الحرام، وما أمنوا في طرق تجارتهم إلا بقداسة بيت الله ~~وحرمته. ولولا البيت ما كان لقريش كل هذه المكانة، بدليل قوله تعالى: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف # [قريش: 1-2]. ولو انهدم البيت في قصة الفيل ما كان لقريش سيادة ولا ~~سيطرة على الجزيرة العربية، وما دام أن الله تعالى فعل معهم هذا # فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4]. ومعنى { نبأ.. } [الشعراء: 69] أي: الخبر الهام الذي ~~يجب أن يقال، ويجب أن ينصت له، وأن تؤخذ منه عبرة وعظة، فلا ~~يقال نبأ للخبر العادي الذي لا يؤبه له. ولو تتبعت كلمة نبأ في ~~القرآن لوجدتها لا تقال إلا للأمر الهام، كما في قوله تعالى: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم # [النبأ: 1-2]. وقوله تعالى ms7112 في قصة سليمان عليه السلام والهدهد: # وجئتك من سبإ بنبإ يقين # [النمل: 22]. إذن: { نبأ إبراهيم } [الشعراء: 69] يعني: الخبر ~~الهام عنه. وإبراهيم هو أبو الأنبياء الذي مدحه ربه مدحا عظيما في ~~مواضع عدة من القرآن، فقال الحق سبحانه عنه: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا.. # [النحل: 120]. والأمة لا تطلق إلا على جماعة تنتسب إلى شيء خاص، ~~ويجمعهم مكان وزمان وحال. كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أضفى ~~الله عليه كمالات من صفات كماله لا يستطيع بشر أن يتحملها. لذلك جاء في ~~الحديث الشريف: # " الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة ". # الخير في حصرا، الخير على عمومه، وفي كل جوانب شخصيته: داعية وأبا ~~وزوجا.. الخ وخصال الخير من شجاعة، وحلم، وعلم، وكرم.. إلخ. وكذلك ~~الخير في أمتي منثور بين أفرادها، يأخذ كل منهم من الخير بطرف، وله منه ~~نصيب، لكن لا أحد يستطيع أن يجمع الكمال المحمدي أبدا، ولا أن يتصف به. ~~كذلك كان سيدنا إبراهيم عليه السلام أمة لأن خصال الخير توزع على ~~أفراد الأمة: هذا ذكى، وهذا حليم، وهذا عالم، وهذا حكيم.. الخ أما ~~إبراهيم - عليه السلام - فقد جمع من الخير ما في أمة بأكملها، وهذا ليس ~~كلاما يقال في مدح نبي الله إبراهيم، إنما من واقع حياته العملية. ~~واقرأ إن شئت قوله تعالى عن إبراهيم: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما.. # [البقرة: 124]. وحسب إبراهيم - عليه السلام - من الخير هذه الدعوة: # ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ~~آياتك.. # [البقرة: 129]. فكان محمد صلى الله عليه وسلم دعوة أبيه إبراهيم. ### || [26.70] # فأول دعوته كانت لأبيه، وأقرب الناس إليه لا للغريب، والدعوة التي توجه ~~أولا للقريب لا بد أنها دعوة حق ودعوة خير لأن الإنسان يحب الخير ~~أولا لنفسه، ثم لأقرب الناس إليه، ولو كانت في خيريتها شك لقصد بها ~~الغرباء والأباعد عنه. والمراد بأبيه هو آزر الذي ورد ذكره في موضع آخر. ~~وسؤاله لأبيه وقومه { ما تعبدون } [الشعراء: 70] سؤال استهجان ~~واستنكار، وسؤال استدلال ms7113 ليظهر لهم بطلان هذه العبادة لأن العبادة أن ~~يطيع العابد المعبود فيما أمر وفيما نهى، فالذين يعبدون الأصنام بماذا ~~أمرتهم وعم نهتهم؟ إذن: فهي آلهة دون منهج، وما أسهل أن يعبد الإنسان ~~مثل هذا الإله الذي لا يأمره بشيء، ولا ينهاه عن شيء، وكذلك هي آلهة دون ~~جزاء ودون حساب لأنها لا تثيب من أطاعها، ولا تعاقب من عصاها. إذن: ~~فكلمة عباده هنا خطأ، ومع ذلك يسميها الناس آلهة، لماذا؟ لأن الإله ~~الحق له أوامر لا بد أن تنفذ، وإن كانت شاقة على النفس، وله نواه ~~لا بد أن تترك وإن كانت النفس تشتهيها، فهي عبادة شاقة، أما عبادة ~~الأصنام فما أسهلها، فليس عندها أمر ولا نهي، وليس عندها منهج ينظم ~~لهم حركة الحياة لذلك تمسك هؤلاء بعبادة الأصنام، وسموها آلهة، وهذا ~~خبل واضح. كما أن الإنسان في مجال العبادة إذا عزت عليه أسباب الحياة ~~وأعيته الحيل، أو خرجت عن طاقته، عندها يجد له ربا يلجأ إليه، ~~ويستعين به فيقول: يا رب. فماذا عن عابد الأصنام إذا تعرض لمثل هذه ~~المسائل؟ هل يتوجه إليها بالدعاء؟ وهب أنه يدعو إنسانا مثله يمكن أن ~~يسمعه أيستجيب له؟ لذلك يقول سبحانه: # قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين * قال هل ~~يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون # [الشعراء: 71-73]. إذن: فعبادة غير الله حمق وغباء. لكن هذا البحث من ~~إبراهيم، وهذا الجدل مع أبيه وقومه، أكان بعد الرسالة أم قبلها؟ قالوا: ~~إن إبراهيم - عليه السلام - كان ناضجا متفتحا منذ صغره، وكان ~~منكرا لهذه العبادة قبل أن يرسل، لذلك قال الله عنه: # ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين # [الأنبياء: 51]. وكذلك كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قبل بعثته ~~كارها للأصنام، معترضا على عبادتها، يتعجب حين يرى قومه يعبدونها، وقد ~~رأى صلى الله عليه وسلم أحد الآلهة وقد كسر ذراعه فاستعانوا بمن يصلح ~~ذراع الإله، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعجب لما يرى: العابد ~~يصلح المعبود؟ بعدها اعتزلهم رسول الله، ms7114 ولجأ إلى الغار يفكر في الإله ~~الحق والمعبود الحق. فكأن أي دين يأمر الله به لو تفكر فيه الإنسان ~~برشد لانتهى إلى الحق بدون رسول لأن دين الله هو دين الفطرة السليمة، ~~فإن توفرت لدى الإنسان هذه الفطرة اهتدى بها إلى الحق. # بدليل ما كان يحدث من عمر - رضي الله عنه - وكان يحدث رسول الله ~~بالأمر، فتتنزل به الآيات من عند الله، وقد وافقت الآيات رأيه في أكثر ~~من موقف، وقد أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ليبين لنا أن العقل ~~السليم والفطرة المستقيمة يمكن أن ينتهيا إلى قضايا الدين دون رسول. ~~وتستطيع أنت أن تعرض أي قضية من قضايا الدين على العقل السليم، وسوف ~~تجد أنها طيبة وجميلة توافق الذوق السليم والتفكير السوي، فالكذب ~~مثلا خلق يأباه العقل ويأباه الدين، وكذلك الرشوة لأنك بها تأخذ ما ~~ليس لك، وقد يسلط عليك راش، فيأخذ منك حقك، كما أخذت أنت حقوق ~~الناس. ولو تأمل العقل مثلا تحريم النظر إلى المحرمات، لوجد أن الدين ~~قيد نظرك وأنت فرد، وقيد من أجلك نظر الناس جميعا، فكما طلب منك طلب ~~لك، وكذلك الأمر في تحريم السرقة والقتل.. إلخ. وقد سئلنا في إحدى ~~الرحلات عن قوله تعالى: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله.. # [التوبة: 33] ومرة يقول: # ولو كره المشركون # [التوبة: 33] ومرة يقول: # يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون # [التوبة: 32]. يقولون: وبعد أربعة عشر قرنا، والمسلمون في الكون أقلية، ~~ولم يظهر الدين على الدين كله، فكيف - إذن - نفهم هذه الآية؟ فقلت ~~للسائل: لو فهمت الآية السابقة لعرفت الجواب: # يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون # [التوبة: 32]. فالمعنى: أن الدين سيظهر في وجود الأديان الأخرى، وليس ~~المراد أن هذه الأديان ستزول، ولن يكون لها وجود، بل هي موجودة، لكن يظهر ~~عليها الإسلام ظهور حجة، بدليل ما نراه من هجمات على الإسلام وأحكامه ~~وتشريعاته، ms7115 كما في مسألة الطلاق مثلا، أو مسألة تعدد الزوجات وغيرها. ~~وبعد ذلك تلجئهم الحياة الاجتماعية إلى هذه التشريعات، ولا يجدون غيرها ~~لحل مشاكلهم. ولما قامت الثورة الشيوعية في روسيا سنة 1917 أول ما ~~شرعوا منعوا الربا الذي كان جائزا عندهم، لقد منعوا الربا مع أنهم غير ~~مسلمين، لكن مصالحهم في ذلك، فهذه وأمثالها غلبة لدين الله وظهور له على ~~كل الأديان. وليس معنى # ليظهره على الدين كله.. # [التوبة: 33] أن يصير الناس جميعا مؤمنين، لا، إنما يظل كل على دينه ~~وعلى شركه أو كفره، لكن لا يجد حلا لقضاياه إلا في الإسلام، وهذا أوقع ~~في ظهور الدين. ثم يقول الحق سبحانه عن قوم إبراهيم في ردهم على ~~إبراهيم عليه السلام: { قالوا نعبد أصناما... }. ### || [26.71] # إذن: شهد شاهد من أهلها، وقالوا بأنفسهم { نعبد أصناما.. } ~~[الشعراء: 71] والعبادة طاعة، فماذا قالت لهم الأصنام؟ وبماذا أمرتهم؟ ~~طبعا، ليس عندهم جواب. وليت الأمر يقف عند العبادة، إنما { فنظل ~~لها عاكفين } [الشعراء: 71] أي: قائمين على عبادته ليل نهار، نعم ~~ولكم حق لأنها آلهة دون تكليف، وعبادة بلا مشقة وبلا التزام، إنها بلطجة ~~تأخذون فيها حظ أنفسكم، وتفعلون معها ما تريدون. لكن، كيف جادلهم ~~إبراهيم عليه السلام؟ وبم رد عليهم؟ { قال هل يسمعونكم... ~~}. ### || [26.72-73] # فالأصنام لا تسمع من توجه إليها بالدعاء، ولا تنفع من عبدها، ولا ~~تضر من كفر بها لذلك لم يجدوا ردا، وحاروا جوابا، ولم يجدوا حجة ~~إلا أن قالوا: { قالوا بل وجدنآ... }. ### || [26.74] # إذن: أنتم لم تحكموا عقولكم في هذه المسألة، كما قالوا في موضع آخر: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون # [الزخرف: 23]. ونقول لهم: ومتى ظللتم على تقليد آبائكم فيما يفعلون؟ ~~إنكم لو أقمتم على تقليد الآباء ما ارتقيتم في حياتكم أبدا، فلماذا إذن ~~تحرصون على التقليد في هذه المسألة بالذات دون غيرها. ### || [26.75-77] # يقول إبراهيم عليه السلام: لا تلقوا بالمسألة على الآباء، وتعلقوا ~~عليهم أخطاءكم، ثم يعلنها صريحة متحدية كأنه يقول لهم: الحمرة في خيلكم ~~اركبوها. { فإنهم عدو لي.. } [الشعراء: ms7116 77] وكلمة عدو جاءت ~~مفردة مع أنها مسبوقة بضمير جمع وتعود على جمع { فإنهم.. } ~~[الشعراء: 77] ومع ذلك لم يقل: أعداء لي. قالوا: لأن العداوة في أمر ~~الدين واحدة على خلاف العداوة في أمر الدنيا لأنها متعددة الأسباب، كما ~~جاء في قوله تعالى: # واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء ~~فألف بين قلوبكم.. # [آل عمران: 103]. فجاءت: # أعدآء.. # [آل عمران: 103] هنا جمع لأنها تعود على عداوة الدنيا، وهي متعددة ~~الأسباب، أما العداوة في الدين فواحدة على قلب رجل واحد. ومن ذلك ما ~~قلناه في سورة النور عند قوله تعالى: # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم.. # [النور: 61]. كلها بصيغة الجمع إلا في # صديقكم.. # [النور: 61] جاءت بصيغة المفرد لأن الصداقة الحقة هي ما كانت لله غير ~~متعددة الأغراض، فهي إذن لا تتعدد. وفي إعلان إبراهيم لعداوته لهذه ~~الأصنام تحد لهم: فها أنا ذا أعلن عداوتي لهم، فإن كانوا يقدرون على ~~مضرتي فليفعلوا. وبعد أن أعلن إبراهيم - عليه السلام - عداوته للأصنام ~~نجحت دعوته، وظل إبراهيم هو إبراهيم لم يصبه شيء. ### || [26.78-80] # كأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لهم: يا أغبياء، اعلموا أن للعبادة ~~أسبابا وحيثيات. ويوضح إبراهيم عليه السلام حيثيات عبادة ربه - عز وجل ~~- فيقول: { الذي خلقني فهو يهدين } [الشعراء: 78] أي: ~~خلقني من عدم، وأمدني من عدم، وجعل لي قانون صيانة يحفظ حياتي، ويضمن ~~سلامتي حين كلفني بشرعه: افعل كذا ولا تفعل كذا، وهو سبحانه لا ينتفع ~~بشيء من هذا، بل النفع يعود علينا نحن، وهل فعلت الأصنام لكم شيئا من ~~هذا؟ إذن: فهو وحده المستحق للعبادة. وقوله سبحانه { فهو يهدين } ~~[الشعراء: 78] أي: بقانون الصيانة الذي يشبه الكتالوج الذي يجعله البشر ~~لصناعتهم ليضمنوا سلامتها وأدائها لمهمتها على أكمل وجه، ولا بد أن ~~يحدد لها المهمة قبل أن يشرع في صناعتها، وهل رأينا آلة صنعها ~~صاحبها، ثم قال لنا: انظروا في أي شيء تستخدم هذه، بوتاجاز أو ثلاجة ~~مثلا؟ ms7117 فإذا ما حدث خلل في هذه الآلة، فعليك بالنظر في هذا الكتالوج أو ~~أن تذهب بها إلى المهندس المختص بها لذلك إذا أردت أن تأخذ قانون ~~صيانتك، فلا تأخذه إلا من صانعك وخالقك - عز وجل - ولا يجوز أن يخلق الله ~~تعالى وتضع أنت لخلقة الله قانون صيانتها، فهذا مثل: أن تقول للجزار ~~مثلا: اعمل لي قانون صيانة التلفزيون. ثم يذكر بعد ذلك مقومات ~~استبقاء الحياة، فيقول: { والذي هو يطعمني ويسقين * ~~وإذا مرضت فهو يشفين } [الشعراء: 79-80]. ونقف هنا عند ~~الضمير المنفصل هو الذي جاء للتوكيد، والتوكيد لا يأتي ابتداء، إنما ~~يكون على درجات الإنكار، وقد أكد الحق - تبارك وتعالى - نسبة الهداية ~~والإطعام والسقيا والشفاء إليه تعالى لأن هذه المسائل الأربع قد ~~يدعيها غيره تعالى، وقد يظن البعض أن الطبيب هو الشافي أو أن الأب مثلا ~~هو الرازق لأنه الجالب له والمناول. والهداية قد يدعيها واضعوا القوانين ~~من البشر، وقد رأينا الشيوعية والرأسمالية والوجودية والبعثية وغيرها، ~~وكلها تدعي أنها لصالح البشر، وأنها طريق هدايتهم لذلك أكد الله تعالى ~~لنفسه هذه المسألة { الذي خلقني فهو يهدين } [الشعراء: 78] ~~فالهداية لا تكون إلا من الله، وفي شرعته تعالى. وقد تسأل في قوله ~~تعالى: { وإذا مرضت فهو يشفين } [الشعراء: 80] ولماذا نذهب ~~إلى الطبيب إذن؟ نقول: الطبيب يعالج، وهو سبب للشفاء، أما الشفاء فمن ~~الله، بدليل أن الطبيب ربما يمرض، ويعجز هو عن شفاء نفسه، وقد يعطي ~~المريض حقنة ويكون فيها حتفه. وحين نعرب: { مرضت.. } [الشعراء: ~~80] نقول: مرض فعل ماض والتاء فاعل، فهل أنا الذي فعلت المرض؟ وهذا ~~مثل أن نقول: مات فلان، ففلان فاعل مع أنه لم يحدث الموت لذلك يجب أن ~~نتنبه إلى أن الفاعل يعني من فعل الفعل، أو اتصف به، والفاعل هنا لم ~~يفعل الفعل وإنما اتصف به. وقال { مرضت.. } [الشعراء: 80] تأدبا مع ~~الله تعالى، فلم يقل: أمرضني ونسب المرض الظاهر إلى نفسه. أما في المسائل ~~التي لا يدعيها أحد، فتأتي بالفعل دون توكيد، كما في الآية بعدها: { ~~والذي يميتني... }. ### || [26.81] # فلم ms7118 يقل؟ هنا: يميتني أو هو يحييني لأن الحياة والموت بيده تعالى لا ~~يدعيها أحد، فإن قلت: وماذا عن قتل الإنسان لغيره ألا يعد ~~موتا؟ وقد سبق أن أوضحنا الفرق بين الموت والقتل، بدليل قوله تعالى: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم.. # [آل عمران: 144]. فالموت أن تخرج الروح، والجسم سليم الأجزاء كامل ~~الأعضاء، وبعد خروج الروح تنقض البنية، أما القتل فيكون بنقض البنية ~~نقضا يترتب عليه خروج الروح. إذن: الموت لم يدعه أحد لنفسه، ولما ~~ادعاه النمرود جادله إبراهيم - عليه السلام - في ذلك، وكشف زيف هذا ~~الادعاء، كما قال تعالى: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه ~~الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت قال أنا أحيي وأميت.. # [البقرة: 258]. ولم يفعل إلا أن جاء برجل فأمر بقتله، ثم عفا عنه لذلك ~~رأى إبراهيم عليه السلام أن يقطع عليه هذا الطريق، فقال: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب فبهت الذي كفر.. # [البقرة: 258]. وهكذا أنهى هذه السفسطة، وكشف حقيقة هذا المكابر ~~المعاند. وتأمل حرف العطف { يميتني ثم يحيين } [الشعراء: 81] ~~وثم تفيد العطف مع التراخي، ولم يقل: ويحيين لأن الواو تفيد مطلق ~~العطف، وبين الموت والإحياء الآخر مسافة طويلة، ألا ترى قوله تعالى: # ثم أماته فأقبره * ثم إذا شآء أنشره # [عبس: 21-22]. ### || [26.82] # عجيب أن يصدر هذا الدعاء من إبراهيم، وما أدراك ما إبراهيم؟ إنه أبو ~~الأنبياء الذي وصفه ربه بأنه أمة قانتا لله، ولم يكن من المشركين، ~~إبراهيم الذي ابتلاه ربه بكلمات فأتمهن، ومع هذا كله يقول: { أطمع ~~أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } [الشعراء: 82]. إنه أدب ~~عال مع الله وهضم لعمله لأن الإنسان مهما قدم من الخير فهو دون ما ~~يستحق الله تعالى من العبادة لذلك كان طلب المغفرة من الطمع. ويجب أن ~~ننظر هنا: متى دعا إبراهيم ربه ومتى تضرع إليه؟ بعد أن ذكر حيثيات ~~الألوهية، واعترف لله بالنعم السابقة وأقر بها، ms7119 فقد خلقه من عدم، ~~وأمده من عدم، ووفر له كل مقومات الحياة. وإقرار العبد بنعم الله ~~عليه يقضي على كبرياء نفسه، ويصفي روحه وأجهزته، فيصير أهلا لمناجاة ~~الله، وأهلا للدعاء، فإن اعترفت لله بالنعم السابقة أجابك فيما تطلب من ~~النعم اللاحقة، على خلاف من لا يذكر لله نعمة، ولا يقر له سبحانه ~~بسابقة خير، فكيف يقبل منه دعاء؟ وبأي وجه يطلب من الله المزيد؟ إذن: ~~لا تدع ربك إلا بعد صفاء نفس وإخلاص عبودية لذلك ورد في حديث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم ". # ويقول سبحانه: # إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا.. # [الأنفال: 29] يقول لك ربك: أنت مأمون على ما علمت، عامل به، فخذ ~~المزيد من هدايتي ونوري وتوفيقي، خذ المزيد لما عندك من رصيد إيماني ~~وصفاء روحي، جعلك أهلا للمناجاة والدعاء. فإبراهيم - عليه السلام - وهو ~~أبو الأنبياء لم يجترىء على الدعاء بشيء آت إلا بعد أن ذكر لله النعم ~~السابقة، وشكره عليها، فوافق قوله تعالى: # لئن شكرتم لأزيدنكم.. # [إبراهيم: 7]. لذلك فإن أهل المعرفة يقولون: إن العبد مهما اجتهد في ~~الدعاء، فإنه يدعو بالخير على حسب فهمه ومنطقه وبمقدار علمه ولو أنه ذكر ~~النعيم الأول لله تعالى، وأقر له بالفضل، ثم ترك المسألة له تعالى يعطيه ~~ويختار له لكان خيرا له لأن ربه عز وجل يعطيه على حسب قدرته تعالى ~~وحكمته. وهذا المعنى واضح في الحديث القدسي: # " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين ". # فعطاء الله لا شك أوسع، واختياره لعبده أفضل من اختيار العبد لنفسه، ~~كما لو ذهبت في رحلة مثلا وقلت لولدك: ماذا تريد أن أحضر لك من البلد ~~الفلاني؟ فإن قال: أريد كذا وكذا فقد ضيق على نفسه، وإن ترك لك ~~الاختيار جاء اختيارك له خيرا من اختياره لنفسه. ### || [26.83] # نلحظ أنه لم يدع بشيء من الدنيا، ومعنى { حكما.. } [الشعراء: 83] ~~فرق بين الحكم والحكمة: الحكمة أن تضع الشيء في موضعه، أما الحكم فأن ~~تعلم ms7120 الخير أولا، ثم تعمل بما علمت ثانيا. وقال في دعائه: { هب لي.. ~~} [الشعراء: 83] لأن الهبة عطاء دون مقابل، فكأنه قال: يا رب أنا لا ~~أستحق، فاجعلها لي هبة من عندك { وألحقني بالصالحين } ~~[الشعراء: 83] أي: ألحقني بهم في العمل والأسوة لأنال بعدها الجزاء، ~~وليس المراد: ألحقني بهم في الجزاء، إنما في العمل. وقد أجابه الله تعالى ~~في هذه الدعوة، فقال سبحانه: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض.. # [الأنعام: 75]. والملكوت: المخلوقات غير المحسة، أطلعه الله عليها لأنه ~~عمل بما علم من الملك المحس، وكذلك قال: # وإنه في الآخرة لمن الصالحين # [البقرة: 130] فأجابه في الدعوة الأخرى. ### || [26.84] # نعرف أن اللسان وسيلة التعبير، ومعنى { لسان صدق.. } [الشعراء: ~~84] يعني: ذكرا حسنا يذكر بحق، ويذكر بصدق، لا كما نفعل الآن حين نقيم ~~ذكرى لأحد الأشخاص، فنظل نكيل له المدائح ونثني عليه بالصدق وبالكذب، ~~وبما فعل وبما لم يفعل، فهذا ذكر، لكنه ذكر غير صادق ومخالف للحقيقة ~~وللواقع. وسبق أن أوضحنا أن الصدق هو الكلام المطابق للواقع، وقد ورد هذا ~~المعنى في الأمهات الخمس في القرآن الكريم، في قول الحق سبحانه وتعالى: # وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج ~~صدق.. # [الإسراء: 80]. يعني: أدخلني بصدق - لا بغش يعني - مدخلا أستطيع منه ~~الخروج، وكذلك أخرجني مخرج صدق. وفي قوله تعالى: # في مقعد صدق عند مليك مقتدر # [القمر: 55]. وفي قوله تعالى: # وعد الصدق الذي كانوا يوعدون # [الأحقاف: 16] هذه المواضع الخمس لكلمة الصدق. ومعنى: { في الآخرين ~~} [الشعراء: 84] يعني: يتعدى الذكر الحسن مدة حياتي إلى من بعدي، ~~فاجعل لي لسان صدق في المعاصرين، وفيمن يأتي بعدك أترك أثرا طيبا ~~يذكر من بعدي لأن لي نصيبا من الخير والثواب في كل من اقتدى بي، ~~وجعلني أسوة. وقد أجابه الله في هذه، فقال سبحانه: # وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم # [الصافات: 108-109]. ### || [26.85] # بعد أن دعا لأمر في الدنيا، ثم لأمر بعد موته دعا لنفسه بجنة النعيم ~~الدائم في الآخرة، ولا شك أن ربه - عز وجل - قد أجابه إلى هذه، فهو من ~~ورثة ms7121 جنة النعيم، بدليل قوله تعالى: # وإنه في الآخرة لمن الصالحين # [البقرة: 130]. وكلمة ميراث الجنة وردت في القرآن أيضا في قوله تعالى: # أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس ~~هم فيها خالدون # [المؤمنون: 10-11]. والميراث أن تأخذ ملكا من آخر بعد موته، فكيف ~~تكون الجنة ميراثا؟ قال العلماء: إن الخالق - عز وجل - لم يخلق الجنة ~~على قدر أهلها وكذلك النار، إنما خلق الجنة تتسع للناس جميعا، إن ~~آمنوا، وخلق النار تتسع للناس جميعا إن كفروا ذلك لأنه سبحانه خلق ~~الخلق مختارين، من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. وعليه، فميراث ~~الجنة يعني أن يرث المؤمنون أماكن الذين كفروا في الجنة، يتقاسمونها ~~فيما بينهم. والوارث يرث مال غيره وثمرة سعيه، لكن لا يسأل عنها، إنما ~~يأخذها طيبة حتى إن جمعها صاحبها من الحرام، إلا إن أراد الوارث أن ~~يبرىء ذمة المورث، فيرد المظالم إلى أهلها. إذن: الوارث يأخذ الميراث ~~دون مقابل فكأنه هبة، وعلى هذا المعنى يكون المراد بميراث الجنة أن الله ~~تعالى أعطى عباده الطائعين الجنة هبة منه سبحانه، وتفضلا عليهم، وليس ~~بعملهم، فالجنة جاءتهم كما يأتي الميراث لأهله دون تعب منهم ودون سعي. ~~وهذا تصديق لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث النبوي: # " لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا ~~أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # قالوا: فالجنة ميراث لأن الأصل أنك لا تجازى على الخير الذي قدمته ~~لأنه تكليف من الله تعالى يعود خيره عليك في الدنيا، حيث تستقيم به حياتك ~~وتسعد بها، وما دام التكليف في صالحك، فكيف تأخذ أجرا عليه؟ كالوالد حيث ~~يحث ولده على المذاكرة والجد في دروسه، فهذا يعود نفعه على الولد، لا ~~على الوالد. وكأن ربك - عز وجل - يقول لك: ما دمت قد احترمت تكليفي ~~لك، وأطعتني فيما ينفعك أنت، ولا يعود علي منه شيء، فحين أعطيك الجنة ~~أعطيك بفضلي وهبة مني، أو أننا نأخذ الجنة بالعمل، والمنازل بالفضل. ~~إذن: لا غنى لأحد منا عن فضل الله. ms7122 لذلك يقول سبحانه: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. هذا هو المعنى المراد بميراث الجنة، وينبغي ألا تعول ~~على عملك وطاعتك واجتهادك في العبادة، واعلم أن النجاة لا تكون إلا برحمة ~~الله وفضل منه سبحانه. ثم ترك الدعاء لذاته وانتقل لمن رباه فقال: { ~~واغفر لأبي... }. ### || [26.86] # لم ينس إبراهيم - عليه السلام - في دعائه أن يدعو لمن رباه لأن الحق - ~~تبارك وتعالى - هو الخالق، إنما جعل الوالدين هما السبب المباشر في ~~الخلق والإيجاد لذلك جعلهما أصحاب الفضل والأحق بالطاعة بعده تعالى، ~~لكن قد ينجب الوالدان ويهملان ولدهما فيربيه غيرهما لذلك يأخذ المنزلة ~~الثالثة، فعندنا ربوبية خلقت من عدم، وأبوة جاءت بأسباب الإيجاد، وأبوة ~~أخرى ربت واعتنت. وهذا المعنى واضح في قوله سبحانه: # وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء: 24] فحيثية الدعاء بالرحمة هنا، لا لأنهما أبوان وهما سبب ~~الإيجاد، إنما لأنهما ربياني صغيرا، إذن: لو رباني غير والدي ~~لأخذوا هذه المنزلة واستحقوا مني هذا الدعاء. لكن لم يستجب لإبراهيم ~~عليه السلام في هذه، لأنه سأل الله لأبيه قبل أن يعرف أنه عدو لله، يقول ~~تعالى: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه.. # [التوبة: 114]. ثم يقول الحق سبحانه: { ولا تخزني يوم... }. ### || [26.87] # بأي شيء يكون الخزي في الآخرة؟ الخزي يكون حين يعاتبك ربك يوم ~~القيامة على رؤوس الأشهاد على ما فرط منك من تقصير لذلك الحساب اليسير ~~ما كان بين العبد وربه، وقد أجيب إبراهيم عليه السلام في هذه الدعوة ~~بقوله تعالى: # وإنه في الآخرة لمن الصالحين # [البقرة: 130]. ### || [26.88-89] # قوله: { يوم لا ينفع مال ولا بنون } [الشعراء: 88] فأتى ~~بالمسألة التي تشغل الناس جميعا، فكل إنسان يريد أن يكون غنيا صاحب مال ~~وأولاد وعزوة، ومن حرم واحدة منهما حزن وألم أشد الألم. والحق ~~تبارك وتعالى يقول: # المال والبنون زينة الحياة الدنيا.. # [الكهف: 46]. ويقول سبحانه: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة.. # [آل ms7123 عمران: 14]. نعم، هي زينة الحياة الدنيا، ومعنى الزينة: الحسن غير ~~الذاتي، فالحسن قد يكون ذاتيا في الجوهر كالمرأة التي تكون جميلة ~~بطبيعتها التي خلقها الله عليها، دون أن تتكلف الجمال، أو الزينة ~~الظاهرة من مساحيق أو ذهب أو خلافه، لذلك سموها في اللغة الغانية وهي ~~التي استغنت بجمالها الطبيعي الذاتي عن أن تتزين بأي شيء آخر. ~~وقوله: { إلا من أتى الله بقلب سليم } [الشعراء: 89] ~~يعني: مع أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا، فهذا لا يمنع نفعهما ~~لصاحبهما إن أحسن التصرف في ماله، فأنفقه في الخير، وأحسن تربية ~~أولاده التربية الصالحة، لكن هذه أيضا لا تصفو له ولا تستقيم إلا إذا { ~~أتى الله بقلب سليم } [الشعراء: 89]. يعني: توفر له الإخلاص ~~في هذا كله، وإلا فالرياء يحبط العمل، ويجعله هباء منثورا، إن كنت ~~تفعل الخير في الدنيا ولا تؤمن بالله ولا تنزهه سبحانه عن الشريك، فلن ~~ينفعك عملك، ولن يكون لك منه نصيب في ثواب الآخرة. كما قال تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. وفي الحديث القدسي: # "... فعلت ليقال وقد قيل... ". # فعلت ليقام لك حفل تكريم وقد أقيم لك، فعلت لتأخذ نيشانا وقد ~~أخذته، فعلت ليكتب اسمك على باب المسجد وقد كتب، إذن: انتهت ~~المسألة. فقوله تعالى: { يوم لا ينفع مال ولا بنون } ~~[الشعراء: 88] لا ينفي نفع المال والبنين، فهي نافعة شريطة أن تأتي ~~الله بقلب سليم، والسلامة هنا تعني: أن يظل الشيء على حاله وعلى صلاحه ~~الذي خلقه الله عليه لا يصيبه عطب في ذاته، فيؤدي مهمته كما ينبغي. فكأن ~~السلامة توجد أولا، ونحن الذين نفسد هذه السلامة. ومن ذلك قوله ~~تعالى: # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما ~~نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن ~~لا يشعرون # [البقرة: 11-12]. لذلك لو تأمل الناس فيما يتعبهم في الحياة لوجدوا ~~أنه ثمرة إفسادهم في الكون المنظم الذي خلقه الله على مقتضى حكمته تعالى، ~~بدليل أن كل حركة في الكون لا يتدخل فيها الإنسان تراها مستقيمة ms7124 منتظمة ~~لا تتخلف، فإن تدخل الإنسان وجد الفساد ووجد الظلم للغير، حتى ~~للنبات وللجماد وللحيوان، وقد نهانا الشارع الحكيم عن هذا كله. # هذا إن تدخل الإنسان في الكون على غير مقتضى منهج ربه، فإن تدخل ~~على هدى من منهج الله استقامت الأمور وتحققت السلامة. ألا ترى قوله ~~تعالى في سورة الرحمن: # الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر ~~يسجدان * والسمآء رفعها ووضع الميزان # [الرحمن: 5-7]. لذلك تجد كل شيء في الكون موزونا بقدر وبحكمة: الشمس ~~والقمر والنجوم والهواء والماء.. الخ وكل عناصر الكون هذه تسير مستقيمة ~~في منظومة الكون المتكاملة، لماذا؟ لأنه لا دخل للإنسان فيها. فمعنى ~~القلب السليم: القلب الذي لا يعمر إلا بما أراد الله أن يعمر به، وقد ~~ورد في الحديث القدسي: # " ما وسعتني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ". # إذن: لا تزحم قلبك بما يشغله من أمور الدنيا، واجعله خاليا لله ~~منشغلا به، فهذه هي سلامة القلب لأن القلب مفطور على هذا، مطبوع ~~عليه.. ساعة خلقه الله خلقه صافيا سليما من المشاغل لذلك يقول سبحانه: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة.. # [النحل: 78] لماذا؟ # لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. إذن: لا تأخذ المال والبنين منفصلين عن سلامة القلب لأن ~~ربك يقول: # والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~أملا # [الكهف: 46]. وفي آية: # زين للناس حب الشهوات.. # [آل عمران: 14] ختمها الحق سبحانه بقوله: # ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن ~~المآب # [آل عمران: 14]. ومن سلامة القلب أن يخلو من الشرك، وأن يخلو من النفاق ~~لأن المنافق يؤمن بلسانه، ولا يؤمن بقلبه، فقلبه لا يوافق لسانه لذلك هو ~~غير سليم القلب، فكان أشد إثما من الكافر، وجعله الله في الدرك ~~الأسفل من النار. المنافق أشد تعذيبا من الكافر لأن الكافر مع كفره هو ~~منطقي مع نفسه، حيث كفر بقلبه وبلسانه، ونطق بما يعتقده، أما المنافق ~~فقد غشنا وحسب علينا ظاهرا، ومنهم من كان يصلي خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الصف الأول، ms7125 وهو في حقيقة الأمر من الطابور الخامس ~~داخل صفوف المسلمين. وكذلك الرياء ينافي سلامة القلب، فالمرائي يعمل ~~للناس ولا يعمل لله، ونعجب حين نرى من يقدم الجميل رياء وسمعة، ~~ثم يتهم من أسدى إليه الجميل بأنه ناكر للجميل، نقول له: لماذا تتهمه ~~وقد سبقته فأنكرت جميل الله، حيث لم تجعله على بالك حين فعلت الخير. ~~إذن: فهذا جزاؤك جزاء وفاقا، لأنك ما فعلت الخير لله، إنما فعلته ~~للعبد فانتظر منه الجزاء. وصفقة المرائي خاسرة، وتجارته بائرة لأنه ~~حين يعطي رياء يستفيد منه الآخذ ويخرج هو صفر اليدين، كما قال سبحانه: # فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل ~~فتركه صلدا.. # [البقرة: 264]. وبعد ذلك ترى الناس تكره المرائي، وينكرون جميله في ~~بناء مسجد أو مستشفى أو مدرسة مثلا، ولو عمل ذلك لله لأبقى الله ذكره ~~بين الناس، فحفظوا جميله، وأثنوا عليه بالخير. # " ويروى أن السيدة فاطمة الزهراء دخل عليها سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فوجدها تجلو درهما في يدها، فلما سألها عنه قالت: لأني قد ~~نويت أن أتصدق به، فقال لها: تصدقي به وهو على حاله، فقالت: أنا ~~أعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير، والله طيب لا يقبل إلا ~~طيبا ". # ثم يذكر الحق - تبارك وتعالى - نتيجة سلامة القلب وثمرة الإخلاص في ~~العلم، فيقول: { وأزلفت الجنة للمتقين... }. ### || [26.90] # { وأزلفت.. } [الشعراء: 90] يعني: قربت، لكن كيف تقرب منهم وهم ~~بداخلها؟ قالوا: تقرب منهم قبل أن يدخلوها، وهم ما زالوا في شدة ~~الموقف وهول القيامة والحساب، فتقرب منهم الجنة ليطمئنوا بها، ويهون ~~عليهم هذا الموقف الصعب. وفي آية أخرى: # وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد # [ق: 31] يعني: يرونها عيانا، ويعرفون أنها النعيم الذي ينتظرهم، وسوف ~~يباشرونه عن قريب، كما لو دعيت إلى مائدة أحد العظماء، وقد أعدت ~~على أتم وجه، فإن من النعيم أن تمر بها وتشاهد ما عليها من أطايب ~~الطعام قبل أن يحين وقت الاجتماع عليه. ### || [26.91] # وهذه لمن أتى الله بقلب غير سليم، قلب خالطه شرك ms7126 أو نفاق أو رياء، وفي ~~آية أخرى يقول تعالى: # وإن منكم إلا واردها.. # [مريم: 71]. والورود لا يعني دخول النار، إنما رؤيتها والمرور بها لأن ~~الصراط مضروب على متن جهنم، فالورود شيء والدخول شيء آخر، ومن ذلك قوله ~~تعالى في قصة موسى عليه السلام: # ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون # [القصص: 23] مع أن موسى - عليه السلام - ورد الماء يعني: مكان الماء، ~~ولم يشرب منه. والحكمة من ورود النار بهذا المعنى أن يعرف المؤمن فضل ~~الإيمان عليه، وأنه سبب نجاته من هذه النار التي يراها، وهذه أعظم نعمة ~~عليه لذلك يقول سبحانه: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185]. ومعنى { للغاوين } [الشعراء: 91] جمع غاو، وهو ~~إما أن يكون غاويا في نفسه، أو أغوى غيره، فتطلق على الغاوي، وعلى الذي ~~يغوي غيره. ### || [26.92-93] # قوله تعالى: { أين ما كنتم تعبدون } [الشعراء: 92] أرونا ~~من أشركتموهم مع الله، أين هم الآن؟ وفي موضع آخر: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم ~~* وقفوهم إنهم مسئولون * ما لكم لا تناصرون # [الصافات: 22-25]. لقد ضلوا عنكم، وتركوكم، بل وتبرأوا منكم: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب # [البقرة: 166]. ثم يأتي الذين اتبعوا فيقولون: # ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين # [فصلت: 29]. نعم، إنها معركة لأن الله تعالى قال: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. وقوله تعالى: { هل ينصرونكم أو ينتصرون } ~~[الشعراء: 93] يعني: لا يستطيعون نصركم، أو الدفاع عنكم، ولا حتى نصر ~~أنفسهم، فإن كان نصرهم لأنفسهم ممنوعا فلغيرهم من باب أولى، ففي ~~الآية تقريع لهم ولمن عبدوهم من دون الله، وتحقير لشأنهم. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { فكبكبوا فيها هم... }. ### || [26.94] # الفعل كبكب، يعني: كبوا مرة بعد أخرى على وجوههم، فهي تعني تكرار ~~الكب، فكلما قام كب على وجهه مرة أخرى، وهي على وزن فعللة الدال ~~على التكرار كما تقول: زقزقة العصافير، ونقنقة ms7127 الضفادع. والمراد هنا ~~الأصنام تكب على وجوهها، وتسبق من عبدها إلى النار، كما قال تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم.. # [الأنبياء: 98]. وقال: { هم والغاوون } [الشعراء: 94] فالغاوون ~~يسبقون من أغووهم وأضلوهم ليقطع أمل التابعين لهم في النجاة، فلو ~~دخل التابعون أولا لقالوا: سيأتي من عبدناهم لينقذونا، لكن يجدونهم ~~أمامهم قد سبقوهم، كما قال تعالى عن فرعون: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار.. # [هود: 98]. ### || [26.95] # ولإبليس جنود من الجن، وجنود من الإنس، سيجتمعون جميعا في النار. ### || [26.96-98] # هذه لقطة من ساحة القيامة، حيث يختصم أهل الضلال مع من أضلوهم، ~~ويلقي كل منهم بالتبعة على الآخر. وهذه الخصومة وردت في قوله تعالى ~~على لسان الشيطان: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.. # [إبراهيم: 22] والمعنى: لم يكن لي عليكم سلطان قهر أحملكم به على ~~طاعتي، ولا سلطان حجة أقنعكم به. ثم يعترف أهل الضلال بضلالهم ويقسمون { ~~تالله.. } [الشعراء: 97] يعني: والله { إن كنا لفي ضلال ~~مبين } [الشعراء: 97] يعني: ظاهر ومحيط بنا من كل ناحية، فأين كانت ~~عقولنا { إذ نسويكم برب العالمين } [الشعراء: 98] أي: ~~في الحب، وفي الطاعة، وفي العبادة. كما قال سبحانه: # ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله.. # [البقرة: 165]. ### || [26.99] # يعني: يا رب أرنا هؤلاء المجرمين، ومكنا منهم لننتقم لأنفسنا، ~~ونجعلهم تحت أقدامنا، وهكذا أخرجوا كل سمهم في هؤلاء المجرمين، وألقوا ~~عليهم بتبعة ما هم فيه. ### || [26.100-101] # الشافع من الشفع أي: الاثنين، والشافع هو الذي يضم صوته إلى صوتك ~~في أمر لا تستطيع أن تناله بذاتك، فيتوسط لك عند من لديه هذا الأمر، ~~والشفاعة في الآخرة لا تكون إلا لمن أذن الله له، يقول تعالى: # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى.. # [الأنبياء: 28]. ويقول سبحانه: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه.. # [البقرة: 255]. إذن: ليس كل أحد صالحا للشفاعة معدا لها، وكذلك في ~~الشفاعة في الدنيا فلا يشفع لك إلا صاحب منزلة ومكانة، وله عند الناس ~~أياد تحملهم على احترامه وقبول ms7128 وساطته، فهي شفاعة مدفوعة الثمن، ~~فللشافع رصيد من الجميل وسوابق الخير تزيد عما يطلب للمشفوع له. لذلك نرى ~~في الريف مثلا رجلا له جاه ومنزلة بين الناس، فيحكم في النزاعات ويفصل ~~في الدم، فحين يتدخل بين خصمين ترى الجميع ينصاع له ويذعن لحكومته. ومن ~~ذلك ما عرفناه في الشرع من شركة الوجوه، ومعلوم أن الشركة تحتاج إلى مال ~~أو عمل، لكن قد يوجد شخص ليس لديه مال ولا يستطيع العمل، لكن يتمتع ~~بوجاهة ومنزلة بين الناس، فنأخذه شريكا معنا بما لديه من هذه الميزة. ~~والحقيقة أن وجاهته ومنزلته بين الناس قومت بالمال لأنه ما نالها من ~~فراغ، إنما جاءت نتيجة جهد وعمل ومجاملات للناس، احترموه لأجلها، فلما ~~زال عنه المال وأنفقه في الخير بقي له رصيد من الحب والمكانة بين ~~الناس.. ومن ذلك أيضا شراء العلامة التجارية. ومعنى { ولا صديق ~~حميم } [الشعراء: 101] فرق بين الشافع والصديق، فالشافع لا بد أن ~~تطلب منه أن يشفع لك، أما الصديق وخاصة الحميم لا ينتظر أن تطلب منه، ~~إنما يبادرك بالمساعدة، ووصف الصديق بأنه حميم لأن الصداقة وحدها في هذا ~~الموقف لا تنفع حيث كل إنسان مشغول بنفسه. فإذا لم تكن الصداقة داخلة ~~في الحميمية، فلن يسأل صديق عن صديقه، كما قالت تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37]. وقد أثارت مسألة الشفاعة لغطا كثيرا من المستشرقين ~~الذين يريدون تصيد المآخذ على القرآن الكريم، فجاء أحدهم يقول: تقولون ~~إن القرآن معجزة في البلاغة، ونحن نرى فيه المعنى الواحد يأتي في ~~أسلوبين، فإن كان الأول بليغا فالآخر غير بليغ، وإن كان الثاني بليغا ~~فالأول غير بليغ، ثم يقول عن مثل هذه الآيات: إنها تكرار لا فائدة منه. ~~ونقول له: أنت تنظر إلى المعنى في إجماله، وليس لديك الملكة العربية ~~التي تستقبل بها كلام الله، ولو كانت عندك هذه الملكة لما اتهمت ~~القرآن، فكل آية مما تظنه تكرارا إنما هي تأسيس في مكانها لا تصلح ms7129 إلا ~~له. # والآيتان محل الكلام عن الشفاعة في سورة البقرة، وهما متفقتان في الصدر ~~مختلفتان في العجز، أحدهما: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا.. # [البقرة: 48]. والأخرى: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا.. # [البقرة: 123]. إذن: فصدر الآيتين متفق، أما عجز الأولى: # ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل.. # [البقرة: 48]. وعجز الأخرى: # ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة.. # [البقرة: 123] فهما مختلفتان. وحين تتأمل صدري الآيتين الذي تظنه ~~واحدا في الآيتين تجد أنه مختلف أيضا، نعم هو متحد في ظاهره، لكن حين ~~تتأمله تجد أن الضمير فيهما: إما يعود على الشافع، وإما يعود على المشفوع ~~له، فإن عاد الضمير على المشفوع له نقول له: لا نأخذ منك عدلا، ولا ~~تنفعك شفاعة، وإن عاد الضمير على الشافع نقول له: لا نقبل منك شفاعة - ~~ونقدم الشفاعة أولا - ولا نأخذ منك عدلا. إذن: ليس في الآيتين تكرار ~~كما تظنون، فكل منهما يحمل معنى لا تؤديه الآية الأخرى. وقد أوضحنا هذه ~~المسألة أيضا في قوله تعالى: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق.. # [الإسراء: 31]. والأخرى: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق.. # [الأنعام: 151]. فصدرا الآيتين مختلف، وكذلك العجز مختلف، فعجز ~~الأولى: # نحن نرزقهم وإياكم.. # [الإسراء: 31]. وعجز الأخرى: # نحن نرزقكم وإياهم.. # [الأنعام: 151]. وحين نتأمل الآيتين نجد أن لكل منهما معناها الخاص بها، ~~وليس فيهما تكرار كما يظن البعض. ففي الآية الأولى: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق.. # [الإسراء: 31] إذن: فالفقر غير موجود، والأب يخاف أن يأتي الفقر بسبب ~~الأولاد، فهو مشغول برزق الولد، لا برزقه هو لأنه غني غير محتاج لذلك ~~قدم الأولاد في عجز الآية، كأنه يقول للأب: اطمئن فسوف نرزق هؤلاء ~~الأولاد أولا، وسوف ترزق أنت أيضا معهم. أما في الآية الأخرى: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق.. # [الأنعام: 151] فالفقر في هذه الحالة موجود فعلا، وشغل الأب برزق نفسه ~~أولى من شغله برزق ولده لذلك قال في عجز الآية: # نحن نرزقكم وإياهم.. # [الأنعام: 151] فقدمهم على الأولاد. إذن: لكل آية معناها الذي لا ~~تؤديه عنها الآية الأخرى. ms7130 ثم يقول الحق سبحانه عنهم أنهم قالوا: { فلو ~~أن لنا كرة... }. ### || [26.102] # معنى: { كرة.. } [الشعراء: 102] أي: عودة إلى الدنيا ورجعة { ~~فنكون من المؤمنين } [الشعراء: 102] أي: نستأنف حياة جديدة، ~~فنؤمن بالله ونطيعه، ونستقيم على منهجه، ولا نقف هذا الموقف. وفي آيات ~~أخرى شرحت هذه المسألة، يقول تعالى: # حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون * ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة ~~هو قآئلها ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون # [المؤمنون: 99-100]. يعني: # كلا.. # [المؤمنون: 100] لن يعودوا مرة أخرى، وما هي إلا كلمة يقولونها بألسنتهم ~~يريدون النجاة بها، لكن هيهات فبينهم وبين الدنيا برزخ يعزلهم عنها، ~~ويمنعهم العودة إليها، وسوف يظل هذا البرزخ إلى يوم يبعثون. وفي أية ~~أخرى حول هذا المعنى يرقي الحق - تبارك وتعالى - المسألة من موقف ~~الموت إلى موقف القيامة، فيقول سبحانه: # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين # [الأنعام: 27]. وهذا كذب منهم وقول باللسان لا يوافقه العمل لذلك ~~رد الحق - تبارك وتعالى - عليهم بقوله: # بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون # [الأنعام: 28]. ثم يقول الحق سبحانه: { إن في ذلك لآية... }. ### || [26.103] # الآية: هي الأمر العجيب الملفت للنظر، وما كان ينبغي أن يمر على ~~العقول بدون تأمل واعتبار { وما كان أكثرهم مؤمنين } ~~[الشعراء: 103] رغم أن هذه الآيات ظاهرة واضحة، ومع ذلك كان أكثرهم غير ~~مؤمنين. ### || [26.104] # أي: مع كونهم لم يؤمن أكثرهم، فالله تعالى هو العزيز الذي لا يغلب، ~~إنما يغلب، ومع عزته تعالى فهو رحيم بعباده يفتح باب التوبة لمن تاب. ~~ثم ينتقل السياق القرآني من قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - إلى قصة ~~أخرى من ركب الأنبياء ومواكب الرسل هي قصة نوح عليه السلام: { ~~كذبت قوم نوح... }. ### || [26.105] # القوم: هم الرجال خاصة، وسموا قوما لأنهم هم الذين يقومون بأهم ~~الأشياء، ويقابل القوم النساء، كما جاء شرح هذا المعنى في قوله سبحانه: # يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من ms7131 قوم عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى ~~أن يكن خيرا منهن.. # [الحجرات: 11]. فالرجال هم القوم لأنهم يقومون بأهم الأمور، وعليهم مدار ~~حركة الحياة، والنساء يستقبلن ثمار هذه الحركة، فينفقونها بأمانة ~~ويوجهونها التوجيه السليم. والشاعر العربي أوضح هذا المعنى بقوله: # وما أدري ولست إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # ونفهم أيضا هذه القوامة للرجل من قول الله تعالى حينما وعظ آدم ~~وحذره من الشيطان: # إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من ~~الجنة.. # [طه: 117] وحسب القاعدة نقول: فتشقيا. لكن الحق - تبارك وتعالى - يقول: # فتشقى # [طه: 117] أنت يا آدم وحدك في حركة الحياة، فالرجل يتحمل هذه المشقة ~~ويكرم المرأة أن تهان أو تشقى، لكن ماذا نفعل وهي تريد أن تشقي ~~نفسها؟! ونلحظ أن الآية تقول: { كذبت قوم نوح المرسلين } ~~[الشعراء: 105] كيف وهم ما كذبوا إلا رسولهم نوحا عليه السلام؟ وكانوا ~~مؤمنين قبله بآدم وإبراهيم مثلا. قالوا: لأن الرسل عن الله إنما جاءوا ~~في أصول ثابتة في العقيدة وفي الأخلاق لا تتغير في أي دين لذلك فمن كذب ~~رسوله فكأنه كذب كل الرسل، ألا ترى أن من أقوال المؤمنين أن يقولوا: # قل آمنا بالله ومآ أنزل علينا ومآ أنزل على ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون # [آل عمران: 84]. وقال تعالى: # آمن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه ~~والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله لا نفرق بين أحد من رسله.. # [البقرة: 285]. فإن قلت: فماذا عن اختلاف المناهج والشرائع من نبي ~~لآخر؟ نقول: هذه اختلافات في مسائل تقتضيها تطورات المجتمعات، وهي فرعيات ~~لا تتصل بأصل العقائد والأخلاق الكريمة. لذلك نجد هذه لازمة في كل ~~مواكب الرسالات، يقول: المرسلين، المرسلين لأن الذي يكذب رسوله ~~فيما اتفق فيه الأجيال من عقائد وأخلاق، فكأنه كذب جميع المرسلين. ### || [26.106] # وقوله تعالى: { إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون } ~~[الشعراء: 106] يريد أن يحنن قلوبهم عليه بكلمة { أخوهم.. } ~~[الشعراء: 106] التي تعني ms7132 أنه منهم وقريب الصلة بهم، ليس أجنبيا عنهم، ~~فهم يعرفون أصله ونشأته. ويعلمون صفاته وأخلاقه. لذلك لما بعث النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأبلغ الناس برسالته بادر إلى الإيمان به أقرب الناس ~~إليه، وهي السيدة خديجة دون أن تسمع منه آية واحدة، وكذلك الصديق أبو ~~بكر وغيرهما من المؤمنين الأوائل، لماذا؟ لأنهم بنوا على تاريخه ~~السابق، واعتمدوا على سيرته فيهم قبل الرسالة، فعلموا أن الذي لا يكذب ~~على الناس مستحيل أن يكذب على رب الناس. والسيدة خديجة رضوان الله عليها ~~تعتبر أول فقيهة، وأول عالمة أصول في الإسلام، حينما جاءها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يشكو ما يعاني، ويخشى أن يكون ما يأتيه من الوحي رئيا من ~~الجن أو توهمات تفسد عليه عقله وتفكيره، قالت له - انظر إلى العظمة - " ~~والله إنك لتصل الرحم، وتقرى الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب ~~الدهر، والله لا يخزيك الله أبدا ". ولما علم الصديق بحادثة الإسراء ~~والمعراج بادر بالتصديق، ولم يتردد، ولما سئل عن ذلك قال: إننا نصدقه في ~~الأمر يأتي من السماء فكيف لا نصدقه في هذه، فإن كان قال فقد صدق. إذن: ~~فمقياس الصدق لديه أن يقول رسول الله لذلك استحق الصديق هذا اللقب عن ~~جدارة، حتى # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول في حقه: " كنت أنا وأبو بكر ~~في الجاهلية كفرسي رهان - يعني: في خصال الخير - فسبقته إلى النبوة ~~فاتبعني، ولو سبقني لاتبعته ". # هذه كلها معان نفهمها من قوله تعالى: { إذ قال لهم أخوهم ~~نوح.. } [الشعراء: 106]. وهذا معنى قوله تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم.. # [التوبة: 128] فهذه من حكمة الله في الرسل، وعجيب أن يقول أهل العناد من ~~القوم: نريد ملكا رسولا، وأن يقفوا من رسول الله موقف العداء، وكان يجب ~~عليهم على الأقل أن يمكنوه من دعوته، ويمكنوا عقولهم من أن تفهم ~~لا أن تدخل في الأمر على هوى سابق. فالذي يتعب الناس في استقبال الحق أن ~~تكون قلوبهم مشغولة بباطل، والحق لا يجتمع مع الباطل ولا يضمهما ms7133 محل ~~واحد لذلك إذا أردت أن تبحث في مسألة، فعليك أن تخرج من قلبك الباطل ~~أولا، ثم حكم عقلك في الأمر، واستفت قلبك فما سمح به فأدخله. وهذه ~~نراها حتى في الماديات، فالحيز الواحد لا يسع شيئين أبدا، يقولون: عدم ~~تداخل، كما لو ملأت قارورة بالماء مثلا، فقبل أن يدخل الماء لا بد ~~أن يخرج الهواء، فنراه على شكل فقاعات. # لذلك يقول تعالى: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض.. # [المؤمنون: 71]. ولك أن تلاحظ مثلا زجاجة الكولونيا ذات الثقب الضيق ~~إذا وضعتها في الماء، لا يمكن أن يدخلها الماء، لماذا؟ لأن ثقبها ضيق، ~~لا يسمح بخروج الهواء أو دخول الماء. ولأمر ما سمي الهوى من الهواء، ~~فكما أن الهواء الذي نحسه لو أتى من ناحية واحدة لمبنى أو جبل مثلا ~~لانهدم إلى الناحية الأخرى، لماذا؟ لأن الهواء هو الذي يتولى حفظ ~~توازن هذه المباني العالية وناطحات السحاب التي نراها، يحفظ توازنها حين ~~يحيط بها من كل جهاتها، فإن فرغت الهواء من إحدى الجهات انهدم المبنى ~~في نفس هذه الجهة. والهواء من القوى العظيمة التي يستخدمها الإنسان ~~ويحولها إلى طاقة، وانظر مثلا إلى قوة تفريغ الهواء وما تحدثه من ~~هزة عنيفة، أو إلى الحاويات والشاحنات العملاقة التي تسير على الهواء في ~~عجلاتها، وكذلك الهوى إن كان في الباطل كان قويا ومدمرا، ومن هذا ~~المعنى سمي السقوط هويا، تقول: هوى الشيء يعني: سقط. وقوله: { ~~ألا تتقون } [الشعراء: 106] هذه الكلمة جاءت على لسان كل الرسل أو ~~يقولها الرسول أول ما يبعث، ومعناها: اتقوا الله وألا أداة للحض، ~~والحث على الفعل. كما تقول للولد المهمل: ألا تذاكر أو هلا تذاكر. ~~وحين نحلل أسلوب الحض أو الحث نجد أنه يأتي على صورة التعجب من نفي ~~الفعل، كما تقول للولد الذي لا يصلي وتريد أن تحثه على الصلاة: ألا ~~تصلي؟ استفهام بالنفي وعندها يستحي الولد أن يقولها، لكن حين تستفهم ~~بالإثبات: أتصلي؟ يقولها بفخر: نعم. إذن: معنى الحث: تعجب من ترك ~~الفعل وإنكار يحمل معنى الأمر. ms7134 فمعنى: { ألا تتقون } [الشعراء: ~~106] أنكر عليكم ألا تكونوا متقين، والمراد: أطلب منكم أن تكونوا ~~متقين، وما دمت قد أنكرت النفي فلا بد أنك تريد الإثبات. ### || [26.107] # وقوله تعالى: { إني لكم رسول أمين } [الشعراء: 107] فإن ~~كانت عندكم غفلة فقد رحم الله غفلتكم، ونبهكم برسول أمين يعظكم ~~ويعلمكم ويبلغكم منهج الله، وهو أمين لن يغشكم في شيء حتى لا ~~تقولوا: إنا كنا غافلين. وما دمت أنا مرسلا من الله إليكم، ~~وأمينا عليكم وعلى دعوتي، فاسمعوا مني لذلك كرر الأمر بالتقوى: { ~~فاتقوا الله... }. ### || [26.108] # وكأنه يتصالح معهم، فيخفف من أسلوب النصح، ويأتي بالأمر صريحا بعد ~~أن أتى به في صورة إنكار ألا يكونوا متقين. وثمرة التقوى طاعة الأوامر ~~واجتناب النواهي، وهذه لا نعرفها إلا من الرسول حامل المنهج ومبلغ ~~الدعوة والأمين عليها. وقد ترددت هذه الآية على ألسنة كثير من رسل الله: ~~{ إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون } ~~[الشعراء: 107-108]. ثم يقول الحق سبحانه: { ومآ أسألكم عليه ~~من أجر... }. ### || [26.109] # هذه العبارة { ومآ أسألكم عليه من أجر.. } [الشعراء: ~~109] لم نسمعها على لسان إبراهيم عليه السلام، ولا على لسان موسى عليه ~~السلام، فأول من قالها نوح عليه السلام، وكونك تقول لآخر: أنا لا ~~أسألك أجرا على هذا العمل، فهذا يعني أنك تستحق أجرا على هذا العمل، ~~وأنت غير زاهد في الأجر، إنما إن أخذته من المنتفع بعملك، فسوف يقومه ~~لك بمقاييسه البشرية لذلك من الأفضل أن تأخذ أجرك من الله. فكأن نوحا ~~عليه السلام يقول: أنتم أيها البشر لا تستطيعون أن تقوموا ما أقوم به ~~من أجلكم لأنني جئتكم بمنهج هداية يسعدكم في الدنيا، وينجيكم في ~~الآخرة، وأنتم لن تقوموا هذا العمل، وأجري فيه على الله لأنكم تعطون ~~على قدر إمكاناتكم وعلمكم. وسبق إن حكينا لكم قصة الرجل الذي ~~قابلناه في الجزائر، وكان رجلا تبدو عليه علامات الصلاح، وقد أشار لنا ~~لنقف بسيارتنا ونحمله معنا، فلما توقفنا ليركب معنا مال إلى السائق، ~~وقال على كم يعني: الأجرة فقال له الرجل، وكان المحافظ: نوصلك ms7135 لله، فقال ~~غلتها يا شيخ. نعم، إن كان الأجر على الله فهو غال. وفي آية أخرى ~~يقول تعالى: # أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون # [الطور: 40]. ثم يقول: { إن أجري إلا على رب ~~العالمين } [الشعراء: 109] إن هنا بمعنى ما النافية لأنه تعالى ~~القادر على أن يكافئني على دعوتي، فهو الذي أرسلني بها، وهو سبحانه رب ~~العالمين الذي تبرع بالخلق من عدم، وبالإمداد من عدم، وخلق لي ولكم ~~الأرزاق، وهذا كله لصالحكم لأنه سبحانه لا ينتفع من هذا بشيء. والربوبية ~~تقتضي عناية، وتقتضي نفقة وخلقا وإمدادا، فصاحب كل هذه الأفضال والنعم ~~هو الذي يعطيني أجري. ### || [26.110] # بعد أن بين لهم كرم الربوبية في مسألة الأجر على الدعوة وأعطاهم ما ~~يشجعهم على التقوى وعلى الطاعة لأنهم سينتفعون برسالة الرسول دون أجر ~~منهم. ومعنى { فاتقوا الله وأطيعون } [الشعراء: 110] أي: ~~ليست لي طاعة ذاتية، إنما أطيعوني لأني رسول من قبل الله تعالى. ثم ~~يقول الحق سبحانه حاكيا ردهم على نوح عليه السلام: { قالوا ~~أنؤمن لك... }. ### || [26.111] # الأرذلون: جمع أرذل، وهو الرديء من الشيء، ورذال الفاكهة: ~~المعطوب منها وما نسميه نقاضة والاستفهام هنا للتعجب: كيف نؤمن لك ونحن ~~السادة، والمؤمنون بك هم الأرذلون؟ يقصدون الفقراء وأصحاب الحرف والذين ~~لا يؤبه بهم، وهؤلاء عادة هم جنود الرسالة لأنهم هم المطحونون من ~~المجتمع الفاسد، وطبيعي أن يتلقفوا من يعدل ميزان المجتمع. وفي آية ~~أخرى: # ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا.. # [هود: 27]. وقولهم: { أنؤمن لك.. } [الشعراء: 111] دليل على عدم ~~فهمهم لحقيقة الإيمان لأنه لم يقل لهم: آمنوا بي، إنما آمنوا بالله. ~~أو: أن المعنى { أنؤمن لك.. } [الشعراء: 111] أي: نصدقك فمن ~~معاني آمن أي: صدق، كما في قوله تعالى: # فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه.. # [يونس: 83] أي: صدق به، وآمن تكون بمعنى صدق إذا جاءت بعدها ~~اللام، فإن جاء بعدها الباء فهي بمعنى الإيمان. ### || [26.112-113] # يعني: ما دام الحساب على ربي وهم يريدون الإيمان، فلا بد أن يأخذوا ~~جزاءهم وافيا { لو تشعرون ms7136 } [الشعراء: 113]. ### || [26.114] # وقد طلبوا منه أن يطرد هؤلاء المؤمنين من مجلسه ليجلسهم هم، وفي آية ~~أخرى قال سبحانه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من ~~شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم ~~فتكون من الظالمين # [الأنعام: 52]. ### || [26.115] # فمن يسمع إنذاري، ويسمع بشارتي، ويأتي مجلسي، فعلى عيني أرافقه. فالله ~~ما أرسلني لأخص ذوي الغنى دون الفقراء بمجلسي، إنما أرسلني لأبلغكم ما ~~أرسلت به، فمن أطاعني فذلك السعيد عند الله، وإن كان فقيرا. ### || [26.116] # وهكذا أعلنوا الحرب على نبي الله نوح، يقولون: لا فائدة من تحذيرك، وما ~~زلت مصرا على دعوتك { لئن لم تنته.. } [الشعراء: 116] ~~عما تدعيه من الرسالة، وما تقول به من تقوى الله وطاعته، وما تفعله من ~~تقريب الأرذلين إلى مجلسك، لتكون جمهورا من صغار الناس. { ~~لتكونن من المرجومين } [الشعراء: 116] أي: إذا لم تنته ~~فسوف نرجمك، إنه تهديد صريح للرسول الذي جاءهم من عند الله يدعوهم إلى ~~الخير في الدنيا والآخرة. كما قال سبحانه: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24]. وهذا التهديد منهم لرسول الله يدل على أنهم كانوا ~~أقوياء، وأصحاب جاه وبطش. ### || [26.117-118] # تأمل هنا أدب نوح - عليه السلام - حين يشكو قومه إلى الله ويرفع إليه ما ~~حدث منهم، كل ما قاله: { إن قومي كذبون } [الشعراء: 117] ولم ~~يذكر شيئا عن التهديد له بالرجم، وإعلان الحرب على دعوته، لماذا؟ لأن ما ~~يهمه في المقام الأول أن يصدقه قومه، فهذا هو الأصل في دعوته. وقوله: ~~{ فافتح بيني وبينهم فتحا.. } [الشعراء: 118] الفتح في ~~الشيء إما: حسيا وإما معنويا، فمثلا الباب المغلق بقفل نقول: نفتح ~~الباب: أي نزيل أغلاقه. فإن كان الشيء مربوطا نزيل الأشكال ونفك ~~الأربطة. ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف: # ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت ~~إليهم.. # [يوسف: 65] أي: أزالوا الرباط عن متاعهم، هذا هو الفتح الحسي. أما ~~الفتح المعنوي فنزيل الأغلاق والأشكال المعنوية ليأتي الخير وتأتي ~~البركة، كما في ms7137 قوله سبحانه: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض.. # [الأعراف: 96]. وفي آية أخرى: # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده.. # [فاطر: 2]. والخير الذي يفتح الله به على الناس قد يكون خيرا ماديا، ~~وقد يكون علما، كما في قوله تعالى: # أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به ~~عند ربكم.. # [البقرة: 76]. أي: من العلم في التوراة، يخافون أن يأخذه المؤمنون، ~~ويجعلوه حجة على أهل التوراة إذا ما كان لهم الفتح والغلبة، فمعنى: # بما فتح الله عليكم.. # [البقرة: 76] أي: بما علمكم من علم لم يعلموه هم. وقد يكون الفتح ~~بمعنى الحكم، مثل قوله سبحانه: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # [الأعراف: 89]. ويكون الفتح بمعنى النصر، كما في قوله تعالى: # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1]. ثم يقول نوح عليه السلام: { ونجني.. } [الشعراء: 118] ~~من كيدهم وما يهددونني به من الرجم { ومن معي من ~~المؤمنين } [الشعراء: 118] لأن الإيذاء قد يتعداه إلى المؤمنين ~~معه، وتأتي الإجابة سريعة: { فأنجيناه ومن معه... }. ### || [26.119] # وقد وردت قصة السفينة في الأعراف، وفي هود، ولنوح عليه السلام سورة ~~خاصة هي سورة نوح مثل سورة محمد ذلك لأن له في تاريخ الرسالات ألف سنة ~~إلا خمسين عاما، ويستحق أن يخصه الله تعالى بسورة باسمه. لذلك عندما ~~يكرر أحد الناس لك الكلام، ويعيده عليك، تقول له هيه سورة، فكلام ~~العامة والأميين له أصل من استعمال اللغة. وفي موضع آخر ذكر الحق - ~~تبارك وتعالى - قصة صنع السفينة في قوله تعالى: # ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه ~~سخروا منه.. # [هود: 38] وهذا دليل على أنها كانت أول سفينة يصنعها الإنسان، وقد صنع ~~نوح سفينته بأمر الله ووحيه وتحت عينه تعالى، وفي رعايته: # واصنع الفلك بأعيننا ووحينا.. # [هود: 37]. وما كان الله تعالى ليكلفه بصنع السفينة ثم يتركه، إنما ~~تابعه، حتى إذا ما حدث خطأ نبهه إليه من البداية، كما قال تعالى لسيدنا ~~موسى: # ولتصنع على عيني # [طه: 39]. وبمثل ms7138 هذه الآيات نرد على الذين يقولون: إن الله تعالى زاول ~~سلطانه في ملكه مرة واحدة فخلق الخلق، ثم ترك القوانين تسيره، ولو ~~كان الأمر كذلك لوجدنا العالم كله يسير بحركة ميكانيكية، لكن ظواهر الكون ~~وما فيه من معجزات تدل على قيوميته تعالى على خلقه. لذلك يقول لهم: ~~ناموا ملء جفونكم، فإن لكم ربا لا ينام، كيف لا وأنت إذا استأجرت ~~حارسا لمنزلك مثلا تنام مطمئنا اعتمادا على أنه يقظ؟ وكيف إذا حرسك ~~ربك عز وجل الذي لا تأخذه سنة ولا نوم؟ وألا يدل ذلك على ~~قيوميته تعالى؟ هذه القيومية التي تنقض العزائم، وتفسخ القوانين، ~~قيومية تقول للنار كوني بردا وسلاما فتكون، وتقول للماء: تجمد حتى ~~تكون جبلا فيتجمد، تقول للحجر: انفلق فينفلق.. ولو كان الأمر ميكانيكيا ~~كما يقولون لما حدث هذا، ولما تخلف قانون واحد من قوانين الكون. ~~والمشحون: الذي امتلأ، ولم يبق به مكان خال، فكانت السفينة مشحونة ~~بما حمل فيها، لأنها صنعت بحساب دقيق، لا يتسع إلا لمن كلف نوح ~~بحملهم في سفينته، وكانوا ثمانين رجلا وثمانين امرأة ومن كل حيوان زوجين ~~اثنين. والفلك المشحون يطلق ويراد به الواحدة، ويطلق ويراد به ~~الجماعة كما في قوله سبحانه: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم.. # [يونس: 22]. ### || [26.120] # وهم الكافرون الذين لم يركبوا معه، و { بعد.. } [الشعراء: 120] أي: ~~بعد ما ركب من ركب، وبعد # ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر * وفجرنا ~~الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر # [القمر: 11-12]. ### || [26.121] # والآية: الأمر العجيب الذي يجب الالتفات إليه والاعتبار به، لكن من ~~سيعتبر بعد أن غرق الباقون؟ سيعتبر بهذه الآية المؤمنون الذين ركبوا ~~السفينة حين يرون نتيجة التكذيب، ومصير المكذبين الكافرين. ### || [26.122] # أي: ورغم كفرهم وتكذيبهم، ورغم أنه ما كان أكثرهم مؤمنين، فالله تعالى ~~هو العزيز الذي يغلب ولا يغلب، وهو سبحانه الرحيم بعباده الذي يتوب ~~على من تاب منهم. ثم ينتقل السياق إلى قصة أخرى في موكب الأمم ~~المكذبة: { كذبت عاد... }. ### || [26.123] # وقال هنا أيضا { المرسلين } [الشعراء: 123] لأن تكذيب ms7139 رسول واحد ~~تكذيب لكل الرسل لأنهم جميعا جاءوا بقواعد وأصول واحدة في العقائد وفي ~~الأخلاق. وعاد: اسم للقبيلة، وكانت القبائل تنسب إلى الأب الأكبر فيها، ~~ولصاحب الشهرة والنباهة بين قومه، فعاد هو أبو هذه القبيلة، وقد يطلق ~~عليهم بنو فلان أو آل فلان، ثم يذكر لنا قصتهم، ومتى كان منهم هذا ~~التكذيب: { إذ قال لهم أخوهم هود... }. ### || [26.124] # قلنا: إن ألا للحث والحض، وحين ينكر النفي { ألا تتقون } ~~[الشعراء: 124] فإنه يريد الإثبات فكأنه قال: اتقوا. وقال { أخوهم.. ~~} [الشعراء: 124] ليرقق قلوبهم ويحننهم إليه، وليعرفوا أنه واحد منهم ~~ليس غريبا عنهم، فهو أخوهم، والأخ من دأبه النصح والشفقة والرحمة، ~~وهذا إيناس للخلق. ### || [26.125-126] # وهذه المقولة لازمة من لوازم الرسل في دعوتهم، سبق أن قالها نوح عليه ~~السلام. ### || [26.127] # قلنا: إن هذه العبارة أول من قالها نوح - عليه السلام - ثم سيقولها ~~الأنبياء من بعده. لكن: لماذا لم يقل هذه العبارة إبراهيم؟ ولم يقلها ~~موسى؟ قالوا: لأن إبراهيم - عليه السلام - أول ما دعا دعا عمه آزر، فكيف ~~يطلب منه أجرا؟ وكذلك موسى - عليه السلام - أول دعوته دعا فرعون الذي ~~رباه في بيته، وله عليه فضل وجميل، فكيف يطلب منه أجرا، وقد قال له: # قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من ~~عمرك سنين # [الشعراء: 18]. لذلك لم تأت هذه المقولة على لسان أحد منهما. وقال: { ~~إن أجري إلا على رب العالمين } [الشعراء: 127] لأن ~~الرب هو الذي يتولى الخلق بالبذل والعطايا والإمداد. وقلنا: إن ~~عدم أخذ الأجر ليس زهدا فيه، إنما طمعا في أن يأخذ أجره من الله، لا ~~من الناس. ثم يتوجه إليهم ليصحح بعض المسائل الخاصة بهم: { ~~أتبنون بكل ريع... }. ### || [26.128] # وهذه خصوصية من خصوصيات قوم هود، والريع: هو المكان المرتفع، لذلك بعض ~~الناس يقولون: كم ريع بنائك؟ يعني: ارتفاعه كم مترا، فكأن الارتفاع ~~يثمن البقعة، ويطلق الريع على الارتفاع في كل شيء. وكلمة { آية.. } ~~[الشعراء: 128] بعد { أتبنون.. } [الشعراء: 128] تعني: القصور ~~العالية التي تعتبر آية في الإبداع وجمال العمارة والزخرفة والفخامة ~~والاتساع والرفعة في ms7140 العلو. وقال { تعبثون } [الشعراء: 128] ~~لأنهم لن يخلدوا في هذه القصور، ومع ذلك يشيدونها لتبقى أجيالا من ~~بعدهم، فعد هذا عبثا منهم لأن الإنسان يكفيه أقل بناء ليأويه فترة ~~حياته. أو { تعبثون } [الشعراء: 128] لأنهم كانوا يجلسون في شرفات ~~هذه القصور يصدون الناس، ويصرفونهم عن هود وسماع كلامه ودعوته التي ~~تلفتهم إلى منهج الحق. ونحن لم نر حضارة عاد، ولم نر آثارهم، كما ~~رأينا مثلا آثار الفراعنة في مصر لأن حضارة عاد طمرتها الرمال، وكانوا ~~بالجزيرة العربية في منطقة تسمى الآن بالربع الخالي لأنها منطقة من ~~الرمال الناعمة التي يصعب السير أو المعيشة بها، لكن لكي نعرف هذه ~~الحضارة نقرأ قوله تعالى في سورة الفجر: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 6-8]. وما دامت لم يخلق مثلها في البلاد، فهي أعظم من حضارة ~~الفراعنة التي نشاهدها الآن، ويفد إليها الناس من كل أنحاء العالم ~~ليشاهدوا الأهرام مثلا، وقد بنيت لتكون مجرد مقابر، ومع تقدم العلم في ~~عصر الحضارة والتكنولوجيا، ما زال هذا البناء محيرا للعلماء، لم ~~يستطيعوا حتى الآن معرفة الكثير من أسراره. ومن هذه الأسرار التي ~~اهتدوا إليها حديثا كيفية بناء أحجار الأهرام دون ملاط مع ضخامتها، ~~وقد توصلوا إلى أنها بنيت بطريقة تفريغ الهواء مما بين الأحجار، ~~وهذه النظرية تستطيع ملاحظتها حين تضع كوبا مبللا بالماء على المنضدة ~~مثلا، ثم تتركه فترة حتى يتبخر الماء من تحته، فإذا أردت أن ترفعه من ~~مكانه تجده قد لصق بالمنضدة. وليس عجيبا أن تختفي حضارة، كانت أعظم ~~حضارات الدنيا تحت طبقات الرمال، فالرمال حين تثور تبتلع كل ما أمامها، ~~حتى إنها طمرت قبيلة كاملة بجمالها ورجالها، وهذه هبة واحدة، فما بالك ~~بثورة الرمال، وما تسفوه الريح طوال آلاف السنين؟ وأنا واثق من أنهم إذا ~~ما نبشوا هذه الرمال وأزاحوها لوجدوا تحتها أرضا خصبة وآثارا عظيمة، ~~كما نرى الاكتشافات الأثرية الآن كلها تحت الأرض، وفي فيينا أثناء حفر ~~أحد خطوط المجاري هناك وجدوا آثارا ms7141 لقصور ملوك سابقين. وطالما أن الله ~~تعالى قال عن عاد: { أتبنون بكل ريع آية تعبثون } ~~[الشعراء: 128] فلا بد أن هناك قصورا ومباني مطمورة تحت هذه الرمال. ### || [26.129] # المصانع تطلق على موارد الماء، وتطلق على الحصون، لماذا؟ قالوا: لأن ~~الحصون لا تبنى للإيواء فقط لأن الإيواء يمنع الإنسان من هوام الحياة ~~العادية، أما الحصون فتمنعه أيضا من الأعداء الشرسين الذين يتربصون به، ~~فكأنهم جعلوها صنعة مثمرة، لماذا؟ { لعلكم تخلدون } [الشعراء: ~~129] يعني: أتبنون هذه الحصون هذا البناء القوي المسلح تريدون الخلود؟ ~~وهل أنتم مخلدون في الحياة؟ إن فترة مكث الإنسان في الدنيا يسيرة لا ~~تحتاج كل هذا التحصين، فهي كظل شجرة، سرعان ما يزول. ### || [26.130] # والبطش: الأخذ بشدة وبعنف، يقول تعالى: # إن بطش ربك لشديد # [البروج: 12] ويقول: # أخذ عزيز مقتدر # [القمر: 42]. لأن الأخذ يأخذ صورا متعددة: تأخذه بلين وبعطف وشفقة، ~~أو تأخذه بعنف. ثم يزيدهم صفة أخرى تؤكد بطشهم { بطشتم ~~جبارين } [الشعراء: 130]. لأنك قد تأخذ عدوك بعنف، لكن بعد ذلك ~~يرق له قلبك، فترحم ذلته لك، فتهون عليه وترحمه، لكن هؤلاء ~~جبارون لا ترق قلوبهم. وهذه الصفات الثلاثة السابقة لقوم هود: # أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون ~~مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم ~~جبارين # [الشعراء: 128-130]. هذه الصفات تخدم صفة التعالي، وتسعى إلى الوصول ~~إليه وكأنهم يريدون صفة العلو التي تقربهم من الألوهية لأنه لا أحد ~~أعلى من الحق سبحانه، ثم يريدون أيضا استدامة هذه الصفة واستبقاء ~~الألوهية: # لعلكم تخلدون # [الشعراء: 129]. وفي صفة البطش الشديد والجبارية يريدون التفرد على ~~الغير، والقرآن يقول: # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا في الأرض ولا فسادا.. # [القصص: 83]. فإن كنت تريد أداء الخدمة المنوطة بك في الحياة، فعليك ~~أن تؤديها، لا للتعالي لأن حينئذ ستأخذ حظك من العلو والغلبة في ~~دار الدنيا وتنتهي المسألة، أما إن فعلت وفي بالك ربك، وفي بالك أن ~~تيسر للناس مصالح الحياة، فإنك ترقي عملك وتثمره، ويظل لك أجره، ~~طالما وجد العمل ينتفع الناس به إلى أن تقوم الساعة، وهذا ms7142 أعظم تصعيد ~~لعمل الإنسان. ولم يفعل قوم عاد شيئا من هذا، إنما طلبوا العلو في ~~الأرض، وبطشوا فيها جبارين، لكن أيتركهم ربهم عز وجل يستمرون على هذه ~~الحال؟ إن من رحمة الله تعالى بعباده أن يذكرهم كلما نسوا، ~~ويوقظهم كلما غفلوا، فيرسل لهم الرسل المتوالين لأن الناس كثيرا ما ~~تغفل عن العهد القديم الذي أخذوه على أنفسهم: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون # [الأعراف: 172-173]. وقلنا: إن الحق - تبارك وتعالى - يضع المناعة في ~~خليفته في الأرض، ويعطيه المنهج الذي يصلحه، لكنه قد يغفل عن هذا المنهج ~~أو تغلبه نفسه، فينحرف عنه، والإنسان بطبيعته يحمل مناعة من الحق ضد ~~الباطل وضد الشر، فإن فسدت فيه هذه المناعة فعلى الآخر أن يذكره ~~ويوقظ فيه دواعي الخير. ومن هنا كان قوله تعالى: # وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3]. فإن وجدت أخاك على باطل فخذ بيده إلى الحق. ومعنى # وتواصوا.. # [العصر: 3] أي: تبادلوا التوصية، فكل منكم عرضة للغفلة، وعرضة ~~للانحراف عن المنهج، فإن غفلت أنا توصيني، وإن غفلت أنت أوصيك، وهذه ~~المناعة ليست في الذات الآن، إنما في المجتمع المؤمن، فمن رأى فيه ~~اعوجاجا قومه. # لكن ما الحال إن فسدت المناعة في الفرد وفسدت في المجتمع، فصار الناس ~~لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، كما قال تعالى عن بني إسرائيل: # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.. # [المائدة: 79]. وعندها لا بد أن يرسل رب العزة سبحانه برسول جديد، ~~ومعجزة جديدة توقظ الناس، وتعيدهم إلى جادة ربهم. ومن شرف أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم أن الله تعالى جعل المناعة في ذات نفوسها، فجعلهم الله ~~توابين، إن فعل أحدهم الذنب تاب ورجع، وإن لم يرجع وتمادى رده ~~المجتمع الإيماني وذكره. وهذه الصفة ملازمة لهذه الأمة إلى قيام ~~الساعة، كما ورد في الحديث: ms7143 # " الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة ". # لذلك لن يأتي فيها رسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن المناعة ~~ملازمة لها في الذات، وفي النفس اللوامة، وفي المجتمع الإيماني الذي لا ~~يعدم فيه الخير أبدا. لذلك يقول سبحانه: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.. # [آل عمران: 110]. وهذه صفة تفردت بها هذه الأمة عن باقي الأمم لذلك ~~يقول هود - عليه السلام - مذكرا لقومه وموقظا لهم: { فاتقوا ~~الله... }. ### || [26.131] # أي: أن ربكم - عز وجل - لم يترككم على ما أنتم عليه من الضلال تعبثون ~~بالآيات، وتتخذون مصانع تطلبون الخلود، وأنكم بطشتم جبارين، وها هو ~~يدعوكم: { فاتقوا الله وأطيعون } [الشعراء: 131] فتقوى الله ~~تعالى وطاعته كفيلة أن تذهب ماضيكم وتمحو ذنوبكم، بل وتبدله خيرا ~~وصلاحا # إن الحسنات يذهبن السيئات.. # [هود: 114]. وأنا حين أوصيكم بتقوى الله وطاعته، لا أوصيكم بهذا لصالحي ~~أنا، فلا أقول لكم، اتقوني أو أطيعوني ولن أنتفع من طاعتكم بشيء. كذلك ~~الحق - تبارك وتعالى - غني عنكم وعن طاعتكم لأن له سبحانه صفات الكمال ~~المطلق قبل أن يخلق الخلق، فهو سبحانه متصف بالخلق قبل أن يخلق، ~~وبالقدرة قبل أن يوجد المقدور عليه.. إلخ. إذن: فوجودكم لم يزد ~~شيئا في صفاته تعالى، وما كانت الرسالات إلا لمصلحتكم أنتم، فإذا لم ~~تطيعوا أوامر الله، وتأخذوا منهجه، لأنه يفيدكم فأطيعوه جزاء ما أنعم ~~عليكم من نعم لا تعد ولا تحصى، فالإنسان طرأ على كون أعد ~~لاستقباله وهيىء لمعيشته، وخلق له الكون كله: سماء، فيها الشمس ~~والقمر والنجوم والسحاب والمطر، وأرضا فيها الخصب والماء والهواء. هذا ~~كله قبل أن توجد أنت، فطاعتك لله - إذن - ليست تفضلا منك، إنما جزاء ~~ما قدم لك من نعم. وعجيب أن ترى هذه المخلوقات التي جعلت لخدمتك ~~أطول عمرا منك، فالإنسان قد يموت يوم مولده، وقد يعيش عدة أيام أو عدة ~~سنوات، أما الشمس مثلا فعمرها ملايين السنين، وهي تخدمك دون سلطان لك ~~عليها، ودون أن تتدخل أنت في حركتها. ثم يقول تعالى: { واتقوا ~~الذي ms7144 أمدكم... }. ### || [26.132] # لم تعدد الآية ما أمدنا الله به، وتركت لنا أن نعدده نحن لأننا ~~نعرفه جيدا ونعيشه، وندركه بكل حواسنا ومداركنا، فما من آلة عندك إلا ~~وتحت إدراكها نعمة لله، بل عدة نعم، فالعين ترى المناظر، والأذن تسمع ~~الأصوات، والأنف يشم الروائح، واليد تبطش.. إلخ. { أمدكم بما ~~تعلمون } [الشعراء: 132] فقولوا أنتم واشهدوا على أنفسكم وعددوا ~~نعم ربكم عليكم. ### || [26.133] # المراد بالأنعام: الضأن والماعز والإبل والبقر، ثمانية أزواج. ### || [26.134] # فإن قلت: فنحن نمر بديارهم، فلا نرى إلا خلاء تسفو فيه الرياح، ~~نعم لقد كانت لهم جنات وعيون هي الآن تحت أطباق التراب # هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا # [مريم: 98]. ### || [26.135] # أي: أن تقوى الله وطاعته لا تعد شكرا على نعمه فحسب، إنما أيضا ~~تكون لكم وقاية من عذاب الآخرة، فلا تظنوا أنكم أخذتم نعم الله، ثم ~~بإمكانكم الانفلات منه أو الهرب من لقائه، فلقاؤه حق لا مفر منه، ولا ~~مهرب، فإن لم تخف السابق من النعم، فخف اللاحق من النقم. فماذا ~~كان ردهم على مقالة نبيهم وموعظته لهم؟ { قالوا سوآء ~~علينآ... }. ### || [26.136] # وقولهم { أوعظت.. } [الشعراء: 136] دليل على أن الحق لا بد أن ~~يظهر، ولو على ألسنة المكابرين، ولا يكون الوعظ إلا لمن علم حكما، ثم ~~تركه، فيأتي الواعظ ليذكره به، فهو - إذن - مرحلة ثانية بعد التعليم، ~~فهذا القول منهم اعتراف ودليل أنهم علموا المطلوب منهم، ثم غفلوا عنه. ~~وهؤلاء يقولون لنبيهم { سوآء علينآ أوعظت أم لم تكن ~~من الواعظين } [الشعراء: 136] يعني: أرح نفسك، فسواء علينا وعظك ~~وعدم وعظك، ونلحظ أنهم قالوا: { أم لم تكن من الواعظين } ~~[الشعراء: 136] ولم يقولوا مثلا: سواء علينا أوعظت أم لم تعظ لأن ~~نفي الوعظ يثبت له القدرة عليه. إنما { لم تكن من ~~الواعظين } [الشعراء: 136] يعني: امتنع منك الوعظ نهائيا، وكأنهم ~~لا يريدون مسألة الوعظ هذه أبدا، حتى في المستقبل لن يسمعوا له. ### || [26.137] # إن: بمعنى ما النافية، يعني: ما هذا الذي جئت به إلا { خلق.. } ~~[الشعراء: 137] الأولين يعني: عادة من سبقوك واختلاقهم، ms7145 يقصدون الرسل ~~السابقين، كما قالوا: # لقد وعدنا هذا نحن وآبآؤنا من قبل إن هذآ ~~إلا أساطير الأولين # [النمل: 68]. وقالوا: # مآ أنتم إلا بشر مثلنا ومآ أنزل الرحمن من ~~شيء إن أنتم إلا تكذبون # [يس: 15]. فوصفوا نبيهم، ومن سبقوه من الرسل بالكذب والاختلاق وإيجاد ~~شيء لم يكن موجودا. والخلق: صفة ترسخ في النفس تصدر عنها الأفعال ~~بيسر وسهولة، والصفات التي يكتسبها الإنسان لا تعطي مهارة من أول ~~الأمر، بل تعطي مهارة بعد الدربة عليها، فتصير عند صاحبها كالحركة ~~الآلية لا تحتاج منه إلى مجهود أو معاناة. وسبق أن ضربنا مثلا بالصبي ~~الذي يتعلم مثلا الحياكة، وكم يعاني ويضربه معلمه في سبيل تعلم لضم ~~الخيط في الإبرة، حتى إذا ما تعلمها الصبي وأجادها تراه فعل ذلك ~~تلقائيا، ودون مجهود وربما وهو مغمض العينين. وأنت حينما تتعلم قيادة ~~السيارة مثلا لأول مرة، كم تعاني وتقع في أخطاء وأخطار؟ لكن بعد التدريب ~~والدربة تستطيع قيادتها بمهارة، وكأنها مسألة آلية، وكذلك الخلق ~~المعنوي، مثل هذه الدربة والآلية في الماديات. إذن: { خلق ~~الأولين } [الشعراء: 137] يعني: دعوى ادعوها جميعا - أي: الرسل. ~~وفي قراءة أخرى توجه للمرسل إليهم بفتح الخاء وسكون اللام خلق أي: ~~اختلاق والمعنى: نحن كمن سبقونا من الأمم لا نختلف عنهم: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون # [الزخرف: 23]. وهؤلاء السابقون قالوا: # ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنآ إلا الدهر.. # [الجاثية: 24]. فهذه الصفة أصبحت عندنا ثابتة متأصلة في النفس، فلا ~~تحاول زحزحتنا عنها، فالمراد: نحن مثل السابقين لا نؤمن بمسألة البعث، ~~فأرح نفسك، فلن يجدي معنا وعظك. ### || [26.138] # يقولونها صريحة ردا على قوله: # إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم # [الشعراء: 135]. ثم يقول الحق سبحانه: { فكذبوه ~~فأهلكناهم... }. ### || [26.139] # وكانت السماء قبل محمد صلى الله عليه وسلم تجعل الرسول يدلي بمعجزته، ~~أو يقول بمنهجه، لكن لا تطلب منه أن يؤدب المعاندين والمعارضين له ~~إنما تتولى السماء عنه هذه المهمة فتوقع بالمكذبين عذاب الاستئصال. ~~وقد أمنت أمة محمد صلى الله عليه وسلم من ms7146 عذاب الاستئصال، فمن كفر ~~برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا يأخذه الله كما أخذ المكذبين من ~~الأمم السابقة، إنما يقول سبحانه: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم.. # [التوبة: 14]. وكلمة { فأهلكناهم.. } [الشعراء: 139] كلمة ~~صادقة، لها دليل في الوجود نراه شاخصا، كما يقول الحق سبحانه: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 6-8]. نعم، كانت لهم حضارة بلغت القمة، ولم يكن لها مثيل، ~~ومع هذا كله ما استطاعت أن تصون نفسها، وأخذها الله أخذ عزيز مقتدر. ~~قال تعالى: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]. وقال: # فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا.. # [النمل: 52]. أي: أنها شاخصة أمامكم ترونها وتمرون عليها، وأنتم لم ~~تبلغوا مبلغ هذه الحضارة، فإذا كانت حضارتهم لم تمنعهم من أخذ الله ~~العزيز المقتدر، فينبغي عليكم أن تتنبهوا إلى أنكم أضعف منهم، وأن ما ~~حاق بالكافرين وما نزل بالمكذبين ليس ببعيد عن أمثالهم من الأمم ~~الأخرى. لذلك تجد الحضارات التي تتوارث في الكون كلها آلت إلى زوال، ~~ولم نجد منها حضارة بقيت من البداية إلى النهاية، ولو بنيت هذه ~~الحضارات على قيم ثابتة لكان فيها المناعة ضد الزوال. وقوله تعالى: { ~~إن في ذلك لآية.. } [الشعراء: 139] أي: في إهلاك هذه الحضارة ~~لأمر عظيم، يلفت الأنظار، ويدعو للتأمل: { وما كان أكثرهم ~~مؤمنين } [الشعراء: 139]. ### || [26.140] # قال { ربك.. } [الشعراء: 140] ولم يقل ربهم لأن منزلة المربي ~~تعظم في التربية بمقدار كمال المربى، فكأنه تعالى يقول: أنا ربك الذي ~~أكملت تربيتك على أحسن حال، فمن أراد أن يرى قدرة الربوبية فليرها في ~~تربيتك أنت، والمربى يبلغ القمة في التربية إن كان من رباه ~~عظيما. لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: # " أدبني ربي فأحسن تأديبي ". # إذن: فمن عظمة الحق - تبارك وتعالى - أن يعطي نموذجا لدقة تربيته ~~تعالى ولعظمة تكوينه، ولما يصنعه على عينه تعالى بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، فكأنه صلى الله عليه وسلم أكرم مخلوق مربى في الأرض لذلك قال { ~~ربك.. } [الشعراء: 140] ولم يقل: ms7147 ربهم مع أن الكلام ما يزال متعلقا ~~بهم. وقوله تعالى: { لهو العزيز الرحيم } [الشعراء: 140] ~~العزيز قلنا: هو الذي يغلب ولا يغلب، لكن لا تظن أن في هذه الصفة ~~جبروتا لأنه تعالى أيضا رحيم، ومن عظمة الأسلوب القرآني أن يجمع بين ~~هاتين الصفتين: عزيز ورحيم وكأنه يشير لنا إلى مبدأ إسلامي يربي ~~الإسلام عليه أتباعه، ألا وهو الاعتدال فلا تطغى عليك خصلة أو طبع أو ~~خلق، والزم الوسط لأن كل طبع في الإنسان له مهمة. وتأمل قول الله ~~تعالى في صفات المؤمنين: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.. # [المائدة: 54]. فالمسلم ليس مجبولا على الذلة ولا على العزة، إنما ~~الموقف هو الذي يجعله ذليلا، أو يجعله عزيزا، فالمؤمن يتصف بالذلة ~~والخضوع للمؤمنين، ويتصف بالعزة على الكافرين. ومن ذلك أيضا: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم.. # [الفتح: 29]. ومعلوم أن الرحمة في غير موضعها ضعف وخور، فمثلا ~~الوالد الذي يرفض أن يجري لولده جراحة خطرة فيها نجاته وسلامته خوفا ~~عليه، نقول له: إنها رحمة حمقاء وعطف في غير محله. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ كذبت ثمود... }. ### || [26.141] # بعد أن ذكر طرفا من قصة إبراهيم وموسى ونوح وهود عليهم السلام ذكر قصة ~~ثمود قوم صالح عليه السلام، وقد تكررت هذه اللقطات في عدة مواضع من كتاب ~~الله ذلك لأن القرآن في علاجه لا يعالج أمة واحدة في بيئة واحدة بخلق ~~واحد، إنما يعالج عالما مختلف البيئات ومختلف الداءات ومختلف المواهب ~~والميول. فلا بد أن يجمع الله له الرسل كلهم، ليأخذ من كل واحد منهم ~~لقطة لأنه سيكون منهجا للناس جميعا في كل زمان وفي كل مكان، أما ~~هؤلاء الرسل الذين جمعهم الله في سياق واحد فلم يكونوا للناس كافة، إنما ~~كل واحد منهم لأمة بعينها، ولقابل واحد في زمن مخصوص، ومكان مخصوص. لقد ~~بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليكون رسولا يجمع الدنيا كلها على نظام ~~واحد، وخلق واحد، ومنهج واحد، مع تباين بيئاتهم، وتباين داءاتهم ~~ومواهبهم. إذن: لا بد أن يذكر ms7148 الحق - تبارك وتعالى - لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم طرفا من سيرة كل نبي سبقه. لذلك قال سبحانه: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك.. # [هود: 120]. ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن في حاجة لأن ~~يثبت الله فؤاده مرة واحدة، إنما كلما تعرض لموقف احتاج إلى تثبيت، ~~فيثبته الله، يقول له: تذكر ما كان من أمر إبراهيم، وما كان من أمر ~~نوح وهود... إلخ فكان تكرار القصص لتكرار التثبيت، فالقصة في القرآن وإن ~~كانت في مجموعها مكررة، إنما لقطاتها مختلفة تؤدي كل منها معنى لا ~~تؤديه الأخرى. وهنا يقول سبحانه كما قال عن الأمم السابقة: { كذبت ~~ثمود المرسلين } [الشعراء: 141] لأن الرسل جميعا إنما جاءوا ~~بعقيدة واحدة، لا يختلف فيها رسول عن الآخر، وصدروا من مصدر واحد، هو ~~الحق تبارك وتعالى، ولا يختلف الرسل إلا في المسائل الاجتماعية والبيئية ~~التي تناسب كلا منهم. لذلك يقول تعالى: # إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح ~~والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى.. # [النساء: 163]. وقال تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. # [الشورى: 13]. ثم يقول الحق سبحانه: { إذ قال لهم أخوهم ~~صالح... }. ### || [26.142-144] # قال هنا أيضا: { أخوهم.. } [الشعراء: 142] ليرقق قلوبهم ~~ويحننها على نبيهم { ألا تتقون } [الشعراء: 142] قلنا: إنها ~~استفهام إنكاري. تعني: اتقوا الله، ففيها حث وحض على التقوى، فحين ~~تنكر النفي، فإنك تريد الإثبات. ولما كانت التقوى تقتضي وجود منهج نتقي ~~الله به، قال: { إني لكم رسول أمين } [الشعراء: 143] وما ~~دمت أنا رسول أمين لن أغشكم { فاتقوا الله وأطيعون } ~~[الشعراء: 144] وكرر الأمر بالتقوى مرة أخرى، وقرنها بالطاعة. ### || [26.145] # فكأن العمل الذي أقدمه من أجلكم - في عرف العقلاء - يستحق أجرا، ~~فالعامل الذي يعمل لكم شيئا جزئيا من مسائل الدنيا يزول وينتهي يأخذ ~~أجرا عليه، أما أنا فأقدم لكم عملا يتعدى الدنيا إلى الآخرة، ويمد ~~حياتك بالسعادة في الدنيا والآخرة، فأجري ms7149 - إذن - كبير لذلك لا أطلبه ~~منكم إنما من الله. ### || [26.146] # يريد أن يوبخهم: أتظنون أنكم ستخلدون في هذا النعيم، وأنتم آمنون، ~~أو أنكم تأخذون نعم الله، ثم تفرون من حسابه، كما قال سبحانه: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون # [المؤمنون: 115]. فمن ظن ذلك فهو مخطىء قاصر الفهم لأن الأشياء التي ~~تخدمك في الحياة لا تخدمك بقدرة منك عليها، فأنت لا تقدر على الشمس ~~فتأمرها أن تشرق كل يوم، ولا تقدر على السحاب أن ينزل المطر، ولا تقدر ~~على الأرض أن تعطيها الخصوبة لتنبت، ولا تقدر على الهواء الذي تتنفسه.. ~~إلخ وهذه من مقومات حياتك التي لا تستطيع البقاء بدونها. وكان من ~~الواجب عليك أن تتأمل وتفكر: من الذي سخرها لك، وأقدرك عليها؟ كالرجل ~~الذي انقطع في الصحراء وفقد دابته وعليها طعامه وشرابه حتى أشرف على ~~الهلاك، ثم أخذته سنة أفاق منها على مائدة عليها أطايب الطعام والشراب، ~~بالله، أليس عليه قبل أن تمتد يده إليها إن يسأل نفسه: من أعد لي ~~هذه المائدة في هذا المكان. كذلك أنت طرأت على هذا الكون وقد أعد لك ~~فيه كل هذا الخير، فكان عليك أن تنظر فيه، وفيمن أعده لك. فإذا جاءك ~~رسول من عند الله ليحل لك هذا اللغز، ويخبرك بأن الذي فعل كل هذا هو ~~الله، وأن من صفات كماله كذا وكذا، فعليك أن تصدقه. لأنه إما أن يكون ~~صادقا يهديك إلى حل لغز حار فيه عقلك، وإما هو كاذب - والعياذ بالله ~~وحاشا لله أن يكذب رسول الله على الله - فإن صاحب هذا الخلق عليه أن يقوم ~~ويدافع عن خلقه. ويقول: هذا الرسول مدع وكاذب، وهذا الخلق لي: ~~فإذا لم يقم للخلق مدع فقد ثبتت القضية لله تعالى إلى أن يظهر ~~من يدعيها لنفسه. ### || [26.147] # وقوله تعالى: { في جنات وعيون } [الشعراء: 147] امتداد للآية ~~السابقة، يعني: لا تظنوا أن هذا يدوم لكم. وجنات: جمع جنة، وهي المكان ~~المليء بالخيرات، وكل ما يحتاجه الإنسان، أو هي المكان الذي إن سار فيه ms7150 ~~الإنسان سترته الأشجار لأن جن يعني ستر. كما في قوله تعالى: # فلما جن عليه اليل.. # [الأنعام: 76] أي: ستره. ومنه الجنون. ويعني: ستر العقل. وكذلك الجنة، ~~فهي تستر عن الوجود كله، وتغنيك عن الخروج منها إلى غيرها، ففيها كل ما ~~تتطلبه نفسك، وكل ما تحتاجه في حياتك. ومن ذلك ما نسميه الآن قصرا لأن ~~فيه كل ما تحتاجه بحيث يقصرك عن المجتمع البعيد. وقال بعدها: { وعيون ~~} [الشعراء: 147] لأن الجنة تحتاج دائما إلى الماء، فقال { وعيون } ~~[الشعراء: 147] ليضمن بقاءها. ثم يقول الحق سبحانه: { وزروع ونخل ~~طلعها... }. ### || [26.148] # النخل من الزروع، لكن خص النخل بالذكر، لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم اهتم به، وشبهه بالمؤمن في الحديث: # " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها " # قال الراوي: فوقع الناس في شجر البوادي، ولم يهتدوا إليها، فلما خرج عمر ~~وابنه عبد الله قال: يا أبي، لقد وقع في ظني أنها النخلة لأنها مثل ~~المؤمن كل ما فيه خير. نعم لو تأملت النخلة لوجدت أن كل شيء فيها نافع، ~~وله مهمة، وينتفع الزارع به، ولا يلقى منها شيء مهما كان بسيطا. ~~فالجذوع تصنع منها السواري والأعمدة، وتسقف بها البيوت قبل ظهور ~~الخرسانة، ومن الجريد يصنعون الأقفاص، والجزء المفلطح من الجريدة ويسمى ~~القحف والذي لا يصلح للأقفاص كانوا يجعلونه على شكل معين، فيصير مقشة ~~يكنسون بها المنازل. ومن الليف يصنعون الحبال، ويجعلونه في تنجيد الكراسي ~~وغيرها، حتى الأشواك التي تراها في جريد النخل خلقه الله لحكمة وبقدر ~~لأنها تحمي النخلة من الفئران أثناء إثمارها، والليف الذي ينمو بين أصول ~~الجريد جعله الله حماية للنخلة، وهي في طور النمو، وما تزال غضة طرية، ~~فلا يحمي بعضها على بعض. إذن: هي شجرة خيرة كالمؤمن، وقد تم أخيرا في ~~أحد البحوث أن أخذوا الجزء الذي يسمى بالقحف، وجعلوه في تربة مناسبة، ~~فأنبتوا منه نخلة جديدة. لذلك لما قال ابن عمر: إنها النخلة. ذهب عمر إلى ~~رسول الله، وحكى له مقالة ولده، فقال صلى الله عليه وسلم: " صدق ولدك " ~~فقال ms7151 عمر: فوالله ما يسرني أن فطن ولدي إليها أن لي حمر النعم. والذين ~~يزرعون النخيل يرون فيه آيات وعجائب دالة على قدرة الله تعالى. ومعنى ~~{ طلعها هضيم } [الشعراء: 148] الطلع: هو الكوز الذي تخرج منه ~~الشماريخ في الأنثى ويخرج منه المادة المخصبة في الذكر، والتي قال الله ~~عنها: # قنوان دانية.. # [الأنعام: 99]. وفي الذكر يخرج من الكوز المادة المخصبة للنخلة، ~~وللقنوان أو الشماريخ أطوار في النمو يسمونه الخلا، فيظل ينمو ويكبر ~~إلى أن يصل إلى نهايته حدا حيث يجمد على هذه الحالة، ويكتمل نموه ~~الحجمي، ثم تبدأ مرحلة اللون. يقولون عفر النخل: يعني شاب خضرته حمرة ~~أو صفرة. فإذا اكتمل احمرار الأحمر واصفرار الأصفر، يسمى بسر ثم يتحول ~~البسر إلى الرطب حيث تلين ثمرته وتنفصل قشرته، فإن كان الجو جافا ~~فإن الرطب ييبس، ويتحول إلى التمر حيث تتبخر مائيته، وتتماسك ~~قشرته، وتلتصق به. ومعنى { هضيم } [الشعراء: 148] يعني: غض ~~ورطب طري، وهذا يدل على خصوبة الأرض، ومنه هضم الطعام حتى يصير ~~لينا مستساغا. ثم يقول الحق سبحانه: { وتنحتون من ~~الجبال... }. ### || [26.149] # وحين تذهب إلى مدائن صالح تجد البيوت منحوتة في الجبال كما ينحتون الآن ~~الأنفاق مثلا، لا يبنونها كما نبني بيوتنا، ومعنى { فارهين } ~~[الشعراء: 149] الفاره: النشط القوي ظاهر الموهبة، يقولون: فلان فاره في ~~كذا يعني ماهر فيه، نشط في ممارسته. ### || [26.150-151] # المسرف: هو الذي يتجاوز الحد، وتجاوز الحد له مراحل لأن الله تعالى ~~أحل أشياء، وحرم أشياء، وجعل لكل منهما حدودا مرسومة، فالسرف فيما ~~شرع الله أن تتجاوز الحلال، فتدخل فيه الحرام. أو: يأتي الإسراف في ~~الكسب فيدخل في كسبه الحرام. وقد يلزم الإنسان نفسه بالحلال في ~~الكسب، لكن يأتي الإسراف في الإنفاق فينفق فيما حرمه الله. إذن: يأتي ~~الإسراف في صور ثلاثة: إما في الأصل، وإما في الكسب، وإما في الإنفاق. ~~ونلحظ أن الحق - تبارك وتعالى - حينما يكلمنا عن الحلال، يقول سبحانه: # تلك حدود الله فلا تعتدوها.. # [البقرة: 229]. أما في المحرمات فيقول سبحانه: # تلك حدود الله فلا تقربوها.. # [البقرة: 187] أي: ابتعد عنها ms7152 لأنك لا تأمن الوقوع فيها، ومن حام حول ~~الحمى يوشك أن يقع فيه. فلم يقل الحق سبحانه مثلا: لا تصلوا وأنتم ~~سكارى. إنما قال: # لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى.. # [النساء: 43]. والمعنى: خذ الحلال كله، لكن لا تتعداه إلى المحرم، ~~أما المحرم فاحذر مجرد الاقتراب منه لأن له دواعي ستجذبك إليه. ونقف ~~عند قوله تعالى: { ولا تطيعوا أمر المسرفين } [الشعراء: ~~151] حيث لم يقل: ولا تسرفوا، وكأن ربنا - عز وجل - يريد أن يوقظ ~~غفلتنا وينبهنا ويحذرنا من دعاة الباطل الذين يزينون لنا ~~الإسراف في أمور حياتنا، ويهونون علينا الحرام يقولون: لا بأس في هذا، ~~ولا مانع من هذا، وهذا ليس حرام. ربنا يعطينا المناعة اللازمة ضد هؤلاء ~~حتى لا ننساق لضلالالتهم. لذلك جاء في الحديث الشريف: # " استفت قلبك، واستفت نفسك، وإن أفتوك، وإن أفتوك، وإن أفتوك ". # وفي هذا دليل على أنه سيأتي أناس يفتون بغير علم، ويزينون للناس ~~الباطل، ويقنعونهم به. والفتوى من الفتوة والقوة، ومنه قوله تعالى: # قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم # [الأنبياء: 60]. وقوله تعالى: # إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى # [الكهف: 13]. كذلك الفتوى تعني: القوة في أمر الدين والتمكن من مسائله ~~وقضاياه، وإن كانت القوة المادية في أمر الدنيا لها حد تنتهي عنده ~~فإن القوة في أمر الدين لا تنتهي إلى حد، لأن الدين أمده واسع، ~~وبحره لا ساحل له. والقوة نعرفها في أي ناحية من النواحي، لكن قوة القوى ~~هي القوة في أمر الدين. نقول: فلان فتي يعني: قوي بذاته، وأفتاه فلان ~~أي: أعطاه القوة، كأنه كان ضعيفا في حكم من أحكام الشرع، فذهب إلى ~~المفتي فأفتاه يعني: أعطاه فتوة في أمر الدين. مثل قولنا: غني فلان أي: ~~بذاته، وأغناه أي: غيره، كما يقول سبحانه: # وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله.. # [التوبة: 74]. إذن: فمهمة المفتي أن يقوي عقيدتي، لا أن يسرف لي في ~~أمر من أمور الدين، أو يهون علي ما حرم الله فيجرئني عليه، وعلى ~~المفتي أن يتحرى الدقة في فتواه خاصة في ms7153 المسائل الخلافية التي يقول ~~البعض بحلها، والبعض بحرمتها، يقف عند هذه المسائل وينظر فيها رأي ~~الإسلام المتمثل في الحديث الشريف: # " الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن ترك ما ~~شبه له - لا من فعل ما شبه له يعني على الأقل نترك ما فيه شبهة - ~~فقد استبرأ لدينه - إن كان متدينا - وعرضه - إن لم يكن متدينا ". # إذن: من لم يقف هذا الموقف ويترك ما فيه شبهة لم يستبرىء لدينه ولا ~~لعرضه. ومن لم يفت على هذا الأساس من العلماء فإنما يضعف أمر ~~الدين لا يقويه، وبدل أن نقول: أفتاه. نقول: أضعفه. ### || [26.152] # فوصف المسرفين بأنهم مفسدون في الأرض غير مصلحين، كأن الأرض خلقها ~~الخالق - عز وجل - على هيئة الصلاح في كل شيء، لكن يفسدها الإنسان ~~بتدخله في أمورها لذلك سبق أن قلنا: إنك لو نظرت إلى الكون من حولك ~~لوجدته على أحسن حال، وفي منتهى الاستقامة، طالما لا تتناوله يد الإنسان، ~~فإن تدخل الإنسان في شيء ظهرت فيه علامات الفساد. ولا يعني هذا ألا ~~يتدخل الإنسان في الكون، لا إنما يتدخل على منهج من خلق فيزيد الصالح ~~صلاحا، أو على الأقل يتركه على صلاحه لا يفسده، فإن تدخل على غير هذا ~~المنهج فلا بد له أن يفسد. فحين تمر مثلا ببئر ماء يشرب منه الناس، ~~فإما أن تصلح من حاله وتزيده ميزة وتيسر استخدامه على الناس، كأن ~~تبني له حافة، أو تجعل عليه آلة رفع تساعد الناس، أو على الأقل تتركه ~~على حاله لا تفسده لذلك يقول تعالى: # وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل والله لا يحب الفساد # [البقرة: 205]. أما هؤلاء القوم فلم يكتف القرآن بوصفهم بالفساد وحسب، ~~إنما أيضا هم { ولا يصلحون } [الشعراء: 152] ذلك لأن الإنسان قد ~~يفسد في شيء، ويصلح في شيء، إنما هؤلاء دأبهم الفساد، ولا يأتي منهم ~~الصلاح أبدا. ونكبة الوجود من الذين يصنعون أشياء يرونها في ظاهرها ~~صلاحا، وهي عين الفساد لأنهم لم يأخذوها بكل تقنيناتها القيمية، وانظر ~~مثلا إلى المبيدات ms7154 الحشرية التي ابتكروها وقالوا: إنها فتح علمي، وسيكون ~~لها دور كبير في القضاء على دودة القطن وآفات الزرع، وبمرور الزمن أصبحت ~~هذه المبيدات وبالا على البشرية كلها، كيث تسمم الزرع وتسمم ~~الحيوان، وبالتالي الإنسان، حتى الماء والتربة والطيور، لدرجة أنك ~~تستطيع القول أنها أفسدت الطبيعة التي خلقها الله. وفي هؤلاء قال تعالى: # قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل ~~سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا # [الكهف: 103-104]. ثم يقول الحق سبحانه: { قالوا إنمآ أنت... ~~}. ### || [26.153] # { المسحرين } [الشعراء: 153] جمع مسحر، وهي صيغة مبالغة تدل ~~على وقوع السحر عليه أكثر من مرة، نقول: مسحور يعني: مرة واحدة ومسحر ~~يعني عدة مرات، ومن ذلك قوله تعالى عن ملأ فرعون أنهم قالوا له: # وابعث في المدآئن حاشرين * يأتوك بكل سحار ~~عليم # [الشعراء: 36-37]. ولم يقل: بكل ساحر، إنما سحار يعني: هذه مهنته، ~~وكما تقول: ناجر ونجار، وخائط وخياط. وإن كان بعضهم قال عن نبيهم: # إن تتبعون إلا رجلا مسحورا # [الإسراء: 47] فهؤلاء يقولون لنبيهم { إنمآ أنت من ~~المسحرين } [الشعراء: 153] وعجيب أمر أهل الباطل لأنهم يتخبطون في ~~هجومهم على الأنبياء، فمرة يقولون: ساحر. ومرة يقولون: مسحور، كيف ~~والساحر لا يكون مسحورا لأنه على الأقل يستطيع أن يحمي نفسه من السحر. ~~قالوا: بل المراد بالمسحور اختلاط عقله، حتى إنه لا يدري ما يقول. ثم إن ~~نبيكم صالحا - عليه السلام - إن كان مسحورا فمن سحره؟ أنتم أم ~~أتباعه؟ إن كان سحره منكم فأنتم تقدرون على كف سحركم عنه، حتى يعود ~~إلى طبيعته، وترونه على حقيقته، وإن كان من أتباعه، لا بد أنهم ~~سيحاولون أن يعينوه على مهمته، لا أن يقعدوه عنها. إذن: فقولهم لنبيهم: ~~{ إنمآ أنت من المسحرين } [الشعراء: 153] يريدون أن ~~يخلصوا إلى عدم اتباعه هو بالذات، فهم يريدون تدينا على حسب ~~أهوائهم، يريدون عبادة إله لا تكليف له ولا منهج. كالذين يعبدون الأصنام ~~وهم سعداء بهذه العبادة، لماذا؟ لأن آلهتهم لا تأمرهم بشيء ولا تنهاهم عن ~~شيء. لذلك، فكل الدجالين ومدعو النبوة رأيناهم يخففون ms7155 التكاليف عن ~~أتباعهم، فقديما أسقطوا عن الناس الزكاة، وحديثا أباحوا لهم الاختلاط، ~~فلا مانع لديهم من الالتقاء بالمرأة والجلوس معها ومخاطبتها والخلوة ~~بها والرقص معها، وماذا في ذلك ونحن في القرن الحادي والعشرين؟ فإن ~~قالوا: ساحر، نرد عليهم نعم هو ساحر، قد سحر من آمنوا به، فلماذا لم ~~يسحركم أنتم وتنتهي هذه المسألة؟ إذن: هذه تهم لا تستقيم، لا هو ساحر، ~~ولا هو مسحور، إنه مجرد كذب وافتراء على أنبياء الله، وعلى دعاة الخير في ~~كل زمان ومكان. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { مآ أنت إلا بشر ~~مثلنا... }. ### || [26.154] # وقولهم: { مآ أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت ~~من الصادقين } [الشعراء: 154] إذن: فوجه اعتراضهم أن يكون النبي ~~بشرا، كما قال سبحانه في آية أخرى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. ولو بعث الله لهم ملكا لجاءهم على صورة بشر، وستظل ~~الشبهة قائمة، فمن يدريكم أن هذا البشر أصله ملك؟ # ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9]. فالمعنى: ما دام أن الرسول بشر، لا يمتاز علينا في شيء ~~فنريد منه أن يأتينا بآية يعني: معجزة تثبت لنا صدقه في البلاغ عن ~~ربه { إن كنت من الصادقين } [الشعراء: 154]. ونلحظ أن الحق - ~~تبارك وتعالى - ينتهز فرصة طلبهم لآية ومعجزة، فأسرع إليهم بما طلبوا، ~~ليقيم عليهم الحجة، فقال بعدها: { قال هذه ناقة... }. ### || [26.155] # هذا إجابة لهم لأنهم طلبوا من نبيهم أن يخرج لهم من الصخرة ناقة تلد ~~سقبا لا يكون صغيرا كولد الناقة، إنما تلد سقبا في نفس حجمها، ~~فأجابهم { قال هذه ناقة لها شرب.. } [الشعراء: 155] ~~يعني: يوم تشرب فيه، لا يشاركها في شربها شيء من مواشيكم. { ولكم ~~شرب يوم معلوم } [الشعراء: 155] أي: تشربون فيه أنتم، وكانت ~~الناقة تشرب من الماء في يومها ما تشربه كل مواشيهم في يومهم، وهذه ~~معجزة في حد ذاتها. ثم يقول الحق سبحانه: { ولا تمسوها ~~بسوء فيأخذكم... }. ### || [26.156] # يخبر الحق سبحانه رسوله بما سيكون، وأن ms7156 القوم لن يتركوا هذه الآية، إنما ~~سيتعرضون لها بالإيذاء، فقال: { ولا تمسوها بسوء.. } ~~[الشعراء: 156] لكنهم تعدوا مجرد الإيذاء والإساءة فعقروها. ثم ~~يتوعدهم: { فيأخذكم عذاب يوم عظيم } [الشعراء: 156]. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { فعقروها فأصبحوا... }. ### || [26.157] # قال عقروها بصيغة الجمع، فهل اشتركت كل القبيلة في عقرها؟ لا بل ~~عقرها واحد منهم، هو قدار بن سالف، لكن وافقه الجميع على ذلك، وساعدوه، ~~وارتضوا هذا الفعل، فكأنهم فعلوا جميعا لأنه استشارهم فوافقوا. { ~~فأصبحوا نادمين } [الشعراء: 157] وقال العلماء: الندم مقدمة ~~التوبة. ثم يقول الحق سبحانه: { فأخذهم العذاب إن في ~~ذلك... }. ### || [26.158] # فإن قلت: كيف يأخذهم العذاب وقد ندموا، والندم من مقدمات التوبة؟ ~~نعم، الندم من مقدمات التوبة، لكن توبة هؤلاء من التوبة التي قال الله ~~عنها: # وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى ~~إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن.. # [النساء: 18]. إذن: ندموا وتابوا في غير أوان التوبة، أو: أنهم أصبحوا ~~نادمين لا ندم توبة من الذنب، إنما نادمون لأنهم يخافون العذاب الذي ~~هددهم الله به إن فعلوا. ثم تختم هذه القصة بهذا التذييل الذي عرفناه ~~من قبل مع أمم أخرى مكذبة: { وإن ربك لهو العزيز... }. ### || [26.159] # عزيز: يغلب ولا يغلب، ومع ذلك هو رحيم في غلبه. ثم ينتقل الحق ~~سبحانه إلى قصة أخرى من مواكب الأنبياء والرسل: { كذبت قوم ~~لوط... }. ### || [26.160-161] # فقال هنا أيضا { أخوهم.. } [الشعراء: 161] لأنه منهم ليس غريبا ~~عنهم، وليحنن قلوبهم عليه { ألا تتقون } [الشعراء: 161] إنكار ~~لعدم التقوى، وإنكار النفي يطلب الإثبات فكأنه قال: اتقوا الله. ### || [26.162-164] # وهكذا كانت مقالة لوط عليه السلام كما قال إخوانه السابقون من الرسل ~~لأنهم يصدرون جميعا عن مصدر واحد. ثم يخص الحق سبحانه قوم لوط لما ~~اشتهروا به وكان سببا في إهلاكهم: { أتأتون الذكران... }. ### || [26.165] # فكأنها مسألة وخصلة تفردوا بها دون العالم كله. لذلك قال في موضع آخر: # أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين # [الأعراف: 80]. أي: أن هذه المسألة لم تحدث من قبل لأنها عملية مستقذرة ~~لأن الرجل إنما يأتي الرجل في محل ms7157 القذارة، ولكنهم فعلوها، فوصفه لها ~~بأنها لم يأتها أحد من العالمين جعلها مسألة فظيعة للغاية. ### || [26.166] # يعني: كان عندكم مندوحة عن هذه الفعلة النكراء بما خلق الله لكم من ~~أزواجكم من النساء، فتصرفون هذه الغريزة في محلها، ولا تنقلونها إلى ~~الغير. أو { وتذرون ما خلق لكم ربكم من ~~أزواجكم.. } [الشعراء: 166] أي: أنهم كانوا يباشرون هذه المسألة ~~أيضا مع النساء في غير محل الاستنبات، فقوله تعالى: # نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم.. # [البقرة: 223]. البعض يظنها على عمومها وأن # أنى شئتم.. # [البقرة: 223] تعطيهم الحرية في هذه المسألة، إنما الآية محددة بمكان ~~الحرث واستنبات الولد، وهذا محله الأمام لا الخلف. لذلك قال بعدها: { ~~بل أنتم قوم عادون } [الشعراء: 166] والعادي هو الذي شرع له ~~شيء يقضي فيه إربته، فتجاوزه إلى شيء آخر حرمه الشرع. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { قالوا لئن لم تنته... }. ### || [26.167] # أي: إن لم تنته عن ملامنا ومعارضتنا فيما نفعله من هذه العملية { ~~لتكونن من المخرجين } [الشعراء: 167] كما قالوا في آية ~~أخرى: # أخرجوا آل لوط من قريتكم.. # [النمل: 56] أي: لا مكان لهم بيننا، لكن لماذا؟ # إنهم أناس يتطهرون # [النمل: 56] سبحان الله جريمتهم أنهم يتطهرون، ولا مكان للطهر بين ~~هؤلاء القوم الأراذل. ثم يقول الحق سبحانه عن لوط: { قال إني ~~لعملكم... }. ### || [26.168] # وفرق بين كوني لا أعمل العمل، وكوني أكره من يعمله، فالمعنى: أنا ~~لا أعمل هذا العمل، إنما أيضا أكره من يعمله، وهذا مبالغة في إنكاره ~~عليهم. ثم يقول لوط: { رب نجني وأهلي... }. ### || [26.169-171] # لم يملك لوط عليه السلام أمام عناد قومه وإصرارهم على هذه الفاحشة إلا ~~أن يدعو ربه بالنجاة له ولأهله، فأجابه الله تعالى { إلا عجوزا ~~في الغابرين } [الشعراء: 171]. والمراد: امرأته التي قال الله في ~~حقها: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط.. # [التحريم: 10]. فجعلها الله - عز وجل - مثالا للكفر والعياذ بالله لذلك ~~لم تكن من الناجين، ولم تشملها دعوة لوط عليه السلام، وكانت من ~~الغابرين. يعني: الهالكين. ### || [26.172-173] # { الآخرين } [الشعراء: 172] أي: الذين لم يؤمنوا بدعوته، ولم ms7158 ينتهوا ~~عن هذه الفاحشة، ثم بين نوعية هذا التدمير، فقال: { وأمطرنا ~~عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين } [الشعراء: 173] ولما ~~كان المطر من أسباب الخير وعلامات الرحمة، حيث ينزل الماء من السماء، ~~فيحيي الأرض بعد موتها، وصف الله هذا المطر بأنه { فسآء مطر ~~المنذرين } [الشعراء: 173] فهو ليس مطر خير ورحمة، إنما مطر عذاب ~~ونقمة. كماء جاء في آية أخرى: # فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا ~~هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح ~~فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها.. # [الأحقاف: 24-25]. وهذا يسمونه يأس بعد إطماع، وهو أبلغ في العذاب ~~والإيلام، حين تستشرف للخير فيفاجئك الشر، وسبق أن أوضحنا هذه المسألة ~~بالسجين الذي يطلب من الحارس شربة ماء، ليروي بها عطشه، فلو حرمه ~~الحارس من البداية لكان الأمر هينا لكنه يحضر له كوب الماء، حتى إذا ~~جعله على فيه أراقه على الأرض، فهذا أشد وأنكى لأنه حرمه بعد أن أطمعه، ~~وهذا عذاب آخر فوق عذاب العطش. وفي لقطة أخرى بين ماهية هذا المطر، ~~فقال: # فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ~~وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * ~~مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد # [هود: 82-83]. فالحجارة من # سجيل.. # [هود: 82] أي: طين حرق حتى تحجر وهي # مسومة.. # [هود: 83] يعني: معلمة بأسماء أصحابها، تنزل عليهم بانتظام، كل حجر ~~منها على صاحبه. وبجمع اللقطات المتفرقة تتبين معالم القصة كاملة. ### || [26.174-175] # وتختم القصة بنفس الآيات التي ختمت بها القصص السابقة من قصص ~~المكذبين المعاندين. ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى قوم آخرين كذبوا رسولهم ~~شعيبا: { كذب أصحاب الأيكة... }. ### || [26.176] # الأيكة: هي المكان الخصب الذي بلغ من خصوبته أن تلتف أشجاره، ~~وتتشابك أغصانها، وقال هنا أيضا { المرسلين } [الشعراء: 176] مع ~~أنهم ما كذبوا إلا رسولهم لأن تكذيب رسول واحد كتكذيب كل الرسل ~~لأنهم جميعا جاءوا بمنهج واحد في العقيدة والأخلاق. ### || [26.177-180] # نلحظ اختلاف الأسلوب هنا، مما يدل على دقة الأداء القرآني، فلم يقل: ~~أخوهم شعيب، كما قال في نوح وهود وصالح ولوط، ذلك لأن شعيبا ms7159 عليه السلام ~~لم يكن من أصحاب الأيكة، إنما كان غريبا عنهم. وباقي الآيات متفقة ~~تماما مع من سبقه من إخوانه الرسل لأن الوحدة في المنهج العقدي أنتجت ~~الوحدة في علاج المنهج لذلك قرأنا هذه الآيات عند كل الرسل الذين سبق ~~ذكرهم. ثم يأخذ في تفصيل الأمر الخاص بهم لأن كل أمة من الأمم التي جاءها ~~رسول من عند الله إنما جاء ليعالج داء خاصا تفشى بها، وكانت الأمم من ~~قبل منعزلة، بعضها عن بعض، ولا يوجد بينها وسائل اتصال تنقل هذه الداءات ~~من أمة لأخرى. فهؤلاء قوم عاد، وكان داءهم التفاخر بالبناء والتعالي ~~على الناس، فجاء هود - عليه السلام - ليقول لهم: # أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون ~~مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم ~~جبارين # [الشعراء: 128-130]. وثمود كان داءهم الغفلة والانصراف بالنعمة عن ~~المنعم، فجاء صالح - عليه السلام - يقول لهم: # أتتركون في ما هاهنآ آمنين * في جنات وعيون * ~~وزروع ونخل طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال ~~بيوتا فارهين # [الشعراء: 146-149]. أما قوم لوط - عليه السلام - فقد تفردوا بفاحشة ~~لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، وهي إتيان الذكران، فجاء لوط - عليه ~~السلام - ليمنعهم ويدعوهم إلى التوبة والإقلاع: # أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق ~~لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون # [الشعراء: 165-166]. أما أصحاب الأيكة، فكان داءهم أن يطففوا ~~المكيال والميزان، فجاء شعيب - عليه السلام - ليقول لهم: { أوفوا ~~الكيل ولا تكونوا... }. ### || [26.181-182] # الكيل: آلة تقدر بها الأشياء التي تكال، ووحدته: كيلة أو قدح أو ~~أردب. والميزان كذلك: آلة يقدر بها ما يوزن. ومعنى { ولا ~~تكونوا من المخسرين } [الشعراء: 181] المخسر: هو الذي يتسبب ~~في خسارة الطرف الآخر في مسألة الكيل، بأن يأخذ بالزيادة، وإن أعطى ~~يعطي بالنقصان. وفي الوزن قال { بالقسطاس المستقيم } ~~[الشعراء: 182]. والقسطاس: يعني العدل المطلق في قدرة البشر وإمكاناتهم ~~في تحري الدقة في الوزن، مع مراعاة اختلاف الموزونات، فوزن الذهب غير ~~وزن التفاح مثلا، غير وزن العدس أو السمسم، فعليك أن تتحرى الدقة ~~قدر إمكانك، لتحقق هذا القسطاس المستقيم. ms7160 لكن، لماذا خص الكيل والوزن ~~من وسائل التقدير والتقييم، ولم يذكر مثلا القياس في المساحات والمسافات ~~بالمتر أو بالذراع؟ قالوا: لأن الناس قديما - وكانت أمما بدائية - لا ~~تتعامل فيما يقاس، فلا يشترون القماش مثلا: لأنه يغزل، تغزله النساء ~~ويغزله الرجال، ولم يكن أحد يغزل لأحد أو يبيع له، فهذه صورة حضارية ~~رأيناها فيما بعد. وقديما، كان الناس يتعاملون بالتبادل والمقايضة، وفي ~~هذه الحالة لا يوجد بائع على حدة ولا مشتر على حدة، فلا يتفرد ~~البائع بالبيع، والمشتري بالشراء، إلا في حالة مبادلة السلعة بثمن، كما ~~قال تعالى: # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة.. # [يوسف: 20] أي: باعوه. أما في حالة المقايضة، فأنت تأخذ القمح تأكله، ~~وأنا آخذ التمر آكله، فالانتفاع هنا انتفاع مباشر بالسلعة، فإن قدرت ~~أن كل واحد في الصفقة بائع ومشتر. تقول: شرى وباع. وإن قدرت ~~الأثمان التي لا ينتفع بها انتفاعا مباشرا كالذهب والفضة، أو أي معدن ~~آخر، وهذه الأشياء لا تؤكل فهي ثمن، أما الأشياء الأخرى فصالحة أن تكون ~~سلعة، وصالحة لأن تكون ثمنا. وقد أفرد القرآن الكريم سورة مخصوصة ~~لمسألة الكيل والميزان هي " سورة المطففين " ، يقول سبحانه: # ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون # [المطففين: 1-3]. نقول: كال له يعني: أعطاه، واكتال عليه يعني: أخذ منه. ~~فإن أخذ أخذ وافيا، وإن أعطى أعطى بالنقص والخسارة. والقرآن لا ينعى ~~عليه أن يستوفى حقه، لكن ينعى عليه أن ينقص من حق الآخرين، ولو شيئا ~~يسيرا. فمعنى المطففين من الشيء الطفيف اليسير، فإذا كان الويل لمن يظلم ~~في الشيء الطفيف، فما بال من يظلم في الكل؟ فاللوم هنا لمن يجمع بين ~~هذين الأمرين: يأخذ بالزيادة ويعطي بالنقص، أما من يعطي بالزيادة فلا ~~بأس، وجزاؤه على الله، وهو من المحسنين الذين قال الله فيهم: # ما على المحسنين من سبيل.. # [التوبة: 91]. ومع تطور المجتمعات بدأ الناس يهتمون بقياس دقة آلات ~~الكيل والوزن والقياس، فوجدت هيئات متخصصة في معايرتها والتفتيش عليها ~~ومتابعة دقتها لأنها مع مرور الزمن ms7161 عرضة للنقص أو الزيادة، فمثلا ~~سنجة الحديد - التي نزن بها قد تزيد إن كانت في مكان بحيث تتراكم عليها ~~الزيوت والتراب، وقد تنقص بالحركة مع مرور الوقت، كما تنقص مثلا أكرة ~~الباب من كثرة الاستعمال، فتراها لامعة، ولمعانها دليل النقص، وإن كان ~~يسيرا. # وفي فرنسا، نموذج للياردة وللمتر من معدن لا يتآكل، جعلت كمرجع ~~يقاس عليه، وتضبط عليه آلات القياس. ورأينا الآن آلات دقيقة جدا ~~للوزن وللقياس، تضمن لك منتهى الدقة، خاصة في وزن الأشياء الثمينة لذلك ~~نراهم يضعون الميزان الدقيق في صندوق من الزجاج، حتى لا تؤثر فيه حركة ~~الهواء من حوله. ثم يقول الحق سبحانه: { ولا تبخسوا الناس ~~أشيآءهم... }. ### || [26.183] # البخس: النقص، ومعنى { أشيآءهم.. } [الشعراء: 183] حقوقهم إذن: ~~فالنقص من حق الغير ذنب، وقد يكون البخس بأخذ الشيء كله غصبا، أو ~~بالتصرف فيه دون أمر صاحبه، أو على وجه لا يرضاه. وهذا كله داخل في { ~~ولا تبخسوا الناس أشيآءهم.. } [الشعراء: 183] كل ما ينقص ~~الحق بأخذه بإنقاص. أو غصب أو تصرف على غير إرادة صاحبه فهو بخس ~~للشيء. فكل ما ثبت أنه حق لغيرك إياك أن تعتدي عليه، فالزكاة مثلا ~~حينما يقول ربك - عز وجل -: # والذين في أموالهم حق معلوم * للسآئل ~~والمحروم # [المعارج: 24-25]. فما دام قد قيده الشرع، فلا تبخس أنت حق الفقير، ~~لأنك حين تتأمل هذا الحق المعلوم الذي جعله الله من مالك للفقير، تجهد ~~أنه وضع بحكمة تراعي مدى حركة الممول، وما بذل من جهد ونفقات في ~~سبيل تنمية ماله، حتى وجبت فيه الزكاة. فكلما زادت حركتك قل مقدار ~~الزكاة في مالك، فمثلا الأرض التي تسقى بماء المطر فيها العشر، ~~والتي تسقى بآلة ونفقات فيها نصف العشر، وفي عروض التجارة وتحتاج إلى ~~حركة أكثر قال ربع العشر، ذلك لأن الشارع الحكيم يريد للناس الحركة ~~والسعي وتثمير الأموال، حتى لا يأتي من يقول: كيف أسعى ويأخذ غيري ثمرة ~~سعيي؟ والشارع حين كفل هذا الحق للفقراء، فإنما يحمي به الفقراء ~~والأغنياء على حد سواء. وقد حدد الشارع هذا الحق، ms7162 حتى لا تزهد في ~~العطاء، خاصة في الزكاة. إن منهج الله يريد أن يصوب حركة الحياة من ~~الأحياء، يريد ألا يجري دم في جسد إلا بخروج عرق من هذا الجسد، وألا ~~يدخل دم في جسد من عرق سواه، وإلا فسد المجتمع، وضن كل قادر على ~~الحركة بحركته لأنه لا يطمئن إلى ثمار حركته أنها لا تعود عليه، أو أن ~~غيره سيغتصبها منه بأي لون من ألوان الاغتصاب. عندها يفسد المجتمع لأن ~~القوي القادر سيزهد في الحركة فيقعد، والآخذ سيتعود البطالة والكسل ~~والخمول، ولماذا يعمل وما يجري في عروقه من دماء من عمل غيره، وبمرور ~~الوقت يصعب عليه العمل، وتثقل عليه الحركة، فيركن إلى ما نسميه ~~بلطجي في الحياة، يعيش عالة على غيره. إذن: الحق - تبارك وتعالى - يريد ~~أن يطمئن كل إنسان على حركته في الحياة وثمرة سعيه، فلا يتلصص أحد ~~على ثمرة حياة الآخر لأنه إن كان عاجزا عن الحركة فقد ضمن له ربه ~~حقا في حركة الآخرين تأتيه إلى باب بيته، سواء أكانت زكاة أم كانت صدقة ~~وبذلك تسلم حركة الحياة للجميع. لذلك أراد - سبحانه وتعالى - أن ~~يعطينا الموازين الدقيقة التي تحفظ سلامة التعامل بين الناس: فإن ~~كلت لغيرك فوف الكيل، وإن وزنت فوف الميزان، واجعله بالقسطاس ~~المستقيم، ولا تبخس الناس حقوقهم بأي صورة من الصور. # ولا يقتصر الأمر على هذه المسائل فحسب، إنما هي نماذج للتعامل، تستطيع ~~القياس عليها في كل أمور الحياة فيما يقاس وفيما يعد، في الأعمال ~~وفي الصناعات.. إلخ. إذن: فاحذر أن تتلصص على حقوق الآخرين، أو أن ~~تبخسها، بأي نوع من أنواع التسلط: غصبا أو اختطافا أو سرقة أو ~~اختلاسا أو رشوة.. إلخ. وقلنا: إن السرقة أن تأخذ شيئا من حرزه في ~~غير وجود صاحبه، والخطف يكون صاحب الشيء موجودا، لكنك تأخذه خطفا ~~وتفر به قبل أن يمسك بك، فإن أمسك بك فغالبته وأخذتها رغما عنه ~~فهي غصب، أما الاختلاس فأن تأخذ من مال أنت مؤتمن عليه، ما لا ~~يحق لك أخذه. فإذا علم ms7163 كل متحرك في الحياة أن ثمرة حركته تعود ~~عليه، وعلم كل غير متحرك أنه يموت جوعا إن لم يعمل وهو قادر دبت ~~الحركة في كل الأحياء، وهذا ما يريده الله تعالى لخليفته في الأرض خاصة، ~~وقد خلق لنا سبحانه العقل الذي نفكر به، والطاقة التي نعمل بها، والمادة ~~التي نستعين بها، فكل ما علينا أن نوظف هذه الإمكانات التي خلقها ~~الله توظيفا مثمرا. ثم إن كانت الزكاة كحق معلومة محددة، فهناك ~~حق آخر غير محدد، في قوله سبحانه: # وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 19] ولم يقل معلوم لأن المراد هنا الصدقة المطلقة، وقد تركها ~~الحق - تبارك وتعالى - ولم يقيدها ليترك الباب مفتوحا أمام أريحية ~~المعطي، ومدى كرمه وإحسانه لذلك جاءت هذه الآية في سياق الحديث عن صفات ~~المحسنين: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا ~~قليلا من اليل ما يهجعون * وبالأسحار هم ~~يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم # [الذاريات: 15-19]. ولأن الحق هنا تفضل وزيادة تركه الشارع الحكيم دون ~~تحديد. وعجيب أن نرى أصحاب الأموال حين يخرج أحدهم ربع العشر مثلا ~~من ماله، لا ينظر إلى ما تبقى له من رأس المال، وهي نسبة 97.5%، وينظر ~~إلى حق الفقير وهو يسير 2.5%. فنراه يحتال عليه فيؤثر به أقاربه أو ~~معارفه، أو يضعه بحيث يعفيه من حق آخر، كالذي يعطي زكاته للخادمة مثلا، ~~ليرضي أمها حتى لا تأخذها من يده، ومنهم من يضع أموال الزكاة في بناء ~~مسجد أو مدرسة أو مستشفى وهذا كله لا يجوز لأن مال الزكاة حق ~~للمستحقين المعروفين نصا في كتاب الله، ولا يصح أن يوجه مال الزكاة ~~لشيء ينتفع به الغني أبدا. ثم يقول سبحانه: { ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين } [الشعراء: 183] عثا: أي أفسد. فالمعنى: لا ~~تفسدوا في الأرض، فلماذا كرر الإفساد مرة أخرى فقال { مفسدين } ~~[الشعراء: 183]؟ قالوا: المراد: لا تعثوا في الأرض حالة كونكم ~~مفسدين، أو في نيتكم الإفساد. # وليس في الآية تكرار لأنه فرق بين إفساد ms7164 شيء وأنت لا تقصد إفساده، ~~إنما حركتك في الحياة أفسدته، وبين أن تفسد عن قصد وعمد للإفساد، ~~حتى لا نمنع العقول أن تفكر وتجرب لتصل إلى الأفضل، وتثري حركة ~~الحياة، فما دمت قد قصدت الصلاح، فلا عليك إن أخطأت لأن ربك - ~~عز وجل - يتولى تصحيح هذا الخطأ، بل ويعوضك عنه، فمن اجتهد ~~فأخطأ فله أجر، ومن اجتهد فأصاب فله أجران. إذن: المعنى: لا تفسدوا ~~في الأرض وأنتم تقصدون الإفساد، لكن فكيف نفسد الأرض؟ إن إفساد الأرض ~~يعني إفساد المتحرك عليها لأن الأرض خلقت للإنسان # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10]. وقد خلقها الله تعالى على هيئة الصلاح، والإنسان هو الذي ~~يفسدها، بدليل أنك لا تجد الفساد إلا فيما للإنسان دخل فيه، أما ما ~~لا تطوله يده، فيظل على صلاحه، وعلى استقامته وسلامته. والإنسان الذي ~~خلقه الله وجعله خليفة له في أرضه طلب منه عمارة هذه الأرض وزيادة ~~صلاحها، تحقيقا لقول ربه عز وجل: # هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. # [هود: 61]. ولا يصلح أن نستعمر الأرض وهي خراب، فإذا ما كثر النسل لا ~~يقابل زيادة في استثمار الأرض، فتحدث الأزمات، ولو أن استثمار الأرض ~~وإصلاحها سار مع زيادة النسل في خطين متوازيين لما شعر الناس بالحاجة ~~والضيق، ولما أحاطت بهم الأزمات. والآن حين تسير في الطريق الصحراوي ~~مثلا تجد المزارع في الصحراء، وتجد القرى الجديدة تحولت فيها الأرض ~~الجرداء إلى خضرة ونماء، فأين كانت هذه الثورة؟ لقد كنا كسالى وفي غفلة ~~حتى عضنا الجوع، وضاقت بنا الأرض الخضراء في الوادي والدلتا. وإذا لم ~~يصلح الإنسان في الأرض فلا أقل من أن يتركها على حالها الذي خلقها ~~الله عليه. لكن رأينا الإنسان يفسد الماء ويلوثه حين يصرف فيه ~~مخلفاته ويفسد الهواء بعادم السيارات والمصانع، ويفسد التربة ~~بالكيماويات والمبيدات، وكل هذا الإفساد خروج عن الطبيعة الصافية التي ~~خلقها الله لنا ذلك لأننا نظرنا إلى النفع العاجل، وأغفلنا الضرر الآجل. ~~لقد خلق الله لنا وسائل الركوب والانتقال، وجعلها آمنة لا ضرر منها: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها ms7165 وزينة.. # [النحل: 8]. وقال: # وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس.. # [النحل: 7] نعم، وسائل النقل الحديث أسرع، وأراحت هذه المواشي، لكنها ~~أتعبت الإنسان الذي خلق الله الكون كله لراحته. فترى الرجل يركب سيارته ~~وكل همه أن يسرع بها دون أن يهتم بضبطها وصيانتها، فينطلق بها ~~مخلفا سحابة من الدخان السام الذي يؤذي الناس، أما هو فغير مكترث ~~بشيء لأن الدخان خلفه لا يشعر به. # لكن، احذر جيدا، إن ربك - عز وجل - قيوم لا يغفل ولا ينام، وكما تدين ~~تدان في نفسك، أو في أولادك. كذلك قبل أن نركب السيارات ونسرع بها يجب ~~أن نمهد لها الطرق حتى لا تثير الغبار في وجوه الناس، وتؤذي تنفسهم، ~~بل وتؤذي الزرع أيضا، كل هذه وجوه للإفساد في الأرض لأننا ندرس عاجل ~~النفع ولا ندرس آجل الضرر. وعليك حين تجتهد أن تجتهد بمقدمات سليمة، ~~لتصل إلى النتائج السليمة، ولا تكن من المفسدين في الأرض. ومن الإفساد ~~في الأرض قطع الطريق، وهو أن المتلصص يقيم في مكانه يرصد ضحيته إلى ~~أن تمر به، والإغارة وهي أن يذهب المغير إلى المغار عليه في مأمنه، ~~فيسلبه ماله. ومن الإفساد في الأرض الرشوة، وهي من أنكى النكبات التي ~~بلي بها المجتمع، وهي تولد التسيب وعدم الانضباط، فحين ترى غيرك ~~يستغلك، ويستحل مالك دون حق، تعامله وتعامل غيره نفس المعاملة، فتصير ~~الأمور في الأجهزة والمصالح إلى فوضى لا يعلم مداها إلا الله. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { واتقوا الذي خلقكم... }. ### || [26.184] # فإياك أن تظن أن الله تعالى خلقنا عبثا، أو يتركنا هملا، إنما خلقنا ~~لمهمة في الكون، وجعلنا جميعا عبيدا بالنسبة له سواء، فلم يحاب من ~~أحدا على أحد، وليس عنده سبحانه مراكز قوى لذلك لم يتخذ صاحبه ولا ~~ولدا. ولأننا جميعا أمامه سبحانه سواء وهو خالقنا، فقد تكفل لنا ~~بالرزق ورعاية المصالح، فمن ابتلاه الله بالعجز عن الحركة فتحركت أنت ~~لقضاء مصالحه، لا بد أن ينظر الله إليك بعين البركة والمضاعفة. ~~فالمعوق والفقير بحق - لا الذي يتخذها ms7166 مهنة وحرفة يرتزق بها - هذا ~~الفقير وهذا المعوق هم خلق الله وأهل بلائه، فحين تعطيه من ثمرة ~~حركتك أنت، وتذهب إليه وهو مطمئن في بيته، أنت بهذا العمل إنما تستر على ~~الله بلاءه، وتكون يد الله التي يرزق بها هؤلاء، وعندها لا بد أن يحبك ~~الفقير، وأن يدعو لك بالخير والبركة والزيادة والأجر والعافية ~~والثواب، ويعلم أن الله خلقه ولم يسلمه. أما إن ضن الغني الواجد ~~على الفقير المعدم، وتخلى عن أهل البلاء، فلا بد أن يسخط الفقير على ~~الغني، بل يسخط على الله - والعياذ بالله - لأنه ما ذنبه أن يكون فقيرا، ~~وغيره غني في مجتمع لا يرحم. وعجيب أن نرى مبتلى يظهر بلواه للناس، ~~بل ويستغلها في ابتزازهم، فيظهر لهم إعاقته، كأنه يشكو الخالق للخلق، ~~ولو أنه ستر على الله بلاءه وعلم أنه نعمة أنعم الله بها عليه لسخر ~~الله له عافية غير المبتلى، ولجاءه رزقه على باب بيته، فلو رضي أهل ~~البلاء لأعطاهم الله على قدر ما ابتلاهم. فمعنى: { واتقوا الذي ~~خلقكم.. } [الشعراء: 184] أي: احذروا جبروته لأنه خلقكم، وضمن لكم ~~الأرزاق، وضمن لكم قضاء الحاجات، حتى العاجز عن الحركة سخر له القادر، ~~وجعل للغنى شرطا في إيمانه أن يعطى جزءا من سعيه للفقير، ويوصله ~~إليه وهو مطمئن. ومعنى: { والجبلة الأولين } [الشعراء: 184] ~~الجبلة من الجبل، وكان له دور في حياة العربي، وعليه تدور الكثير من ~~تعبيراتهم، ففيه صفات الفخامة والعظمة والرسوخ والثبات، فاشتقوا من الجبل ~~الجبلة وتعني الملازمة والثبات على الشيء. ومن ذلك نقول: فلان مجبول على ~~الخير يعني: ملازم له لا يفارقه، وفلان كالجبل لا تزحزحه الأحداث، ~~والعامة تقول: فلان جبلة يعني: ثقيل على النفس، وقد يزيد فيقول: مال ~~جبلتك وارمة مبالغة في الوصف. حتى أن بعض الشعراء يمدح ممدوحه بأنه ثابت ~~كالجبل، حتى بعد موته، فيقول عن ممدوحه وقد حملوه في نعشه: # ما كنت أحسب قبل نعشك أن أرى # رضوى على أيدي الرجال يسير # ورضوى جبل اشتهر بين العرب بضخامته. ومن ذلك قوله تعالى: # ولقد أضل منكم ms7167 جبلا كثيرا.. # [يس: 62]. ومعنى: { والجبلة الأولين } [الشعراء: 184] أي: ~~الناس السابقين الذين جبلوا على العناد وتكذيب الرسل، فالله خلقكم ~~وخلقهم، وقد رأيتم ما فعل الله بهم لما كذبوا رسله، لقد كتب الله ~~النصر لرسله والهزيمة لمن كذبهم، فهؤلاء الذين سبقوكم من الأمم جبلوا ~~على التكذيب، وكانوا ثابتين عليه لم يزحزحهم عن التكذيب شيء، فاحذروا أن ~~تكونوا مثلهم فينزل بكم ما نزل بهم. فماذا كان ردهم؟ ### || [26.185] # قلنا: إن مسحر: أي سحره غيره، وهي صيغة مبالغة للدلالة على حدوث ~~السحر ووقوعه عليه أكثر من مرة، فلو سحر مرة واحدة لقلنا: مسحور ~~والمعنى: أنك مختل العقل والتفكير، مجنون، لن نسمع لك. ### || [26.186] # وما دمت أنت بشرا مثلنا، ولم تتميز عنا بشيء، فكيف تكون رسولا؟ ثم ~~{ وإن نظنك لمن الكاذبين } [الشعراء: 186] أي: وما نظنك ~~إلا كذابا، كالذين سبقوك. ### || [26.187] # أي: إن كنت صادقا { فأسقط علينا كسفا من السمآء.. ~~} [الشعراء: 187] يطلبون العذاب ويستعجلونه، كما قال سبحانه في آية أخرى: # قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما ~~تعدنآ إن كنت من الصادقين # [الأحقاف: 22]. ومن العجيب حين ينزل بهم العذاب يقولون انظرنا، كيف ~~وأنتم الذين استعجلتم العذاب؟ ومعنى { كسفا.. } [الشعراء: 187] مفردها ~~كسفة، مثل قطع وقطعة، وقد وردت هذه الكلمة على ألسنة كثير من ~~المكذبين، وقالها الكفار للنبي محمد صلى الله عليه وسلم: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله ~~والملائكة قبيلا # [الإسراء: 90-92]. وقالوا # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وكان عليهم أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فاهدنا إليه، وهذا يدلك على حمقهم وعنادهم. ### || [26.188] # فهو سبحانه العليم بكم: إن كنتم أهلا للتوبة والندم والأمل، أن ~~تتوبوا فلن يصيبكم العذاب، أو كنتم مصرين على العصيان والتكذيب، فسوف ~~يصيبكم عذاب الهلاك والاستئصال، فأنا لن أحكم عليكم بشيء ms7168 لأنني بشر ~~مثلكم لا أعرف ما في نياتكم لذلك سأكل أمركم إلى ربكم - عز وجل - الذي ~~يعلم أمري وأمركم، وسري وسركم. ثم يقول الحق سبحانه: { فكذبوه ~~فأخذهم عذاب... }. ### || [26.189] # فكيف يكذبونه، وهو لم ينسب الأمر لنفسه، ووكلهم إلى ربهم إذن: فهم لا ~~يكذبونه إنما يكذبون الله لذلك يأتي الجزاء: { فأخذهم ~~عذاب يوم الظلة.. } [الشعراء: 189]. وهو عذاب يوم مشهود، حيث ~~سلط الله عليهم الحرارة الشديدة سبعة أيام، عاشوها في قيظ شديد، وقد حجز ~~الله عنهم الريح إلا بمقدار ما يبقي رمق الحياة فيهم، حتى اشتد عليهم ~~الأمر وحميت من تحتهم الرمال، فراحوا يلتمسون شيئا يروح عنهم، ~~فرأوا غمامة قادمة في جو السماء فاستشرفوا لها وظنوها تخفف عنهم حرارة ~~الشمس، وتروح عن نفوسهم، فلما استظلوا بها ينتظرون الراحة ~~والطمأنينة عاجلتهم بالنار تسقط عليهم كالمطر. على حد قول الشاعر: # كما أمطرت يوما ظماء غمامة # فلما رأؤها أقشعت وتجلت # ويا ليت هذه السحابة أقشعت وتركتهم على حالهم، إنما قذفتهم بالنار ~~والحمم من فوقهم، فزادتهم عذابا على عذابهم. كما قال سبحانه في آية ~~أخرى: # فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا ~~هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح ~~فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها ~~فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم.. # [الأحقاف: 24-25]. لذلك وصف الله عذاب هذا اليوم بأنه { إنه كان ~~عذاب يوم عظيم } [الشعراء: 189] فما وجه عظمته وهو عذاب؟ ~~قالوا: لأنه جاء بعد استبشار واسترواح وأمل في الراحة، ففاجأهم ما زادهم ~~عذابا، وهذا ما نسميه " يأس بعد إطماع " وهو أنكى في التعذيب وأشق على ~~النفوس. ### || [26.190] # قوله سبحانه: { إن في ذلك.. } [الشعراء: 190] أي: فما حدثتكم به ~~{ لآية.. } [الشعراء: 190] يعني: عبرة، وسميت كذلك لأنها تعبر ~~بصاحبها من حال إلى حال، فإن كان مكذبا آمن وصدق، وإن كان معاندا ~~لان للحق وأطاع. وما قصصته عليكم من مواكب الرسل وأقوامهم، وهذا ~~الموكب يضم سبعة من رسل الله مع أممهم: موسى، وإبراهيم، ونوح، وهود، ~~وصالح، ولوط، وشعيب عليهم جميعا وعلى نبينا السلام، وقد مضى هذا الموكب ms7169 ~~على سنة لله ثابتة لا تتخلف، هي: أن ينصر الله - عز وجل - رسله والمؤمنين ~~معهم، ويخذل الكافرين المكذبين. فلتأخذوا يا آل محمد من هذا الموكب ~~عبرة { إن في ذلك لآية.. } [الشعراء: 190] يعني عبرة لكم، ~~وسميت عبرة لأنها تعبر بصاحبها من حال إلى حال، فإن كان مكذبا ~~آمن وصدق، وإن كان معاندا لان للحق وأطاع، وقد رأيتم أننا لم ~~نسلم رسولا من رسلنا للمكذبين به، وكانت سنتنا من الرسل أن ننصرهم. # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون # [الصافات: 171-172]. وقال: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. ومن العبرة نقول: عبر الطريق يعني: انتقل من جانب إلى ~~جانب، والعبرة هنا أن ننتقل من التكذيب واللدد والجحود والكبرياء إلى ~~الإيمان والتصديق والطاعة، حتى العبرة الدمعة مأخوذة من هذا المعنى. ~~وفي قوله تعالى: { وما كان أكثرهم مؤمنين } [الشعراء: ~~190] حماية واحتراس حتى لا نهضم حق القلة التي آمنت. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وإن ربك لهو... }. ### || [26.191] # ربك: الرب هو المتولي الرعاية والتربية. وبهذه الخاتمة ختمت جميع ~~القصص السابقة، ومع ما حدث منهم من تكذيب تختم بهذه الخاتمة الدالة ~~على العزة والرحمة. ثم ينتقل السياق إلى خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم بعد أن قدم لنا العبرة والعظة في موكب الرسل ~~السابقين، فيقول الحق سبحانه: { وإنه لتنزيل رب... }. ### || [26.192] # { وإنه.. } [الشعراء: 192] على أي شيء يعود هذا الضمير؟ المفروض ~~أن يسبقه مرجع يرجع إليه هذا الضمير وهو لم يسبق بشيء. تقول: جاءني رجل ~~فأكرمته فيعود ضمير الغائب في أكرمته على رجل. وكما في قوله تعالى: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] فالضمير هنا يعود على لفظ الجلالة، مع أنه متأخر عنه، ذلك ~~لاستحضار عظمته تعالى في النفس فلا تغيب. كذلك { وإنه.. } [الشعراء: ~~192] أي: القرآن الكريم وعرفناه من قوله سبحانه: { لتنزيل رب ~~العالمين } [الشعراء: 192] وقدم الضمير على مرجعه لشهرته وعدم ~~انصراف الذهن إلا إليه، فحين تقول: # هو الله أحد # [الإخلاص: 1] لا ينصرف إلا إلى الله، { وإنه لتنزيل رب ~~العالمين } [الشعراء: 192] لا ينصرف إلا إلى القرآن الكريم. ms7170 وقال: { ~~لتنزيل رب العالمين } [الشعراء: 192]. أي: أنه كلام الله لم ~~أقله من عندي، خاصة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسبق له أن ~~وقف خطيبا في قومه، ولم يعرف عنه قبل الرسالة أنه خطيب أو صاحب قول. ~~إذن: فهو بمقاييس الدنيا دونكم في هذه المسألة، فإذا كان ما جاء به من ~~عنده فلماذا لم تأتوا بمثله؟ وأنتم أصحاب تجربة في القول والخطابة في ~~عكاظ وذي المجاز وذي المجنة، فإن كان محمد قد افترى القرآن فأنتم أقدر ~~على الافتراء لأنكم أهل دربة في هذه المسألة. و { العالمين } ~~[الشعراء: 190]: كل ما سوى الله عز وجل لذلك كان صلى الله عليه وسلم ~~رحمة للعالمين للإنس وللجن وللملائكة وغيرها من العوالم. لذلك لما نزلت: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107] # " سأل سيدنا رسول الله جبريل عليه السلام: " أما لك من هذه الرحمة شيء ~~يا أخي يا جبريل؟ " فقال: نعم، كنت أخشى سوء العاقبة كإبليس، فلما أنزل ~~الله عليك قوله: { ذي قوة عند ذي العرش مكين } [التكوير: ~~20] أمنت العاقبة، فتلك هي الرحمة التي نالتني ". # وليس القرآن وحده تنزيل رب العالمين، إنما كل الكتب السابقة السماوية ~~كانت تنزيل رب العالمين، لكن الفرق بين القرآن والكتب السابقة أنها كانت ~~تأتي بمنهج الرسول فقط، ثم تكون له معجزة في أمر آخر تثبت صدقه في ~~البلاغ عن الله. فموسى عليه السلام كان كتابه التوراة، ومعجزته العصا، ~~وعيسى عليه السلام كان كتابه الإنجيل، ومعجزته إبراء الأكمه والأبرص بإذن ~~الله، أما محمد صلى الله عليه وسلم فكان كتابه ومنهجه القرآن ومعجزته ~~أيضا، فالمعجزة هي عين المنهج. فلماذا؟ قالوا: لأن القرآن جاء منهجا ~~للناس كافة في الزمان وفي المكان فلا بد - إذن - أن يكون المنهج هو ~~عين المعجزة، والمعجزة هي عين المنهج، وما دام الأمر كذلك فلا يصنع ~~هذه المعجزة إلا الله، فهو تنزيل رب العالمين. أما الكتب السابقة فقد ~~كانت لأمة بعينها في فترة محددة من الزمن، وقد نزلت هذه الكتب بمعناها ~~لا بنصها لذلك عيسى - عليه السلام - يقول: ms7171 " سأجعل كلامي في فمه " أي: ~~أن كلام الله سيكون في فم الرسول بنصه ومعناه من عند الله، ما دام ~~بنصه من عند الله فهو تنزيل رب العالمين. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~نزل به الروح... }. ### || [26.193] # كان من الممكن أن يكون الوحي من عند الله إلهاما أو نفثا في ~~الروع لذلك قال تعالى بعدها: { نزل به الروح الأمين } ~~[الشعراء: 193] إذن: الأمر ليس نفثا في روع رسول الله بحكم ما، إنما ~~يأتيه روح القدس وأمين الوحي يقول له: قال الله كذا وكذا. لذلك لم يثبت ~~القرآن إلا بطريق الوحي، بواسطة جبريل عليه السلام، فيأتيه الملك ولذلك ~~علامات يعرفها ويحسها، ويتفصد جبينه منه عرقا، ثم يسري عنه، وهذه ~~كلها علامات حضور الملك ومباشرته لرسول الله، هذا هو الوحي، أما مجرد ~~الإلهام أو النفث في الروع فلا يثبت به وحي. لذلك كان جلساء رسول ~~الله يعرفونه ساعة يأتيه الوحي، وكانوا يسمعون فوق رأسه صلى الله عليه ~~وسلم كدوي النحل أثناء نزول القرآن عليه، وكان الأمر يثقل على رسول ~~الله، حتى إنه إن أسند فخذه على أحد الصحابة أثناء الوحي يشعر الصحابي ~~بثقلها كأنها جبل، وإذا نزل الوحي ورسول الله على دابته يثقل عليها حتى ~~تنخ به، كما قال تعالى: # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # [المزمل: 5]. ولم تهدأ مشقة الوحي على رسول الله إلا بعد أن فتر عنه ~~الوحي، وانقطع فترة حتى تشوق له رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتظره، ~~وبعدها نزل عليه قوله تعالى: # ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 1-4]. ونزلت عليه: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى * وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى: 1-4]. يعني: سيعاودك الوحي في سهولة ودون مشقة، ولن تتعب في ~~تلقيه، كما كنت تعاني من قبل. وقوله تعالى { نزل.. } [الشعراء: 193] ~~تفيد العلو، وأن القرآن نزل من أعلى من عند الله، ليس من وضع بشر يخطىء ~~ويصيب ويجهل المصلحة، كما نرى في القوانين الوضعية التي تعدل كل ms7172 يوم، ~~ولا تتناسب ومقتضيات التطور، والتي يظهر عوارها يوما بعد يوم. ولأن ~~القرآن نزل من أعلى فيجب علينا أن نستقبله استقبال الواثق فيه المطمئن ~~به، لا نعانده، ولا نتكبر عليه لأنك تتكبر على مساو لك، أما ما جاءك من ~~أعلى فيلزمك الانقياد له، عن اقتناع. وفي الريف نسمعهم يقولون اللي الشرع ~~يقطع صباعه ميخرش دم لماذا؟ لأنه قطع بأمر الأعلى منك، بأمر الله لا ~~بأمر واحد مثلك. وحين نتأمل قوله تعالى في التشريع لحكم من الأحكام: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم.. # [الأنعام: 151]. كلمة تعالوا تعني: اتركوا حضيض تشريع الأرض، وأقبلوا ~~على رفعة تشريع السماء، فتعالوا أي: تعلوا وارتفعوا، لا تهبطوا إلى ~~مستوى الأرض، وإلا تعبتم وعضتكم الأحداث لأن الذي يشرع لكم بشر ~~أمثالكم وإن كانوا حتى حسني النية، فهم لا يعلمون حقائق الأمور، فإن ~~أصابوا في شيء أخطأوا في أشياء، وسوف تضطرون لتغيير هذه التشريعات ~~وتعديلها. # إذن: فالأسلم لكم أن تأخذوا من الأعلى لأنه سبحانه العليم بما يصلحكم. ~~إذن: { نزل.. } [الشعراء: 193] تفيد أنه من الأعلى من مصدر الخير حتى ~~الحديد وهو من نعم الله، لما تكلم عنه قال سبحانه: # وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس ~~بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع ~~للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب.. # [الحديد: 25]. ولم يقل مثلا: أنزلنا الألماظ أو الألماس، أو غيره من ~~المعادن النفيسة، لماذا؟ لأن الحديد أداة من أدوات نصرة الدعوة وإعلاء ~~كلمة الله. وسمي جبريل - عليه السلام - الروح لأن الروح بها الحياة، ~~والملائكة أحياء لكن ليس لهم مادة، فكأنهم أرواح مطلقة، أما البشر فمادة ~~فيها روح. كما أن كلمة الروح استعملت عدة استعمالات منها # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي.. # [الإسراء: 85] والمراد الروح التي نحيا بها. وسمي القرآن روحا: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا.. # [الشورى: 52] إذن: فالقرآن روح، والملك الذي نزل به روح، فإن قلت: ~~فما حاجتي إلى الروح وفي روح؟ نقول لك: هذه الروح التي تحيا بها مادتك، ~~والتي تفارقك حين تموت وتنتهي المسألة، ms7173 أما الروح التي تأتيك في القرآن ~~فهي روح باقية خالدة، إنها منهج الله الذي يعطيك الحياة الأبدية التي لا ~~تنتهي. لذلك، فالروح التي تحيا بها المادة للمؤمن وللكافر على حد ~~سواء، أما الروح التي تأتيك من كتاب الله وفي منهجه، فهي للمؤمن خاصة، ~~وهي باقية، وبها تستأنف حياة جديدة خالدة بعد حياة المادة الفانية. واقرأ ~~إن شئت قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24]. كيف وها نحن أحياء؟ نعم، نحن أحياء بالروح الأولى روح ~~المادة الفانية، أما رسول الله فهو يدعونا للحياة الباقية، وكأنه - عز ~~وجل - يشير إلى أن هذه الحياة التي نحياها ليست هي الحياة الحقيقية لأنها ~~ستنتهي، وهناك حياة أخرى باقية دائمة. حتى مجرد قولنا نحن أحياء فيه ~~تجاوز لأن الأحياء هم الذين لا يموتون، وهذه الحياة لا تأتي إلا بمنهج ~~الله، وهذا معنى قوله تعالى: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت:64] فالحيوان مبالغة في الحياة، أي: الحياة الحقيقية، أما ~~حياة المادة فأي حياة هذه التي يموت فيها المرء يوم مولده، أو حتى بعد ~~مائة عام؟! ثم يصف الحق - سبحانه وتعالى - الروح بأنه { الأمين } ~~[الشعراء: 193] أي: على الوحي، القرآن - إذن - مصون عند الله، مصون عند ~~الروح الأمين الذي نزل به، مصون عند النبي الأمين الذي نزل عليه. لذلك ~~يقول سبحانه: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم ~~من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 44-47]. وقال تعالى: # وما هو على الغيب بضنين * وما هو بقول شيطان ~~رجيم # [التكوير: 24-25]. ثم يقول الحق سبحانه: { على قلبك لتكون... ~~}. ### || [26.194] # نزل القرآن على أذن رسول الله، أم على قلبه؟ الأذن هي: أداة السمع، لكن ~~قال تعالى { على قلبك.. } [الشعراء: 194] لأن الأذن وسيلة عبور ~~للقلب، لأنه محل التلقي، وهو دينامو الحركة في جسم الإنسان، فبالدم ~~الذي يضخه في أعضاء الجسم وأجهزته تتولد الطاقات والقدرة على الحركة ~~وأداء الوظائف. لذلك نرى المريض مثلا يأخذ الدواء عن طريق الفم، فيدور ms7174 ~~الدواء دروة الطعام، ويمتص ببطء، فإن أردت سرعة وصول الدواء للجسم ~~تعطيه حقنة في العضل، لكن الأسرع من هذا أن تعطيه حقنة في الوريد، فتختلط ~~بالدم مباشرة، وتحدث أثرها في الجسم بسرعة، فالدم هو وسيلة الحياة في ~~النفس البشرية. إذن: قالقلب هو محل الاعتبار والتأمل، وليس لسماع الأذن ~~قيمة إذا لم يع القلب ما تسمع الأذن لذلك يقول سبحانه في موضع آخر: # قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على ~~قلبك.. # [البقرة: 97]. فالمعنى: نزله على قلبك مباشرة، كأنه لم يمر بالأذن ~~لأن الله الله تعالى اصطفى لذلك رسولا صنعه على عينه، وأزال عنه العقبات ~~البشرية التي تعوق هذه المباشرة، فكأن قلبه صلى الله عليه وسلم منتبها ~~لتلقي كلام الله لأنه مصنوع على عين الله، أما الذين سمعوا كلام الله ~~بآذانهم فلم يتجاوبوا معه، فكانت قلوبهم مغلقة قاسية فلم تفهم. والقلب ~~محل التكاليف، ومستقر العقائد، وإليه تنتهي محصلة وسائل الإدراك ~~كلها، فالعين ترى، والأذن تسمع، والأنف يشم، والأيدي تلمس.. ثم يعرض ~~هذا كله على العقل ليختار بين البدائل، فإذا اختار العقل واطمأن إلى قضية ~~ينقلها إلى القلب لتستقر به لذلك نسميها عقيدة يعني: أمر عقد القلب ~~عليه، فلم يعد يطفو إلى العقل ليبحث من جديد، لقد ترسخ في القلب، ~~وأصبح عقيدة ثابتة. وفي آيات كثيرة نجد المعول والنظر إلى القلب، يقول ~~تعالى: # لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم.. # [الحج: 37]. وفي آية أخرى يبين أن التقوى محلها القلب: # ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى ~~القلوب # [الحج: 32]. وفي الشهادة يقول تعالى: # ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم ~~قلبه.. # [البقرة: 283] من أن الشهادة باللسان، لا بالقلب. لذلك يقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه النعمان بن بشير: # " ألا إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت ~~فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ". # ويحدثنا صحابة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينزل عليه الوحي ~~بآيات كثيرة بما يوازي ربعين أو ثلاثة ms7175 أرباع مرة واحدة، فإذا ما سرى ~~عنه صلى الله عليه وسلم قال: اكتبوا، ثم يقرؤها عليهم مع وضع كل آية في ~~مكانها من سورتها، ثم يقرؤها صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فتكون هي هي ~~كما أملاها عليهم ذلك لأن القرآن باشر قلبه لا أذنه. # وكان صلى الله عليه وسلم لحرصه على حفظ القرآن يردده خلف جبريل ~~ويكرره حتى لا ينساه، فأنزل الله عليه: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6]. وقال في موضع آخر: # ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ~~وقل رب زدني علما # [طه: 114]. وقال تعالى: # لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا ~~جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ~~ثم إن علينا بيانه # [القيامة: 1619]. ومن عجيب أمر القرآن أنك لا تجد شخصا يلقي كلمة ~~لمدة خمس دقائق مثلا، ثم يعيدها عليك كما قالها نصا، أما النبي صلى ~~الله عليه وسلم فكانت تلقى عليه السورة، فيعيدها كما هي، ذلك من قوله ~~تعالى: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6]. وقوله سبحانه: { لتكون من المنذرين } ~~[الشعراء: 194] المنذر: الذي يحذر من الشر قبل وقوعه ليحتاط السامع ~~فلا يقع في دواعي الشر، ولا يكون الإنذار ساعة وقوع الشر، لأنه في هذه ~~الحالة لا يجدي، وكذلك البشارة بالخير تكون قبل حدوثه لتحث السامع ~~على الخير، وتحفزه إليه. ويقول سبحانه في آية أخرى: # لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم.. # [يس: 6]. فكما أنذر الرسل السابقون أقوامهم، أنذر أنت قومك، وانضم ~~إلى موكب الرسالات. ثم يقول الحق سبحانه: { بلسان عربي... }. ### || [26.195] # وقوله تعالى: { بلسان عربي مبين } [الشعراء: 195] فإن كان ~~القرآن قد نزل على قلبك، فكيف يسمعونه؟ وكيف يكتبونه؟ ويحفظونه؟ يأتي هنا ~~دور اللسان العربي الذي يخرج القرآن إلى الناس. إذن: فمنطق رسول الله ~~بعد نزوله على القلب، ويؤخر اللسان لأنه وسيلة الحفظ والصيانة ~~والقراءة. ومعنى { مبين } [الشعراء: 195] أي: واضح ظاهر، محيط بكل ~~أقضية الحياة، لكن يأتي من يقول: إن كان القرآن نزل بلسان عربي، فما ~~بال الكلمات غير العربية التي نطق بها؟ فكلمة قسطاس رومية، وآمين حبشية، ~~وسجيل فارسية. ms7176 ونقول: معنى اللسان العربي ما نطق به العرب، ودار على ~~ألسنتهم لأنه أصبح من لغتهم وصار عربيا، وإن كان من لغات أخرى، والمراد ~~أنه لم يأت بكلام جديد لم تعرفه العرب، فقبل أن ينزل القرآن كانت هذه ~~الكلمات شائعة في اللسان العربي. ونزل القرآن باللسان العربي خاصة لأن ~~العرب هم أمة استقبال الدعوة وحاملوها إلى باقي الأمم، فلا بد أن ~~يفهموا عن القرآن. فإن قلت: فالأمم الأخرى غير العربية مخاطبة أيضا ~~بهذا القرآن العربي، فكيف يستقبلونه ويفهمون عنه؟ نقول: من سمعه من ~~العرب عليه أن يبلغه بلسان القوم الذين يدعوهم، وهذه مهمتنا نحن العرب ~~تجاه كتاب الله. ### || [26.196] # الضمير في { وإنه.. } [الشعراء: 196] يصح أن يعود على القرآن ~~كسابقه، ويصح أن يعود على رسول الله، ومعنى { زبر.. } [الشعراء: 196] ~~جمع زبور يعني: مكتوب مسطور، ولو أن العقول التي عارضت رسول الله، ~~وأنكرت عليه رسالته، وأنكرت عليه معجزته فطنوا إلى الرسالات السابقة ~~عليه مباشرة، وهي: اليهودية والنصرانية في التوراة والإنجيل لوجب عليهم ~~أن يصدقوه لأنه مذكور في كتب الأولين. كما قال سبحانه في موضع آخر: # إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم ~~وموسى # [الأعلى: 18-19]. فالمبادىء العامة من العقائد والأخلاق والعدل الإلهي ~~وقصص الأنبياء كلها أمور ثابتة في كل الكتب وعند جميع الأنبياء، ولا ~~يتغير إلا الأحكام من كتاب لآخر، لتناسب العصر والأوان الذي جاءت فيه. ~~وحين تقرأ قوله تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. # [الشورى: 13]. تقول: ولماذا - إذن - نزل القرآن؟ ولماذا لم يقل ~~وصينا به محمدا؟ قالوا: لأن الأحكام ستتغير لتناسب كل العصور التي نزل ~~القرآن لهدايتها، ولكل الأماكن، ولتناسب عمومية الإسلام. لذلك روي عن ~~عبد الله بن سلام وآخر اسمه ابن يامين، وكانوا من أهل الكتاب، وشهد ~~كلاهما أنه رأى ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة، وفي الإنجيل. ~~والقرآن يقول عنهم: # يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.. # [البقرة: 146]. ولما سمعها ابن سلام قال: ms7177 ربنا تساهل معنا في هذه ~~المسألة، فوالله إني لأعرفه كمعرفتي لولدي، ومعرفتي لمحمد أشد. ويقول ~~تعالى في هذا المعنى: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل.. # [الأعراف: 157]. ويقول سبحانه على لسان عيسى عليه السلام حين يقف خطيبا ~~في قومه: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد.. # [الصف: 6]. إذن: { وإنه لفي زبر الأولين } [الشعراء: ~~196] أي: محمد صلى الله عليه وسلم أو هو القرآن الكريم، فكلاهما صحيح لأن ~~صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودة في هذه الكتب، أو القرآن في ~~عموم مبادئه في العقائد والأخلاق والبعث وسير الأنبياء. فكان الواجب على ~~الذين جاءهم القرآن أن يؤمنوا به، خاصة وأن رسول الله كان أميا لم يجلس ~~إلى معلم، وتاريخه في ذلك معروف لهم، حيث لم يسبق له أن قرأ أو كتب ~~شيئا. والقرآن يؤكد هذه المسألة، فيقول تعالى مخاطبا نبيه محمدا صلى ~~الله عليه وسلم: # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون # [العنكبوت: 48]. # وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم ~~آياتنا ولكنا كنا مرسلين # [القصص: 45]. # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر.. # [القصص: 44]. # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم.. # [آل عمران: 44]. فكل هذه الآيات وغيرها دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ~~لا علم له بها إلا بواسطة الوحي المباشر في القرآن الكريم، وكان ~~على القوم أن يؤمنوا به أول ما سمعوه. ثم يقول الحق سبحانه: { أو لم ~~يكن لهم... }. ### || [26.197] # آية: أي دليلا وعلامة على أن القرآن من عند الله لأن علماء بني ~~إسرائيل كانوا يستفتحون به على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا ~~به، أو لم يقولوا للأوس والخزرج في المدينة: لقد أطل زمان نبي يأتي ~~سنتبعه ونقتلكم به أيها المشركون قتل عاد وإرم، ومع ذلك لما بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنكروه وكفروا به، وهم يعرفون أنه حق، لماذا؟ ~~قالوا: لأنهم تنبهوا إلى أنه سيسلبهم القيادة، وكانوا في المدينة ms7178 أهل ~~علم، وأهل كتاب، وأهل بصر، وأهل حروب.. إلخ. وليلة هاجر النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى المدينة كانوا يستعدون لتتويج عبد الله بن أبي ملكا ~~عليها، فلما جاءها النبي صلى الله عليه وسلم أفسد عليهم هذه المسألة لذلك ~~حسدوه على هذه المكانة، فقد أخذ منهم السلطة الزمنية والتي كانت لهم. ~~وقال { علماء بني إسرائيل } [الشعراء: 197] لأنهم كانوا ~~يعرفون صدق رسول الله، ولأنه صلى الله عليه وسلم جاء بأشياء لا يعرفها ~~إلا هم، وقد اشتهر منهم خمسة، هم: عبد الله بن سلام، وأسد، وأسيد، ~~وثعلبة، وابن يامين. ثم يقول الحق سبحانه: { ولو نزلناه على ~~بعض... }. ### || [26.198-199] # لقد أنزلنا القرآن بلسان عربي على أمة عربية، ولو أنزلناه على الأعاجم ~~ما فهموه. وقال الحق وسبحانه وتعالى في موضع آخر: # ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته ءاعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى ~~وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو ~~عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد # [فصلت: 44]. لماذا؟ لأن المستقبل مقفول، فإن أردت استقبال أي قضية ~~فعليك أن تخرج من قلبك أي قضية أخرى معارضة لها، ثم بعد ذلك لك أن ~~تدرس القضيتين، فما وافق الحق فأدخله. لذلك يقول تعالى: # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.. # [الأحزاب: 4] فهو قلب واحد، لذلك أخرج منه كل قضية سابقة، وها هو القرآن ~~واحد، وقائله واحد، ومبلغه واحد، ولسانه عربي. يقول تعالى في وصفهم ~~حال سماع القرآن: # وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل ~~يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم ~~بأنهم قوم لا يفقهون # [التوبة: 127] أي: يريدون التسلل والخروج. ويقول تعالى في آية أخرى: # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا.. # [التوبة: 124] أي: ماذا أفادتكم؟ وماذا زادت في إيمانكم. ويقول سبحانه: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ~~أولئك الذين طبع الله على قلوبهم ~~واتبعوا أهوآءهم # [محمد: 16] يعني: ما الجديد الذي جاء به؟ ويقول ms7179 عن الذين آمنوا: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. و { الأعجمين } [الشعراء: 198] جمع: أعجمي، والأعجم هو ~~الذي لا يحسن الكلام العربي، وإن كان ينطق به، والعجمي ضد العربي ~~والعجم غير العرب. فالمعنى { ولو نزلناه.. } [الشعراء: 198] أي: ~~القرآن العربي على بعض الأعجمين ما فهمه، وقال { بعض.. } [الشعراء: ~~198] لمراعاة الاحتمال، فمن العجم من تعلم العربية وأجادها ويستطيع ~~فهم القرآن. وقوله تعالى: { فقرأه عليهم ما كانوا به ~~مؤمنين } [الشعراء: 199] لأنهم لم يفهموا منه شيئا، فكذلك أنتم مثل ~~هؤلاء العجم في تلقي واستقبال كلام الله، لم تفهموا منه شيئا. ذلك ~~لأنهم أحبوا الكفر والعناد وأصروا عليه، واستراحت إليه قلوبهم حتى ~~عشقوه، فأعانهم الله عليه، وختم على قلوبهم، فلا يدخلها إيمان، ولا ~~يخرج منها كفر. ### || [26.200-202] # معنى { سلكناه.. } [الشعراء: 200] أدخلناه في قلوب المجرمين، كأنهم ~~عجم لا يفهمون منه شيئا، لذلك { لا يؤمنون به حتى يروا ~~العذاب الأليم } [الشعراء: 201] وما داموا لن يؤمنوا به حتى يروا ~~العذاب الأليم فلن يقبل منهم إيمان. ومعنى { بغتة.. } [الشعراء: ~~202] أي: فجأة، ومن حيث لا يشعرون. لذلك لما نزل القرآن وآمن برسول الله ~~بعض الصحابة اضطهد رسول الله وصحابته، وأوذوا حتى صاروا لا يأمنون على ~~أنفسهم من بطش الكفار، حتى كانوا يبيتون في السلاح، ويستيقظون في ~~السلاح، لا يجدون من يحميه. وفي هذه الحالة نزل قوله تعالى: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] فتعجب عمر رضي الله عنه: أي جمع هذا الذي سيهزم، ~~والمسلمون على هذه الحال؟ فلما شهد بدرا وما كان فيها من قتل المشركين ~~ونصرة دين الله، قال: نعم صدق الله، سيهزم الجمع ويولون الدبر. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { فيقولوا هل نحن... }. ### || [26.203-204] # أي: انظرونا وتمهلوا علينا، وأخروا عنا العذاب، سبحان الله ألم ~~تستعجلوه؟ وهذه طبيعة أهل العناد والكفر إن تركناهم طلبوا أن ينزل ~~عليهم، وإن نزل بهم العذاب قالوا: انظرونا وتمهلوا علينا. ثم يقول رب ~~العزة سبحانه: { أفرأيت إن متعناهم... }. ### || [26.205-207] # { أفرأيت.. } [الشعراء: 205] يعني: أخبرني { إن متعناهم ~~سنين * ثم جآءهم ما كانوا يوعدون } [الشعراء: 205-206] ~~ومع طول المدة، ms7180 إلا أن الغاية واحدة { مآ أغنى عنهم ما ~~كانوا يمتعون } [الشعراء: 207]. ### || [26.208-209] # كما قال سبحانه في آية أخرى: # ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ~~وأهلها غافلون # [الأنعام: 131]، فقد جاءهم رسول يعلمهم وينذرهم ليقيم عليهم الحجة، ~~كما قال تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. هذا كله { ذكرى.. } [الشعراء: 209] تعني: نذكره ~~لنوقظ غفلتكم { وما كنا ظالمين } [الشعراء: 209] فأنتم الذين ~~فعلتم هذا بأنفسكم # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 118]. ثم يقول الحق سبحانه عن القرآن: { وما تنزلت ~~به... }. ### || [26.210-211] # لأنهم قالوا: إنما تنزلت الشياطين على محمد بالقرآن، وكانوا يقولون ~~ذلك لكل شاعر ماهر بشعره عندهم، فلكل شاعر شيطان يمليه الشعر، وعندهم ~~واد يسمى وادي " عبقر " هو وادي الجن، فيقولون: فلان عبقري أي: موصول ~~بالجن في هذا الوادي. لكن، كيف والكتاب نزل على محمد عدو للشياطين، ~~يلعنهم في كل مناسبة، ويحذر أتباعه منهم: # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء.. # [البقرة: 268] ويقول الحق سبحانه: # إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير # [فاطر: 6]. فكيف - إذن - يمده الشيطان ويمليه عليه، وهو عدوه؟ ولماذا ~~لم يأتكم وأنتم أحباؤه؟ هذه واحدة. الأخرى: { وما ينبغي لهم ~~وما يستطيعون } [الشعراء: 211] إن الله جعل القرآن معجزا ~~ومنهجا، والمعجزة لا يتسلط عليها إنس ولا جن فيفسدها، لذلك قال ~~سبحانه: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. أما الكتب السابقة فقد طلبت من المؤمنين بها أن يحفظوها، ~~وفرق بين الحفظ مني، وطلب الحفظ منكم لأن الطلب تكليف وهو عرضة لأن ~~يطاع ولأن يعصى، وقد جربنا حفظ البشر فلم يحافظوا على كتبهم السابقة ~~لذلك تولى الحق - سبحانه وتعالى - حفظ قرآنه بنفسه، ولم يكله إلى ~~أحد من خلقه. لذلك تجد في هذا المجال كثيرا من العجائب والمفارقات، ~~فمع تقدم الزمن وطغيان الحضارات المعادية للإسلام، والتي تمطرنا كل ~~يوم بوابل من الانحرافات والخروج عن تعاليم الدين، ومنا من ينساق ~~خلفهم، وهذا كله ينقص من الأحكام المطبقة من الإسلام. لكن مع هذا كله ~~تجد القرآن يزداد توثيقا، ms7181 ويزداد حفظا، ويتبارى حتى غير المسلمين في ~~حفظ كتاب الله وتوثيقه، والتجديد في طباعته، حتى رأينا مصحفا في ورقة ~~واحدة، ومصحفا في حجم عقلة الإصبع، ويفخر بعضهم الآن بأنه يملك أصغر ~~مصحف في العالم.. إلخ بصرف النظر عن دوافعهم من وراء هذا. المهم أن ~~الله تعالى يسخر حتى أعداء القرآن لحفظ القرآن # وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى ~~للبشر # [المدثر: 31]. أليس من وسائل نشر القرآن والمحافظة عليه آلات التسجيل ~~وآلات تكبير الصوت التي تنشر كلام الله في كل مكان؟ ولم يلق شيء من ~~الكتب السابقة مثل هذه العناية. إذن: فالعناية بالقرآن كنص لا تتناسب ~~مع النقص في أحكامه وانصراف أهله عنها، وكأن الله - عز وجل - يقول لنا: ~~سأحفظ هذا النص بغير المؤمنين به، وسأجعلهم يوثقونه ويهتمون به ~~ليكون ذلك حجة عليكم. لذلك كان عند الألمان قبل الحرب العالمية خزانة بها ~~أدراج، في كل درج منها آية من القرآن، يحفظ به كل ما كتب عن هذه الآية ~~بداية من تفسير ابن عباس إلى وقتها، وهذا دليل على أنهم مسخرون بقوة ~~خفية لا يقدر عليها إلا الله عز وجل # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. وسبق أن قلنا: إن بعض النساء يسرن في الشوارع كاشفات عن ~~صدورهن، ومع ذلك تتحلى بمصحف على صدرها، وليتها تستر صدرها ولا تعلق ~~المصحف. فكيف تقولون تنزلت به الشياطين، وقد جاء القرآن ليعلن لأهله ~~عداءه لهم والحذر منهم؟ كيف والشياطين لا تتنزل إلا على كفار أثيم، ~~وأنتم أولى بأن تتنزل عليكم # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم.. # [الأنعام: 121]. ومعنى: { وما يستطيعون } [الشعراء: 211] أن هذه ~~المسألة فوق قدراتهم لأن الحق تبارك وتعالى قال: { إنهم عن ~~السمع... }. ### || [26.212] # وقد شرح الحق سبحانه هذا المعنى في قوله تعالى: # وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا ~~شديدا وشهبا * وأنا كنا نقعد منها مقاعد ~~للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # [الجن: 8-9]. وبعد ذلك يتكلم عن استقبال المنهج من الرسول ومن آله ~~وأتباعه، ومن المؤمنين ms7182 جميعا: { فلا تدع مع الله... }. ### || [26.213] # خاطب الحق - تبارك وتعالى - نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: { ~~فلا تدع مع الله إلها آخر.. } [الشعراء: 213] فهل كان ~~صلى الله عليه وسلم مظنة أن يدعو مع الله إلها آخر؟ قالوا: لا، إنما ~~المراد ابتداء توجيه، وابتداء تكليف، كأنه يقول له: اجعل عندك مبدءا، ~~أنك لا تتخذ مع الله إلها آخر، لا أن الرسول اتخذ إلها، فجاء الوحي ~~لينهاه، إنما هو بداية تشريع وتكليف، وإذا كان العظيم المرسل صلى الله ~~عليه وسلم يتوعده الله إن أراد أن يتخذ إلها آخر، فما بالك بمن هو ~~دونه؟ فساعة يسمع الناس هذا الخطاب موجها إلى النبي المرسل إليهم، ~~فلا بد أن يصغوا إليه، ويحذروا ما فيه من تحذير، كما لو وجه رئيس ~~الدولة أمرا إلى رئيس الوزراء مثلا - ولله المثل الأعلى - وحذره من ~~عاقبة مخالفته، فلا شك أن من دونه من الموظفين سيكون أطوع منه لهذا ~~الأمر. ### || [26.214] # وهكذا نقل الأمر من رسول الله إلى أهله وعشيرته الأقربين، ذلك ليطمئن ~~الآخرون من قومه، فهو يأمرهم بأمر ليس بنجوة عنه، فأول ما ألزم به ألزم ~~نفسه ثم عشيرته، وهذا أدعى للطاعة وللقبول، فأنت ترد أمري إذا كنت ~~آمرك به ولا أفعله، لكني آمرك وأسبقك إلى الفعل. لذلك سيدنا عمر - رضي ~~الله عنه - وكان على المنبر يخطب في الناس، ويقول: أيها الناس، اسمعوا ~~وأطيعوا، فقام أعرابي وقال: لا سمع لك ولا طاعة، انظر إلى هذه الجرأة ~~على من؟ على عمر وهو على المنبر - فقال له عمر: ولم؟ قال: لأن ثيابك ~~أطول من ثيابنا - وكان القماش يوزع بين المسلمين بالتساوي لا فرق ~~بين طويل وقصير - فقال عمر لابنه عبد الله: قم يا عبد الله لتري ~~الناس، فقام عبد الله فقال: إن أبي رجل طوال - مبالغة في الطول - وثوبه ~~في المسلمين لم يكفه، فأعطيته ثوبي فوصله بثوبه، وها أنذا بمرقعتي ~~بينكم، عندها قال الأعرابي: إذن نسمع ونطيع. لكن أين القدوة في دوائرنا ~~ومصالحنا الحكومية الآن؟ وأين هو رئيس المصلحة الذي ms7183 يحضر، ويجلس على ~~مكتبه في الثامنة صباحا ليكون قدوة لمرؤوسيه؟ وإن من أشد ما ابتلينا به ~~أن نفقد القدوة في الرؤساء والمسئولين. لذلك أول ما وجه التشريع ~~والتكليف وجه إلى رسول الله، وإلى أقرب الناس إليه وهم عشيرته ~~الأقربون لأن الفساد يأتي أول ما يأتي من دوائر القربى والحاشية التي ~~تحيط بالإنسان، وقد يكون الرئيس أو الحاكم بخير، لكن حاشيته هي سبب ~~الفساد، حيث تستغل اسمه في فسادها أو تضلله وتعمي عليه الحقائق.. ~~إلخ. لذلك كان سيدنا عمر - رضي الله عنه - ساعة يريد أن يقرر شيئا ~~للأمة، ويعلم أنه قاس عليهم يجمع أهله أولا ويقول لهم: لقد شاء الله ~~أن أقرر كذا وكذا، فمن خالفني منكم في شيء من هذا جعلته نكالا لعامة ~~المسلمين، وهكذا يضمن أهله وأقاربه أولا، ويبدأ بهم تنفيذ ما أراده ~~للمسلمين. وتأمل { وأنذر عشيرتك الأقربين } [الشعراء: 214] ~~والإنذار كما ذكرنا التحذير من الشر قبل أوانه، فلم يقل: بشر ~~عشيرتك، كأنه يقول له: إياك أن يأخذك به لين ورأفة، أو عطف لقرابتهم ~~لك، بل بهم فابدأ. وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا التوجيه، ~~فكان صلى الله عليه وسلم يقول لقرابته: # " يا عباس يا عم رسول الله، يا صفية عمة رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، ~~اعملوا فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، ولا يأتيني الناس بأعمالهم، ~~وتأتوني بأنسابكم ". # وفي الوقت الذي يدعوه إلى إنذار عشيرته الأقربين يقول في مقابلها: { ~~واخفض جناحك لمن اتبعك... }. ### || [26.215] # بعد أن أمره بالشدة على أهله وقرابته يأمره باللين، وخفض الجناح لباقي ~~المؤمنين به، وخفض الجناح كناية عن اللطف واللين في المعاملة، وقد ~~أخذ هذا المعنى من الطائر حين يحنو على فراخه، ويضمهم بجناحه. وخفض ~~الجناح دليل الحنان، لا الذلة والانكسار، وفي المقابل نقول فلان فارد ~~أجنحته إذا تكبر وتجبر، وتقول فلان مجنح لي إذا عصا أوامرك. وفي موضع ~~آخر: # واخفض جناحك للمؤمنين # [الحجر: 88]. وقال في حق الوالدين: # واخفض لهما جناح الذل من الرحمة.. # [الإسراء: 24] فلا نقول: كن ذليلا لهم، ms7184 إنما كن رحيما بهم، ~~حنونا عليهم، ففي هذا عزك ونجاتك. ### || [26.216] # فإن عصاك الأقارب فلا تتردد في أن تعلنها { إني بريء مما ~~تعملون } [الشعراء: 216] وعندها لا تراعي فيهم حق الرحم، ولا ~~حق القربى، لأنه لا حق لهم لذلك قال { فقل.. } [الشعراء: 216] ~~ولم يقل تبرأ منهم لأنه قد يتبرأ منهم فيما بينه وبينهم. لكن الحق - ~~تبارك وتعالى - يريد أن يعلنها رسول الله على الملأ ليعلمها الجميع، ~~وربنا يعلمنا هنا درسا حتى لا نحابي أحدا، أو نجامله لقرابته، أو ~~لمكانته حتى تستقيم أمور الحياة. والذي يفسد حياتنا وينشر فيها الفوضى ~~واللا مبالاة أن ننافق ونجامل الرؤساء والمسئولين، ونغطي على ~~تجاوزاتهم، ونأخذهم بالهوادة والرحمة، وهذا كله يهدم معنويات المجتمع، ~~ويدعو للفوضى والتهاون. لذلك يعلمنا الإسلام أن نعلنها صراحة { فقل ~~إني بريء مما تعملون } [الشعراء: 216] وليأخذ القانون ~~مجراه، وليتساوى أمامه الجميع، ولو عرف المخالف أنه سيكون عبرة لغيره ~~لارتدع. لذلك يقال عن عمر رضي الله عنه أنه حكم الدنيا كلها، والحقيقة ~~أنه حكم نفسه أولا، فحكمت له الدنيا، وكذلك من أراد أن يحكم الدنيا ~~في كل زمان ومكان عليه أن يحكم نفسه، فلا يجرؤ أحد من أتباعه أن يخالفه، ~~وساعة أن يراه الناس قدوة ينصاعون له بالسمع والطاعة. ### || [26.217] # فقد تقول: إن فعلت هذا قل أنصاري وتفرق الأتباع والحاشية من حولي، ~~نقول لك: إياك أن تظن أنهم يجلبون لك نفعا، أو يدفعون عنك ضرا، ~~فالأمر كله بيده تعالى وبأمره، فخير لك أن تراعى الله، وأن تتوكل عليه. ~~{ وتوكل على العزيز الرحيم } [الشعراء: 217] العزيز الذي ~~يغلب ولا يغلب، ويقهر ولا يقهر، ومع ذلك فهو سبحانه رحيم بك ~~وبهم. وصفة الرحمة هنا تنفي ما يظنه البعض أن العزة هنا تقتضي الجبروت أو ~~القهر أو الظلم، فهو سبحانه في عزته رحيم، لأن عزة العزيز على ~~المتكبر رحمة بالمتكبر عليه. وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يعلم ~~خليفته في أرضه خاصة أولي الأمر منهم، يعلمه أن يكون أريبا ناصحا، ~~يقول له: إياك أن تتوكل على عبد مثلك إذا عجزت عن ms7185 العمل لأنه عاجز ~~مثلك، وما دام الأمر كذلك فتوكل على العزيز الرحيم، فعزته ورحمته لك ~~أنت. ### || [26.218-219] # أي: توكل على الذي يحبك، ويقدر عملك وعبادتك حين تقوم، والمعنى تقوم ~~له سبحانه بالليل والناس نيام { وتقلبك في الساجدين } ~~[الشعراء: 219] ونفهم من ذلك أنه يصح أن تقوم وحدك بالليل. وقوله: { ~~الذي يراك حين تقوم } [الشعراء: 218] يرى حالك في هذا القيام، ~~وما أنت عليه من الفرح، وسرعة الاستجابة لنداء الله في قوله: الله أكبر، ~~يراك حين تقوم على حالة انشراح القلب والإقبال على الله والنشاط للعبادة، ~~لا على حال الكسل والتراخي. وإن أقبلت على الله أعطاك من الفيوضات ما ~~يعوضك مكاسب الدنيا وتجارتها، إن تركتها لإجابة النداء لذلك كان شعار ~~الأذان الذي ارتضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر أي: أكبر من ~~أي شيء غيره، فإن كنت في نوم، فالله أكبر من النوم، وإن كنت في ~~تجارة، فالله أكبر من التجارة، وإن كنت في عمل فالله أكبر من العمل.. ~~إلخ. وعجيب أن نرى من يقدم العمل على الصلاة بحجة امتداد الوقت، ~~وإمكانية الصلاة بعد انتهاء العمل، وهذه حجة واهية لأن ربك حين يناديك ~~الله أكبر يريد أن تستجيب على الفور لا على التراخي، وإلا كيف تسمى ~~الاستجابة للنداء إذا تأخرت عن وقتها؟ فطول الوقت خاصة بين الصبح والظهر ~~وبين العشاء والصبح لا يعني أن تصلي في طول هذا الوقت لأن النداء يقتضي ~~الإسراع والاستجابة. ولنا ملحظ في الله أكبر فأكبر أفعل تفضيل تدل على ~~المبالغة ودون أكبر نقول: كبير، وكأنها إشارة إلى أن العمل والسعي ليس ~~شيئا هينا أو تافها، إنماهو كبير، ينبغي الاهتمام به لأنه عصب ~~الحياة، ولا تستقيم الأمور في عمارة الأرض إلا به. لكن، إن كان العمل ~~كبيرا فالله أكبر، فربك - عز وجل - لا يزهدك في العمل، ولا ~~يزهدك في الدنيا لأنه خالقها على هذه الصورة وجاعل للعمل فيها دورا، ~~وإن شئت فاقرأ: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله.. # [الجمعة: 10]. وقال في موضع آخر: ms7186 # ولا تنس نصيبك من الدنيا.. # [القصص: 77] لأن حركة الحياة هي التي تعينك على أداء الصلاة وعلى عبادة ~~الله، فبها تقتات، وبها تتقوى، وبها تستر عورتك، وما لا يتم الواجب إلا ~~به فهو واجب. ومع هذا فدعوة الله لك أولى بالتقديم، وأولى بالإجابة ~~لأن الذي خلقك وخلقها ناداك الله أكبر. و { وتقلبك.. } [الشعراء: ~~119] تعني: القعود والقيام والركوع والسجود، فربك يراك في كل هذه ~~الأحوال، ويرى سرورك بمقامك بين يديه، فإذا ما توكلت عليه فأنت تستحق أن ~~يكون ربك عزيزا رحيما من أجلك. أو: أن المعنى { وتقلبك في ~~الساجدين } [الشعراء: 119] أنه صلى الله عليه وسلم كان يرى صحابته ~~وهم يصلون خلفه، فيرى من خلفه، كما يرى من أمامه، وكانت هذه من ~~خصائصه صلى الله عليه وسلم. لذلك كان يحذرهم أن يسبقوه في الصلاة في ~~ركوع أو سجود، أو قيام أو قعود. ويحذرهم أن يفعلوا في الصلاة خلفه ما لا ~~يصح من المصلى اعتمادا على أنه صلى الله عليه وسلم لا يراهم. ### || [26.220] # السميع لما يقال، العليم بما يجول في الخواطر. ### || [26.221-222] # وقد سبق أن قالوا عن القرآن تنزلت به الشياطين، فيرد عليهم: تعالوا ~~أخبركم على من تتنزل الشياطين، وأصحح لكم هذه المعلومات الخاطئة: صحيح ~~أن الشياطين تتنزل، لكن لا تتنزل على محمد لأنه عدوها، إنما تتنزل على ~~أوليائها. قال الحق سبحانه: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم.. # [الأنعام: 121]. { تنزل على كل أفاك أثيم } [الشعراء: ~~222] فهذا الذي يناسب الشياطين ويرضيهم، والجن قسمان: فمنه الصالح وغير ~~الصالح وهذا الذي يسمونه الشياطين. وكلمة { أفاك.. } [الشعراء: 222] ~~مبالغة في الإفك أي: قلب الحقائق. وكان هؤلاء يخطفون الأخبار فيقولون ~~شيئا قد يصادف الصدق، ثم يجعلون معه كثيرا من الكذب. ### || [26.223] # السمع مصدر وألته الأذن، فالمراد يلقون الأذن للسمع، كما في قوله تعالى: # إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى ~~السمع وهو شهيد # [ق: 37]. يعني: ألقى سمعه كي يستمع كمن يحرص على السماع من خفيض الصوت، ~~فيميل نحوه ليسمع منه. وقال { وأكثرهم كاذبون } [الشعراء: ~~223] لأن بعضهم ms7187 والقلة منهم قد يصدق ليغلف كذبه، ويغطي عليه، فأنت ~~تأخذ من صدقه هذه المرة دليلا على أنه صادق، وهو يخلط الخبر الصادق ~~بأخبار كثيرة كاذبة. ثم يقول الحق سبحانه: { والشعرآء ~~يتبعهم... }. ### || [26.224] # الشعراء: جمع شاعر، وهو من يقول الشعر، وهو الكلام الموزون المقفى، ~~وقد اتهم الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر، ورد عليهم ~~القرآن الكريم في عدة مواضع، منها قوله تعالى: # وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون # [الحاقة: 41]. وعجيب من كفار مكة، وهم العرب أهل اللسان والبلاغة ~~والبيان، وأهل الخبرة في الكلام الموزون المقفى، بحيث كانوا يجعلون ~~للشعر أسواقا في ذي المجاز وذي المجنة وعكاظ، ويعلقون أجود أشعارهم ~~على أستار الكعبة، ومع ذلك لا يستطيعون التمييز بين الشعر وأسلوب القرآن ~~الكريم. إذن: هم يعرفون الفرق، لكن يقصدون بقولهم كما حكاه القرآن: # أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون # [الطور: 30] يقصدون بالشعر الكلام العذب الذي يستميل النفس، ويؤثر ~~في الوجدان، ولو كان نثرا. وهذه ينادى بها الآن أصحاب الشعر الحر لأنهم ~~يقولون شعرا، لكنه غير موزون، وغير مقفى. ومعنى { الغاوون } ~~[الشعراء: 224] جمع غاو. وهو الضال، وهؤلاء يتبعون الشعراء. لأنهم ~~يؤيدون مذهبهم في الحياة بما يقولون من أشعار ولأنهم لا يحكم منطقهم مبدأ ~~ولا خلق، بل هواهم هو الذي يحكم المبدأ والخلق، فإن أحبوا مدحوا، ~~وإن كرهوا ذموا. والدليل على ذلك: { ألم تر أنهم في ~~كل... }. ### || [26.225-226] # الضمير في { أنهم.. } [الشعراء: 225] يعود على الشعراء، والوادي: ~~هو المنخفض بين جبلين، وكان محل السير ومحل نمو الأشجار والبساتين ~~واستقرار المياه. { يهيمون } [الشعراء: 25] نقول: فلان هام على ~~وجهه أي: سار على غير هدى، وبدون هدف أو مقصد، فالمعنى { في كل واد ~~يهيمون } [الشعراء: 225] أن هذه حال الشعراء، لأنهم أهل كلام وخيال ~~يمدحك أحدهم إن طمع في خيرك، فإن لم تعطه كال لك الذم وتفنن في ~~النيل منك، فليس له واد معين يسير فيه، أو مبدأ يلتزم به، كالهائم على ~~وجهه في كل واد. فالمتنبي وهو من أعظم شعراء العصر العباسي ويضرب ms7188 به ~~المثل في الحكمة والبلاغة، من أشهر شعره قوله: # فالخيل والليل والبيداء تعرفني # والسيف والرمح والقرطاس والقلم # فلما كان في إحدى رحلاته خرج عليه قطاع الطرق، فلما أراد أن يفر ~~قال له خادمه: ألست القائل: # فالخيل والليل والبيداء تعرفني # والسيف والرمح والقرطاس والقلم # فاستحى أن يفر، وثبت أمامهم حتى قتلوه، فقال قبل أن يموت: ما قتلني ~~إلا هذا العبد، واشتهر هذا البيت في الأدب العربي بأنه البيت الذي قتل ~~صاحبه. ولما جاء المتنبي إلى مصر مدح حاكمها كافور الإخشيدي طمعا فيه، ~~وكان كافور رجلا أسود لذلك كنوه بأبي المسك، ولما مدحه المتنبي ~~حال الرضا قال فيه: # أبا كل طيب لا أبا المسك وحده # وفي قصيدة أخرى يقول: # قضى الله يا كافور أنك أول # وليس بقاض أن يرى لك ثان # فلما لم يعطه كافور طلبه، وساءت العلاقة بينهما، قال يهجوه: # أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا # وما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا # أمينا وإخلافا وغدرا وخسة وجبنا # أشخصا لحت لي أم مخازيا # وتعجبني رجلاك في النعل إنني # رأيتك ذا نعل وإن كنت حافيا # ومثلك يؤتى من بلاد بعيدة # ليضحك ربات الحداد البواكيا # ولولا فضول الناس جئتك مادحا # بما كنت في نفسي به لك هاجيا # وقد يكون الشاعر بخيلا، ولكنه يمدح الكرم والكريم، ويرفعه إلى عنان ~~السماء: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # تجد خير نار عندها خير موقد # والحطيئة مع ما عرف عنه من البخل يمدح أحدهم، ويصفه بالكرم النادر، ~~لدرجة أن جعله يهم بذبح ولده لضيفه لأنه لم يجد ما يذبحه، وينظم ~~الحطيئة في الكرم هذه القصيدة أو القصة الشعرية التي تعد من عيون ~~الشعر العربي، ومع ذلك لم يأخذ مما يقول عبرة، وظل على إمساكه ~~وبخله؟ يقول الحطيئة في وصف الكريم: # وطاو ثلاثا عاصب البطن مرمل # ببيداء لم يعرف بها ساكن رسما # أخي جفوة فيه من الأنس وحشة # يرى البؤس فيها من شراسته نعما # وأفرد في شعب عجوزا إزاءها # ثلاثة أشباح تخالهوا بهما # حفاة عراة ما اغتذوا خبز ms7189 ملة # ولا عرفوا للبر مذ خلقوا طعما # رأى شبحا وسط الظلام فراعه # فلما رأى ضيفا تشمر واهتما # فقال ابنه لما رآه بحيرة # أيا أبت اذبحني ويسر له طعما # ولا تعتذر بالعدم على الذي طرا # يظن لنا مالا فيوسعنا ذما # فبينا هما عنت على البعد عانة # قد انتظمت من خلف مسحلها نظما # عطاشا تريد الماء فانساب نحوها # على أنه منها إلى دمها أظما # فأمهلها حتى تروت عطاشها # وأرسل فيها من كنانته سهما # فخرت نحوص ذات جحش سمينة # قد اكتنزت لحما وقد طبقت شحما # فيا بشره إذ جرها نحو قومه # ويا بشرهم لما رأوا كلمها يدما # وباتوا كراما قد قضوا حق ضيفهم # وما غرموا غرما وقد غنموا غنما # وبات أبوهم من بشاشته أبا # لضيفهم والأم من بشرها أما # وصدق الله العظيم: { أنهم في كل واد يهيمون * ~~وأنهم يقولون ما لا يفعلون } [الشعراء: 225-226] يصفون ~~الكرم وهم بخلاء، والشجاعة وهو جبناء... إلخ. وفي مرة، اجتمع عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم اثنان من الشعراء: الزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، ~~وعمرو بن الأهتم فقال أحدهم عبارتين في مدح أحد الحاضرين بأنه سيد ~~القبيلة. فغضب الممدوح ورأى أن هذا قليل في حقه، فقال: والله يا رسول ~~الله، إنه ليعلم مني فوق الذي قال - يعني: لم يوفني حقي - فقال ~~الشاعر: أما والله وقد قال ما قال، فإنه لضيق العطية، أحمق الأب، لئيم ~~العم والخال. سبحان الله في أول المجلس كان سيد قبيلته، والآن هو ضيق ~~العطية، أحمق الأب، لئيم العم والخال!! ثم قال: والله يا رسول الله ما ~~كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الثانية - يعني: أنا مصيب في القولين - ~~لكني رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أسوأ ما علمت. عندها قال ~~سيدنا رسول الله # " إن من البيان لسحرا ". # ثم يستثني الحق سبحانه من هؤلاء الغاوين: { إلا الذين آمنوا ~~وعملوا... }. ### || [26.227] # كان بعض شعراء المشركين أمثال عبد الله بن الزبعري، ومسافح الجمحي يهجون ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذمونه، فيلتف الضالون الغاوون من ms7190 حولهم، ~~يشجعونهم ويستزيدونهم من هجاء رسول الله، وفي هؤلاء نزل قوله تعالى: # والشعرآء يتبعهم الغاوون # الشعراء: 224] فأسرع إلى سيدنا رسول الله شعراء الإسلام: عبد الله بن ~~رواحة وكعب بن زهير، وكعب بن مالك، وحسان بن ثابت، فقالوا: أنحن من هؤلاء ~~يا رسول الله؟ فقرأ عليهم رسول الله هذه الآية: { إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات.. } [الشعراء: 227]. فاستثنى الحق - ~~تبارك وتعالى - من الشعراء من توفرت فيه هذه الخصال الأربع { إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله ~~كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا.. } [الشعراء: 227] أي: ~~ذكروا الله في أشعارهم لينبهوا الناس إلى مواجيد الدين ومواعظ الإيمان، ~~فيلتفتون إليها، ثم ينتصرون لرسول الله من الذين هجوه. وكان هؤلاء ~~الثلاثة ينتصرون للإسلام ولرسول الله، فكلما هجاه الكفار ردوا عليهم، ~~وأبطلوا حججهم، ودافعوا عن رسول الله، حتى # " أنه صلى الله عليه وسلم نصب منبرا لحسان بن ثابت، وكان يقول له: " ~~قل وروح القدس معك، اهجهم وجبريل معك " # وقال لكعب بن مالك: # " اهجهم، فإن كلامك أشد عليهم من رشق النبال " # كما سمح لهم بإلقاء الشعر في المسجد لأنهم دخلوا في هذا الاستثناء، فهم ~~من الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيرا، وهم الذين ينتصرون ~~للإسلام ويمجدون رسول الله، ويدافعون عنه، ويردون عنه ألسنة الكفار. ~~ومعنى: { وانتصروا من بعد ما ظلموا.. } [الشعراء: 227] ~~أنهم لم يكونوا سفهاء، ولم يبدأوا الكفار بالهجاء، إنما ينتصرون لأنفسهم، ~~ويدفعون ما وقع على الإسلام من ظلم الكافرين لذلك لما هجا أبو سفيان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال أحدهم ردا عليهم: # أتهجوه ولست له بكفء # فشركما لخيركما الفداء # فإن أبي ووالده وعرضي # لعرض محمد منكم وقاء # وقوله تعالى: { من بعد ما ظلموا.. } [الشعراء: 227] ظلموا ~~ممن؟ من الذين وقفوا من الدين ومن الرسول موقف العداء، وتعرضوا ~~لرسول الله وللمؤمنين به بالإيذاء والكيد، ظلموا من الذين عزلوا رسول ~~الله، وآله في الشعب حتى أكلوا أوراق الشجر، من الذين تآمروا على قتله ~~صلى الله عليه وسلم إلى أن هاجر. ومن رحمته تعالى وحكمته أن أباح ~~للمظلوم ms7191 أن ينتصر لنفسه، وأن ينفس عنها ما يعانيه من وطأة الظلم، ~~حتى لا تكبت بداخله هذه المشاعر، ولا بد لها أن تنفجر، فقال سبحانه: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين # [النحل: 126]. وقال تعالى: # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ~~ظلم.. # [النساء: 148]. فأباح للمظلوم أن يعبر عن نفسه، وأن يرفض الظلم، ولا ~~عليه إن جهر بكلمة تخفف عنه ما يشعر به من ظلم. ثم تختم السورة بقوله ~~تعالى: { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون } [الشعراء: 227] يعني: غدا سيعلمون مرجعهم ونهايتهم كيف ~~تكون؟ والمنقلب هو المرجع والمآب، والمصير الذي ينتظرهم. فالحق - تبارك ~~وتعالى - يتوعدهم بما يؤذيهم، وبما يسوؤهم فلن تنتهي المسألة بانتصار ~~المسلمين عليهم، إنما ينتظرهم جزاء آخر في الآخرة. كما قال سبحانه في ~~موضع آخر: # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك.. # [الطور: 47]. لذلك أبهم الله تعالى هذا المنقلب، وإبهامه للتعظيم ~~والتهويل، وقد بلغ من العظم أنه لا يوصف ولا تؤدي العبارة مؤداه، كما ~~أبهم العذاب في قوله تعالى: # فغشيهم من اليم ما غشيهم # [طه: 78]. يعني: شيء عظيم لا يقال، والإبهام هنا أبلغ لأن العقل يذهب ~~في تصوره كل مذهب، وعلى كل كيفية. والمنقلب أو المرجع لا يمدح في ذاته، ~~ولا يذم في ذاته، فإن انتهى إلى السوء فهو منقلب سيء، وإن انتهى إلى ~~خير فهو منقلب حسن، فالذي نحن بصدده من منقلب الكافرين المعاندين ~~لرسول الله منقلب سيء يذم. أما منقلب سحرة فرعون مثلا حين قال لهم: # آمنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم ~~الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف.. # [طه: 71]. فماذا قالوا؟ # قالوا لا ضير إنآ إلى ربنا منقلبون # [الشعراء: 50] فهذا منقلب حسن يمدح ويحمد. وقد يظن المرء أن ~~منقلبه منقلب خير، وأنه سينتهي إلى ما يفرح، وهو واهم مخدوع في ~~عمله ينتظر الخير، والله تعالى يعد له منقلبا آخر، كالذي أعطاه الله ~~الجنتين من أعناب وحففهما بنخل، وجعل بينهما زرعا، فلما غرته نعمة ~~الدنيا ظن أن له ms7192 مثلها، أو خيرا منها في الآخرة، فقال: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36]. والانقلاب والمرجع إلى الله - عز وجل - إنما يفرح به من ~~آمن بالله وعمل صالحا لأنه يعلم أنه سيصير إلى جزاء من الحق - سبحانه ~~وتعالى - مؤكد لذلك الحق - تبارك وتعالى - يعلمنا حين نركب الدواب ~~التي تحملنا # وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس.. # [النحل: 7]. علمنا أن نذكره سبحانه: # والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره ثم ~~تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ~~وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين * وإنآ إلى ربنا لمنقلبون # [الزخرف: 12-14]. إذن: فالدواب وما يحل محلها الآن من وسائل ~~المواصلات من أعظم نعم الله علينا، ولولا أن الله سخرها لنا ما كان ~~لنا قدرة عليها، ولا طاقة بتسخيرها لذلك نقول # وما كنا له مقرنين # [الزخرف: 13]. أي: لا نستطيع ترويضه، فالصبي الصغير نراه يقود الجمل ~~الضخم، وينيخه ويحمله الأثقال وهو طائع منقاد، لكنه يفزع إن رأى ~~ثعبانا صغيرا، لماذا؟ لأن الله - سبحانه وتعالى - سخر لنا الجمل ~~وذلله، ولم يسخر لنا الثعبان. وصدق الله العظيم إذ يقول سبحانه: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 71-72]. ولكن ما علاقة قولنا: # سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين # [الزخرف: 13] بقولنا: # وإنآ إلى ربنا لمنقلبون # [الزخرف: 14]. قالوا: لأننا سننقلب إلى الله في الآخرة، وسنسأل عن هذا ~~النعيم، فإن شكرنا ربنا على هذه النعمة فقد أدينا حقها، ومن شكر ~~الله على نعمة في الدنيا لا يسأل عنها في الآخرة لأنه أدى حقها. وقال ~~سبحانه: { وسيعلم.. } [الشعراء: 227] بالسين الدالة على الاستقبال، ~~لكنها لا تعني طول الزمن كما يظن البعض لأن الله تعالى أخفى الموت ~~ميعادا، وأخفاه سببا ومكانا، وهذا الإبهام للموت هو عين البيان، ~~لأنك في هذه الحالة ستنتظره وتتوقعه في كل وقت، ولو علم الإنسان موعد ~~موته لقال: أفعل ms7193 ما أريد ثم أتوب قبل أن أموت. إذن: الوقت الذي تقتضيه ~~السين هنا لا يطول، فقد يفاجئك الموت، وليس بعد الموت عمل أو توبة، واقرأ ~~قوله تعالى: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46]. وقلنا: إن في الآية { وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون } [الشعراء: 227] تهديدا ~~ووعيدا، الحق - تبارك وتعالى - حين يضخم الوعيد إنما يريد الرحمة ~~بخلقه، وهو محب لهم، فيهددهم الآن ليسلموا غدا، وينبههم ~~ليعودوا إليه، فينالوا جزاءه ورحمته. وكأنه - تبارك وتعالى - يريد من ~~وراء هذا التهديد أن يوزع رحمته لا جبروته، كما تقسو على ولدك ليذاكر ~~وتهدده ليجتهد. إذن: فالوعد بالخير خير، والوعيد بالشر أيضا خير، فكل ما ~~يأتيك من ربك، فاعلم أنه خير لك، حتى وإن كان تهديدا ووعيدا. وهكذا ~~قدمت لنا سورة الشعراء نموذجا من تسلية الحق - تبارك وتعالى - لنبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه ما يلاقي من حزن وألم على حال قومه ~~وعدم إيمانهم، وعرضت عليه صلى الله عليه وسلم موكب الرسل، وكيف أن الله ~~أيدهم ونصرهم وهزم أعداءهم ودحرهم. ثم سلاه ربه بأن رد على ~~الكفار في افتراءاتهم، وأبطل حججهم، وأبان زيف قضاياهم، ثم تختم هذه ~~التسلية ببيان أن للظالمين عاقبة سيئة تنتظرهم وأبهم هذه العاقبة { أي ~~منقلب ينقلبون } [الشعراء: 227] ليضخمها. والشيء إذا حدد ~~إنما يأتي على لون واحد، وإن أبهم كان أبلغ لأن النفس تذهب في ~~تصوره كل مذهب، كما لو تأخر مسافر عن موعد عودته فنجلس ننتظره في قلق ~~تسرح بنا الظنون في سبب تأخره، وفي احتمالات ما يمكن أن يحدث، وتتوارد ~~على خواطرنا الأوهام، وكل وهم يرد في نفسك بألم ولذعة، في حين أن ~~الواقع شيء واحد. ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1] # تكلمنا كثيرا على هذه الحروف المقطعة في أوائل السور، وهنا طس وهما ~~حرفان من حروف المعجم، وهي تنطق هكذا طاء وسين لأنهما أسماء حروف، ~~وفرق بين اسم الحرف ومسماه، فكل من الأمي والمتعلم يتكلم بحروف ~~يقول مثلا: كتب محمد الدرس. فإن طلبت من الأمي أن ms7194 يتهجى هذه الحروف لا ~~يستطيع لأنه لا يعرف اسم الحرف، وإن كان ينطق بمسماه، أما المتعلم ~~فيقول: كاف تاء باء. ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يعرف ~~أسماء الحروف، فهي إذن من الله لذلك كانت مسألة توقيفية، فالحروف الم ~~نطقنا بها في أول البقرة بأسماء الحروف ألف لام ميم، أما في أول الانشراح ~~فقلنا # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1] بمسميات الحروف نفسها، فنقول: ألم. و { تلك.. } [النمل: ~~1] اسم إشارة للآيات الآتية خلال هذه السورة، وقلنا إن الآيات لها ~~معان متعددة، فقد تعني الآيات الكونية: كالشمس والقمر، # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر.. # [فصلت: 37]. # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها.. # [الروم: 21] وهذه الآيات الكونية هي التي تلفتنا إلى عظمة الخالق - عز ~~وجل - وقدرته. والآيات بمعنى المعجزات المصاحبة للرسل، والتي تثبت صدق ~~بلاغهم عن الله، والآيات بمعنى آيات القرآن الحاملة للأحكام، وهي المرادة ~~هنا { تلك آيات القرآن وكتاب مبين } [النمل: 1]. وسبق ~~أن قال تعالى: # الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين # [الحجر: 1] فمرة يقول # وقرآن مبين # [الحجر: 1] ومرة { وكتاب مبين } [النمل: 1] ويأتي بالكتاب ويعطف ~~عليه القرآن، أو يأتي بالقرآن ويعطف عليه الكتاب، مع أنهما شيء واحد، ~~فكيف إذن يعطف الشيء على نفسه؟ قالوا: إذا عطف الشيء على نفسه، فاعلم أنه ~~لزيادة وصف الشيء، تقول: جاءني زيد الشاعر والخطيب والتاجر، فلكل صفة ~~منها إضافة في ناحية من نواحي الموصوف، فهو القرآن لأنه يقرأ في الصدور، ~~وهو نفسه الكتاب لأنه مكتوب في السطور، وهما معا نسميهم مرة القرآن ~~ومرة الكتاب، أما الوصف فيجعل المغايرة موجودة. ومعنى { مبين } ~~[النمل: 1] بين واضح ومحيط بكل شيء من أقضية الحياة وحركتها من أوامر ~~ونواه، كما قال سبحانه: # ما فرطنا في الكتاب من شيء.. # [الأنعام: 38]. وسبق أن حكينا ما حدث مع الإمام محمد عبده - رحمه الله ~~- حينما كان في فرنسا، وسأله أحد المستشرقين: تقولون إن القرآن أحاط بكل ~~شيء، فكم رغيفا في إردب القمح؟ فدعا الإمام الخباز وسأله فقال: كذا ~~وكذا، فقال المستشرق: ms7195 أريدها من القرآن، قال الإمام: القرآن قال لنا: # فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [الأنبياء: 7]. فهو كما قال تعالى: # ما فرطنا في الكتاب من شيء.. # [الأنعام: 38]. ثم يقول الحق سبحانه: { هدى وبشرى ~~للمؤمنين... }. ### || [27.2] # الهدى: يأتي بمعنيين: بمعنى الدلالة على طريق الخير، وبمعنى المعونة، ~~فمن ناحية الدلالة هو هدى للمؤمن وللكافر على حد سواء لأنه دل ~~الجميع وأرشدهم، ثم تأتي هداية المعونة على حسب اتباعك لهداية الدلالة. ~~فمن أطاع الله وآمن به وأخذ بدلالته، فكأن الحق سبحانه يقول له: أنت ~~استأمنتني على حركة حياتك وأطعتني في أمري ونهيي، فسوف أخفف عنك وأهون ~~عليك أمر العبادة وأعينك عليها، وهذه هي هداية المعونة التي قال الله ~~عنها: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. وكذلك الكافر الذي لم يأخذ بهداية الدلالة والإرشاد، واختار ~~لنفسه طريقا آخر يعينه الله عليه، وييسر له ما سعى إليه من الكفر ~~لذلك يختم الله على قلوب الكافرين حتى لا يدخلها إيمان ولا يخرج منها ~~كفر. لكن الهداية هنا: أهي هداية دلالة، أم هداية معونة؟ نقول: هي هداية ~~معونة، بدليل قوله تعالى بعدها { وبشرى للمؤمنين } [النمل: ~~2] فما كانوا مؤمنين إلا لأنهم مهديون، والبشرى لا تكون إلا للمؤمنين، ~~إذن: هي معونة للمؤمنين بأن يزيدهم هداية إلى الطريق السوي، وإلى ~~جنات النعيم # نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ~~ربنآ أتمم لنا نورنا واغفر لنآ إنك على كل ~~شيء قدير # [التحريم: 8]. ولو أن الهداية هنا بمعنى الدلالة التي تأتي للمؤمن ~~والكافر لكانت بشرى وإنذارا، لكن الآية { وبشرى للمؤمنين } ~~[النمل: 2] فتعين أن يكون المعنى هداية المعونة وهداية البشرى. ### || [27.3] # المؤمنون هم أصحاب عقيدة الإيمان، وهو أن تؤمن بقضية الحق الواحد الإله ~~المختار الفاعل الذي له صفات الكمال، تؤمن بها حتى تصير عقيدة في نفسك ~~ثابتة لا تتزعزع، والإيمان اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل ~~بالجوارح، فلا يكفي النطق باللسان، إنما لابد من أداء تكاليف الإيمان ~~ومطلوباته، وقمتها إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، والحج. ~~فالصلاة دعوة من الله لخلقه، دعوة من الصانع ms7196 للمصنوع، فربك يستدعيك ~~إلى حضرته، وكيف بالصنعة إذا عرضت على صانعها كل يوم خمس مرات، ~~ومع ذلك نرى من يقدم العمل على الصلاة، وإذا سمع النداء قال عندي ~~أعمال ومشاغل، إياك أن تظن أن الصلاة تعطيل للمصالح، أو إضاعة للوقت ~~لأنك في حركة حياتك مع نعم الله وفي الصلاة مع الله. ونقيس هذه ~~المسألة - ولله المثل الأعلى - لو أن أباك ناداك فلم تجبه، ماذا يفعل ~~بك؟ فلا يكن ربك أهون عليك من أبيك، ربك يناديك: الله أكبر يعني: ~~أكبر من العمل، وأكبر من كل شيء يشغلك عن تلبية ندائه. وفي الصلاة نأخذ ~~شحنة إيمانية تقوينا على حركة حياتنا، كما لو ذهبت ببطارية السيارة ~~مثلا لجهاز الشحن أتقول: إنك عطلت البطارية؟ ولو حسبنا الوقت الذي ~~تستغرقه الصلوات الخمس لوجدناه لا يتعدى ساعة من الأربع والعشرين ساعة، ~~فلا تضن على نفسك بها لتلتقي بربك، وتقف بين يديه، وتعرض نفسك عليه، ~~فيصلح فيك ما أفسدته حركة الحياة ويعطيك المدد والعون والشحنة الإيمانية ~~التي تدفعك إلى حركة منسجمة مع الحياة والكون من حولك. وإن كان مهندس ~~الآلة يصلحها بشيء مادي، فربك - عز وجل - غيب، فيصلحك بالغيب، ومن ~~حيث لا تدري أنت، لذلك كانت الصلاة في قمة مطلوبات الإيمان. فإن كانت ~~الصلاة لإصلاح النفس، فالزكاة لإصلاح المال لذلك تجد دائما أن الصلاة ~~مقرونة بالزكاة في معظم الآيات، وإن كان المال نتيجة العمل، والعمل فرع ~~الوقت، فإن الصلاة تأخذ الوقت، والزكاة تأخذ نتيجة الوقت، الزكاة تأخذ ~~2.5% أما الصلاة فتأخذ الوقت نفسه يعني بنسبة 100%. ومع ذلك لا نقول: إن ~~الصلاة أضاعت الوقت، لأن الشحنة التي تأخذها في الصلاة تجعلك تنجز العمل ~~الذي يستغرق عدة ساعات في نصف ساعة، فتعطيك بركة في الوقت. وسبق أن قلنا: ~~إن نداء الله أكبر يعني: أن لقاء الله أكبر من أي شيء يشغلك مهما رأيته ~~كبيرا لأنه سبحانه واهب البركة، وواهب الطاقة، وإن كان العمل والسعي ~~في مناكب الأرض مطلوبا، لكن الصلاة في وقتها أولى. وحين نتأمل أطول ~~الأوقات بين كل ms7197 صلاتين نجد أنها من الصبح حتى الظهر، وهو الوقت المناسب ~~للعمل، ومن العشاء حتى الصبح، وهو الوقت المناسب للنوم، وهكذا تنظم ~~لنا الصلاة حياتنا، فمن صلاة الصبح إلى صلاة الظهر سبع ساعات هي ساعات ~~العمل. # لو أن الأمة الإسلامية تمسكت بشرعها ومنهج ربها، وبعد هذه الساعات ~~السبع التي تقضيها في عملك، أنت حر بعد صلاة الظهر، أما التخصيص الذي ~~طرأ على حركة الحياة فقد اقتضى أن يأتي صلاة الظهر بل والعصر والناس ما ~~يزالون في أعمالهم. أما الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها بحجة امتداد الوقت ~~بين الصلاتين، نعم الوقت ممتد، لكن لا يجوز لك تأخير الصلاة، ولبيان ~~هذه المسألة نقول: هب أن غنيا مستطيع للحج، ولم يحج متى يأثم. يأثم ~~إذا ما غره طول الأمل، ثم عاجله الموت قبل أن يحج، فإن أمهله ~~العمر حتى يحج، فقد سقط عنه هذا الفرض، لكن من يضمن له البقاء إلى أن ~~يؤدي هذه الفريضة. لذلك ورد في الحديث: # " حجوا قبل ألا تحجوا ". # كذلك الحال في وقت الصلاة، فهو ممتد، لكن من يضمن لك امتداده لذلك ~~تارك الصلاة يأثم في آخر لحظة من حياته، فإن ظل إلى أن يصلي فلا شيء ~~عليه. إذن: لا تتعلل بطول الوقت لأن طول الوقت جعله الله لحكمه، لا ~~لنأخذه ذريعة لتأخير الصلاة عن وقتها، طول الوقت بين الصلوات جعل ~~للنائم كي يستيقظ، أو للناسي كي يتذكر. ثم يقول سبحانه { وهم ~~بالآخرة هم يوقنون } [النمل: 3]. فالآية جمعت أمر المؤمن كله، ~~بداية من العقيدة والإيمان بالله، ثم الصلاة، فالزكاة وهما المطلبان ~~العمليان بين إيمانين: الإيمان الأول بالله، والآخر أن يؤمن بالآخرة ~~وبالجزاء والمرجع والمصير. وقوله { يوقنون } [النمل: 3] الإيقان: ~~الحكم بثبات الشيء بدون توهم شك لذلك قلنا: إن العلم أن تعرف قضية ~~واقعة وتقول، إنها صدق وتدلل عليها. وقلنا: إن اليقين درجات علم ~~اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، فمثلا حين أقول لك: إنني رأيت في ~~أحد البلاد أصبع الموز نصف متر، وأن تثق في ولا تكذبني، فهذا علم يقين، ~~فإن رأيته، ms7198 فهذا عين اليقين، فإن أخذته وذهبت تقطعه مثلا، وتوزعه ~~على الحاضرين فهذا حق اليقين. وهذه الدرجة لا يمكن أن يتسرب إليها ~~شك. لذلك لما # " سأل النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي الحارث بن مالك الأنصاري: " كيف ~~أصبحت "؟ قال: أصبحت بالله مؤمنا حقا، قال " فإن لكل حق حقيقة، ~~فما حقيقة إيمانك؟ " قال: عزفت نفسي عن الدنيا، فاستوى عندي ذهبها ~~ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار ~~في النار يعذبون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " عرفت فالزم ". # والإمام على - رضي الله عنه - يعطينا صفة اليقين في قوله: لو كشف عني ~~الحجاب ما ازددت يقينا لأني صدقت بما قال الله، وليست عيني أصدق عندي ~~من الله. ومن هذا اليقين ما ذكرنا في قوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1] مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد في هذا العام، فلم ~~ير هذه الحادثة، فالمعنى: ألم تعلم، وعدل عن تعلم إلى ترى ليقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن إخبار الله لك أقوى صدقا من رؤية عينيك. ### || [27.4] # هؤلاء في مقابل الذين آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لأن الحق - ~~تبارك وتعالى - يعرض الشيء ومقابله لنجري نحن مقارنة بين المتقابلات، ~~وفي هؤلاء يقول تعالى: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة.. ~~} [النمل: 4]. ولم ينف عنهم إقامة الصلاة أو إيتاء الزكاة، لماذا؟ ~~لأنهم أصلا لا يؤمنون بالله، ولا بالبعث والحساب، ولو علموا أنهم ~~سيرجعون إلى الله لآمنوا به، ولقدموا العمل الصالح. ومعنى { زينا ~~لهم أعمالهم.. } [النمل: 4] أن الذين لا يؤمنون بالله، ولا ~~يؤمنون بالآخرة، ولا يؤدون مطلوبات الإيمان لا عذر لهم لأننا حينما ~~عرضنا الإيمان ومطلوباته عرضناه عرضا جيدا مستميلا مشوقا ~~وزيناه لكم. فالصلاة لقاء بينك وبين ربك يعبر عن دوام الولاء، ويعطيك ~~شحنة إيمانية، والزكاة تؤمنك حين ضعفك وعدم قدرتك، فنأخذ منك وأنت غني ~~لنعطيك إن حل بك الفقر، ولما نهيناك عن الكذب نهينا الناس جميعا أن ~~يكذبوا عليك، ولما حذرناك من الرشوة قلنا للآخرين: لا ms7199 تأكلوا ماله دون ~~وجه حق.. إلخ. وهكذا شرحنا التكاليف وبينا الحكمة منها، وحببناها ~~إليكم. أو: يكون المعنى: زينا لهم أعمالهم التي يعملونها، فلما علم ~~الله عشقهم للضلال وللانحراف ختم على قلوبهم، يقول تعالى: # أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا.. # [فاطر: 8]. لكن من الذي زين لهم: # فزين لهم الشيطان أعمالهم.. # [النحل: 63] فالتزيين يأتي مرة من الشيطان، ومرة مجهول الفاعل، ومرة ~~زين الله لهم. ومن تزيين الله قوله تعالى في شأن فرعون: # وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة ~~وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك.. # [يونس: 88] فلما أعطاهم الله النعمة فتنوا بها. وإبليس خلقه الله، ~~وجعل له ذرية تتسلط على الناس، وتغويهم، وما ذلك إلا للاختبار ليرى ~~من سيقف على هذه الأبواب، إذن: الحق - تبارك وتعالى - لم يجعل حواجز عن ~~المعصية، وجعل لكم دوافع على الطاعة، فالمسألة منك أنت، فإن رأيتك ~~ملت إلى شيء وأحببته أعنتك عليه. والذي يموت له عزيز، أو المرأة ~~التي يموت ولدها، فتظل حزينة عليه تكدر حياتها وحياة من حولها - ويا ~~ليت هذا يفيد أو يعيد الميت - ونقول لمن يستقبل قضاء الله بهذا ~~السخط: إن ربك حين يعلم أنك ألفت الحزن وعشقته وهو رب، فلا بد ~~أن يعطيك مطلوبك، ويفتح عليك كل يوم بابا من أبوابه. إذن: ينبغي على ~~من يتعرض لمثل هذا البلاء أن يستقبله بالرضا، وإن يغلق باب الحزن، ~~ولا يتركه مواربا. ومن التزيين قوله سبحانه: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. ومعنى { يعمهون } [النمل: 4] يتحيرون ويضطربون، لا ~~يعرفون أين يذهبون؟ ### || [27.5] # أي: العذاب السيء، وهذا في الآخرة، فبالإضافة إلى ما حدث لهم من تقتيل ~~في بدر، وهزيمة كسرت شوكتهم فلم ينته الأمر عند هذا الحد، إنما هناك ~~خسارة أخرى في الآخرة { وهم في الآخرة هم الأخسرون } ~~[النمل: 5]. والأخسر مبالغة في الخسران، فلم يقل: خاسر إنما أخسر لأنه ~~خسر النعيم لأنه لم يقدم صالحا في ms7200 الدنيا، وليته ظل بلا نعيم وترك ~~في حاله، إنما يأتيه العذاب الذي يسوؤه لذلك قال تعالى { هم ~~الأخسرون } [النمل: 5] لأنهم لم يدخلوا الجنة، وهذه خسارة، ثم هم في ~~النار، وهذه خسارة أخرى. ### || [27.6] # يعني: هذه المسائل والقضايا إنما تأتيك من الله الحكيم الذي يضع الشيء ~~في نصابه وفي محله، فإن أثاب المحسن أو عاقب المسيء، فكل في محله، ~~وهو سبحانه العليم بما يضع من الجزاءات على الحسنة وعلى السيئة. ويقص ~~علينا الحق سبحانه قصة موسى عليه السلام: { إذ قال موسى ~~لأهله... }. ### || [27.7] # ما زلنا قريبي عهد بذكر طرف من قصة موسى - عليه السلام - في سورة ~~الشعراء، وهنا يعود السياق إليه مرة أخرى، لماذا؟ لأن دعوة موسى - عليه ~~السلام - أخذت حيزا كبيرا من القرآن الكريم، ذلك لأنهم أتعبوا ~~أنبياءهم وعاندوهم حتى كثر الكلام عنهم. وعجيب أنهم يفخرون بكثرة ~~أنبيائهم، وهم لا يعلمون أنها تحسب عليهم لا لهم، فالنبي لا يأتي إلا ~~عند شقوة أصحابه، وبنوا إسرائيل كانوا من الضلال والعناد بحيث لا ~~يكفيهم رسول واحد، بل يلزمهم كونسلتو من الأنبياء، فهم يعتبرونها مفخرة، ~~وهي منقصة ومذمة. أما تكرار قصة بني إسرائيل وموسى - عليه السلام - ~~كثيرا في القرآن، فلأن القرآن لا يروي حدوتة و، لا يذكر أحداثا للتأريخ ~~لها، إنما يأتي من القصة بما يناسب موطن العبرة والتثبيت لفؤاد رسول ~~الله: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك.. # [هود: 120]. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض في رحلة الدعوة ~~لكثير من المصاعب والمشاق، ويحتاج لتسلية وتثبيت، فيأتي له ربه بلقطة ~~معينة، ولكن لا يورد القصة كاملة، وهذا ليس عجزا - وحاشا لله - عن ~~إيراد القصة كاملة مرة واحدة. وقد أورد سبحانه قصة يوسف - عليه السلام - ~~كاملة من الألف إلى الياء في صورة قصة محبوكة على أتم ما يكون الفن ~~القصصي، ومع ذلك لم يأت لسيدنا يوسف عليه السلام ذكر - في غير هذه ~~القصة - إلا في موضعين: أحدهما: في سورة الأنعام: # ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف.. # [الأنعام: 84]. والآخر في ms7201 سورة غافر: # ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم ~~في شك مما جآءكم به حتى إذا هلك قلتم لن ~~يبعث الله من بعده رسولا.. # [غافر: 34]. إذن: ورود القصة في لقطات مختلفة متفرقة ليس عجزا عن ~~إيرادها مستوفاة كاملة في سياق واحد، ولو فعل ذلك لكان التثبيت مرة ~~واحدة. وهنا يقول الحق سبحانه: { إذ قال موسى لأهله إني ~~آنست نارا.. } [النمل: 7]، وفي موضع آخر يقول: # قال لأهله امكثوا إني آنست نارا.. # [القصص: 29] وفي هذه الآية إضافة جديدة ليست في الأولى. أما قوله تعالى: # فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب ~~الطور نارا.. # [القصص: 29] أي: آنس في ذاته، أما في الآيتين السابقتين فيخبر بأنه ~~آنس نارا، إذن: كل آية في موقف، وليس في الأمر تكرار، كما يتوهم ~~البعض. فموسى - عليه السلام - يسير بأهله في هذا الطريق الوعر ويحل ~~عليه الظلام، ولا يكاد يرى الطريق فيقول لزوجته: { إني آنست ~~نارا.. } [النمل: 7] يعني: سأذهب لأقتبس منها، ليهتدوا بها، أو ~~ليستدفئوا بها. # وطبيعي أن تعارضه زوجته: كيف تتركني في هذا المكان الموحش وحدي، ~~فيقول لها # امكثوا إني آنست نارا.. # [القصص: 29] يعني: ابقى هنا مستريحة، وأنا الذي سأذهب، فلربما تعرضت ~~لمخاطر فكوني أنت بعيدا عنها، إذن: هي مواقف جديدة استدعاها الحال، ~~ليست تكرارا. كذلك نجد اختلافا طبيعيا في قوله: # لعلي آتيكم منها بخبر.. # [القصص: 29] وقوله { سآتيكم منها بخبر.. } [النمل: 7]. ~~فالأولى # لعلي.. # [القصص: 29] فيها رجاء لأنه مقبل على شيء يشك فيه، وغير متأكد منه، ~~وهو في هذه الحالة صادق مع خواطر نفسه أمام شيء غائب عنه، فلما تأكد قال ~~{ سآتيكم.. } [النمل: 7] على وجه اليقين. وفي هذه المسألة قال مرة: # لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة.. # [القصص: 29] وهنا قال: { سآتيكم منها بخبر أو آتيكم ~~بشهاب قبس لعلكم تصطلون } [النمل: 7]. ذلك لأنه لا ~~يدري حينما يصل إلى النار، أيجدها مشتعلة لها لسان يقتبس منه شعلة، أم ~~يجدها قد هدأت ولم يبق منها إلا جذوة، وهي القطعة المتوهجة مثل الفحم ~~مثلا، فكل تكرار هنا له موضع، وله ms7202 معنى، ويضيف شيئا جديدا إلى سياق ~~القصة، فهو تكامل في اللقطات تأتي متفرقة حسب المراد من العبرة ~~والتثبيت. ومعنى { لأهله.. } [النمل: 7] قالوا: إنها تعني جماعة ~~بدليل قوله لهم # امكثوا.. # [القصص: 29] فكانت زوجته، ومعه أيضا بعض الرعيان أو الخدم. والإنسان ~~منا يحتاج لأشياء كثيرة تقتضي التعدد: فهذا يطبخ الطعام، وهذا للنظافة، ~~وهذا لكي الملابس.. إلخ. لكن هناك شيء واحد لا يستطيع أحد أن يقضيه ~~لك إلا زوجتك، هي النسل والمعاشرة الزوجية، كما يمكن للزوجة وحدها أن ~~تقوم لك بكل هذه الأعمال، إذن: فهي تغني عن الأهل كلهم، ونستطيع أن ~~نقول: إنه لم يكن معه إلا زوجته. وهذه شائعة في لغتنا: يقول الرجل: ~~الجماعة أو جماعتي أو أهلي ويقصد زوجته، وفي هذا تقدير من الزوج لمكانة ~~زوجته. ومعنى { آنست.. } [النمل: 7] آنس: يعني شعر وأحس بشيء يؤنسه ~~ويطمئنه، وضده التوجس: أي شعر وأحس بشيء يخيفه، ومنه قوله تعالى في ~~شأن موسى أيضا: # فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك ~~أنت الأعلى # [طه: 67-68]. ### || [27.8] # أي: جاء النار ف { نودي.. } [النمل: 8] النداء: طلب إقبال، كما ~~تقول: يا فلان، فيأتيك فتقول له ما تريد. فالنداء مثلا في قوله تعالى: # يموسى # [طه: 11] نداء # إنني أنا الله.. # [طه: 14] خطاب وإخبار. لكن ما معنى { نودي أن بورك من في ~~النار ومن حولها.. } [النمل: 8] ولم يقل: يا موسى فليس هنا ~~نداء، قالوا: مجرد الخطاب هنا يراد به النداء لأنه ما دام يخاطبه فكأنه ~~يناديه، ومثال ذلك قوله سبحانه: # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ~~ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم ~~حقا.. # [الأعراف: 44]. فذكر الخطاب مباشرة دون نداء لأن النداء هنا مقدر ~~معلوم من سياق الكلام، ومنه أيضا: # ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم ~~قالوا مآ أغنى عنكم جمعكم وما كنتم ~~تستكبرون # [الأعراف: 48]. ومنه أيضا: # فناداها من تحتهآ ألا تحزني.. # [مريم: 24] فجعل الخطاب نفسه هو النداء. وقوله: { أن بورك من في ~~النار ومن حولها.. } [النمل: 8] كلمة بورك لا تناسب النار ~~لأن النار تحرق، ms7203 وما دام قال { بورك من في النار.. } [النمل: 8] ~~فلا بد أن من في النار خلق لا يحرق، ولا تؤثر فيه النار، فمن ~~هم الذين لا تؤثر فيهم النار، هم الملائكة. وقد رأى موسى - عليه السلام - ~~مشهدا عجيبا، رأى النار تشتعل في فرع من الشجرة، فالنار تزداد، والفرع ~~يزداد خضرة، فلان النار تحرق الخضرة ولا رطوبة الخضرة ومائيتها تطفىء ~~النار، فمن يقدر على هذه المسألة؟ لذلك قال بعدها: { وسبحان ~~الله رب العالمين } [النمل: 8]. ففي مثل هذا الموقف إياك أن ~~تقول: كيف، بل نزه الله عن تصرفاتك أنت، فهذا عجيب لا يتصور بالنسبة ~~لك، أما عند الله فأمر يسير. وقد رأينا مثل هذه المعجزة في قصة إبراهيم ~~- عليه السلام - حين نجاه ربه من النار، ولم يكن المقصود من هذه ~~الحادثة نجاة إبراهيم فقط، فلو أن الله أراد نجاته فحسب لما أمكنهم ~~منه، أو لأطفأ النار التي أوقدوها بسحابة ممطرة، أسباب كثيرة كانت ~~ممكنة لنجاة سيدنا إبراهيم. لكن الله تعالى أرادهم أن يمسكوا به، ~~وأن يلقوه في النار، وهي على حال اشتعالها وتوهجها، ثم يلقونه في ~~النار بأنفسهم، وهم يرون هذا كله عيانا، ثم لا تؤذيه النار، كأنه ~~يقول لهم: أنا أريد أن أنجيه من النار، رغم قوة أسبابكم في إحراقه، فأنا ~~خالق النار ومعطيها خاصية الإحراق، وهي مؤتمرة بأمري أقول لها: كوني ~~بردا وسلاما تكون، فالمسألة ليست ناموسا وقاعدة تحكم الكون، إنما ~~هي قيوميتي على خلقي. إذن: ما رآه موسى - عليه السلام - من النار التي ~~تشتعل في خضرة الشجرة أمر عجيب عندكم، وليس عجيبا عند من له طلاقة ~~القدرة التي تخرق النواميس. وبناء الفعل { بورك.. } [النمل: 8] ~~للمجهول تعني: أن الله تعالى هو الذي يبارك، فهذه مسألة لا يقدر عليها ~~إلا الله { من في النار ومن حولها.. } [النمل: 8] يجوز أن ~~يكون الملائكة، أو: بوركت الشجرة ذاتها لأنها لا تحرق، أو النار لأنها ~~لا تنطفىء فهي مباركة. وفي موضع آخر يوسع دائرة البركة، فيقول ~~سبحانه: # في البقعة المباركة من الشجرة.. # [القصص: 30]. ثم يخاطب الحق ms7204 سبحانه موسى: { يموسى إنه أنا ~~الله... }. ### || [27.9] # جاء هنا النداء على حقيقته بأداة ومنادى { إنه أنا الله } ~~[النمل: 9] هذا هو الأصل، وما دمت أن الله فلا تتعجب مما ترى، ~~وساعة تسمع من يكلمك دون أن ترى متكلما من جنسك، فلا تتعجب ولا ~~تندهش. ### || [27.10] # ونلحظ أن هنا تفاصيل وأحداث لم تذكرها الآية هنا، وذكرت في موضع آخر ~~في قوله تعالى: # وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى # [طه: 17-18]. والأدب يقتضي أن يأتي الجواب على قدر السؤال، لكن موسى - ~~عليه السلام - أراد أن يطيل أمد الأنس بالله والبقاء في حضرته تعالى، ~~ولما أحس موسى أنه أطال في هذا المقام أجمل، فقال: # ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18] فللعصا مهام أخرى كثيرة في حياته. وهنا يقول سبحانه: { ~~وألق عصاك.. } [النمل: 10] يعني: إن كانت العصا بالنسبة لك بهذه ~~البساطة، وهذه مهمتها عندك فلها عندي مهمة أخرى، فانظر إلى مهمتها عندي، ~~وإلى ما لا تعرفه عنها. { وألق عصاك.. } [النمل: 10] فلما ألقى ~~موسى عصاه وجدها { تهتز كأنها جآن.. } [النمل: 10] يعني: ~~حية تسعى وتتحرك، والعجيب أنها لم تتحول إلى شيء من جنسها، فالعصا عود من ~~خشب، كان فرعا في شجرة، فجنسه النبات ولما قطعت وجفت صارت جمادا، ~~فلو عادت إلى النباتية يعني: إلى الجنس القريب منها واخضرت لكانت عجيبة. ~~أما الحق - تبارك وتعالى - فقد نقلها إلى جنس آخر إلى الحيوانية، وهذه ~~قفزة كبيرة تدعو إلى الدهشة بل والخوف، خاصة وهي { تهتز كأنها ~~جآن.. } [النمل: 10] أي: تتحرك حركة سريعة هنا وهناك. وطبيعي في نفسية ~~موسى حين يرى العصا التي في يده على هذه الصورة أن يخاف ويضطرب # فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك ~~أنت الأعلى # [طه: 67-68]. ومعنى: # الأعلى # [طه: 68] إشارة إلى أنه تعالى يعده لمهمة كبرى، وأن لهذه العصا دورا ~~مع الخصوم، وسوف ينتصر عليهم، ويكون هو الأعلى. وحين تتتبع اللقطات ~~المختلفة لهذه القصة تجدها مرة جان ومرة حية ومرة ثعبان، وهي كلها ms7205 حالات ~~للشيء الواحد، فالجان فرخ الثعبان، وله من خفة الحركة ما ليس للثعبان، ~~والحية هي الثعبان الضخم. وقوله تعالى { ولى مدبرا.. } [النمل: ~~10] يعني: انصرف عنها وأعطاها ظهره { ولم يعقب.. } [النمل: 10] ~~نقول: فلان يعقب يعني: يدور على عقبه ويرجع، والمعنى أنه انصرف عنها ~~ولم يرجع إليها لذلك ناداه ربه سبحانه وتعالى: { يموسى لا تخف ~~إني لا يخاف لدي المرسلون } [النمل: 10]. ونلحظ هنا ~~نداءين اثنين يذكر فيهما، المنادى موسى - عليه السلام - وكأنهما تعويض ~~للنداء السابق الذي نودي فيه بالخبر # أن بورك من في النار ومن حولها.. # [النمل: 8]. وعلة عدم الخوف { لا تخف.. } [النمل: 10] ليعلمه أنه ~~سيضطر إلى معركة، فليكن ثابت الجأش لا يخاف لأنه لا يحارب شخصا ~~بمفرده، إنما جمعا من السحرة جمعوا من كل أنحاء البلاد، وسبق أن ~~قال له: # إنك أنت الأعلى # [طه: 68] حتى لا ترهبه هذه الكثرة. وهنا قال { إني لا يخاف ~~لدي المرسلون } [النمل: 10] والمعنى: لا تخف، لأني أنا الذي ~~أرسلتك، وأنا الذي أتولى حمايتك وتأييدك، كما قال الحق سبحانه في موضع ~~آخر: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. فأنت معذور في الخوف، إن كنت بعيدا عني، فكيف ~~وأنت في جواري وأنا معك، وها أنذا أخاطبك؟ وكان إلقاء العصا من موسى هذه ~~المرة مجرد تجربة بروفة ليألف هذه المسألة ويأنس إليها، وتحدث له دربة ~~ورياضة، فإذا ما أجرى هذه العملية أمام فرعون والسحرة أجراها بثقة وثبات ~~ويقين من إمكانية انقلاب العصا إلى حية. وبعد ذلك يأتي بآية تثبت منطقة ~~التكليف في البشر حتى الرسل، والرسل أيضا مكلفون، وكل مكلف يصح أن ~~يطيع أو أن يعصي، لكن الرسل معصومون من المعصية، أما موسى عليه السلام ~~فله حادثة مخصوصة حين وكز الرجل فسقط ميتا، فقال: # ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون # [الشعراء: 14]. وفي موضع آخر يحدد هذا الذنب: # قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون # [القصص: 33]. ونضع هذه القصة أمامنا لنفهم: { إلا من ظلم... }. ### || [27.11] # إذن: فالاستثناء هنا من قوله تعالى: # إني لا ms7206 يخاف لدي المرسلون # [النمل: 10] استثنى من ذلك { إلا من ظلم ثم بدل حسنا ~~بعد سوء.. } [النمل: 11]. وكأنه - عز وجل - يعرض بهذه الحادثة ~~الخاصة بموسى عليه السلام: { إلا من ظلم.. } [النمل: 11] أي: حين ~~قتل القبطي، لكن موسى - عليه السلام - اعترف بذنبه واستغفر ربه، فقال: # رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له.. # [القصص: 16]. ولا كلام لأحد بعد مغفرة الله عز وجل للمذنب لأنه بعد أن ~~ظلم { ثم بدل حسنا بعد سوء.. } [النمل: 11] يعني: عمل ~~عملا حسنا بعد الذنب الذي ارتكبه { فإني غفور رحيم } ~~[النمل: 11]. ثم يقول الحق سبحانه: { وأدخل يدك في جيبك... ~~}. ### || [27.12] # هذه آية أخرى ومعجزة جديدة، قال عنها في موضع آخر: # اسلك يدك في جيبك.. # [القصص: 32]. فما الفرق بين: أدخل يدك، واسلك يدك؟ قالوا: لأنه ~~ساعة يدخل يده في جيبه يعني: في فتحة القميص، إن كانت فتحة القميص ~~مفتوحة أدخل يده بسهولة فيسمى إدخال. فإن كانت مغلقة فيها أزرار مثلا ~~احتاج أن يسلك يده يعني: يدخلها برفق ويوسع لها مكانا، نقول: سلك ~~الشيء يعني: أدخله بلطف ورفق، ومنه السلك الرفيع حين تدخله في شيء. ~~وساعة نسمع كلمة الجيب نجد أن لها معنى عرفيا بين الناس، ومعنى ~~لغويا: فمعناها في اللغة فتحة القميص العليا، والتي تكون للرقبة، وهي ~~في المعنى العرفي فتحة بداخل الثوب يضع فيها الإنسان نقوده، يقولون جيب ~~والعوام لهم عذر في ذلك لأنهم اضطروا إلى حفظ نقودهم داخل الثياب، ~~حتى لا تكون ظاهرة، وربما سرقها منهم النشالون والأشقياء. ولا يزال ~~الفلاحون في الريف يجعلون الجيب في السديري الداخلي لذلك سمعنا الحاوي ~~مثلا يقول - ليحنن الناس عليه - بارك الله فيمن يضع يده في جيبه - ~~يعني: بارك الله في الذي يعطيني جنيها. وقوله تعالى { تخرج ~~بيضآء من غير سوء.. } [النمل: 12] أي: وأخرجها تخرج بيضاء ~~ناصعة منورة، ومعلوم أن موسى - عليه السلام - كان آدم اللون يعني: ~~أسمر، فحين يرون لونه تغير إلى البياض، فربما قالوا: إن ذلك مرض ~~كالبرص مثلا. لذلك أزال الله هذا الظن بقوله: { من غير سوء.. ~~} [النمل: ms7207 12] من غير مرض { في تسع آيات إلى فرعون ~~وقومه.. } [النمل: 12] ليعلم موسى - عليه السلام - أن هذه الآية ~~واحدة من تسع آيات أخرى يثبته الله بها أمام عدوه فرعون وقومه. وهذه ~~التسع هي: العصا ولها مهمتان: أن تتحول إلى حية أمام السحرة، وأن يضرب ~~بها البحر أمام جيشه، حينما يهاجمه فرعون وجنوده. ثم اليد، واثنتان هما ~~الجدب، ونقص الثمرات في قوله تعالى: # ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات.. # [الأعراف: 130]. ثم: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. ~~هذه تسع آيات. تثبت موسى أمام فرعون وقومه. فهل أرسل موسى - عليه ~~السلام - إلى فرعون خاصة؟ لا، إنما أرسل إلى بني إسرائيل، لكنه أراد ~~أن يقنع فرعون بأنه مرسل من عند الله حتى لا يحول بينه وبينهم، ~~وجاءت مسألة دعوة فرعون إلى الإيمان بالله عرضا في أحداث القصة، فليست ~~هي أساس دعوة موسى عليه السلام. ومعنى { إنهم كانوا قوما ~~فاسقين } [النمل: 12] إشارة إلى أن الإنسان وإن كان كافرا خارجا ~~عن طاعة الله إلا أن أصله من أصلاب مؤمنة، والمراد الإيمان الأول في ~~آدم عليه السلام، وفي ذريته من بعده، لكنهم فسقوا أي: خرجوا من غشاء ~~التكليف الذي يغلف حركة حياتهم، كما نقول: فسقت الرطبة: يعني خرجت من ~~غلافها، كذلك فسق الإنسان أي: خرج عن حيز التكليف الصائن له. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { فلما جآءتهم آياتنا... }. ### || [27.13] # الآيات: المعجزات التي تثبت صدق الرسول، والآيات تكون مبصرة بصيغة ~~اسم المفعول، لكن كيف تكون هي المبصرة بصيغة اسم الفاعل، وهذه المسألة ~~عرفناها أخيرا، فكانوا منذ القدم عند اليونان والحضارات القديمة يظنون ~~أن رؤية العين للأشياء تحدث من شعاع يخرج من العين إلى الشيء المرئي، إلى ~~أن جاء العالم المسلم الحسن بن الهيثم ليثبت خطأ هذه النظرية ويقول ~~بعكسها. فالرؤية تتم بخروج شعاع من الشيء المرئي إلى العين، بدليل أننا ~~لا نرى الشيء إن كان في الظلام، وأنت في النور، فإن كان الشيء في النور ~~وأنت في الظلام تراه. إذن: فكأن الآيات نفسها هي المبصرة لأنها هي التي ms7208 ~~ترسل الأشعة التي تسبب الرؤية. أو: أن الآيات من الوضوح كأنها تلح على ~~الناس أن يروا وأن يتأملوا، فكأنها أبصر منهم للحقائق. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وجحدوا بها واستيقنتهآ... }. ### || [27.14] # { وجحدوا.. } [النمل: 14] أي: باللسان { بها.. } [النمل: 14] ~~بالآيات { واستيقنتهآ أنفسهم.. } [النمل: 14] أي: إيمانا ~~بها، إذن: المسألة عناد ولدد في الخصومة لذلك قال تعالى بعدها { ~~ظلما وعلوا.. } [النمل: 14] أي: استكبارا عن الحق { فانظر ~~كيف كان عاقبة المفسدين } [النمل: 14] وترك عاقبتهم ~~مبهمة لتعظيم شأنها وتهويلها. ثم يترك قصة موسى مع فرعون وما كان من ~~أمرهما لمناسبة أخرى تحتاج إلى تثبيت آخر، وينتقل إلى قصة أخرى في موكب ~~الأنبياء، فيها هي الأخرى مواطن للعبرة وللتثبيت: { ولقد آتينا ~~داوود وسليمان... }. ### || [27.15] # وتسأل: لقد أعطى الله داود وسليمان - عليهما السلام - نعما كثيرة غير ~~العلم، ألان لداود الحديد، وأعطى سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعده، وسخر له الريح والجن، وعلمه منطق الطير.. إلخ ومع ذلك لم يمتن ~~عليهما إلا بالعلم وهو منهج الدين؟ قالوا: لأن العلم هو النعمة الحقيقية ~~التي يجب أن يفرح بها المؤمن، لا الملك ولا المال، ولا الدنيا كلها، فلم ~~يعتد بشيء من هذا كله لذلك حمد الله على أن آتاه الله العلم لأنه النعمة ~~التي يحتاج إليها كل الخلق، أما الملك أو الجاه أو تسخير الكون ~~لخدمته، فيمكن للإنسان الاستغناء عنها. والإمام علي - كرم الله وجهه - ~~حينما نفى أبو ذر لأنه كان يتكلم عن المال وخطره والأبنية ومسائل ~~الدنيا، فنفوه إلى الربذة حتى لا يثير فتنة، لكنه قبل أن يذهب مر ~~بالإمام علي كي يتوسط له ليعفوا عنه، لكن الإمام عليا - رضي الله عنه - ~~أراد ألا يتدخل في هذه المسألة حتى لا يقال: إن عليا سلط أبا ذر على ~~معارضة أهل الدنيا ومهاجمتهم، فقال له: يا أبا ذر إنك قد غضبت لله ~~فارج من غضبت له، فإن القوم خافوك على دنياهم وملكهم، وخفتهم ~~أنت على دينك فاهرب بما خفتهم عليه - يعني: اهرب بدينك - واترك ما ~~خافوك عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، ms7209 وما أغناك عما منعوك. هكذا ~~أزال الإمام هذه الإشكال، وأظهر أهمية العلم ومنهج الله بحيث لا يستغني ~~عنه المسلم بحال من الأحوال، ولا يعيش بدونه، وبه ينال حياة أخرى رفيعة ~~باقية، في حين يستطيع الإنسان أن يعيش بدون المال وبدون الملك. ولذلك ~~يبعث خليفة المسلمين إلى سيدنا جعفر الصادق: يا ابن بنت محمد صلى الله ~~عليه وسلم ما لك لا تغشانا كما يغشانا الناس؟ أي: تأتينا وتجالسنا وتسمر ~~معنا، فقال: ليس عندي من الدنيا ما أخافك عليه - يعني: ليس عندي مال ~~تصادره - وليس عندك من الآخرة ما أرجوك له. وهذا نفس المنطق الذي تكلم به ~~الإمام علي. وقوله تعالى: { وقالا الحمد لله الذي ~~فضلنا على كثير من عباده المؤمنين } [النمل: 15] ~~فالحمد هنا على نعمة العلم وحفظ منهج الله، وفي الآية مظهر من مظاهر ~~أدب النبوة، حيث قالا { فضلنا على كثير من عباده ~~المؤمنين } [النمل: 15] فكأن هناك من هم أفضل منا، وليس ~~التفضيل حجرا علينا، وهذا من تواضعهما عليهما السلام. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وورث سليمان داوود... }. ### || [27.16] # قوله سبحانه: { وورث سليمان داوود.. } [النمل: 16] أي: ~~بقيت فيه النبوة وحمل المنهج، لا الملك لأن الأنبياء لا تورث كما جاء في ~~الحديث الشريف: # " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " # وهذا يدل على أن سليمان جاء بعد داود، وقد ورث عنه النبوة مع أنهما ~~متعاصران، بدليل قوله تعالى في موضع آخر: # وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت ~~فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين # [الأنبياء: 78]. إذن: كان سليمان مع داود في هذه الحكومة وفي العلم، لكن ~~الحق سبحانه جعل العلم منازل، بدليل أنه قال: # ففهمناها سليمان.. # [الأنبياء: 79] مع أن أباه موجود، وحكم في القضية بأن يأخذ صاحب الزرع ~~الغنم التي أكلت. فلما خرجوا من عند داود سألهم سليمان عن حكم أبيه، ~~فأخبروه بما قال، فقال سليمان: بل يأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بها، ~~ويأخذ صاحب الغنم الزرع يصلحه حتى يعود كما كان، وعندها يأخذ صاحب الغنم ~~غنمه، وصاحب الزرع زرعه. والحق ms7210 - تبارك وتعالى - يعطينا هذا المثل مع نبي ~~وأبيه، لا مع نبيين مختلفين بعيدين، وفي هذا إشارة أن حق الأبوة على ~~سليمان لم يمنعه من مخالفة أبيه في الحكم لأن الله تعالى قال عنهما # وكلا آتينا حكما وعلما.. # [الأنبياء: 79] فكل منهما يحكم على مقتضى علمه الذي منحه الله. ومن ~~هذه الحادثة أخذنا مشروعية الاستئناف والنقض في أحكام المحاكم، فقاضي ~~الاستئناف حينما يعدل في حكم القاضي الابتدائي لا يعد هذا طعنا ~~فيه، إنما كل منهما حكم بناء على علمه، وعلى ما توفر له من أدلة ~~ووقائع، وربما فطن القاضي الثاني لما لم يفطن له القاضي الأول. إذن: { ~~وورث سليمان داوود.. } [النمل: 16] لا تعني أنه جاء بعده، ~~إنما هما متعاصران، وورثه في العلم والنبوة والحكمة، لا في الملك والمال ~~لأن الله تعالى يريد أن يكون الرسول بعيدا في رسالته وتبليغه عن الله عن ~~أي نفع يجيء له، أو لذريته. لذلك كان الفقراء من أهل النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يأخذون من زكاة المؤمنين، لكن أين هذا التشريع الحكيم مما ~~يحدث الآن من الحكام والرؤساء والمسئولين ممن يوالون أقاربهم، وينهبون ~~البلاد من أجلهم. { وقال يأيها الناس علمنا منطق ~~الطير.. } [النمل: 16] فالطير له منطق ولغة لأنه كما قال تعالى: # وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم.. # [الأنعام: 38] والآن ومع تقدم العلم يتحدث العلماء عن لغة للنمل، ولغة ~~للنحل، ولغة للسمك.. إلخ. وهذه المخلوقات تتفاهم بلغاتها بدقة تفاهم ~~غريزي، لكننا لا نفهم هذا المنطق، والحق - تبارك وتعالى - يعلمنا: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. فإن قلت كمن قالوا: هو تسبيح دلالة لا منطق ومقال، ~~نقول: طالما أن الله تعالى قال # ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44] فلا بد أنه مقال وكلام، ولكن أنت لا تفهمه. وعلماء ~~اللغة يقولون: إن النطق خاص بالإنسان، أما ما تحدثه الحيوانات والطيور ~~فأصوات تحدثها في كل وقت، مثل مواء القطة، ونباح الكلب، وخوار البقر ~~ونقيق الضفادع، لكن هذه الأصوات لها معنى ms7211 فنونوه القطة حين تجوع غير ~~نونوتها حين تخاف. إذن: فهي تعبر، لكننا لا نعرف هذه التعبيرات، كيف ~~ونحن البشر لا يعرف بعضنا لغات بعض لأننا لم نتعلمها، وللغة ضرورة ~~اجتماعية نتواضع عليها أي: نتفق أن هذا اللفظ يعني كذا، فإذا نطقت به ~~أفهمك، وإن نطقت به تفهمني. واللغة بنت الاستماع، فاللفظ الذي تسمعه ~~تستطيع نطقه، والذي لم تسمعه لا تستطيع نطقه، حتى لو كان لفظا ~~عربيا من لغتك، ولا تعرف أيضا معناه، فلو قلت لك: إنما الحيزبون و ~~الدردبيس والطخا والنخالح والعصلبيص فلا شك أنك لا تعرف لهذا معنى ~~لأننا لم نتواضع على معناه. والطفل الذي نشأ في بيئة عربية يتكلم العربية ~~لأنه سمعها ولا يتكلم الإنجليزية مثلا: لأنه لم يسمعها، ولو وضعت نفس ~~الطفل في بيئة إنجليزية لتكلم الإنجليزية لأن اللغة لا ترتبط بجنس ولا ~~دم، اللغة سماع. ومعنى { وأوتينا من كل شيء.. } [النمل: 16] ~~أي: من النعم على الإطلاق، وبعد قليل سنسمع نفس هذه العبارة يقولها ~~الهدهد عن ملكة سبأ # وأوتيت من كل شيء.. # [النمل: 23] إذن: فهي مثله فيما يناسب أمثالها من الملوك لا في النبوة ~~وحمل المنهج { إن هذا لهو الفضل المبين } [النمل: ~~16] الفضل المحيط بكل الفضائل. ثم يقول الحق سبحانه: { وحشر ~~لسليمان جنوده... }. ### || [27.17] # حشروا: جمعوا من كل مكان، ومنه قوله تعالى: # وابعث في المدآئن حاشرين # [الشعراء: 36] والحشر: جمع الناس للحساب يوم القيامة. وسمي الجمع ~~حشرا لأن تجمع الناس من أماكن متفرقة في مكان واحد، حتى يضيق بهم ~~ويزدحم، وهذا معنى الحشر المتعارف عليه عندنا، نقول: نحشرهم على بعض. ~~ومعنى { فهم يوزعون } [النمل: 17] يعني: يمنعون، ومنه قوله " إن ~~الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " يعني: أن السلطان والقوة ~~والبطش تمنع ما لا يستطيع القرآن منعه ذلك لأنهم يستبعدون القيامة ~~والعذاب، أما السلطان فرادع حاضر الآن. لكن، مم يمنعون وهم في موقف ~~الحشر أمام سليمان؟ قالوا: يمنعون أن يسبق بعضهم بعضا إلى سليمان، ~~إنما نمنعهم حتى يأتي المتأخر منهم، ويدخلون جميعا عليه مرة واحدة، وفي ~~ذلك إحداث ms7212 توازن بين الرعية كلها. وقد حدثونا أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان من صفاته إذا جلس في مجلس توزعت نظراته وعينه على كل الجالسين ~~حتى يسوي بينهم، ولا ينظر لأحد أكثر من الآخر، ولا يميز أحدا منهم ~~على أحد، حتى لا يظن أحدهم أن النبي فضله على غيره. وكان صلى الله عليه ~~وسلم لا يقرب إلا أهل الفضل والتقوى الذي يعرف منهم أنهم لا يستغلون ~~هذه المكانة لنيل سلطة بين الناس ولذلك كان صلى الله عليه وسلم لا ~~يوطن الأماكن وينهى عن ذلك على خلاف ما نراه الآن من بعض المصلين ~~الذين يضعون سجادة مثلا في الصف الأول يشغلون بها المكان، ثم يذهب ويقضي ~~حاجاته، ويعود وقد امتلأ المسجد فيتخطى رقاب الناس ليصل إلى مكان في ~~المقدمة، وهي ليس مكانه عند الله. فالله تعالى قد وزع الأماكن على ~~حسب الورود، فإتيانك إلى بيت الله أولا يعطيك ثواب الصف الأول، وإن ~~صليت في الصف الأخير، وعدم توطين الأماكن ينشر الألفة بين الناس، ~~ويزيل الفوارق ويساعد على التعارف، فكل صلاة أنت بجانب شخص جديد تتعرف ~~عليه وتعرف أحواله. وهذا معنى { فهم يوزعون } [النمل: 17] يمنع ~~السابق أن يسبق حتى يأتي اللاحق، ليكونوا سواسية في الدخول على نبي الله ~~سليمان عليه السلام. لكن في ضوء هذا المعنى لمادة وزع كيف نفهم قوله ~~تعالى: # رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي.. # [النمل: 19]. أوزعني هنا يعني: أقدرني وامنعني من الغفلة عن نعمتك، ~~لأظل شاكرا لك. ### || [27.18] # الضمير في { أتوا.. } [النمل: 18] يعود على جنود سليمان من الإنس ~~والجن والطير، أي: جاءوا جميعا صفا واحدا ومروا { على واد ~~النمل.. } [النمل: 18] يعني: قرية النمل، وقوله { على واد ~~النمل.. } [النمل: 18] يدل على أنهم جاءوا من أعلى الجبل، أو أنهم ~~قطعوا الوادي كله، كما نقول: فلان أتى على الطعام كله. عندها { قالت ~~نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم.. } [النمل: 18] ~~لماذا هذا التحذير؟ { لا يحطمنكم سليمان وجنوده.. } ~~[النمل: 18] ثم احتاطت النملة للأمر، فقالت { وهم لا يشعرون } ~~[النمل: 18] فما كان سليمان وجنوده ms7213 ليحطموا بيوت النمل عن قصد منهم. ~~والمعنى: حالة كونهم لا يشعرون بكم، وهذا من عدالة حكمها ومعرفتها ~~بسليمان، وأنه ليس جبارا ولا عاتيا. إذن: فالنملة رأت عن بعد، ~~ونطقت عن حق، وحكمت بعدل، لهذا كله تبسم سليمان ضاحكا. وواضح في هذا ~~القول ما تتميز به مملكة النمل من نظام يعرف فيه كل مهمته، ويؤديها ~~على أكمل وجه، فهذه النملة لا بد أنها كانت تقوم بمهمة الحراسة وتقف ~~في الدرك، ترقب الجو من حولها، وكأنها جندي الدورية اليقظ. وسبق أن ~~قلنا: لو أنك جلست في مكان، وتركت فيه بعض فضلات الطعام مثلا أو ~~الحلوى لرأيت بعض النمل يدور حولها دون أن يقربها، ثم انصرفوا عنها، ~~وبعد مدة ترى جماعة منهم جاءت وحملت هذه القطعة، وكأن الجماعة الأولى ~~أفراد الاستطلاع الذين يكتشفون أماكن الطعام، ويقدرون كم نملة تستطيع ~~حمل هذا الشيء. بدليل أنك لو ضاعفت القطعة الملقاة لرأيت عدد النمل ~~الذي جاء لحملها قد تضاعف هو أيضا. ولو قتلت النمل الأول الذي جاء ~~للاستطلاع تلاحظ أن النمل امتنع عن هذا المكان، لماذا؟ لأن النملة التي ~~نجت من القتل ذهبت إلى مملكتها، وحذرتهم من هذا المكان. وفي مملكة ~~النمل عجائب وآيات، سبحان خالقها، وسبحان من هداها إلى هذه الهندسة ~~المحكومة بالغريزة. ومن عجائب النمل أنك ترى في عش النمل الحبوب ~~مفلوقة إلى نصفين حتى لا تنبت، وتهدم عليهم عشهم، لكن حبة الكسبرة ~~مثلا تنبت حتى لو انفلقت نصفين، حيث ينبت كل نصف على حدة، لذلك ~~لاحظوا أن النمل يفلق هذه الحبة بالذات إلى أربعة أقسام. كما لاحظ ~~المهتمون بدراسة النمل وجود حبات بيضاء صغيرة مثل رأس الدبوس أمام أعشاش ~~النمل، وبفحصها تبين أنها زريعة النبات التي تحمل خلايا الإنبات ~~أخرجوها كي لا تنبت. وصدق الله العظيم: # وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم.. # [الأنعام: 38]. وقد سمى الله تعالى ما قالت النملة قولا { قالت ~~نملة.. } [النملة: 18] ولابد أن هذا التحذير { ادخلوا ~~مساكنكم. # . } [النملة: 18] جاء قبل أن يأتي سليمان وجنوده، ms7214 وهم على مشارف ~~الوادي. وكلمة { مساكنكم.. } [النمل: 18] تدل على أن لهم بيوتا ~~ومساكن، ومجال معيشة، وكسب أرزاق، كما نقول بيلقطوا رزقهم من هنا ~~ومن هناك لذلك تجده يتتبع مواضع الطعام والفضلات، ويدخل إليها من أضيق ~~الأماكن، لكن نرى مثلا محلات الحلوى مليئة بالسكر الذي يعشقه النمل، ومع ~~ذلك لا نجد في هذه المحلات نملة واحدة، لماذا؟ لما تتبعوا هذه الظاهرة ~~بالدراسة وجدوا أن النمل لا يدخل المكان إذا كان به سمسم، وهذه من ~~عجائب النمل أيضا. وقوله تعالى: { لا يحطمنكم.. } [النمل: 18] ~~الحطم هو التكسير، ومنه قوله سبحانه عن النار: # ومآ أدراك ما الحطمة # [الهمزة: 5] لأنها تحطم ما يلقى فيها. ### || [27.19] # تبسم سليمان - عليه السلام - بالبسمة التي تتصل بالضحك لماذا؟ لأنه ~~سمعها قبل أن يصل إليها، ولأنها رأت قبل أن يأتي المرئي، وقد تكلم ~~البعض في هذه المسألة فقالوا: إن الريح نقلت إليه مقالة النملة، وهو ما ~~يزال بعيدا عنها، وهذا الكلام يقبل لو أن المسألة ميكانيكا إنما هي عمل ~~رب وقدرة خالق منعم ينعم بما يشاء. ونطق قائلا { رب أوزعني.. ~~} [النمل: 19] أي: امنعني أن أغفل، أو أن أنسى هذه النعم، فأظل ~~شاكرا حامدا لك على الدوام لأن هذه النعم فاقت ما أنعمت به على عامة ~~الخلق، وفوق ما أنعمت به على إخواني من الأنبياء السابقين، وعلى كل ~~ملوك الدنيا لأنه عليه السلام جمع بين الملك والنبوة، وإن كان سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض عليه الملك فرفضه، وآثر أن يكون عبدا ~~رسولا. لذلك وجب على كل صاحب نعمة أن يستقبلها بحمد الله وشكره، وسبق ~~أن قلنا في قوله تعالى: # ثم لتسألن يومئذ عن النعيم # [التكاثر: 8] أن حق النعمة أن تحمد المنعم عليها، فلا تسأل عنها يوم ~~القيامة. وما أشبه الحمد على النعمة بما يسمونه عندنا في الريف ~~الرقوبة، وهي بيضة تضعها ربة المنزل في مكان أمين يصلح عشا يبيض فيه ~~الدجاج، فإذا رأت الدجاجة هذه البيضة جاءت فباضت عليها، وهكذا شكر ~~الله وحمده على النعم هو النواة التي ms7215 يتجمع عليها المزيد من نعم الله. ~~وقد شرح هذا المعنى في قوله سبحانه: # لئن شكرتم لأزيدنكم.. # [إبراهيم: 7] ألا ترى أن من علم علما فعمل به أورثه الله علم ما لم ~~يعلم؟ لماذا؟ لأنه ما دام عمل بعلمه، فهو مؤتمن على العلم لذلك يزيده ~~الله منه ويفتح له مغاليقه، على خلاف من علم علما ولم يعمل به، ~~فإن الله يسلبه نور العلم، فيغلق عليه، وتصدأ ذاكرته، وينسى ما ~~تعلمه. والحق - تبارك وتعالى - يقول: # ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه.. # [لقمان: 12] أي: تعود عليه ثمرة شكره لأنه إن شكر الله بالحمد شكره ~~الله بالزيادة لذلك من أسمائه تعالى الشكور. وقوله: { علي.. } ~~[النمل: 19] هذه خصوصية { وعلى والدي.. } [النمل: 19] لأنه ورث ~~عنهما الملك والنبوة { وأن أعمل صالحا ترضاه.. } [النمل: ~~19] وهذا ثمن النعمة أن أؤدي خدمات الصلاح في المجتمع لأكون مؤتمنا ~~على النعمة أهلا للمزيد منها. والحق - تبارك وتعالى - يريد منا أن ~~نوسع دائرة الصلاح ودائرة المعروف في المجتمع، ألا ترى إلى قوله ~~سبحانه: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا كثيرة.. # [البقرة: 245]. فسمى الخير الذي تقدمه قرضا، مع أنه سبحانه واهب كل ~~النعم، وذلك ليحنن قلوب العباد بعضهم على بعض لأنه تعالى خالقهم، ~~وهو سبحانه المتكفل برزقهم. # ثم يقول: { وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين } ~~[النمل: 19] وذكر الرحمة والفضل لأنهما وسيلة النجاة، وبهما ندخل الجنة، ~~وبدونهما لن ينجو أحد، واقرأ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # ويقول سبحانه في هذا المعنى: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا.. # [يونس: 58] فالمؤمن الحق لا يفرح بعمله، إنما يفرح إن نال فضل الله ~~ورحمته، كأنه يقول لربه: لن أتكل يا رب على عملي، بل فضلك ورحمتك هما ~~المتكل، لأنني لو قارنت العبادة التي كلفتني بها بما أسديت إلي من ~~نعم وآلاء لقصرت عبادتي عن أداء حقك علي، فإن أكرمتني بالجنة ~~فبفضلك. والبعض ms7216 يقولون: كيف يعاملنا ربنا بالفضل والزيادة، ويحرم ~~علينا التعامل بالربا؟ أليست الحسنة عنده بعشرة أمثالها أو يزيد؟ نقول: ~~نعم، لكن الزيادة هنا منه سبحانه وتعالى وليست من مساو، إنها زيادة ~~رب لعبيد. وقوله { في عبادك الصالحين } [النمل: 19] دليل على ~~تواضع سيدنا سليمان - عليه السلام - فمع مكانته ومنزلته يطلب أن يدخله ~~الله في الصالحين، وأن يجعله في زمرتهم، فلم يجعل لنفسه ميزة ولا ~~صدارة ولا ادعى خيرية على غيره من عباد الله، مع ما أعطاه الله من ~~الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده. وأعطاه النبوة وحمله المنهج، فلم ~~يورثه شيء من هذا غرورا ولا تعاليا، وها هو يطلب من ربه أن يكون ضمن ~~عباده الصالحين، كما نقول زقني مع الجماعة دول، حين تكون السيارة مثلا ~~كاملة العدد، وليس لي مقعد أجلس عليه. من يقول هذا الكلام؟ إنه سليمان ~~بن داود - عليهما السلام - الذي آتاه الله ملكا، لا ينبغي لأحد من ~~بعده، ومع ذلك كان يؤثر عبيده وجنوده على نفسه، وكان يأكل الردة من ~~الدقيق، ويترك النقي منه لرعيته. إذن: لم ينتفع من هذا الملك بشيء، ولم ~~يصنع لنفسه شيئا من مظاهر هذا الملك، إنما صنعه له ربه لأنه كان في ~~عون عباد الله، فكان الله في عونه، وأنت حين تعين أخاك تعينه ~~بقدرتك وإمكاناتك المحدودة، أما معونة الله تعالى فتأتي على قدر قوته ~~تعالى، وقدرته وإمكاناته التي لا حدود لها، إذن: فأنت الرابح في هذه ~~الصفقة. ### || [27.20] # مادة: فقد الفاء والقاف والدال، وكل ما يشتق منها تأتي بمعنى ضاع منه ~~الشيء، ومنه قوله تعالى في قصة إخوة يوسف: # قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون # [يوسف: 71]، فإن جاءت بصيغة تفقد بالتضعيف دلت على أن الشيء موجود ~~وأنا أبحث عنه في مظانه. فمعنى { وتفقد الطير.. } [النمل: 20] ~~أن الرئيس أو المهيمن على شيء لا بد له من متابعته، وسليمان - عليه ~~السلام - ساعة جلس في مجلس العلم أو مجلس القضاء نظر للحاضرين من ~~مملكته، كأنه القائد يستعرض جنوده، وفي هذا إشارة إلى أنه - عليه السلام ms7217 ~~- مع أن هذا ملكه ومسخر له ومنقاد لأمره، إلا أنه لم يتركه هملا ~~دون متابعة. لكن، لماذا تفقد الطير بالذات؟ قالوا: لأنه أراد أن يقوم ~~برحلة في الصحراء، والهدهد هو الخبير بهذه المسألة لأنه يعلم مجاهلها، ~~ويرى حتى الماء في باطن الأرض، يقولون: كما يرى أحدكم الزيت في وعائه. ~~لذلك نرى أن من مميزات الهدهد أن الله تعالى جعل له منقارا طويلا لأنه ~~لا يأكل مما على سطح الأرض، إنما ينبش بمنقاره ليخرج طعامه من تحت ~~الأرض. ألا تراه حين كلم سليمان في دقائق العقيدة والإيمان بالله يقول ~~عن أهل سبأ: # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السماوات والأرض.. # [النمل: 25] فاختار هذه المسألة بالذات لأنه الخبير بها ورزقه منها. ~~ولما لم يجد الهدهد في الحاضرين قال { فقال مالي لا أرى ~~الهدهد أم كان من الغآئبين } [النمل: 20] فساعة يستفهم ~~الإنسان عن شيء يعلم حقيقته، فإنه لا يقصد الاستفهام، إنما هو يستبعد أن ~~يتخلف الهدهد عن مجلسه. لذلك قال { مالي لا أرى الهدهد.. } ~~[النمل: 20] يعني: ربما هو موجود، لكني لا أراه لعلة عندي أنا، فلما ~~دقق النظر وتأكد من خلو مكانه بين الطيور، قال { أم كان من ~~الغآئبين } [النمل: 20] إذن: لابد من معاقبته: { لأعذبنه ~~عذابا شديدا أو لأاذبحنه... }. ### || [27.21] # ومعاقبة المخالف أمر ضروري لأن أي مخالفة لا تقابل بالجزاء المناسب ~~لابد أن تثمر مخالفات أخرى متعددة أعظم منها، فحين نرى موظفا ~~مقصرا في عمله لا يحاسبه أحد، فسوف نكون مثله، وتنتشر بيننا الفوضى ~~والتكاسل واللامبالاة، وتحدث الطامة حينما يثاب المقصر ويرقى من ~~لا يستحق. لذلك توعد سليمان الهدهد: { لأعذبنه عذابا ~~شديدا أو لأذبحنه.. } [النمل: 21]. وقد تكلم العلماء في ~~كيفية تعذيب الهدهد، فقالوا: بنتف ريشه الجميل الذي يزهوا به بين الطيور، ~~حتى يصير لحما ثم يسلط عليه النمل فيلدغه، أو يجعله مع غير بني جنسه، ~~فلا يجد لها إلفا ولا مشابها له في حركته ونظامه، أو: أن يكلفه ~~بخدمة أقرانه من الهداهد التي لم تخالف، أو: أجمعه مع أضداده، وبعض ~~الطيور إذا ms7218 اجتمعت تنافرت وتشاجرت، ونتف بعضها ريش بعض لأنهم أضداد ~~لذلك قالوا: أضيق من السجن عشرة الأضداد. والشاعر يقول: # ومن نكد الدنيا علي المرء أن يرى # عدوا له ما من صداقته بد # ثم رقى الأمر من العذاب الشديد إلى الذبح، وهذه المسألة أثار حولها ~~المتمردون على منهج الله والذين يريدون أن يعدلوا على الله أحكامه، ~~أثاروا إشكالا حول قوله تعالى في حد الزنا: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة.. # [النور: 2] أما الرجم فلم يرد فيه شيء، فمن أين أتيتم به؟ نقول ~~أتينا به أيضا من كتاب الله، حيث قال سبحانه في جلد الأمة إن زنت ~~وهي غير محصنة: # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب.. # [النساء: 25] فقالوا: وكيف ننصف حد الرجم؟ وهذا القول منهم دليل ~~على عدم فهمهم لأحكام الله. فالمعنى # فعليهن.. # [النساء: 25] أي: على الإماء الجواري # نصف ما على المحصنات.. # [النساء: 25] الحرائر، ولم يسكت إنما خصص التنصيف هنا بالجلد، فقال: # من العذاب.. # [النساء: 25] فتجلد الأمة خمسين جلدة، وهذا التخصيص يدل على أن هناك ~~عقوبة أخرى لا تنصف هي الرجم. وينتهي تهديد سليمان للهدهد بقوله { أو ~~ليأتيني بسلطان مبين } [النمل: 21] أي: حجة واضحة تبرر ~~غيابه، فنفهم من الآية أن المرؤوس يجوز له أن يتصرف برأيه، ودون أن يأخذ ~~الإذن من رئيسه إن رأى مصلحة للجماعة لا تستدعي التأخير. وعلى الرئيس ~~عندها أن يقدر لمرؤوسيه اجتهاده، ويلتمس له عذرا، فلعله عنده حجة ~~أحمده عليها بل وأكافئه لأن وقت فراغه مني كان في مصلحة عامة، كما نقول ~~في العامية الغايب حجته معاه. إذن: المرؤوس إن رأى خيرا يخدم الفكر ~~العام، ووجد أن فرصته ضيقة يسمح له بالتصرف دون إذن، وفي الحرب العالمية ~~الأولى تصرف أحد القادة الألمان تصرفا يخالف القواعد الحربية، لكنه ~~كان سببا في النصر لذلك أعطوه وسام النصر ولم ينسوا أن يعاقبوه على ~~مخالفة القواعد والقانون. ثم يقول الحق سبحانه: { فمكث غير ~~بعيد... }. ### || [27.22] # معنى { فمكث.. } [النمل: 22] أقام واستقر { غير بعيد.. } ~~[النمل: 22] مدة يسيرة، فلم يتأخر كثيرا لأنه يعلم ms7219 أنه تخلف عن مجلس ~~سليمان، وذهب بدون إذنه لذلك تعجل العودة، وما إن وصل إليه إلا وبادره ~~{ فقال.. } [النمل: 22] بالفاء الدالة على التعقيب لأنه رأى سليمان ~~غاضبا متحفزا لمعاقبته. لذلك بادره قبل أن ينطق، وقبل أن ينهره { ~~أحطت بما لم تحط به.. } [النمل: 22] أي: عرفت ما لم تعرف - ~~هذا الكلام موجه إلى سليمان الذي ملك الدنيا كلها، وسخر الله له كل ~~شيء لذلك ذهل سليمان من مقالة الهدهد وتشوق إلى ما عنده من أخبار لا ~~يعرفها هو. ثم يستمر الهدهد: { وجئتك من سبإ بنبإ يقين } ~~[النمل:22]. أولا: نقف عند جمال التعبير في سبأ ونبأ، فبينهما جناس ~~ناقص، وهو من المحسنات البديعية في لغتنا، ويعطي للعبارة نغمة جميلة ~~تتوافق مع المعنى المراد، والجناس أن تتفق الكلمتان في الحروف، وتختلفا ~~في المعنى، كما في قول الشاعر: # رحلت عن الديار لكم أسير # وقلبي في محبتكم أسير # وقول الآخر: # لم يقض من حقكم علي # بعض الذي يجب # قلب متى ما جرت # ذكراكم يجب # ومن الجناس التام في القرآن الكريم: # ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة.. # [الروم: 55]. فالتعبير القرآني { وجئتك من سبإ بنبإ.. } ~~[النمل: 22] تعبير جميل لفظا، دقيق معنى، ألا تراه لو قال وجئتك من ~~سبأ بخبر لاختل اللفظ والمعنى معا لأن الخبر يراد به مطلق الخبر، ~~أما النبأ فلا تقال إلا للخبر العجيب الهام الملفت للنظر، كما في قوله ~~تعالى: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم # [النبأ: 1-2]. والجناس لا يكون جميلا مؤثرا إلا إذا جاء طبيعيا غير ~~متكلف، ومثال ذلك هذا الجناس الناقص في قوله تعالى: # ويل لكل همزة لمزة # [الهمزة: 1] فقد ورد اللفظ المناسب معبرا عن المعنى المراد دون ~~تكلف، فالهمزة هو الذي يعيب بالقول. واللمزة: الذي يعيب بالفعل، ~~فالقرآن لا يتصيد لفظا ليحدث جناسا، إنما يأتي الجناس فيه طبيعيا ~~يقتضيه المعنى. ومن ذلك في الحديث الشريف: # " الخيل معقود بنواصيها الخير " # فبين الخيل والخير جناس ناقص، محسنا للفظ، مؤديا للمعنى. وقد ~~يأتي المحسن البديعي مضطربا متكلفا، يتصيده صاحبه، كقول أحدهم ms7220 ~~ينحت الكلام نحتا فيأتي بسجع ركيك: في أثناء ما كنا نسير نزل المطر ~~كأفواه القرب، فوقع رجل كان يحمل العنب. ومعنى { أحطت بما لم ~~تحط به.. } [النمل: 22] الإحاطة: إدراك المعلوم من كل جوانبه، ومنه ~~البحر المحيط لاتساعه، ويقول سبحانه: # وكان الله بكل شيء محيطا # [النساء: 126] ومنه: الحائط يجعلونه حول البستان ليحميه ويحدده، ~~ومنه: يحتاط للأمر. # ومحيط الدائرة الذي يحيط بالمركز من كل ناحية إحاطة مستوية بأنصاف ~~الأقطار. لكن أيعد قول الهدهد لسليمان { أحطت بما لم تحط ~~به.. } [النمل: 22] نقصا في سليمان عليه السلام؟ لا، إنما يعد ~~تكريما له لأن ربه - عز وجل - سخر له من يخدمه، وفرق بين أن تفعل ~~أنت الشيء وبين أن يفعل لك، فحين يفعل لك، فهذه زيادة سيادة، وعلو ~~مكانة. كما أن الله تعالى يعلمنا ألا نكتم مواهب التابعين، وأن نعطي ~~لهم الفرصة، ونفسح لهم المجال ليخرجوا مواهبهم، وأن يقول كل منهم ما ~~عنده حتى لو لم نكن نعرفها لأنها خدمة لي. أليس من الكرامة أن يحضر ~~سليمان عرش بلقيس وهو في مكانه # قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك.. # [النمل: 40]. ونلحظ أن الهدهد لم يعرف سبأ ما هي، وهذا دليل على أن ~~سليمان - عليه السلام - يعرف سبأ، وما فيها من ملك، إنما لا يعرف أنه ~~بهذه الفخامة وهذه العظمة. ثم يقول الحق سبحانه: { إني وجدت ~~امرأة تملكهم... }. ### || [27.23] # وقوله { تملكهم.. } [النمل: 23] يعني: تحكمهم امرأة، ورأينا نساء ~~كثيرات نابهات حكمن الدول في وجود الرجال. ثم يذكر من صفاتها { ~~وأوتيت من كل شيء.. } [النمل: 23] وكأنها إشارة إلى ما سبق ~~أن قاله سليمان عليه السلام # وأوتينا من كل شيء.. # [النمل: 16] فهي كذلك أوتيت من كل شيء بالنسبة لأقرانها، وإلا فسليمان ~~أوتي من الملك ومن النبوة ما لم تؤته ملكة سبأ. { ولها عرش ~~عظيم } [النمل: 23] العرش مكان جلوس الملك، وكان العرش عادة يتوافق ~~مع عظمة الملك، فمثلا شيخ الغفر أو العمدة أو المحافظ.. إلخ لكل منهم ~~كرسي يجلس عليه يناسب مكانته، إذن: ms7221 العرش هو جلسة المتمكن الذي ~~يتولى تدبير الأمور. ووصف العرش بأنه عظيم مع أن هذا الوصف لعرش الله ~~تعالى، فكيف؟ قالوا: عظيم بالنسبة لأمثالها من الملوك، أما عرش الله ~~فعظيم بالنسبة لكل الخلق عظمة مطلقة. هكذا حدث الهدهد سليمان ~~فيما يخص ملكة سبأ من حيث الملك الذي تشبه فيه سليمان كملك، ثم ~~يحدثه بعد ذلك عن مسألة تتعلق بالنبوة والإيمان بالله، وهذه المسألة ~~التي غار عليها سليمان، وثار من أجلها: { وجدتها وقومها ~~يسجدون... }. ### || [27.24] # ذلك لأنه لما طاف حول قصر بلقيس وجد فيه كوة تدخل منها الشمس، كما ~~نرى في معابد الفراعنة، ففي أحد هذه المعابد طاقات بعدد أيام السنة، بحيث ~~تدخل الشمس في كل يوم من واحدة بعينها لا تدخل من الأخرى. وكذلك كان عند ~~بلقيس مثل هذه الكوة تدخل منها الشمس فتتنبه لها وتستقبلها. لذلك لما ~~ذهب إليها بكتاب سليمان وقف على هذه الكوة وسدها بجناحه، فلم تدخل ~~الشمس في موعدها كما اعتادت الملكة، فقامت حتى وصلت إلى هذه الكوة ~~فرمى عندها الكتاب. فالهدهد - إذن - مؤمن عارف بقضية العقيدة والإيمان ~~بالله يغار عليها ويستنكر مخالفتها { وجدتها وقومها ~~يسجدون للشمس من دون الله.. } [النمل: 24] فهو يعرف أن ~~الله هو المعبود بحق، بل ويعلم أيضا قضية الشيطان، وأنه سبب الانصراف ~~عن عبادة الله. { وزين لهم الشيطان أعمالهم ~~فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون } [النمل: 24] ~~فالقضية عنده كاملة بكل تفاصيلها، ولا تتعجب من مقالة الهدهد واقرأ: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. إنها موعظة بليغة من واعظ متمكن يفهم عن الله، ويعلم ~~منهجه ويدعو إليه، بل ويعز عليه ويحز في نفسه أن ينصرف العباد عن الله ~~المنعم: { ألا يسجدوا لله... }. ### || [27.25] # { ألا.. } [النمل: 25] مكونة من أن، لا، وعند إدغامهما تقلب ~~النون لاما فتصير: ألا، فالمعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم، لماذا؟ ~~لألا يسجدوا، فهنا حرف جر محذوف كما تقول: عجبت من أن يقدم علينا ~~فلان، أو عجبت أن يقدم علينا فلان. وفي قراءة أخرى: ألا للحث ~~والحض. ms7222 وقلنا: إنه اختار هذه الصفة بالذات { الذي يخرج ~~الخبء في السماوات والأرض.. } [النمل: 25] لأنه خبير في ~~هذه المسألة، حيث يرى الماء في باطن الأرض، كما يرى أحدكم الزيت في ~~إنائه. والمراد بالخبء في السماوات: المطر، والخبء في الأرض. النبات، ~~ومنهما تأتي مقومات الحياة، فمن ماء المطر وخصوبة الأرض يأتي النبات، ~~وعلى النبات يتغذى الحيوان، ويتغذى الإنسان. بل إن الحق سبحانه { ~~ويعلم ما تخفون وما تعلنون } [النمل: 25]، كما قال في ~~آية أخرى: # وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في ~~السمآء # [إبراهيم: 38]، وفي آية أخرى يقول سبحانه: # قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه ~~الله.. # [آل عمران: 29]. ### || [27.26] # لما تكلم عن عرش بلقيس قال # ولها عرش عظيم # [النمل: 23] يعني: بالنسبة لأمثالها من الملوك ولأهل زمانها. فإذا ~~عرف { العرش العظيم } [النمل: 26] فإنه لا ينصرف إلا إلى عرشه ~~تعالى، فله العظمة المطلقة عند كل الخلق. ### || [27.27] # { قال سننظر.. } [النمل: 27] والنظر محله العين، لكن هل يعرف ~~الصدق والكذب بالعين؟ لا، فالكلمة انتقلت من النظر بالعين إلى العلم ~~بالحجة، فهي بمعنى نعلم، ونقول: هذا الأمر فيه نظر يعني: يحتاج إلى دراسة ~~وتمحيص. وفي الآية مظهر من مظاهر أدب سليمان - عليه السلام - وتلطفه مع ~~رعيته، فهو السيد المطاع، ومع ذلك يقول للهدهد: { أصدقت أم كنت ~~من الكاذبين } [النمل: 27] والصدق يقابله الكذب، لكن سليمان - ~~عليه السلام - يأبى عليه أدب النبوة أن يتهم أحد جنوده بالكذب فقال: { ~~أم كنت من الكاذبين } [النمل: 27]. يعني: حتى لو وقع منك ~~الكذب فلست فذا فيه، فكثير من الخلق يكذبون، أو: من الكاذبين ~~ميلا لهم وقربا منهم، مما يدل على أنه بإلهاماته كنبي يعرف أنه ~~صادق، إنما ما دام الأمر محل نظر فلا بد أن نتأكد، ولن أجامل جنديا ~~من جنودي. ### || [27.28] # هذا هو النظر الذي ارتآه سليمان ليتأكد من صدق الهدهد: أن يرسله ~~بكتاب منه إلى هؤلاء القوم، وهنا مظهر من مظاهر الإيجاز البليغ في القرآن ~~الكريم، فبعد أن قال سليمان # سننظر.. # [النمل: 27] قال { اذهب بكتابي هذا.. } [النمل: ms7223 28]. فهل كان ~~الكتاب معدا وجاهزا؟ لا، إنما التقدير: قال سننظر أصدقت أم كنت من ~~الكاذبين، فكتب إليها كتابا فيه كذا وكذا ثم قال للهدهد: { اذهب ~~بكتابي هذا.. } [النمل: 28] وقد حذف هذا للعلم به من سياق ~~القصة. وقوله: { ثم تول عنهم.. } [النمل: 28] يعني: ابتعد ~~قليلا، وحاول أن تعرف { ماذا يرجعون } [النمل: 28] يعني: يراجع ~~بعضهم بعضا، ويتناقشون فيما في الكتاب، ومن ذلك قوله تعالى: # أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك ~~لهم ضرا ولا نفعا # [طه: 89]. والسياق يقتضي أن نقول: فذهب الهدهد بالكتاب، وألقاه عند ~~بلقيس فقرأته واستشارت فيه أتباعها وخاصتها، ثم قالت: { قالت ~~يأيها الملأ... }. ### || [27.29] # نلحظ هنا سرعة جواب الأمر # اذهب.. # [النمل: 28] فبعده مباشرة قالت ملكة سبأ: { قالت يأيها الملأ ~~إني ألقي إلي كتاب كريم } [النمل: 29] وهذا يدل على أن ~~أوامر سليمان كانت محوطة بالتنفيذ العاجل لذلك حذف السياق كل التفاصيل ~~بين الأمر # اذهب.. # [النمل: 28] والجواب { قالت.. } [النمل: 29] هكذا على وجه السرعة. ~~ومعنى { الملأ.. } [النمل: 29] هم أعيان القوم وأشرافهم والمستشارون ~~والخاصة { إني ألقي إلي كتاب كريم } [النمل: 29] ~~فوصفت الكتاب بأنه كريم إما لأنها سمعت عن سليمان - عليه السلام - ~~وعظمة ملكه، أو: لأن الكتاب سطر على ورق راق وبخط جميل، وبعد ذلك ~~هو ممهور بخاتمه الرسمي، مما يدل على أنه كتاب هام ينبغي دراسته وأخذ ~~الرأي فيه. ### || [27.30] # إذن: فهي تعرف سليمان، وتعرف نبوته وصفاته، وأنه يكاتبهم باسم الله ~~ويصدر في دعوتهم عن أوامر الله، وكان مجمل الكتاب بعد بسم الله الرحمن ~~الرحيم: { ألا تعلوا علي وأتوني... }. ### || [27.31] # إنها برقية موجزة في أبلغ ما يكون الإيجاز { ألا تعلوا علي.. ~~} [النمل: 31] العلو هنا بمعنى الغطرسة والزهو الذي يعتاده الملوك ~~خاصة، وهي مثله، ملكة لها عرش عظيم، وأوتيت من كل شيء وكونه ~~يخاطبها بهذه اللهجة المختصرة البعيدة عن النقاش والجدال، هذا أمر يحتاج ~~منها إلى نظر وإلى أناة. لذلك بعد أن أخبرت مستشاريها بأمر الكتاب، ~~وما ورد فيه طلبت منهم الرأي والمشورة: { قالت يأيها ~~الملأ... }. ### || [27.32] # سبق أن تكلمنا في معنى الفتوى، ms7224 وأنها من الفتوة أي: القوة، وهي مثل: ~~غني فلان أي: صار غنيا بذاته، وأغناه غيره أمده بالغنى، كذلك أفتاه ~~يعني: أعطاه قوة في الحكم والحجة. وقالت: { في أمري.. } [النمل: 32] ~~مع أن الأمر خاص بالدولة كلها، لا بها وحدها لأنها رمز للدولة وللملك، ~~وإن تعرض لها سليمان فسوف يخدش ملكها أولا، وينال من هيبتها قبل ~~رعيتها. { ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون } [النمل: ~~32] يعني: لا أبت في أمر إلا في حضوركم، وبعد استشارتكم. وهذا يدل ~~على أنها كانت تأخذ بمبدأ الشورى رغم ما كان لها من الملك والسيطرة ~~والهيمنة. فرد عليها الملأ من قومها: { قالوا نحن أولو ~~قوة... }. ### || [27.33] # يعني: نحن أصحاب قوة في أجسامنا، وأصحاب شجاعة وبأس أي جيوش فيها عدد ~~وعدة { والأمر إليك.. } [النمل: 33] أي: إن رأيت الحرب، فنحن ~~على أهبة الاستعداد، فهم يعرضون عليها رأيهم دون أن يلزموها به، فهو ~~رأي سياسي لا رأي حربي، فهي صاحبة قرار الحرب إن أرادت { فانظري ~~ماذا تأمرين } [النمل: 33] يعني: نحن على استعداد للسلم ~~وللحرب، وننتظر أمرك. ثم يقول الحق سبحانه: { قالت إن ~~الملوك... }. ### || [27.34] # وتعرض بلقيس رأيها { إن الملوك إذا دخلوا قرية ~~أفسدوها.. } [النمل: 34]، ذلك لأنهم يريدون ملكا، فينهبون كل ما ~~يمرون به بل ويخربون ويفسدون لماذا؟ لأنهم ساعة يصل الملك المغير لا ~~يضمن النصر لذلك يخرب كل شيء، حتى إذا ما عرف أنه انتصر، وأن الأمور ~~قد استقرت له يحافظ على الأشياء ولا يخربها. { وجعلوا أعزة ~~أهلهآ أذلة.. } [النمل: 34] لأن الملك يقوم على أنقاض ملك ~~قديم، فيكون أصحاب العزة والسيادة هم أول من يبدأ بهم لأن الأمر أخذ ~~من أيديهم، وسوف يسعون لاستعادته، ولا بد أن يكون عندهم غيظ ~~ولدد في الخصومة. أما قوله تعالى: { وكذلك يفعلون } [النمل: ~~34] فللعلماء فيه كلام: قالوا إنه من كلام بلقيس، وكأنه تذييل لكلامها ~~السابق، لكن ماذا يضيف { وكذلك يفعلون } [النمل: 34] بعد أن ~~قالت { إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ~~وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة.. } [النمل: 34]. فالرأي ~~الصواب أن هذه العبارة من الحق - سبحانه وتعالى - ليصدق ms7225 على كلامها، ~~وأنها أصابت في رأيها، فكذلك يفعل الملوك إذا دخلوا قرية، مما يدل على أن ~~الحق سبحانه رب الخلق أجمعين، إذا سمع من عبد من عبيده كلمة حق يؤيده ~~فيها، لا يتعصب ضده، ولا يهضمه حقه. ### || [27.35] # بعد أن ترك لها المستشارون الأمر والتدبير أخذت تعمل عقلها، وتستخدم ~~فطنتها وخبرتها بحياة الملوك، فقالت: إن كان سليمان ملكا فسوف يطمع ~~في خيرنا، وإن كان نبيا فلن يهتم بشيء منه، فقررت أن ترسل له هدية ~~تناسب مكانته كملك ومكانتها هي أيضا، لتثبت له أنها على جانب كبير من ~~الثراء والغنى. ولا بد أنها كانت ثمينة لتستميل الملك، أو كما نقول تلوحه ~~أو تلويه. { وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة ~~بم يرجع المرسلون } [النمل: 35] فإن كان ملكا قبلها، ~~وعرفنا أن علاجه في بعض الخراج والأموال تساق إليه كل عام، وإن كان ~~نبيا فلن يقبل منها شيئا، وهذا رأي جميل من بلقيس يدل على فطنتها ~~وذكائها وحصافتها، حيث جنبت قومها ويلات الحرب والمواجهة. ### || [27.36] # أي: فلما جاء رسول بلقيس إلى سليمان بالهدية { قال أتمدونن ~~بمال فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم.. } [النمل: 36] ~~فأي هدية هذه، وأنا أملك ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي؟ { بل.. } ~~[النمل: 36] يعني: اضرب عن الكلام السابق { أنتم بهديتكم ~~تفرحون } [النمل: 36]. أضاف الهدية إليهم، لا إليه هو، والإضافة ~~تأتي إما بمعنى اللام مثل: قلم زيد يعني لزيد، أو: بمعنى من مثل: إردب ~~قمح يعني: من قمح، أو: بمعنى في مثل: مكر الليل يعني: في الليل. فقوله { ~~بهديتكم.. } [النمل: 36] إما أن يكون المراد: هدية لكم. أي: ~~فأنتم تفرحون إن جاءتكم هدية من أحد، أو لأنني سأردها إليكم فتفرحوا ~~بردها كمن يقول بركة يا جامع أو: هدية منكم. أي: أنكم تفرحون إن ~~أهديتم لي هدية فقبلتها منكم. فهذه معان ثلاثة لقوله: { بل أنتم ~~بهديتكم تفرحون } [النمل: 36]. ### || [27.37] # نذكر أن الملكة قالت # فناظرة بم يرجع المرسلون # [النمل: 35] فكأنه يستشعر نص ما قالت، وينطق عن إشراقات النبوة فيه، ~~فيقول: { ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل ms7226 ~~لهم بها.. } [النمل: 37]. وهكذا دخلت المسألة في طور المواجهة ~~لأن كلامنا كلام النبوة التي لا تقبل المساومة، لا كلام الملك الذي يسعى ~~لحطام الدنيا. { ولنخرجنهم منهآ أذلة وهم ~~صاغرون } [النمل: 37] وكأنه يكشف لهم عن قول ملكتهم: # إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا ~~أعزة أهلهآ أذلة.. # [النمل: 34] وهذه أيضا من إشراقات النبوة. ومعنى { لا قبل لهم ~~بها.. } [النمل: 37] تقول: لا قبل لي بكذا. يعني: لا أستطيع مقابلته، ~~وأنا أضعف من أن أقابله، أو لا طاقة لي به { ولنخرجنهم ~~منهآ أذلة.. } [النمل: 37] لأنه سيسلب ملكهم، فبعد أن كانوا ~~ملوكا صاروا عبيدا، ثم يزيد في حدته عليهم { وهم صاغرون } ~~[النمل: 37] لأنهم قد يقبلون حالة العبودية وعيشة الرعية، فزاد { وهم ~~صاغرون } [النمل: 37] لأن الصغار لا يكون إلا بالقتل والأسر. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { قال يأيها الملأ... }. ### || [27.38] # الملأ: أشراف القوم وسادتهم وأصحاب الرأي فيهم { أيكم يأتيني ~~بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين } [النمل: 38] هنا أيضا ~~مظهر من إشراقات النبوة عند سليمان، فهو يعلم ما سيحدث عندهم حينما تعود ~~إليهم هديتهم، وأنهم سيسارعون إلى الإسلام، فرد الهدية يعني أننا أصحاب ~~كلمة ورسالة ومبدأ ندافع عنه لا أصحاب مصلحة. ولما علم أنهم سيأتون ~~مسلمين طلب من جنوده أن يأتوه بعرشها، وحدد زمن الإتيان بهذا العرش { ~~قبل أن يأتوني مسلمين } [النمل: 38]. إذن: لا بد من ~~الذهاب إلى مملكة سبأ وفك العرش، وحمله إلى مملكة سليمان، ثم إعادة ~~تركيبه عنده، وهذه مهمة بالطبع فوق قدرة البشر لذلك لم يتكلم منهم أحد، ~~حتى الجن العادي لم يعرض على سليمان استعداده للقيام بهذه المهمة: { ~~قال عفريت من الجن... }. ### || [27.39] # والجن في القدرة والمهارة مثل الإنس، منهم القوى الماهر، ومنهم العيي ~~الذي لا يجيد شيئا. نقول لبخة وكلمة عفريت من تعفير التراب، وكانوا ~~حينما يتسابقون في العدو بالخيل أو غيرها، فمن يسبق منهم يثير ~~الغبار في وجه الآخر فيعطله عن السبق. فقالوا: عفريت يعني عفر من ~~وراءه. أو: المعنى أنه يعفر وجه من عارضه بالتراب فسمي عفريتا. ~~إذن: فالعفريت هو الخبيث ms7227 الماكر من الجن، وصاحب القوة الخارقة فيهم، وهو ~~الذي تعرض لهذه المهمة، وقال { أنا آتيك به قبل أن تقوم ~~من مقامك.. } [النمل: 39]. وهذا كلام مجمل لأن مقام سليمان بين ~~رعيته للحكم أو للمدارسة سوف يستغرق وقتا: ساعة أو ساعتين مثلا، وقد ~~تعهد العفريت أن يأتي بالعرش في هذا الوقت يعني: لن يؤخره إلى جلسة ~~أخرى. وقوله: { وإني عليه لقوي أمين } [النمل: 39] يدل ~~على أن هذا العفريت يعلم فخامة هذا العرش وضخامته، وأنه شيء نفيس يستحق ~~الاعتناء به، خاصة في عملية نقله لذلك قال من ناحية كبره وضخامته " فأنا ~~عليه قوي " قادر على حمله، ومن ناحية نفاسته وفخامته، فأنا عليه أمين ~~لن أبدد منه شيئا. ثم تكلم آخر لم يحدده القرآن إلا بالوصف: { ~~قال الذي عنده علم... }. ### || [27.40] # الطرف: الجفن الأعلى للعين. تكلم العلماء في هذه الآية: أولا: قالوا ~~{ الكتاب.. } [النمل: 40] يراد به اللوح المحفوظ، يعلم الله تعالى ~~بعض خلقه أسرارا من اللوح المحفوظ، أما الذي عنده علم من الكتاب ~~فقالوا: هو آصف بن برخيا، وكان رجلا صالحا أطلعه الله على أسرار الكون. ~~وقال آخرون: بل هو سليمان عليه السلام، لما قال له العفريت # أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك.. # [النمل: 39] قال هو: { أنا آتيك به قبل أن يرتد ~~إليك طرفك.. } [النمل: 40] لأنه لو كان شخصا آخر لكان له تفوق ~~على سليمان في معرفة الكتاب. لكن ردوا عليهم بأن من عظمة سليمان أن ~~يعلم أحد رعيته هذا العلم، فمن عنده علم من الكتاب بحيث يأتي بالعرش ~~قبل طرفة عين هو خادم في مملكة سليمان ومسخر له، كما أن المزايا لا ~~تقتضي الأفضلية، وليس شرطا في الملك أن يعرف كل شيء، وإلا لقلنا ~~للملك: تعال أصلح لنا دورة المياه. أما نحن فنميل إلى أنه سليمان عليه ~~السلام. وفرق كبير في القدرات بين من يأتي بالعرش قبل أن يقوم الملك ~~من مجلسه، وبين من يأتي به في طرفة عين، ونقل العرش من مملكة بلقيس ~~إلى مملكة سليمان يحتاج إلى وقت وإلى ms7228 قوة. والزمن يتناسب مع القوة ~~تناسبا عكسيا: فكلما زادت القوة قل الزمن، فمثلا حين تكلف الطفل ~~الصغير بنقل شيء من مكانه إلى مكان ما، فإنه يذهب إليه ببطء ويحمله ~~ببطء حتى يضعه في مكانه، أما الرجل فبيده وفي سرعة ينقله، وهذه المسألة ~~نلاحظها في وسائل المواصلات، ففرق بين السفر بالسيارة، والسفر بالطائرة، ~~والسفر بالصاروخ مثلا. وهذه تكلمنا عنها في قصة " الإسراء والمعراج " ~~فقد أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه السرعة لأن الله تعالى ~~أسرى به، ونقله من مكان إلى مكان لذلك جاءت الرحلة في سرعة فوق تصور ~~البشر. وما دام الزمن يتناسب مع القوة، فلا تنسب الحدث إلى رسول الله، ~~إنما إلى الله، إلى قوة القوى التي لا تحتاج إلى زمن أصلا، فإن قلت: ~~فلماذا استغرقت الرحلة ليلة وأخذت وقتا؟ نقول: لأنه صلى الله عليه ~~وسلم مر بأشياء، ورأى أشياء، وقال، وسأل، وسمع، فهو الذي شغل هذا ~~الوقت، أما الإسراء نفسه فلا زمن له. لذلك قبل أن يخبرنا الحق - تبارك ~~وتعالى - بهذه الحادثة العجيبة قال: # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] أي: نزهه عن مشابهة غيره، كذلك مسألة نقل العرش في ~~طرفة عين لا بد أن من فعلها فعلها بعون من الله وبعلم أطلعه الله ~~عليه، فنقله بكن التي لا تحتاج وقتا ولا قوة، وما دام الأمر بإرادة ~~الله وقوته وإلهامه فلا نقول إلا: آمين. # وفي قوله للجن: { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك ~~طرفك.. } [النمل: 40] تحد لعفريت الجن، حتى لا يظن أنه أقوى من ~~الإنسان، فإن أراد الله منحني من القوة ما أتفوق عليك به، بل وأسخرك ~~بها لخدمتي. ومن ذلك قوله سبحانه عن تسخير الجن: # يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وجفان ~~كالجواب وقدور راسيات.. # [سبأ: 13]. وليعلموا أنهم جهلاء، ظلوا يعملون لسليمان وهو ميت ومتكىء ~~على عصاه أمامهم، وهم مرعوبون خائفون منه. والتحدي قد يكون بالعلو، ~~وقد يكون بالدنو، كالذي قال لصاحبه: أنا دارس باريس دراسة دقيقة، ~~وأستطيع أن أركب معك السيارة وأقول لك: أين ms7229 نحن منها، وأمام أي محل، ~~وأنا مغمض العينين، فقال الآخر: وأنا أستطيع أن أخبرك بذلك بدون أن ~~أغمض عيني. وقوله: { فلما رآه.. } [النمل: 40] أي: العرش { ~~مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي.. } [النمل: 40] ~~إما لأنه أقدره على الإتيان به بنفسه، أو سخر له من عنده علم من ~~الكتاب، فأتاه به، فهذه أو ذلك فضل من الله. { ليبلوني.. } ~~[النمل: 40] يختبرني { أأشكر أم أكفر.. } [النمل: 40] يعني: ~~أشكر الله فأوفق في هذا الاختبار؟ أم أكفر بنعمة الله فأخفق فيه؟ لأن ~~الاختبار إنما يكون بنتيجته. والشكر بأن ينسب النعمة إلى المنعم وألا ~~يلهيه جمال النعمة عن جلال واهبها ومسديها، فيقول مثلا: إنما أوتيته ~~على علم عندي. وقوله: { ومن شكر فإنما يشكر لنفسه.. } ~~[النمل: 40] أي: أن الله تعالى لا يزيده شكرنا شيئا، فله - سبحانه ~~وتعالى - صفات الكمال المطلق قبل أن يشكره أحد، فمن يشكر فإنما يعود ~~عليه، وهو ثمرة شكره. { ومن كفر.. } [النمل: 40] يعني: جحد النعمة ~~ولم يشكر المنعم { فإن ربي غني.. } [النمل: 40] أي: عن شكره { ~~كريم } [النمل: 40] أي يعطي عبده رغم ما كان منه من جحود وكفر بالنعمة ~~لأن نعمه تعالى كثيرة لا تعد، وهذا من حلمه تعالى ورأفته بخلقه. ~~لذلك لما نتأمل قوله تعالى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. # [إبراهيم: 34] وقد تكررت هذه العبارة بنصها في آيتين من كتاب الله، ~~مما جعل البعض يرى فيها تكرارا لا فائدة منه، لكن لو نظرنا إلى عجز كل ~~منهما لوجدناه مختلفا. فالأولى تختتم بقوله تعالى: # إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34] والأخرى: # إن الله لغفور رحيم # [النحل: 18]. إذن: فهما متكاملتان، لكل منهما معناها الخاص، فالأولى ~~تبين ظلم الإنسان حين يكفر بنعمة الله عليه ويجحدها، وتضيف الأخرى أن ~~الله تعالى مع ذلك غفور لعبده رحيم به. كما نلحظ في الآية: # وإن تعدوا.. # [إبراهيم: 34] استخدم إن الدالة على الشك لأن أحدا لا يجرؤ على عد ~~نعم الله في الكون، فهي فوق الحصر لذلك لم يقدم على هذه المسألة ~~أحد، مع أنهم بوسائلهم الحديثة أحصوا كل شيء إلا نعم ms7230 الله لم يتصد ~~لأحصائها أحد في معهد أو جامعة ممن تخصصت في الإحصاء. # وهذا دليل على أنها مقطوع بالعجز عنها، كما لم نجد مثلا من تصدى ~~لإحصاء عدد الرمل في الصحراء. كما نقف عند قوله سبحانه: # نعمت الله.. # [إبراهيم: 34] ولم يقل: نعم الله، فالعجز عن الإحصاء أمام نعمة ~~واحدة لأن تحتها نعم كثيرة لو تتبعتها لوجدتها فوق الحصر. ثم لما جاءته ~~بلقيس أراد أن يجري لها اختبار عقل، واختبار إيمان: { قال ~~نكروا لها عرشها... }. ### || [27.41] # قوله: { نكروا.. } [النمل: 41] ضده عرفوا لأنه جاء بالعرش على ~~هيئته كما كان عندها في سبأ، ولو رأته على حالته الأولى لقالت هو هو، ~~ولم يظهر له ذكاؤها لذلك قال { نكروا لها عرشها.. } [النمل: ~~41] يعني: غيروا بعض معالمه، ومنه شخص متنكر حين يغير ملامحه وزيه ~~حتى لا يعرفه من حوله. { ننظر أتهتدي أم تكون من ~~الذين لا يهتدون } [النمل: 41] تهتدي إيمانا إلى الإسلام، أو ~~تهتدي عقليا إلى الجواب في مسألة العرش. ### || [27.42] # جاء السؤال بهذه الصيغة { أهكذا عرشك.. } [النمل: 42] ليعمي ~~عليها أمر العرش، وليختبر دقة ملاحظتها، فلو قال لها: أهذا عرشك؟ لكان ~~إيحاء لها بالجواب إنما { أهكذا عرشك.. } [النمل: 42] كأنه ~~يقول: ليس هذا عرشك، فلما نظرت إليه اجمالا عرفت أنه عرشها، فلما رأت ~~ما فيه من تغيير وتنكير ظنت أنه غيره لذلك اختارت جوابا دبلوماسيا ~~يحتمل هذه وهذه، فقالت { كأنه هو.. } [النمل: 42] وعندها فهم ~~سليمان أنها على قدر كبير من الذكاء والفطنة وحصافة الرأي. وكذلك ~~كلام الساسة والدبلوماسيين تجده كلاما يصلح لكل الاحتمالات ولأي ~~واقع بعده، فإذا جاء الأمر على خلاف ما قال لك يسبقك بالقول: ألم أقل ~~لك كذا وكذا. ومن ذلك ما قاله معاوية بن أبي سفيان للأحنف بن قيس: يا ~~أحنف لماذا لا تسب عليا على المنبر كما يسبه الناس؟ فقال الأحنف: ~~اعفني يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: عزمت عليك إلا فعلت، فقال: ~~أما وقد عزمت علي فسأصعد المنبر، ولكني سأقول للناس: إن أمير المؤمنين ~~معاوية أمرني أن ألعن عليا، فقولوا معي: لعنه ms7231 الله. عندها قال معاوية: ~~لا يا أحنف، لا تقل شيئا. لماذا؟ لأن اللعن في هذه الحالة سيعود على ~~من؟ على معاوية أو على علي؟ وتحكى قصة الخياط الأعور الذي خاط ~~لأحد الشعراء جبة فجاءت وأحد الكمين أطول من الآخر، فلم يستطع ~~لبسها، فلما سألوه عن عدم لبس الجبة الجديدة أخبرهم بما حدث من الخياط ~~فقالوا: اهجه، فقال: # قلت شعرا ليس يدرى # أمديح أم هجاء # خاط لي عمرو قباء # ليت عينيه سواء # فالكلام يحتمل المعنيين: الدعاء له، والدعاء عليه. هذا هو الرد ~~الدبلوماسي الذي يهرب به صاحبه من المواجهة. وكذلك قالت بلقيس جوابا ~~دبلوماسيا { كأنه هو.. } [النمل: 42] أما { وأوتينا ~~العلم من قبلها وكنا مسلمين } [النمل: 42] فيحتمل أن ~~يكون امتدادا لقول بلقيس، يعني: أوتينا العلم من قبل هذه الحادثة، ~~وعرفنا أنك نبي لما رددت إلينا الهدية، وقلت ما قلت، فلم نكن في حاجة ~~إلى مثل هذه الحادثة لنعلم نبوتك. ويحتمل أنها من كلام سليمان عليه ~~السلام. ### || [27.43] # المعنى: صدها ما فعل سليمان من أحداث، وما أظهر لها من آيات، صدها ~~عن الكفر الذي ألفته { إنها كانت من قوم كافرين } ~~[النمل: 43] فصدها سليمان بما فعل عما كانت تعبد من دون الله. ### || [27.44] # الصرح: إما أن يكون القصر المشيد الفخم، وإما أن يكون البهو الكبير ~~الذي يجلس فيه الملوك مثل: إيوان كسرى مثلا، فلما دخلت { حسبته ~~لجة.. } [النمل: 44] ظنته ماء، والإنسان إذا رأى أمامه ماء أو ~~بللا يرفع ثيابه بعملية آلية قسرية حتى لا يصيبه البلل لذلك كشفت ~~بلقيس عن ساقيها يعني: رفعت ذيل ثوبها. وهنا نبهها سليمان { إنه ~~صرح ممرد من قوارير.. } [النمل: 44] يعني: ادخلي لا تخافي ~~بللا، فهذا ليس لجة ماء، إنما صرح ممرد من قوارير يعني: مبني من ~~الزجاج والبللور أو الكريستال، بحيث يتموج الماء من تحته بما فيه من ~~أسماك. { قالت رب إني ظلمت نفسي.. } [النمل: 44] بالكفر ~~أولا، وبظن السوء في سليمان، وأنه يريد أن يغرقني في لجة الماء { ~~وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين } [النمل: ~~44] ويبدو أنها لم تنطق ms7232 بكلمة الإسلام صريحة إلا هذه المرة، وأن القول ~~السابق # وكنا مسلمين # [النمل: 42] كان من كلام سليمان عليه السلام. وقولها { وأسلمت ~~مع سليمان.. } [النمل: 44] مثل قول سحرة فرعون لما رأوا ~~المعجزة: # آمنا برب هارون وموسى # [طه: 70] لأن الإيمان إنما يكون بالله والرسول دال على الله، لذلك قالت: ~~{ وأسلمت مع سليمان.. } [النمل: 44] ولم تقل: أسلمت ~~لسليمان، نعم لقد دانت له، واقتنعت بنبوته، لكن كبرياء الملك فيها ~~جعلها لا تخضع له، وتعلن إسلامها لله مع سليمان لأنه السبب في ذلك، ~~وكأنها تقول له: لا تظن أني أسلمت لك، إنما أسلمت معك، إذن: أنا وأنت ~~سواء، لا يتعالى أحد منا على الآخر، فكلانا عبد لله. وقد دخل هذه القصة ~~بعض الإسرائيليات، منها أن سليمان - عليه السلام - جعل الصرح على هذه ~~الصورة لتكشف بلقيس عن ساقيها لأنه بلغه أنها مشعرة الساقين، إلى غير ~~هذا من الافتراءات التي لا تليق بمقام النبوة. ثم يأتي بنا الحق سبحانه ~~إلى نبي آخر في موكب الأنبياء: { ولقد أرسلنآ إلى ثمود... ~~}. ### || [27.45] # مرت بنا قصة نبي الله صالح - عليه السلام - مع قومه ثمود في سورة ~~الشعراء، وأعيد ذكرها هنا لأن القرآن يقص على رسول الله من موكب ~~الأنبياء ما يثبت به فؤاده، كلما تعرض لأحداث تزلزل الفؤاد، يعطيه ~~الله النجم من القرآن بما يناسب الظروف التي يمر بها، وهذا ليس ~~تكرارا للأحداث، إنما توزيع للقطات، بحيث إذا تجمعت تكاملت في بناء ~~القصة. وقوله سبحانه { ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم ~~صالحا.. } [النمل: 45] لا بد أنه أرسل بشيء ما هو؟ { أن ~~اعبدوا الله.. } [النمل: 45] لذلك سميت أن التفسيرية، كما في ~~قوله تعالى: # وأوحينآ إلى أم موسى.. # [القصص: 7] ماذا؟ # أن أرضعيه.. # [القصص: 7]. وقد يأتي التفسير بجملة، كما في: # فوسوس إليه الشيطان.. # [طه: 120] بأي شيء؟ # قال يآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا ~~يبلى # [طه: 120]. فشرح الوسوسة وهي شيء عام بقوله: # قال يآدم.. # [طه: 120] فرسالتنا إلى ثمود ملخصها ومؤداها { أن اعبدوا ~~الله.. } [النمل: 45]. والعبادة كما ذكرنا أن نطيع الله بفعل ما أمر، ~~وبترك ms7233 ما نهى عنه وزجر، أما ما لم يرد فيه أمر ولا نهي فهو من ~~المباحات إن شئت فعلتها، وإن شئت تركتها، وإذا ما استعرضنا حركة ~~الأحياء والخلفاء في الأرض وجدنا أن 5% من حركتهم تدخل فيها الشارع ~~بافعل ولا تفعل، أما الباقي فهو مباح. إذن: فالتكليف منوط بأشياء يجب ~~أن تفعلها لأن فيها صلاح مجتمعك، أو أشياء يجب أن تتركها لأن فيها فساد ~~مجتمعك. فماذا كانت النتيجة؟ { فإذا هم فريقان يختصمون } ~~[النمل: 45]. والاختصام أن يقف فريق منهم ضد الآخر، والمراد أن فريقا ~~منهم عبدوا الله وأطاعوا، والفريق الآخر عارض وكفر بالله. وقد وقف عند ~~هذه الآية بعض الذين يحبون أن يتهجموا على الإسلام وعلى أسلوب القرآن، ~~وهم يفتقدون الملكة العربية التي تساعدهم على فهم كلام الله، وإن ~~تعلموها فنفوسهم غير صافية لاستقبال كلام الله، وفيهم خبث وسوء نية. ~~واعتراضهم أن { فريقان.. } [النمل: 45] مثنى و { يختصمون } ~~[النمل: 45] دالة على الجمع، فلماذا لم يقل: يختصمان؟ وهذه لغة القرآن ~~في مواضع عدة. ومنها قوله تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت ~~فأصلحوا بينهما.. # [الحجرات: 9]. والقياس يقتضي أن يقول: اقتتلتا. لكن حين نتدبر المعنى ~~نجد أن الطائفة جماعة مقابل جماعة أخرى، فإن حدث قتال حمل كل منهم ~~السلاح، لا أن تتقدم الطائفة بسيف واحد، فهم في حال القتال جماعة. لذلك ~~قال اقتتلوا بصيغة الجمع، أما في البداية وعند تقرير القتال فلكل ~~طائفة منهما رأي واحد يعبر عنه قائدها، إذن: فهما في هذه الحالة مثنى. # كما أن الطائفة وإن كانت مفردة لفظا إلا أنها لا تطلق إلا على ~~جماعة، فيقف كل واحد من الجماعة بسيفه في مواجهة آخر من الطائفة الأخرى. ~~وهنا أيضا { فإذا هم فريقان.. } [النمل: 45] أي: مؤمنون ~~وكافرون { يختصمون } [النمل: 45] لأن كل فرد في هذه الجماعة يقف في ~~مواجهة فرد من الجماعة الأخرى. وفي موضع آخر، شرح لنا الحق - تبارك ~~وتعالى - هذه المسألة، فقال سبحانه: # فالذين كفروا قطعت ms7234 لهم ثياب من نار يصب ~~من فوق رءوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم ~~والجلود * ولهم مقامع من حديد * كلمآ أرادوا ~~أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا ~~عذاب الحريق # [الحج: 19-22]. أما الفريق الآخر: # إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من ~~أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير * ~~وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط ~~الحميد # [الحج: 23-24]. فبين لنا الحق - سبحانه - كل فريق منهما، وبين مصيره ~~وجزاءه. ونلحظ هنا { فإذا.. } [النمل: 45] يسمونها الفجائية، ~~ويمثلون لها بقولهم: خرجت فإذا أسد بالباب، والمعنى: أنك فوجئت ~~بشيء لم تكن تتوقعه، كذلك حدث من الكافرين من قوم ثمود حين قال لهم ~~نبيهم { أن اعبدوا الله.. } [النمل: 45] لكن يفاجئوننا بأنهم ~~فريقان: مؤمنون وكافرون. ومنطق العقل والحق والفطرة السليمة يقتضي أن ~~يستقبلوا هذا الأمر بالطاعة والتسليم، ولا يختلفوا فيه هذا الاختلاف: ~~فريق في الجنة وفريق في السعير # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14]. وقالوا: إن الله تعالى لا يرسل الرسل إلا على فساد ~~في المجتمع، الخالق عز وجل خلق في الإنسان النفس اللوامة التي ترده إلى ~~رشده وتنهاه، والنفس المطمئنة التي اطمأنت بالإيمان، وأمنت الله على ~~الحكم في افعل ولا تفعل، والنفس الأمارة بالسوء، وهي التي لا تعرف ~~معروفا، ولا تنكر منكرا، ولا تدعو صاحبها إلا إلى السوء. والله - ~~عز وجل - رب، ومن عادة الرب أن يتعهد المربى ليؤدي غايته على ~~الوجه الأكمل، أرأيتم أبا يربي أبناءه إلا لغاية؟ وما دام هو سبحانه ~~ربي فلا يأمرني إلا لصالحي، وصالح مجتمعي، فلا شيء من طاعتنا يعود عليه ~~بالنفع ولا شيء من معاصينا يعود عليه بالضرر لأنه سبحانه خلق الكون كله ~~بصفات الكمال المطلق. إذن: كانت الفطرة السليمة تقتضي استقبال أوامر الله ~~بالقبول والتسليم. وهذه الخصومة تجمع المؤمنين في جهة لأنهم اتفقوا على ~~الإيمان. والكافرين في جهة لأنهم اتفقوا على الكفر. لكن يمتاز المؤمنون ~~بأن يظل وفاقهم إلى نهاية العمر، بل وعند ms7235 لقاء الله تعالى في الجنة لأنهم ~~اتفقوا في الدنيا في خطة العمل وفي الآخرة في غاية الجزاء، كما يقول ~~تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. أما الكفار فسوف تقوم بينهم الخصومات يوم القيامة، ويلعن ~~بعضهم بعضا، ويتبرأ بعضهم من بعض، والقرآن حين يصور تخاصم أهل ~~النار يقول بعد أن ذكر نعيم أهل الجنة: # هذا وإن للطاغين لشر مآب * جهنم يصلونها ~~فبئس المهاد * هذا فليذوقوه حميم وغساق * ~~وآخر من شكله أزواج * هذا فوج مقتحم معكم ~~لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار * قالوا بل ~~أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس ~~القرار * قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده ~~عذابا ضعفا في النار * وقالوا ما لنا لا نرى ~~رجالا كنا نعدهم من الأشرار * أتخذناهم ~~سخريا أم زاغت عنهم الأبصار * إن ذلك لحق ~~تخاصم أهل النار # [ص: 55-64]. إذن: فالخصومة في الدنيا بين مؤمن وكافر، أما في الآخرة ~~فبين الكافرين بعضهم البعض، بين الذين أضلوا والذين أضلوا، بين ~~الذين اتبعوا، والذين اتبعوا. ### || [27.46] # لما ذكرت قصة ثمود في الشعراء، لم تذكر شيئا عن استعجال السيئة، فما ~~هي السيئة التي استعجلوها وربهم عز وجل يلومهم عليها؟ هي قولهم: # فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # [الأعراف: 70]. وعجيب أمر هؤلاء القوم، ماذا يفعلون لو نزل بهم؟ قالوا ~~معا: حينما تأتينا السيئة نستغفر ونتوب يظنون أن الاستغفار والتوبة ~~تقبل منهم في هذا الوقت. والحق - تبارك وتعالى - يقول: # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب ~~الله عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست ~~التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر ~~أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين ~~يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا ~~أليما # [النساء: 17-18]. فلماذا تستعجلون السيئة والعذاب، وكان عليكم أن ~~تستعجلوا الحسنة، واستعجالكم السيئة يحول بينكم وبين الحسنة لأنها لن ~~تقبل منكم { لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون } ~~[النمل: 46]. ### || [27.47] # اطير: استعمل الطير، وهذه عملية كانوا يلجئون إليها عند قضاء مصالحهم ~~أو عند ms7236 سفرهم مثلا، فكان الواحد منهم يمسك بالطائر ثم يرسله، فإن طار ~~ناحية اليمين تفاءل وأقبل على العمل، وإن طار ناحية الشمال تشاءم، ~~وامتنع عما هو قادم عليه، يسمونها السانحات والبارحات. فالمعنى: ~~تشاءمنا منك، وممن اتبعك. { قال طائركم عند الله.. } ~~[النمل: 47] يعني: قضاء مقضي عليكم، وليس للطير دخل في أقداركم، وما ~~يجري عليكم من أحكام، فكيف تأخذون من حركته منطلقا لحركتكم؟ إنما ~~طائركم وما يقدر لكم من عند الله قضاء يقضيه. وفي آية يس: # قالوا طائركم معكم.. # [يس: 19] يعني تشاؤمكم هو كفركم الذي تمسكتم به. لكن، لماذا جاء التشاؤم ~~هنا، ونبيهم يدعوهم إلى الله؟ قالوا: لأنه بمجرد أن جاءهم عارضوه، ~~فأصابهم قحط شديد، وضنت عليهم السماء بالمطر فقالوا: هو الذي جر ~~علينا القحط والخراب. وقوله: { بل أنتم قوم تفتنون } ~~[النمل: 47] الفتنة: إما بمعنى الاختبار والابتلاء، وإما بمعنى فتنة ~~الذهب في النار. ### || [27.48] # وهذه المسألة أيضا لقطة جديدة من القصة لم تذكر في الشعراء، وهكذا كل ~~القصص القرآني لو تدبره الإنسان لوجده لقطات متفرقة، كل منها يضيف ~~جديدا، ويعالج أمرا يناسب النجم القرآني الذي نزل فيه لتثبيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. والرهط: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، ويدل ~~على العدد من الثلاثة إلى العشرة، فمعنى { تسعة رهط.. } [النمل: ~~48] كأنهم كانوا قبائل أو أسرا أو فصائل، قبيلة فلان وقبيلة فلان.. إلخ. ~~{ يفسدون في الأرض.. } [النمل: 48] فلماذا قال بعدها: { ولا ~~يصلحون } [النمل: 48]؟ قالوا: لأن الإنسان قد يفسد في شيء، ويصلح ~~في آخر، كالذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وهؤلاء عسى الله أن ~~يتوب عليهم. أما هؤلاء القوم، فكانوا أهل فساد محض لا يعرفون الصلاح، ~~فإن رأوه عمدوا إليه فأفسدوه، فكأنهم مصرون على الإفساد، وللإفساد ~~قوم ينتفعون به، لذلك يدافعون عنه ويعارضون في سبيله أهل الإصلاح والخير ~~لأنهم يعطلون عليهم هذه المنفعة. وقلنا: إن صاحب الدين والخلق ~~والمبادىء في أي مصلحة تراه مكروها من هذه الفئة التي تنتفع من ~~الفساد، يهاجمونه ويتتبعونه بالهمز واللمز، يقولون: حنبلي، وربما ~~يهزأون به.. إلخ لذلك ms7237 لم يقف في وجه الرسل إلا هذه الطائفة المنتفعة ~~بالفساد. ### || [27.49] # { قالوا.. } [النمل: 49] أي: الرهط { تقاسموا بالله ~~لنبيتنه وأهله.. } [النمل: 49] انظر إلى هذه البجاحة وقلة ~~العقل وتفاهة التفكير: إنهم يتعاهدون ويقسمون بالله أن يقتلوا رسول ~~الله، وهذا دليل غبائهم، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يجعل لهم منافذ يظهر ~~منها حمقهم وقلة عقولهم. ومعنى { لنبيتنه.. } [النمل: 49] ~~نبيته: نجعله ينام بالليل، والبيتوتة أن ينقطع الإنسان عن الحركة حال ~~نومه، ثم يعاود الحركة بالاستيقاظ في الصباح، لكن هؤلاء يريدون أن ~~يبيتوه بيتوتة لا قيام منها. والمعنى: نقتله. فإذا ما جاء أولياء ~~الدم يطالبوننا بدمه { لنقولن لوليه.. } [النمل: 49] أي: ~~ولي الدم من عصبته ورحمه { ما شهدنا مهلك أهله وإنا ~~لصادقون } [النمل: 49] أي: ما شهدنا مقتل أهله، فمن باب أولى ما ~~شهدنا مقتله، ولا نعرف عنه شيئا. هذا ما دبره القوم لنبي الله صالح - ~~عليه السلام - يظنون أن الله يسلم رسوله، أو يمكنهم من قتله، ~~فحاكوا هذه المؤامرة ولم يفتهم تجهيز الدفاع عن أنفسهم حين المساءلة، هذا ~~مكرهم وتدبيرهم. ### || [27.50] # معنى { ومكروا مكرا.. } [النمل: 50] أي: ما دبروه لقتل نبي ~~الله ورسوله إليهم { ومكرنا مكرا.. } [النمل: 50] وفرق بين مكر ~~الله عز وجل # والله خير الماكرين # [آل عمران: 54] وبين مكر الكافرين # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله.. # [فاطر: 43]. إذن: حين تمكر بخير، فلا يعد مكرا، إنما إبطال لمكر ~~العدو، فلا يجوز لك أن تتركه يدبر لك ويمكر بك، وأنت لا تتحرك لذلك ~~قال تعالى # والله خير الماكرين # [الأنفال: 30] لأنهم يمكرون بشر، ونحن نمكر لدفع هذا الشر لنصرة ~~رسولنا، ونجاته من تدبيركم. والمكر: مأخوذ من قولهم: شجرة ممكورة، وهذا ~~في الشجر رفيع الساق المتسلق حين تلتف سيقانه وأغصانه، بعضها على ~~بعض، فلا تستطيع أن تميزها من بعضها، فكل منها ممكور في الآخر ~~مستتر فيه، وكذلك المكر أن تصنع شيئا تداريه عن الخصم. وقوله تعالى: { ~~وهم لا يشعرون } [النمل: 50] أي: أنه مكر محبوك ومحكم، بحيث لا ~~يدري به الممكور به، وإلا لا يكون مكرا. وحين نتأمل: # ولا يحيق المكر السيىء ms7238 إلا بأهله.. # [فاطر: 43] و # والله خير الماكرين # [آل عمران: 54] نعلم أن المكر لا يمدح ولا يذم لذاته، إنما بالغاية ~~من ورائه، كما في قوله تعالى عن الظن: # يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن.. # [الحجرات: 12] فالظن منه الخير ومنه السيىء. ونسمع الآن تعبيرا ~~جديدا يعبر عما يدور في المجتمع من انتشار المكر وسوء الظن، يقولون: ~~الصراحة مكر القرن العشرين، فالذي يمكر بالناس يظن أنهم جميعا ماكرون ~~فلا يصدق كلامهم، ويحتاط له حتى إن كان صدقا، فأصبح المكر وسوء الظن هو ~~القاعدة، فإن صارحت الماكر لا يصدقك ويقول في نفسه: إنه يعمى علي ~~أو يضللني. ### || [27.51] # أي: تأمل ما حاق بهم لما مكروا بنبي الله، واتفقوا على التبييت له ~~وقتله، يروى أنهم لما دخلوا عليه ألقي على كل واحد منهم حجر لا ~~يدري من أين أتاه، فهلكوا جميعا، فقد سخر الله له ملائكة تولت ~~حمايته والدفاع عنه. أو: أن الله تعالى صنع له حيلة خرج بها وذهب إلى ~~حضرموت، وهناك مات عليه السلام، فسميت حضرموت. وآخرون قالوا: بل ~~ذهبوا ينتظرونه في سفح جبل، واستتروا خلف صخرة ليوقعوا به فسقطت عليهم ~~الصخرة فماتوا جميعا. المهم، أن الله دمرهم بأي وسيلة من هذه # وما يعلم جنود ربك إلا هو.. # [المدثر: 31] لقد أرادوا أن يقتلوه وأهله، فأهلكهم الله. ### || [27.52] # قوله تعالى: { فتلك بيوتهم خاوية.. } [النمل: 52] دليل على ~~أن الله أهلكهم فلم يبق منهم أحدا، وتركت بيوتهم خاوية بسبب ظلمهم ~~{ إن في ذلك لآية.. } [النمل: 52] عبرة وعظة { لقوم ~~يعلمون } [النمل: 52]. وفي مقابل إهلاك الكافرين: { وأنجينا ~~الذين آمنوا... }. ### || [27.53] # فمن آمن واتقى من قوم صالح نجاه الله عز وجل من العذاب الذي نزل بقومهم ~~قوم ثمود. انتهى الكلام هنا عن قصة ثمود، وحين نقارن الأحداث هنا بما ورد ~~في سورة الشعراء نجد أحداثا جديدة لم تذكر هناك، كما لم يذكر هنا ~~شيئا عن قصة الناقة التي وردت هناك، مما يدل على تكامل لقطات القصة ~~في السور المختلفة. ثم يقص علينا طرفا من قصة نبي آخر، وهو ms7239 لوط عليه ~~السلام: { ولوطا إذ قال لقومه... }. ### || [27.54] # لوطا جاءت منصوبة على أنها مفعول به، والتقدير: أرسلنا لوطا، كما قال ~~سبحانه: # ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا أن ~~اعبدوا الله.. # [النمل: 45]. وقوله تعالى: { إذ قال لقومه أتأتون ~~الفاحشة وأنتم تبصرون } [النمل: 54] فذكر الداء الذي ~~استشرى فيهم. وفي سورة الشعراء قال سبحانه # أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين # [الأعراف: 80] وهنا قال: { وأنتم تبصرون } [النمل: 54] أي: ~~تتعالمون بها وتتجاهرون بها، فدل على أنهم أجعوا عليها وارتضوها، ~~وأنه لم يعد عندهم حياء من ممارستها. أو: يكون المعنى: وأنتم تبصرون ~~ما حل بأصحاب الفساد قبلكم من أقضية الله عليهم. ### || [27.55] # هذا بيان وتفصيل للداء وللفاحشة التي انتشرت بينهم، ومعنى: { بل ~~أنتم قوم تجهلون } [النمل: 55] الآية في ظاهرها أنها تتعارض ~~مع # وأنتم تبصرون # [النمل: 54] لكن المعنى { تجهلون } [النمل: 55] الجهل هنا ليس هو ~~ضد العلم، إنما الجهل بمعنى السفه. والبعض يظن أن الجهل ألا تعلم، ~~لا إنما الأمية هي ألا تعلم، أما الجهل فأن تعلم قضية مخالفة للواقع ~~لذلك الأمي أسهل في الإقناع لأنه خالي الذهن، أما الجاهل فلديه ~~قضية خاطئة، فيستدعي الأمر أن تنزع منه قضية الباطل، ثم تدخل قضية ~~الحق، فالجهل - إذن - أشق على الدعاة من الأمية. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ فما كان جواب قومه... }. ### || [27.56] # عجيب أمر هؤلاء، فعلة الإخراج عندهم وحيثيته { إنهم أناس ~~يتطهرون } [النمل: 56] سبحان الله، ومتى كان الطهر ذنبا ~~وجريمة تستوجب أن يخرج صاحبها من بلدة؟ إنها نغمة نسمعها دائما من أهل ~~الباطل في كل زمان ومكان حينما يهاجمون أهل الحق، ويسعون لإبعادهم من ~~الساحة لتخلو لباطلهم. ومن عدل الله تعالى أن يظهر في منطقهم دليل ~~إدانتهم وخبث طباعهم، فكلمة { يتطهرون } [النمل: 56] التي نطقوا ~~بها تعني: أنهم أنفسهم أنجاس تزعجهم الطهارة، وما أحل الله من ~~الطيبات، وكأن الله تعالى يجعل في كلامهم منافذ لإدانتهم، وليحكموا بها ~~على أنفسهم. ثم يقول الحق سبحانه: { فأنجيناه وأهله إلا ~~امرأته... }. ### || [27.57] # أي: من المهلكين مع قومها، فقد كانت تدل قومها على ms7240 ضيفان لوط ليأتوا ~~إليهم ليفعلوا معهم الفاحشة، لذلك أصابها من العذاب مثلما أصاب قومها. ### || [27.58] # أي: قبح هذا المطر، وإن أبهم المطر هنا فقد وضحه الحق - تبارك ~~وتعالى - في آيات أخرى فقال: من طين، ومن سجيل، وهو الطين إذا حرق، ~~فصار فخارا، وهذه الحجارة منظمة مسومة صنعها الله لهم بحساب دقيق، ~~فلكل واحد منهم حجره المسمى باسمه، والذي لا يخطئه إلى غيره. ### || [27.59] # نعرف أن الله تعالى يحمد على النعمة، لكن هناك { الحمد لله.. } ~~[النمل: 59] جاءت بعد نقمة وعذاب وأخذ للمكذبين. قالوا: الخطاب هنا ~~موجه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه إشارة إلى أن جند الله هم ~~الغالبون، وأن العاقبة لهم ليطمئن رسول الله، كما أن تطهير الكون من ~~المفسدين فيه، وحين تستريح منهم البلاد والعباد، هذه نعمة تستوجب { ~~الحمد لله.. } [النمل: 59]. وفي إهلاك الكافرين والمكذبين عبرة ~~ودرس لغيرهم، حتى لا يتورطوا في أسباب الهلاك، وهذه نعمة أخرى تستحق ~~الحمد. لذلك أمرنا ربنا - تبارك وتعالى - أن نحمده إن رأينا خيرا نزل ~~بالأخيار، أو شرا حل بالأشرار. فالمعنى { قل الحمد لله.. } ~~[النمل: 59] أن الرسل انتصروا وغلبوا، وأن المفسدين انهزموا واندحروا. ~~ألا ترى قول أهل الجنة: # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين * ~~وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا ~~الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء.. # [الزمر: 73-74]. كذلك حين نرى الشرير الذي شاع شره وكثر فساده حين ~~ينزل به ما يستحق من عقاب الله نقول جميعا ساعة نسمع خبره: الحمد لله، ~~هكذا بعملية لا شعورية عند الجميع أن تلهج ألسنتهم بالحمد عند نزول ~~النعمة على أصحابها، والنقمة على من يستحقها. ويقول تعالى عن أهل الشر ~~والفساد: # ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم ~~بالبأسآء والضرآء لعلهم يتضرعون * فلولا ~~إذ جآءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم ~~وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون * فلما ~~نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل ~~شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة ~~فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم ms7241 الذين ~~ظلموا والحمد لله رب العالمين # [الأنعام: 42-45]. فبعد أن قطع الله دابر الظالمين قال: الحمد لله رب ~~العالمين، ونلحظ هنا الفرق بين فتح لك، وفتح عليك فتح لك يعني: فتح في ~~صالحك، ومنه: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # [الفتح: 1]. أما فتح عليهم يعني: بالسوء نكاية فيهم، فمعنى # فتحنا عليهم أبواب كل شيء.. # [الأنعام: 44]. أعطاهم الخير ليهلكهم به، وهم في حال نعمة ومكانة، حتى ~~إذا أخذهم الله كان أخذه أليما شديدا. وفي قصة نوح عليه السلام: # فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل ~~الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين # [المؤمنين: 28]. فحمد الله هنا على أمرين: الحمد لله لأنه أغرق ~~الكافرين الظالمين وخلصنا منهم، والحمد لله لأنه نجى المؤمنين. ثم ~~يقول سبحانه: { وسلام على عباده الذين اصطفى.. } ~~[النمل: 59] وهم المؤمنون الذين نصرهم الله، وجعل العاقبة لهم، والسلام ~~عليهم بعدها لاقوه من عنت الكفار وعنادهم، فالحمد لله الذي أهلك ~~المفسدين، وأتى بالسلام على المهتدين. # ثم يطرح الحق سبحانه قضية، ويأتي بها في صورة سؤال واستفهام لتكون أبلغ ~~في النفس من مجرد الإخبار بها: { ءآلله خير أما يشركون } ~~[النمل: 59]. ولو أن الآية قالت: قل الحمد لله وسلام على عباده الذين ~~اصطفى لأن الله خير وما يشركون به شر لكان الكلام خبرا، والخبر في ~~ذاته وبصرف النظر عن قائله يحتمل الصدق أو الكذب. أما حين تعرض هذه ~~القضية في صورة الاستفهام، فقد جعلت مخاطبك هو الذي ينطق بها، كما لو ~~أنكر أحد الأصدقاء جميلك وأياديك عليه، فبدل أن تخبر أنت: فعلت لك كذا ~~وكذا تدعه هو الذي يخبر فتقول: ألم أفعل لك كذا وكذا؟ ولا يقول هذا ~~إلا واثق ومعتقد أن الإجابة ستكون في صالحه. فالمعنى: { ءآلله ~~خير أما يشركون } [النمل: 59] قولوا لنا أنتم ونحن نرتضي ~~حكمكم بعدما رأيتم وسمعتم من هذه القصة: آالله خير أم الذين أشركوا به ~~خير؟ ولا بد أن تأتي الإجابة: الله خير لذلك لما نزلت هذه الآية انفعل ~~لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسرع بالجواب: ms7242 # " بل الله خير وأبقى وأجل وأكرم ". # مما يدل على أن الانفعال بالقرآن واجب ونقصد الانفعال بمعانيه، لا ~~الانفعال بالصوت والنغمات كالذي نسمعه من هؤلاء الذكيرة الذين ~~يشجعون المقرئين بالصياح والضجيج الذي لا يتناسب وجلال الآيات، وهم مع ~~ذلك لا يفهمون المعاني ولا يتأثرون بها، لدرجة أن منهم من يسمع آيات ~~العذاب فيقول بأعلى صوته: اللهم زدنا. وقد كان الكتبة من الصحابة ~~ينفعلون بالآيات معنى، حتى إن أحدهم ليكمل الآية ويختمها بما يناسبها ~~قبل أن تملى عليه، لماذا؟ لأنهم فهموا عن الله وتأثروا بالمعنى، مما ~~يدل على أن القرآن جاء موافقا للفطرة السليمة، ومن هذا التوافق قول أحد ~~الصحابة # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنين: 14] فنزل بها القرآن كما قالها. والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول عن سورة الرحمن # " لقد قرأت سورة الرحمن على إخوانكم الجن، فكانوا أحسن استجابة منكم، ~~فكانوا كلما قلت { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. قالوا: ~~لا بشيء من نعمائك ربنا نكذب فلك الحمد ". # إذن: حين نسمع كلام الله علينا أن ننفعل به، وأن نتجاوب معه تجاوبا ~~واعيا، فعند آية التسبيح نسبح، وعند آية الحمد نحمد الله، وعند آية ~~الدعاء نقول: آمين، هذه مواجيد انفعالية لسماع القرآن والتجاوب معه، لا ~~أن نسمعه أو نهذه كهذ الشعر. ثم يقول الحق سبحانه: { أمن خلق ~~السماوات والأرض... }. ### || [27.60] # { أمن.. } [النمل: 60] هذا استفهام آخر، وكأن الحق - تبارك وتعالى - ~~بعد أن كتب الهزيمة على الكافرين والنصر للمؤمنين أراد أن يربب في ~~النفس الإيمان بالله، وأن تأخذ من نصر الله تعالى للمؤمنين خميرة ~~إيمانية، ومواجيد جديدة تظل شحنة قوية تدفعهم بحيث يكونون هم أنفسهم على ~~استعداد للتصدي لأعداء الدعوة والمناهضين لها. يقول سبحانه: { أمن ~~خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السمآء ~~مآء فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة ما كان لكم أن ~~تنبتوا شجرها أإله مع الله.. } [النمل: 60]. إذن: ~~المسألة لا تقف عند معركة انتصر فيها المؤمنون على الكافرين، فهناك في ~~خلق الله ما هو أعظم من ذلك، فلو سألتهم: من خلق السماوات والأرض ~~يقولون: الله ولئن ms7243 سألتهم: من خلقهم يقولون: الله، فهذه مسائل لا ~~يستطيعون إنكارها، فكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لهم: آلله الذي خلق ~~السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء.. أم ما تشركون؟ وما دام أن ~~الله تعالى ادعى مسألة الخلق لنفسه سبحانه، ولم يقم لهذه الدعوى ~~منازع، فقد ثبتت له سبحانه إلى أن يدعيها غيره { أإله مع ~~الله.. } [النمل: 60] فإن كان هناك إله آخر خلق الخلق فأين هو: إما ~~أنه لم يدر بهذه الدعوى، أو درى بها وجبن عن المواجهة، وفي كلتا ~~الحالتين لا يصلح إلها، وإلا فليأت هو الآخر بخلق ومعجزات أعظم مما ~~رأينا. فإذا قال الله تعالى أنا الله، ولا إله غيري، والخلق كله بسمائه ~~وأرضه صنعتي، ولم يوجد معارض، فقد ثبتت له القضية لذلك يقول سبحانه: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم.. # [آل عمران: 18]. فقضية الوحدانية شهد الله أولا بها لنفسه، ثم شهد بها ~~الملائكة وأولو العلم من الخلق. ويقول سبحانه في تأكيد هذا المعنى: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. أي: لاجتمع هؤلاء الآلهة، وثاروا على الإله الذي أخذ ~~منهم ملكهم، وادعاه لنفسه، أو لذهبوا إليه ليتقربوا منه ويتوددوا ~~إليه. وقوله تعالى: { وأنزل لكم من السمآء مآء } [النمل: ~~60] السماء: كل ما علاك فأظلك، والماء معروف أنه ينزل من السحاب وهو ~~مما علانا، أو أن الإنزال يعني إرادة الكون، وإرادة الكون في كل كائن ~~تكون من السماء، ألا ترى قوله تعالى: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط # [الحديد: 25]. وقوله تعالى: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. # [الحديد: 25] ومعلوم أن الحديد يأتي من الأرض، لكن إرادة كونه تأتي من ~~السماء. ثم يقول سبحانه: { فأنبتنا به حدآئق ذات بهجة. # . } [النمل: 60] للماء فوائد كثيرة في حياتنا، بل هو قوام الحياة لذلك ~~اقتصرت الآية على ذكر الحدائق لأنها قوام حياة الإنسان في الأكل ~~والشرب. فإن قلت: نحن نعتبر الآن الحدائق الجميلة من باب الكماليات، ~~وليس بها ms7244 مقومات حياتنا. نقول: نعم هي كذلك الآن، لكن في الماضي كانوا ~~يسمون كل أرض زراعية محوطة بسور: حديقة، أو حائط. وقال { ذات ~~بهجة.. } [النمل: 60] مع أنك لو نظرت إلى القمح مثلا وهو عصب ~~القوت لوجدته أقل جمالا من الورد والياسمين والفل مثلا، وكأن ربك - عز ~~وجل - يقول لك: لقد تكفلت لك بالكماليات وبالجماليات، فمن باب أولى ~~أوفر لك الضروريات. والحق - تبارك وتعالى - يريد أن يرتقي بذوق عباده ~~وبمشاعرهم، واقرأ مثلا قوله تعالى: # انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه.. # [الأنعام: 99] يعني: قبل أن تأكل من هذه الثمار تأمل في جمالها ومنظرها ~~البديع، وكأنها دعوة للرقي بالذوق العام والتأمل في بديع صنع الله. ~~ألا ترى أن الله تعالى أباح لك النظر إلى كل الثمار لتشاهد جمالها، ولم ~~يبح لك الأكل إلا مما تملك؟ لذلك قال: # انظروا إلى ثمره.. # [الأنعام: 99] فإن لم تكونوا تملكونه، فكفاكم التمتع بالنظر إليه. ~~ومن هذا الارتقاء الجمالي قوله تعالى بعد أن حدثنا عن الضروريات في ~~الأنعام: # ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون # [النحل: 6]. وقال: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة.. # [النحل: 8]. فأعطانا ربنا - عز وجل - ضروريات الحياة، وأعطانا كمالياتها ~~وجمالياتها. وتأمل دقة الأسلوب في { أمن خلق السماوات ~~والأرض.. } [النمل: 60] فالضمير في { خلق } ضمير الغائب هو يعود ~~على الله عز وجل، وكذلك في وأنزل أما في فأنبتنا فقد عدل عن ~~ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم نحن الدال على التعظيم، فلماذا؟ قالوا: لأن ~~نعم الله فيها أشياء لا دخل للإنسان فيها كالخلق وإنزال المطر، ومثل ~~هذه المسائل لا شبهة لاشتراك الإنسان فيها، وهناك أشياء للإنسان دخل ~~فيها كالزرع والإنبات، فهو الذي يحرث ويزرع ويسقي.. الخ مما يوحي بأن ~~الإنسان هو الذي ينبت النبات، فأراد سبحانه أن يزيل هذا التوهم، فنسب ~~الإنبات صراحة إليه - عز وجل - ليزيل هذه الشبهة. وربك - سبحانه وتعالى - ~~يحترم فعلك، ويذكر لك سعيك، فيقول: # أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة: 63-64] نعم لك عمل وسعي في هذه المسألة، لكنك استخدمت الأرض ~~المخلوقة لله، وآلة ms7245 الحديد المخلوقة لله، والبذور المخلوقة لله، والماء ~~المخلوق لله، أما مسألة الإنبات نفسها فلا دخل لك بها، فلا تقل ~~زرعت لأننا نحن الزارعون حقيقة، لكن قل: حرثت وسقيت. لذلك تجد الرد ~~في آخر الآية نافيا لأي شبهة في أن لك دخلا في مسألة الزرع: # لو نشآء لجعلناه حطاما.. # [الواقعة: 65] وأكد الفعل بلام التوكيد لينفي هذه الشبهة. على خلاف ~~الكلام عن الماء، حيث لا شبهة لك فيه، فيأتي نفس الفعل، لكن بدون لام ~~التوكيد: # أفرأيتم المآء الذي تشربون * أأنتم ~~أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء ~~جعلناه أجاجا فلولا تشكرون # [الواقعة: 68-70]. ومعنى: { بل هم قوم يعدلون } [النمل: 60] ~~العدل معلوم أنه صفة مدح فساعة تسمع { بل هم قوم يعدلون } ~~[النمل: 60] قد تظن أنها صفة طيبة فيهم، لكن لا بد في مثل هذا اللفظ ~~من تدقيق لأنه يحمل معاني كثيرة. نقول: عدل في كذا يعني: أنصف، وعدل إلى ~~كذا يعني: مال إليه، وعدل عن كذا: يعني: تركه وانصرف عنه، وعدل بكذا، ~~يعني: سوى. فالمعنى هنا { يعدلون } [النمل: 60] عنه، ويا ليتهم ~~يعدلون عنه فحسب، إنما يعدلون عنه إلى غيره، ويسوون به غيره، كما قال ~~سبحانه في موضع آخر: # الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون # [الأنعام: 1]. أي: يسوونه سبحانه بغيره. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~أمن جعل الأرض... }. ### || [27.61] # لما تكلم الحق سبحانه في الآية السابقة عن السماوات والأرض أتى بأشياء ~~مشتركة بينهما، فالسماء ينزل منها الماء، والأرض تستقبل الماء، وتنبت لنا ~~الحدائق ذات البهجة. أما في هذه الآية، فالكلام عن الأرض، لذلك ذكر لنا ~~مسائل من خصوصيات الأرض، { أمن جعل الأرض قرارا.. } [النمل: ~~61] معنى: قرارا أي استقرارا، حيث خلقها سبحانه على هيئة مريحة تصلح ~~لأن يستقر عليها الإنسان. { وجعل خلالهآ أنهارا } [النمل: ~~61] الماء ينزل من السماء وينتفع به من سقط عليه مباشرة، أما ما ينزل ~~على الجبال فيجتمع في الوديان وتصنع له السدود لينتفع الناس به عند ~~القحط، ومن ماء المطر ما ينساب في مجار ms7246 تسمى الأنهار. وتستطيع أن ~~تفرق بين النهر والقناة الصناعية، فالنهر ينساب الماء فيه من أعالي ~~الجبال، ومن أماكن متفرقة تتتبع المنخفضات والسهل من الأرض الذي يستطيع ~~الماء أن يشق مجراه فيه فتراه ملتويا متعرجا، يدور حول الجبال أو ~~الصخور ليشق مجراه. أما القناة الصناعية، فتراها على هيئة الاستقامة، ~~إلا إذا اعترض طريق حفرها مثلا أحد أصحاب النفوذ، فيحملهم على تغيير ~~المسار والانحراف به ليتفادى المرور بأرضه. وتستطيع أن تلاحظ هذه ~~الظاهرة إذا تبولت في أرض رملية ونظرت إلى مجرى البول، فتراه يسير ~~متعرجا حسب طبيعة الأرض التي يمر بها. { وجعل لها رواسي } ~~[النمل: 61] الرواسي: هي الجبال الثابتة الراسية، وفي موضع آخر بين ~~سبحانه الحكمة من هذه الجبال فقال: # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم # [النحل: 15]. فالحكمة من خلق الجبال تثبيت الأرض حتى لا تضطرب، ولو ~~أنها خلقت على هيئة الثبات والاستقرار لما احتاجت إلى الجبال، إذن: ~~هي مخلوقة على هيئة الحركة، ولا بد لها من مثقلات. ولا تقتصر ~~الحكمة من خلق الجبال على تثبيت الأرض، إنما لها مهمة أخرى في قوله ~~تعالى: # والجبال أرساها * متاعا لكم ولأنعامكم # [النازعات: 3233]. فكيف تكون الجبال متاعا للإنسان وللحيوان؟ نعم، هي ~~متاع لأنها مخزن مياه، حينما ينقطع المطر نجد المياه التي تساقطت على ~~الجبال، إما في الأنهار، وإما في الشلالات، وخلف السدود بين الوديان، أو ~~في العيون والآبار مما امتصته الأرض. وكما أن الجبال هي مخازن للمياه، هي ~~أيضا مخازن للخصوبة التي تمد الأرض الزراعية عاما بعد عام بقدر، بحيث ~~تستمر خصوبة الأرض، وسبق أن تكلمنا عن ظاهرة التعرية التي تفتت ~~الطبقة العليا من الصخور، فتنزل إلى الوديان مع ماء المطر، وتختلط ~~بالتربة الزراعية فتزيد من خصوبتها. ولولا صلابة الجبال وتماسك صخورها ~~لتفتتت في عدة سنوات، ولفقدنا مصدر الخصوبة بعد ذلك، فهذه الظاهرة من ~~علامات رحمة الله بخلقه لأنها تتناسب مع الزيادة السكانية بحيث كلما ~~زاد السكان زادت الرقعة الخصبة الصالحة للزراعة. # وسبق أن قلنا: إنك حين تتأمل وضع الجبال مع الوديان تجد أن ms7247 الجبل ~~مثلث قاعدته إلى أسفل، وقمته إلى أعلى، أما الوديان فعلى عكس الجبال، ~~فهي مثلث قاعدته إلى أعلى وقمته إلى أسفل، وهكذا نرى أن كل زيادة من ~~طمى الجبل والغرين الذي يتفتت منه يزيد في مساحة الوادي، فتزداد ~~الرقعة الخصبة كل عام مع زيادة السكان. لذلك يقول تعالى عن الجبال: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 9-10]. فجعل الجبال الرواسي هي مخازن القوت من طعام وشراب، ولك ~~أن تتأمل نيل مصر وواديه، كيف تكون من الطمي الذي حملته المياه من ~~أعالي الجبال في إفريقيا، ليكون هذه المنطقة الخصبة في مصر. ثم ~~يقول سبحانه: { وجعل بين البحرين حاجزا } [النمل: 61]. ~~البحرين: أي العذب والمالح لأن الماء: منه العذب، ومنه المالح، ومن ~~قدرته تعالى وحكمته أن يحجز بينهما، وإن كان الماء المالح هو مصدر ~~الماء العذب، لذلك جعل الله تعالى مساحة السطح للماء المالح ثلاثة ~~أرباع الكرة الأرضية، وكلما اتسع سطح الماء اتسع البخر الذي يكون ~~السحاب، بحيث يسقط المطر الكافي لمعيشة أهل الأرض. وما أجمل قول الشاعر ~~المادح: # أهدى لمجلسه الكريم وإنما # أهدى له ما حزت من نعمائه # كالبحر يمطره السحاب وما له # فضل عليه لأنه من مائه # ولكي تعلم فضل الله علينا في إنزال المطر وتوفير الماء العذب، انظر ~~إلى التكلفة والمشقة التي تعانيها لتقطير عدة سنتميترات من الماء، في حين ~~أنك لا تدري بعملية التقطير الواسعة التي تسقي البلاد والعباد في كل ~~أنحاء الدنيا. وقد مثلنا لمسألة اتساع رقعة البحر بكوب الماء إذا ~~أرقته على الأرض، فإنه يجف في عدة دقائق، أما لو تركت الماء في ~~الكوب لعدة أيام، فإنه لا ينقص منه إلا القليل. ومن الماء العذب ما ~~سلكه الله تعالى ينابيع في الأرض ليخرجه الإنسان إذا أعوزه الماء على ~~السطح، أو سلكه ينابيع في الأرض بمعنى أن يسير العذب بجوار المالح، لا ~~يختلط أحدهما بالآخر مع ما عرف عن ms7248 الماء من خاصية الاستطراق. وهذه من ~~عجائب قدرة الله الخالق، فمن قعر البحر المالح تخرج عيون الماء ~~العذب لأن لكل منهما طريقا ومسلكا وشعيرات يسير فيها بحيث لا يبغي ~~أحدهما على الآخر، كما قال تعالى: # مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا ~~يبغيان # [الرحمن: 19-20]. وكما أن الماء العذب يتسرب إلى باطن الأرض ليكون ~~الآبار والعيون، فكذلك الماء المالح يتسرب في باطن الأرض ليكون من ~~تفاعلاته الأحجار الكريمة، كالمرمر، والمعادن كالحديد والمنجنيز ~~والجرانيت.. الخ. وبعد أن ذكر لنا هذه الآيات الخاصة بالأرض جاء بهذا ~~الاستفهام # أإله مع الله.. # [النمل: 60] يعني خلق هذه الأشياء { بل أكثرهم لا يعلمون ~~} [النمل: 61] والذين لا يعلمون أعلمناهم، وقطعنا حجتهم بعدم العلم. ~~ولو نظرنا إلى الأرض لوجدنا فيها آيات أخرى غير أنها مستقر وسكن، ~~فالأرض كثيفة، وفيها غبرة ليست صافية البياض ذلك لأن الله تعالى يريد لها ~~أن تستقبل حرارة الشمس وضوءها ليستفيد منها النبات، ولو أن الأرض كانت ~~شفافة تعكس الضوء والحرارة لما استفاد منها النبات لذلك نجد بعض ~~المشروعات تنمو في الصيف، وأخرى في الشتاء. ولما أجروا بعض التجارب على ~~النبات، فوضعوه في مكان مظلم، ثم جعلوا ثقبا في ناحية بحيث يدخل الضوء ~~وجدوا أن النبتة بما أودع الخالق فيها من غريزة تتجه ناحية الضوء ~~لتأخذ حظها من النور والدفء، فسبحان الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى. ~~ومن آيات الله في خلق الأرض أن جعلها على هيئة الحركة والدوران، لتأخذ ~~كل مناطقها حظها من الحرارة ومن البرودة، ويتنوع فيها المناخ بين صيف ~~وشتاء، وخريف وربيع، إنها أدوار تتطلبها مقومات الحياة. لذلك تجد ~~علماء النبات يقسمون المناطق الزراعية على الأرض يقولون: هذا حزام ~~القمح مثلا، وهذا حزام الموز، وهذا حزام البطاطس، فتجد كل حزام منها ~~يصلح لنوع خاص من المزروعات يناسب سكان هذه المنطقة وبيئتها وجوها. لذلك ~~نجد أن كل نوع من المزروعات في مكانه المناسب لا تصيبه الآفات، أما حين ~~ينقل إلى مكان غير مكانه، وبيئة غير بيئته لا بد أن يصاب. وفي ~~الأرض خاصية ms7249 أخرى تتعلق بالإنسان تعلقا مباشرا، فمن خصائص الأرض وهي من ~~الطين الذي خلق منه الإنسان، فهي في الحقيقة أمه الأولى - فإذا مات لا ~~يسعه إلا أحضان أمه حين يتخلى عنه أقرب الناس إليه، وألصق الناس به، ~~عندها تستقبله الأم وتحتويه وتستر عليه كل ما يسوؤه. ومن خصائص الأرض ~~أنها تمتص فضلات الإنسان والحيوان ومخلفاته وتحولها بقدرة الله إلى ~~مخصب تزدهر به المزروعات، ويزيد به المحصول، وفي الريف يحملون روث ~~الحيوانات ذا الرائحة الكريهة إلى الحقول، فإذا به ينبت فيه الوردة ~~الجميلة الذكية التي يتشوق الإنسان لرائحتها. إنها عجائب في الخلق، ~~لا يقدر عليها إلا الله عز وجل، أتذكرون المثل الذي يقول: فلان يعمل من ~~الفسيخ شربات هكذا قدرة الله التي تخلق الأضداد. ألا ترون أن أفضل ~~الفاكهة نأكلها الآن من الجبل الأصفر بمصر وهي تروى بماء المجاري. وبعد ~~أن حدثنا الحق - تبارك وتعالى - عن هذه المظاهر العامة التي يحتاجها ~~كل الخلق في السماء والأرض والجبال والمطر.. الخ يحدثنا سبحانه عن ~~مسائل خاصة يحتاجها إنسان دون آخر، وفي وقت دون آخر، فيقول سبحانه: { ~~أمن يجيب المضطر... }. ### || [27.62] # يجيب الإجابة هي تحقيق المطلوب لداعيه، والمضطر: هو الذي استنفد ~~الأسباب، وأخذ بها فلم تجد معه، فليس أمامه إلا أن يترك الأسباب إلى ~~المسبب سبحانه فيلجأ إليه ذلك لأن الخالق - عز وجل - قبل أن يخلق ~~الإنسان خلق له مقومات حياته وضرورياتها وسخرها لخدمته. لذلك جاء في ~~الحديث القدسي: # " يا ابن آدم خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي فلا تنشغل بما ~~هو لك عما أنت له ". # ثم خلق الله لك الطاقة التي تستطيع أن تسخر بها هذه الأشياء وضمن لك ~~القوت الضروري من ماء ونبات، فإن أردت أن ترفه حياتك فتحرك في ~~الحياة بالأسباب المخلوقة لله، وبالطاقة الفاعلة فيك، وفكر كيف ترتقي ~~وتثري حركة الحياة من حولك. فالماء الذي ينساب في داخل البيت حين تفتح ~~الصنبور، والضوء الذي ينبعث بمجرد أن تضغط على زر الكهرباء، والسيارة ~~التي تنقلك في بضع دقائق.. كلها ارتقاءات ms7250 في حركة حياة الناس لما أعملوا ~~عقولهم فيما أعطاهم الله من مادة وعقل وفكر وأسباب، وهذه كلها يد الله ~~الممدودة لعباده، والتي لا ينبغي لنا ردها. فإذا ما حاولت ولم تفلح، ~~ولم تثمر معك الأسباب، فعليك أن تلجأ مباشرة إلى المسبب سبحانه، لأنه ~~خالقك والمتكفل بك. واقرأ قوله تعالى: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما.. # [يونس: 12] ويا ليته ساعة دعا ربه ولجأ إليه فاستجاب له يجعل له عند ~~ربه رجعة، ويتوقع أن يصيبه الضر مرة أخرى لكن إن كشف الله عنه ~~سرعان ما يعود كما كان. # فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ~~ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا ~~يعملون # [يونس: 12]. { أمن يجيب المضطر } [النمل: 62] فالمضطر إذن ~~لابد أن يجيبه الله، فمن قال: دعوت فلم يستجب لي. فاعلم أنه غير ~~مضطر، فليست كل ضائقة تمر بالعبد تعد من قبيل الاضطرار، كالذي يدعو ~~الله أن يسكن في مسكن أفضل مما هو فيه، أو براتب ودخل أوفر مما يأخذه.. ~~الخ، كلها مسائل لا اضطرار فيها، وربما علم الله أنها الأفضل لك، ولو ~~زادك عن هذا القدر طغيت وتكبرت. كما قال الحق سبحانه وتعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. فلقد طلبت الخير من وجهة نظرك، وربك يعلم أنه لا خير ~~فيه # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # [الإسراء: 11]. فربك يصحح لك هذا الخطأ في فهمك للمسائل فيقول لك: ~~سأحقق لك الخير، لكن بطريقة أخرى أنسب من هذه، فلو أجبتك إلى ما تريد ~~لحدث ما لا تحمد عقباه، وكأن الله - عز وجل - وهو ربنا والمتولي ~~أمرنا يجعل على دعائنا كنترول ولو كان الله سبحانه موظفا يلبي لكل منا ~~طلبه ما استحق أن يكون إلها - حاشا لله. # فالإنسان من طبيعته العجلة والتسرع، فلا بد للرب أن يتدخل في أقدار ~~عبده بما يصلحه، وأن يختار له ما يناسبه لأنه سبحانه الأعلم بعواقب ~~الأشياء وبوقتها المناسب، ولكل شيء عنده تعالى موعد وميلاد. واقرأ قول ms7251 ~~الله تعالى: # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضي إليهم أجلهم.. # [يونس: 11]. ألا ترى بعض الأمهات تحب الواحدة ولدها وتشفق عليه، فإن ~~عصاها في شيء أو ضايقها تقول رافعة يديها إلى السماء إلهي أشرب نارك أو ~~إلهي أعمى ولا أشوفك فكيف لو أجاب الله هذه الحمقاء؟ إذن: من رحمته تعالى ~~بنا أن يختار لنا ما يصلحنا من الدعاء، ويعافينا من الحمق والعجلة. ~~وقوله تعالى: { ويكشف السوء } [النمل: 62] فكما أنه لا يجيب ~~المضطر إلا الله لا يكشف السوء إلا الله، ولو كان هناك إله آخر يجيب ~~المضطر ويكشف السوء لتوجه الناس إليه بالدعاء، لكن حينما يصاب المرء ~~لا يقول إلا يا رب، ولا يجد غير الله يلجأ إليه لأنه لن يغش نفسه في ~~حال الضائقة أو المصيبة التي ألمت به. وقد مثلنا لذلك - ولله المثل ~~الأعلى - بحلاق الصحة في الماضي، وكان يقوم بعمل الطبيب الآن، فلما أنشئت ~~كلية الطب وتخرج فيها أحد أبناء القرية اتجهت الأنظار إليه، فكان ~~الحلاق يذم في الطب والأطباء، وأنهم لا خبرة لديهم لتبقى له مكانته ~~بين أهل القرية، لكن لما مرض ابن الحلاق ماذا فعل؟ إن غش الناس فلن ~~يغش نفسه: أخذ الولد في ظلام الليل ولفه في البطانية، وذهب به إلى ~~الدكتور الجديد. لذلك يقول كل مضطر وكل من أصابه سوء: يا رب يا رب حتى ~~غير المؤمن لا بد أن يقولها، ولا بد أن يتجه بعينه وقلبه إلى ~~السماء إلى الإله الحق، فالوقت جد لا مساومة فيه. ويقول تعالى بعدها: { ~~ويجعلكم خلفآء الأرض.. } [النمل: 62] أي: يخلف بعضكم ~~بعضا فيها، كما قال: # ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم.. # [النور: 55]. فهل يملك هذه المسائل إلا الله: { أإله مع ~~الله } [النمل: 62] والاستفهام هنا ينكر وجود إله غير الله يفعل هذا ~~{ قليلا ما تذكرون } [النمل: 62] يعني: لو تفكرتم وتذكرتم ~~لعرفتم أنه لا إله إلا الله. ثم يقول الحق سبحانه: { أمن يهديكم ~~في ظلمات البر... }. ### || [27.63] # هذه أيضا من الأمور الخاصة التي تخص بعض الناس دون ms7252 بعض، وكانت قبل ~~تقدم العلم، حيث كانت النجوم هي العلامات التي يهتدي بها الملاحون في ~~البحر والمسافرون في البر # وعلامات وبالنجم هم يهتدون # [النحل: 16]. وقد برع في علوم الفلك والنجوم وفي علوم البحار علماء من ~~العرب وضعوا أسسا لهذه العلوم، لا عن علم عندهم، إنما عن مشاهدة ~~لظواهر الكون، وتوفيق وهداية من الله عز وجل. وحين نتأمل ارتقاءات ~~الإنسان في الحياة نجد أنها نتيجة مشاهدة حدثت صدفة، أو حتى بطريق ~~الخطأ، وإلا فكيف اهتدى الإنسان إلى تخمير العجين ليخرج الخبز على هذه ~~الصورة وبهذا الطعم؟ لذلك يسمون العجين: فطير وهو المبلط الذي لم ~~يتخمر، وخمير وهو الذي تخمر وارتفع قليلا وتخلله الهواء. وقد نقلوا ~~هذه المعنى للرأي، يقولون: فلان رأيه فطير يعني: سطحي متعجل، وفكرة ~~مختمرة يعني: مدروسة بتأن، ومنه الفطرة يعني الشيء حين يكون على ~~طبيعته. وربما اكتشفت إحدى النساء مسألة الخمير هذه نتيجة خطأ أو مصادفة ~~حين عجنت العجين، وتأخرت في خبزه حتى خمر، فلما خبزته جاء على هذه ~~الصورة المحببة إلينا، كذلك الأمر في اكتشاف البنسلين مثلا، والغواصات ~~والبخار والعجلة.. الخ. وتأمل مثلا: لماذا نطبخ الملوخية ولا نطبخ ~~النعناع، إنها - إذن - هداية الله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى. ~~الحديد تعلمنا طرقه بعد إدخاله النار ليلين لأن الله تعالى علمها لنبيه ~~داود عليه السلام حين قال # وألنا له الحديد # [سبأ: 10]. إذن: كثير من اكتشافات الكون وارتقاءاته تأتي بهداية الله، ~~وكلما مر الزمن تكشفت لنا أسرار الكون، كل في ميعاده وميلاده الذي ~~أراده الله، إما أن يستنبطه الناس بمقدمات إذا جاء ميلاده، وإلا فيأتي ~~ولو مصادفة. واقرأ إن شئت قوله تعالى: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء.. # [البقرة: 255] فحين يشاء الله يكشف لك الأشياء، وييسر لك أسبابها، فإذا ~~لم تنتبه لها أراكها مصادفة، ومن وسائل إعلام الله لخلقه مثلا أهل ~~البوادي، ترى الواحد منهم متكئا ينظر إلى السماء ويقول لك: السماء ستمطر ~~بعد كم من الساعات، وليس في السماء سحاب ولا غيم يدل على المطر، لكنه ms7253 ~~عرفها بالاستقراء والتجربة. ومن هذه الهداية الإلهية أن ترى البهائم ~~العجماوات وهي تأكل بالغريزة، تأكل الحشيش الجاف، ولا تأكل مثلا النعناع ~~الأخضر، أو الريحان مع أن رائحته جميلة، لماذا؟ لأنه جعل للرائحة ~~الطيبة، لكن طعمه غير طيب، وإذا أكل الحيوان وشبع لا يمكن أن يأكل بعدها ~~أبدا على خلاف الإنسان الذي يأكل حتى التخمة، ثم الحلو والبارد والساخن، ~~ويقولون أرها الألوان تريك الأركان. أي: أر معدتك ألوان الطعام ~~وأصنافه، تريك الأركان الخالية فيها. لذلك تجد رائحة روث الحيوان أقل ~~كراهية من رائحة فضلات الإنسان لأنها تأكل بالغريزة التي خلقها الله ~~فيها، ونحن نأكل بالشهوة، وبلا نظام نلتزم به. وقوله تعالى: { ومن ~~يرسل الرياح بشرا.. } [النمل: 63] أي: مبشرات بالمطر { ~~بين يدي رحمته.. } [النمل: 63] والمطر مظهر من مظاهر رحمة ~~الله { أإله مع الله.. } [النمل: 63] أي: لا إله إلا الله ~~يهديكم في ظلمات البر والبحر، ولا إله إلا الله يرسل الرياح تبشركم ~~بالمطر { تعالى الله عما يشركون } [النمل: 63] تنزه أن ~~يكون له في كونه شريك. ثم يقول الحق سبحانه: { أمن يبدأ ~~الخلق... }. ### || [27.64] # مسألة الخلق هذه لا يستطيعون إنكارها، وقد سألهم الله: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # [الزخرف: 87]. وفي موضع آخر: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله.. # [لقمان: 25]. لأنهم لا يملكون إنكارها، وإن أنكروها فالرد جاهز: على ~~من خلق أولا أن يرينا شيئا جديدا من خلقه. ومعنى { يبدأ ~~الخلق } [النمل: 64] يعني: الخلق الأول من العدم { ثم يعيده } ~~[النمل: 64] لأن الذي خلقنا من عدم كتب علينا الموت، وأخبرنا بالغيب أننا ~~سنبعث يوم القيامة، وسيعاد هذا الخلق مرة أخرى، فالذين لم يملكوا ~~إنكار الخلق أنكروا البعث، فقالوا كما حكى القرآن: # ق والقرآن المجيد * بل عجبوا أن جآءهم منذر ~~منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب * أإذا ~~متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد # [ق: 1-3]. فاستبعدوا البعث بعد الموت، وتحلل الأجساد في التراب. وهذه ~~القضية خاض فيها الفلاسفة بكلام طويل، وللرد عليهم نقول: أنتم في ~~القوانين الوضعية تجعلون الثواب لمن أحسن، والعقوبة لمن قصر، ms7254 ~~وتجرمون بعض الأعمال بعينها، وتضعون لها العقوبة المناسبة، وفي ~~القانون: لا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص، ولا نص إلا ~~بإعلام. ولم نر في القانون الوضعي جريمة تركت بلا عقوبة، فإذا كان ~~البشر يضعون لمجتمعاتهم هذه القوانين التي تنظم حياتهم، أليس رب البشر ~~أولى بقانون الثواب والعقاب؟ وإذا كنت لا ترضي لنفسك أن يفلت المجرم ~~من العقاب، فكيف ترضى ذلك لله؟ ثم ألا تعلم أن كثيرا من المجرمين ~~يرتكبون جرائمهم في غفلة من القانون، أو يعمون على العدالة ويهربون من ~~العقاب، ويفلتون من القوانين الوضعية في الدنيا، ولو تركنا هؤلاء بلا ~~عقاب أيضا في الآخرة فهم إذن الفائزون، وسوف نشجع بذلك كل منحرف خارج عن ~~القانون. أما إن علم أن له ربا قيوما عليه، وإن عمى على قضاء الأرض ~~فلن يعمي على قضاء السماء، وإن أفلت من عقاب الدنيا فلن يفلت ~~أبدا من عقاب الآخرة - إن علم ذلك استقام. لكن، ما وجه استبعادهم للبعث # ذلك رجع بعيد # [ق: 3]. يقولون: هب إن إنسانا مات ودفن وتحلل جسده إلى عناصر ~~امتصتها الأرض، ثم غرست شجرة في هذا المكان وتغذت على هذه العناصر، ~~وأكل من ثمارها عدة أشخاص، وانتقلت جزئيات الميت إلى الثمار ثم إلى من ~~أكل منها، فحين يبعث الخلق يوم القيامة فلأيهما تكون هذه الجزئيات: ~~للأول أم للثاني؟ إذا بعثتها للأول كانت نقصا في الثاني، وإن بعثتها ~~للثاني كانت نقصا في الأول. وهذا الكلام منهم على سبيل أن الشخص مادة ~~فقط، لكن التشخيصات مادة ومعنى. وهب أن شخصا بدينا يزن مثلا مائة ~~كيلو أصابه مرض أهزله حتى قل وزنه إلى خمسين كيلو مثلا، ثم عولج ~~وتحسنت صحته حتى عاد كحالته الأولى. # فهل الجزئيات التي نقصت من وزنه هي نفسها التي دخلت فيه بالصحة ~~والتغذية؟ بالطبع لا، أتغيرت شخصيته بهذا النقص، أو بهذه الزيادة؟ لا، ~~بل هو هو. إذن: للشخص جزئيات مختلفة التكوين، وله معنى وروح، ساعة تتجمع ~~هذه الأشياء يأتي الشخص المراد. لذلك يقول تعالى ردا على هؤلاء ~~المتفلسفين: # قد ms7255 علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4]. فلماذا تستبعدون الإعادة بعد الموت وقد أقررتم بالخلق الأول ~~واعترفتم بأن الله هو الخالق، وأليست الإعادة من موجود أهون من الخلق ~~بداية من العدم؟ ثم إن الإعادة تحتاج إلى قدرة على الإبراز وإلى علم. ~~أما العلم، فالحق - تبارك وتعالى - يقول: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4] يعني: يعلم وزنك، ويعلم جزئياتك، لا يغيب منها ذرة واحدة. أما ~~القدرة، فقد آمنتم بها حين أقررتم بقدرته تعالى على الخلق من عدم، ~~والإعادة أهون من الإنشاء الأول # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه.. # [الروم: 27]. وإن كان الخالق - عز وجل - لا يقال في حقه هين ~~وأهون، لكنها بعرفكم أنتم، وبما يقرب المسألة إلى أذهانكم. وفي ~~القدرة أيضا يقول الحق سبحانه وتعالى: # أفعيينا بالخلق الأول.. # [ق: 15]. ثم يقول سبحانه: { ومن يرزقكم من السمآء ~~والأرض.. } [النمل: 64]. الرزق: كل ما ينتفع به، وهو إما من السماء ~~وإما من الأرض، وإما من التقائهما حين ينزل الماء من السماء، ويختلط ~~بتربة الأرض فيخرج النبات. { أإله مع الله.. } [النمل: 64] ~~يكرر نفس الاستفهام السابق لتأكيد أنه لا إله إلا الله يأتيكم بهذه ~~النعم. { قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين } [النمل: ~~64] أي: هاتوا الدليل على وجود إله آخر يقول: أنا الذي بدأت الخلق، ~~وأنا الذي أرزق من السماء والأرض، فإذا لم يأت من يقول هذا فقد ثبتت ~~الدعوة لصاحبها حيث لم يقم معارض - ودعك من مسألة الإعادة هذه، يكفي ~~أن يدعي الخلق لأن القادر على الخلق قادر على الإعادة، فلا يستحيل ~~على الذي خلق من عدم أن يعيد من موجود. لكن، ما مناسبة الكلام عن الرزق ~~من السماء والأرض بعد مسألة الإعادة؟ لا بد أن تكون هناك علاقة ~~بينهما، فللرزق الذي يأتي عن طريق التقاء ماء السماء بتربة الأرض وهو ~~النبات دورة مثل دورة الإنسان وإعادة كإعادته، حيث يتغذى الإنسان على ~~نبات الأرض، ويأخذ منه حاجته من الطاقة والغذاء، وما تبقى منه يخرج على ~~صورة فضلات ms7256 تتحلل في الأرض، حتى ما تبقى منها في جسم الإنسان يتحلل بعد ~~موته إلى عناصر الأرض. فالوردة مثلا بعد نضارتها وطراوتها وجمالها حيث ~~تقطف تجف ويتبخر ماؤها، وكذلك اللون والرائحة في الأثير الجوي، وما ~~تبقى منها من مادة جافة تتحلل في التربة، فإذا ما زرعنا وردة أخرى، فإنها ~~تتغذى على ما في التربة من عناصر، وما في الأثير الجوي من لون ورائحة. # إذن: فعناصر التكوين في الكون لم تزد ولم تنقص منذ خلق الله الخلق، ~~ولدورة النبات في الطبيعة بدء ونهاية وإعادة أشبه ما تكون بخلق ~~الإنسان، ثم موته، ثم إعادته يوم القيامة. وكأن الحق - تبارك وتعالى - ~~يعطينا الدليل على الإعادة بما نراه من دورة النبات، دليلا بما نراه على ~~الغيب الذي لا نراه. ثم يقول الحق سبحانه: { قل لا يعلم من في ~~السماوات... }. ### || [27.65] # كما قال الحق سبحانه وتعالى: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو.. # [الأنعام: 59]. والغيب: كل ما غاب عن إدراكك وحسك، لكن مرة يكون ~~الغيب غيبا إضافيا يغيب عنك، ولا يغيب عن غيرك، فأنا لا أعرف مثلا ما ~~في جيوبكم لكن أنتم تعرفون، والذي سرق منه شيء وأخفاه السارق، فالمسروق ~~منه لا يعلم أين هو، لكن السارق يعلم. وإما يكون الغيب غيبا مطلقا، ~~وهو ما غاب عنا جميعا وهو قسمان: قسم يغيب عنا جميعا، لكن قد نكتشفه ~~ككل الاكتشافات التي اهتدى إليها البشر. وهذه يكون لها مقدمات توصل ~~إليها، وهذا غيب نصف إضافي لأنه غيب اليوم لكن نراه مشهدا بعد ذلك، فلا ~~يكون غيبا. ومثال ذلك: تمرين الهندسة الذي نعطيه للأولاد بمقدمات ~~ومعطيات، يعملون فيها عقولهم حتى يتوصلوا إلى الحل المطلوب، وهذا النوع ~~يقول الله عنه: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء.. # [البقرة: 255]. فإذا شاء الله وجاء ميلاد هذا الغيب أطلعهم الله تعالى ~~على المقدمات التي توصل إليه، إما بالبحث، وإما حتى مصادفة، وهذا يؤكده ~~قوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. ومن الغيب المطلق غيب حقيقي، ms7257 لا يطلع عليه ولا يعلمه إلا ~~الله فقد استقل سبحانه وتفرد بمعرفته، وهذا الغيب يقول تعالى عنه: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول.. # [الجن: 26-27]. ومن هذا الغيب المطلق قضية القيامة { قل لا يعلم ~~من في السماوات والأرض الغيب إلا الله.. } [النمل: ~~65] فالقيامة لا يعلم وقتها إلا الله سبحانه، إلا أنه جعل لها مقدمات ~~وعلامات تدل عليها وتنبىء بقربها. قال عنها: # أكاد أخفيها.. # [طه: 15] البعض يظن أن # أخفيها.. # [طه: 15] يعني: أداريها وأسترها، لكن المعنى ليس كذلك # أخفيها.. # [طه: 15] يعني: أزيل خفاءها، ففرق بين خفى الشيء وأخفاه: خفى الشيء ~~عني: ستره وداراه، أما أخفاه فيعني: أظهره، وهذه تسمى همزة الإزالة، ~~مثل: أعجم الشيء يعني: أزال عجمته. ومنه المعجم الذي يوضح معاني ~~المفردات. وكما تكون الإزالة بالهمزة تكون بالتضعيف. نقول: مرض فلان ~~يعني: أصابه المرض، ومرض فلانا يعني: عالجه وأزال مرضه، ومنه: قشر ~~البرتقالة: يعني أزال قشرها. فالمعنى # أكاد أخفيها.. # [طه: 15] أي: أكاد أظهرها، ألا ترى أن للساعة علامات كبرى وعلامات ~~صغرى، نرى بعضها الآن، وتتكشف لنا من الأيام علامة بعد أخرى. لكن يظل ~~للقيامة وقتها الذي لا يعلمه إلا الله لذلك يقول عنها: # لا يجليها لوقتهآ إلا هو.. # [الأعراف: 187]. والنبي صلى الله عليه وسلم يفتخر بأنه لا يعلم موعدها، ~~فيقول حين سئل عنها: # " ما المسئول عنها بأعلم من السائل ". # فشرف لرسول الله ألا يعلم شيئا استأثر الله بعلمه، والقيامة ~~غيب مطلق لم يعط الله مفاتحه لأحد حتى الرسل. وقد يكرم الله ~~تعالى بعض خلقه، ويطلعه على شيء من الغيب، ومن ذلك الغيبيات التي ~~أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يكون لها مقدمات توصل ~~إليها، فلا بد أنها أتته في وحي القرآن، كما في قوله تعالى: # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في بضع سنين.. # [الروم: 1-4]. وكان الروم أقرب إلى الله لأنهم أهل كتاب، وكان الفرس ~~كفارا يعبدون النار، لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ms7258 وصحابته ~~يتمنون انتصار الروم على الفرس، فنزل الوحي على رسول الله يخبره # غلبت الروم # [الروم: 2] لكنهم في النهاية # سيغلبون # [الروم: 3] ولولا أن الله تعالى حدد غلبهم # في بضع سنين.. # [الروم: 4] لكان انتصارهم دائما، لكن من يستطيع تحديد مصير معركة بين ~~قوتين عظميين بعد بضع سنين إلا الله؟ ولأن انتصار الروم يفرح المؤمنين ~~بالله، قال سبحانه: # ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله.. # [الروم: 4-5]. وتشاء قدرة الله أن يأتي انتصار الروم على الفرس في نفس ~~اليوم الذي انتصر فيه المؤمنون على الكافرين في بدر. ومن الغيب الذي يفيض ~~الله به على عبد من عباده ما حدث من الصديق أبي بكر - رضي الله عنه - ~~وقد أعطى ابنته عائشة - رضي الله عنها - مالا، فلما حضرته الوفاة قال ~~لها: هاتي ما عندك من المال، إنما هما أخواك وأختاك: أخواك هما محمد وعبد ~~الرحمن، وأختاك: لا نعلم أن لعائشة أختا غير أسماء، فمن هي الأخرى؟ كان ~~الصديق قد تزوج من ابنة خالته وكانت حاملا، لكن الحق - تبارك وتعالى - ~~تجلى عليه وألهمه أنها ستنجب بنتا تنضم إلى عائشة وأسماء. وقوله تعالى: ~~{ وما يشعرون أيان يبعثون } [النمل: 65] أي: كما أننا لا ~~نشعر بالموت ولا نعرف ميعاده، كذلك لا نشعر بالبعث، ولا متى سنبعث. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { بل ادارك علمهم... }. ### || [27.66] # معنى { ادارك.. } [النمل: 66] أي: تدارك، يعني: توالى وتتابع الحديث ~~عنها عند كل الرسل، ومنه قوله تعالى: # حتى إذا اداركوا فيها.. # [الأعراف: 38] يعني: جمع بعضهم على بعض. إذن: تتابع الإعلام بالآخرة ~~عند كل رسل الله، فما منهم إلا وقد دعا إلى الإيمان بالله وباليوم الآخر، ~~وأتى بالدليل عليه. ومع متابعة التذكير بالآخرة قال الله عنهم { بل ~~هم في شك منها.. } [النمل: 66] أي: من الآخرة، فلماذا؟ يقول ~~تعالى: { بل هم منها عمون } [النمل: 66] أي: عميت أبصارهم ~~وبصائرهم عنها، فلم يهتدوا، ولو تفتحت عيونهم وقلوبهم لآمنوا بها. يقول ~~تعالى: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46]. إذن: هناك شيء موجود بالفعل، لكني أغفلته، أو تغافلت عنه ms7259 ~~بإرادتي، فآيات البعث والقيامة موجودة ومتداركة، لكن الناس عموا عنها ~~فلم يروها. ومعنى: { عمون } [النمل: 66] جمع عم، وهو الذي عميت ~~بصيرته عن دلائل القيامة الواضحة. ثم يقول الحق سبحانه: { وقال ~~الذين كفروا... }. ### || [27.67] # يريدون أن يستدلوا بعدم بعث الآباء على عدم بعثهم، لكن من قال لهم: ~~إن الآخرة ستأتي مع الدنيا، ما سميت الآخرة إلا لأنها تأتي آخرا بعد ~~انقضاء الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: { لقد وعدنا هذا... }. ### || [27.68] # أي: من لدن آدم - عليه السلام - والناس يموتون والأنبياء تذكر بهذا ~~اليوم الآخر، لكنه لم يحدث { إن هذآ إلا أساطير ~~الأولين } [النمل: 68] أي: كذب وافتراء ونسج خيال كما في أساطير ~~السابقين، لكن ما الدافع لهم لأن يتهموا الرسل في بلاغهم عن الله هذا ~~الاتهام؟ قالوا: لأن نفس المرء عزيزة عليه، وكل مسرف على نفسه في ~~المعاصي يريد أن يؤمن نفسه، وأن يريحها، وليس له راحة إلا أن يقول ~~هذا الكلام كذب، أو يتمنى أن يكون كذبا، ولو اعترف بالقيامة وبالبعث ~~والحساب فمصيبته عظيمة، فليس في جعبته إلا كفر بالله وعصيان لأوامره، ~~فكيف إذن يعترف بالبعث؟ فطبيعي أن يؤنس نفسه بتكذيب ما أخبره به الرسول. ~~لذلك نجد من هؤلاء من يقول في القدر: إذا كان الله قد كتب علي ~~المعصية، فلماذا يعذبني بها؟ والمنطق يقتضي أن يكملوا الصورة فيقولون: ~~وإذا كتب علي الطاعة، فلماذا يثيبني عليها؟ فلماذا ذكرتم الشر وأغفلتم ~~الخير؟ إذن: هؤلاء يريدون المنفذ الذي ينجون منه ويهربون به من عاقبة ~~أعمالهم. ### || [27.69] # يدعوهم الله تعالى إلى السير في مناكب الأرض للنظر وللتأمل لا فيمن ~~بعث لأن البعث لم يأت بعد، ولكن للنظر في عاقبة المجرمين الذي ~~كذبوا رسلهم فيما أتوا به، وكيف أن هزمهم ودحرهم وكتب النصر للرسل. ~~والبعث مما جاء به الرسل، فمن كذب الرسل كذب بالبعث مع أنه واقع لا ~~شك فيه، لكن الحق - تبارك وتعالى - يخفيه لوقته، كما قال سبحانه: # لا يجليها لوقتهآ إلا هو.. # [الأعراف: 187]. ثم يسلي الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ~~ليخفف عنه ms7260 ألم ما يلاقي في سبيل الدعوة، فيقول تعالى: { ولا ~~تحزن عليهم... }. ### || [27.70] # وقد خاطب الحق سبحانه رسوله بقوله: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. والمعنى: مهلك نفسك من الحزن، والبخع كما قلنا: المبالغة ~~في الذبح بحيث توصله إلى البخاع. والحق - تبارك وتعالى - يوضح أن مهمة ~~الرسول البلاغ عن الله فقط، ولا عليه آمن من آمن، أو كفر من كفر، ~~إنما حب النبي صلى الله عليه وسلم لأمته وحرصه على نجاتها جعلاه يحزن ~~ويألم إن شرد منه واحد من أمته، ألم يقل عنه ربه: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. ثم يقول الحق سبحانه عنهم: { ويقولون متى ~~هذا... }. ### || [27.71] # يقول المكذبون بالبعث { متى هذا الوعد.. } [النمل: 71] أي: ~~بالبعث { إن كنتم صادقين } [النمل: 71] في أن هناك بعثا. ~~وسموا إخبار الله لهم بالبعث وعدا، مع أنه في حقهم وعيد، وفرق ~~بين وعد وأوعد: وعد للخير وأوعد للشر، لكن الله تعالى يطمس على ~~ألسنتهم، وهم أهل الفصاحة فيقولون { متى هذا الوعد.. } ~~[النمل: 71] وهو بالنسبة لهم وعيد، لأن إيعاد المخالف لك بشر وعد لك ~~بخير. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول: لقد وعدنا بأمرين: وعدنا رسلنا ~~بالتأييد والنصرة، ووعدنا العالم كله بالبعث، فإذا كنا صادقين في الأولى ~~وهي مشاهدة لكم ومحسة فخذوها مقدمة ودليلا على صدقنا في الأخرى، ~~وقد عاينتم أن جميع الرسل انتصروا على مكذبيهم، إما بعذاب الاستئصال، ~~وإما بعذاب الهزيمة والانكسار. ثم يقول الحق سبحانه: { قل عسى أن ~~يكون... }. ### || [27.72] # كلمة { عسى.. } [النمل: 72] تفيد الرجاء، لكنها من الله تفيد ~~التحقيق، فلو قلت مثلا: عسى أن يعطيك فلان، لكان الرجاء ضعيفا، ~~وأقوى منه لو قلت: عسى أن أعطيك لأني لا أملك فلانا، لكن أملك نفسي، ~~وأقوى من ذلك أن أقول: عسى أن يعطيك الله لأن أسبابي أنا قد لا تمكني ~~من الوفاء، أما إن قال الله تعالى عسى، فهي قمة التأكيد والتحقيق في ~~الرجاء، وهي أعلى مراتبه وأبلغها. ومعنى { ردف ms7261 لكم.. } [النمل: 72] ~~أي: تبعكم وجاء بعدكم من أردفه إذا أركبه خلفه على الدابة، فهو خلفه ~~مباشرة، وفعلا أصابهم ما يستعجلون، فلم يمر طويلا حتى حاقت بهم ~~الهزيمة في بدر، فصدقنا في الأولى حين قلنا: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] وقد عاينتم ذلك، فخذوه دليلا على الغيب الذي أخبرناكم ~~به. ثم يقول رب العزة سبحانه: { وإن ربك لذو فضل... }. ### || [27.73] # فمن فضله تعالى عليكم أن يؤخر القيامة لعل الناس يرعوون، وإلا ~~لفاجأتهم من أول تكذيب، وهذا يبين أن الله تعالى يمهل الخلق ليزداد ~~فيهم أهل الهدى والإيمان، ألا ترى أن المؤمنين برسول الله لم يأتوا ~~جميعا مرة واحدة في وقت واحد، إنما على فترات زمنية واسعة. لذلك قلنا: ~~إن المسلمين الأوائل كانوا في معاركهم مع الكفر يألمون إن فاتهم قتل ~~واحد من رؤوس الكفر وقادته مثل عكرمة وعمرو وخالد وغيرهم، ولو أطلعهم ~~الله على الغيب لعلموا أن الله تعالى نجاهم من أيديهم ليدخرهم فيما ~~بعد لنصرة الإسلام، وليكونوا قادة من قادته، وسيوفا من سيوفه ~~المشهرة في وجوه الكافرين. وقوله تعالى: { ولكن أكثرهم ~~لا يشكرون } [النمل: 73] دليل على أن البعض منهم يشكر. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { وإن ربك ليعلم... }. ### || [27.74] # ولك أن تقول في هذه الآية: إذا كان الله تعالى يعلم ما تكن صدورهم ~~وما تخفيه، فمن باب أولى يعلم ما يعلنون، فلماذا قال بعدها: { وما ~~يعلنون } [النمل: 74]؟ نقول: لأن ما في الصدور غيب والله غيب، ~~وقد يقول قائل: ما دام أن الله غيب فلا يعلم إلا الغيب. فنرد عليه بأن ~~الله تعالى يعلم الغيب ويعلم العلن. ### || [27.75] # معنى { غآئبة.. } [النمل: 75] يعني: الشيء الغائب، ولحقت به التاء ~~الدالة على المبالغة، كما نقول في المبالغة: راو وراوية، ونساب ~~ونسابه، وعالم وعلامة، كذلك غائب وغائبة، مبالغة في خفائها. ومن هنا ~~يرى البعض أنها زائدة، لكن كلمة زائدة لا تليق بأسلوب القرآن الكريم ~~وفصاحته، وننزه كلام الله عن الحشو واللغو الذي لا معنى له، والبعض ~~تأدب مع القرآن فقال من هنا صلة، لكن صلة لأي ms7262 شيء؟ إذن: لا بد أن لها ~~معنى لكي نوضحه نقول: إذا أردت أن تنفي وجود مال معك تقول: ما عندي ~~مال، وهذا يعني أنه لا مال معك يعتد به، ولا يمنع أن يكون معك مثلا ~~عدة قروش لا يقال لها مال، فإن أردت نفي المال على سبيل تأصيل العموم في ~~النفس تقول: ما عندي من مال، يعني بداية مما يقال له مال مهما صغر، ~~فمن هنا إذن ليست زائدة ولا صلة، إنما هي للغاية وتأصيل العموم في ~~النفي. فالمعنى { وما من غآئبة في السمآء والأرض إلا ~~في كتاب مبين } [النمل: 75] أن الله تعالى يحيط علمه أزلا بكل ~~شيء، مهما كان صغيرا لا يعتد به، واقرأ قوله تعالى: # وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب ~~مبين # [الأنعام: 59]. كما أن قدرته تعالى لا تقف عند حد العلم إنما ويسجله { ~~إلا في كتاب مبين } [النمل: 75] أي في أم الكتاب الذي ~~سجل الله فيه كل أحداث الكون، فإذا ما جاءت الأحداث نراها موافقة ~~لما سجله الله عنها أزلا، فمثلا لما ذكر الحق - تبارك وتعالى - ~~وسائل النقل والمواصلات في زمن نزول القرآن قال: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ~~ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8]. فلولا تذييل الآية بقوله تعالى: # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8] لكان فيها مأخذ على القرآن، وإلا فأين السيارة والطائرة ~~والصاروخ في وسائل المواصلات؟ إذن: نستطيع الآن أن ندخل كل الوسائل ~~الحديثة تحت # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8]. وسبق أن قلنا: إن من عظمة الحق - سبحانه وتعالى - ألا ~~يعلم بشيء لا اختيار للعبد فيه، إنما بما له فيه اختيار ويفضحه ~~باختياره، كما حدث في مسألة تحويل القبلة: # سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها.. # [البقرة: 142]. فيعلنها الله تعالى صراحة، ويسميهم سفهاء لأنهم ~~يعادون الله ويعادون رسول الله، وبعد هذه الخصومة وهذا التجريح قالوا ~~فعلا ما حكاه القرآن عنهم. ولم نر منهم عاقلا يتأمل هذه الآية، ~~ويقول: ما دام ms7263 أن القرآن حكى عنا هذا فلن نقوله، وفي هذه الحالة يجوز لهم ~~أن يتهموا القرآن وينالوا من صدقه ومن مكانة رسول الله، لكن لم يحدث ~~وقالوا فعلا بعد نزول الآية: # ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها.. # [البقرة: 142] يعني: تركوا التوجه إلى بيت المقدس وتوجهوا إلى مكة، ~~قالوه مع ما لهم من عقل واختيار. وهذه المسألة حدثت أيضا في شأن أبي ~~لهب لما قال الله عنه: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب # [المسد: 1-3]. لأنه قالها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمعهم ~~ليبلغهم دعوة الله، فقال له: تبا لك ألهذا جمعتنا. وأبو لهب عم رسول ~~الله، كحمزة والعباس ولم يكن رسول الله يدري مستقبل عمه، فلعله يؤمن كما ~~آمن حمزة وصار أسد رسول الله، وكما آمن العباس بن عبد المطلب. فلما نزلت # تبت يدآ.. # [المسد: 1] كان بإمكانه أن يكذبها وأن يؤمن فينطق بالشهادتين ولو ~~نفاقا، فله على ذلك قدرة، وله فيه اختيار، لكنه لم يفعل. إذن: من عظمة ~~كلام الله ومن وجوه الإعجاز فيه أن يحكم حكما على مختار كافر به، وهو ~~قرآن يتلى علانية على رؤوس الأشهاد، ومع ذلك لا يستطيع التصدي له، ~~ويبقى القرآن حجة الله على كل كافر ومعاند. ولما نتأمل قوله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] نرى أن الحق سبحانه أنزل القرآن وتولى حفظه بنفسه - سبحانه ~~وتعالى - ولم يوكله إلى أحد، مع أن في القرآن أشياء وأحداثا لم توجد ~~بعد، فكأن الله تعالى يحفظها على نفسه ويسجلها ويعلنها، لماذا؟ لأنها ~~ستحدث لا محالة. فالحق سبحانه لا يخشى واقع الأشياء ألا تطاوعه لأنه ~~مالكها، ألا ترى أن الإنسان يحفظ الكمبيالة التي له، ولا يهتم بالتي ~~عليه؟ أما ربنا عز وجل فيحفظ لنا الأشياء وهي عليه سبحانه وتعالى. ~~واقرأ إن شئت: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] فالله يسجلها على نفسه ويحفظها لأنه القادر على الإنفاذ، ~~وفعلا هزم الجمع وولوا الأدبار وصدق الله. ### || [27.76] ms7264 # فرق بين أن تخاطب خالي الذهن، وأن تخاطب من لديه فكرة مسبقة، ~~فخالي الذهن يقبل منك، أما صاحب الفكرة المسبقة فيعارضك، كذلك جاء من ~~الكفار ومن أهل الكتاب من يعارض كتاب الله وينكر ما جاء به، ومع أنهم ~~أعداء الإسلام وكارهون له لكن إن سألتهم عما أخبر به القرآن يقولون: ~~نعم نعرف هذا من كتبنا # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله ~~على الكافرين # [البقرة: 89]. لذلك سيدنا عبد الله بن سلام عندما نظر إلى رسول الله علم ~~أنه الرسول الحق، فمالت نفسه إلى الإسلام وقال: والله إني لأعرف ~~محمدا كمعرفتي بابني، ومعرفتي بمحمد أشد، وصدق الله حين قال عنهم: # يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.. # [البقرة: 146]. علم عبد الله أن الإسلام هو الطريق الذي يوصله إلى ~~الله والذي ينبغي لكل عاقل أن يتبعه، فلما أراد أن يسلم أحب أن يكسب ~~الجولة بإعلان إسلامه وفضيحة المنافقين والكفار وأهل الكتاب، فقال: يا ~~رسول الله لقد استشرفت نفسي للإسلام، وأخاف إن أسلمت أن يذمني ~~اليهود ويفعلوا بي كذا وكذا، فاسألهم عني قبل أن أسلم، فسألهم رسول ~~الله فقالوا: هو حبرنا وابن حبرنا.. وكالوا له الثناء والمديح، عندها ~~قال عبد الله: أما وقد قلتم ما قلتم، فاشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله، فقالوا: بل هو شرنا وابن شرنا. وكالوا له عبارات السب ~~والشتم. ثم يصف الحق سبحانه القرآن فيقول: { وإنه لهدى ~~ورحمة... }. ### || [27.77] # معنى { لهدى.. } [النمل: 77] أي: هداية دلالة وإرشاد، وهذه للمؤمن ~~وللكافر { ورحمة } [النمل: 77] للمؤمنين فقط، كما قال سبحانه: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين.. # [الإسراء: 82] وفرق بين الشفاء والرحمة لأن العطف هنا يقتضي المغايرة. ~~الشفاء: من الداء الذي جاء القرآن ليعالجه، والرحمة ألا يعاودك هذا ~~الداء مرة أخرى. ثم يقول الحق سبحانه: { إن ربك يقضي ~~بينهم... }. ### || [27.78] # قوله تعالى { العزيز.. } [النمل: 78] أي: الذي يقهر ولا يقهر، ~~ويغلب ولا يغلب، ويجير ولا يجار عليه، وهو مع ذلك في عزته { ~~العليم } [النمل: 78] فقد يكون عزيزا لا يغلب، لكن لا علم ms7265 عنده، ~~فالحق سبحانه عزيز عليم يضع العزة في مكانها، ويضع الذلة في مكانها. كما ~~قال سبحانه: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء بيدك الخير.. # [آل عمران: 26]. وقد وقف العلماء عند قوله تعالى عن نفسه: # بيدك الخير.. # [آل عمران: 26] فاجتهد بعضهم فقال: التقدير: بيدك الخير والشر، وهذا ~~التقدير يدل على عدم فهم لمعنى الآية فما عند الله خير في كل الأحوال ~~لأن إيتاء الملك لمن ينصف في الرعية خير، ونزع الملك ممن يطغى به ~~ويظلم خير أيضا لأن الله سلب منه أداة الطغيان حتى لا يتمادى، ففي كل ~~خير. وما دام من صفاته تعالى أنه عزيز عليم حكيم رحيم ذو فضل، فاطمئن ~~أيها المؤمن بالله، وتوكل على الله. ثم يقول الحق سبحانه: { فتوكل ~~على الله... }. ### || [27.79] # والتوكل: أن تستضعف نفسك في شيء تحاول أن تقضيه بقوة فلا تجدها عندك، ~~والتوكل الحق لا يكون إلا على الله الحي الذي لا يموت، أما إن توكلت ~~على بشر مثلك فقد يفاجئه الموت قبل أن يقضي لك حاجتك. وقال { إنك ~~على الحق المبين } [النمل: 79] أي: أنك تتوكل على الله وأنت ~~على الحق وعلى الطاعة له عز وجل، لا على معصيته، وما دمت تتوكل على ~~الله وأنت على حال الطاعة فلا بد أن يكون نصيرك ومعينك. ثم يسلي ~~الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ويعزيه كي لا يألم على من شردوا ~~منه فلم يؤمنوا: { إنك لا تسمع الموتى... }. ### || [27.80] # والمعنى: لا تحزن يا محمد، ولا تهلك نفسك على هؤلاء الذين لم يؤمنوا من ~~قومك، فما عليك إلا البلاغ. والبلاغ كلام له أداة استقبال في السامع هي ~~الأذن، فإذا تعطلت هذه الأداة لن يسمعوا، وهؤلاء القوم تعطلت عندهم ~~أداة السمع، فهم كالموتى والذين أصابهم الصمم، فآيات الله الكونية كثيرة ~~من حولهم، لكن لا يرون ولا يسمعون. وليت الأمر يقف بهم عند حد الصمم، ~~إنما يولون مدبرين من سماع الدعوة، وهذه مبالغة منهم من الانصراف ms7266 عن ~~دعوة الحق لأنهم إن جلسوا فلن يسمعوا، فما بالك إذا ولوا مدبرين ~~يجرون بعيدا، وكأن الواحد منهم يخاف أن يزول عنه الصمم وتلتقط أذنه ~~نداء الله، فيستميله النداء، وعندها تكون مصيبته كبيرة - على حد ~~زعمهم. وهذا دليل على أنهم يعلمون أنه حق، وأنهم لو صغوا إليه ~~لاتبعوه، ألم يقولوا: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه.. # [فصلت: 26]. ذلك لأن القرآن جلالا وجمالا يأسر الألباب لذلك نهوا ~~عن سماعه، ودعوا إلى التشويش عليه، حتى لا ينفذ إلى القلوب. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ومآ أنت بهادي العمي... }. ### || [27.81] # فرق بين سماع قالة أو قضية الصدق، وأنت خالي الذهن، وبين أن تسمعها ~~وأنت مشغول بنقيضها، فلكي يثمر السماع ينبغي أن تستقبل الدعوة بذهن ~~خال ثم تبحث بعقلك الدعوة وما يناقضها، فما انجذبت إليه واطمأنت إليه ~~نفسك فأدخله. وهذه يسمونها - حتى في الماديات - نظرية الحيز أي: أن ~~الحيز الواحد لا يتسع لشيئين في الوقت نفسه. وسبق أن مثلنا لذلك ~~بالقارورة حين تملؤها بالماء لا بد أن يخرج منها الهواء أولا على ~~شكل فقاعات لأن الماء أكثف من الهواء. ومعنى: { إن تسمع إلا من ~~يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } [النمل: 81] ولقائل أن يقول: ~~ما دام تسمع من يؤمن بآياتنا، فما فائدة السماع وهو مؤمن؟ نقول: ~~الآيات ثلاثة مترتبة بعضها على بعض، فأولها: الآيات الكونية العقدية التي ~~تشاهدها في الكون وتستدل بها على وجود إله خالق قادر فتسأل: من هذه ~~الإله الخالق فيأتي دور الرسول الذي يبين لك ويحل لك هذا اللغز، ولا ~~بد له من آيات تدل على صدقه في البلاغ عن الله هي المعجزة، فإن ~~غفلنا عن الآيات الكونية ذكرنا بها الرسول، فقال: ومن آياته كذا وكذا. ~~فإذا آمنت بالآيات الكونية وبآيات المعجزات، فعليك أن تؤمن بآيات ~~الأحكام التي جاءت بها معجزة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وإذا وقع القول... }. ### || [27.82] # كلمة { وقع القول عليهم.. } [النمل: 82] أي: سقط: كأنه ~~وبطبيعته يسقط لا يحتاج لمن يجبره على السقوط. والسقوط { عليهم.. ~~} [النمل: 82] كما ms7267 في قوله تعالى # فخر عليهم السقف من فوقهم.. # [النحل: 26]. والوقوع هنا يدل على أنهم سيتعرضون لشدائد ومتاعب، وبتتبع ~~هذه المادة وقع في القرآن نجد أنها جاءت كلها في الشدائد إلا في موضع ~~واحد هو قوله تعالى: # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله.. # [النساء: 100]. وما داموا لم يسمعوا للآيات، ولم يقبلوها، ولم يلتفتوا ~~إلى منهج الله وصموا عنه آذانهم، فلم يسمعوا كلام أمثالهم من البشر ~~فسوف نخرج لهم دابة تكلمهم. { أخرجنا لهم دآبة من ~~الأرض تكلمهم.. } [النمل: 82] وانظر إلى هذه الإهانة وهذا ~~التوبيخ: أنتم لم تسمعوا كلام أمثالكم من البشر، ولم تفهموا من يخاطبكم ~~بلغتكم، فاسمعوا الآن من الأدنى، وافهموا عنها، وفسروا قولها. لكن ماذا ~~ستقول الدابة لهم؟ وما نوع كلامها؟: { أن الناس كانوا ~~بآياتنا لا يوقنون } [النمل: 82] أي: بآياتنا السابقة لا ~~يؤمنون، وها أنا ذا أكلمهم، وعلى الماهر فيهم أن يقول لي: كيف أكلمه. ~~وقد اختلف الناس في هذه الدابة، وفي شكلها وأوصافها، وكيف يأتي القول من ~~غير مألوف القول وهو الدابة؟ لكن ما دام أن الله تعالى أخبر بها فهي ~~حق، لا ينبغي معارضته، وعلينا أن نأخذ وقوع ما حدث به القرآن قبل أن ~~يكون دليلا على صدقه فيما يحدث به فيما يكون. ### || [27.83] # الفوج: هم الجماعة والزمرة من الناس. وأول من يجمع في هذا الموقف هم ~~العتاة والجبابرة الذين تولوا تكذيب آيات الله، يحشرهم الله أولا ~~أمام العامة يتقدمونهم ويسبقونهم إلى النار، كما قال سبحانه عن فرعون: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار.. # [هود: 98]. فكما تقدمهم في الضلال في الدنيا يتقدمهم إلى النار في ~~الآخرة، وحين يرى الضالون إمامهم في الضلال يقدمهم ينقطع أملهم في ~~النجاة، فربما تعلقوا به في هذا الموقف ينتظرونه أن يخلصهم، لكن ~~كيف وهو يسبقهم إلى هذا المصير. ومعنى { فهم يوزعون } [النمل: 83] ~~قلنا في معنى { يوزعون } [النمل: 83] أي: يمنعون، والمراد يمنعون أن ~~يسبق أولهم آخرهم بحيث يدخلون جميعا، فالحق - تبارك وتعالى - يجمع أولهم ~~على ms7268 آخرهم ليشرفوا سويا في النار: التابع والمتبوع كلهم سواء في الذلة ~~والمهانة، فربما حاول أحد العتاة أو الجبابرة أن يسبق حتى لا يراه ~~تابعوه، فيفتضح أمره، فيؤخره الله ليفضحه على رؤوس الأشهاد. ### || [27.84] # في سورة الأعراف يورد الحق - تبارك وتعالى - مذكرة تفصيلية لهذا ~~الموقف، ولهذا الحوار الذي يدور في عرصات القيامة، فيقول تعالى: # فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب ~~بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب ~~حتى إذا جآءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ~~ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا ~~وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين * قال ~~ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن ~~والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها ~~حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم ~~لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ~~ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ~~* وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من ~~فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون # [الأعراف: 37-39]. ### || [27.85] # قوله { ووقع.. } [النمل: 85] أي: وجب لهم العذاب { بما ~~ظلموا.. } [النمل: 85] وكأنه شيء محسوس يسقط على رؤوسهم { فهم لا ~~ينطقون } [النمل: 85] فقد خرست ألسنتهم من هول ما رأوا، فلا ~~يجدون كلاما ينطقون به. ثم يقول الحق سبحانه: { ألم يروا أنا ~~جعلنا... }. ### || [27.86] # ينتقل السياق من الكلام عن الآخرة إلى آية كونية، وهذه سمة من سمات ~~أسلوب القرآن الكريم، حيث يراوح بين الدعوة إلى الإيمان وبين بيان الآيات ~~الكونية، فبعد أن حدثنا عن الآخرة ذكر هذه الآية الكونية، وكأنه يقول: لا ~~عذر لمن يكذب بآيات الله لأن الآيات موجودة مشاهدة. لذلك قال: { ~~ألم يروا.. } [النمل: 86] أي: ألم يعلموا ويشاهدوا { أنا ~~جعلنا اليل ليسكنوا فيه.. } [النمل: 86] أي: للنوم ~~وللراحة { والنهار مبصرا.. } [النمل: 86] أي: بما فيه من الأشعة ~~والضوء الذي يسبب الرؤيا. وسبق أن بينا دور العالم المسلم ابن الهيثم ~~في تصحيح نظرية رؤية الأشياء، وكانوا يعتقدون أن الشيء يرى إذا خرج ~~الشعاع من العين إليه، والصحيح أن الشعاع يخرج من الشيء المرئي إلى ~~العين، فكأن الشعاع ms7269 هو الذي يبصر، فهو سبب الرؤيا، ولولاه لا نرى ~~الأشياء. { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } [النمل: ~~86] فربك - عز وجل - نظم لك حركة حياتك بليل تسكن فيه، وتخلد للراحة ~~ونهار تسعى فيه وتبتغي من فضل الله كما قال تعالى: # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون # [القصص: 73]. ولن تستقيم لنا حركة الحياة إلا إذا سرنا على هذا النظام ~~الذي ارتضاه الله لنا، فإن قلب الناس هذه الطبيعة فسهروا حتى الفجر، ~~فلا بد أن يلاقوا عاقبة هذه المخالفة في حركة حياتهم: تكاسلا ~~وتراخيا وقلة في الإنتاج.. إلخ. والحق - تبارك وتعالى - يشرح لنا هذه ~~القضية في موضع آخر: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم اليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون # [القصص: 71-72]. ففي الكلام عن الليل قال: # أفلا تسمعون # [القصص: 71] وعن النهار قال: # أفلا تبصرون # [القصص: 72] لماذا؟ قالوا: لأن حاسة الإدراك في الليل هي السمع، وفي ~~النهار البصر. وفي هذا إشارة إلى طبيعة كل منهما حتى لا نغيرها نحن، ~~فنسهر الليل، وننام النهار. وفي قوله تعالى # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه ولتبتغوا من فضله.. # [القصص: 73] ما يسميه العلماء باللف والنشر، أي: لف المحكوم عليه وهو ~~الليل والنهار معا، ثم نشر حكم كل منهما على وجه الترتيب: لتسكنوا فيه ~~وهي تقابل الليل، ولتبتغوا من فضله، وهي تقابل النهار. إذن: بعد أن ~~استدل الحق - تبارك وتعالى - بالموجود فعلا من آيتي الليل والنهار أراد ~~أن يستدل بعدمهما في # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم اليل سرمدا.. # [القصص: 71] و # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار ~~سرمدا.. # [القصص: 72]. ثم يعود السياق مرة أخرى إلى الحديث عن القيامة: { ~~ويوم ينفخ في الصور... }. ### || [27.87] # وكأن الله تعالى يقول لي: التفت إلى العبرة في الآيات الكونية، حيث ~~ستنفعك في يوم آت هو ms7270 يوم القيامة { ويوم ينفخ في الصور.. } ~~[النمل: 87] وهو البوق { ففزع من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله.. } [النمل: 87] والفزع: الخوف الشديد ~~الذي يأخذ كل من في السماوات، وكل من في الأرض { إلا من شآء ~~الله.. } [النمل: 87] قالوا: هم الملائكة: إسرافيل الذي ينفخ في ~~الصور، وجبريل، وميكائيل، وعزرائيل. لذلك لما تكلم سيدنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن مسألة الصعق هذه قال: # " فأفيق من الصعقة فأجد أخي موسى ماسكا بالعرش " # ذلك لأن موسى عليه السلام صعق في الدنيا مرة حين تجلى ربه للجبل، كما ~~حكى القرآن: # فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا.. # [الأعراف: 143]. وما كان الله تعالى ليجمع على نبيه موسى عليه السلام ~~صعقتين، لذلك لم يصعق صعقة الآخرة. وقوله سبحانه: { وكل أتوه ~~داخرين } [النمل: 87] أي: صاغرين أذلاء، لا يتأبى على الله منهم أحد، ~~حيث لا قدرة له على ذلك لأن القيامة أنهت الاختيار الذي كان لهم في ~~الدنيا، وبه ملكهم الله شيئا من الملك: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء.. # [آل عمران: 26]. فأعطى الله تعالى طرفا من الملك، ووهبه لبعض عباده في ~~دنيا الأسباب والاختيار، أما في الآخرة فالملك لله تعالى وحده، لا ~~ينازعه فيه أحد: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. في القيامة ينزع منك كل شيء تملكه وكل قدرة لك على ما ~~تملك حتى جوارحك لا قدرة لك عليها، ولا إرادة لتنفعل لك، هي تبع إرادتك ~~في الدنيا، وبها ترى وتسمع وتمشي وتبطش، أما في الآخرة فقد سلبت منك ~~هذه الإرادة، بدليل أنها ستشهد عليك، وتحاجك يوم القيامة. ثم ينتقل ~~السياق بنا مرة أخرى إلى آية كونية: { وترى الجبال تحسبها... ~~}. ### || [27.88] # قوله تعالى { تحسبها جامدة.. } [النمل: 88] اي: تظنها ثابتة، ~~وتحكم عليها بعدم الحركة لذلك نسميها الرواسي والأوتاد { وهي تمر ~~مر السحاب.. } [النمل: 88] أي: ليس الأمر كما تظن لأنها تتحرك ~~وتمر كما يمر السحاب، لكنك لا تشعر بهذه الحركة ms7271 ولا تلاحظها لأنك تتحرك ~~معها بنفس حركتها. وهب أننا في هذا المجلس، أنتم أمامي وأنا أمامكم، ~~وكان هذا المسجد على رحاية أو عجلة تدور بنا، أيتغير وضعنا وموقعنا ~~بالنسبة لبعضنا؟ إذن: لا تستطيع أن تلاحظ هذه الحركة إلا إذا كنت أنت ~~خارج الشيء المتحرك، ألا ترى أنك حين تركب القطار مثلا ترى أن أعمدة ~~التليفون هي التي تجري وأنت ثابت. ولأن هذه الظاهرة عجيبة سيقف عندها ~~الخلق يزيل الله عنهم هذا العجب، فيقول { صنع الله الذي ~~أتقن كل شيء.. } [النمل: 88] يعني: لا تتعجب، فالمسألة من صنع ~~الله وهندسته وبديع خلقه، واختار هنا من صفاته تعالى: { الذي ~~أتقن كل شيء.. } [النمل: 88] يعني: كل خلق عنده بحساب دقيق ~~متقن. البعض فهم الآية على أن مر السحاب سيكون في الآخرة، واستدل ~~بقوله تعالى: # وتكون الجبال كالعهن المنفوش # [القارعة: 5]. وقد جانبه الصواب لأن معنى # كالعهن المنفوش # [القارعة: 5] أنها ستتفتت وتتناثر، لا أنها تمر، وتسير هذه واحدة، ~~والأخرى أن الكلام هنا مبني على الظن { تحسبها جامدة.. } ~~[النمل: 88] وليس في القيامة ظن لأنها إذا قامت فكل أحداثها متيقنة. ~~ثم إن السحاب لا يتحرك بذاته، وليس له موتور يحركه، إنما يحركه ~~الهواء، كذلك الجبال حركتها ليست ذاتية فيها، فلم نر جبلا تحرك من ~~مكانه، فحركة الجبال تابعة لحركة الأرض لأنها أوتاد عليها، فحركة الوتد ~~تابعة للموتود فيه. لذلك لما تكلم الحق - سبحانه وتعالى - عن الجبال قال: # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم.. # [النحل: 15]. ولو خلقت الأرض على هيئة السكون ما احتاجت لما ~~يثبتها، فلا بد أنها مخلوقة على هيئة الحركة. في الماضي وقبل تطور ~~العلم كانوا يعتقدون في المنجمين وعلماء الفلك الكفرة أنهم يعلمون ~~الغيب، أما الآن وقد توصل العلماء إلى قوانين حركة الأرض وحركة الكواكب ~~الأخرى في المجموعة الشمسية واستطاعوا حساب ذلك كله بدقة مكنتهم من ~~معرفة ظاهرة الخسوف والكسوف مثلا ونوع كل منهما ووقته وفعلا تحدث ~~الظاهرة في نفس الوقت الذي حددوه لا تتخلف. واستطاعوا بحساب هذه الحركة ~~أن يصعدوا إلى سطح القمر، وأن ms7272 يطلقوا مركبات الفضاء ويسيروها بدقة ~~حتى إن إحداها تلتحم بالأخرى في الفضاء الخارجي. كل هذه الظواهر لو لم ~~تكن مبنية على حقائق متيقنة لأدت إلى نتائج خاطئة وتخلفت. ومن ~~الأدلة التي تثبت صحة ما نميل إليه في معنى حركة الجبال، أن قوله تعالى { ~~صنع الله الذي أتقن كل شيء.. } [النمل: 88] امتنان ~~من الله تعالى بصنعته، والله لا يمتن بصنعته يوم القيامة، إنما ~~الامتنان علينا الآن ونحن في الدنيا. ### || [27.89] # لهذه الآية صلة لطيفة بما قبلها: فكما أن الآيات الكونية التي أخبر بها ~~الحق - تبارك وتعالى - حقيقة واقعة، وتأكدت أنت من صدقها حيث شاهدتها ~~بنفسك وأدركتها بحواسك، فكما أخبرناك بهذه الآيات نخبرك الآن بحقيقة ~~أخرى ينبغي أن تصدقها، وأن تأخذ من صدق ما شاهدت دليلا على صدق ما ~~غاب عنك، فربك يخبرك بأنه { من جآء بالحسنة فله خير ~~منها.. } [النمل: 89]. الحسنة: فعل الانفعال فيه يكون لمطلوب الله في ~~العبادة، فإن فعلت الفعل على مراد الله تعالى كانت لك حسنة، والحسنة عند ~~الله بعشر أمثالها، وتضاعف إلى سبعمائة ضعف على مقدار طاقة الفاعل من ~~الإخلاص والتجرد لله في فعله. والمعنى: { من جآء بالحسنة.. } ~~[النمل: 89] أي: في الدنيا { فله خير منها.. } [النمل: 89] أي: ~~ناشىء عنها في الآخرة. ونسمع من البعض من يقول: إذا كان قولنا: لا إله ~~إلا الله حسنة فالثواب عليها خير منها. وهذا القول ناتج عن فهم غير ~~دقيق لمعنى الآية لأن الله تعالى الذي أقر به في الشهادة هو الذي يهبني ~~هذا الثواب، فمن جاء بالحسنة له خير ناشىء من هذه الحسنة ومسبب عنها. ~~كما لو قلت: مأمور المركز خير من وزير الداخلية: أي خير جاءنا من ~~ناحيته، ووصل إلينا من طرفه، أليس هو صاحب قرار تعيينه؟ ومن ذلك ما يقوله ~~أصحاب الطريق والمجاذيب يقولون: محمد خير من ربه، وفي مثل هذه الأقوال ~~لعب بأفكار الناس وإثارة لمشاعرهم، وربما تعرض للإيذاء، فكيف يقول هذه ~~الكلمة ومحمد مرسل من عند الله؟ وحين تمعن النظر في العبارة تجدها ~~صحيحة، فمراد الرجل أن ms7273 محمدا خير جاءنا من عند الله. أو: يكون المعنى { ~~فله خير منها.. } [النمل: 89] أن الجزاء على الحسنة خير من ~~الحسنة لأنك تفعل الحسنة فعلا موقوتا، أما خيرها والثواب عليها، ~~فسيظل لك خالدا بلا نهاية. ثم يقول الحق سبحانه: { ومن جآء ~~بالسيئة... }. ### || [27.90] # معنى: { فكبت.. } [النمل: 90] ألقيت بعنف، وخص الوجوه مع أن ~~الأعضاء كلها ستكب لأنه أشرفها وأكرمها عند صاحبها، والوجه موضع العزة ~~والشموخ، فالحق - تبارك وتعالى - يريد لهم الذلة والمهانة، وفي موضع ~~آخر يبين أن كل الأعضاء ستكب في النار، فيقول تعالى: # فكبكبوا فيها هم والغاوون # [الشعراء: 94]. وليس هذا المصير ظلما لهم، ولا افتراء عليهم { هل ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون } [النمل: 90] وكما يقول ~~سبحانه: # لا ظلم اليوم.. # [غافر: 17] فلم نجامل صاحب الحسنة، ولم نظلم صاحب السيئة. ### || [27.91] # فما دام أن الله تعالى أعطانا هذه المعلومات التي تلفتنا إلى قدرته في ~~آياته الكونية، وذكرنا بالآخرة، وما فيها من الثواب والعقاب، فما عليك ~~إلا أن تلتزم عرفت فالزم واعلم أن من أبلغك منهج الله سيسبقك إلى ~~الالتزام به، فالشرع كما أمرك أمرني. { إنمآ أمرت أن أعبد ~~رب هذه البلدة.. } [النمل: 91] فإن طلبت منكم شيئا من ~~التكاليف فقد طالبت نفسي به أولا لأنني واثق بصدق تبليغي عن الله لذلك ~~ألزمت نفسي به. والعبادة كما قلنا: طاعة العابد للمعبود فيما أمر وفيما ~~نهى لأن ربك خلقك من عدم، وأمدك من عدم، ونظم لك حركة حياتك، فإن ~~كلفك فاعلم أن التكليف من أجلك ولصالحك لأنه رب متول لتربيتك، فإن ~~تركك بلا منهج، وبلا افعل ولا تفعل، كانت التربية ناقصة. إذن: من تمام ~~الربوبية أن يوجهني ربي كما نوجه نحن أولادنا الصغار ونربيهم، ومن ~~تمام الربوبية أن توجد هذه الأوامر وهذه النواهي لمصلحة المربي، وما ~~دام أن ربك قد وضعها لك فلا بد أن تطيعه. لذلك نلحظ في هذه الآية { ~~إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة.. } [النمل: ~~91] ولم يقل: أمرت أن أطيع الله لأن الألوهية تكليف، أما الربوبية ~~فعطاء وتربية، فالآية تبين حيثية سماعك ms7274 للحكم من الله، وهي أنه تعالى ~~يربيك بهذه الأوامر وبهذه النواهي، وسوف تعود عليك ثمرة هذه التربية. ~~لذلك، الصديق أبو بكر حينما حدثوه عن الإسراء والمعراج لم يمرر ~~المسألة على عقله، ولم يفكر في مدى صدقها، إنما قال عن رسول الله: " إن ~~كان قال فقد صدق " فالميزان عنده أن يقول رسول الله، ثم يعلل لذلك ~~فيقول: إني لأصدقه في الخبر يأتي من السماء، فكيف لا أصدقه في هذه. ~~وقال تعالى: { رب هذه البلدة.. } [النمل: 91] أي: مكة وخصها ~~بالذكر لأن فيها بيته # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا.. # [آل عمران: 96] ثم يذكر سبحانه وتعالى من صفات مكة { الذي ~~حرمها.. } [النمل: 91] فهي محرمة يحرم فيها القتال، وهذه وسيلة ~~لحماية العالم من فساد الحروب وفساد الخلاف الذي يفضي بكل فريق لأن ~~تأخذه العزة، فلا يجد حلا إلا في السيف. وكأن الحق - تبارك وتعالى - ~~يعطي لخلقه فرصة للمداراة وعذرا يستترون خلفه، فلا ينساقون خلف ~~غرورهم، فحين تمنعهم من الحروب حرمة المكان في الحرم، وحرمة الزمان ~~في الأشهر الحرم - لأن كل فعل لا بد له من زمان ومكان - حين يمنعهم ~~الشرع عن القتال فإن لأحدهم أن يقول: لم أمتنع عن ضعف. ولولا أن الله ~~منعني لفعلت وفعلت، ويستتر خلف ما شرع الله من منع القتال، إلى أن ~~يذوق حلاوة السلام فتلين نفسه، وتتوق للمراجعة. # ولحرمة مكة كان الرجل يلاقي فيها قاتل أبيه، فلا يتعرض له احتراما ~~لحرمة البيت، وقد اتسعت هذه الحرمة لتشمل أجناسا أخرى، فلا يعضد ~~شجرها، ولا يصاد صيدها. ثم يقول تعالى: { وله كل شيء.. } ~~[النمل: 91] لأن الله تعالى حين يصطفي من الملائكة رسلا، ومن الناس ~~رسلا، ويصطفي من الأرض أمكنة، ومن الزمان، يريد أن يشيع الاصطفاء في كل ~~شيء. فالحق - تبارك وتعالى - لا يحابي أحدا، فحين يرسل رسولا يبلغ ~~رسالته للناس كافة، فيعود نفعه على الجميع، وكذلك في تحريم المكان أو ~~الزمان يعود نفعه على الجميع لذلك عطف على { الذي حرمها.. } ~~[النمل: 91] فقال { كل شيء.. } [النمل: 91] فالتحريم جعل من أجل ms7275 ~~هؤلاء. ثم يقول سبحانه: { وأمرت أن أكون من المسلمين } ~~[النمل: 91] أي: المنفذين لمنهج الله يعني: لا أعتقد عقائد أخبر بها ولا ~~أنفذها، وقد قرن الله تعالى بين الإيمان والعمل الصالح لأن فائدة ~~الإيمان أن تعمل به، كما قال تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات.. # [العصر: 1-3]. فالله تعالى يريد أن يعدي الإيمان والأحكام إلى أن ~~تكون سلوكا عمليا في حركة الحياة. ### || [27.92] # أنت حين تقرأ القرآن في الحقيقة لا تقرأ إنما تسمع ربنا يتكلم، ومعنى { ~~وأن أتلو القرآن.. } [النمل: 92] يعني: استدم أنسك بالكتاب ~~الذي كلفت به، ليدل على أنك من عشقك للتكليف، عشقت المكلف، ~~فأحببت سماعه، وتلاوة القرآن في ذاتها لذة ومتعة. فأنا سآخذ من تلاوته ~~لذة، وأستديم البلاغ بالقرآن للناس، وبعد ذلك أنا نموذج أمام أمتي، كما ~~قال سبحانه: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.. # [الأحزاب: 21]. يعني: شيء يقتدى به، وما دام أن الرسول قدوة، فكل مقام ~~للرسول غير الرسالة من سار على قدم الرسول يأخذ منه، وكذلك مكان كل ~~إنسان في التقوى، على قدر اعتباره واقتدائه بالأسوة، أما الرسالة ~~فدعك منها لأنك لن تأخذها. ومعنى { اهتدى.. } [النمل: 92] أي: ~~وصلته الدلالة واقتنع بها { فإنما يهتدي لنفسه.. } ~~[النمل: 92] لأن الله سيعطيه المعونة، ويزيده هداية وتوفيقا # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. إذن: فالهداية والتقوى لا تنفع المشرع، إنما تنفع العبد ~~الذي اهتدى. ثم يذكر المقابل { ومن ضل فقل إنمآ أنا من ~~المنذرين } [النمل: 92] أنا لا يعنيني إلا أنني من المنذرين، وأنت ~~إنما تضل على نفسك، وتتحمل عاقبة ضلالك. وبعد أن أتممت ما خاطبك ربك ~~به بأن تعبد رب هذه البلدة وكنت من المسلمين، وبعد أن تلوت ~~القرآن، واستدمت الأنس واللذة بسماع الله يتكلم، ثم بلغته للناس، ~~فإذا فعلت كل هذا احمد الله الذي وفقك إليه: { وقل الحمد ~~لله... }. ### || [27.93] # أي: الحمد لله على نعمه وعلى ما هدانا، والحمد لله الذي لا يعذب ~~أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه، والإنذار إليه. والله سيريكم ms7276 آياته في ~~أنفسكم وفي غيركم، فتعرفون دلائل قدرته سبحانه ووحدانيته في أنفسكم، وفي ~~السماوات والأرض. { وما ربك بغافل عما تعملون } ~~[النمل: 93]. بل هو شهيد على كل شيء. ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1] # الحروف المقطعة في بدايات سور القرآن مرة يأتي حرف واحد مثل ق، ن أو ~~حرفان مثل طس، حم أو ثلاثة أحرف مثل الم، طسم أو أربعة مثل المر أو خمسة ~~مثل حمعسق، كهيعص وكل منها له مفتاح وأسرار لم يفتح علينا بعد لمعرفته ~~وما قلنا في معنى هذه الحروف مجرد محاولات على الطريق. ### || [28.2] # يعني: ما يأتي في هذه السورة آيات الكتاب المبين. ### || [28.3] # أي: نقص عليك { من نبإ موسى وفرعون.. } [القصص: 3] ~~والنبأ: الخبر الهام الذي يجب الالتفات إليه، وهل هناك أهم من إرسال موسى ~~- عليه السلام - إلى من ادعى الألوهية؟ لذلك أفرد لهما هذه السورة، فلم ~~يرد فيها ذكر آخر إلا لقارون لأنها تعالج مسألة القمة، مسألة ~~التوحيد، وترد على من ادعى الألوهية، ونازع الله تعالى في صفاته. ~~وقوله { بالحق.. } [القصص: 3] لأن تلاوته وقصصه حق، كما في قوله ~~تعالى: # إن هذا لهو القصص الحق.. # [آل عمران: 62]. والقصص مأخوذ من قص الأثر وتتبعه، وقد اشتهر به ~~بعض العرب قديما، ومهروا فيه حتى إنهم ليعرفون أثر الرجل من أثر ~~المرأة.. إلخ، وقد اشتهرت عندهم قصة الرجل الذي فقد جمله، وقابل أحد ~~القصاصين، وسأله عنه فقال: جملك أبتر الذنب؟ قال: نعم، قال: أعور؟ ~~قال: نعم، قال: أعرج؟ عندها لم يشك صاحب الجمل أن هذا الرجل هو الذي أخذ ~~جمله، فأمسك به وقاضاه. وفي مجلس القضاء، قال الرجل: والله ما أخذت ~~جملك، لكني رأيت الجمل يبعثر بعره خلفه، أما هذا فيضع بعره مرة ~~واحدة، فعرفت أنه مقطوع الذنب، ورأيت أحد أخفافه لا يؤثر في الرمل ~~فعرفت أنه أعرج، ورأيته يأكل من ناحية ويترك الأخرى فعرفت أنه أعور. ~~والحق - تبارك وتعالى - حين يقص علينا يقص الواقع، فقصص القرآن لا ~~يعرف الخيال كقصص البشر لذلك يسميه القصص الحق، وأحسن القصص، لأنه يروي ~~الواقع طبق ms7277 الأصل. ### || [28.4] # معنى { علا.. } [القصص: 4] من العلو أي: استعلى، والمستعلى عليه هم ~~رعيته، بل علا على وزرائه والخاصة من رعيته، وعلا حتى على الله - عز وجل ~~- فادعى الألوهية، وهذا منتهى الاستعلاء، ومنتهى الطغيان والتكبر، ~~وما دامت عنده هذه الصفات وهو بشر وله هوى فلا بد أن يستخدمها في ~~إذلال رعيته. { وجعل أهلها شيعا.. } [القصص: 4] جمع شيعة، وهي ~~الطائفة التي لها استقلالها الخاص، والمفروض في المملك أن يسوي ~~بين رعيته، فلا تأخذ طبقة أو جماعة حظوة عن الأخرى، أما فرعون فقد جعل ~~الناس طوائف، ثم يسلط بعضها على بعض، ويسخر بعضها لبعض. ولا شك أن ~~جعل الأمة الواحدة عدة طوائف له ملحظ عند الفاعل، فمن مصلحته أن يزرع ~~الخلاف بين هذه الطوائف ويشغل بعضها ببعض، فلا تستقر بينهم الأمور، ولا ~~يتفرغون للتفكير فيما يقلقه ويهز عرشه من تحته، فيظل هو مطلوبا من ~~الجميع. والقبط كانوا هم سكان مصر والجنس الأساسي بها، ثم لما جاءها يوسف ~~- عليه السلام - واستقر به الأمر حتى صار على خزائنها، ثم جاء إخوته ~~لأخذ أقواتهم من مصر، ثم استقروا بها وتناسلوا إلا أنهم احتفظوا بهويتهم ~~فلم يذوبوا في المجتمع القبطي. وبالمناسبة يخطىء الكثيرون فيظنون أن ~~القبطي يعني النصراني وهذا خطأ، فالقبطي يعني المصري كجنس أساسي في ~~مصر، لكن لما استعمرت الدولة الرومانية مصر كان مع قدوم المسيحية ~~فأطلقوا على القبطي مسيحي. لكن، ما السبب في أن فرعون جعل الناس طوائف، ~~تستعبد كل منها الأخرى؟ قالوا: لأن بني إسرائيل كانوا في خدمة المستعمر ~~الذي أزاح حكم الفراعنة، وهم ملوك الرعاة، فلما طرد ملوك الرعاة من مصر ~~كان طبيعيا فيمن يحكم مصر أن يضطهد بني إسرائيل لأنهم كانوا موالين ~~لأعدائه، ويسيرون في ركابهم، ومن هنا جاء اضطهاد فرعون لبني إسرائيل. ~~والقرآن الكريم حينما يتحدث عن ملوك مصر في القديم وفي الحديث يسميهم ~~فراعنة، كما في قوله تعالى: # وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 10]. وهنا في قصة موسى - عليه السلام - قال أيضا: فرعون: أما ~~في قصة يوسف عليه السلام فلم يأت ذكر ms7278 للفراعنة، إنما قال # الملك.. # [يوسف: 43] وهذه من مظاهر الإعجاز في القرآن الكريم لأن الحكم في مصر ~~أيام يوسف كان لملوك الرعاة، ولم يكن للفراعنة، حيث كانوا يحكمون مصر ~~قبله وبعده لما استردوا ملكهم من ملوك الرعاة لذلك في عهد يوسف ~~بالذات قال # الملك.. # [يوسف: 50] فلم يكن للفرعون وجود في عصر يوسف. فمعنى { يستضعف ~~طآئفة منهم.. } [القصص: 4] يعني: تستبد طائفة الأقباط، وهم سكان ~~مصر الأصليون بطائفة بني إسرائيل لينتقموا منهم جزاء موالاتهم لأعدائهم. # وأول دليل على بطلان ألوهية فرعون أن يجعل أمته شيعا، لأن المألوهين ~~ينبغي أن يكونوا جميعا عند الإله سواء لذلك يقول تعالى في الحديث عن ~~موكب النبوات: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء.. # [الأنعام: 159]. ذلك لأن دين الله واحد، وأوامره واحدة للجميع، فلو كنتم ~~متمسكين بالدين الحق لجعلتم الناس جميعا شيعة واحدة، لا يكون لبعضهم ~~سلطة زمنية على الآخرين، فإذا رأيت في الأمة هذه التفرقة وهذا التحزب ~~فاعلم أنهم جميعا مدينون لأن الإسلام - كما قلنا - في صفائه كالماء ~~الذي لا طعم له، ولا لون، ولا رائحة. وهذا الماء يحبه الجميع ولا بد ~~لهم منه لاستبقاء حياتهم، أما أن نلون هذا الماء بما نحب، فأنت تحب ~~البرتقال، وأنا أحب المانجو. وهذا يحب الليمون.. إلخ إذن: تدخلت ~~الأهواء، وتفرق الدين الذي أراده الله مجتمعا. لذلك يقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " ستفترق أمتي بضع وستون، أو بضع وسبعون فرقة، كلهم في النار إلا ما ~~أنا عليه وأصحابي ". # فشيعة الإسلام إذن واحدة، أما أن نرى على الساحة عشرات الفرق ~~والشيع والجماعات، فأيها يتبع المسلم؟ إذن: ما داموا قد فرقوا ~~دينهم، وكانوا شيعا فلست منهم في شيء. ثم يفسر الحق سبحانه هذا ~~الاستضعاف { يستضعف طآئفة منهم.. } [القصص: 4] فيقول { ~~يذبح أبنآءهم ويستحيي نساءهم.. } [القصص: 4] ~~وقلنا: إن الإفساد أن تأتي على الصالح بذاته فتفسده، فمن الفساد - إذن - ~~قتل الذكران واستحياء النساء لأن حياة الناس لا تقوم إلا باستبقاء ~~النوع، فقتل الذكران يمنع استبقاء النوع، واختار قتل الذكران: لأنهم ~~مصدر ms7279 الشر بالنسبة له، أما النساء فلا شوكة لهن، ولا خوف منهن لذلك ~~استبقاهن للخدمة وللاستذلال. وحين نتتبع هذه الآية نجد أنها جاءت في ~~مواضع ثلاثة من كتاب الله، لكل منها أسلوب خاص، ففي الآية الأولى يقول ~~تعالى: # وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء ~~العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم.. # [البقرة: 49]. وفي موضع آخر: # يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبنآءكم.. # [الأعراف: 141] وهاتان الآيتان على لسان الحق تبارك وتعالى. أما الأخرى ~~فحكاية من الله على لسان موسى - عليه السلام - حين يعدد نعم الله ~~تعالى على بني إسرائيل، فيقول: # اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل ~~فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون ~~أبنآءكم.. # [إبراهيم: 6]. فالواو في # ويذبحون.. # [إبراهيم: 6] لم ترد في الكلام على لسان الله تعالى، إنما وردت في كلام ~~موسى لأنه في موقف تعداد نعم الله على قومه وقصده لأن يضخم نعم ~~الله عليهم ويذكرهم بكل النعم، فعطف على # يسومونكم سوء العذاب.. # [إبراهيم: 6] قوله # ويذبحون.. # [إبراهيم: 6]. لكن حين يتكلم الله تعالى فلا يمتن إلا بالشيء ~~الأصيل، وهو قتل الأولاد واستحياء النساء لأن الحق - تبارك وتعالى - لا ~~يمتن بالصغيرة، إنما يمتن بالشيء العظيم، فتذبيح الأبناء واستحياء ~~النساء هو نفسه سوء العذاب. # وقوله مرة # يذبحون.. # [البقرة: 49] ومرة # يقتلون.. # [الأعراف: 141] لأن قتل الذكران أخذ أكثر من صورة، فمرة يذبحونهم ~~ومرة يخنقونهم. ومعنى: # يسومونكم.. # [الأعراف: 141] من السوم، وهو أن تطلب الماشية المرعى، فنتركها ~~تطلبه في الخلاء، وتلتقط رزقها بنفسها لا نقدمه نحن لها، وتسمى هذه ~~سائمة، أما التي نربطها ونقدم لها غذاءها فلا تسمى سائمة. فالمعنى # يسومونكم سوء العذاب.. # [الاعراف: 141] يعني: يطلبون لكم سوء العذاب، وما داموا كذلك فلا بد ~~أن يتفننوا لكم فيه. ثم يقول الحق سبحانه: { ونريد أن ~~نمن... }. ### || [28.5] # فلن يدوم لفرعون هذا الظلم لأن الله تعالى كتب ألا يفلح ظلوم، وألا ~~يموت ظلوم، حتى ينتقم للمظلوم منه، ويريه فيه عاقبة ظلمه، حتى إن ~~المظلوم ربما رحم الظالم، وحسبك من حادث بامرىء ترى حاسديه بالأمس، ~~راحمين له اليوم. وهنا تطالعنا غضبة الحق - تبارك وتعالى ms7280 - للمؤمنين { ~~ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض.. } ~~[القصص: 5] والمنة: عطاء معوض، وبدون مجهود من معطي المنة، كأنها هبة ~~من الحق سبحانه، وغضبة لأوليائه وأهل طاعته لأن الحق - تبارك وتعالى - ~~كما قال الإمام علي: إن الله لا يسلم الحق، ولكن يتركه ليبلو غيرة ~~الناس عليه، فإذا لم يغاروا عليه غار هو عليه. والحق - تبارك وتعالى - ~~حينما يغار على الذين استضعفوا لا يرفع عنهم الظلم فحسب، وإنما أيضا ~~{ ونجعلهم أئمة.. } [القصص: 5] أئمة في الدين وفي القيم، ~~وأئمة في سياسة الأمور والملك { ونجعلهم الوارثين } [ القصص: ~~5] أي: يرثون من ظلمهم، ويكونون سادة عليهم وأئمة لهم، فانظر على كم ~~مرحلة تأتي غيرة الله لأهل الحق. ولولا أن فرعون - الذي قوي على ~~المستضعفين وأذلهم - تأبى على الله ورفض الانقياد لشملته رحمة الله، ~~ولعاش هو ورعيته سواء؟ لذلك أهل الثورات الذين جاءوا للقضاء على أصحاب ~~الفساد وإنصاف شعوبهم ممن ظلمهم، كان عليهم بعد أن يقضوا على الفساد، ~~وبعد أن يمنعوا المفسد أن يفسد، ويحققوا العدالة في المجتمع، كان عليهم ~~أن يضموا الجميع إلى أحضانهم ورعايتهم، ويعيش الجميع بعد تعديل الأوضاع ~~سواسية في مجتمعهم، وبذلك نأمن الثورة المضادة. ثم يقول تعالى استكمالا ~~لمنته: { ونمكن لهم في الأرض... }. ### || [28.6] # قوله تعالى { ونمكن لهم في الأرض.. } [القصص: 6] نعرف أن ~~الأرض مكان يحدث فيه الحدث، لأن كل حدث يحتاج إلى زمان وإلى مكان، ~~فالمعنى: نجعل الأرض مكانا لممكن فيها، والتمكين يعني: يتصرف فيها ~~تسلطا، ويأخذ خيرها. وقد شرح الحق سبحانه لنا التمكين في عدة مواضع من ~~القرآن، ففي قصة يوسف عليه السلام: # إنك اليوم لدينا مكين أمين # [يوسف: 54] مكين يعني: لك عندنا مكانة ومركز ثابت لا ينالك أحد بشيء، ~~ومنها قوله تعالى: # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض.. # [يوسف: 21] يعني: أعطيناه سلطة يأخذ بها خير المكان، ثم يصرف هذا ~~الخير للآخرين. وقوله تعالى: { ونري فرعون وهامان ~~وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } [القصص: 6] وهامان ~~هو وزير فرعون، ولا بد أنه كان لكل منهما جنود خاصة غير جنود الدولة ~~عامة، كما نقول ms7281 الآن: الحرس الجمهوري، و الحرس الملكي، والجيش. أو: أن ~~هامان يصنع من باطن فرعون، فالملك لا يزاول أموره إلا بواسطة وزرائه، ~~وفي هذه الحالة يأخذ الجنود الأوامر من هامان. أو: أن هامان كان له سلطة ~~ومركز قوة لا تقل أهمية عن سلطة فرعون، وربما رفع رأسه وتطاول على فرعون ~~في وقت من الأوقات. وقد رأينا هذا عندنا في مصر - لذلك يقولون في المثل ~~الريفي المعروف: تقول لمن يحاول خداعك على هامان؟ يعني: أنا لا تنطلي ~~علي هذه الحيل. والضمير في { منهم.. } [القصص: 6] يعود على ~~المستضعفين { ما كانوا يحذرون } [القصص: 6] أي: سنريهم الشيء ~~الذي يخافون منه، والمراد النبوءة التي جاءتهم، إما عن طريق الكهنة، أو ~~عن طريق الرؤيا، حيث رأى فرعون نارا تأتي من بيت المقدس، وتتسلط على ~~القبط في مصر، لكنها لا تؤذي بني إسرائيل، فلما عبروا له هذه الرؤيا ~~قال: لا بد أنه سيأتي من هذه البلد من يسلب مني ملكي. ويروى أنه ~~الكهنة أخبروه أنه سيولد في هذه السنة مولود يكون ذهاب ملكك على يديه. ~~فسوف يرى فرعون وقومه هذه المسألة بأعينهم ويباشرونها بأنفسهم، وسيقع هذا ~~الذي يخافون منه لذلك أمر فرعون بقتل الذكران من بني إسرائيل ليحتاط ~~لأمره، ويبقي على ملكه، لكن هذا الاحتياط لم يغن عنه شيئا. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وأوحينآ إلى أم موسى... }. ### || [28.7] # عجيب أمر فرعون، فبعد أن أمر بقتل الأولاد من بني إسرائيل يأتيه في ~~البحر تابوت به طفل رضيع، فلا يخطر على باله أن أهله ألقوه في البحر ~~لينجو من فرعون، فكيف فاتته هذه المسألة وهو إله؟ لم يعرفها بألوهيته، ~~ولا عرفها حتى بذكائه وفطنته. وإذا كان الكهنة أخبروه بأن ذهاب ملكه ~~على يد وليد من هؤلاء الأولاد، وإذا كانت هذه النبوءة صحيحة فلا بد أن ~~الولد سينجو من القتل ويكبر، ويقضي على ملك فرعون، وما دام الأمر كذلك ~~فسوف يقتل فرعون الأولاد غير الذي سيكون ذهاب ملكه على يديه. وتشاء ~~إرادة الله أن يتربى موسى في قصر فرعون، وأن تأتي ms7282 إليه أمه السيدة ~~الفقيرة لتعيش معه عيشة الترف والثراء، ويصير موسى بقدرة الله قرة ~~عين للملكة، فانظر إلى هذا التغفيل، تغفيل عقل وطمس على بصيرة فرعون ~~الذي ادعى الألوهية. وبذلك نفهم قول الله تعالى: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه.. # [الأنفال: 24] فقلبه يغطي على بصيرته ويعميها. قوله تعالى لأم ~~موسى: { أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم.. ~~} [القصص: 7] فمن من النساء تقبل إن خافت على ولدها أن تلقيه في ~~اليم؟ من ترضى أن تنجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟ وقد جعل الحق ~~سبحانه عاطفة الأمومة تتلاشى أمام وارد الرحمن الذي أتاها، والذي لا يؤثر ~~فيه وارد الشيطان. ثم يهيىء الحق سبحانه كذلك امرأة فرعون ليتم هذا ~~التدبير الإلهي لموسى فتقول # قرة عين لي ولك.. # [القصص: 9]. فيرد عليها فرعون: بل لك أنت وحدك، وكأنه يستشعر ما سيحدث، ~~ولكن إرادة الله لا بد نافذة ولا بد أن يأخذ القدر مجراه لا يمنعه ~~شيء لأن الله تعالى إذا أراد شيئا فلا راد لإرادته. فمع ما علمه فرعون ~~من أمر الرؤيا أو النبوءة ربي الوليد في بيته، ولا يخلو الأمر أيضا من ~~سيطرة المرأة على الرجل في مثل هذا الموقف. لذلك النبي صلى الله عليه ~~وسلم حينما قرئت هذه الآية قال: # " والذي يحلف به، لو قال فرعون كما قالت امرأته - قرة عين لي ولك - ~~لهداه الله كما هداها " # إنما رد الخير الذي ساقه الله إليه لذلك أسلمت زوجته وماتت على ~~الإيمان. وهي التي قالت: # رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من ~~فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين # [التحريم: 11] أما هو فمات على كفره شر ميتة. وسبق أن تكلمنا في ~~وحي الله لأم موسى { وأوحينآ إلى أم موسى أن ~~أرضعيه.. } [القصص: 7] وقلنا: إن الوحي في عموم اللغة: إعلام بطريق ~~خفي دون أن تبحث عن الموحي، أو الموحى إليه، أو الموحى به. # أما الوحي الشرعي فإعلام من الله تعالى لرسوله بمنهج لخلقه. فالله ~~تعالى يوحي للملائكة: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني ms7283 معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا.. # [الأنفال: 12]. ويوحي إلى الرسل: # إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح ~~والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب.. # [النساء: 163]. ويوحي للمؤمنين الصادقين في خدمة رسول: # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي.. # [المائدة: 111]. يوحي إلى النحل، بل وإلى الجماد: # إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض ~~أثقالها * وقال الإنسان ما لها * يومئذ تحدث ~~أخبارها * بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 1-5]. وقد يكون الإعلام والوحي من الشيطان: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم.. # [الأنعام: 121]. ويكون من الضالين: # يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.. # [الأنعام: 112]. فالوحي إلى أم موسى كان وحيا من المرتبة الرابعة ~~بطريق النفث في الروع، أو الإلهام، أو برؤيا، أو بملك يكلمها، هذا ~~كله يصح. وهذا الوحي من الله، وموضوعه { أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم.. } [القصص: 7] وهذا أمر { ولا ~~تخافي ولا تحزني.. } [القصص: 7] نهى { إنا رآدوه ~~إليك وجاعلوه من المرسلين } [القصص: 7] وهذه بشارة في ~~خبرين. فهذه الآية إذن جمعت لأم موسى أمرين، ونهيين، وبشارتين في إيجاز ~~بليغ معجز. ومعنى { أرضعيه.. } [القصص: 7] يعني: مدة أمانك عليه { ~~فإذا خفت عليه.. } [القصص: 7] ولم يقل من أي شيء ليدل على ~~أي مخوف تخشاه على وليدها { فألقيه في اليم.. } [القصص: 7] ~~ويراعي الحق سبحانه مشاعر الأم وقلقها على ولدها، خاصة إذا ألقته في ~~البحر فيطمئنها { ولا تخافي.. } [القصص: 7] لأن الله سييسر له ~~تربية خيرا من تربيتك في ظل بيت الغنى والملك. { ولا تحزني.. ~~} [القصص: 7] أي: لفراقه لأن هذا الفراق سيعوضك، ويعوض الدنيا كلها ~~خيرا، حين يقضي على هذا الطاغية، ويأتي بمنهج الله الذي يحكم خلق الله ~~في الأرض. ثم اعلمي بعد هذا أن الله راده إليك، بل وجاعله من المرسلين، ~~إذن: أنا الذي أحفظه، ليس من أجلك فحسب، إنما أيضا لأن له مهمة عندي. ~~يقولون: ظلت أم موسى ترضعه في بيتها طالما كانت آمنة عليه من أعين ~~فرعون، إلى أن جاءها أحد العسس يفتش البيت فخافت على الولد فلفته في ~~خرقة ودسته في فجوة بجوارها، كانت ms7284 هذه الفجوة هي الفرن، ألقته فيه وهو ~~مسجور دون أن تشعر - يعني من شدة خوفها عليه - حتى إذا ما انصرف العسس ~~ذهبت إليه، فإذا به سالما لم يصبه سوء. وكأن الله تعالى يريد لها أن ~~تطمئن على حفظ الله له، وأن وعده الحق. وقد وردت مسألة وحي الله لأم ~~موسى في كتاب الله مرتين مما دعا السطحيين من المستشرقين إلى اتهام ~~القرآن بالتكرار الذي لا فائدة منه، وذكروا قوله تعالى: # إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت ~~عليك محبة مني ولتصنع على عيني # [طه: 3839]. لكن فرق بين الوحي الأول والوحي الآخر: الوحي الأول خاص ~~بالرضاعة في مدة الأمان، أما الآخر فبعد أن خافت عليه أوحى إليها لتقذفه ~~في اليم. وتأمل # أن اقذفيه.. # [طه: 39] والقذف إلقاء بقوة، لا أن تضعه بحنان ورفق لأن عناية الله ~~ستحفظه على أي حال # فليلقه اليم بالساحل.. # [طه: 39] وهذا أمر من الله تعالى لليم أن يخرج الوليد سالما إلى ~~الساحل لذلك لم يأت في هذا الوحي ذكر لعملية الرضاعة. فكأن الوحي الأول ~~جاء تمهيدا لما سيحدث لتستعد الأم نفسيا لهذا العمل، ثم جاء الوحي ~~الثاني للممارسة والتنفيذ، كما تحدث جارك، وتحذره من اللصوص وتنصحه ~~أن يحتاط لهذا الأمر، فإذا ما دخل الليل حدث فعلا ما حذرته منه ~~فرحت تنادي عليه ليسرع إليهم ويضربهم. لذلك يختلف أسلوب الكلام في ~~الوحي الأول، فيأتي رتيبا مطمئنا: { أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني ~~إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين } [القصص: ~~7] هكذا في نبرة هادئة لأن المقام مقام نصح وتمهيد، لا مقام أحداث ~~وتنفيذ. أما الوحي الثاني فيأتي في سرعة، وبنبرة حادة: # أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم ~~فليلقه اليم بالساحل # [طه: 39] فالعجلة في اللفظ تدل على أن المقام مقام مباشرة للحدث ~~فعلا. وفي الأولى قال { فألقيه.. } [القصص: 7]، أما في الثانية ~~فقال # فاقذفيه.. # [طه: 39] والأم لا تقذف وليدها، بل ms7285 تضعه بحنان وشفقة، لكن الوقت هنا ~~ضيق لا يتسع لممارسة الحنان والشفقة. والأمر لليم بأن يلقي التابوت ~~بالساحل له حكمة لأن العمق موضع للحيوانات البحرية المتوحشة التي يخاف ~~منها، أما بالقرب من الساحل فلا يوجد إلا صغار الأسماك التي لا خطورة ~~منها، وكذلك ليكون على مرأى العين، فيطمئن عليه أهله، ويراه من ينقذه ~~ليصل إلى البيت الذي قدر له أن يتربى فيه. وفعلا، وصل التابوت إلى ~~الساحل، وكان فرعون وزوجته آسية وابنته على الشاطىء، فلما أخرج لهم ~~التابوت وجدوا فيه الطفل الرضيع، وكان موسى عليه السلام أسمر اللون، ~~مجعد الشعر، كبير الأنف، يعني لم يكن - عليه السلام - جميلا تنجذب ~~إليه الأنظار ويفرح به من يراه. لذلك يمتن الله عليه بقوله: # وألقيت عليك محبة مني.. # [طه: 39] أي: ليس بذاتك أن يحبك من يراك إنما بمحبة الله، لذلك ساعة ~~رأته آسية أحبته وانشرح صدرها برؤيته، فتمسكت به رغم معارضة فرعون ~~لذلك. # كما أن ابنة فرعون، وكانت فتاة مبروصة أصابها البرص، ورأت في الرؤيا أن ~~شفاءها سيكون بشيء يخرج من البحر، فتأخذ من ريقه، وتدهن موضع البرص ~~فيشفى، فلما رأت موسى تذكرت رؤياها، فأخذت من ريقه ودهنت جلدها، ~~فشفيت في الحال فتشبثت به هي أيضا. فاجتمع لموسى محبة الزوجة، ومحبة ~~البنت، وهما بالذات أصحاب الكلمة المسموعة لدى فرعون، بحيث لا يرد لهما ~~طلبا. وفي انصياع فرعون لرغبة زوجته وابنته وضعفه أمامهما رغم ما يعلم ~~من أمر الطفل دليل على أن الزوجة والأولاد هما نقطة الضعف عند الرجل، ~~ووسيلة السيطرة على شهامته وحزمه، والضغط على مراداته. لذلك يطمئننا الحق ~~- تبارك وتعالى - على نفسه، فيقول سبحانه وتعالى # ما اتخذ صاحبة ولا ولدا # [الجن: 3]. ذلك لأن الصاحبة غالبا ما تستميل زوجها بوسيلة أو بأخرى، ~~أما الولد فيدعو الأب إلى الجبن والخضوع، والحق - تبارك وتعالى - لا ~~يوجد لديه مراكز قوى، تضغط عليه في أي شيء، فهو سبحانه منزه عن كل ~~نقص. وحكوا في دعابات أبي نواس أن أحدهم وسطه ليشفع له عند الخليفة ~~هارون الرشيد، فشفع له ms7286 أبو نواس، لكن الخليفة لم يجبه إلى طلبه، ~~وانتظر الرجل دون جدوى، ففكر في وساطة أخرى، واستشفع بآخر عند زبيدة زوجة ~~الرشيد، فلما كلمته أسرع إلى إجابة الرجل، وهنا غضب أبو نواس وعاتب ~~صاحبه الرشيد، لكنه لم يهتم به، فقال له اسمع إذن: # ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا # مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا # ولهذه العناية الإلهية بموسى عليه السلام نلحظ أنه لما قال له ربه # اذهب إلى فرعون إنه طغى # [طه: 24] خاف موسى من هذه المهمة، وكان اسم فرعون في هذا الوقت يلقي ~~الرعب في النفوس، حتى أن موسى وهارون قالا # ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ أو أن يطغى # [طه: 45]. لذلك طلب موسى من ربه ما يعينه على القيام بمهمته: # قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل ~~عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا ~~من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه ~~في أمري * كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا * ~~إنك كنت بنا بصيرا * قال قد أوتيت سؤلك يموسى ~~* ولقد مننا عليك مرة أخرى # [طه: 25-37]. أي: أوتيت كل مسئولك ومطلوبك. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~فالتقطه آل فرعون... }. ### || [28.8] # اللقط واللقطة: أن تجد شيئا بدون طلب له، ومنه اللقيط، وهو الطفل ~~الرضيع تجده في الطريق دون قصد منك، أو بحث. وكذلك كان الأمر مع ~~التابوت، فقد جاء آل فرعون وهم جلوس لم يسعوا إليه، ولم يطلبوه، فما ~~أن رأوه أخذوه، لكن ما علة التقاطه؟ الزوجة قالت # قرة عين لي ولك.. # [القصص: 9] وقالت في حيثية أخرى: # عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا.. # [القصص: 9] فلم يكن لهم بنون، فأرادوه أخا للبنت، وأرادته البنت صيدلية ~~علاج، لكن هل ظلت هذه العلة قائمة ووجدت فعلا؟ لا، إنما التقطوه لتقدير ~~آخر { ليكون لهم عدوا وحزنا.. } [القصص: 8] لا ليكون قرة ~~عين، فاللام هنا في { ليكون.. } [القصص: 8] لام العاقبة يعني: كان ~~يفكر لشيء، فجاءت العاقبة بشيء آخر. وفي هذا إشارة وبيان لغباء فرعون ~~والطمس على بصيرته وهو الإله!! فبعد أن حذره الكهنة، وبعد الرؤيا ms7287 ~~الي رآها وعلمه بخطورة هذا المولود على ملكه وعلى حياته يرضى أن ~~يربيه في بيته، وهذا دليل صدق قوله تعالى: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه.. # [الأنفال: 24]. ومعنى { وحزنا.. } [القصص: 8] يعني حزن مثل: عدم ~~وعدم، وسقم وسقم، وبخل وبخل، فالمعنى يأتي بالصيغتين. وقول ~~الحق سبحانه: { إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا ~~خاطئين } [القصص: 8]. هم خاطئون لأن تصرفاتهم لا تتناسب مع ما عرفوه ~~من أمر الوليد، فلم يقدروا المسائل، ولم يستنبطوا العواقب، وكان عليهم ~~أن يشكوا في أمر طفل جاء على هذه الحالة، فلا بد أن أهله قصدوا ~~نجاته من يد فرعون. ### || [28.9] # معنى { قرة عين.. } [القصص: 9] مادة قر تقول: قر بالمكان ~~يعني: أقام وثبت به، ومنه قرور يعني: ثبات، وتأتي قر بمعنى البرد ~~الشديد، ومنه قول الشاعر: # أوقد فإن الليل ليل قر # والريح يا غلام ريح صر # إن جلبت ضيفا فأنت حر # إذن: قرة العين إما بمعنى ثباتها وعدم حركتها، وثبات العين واستقرارها ~~إما يكون ثباتا حسيا، أو معنويا، والثبات المعنوي: أن تستقر العين ~~على منظر أو شيء بحيث تكتفي وتقنع به، ويغنيها عن التطلع لغيره. ومنه ~~قولهم: فلان ليس له تطلعات أخرى، يعني اكتفى بما عنده، ومنه ما قال تعالى ~~مخاطبا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم.. # [طه: 131]. لذلك يسمون الشيء الجميل الذي يجذب النظر، فلا ينظر إلى ~~غيره قيد النظر يقول الشاعر: # سمرت عيني في القمر # فنال مني من نظر # يا ليت لائمي عذر # فحسنه قيد النظر # أما الثبات الحسي فيعني: ثبات العين في ذاتها بحيث لا ترى، ومنه قول ~~المرأة للخليفة: أقر الله عينك، وأتم عليك نعمتك. توهم أنها تدعو له، ~~وهي في الحقيقة تدعو عليه تقصد: أقر الله عينك. يعني: سكنها وجمدها ~~بالعمى، وأتم عليك نعمتك. وتمام الشيء بداية نقصه على حد قول ~~الشاعر: # إذا تم شيء بدا نقصه # ترقب زوالا إذا قيل تم # أما القر بمعنى البرد، فمن المعلوم عن الحرارة أن من طبيعتها ~~الاستطراق والانتشار ms7288 في المكان، لكن حكمة الله خرقت هذه القاعدة في ~~حرارة جسم الإنسان، حيث جعل لكل عضو فيه حرارته الخاصة، فالجلد الخارجي ~~تقف حرارته الطبيعية عند 37، في حين أن الكبد مثلا لا يؤدي مهمته إلا ~~عند 40. أما العين فإذا زادت حرارتها عن 9 تنصهر، ويفقد الإنسان البصر، ~~والعجيب أنهما عضوان في جسم واحد، فهي آية من آيات الله في الخلق، لذلك ~~حين ندعو لشخص نقول له: أقر الله عينك يعني: جعلها باردة سالمة، ألا ~~ترى أن الإنسان إذا غضب تسخن عينه ويحمر وجهه؟ فالمعنى هنا { قرة ~~عين لي ولك } [القصص: 9] يعني يكون نعمة ومتعة لنا، نفرح به ~~ونقنع، فلا ننظر إلى غيره. وفي موضع آخر يشرح لنا الحق سبحانه قرة ~~العين: # قد يعلم الله المعوقين منكم والقآئلين ~~لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا ~~قليلا * أشحة عليكم فإذا جآء الخوف رأيتهم ~~ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه ~~من الموت.. # [الأحزاب: 18-19]. فهؤلاء تدور أعينهم هنا وهناك كما نقول نحن: فلان ~~عينه لايجة يعني: لا تهدأ، إما من خوف، أو من قلق، أو من اضطراب، وهذا ~~كله ينافي قرة العين. وقولها بعد ذلك { لا تقتلوه.. } [القصص: ~~9] تعني: أنهم فعلا هموا بقتله، ففي بالهم إذن أن هلاك فرعون على يدي ~~هذا الطفل، وهم على يقين من ذلك. { عسى أن ينفعنا أو ~~نتخذه ولدا وهم لا يشعرون } [القصص: 9] يعني: لا ~~يشعرون بنفعه لهم أو عدم نفعه، وهل سيكون لهم ولدا أم عدوا؟ ثم يقول ~~الحق سبحانه: { وأصبح فؤاد أم موسى... }. ### || [28.10] # الفؤاد: هو القلب، لكن لا يسمى القلب فؤادا إلا إذا كانت فيه قضايا ~~تحكم حركتك، فالمعنى: أصبح فؤاد أم موسى { فارغا.. } [القصص: 10] أي: ~~لا شيء فيه مما يضبط السلوك، فحين ذهبت لترمي بالطفل وتذكرت فراقه وما ~~سيتعرض له من أخطار كادت مشاعر الأمومة عندها أن تكشف سرها، وكادت أن ~~تسرقها هذه العاطفة. { إن كادت لتبدي به.. } [القصص: 10] يعني: ~~تكشف أمره { لولا أن ربطنا على قلبها } [القصص: 10]. ~~وسبق أن قلنا: إن الإنسان يدرك ms7289 الأشياء بآلات الإدراك عنده، ثم يتحول ~~هذا الإدراك إلى وجدان وعاطفة، ثم إلى نزوع وعمل، ومثلنا لذلك بالوردة ~~التي تراها بعينيك، ثم تعجب بها، ثم تنزع إلى قطفها، وعند النزوع تواجهك ~~قضايا في الفؤاد تقول لك: لا يحق لك ذلك، فربما رفض صاحب البستان أو ~~قاضاك، فالوردة ليست ملكا لك. وكذلك أم موسى، كان فؤادها فارغا من ~~القضية التي تطمئنها على وليدها، بحيث لا تفشي عواطفها هذا السر. ومعنى ~~{ ربطنا على قلبها.. } [القصص: 10] أي: ثبتناها ليكون ~~الأمر عندها عقيدة راسخة لا تطفو على سطح العاطفة، ومن ذلك قوله تعالى عن ~~أهل الكهف: # وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا ~~رب السماوات والأرض # [الكهف: 14]. إذن: الربط على القلب معناه الاحتفاظ بالقضايا التي تتدخل ~~في النزوع، فإن كان لا يصح أن تفعل فلا تفعل، وإن كان يصح أن تفعل ~~فافعل، فهذه القضايا الراسخة هي التي تضبط التصرفات، وكان فؤاد أم موسى ~~فارغا منها. لذلك نقول لمن يتكلم بالكلام الفارغ الذي لا معنى له: ~~دعك من هذا الكلام الفارغ - أي: الذي لا معنى له ولا فائدة منه، ومن ~~ذلك قولهم: فلان عقله فارغ يعني: من القضايا النافعة. وإلا فليس هناك شيء ~~فارغ تماما، لا بد أن يكون فيه شيء، حتى لو كان الهواء. ومنه قوله ~~تعالى: # وأفئدتهم هوآء.. # [إبراهيم: 43] ويقولون في العامية: فلان معندوش ولا الهوا ذلك لأن ~~الهواء آخر ما يمكن أن يفرغ منه الشيء. ومعنى: { إن كادت لتبدي ~~به.. } [القصص: 10] يعني: قاربت من فراغ فؤادها أن تقول إنه ولدي { ~~لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ~~} [القصص: 10] لإن الإيمان هو الذي يجلب لك النفع، ويمنعك من الضار، وإن ~~كان فيه شهوة عاجلة لك، فمنعها إيمانها من شهوة الأمومة في هذا الموقف، ~~ومن ممارسة العطف والحنان الطبيعيين في الأم لأن هذه شهوة عاجلة يتبعها ~~ضرر كبير، فإن أحسوا أنه ولدها قتلوه. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وقالت لأخته قصيه... }. ### || [28.11] # قصيه: يعني: تتبعي أثره، وراقبي سيره إلى إين ذهب؟ وماذا فعل به؟ ms7290 ~~وحين سمعت الأخت هذا الأمر سارعت إلى التنفيذ لذلك استخدم الفاء الدالة ~~على التعقيب وسرعة الاستجابة { فبصرت به } [القصص: 11] ولم يقل: ~~فقصته لأن البصر وإن كان بمعنى الرؤية إلا أنه يدل على العناية ~~والاهتمام بالمرئي. ومعنى: { عن جنب.. } [القصص: 11] من ناحية بحيث ~~لا يراها أحد، ولا يشعر بتتبعها له، واهتمامها به. ومن ذلك ما حكاه ~~القرآن من قول السامري: # بصرت بما لم يبصروا به.. # [طه: 96] أي: رأى من حيث لا يطلع أحد عليه. ونلحظ هنا أن أخت موسى ~~أخذت الأمر من أمها { قصيه.. } [القصص: 11] فقط ولم تلفت نظرها إلى ~~هذا الاحتياط { عن جنب.. } [القصص: 11] مما يدل على ذكاء الفتاة ~~وقيامها بمهمتها على أكمل وجه، وإن لم تكلف بذلك، وهذا من حكمة ~~المرسل الحريص على أداء رسالته على وجهها الصحيح. ما أجمل ما قاله ~~الشاعر في هذا المعنى: # إذا كنت في حاجة مرسلا # فأرسل حكيما ولا توصه # وقوله تعالى: { عن جنب.. } [القصص: 11] يظن البعض أن جنب يعني قريب ~~مني، وهذا غير صحيح لأن معنى الجنب ألا تكون في مواجهتي، لذلك يقول ~~تعالى: # والجار ذي القربى والجار الجنب.. # [النساء: 36] إذن: الجار الجنب مقابل الجار القريب، فمعناه الجار ~~البعيد. فكأن الفتاة حين ذهبت لتتبع سير التابوت أخذت مكانا بعيدا ~~منه، حتى لا يفطن أحد إلى متابعتها له. ومن ذلك قولنا: فلان تجنبني، أو ~~فلان واخد جنب مني أي: يبتعد عني، إذن: البعض يفهم هذه الكلمة على عكس ~~مدلولها. ألا ترى لقول إبراهيم عليه السلام: # واجنبني وبني أن نعبد الأصنام.. # [إبراهيم: 35] وقوله تعالى: # واجتنبوا قول الزور # [الحج: 3] فالاجتناب يعني: الابتعاد. وفي تحريم الخمر قال تعالى: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه.. # [المائدة: 90] فطلع علينا من يقول: هذا ليس نصا في التحريم، لأنه لم ~~يقل حرمت عليكم، فهي مجرد موعظة ونصيحة. ونقول: لو فهمت معنى # فاجتنبوه.. # [المائدة: 90] لعلمت أنها أقوى في التحريم من حرمت عليكم لأن معنى ~~حرمت عليكم الخمر يعني: لا تشربوها، أما # فاجتنبوه.. # [المائدة: 90] يعني: ابتعدوا عنها كلية شربا ms7291 أو بيعا، أو شراء، ~~أو نقلا، أو حتى الجلوس في مجالسها. ثم تتحدث الآيات بعد ذلك عن تمهيدات ~~الأقدار للأقدار، فتقول: { وحرمنا عليه المراضع... }. ### || [28.12] # التحريم هنا لا يعني التحريم بالنسبة للمكلف: هذا حلال وهذا حرام، ~~إنما { وحرمنا عليه المراضع.. } [القصص: 12] يعني: منعناه ~~أن يرضع من المرضعات اللائي يأتون بهن لتتقلب عليه المراضع واحدة بعد ~~الأخرى، إلى أن تأتيه أمه. و { المراضع.. } [القصص: 12] جمع مرضع، ~~ونقول أيضا: مرضعة، ولكل من اللفظين مدلول، على خلاف ما يظنه البعض ~~أنهما بمعنى واحد. واقرأ أول سورة الحج: # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت.. # [الحج: 2]. المرضع: التي من شأنها أن ترضع، وصالحة لهذه العملية، لكن ~~المرضعة التي ترضع الآن فعلا، وعلى حجرها طفل يلتقم ثديها، وفي موقف ~~القيامة ستذهل هذه عن طفلها من هول ما ترى، إذن: فالتي تذهل هي المرضعة ~~لا المرضع. والضمير في { فقالت هل أدلكم.. } [القصص: 12] ~~يعود على أخت موسى لأنها ما زالت في مهمة تتبع الولد، وقد سمعها هامان ~~تقول { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ~~وهم له ناصحون } [القصص: 12] فقال لها: لا بد أنك من أهل هذا ~~الولد؟ وتعرفين قصته، فقالت: بل ناصحون للملك مخلصون له. وفعلا ~~وافقوها على ما نصحت به لأنهم معذورون، فالولد يأبى الرضاعة من ~~الأخريات. ثم يقول الحق سبحانه: { فرددناه إلى أمه... }. ### || [28.13] # وسبق أن وعدها الله: # إنا رآدوه إليك.. # [القصص: 7] وها هو أوان تحقيق الوعد الأول، وهو بشرى بتحقق الوعد ~~الثاني # وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7] لكن هذا في مستقبل الأيام، وسوف يتحقق أيضا. وقوله سبحانه: ~~{ فرددناه إلى أمه.. } [القصص: 13] يدل على أن الأسباب في ~~يد المسبب سبحانه، فنحن الذين رددناه، لا أخته ولا فرعون لأننا نسير ~~الأمور على وفق مرادنا، ونمهد لها الطريق حتى أننا نحول بين المرء ~~وقلبه، لينفذ قضاؤنا فيه. وقوله تعالى: { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } [القصص: 13] يعني: لا يعلمون أن وعد الله حق. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ولما بلغ أشده... }. ### || [28.14] # الأشد: يعني القوة واكتمال النمو، وقد حددوا لذلك ms7292 سن الثامنة عشرة ~~إلى العشرين { واستوى.. } [القصص: 14] الاستواء هو بلوغ العقل ~~مرحلة النضج الفكري، فلما اكتملت لموسى - عليه السلام - قوة الجسم ~~ونضج العقل { آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي ~~المحسنين } [القصص: 14]. ثم يقص الحق سبحانه، فيقول: { ودخل ~~المدينة على حين غفلة... }. ### || [28.15] # أراد موسى - عليه السلام - أن يدخل القرية على حين غفلة من أهلها، لأن ~~بني إسرائيل كانوا مضطهدين، وكان القبط في بعض المدن ذات الكثافة ~~العددية منهم يحرمون على بني إسرائيل دخول قراهم لذلك اختار موسى وقت ~~غفلة الناس، لكنه لم يدخل في الليل لأنه لا يهتدي إلى الطريق، فقيل: ~~دخلها وقت القيلولة والناس في بيوتهم. { فوجد فيها رجلين ~~يقتتلان هذا من شيعته.. } [القصص: 15] يعني: من بني ~~إسرائيل { وهذا من عدوه.. } [القصص: 15] يعني: الأقباط { ~~فاستغاثه.. } [القصص: 15] أي: طلب منه العون والنجدة { ~~فوكزه موسى.. } [القصص: 15] يعني: ضربه بجمع يديه، فجاءت نهاية ~~القبطي وأجله مع هذه الضربة، لا أنه مات بها، وكثيرا ما تحدث هذه ~~المسألة في شجار مثلا بين شخصين، فيضرب أحدهما الآخر فيقع ميتا، ~~وبتشريح جثته يتبين أنه مات بسبب آخر. ومثال ذلك: حين تكلف شخصا بقضاء ~~حاجة لك، أو توسطه في أمر ما، فيدخل عند المسئولين ويسعى إلى أن يقضي ~~لك حاجتك فتقول: " فلان قضالي كذا وكذا " وهو في الحقيقة ما قضى في الأرض ~~إلا بعد أن قضى الله في السماء. لكن الله تعالى أراد أن يكرم الواسطة، ~~فجعل قضاءها موافقا لقضائه سبحانه، فنقول في هذه الحالة: قضي الله ~~المصلحة معه لا به. كان القبط - كما قلنا - يكرهون بني إسرائيل ~~ويعذبونهم، فلما قتل موسى القبطي زاد غضبهم وكراهيتهم لبني إسرائيل ~~لذلك أحس موسى أن هذا العمل من الشيطان، ليزيد هذه العداوة { إنه ~~عدو مضل مبين } [القصص: 15]. ### || [28.16] # يعلمنا موسى - عليه السلام - أن الإنسان ساعة يقترف الذنب، ويعتقد أنه ~~أذنب لا يكابر، إنما ينبغي عليه أن يعترف بذنبه وظلمه لنفسه، ثم يبادر ~~بالتوبة والاستغفار { قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر ~~لي.. } [القصص: 16] يعني: يا رب حكمك هو الحق، وأنا الظالم ms7293 المعترف ~~بظلمه. ومن هنا كان الفرق بين معصية آدم عليه السلام ومعصية إبليس: آدم ~~عصى واعترف بذنبه وأقر به، فقال # ربنا ظلمنآ أنفسنا.. # [الأعراف: 23] فقبل الله منه وغفر له. أما إبليس فعلل عدم سجوده: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61] وقال: # أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # [ص: 76] فرد الحكم على الله. لذلك نقول لمن يفتي بغير ما شرع الله ~~فيحلل الحرام لسبب ما، نقول له: احذر أن ترد على الله حكمه لأنك ~~إن فعلت فأنت كإبليس حين رد على الله حكمه، لكن أفت بالحكم ~~الصحيح، ثم تعلل بأن الظروف لا تساعد على تطبيقه، فعلى الأقل تحتفظ ~~بإيمانك، والمعصية تمحوها التوبة والاستغفار، أما الكفر فلا حيلة معه. ~~فلما استغفر موسى ربه غفر له { إنه هو الغفور الرحيم } ~~[القصص: 16] يعرف الذنب، ثم يغفره رحمة بنا لأن الإنسان حين تصيبه غفلة ~~فيقع في المعصية إذا لم يجد بابا للتوبة وللرجوع يئس وفقد الأمل، وتمادى ~~في معصيته ونسميه فاقد عنده سعار للجريمة، ولا مانع لديه من ارتكاب كل ~~الذنوب. إذن: فمشروعية التوبة والاستغفار تعطي المؤمن أملا في أنه لن ~~يطرد من رحمة الله، لأن رحمة الله واسعة تسع كل ذنوبه مهما كثرت. ~~لذلك يقول تعالى في مشروعية التوبة # ثم تاب عليهم ليتوبوا.. # [التوبة: 118] والمعنى: شرع لهم التوبة، وحثهم عليها ليتوبوا بالفعل ~~فيقبل منهم. ثم يقول الحق سبحانه: { قال رب بمآ أنعمت... }. ### || [28.17] # قوله: { بمآ أنعمت علي.. } [القصص: 17] يعني: بالمغفرة ~~وعذرتني وتبت علي { فلن أكون ظهيرا للمجرمين } ~~[القصص: 17] أي: عهد الله علي ألا أكون معينا للمجرمين. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { فأصبح في المدينة... }. ### || [28.18] # أي: بعد أن قتل موسى القبطي صار خائفا منهم { يترقب.. } ~~[القصص: 18]. ينظر في وجوه الناس، يرقب انفعالاتهم نحوه، فربما جاءوا ~~ليأخذوه، كما يقولون: يكاد المريب أن يقول: خذوني، فلو جلس قوم في مكان، ~~ثم فاجأهم رجال الشرطة تراهم مطمئنين لا يخافون من شيء، أما المجرم فيفر ~~هاربا. ومن ذلك ما يقوله أهل الريف: اللي على راسه بطحة يحسس ms7294 عليها. وهو ~~على هذه الحال من الخوف والترقب إذ بالإسرائيلي الذي استغاث به بالأمس ~~{ يستصرخه.. } [القصص: 18] استصرخ يعني: صرخ، ونادى على من ~~يخلصه، وهو انفعال للاستنجاد للخلاص من مأزق، ومن ذلك قوله تعالى حكاية ~~عن إبليس # مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22]. وسبق أن تكلمنا في همزة الإزالة نقول: صرخ فلان يعني ~~استنجد بأحد فأصرخه يعني: أزال سبب صراخه، فمعنى الآية: أنا لا أزيل ~~صراخكم، ولا أنتم تزيلون صراخي. عندها قال موسى عليه السلام لصاحبه الذي ~~أوقعه في هذه الورطة بالأمس { إنك لغوي مبين } [القصص: 18] ~~تريد أن تغويني بأن أفعل كما فعلت بالأمس، وما كان موسى - عليه ~~السلام - ليقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه، فلا يلدغ المؤمن من جحر ~~مرتين. ### || [28.19] # قوله تعالى: { فلمآ أن أراد أن يبطش بالذي هو ~~عدو لهما.. } [القصص: 19] يعني: أن موسى حن مرة أخرى للذي من ~~شيعته وهو الإسرائيلي وناصره، ولكن الرجل القبطي هذه المرة واجهه { ~~أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس.. } ~~[القصص: 19] فهو يعرف ما حدث من موسى، وما داموا قد عرفوا أنه القاتل، ~~فلا بد لهم أن يطلبوه، وأن ينتقموا منه. وقوله تعالى: { إن تريد ~~إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون ~~من المصلحين } [القصص: 19] إن هنا نافية يعني: ما تريد إلا أن ~~تكون جبارا في الأرض، فقد قتلت نفسا بالأمس، وتريد أن تقتلني اليوم. ~~إذن: عرفوا أن موسى هو القاتل، وهناك ولا بد من يسعى للإمساك به، ~~وفي هذا الموقف لحقه الرجل المؤمن: { وجآء رجل من أقصى ~~المدينة... }. ### || [28.20] # هو الرجل المؤمن من آل فرعون، جاء لينصح موسى بالخروج والهرب قبل أن ~~يمسكوا به فيقتلوه. ### || [28.21] # لأنهم يضطهدوننا ويعذبوننا من غير ما جريرة، فما بالك بعد أن وجدوا ~~فرصة وذريعة ليزدادوا ظلما لنا؟ ثم يقول الحق سبحانه: { ولما ~~توجه تلقآء مدين... }. ### || [28.22] # معنى { توجه تلقآء مدين.. } [القصص: 22] يعني: ناحيتها، ~~وأراد أن يهرب من مصر كلها، ولم يكن يقصد مدين بالذات، إنما سار في ~~طريق صادف أن ms7295 يؤدي إلى مدين بلد شعيب عليه السلام. ولو كانت مدين ~~مقصودة له لما قال بعد توجهه: { عسى ربي أن يهديني سوآء ~~السبيل } [القصص: 22] فموسى حينما خرج من مصر خائفا يريد الهرب لم ~~يفكر في وجهة معينة، فالذي يهمه أن يخرج من هذه البلدة، وينجو بنفسه. ### || [28.23] # عرض القرآن الكريم هذه القصة في إيجاز بليغ، ومع إيجازها فقد أوضحت ~~مهمة المرأة في مجتمعها، ودور الرجل بالنسبة للمرأة، والضرورة التي ~~تلجىء المرأة للخروج للعمل. معنى { ورد مآء مدين.. } [القصص: ~~23] يعني: جاء عند الماء، ولا يقتضي الورود أن يكون شرب منه. والورود ~~بهذا المعنى حل لنا الإشكال في قوله تعالى: # وإن منكم إلا واردها.. # [مريم: 71] فليس المعنى دخول النار، ومباشرة حرها، إنما ذاهبون ~~إليها، ونراها جميعنا - إذن: وردنا العين. يعني: جئنا عندها ورأيناها، ~~لكن الشرب منها، شيء آخر. { وجد عليه.. } [القصص: 23] أي: على ~~الماء { أمة.. } [القصص: 23] جماعة { يسقون.. } [القصص: 23] أي: ~~مواشيهم { ووجد من دونهم.. } [القصص: 23] يعني: بعيدا عن الماء ~~{ امرأتين تذودان.. } [القصص: 23] أي: تكفان الغنم وتمنعانها ~~من الشرب لكثرة الزحام على الماء { قال ما خطبكما.. } [القصص: ~~23] أي: ما شأنكما؟ وفي الاستفهام هنا معنى التعجب يعني: لماذا تمنعان ~~الغنم أن تشرب، وما أتيتما إلا للسقيا؟ { قالتا لا نسقي ~~حتى يصدر الرعآء وأبونا شيخ كبير } [القصص: 23]. ~~وقولهما { حتى يصدر الرعآء.. } [القصص: 23] يعني: ينصرفوا عن ~~الماء، فصدر مقابل ورد، فالآتي للماء: وارد، والمنصرف عنه: صادر: نقول: ~~صدر يصدر أي: بذاته، وأصدر يصدر أي: غيره. فالمعنى: لا نسقي حتى ~~يسقي الناس وينصرفوا. و { الرعآء.. } [القصص: 23] جمع راع. ثم ~~يذكران العلة في خروجهما لسقي الغنم ومباشرة عمل الرجال { وأبونا ~~شيخ كبير } [القصص: 23]. ثم يقول الحق سبحانه: { فسقى لهما ~~ثم تولى... }. ### || [28.24] # معنا - إذن - في هذه القصة أحكام ثلاثة # لا نسقي حتى يصدر الرعآء.. # [القصص: 23] أعطت حكما و # وأبونا شيخ كبير # [القصص: 23] أعطت حكما و { فسقى لهما.. } [القصص: 24] أعطت ~~حكما ثالثا. وهذه الأحكام الثلاثة تنظم للمجتمع المسلم مسألة عمل ~~المرأة، وما يجب علينا حينما تضطر المرأة للعمل، فمن الحكم ms7296 الأول نعلم ~~أن سقي الأنعام من عمل الرجال، ومن الحكم الثاني نعلم أن المرأة لا ~~تخرج للعمل إلا للضرورة، ولا تؤدي مهمة الرجال إلا إذا عجز الرجل عن أداء ~~هذه المهمة # وأبونا شيخ كبير # [القصص: 23]. أما الحكم الثالث فيعلم المجتمع المسلم أو حتى الإنساني ~~إذا رأى المراة قد خرجت للعمل فلابد أنه ليس لها رجل يقوم بهذه المهمة، ~~فعليه أن يساعدها وأن ييسر لها مهمتها. وأذكر أنني حينما سافرت إلى ~~السعودية سنة 1950 ركبت مع أحد الزملاء سيارته، وفي الطريق رأيته نزل من ~~سيارته، وذهب إلى أحد المنازل، وكان أمامه طاولة من الخشب مغطاة بقطعة ~~من القماش، فأخذها ووضعها في السيارة، ثم سرنا فسألته عما يفعل، فقال: ~~من عاداتنا إذا رأيت مثل هذه الطاولة على باب البيت، فهي تعني أن صاحب ~~البيت غير موجود، وأن ربة البيت قد أعدت العجين، وتريد من يخبزه ~~فإذا مر أحدنا أخذه فخبزه، ثم أعاد الطاولة إلى مكانها. وفي قوله ~~تعالى: # لا نسقي حتى يصدر الرعآء.. # [القصص: 23] إشارة إلى أن المرأة إذا اضطرت للخروج للعمل، وتوفرت لها ~~هذه الضرورة عليها أن تأخذ الضرورة بقدرها، فلا تختلط بالرجال، وأن ~~تعزل نفسها عن مزاحمتهم والاحتكاك بهم، وليس معنى أن الضرورة أخرجت ~~المرأة لتقوم بعمل الرجال أنها أصبحت مثلهم، فتبيح لنفسها الاختلاط بهم. ~~وقوله تعالى: { ثم تولى إلى الظل فقال رب إني ~~لمآ أنزلت إلي من خير فقير } [القصص: 24] فكان موسى - ~~عليه السلام - طوال رحلته إلى مدين مسافرا بلا زاد حتى أجهده الجوع، ~~وأصابه الهزال حتى صار جلدا على عظم، وأكل من بقل الأرض، وبعد أن سقى ~~للمرأتين تولى إلى ظل شجرة ليستريح، وعندها لهج بهذا الدعاء { ~~رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير } [القصص: ~~24]. كأن الحق - سبحانه وتعالى - يريد من الضعيف أن يتجه إلى المعونة، ~~وحين يتجه إليها فلن يفعل هو، إنما سيفعل الله له لذلك نلحظ أن موسى في ~~ندائه قال { رب.. } [القصص: 24] واختار صفة الربوبية، ولم يقل يا ~~الله لأن الألوهية تقتضي معبودا، له ms7297 أوامر ونواه، أما الرب فهو ~~المتولي للتربية والرعاية، فقال: يا رب أنا عبدك، وقد جئت بي إلى هذا ~~الكون، وأنا جائع أريد أن آكل. # ومعنى { أنزلت.. } [القصص: 24] أن الخير منك في الحقيقة، وإن جاءني ~~على يد عبد مثلي ذلك لأنك حين تسلسل أي خير في الدنيا لا بد أن ~~ينتهي إلى الله المنعم الأول، وضربنا لذلك مثلا برغيف العيش الذي ~~تأكله، بدايته نبتة لولا عناية الله ما نبتت. لذلك يقولون في الحمد لله ~~صيغة العموم في العموم، حتى إن حمدت إنسانا على جميل أسداه إليك، فأنت ~~في الحقيقة تحمد الله حيث ينتهي إليه كل جميل. إذن: فحمد الناس من ~~باطن حمد الله، والحمد بكل صوره وبكل توجهاته، حتى ولو كانت الأسباب ~~عائدة على الله تعالى، حتى يقول بعضهم: لا تحمد الله حتى تحمد الناس. ذلك ~~لأن أزمة الأمور بيده تعالى، وإن جعل الأسباب في أيدينا، وهو سبحانه ~~القادر وحده على تعطيل الأسباب، وأذكر أن بعض الدول باكستان أعلنت عن ~~وفرة عندهم في محصول القمح، وأنها ستكفيهم وتفيض عنهم للتصدير، وقبل أن ~~ينضج المحصول أصابته جائحة فأهلكته، فاختلفت كل حساباتهم، حتى استوردوا ~~القمح في هذا العام. هذا معنى { رب إني لمآ أنزلت إلي ~~من خير فقير } [القصص: 24] فالخير منك يا رب، وإن سقته إلي ~~على يد عبد من عبيدك، وفقري لا يكون إلا إليك، وسؤالي لا يكون إلا لك. ~~ولم يكد موسى - عليه السلام - ينتهي من مناجاته لربه حتى جاءه الفرج: { ~~فجآءته إحداهما تمشي... }. ### || [28.25] # قوله: { إحداهما.. } [القصص: 25] أي: إحدى المرأتين { تمشي ~~على استحيآء.. } [القصص: 25] يعني: مستحية في مجيئها، مستحية في ~~مشيتها { قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما ~~سقيت لنا.. } [القصص: 25]. لما جاءته هذه الدعوة لم يتردد في ~~قبولها، وانتهز هذه الفرصة، فهو يعلم أنها استجابة سريعة من ربه حين دعاه # رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير # [القصص: 24] وهي سبب من الأسباب يمده الله له، وما كان له أن يرد ~~أسباب الله، فلم يتأب، ولم يرفض دعوة الأب. ms7298 ولم يذكر لنا السياق هنا ~~كيف سار موسى والفتاة إلى أبيها، لكن يروى أنهما سارا في وقت تهب ~~فيه الرياح من خلفها، وكانت الفتاة في الأمام لتدله على الطريق، فلما ~~ضم الهواء ملابسها، فوصفت عجيزتها، قال لها: يا هذه، سيري خلفي ~~ودليني على الطريق. وهذا أدب آخر من آدام النبوة. { فلما ~~جآءه.. } [القصص: 25] أي: سيدنا شعيب عليه السلام { وقص عليه ~~القصص.. } [القصص: 25] أي: ما كان بينه وبين القبطي { قال لا ~~تخف نجوت من القوم الظالمين } [القصص: 25] يعني: طمأنه ~~وهدأ من روعه. ### || [28.26] # وهذا حكم رابع نستفيده من هذه الآيات، نأخذه من قول الفتاة { يأبت ~~استأجره.. } [القصص: 26]. وفي قولها دليل على أنها لم تعشق الخروج ~~للعمل، إنما تطلب من يقوم به بدلا عنها لتقر في بيتها. ثم تذكر ~~البنت حيثيات هذا العرض الذي عرضته على أبيها { إن خير من ~~استأجرت القوي الأمين } [القصص: 26] وهذان شرطان لا بد ~~منهما في الأجير: قوة على العمل، وأمانة في الأداء. وقد تسأل: ومن أين ~~عرفت البنت أنه قوي أمين؟ قالوا: لأنه لما ذهب ليسقي لهما لم يزاحم ~~الناس، وإنما مال إلى ناحية أخرى وجد بها عشبا عرف أنه لا ينبت إلا ~~عند ماء، وفي هذا المكان أزاح حجرا كبيرا لا يقدر على إزاحته إلا عدة ~~رجال، ثم سقى لهما من تحت هذا الحجر، وعرفت أنه أمين حينما رفض أن تسير ~~أمامه، حتى لا تظهر له مفاتن جسمها. ويأتي دور الأب، وما ينبغي له من ~~الحزم في مثل هذه المواقف، فالرجل سيكون أجيرا عنده، وفي بيته بنتان، ~~سيتردد عليهما ذهابا وإيابا، ليل نهار، والحكمة تقتضي إيجاد علاقة ~~شرعية لوجوده في بيته لذلك رأى أن يزوجه إحداهما ليخلق وضعا، ~~يستريح فيه الجميع: { قال إني أريد... }. ### || [28.27] # في الأمثال نقول: اخطب لبنتك ولا تخطب لابنك ذلك لأن كبرياء الأب يمنعه ~~أن يعرض ابنته على شاب فيه كل صفات الزوج الصالح - وإن كان القلة ~~يفعلون ذلك - وهذه الحكمة من الأب في أمر زواج ابنته تحل لنا إشكالات ~~كثيرة، فكثيرا ms7299 ما نجد الشاب سوي الدين، سوي الأخلاق، لكن مركزه ~~الاجتماعي - كما نقول - دون مستوى البنت وأهلها، فيتهيب أن يتقدم لها ~~فيرفض. وفي هذه الحالة على الأب أن يجرىء الشاب على التقدم، وأن ~~يلمح له بالقبول إن تقدم لابنته، كأن يقول له: لماذا لم تتزوج يا ولد ~~حتى الآن، وألف بنت تتمناك؟ أو غير ذلك من عبارات التشجيع. أما أن نرتقي ~~إلى مستوى التصريح كسيدنا شعيب { إني أريد أن أنكحك إحدى ~~ابنتي هاتين.. } [القصص: 27] فهذا شيء آخر، وأدب عال من ~~العارض، ومن المعروض عليه، وفي مجتمعاتنا كثير من الشباب والفتيات ~~ينتظرون هذه الجرأة وهذا التشجيع من أولياء أمور البنات. ألا ترى أن ~~الله تعالى أباح لنا أن نعرض بالزواج لمن توفي عنها زوجها، قال ~~تعالى: # ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة ~~النسآء.. # [البقرة: 235] ولا تخفى علينا عبارات التلميح التي تلفت نظر المرأة ~~للزواج. وقوله: { على أن تأجرني ثماني حجج.. } [القصص: ~~27] أي: تكون أجيرا عندي ثماني سنوات، وهذا مهر الفتاة، أراد به أن ~~يغلي من قيمة ابنته، حتى لا يقول زوجها: إنها رخيصة، أو أن أباها رماها ~~عليه. { فإن أتممت عشرا فمن عندك ومآ أريد أن ~~أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين } ~~[القصص: 27] يعني: حينما تعايشني ستجدني طيب المعاملة، وستعلم أنك ~~موفق في هذا النسب، بل وستزيد هذه المدة محبة في البقاء معنا. فأجاب ~~موسى عليه السلام: { قال ذلك بيني وبينك... }. ### || [28.28] # أي: أنا بالخيار، أقضي ثمانية، أم عشرة { فلا عدوان علي ~~والله على ما نقول وكيل } [القصص: 28]. وقد أخذ العلماء ~~حكما جديدا من هذه الآية، وهو أن المطلوب عند عقد الزواج تسمية ~~المهر، ولا يشترط قبضه عند العقد، فلك أن تؤجله كله وتجعله مؤخرا، ~~أو تؤجل بعضه، وتدفع بعضه. والمهر ثمن بضع المرأة، بحيث إذا ماتت ذهب ~~إلى تركتها، وإذا مات الزوج يؤخذ من تركته، بدليل أن شعيبا عليه ~~السلام استأجر موسى ثماني أو عشر سنين، وجعلها مهرا لابنته. ونلحظ أن ~~السياق هنا لم يذكر شيئا عن ms7300 الطعام، مع أن موسى عليه السلام كان جائعا ~~ودعا ربه: # رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير # [القصص: 24]. لكن يروي أهل السير أن شعيبا عليه السلام قدم لموسى ~~طعاما، وطلب منه أن يأكل، فقال: أستغفر الله، يعني: أن آكل من طعام. ~~كأنه مقابل ما سقى للبنتين الغنم لذلك قال: إنا أهل بيت لا نبيع عمل ~~الآخرة بملء الأرض ذهبا، فقال شعيب: كل، فإنا أهل بيت نطعم الطعام ~~ونقري الضيف، قال: الآن نأكل. ثم يقول الحق سبحانه: { فلما قضى ~~موسى الأجل... }. ### || [28.29] # قوله تعالى: { فلما قضى موسى الأجل.. } [القصص: 29] أي: ~~الذي اتفق عليه مع شعيب عليه السلام { وسار بأهله.. } [القصص: ~~29] قلنا: إن الأهل تطلق على الزوجة، وفي لغتنا العامية نقول: معي أهلي ~~أو الجماعة ونقصد الزوجة ذلك لأن الزوجة تقضي لزوجها من المصالح ما لا ~~يقدر عليه إلا جماعة، بل وتزيد على الجماعة بشيء خاص لا يؤديه عنها ~~غيرها، وهو مسألة المعاشرة لذلك حلت محل جماعة. ومعنى { آنس.. } ~~[القصص: 29] يعني: أبصر ورأى أو أحس بشيء من الأنس، { الطور.. } ~~[القصص: 29] اسم الجبل { قال لأهله امكثوا.. } [القصص: 29] ~~انتظروا { إني آنست نارا.. } [القصص: 29] يخبرها بوجود النار، ~~وهذا يعني أنها لم ترها كما رآها هو. وهذا دليل على أنها ليست نارا ~~مادية يوقدها بشر، وإلا لاستوى أهله معه في رؤيتها، فهذا - إذن - أمر ~~خاص به { لعلي آتيكم منها بخبر.. } [القصص: 29] يعني: ~~رجاء أن أجد من يخبرنا عن الطريق، ويهدينا إلى أين نتوجه { أو ~~جذوة من النار لعلكم تصطلون } [القصص: 29]. الجذوة: ~~قطعة من نار متوهجة ليس لها لهب، ومعنى تصطلون أي: تستدفئون بها، وفي ~~موضع آخر قال: # بشهاب قبس.. # [النمل: 7] يعني: شعلة لها لسان ولهب، فمأربهم - إذن - على هذه الحال ~~أمران: من يخبرهم بالطريق حيث تاهت بهم الخطى في مكان لا يعرفونه، ~~ثم جذوة نار يستدفئون بها من البرد. وفي موضع آخر لهذه القصة لم يذكر ~~قوله تعالى: { امكثوا.. } [القصص: 29] وهذا من المآخذ التي يأخذها ~~السطحيون على أسلوب القرآن، لكن بتأمل الموقف نرى أنه أخذ ms7301 صورة المحاورة ~~بين موسى وأهله. فزوجة وزوجها ضمهما الظلام في مكان موحش، لا يعرفون ~~به شيئا، ولا يهتدون إلى طريق، والجو شديد البرودة، فمن الطبيعي حين ~~يقول لها: إني رأيت نارا سأذهب لأقتبس منها أن تقول له: كيف تتركني وحدي ~~في هذا المكان؟ فربما تضل أنت أو أضل أنا، فيقول لها { امكثوا.. } ~~[القصص: 29] إذن: لابد أن هذه العبارة تكررت على صيغتين كما حكاها ~~القرآن الكريم. كذلك في: # سآتيكم.. # [النمل: 7] وفي مرة أخرى { لعلي آتيكم.. } [القصص: 29] قالوا: ~~لأنه لما رأى النار قال: # سآتيكم.. # [النمل: 7] على وجه اليقين، لكن لما راجع نفسه، فربما طفئت قبل أن يصل ~~إليها استدراك، فقال { لعلي آتيكم.. } [القصص: 29] على سبيل ~~رجاء غير المتيقن. { فلمآ أتاها نودي من شاطىء ~~الوادي... }. ### || [28.30] # وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد أن يعطينا خريطة تفصيلية للمكان، ~~فهناك من قال: من جانب الطور، والجانب الأيمن من الطور. وهنا: { من ~~شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة.. } [القصص: 30]. ومضمون النداء: { يموسى إني أنا ~~الله رب العالمين } [القصص: 30] سمع موسى هذا النداء يأتيه من ~~كل نواحيه، وينساب في كل اتجاه لأن الله تعالى لا تحيزه جهة لذلك لا ~~تقل: من أين يأتي الصوت؟ وليس له إلف بأن يخاطبه الرب - تبارك ~~وتعالى. ومع النداء يرى النار تشتعل في فرع من الشجرة، النار تزداد ~~اشتعالا، والشجرة تزداد خضرة، فلا النار تحرق الشجرة بحرارتها، ولا ~~الشجرة تطفىء النار برطوبتها. فهي - إذن - مسألة عجيبة يحار فيها ~~الفكر، فهل يستقبل كل هذه العجائب بسهولة أم لا بد له من مراجعة؟ ~~ثم يقول الحق سبحانه: { وأن ألق عصاك فلما رآها ~~تهتز... }. ### || [28.31] # وفي موضع آخر يسأله ربه ليؤنسه: # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 17] وقلنا: إن موسى - عليه السلام - أطال في هذا الموقف ليطيل ~~مدة الأنس بربه، فلما أحس أنه أسرف وأطال قال: # ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18] فأطنب أولا ليزداد أنسه بربه، ثم أوجز ليظل أدبه مع ربه. ~~أما هنا فيأتي الأمر مباشرة ليوظف العصا: { وأن ألق عصاك.. } ~~[القصص: 31]. وقوله: { فلما ms7302 رآها تهتز كأنها جآن ~~ولى مدبرا ولم يعقب.. } [القصص: 31] لأنه رأى عجيبة أخرى ~~أعجب مما سبق فلو سلمنا باشتعال النار في خضرة الشجرة، فكيف نسلم ~~بانقلاب العصا جانا يسعى ويتحرك؟ وكان من الممكن أن تنقلب العصا ~~الجافة إلى شجرة خضراء من جنس العصا، وتكون أيضا معجزة، أما أن تتحول ~~إلى جنس آخر، وتتعدى النباتية إلى الحيوانية والحيوانية المتحركة ~~المخيفة، فهذا شيء عجيب غير مألوف. وهنا كلام محذوف لأن القرآن الكريم ~~مبني على الإيجاز، فالتقدير: فألقى موسى عصاه { فلما رآها ~~تهتز كأنها جآن ولى مدبرا.. } [القصص: 31] ذلك ~~ليترك للعقل فرصة الاستنباط، ويحرك الذهن لمتابعة الأحداث. ~~والجان، قلنا هو فرخ الحية، وقد صورت العصا في هذه القصة بأنها: ~~جان، وثعبان، وحية. وهي صورة ثلاثة للشيء الواحد، فهي في خفتها ~~جان، وفي طولها ثعبان، وفي غلظها حية. ومعنى { ولى مدبرا.. } ~~[القصص: 31] يعني: انصرف خائفا، { ولم يعقب.. } [القصص: 31] لم ~~يلتفت إلى الوراء، فناداه ربه: { يموسى أقبل ولا تخف.. } ~~[القصص: 31] يعني: ارجع ولا تخف من شيء، ثم يعطيه القضية التي يجب أن ~~تصاحبه في كل تحركاته في دعوته { إنك من الآمنين } [القصص: 31] ~~فلم يقل ارجع فسوف أؤمنك في هذا الموقف إنما { إنك من الآمنين } ~~[القصص: 31]. يعني: هي قضية مستمرة ملازمة لك لأنك في معية الله، ومن ~~كان في معية الله لا يخاف، وإلا لو خفت الآن، فماذا ستفعل أمام فرعون. ~~وهكذا يعطي الحق - سبحانه وتعالى - لموسى - عليه السلام - دربة معه ~~سبحانه، ودربة حتى يواجه فرعون وسحرته والملأ جميعا دون خوف ولا ~~وجل، وليكون على ثقة من نصر الله وتأييده في جولته الأخيرة أمام فرعون. ~~وقد انتفع موسى - عليه السلام - بكل هذه المواقف، وتعلم من هذه العجائب ~~التي رآها فزادته ثقة وثباتا لذلك لما كاد فرعون أن يلحق بجنوده ~~موسى وقومه، وقالوا: # إنا لمدركون # [الشعراء: 61] استعاد موسى عليه السلام قضية { إنك من الآمنين ~~} [القصص: 31] فقال بملء فيه: # قال كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. فحيثية الثقة عند موسى - عليه السلام - هي معية الله ~~له، قالها موسى، ms7303 ويمكن أن تكذب في وقتها حالا، فهاجم البحر من أمامهم، ~~وفرعون من خلفهم، لكنها ثقة من أمنه الله، وجعله في معيته وحفظه. # وهذا الأمن قد كفله الله تعالى لجميع أنبيائه ورسله، فقال تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. وقال: # يموسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون # [النمل: 10]. وقد قص هذا كله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فانتفع به ووثق في نصر الله، فلما قال له الصديق وهما في الغار: يا ~~رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، قال صلى الله عليه وسلم: # " يا أبا بكر، ما ظنك باثنين، الله ثالثهما ". # وحكى القرآن قوله صلى الله عليه وسلم لصاحبه: # لا تحزن إن الله معنا.. # [التوبة: 40] وما دمنا في معية من لا تدركه الأبصار، فلن تدركنا ~~الأبصار. ثم ينقل الحق - تبارك - وتعالى - موسى عليه السلام إلى آية أخرى ~~تضاف إلى معجزاته: { اسلك يدك في جيبك... }. ### || [28.32] # معنى { اسلك يدك.. } [القصص: 32] يعني: أدخلها { في جيبك.. } ~~[القصص: 32] الجيب: فتحة الثوب من أعلى، وسموها جيبا لأنهم كانوا ~~يجعلون الجيوب مكان حفظ الأموال في داخل الثياب حتى لا تسرق، فكان ~~الواحد يدخل يده في قبة الثوب لتصل إلى جيبه. ونلحظ هنا دقة الأداء ~~القرآني { تخرج بيضآء.. } [القصص: 32] ولم يقل بصيغة الأمر: ~~وأخرجها كما قال { اسلك يدك.. } [القصص: 32] وكأن العملية عملية ~~آلية منضبطة بدقة، فبمجرد أن يدخلها تخرج هي بيضاء، فكأن إرادته على ~~جوارحه كانت في الإدخال، أما في الإخراج فهي لقدرة الله. وكلمة { ~~بيضآء.. } [القصص: 32] أي: منورة دون مرض، والبياض لا بد أن ~~يكون عجيبا في موسى - عليه السلام - لأنه كان أسمر اللون لذلك قال { ~~من غير سوء.. } [القصص: 32] حتى لا يظنوا به برصا مثلا، فهو ~~بياض طبيعي معجز. وقوله تعالى: { واضمم إليك جناحك من ~~الرهب.. } [القصص: 32] الجناحان في الطائر كاليدين في الإنسان، وإذا ~~أراد الإنسان أن يعوم مثلا يفعل كما يفعل الطائر حين يطير، فالمعنى: ~~اضمم إليك يديك يذهب عنك الخوف. وهذه ms7304 العملية يصدقها الواقع، فنرى ~~المرأة حين ترى ولدها مثلا يسئ التصرف تضرب صدرها وتولول، وسيدنا ابن ~~عباس يقول: كل من خاف يجب عليه أن يضرب صدره بيديه ليذهب عنه ما يلاقي، ~~ولك أن تجربها لتعلم صدق هذا الكلام. ومعنى { فذانك.. } [القصص: ~~32] ذا: اسم إشارة للمفرد ونقول: ذان اسم إشارة للمثنى، والكاف للخطاب، ~~والمراد: الإشارة لمعجزتي العصا واليد { برهانان من ربك.. } ~~[القصص: 32] أي ربك الحق { إلى فرعون.. } [القصص: 32] الرب ~~الباطل، ولا يمكن أن يجتمع الحق والباطل، لا بد للباطل أن يزهق لأنه ~~ضعيف لا يصمد أمام قوة الحق # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق.. # [الأنبياء: 18]. والبرهان: هو الحجة والدليل على صدق المبرهن عليه { ~~إلى فرعون وملئه.. } [القصص: 32] لأن فرعون ادعى ~~الألوهية، وملؤه استخفهم فأطاعوه { إنهم كانوا قوما ~~فاسقين } [القصص: 32] أي: جميعا فرعون والملأ { فاسقين } ~~[القصص: 32] أي: خارجين عن الطاعة من قولنا فسقت الرطبة يعني: خرجت ~~من قشرتها. والمراد هنا الحجاب الديني الذي يغلف الإنسان، ويحميه ~~ويعصمه أن يتأثر بعوامل المعصية، فإذا انسلخ من هذا الثوب، ونزع هذا ~~الحجاب، وتمرد على المنهج تكشفت عورته، وبانت سوءته. ### || [28.33] # فما زال موسى - عليه السلام - خائفا من مسألة قتل القبطي لذلك يطلب ~~من ربه أن يؤيده، ويعينه بأخيه. ### || [28.34] # معنى الردء: المعين، وعرفنا من قصة موسى - عليه السلام - وهو صغير في ~~بيت فرعون أنه أصابته لثغة في لسانه، فكان ثقيل النطق لا ينطلق لسانه ~~لذلك أراد أن يستعين بفصاحة أخيه هارون ليؤيده، ويظهر حجته، ويزيل عنه ~~الشبهات. وكان بإمكان موسى أن يطلب من ربه أن يستعين بأخيه هارون، فيكون ~~هارون من باطن موسى، لكنه أحب لأخيه أن يشاركه في رسالته، وأن ينال هذا ~~الفضل وهذه الرفعة، فقال: { فأرسله معي ردءا ~~يصدقني.. } [القصص: 34] يعني: معينا لي حتى لا يكذبني الناس، ~~فيكون رسولا مثلي بتكليف من الله. لذلك نرى الآيات تتحدث عن هارون ~~على أنه رسول شريك لموسى في رسالته، يقول تعالى في شأنهما: # اذهبآ إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا ~~لينا لعله ms7305 يتذكر أو يخشى # [طه: 43-44]. فإذا نظرنا إلى وحدة الرسالة فهما رسول واحد، وهذا واضح ~~في قوله تعالى: # فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين # [الشعراء: 16]. وجاء في قول فرعون: # إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء: 27] بصيغة المفرد. كما لو بعث رئيس الجمهورية رسالة مع اثنين ~~أو ثلاثة إلى نظيره في دولة أخرى، نسمي هؤلاء جميعا رسول لأن رسالتهم ~~واحدة، فإذا نظرت إلى وحدة الرسالة من المرسل إلى المرسل إليه فهما ~~واحد، وإذا نظرت إلى كل على حدة فهما رسولان. وقد ورد أيضا: # إنا رسولا ربك.. # [طه: 47] فخاطبهم مرة بالمفرد، ومرة بالمثنى. لذلك لما دعا موسى - عليه ~~السلام - على قوم فرعون لما غرتهم الأموال، وفتنتهم زينة الحياة الدنيا ~~قال # ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم ~~فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 88]. المتكلم هنا موسى وحده، ومع ذلك قال تعالى: # قال قد أجيبت دعوتكما.. # [يونس: 89] فنظر إلى أنهما رسول واحد، فموسى يدعو وهارون يؤمن على ~~دعائه، والمؤمن أحد الداعيين. ### || [28.35] # أجابه ربه: { قال سنشد عضدك بأخيك.. } [القصص: 35] لأن ~~موسى قال في موضع آخر: # اشدد به أزري * وأشركه في أمري # [طه: 31-32] وقوله تعالى { سنشد عضدك بأخيك.. } [القصص: ~~35] تعبير بليغ يناسب المطلوب من موسى لأن الإنسان يزاول أغلب أعماله أو ~~كلها تقريبا بيديه، والعضلة الفاعلة في الحمل والحركة هي العضد. لذلك ~~حين نمدح شخصا بالقوة نقول: فلان هذا عضل، وحين يصاب الإنسان والعياذ ~~بالله بمرض ضمور العضلات تجده هزيلا لا يقدر على فعل شيء، فالمعنى: ~~سنقويك بقوة مادية. { ونجعل لكما سلطانا.. } [القصص: 35] ~~هذه هي القوة المعنوية، وهي قوة الحجة والمنطق والدليل، فجمع لهما: القوة ~~المادية، والقوة المعنوية. لذلك قال بعدها { فلا يصلون ~~إليكما.. } [القصص: 35] أي: ننجيكم منهم، لكن معركة الحق والباطل ~~لا تنتهي بنجاة أهل الحق، إنما لا بد من نصرتهم على أهل الباطل، ~~وفرق بين رجل يهاجمه عدوه فيغلق دونه الباب، وتنتهي المسألة عند هذا ~~الحد، وبين من يجرؤ على عدوه ويغالبه حتى ينتصر عليه، فيكون قد منع ms7306 ~~الضرر عن نفسه، وألحق الضرر بعدوه. وهذا هو المراد بقوله تعالى: { ~~أنتما ومن اتبعكما الغالبون } [القصص: 35] وهكذا أزال ~~الله عنهم سلبية الضرر، ومنحهم إيجابية الغلبة. ونلحظ توسط كلمة { ~~بآياتنآ.. } [القصص: 35] بين العبارتين: { فلا يصلون ~~إليكما.. } [القصص: 35] و { أنتما ومن اتبعكما ~~الغالبون } [القصص: 35] فهي إذن سبب فيهما: فبآياتنا ومعجزاتنا ~~الباهرات ننجيكم، وبآياتنا ومعجزاتنا ننصركم، فهي كلمة واحدة تخدم ~~المعنيين، وهذا من وجوه بلاغة القرآن الكريم. ومن عجائب ألفاظ القرآن ~~كلمة النجم في قوله تعالى: # الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر ~~يسجدان # [الرحمن: 5-6] فجاءت النجم بين الشمس والقمر، وهما آيتان سماويتان، ~~والشجر وهو من نبات الأرض لذلك صلحت النجم بمعنى نجم السماء، أو النجم ~~بمعنى النبات الصغير الذي لا ساق له، مثل العشب الذي ترعاه الماشية في ~~الصحراء. لذلك قال الشاعر: # أراعي النجم في سيري إليكم # ويرعاه من البيدا جوادي # ثم يقول الحق سبحانه: { فلما جآءهم موسى بآياتنا... }. ### || [28.36] # قوله تعالى: { بآياتنا بينات.. } [القصص: 36] أي: بمعجزاتنا ~~واضحات باهرات، فلما بهتوا أمام آيات الله، وحاروا كيف يخرجون من هذا ~~المأزق، فقد جاءهم موسى ليهدم عرش الألوهية الباطلة عند فرعون، ولم ~~يملكوا إلا أن قالوا { ما هذآ إلا سحر مفترى وما ~~سمعنا بهذا في آبآئنا الأولين } [القصص: 36]. لذلك ~~يعلم الحق - تبارك وتعالى - موسى عليه السلام محاجة هؤلاء، فكأنه ~~قال له: أنت مقبل على أناس متمسكين بالباطل، حريصين عليه، منتفعين من ~~ورائه، ولا بد أن يغضبوا إن قضيت على باطلهم، وصرفتهم عنه إلى ~~الحق، فقد ألفوا الباطل، فإن أخرجتهم مما ألفوا إلى ما لا يألفون ~~فلا بد لك من اللين وألا تهيجهم حين تجمع عليهم قسوة ترك ما ~~ألفوه مع قسوة الدعوة إلى ما لم يألفوه. ويكفي أنك ستسلبهم سلطان ~~الألوهية الذي عاشوا في ظله، فإن زدت في القسوة عليهم ولدت عندهم ~~لددا وعنادا في الخصومة. لذلك قال تعالى: # فقولا له قولا لينا.. # [طه: 44] يعني: اعذروه فيما يلاقي حين تسلب منه ألوهيته، ويصير واحدا ~~من الرعية. وإن قابلوك هم بالقسوة حين قالوا: { ما هذآ إلا ms7307 ~~سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبآئنا ~~الأولين } [القصص: 36] فقابلهم أنت باللين. ### || [28.37] # وتأمل هنا اللين وأدب الجدل عند موسى - عليه السلام - فلم يرد عليهم ~~بالقسوة التي سمعها منهم ولم يتهمهم كما اتهموه، إنما رد بهذا الأسلوب ~~اللبق، وبهذا الإيحاء: { ربي أعلم بمن جآء بالهدى ~~من عنده ومن تكون له عاقبة الدار.. } [القصص: 37] ولم ~~يقل: إني جئت بالهدى. ثم قال: { إنه لا يفلح الظالمون } ~~[القصص: 37] سواء كنا نحن أم أنتم، ولم يقل: أنتم الظالمون، لقد أطلق ~~القضية، وترك للعقول أن تميز. ومعنى { عاقبة الدار.. } [القصص: ~~37] الدار يعني: الدنيا وعاقبتها تعني: الآخرة. وهذا الأدب النبوي في ~~الجدل والحوار رأيناه في سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ~~كفار مكة والمعاندين له، وقد خاطبه ربه: # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي ~~أحسن.. # [العنكبوت: 46]. والعلة أنك ستخرجهم من الباطل الذي أحبوه وألفوه ~~إلى الحق الذي يكرهون، فلا تجمع عليهم شدتين، لذلك في أشد ما كان إيذاء ~~الكفار لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: # " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ". # ورحم الله شوقي الذي صاغ هذه المسألة في عبارة موجزة فقال: النصح ~~ثقيل فلا ترسله جبلا، ولا تجعله جدلا فنصحك معناه أنك تقول لمن ~~أمامك: أنت على خطأ وأنا على صواب. فلكي يسمع لك لا بد أن تستميله ~~أولا إليك ليقبل منك، ولا تجرح مشاعره فيزداد عنادا ومكابرة، وما أشبه ~~صاحب الخطأ بالمريض الذي يحتاج لمن يأخذ بيده، ويأسو مرضه. وقد مثلوا ~~لذلك بشخص يغرق، وصاحبه على الشاطىء يلومه على نزوله البحر، وهو لا يجيد ~~السباحة، فقال له: آس ثم انصح انقذني أولا وأدركني، ثم قل ما شئت. ~~وقال آخر: الحقائق مرة، فاستعيروا لها خفة البيان. أما إن يئس ~~الناصح من استجابة المنصوح كما في قصة نبي الله نوح عليه السلام، والذي ~~ظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، فالأمر يختلف. فالنبي صبر على ~~قومه علهم يثوبون إلى رشدهم، أو لعلهم ينجبون الذرية الصالحة التي تقبل ~~ما رفضه ms7308 الآباء. فما أطول صبر نوح على قومه، وما أعظم أدبه في الحوار ~~معهم وهو يقول لهم وقد اتهموه بالكذب والافتراء: # قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء ~~مما تجرمون # [هود: 35]. فنسب الإجرام إلى نفسه ليسوي نفسه بهم لعله يستميل ~~قلوبهم، لكن، لما كان في علم الله تعالى أنهم لن يؤمنوا، ولا فائدة منهم، ~~ولا من أجيالهم المتعاقبة، وبعد أن قضى نوح في دعوتهم هذا العمر المديد ~~أمره الله أن يدعو عليهم، حيث لا أمل في هدايتهم، فقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا # [نوح: 26-27]. ومحمد صلى الله عليه وسلم يقول في محاورته مع كفار مكة: # قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما ~~تعملون # [سبأ: 25]. سبحان الله ما هذا التواضع، وهذا الأدب الجم في استمالة ~~القوم، ينسب الإجرام إلى نفسه وهو رسول الله، وحينما يتكلم عنهم يقول # تعملون # [سبأ: 25] فيسمي إجرامهم وإيذاءهم وكفرهم عملا، ولو قال كما قال ~~أخوه لكان تواضعا منه صلى الله عليه وسلم. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وقال فرعون يأيها الملأ... }. ### || [28.38] # خشي فرعون من كلام موسى على قومه، وتصور أنه سيحدث لهم كما نقول غسيل ~~مخ فأراد أن يذكرهم بألوهيته، وأنه لم يتأثر بما سمع من موسى { ~~يأيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري.. } ~~[القصص: 38] يعني: إياكم أن تصدقوا كلام موسى، فأنا إلهكم، وليس لكم ~~إله غيري. ثم يؤكد هذه الألوهية فيقول لهامان وزيره: { فأوقد لي ~~يهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع ~~إلى إله موسى.. } [القصص: 38] وفي موضع آخر قال: # يهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * ~~أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى.. # [غافر: 36-37]. وكأنه يريد أن يرضي قومه، فها هو يريد أن يبحث عن ~~الإله الذي يدعيه موسى، وكأنه إن بنى صرحا واعتلاه سيرى رب موسى، لكن ~~هل بنى له هامان هذا الصرح؟ لم يبن له شيئا، مما يدل على أن المسألة ~~هزل في هزل، وضحك على القوم ms7309 الذين استخفهم ولعب بعقولهم. وإلا، فما ~~حاجتهم لحرق الطين ليصير هذه القوالب الحمراء التي نراها ونبني بها الآن ~~وعندهم الحجارة والجرانيت التي بنوا بها الأهرامات وصنعوا منها ~~التماثيل؟ وعملية حرق الطين تحتاج إلى كثير من الوقت والجهد، إذن: ~~المسألة كسب الوقت من الخصم، وتخدير الملأ من قومه. وقوله: { ~~لعلي أطلع إلى إله موسى.. } [القصص: 38] وقبل أن ~~يصل إلى حكم فيرى إله موسى أو لا يراه، يبادر بالحكم على موسى { وإني ~~لأظنه من الكاذبين } [القصص: 38] ليصرف ملأه عن كلام موسى. ### || [28.39] # أي: تكبروا دون حق، وبغير مبررات للكبر، فليس لديهم هذه المبررات لأن ~~الإنسان يتكبر حين تكون عظمته ذاتية فيه، أما العظمة المخلوقة لك من ~~الغير فلا تتكبر بها، من يتكبر يتكبر بشيء ذاتي فيه، كما يقولون اللي ~~يخرز يخرز على وركه. وكذلك في دواعي الكبر الأخرى: الغنى، القوة، ~~الجاه، والسلطان... إلخ. لذلك يكره الله تعالى المتكبرين، ويقول في ~~الحديث القدسي: # " الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما أدخلته جهنم ~~". # والكبرياء والعظمة صفة جلال وجمال لله تعالى تجعل الجميع أمام كبرياء ~~الله سواء، فلا يتكبر أحد على أحد ونرعى جميعا مساوى في ظل كبرياء ~~الله الذي يحمي تواضعنا، فلو تكبر أحدنا على الآخر لتكبر بشيء موهوب ~~له، ليس ذاتيا فيه لذلك ينتصر الله لمن تكبرت عليه، ويجعله أعلى منك، ~~وعندنا في الأرياف يقولون: اللي يرمي أخاه بعيب لن يموت حتى يراه في ~~نفسه. والمتكبر في الحقيقة ناقص الإيمان لأنه لا يتكبر إلا حين يرى ~~الناس جميعا دونه، ولو أنه استحضر كبرياء خالقه لاستحيا أن يتكبر ~~أمامه، وهكذا كان استكبار فرعون وجنوده في الأرض بغير حق. أما إن كان ~~الاستكبار من أجل حماية الضعيف ليعيش في ظلاله فهو استكبار بحق لذلك نقول ~~حين يصف الحق - تبارك وتعالى - نفسه بأنه العظيم المتكبر نقول: هذا حق. ~~لأنه حماية لنا جميعا من أن يتكبر بعضنا على بعض. وقوله تعالى: { ~~وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون } [القصص: 39] ~~فاستكبارهم في الأرض جاء نتيجة ظنهم بأنهم لن يرجعوا ms7310 إلى الله، وأنه ~~تعالى خلقهم ورزقهم، ثم تفلتوا منه، ولن يعودوا إليه، لكن هيهات، لا ~~بد - كما نقول - لهم رجعة. ### || [28.40] # كأن الحق سبحانه لم يمهلهم إلى أن يعودوا إليه يوم القيامة، إنما ~~عاجلهم بالعذاب في الدنيا قبل عذاب الآخرة { فأخذناه وجنوده.. ~~} [القصص: 40] أي: جميعا في قبضة واحدة، التابع والمتبوع { ~~فنبذناهم في اليم.. } [القصص: 40] ألقينا بهم في البحر، وهذا ~~الأخذ الذي يشمل الجميع في قبضة واحدة يدل على قدرة الآخذ، وهذه مسألة ~~لا يقدر عليها إلا الله القوي العزيز. كما قال سبحانه: # وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد # [هود: 102]. ولم يوصف أخذ الإنسان بالقوة إلا في قوله تعالى يحثنا ~~على أن نأخذ مناهج الخير بقوة: # خذوا مآ ءاتينكم بقوة.. # [البقرة: 93]. ثم يقول سبحانه: { فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين } [القصص: 40] أي: نهايتهم وقد جاءت عجيبة من عجائب الزمن ~~وآية من آيات الله، فالبحر والماء جند من جنود الله، تنصر الحق وتهزم ~~الباطل، وقد ذكرنا كيف أنجى الله موسى - عليه السلام - وأهلك فرعون ~~بالشيء الواحد حين أمر الله موسى أن يضرب بعصاه البحر، فصار كل فرق ~~كالطود العظيم. فلما أن جازه موسى وقومه إلى الناحية الأخرى أراد أن ~~يضرب البحر مرة أخرى ليعود الماء إلى سيولته واستطراقه فيصحح الله له ~~ويأمره أن يدعه على حاله، فالحق - تبارك - وتعالى - يتابع نبيه موسى ~~خطوة بخطوة كما قال له: # إنني معكمآ أسمع وأرى # [طه: 46]. وحاشا لله أن يكلفه بأمر ثم يتركه، ولما رأى فرعون الطريق ~~اليابس أمامه عبر بجنوده، فأطبقه الله عليهم، فصاروا آية وعبرة، كما قال ~~سبحانه: # فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية.. # [يونس: 92]. وتأمل قدرة الله التي أنجت موسى من الغرق، وقد ألقته ~~أمه بيديها في الماء، وأغرقت فرعون. ### || [28.41] # أئمة: جمع إمام، وهو من يؤتم به، والمأموم أسير إمامه، فلو كنا في ~~الصلاة لا نركع حتى يركع، ولا نرفع حتى يرفع، فمتابعتنا له واجبة، فإن ~~أخطأ وجب على المأموم أن ينبهه وأن يذكره يقول له: ms7311 سبحان الله، ~~تنبه لخطأ عندك، إذن: نحن مأمومون له في الحق فقط، فإن أخطأ عدلنا ~~له. والإمام أسوة وقدوة للمأمومين في الخير ومنهج الحق، كما قال تعالى ~~في حق نبيه إبراهيم عليه السلام: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ~~قال إني جاعلك للناس إماما.. # [البقرة: 124]. وعندها أراد إبراهيم عليه السلام أن تظل الإمامة في ~~ذريته من بعده، فقال # قال ومن ذريتي.. # [البقرة: 124] فصحح الله له وأعلمه أن الإمامة لا تكون إلا في أهل ~~الخير # قال لا ينال عهدي الظالمين # [البقرة: 124]. لذلك لما دعا نوح - عليه السلام - ربه: # رب إن ابني من أهلي.. # [هود: 45] صحح الله له # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.. # [هود: 46]. إذن: أهلية النبوة وأهلية الإمامة عمل وسلوك لا قرابة ولا ~~نسب. وقد تكون الإمامة في الشر، كهذه التي نتحدث عنها: { ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار.. } [القصص: 41] فهم ~~أسوة سيئة وقدوة للشر، وقد جاء في الحديث الشريف: # " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ~~ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ~~". # ويقول تعالى في أصحاب القدوة السيئة: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم.. # [النحل: 25]. فكان فرعون وملؤه أسوة في الشر، وأسوة في الضلال والإرهاب ~~والجبروت، وكذلك سيكونون في الآخرة أئمة وقادة، لكن إلى النار { ويوم ~~القيامة لا ينصرون } [القصص: 41]. ### || [28.42] # قوله تعالى: { وأتبعناهم.. } [القصص: 42] يعني: جعلنا من خلفهم: ~~{ في هذه الدنيا لعنة.. } [القصص: 42] فكل من ذكرهم في ~~الدنيا يقول: لعنهم الله، فعليهم لعنة دائمة باقية ما بقيت الدنيا، وهذا ~~اللعن والطرد من رحمة الله ليس جزاء أعمالهم، إنما هو مقدمة لعذاب باق ~~وخالد في الآخرة، كما قال تعالى: # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك.. # [الطور: 47]. { ويوم القيامة هم من المقبوحين } ~~[القصص: 42] مادة: قبح، تقول للشرير: قبحك الله، أي: طردك وأبعدك عن ~~الخير. ولها استعمال آخر: تقول: قبحت الدمل أي: فتحته ونكأته قبل ~~نضجه فيخرج منه الدم مع الصديد ويشوه ms7312 مكانه. وسبق أن قلنا: إن ~~الدمل إذا تركته للصيدلية الربانية في جسمك حتى يندمل بمناعة الجسم ~~ومقاومته تجده لا يترك أثرا، أما إن تدخلت فيه بالأدوية والجراحة، فلا ~~بد أن يترك أثرا، ويشوه المكان. ويكون المعنى إذن: { هم من ~~المقبوحين } [القصص: 42] أي: الذين تشوهت وجوههم بعد نعومة ~~الجلد ونضارته، وقد عبر القرآن عن هذا التشويه بصور مختلفة. يقول ~~تعالى: # ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة # [عبس: 40-41]. ويقول سبحانه # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.. # [آل عمران: 106]. ويقول: # ونحشر المجرمين يومئذ زرقا # [طه: 102]. ومعلوم أن زرقة الجسم لا تأتي إلا نتيجة ضربات شديدة ~~وكدمات تحدث تفاعلات ضارة تحت الجلد، فتسبب زرقته، وكذلك زرقة ~~العين، ومن أمراض العيون المياه الزرقاء، وهي أخطر من البيضاء. لذلك يقول ~~الشاعر: # وللبخيل على أمواله علل # زرق العيون عليها أوجه سود # لأنه حريص على أمواله ولا يريد إنفاقها. ويستخدم اللون الأزرق للتبشيع ~~والتخويف، وقد كانوا في العصور الوسطى يطلون وجوه الجنود باللون ~~الأزرق لإخافة الأعداء وإرهابهم، وتعارف الناس أنه لون الشيطان لذلك ~~نقول في لغتنا العامية العفاريت الزرق ونقول في الذم: فلان نابه أزرق. ~~ويقول الشاعر: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي # ومسنونة زرق كأنياب أغوال # أما السواد فيقصد به الوجه المشوه المنفر، وإلا فالسواد لا يذم في ~~ذاته كلون، وكثيرا ما نرى صاحب البشرة السوداء يشع جاذبية وبشاشة، بحيث ~~لا تزهد في النظر إليه، ومعلوم أن الحسن لا لون له. والله تعالى ~~يهب الحسن والبشاشة ويشعهما في جميع الصور. وقد ترى للون الأسود ~~في بعض الوجوه أسرا وإشراقا، وترى صاحب اللون الأبيض كالحا، لا ~~حيوية فيه. ثم يقول الحق سبحانه: { ولقد آتينا موسى ~~الكتاب... }. ### || [28.43] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد مآ ~~أهلكنا القرون الأولى... } [القصص: 43] قوم نوح وعاد وثمود ~~وغيرهم، يعني: أن موسى - عليه السلام - جاء برزخا وواسطة بين رسل ~~كذبتهم أممهم، فأخذهم الله بالعذاب، ولم يقاتل الرسل قبل موسى، إنما ~~كان الرسول منهم يبلغ الرسالة ويظهر الحجة، وكانوا هم يقترحون ~~الآيات، فإن أجابهم الله وكذبوا ms7313 أوقع الله بهم العذاب. كما قال ~~سبحانه: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [العنكبوت: 40]. وهذا كله عذاب استئصال، لا يبقي من المكذبين أحدا. ثم ~~جاء موسى - عليه السلام - برزخا بين عذاب الاستئصال من الله تعالى ~~للمكذبين دون تدخل من الرسل في مسألة العذاب، وبين رسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم، حيث أمره الله بقتال الكفار والمكذبين دون أن ينزل بهم ~~عذاب الاستئصال، ذلك لأن رسالته عامة في الزمان وفي المكان إلى أن تقوم ~~الساعة، وهو صلى الله عليه وسلم مأمون على حياة الخلق أجمعين. لذلك ~~يقول تعالى في مسألة القتال في عهد موسى عليه السلام: # ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد ~~موسى.. # [البقرة: 246] إنما في عهده وعصره # إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في ~~سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ~~ألا تقاتلوا قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل ~~الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا فلما ~~كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم.. # [البقرة: 246]. وقد ورد أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال # " ما عذب الله قوما ولا قرنا، ولا أمة، ولا أهل قرية منذ أنزل الله ~~التوراة على موسى ". # كأن عذاب الاستئصال انتهى بنزول التوراة، ولم يستثن من ذلك إلا قرية ~~واحدة هي أيلة التي بين مدين والأردن. والحق - تبارك وتعالى - يعطينا أول ~~تجربة لمهمة، وتدخل الرسل في قصة موسى عليه السلام. وروى عن أبي أمامة ~~أنه قال: وإني لتحت رحل رسول الله - يعني: ممسكا برحل ناقة الرسول - ~~يوم الفتح، فسمعته يقول كلاما حسنا جميلا، وقال فيما قال: # " أيما رجل من أهل الكتاب يؤمن بي فله أجران - أي: أجر إيمانه ~~بموسى، أو بعيسى، وأجر إيمانه بي - له ما لنا وعليه ما علينا ". # وهذا يعني أن القتال لم يكن قد كتب عليهم. وقوله تعالى: { ولقد ~~آتينا موسى الكتاب.. ms7314 } [القصص: 43] أي: التوراة { من بعد ~~مآ أهلكنا القرون الأولى.. } [القصص: 43] أي: بدون تدخل ~~الأنبياء { بصآئر للناس. # . } [القصص: 43] أي: آتيناه الكتاب ليكون نورا يهديهم، وبصيرة ترشدهم، ~~وتنير قلوبهم { وهدى ورحمة.. } [القصص: 43] هدى إلى طريق الخير ~~ورحمة تعصم المجتمع من فساد المناهج الباطلة، وتعصمهم أن يكونوا من أهل ~~النار { لعلهم يتذكرون } [القصص: 43]. والتذكر يعني: أنه ~~كان لديك قضية، ثم نسيتها فاحتجت لمن يذكرك بها، فهي ليست جديدة عليك، ~~هذه القضية هي الفطرة: # فطرت الله التي فطر الناس عليها.. # [الروم: 30]. لكن هذه الفطرة السليمة تنتابها شهوات النفس ورغباتها، ~~وتطرأ عليها الغفلة والنسيان لذلك يذكر الحق سبحانه الناس بما غفلوا ~~عنه من منهج الحق، إذن: في الفطرة السليمة المركوزة في كل نفس مقومات ~~الإيمان والهداية، لولا غفلة الإنسان. ثم يقول الحق سبحانه: { وما ~~كنت بجانب الغربي... }. ### || [28.44] # قوله: { بجانب الغربي.. } [القصص: 44] أي: الجانب الغربي من ~~البقعة المباركة من الشجرة، وهو المكان الذي كلم الله فيه موسى وأرسله ~~{ إذ قضينآ إلى موسى الأمر.. } [القصص: 44] يعني: أمرناه ~~به أمرا مقطوعا به، وهو الرسالة. { وما كنت من الشاهدين } ~~[القصص: 44]. ولك أن تسأل: إذا لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~شاهدا لهذه الأحداث، فمن أخبره بها؟ نقول: أخبره الله تعالى، فإن ~~قلت فربما أخبره بها شخص آخر، أو قرأها في كتب السابقين. نقول: لقد شهد ~~له قومه بأنه أمي، لا يقرأ ولا يكتب، ولم يعلم عنه أنه جلس في يوم ~~من الأيام إلى معلم، كذلك كانوا يعرفون سيرته في حياته وسفرياته ~~ورحلاته، ولم يكن فيها شيء من هذه الأحداث. لذلك لما اتهموا رسول الله ~~أنه جلس إلى معلم، وقالوا: كما حكى القرآن: # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر.. # [النحل: 103] رد القرآن عليهم في بساطة: # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. وكانوا يقصدون بذلك حدادين روميين تردد عليهما رسول الله. ~~وكذلك كانت الأمة التي بعث فيها رسول الله أمة أمية، فممن تعلم ~~إذن؟ وإذا كانت الأمية صفة مذمومة ننفر منها، حتى أن ms7315 أحد سطحيي الفهم ~~يقول: لا تقولوا لرسول الله أمي ونقول: إن كانت الأمية مذمة، فهي ~~ميزة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الأمي يعني المنسوب إلى ~~الأم وما يزال على طبيعته لا يعرف شيئا. واقرأ قوله تعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا.. # [النحل: 78] ونقول في المثل فلان زي ما ولدته أمه يعني: لا يعرف شيئا، ~~وهذه مذمة في عامة البشر لأنه لم يتعلم ممن حوله، ولم يستفد من ~~خبرات الحياة. أما الأمية عند رسول الله فشرف لأن قصارى المتعلم في ~~أي أمة من الأمم أن يأخذ بطرف من العلم من أمثاله من البشر، فيكون ~~مدينا له بهذا العلم، أما رسول الله فقد تعلم من العليم الأعلى، فلم ~~يتأثر في علمه بأحد، وليس لأحد فضل عليه ولا منة. لذلك تعجب الدنيا كلها ~~من أمة العرب، هذه الأمة الأمية المتبدية التي لا يجمعها قانون، إنما لكل ~~قبيلة فيها قانونها الخاص، يعجبون: كيف سادت هذه الأمة العالم، وغزت ~~حضارتهم الدنيا في نصف قرن من الزمان. ولو أن العرب أمة حضارة لقالوا عن ~~الإسلام قفزة حضارية، كما قالوا بعد انتصارنا في أكتوبر، وبعد أن رأى ~~رجالنا أشياء غير عادية تقاتل معهم، حتى أنهم لم يشكوا في أنها تأييد ~~من الله تعالى لجيش بدأ المعركة بصيحة الله أكبر، لكن ثالث أيام المعركة ~~طلع علينا في جرائدنا من يقول: إنه نصر حضاري، وفي نفس اليوم فتحت ~~الثغرة في الدفرسوار. # وعجيب أمر هؤلاء من أبناء جلدتنا لماذا تردون فضل الله وتنكرون تأييده ~~لكم؟ وماذا يضايقكم في نصر جاء بمدد من عند الله؟ ألم تقرأوا: # وما يعلم جنود ربك إلا هو.. # [المدثر: 31] وبعد أن فتحت الثغرة ماذا قدمتم لسدها، تعالوا بفكركم ~~الحضاري وأخرجونا من هذا المأزق. وإذا ثقل على هؤلاء الاعتراف بجنود ~~الله بين صفوفهم، أليس المهندس الذي اهتدى إلى فكرة استخدام ضغط الماء في ~~فتح الطريق في بارليف لينفذ منه الجنود، أليس من جنود الله؟ لقد أخذت ~~منا هذه الفكرة كثيرا ms7316 من الوقت والجهد دون فائدة، إلى أن جاء هذا ~~الرجل الذي نور الله بصيرته وهداه إلى هذه العملية التي لم تأت ~~اعتباطا، إنما نتيجة إيمان بالله وقرب منه سبحانه وتضرع إليه، فجزاه ~~الله عن مصر وعن الإسلام خيرا. ومن العجيب، بعد نهاية الحرب أن يجروا ~~للحرب بروفة تمثيلية، فلم يستطيعوا اجتياز خط بارليف، وهم في حال أمن ~~وسلام. نعود إلى قضية الأمية ونقول لمن ينادي بمحو الأمية عند الناس بأن ~~يعلمهم من علم البشر ليتكم قلتم نمحو الأمية عندهم لنعلمهم عن الله. ~~إذن: فقوله تعالى: { وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ ~~إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين } [القصص: 44] ~~يعني: ما رأى محمد هذه الأحداث ولا حضرها، ومنه قوله تعالى عن شهر رمضان: # فمن شهد منكم الشهر فليصمه.. # [البقرة: 185] يعني: حضره. ثم يقول الحق سبحانه: { ولكنآ ~~أنشأنا قرونا فتطاول... }. ### || [28.45] # أهل مدين هم قوم شعيب عليه السلام، وكان لهم شغل بالقراءة، لذلك قال ~~تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وما كنت ثاويا.. } ~~[القصص: 45] أي: مقيما { في أهل مدين تتلوا عليهم ~~آياتنا.. } [القصص: 45] أي: تلاوة المتعلم كما يتلو التلميذ على ~~أستاذه ليصحح له { ولكنا كنا مرسلين } [القصص: 45] أي: ~~أن الرسالات كلها منا: من كان يقرأ، ومن كان أميا. ### || [28.46] # قوله تعالى: { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا.. } ~~[القصص: 46] أي: موسى عليه السلام { ولكن رحمة من ربك.. ~~} [القصص: 46] أي: أنك يا محمد ما شهدت هذه الأحداث، إنما جاءتك بالفضل ~~من الله { لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك ~~لعلهم يتذكرون } [القصص: 46] يتذكرون ما غفلوا عنه من ~~الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. وكلمة وما كنت في مواضع عدة ~~في القرآن تدل على أن رسول الله جاء بأخبار لم يقرأها في كتاب، ولم ~~يسمعها من معلم لأنه لا يقرأ، ولم يعرف عنه أنه جلس إلى معلم، ~~وأهل الكتاب هم الذين يعرفون صدق هذه الأخبار لأنها ذكرت في كتبهم، ~~لذلك قال القرآن عنهم: # يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم.. # [الأنعام: 20]. ويقول سبحانه: # إن ms7317 هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم ~~وموسى # [الأعلى: 18-19]. ومن علامات النبوة أن يخرق الحق سبحانه لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم حجب الغيب، والشيء يغيب عنك إما لأنه ماض، ولا وسيلة لك ~~إليه، وهذا هو حجاب الزمن الماضي، وهو لا يعرف إلا بواسطة القراءة في ~~كتاب أو التعلم من معلم، وقد نفى الله تعالى هذا بالنسبة لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم، وإما أن يكون الحجاب حجاب الزمن المستقبل والأحداث ~~التي لم تأت بعد، ولا يستطيع أن يخبرك بها إلا الذي يعلمها أزلا. ~~لذلك يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6] فكان النجم من القرآن ينزل على رسول الله فلما يسرى عنه ~~يمليه على أصحابه، كل آية في مكانها وترتيبها من السورة، ثم يقرؤها بعد ~~ذلك كما أنزلت، وكما أملاها. وسبق أن قلنا: تستطيع أن تتحدى أي ~~شخص بأن يتكلم مثلا لمدة ثلث الساعة، ثم يعيد ما قال، ولن يستطيع، أما ~~المسألة مع سيدنا رسول الله فتختلف لأنها من الله تعالى # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6]. وقلنا: إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول نزول ~~القرآن عليه كان يردد الآية خلف جبريل عليه السلام مخافة أن ينساها، ~~فإن قال جبريل: # والضحى # [الضحى: 1] قال رسول الله # والضحى # [الضحى: 1] وهكذا، فأنزل الله عليه: # لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا ~~جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه # [القيامة: 16-18]. وقال سبحانه: # ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك ~~وحيه.. # [طه: 114]. أي: أرح نفسك يا محمد، ولا تخش النسيان، وانتظر حتى تنتهي ~~الآيات، وسوف تعيدها كما هي، لا تنسى منها حرفا واحدا. ومن كشف حجب ~~الغيب المستقبل قوله تعالى: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة.. # [النحل: 8] ولو انتهت الآية إلى هذا الحد لقالوا: ذكر القرآن ~~البدائيات، ولم يذكر شيئا عن السيارة والصاروخ. # . إلخ. لكن الحق - تبارك وتعالى - يكمل الآية # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8] ليجعل في القرآن رصيدا لكل ما يستجد من وسائل المواصلات ~~والانتقال إلى يوم القيامة. ms7318 ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36] فكل شيء في الوجود قائم على الزوجين ذكورة وأنوثة حتى ~~الجمادات التي لا نرى فيها حياة. ومن ذلك قوله تعالى: # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في بضع سنين.. # [الروم: 1-4] فمن يستطيع أن يحكم على نتيجة معركة بعد سبع سنين؟ وبعد ~~ذلك يصدقه الله، وتنتصر الروم، وكانوا أهل كتاب على الفرس، وكانوا ~~يعبدون النار لذلك قال سبحانه: # ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله.. # [الروم: 4-5]. ولما تشوق الصحابة لأداء العمرة ونزل على رسول الله ~~قوله تعالى: # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين ~~محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما ~~لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا # [الفتح: 27]. # " فخرج بهم رسول الله حتى بلغوا الحديبية على بعد 22 كيلو من مكة ~~تعرضت لهم قريش، ومنعتهم من العمرة، واشترطوا عليهم العودة في العام ~~المقبل، وقد كتبوا وثيقة تعاهدوا فيها، فلما أملى رسول الله على الكاتب: ~~هذا ما تعاهد عليه محمد رسول الله، قام عمرو بن سهيل فقال: لو كنا نعلم ~~أنك رسول الله ما حاربناك ولا رددناك، إنما اكتب: هذا ما تعاهد عليه محمد ~~بن عبد الله. وعندها ثار صحابة رسول الله وغضبوا حتى راجعوا رسول الله ~~فقال عمر: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على ~~الباطل؟ قال: بلى قال: فلم نعطى الدنية في ديننا، فقال الصديق: ~~الزم غرزه يا عمر، يعني قف عند حدك - إنه رسول الله. ولما أصر علي ~~بن أبي طالب أن يكتب محمد رسول الله نظر إليه رسول الله، وقال: " يا علي ~~ستسام مثلها فتقبل " ومرت الأيام والسنون، وقبض رسول الله، ثم أبو ~~بكر، ثم عمر، ثم عثمان، فلما تولى علي الخلافة وحدثت الفتنة بينه وبين ~~معاوية، وقامت بينهما حرب الجمل ثم صفين حتى اضطر علي لأن يكتب مع ~~معاوية وثيقة لإنهاء القتال أملى علي: هذا ما تعاهد ms7319 عليه علي بن أبي ~~طالب أمير المؤمنين، فقالوا له: لو أنك أمير المؤمنين ما حاربناك، ~~فاسترجع علي قول رسول الله: " ستسام مثلها فتقبل ". # إذن: خرق الله لرسوله حجاب الزمن الماضي، والزمن المستقبل، فماذا عن ~~الزمن الحاضر؟ وكيف يكون خرق الحجاب فيه؟ هذا في مثل قوله تعالى: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول.. # [المجادلة: 8] فأطلعه الله على ما في نفوس القوم. وفي غزوة مؤتة، وهي ~~الغزوة الوحيدة التي لم يحضرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك ~~سميت غزوة - لأن الغزوة لا تقال إلا للمعركة التي حضرها رسول الله، ~~أما في مؤتة فقد حضرها وشاهدها وهو في المدينة، حيث كشف الله له حجاب ~~الحاضر، فصار يخبر أصحابه في المدينة بما يجري في مؤتة وكأنها رأي ~~العين. # ويومها تولى القيادة جماعة من كبار الصحابة: زيد بن حارثة، وابن رواحة، ~~وجعفر بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، فكان صلى الله عليه وسلم يقول: ~~قتل فلان وسقطت الراية، فأخذها فلان وقتل وحملها فلان.. إلخ فلما ~~عادوا من الغزوة أخبروا بنفس ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ولولا أن تصيبهم... }. ### || [28.47] # المعنى: لولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم لعذبناهم فاحتجوا ~~قائلين: { ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~آياتك ونكون من المؤمنين } [القصص: 47] فلو عذبهم الله ~~دون أن يرسل إليهم رسولا لكانت حجة لهم. وسبق أن قلنا: إنه لا عقوبة ~~إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص ولا نص إلا بإعلام، لذلك تنشر ~~الأحكام في الوقائع الرسمية ليعرفها الجميع، فتلزمهم الحجة، ولا يعذر ~~أحد بالجهل بالقانون، ولا يعفى من العقاب. إذن: قطع الله عليهم الحجة، ~~حين بعث إليهم رسول الله بمنهج الحق الذي يدلهم على الخير والثواب عليه ~~في الجنة، ويحذرهم من الشر والعقاب عليه في النار # لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.. # [النساء: 165]. إذن: الحكمة من إرسال الرسول إقامة الحجة على المرسل ~~إليهم مجرد إقامة الحجة لأن قضايا الدين قضايا حق فطري يهتدي ms7320 إليها ~~العقل السليم بفطرته لذلك وقف المستشرقون طويلا عند شخصية عمر - رضي ~~الله عنه -. يقولون: تذكرون عمر في كل شيء: في العدل تقولون عمر، وفي ~~القوة تقولون عمر، وفي وجود رسول الله تقولون نزل القرآن موافقا لكلام ~~عمر، أليس عندكم إلا عمر؟ وكأن الحق - تبارك وتعالى - يدلنا بشخصية عمر ~~إلى أنه سبحانه لم يكلفنا بقضايا تنفر منها الفطرة، إنما بقضايا ~~تقبلها فطرتنا السليمة، وتهتدي إليها بطبيعتها السوية الخالية من الهوى، ~~وهذا عمر لم يكن نبيا ولا رسولا، لكن كان يصل إلى الحق بما فيه من ~~فطرة إيمانية وعقلية سالمة من الأهواء، حتى وصلت به الفطرة السليمة إلى ~~أن ينطق القرآن بنفس ما نطق به. وكلمة { ولولا.. } [القصص: 47] تأتي ~~بأحد معنيين: إن دخلت على الجملة الاسمية فهي حرف امتناع لوجود، كما لو ~~قلت: لولا زيد عندك لزرتك، فامتنعت الزيارة لوجود زيد، ومن هذه قوله ~~تعالى: { ولولا أن تصيبهم مصيبة.. } [القصص: 47] والتقدير: ~~لولا إصابتهم. فإن دخلت لولا على الجملة الفعلية أفادت الحث ~~والحض، كما تقول لولدك: لولا ذاكرت دروسك، وكذلك لولا الثانية في ~~الآية { فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين } [القصص: 47]. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { فلما جآءهم الحق من عندنا... }. ### || [28.48] # قوله تعالى: { فلما جآءهم الحق من عندنا.. } [القصص: ~~48] أي: الرسول الذي طلبوه { قالوا لولا أوتي مثل مآ ~~أوتي موسى.. } [القصص: 48] سبحان الله، إن كنت كذوبا فكن ~~ذكورا، لقد طلبتم مجرد الرسول ولم تطلبوا معه معجزة معينة فقلتم: # ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا.. # [القصص: 47] والآن تطلبون آيات حسية كالتي أرسل بها موسى من قبل. ~~والمتأمل يجد أن الآيات قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانت آيات حسية ~~كونية، مثل سفينة نوح عليه السلام، وناقة صالح عليه السلام، وعصا موسى ~~عليه السلام، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله بالنسبة ~~لسيدنا عيسى عليه السلام. وهذه كلها معجزات حسية تنتهي بانتهاء وقتها، ~~فهي مناسبة للرسل المحدودي الزمن، والمحدودي المكان. أما الرسول الذي ~~أرسل للناس كافة في الزمان وفي المكان، ms7321 فلا تناسبه الآية الحسية ~~الوقتية لأنها ستكون معجزة لزمانها، وتظل العصور فيما بعد بلا معجزة، ~~لذلك جاء الحق - تبارك وتعالى - على يد محمد صلى الله عليه وسلم بمعجزة ~~باقية خالدة محفوظة بحفظ الله إلى يوم القيامة. وقلنا: إن الرسل قبل ~~محمد صلى الله عليه وسلم كان الرسول يأتي بمعجزة تثبت صدق بلاغه عن ~~الله، ومعه كتاب يحمل منهجه، فالكتاب غير المعجزة، أما محمد صلى الله ~~عليه وسلم فجاءت معجزته هي عين الكتاب والمنهج الذي أرسل به ليظل ~~الدليل على صدقه باقيا مع المنهج الذي يطالب الناس به، وإلى أن تقوم ~~الساعة نظل نقول: محمد رسول الله وهذه معجزته. أما إخوانه من الرسل ~~السابقين فنقول فلان، وكانت معجزته كذا على سبيل الإخبار، والخبر يحتمل ~~الصدق ويحتمل الكذب. وقد صدقنا بهذه المعجزات كلها لأن الله أخبرنا ~~بها في القرآن الكريم، فللقرآن الذي جاء معجزة ومنهجا الفضل في إبقاء ~~هذه المعجزات لأنه أخبر بها وخلد ذكرها. ثم يرد الله عليهم: { أولم ~~يكفروا بمآ أوتي موسى من قبل.. } [القصص: 48] ثم يحكي ~~ما قالوا عن معجزة موسى، وعن معجزة محمد { قالوا سحران ~~تظاهرا.. } [القصص: 48] أي: أن موسى جاء بسحر، ومحمد جاء بسحر آخر، ~~وقد { تظاهرا.. } [القصص: 48] علينا يعني: تعاونا، وهي مأخوذة من ~~الظهر كأنك قلت: أعطني ظهرك مع ظهري لنحمل الحمل معا، والظهر محل ~~الحمل. والرد على هذا الاتهام يسير، فمعجزة موسى وإن كانت من جنس السحر ~~إلا أنها ليست سحرا، فالسحر يخيل لك أن الحبال حية تسعى، أما ما ~~فعله موسى فكان قلب العصا إلى حية حقيقية تسعى وتبتلع سحرهم، لذلك ألقي ~~السحرة ساجدين لأنهم رأوا معجزة ليست من جنس ما نبغوا فيه فآمنوا من ~~فورهم. أما الذين قالوا عن محمد صلى الله عليه وسلم: إنه ساحر فالرد ~~عليهم بسيط: فلماذا لم يسحركم أنتم أيضا كما سحر المؤمنين به؟ ثم يؤكدون ~~كفرهم بكل من الرسولين: موسى ومحمد: { وقالوا إنا بكل ~~كافرون } [القصص: 48]. ### || [28.49] # معنى { قل.. } [القصص: 49] أي: في الرد عليهم { فأتوا بكتاب ~~من عند ms7322 الله هو أهدى منهمآ.. } [القصص: 49] أي: أهدى ~~من التوراة التي جاء بها موسى، وأهدى من القرآن الذي جاء به محمد ما دام ~~أنهما لم يعجباكم { أتبعه إن كنتم صادقين } [القصص: 49] ~~يعني: لو جئتم به لاتبعته. وهذا يعني منهجين: منهج حق جاء به محمد، ~~ومنهج باطل يصرون هم عليه، وهذا التحدي من سيدنا رسول الله للكفار يعني ~~أنه لا يوجد كتاب أهدى مما جاء به، لا عند القوم، ولا عند من سيأتي من ~~بعدهم، وحين يقر لهم رسول الله بإمكانية وجود كتاب أهدى من كتابه ~~يطمعهم في طلبه، فإذا طلبوه لم يجدوا كتابا أهدى منه، فيعرفوا هم ~~الحقيقة التي لم ينطق بها رسول الله، وهل يستطيع بشر أن يضع للناس منهجا ~~أهدى من منهج الله؟ إذن: يقول لهم: { إن كنتم صادقين } [القصص: ~~49] وهو يعلم أنهم غير صادقين، لأن الله تعالى جعل محمدا صلى الله عليه ~~وسلم خاتم الرسل، فلن يأتي رسل بعده، بحيث يأتي الرسول فتستدركوا عليه ~~فيأتي آخر بكتاب جديد، وأنتم لن تستطيعوا أن تأتوا بكتاب من عند أنفسكم ~~لأن كل مقنن سيأتي بالمنهج الذي يخدم مذهبه، ويرضي هواه. لذلك نقول: ~~ينبغي في المقنن ويشترط فيه: أولا: أن يكون على علم واسع، بحيث لا ~~يستدرك عليه فيما بعد، وهذه لا تتوفر في أحد من البشر، بدليل أن ~~القوانين التي وضعت في الماضي لم تعد صالحة الآن ينادي الناس كثيرا ~~بتعديلها، حيث طرأت عليهم مسائل جديدة غابت عن ذهن المشرع الأول، ~~فلما جدت هذه المسائل أتعبت البشر بالتجربة، فطالبوا بتعديلها. ~~ثانيا: يشترط في المشرع ألا يكون له هوى فيما يشرع للناس، ونحن ~~نرى الرأسماليين والشيوعيين، وغيرهم كل يشرع بما يخدم مذهبه وطريقته ~~في الحياة لذلك يجب ألا يسند التشريع للناس لأحد منهم لأنه لا يخلو من ~~هوى. ثالثا: يشترط فيه ألا يكون منتفعا بشيء مما يشرع. وإذا اقتضت ~~مسائل الحياة وتنظيماتها أن نقنن لها، فلا يقنن لنا من البشر إلا ~~أصحاب العقل الناضج والفكر المستقيم، بحيث يتوفر لهم نضج التقنين، لكن ms7323 ~~إلى أن يوجد عندهم نضج التقنين أي منهج يسيرون عليه؟ فإن حدثت فجوة ~~في التشريع عاش الناس بلا قانون، وإلا فما الذي قنن لأول مقنن؟ ~~الذي قنن لأول مقنن هو الذي خلق أول من خلق. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما... }. ### || [28.50] # وهذا يعني أن الله تعالى لم يطاوعهم إلى ما أرادوا، فلم يأتهم بكتاب ~~آخر، لكن كيف كان سيأتيهم هذا الكتاب؟ يجيب الحق - تبارك وتعالى - على ~~هذا السؤال بقوله تعالى: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إذن: الكلام عندهم ليس في الكتاب، إنما فيمن أنزل عليه ~~الكتاب، وهذا معنى: { فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم.. } ~~[القصص: 50]. ثم يقول سبحانه: { ومن أضل.. } [القصص: 50] يعني لا ~~أضل { ممن اتبع هواه بغير هدى من الله.. } ~~[القصص: 50] أي: اتبع هوى نفسه، أما إن وافق هواه هوى المشرع، فهذا ~~أمر محمود أوضحه رسول الله في الحديث الشريف: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". # فنحن في هذه الحالة لا نتبع الهوى إنما نتبع الشرع لذلك يقول أحد ~~الصالحين الذين أفنوا عمرهم في الطاعة والعبادة: اللهم إني أخشى ألا ~~تثيبني على طاعتي لأنك أمرتنا أن نحارب شهوات أنفسنا، وقد أصبحت أحب ~~الطاعة حتى صارت شهوة عندي. وأضل الضلال أن يتبع الإنسان هواه لأن ~~الأهواء متضاربة في الخلق تضارب الغايات، لذلك المتقابلات في الأحداث ~~موجودة في الكون. وقد عبر المتنبي عن هذا التضارب، فقال: # أرى كلنا يبغى الحياة لنفسه # حريصا عليها مستهاما بها صبا # فحب الجبان النفس أورده التقى # وحب الشجاع النفس أورده الحربا # فنحن جميعا نحب الحياة ونحرص عليها، لكن تختلف وسائلنا، فالجبان لحبه ~~الحياة يهرب من الحرب، والشجاع يلقي بنفسه في معمعتها مع أنه محب ~~للحياة، لكنه محب لحياة أخرى أبقى، هي حياة الشهيد. وآخر يقول: # كل من في الوجود يطلب صيدا # غير أن الشباك مختلفات # فالرجل الذي يتصدق بما معه رغم حاجته إليه، لكنه رأى من هو أحوج منه، ~~وفيه قال تعالى: # ويؤثرون على ms7324 أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. # [الحشر: 9]. نقول: هذا آثر الفقير على نفسه، لكنه من ناحية أخرى يبغي ~~الأجر ويطمع في عشرة أمثال ما أنفق، بل يطمع في الجنة، إذن: المسألة ~~فيها نفعية، فالدين عند المحققين أنانية، لكنها أنانية رفيعة راقية، ليست ~~أنانية حمقاء، الدين يرتقي بصاحبه، ويجعله إيجابيا نافعا للآخرين، ولا ~~عليه بعد ذلك أن يطلب النفع لنفسه. فالشرع حين يقول لك: لا تسرق. وحين ~~يأمرك بغض بصرك، وغير ذلك من أوامر الشرع، فإنما يقيد حريتك وأنت ~~واحد، لكن يقيد من أجلك حريات الآخرين جميعا، فقد أعطاك أكثر مما أخذ ~~منك، فإذا نظرت إلى ما أخذ منك باتباعك للمنهج الإلهي فلا تنس ما ~~أعطاك. لذلك حين # " نتأمل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعالج داءات النفوس حينما أتاه ~~شاب من الأعراب الذين آمنوا، يشتكي إليه ضعفه أمام النساء، وقلة صبره ~~على هذه الشهوة، حتى قال له: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، ومع ذلك لم ~~ينهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل علم أنه أمام مريض يحتاج إلى ~~من يعالجه، ويستل من نفسه هذه الثورة الجامحة، خاصة وقد صارح رسول الله ~~بما يعاني فكان صادقا مع نفسه لم يدلس عليها. لذلك أدناه رسول الله، ~~وقال له: يا أخا العرب، أتحب ذلك لأمك؟ أتحب ذلك لزوجتك؟ أتحب ذلك لأختك؟ ~~أتحب ذلك لابنتك؟ والشاب في كل هذا يقول: لا يا رسول الله جعلت ~~فداك. عندها قال صلى الله عليه وسلم: " كذلك الناس يا أخا العرب لا ~~يحبون ذلك لأمهاتهم ولا لزوجاتهم ولا لأخواتهم ولا لبناتهم " ". # فانصرف الشاب وهو يقول: والله ما شيء أبغض إلي من الزنا بعدما سمعت ~~من رسول الله، وكلما همت بي شهوة ذكرت قول رسول الله في أمي، ~~وزوجتي، وأختي، وابنتي. فالذي يجريء الناس على المعصية والولوع بها ~~عدم استحضار العقوبة وعدم النظر في العواقب، وكذلك يزهدون في الطاعة لعدم ~~استحضار الثواب عليها. وسبق أن قلنا لطلاب الجامعة: هبوا أن فتى عنده ~~شره جنسي، فهو شره منطلق ms7325 يريد أن يقضي شهوته في الحرام، ونريد له أن ~~يتوب فقلنا له: سنوفر لك كل ما تريد على أن تلقي بنفسك في هذا الفرن ~~بعد أن تنهي ليلتك كما تحب، ماذا يصنع؟ ثم يقول تعالى: { إن الله ~~لا يهدي القوم الظالمين } [القصص: 50] وفي مواضع أخرى: # لا يهدي القوم الفاسقين # [المائدة: 108]، # لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264]، وكلها دلت على أن الله لا يصنع عدم الهداية لأحد إلا ~~بسبق شيء منه، والمراد بالهداية هنا - أي: هداية الإيمان والتقوى - ~~وإلا فقد هدى الله الجميع هداية الدلالة والإرشاد فلم يأخذ بها هؤلاء ~~فحرموا هداية الإيمان. ثم يقول الحق سبحانه: { ولقد وصلنا ~~لهم... }. ### || [28.51] # كلمة { وصلنا.. } [القصص: 51] تشعر بأشياء، انفصل بعضها عن بعض، ~~ونريد أن نوصلها، فقوله تعالى { ولقد وصلنا لهم ~~القول لعلهم يتذكرون } [القصص: 51] أي: وصلنا لهم ~~الرسالات، فكلما انقضى عهد رسول وكفر الناس أتاهم الله برسالة أخرى ~~ليظل الخلق متصلين بهدي الخالق وبمنهجه، أو: أن الأمر خاص برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى وصلنا له الآيات، فكلما نزل عليه نجم ~~من القرآن وصلنا بنجم آخر حسب الأحداث. لذلك كانت هذه المسألة من ~~الشبهات التي أثارها خصوم رسول الله، حين قالوا كما حكى عنهم القرآن # وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة.. # [الفرقان: 32] فرد عليهم القرآن ليبين لهم حكمة نزوله منجما: # كذلك.. # [الفرقان: 32] أي: أنزلناه كذلك منجما # لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا # [الفرقان: 32]. فلو نزل القرآن جملة واحدة لكان التثبيت لرسول الله مرة ~~واحدة، وهو محتاج إلى تثبيت مستمر مع الأحداث التي سيتعرض لها، فيوصل ~~الله له الآيات ليظل على ذكر من سماع كلام ربه كلما اشتدت به الأحداث، ~~فيأتيه النجم من القرآن ليسليه، ويسري عنه ما يلاقي من خصومه. ~~وحكمة أخرى في قوله: # ورتلناه ترتيلا # [الفرقان: 32] فكلما نزل قسط من القرآن سهل عليهم حفظه وترتيبه ~~والعمل به، كما أن المؤمنين المأمورين بهذا المنهج ستستجد عليهم قضايا، ~~وسوف يسألون فيها رسول الله، فكيف سيكون الجواب عليها إن نزل القرآن ~~جملة واحدة. ms7326 لا بد أن يتأخر الجواب إلى أن يطرأ السؤال لذلك يقول ~~تعالى: # ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن ~~تفسيرا # [الفرقان: 33]. وقد ورد الفعل يسألونك في القرآن عدة مرات في سور شتى، ~~فكيف تتأتى لنا الإجابة لو جاء القرآن كما تقولون جملة واحدة، ثم سبحان ~~الله هل أطقتموه منجما حتى تطلبوه جملة واحدة؟ ثم تختم الآية بحكمة ~~أخرى: { لعلهم يتذكرون } [القصص: 51] فكلما نزل نجم من ~~القرآن ذكرهم بما غفلوا عنه من منهج الله. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~الذين آتيناهم... }. ### || [28.52] # كأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: سأجعل ~~خصومك من أهل الكتاب هم الذين يشهدون بصدقك لأنهم يعرفونك كما يعرفون ~~أبناءهم، وما جاء في كتابك ذكر في كتبهم وذكرت صورتك وأوصافك عندهم. ~~لذلك تجد آيات كثيرة من كتاب الله تعول على أهل الكتاب في معرفة الحق ~~الذي جاء به القرآن، يقول تعالى: # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب # [الرعد: 43]. فهم أيضا شهداء على صدق رسول الله بما عندهم من الكتب ~~السابقة فاسألوهم. ويقول تعالى: # بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير ~~وأبقى * إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف ~~إبراهيم وموسى # [الأعلى: 16-19]. ويقول سبحانه: # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل ~~إليكم ومآ أنزل إليهم خاشعين لله.. # [آل عمران: 199]. وإلا، فلماذا أسلم عبد الله بن سلام وغيره من علماء ~~اليهود؟ إذن: أهل الكتاب الصادقون مع أنفسهم ومع كتبهم لا بد أن ~~يؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، أما الذين لم يؤمنوا فحجبتهم ~~السلطة الزمنية والحرص على السيادة التي كانت لهم قبل الإسلام، سيادة في ~~العلم، وفي الحرب، وفي الثروة. وكان من هؤلاء عبد الله بن أبي، وكان ~~أهل المدينة يستعدون لتنصيبه ملكا عليهم، فلما هاجر سيدنا رسول الله ~~إليها أفسد عليهم ما يريدون، ونزع منهم هذه السيادة، والسلطة الزمنية ~~حينما تتدخل تعني أن يشترك هوى الناس فيستخدمون مرادات الله لخدمة ~~أهوائهم، لا لخدمة مرادات الله. ms7327 ثم يقول الحق سبحانه: { وإذا يتلى ~~عليهم... }. ### || [28.53] # هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب إذا يتلى عليهم القرآن قالوا: آمنا به، ~~وشهدوا له أنه الحق من عند الله، وأنهم لم يزدادوا بسماع آياته ~~إيمانا، فهم كانوا من قبله مسلمين، فقد آمنوا أولا بكتبهم، وآمنوا كذلك ~~بالقرآن. ### || [28.54] # الحق - سبحانه وتعالى - يريد أن يعلمنا أن الذي يريد دينا حقا لا ~~بد أن ينظر إلى دين يأتي بعده بمعجزة، لأنه إذا كان قد آمن حين جاء ~~عيسى بأنه جاء بعد موسى - عليه السلام - فلا يستبعد عقلا أن يجيء بعد ~~عيسى رسول، فوجب عليه أن يبحث في الدين الجديد، وأن ينظر أدلة تبرر له ~~إيمانه بهذا الدين. هذا إذا كان الدين الأول لم يتبدل، فإذا كان الدين ~~الأول قد تبدل، فالمسألة واضحة لأن التبديل يحدث فجوة عند من يريد ~~دينا # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة.. # [الأعراف: 157]. آمنوا به لأنهم وجدوا نعته، ووجدوا العقائد التي لا ~~تتغير موجودة في كتابه، وهو أمي لم يعرف شيئا من هذا، فأخذوا من ~~أميته دليلا على صدقه. فقوله تعالى: { أولئك.. } [القصص: 54] ~~أي: أهل الكتاب الذين يؤمنون بالقرآن وهم خاشعون لله، والذين سبق وصفهم { ~~أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا.. } ~~[القصص: 54] أجر لإيمانهم برسلهم، وأجر لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. لذلك جاء في الحديث الشريف: # " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه مثل آمن بي، ~~وعبد مملوك أدى حق الله وأدى حق أوليائه، ورجل عنده أمة - جارية - ~~فأدبها فأحسن تأديبها، فأعتقها بعد ذلك، ثم تزوجها ". # وهؤلاء الذين آمنوا برسلهم، ثم آمنوا برسول الله استحقوا هذه المنزلة، ~~ونالوا هذين الأجرين لأنهم تعرضوا للإيذاء ممن لم يؤمن في الإيمان ~~الأول، ثم تعرضوا للإيذاء في الإيمان الثاني، فصبروا على الإيذاءين، ~~وهذه هي حيثية { يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا... } ~~[القصص: 54]. وكما أن الله تعالى يؤتي أهل الكتاب الذين آمنوا بمحمد ~~أجرهم مرتين، كذلك يؤتي بعض المسلمين أجرهم مرتين، ومنهم - كما بين ~~سيدنا رسول الله: ms7328 # " عبد مملوك أدى حق الله، وأدى حق أوليائه، ورجل عنده أمة... ". # ولا يحرم هذا الأجر الدين الذي باشر الإسلام، وأتى قبله، وهو المسيحية، ~~فلهم ذلك أيضا لذلك يقول تعالى: # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا ~~الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. # [الحديد: 25] وأهم هذه المنافع # وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب.. # [الحديد: 25] وذكر الحديد، لأن منه سيصنع سلاح الحرب. إذن: أنزل الله ~~القرآن لمهمة، وأنزل الحديد لمهمة أخرى لذلك يقول الشاعر: # فما هو إلا الوحي أو حد مرهف # يقيم ظباه أخدعي كل مائل # فهذا دواء الداء من كل عاقل # وذاك دواء الداء من كل جاهل # ولي أنا شخصيا ذكريات ومواقف مع هذه الآية { أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين بما صبروا. # . } [القصص: 54] وقد كنا في بلد بها بعض من إخواننا المسيحيين، وكان من ~~بينهم رجل ذو عقل وفكر، كان دائما يواسي المسلمين، ويحضر مآتمهم ويستمع ~~للقرآن، وكانت تعلق بذهنه بعض الآيات، فجاءني مرة يقول: سمعت المقرىء ~~يقرأ: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. فألسنا من العالمين؟ قلت له: نعم أرسل محمد رحمة ~~للعالمين جميعا، فمن آمن به نالته رحمته، ومن لم يؤمن به حرم ~~منها، ومع ذلك لو نظرت في القرآن نظرة إمعان وتبصر تجد أنه رحم غير ~~المؤمن، قال: كيف؟ فقرأت له قوله تعالى: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس.. # [النساء: 105] ولم يقل بين المؤمنين # بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105]. فمن رحمة الرسول بغير المؤمنين أن ينصف المظلوم منهم، ~~وأن يرد عليه حقه، ثم # واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما # [النساء: 106] لأن الله لا يحب الخوان الأثيم ولو كان مسلما. ثم ~~ذكرت له سبب نزول هذه الآية وهي قصة الدرع الذي أودعه اليهودي زيد بن ~~السمين أمانة عند طعمة بن أبيرق المسلم، وكان الدرع قد سرق من قتادة بن ~~النعمان، فلما افتقده قتادة ذهب يبحث عنه، وكان قد وضعه في كيس من ~~الدقيق، فتتبع أثر الدقيق حتى ذهب إلى ms7329 بيت زيد بن السمين اليهودي فاتهمه ~~بسرقته، وأذاع أمره بين الناس، فقص اليهودي ما كان من أمر طعمة بن ~~أبيرق، وأنه أودع الدرع عنده على سبيل الأمانة لأنه يخشى عليه أن يسرق ~~من بيته. وهنا أحب المسلمون تبرئة صاحبهم لأنه حديث عهد بإسلام، وكيف ~~ستكون صورتهم لو شاع بين الناس أن أحدهم يسرق، ومالوا إلى إدانة اليهودي، ~~وفعلا عرضوا وجهة نظرهم هذه على رسول الله ليرى فيه حلا يخرجه من هذا ~~المأزق، مع أنهم لا يستبعدون أن يسرق ابن أبيرق. وجلس رسول الله يفكر في ~~هذا الأمر، لكن سرعان ما نزل عليه الوحي، فيقول له: هذه المسألة لا تحتاج ~~إلى تفكير ولا بحث: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105]. فأدانت الآية ابن أبيرق، ودلت على أن هذه ليست ~~الحادثة الأولى في حقه، ووصفته بأنه خوان أي: كثير الخيانة وبرأت ~~اليهودي، وصححت وجهة نظر المسلمين الذين يخافون من فضيحة المسلم ~~بالسرقة، وغفلوا عن الأثر السيء لو قلبوا الحقائق، وأدانوا اليهودي. ~~فالآية وإن أدانت المسلم، إلا أنها رفعت شأن الإسلام في نظر الجميع: ~~المسلم واليهودي وكل من عاصر هذه القصة بل وكل من قرأ هذه الآية، ولو ~~انحاز رسول الله وتعصب للمسلم لاهتزت صورة الإسلام في نظر الجميع. ولو ~~حدث هذا ماذا سيكون موقف اليهود الذين يراودهم الإسلام، وقد أسلموا فعلا ~~بعد ما حدث؟ وما أشبه هذه المسألة بشاهد الزور الذي يسقط أول ما يسقط من ~~نظر صاحبه الذي شهد لصالحه، حتى قالوا: من جعلك موضعا للنقيصة فقد ~~سقطت من نظره، وإن أعنته على أمره، فشاهد الزور يرتفع رأسك على ~~الخصم بشهادته، وتطأ قدمك على كرامته. وقوله تعالى: { ويدرؤن ~~بالحسنة السيئة.. } [القصص: 54] هذه أيضا من خصالهم أن ~~يدفعوا السيئة بالحسنة، فمن صفاتهم العفو والصفح كما قال تعالى: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] { ومما رزقناهم ينفقون } [القصص: 54] النفقة ~~الواجبة على نفسه وعلى آله، والنفقة الواجبة للفقراء وهي الزكاة، ثم ms7330 نفقة ~~المروءات للمساكين وأهل الخصاصة. ### || [28.55] # هذه صفة أخرى من صفات المؤمنين { وإذا سمعوا اللغو ~~أعرضوا عنه.. } [القصص: 55] واللغو: هو الكلام الذي لا فائدة ~~منه، فلا ينفعك إن سمعته، ولا يضرك عدم سماعه، وينبغي على العاقل أن ~~يتركه، فهو حقيق أن يترك وأن يلغى. ولذلك كان من صفات عباد الرحمن: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72] أي: لا يلتفتون إليه. وسبب نزول هذه الآية: لما استقبل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رسل النجاشي وكانوا جماعة من القساوسة، ~~فلما جلسوا أسمعهم سورة يس، فتأثروا بها حتى بكوا جميعا، ثم آمنوا ~~برسول الله، ولما انصرفوا تعرض لهم أبو جهل ونهرهم وقال: خيبكم الله ~~من ركب - وهم الجماعة يأتون في مهمة - أرسلكم من خلفي - يعني: النجاشي ~~- لتعلموا له أخبار الرجل، فسمعتموه فبكيتم وأسلمتم، والله ما رأينا ~~ركبا أحمق منكم، فما كان منهم إلا أن أعرضوا عنه. هذا معنى قول الحق ~~سبحانه: { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا ~~لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم.. } [القصص: 55]. وهؤلاء ~~مروا باللغو مرور الكرام، وأعرضوا عنه، فلم يلتفتوا إليه، وزادوا على ~~ذلك أنهم لم يسكتوا على اللغو إنما قالوا: { لنآ أعمالنا ولكم ~~أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } [القصص: ~~55] لنا أعمالنا الخيرة التي يجب أن نقبل عليها، ولكم أعمالكم ~~الباطلة التي ينبغي أن تترك، فكل منا له شأن يشغله. { سلام ~~عليكم.. } [القصص: 55] والسلام إما سلام تحية كما هو شائع بيننا، ~~وإما سلام للمتاركة كما لو دخلت مع صاحبك في جدل، فلما رأيت أنه سيطول ~~وربما تعديت عليه فتقول له تاركا: سلام عليكم. تعني: إنني ليس لدي ~~ما أقوله لمفارقتك إلا هذه الكلمة. ومن ذلك ما دار بين الخليل إبراهيم - ~~عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - وبين عمه، فبعد أن ناقشه ولم يصل ~~معه إلى نتيجة قال له: # سلام عليك سأستغفر لك ربي.. # [مريم: 47]. ثم يقول الحق سبحانه: { إنك لا تهدي من ~~أحببت... }. ### || [28.56] # هذا خطاب لسيدنا رسول الله، خاص بدعوته لعمه أبي طالب الذي ظل على ~~دين قومه، ولكنه كان ms7331 يحمي رسول الله حماية عصبية قربى وأهل، لا محبة في ~~الإسلام، ولله تعالى حكمة في أن يظل أبو طالب على الكفر لأنه بذلك كسب ~~قريشا ونال احترامهم، حيث أعجبهم عدم إيمانه بمحمد وعدم مجاملته له، ~~وأعجبهم أن يظل على دين الآباء، فاحترموا حمايته لابن أخيه، وهذا منع عن ~~رسول الله إيذاءهم، وحمى الدعوة من كثير من الاعتداءات عليها. لذلك كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يرد له هذا الجميل، ورد ~~رسول الله للجميل لا يكون بعرض من الدنيا، إنما بشيء باق خالد، فلما ~~حضرت أبا طالب الوفاة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم # " يا عم، قل لا إله إلا الله كلمة أشفع لك بها عند الله يوم القيامة " # فقال: يا ابن أخي، لولا أن قريشا تعيرني بهذه الواقعة، ويقولون ما ~~آمن إلا جزعا من الموت لأقررت عينك بها. لكن يروى أنه بعدما انتقل أبو ~~طالب، جاء العباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا محمد، إن ~~الكلمة التي طلبت من عمك أن يقولها قالها قبل أن يموت وأنا أشهد بها. ~~ونلاحظ هنا دقة الأداء من العباس، حيث لم يقل: إن هذه الكلمة لا إله ~~إلا الله، بل سماها الكلمة لماذا؟ لأنه لم يكن قد أسلم بعد. وسبق أن ~~تكلمنا في معنى الهداية { إنك لا تهدي من أحببت.. } ~~[القصص: 56] وقلنا: إنها تأتي بأحد معنيين: بمعنى الإرشاد والدلالة، ~~وبمعنى المعونة لمن يؤمن بالدلالة، ومن ذلك قوله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17] أي: سمعوا الدلالة وأطاعوها، فزادهم الله هداية أخرى، هي ~~هداية الإيمان والمعونة. يقول تعالى في هذه المسألة: # وأما ثمود فهديناهم # [فصلت: 17] يعني: دللناهم # فاستحبوا العمى على الهدى # [فصلت: 17] لذلك حرموا هداية المعونة. إذن: الهداية المنفية عن سيدنا ~~رسول الله { إنك لا تهدي من أحببت.. } [القصص: 56] هي ~~هداية المعونة والتوفيق للإيمان لأنه صلى الله عليه وسلم هدى الجميع ~~هداية الدلالة والإرشاد، وكان مما قال: # يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على ms7332 تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم # [الصف: 10]. فهداية الدلالة صدرت أولا عن الله تعالى، ثم بالبلاغ من ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ثانيا. ثم يقول الحق سبحانه: { وقالوا ~~إن نتبع الهدى معك... }. ### || [28.57] # وهذه المقولة { إن نتبع الهدى معك نتخطف من ~~أرضنآ.. } [القصص: 57] قالها الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف، ~~فقد ذهب إلى سيدنا رسول الله، وقال: إننا نعلم أنك جئت بالحق، ولكن نخاف ~~إن آمنا بك واتبعنا هواك أن نتخطف من أرضنا، ولا بد أنه كان يتكلم ~~بلسان قومه الذين ائتمروا على هذا القول. والخطف: هو الأخذ بشدة وسرعة. ~~إذن: فهم يقرون للرسول بأنه جاء بالحق، وأنه على الهدى، لكن علة ~~امتناعهم أن يتخطفوا، وكان عليهم أن يقارنوا بعقولهم بين أن يكونوا مع ~~رسول الله على الحق وعلى الهدى ويتخطفوا وبين أن يظلوا على كفرهم. ~~فقصارى ما يصيبهم إن اتبعوا رسول الله أن يتخطفهم الناس في أموالهم أو ~~في أنفسهم - على فرض أن هذا صحيح - قصارى ما يصيبهم خسارة عرض فان من ~~الدنيا لو استمر لك لتمتعت به مدة بقائك فيها، وهذا الخير الذي سيفوتك ~~من الدنيا محدود على مقتضى قوة البشر، ولا يضيرك هذا إن كنت من أهل ~~الآخرة حيث ستذهب إلى خير باق دائم، خير يناسب قدرة المنعم سبحانه. أما ~~إن ظلوا على كفرهم، فمتاع قليل في الدنيا الفانية، ولا نصيب لهم في ~~الآخرة الباقية. إذن: فأي الطريق أهدى؟ إن المقارنة العقلية ترجح طريق ~~الهدى واتباع الحق الذي جاء به رسول الله، هذه واحدة. ثم من قال إنكم ~~إن اتبعتم الهدى مع رسول الله تتخطفوا وتضطهدوا؟ لذلك يرد الله ~~عليهم: قل لهم يا محمد: كذبتم، فلن يتخطفكم أحد بسبب إسلامكم { ~~أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات ~~كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } [القصص: 57]. فقد أنعم الله عليكم وأنتم كافرون مشركون به، ~~تعبدون الأصنام في جاهلية، ومكن لكم حياة آمنة في رحاب بيته الحرام، ~~ووفر لكم رغد العيش وأنتم بواد غير ذي ms7333 زرع حيث يجبى إليه الثمرات ~~من كل مكان، فالذي صنع معكم هذا الصنيع أيترككم ويتخلى عنكم بعد أن ~~آمنتم به، واهتديتم إلى الحق؟ كيف يكون منكم هذا القياس؟ ومعنى: { ~~أولم نمكن لهم.. } [القصص: 57] استفهام للتقرير، فاسألهم ~~وسوف يعترفون هم أن الله مكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل ~~شيء، فالحق سبحانه يريد أن يثبت هذه القضية بإقرارهم بها. ومعنى { ~~نمكن لهم.. } [القصص: 57] نجعلهم مكينين فيه، كما في قوله تعالى: # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض.. # [يوسف: 21] والتمكين يدل على الثبات لأن ظرف المكان ثابت على خلاف ظرف ~~الزمان. وقال: { حرما آمنا.. } [القصص: 57] مع أن الأمن لمن في ~~المكان، لكن أراد سبحانه أن يؤمن نفس المكان، فيكون كل ما فيه آمنا، ~~حتى القاتل لا يقتص منه في الحرم، والحيوان لا يثار فيه ولا يصاد، ~~والنبات لا يعضد حتى الحجر في هذا المكان آمن، ألا تراهم يرجمون حجرا ~~في رمي الجمرات في حين يكرمون الحجر الأسود ويقبلونه. # وحينما نتأمل الحرم منذ أيام الخليل إبراهيم - عليه السلام - نجد أن له ~~خطة، وأن الحق سبحانه يعده ليكون حرما آمنا، فلما جاءه إبراهيم قال: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم.. # [إبراهيم: 37]. هذا يعني أن المكان ليس به من مقومات الحياة إلا الهواء، ~~لأن نفي الزرع يعني عدم وجود الماء لذلك اعترضت السيدة هاجر على هذا ~~المكان القفر، فلما علمت أنه اختيار الله لهم قالت: إذن لن يضيعنا. وقد ~~رأت بنفسها أن الله لم يضيعهم، فلما احتاجت الماء لترضع وليدها وسعت ~~في طلبه بين الصفا والمروة سبعة أشواط على قدر ما أطاقت لم تجد الماء ~~في سعيها، ولو أنها وجدته لكان سعيها سببا إنما أراد الله أن ~~يصدقها في كلمتها، وأن يثبت لها أنه سبحانه لن يضيعهم من غير أسباب ~~لتتأكد أن كلمتها حق، ثم شاءت قدرة الله أن يخرج الماء من تحت قدم ~~الوليد، وهو يضرب بقدمه الأرض، ويبكي من شدة الجوع والعطش، وانبجست ~~زمزم. ولما أسكن إبراهيم أهله ms7334 في هذا المكان المقفر أراده لهم سكنا ~~دائما، لا مجرد استراحة من عناء السفر لذلك قال: # ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس ~~تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات.. # [إبراهيم: 37]. وكأنه - عليه السلام - يريد أن يطمئن على إقامة أهله في ~~هذا المكان، وأن يكون البيت مصلى لله، لا تنقطع فيه الصلاة، وهذا هو ~~الفرق بين بيت الله باختيار الله وبيت الله باختيار عباد الله. فالبيت ~~الذي نبنيه لله تعالى قد يغلق حتى في أوقات الفروض، أما بيت الله الذي ~~اتخذه لنفسه فلا يخلو من الطواف والصلاة في أي وقت من ليل أو نهار، ولا ~~ينقطع منه الطواف إلا لصلاة مكتوبة، فإذا قضيت الصلاة رأيتهم يهرعون ~~إلى الطواف. وقد رأيت الحرم في إحدى السنوات وقد دهمه سيل جارف حتى ملأ ~~ساحته، ودخل الماء الكعبة وغطى الحجر الأسود، فكان الناس يطوفون سباحة، ~~ورأينا أناسا يغطسون عند الحجر ليقبلوه، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - ~~يريد أن يظل الطواف حول بيته لا ينقطع على أي حال. كذلك نفهم من قوله ~~تعالى: # تهوي إليهم.. # [إبراهيم: 37]. من الفعل هوى يهوي، يعني: سقط لأن الذي يسقط لا إرادة ~~له في عدم السقوط، كذلك من يأتي بيت الله أو يجلب إليه الخيرات يجد ~~دافعا يدفعه كأنه لا إرادة له. كما نفهم منها معنى آخر، فكل تكاليف الحق ~~سبحانه ربما تكاسل الناس في أدائها، فمنا من لا يصلي أو لا يزكي. # إلا الحج حيث قال الله فيه: # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا.. # [الحج: 27] فمجرد أن تؤذن يأتوك. لذلك نجد من غير القادرين على نفقات ~~الحج من يجوع ويمسك على أهله ليوفر تكاليف الحج، فهو - إذن - الفريضة ~~الوحيدة التي يتهافت عليها من لم تطلب منه. ونلحظ أن إبراهيم - عليه ~~السلام - دعا بالأمن للحرم مرتين: مرة في قوله: # رب اجعل هذا بلدا آمنا.. # [البقرة: 126] يعني: اجعل هذا المكان بلدا آمنا، كأي بلد آمن لا ~~تقام إلا في مكان يؤمنون فيه كل مقومات الحياة، فأي بلد لا ~~تبنى حتى من الكافر إلا إذا ms7335 كان آمنا فيها، فالطلب الأول أن يتحول هذا ~~المكان الخالي إلى بلد آمن، كما يأمن كل بلد حين ينشأ، وهذا أمن عام. ثم ~~يدعو مرة أخرى # رب اجعل هذا البلد آمنا.. # [إبراهيم: 35] بعد أن أصبحت مكة بلدا آمنا يطلب لها مزيدا من الأمن، ~~وهذا أمن خاص، حيث جعلها بلدا حراما، يأمن فيها الإنسان والحيوان ~~والنبات، بل والجماد. وقد وقف البعض عند قوله تعالى: # ومن دخله كان آمنا.. # [آل عمران: 97]. وقالوا: أين هذا الأمن، وقد حدث في الحرم الاعتداء ~~والقتل وترويع الآمنين، كما حدث في أيام القرامطة لما دخلوا الحرم، ~~وقتلوا الناس فيه، وأخذوا الحجر، وفي العصر الحديث نعرف حكاية جهيمان، ~~وما حدث فيها من قتل في الحرم. وهذه الآية: # ومن دخله كان آمنا.. # [آل عمران: 97] جملة خبرية غرضها الأمر والحث، كأنه تعالى قال: أمنوا ~~من دخل الحرم. وهذه ليست قضية كونية، إنما قضية شرعية، وفرق بين ~~القضيتين: الكونية لا بد أن تحدث، أما الشرعية فأمر ينفذه البعض، ~~ويخرج عليه البعض، فمن أطاع الأمر الشرعي لله وأراد أن يجعل أمر الله ~~صادقا يؤمن أهل الحرم، ومن أراد أن يكذب ربه يهيج الناس ويروعهم ~~فيه. ومن الآيات التي كثيرا ما يسأل عنها في هذا الصدد قوله تعالى: # الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ~~والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات.. # [النور: 26] يقولون: كثيرا ما يتزوج خبيث من طيبة، أو طيبة من خبيث، ~~فالواقع لا يتفق مع الآية. نقول أيضا هنا: هذه قضية شرعية تحمل أمرا قد ~~يطاع وقد يعصى، وليست قضية كونية لا بد أن تأتي كما أخبر الله ~~تعالى بها، ولا يتخلف مدلولها. فالمعنى في الآية: إن زوجتم فزوجوا ~~الخبيث للخبيثة، والطيب للطيبة ليتحقق التكافؤ بين الزوجين ويحدث بينهما ~~الوفاق، حتى إن عير الخبيث زوجته كانت مثله تستطيع أن ترد عليه، لا ~~بد من وجود التكافؤ حتى في القباحة، وإلا فكيف تفعل الطيبة مع الخبيث، ~~أو الخبيث مع الطيبة؟ إذن: فالآية وأمثالها قضية شرعية في صيغة الخبر، ~~وإن كانت تعني الأمر، كما تقول عن الميت: رحمه ms7336 الله بصيغة الماضي، وأنت ~~لا تدري رحمه الله، أو لم يرحمه، إذن: لا بد أن المعنى دعاء: فليرحمه ~~الله، قلتها أنت بصيغة الماضي، رجاء أن تكون له الرحمة. # نعود إلى قوله تعالى: { أولم نمكن لهم حرما آمنا.. } ~~[القصص: 57] ونلحظ هذا التمكين وهذا الأمن من قصة الفيل، حيث جاء أبرهة ~~ليهدم الكعبة، ويتقدم الجيش فيل ضخم يقال له محمود، فلما قالوا في أذنه ~~أبرك محمود وارجع راشدا يعني: انفد بجلدك فإنك ببلد الله الحرام فبرك ~~الفيل واستجاب. ثم جاءت معركة الطير الأبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، ~~فجعلهم كعصف مأكول. هذا كله من الأمن الذي جعله الله لقريش سكان حرمه ~~لتظل الكعبة مسكونة بهم، وما داموا هم سكان الحرم والناس تأتيهم من كل ~~الأنحاء للحج كل عام، فسوف يظل لهم الأمن بين القبائل، ولا يجرؤ أحد على ~~الأعتداء عليهم، أو التعرض لقوافلهم في رحلة الشتاء والصيف، وأي أمن، ~~وأي مهابة بعد هذا؟ ومع الحجيج يجلب الطعام وتجلب الأرزاق، وصدق الله ~~العظيم: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * ~~فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 1-4]. وكيف بعد هذا الأمن والأمان يخاف من يؤمن بمحمد أن ~~يتخطف من أرضه؟ إنها مقولة لا مدلول لها. ### || [28.58] # كلمة { وكم } [القصص: 58] كم هنا خبرية تفيد الكثرة، كأنك تركت ~~الجواب ليدل بنفسه على الكثرة، كما تقول لمن ينكر جميلك، ولا تريد أن ~~تعدد أياديك عليه: كم أحسنت إليك، يعني: أنا لن أعدد، وسوف أرضى بما ~~تقوله أنت لأنك واثق أن الإجابة سوف تكون في صالحك، وعندها لا يملك إلا ~~أن يقول: نعم هي كثيرة. فكم هنا تعني الكثرة، وينطق بها المخاطب لتكون ~~حجة عليه. ومعنى: { من قرية } [القصص: 58] من للعموم أي: من بداية ~~ما يقال له قرية { بطرت معيشتها } [القصص: 58] البطر: أن تنسى ~~شكر المنعم على نعمه، أي: أنه سبحانه لم يرد ذكره على بالك وأنت ~~تتقلب في نعمه، أو يكون البطر باستخدام النعمة في معصية المنعم عز ~~وجل. ومن البطر أن ms7337 يتعالى المرء على النعمة، أو يستقلها ويراها أقل من ~~مستواه، كالولد الذي تأتي له أمه مثلا بطبق العدس فيتبرم به، وربما لا ~~يأكل، فتقول الأم كما نقول في العامية: أنت بتتبطر على نعمة ربنا؟ كلمة ~~في لغتنا العامية لكن لها أصل في الفصحى. إذن: من البطر أن تتجبر، أو ~~تتكبر، أو تتعالى على نعمة الله، فلا ترضى بها، وتطلب أعلى منها. ومعنى { ~~معيشتها } [القصص: 58] أي: أسباب معيشتها { فتلك مساكنهم ~~لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن ~~الوارثين } [القصص: 58] فما داموا قد بطروا نعمة الله فلا بد أن ~~يسلبها من أيديهم، وإن سلبت نعم الله من بلد هلكوا، أو رحلوا عنها { ~~إلا قليلا } [القصص: 58] هم الذين يقيمون بعد هلاك ديارهم. { ~~وكنا نحن الوارثين } [القصص: 58] نرثهم لأنهم لم يتركوا من ~~يرثهم، وإذا ترك مكان بلا خليفة يرثه آل ميراثه إلى الله تعالى. وفي ~~آية أخرى يعالج الحق سبحانه هذه القضية بصورة أوسع، يقول تعالى: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله.. # [النحل: 112] يعني: بطرت بنعمه تعالى # فأذاقها الله لباس الجوع والخوف.. # [النحل: 112]. ومعنى الكفر بالله: ستر وجود الله، والستر يقتضي ~~مستورا، فكأن الأصل أن الله تعالى موجود، لكن الكافر يستر هذا الوجود، ~~وهكذا يكون الكفر نفسه دليلا على الإيمان، فالإيمان هو الأصل والكفر ~~طارئ عليه. ومثال ذلك قولنا: إن الباطل جندي من جنود الحق، فحين يستشري ~~الباطل يذوق الناس مرارته، ويكتوون بناره، فيعودون إلى الحق وإلى الصواب، ~~ويطلبون فيه المخرج حين تعضهم الأحداث. وكذلك نقول بنفس المنطق: الألم ~~أول جنود الشفاء لذلك نجد أن أخطر الأمراض هو المرض الذي يتلصص على ~~المريض دون أن يشعره بأي ألم، فلا يدري به إلا وقد استفحل أمره، ~~وتفاقم خطره وعز علاجه، لذلك نسميه - والعياذ بالله - المرض الخبيث. # ففي قوله تعالى: # فكفرت بأنعم الله.. # [النحل: 112]. دليل على وجود النعم، ومع ذلك كفروا بها أي: ستروها، إما ~~بعدم البحث في أسبابها، والتكاسل عن استخراجها، أو ستروها عن ms7338 المستحق لها ~~وضنوا بها على العاجز الذي لا يستطيع الكسب لذلك يسلبهم الله هذه النعم ~~ويحرمهم منها رغم قدرتهم. وهناك أشياء لو ظلت موجودة لأعطت رتابة، ربما ~~فهموا منها أن هذه الأشياء إنما تأتيهم تلقائيا بطبيعة الأشياء، وحين ~~يسلب الله منهم نعمه ويقطع هذه الرتابة، فإنما ليفهموا أن الرتابة في ~~التكليفات تضعف الحكمة من التكليف، كيف؟ نقول: الحق - تبارك وتعالى - ~~حرم علينا أشياء وأحل لنا أشياء، فمثلا حرم الله علينا الخمر حتى ~~أصبحنا لا نشربها ولا حتى تخطر ببالنا، فأصبحت عادة رتيبة عندنا، والله ~~تعالى يريد أن يديم على الإنسان تكليف العبادة، حتى لا يعتادها ~~فيفعلها بالعادة، فيكسر هذه العادة مثلا في صوم رمضان. ويحرم عليك ما ~~كان حلالا لك طوال العام، وقد اعتدت عليه، فيأتي رمضان وتكليف الصيام ~~ليحرم عليك الطعام الذي كنت تأكله بالأمس، ذلك لتظل حرارة العبادة ~~موجودة تشوق العبد إليها، وتعوده الانضباط في أداء التكاليف. ثم ~~يذكر العقاب على الكفر بنعمة الله # فأذاقها الله لباس الجوع والخوف.. # [النحل: 112] والجوع له مظهران: أن تطلبه البطن في أول الأمر، فإن زاد ~~الجوع ضعفت الجوارح، وتألمت الأعضاء كلها، وذاقت ألم الجوع، والله ~~تعالى يريد أن يرينا إحاطة هذا الألم، فشبهه باللباس الذي يحيط ~~بالجسم كله، ويلفه من كل نواحيه. وهذه سنة الله في القرى الظالمة، ~~كما قال سبحانه: { وما كان ربك مهلك القرى... }. ### || [28.59] # إذن: لا بد أن نعلم بالمنهج، ويأتي رسول يقول: افعل كذا، ولا تفعل ~~كذا، حتى إذا حل العذاب بالكافرين يكون بالعدل، وبعد إلزامهم الحجة، ~~لا أن نترك الناس يذنبون، ثم نقول لهم: هذا حرام. وسبق أن قلنا ما ~~قاله القانون: لا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريم إلا بنص، ولا نص إلا ~~بإعلام. وما كان الله ليهلك قرية ظلما، إنما عقوبة لهم على ما فعلوا. ~~والقرية لها تسلسل فنقول: نجع وهو المكان الذي تسكنه أسرة واحدة، و ~~كفر لعدة أسر، ثم قرية ثم أم القرى وهي الحضر أو العاصمة، وقد نزل ~~القرآن في أمة متبدية، تعيش ms7339 على الترحال، وتقيم في الخيام تتنقل بها بين ~~منابت الكلأ، فقالوا أم القرى للمكان الذي تجد به القرى، وتتوفر فيه من ~~مقومات الحياة ما لا يوجد في النجوع والكفور والقرى الصغيرة، كما يعيش ~~الآن أهل الريف على قضاء حوائجهم من البندر، كأن أم القرى لها حنان، ~~يشمل صغار البلاد حولها. ثم يقول الحق سبحانه: { ومآ أوتيتم من ~~شيء فمتاع الحياة... }. ### || [28.60] # معنى: { من شيء.. } [القصص: 60] من أي شيء من مقومات الحياة، ~~ومن كمالياتها { فمتاع الحياة الدنيا وزينتها.. } ~~[القصص: 60] فمهما بلغ هذا من السمو، فإنه متاع عمره قليل، كما قال ~~سبحانه: # قل متاع الدنيا قليل # [النساء: 77]. لذلك طلبنا منكم ألا تنشغلوا بهذا المتاع، وألا ~~تجعلوه غاية، لأن بقاءك فيها مظنون، ومتاعك فيها على قدر نشاطك ~~وحركتك. وسبق أن قلنا: إن آفة النعيم في الدنيا أنه إما أن يتركك أو ~~تتركه، وأن عمرك في الدنيا ليس هو عمر الدنيا، إنما مدة بقائك أنت فيها، ~~ومهما بلغت من الدنيا فلا بد من الموت. لذلك يدلنا ربنا - عز ~~وجل - على حياة أخرى باقية متيقنة لا يفارقك نعيمها ولا تفارقه. { ~~وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون } [القصص: ~~60]. { خير.. } [القصص: 60] لأن النعيم فيها ليس على قدر نشاطك، ~~إنما على قدر قدرة الله وعطائه وكرمه، { وأبقى.. } [القصص: 60] ~~لأنه دائم لا ينقطع، فلو قارن العاقل بين متاع الدنيا ومتاع الآخرة ~~لاختار الآخرة. لذلك، فإن الصحابي الذي حدثه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن أجر الشهيد، وتيقن أنه ليس بينه وبين الجنة إلا أن يقتل في ~~سبيل الله، وكان في يده تمرات يأكلها فألقاها، ورأى أن مدة شغله بمضغها ~~طويلة لأنها تحول بينه وبين هذه الغاية، ألقاها وأسرع إلى الجهاد لينال ~~الشهادة. لماذا؟ لأنه أجرى مقارنة بين متاع الدنيا ومتاع الآخرة. والحق - ~~سبحانه وتعالى - حين يجري هذه المقارنة بين الكفار وبين المؤمنين يقول: # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين.. # [التوبة: 52] إما أن ننتصر عليكم ونذلكم، ونأخذ خيراتكم، وإما ننال ~~الشهادة فنذهب إلى خير مما تركنا # ونحن ms7340 نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من ~~عنده أو بأيدينا.. # [التوبة: 52]. إذن: لا تتربصون بنا إلا خيرا، ولا نتربص بكم إلا شرا. ~~وفي موضع آخر قال سبحانه: # بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير ~~وأبقى # [الأعلى: 16 - 17] لذلك ذيل الآية هنا بقوله تعالى: { أفلا ~~تعقلون } [القصص: 60] لأن العقل لو قارن بين الدنيا والآخرة لا ~~بد أن يختار الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: { أفمن وعدناه ~~وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه... }. ### || [28.61] # تعد هذه الآية شرحا وتأكيدا لما قبلها، والوعد: بشارة بخير، وإذا ~~بشرك مساو لك بخير أتى خيره على قدر إمكاناته، وربما حالت الأسباب ~~دون الوفاء بوعده، فإن كان الوعد من الله جاء الوفاء على قدر إمكاناته ~~تعالى في العطاء، ثم إن وعده تعالى لا يتخلف # ومن أوفى بعهده من الله.. # [التوبة: 111]. لذلك قال { وعدا حسنا فهو لاقيه.. } [القصص: ~~61] أي: حتما { ثم هو يوم القيامة من المحضرين } ~~[القصص: 61] أي: للعذاب. وهذه الكلمة { المحضرين } [القصص: 61] لا ~~تستعمل في القرآن إلا للعذاب، وربما الذي وضع كلمة محضر قصد هذا المعنى ~~لأن المحضر لا يأتي أبدا بخير. ويقول تعالى في موضع آخر: # ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون # [الصافات: 158]. وقال تعالى: # ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين # [الصافات: 57]. ثم يقول سبحانه مؤكدا هذا الإحضار يوم القيامة حتى ~~لا يظن الكافر أن بإمكانه الهرب: { ويوم يناديهم فيقول ~~أين... }. ### || [28.62] # والسؤال هنا للذين أشركوا، لا لمن أشرك بهم، وكلمة { ويوم.. } ~~[القصص: 62] منصوبة على الظرفية، لا بد أن نقدر لها فعلا يناسبها، ~~فالتقدير: واذكر يوم يناديهم، والأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن ~~لمن يذكره رسول الله؟ يذكره للكافرين بهذا اليوم يوم القيامة. والآية ~~تعطينا لقطة من لقطات هذا اليوم الذي هو يوم الواقعة التي لا واقعة ~~بعدها، ويوم الحاقة أي الثابتة التي لا تزحزح عنها، ويوم الصاخة ~~أي: التي تصخ الآذان التي انصرفت عنها في الدنيا، ويوم الطامة التي ~~تطم، ويوم الدين، أي: الذي ينفع فيه الدين. والحق سبحانه يذكر هذه ~~اللقطة لأمرين: الأول: أن رسول ms7341 الله صلى الله عليه وسلم عودي وأوذي ~~وهزىء به وسخر منه، واجتمعت عليه كل وسائل النكال من خصومة فبيتوا ~~له بمكر، وصنعوا له سحرا.. إلخ. وحين تجد دعوة تقابل بهذه الشراسة، ~~فاعلم أنها ما قوبلت هذه المقابلة إلا لأنها ستهدم فسادا ينتفع به قوم ~~ترهبهم كلمة الإصلاح لأنها تصيبهم في مصالحهم وفي شهواتهم وفي جاههم ~~وعنجهيتهم وطغيانهم، فطبيعي أن يقفوا في وجهها. لذلك نجد كثيرا من ~~الغربيين يعرفون عظمة الإسلام من شراسة عداوة خصومه، يقولون: لو لم يكن ~~هذا الدين ضد فسادهم ما ائتمروا عليه، ولو كان أمرا هينا لتركوه ~~للزمن يمحوه، لكنهم أيقنوا أنه الحق الذي سيذهب باطلهم، ويقضي على ~~طغيانهم. فالحق سبحانه يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يذكر ذلك اليوم ~~يذكره لنفسه، ويذكره لقومه ليعتبروا، فربما إذا سمعوا ما في هذا اليوم من ~~القسوة والخزي والنكال ربما راجعوا أنفسهم فتابوا إلى الله. إذن: ليس حظ ~~الله تعالى من هذا العمل أن يرهبهم إنما ليحذرهم، لئلا يقع منهم الكفر ~~الذي يوقفهم هذا الموقف، كما تبشع لولدك عاقبة الإهمال، وتحذره ~~من الرسوب لينفر من أسبابه، ويبحث عن أسباب النجاح. يقول تعالى: { ~~ويوم يناديهم.. } [القصص: 62] وقد ناداهم في الدنيا: يا أيها ~~الناس، يا بني آدم فصموا آذانهم، وأعرضوا عن نداء الله، واليوم يناديهم ~~نداء لا يملكون أن يصموا آذانهم عنه لأنه # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] فكأن الحق يذكرهم بهذا اليوم، لعلهم يرعوون، ولعلهم ~~يرجعون. الأمر الثاني: أن الآية جاءت تسلية لسيدنا رسول الله يقول له ~~ربه: لا تيأس مما يصنعون معك، ولا يحزنك كيدهم وعنادهم لأنني سأصنع بهم ~~كيت وكيت. وأنت تستطيع أن تدرك سر هذا الإيعاز النفسي في نفس المضطهد ~~وفي نفس المظلوم حين يشكو لك ولدك أن أخاه ضربه أو أهانه فتقول أنت ~~لترضيه: انتظر سوف أفعل به كذا وكذا، فترى الولد ينبهر بهذه العقوبة ~~المسموعة ويسعد بها، وكذلك حين يسمع رسول الله العقوبة التي تنال أعداءه ~~على ما حدث منهم يسعد بها، وتسري ms7342 عن نفسه ما يلاقي. # ومضمون النداء { أين شركآئي الذين كنتم تزعمون } ~~[القصص: 62] فلم يقل شركائي ويسكت، إنما وصفهم { الذين كنتم ~~تزعمون } [القصص: 62] لأنه سبحانه واحد لا شريك له، وهؤلاء شركاء في ~~زعمهم فقط، والزعم كما يقولون: مطية الكذب لذلك لن يجدوا جوابا لهذا ~~السؤال { أين شركآئي الذين كنتم تزعمون } [القصص: ~~62]. ولو كان أمامهم شركاء لقالوا: ها هم الذين أضلونا، فأذقهم يا رب ~~العذاب ضعفين، لكنهم لم يجيبوا فهذا دليل على أنهم غير موجودين، لقد ~~وقف هؤلاء المشركين حائرين، لا يدرون جوابا كما قال تعالى: # فعميت عليهم الأنبآء.. # [القصص: 66]. ثم يقول الحق سبحانه: { قال الذين حق عليهم ~~القول... }. ### || [28.63] # والكلام هنا للشركاء الذين أضلوا المشركين وأغووهم، ومعنى { حق ~~عليهم.. } [القصص: 63] أي: ثبت ووقع، فهو أمر لا محالة منه، ولم يعد ~~هناك مجال لزحزحته عنهم، كما قال سبحانه في موضع آخر: # فحق علينا قول ربنآ إنا لذآئقون # [الصافات: 31]. وقال الحق سبحانه وتعالى: # ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون # [النمل: 85]. لكن، ما هو القول الذي وقع وثبت لهم وحق عليهم؟ القول: ~~أن كل واحد له مكان عندي في الجنة على فرض أنكم جميعا آمنتم، وكل ~~واحد له مكان في النار على فرض أنكم جميعا كفرتم. وماذا قالوا؟ قالوا: ~~{ ربنا هؤلاء الذين أغوينآ أغويناهم كما ~~غوينا.. } [القصص: 63] سبحان الله الآن تقولون ربنا وتعترفون ~~بربوبيته تعالى، كما قال تعالى في شأن فرعون: # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين # [يونس: 91]. الآن تعترفون بعد أن سلب منكم الاختيار، ولم تعد لكم ~~إرادة حتى على جوارحكم وأبعاضكم، فيدك التي كنت تبطش بها، ورجلك التي ~~كنت تسعى بها ولسانك.. كلها خرجت عن إرادتك وطوع أمرك لأنها الآن ~~طوع لأمر الله # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. ومعنى { هؤلاء الذين أغوينآ.. } [القصص: ~~63] أي: المشركين { أغويناهم كما غوينا.. } [القصص: 63] أي: ~~لنكون سواء، هذه علة غوايتهم، أن يكونوا في الخسران سواء، وإلا فأهل ~~الباطل يسعون جاهدين للإيقاع بأهل الحق ليشاركوهم باطلهم، وليكونوا ~~أمثالهم. وهذه المسألة ms7343 تعطينا السيال النفسي لكل منحرف حين يرى ملتزما ~~مستقيما، لا يشاركه فساده وانحرافه، فيعز عليه أن يكون في الهاوية ~~وحده، ولماذا يمتاز عنه الآخرون؟ واقرأ قوله تعالى: # ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء.. # [النساء: 89]. ألا ترى أهل الباطل والفساد والفجور يهزءون من أهل الحق ~~ويسخرون منهم، ليزهدوهم في الخير والصلاح، وليغروهم بما هم فيه، حتى ~~أصبح الإنسان الملتزم بدينه وشرع ربه لا يسلم من ألسنتهم، كما يقول ~~تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون # [المطففين: 29-30]. وليت الأمر ينتهي عند الغمز واللمز، إنما يتمادى ~~هؤلاء، فيجعلون من سخريتهم بأهل الإيمان والطاعة مادة للمسامرة والتسلية # وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين # [المطففين: 31] يعني: فرحين مسرورين بما نالوه من أهل الطاعة، مما يدل ~~على أنهم جميعا تسعدهم هذه المسألة وترضي شيئا في نفوسهم المريضة ~~الحاقدة. لكن المؤمن من طبيعته يحب أن يكرم، وأن ينأى بنفسه عن مجاراة ~~هؤلاء، لذلك يتولى ربه - عز وجل - الدفاع عنه يقول له: لا تحزن فسوف ~~نقتص لك، ونسخر منهم، ونجعلهم أضحوكة في يوم باق لا ينتهي فيه ~~عذابهم: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على ~~الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون # [المطففين: 34-36]. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يسترضي عباده المؤمنين: ~~أيعجبكم ما آلوا إليه؟ أقدرنا أن نجازيهم على ما اقترفوه في حقكم؟ نعم ~~يا رب، فسخرية الكفار من أهل الإيمان في دار الباطل الفانية انقلبت سخرية ~~منهم في دار الحق الباقية، وهي سخرية دائمة لا نهاية لها. إذن: { ~~أغويناهم كما غوينا.. } [القصص: 63] يعني: حتى نكون سواء، ~~لا يكون أحدنا أحسن من الآخر، ومن هذا المنطلق أغوى إبليس آدم، لأنه ~~لما طغى وطرد من رحمة الله، ومن الصفائية التي كان ينعم بها مع ~~الملائكة. أراد أن يأخذ آدم بل وذريته إلى هذا المصير، فقد حز في ~~نفسه أن يلاقي هذا المصير وحده، في حين ينعم آدم وذريته برحمة الله ~~ورضوانه. لذلك نجد إبليس - لعنه الله - لا يكتفي بأن تغوي ms7344 ذريته ذرية ~~آدم، إنما يطلب من الله أن ينظره إلى يوم البعث ليباشر بنفسه هذه ~~الغواية، فهو المعلم الكبير، وكأنه يحذر أن إمكانات ذريته في الغواية قد ~~لا ترضيه لذلك يتولى بنفسه هذه المهمة فيقول: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]. والبعض يفهم قوله تعالى: # قال أنظرني إلى يوم يبعثون * قال إنك من ~~المنظرين # [الأعراف: 14-15] أن الله تعالى أجاب إبليس إلى ما طلب، لكن # إنك من المنظرين # [الأعراف: 15] ليست إجابة، إنما تقرير لشيء حادث بالفعل قبل أن يطلب، ~~فالمعنى أن سؤالك ليس له معنى لأنك من المنظرين فعلا، لماذا؟ قالوا: لأن ~~الله تعالى يريد أن يظل إبليس الذي أغوى آدم وأخرجه من الجنة باقيا ~~أمام ذريته ليذكرهم دائما: هذا الذي أغوى أباكم آدم. وقولهم: { ~~ربنا هؤلاء الذين أغوينآ أغويناهم كما ~~غوينا.. } [القصص: 63] لنا وقفة مع { هؤلاء.. } [القصص: 63] ~~وهي اسم إشارة للجمع بنوعيه، تقول: هؤلاء الرجال، وهؤلاء النساء، وهي ~~عبارة عن: الهاء للتنبيه، وأولاء اسم إشارة، وكذلك في هذا، هذه، هذان، ~~هاتان، فالهاء فيها للتنبيه لتنبه السامع أنك ستتكلم ليعطيك سمعه، ويهتم ~~بما تقول، فلا يفوته من كلامك شيء. هذا حين تخاطب مثلك لأنه يحتاج إلى ~~تنبيه، أما إذا خاطبت ربك - عز وجل - فمن سوء الأدب أن تستخدم في خطابه ~~أداة التنبيه، كما استخدمها المشركون، فما داموا قد قالوا { ربنا.. } ~~[القصص: 63] فليس من الأدب أن يقولوا { هؤلاء.. } [القصص: 63] ~~أينبهون الله عز وجل؟ لذلك نلحظ هذا الأدب في خطاب نبي الله موسى - ~~عليه السلام - فيما حكاه عنه القرآن: # ومآ أعجلك عن قومك يموسى * قال هم أولاء على ~~أثري وعجلت إليك رب لترضى # [طه: 84] فقال أولاء بدون هاء التنبيه تأدبا مع ربه عز وجل. ~~ونلحظ أنك لا تجد خطابا من الكفار إلا باستخدام هؤلاء: # ربنا هؤلاء أضلونا.. # [الأعراف: 38] # ربنا هؤلآء شركآؤنا.. # [النحل: 86] أما المؤمن فلا يليق به أبدا أن ينبه الله تعالى، بل ~~ولا تصدر من مؤمن لمؤمن لأنه دائما منتبه. ثم يقولون: { تبرأنآ ~~إليك ما كانوا إيانا يعبدون } [القصص: 63] الآن ~~ينكصون كما ms7345 قالوا من قبل { ربنا.. } [القصص: 63] يقولون الآن { ~~تبرأنآ إليك.. } [القصص: 63] لكن هيهات تنفعهم هذه البراءة، ~~لقد انتهى وقتها، ومضى زمن التكليف والاختيار، والآن وقت الحساب وسلب ~~الإرادة والاختيار، وما أشبههم بفرعون حين قال الله له: # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين # [يونس: 91]. وقولهم: { ما كانوا إيانا يعبدون } [القصص: ~~63] يقول الشركاء: ما كان معنا قوة قهر نحملكم بها على عبادتنا، ولا قوة ~~سلطان أو حجة نقنعكم بها، إنما كنتم في انتظار إشارة منا، كما قال كبيرهم ~~إبليس: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.. # [إبراهيم: 22]. إذن: فهؤلاء المشركون كانوا يعبدون أنفسهم وذواتهم لأن ~~الشركاء كانوا أصناما أو غيرها، وليس لهم منهج يتكلمون به، ويدعون ~~الناس إلى عبادتهم به، وإلا فماذا قالت الأصنام أو الشمس أو النجوم لمن ~~عبدها؟ بم أمرتهم، وعم نهتهم؟ إذن: هو إله بلا منهج وبلا تكاليف، ~~وهذا ما يريده المشركون لأن الذي يتعب الناس في قضية الإيمان بالألوهية ~~ما تقتضيه من تكاليف، وما تفرضه من أمرأو نهي يحول بين النفس البشرية وما ~~تشتهي، ويوقفها عند حدود لا تتعداها. إذن: { ما كانوا إيانا ~~يعبدون } [القصص: 63] بل يعبدون ذواتهم، ويعبدون شهواتهم ورغباتهم، ~~وما أسهل أن يعبد الإنسان آلهة لا تلزمه بشيء، فيسير في حياته على هواه، ~~وهذه هي التي روجت لعبادة هذه الآلهة. لذلك فإن الحق سبحانه يريد أن ~~يلزم الإنسان حجة أن نفسه هي الوسيلة الأولى لشهواته، وإلا فلو أن ~~المسألة كلها وسوسة شيطان، فمن أغوى إبليس بالعصيان أولا على حد ~~قول الشاعر: # إبليس لما عصى من كان وسوسه؟ # إذن: فهي كبرياء النفس ورغباتها، وليس للشيطان إلا أن يلوح لها فتقع ~~لذلك جاء في الحديث الشريف: # " إذا أقبل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وسلسلت ~~الشياطين ". # وما دامت الشياطين سلسلت، فليس لها حركة مع الإنس لأن الله تعالى يعلم ~~منا أنا نعلق كل معاصينا على الشيطان، فكأنه سبحانه يقول: ها هي ~~الشياطين صفدت وسلسلت، فمن أغواكم وزين لكم حال ms7346 سلسلتها؟ ~~إذن: هي نفسك التي توسوس لك لذلك نقول: كل معصية تقع في رمضان ليس ~~للشيطان فيها نصيب، إنما هي شهوة النفس. وسبق أن بينا كيف نفرق بين ~~المعصية متى تكون من الشيطان؟ ومتى تكون شهوة نفس؟ إن كانت المعصية ~~توقفك عندها لا تتزحزح عنها إلى غيرها، فاعلم أنها من نفسك، أما إن ~~عزت عليك معصية ففكرت في غيرها، فهي من الشيطان لأنه والعياذ ~~بالله يريدك عاصيا على أي وجه، وبأي طريقة فينقلك إلى معصية أخرى ~~يستطيع أن يوقعك فيها، على خلاف شهوة النفس، فهي تريد شيئا بذاته لا ~~تريد غيره. ثم يقول الحق سبحانه: { وقيل ادعوا شركآءكم... }. ### || [28.64] # وسبق أن ناداهم # أين شركآئي الذين كنتم تزعمون # [القصص: 62] أي: في زعمكم لأنه سبحانه ليس له شركاء، وهنا يقول لهم { ~~ادعوا شركآءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ~~ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون } [القصص: ~~64] ولم يقل شركائي، مع أنهم اتخذوهم شركاء لله. فمعنى { ~~شركآءكم.. } [القصص: 64] أفي دعوى الألوهية؟ لا، لأنهم تابعون لهم، ~~إذن: فما معنى { شركآءكم.. } [القصص: 64]؟ قالوا: الإضافة تأتي ~~بمعان ثلاثة: إما بمعنى من مثل: أردب قمح أي: من قمح، أو بمعنى في مثل: ~~مكر الليل أي: مكر في الليل، أو: بمعنى لام الملكية مثل: قلم زيد أي: قلم ~~لزيد. فالمعنى هنا { شركآءكم.. } [القصص: 64] أي: من جنسكم أو فيكم ~~يعني: لا يتميز عنكم بشيء، والإله لا بد أن يكون من جنس أعلى، فإن ~~كان من جنسكم، فهو مساو لكم، لا يصلح أن تتخذوه إلها. ومعنى { ~~ادعوا شركآءكم.. } [القصص: 64] يعني: نادوهم لينصروكم، ويشفعوا ~~لكم، كما قلتم: # هؤلاء شفعاؤنا عند الله.. # [يونس: 18]. وقلتم: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3]. إذن: فنادوهم ليقربوكم من الله، وليشفعوا لكم، والذي يقوم ~~بهذه المهمة لا بد أن يكون له منزلة عند الله يضمنها، وهل يضمن هؤلاء ~~الشركاء منزلة عند الله؟ كيف وهم لا يضمنونها لأنفسهم؟ { فدعوهم.. ~~} [القصص: 64] يا شركاءنا، يا من قلتم لنا كذا وكذا أدركونا { فلم ~~يستجيبوا لهم.. } [القصص: 64] لأنهم مشغولون بأنفسهم { ~~ورأوا العذاب ms7347 لو أنهم كانوا يهتدون } [القصص: ~~64] يعني: لو كانوا يهتدون بهدي الله، وهدي رسوله، ويرون العذاب ~~الذي أنذرهم به حقيقة وواقعا لا يتخلفون عنه لما حدث لهم هذا، ولما ~~واجهوا هذه العاقبة. أو: أنهم لما رأوا العذاب حقيقة في الآخرة تمنوا ~~لو أنهم كانوا مهتدين. ثم يقول الحق سبحانه: { ويوم يناديهم ~~فيقول... }. ### || [28.65-66] # قال هنا أيضا { يناديهم... } [القصص: 65] فما الغرض من كل هذه ~~النداءات؟ إنها للتقريع وللتوبيخ وللسخرية منهم، وممن عبدوهم واتبعوهم ~~من دون الله، ومضمون النداء: { ماذآ أجبتم المرسلين } ~~[القصص: 65] والإجابة: موافقة المطلوب من الطالب، فماذا كانت إجابتكم لهم ~~بعد أن آمنتم بإله، أأخذتم بما جاءوا به من أحكام؟ أعلمتم منهم علما ~~يقينيا حقا؟ وهذا الاستفهام للتعجيز لأنهم إن حاولوا الإجابة فلن ~~يجدوا إجابة فيخزون ويخجلون لذلك يقول بعدها { فعميت عليهم ~~الأنبآء.. } [القصص: 66] أي: خفيت عليهم الحجج والأعذار وعموا ~~عنها فلم يروها { فهم لا يتسآءلون } [القصص: 66] لا يملكون ~~إلا السكوت كما قالوا: جواب ما يكره السكوت، وكما قال سبحانه: # ولا يسأل حميم حميما # [المعارج: 10]. وهؤلاء لا يتساءلون لأنهم في الجهل سواء، وفي الضلال ~~شركاء، وكل منهم مشغول بنفسه # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37]. وكما سئل المشركون: { ماذآ أجبتم المرسلين ~~} [القصص: 65] في موضع آخر يسأل الرسل: # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم.. # [المائدة: 109] أي: فيما علمتم من العلم، وأوله: علم اليقين الأعلى، ~~وثانيها: علم الأحكام، فبماذا أجابكم الناس؟ وتأمل هنا أدب الرسل ومدى ~~فهمهم في مقام الجواب لله، وهم يعلمون تماما بماذا أجاب أقوامهم، وأن ~~منهم من آمن بهم، وتفانى في خدمة دعوتهم وضحى واستشهد، ومنهم من كفر ~~وعاند، ومع ذلك يقولون: # قالوا لا علم لنآ إنك أنت علام الغيوب # [المائدة: 109]. فكيف يقولون: # لا علم لنآ.. # [المائدة: 109] وهم يعلمون؟ قالوا: لأنهم غير واثقين أن من آمن آمن عن ~~عقيدة أم لا، فهم يأخذون بظواهر الناس، أما بواطنهم فلا يعلمها إلا الله، ~~كأنهم يقولون: أنت يا ربنا تسأل عن ms7348 إجابة الحق لا عن إجابة النفاق، ~~وإجابة الحق نحن لا نعرفها، وأنت سبحانك علام الغيوب. إذن: جعلوا الحق ~~- تبارك وتعالى - هو السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة ~~التنفيذية في محكمة العدل الإلهي التي سيعلن فيها على رؤوس الأشهاد # لمن الملك اليوم.. # [غافر: 16]. والسؤال عند العرب يطلق، إما للمعرفة حيث تسأل لتعرف، كما ~~يسأل التلميذ أستاذه، أو يكون السؤال للإقرار بما تعرف، كما يسأل الأستاذ ~~تلميذه ليقر على نفسه، ومن ذلك قوله تعالى: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39] أي: سؤال علم لأننا نعلم. وقوله تعالى: # وقفوهم إنهم مسئولون # [الصافات: 24] أي: سؤال إقرار منهم، وإن كان كلامي يوم القيامة حجة، ~~لأنه لا مرد له، لكن مع ذلك نسألهم ليقروا هم، وليشهدوا على أنفسهم. ~~والحق - تبارك وتعالى - يدلك على أنه تعالى يبشع مظاهر يوم القيامة ~~على الكافرين، لا لأنه كاره لهم، بل يريدهم أن يستحضروا هذه الصورة ~~البشعة لعلهم يرعوون ويتوبون لذلك يفتح لهم باب التوبة لأنه رب ورحيم. # لذلك جاء في الحديث القدسي: # " قالت الأرض: يا رب إئذن لي أن أخسف بابن آدم فقد طعم خيرك ومنع ~~شكرك. وقالت الجبال: يا رب إئذن لي أن أخر على ابن آدم فقد طعم ~~خيرك ومنع شكرك. وقالت البحار: يا رب إئذن لي أن أغرق ابن آدم فقد ~~طعم خيرك ومنع شكرك. فقال تعالى: دعوني وخلقي لو خلقتموهم لرحمتموهم، ~~دعوهم فإن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وأن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". # أعالجهم بالترغيب مرة، وبالترهيب أخرى، أشوقهم إلى الجنة، وأخوفهم ~~من النار، وأفتح باب التوبة، وفتح باب التوبة ليس رحمة من الله للتائب ~~فقط، ولكن رحمة لكل من يشقى بعصيان غير التائب. ولو أغلق باب التوبة في ~~وجه العاصي ليئس وتحول إلى فاقد يشقى به المجتمع طوال حياته، إذن: ففتح ~~باب التوبة رحمة بالتائب، ورحمة بمجتمعه، بل وبالإنسانية كلها، رحمة ~~بالعاصي وبمن اكتوى بنار المعصية. ### || [28.67] # لماذا استخدم هنا عسى الدالة على الرجاء بعد أن قال { من تاب ~~وآمن وعمل صالحا.. } [القصص: 67] ولم ms7349 يقل: يكون من المفلحين ~~فيقطع لهم بالفلاح؟ قالوا: لأنه ربما تاب، لكن عسى أن يستمر على توبته ~~ليستديم الفلاح أو نقول أن عسى من الله تدل على التحقيق، وسبق أن ~~قلنا: إن الرجاءات على درجات: فالرجاء في المتكلم أقوى من الرجاء في ~~الغائب، فإن كان الرجاء في الله فهو أقوى الرجاءات كلها. لذلك يقول ~~سبحانه في خطابه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: # عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا # [الإسراء: 79] فأي رجاء أقوى من الرجاء في الله؟ إذن: عسى رجاء حين ~~تصدر ممن لا يملك إنفاذ المرجو، وتحقيق حين تصدر ممن يملك إنفاذ ~~المرجو، وهو الحق سبحانه وتعالى. ثم يقول الحق سبحانه: { وربك ~~يخلق ما يشآء ويختار... }. ### || [28.68] # كنا ننتظر أن يخبرنا السياق بما سيقع على المشركين من العذاب، لكن ~~تأتي الآية { وربك يخلق ما يشآء ويختار.. } [القصص: ~~68] وكأن الحق سبحانه يقول: أنا الذي أعرف أين المصلحة، وأعرف كيف ~~أريحكم من شرهم، فدعوني أخلق ما أشاء، وأختار ما أشاء، فأنا الرب ~~المتعهد للمربى بالتربية التي توصله إلى المهمة منه. والمربى قسمان: ~~إما مؤمن وإما كافر، ولا بد أن يشقى المؤمن بفعل الكافر، وأن يمتد ~~هذا الشقاء إن بقي الكافر على كفره لذلك شرعت له التوبة، وقبلت ~~منه الرجوع، وهذا أول ما يريح المؤمنين. ومعنى: { ما كان لهم ~~الخيرة.. } [القصص: 68] يعني: لا خيار لكم، فدعوني لأختار لكم، ثم ~~نفذوا ما أختاره أنا. أو: أن هذه الآية { وربك يخلق ما ~~يشآء ويختار.. } [القصص: 68] قيلت للرد على قولهم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. يقصدون الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي، فرد ~~الله عليهم: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات.. # [الزخرف: 32]. فكيف يطمعون في أن يختاروا هم وسائل الرحمة، ونحن الذين ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا، فجعلنا هذا غنيا، وهذا فقيرا، ~~وهذا قويا، وهذا ضعيفا، فمسائل الدنيا أنا متمكن منهم فيها، فهل يريدون ~~أن يتحكموا في ms7350 مسائل الآخرة وفي رحمة الله يوجهونها حسب اختيارهم؟!! { ~~ما كان لهم الخيرة.. } [القصص: 68] أي: الاختيار في مثل هذه ~~المسائل. ويجوز { ما كان لهم الخيرة.. } [القصص: 68] أي: ~~المؤمنون ما كان لهم أن يعترضوا على قبول توبة الله على المشركين الذين ~~آذوهم، يقولون: لماذا تقبل منهم التوبة وقد فعلوا بنا كذا وكذا، وقد كنا ~~نود أن نراهم يتقلبون في العذاب؟ والحق تبارك وتعالى يختار ما يشاء، ~~ويفعل ما يريد، وحين يقبل التوبة من المشرك لا يرحمه وحده، ولكن يرحمكم ~~أنتم أيضا حين يريحكم من شره. وقوله: { سبحان الله ~~وتعالى عما يشركون } [القصص: 68] أي: تعالى الله وتنزه ~~عما يريدون من أن ينزلوا الحق سبحانه على مرادات أصحاب الأهواء من ~~البشر، ولو أن الحق سبحانه نزل على مرادات أصحاب الأهواء من البشر - ~~وأهواؤهم مختلفة - لفسدت حياتهم جميعا. ألا ترى أن البشر مختلفون ~~جميعا في الرغبات والأهواء، بل وفي مسائل الحياة كلها، فترى الجماعة ~~منهم في سن واحدة، وفي مركز اجتماعي واحد، فإذا توجهوا لشراء سلعة ~~مثلا اختار كل منهم نوعا ولونا مختلفا عن الآخر. ### || [28.69] # ما تكن صدورهم أي: السر # يعلم السر وأخفى # [طه: 7] والسر: ما تركته في نفسك محبوسا، وأسررته عن الخلق لا ~~يعرفه إلا أنت، أو السر: ما أسررت به إلى الغير، وساعتها لن يبقى سرا، ~~وإذا ضاق صدرك بأمرك، فصدر غيرك أضيق. وإذا كان الحق سبحانه يمتن علينا ~~بأن علمه واسع يعلم السر، فهو يعلم الجهر من باب أولى لأن الجهر يشترك ~~فيه جميع الناس ويعرفونه. أما الأخفى من السر، فلأنه سبحانه يعلم ما ~~تسره في نفسك قبل أن يوجد في صدرك، وهو وحده الذي يعلم الأشياء قبل أن ~~توجد. ولك أن تسأل: إذا كان من صفاته تعالى أنه يعلم السر وما هو أخفى من ~~السر، فماذا عن الجهر وهو شيء معلوم للجميع؟ وهذه المسألة استوقفت بعض ~~المستشرقين وأتباعهم من المسلمين المنحلين الذين يجارونهم. وحين نستقرئ ~~آيات القرآن نجد أن الله تعالى سوى في علمه تعالى بين السر والجهر، ~~فقال سبحانه: ms7351 # سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به.. # [الرعد: 10]. وقال سبحانه: # وأسروا قولكم أو اجهروا به.. # [الملك: 13]. والآية التي معنا: { وربك يعلم ما تكن ~~صدورهم وما يعلنون } [القصص: 69] وفي هذه الآيات قدم السر ~~على الجهر، أما في قوله تعالى: # سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شآء الله إنه ~~يعلم الجهر وما يخفى # [الأعلى: 6-7]. وقال سبحانه: # إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون # [الأنبياء: 110] فقدم العلم بالجهر على العلم بالسر، ولا يقدم الجهر ~~إلا إذا كان له ملحظية خفاء عن السر، وهذه الملحظية غفل عنها السطحيون، ~~فأخطأوا في فهم الآية. فأنت مثلا لو أسررت في نفسك شيئا، فربما ظهر في ~~سقطات لسانك أو على ملامح وجهك، وربما خانك التعبير فدل على ما ~~أسررته، ألم يقل الحق سبحانه وتعالى: # ولتعرفنهم في لحن القول.. # [محمد: 30]. إذن: هناك قرائن وعلامات نعرف بها السر، أما الجهر وهو من ~~الجماعة ليس جهرا واحدا لأنه مقابل بالجمع: # إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون # [الأنبياء: 110] فالمعنى: ويعلم ما تجهرون وما تكتمون. ولك أن تتابع ~~مظاهرة لجمع غفير من الناس، يهتف كل منهم هتافا، أتستطيع أن تميز بين ~~هذه الهتافات، وأن ترجع كلا منها إلى صاحبها؟ هذا هو اللغز في الجهر ~~والملحظ الذي فاتهم تدبره، لذلك امتن الله علينا بعلمه للجهر من القول ~~الذي لا نعلمه نحن مهما أوتينا من آلات فرز الأصوات وتمييزها. لذلك ~~يقولون: لا تستطيع أن تحدد جريمة في جمهور من الناس لأن الأصوات ~~والأفعال مختلطة، يستتر كل منها في الآخر كما يقولون: الفرد بالجمع ~~يعصم. ويقولون: الجماهير ببغائية، كما قال شوقي في مصرع كليوباترا، ~~لما انهزموا في يوم أكتيوما وأشاعوا أنهم انتصروا، لكن هذه الحيلة لا ~~تنطلي على العقلاء من القوم، فيقول أحدهم للآخر عن غوغائية الجماهير: # اسمع الشعب ديون # كيف يوحون إليه # ملأ الجو هتافا # بحياتي قاتليه # أثر البهتان فيه # وانطلى الزور عليه # يا له من ببغاء # عقله في أذنيه # إذن: فعلم الجهر هنا ميزة تستحق أن يمتن الله بها، كما ms7352 يمتن ~~سبحانه بعلم السر. وقال سبحانه { وربك يعلم.. } [القصص: 69] ~~ليطمئن رسول الله لأنه سبحانه ربه، والمتولي لتربيته والعناية به، يقول ~~له: لا تحزن مما يقولون، فأنا أعلم سرهم وجهرهم، فإن كنت لا تعرف ما ~~يقولون فأنا أعرفه، وسوف أخبرك به، ألم يقل سبحانه لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول.. # [المجادلة: 8]. فأخبره ربه بما يدور حتى في النفوس، كأنه سبحانه يقول ~~لرسوله: إياك أن تظن أنني سأؤاخذهم بما عرفت من أفعالهم فحسب، بل بما لا ~~تعلم مما فعلوه، ليطمئن رسول الله أنه سبحانه يحصي عليهم كل شيء. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وهو الله لا إله إلا هو... }. ### || [28.70] # الله: هو المعبود بحق، وله صفات الكمال كلها، وهو سبحانه { لا ~~إله إلا هو.. } [القصص: 70] وما دام هو وحده سبحانه، فلا أحد ~~يفتن عليه، أو يستدرك عليه بشيء، وسبق أن قال لهم: هاتوا شركاءكم لنفصل ~~في مسألة العبادة علانية و نفاصل من صاحب هذه السلعة: أي يوم القيامة. ~~ومعنى: { الأولى.. } [القصص: 70] أي: الخلق الذي خلقه الله، والكون ~~الذي أعده لاستقبال خليفته في الأرض: الشمس والقمر والنجوم والشجر ~~والجبال والماء والهواء والأرض، فقبل أن يأتي الإنسان أعد الله الكون ~~لاستقباله. لذلك حينما يتكلم الحق سبحانه عن آدم لا يقول: إنه أول ~~الخلق، إنما أول بني آدم، فقد سبقه في الخلق عوالم كثيرة لذلك يقول ~~تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا # [الإنسان: 1] أي: لم يكن له وجود. وإعداد الكون لاستقبال الإنسان جميل ~~يستوجب الحمد والثناء، فقد خلق الله لك الكون كله، ثم جعلك تنتفع به مع ~~عدم قدرتك عليه أو وصولك إليه، فالشمس تخدمك، وأنت لا تقدر عليها ولا ~~تملكها، وهي تعمل لك دون صيانة منك، ودون أن تحتاج قطعة غيار، وكذلك ~~الكون كله يسير في خدمتك وقضاء مصالحك، وهذا كله يستحق الحمد. وبعد أن ~~خلقك الله في كون أعد لخدمتك تركك ترتع فيه، ذرة في ظهر أبيك، ونطفة ~~في بطن أمك ms7353 إلى أن تخرج للوجود، فيضمك حضنها، ولا يكلفك إلا حين تبلغ ~~مبلغ الرجال وسن الرشد، ومنحك العقل والنضج لتصبح قادرا على إنجاب ~~مثلك، وهذه علامة النضج النهائي في تكوينك كالثمرة لا تخرج مثلها إلا بعد ~~نضجها واستوائها. لذلك نجد في حكمة الله تعالى ألا يعطى الثمرة ~~حلاوتها إلا بعد نضج بذرتها، بحيث حين تزرعها بعد أكلها تنبت مثلها، ~~ولو أكلت قبل نضجها لما أنبتت بذرتها، ولانقرض هذا النوع لذلك ترى ~~الثمرة الناضجة إذا لم تقطفها سقطت لك على الأرض لتقول لك: أنا جاهزة. ~~لذلك نلحظ عندنا في الريف شجرة التوت أو شجرة المشمس مثلا يسقط الثمر ~~الناضج على الأرض، ثم ينبت نباتا جديدا، يحفظ النوع، ولو سقطت الثمار ~~غير ناضجة لما أنبتت. وكذلك الإنسان لا ينجب مثله إلا بعد نضجه، وعندها ~~يكلفه الله ويسأله ويحاسبه. إذن: على الإنسان أن يسترجع فضل الله ~~عليه حتى قبل أن يستدعيه إلى الوجود، وأن يثق أن الذي يكلفه الآن ~~ويأمره وينهاه هو ربه وخالقه ومربيه، ولن يكلفه إلا بما يصلحه، ~~فعليه أن يسمع، وأن يطيع. وقوله تعالى: { والآخرة.. } [القصص: 70] ~~يعني: له الحمد في القيامة، كما قال سبحانه: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10] فيحمد الله في الآخرة لأنه كان يمتعني في الدنيا إلى أمد، ~~ويمتعني في الدنيا على قدر إمكاناتي، أما في الآخرة فيعطيني بلا أمد، ~~وعلى قدر إمكاناته هو سبحانه، فحين نرى هذا النعيم لا نملك إلا أن ~~نقول: الحمد لله، وهكذا اجتمع لله تعالى الحمد في الأولى، والحمد في ~~الآخرة. # وقوله تعالى: { وله الحكم وإليه ترجعون } [القصص: 70] ~~لأن الآخرة ما كانت إلا للحكم وللفصل في الخصومات، حيث يعرف كل ما له ~~وما عليه، فلا تظن أن الذين آذوك وظلموك سيفلتون من قبضتنا. { ~~وإليه ترجعون } [القصص: 70] أي: للحساب، وفي قراءة ترجعون ~~لأنهم سيرجعون إلينا ويأتوننا بأنفسهم، كأنهم مضبوطون على ذلك، كالمنبه ~~تضبطه على الزمن، كذلك هم إذا جاء موعدهم جاءونا من تلقاء أنفسهم، دون أن ~~يسوقهم أحد. وعلى قراءة { ترجعون } [القصص: ms7354 70] إياكم أن تظنوا أنكم ~~بإمكانكم أن تتأبوا علينا، كما تأبيتم على رسلنا في الدنيا لأن ~~الداعي في الدنيا كان يأخذكم بالرفق واللين، أما داعي الآخرة فيجمعكم ~~قسرا ورغما عنكم، ولا تستطيعون منه فكاكا # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13]. ثم يقول الحق سبحانه: { قل أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم... }. ### || [28.71-72] # يعدد الحق - تبارك وتعالى - نعمه على عبيده في شيئين يتعلقان بحركة ~~الحياة وسكونها، فالحركة تأتي بالخير للناس، والسكون يأتي بالراحة ~~للمتعب من الحركة، والإنسان بطبيعته لا يستطيع أن يعطي ويتعب إلا بعد ~~راحة، والذي يتحدى هذه الطبيعة فيسهر الليل ويعمل بالنهار لا بد أن ~~ينقطع، وأن تنهك قواه فلا يستمر. لذلك يقول تعالى: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما ~~خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى # [الليل: 1-4]. فكل من الليل والنهار له مهمة، وكذلك الرجل والمرأة، ~~فإياكم أن تخلطوا هذه المهام، وإلا فسدت الحياة وأتعبتكم الأحداث، فقبل ~~الكهرباء ودخول التليفزيون والفيديو المنازل كان يومنا يبدأ في نشاط مع ~~صلاة الفجر، لأننا كنا ننام بعد صلاة العشاء، أما الآن فالحال كما ترى، ~~كنا نستقبل يومنا بحركة سليمة نشطة لأننا نستقبل الليل بسكون سليم وهدوء ~~تام. والحق سبحانه في معرض تعداد نعمه علينا يقول { أرأيتم.. } ~~[القصص: 71] يعني: أخبروني ماذا تفعلون { إن جعل الله عليكم ~~الليل سرمدا إلى يوم القيامة.. } [القصص: 71] يعني: ~~طوال حياتكم { من إله غير الله يأتيكم بضيآء.. } ~~[القصص: 71] والسرمد: الدائم المستمر. وقال { بضيآء.. } [القصص: 71] ~~ولم يقل بنور لأن النور قد يأتي من النجوم، وقد يأتي من القمر، أما ~~الضياء وهو نور وأشعة وحرارة، فلا يأتي إلا من الشمس. لذلك يقول سبحانه: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا.. # [يونس: 5]. وقال: { من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء.. } [القصص: 71] ولم يقل: من يأتيكم بضياء ليلفت نظرنا إلى ~~أن هذه المسألة لا يقدر عليها إلا إله، ولا إله إلا الله، وفي الضياء ~~تبصرون الأشياء، وتسيرون على هدى، فتؤدون حركات حياتكم دون اصطدام أو ~~اضطراب، وبالضياء أعايش الأشياء في سلامة لي ولها، ms7355 وإلا لو سرنا في ~~الظلام لتحطمنا أو حطمنا ما حولنا لأنك حين تسير في الظلام إما أن ~~تحطم ما هو أقل منك، أو يحطمك ما هو أقوى منك. وكما يكون الضياء في ~~الماديات يكون كذلك له دور في المعنويات، وضياء المعنويات القيم التي ~~تحكم حركة الحياة وتعدلها، وتحميك أن تحطم من هو أضعف منك، أو أن ~~يحطمك الأقوى منك لذلك كان منطقيا أن يقول تعالى: # هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور.. # [الأحزاب: 43]. والمراد: من ظلمات المعاني إلى نور القيم، لا ظلمات ~~المادة لأنني لا أستغني عنه لراحتي، فله مهمة عندي لا تقل عن مهمة النور ~~لذلك يقول تعالى في وصفه لنوره عز وجل # نور على نور.. # [النور: 35]. نور مادي تبصرون به الأشياء من حولكم، فلا تتخبطون بها، ~~فتسلم حركتكم، وهذا النور المادي يشترك فيه المؤمن والكافر، وينتفع به ~~المطيع والعاصي، فلم يضن به على أحد من خلقه، أما النور المعنوي نور ~~الهداية ونور اليقين والقيم، فهذا يرسله الله على يدي رسله، فإذا أخذ ~~المؤمن النورين انتفع بهما في الدنيا، وامتد نفعه بهما إلى يوم القيامة ~~لذلك قال بعدها: # يهدي الله لنوره من يشآء ويضرب الله الأمثال ~~للناس.. # [النور: 35]. ولأن الآية الكريمة بدأت بقل، فمن المناسب أن تختم ~~بقوله تعالى: { أفلا تسمعون } [القصص: 71] يعني: اسمعوا ما أقول ~~لكم وتدبروه. ثم يمتن الله تعالى بالآية المقابلة لليل، وهي آية ~~النهار: { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل ~~سرمدا إلى يوم القيامة.. } [القصص: 72] يعني: دائم لا ~~نهاية له { من إله غير الله يأتيكم بليل ~~تسكنون فيه أفلا تبصرون } [القصص: 72]. تلحظ أن هاتين ~~الآيتين على نسق واحد، لكن تذييلهما مختلف، مما يدل على بلاغة وإعجاز ~~القرآن، فلكل معنى ما يناسبه، ففي آية الليل قال { أفلا ~~تسمعون } [القصص: 71] وفي آية النهار قال: { أفلا تبصرون } ~~[القصص: 72] ذلك لأن العين لا عمل لها في الليل إنما للأذن، فأنت تسمع ~~دون أن ترى، وبالأذن يتم الاستدعاء. أما في النهار وفي وجود الضوء، ~~فالعمل للعين ms7356 حيث تبصر، فهو إذن ختام حكيم للآيات يضع المعنى فيما ~~يناسبه. ثم يجمل الله تعالى هاتين الآيتين في قوله سبحانه: { ومن ~~رحمته جعل لكم... }. ### || [28.73] # بعد أن فصل الله تعالى القول في الليل والنهار كل على حدة جمعهما ~~لأنهما معا مظهر من مظاهر رحمة الله، وفي الآية ملمح بلاغي يسمونه " ~~اللف والنشر " ، فبعد أن جمع الله تعالى الليل والنهار أخبر عنهما بقوله: ~~{ لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله.. } [القصص: 73] ثقة ~~منه تعالى بفطنة السامع، وأنه سيرد كلا منهما إلى ما يناسبه، فالليل ~~يقابل { لتسكنوا فيه.. } [القصص: 73]، والنهار يقابل { ~~ولتبتغوا من فضله.. } [القصص: 73]. فاللف أي: جمع المحكوم ~~عليه معا في جانب والحكم في جانب آخر، والنشر: رد كل حكم إلى صاحبه. ~~وضربنا لذلك مثلا بقول التيمورية: # قلبي وجفني واللسان وخالقي # راض وباك شاكر وغفور # فجمعت المحكوم عليه في الشطر الأول والحكم في الشطر الثاني، وعليك أن ~~تعيد كل حكم إلى صاحبه. والليل والنهار آيتان متكاملتان، وبهما تنتظم ~~حركة الحياة لأنك إن لم ترتح لا تقوى على العمل لأن لك طاقة، وفي جسمك ~~مولدات للطاقة، فساعة تتعب تجد أن أعضاءك تراخت وأجهدت، وهذا ~~إنذار لك، تنبهك جوارحك لم تعد صالحا للحركة، ولا بد لك من ~~الراحة لتستعيد نشاطك من جديد. والراحة تكون بقدر التعب، فربما ترتاح حين ~~تقف مثلا في حالة السير، فإن لم يرحك الوقوف تجلس أو تضطجع، فإن ~~زاد التعب غلبك النوم، وهو الردع الذاتي الذي يكبح جماح صاحبه إن ~~تمرد على الطبيعة التي خلقها الله فيه. ومن عجب أن البعض يخرج عن هذه ~~الطبيعة، فيأخذ منشطات حتى لا يغلبه النوم، ويأخذ مهدئات لينام، ~~ولو أسلم نفسه لطبيعتها، فنام حينما يحضره النوم، وعمل حينما يجد في نفسه ~~نشاطا للعمل لأراح نفسه من كثير من المتاعب. لذلك يقولون: النوم ضيف ~~إن طلبك أراحك، وإن طلبته أعنتك، وحتى الآن، ومع تقدم العلوم لم ~~يصلوا إلى سر النوم، وكيف يأخذ الإنسان في هدوء ولطف دون أن يشعر ~~ماهيته، وأتحدى أن يعرف أحد منا كيف ms7357 ينام. لذلك جعل الله النوم آية من ~~آياته تعالى، مثل الليل والنهار والشمس والقمر، فقال سبحانه: # ومن آياته منامكم بالليل والنهار.. # [الروم: 23]. ثم يقول الحق سبحانه: { ويوم يناديهم ~~فيقول... }. ### || [28.74] # تقدمت المناداة قبل ذلك مرتين ومع ذلك لا يوجد تكرار لهذا المعنى لأن ~~كل نداء منها له مقصوده الخاص، فالنداء في الأولى خاص بمن أشركوهم مع ~~الله وما قالوه أمام الله تعالى: # ربنا هؤلاء الذين أغوينآ أغويناهم كما ~~غوينا.. # [القصص: 63]. أما الثانية، فالنداء فيها للمشركين # ماذآ أجبتم المرسلين # [القصص: 65]. أما هنا، فيهتم النداء بمسألة الشهادة عليهم. إذن: فكلمة ~~أين و شركائي و الذين كنتم تزعمون قدر مشترك بين الآيات الثلاثة، لكن ~~المطلوب في كل قدر غير المطلوب في القدر الآخر، فليس في الأمر تكرار، ~~إنما توكيد في الكل. ثم يقول الحق سبحانه: { ونزعنا من كل ~~أمة شهيدا فقلنا... }. ### || [28.75] # أي: أخرجنا من كل أمة نبيها، وأحضرناه ليكون شاهدا عليها { فقلنا ~~هاتوا برهانكم.. } [القصص: 75] أرونا شركاءكم الذين اتخذتموهم ~~من دون الله، أين هم ليدافعوا عنكم؟ لكن هيهات، فقد اتخذتموهم من دون ~~الله، أين هم ليدافعوا عنكم؟ لكن هيهات، فقد ضلوا عنهم، وهربوا منهم. # فعميت عليهم الأنبآء يومئذ فهم لا ~~يتسآءلون # [القصص: 66]. إذن: غاب شركاؤكم، وغاب شهودكم، لكن شهودنا موجودون { ~~ونزعنا من كل أمة شهيدا.. } [القصص: 75] يشهد أنه ~~بلغهم منهج الله فإن قلتم: لقد أغوانا الشيطان وأغوانا المضلون من ~~الإنس، نرد عليكم بأننا ما تركناكم لإغوائهم، فيكون لكم عذر، إنما ~~أرسلنا إليكم رسلا لهدايتكم، وقد بلغكم الرسل. وفي موضع آخر يقول ~~تعالى: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]. فماذا يكون موقفهم يوم تشهد أنت عليهم بأنك بلغت، ~~وأعذرت في البلاغ، وأنك اضطهدت منهم، وأوذيت، وقد ضل عنهم شركاؤهم، ~~ولم يجدوا من يشهد لهم أو يدافع عنهم؟ عندها تسقط أعذارهم وتكون ~~المحكمة قد تنورت. ثم يقول تعالى: { فقلنا هاتوا ~~برهانكم.. } [القصص: 75] أي: قولوا: إن رسلنا لم يبلغوكم ~~منهجنا، وهاتوا حجة تدفع عنكم، فلما تحيروا وأسقط في ms7358 أيديهم حيث غاب ~~شهداؤهم وحضر الشهداء عليهم { فعلموا أن الحق لله.. } ~~[القصص: 75]. وفوجئوا كما قال تعالى عنهم: # ووجد الله عنده فوفاه حسابه.. # [النور: 39]. وقال: # ووجدوا ما عملوا حاضرا.. # [الكهف: 49]. فوجئوا بما لم يصدقوا به ولم يؤمنوا به، لكن ما وجه هذه ~~المفاجأة، وقد أخبرناهم بها في الدنيا وأعطيناهم مناعة كان من الواجب أن ~~يأخذوا بها، وأن يستعدوا لهذا الموقف، فالعاقل حين تحذره من وعورة ~~الطريق الذي سيسلكه وما فيه من مخاطر وأهوال ينبغي عليه أن ينصرف عنه، ~~إن كان الناصح له صادقا، ولا عليه حين يحتاط لنفسه أن يكون ناصحه ~~كاذبا، على حد قول الشاعر: # زعم المنجم والطبيب كلاهما # لا تبعث الأجساد قلت إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر # أو صح قولي فالخسار عليكما # وما عليك إن حملت بندقية في هذا الطريق المخوف، ثم لم تجد شيئا ~~يخيفك؟ إذن: أنتم إن لم تخسروا فلن تكسبوا شيئا، ونحن إن لم نكسب لن ~~نخسر. وقوله: { وضل عنهم.. } [القصص: 75] أي: غاب { ما ~~كانوا يفترون } [القصص: 75] من ادعاه الشركاء. بعد أن أعطانا ~~الحق - تبارك وتعالى - لقطة من لقطات يوم القيامة، والقيامة لا تخيف إلا ~~من يؤمن بها، أما من لا يؤمن بالآخرة والقيامة فلا بد له من رادع ~~آخر لأن الحق سبحانه يريد أن يحمي صلاح الكون وحركة الحياة. ولو اقتصر ~~الجزاء على القيامة لعربد غير المؤمنين واستشرى فسادهم، ولشقي الناس ~~بهم، والله تعالى يريد أن يحمي حركة الحياة من المفسدين من غير المؤمنين ~~بالآخرة، فيجعل لهم عذابا في الدنيا قبل عذاب الآخرة. يقول تعالى: # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك.. # [الطور: 47] يعني: قبل عذاب الآخرة. فالذي يقع للكفار في الدنيا ردع ~~لكل ظالم يحاول أن يعتدي، وأن يقف في وجه الحق لذلك يعطينا ربنا - عز ~~وجل - صورة لهذا العذاب الدنيوي للمفسدين في الأرض، فيقول سبحانه: { ~~إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم... }. ### || [28.76] # فلم يتكلم عن قارون وجزائه في الآخرة، إنما يجعله مثلا وعبرة واضحة ~~في الدنيا لكل من لم يؤمن بيوم ms7359 القيامة لعله يرتدع. والنبي صلى الله ~~عليه وسلم اضطهده كفار قريش، ووقفوا في وجه دعوته، وآذوا صحابته، حتى ~~أصبحوا غير قادرين على حماية أنفسهم، ومع ذلك ينزل القرآن على رسول الله ~~يقول: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. فيتعجب عمر رضي الله عنه: أي جمع هذا؟ فنحن غير قادرين ~~على حماية أنفسنا، فلما وقعت بدر وانهزم الكفار وقتلوا. قال عمر: نعم ~~صدق الله # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. لذلك يقولون: لا يموت ظالم في الدنيا حتى ينتقم الله منه، ~~ويرى فيه المظلوم يوما يشفي غليله، ولما مات ظلوم في الشام ولم ير ~~الناس فيه ما يدل على انتقام الله منه تعجبوا وقال أحدهم: لا بد أن ~~الله انتقم منه دون أن نشعر، فإن أفلت من عذاب الدنيا، فوراء هذه الدار ~~دار أخرى يعاقب فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وعدل الله - عز ~~وجل - يقتضي هذه المحاسبة. والحق - تبارك وتعالى - يجعل من قارون عبرة ~~لكل من لا يؤمن بالآخرة ليخاف من عذاب الله، ويحذر عقابه، والعبرة هنا ~~بمن؟ بقارون رأس من رؤوس القوم، وأغنى أغنيائهم، والفتوة فيهم، فحين ~~يأخذه الله يكون في أخذه عبرة لمن دونه. وحدثونا أن صديقا لنا كان ~~يعمل بجمرك الأسكندرية، فتجمع عليه بعض زملائه من الفتوات الذين يريدون ~~فرض سيطرتهم على الآخرين، فما كان منه إلا أن أخذ كبيرهم، فألقاه في ~~الأرض، وعندها تفرق الآخرون وانصرفوا عنه. ومن هذا المنطلق أخذ الله ~~تعالى قارون، وهو الفتوة، ورمز الغنى والجاه بين قومه، فقال تعالى: { ~~إن قارون كان من قوم موسى.. } [القصص: 76] إذن: حينما ~~نتأمل حياة موسى عليه السلام نجده قد مني بصناديد الكفر، فقد واجه ~~فرعون الذي ادعى الألوهية، وواجه هامان، ثم موسى السامري الذي خانه في ~~قومه في غيبته، فدعاهم إلى عبادة العجل. ومني من قومه بقارون، ومعنى: من ~~قومه، إما لأنه كان من رحمه من بني إسرائيل، أو من قومه يعني: الذين ~~يعيشون معه. والقرآن لم يتعرض لهذه المسألة بأكثر من هذا، لكن المفسرين ~~يقولون: إنه ابن عمه. ms7360 فهو: قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي ابن يعقوب ~~وموسى هو ابن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. وللمؤرخين كلام في العداوة ~~بين موسى وقارون، قالوا: حينما سأل موسى عليه السلام ربه أن يشد عضده ~~بأخيه هارون، أجابه سبحانه # قال قد أوتيت سؤلك يموسى # [طه: 36] وليست هذه أول مرة بل # ولقد مننا عليك مرة أخرى # [طه: 37] وأرسل الله معه أخاه هارون لأنه أفصح من موسى لسانا، وجعلهما ~~شريكين في الرسالة، وخاطبهما معا # اذهبآ.. # [طه: 43] ليؤكد أن الرسالة ليست من باطن موسى. وإن رأيت الخطاب في ~~القرآن لموسى بمفرده، فاعلم أن هارون ملاحظ فيه، ومن ذلك لما دعا موسى ~~على قوم فرعون، فقال: # ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا ~~في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا ~~اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 88]. فالذي دعا موسى، ومع ذلك لما أجابه ربه قال: # قد أجيبت دعوتكما.. # [يونس: 89] وهذا دليل على أن هارون لم يكن رسولا من باطن موسى، إنما من ~~الحق سبحانه، وأيضا دليل على أن المؤمن على الدعاء كالداعي، فكان موسى ~~يدعو وهارون يقول: آمين. ولما ذهب موسى لميقات ربه قال لأخيه # اخلفني في قومي.. # [الأعراف: 142] وفي غيبة موسى حدثت مسألة العجل، وغضب موسى من أخيه ~~هارون، فلما هدأت بينهما الأمور حدث تخصيص في رسالة كل منهما، فأعطى ~~هارون الحبورة والحبر: هو العالم الذي يعد مرجعا، كما أعطي ~~القربان أي: التقرب إلى الله. وعندها غضب قارون لأنه خرج من هذه المسألة ~~صفر اليدين، وامتاز عنه أولاد عمومته بالرسالة والمنزلة، رغم ما كان ~~عنده من أموال كثيرة. ثم إن موسى - عليه السلام - طلب من قارون زكاة ~~ماله، دينار في كل ألف دينار، ودرهم في كل ألف درهم، فرفض قارون وامتنع، ~~بل وألب الناس ضد موسى - عليه السلام. ثم دبر له فضيحة ليصرف الناس ~~عنه، حيث أغرى امرأة بغيا فأعطاها طستا مليئا بالذهب، على أن تدعي ~~على موسى وتتهمه، فجاء موسى عليه السلام ms7361 ليخطب في الناس، ويبين لهم ~~الأحكام فقال: من يسرق نقطع يده، ومن يزني نجلده إن كان غير محصن، ~~ونرجمه إن كان محصنا، فقام له قارون وقال: فإن كنت أنت يا موسى؟ فقال: ~~وإن كنت أنا. وهنا قامت المرأة البغي وقالت: هو راودني عن نفسي، فقال ~~لها: والذي فلق البحر لتقولن الصدق فارتعدت المرأة، واعترفت بما ~~دبره قارون، فانفضح أمره وبدأت العداوة بينه وبين موسى عليه السلام. ~~وبدأ قارون في البغي والطغيان حتى أخذه الله، وقال في حقه هذه الآيات: ~~{ إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم.. } ~~[القصص: 76]. والبغي: تجاوز الحد في الظلم، خاصة وقد كان عنده من المال ~~ما يعينه على الظلم، وما يسخر به الناس لخدمة أهدافه، وكأنه يمثل ~~مركز قوة بين قومه، والبغي إما بالاستيلاء على حقوق الغير، أو باحتقارهم ~~وازدرائهم، وإما بالبطر. ثم يذكر حيثية هذا البغي: { وآتيناه من ~~الكنوز مآ إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي ~~القوة.. } [القصص: 76]. كلمة مفاتح كما في قوله تعالى: # وعنده مفاتح الغيب.. # [الأنعام: 59]. ولو قلنا: مفاتح جمع، فما مفردها؟ لا تقل مفتاح لأن ~~مفتاح جمعها مفاتيح، أما مفاتح، فمفردها مفتح وهي آلة الفتح كالمفتاح، ~~وهي على وزن مبرد فالمعنى: أن مفاتيح خزائنه لو حملتها عصبة تنوء بها، ~~وهذه كناية عن كثرة أمواله، نقول: ناء به الحمل، أو ناء بالحمل، إذا ~~ثقل عليه، ونحن لا نميز الخفيف من الثقيل بالعين أو اللمس أو الشم إنما ~~لا بد من حمله للإحساس بوزنه. # وقلنا: إن هذه الحاسة هي حاسة العضل، فالحمل الثقيل يجهد العضلة، ~~فتشعر بالثقل، على خلاف لو حملت شيئا خفيفا لا تكاد تشعر بوزنه ~~لخفته، ولو حاولت أن تجمع أوزانا في حيز ضيق كحقيبة هاندباج فإن ~~الثقل يفضحك لأنك تنوء به. والعصبة: هم القوم الذين يتعصبون لمبدأ من ~~المبادئ بدون هوى بينهم، ومنه قول إخوة يوسف: # ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن ~~عصبة.. # [يوسف: 8]. إنها كلمة حق خرجت من أفواههم دون قصد منهم لأنهم فعلا ~~كانوا قوة متعصبين بعضهم لبعض في ms7362 مواجهة يوسف وأخيه، وكانا صغيرين لا ~~قوة لهما ولا شوكة، وكانوا جميعا من أم واحدة، ويوسف وأخوه من أم أخرى، ~~فطبيعي أن يميل قلب يعقوب عليه السلام مع الضعيف. وقالوا: العصبة من ~~الثلاثة إلى العشرة، وقد حددهم القرآن بقوله: # إني رأيت أحد عشر كوكبا.. # [يوسف: 4] وهم إخوته ومنهم بنيامين # والشمس والقمر.. # [يوسف: 4] أي: أباه وأمه. فمن هاتين الآيتين نستطيع تحديد العصبة. وبهذا ~~التفكير الذي يقوم على ضم الآيات بعضها إلى بعض حل الإمام علي - رضي ~~الله عنه - مسألة تعد معضلة عند البعض، حيث جاءه من يقول له: تزوجت ~~امرأة وولدت بعد ستة أشهر، ومعلوم أن المرأة تلد لتسعة أشهر، فلا بد ~~أنها حملت قبل أن تتزوج. فقال الإمام علي: أقل الحمل ستة أشهر، فقال ~~السائل: ومن أين تأخذها يا أبا الحسن؟ قال: نأخذها من قوله تعالى: # وحمله وفصله ثلثون شهرا.. # [الأحقاف: 15] وفي آية أخرى قال سبحانه: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين.. # [البقرة: 233]. يعني: أربعة وعشرين شهرا، وبطرح الأربعة والعشرين شهرا ~~من الثلاثين يكون الناتج ستة أشهر، هي أقل مدة للحمل. وهكذا تتكاتف آيات ~~القرآن، ويكمل بعضها بعضا، ومن الخطأ أن نأخذ كل آية على حدة، ونفصلها ~~عن غيرها في ذات الموضوع. ثم يقول سبحانه: { إذ قال له قومه ~~لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين } [القصص: 76] ~~والنهي هنا عن الفرح المحظور، فالفرح: انبساط النفس لأمر يسر الإنسان، ~~وفرق بين أمر يسرك لأنه يمتعك، وأمر يسرك لأنه ينفعك، فالمتعة غير ~~المنفعة. فمثلا، مريض السكر قد يأكل المواد السكرية لأنها تحدث له ~~متعة، مع أنها مضرة بالنسبة له، إذن: فالفرح ينبغي أن يكون بالشيء ~~النافع، لأن الله تعالى لم يجعل المتعة إلا في النافع. فحينما يقولون له ~~{ لا تفرح. # . } [القصص: 76] أي: فرح المتعة، وإنما الفرح بالشيء النافع، ولو لم تكن ~~فيه متعة كالذي يتناول الدواء المر الذي يعود عليه بالشفاء، لذلك يقول ~~تعالى: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا.. # [يونس: 58]. ويقول تعالى: # ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله.. # [الروم: 4-5] فسماه الله فرحا ms7363 لأنه فرح بشيء نافع لأن انتصار الدعوة ~~يعني أن مبدءك الذي آمنت به، وحاربت من أجله سيسيطر وسيعود عليك وعلى ~~العالم بالنفع. ومن فرح المتعة المحظور ما حكاه القرآن: # فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله.. # [التوبة: 81] هذا هو فرح المتعة لأنهم كارهون لرسول الله، رافضون للخروج ~~معه، ويسرهم قعودهم، وتركه يخرج للقتال وحده. فقوله تعالى: { لا ~~تفرح إن الله لا يحب الفرحين } [القصص: 76] أي: فرح ~~المتعة الذي لا ينظر إلى مغبة الأشياء وعواقبها، فشارب الخمر يشربها ~~لما لها من متعة مؤقتة، لكن يتبعها ضرر بالغ، ونسمع الآن من يقول عن ~~الرقص مثلا إنه فن جميل وفن راق لأنه يجد فيه متعة ما، لكن شرط الفن ~~الجميل الراقي أن يظل جميلا، لكن أن ينقلب بعد ذلك إلى قبح ويورث ~~قبحا، كما يحدث في الرقص، فلا يعد جميلا. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وابتغ فيمآ آتاك... }. ### || [28.77] # معنى { وابتغ.. } [القصص: 77] أي: اطلب { فيمآ آتاك الله.. } ~~[القصص: 77] بما أنعم عليك من الرزق { الدار الآخرة.. } [القصص: ~~77] لأنك إن ابتغيت برزق الله لك الحياة الدنيا، فسوف يفنى معك في ~~الدنيا، لكن إن نقلته للآخرة لأبقيت عليه نعيما دائما لا يزول. ~~وحين تحب نعيم الدنيا وتحتضنه وتتشبث به، فاعلم أن دنياك لن تمهلك، فإما ~~أن تفوت هذا النعيم بالموت، أو يفوتك هو حين تفتقر. إذن: إن كنت عاشقا ~~ومحبا للمال ولبقائه في حوزتك، فانقله إلى الدار الباقية، ليظل في ~~حضنك دائما نعيما باقيا لا يفارقك، فسارع إذن واجعله يسبقك إلى ~~الآخرة. # " وفي الحديث الشريف لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين ~~عائشة عن الشاة التي أهديت له قالت بعد أن تصدقت بها: ذهبت إلا ~~كتفها، فقال صلى الله عليه وسلم: " بل بقيت إلا كتفها ". # ويقول صلى الله عليه وسلم: # " ليس لك من مالك إلا ما أكلت فافنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت ~~فأبقيت ". # لذلك كان أولو العزم حين يدخل على أحدهم سائل يسأله، يقول له: مرحبا ~~بمن جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة. ms7364 والإمام علي - رضي الله عنه - ~~جاءه رجل يسأله: أأنا من أهل الدنيا، أم من أهل الآخرة؟ فقال: جواب هذا ~~السؤال ليس عندي، بل عندك أنت، وأنت الحكم في هذه المسألة. فإن دخل عليك ~~من تعودت أنه يعطيك، ودخل عليك من تعودت أن يأخذ منك، فإن كنت ~~تبش لمن يعطي، فأنت من أهل الدنيا، وإن كنت تبش لمن يسألك ويأخذ ~~منك، فأنت من أهل الآخرة، لأن الإنسان يحب من يعمر له ما يحب، فإن كنت ~~محبا للدنيا فيسعدك من يعطيك، وإن كنت محبا للآخرة فيسعدك من ~~يأخذ منك. وإذا كان ربنا - عز وجل - يوصينا بأن نبتغي الآخرة، فهذا لا ~~يعني أن نترك الدنيا: { ولا تنس نصيبك من الدنيا.. } ~~[القصص: 77] لكن هذه الآية يأخذها البعض دليلا على الانغماس في الدنيا ~~ومتعها. وحين نتأمل { ولا تنس نصيبك من الدنيا.. } [القصص: ~~77] نفهم أن العاقل كان يجب عليه أن ينظر إلى الدنيا على أنها لا تستحق ~~الاهتمام، لكن ربه لفته إليها ليأخذ بشيء منها تقتضيه حركة حياته. ~~فالمعنى: كان ينبغي على أن أنساها فذكرني الله بها. ولأهل المعرفة ~~في هذه المسألة ملمح دقيق: يقولون: نصيبك من الشيء ما ينالك منه، لا عن ~~مفارقة إنما عن ملازمة ودوام، وعلى هذا فنصيبك من الدنيا هو الحسنة التي ~~تبقى لك، وتظل معك، وتصحبك بعد الدنيا إلى الآخرة، فكأن نصيبك من الدنيا ~~يصب في نصيبك من الآخرة، فتخدم دنياك آخرتك. # أو: يكون المعنى موجها للبخيل الممسك على نفسه، فيذكره ربه { ولا ~~تنس نصيبك من الدنيا.. } [القصص: 77] يعني: خذ منها ~~القدر الذي يعينك على أمر الآخرة، لذلك قالوا عن الدنيا: هي أهم من أن ~~تنسى - لأنها الوسيلة إلى الآخرة - وأتفه من أن تكون غاية لأن بعدها ~~غاية أخرى وأبقى وأدوم. ثم يقول سبحانه: { وأحسن كمآ أحسن ~~الله إليك.. } [القصص: 77] الحق سبحانه يريد أن يتخلق خلقه ~~بخلقه، كما جاء في الأثر " تخلقوا بأخلاق الله ". فكما أحسن الله إليك ~~أحسن إلى الناس، وكما تحب أن يغفر الله لك، اغفر لغيرك إساءته { ألا ms7365 ~~تحبون أن يغفر الله لكم.. } [النور: 22]. وما دام ربك ~~يعطيك، فعليك أن تعطي دون مخافة الفقر لأن الله تعالى هو الذي استدعاك ~~للوجود لذلك تكفل بنفقتك وتربيتك ورعايتك. لذلك حين ترى العاجز عن ~~الكسب - وقد جعله ربه على هذه الحال لحكمة - حين يمد يده إليك، فاعلم أنه ~~يمدها لله، وأنك مناول عن الله تعالى. ونلحظ هذا المعنى في قوله تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا.. # [الحديد: 11]. فسمى الصدقة قرضا لله، لماذا؟ لأن هذا العبد عبدي، ~~مسئول مني أن أرزقه، وقد ابتليته لحكمة عندي - حتى لا يظن أحد أن ~~المسألة ذاتية فيه، فيعتبر به غيره - فمن إذن يقرضني لأسد حاجة ~~أخيكم؟ وقال تعالى: # يقرض الله.. # [الحديد: 11] مع أنه سبحانه الواهب لأنه أراد أن يحترم ملكيتك، وأن ~~يحترم انتفاعك، وسعيك.. كما لو أراد والد أن يجري لأحد أبنائه عملية ~~جراحية مثلا وهو فقير وإخوته أغنياء، فيقول لأولاده: اقرضوني من أموالكم ~~لأجري الجراحة لأخيكم، وسوف أرد عليكم هذا القرض. # " وفي الحديث الشريف أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ~~ابنته فاطمة - رضوان الله عليها - فوجدها تجلو درهما فسألها: " ماذا ~~تصنعين به "؟ قالت: أجلوه، قال: " لم "؟ قالت: لأني نويت أن أتصدق به، ~~وأعلم أنه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير ". # إذن: فالمال مال الله، وأنت مناول عن الله تعالى. وقد وقف بعض ~~المستشرقين عند هذه المسألة لأنهم يقرأون الآيات والأحاديث مجرد قراءة ~~سطحية غير واعية، فيتوهمون أنها متضاربة. فقالوا هنا: الله تعالى يقول: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه ~~له.. # [الحديد: 11]. وقال في موضع آخر: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها.. # [الأنعام: 160] وفي الحديث الشريف: # " مكتوب على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر ". # فظاهر الحديث يختلف مع الآية الكريمة - هذا في نظرهم - لأنهم لا يملكون ~~الملكة العربية في استقبال البيان القرآني. # وبتأمل الآيات والأحاديث نجد اتفاقهما على أن الحسنة أو الصدقة بعشر ~~أمثالها، فالخلاف - ظاهرا - في قوله تعالى: # فيضاعفه له.. # [الحديد: ms7366 11] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " والقرض بثمانية عشر ". # وليس بينهما اختلاف، فساعة تصدق الإنسان بدرهم مثلا أعطاه الله عشرة ~~منها الدرهم الذي تصدق به، فكأنه أعطاه تسعة، فحين تضاعف التسعة، ~~تصبح ثمانية عشرة. ثم يقول سبحانه: { ولا تبغ الفساد في ~~الأرض إن الله لا يحب المفسدين } [القصص: 77] ~~والفساد يأتي من الخروج عن منهج الله، فإن غيرت فيه فقد أفسدت، ~~فالفساد كما يكون في المادة يكون في المنهج، وفي المعنويات، يقول سبحانه: # ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها.. # [الأعراف: 56]. فالحق سبحانه خلق كل شيء على هيئة الصلاح لإسعاد خلقه، ~~فلا تعمد إليه أنت فتفسده، ومن هذا الصلاح المنهج، بل المنهج وهو قوام ~~الحياة المعنوية - أولى من قوام الحياة المادية. إذن: فلتكن مؤدبا ~~مع الكون من حولك، فإذا لم تستطع أن تزيده حسنا فلا أقل من أن ~~تدعه كما هو دون أن تفسده، وضربنا لذلك مثلا ببئر الماء قد تعمد إليه ~~فتطمسه، وقد تبني حوله سورا يحميه. هذه مسائل خمس توجه بها قوم قارون ~~لنصحه بها، منها الأمر، ومنها النهي، ولا بد أنهم وجدوا منه ما ~~يناقضها، لا بد أنهم وجدوه بطرا أشرا مغرورا بماله، فقالوا له: # لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين # [القصص: 76]. ووجدوه قد نسي نصيبه من الدنيا فلم يتزود منها للآخرة، ~~فقالوا له { ولا تنس نصيبك من الدنيا.. } [القصص: 77]، ~~ووجدوه يضن على نفسه فلا ينفق في الخير، فقالوا له: { وأحسن كمآ ~~أحسن الله إليك.. } [القصص: 77] يعني: عد نعمتك إلى الغير، ~~كما تعدت نعمة الله إليك.. وهكذا ما أمروه أمرا، ولا نهوه نهيا إلا ~~وهو مخالف له، وإلا لما أمروه ولما نهوه. ثم يقول قارون ردا على ~~هذه المسائل الخمس التي توجه بها قومه إليه: { قال إنمآ ~~أوتيته على علم... }. ### || [28.78] # لكن ما وجه هذا الرد { إنمآ أوتيته على علم عندي.. } ~~[القصص: 78] على المطلوبات الخمسة التي طلبوها منه؟ كأنه يقول لهم: لا ~~دخل لكم بهذه الأمور لأن الذي أعطاني المال علم أنني أهل له، وأنني ~~استحقه لذلك ائتمنني ms7367 عليه، ولست في حاجة لنصيحتكم. أو يكون المعنى { ~~إنمآ أوتيته على علم عندي.. } [القصص: 78] يعني: ~~بمجهودي ومزاولة الأعمال التي تغل على هذا المال، وكان قارون مشهورا ~~بحسن الصوت في قراءة التوراة، وكان حافظا لها. وكان حسن الصورة، وعلى ~~درجة عالية بمعرفة أحكام التوراة. فعجيب أن يكون عنده كل هذا العلم ويقول ~~{ إنمآ أوتيته على علم عندي.. } [القصص: 78] ولا يعلم ~~أن الله قد أهلك من قبله قرونا كانوا أشد منه قوة، وأكثر منه مالا ~~وعددا. { أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله ~~من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا.. ~~} [القصص: 78] فكيف فاتته هذه المسألة مع علمه بالتوراة؟ ومعنى { ~~أولم يعلم.. } [القصص: 78] أي: من ضمن ما علم { من ~~القرون.. } [القصص: 78] أناس كانوا أكثر منه مالا، وقد أخذهم الله ~~وهم أمم لا أفراد، وكلمة { جمعا.. } [القصص: 78] يجوز أن تكون مصدرا ~~يعني: جمع المال، أو: اسم للجماعة أي: له عصبة. وبعد ذلك قال سبحانه: { ~~ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون } [القصص: 78] وعلامة ~~أنهم لا يسألون أن الله تعالى يأخذهم دون إنذار يأخذهم على غرة، فلن ~~يقول لقارون: أنت فعلت كذا وكذا، وسأفعل بك كذا وكذا، وأخسف بك وبدارك ~~الأرض، فأفعالك معلومة لك، والحيثيات السابقة كفيلة بأن يفاجئك العذاب. ~~وهكذا يتوقع أن يأتيه الخسف والعذاب في أي وقت، إذن: لن نسألهم، ولن ~~نجري معهم تحقيقا كتحقيق النيابة أو البوليس، حيث لا فائدة من سؤالهم، ~~وليس لهم عندنا إلا العقاب. وبعد هذا كله وبعد أن نصحه قومه ما يزال ~~قارون متغطرسا بطرا لم يرعو ولم يرتدع، بل ظل فرحا باغيا ~~مفسدا، ويحكي عنه القرآن: { فخرج على قومه... }. ### || [28.79] # قلنا: إن قارون كان بطبيعة الحال غنيا وجيها، حسن الصوت والصورة، ~~كثير العدد، كثير المال، فكيف لو أضفت إلى هذا كله أن يخرج في زينته وفي ~~موكب عظيم، وفي أبهة { فخرج على قومه في زينته.. } ~~[القصص: 79]. وللعلماء كلام كثير في هذه الزينة التي خرج فيها قارون، فقد ~~كان فيها ألف جارية من صفاتهن كذا وكذا، وألف ms7368 فرس.. إلخ، حتى أن الناس ~~انبهروا به وبزينته، بل وانقسموا بسببه قسمين: جماعة فتنوا به، وأخذهم ~~بريق النعمة والزينة والزهو وترف الحياة، ومدوا أعينهم إلى ما هو فيه ~~من متعة الدنيا. وفي هؤلاء يقول تعالى: { قال الذين يريدون ~~الحياة الدنيا يليت لنا مثل مآ أوتي قارون ~~إنه لذو حظ عظيم } [القصص: 79] وقد خاطب الحق - تبارك وتعالى ~~- نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا.. # [طه: 131]. والمعنى: لا تنظر إلى ما في يد غيرك، واحترم قدر الله في ~~خلق الله، واعلم أنك إن فرحت بالنعمة عند غيرك أتاك خيرها يطرق بابك ~~وخدمتك كأنها عندك، وإن كرهتها وحسدته عليها تأبت عليك، وحرمت ~~نفعها لأن النعمة أعشق لصاحبها من عشقه لها، فكيف تأتيه وهو كاره لها عند ~~غيره؟ لذلك من صفات المؤمن أن يحب الخير عند أخيه كما يحبه لنفسه، وحين ~~لا تحب النعمة عند غيرك، فما ذنبه هو؟ فكأنك تعترض على قدر الله فيه، وما ~~دمت قد تأبيت واعترضت على قدر المنعم، فلا بد أن يحرمك منها. لذلك ~~يقول سبحانه في موضع آخر: # ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض.. # [النساء: 32]. لأن لكل منكم مهمة ودورا في الحياة، ولكل منكم مواهبه ~~وميزاته التي يمتاز بها عن الآخرين، ولا بد أن يكون فيك خصال أحسن ممن ~~تحسده، لكنك غافل عنها غير متنبه لها. وسبق أن قلنا: إن الحق سبحانه قد ~~وزع أسباب فضله على خلقه لأننا جميعا أمام الله سواء، وهو سبحانه ~~لم يتخذ صاحبة ولا ولدا لذلك قلنا: إن مجموع مواهب كل فرد تساوي مجموع ~~مواهب الآخر، فقد تزيد أنت عني في خصلة، وأزيد عنك في أخرى، فهذا يمتاز ~~بالذكاء، وهذا بالصحة، وهذا بالعلم، وهذا بالحلم.. إلخ. لأن حركة ~~الحياة تتطلب كل هذه الإمكانيات، فبها تتكامل الحياة، وليس من الممكن أن ~~تتوفر كل هذه المزايا لشخص واحد يقوم بكل الأعمال، بل إن تميزت في ~~عملك، وأتقنت مهمتك فلك الشكر. ms7369 ومن العجيب ألا تنتفع أنت بنبوغك، في ~~حين ينتفع به غيرك، ومن ذلك قولهم مثلا باب النجار مخلع، فلماذا لا يصنع ~~بابا لنفسه، وهو نجار؟ قالوا: لأنه الباب الوحيد الذي لا يتقاضى عليه ~~أجرا. # إذن: حينما تجد غيرك متفوقا في شيء فلا تحقد عليه لأن تفوقه سيعود ~~عليك، وضربنا لذلك مثلا بشيء بسيط حين تمسك المقص بيدك اليمنى لتقص ~~أظافر اليد اليسرى تجد أن اليد اليمنى - لأنها مرنة سهلة الحركة - تقص ~~أظافر اليسرى بدقة، أما حين تقص اليسرى أظافر اليمنى فإنها لا تعطيك ~~نفس المهارة التي كانت لليمنى. إذن: فحسن اليمنى تعدى لليسرى ~~ونفعها. وهكذا إذا رأيت أخاك قد تفوق في شيء أو أحسن في صنعه فاحمد ~~الله لأن حسنه وتفوقه سيعود عليك، وقد لا يعود عليه هو، فلا تحسده، ولا ~~تحقد عليه، بل ادع له بالمزيد لأنك ستنتفع به في يوم من الأيام. لكن ~~ماذا قال أهل الدنيا الذين بهروا بزينة قارون؟ قالوا: { يليت لنا ~~مثل مآ أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم } [القصص: 79] ~~يعني: كما نقول نحن حظه بمب لأن هؤلاء لا يعنيهم إلا أمر الدنيا ومتعها ~~وزخرفها، أما أهل العلم وأهل المعرفة فلهم رأي مخالف، ونظرة أبعد ~~للأمور لذلك ردوا عليهم: { وقال الذين أوتوا العلم... ~~}. ### || [28.80] # فما كان الحق - تبارك وتعالى - ليترك أهل الدنيا وأهل الباطل يشككون ~~الناس في قدر الله، ويتمردون على قسمته حتى الكفر والزندقة، والله ~~سبحانه لا يخلي الناس من أهل الحق الذين يعدلون ميزان حركة الحياة: # إن الذي جعل الحقيقة علقما # لم يخل من أهل الحقيقة جيلا # وما دام أن الله تعالى قال في الجماعة الأولى: # قال الذين يريدون الحياة الدنيا.. # [القصص: 79] فهم لا يرون غيرها، ولا يطمحون لأبعد منها، وقال في ~~الأخرى: { وقال الذين أوتوا العلم.. } [القصص: 80] فهذا ~~يعني: أن أهل الدنيا سطحيون، لم يكن عندهم علم ينفعهم، لذلك وقعوا في هذا ~~المأزق الذي نجا منه أهل العلم، حينما أجروا مقارنة بين الطمع في الدنيا ~~والطمع في الآخرة. كما قلنا سابقا: إن ms7370 عمر الدنيا بالنسبة لك: لا تقل ~~من آدم إلى قيام الساعة فعمرك أنت فيها عمر موقوت، لا بد أن يفنى. ~~إذن: العاقل من يختار الباقية على الفانية، لذلك أهل الدنيا قالوا # يليت لنا مثل مآ أوتي قارون.. # [القصص: 79]. أما أهل العلم والمعرفة فردوا عليهم: { ويلكم.. } ~~[القصص: 80] أي: الويل لكم بسبب هذا التفكير السطحي، وتمني ما عند ~~قارون الويل والهلاك لكم بما حسدتم الناس، وبما حقدتم عليهم وباعتراضكم ~~على أقدار الله في خلقه. فأنتم تستحقون الهلاك بهذا لذلك قال الله عنهم ~~في موضع آخر: # ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا ~~من الحياة الدنيا.. # [الروم: 6-7]. يعني: لا يعرفون حقيقة الأشياء، ولو عرفوا ما قالوا هذا ~~الكلام، وما تمنوا هذه الأمنية. ثم يلفت أهل العلم والمعرفة أنظار أهل ~~الدنيا، ويوجهونهم الوجهة الصحيحة: { ثواب الله خير لمن ~~آمن وعمل صالحا.. } [القصص: 80] أي: ثواب الله خير من الدنيا، ~~ومما عند قارون، وكيف تتمنون ما عنده، وقد شجبتم تصرفاته، ونهيتموه عنها، ~~ولم ترضوها؟ ومعنى: { ولا يلقاهآ إلا الصابرون } ~~[القصص: 80] أي: يلقى الإيمان والعمل الصالح والهداية، ليقبل على ~~عمل الآخرة، ويفضلها عن الدنيا، أي: يلقى قضية العلم بالحقائق، ولا ~~تخدعه ظواهر الأشياء. هذه لا يجدها ولا يوفق إليها إلا الصابرون، كما ~~قال سبحانه في آية أخرى: # وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ~~ذو حظ عظيم # [فصلت: 35]. والصبر: احتمال ما يؤذي في الظاهر، لكنه ينعم في الباطن. ~~وله مراحل، فالله تعالى كلفنا بطاعات فيها أوامر، وكلفنا أن نبتعد ~~عن معاص، وفيها نواه، وأنزل علينا أقدارا قد لا تستطيبها نفوسنا، فهذه ~~مراحل ثلاث. فالطاعات ثقيلة وشاقة على النفس لذلك يقول تعالى عن الصلاة: # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # [البقرة: 45] فهناك دواع شتى تصرفك عن الصلاة، وتحاول أن تقعدك ~~عنها، فتجد عند قيامك للصلاة كسلا وتثاقلا. # واقرأ قوله تعالى عن الصلاة مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها.. # [طه: 132] وهذا دليل على أنها صعبة وشاقة على النفس، لكن إذا تعودت ~~عليها، وألفتها ms7371 النفس صارت أحب الأشياء إليك، وأخفها على نفسك، بل ~~وقرة عين لك. والنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا هذا الدرس في قوله ~~لمؤذنه بلال: # " أرحنا بها يا بلال " # لا أرحنا منها تلك المقالة التي يقولها لسان حالنا الآن. ويقول أيضا ~~صلى الله عليه وسلم: # " وجعلت قرة عيني في الصلاة " # وخص الصلاة بالذات من بين سائر العبادات لأنها تتكرر في اليوم خمس ~~مرات، فهي ملازمة للمؤمن يعايشها على مدى يومه وليلته بخلاف الأركان ~~الأخرى، فمنها ما هو مرة واحدة في العام، أو مرة واحدة في العمر كله. هذا ~~هو النوع الأول من الصبر، وهو الصبر على مشقة الطاعة. الثاني: الصبر عن ~~شهوة المعصية، ولا تنس أنه أول صبر تصادفه في حياتك أن تصبر على نفسك ~~لذلك يقول الشاعر: # إذا رمت أن تستقرض المال منفقا # على شهوات النفس في زمن العسر # فسل نفسك الإنفاق من كنز صبرها # عليك وإنظارا إلى ساعة اليسر # فإن فعلت كنت الغني وإن # أبت فكل منوع بعدها واسع العذر # فبدل أن تقترض لقضاء شهوة نفس عاجلة، فأولى بك أن تصبر إلى أن تجد سعة ~~وتيسيرا، فصبرك على نفسك أهون من صبر الناس عليك، وإن تسعك نفسك، فلا ~~عذر لأحد بعد ذلك إن منعك. الثالث: صبر على الأقدار المؤلمة التي لا ~~تفطن أنت إلى الحكمة منها، فالأقدار ما دامت من حكيم، ومجريها عليك ~~رب، إذن لا بد أن لها حكمة فيك، فخذ القضية القدرية بحكمة مجريها ~~عليك، فهو سبحانه ربك، وليس عدوك، وأنت عبده وصنعته، ألم تقرأ قول الرسول ~~في الحديث الشريف: # " الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إليه أرأفهم بعياله ". # إذن: حين تجري عليك الأقدار المؤلمة، فيكفيك للصبر عليها أن تعلم أنها ~~حكمة الله، ويكفيك أن مجريها عليك ربك، فإن جاءت الأقدار المؤلمة بسبب ~~تقصيرك، فلا تلومن إلا نفسك، كالطالب الذي يهمل دروسه ويتكاسل، فيفشل ~~في الامتحان، فالفشل نتيجة إهماله وتكاسله. أما الذي يذاكر ويجد ~~ويبكر إلى الامتحان مستبشرا فتصدمه سيارة مثلا في الطريق، تمنعه ~~من أداء امتحانه، فهذا ms7372 هو القدر المؤلم الذي له حكمة، وربما داخله شيء من ~~الغرور، وعول على مذاكرته، ونسي توفيق الله له، فأراد الله أن يلقنه ~~هذا الدرس ليعلمه أن الأمر في النهاية بيد الله وبمعونته، وأنه الخاسر ~~إن لم تصادفه هذه المعونة، على حد قول الشاعر: # إذا لم يكن عون من الله للفتى # فأول ما يجني عليه اجتهاده # فعليك إذن أن تنظر إن كانت المصيبة نتيجة لما قدمت، فلا تلومن إلا ~~نفسك، فإن كنت قد أخذت بالأسباب، واستوفيت ما طلب منك، ثم أصابتك ~~المصيبة، فاعلم أن لله فيها حكمة، وعليك أن تحترم حكمة الله وقدره في ~~خلقه. # وباعتبار آخر، يمكن أن نقسم المصائب إلى قسمين: قسم لك فيه غريم، كأن ~~يعتدي عليك غيرك بضرب أو قتل أو نحوه، وقسم ليس لك فيه غريم كالموت ~~والمرض مثلا. وقد أعطانا الحق - سبحانه وتعالى - حكما في كل منهما، ففي ~~النوع الأول حيث لا غريم لك، يقول تعالى على لسان لقمان وهو يوصي ولده: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17]. ويقول فيما لك فيه غريم: # ولمن صبر وغفر.. # [الشورى: 43] فما دام قد ذكر المغفرة ودعاك إليها، فلا بد أن أمامك ~~غريما، ينبغي أن تصبر عليه، وأن تغفر له، والغريم يهيجني إلى المعصية ~~وإلى الانتقام، فكلما رأيته أتميز غيظا، فالصبر في هذه الحالة أشد ~~ويحتاج إلى عزيمة قوية. لذلك قال سبحانه: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] ولم يقل كما في الأولى: # إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17] إنما بصيغة التأكيد باللام لمن. ويعلمنا ربنا - تبارك ~~وتعالى - كيف نعالج غيظ النفوس أمام الغريم، فيقول سبحانه: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. هذه مراحل ثلاث، تتدرج بك حسب ما عندك من استعداد ~~للخير وقدرة على التسامح، فأولها: أن تكظم غيظك، وهذا يعني أن الغيظ ~~موجود، لكنك تكتمه في نفسك، فإن ارتقيت عفوت بأن تخرج الغيظ والغل ~~من نفسك، كأن شيئا لم يحدث، فإن ارتقيت إلى المرتبة الأعلى أحسنت ms7373 لأن ~~الله تعالى يحب المحسنين، والإحسان أن تقدم الخير وتبادر به من أساء ~~إليك، فتجعله ردا على إساءته. ولا شك أن هذه المراحل تحتاج إلى ~~مجاهدة، فهي قاسية على النفس، وقلما تجد من يعمل بها لذلك ما جعلها ~~الله على وجه الإلزام، إنما ندب إليها وحث عليها، فإن أخذت بأولاها ~~فلا شيء عليك لأن الله تعالى أباح لك أن ترد الإساءة بمثلها، فإن كظمت ~~غيظك فأنت على خير، وإن اخترت لنفسك الرقي في طاعة ربك، فنعم الرجل ~~أنت، ويكفيك # والله يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. ويكفيك أن المسيء بإساءته إليك جعل الله في جانبك، فهو ~~مع إساءته إليك يستحق مكافأة منك، كما قال أحد العارفين: ألا أحسن لمن ~~جعل الله في جانبي؟ وضربنا لذلك مثلا بالوالد حين يجد أن أحد الأولاد ~~اعتدى على الآخر، فيميل ناحية المعتدى عليه ويتودد إليه، ويحاول ~~إرضاءه، حتى إن المعتدي ليغتاظ ويندم على أنه أساء إلى أخيه، كذلك الحق - ~~تبارك وتعالى - إن اعتدى بعض خلقه على بعض يحتضن المظلوم، وينصره على ~~من ظلمه. ثم يفاجأ قارون بالعقاب الذي يستحقه: { فخسفنا به ~~وبداره الأرض... }. ### || [28.81] # والخسف: أن تنشق الأرض فتبتلع ما عليها، كالذي يقول يا أرض انشقي ~~وابلعيني، والخسف كان به وبداره التي فيها كنوزه وخزائنه وما يملك { ~~فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله.. } [القصص: ~~81]، فما نفعه مال، ولا دافع عنه أهل { وما كان من المنتصرين ~~} [القصص: 81] أي: بذاته. فلم تكن له عصبة تحميه، ولا استطاع هو ~~حماية نفسه، فمن يدفع عذاب الله إن حل، ومن يمنعه وينقذه إن ~~خسفت به الأرض؟! وهنا ينبغي أن نتساءل: كيف الآن حال من اغتروا به، ~~وفتنوا بماله وزينته؟ يقول الحق سبحانه: { وأصبح الذين ~~تمنوا مكانه... }. ### || [28.82] # لقد كانوا بالأمس يقولون # يليت لنا مثل مآ أوتي قارون.. # [القصص: 79]، لكن اليوم وبعد أن عاينوا ما حاق به من عذاب الله وبأسه ~~الذي لا يرد عن القوم الكافرين - اليوم يثوبون إلى رشدهم ويقولون: { ~~ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشآء من ms7374 عباده ~~ويقدر.. } [القصص: 82]. كلمة وي اسم فعل مثل: أف وهيهات، وتدل ~~على الندم والتحسر على ما حدث منك، فهي تنديد وتخطيء للفعل، وقد ~~تقال وي للتعجب. فقولهم وي ندما على ما كان منهم من تمني النعمة التي ~~تنعم بها قارون وتخطيئا لأنفسهم، بعد أن شاهدوا الخسف به وبداره، ~~وهم يندمون الآن ويخطئون أنفسهم لأن الله تعالى في رزقه حكمة وقدرا. ~~{ يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر.. } ~~[القصص: 82] أي: يقبض ويضيق، وليس بسط الرزق دليل كرامة، ولا تضييقه ~~دليل إهانة، بدليل أن الله يبسط الرزق لقارون، ثم أخذه أخذ عزيز مقتدر. ~~وقد تعرضت سورة الفجر لهذه المسألة في قوله تعالى: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ~~ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن # [الفجر: 15-16]. فالأول اعتبر الرزق الواسع دليل الكرامة، والآخر اعتبر ~~التضييق دليل إهانة، فرد الحق سبحانه عليهما ليصحح هذه النظرة فقال: # كلا.. # [الفجر: 17] يعني: أنتما خاطئان، فلا سعة الرزق دليل كرامة، ولا ~~تضييقه دليل إهانة، وإلا فكيف يكون إيتاء المال دليل كرامة، وأنا أعطي ~~بعض الناس المال، فلا يؤدون حق الله فيه؟ # كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحآضون على ~~طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلا لما * ~~وتحبون المال حبا جما # [الفجر: 17-20]. إذن: فأي كرامة في مال يكون وبالا على صاحبه، ~~وابتلاء لا يوفق فيه، فلو سلب هذا المال من صاحبه لكان خيرا له، فما ~~أشبه هذا المال بالسلاح في يد الذي لا يحسن استعماله، فربما قتل نفسه ~~به. وقوله تعالى: { لولا أن من الله علينا لخسف ~~بنا.. } [القصص: 82] لأنهم بالأمس تمنوا مكانه، أما الآن فيعترفون ~~بأن الله من عليهم حين نجاهم من هذا المصير، ثم يقولون { ~~ويكأنه لا يفلح الكافرون } [القصص: 82] تعجب من أنه ~~لا يفلح الكافرون عند الله تعالى. وبعد ذلك يأتي الحق سبحانه بقضية عامة ~~ليفصل في هذه المسألة: { تلك الدار الآخرة... }. ### || [28.83] # لأنه لا يصح أن يعلو الإنسان على بني جنسه، ولا على بيئته إلا ms7375 بشيء ~~ذاتي فيه، فلا يصح أن يعلو بقوته لأنه قد يمرض، فيصير إلى الضعف، ولا ~~بماله لأنه قد يسلب منه. إذن: إياك أن تعلو على غيرك بشيء موهوب لك، إن ~~أردت فبشيء ذاتي فيك، وليس فيك شيء ذاتي، فلست أفضل من أحد حتى تعلو ~~عليه، كما أن الدنيا أغيار، وربما انتقل ما عندك إليهم، فهل يسرك إن ~~صار غيرك غنيا أو قويا أن يتعالى عليك؟ ثم أنت لا تستطيع العلو إلا ~~بالاعتماد على قوة أعلى منك تسندك، وجرب بنفسك وحاول أن تقفز إلى أعلى ~~كلاعب السيرك، ثم أمسك نفسك في هذا العلو، وطبعا لن تستطيع، لماذا؟ لأنه ~~لا ذاتية لك في العلو. وما دام الأمر كذلك، فإياك أن تعلو لأنك بعلوك ~~تحفظ الآخرين فإن حصل لك العكس شمتوا فيك، وأيضا لأن الإنسان لا ~~يعلو في بيئة ولا في مكان إلا إذا رأى كل من حوله دونه، وحين ترى أن كل ~~الناس دونك فأنت لم تتنبه إلى أسرار فضل الله في خلقه. ولو تأملت ~~لوجدت في كل منهم خصلة ليست عندك، ولو قدرت أن الناس جميعا عيال ~~الله وخلقه، وليس منا من بينه وبين الله نسب أو قرابة ونحن جميعا ~~عنده تعالى سواء، وقد وزع المواهب بيننا جميعا بالتساوي، وبالتالي لا ~~يمتاز أحد على أحد، فلم التعالي إذن؟ ولم الكبر؟ وأيضا الذي يتعالى لا ~~يتعالى إلا في غفلة منه عن ملاحظة كبرياء ربه، وإلا فالذي يستحضر عظمة ~~ربه وكبرياءه لا بد له أن يتواضع، وأن يتضاءل أمام كبريائه تعالى، ~~وأن يستحي أن يتكبر على خلقه. والنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا ~~كيف نحترم الآخرين؟ وكيف نتواضع لهم؟ فلما دخل عليه الصحابي الجليل عدي ~~بن حاتم قام عن كرامة مجلسه له، يعني: إن كان جالسا على وسادة مثلا ~~يقوم عنها، ويعطيها لصاحبه ليجلس هو عليها. وهكذا يحرص رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على المساواة في المجلس لذلك قال عدي بن حاتم لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: أشهد أنك لا تريد ms7376 علوا في الأرض، وأشهد ألا إله ~~إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأسلم. وعجيب ما نراه مثلا في مساجدنا، ~~وهي بيوت الله وأولى الأماكن بهذه المساواة، فتراهم إذا دخل أحد أصحاب ~~النفوذ يفرشون له مصلى ليصلي عليها، مع أن المسجد مفروش، وعلى أعلى ~~مستوى من النظافة، فلماذا هذا التمييز؟ ومع ذلك نجد منهم من يزيح هذه ~~المصلى جانبا، ويصلي كما يصلي بقية الناس، وأظن أن الذي يقبل أن ~~توضع له هذه المصلى أظنه يبتغي علوا في الأرض. والحق سبحانه يريد ~~للإنسان أن يعيش سوى الحركة في أسوياء لتظل القلوب متآلفة، لا يداخلها ~~ضغن، وإذا خلت القلوب من الضغن وسع الناس جميعا رغيف عيش واحد. ~~ثم يقول سبحانه: { والعاقبة للمتقين } [القصص: 83] أي: ~~العاقبة الخيرة، والعاقبة الحسنة في النعيم المقيم الدائم للمتقين. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { من جآء بالحسنة فله خير... }. ### || [28.84] # قلنا: إن كلمة خير تطلق ويراد بها ما يقابل الشر، كما في قوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. وتطلق ويراد بها الأحسن في الخير، تقول: هذا خير من ~~هذا، فكلاهما فيه خير، ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير " # فهي بمعنى التفضيل، أي: أخير منها، ومن ذلك قول الشاعر: # زيد خيار الناس # وابن الأخير # فجاء بصيغة التفضيل على الأصل، وتقول: هذا حسن، وذلك أحسن. فالمعنى ~~هنا: { من جآء بالحسنة فله خير منها.. } [القصص: 84] ~~أي: خير يجيئه من طريقها، أو إذا عمل خيرا أعطاه الله أخير منه وأحسن، ~~والمراد أن الحسنة بعشر أمثالها. والحق سبحانه يعطينا صورة توضيحية لهذه ~~المسألة، فيقول سبحانه: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم # [البقرة: 261]. فقوله تعالى: { من جآء بالحسنة.. } [القصص: 84] ~~قضية عقدية، تثبت وتقرر الثواب للمطيع، والعقاب للعاصي، ومعنى { من ~~جآء بالحسنة.. } [القصص: 84] أي: أتى ms7377 بها حدثا لم يكن ~~موجودا، فحين تفعل أنت الحسنة فقد أوجدتها بما خلق الله فيك من قدرة ~~على الطاعة وطاقة لفعل الخير. أو المعنى: جاء بالحسنة إلى الله أخيرا ~~لينال ثوابها، ولا مانع أن تتجمع له هذه المجيئات كلها ليقبل بها على ~~الله، فيجازيه بها في الآخرة. لكن، هل ثواب الحسنة مقصور فقط على الآخرة، ~~أم أن الدين بقضاياه جاء لسعادة الدنيا وسعادة الآخرة؟ فما دام الدين ~~لسعادة الدارين فللحسنة أثر أيضا في الدنيا، لكن مجموعها يكون لك في ~~الآخرة. وهذه الآية جاءت بعد الحديث عن قارون، وبعد أن نصحه قومه، وجاء ~~في نصحهم: # وأحسن كمآ أحسن الله إليك.. # [القصص: 77] إذن: فطلبهم أن يحسن كما أحسن الله إليه جاء في مجال ذكر ~~الحسنة، والحسنة أهي الشيء الذي يستطيبه الإنسان؟ لا، لأن الإنسان قد ~~يستطيب الشيء ثم يجلب عليه المضرة، وقد يكره الشيء ولا يستطيبه، ويأتي له ~~بالنفع. فمن إذن الذي يحدد الحسنة والسيئة؟ ما دام الناس مختلفين في هذه ~~المسألة، فلا يحددها إلا الله تعالى، الذي خلق الناس، ويعلم ما يصلحهم، ~~وهو سبحانه الذي يعلم خصائص الأشياء، ويعلم ما يترتب عليها من آثار، أما ~~الإنسان فقد خلقه الله صالحا للخير، وصالحا للشر، يعمل الحسن، ويعمل ~~القبيح، وربما اختلطت عليه المسائل. لذلك يقولون في تعريف الحسنة: هي ما ~~حسنه الشرع، لا ما حسنتها أنت، فنحن مثلا نستسيغ بعض الأطعمة، ونجد ~~فيها متعة ولذة، مع أنها مضرة، في حين نأنف مثلا من أكل الطعام ~~المسلوق، مع أنه أفيد وأنفع لذلك يقول تعالى في صفة الطعام: # فكلوه هنيئا مريئا # [النساء: 4] لأن الطعام قد يكون هنيئا تجد له متعة، لكنه غير مريء ~~ويسبب لك المتاعب بعد ذلك. الحق سبحانه يقول هنا: { من جآء ~~بالحسنة فله خير منها.. } [القصص: 84] فالحسنة خير، لكن، ~~الثواب عليها خير منها أي: أخير لأنه عطاء دائم باق لا ينقطع، أو خير ~~يأتيك بسببها. كما يقول أصحاب الألغاز واللعب بالكلمات: محمد خير من ربه، ~~والمعنى: خير يصلنا من الله، ولا داعي ms7378 لمثل هذه الألغاز طالما تحتمل معنى ~~غير مقبول. ثم يقول سبحانه: { ومن جآء بالسيئة.. } [القصص: ~~84] لم يقل الحق سبحانه: فله أشر منها، قياسا على الحسنة فنضاعف السيئة ~~كما ضاعفنا الحسنة، وهذه المسألة مظهر من مظاهر رحمة الله بخلقه، هذه ~~الرحمة التي تتعدى حتى إلى العصاة من خلقه. لذلك قال { فلا ~~يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا ~~يعملون } [القصص: 84] أي: على قدرها دون زيادة. واقرأ إن شئت ~~قوله تعالى في سورة عم: # إن للمتقين مفازا * حدآئق وأعنابا * وكواعب ~~أترابا * وكأسا دهاقا * لا يسمعون فيها لغوا ~~ولا كذابا * جزآء من ربك عطآء حسابا # [النبأ: 31-36]. فحسابا هنا لا تعني أن الجزاء بحساب على قدر العمل، ~~إنما تعني كافيهم في كل ناحية من نواحي الخير، ومنه قولنا: حسبي الله ~~يعني: كافيني. وفي المقابل يقول سبحانه في السيئة: # جزآء وفاقا # [النبأ: 26] أي: على قدرها موافقا لها. إذن: فربنا - عز وجل - يعاملنا ~~بالفضل لا بالعدل ليغري الناس بفعل الحسنة، وأنت حين تفعل الحسنة فأنت ~~واحد تقدم حسنتك إلى كل الناس، وفي المقابل يعود عليك أثر حسنات ~~الجماهير كلها، فينالك من كل واحد منهم حسنة، وكأنه أوكازيون حسنات يعود ~~عليك أنت. ثم يقول الحق سبحانه لنبيه: { إن الذي فرض ~~عليك... }. ### || [28.85] # معنى فرض: ألزم وأوجب وحتم. وأصل الفرض الحز والقطع، كما تقطع ~~شيئا بالسكين مثلا تسمى فرضا لأنها خرجت عن طبيعة تكوينها، كذلك ~~القرآن يخرج النفس عن طبيعة مشتهاها، ويقطع عليها مشيئتها، ويردها ~~إلى مشيئة الله لذلك يقول سبحانه في أول سورة النور: # سورة أنزلناها وفرضناها.. # [النور: 1]. يعني: حتمناها وألزمنا بها، والإلزام يعني رد النفس إلى ~~ما يريده خالقها منها، بصرف النظر عما تشتهيه هي، فقد يأمرها بما تكره، ~~وينهاها عما تحب. إذن: يقطع سيال النفس لأنها عادة ما تكون أمارة ~~بالسوء، تنظر إلى العاجل، ولا تهتم بالآجل ولا تعمل له حسابا. فالقرآن ~~منهج الله بافعل ولا تفعل، هو الذي يكبح جماح النفس، ويحدد لها مجال ~~مشيئتها لأن الخالق - عز وجل - خلق النفس، وجعل مشيئتها ms7379 صالحة لعمل ~~الخير، ولعمل الشر. وسبق أن تكلمنا عن الفرق بين عباد وعبيد وقلنا: إن ~~الخلق جميعا عبيد الله، المؤمن منهم والكافر، وإن تأبى الكافر على ~~الله في الإيمان، فهو مقهور له تعالى في مسائل أخرى، كالمرض والموت ~~وغيره، ثم أعطانا الله تعالى مجالا للاختيار، ليثيب من يثيب بحق، ~~ويعذب من يعذب بحق. والعاقل حينما يرى أنه مقهور لله في قدريات لا ~~يستطيع منها فكاكا، وليس له فيها تصرف، فيتنازل عن مراده، وعن اختياره ~~لمراد ربه واختيار ربه، ويرضى أن يكون مسيرا في كل شيء، وهنا ~~يتحولون من عبيد إلى عباد. فالعباد إذن هم الذين يخرجون عن اختياراتهم ~~الممنوحة لهم من الله إلى مراد الله في الحكم، وبهذا المنطق يكون الجميع ~~في الآخرة عبادا لأنه لا اختيار لهم، ويستوي في ذلك المؤمن والكافر، يوم ~~يقول سبحانه: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وسمي إنزال القرآن فرضا لما في القرآن من تكاليف، وهي ~~عادة ما تكون شاقة على النفس، ألا ترى قوله تعالى عن الصلاة، وهي أم ~~العبادات: # وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين # [البقرة: 45]. فلا يعرف منزلتها ومكانتها إلا خاشع لذلك كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول لبلال: # " أرحنا بها يا بلال " # ويقول: # " وجعلت قرة عيني في الصلاة " # لأنه صلى الله عليه وسلم أحبها وعشقها، حتى صارت قرة عينه، ومنتهى ~~راحته. إذن: أول ما يفرض التكليف لا بد أن يكون شاقا لذلك يحتاج إلى ~~صلاة إيمان وجلد يقين، بحيث تثق في أن العمل الشاق عليك الآن سيجلب لك ~~الخير والسعادة الباقية الدائمة في الآخرة. ويقول تعالى عن القتال: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم.. # [البقرة: 216] فلا شك أنه مكروه للنفس، لكن إن استحضرت الجزاء، ~~وعرفت أنه: إما النصر، وإما الشهادة، فإنه يحلو لك حتى تعشقه، وتبادر ~~أنت إليه، كالصحابي في بدر بعد أن سمع ما للشهيد من الأجر وكان في فمه ~~تمرة يمضغها فقال: " أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل فأقتل "؟ ثم ~~ألقى التمرة وأسرع إلى ساحة القتال. ms7380 # لذلك الحق سبحانه يضخم الجزاءات في نفس المؤمن ليقبل على العمل بحب ~~وشهوة. ومن هنا يقول بعض العارفين الذين عشقوا الخير حتى أصبح شهوة نفس ~~عندهم: أخشى ألا يثيبني الله على الطاعة، لماذا؟ يقول: لأنني أصبحت ~~أشتهيها، أي: كما يشتهي أهل المعصية المعصية. وحين يصل الإيمان بصاحبه ~~إلى درجة أنه يعشق الطاعة، فقد أصبح ربانيا يثق فيما عند الله من ~~الجزاء. # " وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تورمت قدماه، فلما ~~سألته السيدة عائشة: ألم يغفر لك ربك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: " ~~أفلا أكون عبدا شكورا "؟ " # ومعنى: { لرآدك إلى معاد.. } [القصص: 85] يعني: يجازيك أفضل ~~الجزاء، ونزلت هذه الآية لما اضطهد أهل مكة رسول الله وآذوه، حتى ~~اضطروه للذهاب إلى الطائف ليبحث فيها عن نصير، لكنهم لم يكونوا أقل ~~قسوة من أهل مكة، فعز على رسول الله النصير فيها، وعاد منكسرا حزينا ~~لم يجد من يدخل في جواره، إلى أن أجاره مطعم بن عدي. وتأمل حين يكون ~~رسول الله بجلالة قدره لا يجد من يناصره، أو يدخله في جواره، أما ~~الصحابة فلم تكن لهم شوكة بعد، ولا قوة لحماية رسول الله، وفي هذه ~~الفترة لاقوا المشاق في سبيل الدعوة، فحاصرهم الكفار في شعب أبي طالب، ~~وفرضوا عليهم المقاطعة التامة حتى عزلوهم عن الناس، ومنعوا عنهم الطعام ~~والشراب، والبيع والشراء، حتى الزواج، وحتى اضطروا إلى أكل المخلفات ~~وأوراق الشجر. لذلك أمرهم الله بالهجرة، والهجرة تكون إلى دار أمن، أو ~~إلى دار إيمان، إلى دار أمن كالهجرة إلى الحبشة حيث قال لهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مبينا حيثية الهجرة إليها: # " إن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد " # يعني: النجاشي ملك الحبشة، وفعلا صدق فيه قول رسول الله، فلما أرسلت ~~قريش في إثرهم من يكلم النجاشي في طلبهم وإعادتهم إلى مكة، رفض أن ~~يسلمهم، وأن يمكن قريشا منهم، مع أن هدايا قريش كانت عظيمة، والإغراء ~~كان كبيرا. وهذا يدل على عظمة رسول الله، وعلى فكره الواسع، وعلى ms7381 دراسة ~~الخريطة من حوله، ومعرفة من يصلح لهجرة صحابته إليه، فاختياره ملك ~~الحبشة لا يأتي إلا إما بإلهام من الله، أو بذكاء كبير، وهو رجل أمي في ~~أمة أمية، ولو لم يذهب وفد قريش في طلب المهاجرين ما ظهر لنا الدليل على ~~صدق مقولة رسول الله. ونتيجة " لا يظلم عنده أحد " فقد شرفه الله ~~بالإسلام فأسلم ووكله رسول الله في أن يزوجه من السيدة أم حبيبة بنت ~~أبي سفيان، وكانت رضي الله عنها من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة مع ~~زوجها الذي تنصر هناك، وبقيت هي على دينها وتمسكت بعقيدتها. # وفي هذا دليل أولا: على مدى ما كان يلاقيه المؤمنون من إيذاء الكافرين، ~~ثانيا: دليل على الطاعة الواعية للزوج، فقد آثرت الخروج مع زوجها لا ~~عشقا له، ولا هياما به، إنما فرارا معه بدينها لذلك لما تنصر لم ~~تتردد في تركه لذلك طلبها رسول الله لنفسه، ثم لما مات النجاشي صلى عليه ~~رسول الله وترحم عليه. هذه هي هجرة الإيمان إلى دار الأمن. ثم كانت ~~الهجرة بعد ذلك إلى دار الإيمان، إلى المدينة، بعد بيعة العقبة الأولى ~~والثانية، وبعد أن وجد رسول الله أنصارا يتحملون معه أعباء الدعوة، وقد ~~ضرب الأنصار في المدينة أروع مثل في التضحية التي ليس لها مثيل في ~~تاريخ البشرية. ذلك أن الرجل أغير ما يكون على زوجته، فلا يضن على غيره ~~بما يملك، فتعطيني سيارتك أركبها، أو بيتك أسكن فيه، أو ثوبك ألبسه، ~~وأتقمش به، أما الزوجة فتظل مصونة لا يجرؤ أحد على النظر إليها. لكن ~~كان للأنصار في هذه المسألة نظرة أخرى حيث أشركوا إخوانهم المهاجرين في ~~كل شيء حتى في زوجاتهم، فقد راعوا فيهم خروجهم من أهلهم وبلادهم، وراعوا ~~غربتهم وما لهم من إربة وحاجة للنساء. فكان الواحد منهم يقول لأخيه: ~~انظر إلى زوجاتي، فأيتهن أعجبتك أطلقها، وتتزوجها أنت، هذه تضحية لا ~~نجد لها مثيلا في تاريخ الناس حتى عند الكفرة. ثم أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة، فخرج خفية ms7382 في حين خرج عمر مثلا ~~جهرا وعلانية، حتى إنه وقف ينادي في أهل مكة بأعلى صوته يتحدى أهلها عند ~~خروجه: من أراد أن تثكله أمه، أو ييتم ولده، أو ترمل زوجته ~~فليلقني خلف هذا الوادي. أما رسول الله فقد خرج خفية، وهذه المسألة ~~يقف عندها البعض أو تخفى عليه الحكمة منها، فرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان دائما أسوة للضعيف، أما القوي فلا يحتاج إلى حماية أحد، ولا ~~عليه إن خرج علانية لذلك لا يستحي أحد أن يتخفى كما تخفى رسول الله. ثم ~~إنك حين تتأمل: نعم خرج رسول الله خفية لكنها خفية التحدي، فقد خرج ~~من بين فتيانهم المتربصين به، وعفر وجوههم بالتراب، وهو يقول: " شاهت ~~الوجوه ". ومع ذلك لم يمنعه تأييد الله له أن يأخذ بأسباب النجاة، فخالف ~~الطريق لأن كفار مكة كانوا يعرفون أن وجهته المدينة لما عقد بيعة العقبة ~~مع الأنصار لذلك ترصدوا له على طريقها، وأرسلوا العيون للبحث عنه، وجعلوا ~~جعلا لمن يأتيهم به صلى الله عليه وسلم. # والمتأمل في حادث الهجرة يجد أنها خطة محكمة تراعي كل جوانب الموقف، كأن ~~الله تعالى يريد أن يعلمنا في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ألا نهمل الأسباب، وألا نتصادم مع الواقع ما دمنا قادرين على ذلك. ~~فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة وهي بلده، وأحب البلاد إلى ~~قلبه قال: # " اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إلي، فأسكني أحب البلاد إليك ". # لذلك إن كانت مكة محبوبة لرسول الله، فالمدينة محبوبة لله لذلك بعد ~~أن خرج رسول الله من مكة وقارب المدينة حن قلبه إلى مكة، فطمأنه ربه ~~بهذه الآية: { إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك ~~إلى معاد.. } [القصص: 85]. فالذي فرض عليك مشقة التكاليف، وحملك ~~مشاق الدعوة والإقناع بها، وتنفيذ أحكامها، هو الذي سيردك إلى بلدك ~~رد نصر، ورد فتح، وما أشبه رد رسول الله إلى بلده برد موسى عليه ~~السلام إلى أمه في قوله تعالى لأم موسى: # إنا رآدوه إليك.. # [القصص: ms7383 7] ليس ردا عاديا، إنما # وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7]. إذن: سيرد إليك ولدك، لكن سيرد رسولا منتصرا. وكما ~~صدق الله في رد موسى يصدق في رد محمد. ومعنى { معاد.. } [القصص: ~~85] ليس هو الموعد كما يظن البعض، إنما يراد به المكان الذي تعود إليه ~~بعد أن تفارقه، فالمعنى: سنردك إلى المكان الذي تحن إليه، ويتعلق به ~~قلبك. أو نردك إلى معاد أي: إلينا، كما قال تعالى: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77] ولا مانع من إرادة المعنيين معا. ثم يقول سبحانه: { قل ~~ربي أعلم من جآء بالهدى ومن هو في ضلال ~~مبين } [القصص: 85] الحق تبارك وتعالى يعلم رسوله محمدا صلى الله ~~عليه وسلم الجدل العفيف، لا الجدل العنيف، يعلمه كيف يرد على ما ~~قالوا عن الذي يؤمن به صبأ فلان يعني: خرج عن دين آبائه وهم يعتقدون أنه ~~الحق، فكأن الذي يؤمن في نظرهم خرج من الحق إلى الباطل. إذن: فهذه عقول ~~تحتاج إلى سياسة وجدل، كما قال سبحانه: # وجادلهم بالتي هي أحسن.. # [النحل: 125] لأن الجدل العنيف يزيد خصمك عنادا ولجاجة، أما الجدل ~~العفيف فيستميل القلوب ويعطفها نحوك لذلك يرد رسول الله بقوله: { قل ~~ربي أعلم من جآء بالهدى ومن هو في ضلال ~~مبين } [القصص: 85] أي: جاء بالهدى من عند الله وهو النبي صلى الله ~~عليه وسلم: { ومن هو في ضلال مبين } [القصص: 85]. ثم يعطي ~~الحق - تبارك وتعالى - لنبيه صلى الله عليه وسلم دليلا من واقع حياته ~~ليطمئن على أنه مؤيد من ربه، وأنه سبحانه سيفي له بما وعد، ولن يتخلى ~~عنه، وكيف يختاره للرسالة، ثم يتخلى عنه؟ ### || [28.86] # يعني: إذا كنت تتعجب، أو تستبعد أن نردك إلى بلدك لأن الكفار يقفون ~~لك بالمرصاد، حتى أصبحت لا تصدق أن تعود إليها، فانظر إلى أصل ~~الرسالة معك: هل كنت تفكر أو يتسامى طموحك إلى أن تكون رسولا؟ إنه أمر ~~لم يكن في بالك، ومع ذلك أعطاك الله إياه واختارك له، فالذي أعطاك ~~الرسالة ولم تكن في بالك كيف يحرمك ms7384 من أمر أنت تحبه وتشتاق إليه؟ إذن: ~~تقوم هذه الآية مقام الدليل والبرهان على صدق # لرآدك إلى معاد.. # [القصص: 85] وفي موضع آخر يؤكد الحق سبحانه هذا المعنى، فيقول سبحانه: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشآء.. # [الشورى: 52] فالذي أعطاك الرسالة لا يعجز أن يحقق لك ما تريد. وقوله ~~تعالى: { إلا رحمة من ربك.. } [القصص: 86] هذا استثناء ~~يسمونه استثناء منقطعا. والمعنى: ما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب ~~إنما ألقيناه، وما ألقيناه إليك إلا رحمة لك من ربك. وما دام هؤلاء ~~الكفار عاندوك وأخرجوك، فإياك أن تلين لهم { فلا تكونن ظهيرا ~~للكافرين } [القصص: 86] أي: معينا لهم مساندا، وكانوا قد ~~اقترحوا على رسول الله أن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدون إلهه سنة، فحذره الله ~~أن يعينهم على ضلالهم، أو يجاريهم في باطلهم، لذلك كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يناصر ظالما أو مجرما، حتى إن كان من أتباعه. وسبق أن ~~ذكرنا في تأويل قوله تعالى: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105] قصة اليهودي زيد بن السمين لما جاءه المسلم طعمة بن ~~أبيريق، وأودع عنده درعا له، وكان هذا الدرع مسروقا من آخر اسمه ~~قتادة بن النعمان، فلما افتقده قتادة بحث عنه حتى وجده في بيت اليهودي، ~~وكان السارق قد وضعه في كيس للدقيق، فدل أثر الدقيق على مكان الدرع ~~فاتهموا اليهودي بالسرقة، ولما عرفوا حقيقة الموقف أشفقوا أن ينتصر ~~اليهودي على المسلم، خاصة وهم حديثو عهد بالإسلام، حريصون على ألا تشوه ~~صورته. لذلك شرحوا لرسول الله هذه المسألة، لعله يجد لها مخرجا، فأدار ~~رسول الله المسألة في رأسه قبل أن يأخذ فيها حكما وعندها نزل الوحي ~~على رسول الله: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس.. # [النساء: 105] أي: جميع الناس، المؤمن والكافر # بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105] أي: تخاصم من أجلهم ولصالحهم # واستغفر الله إن ms7385 الله كان غفورا رحيما # [النساء: 106] أي: مما خطر ببالك في هذه المسألة. وفي بعض الآيات نجد في ~~ظاهرها قسوة على رسول الله وشدة مثل: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 44-46]. وكل ما يكون في القرآن من هذا القبيل لا يقصد به ~~سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما الحق سبحانه يريد أن يعطي ~~للأمة نموذجا يلفت أنظارهم، وكأنه تعالى يقول لنا: انتبهوا فإذا كان ~~الخطاب لرسول الله بهذه الطريقة، فكيف يكون الخطاب لكم؟ كأن يكون عندك ~~خادم يعبث بالأشياء حوله، فتوجه الكلام أنت إلى ولدك: والله لو عبثت ~~بشيء لأفعلن بك كذا وكذا، فتوجه الزجر إلى الولد، وأنت تقصد الخادم، ~~على حد المثل القائل إياك أعني واسمعي يا جارة. لذلك يقول بعض ~~العارفين: # ما كان في القرآن من نذارة # إلى النبي صاحب البشارة # فكن لبيبا وافهم الإشارة # إياك أعني واسمعي يا جارة # يعني: اسمعوا يا أمة محمد، كيف أخاطبه، وأوجه إليه النذارة، مع أنه ~~البشير. ثم يقول الحق سبحانه: { ولا يصدنك عن آيات الله ~~بعد... }. ### || [28.87] # قوله تعالى: { ولا يصدنك.. } [القصص: 87] أي: لا يصرفنك ولا ~~يمنعنك المشركون { عن آيات الله.. } [القصص: 87] أي: قراءتها ~~وتبليغها للناس، وقوله: { ولا تكونن من المشركين } ~~[القصص: 87] هذا أيضا داخل في إياك أعني واسمعي يا جارة لأن رسول الله ~~أبعد ما يكون عن الشرك، وليس مظنة له. ### || [28.88] # قوله تعالى: { ولا تدع مع الله إلها آخر.. } [القصص: ~~88] كسابقتها لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مظنة أن يدعو مع الله ~~إلها آخر { لا إله إلا هو.. } [القصص: 88] أي: لا معبود بحق ~~إلا هو. ولو كان معه سبحانه وتعالى آلهة أخرى لواجهوه: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42] أي: سعوا إليه لينازعوه الألوهية، أو ليتقربوا إليه. ~~{ كل شيء هالك إلا وجهه.. } [القصص: 88] الوجه في ~~عرفنا ما به المواجهة في الإنسان، وكل شيء يصف به الحق سبحانه نفسه ~~علينا أن ms7386 نصفه سبحانه به، بناء على وصفه في إطار قوله سبحانه # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. فالحق سبحانه له وجه، لكن ليس ككل الوجوه، وهكذا في كل ~~الصفات التي يشترك فيها الحق سبحانه مع الخلق، وأنت آمنت بوجود الله، ~~وأن وجوده ذاتي، ليس كوجودك أنت. وقوله: { كل شيء.. } [القصص: 88] ~~كلمة شيء يقولون: إنها جنس الأجناس يعني: أي موجود طرأ عليه الوجود يسمى ~~شيء مهما كان تافها ضئيلا. وقد تكلم العلماء في: أيطلق على الله تعالى ~~أنه شيء لأنه موجود؟ قالوا: ننظر في أصل الكلمة شيء من شاء شيئا، فالشيء ~~شاءه غيره، فأوجده لذلك لا يقال لله تعالى شيء لأنه سبحانه ما شاءه أحد، ~~بل هو سبحانه موجود بذاته. وفي آية أخرى يقول تعالى في عمومية الشيء: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده.. # [الإسراء: 44] يعني: كل ما يقال له شيء موجود سبق وجوده عدم، إلا يسبح ~~بحمد الله، البعض قال: هو تسبيح دلالة على موجدها، وليس تسبيح مقالة ~~حقيقية، لكن قوله سبحانه # ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44] يدل على أنه تسبيح حقيقي، فكل شيء يسبح بلغته وبما ~~يناسبه. وقد أثبت الله تعالى منطقا للطير وتسبيحا للجبال، ولو فهمت ~~لغة هذه الأشياء لأمكنك أن تعرف تسبيحها، لكن كيف نطمع في معرفة لغات ~~الحجر والشجر، ونحن لا نفهم لغات بعضنا، فإذا لم تكن تعرف مثلا ~~الإنجليزية، أتعرف ماذا يقول المتحدث بها لو سبح بها الله وهو بشر مثلك ~~يتكلم بنفس طريقتك وبنفس الأصوات؟ لذلك يقولون في معجزاته صلى الله ~~عليه وسلم: سبح الحصى في يده، والصواب أن نقول: سمع رسول الله تسبيح ~~الحصى في يده، وإلا فالحصى يسبح في يد رسول الله، ويسبح في يد ~~أبي جهل. ومن ذلك أيضا حنين الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ~~ألم يقل الحق سبحانه: # وأوحى ربك إلى النحل.. # [النحل: 68]. ألم يقل عن الأرض: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5]؟ ألم يثبت للنملة كلاما؟ ألم يكلم الهدهد سليمان عليه ~~السلام، وفهم منه سليمان؟ # إذن: لكل جنس من المخلوقات ms7387 لغته التي يفهمها أفراده عن بعض # كل قد علم صلاته وتسبيحه.. # [النور: 41] وإن شاء الله أطلع بعض خلقه على هذه اللغات، وأفهمه ~~إياها. ومعنى: { هالك.. } [القصص: 88] البعض يظن أن الهلاك خاص بما ~~فيه روح كالإنسان والحيوان، لكن لو وقفنا عند قوله تعالى: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة.. # [الأنفال: 42]. إذن: فالهلاك يقابله الحياة، فكل شيء يهلك كانت له حياة ~~تناسبه، وإن كنا لا نفهم إلا حياتنا نحن، والتي تذهب بخروج الروح. ~~ومعنى: { إلا وجهه.. } [القصص: 88] أي: إلا ذاته تعالى، ولم ~~يقل: إلا هو لأنه تعالى ليس شيئا، وللوجه هنا معنى آخر، كما نقول: ~~فعلت ذلك ابتغاء وجه الله يعني: فعلت والله في بالي، فالمعنى: كل شيء ~~هالك، إلا ما كان لوجه الله، فلا يهلك أبدا لأنه يبقى لك وتنال خيره في ~~الدنيا وثوابه في الآخرة. ثم يقول سبحانه: { له الحكم وإليه ~~ترجعون } [القصص: 88] أي: له الحكم في الآخرة يوم يقول: # لمن الملك اليوم.. # [غافر: 16] لكن لماذا خص الملك يوم القيامة، وهو سبحانه له الملك ~~الدائم في الدنيا وفي الآخرة؟ قالوا: لأن هناك ملكا في الدنيا، ~~يملكه لخلقه، كما قال سبحانه في النمرود: # أن آتاه الله الملك.. # [البقرة: 258] وقال سبحانه: # تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء.. # [آل عمران: 26]. إذن: فالملك ملك الله، وهو سبحانه الذي يملك ~~خلقه في الدنيا دنيا الأسباب، لكن في الآخرة تنزع الملكية من أي أحد ~~إلا لله وحده. حتى إرادة الإنسان على جوارحه تسلب منه، فتشهد عليه بما ~~كان منه في الدنيا. وإن أردت أن تعرف الآن صدق هذه المسألة فانظر إلى ~~الأمور القدرية التي تجري عليك، كالمرض وكالموت وغيرها، هل تستطيع أن ~~تتأبى عليها؟ ثم يقول سبحانه: { وإليه ترجعون } [القصص: 88] ~~أي: للحساب في الآخرة لأن الله تعالى لم يخلقنا عبثا، ولن يتركنا ~~هملا، بل لا بد من الرجوع إليه ليحاسب كلا منكم على ما قدم، وما ~~دمتم قد عرفتم ذلك، فعليكم أن تحترموا المرجع إلى الله، وتنظروا ماذا ~~طلب منكم. ms7388 والمتتبع لهذا الفعل في القرآن يجد أنه جاء مرة مبنيا للمجهول ~~ترجعون وهو للكافر الذي تأبى على الله، فنقول له: سترجع إلى الله، ~~وتقذف في النار غصبا عنك، ورغما عن أنفك، فإن تأبيت على الله ~~في الدنيا، فلن تتأبى عليه في الآخرة، ويأتي مبنيا للمعلوم ترجعون ~~وهو للمؤمن الذي يشتاق لثواب الآخرة فيتهافت بنفسه ويقبل عليه. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1] # سبق أن تكلمنا كثيرا عن الحروف المقطعة في بدايات سور القرآن، كلما ~~تكررت هذه الظاهرة نتكلم عن مجالات الأذهان في فهمها، وما دام الحق ~~سبحانه يكررها فعلينا أيضا أن نكرر الحديث عنها، ولماذا ينثر الله ~~هذه الظاهرة في سور القرآن؟ لتظل دائما على البال. وقلنا: إن القرآن ~~الكريم مبني في كل آياته وسوره على الوصل، لا على الوقف، اقرأ: # >مدهآمتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * ~~فيهما عينان نضاختان * فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان # [الرحمن: 64-67]. فلم يقل # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 65] ويقف، إنما وصل: # فيهما عينان نضاختان # [الرحمن: 66] لأن القرآن موصول، لا فصل أبدا بين آياته لذلك ليس في ~~القرآن من وقف واجب، إنما لك أن تقف لضيق النفس، لكن حينما تعيد تعيد ~~بالوصل. وكذلك القرآن مبني على الوصل في السور، فحين تنتهي سورة لا ~~تنتهي على سكون، فلم يقل - سبحانه وتعالى - وإليه ترجعون بسكون ~~النون، إنما ترجعون بسم الله الرحمن الرحيم ليبدأ سورة أخرى ~~موصولة. فهذه إذن سمة عامة في آيات القرآن وسوره إلا في الحروف ~~المقطعة في أوائل السور، فهي مبنية على الوقف ألف لام ميم هكذا ~~بالسكون ولم يقل: ألف لام ميم على الوصل، لماذا؟ لأنها حروف ~~مقطعة، قد يظنها البعض كلمة واحدة، ففصل بينها بالوقف. لذلك يقول صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا أقول الم حرف. ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف " # وليؤكد هذا المعنى جعلها على الوقف، كل حرف على حدة. وتكلمنا على هذه ~~الحروف وقلنا: إنها خامات القرآن، فمن مثل هذه الحروف ينسج كلام الله، ~~وقلنا: إنك إن أردت أن تميز مهارة النسج عند بعض ms7389 العمال مثلا لا ~~تعطي أحدهم قطنا، والآخر صوفا، والآخر حريرا مثلا لأنك لا تستطيع ~~التمييز بينهم، لأن الخامات مختلفة، فالحرير بطبيعته سيكون أنعم وأرق. ~~فإن أردت معرفة المهارة فوحد المادة الخام عند الجميع. فكأن الحق - ~~تبارك وتعالى - يقول لنا: إن القرآن معجز، بدليل أنكم تملكون نفس ~~حروفه، ومع ذلك عجزتم عن معارضته، فقد استخدم القرآن نفس حروفكم، ونفس ~~كلماتكم وألفاظكم، وجاء بها في صورة بليغة، عز عليكم الإتيان بمثلها. ~~إذن: اختلف أسلوب القرآن، لأن الله تعالى هو الذي يتكلم. فمعنى الم هذه ~~نفس حروفكم فأتوا بمثلها. أو: الم تحمل معنى من المعاني لأن ألف لام ميم ~~أسماء حروف، وأسماء الحروف لا يعرفها إلا المتعلم، فالأمي يقول كتب ~~لكن لا يعرف أسماء حروفها، وتقول للولد الصغير في المدرسة: تهج كتب ~~فيقول لك كاف فتحة ك و تاء فتحة ت و باء فتحة ب. إذن: لا يعرف أسماء ~~الحروف إلا المتعلم، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أميا، فمن ~~أين نطق بأسماء الحروف الم، طه، يس، ق. # . إلخ. إذن: لا بد أن ربه علمه ولقنه هذه الحروف، ومن هنا جاءت ~~أهمية التلقين والتلقي في تعلم القرآن، وإلا فكيف يفرق المتعلم بين ~~الم هنا وبين # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1] فينطق الأولى على الوقف، والأخرى على الوصل، ينطق الأولى ~~بأسماء الحروف، والثانية بمسمياتها؟ وتحمل الم أيضا معنى التنبيه ~~للسامع، فالقرآن نزل بأسلوب العرب ولغتهم، فلا بد أن تتوفر له خصائص ~~العربية والعربية الراقية، فلو قرأنا مثلا في الشعر الجاهلي نجد عمرو بن ~~كلثوم يقول: # ألا هبي بصحنك فاصبحينا # ولا تبقي خمور الأندرينا # نسأل: ماذا أفادت ألا هنا، والمعنى يصح بدونها؟ ألا لها معنى عند ~~العربي لأنها تنبهه إن كان غافلا حتى لا يفوته شيء من كلام محدثه، ~~حينما يفاجأ به، كما تنادي أنت الآن من لا تعرفه فتقول: اسمع يا... ~~كأنك تقول له: تنبه لأنني سأكلمك. والتنبيه جاء في اللغة من أن المتكلم ~~يتكلم برغبته في أي وقت، أما السامع فقد ms7390 يكون غافلا غير منتبه، أو ~~ليس عنده استعداد لأن يسمع، فيحتاج لمن ينبهه ليفهم ما يقال له، ~~إنما لو فاجأته بالمراد، فربما فاته منه شيء قبل أن يتنبه لك. وكذلك في ~~الم حروف للتنبيه، على أنه سيأتي كلام نفيس اسمعه جيدا، إياك أن يضيع ~~منك حرف واحد منه. كما يصح أن يكون لهذه الحروف معان أخرى، يفهمها ~~غيرنا ممن فتح الله عليهم. فهي - إذن - معين لا ينضب، يأخذ منه كل ~~على قدره. ثم يقول الحق سبحانه: { أحسب الناس أن... }. ### || [29.2] # الفعل حسب بالكسر في الماضي، وبالفتح في المضارع يحسب يعني: ظن. أما ~~حسب والمضارع يحسب بالكسر أي: عد. فالمعنى: { أحسب الناس.. } ~~[العنكبوت: 2] أي: ظنوا. والهمزة للاستفهام، وهي تفيد نفي هذا الظن ~~وإنكاره، لأنهم حسبوا وظنوا أن يتركهم الله دون فتنة وتمحيص واختبار. ~~والحق سبحانه يريد أن يحمل أولوا العزم رسالة الإسلام لأن الإسلام لا ~~يتصدى لحمل دعوته إلا أقوياء الإيمان الذين يقدرون على حمل مشاق ~~الدعوة وأمانة تبليغها. والإيمان ليس كلمة تقال، إنما مسئولية كبرى، هذه ~~المسئولية هي التي منعت كفار مكة أن يؤمنوا لأنهم يعلمون أن كلمة لا ~~إله إلا الله ليست مجرد كلمة وإلا لقالوها، إنما هي منهج حياة له ~~متطلبات. إنها تعني: لا مطاع إلا الله، ولا معبود بحق إلا الله، وهم ~~لا يريدون هذه المسألة لتظل لهم مكانتهم وسلطتهم الزمنية. لذلك يقول ~~سبحانه هنا: { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ~~آمنا.. } [العنكبوت: 2] فالإيمان ليس قولا فحسب لأن القول قد يكون ~~صدقا، وقد يكون كذبا، فلا بد بعد القول من الاختبار وتمحيص ~~الإيمان { وهم لا يفتنون } [العنكبوت: 2] فإن صبر على ~~الابتلاءات وعلى المحن فهو صادق الإيمان. ويؤكد سبحانه هذا المعنى في آية ~~أخرى: # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ~~خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على ~~وجهه خسر الدنيا والأخرة.. # [الحج: 11]. وقد محص الله السابقين الأولين من المؤمنين بآيات وخوارق ~~تخالف الناموس الكوني، فكان المؤمن يصدق بها، ويؤمن بصدق الرسول ~~الذي جاء بها، ms7391 أما المتردد المتحير فيكذب بها، ويراها غير معقولة. # " ومن ذلك ما كان من الصديق أبي بكر في حادثة الإسراء والمعراج، ~~فلما حدثوه بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن كان قال ~~فقد صدق " # في حين ارتد البعض وكذبوا، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد من هذه ~~الخوارق، التي يقف أمامها العقل - أن يميز بين الناس ليحمل أمر ~~الدعوة أشداء الإيمان والعقيدة، ومن لديهم يقين بصدق الرسول في ~~البلاغ عن ربه. وسبق أن بينا غباء من كذب بحادثة الإسراء والمعراج ~~من كفار مكة الذين قالوا لرسول الله: أتدعي أنك أتيت بيت المقدس في ~~ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا؟ وأنهم غفلوا أو تغافلوا عن نص ~~الآية: # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] فلم يقل محمد: إني سريت بنفسي إنما أسري بي. وقلنا للرد ~~عليهم: لو جاءك رجل يقول لك: لقد صعدت بولدي الرضيع قمة إفرست مثلا، ~~أتقول له: كيف يصعد الرضيع قمة إفرست؟ وسبق أن تكلمنا في قضية ينبغي ~~أن تظل في أذهانكم جميعا، وهي أن كل فعل يأخذ نصيبه من الزمن على قدر ~~قوة فاعله، فالوزن الذي ينقله الطفل الصغير في عدة مرات تحمله أنت في يد ~~واحدة. # فالزمن يتناسب مع القوة تناسبا عكسيا فكلما زادت القوة قل الزمن، ~~فالذي يذهب مثلا إلى الأسكندرية على حمار غير الذي يذهب في سيارة أو على ~~متن طائرة. وهكذا. إذن: قس على قدر قوة الفاعل، فإن كان الإسراء ~~بقوة الله تعالى، وهي قوة القوى فلا زمن، وهذه مسألة يقف عندها العقل، ~~ولا يقبلها إلا بالإيمان. إذن: فالحق سبحانه يمحصكم ويبتليكم لأنه ~~يريدكم لمهمة عظيمة، لا يصلح لها إلا الصنديد القوي في إيمانه ويقينه. ~~لذلك يقول سبحانه في أكثر من موضع: # ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص ~~من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين # [البقرة: 155]. وقال: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلوا أخباركم # [محمد: 31]. وقال: # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم.. # [آل عمران: 142]. فهذه الابتلاءات كالامتحان الذي ms7392 نجريه للتلاميذ لنعرف ~~مقدرة كل منهم، والمهمة التي يصلح للقيام بها، ومعلوم أن الابتلاءات لا ~~تذم لذاتها، إنما لنتائجها المترتبة عليها، فما جعلت الابتلاءات ~~إلا لمعرفة النتائج، وتمييز الأصلح للمهمة التي ندب إليها. ومعنى { ~~يفتنون } [العنكبوت: 2] يختبرون. مأخوذة من فتنة الذهب، حين نصهره ~~في النار لنخرج ما فيه من خبث، ونصفي معدنه الأصلح، فيما يناسب ~~مهمته. ومن ذلك ما ضربه الله لنا مثلا للحق وللباطل في قوله تعالى: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. فالفتنة ما كانت إلا لنعرف الصادق في القولة الإيمانية ~~والكاذب فيها: الصادق سيصبر ويتحمل، والكاذب سينكر ويتردد. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ولقد فتنا الذين من قبلهم... }. ### || [29.3] # الحق - سبحانه وتعالى - يسلي السابقين من أمة محمد الذين عذبوا ~~وأوذوا، وضربوا بالسياط تحت حر الشمس، ووضعت الحجارة الثقال على ~~بطونهم، والذين جاعوا حتى أكلوا الميتة وأوراق الشجرة يسليهم: لستم ~~بدعا في هذه الابتلاءات فاصمدوا لها كما صمد السابقون من المؤمنين. { ~~ولقد فتنا الذين من قبلهم.. } [العنكبوت: 3] فانظر ~~مثلا إلى ابتلاء بني إسرائيل مع فرعون، إذن فابتلاؤكم أهون وأخف، وفيه ~~رحمة من الله بكم وأنتم أيسر منهم { فليعلمن الله الذين ~~صدقوا وليعلمن الكاذبين } [العنكبوت: 3]. ولك أن تقول: ~~ألم يكن الله تعالى يعلم حقيقتهم قبل أن يبتليهم؟ بلى، يعلم سبحانه ~~حقيقة عباده، وليس الهدف من اختبارهم العلم بحقيقتهم، إنما الهدف أن ~~يقر العبد بما علم عنه. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - حينما نقول ~~للمدرس مثلا: اعطنا نتيجة هؤلاء التلاميذ، فليس في الوقت سعة للامتحان ~~فيقول من واقع خبرته بهم: هذا ناجح، وهذا راسب، وهذا الأول، وهذا كذا. ~~عندها يقوم الراسب ويقول: لو اختبرتني لكنت ناجحا، ولو اختبره معلمه ~~لرسب فعلا. إذن: فربنا - عز وجل - يختبر عباده ليقر كل منهم بما علم ~~عنه. { فليعلمن ms7393 الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين } [العنكبوت: 3] علم ظهور وإقرار من صاحب الشأن نفسه، ~~بحيث لا يستطيع إنكارا، حيث سيشهد هو على نفسه حين تشهد عليه جوارحه. ### || [29.4] # هنا أيضا { حسب.. } [العنكبوت: 4] أي: ظن الذين يعملون السيئات { ~~أن يسبقونا.. } [العنكبوت: 4] أي: يفلتوا من عقابنا، تقول: سبق ~~فلان فلانا يعني: أفلت منه وهو يطارده، فالمعنى أنهم لن يستطيعوا ~~الإفلات من العذاب أو الهرب منه، وإن كانوا يعتقدون ذلك أو يظنونه، فبئس ~~هذا الظن. { سآء ما يحكمون } [العنكبوت: 4] أي: قبح حكمهم ~~وبطل، وحين نحكم على ظنهم وعلى حكمهم بالبطلان فإنما نثبت قضيتنا، وهي ~~أنهم لن يفلتوا من عقابنا. ثم يقول الحق سبحانه: { من كان يرجو ~~لقآء الله فإن... }. ### || [29.5] # معنى { يرجو لقآء الله.. } [العنكبوت: 5] يعني: يؤمن به ~~وينتظره ويعمل من أجله، يؤمن بأن الله الذي خلقه وأعد له هذا الكون ~~ليحيا حياته الطيبة، وأنه سبحانه بعد ذلك سيعيده ويحاسبه لذلك إن لم ~~يعبده ويطعه شكرا له على ما وهب، فليعبده خوفا منه أن يناله بسوء ~~في الآخرة. وأهل المعرفة يرون فرقا بين من يرجو الثواب ويرجو رحمة ~~الله، ومن يرجو لقاء الله لذات اللقاء، لا خوفا من نار، ولا طمعا في ~~جنة لذلك تقول رابعة العدوية: # كلهم يعبدون من خوف نار # ويرون النجاة حظا جزيلا # أو بأن يسكنوا الجنان فيحظوا # بقصور ويشربوا سلسبيلا # ليس لي بالجنان والنار حظ # أنا لا أبتغي بحبي بديلا # أي: أحبك يا رب، لأنك تحب لذاتك، لا خوفا من نارك، ولا طمعا في ~~جنتك، وهي أيضا القائلة: اللهم إن كنت تعلم أني أحبك طمعا في جنتك ~~فاحرمني منها، وإن كنت تعلم أني أعبدك خوفا من نارك فاحرقني بها. ~~ويقول تعالى في سورة الكهف: # فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا # [الكهف: 110] ولو كانت الجنة لأن لقاء الله أعظم، وهو الذي يرجى ~~لذاته. والحق سبحانه يؤكد هذه المسألة بأكثر من مؤكد: { فإن أجل ~~الله لآت.. } [العنكبوت: 5] فأكده بإن واللام وصيغة اسم الفاعل ~~الدالة على ms7394 تحقق الفعل، كما قال سبحانه: # كل شيء هالك # [القصص: 88] ولم يقل: سيهلك، وقوله سبحانه مخاطبا نبيه محمدا صلى الله ~~عليه وسلم: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. يخاطبهم بهذه الصيغة وهم ما يزالون أحياء لأن الميت: ~~من يؤول أمره وإن طال عمره إلى الموت، أما من مات فعلا فيسمى ~~ميت. وأنت حينما تحكم على شيء مستقبل تقول: يأتي أو سيأتي، وتقول لمن ~~تتوعده: سأفعل بك كذا وكذا، فأنت جازفت وتكلمت بشيء لا تملك عنصرا من ~~عناصره، فلا تضمن مثلا أن تعيش لغد، وإن عشت لا تضمن أن يعيش هو، ~~وإن عاش ربما يتغير فكرك ناحيته، أو فقدت القدرة على تنفيذ ما تكلمت به ~~كأن يصيبك مرض أو يلم بك حدث. لكن حينما يتكلم من يملك أزمة ~~الأمور كلها، ويعلم سبحانه أنه لن يفلت أحد منه، فحين يحكم، فليس للزمن ~~اعتبار في فعله، لذلك لم يقل سبحانه: إن أجل الله سيأتي، بل { لآت.. } ~~[العنكبوت: 5] على وجه التحقيق. وسبق أن ذكرنا في هذا الصدد قوله تعالى ~~عن القيامة: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1] وقد وقف السطحيون أمام هذه الآية يقولون: وهل يستجعل الإنسان ~~إلا ما لم يأت بعد؟ لأنهم لا يفهمون مراد الله، وليست لديهم ملكة ~~العربية، فالله تعالى يحكم على المستقبل، وكأنه ماض أي محقق لأنه ~~تعالى لا يمنعه عن مراده مانع، ولا يحول دونه حائل. # ولفظ الأجل جاء في القرآن في مواضع كثيرة، منها: # ولكل أمة أجل فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون # [الأعراف: 34] وفي الآية التي معنا: { فإن أجل الله لآت.. } ~~[العنكبوت: 5]. والأجلان مختلفان بالنسبة للحضور الحياتي للإنسان، فالأجل ~~الأول ينهي الحياة الدنيا، والأجل الآخر يعيد الحياة في الآخرة للقاء ~~الله عز وجل، إذن: فالأجلان مرتبطان. والحق - سبحانه وتعالى - حينما يعرض ~~لنا قضية غيبية يؤنسنا فيها بشيء حسي معلوم لنا، حتى يستطيع العقل أن ~~ينفذ من الحسي إلى الغيبي غير المشاهد. وأنت ترى أن أعمار بني آدم في ~~هذه الحياة تتفاوت: فواحد تغيض به الأرحام، فلا يخرج ms7395 للحياة، وواحد يتنفس ~~زفيرا واحدا ويموت.. إلخ. وفي كل لحظة من لحظات الزمن نعاين الموت، ~~من يموت بعد نفس واحد، ومن يموت بعد المائة عام. إذن: فلا رتابة في ~~انقضاء الأجل، لا في سن ولا في سبب: فهذا يموت بالمرض، وهذا بالغرق، ~~وهذا يموت على فراشه. لذلك يقول الشاعر: # فلا تحسب السقم كأس الممات # وإن كان سقما شديد الأثر # فرب عليل تراه استفاق # ورب سليم تراه احتضر # وقال آخر: # وقد ذهب الممتلي صحة # وصح السقيم فلم يذهب # وتجد السبب الجامع في الوباءات التي تعتري الناس، فيموت واحد ويعيش آخر، ~~فليس في الموت رتابة، والحق - سبحانه وتعالى - حينما يقول: # ولكل أمة أجل فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون # [الأعراف: 34] نجد واقع الحياة يؤكد هذا، فلا وحدة في عمر، ولا وحدة ~~في سبب. والصدق في الأجل الأول المشاهد لنا يدعونا إلى تصديق الأجل ~~الآخر، وأن أجل الله لآت، فالأجل الذي أنهى الحياة بالاختلاف هو الذي ~~يأتي بالحياة بالاتفاق، فبنفخة واحدة سنقوم جميعا أحياء للحساب، فإن ~~اختلفنا في الأولى فسوف نتفق في الآخرة لأن الأرواح عند الله من لدن ~~آدم عليه السلام وحتى تقوم الساعة، وبنفخة واحدة يقوم الجميع. وسبق أن ~~قلنا: إن الأزمان ثلاثة: حاضر نشهده، وماض غائب عنا لا نعرف ما كان ~~فيه، ومستقبل لا نعرف ما يكون فيه. والحق سبحانه يعطي لنا في الوجود ~~المشاهد دليل الصدق في غير المشاهد، فنحن مثلا لا نعرف كيف خلقنا ~~الخلق الأول إلا من خلال ما أخبرنا الله به من أن أصل الإنسان تراب ~~اختلط بالماء حتى صار طينا، ثم حمأ مسنونا، ثم صلصالا كالفخار.. إلخ. ~~ثم جعل نسل الإنسان من نطفة تتحول إلى علقة، ثم إلى مضغة، ثم إلى عظام، ~~ثم تكسى العظام لحما. وإن كان العلم الحديث أرانا النطفة والعلقة ~~والمضغة، وأرانا كيف يتكون الجنين، فيبقى الخلق الأول من تراب غيبا ~~لا يعلمه أحد. ولا تصدق من يقول: إني أعلمه لأن الله تعالى حذرنا من ~~هؤلاء المضلين في قوله: # مآ ms7396 أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. فلا علم لهم بخلق الإنسان، ولا علم لهم بخلق ظواهر ~~الكون، فلا تسمع لهم، وخذ معلوماتك من كتاب ربك الذي خلق سبحانه، ويقوم ~~وجود المضلين الذين يقولون: إن الأرض قطعة من الشمس انفصلت عنها، أو أن ~~الإنسان أصله قرد - يقوم وجودهم، وتقوم نظرياتهم دليلا على صدق الحق ~~سبحانه فيما أخبر. وإلا، فكيف نصدق نظرية ترقي القرد إلى الإنسان؟ ~~ولماذا ترقى قرد دارون ولم تترق باقي القرود؟ وإذا كان المؤمن ~~مصدقا بقوله تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر: 29] لأنه آمن بالله، وآمن بما جاء به رسول الله، فكيف بمن لا ~~يؤمن ولا يصدق؟ لذلك يؤنس الحق سبحانه هذه العقول المستشرفة لمعرفة ~~حقائق الأشياء يؤنسها بما تشاهد: فإن كنت لا تصدق مسألة الخلق ~~فأنت بلا شك تشاهد مسألة الموت وتعاينه كل يوم، والموت نقض للحياة، ~~ونقض الشيء يأتي عكس بنائه. والخالق - عز وجل - أخبر أن الروح هي آخر ~~شيء في بناء الإنسان، لذلك هي أول شيء ينقض فيه عند الموت، إذن: مشهدك ~~في كيف تموت، يؤكد لك صدق الله في كيف جئت؟ وأجل الآخرة أمر لا بد ~~منه ليثاب المطيع ويعاقب العاصي، ألا ترى إلى النظم الاجتماعية حتى ~~عند غير المؤمنين تأخذ بهذا المبدأ لاستقامة حركة الحياة؟ فما بالك بمنهج ~~الله تعالى في خلقه، أيترك الظالم والمجرم يفلت من العقاب في الآخرة ~~بعد أن أفلت من عقاب الدنيا؟ وكنا نرد بهذا المنطق على الشيوعيين: لقد ~~عاقبتم من طالته أيديكم من المجرمين، فكيف بمن ماتوا ولم تعاقبوهم، ~~أليست الآخرة تحل لكم هذا المأزق؟ ثم تختم الآية بقوله تعالى: { ~~وهو السميع العليم } [العنكبوت: 5] ألا ترى أنه تعالى لو قال: ~~العليم فقط لشمل المسموع أيضا لأن العلم يحيط بكل المدركات؟ فلماذا قال ~~{ السميع العليم } [العنكبوت: 5]؟ قالوا: لأن اللغة العربية ~~حينما تكلمت عن العمل والفعل والقول قسمت الجوارح أقساما: فاللسان له ~~القول، وبقية الجوارح لها الفعل، وهما جميعا ms7397 عمل، فالقول عمل اللسان، ~~والفعل عمل بقية الجوارح، فكأن اللسان أخذ شطر العمل، وبقية الجوارح أخذت ~~الشطر الآخر. وباللسان معرفة إيمانك، حين تقول: لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله، وهي أشرف ما يعمل الإنسان، وبه بلاغ الرسول عن الله لخلقه، ~~إذن: فأفعال الجوارح الشرعية ناشئة من اللسان ومن السماع لذلك جعل القول ~~وهو عمل اللسان شطر العمل كله. ولأهمية القول قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2] فكل فعل ناشىء عن انصياع لقول أو سماع لقول لذلك ختم سبحانه ~~هذه الآية بقوله: { وهو السميع العليم } [العنكبوت: 5]. ### || [29.6] # وكلمة { جاهد.. } [العنكبوت: 6] تناسب النجاح في الابتلاء، والجهاد: ~~بذل الجهد في إنفاذ المراد، ومنه اجتهد فلان في كذا يعني: عمل أقصى ما ~~في وسعه من الجد والاجتهاد في أن يستنبط الحكم. والجهاد له مجالان: ~~مجال في النفس يجاهدها ليقوى بمجاهدة نفسه على مجاهدة عدوه. وجاهد: ~~مفاعلة، كأن الشيء الذي تريده صعب، يحتاج إلى جهد منك ومحاولة، والمفاعلة ~~تكون من الجانبين: منك ومن الشيء الذي يقابلك، وأول ميادين الجهاد النفس ~~البشرية لأن ربك خلق فيك غرائز وعواطف لمهمة تؤديها، ثم يأتي منهج السماء ~~ليكبح هذه الغرائز ويرقيها، حتى لا تنطق معها إلى ما لا يباح. فحب ~~الاستطلاع مثلا غريزة محمودة في البحث العلمي والاكتشافات النافعة، أما ~~إن تحول إلى تجسس وتتبع لعورات الناس فهو حرام الأكل والشرب غريزة ~~لتقتات به، وتتولد عندك القدرة على العمل، فإن تحول إلى نهم وشراهة ~~فقد خرجت بالغريزة عن مرادها والهدف منها. وعجيب أمر الناس في تناول ~~الطعام، فالسيارة مثلا لا نعطيها خليطا من الوقود، إنما هو نوع واحد، ~~أما الإنسان فلا تكفيه عدة أصناف، كل منها لها تفاعل في الجسم، حينما ~~تتجمع هذه التفاعلات تضر أكثر مما تنفع. إذن: هذه الغرائز تحتاج منك إلى ~~مجاهدة لتظل في حد الاعتدال، عملا بالأثر: " نحن قوم لا نأكل حتى ~~نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع، ولا نشرب حتى نظمأ، وإذا شربنا لا نقنع ". ولو ~~عملنا بهذا الحديث ms7398 لقضينا على القنبلة الذرية للاقتصاد في بلادنا، وكم ~~تحلو لك اللقمة بعد الجوع مهما كانت بسيطة وغير مكلفة لذلك يقولون: نعم ~~الإدام الجوع، ثم إذا أكلت لا تملأ المعدة، ودع كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه ". # وبهذا المنهج الغذائي الحكيم نضمن بنية سليمة وعافية لا يخالطها مرض. ~~فالغرائز خلقها الله فيك لمهمة، فعليك أن تقف بها عند مهمتك. ومثل ~~الغرائز العواطف من حب وكره وشفقه وحزن.. إلخ، وهذه ليس لها قانون ~~إلا أن تقف بها عند حدود العاطفة لا تتعداها إلى النزوع، فأحبب من ~~شئت وأبغض من شئت، لكن لا تتعد ولا ترتب على العاطفة حكما. وقد ~~ذكرنا لهذه المسألة مثالا بسيدنا عمر - رضي الله عنه - وكان له أخ اسمه ~~زيد قتل، ثم أسلم قاتله، فكان عمر كلما رآه يقول له: ازو عني وجهك - ~~يعني: أنا لا أحبك - فيقول: أو عدم حبك لي يمنعني حقا من حقوقي؟ قال: ~~لا، قال: إنما يبكي على الحب النساء. يعني: الحب والكره مسائل يهتم بها ~~النساء، والمهم العمل، وما يترتب على هذه العواطف. # ومن المجاهدة مجاهدة من سلط عليك من جبار أو نحوه، تجاهده وتصبر ~~على إيذائه، فحبك للحق يجعلك تصبر عليه، يقول تعالى: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلوا أخباركم # [محمد: 31]. كل هذه بلاءات تحتاج إلى مجاهدة، فإن كان لك غريم فإن ~~قدرت أن تدفع أذاه بالتي هي أحسن فافعل، وإن أردت أن تعاقب فعاقب ~~بالمثل، وهذه مسألة صعبة لأنك لا تستطيع تقدير المثلية أو ضبطها، بحيث لا ~~تتعدى، فمثلا لو ضربك خصمك ضربة، أتستطيع أن ترد عليه بمثلها دون ~~زيادة؟ إذن: فلا تدخل نفسك في هذه المتاهة، وأولى بك أن تأخذ بقوله ~~تعالى # والعافين عن الناس.. # [آل عمران: 134] وتنتهي المسألة. فإذا كانت المصيبة لا غريم لك فيها، ~~كالمرض والموت وغيرهما من القدريات التي يجريها الله عليك، فقل إن ربي ~~أراد بي خيرا، فبها تكفر الذنوب والسيئات وبها أنال أجر الصابرين، ~~وربما أنني غفلت ms7399 عن ربي أو غرتني النعمة، فابتلاني الله ليلفتني إليه ~~ويذكرني به. ومن المجاهدة مجاهدة النفس في تلقي المنهج بافعل ولا ~~تفعل، والتكليف عادة ما يكون شاقا على النفس يحتاج إلى مجاهدة، وإياك ~~أن تنقل مدلول افعل في لا تفعل، أو تنقل مدلول لا تفعل في افعل. وحين ~~تستقصي افعل ولا تفعل في منهج الله تجده يأخذ نسبة سبعة بالمائة من ~~حركاتك في الحياة، والباقي مباحات، لك الحرية تفعلها أو تتركها. وقد ~~يتعرض الإنسان المستقيم للاستهزاء والسخرية حتى ممن هو على دينه، لأن ~~المنحرف دائما يشعر بنقص فيتضاءل ويصغر أمام نفسه، ويحاول أن يجر ~~الآخرين إلى نفس مستواه حتى يتساوى الجميع، وإلا فكيف تكون أنت مهتديا ~~مستقيما وهو عاص ضال لذلك تراه يسخر منك ويهون من شأنك، لماذا؟ ~~ليزهدك في الطاعة، فتصير مثله. واقرأ إن شئت قوله تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 29-36]. ولا شك أن مثل هذا يحتاج منك إلى صبر على أذاه، ~~ومجاهدة للنفس حتى لا تقع في الفخ الذي ينصبه لك. وقد تأتيك الوسوسة من ~~الشيطان فيزين لك الشر، ويحبب إليك المعصية، وعندها تذكر قول الله ~~تعالى: # يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج ~~أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ~~ليريهما سوءاتهمآ.. # [الأعراف: 27]. فعليك - إذن - أن تتذكر العداوة الأولى بين أبيك آدم ~~وبين الشيطان لتكون منه على حذر، وسبق أن أوضحنا كيف نفرق بين المعصية ~~التي تأتي من النفس، والتي تأتي من وسوسة الشيطان، فالنفس تقف بك عند ~~معصية بعينها لا تريد غيرها، أما الشيطان فإن تأبيت عليه في ناحية نقلك ~~إلى أخرى، المهم عنده أن يوقعك على أي حال. # إذن: أعداؤك كثيرون، يحتاجون منك إلى قوة إرادة وإلى مجاهدة. ومجيء هذه ~~الآية التي تذكر الجهاد بعد قوله ms7400 تعالى # فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم # [العنكبوت: 5] يطلب من الإنسان الذي يعتقد أن أجل الله بلقاء الآخرة ~~أت، وذلك أمر لا شك فيه - يطلب منه أن يستعد لهذا اللقاء. وقال ~~تعالى: { فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن ~~العالمين } [العنكبوت: 6] لأن الإنسان طرأ على كون مهيأ لاستقباله ~~بسمائه وأرضه وشمسه وقمره ومائه وهوائه، فكل ما في الكون خادم لك، ولن ~~تزيد أنت في ملك الله شيئا، وكل سعيك وفكرك لترف حياتك أنت، فحين ~~تفعل الخير فلن يستفيد منه إلا أنت وربك غني عن عطائك. فإن جاهدت ~~فإنما تجاهد لنفسك، كما لو امتن عليك خادمك بالخدمة فتقول له: بل خدمت ~~نفسك وخدمت عيالك حينما خدمت لتوفر لك ولهم أسباب العيش، وأنا الذي ~~تعبت وعرقت لأوفر لك المال الذي تأخذه. وكذلك الحق سبحانه يقول لنا { ~~ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه.. } [العنكبوت: 6] أي: ~~حينما يطبق المنهج ويسير على هداه، والحق سبحانه يؤكد هذه القضية في ~~آيات عديدة # من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها وما ~~ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46]. ويقول الحق سبحانه: # إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم ~~فلها.. # [الإسراء: 7]. ويقول سبحانه: # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.. # [البقرة: 286]. إذن: المسألة منك وإليك، ولا دخل لنا فيها إلا حرصنا ~~على صلاح الخلق وسلامتهم، كصاحب الصنعة الذي يريد لصنعته أن تكون ~~على خير وجه وأكمله، لذلك أفيض عليه من قدراتي قدرة، ومن علمي علما، ~~ومن بسطي بسطا، ومن جبروتي جبروتا، وأعطيه من صفاتي. لذلك قال بعض ~~العارفين: " تخلقوا بأخلاق الله ". لأن العون في وهب الصفات ومجال الصفات ~~في الفعل ليس في أن أفعل لك، إنما في أن أعينك لتفعل أنت، فالواحد منا ~~حينما يرى عاجزا لا يستطيع حمل متاعه، ماذا يفعل؟ يحمله عنه، أي: ~~يعدي إليه أثر قوته، إنما يظل العاجز عاجزا والضعيف ضعيفا كلما أراد ~~شيئا احتاج لمن يقوم له به. أما الحق - سبحانه وتعالى - فيفيض عليك من ~~قوته، ويهب لك من قدرته وغناه لتفعل أنت بنفسك لذلك من يتخلق بأخلاق ms7401 ~~الله يقول: لا تعط الفقير سمكة، إنما علمه كيف يصطاد، حتى لا يحتاج ~~لك في كل الأوقات، أفض عليه ما يديم له الانتفاع به. إذن: الحق سبحانه ~~يهب القادرين القدرة، ويهب الأغنياء الغنى، والعلماء العلم ~~والحكماء الحكمة. وهذه من مظاهر عظمته تعالى ألا يعدي أثر الصفة ~~إلى عباده، إنما يعدي بعض الصفة إليهم، لتكون ذاتية فيهم. # بل ويعطي سبحانه ما هو أكثر من ذلك، يعطيك الإرادة التي تفعل بها لمجرد ~~أن تفكر في الفعل، بالله ماذا تفعل لكي تقوم من مكانك؟ ماذا تفعل حينما ~~تريد أن تحمل شيئا أو تحرك عضوا من أعضائك؟ هل أمرتها أمرا؟ هل قلت ~~لها افعلي كذا وكذا؟ حين تنظر إلى البلدوزر مثلا أو الونش كيف يتحرك، ~~وكيف أن لكل حركة فيه زرا يحركها وعمليات آلية معقدة، تأمل في نفسك حين ~~تريد أن تقوم مثلا بمجرد أن تفكر في القيام، تجد نفسك قائما، مرادك أنت ~~في الأعضاء أن تفعل وتنفعل لك. إذن، حينما يقول لك ربك: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82] فصدقه لأنك شاهدتها في نفسك وفي أعضائك، فما بالك بربك - عز ~~وجل - أيعجز أن يفعل ما تفعله أنت؟ ماذا تفعل إن أردت أن تنام أو تبطش ~~بيدك؟ لا شيء غير الإرادة في داخلك لأن ربك خلع عليك من قدرته، وأعطاك ~~شيئا من قوله كن وقدرة من قدرته، لكن لم يشأ أن يجعلها ذاتية فيك حتى ~~لا تغتر بها. لذلك إن أراد سبحانه سلبها منك لقوله تعالى: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7] فتأتي لتحرك ذراعك مثلا فلا يطاوعك، لقد شل ويأبى عليك ~~بعد أن كان طوع إرادتك، ذلك لتعلم أنه هبة من الله، إن شاء أخذها ~~فهي ليست ذاتية فيك. فالمجاهدة تشمل ميادين عديدة، مجاهدة الغرائز ~~والعواطف، ومجاهدة مشقة المنهج في افعل ولا تفعل، ومجاهدة شياطين الإنس ~~والجن، ومجاهدة خصوم الإسلام الذين يريدون أن يطفئوا نور الله. وروى ~~البخاري # " أن خباب بن الأرت دخل على سيدنا ms7402 رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله، إننا في شدة، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم: إنه كان الرجل فيمن قبلكم تحفر له الحفرة، فيوضع فيها، ~~ثم يؤتى بالمنشار فيقد نصفين، ثم يمشط لحمه عن عظمه بأمشاط ~~الحديد، فلا يصرفه ذلك عن دين الله ". ثم يطمئنه رسول الله على أن هذه ~~الفترة - فترة الابتلاء - لن تطول، فيقول: " والله ليتمن الله هذا ~~الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على ~~غنمه ". # والنبي صلى الله عليه وسلم وهو خاتم النبيين، # " يدخل عليه سيدنا أبو سعيد الخدري فيجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يشتكي حرارة الحمى، فوضع يده على اللحاف الذي يلتحف به سيدنا رسول الله، ~~فيحس حرارته من تحت اللحاف، فقال له: يا رسول الله، إنها لشديدة عليك؟ ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " يا أبا سعيد، إنه يضعف لنا البلاء كما ~~يضعف لنا الجزاء ". # ذلك ليثبت أن البلاء لا يكون فقط من الأعداء، إنما قد يكون من الله ~~تعالى، لماذا؟ لأن الله يباهي ملائكته بخلقه الطائعين المخبتين ~~الصابرين، فيقولون: كيف لا يحبونك ويقبلون على طاعتك، وقد أنعمت عليهم ~~بكذا وكذا، ويذكرون حيثيات هذه الطاعة، فيقول تعالى: وأسلب كل ذلك منهم ~~ويحبونني، أي: يحبونني لذاتي. ثم تختم هذه الآية بقوله تعالى: { إن ~~الله لغني عن العالمين } [العنكبوت: 6] لأن ميادين الجهاد ~~هذه لا يعود منها شيء إلى الله تعالى، ولا تزيد في ملكه شيئا، إنما ~~يستفيد منها العبد لأنه سبحانه الغني عن طاعة الطائعين وعبادة المتعبدين، ~~ليس غنيا عنهم وفقط، إنما هو سبحانه الذي يغنيهم ويفيض عليهم من ~~فضله ومن غناه. ثم يقول الحق سبحانه: { والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات... }. ### || [29.7] # يذكر لنا - سبحانه وتعالى - النتائج { والذين آمنوا.. } ~~[العنكبوت: 7] أي: بالله ربا، له كل صفات الكمال المطلق، وله طلاقة ~~القدرة، وله طلاقة الإرادة، وهو المهيمن، وهو الحاكم.. إلخ. ثم { ~~وعملوا الصالحات.. } [العنكبوت: 7] لأن العمل الصالح نتيجة ~~للإيمان، وثمرة من ثمراته، ms7403 والصالح: هو الشيء يظل على طريقة الحسن ~~فيه فلا يتغير، فقد أقبلت على عالم خلقه الله لك على هيئة الصلاح فلا ~~تفسده، وهذا أضعف الإيمان أن تبقي الصالح على صلاحه، فإن أردت ~~الارتقاء، فزده صلاحا. يقول تعالى: # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما ~~نحن مصلحون # [البقرة: 11]. فقد أعد الله لنا الأرض صالحة بكل نواميسها وقوانينها، ~~ألا ترى المناطق التي لا ينزل بها المطر يعوضها الله عنه بالمياه ~~الجوفية في باطن الأرض، فماء المطر الزائد يسلكه الله ينابيع في الأرض، ~~ويجعله مخزونا لوقت الحاجة إليه، وتخزين الماء العذب في باطن الأرض حتى ~~لا تبخره الشمس، يقول تعالى: # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # [الملك: 30]. وضربنا مثلا لترك الصالح على صلاحه ببئر الماء الذي يشرب ~~منه أهل الصحراء، فقد نرمي فيه القاذورات التي تفسد ماءه، وقد نرى من ~~يهيل فيه التراب فيطمسه، وهذا كله من إفساد الصالح، وربما يأتي من ~~يبني حوله سورا يحميه، أو يجعل عليه آلة رفع ترفع الماء وتريح الناس ~~الذين يردونه، فإذا لم تكن من هؤلاء فلا أقل من أن تدعه على حاله. ~~فالصالح إذن: كل عمل وفكر يزيد صلاح المجتمع في حركات الحياة كلها، ~~وإياك أن تقول إن هناك عملا أشرف من عمل، فكل عمل مهما رأيته هينا - ~~ما دام يؤدي خدمة للمجتمع، ويقدم الخير للناس فهو عمل شريف، فقيمة ~~الأعمال هي قيمة العامل الذي يحسنها وينفع الناس بها، يعني: ليس هناك ~~عمل أفضل من عمل، إنما هناك عامل أفضل من عامل لذلك يقولون: قيمة كل ~~امرىء ما يحسنه. وسبق أن ضربت لذلك مثلا، وما أزال أضربه، مع أنه من ~~أناس غير مسلمين: كان نقيب العمال في فرنسا يطالب بحقوق العمال ويدافع ~~عنهم ويوفر لهم المزايا، فلما تولى الوزارة قالوا له: أعطنا الآن ~~الحقوق التي كنت تطالب بها لنا، وربما كان يطالب لعماله بما تضيق به ~~إمكانات وميزانيات الوزارة، أما الآن فقد أصبح هو وزيرا، وفي إحدى ~~المرات تطاول عليه ms7404 أحد العمال وقال: لا تنس أنك كنت في يوم من الأيام ~~ماسح أحذية، فقال: نعم، لكنني كنت أتقنها. ثم يذكر الحق سبحانه جزاء ~~الإيمان والعمل الصالح: { لنكفرن عنهم سيئاتهم.. } ~~[العنكبوت: 7] وهنا تتجلى العظمة الإلهية، حيث بدأ بتكفير السيئات ~~وقدمها على إعطاء الحسنات. # لأن التخلية قبل التحلية، والقاعدة تقول: إن درء المفسدة مقدم على ~~جلب المصلحة، فهب أن واحدا يريد أن يرميك مثلا بحجر، وآخر يريد ~~أن يرمي لك تفاحة، فأيهما تستقبل أولا؟ لا شك أنك ستدفع أذى الحجر عن ~~نفسك أولا. والخالق - عز وجل - يعلم طبيعة عباده وما يحدث منهم من غفلة ~~وانصراف عن المنهج يوقعهم في المعصية، وما دام أن الشرع يعرف لنا ~~الجرائم ويقنن العقوبة عليها، فهذا إذن منه بأنها ستحدث. لذلك يقول ~~تعالى لعباده: اطمئنوا، فسوف أطهركم من هذه الذنوب أولا قبل أن أعطيكم ~~الحسنات، ذلك لأن الإنسان بطبعه أميل إلى السيئة منه إلى الحسنة، فيقول ~~سبحانه: { لنكفرن عنهم سيئاتهم.. } [العنكبوت: 7]. بل ~~وأكثر من ذلك، ففي آية أخرى يقول سبحانه: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا ~~رحيما # [الفرقان: 70] فأي كرم بعد أن يبدل الله السيئة حسنة، فلا يقف ~~الأمر عند مجرد تكفيرها، فكأنه أوكازيون للمغفرة، ما عليك إلا أن ~~تغتنمه. وفي موضع آخر يقول سبحانه: # إن الحسنات يذهبن السيئات.. # [هود: 114] وفي الحديث الشريف: # ".. وأتبع السيئة الحسنة تمحها ". # ثم يذكر سبحانه الحسنة بعد ذلك: { ولنجزينهم أحسن الذي ~~كانوا يعملون } [العنكبوت: 7] قلنا: إن الحق سبحانه إذا أراد أن ~~يعطي الفقير يقترض له من إخوانه الأغنياء # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا.. # [البقرة: 245]. مع أنه سبحانه واهب كل النعم يحترم ملكية عباده، ويحترم ~~مجهوداتهم وعرقهم، فاحترم العمل واحترم ثمرة العمل، كما يعامل الوالد ~~أولاده، فيأخذ من الغني لمساعدة الفقير على أن يعيد إليه ماله حين ~~ميسرة، فكما أنك لا ترجع في هبتك، كذلك ربك - عز وجل - لا يرجع في ~~هبته. وأذكر ونحن في أمريكا سألنا أحد المستشرقين يقول: هناك تعارض ms7405 بين ~~قول القرآن: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها.. # [الأنعام: 160] وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " مكتوب على باب الجنة: الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر ". # فشاء الله أن يلهم بكلمتين للرد عليه، حتى لا يكون للكافرين على ~~المؤمنين سبيل. فقلت للمترجم: نعم الحسنة بعشر أمثالها حين تتصدق، لكن ~~في القرض مثلا لو تصدق بدولار فهو عند الله بعشرة دولارات، لكن يعود ~~عليك دولارك مرة أخرى، فكأن لك تسعة دولارات، فحين تضاعف تصير ثمانية ~~عشر. وبعد ذلك ينتقل الحق سبحانه إلى الدائرة الأولى في تكوين المجتمع، ~~وهي دائرة الأسرة المكونة من: الأب، والأم، والأولاد، فأراد سبحانه أن ~~يصلح اللبنة الأولى ليصلح المجتمع كله، فقال تبارك وتعالى: { ~~ووصينا الإنسان بوالديه حسنا... }. ### || [29.8] # الوالدان يخدمان الابن حتى يكبر، ويصير هو إلى القوة في حين يصيران هما ~~إلى الضعف، وإلى الحاجة لمن يخدمهما، وحين ننظر في حال الغربيين مثلا ~~وكيف أن الأبناء يتركون الآباء دون رعاية، وربما أودعوهم دار المسنين في ~~حالة برهم بهم، وفي الغالب يتركونهم دون حتى السؤال عنهم لذلك تتجلى ~~لنا عظمة الإسلام وحكمة منهج الله في مجتمع المسلمين. لذلك قال أحد ~~الحكماء: الزواج المبكر خير طريقة - لا لإنجاب طفل - إنما الإنجاب أب لك ~~يعولك في طفولة شيخوختك. لذلك أراد الحق سبحانه أن يبني الأسرة على لبنات ~~سليمة، تضمن سلامة المجتمع المؤمن، فقال سبحانه: { ووصينا ~~الإنسان بوالديه حسنا.. } [العنكبوت: 8]، وفي موضع آخر قال ~~سبحانه في نفس الوصية # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا.. # [الأحقاف: 15]. وفرق بين المعنيين: { حسنا.. } [العنكبوت: 8] أي: ~~أوصيك بأن تعمل لهم الحسن ذاته، كما تقول: فلان عادل، وفلان عدل، ~~فوصى بالحسن ذاته. أما في # إحسانا.. # [الأحقاف: 15] فوصية بالإحسان إليهما. لكن، لماذا وصى هنا بالحسن ~~ذاته، ووصى هناك بالإحسان؟ قالوا: وصى بالحسن ذاته في الآية التي ~~تذكر اللدد الإيماني، حيث قال: { وإن جاهداك لتشرك بي ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهمآ.. } [العنكبوت: 8] والكفر ~~يستوجب العداوة والقطيعة، ويدعو إلى الخصومة، فأكد على ضرورة تقديم ~~الحسن إليهما لا مجرد الإحسان ms7406 لأن الأمر يحتاج إلى قوة تكليف. أما حين لا ~~يكون منهما كفر، فيكفي في برهما الإحسان إليهما لذلك يقول سبحانه: # وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15]. والحق سبحانه حين يوصي بالوالدين، وهما السبب المباشر في ~~الوجود إنما ليجعلهما وسيلة إيضاح لأصل الوجود، فكما أوصاك بسبب وجودك ~~المباشر وهما الوالدان، فكذلك ومن باب أولى يوصيك بمن وهب لك أصل هذا ~~الوجود. فكأن الحق سبحانه يؤنس عباده بهذه الوصية، ويلفت أنظارهم إلى ~~ما يجب عليهم نحو واهب الوجود الأصلي وما يستحقه من العبادة ومن الطاعة ~~لأنه سبحانه الخالق الحقيقي، أما الوالدان فهما وجود سببي. هذا إيناس ~~بالإيمان، بينه تعالى في قوله: # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا.. # [النساء: 36] لأنهما سبب الوجود الجزئي، والله تعالى سبب الوجود الكلي. ~~وهذا أيضا من المواضع التي وقف عندها المستشرقون، يبغون فيها ~~مطعنا، ويظنون بها تعارضا بين آيات القرآن في قوله تعالى: # وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15] وفي موضع آخر: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم.. # [المجادلة: 22]. وهذا التعارض لا يوجد إلا في عقول هؤلاء لأنهم لا ~~يفهمون لغة القرآن، ولا يفرقون بين الود والمعروف: الود ميل القلب، ~~وينشأ عن هذا الميل فعل الخير، فيمن تميل إليه، أما المعروف فتصنعه مع ~~من تحب ومن لا تحب، فهو استبقاء حياة. # وهنا يقول سبحانه: { وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك ~~به علم فلا تطعهمآ إلي مرجعكم فأنبئكم ~~بما كنتم تعملون } [العنكبوت: 8] يعني: تذكر هذا الحكم، فسوف ~~أسألك عنه يوم القيامة، ففي موضع آخر # وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من ~~أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما ~~كنتم تعملون # [لقمان: 15]. فكفر الوالدين لا يعني السماح لك بإهانتهما أو ~~إهمالهما، فاحذر ذلك لأنك ستسأل عنه أمام الله: أصنعت معهما المعروف أم ~~لا؟ وحيثيات الوصية بالوالدين: الأب والأم ذكرت في الآية الأخرى: # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه ~~كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا.. # [الأحقاف: 15] نلحظ أن الحيثيات كلها ms7407 للأم، ولم يذكر حيثية واحدة للأب ~~إلا في قوله تعالى: # وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء: 24] وهذه تكون في الآخرة. قالوا: ذكر الحيثيات كلها للأم ~~لأن متاعب الأم كانت حال الصغر، والطفل ليس لديه الوعي الذي يعرف به ~~فضل أمه وتحملها المشاق من أجله، وحين يكبر وتتكون لديه الإدراكات ~~يجد أن الأب هو الذي يقضي له كل ما يحتاج إليه. إذن: فحيثيات الأب ~~معلومة مشاهدة، أما حيثيات الأم فتحتاج إلى بيان. يقول الحق سبحانه: { ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات... }. ### || [29.9] # فقدم الإيمان، لأنه الأصل، ثم العمل الصالح، وكأن الدخول في الصالحين ~~مسألة كبيرة، وهي كذلك، ويكفي أنها متمنى حتى الأنبياء أنفسهم. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~فإذآ... }. ### || [29.10] # قوله تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله.. } ~~[العنكبوت: 10] دليل على القول باللسان، وعدم الصبر على الابتلاء، فالقول ~~هنا لا يؤيده العمل، ولمثل هؤلاء يقول تعالى: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2]. ويقول تعالى في صفات المنافقين: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1] فالله تعالى لا يكذبهم في أن محمدا رسول الله، إنما ~~في شهادتهم أنه رسول الله لأن الشهادة لا بد لها أن يواطئ القلب ~~اللسان، وهذه لا تتوفر لهم. ومعنى: { فإذآ أوذي في الله.. } ~~[العنكبوت: 10] أي: بسبب الإيمان بالله، فلم يفعل شيئا يؤذى من أجله، ~~إلا أنه آمن { جعل فتنة الناس كعذاب الله.. } ~~[العنكبوت: 10] فتنة الناس أي: تعذيبهم له على إيمانه كعذاب الله. إذن: ~~خاف عذاب الناس وسواه بعذاب الله الذي يحيق به إن كفر، وهذا غباء في ~~المساواة بين العذابين لأن عذاب الناس سينتهي ولو بموت المؤذي المعذب، ~~أما عذاب الله في الآخرة فباق لا ينتهي، والناس تعذب بمقدار طاقتها، ~~والله سبحانه يعذب بمقدار طاقته تعالى وقدرته، إذن: فالقياس هنا قياس ~~خاطئ. وإن كانت هذه الآية قد نزلت في عياش بن أبي ربيعة، فالقاعدة ~~الأصولية تقول: إن العبرة بعموم ms7408 اللفظ لا بخصوص السبب، وكان عياش بن أبي ~~ربيعة أخا عمرو بن هشام أبو جهل والحارث بن هشام من الأم التي هي أسماء. ~~فلما أن أسلم عياش ثم هاجر إلى المدينة فحزنت أمه أسماء، وقالت: لا ~~يظلني سقف، ولا أطعم طعاما، ولا أشرب شرابا، ولا أغتسل حتى يعود عياش ~~إلى دين آبائه، وظلت على هذه الحال التي وصفت ثلاثة أيام حتى عضها ~~الجوع، فرجعت. وكان ولداها الحارث وأبو جهل قد انطلقا إلى المدينة ~~ليقنعا عياشا بالعودة لاسترضاء أمه، وظلا يغريانه ويرققان قلبه ~~عليها، فوافق عياش على الذهاب إلى أمه، لكنه رفض الردة عن الإسلام، فلما ~~خرج الثلاثة من المدينة قاصدين مكة أوثقوه في الطريق، وضربه أبو جهل مائة ~~جلدة، والحارث مائة جلدة. لكن كان أبو جهل أرأف به من الحارث لذلك أقسم ~~عياش بالله لئن أدركه يوما ليقتلنه حتى إن كان خارجا من الحرم، وبعد ~~أن استرضى عياش أمه عاد إلى المدينة، فقابل أخاه الحارث عند قباء، ولم ~~يكن يعلم أنه قد أسلم فعاجله، ونفذ ما توعده به فقتله، ووصل خبره إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزلت الآية: # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا.. # [النساء: 92]. ونزلت: { ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~فإذآ أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب ~~الله.. } [العنكبوت: 10] أي: أراد أن يفر من عذاب الناس فكفر، ولم ~~يرد أن يفر من عذاب الله ويؤمن. وقوله تعالى: { ولئن جآء نصر ~~من ربك ليقولن إنا كنا معكم.. } [العنكبوت: 10] ~~أي: اجعلوا لنا سهما في المغنم { أو ليس الله بأعلم بما ~~في صدور العالمين } [العنكبوت: 10] فالله سبحانه يعلم ما يدور ~~في صدورهم وما يتمنونه لنا ولذلك يقول سبحانه عنهم: # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا # [التوبة: 47]. ثم يقول الحق سبحانه: { وليعلمن الله ~~الذين... }. ### || [29.11] # نعم، الحق سبحانه يعلم حال عباده حتى قبل أن يخلقوا، ويعلم ماذا سيحدث ~~لهم، إنما هناك فرق بين علم مسبق على الحدث، وعلم بعد أن يقع ~~الحدث نفسه لأنه سبحانه لو ms7409 قال: سأفعل بهم كذا وكذا لأني أعلم ما يحدث ~~منهم لقالوا: لا والله ما كان سيحدث منا شيء لذلك يتركهم حتى يحدث منهم ~~الفعل. ثم يقول الحق سبحانه: { وقال الذين كفروا ~~للذين... }. ### || [29.12] # وهذا لون من ألوان الإيذاء أن يقول الذين كفروا للذين آمنوا { ~~اتبعوا سبيلنا.. } [العنكبوت: 12] أي: ما نحن عليه من دين ~~الآباء والأجداد، وما نحن عليه من عبادة الأصنام والأوثان، فنحن نعبد ~~آلهة لا تكاليف لها ولا مطلوبات، وأنتم تعبدون إلها له منهج، وله ~~مطلوبات بافعل كذا ولا تفعل كذا. فالمعنى: { اتبعوا سبيلنا.. } ~~[العنكبوت: 12] خذوا الحكم منا { ولنحمل خطاياكم.. } ~~[العنكبوت: 12] يعني: اعملوا على مسئوليتنا، وإن كانت عليكم خطايا ~~سنحملها عنكم، وانظر هنا إلى غباء الكافر فقد آمن هو نفسه أن هذه خطيئة، ~~ومع ذلك يتعرض لحملها، لكن كيف يحملها؟ وكيف يكون هو المسئول عنها أمام ~~الله - عز وجل - حين يحاسبني ربي عليها ويعاتبني على اتباعي له؟ وهل ~~للكافر شفاعة أو قوة يدافع بها عني في الآخرة؟ لذلك يقول تعالى بعدها: { ~~وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم ~~لكاذبون } [العنكبوت: 12] ويؤكد لنا سبحانه كذبهم أيضا في قوله ~~تعالى: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب.. # [البقرة: 166]. ويقول التابعون: # ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين # [فصلت: 29]. فالمودة التي كانت بينهم في الدنيا تحولت إلى عداوة لأنهم ~~اجتمعوا في الدنيا على الضلال، فتفرقوا في الآخرة، كما قال سبحانه: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67] فالمتقي ساعة يرى المتقي في الآخرة يشكره، ويعترف له ~~بالجميل لأنه أخذ على يديه في الدنيا، ومنعه من أسباب الهلاك، فيحبه ~~ويثني عليه، وربما اعتبره عدوه في الدنيا، أما أهل الضلال فيلعن بعضهم ~~بعضا، ويتبرأ بعضهم من بعض. إذن: فغباء الكفار بين في قولهم: { ~~ولنحمل خطاياكم.. } [العنكبوت: 12]، كما هو بين في قولهم # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وكما هو بين في قولهم: ms7410 # لا تنفقوا على من عند رسول الله.. # [المنافقون: 7] فهم يعرفون أنه رسول الله، ومع ذلك يمنعون الناس من ~~الإنفاق على الفقراء الذين عنده، إنه غباء حتى في المواجهة. ### || [29.13] # وفي موضع آخر: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون # [النحل: 25]. فالأثقال هي الأوزار، فسيحملون أثقالا على أثقالهم، ~~وأوزارا على أوزارهم، فالأثقال الأولى بسبب ضلالهم، والأثقال الأخرى ~~بسبب إضلالهم للغير { وليسألن يوم القيامة عما ~~كانوا يفترون } [العنكبوت: 13] والافتراء: تعمد الكذب. وبعد أن ~~تكلم الحق سبحانه عن المقدمات في عمومها، أراد أن يتكلم عنها في خصوص ~~الرسالات، فقال سبحانه: { ولقد أرسلنا نوحا... }. ### || [29.14] # يقول العلماء: إن نوحا - عليه السلام - هو أول رسل الله إلى البشر، أما ~~من سبقه مثل آدم وإدريس عليهما السلام، فكانوا أنبياء أوحى الله إليهم ~~بشرع يعملون به، فيكونون نموذجا إيمانيا، وقدوة سلوك طيب، يقلدهم ~~من رآهم، لكن لا يعد كافرا من لم يقتد بهم، أما إن اقتدى بهم ~~ثم نكث عن سبيلهم فهو كافر. لذلك نفرق بين النبي والرسول، بأن النبي ~~أوحي إليه بشرع يعمل به ولم يؤمر بتبليغه، أما الرسول فقد أوحي إليه ~~بشرع وأمر بتبليغه فكل منهما مرسل، لذلك يقول تعالى: # ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي.. # [الحج: 52]. إذن: فالنبي أيضا مرسل، لكنه مرسل لذاته. لكن لماذا ~~كان هذا قبل نوح بالذات؟ قالوا: لأن الرقعة الإنسانية كانت ضيقة قبل نوح، ~~وكان الناس حديثي عهد، لم تنتشر بينهم الانحرافات، فلما اتسعت الرقعة، ~~وتداخلت أمور الحياة احتاجت الخليقة لأن يرسل الله إليهم الرسل. والحق ~~سبحانه يأتي بهذه اللقطة الموجزة من قصة نوح - عليه السلام - مع أن له ~~سورة مفردة، وله لقطات كثيرة منثورة في الكتاب العزيز، لكن هذه اللقطة ~~تأتي لنا بالبداية والنهاية فقط وكأنها برقية تلغرافية في مسألة نوح: { ~~ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه.. } [العنكبوت: 14]. إذن: ~~الرسول جاء من القوم، وهذا يعني أنهم يعرفونه قبل أن يكون رسولا، ~~ويجربون سلوكه وحركته في الحياة، ويعرفون خلقه، ويعرفون كل ms7411 تصرفاته، ~~فليس الرسول بعيدا عنهم أو مجهولا لهم. لذلك كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حينما جهر بالدعوة آمن به الذين يعرفونه عن قرب دون أن ~~يسألوه عن معجزة تؤيده، بل بمجرد أن قال أنا رسول الله آمنوا به ~~وصدقوه واتبعوه. فسيدنا أبو بكر، هل سمع من رسول الله قبل أن يؤمن به؟ ~~لا، إنما بمجرد أن قالوا له: إن صاحبك تنبأ قال: آمنت به، لماذا؟ لأنه ~~يعرف له سوابق يبني عليها إيمانه بصاحبه، فما كان محمد ليكون صاحب خلق ~~عظيم مع الناس، ثم يكذب على الله. إذن: ففي كون الرسول من قومه إيناس ~~للخلق لذلك لما قالوا: لا نؤمن إلا إذا جاءنا الرسول ملكا رد عليهم: ~~أأنتم ملائكة حتى ينزل عليكم ملك؟ # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. ولو فرض أننا أرسلناه ملكا أهم يرون الملائكة؟ لا ~~يرونها، فكيف إذن يبلغ الملك الناس؟ لا بد أن يأتيهم في صورة ~~بشر، ولو أتاهم في صورة بشر لقالوا نريد ملكا. وقوله عز وجل: { ~~فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما.. } [العنكبوت: ~~14] هذا العدد من الممكن أن يؤدى لمعان كثيرة، فلم يقل: فلبث فيهم ~~تسعمائة وخمسين عاما. # وفي الأعداد في القرآن أسرار كثيرة، واقرأ مثلا: # وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر ~~فتم ميقات ربه أربعين ليلة.. # [الأعراف: 142]. وفي آية سورة البقرة قال الحق سبحانه: # وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة.. # [البقرة: 51]. ففي سورة البقرة إجمال، وفي آية الأعراف تفصيل. والحكمة ~~في هذا أن موسى عليه السلام ما إن ذهب لميقات ربه حتى عبد قومه العجل في ~~مدة الثلاثين ليلة. ولم يشأ الله أن يترك موسى ليعود لقومه بعد الثلاثين ~~ليلة، بل أتمها بعشر أخر، حتى لا يعود موسى ويرى ما فعله قومه، فكأن ~~العشر زادت على الثلاثين ليلة، ليعطيك الصورة الأخيرة الموجودة في ~~سورة البقرة. فالمسألة في منتهى الدقة، ولو لم يأت بالاستثناء في قوله: ~~{ إلا خمسين عاما.. } [العنكبوت: 14] فربما يظن السامع أن ms7412 ~~المسألة تقريبية، لكن التقريب في عد البشر، أما في حساب الحق سبحانه ~~فهو منتهى الدقة، كما لو سئلت مثلا عن الساعة، فتقول: الساعة العاشرة ~~إلا دقيقة ونصفا، يعني: منتهى ما في استطاعتك من حساب الوقت. فإن قلت: ~~فلماذا هذه اللقطة السريعة من قصة نوح عليه السلام؟ نقول: هي لتسلية رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأن قومه وقفوا منه موقف العداء والمكابرة ~~والتكذيب، وآذوا أصحابه، وضيقوا الخناق على دعوته، وقد طالت هذه ~~المسألة حتى أخذت ثلاث عشرة سنة من عمر الدعوة، فسلاه ربه: اصبر يا ~~محمد، فقد صبر زميل لك في الدعوة ألف سنة إلا خمسين عاما، يعني مدة ~~المشقة التي تحملتها ما زالت بسيطة هينة، وقد تحمل أولو العزم من ~~الرسل أكثر من ذلك. ونلحظ هنا { ألف سنة.. } [العنكبوت: 14] ثم ~~استثنى منها { إلا خمسين عاما.. } [العنكبوت: 14] ولم يقل ~~خمسين سنة، فاستثنى الأعوام من السنين، ليدلك على أن السنة تعني أي ~~عام، ويرفع الخلاف لأن البعض يقول: إن السنة هي التي تبدأ من أول ~~المحرم إلى آخر ذي الحجة، في حين أن السنة ليس من الضروري أن تبدأ ~~بالمحرم وتنتهي بذي الحجة، إنما تبدأ في أي وقت وتنتهي في مثله بعد عام ~~كامل. فحين نقول: فلان عمره مثلا عشرون سنة، أي: من يوم مولده إلى مثله ~~عشرين مرة، وكذلك العام. إذن: السنة والعام والحجة، كلها سواء أردت ~~الحساب بالسنة الشمسية، أو القمرية، أو غيرها كما تحب. ومعلوم أن ~~التوقيتات عندنا توقيتات هلالية بالشهر العربي لأن الشمس لا يعرف من ~~حركتها إلا اليوم، إنما لا نعرف منها الشهر، الشهر نعرفه بحركة القمر حين ~~يولد الهلال، وبالشهر نحسب السنة التي هي أثنا عشر شهرا قمريا وتزيد ~~أحد عشر يوما في السنة الشمسية. وكأن الحق سبحانه أراد أن يعلمنا أن ~~السنة هي العام، لا فرق بينهما، ولا داعي للجاج في هذه المسألة. # ثم يذكر سبحانه نهاية هؤلاء القوم الذين كذبوا: { فأخذهم ~~الطوفان وهم ظالمون } [العنكبوت: 14] فالعلة في أخذهم، لا ~~لأنهم أعداء، بل لأنهم ms7413 ظالمون لأنفسهم بالكفر، وهكذا تنتهي القصة أو ~~اللقطة في آية واحدة الغرض منها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، إن ~~أبطأ نصره على الكفار. وكلمة { فأخذهم.. } [العنكبوت: 14] الأخذ ~~فيه دليل على الشدة وقوة التناول، لكن بعنف أو بغير عنف؟ إن كان الأخذ ~~لخصم فهو أخذ بعنف وشدة، وإن كان لغير خصم كان بلطف. والطوفان: أن ~~يزيد الماء عن الحاجة الرتيبة للناس، فبعد أن كان وسيلة حياة، ومنه كل ~~شيء حتى يصبح وسيلة موت وهلاك، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يريد أن ~~يلفت أنظارنا إلى المتقابلات في الخلق حتى لا نظن أن الخلق يسير ~~برتابة. فسيدنا موسى - عليه السلام - ضرب البحر بالعصا، فتجمد فيه ~~الماء حتى صار كالجبل، وضرب بها الحجر فانبجس منه الماء. إنها طلاقة ~~القدرة التي لا تعتمد على الأسباب، فالمسبب هو الله سبحانه يفعل ما ~~يشاء، فليست الأشياء بأسبابها، إنما بمراد المسبب فيها لذلك يقول أحمد ~~شوقي في قصيدة النيل: # من أي عهد في القرى تتدفق # وبأي كف في المدائن تغدق # ومن السماء نزلت أم على # الجنان جداولا تترقرق # إلى أن يقول: # الماء تسكبه فيصبح عسجدا # والأرض تغرقها فيحيا المغرق # والمأخوذ هنا هم المكذبون لنوح - عليه السلام - الذين ظلموا أنفسهم ~~لما كذبوا رسولهم، ولم يستمعوا للهدى، ثم ينجي الله نوحا - عليه ~~السلام - بالسفينة التي قال الله عنها في سورة هود: # وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرساها.. # [هود: 41]. وقد أمره الله بصناعة السفينة: # واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون # [هود: 37] فكان نوح - عليه السلام - على علم بعاقبة المكذبين الظالمين ~~من قومه، واحتفظ بها في نفسه، وهو يصنع السفينة كما أمره ربه. لكن، أكانت ~~السفينة شيئا معروفا لهؤلاء القوم، ولها مثال سابق لديهم؟ لا، لم ~~يكونوا يعرفون السفن، بدليل أنهم تعجبوا من فعل نوح، وسخروا منه وهو ~~يصنعها # وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه.. # [هود: 38] فكان يرد عليهم في نفسه: # إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون # [هود: 38] فهو يعلم عاقبتهم وما ms7414 يبيته الله لهم. والحق سبحانه يعطينا ~~هذه اللقطة من قصة نوح - عليه السلام - لكي نجول في كل اللقطات، ونستحضر ~~مواطن العبرة فيها، وفي قصة نوح مسائل كثيرة نستفيدها، فقد كان القوم ~~يعبدون الأصنام: ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا، ومنها نعلم أن ~~ودادة الأنبياء ودادة قيم ومنهج، وودادة أعمال واقتداء، وأن أنسابهم ~~أنساب تقوى وورع. فنبوة نوح لم تمنع ولده الضال من الغرق، حتى بعد أن ~~دعا الله: # رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق.. # [هود: 45] فيعطيه الله الحكم في هذه المسألة، ويصحح له: # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.. # [هود: 46]. وليس معنى ذلك أن أمه أتت به من الحرام والعياذ بالله لأن ~~الله تعالى ما كان ليدلس على نبي من أنبيائه، إنما هي كانت من ~~الخائنين، وخيانتها أنها كانت تفشي أسراره لخصومه، وتخبرهم خبره لذلك ~~يقول تعالى عنها في سورة التحريم: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط.. # [التحريم: 10]. ويبين الحق سبحانه العلة في قوله: # إنه ليس من أهلك.. # [هود: 46] بقوله: # إنه عمل غير صالح.. # [هود: 46] حتى لا تذهب بنا الظنون في زوجة نبي الله، فالعلة أنه عمل غير ~~صالح، وبنوة الأنبياء بنوة عمل، لا بنوة نسب. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { فأنجيناه وأصحاب السفينة... }. ### || [29.15] # أي: فأنجينا نوحا عليه السلام { وأصحاب السفينة.. } ~~[العنكبوت: 15] هم الذين يركبون معه فيها، فهم أصحابها، وقد صنعت من ~~أجلهم، لم يصنعها نوح لذاته، إنما صنعها لقومه الذين تعجبوا من صناعته ~~لها وسخروا منه واستهزأوا به، فهم أصحابها في الحقيقة، من آمن منهم ~~ركب فيها، ومن كفر أبى وأعرض، فكانت نهايته الغرق. ونفهم من هذه القضية ~~أن الحق سبحانه حينما يطلب من المؤمن شيئا يعطيه لمن لا يجد ذلك ~~الشيء، سواء كان علما أو مالا أو قدرة.. إلخ افهم أنها حق له، وليست ~~تفضلا عليه، فلما صنع نوح السفينة جعلها الله من حق القوم فقال { ~~وأصحاب السفينة.. } [العنكبوت: 15] فهي حق لهم، فليس المراد ~~منها أن يصنعها مثلا، ويؤجرها لهم، لا بل ms7415 هو يصنعها من أجلهم. وكذلك ~~قوله تعالى: # والذين في أموالهم حق معلوم # [المعارج: 24] وقد ورد هذا الحق في المال مرتين في القرآن الكريم، مرة # حق معلوم # [المعارج: 24]، ومرة أخرى # حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 19] دون أن يحدد مقداره، ودون أن يوصف بالمعلومية. وقد ~~سماهما الله حقا، فالمعلوم هو الزكاة الواجبة في مقام الإيمان، وغير ~~المعلوم هي الصدقة لأنها لا تخضع لمقدار معين، بل هي حسب أريحية المؤمن ~~وحبه للطاعات، ودخوله في مقام الإحسان الذي قال الله فيه: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم ~~يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم # [الذاريات: 15-19] وهذه الزيادة في العبادات دليل على عشق التكليف ~~وحب الطاعة والثقة بأن الله تعالى ما كلفنا إلا بأقل مما يستحق ~~سبحانه من العبادة لذلك يقول العلماء: إياك أن تنتقل إلى هذا المقام ~~وتلزم به نفسك، أو تجعله نذرا لأنك إن فعلت صار في حقك فرضا لا ~~تستطيع أن تنقص منه. إنما جعله لنشاطك ومقدرتك لأنك إن تعودت على ~~منهج وألزمت نفسك به ثم تراجعت، فكأنك تقول كلمة لا ينبغي أن تقال، ~~فكأنك - والعياذ بالله - جربت ودك لله فلم تجده - والعياذ بالله - أهل ~~ود فتركته. إذن: فقوله سبحانه { وأصحاب السفينة.. } ~~[العنكبوت: 15] يدلنا على أنها صنعت بأمر الله من أجلهم، وبفراغ نوح ~~من صناعتها كانت حقا لهم، لا ملكا له عليه السلام. لكن كيف نفهم { ~~وأصحاب السفينة.. } [العنكبوت: 15] وقد حمل فيها نوح - عليه ~~السلام - من كل زوجين اثنين؟ قالوا: الزوجان من غير البشر ليس لهما ~~صحبة لأنهما مملوكان لأصحاب الصحبة. وقوله سبحانه: { وجعلناهآ ~~آية للعالمين } [العنكبوت:15] أي: أمرا عجيبا لم يسبق له مثيل ~~في حياة الناس، فقد صنعها نوح - عليه السلام - بوحي من ربه على غير مثال ~~سابق، فوجه كونها آية أن الله تعالى أعلمه وعلمه صناعتها لأن لها مهمة ~~إيمانية عنده، فبها نجاة المؤمنين وغرق الكافرين، وهذه الآية { ~~للعالمين } [العنكبوت: 15] جميعا. ثم يذكر الحق سبحانه ms7416 إبراهيم ~~عليه السلام، فيقول: { وإبراهيم إذ قال لقومه ~~اعبدوا... }. ### || [29.16] # الواو هنا لعطف الجمل، فالآية - معطوفة على # ولقد أرسلنا نوحا.. # [العنكبوت: 14] إذن: فنوح وإبراهيم واقعتان مفعولا به للفعل أرسلنا، ~~وللسائل أن يسأل: لماذا لم تنون إبراهيم كما نونت نوح؟ لم تنون ~~كلمة إبراهيم لأنها اسم ممنوع من الصرف - أي من التنوين - لأنه اسم ~~أعجمي. ونلحظ في هذه المسألة أن جميع أسماء الأنبياء أسماء أعجمية تمنع ~~من الصرف، ما عدا الأسماء التي تبدأ بهذه الحروف صن شمله وهي على ~~الترتيب: صالح، نوح، شعيب، محمد، لوط، هود. فهذه الأسماء مصروفة ~~منونة، عليهم جميعا الصلاة والسلام. والمعنى: { وإبراهيم.. } ~~[العنكبوت: 16] يعني: واذكر إبراهيم { إذ قال لقومه اعبدوا ~~الله واتقوه.. } [العنكبوت: 16] وقلنا: العبادة أن يطيع العابد ~~المعبود في أوامره ونواهيه، إذن: لو جاء من يدعي الألوهية، وليس له ~~أمر نؤديه، أو نهي نمتنع عنه فلا يصلح إلها. لذلك كذب الذين قالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3] لأنهم ما عبدوا الأصنام إلا لأنها ليست لها أوامر ولا نواه، ~~فألوهيتهم منظرية بلا تكليف، فأول الأدلة على بطلان عبادة هذه الآلهة ~~المدعاة أنها آلهة بلا منهج. ثم عطف الأمر { واتقوه.. } ~~[العنكبوت: 16] على { اعبدوا.. } [العنكبوت: 16] والتقوى من معانيها ~~أن تطيع الأوامر، وتجتنب النواهي، فهي مرادفة للعبادة، لكن إن عطفت على ~~العبادة فتعني: نفذوا الأمر لتتقوا غضب الله، اجعلوا بينكم وبين صفات ~~الجلال وقاية. وسبق أن قلنا: إن لله تعالى صفات جلال: كالقهار، الجبار، ~~المنتقم، المذل.. إلخ. وصفات جمال: كالغفار، الرحمن، الرحيم، التواب، ~~وبالتقوى تنال متعلقات صفات الجمال، وتمنع نفسك وتحميها من متعلقات صفات ~~الجلال. وقوله تعالى: { ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ~~} [العنكبوت: 16] ذلكم، أي ما تقدم من الأمر بالعبادة والتقوى خير لكم، ~~فإن لم تعلموا هذه القضية فلا خير في علمكم، كما قال تعالى: # ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا ~~من الحياة الدنيا.. # [الروم: 6-7]. فالعلم الحقيقي هو العلم بقضايا الآخرة، العلم بالأحكام ~~وبالمنهج الذي يعطيك الخير الحقيقي طويل الأمد على خلاف علم الدنيا ms7417 فإن ~~نلت منه خيرا، فهو خير موقوت بعمرك فيها. وسبق أن قلنا: إن العلم هو ~~إدراك قضية كونية تستطيع أن تدلل عليها، وهذا يشمل كل معلومة في الحياة. ~~أي: العلم المادي التجريبي وآثار هذا العلم في الدنيا، أما العلم السامي ~~الأعلى فأن تعلم المراد من الله لك، وهذا للآخرة. واقرأ في ذلك مثلا ~~قوله تعالى: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن ~~الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله ~~عزيز غفور # [فاطر: 27-28]. فذكر سبحانه علم النبات والجماد و # ومن الناس.. # [فاطر: 28] أي: علم الإنسانيات # والدوآب.. # [فاطر: 28] علم الحيوان، وهكذا جمع كل الأنواع والأجناس، ثم قال سبحانه: # إنما يخشى الله من عباده العلماء.. # [فاطر: 28] مع أنه سبحانه لم يذكر هنا أي حكم شرعي. إذن: المراد هنا ~~العلماء الذين يستنبطون قضية يقينية في الوجود، كهذه الاكتشافات التي ~~تخدم حركة الحياة، وتدل الناس على قدرة الله، وبديع صنعه تعالى، ~~وتذكرهم به سبحانه. وتأمل في نفسك مثلا وضع القصبة الهوائية بجوار ~~البلعوم، وكيف أنك لو شرقت بنصف حبة أرز لا تستريح إلا بإخراجها، وتأمل، ~~وضع اللهاة وكيف تعمل تلقائيا دون قصد منك أو تحكم فيها. تأمل ~~الأهداب في القصبة الهوائية، وكيف أنها تتحرك لأعلى تخرج ما يدخل من ~~الطعام لو اختل توازن اللهاة، فلم تحكم سد القصبة الهوائية أثناء ~~البلع. تأمل حين تكون جالسا مطمئنا لا يقلقك شيء، ثم في لحظة تجد نفسك ~~محتاجا لدورة المياه، ماذا حدث؟ ذلك لأن في مجرى الأمعاء ما يشبه ~~السقاطة التي تخرج الفضلات بقدر، فإذا زادت عما يمكن لك تحمله، فلا ~~بد من قضاء الحاجة والتخلص من هذه الفضلات الزائدة. تأمل الأنف وما ~~فيه من شعيرات في مدخل الهواء ومخاط بالداخل، وأنها جعلت هكذا لحكمة، ~~فالشعيرات تحجز ما يعلق بالهواء من الغبار، ثم يلتقط المخاط الغبار ~~الدقيق الذي لا يعلق بالشعيرات ليدخل الهواء الرئتين ms7418 نقيا صافيا، تأمل ~~الأذن من الخارج وما فيها من تعاريج مختلفة الاتجاهات، لتصد الهواء، ~~وتمنعه من مواجهة فتحة الأذن. والآيات في جسم الإنسان كثيرة وفوق ~~الحصر، ولا سبيل إلى معرفتها إلا باستنباط العلماء لها، وكشفهم عنها، ~~وهذا من نشاطات الذهن البشري، أما العلم الذي يخرج عن نطاق الذهن ~~البشري فهو نازل من أعلى، وهو قانون الصيانة الذي جعله الخالق سبحانه ~~لحماية الخلق، فالذي يأخذ بالعلم الدنيوي التجريبي فقط يحرم من الخير ~~الباقي لأن قصارى ما يعطيك علم المادة في البشر أن يرفه حياتك المادية، ~~أما علم الآخرة فيرفه حياتك الدنيا ويبقى لك في الآخرة. إذن: فقوله ~~تعالى: { ذلكم خير لكم.. } [العنكبوت: 16] أي: قانون الصيانة ~~الرباني بافعل كذا ولا تفعل كذا، وإياك أن تنقل مدلول افعل في لا تفعل ~~أو مدلول لا تفعل في افعل، وقد شبهنا هذا القانون بالكتالوج الذي يجعله ~~الصانع لحماية الصنعة المادية لتؤدي مهمتها على أكمل وجه، كذلك منهج الله ~~بالنسبة للخلق، فإن لم تعلموا هذه القضية فلن ينفعكم علم بعد ذلك. ~~يقول سبحانه: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. إذن: فالخير الباقي هو الخير في الآخرة. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { إنما تعبدون من دون الله أوثانا... }. ### || [29.17] # قوله تعالى: { إنما تعبدون.. } [العنكبوت: 17] أي: على حد ~~زعمهم، وعلى حد قولهم: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3]، وإلا فلا عبادة لهذه الآلهة، حيث لا أمر عندهم ولا نهي ولا ~~منهج، فعبادتهم إذن باطلة. وهم يعبدون الأوثان من دون الله فإن ضيق ~~عليهم الخناق قالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3] فهم بذلك مشركون، ومن لم يقل بهذا القول فهو كافر. ~~والوثن: ما نصب للتقديس من حجر، أيا كان نوعه: حجر جيري، أو جرانيت، ~~أو مرمر. أو كان من معدن: ذهب أو فضة أو نحاس.. إلخ أو من خشب، وقد كان ~~البعض منهم يصنعه من العجوة، فإن جاع ms7419 أكله، وقد حكى هذا على سبيل ~~التعجب سيدنا عمر رضي الله عنه. وبأي عقل أو منطق أن تذهب إلى الجبل ~~وتستحسن منه حجرا فتنحته على صورة معينة، ثم تتخذه إلها تعبده من دون ~~الله، وهو صنعة يدك، وإن أطاحت به الريح أقمته، وإن كسرته رحت ~~تصلح ما تكسر منه وترممه، فأي عقل يمكن أن يقبل هذا العمل؟ لذلك ~~يخاطبهم القرآن: # قال أتعبدون ما تنحتون # [الصافات: 95] وكلما تقدم العالم تلاشت منه هذه الظاهرة لأنها مسألة ~~لم تعد تناسب العقل بأية حال. ومعنى { وتخلقون إفكا.. } ~~[العنكبوت: 17] أي: توجدون، والإيجاد يكون من عدم، فهم يوجدون من عدم، ~~لكن أيوجدون صدقا؟ أم يوجدون كذبا؟ إنهم يوجدون { إفكا.. } ~~[العنكبوت: 17] والإفك تعمد الكذب الذي يقلب الحقائق، ومن ذلك قوله ~~سبحانه: # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53] أي: القرى التي كفأها الله على نفسها. وسبق أن أوضحنا أن ~~الحقيقة هي القضية الصادقة التي توافق الواقع، فلو قلت مثلا: محمد ~~كريم، فلا بد أن هناك شخصا اسمه محمد وله صفة الكرم، فإن اختلف ~~الواقع فلم يوجد محمد أو وجد ولم تتوفر له صفة الكرم، فالقضية كاذبة ~~لأنها مخالفة للواقع، هذا هو الإفك. فالحق سبحانه لا يعيب عليهم الخلق ~~لأنه أثبت للعباد خلقا، فقال سبحانه: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. والفرق أنك تخلق من موجود، أما الحق سبحانه فيخلق من ~~العدم، فأنت توجد الثوب من القطن مثلا، وكوب الزجاج من الرمل، ~~والمحراث من الحديد.. إلخ فأوجدت معدوما عن موجود سابق، أما الخالق ~~سبحانه فأوجد معدوما عن لا موجود. وسبق أن أوضحنا أن صنعة البشر تجمد ~~على حالها، فالسكين مثلا يظل سكينا فلا يكبر، حتى يصير ساطورا مثلا، ~~والكوب لا يلد لنا أكوابا أخرى. لكن خلقة الله سبحانه لها صفة النمو ~~والحياة والتكاثر.. إلخ لذلك أنصفك الله فوصفك بأنك خالق، لكن هو سبحانه ~~أحسن الخالقين. إذن: الحق سبحانه لا يعيب على هؤلاء أنهم يخلقون، إنما ~~يعيب عليهم أن يخلقوا إفكا وكذبا. # ثم يقول سبحانه: { إن الذين تعبدون من دون الله لا ~~يملكون لكم ms7420 رزقا فابتغوا عند الله الرزق.. } ~~[العنكبوت: 17] في موضع آخر بين لهم الحق سبحانه أنهم يعبدون آلهة لا ~~تضر ولا تنفع، وهنا يذكر مسألة مهمة هي استبقاء الحياة للإنسان بالقوت ~~الذي نسميه الرزق، فهذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله لا تملك لكم ~~رزقا، ولو امتنع عنكم المطر وأجدبت الأرض لمتم من الجوع. إذن: كان ~~عليكم أن تتأملوا: من أين تأتي مقومات حياتكم، ومن صاحب الفضل فيها، ~~فتتوجهون إليه بالعبادة والطاعة، كما نقول في المثل اللي ياكل لقمتي ~~يسمع كلمتي إنما أطعمك وتسمع لغيري؟!! والرزق هو الشغل الشاغل عند ~~الناس، ففي أول الأمر كلنا يجتهد لنأكل ونشرب ونعيش، فلما تتحسن الأمور ~~نرغب في التخزين للمستقبل، فالموظف مثلا يدخر لشهر، والزارع يدخر للعام ~~كله. ومن أعاجيب هذه المسألة أنك تجد الإنسان والفأر والنمل هم الوحيدون ~~بين مخلوقات الله التي تدخر للمستقبل، أما بقية الحيوانات فتأخذ حاجتها ~~من الطعام فقط، وتترك الباقي دون أن تهتم بهذه المسألة، أو تشغل ~~برزق غد أبدا، لا يأكل أكثر من طاقته، ولا يدخر شيئا لغده. لذلك ~~يذكر الله عباده بمسألة الرزق لأهميتها في حياتهم، ومن عجيب أمر الرزق ~~أنه أعرف بمكانك وعنوانك، منك بمكانه وعنوانه، فإن قسم لك الرزق ~~جاءك يطرق عليك الباب، وإن حرمت منه أعياك طلبه. ومن أوضح الأمثلة على ~~أن الرزق مقسوم مقدر من الله لكل منا أن المرأة حين تحمل يمتنع عنها ~~الحيض الذي كان يأتيها بشكل دوري قبل الحمل، فأين ذهب هذا الدم؟ هذا ~~الدم هو رزق الجنين في بطن أمه لا يأخذه ولا يستفيد به غيره حتى الأم. ~~فإن قدر الجنين تحول هذا الدم إلى غذاء له خاصة، فإن لم يقدر ~~للأم أن تحمل نزل منها هذا الدم على صورة كريهة، لا بد من التخلص منه ~~لأنه ضار بالأم إن بقي لا بد من نزوله، لأنه ليس رزقها هي، بل رزق ~~ولدها في أحشائها، ولو لم يكن هذا الدم رزقا للجنين لكانت الأم تضعف ~~كلما تكررت لها عملية نزول الدم بهذه ms7421 الصورة الدورية. إذن: لكل منا ~~رزق لا يأخذه غيره. لذلك يقول أحد الصالحين: عجبت لابن آدم يسعى فيما ~~ضمن له ويترك ما طلب منه. فربك قد ضمن لك رزقك فانظر إلى ما طلب ~~منك، واشغل نفسك بمراد الله فيك لذلك نتعجب من هؤلاء المتسولين الذين كنا ~~نراهم مثلا في مواسم الحج، وشرهم من يعرضون عاهاتهم وعاهات أبنائهم ~~على الناس يتسولون بها، وكأنهم يشتكون الخالق للخلق، ويتبرمون بقضاء ~~الله، والله تعالى لا يحب أن يشكوه عبده لخلقه. # والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا بليتم فاستتروا " # ووالله لو ستر أصحاب البلاء بلاءهم، وقعدوا في بيوتهم لساق الله إليهم ~~أرزاقهم إلى أبوابهم. إذن: الرزق مضمون من الله لذلك يمتن به على عباده ~~وينفيه عن هذه الآلهة الباطلة { لا يملكون لكم رزقا ~~فابتغوا عند الله الرزق.. } [العنكبوت: 17] ثم يقول ~~سبحانه: { واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون } ~~[العنكبوت: 17] فإن لم تعبدوه لأنه يرزقكم ويطعمكم، فاعبدوه لأن مرجعكم ~~إليه ووقوفكم بين يديه. وكان يكفي أن نعمه عليكم مقدمة على تكليفه ~~لكم، لقد تركك تربع في نعمه دون أن يكلفك شيئا، إلى أن بلغت سن ~~الرشد، وهي سن النضج والبلوغ والقدرة على إنجاب مثلك، ثم بعد ذلك ~~تقابل تكليفه لك بالجحود؟ إن عبادة الله وطاعته لو لم تكن إلا شكرا له ~~سبحانه على ما قدمه لك لكانت واجبة عليك. وقوله تعالى: { واشكروا ~~له... } [العنكبوت: 17] لأن ربكم عز وجل يريد أن يزيدكم، فجعل الشكر ~~على النعمة مفتاحا لهذه الزيادة، فقال سبحانه: # لئن شكرتم لأزيدنكم.. # [إبراهيم: 7] فربك ينتظر منك كلمة الشكر، مجرد أن تستقبل النعمة بقولك ~~الحمد لله فقد وجبت لك الزيادة. حتى أن بعض العارفين يرى أن الحمد لا ~~يكون على نعم الله التي لا تعد ولا تحصى فحسب، إنما يكون الحمد ~~لله على أنه لا إله إلا الله، وإلا لو كان هناك إله آخر لحرنا بينهما ~~أيهما نتبع، فالوحدانية من أعظم نعم الواحد سبحانه التي تستوجب الشكر. ~~وقد أعطانا الحق سبحانه مثلا لهذه المسألة بقوله سبحانه: # ضرب ms7422 الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون.. # [الزمر: 29] يعني: مملوك لشركاء مختلفين، وليتهم متفقون # ورجلا سلما لرجل.. # [الزمر: 29] أي: ملك لسيد واحد # هل يستويان مثلا.. # [الزمر: 29] فكذلك الموحد لله، والمشرك به. ولذلك يقول بعض الصالحين ~~في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم.. # [البقرة: 172] فاللص الذي يأكل من الحرام يأكل رزقه، فهو رزقه لكنه من ~~الحرام، ولو صبر على السرقة لأكله من الحلال ولساقه الله إليه. فالمعنى ~~أن الله خلقكم ورزقكم، ولا يعني هذا أن تفلتوا منه، فإن لم تراعوا ~~الجميل السابق فخافوا مما هو آت. ### || [29.18] # قوله تعالى: { وإن تكذبوا.. } [العنكبوت: 18] أي: ما قلنا لكم ~~وما جاءكم به رسولنا لأن تصديقه سيدخلكم مدخل التكليف، ويحملكم مشقة ~~المنهج، وسيضيق عليكم منطقة الاختيار، والحق سبحانه قد شرفك حين ~~أعطاك حرية الاختيار، في حين أن الكون كله لا اختيار له لأنه تنازل عن ~~اختياره لاختيار ربه. كما قال سبحانه: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. فالكون كله مسخر يؤدي مهمته، كما يقول سبحانه: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده.. # [الإسراء: 44]. وقال سبحانه: # ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب.. # [الحج: 18] فالقاعدة عامة، لا استثناء فيها، إلا عند الإنسان، فمنهم ~~الطائع ومنهم العاصي. فالمعنى: { وإن تكذبوا.. } [العنكبوت: 18] ~~فلستم بدعا في التكذيب { فقد كذب أمم من قبلكم.. } ~~[العنكبوت: 18] لكن يجب عليكم أن تتنبهوا إلى ما صنع بالأمم المكذبة، ~~وكيف كانت عاقبتهم، فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، هذه هي المسألة التي ~~ينبغي عليكم التنبه لها. وهنا وقف بعض المتمحكين يقول: كيف يقول القرآن ~~في خطاب قوم إبراهيم { وإن تكذبوا فقد كذب أمم من ~~قبلكم.. } [العنكبوت: 18] مع أنه لم يسبقهم إلا أمة واحدة هي أمة ~~نوح عليه السلام؟ يظنون أنهم وجدوا مأخذا على القرآن. ونقول: نعم، كانت ~~أمة نوح هي أمة الرسالة المقصودة ms7423 بالإيمان، لكن جاء قبلها آدم وشيث ~~وإدريس، وكانوا جميعا في أمم سابقة على إبراهيم، أو نقول: لأن مدة بقاء ~~نوح في قومه طالت حتى أخذت ألف سنة من عمر الزمان، وهذه الفترة تشمل ~~قرابة العشرة أجيال، والجيل - كما قالوا - مائة سنة، كل منها أمة ~~بذاتها. ثم يقول تعالى: { وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين } [العنكبوت: 18] فمهمته مجرد البلاغ. يؤمن به من يؤمن، ~~ويكفر من يكفر، الرسول لن نعطيه مكافأة أو عمولة على كل من يؤمن به، ~~فإياكم أن تظنوا أنكم بكفركم تقللون من مكافأة النبي - خاصة وقد ~~كانوا كارهين له - فالمعنى: علي البلاغ فحسب، وقد بلغت فسآخذ جزائي ~~وأجري من ربي، فأنتم لا تكيدونني بكفركم، بل تكيدون أنفسكم. لذلك كان ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يحزن أشد الحزن، ويألم إن تفلت من يده ~~واحد من أمته فكفر، حتى خاطبه ربه: # ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء.. # [البقرة: 272]. وخاطبه بقوله: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. وحين نزل عليه صلى الله عليه وسلم: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 1-5] انتهز النبي هذه الفرصة ودعا ربه: إذن لا أرضى وواحد من ~~أمتي في النار ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم محب لأمته، حريص عليهم، ~~رؤوف رحيم بهم: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. ووصف الحق سبحانه البلاغ بأنه مبين، أي: واضح ظاهر لأن ~~من البلاغ ما يكون مجرد عرض للمسألة دون تأكيد وإظهار للحجة التي تؤيد ~~البلاغ. ثم يقول الحق سبحانه: { أولم يروا كيف يبدئ ~~الله الخلق... }. ### || [29.19] # الخطاب هنا موجه إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم: هؤلاء الذين كذبوا ~~من قبل، وأنتم الذين تكذبون الآن، فأين عقولكم؟ لو استعملتم عقولكم في ~~تأمل الكون الذي تعيشون فيه، والذي طرأتم عليه، وقد أعد لكم بكل ~~مقومات حياتكم. { أولم يروا كيف يبدئ الله ~~الخلق.. } [العنكبوت: 19] ويرى ms7424 هنا بمعنى يعلم، كما في قوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1] أي: ألم تعلم لأن رسول الله لم ير حادثة الفيل، وعدل عن ~~تعلم إلى ترى ليلفت أنظارنا إلى أن إخبار الله تعالى لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم أوثق له من رؤيته بعينه. ومن ذلك قول الصديق أبي بكر لما ~~سمع بحادث الإسراء والمعراج قال: " إن كان قال فقد صدق ". والهمزة في { ~~أولم يروا.. } [العنكبوت: 19] استفهام للتقرير، كما تقول لولدك: ~~ألم تر إلى فلان الذي أهمل دروسه، تريد أن تنكر عليه أن يهمل هو ~~أيضا، فتقرره بعاقبة الإهمال، وتدعه ينطقه بلسانه، فيقول لك: الذي أهمل ~~دروسه رسب. وكما تقول لمن أنكر جميلك: ألم أحسن إليك بكذا وكذا، ~~فيقر بها هو بدل أن تعددها له أنت، فهذا أبلغ في الاعتراف. فساعة يأتي ~~بعد الهمزة نفي يسمونه استفهاما إنكاريا، تنكر ما هم عليه، وتريد أن ~~تقررهم بما يقابله. والنفي بعد الإنكار نفي للنفي، ونفي النفي إثبات. ~~فالمعنى: أيكذبون ولم يروا ما حدث للأمم المكذبة من قبل؟ أيكذبون ~~ولم يروا آيات الله، وقدرته شائعة في الوجود كله؟ لقد كان عليهم أن ~~ينظروا نظرة اعتبار ليعلموا من خلق هذا الخلق، وإنك لو سألتهم: من ~~خلق هذا الكون لا يجدون جوابا، ولا يملكون إلا أن يقولوا: الله، كما ~~حكى القرآن: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله.. # [لقمان: 25]. لكن، كيف يقرون بهذه الحقيقة ويعترفون بها، مع أنهم ~~كافرون بالله؟ قالوا: لأنها مسألة أظهر من أن ينكرها منكر، فكل صاحب ~~صنعة مهما كانت ضئيلة يفخر بها وينسبها إلى نفسه، بل وينسب إلى نفسه ما ~~لم يصنع، فما بالك بكون أعد بهذه الدقة وبهذه العظمة، ولم يدعه ~~أحد لنفسه؟ والدعوى تثبت لصاحبها ما لم يقم لها معارض. لذلك قلنا: إن ~~الحق سبحانه قبل أن يقول لا إله إلا أنا، وقبل أن يطلبها منا شهد بها ~~لنفسه تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18] لأن هذه الشهادة هي التي ستجعله ms7425 يقول للشيء: كن فيكون، ~~ولو لم يكن يؤمن بأنه إله ما قالها. والحق سبحانه يقول: { أولم ~~يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده.. } ~~[العنكبوت: 19] كيف ونحن لم نر الإعادة، فضلا عن رؤيتنا للبدء؟ قالوا: ~~نرى البدء والإعادة في مظاهر الوجود من حولنا، فنراها في الزرع مثلا، ~~وكيف أن الله تعالى يحيي الأرض بالنبات، ثم يأتي وقت الحصاد فيحصد ~~ويتناثر منه الحب أو البذور التي تعيد الدورة من جديد. # والوردة تجد فيها رطوبة ونضارة وألوانا بديعة ورائحة زكية، فإذا ~~قطفت تبخر منها الماء، فجفت وتفتتت، وذهبت رائحتها في الجو، ثم ~~تخلفها وردة أخرى جديدة، وهكذا. انظر مثلا إلى دورة الماء في الكون: هل ~~زادت كمية الماء التي خلقها الله في الكون حين أعده لحياة الإنسان منذ ~~خلق آدم وحواء؟ الماء هو هو حتى الآن، مع ما حدث من زيادة في عدد السكان ~~لأن عناصر الكون هي هي منذ خلقها الله، لكن لها دورة تسير فيها بين بدء ~~وإعادة. واقرأ إن شئت قوله تعالى: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 9-10]. فكأن قوت العالم من الزرع وغيره معد منذ بدء ~~الخليقة، وإلى أن تقوم الساعة لا يزيد، لكنه يدور في دورة طبيعية. ثم ~~يقول سبحانه: { إن ذلك على الله يسير } [العنكبوت: 19] ~~أيهما: الخلق أم الإعادة؟ أما الخلق فقد أقروا به، ولا جدال فيه، ~~إذن: فالكلام عن الإعادة، وهل الذي خلق من عدم يعجز عن إعادة ما خلق؟ ~~الخلق الأول من عدم، أما الإعادة فمن موجود، فأيهما أهون في عرفكم ~~وحسب منطقكم؟ لذلك يقول سبحانه: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه.. # [الروم: 27] مع أن الحق سبحانه لا يقال في حقه: هذا هين، وهذا ~~أهون لكنه سبحانه يخاطبنا بما تفهمه عقولنا. ثم يخاطب الحق سبحانه محمدا ~~صلى الله عليه وسلم: { قل سيروا في الأرض فانظروا... }. ### || [29.20] # السير: الانتقال من مكان إلى مكان، ms7426 لكن نحن نسير في الأرض أم على الأرض؟ ~~الحقيقة أننا كما قال سبحانه { قل سيروا في الأرض.. } ~~[العنكبوت: 20] أي: نسير فيها لأن الغلاف الجوي المحيط بالأرض من الأرض، ~~فبدونه لا تستقيم الحياة عليها، إذن: حين تسير تسير في الأرض فهي تحتك، ~~وغلافها الجوي فوقك، فكأنك بداخلها. والعلة في السير { فانظروا ~~كيف بدأ الخلق.. } [العنكبوت: 20] وفي آية أخرى # ثم انظروا.. # [الأنعام: 11] لأن السير من أرض لأخرى له دافعان: إما للسياحة والتأمل ~~والاعتبار، وإما للتجارة والاستثمار، إن ضاق رزقك في بلادك. فقوله: { ~~قل سيروا في الأرض فانظروا.. } [العنكبوت: 20] أي: نظر ~~اعتبار وتأمل. أما في # ثم انظروا.. # [الأنعام: 11] فثم تفيد العطف والتراخي، كأنه سبحانه يقول لنا: سيروا في ~~الأرض للاستثمار، ثم انظروا نظرة التأمل والاعتبار، ولا مانع من الجمع ~~بين الغرضين. وتذكرون أن الحق سبحانه قال في السورة السابقة القصص: # إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك إلى معاد.. # [القصص: 85] والمراد بذلك الهجرة، وفي هذه السورة تأتي: # يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي ~~فاعبدون # [العنكبوت: 56]. والمعنى: إن ضاق رزقك في مكان فاطلبه في مكان آخر، أو: ~~إن لم تكن الآيات الظاهرة لك كافية لتشبع عندك الرغبة في الاعتبار ~~والتأمل فسر في الأرض، فسوف تجد فيها كثيرا من الآيات والعبر في ~~اختلاف الأجناس والبيئات والثمار والأجواء.. إلخ. لذلك يقول سبحانه: # ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها.. # [النساء: 97]. فالأرض كلها لله لا حدود فيها، ولا فواصل بينها، فلما ~~قسمها الناس وجعلوا لها حدودا تمنع الحركة فيها حدثت كثير من ~~الإشكالات، وصعب على الناس التنقل للسياحة أو لطلب الرزق إن ضاق بأحد ~~رزقه. وها هي السودان بجوارنا بها مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة التي ~~إن زرعت سدت حاجة العالم العربي كله، أنستطيع الذهاب لزراعتها؟ ~~ساعتها سيقولون: جاءوا ليستعمرونا. لذلك لما أتيح لي التحدث في هيئة ~~الأمم قلت: إنه لا يمكن أن تحل قضايا العالم الراهنة إلا إذا طبقنا ~~مبدأ الخالق - عز وجل - وعدنا إلى منهجه الذي وضعه لتنظيم حياتنا، وكيف ~~نضع بيننا هذه الحدود الحديدية ms7427 والأسلاك الشائكة، وربنا يقول: # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10]. فالأرض كل الأرض للأنام كل الأنام، ويوم نحقق هذا ~~المبدأ فلن يضيق الرزق بأحد، لأنه إن ضاق بك هنا طلبته هناك لذلك أكثر ~~الشكوى في عالم اليوم إما من أرض بلا رجال، أو من رجال بلا أرض، فلماذا ~~لا نحدث التكامل الذي أراده الله في كونه؟ إذن: فالسير هنا مترتب عليه ~~الاعتبار { كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة ~~الآخرة.. } [العنكبوت: 20] وما دمنا قد آمنا بأن الله تعالى هو ~~الخالق بداية، فإعادة الخلق أهون، كما قال سبحانه: # أفعيينا بالخلق الأول.. # [ق: 15] فيشكوا في الخلق الآخر؟ لذلك يؤكد الخالق سبحانه هذه القدرة ~~بقوله: { إن الله على كل شيء قدير } [العنكبوت: 20]. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { يعذب من يشآء... }. ### || [29.21] # لماذا بدأ الحق سبحانه هنا بذكر العذاب؟ في حين قدم المغفرة في آية ~~أخرى: # يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء.. # [المائدة: 18]. قالوا: لأن الكلام هنا عن المكذبين المعرضين وعن ~~الكافرين، فناسب أن يبدأ معهم بذكر العذاب { يعذب من يشآء ~~ويرحم من يشآء.. } [العنكبوت: 21] فإن قلت: فلماذا يذكر ~~الرحمة مع الكافرين بعد أن هددهم بالعذاب؟ نقول: لأنه رب يهدد عباده ~~أولا بالعذاب ليرتدعوا وليؤمنوا، ثم يلوح لهم برحمته سبحانه ~~ليرغبهم في طاعته ويلفتهم إلى الإيمان به. وقد صح في الحديث ~~القدسي: # " رحمتي سبقت غضبي " # ففي الوقت الذي يهدد فيه بالعذاب يلوح لعباده حتى الكافرين بأن ~~رحمته تعالى سبقت غضبه. وقوله سبحانه: { وإليه تقلبون } ~~[العنكبوت: 21] أي: ترجعون، وجاء بصيغة تقلبون الدالة على الغصب ~~والانقياد عنوة ليقول لهم: مهما بلغ بكم الطغيان والجبروت والتعالي ~~بنعم الله، فلا بد لكم من الرجوع إليه، والمثول بين يديه، فتذكروا ~~هذه المسألة جيدا، حيث لا مهرب لكم منها لذلك كان مناسبا أن يقول ~~بعدها: { ومآ أنتم بمعجزين في الأرض... }. ### || [29.22] # معجزين: جمع معجز، وهو الذي يعجز غيره، تقول: أعجزت فلانا يعني: ~~جعلته عاجزا، والمعنى أنكم لن تفلتوا من الله، ولن تتأبوا عليه، حين ~~يريدكم للوقوف بين يديه، بل تأتون صاغرين. ونلحظ هنا ms7428 أن الحق سبحانه قال: ~~{ ومآ أنتم بمعجزين.. } [العنكبوت: 22] ولم يقل مثلا: لن ~~تعجزوني حين أطلبكم لأن نفي الفعل غير نفي الوصف، فحين تقول مثلا: أنت ~~لا تخيط لي ثوبا، فهذا يعني أنه يستطيع أن يخيط لك ثوبا لكنه لا يريد، ~~فالقدرة موجودة لكن ينقصها الرضا بمزاولة الفعل، إنما حين تقول: أنت لست ~~بخائط فقد نفيت عنه أصل المسألة. لذلك لم ينف عنهم الفعل حتى لا نتوهم ~~إمكانية حدوثه منهم، فالهرب والإفلات من لقاء الله في الآخرة أمر غير ~~وارد على الذهن أصلا، إنما نفى عنهم الوصف من أساسه { ومآ أنتم ~~بمعجزين في الأرض ولا في السمآء.. } [العنكبوت: 22]. ثم ~~يقول سبحانه: { وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير } [العنكبوت: 22] حتى لا يقول قائل: إن كانوا هم غير معجزين، ~~فقد يكون وراءهم من يعجز الله، أو وراءهم من يشفع لهم، أو يدافع ~~عنهم، فنفى هذه أيضا لأنه سبحانه لا يعجزه أحد، ولا يعجزه شيء. لذلك ~~خاطبهم بقوله: # ما لكم لا تناصرون # [الصافات: 25] أين الفتوات الأقوياء ينصرونكم؟ فنفى عنهم الولي، ونفى ~~عنهم النصير لأن هناك فرقا بينهما: الولي هو الذي يقرب منك بمودة ~~وحب، وهذا يستطيع أن ينصرك لكن بالحسنى وبالسياسة، ويشفع لك إن ~~احتجت إلى شفاعته، أما النصير فهو الذي ينصرك بالقوة و الفتونة. وهكذا ~~نفى عنهم القدرة على الإعجاز، ونفى عنهم الولي والنصير، لكن ذكر { من ~~دون الله.. } [العنكبوت: 22] يعني: من الممكن أن يكون لهم ولي ~~ونصير من الله تعالى، فإن أرادوا الولي الحق والنصير الحق فليؤمنوا بي، ~~فأنا وليهم وأنا نصيرهم. وكأنه سبحانه يقول لهم: إن تبتم ورجعتم عما ~~كنتم فيه من الكفر واعتذرتم عما كان منكم، فأنا وليكم وأنا نصيركم. وفي ~~موضع آخر قال: # وما لكم من ناصرين # [العنكبوت: 25] ولم يقل من دون الله لأن الموقف في الآخرة، والآخرة لا ~~توبة فيها ولا اعتذار ولا رجوع، فقوله { من دون الله.. } ~~[العنكبوت: 22] لا تكون إلا في الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~والذين كفروا بآيات... }. ### || [29.23] # فإن أصر الكافر ms7429 على كفره وعبادته للأصنام التي لا تنفع ولا تضر، ~~ولم تجد معه موعظة ولا تذكير فلا ملجأ له ولا منفذ له إلى رحمة الله ~~لأنه عبد أولياء لا ينفعونه بشيء وكفر بي، فليس له من يحميه مني، ولا ~~من ينصره من الأصنام التي عبدها، فليس له إلا اليأس. واليأس: قطع ~~الرجاء من الأمر، وقد قطع رجاء الكافرين لأنهم عبدوا ما لا ينفع ولا يضر، ~~وكفروا بمن بيده النفع، وبيده الضر. وقلنا: إن المراد بآيات الله إما ~~الآيات الكونية التي تثبت قدرة الله، وتلفت إلى حكمة الخالق - عز وجل - ~~كالليل والنهار والشمس والقمر، أو آيات المعجزات التي تصاحب الرسل ~~ليؤيدهم الله بها ويظهر صدقهم في البلاغ عن الله فكفروا بآيات القرآن ~~الحاملة للأحكام. وقد كفر هؤلاء بكل هذه الآيات، فلم يصدقوا منها ~~شيئا، وما داموا قد كفروا بهذه الآيات، وكفروا أيضا بلقاء الله في ~~الآخرة فرحمة الله بعيدة عنهم، وهم يائسون منها. لذلك كانت عاقبتهم { ~~وأولئك لهم عذاب أليم } [العنكبوت: 23] ثم يقول الحق ~~سبحانه: { فما كان جواب قومه إلا أن... }. ### || [29.24] # كنا ننتظر منهم جوابا منطقيا، بعد أن دعاهم إلى عبادة الله وحده لا ~~شريك له، وبين لهم بطلان عبادة آلهتهم، وأنها لا تضر ولا تنفع، كان ~~عليهم أن يجادلوه، وأن يدافعوا عن آلهتهم، وأن يظهروا حجتهم في ~~عبادتهم. إنما يأتي جوابهم دالا على إفلاسهم { فما كان جواب ~~قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه.. } [العنكبوت: ~~24] أهذا جواب على ما قيل لكم؟ إنه مجرد هروب من المواجهة، وإفلاس في ~~الحجة، إنه جواب من لم يجد جوابا، وليس لديه إلا التهديد والتلويح ~~بالقوة وبالبطش، فهذه لغة من لا حجة عنده. لكن، لماذا سماه القرآن ~~جوابا؟ قالوا: لأنهم لو لم يتكلموا بهذا الكلام لقيل عنهم أنهم لم ~~يلتفتوا إلى كلام نبيهم ولم يأبهوا به، وأن كلامه لا وزن له، ولا يرد ~~عليه، فإن كان كلامهم لا يعد جوابا فهو في صورة الجواب، وإن كان ~~جوابا فاسدا. وقولهم: { اقتلوه.. } [العنكبوت: 24] نعلم أن القتل ~~هو ms7430 هدم البنية هدما يتبعه خروج الروح لأنها لا تجد بنية سليمة تسكنها، ~~أما الموت فتخرج الروح أولا، ثم تهدم البنية حين تتحلل في التراب، إذن: ~~فهما سواء في أنهما هلاك. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بلمبة الكهرباء ~~التي تضيء، فالكهرباء لا توجد في اللمبة، إنما في شيء خارج عنها، لكن ~~يظهر أثر الكهرباء في اللمبة إن كانت سليمة صالحة لاستقبال التيار، فإن ~~كسرتها فلا تجد فيها أثرا للكهرباء ولا تضيء، وقد تمنع عنها الكهرباء ~~وهي سليمة. ثم قالوا { أو حرقوه.. } [العنكبوت: 24] وهل التحريق ~~بعد القتل يعد ارتقاء في العقوبة؟ لا شك أن القتل أبلغ من التحريق، ~~فقد يحرق شخص، وتتم نجدته وإسعافه فلا يموت، فالقتل تأكيد للموت، أما ~~التحريق فلا يعني بالضرورة الموت، فلماذا لم يقولوا فقط اقتلوه وتنتهي ~~المسألة، أو يصعدوا العقوبة فيقولوا: حرقوه أو اقتلوه؟ إنهم بدأوا ~~بأقصى ما عندهم من عقوبة لشدة حنقهم عليه فقالوا { اقتلوه.. } ~~[العنكبوت: 24] ثم تراءى لهم رأي آخر: ولماذا لا نحرقه بالنار، فربما ~~يعود ويرجع عن دعوته حينما يجد ألم التحريق، وهذا يعد كسبا لهم، ~~وتحسب الجولة لصالحهم. لكن من الذي قال { اقتلوه.. } [العنكبوت: ~~24]؟ من الآمر بالقتل، ومن المأمور؟ لقد اتفقوا جميعا على قتله، ~~فالآمر والمأمور سواء، وهذا واضح من الآية: { فما كان جواب ~~قومه.. } [العنكبوت: 24] فالقوم جميعا تواطئوا على هذه المسألة. أو ~~أن الآمر هم رؤساء القوم وكبارهم الذين يأتمر الناس بأمرهم، أما التنفيذ ~~فمهمة الأتباع. ونحن نرى ثورة الجمهور وانفعاله حينما تقع جريمة مثلا، ~~فالكل يغضب ويقول: اقتلوه، اسجنوه، فكلهم قائل، وكلهم مقول له. # ثم يقول سبحانه { فأنجاه الله من النار.. } [العنكبوت: 24] ~~وهنا يعترض الفلاسفة: كيف والنار من طبيعتها الإحراق؟ كيف يتخلف هذا ~~القانون؟ لكن كيف تكون معجزة إن لم تأت على هذه الصورة؟ إن الحق ~~سبحانه خلق الخلق وجعل فيه نواميس تفعل فعلها وتؤدي مهمتها تلقائيا، ~~فالأرض مثلا حينما تحرثها، وتلقى فيها الحب، ثم ترويها، الناموس أن ~~تنبت، وحتى لا يظن ظان أن الكون إنما يسير على وفق هذه النواميس، ms7431 لا ~~وفق قدرة الله نجد أنه سبحانه يخرق هذه النواميس ليثبت لنا قيوميته ~~على خلقه وطلاقة قدرته فيه. لذلك إن لم يكن لك رزق في حرثك هذا، فلا ~~ينبت النبات، أو ينبت ثم تصيبه آفة أو إعصار فيهلكه قبل استوائه. إذن: ~~فالمسألة قيومية لله تعالى وليست ميكانيكا. وقد خرق الله نواميس الكون ~~لموسى - عليه السلام - حينما ضرب البحر، فصار كل فرق كالطود العظيم، ~~وتحولت سيولة الماء إلى جبل صلب. وخرق نواميس الكون لإبراهيم حينما قال ~~للنار: # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. وخرق النواميس ليثبت الإعجاز، وليثبت أن يد الله تعالى ~~لا تزال مسيطرة على ملكه سبحانه، لا أنه خلق النواميس وتركها تعمل في ~~الكون دون تدخل منه سبحانه كما يقول الفلاسفة، فالحق سبحانه خلق ~~النواميس لتفعل، ولكن قيوميته تعالى وقدرته تعطل النواميس. { ~~فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون } [العنكبوت: 24] ونذكر في قصة السفينة أن الله تعالى قال ~~عنها: # وجعلناهآ آية للعالمين # [العنكبوت: 15] آية وهنا قال { لآيات.. } [العنكبوت: 24] وهناك قال # للعالمين # [العنكبوت: 15] وهنا قال: { لقوم يؤمنون } [العنكبوت: 24] ~~فالاختلاف إذن بين السياقين في أمرين: قال في السفينة # آية.. # [العنكبوت: 15] لأن العجيب في أمر السفينة ليس في صناعتها، فمن رآها ~~يمكن أن يصنع مثلها، إنما الآية فيها أن الله تعالى أعلمه بها قبل ~~الحاجة إليها، ثم منع عنها الزوابع والأعاصير أن تلعب بها وتغرق ركابها. ~~أما في مسألة الإحراق فعجائب كثيرة وآيات شتى، فكان من الممكن ألا ~~يمكنهم الله منه، وكان من الممكن بعد أن أمسكوا به وألقوه في النار أن ~~ينزل الله مطرا يطفىء نارهم وينجو إبراهيم، أو يسخر له من القوم أهل ~~رأفة ورحمة ينقذونه من الإلقاء في النار. لكن لم يحدث شيء من هذا، حيث ~~أمكنهم الله منه حتى ألقوه في النار وهي مشتعلة، وهو موثق بالحبال، ومع ~~ذلك لم تصبه النار بسوء، وظهرت الآيات بينات واضحات أمام أعين الجميع. ~~الأمر الآخر: قال هناك # للعالمين # [العنكبوت: 15] لأن السفينة حينما رست ونجا ركابها ظلت ms7432 السفينة ~~باقية في مكانها يراها الناس جميعا ويتأملونها، فقد كان لها أثر باق ~~قائم مشاهد. أما في مسألة إبراهيم - عليه السلام - فقال { لقوم ~~يؤمنون } [العنكبوت: 24] لأن نجاة إبراهيم - عليه السلام - كانت ~~عبرة لمن شاهدها فقط، ونحن نؤمن بها لأن الله أخبرنا بها، ونحن مؤمنون ~~بالله، فهي آيات للمؤمنين بالله لا للعالمين. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا... }. ### || [29.25] # المعنى: إن كنتم لم تؤمنوا بالآيات الكونية الدالة على قدرة الله، ولم ~~تؤمنوا بالمعجزة التي رأيتموها حين نجاني ربي من النار، وكان عليكم أن ~~تؤمنوا بأنه لا يقدر على ذلك إلا الله، فلماذا إصراركم على الكفر؟ فلا ~~بد أنكم كفرتم بالله وعبدتم الأصنام، لا لأنكم مقتنعون بعبادتها، ولا ~~لأنها تستحق العبادة، إنما عبدتموها { مودة بينكم في ~~الحياة الدنيا.. } [العنكبوت: 25] يعني: نفاقا ينافق به بعضكم ~~بعضا ومجاملة لأنكم رأيتم رؤوس القوم فيكم يعبدونها فقلدتموهم دون ~~اقتناع منكم بما تعبدون، أو مودة لآبائكم الأولين، وسيرا على نهجهم، ~~كما حكى القرآن: # إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون # [الزخرف: 23]. وفي آية أخرى # قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ.. # [المائدة: 104]. لكن هذه المودة وهذه المجاملة وهذا النفاق عمرها الحياة ~~الدنيا فحسب، وفي الآخرة ستتقطع بينكم هذه المودات: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو.. # [الزخرف: 67] يعني: ستنقلب هذه المودة وهذه المجاملة إلى عداوة، بل وإلى ~~معركة حكاها القرآن: # ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا.. # [فصلت: 29]. وقال: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب # [البقرة: 166]. ويقرر هنا أيضا هذه الحقيقة: { ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين } ~~[العنكبوت: 25] ذلك لأن المقدمات التي سبقت كانت تقتضي أن يؤمنوا، فما ~~كان منهم إلا الإصرار على الكفر. وفي الوقت الذي تنقلب فيه مودة الكافرين ~~عداوة تنقلب عداوة المؤمنين الذين تعاونوا على الطاعة إلى حب ومودة، ~~فيقول المؤمن لأخيه الذي جره إلى الطاعة وحمله عليها - على كره منه ~~وضيق ms7433 - جزاك الله خيرا لقد أنقذتني. ولا ينتهي الأمر عند هذه العقوبة ~~التي يوقعونها بأنفسهم من التبرؤ واللعن، بل ينصرفون إلى عقوبة أشد { ~~ومأواكم النار وما لكم من ناصرين } [العنكبوت: 25] ~~ونلحظ هنا أن الحق سبحانه لم يقل: وما لكم من دون الله لأن الكلام في ~~الآخرة حيث لا توبة لهم ولا رجوع، فقد انتفى أن يكون لهم ولي أو نصير ~~من الله. كذلك لا ناصر لهم من أوليائهم الذين عبدوهم من دون الله حيث ~~يطلبون النصرة من أحجار وأصنام، لا تنطق ولا تجيب. وهكذا تنتهي هذه ~~اللقطة السريعة من قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وله تاريخ طويل، ~~وهو شيخ المرسلين وأبو الأنبياء، وإن أردت أن تحكي قصته لأخذت منك ~~وقتا طويلا، ويكفي أن الله تعالى قال عنه: # إن إبراهيم كان أمة.. # [النحل: 120]. ثم يقول الحق سبحانه: { فآمن له لوط وقال ~~إني مهاجر... }. ### || [29.26] # أي: أن قوم إبراهيم - عليه السلام - ظلوا على كفرهم، والذي آمن به لوط - ~~عليه السلام - وكان ابن أخيه، وكانوا في العراق، ثم سينتقلون بعد ذلك إلى ~~الشام. وكلمة { فآمن له.. } [العنكبوت: 26] حين نتتبع كلمة آمن في ~~القرآن الكريم نجد أنها تدور حول الأمن والطمأنينة والراحة والهدوء، ~~لكنها تختلف في المدلولات حسب اختلاف موقعها الإعرابي، فهنا { فآمن ~~له.. } [العنكبوت: 26] وهل يؤمن لوط لإبراهيم؟ والإيمان كما نقول يؤمن ~~بالله فما دام السياق { فآمن له.. } [العنكبوت: 26] فلا بد أن ~~المعنى مختلف، ولا يقصد هنا الإيمان بالله. ومعنى آمن هنا كما في قوله ~~تعالى عن قريش: # وآمنهم من خوف # [قريش: 4] فالفعل هنا متعد، فالذي آمن الله، آمن قريشا من الخوف. ~~وكذلك في قوله تعالى: # هل آمنكم عليه.. # [يوسف: 64] ومعنى { فآمن له.. } [العنكبوت: 26] أي: صدقه. ومنه ~~قوله تعالى: # ومآ أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين # [يوسف: 17] أي: بمصدق، أما آمنت بالله: اعتقدت وجوده بصفات الكمال ~~المطلق فيه سبحانه. ولوط لا يصدق بإبراهيم، إلا إذا كان مؤمنا بإله ~~أرسله، فكأنه آمن بالله ثم صدقه فيما جاء به وقصة لوط عليه السلام لها ~~موضع آخر ms7434 فصلت فيه، إنما جاء ذكره هنا لأنه حصيلة الصفقة الجدلية ~~والجهادية بين إبراهيم وقومه، فبعد أن دعاهم إلى الله ما آمن له إلا لوط ~~ابن أخيه. وأذكر أن الشيخ موسى - رحمه الله عليه - وكان يدرس لنا ~~التفسير، وجاءت قصة لوط عليه السلام فقلت له: لماذا ننسب رذيلة قوم لوط ~~إليه فنقول: لوطي. وما جاء لوط إلا ليحارب هذه الرذيلة ويقضي عليها؟ فقال ~~الشيخ: فماذا نقول عنها إذن؟ قلت: إن اللغة العربية واسعة الاشتقاق، ~~فمثلا عند النسب إلى عبد الأشهل قالوا: أشهلي، ولعبد العزيز قالوا: ~~عبدزي، ولبختنصر قالوا: بختي، والآن نقول في النسب إلى دار العلوم ~~درعمي.. إلخ فلماذا لا نتبع هذه الطريقة؟ فنأخذ القاف المفتوحة، والواو ~~الساكنة من قوم، ونأخذ الطاء من لوط، ثم ياء النسب فنقول قوطي ونجنب ~~نبي الله لوطا عليه السلام أن ننسب إليه ما لا يليق أن ينسب إليه. وقد ~~حضرت احتفالا لتكريم طه حسين، فكان مما قلته في تكريمه: لك في العلم ~~مبدأ طحسني لأنه كثيرا ما نجد بين العلماء اسم طه، واسم حسين. إذن: ~~فقوله تعالى { فآمن له لوط.. } [العنكبوت: 26] جاءت جملة اعتراضية ~~في قصة إبراهيم عليه السلام لأنه المحصلة النهائية لدعوة إبراهيم في قومه ~~لذلك يعود السياق مرة أخرى إلى إبراهيم { وقال إني مهاجر ~~إلى ربي.. } [العنكبوت: 26] أي: منصرف عن هذا المكان لأنه غير ~~صالح لاستتباب الدعوة. # ومادة هجر وما يشتق منها تدل على ترك شيء إلى شيء آخر، لكن هجر ~~تعني أن سبب الهجر منك وبرغبتك، إنما هاجر فيها مفاعلة مثل شارك وقاتل، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لم يهجر مكة، إنما هاجر منها إلى المدينة. ~~وهذا يعني أنه لم يهاجر برغبته، إنما آذاه قومه واضطروه للخروج من بلده، ~~إذن: فلهم دخل في الهجرة، وهم طرف ثان فيها. لذلك يقول المتنبي: # إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا # ألا تفارقهم فالراحلون همو # ومن دقة الأداء القرآني في هذه المسألة أن يسمي نقلة رسول الله من مكة ~~إلى المدينة هجرة من الثلاثي، ولا يقول ms7435 مهاجرة لأنه ساعة يهاجر يكره ~~المكان الذي تركه، لكن هنا قال في الفعل: هاجر. وفي الاسم قال: هجرة ولم ~~يقل مهاجرة. وسبق أن ذكرنا أن هجرة المؤمنين الأولى إلى الحبشة كانت ~~هجرة لدار أمن فحسب، لا دار إيمان، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حينما وجههم إلى الحبشة بالذات قال: # " لأن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد ". # وكأنه صلى الله عليه وسلم بسطت له خريطة الأرض كلها، فاختار منها هذه ~~البقعة لأنه قد تبين له أنها دار أمن لمن آمن من صحابته، أما الهجرة ~~إلى المدينة فكانت هجرة إلى دار إيمان، بدليل ما رأيناه من مواقف الأنصار ~~مع المهاجرين. وهنا يقول إبراهيم عليه السلام: { إني مهاجر إلى ~~ربي.. } [العنكبوت: 26] فالمكان إذن غير مقصود له، إنما وجهة ربي هي ~~المقصودة، وإلا فلك أن تقول: كيف تهاجر إلى ربك، وربك في كل مكان هنا ~~وهناك؟ فالمعنى: مهاجر امتثالا لأمر ربي ومتوجه وجهة هو آمر بها لأنه من ~~الممكن أن تنتقل من مكان إلى مكان بأمر رئيسك مثلا، وقد كانت لك رغبة في ~~الانتقال إلى هذا المكان فترحب بالموضوع لأنه حقق رغبة في نفسك، فأنت - ~~إذن - لا تذهب لأمر صدر لك، إنما لرغبة عندك. لذلك جاء في الحديث: # " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت ~~هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". # فالمعنى { إني مهاجر إلى ربي.. } [العنكبوت: 26] يعني: ~~ليس الانتقال على رغبتي وحسب هواي، إنما حسب الوجهة التي يوجهني ~~إليها ربي. وأذكر أنه كان لهذه المسألة واقع في تاريخنا، وكنا جماعة من ~~سبعين رجلا، وقد صدر منا أمر لا يناسب رئيسنا، فأصدر قرارا بنقلنا ~~جميعا وشتتنا من أماكننا، فذهبنا عند التنفيذ نستعطفه عله يرجع في ~~قراره، لكنه صمم عليه، وقال: كيف أكون رئيسا ولا أستطيع إنفاذ أمري على ~~المرؤوسين؟ فقال له أحدنا وكان جريئا: سنذهب إلى حيث شئت، لكن اعلموا ~~أنكم لن تذهبوا بنا إلى مكان ليس فيه الله. # وكانت هذه هي ms7436 كلمة الحق التي هزت الرجل، وأعادت إليه صوابه، فالحق له ~~صولة، وفعلا سارت الأمور كما نريد، وتنازل الرئيس عن قراره. فمعنى: { ~~مهاجر إلى ربي.. } [العنكبوت: 26] أن ربي هو الذي يوجهني، ~~وهو سبحانه في كل مكان. يؤيد ذلك قوله سبحانه: # فأينما تولوا فثم وجه الله.. # [البقرة: 115] وكأن الحق سبحانه يقول لنا: اعلموا أنني ما وجهتكم في ~~صلاتكم إلى الكعبة إلا لأؤكد هذا المعنى: لأنك تتجه إليها من أي مكان ~~كنت، ومن أية جهة فحيثما توجهت فهي قبلتك. ثم يقول: { إنه هو ~~العزيز الحكيم } [العنكبوت: 26] اختار الخليل إبراهيم - عليه ~~السلام - من صفات ربه { العزيز.. } [العنكبوت: 26] أي: الذي لا يغلب ~~وهو يغلب. وهذه الصفة تناسب ما كان من محاولة إحراقه، وكأنه يقول ~~للقوم: أنا ذاهب إلى حضن من لا يغلب. و { الحكيم } [العنكبوت: ~~26] أي: في تصرفاته، فلا بد أنه سبحانه سينقلني إلى مكان يناسب دعوتي، ~~وأناس يستحقون هذه الدعوة بما لديهم من آذان صاغية للحق، وقلوب وأفئدة ~~متشوقة إليه، وتنتظر كلمة الحق التي أعرضتم أنتم عنها. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب... }. ### || [29.27] # وجاء وقت الجزاء لينال إبراهيم - عليه السلام - من ربه جزاء صبره على ~~الابتلاء، وثباته على الإيمان، ألم يقل لجبريل لما جاءه يعرض عليه ~~المساعدة وهو في طريقه إلى النار: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ فيقول إبراهيم: ~~أما إليك فلا. لذلك يجازيه ربه، ويخرق له النواميس، ويواليه بالنعم ~~والآلاء، حتى مدحه سبحانه بقوله: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله.. # [النحل: 120]. وكان عليه السلام رجلا خاملا في القوم، بدليل قولهم عنه ~~لما حطم أصنامهم: # قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم # [الأنبياء: 60] فهو غير مشهور بينهم، مهمل الذكر، لا يعرفه أحد، فلما ~~والى الله والاه وقال: لأجعلنك خليل الله وشيخ المرسلين ولأجرين ~~ذكرك، بعد أن كنت مغمورا على كل لسان، وها نحن نذكره عليه السلام في ~~التشهد في كل صلاة. واقرأ قول إبراهيم في دعائه لربه ليؤكد هذا المعنى: # واجعل لي لسان صدق في الآخرين # [الشعراء: 84] وكأنه يقول: يا رب إن ms7437 قومي يستقلونني، فاجعل لي ذكرا ~~عندك. ومعلوم أن للتناسل والتكاثر نواميس، فلما أن أنجبت السيدة هاجر ~~إسماعيل - عليه السلام - غضبت الحرة سارة: كيف تنجب هاجر وهي الأمة ~~وتتميز عليها، لكن كيف السبيل إلى الإنجاب وسنها تسعون سنة، وسن ~~إبراهيم حينئذ مائة؟ قانون الطبيعة ونواميس الخلق تقول لا إنجاب في ~~هذه السن، لكن سأخرق لك القانون، وأجعلك تنجب هبة من عندي { ووهبنا ~~له إسحاق.. } [العنكبوت: 27] ثم { ويعقوب.. } [العنكبوت: 27]. ~~وفي آية أخرى قال: # ويعقوب نافلة.. # [الأنبياء: 72]. أي: زيادة، لأنه صبر على ذبح إسماعيل، فقال له ربه: ~~ارفع يدك فقد أديت ما عليك، ونجحت في الامتحان، فسوف أفديه لك، بل وأهبك ~~أخا له، وسأعطيك من ذريته يعقوب. وسأجعلهم فضلا عن ذلك رسلا { ~~وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب.. } [العنكبوت: ~~27] لذلك حين نستقرىء موكب الأنبياء نجد جمهرتهم من ذرية إبراهيم عليه ~~السلام كل من جاء بعده من ذريته. والذرية المذكورة هنا يراد بها إسحاق ~~ويعقوب، وهما الموهبان من سارة، أما إسماعيل فجاء بالقانون العام ~~الطبيعي الذي يشترك فيه إبراهيم وغيره. وكأن الحق - سبحانه وتعالى - في ~~هذه المسألة يدلل على طلاقة القدرة بأسباب تظهر فيها قدرة المسبب، ~~فيقول لإبراهيم: إن كان قومك قد كفروا بك ولم يؤمنوا، فسأهبك ذرية ليست ~~مؤمنة مهدية فحسب، إنما هادية للناس جميعا. وإذا كانت ذرية إسحاق ويعقوب ~~قد أخذت أربعة آلاف سنة من موكب النبوات، فقد جاء من ذرية إسماعيل خاتم ~~الأنبياء وإمام المتقين محمد صلى الله عليه وسلم، وستظل رسالته باقية ~~خالدة إلى يوم القيامة، فالرسل من ذرية إسحاق كانوا متفرقين في الأمم، ~~ولهم أزمنة محددة، أما رسالة محمد فعامة للزمان وللمكان، لا معقب له ~~برسول بعده إلى يوم القيامة. # وقوله تعالى: { والكتاب.. } [العنكبوت: 27] أي: الكتب التي نزلت ~~على الأنبياء من ذريته، وهي: القرآن والإنجيل والتوراة والزبور. ثم يقول ~~سبحانه: { وآتيناه أجره في الدنيا.. } [العنكبوت: 27] ~~قالوا: إنه كان خامل الذكر فنبغ شأنه وعلا ذكره، وكان فقيرا، فأغناه ~~الله حتى حدث المحدثون عنه في السير أنه كان يملك من الماشية ما ms7438 ~~يسأم الإنسان أن يعدها، وكان له من كلاب الحراسة اثنا عشر كلبا.. ~~إلخ وهذا أجره في الدنيا فقط. { وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين } [العنكبوت: 27] يعني: لن نقول له أذهبت طيباتك في حياتك ~~الدنيا، بل هو في الآخرة من الصالحين، وهذا متمنى الأنبياء. إذن: ~~فأجره في الدنيا لم ينقص من أجره في الآخرة. لكن، لماذا وصف الله نبيه ~~إبراهيم في الآخرة بأنه من الصالحين؟ قالوا: لأن إبراهيم أثر عنه ثلاث ~~كلمات يسميها المتصيدون للأخطاء، ثلاث كذبات أو ذنوب: الأولى قوله لملك ~~مصر لما سأله عن سارة قال: أختي، والثانية لما قال لقومه حينما دعوه ~~للخروج معهم لعيدهم: إني سقيم. والثالثة قوله: # بل فعله كبيرهم هذا.. # [الأنبياء: 63] أي: عندما حطم الأصنام. ويقول هؤلاء المتصيدون: إنها ~~أقوال منافية لعصمة الأنبياء. لكن ما قولكم إن كان صاحب الأمر والحكم ~~شهد له بالصلاح في الآخرة؟ ثم إن المتأمل في هذه الأقوال يجدها من قبيل ~~المعاريض التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب " # فقوله عن سارة: إنها أختي، هي فعلا أخته في الإيمان، وربما لو قال ~~زوجتي لقتله الملك ليتزوجها هو. أما قوله # إني سقيم # [الصافات: 89] فهو اعتذار عن مشهد كافر لا ينبغي للمؤمن حضوره، كما أن ~~السقم يكون للبدن، ويكون للقلب فيحتمل أن يكون قصده سقيم القلب لما ~~يراه من كفر القوم. وقوله # بل فعله كبيرهم هذا.. # [الأنبياء: 63] أراد به إظهار الحجة وإقامة الدليل على بطلان عبادة ~~الأصنام، فأراد أن ينطقهم هم بما يريد أن يقوله ليقررهم بأنها أصنام لا ~~تضر ولا تنفع ولا تتحرك. ثم يقول الحق سبحانه: { ولوطا إذ قال ~~لقومه... }. ### || [29.28] # هنا ينتقل السياق من قصة إبراهيم لقصة ابن أخيه لوط، ونلحظ أن القرآن في ~~الكلام عن نوح وإبراهيم ولوط بدأ الحديث بذكره أولا، وعادة القرآن حينما ~~يتكلم عن الرسل يذكر القوم أولا، كما قال تعالى: # وإلى عاد أخاهم هودا.. # [الأعراف: 65]، # وإلى ثمود أخاهم صالحا.. # [الأعراف: 73]، # وإلى مدين أخاهم شعيبا.. # [الأعراف: 85]. قالوا: لأن قوم نوح، ms7439 وقوم إبراهيم، وقوم لوط لم يكن ~~لهم اسم معروف، فذكر أنبياءهم أولا، أما عاد وثمود ومدين فأسماء لأناس ~~معروفين، ولهم قرى معروفة، فالأصل أن القوم هم المقصودون بالرسالة ~~والهداية لذلك يذكرون أولا فهم الأصل في الرسالة، أما الرسول فليست ~~الرسالة وظيفة يجعلها الله لواحد من الناس. { ولوطا إذ قال ~~لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها ~~من أحد من العالمين } [العنكبوت: 28] وسمى خسيسة قومه فاحشة ~~لذلك قال العلماء في عقوبتها: يصير عليها ما يصير على الفاحشة من الجزاء ~~لأن الحق سبحانه سمى الزنا فاحشة فقال # إنه كان فاحشة.. # [النساء: 22] والزنا شرع له الرجم، وكذلك يكون جزاء من يفعل فعلة ~~قوم لوط الرجم. وقوله: { ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين } [العنكبوت: 28] لا يعني هذا أن أحدا لم يفعلها قبلهم، ~~لكنها إن فعلت فهي فردية، ليست وباء منتشرا كما في هؤلاء. ### || [29.29] # قوله: { أئنكم لتأتون الرجال.. } [العنكبوت: 29] دلالة ~~على انحراف الغريزة الجنسية عندهم، والغريزة الجنسية جعلها الله في ~~الإنسان لبقاء النوع، فالحكمة منها التناسل، والتناسل لا يكون إلا بين ~~ذكر وأنثى، حيث تستقبل الأنثى الحيوان المنوي الذكري الذي تحتضنه ~~البويضة الأنثوية، وتعلق في جدار الرحم وتكون الجنين لذلك سمى الله ~~تعالى المرأة حرثا لأنها مكان الاستنبات، وشرط في إتيان المرأة أن ~~يكون في مكان الاستنبات. لذلك، فالجماعة الذين كانوا ينادون بتشريع ~~للمرأة يسمح للرجل بأن يأتيها كيفما يشاء، احتجوا بقوله تعالى: # نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم.. # [البقرة: 223]. ونقول لهؤلاء: لقد أخطأتم في فهم الآية، فالحرث هو ~~الزرع المستنبت من الأرض، فمعنى # أنى شئتم.. # [البقرة: 223] أي: أنهم حرث، إذن: فاحتجاجهم باطل، وبطلانه يأتي من عدم ~~فهمهم لمعنى الحرث، وعليه يكون المعنى ائتوهن على أي وجه من الوجوه ~~شريطة أن يكون في مكان الحرث. ولحكمة ربط الحق سبحانه بقاء النوع ~~بالغريزة الجنسية، وجعل لها لذة ومتعة تفوق أي لذة أخرى في الحياة، ~~فمثلا أنت ترى المنظر الجميل فتسر به عينك، وتسمع الصوت العذب ~~فتسعد به أذنك.. إلخ فكل منافذ الإدراك لديك ms7440 لها أشياء تمتعها. لكن بأي ~~هذه الحواس تدرك اللذة الجنسية؟ وأي ملكة فيك تسر منها؟ كل ~~الحواس وكل الملكات تستمتع بها لذلك لا يستطيع الإنسان مقاومتها، حتى ~~قالوا: إنها اللحظة الوحيدة التي يمكن للإنسان فيها أن يغفل عن ربه لذلك ~~أمرنا بعدها بالاغتسال. ولولا أن الخالق - عز وجل - ربط مسألة بقاء النوع ~~بهذه اللذة لزهد فيها كثير من الناس، لما لها من تبعات ومسئوليات ~~ومشاكل، لا بد منها في تربية الأولاد. وسبق أن ذكرنا الحكمة القائلة: ~~" جدع الحلال أنف الغيرة " فالرجل يغار على ابنته مثلا، ولا يقبل ~~مجرد نظر الغرباء إليها، ويثور إذا تعرض لها أحد، فإذا جاءه الشاب يطرق ~~بابه ليخطب ابنته رحب به، واستقبله أهل البيت بالزغاريد وعلى الرحب ~~والسعة، فسقوا الشربات وأقاموا الزينات، فما الفرق بين الحالين؟ في ~~الأولى كان دمه يغلي، والآن تنزل كلمات الله في عقد القرآن على قلبه ~~بردا وسلاما. أما خسيسة قوم لوط { أئنكم لتأتون ~~الرجال.. } [العنكبوت: 29] فهي انحراف عن الطبيعة السوية لا بقاء ~~فيها للنوع، ومثلها إتيان المرأة في غير مكان الحرث. وقوله تعالى: { ~~وتقطعون السبيل.. } [العنكبوت: 29] أي: تقطعون الطريق على بقاء ~~النوع لأن الزنا وإن جاء بالولد فإنه لا يوفر له البقاء الكريم الشريف ~~في المجتمع. فالحق سبحانه جعل لبقاء النوع طريقا واحدا، فلا تسلك غير ~~هذا الطريق، لا مع رجل ولا مع امرأة. # والسبيل كلمة مطلقة وتعني الطريق، سواء كان الطريق المادي أي: الشارع ~~الذي نمشي فيه أو: المعنوي وهو الطريقة التي نسير عليها، ومنها قوله ~~تعالى: # قل هذه سبيلي.. # [يوسف: 108] أي: طريقي ومنهجي لذلك السبيل القيمي سبيل واحد، حتى لا ~~نتصادم ولا نتخاصم في حركة الحياة المعنوية، أما السبيل المادي فمتعدد ~~حتى لا نتزاحم في حركة الحياة المادية. والسبيل المادي الطريق الذي نسير ~~فيه يعد سمة الحضارة في أي أمة، ونذكر أن هتلر قبل أن يدخل الحرب ~~سنة 1939 جعل كل همه في إنشاء شبكة من الطرق لأن حركة الحرب غير ~~العادية تحتاج إلى طرق إضافية أيام الحرب، ومن ms7441 ذلك مثلا الطريق الذي ~~يسمونه طريق المعاهدة، أي معاهدة سنة 1936. إذن: كلما وجدت حركة ~~زائدة احتاجت إلى طرق إضافية، وهذه الطرق تتناسب والمكان الذي تنشأ فيه، ~~فالطرق في المدن نسميها شوارع وفي الخلاء نسميها طرقا تناسب المساحة ~~داخل المباني، ومنها تتفرع الحارات، وهي أقل منها، ومن الحارة تتفرع ~~العطفة، وهي أقل من الحارة، وكلما ازدحمت البلاد لجأ الناس إلى توسيع ~~نظام الحركة لتيسير مصالح الناس. كما نرى في القاهرة مثلا من أنفاق ~~وكبار، حتى لا تعاق الحركة، وحتى نوفر للناس انسيابية فيها. والأنفاق ~~أنسب للجمال في المدن، والكباري أجمل في الفضاء، حيث ترى مع ارتفاع ~~الكباري آفاقا أوسع ومناظر أجمل، أما إن حدث عكس ذلك فأنشئت الكباري ~~داخل الشوارع فإنها تقلل من جمال المكان وتحول الشارع إلى أشبه ما ~~يكون بعنابر الورش، كما أنها تؤذي سكان العمارات المجاورة لها. وعلى ~~الدولة أن تراعي هذه الأمور عند التخطيط، ألم نقرأ قوله تعالى: # ثم السبيل يسره # [عبس: 20] لا بد أن نيسر السبل للسالكين لأن معايش الناس وحركتهم ~~تعتمد على الحركة في هذه الطرق. فقوله تعالى: { وتقطعون ~~السبيل.. } [العنكبوت: 29] فكان من قوم لوط قطاع طرق كالذين ~~يخرجون على الناس في أسفارهم وحركتهم، فيأخذون أموالهم وينهبون ما معهم، ~~وإن تأبوا عليهم قتلوهم. وبعد أن قطعوا السبيل على الناس قطعوا السبيل ~~على بقاء النوع. يقول سبحانه في حقهم: { وتأتون في ناديكم ~~المنكر.. } [العنكبوت: 29] فكانوا لا يتورعون عن فعل القبيح وقوله ~~فيجلسون في الطرقات يستهزئون بالمارة ويؤذونهم كالذين يجلسون الآن على ~~المقاهي ويتسكعون في الطرق ويؤذون خلق الله، ويتجاهرون بالقبيح من ~~القول والفعل، فلا يسلم من إيذائهم أحد. لذلك يعلمنا النبي صلى الله ~~عليه وسلم آداب الطريق، # " فيقول لمن سأله: " وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال:غض البصر، ~~وكف الأذى، ورد السلام ". # وقد انتشر بين قوم لوط سوء الأخلاق، بحيث لا ينهى بعضهم بعضا، كما قال ~~سبحانه عن اليهود أنهم: # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.. # [المائدة: 79]. والنادي: مكان تجمع القوم، ومنه قوله تعالى: # فليدع ناديه ms7442 # [العلق: 17] أي: مكان تجمع رؤوس القوم وكبارهم، كما نرى الآن: نادي ~~كذا، ونادي كذا. والنادي وهو مكان عام يعد المرحلة الأخيرة لانضباط ~~السلوك الذي يجب أن يكون في المجتمع، فأنت مثلا لك حجرة في بيتك خاصة ~~بك، ولك فيها انضباط خاص بنفسك، وكذلك في صالة البيت لك انضباط أوسع، وفي ~~الشارع لك انضباط أوسع. والانضباط يتناسب مع الواقع الذي تعيشه، فحين ~~تكون مثلا بين أناس لا يعرفونك لا يكون انضباطك بنفس الدرجة التي تحرص ~~عليها بين من تعرفهم كالموظف في مكتبه، والطالب في مدرسته. إذن: فهؤلاء ~~القوم قطعوا السبيل في بقاء النوع، حيث أتوا غير مأتي وانحرفوا عن ~~الفطرة السوية، وقطعوا السبيل المادي، فأخافوا الناس وروعوهم ونهبوا ~~أموالهم، وأخذوهم من الطرق بغرض هذه الفعلة النكراء، ثم كانوا يتبجحون ~~بأفعالهم هذه، ويجاهرون بها في أنديتهم وأماكن تجمعاتهم. فبماذا أجابه ~~القوم؟ { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا ~~بعذاب الله إن كنت من الصادقين } [العنكبوت: 29] أي: من ~~الصادقين في أنك مبلغ عن الله، فنحن من العاصين، وأرنا العذاب الذي ~~تتوعدنا به، وقولهم { ائتنا بعذاب الله.. } [العنكبوت: 29] مع ~~أن العذاب شيء مؤلم، ولا يطلب أحد إيلام نفسه، فهذا دليل على عدم فهمهم ~~لهذا الكلام، وأنهم غير متأكدين من صدقه، وإلا لو وثقوا بصدقه ما طلبوا ~~العذاب. وفي موضع آخر، حكى القرآن عنهم: # فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل ~~لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون # [النمل: 56]. إذن: حدث منهم موقفان وجوابان: الأول { ائتنا بعذاب ~~الله.. } [العنكبوت: 29] فلما لم يجبهم إلى هذا الطلب الأحمق، وظل ~~يتابع دعوته لهم، فلم ييأس منهم لجأوا إلى حيلة أخرى، فقالوا # أخرجوا آل لوط من قريتكم.. # [النمل: 56] والعلة # إنهم أناس يتطهرون # [النمل: 56] لأن الطهر في نظر هؤلاء عيب، والاستقامة جريمة، وهذا دليل ~~على فساد عقولهم، وفساد قياسهم في الحكم. ثم يقول الحق سبحانه: { قال ~~رب انصرني... }. ### || [29.30] # وفرق بين الفاسد في ذاته والمفسد لغيره، فيا ليتهم كانوا فاسدين في ~~أنفسهم، إنما كانوا فاسدين مفسدين، يتعدى فسادهم ms7443 إلى غيرهم. ### || [29.31] # جاء هنا إبراهيم - عليه السلام - في سياق قصة لوط، كما جاء لوط في سياق ~~قصة إبراهيم. ومعنى { رسلنآ.. } [العنكبوت: 31] أي: من الملائكة لأن ~~الله تعالى قال: # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس.. # [الحج: 75]. وقد جاءت الملائكة لإبراهيم بالبشرى، ولم يذكر مضمون ~~البشرى هنا، وهو البشارة بإسحاق ويعقوب وذرية صالحة منهما، وجاءته ~~بإنذار بأن الله سيهلك أهل هذه القرية، وبالبشرى والإنذار يحدث التوازن ~~لأننا نبشر إبراهيم بذرية صالحة مصلحة في الكون، ونهلك أهل القرية ~~الذين انحرفوا عن منهج الله. وتلحظ في الآية أنها لم تذكر العلة في ~~البشرى فلم تقل لأنه كان مؤمنا ومجاهدا وعادلا، إنما ذكرت العلة في ~~إهلاك أهل القرية { إن أهلها كانوا ظالمين } [العنكبوت: ~~31] لماذا؟ لأن المتفضل لا يمن بفضله على أنه عمل بمقابل، لكن المعذب ~~يبين سبب العذاب. فماذا كان الانفعال الأولي عند إبراهيم - عليه السلام ~~- ساعة سمع البشرى والإنذار؟ لم يسأل عن البشرى، مع أنه كان متلهفا ~~عليها، إنما شغلته مسألة إهلاك القرية، وفيها ابن أخيه لوط. لذلك قال: { ~~قال إن فيها لوطا قالوا... }. ### || [29.32] # فلم يستشرف إبراهيم للبشرى، واهتم بمسألة إهلاك قرية قوم لوط لأن فيها ~~لوطا مما يدل على أن الإنسان لا يشغله الخير لنفسه عن الشر لغيره، ~~وهنا رد الملائكة { نحن أعلم بمن فيها.. } [العنكبوت: 32] ~~فهذه مسألة لا تخفى علينا. ثم يطمئنونه على ابن أخيه { لننجينه ~~وأهله.. } [العنكبوت: 32] وأهله: تشمل كل الأهل لذلك استثنوا منهم { ~~إلا امرأته كانت من الغابرين } [العنكبوت: 32]. ~~والغابرون: جمع غابر، ولها استعمالان في اللغة: نقول: الزمان الغابر أي ~~الماضي، وغابر بمعنى باق أيضا، فهي إذن تحمل المعنى وضده ذلك لأنهم ~~جاءوا لإهلاك هذه القرية، وامرأة لوط باقية لتهلك معهم، وتذهب مع من ~~سيذهبون بالإهلاك، فهي إذن باقية في العذاب. فجاءت الكلمة { من ~~الغابرين } [العنكبوت: 32] لتؤدي هذين المعنيين. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ولمآ أن جآءت رسلنا لوطا... }. ### || [29.33] # شهد إبراهيم هذا الموقف مع لوط، وعلم سبب حضورهم إليه، لكن لماذا سيء ~~بهم، مع أنهم رسل الله ms7444 ملائكة جاءوه على أحسن صورة؟ قالوا: لأن الملك ~~يأتي على أجمل صورة، حتى إذا أردنا أن نمدح شخصا بالجمال نقول: مثل ~~الملاك، ومن ذلك قول النسوة لامرأة العزيز عن يوسف عليه السلام: # ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم # [يوسف: 31]. فلما رآهم لوط على هذه الصورة خاف عليهم، بدل أن يفرح ~~بمرآهم الجميل لأن قومه قوم سوء وأهل رذيلة، ولا بد أن ينالوا ضيوفه ~~بسوء لذلك { سيء بهم.. } [العنكبوت: 33] أي: أصابه السوء بسببهم { ~~وضاق بهم ذرعا.. } [العنكبوت: 33] الذرع هو طول الذراعين، ~~فنقول: فلان باعه طويل. يعني: يتناول الأشياء بسهولة لأن يده طويلة، ~~فالمعنى: ضاق بهم ذرعا. يعني: لم يتسع جهده لحمايتهم من القوم. ونلحظ ~~هنا اختلاف السياق بين الآيتين: # ولما جآءت رسلنآ إبراهيم.. # [العنكبوت: 31] أما في لوط فقال: { ولمآ أن جآءت رسلنا ~~لوطا.. } [العنكبوت: 33] لأنهم تأخروا بعض الشيء عند إبراهيم عليه ~~السلام. فلما أن أصابه السوء بمرآهم، بدل أن يسعد بهم، وخاف عليهم ~~طمأنوه { وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك ~~وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين } [العنكبوت: ~~33] لا تخف علينا من هؤلاء الأراذل، فلسنا بشرا، إنما نحن ملائكة ما ~~جئنا إلا لنريحك منهم، ونقطع جذور هذه الفعلة الخبيثة، وسوف ننجيك ~~وأهلك من العذاب النازل بهم. ثم يستثنون من أهله { إلا امرأتك.. ~~} [العنكبوت: 33] فكثيرا ما ضايقته، وأفشت أسراره، ودلت القوم على ~~ضيوفه { كانت من الغابرين } [العنكبوت: 33] الباقين في العذاب. ~~لكن، ما الطريقة التي ستقضون بها على هؤلاء القوم؟ { إنا منزلون ~~على أهل هذه القرية رجزا... }. ### || [29.34] # الرجز: العذاب ينزل عليهم من السماء، والحجارة التي يمطرهم الله بها { ~~بما كانوا يفسقون } [العنكبوت: 34] أي: بسبب فسقهم وخروجهم ~~عن منهج الله. ### || [29.35] # لأن هذا العذاب استأصلهم، وقضى عليهم، وجعلهم عبرة لكل عاقل متأمل وآية ~~في الكون لكل عابر بها، كما قال سبحانه: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين # [الصافات: 137] إذن: فالعبرة باقية بأهل سدوم كلما مر الناس بقراهم. ~~لذلك قال الله عنها { آية بينة.. } [العنكبوت: 35] الآية: الشيء ~~العجيب الذي يدعو للتأمل { بينة.. } [العنكبوت: 35] واضحة ms7445 كدليل ~~باق، وظاهر لا يخفى على أحد { لقوم يعقلون } [العنكبوت: 35] ~~يعني: يبحثون ويتأملون بسبب ما حاق بهذه القرى، وما نزل بها من عذاب ~~الله. ثم يقول الحق سبحانه: { وإلى مدين أخاهم... }. ### || [29.36] # مدين: اسم من أسماء أولاد إبراهيم عليه السلام، وسميت باسمه القبيلة ~~لأنهم كانوا عادة ما يسمون القوم باسم أبرز أشخاصها، فانتقل الاسم من ~~الشخص إلى القبيلة، ثم إلى المكان، بدليل قوله تعالى في موضع آخر: # ولما ورد مآء مدين.. # [القصص: 23] فصارت مدين علما على البقعة، وقالوا: إنها من الطور إلى ~~الفرات. هذه برقية موجزة لقصة مدين وأخيهم شعيب، وقد ذكرت أيضا في قصة ~~موسى عليه السلام. وقال { أخاهم.. } [العنكبوت: 36] ليدلك أن الله ~~تعالى حين يصطفي للرسالة يصطفي من له ود بالقوم، ولهم معرفة به ~~وبأخلاقه وسيرته، ولهم به تجربة سابقة، فهو عندهم مصلح غير مفسد، ~~حتى إذا ما بلغهم عن الله صدقوه، وكانت له مقدمات تيسر له سبيل ~~الهداية. وقوله: { فقال يقوم اعبدوا الله.. } ~~[العنكبوت:36] كلمة { يقوم.. } [العنكبوت: 36]: القوم لا تقال إلا ~~للرجال لأنهم هم الذين يقومون لمهمات الأمور، ويتحملون المشاق لذلك يقول ~~تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى ~~أن يكن خيرا منهن.. # [الحجرات: 11] فأطلق القوم، وهم الرجال في مقابل النساء. والعبادة: ~~قلنا: طاعة الأمر والنهي { اعبدوا الله.. } [العنكبوت: 36] أطيعوه ~~فيما أمر، وانتهوا عما نهى عنه ما دمتم قد آمنتم به إلها خالقا، فلا ~~بد أن تسمعوا كلامه فيما ينصحكم به من توجيه بافعل ولا تفعل. وتعلم ~~أنه سبحانه بصفات الكمال أوجدك وأوجد لك الأشياء، فأنت بعبادتك له لا ~~تضيف إليه صفة جديدة، فهو إله قبل أن توجد أنت، وخالق بكامل القدرة قبل ~~أن توجد، وخلق لك الكون قبل أن توجد. ثم بعد ذلك تعصاه وتكفر به، فلا ~~يحرمك خيره، ولا يمنع عنك نعمه. إذن: فهو سبحانه يستحق منك العبادة ~~والطاعة لأن طاعته تعود عليك أنت بالخير. لذلك سبق أن قلنا إن كلمة ~~العبودية كلمة ms7446 مذمومة تشمئز منها النفس، إن كانت عبودية للبشر لأن ~~عبودية البشر للبشر يأخذ فيها السيد خير عبده، لكن عبودية البشر لله ~~تعالى يأخذ العبد خير سيده، فالعبودية لله عز وقوة ومنعة وللبشر ذل ~~وهوان لذلك نرى كل المصلحين يحاربون العبودية للبشر، ويدعون العبيد إلى ~~التحرر. فأول شيء أمر به شعيب قومه { اعبدوا الله.. } ~~[العنكبوت: 36] كذلك قال إبراهيم لقومه # اعبدوا الله واتقوه.. # [العنكبوت: 16]، لكن لوطا عليه السلام لم يأمر قومه بعبادة الله، إنما ~~اهتم بمسألة الفاحشة التي استشرت فيهم، مع أن كل الرسل جاءوا للأمر ~~بعبادة الله. ونقول في هذه المسألة: لم يأمر لوط قومه بعبادة الله لأنه ~~كان من شيعة إبراهيم عليه السلام ومؤمنا بديانته، بدليل قوله تعالى: # فآمن له لوط.. # [العنكبوت: 26] فهو تابع له لذلك ينفذ التعاليم التي جاء بها إبراهيم، ~~فلم يأمر بالعبادة لأن إبراهيم أمر القوم بها، لكنه تحمل مسألة أخرى، ~~وخصه الله بمهمة جديدة، هي إخراج قومه من ممارسة الفاحشة التي انتشرت ~~بينهم. وقوله تعالى: { وارجوا اليوم الأخر.. } [العنكبوت: 36] ~~فلا بد أن اليوم الآخر لم يكن في بالهم، ولم يحسبوا له حسابا، ~~كأنهم سيفلتون من الله، ولن يرجعوا إليه لذلك يذكرهم بهذا اليوم، ~~ويحثهم على العمل من أجله. وكيف لا نعمل حسابا لليوم الآخر؟ ونحن في ~~الدنيا نعامل أنفسنا بنفس منطق اليوم الآخر؟ فأنت مثلا تتعب وتشقى في ~~زراعة الأرض، وتتحمل مشاق الحرث والبذر والسقي.. إلخ طوال العام، لكن ~~حين تجمع زرعك يوم الحصاد، ويوم تملأ به مخازنك تنسى أيام التعب والمشقة، ~~وساعتها يندم الكسول الذي قعد عن العمل والسعي، يوم الحصاد سترى أن أردب ~~القمح الذي أخذته من المخزن وظننت أنه نقص من حسابك قد عاد إليك عشرة ~~أرادب، فأخذك لم يقلل إنما زاد. وكذلك اليوم الآخر نفهمه بهذا المنطق، ~~فنتحمل مشاق العبادة والطاعات في الدنيا لننال النعيم الباقي في الآخرة ~~لأن نعيم الدنيا مهما كان، ينغصه عليك أمران: إما أن تفوته أنت بالموت، ~~أو يفوتك هو بالفقر. أما في الآخرة فلا يفوتك نعيمها ولا ms7447 تفوته. إذن: ~~فالأولى بك أن تزرع للآخرة، وأن تعمل لها ألف حساب، فإن كان في ~~العبادة مشقة، وللإيمان تبعات، فانظروا إلى عظم الجزاء، وإذا استحضرت ~~الثواب على الطاعة هانت عليك مشقة الطاعة، وإذا استفظعت العقاب على ~~المعصية، زهدت فيها ونأيت عنها. إذن: الذي يجعل الإنسان يتمادى في ~~المعصية أنه لا يستحضر العقاب عليها، ويزهد في الطاعة لأنه لا يستحضر ~~ثوابها. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو ~~مؤمن " # والمعنى: لو استحضر الإيمان ما فعل، إنما غفل عن إيمانه فوقع في ~~المعصية. ومن استحضر ثواب الطاعة وجد لها حلاوة في نفسه، كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن الصلاة: # " أرحنا بها يا بلال ". # وقوله: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } [العنكبوت: 36] ~~العثو: الفساد المستور والفساد يقال للظاهر، فالمعنى: لا تعثوا في الأرض ~~عثوا، فالمفعول المطلق بمعنى الفعل، فقوله تعالى: { ولا تعثوا ~~في الأرض مفسدين } [العنكبوت: 36] كما نقول: اجلس قعودا. ~~والفاء في قوله: { فقال يقوم اعبدوا الله.. } [العنكبوت: ~~36] تدل على أنها تعطف هذا الكلام على كلام سابق، والتقدير: وأرسلنا إلى ~~مدين أخاهم شعيبا فقال: يا قوم إني رسول الله إليكم، ثم ذكر المطلوب ~~منهم { يقوم اعبدوا الله.. } [العنكبوت: 36] والجمع بين عبادة ~~الله ورجاء اليوم الآخر يعني: لا تفصلوا العبادة عن غايتها والثواب ~~عليها، ولا تفصلوا المعصية عن عقابها. # وقوله: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } [العنكبوت: 36] ~~فلا أقول لكم: أصلحوا فلا أقل من أن تتركوا الصالح على صلاحه لا تفسدوه ~~لأن الخالق - عز وجل - أعد لنا الكون على هيئة الصلاح، وعلينا أن ~~نبقيه على صلاحه. فالنيل مثلا هبة من هبات الخالق، وشريان للحياة ~~يجري بالماء الزلال، وتذكرون يوم كان الفيضان يأتي بالطمي فترى الماء مثل ~~الطحينة تماما، وكذا نملأ منه الزير، وبعد قليل يترسب الطمي آخذا معه ~~كل الشوائب، ويبقى الماء صافيا زلالا. أما الآن فقد أصابه التلوث وفسد ~~ماؤه بما يلقى فيه من مخلفات، وأصبحنا نحن أول من يعاني ms7448 آثار هذا ~~التلوث. لذلك أصبح ساكن المدن مهما توفرت له سبل الحضارة لا يرتاح إلا ~~إذا خرج من المدينة إلى أحضان الطبيعة البكر التي ظلت على طبيعتها كما ~~خلقها الله، لا ضوضاء، ولا ملوثات، ولا كهرباء، ولا مدنية. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { فكذبوه فأخذتهم الرجفة... }. ### || [29.37] # فلماذا يكذب الناس دعوة الخير؟ قالوا: لا يكذب دعوة الخير إلا ~~المستفيدون من الشر لأن الخير سيقطع عليهم الطريق، ويسحب منهم مكانتهم ~~وسلطتهم وسيادتهم، فكل الذين عارضوا رسل الله كانوا أكابر القوم ~~ورؤساءهم، وقد ألفوا السيادة والعظمة، واعتادوا أن يكون الناس عبيدا ~~لهم، فكيف إذن يفسحون الطريق للرسل ليأخذوا منهم هذه المكانة؟ وإلا، ~~فلماذا كان عبد الله بن أبي يكره رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأنه ~~يوم وصل رسول الله إلى المدينة كانوا يعدون التاج لعبد الله بن أبي، ~~لينصبوه ملكا على المدينة، فلما جاءها رسول الله شغلوا بهذا الحدث ~~الكبير، وانصرفوا عن هذه المسألة. لكن، ماذا قال شعيب لقومه حتى ~~يكذبوه؟ لقد قال لهم أمرين هما: # اعبدوا الله وارجوا اليوم الأخر.. # [العنكبوت: 36] ونهي واحد في # ولا تعثوا في الأرض مفسدين # [العنكبوت: 36] ومعلوم أن الأمر والنهي قول لا يحتمل الصدق، ولا ~~يحتمل الكذب لأنه إنشاء وليس خبرا، لأنه ما معنى الكذب؟ الكذب أن تقول ~~لشيء وقع أنه لم يقع، أو لشيء لم يقع أنه وقع، وهذا يسمونه خبرا. فإن ~~وافق كلامك الواقع فهو صدق، وإن خالف الواقع فهو كذب، إذن: كيف نحكم ~~على ما لم تقع له نسبة أنه صدق أو كذب؟ حينما تقول مثلا: قف. هل ~~نقول لك إنك كاذب؟ لا، لأن واقع الإنشاء لا يأتي إلا بعد أن تتكلم، لذلك ~~قسموا الكلام العربي إلى خبر وإنشاء. ولكي نبسط هذه المسألة على ~~المتعلم نقول: المتكلم حين يتكلم يأتي بنسبة اسمها نسبة كلامية، قبل أن ~~يتكلم بها جالت في ذهنه، فقبل أن أقول: زيد مجتهد دارت في ذهني هذه ~~المسألة، وكان في الواقع يوجد شخص اسمه زيد وهو مجتهد فعلا. إذن: عندنا ~~نسبة ms7449 ذهنية، ونسبة كلامية، ونسبة واقعية، فإن وجدت النسبة الواقعية ~~قبل الذهنية والكلامية، فالكلام هنا خبر يوصف بالصدق أو يوصف بالكذب. ~~إذن: النسبة الواقعية لا تأتي نتيجة النسبة الكلامية، إنما حين تقول: قف ~~فتأتي النسبة الواقعية نتيجة النسبة الكلامية، وما دامت النسبة الواقعية ~~تأخرت عن الكلامية، فلا يوصف القول إذن لا بصدق ولا بكذب. ونعود إلى ~~قول نبي الله شعيب نجده عبارة عن أمرين: # اعبدوا الله وارجوا اليوم الأخر.. # [العنكبوت: 36] ونهي واحد: # ولا تعثوا في الأرض مفسدين # [العنكبوت: 36] والأمر والنهي من الإنشاء الذي لا يوصف بالصدق ولا ~~بالكذب، فكيف إذن يكذبونه؟ فأول إشكال: { فكذبوه.. } [العنكبوت: ~~37] ومنشأ هذا الإشكال عدم وجود الملكة العربية التي يفهمون بها كلام ~~الله. فالحق سبحانه قال هنا { فكذبوه.. } [العنكبوت: 37] لأنه ~~أمرهم بعبادة الله وهو رسول من عند الله فيأمرهم بعبادته لأن عبادته ~~تعالى واجبة عليهم، وما أمرهم إلا ليؤدوا الواجب عليهم، واليوم الآخر ~~كائن لا محالة فارجوه، والإفساد في الأرض محرم. # إذن: فالمعنى يحمل معنى الخبر، فالأمران هنا، والنهي أمر واجب فكذبوه ~~لعلة الأمرين، ولعلة النهي. ومعنى # اعبدوا الله.. # [العنكبوت: 36] خصوه سبحانه بالعبادة، وهي الطاعة في الأمر والانتهاء ~~عن المنهي عنه، وهذه العبادة مطلوبة من الكل، وهي شريعة كل الأنبياء ~~والرسل: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. # [الشورى: 13]. إذن: فمسألة العبادة والإيمان باليوم الآخر من القضايا ~~العامة التي لا تختلف فيها الرسالات، أما الشرائع: افعل كذا، ولا تفعل ~~كذا فتختلف من نبي لآخر. ومعنى: # وارجوا اليوم الأخر.. # [العنكبوت: 36] أي: اعملوا ما يناسب رجاءكم لليوم الآخر، وأنت لماذا تحب ~~اليوم الآخر، ولماذا ترجوه؟ لا يحبه ولا يرجوه إلا من عمل عملا صالحا ~~فينتظره لينال جزاء عمله وثواب سعيه، وإلا لو كانت الأخرى لقال: وخافوا ~~اليوم الآخر. إذن: الرجاء معناه: اعملوا ما يؤهلكم لأن ترجوا اليوم ~~الآخر، والإنسان لا يرجو إلا النافع له. وهنا لك أن تسأل: هل إذا آمن ~~الإنسان ونفذ ms7450 أحكام ربه أمرا ونهيا، فجزاؤهم في الآخرة رجاء يرجوه أم ~~حق له؟ المفروض أن يقول للطائعين: ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون، فهي ~~واجبة له ومن حقه، فكيف يسميه القرآن رجاء وهو واقع؟ قالوا: لأن ~~جزاءنا في الجنة فضل من الله، لأنه سبحانه خلقنا وخلق لنا، وأمدنا ~~بالطاقات والنعم قبل أن يكلفنا شيئا، فحين تعبد الله حق العبادة ~~فإنك لا تقضي ثمن جميله عليك، ولا توفيه سبحانه ما يستحق، فإذا أثابك في ~~الآخرة فبمحض فضله وكرمه. لذلك قال سبحانه: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. كما لو أنك استخدمت أجيرا بمائة جنيه مثلا في الشهر، ~~وقبل أن يعمل لك شيئا أعطيته أجره فهل يطلب منك أجرا آخر؟ فلو جئت في ~~آخر الشهر وأعطيته عشرة جنيهات، فهي فضل منك وتكرم. لذلك قال # وارجوا اليوم الأخر.. # [العنكبوت: 36] لأن الجزاء في الآخرة عند التحقيق والتعقل محض فضل ~~من الله لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # والنهي في: # ولا تعثوا في الأرض مفسدين # [العنكبوت: 36] أي: لا تفسدوا فسادا ظاهرا، أو: لا تعملوا أعمالا هي ~~في ظنكم نافعة وهي ضارة، تذكرون زمان كان القطن هو المحصول الرئيسي في ~~مصر ومصدر الدخل، وكانت تهدده دودة القطن فنقاومه مقاومة يدوية، إلى ~~أن خرج علينا الأمريكان بالمبيدات، واستخدمنا مادة اسمها دي دي تي فقضت ~~على الدودة في بادئ الأمر، وظن الفلاح أن هذه المشكلة قد حلت. # لكن بعد سنوات تعودت الدودة على هذه المادة، وأصبح عندها حصانة، وكأن ~~الدي دي تي أصبح كيفا عندها، وبدأنا نحن نعاني الأمرين من آثار هذه ~~المبيدات في الماء، وفي التربة، وفي الزراعة، وفي صحة الإنسان والحيوان. ~~إذن: ينبغي النظر في العواقب قبل البدء في الشيء، وأن يقاس الضرر ~~والنفع. كذلك الحال عندما اخترعوا السيارات، وقالوا: إنها ستريح الناس في ~~أسفارهم وفي حمل أمتعتهم، وبعد ما توصل العالم ms7451 إليه من ثورة في وسائل ~~النقل لو قارنا نفعها بضررها لوجدنا أن ضررها أكبر لما تسببه من تلوث، ~~ولو عدنا إلى الوسائل البدائية، واستخدمنا الدواب لكان أفضل. وأذكر ~~عندما جئنا إلى مصر سنة 1936 - 1938 وجدنا في الميادين العامة مواقف ~~للحمير، مثل مواقف السيارات الآن، وكانت هي الوسيلة الوحيدة للانتقال، ~~ويكفي أن روث الحمار يخصب الأرض، أما عوادم السيارات فتسبب أخطر ~~الأمراض وتؤدي للموت. فماذا بعد أن كذب قوم شعيب نبيهم؟ كانت سنة ~~الله في الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الرسول رسالة ~~ربه، لكن لا يؤمر بحمل السيف ضد الكفار، إنما إن كذبوا بالآيات عاقبهم ~~رب العزة سبحانه، وتحسم المسألة بهلاك المكذبين. وكون الحق - تبارك ~~وتعالى - لا يأمر الناس بقتال الكفار هذا أمر منطقي، والدليل رأيناه في ~~بني إسرائيل لما طلبوا من الله أن يفرض عليهم القتال، فقال: # هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ~~قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد ~~أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا فلما كتب عليهم ~~القتال تولوا إلا قليلا منهم.. # [البقرة: 246]. ولم يؤمر بالقتال لنشر الدعوة إلا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه مأمونون على هذا، ولأنه ~~صلى الله عليه وسلم آخر الرسل والأنبياء، فلا بد أن يستوفي كل الشروط. ~~ونتيجة التكذيب { فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين } [العنكبوت: 37] وهذا عقاب الله لأنه كان سبحانه ~~يتولى المكذب. وفي الحجر وفي هود قال الصيحة وحتى لا تتهم الآيات ~~بالتضارب نقول: الصيحة: صوت شديد مزعج، وهذا الصوت لا نسمعه إلا بتذبذب ~~الهواء بشدة، ولو كان تذبذب الهواء بلطف ما سميت صيحة. إذن: الصيحة تخلخل ~~في الهواء بشدة لا بد أن ينتج عنه رجفة أي: هزة شديدة كالتي تهدم ~~بالبيوت والعمارات نتيجة قنبلة مثلا، فالصيحة وجدت أولا، تبعتها ~~الرجفة، لكن القرآن مرة يذكر الأصل فيقول الصيحة ومرة يذكر النتيجة فيقول ~~الرجفة. { فأصبحوا في دارهم جاثمين } [العنكبوت: 37] قال ~~فأصبحوا ولم يقل مثلا: فصاروا ليحدد وقت ms7452 أخذهم بالصباح، ~~والعادة أن تكون الإغارة وقت الصباح قبل أن يستعد خصمك لملاقاتك، فما ~~يزال في أعقاب النوم خاملا، وإلى الآن يفضل رجال الحرب والقادة أن تبدأ ~~الحرب في الصباح، حيث يفاجأ بها العدو. # وقد أصبح هذا الوقت قضية عامة، تعد مخالفتها من قبيل المكر والخدعة ~~في الحرب، كما خالفها قادتنا في حرب أكتوبر 73، حيث فاجأوا عدوهم في وقت ~~الظهيرة، وقد تمت لهم المفاجأة، وأخذوا عدوهم على غرة لأنهم غيروا ~~الوقت المعتاد، وهو الصبح. إذن: على الإنسان ألا يتخذ في أموره قضية ~~رتيبة، بل يخضع أموره لما يناسبها. ومن الطرائف: حرص الرجل على أن ~~يوقظ ولده مبكرا ليذهب إلى عمله، ويقضي مصالحه، فقال له الوالد: ابن ~~فلان استيقظ مبكرا، فوجد محفظة بها مائة جنيه، فقال الولد - وكان كسولا ~~لا يريد أن يستقيظ مبكرا: هذه المحفظة وقعت من واحد استيقظ قبله. ومعنى ~~{ جاثمين } [العنكبوت: 37] يعني: هامدين بلا حراك. ثم تنتقل بنا ~~الآيات إلى لقطات أخرى موجزة من مواكب الرسالات، وكأنها برقيات: { ~~وعادا وثمودا وقد تبين... }. ### || [29.38] # نلحظ في هذه البرقيات السريعة أنها تذكر المقدمة، ثم النهاية مباشرة { ~~وعادا وثمودا.. } [العنكبوت: 38] هذه المقدمة { وقد تبين ~~لكم من مساكنهم.. } [العنكبوت: 38] هذا موجز لما نزل بهم، ~~وكأن الحق سبحانه يقول لنا: لن أحكي لكم ما حاق بهم لأنكم تشاهدون ~~ديارهم، وتمرون عليها ليل نهار # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]. والآن مع الثورة العلمية استطاعوا تصوير ما في باطن ~~الأرض، وظهرت كثير من الآثار لهذه القرى عاد وثمود والأحقاف، واقرأ قوله ~~سبحانه وتعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد # [الفجر: 6-7]. وطبيعي الآن أن نجد آثار السابقين تحت التراب، ولا بد ~~أن نحفر لنصل إليها لأن عوامل التعرية طمرتها بمرور الزمن، ولم لا ~~والواحد منا لو غاب عن بيته شهرا يعود فيجد التراب يغطي أسطح الأشياء، ~~مع أنه أغلق الأبواب والنوافذ، ولك أن تحسب نسبة التراب هذه على مدى آلاف ~~السنين في أماكن مكشوفة. وحكوا أن الزوابع والعواصف ms7453 الرملية في رمال ~~الأحقاف مثلا كانت تغطي قافلة بأكملها، إذن: كيف ننتظر أن تكون آثار هذه ~~القرى باقية على سطح الأرض؟ والآن نشاهد في الطرق الصحراوية مثلا إذا ~~هبت عاصفة واحدة فإنها تغطي الطرق بحيث تعوق حركة المرور إلى أن ~~تزاح عنها هذه الطبقة من الرمال. إذن: علينا أن نقول: نعم يا رب رأينا ~~مساكنهم ومررنا بها - ولو من خلال الصور الحديثة التي التقطت لهذه القرى ~~{ وزين لهم الشيطان أعمالهم.. } [العنكبوت: 38] يعني: ~~أغواهم بالكفر، وأقنعهم أنه الأسلوب السليم والأمثل في حركة الحياة { ~~فصدهم عن السبيل.. } [العنكبوت: 38] فما دام قد زين لهم ~~سبيل الشيطان فلا بد أن يصدهم عن سبيل الإيمان { وكانوا ~~مستبصرين } [العنكبوت: 38] يعني: لم نأخذهم على غرة. لأن ~~المبدأ الذي اختاره الله تعالى لخلقه # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] رسولا يبين لهم وينذرهم، ويحذرهم عاقبة الكفر لذلك لم ~~يأخذهم الله تعالى إلا بعد أن أرسل إليهم رسولا فكذبوه. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وقارون وفرعون وهامان ولقد جآءهم... }. ### || [29.39] # ما زالت الآيات تحدثنا عن مواكب الرسالات، لكنها تتكلم عن المكذبين ~~عادا وثمود، وهنا { وقارون وفرعون وهامان.. } [العنكبوت: ~~39] والدليل على قوله سبحانه في الآية السابقة # وكانوا مستبصرين # [العنكبوت: 38] قوله تعالى هنا { ولقد جآءهم موسى ~~بالبينات } [العنكبوت: 39] أي: بالأمور الواضحة التي لا تدع ~~مجالا للشك في صدق الحق سبحانه، وفي صدق الرسول في البلاغ عن الله. { ~~فاستكبروا في الأرض.. } [العنكبوت: 39] استكبر: يعني افتعل ~~الكبر، فلم يقل تكبر، إنما استكبر كأنه في ذاته ما كان ينبغي له ~~أن يستكبر لأن الذي يتكبر يتكبر بشيء ذاتي فيه، إنما بشيء موهوب؟ ~~لأنه قد يسلب منه، فكيف يتكبر به؟ لذلك نقول للمتكبر أنه غفلت عينه ~~عن مرأى ربه في آثار خلقه، فلو كان ربه في باله لاستحى أن يتكبر. ~~فالإنسان لو أنه يلحظ كبرياء ربه لصغر في نفسه، ولاستحى أن يتكبر، ~~كما أن المتكبر بقوته وعافيته غبي لأنه لم ينظر في حال الضعيف الذي ~~يتعالى عليه، فلربما يفوقه في شيء آخر، أو عنده عبقرية ms7454 في أمر أهم من ~~الفتوة والقوة، ثم ألم ينظر هذا الفتوة أنها مسألة عرضية، انتقلت إليه ~~من غيره، وسوف تنتقل منه إلى غيره. إذن: فقارون وفرعون وهامان لما جاءهم ~~موسى بآيات الله الواضحات استكبروا في الأرض، وأنفوا أن يتبعوا لا ~~بطبيعتهم وطبيعة وجود ذلك فيهم، إنما افتعالا بغير حق { وما كانوا ~~سابقين } [العنكبوت: 39] فنفى عنهم أن يكونوا سابقين، كما قال ~~سبحانه: # وما نحن بمسبوقين # [الواقعة: 60]. والسبق لا يمدح ولا يذم في ذاته، لكن بنتيجته: إلى ~~أي شيء سبق؟ كما نسمع الآن يقولون: فلان رجعي، والرجعية لا تذم في ~~ذاتها، وربما كان الإنسان مسرفا على نفسه، ثم رجع إلى منهج ربه، ~~فنعم هذه الرجعية، فالسبق لا يذم لذاته، واقرأ إن شئت قوله تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم.. # [آل عمران: 133] أي: سابقوا. والمعنى هنا { وما كانوا سابقين } ~~[العنكبوت: 39] أن هناك مضمار سباق، فمن سبق قالوا: أحرز قصب السبق، ~~فإن كان مضمار السباق هذا في الآخرة أيسبقنا أحد ليفلت من أخذنا له؟ ~~إنهم لن يسبقونا، ولن يفلتوا من قبضتنا، ولن يعجزوا قدرتنا على ~~إدراكهم. ويقول الحق سبحانه: { فكلا أخذنا بذنبه فمنهم ~~من أرسلنا... }. ### || [29.40] # الكلام هنا عن المكذبين والكافرين الذين سبق ذكرهم: قوم عاد، وثمود، ~~ومدين، وقوم لوط، وقارون، وفرعون، وهامان، فكان من المناسب أن يذكر الحق ~~سبحانه تعليقا يشمل كل هؤلاء لأنهم طائفة واحدة. فقال: { فكلا.. ~~} [العنكبوت: 40] أي: كل من سبق ذكرهم من المكذبين فالتنوين في { ~~فكلا.. } [العنكبوت: 40] عوض عن كل من تقدم ذكرهم، كالتنوين في: # وأنتم حينئذ تنظرون # [الواقعة: 84] فهو عوض عن جملة # فلولا إذا بلغت الحلقوم # [الواقعة: 83]. وقوله سبحانه: { أخذنا بذنبه.. } [العنكبوت: 40] ~~والأخذ يناسب قوة الأخذ وقدرته لذلك يقول سبحانه عن أخذه للمكذبين # أخذ عزيز مقتدر # [القمر: 42] فالعزيز: الذي يغلب ولا يغلب، والمقتدر أي: القادر على ~~الأخذ، بحيث لا يمتنع منه أحد فهو عزيز. والأخذ هنا بسبب الذنوب { ~~بذنبه.. } [العنكبوت: 40] ليس ظلما ولا جبروتا ولا جزافا، إنما ~~جزاء بذنوبهم وعدلا ولذلك يأتي في تذييل الآية: { وما كان الله ~~ليظلمهم ms7455 ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } ~~[العنكبوت: 40]. ثم يفصل الحق سبحانه وتعالى وسائل أخذه لهؤلاء ~~المكذبين: { فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا.. } ~~[العنكبوت: 40] الحاصب: هو الحصى الصغار ترمي لا لتجرح، ولكن يحمي ~~عليها لتكون وتلسع حين يرميهم بها الريح، ولم يقل هنا: أرسلنا عليهم ~~نارا مثلا لأن النار ربما إن أحرقته يموت وينقطع ألمه، لكن رميهم ~~بالحجارة المحمية تلسعهم وتديم آلامهم، كما نسمعهم يقولون: سأحرقه لكن ~~على نار باردة ذلك ليطيل أمد إيلامه. ثم يقول سبحانه: { ومنهم من ~~أخذته الصيحة.. } [العنكبوت: 40] وهو الصوت الشديد الذي تتزلزل ~~منه الأرض، وهم ثمود { ومنهم من خسفنا به الأرض.. } ~~[العنكبوت: 40] أي: قارون { ومنهم من أغرقنا.. } [العنكبوت: ~~40] وهم قوم نوح، وفرعون. هذه وسائل أربعة لإهلاك المكذبين، النار في ~~الحصباء، والهواء في الصيحة، والتراب في الخسف، ثم الماء في الإغراق، ~~ورحم الله الفخر الرازي حين قال في هذه الآية أنها جمعت العناصر التي بها ~~وجود الإنسان والعناصر الأساسية أربعة: الماء والنار والتراب والهواء. ~~وكانوا يقولون عنها في الماضي العناصر الأربعة، لكن العلم فرق بعد ذلك ~~بين العنصر والمادة. فالمادة تتحلل إلى عناصر، أما العنصر فلا يتحلل ~~لأقل منه، فهو عبارة عن ذرات متكررة لا يأتي منها شيء آخر، فالهواء مادة ~~يمكن أن نحلله إلى أكسجين و... إلخ وكذلك الماء مادة تتكون من عدة ~~عناصر وذرات إلى أن جاء مندليف ووضع جدولا للعناصر، وجعل لكل منها رقما ~~أسماها الأرقام الذرية، فهذا العنصر مثلا رقم واحد يعني: يتكون من ذرة ~~واحدة، وهذا رقم اثنين يعني يتكون من ذرتين.. إلخ إلى أن وصل إلى رقم ~~93، لكن وجد في وسط هذه الأرقام أرقاما ناقصة اكتشفها العلماء فيما بعد. # فمثلا، جاءت مدام كوري، واكتشفت عنصر الراديوم، فوجدوا فعلا أن رقمه ~~من الأرقام الناقصة في جدول مندليف، فوضعوه في موضعه، وهذا يدل على أن ~~الكون مخلوق بعناصر مرتبة وصلت مع التقدم العلمي الآن إلى 105 عناصر. ~~ولما حلل العلماء عناصر التربة المخصبة التي نأكل منها المزروعات ~~وجدوها 16 عنصرا، تبدأ بالأكجسين كأعلى نسبة، وتنتهي بالمنجنيز ms7456 كأقل ~~نسبة، لأنها لم تصل إلى الواحد من الألف. فلما حللوا عناصر جسم الإنسان ~~وجدوا نفس هذه العناصر الستة عشرة. وكأن الحق - سبحانه وتعالى - أقام حتى ~~الكفار ليثبتوا الدليل على صدقه تعالى في خلق الإنسان من طين، لنعلم ~~أن الحق سبحانه حينما يريد أن يظهر سرا من أسرار كونه يأتي به ولو ~~على أيدي الكفار. وأول من قال بالعناصر الأربعة التي يتكون منها الكون ~~فيلسوف اليونان أرسطو الذي توفي سنة 384 قبل الميلاد، وعلى أساس هذه ~~العناصر الأربع كانوا يحسبون النجم، فمثلا عن الزواج يحسبون نجم الزوج ~~والزوجة حسب هذه العناصر، فوجدوا نجم الزوج هواء، ونجم الزوجة نارا، ~~فقالوا هيجعلوها حريقة، وفي مرة أخرى وجدوا الزوجة مائية والزوج ترابيا ~~فقالوا هيعملوها معجنة. ومعلوم أن الحق سبحانه لطلاقة قدرته تعالى يجعل ~~عناصر البقاء هي نفسها عناصر الفناء، وهو سبحانه القادر على أن ينجي ~~ويهلك بالشيء الواحد، كما أهلك فرعون بالماء، وأنجى موسى - عليه السلام ~~- بالماء. كذلك حين نتأمل هذه العناصر الأربعة نجدها عناصر تكوين ~~الإنسان، حيث خلقه الله من ماء وتراب فكان طينا، ثم جف بالحرارة حتى ~~صار صلصالا كالفخار، ثم هو بعد ذلك يتنفس الهواء، فبنفس هذه العناصر ~~التي كان منها الخلق يكون بها الهلاك. والحق - سبحانه وتعالى - يريد من ~~خلقه أن يقبلوا على الكون في كل مظاهره وآياته بيقظة ليستنبطوا ما ~~فيه من مواطن العبر والأسرار لذلك نجد أن كل الاكتشافات جاءت، نتيجة ~~دقة الملاحظة لظواهر الكون. ويلفتنا ربنا إلى أهمية العلم التجريبي، ~~فيقول: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105] فينبغي إذن أن نتأمل فيما نرى وما توصل الإنسان إلى عصر ~~البخار وإلى قانون الطفو عند أرشميدس، وما توصل إلى الكهرباء ~~والجاذبية والبنسلين إلا بالتأمل الدقيق لظواهر الأشياء، لذلك فالملاحظة ~~هي أساس كل علم تجريبي أولا، ثم التجريب ثانيا، ثم إعادة التجريب لتخرج ~~النتيجة العلمية. والهواء سبب أساسي في حياة الإنسان، وبه يحدث التوازن ~~في الكون، لكن إن أراد الحق سبحانه جعله زوبعة ms7457 أو إعصارا مدمرا. وسبق ~~أن قلنا: إنك تصبر على الطعام شهرا، وعلى الماء عشرة أيام، لكن لا تصبر ~~على الهواء إلا بمقدار شهيق وزفير، فالهواء إذن أهم سبب من أسباب بقاء ~~الحياة لذلك نسمعهم يقولون في شدة الكيد: والله لأكتم أنفاسه لأنها ~~السبيل المباشر إلى الموت لذلك فالهواء عامل أساسي في وسائل الإهلاك ~~المذكورة. # وبالهواء تحفظ الأشياء توازنها، فالجبال العالية والعمارات الشاهقة ما ~~قامت بقوة المسلحات والخرسانات، إنما بتوازن الهواء، بدليل أنك لو ~~فرغت جانبا منها من الهواء لانهارت في هذا الجانب فورا. وبهذه ~~النظرية يحدث الدمار بالقنابل لأنها تعتمد على نظرية تفريغ الهواء وما ~~يسمونه مفاعل القبض ومفاعل البسط، فما قامت الأشياء من حولك إلا لأن ~~الهواء يحيط بها من كل جهاتها. وقلنا: إن القرآن الكريم حينما يحدثنا عن ~~الهواء يحدثنا عنه بدقة الخالق الخبير، فكل ريح مفردة جاءت للتدمير ~~والإهلاك، وكل ريح بصيغة الجمع للنماء والخير والإعمار، واقرأ إن شئت ~~قوله تعالى: # وأرسلنا الرياح لواقح.. # [الحجر: 22]. وقوله سبحانه: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6] لأنها ريح واحدة تهب من جهة واحدة فتدمر. ثم تختم الآية ~~بهذه الحقيقة: { وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون } [العنكبوت: 40] لأن الخالق - عز وجل - كرم ~~الإنسان # ولقد كرمنا بني ءادم.. # [الإسراء: 70] كرمه من بين جميع المخلوقات بالعقل والاختيار، فإذا ~~نظرت في الكون واستقرأت أجناس الوجود لوجدت الإنسان سيد هذا الكون ~~كله. فالأجناس في الكون مرتبة: الإنسان ودونه مرتبة الحيوان، ثم النبات، ~~ثم الجماد، فالجماد إذا أخذ ظاهرة من ظواهر فضل الحق عليه من النمو ~~يصير نباتا، وإذا أخذ النبات ظاهرة من ظواهر فيض الحق على الخلق ~~فأعطاه مثلا الإحساس يصير حيوانا، فإذا تجلى عليه الحق سبحانه بفضله ~~وأعطاه نعمة العقل يصير إنسانا. لكن هل النبات حين يأخذ خاصية النمو ~~ففضل عن الجماد يخرج عن الجمادية؟ لا إنما تظل فيه الجمادية بدليل ~~أنه إذا امتنع عنه النمو يعود جمادا كالحجر، وكذلك الحيوان أخذ ظاهرة ~~الحس وتميز بها عن النبات، لكن تظل فيه ms7458 النباتية حيث ينمو ويكبر. ~~والإنسان وهو سيد الكون الذي كرمه ربه بالعقل تظل فيه الجمادية بدليل ~~أثر الجاذبية عليه، فإذا ألقى بنفسه من مكان عال لا يستطيع أن يمسك نفسه ~~في الهواء، وكذلك تظل فيه النباتية والحيوانية، ففيه إذن كل خصائص ~~الأجناس الأخرى دونه، ويزيد عليهم بالعقل. لذلك لا يكلفه الله إلا بعد ~~أن ينضج عقله ويبلغ، وبشرط أن يسلم من العطب في عقله كالجنون مثلا، وأن ~~يكون مختارا فالمكره لا تكليف عليه لأنه غير مختار. والإنسان الذي ~~كرمه ربه بالعقل والاختيار، وفضله على كل أجناس الوجود لا يليق به أن ~~يخضع أو يعبد إلا أعلى منه درجة، أما أن يتدنى فيعبد ما هو أقل منه ~~رتبة، فهذا شيء عجيب لا يليق به، فالعابد لا بد أن يكون أدنى درجة ~~من المعبود، وأنت بالحكم أعلى درجة مما تحتك من الحيوان والنبات والجماد، ~~فكيف تجعله يتصرف فيك، مع أنه من تصرفاتك أنت حين توجده نحتا، ~~وتقيمه في المكان الذي تريده وإن انكسر تصلحه؟!! إذن: كرمك ربك، ~~وأهنت نفسك، ورضيت لها بالدونية، جعلك سيدا وجعلت نفسك عبدا لأحقر ~~المخلوقات لذلك يقول تعالى في الحديث القدسي # " يا ابن آدم، خلقتك من أجلي، وخلقت الكون كله من أجلك، فلا تشتغل بما ~~هو لك عما أنت له ". # إذن: { وما كان الله ليظلمهم.. } [العنكبوت: 40] أي: لا ~~ينبغي لله تعالى أن يظلمهم، فساعة تسمع ما كان لك أن تفعل كذا، ~~فالمعنى أنك تقدر على هذا، لكن لا يصح منك، فالحق سبحانه ينفي الظلم عن ~~نفسه، لا لأنه لا يقدر عليه، إنما لأنه لا ينبغي له أن يظلم لأن الظلم ~~يعني أن تأخذ حق الغير، والله سبحانه مالك كل شيء، فلماذا يظلم إذن. ~~ومثال ذلك نفي انبغاء قول الشعر من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ~~قال سبحانه: # وما علمناه الشعر وما ينبغي له... # [يس: 69] فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يستطيع أن يقول شعرا، فلديه كل ~~أدواته، لكن لا ينبغي للرسول أن يكون شاعرا لأنهم كذابون، ms7459 وفي كل واد ~~يهيمون، ففرق بين انبغاء الشيء ووجوده فعلا. ويؤكد هذا المعنى قوله ~~تعالى: # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46] بصيغة المبالغة ظلام، ولم يقل ظالم، لماذا؟ لأن الله تعالى ~~إن أباح لنفسه سبحانه الظلم، فسيأتي على قدر قوته تعالى، فلا يقال له ~~ظالم إنما ظلام - وتعالى الله عن هذا علوا كبيرا. ولما تكلمنا عن ~~المبالغة وصيغها قلنا: إن المبالغة قد تكون في الحدث ذاته، كأن تأكل في ~~الوجبة الواحدة رغيفا، ويأكل غيرك خمسة مثلا، أو تكون في تكرار الحدث، ~~فأنت تأكل ثلاث وجبات، وغيرك يأكل ستا، فنقول: فلان آكل، وفلان أكول ~~أو أكال، فالمبالغة نشأت إما من تضخيم الحدث ذاته، أو من تكراره. ففي ~~قوله تعالى: # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46] لم يقل للعبد، إذن: تعدد الناس يقتضي تعدد الظلم - إن ~~تصور - فجاء هنا بصيغة المبالغة ظلام. وهناك قضية لغوية في مسألة ~~المبالغة تقول: إن نفي المبالغة لا ينفي الأصل، وإثبات الأصل لا يثبت ~~المبالغة، فحين نقول مثلا: فلان أكول، فهو آكل من باب أولى، وحين ~~نقول: فلان آكل، فلا يعني هذا أنه أكول. فنفي المبالغة في # وما ربك بظلام للعبيد # [فصلت: 46] لا ينفي الأصل ظالم، وحاشا لله تعالى أن يكون ظالما. وقوله ~~تعالى: { ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [العنكبوت: 40] ~~وظلمهم لأنفسهم جاء من تدنيهم وإهانتهم لأنفسهم بالكفر بعد أن كرمهم ~~الله، وكان عليهم أن يصعدوا هذا التكريم، لا أن يهينوا أنفسهم ~~بعبادة الأدنى منهم. وبعد أن حدثتنا الآيات عن الكافرين الذين اتخذوا ~~الشركاء مع الله، وعن المكذبين للرسل وما كان من عقابهم، تعطينا مثلا ~~يقرب لنا هذه الحقائق، فيقول سبحانه: { مثل الذين اتخذوا ~~من دون الله... }. ### || [29.41] # كلمة مثل وردت بمشتقاتها في القرآن الكريم مرات عدة، ومادة الميم ~~والثاء واللام جاءت لتعبر عن معنى يجب أن نعرفه، فإذا قيل مثل بسكون ~~الثاء، فمعناها التشبيه، لكن تشبيه مفرد بمفرد. كما في قوله تعالى: # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11] وقوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها.. # [الشورى: 40]. أما مثل بالفتح، فتعني تشبيه قصة ms7460 أو متعدد بمتعدد، ~~كما في قوله تعالى: # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السماء.. # [الكهف: 45]. فالحق - سبحانه وتعالى - لا يشبه شيئا بشيء إنما يشبه ~~صورة متكاملة بصورة أخرى: فالحياة الدنيا في وجودها وزهرتها وزخرفها ~~وخضرتها ومتاعها، ثم انتهائها بعد ذلك إلى زوال مثل الماء حين ينزل من ~~السماء فيختلط بتربة الأرض، فينبت النبات المزهر الجميل، والذي سرعان ما ~~يتحول إلى حطام. لذلك اعترض بعض المتمحكين على أسلوب القرآن في قول الحق ~~سبحانه وتعالى عن موسى عليه السلام: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم.. # [آل عمران: 59]. ووجه اعتراضه أن مثل جاءت تشبه مفردا بمفرد، وهو ~~عيسى بآدم عليهما السلام، ونحن نقول: إنها تشبه صورة متكاملة بأخرى ~~ونقول: هذا الاعتراض ناتج عن عدم فهم المعنى المراد من الآية، فالحق ~~سبحانه لا يشبه عيسى بآدم كأشخاص، إنما يشبه قصة خلق آدم بقصة ~~خلق عيسى، فآدم خلق من غير أب، وكذلك عيسى خلق من غير أب. والمعنى: ~~إن كنتم قد عجبتم من أن عيسى خلق بدون أب، فكان ينبغي عليكم أن ~~تعجبوا أكثر من خلق آدم لأنه جاء بلا أب وبلا أم، وإذا كنتم اتخذتم ~~عيسى إلها لأنه جاء بلا أب، فالقياس إذن يقتضي أن تكون الفتنة في آدم ~~لا في عيسى. والمسألة أن الله تعالى شاء أن يعلن خلقه عن طلاقة قدرته في ~~أنه لا يخلق بشكل مخصوص، إنما يخلق كما يشاء سبحانه من أب وأم، أو من دون ~~أب، ومن دون أم، ويخلق من أب فقط، أو من أم فقط. إذن: هذه المسألة لا ~~تخضع للأسباب، إنما لإرادة المسبب سبحانه، فإذا أراد قال للشيء: كن ~~فيكون. وقد يجتمع الزوجان، ويكتب عليهما العقم، فلا ينجبان، وقد يصلح ~~الله العقيم فتلد، ويصلح العجوز فتنجب - والأدلة على ذلك واضحة - إذن: ~~فطلاقة القدرة في هذه المسألة تستوعب كل الصور، بحيث لا يحدها حد. ~~والحق سبحانه حين يضرب لنا الأمثال يريد بذلك أن يبين لنا الشيء ~~الغامض بشيء واضح، والمبهم بشيء بين، والمجمل بشيء ms7461 مفصل، وقد جرى ~~القرآن في ذلك على عادة العرب، حيث استخدموا الأمثال في البيان والتوضيح. ~~ويحكى أن أحدهم، وكان صاحب سمعة طيبة وسيرة حسنة بين الناس، فحسده آخر، ~~وأراد أن يلصق به تهمة تشوه صورته، وتذهب بمكانته بين الناس فاتهمه ~~بالتردد على أرملة حسناء، وقد رآه الناس فعلا يذهب إلى بيتها، فتخرج له ~~امرأة فيعطيها شيئا معه. # ولما تحقق الناس من المسألة وجدوها عجوزا لها أولاد صغار وهم فقراء، ~~وهذا الرجل يعطف عليهم ويفيض عليهم مما رزقه الله، فلما عرفوا ذلك عن ~~الرجل عظموه، ورفعوا من شأنه، وزاد في نظرهم مجدا وفضلا. وقد أخذ ~~الشاعر هذا المعنى وعبر عنه قائلا مستخدما المثل: # وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت # أتاح لها لسان حسود # لولا اشتعال النار فيما جاورت # ما كان يعرف طيب عرف العود # والعود نوع من البخور، طيب الرائحة، لا تنتشر رائحته إلا حين يحرق. ~~ومن مشتقاتها أيضا مثلة كما في قوله تعالى: # وقد خلت من قبلهم المثلات.. # [الرعد: 6] وهي العقوبات التي حاقت بالأمم المكذبة، حتى جعلتها عبرة ~~لغيرها. فإذا اشتهر المثل انتشر على الألسنة، وضربه الناس مثلا كما ~~اشتهر حاتم الطائي بالكرم والجود حتى صار مضرب المثل فيه، وقد تشتهر ~~بيننا عبارة موجزة، فتصير مثلا يضرب في مناسبها كما نقول للتلميذ الذي ~~يهمل طوال العام، ثم يجتهد ليلة الامتحان قبل الرماء تملأ الكنائن مع ~~الاحتفاظ بنص المثل في كل مناسبة، وإن لم يكن هناك رمي ولا كنائن. كما ~~أن المثل يقال كما هو دون تغيير، سواء أكان للمفرد، أم المثنى، أم الجمع ~~المذكر، أو للمؤنث. كذلك نقول ماذا وراءك يا عصام بالكسر لأنها قيلت في ~~أصل المثل لامرأة. يقول الحق سبحانه: { مثل الذين اتخذوا ~~من دون الله أوليآء كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا.. } [العنكبوت: 41]. فهذا مثل في قمة العقيدة، ضربه الله لنا ~~للتوضيح وللبيان، ولتقريب المسائل إلى عقولنا، وإياك أن تقول للمثل الذي ~~ضربه الله لك: ماذا أراد الله بهذا؟ لأن الله تعالى قال: # إن الله لا يستحى أن يضرب ms7462 مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها.. # [البقرة: 26]. فالبعض يرى أن البعوضة هذه شيء تافه، فكيف يجعله الله ~~مثلا؟ والتحقيق أن البعوضة خلق من خلق الله، فيها من العجائب ~~والأسرار ما يدعوك للتأمل والنظر، وليست شيئا تافها كما تظن، بل يكفيك ~~فخرا أن تصل إلى سر العظمة فيها. ففي هذا المخلوق الضئيل كل ~~مقومات الحياة والإدراك، فهل تعرف فيها موضع العقل وموضع جهازها ~~الدموي.. إلخ وفضلا عن الذباب والناموس وصغار المخلوقات ألا ترى ~~الميكروبات التي لا تراها بعينك المجردة ومع ذلك يصيبك وأنت القوى بما ~~يؤرقك وينغص عليك. إذن: لا تقل لماذا يضرب الله الأمثال بهذه الأشياء ~~لأن الله # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها.. # [البقرة: 26] ما فوقها أي: في الصغر والاستدلال. أي: ما دونها ~~صغرا لأن عظمة الخلق كما تكون بالشيء الأكثر ضخامة تكون كذلك بالشيء ~~الأقل حجما الأكثر دقة. # لو نظرت مثلا إلى ساعة بج بن وهي أضخم وأشهر ساعة في العالم، وعليها ~~يضبط العالم الوقت لوجدتها شيئا ضخما من حيث الحجم ليراها القادم من ~~بعيد، ويستطيع قراءتها، فدلت على عظمة الصنعة ومهارة المهندسين ~~الذين قاموا ببنائها، فعظمتها في ضخامتها وفخامتها، فإذا نظرت إلى نفس ~~الساعة التي جعلوها في فص الخاتم لوجدت فيها أيضا عظمة ومهارة جاءت ~~من دقة الصنعة في صغر الحجم. كذلك الراديو أول ما ظهر كان في حجم ~~النورج، والآن أصبح صغيرا في حجم الجيب. ومن مخلوقات الله ما دق لدرجة ~~أنك لا تستطيع إدراكه بحواسك، والعجيب أن يطلب الإنسان أن يرى الله ~~جهرة، وهو لا يستطيع أن يرى آثار خلقه وصنعته. فأنت لا ترى الجن، ~~ولا ترى الميكروب والجراثيم، ولا ترى حتى روحك التي بين جنبيك والتي بها ~~حياتك، لا يرى هذه الأشياء ولا يدركها بوسائل الإدراك الأخرى، فمن عظمته ~~تعالى أنه يدرك الأبصار، ولا تدركه الأبصار. نعود إلى المثل الذي ضربه ~~الله لنا: { مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أوليآء.. } [العنكبوت: 41] أي: شركاء وشفعاء { كمثل ~~العنكبوت.. } [العنكبوت: 41] هذا المخلوق الضعيف ms7463 الذي ينسج خيوطه ~~بهذه الدقة التي نراها، والذي نسج خيوطه على الغار في هجرة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، واشترك مع الحمامة في التعمية على الكفار. { اتخذت ~~بيتا.. } [العنكبوت: 41] أي: من هذه الخيوط الواهية { وإن ~~أوهن البيوت لبيت العنكبوت.. } [العنكبوت: 41] فخطأ ~~العنكبوت ليس في اتخاذ البيت، إنما في اتخاذ هذه الخيوط الواهية بيتا له ~~وهبة ريح كافية للإطاحة بها، ويشترط في البيت أن يكون حصينا يحمي ~~صاحبه، وأن تكون له أبواب ونوافذ وحوائط.. إلخ. أما لو اتخذها شبكة لصيد ~~فرائسه لكان أنسب، وكذلك الكفار اتخذوا من الأصنام آلهة، ولو اتخذوها ~~دلالة على قدرة الحق في الخلق لكان أنسب وأجدى. وكما أن بيت العنكبوت ~~تهدمه هبة ريح وتقطعه وأنت مثلا تنظف بيتك، وربما تقتل العنكبوت ~~نفسه، فكذلك طبق الأصل يفعل الله بأعمال الكافرين: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. وكذلك يضرب لهم مثلا آخر: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف.. # [إبراهيم: 18]. ومعنى: { لو كانوا يعلمون } [العنكبوت: 41] ~~أي: حقيقة الأشياء، فشبكة العنكبوت لا تصلح بيتا، ولكن تصلح مصيدة ~~للحشرات، وكذلك الأصنام والأحجار لا تنفع لأن تكون آلهة تعبد، إنما ~~لأن تكون دلالة على قدرة الخالق - عز وجل - فلو فكروا فيها وفي أسرار ~~خلقها لاهتدوا من خلالها للإيمان. فهي - إذن - دليل قدرة لو كانوا ~~يعلمون، فالجبل هذا الصخر الذي تنحتون منه أصنامكم هو أول خادم لكم، ولمن ~~هو أدنى منكم من الحيوان والنبات، وسبق أن قلنا: إن الجماد يخدم ~~النبات، ويخدم الحيوان، وهم جميعا في خدمة الإنسان. # إذن: فالجماد خادم الخدامين، ومع ذلك جعلتموه إلها، فانظروا إذن إلى ~~هذه النقلة، وإلى خسة فكركم، وسوء طباعكم حيث جعلتم أدنى الأشياء ~~وأحقرها أعلى الأشياء وأشرفها - أي: في زعمكم. فكيف وقد ميزك الله على ~~كل الأجناس؟ لقد كان ينبغي منك أن تبحث عن شيء أعلى منك يناسب عبادتك له، ~~وساعتها لن تجد إلا الله تتخذه إلها. بل واقرأ إن شئت عن الجماد ~~قوله تعالى: # قل ms7464 أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها... # [فصلت: 9-10] أي: في الأرض # رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ ~~أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 10]. فكأن الجبال الصماء الراسية هي مخازن القوت للناس على ~~مر الزمان، فمنها تتفتت الصخور، ويتكون الطمي الذي يحمله إلينا ~~الماء في أيام الفيضانات، ومنها تتكون الطبقة المخصبة في السهول ~~والوديان، فتكون مصدر خصب ونماء دائم ومتجدد لا ينقطع. وتذكرون أيام ~~الفيضان وما كان يحمله نيل مصر إلينا من خير متجدد كل عام، وكيف أن ~~الماء كان يأتينا أشبه ما يكون بالطحينة من كثرة ما به من الطمي. فياليت ~~عباد الأصنام الذين نحتوا الصخور أصناما تأملوا هذه الآيات الدالة ~~على قدرة الخالق سبحانه بدل أن يعبدوها من دون الله. وفي موضع آخر يضرب ~~لنا الحق سبحانه مثلا في قمة العقيدة أيضا فيقول سبحانه: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون # [الزمر: 29]. ففرق بين عبد مملوك لسيد واحد يتلقى منه وحده الأمر ~~والنهي، وبين عبد مملوك لعدة شركاء، وليتهم متفقون، لكن # شركآء متشاكسون.. # [الزمر: 29] مختلفون لكل أوامر، ولكل منهم مطالب، فكيف إذن يرضيهم؟ ~~وكيف يقوم بحقوقهم وهم يتجاذبونه؟ فالذي يعبد الله وحده لا شريك له ~~كالعبد لسيد واحد، والذين يعبدون الأصنام كالعبد فيه شركاء متشاكسون. ~~إذن: فالحق سبحانه يضرب الأمثال للناس في الحقائق ليبينها لهم بيانا ~~واضحا. ثم يقول الحق سبحانه: { إن الله يعلم ما... }. ### || [29.42] # يقول سبحانه: { إن الله يعلم ما يدعون من دونه من ~~شيء.. } [العنكبوت: 42] لأنهم حين ضيق عليهم الخناق قالوا: نحن لا ~~نعبد الأصنام، إنما نعبد الكواكب التي تسير هذه الأصنام أو الملائكة، ~~فرد الله عليهم: { إن الله يعلم ما يدعون من دونه ~~من شيء.. } [العنكبوت: 42] وقوله هنا { من شيء.. } [العنكبوت: ~~42] للتقليل، كأن ما يدعونه من دونه لا يعد شيئا، أو هو أتفه من أن ~~يكون شيئا، أو يعلم سبحانه ما يدعون ms7465 من دونه من أي شيء. أو أن شيء من ~~قولنا: شاء يشاء شيئا، فالشيء ما يراد من الغير أن يفعله، والذي شاء ~~هو الله تعالى، وكأنهم يعبدون الشيء ويتركون خالقه، وهو الأحق بالعبادة ~~سبحانه، فماذا جرى لكم؟! تعبدون المخلوق وتتركون الخالق، وبعد أن كرمكم ~~الله تهينون أنفسكم، وترضون لها الدون، حيث تعبدون ما هو أقل منكم ~~مرتبة في الخلق، والأصنام جمادات، وهي أدنى أجناس الوجود. ثم يقول ~~سبحانه: { وهو العزيز الحكيم } [العنكبوت: 42] العزيز الذي ~~يغلب، ولا يغلب، وهو الحكيم في كل ما قضى وأمر. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وتلك الأمثال نضربها... }. ### || [29.43] # فمن يسمع المثل من الله تعالى ثم لا يعقله فليس بعالم لذلك ليسوا ~~علماء الذين اعترضوا على قوله تعالى: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها.. # [البقرة: 26] حيث استقلوا البعوضة، ورأوها لا تستحق أن تضرب مثلا. ~~ونقول لهم: أنتم لستم عاقلين ولا عالمين بدقة المثل، واقرأوا: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له.. # [الحج: 73] بل وأكثر من ذلك: # وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه.. # [الحج: 73]. دعك من مسألة الخلق، وتعال إلى أبسط شيء في حركة ~~حياتنا إذا وقع الذباب على طعامك، فأخذ منه شيئا أتستطيع أن تسترده منه ~~مهما أوتيت من القوة والجبروت؟ إذن: فالذبابة ليست شيئا تافها كما ~~تظنون، بل وأقل منها الناموس والميكروب وغيره مما لا يرى بالعين ~~المجردة مخلوقات لله، فيها أسرار تدل على قدرته تعالى. كما قال سبحانه: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها.. # [البقرة: 26] أي: ما فوقها في الصغر، ولك أن تتأمل البعوضة، وهي أقل ~~حجما من الذباب، وكيف أن لها خرطوما دقيقا ينفذ من الجلد، ويمتص الدم ~~الذي لا تستطيع أنت إخراجه إلا بصعوبة، والميكروب الذي لا تراه بعينك ~~المجردة ومع ذلك يتسلل إلى الجسم فيمرضه، ويهد كيانه، وربما انتهى به ~~إلى الموت. إذن: ففي هذه المخلوقات الحقيرة في نظرك عبر وآيات، لكن لا ~~يعقلها إلا العالمون، ms7466 ومعظم هذه الآيات والأسرار اكتشفها غير مؤمنين ~~بالله، فكان منهم من عقلها فآمن، ومن لم يعقلها فظل على كفره على ~~أنه أولى الناس بالإيمان بالله لأن لديه من العلم ما يكتشف به أسرار ~~الخالق في الخلق. لذلك جاء في الأثر: " العالم الحق هو الذي يعلم من ~~خلقه، ولم خلقه ". ثم يقول الحق سبحانه: { خلق الله ~~السماوات... }. ### || [29.44] # أراد الحق سبحانه أن يبرهن لنا على طلاقة قدرته تعالى، فقال: { خلق ~~الله السماوات والأرض بالحق.. } [العنكبوت: 44] ~~والخلق: إيجاد المعدوم، لكن الغرض مخصوص، ولمهمة يؤديها، فإن خلقت ~~شيئا هكذا كما اتفق دون هدف منه فلا يعد خلقا. ومسألة الخلق هذه هي ~~الوحيدة أقر الكفار بها لله تعالى، فلما سألهم: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله.. # [لقمان: 25] فلماذا أقروا بهذه بالذات؟ ولماذا ألجمتهم؟ هذا ليس ~~عجيبا منهم لأننا نشاهد كل من يأتي بجديد في الكون حريصا على أن ~~ينسبه لنفسه، وعلى أن يبين للناس مجهوداته وخبراته، وأنه اخترع كذا ~~أو اكتشف كذا، كالذي اكتشف الكهرباء أو اخترع التليفون أو التليفزيون. ما ~~زلنا حتى الآن نذكر أن قانون الطفو لأرشميدس، وقانون الجاذبية لنيوتن، ~~والناس تسجل الآن براءات الاختراع حتى لا يسرق أحد مجهودات أحد، ولتحفظ ~~لأصحاب التفوق العقلي والعبقري ثمرة عبقريتهم. وكذلك كان العرب قديما ~~يذكرون لصاحب الفضل فضله، حتى إنهم يقولون: فلان أول من قال مثلا: ~~أما بعد. وفلان أول من فعل كذا. إذن: فنحن نعرف الأوائل في كل المجالات، ~~وننسب كل صنعة وكل اختراع واكتشاف إلى صاحبه، بل ونخلد ذكراه، ونقيم ~~له تمثالا.. إلخ. إذن: فما بالك بالخالق الأعظم سبحانه الذي خلق ~~السماوات والأرض وما فيهما ومن فيهما، أليس من حقه أن يعلن عن نفسه؟ ~~أليس من حقه على عباده أن يعترفوا له بالخلق؟ خاصة وأن خلق السماوات ~~والأرض لم يدعه أحد لنفسه، ولم ينازع الحق فيه منازع، ثم جاءنا رسول من ~~عند الله تعالى يخبرنا بهذه الحقيقة، فلم يوجد معارض لها، والقضية تثبت ~~لصاحبها إلى أن يوجد معارض. وقد مثلنا ms7467 لهذه المسألة - ولله المثل ~~الأعلى - بجماعة جلسوا في مجلس، فلما انفض جمعهم وجد صاحب البيت محفظة ~~نقود لواحد منهم، فسألهم: لمن هذه المحفظة؟ فقالوا جميعا: ليست لي إلا ~~واحد منهم قال: هي محفظتي، فهل يشك صاحب البيت أنها لمن ادعاها؟ ولك ~~أن تسأل: ما دام الحق سألهم # من خلق السماوات والأرض.. # [لقمان: 25] فقالوا الله فلماذا يذكر الله هذه القضية؟ قالوا: الحق - ~~تبارك وتعالى - لا يريد بهذه الآية أن يخبرنا أنه خالق السماوات والأرض، ~~إنما يريد أن يخبرنا أن خلق السماوات والأرض بالحق، والحق: الشيء ~~الثابت الذي لا يتغير مع الحكمة المترتبة على كل شيء في الوجود، فإذا ~~نظرنا إلى خلق السماوات والأرض لوجدناه ثابتا لم يتغير شيء فيه. لذلك ~~يقول سبحانه: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57]. فالسماوات والأرض خلق هائل عظيم، بحيث لو قارنته بخلق ~~الإنسان لكان خلق الإنسان أهون. # وانظر مثلا في عمر السماوات والأرض وفي عمر الإنسان: أطول أعمار البشر ~~التي نعلمها حتى الآن عمر نوح عليه السلام، وبعد هذا العمر الذي نراه ~~طويلا انتهى إلى الموت، فعمر الإنسان معلوم يكون سنة واحدة، أو ألف سنة ~~لكن لا بد أن يموت. أما السماوات والأرض وما فيها من مخلوقات إنما ~~خلقت لخدمة الإنسان، فالخادم عمره أطول من المخدوم، فالشمس مثلا خلقها ~~الله تعالى من ملايين السنين، وما زالت كما هي لم تتغير، ولم تتخلف عن ~~مهمتها، وكذلك القمر: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5]. أي: بحساب دقيق لذلك يقولون: سيحدث كسوف مثلا أو خسوف يوم ~~كذا الساعة كذا، وفي نفس الوقت يحدث فعلا كسوف للشمس أو خسوف للقمر مما ~~يدل على أنهما خلقا بحساب بديع دقيق، ويكفي أننا نضبط على الشمس مثلا ~~ساعاتنا، ومع ما عرف عن الشمس والقمر، من كبر حجمهما، فإنهما يسيران ~~في مسارات وأفلاك دون صدام، كما قال تعالى: # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33]. هذا كله من معنى خلق السماوات والأرض بالحق. أي: ~~بنظام ثابت دقيق منضبط لا يتغير ولا يتخلف في كل مظاهره، فأنت ms7468 أيها ~~الإنسان يمكن أن تتغير لأن الله جعل لك اختيارا فتستطيع أن تطيع أو أن ~~تعصي، تؤمن أو والعياذ بالله تكفر، لكن خلق السماوات والأرض جاء على ~~هيئة القهر والتسخير، وإن كانت مختارة بالقانون العام والاختيار الأول، ~~حيث قال تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. إذن: خيرت فاختارت ألا تختار، وخرجت عن مرادها ~~لمراد ربها. ثم يقول سبحانه: { إن في ذلك لآية للمؤمنين ~~} [العنكبوت: 44] لماذا قال للمؤمنين مع أنها آية للناس جميعا؟ وسبق أن ~~خاطب الله الكافرين # من خلق السماوات والأرض.. # [لقمان: 25] فلماذا خص هنا المؤمنين دون الكافرين؟ قالوا: هناك فرق ~~بين خلق السماوات والأرض، وبين كونها مخلوقة بالحق، فالجميع يؤمن ~~بأنها مخلوقة، لكن المؤمنين فقط هم الذين يعرفون أنها مخلوقة بالحق. يقول ~~الحق سبحانه: { اتل ما أوحي إليك من الكتاب... }. ### || [29.45] # بعد أن ذكر الله تعالى بعض مواكب الرسل في إبراهيم وفي موسى ونوح وصالح ~~وهود ولوط وفي شعيب، ثم تكلم سبحانه عن الذين كذبوا هؤلاء الرسل # فكلا أخذنا بذنبه.. # [العنكبوت: 40] أراد سبحانه أن يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم بأن لا ~~يزعجه، ولا يرهقه، أو يتعب نفسه موقف الكافرين به الذين يصدون عن سبيل ~~الله، ويقفون من الدعوة موقف العداء. فقال له مسليا: { اتل ما ~~أوحي إليك من الكتاب.. } [العنكبوت: 45] يعني: لم تحزن ~~يا محمد ومعك الأنس كله، الأنس الذي لا ينقضي، وهو كتاب الله ومعجزته ~~التي أنزلها إليك، فاشتغل به، فمع كل تلاوة له ستجد سكنا إلى ربك. وإذا ~~كان هؤلاء الذين عاصروك لم يؤمنوا به، ولم يلتفتوا إلى مواطن الإعجاز فيه ~~فداوم أنت على تلاوته عل الله يأتي من هؤلاء بذرية تصفو قلوبهم ~~لاستقبال إرسال السماء، فيؤمنون بما جحده هؤلاء، والأمر بالتلاوة لبقاء ~~المعجزة. { اتل.. } [العنكبوت: 45] اقرأ ولا تعجز ولا تيأس، فالقرآن ~~سلوة لنفسك لأن الذي يرسل رسولا من البشر بشيء أو في أمر من الأمور، ثم ~~يكذب يرجع إلى من أرسله، ms7469 فما دام قومك قد كذبوك، فارجع إلي بأن ~~تستمع إلى كتابي الذي أنزلته معجزة لك تؤيدك، وانتظر قوما يأتون يسمعون ~~منك كلام الله، فيصادف منهم قلوبا صافية، فيؤمنون به. وفرق بين الفاعل ~~والقابل، والقرآن يوضح هذه المسألة، فمن الناس من إذا سمعوا القرآن ~~تخشع له قلوبهم، وتقشعر جلودهم، ومنهم من إذا سمعوه قالوا على سبيل ~~الاستهزاء # ماذا قال آنفا.. # [محمد: 16] تهوينا من شأن القرآن، ومن شأن رسول الله. ثم يقرر القرآن ~~هذه الحقيقة: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى.. # [فصلت: 44]. إذن: فالقرآن واحد، لكن المستقبل للقرآن مختلف، فالعبرة في ~~صفاء الاستقبال لأن الإرسال واحد، وهل تتهم الإذاعة إن كان جهار الراديو ~~عندك معطلا، لا يستقبل إرسالها؟ كذلك من أراد أن يستقبل إرسال السماء ~~فعليه أن يعد الأذن الواعية والقلب الصافي غير المشوش بما يخالف إرسال ~~السماء، عليك أن تخرج ما في نفسك أولا من أضداد للقرآن، ثم تستقبل ~~كلام الله وتنفعل به. وسبق أن مثلنا لاختلاف المنفعل للفعل بمن ~~ينفخ في يده وقت البرد بقصد التدفئة، وبمن ينفخ بنفسه في الشاي مثلا ~~ليبرده، فهذه للحرارة، وهذه للبرودة، الفعل واحد، لكن المنفعل مختلف. ~~فقوله تعالى: { اتل ما أوحي إليك من الكتاب.. } ~~[العنكبوت: 45] هذه هي ميزة معجزتك يا محمد أنك تستطيع أن تكررها في ~~كل وقت، وأن تتلوها كما تشاء، وأن يتلوها بعدك من سمعها، وستظل تتردد ~~إلى يوم القيامة. # أما معجزات الرسل السابقين فكانت خاصة بمن شاهد المعجزة، فإذا مات ~~من شهدها فلا يعرفها أحد بعدهم حتى لو كان معاصرا لها ولم يرها، ~~فالذين عاصروا مثلا انقلاب عصا موسى حية ولم يشاهدوا هذا الموقف، ماذا ~~عندهم من هذه المعجزة؟ لا شيء إلا أننا نصدقها ونؤمن بها لأن القرآن ~~أخبرنا بها. إذن: فمعجزات السابقين تأتي كلقطة واحدة أشبه ما تكون بعود ~~الكبريت الذي يشتعل مرة واحدة، رآها من رآها وتنتهي المسألة، ولكن ~~القرآن حدثنا بكل معجزات الرسل السابقين فانظر إذن ما أصاب الرسل ms7470 جميعا ~~من خيرات سيدنا رسول الله، وكيف خلد القرآن ذكرهم، وامتدت معجزاتهم ~~بامتداد معجزته. فكأن القرآن أسدى الجميل إلى كل الرسل، وإلى كل المعجزات ~~لذلك قال تعالى عن القرآن: # وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه.. # [المائدة: 48]. ثم يقول سبحانه: { وأقم الصلاة.. } [العنكبوت: ~~45] ومعلوم أن اتل: التلاوة قول من فعل اللسان و { وأقم.. } ~~[العنكبوت: 45] من فعل الجوارح، والإنسان له جوارح متعددة اشتهر منها خمس ~~هي: العين للإبصار، والأذن للسمع، والأنف للشم، واللسان للتذوق، والأنامل ~~للمس. فقالوا على سبيل الاحتياط: الجوارح الخمسة الظاهرة وقد ظهر فعلا ~~مع تقدم العلوم اكتشفوا في الإنسان حواس أخرى ووسائل إدراك لم تعرف ~~من قبل، كحاسة العضل التي تزن بها ثقل الأشياء، وإلا فبأي حاسة من ~~حواسك الخمسة تعرف الثقل قبل أن ترفع الشيء من على الأرض؟ وكحاسة ~~البين، والتي بها تستطيع أن تميز بين سمك الأشياء بين أناملك، ~~فحين تذهب مثلا إلى تاجر الأقمشة، فتتناول القماش بين أناملك و تفركه ~~برفق، فتستطيع أن تعرف أن هذا أسمك من هذا. ومن عجيب الأمر في مسألة ~~الجوارح أن يأخذ اللسان شطر الجوارح كلها، ففعل الحواس الخمسة يسمى ~~عملا، والعمل ينقسم: إما قول، وإما فعل. فكل تحريك لجارحة لتؤدي مهمة ~~يسمى عملا، لكن عمل اللسان يسمى قولا، أما من بقية الجوارح فيسمى ~~فعلا. فأخذ اللسان هذه المكانة لأن به الإنذار من الحق، وبه التبشير، ~~وبه البلاغ من الرسول لذلك يقول الحق سبحانه: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2]. ولم يقل: ما لا تعملون. لأن القول يقابله الفعل، وهما معا ~~عمل، والعمل بنية القلب. لكن، لماذا اختار الصلاة من بين أعمال الجوارح؟ ~~قالوا: لأنها قمة العمل كما سماها النبي صلى الله عليه وسلم: # " الصلاة عماد الدين " # وبها نفرق بين المؤمن والكافر. ويبقى السؤال: لماذا أخذت الصلاة هذه ~~المكانة من بين أركان الإسلام؟ ونحب أن نشير هنا إلى أن خصوم الإسلام ~~وبعض أهله الذين يخافون من بعثه أن يقضي على سلطتهم وطغيانهم ms7471 وجبروتهم ~~يريدون حصر الإسلام في أركانه الخمسة، فإن قلت بهذه المقولة لا ~~يتعرضون لك، وأنت حر في إطار أركان الإسلام هذه، لكن إياك أن تقول: إن ~~الإسلام جاء لينظم حركة الحياة لأن حظهم في حصر الإسلام في أركانه ~~فقط. # وما فهم هؤلاء أن الأركان ليست هي كل الإسلام، إنما هي أسسه وقواعده ~~التي يقوم عليها بناؤه، لكنهم يريدون أن يعزلوا الإسلام عن حركة الحياة. ~~فنقول لهم: نعم، هذه أركان الإسلام، أما الإسلام فيشمل كل شيء في ~~حياتنا، بداية من قمة العقيدة في قولنا: لا إله إلا الله محمد رسول الله ~~إلى إماطة الأذى عن الطريق لأن الإسلام دين يستوعب كل أقضية الحياة، كيف ~~لا وهو يعلمنا أبسط الأشياء في حياتنا. ألا تراه يهتم بأحكام قضاء ~~الحاجة ودخول الخلاء، وما يتعلق به من آداب وأحكام؟ ألا ترى أن صاحب ~~الحسبة المكلف بمراقبة الأسواق، وتنفيذ أحكام منهج الله في الأرض إذا ~~رأى جزارا ينفخ ذبيحته بفمه يقوم بإعدام هذه الذبيحة لأن الهواء ~~المستخدم في نفخها هواء غير صحي، فهو زفير محمل بثاني أكسيد الكربون، ~~وقد يحمل غازات أخرى ضارة لا بد أن تنتقل إلى لحم الذبيحة؟ كما أن من ~~مهمته أن يمر بالحلاقين، ويتفقد مدى نظافتهم وسلامتهم من الأمراض، وإذا ~~اشتم من أحدهم رائحة ثوم أو بصل مثلا أمره بإغلاق محله، وعدم العمل في ~~هذا اليوم حتى لا يتأذى الناس برائحته. فأي شرع هذا الذي يحافظ على ~~سلامة الناس ومشاعرهم إلى هذا الحد؟ إنه دين الله ومنهجه الذي لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة في حركة الحياة إلا ووضع لها أحكاما وآدابا. أمثل ~~هذا الشرع يعزل عن حركة الحياة ويقيد وينحصر في مسائل العبادات وحدها؟ ~~إنك حين تنظر إلى متاعب العالم المتخلف الآن - دعك من العالم المتقدم - ~~ستجد أن متاعبه اقتصادية، ولو تقصيت الأسباب لوجدتها تعود إلى التخلي ~~عن منهج الله وتعطيل أحكامه، ووالله لو أنهم أخذوا في أزمتهم الاقتصادية ~~بقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا ms7472 أكلنا لا نشبع ". # لو عملوا بهذا وتأدبوا بأدب رسولهم لخرجوا من هذه الأزمة، وتقلبوا ~~في رغد من العيش، إنك لو تحليت بهذا الأدب في مسألة الطعام والشراب ~~لكفتك اللقمة واللقمتان، وأشهى الطعام ما كان بعد جوع مهما كان بسيطا. ~~أما الآن، فنرى الناس يلجئون إلى المشهيات قبل الطعام، وإلى المهضمات ~~بعده، لماذا؟ لأنهم خالفوا هدي رسولهم صلى الله عليه وسلم، فهم يأكلون ~~على شبع، ويأكلون بعد الشبع. والحق - تبارك وتعالى - يقول: # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا.. # [الأعراف: 31] وأثر عن العرب الذين عاشوا في شظف من العيش: نعم ~~الإدام الجوع. نعم إنه الغموس الحقيقي، والمشهي الأول. نعود إلى مكانة ~~الصلاة بين العبادات، ولماذا كانت هي عماد الدين، ومعنى: # " الصلاة عماد الدين " # و # " بني الإسلام على خمس " # أن الدين أشياء أخرى، وهذه هي أسسه وقواعده، وحين نتتبع هذه القواعد ~~نجد أن الركن الأول، وهو أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ~~يمكن أن أقولها ولو مرة واحدة، أما الزكاة فلا تجب مثلا على الفقير فلا ~~يزكي، وكذلك المريض لا يصوم، والمسافر والحائض.. إلخ، وكذلك الحج غير ~~واجب إلا على المستطيع. إذن: ما هو الركن الثابت الذي يلازم كل مسلم، ولا ~~يسقط عنه بحال؟ إنها الصلاة لذلك أخذت مساحة كبيرة من الوقت على مدى ~~اليوم والليلة، وبها يكون إعلان الولاء الدائم لله تعالى، وبها تفرق بين ~~المؤمن وغير المؤمن، فإن رأيت شخصا مثلا لا يصوم أو لا يزكي أو لا ~~يحج، فلك أن تقول ربما يكون من أصحاب الأعذار، ومن غير القادرين، لكن ~~حين ترى شخصا لا يصلي، وقد تكرر منه ذلك فإنك لا بد شاك في ~~إسلامه. لذلك استحقت الصلاة هذه المكانة بين سائر العبادات منذ بدايات ~~التشريع، ألا ترى أن كل فرائض الدين شرعت بالوحي إلا الصلاة، فقد شرعت ~~بالخطاب المباشر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في رحلة ~~المعراج. وسبق أن مثلنا لذلك، ولله المثل الأعلى، برئيس العمل الذي ~~يصدر أوامره بوسائل مختلفة حسب أهمية المأمور ms7473 به، فقد يكتفي بأن يؤشر ~~على ورقة، وقد يوصي بها، أو يطلب الموظف المختص فيحدثه بالتليفون، ~~فإن كان الأمر هاما استدعاه شخصيا إلى مكتبه وكلفه بما يريد. وكان ~~هذا الاستدعاء تشريفا لسيدنا رسول الله بقرب المرسل إليه من المرسل، ~~فأراد الحق - سبحانه وتعالى - ألا يحرم أمه محمد فضل أسبغه على محمد ~~فكأنه قال: من أراد من عبادي أن يقرب مني كما قرب محمد فكان قاب قوسين ~~أو أدنى فليصل. ومعنى { وأقم الصلاة.. } [العنكبوت: 45] إقامة ~~الشيء: أداؤه على الوجه الأكمل الذي يؤدي غايته، فالصلاة المطلوبة هي ~~الصلاة المستوفاة الشروط والتي تقيمها كما يريدها مشرعها { إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر.. } [العنكبوت: ~~45]. والصلاة إذا استوفت شروطها نهت صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فإذا ~~رأيت صلاة لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، فاعلم أنها ناقصة عما ~~أراده الله لإقامتها، وعلى قدر النقص تكون ثمرة الصلاة في سلوك صاحبها، ~~وكأن وقوعك في بعض الفحشاء وفي بعض المنكر يعد مؤشرا دقيقا لمدى ~~إتقانك لصلاتك وحرصك على تمامها وإقامتها. ومعنى { إن الصلاة ~~تنهى عن الفحشآء والمنكر.. } [العنكبوت: 45] واضح في ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له: # " يا رسول الله، إن فلانا يصلي، لكن صلاته لا تنهاه عن الفحشاء ~~والمنكر، فقال: " دعوه، فإن صلاته تنهاه " ". # فالمعنى هنا أن الأمر ليس أمرا كونيا ثابتا لا يتخلف، بل هو أمر ~~تشريعي عرضة لأن يطاع، وعرضة لأن يعصى، فلو كان الأمر كونيا ما ~~جرؤ صاحب صلاة عل الفحشاء والمنكر، ومثال ذلك أن أقول مثلا لأولادي قبل ~~أن أموت: يا أولادي، هذا بيت يكرم من يدخله. كلام على سبيل الخبر ولم ~~أقل: أكرموا من يدخله، فالذي يحترم وصيتي منهم يكرم من يدخل بيتي من ~~بعدي، والذي لا يحترم الوصية لا يكرم من يدخله. أما لو قلت: أكرموا ~~من يدخل هذا البيت فقد ألزمت الجميع بالإكرام. وأوضح من هذا قوله ~~تعالى في شأن المسجد الحرام: # ومن دخله كان آمنا.. # [آل عمران: 97] فلما حدث أن اقتحمه بعض أصحاب الأهواء، وأطلقوا النار في ms7474 ~~ساحاته، وقتلوا فيه الآمنين قامت ضجة كبيرة تشكك في هذه الآية: كيف ~~يحدث هذا والله يقول # ومن دخله كان آمنا.. # [آل عمران: 97] فأقاموا هذه الأحداث دليلا على كذب الآية والعياذ ~~بالله. وهذا المسلك منهم يأتي عن عدم فهم لمعنى الأمر الكوني والأمر ~~التشريعي، فقوله تعالى: # ومن دخله كان آمنا.. # [آل عمران: 97] أمر تشريعي قابل لأن يطاع، ولأن يعصى، كأن الحق - ~~سبحانه وتعالى - قال: أمنوا من دخل البيت، فبعض الناس امتثل للأمر، ~~فأمن من في البيت الحرام، وبعضهم عصى فروع الناس، وقتلهم في ساحته، ~~ولو كان أمرا كونيا ما تخلف أبدا كما لم تتخلف الشمس مثلا يوما من ~~الأيام. وكذلك الأمر في { إن الصلاة تنهى عن الفحشآء ~~والمنكر.. } [العنكبوت: 45] فالصلاة تشريع من الله، فإذا كان الله ~~تعالى هو المشرع، وقال: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي ~~القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر.. # [النحل: 90] يعني: لا يوجد معها فحشاء ولا منكر، وهذا أيضا صحيح لأنني ~~حين أدخل في الصلاة بتكبيرة الإحرام فإن هذه التكبيرة تحرم علي كل ما ~~كان حلالا لي قبل الصلاة، ففي الصلاة مثلا لا آكل ولا أشرب ولا أتحرك، ~~مع أن هذه المسائل كانت حلالا قبل الصلاة، فما بالك بما كان حراما عليك ~~أصلا قبل الصلاة؟ إذن: فهو حرام من باب أولى. فالصلاة بهذا المعنى ~~تمنعك من الفحشاء والمنكر في وقتها لأن تكبيرة الإحرام الله أكبر تعني أن ~~الله أكبر من كل شيء في الوجود حتى من شهوات النفس ونزواتها، وإلا فكيف ~~تقيم نفسك بين يدي ربك، ثم تخالف منهجه؟ فالصلاة بهذا المعنى تنهى على ~~حقيقتها عن الفحشاء والمنكر. ومعنى الفحشاء كل ما يستفحش من الأقوال ~~والأفعال والمنكر كل شيء ينكره الطبع السليم { ولذكر الله ~~أكبر.. } [العنكبوت: 45] ذكر: مصدر، والمصدر يضاف للفاعل مثل: ~~أعجبني ضرب الأمير لزيد، ويضاف للمفعول مثل: أعجبني ضرب زيد من ~~الأمير، فحين تقول ذكر الله يصح أن يكون المعنى: ذكر صادر من الله، أو ~~ذكر صادر من العبد لله. # فإن قلت: ذكر صادر من الله، ms7475 أي للمصلي، فحين يصلي الإنسان، ويذكر ~~الله بالكبرياء في قوله الله أكبر وينزهه بقول سبحان الله، ويسجد له ~~سبحانه ويخضع، فقد فعلت إذن فعلا ذكرت الله فيه ذكرا بالقول ~~والفعل، والله تعالى يجازيك بذكرك له بأن يذكرك، فالذكر ذكر من الله لمن ~~ذكره في صلاته. ولا شك أن ذكر الله لك أكبر، وأعظم من ذكرك له سبحانه ~~لأنك ذكرت الله منذ بلوغك إلى أن تموت، أما هو سبحانه فسيعطيك بذكرك له ~~منازل عالية لا نهاية لها في يوم لا تموت فيه ولا تنقطع عنك نعمه ~~وآلاؤه، فالمعنى: ولذكر الله لك بالثواب والرحمة أكبر من ذكرك له ~~بالطاعة. هذا على معنى أن الذكر صادر من الله للعبد. المعنى الآخر أن ~~يكون الذكر صادرا من العبد لله، يعني: ولذكر الله خارج الصلاة أكبر من ~~ذكر الله في الصلاة، كيف؟ قالوا: لأنك في الصلاة تعد نفسك لها ~~بالوضوء، وتتهيأ لها لتكون في حضرة ربك بعد تكبيرة الإحرام، فإذا ما ~~انتهت الصلاة وخرجت منها إلى حركة الحياة فذكرك لله وأنت بعيد عن ~~حضرته وأنت مشغول بحركة حياتك أعظم وأكبر من ذكرك في الحضرة. ومثال ذلك ~~- ولله تعالى المثل الأعلى - من يمدح الأمير ويثني عليه في حضرته، ~~ومن يمدحه في غيبته، فأيهما أحلى، وأيهما أبلغ وأصدق في الذكر؟ ~~واقرأ في ذلك قوله تعالى عن صلاة الجمعة: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله.. # [الجمعة: 9]. يعني: ذكر الله في الصلاة، ولا تظنوا أن الذكر قاصر على ~~الصلاة فقط إنما: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون # [الجمعة: 10] فيجب ألا يغيب ذكر الله عن بالك أبدا لأن ذكرك لربك ~~خارج الصلاة أكبر من ذكرك له سبحانه في الصلاة. وروي عن عطاء بن ~~السائب أن ابن عباس سأل عبد الله بن ربيعة: ما تقول في قوله تعالى: { ~~ولذكر الله أكبر.. } [العنكبوت: 45]؟ فقال: قراءة القرآن ~~حسن، والصلاة حسن، وتسبيح الله حسن، وتحميده حسن، وتكبيره حسن ms7476 والتهليل ~~له حسن. لكن أحسن من ذلك أن يكون ذكر الله عند طروق المعصية على ~~الإنسان، فيذكر ربه، فيمتنع عن معصيته. فماذا قال ابن عباس - مع أن هذا ~~القول مخالف لقوله في الآية -؟ قال: عجيب والله، فأعجب بقول ابن ربيعة، ~~وبارك فهمه للآية، ولم ينكر عليه اجتهاده لأن الإنسان طبيعي أن يذكر ~~الله في حال الطاعة، فهو متهيئ للذكر، أما أن يذكره حال المعصية فيرتدع ~~عنها، فهذا أقوى وأبلغ، وهذا أكبر كما قال سبحانه { ولذكر الله ~~أكبر. # . } [العنكبوت: 45]. لذلك جاء في الحديث الشريف: # " سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله - ومنهم: ورجل ~~دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله " # هذا هو ذكر الله الأكبر لأن الدواعي دواعي معصية، فيحتاج الأمر إلى ~~مجاهدة تحول المعصية إلى طاعة. أما قول ابن عباس في { ولذكر ~~الله أكبر.. } [العنكبوت: 45] أن ذكر ربكم لكم بالثواب والرحمة ~~أكبر من ذكركم له بالطاعة. وحيثيات هذا القول أن ربك - عز وجل - لم ~~يكلفك إلا بعد سن البلوغ، وتركك تربع في نعمه خمسة عشر عاما دون ~~أن يكلفك، ثم يوالي عليك نعمه، ولا يقطع عنك مدده حتى لو انصرفت عن ~~منهجه، بل حتى لو كفرت به لا يقبض عنك يد عطائه ونعمه. إذن: فذكر الله ~~لك بالخلق من عدم، والإمداد من عدم، وموالاة نعمه عليك أكبر من ~~ذكرك له بالطاعة، وقد ذكرك سبحانه قبل أن يكلفك أن تذكره. كما أن ~~ذكركم له سبحانه بالطاعة في الدنيا موقوت، أما ذكره لكم بالثواب ~~والجزاء والرحمة في الآخرة فممتد لا ينقطع أبدا. ثم تختم الآية بقوله ~~سبحانه: { والله يعلم ما تصنعون } [العنكبوت: 45] هذه ~~الكلمة نأخذها على أنها بشارة للمؤمن، ونذارة للكافر، كما تقول للتلاميذ ~~يوم الامتحان: سينجح المجتهد منكم، فهي بشارة للمجتهد، وإنذار للمهمل، ~~فالجملة واحدة، والإنسان هو الذي يضع نفسه في أيهما يشاء. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ولا تجادلوا أهل الكتاب... }. ### || [29.46] # الحق - تبارك وتعالى - يعلمنا كيف نجادل أهل الكتاب، وقبل أن نتكلم ~~عن ألوان الجدل ms7477 في القرآن الكريم نقول: ما معنى الجدل؟ الجدل: مأخوذ من ~~الجدل، وهو فتل الشيء ليشتد بعد أن كان لينا كما نفتل حبالنا في ~~الريف، فالقطن أو الصوف مثلا يكون منتفشا يأخذ حيزا واسعا، فإذا ~~أردنا أن نأخذ منه خيطا جمعنا بعض الشعيرات ليقوي بعضها بعضا ~~بلفها حول بعضها، وبجدل الخيوط نصنع الحبال لتكون أقوى، وعلى قدر ~~الغاية التي يراد لها الحبل تكون قوته. ومن الجدل أخذ الجدال والجدل ~~والمجادلة، وفي معناها: الحوار والحجاج والمناظرة، ومعناه أن يوجد فريقان ~~لكل منهما مذهب يؤيده ويدافع عنه ليفتن الآخر أي: ليلفته عن مذهبه إلى ~~مذهبه هو. فإذا كان المقصود هو الحق في الجدال أو الحجاج أو المناظرة ~~فهذا الاسم يكفي، لكن إن دخل الجدال إلى مراء أو لجاجة، فليس القصد هو ~~الحق، إنما أن يتغلب أحد الفريقين على الآخر، والجدل في هذه الحالة له ~~أسماء متعددة، منها قوله تعالى: # للجوا في طغيانهم.. # [المؤمنون: 75]. لكن إذا فتلنا الشيء المنفوش حتى صار مضمرا، وأخذ ~~من الضمر قوة، أأنت تجعل في الجدل خصمك قويا؟ إنك تحاول أن تقوي ~~نفسك في مواجهته. قالوا: حين أنهاه عن الباطل وأعطفه ناحية الحق، فإنه ~~يقوي يقينه في شيء ينفعه، وكأنه كان منتفشا آخذا حيزا أكبر من حجمه ~~بالباطل الذي كان عليه، فأنا قويته بالحق. وفي العامية نقول فلان منفوخ ~~على الفاضي أو نقول فلان نافش ريشه كأنه أخذ حيزا أكبر من حجمه. لذلك ~~نلحظ أن التغلب في الجدل لا يكون لمجرد الجدل، إنما تغلبك لحق ينفع ~~الغير ويقويه ويرده إلى حجمه الطبيعي. أو: أن الجدل مأخوذ من الجدال ~~وهي الأرض، كأن يطرح القوي الضعيف أرضا في صراع مثلا. والجدال يكون بين ~~شخصين، لكل منهما رأيه الذي يألفه ويحبه ويقتنع به، فحين تجادله تريد أن ~~تخرجه عن رأيه الذي يألف إلى رأيك الذي لا يألفه ولم يعتده، فأنت تجمع ~~عليه أمرين: أن تخرجه عما ألف واعتاد إلى ما لم يألف، فلا يكن ذلك ~~بأسلوب يكرهه حتى لا تجمع عليه شدتين. فعليك ms7478 إذن باللين والاستمالة برفق ~~لأن النصح ثقيل كما قال شوقي رحمه الله: فلا تجعله جبلا، ولا ترسله ~~جدلا، وعادة ما يظهر الناصح أنه أفضل من المنصوح. ويقولون: الحقائق ~~مرة، فاستعيروا لها خفة البيان لأنك تخرج خصمك عما ألف، فلا ~~تخرجه عما ألف بما يكره، بل بما يحب. والإنسان قد يعبر عن الحقيقة ~~الواحدة تعبيرا يكره، ويعبر عنها تعبيرا يحب وترتاح إليه، كالملك ~~الذي رأى في منامه أن كل أسنانه قد سقطت، فطلب من يعبر له ما رأى، ~~فجاءه المعبر واستمع منه، ثم قال: معنى هذه الرؤيا يا مولاي أن أهلك ~~جميعا سيموتون، فتشاءم من هذا التعبير ولم يعجبه، فأرسلوا إلى آخر ~~فقال: هذا يعني أنك ستكون أطول أهل بيتك عمرا، فسر الملك بقوله. # فهنا المعنى واحد، لكن أسلوب العرض مختلف. ودخل رجل على آخر، فوجده يبكي ~~فقال: ما يبكيك؟ قال: أخذت ظلما، فتعجب وقال: فكيف بك إذا أخذت ~~عدلا؟ أكنت تضحك. والمعنى أن من أخذ ظلما لا ينبغي له أن يحزن لأنه ~~لم يفعل شيئا يشينه، والأولى بالبكاء من أخذ عدلا وبحق. ورجل ~~قتل له عزيز فجلس يصرخ ويولول، فدخل عليه صاحبه مواسيا فقال له ~~الرجل: إن ابني قتل ظلما، فقال صاحبه: الحمد لله الذي جعل منك ~~المقتول، ولم يجعل منك القاتل. إذن: سلامة المنطق وخفة البيان أمر ~~مهم، وعلى المجادل أن يراعي بيانه، وأن يتحين الفرصة المناسبة، فلا تجادل ~~خصمك وهو غضبان منك أو وأنت غضبان منه. قالوا: مر رجل فوجد صبيا يغرق ~~في البحر، فلم ينتظر حتى يخلع ثيابه، وألقى بنفسه وأنقذ الصبي، ثم أخذ ~~يضربه ويلطمه، والولد يقول: شكرا لك بارك الله فيك، لماذا؟ لأنه قسا ~~عليه بعد أن أنقذه، لكن ما الحال لو وقف على البر، وكال له الشتائم ~~وعنفه، لماذا ينزل البحر وهو لا يعرف العوم؟ لذلك يقول الحكماء: آس ثم ~~انصح. لذلك يعلمنا ربنا - عز وجل - أصول الجدل وآدابه لأنه يريد أن ~~يخرج بهذا الجدل أناسا من الكفر إلى الإيمان، ومن الجحود إلى اليقين، ms7479 ~~وهذا لا يتأتى إلا باللطف واللين، كما قال سبحانه: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.. # [النحل: 125]. ويعلمنا سبحانه أن للجدل مراتب بحسب حالة الخصم، ~~فالذي ينكر وجود الله له جدل مخصوص، والذي يؤمن بوجود الله ويقول: إن معه ~~شريكا. له جدل آخر، ومن يؤمن بالله ويقول سأتبع نبيي ولن أتبعك له ~~جدل آخر وبشكل خاص، والمختلفون معك من أهل ملتك لهم جدل يليق بحالهم. ~~إذن: للجدل مراتب نلحظها في أسلوب القرآن، فبم جادل الذين لا يؤمنون ~~بوجود إله؟ قال: # أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم ~~خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون # [الطور: 35-36]. فأتى لهم بمسألة الخلق الظاهرة التي لم يدعها أحد، ~~ولا يجرؤ أحد على إنكارها، حتى المشركون والملاحدة لأن أتفه الأشياء في ~~صناعاتهم يعرفون صانعها، ويقرون له بصنعته، ولو كانت كوبا من زجاج أو ~~حتى قلم رصاص، لا بد أن لكل صنعة صانعا يناسبها. أليس من خلق ~~السماوات والأرض والشمس والقمر.. إلخ أولى بأن يعترفوا له سبحانه ~~بالخلق؟ وهم أنفسهم مخلوقون ولم يقولوا إنا خلقنا أنفسنا، ولم يقولوا ~~خلقنا غيرنا، فمن خلقهم إذن؟ وقلنا: إن الدعوى تثبت لصاحبها ما لم ~~يقم لها معارض، والحق - سبحانه وتعالى - قال علانية، وعلى لسان رسله، ~~وفي قرآن يتلى إلى يوم القيامة، وأسمع الجميع: أنا خالق هذا الكون. # فإن قال معاند: فمن خلق الله؟ نقول: الذي خلقه عليه أن يعلن عن ~~نفسه. والحق سبحانه شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو # شهد الله أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18] ولم يقل أحد أنا الإله. إذن: الذين ينكرون الخالق لا ~~حق لهم. هذا في جدال الملاحدة الذين ينكرون وجود الله. أما الذين ~~يؤمنون بوجود الله، لكن يتخذون معه سبحانه شركاء، فنجادلهم على النحو ~~التالي: شركاؤكم مع الله غيب أم شهادة؟ إن قالوا: غيب فإن الله ~~تعالى شهد لنفسه بالوحدانية. وقال: أنا واحد لا شريك لي، فأين كان ~~شركاؤكم؟ لماذا لم يدافعوا عن ألوهيتهم مع الله؟ ms7480 إما لأنهم ما دروا بهذا ~~الإعلان، وإما أنهم دروا وعجزوا عن المواجهة، وفي كلتا الحالتين تنتفي ~~عنهم صفة الألوهية، فأي إله هذا الذي لا يدري بما يدور حوله، أو يجبن ~~عن مواجهة خصمه؟ فإن قالوا: شركاؤنا الأصنام والأشجار والكواكب ~~وغيرها، فهذه من صنع أيديهم، فكيف يعبدونها، ثم هي آلهة لا منهج لها ~~ولا تكاليف، وإلا فبماذا أمرتهم وعم نهتهم؟ إذن: عبادتهم لها باطلة. ~~ثم نسأل الذين يتخذون مع الله شركاء: أهؤلاء الذين تشركونهم مع الله ~~يتواردون على الأشياء بقدرة واحدة، أم يتناوبون عليها، كل منهم بقدر على ~~شيء معين؟ إن كانوا يزاولون الأشياء بقدرة واحدة، فواحد منهم يكفي ~~والباقون لا فائدة منهم، وإن كانوا يتناوبون على الأشياء، فكل منهم ~~قادر على شيء عاجز عن الشيء الآخر، والإله لا يكون عاجزا. وقد رد ~~الحق سبحانه على هؤلاء بقوله تعالى: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42] أي: لذهبوا إليه إما ليعنفوه ويصفوا حساباتهم معه، ~~وكيف أخذ الأمر لنفسه، وإما ليتوددوا إليه ويعاونوه. وفي موضع آخر: # إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم ~~على بعض.. # [المؤمنون: 91]. وبعد أن بينا جدال الملاحدة الذين ينكرون وجود الإله ~~وجدال أهل الشرك نجادل أهل الكتاب، وهم ألطف من سابقيهم لأنهم مؤمنون ~~بإله وأنه الخالق، ومؤمنون بالبلاغ عن الله، ومؤمنون بالكتب التي نزلت، ~~والخلاف بيننا وبينهم أنهم لا يؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم في ~~حين نؤمن نحن برسلهم وكتبهم، وهذه أول ميزة تميز بها الإسلام على ~~الأديان الأخرى. ونقول لهؤلاء: لقد آمنت برسولك، وقد سبقه رسل، فلماذا ~~تنكر أن يأتي رسول بعده؟ ثم هل جاء الرسول بعد رسولك ليناقضه في أصول ~~الأشياء؟ إنهم جميعا متفقون على أصول العقيدة والأخلاق، متفقون على أنهم ~~عباد لله متحابون، فلماذا تختلفون أنتم؟ فربنا - تبارك وتعالى - ~~يعلمنا { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي ~~هي أحسن. # . } [العنكبوت: 46] لأنهم ليسوا ملاحدة ولا مشركين، فهم مؤمنون بإلهكم ~~وبالرسل وبالكتب، غاية ما هنالك أنهم لا يؤمنون ms7481 برسولكم. لذلك يعترض بعض ~~الناس: كيف يبيح الإسلام أن يتزوج المسلم من كتابية، ولا يبيح للمسلمة ~~أن تتزوج كتابيا؟ نقول: لأن أصل القوامة في الزواج للرجل، والزوج ~~المؤمن حين يتزوج كتابية مؤمن برسولها، أما الزوج الكتابي فغير مؤمن ~~برسول المؤمنة، فالفرق بينهما كبير. ومعنى: { إلا بالتي هي ~~أحسن.. } [العنكبوت: 46] أن في الجدال حسنا وأحسن، وقد سبق الجدال ~~الحسن في قوله تعالى: # وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين # [سبأ: 24] ونوح عليه السلام يتلطف في جدال قومه، فيقول: # قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء ~~مما تجرمون # [هود: 35]. فينسب الافتراء إلى نفسه، ويتهم نفسه بالإجرام إن افترى، ~~فإن لم يكن هو المفتر، وهو المجرم فهم. ونبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم يقول في جدال قومه: # قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما ~~تعملون # [سبأ: 25] فيذكر صلى الله عليه وسلم الجريمة في حقه هو ولا يذكرها في ~~حق المعاندين المكذبين، فأي أدب في الدعوة أرفع من هذا الأدب؟ ~~إذن: جادل غير المؤمنين بالحسن، وجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن، لما ~~يمتازون به عن غيرهم من ميزة الإيمان بالله. فإن تعدوا وظلموا أنفسهم ~~في مسألة القمة الإيمانية، فادعوا أن لله ولدا أو غيره، فإنهم بذلك ~~يدخلون في صفوف سابقيهم من المشركين، فإن كنا مأمورين بأن نجادلهم بالتي ~~هي أحسن وقالوا بهذا القول، فعلينا أن نجادلهم بما يقابل الأحسن، نجادلهم ~~إما بالحسن، وإما بغير الحسن أي: بالسيف. لكن، هل يفرض السيف عقائد؟ ~~السيف لا يأخذ من الناس إلا قوالبهم. أما القلوب فلا يخضعها إلا ~~الإيمان، والله تعالى لا يريد قوالب، إنما يريد قلوبا. واقرأ قوله تعالى ~~في سورة الشعراء: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4] فإن أراد سبحانه قهر القوالب والقلوب على الخضوع، ~~بحيث لا يستطيع أحد أن يتأبى على الإيمان ما وجد كافر، وما كفر ~~الكافر إلا لما أعطاه الله من منطقة الاختيار فالحق سبحانه يريد منا ms7482 ~~قلوبا تحبه سبحانه وتعبده لأنه سبحانه يستحق أن يعبد. إذن: الذين ~~يخرجون عن نطاق الكتابية بتجاوزهم الحد، وقولهم أن عيسى ابن الله، أو ~~أن الله ثالث ثلاثة، إنما يدخلون في نطاق الشرك والكفر، ولن نقول لهؤلاء: ~~اتبعوا رسولنا، وإنما اتبعوا رسولكم، والكتاب الذي جاءكم به من عند الله، ~~وسوف تجدون فيه البشارة بمحمد # الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة والإنجيل.. # [الأعراف: 157]. إذن: فحين تكفر فأنت لا تكفر بمحمد ولا بالقرآن، إنما ~~تكفر أولا بكتابك أنت لذلك يعلمنا الحق سبحانه: # لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ~~ابن مريم.. # [المائدة: 17] وقال أيضا: # لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة.. # [المائدة: 73]. أي: لا تعاملوهم على أنهم كتابيون، ولما سئلنا في ~~الخارج من أبنائنا الذين يرغبون في الزواج من أجنبيات، فكنت أقول للواحد ~~منهم: سلها أولا: ماذا تقول في عيسى، فإن قالت هو رسول الله فتزوجها ~~وأنت مطمئن لأنها كتابية، وإن قالت: ابن الله، فعاملها على أنها كافرة ~~ومشركة. هذا في معنى قوله تعالى: { إلا الذين ظلموا ~~منهم.. } [العنكبوت: 46] ونحن لا نحمل السيف في وجه هؤلاء لأن السيف ~~ما جاء إلا ليحمي اختيار المختار، فلي أن أعرض ديني، وأن أعلنه ~~وأشرحه، فإن منعوني من هذه فلهم السيف، وإن تركوني أعلن عن ديني فهم ~~أحرار، يؤمنون أو لا يؤمنون. إن آمنوا فأهلا وسهلا، وإن لم يؤمنوا ~~فهم أهل ذمة، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، ويدفعون الجزية نظير ما ~~يتمتعون به في بلادنا، ونظير حمايتنا لهم، وما نقدمه لهم من خدمات، ~~وإلا فكيف نفرض على المؤمنين الزكاة ونترك هؤلاء لا يقدمون شيئا؟ لذلك ~~نرى الكثيرين من أعداء الإسلام يعترضون على مسألة دفع الجزية، ويرون ~~أن الإسلام فرض بقوة السيف، وهذا قول يناقض بعضه بعضا، فما فرضنا ~~عليكم الجزية إلا لأننا تركناكم تعيشون معنا على دينكم، ولو أرغمناكم على ~~الإسلام ما كان عليكم جزية. والحق - تبارك وتعالى - يقول: # لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.. # [البقرة: 256] لأنني لا ms7483 أكرهك على شيء إلا إذا كنت ضعيف الحجة، وما ~~دام أن الرشد بين والغي بين، فلا داعي للإكراه إذن. لكن البعض يفهم ~~هذه الآية فهما خاطئا فحين تقول له: صل يقول لك # لا إكراه في الدين.. # [البقرة: 256] ونقول له: لم تفهم المراد، فلا إكراه في أصل الدين في أن ~~تؤمن أو لا تؤمن، فأنت في هذه حر، أما إذا آمنت وأعلنت أنه لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله، فليس لك أن تكسر حدا من حدود الإسلام، ~~وفرق بين " لا إكراه في الدين " و " لا إكراه في التدين ". ومن حكمة ~~الإسلام أن يعلن حكم الردة لمن أراد أن يؤمن، نقول له قف قبل أن تدخل ~~الإسلام، اعلم أنك إن تراجعت عنه وارتددت قتلناك، وهذا الحكم يضع ~~العقبة أمام الراغب في الإسلام حتى يفكر أولا، ولا يقدم عليه إلا على ~~بصيرة وبينة. وإذا قيل { أهل الكتاب.. } [العنكبوت: 46] أي: ~~الكتاب المنزل من الله، وقد علم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أن يجادل المشركين بقوله: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43] فعلم الرسول أن يرجع إلى أهل الكتاب، وأن يأخذ بشهادتهم، ~~وفي موضع آخر علمه أن يقول لمن امتنع عن الإيمان: # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب # [الرعد: 43]. إذن: فرسولنا يستشهد بكم، لما عندكم من البينات الواضحة ~~والدلائل على صدقه. حتى قال عبد الله بن سلام: لقد عرفته حين رأيته ~~كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد، ولم لا يعرفونه وقد ذكر في كتبهم ~~باسمه ووصفه: # الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا ~~عندهم في التوراة والإنجيل.. # [الأعراف: 157]. ثم ألم يحدث منكم أنكم كنتم تستفتحون به على المشركين ~~في المدينة، وتقولون: لقد أطل زمان نبي يبعث في مكة، فنتبعه ونقتلكم ~~به قتل عاد وإرم؟ فلما جاءكم النبي الذي تعرفون أنكرتموه وكفرتم به: # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به.. # [البقرة: 89]. كيف يستشهد الله على صدق رسوله بكم ms7484 وبكتبكم ثم تكذبون؟ ~~قالوا: كذبوا لما لهم من سلطة زمنية يخافون عليها، ورأوا أن الإسلام ~~سيسلبهم إياها. وكلمة { بالتي هي أحسن.. } [العنكبوت: 46] وردت ~~في القرآن، لكن في غير الجدل في الدين، وردت في كل شيء يوجب جدلا بين ~~أناس وذلك في قوله سبحانه: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34]. وقد جاءني رجل يذكر هذه الآية، وما يترتب على الإحسان، ~~يقول: عملت بالآية فلم أجد الولي الحميم؟ قلت له: كونك تحمل هذا الأمر ~~في رأسك دليل على أنك لم تدفع بالتي هي أحسن لأن الله تعالى لا يقرر ~~قضية قرآنية، ويكذبها واقع الحياة، فإن دفعت بالتي هي أحسن بحق لا ~~بد وأن تجد خصمك كأنه ولي حميم. لذلك يقول أحد العارفين: # يا من تضايقه الفعال من التي ومن الذي # ادفع فديتك بالتي حتى ترى فإذا الذي # والمعنى: من التي تسيء إليك، أو الذي يسيء إليك # ادفع بالتي هي أحسن.. # [فصلت: 34] حتى ترى # فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم # [فصلت: 34]. وأذكر أنه جاءني شاب يقول: إن عمي موسر، وأنا فقير، وهو ~~يتركني ويتمتع بماله غيري، فقلت له: بالله أتحب النعمة عند عمك؟ فسكت، ~~قلت له: إذن أنت لا تحبها عنده، لكن اعلم أن النعمة تحب صاحبها أكثر من ~~حب صاحبها لها لذلك لا تذهب إلى كارهها عند صاحبها. فما عليك إلا أن ~~تثوب إلى الحق، وأن تتخلص مما تجد في قلبك لعمك، وثق بأن الله هو ~~الرزاق، وإن أردت نعمة رأيتها عند أحد فأحببها عنده، وسوف تأتيك إلى ~~بابك، لأنك حين تكره النعمة عند غيرك تعترض على قدر الله. بعد هذا الحوار ~~مع الرجل - والله يشهد - دق جرس الباب، فإذا به يقول لي: أما دريت ~~بما حدث؟ قلت: ماذا؟ قال: جاءني عمي قبل الفجر بساعة، فلما أن فتحت له ~~الباب انهال علي ضربا وشتما يقول: لماذا تتركني للأجانب يأكلون ~~مالي وأنت موجود؟ ثم أعطاني المفاتيح وقال: من الصباح تباشر عملي بنفسك. # فقلت له: ms7485 لقد أحببتها عند عمك، فجاءت تطرق بابك. وقوله سبحانه { إلا ~~الذين ظلموا منهم.. } [العنكبوت: 46] أي: ظلموا أنفسهم ~~بالشرك لأن الله تعالى قال: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] تظلم نفسك لا تظلم الله لأن الظالم يكون أقوى من المظلوم. ~~وجعل الشرك ظلما عظيما لأنه ذنب لا يغفر: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء.. # [النساء: 116]. فالشرك ظلم عظيم عليك نفسك، أما الذنوب دون الشرك فلها ~~مخرج، وقد تنفك عنها إما بالتوبة وإما برحمة الله ومغفرته. ثم يعلمنا ~~الحق - تبارك وتعالى - التي هي أحسن في الرد على الذين ظلموا منهم: { ~~وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم ~~وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون } ~~[العنكبوت: 46]. يعني: فعلام الاختلاف، ما دام أن الإله واحد، وما دام ~~أن كتابكم يذكر الرسول الذي يأتي بعد رسولكم، وقد سبق رسولكم رسل، فكان ~~يجب عليكم أن تؤمنوا به، وأن تصدقوه. جاءت امرأة تشتكي أن زوجها لم ~~يوف بما وعدها به، وقد اشترطت عليه قبل الزواج ألا يذهب إلى زوجته ~~الأولى، فقلت لها: يعني أنت الثانية وقد رضيت به وهو متزوج؟ قالت: نعم، ~~قلت: فلماذا رضيت به؟ قالت: أعجبني وأعجبته، قلت: فلا مانع إذن أن ~~تعجبه أخرى فيتزوجها، وتقول له: إياك أن تذهب إلى الثانية، فهل هذا ~~يعجبك؟ إذن: فاحترمي حق الأولى فيه، لتحترم الثالثة حقك فيه، فقامت ~~وانصرفت. وقال: { وإلهنا وإلهكم واحد.. } [العنكبوت: ~~46] لأن الكلام هنا للذين ظلموا وقالوا بالتعدد. وهنا قال تعالى { ~~ونحن له مسلمون } [العنكبوت: 46] ولم يقل مثلا: ونحن به ~~مؤمنون، ولماذا؟ لأن الإيمان عقيدة قلبية أن تؤمن بإله، أما الإيمان ~~فليس كلاما، الإيمان أن تثق به، وأن تأمنه على أن يشرع لك، وأن ~~تسلم له الأمر " افعل كذا " " ولا تفعل كذا " ، وهناك أناس ليسوا ~~بمؤمنين بقلوبهم، ومع ذلك يعملون عمل المسلمين، إنهم المنافقون. لذلك ~~يقول تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم.. # [الحجرات: 14]. إذن: فرق بين إيمان وإسلام، فقد يتوفر أحدهما ms7486 دون ~~الآخر لذلك قال سبحانه # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات.. # [العصر: 1-3] فقال هنا: { ونحن له مسلمون } [العنكبوت: 46] ~~يعني: منفذين لتعاليم ديننا. ثم يقول الحق سبحانه: { وكذلك ~~أنزلنآ إليك الكتاب... }. ### || [29.47] # قوله تعالى { وكذلك أنزلنآ إليك الكتاب.. } [العنكبوت: ~~47] أي: كما أنزلنا كتبا على من سبقك أنزلنا إليك كتابا يحمل منهجا، ~~والكتب السماوية قسمان: قسم يحمل منهج الرسول في افعل كذا و لا تفعل كذا، ~~وذلك شركة في كل الكتب التي أنزلت على الرسل، وكتاب واحد هو القرآن، ~~هو الذي جاء بالمنهج والمعجزة معا. فكل الرسل قبل محمد صلى الله عليه ~~وسلم كان للواحد منهم كتاب فيه منهج ومعجزة منفصلة عن المنهج، فموسى عليه ~~السلام كان كتابه التوراة، ومعجزته العصا، وعيسى عليه السلام كان كتابه ~~الإنجيل، ومعجزته إحياء الموتى بإذن الله. أما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فكتابه القرآن ومعجزته القرآن، فانظر كيف التقت المعجزة بالمنهج ~~لتظل لصيقة به لأن زمن رسالة محمد ممتد إلى قيام الساعة، فلا بد أن ~~تظل المعجزة موجودة ليقول الناس محمد رسول الله، وهذه معجزته. في حين لا ~~نستطيع مثلا أن نقول: هذا عيسى رسول الله وهذه معجزته لأنها ليست باقية، ~~ولم نعرفها إلا من خلال إخبار القرآن بها، وهذا يوضح لنا فضل القرآن ~~على الرسل وعلى معجزاتهم حيث ثبتها عند كل من لم يرها، فكل من آمن ~~بالقرآن آمن بها. لكن، أكل رسول يأتي بمعجزة؟ المعجزة لا تأتي إلا لمن ~~تحداه، واتهمه بالكذب، فتأتي المعجزة لتثبت صدقه في البلاغ عن ربه ~~لذلك نجد مثلا أن سيدنا شيثا وإدريس وشعيبا ليست لهم معجزات. وأبو ~~بكر - رضي الله عنه - والسيدة خديجة أم المؤمنين هل كانا في حاجة إلى ~~معجزة ليؤمنا برسول الله؟ أبدا، فبمجرد أن قال: أنا رسول الله آمنوا ~~به، فما الداعي للمعجزة إذن؟ إذن: تميز صلى الله عليه وسلم على إخوانه ~~الرسل بأن كتابه هو عين معجزته. وسبق أن قلنا: إن الحق - تبارك وتعالى ~~- يجعل المعجزة من جنس ما ms7487 نبغ فيه القوم، فلو تحداهم بشيء لا علم لهم ~~به لقالوا: نحن لا نعلم هذا، فكيف تتحدانا به؟ والعرب كانوا أهل فصاحة ~~وبيان، وكانوا يقيمون للقول أسواقا ومناسبات، فتحداهم بفصاحة القرآن ~~وبلاغته أن يأتوا بمثله، ثم بعشر سور، ثم بسورة واحدة، فما استطاعوا، ~~والقرآن كلام من جنس كلامهم، وبنفس حروفهم وكلماتهم، إلا أن المتكلم ~~بالقرآن هو الله تعالى لذلك لا يأتي أحد بمثله. والقرآن أيضا كتاب يهيمن ~~على كل الكتب السابقة عليه، يبقي منها ما يشاء من الأحكام، وينهي ما ~~يشاء. أما العقائد فهي ثابتة لا نسخ فيها، وأيضا لا نسخ في القصص ~~والأخبار. والنسخ لا يتأتى إلا في التشريع بالأحكام افعل ولا تفعل، ذلك ~~لأن التشريع يأتي مناسبا لأدواء البيئات المختلفة. لذلك كان بعض الرسل ~~يتعاصرون كإبراهيم ولوط، وموسى وشعيب، عليهم السلام، ولكل منهم رسالته ~~لأنه متوجه إلى مكان بعينه ليعالج فيه داء من الداءات، في زمن انقطعت ~~فيه سبل الالتقاء بين البيئات المختلفة، فالجماعة في مكان ربما لا ~~يدرون بغيرهم في بيئة مجاورة. # أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد جاء - كما يعلم ربه أزلا - على موعد ~~مع التقاء البيئات وتداخل الحضارات، فالحدث يتم في آخر الدنيا، فنعلم ~~به، بل، ونشاهده في التو واللحظة، وكأنه في بلادنا. إذن: فالداءات ~~ستتحد أيضا، وما دامت داءات الأمم المختلفة قد اتحدت فيكفي لها رسول ~~واحد يعالجها، ويكون رسولا لكل البشر. ثم يقول سبحانه: { فالذين ~~آتيناهم الكتاب.. } [العنكبوت: 47] أي: من قبلك { يؤمنون ~~به.. } [العنكبوت: 47] لأنه لا سلطة زمنية تعزلهم عن الكتاب الجديد، ~~فينظرون في أوصاف النبي الجديد التي وردت في كتبهم ثم يطابقونها على ~~أوصاف رسول الله لذلك لما بلغ سلمان الفارسي أن بمكة نبيا جديدا، ذهب ~~إلى سيدنا رسول الله، وأخذ يتأمله وينظر إليه بإمعان، فوجد فيه علامتين ~~مما ذكرت الكتب السابقة، وهما أنه صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ولا ~~يقبل الصدقة، فراح ينظر هنا وهناك لعله يرى الثالثة، ففطن إليه رسول الله ~~بما آتاه الله من فطنة النبوة التي ms7488 أودعها الله فيه، وقال: لعلك تريد ~~هذا، وكشف له عن خاتم النبوة، وهو العلامة الثالثة. ومن لباقة سيدنا عبد ~~الله بن سلام، وقد ذهب إلى سيدنا رسول الله وهو - ابن سلام - على يهوديته ~~- فقال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت - يعني يكثرون الجدال دون ~~جدوى - وأخشى إن أعلنت إسلامي أن يسبوني، وأن يظلموني، ويقولوا في ~~فحشا، فأريد يا رسول الله إن جاءوك أن تسألهم عني، فإذا قالوا ما ~~قالوا أعلنت إسلامي، فلما جاء جماعة من اليهود إلى رسول الله سألهم: ما ~~تقولون في عبد الله بن سلام؟ قالوا: شيخنا وحبرنا وسيدنا.. إلخ فقال ~~عبد الله: أما وقد قالوا في ما قالوا: يا رسول الله، فإني أشهد أن لا ~~إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقالوا لتوهم: بل أنت شرنا وابن شرنا، ~~ونالوا منه، فقال عبد الله: ألم أقل لك يا رسول الله أنهم قوم بهت؟ ~~وقوله سبحانه { ومن هؤلاء من يؤمن به.. } [العنكبوت: 47] ~~أي: من كفار مكة من سيأتي بعد هؤلاء، فيؤمن بالقرآن { وما يجحد ~~بآياتنآ إلا الكافرون } [العنكبوت: 47] الجحد: إنكار متعمد ~~لأن من الإنكار ما يكون عن جهل مثلا، والجحد يأتي من أن النسب إما ~~نفي، وإما إثبات، فإن قال اللسان نسبة إيجاب، وفي القلب سلب أو قال ~~سلب وفي القلب إيجاب، فهذا ما نسميه الجحود. # لذلك يفرق القرآن بين صيغة اللفظ ووجدانيات اللفظ في النفس، واقرأ ~~مثلا قول الله تعالى: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله.. # [المنافقون: 1] وهذا منهم كلام طيب وجميل # والله يعلم إنك لرسوله.. # [المنافقون: 1] أي: أنه كلام وافق علم الله، لكن # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1] فكيف يحكم الحق عليهم بالكذب، وقد قالوا ما وافق علم ~~الله؟ نقول: كلام الله يحتاج إلى تدبر لمعناه، فالحق يحكم عليهم بأنهم ~~كاذبون، لا في قولهم: إنك لرسول الله، فهذه حق، بل في شهادتهم لأنها ~~شهادة باللسان لا يوافقها اعتقاد القلب، فالمشهود به حق، لكن الشهادة ~~كذب. لكن، لماذا خص الكافرين في مسألة الجحود؟ قالوا: ms7489 لأن غيرالكافر ~~عنده يقظة وجدان، فلا يجرؤ على هذه الكلمة لأنه يعلم أن الله تعالى لا ~~يأخذ الناس بذنوبهم الآن، إنما يؤجلها لهم ليوم الحساب، فهذه المسألة ~~تحجزهم عن الجحود. ### || [29.48] # قوله: { تتلوا.. } [العنكبوت: 48] أي: تقرأ، واختار تتلو لأنك لا ~~تقرأ إلا ما سمعت، فكأن قراءتك لما سمعت تجعل قولك تاليا لما سمعت، ~~نقول: يتلوه يعني: يأتي بعده { ولا تخطه بيمينك.. } ~~[العنكبوت: 48] يعني: الكتابة. وفرق بين أن تقرأ، وبين أن تكتب، فقد ~~تقرأ لأنك تحفظ، وتحفظ نتيجة السماع، كإخواننا الذين ابتلاهم الله بكف ~~نظرهم ويقرأون، إنما يقرأون ما سمعوه لأن السمع كما قلنا أول حاسة تؤدي ~~مهمتها في الإنسان، فمن الممكن أن تحفظ ما سمعت، أما أن تكتبه فهذا شيء ~~آخر. والكلام هنا لون من ألوان الجدل والإقناع لكفار قريش الذين ~~يكذبون رسول الله، ولون من ألوان التسلية لرسول الله، كأنه يقول ~~سبحانه لرسوله: اطمئن. فتكذيب هؤلاء لك افتراء عليك لأنك ما تلوت قبله ~~كتابا ولا كتبته بيمينك، وهم يعرفون سيرتك فيهم. كما قال سبحانه في موضع ~~آخر: # فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. أربعون سنة قضاها رسول الله بين قومه قبل البعثة، ما ~~جربوا عليه قراءة ولا كتابة ولا خطبة، ولا نمق قصيدة، فكيف ~~تكذبونه الآن؟ فإن قالوا: كانت عبقرية عند محمد أجلها حتى سن ~~الأربعين. نقول: العبقرية عادة ما تأتي في أواخر العقد الثاني من العمر ~~في السابعة عشرة، أو الثامنة عشرة، ومن ضمن لمحمد البقاء حتى سن ~~الأربعين، وهو يرى مصارع أهله، جده وأبيه وأمه؟ لو كان عندك شيء من ~~القراءة أو الكتابة لكان لهم عذر، ولكان في الأمر شبهة تدعو إلى الارتياب ~~في أمرك، كما قالوا: # وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى ~~عليه بكرة وأصيلا # [الفرقان: 5]. وقالوا: # إنما يعلمه بشر.. # [النحل: 103] فرد القرآن عليهم # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. وقالوا: ساحر. وقالوا: شاعر. وقالوا: مجنون. وكلها ~~افتراءات وأباطيل واهية يسهل الرد عليها: فإن كان ساحرا، فلماذا لم ~~يسحركم ms7490 أنتم أيضا وتنتهي المسألة؟ وإن كان شاعرا فهل جربتم عليه أن ~~قال شعرا قبل بعثته؟ وإن قلتم مجنون، فالجنون فقد العقل، بحيث لا ~~يستطيع الإنسان أن يختار بين البدائل، فهل جربتم على محمد شيئا من ~~ذلك؟ وكيف يكون المجنون على خلق عظيم بشهادتكم أنتم أنه الصادق الأمين، ~~فعنده انضباط في الملكات وفي التصرفات، فكيف تتهمونه بالجنون؟ وكلمة { ~~من قبله.. } [العنكبوت: 48] لها عجائب في كتاب الله منها هذه الآية: ~~{ وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك.. } [العنكبوت: 48] فيقول بعض العارفين من قبله: أي من قبل ~~نزول القرآن عليك، وهذا القول { من قبله.. } [العنكبوت: 48] يدل على ~~أنه من الجائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد علم كيف يقرأ ~~وكيف يكتب بعد نزول القرآن عليه، حتى لا يكون في أمته من هو أحسن حالا ~~منه في أي شيء، أو في خصلة من خصال الخير. # ثم تأمل قوله تعالى: # فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل.. # [البقرة: 91] بالله لو جاءت هذه الآية بدون كلمة من قبل ألا يدخل ~~في روع رسول الله أنهم ربما يجترئون عليه فيقتلوه، فيتهيب منهم، أو يدخل ~~في نفوسهم هم، فيجترئون عليه كما قتلوا الأنبياء من قبل لذلك جاءت الآية ~~لتقرر أن هذا كان في الماضي، أما الآن فلن يحدث شيء من هذا أبدا، ولن ~~يمكنكم الله من نبيه. وكلمة { وما كنت.. } [العنكبوت: 48] تكررت ~~كثيرا في كتاب الله، ويسمونها ماكنات القرآن وفيها دليل على أن ~~القرآن خرق كل الحجب في الزمن الماضي، والحاضر، والمستقبل. كما في قوله ~~تعالى: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر.. # [القصص: 44]. وقوله تعالى: # وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم ~~آياتنا.. # [القصص: 45]. وقوله تعالى: # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم.. # [آل عمران: 44]. وهنا: { وما كنت تتلوا من قبله من ~~كتاب ولا تخطه بيمينك.. } [العنكبوت: 48]. لذلك وصفه ربه ~~- عز وجل - بأنه # الرسول النبي الأمي.. # [الأعراف: 157] وإياك أن تظن أن الأمية عيب في رسول الله، فإن ms7491 كانت ~~عيبا في غيره، فهي فيه شرف لأن معنى أمي يعني على فطرته كما ولدته أمه، ~~لم يتعلم شيئا من أحد، وكذلك رسول الله لم يتعلم من الخلق، إنما ~~تعلم من الخالق فعلت مرتبة علمه عن الخلق. ومن ذلك المكانة التي ~~أخذها الإمام علي - رضي الله عنه - في العلم والإفتاء حتى قال عنه عمر ~~رضي الله عنه - مع ما عرف عن عمر من سداد الرأي حتى إن القرآن لينزل ~~موافقا لرأيه، ومؤيدا لقوله - يقول عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها ~~أبو الحسن. لماذا؟ لأنه كان صاحب حجة ومنطق وصاحب بلاغة، ألم يراجع ~~الفاروق في مسألة المرأة التي ولدت لستة أشهر من زواجها، وعمر يريد أن ~~يقيم عليها الحد لأن الشائع أن مدة الحمل تسعة أشهر فتسرع البعض ~~وقالوا: إنها سبق إليها، لكن يكون للإمام على رأي آخر، فيقول لعمر: لكن ~~الله يقول غير هذا، فيقول عمر: وما ذاك؟ قال: ألم يقل الحق سبحانه ~~وتعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين.. # [البقرة: 233] قال: بلى. قال: ألم يقل: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا.. # [الأحقاف: 15] وبطرح العامين من ثلاثين شهرا يكون الباقي ستة أشهر، ~~فإذا ولدت المرأة لستة أشهر، فهذا أمر طبيعي لا ارتياب فيه. وفي يوم ~~دخل حذيفة على عمر رضي الله عنهما - فسأله عمر: كيف أصبحت يا حذيفة؟ ~~فقال حذيفة: يا أمير المؤمنين، أصبحت أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي ~~بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. # فغضب عمر، وهم أن يضربه بدرة في يده، وعندها دخل علي فوجد عمر ~~مغضبا فقال: مالي أراك مغضبا يا أمير المؤمنين؟ فقص عليه ما كان من ~~أمر حذيفة، فقال علي: نعم يا أمير المؤمنين يحب الفتنة لأن الله تعالى ~~قال: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة.. # [التغابن: 15]. ويكره الحق أي: الموت فهو حق لكنا نكرهه، ويصلي على ~~النبي بغير وضوء، وله في الأرض ولد وزوجة، وليس ذلك لله في السماء. فقال ~~عمر قولته المشهورة: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن. فلماذا تميز ~~علي بهذه الميزة ms7492 من العلم والفقه والحجة؟ لأنه تربى في حجر ~~النبوة فاستقى من نبعها، وترعرع في أحضان العلوم الإسلامية منذ نعومة ~~أظافره، ولم يعرف شيئا من معلومات الجاهلية، فلما تتفاعل عنده العلوم ~~الإسلامية لا تلد إلا حقا. ثم يقول سبحانه { إذا.. } [العنكبوت: 48] ~~يعني: لو حصل منك قراءة أو كتابة { لارتاب المبطلون } ~~[العنكبوت: 48] أي: لكان لهم عذر ووجهة نظر في الارتياب، والارتياب ~~لا يعني مجرد الشك، إنما شك باتهام أي: يتهمون رسول الله بأنه كان على ~~علم بالقراءة والكتابة لذلك وصفهم بأنهم مبطلون في اتهامهم له صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [29.49] # { بل.. } [العنكبوت: 49] حرف يفيد الإضراب عما قبله، وتأكيد ما بعده { ~~هو } أي: القرآن { آيات بينات في صدور الذين أوتوا ~~العلم.. } [العنكبوت: 49] وقال { في صدور.. } [العنكبوت: 49] ولم ~~يقل مثلا: في ذاكرتهم لأن الأذن تستقبل الكلام وتعرضه على العقل، فإن ~~قبله يستقر في القلب وفي الصدر، وفيه يتحول إلى عقيدة وإلى يقين لا يقبل ~~الشك ولا يتزحزح. لذلك يقول تعالى عن القرآن: # نزل به الروح الأمين * على قلبك.. # [الشعراء: 193-194] فقال: # على قلبك.. # [الشعراء: 194] أي: مباشرة استقر في قلبه، ولم يقل على أذنك. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { وقالوا لولا أنزل عليه آيات... }. ### || [29.50] # أي: بعد أن جاءهم القرآن وبعد أن أعجزهم يطلبون آيات أخرى، وسبق أن ~~قلنا: إن الحق سبحانه كان إذا اقترح القوم آية من رسولهم فأجابهم إلى ~~ما طلبوا، فإن كذبوا بعدها أخذهم أخد عزيز مقتدر. واقرأ مثلا قوله ~~سبحانه: # وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها.. # [الإسراء: 59] فلما كذبوا بالآية التي طلبوها أهلكهم الله لأن المسألة ~~إذن ليست مسألة آيات وإقناع، إنما هي الإصرار على الكفر، إذن: فطلب ~~الإنزال لآية خاصة باقتراحهم ليس مانعا لهم أن يكفروا أيضا برسول ~~الله. لذلك يقول سبحانه: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات.. # [الإسراء: 59] أي: التي اقترحوها # إلا أن كذب بها الأولون.. # [الإسراء: 59] وحين تنزل الآية ويكذبون بها تنزل بهم عقوبة السماء، ~~لكن الحق - سبحانه وتعالى - قطع العهد لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم ~~ألا يعذب أمته ms7493 وهو فيهم، كما قال سبحانه: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال: 33]. فهذا هو السبب المانع من أن تأتي الآية المقترحة، ثم إن ~~الآيات المقترحة آيات كونية تأتي وتذهب، كما تشعل عود الثقاب مرة واحدة، ~~ثم ينطفئ، رآه من رآه، وأصبح خبرا لمن لم يره. وكلمة { لولا.. } ~~[العنكبوت: 50] تستخدم في لغة العرب استخدامين: إن دخلت على الجملة ~~الاسمية مثل: لولا زيد عندك لزرتك، وهي هنا حرف امتناع لوجود، فقد ~~امتنعت الزيارة لوجود زيد. وإن دخلت على الجملة الفعلية مثل: لولا ~~تذاكر دروسك، فهي للحض وللحث على الفعل. فقولهم { لولا أنزل ~~عليه آيات من ربه.. } [العنكبوت: 50] كأن الآية التي جاءتهم ~~من عند الله لا يعترفون بها، ثم يناقضون أنفسهم حينما يقولون: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إذن: أنتم معترفون بالقرآن، مقتنعون به، لكن ما يقف في ~~حلوقكم أن ينزل على محمد من بين الناس جميعا. ثم نراهم يناقضون أنفسهم ~~في هذه أيضا، ويعترفون من حيث لا يشعرون بأن محمدا رسول الله حينما ~~قالوا: # لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ~~ينفضوا.. # [المنافقون: 7] فما دمتم تعرفون أنه رسول الله، فلماذا تعادونه؟ إذن: ~~فالبديهة الفطرية تكذبهم، ينطق الحق على ألسنتهم على حين غفلة منهم. ~~ويرد الحق - تبارك وتعالى - عليهم: { قل إنما الآيات عند ~~الله.. } [العنكبوت: 50] فهي عند الله، ليست عندي، وليست بالطلب حسب ~~أهوائكم { وإنمآ أنا نذير مبين } [العنكبوت: 50] أي: هذه ~~مهمتي، واختار الإنذار مع أنه صلى الله عليه وسلم بشير ونذير، لكن ~~خصهم هنا بالإنذار، لأنهم أهل لجاج، وأهل باطل وجحود، فيناسبهم كلمة ~~الإنذار دون البشارة. ثم يقول الحق سبحانه: { أولم يكفهم أنآ ~~أنزلنا عليك الكتاب... }. ### || [29.51] # والاستفهام هنا للتعجب وللإنكار، يعني: كيف لا يكفيهم القرآن ولا ~~يقنعهم وهو أعظم الآيات، وقد أعجزهم أن يأتوا ولو بآية من آياته، وجاءهم ~~بالكثير من العبر والعجائب؟ إذن: هم يريدون أن يتمحكوا، وألا يؤمنوا، ~~وإلا لو أنهم طلاب حق باحثون عن الهداية لكفاهم ms7494 من القرآن آية واحدة ~~ليؤمنوا به. وقوله تعالى: { يتلى عليهم.. } [العنكبوت: 51] لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي بعدة آيات، وقد يطول ~~إلى ربعين أو ثلاثة أرباع، فلما أن يسري عنه يتلو ما نزل عليه على ~~صحابته ليكتبوه، يتلوه كما أنزل عليه، فيكتبه الكتبة، ويحفظه من ~~يحفظه منهم، وكانوا أمة رواية وأمة حفظ. ثم يأتي وقت الصلاة فيصلي بهم ~~رسول الله بما نزل عليه من الآيات، يعيدها كما أملاها، وهذه هبة ربانية ~~منحها لرسوله صلى الله عليه وسلم وخاطبه بقوله: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6]. وإلا، فلك أن تتحدى أكثر الناس حفظا أن يعيد عليك ~~خطبة أو كلمة ألقاها على مدى نصف ساعة مثلا، ثم يعيدها عليك كما قالها ~~في المرة الأولى. ثم يقول سبحانه: { إن في ذلك لرحمة ~~وذكرى.. } [العنكبوت: 51] لكن لمن { لقوم يؤمنون } ~~[العنكبوت: 51] لأن القرآن لا يثمر إلا فيمن يحسن استقباله ويؤمن به، ~~أما غير المؤمنين فهو في آذانهم وقر وهو عليهم عمى، لا يفقهونه ولا ~~يتدبرونه لأنهم يستقبلونه لا بصفاء نفس، وإنما ببغض وكراهية استقبال، ~~فلا ينالون نوره ولا بركته ولا هدايته. لذلك يقول تعالى في الذين ~~يحسنون استقبال كلام الله: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء.. # [فصلت: 44]. أما الذين يجحدونه ولا يحسنون استقباله، فيقول عنهم: # والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم ~~عمى.. # [فصلت: 44]. وسبق أن قلنا: إن الفعل واحد، لكن المستقبل مختلف، ~~ومثلنا لذلك بمن ينفخ في يده ليدفئها في البرد، ومن ينفخ في الشاي ~~ليبرده، وأنت أيضا تنفخ في الشمعة لتطفئها، وتنفخ في النار لتشعلها. ~~وفي موضع آخر يقول تعالى: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين.. # [الإسراء: 82]، ففرق بين الشفاء والرحمة، الشفاء يعني: أنه كانت هناك ~~علة، فبرأت، لكن الرحمة ألا تعاودك العلة، ولا يأتيك الداء مرة أخرى، ~~فالقرآن نزل ليعالج الداءات النفسية، يعالجها بالقراءة ويحصنك ضدها ~~فلا تصيبك، وإن وقعت في شيء من هذه الداءات فاقرأ ما جاء فيها من ~~القرآن فإنها تبرأ بإذن الله، إذن: ms7495 الشفاء يعالج الداء إن وقع في غفلة ~~من سلوك النفس. ولو طبقنا قضايا القرآن في نفوسنا لنالتنا هذه الرحمة، ~~فالإنسان بدن وقيم ومعان وأخلاق، هذه المعاني في الإنسان يسمونها ~~النفسيات، فقد يكون سليم البنية والجسم لكنه سقيم النفس لذلك نجد بين ~~تخصصات الطب الطب النفسي، وكل مريض لا يجدون لمرضه سببا عضويا ~~يشخصونه على أنه مرض نفسي، وحين تسأل الطبيب النفسي تجد أن كل ما عنده ~~عقاقير تهدىء المريض أو تهده فينام حتى لا يفكر في شيء، وهل هذا هو ~~العلاج؟ ولو تأملنا كتاب ربنا لوجدنا فيه العلاجين: العضوي والنفسي، ~~فسلامة الجسم في أن الله تعالى أحل لك أشياء، وحرم عليك أشياء، وما ~~عليك إلا أن تستقيم على منهج ربك فتسلم من داءات الجسد، فإن كنت من ~~هؤلاء الذين يحبون الأكل من الحلال لكنهم يبالغون فيه إلى حد ~~التخمة، فاقرأ في القرآن: # يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا ~~واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين # [الأعراف: 31]. ثم تجد في السنة النبوية مذكرة تفسيرية لهذه الآية: # " بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه " # ، فإن كان ولا بد: # " فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه ". # فالأصل أن يأكل الإنسان ليعيش، لا أن يعيش ليأكل. وبعض السطحيين يقولون: ~~ما معنى " ثلث لنفسه " ، وهل النفس في المعدة؟ والآن، ومع تطور العلوم ~~عرفنا أن تخمة البطن تضغط على الحجاب الحاجز وتضيق مجال الرئة فينتج عن ~~ذلك ضيق في التنفس. أما الناحية النفسية، فالمرض النفسي ناتج إما عن ~~انقباض الجوارح عن طبيعة تكوينها، أو انبساطها عن طبيعة تكوينها، كالبيضة ~~مثلا لها حجم معين فإن ضيقت هذا الحجم أو بسطته تنكسر. وهذا أيضا ~~أساس الداء في النفس البشرية لأن ملكات النفس ينبغي أن تظل في حالة ~~توازن واستواء، وتجد هذا التوازن في منهج ربك - عز وجل - حيث يقول ~~سبحانه: # لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ ~~آتاكم.. # [الحديد: 23]. فمعنى: # لكيلا تأسوا على ما فاتكم.. # [الحديد: 23] الانقباض # ولا تفرحوا بمآ آتاكم.. # [الحديد: 23] الانبساط. وكلاهما مذموم منهي عنه، ms7496 لكن من ذا الذي لا ~~يأسى على ما فات، ولا يفرح بما هو آت؟ لذلك نجد البلداء الذين لا ~~تهزهم الأحداث بصحة قوية لأنهم لا يهتمون للخطوب، حتى أن الشعراء لم ~~يفتهم هذا المعنى، حيث يقول أحدهم: # وفي البلادة ما في العزم من جلد # إن البليد قوي النفس عاتيها # فاسأل أولي العزم إن خارت عزائمهم # عن البلادة هل مادت رواسيها؟ # فالذي تظنه بلادة هو عزم قوي في استقبال الأحداث والصمود لها. إذن: ~~الرحمة في منهج الله إن التزمنا به نأمن من الأدواء، مادية كانت أم ~~معنوية. ### || [29.52] # قل أي: للمنكرين لك { كفى بالله بيني وبينكم ~~شهيدا.. } [العنكبوت: 52] أي: حسبي أن يشهد الله لي بأني بلغت، ~~فشهادتكم عندي لا تنفع، كما أنه لا ينفعني إيمانكم، ولا يضرني كفركم، ~~فأجري آخذه من ربي على مجرد البلاغ وقد بلغت، وشهد الله لي بذلك. وفي ~~موضع آخر يقول سبحانه: # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم.. # [الرعد: 43] أي: أنكم لم تكتفوا بالآيات، ولم تؤمنوا بها، لكني أكتفي ~~برب هذه الآيات شهيدا بيني وبينكم، إذن: هناك خصومة في البلاغ بين محمد ~~صلى الله عليه وسلم وقومه الذين يكذبونه في البلاغ عن ربه. فلا بد ~~إذن من فصل في هذه الخصومة، وإذا ما نظرنا إلى قضايا الخلق في ~~الخصومات وجدنا إما أن يقر المتهم، وإما أن يشهد شاهد حق لا شاهد ~~زور، ثم يعرض الأمر على القاضي ليحكم بالشهادة أو البينة. ولا بد في ~~القاضي ألا يكون صاحب هوى، ثم يأتي دور تنفيذ الحكم، وهي السلطة ~~التنفيذية، وهذه أيضا ينبغي ألا يكون لها هوى، فتنفذ الحكم على ~~حقيقته، فكأن الخصومات عند البشر تمر بمراحل متعددة، وقد تتميع الحقائق ~~إذا لم تتوفر الشروط اللازمة لهذه الأطراف، فلو شهد الشاهد زورا أو مال ~~القاضي أو المنفذ للحكم ودلس في التنفيذ لانقلبت المسائل. أما في ~~حكومة الحق - سبحانه وتعالى - في الخصومة بين محمد وقومه، فكفى به سبحانه ~~حاكما وقاضيا ومنفذا، لماذا؟ لأنه سبحانه: { يعلم ما ms7497 في ~~السماوات والأرض.. } [العنكبوت: 52]. فلا تخفى عليه خافية في ~~الأرض ولا في السماء، يعلم السر وأخفى، فأي شهادة إذن أعدل من ~~شهادته؟ وهو سبحانه قاض عادل يحكم بالحق لأنه ليس له سبحانه هوى يميل ~~به إلى الباطل، وهو سبحانه لا يبدل في تنفيذ الأحكام لأنه ينفذ حكمه ~~هو سبحانه. إذن: من الفائز في حكومة قاضيها الحق - تبارك وتعالى - ~~وأطراف الخصومة فيها محمد وقومه؟ فاز رسول الله في أن يكون الله هو ~~الشهيد، وخسر الكافرون حين كفروا به، ولم تكفهم البينة التي جاءتهم في ~~القرآن الكريم. وعلم الله للغيب ليس علاجا ومذاكرة ليعلم، إنما تأتي ~~الأمور بتوقيت منه قديم أزلا، والعالم يظهر على وفق ما يراه أزلا ~~لذلك يقول سبحانه: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. أي: يقول للشيء، فكأنه موجود فعلا ينتظر الأمر من الله ~~بالظهور للناس، فقوله كن للظهور فقط، أما مسألة الخلق فمنتهية أزلا، ~~والماكيت موجود، فالحق سبحانه يعلم غيب السماوات والأرض، أما نحن فلا ~~نعلم حتى غيب أنفسنا. ويقول سبحانه: # يعلم السر وأخفى # [طه: 7] فهل هناك أخفى من السر؟ قالوا: السر ما تسره في نفسك، ~~والأخفى منه أن يعلمه سبحانه قبل أن يكون في نفسك. # وقد وقف البعض عند قوله تعالى: # يعلم ما تبدون وما تكتمون # [النور: 29] وقوله سبحانه: # يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون # [الأنبياء: 110]. يقولون: ما وجه امتنان الله بعلم الجهر من القول، ~~وبعلم ما نبدي، فهذا شيء غير مستور يعرفه الجميع؟ ونقول: افهم عن الله ~~مراده، فالمعنى لم يقل سبحانه: أعلم ما تبدي أنت، ولا ما تجهر به أنت، ~~إنما ما تبدون كلكم، وما تجهرون به كلكم، ولتوضيح هذه المسألة تصور ~~مظاهرة من عدة مئات أو عدة آلاف تختلط بينهم الهتافات والأصوات وتتداخل ~~الكلمات، بحيث لا تستطيع أن تميز صوت هذا من صوت ذاك. لكن الحق سبحانه ~~يستطيع تمييز هذه الأصوات، وإعادة كل منها إلى صاحبه لذلك نرى في ~~المظاهرات أن كل إنسان يستطيع أن يقول ما يشاء، ms7498 ويهتف بما لا يجرؤ أن ~~يهتف به منفردا لأن صوته سيختلط مع الأصوات، ويستتر فيها فلا يعرف ~~مصدره، وهكذا يكون علم الجهر أقوى من علم الغيب. فإن قلت: إن بعض ~~العلماء باكتشافاتهم وبحوثهم توصلوا إلى معرفة أسرار كانت مستترة في ~~الكون، كالكهرباء والذرة وغيرها، فهم بذلك يعلمون الغيب. نقول: نعم، ~~علموا شيئا كان مستورا في الكون، لكن علموه بمقدمات خلقها الله ~~ويسرها لهم، فأخذوا هذه المقدمات وتوصلوا بها إلى اكتشافاتهم، كما ~~يحل ولدك مثلا تمرين الهندسة، فيستعين بالمعطيات. إذن فهو في حقيقة ~~الأمر ليس غيبا، بل هو شيء موجود، لكن له ميلاد ووقت يظهر فيه، فإن جاء ~~وقته يسر الله لخلقه الوصول إليه، إما بالبحث واستخدام المقدمات، ~~فإذا صادف ميلاد السر بحث الخلق يقال: إنهم أحاطوا علما ببعض غيب ~~الله. ويقول تعالى: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء.. # [البقرة: 255] أي: شاء أن يولد، فإن جاء ميلاد السر، ولم يتوصلوا ~~إليه ببحوثهم، ولم يقفوا على مقدماته كشفه الله لهم ولو مصادفة، وقد ~~اكتشفوا كثيرا من أسرار الكون مصادفة. فالغيب الحقيقي: هو الذي ليس له ~~مقدمات توصل إليه، ولا يعلمه أحد إلا الله، والذي قال الله عنه: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول.. # [الجن: 26-27] فالرسول - إذن - لا يعلم الغيب، إنما علم الغيب. ثم ~~يقول تعالى: { والذين آمنوا بالباطل.. } [العنكبوت: 52] أي: ~~بعبادة ما دون الله من الأصنام والأوثان { وكفروا بالله.. } ~~[العنكبوت: 52] الخالق واجب الوجود { أولئك هم الخاسرون } ~~[العنكبوت: 52] لأن كفر الخلق بالخالق لا يؤثر في ذاته سبحانه، ولا في ~~صفات الكمال فيه، لأنه سبحانه بصفات الكمال خلقهم، فله سبحانه صفات ~~الكمال، آمنوا أم كفروا. لكن فرق بين من يؤمن ومن يكفر، فالإنسان ~~بطبعه حريص على الحياة متمسك بها، حتى إنه إن أصابه مرض طلب العلاج ~~ليصون حياته وهو يخاف الموت، ويرى مصارع الناس من حوله، وكيف سبقه أجداده ~~ولم يخلد منهم أحد، ويرى أن الموت يأتي بلا أسباب حتى قيل: والموت من غير ~~سبب ms7499 هو السبب. # إذن: فالموت حقيقة واقعة، لكن يشك الناس فيها ولا يتصورونها لأنفسهم ~~لأنهم يكرهونها لذلك يقال في الأثر: ما رأيت يقينا أشبه بالشك من ~~يقين الناس بالموت. وليقين الإنسان في الموت نراه يحب البقاء في ولده، ~~وفي ولد ولده ليبقى ذكره أطول فترة ممكنة، وما دام الأمر كذلك، فلماذا ~~لا تؤمن بالله فيورثك الإيمان حياة خالدة باقية لا نهاية لها، لا ~~تفارقها ولا تفارقك، وهي حياة الآخرة. إذن: فمن الخاسرون؟ الخاسرون هم ~~الكافرون الذي قصروا حياتهم على عمرهم في الدنيا. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل... }. ### || [29.53] # عجيب أن يطلب الإنسان لنفسه العذاب، وأن يستعجله إن أبطأ عليه، إذن: ما ~~طلبه هؤلاء إلا لاعتقادهم أنه غير واقع بهم، وإلا لو وثقوا من وقوعه ~~ما طلبوه. { ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب.. } ~~[العنكبوت: 53] لأن كل شيء عند الله بميقات، وأجل، والأجل يختلف باختلاف ~~أصحابه وهو أجل الناس وأعمارهم، وهي آجال متفرقة فيهم، لكن هناك أجل ~~يجمعهم جميعا، ويتفقون فيه، وهو أجل الساعة. فقوله تعالى: # فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون # [الأعراف: 34] أي: بآجالهم المتفرقة. أما أجل القيامة فأجل واحد مسمى ~~عنده تعالى، ومن عجيب الفرق بين الأجلين أن الآجال المتفرقة في الدنيا ~~تنهي حياة، أما أجل الآخرة فتبدأ به الحياة. والمعنى { ولولا أجل ~~مسمى لجآءهم العذاب.. } [العنكبوت: 53] أن المسألة ليست ~~على هواهم ورغباتهم لذلك يقول تعالى: # خلق الإنسان من عجل.. # [الأنبياء: 37] ويقول: # سأوريكم آياتي فلا تستعجلون # [الأنبياء: 37]. لذلك # " لما عقد النبي صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية بينه وبين كفار مكة، ~~ورضي أن يعود بأصحابه دون أداء فريضة العمرة غضب الصحابة وعلي وعمر، ولم ~~يعجبهم هذا الصلح، وكادوا يخالفون رسول الله غيرة منهم على دينهم، حتى ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة رضي الله عنها وقال: " هلك ~~المسلمون " قالت: ولم يا رسول الله؟ قال: " أمرتهم فلم يمتثلوا " فقالت: ~~يا رسول الله اعذرهم، فهم مكروبون، جاءوا على شوق لبيت الله، وكانوا ~~على مقربة منه ms7500 هكذا، ثم يمنعون ويصدون، اعذرهم يا رسول الله، ولكن ~~امض فاصنع ما أمرك الله به ودعهم، فإن هم رأوك فعلت فعلوا، ~~وعلموا أن ذلك عزيمة. وفعلا ذهب رسول الله، وتحلل من عمرته، ففعل القوم ~~مثله " # ، ونجحت مشورة السيدة أم سلمة، وأنقذت الموقف. # " ثم بين الله لهم الحكمة في العودة هذا العام دون قتال، ففي مكة ~~إخوان لكم آمنوا، ويكتمون إيمانهم، فإن دخلتم عليهم مكة فسوف تقتلونهم ~~دون علم بإيمانهم. وكان عمر - رضي الله عنه - كعادته شديدا في الحق، ~~فقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق؟ قال: صلى الله عليه وسلم: " بلى " ~~قال: أليسوا على الباطل؟ قال صلى الله عليه وسلم " بلى " قال: فلم ~~نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر: الزم غرزك يا عمر " # . يعني قف عند حدك وحجم نفسك، ثم قال بعدها ليبرر هذه المعاهدة: ما ~~كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية - لا فتح مكة. لماذا؟ لأن ~~الحديبية انتزعت من الكفار الاعتراف بمحمد، وقد كانوا معارضين له غير ~~معترفين بدعوته، والآن يكاتبونه معاهدة ويتفقون معه على رأي، ثم إنها ~~أعطت رسول الله فرصة للتفرغ لأمر الدعوة ونشرها في ربوع الجزيرة العربية، ~~لكن في وقتها لم يتسع ظن الناس لما بين محمد وربه، والعباد عادة ما ~~يعجلون، والله - عز وجل - لا يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد ~~سبحانه. # ثم يقول تعالى: { وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون ~~} [العنكبوت: 53] يعني: فجأة، وليس حسب رغبتهم { وهم لا يشعرون ~~} [العنكبوت: 53] لا يشعرون ساعتها أم لا يشعرون الآن أنها حق، وأنها ~~واقعة لأجل مسمى؟ المراد لا يشعرون الآن أنها آتية، وأن لها أجلا مسمى، ~~وسوف تباغتهم بأهوالها، فكان عليهم أن يعلموا هذه من الآن، وأن يؤمنوا ~~بها. إذن: فليس المراد أنهم لا يشعرون بالبغتة لأن شعورهم بالبغتة ساعتها ~~لا ينفعهم بشيء. ثم يقول الحق سبحانه: { يستعجلونك ~~بالعذاب... }. ### || [29.54] # أي: قل لهم إن كنتم تستعجلون العذاب فهو آت لا محالة، وإن كنتم في ~~شوق إليه فجهنم في انتظاركم، بل ستمتلئ منكم وتقول: ms7501 هل من مزيد؟ والعذاب ~~يتناسب وقدرة المعذب قوة وضعفا، وإحاطة وشمولا، فإذا كان المعذب هو ~~الله - عز وجل - فعذابه لا يعذبه أحد من العالمين. ومعنى { ~~لمحيطة بالكافرين } [العنكبوت: 54] الإحاطة أن تشمل الشيء من ~~جميع جهاته، فالجهات أربع: شمال وجنوب وشرق وغرب، وبين الجهات الأصلية ~~جهات فرعية، وبين الجهات الفرعية أيضا جهات فرعية، والإحاطة هي التي ~~تشمل كل هذه الجهات. ومن ذلك قوله تعالى: # إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم ~~سرادقها.. # [الكهف: 29] يعني: من كل جهاتهم. ومن عجيب أمر النار في الآخرة أن النار ~~في الدنيا يمكن أن تعذب شخصا بنار تحوطه لا يستطيع أن يفلت منها، ~~لكن النار بطبيعتها تعلو لأن اللهب يتجه إلى أعلى، أما إن كانت تحت قدمك ~~فيمكنك أن تدوسها بقدمك، كما تطفئ مثلا عقب السيجارة، فحين تدوسه ~~تمنع عنه الأكسوجين، فتنطفئ النار فيه، أما في نار الآخرة فتأتيهم من كل ~~جهاتهم: { يوم يغشاهم العذاب... }. ### || [29.55] # وفي موضع آخر يقول سبحانه: # لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل # [الزمر: 16]. وهاتان الجهتان لا تأتي منهما النار في الدنيا لأن النار ~~بطبيعتها تصعد إلى أعلى، وإن كانت تحت القدم تنطفىء. إذن: هذا ترق في ~~العذاب، حيث لا يقتصر على الإحاطة من جميع جهاته، إنما يأتيهم أيضا من ~~فوقهم ومن تحتهم. لكن قد يتجلد المعذب للعذاب، ويتماسك حتى لا تشمت ~~فيه، وهذا يأتيه عذاب من نوع آخر، عذاب يهينه ويذله، ويقال له: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49] لذلك وصف العذاب، بأنه: مهين، وأليم، وعظيم، وشديد. وقوله ~~تعالى { ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون } [العنكبوت: 55] ~~لم يقل: ذوقوا النار، إنما ذوقوا ما عملتم، كأن العمل نفسه سيكون هو ~~النار التي تحرقهم. ثم يقول الحق سبحانه: { يعبادي الذين... }. ### || [29.56] # بعد أن تحدث الحق سبحانه عن الكفار والمكذبين أراد أن يحدث ~~توازنا في السياق، فحدثنا هنا عن المؤمنين ليكون أنكى للكافرين، حين ~~تردف الحديث عنهم، وعما يقع لهم من العذاب بما سينال المؤمنين من النعيم، ~~فتكون لهم حسرة شديدة، فلو لم ms7502 يأخذ المؤمنون هذا النعيم لكان الأمر ~~أهون عليهم. وقوله تعالى: { يعبادي.. } [العنكبوت: 56] سبق أن ~~قلنا: إن الخلق جميعا عبيد لله، وعبيد الله قسمان: مؤمن وكافر، وكل ~~منهما جعله الله مختارا: المؤمن تنازل عن اختياره لاختيار ربه، وفضل ~~مراده سبحانه على مراد نفسه، فصار عبدا في كل شيء حتى في الاختيار، فلما ~~فعلوا ذلك استحقوا أن يكونوا عبيدا وعبادا لله. أما الكافر فتأبى على ~~مراد ربه، واختار الكفر على الإيمان، والمعصية على الطاعة، ونسي أنه عبد ~~لله مقهور في أشياء لا يستطيع أن يختار فيها، وكأن الله يقول له: أنت ~~أيها الكافر تمردت على ربك، وتأبيت على منهجه في افعل و لا تفعل، ~~واعتدت التمرد على الله. فلماذا لا تتمرد عليه فيما يجريه عليك من ~~أقدار، لماذا لا تتأبى على المرض أو على الموت؟ إذن: فأنت في قبضة ربك ~~لا تستطيع الانفلات منها. وعليه، فالمؤمن والكافر سواء في العبودية لله، ~~لكن الفرق في العبادية حيث جاء المؤمن مختارا راضيا بمراد الله، ~~وفرق بين عبد يطيعك وأنت تجره في سلسلة، وعبد يخدمك وهو طليق حر. ~~وهكذا المؤمن جاء إلى الإيمان بالله مختارا مع إمكانية أن يكفر، وهذه ~~هي العبودية والعبادية معا. ومعنى { إن أرضي واسعة.. } ~~[العنكبوت: 56] يخاطبهم ربهم هذا الخطاب وهم في الأرض وفي سعتها، ليلفت ~~أنظارهم إلى أنهم سيضطهدون ويعذبون، وسيقع عليهم إيذاء وإيلام، فيقول ~~لهم: إياكم أن تصرفكم هذه القسوة، إياكم أن تتراجعوا عن دعوتكم، فإذا ~~لم يناسبكم هذا المكان فاذهبوا إلى مكان آخر فأرضي واسعة فلا تضيقوها ~~على أنفسكم. لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الأرض لله، والعباد كلهم لله، فإن أبصرت خيرا فاقم حيث يكون ". # فالذي نعاني منه الآن هو هذه الحدود وهذه القيود التي وضعناها في ~~جغرافية أرض الله، فضيقنا على أنفسنا ما وسعه الله لنا، فأرض الله ~~الواسعة ليست فيها تأشيرات دخول ولا جوازات سفر ولا بلاك لست. لذلك قلنا ~~مرة في الأمم المتحدة: إنكم إن سعيتم لتطبيق مبدأ واحد من مبادئ القرآن ms7503 ~~فلن يوجد شر في الأرض، ألا وهو قوله تعالى: # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10]. والمعنى: الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام، فإن ضاق رزقك ~~في مكان فاطلبه في مكان آخر، وإلا فالذي يتعب الناس الآن أن توجد أرض ~~بلا رجال، أو رجال بلا أرض، وها هي السودان مثلا بجوارنا، فيها أجود ~~الأراضي لا تجد من يزرعها، لماذا؟ للقيود التي وضعناها وضيقنا بها ~~على أنفسنا. # وصدق الشاعر حين قال: # لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها # ولكن أخلاق الرجال تضيق # ثم يقول سبحانه { فإياي فاعبدون } [العنكبوت: 56] فإن أخذنا ~~بمبدأ الهجرة فلا بد أن نعلم أن للهجرة شروطا أولها: أن تهاجر إلى ~~مكان يحفظ عليك إيمانك ولا ينقصه، وانظر قبل أن تخرج من بلدك هل ستتمكن ~~في المهجر من أداء أمور دينك كما أوجبها الله عليك؟ فإن كان ذلك فلا ~~مانع، وإلا فلا هجرة لمكان يخرجني من دائرة الإيمان، أو يحول بيني ~~وبين أداء أوامر ديني. وهل يرضيك أن تعيش لتجمع الأموال في بلاد الكفر، ~~وأن تدخل عليك ابنتك مثلا وفي يدها شاب لا تعرف عنه شيئا قد فرض ~~عليك فرضا، فقد عرفته على طريقة القوم، ساعتها لن ينفعك كل ما جمعت، ~~ولن يصلح ما جرح من كرامتك. وسبق أن أوضحنا أن الهجرة قد تكون إلى دار ~~أمن فقط، حيث تأمن فيها على دينك، وتأمن ألا يفتنك عنه أحد، ومن ذلك ~~الهجرة التي أمر بها رسول الله إلى الحبشة، وهي ليست أرض إيمان، بل أرض ~~أمن. وقد علل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بالهجرة إليها ~~بقوله: # " إن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد " # وقد تبين بعد الهجرة إليها صدق رسول الله، وكأنه على علم تام ~~بالبيئة المحيطة به وبأحوال أهلها. لذلك لم يأمرهم مثلا بالهجرة إلى ~~أطراف الجزيرة العربية لأنها كانت خاضعة لقريش بما لها من سيادة على ~~الكعبة، فلا يستطيع أحد أن يحمي من تطلبه قريش، حتى الذين هاجروا ~~بدينهم إلى الحبشة لم يسلموا من قريش، فقد أرسلت إلى النجاشي من ~~يكلمه ms7504 في شأنهم، وحملوا إليه الهدايا المغرية ليسلمهم المهاجرين من ~~المؤمنين بمحمد، لكن لم تفلح هذه الحيلة مع الملك العادل الذي راود ~~الإيمان قلبه، فأحب المؤمنين ودافع عنهم ورفض إعادتهم ويقال: إنه آمن ~~بعد ذلك، ولما مات صلى عليه رسول الله. أما الهجرة إلى المدينة بعد ~~الهجرة إلى الحبشة فكان لدار أمن وإيمان معا، حيث تأمن فيها على دينك، ~~وتتمكن فيها من نشره والدعوة إليه، وتجد بها إخوانا مؤمنين يواسونك ~~بأموالهم، وبكل ما يملكون، وقد ضرب الأنصار في مدينة رسول الله أروع مثل ~~في التاريخ في المواساة، فالأنصاري كان يرى أخاه المهاجر ترك أهله في ~~مكة، وله إربة وحاجة للنساء، فيطلق له إحدى زوجاته ليتزوجها، فانظر ~~ماذا فعل الإيمان بالأنصار. وفي قوله سبحانه { فإياي فاعبدون } ~~[العنكبوت: 56] أسلوب يسمونه أسلوب قصر، مثل قوله تعالى: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. وفرق بين أن نقول: نعبدك. وإياك نعبد: نعبدك لا تمنع ~~أن نعبد غيرك، أما إياك نعبد فتقصر العبادة على الله - عز وجل - ، ~~ولا تتجاوزه إلى غيره. فالمعنى - إذن: إن كنت ستهاجر فلتكن هجرتك لله، ~~وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: # " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت ~~هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ". # ثم يقول الحق سبحانه: { كل نفس ذآئقة الموت... }. ### || [29.57] # يعني: إن كنتم ستقولون - وقد قالوا بالفعل - ليس لنا في المدينة دار ~~ولا عقار، وليس لنا فيها مصادر رزق، وكيف نترك أولادنا وبيئتنا التي نعيش ~~فيها، فاعلموا أنكم ولا بد مفارقون هذا كله، فإن لم تفارقوها وأنتم ~~أحياء فسوف تفارقونها بالموت لأن { كل نفس ذآئقة الموت.. } ~~[العنكبوت: 57]. ومن يدريكم لعلكم تعودون إلى بلدكم مرة أخرى، كما قال ~~الله لرسوله: # إن الذي فرض عليك القرآن لرآدك إلى معاد.. # [القصص: 85]. وعلى فرض أنكم لن تعودوا إليها فلن يضيركم شيء لأنكم لا ~~بد مفارقوها بالموت. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يخفف عنهم ما يلاقونه ~~من مفارقة الأهل والوطن والمال والأولاد. كما ms7505 أننا نلحظ في قوله سبحانه { ~~كل نفس ذآئقة الموت.. } [العنكبوت: 57] بعد # إن أرضي واسعة.. # [العنكبوت: 56] أن الخواطر التي يمكن أن تطرأ على النفس البشرية حين ~~يشرع الله أمرا يهيج هذه الخواطر مثل # إن أرضي واسعة.. # [العنكبوت: 56] وما تثيره في النفس من حب الجمع والتملك يجعل لك مع ~~الأمر ما يهبط هذه الخواطر. { كل نفس ذآئقة الموت.. } ~~[العنكبوت: 57] حتى لا نطمع في حطام الدنيا، ويلهينا إغراء المال ~~والهجرة لجمعه، فالنهاية بعد ذلك كله الموت، وفقدان كل ما جمعت. وهذه ~~القضية واضحة في قوله سبحانه: # إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا.. # [التوبة: 28]. فلما أراد الله تعالى أن ينهي وجود المشركين في البيت ~~الحرام علم سبحانه أن المسلمين سيحسبون النتيجة المادية لمنع المشركين من ~~دخول الحرم، وأنها ستؤثر على تجارتهم وأرزاقهم في مواسم التجارة والحج. ~~لذلك قال بعدها مباشرة: # وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله.. # [التوبة: 28] فساعة يقرأونها في التشريع يعلمون أن الله اطلع على ما ~~في نفوسهم، وجاءهم بالرد عليه حتى لا يتكلموا به، وهذا يعني أن التشريع ~~يأتي ليعالج كل خواطر النفس، فلا ينزعك من شيء تخافه إلا ومع التشريع ما ~~يذهب هذه المخاوف. { والذين آمنوا... }. ### || [29.58] # هذه في مقابل: # وإن جهنم لمحيطة بالكافرين * يوم يغشاهم ~~العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم.. # [العنكبوت: 54-55] وذكر المقابل لزيادة النكاية بالكافرين، كما يقول ~~سبحانه: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14]. فجمع المتقابلين يزيد من فرحة المؤمن، ويزيد من ~~حسرة الكافر. ومعنى { لنبوئنهم من الجنة غرفا.. ~~} [العنكبوت: 58] أي: ننزلهم ونمكنهم منها، كما جاء في قوله تعالى ~~مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: # وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين مقاعد ~~للقتال.. # [آل عمران: 121] يعني: تنزلهم أماكنهم. والجنة تطلق على الأرض ذات ~~الخضرة والأشجار والأزهار في الدنيا، كما جاء في قوله سبحانه: # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل ~~وأعناب.. # [البقرة: 266]. وقوله سبحانه: # إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة.. # [القلم: 17]. وقوله سبحانه: # واضرب لهم مثلا ms7506 رجلين جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب.. # [الكهف: 32]. فإذا كانت جنة الدنيا على هذه الصورة من الخصب والنماء ~~والجمال، وفيها أسباب القوت والترف، إذا كان ذلك في دنيا الأسباب التي ~~نراها، فما بالك بما أعده الله لخلقه في الآخرة؟ ومن عجائب الجنة ~~أنها { تجري من تحتها الأنهار.. } [العنكبوت: 58] ونحن نعرف ~~أن أنهار الدنيا تجري خلالها عبر الشطآن التي تحجز الماء، أما في ~~الجنة فتجري أنهارها بلا شطآن. لذلك لما كنا نسافر إلى بلاد المدنية ~~والتقدم، ونرى زخارف الحياة وترفها كنت أقول لمن معي: خذوا من هذا ~~النعيم عظة، فهو ما أعده البشر للبشر، فما بالكم بما أعده رب ~~البشر للبشر؟ فإذا رأيت نعيما عند أحد فلا تحقد عليه، بل ازدد به ~~يقينا في الله تعالى، وأن ما عنده أعظم من هذا. ألا ترى أن الحق - ~~تبارك وتعالى - حينما يخبرنا عن الجنة يقول: # مثل الجنة التي وعد المتقون.. # [محمد: 15] فيجعلها مثلا لأن ألفاظ اللغة لا تؤدي المعاني التي في ~~الجنة ولا تصفها. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " # فكل ما جاء فيها ليس وصفا لها إنما مجرد مثل لها، ومع ذلك لما أعطانا ~~المثل للجنة صفى المثل من شوائبه، فقال: # فيهآ أنهار من مآء غير آسن وأنهار من لبن ~~لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين وأنهار من عسل مصفى.. # [محمد: 15] ويكفي أن تعلم أن نعيم الجنة يأتي مناسبا لقدرة وإمكانيات ~~المنعم سبحانه. وقوله سبحانه { خالدين فيها.. } [العنكبوت: 58] ~~لأن النعيم مهما كان واسعا، ومهما تعددت ألوانه، فينغصه ويؤرق ~~صاحبه أن يزول إما بالموت وإما بالفقر، أما نعيم الجنة فدائم لا يزول ولا ~~ينقطع، فلا يفوتك ولا تفوته، كما قال سبحانه: # لا مقطوعة ولا ممنوعة # [الواقعة: 33] لا يكدرها شيء. إذن: فالرابح من آثر الآخرة على ~~الدنيا لأن نعيم الدنيا مآله إلى زوال، ولا تقل: إن عمر الدنيا كم ~~مليون سنة، إنما عمرها مدة بقائك أنت فيها، وإلا فماذا ms7507 تستفيد من عمر ~~غيرك؟ ثم إنك تتمتع في الدنيا على قدر إمكاناتك ومجهوداتك، فنعيم الدنيا ~~بالأسباب، لكن نعيم الآخرة بالمسبب سبحانه، لذلك ترى نعيما صافيا لا ~~ينغصه شيء، فأنت ربما تأكل الأكلة في الدنيا فتسبب لك المتاعب ~~والمضايقات، كالمغص والانتفاخ، علاوة على ما تكرهه أثناء قضاء الحاجة ~~للتخلص من فضلات هذه الأكلة. أما في الآخرة فقد أعد الله لك الطعام ~~على قدر الحاجة، بحيث لا تكون له فضلات، لأنه طهي بكن من الله ~~تعالى. لذلك سئل أحد علماء المسلمين: تقولون: إن الجنة تأكلون فيها، ~~ولا تتغوطون، فكيف ذلك؟ فقال: ولم التعجب، ألا ترون الجنين في بطن ~~أمه يتغذى وينمو ولا يتغوط لأن الله تعالى يعطيه غذاءه على قدر حاجته ~~للنمو، فلا يبقى منه فضلات، ولو تغوط في مشيمته لمات في بطن أمه. وقوله ~~تعالى: { نعم أجر العاملين } [العنكبوت: 58] نعم، نعم هذا ~~الأجر لأنك مكثت إلى سن التكليف تربع في نعم الله دون أن ~~يكلفك بشيء، ثم يعطيك على مدة التكليف أجرا لا ينقطع، ولا نهاية له، ~~فأي أجر أسخى من هذا؟ ويكفي أن الذي يقرر هذه الحقيقة هو الله، فهو ~~سبحانه القائل: { نعم أجر العاملين } [العنكبوت: 58]. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { الذين صبروا... }. ### || [29.59] # فهذه من صفات العاملين { الذين صبروا.. } [العنكبوت: 59] فلا ~~تظن أن العمل ما كان في بحبوحة العيش وترف الحياة، فالعامل الحق هو الذي ~~يصبر، وكلمة { الذين صبروا.. } [العنكبوت: 59] تدل على أنه ~~سيتعرض للابتلاء، كما قال سبحانه: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2]. فالذين اضطهدوا وعذبوا حتى اضطروا للهجرة بدينهم ~~صبروا، لكن هناك ما هو أكبر من الصبر لأن خصمك من الجائز أن يصبر ~~عليك، فيحتاج الأمر إلى المصابرة لذلك قال سبحانه # اصبروا وصابروا # [آل عمران: 200] ومعنى: صابره. يعني: تنافس معه في الصبر. والصبر يكون ~~على آفات الحياة لتتحملها، ويكون على مشقة التكاليف، وعلى إغراء المعصية، ~~يقولون: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصدق الشاعر حين قال: # وكن رجلا كالضرس يرسو مكانه # ليمضغ لا ms7508 يعنيه حلو ولا مر # فالمعنى { الذين صبروا.. } [العنكبوت: 59] على الإيذاء { ~~وعلى ربهم يتوكلون } [العنكبوت: 59] أي: في الرزق، وكان ~~المهاجرون عند هجرتهم يهتمون لأمر الرزق يقولون: ليس لنا هناك دار ولا ~~عقار ولا.. إلخ. فأراد سبحانه أن يطمئن قلوبهم على مسألة الرزق، فقال ~~{ وعلى ربهم يتوكلون } [العنكبوت: 59]. فالذي خلقك لا ~~بد أن يخلق لك رزقك، ومن عجيب أمر الرزق أن رزقك ليس هو ما تملك إنما ~~ما تنتفع به حقيقة، فقد تملك شيئا ويسرق منك، وقد يطهى لك الطعام، ولا ~~تأكله، بل أدق من ذلك قد تأكله ولا يصل إلى معدتك، وربما يصل إلى المعدة ~~وتقيئه، وأكثر من ذلك قد يتمثل الغذاء إلى دم ثم ينزف منك في جرح أو ~~لدغة بعوضة أو غير ذلك لأن هذا ليس من رزقك أنت، بل رزق لمخلوق آخر. إنك ~~تعجب حينما ترى التمساح مثلا على ضخامته وخوف الناس منه، ومع ذلك تراه ~~بعد أن يأكل يخرج إلى اليابسة، حيث يفتح فمه لصغار الطيور، فتتولى تنظيف ~~ما بين أسنانه من فضلات الطعام، وترى بينهما انسجاما تاما وتعاونا ~~إيجابيا، فحين يتعرض التمساح مثلا لهجمة الصياد يحدث الطير صوتا ~~معينا يفهمه التمساح فيسرع بالهرب. فانظر من أين ينال هذا الطير قوته؟ ~~وأين خبأ الله له رزقه؟ لذلك يقولون اللي شقه خلق لقه. وسبق أن ~~ضربنا مثلا على خصوصية الرزق بالجنين في بطن أمه، فحينما تحمل الأم ~~بالجنين يتحول الدم إلى غذاء للطفل، فإن لم تحمل نزل هذا الدم ليرمي به ~~دون أن تستفيد منه الأم، لماذا؟ لأنه رزق الجنين، وليس رزقها هي. لذلك ~~نجد الآية بعدها تقول: { وكأين من دآبة لا تحمل... }. ### || [29.60] # يريد سبحانه أن يطمئن خلقه على أرزاقهم، فيقول { وكأين من ~~دآبة.. } [العنكبوت: 60] كأي لها معان متعددة، مثل كم الخبرية ~~حين تقول لمن ينكر جميلك: كم أحسنت إليك؟ يعني: كثيرا جدا، كذلك في { ~~وكأين.. } [العنكبوت: 60] أي: كثير كما في # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما ~~وهنوا لمآ أصابهم.. # [آل عمران: 146]. والدابة: هي التي ms7509 تدب على الأرض، والمراد كل حي ذي ~~حركة، وقد تقول: فالنمل - مثلا - لا نسمع له دبة على الأرض أيعد ~~من الدابة؟ نعم فله دبة على الأرض، لكنك لا تسمعها، فالذي خلقها يسمع ~~دبيبها لأن الذي يقبل الصغر يقبل الكبر، لكن ليس عندك أنت آلة السماع. ~~بدليل أن الذي يعاني من ضعف السمع مثلا ينصحه الطبيب بتركيب سماعة للأذن ~~فيسمع، وكذلك في النظارة للبصر، إذن: فكل شيء له أثر مرئي أو مسموع، لكن ~~المهم في الآلة التي تسمع أو ترى لذلك يقولون إن أرادوا المبالغة فلان ~~يسمع دبة النملة. ومعنى { وكأين من دآبة لا تحمل ~~رزقها.. } [العنكبوت: 60] ليست كل الدواب تحمل رزقها، فكثير منها لا ~~تحمل رزقا، ومع ذلك تأكل وتعيش، ويحتمل أن يكون المعنى: لأنها لا تقدر ~~على حمله، أو تقدر على حمله ولكنها لا تفعل، فمثلا القمل والبراغيث التي ~~تكثر مع الإهمال في النظافة الشخصية أتحمل رزقا؟ والناموسة التي تتغذى ~~مع ضعفها على دم الإنسان الفتوة المتجبر، الميكروب الذي يفتك ~~بالإنسان.. إلخ هذه أشياء لا تحمل رزقها. أما الحمار مثلا مع قدرته على ~~الحمل لا يحمل رزقه لذلك تراه إن شبع لا يدخر شيئا، وربما يدوس الأكل ~~الباقي، أو يبول عليه، وكذلك كل الحيوانات حتى أنهم يقولون: لا يعرف ~~الادخار من المخلوقات إلا الإنسان والفأر والنمل. وقد جعل الله الادخار ~~في هؤلاء لحكمة ولبيان طلاقة قدرته تعالى، وأن الادخار عند هذه المخلوقات ~~ليس قصورا من الخالق سبحانه في أن يجعل بعض الدواب لا تحمل رزقها، بل ~~يخلق لها وسائل تعجز أنت عنها. ولك أن تتأمل قرى النمل وما فيها من ~~عجائب، فقد لاحظ الباحثون في هذا المجال أنك لو تركت بقايا طعام مثلا ~~تأتي نملة وتحوم حوله ثم تنصرف وترسل إليه عددا من النمل يستطيع حمل هذه ~~القطعة، ولو ضاعفت وزن هذه القطعة لتضاعف عدد النمل. إذن: فهي مملكة في ~~غاية التنظيم والدقة والتخصص، والأعجب من ذلك أنهم لاحظوا على النمل أنها ~~تخرج فتاتا أبيض صغيرا أمام الأعشاش، فلما ms7510 فحصوه وجدوه الزريعة التي ~~تسبب الإنبات في الحبة حتى لا تنبت، فتهدم عليهم العش، فسبحان الذي ~~خلق فسوى والذي قدر فهدى. # وأعجب من ذلك، وجدوا النمل يفلق حبة الكسبرة إلى أربعة أقسام، لأن نصف ~~حبة الكسبرة يمكنه أن ينبت منفردا، فقسموا النصف. إذن: فكثير من ~~الدواب لا تحمل رزقها { الله يرزقها وإياكم.. } [العنكبوت: ~~60] فذكر الدواب أولا في مجال الرزق ثم عطف عليها { وإياكم.. } ~~[العنكبوت: 60] فنحن معطوفون في الرزق على الدواب، مع أن الإنسان هو ~~الأصل، وهو المكرم، والعالم كله خلق من أجله ولخدمته، ومع ذلك لم ~~يقل سبحانه: نحن نرزقكم وإياهم، لماذا؟ قالوا: لأنك تظن أنها لا تستطيع ~~أن تحمل أو تدبر رزقها، ولا تتصرف فيه، فلفت نظرك إلى أننا سنرزقها ~~قبلك. وقد وقف المستشرقون الذين يأخذون القرآن بغير الملكة العربية ~~يعترضون على قوله تعالى: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق.. # [الإسراء: 31]. وقوله سبحانه: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق.. # [الأنعام: 151]. يقولون: أيهما أبلغ من الأخرى، وإن كانت إحداهما ~~بليغة، فالأخرى غير بليغة. وهذا الاعتراض ناتج عن ظنهم أن الآيتين بمعنى ~~واحد، وهما مختلفتان، فالأولى # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق.. # [الإسراء: 31] فالفقر هنا غير موجود وهم يخافونه، أما في: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق.. # [الأنعام: 151] فالفقر موجود فعلا. فهما مختلفتان في الصدر، وكذلك ~~مختلفتان في العجز. ففي الأولى قال: # نحن نرزقهم وإياكم.. # [الإسراء: 31] لأن الفقر غير موجود، وأنت غير مشغول برزقك، فبدأ ~~بالأولاد، أما في الثانية فقال: # نحن نرزقكم وإياهم.. # [الأنعام: 151] وقدم الآباء لأن الفقر موجود، والإنسان مشغول أولا برزق ~~نفسه قبل رزق أولاده. إذن: فلكل آية معنى وانسجام بين صدرها وعجزها، ~~المهم أن تتدبر لغة القرآن، وتفهم عن الله مراده. وقوله سبحانه: { وهو ~~السميع العليم } [العنكبوت: 60] واختار هنا السميع العليم لأن ~~الحق سبحانه له قيومية على خلقه، فلم يخلقهم ثم يتركهم للنواميس، ~~إنما خلق الخلق وهو سبحانه قائم عليه بقيوميته تعالى لذلك يقول في بيان ~~عنايته بصنعته # لا تأخذه سنة ولا نوم.. # [البقرة: 255] يعني: يا عبادي ناموا ملء جفونكم لأن ربكم ms7511 لا ينام. ~~ومناسبة السميع هنا أن الجوع إذا هز إنسانا ربما يصيح صيحة، أو ~~يحدث شيئا يدل على أنه جائع، فكأنه يقول: لم أجعلكم كذلك. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ولئن سألتهم من خلق السماوات... }. ### || [29.61] # يقول تعالى للذين لا تكفيهم آية القرآن التي نزلت على رسول الله، ~~ويطلبون منه آيات أخرى، يقول لهم: لقد جعل الله لكم الآيات في الكون قبل ~~أن يرسل الرسل، آيات دالة على الإعجاز في السماوات وفي الأرض، فهل منكم ~~من يستطيع أن يخلق شيئا منها مهما صغر؟ إن خلق السماوات والأرض ~~معجزة كونية لا تنتهي، فلماذا تطلبون المزيد من الآيات، وما جعلها الله ~~إلا لبيان صدق الرسل في البلاغ عن الله ليؤمن الناس بهم. لذلك يقول ~~سبحانه في الرد عليهم: # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من ~~دونه.. # [لقمان: 11] فخلق السماوات والأرض والشمس والقمر إعجاز للدنيا كلها، ~~وخصوصا الكفرة فيها. ومسألة الخلق هذه من الوضوح بحيث لا يستطيع أحد ~~إنكارها - كما سبق أن أوضحنا - لذلك يقولون هنا في إجابة السؤال { ~~ليقولن الله.. } [العنكبوت: 61] وهذا الاعتراف منهم يستوجب من ~~المؤمن أن يحمد الله عليه، فيقول: الحمد لله أن اعترفوا بهذه الحقيقة ~~بأنفسهم، الحمد لله الذي أنطقهم بكلمة الحق، وأظهر الحجة التي تبطل ~~كفرهم. وقوله تعالى { فأنى يؤفكون } [العنكبوت: 61] أي: كيف ~~بعد هذا الاعتراف ينصرفون عن الله، وينصرفون عن الحق؟ ### || [29.62] # { يبسط الرزق.. } [العنكبوت: 62]: يوسعه، { ويقدر.. } ~~[العنكبوت: 62] يعني يضيق، وآفة الناس في هذه المسألة أنهم لا يفسرون ~~الرزق إلا بالمال، والرزق في الواقع كل ما ينتفع به الإنسان، فالعلم رزق، ~~والحلم رزق، والجبروت رزق، والاستكانة رزق، وإتقان الصنعة رزق.. إلخ. ~~والله سبحانه يوسع الرزق لمن يشاء، ويضيقه على من يشاء، فالذي ~~ضيق عيه يحتاج لمن بسط له، وكذلك يبسط الرزق في شيء ويضيقه في شيء ~~آخر، فهذا بسط له في العقل مثلا، وضيق عليه في المال. فكأن الحق - ~~سبحانه وتعالى - نثر مواهب الملكات بين خلقه، لم يجمعها كلها في واحد، ~~وسبق أن أوضحنا أن مجموع الملكات ms7512 عند الجميع متساوية في النهاية، فمن ~~بسط له في شيء ضيق عليه في آخر ليظل المجتمع مربوطا برباط ~~الاحتياج، ولا يستغني الناس بعضهم عن بعض، وحتى تتكامل المواهب بين ~~الناس، فتتساند لا تتعاند. إذن: فالحق - سبحانه وتعالى - حين يبسط الرزق ~~لعبد، ويقدره على آخر، لا يعني هذا أنه يحب الأول ويكره الآخر، ولو ~~نظرت إلى كل جوانب الرزق وزوايا العطاء لوجدتها متساوية. وحين نتأمل ~~قوله سبحانه: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات.. # [الزخرف: 32] فأي بعض مرفوع؟ وأي بعض مرفوع عليه؟ الكل مرفوع في جهة ~~اختصاصه، ومرفوع عليه في غير جهة اختصاصه، إذن: فالجميع سواء. وسبق أن ~~ضربنا مثلا لهذه القضية. وقلنا: إن العظيم الذي يسكن القصر يحتاج إلى ~~العامل البسيط الذي يصلح له دورة المياه، وينقذه من الرائحة الكريهة التي ~~يتأفف منها، فيسعى هو إليه ويبحث عنه، وربما ذهب إليه في محل عمله وأحضره ~~بسيارته الفارهة، بل ويرجوه إن كان مشغولا. ففي هذه الحالة، ترى العامل ~~مرفوعا على الباشا العظيم، فلا يظهر الرفع إلا في وقت الحاجة للمرفوع. ~~وأيضا لو لم يكن بين الناس غني وفقير، من سيقضي لنا المصالح في ~~الحقل، وفي المصنع، وفي السوق.. إلخ لا بد أن تبنى هذه المسائل على ~~الاحتياج، لا على التفضل. إذن: إن أردت أن تقارن بين الخلق فلا ~~تحقرن أحدا لأنه قد يفضل عليك في موهبة ما، فتحتاج أنت إليه. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ولئن سألتهم من نزل من السمآء... ~~}. ### || [29.63] # وهنا أيضا قالوا { الله } لأن إنزال المطر من السماء وإحياء الأرض ~~به بعد موتها آية كونية واضحة لم يدعها أحد، فهي ثابتة لله تعالى، لا ~~ينكرها أحد حتى الكافرون، فلئن سألتهم هذا السؤال { ليقولن ~~الله.. } [العنكبوت: 63] لذلك يأمرنا الحق سبحانه بأن نقول بعد هذا ~~الإقرار { قل الحمد لله.. } [العنكبوت: 63] الذي أنطقهم بالحق، ~~وأقام عليهم الحجة { بل أكثرهم لا يعقلون } [العنكبوت: 63] ~~لأنهم أقروا بآيات الله في خلق الكون، ومع ذلك كفروا به. ms7513 ### || [29.64] # الحياة: نعرفها بأنها ما يكون في الإنسان الأعلى في الوجود من حس ~~وحركة، فإذا انتهى حسه وحركته لم تعد له حياة، وهذه الحياة موصوفة ~~هنا بأوصاف ثلاثة: دنيا ولهو ولعب، كلمة دنيا تدل على أن مقابلها عليا ~~فساعة تسمع هذا الوصف " الحياة الدنيا " فاعلم أن هذا الوصف ما جاء إلا ~~ليميزها عن حياة أخرى، تشترك معها في أنها حياة لله إلا أنها حياة عليا، ~~هذه الحياة العليا هي التي قال عنها ربنا - تبارك وتعالى - " الدار ~~الآخرة ". وإن كنا قد عرفنا الحياة الدنيا بأنها الحس والحركة في ~~الإنسان، فالواقع عند التقنين أن لكل شيء في الوجود حياة تناسب مهمته، ~~بدليل قوله تعالى حين ينهي هذه الحياة: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88]. فما يقال له شيء لا بد أن يطرأ عليه الهلاك، والهلاك ~~تقابله الحياة، بدليل قوله سبحانه: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة.. # [الأنفال: 42]. فالحياة ضد الهلاك، إلا أنك تعرف الحياة عندك بالحس ~~والحركة، وكذلك الحياة في كل شيء بحسبه، حتى في الجماد حياة نلحظها في أن ~~الجبل يتكون من أصناف كثيرة من الحجارة، ترتقي مع الزمن من حجارة إلى ~~أشياء أخرى أعلى من الحجارة وأثمن، وما دامت يطرأ عليها هذا التغيير فلا ~~بد أن فيها حياة وتفاعلا لا ندركه نحن. إذن: فكل شيء له حياة، لكن ~~الآفة أننا نريد حياة كالتي فينا نحن، وأذكر نحن في مراحل التعليم قالوا ~~لنا: هناك شيء اسمه المغناطيس، وعملية اسمها المغنطة، فحين تمغنط قطعة ~~من الحديد تكسبها قدرة على جذب قطعة أخرى وفي اتجاه معين، إذن: في ~~الحديد حياة وحركة وتفاعل، لكن ليس عندك الآلة التي تدرك بها هذه الحركة، ~~وفيها ذرات داخلية لا تدرك بالعين المجردة تم تعديلها بالمغنطة إلى جهة ~~معينة. واقرأ قوله تعالى: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.. # [فصلت: 21] فللجوارح نفسها حياة، ولها كلام ومنطق، لكن لا ندركه نحن لأن ~~حياتها ليست كحياتنا. إنك لو تتبعت مثلا طبقا ms7514 أو كوبا من البلاستيك ~~لوجدته تغير لونه مع مرور الزمن، وتغير اللون فيه يدل على وجود حياة ~~وحركة بين ذراته، ولو لم تكن فيه حياة لكان جامدا مثل الزجاج، لا يطرأ ~~عليه تغير اللون. والحق - تبارك وتعالى - يصف الدار الآخرة بأنها { ~~الحيوان.. } [العنكبوت: 64] وفرق بين الحياة والحيوان، الحياة هي ~~هذه التي نحياها في الدنيا يحياها الأفراد، ويحياها النبات، ثم تؤول إلى ~~الموت والفناء، أما الحيوان فيعني الحياة الأرقى في الآخرة لأنها حياة ~~باقية حياة حقيقية. # والحق - سبحانه وتعالى - أعطانا صورة للحياة الدنيا، الحياة المادية في ~~قوله تعالى عن آدم # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي.. # [الحجر: 29] فمن الطين خلق آدم، وسواه ونفخ فيه من روحه تعالى، ~~فدبت فيه الحياة المادية. لكن هناك حياة أخرى أسمى من هذه يقول الله ~~عنها: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24] فكيف يخاطبهم بذلك وهم أحياء؟ لا بد أن المراد حياة ~~أخرى غير هذه الحياة المادية، المراد حياة الروح والقيم والمنهج الذي ~~يأتي به رسول الله. لذلك سمى المنهج روحا # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا.. # [الشورى: 52] وسمى الملك الذي نزل به روحا: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. إذن: { وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان.. } [العنكبوت: 64] أي: الحياة الحقيقية التي لا تفوتها ولا ~~تفوتك، ولا يفارقك نعيمها، ولا ينغصه عليك شيء، كما أن التنعم في ~~الدنيا على قدر إمكاناتك وأسبابك، أما في الآخرة فالنعيم على قدر ~~إمكانات المنعم سبحانه وتعالى. ثم يأتي وصف الدنيا بأنها لهو ولعب، ~~وهما حركتان من حركات جوارح الإنسان، لكنها حركة لا مقصد لها إلا ~~الحركة في ذاتها دون هدف منها لذلك نقول لمن يعمل عملا لا فائدة منه " ~~عبث ". إذن: اللهو واللعب عبث، لكن يختلفان من ناحية أخرى، فاللعب حركة ~~لا فائدة منها، لكنه لا يصرفك عن واجب يعطي فائدة، كالولد حين يلعب، ~~فاللعب لا يصرفه عن شيء إذن: فاللعب لمن لم يبلغ، أما البالغ المكلف ~~فاللعب في حقه يسمى لهوا، لأنه كلف فترك ما كلف ms7515 به إلى ما لم ~~يكلف به، ولها عن الواجب، ومنه: لهو الحديث. فقوله تعالى { وما ~~هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ولعب.. } [العنكبوت: ~~64] أي: إن جردت عن الحياة الأخرى حياة القيم التي تأتي باتباع ~~المنهاج. وقوله: { لو كانوا يعلمون } [العنكبوت: 64] يحتمل أن ~~تكون الجملة هنا امتناعية يعني: امتنع علمهم بها، أو تكون تمنيا يعني: ~~يا ليتهم يعلمون هذه الحقيقة، حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة لأنهم لو ~~علموها لأقبلوا على منهج ربهم لينالوا كل هذا العطاء الممتد، ~~ولسلكوا طريق الإيمان بدل طريق الكفر، فكأن المعنى أنهم لم يعرفوا. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { فإذا ركبوا في الفلك... }. ### || [29.65] # ينقلنا السياق هنا من الكلام عن حقيقة كل من الدنيا والآخرة إلى الحديث ~~عن الفلك، فما العلاقة بينهما؟ المتكلم هنا هو الله تعالى، وواضع كل ~~شيء في موضعه، ولا يغيب عنك أنه لا بد أن تتدبر كلام الله لتفهم ~~مراده، فالله لا يريدنا مقبلين على ظاهر القرآن فحسب، إنما أن نتعمق في ~~فهمه وتأمله، وننظر في معطياته الحقيقية: # أفلا يتدبرون القرآن... # [النساء: 82]. والعلاقة هنا أن الآية السابقة جاءت لتقرر أن الدنيا دار ~~لهو ولعب لا فائدة منها إذا ما بعدت عن منهج الله، ولم تحسب حسابا ~~لحياة أخرى هي الحياة الحقيقية وهي الحيوان، فكان على العاقل أن يحرص ~~على الآخرة، وأن يعمل لها باتباع منهج الله في الدنيا. إذن: فالدنيا ~~ليست غاية، بل هي وسيلة، وأنت أيها الذي أعرضت عن منهج ربك جعلت الدنيا ~~غايتك، والدنيا إن كانت هي الغاية فما أتفهها من غاية، إنما اجعلها ~~وسيلة للآخرة ومزرعة لدار الحيوان. وكذلك الحال في الفلك، فهي وسيلة ~~توصلك إلى هدف، وإلى غاية، وليست هي غاية في حد ذاتها. { فإذا ~~ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين.. } ~~[العنكبوت: 65] والفلك: السفينة، وتطلق على المفرد وعلى الجمع، فيقول ~~تعالى: # ويصنع الفلك.. # [هود: 38] وقوله # دعوا الله مخلصين له الدين.. # [يونس: 22] واضح من السياق أنها ليست دعوة الحمد، كأن يقولوا مثلا # سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ms7516 # [الزخرف: 13] بل هي دعوة الاضطرار بعد أن تعرضوا لشدة وعطب لا تنجيهم ~~منها أسبابهم، بدليل قوله تعالى بعدها: { فلما نجاهم إلى ~~البر إذا هم يشركون } [العنكبوت: 65]. فهذه تعطينا أنهم ~~ركبوا في السفينة، فلما تعرضوا للعطب، وضاقت بهم أسبابهم دعوا الله ~~مخلصين له الدين. وفي لقطة أخرى يقول القرآن: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح ~~طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم ~~الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم ~~دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من ~~هذه لنكونن من الشاكرين # [يونس: 22]. فمعنى # أحيط بهم.. # [يونس: 22] أي: لا يوجد لهم مفر ولا مهرب ولا مفزع يفزعون إليه إلا أن ~~يتوجهوا إلى الله بدعاء خالص ويقين إيمان في أنهم لا ملجأ لهم إلا الله، ~~وقد كانوا في أول الرحلة فرحين بمركبهم مسرورين به، وساعتها لم يكن الله ~~في بالهم، إنما لما ضاقت بهم الحيل عادوا إلى الحق، فالوقت لا يحتمل ~~المراوغة. لأن الإنسان عادة لا يخدع نفسه، فحتى الكافر حين تضيق به ~~أسباب النجاة يلجأ بالفطرة إلى الله الحق، وينسى آلهته ومعبوداته من دون ~~الله لأنه لا يسلم نفسه أبدا، ولا يتمادى حينئذ في كذبة الآلهة ~~والأصنام. # لذلك: { دعوا الله مخلصين له الدين.. } [العنكبوت: 65] ~~دعوة خالصة بيقين ثابت في الإله الحق، دعوة لا تشوبها شائبة شرك، لا ظاهر ~~ولا خفي، فلا ينفع في هذا الوقت إلا الله المعبود بحق. وسبق أن أوضحنا ~~هذه المسألة بمثل من حياتنا الواقعية، قلنا: إن حلاق الصحة كان يقوم ~~بدور الطبيب في القرية، وله بين الناس نفس مكانة الطبيب في وقت لم يكن ~~هناك أطباء، فلما خرجت كلية الطب أطباء وانتشروا في القرى كان الحلاق ~~أول المهاجمين للطبيب لأنه يزاحمه في رزقه، ويصرف الناس عنه لذلك كان يذم ~~في الطبيب ويشكك في خبرته وقدراته. لكن لما مرض ابنه، وارتفعت درجة ~~حرارته، وخاف عليه قال لزوجته: انتظري إلى ظلام الليل لأذهب به إلى ~~الطبيب - يعني: في غفلة الناس. فالإنسان بطبعه لا يخدع نفسه، ولا يسلمها ms7517 ~~إذا جد الجد، وفيه فطرة إيمانية إذا ما صفيتها في الذات البشرية لا تجد ~~في النهاية إلا قوة واحدة هي قوة الله. حتى الملاحدة حين تضيق بهم ~~الأسباب يقولون: يا رب، يا الله. يقولونها من تلقاء أنفسهم، دون مرور ~~بالعقل الذي أنكروا به وجود الله. وهذا يعني أن الفطرة الإيمانية قد ~~تحجبها الأغيار البشرية وتلغيها، فإذا ما نامت الأغيار البشرية وتلاشت ~~لحدث من الأحداث ظهرت الفطرة الإيمانية على السطح تلهمك بلا شعور. لذلك ~~نلحظ في قوله سبحانه: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ.. # [الأعراف: 172] شهدوا لأنهم ما يزالون في عالم الذر، لا تتحكم فيهم ~~الأغيار البشرية # أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل ~~وكنا ذرية من بعدهم.. # [الأعراف: 172-173]. والله خلق الإنسان خليفة له في الأرض، وسخر له كل ~~هذا الكون، فإن ظل متمسكا بهذا المنهج، ووقف عند حد الخلافة يفوز، ~~أما إن ظن أنه أصيل في الكون يخيب ويخسر، لكن الله الذي خلقه يعلم ~~الأغيار فيه وهو خلقه وصنعته لذلك وجهه: أنت خليفتي في أرضي، وعليك أن ~~تنظر إلى ما طلب منك فتؤديه، وإلا فسدت حياتك وتصادمت مع الآخرين لأنك ~~لست وحدك فيها، ولكي تنسجم مع غيرك لا بد أن تسير وفق منهجي، وفي ~~دائرة قوانين من استخلفك. ثم ينبهه من ناحية أخرى: يقول أنت أيها ~~الإنسان، اعلم أن الأسباب ستستجيب لك، فإياك أن تظن أن لك قدرة عليها، ~~أو أن لك جاها وعظمة، فتنسى أنك خليفة لذلك يقول سبحانه: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7] احذر حين تتم لك الأمور وتطاوعك الأسباب # إن إلى ربك الرجعى # [العلق: 8] فسوف يقابلك من الأحداث ما لا تستطيع أسبابك أن تدفعها، ~~ولن تجد مرجعا إلا إلي. # وكيف يطغى الإنسان وقد أعطاه الله فيضا من فيض كماله، أعطاه قدرة من ~~قدرته، وعلما من علمه.. إلخ فإذا نظرت نظرة بسيطة في ms7518 فيوضات الله عليك ~~لوجدتها كثيرة، بالله ماذا تفعل إن أردت أن تقوم من مكانك، أو أن ~~تحرك يدك أو رجلك؟ لا شيء، بمجرد أن تريد تنفعل لك أعضاؤك، وتطاوعك ~~من حيث لا تدري. وسبق أن قارنا بين حركة الإنسان وحركة الحفار مثلا، ~~وكيف أنه يحتاج إلى عمليات معقدة، فكل حركة منه لها زر خاص يؤديها، ~~فماذا تفعل أنت إن أردت أن تؤدي مثل هذه الحركات؟ إنك بمجرد الإرادة ~~ينفعل لك العضو، وكأن فيك فيضا من قوله تعالى: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82] فإذا كنت أنت تفعل بمجرد أن تريد، فلماذا لا تصدق هذا في حق ~~الله تبارك وتعالى؟ لكن هذه الحركة وانفعال الأعضاء لك ليس ذاتيا فيك، ~~ويستطيع خالقك أن يسلبها منك، فتريد أن ترفع يدك فلا تستطيع، فأنت تحت ~~قيوميته تعالى، فلم يعطك من صفاته، ثم يتركك.. فربنا سبحانه يحذرنا: ~~إذا استغنيت ستطغى فتنبه أن إلى ربك الرجعى. ثم يلفت نظرنا من ~~الآن إلى قضية أخرى قبل أن نتعرض للمخاطر: # وإن يمسسك الله بضر.. # [يونس: 107] فلا تتعب نفسك، وتذهب هنا أو هناك لأنه # فلا كاشف له إلا هو.. # [يونس: 107]. هذه نصيحتي لك لأنك صنعتي، وأنا أحب أن تكون صنعتي على ~~أرقى ما تكون من الكمال، فإذا مسك ضر لا تقدر على دفعه بأسبابك، ~~فعليك بباب ربك. هذه ثلاث قضايا أو نصائح نقدمها لك قبل أن تحل بك ~~الأحداث والمصائب: إن استغنيت ستطغى، وأن إلى ربك الرجعى، وإذا مسك ضر، ~~ولا حيلة لك في دفعه بأسبابك، فليس لك إلا الله تفزع إليه، والإله الذي ~~ينبهنا إلى المخاطر لنتلافاها إله رحيم. إذن: فأنتم تحبون الحياة، ~~ولما نزلت بكم الأحداث والخطوب في السفينة خفتم الموت، ودعوتم الله ~~بالنجاة، فأنتم حريصون على الحياة الدنيا، فلماذا لا تؤمنون بالله ~~فتنالون حياة أخرى أبقى وأدوم؟ والطريق إليها بالإيمان واليقين، وبمنهج ~~الله في افعل و لا تفعل. هذه قضية ذكرها القرآن، أما واقع الحياة فقد ~~أكدها، وجاءت الأحداث وفق ما ms7519 قال. القضية: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه.. # [يونس: 12] الإنسان يعني مطلق الإنسان: المؤمن والكافر # أو قاعدا أو قآئما.. # [يونس: 12] يعني: في كل الأحوال، فلما جاءه الخطر وأصابه الضر دعا الله ~~على أي حال كان. وهذه الأحوال تمثل مراحل راحات النفس، فمثلا حين تسير ~~وأنت تحمل شيئا، فحين تتعب أولا تضع عنك هذا الحمل، ثم تتوقف عن ~~السير لتستريح، فإن كان التعب أشد تقعد، وإلا تضطجع على جنبك. فأنت في ~~وضع الوقوف تحمل ثقل الجسم كله على القدمين فتكون الراحة أقل، أما في ~~حالة القعود يوزع ثقل الجسم على الوركين والمقعدة، وفي الاضطجاع يوزع ~~نصف الجسم على نصفه فتكون الراحة أكبر، وفي ضوء هذا نفهم أن الله يستجيب ~~لك حين تدعوه قائما، أو قاعدا، أو على جنبك. # وعجيب أمر الإنسان إذا نجاه الله مما يخاف وكشف عنه الضر عاد مرة أخرى ~~ظالما لنفسه: # فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ~~ضر مسه.. # [يونس: 12]. وفي لقطة أخرى يقول تعالى في هذه المسألة: # وإذا مس الإنسان ضر.. # [الزمر: 8] أي ضر # دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة ~~منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل.. # [الزمر: 8] ويا ليته نسي وسكت إنما # وجعل لله أندادا.. # [الزمر: 8] فقال: الفضل لفلان، وقد استغثت بفلان، ولجأت إلى فلان. نلحظ ~~أن الكلام في هذه الآيات عن الإنسان المفرد، والإنسان حين يتضرع إلى الله ~~لا يطلع عليه أحد، فالأمر بينه وبين ربه، لكن الحق سبحانه يريد أن يفضح ~~الناس ببعض، فيقول في موضع آخر: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه.. # [الإسراء: 67]. فذكر الجماعة ليفضحهم أمام بعض لأن الإنسان يستر على ~~نفسه، فالحكمة من الجمع هنا أن رؤية الناس قد تكون مانعة من الشر، فمثلا ~~في موسم الحج ترى أكابر القوم وأوسطهم وأدناهم سواسية في الطواف، ويقف ~~الواحد منهم يبكي عند الملتزم، وحين يراك صاحب المنصب أو المركز وهو من ~~هو في بلده ساعة يعرف أنك رأيته وهو يبكي في هذا الموقف ms7520 تراه يتواضع لك، ~~ولا يتعالى عليك بعدها. فالحق سبحانه حين يحذرنا من العودة إلى ~~المعصية بعد أن يكشف عنا الضر إنما يعطينا المصل الواقي بصورة تحدث في ~~الواقع، وكأنه تعالى يقول لنا: خذوا بالكم، واعلموا أنكم مفضوحون بكتاب ~~الله فيما تحدثون من أحداث في حياتكم، فكل منكم ينبغي أن يعلم أنه ~~مراقب من الأزل ومكتوبة عليه خواطره لأن معنى القرآن الحق أنه لا يتغير، ~~وإذا قال الله فيه شيئا فلا بد أن يحدث كما أخبر الله به. ### || [29.66] # واللام في { ليكفروا.. } [العنكبوت: 66] ليست لام التعليل لأن ~~الكفر لم يكن مقصدا لهم، وحين عادوا بعد أن نجاهم الله إنما عادوا إلى ~~أصلهم، فاللام هنا لام الأمر كما لو قلت: قم يا زيد وليقم عمرو، وعلامة ~~لام الأمر أن تكون ساكنة، وهي هنا مكسورة لأنها في بداية الكلام، حيث لا ~~يبدأ بساكن، ولو وضعنا قبلها حرفا لتبين سكونها. ومثالها في قوله ~~تعالى: # وليطوفوا بالبيت العتيق # [الحج: 29]. وقوله سبحانه: # لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق ممآ آتاه الله.. # [الطلاق: 7]. والدليل على أنها لام الأمر سكون اللام بعدها في قراءة من ~~سكنها، وفي { وليتمتعوا.. } [العنكبوت: 66] وقوله سبحانه: { ~~فسوف يعلمون } [العنكبوت: 66] فرق في الاستقبال بين السين وسوف، ~~فلو قال: فسيعلمون لدلت على التهديد في المستقبل القريب، وأنه سيحل ~~بهم العذاب في الدنيا، أما " سوف " فتدل على المستقبل البعيد، فتشمل ~~التهديد في الدنيا وفي الآخرة فهي تستغرق الزمن كله لأن المسلمين في ~~بادىء الأمر كانوا مستضعفين، لا يستطيعون حماية أنفسهم، وذهبوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم يطلبون منه أن يستنصر الله لهم فلو قال حينئذ في ~~تهديد الكفار " فسيعلمون " لم تكن مناسبة، إنما أعطى الأمد الأوسع ~~للتهديد، فقال: { فسوف يعلمون } [العنكبوت: 66]. لذلك تجد الدقة ~~في أخذ العهد من الأنصار للرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الرسول ~~للأنصار، فلما قابلوا رسول الله قالوا: خذ لنفسك. قال: تحمونني مما ~~تحمون منه أنفسكم وأعراضكم وأموالكم. فقالوا: فما لنا إن فعلنا؟ كان من ~~الممكن أن ms7521 يقول لهم: ستملكون الأرض أو ستنتشر دعوة الله بكم وتنتصرون على ~~عدوكم، لكن هذه الوعود قد يراها بعضهم، ويموت بعضهم قبل أن تتحقق، فلا ~~يرى منها شيئا لذلك ذكر لهم جزاء يستوي فيه الجميع من يعيش منهم، ~~ومن يموت، فقال: " لكم الجنة ". وأيضا حين يصرفهم عن دنيا الناس إلى ~~أمر يكون في الدنيا أيضا، فهي صفقة خاسرة، إنما أراد أن يصرفهم عن دنيا ~~الناس إلى شيء أعظم مما في دنيا الناس، وليس هناك أعظم من دنيا الناس إلا ~~الجنة. والصحابي الذي أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأن الجنة جزاء ~~الشهيد، وكان يمضغ تمرة في فمه فقال: يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة ~~إلا أن أقتل في سبيل الله؟ قال: بلى، فألقى التمرات وبادر إلى ساحة ~~القتال يستعجل هذا الجزاء. إذن: فسوف صالحة للزمن المستقبل كله، أما ~~السين فللقريب لذلك يستخدمها القرآن في مسائل الدنيا، كما في قوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم.. # [فصلت: 53]. وهذه الرؤية ممتدة من زمن رسول الله، وإلى أن تقوم الساعة، ~~فكل يوم يجد في ظواهر الكون أمور تدل على قدرة الله تعالى، فمستقبل ~~أسرار الله في كونه لا تنتهي أبدا إلا بالسر الأعظم في الآخرة، ففي زمن ~~رسول الله قال # سنريهم.. # [فصلت: 53] وستظل كذلك # سنريهم.. # [فصلت: 53] إلى أن تقوم الساعة. ونلحظ أن المصاحف ما زال في رسمها كلام ~~حتى الآن، فهنا { وليتمتعوا.. } [العنكبوت: 66] تجد تحت اللام ~~كسرة، مع أنها ساكنة، وهذا يعني أن كتاب الله غالب، وليس هناك محص له. ~~وأذكر أن سيدنا الشيخ عبد الباقي رضي الله عنه وجزاه الله عما قدم ~~للإسلام خير الجزاء - أعد المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم وحاول ~~أن يحصي ألفاظه لا سيما لفظ الجلالة الله الذي من أجله أعد هذا الكتاب، ~~ومع ذلك نسي لفظ الجلالة في البسملة، وبدأ من # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2] لذلك نقص العدد عنده واحدا. وما ذلك إلا لأن كتاب الله ~~أعظم وأكبر من أن يحاط به. ثم يقول الحق سبحانه: ms7522 { أولم يروا ~~أنا جعلنا حرما... }. ### || [29.67] # رأى قلنا: تأتي بصرية، وتأتي بمعنى علم، ومنه قولنا في الجدال مثلا ~~أرى في الموضوع الفلاني كذا وكذا، ويقولون: ولرأى الرؤيا انم ما ~~لعلما، وتجد في أساليب القرآن كلاما عن الرؤيا المخاطب بها غير راء ~~للموضوع، كما في قوله سبحانه مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. ومعلوم أن النبي لم ير ما حدث من أمر الفيل لأنه ولد في ~~هذا العام فرأى هنا بمعنى علم، لكن لماذا عدل عن ألم تعلم إلى ألم تر؟ ~~قالوا: لأن المتكلم هنا هو الله تعالى، فكأنه يقول لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم: إذا أخبرتك بشيء، فإن إخباري لك به أصدق من رؤيتك. يقول سبحانه: { ~~أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم.. } [العنكبوت: 67] فالحرم آمن رغم ما حدث له ~~من ترويع قبل الإسلام حين فزعه أبرهة، وفي العصر الحديث لما فزعه ~~جهيمان، وعلى مر العصور حدثت تجاوزات في الحرم تتناقض في ظاهرها مع ~~هذا الأمن. ونقول: كلمة { حرما آمنا.. } [العنكبوت: 67] في القرآن ~~بالنسبة للكعبة فيها ثلاث إطلاقات: فالذين يعيشون فيه وقت نزول هذه ~~الآيات يرون أنه حرم آمن، وهذا الأمن موهوب لهم منذ دعوة سيدنا إبراهيم ~~- عليه السلام -. فحين دعا ربه: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم.. # [إبراهيم: 37] كان مكانا خاليا، لا حياة فيه وغير مسكون، ومعنى ذلك ~~أنه لم تكن به مقومات الحياة، فالإنسان لا يبني ولا يستقر إلا حيث ~~يجد مكانا يأمن فيه على نفسه، ويتوفر له فيه كل مقومات حياته. لذلك ~~دعا إبراهيم ربه أن يجعل هذا المكان بلدا آمنا يعني يصلح لأن يكون ~~بلدا، فقال: # رب اجعل هذا بلدا آمنا # [البقرة: 126]. وبلد هنا نكرة تعني: أي بلد لمؤمنين أو لكافرين، فلما ~~استجاب الله له، وجعلها بلدا كأي بلد تتوفر له مقومات الحياة دعا ~~مرة أخرى: # رب اجعل هذا البلد آمنا.. # [إبراهيم: 35] أي: هذه التي صارت بلدا أريد لها ms7523 ميزة على كل البلاد، ~~وأمنا أزيد من أمن أي بلد آخر، أمنا خاصا بها، لا الأمن العام الذي ~~تشترك فيه كل البلاد، لماذا؟ لأن فيها بيتك. لذلك يرى فيها الإنسان قاتل ~~أبيه، ولا يتعرض له حتى يخرج، فالجاني مؤمن إن دخل الحرم، لكن يضيق ~~عليه أسباب الحياة حتى يخرج، حتى لا يجترئ الناس على بيت الله ويفسدون ~~أمنه، ومن هذا الأمن الخاص ألا يصاد فيه، ولا يعضد شجرة، ولا ~~يروع ساكنه. وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يقول للمشركين: لماذا لا ~~تؤمنون بهذا الدين الذي جعل لكم بلدا آمنا، في حين يتخطف الناس من ~~حولكم؟ لماذا لا تحترمون وجودكم في هذا الأمن الذي وهبه الله لكم. # وعجيب منهم أن يقولوا كما حكى القرآن عنهم: # وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من ~~أرضنآ.. # [القصص: 57] كيف وقد حميناكم أيام كنتم مشركين تعبدون الأصنام، ~~أنترككم بعد أن تؤمنوا مع رسول الله. وقصة هذا الأمن أولها في حادثة ~~الفيل، لما جاء أبرهة ليهدم بيت الله ويحول الناس إلى بيت بناه ~~باليمن، فرد الله كيدهم، وجعلهم كعصف مأكول، وحين نقرأ هذه السورة على ~~الوصل بما بعدها تتبين لنا العلة من هذا الأمن، ومن هذه الحماية، ~~اقرأ: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم ~~يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم ~~كعصف مأكول # [الفيل: 1-5] لماذا؟ # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف # [قريش: 1-2]. فالعلة في أن جعلهم الله كعصف مأكول # لإيلاف قريش # [قريش: 1] لأن اللام في لإيلاف للتعليل، وهي في بداية كلام، فالعلة في ~~أن الله لم يمكن الأعداء من هدم البيت لتظل لقريش مهابتها ومكانتها ~~بين العرب، ومهابتها مرتبطة بالبيت الذي يقصده الناس من كل مكان. وهذه ~~المكانة تؤمن تجارة قريش في رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى ~~الشام، لا يتعرض لهم أحد بسوء، وكيف يجترىء أحد عليهم أو يتعرض ~~لتجارتهم وهم حماة البيت؟ فمعنى # لإيلاف قريش # [قريش: 1] أن الله أهلك أبرهة وجنوده ولم يمكنهم من البيت لتظل ms7524 ~~لقريش، وليديم الله عليها أن يؤلفوا وأن يحبوا من الناس جميعا، ~~ويواصلوا رحلاتهم التجارية الآمنة. لذلك يقول تعالى بعدها # فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4] فكان من الواجب عليهم أن يعبدوا رب البيت الذي وهبهم هذه ~~النعم، فما هم فيه من أمن وأمان وطعام وشراب ليس بقوتهم، إنما بجوارهم ~~لبيت الله، ولبيت الله قداسته عند العرب، فلا يجرؤ أحد منهم على الاعتداء ~~على تجارة قريش. فقولهم لرسول الله: # إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ.. # [القصص: 57] حجة لله عليهم، ففي الوقت الذي يتخطف الناس فيه من حولهم ~~كانوا هم في أمان، فهي حجة عليهم. ثم إن الشرط هنا # إن نتبع الهدى معك.. # [القصص: 57] غير مناسب للجواب # نتخطف من أرضنآ.. # [القصص: 57] فما دمتم قلتم عن الدين الذي جاءكم به محمد أنه هدى - يعني ~~هدى لله - فكان يجب عليكم أن تؤمنوا به لو تأكد لديكم أنه هدى، وإلا ~~فأنتم كاذبون في هذا القول، ولم لا وأنتم تكذبون القرآن وتقولون عنه ~~افتراء وكذب وسحر، والآن تقولون عنه هدى، وهذا تناقض عجيب. ألم يقولوا # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] ومعنى هذا أن القرآن لا غبار عليه، لكن آفته أنه نزل على ~~هذا الرجل بالذات. # وقوله تعالى { أفبالباطل يؤمنون.. } [العنكبوت: 67] أي: ~~بالأصنام { وبنعمة الله يكفرون } [العنكبوت: 67] قال { ~~وبنعمة الله.. } [العنكبوت: 67] ولم يقل مثلا: وبعبادة الله، ~~أو بالإيمان بالله يكفرون لأن إيمانهم لو لم يكن له سبب إلا نعم الله ~~عليهم أن يطعمهم من جوع، ويؤمنهم من خوف لكان واجبا عليهم أن ~~يؤمنوا به. والباطل مقابل الحق، وهو زهوق لا دوام له، فسرعان ما يفسد ~~وينتهي، فإن قلت ما دام أن الباطل زهوق وسينتهي، فما الداعي للمعركة ~~بين حق وباطل؟ نقول: لولا عضة الباطل للمجتمع لما استشرف الناس للحق ~~ينقذهم، فالباطل نفسه جند من جنود الحق، كما أن الكفر جند من جنود ~~الإيمان، فلولا الكفر وما يفعله الكافرون بالناس لما اشتاق الناس ~~للإيمان، الذي ms7525 يوفر لهم الأمن والطمأنينة والراحة والمساواة. كما أن ~~معنى كفر يعني ستر الإله الواجب الوجود، والستر يحتاج إلى مستور، ~~فما هو المستور بالكفر؟ المستور بالكفر الإيمان، فكلمة كفر نفسها دليل ~~وجود الإيمان. وسبق أن قلنا: إن الإنسان قد يكره بعض الأشياء، وهي ~~لمصلحته ولحكمة خلقها الله، ومثلنا لذلك بالألم الذي يتوجع منه ~~الإنسان، وهو في الحقيقة تنبيه له واستنهاض ليعلم سبب هذ الألم ويتنبه، ~~فيدفع المرض عن نفسه، ويطلب له الدواء. فالألم بهذا المعنى جند من جنود ~~العافية، وإلا فأفتك الأمراض بالبشر ما ليس له ألم ينبه إليه، فيظل ~~كامنا في الجسم حتى يستفحل أمره، وتعز مداواته لذلك يصفونه بالمرض ~~الخبيث لأنه يتلصص في الجسم دون أن يظهر له أثر يدل عليه. فالحق - ~~سبحانه وتعالى - خلق الألم لحكمة لينبهك أن في موضع الألم عطبا، وأن ~~الجارحة التي تألم غير صالحة لأداء مهمتها لذلك يقولون في تعريف العافية: ~~العافية ألا تشعر بأعضائك، لك أسنان تأكل بها، لكن لا تدري بها، وربما ~~لا تتذكر هذه النعمة إلا إذا أصابها عطب فآلمتك. إذن: حين تعلم جارحتك ~~وتتألم، فاعلم أنها غير طبيعية، وأنها لا تؤدي مهمتها كما ينبغي، فعليك ~~أن تبادر بعلاجها. وأيضا حين يزدهر الباطل، وتكون له صولة، فإنما ذلك ~~ليشعرك بحلاوة الحق، فتستشرف له وتتمناه. لذلك انتشر الإسلام في البلاد ~~التي فيها أغلبية إسلامية، لا بالسيف كما يحلو للبعض أن يقول، إنما انتشر ~~برؤية الناس لمبادئه وسماحته. ففي بلاد فارس والروم ذاق الناس هناك ~~كثيرا من المتاعب من دياناتهم ومن قوانينهم، فلما سمعوا عن الإسلام ~~ومبادئه وسماحة تعاليمه أقبلوا عليه. فلولا أن الباطل عضهم لما لجأوا ~~للإيمان، فالإسلام انتشر انتشارا عظيما في نصف قرن من الزمان، ولم يكن ~~هذا نتيجة الاندفاع الإيماني ليدخل الناس في الإسلام، إنما لجذب الضلال ~~للإيمان، فكأن الإسلام مدفوع بأمرين: أهله الحريصون على انتشاره، وباطل ~~يجذب الناس إليه. # والحق - سبحانه وتعالى - يعطينا مثلا للحق وللباطل في قوله تعالى: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا ms7526 رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. فالزبد: هو القش والفتات الذي يحمله الماء، فيكون طبقة ~~على سطح الماء، ثم يزيحه الهواء إلى الجوانب، ويظل الماء بعده صافيا، ~~فالزبد مثل للباطل لأنه يعلو على سطح الماء، لكن إياك أن تظن أنه ذو ~~شأن، أو أن علوه سيدوم لأنه غثاء لا قيمة له، وسرعان ما يزول ويبقى ~~الماء النافع، وكما يتكون الزبد على سطح الماء كذلك يتكون عند صهر ~~المعادن، فحين يصهر الصائغ مثلا الذهب أو الفضة يخرج المعدن الأصيل ~~تاركا على الوجه الخبث الذي خالطه. لذلك يقول بعض العارفين: إن الله ~~تعالى لا يترك الحق، ولا يسلمه أبدا للباطل، إنما يتركه لحين ليبلو ~~غيرة الناس عليه، فإذا لم يغاروا على الحق غار هو سبحانه عليه. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ومن أظلم ممن افترى على الله... }. ### || [29.68] # هذا استفهام يريد منه الحق - سبحانه وتعالى - قضية يقرها المقابل، فلم ~~يوردها بصيغة الخبر: لا أظلم لأن الخبر في ذاته يحتمل الصدق أو الكذب، ~~فجاء بصيغة الاستفهام لتنطق أنت بالقضية، كما تقول لمن ينكر معروفك: من ~~أعطاك هذا الثوب؟ فلا يملك إلا أن يعترف بفضلك، لكن إن قلت له إخبارا: ~~أنا أعطيتك هذا الثوب، فالخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب، وربما ينكر ~~فيقول: لا لم تعطني شيئا. إذن: إيراد الكلام بأسلوب الاستفهام أقوى في ~~تقرير واقع من أسلوب الخبر لأن الخبر يأتي من المتكلم، أما الإقرار فمن ~~السامع، وأنت لا تلقي بالاستفهام إلا وأنت واثق أن الجواب سيأتي على ~~وفق ما تريد. فمعنى { ومن أظلم.. } [العنكبوت: 68] لا أحد أظلم، ~~والظلم: نقل الحق من صاحبه إلى غيره، والظلم قد يكون كبيرا وعظيما، ~~وهو الظلم في القمة في العقيدة، كما قال سبحانه: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. وقد يكون الظلم بسيطا هينا، فالذي افترى على الله ~~الكذب، لا أحد أظلم منه ms7527 لأنه لو افترى على مثله لكان أمره هينا، لكنه ~~افترى على من؟ على الله، فكان ظلمه عظيما، ومن الحمق أن تفتري على ~~الله لأنه سبحانه أقوى منك يستطيع أن يدلل، وأن يبرهن على كذبك، ~~ويستطيع أن يدحرك، وأن يوقفك عند حدك، فمن اجترأ على هذا النوع من ~~الظلم فإنما ظلم نفسه. وقلنا: إن الافتراء كذب، لكنه متعمد لأن الإنسان ~~قد يكذب حين يخبر على مقتضى علمه، إنما الواقع خلاف ما يعلم، لذلك عرف ~~العلماء الصدق والكذب فقالوا: الصدق أن يطابق الكلام الواقع، والكذب ~~أن يخالف الكلام الواقع، فلو قلت خبرا على مقتضى علمي، ولم أقصد ~~مخالفة الواقع، فإن خالف كلامي الواقع فالخبر كاذب، لكن المخبر ليس ~~بكاذب. وقوله سبحانه: { أو كذب بالحق لما جآءه.. } ~~[العنكبوت: 68] فيا ليته افترى على الله كذبا ابتداء، إنما صعد كذبه ~~إلى مرحلة أخرى فعمد إلى أمر صدق وحق فكذبه، ثم يقرر جزاء هذا ~~التكذيب بأسلوب الاستفهام أيضا { أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين } [العنكبوت: 68] يعني: أضاقت عنهم النار، فليس بها ~~أمكنة لهؤلاء؟ بلى بها أمكنة لهم، بدليل أنها ستقول وهي تتشوق إليهم حين ~~تسأل: # هل امتلأت وتقول هل من مزيد # [ق: 30]. وكأن الحق سبحانه يقول: لماذا يفتري هؤلاء على الله الكذب؟ ~~ولماذا يكذبون الحق؟ اعلموا أن جهنم ليس بها أماكن لهم؟ فالاستفهام في ~~{ أليس في جهنم مثوى للكافرين } [العنكبوت: 68] ~~استفهام إنكاري ينكر أن يظن المكذبون الكافرون أنه لا مكان لهم في جهنم. ~~فالحق سبحانه في إرادته أزلا أن يخلق الخلق من لدن آدم - عليه ~~السلام - وإلى أن تقوم الساعة، وأن يعطيهم الاختيار # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29] وقدر أن يؤمنوا جميعا فأعد لهم أماكنهم في الجنة، وقدر ~~أن يكفروا جميعا فأعد لهم أماكنهم في النار. فإذا كان يوم القيامة ~~يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يورث الله المؤمنين في الجنة ~~أماكن الكافرين فهيا فيتقاسمونها بينهم، وكذلك يتقاسم أهل النار أماكن ~~المؤمنين في النار بالرد، فمن كان له في النار مكان واحد يصير له ms7528 ~~مكانان. كما أن الاستفهام { أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين } [العنكبوت: 68] يجعل السامع يشاركك الكلام، وفيه معنى ~~التقريع والتوبيخ، كما في قوله تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 29-36]. يلتفت الله إلى المؤمنين الذين استهزئ بهم في ~~الدنيا: هل قدرنا أن نجازي هؤلاء الكافرين، ونرد إليكم حقوقكم - وفي ~~هذا إيناس للمؤمنين وتقريع للكافرين - فيقولون: نعم يا رب، نعم يا رب، ~~نعم يا رب، فالحق سبحانه يريد أن يحرش المؤمنين بهم، فلا يلينون لهم، ~~ولا يعطفون عليهم، لأنهم طغوا وتكبروا، وعرضت عليهم الحجج والأدلة ~~فكذبوها وأصروا على عنادهم، فبالغوا في الظلم. ### || [29.69] # نقول: جهد فلان يجهد أي أتعب نفسه واجتهد: ألح في الاجتهاد وجاهد ~~غيره، فجاهد تدل على المفاعلة والمشاركة، وهي لا تتم إلا بين طرفين، وفي ~~هذه الصيغة المفاعلة نغلب الفاعلية في أحدهما والمفعولية في الآخر، مع ~~أنهما شركاء في الفعل، فكل منهما فاعل في مرة، ومفعول في أخرى، كأنك ~~تقول: شارك زيد عمرا، وشارك عمرو زيدا. أو: أن الذي له ضلع أقوى في ~~الشركة يكون فاعلا والآخر مفعولا. وبعد أن بين الحق سبحانه أن مثوى ~~الكافرين المكذبين في جهنم وحرش المؤمنين بهم، وما داموا قد ظلموا ~~هذا الظلم العظيم لا بد أن يوجد تأديب لهم، هذا التأديب لا لإرغامهم ~~على الإيمان، # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29] إنما التأديب أن نجهر بدعوتنا، وأن نعلي كلمة الحق، فمن شاء ~~فليؤمن، ومن شاء فليظل على حاله، إذن: فالآية تبين موقف المؤمنين أمام ~~هؤلاء المكذبين: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا.. } [العنكبوت: 69]. معنى جاهدوا فينا أي: من أجلنا ولنصرة ~~ديننا، والخصومات التي نجاهدها في الله كثيرة: خصومة في مسألة القمة ~~الإيمانية ووجود الإله الواحد كالملاحدة الذين يقولون بعدم وجود إله في ~~الكون، وهؤلاء لهم ms7529 جهاد، وأهل الشرك الذين يقرون بوجود الله لكن يدعون ~~أن له شريكا، وهؤلاء لهم جهاد آخر. فجهاد الملاحدة بالمنطق وبالحجة ~~ليقولوا هم بأنفسهم بوجود إله واحد، ونقول لهم: هل وجد من ادعى أنه ~~خلق ذاته أو خلق غيره؟ بل تأملوا في أتفه الأشياء التي تستخدمونها في ~~حياتكم: هذا الكوب الزجاجي وهو ترف ليس من ضروريات الحياة هل تقولون: إنه ~~وجد هكذا دون صانع؟ إذن: كيف وجد؟ هل لدينا شجرة مثلا تطرح لنا هذه ~~الأكواب؟ إذن: هي صنعة لها صانع، استخدم العقل الذي منحه الله إياه، ~~وأعمله في المواد التي جعلها الله في الكون، واستنبط منها هذه المادة ~~الزجاج. مصباح الكهرباء الذي اخترعه إديسون كم أخذ منه من جهد وبحث ~~ودراسة، ثم يحتاج في صناعته إلى معامل ومهندسين وصيانة، ومع ذلك حصاة ~~صغيرة تكسره فينطفىء، وقد أخذ أديسون كثيرا من الشهرة وخلدنا ذكراه، ~~وما زالت البشرية تذكر له فضله. أفلا ينظرون في الشمس التي تنير الدنيا ~~كلها منذ خلقها الله وإلى قيام الساعة دون أن تحتاج إلى صيانة، أو إلى ~~قطعة غيار؟ وهل يستطيع أحد أن يتناولها ليصلحها؟ وهل تأبت الشمس عن ~~الطلوع في يوم من الأيام، وما تزال تمدكم بالحرارة والأشعة والدفء ~~والنور؟ أتعرف من صنع المصباح، ولا تعرف من صنع الشمس؟ لقد فكرتم في ~~أتفه الأشياء وعرفتم من صنعها، وأرختم لهم، وخلدتم ذكراهم، ألم يكن ~~أولى بكم التفكر في عظمة خلق الله والإيمان به؟ ثم قل لي أيها ~~الملحد: إذا غشيك ظلام الليل، كيف تضيئه؟ قالوا: كل إنسان يضيء ظلام ليله ~~على حسب قدرته، ففي الليل ترى الإضاءات مختلفة، هذا يجلس في ضوء شمعة، ~~وهذا في ضوء لمبة جاز، وهذا في ضوء لمبة كهرباء، وآخر في ضوء لمبة نيون، ~~فالأضواء في الليل متباينة تدل على إمكانات أصحابها، فإذا ما طلعت ~~الشمس، وأضاء المصباح الرباني أطفئت كل هذه الأضواء، ولم يعد لها أثر ~~مع مصباح الخالق الأعظم سبحانه. # أليس في هذا إشارة إلى أنه إذا جاءنا حكم من عند الله ms7530 ينبغي أن نطرح ~~أحكامنا جميعا لنستضىء بحكم الله؟ أليس في صدق المحسوس دليل على صدق ~~المعنويات؟ وأنت يا من تدعي أن لله شريكا في ملكه: من الذي قال إن ~~لله شريكا؟ لقد قلتها أنت من عند نفسك لأن الله تعالى حين قال: أنا إله ~~واحد لا شريك لي لم يعارضه أحد، ولم يدع أحد أنه شريك لله. فهذا دليل ~~على أن الشريك غير موجود، أو أنه موجود ولم يدر، أو درى ولم يقدر على ~~المواجهة، وفي كلتا الحالتين لا يصلح أن يكون إلها. ثم على فرض أنه ~~موجود، ما منهجه؟ بماذا أمرك وعم نهاك؟ ماذا أعد لك من النعيم إن ~~عبدته؟ وماذا أعد لك من العذاب إن كفرت به؟ إذن: فهذا الإله المزعوم ~~إله بلا منهج، فعبادته باطلة. أما هؤلاء الذين يؤمنون بدين سماوي ولا ~~يؤمنون بالرسول صلى الله عليه وسلم فنقول لهم: يكفي من جوانب العظمة في ~~شخصية محمد بن عبد الله أنه لا يتعصب لنفسه لأن قلبه مع كل من يؤمن ~~بالله حتى وإن كفر به، محمد يحب كل من آمن بربه، وإن كفر بمحمد، إنه ~~يتعصب لربه حتى فيمن كذبه. ثم أنتم يا أصحاب الديانات اليهودية أو ~~المسيحية الذين عاصرتم ظهور الإسلام فأنكرتموه، مع أن دينكم جاء بعد دين، ~~ورسولكم جاء بعد رسول سابق، فلماذا لما جاءكم محمد كذبتموه وكفرتم به؟ ~~لماذا أبحتم أن يأتي عيسى بعد موسى عليهما السلام، وأنكرتم أن يأتي ~~بعد عيسى محمد؟ إذن: لكل خصومة في دين الله جدل خاص ومنطق للمناقشة نقوم ~~به في ضوء: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا.. } [العنكبوت: 69] وعليك أن تنظر أولا ما موقع الجهاد الذي ~~تقوم به، فجهاد الملاحدة بأسلوب، وجهاد المشركين بأسلوب، وجهاد أهل ~~الكتاب بأسلوب، وجهاد المسلم للمسلم كذلك له منطق إن دب بينهما ~~الخلاف، مع أن الله تعالى قال: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء.. # [الأنعام: 159]. فساعة ترى كلا منهما في طرف، بحيث لا تستطيع أن تتبع ~~أحدهما، فاعلم أنهما على ms7531 باطل لأن الإسلام شيء واحد سبق أن شبهناه ~~بالماء الأبيض الصافي الذي لم يخالطه لون ولا رائحة ولا طعم، فإن ~~لونته الأهواء وتحزب الناس فيه كما يلونون العصائر فقد جانبهم ~~الصواب وأخطأوا الدين الصحيح. # لأن ما جاء فيه حكم صريح من عند الله اتفقنا عليه، وما تركه الله ~~لاجتهادنا فينبغي على كل منا أن يحترم اجتهاد الآخر، وأن يقول: رأيي ~~صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، وبهذا المنطق تتعايش ~~الآراء. والحق - سبحانه وتعالى - يعطينا المثل على ذلك، فما أراده سبحانه ~~في المنهج محكما يأتي محكما في قول واحد لا خلاف فيه، وضربنا مثلا ~~لذلك بآية الوضوء: # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق.. # [المائدة: 6]. فلم يحدد الوجه لأنه لا خلاف في تحديده بين الناس، إنما ~~حدد الأيدي لأنها محل خلاف. إذن: فالقضايا التي تثار بين المسلمين ينبغي ~~أن يكون لها جدل خاص في هذا الإطار دون تعصب، فما جاءك محكما لا ~~مجال فيه لرأي التزم به الجميع، وما ترك بلا تنصيص لا يحتمل الخلاف، ~~فليذهب كل واحد إلى ما يحتمله النص. فالباء في لغتنا مثلا تأتي للتبعيض، ~~أو للاستعانة، أو للإلصاق، فإن أخذت بمعنى فلا تحجر على غيرك أن يأخذ ~~بمعنى آخر. فإن استعر القتال بين طائفتين من المسلمين، فيجب أن تكون ~~هناك طائفة معتدلة تتولى أمر الإصلاح، كما قال سبحانه: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت ~~فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله ~~يحب المقسطين # [الحجرات: 9]. نلحظ أن الله تعالى سماهم مؤمنين، ومعنى ذلك أن الإيمان ~~لا يمنع أن نختلف، وهذا الإيمان الذي لا يمنع أن نختلف هو الذي يوجب ~~علينا أن يكون منا طائفة معتدلة على الحياد لا تميل هنا أو هناك، تقوم ~~بدور الإصلاح وبدور الردع للباغي المعتدي حتى يفييء إلى الجادة وإلى ~~أمر الله. فإن فاءت فلا نترك الأمور تخيم عليها ظلال النصر ms7532 لفريق، ~~والهزيمة لفريق آخر، إنما نصلح بينهما، ونزيل ما في النفوس من غل ~~وشحناء، فقد تنازل القوي عن كبريائه لما ضربنا على يده، وقوي الضعيف، ~~بوقوفنا إلى جانبه، فحدث شيء من التوازن وتعادلت الكفتان، فليعد ~~الجميع إلى حظيرة الأمن والسلام. بقي لنا أن نتحدث عن جهاد آخر أهم، هو ~~جهاد النفس البشرية # " لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد من إحدى الغزوات قال: " رجعنا ~~من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " # فوصف جهاد النفس بأنه الجهاد الأكبر، لماذا؟ لأنك في ساحة القتال تجاهد ~~عدوا ظاهرا، يتضح لك عدده وأساليبه، أما إن كان عدوك من نفسك ومن ~~داخلك، فإنه يعز عليك جهاده، فأنت تحب أن تحقق لنفسك شهواتها، وأن ~~تطاوعها في أهوائها ونزواتها، وهي في هذا كله تلح عليك وتتسرب من ~~خلالك. # فعليك أن تقف في جهاد النفس موقفا تقارن فيه بين شهوات النفس العاجلة ~~وما تورثك إياه من حسرة آجلة باقية، وما تضيعه عليك من ثواب ربك في جنة ~~فيها من النعيم، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ~~ضع ربك ونفسك في هذه المقابلة وتبصر، واعلم أن لربك سوابق معك، سوابق ~~خير أعدها لك قبل أن توجد، فالذي أعد لك كل هذا الكون، وجعله لخدمتك ~~لا شك مأمون عليك، وأنت عبده وصنعته، وهل رأيت صانعا يعمد إلى صنعته ~~فيحطمها؟ أما إن رأيت النجار مثلا يمسك بالفارة وينحت في قطعة الخشب، ~~فاعلم أنه يصلحها لأداء مهمتها، وأذكر قصة الطفل أيمن الذي جاء أمه يبكي ~~لأن الخادمة تضرب السجادة، فأخذته أمه وأرته التراب الذي يتساقط من ~~السجادة في كل ضربة من ضربات الخادمة، ففهم الطفل على قدر عقله. وكذلك ~~الحق سبحانه حين يبتلي خلقه، فإنما يبتليهم لا كيدا فيهم، بل ~~إصلاحا لهم. ألم نسمع كثيرا أما تقول لوحيدها إلهي أشرب نارك؟ بالله ~~ما حالها لو استجاب الله لها؟ وهي في الحقيقة لا تكره وحيدها وفلذة ~~كبدها، إنما تكره فيه الخصلة التي أغضبتها منه. وكذلك الحق - سبحانه ms7533 ~~وتعالى - لا يكره عبده، إنما يكره فيه الخصال السيئة فيريد أن يطهره ~~منها بالبلاء حتى يعود نقيا كيوم ولدته أمه، فأحسن أيها الإنسان ظنك ~~بربك. إذن: نقول: إن من أعظم الجهاد جهادك لنفسك، لأنها تلح عليك أن ~~تشبع رغباتها، كما أنها عرضة لإغراء الهوى ووسوسة الشيطان الذي ~~يزين لها كل سوء، ويحبب إليها كل منكر. وسبق أن بينا: كيف ~~نفرق بين تزيين الشيطان وتزيين النفس لأن النفس مدخلا في المعصية ~~بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت ~~الشياطين ". # فلو كانت الذنوب كلها بسبب الشيطان لم نجد من يذنب في رمضان، إنما هناك ~~كثير من الذنوب ترتكب في رمضان، وهذا يعني أنها من تزيين النفس، وكأن ~~الحق سبحانه أراد أن يكشف ابن آدم: ها أنا قد صفدت الشياطين ومع ذلك ~~تذنبون. فإن أردت أن تعرف هل المعصية من النفس أم من الشيطان، فإن ~~النفس تقف بك عند معصية بعينها لا تريد سواها، ولا تنتقل بك إلى غيرها، ~~وتظل تلح عليك إلى أن توقعك فيها، أما الشيطان فإنه يريدك عاصيا ~~بأية صورة وعلى أية حال، فإن تأبيت عليه نقلك إلى معصية أخرى. وعلى ~~العاقل أن يتأمل، فالمعصية تعطيك لذة عاجلة ومتعة فانية، لا تليق أبدا ~~بهذا الإنسان الذي كرمه الله، وجعله خليفة له في الأرض، وسيدا لهذا ~~الكون، والكون كله بأرضه وسمائه خادم له، فهل يعقل أن يكون الخادم أطول ~~عمرا من المخدوم؟ إنك تموت بعد عام أو بعد مائة عام، في حين أن الشمس ~~التي تخدمك تعمر ملايين السنين: إذن: لا بد أن لك حياة أخرى أبقى ~~وأدوم من حياة خادمك، فإن كنت الآن في حياة توصف بأنها دنيا، فهذا ~~يعني أنها تقابلها حياة أخرى توصف بأنها عليا، وهي حياتك في الآخرة، ~~حيث لا موت فيها أبدا. # والقرآن الكريم حينما يحدثنا عن الجهاد يقول مرة: # وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله.. # [التوبة: 41] ويقول: { والذين جاهدوا فينا.. } [العنكبوت: ~~69]. الجهاد في سبيل الله ms7534 أي في الطريق إلى الله لإثبات الإيمان بالإله ~~الواحد، وصدق البلاغ من الرسول المؤيد بالمعجزة وبالمنهج، فإذا وضح لك ~~السبيل فآمنت بالله الواحد الأحد قال لك: اجعل كل حركة حياتك في إطار { ~~والذين جاهدوا فينا.. } [العنكبوت: 69] يعني: من أجلنا مخلصين ~~لله لا ينظرون إلى غيره. والإنسان مهما تحرى الإخلاص في عمله، وقصد به ~~وجه الله لا يأمن أن يخالطه شيء من رياء أو سمعة، حتى أن المعصوم محمدا ~~صلى الله عليه وسلم ليقول: # " اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك، فخالطني فيه ما ليس لك ". # وهذا معنى جاهدوا فينا أن يكون العمل كله لله خالصا، وإلا فما ~~الفرق بين المؤمن والكافر، وكلاهما يعمل ويسعى في الدنيا لكسب لقمة ~~العيش له ولأولاده، فهما في السعي سواء، فما مزية المؤمن إذن؟ الميزة أن ~~الكافر يعمل على قدر حاجته فحسب، أما المؤمن فيعمل على قدر طاقته، ~~فيأخذ ما يكفيه ويعود بالفضل على من لا طاقة عنده للعمل، ففي نيته أن ~~يعمل له وللمحتاج غير القادر. ونمثل لذلك بالبقال الذي فتح الله عليه، ~~فباع كثيرا في أول النهار وأخذ كفايته، ثم أغلق محله فلم ينظر إلى الذين ~~يعاملونه على الشهر، ويأخذون حاجتهم لأجل، ولم ينظر إلى ربة البيت التي ~~تنتظر عودة زوجها لتشتري ما يلزمها، فقد نظر إلى حظ نفسه، ونسي حظ ~~الآخرين. واقرأ إن شئت قوله تعالى: # قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * ~~والذين هم للزكاة فاعلون # [المؤمنون: 1-4] ولم يقل مؤدون إنما: فاعلون من أجل الزكاة أي: ~~يعملون على قدر طاقتهم، لا على قدر حاجتهم. فالذين يعملون في إطار { ~~والذين جاهدوا فينا.. } [العنكبوت: 69] لا يغيب الله أبدا عن ~~بالهم. ولكي نفقه هذه المسألة انظر إلى عمل أو جميل قدمته لغير وجه ~~الله ترى أن صاحبه أنكره، بل ربما لا ينالك منه إلا الذم، وساعتها لا ~~تلومن إلا نفسك، لأنك أخطأت التوجه، وقد عملت للناس فخذ أجرك منهم، ~~إنما إن عملت لوجه الله فثق ms7535 أن جميلك محفوظ عند الله وعند الناس. # والحق - سبحانه وتعالى - حينما أعطى للإنسان الاختيار في أن يؤمن أو أن ~~يكفر يلفت بهذا أنظارنا أنه إذا صنعت جميلا في إنسان، ثم أنكر جميلك ~~وكفر به، فلا تحزن لأن الناس فعلوا ذلك مع الله - عز وجل - فقد خلقهم ~~ورزقهم ثم كفروا به. ثم يأتي جزاء الجهاد في ذات الله: { والذين ~~جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.. } [العنكبوت: 69] أي: ~~ندلهم على الطرق الموصلة إلينا، كأن الطريق إلى الله ليس واحدا، إنما ~~سبل شتى لذلك لا تحقرن من الطاعة شيئا مهما كان يسيرا، فإن الله ~~تعالى غفر لرجل سقى كلبا يلهث من العطش، ولا تحقرن من المعصية شيئا، ~~فإن الله أدخل امرأة النار لأنها حبست قطة، ولا تحتقرن عبدا مهما كان، ~~فإن الله تعالى أخفى أسراره في خلقه فرب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم ~~على الله لأبره. فإذا علمت من نفسك ميزة على الآخرين فانظر فيم يمتازون ~~به عنك، ودعك من نظرة تورثك كبرا، واستعلاء على الخلق، فإن كنت ~~أفضل في شيء فأنت مفضول في أشياء كثيرة، وسبق أن قلنا: إن الله نثر ~~المواهب بين الخلق ليظلوا ملتحمين بحاجة بعضهم إلى بعض. فقوله تعالى { ~~لنهدينهم سبلنا.. } [العنكبوت: 69] أي: السبل الموصلة ~~لنعيم الآخرة، سبل الارتقاء في اليقين الإيماني الذي قال الله عنه: # يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم.. # [الحديد: 12]. ويقول سيدنا عمر بن عبد العزيز: ما قصر بنا في علم ما ~~جهلناه، إلا تقصيرنا في العمل بما علمناه فالذي جعلنا لا نعرف أسرار الله ~~أننا قصرنا في العمل بما أمرنا به، إذن: فلماذا يعطينا ونحن لا نعمل بما ~~أخذنا من قبل، لكن حين تعمل بما علمت، فأنت مأمون على منهج الله، فلا ~~يحرمك المزيد، كما قال سبحانه: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. وقوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا.. # [الأنفال: 29] والفرقان من أسماء القرآن، فحين تتقي الله على مقتضاه، ~~وبمدلول منهجه في القرآن يمنحك فرقانا آخر ونورا آخر تبصر به ms7536 حقائق ~~الأشياء، وتهتدي به إلى الحكم الصحيح، هذا النور الذي وهبه الله للإمام ~~علي - رضي الله عنه - حينما دخل على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~فوجده يريد أن يقيم الحد على زوجة ولدت لستة أشهر، والشائع أن فترة ~~الحمل تسعة أشهر، فقال لعمر: لكن الله قال غير ذلك يا أمير المؤمنين، قال ~~عمر: وماذا قال يا علي؟ قال علي: قال الله تعالى: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة.. # [البقرة: 233] يعني: أربعة وعشرون شهرا. وقال في موضع آخر: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا.. # [الأحقاف: 15] وبطرح العددين يكون الباقي ستة أشهر، وهي أقل مدة للحمل. ~~هذا هو الفرقان الذي يمنحه الله للمؤمنين الذين عملوا بما علموا لذلك كان ~~عمر بن الخطاب وما أدراك ما عمر؟ عمر الذي كان ينزل الوحي على وفق ~~رأيه، كان يقول: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن. ومعلوم أن عليا - ~~رضي الله عنه - تربى في حجر رسول الله، وشرب من معينه، فكل معلوماته ~~إسلامية، وله في الحق حجة ومنطق. فمثلا في موقعة صفين التي دارت بين ~~علي ومعاوية كان عمار بن ياسر في صفوف علي، فقتله جنود معاوية، فتذكر ~~الصحابة قول رسول الله لعمار # " ويح عمار، تقتله الفئة الباغية " # فعلموا أنها فئة معاوية. فأخذ الصحابة يتركون صفوف معاوية إلى صفوف علي، ~~فأسرع عمرو بن العاص وكان في جيش معاوية، فقال له: يا أمير المؤمنين ~~فشت فاشية في الجيش، إن هي استمرت فلن يبقى معنا أحد، قال: وما هي؟ ~~قال: تذكر الناس قول رسول الله # " ويح عمار تقتله الفئة الباغية " # قال معاوية: فأفش فيهم، إنما قتله من أخرجه للقتال - أي علي - فلما ~~بلغ عليا هذه المقالة قال بما عنده من الفرقان والحجة: إذن قولوا له ~~من قتل حمزة بن عبد المطلب؟ فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم ~~يعلم، ومثلنا لذلك قلنا: هب أن لك ولدا متعثرا غير موفق في حياته ~~العملية، فنصحك إخوانك بأن تعطيه فرصة، وتجربه ولو بمشروع صغير في ms7537 حدود ~~مائة جنيه، فلما فعلت بدد الولد هذا المبلغ ولم ينتفع به، أتجرؤ على ~~منحه مبلغا آخر؟ وإنما لو ثمر هذا المبلغ ونماه لأعطيته أضعافا. ثم ~~يقول سبحانه: { وإن الله لمع المحسنين } [العنكبوت: 69] ~~الإحسان من الإنسان أن يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يراه، ~~والإحسان في الأداء أن تزيد عما فرض الله عليك، لكن من جنس من فرض، فإذا ~~أنت أحسنت أحسن الله إليك بأن يزيدك إشراقا، ويزيدك نورانية، ويخفف ~~عنك أعباء الطاعة، ويقبح في نفسك المعاصي. لذلك بلغت محبة أحد ~~العارفين للطاعة حتى قال: اللهم إني أخاف ألا تثيبني على طاعتي لأنني ~~أصبحت أشتهيها. يعني: لو لم تكن هناك جنة ولا نار لفعلت الطاعة لأنها ~~أصبحت بالنسبة لي شهوة نفس، وقد أمرتنا يا رب أن نخالف شهوة النفس لذلك ~~أخاف ألا تثيبني عليها، ولمثل هذا نقول: { وإن الله لمع ~~المحسنين } [العنكبوت: 69]. كلمة مع تفيد المعية، والمعية في أعراف ~~البشر أن يلتقي شيء بشيء، لكن إذا كانت المعية مع الله فافهم أنها معية ~~أخرى غير التي تعرفها مع زميلك أو صديقك، خذها في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] فلك وجود ولله وجود، لكن أوجودك كوجود الله؟ الله يعلم ~~أننا نسجل الآن في مسجد أبي بكر الصديق، لكن هل علمنا كعلمه تعالى؟ ~~الله يعلم هذا قبل أن ينشأ المسجد، وقبل أن نولد نحن. # لذلك يضرب الله لنا مثلا فيقول: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21] هذا مثل للرد على الذين يطلبون رؤية الله عز وجل وهو ~~غيب، مثل للذين قالوا لنبيهم # أرنا الله جهرة.. # [النساء: 153]. لكن كيف يرونه والعظمة في الإله ألا يرى، ولا تدركه ~~الحواس، والحق سبحانه يعطينا الدليل في أنفسنا # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21] فتأمل في أقرب شيء إليك في نفسك، لا في الآفاق من حولك، ~~أليست فيك روح تحرك جسمك، وبها تحيا وتنفعل أعضاؤك، بدليل إذا خرجت ~~منك هذه الروح تصير جثة هامدة؟ أرأيت هذه الروح وهي بين جنبيك؟ أأدركتها ~~بأي حاسة من حواسك؟ إذن: ms7538 هي معك، لكن ليست تحت إدراكك، وهي خلق بسيط ~~من خلق الله، فكيف تتطلع إلى أن ترى الخالق سبحانه وأنت لا تقدر على ~~رؤية المخلوق؟ لكن إن قلت: فرؤية المؤمنين لله في الآخرة؟ ففي الآخرة ~~يخلقني الله خلقا آخر أستطيع أن أراه سبحانه، حيث سيكون للخلق ~~معايير أخرى، ألست تأكل وتشرب في الآخرة، ومع ذلك لا تتغوط في الجنة؟ ~~لذلك لما سأل حاكم الروم أحد علماء المسلمين: كيف تأكلون وتشربون في ~~الجنة ولا تتغوطون؟ فقال له: وما العجيب في ذلك؟ ألم تر إلى الطفل في بطن ~~أمه يتغذى وينمو وهو لا يتغوط، ولو تغوط في مشيمته لاحترق. ثم سأله: ~~وتقولون إن نعيم الجنة تأخذون منه ولا ينتهي ولا ينقص؟ فقال: هب أن لك ~~مصباحا، وجاءت الدنيا كلها، وقبست من مصباحك نارا، أينقص منه شيء؟ ~~فسأله: فأين تذهب الأرواح التي كانت فينا بعد أن نموت؟ فقال: تذهب حيث ~~كانت قبل أن تسكن فينا. هذه مسائل ونماذج للتوفيق والهداية للحق في ~~إطار: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا.. } ~~[العنكبوت: 69] وهي فيض مما قال الله فيه: # إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا.. # [الأنفال: 29]. ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1] # { الم } [الروم: 1] سبق أن تكلمنا كثيرا عن الحروف المقطعة في ~~بدايات السور، ولا أريد إعادة ما قلته، لكن أريد من العلماء أن ~~يلتفتوا إلى هذه المسألة لفتة إشراقية ترينا جميعا، وتكشف لنا الحكمة ~~والأسرار في هذه الحروف. وقلنا: إن هذه الحروف الم بنيت على الوقف، كل ~~حرف منها على حدة، مع أن القرآن في مجمله مبني على الوصل في آياته وفي ~~سوره، فآخر حرف في السورة موصول بأول حرف في التي تليها - فهنا نقول: ~~وإن الله لمع المحسنين بسم الله الرحمن الرحيم.... بل ~~أعجب من هذا، نجد أن آخر سورة الناس مبني على الوصل بأول الفاتحة، ~~فنقول: ... من الجنة والناس بسم الله الرحمن الرحيم ~~الحمد لله رب العالمين. فالقرآن إذن موصول، لا انقطاع فيه. ~~فلماذا بنيت الحروف المقطعة في أوائل السور على الوقف، لماذا لا نقول: ~~ألف ms7539 لام ميم؟ قالوا: لأن الله تعالى لم يشأ أن يجعلها كلمة واحدة، ~~فجاءت على القطع، ويؤنسنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف " # فنريد وننتظر من يدركه الله ليكون من المحسنين، ويدلنا على ما في هذه ~~الحروف من سر يوقف عنده، ولا يوصل بغيره. قال الحق سبحانه: { ~~غلبت... }. ### || [30.2] # كلمة { غلبت.. } [الروم: ] تدل على وجود معركة غلب فريق، وغلب ~~فريق، فالذي غلب هنا الروم، وكانوا أهل كتاب ومقرهم الشام وعراق العرب، ~~فالعراق منها قسم ناحية العرب، وقسم ناحية فارس، والروم نسبة إلى روم بن ~~عيصو بن إسحاق بن إبراهيم. ### || [30.3] # قوله { أدنى.. } [الروم: 3] يعني: أقرب لأرض العرب، كما في # إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة ~~القصوى.. # [الأنفال: 42] فالعدوة الدنيا أي: القريبة من المدينة، والقصوى ~~البعيدة عنها. فالمعنى { في أدنى الأرض.. } [الروم: 3] أقرب أرض ~~للجزيرة العربية. وفي قوله سبحانه: { وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون } [الروم: 3] بشرى للمسلمين، فالفرس قوم كانوا يعبدون ~~النار، أما الروم فأهل كتاب، إذن: فالخلاف بيننا وبين الفرس في القمة ~~الإلهية، أما الخلاف بيننا وبين الروم ففي القمة الرسالية، فهم أقرب ~~إلينا لأنهم يؤمنون بإلهنا، وإن كانوا لا يؤمنون برسولنا. وهذا من عظمة ~~الإسلام، فالذي يؤمن بالإله أقرب إلى نفوسنا من الذي لا يؤمن بالإله لأنه ~~على الأقل موصول بالسماء لذلك لما غلبت الروم فرح كفار قريش وحزن ~~المؤمنون، وفرح كفار قريش لأن في هزيمة الروم دليلا على أن محمدا ~~وأصحابه سينهزمون كأصحابهم. وكلمة { غلبهم.. } [الروم: 3] مصدر ~~يضاف للفاعل مرة، ويضاف للمفعول مرة أخرى، تقول أعجبني ضرب الأمير ~~مذنبا، فأضفت المصدر للفاعل. وتقول: أعجبني ضرب المذنب فأضفت المصدر ~~للمفعول، وكذلك هنا { غلبهم.. } [الروم: 3] مصدر أضيف إلى المفعول. ~~لكن لماذا قال سبحانه: { سيغلبون } [الروم: 3] وجاء بالسين الدالة ~~على الاستقبال، ثم قال بعدها # في بضع سنين # [الروم: 4] وهي أيضا دالة على الاستقبال؟ قالوا: لأن الغلبة لا تأتي ~~فجأة، إنما لا بد لها من إعداد طويل وأخذ بأسباب النصر، وتجهيز ms7540 ~~القوة اللازمة له، فكأنهم في مدة البضع سنين يعدون للنصر، فكلما أعدوا ~~عدة أخذوا جزءا من النصر، فالنصر إذن لا يأتي في بضع سنين، إنما من ~~عمل دائم على مدى بضع سنين. فهتلر مثلا لما انهزم في الحرب العالمية، ~~وتألبت عليه كل الدول، جاء في عام 1939 وهدد العالم كله بالحرب، فهل ~~سقطت عليه القوة التي يهدد بها فجأة؟ لا، بل ظل عدة سنوات يعد العدة ~~ويجهز الجيش والأسلحة والطرق إلى أن توفرت له القوة التي يهدد بها. ### || [30.4-5] # أثارت فرحة الكفار حفيظة المؤمنين، إلى أن نزلت { وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من ~~قبل ومن بعد.. } [الروم: 3-4] ففرح المؤمنون حتى قال أبو بكر: ~~والله لا يسر الله هؤلاء، وسينصر الروم على فارس بعد ثلاث سنين. لأن ~~كلمة بضع تعني من الثلاثة إلى العشرة، فأخذها الصديق على أدنى ~~مدلولاتها، لماذا؟ لأنه الصديق، والحق - سبحانه وتعالى - لا يحمل ~~المؤمنين مشقة الصبر مدة التسع سنين، وهذه من الصديقية التي تميز بها أبو ~~بكر رضي الله عنه. # " لذلك قال أبو بكر لأبي بن خلف: والله لا يقر الله عيونكم - يعني: ~~بما فرحتم به من انتصار الكفار - وقد أخبرنا الله بذلك في مدة بضع سنين، ~~فقال أبي: أتراهنني؟ قال: أراهنك على كذا من القلائص - والقلوص هي ~~الناقة التي تركب - في ثلاث سنين عشر قلائص إن انتصرت الروم، وأعطيك ~~مثلها إن انتصرت فارس. فلما ذهب أبو بكر إلى رسول الله، وأخبره بما كان ~~قال: " يا أبا بكر زده في الخطر وماده " ، يعني زد في عدد النوق من ~~عشرة إلى مائة وزده في مدة من ثلاث سنين إلى تسع، وفعلا ذهب الصديق ~~لأبي وعرض عليه الأمر، فوافق في الرهان على مائة ناقة. فلما اشتد ~~الأذى من المشركين، وخرج الصديق مهاجرا رآه أبي بن خلف فقال: إلى ~~أين يا أبا فصيل؟ وكانوا يغمزون الصديق بهذه الكلمة، فبدل أن يقولوا: ~~يا أبا بكر. والبكر هو الجمل القوي يقولون: يا أبا فصيل والفصيل هو ms7541 ~~الجمل الصغير - فقال الصديق: مهاجر، فقال: وأين الرهان الذي بيننا؟ ~~فقال: إن كان لك يكفلني فيه ولدي عبد الرحمن، فلما جاءت موقعة بدر رأى ~~عبد الرحمن أبيا فقال له: إلى أين؟ فقال: إلى بدر، فقال: وأين الرهان ~~إن قتلت؟ فقال: يعطيك ولدي. وفي بدر أصيب أبي بجرح من رسول الله ~~مات فيه، وقدم ولده الجعل لعبد الرحمن، فذهبوا به إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: " تصدقوا به ". # وهنا وقفة إعجازية إيمانية عقدية: سبق أن تكلمنا عن الغيب وعن المشهد. ~~وقلنا: إن الغيب أنواع: غيب له مقدمات توصل إليه، كما تعطي التلميذ ~~تمرينا هندسيا، وكالأسرار الكونية التي يتوصل إليها العلماء ~~ويكتشفونها من معطيات الكون، كالذي اكتشف الآلة البخارية، وأرشميدس لما ~~اكتشف قانون الأجسام الطافية.. إلخ ولا يقال لهؤلاء: إنهم علموا غيبا، ~~إنما أخذوا مقدمات موجودة واستنبطوا منها معدوما. أما الغيب المطلق فهو ~~الذي ليس له مقدمات توصل إليه، فهو غيب عن كل الناس، وفيه يقول تعالى: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول.. # [الجن: 26-27]. ومن الغيب ما يغيب عنك، لكن لا يغيب عن غيرك، كالشيء ~~الذي يسرق منك، فهو غيب عنك لأنك لا تعرف مكانه، وليس غيبا عمن ~~سرقه منك. وآفة الإنسان أنه لا يستغل المقدمات للبحث في أسرار الكون ~~ليرتقي في الكونيات، إنما يستغلها لمعرفة غيب الآخرين، ونقول له: إن كنت ~~تريد أن تعلم غيب الآخرين، فاسمح لهم أن يعلموا غيبك وأعتقد أن أحدا لا ~~يرضى ذلك. إذن: ستر الغيب عن الخلق نعمة كبرى لله تعالى لأنه سبحانه ~~رب الناس جميعا، ويريد سبحانه أن ينتفع خلقه بخلقه، ألا ترى أنك إن ~~علمت في إنسان سيئة واحدة تزهدك في كل حسناته، وتجعلك تكرهه، وتكره كل ~~حسنة من حسناته، فستر الله عنك غيب الآخرين لتنتفع بحسناتهم. والغيب ~~حجزه الله عنا، إما بحجاب الزمن الماضي، أو الزمن المستقبل، أو بحجاب ~~المكان، فأنت لا تعرف أحداث الماضي قبل أن تولد إلى أن يأتي من تثق ~~به، ms7542 فيخبرك بما حدث في الماضي، وكذلك لا تعرف ما سيحدث في المستقبل، أما ~~حاجز المكان فأنت لا تعرف ما يوجد في مكان آخر غير مكانك، وقد يكون الشيء ~~في مكانك، لكن له مكين فلا تطلع عليه. ومن ذلك قوله تعالى: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول.. # [المجادلة: 8]. فمن الذي أخبر رسول الله بما في نفوسهم؟ لقد خرق الله ~~له حجاب المكان، وأخبره بما يدور في نفوس القوم، وأخبرهم رسول الله به، ~~أما كان هذا كافيا لأن يؤمنوا بالله الذي أخرج مكنون صدورهم؟ إذن: ~~المسألة عندهم عناد ولجاجة وإنكار. وكذلك ما كان من رسول الله في غزوة ~~مؤتة التي دارت على أرض الأردن ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ~~- ونعلم أن أهل السيرة لا يطلقون اسم الغزوة إلا على التي حضرها رسول ~~الله، وكل حدث حربي لم يحضره رسول الله نسميه سرية إلا مؤتة هي التي ~~انفردت بهذه التسمية، فلماذا مع أن رسول الله لم يشهدها؟ قالوا: بل ~~شهدها رسول الله وهو بالمدينة، بما كشف الله له من حجاب المكان وأطلعه ~~على ما يدور هناك حتى كان يخبر صحابته بما يدور في الحرب كأنه يراها، ~~فيقول: أخذ الراية فلأن فقتل، فأخذها فلان فقتل، فلما جاءهم الخبر ~~وجدوا الأمر كما أخبر به سيدنا رسول الله. كما خرق له حجاب الماضي، ~~فأخبره بحوادث في الأمم السابقة كما في قوله سبحانه: # وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى ~~الأمر.. # [القصص: 44] # وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم ~~آياتنا.. # [القصص: 45]. كما خرق له صلى الله عليه وسلم حجاب المستقبل، كما في هذه ~~الآية التي نحن بصدد الحديث عنها: { وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون * في بضع سنين. # . } [الروم: 3-4] فأروني أي قوة كمبيوتر في الدنيا تنبئنا بنتيجة ~~معركة ستحدث بعد ثلاث إلى تسع سنين. فمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو النبي ~~الأمي المقيم في جزيرة العرب ولا يعرف شيئا عن قوة الروم أو قوة الفرس - ~~يخبرنا بهذه النتيجة لأن الذي يعلم ms7543 الأشياء على وفق ما تكون هو الذي ~~أخبره، وكون محمد صلى الله عليه وسلم يعلنها ويتحدى بها في قرآن ~~يتلى إلى يوم القيامة دليل على تصديقه بمنطق الله له، وأنه واثق من ~~حدوث ما أخبر به. ولهذه الثقة سمي الصديق صديقا، فحين أخبروه ~~بمقالة رسول الله عن الإسراء ما كان منه إلا أن قال: إن كان قال فقد ~~صدق ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بهذه النتيجة، ويراهن المشركين ~~عليها، ويتمسك بها، وما ذاك إلا لثقته في صدق هذا البلاغ، وأنه لا يمكن ~~أبدا أن يتخلف. وقوله تعالى { لله الأمر من قبل ومن ~~بعد.. } [الروم: 4] يعني: إياكم أن تفهموا أن انتصار الفرس على الروم ~~أو انتصار الروم على الفرس خارج عن مرادات الله، فلله الأمر من قبل ~~الغلب، ولله الأمر من بعد الغلب. فحين غلبت الروم لله الأمر، وحين ~~انتصرت الفرس لله الأمر لأن الحق سبحانه يهيج أصحاب الخير بأن يغلب ~~أصحاب الشر، ويحرك حميتهم ويوقظ بأعدائهم مشاعرهم، وينبههم إلى أن ~~الأعداء لا ينبغي أن يكونوا أحسن منهم. إذن: فنصر المكروه لله على ~~المحبوب لله جاء بتوقيت من الله لذلك إياك أن تحزن حين تجد لك عدوا، ~~فالأحمق هو الذي يحزن لذلك، والعاقل هو الذي يرى لعدوه فضلا عليه، ~~فالعدو يذكرني دائما بأن أكون قويا مستعدا، يذكرني بأن أكون ~~مستقيما حتى لا يجد عدوي مني فرصة أو نقيصة. العدو يجعلك تجند كل ~~ملكاتك للخير لتكون أفضل منه لذلك يقول الشاعر: # عداي لهم فضل علي ومنة # فعندي لهم شكر على نفعهم ليا # فهم كدواء والشفاء بمره # فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا # وهم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها # وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا # إذن: لله الأمر من قبل ومن بعد، وله الحكمة في أن ينتصر الباطل، ألا ~~ترى غزوة أحد، وكيف هزم المسلمون لما خالفوا أمر رسول الله وتركوا ~~مواقعهم طمعا في مغنم، انهزموا في أول الأمر، مع أن رسول الله معهم لأن ~~سنة الله في كونه تقضي بالهزيمة حين نخالف أمر رسول ms7544 الله، وكيف يكون ~~الحال لو انتصر المسلمون مع مخالفتهم لأمر رسولهم؟ لو انتصروا لفقد أمر ~~الرسول مصداقيته، ولما أطاعوا له أمرا بعد ذلك. وفي يوم حنين: # ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم.. # [التوبة: 25] حتى إن أبا بكر نفسه ليقول: لن نغلب اليوم عن قلة، فلما ~~نظروا إلى قوتهم ونسوا تأييد الله هزموا في بداية الأمر، ثم يحن الله ~~عليهم، وتتداركهم رحمته تعالى، فينصرهم في النهاية. # إذن: فلله الأمر من قبل ومن بعد، فإياك أن تظن أن انتصار الباطل جاء ~~غصبا عن إرادة الله، أو خارجا عن مراده، إنما أراده الله وقصده لحكمة. ~~ثم يقول سبحانه: # ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله.. # [الروم: 4-5] أي نصر الذي يفرح به الؤمنون؟ أيفرحون لانتصار الروم على ~~الفرس؟ قالوا: بل الفرح هنا دوائر متشابكة ومتعالية، فهم أولا يفرحون ~~لانتصار أهل دين وأهل كتاب على كفار وملاحدة، ويفرحون أن بشرى رسول الله ~~تحققت، ويفرحون لأنهم آمنوا برسول الله، وصدقوه قبل أن ينطق بهذه ~~البشرى. إنهم يفرحون لأنهم أصابوا الحق، فكلما جاءت آية فرح كل منهم ~~بنفسه لأنه كان محقا حينما آمن بالإله الواحد الذي يعلم الأمور على وفق ~~ما ستكون واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم. إذن: لا تقصر هذه الفرحة على ~~شيء واحد، إنما عدها إلى أمور كثيرة متداخلة. كما أن اليوم الذي انتصر ~~فيه الروم صادف اليوم الذي انتصر فيه المسلمون في بدر. وقوله تعالى { ~~ينصر من يشآء.. } [الروم: 5] الفرس أو الروم، ما دام أن له الأمر ~~من قبل ومن بعد { وهو العزيز الرحيم } [الروم: 5] الحق سبحانه ~~وصف نفسه بهاتين الصفتين: العزيز الرحيم، مع أن العزيز هو الذي يغلب ولا ~~يغلب، فقاهريته سبحانه عالية في هذه الصفة - ومع ذلك أتبعها بصفة ~~الرحمة ليحدث في نفس المؤمن هذا التوازن بين صفتي القهر والغلبة وبين ~~صفة الرحمة. كما أننا نفهم من صفة العزة هنا أنه لا يحدث شيء إلا بمراده ~~تعالى، فحين ينتصر طرف وينهزم طرف آخر حتى لو انتصر الباطل لا يتم ذلك ~~إلا لمراده تعالى ms7545 لأن الله تعالى لا يبقي الباطل ولا يعلي الكفر إلا ~~ليظهر الحق، فحين يعض الناس بالباطل، ويشقون بالكفر يفزعون إلى ~~الإيمان ويتمسكون به. واقرأ قوله تعالى: # وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله ~~هي العليا.. # [التوبة: 40] ولم يقل: وجعل كلمة الله هي العليا لأنها ليست جعلا ~~لأن الجعل تحويل شيء إلى شيء، أما كلمة الله فهي العليا بداية ودائما، ~~وإن علت كلمة الباطل إلى حين. ثم يقول الحق سبحانه: { وعد الله ~~لا يخلف الله... }. ### || [30.6] # الوعد: هو الإخبار بما يسر قبل أن يكون { لا يخلف الله ~~وعده.. } [الروم: 6] وفرق بين وعد الله ووعد الناس لأنك قد تعد ~~إنسانا بخير، وتحول الأسباب بينك وبين إنفاذ ما وعدت به، كأن يتغير ~~رأيك أو تضعف إمكاناتك، أو يتغير السبب الذي كنت ستفعل من أجله. إذن: أنت ~~لا تملك عناصر الوفاء وأسبابه، أما وعد الحق سبحانه وتعالى فوعد محقق، ~~حيث لا توجد قوة تخرجه عما وعد، وهو سبحانه لا يعجزه شيء في الأرض ولا ~~في السماء، فما دام الوعد وعد الله فثق أنه محقق. لذلك يعلمنا الحق ~~سبحانه: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24] والمعنى: اجعل لنفسك مخرجا من الكذب إن حالت الأسباب ~~بينك وبين ما وعدت به، بأن تجعل أمرك تحت مشيئة ربك، لا مشيئتك، لأنك لا ~~تملك من عناصر إتمام الفعل شيئا. إذن: أدرك نفسك، وقل إن شاء الله، ~~حتى إذا حالت الأسباب بينك وبين ما أردت قلت: شئت، ولكن الله تعالى ~~لم يشأ. والله تعالى لا يخلف وعده لأنه سبحانه يعلم الأشياء على وفق ~~ما تكون، ولا توجد قوة تحوله عن مراده، وليس له شريك يراجعه، أو ~~يخرجه عن مراده. وإن شئت فاقرأ: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد # [المسد: 1-5]. ألم يكن من الممكن وقتها أن يسلم أبو لهب كما أسلم ~~حمزة وعمر وخالد وعكرمة وغيرهم؟ ms7546 أليست له حرية الاختيار كهؤلاء؟ بل ألم ~~يسمع هذه السورة؟ ومع هذا كله كفر وأصر على كفره، ولم ينطق بكلمة ~~الإيمان، ولو حتى للكيد لرسول الله فيقول في نادي قريش ولو نفاقا: قال ~~محمد كذا وأنا أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. أليس هذا ~~دليلا على غبائه؟ إذن: ما دام أن القرآن أخبر فلا بد أن يتم الأمر ~~على وفق ما أخبر به. ونلحظ هنا أن كلمة الوعد تعني البشارة بالخير ~~القادم في المستقبل والكلام هنا عن فريقين: فريق منتصر يفرح بالنصر، ~~وفريق منهزم يحزن للهزيمة، فكيف يستقيم الوعد في حقه؟ فالفرح للمؤمن ~~غم لغير المؤمن. ولتوضيح هذه المسألة نذكر أن المستشرقين وقفوا عند ~~قوله تعالى من سورة الرحمن: # خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجآن ~~من مارج من نار * فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 14-16] وقالوا: هذا الكلام معقول بالخلق من نعم الله، لكن ماذا ~~عن قوله: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36] فأي نعمة في النار وفي الشواظ؟ وفات هؤلاء أنه من ~~النعمة أن ننبهك إلى الخطر قبل أن تقع فيه، ونحذرك من عاقبة الكفر ~~لتنتهي عنه كالوالد الذي يقول لولده: إن أهملت دروسك ستفشل، وساعتها ~~سأفعل بك كذا وكذا. إذن: فذكر النار والعذاب نعمة لكل من خالف منهج ~~الحق، فلعله حين يسمع الإنذار يعود ويرعوي. وقوله تعالى: { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } [الروم: 6] نفى عنهم العلم أي: ~~ببواطن الأمور وحقيقتها. ثم أخبر عنهم: { يعلمون ظاهرا من ~~الحياة... }. ### || [30.7] # إذا رأيت فعلا نفي مرة، وأثبت مرة أخرى، فاعلم أن الجهة منفكة، فهم ~~لا يعلمون بواطن الأمور، إنما يعلمون ظواهرها، وليتهم يعلمون ظواهر كل ~~شيء، إنما ظواهر الدنيا فحسب، ولا يعلمون بواطنها، فما بالك بالآخرة؟ حين ~~تتأمل أمور الدنيا والقوانين الوضعية التي وضعها البشر، ثم رجعوا عنها ~~بعد حين، تجد أننا لا نعلم من الدنيا إلا الظاهر، فمثلا قانون الإصلاح ~~الزراعي الذي نعمل به منذ عام 1952، وكنا متحمسين ms7547 له نمجده ولا ~~نسمح بالمساس به يناقشونه اليوم، ويطلبون إعادة النظر فيه، بل إلغاءه ~~لأنه لم يعد صالحا للتطبيق في هذا العصر، روسيا التي تبنت النظام ~~الشيوعي ودافعت عنه بكل قوة هي التي نقضت هذا النظام وأسقطته. ما ~~أسقطته أمريكا مثلا، ولو أسقطته أمريكا لانتقلت إليها قوة الشيوعية ~~وغطرستها لذلك يقولون: ما اندحرت الشيوعية إنما انتحرت على أيدي أصحابها. ~~ومن الممكن أن ينتحر هؤلاء كما انتحرت نظمهم فأولى بهم أن يستقيموا ~~لله، وأن يخلصوا للناس. إذن: لا نعرف من الدنيا إلا ظواهر الأشياء، ولا ~~نعرف حقيقتها، كما نشقى الآن بسبب المبيدات الحشرية التي ظننا أنها ~~ستريحنا وتوفر علينا الجهد والوقت في المقاومة اليدوية؟ كم يشقى العالم ~~اليوم من استخدام السيارات مثلا من تلوث في البيئة وقتل للأرواح كل ~~يوم، ولك أن تقارن بين وسائل المواصلات في الماضي ووسائل المواصلات ~~اليوم، فإن كان للوسائل الحديثة نفع عاجل، فلها ضرر آجل، ويكفي أن عادم ~~المخلوق لله يصلح الأرض، وعادم المخلوق للبشر يفسدها، لماذا؟ لأننا نعلم ~~ظواهر الأشياء. ولو علم الذي اكتشف السولار مثلا حقيقته لما استخدمه ~~فيما نستخدمه نحن فيه الآن. هذا عن علمنا بأمور الدنيا، أما الآخرة ~~فنحن في غفلة عنها لذلك يقول سيدنا الحسن: أعجب للرجل يمسك الدينار ~~بأنامله فيعرف وزنه، و يرنه فيعرف زيوفه من جيده، ولا يحسن الصلاة. ومن ~~ذلك قوله تعالى: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.. # [الأنفال: 17] فنفى الرمي، وأثبته في آية واحدة لأن الجهة منفكة، ~~فالإثبات لشيء، والنفي لشيء آخر. وسبق أن مثلنا لذلك بالتلميذ الذي ~~تجبره على المذاكرة فيفتح الكتاب ويقلب صفحاته ويهز رأسه، كأنه يقرأ، ~~فإذا ما أختبرته فيما قرأ تجده لم يفهم شيئا، فتقول له: ذاكرت وما ~~ذاكرت لأنه فعل فعل المذاكرة، ومع ذلك هو في الحقيقة لم يذاكر لأنه لم ~~يحصل شيئا مما ذاكره. كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى حين ~~أخذ حفنة من الحصى ورمى بها ناحية جيش الكفار، لكن # وما رميت إذ رميت.. # [الأنفال: 17] هذه الحفنة ms7548 لأن قدرتك البشرية لا توصل هذه الرمية إلى كل ~~الجيش، فهذه إذن قدرة الله. # ونلحظ في قوله تعالى: # ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [الروم: 6] أنه استثنى من عدم العلم فئة قليلة، فلماذا استثنى هذه الفئة ~~مع أننا نغير النظم الدنيوية والقوانين على الجميع؟ قالوا: لأنه حين ~~وضعت هذه القوانين وشرعت هذه النظم كانت هناك فئة ترفضها ولا تقرها، ~~لذلك لم يتهم الكل بعدم العلم. والظاهر الذي يعلمونه من الحياة الدنيا ~~فيه متع وملاذ وشهوات، البعض يعطي لنفسه فيها الحرية المطلقة، وينسي ~~عاقبة ذلك في الآخرة، لذلك فإن أهل الريف يقولون فيمن لا يحسب حسابا ~~للعواقب: الديب بلع منجل، فيقول الآخر: ساعة خراه تسمع عواه. واقرأ قوله ~~تعالى: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع ~~الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب # [آل عمران: 14]. فذكر الناس متاع الحياة الدنيا ونسوا الباقيات ~~الصالحات في الآخرة، والعاقل هو الذي يستطيع أن يوازن بينهما، وسبق أن ~~قلنا عن الدنيا بالنسبة لك: هي مدة بقائك فيها، هي عمرك أنت لا عمر ~~الدنيا كلها، كما أن عمرك فيها محدود مظنون لا بد أن ينتهي بالموت. ~~أما الآخرة فدار باقية دائمة، دار نعيم لا ينتهي، ولا يفوتك بحال، فلماذا ~~تشغلك الفانية عن الباقية؟ لماذا ترضى لنفسك بصفقة خاسرة؟ لذلك لما سئل ~~الإمام علي: أريد أن أعرف أنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟ فقال: لم ~~يدع الله الجواب لي، إنما الجواب عندك أنت، فإن دخل عليك اثنان: واحد ~~جاء بهدية، والآخر جاء يسألك عطية، فإن كنت تهش لصاحب الهدية فأنت من ~~أهل الدنيا، وإن كنت تهش لمن يطلب العطية فأنت من أهل الآخرة. لماذا؟ ~~لأن الإنسان يحب من يعمر ما يحب، فإن كنت تحب الآخرة فإنك تحب ~~بالتالي من يعمرها لك، وإن كنت تحب الدنيا فإنك تحب من يعمرها لك ~~لذلك كان أحد الصالحين إن جاءه سائل يطرق بابه يهش في وجهه، ويبش ~~ويقول: مرحبا بمن ms7549 جاء يحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة. لكن، لماذا ~~أعاد الضمير في { وهم عن الآخرة هم غافلون } [الروم: 7] ~~لماذا لم يقل: وهم عن الآخرة غافلون؟ لو قال الحق سبحانه وهم عن الآخرة ~~غافلون لفهم أن الغفلة مسيطرة عليهم، وليست هناك أدلة توقظهم، إنما { ~~وهم عن الآخرة هم غافلون } [الروم: 7] يعني: الغفلة واقعة ~~منهم أنفسهم، وإلا فالأدلة واضحة، لكن ما جدوى الأدلة مع قوم هم ~~غافلون. ثم يقول الحق سبحانه: { أولم يتفكروا في ~~أنفسهم... }. ### || [30.8] # المعنى: أن يكون ذلك منهم: لا يعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، ~~ويغفلون عن الآخرة، ولم يتفكروا في أنفسهم، فيأتي لهم بالدليل مرة في ~~أنفسهم، ومرة في السماوات والأرض. الدليل في الأنفس يقول لك: فكر في ~~نفسك. أي: اجعلها موضوع تفكيرك، وتأمل ما فيها من أسرار دالة على قدرة ~~الخالق عز وجل، فإلى الآن ومع ما توصل إليه العلم ما زال في الإنسان ~~أسرار لم تكتشف بعد. تأمل في مقومات حياتك: الأكل والشرب والتنفس، وكيف ~~أنك تصبر على الطعام حتى شهر، تتغذى من المخزون في جسمك، وتصبر على الماء ~~من ثلاثة إلى عشرة أيام على مقدار ما في جسمك من مائية، لكنك لا تصبر على ~~الهواء إلا بمقدار شهيق وزفير. لذلك من حكمته تعالى حين أمن للبشر هذه ~~المقومات أن جعل مدة صبرك على الطعام أطول، لأن طعامك قد يحتكره غيرك، ~~فتحتاج إلى طلبه والسعي إليه، أما الماء فمدة الصبر عليه أقل، لذلك ~~جعل الحق سبحانه احتكار الماء قليلا. أما الهواء الذي لا تصبر عليه إلا ~~بمقدار شهيق وزفير، فمن حكمة الله تعالى ألا يملك لأحد أبدا، وإلا ~~لو احتكر الناس الهواء لما استقامت الحياة، فلو منعك صاحب الهواء هواءه ~~لمت قبل أن يرضى عنك. تأمل في نفسك حين تأكل الطعام، وفيك مدخلان ~~متجاوران: القصبة الهوائية، وهي مجرى الهواء للرئتين، والبلعوم وهو مجرى ~~الطعام للمعدة، تأمل ما يحدث لك إن دخلت حبة أرز واحدة في القصبة ~~الهوائية، فبلا شعور تشرق بها، وتظل تقاومها حتى تخرج، وتأمل ms7550 حركة لسان ~~المزمار حين يسد القصبة الهوائية أثناء البلع، هذه الحركة التلقائية التي ~~لا دخل لك فيها، ولا قدرة لك عليها بذاتك. تأمل وضع المعدة، وكيف أن ~~الله جعل لها فتحة يسمونها فتحة الفؤاد، هي التي تغلق المعدة بإحكام ~~بعد الطعام، حتى لا تؤذيك رائحته بأن تتسرب عصارة المعدة إلى الفم ~~فتؤلمك، فمن أصابه خلل في إغلاق هذه الفتحة تجد رائحة فمه كريهة يسمونه ~~أبخر. كذلك تأمل في عملية إخراج الطعام وكيف تكون طبيعيا مستريحا؟ ~~وفجأت تحتاج إلى الحمام وإلى قضاء الحاجة، ماذا حدث؟ والأمر كذلك في شربة ~~الماء، ذلك لأن لجسمك طاقة تحمل في الأمعاء وفي المثانة، ففي لحظة يزيد ~~الحمل عن الطاقة، فتشعر بالحاجة إلى الإخراج. وهذا مجال لا حصر له مهما ~~تقدمت العلوم، ومهما بحثنا في أنفسنا، ويكفي أن نقرأ: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21] فدعانا ربنا إلى البحث في أنفسنا قبل البحث فيما حولنا ~~من آيات السماء والأرض لأن أنظارنا قد تقصر عن رؤية ما في السماوات ~~والأرض من آيات، أما نفسي فهي أقرب دليل منك وأقوى دليل عليك. # { أولم يتفكروا في أنفسهم.. } [الروم: 8] أي: فكروا ~~في أنفسكم بعيدا عن ضجيج الناس وجدالهم ومرائهم، فحين تجادل الناس تجد ~~لجاجة وحرصا على الظهور، ولو بالباطل، إنما حينما تكون مع نفسك تسألها ~~وتتأمل فيها، فلا مهيج ولا معاند، لا تخجل أن ينتصر عليك خصمك، ولا ~~تطمع في مكانة أو منزلة لذلك تصل بالنظر في نفسك إلى الحقيقة. لذلك يخاطب ~~القرآن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: # قل إنمآ أعظكم بواحدة.. # [سبأ: 46] يعني: يا من تفكرون في صدق هذا الرسول، وتتهمونه بالكذب ~~والافتراء والسحر.. الخ أريد منكم شيئا واحدا # أن تقوموا لله مثنى وفرادى.. # [سبأ: 46] أي: مثنى مثنى، أو منفردين، كل على حدة # ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا ~~نذير لكم بين يدي عذاب شديد # [سبأ: 46]. إذن: الطريق إلى الحقيقة لا يكون بالمجادلة الجماهيرية، إنما ~~بتأمل الإنسان مع نفسه، أو مع مثله، فمع الجماعة تتحرك في ms7551 النفس الرغبة ~~في العلو والانتصار لذلك حين تناقش العاقل يقول لك حسيبك تراجع نفسك ~~يعني: تفكر وحدك بحيث لا تحرج من أحد، فتكون أقرب للموضوعية وللوصول ~~إلى الحق. وبعد أن أمرنا ربنا بالتفكر في أنفسنا يلفتنا إلى التأمل ~~فيما حولنا من السماوات والأرض { ما خلق الله السماوات ~~والأرض وما بينهمآ إلا بالحق وأجل مسمى.. } ~~[الروم: 8]. وهناك آية أخرى تقدم التفكر في السماء والأرض على التفكر ~~في النفس، هي قوله تعالى: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57]. لماذا؟ لأن الإنسان قد يموت قبل أن يولد، ويموت بعد عدة ~~سنوات، أو حتى بعد مئات السنين، أما السماوات والأرض بما فيهما من أرض ~~وسماء وشمس وقمر.. إلخ فهي كما هي منذ خلقها الله لم تتغير، وهي تؤدي ~~مهمتها دون تخلف، ودون صيانة، ودون أعطال، فهي بحق أعظم من خلق ~~الناس وأكبر. إذن: الآيات والأدلة في أنفسكم وفي السماوات والأرض، لكن ~~أيهما الآية الأقوى؟ قالوا: ما دامت السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ~~فهي الأقوى، فإن لم تقنع بها فانظر في نفسك لذلك يقول العلماء بالمفيد ~~والمستفيد، المفيد هو الله - عز وجل - فحينما يضرب لي مثلا يضرب لي ~~بالأقوى، فإن لم أطقه يأتي لي بالأقل، والمستفيد هو الذي ينتقل من ~~الأقل للأكبر. ومعنى { وما بينهمآ.. } [الروم: 8] أي: من الكواكب ~~والأفلاك والنجوم التي نشاهدها في جو السماء، وكانوا في الماضي لما ~~أرادوا أن يقربوا أمور الدين لعقول الناس يقولون: الكواكب السبعة هي ~~السماوات السبع، ووقع فيها علماء كبار، لكن الحقيقة أن هذه الكواكب ~~السبعة كلها دون السماء الدنيا، واقرأ قول الله تعالى: # وزينا السمآء الدنيا بمصابيح.. # [فصلت: 12]. فأين السماء من الكواكب التي نشاهدها؟! أتعلم كم ثانية ~~ضوئية بينك وبين الشمس، أو بينك وبين القمر؟ بيننا وبين الشمس ثماني ~~دقائق ضوئية، وبيننا وبين المرأة المسلسلة مائة سنة ضوئية، وبيننا وبين ~~المجرة مليون سنة ضوئية. # ولك أن تضرب مليون سنة في 365 يوما، وتضرب الناتج في 24 ساعة، وتضرب ~~الناتج في ستين دقيقة، ثم في ms7552 ستين ثانية، ثم تضرب الناتج من ذلك في 300 ~~ألف كيلو، ثم تأمل الرقم الذي وصلت إليه. وما أسكت القائلين بأن ~~الكواكب السبعة هي السماوات السبع إلا أن العلماء اكتشفوا بعدها كوكبا ~~جديدا حول الشمس، وبعد سنوات اكتشفوا آخر. كذلك حين صعد رواد الفضاء إلى ~~سطح القمر أسرع هؤلاء الفلاحسة يقولون: لقد سبق القرآن، وأخبر بهذا في ~~قوله تعالى: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان # [الرحمن: 33]. وقالوا: إن السلطان هو سلطان العلم الذي مكننا من اعتلاء ~~سطح القمر، وعجيب أن يقول هذا الكلام علماء كبار، فأين القمر من السماء؟ ~~القمر ما هو إلا ضاحية من ضواحي الأرض كمصر الجديدة بالنسبة للقاهرة، ثم ~~إن كان السلطان هنا هو سلطان العلم، فماذا تقولون في قوله تعالى بعدها: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران # [الرحمن: 35]. لقد حدث هذا التخبط نتيجة الخلط بين علوم الدين ~~والشريعة، وبين علوم الكونيات، وهذه آفة علماء الدين أن يتدخلوا فيما لا ~~علم لهم به، فالكونيات يؤخذ منها الدليل على عظمة الصانع وقدرته ~~سبحانه، إنما لا يؤخذ منها حكم شرعي. ورأينا من هؤلاء من ينكر كروية ~~الأرض، وأنها تدور حول الشمس، ومنهم من ظن أن علماء الكونيات - مع أنهم ~~كفرة - يعلمون الغيب لأنهم توصلوا بحسابات دقيقة لحركة الأرض إلى موعد ~~الخسوف والكسوف، وجاء الواقع وفق ما أخبروا به بالضبط. وهذه المسألة - ~~كما سبق أن قلنا - ليست من الغيب المطلق، بل من الغيب الذي أعطانا ~~الله المقدمات التي توصل إليه، وقد توصل العلماء إليه بالبحث ودراسة ~~معطيات الكون، ونفهم هذا في ضوء قوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. وهذه أيضا من الآيات التي تقدم فيها أدلة السماوات ~~والأرض على أدلة النفس. إذن: فالكونيات تبنى على علوم ودراسات، لا دخل ~~للدين بها، الدين جاء ليقول لك: افعل كذا، ولا تفعل كذا، ثم ترك الكونيات ~~إلى أن تتسع العقول لفهمها. وقوله سبحانه: ms7553 { إلا بالحق.. } ~~[الروم: 8] لأن السماوات والأرض وما بينهما من الكواكب والأفلاك تسير على ~~نظام ثابت لا يتخلف، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير أبدا، وتأمل ~~حركة الكواكب والأفلاك تجد أنها تسير وفق نظام دقيق منضبط تماما. ~~فالشمس لم تتخلف يوما فتقول مثلا: لن أطلع اليوم على هؤلاء الناس لأنهم ~~ظالمون، لأن لها قانونا تسير به، وهي مخلوقة بحق ثابت لا يتغير، وما ~~دامت هذه الكونيات خلقت بحق وبشيء ثابت فلك أن ترتب عليها حساباتك وتضبط ~~بها وقتك، وأنت لا تضبط وقتك على ساعة إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطة. # لذلك يقول سبحانه: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5] أي: مخلوقة بحساب ولأنه سبحانه خلقها بحساب جعلها آلة ~~للحساب، فقال: # والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم * لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا ~~اليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 39-40]. ويقول سبحانه: # وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب.. # [يونس: 5] وهل تعلمون بالقمر عدد السنين والحساب، إلا إذا كان هو ~~مخلوقا بحساب؟ ومع ذلك، ومع أن الكون خلقه الله بالحق الثابت إياك أن ~~تظن أن ثباته دائم باق لأن الله تعالى خلقه على هيئة الثبات لأجل { ~~إلا بالحق وأجل مسمى.. } [الروم: 8] فبعد أن ينقضي هذا ~~الأجل الذي أجله الله تكور الشمس وتنكدر النجوم، وتبدل الأرض غير ~~الأرض والسماوات، فالأمر ليس مجرد أن يتغير الشيء الثابت، إنما يزول ~~وينتهي. ثم يقول سبحانه { وإن كثيرا من الناس بلقآء ~~ربهم لكافرون } [الروم: 8] كنا نجادل الشيوعيين نقول لهم: لقد ~~بالغتم في تعذيب مخالفيكم من الإقطاعيين والرأسماليين، وتعديتم في ~~عقابكم، قالوا: لأنهم ظلموا وأفسدوا في المجتمع، فقلنا لهم: فما بال ~~الذين ظلموا قبل هؤلاء وماتوا ولم ينالوا ما يستحقون من العقاب؟ أليس من ~~العدل أن تقولوا بدار أخرى يعاقبون فيها على ما اقترفوه؟ ألا يلفتكم هذا ~~إلى ضرورة القيامة، ووجوب الإيمان بها؟ فمن أفلت من أيديكم في الدنيا ~~عاقبه الله تعالى في الآخرة، ثم أنتم ترون مبدأ الثواب والعقاب في كل ~~شيء، فالذي ms7554 أطلق لنفسه العنان في الدنيا، وسار فيها على هواه، وعاث في ~~الأرض فسادا، ولم تنله يد العدالة فهو الفائز إن لم تكن له دار أخرى ~~يحاسب فيها. إذن: فالإيمان بالآخرة وبلقاء الله ضرورة يقتضيها المنطق ~~السليم، ومع ذلك يكفر بها كثير من الناس { وإن كثيرا من ~~الناس بلقآء ربهم لكافرون } [الروم: 8]. فالمؤمن يجب أن ~~يكون على ثقة بهذا اللقاء لأن قوانين الأرض إنما تحمي من ظاهر المنكر، ~~وأما باطن المنكر فلا يعلمه إلا الله، فلا بد من فترة يعاقب فيها ~~أصحاب باطن المنكر. ### || [30.9] # المعنى: أيكفرون بلقاء ربهم ولم يسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم - خذ فقط أمور الدنيا، فهي كافية لمن اعتبر بها - ~~فهؤلاء لم يسيروا في الدنيا، ولم ينظروا فيها بعين الاعتبار بمن سبقهم ~~من الأمم المكذبة، ولم يتعظوا بما وقع في الدنيا فضلا عما سيقع في ~~الآخرة. فإن كنا صدقنا ما وقع للمكذبين في الدنيا وشاهدناه ~~بأعيننا، فينبغي أن نصدق ما أخبر به الله عن الآخرة لأنك إن أردت ~~أن تعلم ما تجهل فخذ له وسيلة مما تعلم. إذن: سيروا في الأرض، وانظروا ~~بعين الاعتبار لمصير الذين كذبوا، وماذا فعل الله بهم؟ والسير: ~~قطع المسافات من مكان إلى مكان { أولم يسيروا في الأرض.. } ~~[الروم: 9] لكن أنسير في الأرض أم على الأرض؟ هذا من دقة الأداء القرآني، ~~ومظهر من مظاهر إعجازه، فالظاهر أننا نسير على الأرض، لكن التحقيق أننا ~~نسير في الأرض لأن الذي خلقنا وخلق الأرض قال: # سيروا فيها ليالي وأياما آمنين # [سبأ: 18]. ذلك لأن الأرض ليست هي مجرد اليابسة التي تحمل الماء، والتي ~~نعيش عليها، إنما الأرض تشمل كل ما يحيط بها من الغلاف الجوي لأنها بدونه ~~لا تصلح للعيش عليها، إذن: فغلاف الأرض من الأرض، فحين نسير لا نسير على ~~الأرض إنما في الأرض. والسير في الأرض نظر له الدين من ناحيتين: سير ~~يعد سياحة للاعتبار، وسير يعد سياحة للاستثمار، فالسير للاعتبار ~~أن تتأمل الآيات في الأرض التي تمر بها، فالجزيرة ms7555 العربية مثلا صحراء ~~وجبال يندر فيها الزرع، فإن ذهبت إلى أسبانيا مثلا تجدها بلادا خضراء ~~لا تكاد ترى سطح الأرض من كثرة النباتات بها. وفي كل منهما خيرات لأن ~~الخالق سبحانه وزع أسباب الفضل على الكون كله، وترى أن هذه الأرض ~~الجرداء القاحلة والتي كانت يشق على الناس العيش بها لما صبر عليها ~~أهلها أعطاهم الله خيرها من باطن الأرض، فأصبحت تمد أعظم الدول وأرقاها ~~بالوقود الذي لا يستغنى عنه يوما واحدا في هذه البلاد، وحينما قطعناه ~~عنهم في عام 1973ضجوا وكاد البرد يقتلهم. حين تسير في الأرض وتنظر بعين ~~الاعتبار تجد أنها مثل البطيخة، لو أخذت منها قطاعا طوليا فإنه يتساوى ~~مع باقي القطاعات، كذلك الأرض وزع الله بها الخيرات على اختلاف ~~ألوانها، فمجموع الخير في كل قطاع من الأرض يساوي مجموع الخيرات في ~~القطاعات الأخرى. الجبال التي هجرناها في الماضي وقلنا إنها جدب وقفر ~~لا حياة فيها، هي الآن مخازن للثروات وللخيرات قد اتجهت إليها الأنظار ~~لإعمارها والاستفادة منها، وانظر مثلا إلى ما يحدث من نهضة عمرانية في ~~سيناء. إذن: فالخالق سبحانه وزع الخيرات على الأرض، كما وزع المواهب ~~على الخلق ليظل الجميع مرتبطا بعضه ببعض برباط الحاجة لا يستغني الناس ~~بعضهم عن بعض، ولا البلاد بعضها عن بعض، وهنا لفتة إيمانية: أن الخلق ~~كلهم عباد الله وصنعته، والبلاد كلها أرض الله وملكه، وليس لله ولد، وليس ~~بينه وبين أحد من عباده قرابة، فالجميع عنده سواء، لذلك سبق أن قلنا: لا ~~ينبغي لك أن تحقد على صاحب الخير أو تحسده لأن خيره سيعود عليك حتما. # ومعنى { الذين من قبلهم.. } [الروم: 9] أي: الأمم التي ~~كذبت الرسل، وفي آية أخرى يوضح سبحانه عاقبة هؤلاء المكذبين: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [العنكبوت: 40]. ويخاطب سبحانه كفار قريش: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]. أي: في أسفاركم ms7556 ورحلات تجارتكم ترون مدائن صالح ~~وغيرها من القرى التي أصابها العذاب ما زالت شاخصة لكل ذي عينين. ويقول ~~سبحانه: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 6-8] وكانوا في رمال الأحقاف # وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى ~~الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها ~~الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب # [الفجر: 9-13]. لقد كان لكل هؤلاء حضارات ما زالت حتى الآن تبهر أرقى ~~حضارات اليوم، فيأتون إليها ليتأملوا ما فيها من أسرار وعجائب، ومع ذلك ~~لم تستطع هذه الحضارات أن تحمي نفسها من الدمار والزوال، وما استطاعت ~~أن تمنع نفسها من عذاب الله حين حل بها، إذن: لكم في هؤلاء عبرة. ~~وكأن الحق سبحانه في قوله: { أولم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم.. } ~~[الروم: 9] يقول لكفار قريش: أنتم يا مشركي قريش أقل الأمم، لا قوة ~~لكم، ولا مال ولا حضارة ولا عمارة، فمن اليسير علينا أن نأخذكم كما أخذنا ~~من هم أقوى منكم، إنما سبق أن أخذتم العهد في قوله سبحانه: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال: 33]. لذلك يقول بعدها: { كانوا أشد منهم قوة ~~وأثاروا الأرض وعمروهآ أكثر مما عمروها.. } ~~[الروم: 9] فالأمم المكذبة التي أخذها الله وجعلها لكم عبرة كانت أقوى ~~منكم، وأخصب أرضا، لذلك أثاروا الأرض. أي: حرثوها للزراعة وللإعمار، ~~وأنتم بواد ذي ذرع، والحرث يطلق على الزرع كما في قوله سبحانه: # ويهلك الحرث والنسل.. # [البقرة: 205]. ذلك لأن الأرض لا تنبت النبات الجيد إلا إذا أثارها ~~الفلاح، وقلبها ليتخلل الهواء تربتها، فتجود عليه وتؤدي مهمتها كما ~~ينبغي، أما إن تركتها هامدة متماسكة التربة والذرات، فإنها تمسك النبات ~~ولا تعطي فرصة للجذور البسيطة لأن تمتد في التربة، خاصة في بداية ~~الإنبات. # وفي موضع آخر يقول - سبحانه وتعالى - عن النبات: # أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة: 63-64]. وفي قصة البقرة مع بني إسرائيل لما تلكئوا في ذبحها ms7557 ~~وطلبوا أوصافها، قال لهم الحق سبحانه: # إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي ~~الحرث.. # [البقرة: 71]. يعني: بقرة مرفهة غير سهلة الانقياد، فلا تستخدم، لا في ~~حرث الأرض وإثارتها، ولا في سقيها بعد أن تحرث لذلك تجد أن الفلاح ~~الواعي لا بد أن يثير الأرض ويقلب تربتها قبل الزراعة، ويتركها ~~فترة ليتخللها الهواء والشمس، ففي هذا إحياء للتربة وتجديد لنشاطها، كما ~~يقولون أيضا: قبل أن تزرع ما تحتاج إليه انزع ما لا تحتاج إليه. إذن: ~~فهؤلاء القوم كانت لهم زروع وثمار تمتعوا بها وجمعوا خيراتها. ومعنى { ~~عمروها.. } [الروم: 9] أي: بما يسر الله لهم من الطاقات ~~والإمكانات، وأعملوا فيها الموهبة التي جعلها الله فيهم، فاستخرجوا من ~~الأرض خيراتها، كما قال سبحانه: # هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. # [هود: 61]. وإعمار الأرض يكون بكل مظهر من مظاهر الرقي والحياة، إما ~~بالزرع أو الغرس، وإما بالبناء، وإما بشق الأنهار والمصارف وإقامة ~~الطرق وغير ذلك مما ينفع الناس، ونفرق هنا بين الزرع والغرس: فالزرع ~~ما تزرعه ثم تحصده مرة واحدة كالقمح مثلا، أما الغرس فما تغرسه، ويظل ~~فترة طويلة يدر عليك، فمحصوله متجدد كحدائق الفاكهة، والزرع يكون ~~ببذر الحب، أما الغرس فنبتة سبق إعدادها تغرس. ثم يقول سبحانه: { ~~وجآءتهم رسلهم بالبينات.. } [الروم: 9] فبعد أن أعطاهم ~~مقومات الحياة وإمكانات المادة وطاقاتها، وبعد أن جنوا ثمارها لم ~~يتركهم للمادة إنما أعطاهم إمكانات القيم والدين، فأرسل لهم الرسل { ~~بالبينات.. } [الروم: 9] أي: الآيات الواضحات الدالة على صدق ~~الرسول في البلاغ عن ربه وهذه التي نسميها المعجزات. وسبق أن ذكرنا أن ~~كلمة الآيات تطلق على معان ثلاثة: آيات كونية دالة على قدرة الصانع ~~سبحانه كالشمس والقمر، وآيات تؤيد الرسل وتثبت صدقهم في البلاغ عن ~~الله وهي المعجزات، وآيات القرآن التي تحمل الأحكام والمنهج، وكلها أمور ~~واضحة بينة. وقوله تعالى: { فما كان الله ليظلمهم ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } [الروم: 9] نعم، ما ظلمهم ~~الله لأنه سبحانه أمدهم بمقومات الحياة وإمكانات المادة، ثم أمدهم ~~بمقومات الروح والقيم، فإن حادوا بعد ذلك عن منهجه ms7558 سبحانه فما ظلموا إلا ~~أنفسهم. ثم نقول: كيف يتأتى الظلم من الله تعالى؟ الظلم يقع نعم من ~~الإنسان لأخيه الإنسان لأنه يحقد عليه، ويريد أن يتمتع بما في يده، ~~فالظالم يأخذ حق المظلوم الذي لا قدرة له على حماية حقه. فكيف إذن ~~نتصور الظلم من الله - عز وجل - وهو سبحانه مالك كل شيء، وغني عن كل شيء؟ ~~إذن: ما ظلمهم الله، ولكن ظلموا أنفسهم حينما حادوا عن طريق الله ومنهجه. ### || [30.10] # الإساءة ضدها الإحسان، وسبق أن قلنا: إن الإحسان: أن تترك الصالح على ~~صلاحه، أو أن تزيده صلاحا، ومثلنا لذلك ببئر الماء الذي يشرب منه ~~الناس، فواحد يأتي إليه فيردمه أو يلوث ماءه، وآخر يبني حوله سياجا ~~يحميه أو يجعل له آلة تخرج الماء وتريح الناس، فهذا أحسن وذاك أساء، ~~فإذا لم تكن محسنا فلا أقل من أن تكف إساءتك، وتدع الحال على ما ~~هو عليه. والحق - سبحانه وتعالى - خلق الكون على هيئة الصلاح، ولو تركناه ~~كما خلقه ربه لظل على صلاحه، إذا لا يأتي الفساد إلا من تدخل ~~الإنسان لذلك يقول سبحانه # وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما ~~نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن ~~لا يشعرون # [البقرة: 11-12]. وينبغي على الإنسان أن يأخذ من ظواهر الكون ما يفيده، ~~أذكر أننا حينما سافرنا إلى مكة سنة 1950 كنا ننتظر السقاء الذي يأتي ~~لنا بقربة الماء، ويأخذ أجرة حملها، وكنا نضعها في البزان وهو مثل الزير ~~عندنا، فإذا أراد أحدنا أن يتوضأ يأخذ من الماء كوزا واحدا ويقول: نويت ~~نية الاغتراف، ولا يزيد في وضوئه عن هذا الكوز لأننا نشتري الماء، أما ~~الآن فالواحد منا لا تكفيه صفيحة لكي يتوضأ من حنفية الماء. وفي ترشيد ~~استعمال الماء ترشيد أيضا للصرف الصحي وللمياه الجوفية التي تضر ~~بالمباني وبالتربة الزراعية. لذلك يحذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الإسراف في استعمال الماء حتى لو كنا على نهر جار. فمعنى الذين ~~أساءوا: أي الذي جاء إلى الصالح فأفسده أو أنشأ ms7559 إفسادا جديدا، وطبيعي ~~أن تكون عاقبته من جنس فعله { عاقبة الذين أساءوا ~~السوءى.. } [الروم: 10] والسوأى: مؤنث سيء مثل: حسن للمذكر، ~~وحسنى للمؤنث. وأصغر وصغرى، فهي أفعل تفضيل من السوء. ثم يقول ~~سبحانه: { أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها ~~يستهزئون } [الروم: 10] فالأمر لم يقف عند حد التكذيب بالآيات، ~~إنما تعدى التكذيب إلى الاستهزاء، فما فلسفة أهل الاستهزاء حينما ~~يستهزئون بالآخرين؟ كثيرا ما نلاحظ أن التلميذ الفاشل يستهزىء بالمجتهد، ~~والمنحرف يستهزىء بالمستقيم، لماذا؟ لأن حظ الفاشل أن يزهد المجتهد في ~~اجتهاده، وحظ المنحرف أن يصير المستقيم منحرفا مثله، ومن هنا نسمع ~~عبارات السخرية من الآخرين كما حكاها القرآن: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون # [المطففين: 29-32]. لكن لا تتعجل، وانتظر عاقبة ذلك حينما يأخذ هؤلاء ~~المؤمنون أماكنهم في الجنة، ويجلسون على سررها وأرائكها: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على ~~الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون # [المطففين: 34-36]. والخطاب هنا للمؤمنين الذين تحملوا السخرية ~~والاستهزاء في الدنيا: أقدرنا أن نجازيهم على ما فعلوه بكم؟ إذن: فلسفة ~~الاستهزاء أن الإنسان لم يقدر على نفسه ليحملها على الفضائل، فيغيظه كل ~~صاحب فضيلة، ويؤلمه أن يرى مستقيما ينعم بعز الطاعة، وهو في حمئة ~~المعصية لذلك يسخر منه لعله ينصرف عما هو فيه من الطاعة والاستقامة. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { الله يبدأ الخلق... }. ### || [30.11] # هل بدأ الله الخلق بالفعل، أم ما زال يبدأ الخلق؟ الأسلوب هنا أسلوب ~~رب يتكلم، فهو سبحانه بدأ الخلق أصوله أولا، وما يزال خالقا ~~سبحانه، وما دام هو الذي خلق بدءا، فهو الذي يعيد { الله يبدأ ~~الخلق ثم يعيده.. } [الروم: 11]. وفي أعراف البشر أن إعادة ~~الشيء أهون من ابتدائه لأن الابتداء يكون من عدم، أما الإعادة فمن ~~موجود، لذلك يقول الحق سبحانه: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه.. # [الروم: 27] أي: بمقاييسكم وعلى قدر فهمكم، لكن في الحقيقة ليس هناك ms7560 ~~هين وأهون في حقه تعالى لأنه سبحانه لا يفعل بمزاولة الأشياء وعلاجها، ~~إنما بكن فيكون، لكن يخاطبنا سبحانه على قدر عقولنا. فالحق سبحانه ~~بدأ الخلق وما يزال سبحانه يخلق، وانظر مثلا إلى الزرع تحصده وتأخذ منه ~~التقاوي للعام القادم، وهكذا في دورة مستمرة بين بدء وإعادة { الله ~~يبدأ الخلق ثم يعيده.. } [الروم: 11]. وسبق أن ضربنا ~~مثلا بالوردة الغضة الطرية بما فيها من جمال في المنظر والرائحة، فإذا ~~ما قطفت جفت، لأن المائية التي بها تبخرت، وكذلك رائحتها ولونها ~~انتشر في الأثير، ثم يتفتت الباقي ويصير ترابا، فإذا ما زرعت وردة جديدة ~~أخذت من المائية التي تبخرت ومن اللون ومن الرائحة التي في الجو. وهكذا ~~تبدأ دورة وتنتهي أخرى لأن مقومات الحياة التي خلقها الله هي هي في ~~الكون، لا تزيد ولا تنقص، فالماء في الكون كما هو منذ خلقه الله: هب ~~أنك شربت طوال حياتك عشرين طنا من الماء، هل تحمل معك هذا الماء الآن؟ ~~لا إنما تم إخراجه على هيئة عرق وبول ومخاط وصماخ أذن.. الخ، وهذا كله ~~تبخر ليبدأ دورة جديدة. ثم يقول سبحانه: { ثم إليه ترجعون ~~} [الروم: 11] نلحظ أن الكلام هنا عن الخلق { الله يبدأ ~~الخلق ثم يعيده ثم.. } [الروم: 11] لكن انتقل السياق من ~~المفرد إلى الجمع { ثم إليه ترجعون } [الروم: 11] ولم يقل ~~يرجع أي: الخلق، فلماذا؟ قالوا: لأن الناس جميعا لا يختلفون في بدء ~~الخلق ولا في إعادته، لكن يختلفون في الرجوع إلى الله، فهذا مؤمن، وهذا ~~كافر، هذا طائع، وهذا عاص، وهذا بين بين، ففي حال الرجوع إلى الله ~~ستفترق هذه الوحدة إلى طريقين: طريق للسعداء، وطريق للأشقياء، لذلك لزم ~~صيغة الإفراد في البدء وفي الإعادة، وانتقل إلى الجمع في الرجوع إلى ~~الله لاختلافهم في الرجوع ثم يقول الحق سبحانه: { ويوم تقوم ~~الساعة... }. ### || [30.12] # معنى { يبلس المجرمون } [الروم: 12] أي: يسكتون سكوت اليائس ~~الذي لا يجد حجة، فينقطع لا يدري ما يقول ولا يجد من يدافع عنه، حتى ~~قادتهم وكبراؤهم قد سبقوهم إلى العذاب، فلم يعد ms7561 لهم أمل في النجاة، كما ~~قال تعالى: # يقدم قومه يوم القيامة.. # [هود: 98]، ومن ذلك سمي إبليس لأنه يئس من رحمة الله. وفي موضع آخر ~~يقول الحق سبحانه: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون # [الأنعام: 44]. أي: لما نسوا منهج الله أراد سبحانه أن يعاقبهم في ~~الدنيا، وحين يعاقبهم الله في الدنيا لا يأخذهم على حالهم إنما يرخي لهم ~~العنان، ويزيد لهم في الخيرات، ويوسع عليهم متع الدنيا وزخارفها، ~~حتى إذا أخذهم على هذه الحال كان أخذه أليما، وكانت سقطتهم من أعلى. ~~كما أنك مثلا لا توقع عدوك من على الحصيرة، إنما ترفعه إلى أعلى ليكون ~~الانتقام أبلغ، أما إن أخذهم على حال الضيق والفقر، فالمسألة إذن ~~هينة، وما أقرب الفقر من العذاب! ولنا ملحظ في قوله تعالى # فتحنا عليهم.. # [الأنعام: 44] فمادة فتح إن أراد الحق سبحانه الفتح لصالح المفتوح عليه ~~يقول # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # [الفتح: 1] وإن أراد الفتح لغير صالحه يقول # فتحنا عليهم.. # [الأنعام: 44] والفرق بين بين المعنيين، لأن اللام هنا للملك # فتحنا لك.. # [الفتح: 1] إنما على # فتحنا عليهم.. # [الأنعام: 44] فتعني ضدهم وفي غير صالحهم، كما نقول في المحاسبة: له ~~وعليه، له في المكسب وعليه في الخسارة. ### || [30.13] # نعم، لم يجدوا من شركائهم من يشفع لهم لأن الشركاء قد تبرأوا منهم، ~~كما قال سبحانه: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب # [البقرة: 166]. وكذلك يقول التابعون: # ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين # [فصلت: 29]. وما أشبه هذين: التابع والمتبوع بتلميذين فاشلين تعودا ~~على اللعب وتضييع الوقت، وشغل كل منهما صاحبه عن دروسه، وأغواه بالتسكع ~~في الطرقات، إلى أن داهمهما الامتحان وفاجأتهما الحقيقة المرة، فراح كل ~~منهما يلعن الآخر ويسبه، ويلقي عليه بالمسئولية. إذن: ساعة الجد تنهار ~~كل هذه الصلات الواهية، وتتقطع كل الحبال التي تربط أهل الباطل في الدنيا ~~{ وكانوا بشركآئهم كافرين } [الروم: 13] ولم لا ms7562 وقد ~~تكشفت الحقائق، وظهر زيفهم وبان ضلالهم؟ ثم يقول الحق سبحانه: { ~~ويوم تقوم الساعة... }. ### || [30.14] # أي: الذين اجتمعوا في الدنيا على الشر وعلى الضلال يتفرقون يوم القيامة، ~~ويصيرون أعداء وخصوما بعد أن كانوا أخلاء، فيمتاز المؤمنون في ناحية ~~والكافرون في ناحية، حتى العصاة من المؤمنين الذين لهم رائحة من الطاعة ~~لا يتركهم المؤمنون، إنما يشفعون لهم ويأخذونهم في صفوفهم. والتنوين في { ~~يومئذ.. } [الروم: 14] بدل من جملة { ويوم تقوم الساعة.. ~~} [الروم: 14] أي: يوم تقوم الساعة يتفرقون. ### || [30.15] # ما دام الخلق سيمتازون يوم القيامة ويتفرقون، فلا بد أن نرى هذه ~~القسمة: الذين آمنوا والذين كفروا، وها هي الآيات ترينا هذا التفصيل: { ~~فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. } [الروم: 15] ~~فما جزاؤهم { فهم في روضة يحبرون } [الروم: 15] الروضة: هي ~~المكان المليء بالخضرة والأنهار والأشجار والنضارة، وكانت هذه عادة نادرة ~~عند العرب لأنهم أهل صحراء تقل في بلادهم الحدائق والرياض. لذلك، ~~فالرياض والبساتين عندهم شيء عظيم ونعمة كبيرة، ومعنى { يحبرون } ~~[الروم: 15] من الحبور، وهو الفرحة حينما يظهر عليك أثر النعمة، هذا عن ~~المؤمنين، فماذا عن الكافرين؟ ثم يقول الحق سبحانه: { وأما الذين ~~كفروا وكذبوا... }. ### || [30.16] # المحضر بالفتح: الذي يحضره غيره، ولا تقال إلا في الشر، وفيها ما ~~يدل على الإدانة، وإلا لحضر هو بنفسه، ونحن نفزع لسماع هذه الكلمة لأن ~~المحضر لا يأتيك إلا لشر، كذلك حال الكفار والمكذبين يوم القيامة ~~تجرهم الملائكة، وتجبرهم، وتسوقهم للحضور رغما عنهم. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { فسبحان الله حين... }. ### || [30.17] # هنا تتجلى عظمة الإيمان، وتتجلى محبة الله تعالى لخلقه، حيث يدعوهم ~~إليه في كل أوقات اليوم والليلة، في الصباح وفي المساء، في العشية ~~والظهيرة. والحق سبحانه حين يطلب من عباده أن يؤمنوا به، إنما لحبه لهم، ~~وحرصه عليهم ليعطيهم، ويفيض عليهم من آلائه، وإلا فهو سبحانه بصفات ~~الكمال والجلال غني عنهم، فإيمان المؤمنين لا يزيد في ملكه سبحانه ~~شيئا، كذلك كفر الكافرين لا ينقص من ملكه سبحانه شيئا. إذن: المسألة ~~أنه سبحانه يريد أن يبر صنعته، ويكرم خلقه وعباده لذلك ms7563 يستدعيهم ~~إلى حضرته، وقربنا هذه المسألة بمثل - ولله تعالى المثل الأعلى -، ~~قلنا: إذا أردت أن تقابل أحد العظماء، أو أصحاب المراكز العليا، فدون ~~هذا اللقاء مشاق لا بد أن تتجشمها. لا بد أن يؤذن لك أولا في ~~اللقاء، ثم يحدد لك الزمان والمكان، بل ومدة اللقاء وموضوعه، وربما ~~الكلمات التي ستقولها، ثم هو الذي ينهي اللقاء، لا أنت. هذا إن أردت ~~لقاء الخلق، فما بالك بلقاء الخالق عز وجل؟ يكفي أنه سبحانه يستدعيك ~~بنفسه إلى حضرته، ويجعل ذلك فرضا وحتما عليك، ويطلبك قبل أن تطلبه، ~~ويذكرك قبل أن تذكره، لا مرة واحدة، إنما خمس مرات في اليوم والليلة، ~~فإذا لبيت طلبه أفاض عليك من رحمته، ومن نعمه، ومن تجلياته، وما بالك ~~بصنعة تعرض على صانعها خمس مرات كل يوم، أيصيبها عطب؟ ثم يترك لك ربك ~~كل تفاصيل هذه المقابلة، فتختار أنت الزمان والمكان والموضوع، فإن أردت ~~أن تطيل أمد المقابلة، فإن ربك لا يمل حتى تمل لذلك فإن أهل المعرفة ~~الذين عرفوا لله تعالى قدره، وعرفوا عطاءه، وعرفوا عاقبة اللجوء إليه ~~سبحانه يقولون: # حسب نفسي عزا بأني عبد # يحتفي بي بلا مواعيد رب # هو في قدسه الأعز ولكن # أنا ألقي كيفما وأين أحب # والعبودية كلمة مكروهة عند البشر لأن العبودية للبشر ذل ومهانة، حيث ~~يأخذ السيد خير عبده، أما العبودية لله فهي قمة العز كله، وفيها يأخذ ~~العبد خير سيده لذلك امتن الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه ~~العبودية في قوله سبحانه: # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1]. وكلمة { فسبحان الله.. } [الروم: 17] هي في ذاتها ~~عبادة وتسبيح لله تعني: أنزه الله عن أن يكون مثله شيء لذلك يقول أهل ~~المعرفة: كل ما يخطر ببالك فالله غير ذلك لأنه سبحانه # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. فالله سبحانه منزه في ذاته، منزه في صفاته، منزه ~~في أفعاله، فإن وجدنا صفة مشتركة بين الخلق والخالق سبحانه نفهمها في ~~إطار # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. وقلنا: إنك لو استقرأت مادة سبح ومشتقاتها في كتاب ms7564 الله ~~تجد في أول الإسراء: # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] وفي أول سورة الحديد: # سبح لله ما في السماوات والأرض.. # [الحديد: 1] ثم # يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض.. # [الجمعة: 1]. فكأن الله تعالى مسبح أزلا قبل أن يخلق من ~~يسبحه، فالتسبيح ثابت لله أولا، وبعد ذلك سبحت له السماوات ~~والأرض، ولم ينقطع تسبيحها، إنما ما زالت مسبحة لله. فإذا كان التسبيح ~~ثابتا لله تعالى قبل أن يخلق من يسبحه، وحين خلق السماوات والأرض ~~سبحت له السماوات والأرض وما زالت، فعليك أنت أيها الإنسان ألا ~~تشذ عن هذه القاعدة، وألا تتخلف عن هذه المنظومة الكونية، وأن تكون ~~أنت كذلك مسبحا لذلك جاء في القرآن: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1]. فاستح أنت أيها الإنسان، فكل شيء في الوجود مسبح # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. لكن أراد بعض العلماء أن يقرب تسبيح الجمادات التي ~~لا يسمع لها صوتا ولا حسا، فقال: إن تسبيحها تسبيح دلالة على الله. ~~ونقول: إن كان تسبيح دلالة كما تقول فقد فهمته، والله يقول # ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. إذن: ففهمك له غير حقيقي، وما دام أن الله أخبر أنها ~~تسبح فهي تسبح على الحقيقة بلغة لا نعرفها نحن، ولم لا والله قد ~~أعطانا أمثلة لأشياء غير ناطقة سبحت؟ ألم يقل عن الجبال أنها ~~تسبح مع داود عليه السلام: # يجبال أوبي معه والطير.. # [سبأ: 10] ألم يثبت للنملة وللهدهد كلاما ومنطقا؟ وقال في عموم ~~الكائنات: # كل قد علم صلاته وتسبيحه.. # [النور: 41]. إذن: فالتسبيح لله تعالى من كل الكائنات، والحق سبحانه ~~يعطينا المثل في ذواتنا: فأنت إذا لم تكن تعرف الإنجليزية مثلا، أتفهم ~~من يتكلم بها؟ وهي لغة لها أصوات وحروف تنطق، وتسمعها بنفس الطريقة ~~التي تتكلم أنت بها. لذلك تأتي كلمة سبحان الله في الأشياء التي يجب أن ~~تنزه الله فيها، واقرأ إن شئت قوله تعالى في الإسراء: # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] كأنه سبحانه يقول لنا: نزهوا الله عن مشابهة البشر، وعن ms7565 ~~قوانين البشر في هذه المسألة، إياك أن تقول: كيف ذهب محمد من مكة إلى ~~بيت المقدس، ثم يصعد إلى السماء، ويعود في ليلة واحدة. فبقانون البشر ~~يصعب عليك فهم هذه المسألة، وهذا ما فعله كفار مكة حيث قالوا: كيف ~~ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا، وتدعي أنك أتيتها في ليلة؟ فقاسوا ~~المسألة والمسافات على قدرتهم هم، فاستبعدوا ذلك وكذبوه. ولو تأملوا ~~الآية # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] وهم أهل اللغة لعرفوا أن الإسراء لم يكن بقوة محمد، فلم ~~يقل أسريت، ولكن قال: # " أسري بي " # ، فلا دخل له في هذه المسألة وقانونه فيها ملغى، إنما أسرى بقانون ~~من أسرى به. إذن: عليك أن تنزه الله عن قوانينك في الزمان وفي ~~المسافة، وإن أردت أن تقرب هذه المسألة للعقل، فالمسافة تحتاج إلى زمن ~~يتناسب مع الوسيلة التي ستقطع بها المسافة، فالذي يسير غير الذي يركب ~~دابة، غير الذي يركب سيارة أو طائرة أو صاروخا وهكذا. # فإذا كان في قوانين البشر: إذا زادت القوة قل الزمن، فكيف لو نسبت ~~القوة إلى الله عز وجل؟ عندها نقول: لا زمن فإن قلت: إن ألغينا الزمن ~~مع قوة الله وقدرته تعالى، فلماذا ذكر الزمن هنا وقدر بليلة؟ قالوا: ~~لأن الرحلة لم تقتصر على الذهاب والعودة، إنما تعرض فيها النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمراء كثيرة، وقابل هناك بعض الأنبياء، وتحدث معهم، ~~فهذه الأحداث لرسول الله هي التي استغرقت الزمن، أما الرحلة فلم تستغرق ~~وقتا. كذلك جاءت كلمة سبحان في قوله تعالى: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36] لماذا؟ لأن مسألة الخلق من المسائل التي يقف عندها العقل، ~~وينبغي أن ننزه الله عن أن يشاركه فيها أحد. ولما نزلت هذه الآية ~~كان الناس يعرفون الزوجية في النبات لأنهم كانوا يلقحون النخل، ~~ويعرفونها في الإنسان لأنهم يتزوجون وينجبون، وكذلك يعرفونها في الحيوان، ~~هذه حدود العقل في مسألة الزوجية. لكن الآية لم تقتصر على ذلك، إنما قال ~~سبحانه # ومما لا يعلمون ms7566 # [يس: 36] لأن المستقبل سيكشف لهم عن أشياء أخرى تقوم على نظرية الزوجية، ~~وقد عرفنا نحن هذه النظرية في الكهرباء مثلا حيث السالب و الموجب، وفي ~~الذرات حيث الإلكترونات، و البروتونات.. إلخ. إذن: ساعة تسمع كلمة ~~التسبيح فاعلم أنك ستستقبل حدثا فريدا، ليس كأحداث البشر، ولا يخضع ~~لقوانينهم. ثم يقول سبحانه: { وله الحمد في السماوات... }. ### || [30.18] # نلحظ أن قوله تعالى { وله الحمد في السماوات والأرض.. ~~} [الروم: 18] فصلت بين الأزمنة المذكورة، فجعلت # تمسون وحين تصبحون # [الروم: 17] في ناحية، و { وعشيا وحين تظهرون } [الروم: ~~18] في ناحية، مع أنها جميعا أوقات وأزمنة في اليوم والليلة، لماذا؟ ~~قالوا: لأنه سبحانه يريد أن يشعرنا أن له الحمد، ويجب أن تحمده على ~~أنه منزه عن المثيل لأنها في مصلحتك أنت، وأنت الجاني لثمار هذا ~~التنزيه، فإن أرادك بخير فلا مثيل له سبحانه يمنعه عنك، وله وحده ~~الكبرياء الذي يحميك أن يتكبر أحد عليك، وله وحده تخضع وتسجد، لا تسجد ~~لغيره، فسجودك لوجه ربك يكفيك كل الأوجه، كما قال الشاعر: # فالسجود الذي تجتويه فيه # من ألوف السجود نجاة # إذن: من مصلحتك أن يكون الله تعالى هو الواحد الذي لا مثيل له، والقوي ~~الذي لا يوجد أقوى منه، والمتكبر بحق لأن كبرياءه يحمي الضعيف أن ~~يتكبر عليه القوي، يجب أن تحمد الله الذي تعبدنا بالسجود له وحده، ~~وبالخضوع له وحده لأنه أنجاك بالسجود له أن تسجد لكل قوي عنك، وهذا من ~~عظمته تعالى ورحمته بخلقه لذلك تستوجب الحمد. لذلك نقول في العامية ~~اللي ملوش كبير يشتري له كبير لماذا؟ لأنه لا يعيش عزيزا مكرما إلا ~~إذا كان له كبير يحميه، ويدافع عنه، كذلك أنت لا تكون عزيزا إلا في ~~عبوديتك لله. والخلق جميعا بالنسبة لله تعالى سواء، فليس له سبحانه من ~~عباده ولد ولا قريب، فلا مؤثرات تؤثر عليه، فيحابي أحدا على أحد، فنحن ~~جميعا شركة في الله لذلك يقول سبحانه # ما اتخذ صاحبة ولا ولدا # [الجن: 3] أي: لا شيء يؤثر عليه سبحانه. وقال بعد التسبيح { وله ~~الحمد.. } [الروم: ms7567 18] لأن التسبيح ينبغي أن يتبع بالحمد فتقول: ~~سبحان الله والحمد لله، أي: الحمد لله على أنني سبحت مسبحا. وحين ~~نتأمل هذه الأوقات التي أمرنا الله فيها بالتسبيح، وهي المساء والصباح ~~والعشي، وهي من العصر إلى المغرب، ثم الظهيرة نجد أنها أوقات عامة سارية ~~في كون الله لا تنقطع أبدا، فأي صباح وأي مساء؟ صباحي أنا؟ أم صباح ~~الآخرين؟ مسائي أم مساء غيري في أقصى أطراف المعمورة؟ إن المتأمل في دورة ~~الوقت يجد أن كل لحظة فيه لا تخلو من صباح ومساء، وعشية وظهيرة، وهذا ~~يعني أن الله تعالى مسبح معبود في كل لحظة من لحظات الزمن. وفي ضوء ~~هذا نفهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ~~ليتوب مسيء الليل " # فالكون لا يخلو في لحظة واحدة من ليل أو نهار، وهذا يعني أن يد الله ~~سبحانه مبسوطة دائما لا تقبض: # بل يداه مبسوطتان.. # [المائدة: 64]. ثم يقول الحق سبحانه: { يخرج الحي من ~~الميت... }. ### || [30.19] # أولا: ما مناسبة الحديث عن البعث، وإخراج الحي من الميت، وإخراج ~~الميت من الحي بعد الحديث عن تسبيح الله وتحميده؟ قالوا: لأنه تكلم ~~عن المساء والصباح، وفيهما شبه بالحياة والموت، ففي المساء يحل الظلام، ~~ويسكن الخلق وينامون، فهو وقت للهدوء والاستقرار، والنوم الذي هو صورة ~~من صور الموت لذلك نسميه الموت الأصغر، وفي الصباح وقت الحركة والعمل ~~والسعي على المعاش، ففيه إذن حياة، كما يقول سبحانه: # وجعلنا اليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا # [النبأ: 10-11]. ويمثل الموت والبعث بالنوم والاستيقاظ منه، كما جاء ~~في بعض المواعظ: " لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون ". وما ~~دمنا قد شاهدنا الحالين، وعاينا النوم واليقظة، فلنأخذ منهما دليلا ~~على البعث بعد الموت، وإن أخبرنا القرآن بذلك، فعلينا أن نصدق، وأن ~~نأخذ من المشاهد دليلا على الغيب، وهذا ما جاءت به الآية: { يخرج ~~الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.. } ~~[الروم: 19]. وقوله تعالى هنا الحي والميت أي: في نظرنا نحن وعلى حد ~~علمنا وفهمنا ms7568 للأمور، وإلا فكل شيء في الوجود له حياة تناسبه، ولا ~~يوجد موت حقيقي إلا في الآخرة التي قال الله فيها: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88]. فضد الحياة الهلاك بدليل قوله تعالى: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة.. # [الأنفال: 42]. وما دام كل شيء هالكا إلا وجهه تعالى، فكل شيء ~~بالتالي حي، لكنه حي بحياة تناسبه. وأذكر أنهم كانوا يعلموننا ~~كيفية عمل المغناطيس وانتقال المغناطيسية من قطعة ممغنطة إلى قطعة أخرى ~~بالدلك في اتجاه واحد، وفعلا شاهدنا أن قطعة الحديد تكتسب ~~المغناطيسية. وتستطيع أن تجذب إليها قطعة أخرى، أليس هذا مظهرا من ~~مظاهر الحياة؟ أليست هذه حركة في الجماد الذي نراه نحن جمادا لا حياة ~~فيه، وهو يؤثر ويتأثر بغيره، وفيه ذرات تتحرك بنظام ثابت ولها قانون. ~~إذن: نقول لكل شيء موجود حياته الخاصة به، وإن كنا لا ندركها لأننا ~~نفهم أن الحياة في الأحياء فحسب، إنما هي في كل شيء وكونك لا تفقه حياة ~~هذه الأشياء، فهذه مسألة أخرى. لذلك سيدنا سليمان - عليه السلام - لما ~~سمع كلام النملة، وكيف أنها تفهم وتقف ديدبانا لقبيلتها، وتفهم حركة ~~الجيش وعاقبة الوقوف في طريقه، فتحذر جماعتها ادخلوا مساكنكم، وكيف كانت ~~واعية، وعادلة في قولها. # لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون # [النمل: 18] فهي تعلم أن الجيش لو حطم النمل، فهذا عن غير مقصد منهم، ~~وعندها أحس سليمان بنعمة الله عليه بأن يعلم ما لا يعلمه غيره من ~~الناس، فقال: { رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي وعلى والدي. # . } [النمل: 19]. فمعنى { يخرج الحي من الميت.. } ~~[الروم: 19] أي: في عرفنا نحن، وعلى قدر فهمنا للحياة وللموت، ~~والبعض يقول: يعني يخرج البيضة من الدجاجة، ويخرج الدجاجة من البيضة، ~~وهذا الكلام لا يستقيم مع منطق العقل، وهل كل بيضة بالضرورة تخرج دجاجة؟ ~~لا بل لا بد أن تكون بيضة مخصبة. إذن: لا تقل البيضة والدجاجة، ~~ولكن قل يخرج الحي من الميت من كل شيء موجود. ثم يقول سبحانه: { ~~ويخرج الميت من الحي.. ms7569 } [الروم: 19] وفي موضع آخر يقول ~~تعالى: # يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من ~~الحي.. # [الأنعام: 95] فأتى باسم الفاعل مخرج بدلا من الفعل المضارع. لذلك ~~وقف عندها المشككون في أسلوب القرآن، يقولون: إن كانت إحداهما بليغة، ~~فالأخرى غير بليغة، وهذا منهم نتيجة طبيعية لعدم فهمهم للغة القرآن، ~~وليست لديهم الملكة العربية التي تستقبل كلام الله. وهنا نقول: إن الذي ~~يتكلم رب يعطي لكل لفظة وزنها، ويضع كل كلمة في موضعها الذي لا ~~تؤديه كلمة أخرى. فقوله تعالى { يخرج الحي من الميت.. ~~} [الروم: 19] هذه في مصلحة من؟ في مصلحتنا نحن لأن الإنسان بطبعه ~~يحب الحياة، وربما استعلى بها، واغتر بهذا الاستعلاء، كما قال ربنا: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. لذلك يذكره ربه تعالى بالمقابل: فأنا كما أخرج الحي ~~من الميت أخرج الميت من الحي فانتبه، وإياك أن تتعالى أو تتكبر، ~~وافهم أن الحياة موهوبة لك من ربك يمكن أن يسلبها منك في أي لحظة. ~~وعبر عن هذا المعنى مرة بالفعل المضارع يخرج الدال على الاستمرار ~~والتجدد، ومرة باسم الفاعل مخرج الدال على ثبوت الصفة وملازمتها ~~للموصوف، لا مجرد حدث عارض. لذلك تأمل قول الله تعالى: # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا.. # [الملك: 1-2] وفي نظرنا أن الحياة تسبق الموت، لكن الحق سبحانه يريد أن ~~يقتل في الإنسان صفة الاغترار بالحياة، فجعله يستقبل الحياة بما يناقضها، ~~فقال # الذي خلق الموت والحياة.. # [الملك: 2]. فقدم الموت على الحياة، فقبل أن تفكر في الحياة تذكر ~~الموت حتى لا تغتر بها ولا تطغى. ويتجلى هذا المعنى أيضا في سورة ~~الواقعة: # أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن ~~بمسبوقين # [الواقعة: 58-60]. يعني: خذوا بالكم، وافهموا أنني واهب الحياة، وأستطيع ~~أن أسلبها فلا تغتر بها ولا تتفرعن، وكأن الحق سبحانه يريد أن ~~يدك في الإنسان صفة الكبرياء والتعالي، فيحدث هذه المقابلة دائما ~~بين ذكر الحياة في آيات ms7570 القرآن الكريم. ثم ألا ترى أن الخالق سبحانه ~~لم يجعل للموت سببا من أسباب العمر والسنين، فواحد يموت قبل أن يولد، ~~وواحد يموت بعد يوم أو بعد شهر، وآخر يموت بعد عدة أعوام، وآخر بعد مائة ~~عام. # إذن: مسألة لا ضابط لها إلا أقدار الله وأجله الذي أجله سبحانه، وفي ~~هذا إشارة للإنسان: احذر فقد تسلب منك الحياة التي تنشأ منها غرورك في ~~أي لحظة، ودون أن تدري ودون سابق إنذار أو مقدمات، فاستقم إذن على ~~منهج ربك، ولا تجترىء على المعصية لأنك قد تموت قبل أن تتدارك نفسك ~~بالتوبة. لذلك يقولون: إن الحق سبحانه حين أبهم وقت الموت بينه ~~بالإبهام غاية البيان، كيف؟ قالوا: لأنه سبحانه لو حدد لك موعد الموت ~~لكنت تستعد له قبل أوانه، إنما حين أبهمه جعلك تستعد له كل لحظة من ~~لحظات حياتك. ثم يقول سبحانه: { ويحي الأرض بعد موتها.. } ~~[الروم: 19] وفي موضع آخر: # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج # [الحج: 5]. فالأرض كانت ميتة هامدة جامدة جرداء، لا أثر فيها لحياة، ~~فلما نزل عليها الماء وسقاها المطر تحركت وأنبتت من كل زوج بهيج، فهي ~~نموذج حي مشاهد للخلق وللحياة. وفي آية أخرى: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فتصبح ~~الأرض مخضرة.. # [الحج: 63] فهل اخضرت الأرض ساعة نزل عليها المطر؟ لا، إنما بعد ~~فترة، كأنه سبحانه يقول لك: لاحظ الحدث ساعة يوجد، واستحضر صورته، فبعد ~~نزول الماء ترى الأرض تخضر تدريجيا، وإن لم تبذر فيها شيئا، ففيها ~~بذور شتى حملتها الرياح، ثم استقرت في التربة ولو لسنوات طوال تظل ~~صالحة للإنبات تنتظر الماء لتؤدي مهمتها. والذي عاش في الصحراء يشاهد هذه ~~الظاهرة، وقد رأيناها في عرفة بعد أن نزل عليها المطر، وعدنا بعد عدة ~~أيام، فإذا الأرض تكتسي باللون الأخضر. لذلك إياك أن تظن أن كل زرع زرعه ~~الإنسان، وإلا فمن أين جاءت أول بذرة زرعها الإنسان. إذن: هناك زراعات ~~لا دخل للإنسان بها. ولنقرأ قصة ms7571 مريم عليها السلام: # يمريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على ~~نسآء العالمين # [آل عمران: 42] فالاصطفاء الأول لم يقل على من. فالمعنى: اصطفاك ~~على الخلق جميعا، بأن طهرك وجعلك صالحة تقية قوامة.. إلخ. أما ~~الاصطفاء الآخر فليس على الخلق جميعا، إنما على النساء لأنها تفردت ~~عن نساء العالمين بأن تلد بغير ذكورة. والشاهد الذي نريده هنا أن يوسف ~~النجار لما لاحظ على مريم علامات الحمل وهو يعلم من هي مريم، وأنها لم ~~تفارق المحراب طوال عمرها، فلم يرد على ذهنه المعنى الثاني، ويريد أن ~~يستفهم عما يراه، فسألها بأدب: يا مريم، أتوجد شجرة بدون بذرة؟ فقالت ~~وقد لقنها الحق سبحانه: نعم، الشجرة التي أنبتت أول بذرة. إذن: الحق ~~سبحانه يمتن علينا بالشيء، ثم يذكرنا بقدرته تعالى على سلبه، وعلى ~~نقيضه حتى لا نغتر به، ليس في مسألة الموت والحياة فحسب، إنما في الزرع ~~وفي الماء وفي النار، واقرأ قوله تعالى: # أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن ~~بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ~~ما لا تعلمون * ولقد علمتم النشأة الأولى ~~فلولا تذكرون * أفرأيتم ما تحرثون * أأنتم ~~تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشآء لجعلناه ~~حطاما فظلتم تفكهون * إنا لمغرمون * بل نحن ~~محرومون * أفرأيتم المآء الذي تشربون * أأنتم ~~أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء ~~جعلناه أجاجا فلولا تشكرون * أفرأيتم النار ~~التي تورون * أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن ~~المنشئون # [الواقعة: 58-72]. ونلحظ في الأداء القرآني في هذه الآيات الدقة في ~~استخدام لام التوكيد في # لجعلناه حطاما.. # [الواقعة: 65] في الحديث عن الزرع لأن للإنسان دورا فيه، حيث يحرث ~~ويغرس ويسقي، وربما ظن لنفسه قدرة عليه. لكن لما تحدث عن الماء ذكر ~~في نقضه # لو نشآء جعلناه أجاجا.. # [الواقعة: 70] بدون توكيد، لماذا؟ لأن الماء لا دخل لأحد فيه، ولا ~~يدعيه أحد، فلا أنت بخرت الماء، ولا أنت أنزلت المطر، لذلك قال: # جعلناه.. # [الواقعة: 70] بدون توكيد. أما عند ذكر النار كنعمة من نعم الله لم ~~يذكر ما ms7572 ينقضها، فقال: # أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون # [الواقعة: 72] ولم يقل مثلا: لو نشاء لأطفأناها، ترى لماذا؟ قالوا: ~~لتظل النار ماثلة أمامنا على حال اشتعالها لا تخمد أبدا، وكأن الحق - ~~سبحانه وتعالى - يلوح بها لكل عاص عله يعود إلى الجادة. ثم يقول ~~سبحانه: { وكذلك تخرجون } [الروم: 19] كذلك: إشارة إلى ما سبق ~~ذكره من إحياء الأرض بعد موتها، كمثل ذلك تخرجون وتبعثون، فمن ~~أنكر البعث فلينظر عملية إحياء الأرض الجامدة بالنبات بعد نزول المطر ~~عليها. ### || [30.20] # الكلام هنا عن بدء الخلق، قال تعالى { ومن آياته أن ~~خلقكم.. } [الروم: 20] بصيغة الجمع، والمراد آدم ثم حواء، ثم بث ~~الله منهما رجالا كثيرا ونساء، فالعالم اليوم الذي يعد بالمليارات ~~حين تعود به إلى الماضي لا بد أن تعود إلى اثنين هما آدم وحواء، فلما ~~التقيا نشأ منهما النسل، لكن هل نشأ النسل من أبعاض ميتة خرجت من آدم، ~~أم من أبعاض حية هي الحيوانات المنوية؟ لو أن الحيوان المنوي كان ~~ميتا لما حدث الإنجاب. إذن: جاء أولاد آدم من ميكروب أبيهم آدم، ~~وانتشروا في الأرض وأنجبوا، وكل منهم يحمل ذرة من أبيه الأول آدم عليه ~~السلام. وبالتالي فكل منا فيه ذرة حية من عهد آدم، وحتى الآن لم ~~يطرأ عليها فناء أبدا، وهذا هو عالم الذر الذي شهد خلق الله ~~لآدم، إنها أبعاضنا التي شهدت هذا العهد الأول بين الخلق والخالق ~~سبحانه: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين # [الأعراف: 172]. إذن: في كل منا الآن وحتى قيام الساعة ذرة حية من ~~أبيه آدم، هذه الذرة الحية هي التي شهدت هذا العهد، وهي التي تمثل ~~الفطرة الإيمانية في كل نفس بشرية، لكن هذه الفطرة قد تطمس أو تغلف ~~بالغفلة والمعاصي.. إلخ. والحق - سبحانه وتعالى - أخبرنا أنه يخلق ~~الأشياء ويوجدها بكن # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82] إلا الإنسان، فقد بلغ من ms7573 تكريمه أن سواه ربه بيده، وجعله ~~خليفة له في الأرض، وتجلى عليه بصفات من صفاته، فأعطاه من قدرته ~~قدرة، ومن علمه علما، ومن حكمته حكمة، ومن غناه غنى. وربنا ~~سبحانه حينما يخلقنا هذا الخلق يريد منا أن نستعمل هذه الصفات التي ~~وهبها لنا، كما يستعملها هو سبحانه، فالله تعالى بقدرته خلق لنا ما ~~ينفعنا، فعليك أنت بما وهبك الله من القدرة أن تعمل ما ينفع، والله ~~بحكمته رتب الأشياء، فعليك بما لديك من حكمة أن ترتب الأشياء.. ~~وهكذا. ونشير إلى أن القدرة تختلف، فقدرة تفعل لك، وقدرة عليا تجعلك ~~تفعل بنفسك، هب أنك قابلت رجلا ضعيفا لا يقوى على حمل متاعه ~~مثلا، فتحمله أنت له، فأنت إذن عديت إليه أثر قوتك، إنما ظل هو ~~ضعيفا. أما الحق - تبارك وتعالى - فلا يعدي أثر قوته إلى عبده فحسب، ~~إنما يعدي له القدرة ذاتها، فيقوي الضعيف فيحمل متاعه بنفسه. إذن: ~~أعظم تكريم للإنسان أن يقول الخالق سبحانه: إنني خلقته بيدي في قوله ~~سبحانه لإبليس: # قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي.. # [ص: 75]. ثم لك أيها الإنسان بعد هذا التكريم أن تكون كريما على نفسك ~~كما كرمك الله، ولك أن تنزل بها إلى الحضيض، فنفسك حيث تجعلها أنت. ~~يقول تعالى: # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم ~~رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات.. # [التين: 4-5] فانظر لنفسك منزلة من المنزلتين. وكلمة { من تراب.. } ~~[الروم: 20] أي: الأصل الذي خلق منه آدم، والتراب مع الماء يصير طينا، ~~فإن تعطن وتغيرت رائحته فهو حمأ مسنون، فإن جف فهو صلصال ~~كالفخار، إذن: هذه هي العناصر التي وردت ومراحل خلق الإنسان، وكلها ~~مسميات للتراب، وحالات طرأت عليه. فإن جاء من يقول في مسألة ~~الخلق بغير هذا فلا نصدقه لأن الذي خلق الإنسان أخبرنا كيف خلقه، أما ~~هؤلاء فلم يشهدوا من خلق الإنسان شيئا، وهم في نظر الدين مضللون، يجب ~~الحذر من أفكارهم لأن الله تعالى يقول في شأنهم: # وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. والله ms7574 لو لم يخض العلماء في مسألة الخلق خلق الإنسان ~~وخلق الشمس والقمر والأرض... الخ. لو لم نسمع بنظرية داروين أكانت تصدق ~~هذه الآية؟ وإلا لقالوا: أين المضللون الذين تكلم القرآن عنهم؟ فهم إذن ~~قالوا وطلعوا علينا بنظرياتهم، يريدون أن يكذبوا دين الله، وأن ~~يشككوا فيه، وإذا بهم يقومون جميعا دليلا على صدقه من حيث لا ~~يشعرون. وعلى شاكلة هؤلاء الذين نسمعهم الآن ينكرون أحاديث النبي صلى ~~الله عليه وسلم ويشككون في صحتها، هذه في الحقيقة ظاهرة طبيعية جاءت ~~لتثبت صدق رسول الله لأنه صلى الله عليه وسلم لم يغفل هذه المسألة، إنما ~~أخبر عنها ونبهنا إليها، وأعطانا المناعة اللازمة - الثلاثي الذي نسمع ~~عنه من رجال الصحة. يقول صلى الله عليه وسلم: # " يوشك رجل من أمتي يتكىء على أريكته يحدث بالحديث عني فيقول: بيننا ~~وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام ~~حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله ". # لماذا؟ لأن الله تعالى أعطاه تفويضا في أن يشرع لأمته، فقال تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7] فللرسول إيتاء، وللرسول أمر ونهي يجب أن يطاع بطاعتنا لله. ~~وتعال لمن ينكر السنة ويقول: علينا بالقرآن - عندما يصلي المغرب مثلا ~~واسأله: كم ركعة صليت المغرب؟ سيقول: ثلاث ركعات، فمن أين علم أن المغرب ~~ثلاث ركعات؟ أمن القرآن الذي يتعصب له، أم من السنة التي ينكرها. إذن: ~~كيف يتعبد على قول رسول الله ثم ينكره؟ إذن: فالحق - سبحانه وتعالى - ~~بين مراحل خلق الإنسان من تراب، صار طينا، ثم صار حمأ مسنونا، ثم ~~صلصالا كالفخار، ثم نفخ فيه الله من روحه، ونحن لم نشاهد هذه المسألة، ~~إنما أخبرنا بها، ومن رحمته تعالى بخلقه، ولكي لا تحار عقولهم حينما ~~تبحث هذه العملية يعطينا في الكون المشاهد لنا شواهد توضح لنا الغيب ~~الذي لم نشاهده. # ففي أعرافنا أن هدم الشيء أو نقض البناء يأتي على عكس البناء، فما ~~بني أولا يهدم آخرا، وما بني ms7575 آخرا يهدم أولا، وأنت لم تشاهد ~~عملية الخلق، لكن شاهدت عملية الموت، والموت نقض للحياة. ولك أن ~~تتأمل الإنسان حينما يموت، فأول نقض لبنيته أن تخرج منه الروح، وكانت ~~آخر شيء في بنائه، ثم يتصلب الجسد ويتجمد، كما كان في مرحلة الصلصالية، ~~ثم يتعفن وتتغير رائحته، كما كان في مرحلة الحمأ المسنون، ثم تمتص ~~الأرض ما فيه من مائية ليصير إلى التراب كما بدأه خالقه من تراب، إذن: ~~صدق الله تعالى في المشهد حين بين لنا الموت، فصدقنا ما قاله في ~~الحياة. وكما أن التراب والطين هما أصل الإنسان فهما أيضا مصدر الخصب ~~والنماء، ومخازن للقوت وهما مقوم من مقومات حياتنا: لذلك لما تكلم ~~القرآن عن التراب قال سبحانه: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها.. # [فصلت: 9-10] يعني: في الجبال لأنها أقرب مذكور أو في الأرض عموما لأن ~~الرواسي في الأرض # وقدر فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 10]. فالقوت يأتينا من طينة الأرض، ومن التراب الذي يتفتت من ~~الجبال مكونا الطمي أو الغرين الذي يحمله إلينا ماء المطر، فالأرض ~~هي أمنا الحقيقية، منها خلقنا، ومنها مقومات حياتنا. وعجيب أن نرى ~~من العلماء غير المؤمنين من يثبت صدق القرآن في مسألة خلق الإنسان ~~من طين حين حللوا عناصر الأرض فوجدوها ستة عشر عنصرا هي نفسها التي ~~وجدوها في جسم الإنسان، وكأن الحق سبحانه يجند من يثبت صدق آياته ~~ولو من الكفار. وصدق الله العظيم حين قال: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. وفي القرآن آيات تدل على معادلات لو بحثها الكمبيوتر الآن ~~لا بد أن نؤمن بأن هذا الكلام من عند الله وأنه صدق. تأمل ظاهرة ~~اللغة، وكيف نتكلم ونتفاهم، فأنت إذا لم تتعلم الإنجليزية مثلا لا ~~تفهمها وكذلك هو لا يفهم العربية. لماذا؟ لأ ن اللغة وليدة المحاكاة، فما ~~تسمعه الأذن يحكيه اللسان، وهي ظاهرة اجتماعية، فلو عاش الإنسان وحده لما ~~احتاج ms7576 للغة لأنه سيفعل ما يطرأ على باله وفقط. أما حين يعيش في جماعة ~~فلا بد له أن يتفاهم معهم، يأخذ منهم ويأخذون منه، يسمع منهم ويسمعون ~~منه، حتى الأخرس لا بد له من لغة يتفاهم بها مع من حوله، ويستخدم ~~فعلا لغة الإشارة، وقد أقدره الله على فهمها. # والله سبحانه يبقي للإنسان المتكلم دلالات الإشارة في النفس الناطقة، ~~فمثلا لو اضطررت للكلام وفي فمك طعام، فإنك تشير لولدك أو لخادمك مثلا ~~ويفهم عنك ويفعل ما تريد. إذن: فينا نحن الأسوياء بقايا خرس نستعمله، ~~حينما لا يسعفنا النطق إذن: التفاهم أمر ضروري، واللغة وليدة المحاكاة ~~لذلك نقول للولد الصغير: لا تخرج إلى الشارع، لماذا؟ حتى لا تسمع أذنه ~~كلاما قبيحا فيحكيه هو. إذن: كيف تعلمت اللغة؟ تعلمتها من أبي ومن ~~المحيط بي، وتعلمها أبي من أبيه، ومن المحيطين به، وهكذا. ولك أن تسلسل ~~هذه المسألة كما سلسلنا التكاثر في الإنسان، وسوف نعود بالتالي إلى أبينا ~~آدم عليه السلام، وعندها نقول: ومن علم آدم اللغة؟ يرد علينا ~~القرآن: # وعلم ءادم الأسمآء كلها.. # [البقرة: 31] هذا كلام منطقي استقرائي يدل دلالة قاطعة على صدق آيات ~~القرآن. وقوله سبحانه: { ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون } ~~[الروم: 20] ثم: أي بعد أن خلقنا الله من تراب تكاثر الخلق وتزايدوا ~~بسرعة لأن السياق استعمل هنا إذا الفجائية الدالة على الفجأة، والتي ~~يمثلون لها بقولهم: خرجت فإذا أسد بالباب، يعني: فاجأني، فالمعنى ~~أنكم تتزايدون وتنتشرون في الأرض بسرعة، ثم يقول الحق سبحانه: { ومن ~~آياته أن خلق لكم من أنفسكم... }. ### || [30.21] # قلنا: إن الآية هي الشيء العجيب الذي يقف عنده العقل مندهشا دهشة ~~تورث إعجابا، وإعجابا يورث يقينا بحكمة الخالق. من هذه الآيات ~~العجيبة الباهرة { أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا.. } ~~[الروم: 21] يعني: من جنسكم ونوعكم. فلم يشأ سبحانه أن يحدث التكاثر ~~مثلا بين إنسان وبقرة، لا إنما إنسان مع إنسان، يختلف معه فقط في النوع، ~~هذا ذكر وهذه أنثى، والاختلاف في النوع اختلاف تكامل، لا اختلاف تعاند ~~وتصادم، فالمرأة للرقة ms7577 والليونة والحنان، والرجل للقوة والخشونة، فهي ~~تفرح بقوته ورجولته، وهو يفرح بنعومتها وأنوثتها، فيحدث التكامل الذي ~~أراده الله وقصده للتكاثر في بني الإنسان. وعجيب أن يرى البعض أن ~~الذكورة نقيض الأنوثة، ويثيرون بينهما الخلاف المفتعل الذي لا معنى له، ~~فالذكورة والأنوثة ضرورتان متكاملتان كتكامل الليل والنهار، وهما آيتان ~~يستقبلهما الناس جميعا، هل نجري مقارنة بين الليل والنهار.. أيهما ~~أفضل؟ لذلك تأمل دقة الأداء القرآني حينما جمع بين الليل والنهار، وبين ~~الذكر والأنثى، وتدبر هذا المعنى الدقيق: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما ~~خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى # [الليل: 1-4] أي: مختلف، فلكل منكما مهمته، كما أن الليل للراحة، ~~والسكون والنهار للسعي والعمل، وبتكامل سعيكما ينشأ التكامل الأعلى. ~~فلا داعي إذن لأن أطلب المساواة بالمرأة، ولا أن تطلب المرأة المساواة ~~بالرجل، لقد صدعت رءوسنا من هؤلاء المنادين بهذه المساواة المزعومة، ~~والتي لا معنى لها بعد قوله تعالى # إن سعيكم لشتى # [الليل: 4]. وعجيب أن نسمع من يقول - من الرجال - ينبغي للمرأة أن تحتل ~~مكان الرجل، وأن تؤدي ما يؤديه، ونقول: لا تستطيع أن تحمل المرأة ~~مهمة الرجل إلا إذا حملت الرجل مهمة المرأة، فيحمل كما تحمل، ويلد ~~كما تلد، ويرضع كما ترضع، فدعونا من شعارات البلطجية الذين يهرفون ~~بما لا يعرفون. ومثل هذا قوله تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم.. # [التوبة: 128] أي: من جنسكم وبشريتكم، فهو نفس لها كل طاقات البشر، ~~ليكون لكم أسوة، ولو جاء الرسول ملكا لما تحققت فيه الأسوة، ~~ولقلتم هذا ملك، ونحن لا نقدر على ما يقدر هو عليه. أو # من أنفسكم.. # [التوبة: 128] يعني: من العرب ومن قريش. والبعض يرى أن # من أنفسكم.. # [التوبة: 128] يعني: خلق حواء من ضلع آدم، فهي من أنفسنا يعني: قطعة ~~منا، لكن الكلام هنا # من أنفسكم.. # [التوبة: 128] مخاطب به الذكر والأنثى معا، كما أن الأزواج تطلق ~~عليهما أيضا، على الرجل وعلى المرأة، والبعض يفهم أن الزوج يعني اثنين، ~~لكن الزوج مفرد معه مثله لذلك يقول تعالى: # ومن كل الثمرات جعل فيها ms7578 زوجين اثنين.. # [الرعد: 3]. وفي الماضي كنا نعتقد أن نوع الجنين إنما يتحدد من ماء ~~الرجل وماء المرأة، لكن القرآن يقول غير ذلك: # ألم يك نطفة من مني يمنى # [القيامة: 37] فماء المرأة لا دخل له في نوع الجنين، ذكرا كان أم ~~أنثى، الذكورة والأنوثة يحددها ماء الرجل. وهذا ما أثبته العلم الحديث، ~~وعلى هذا نقول { خلق لكم من أنفسكم أزواجا.. } [الروم: ~~21] يعني: من ذكور الأزواج، خلق منك ميكروبا هو الإكس أو الإكس واي كما ~~اصطلح عليه العلم الحديث، وهو يعني الذكورة والأنوثة. وسبق أن ذكرنا في ~~هذه المسألة قصة أبي حمزة الرجل العربي الذي تزوج على امرأته لأنها لا ~~تنجب البنين، وهجرها لهذا السبب فقالت بما لديها من سليقة عربية، ~~وقولها دليل على علم العرب قديما بهذه الحقيقة التي أثبتها العلم ~~مؤخرا، قالت: # ما لأبي حمزة لا يأتينا # غضبان ألا نلد البنينا # تالله ما ذلك في أيدينا # ونحن كالأرض لزارعينا # نعطي لهم مثل الذي أعطينا # والحق سبحانه بهذا يريد أن يقول: إنني أريد خليفة متكاثرا ليعمر هذه ~~الأرض الواسعة، فإذا رأيت مكانا قد ضاق بأهله فاعلم أن هناك مكانا آخر ~~خاليا، فالمسألة سوء توزيع لخلق الله على أرض الله. لذلك يقولون: إن ~~سبب الأزمات أن يوجد رجال بلا أرض، وأرض بلا رجال، وضربنا مثلا لذلك ~~بأرض السودان الخصبة التي لا تجد من يزرعها، ولو زرعت لكفت العالم ~~العربي كله، في حين نعيش نحن في الوادي والدلتا حتى ضاقت بنا، فإن فكرت ~~في الهجرة إلى هذه الأماكن الخالية واجهتك مشاكل الحدود التي قيدوا ~~الناس بها، وما أنزل الله بها من سلطان. لذلك لما أتيح لنا الحديث في ~~الأمم المتحدة قلت لهم: آية واحدة في كتاب الله لو عملتم بها لحلت ~~لكم المشاكل الاقتصادية في العالم كله، يقول تعالى: # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10] فالأرض كل الأرض للأنام، كل الأنام على الإطلاق. واقرأ ~~قوله تعالى في هذه المسألة: # ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها... # [النساء: 97] إذن: لا تعارض منهج الله وقدره في أحكامه، ms7579 ثم تشكو الفساد ~~والضيق والأزمات، إنك لو استقرأت ظواهر الكون لما وجدت فسادا أبدا ~~إلا فيما تتناوله يد الإنسان على غير القانون والمنهج الذي وضعه خالق هذا ~~الكون سبحانه، أما ما لا تتناوله يد الإنسان فتراه منضبطا لا يختل ولا ~~يتخلف. إذن: المشاكل والأزمات إنما تنشأ حينما نسير في كون الله على غير ~~هدى الله وبغير منهجه لذلك تسمع من يقول: العيشة ضنك، فلا يقفز إلى ~~ذهنك عند سماع هذه الكلمة إلا مشكلة الفقر، لكن الضنك أوسع من ذلك بكثير، ~~فقد يوجد الغنى والترف ورغد العيش، وترى الناس مع ذلك في ضنك شديد. ~~فانظر مثلا إلى السويد، وهي من أغنى دول العالم، ومع ذلك يكثر بها ~~الجنون والشذوذ والعقد النفسية، ويكثر بها الانتحار نتيجة الضيق الذي ~~يعانونه، مع أنهم أغنى وأعلى في مستوى دخل الفرد. # فالمسألة - إذن - ليست حالة اقتصادية، إنما مسألة منهج لله تعالى غير ~~مطبق وغير معمول به، وصدق الله: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى # [طه: 124]. لذلك لو عشنا بمنهج الله لوجدنا لذة العيش ولو مع الفقر. ~~وقوله تعالى: { لتسكنوا إليها.. } [الروم: 21] هذه هي العلة ~~الأصيلة في الزواج، أي: يسكن الزوجان أحدهما للآخر، والسكن لا يكون إلا ~~عن حركة، كذلك فالرجل طوال يومه في حركة العمل والسعي على المعاش يكدح ~~ويتعب، فيريد آخر النهار أن يسكن إلى من يريحه ويواسيه، فلا يجد غير ~~زوجته عندها السكن والحنان والعطف والرقة، وفي هذا السكن يرتاح ~~ويستعيد نشاطه للعمل في غد. لكن تصور إن عاد الرجل متعبا فلم يجد هذا ~~السكن، بل وجد زوجته ومحل سكنه وراحته تزيده تعبا، وتكدر عليه ~~صفوه. إذن: ينبغي للمرأة أن تعلم معنى السكن هنا، وأن تؤدي مهمتها ~~لتستقيم أمور الحياة. ثم إن الأمر لا يقتصر على السكن إنما { وجعل ~~بينكم مودة ورحمة.. } [الروم: 21] المودة هي الحب ~~المتبادل في مشوار الحياة وشراكتها، فهو يكدح ويوفر لوازم العيش، وهي ~~تكدح لتدبر أمور البيت وتربية الأولاد لأن الله يقول # إن سعيكم ms7580 لشتى # [الليل: 4] هذا في إطار من الحب والحنان المتبادل. أما الرحمة فتأتي في ~~مؤخرة هذه الصفات: سكن ومودة ورحمة، ذلك لأن البشر عامة أبناء أغيار، ~~وكثيرا ما تتغير أحوالهم، فالقوي قد يصير إلى الضعف، والغني قد يصير إلى ~~فقر، والمرأة الجميلة تغيرها الأيام أو يهدها المرض... إلخ. لذلك ~~يلفت القرآن أنظارنا إلى أن هذه المرحلة التي ربما فقدتم فيها السكن، ~~وفقدتم المودة، فإن الرحمة تسعكما، فليرحم الزوج زوجته إن قصرت ~~إمكاناتها للقيام بواجبها، ولترحم الزوجة زوجها إن أقعده المرض أو أصابه ~~الفقر.. الخ. وكثير من كبار السن من الذين يتقون الله ويراعون هذه ~~التعاليم يعيشون حياتهم الزوجية على هذا المبدأ مبدأ الرحمة، لذلك حينما ~~يلمحون للمرأة التي أقعد المرض زوجها تقول: أنا آكله لحم وأرميه عظم؟ ~~هذه هي المرأة ذات الدين التي تعيدنا إلى حديث رسول الله في اختيار ~~الزوجة: # " تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها - وهذه كلها أغيار - ~~ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك " # فأنت وهي أبناء أغيار، لا يثبت أحد منكما على حاله، فيجب أن تردا إلى ~~شيء ثابت ومنهج محايد لا هوى له، يميل به إلى أحدكما، منهج أنتما فيه ~~سواء، ولن تجدوا ذلك إلا في دين الله. لذلك يحذرنا النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في ~~الأرض وفساد كبير ". # وإياك حين تكبر زوجتك أن تقول إنها لم تعد تملأ نظري، أو كذا وكذا، لأن ~~الزوجة ما جعلها الله إلا سكنا لك وأنثى ووعاء، فإذا هاجت غرائزك ~~بطبيعتها تجد مصرفا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته - أي: تعجبه وتحرك في نفسه نوازع - ~~فليأت أهله، فإن البضع واحد ". # وكلما طبق الزوجان المقاييس الدينية، وتحليا بآداب الدين وجد كل ~~منهما في الآخر ما يعجبه، فإن ذهب الجمال الظاهري مع الزمن فسيبقى جمال ~~الروح ووقارها، سيبقى في المرأة جمال الطبع والسلوك، وكلما تذكرت ~~إخلاصها لك وتفانيها في خدمتك وحرصها على معاشك ورعايتها لحرمة بيتك ms7581 ~~كلما تمسكت بها، وازددت حبا لها. وكذلك الحال بالنسبة للزوجة، فلكل ~~مرحلة من العمر جاذبيتها وجمالها الذي يعوضنا ما فات. ولما كان من ~~طبيعة المرأة أن يظهر عليها علامات الكبر أكثر من الرجل لذلك كان على ~~الرجل أن يراعي هذه المسألة، فلما سأل أحدهم الحسن: لقد تقدم رجل يخطب ~~ابنتي وصفته كيت وكيت، قال: لا تنكحها إلا رجلا مؤمنا، إن أحبها ~~أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها. ثم يقول سبحانه: { إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون } [الروم: 21] يتفكرون في هذه المسائل ~~وفي هذه المراحل التي تمر بالحياة الزوجية، وكيف أن الله تعالى جعل لنا ~~الأزواج من أنفسنا، وليست من جنس آخر، وكيف بنى هذه العلاقة على ~~السكن والحب والمودة، ثم في مرحلة الكبر على الرحمة التي يجب أن ~~يتعايش بها الزوجان طيلة حياتهما معا. ثم يقول الحق سبحانه: { ومن ~~آياته خلق السماوات... }. ### || [30.22] # في خلق السماوات والأرض آيات أظهرها لنا كما قال في موضع آخر إنها تقوم ~~على غير عمد: # خلق السماوات بغير عمد ترونها.. # [لقمان: 10]. فالسماء التي ترونها على امتداد الأفق تقوم بغير أعمدة، ~~ولكم أن تسيروا في الأرض، وأن تبحثوا عن هذه العمد فلن تروا شيئا. ~~أو # بغير عمد ترونها.. # [لقمان: 10] يعني: هي موجودة لكن لا ترونها. والمنطق يقتضي أن الشيء ~~العالي لا بد له إما من عمد تحمله من أسفل، أو قوة تمسكه من أعلى ~~لذلك ينبغي أن نجمع بين الآيات لتكتمل لدينا هذه الصورة، فالحق سبحانه ~~يقول في موضع آخر: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا.. # [فاطر: 41]. إذن: ليست للسماء أعمدة، إنما يمسكها خالقها - عز وجل - من ~~أعلى، فلا تقع على الأرض إلا بإذنه، ولا تتعجب من هذه المسألة، فقد ~~أعطانا الله تعالى مثالا مشاهدا في قوله سبحانه: # ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السمآء ~~ما يمسكهن إلا الله.. # [النحل: 79]. فإن قلت: يمسكها في جو السماء حركة الجناحين ورفرفتها ~~التي تحدث مقاومة للهواء، فترتفع به، وتمسك نفسها في الجو، نقول: وتمسك ~~أيضا في جو السماء ms7582 بدون حركة الجناحين، واقرأ إن شئت قوله تعالى: # أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن.. # [الملك: 19]. فترى الطير في السماء مادا جناحيه ثابتا بدون حركة، ومع ~~ذلك لا يقع على الأرض ولا يمسكه في جو السماء إذن إلا قدرة الله. ~~إذن: خذ مما تشاهد دليلا على صدق ما لا تشاهد لذلك يقول سبحانه: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57] مع أنها خلقت لخدمة الإنسان. فمع أنك أيها الإنسان مظهر من ~~مظاهر قدرة الله، وفيك انطوى العالم الأكبر، إلا أن عمرك محدود لا ~~يعد شيئا إذا قيس بعمر الأرض والسماء والشمس والقمر.. الخ. ثم ~~يعود السياق هنا إلى آية من آيات الله في الإنسان: { واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم.. } [الروم: 22] اللسان يطلق على اللغة ~~كما قال تعالى # بلسان عربي مبين # [الشعراء: 195] وقال: # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. ويطلق أيضا على هذه الجارحة المعروفة، وإنما أطلق ~~اللسان على اللغة لأن أغلبها يعتمد على اللسان وعلى النطق، مع أن اللسان ~~يمثل جزءا بسيطا في عملية النطق، حيث يشترك معه في النطق الفم ~~والأسنان والشفتان والأحبال الصوتية.. إلخ، لكن اللسان هو العمدة في هذه ~~العملية. إذن: فاختلاف الألسنة يعني اختلاف اللغات. وسبق أن قلنا: إن ~~اللغة ظاهرة اجتماعية يكتسبها الإنسان من البيئة المحيطة به، وحين ~~نسلسلها لا بد أن نصل بها إلى أبينا آدم عليه السلام، وقلنا: إن ~~الله تعالى هو الذي علمه اللغة حين علمه الأسماء كلها، ثم يتخذ آدم ~~وذريته من بعده هذه الأسماء ليتفاهموا بها، وليضيفوا إليها أسماء جديدة. # لذلك نرى أولادنا مثلا حينما نريد أن نعلمهم ونرقيهم نعلمهم ~~أولا أسماء الأشياء قبل أن يتعلموا الأفعال لأن الاسم أظهر، ألا ترى ~~أن الفعل والحدث يدل عليه باسم، فكلمة فعل هي ذاتها اسم. لكن، كيف ~~ينشأ اختلاف اللغات؟ لو تأملنا مثلا اللغة العربية نجدها لغة واحدة، ~~لكن بيئاتها متعددة: هذا مصري، وهذا سوداني، وهذا سوري، مغربي، عراقي... ~~الخ نشترك جميعا في لغة واحدة، لكن لكل بيئة لهجة ms7583 خاصة قد لا تفهم في ~~البيئة الأخرى، أما إذا تحدثنا جميعا باللغة العربية لغة القرآن تفاهم ~~الجميع بها. أما اختلاف اللغات فينشأ عن انعزال البيئات بعضها عن بعض، ~~هذا الانعزال يؤدي إلى وجود لغة جديدة، فمثلا الإنجليزية والفرنسية ~~والألمانية و... الخ ترجع جميعها إلى أصل واحد هو اللغة اللاتينية، فلما ~~انعزلت البيئات أرادت كل منها أن يكون لها استقلالية ذاتية بلغة خاصة ~~بها مستقلة بألفاظها وقواعدها. أو { واختلاف ألسنتكم.. } ~~[الروم: 22] يعني: اختلاف ما ينشأ عن اللسان وغيره من آلات الكلام من ~~أصوات مختلفة، كما نرى الآن في آخر صيحات علم الأصوات أن يجدوا للصوت ~~بصمة تختلف من شخص لآخر كبصمة الأصابع، بل بصمة الصوت أوضح دلالة من بصمة ~~اليد. ورأينا لذلك خزائن تضبط على بصمة صوت صاحبها، فساعة يصدر لها ~~صوتا تفتح له. ومن العجيب والمدهش في مجال الصوت أن المصوتات كثيرة ~~منها: الجماد كحفيف الشجر وخرير الماء، ومنها: الحيوان، نقول: نقيق ~~الضفادع وصهيل الخيل، ونهيق الحمار، وثغاء الشاة، ورغاء الإبل.. الخ ~~لكن بالله أسألك: لو سمعت صوت حمار ينهق، أتستطيع أن تقول هذا حمار فلان؟ ~~لا، لأن كل الأصوات من كل الأجناس خلا الإنسان صوتها واحد لا يميزه ~~شيء. أما في الإنسان، فلكل منا صوته المميز في نبرته وحدته ~~واستعلائه أو استفاله، أو في رقته أو في تضخيمه.. الخ. فلماذا إذن تميز ~~صوت الإنسان بهذه الميزة عن باقي الأصوات؟ قالوا: لأن الجماد والحيوان ~~ليس لهما مسئوليات ينبغي أن تضبط وأن تحدد كما للإنسان، وإلا كيف ~~نميز المجرم حين يرتكب جريمته ونحن لا نعرف اسمه، ولا نعرف شيئا من ~~أوصافه؟ وحتى لو عرفنا أوصافه فإنها لا تدلنا عليه دلالة قاطعة تحدد ~~المسئولية ويترتب عليها الجزاء. وقال سبحانه بعدها { وألوانكم.. } ~~[الروم: 22] فاختلاف الألسنة والألوان ليحدث هذا التميز بين الناس، ~~ولأن الإنسان هو المسئول خلق الله فيه اختلاف الألسنة والألوان لنستدل ~~عليه بشكله: بطوله أو قصره أو ملابسه... إلخ. وفي ذلك ما يضبط سلوك ~~الإنسان ويقومه حين يعلم أنه لن يفلت بفعلته، ms7584 ولا بد أن يدل ~~عليه شيء من هذه المميزات. # لذلك نرى رجال البحث الجنائي ينظمون خطة للبحث عن المجرم قد تطول، ~~لماذا؟ لأنهم يريدون أن يضيقوا دائرة البحث فيخرجون منها من لا ~~تنطبق عليه مواصفاتهم، وما يزالون يضيقون الدائرة حتى يصلوا للجاني. ~~والحق - تبارك وتعالى - يقول: # يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا.. # [الحجرات: 13]. فالتميز والتعارف أمر ضروري لاستقامة حركة الحياة، ~~ألا ترى الرجل يضع لكل ولد من أولاده اسما يميزه، فإن عشق اسم محمد ~~مثلا، وأحب أن يسمى كل أولاده محمدا لا بد أن يميزه، فهذا محمد الكبير، ~~وهذا محمد الصغير، وهذا الأوسط.. الخ. إذن: لا بد أن يتميز الخلق ~~لنستطيع تحديد المسئوليات. ثم يقول سبحانه: { إن في ذلك.. } ~~[الروم: 22] أي: في الخلق على هذه الهيئة الحكيمة المحكمة { لآيات.. ~~} [الروم: 22] لنعتبر بها، فالخالق سبحانه إن وحد الصفات فدليل على ~~الحكمة، وإن اختلفت فدليل على طلاقة القدرة. وانظر مثلا إلى الصانع الذي ~~يصنع أكواب الزجاج، تراه يأخذ عجينة الزجاج ويصبها في قالب قتخرج ~~جميعها على شكل واحد، أما الخباز مثلا فيأخذ العجينة ويجعلها رغيفا فلا ~~ترى رغيفا مثل الآخر. أما الخالق - عز وجل - فيخلق بحكمة وبطلاقة ~~قدرة، ويخلق سبحانه ما يشاء، غير محكوم بقالب معين. وقوله { ~~للعالمين.. } [الروم: 22] أي: الذين يبحثون في الأشياء، ولا يقفون ~~عند ظواهرها، إنما يتغلغلون في بطونها، ويسبرون أغوارها للوصول إلى ~~حقيقتها. لذلك يلوم علينا ربنا عز وجل: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105] فلا يليق بأصحاب العقول أن يغفلوا عن هذه الآيات، إنما ~~يتأملونها ليستنبطوا منها ما ينفعهم في مستقبل حياتهم، كما نرى في ~~المخترعات والاكتشافات الحديثة التي خدمت البشرية، كالذي اخترع عصر ~~البخار، والذي اخترع العجلة، والذي اكتشف الكهرباء والجاذبية والبنسلين.. ~~الخ، إذن: نمر على آيات الله في الكون بيقظة، وكل العلوم التجريبية نتيجة ~~لهذه اليقظة. والعالمون: جمع عالم، وكانت تطلق في الماضي على من يعرف ~~الحلال والحرام، لكن هي أوسع من ذلك، فالعالم: ms7585 كل من يعلم قضية كونية ~~أو شرعية، ويسمى هذا " عالم بالكونيات " وهذا عالم بالشرع، وإن شئت ~~فاقرأ: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن ~~الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك.. # [فاطر: 27-28]. فذكر سبحانه النبات، ثم الجماد، ثم الناس، ثم الحيوان. ~~ثم يقول سبحانه: # إنما يخشى الله من عباده العلماء.. # [فاطر: 28] على إطلاقها فلم يحدد أي علماء: علماء النبات، أو ~~الحيوان، أو الجمادات، أو علماء الشرع، إذن: العالم كل من يعلم حقيقة ~~في الكون وجودية أو شرعية من عند الله. # لكن، لماذا أطلقوا العالم على العالم بالشرع خاصة؟ قالوا: لأنه أول ~~العلوم المفيدة التي عرفوها لذلك رأينا من آداب العلم في الإسلام ألا ~~يدخل علماء الشرع أنفسهم في الكونيات، وألا يدخل علماء الكونيات ~~أنفسهم في علوم الشرع. والذي أحدث الاضطراب بين هذه التخصصات أن يقول ~~مثلا علماء الكونيات بأن الأرض تدور حول الشمس، فيقوم من علماء الدين ~~من يقول: هذا مخالف للدين - هكذا عن غير دراسة، سبحان الله، لماذا ~~تقحم نفسك فيما لا تعلم؟ وماذا يضيرك كعالم بالشرع أن تكون الأرض كرة ~~تدور أو لا تدور؟ ما الحرام الذي زاد بدوران الأرض وما الحلال الذي ~~انتقص؟ كذلك الحال لما صعد الإنسان إلى القمر، اعترض على ذلك بعض رجال ~~الدين. كذلك نسمع من لا علم له بالشرع يعترض على بعض مسائل الشرع ~~يقول: هذه لا يقبلها العقل. إذن: آفة العلم أن يقحم العالم نفسه فيما لا ~~يعلم، ولو التزم كل بما يعلم لارتاح الجميع، وتركت كل ساحة لأهلها. ~~وعجيب أن يستشهد رجال الدين على عدم كروية الأرض بقوله تعالى: # والأرض مددناها.. # [الحجر: 19] ولو تأملوا معنى # مددناها.. # [الحجر: 19] لما اعترضوا لأن معنى مددناها يعني: كلما سرت في الأرض ~~وجدتها ممتدة لا تنتهي حتى تعود إلى النقطة التي بدأت منها، وهذا يعني ~~أنها كرة لا نهاية لها، ولو كانت مسطحة أو مثلثة مثلا لكان لها نهاية. ~~إذن: ms7586 نقول للعلماء عموما: لا تدخلوا أنوفكم فيما لا علم لكم به، ~~ودعوا المجال لأصحابه، عملا بقوله تعالى: # قد علم كل أناس مشربهم.. # [البقرة: 60]. ثم يقول الحق سبحانه: { ومن آياته منامكم ~~باليل... }. ### || [30.23] # كذلك من الآيات العجيبة الدالة على قدرة الله { منامكم.. } [الروم: ~~23] فحتى الآن لم يكشف علماء وظائف الأعضاء والتشريح عن سر النوم، ولم ~~يعرفوا - رغم ما قاموا به من تجارب - ما هو النوم. لكن هو ظاهرة موجودة ~~وغالبة لا يقاومها أحد مهما أوتي من القوة، ومهما حاول السهر دون أن ~~ينام، لا بد أن يغلبه النوم فينام، ولو على الحصى والقتاد، ينام وهو ~~واقف وهو يحمل شيئا لا بد أن ينام على أية حالة. وفلسفة النوم، لا ~~أن نعرف كيف ننام، إنما أن نعرف لماذا ننام؟ قالوا: لأن الإنسان مكون ~~من طاقات وأجهزة لكل منها مهمة، فالعين للرؤية، والأذن للسمع.. الخ، ~~فساعة تجهد أجهزة الجسم تصل بك إلى مرحلة ليست قادرة عندها على العمل، ~~فتحتاج أنت - بدون شعورك وبأمر غريزي - إلى أن يرتاح كأنها تقول لك كفى ~~لم تعد صالحا للعمل ولا للحركة فنم. ومن عجيب أمر النوم أنه لا يأتي ~~بالاستدعاء لأنك قد تستدعي النوم بشتى الطرق فلا يطاوعك ولا تنام، فإن ~~جاءك هو غلبك على أي حال كنت، ورغم الضوضاء والأصوات المزعجة تنام. ~~لذلك يقول الرجل العربي: النوم طيف إن طلبته أعنتك، وإن طلبك أراحك. ~~ولأهل المعرفة نظرة ومعنى كوني جميل في النوم، يقولون في قوله تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده.. # [الإسراء: 44] فكل ما في الوجود يسبح حتى أبعاض الكافر وأعضاؤه ~~مسبحة، إنما إرادته هي الكافرة، وتظل هذه الأبعاض خاضعة لإرادة صاحبها ~~إلى أن تنفك عن هذه الإرادة يوم القيامة، فتشهد عليه بما كان منه، وبما ~~أجبرها عليه من معصية الله. وسبق أن مثلنا لذلك بقائد الكتيبة حين ~~يطيعه جنوده ولو في الخطأ لأن طاعته واجبة إلى أن يعودوا إلى القائد ~~الأعلى فيتظلمون عنده، ويخبرونه بما كان من قائدهم. وذكرنا أن أحد قواد ~~الحرب العالمية ms7587 أراد أن يستخدم خدعة يتفوق بها على عدوه، رغم أنها تخالف ~~قانون الحرب عندهم، فلما أفلحت خطته وانتصر على عدوه كرموه على ~~اجتهاده، لكن لم يفتهم أن يعاقبوه على مخالفته للقوانين العسكرية، ~~وإن كان عقابا صوريا لتظل للقانون مهابته. كذلك أبعاض الكافر تخضع له ~~في الدنيا، وتشهد عليه يوم القيامة: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. مع أن هذه الجوارح هي التي نطقت بكلمة الكفر، وهي التي ~~سرقت.. الخ لأن الله أخضعها لإرادة صاحبها، أما يوم القيامة فلا إرادة ~~له على جوارحه: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.. # [فصلت: 21] لذلك يطمئننا الحق سبحانه بقوله: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. فإذا ما نام الكافر ارتاحت منه أبعاضه وجوارحه، ارتاحت من ~~مرادات الشر عنده لذلك يحدثنا إخواننا الذين يحجون بيت الله يقولون: ~~هناك النوم فيه بركة، ويكفيني أقل وقت لأرتاح، لماذا؟ لأن فكرك في الحج ~~مشغول بطاعة الله، ووقتك كله للعبادة، فجوارحك في راحة واطمئنان لم ~~ترهقها المعصية لذلك يكفيها أقل وقت من النوم لترتاح. وفي ضوء هذا الفهم ~~نفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " تنام عيني ولا ينام قلبي " # لأنه صلى الله عليه وسلم حياته كلها للطاعة، فجوارحه مستريحة، فيكفيه من ~~النوم مجرد الإغفاءة. وفي العامية يقول أهل الريف: نوم الظالم عبادة، ~~لماذا؟ لأنه مدة نومه لا يأمر جوارحه بشر، ولا يرغمها على معصية ~~فتستريح منه أبعاضه، ويستريح الناس والدنيا من شره، وأي عبادة أعظم من ~~هذه؟ ونلحظ في هذه الآية { ومن آياته منامكم باليل ~~والنهار وابتغآؤكم من فضله.. } [الروم: 23] فجعل الليل ~~والنهار محلا للنوم، ولابتغاء الرزق، وفي آية أخرى: # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه # [القصص: 73] فجمعهما معا، ثم ذكر تفصيل ذلك على الترتيب # لتسكنوا فيه # [القصص: 73] أي: في الليل # ولتبتغوا من فضله # [القصص: 73] أي: في النهار. وهذا أسلوب يعرف في اللغة باللف والنشر، ~~وهو أن تذكر عدة أشياء محكوما عليها، ثم تذكر بعدها الحكم ms7588 عليها جملة، ~~وتتركه لذكاء السامع ليرجع كل حكم إلى المحكوم عليه المناسب. ومن ذلك ~~قول الشاعر: # قلبي وجفني واللسان وخالقي # راض وباك شاكر وغفور # فجمع المحكوم عليه في ناحية، ثم الحكم في ناحية، فجمع المحكوم عليه ~~يسمى لفا، وجمع الحكم يسمى نشرا. وهاتان الآيتان من الآيات التي ~~وقف أمامها العلماء، ولا نستطيع أن نخرج منهما بحكم إلا بالجمع بين ~~الآيات، لا أن نفهم كل آية على حدة، فنلحظ هنا في الآية التي معنا { ~~ومن آياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم ~~من فضله.. } [الروم: 23] أن الله تعالى جعل كلا من الليل والنهار ~~محلا للنوم، ومحلا للسعي. وفي الآية الأخرى: # ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا ~~فيه # [القصص: 73] ثم قال # ولتبتغوا من فضله # [القصص: 73] ولم يقل فيه ويجب هنا أن نتنبه، فهذه آية كونية أن يكون ~~الليل للنوم والسكون والراحة، والنهار للعمل وللحركة، فلا مانع أن نعمل ~~بالليل أيضا، فبعض الأعمال لا تكون إلا بليل، كالحراس ورجال الأمن ~~والعسس والخبازين في المخابز وغيرهم، وسكن هؤلاء يكون بالنهار، وبهذا ~~الفهم تتكامل الآيات في الموضوع الواحد. إذن: فقوله تعالى: { ~~وابتغآؤكم من فضله.. } [الروم: 23] يعني: طلب الرزق ~~والسعي إليه يكون في النهار ويكون في الليل، لكن جمهرة الناس يبتغونه ~~بالنهار ويسكنون بالليل، والقلة على عكس ذلك. فإن قلت: هذا عندنا حيث ~~يتساوى الليل والنهار، فما بالك بالبلاد التي يستمر ليلها مثلا ثلاثة ~~أشهر، ونهارها كذلك، نريد أن نفسر الآية على هذا الأساس، هل يعملون ثلاثة ~~أشهر وينامون ثلاثة أشهر؟ أم يجعلون من أشهر الليل ليلا ونهارا، ومن ~~أشهر النهار أيضا ليلا ونهارا؟ لا مانع من ذلك لأن الإنسان لا يخلو من ~~ليل للراحة، ونهار للعمل أو العكس، فكل من الليل والنهار ظرف للعمل أو ~~للراحة. # لذلك، فالحق - تبارك وتعالى - يمتن علينا بتعاقب الليل والنهار، ~~فيقول سبحانه: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون # [القصص: 71] وذيل الآية بأفلا تسمعون # قل أرأيتم إن جعل الله ms7589 عليكم النهار سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون # [القصص: 72] وذيل هذه بأفلا تبصرون، لماذا؟ قالوا: لأن النهار محل ~~الرؤية والبصر، أما الليل فلا بصر فيه، فيناسبه السمع، والأذن هي ~~الوسيلة التي تؤدي مهمتها في الليل عندما لا تتوفر الرؤية. وفي موضع آخر: # وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر أو أراد شكورا # [الفرقان: 62] فالليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، هذا في الزمن ~~العادي الذي نعيشه، أما في بدء الخلق فأيهما كان أولا، ثم خلفه ~~الآخر؟ فإن قلت: إن الليل جاء أولا، فالنهار بعده خلفة له، لكن الليل ~~في هذه الحالة لا يكون خلفة لشيء، والنص السابق يوضح أن كلا منهما ~~خلفة للآخر، إذن: فما حل هذا اللغز؟ مفتاح هذه المسألة يكمن في ~~كروية الأرض، ولو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر في بداية البعثة ~~بهذه الحقيقة لما صدقوه، كيف ونحن نرى من ينكر هذه الحقيقة حتى الآن. ~~والحق - سبحانه وتعالى - لا يترك قضية كونية كهذه دون أن يمسها ولو ~~بلطف وخفة، حتى إذا ارتقت العقول تنبهت إليها، فلو أن الأرض مسطوحة ~~وخلق الله تعالى الشمس في مواجهة الأرض لاستطعنا أن نقول: إن النهار ~~جاء أولا، ثم عندما تغيب الشمس يأتي الليل، أما إن كانت البداية خلق ~~الأرض غير مواجهة للشمس، فالليل في هذه الحالة أولا، ثم يعقبه النهار، ~~هذا على اعتبار أن الأرض مسطوحة. وما دام أن الخالق - عز وجل - أخبر أن ~~الليل والنهار كل منهما خلفة للآخر، فلا بد أنه سبحانه خلق الأرض ~~على هيئة بحيث يوجد الليل ويوجد النهار معا، فإذا ما دارت دورة الكون ~~خلف كل منهما الآخر، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كانت الأرض مكورة، فما ~~واجه الشمس منها صار نهارا، وما لم يواجه الشمس صار ليلا. لذلك يقول ~~سبحانه في آية أخرى: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. فالحق سبحانه ينفي هنا ms7590 أن يسبق الليل النهار، فلماذا؟ ~~قالوا: يعتقدون أن الليل سابق النهار، ألا تراهم يلتمسون أول رمضان ~~بليله لا بنهاره؟ وما داموا يعتقدون أن الليل سابق النهار، فالمقابل ~~عندهم أن النهار لا يسبق الليل، هذه قضية أقرها الحق سبحانه لذلك لم ~~يعدل فيها شيئا إنما نفى الأولى # ولا اليل سابق النهار.. # [يس: 40]. إذن: نفى ما كانوا يعتقدونه # ولا اليل سابق النهار.. # [يس: 40] وصدق على ما كانوا يعتقدونه من أن النهار لا يسبق الليل. ~~فنشأ عن هذه المسألة: لا الليل سابق النهار، ولا النهار سابق الليل، وهذا ~~لا يتأتى إلا إذا وجدوا في وقت واحد، فما واجه الشمس كان نهارا، وما ~~لم يواجه الشمس كان ليلا. ثم يقول الحق سبحانه: { ومن آياته ~~يريكم البرق خوفا وطمعا... }. ### || [30.24] # نلحظ في تذييل الآيات مرة يقول سبحانه: # لقوم يتفكرون # [الروم: 21] ومرة # للعالمين # [الروم: 22] ومرة # لقوم يسمعون # [الروم: 23] أو { لقوم يعقلون } [الروم: 24] فتختلف الأدوات ~~الباحثة في الآيات. والبعض يظن أن العقل آلة يعملها في كل شيء، فالعقل ~~هو الذي يصدق أو لا يصدق، والحقيقة أنك تستعمل العقل في مسألة ~~الدين مرة واحدة تغنيك عن استعماله بعد ذلك، فأنت تستعمل العقل في أن ~~تؤمن أو لا تؤمن، فإن هداك العقل إلى أن الكون له إله قادر حكيم خالق لا ~~إله إلا هو ووثقت بهذه القضية، فإنها لا تطرأ على تفكيرك مرة أخرى، ولا ~~يبحثها العقل بعد ذلك، ثم إنك في القضايا الفرعية تسير فيها على وفق ~~قضية الإيمان الأولى فلا تحتاج فيها للعقل. لذلك العقلاء يقولون: العقل ~~كالمطية توصلك إلى حضرة السلطان، لكن لا تدخل معك عليه، وهكذا العقل ~~أوصلك إلى الإيمان ثم انتهى دوره، فإذا ما سمعت قال الله فأنت واثق من ~~صدق القول دون أن تعمل فيه العقل. وحين يقول سبحانه: يعقلون يتفكرون ~~يعلمون، حين يدعوك للتدبر والعظة إنما ينبه فيك أدوات المعارضة ~~لتتأكد، والعقل هنا مهمته النظر في البدائل وفي المقدمات والنتائج. كما ~~لو ذهبت مثلا لتاجر القماش فيعرض عليك بضاعته: فهذا صوف أصلي، ms7591 وهذا قطن ~~خالص، ولا يكتفي بذلك إنما يريك جودة بضاعته، فيأخذ فتلة من الصوف، و ~~فتلة من القطن، ويشعل النار في كل منهما لترى بنفسك، فالصوف لا ترعى فيه ~~النار على خلاف القطن. إذن: هو الذي ينبه فيك وسائل النقد، ولا يفعل ~~ذلك إلا وهو واثق من جودة بضاعته، أما الآخر الذي لا يثق في جودة بضاعته ~~فإنه يلجأ إلى ألاعيب وحيل يغري بها المشتري ليغره. كذلك الخالق - عز ~~وجل - ينبهنا إلى البحث والتأمل في آياته فيقول: تفكروا تدبروا، ~~تعقلوا، كونوا علماء واعين لما يدور حولكم، وهذا دليل على أننا لو ~~بحثنا هذه الآيات لتوصلنا إلى مطلوبه سبحانه، وهو الإيمان. والبرق: ~~ظاهرة من ظواهر فصل الشتاء، حيث نسمع صوتا مدويا نسميه الرعد، بعد ~~أن نرى ضوءا شديدا يلمع في الجو نسميه برق، وهو عامل من عوامل كهربة ~~الجو التي توصل إليها العلم الحديث، لكن قبل ذلك كان الناس عندما يرون ~~البرق لا يفهمون منه إلا أحد أمرين: إما أن يأتي بصاعقة تحرقهم، أو ينزل ~~عليهم المطر، فيخافون من الصاعقة ويرجون المطر. { ومن آياته ~~يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السمآء ~~مآء.. } [الروم: 24] ليظل العبد دائما مع ربه بين الخوف والرجاء. لكن ~~أكل الناس يرجون المطر؟ هب أنك مسافر أو مقيم في بادية ليس لك كن ~~تكن فيه، ولا مأوى يأويك من المطر، فهذا لا يرجو المطر ولا ينتظره، ~~لذلك من رحمته تعالى أن يغلب انفعال الطمع في الماء الذي به تحيا الأرض ~~بالنبات. # { وينزل من السمآء مآء فيحيي به الأرض بعد ~~موتها.. } [الروم: 24] وكلمة السماء لها مدلولان: مدلول غالب، وهي ~~السماوات السبع، ومدلول لغوي، وهي كل ما علاك فأظلك، وهذا هو المعنى ~~المراد هنا { وينزل من السمآء مآء.. } [الروم: 24] لأن ~~المطر إنما ينزل من السحاب، فالسماء هنا تعني: كل ما علاك فأظلك. ولو ~~تأملت الماء الذي ينزل من السماء لوجدته من سحاب متراكم # ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ~~ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله.. ms7592 # [النور: 43]. وسبق أن تحدثنا عن كيفية تكون السحب، وأنها نتيجة ~~لبخر الماء، لذلك من حكمته تعالى أن جعل ثلاثة أرباع الأرض ماء والربع ~~يابسة، ذلك لتتسع رقعة بخر الماء، فكأن الثلاثة الأرباع جعلت لخدمة ~~الربع، وليكفي ماء المطر سكان اليابسة. وبينا أهمية اتساع مسطح ~~الماء في عملية البخر، بأنك حين تترك مثلا كوبا من الماء على المنضدة ~~لمدة طويلة يظل كما هو، ولو نقص منه الماء لكان قليلا، أما لو سكبت ~~ماء الكوب على أرض الغرفة مثلا فإنه يجف في عدة دقائق لماذا؟ لأن مسطح ~~الماء اتسع فكثر الماء المتبخر. ومثلنا لتكون السحب بعملية ~~التقطير التي نجريها في الصيدليات لنحصل منها على الماء النقي المعقم، ~~وهذه تقوم على نظرية استقبال بخار الماء من الماء المغلي، ثم تمريره على ~~سطح بارد فيتكثف البخار مكونا الماء الصافي، إذن: فأنت حينما تستقبل ~~ماء المطر إنما تستقبل ماء مقطرا في غاية الصفاء والنقاء، دون أن تشعر ~~أنت بهذه العملية، ودون أن نكلفك فيها شيئا. وتأمل هذه الهندسة ~~الكونية العجيبة التي ينشأ عنها المطر، فحرارة الشمس على سطح الأرض ~~تبخر الماء بالحرارة، وفي طبقات الجو العليا تنخفض الحرارة فيحدث ~~تكثف للماء ويتكون السحاب، ومن العجيب أننا كلما ارتفعنا 30 مترا عن ~~الأرض تقل الحرارة درجة، مع أننا نقترب من الشمس ذلك لأن الشمس لا ~~تسخن الجو، إنما تسخن سطح الأرض، وهو بدوره يعطي الحرارة للجو لذلك ~~كلما بعدنا عن الأرض قلت درجة الحرارة. ومن حكمة الله أن جعل ماء ~~الأرض الذي يتبخر منه الماء العذب جعله مالحا لأن ملوحته تحفظه أن ~~يأسن، أو يعطن، أو تتغير رائحته، تحفظه أن تنمو به الطفيليات الضارة، ~~وليظل على صلاحه لأنه مخزن للماء العذب الذي يروي بعذوبته الأرض. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { ومن آياته أن تقوم السمآء ~~والأرض... }. ### || [30.25] # السماء هنا بمعنى السماوات السبع التي تقوم بلا عمد، وقلنا: إن الشيء ~~الذي يعلوك إما أن يحمل على أعمدة، وإما أن يشد إلى أعلى، مثل ~~الكباري المعلقة مثلا، وكذلك السماء ms7593 سقف مرفوع لا نرى له أعمدة. إذن: لا ~~تبقى إلا الوسيلة الأخرى، وهي أن الله تعالى # ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.. # [الحج: 65] فهي قائمة بأمره. { ومن آياته أن تقوم السمآء ~~والأرض بأمره.. } [الروم: 25] لا يهتز لها نظام أبدا، ولا تجد ~~فيها فروجا، لأنها محكمة البناء، وانظر إليها حين صفاء السماء ~~وخلوها من السحب تجدها ملساء ذات لون واحد على اتساعها، أيستطيع أحد ~~من رجال الدهانات أن يطلي لنا مثل هذه المساحة بلون واحد لا يختلف؟ وإذا ~~أخذنا السماء على أنها كل ما علاك فأظلك، فانظر إلى الشمس والقمر ~~والنجوم والكواكب، وكيف أنها تقوم بأمر الله خالقها على نظام دقيق لا ~~اختلال فيه، فلم نر مثلا كوكبا اصطدم بآخر، ولا شيئا منها خرج عن ~~مساره. وصدق الله تعالى # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33] فلكل منها سرعة، ولكل منها مداره الخاص ونظام بحسبان ذلك ~~لأنها تقوم بأمر الله وقدرته تعالى فهي منضبطة تؤدي مهمتها دون خلل، ودون ~~تخلف. فمعنى { تقوم.. } [الروم: 25] يعني: تظل قائمة على حالها دون ~~فساد، وهو فعل مضارع دال على استمرار. وحين تتأمل: قبل أن يخترع ~~الإنسان المجاهر والميكروسكوبات لم نكن نرى من المجموعة الشمسية غير ~~الشمس، فلما اخترعوا المجهر رأينا الكواكب الأخرى التي تدور حولها. ~~والعجيب أنها لا تدور في دوائر متساوية، إنما في شكل إهليلي، يتسع من ~~ناحية، ويضيق من ناحية، وهذه الكواكب لها دورة حول الشمس، ودورة أخرى حول ~~نفسها. فالأرض مثلا لها مدار حول الشمس ينشأ عنه الفصول الأربعة، ولها ~~دورة حول نفسها ينشأ عنها الليل والنهار، وكل هذه الحركة المركبة تتم ~~بنظام دقيق محكم منضبط غاية الانضباط. وهذه الكواكب تتفاوت في قربها أو ~~بعدها عن الشمس، فأقربها من الشمس عطارد، ثم الزهرة، ثم الأرض، ثم ~~المشتري، ثم المريخ، ثم زحل، ثم أورانوس، ثم نبتون، ثم أبعدها عن الشمس ~~بلوتو. ولكل منها مداره الخاص حول الشمس وتسمى عام، ودورة حول نفسه تسمى ~~يوم. وعجيب أن يوم الزهرة، وهو ثاني كوكب من الشمس ms7594 يقدر ب 244 يوما ~~من أيام الأرض، في حين أن العام بالنسبة لها يقدر ب 225 يوما من ~~أيام الأرض، فالعام أقل من اليوم، كيف؟ قالوا: لأن هذه دورة مستقلة، وهذه ~~دورة مستقلة، فهي سريعة في دورانها حول الشمس، وبطيئة في دورانها حول ~~نفسها. ولو علمت أن في الفضاء وفي كون الله الواسع مليون مجموعة مثل ~~مجموعتنا الشمسية في سكة التبانة، وهذا كله في المجرة التي نعرفها - لو ~~علمت ذلك لتبين لك عظم هذا الكون الذي لا نعرف عنه إلا القليل لذلك ~~حين تقرأ: # والسمآء بنيناها بأييد وإنا لموسعون # [الذاريات: 47] فاعلم أنها مسألة لا نهاية لها ولا حدود في علمنا وفي ~~عقولنا، لكن لها نهاية عند الله. ولا أدل على انضباط حركة هذه الكونيات ~~من انضباط موعد الكسوف أو الخسوف الذي يحسبه العلماء فيأتي منضبطا ~~تماما، وهم يبنون حساباتهم على حركة الكواكب ودورانها لذلك نقول لمن ~~يكابر حتى الآن ويقول بعدم دوران الأرض: عليك أن تعترف إذن أن هؤلاء ~~الذين يتنبأون بالكسوف والخسوف يعلمون الغيب. فالأقرب - إذن - أن نقول: ~~إنها لله الذي خلقها على هذه الهيئة من الانضباط والدقة، فاجعلها لله بدل ~~أن تجعلها للعلماء. ثم يقول سبحانه: { ثم إذا دعاكم دعوة ~~من الأرض.. } [الروم: 25] معنى { دعاكم دعوة من ~~الأرض.. } [الروم: 25] المراد النفخة الثانية، فالأولى التي يقول الله ~~عنها: # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون # [يس: 29] والثانية يقول فيها: # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون # [يس: 53]. فالأولى للموت الكلي، والثانية للبعث الكلي، ولو نظرت إلى ~~هاتين النفختين وما جعل الله فيهما من أسرار تلتقي بما في الحياة الدنيا ~~من أسرار لوجدت عجبا. فكل لحظة من لحظات الزمن يحدث فيها ميلاد، ويحدث ~~فيها موت، فنحن مختلفون في مواليدنا وفي آجالنا، أما في الآخرة فالأمر ~~على الاتفاق، فالذين اختلفوا في المواليد سيتفقون في البعث # إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون # [يس: 53]. والذين اختلفوا في الموت سيتفقون في الخمود: # إن كانت إلا صيحة ms7595 واحدة فإذا هم خامدون # [يس: 29] فالميلاد يقابله البعث، والموت يقابله الخمود. إذن: اختلاف هذه ~~يعالج اتفاق هذه، واتفاق هذه يعالج اختلاف هذه لذلك يقول: # يوم يجمعكم ليوم الجمع.. # [التغابن: 9]. والنفخة الثانية يؤديها إسرافيل بأمر الله لأن الحق - ~~سبحانه وتعالى - يزاول أشياء بذاته، ولا نعلم منها إلا أنه سبحانه وتعالى ~~خلق الإنسان وسواه بيده، كما قال سبحانه: # يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي.. # [ص: 75] أما غير ذلك فهو سبحانه يزاول الأشياء بواسطة خلقه في كل ~~مسائل الكونيات. تأمل مثلا: # الله يتوفى الأنفس حين موتها.. # [الزمر: 42] فالمتوفي هنا الله عز وجل، وفي موضع آخر: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم.. # [السجدة: 11] فنقلها إلى ملك الموت، وفي موضع آخر: # توفته رسلنا.. # [الأنعام: 61] فنقلها إلى رسل الموت من الملائكة، وهم جنود لملك الموت. ~~وبيان ذلك أنه سبحانه نسب الموت لنفسه أولا لأنه صاحب الأمر الأعلى فيه، ~~فيأمر به ملك الموت، وملك الموت بدوره يأمر جنوده، إذن: فمردها إلى ~~الله. ثم يقول سبحانه: { إذآ أنتم تخرجون } [الروم: 25] أي: ~~حين يسمع الموتى هذه الصيحة يهبون جميعا أحياء، فإذا هنا الفجائية ~~الدالة على الفجأة، وهذا هو الفارق بين ميلاد الدنيا وميلاد الآخرة، ~~ميلاد الدنيا لم يكن فجأة، بل على مهل، فالمرأة قبل أن تلد نشاهد ~~حملها عدة أشهر، وتعاني هي آلام الحمل عدة أشهر، فلا فجأة إذن. ### || [30.26] # نعرف أن من للعاقل، ولنا أن نسأل: لماذا خص العاقل مع أن كل ما في ~~الكون خاضع لله طائع مسبح يدخل في دائرة القنوت لله؟ قالوا: لأن ~~التمرد لا يأتي إلا من ناحية العقل لذلك بدأ الله به، أما الجماد الذي لا ~~عقل له، فأمره يسير حيث لا يتأبى منه شيء على الله، لا الجماد ولا ~~الحيوان ولا النبات. تأمل مثلا الحمار تحمله القاذورات فيحمل، فإذا ~~رقيته وجعلته مطية للركوب لا يعترض، لا عصى في الأولى، ولا عصى في ~~الأخرى لأنه مذلل لك بتذليل الله، ما ذللته لك بعقلك ولا بقوتك # أولم يروا أنا خلقنا لهم ms7596 مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 71-72]. وضربنا لذلك مثلا بالجمل لما ذلله الله لك استطاع ~~الغلام الصغير أن يقوده وينيخه ويركبه ويحمله، أما الثعبان الصغير ~~فيخيفك رغم صغره لأن الله لم يذلله لك. ونقف هنا عند قوله تعالى { ~~من في السماوات والأرض.. } [الروم: 26] فمن في السماوات نعم ~~هم قانتون لله أي: خاضعون له سبحانه، مطيعون لإرادته لأنهم ملائكة ~~مكرمون # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. # يسبحون اليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء: 20]. فما بال أهل الأرض، وفيهم ملاحدة وكفار ليسوا قانتين، ~~فكيف إذن نفهم { كل له قانتون } [الروم: 26]. قالوا: لأنهم لما ~~تمردوا على الله وكفروا به، أو تمردوا على حكمه فعصوه لم يتمردوا ~~بذواتهم، إنما بما خلق الله فيهم من اختيار، ولو أرادهم سبحانه مقهورين ~~ما شذ واحد منهم عن مراد ربه، والله عز وجل لا يريد أن يحكم الإنسان ~~بقهر القدرة، إنما يريد لعبده أن يأتيه طواعية مختارا، بإمكانه أن يكفر ~~ومع ذلك آمن، وبإمكانه أن يعصي ومع ذلك أطاع. فلو أرادهم الله مؤمنين ما ~~وجدوا إلى الكفر سبيلا، ولعصمهم كما عصم الأنبياء، ربك يريدك مؤمنا عن ~~محبة وإخلاص لا عن قهر وغلبة لذلك قال إبليس في جداله: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص: 82-83]. فلا قدرة له على عباد الله المخلصين، الذين اختارهم الله ~~لنفسه، ولا سلطان له عليهم، فإبليس إذن ليس في معركة مع ربه، إنما في ~~معركة مع الإنسان. وفي موضع آخر قال تعالى: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان.. # [الحجر: 42]. ولما عشق هؤلاء المتمردون على الله التمرد، وأحبوه زادهم ~~الله منه وأعانهم عليه لأنه سبحانه لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره ~~معصية العاصين، فختم على قلوبهم فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج منها كفر، ~~وهو سبحانه الغني عن خلقه لذلك لما خلق الجنة خلقها لتتسع للناس جميعا ~~إن آمنوا، ولما خلق النار خلقها لتتسع للناس جميعا إن كفروا، وترك لنا ~~سبحانه الاختيار: # فمن ms7597 شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29]. وكأن الحق سبحانه يقول لنا: أنتم أحرار، فأنا مستعد للجزاء ~~على أي حال تسعكم جنتي، إن آمنتم جميعا، ولا تضيق بكم النار إن ~~كفرتم جميعا. ونقول لمن تمرد على الله: ينبغي أن تكون منطقيا مع ~~نفسك، وأن تظل متمردا على الله في كل شيء ما دمت قد ألفت التمرد، فإن ~~جاءك المرض تتأبى عليه، وإن جاءك الموت ترفضه، فإذا لم تستطع فأنت مقهور ~~لله خاضع له { كل له قانتون } [الروم: 26] خاضعون، إما عن ~~اختيار، وإما عن قهر في كل أمر لا اختيار لك فيه، إذن: فأنت قانت رغما ~~عنك، وقنوتك مع تمردك أبلغ في الشهادة لله. إذن: فالمؤمن خاضع لله في ~~منطقة الاختيار، وهي الإيمان والتكاليف، وخاضع لله فيما لا اختيار له ~~فيه كالقضاء والأمور الاضطرارية، فهو يستقبلها عن رضا، أما الكافر فهو ~~خاضع لله لا يستطيع الفكاك عن قضائه ولا عن قدره رغما عنه في الأمور ~~التي لا اختيار له فيها، لكنه يستقبلها بالسخط وعدم الرضا، فهو كافر ~~بالله كاره لقضائه. فنقول لمن تمرد على الله فكفر به، أو تمرد على ~~أحكامه فعصاها: ما لكم لا تتمردون على الله فيما يقضيه عليكم من أمور ~~اضطرارية؟ هذا دليل على أنكم اتخذتم الاختيار في غير محله لأن الذي ~~يختار ينبغي أن يأخذ الاختيار في كل شيء، لكن أن تختار في شيء ولا ~~تختار في شيء آخر، فهذا لا يجوز. ### || [30.27] # كثيرا ما يحدثنا القرآن الكريم عن هذه المسألة ويذكرنا بالبدء ~~والإعادة، لماذا؟ يهتم القرآن بهذه المسألة ويؤكد عليها لأنها كانت ~~الأساس في دعوته لأنهم إن كانوا يؤمنون بأنهم يرجعون إلى الله لخافوا من ~~عقابه لذلك يؤكد لهم في مواضع كثيرة حتمية الإعادة وأنها حق. قوله ~~تعالى: { وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده.. } ~~[الروم: 27] استهلت الآية بقوله تعالى وهو وفي آية أخرى # الله يبدأ الخلق ثم يعيده.. # [الروم: 11] فكأن هو مدلولها الله وهو كما نعلم ضمير غيبة، والحق ~~سبحانه غيب عن الأنظار، ومن عظمته سبحانه أنه ms7598 غيب، فلو كان مدركا ~~محسا ما استحق أن يكون إلها، وكيف نطمع في إدراكه سبحانه ونحن لا ~~نستطيع أن ندرك بعض مخلوقاته؟ فالمعاني التي خلقها الله لتسوس حركة ~~الحياة: كلمة الحق، العدل، الحق الذي يقف القضاء كله ليؤيده ويعلنه، ~~والعدل الذي يحكم موازين الحياة ليوازن بين الشهوات وبين الحقائق، هذه ~~المعاني لا تدرك بالحواس، فهل رأيتم العدل؟ هل سمعتم العدل؟ هل شممتم ~~العدل؟... الخ. إذن: فالمعاني العالية لا يمكن أن تدرك لأنها أرفع من ~~الإدراك لأن بها يكون الإدراك، أيكون المخلوق للحق أسمى من أن يدرك، ~~ويكون الحق سبحانه موضعا للإدراك. فإذا سمعت هو فاعلم أنها لا تنصرف ~~إلا إلى الإله الواحد الذي من عظمته أنه لا يدرك # لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.. # [الأنعام: 103]. لذلك نقرأ في سورة الإخلاص # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] فترى أن الله لفظ الجلالة، وهو علم على واجب الوجود يأتي ~~بعد هو فكأن هو أدل على وجود الحق سبحانه من لفظ الجلالة الله، ~~فكأنه لا يصح حين يطلق ضمير الغيبة هو على شيء إلا الله لأنه لا شيء ~~في الكون إلا الله. وقوله تعالى هنا { وهو الذي يبدؤا ~~الخلق... } [الروم: 27] بالفعل المضارع الدال على الاستمرارية، مع ~~أنه سبحانه بدأ الخلق بالفعل # كما بدأكم تعودون # [الأعراف: 29] فإن ذكرت الأولى فقد بدأ الخلق، وإن ذكرت الاستمرارية ~~في الإيجاد فهو يبدأ دائما، وفي كل وقت ترى في خلق الله شيئا جديدا، ~~فالخلق لم يأت مرة واحدة، ثم توقف، بل بدأ ثم استمر. ونلحظ أن القرآن ~~يذكر هذه المسألة مرة بالماضي بدأ ومرة بالمضارع يبدأ لأن الخالق ~~سبحانه بدأ الخلق فعلا بخلق آدم عليه السلام الإنسان الأول: # الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان ~~من طين # [السجدة: 7] ولا يزال سبحانه بقيوميته خالقا، يبدأ كل يوم وكل لحظة ~~خلقا جديدا نشاهده في الإنسان، وفي الحيوان، وفي النبات.. الخ. ~~وبالخلق المتجدد للإنسان، حيث يولد كل لحظة مولود جديد نرد على ~~الذين يقولون بتناسخ الأرواح - يعني: أن الروح تخرج من ms7599 جسد فتحل في جسد ~~آخر - وهذا يعني أن تكون المواليد على قدر الوفيات، ويعني أن يظل ~~العالم على تعداد واحد دون زيادة، ونحن نرى الآن مدى الكثافة السكانية ~~التي يشكو العالم منها الآن، وهذه تكفي لهدم هذه النظرية. # والحق سبحانه يحذرنا أن نأخذ قصة بدء الخلق من غير الخالق سبحانه، ~~فمن الناس مضلون سيضلونكم في هذه المسألة، فلا تصغون إليهم لأن الله ~~يقول: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. وقد رأينا من هؤلاء المضلين من يقول بأن الإنسان أصله ~~قرد متطور إلى إنسان، والرد على هذه الضلالات يسير، فإذا كان القرد ~~تطور إلى إنسان، فلماذا لم تتطور باقي القرود؟ ولماذا لم يتطور الإنسان ~~منذ أن خلق آدم وحتى الآن إلى شيء آخر؟ وكيف نصدق هذه الضلالات، وربنا ~~سبحانه يقول: # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون # [الذاريات: 49]. ويقول سبحانه: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36] فإياك أن تقول: إن شيئا تطور عن شيء، فكل جنس قائم بذاته منذ ~~خلقه الله. إذن: احذروا مثل هذه الأقوال، ولا تأخذوا قصة بدء الخلق ~~إلا من الله وحده. كلمة { يعيده.. } [الروم: 27] أي: إلى الخلق فهي ~~بمعنى يخلقه، فالمعنى: يبدأ الخلق ثم يميته ثم يعيده، البعض يظن أن ~~يعيده يعني يبعثه في الآخرة، لكن الله تعالى يقول: # الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون # [الروم: 11] فيعيده غير ترجعون، ترجعون أي: في القيامة. وقوله { وهو ~~أهون عليه.. } [الروم: 27] أي: على حسب فهمكم أنتم للأشياء، ~~وإلا فالله تعالى لا يقال في حقه هذا سهل وهذا أسهل، ولا هين وأهون ~~لأنه سبحانه لا يزاول الأشياء كما نزاولها نحن، ولا يعالج الأفعال، إنما ~~يفعل سبحانه بكن فيكون. ومن ذلك قوله تعالى لزكريا عليه السلام لما ~~تعجب أن يكون له ولد، وقد بلغ من الكبر عتيا وامرأته عاقر: # هو علي هين.. # [مريم: 9] ذلك لأن طلاقة القدرة لا تقف عند أسبابكم. وكذلك قال لمريم: ms7600 # كذلك قال ربك هو علي هين.. # [مريم: 21]. فالأمر عجيب في نظر مريم، أن تأتي بولد بدون زوج لكنه ليس ~~عجيبا في قدرة الله، فإن كانت العادة أن يأتي الولد بالأسباب فالله ~~سبحانه هو خالق الأسباب، يفعل ما يشاء بدونها. وسبق أن تحدثنا عن طلاقة ~~قدرة الله في قصة إبراهيم عليه السلام حينما أراد القوم أن يحرقوه، فلو ~~كانت المسألة مسألة نجاة إبراهيم من النار ما مكنهم الله من الإمساك به، ~~أو: حتى إن أمسكوه وألقوه في النار كان بالإمكان أن ينزل الله على ~~النار مطرا فتنطفىء. لكن الحق سبحانه يريد أن يسد على الكافرين منافذ ~~الحجاج، ويبطل كفرهم، فهاهم قد ظفروا به وألقوه في قعر النار، وهي ~~على حال الاشتعال والإحراق، لكنهم غفلوا عن شيء هام، هو أن الله تعالى ~~رب هذه النار وخالقها وخالق قوة الإحراق فيها، وهو وحده القادر على أن ~~يسلبها هذه الخاصية، فيلقى فيها نبيه إبراهيم دون أن يحترق. # وهنا تكمن العظمة وتظهر الحجة # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. ونلحظ فصاحة الأداء في { وهو الذي يبدؤا ~~الخلق.. } [الروم: 27] فهو أسلوب قصر، حيث قدم المتعلق الذي حقه ~~أن يكون مؤخرا، كما في # إياك نعبد.. # [الفاتحة: 5] فقدم المفعول، ومن حق المفعول أن يؤخر عن الفعل ~~والفاعل، وقدمه هنا، لنقصر العبادة على الله وحده دون سواه، وحتى لا ~~نعطف على الله تعالى شيئا، فلو قلت نعبدك لجاز أن تقول: ونعبد غيرك، ~~كذلك هنا { وهو الذي يبدؤا الخلق.. } [الروم: 27] أفادت ~~تخصيص الخلق لله وحده دون أن نعطف عليه أحدا. وقوله تعالى { وهو ~~أهون عليه.. } [الروم: 27] الحقيقة ليس في الأمور بالنسبة لله ~~تعالى هين وأهون، إنما في عرفنا نحن، وليقرب لنا الحق سبحانه ~~فهم المسائل، وإلا فالحق سبحانه لا يعالج الأمور ولا يزاولها كما ~~نعالجها نحن، وإنما يفعل سبحانه بكن فيكون. لذلك لما نتأمل قول مريم ~~عليها السلام لما بشرتها الملائكة بالمسيح قالت: # رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر... # [آل عمران: 47] فكيف فهمت مريم هذه المسألة، ms7601 ومن أخبرها بأن الولد ~~سيكون دون أن يمسها بشر؟ لقد فهمت مريم هذا من قول الملائكة # إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح ~~عيسى ابن مريم.. # [آل عمران: 45]. فلو كان له أب لذكرته الملائكة، وما داموا قد نسبوه ~~إلى أمه فلا أب له. ثم يقول سبحانه: { وله المثل الأعلى في ~~السماوات والأرض.. } [الروم: 27] له المثل الأعلى يعني: أن الله ~~تعالى لا مثيل له، فإن شابهه سبحانه شيء من خلقه في صفة من الصفات ~~فخذها في إطار التقريب للمعنى، وفي إطار # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11] فلك وجود ولله تعالى وجود، لكن وجودك ليس كوجود الله، أنت ~~حي والله حي، لكن حياتك ليست كحياته عز وجل.. وهكذا. وقوله { ~~المثل الأعلى.. } [الروم: 27] نقول: عال وأعلى، فهي أفعل تفضيل ~~بمعنى: الذي لا يشابه ولا يضاهي لذلك يقول سبحانه # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 1] فينفي أن يوجد شبيه لمثل الله لا شبيه لله لأن الكاف هنا ~~بمعنى: مثل. فكأنك قلت: ليس مثل مثله شيء. وطريقة العرب في الأداء في ~~مسألة المشابهة يقولون: زيد مثل الأسد في الشجاعة، فأنت تريد أن تعطيني ~~صورة لشجاعة زيد، فذكرت أوضح شيء لهذه الصفة وهو الأسد، فهو مشبه به. ~~إذن: فالأسد أقوى من زيد في هذه الصفة، وإلا لما جعلت المشبه به ~~توضيحا لما لا تعلم. # فحين تقول: # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 1] تعني: إن وجد مثل لله لا يوجد مثل لهذا المثل، فنفيت ~~المثل من باب أولى لأن الأضعف وهو المثل المشبه أضعف من المشبه به، ~~فإذا كان المثل أضعف من الممثل ولا يوجد مثل للأضعف، فكيف يوجد مثل ~~للأقوى؟ وانظر إلى جمال الحق سبحانه حين يجلي للخلق مثلا في ~~دنياهم، ويجعل من ذاته - سبحانه وتعالى - المماثلة، يقول تعالى ليقرب ~~لأفهامنا كيفية نوره: # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها ~~كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره ms7602 من ~~يشآء.. # [النور: 35]. فالله - سبحانه وتعالى - يضرب المثل لنوره بالمشكاة، ~~السطحيون يظنون أن المشكاة هي المصباح، لكن الله يقول # كمشكاة فيها مصباح.. # [النور: 35] والمشكاة تجويف في الحائط، مثل الطاقة غير نافذة، فإن كانت ~~نافذة نسميها شباكا، وكانوا في الماضي يضعون المصباح في هذه الفجوة ~~ليضيء الحجرة، والفجوة هذه أو المشكاة تجمع الضوء وتقويه لذلك يكون ~~الضوء فيها أقوى من ضوء الحجرة، أو: أن المصباح يستوعب المشكاة أكثر من ~~استيعابه للحجرة كلها. وبتأمل هذا المعنى نرى أن الحق سبحانه لا يضرب لنا ~~مثلا لنوره إنما لتنويره، فتنوير الله تعالى مثل المشكاة التي فيها ~~المصباح، والمصباح يدل على الرقي في وسائل الإضاءة، فدونه مثلا ~~الشعلة، وهو فتيل يوقد في الهواء ويكون له دخان أسود، أما المصباح فله ~~زجاجة تحجز عنه الهواء إلا بقدر ما يكفي لاحتراق الفتيل، فيأتي الضوء منه ~~صافيا. ثم هو فضلا عن ذلك في زجاجة ليست عادية، إنما # كأنها كوكب دري.. # [النور: 35] أي: مثل الدرة التي تضيء بذاتها، هذا المصباح يوقد من ~~شجرة زيتونة معتدلة المزاج # لا شرقية ولا غربية.. # [النور: 35] فتصور هذا المصباح في مكان ضيق لا في الحجرة كلها، إنما ~~في المشكاة كيف يكون ضوؤه؟ كذلك تنوير الله - سبحانه وتعالى - للسماوات ~~والأرض على سعتهما، فنوره تعالى يستوعبهما، لا يترك منهما مكانا مظلما ~~كالطاقة بالنسبة لهذا المصباح الذي وصفنا. ولهذا المثل قصة شهيرة في ~~الأدب العربي، فقد فطن إليها أبو تمام في مدحه أحد الخلفاء، وحين أراد ~~أن يجمع له ملكات العرب ومواهبهم من الجود والشجاعة والحلم والذكاء، ~~قال مادحا: # إقدام عمرو في سماحة حاتم # وفي حلم أحنف في ذكاء إياس # وقد اشتهر عمرو بن معدي كرب بالشجاعة والإقدام، واشتهر حاتم الطائي ~~بالكرم، وأحنف بن قيس بالحلم حتى قيل " أحلم العرب " فلا يغضبه شيء ~~أبدا، ولا يخرجه عن حلمه، حتى أن جماعة قصدوا أن يخرجوه عن حلمه، ~~فتكون سابقة لهم فتبعوه في الطريق، وأخذوا يهزءون به وهو يضحك، حتى قارب ~~من الحي، فنظر إلى هؤلاء الفتية وقال: أيها ms7603 الفتية، لقد قربنا من الحي، ~~فإن كان في جوفكم استهزاء بي فافرغوا منه لأنهم لو ظفروا بكم لقتلوكم. # أما إياس بن معاوية فكان مضرب المثل في الذكاء، وهكذا جمع أبو تمام ~~لممدوحه خلاصة ما تعرفه العرب من مواهب. وهنا قام له واحد من خصومه وقال: ~~أتشبه الخليفة بأجلاف العرب، فمن يكون هؤلاء إذا ما قورنوا بأمير ~~المؤمنين؟ وهذا الاعتراض مأخوذ من قول الشاعر: # وشبهه المداح في البأس والندى # بمن لو رآه كان أصغر خادم # ففي جيشه خمسون ألفا كعنتر # وأمضى وفي خدامه ألف حاتم # فلما قيل لأبي تمام: كيف تشبه الخليفة بأجلاف العرب أحجم هنيهة ثم رفع ~~رأسه، وقال: # لا تنكروا ضربي له من دونه # مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة والنبراس # ومع دقة الاستشهاد وطرافته إلا أن خصومه اتهموه بأن ذلك ليس ارتجالا ~~لوقته، إنما هو معد لهذا الموقف سلفا، وبعض الدارسين للأدب يقول بذلك ~~وقاله لنا مدرس الأدب، لكن يروى أنهم لما أخذوا الورقة التي مع أبي ~~تمام لم يجدوا فيها هذه الأبيات، ثم على فرض أن الرجل أعدها قبل هذا ~~الموقف فإنها تحسب له لا عليه، وتضيف إليه ذكاء آخر لأنه استدرك على ~~ما يمكن أن يقال فاستعد له. وكما أن الحق سبحانه وتعالى له المثل ~~الأعلى في الأرض، فلا مثيل له، كذلك له المثل الأعلى في السماء فلا ~~مثيل له، مع أن ما في السماء غيب، وهم الملائكة من صفاتهم كذا وكذا، ~~فلله المثل الأعلى في السماوات. ثم يقول سبحانه: { وهو العزيز ~~الحكيم } [الروم: 27] أي: أنه سبحانه وتعالى بذاته عزيز لا يغلب، ~~ومع عزته سبحانه حكيم لا يظلم. ثم يقول الحق سبحانه: { ضرب لكم ~~مثلا من أنفسكم... }. ### || [30.28] # ضرب المثل أسلوب من أساليب القرآن للبيان وللتوضيح وتقريب المسائل إلى ~~الأفهام، ففي موضع آخر يقول سبحانه: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها.. # [البقرة: 26]. وقال سبحانه: # يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له.. # [الحج: 73] فهذا كثير من ms7604 كتاب الله، والمثل يضرب ليجلي حقيقة. ~~والضرب هنا لا يعني إحداث أثر ضار بالمضروب، إنما إحداث أثر نافع ~~إيجابي كما في قوله تعالى: # وآخرون يضربون في الأرض.. # [المزمل: 20]. وقولنا في مسألة سك العملة: ضرب في كذا، فكأن الضرب ~~يحدث في المضروب أثرا باقيا، ففي الأرض بإثارة دفائنها واستخراج ~~كنوزها، وفي العملة بترك أثر بارز لا تمحوه الأيدي في حركة التداول، ~~وكأن ضرب المثل يوضح الشيء الغامض توضيحا بينا كما تسك ~~العملة، ويجعل الفكرة في الذهن قائمة واضحة المعالم. وللضرب عناصر ثلاثة: ~~الضارب، والمضروب، والمضروب به. ويروى في مجال الأمثال أن رجلا خرج ~~للصيد معه آلاته: الكنانة وهي جعبة السهام، والسهام، والقوس، فلما رأى ~~ظبيا أخذ يعد كنانته وقوسه للرمي لكن لم يمهله الظبي وفر هاربا، ~~فقال له آخر وقد رأى ما كان منه: قبل الرماء تملأ الكنائن، فصارت ~~مثلا وإن قيل في مناسبة بعينها إلا أنه يضرب في كل مناسبة مشابهة، ~~ويقال في أي موضع كما هو وبنفس ألفاظه دون أن نغير فيه شيئا. ~~فمثلا، حين ترى التلميذ المهمل يذاكر قبيل الامتحان، وحين ترى من ~~يقدم على أمر دون أن يعد له عدته لك أن تقول: قبل الرماء ~~تملأ الكنائن. إذن: هذه العبارة صار لها مدلولها الواضح، وترسخت في ~~الذهن حتى صارت مثلا يضرب. وتقول لمن تسلط عليك وادعى أنه ~~أقوى منك: إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا. والحق سبحانه يضرب لنا ~~المثل للتوضيح ولتقريب المعاني للأفهام لذلك يقول سبحانه: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها.. # [البقرة: 26] يقف هنا بعض المتمحكين الذين يحبون أن يستدركوا على كلام ~~الله، يقولون: ما دام الله تعالى لا يستحي أن يضرب مثلا بالبعوضة فما ~~فوقها من باب أولى، فلماذا يقول # فما فوقها.. # [البقرة: 26]. وهذا يدل على عدم فهمهم للمعنى المراد لله عز وجل، ~~فالمعنى: فما فوقها أي: في الغرابة وفي القلة والصغر، لا ما فوقها في ~~الكبر. ومن الأمثلة التي ضربها الله لنا ليوضح لنا قضية التوحيد قوله ~~تعالى: ms7605 # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون # [الزمر: 29]. فالذي يتخذ مع الله إلها آخر كالذي يخدم سيدين وليتهما ~~متفقان، إنما متشاكسان مختلفان، فإن أرضى أحدهما أسخط الآخر، فهو متعب ~~بينهما، فهل يستوي هذا العبد وعبد آخر يخدم سيدا واحدا؟ كذلك في عبادة ~~الله وحده لا شريك له. # فبالمثال اتضحت القضية، ورسخت في الأذهان لذلك يقول سبحانه: أنا لا ~~أستحي أن أضرب الأمثال لأنني أريد أن أوضح لعبادي الحقائق، وأبين لهم ~~المعاني. { ضرب لكم مثلا من أنفسكم.. } [الروم: 28]. ~~في هذه الآية وبهذا المثل يؤكد الحق - سبحانه وتعالى - في قمة تربية ~~العقيدة الإيمانية، يؤكد على واحدية الله وعلى أحديته، فالواحدية شيء ~~والأحدية شيء آخر: الواحدية أنه سبحانه واحد لا فرد آخر معه، لكن هذا ~~الفرد الواحد قد يكون في ذاته مركبا من أجزاء، فوصف نفسه سبحانه بأنه ~~أحد أي: ليس مركبا من أجزاء. أكد الله هذه الحقيقة في قرآنه ~~بالحجج وبالبراهين، وضرب لها المثل. وهنا يضرب لنا مثلا من أنفسنا ليؤكد ~~على هذه الوحدانية. وقوله تعالى: { من أنفسكم.. } [الروم: 28] ~~يعني: ليس بعيدا عنكم، وأقرب شيء للإنسان نفسه، إذن: فأوضح مثل لما غاب ~~عنك أن يكون من نفسك، ومن ذلك قوله تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم.. # [التوبة: 128] أي: من جنسكم تعرفون نشأته، وتعرفون خلقه وسيرته. لكن، ~~ما المثل المراد؟ المثل: { هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم فأنتم فيه ~~سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم.. } [الروم: 28]. يقول ~~سبحانه: أريد أن أضرب لكم مثلا على أن الإله الواحد يجب عقلا ألا ~~تشركوا به أشياء أخرى، والمثل أني أرزقكم، ومن رزقي لكم موال وعبيد، ~~فهل جئتم للرزق الذي رزقكم الله وللعبيد وقلتم لهم: أنتم شركاء لنا في ~~أموالنا تتصرفون فيها كما نتصرف نحن، ثم جعلتم لهم مطلق الحرية والتصرف، ~~ليكونوا أحرارا أمثالكم تخافونهم في أن تتصرفوا دونهم في شيء كخيفتكم ~~أنفسكم؟ هل فعلتم ذلك؟ بل هل تقبلونه على أنفسكم؟ إذن: ms7606 لماذا تقبلونه في ~~حق الله تعالى وترضون أن يشاركه عبيده في ملكه؟ إنكم لم تقبلوا ذلك مع ~~مواليكم وهم بشر أمثالكم ملكتموهم بشرع الله فائتمروا بأمركم. هذا معنى { ~~من أنفسكم.. } [الروم: 28] أي: من البشر، فهم مثلكم في الآدمية، ~~وملكيتكم لهم ليست مطلقة، فأنتم تملكون رقابهم، وتملكون حركة حياتهم، ~~لكن لا تملكون مثلا قتلهم، ولا تملكون منعهم من فضاء الحاجة، لا تملكون ~~قلوبهم وإرادتهم، ثم هو ملك قد يفوتك، كأن تبيعه أو تعتقه أو حتى ~~بالموت. ومع ذلك ما اتخذتموهم شركاء، فعيب أن تجعلوا لله ما تستنكفون ~~منه لأنفسكم. ونلحظ هنا أن الله تعالى لم يناقشهم في مسألة الشركاء ~~بأسلوب الخبر منه سبحانه، إنما اختار أسلوب الاستفهام وهو أبلغ في تقرير ~~الحقيقة: { هل لكم من ما ملكت أيمانكم من ~~شركآء في ما رزقناكم.. } [الروم: 28]. وأنت لا تعدل عن الخبر ~~إلى الاستفهام عنه إلا وأنت تعلم وتثق بأن الإجابة ستكون في صالحك، ~~فمثلا حين ينكر شخص جميلك فتقول مخبرا: فعلت معك كذا وكذا، والخبر ~~يحتمل الصدق ويحتمل الكذب، وقد ينكر فيقول: لا لم تفعل معي شيئا. # أما حين تقول مستفهما: ألم أفعل فعل كذا وكذا؟ فإنك تلجئه إلى واقع ~~لا يملك إنكاره، ولا يستطيع أن يفر منه، ولا يملك إلا أن يعترف لك ~~بجميلك ولا أقل من أن يسكت، والسكوت يعني أن الواقع كما قلت. لذلك ~~يستفهم الحق سبحانه وهو أعلم بخلقه { هل لكم من ما ملكت ~~أيمانكم من شركآء.. } [الروم: 28] لا بد أن يقولوا: لا ليس ~~لنا شركاء في أموالنا، إذن: لماذا جعلتم لله شركاء؟ وقوله تعالى: { في ~~ما رزقناكم.. } [الروم: 28] سبق أن تحدثنا في مسألة الرزق وقلنا: ~~إن الله تعالى هو الرازق، ومع ذلك احترم ملكية خلقه، واحترم سعيهم: ~~لأنه سبحانه واهب هذا الملك، ولا يعود سبحانه في هبته لخلقه لذلك لما ~~أراد أن يحنن قلوب خلقه على خلقه قال: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا.. # [البقرة: 245] فاعتبر صدقتك على أخيك الفقير قرضا يرده إليك ~~مضاعفا. والرزق لا يقتصر ms7607 على المال - كما يظن البعض - إنما رزقك كل ~~ما انتفعت به فهو رزق ينبغي عليك أن تفيض منه على من يحتاجه، وأن ~~تعديه إلى من يفتقده، فالقوي رزقه القوة يعديها للضعيف، ~~والعالم رزقه العلم يعديه للجاهل، والحليم رزقه حلم يعديه للغضوب ~~وهكذا، وإلا فالمال أهون ألوان الرزق لأن الفقير الذي لا يملك مالا ولم ~~يتصدق أحد عليه قصارى ما يحدث له أن يجوع ويباح له في هذه الحالة أن ~~يسأل الناس، وما رأينا أحدا مات جوعا. لكن ينبغي على الفقير إن ~~ألجأته الحاجة للسؤال أن يسأل بتلطف ولين، فإن كان جائعا لا يسأل ~~الناس مالا إنما لقمة عيش وقطعة جبن أو ما تيسر من الطعام ليسد ~~جوعته، وسائل الطعام لا يكذبه أحد لأنه ما سأل إلا عن جوع، حتى لو سألك ~~وهو شبعان فأعطيته ما استطاع أن يأكل، أما سائل المال فقد نظن فيه ~~الطمع وقصد الادخار. إذن: أفضح سؤال سؤال القوت. لذلك في قصة الخضر وموسى ~~عليهما السلام: # حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها ~~فأبوا أن يضيفوهما.. # [الكهف: 77] فلما منعوهم حتى لقمة العيش استحقوا أن يوصفوا بألأم ~~الناس، وقد أباح الشرع للجائع أن يسأل الطعام من اللئيم فإن منعه ~~فللجائع أن يأخذه ولو بالقوة، وإذا رفع أمره إلى القاضي أيده القاضي، ~~لذلك يقولون فيه: طالب قوت ما تعدى. والحق سبحانه تكفل لك برزقك، ~~إنما جعل للرزق أسبابا وكل ما عليك أن تأخذ بهذه الأسباب ثم لا تشغل ~~بالك هما في موضوعه، وإياك أن تظن أن السعي هو مصدر الرزق، فالسعي ~~سبب، والرزق من الله، وما عليك إلا أن تتحرى الأسباب، فإن أبطأ رزقك ~~فأرح نفسك لأنك لا تعرف عنوانه، أما هو فيعرف عنوانك وسوف يأتيك يطرق ~~عليك الباب. # والذي يتعب الناس أن يظل الواحد منهم مهموما لأمر الرزق مفكرا ~~فيه، ولو علم أن الذي خلقه واستدعاه للوجود قد تكفل برزقه لاستراح، ~~فإن أخطأت أسباب الرزق في ناحية اطمئن فسوف يأتيك من ناحية أخرى. ونذكر ~~هنا قصة عروة بن ms7608 أذينة وكان صديقا لهشام بن عبد الملك بالمدينة قبل أن ~~يتولى هشام الخلافة، فلما أصبح هشام أميرا للمؤمنين انتقل إلى دمشق ~~بالشام، أما عروة فقد أصابته فاقة، فلما ضاق به الحال تذكر صداقته ~~القديمة لهشام، وما كان بينهما من ود، فقصده في دمشق عله يفرج ~~ضائقته. جاء عروة إلى دمشق واستأذن على الخليفة فأذن له، فدخل وعرض على ~~صاحبه حاجته وكله أمل في أن ينصفه ويجبر خاطره، لكن هشاما لم يكن ~~موفقا في الرد على صديقه حيث قال: أتيت من المدينة تسألني حاجتك ~~وأنت القائل: # لقد علمت وما الإسراف من خلقي # أن الذي هو رزقي سوف يأتيني # فقال عروة بعد أن كسر صديقه بخاطره: جزاك الله عني خيرا يا أمير ~~المؤمنين، لقد نبهت مني غافلا، وذكرت مني ناسيا، ثم استدار وخرج. ~~وعندها أدار هشام الأمر في نفسه وتذكر ما كان لعروة من ود وصداقة، ~~وشعر بأنه أساء إليه فأنبه ضميره، فاستدعى صاحب الخزانة، وأمر لعروة ~~بعطية كبيرة، وأرسل بها من يلحق به. لكن كلما وصل الرسول إلى محطة وجد ~~عروة قد فارقها حتى وصل إلى المدينة، ودق على عروة بابه، وكان الرسول ~~لبقا، فلما فتح عروة الباب قال: ما بكم؟ قال: رسل هشام، وتلك صلة ~~هشام لك لم يرض أن تحملها أنت خوفا عليك من قطاع الطريق، أو تحمل ~~مؤونة حملها، فأرسلنا بها إليك. فقال عروة: جزى الله أمير المؤمنين ~~خيرا، قولوا له لقد ذكرت البيت الأول، ولو ذكرت الثاني لأرحت ~~واسترحت، لقد قلت: # لقد علمت وما الإسراف من خلقي # أن الذي هو رزقي سوف يأتيني # أسعى إليه فيعييني تطلبه # ولو قعدت أتاني لا يعنيني # ثم يقول سبحانه بعد هذا المثل: { كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون } [الروم: 28] أي: نبينها ونوضحها، بحيث لو عرضت على ~~العقل مجردا عن الهوى لا ينتهي إلا إليها، ومعنى { يعقلون } ~~[الروم: 28] من العقل، وسمي عقلا لأنه يعقل صاحبه ويقيده عما لا ~~يليق. والبعض يظن أن العقل إنما جعل لترتع به في خواطرك، إنما هو جاء ~~ليقيد ms7609 هذه الخواطر، ويضبط السلوك، يقول لك: اعقل خواطرك وادرسها لا تنطلق ~~فيها على هواك تفعل ما تحب، بل تفعل ما يصح وتقول ما ينبغي. إذن: ما ~~قصرنا في البيان ولا في التوضيح. # ويتجلى دور العقل المجرد وموافقته حتى للوحي في سيرة الفاروق عمر رضي ~~الله عنه، وفي وجود رسول الله، وهو ينزل عليه الوحي يأتي عمر ويشير على ~~رسول الله بأمور، فينزل الوحي موافقا لرأي عمر، وكأن الحق - تبارك ~~وتعالى - يلفت أنظارنا إلى أن العقل الفطري إذا فكر في أمر بعيدا عن ~~الهوى لا بد أن يصل إلى الصواب وأن يوافق حقائق الدين، أما إن ~~تدخل الهوى فسد الفكر. وقوله تعالى { كذلك نفصل الآيات ~~لقوم يعقلون } [الروم: 28] العقل وسيلة من وسائل الإدراك في ~~الإنسان لأن الله تعالى قال: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. لكن، كيف تربى الأمور العقلية في الناس؟ تربى عن ~~طريق الحواس والإدراك، فالعين ترى، والأذن تسمع، واللسان يتذوق، واليد ~~تلمس، والأنف يشم، إلى آخر الحواس التي توصلنا إليها كحاسة البين، ~~وحاسة العضل وغيرها. لذلك احتاط العلماء في تسمية الحواس فقالوا " الحواس ~~الخمس الظاهرة " ليدعوا المجال مفتوحا لحواس أخرى، فهذه الوسائل تدرك ~~المعلومات وتنقلها إلى العقل ليراجعها وينتهي فيها إلى قضايا يجعلها ~~دستورا لحياته، فأنت تأكل مثلا العسل فتدرك حلاوته، وتأكل الجبن فتدرك ~~ملوحته، فتتكون لديك قضية عقلية أن هذا حلو، وهذا مالح.. إلخ. وحين تستقر ~~هذه القضايا في القلب تصير عقيدة لا تخرج للتفكير مرة أخرى، ولا تمر على ~~العقل بعد ذلك، فقد انعقد عليها الفؤاد، وترسخت في الذهن. ودور العقل ~~أن يعقل هذه القضايا، وأن يختار بين البدائل، والأمر الذي لا بديل له ~~لا عمل للعقل فيه، فلو أنك مثلا ستذهب إلى مكان ليس له إلا طريق واحد ~~فلا مجال للتكفير فيه، لكن إن كان لهذا المكان أكثر من طريق فللعقل أن ~~يفاضل بينها ويختار الأنسب منها فيسلكه. وما دام العقل هو الذي يختار فهو ms7610 ~~الميزان الذي تزن به الأشياء، وتحكم به القضايا لذلك لا بد له أن ~~يكون سليما لتأتي نتائجه كذلك سليمة وموضوعية، ومعلوم أن الميزان يختلف ~~باختلاف الموزون وأهميته. والحق سبحانه يعطينا مثالا لدقة الميزان في ~~الشمس والقمر، فيقول # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5] أي: بحساب دقيق، ولولا الدقة فيهما ما أخذناهما ميزانا ~~للوقت، فبالشمس نعرف الليل والنهار، وبالقمر نعرف الشهور. فحين يقول ~~سبحانه { كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون } [الروم: ~~28] يعني: أننا عملنا ما علينا من التفصيل والبيان، وتوضيح الحجج ~~والبراهين، ولكن أنتم الذين لا تعقلون. ولما كان العقل هو آلة الاختيار ~~بين البدائل وآلة التمييز أعفى الحق سبحانه من لا عقل له من التكاليف، ~~أعفى الطفل الصغير الذي لم يبلغ لأن عقله لم ينضج بعد، ولأن حواسه لم ~~تكتمل. وتتجلى حكمة الشارع في قول النبي صلى الله عليه وسلم # " مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر " # فجعل من ضمن تكليف الآباء أن يكلفوا هم الأبناء في هذه السن، ~~لتكون لهم دربة على طاعة الأمر والنهي في وقت ليس عليهم تكليف مباشر من ~~الله تعالى. فإذا كبر الصغير يستقبل تكليفي كما استقبل تكليفك أولا، ~~وربك ما افتات عليك في هذه المسألة، فأعطاك حق التكليف بالصلاة، وأعطاك ~~حق أن تعاقبه إن قصر، فأنت الذي تكلف، وأنت الذي تعاقب. وأعفى ~~المجنون لأن آلة الاختيار عنده غير سليمة وغير صالحة، وقلنا: إن علامة ~~النضج في الإنسان أن يصير قادرا على إنجاب مثله، ومثلنا لذلك بالثمرة ~~التي لا تحلو إلا بعد نضجها، بحيث إذا أكلت زرعت بذرتها، فأنبتت ثمرة ~~جديدة، وهكذا يحدث بقاء النوع وتستمر الدورة. فربك لا يريد أن تأكل أكلة ~~واحدة، ثم تحرم أو يحرم من يأتي بعدك، إنما يريد أن تأكل ويأكل كل ~~من يأتي بعدك، فلا تأخذ الثمرة حلاوتها إلا بعد نضج بذرتها، ~~وصلاحيتها للإنبات. وقوله تعالى: { لقوم يعقلون } [الروم: 28] ~~يدل على أن الذين يتخذون مع الله شركاء غير عاقلين، وإلا فما معنى عبادة ~~الأصنام أو الأشجار أو الشمس أو القمر؟ وقد قالوا ms7611 بألسنتهم: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3]. فما هي العبادة؟ العبادة طاعة العابد لأمر المعبود ونهيه، ~~إذن: بماذا أمرتكم هذه الآلهة؟ وعم نهتكم؟ ما المنهج الذي وضعته ~~لكم؟ ماذا أعدت لمن أطاعها من النعيم؟ وماذا أعدت لمن عصاها من العذاب؟ ~~لا شيء إلا أنها آلهة بدون تكاليف، وما أيسر أن يعبد الإنسان إلها لا ~~تكاليف له، لا يقيدك فيما تحب من شهوات، ولا يحملك مشقة العبادة، ~~وهنا يتضح عدم العقل. وأيضا عدم العقل في ماذا؟ الله خلقك في كون فيه ~~أجناس، والأجناس تحكمها سلسلة الارتقاء، فجنس أعلى من جنس، والجنس الأعلى ~~في خدمة الجنس الأقل. ولو استقرأت أجناس الوجود تجد أن معك أيها الإنسان ~~جنسا آخر يشاركك الحس والحركة، لكن ليس له عقل واختيار بين البدائل ~~لأنه محكوم بالغريزة منضبط بها، وهذا هو الحيوان الذي لا ينفك عن ~~الغريزة أبدا. وسبق أن ضربنا مثلا لذلك بالغريزة الجنسية عند الإنسان ~~وعند الحيوان، وأن الله تعالى إنما جعلها للتكاثر وحفظ النوع، فالحيوان ~~المحكوم بالغريزة يؤدي هذه المهمة للتكاثر ويقف بها عند حدها، فإذا ~~لقح الذكر الأنثى يستحيل أن تمكنه من نفسها بعد ذلك، وهو أيضا ~~يشم رائحة الأنثى، فإن كانت حاملا ينصرف عنها. أما الإنسان فغير ذلك ~~لأن له شهوة تتحكم فيه، فالمرأة تتحمل مشقة الحمل وألم الولادة، ثم تربية ~~المولود إلى أن يكبر، ولولا أن الله تعالى ربط حفظ النوع في الإنسان ~~بشهوة هي أعنف شهوات النفس ما أقدمت المرأة على الحمل مرة أخرى. # وما قلناه في غريزة الجنس نقوله في الطعام والشراب، الحيوان محكوم ~~فيها بالغريزة المطلقة التي لا دخل للهوى فيها، فإذا شبع لا يأكل مهما ~~حاولت معه، بل ونرى الحمار الذي نقول عنه إنه حمار لا يأكل عودا واحدا ~~بعد شبعه، ويمر على النعناع الأخضر مثلا أو على الملوخية فلا يأكلها، ~~ويذهب إلى الحشائش اليابسة، فهو يعرف طعامه بالغريزة التي جعلها الله ~~فيه. أما الإنسان فيأكل حتى التخمة، ثم لا ينسى بعد ذلك الحلو والبارد ~~والمهضم.. ms7612 الخ ذلك لأنه أسير لشهوة بطنه، حتى إن من الناس من يغضب لأنه ~~شبع فهو يريد ألا يفارق المائدة. وقد حدثنا رجال حديقة الحيوان بعد ~~زلزال 1992 أنهم شاهدوا هياجا في الحيوانات المحبوسة في الأقفاص قبل ~~حدوث الزلزال، كان أولها الوطواط، ثم الزرافة، ثم التمساح، ثم القرود، ثم ~~الحمير، وكأنهم يريدون تحطيم الأقفاص والخروج منها، بعدها حدث الزلزال. ~~وكذلك ما شاهده أهل أغادير بالدار البيضاء قبل الزلزال الذي وقع بها، حيث ~~شاهدوا الحمير تفك قيودها، وتفر هاربة إلى الخلاء، وبعدها وقع الزلزال. ~~إذن: لدى هذه الحيوانات استشعار بالزلزال قبل أن يقع. وقد أعطانا الحق - ~~سبحانه وتعالى - مثالا لهذه الغريزة في قصة الغراب الذي علم الإنسان ~~كيف يواري الميت، فقال تعالى في قصة ولدي آدم: # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ~~يواري سوءة أخيه.. # [المائدة: 31]. نعود إلى حديثنا عن أجناس الكون لبيان عدم عقل هؤلاء ~~الذين جعلوا لله شركاء، فأجناس الوجود: الإنسان، ثم الحيوان، ثم النبات، ~~ففيه حياة ونمو، ثم الجماد أقل الموجودات درجة، وهو خادم للنبات ~~وللحيوان وللإنسان، فكل جنس من هذه يخدم الجنس الأعلى منه. فماذا فعل ~~الكفار حينما عبدوا الأصنام؟ جعلوا الجماد الذي هو أدنى المخلوقات أرقاها ~~وأعظمها، جعلوه إلها يعبد، وهل هناك أقل عقلا من هؤلاء؟ لذلك يقول ~~الحق سبحانه: { بل اتبع الذين... }. ### || [30.29] # اتبعوا أهواءهم لأنهم اختاروا عبادة من لا منهج له ولا تكليف، عبدوا ~~إلها لا أمر له ولا نهي، لا يرتب على التقصير عقوبة، ولا على العمل ~~ثوابا، وهذا كله من وحي الهوى الذي اتبعوه. إياك أن تقدم الهوى على ~~العقل لأنك حين تقدم الهوى يصير العقل عقلا تبريريا، يحاول أن ~~يعطيك ما تريد بصرف النظر عن عاقبته، لكن بالعقل أولا حدد الهوى، ثم ~~اجعل حركة حياتك تبعا له. والبعض يظن أن الهوى شيء مذموم على إطلاقه، ~~لكن الهوى الواحد غير مذموم، أما المذموم فهي الأهواء المتعددة المتضاربة ~~لأن الهوى الواحد في القلب يجند القالب كله لخدمة هذا الهوى، فحين ~~يكون هواى ms7613 أن أذهب إلى مكان كذا، فإن القالب يسعى ويخطط لهذه الغاية، ~~فيحدد الطريق، ويعد الزاد، ويأخذ بأسباب الوصول. وهذا الهوى الواحد هو ~~المعنى في الحديث الشريف: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " # فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع أن يكون للإنسان هوى تميل إليه نفسه ~~وتحبه لأن ذلك الهوى يعينه على الجهاد والكفاح في حركة الحياة. أما حين ~~تتعدد الأهواء فلك محبوب، ولي محبوب آخر، فإنها لا شك تتعارض ~~وتتعاند، والله تعالى يريد من المجتمع الإيماني أن تتساند كل أهوائه، وأن ~~تتعاضد لا تتعارض، وأن تتضافر لا تتضارب لأن تضارب الأهواء يبدد حركة ~~الحياة ويضيع ثمرتها. أما إن كان هواي هو هواك، وهو هوى ليس بشريا، ~~إنما هوى رسمه لنا الخالق - عز وجل - فسوف نتفق فيه، وتثمر حركة حياتنا ~~من خلاله # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. وسبق أن قلنا: إن صاحب الصنعة في الدنيا يجعل معها ~~كتالوجا يبين طريقة صيانتها، والحق - سبحانه وتعالى - هو الذي خلقك، ~~وهو الذي يحدد لك هواك، وأول فشل في الكون أن الناس المخلوقين لله ~~يريدون أن يضعوا للبشر قانون صيانتهم من عند أنفسهم. ونقول: هذا لا يصح ~~لأن الذي يقنن ويضع للناس ما يصونهم ينبغي أن تتوفر فيه شروط: أولها: ~~أن يكون على علم محيط لا يستدرك عليه، وأنت أيها الإنسان علمك محدود ~~كثيرا ما تستدرك أنت عليه بعد حين، ويتبين لك عدم مناسبته وعدم صلاحيته. ~~بل وتتبين أنت بنفسك فساد رأيك فترجع عنه إلى غيره، كما يجب على من ~~يشرع للناس الهوى الواحد أن يكونوا جميعا بالنسبة له سواء، وألا ينتفع ~~هو بما يشرع، وإلا لو كانت له منفعة فإنه سوف يميل إلى ما ينفعه، فلا ~~يكون موضوعيا كما رأينا في الشيوعية وفي الرأسمالية وغيرها من المذاهب ~~البشرية. والحق - سبحانه وتعالى - هو وحده الذي لا يستدرك عليه لأن ~~علمه محيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية، والخلق جميعا الذين يشرع لهم ~~أمامه سواء، وكلهم عباده، لا ms7614 يحابي منهم أحدا، ولا يميز أحدا على أحد، ~~وليس له سبحانه من خلقه صاحبة ولا ولد. # لذلك يطمئننا سبحانه بقوله: # وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ~~ولدا # [الجن: 3]. وكأن الله تعالى يقول: اطمئنوا، فربكم ليس له صاحبة تؤثر ~~عليه، ولا ولد يحابيه، فالصاحبة والولد نقطة الضعف، وسبب الميل في ~~مسألة التشريع. وكذلك هو سبحانه لا ينتفع بما يشرعه لنا، لأنه سبحانه ~~خلقنا بقدرته، وهو الغني عنا لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية ~~العاصين، إذن: فهو سبحانه وحده المستكمل لشروط التشريع، والمستحق لها ~~سبحانه، وبيان الهوى الواحد الذي يجتمع عليه كل الخلق. وسبق أن ذكرنا ~~في مسألة التشريع أنه لا ينبغي أن تنظر إلى ما أخذ منك، بل قارن بين ما ~~أخذت وما أعطيت، فالذي منعك أن تعتدي على الآخرين وأنت فرد واحد منع ~~الخلق جميعا أن يعتدوا عليك، فالتشريع إذن في صالحك أنت. إذن: لو ~~عقلنا لأخذنا هوانا الواحد من إله واحد هو الله - عز وجل - لكن الخيبة ~~أنهم ما استمعوا هذا الكلام وما عقلوه. { بل اتبع الذين ~~ظلموا أهوآءهم بغير علم.. } [الروم: 29] ظلموا لأنهم ~~عزلوا الهوى الواحد، ونحوه جانبا، وأخذوا أهواء شتى تعارضت ~~وتضاربت، فلم يصلوا منها إلى نتيجة. وما ظلموا بالشرك إلا أنفسهم، والله ~~تعالى يقول: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] ظلموا أنفسهم حينما أعطوها شهوة عاجلة ولذة فانية، وغفلوا ~~عن عاقبة ذلك، فهم إما كارهون لأنفسهم، أو يحبونها حبا أحمق، وهذه آفة ~~الهوى حينما يسبق العقل ويتحكم فيه. وقوله تعالى: { بغير علم.. } ~~[الروم: 29] أولا: ما هو العلم؟ في الكون قضايا نجزم بها، فإن كان ما ~~نجزم به مطابقا للواقع ونستطيع أن ندلل عليه - كما نعلم مثلا الولد ~~الصغير: الله أحد، فإن استطاع أن يدلل عليها فهي علم، وإن لم يستطع ~~فهي تقليد. وكمن يقول مثلا: الأرض كروية وهي فعلا كذلك، أما من يكابر ~~حتى الآن ويقول ليست كروية، والواقع أنها كروية، فهذا جهل. إذن: نقول ليس ~~الجهل ألا تعلم، إنما الجهل أن تعلم قضية ms7615 على خلاف الواقع لذلك ~~نفرق بين الجاهل والأمي: الأمي خالي الذهن ليست لديه قضية من ~~أساسه، فإن أخبرته بقضية أخذها منك دون عناد، ودون مكابرة أما الجاهل ~~فعنده قضية خاطئة معاندة، فيحتاج منك أولا لأن تخرج القضية الفاسدة ~~لتلقي إليه بالقضية الصحيحة. فإن كانت القضية لا تصل إلى مرتبة أن ~~نجزم بها، فتنظر: إن تساوى الإثبات فيها مع النفي فهي الشك، إذن: ~~فالشك قضية غير مجزوم بها يستوي فيها الإثبات والنفي، فإن غلبت ~~جانب الإثبات ورجحته فهو ظن، أما إن غلبت جانب النفي فهو وهم. # فعندنا - إذن - من أنواع القضايا: علم، وجهل وتقليد، وظن، ووهم. فالحق ~~سبحانه يريد الهوى الذي تخدمه حركة حياتنا هوى عن علم وعن قضية مجزوم ~~بها، مطابقة للواقع، وعليها دليل، لكن ما دام هؤلاء قد اتبعوا أهواءهم ~~المتفرقة، وأخذوها بدون أصولها من العلم، فسوف أكمل لهم ما أرادوا ~~وأعينهم على ما أحبوا { فمن يهدي من أضل الله.. } ~~[الروم: 29] فقد ألغوا عقولهم وعطلوها وعشقوا الكفر بعد ما سقنا لهم ~~الأدلة والبراهين. إذن: لم يبق إلا أن أعينكم على ما تعتقدون، وأن ~~أساعدكم عليه، فأختم على قلوبكم، فلا يدخلها إيمان ولا يفارقها كفر، ~~لأنني رب أعين عبدي على ما يريد. وهكذا يضل الله هؤلاء، بمعنى: يعينهم ~~على ما هم عليه من الضلال بعد أن عشقوه، كما قال سبحانه: # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم # [البقرة: 7]. لذلك نحذر الذين يصابون بمصيبة، ثم لا يسلون، ولا ~~ينسون، ويلازمون الحزن، نحذرهم ونقول لهم: لا تدعوا باب الحزن مفتوحا، ~~وأغلقوه بمسامير الرضا، وإلا تتابعت عليكم الأحزان لأن الله تعالى رب ~~يعين عبده على ما يحب، حتى الساخط على قدره تعالى. فالمعنى { فمن ~~يهدي من أضل الله.. } [الروم: 29] يعني: من ينقذه؟ ومن ~~يضع له قانون صيانته إن تخلى عنه ربه وتركه يفعل ما بدا له؟ لا أحد. ~~وأنت إذا نصحت صاحبك وكررت له النصح فلم يطعك تتخلى عنه، بل إن أحد ~~الحكماء يقول: انصح صاحبك من الصبح ms7616 إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، فإن ~~لم يطاوعك ضلله - أو أكمل له بقية النهار غشا. وسبق أن تحدثنا عن ~~الطريقة الصحيحة في بحث القضايا لتصل إلى الحكم الصائب فيها، فلا تدخل ~~إلى العلم بهوى سابق، بل أخرج كل ما في قلبك يؤيد هذه القضية أو يعارضها، ~~ثم ابحث القضية بموضوعية، فما تقتنع به الموازين العقلية وترجحه أدخله ~~إلى قلبك. والذي يتعب الناس الآن أن نناقش قضية الإسلام مثلا وفي القلب ~~ميل للشيوعية مثلا، فننتهي إلى نتيجة غير سليمة. ثم يقول سبحانه: { ~~وما لهم من ناصرين } [الروم: 29] يعني: يا ليت لهم من ~~ينقذهم إن أضلهم الله فختم على قلوبهم، فلا يدخلها إيمان، ولا يخرج ~~منها كفر، فليس لهم من الله نصير ينصرهم، ولا مجير يجيرهم من الله، وهو ~~سبحانه يجير ولا يجار عليه. ثم يقول الحق سبحانه: { فأقم وجهك ~~للدين حنيفا فطرت... }. ### || [30.30] # الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد، ما دام الأمر كذلك، وما ~~داموا قد اتبعوا أهواءهم وضلوا، وأصروا على ضلالهم، فدعك منهم ولا ~~تتأثر بإعراضهم. كما قال له ربه: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. وقال له: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. فما عليك يا محمد إلا البلاغ، واتركهم لي، وإياك أن يؤثر ~~فيك عنادهم، أو يحزنك أن يأتمروا بك، أو يكيدوا لك، فقد سبق القول مني ~~أنهم لن ينتصروا عليك، بل ستنتصر عليهم. وهذه قضية قرآنية أقولها، ~~وتسجل علي: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. # ولينصرن الله من ينصره.. # [الحج: 40]. # إن تنصروا الله ينصركم.. # [محمد: 7]. هذه قضية قرآنية مسلم بها ومفروغ منها، وهي على ألسنتنا ~~وفي قلوبنا، فإن جاء واقعنا مخالفا لهذه القضية، فقد سبق أن أكدها ~~واقع الأمم السابقة، وسيحدث معك مثل ذلك لذلك يطمئن الحق نبيه صلى الله ~~عليه وسلم: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. فهنا { فأقم وجهك للدين حنيفا.. } [الروم: ms7617 ~~30] أي: دعك من هؤلاء الضالين، وتفرغ لمهمتك في الدعوة إلى الله، ~~وإياك أن يشغلوك عن دعوتك. ومعنى إقامة الوجه للدين يعني: اجعل وجهتك ~~لربك وحده، ولا تلتفت عنه يمينا ولا شمالا، وذكر الوجه خاصة وهو يعني ~~الذات كلها لأن الوجه سمة الإقبال. ومنه قوله سبحانه: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88] يعني: ذاته تعالى. ومعنى { حنيفا.. } [الروم: 30] هذه ~~الكلمة من الكلمات التي أثارت تذبذبا عند الذين يحاولون أن يستدركوا ~~على كلام الله لأن معنى الحنيف: مائل الساقين فترى في رجله انحناء ~~للداخل، يقال: في قدمه حنف أي ميل، فالمعنى: فأقم وجهك للدين مائلا، نعم ~~هكذا المعنى، لكن مائلا عن أي شيء؟ لا بد أن تفهم المعنى هنا، حتى ~~لا تتهم أسلوب القرآن، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء ليصلح مجتمعا ~~فاسدا منحرفا يدين بالشرك والوثنية، فالمعنى: مائلا عن هذا الفساد، ~~ومائلا عن هذا الشرك، وهذه الوثنية التي جئت لهدمها والقضاء عليها، ~~ومعنى: مال عن الباطل. يعني: ذهب إلى الحق. و أقم هنا بمعنى: أقيموا، ~~لأن خطاب الرسول خطاب لأمته، بدليل أنه سبحانه سيقول في الآية بعدها: # منيبين إليه.. # [الروم: 31] ولو كان الأمر له وحده لقال منيبا إليه، ومثال ذلك أيضا ~~قوله تعالى: # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن ~~لعدتهن.. # [الطلاق: 1]. فالخطاب للأمة كلها في شخص رسول الله لأنه صلى الله عليه ~~وسلم هو المبلغ، والمبلغ هو الذي يتلقى الأمر، ويقتنع به أولا ~~ليستطيع أن يبلغه لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.. # [الأحزاب: 21]. وقال { حنيفا.. } [الروم: 30] لأن الرسل لا تأتي إلا ~~على فساد شمل الناس جميعا لأن الحق سبحانه كما خلق في الجسم مناعة مادية ~~خلق فيه مناعة قيمية، فالإنسان تحدثه نفسه بشهوة وتغلبه عليها، فيقع ~~فيها، لكن ساعة ينتهي منها يندم عليها ويؤنبه ضميره، فيبكي على ما كان ~~منه، وربما يكره من أعانه على المعصية. وهذه هي النفس اللوامة، وهي ~~علامة وجود الخير في الإنسان، وهذه هي المناعة الذاتية التي تصدر من ms7618 ~~الذات. وفرق بين من تنزل عليه المعصية وتعترض طريقه، ومن يرتب ~~لها ويسعى إليها، وهذا بين في قوله تعالى: # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب.. # [النساء: 17]. فرق بين من يذهب إلى باريس لطلب العلم، فتعترض طريقه ~~إحدى الفتيات، ومن يذهب إلى باريس لأنه سمع عما فيها من إغراء، فهذا ~~وقع في المعصية رغما عنه، ودون ترتيب لها، وهذا قصدها وسعى إليها، الأول ~~غالبا ما يؤنب نفسه وتتحرك بداخله النفس اللوامة والمناعة الذاتية، ~~أما الآخر فقد ألفت نفسه المعصية واستشرت فيها، فلا بد أن تكون له ~~مناعة، ليست من ذاته، بل من المجتمع المحيط به، على المجتمع أن يمنعه، ~~وأن يضرب على يديه. والمناعة في المجتمع لا تعني أن يكون مجتمعا مثاليا ~~لا يعرف المعصية، بل تحدث منه المعاصي، لكنها مفرقة على أهواء الناس، ~~فهذا يميل إلى السرقة، وهذا يميل إلى النظر إلى المحرمات، وهذا يحب كذا.. ~~الخ. إذن: ففي الناس مواطن قوة، ومواطن ضعف، وعلى القوي في شيء أن يمنع ~~الضعيف فيه، وأن يزجره ويقومه لذلك يقول تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3]. فإذا عم الفساد وطم كما قال تعالى عن اليهود: # كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه.. # [المائدة: 79] وفقد المجتمع أيضا مناعته. فلا بد أن تتدخل السماء ~~برسول جديد ومعجزة جديدة، لينقذ هؤلاء. ثم يقول تعالى: { فطرت ~~الله التي فطر الناس عليها.. } [الروم: 30] فنحن نرى ~~البشر يتخذون الطعوم والأمصال للتحصين من الأمراض، كذلك الحق سبحانه - ~~وله المثل الأعلى - جعل هذا المصل التطعيمي في كل نفس بشرية، حتى في ~~التكوين المادي. ألا ترى قوله تعالى في تكوين الإنسان: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ~~ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة.. # [الحج: 5]. فالمخلقة هي التي تكون الأعضاء، وغير المخلقة هي ~~الرصيد المختزن في الجسم، وبه يعوض أي خلل في الأعضاء المخلقة، فهي ms7619 ~~التي تمده بما يصلحه، كذلك في القيم جاء دين الله فطرت الله التي فطر ~~الناس عليها، فإذا تدخلت الأهواء وحدثت الغفلة جاءت المناعة، إما من ~~ذات النفس، وإما من المجتمع، وإما برسول ومنهج جديد. # وقد كرم الله أمة محمد بأن يكون رسولها خاتم الرسل، فهذه بشرى لنا ~~بأن الخير باق فينا، ولا يزال في يوم القيامة، ولن يفسد مجتمع المسلمين ~~أبدا بحيث يفقد كله هذه المناعة، فإذا فسدت فيه طائفة وجدت أخرى ~~تقومها، وهذا واضح في قول النبي صلى الله عليه وسلم. # " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي ~~أمر الله وهم كذلك ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة ". # وإلا لو عم الفساد هذه الأمة لاقتضى الأمر شيئا آخر. وحين نقرأ ~~الآية نجد أن كلمة { فطرت.. } [الروم: 30] منصوبة، ولم يتقدم عليها ~~ما ينصبها، فلماذا نصبت؟ الأسلوب هنا يريد أن يلفتك لسبب النصب، ~~وللفعل المحذوف هنا، لتبحث عنه بنفسك، فكأنه قال: فأقم وجهك للدين حنيفا ~~والزم فطرت الله التي فطر الناس عليها. لذلك يسمي علماء النحو هذا ~~الأسلوب أسلوب الإغراء، وهو أن أغريك بأمر محبوب وأحثك على فعله، ~~كذلك الحق سبحانه يغري رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقيم وجهه نحو ~~الدين الخالص، وأن يلزم فطرت الله، وألا يلتفت إلى هؤلاء المفسدين، أو ~~المعوقين له. والفطرة: يعني الخلقة كما قال سبحانه: # فاطر السماوات والأرض.. # [يوسف: 101] يعني: خالقهما، والفطرة المرادة هنا قوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56]. فالزم هذه الفطرة، واعلم أنك مخلوق للعبادة. أو: أن ~~فطرت الله تعني: الطبيعة التي أودعها الله في تكوينك منذ خلق الله آدم، ~~وخلق منه ذريته، وأشهدهم على أنفسهم # ألست بربكم قالوا بلى.. # [الأعراف: 172]. وسبق أن بينا كيف أن في كل منا ذرة حية من أبينا آدم ~~باقية في كل واحد منا، فالإنسان لا ينشأ إلا من الميكروب الذكري الحي ~~الذي يخصب البويضة، وحين تسلسل هذه العملية لا بد أن ms7620 تصل بها إلى ~~آدم عليه السلام. وهذه الذرة الباقية في كل منا هي التي شهدت العهد ~~الأول الذي أخذه الله علينا، وإلا فالكفار في الجاهلية الذين جاء رسول ~~الله لهدايتهم، كيف اعترفوا لله تعالى بالخلق: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله.. # [الزمر: 38]. من أين عرفوا هذه الحقيقة؟ نقلت إليهم من هذا العهد ~~الأول، فمنذ هذا العهد لم يجرؤ أحد من خلق الله أن يدعي هذا الخلق ~~لنفسه، فظلت هذه القضية سليمة في الأذهان مع ما حدث من فساد في معتقدات ~~البشر. وتظل هذه القضية قائمة بالبقية الباقية من هذا العهد الأول، حتى ~~عند الكفار والملاحدة، فحين تكتنفهم الأحداث وتضيق بهم أسبابهم، تراهم ~~يقولون وبلا شعور: يا رب، لا يدعون صنما ولا شجرا، ولا يذهبون إلى ~~آلهتهم التي اصطنعوها، فهم يعلمون أنها كذب في كذب، ونصب في نصب. # والآن لا يخدعون أنفسهم ولا يكذبون عليها، الآن وفي وقت الشدة وحلول ~~الكرب ليس إلا الله يلجئون إليه، ليس إلا الحق والفطرة السليمة التي فطر ~~الله الناس عليها. وما دام الله قد فطرنا على هذه الفطرة، فلا تبديل لما ~~أراده سبحانه { لا تبديل لخلق الله.. } [الروم: 30] يعني: ما ~~استطاع أحد أن يقول: أنا خلقت السماوات والأرض، ولا أن يقول: أنا ~~خلقتكم أو خلقت نفسي. { ذلك الدين القيم.. } [الروم: 30] أي: ~~الدين الحق { ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [الروم: ~~30] أي: لا يعلمون العلم على حقيقته والتي بيناها أنها الجزم بقضية ~~مطابقة للواقع، ويمكن إقامة الدليل عليها. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~منيبين إليه واتقوه... }. ### || [30.31] # أناب: يعني رجع وقطع صلته بغير الحق { إليه.. } [الروم: 31] إلى ~~الله، فلا علاقة له بالخلق في مسألة العقائد، فجعل كل علاقته بالله. ~~ومنه يسمون الناب لأنه يقطع الأشياء، ويقولون: ناب إلى الرشد، وثاب إلى ~~رشده، كلها بمعنى: رجع، وما دام هناك رجوع فهناك أصل يرجع إليه، وهو أصل ~~الفطرة. وقوله تعالى { واتقوه.. } [الروم: 31] لأنه لا يجوز أن ~~تنيب إلى الله، وأن ترجع إليه، وأن تجعله في بالك ثم تنصرف ms7621 عن منهجه الذي ~~شرعه لينظم حركة حياتك، فالإنابة وحدها والإيمان بالله لا يكفيان بل لا ~~بد من تطبيق المنهج بتقوى الله، لذلك كثيرا ما يجمع القرآن بين ~~الإيمان والعمل الصالح: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. # [الشعراء: 227]. لأن فائدة الإيمان وثمرته بعد أن تؤمن بالإله الحق، وأن ~~منهجه هو الصدق، وفيه نفعك وسلامتك في حركة حياتك، وأنه الذي يوصلك ~~إلى سعادة الدارين، ولا معنى لهذا كله إلا بالعمل والتطبيق. { ~~واتقوه.. } [الروم: 31] أي: اتقوا غضبه، واجعلوا بينكم وبين غضب ~~الله وقاية، وهذه الوقاية تتحقق باتباع المنهج في افعل ولا تفعل. وسبق أن ~~تكلمنا في معنى التقوى وقلنا: إنها تحمل معنيين يظن البعض أنهما متضاربان ~~حين نقول: اتقوا الله. واتقوا النار. لكن المعنى واحد في النهاية لأن ~~معنى اتق الله: اجعل بينك وبين عذاب الله وغضبه وقاية، وهذا نفسه معنى: ~~اتق النار. يعني: ابتعد عن أسبابها حتى لا تمسك. وقوله تعالى: { ~~وأقيموا الصلاة.. } [الروم: 31] أقيموا الصلاة أدوها على ~~الوجه الأكمل، وأدوها على ما أحب منكم في أدائها، فساعة أناديك: ~~الله أكبر يجب أن تقبل علي، وأنت حين تلبي النداء لا تأتي لتعينني ~~على شيء، ولا أنتفع بك في شيء، إنما تنتفع أنت بهذا اللقاء، وتستمد مني ~~العون والقوة، وتأخذ شحنة إيمان ويقين من ربك. وقلنا: ما تصورك لآلة ~~تعرض على صانعها كل يوم خمس مرات أيبقى بها عطب؟ لذلك يعلمنا ~~نبينا صلى الله عليه وسلم أنه إذا حزبنا أمر أن نهرع إلى الصلاة، وكذلك ~~كان يفعل صلى الله عليه وسلم إذا عز عليه شيء، أو ضاقت به الأسباب، ~~وإلا فما معنى الإيمان بالله إن لم تلجأ إليه. وما دام ربك غيبا، فهو ~~سبحانه يصلحك بالغيب أيضا، ومن حيث لا تدري لذلك أمرنا ربنا بإقامة ~~الصلاة، وجعلها عماد الدين والركن الذي لا يسقط عنك بحال، فالزكاة والحج ~~مثلا يسقطان عن الفقير وعن غير القادر، والصوم يسقط عن المريض أو ~~المسافر، في حين مرضه أو سفره، ثم يقضيه بعد انقضاء سبب الإفطار. أما ~~الصلاة فهي ms7622 الركن الدائم، ليس مرة واحدة في العمر، ولا مرة واحدة في ~~العام، إنما خمس مرات في اليوم والليلة، فبها يكون إعلان الولاء لله ~~تعالى إعلانا دائما، وهذا إن دل فإنما يدل على عظمة الإنسان ومكانته ~~عند ربه وخالقه. # وسبق أن قلنا: إنك إن أردت مقابلة أحد المسئولين أو أصحاب المنزلة كم ~~تعاني ليؤذن لك، ولا بد أن يحدد لك الموعد والمكان، بل وموضوع ~~المقابلة وما ستقوله فيها، ثم لصاحب المقابلة أن ينهيها متى يشاء. إذن: ~~لا تملك من عناصر هذا اللقاء شيئا؟ أما في لقائك بربك - عز وجل - فالأمر ~~على خلاف ذلك، فربك هو الذي يطلبك ويناديك لتقبل عليه، لا مرة واحدة ~~بل خمس مرات كل يوم، ويسمح لك أن تناجيه بما تحب، وتطلب منه ما تريد. ~~ولك أن تنهي أنت المقابلة بقولك: السلام عليكم، فإن أحببت أن تطيل ~~اللقاء، أو أن تعتكف في بيت ربك فإنه سبحانه لا يمل حتى تملوا، فهذه ~~- إذن - ليست عبودية، بل عز وسيادة. وما أجمل ما قاله الشاعر في هذا ~~المعنى: # حسب نفسي عزا بأني عبد # يحتفي بي بلا مواعيد رب # هو في قدسه الأعز ولكن # أنا ألقى متى وأين أحب # ولأن للصلاة هذه المنزلة بين أركان الإسلام لم تفرض بالوحي كباقي ~~الأركان، إنما فرضت مباشرة من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، ~~حين استدعاه ربه للقائه في السماء في رحلة المعراج. وسبق أن مثلنا ~~لذلك - ولله تعالى المثل الأعلى - برئيس العمل الذي يلقي أوامره ~~بالتليفون، أو بتأشيرة على ورقة، فإن تعرض لأمر هام استدعى الموظف ~~المختص إلى مكتبه، وأعطاه الأمر مباشرة لأهميته، كذلك كانت الصلاة، وكذلك ~~فرضت على سيدنا رسول الله بالتكليف المباشر. ثم يقول سبحانه: { ولا ~~تكونوا من المشركين } [الروم: 31] وهنا وقفة: فكيف بعد ~~الإنابة إلى الله والتقوى، وبعد الأمر بإقامة الصلاة يقول { ولا ~~تكونوا من المشركين } [الروم: 31]؟ وأين الشرك ممن ~~يؤدي التعاليم على هذا الوجه؟ قالوا: الشرك المنهي عنه هنا ليس ~~الإشراك مع الله إلها آخر، إنما أشركوا مع الله ms7623 نية أخرى، فالإشراك هنا ~~بمعنى الرياء، والنظر إلى الناس لا إلى الله. لذلك يقولون: العمل من أجل ~~الناس رياء، وترك العمل من أجل الناس شرك، فالذي يصلي أو يبني لله ~~مسجدا للشهرة، وليحمده الناس فهو مراء، وهو خائب خاسر لأن الناس ~~انتفعوا بعمله ولم يحصل هو من عمله شيئا. أما من يترك العمل خوفا ~~من الوقوع في الرياء، فيمتنع عن الزكاة مثلا، خوف أن يتهم ~~بالرياء، فهو والعياذ بالله مشرك، لأن الناس ينتفعون بالعمل حتى وإن كان ~~رياء، لكن إن امتنعت عن العمل فلا ينتفع الناس منك بشيء. فالمعنى: { ~~ولا تكونوا من المشركين } [الروم: 31] أي: الشرك الخفي وهو ~~الرياء لذلك رأينا سيدنا رسول الله وهو الأسوة للأمة الإيمانية يدعو ربه ~~ويقول # " اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ~~". # فالعمل الإيماني ما كان لله خالصا، وعلى قدر الإخلاص يكون الجزاء، ~~فمن الناس من يفعل الصلاح فيوافق شيئا في نفسه، كأن يساعده على ~~استقامة الحياة أو على التوفير في النفقات أو غير ذلك فيستمر عليه، لا ~~لله إنما لمصلحته هو. وفي هؤلاء يقول تعالى: # ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه ~~خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على ~~وجهه خسر الدنيا والأخرة ذلك هو الخسران ~~المبين # [الحج: 11]. وكالتاجر الذي يلتزم الصدق في تجارته، لا حبا في الصدق ~~ذاته، إنما طمعا في الشهرة والصيت وكسب المزيد من الزبائن، ومثل ~~هؤلاء ينالون من الدنيا على قدر سعيهم لها، ولا يحرمهم الله ثمرة ~~مجهوداتهم، كما قال سبحانه: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. فما أشبه الناس في نياتهم من الأعمال بركب يقصدون وجهة ~~واحدة، لكن لكل منهم غاية يسعى إليها، فهذا يسعى للطعام أو أكلة شهية، ~~وهذا يسعى لامرأة جميلة، وهذا يسعى لدرس علم ينتفع به، وآخر يسعى لرؤية ~~من يحب، وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: ms7624 # قصدت بالركب من أهوى وقلت لهم # هيا كلوا وخذوا ما حظكم فيه # لكن دعوني ألاقي من أؤمله # عيني تراه ووجداني يناجيه # كذلك الحق - تبارك وتعالى - يريد من عبده أن يقصده لذاته، لا خوفا من ~~ناره، ولا طمعا في جنته، وفرق بين أن تنعم بنعمة الله، وأن تنعم ~~بالنظر إلى الله، فأنت في الجنة تأكل، لا عن جوع ولا عن حاجة، إنما لمجرد ~~التنعم. لذلك يقول سبحانه عن الشهداء: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169] فتكفيهم هذه العندية، وأن ينظروا إلى الله سبحانه ~~وتعالى. لذلك تقول رابعة العدوية: اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك طمعا ~~في جنتك فاحرمني منها، وإن كنت تعلم أني أعبدك خوفا من نارك فأدخلني ~~فيها، لكني أعبدك لأنك أحق أن تعبد. ولا شك أن القليل من الناس ~~يخلصون النية لله، وأن الغالبية يعملون العمل كما اتفق على أية نية، لا ~~تعنيهم هذه المسألة، ولا يهتمون بها، كما قال سبحانه: # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف: 106]. ### || [30.32] # فرقوا دينهم كالركب الذين اختلفت وجهاتهم ونياتهم { وكانوا ~~شيعا.. } [الروم: 32] جمع شيعة، وهم الجماعة المتعاونة على أمر من ~~الأمور، خيرا كان أو شرا، خيرا مثل قوله تعالى: # وإن من شيعته لإبراهيم # [الصافات: 83]. أو شرا مثل: # إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا.. # [القصص: 4]. وفي آية أخرى: # قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ~~ويذيق بعضكم بأس بعض.. # [الأنعام: 65]. وقوله تعالى: { كل حزب بما لديهم فرحون ~~} [الروم: 32] لما لهم من سلطة زمنية، ولما لهم من مكانة يخافون أن تهتز ~~كالسلطة الزمنية التي منعت يهود المدينة من الإيمان برسول الله، مع أنهم ~~كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ويعرفون زمانه، وكانوا يقيمون بالمدينة ~~ينتظرون ظهوره، وكل ذلك عندهم في التوراة، حتى إنهم كانوا يصطدمون بعبدة ~~الأصنام، فيقولون لهم. لقد أطل زمن نبي يظهر آخر الزمان سنتبعه، ~~ونقتلكم به قتل عاد وإرم. # فلما ms7625 جآءهم ما عرفوا كفروا به.. # [البقرة: 89]. لماذا؟ حفاظا على سلطتهم الزمنية، وقد كانوا أهل علم ~~وغنى ومكانة، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ألغى هذه السلطة، فلا ~~كلام بعد كلامه صلى الله عليه وسلم، أما من ثبت منهم على دينه الحق، ~~وعمل بما في التوراة فقد آمن بمحمد كعبد الله بن سلام وغيره من أحبار ~~اليهود. فالسلطة الزمنية هي التي حالت بين الناس وبين الحق الذي يؤمنون ~~به، وهذه السلطة الزمنية هي التي نراها الآن في هذه الفرق والأحزاب ~~التي يدعي كل منها أنها على الحق وما سواها على الباطل. يقول تعالى: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض ومن فيهن.. # [المؤمنون: 71]. فكل منهم يناطح الآخرين ليعلي مذهبه، ويظهر هو على ~~الساحة. بعد ذلك يبين لنا الحق سبحانه أن الذين يكفرون بالله، أو ~~يتمردون على منهج الله يظلون هكذا أسرى هذه السلطة الزمنية، فإذا ~~أصابتهم هزة أو بلاء لا تقوى أسبابهم على دفعه لم يجدوا ملجأ إلا الله، ~~فقال سبحانه: { وإذا مس الناس ضر... }. ### || [30.33] # الضر: هو الشيء الذي نتضرر منه، ولا تستطيبه النفس، فإن أصابهم الضر ~~وأسبابهم لا تفي بالخلاص منه { دعوا ربهم منيبين ~~إليه.. } [الروم: 33] أي: رجعوا إليه سبحانه، والآن علموا أن لهم ~~ربا يلجئون إليه، وهذا يذكرنا بما قاله العرب عندما فتر الوحي عن ~~رسول الله، فسرهم ذلك، وقالوا: إن رب محمد قلاه. سبحان الله الآن عرفتم ~~أن لمحمد ربا. وقلنا: إن ساعة الضيق والمحنة لا يكذب الإنسان نفسه ولا ~~يخدعها، وسبق أن ذكرنا قصة حلاق الصحة الذي كان يحل محل الطبيب الآن، ~~فلما أنشئت كليات للطب وخرجت أطباء، وذهب أحدهم إلى قرية الحلاق، فأخذ ~~الحلاق يهاجمه ويدعي أنه حديث لا خبرة له، فلما مرض ابنه وأحس ~~بالخطر أخذه خفية في ظلام الليل، وذهب به إلى الطبيب، لماذا؟ لأنه لن ~~يغش نفسه في هذه اللحظة. { ثم إذآ أذاقهم منه رحمة ~~إذا فريق منهم بربهم يشركون } [الروم: 33] أي: ~~يعودون إلى ما كانوا عليه من الشرك بالله. وحين ms7626 نتأمل هذه المسألة نجد أن ~~القرآن عرضها مرة بصيغة الإفراد، فقال: # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا.. # [الزمر: 8]. وقال: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه.. # [يونس: 12]. لكن الكلام عن الإنسان المفرد لا يكفي لإثبات الظاهرة لأن ~~الإنسان الواحد يمكن أن يستذل أمام ربه، ويعود إليه بعد أن تجرأ على ~~معصيته، يكون ذلك بينه وبين نفسه، فلا يفضح نفسه أمام الناس، فأراد ~~سبحانه أن يثبت هذه المسألة عند الناس جميعا ليفضح بعضهم بعضا، فذكر ~~هنا { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين ~~إليه.. } [الروم: 33]. وفي آية أخرى: # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # [العنكبوت: 65]. فجاء بصيغة الجمع ليفضح الكافرين بعضهم أمام بعض، وقد ~~يكون في هؤلاء الداعين من كان يؤلبهم على الله، ويصرفهم عن الإيمان ~~به، وها هو الآن يدعو ويتضرع، وحين يفتضح أمرهم يكون ذلك أدعى ~~لاستقامتهم وأدعى ألا يتكبر أحد على أحد. لذلك قلنا في ميزات الصلاة ~~أنها تسوي بين الناس، فيجلس الرجل العادي بجوار من لم يكن يؤمل ~~أن يجلس بجواره، ويجده خاضعا معه مطاوعا للإمام.. الخ ففي الصلاة، ~~الجميع سواء، والجميع منتفع بهذه المساواة، آخذ منها عبرة، فلا يتكبر ~~بعدها أحد على أحد. ونقف هنا عند { مس.. } [الروم: 33] وهو اللمس ~~الخفيف، فالمعنى مسهم اليسير من الضر، ومع ذلك ضاقت أسبابهم عن دفعه، ~~وضجوا يطلبون الغوث. وكلمة { أذاقهم.. } [الروم: 33] الذوق ~~حاسة من حواس الإنسان يحس بها الطعام عند مروره على منطقة معينة في ~~اللسان، فإذا ما تجاوز الطعام هذه المنطقة لا يشعر الإنسان بطعمه. # إذن: فلذة الطعام مقصورة على هذه المنطقة في الفم، والتذوق أقوى ~~انفعالات النفس في استقبال المذاق لذلك يقولون في الأمثال اللي يفوت من ~~اللسان بقي نتان. وتأمل، كيف استعمل الحق سبحانه الإذاقة في مجال العذاب ~~حين ضرب لنا هذا المثل: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها ms7627 رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. فذكر الإذاقة مع أن اللباس يستوعب الجسم كله، وكذلك ~~الجوع والخوف، فكل منهما إحساس يستولي على الإنسان كله، ومع ذلك قال # فأذاقها.. # [النحل: 112] لأن الإذاقة أقوى أنواع الإدراك. وكلمة { منه.. } ~~[الروم: 33] أي: من الله تعالى، يعني بلا أسباب، أو { أذاقهم ~~منه.. } [الروم: 33] أي: بدل الضر برحمة، وخلصهم من الضر ~~برحمة، كما أن الإذاقة وإن دلت على الانفعال الشديد للمستقبل، فإنها ~~أيضا تدل على التناول الخفيف بلطف، كما تقول: ذقت الطعام. أو ~~تقول: والله ما ذقت لفلان طعاما يعني: ما أكلت عنده من باب أو ~~أولى. لذلك الحق سبحانه وتعالى عبر عن الرحمة هنا بالإذاقة لأن رحمة ~~الدنيا لا تستوعب كل رحمة الله، فالقليل منها في الدنيا، وجلها في ~~الآخرة. ونلحظ في قوله تعالى: { إذا فريق منهم بربهم ~~يشركون } [الروم: 33]، أما في الآية الأخرى: # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون # [العنكبوت: 65]. فلماذا قال في الأولى { إذا فريق منهم.. } ~~[الروم: 33] وفي الأخرى: # إذا هم يشركون # [العنكبوت: 65] فلم يستثن منهم أحدا؟ قالوا: لأن الآية الأولى تتكلم ~~عن الذين دعوا الله في البر، والناس في البر عادة ما يكونون ~~مختلفين، فيهم الصالح والطالح، والمطيع والعاصي، فهم مختلفون في رد ~~الفعل، فالمؤمنون لما عاينوا النجاة ورحمة الله قالوا: الحمد لله الذي ~~نجانا، أما المشركون فعادوا إلى كفرهم وعنادهم. أما الآية الأخرى ~~فتتكلم عن الذين دعوا الله في البحر، وعادة ما نرى الذين يركبون البحر ~~على شاكلة واحدة، وهم لا يركبونه كوسيلة للسفر، إنما للترف، كما نرى ~~البعض يتخذ لنفسه يختا مثلا أو عوامة يجمع فيها أتباعه ومن هم على ~~شاكلته، ولا بد أنهم يجتمعون على شيء يحبونه، فهم على مذهب واحد، ~~وطريقة واحدة، وسلوك واحد. إذن: ما دام هؤلاء كانوا في البحر فلا بد ~~أنهم كانوا مجرمين عتاة، وكانوا سواسية في الشرك وفي التخلي عن الله، ~~بمجرد أن ms7628 أمنوا الخطر، لذلك استخدم الأسلوب هنا { إذا.. } [الروم: ~~33] الفجائية واستخدمه في آية أخرى # إذا هم يشركون # [العنكبوت: 65] فبعد أن أنجاهم الله أسرعوا العودة إلى ما كانوا عليه ~~من الشرك. # ففي هذه الآية الحق سبحانه يبين لنا حقيقة الإنسان، ومدى حرصه على ~~جلب الخير لنفسه، فإن كان الخير الذي أعده الله له يبطره ويطغيه ~~كما قال سبحانه: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. فإنه لا مناص له من أن يرجع إلى ربه حين ينفض الله عنه ~~كل أسباب الخير، ويهدده في نفسه وفي ذاته التي لم تنتفع بآيات الله في ~~الكون، فتظل في حضانة الله، فيأتي له بالضر الذي ينفض عنه كل أسباب ~~البطر والأشر والاستعلاء. ولكنه لا يسلم نفسه للضر الذي يهلكه، بل ~~عندها يتنبه أن له ربا يلجأ إليه، ولا يجد مفزعا في الكون إلا هو لأنه ~~يعلم جيدا أن الذين أخذوه من الله فآمن بهم وكفر بالله لن ينفعوه بشيء ~~لأنه عبد من دون الله آلهة لا تضر ولا تنفع. لذلك يقول تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه.. # [الإسراء: 67] فهؤلاء الذين تدعونهم لا يعرفون طريقكم، وإن عرفوا لا ~~يملكون أن يصلوا إليكم، أما أنا فربكم الأعلم بكم، والقادر على إغاثتكم، ~~وإنزال الرحمة بكم. إذن: فهؤلاء المشركون أشركوا بالله في وقت الرخاء، ~~أما في وقت الضيق والكرب فلن يخدع أحدهم نفسه، ولن يغشها لن يقول: يا ~~هبل. لأنه يعلم أن هبل لا يسمعه ولا يجيبه، فلا ينفعه الآن، ولا ~~ينجيه إلا الإله الحق، فقد ألجأته الضرورة أن يعترف به ويدعوه. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ليكفروا بمآ آتيناهم... }. ### || [30.34] # يتبادر إلى الذهن أن اللام في { ليكفروا.. } [الروم: 34] لام ~~التعليل، أو لام السببية التي يكون ما بعدها سببا لما قبلها، كما تقول: ~~ذاكر لتنجح، وكذلك في الشرط والجواب: إن تذاكر تنجح فعلة المذاكرة ~~النجاح. فهل يستقيم المعنى هنا على هذا الفهم؟ وهل نجاهم الله وأذاقهم ~~الرحمة ليكفروا به؟ نقول: ليس الشرط سببا في ms7629 مجيء الجواب كما يفهم ~~السطحيون في اللغة، بل الجواب هو السبب في الشرط، لكنهم لم يفرقوا بين ~~سبب دافع وسبب واقع، فالتلميذ يذاكر لأن النجاح ورد بباله، وتراءت له ~~آثاره الطيبة أولا فدفعته للمذاكرة. إذن: فالجواب سبب في الشرط أي: سبب ~~دافع إليه، فإذا أردت أن يكون واقعا فقدم الشرط ليجيء الجواب. وكما ~~تقول: ركبت السيارة لأذهب إلى الأسكندرية، فركوب السيارة ليس سبب ذهابك ~~للأسكندرية، لأنك أردت أولا الذهاب فركبت السيارة، فلما ركبتها وصلت ~~بالفعل. إذن: نقول: الشرط سبب للجواب دافعا يدفع إليه، والجواب سبب ~~للشرط واقعا. فهنا نجاهم الله من الكرب، وأذاقهم رحمته لا ليكفروا به، ~~إنما ليبين لهم أنه لا مفزع لهم إلا إليه، فيتمسكون به سبحانه، فيؤمن ~~منهم الكافر، ويزداد مؤمنهم إيمانا، لكن جاء رد الفعل منهم على خلاف ~~ذلك، لقد كفروا بالله لذلك يسمون هذه اللام لام العاقبة أي: أن كفرهم ~~عاقبة النجاة والرحمة. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - لو ضممت طفلا ~~مسكينا إلى حضانتك وربيته أحسن تربية، فلما شب وكبر تنكر لك، ~~واعتدى عليك، فقلت للناس: ربيته ليعتدي علي، والمعنى: ربيته ~~ليحترمني ويحبني، لكن جاءت النتيجة والعاقبة خلاف ذلك، وهذا يدل على فساد ~~التقدير عند الفاعل الذي ربى، وعلى لؤم وفساد طبع الذي ربي. ~~فالأسلوب هنا { ليكفروا.. } [الروم: 34] يحمل معنى التقريع لأن ما ~~بعد لام العاقبة ليس هو العلة الحقيقية لما قبلها، إنما العلة الحقيقية ~~لما قبلها هو المقابل لما بعد اللام: أذاقهم الرحمة، ونجاهم ليؤمنوا، أو ~~ليزدادوا إيمانا، فما كان منهم إلا أن كفروا. ولهذه المسألة نظائر ~~كثيرة في القرآن، كقوله تعالى في قصة موسى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا.. # [القصص: 8]. ومعلوم أنهم التقطوه ليكون لهم قرة عين، ولو كانوا ~~يعلمون هذه العاقبة لأغرقوه أو قتلوه كما قتلوا غيره من أطفال بني ~~إسرائيل، وكما يقولون في الأمثال بيربي خناقه. فهذا دليل على غفلة ~~الملتقط، وعلى غبائه أيضا، فكيف وهو يقتل الأولاد في هذا الوقت ~~بالذات لا يشك في ولد جاء في تابوت ms7630 ملقى في البحر؟ أليس في هذا دلالة ~~على أن أهله يريدون نجاته من القتل؟ لكن كما قال سبحانه: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه.. # [الأنفال: 24]. فأنت تقتل في الأطفال لرؤيا أخبرك بها العرافون، ~~فسيأتي من تخاف منه إلى بابك، وستأخذه وتربيه في حضنك، وسيكون زوال ~~ملكك على يديه، فلا تظن أنك تمكر على الله. والقصة تدل على خيبة فرعون ~~وخيبة العرافين، فإذا كنت قد صدقت العرافين فيما أخبروك به فما جدوى ~~قتل الأطفال، وأنت لن تدرك من سيكون زوال ملكك على يديه ولن تتمكن ~~منه؟ فلماذا تحتاط إذن؟ لذلك يجب أن يكون تفكير البشر في إطار أن فوق ~~البشر ربا، والرب يكلف العدو بعدو له ليقضي عليه، وهو سبحانه خير ~~الماكرين، والمكر الحق أن يكون خفية بحيث لا يشعر به الممكور به. وقد ~~وصل بنا الحال في القرن العشرين أن نقول: الصراحة مكر القرن العشرين. ~~يعني: من أراد أن يمكر فليقل الحق وليكن صريحا لأننا أصبحنا في ~~زمن قلت فيه الصراحة وقول الحق، لدرجة أنك حين تحدث الناس بالحق ~~يشكون فيك، ويستبعدون أن يكون قولك هو الحق، كالذي قال لجماعة يطلبونه ~~ليقتلوه: أنا سأذهب إلى المكان الفلاني في الوقت الفلاني فقالوا: إنه ~~يضللنا ويمكر بنا رغم أنه صادق فيما أخبرهم به. وبعد أن تربى موسى ~~- عليه السلام - في بيت فرعون، ثم كلفه ربه بالرسالة، وذهب إلى فرعون ~~يدعوه إلى الله قال له: # ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ~~سنين # [الشعراء: 18]. نعم ربيتني وليدا، لكن الذي رباني ورباك هو الذي ~~بعثني إليك، فأنا أبر المربي الأعلى قبل أن أبر بك، وفي هذا إشارة ~~إلى أن عناية الله هي الأصل في تربية من تحب، فإياك أن تقول: ربيت ~~ولدي حتى صار كذا وكذا، بل عليك بالأخذ بأسباب التربية، وتترك المربي ~~الأعلى هو الذي يربي على الحقيقة. وهذا المعنى فطن إليه الشاعر، فقال: # إذا لم تصادف في بنيك عناية # فقد كذب الراجي وخاب المؤمل # فموسى الذي رباه جبريل كافر # وموسى ms7631 الذي رباه فرعون مرسل # ثم يقول سبحانه: { فتمتعوا فسوف تعلمون } [الروم: 34] ~~لأنه كفر ليتمتع بكفره في الدنيا لأن للإيمان مطلوبات صعبة تشق على ~~النفس، فيأمرك بالشيء الثقيل على نفسك، وينهاك عن الشيء المحبب إليها، ~~أما الأصنام التي عبدوها من دون الله وغيرها من الآلهة فلا مطلوب لها ~~ولا منهج. لكنه متاع الحياة الدنيا ومتاع الدنيا قليل لأن الدنيا بالنسبة ~~لك مدة بقائك فيها فلا تقل إنها ممتدة من آدم إلى قيام الساعة، فهذا ~~العمر الطويل لا يعنيك في شيء، الذي يعنيك عمرك أنت. ومهما كان عمر ~~الإنسان في الدنيا فهو قصير وتمتعه بها قليل، ثم إن هذا العمر القصير ~~مظنون غير متيقن، فربما داهمك الموت في أي لحظة، ومن مات قامت ~~قيامته. لذلك أبهم الحق - سبحانه وتعالى - الموت، ونثر أزمانه في ~~الخلق: فهذا يموت قبل أن يولد، وهذا يموت طفلا، وهذا يموت شابا. # . الخ وإبهام الموت سببا وموعدا ومكانا هو عين البيان لأنه أصبح ~~شاخصا أمام كل منا ينتظره في أي لحظة، فيستعد له. ونلحظ هنا أن ~~الأسلوب القرآني عطف فعل الأمر { فتمتعوا.. } [الروم: 34] على ~~الفعل المضارع { ليكفروا.. } [الروم: 34]، وفي موضع آخر قال ~~سبحانه: # ليكفروا بمآ آتيناهم وليتمتعوا.. # [العنكبوت: 66] فجعل التمتع ليس خاضعا لفعل الأمر، إنما للعلة: ~~ليكفروا وليتمتعوا. لذلك اختلفوا حول هذه اللام. أهي للأمر أم للتعليل، { ~~فسوف تعلمون } [الروم: 34] جاءت بعد { فتمتعوا.. } ~~[الروم: 34] وهذه جاءت معطوفة على # ليكفروا.. # [العنكبوت: 66] فكأنه قال: اكفروا وتمتعوا، لكن ستعلمون عاقبة ذلك. ~~والذي جعلهم يقولون عن اللام هنا لام التعليل أنها مكسورة، أما لام الأمر ~~فساكنة، فلما رأوا اللام مكسورة قالوا لام التعليل، أما الذي فهم المعنى ~~منهم فقال: ما دام السياق عطف فعل الأمر فتمتعوا على المضارع المتصل ~~باللام، فاللام للأمر أيضا، لأنه عطف عليها فعل الأمر، وهو هنا للتهديد. ~~لكن، لماذا كسرت والقاعدة أنها ساكنة؟ قال أحد النحاة: لام الأمر ~~ساكنة، ويجوز أن تكسر، واستشهد بهذه الآية # ليكفروا بمآ آتيناهم وليتمتعوا.. # [العنكبوت: 66]. ونقول لمن يقول: إنها لام التعليل: إذا سمعت لام ms7632 ~~التعليل فاعلم أنها تعني لام العاقبة لأن الكفر والتمتع لم يكن سببا ~~في إذاقة الرحمة. ويا من تقول لام الأمر سيقولون لك: لماذا كسرت؟ وفي ~~القرآن شواهد كثيرة تدل على أنها قد تكسر، واقرأ قوله تعالى: # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع.. # [الحج: 28] فاللام هنا مكسورة لأنها لام التعليل. ثم قال بعدها: # ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم ~~وليطوفوا بالبيت العتيق # [الحج: 29] فاللام سكنت لأنها لام الأمر. وفي آية أخرى جمعت ~~اللامان: # لينفق ذو سعة من سعته.. # [الطلاق: 7] فجاءت لام الأمر مكسورة لأنها في أول الجملة، ولا يبتدأ ~~في اللغة بساكن، فحركت بالكسر للتخلص من السكون، ثم يقول سبحانه: # ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله.. # [الطلاق: 7] فجاءت لام الأمر ساكنة لأنها واقعة في وسط الكلام. لذلك يجب ~~أن يتنبه إلى هذه المسألة كتاب المصحف، وأن يعلموا أن كلام الله غالب، ~~فقد فات أصحاب رسم المصحف أنه مبني من أوله إلى آخره على الوصل، حتى في ~~آخر آيات سورة الناس وأول الفاتحة نقول { الذى يوسوس في صدور ~~الناس من الجنة والناس بسم الله الرحمن الرحيم.. ~~}. فآخر القرآن موصول بأوله، حتى لا ينتهي أبدا. وعليه فلا ترسم # لينفق ذو سعة من سعته.. # [الطلاق: 7] بالكسر، إنما بالسكون، لأنها موصولة بما قبلها. وكلمة { ~~فسوف تعلمون } [الروم: 34] تدل على التراخي واستيعاب كل ~~المستقبل، سواء أكان قريبا أم بعيدا، فهي احتياط لمن سيموت بعد الخطاب ~~مباشرة، أو سيموت بعده بوقت طويل. ثم يقول الحق سبحانه: { أم ~~أنزلنا عليهم سلطانا... }. ### || [30.35] # كلمة أم لا تأتي بداية لأنها أداة تفيد التخيير بين أمرين، كما تقول: ~~أجاء زيد أم عمرو؟ فلا بد أن تأتي بين متقابلين، والتقدير: أهم ~~اتبعوا أهواءهم، أم عندهم كتاب أنزل إليهم فهو حجة لهم على الشرك؟ وحيث ~~إنهم لم ينزل عليهم كتاب يكون حجة لهم فلم يبق إلا الاختيار الآخر ~~أنهم اتبعوا أهواءهم. والفعل { أنزلنا.. } [الروم: 35] الإنزال يقتضي ~~علو المنزل منه، وأن المنزل عليه ms7633 أدنى، فالإنزال من علو ~~الربوبية إلى ذل العبودية. ونحن لم نر الإنزال، إنما الذي تلقى ~~القرآن أول مرة وباشر الوحي هو الذي رآه وأخبرنا به. والأصل في الإنزال ~~أن يكون من الله تعالى، وحين ينزل الله علينا إنما ليعطينا سبحانه شيئا ~~من هذا العلو، سواء أكان العلو معنويا لأن الله سبحانه ليس له مكان، ~~أم علوا حسيا كما في # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. # [الحديد: 25]. والسلطان: من التسلط، وهي تدل على القوة، سواء أكانت ~~قوة الحجة والبرهان، فمن أقنعك بالحجة والبرهان فهو قوي عليك، أو قوة ~~قهر وإجبار كمن يرغمك على فعل شيء وأنت كاره، أما سلطان الحجة فتفعل ~~وأنت راض ومقتنع. وإذا استقرأنا كلمة سلطان نجد أن الله تعالى عرضها لنا ~~في موقف إبليس في الآخرة، حين يتبرأ من الذين اتبعوه: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.. # [إبراهيم: 22]. أي: لم يكن لي عليكم سلطان حجة وإقناع أستحوذ به على ~~قلوبكم، ولم يكن لي عليكم سلطان قهر، فأقهر به قوالبكم، والحقيقة أنكم ~~كنتم على تشويرة مجرد أن دعوتكم جئتم مسرعين، وأطعتم مختارين. وهذا ~~المعنى يفسر لنا شيئا في القرآن خاض الناس فيه طويلا - عن خبث نية ~~أو عن صدق نية - هذا في قوله تعالى مرة لإبليس # ما منعك أن تسجد.. # [ص: 75] ومرة أخرى: # ما منعك ألا تسجد.. # [الأعراف: 12]. فالأولى تدل على سلطان القهر، كأنك كنت تريد أن تسجد ~~فجاء من منعك قهرا عن السجود، والأخرى تدل على سلطان الحجة والإقناع، ~~فلم تسجد وأنت راض ومقتنع بعدم السجود. وقوله تعالى: { فهو ~~يتكلم بما كانوا به يشركون } [الروم: 35] أي: ينطق بما ~~كانوا به يشركون، يقول: اعملوا كذا وكذا، فجاء هذا على وفق هواهم. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وإذآ أذقنا الناس رحمة... }. ### || [30.36] # جميل أن يفرح الناس، وأن يستبشروا برحمة الله، لكن ما لهم إذا أصابتهم ~~سيئة بما قدمت أيديهم يقنطون؟ فمجري الرحمة هو مجري السيئة، لكنهم ~~فرحوا في الأولى لأنها نافعة ms7634 في نظرهم، وقنطوا في الأخرى لأنها غير نافعة ~~في نظرهم، وكان عليهم أن يعلموا أن هذه وتلك من الله، وأن له سبحانه ~~حكمة في الرحمة وحكمة في المصيبة أيضا. إذن: أنتم نظرتم إلى شيء ~~وغفلتم عن شيء، نظرتم إلى ما وجد من الرحمة وما وجد من المصيبة، ولم ~~تنظروا إلى من أوجد الرحمة، ومن أوجد المصيبة، ولو ربطتم وجود ~~الرحمة أو المصيبة بمن فعلها لعلمتم أنه حكيم في هذه وفي تلك، فآفة ~~الناس أن يفصلوا بين الأقدار ومقدرها. إذن: ينبغي ألا تنظروا إلى ~~ذات الواقع، إنما إلى من أوقع هذا الواقع. فلو دخل عليك ولدك يبكي لأن ~~شخصا ضربه، فأول شيء تبادر به: من فعل بك هذا؟ فإن قال لك: فلان ~~تقول: نعم إنه يكرهنا ويريد إيذاءنا.. الخ فإن قال لك: عمي ضربني فإنك ~~تقول: لا بد أنك فعلت شيئا أغضبه، أو أخطأت في شيء فعاقبك عليه. ~~إذن: لم تنظر إلى الواقع في ذاته، إنما ربطت بينه وبين من أوقعه، فإن ~~كان من العدو فلا بد أنه يريد شرا، وإن كان من الحبيب فلا بد أنه ~~يريد بك خيرا. وهكذا ينبغي أن نربط بين الموجود ومن أوجده، فإن كان ~~الذي أوجد الواقع رب فيجب أن تتأمل الحكمة، ولن نتحدث عن الرحمة، لأن ~~النفع ظاهر فيها للجميع، لكن تعال نسأل عن المصيبة التي تحزن الناس، ~~فيقنطوا وييأسوا بسببها. ونقول: لو نظرت إلى من أنزلها بك لارتاح ~~بالك، واطمأنت نفسك، فالمصيبة تعني الشيء الذي يصيبك، خيرا كان أم ~~شرا، ألا ترى قوله تعالى: # مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن نفسك.. # [النساء: 79]. فالمصيبة لا تذم في ذاتها، إنما بالنتيجة منها، وكلمة ~~أصاب في الحسنة وفي السيئة تدل على أن سهمها أطلق عليك، وعمرها مقدار ~~وصولها إليك، فهي لا بد صائبتك، لن تتخلف عنك أبدا، ولن تخطئك لأن ~~الذي أطلقها إله ورب حكيم، فإن كانت حسنة فسوف تأتيك فلا تتعب نفسك، ~~ولا تزاحم الناس عليها، وإن كانت مصيبة فإياك ms7635 أن تقول: أحتاط لها ~~لأدفعها عن نفسي لأنه لا مهرب لك منها. ثم لماذا تقنط وتيأس إن أصابتك ~~مصيبة؟ لماذا لا تنتظر وتتأمل، لعل لها حكمة، ولعل من ورائها خيرا لا ~~تعلمه الآن، وربما كانت ضائقة سوف يكون لها فرج قريب. ألم تقرأ: # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن ~~تحبوا شيئا وهو شر لكم.. # [البقرة: 216]. أتذكرون حادث عمارة الموت وقد طردوا منها البواب وأسرته، ~~وجعلوا منها قضية في المحكمة، وبعد أن انهارت العمارة، وتبين للبواب ~~وأسرته أن ما ظنوه شرا ومصيبة كان هو عين الخير. إذن: لا تقنط من ~~ضر أصابك، واعلم أن الذي أجراه عليك ربك، وأن له حكمة فانتظر حتى ~~تتكشف لك، ولا يقنط إلا من ليس له رب يلجأ إليه. ثم تعال نناقشك في ~~المصيبة التي قنط من أجلها: ألك دخل فيها؟ أم ليس لك دخل؟ إن ~~كان لك دخل فيها كالتلميذ الذي أهمل دروسه فرسب في الامتحان، فعليك أن ~~تستقبل هذه المصيبة بالرضا، فالرسوب يعدل لك خطأك، ويلفتك إلى ما ~~كان منك من إهمال حتى تتدارك الأمر وتجتهد. فإن كانت المصيبة لا دخل ~~لك فيها، كالذي ذاكر واجتهد، ومع ذلك لم يوفق لمرض ألم به ليلة ~~الامتحان، أو لعارض عرض له، نقول: إياك أن تفصل المصيبة عن مجريها ~~وفاعلها، بل تأمل ما يعقبها من الخير، ولا تفصل المصيبة عن مجريها ~~عليك ولا تقنط. وابحث عن حكمة ربك من إنزال هذه المصيبة بك، كالأم التي ~~تقول لابنها: يا بني أنت دائما متفوق والناس تحسدك على تفوقك، فلعل ~~رسوبك يصرف عنك حسدهم، وينجيك من أعينهم، فيكفوا عنك. وحينما يأتي أبوه ~~يقول له: يا بني هون عليك، فلعلك إن نجحت هذا العام لم تحصل على ~~المجموع الذي تريده، وهذه فرصة لتتقوى وتحصل على مجموع أعلى. إذن: لن ~~تعدم من وراء المصيبة نفعا، لأن ربك قيوم، لا يريد لك إلا الخير. لذلك ~~حين تستقرىء الأحداث تجد أناسا فضحوا وأخذوا بما لم يفعلوا، وذهبوا ~~ضحية شاهد زور، أو ms7636 قاض حكم عن هوى.. إلخ لكن لأن ربك قيوم لا يغفل ~~يعوض هذا المظلوم ويقول له: لقد أصبح لك نقطة عندي في حسابك، فأنت ~~اتهمت ظلما، فلك عندي إذا ارتكبت جريمة أن أنجيك منها فلا ~~تعاقب بها، وأنت يا من عميت على العدالة، وشهدت زورا، أو: أخذت ~~ما ليس لك، أو أفلت من العقاب فسوف أوقعك في جريمة لم تفعلها. إذن: ~~القنوط عند المصيبة لا محل له، ولو ربطت المصيبة بمجريها لعلمت أنه ~~حكيم، ولا بد أن تكون له حكمة قد تغيب عنك الآن، لكن إذا أدرت ~~المسألة في نفسك، فسوف تصل إلى هذه الحكمة. وحين ننظر إلى أسلوب الآية ~~نجد فيه مفارقات عديدة، ففي الكلام عن الرحمة قال { وإذآ أذقنا ~~الناس رحمة فرحوا بها.. } [الروم: 36] فاستخدم أداة الشرط ~~إذا. أما في المصيبة فقال { وإن تصبهم سيئة بما قدمت ~~أيديهم إذا هم يقنطون } [الروم: 36] فاستخدم أداة الشرط ~~إن، فلماذا عدل عن رتابة الأسلوب من إذا إلى إن؟ قالوا: حين تقارن بين ~~النعم وبين المصائب التي تنزل بالإنسان في دنياه تجد أن النعم كثيرة ~~والمصائب قليلة، فنعم الله متوالية عليك في كل وقت لا تعد ولا تحصى، ~~أما المصائب فربما تعد على الأصابع. # لذلك استخدم مع النعم إذا الدالة على التحقيق، ومع المصيبة استخدم إن ~~الدالة على الشك، ومن ذلك قوله تعالى: # إذا جآء نصر الله والفتح # [النصر: 1] فاستعمل إذا لأنها تدل على التحقيق وترجح حدوث النصر، ~~وقال سبحانه: # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره.. # [التوبة: 6]. كما نلحظ في أسلوب الآية أنها لم تذكر السبب في إذاقة ~~الرحمة، إنما ذكرت سبب المصيبة { بما قدمت أيديهم.. } ~~[الروم: 36] ليدل على عدله تعالى في إنزال المصيبة، وتفضله في إذاقة ~~الرحمة لأن الرحمة من الله والنعم فضل من الله. لكن في المصيبة قال { ~~بما قدمت أيديهم.. } [الروم: 36] فذكر العلة حتى لا يظن ~~أحد أن الله تعالى يجري المصيبة على عبده ظلما، بل بما قدمت يداه، ~~فالمسألة محكومة بالعدل الإلهي. وبين الفضل والعدل بون شاسع، فلو ms7637 جاءك ~~خصمان لتحكم بينهما تقول: أحكم بينكما بالعدل، أم بأفضل من العدل؟ ~~يقول: وهل هناك أفضل من العدل؟ إذن: نريد العدل، لكن تنبه لأن العدل ~~يعطيك حقك، والفضل يتركك حقك. فكأن الحق سبحانه يقول لنا: إياكم أن ~~تظنوا أنكم ناجون بأعمالكم، لا إنما بالتفضل عليكم: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. يعني: مهما جمعتم من الطاعات فلن تكفيكم، ولا نجاة لكم ~~إلا برحمة من الله وفضل. فالحق - تبارك وتعالى - يريد منا أن نعرف أن ~~رحمة الله وسعت كل شيء، وأنه مع ما أنعم به عليكم من نعم لا تعد ~~ولا تحصى لا يعاقبكم إلا بشيء اقترفتموه يستحق العقاب ذلك لأنه رب ~~رحيم حكيم. وما دام الأمر كذلك فانظر إلى آثار رحمة ربك في الكون، وتأمل ~~هذه النعم، وقف عند دقة الأسلوب في قوله سبحانه: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. # [إبراهيم: 34]. فالعد يقتضي الكثرة و # نعمت.. # [إبراهيم: ] مفرد، فكيف نعد يا رب؟ قالوا: نعم هي نعمة واحدة، لكن في ~~طياتها نعم فلو فتشتها لوجدت عناصر الخيرية فيها لا تعد ولا تحصى. ~~لذلك لما تعرضت الآيات لعد نعم الله استخدمت إن الدالة على ~~الشك لأنها لا تقع تحت الحصر ولا العد، لكن على فرض إن حاولت ~~عدها فلن تحصيها، والآن ومع تقدم العلوم وتخصص كليات بكاملها ~~لدراسة علم الإحصاء، وخرجوا علينا بإحصاءات لأمور ولأشياء كثيرة في ~~حياتنا، لكن لم يتعرض أحد لأن يحصي نعمة الله، لماذا؟ لأن الإقبال على ~~الإحصاء لا يكون إلا مع مظنة أن تعد وتستوعب ما تحصيه، فإن كان ~~خارج نطاق استيعابك فلن تتعرض لإحصائه كما لم يتعرض أحد مثلا لعد ~~الرمال في الصحراء لذلك يشكككم الله في أن تعدوها # وإن تعدوا.. # [إبراهيم: 34] فهو أمر مستبعد، ولن يكون. ### || [30.37] # يبسط: يوسع، ويقدر: يعني يضيق. يعني: ألم يروا هذه المسألة، ~~فواحد يوسع الله عليه الرزق، وآخر يضيق عليه، وربما صاحب السعة لم ~~يتعب فيها، إنما جاءته من ميراث أو خلافة، وصاحب الضيق يكد ويتعب، ms7638 ومع ~~ذلك فعيشته كفاف، لذلك استقبل الفلاسفة هذه المسألة بما في ضمائرهم من ~~إيمان أو إلحاد، فهذا ابن الراوندي الملحد يقول: # كم عالم أعيت مذاهبه # وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا # هذا الذي ترك الأوهام حائرة # وصير العالم النحرير زنديقا # فرد عليه آخر ممن امتلأت قلوبهم بالإيمان: # كم عالم قد بات في عسر # وجاهل جاهل قد بات في يسر # تحير الناس في هذا فقلت لهم # هذا الذي أوجب الإيمان بالقدر # فالعالم لا يسير بحركة ميكانيكية ثابتة، إنما بقيومية الخالق سبحانه ~~عليه، فانظر إلى البسط لمن بسط الله له، والقبض لمن قبض الله عنه، ولا ~~تعزل الفعل عن فاعله سبحانه، وتأمل أن الله تعالى واحد، وأن عباده عنده ~~سواء، ومع ذلك يوسع على أحدهم ويضيق على الآخر. إذن: لا بد أن ~~في هذه حكمة، وفي تلك حكمة أخرى، ولو تتبعت عواقب السعة هنا والتضييق ~~هناك لتراءت لك الحكمة. ألا ترى صاحب سعة ورزق ونعم كثيرة، ومع ذلك لم ~~يستطع تربية أولاده لأن مظاهر الترف جرفتهم إلى الانحراف، ففشلوا في ~~حياتهم العملية، وفي المقابل نرى الفقير الذي يعيش على الكفاف يتفوق ~~أولاده، ويأخذون أعلى المراتب؟ إذن: { يبسط الرزق لمن يشآء ~~ويقدر.. } [الروم: 37] وفق حكمة يعلمها سبحانه وتعالى. وسبق أن ~~ذكرنا أن في ألمانيا مدرستين فلسفيتين في الإلحاد، إحداهما لواحد اسمه ~~جيبل، والأخرى ل بختر أحدهما: ينكر أن يكون للعالم إله، يقول: لو كان ~~للعالم إله حكيم ما خلق الأعمى والأعرج والأعور.. الخ فالحكمة في الخلق ~~تقتضي المساواة، فأخذ من الشذوذ في الخلق دليلا على إلحاده. أما الآخر ~~فقال: ليس للكون إله، إنما يسير سيرا ميكانيكيا رتيبا، ولو كان فيه ~~إله لكان يخلق الخلق على صور مختلفة، وتكون له إرادة مطلقة عن ~~الميكانيكا، فأخذ ثبات النظام دليلا على إلحاده ليناقض مذهب سابقه. إذن: ~~المسألة عندهم رغبة في الإلحاد بأي شكل، وعلى أية صورة، واستخدام منهج ~~معوج يخدم القضية التي يسعون إلى إثباتها. ونقول في الرد على الأول ~~الذي اتخذ من الشذوذ في الكون دليلا على ms7639 عدم وجود إله حكيم: الشذوذ الذي ~~ذكرت شذوذ في الأفراد الذين يعوض بعضهم عن بعض، فواحد أعمى، وآخر أعور ~~يقابلهم ملايين المبصرين، فوجود هذه النسبة الضئيلة لا تفسد القاعدة ~~العامة في الخلق، ولا تؤثر على حركة البشر في الكون فالصحيح يعوض غير ~~الصحيح. أما النظام الثابت الذي يريده الثاني فعليه أن ينظر إلى الملأ ~~الأعلى، وفي الكون الأعلى من شمس وقمر ونجوم. # . الخ فسيرى فيه نظاما ثابتا لا يتغير، لأن الشذوذ في هذه المخلوقات ~~يفسد الكون كله لذلك خلقه الله على هيئة الثبات وعدم الشذوذ. إذن: في ~~النظام العام للكون نجد الثبات، وفي الأفراد الذين يغني الواحد منهم عن ~~الآخر نجد الشذوذ والاختلاف، فالثبات يثبت حكمة القدرة، والشذوذ يثبت ~~طلاقة القدرة. فيا من تريد ثبات النظام دليلا على الإيمان، فالثبات ~~موجود، ويا من تريد شذوذ النظام دليلا على الإيمان، فالشذوذ موجود، ~~فما عليكما إلا أن تتفقا وأن ينفتح كل منكما على الآخر لتصلا إلى الصواب. ~~ومسألة الرزق لها فلسفة في الإسلام، فالحق سبحانه أخبرنا بأنه الرزاق، ~~فمرة يرزق بالأسباب، ومرة يرزق بلا أسباب، لكن إياك أن تغتر بالأسباب، ~~فقد تقدم الأسباب وتسعى ثم لا يأتيك منها رزق، ويخيب سعيك كالفلاح الذي ~~يأخذ بالأسباب حتى يقارب الزرع على الاستواء فتأتيه جائحة فتهلكه، فاحذر ~~أن تغتر بالأسباب، وانظر إلى المسبب سبحانه. وقلنا: ينبغي أن تتحرى ~~إلى الرزق أسبابه ولا تشغلن بعدها بالك بأمره، فقد تكفل به خالقك الذي ~~استدعاك للوجود، وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: # تحر إلى الرزق أسبابه # ولا تشغلن بعدها بالكا # فإنك تجهل عنوانه # ورزقك يعرف عنوانكا # ثم يقول سبحانه: { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } ~~[الروم: 37] قال لقوم يؤمنون لأن مسألة الرزق هذه تحتاج إلى ~~إيمان بحكمة الرازق سبحانه في الإعطاء وفي المنع. ونلحظ على أسلوب الآية ~~قوله تعالى في البسط: { لمن يشآء.. } [الروم: 37] وفي التضييق { ~~ويقدر.. } [الروم: 37] ولم يقل لمن يشاء لأن البسط في نظرنا شيء ~~محبوب نفرح له ونتمناه فقال { لمن يشآء.. } [الروم: 37] لنطمئن نحن ms7640 ~~إلى أننا سندخل في هؤلاء الذين سيبسط لهم في الرزق، أما في التقتير فلم ~~يقل لمن ليظل مبهما يستبعده كل منا عن نفسه ثم يقول رب العزة ~~سبحانه: { فآت ذا القربى حقه... }. ### || [30.38] # حينما نتأمل النسق القرآني هنا نجد أن الله تعالى ذكر أولا البسط في ~~الرزق، ثم التقتير فيه، ثم أكد بعده مباشرة على حق ذي القربى ~~والمسكين وابن السبيل، وكأنه يلفت أنظارنا أن هذه الحقوق لا تقتصر على ~~من بسط له الرزق، إنما هي على الجميع حتى من كان في خصاصه، وضيق ~~عليه رزقه، فلا ينسى هؤلاء. لذلك يذيل الحق سبحانه الآية بقوله: { ذلك ~~خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم ~~المفلحون } [الروم: 38] والجميع: من بسط له، ومن قتر عليه ~~يريدون وجه الله. وبمقارنة هذه الآية بآية الزكاة: # إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين ~~عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب ~~والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة ~~من الله والله عليم حكيم # [التوبة: 60]. فلم تذكر ذا القربى الذي ذكر هنا، وكأن الآية تشير لنا ~~إلى أمر ينبغي أن نلتفت إليه، وهو أن القريب عيب أن نعطيه من مال الزكاة، ~~وهذه آفة وقع فيها كثير من الأغنياء وحتى المتدينين منهم، فكثيرا ما ~~يسألون: لي ابن عم، أو لي قريب أأعطيه شيئا من زكاة مالي؟ وكنت أقول ~~للسائل: والله، لو علم ابن عمك أنك تعطيه من مال الزكاة ما قبله منك لأن ~~للقريب حقا، سواء أكنت غنيا تملك نصاب الزكاة، أو لم تصل إلى حد ~~النصاب. إذن: لا تربط هؤلاء الثلاثة - القريب والمسكين وابن السبيل - ~~بمسألة الزكاة، فلهم حق حتى على الفقير الذي لا يملك نصابا، وعلى ~~من ضيق عليه رزقه. ومع هذا الحق الذي قرره الشرع للقريب نجد كثيرين ~~يأكلون حقوق الأقارب، ويحتالون لحرمانهم منها، فمثلا بعض الناس لا ينجب ~~ذكورا، فيكتب أملاكه للبنات ليحرم عمهم أو أبناء عمومتهم من الميراث، مع ~~أن البنت لها نصف التركة، وإن كن أكثر من واحدة فلهن الثلثان، ~~ويوزع الثلث على العم أو ابن العم ms7641 ذلك لأن البنات في هذه الحالة ليس ~~لهن ذكر عصبة، فيجعلها الشرع في العم أو ابن العم. والشارع الحكيم ~~يوازن بين الأطراف، فيأخذ منك ويعطيك، فلماذا في حالة موت الوالد عن ~~هؤلاء البنات، وليس لهن ميراث يعدن على العم أو ابن العم بالنفقة ~~ويقاضونه في المحاكم، فلماذا نحرمهم حقوقهم ونطالب نحن بحقوقنا، فهذا نوع ~~من التغفيل. لماذا لا نعطي العم أو ابن العم وهو الذي سيحمي البنات ويسهر ~~على راحتهن، ويقف بجوارهن حال شدتهن؟ إياك - إذن - أن تدخل الأقارب ~~في الزكاة، أو تربط مساعدتهم بالقدرة لأن لهم عليك حقا حال رخائك وحال ~~شدتك. ويكفي أن الحق سبحانه خصهم بقوله { ذا القربى.. } [الروم: ~~38] ولم يقل: ذا المسكنة، أو ذا السبيل، وكلمة ذو بمعنى صاحب، تدل على ~~المصاحبة الدائمة والملازمة، فلا نقول: فلان ذو علم لمن علم قضية أو ~~قضيتين، إنما لمن اتصف بالعلم الواسع وتمكن منه، كذلك لا نقول فلان ذو ~~خلق إلا إذا كان الخلق صفة ملازمة له لا تنفك عنه. # ومن ذلك نقول: ذو القربى يعني ملاصقا لك لا ينفك عنك، فيجب أن تراعي ~~حقه عليك، فتجعل له نصيبا، حتى إن لم تكن تملك نصابا، وكذلك ~~للمسكين وابن السبيل لأن الله ذكرهم معا في غير بند الزكاة، فدل ذلك ~~على أن لهم حقا غير الزكاة الواجبة. ونلحظ أن القرآن رتبهم حسب ~~الأهمية والحاجة، فأولهم القريب لقرابته الثابتة منك، ثم المسكين وهو ~~متوطن معروف لك، ثم ابن السبيل العابر الذي تراه يوما ولا تراه بعد ذلك، ~~فهو حسب موضعه من الحال. والمسكين قد يتغير حاله، ويتيسر له الرزق ~~فيوسع الله عليه، وابن السبيل يعود إلى بلده، فالوصف الثابت لذي ~~القربى لذلك وصفه الله تعالى بما يدل على الثبات. ثم قال { حقه.. } ~~[الروم: 38] فالحق ملازم له وهو أولى به، لذلك لم يقل مثلا: وآت ذا ~~القربى حقه، والمسكين، وابن السبيل حقوقهم. وقد مثلوا لذلك بقولهم: قال ~~الأمير: يدخل علي فلان، وفلان، وفلان، فالإذن بالدخول للأول يتبعه في ~~ذلك الباقون. إذن: لهؤلاء ms7642 الثلاثة خصوصية، فقد أمرك الله أن تعطيهم من ~~لحمك، وألا تربطهم بالزكاة ولا ببسط الرزق، أما باقي السبعة المستحقون ~~للزكاة فلم يلزمك نحوهم بشيء غير الزكاة المفروضة. ولما حدث نقاش بين ~~العلماء حول المراد بالمسكين والفقير، أيهما أحوج من الآخر؟ قالوا: ~~المسكين من له مال، ولكن لا يكفيه، واستشهد أبو حنيفة على هذا المعنى ~~بقوله تعالى: # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في ~~البحر.. # [الكهف: 79] فأثبت لهم ملكية وسماهم مساكين. أما الفقير فهو الذي لا شيء ~~له، وعلى هذا فالفقير أحوج من المسكين، فيدخل في هذه الآية من باب ~~أولى. وقوله تعالى: { ذلك.. } [الروم: 38] أي: الإيفاء لهؤلاء { ~~خير.. } [الروم: 38] كلمة خير تطلق في اللغة، ويراد بها أحد ~~معنيين: مرة نقول خير ويقابلها شر كما في قوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]، ومرة نقول: خير ونقصد الأخير كالأحسن أي: أفعل تفضيل، ~~كما جاء في قول الشاعر: # زيد خيار الناس وابن الأخير # لكن الشائع أن تستعمل خير في أفعل التفضيل كقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير " # فخير الأولى بمعنى أخير. لكن لمن؟ { للذين يريدون وجه ~~الله.. } [الروم: 38] أي: في الوفاء بحق ذي القربى والمسكين وابن ~~السبيل، يريد بذلك وجه الله، لا يريد رياء ولا سمعة لأن الذي يفعل خيرا ~~يأخذ أجره ممن فعل من أجله، فمن عمل لله مخلصا فأجره على الله، ~~ومن عمل للناس رياء وسمعة فليأخذ أجره منهم. # وهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بقوله: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39] أي: فوجيء بوجود إله لم يكن في باله ولم يعمل من أجله. ~~فمعنى { يريدون وجه الله.. } [الروم: 38] أي: يقصدون بعملهم ~~وجه الله، سواء رآه الناس، أو أخفى عمله، حتى لا تعلم شماله ما صنعت ~~يمينه لأن الأمر قائم على النية، فقد تعطي ms7643 أمام الناس ونيتك أن ~~يتأسوا بك، أو لتكف عنك ألسنتهم وقدحهم في حقك. وحين تعطي علانية ~~بنية خالصة لله فإنها صدقة مخصبة للعطاء، مخصبة للأجر لأنك ستكون ~~أسوة لغيرك فيعطي، ويكون لك من الأجر مثله لأن من سن سنة حسنة فله ~~أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. والقرآن الكريم عرض علينا هذه ~~القضية في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن ~~والأذى كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن ~~بالله واليوم الآخر.. # [البقرة: 264]. ثم يعطينا مثلا توضيحيا: # فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل ~~فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا ~~والله لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264]. فمثل المرائي كهذا الحجر الناعم الأملس حين يصيبه ~~المطر، وعليه طبقة من التراب يزيحها المطر، ويبقى هو صلدا ناعما لا ~~يحتفظ بشيء، ولا ينبت عليه شيء. وهذا المثل يجسد لنا خيبة سعي ~~المرائي، وأنه مغفل، سعى واجتهد فانتفع الناس بسعيه، وتعدى خيره إلى ~~غيره، وخرج هو خالي الوفاض من الخير ومن الثواب. ثم يذكر الحق سبحانه ~~المقابل: # ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات ~~الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة ~~أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها ~~وابل فطل والله بما تعملون بصير # [البقرة: 265]. فالصدقة ابتغاء وجه الله كالأرض الخصبة حين ينزل عليها ~~المطر، فيأتي نباتها مضاعفا مباركا فيه، فإن لم يكم مطر كفاها ~~الطل لتنبت وتؤتي ثمارها، ولو قال: كمثل جنة لكانت كافية لكنها # جنة بربوة.. # [البقرة: 265] يعني: على مكان مرتفع ليدل على خصوبتها، فكلما كانت ~~الأرض مرتفعة زادت خصوبتها، وخلت من المياه الجوفية التي تؤثر على ~~النبات. وهذه الجنة تروى بالمطر يأتيها من أعلى، فيغسل الأوراق ~~والغصون، فتزيد نضارتها وجودتها، والأوراق هي رئة النبات. والله تعالى ~~يترك لآثار الذات في الناس تذكرة وعبرة، فواحد يفعل الخير بآخر ليشتريه ~~به، أو ليخضع عنقه بهذا الجميل، فتكون النتيجة الطبيعية أن ينكر الآخر ~~جميله، بل ويكرهه ويحقد عليه، وهذا جزاء وفاق لمن عمل العمل لغير وجه ~~الله. وهو ms7644 معنى قولهم: اتق شر من أحسنت إليه، لماذا؟ لأنه حين يراك ~~يتذكر ما لك من يد عليه، وما لك من فضل، فيخزي ويشعر بالذلة لأن وجودك ~~يدك كبرياءه لذلك يكره وجودك، ويكره أن يراك. # فالحق سبحانه يقول: احذروا أن تبطلوا المعروف بالرياء، أو بالأغراض ~~الدنية لأن معروفك هذا سينكر، وسينقلب ما قدمت، من خير شرا عليك. ~~إذن: عليكم بالنظر في أعمالكم إلى وجه الله لا إلى غيره، فإن حدث وأنكر ~~جميلك فجزاؤك محفوظ عند الله، وكأن ربك - عز وجل - يغار عليك، ويريد أن ~~يحفظ لك الجميل ويدخره عنده. وهذا المعنى عبر عنه الشاعر بقوله: # أقول لأصحاب المروءات قولة # تريحهم إن أحسنوا وتفضلوا # يسير ذوو الحاجات خلفك خضعا # فإن أدركوها خلفوك وهرولوا # فلا تدع المعروف مهما تنكروا # فإن ثواب الله أربى وأجزل # وسبق أن ذكرت قصة الرجل الذي قابلنا في الطريق ونحن في الجزائر، فأشار ~~لنا لنوصله في طريقنا، فتوقف صاحب السيارة وفتح له الباب، لكنه قبل أن ~~يركب قال على كام؟ يعني: ثمن توصيله. فقال صاحب السيارة: لله. فقال الرجل ~~غلتها يا شيخ. لذلك يقول بعض العارفين: إن الذين يريدون بأعمالهم وجه ~~الله هم الذين يغلون أعمالهم، أي: يرفعون قيمتها، ويضاعفون ثوابها. ~~وقوله تعالى: { فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن ~~السبيل.. } [الروم: 38] بعد قوله: # ويقدر.. # [الروم: 37] يدل في ظاهره على أنه يأخذ منك مع أنك مقل، وهذا يدخل ~~في إطار قوله تعالى: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. # [الحشر: 9]. وقلنا: إن الشارع حكيم، فإذا ألزمك وأخذ منك فإنما ذلك ~~ليعطيك إن احتجت، وكأنه يقول لك: اطمئن فقد أمنت لك حياتك، إن أصابك ~~الفقر، أو كنت في يوم من الأيام مسكينا أو ابن سبيل، فكما فعلت سيفعل ~~بك. وهذه المسألة واضحة في كفالة اليتيم، فلو أن المجتمع الإيماني عوضه ~~عن أبيه عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة " # لاطمأن كل أب على أولاده إن مات وتركهم لأنهم في مجتمع يعوضهم ~~عن أبيهم بآباء كثيرين. ms7645 والإنسان إن كان آمنا منعما، فإنما ينغص ~~هذه النعمة أنها عرضة لأن تزول، فيريد الله أن يؤمن لعبده الحياة ~~الكريمة في امتداده من بعده، وهذا هو التأمين الحق الذي أرسله الله قضية ~~تأمينية في الكون، ليست في شركات التأمين، إنما في يده سبحانه حيث قال: # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9] فإذا اتقوا الله وقالوا القول السديد، فإن يتيمهم يصادف ~~أناسا يكفلونه، ويخافون عليه، ويتولون أمره. وسبق أن تعرضنا في ~~سورة الكهف لقصة الجدار الذي تبرع الخضر - عليه السلام - ببنائه مع أنه ~~في قرية أهلها لئام منعوهم حتى الطعام. وقلنا: إن سؤال الطعام هو أصدق ~~سؤال، ولا يرد سائله، ومع ذلك بناه الخضر، وقال في بيان أمر الجدار: # وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما ~~صالحا.. # [الكهف: 82]. فصلاح الأبوين ينفع الغلامين، فيسخر الله لهما من ~~يبني لهما الجدار، ويحافظ لهما على كنزهما حتى يكبرا، ويستطيعا حمايته من ~~هؤلاء اللئام الذين إذا علموا بأمره نهبوه من هذين الصغيرين. ثم يحدثنا ~~الحق سبحانه عن الفارق بين الهدية والصدقة، فيقول: { ومآ آتيتم ~~من ربا ليربو في أموال... }. ### || [30.39] # الحق - سبحانه وتعالى - يعرف أن خلقه يفعلون الخير، ويطلبون الأجر ~~عليه، لكن هذا الطلب قد يضيع إذا راءوا في أعمالهم، وقد يكون الأجر على ~~قدر العمل إذا خلا من الرياء، لكن الحق سبحانه يريد أن يرتفع بالصدقة أو ~~بالزكاة إلى مستوى عال، فيأخذ صاحبها الثمن من يد الله سبحانه مضاعفا، ~~وطلب الزيادات يكون في النية. فالمؤمن مثلا يعلم أنه إذا حيي بتحية ~~فعليه أن يردها بخير منها، فقد يأتي فقير ويقدم لأحد الأغنياء هدية ~~على قدر استطاعته، وفي نيته أن يردها الغني بما يناسب غناه، إذن: ~~فهو حين أعطى يطمع في الزيادة، وإن كانت غير مشروطة، ويجوز أن يرد ~~الغني على الهدية بأفضل منها، ويجوز ألا يردها أصلا. فقوله تعالى: ~~{ ومآ آتيتم من ربا.. } [الروم: 39] أي: الزيادة بأي ~~ألوانها ms7646 عما تعطي، وهذه الزيادة غير مشروطة في عقد، والزيادة تكون في ~~المال، أو بأي وسيلة أخرى فيها نفع لأنهم قالوا في تعريف الربا: كل قرض ~~جر نفعا فهو ربا. حتى أن الإمام أبا حنيفة كان يجلس في ظل جدار ~~لجاره، فلما طلب منه جاره مالا وأقرضه رآه الجار لا يجلس في ظل الجدار ~~كما كان يجلس، فسأله عن ذلك فقال: كنت أجلس في ظل جدارك وأعلم أنه تفضل ~~منك، أما الآن فأخاف أن أجلس فيه حتى لا تظن أن هذه الجلسة للمال الذي ~~أخذته مني. فالمعنى: وما آتيتم من ربا تبغون به الزيادة سواء أكانت ~~نفعا، أو مالا، أو غير مال، سواء أكانت مشروطة أو غير مشروطة. قالوا: ~~فما حكم الهدايا إن ردت بأحسن منها؟ وما ذنبي أنا المعطي في ذلك؟ ~~قالوا: لا شيء فيها بشرط ألا تكون في نيتك الزيادة، وألا تكون هديتك ~~مشروطة، إنما تكون تحببا وتوددا ومعروفا بين الناس، إنما لا تأخذ ~~عليها ثوابا من الله. وقوله { ليربو في أموال الناس.. } ~~[الروم: 39] في هنا للظرفية، فالمال ظرف، وما تضعه فيه ينقص منه، ويزيد ~~ما عندك { فلا يربو عند الله.. } [الروم: 39] يربو عندك أنت ~~بالزيادة التي تأخذها ممن حييته، أما عند الله فلا يربو. هكذا قال ~~ابن عباس، وإن كان بعض العلماء قال: هي مطلق في الربا الأصل، وهذه مسألة ~~كان يجب أن يشرع لها، لكن رأى ابن عباس أن آية الربا معروفة، وهذه ~~للربا في زيادات التحية والمجاملات بين الناس. ثم يقول سبحانه: { ومآ ~~آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك.. } ~~[الروم: 39] أي: الذين يؤتون الزكاة ويريدون بها وجه الله { هم ~~المضعفون } [الروم: 39] ليست من الإضعاف، إنما من الأضعاف، فالزكاة ~~أضعاف بالفتح كما في قوله تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه ~~له.. # [الحديد: 11] أما الربا فإضعاف بالكسر. وهذه المسألة وقف عندها بعض ~~المستشرقين الذين يحبون أن يستدركوا على كلام الله، قالوا: في القرآن ~~آيات تصادم الحديث النبوي، فالقرآن يقول: # من ذا الذي يقرض الله ms7647 قرضا حسنا فيضاعفه ~~له.. # [الحديد: 11]. إذن: القرض الحسن يضاعف به الله الثواب، وعندكم أن الحسنة ~~بعشر أمثالها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " مكتوب على باب الجنة: الحسنة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر " # فلو أن القرض الحسن يضاعف الحسنة بعشر أمثالها، فهو بعشرين لا بثمانية ~~عشر. فقلنا له: لو تصدقت بدولار مثلا فقد عملت حسنة تضاعف لك إلى ~~عشر، لكن أرد إليك دولارك الذي تصدقت به؟ لا، إذن حقيقة الأمر أنك ~~أخذت تسعة تضاعف إلى ثمانية عشر. قالوا: فلماذا زاد ثواب القرض؟ نقول: ~~لأن المتصدق حين يتصدق ينقطع أمله فيما قدم، لكن المقرض لا يزال ~~معلق البال في القرض ينتظر رده، فكلما صبر عليه أخذ أجرا، ثم إن ~~المقترض لا يقترض إلا عن حاجة، أما المتصدق عليه فقد يقبل الصدقة وهو ~~غير محتاج إليها، وربما كان ممن يكنزون المال. إذن: فالحق سبحانه يريد ~~أن ينمي القرض لماذا؟ قالوا: لأن الله يريد أن تسير حركة الحياة، وأن ~~تتكامل، وأنت تعتز بمالك وتخاف عليه وتريد له النماء، وسوف تجد هذا كله ~~في القرض، فاجعله قرضا، فهو الباب الذي فتحه الله لك للزيادة وللثواب. ~~ثم إن الله تعالى احترم ملكيتك لمالك، وحرص على حمايته لك، فقال: # يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى ~~أجل مسمى فاكتبوه... # [البقرة: 282]. فالله يحفظ عليك مالك لتهدأ بالا من ناحيته، ومع ذلك ~~يترك مجالا لأريحية المعطي ومروءته # فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته وليتق الله ربه.. # [البقرة: 283]. وبهذه الفلسفة الإيمانية يدور المال وتسير به حركة ~~الحياة، بحيث يضمن لصاحب المال ماله، لأنه محب له حريص عليه، ويضمن ~~لمن لا مال له أن يتحرك من مال الغير، فإذا كانت هناك أمانة أداء، فكل ~~صاحب أمانة عليه أن يؤديها لمستحقها. فإن اختلت هذه الموازين، وماطل ~~الفقير الغني، وضن عليه أن يرد إليه حقه، فقد فسد حال المجتمع ~~وانهارت فيه هذه القيم، وساعتها لا نلوم القادر على العطاء إن أمسك ماله ~~عن المحتاجين للقرض ولم لا؟ والناس يأكلون الحقوق، ms7648 وبذلك تتوقف حركة ~~الحياة ويتراجع المجتمع عن مسايرة حركة التقدم. فإذا كان الربا غير ~~المشروط، وهو الربا في الهدايا والمجاملات والتحية بين الناس جعله الله ~~للمودات وللمروءات بين الناس، لا يثيب عليه ولا يعاقب، وقال عنه { ~~فلا يربو عند الله.. } [الروم: 39]. أما الربا المشروط فقد وقف ~~معه وقفة حازمة، وشرع له عقابا وجعل هذا العقاب من جنس ما يضاد غرض ~~الذي رابى، فأنت ترابي لتزيد من مالك، فيقابلك الله بالنقصان # يمحق الله الربا.. # [البقرة: 276] لماذا؟ قالوا: لأن المعطي غني واجد، لديه فائض من المال ~~يعطي منه، أما الآخذ فمحتاج، فكيف نطلب من المحتاج أن يزيد في مال ~~الواجد غير المحتاج؟ وكيف تكون نظرة المحتاج إليك حين يعلم أن عندك مالا ~~يزيد عن حاجتك، ومع ذلك ترفض أن تقرضه القرض الحسن، بل تشترط عليه ~~الزيادة، فتأخذ الزيادة منه وهو محتاج؟ ثم افرض أنني أخذت هذا القرض ~~لأثمره وأنميه فخسر، أليس كافيا أن أخسر أنا عملي، وأن يضيع مجهودي؟ ~~أمن العدل أن أخسر عملي، ثم أكون ضامنا للزيادة أيضا؟ هذه ليست من ~~العدالة لأن شرط العقد أن يحمي مصلحة الطرفين، أما عقد الربا فلا يحمي ~~إلا مصلحة الدائن. ونحن نرى حتى التشريعات الوضعية في الاقتصاد إذا أعطى ~~البنك مالا لشخص لعمل مشروع مثلا ثم خسر وأرادوا تسوية حالته، أول شيء ~~في إجراءاتهم أن يسقطوا عنه الفوائد. وهذا يوافق شرع الله في قوله ~~تعالى: # وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا ~~تظلمون # [البقرة: 279] لا تظلمون بمعنى: أن نرد إليكم رءوس أموالكم ولا ~~تظلمون أي: لا نظلمك من ناحية أخرى، فنقول لك: إن أردت أن تتوب فرد ~~ما أخذته بالربا بأثر رجعي لأن ما أخذته قد صرف وتصعب إعادته، وبذلك ~~نراعي مصلحة الدائن حين نعيد إليه رأس المال، ومصلحة المدين، فلا نكلفه ~~رد ما لا يقدر على رده. وحين نتأمل هذه المسألة: آلدول أقوى أم ~~الأفراد؟ الدول، أرأيتم دولة اقترضت مالا من دولة أخرى، ثم استطاعت أن ~~تسدد فوائد هذا الدين فضلا عن ms7649 أصل الدين؟ كذلك الأفراد الأقوياء ~~الذين يأخذون القروض، ثم لا يسددون مجرد الفوائد، ولا يستطيعون جدولتها ~~ولا تسوية حالتهم، فيقعون في خصومات ومشاكل. شيء آخر، هب أن رجلا لديه ~~مثلا ألف جنيه ورجل لا عند له، صاحب الألف يستطيع أن يديرها، وأن يعيش ~~منها، أما الآخر الذي لا يملك شيئا فيقترض ليعيش مثل صاحبه، فإن قلت ~~له: الألف قرضا بمائة جنيه، فمن أين يوفر هذه المائة؟ إن أخذها من عائد ~~المال يخسر، وإن أخذها من السلعة بأن يقلل من الجودة أو من العناصر ~~الفعالة في السلعة، أو في التغليف، جاءت السلعة أقل من مثيلاتها وبارت. ~~إذن: لا بد أن يتحملها المستهلك، وهذا إضرار به، وهو ليس طرفا في العقد، ~~إذن: العقد باطل. وحين نقول: إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان يجب أن نفهم ~~هذه القضية جيدا، وإياك أن تقول: إن الإسلام لا يصلح في زمان كذا، أو في ~~مكان كذا. والآن نسمع البعض ينصرف عن منهج الإسلام ويقول لك # لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.. # [البقرة: 286] أي: ليس في وسعه الآن تنفيذ شرع الله. لكن نقول له: من ~~الذي يحدد الوسع؟ أنت أم المشرع سبحانه؟ ما دام الله تعالى قد كلف، ~~فاعلم أن التكليف في وسعك، فخذ الوسع من التكليف، لا أن تقدر أنت ~~الوسع وتنسى ما كلفك الله به. لذلك ترى أن الله تعالى إذا ضاق الوسع ~~يخفف عنك دون أن تطلب أنت التخفيف، كما في صلاة وصوم المريض ~~والمسافر.. الخ وكما في التيمم إن تعذر استعمال الماء. فلا معنى لأن ~~نقول: إن تعاليم الدين لا تناسب العصر، إذن: اجعل العصر هو المشرع، ~~وانصرف عن تشريع السماء إلى ما يحتمله العصر. لذلك قلنا: إن الحق سبحانه ~~حينما يلقي تكاليفه يقول: # قل تعالوا.. # [الأنعام: 151] فمعنى تعالوا: ارتفعوا عن مستوى أهواء البشر، واعلوا إلى ~~تكاليف الله، فإن هبطت بالتكاليف إلى مستواك، وقلت ظروف العصر تحتم ~~علي كذا وكذا فقد أخضعت منطق السماء لمنطق الأرض، وما جاء منطق السماء ~~إلا ليعلو بك. ms7650 فإن نظرنا إلى مواقف العلماء من مسألة الربا، فمنهم من ~~يحلل، ومنهم من يحرم وهم الكثرة، وهب أنهم متساوون من يحرم ~~ومن يحلل، فما حكم الله فيما تساوت فيه الاجتهادات؟ النبي صلى الله ~~عليه وسلم أوضح لنا هذه القضية في قوله: # " الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات ~~فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي ~~يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى ~~الله محارمه ". # فهل قال رسول الله: فمن فعل الشبهات أم: فمن ترك الشبهات؟ إذن: من ~~وقع في الشبهات لم يستبرىء، لا لدينه ولا لعرضه، وهل يرضى أحد أن ~~يوصف هذا الوصف؟ وعجيب أن نسمع من يقول: وما علاقة العرض بهذه ~~المسألة؟ نقول: والله حتى غير المؤمن بدين يستنكف أن يقال عنه أنه ~~مراب، عرضه لا يقبلها فضلا عن دينه. لذلك فالمكارون الذين يريدون أن ~~يغلوها، ويريدون أن يعيشوا على دماء الناس لا يدرون أن النفعية هي ~~القانون الذي يحكم الله به خلقه، فيجعل لهم الحسنة بعشر أمثالها، لذلك ~~يقول اليهود: كيف تحرمون الربا والله يعاملكم به؟ نعم، الحق - سبحانه ~~وتعالى - يعاملنا بالربا، ويعطينا بالزيادة لأن هذه الزيادة لا تنقص ~~مما عنده سبحانه، أما الزيادة من الناس ومن المحتاجين فإنها ترهقهم ~~وتزيدهم فقرا وحاجة. ثم دعك من هذا كله، وتأمل في المحيط الذي تعيش ~~فيه، ففي كل بلد أناس يحبون الربا ويتعاملون به، أرأيتم مرابيا مات ~~بخير؟ أمات مراب وثروته كاملة؟ لا، لأن الله تعالى لم يكن ليقول # يمحق الله الربا.. # [البقرة: 276] ثم يترك مرابيا ينمو ماله، ويسلم له إلى أن يموت، فإن ~~اغتنى لحين، فإنما غناه كيد فيه، ومبالغة في إيذائه، كما جاء في الأثر # " إذا غضب الله على إنسان رزقه من الحرام، فإن اشتد غضبه عليه بارك له ~~فيه ". # واقرأ قول الله تعالى: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا ms7651 هم مبلسون # [الأنعام: 44]. لذلك نسمع " فلان ماهر في التجارة " ، " فلان يضع يده في ~~التراب يصير ذهبا "... الخ. وسبق أن أوضحنا الفرق بين " فتحنا لهم " و " ~~فتحنا عليهم ": " لهم " أي لصالحهم بالخير، أما " عليهم " فيعني كيدا ~~لهم وتحديا وإهلاكا، فالله تعالى يعطي الكافر ويوسع عليه زهرة ~~الدنيا، حتى إذا أخذه كان أخذه أليما، كما قلنا: إنك إن أردت أن ~~توقع عدوك لا توقعه من على الحصير، إنما من مكان عال حتى يكون السقوط ~~مؤلما. وقوله تعالى: # حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا.. # [الأنعام: 44] والفرح بالنعمة ليس ممنوعا، لكن هناك فرح يحب، وفرح ~~يكره، وإلا فالحق سبحانه نسب الفرح للمؤمنين في قوله تعالى في سورة ~~الروم: # ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله.. # [الروم: 4-5] وقال سبحانه: # فرحين بمآ آتاهم الله.. # [آل عمران: 170] وقال: # فبذلك فليفرحوا.. # [يونس: 58]. فأثبت لهم الفرح المقبول، وهو الفرح الذي يعقبه قولنا: ما ~~شاء الله لا قوة إلا بالله ثم تشكر الله الذي أنعم عليك، أما الفرح ~~المكروه فهو الفرح الذي يورثك بطرا وأشرا وكبرا. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم... }. ### || [30.40] # سبق أن قلنا: إن قضية الخلق مسلم بها لأنها قضية لم يدعها أحد ~~لنفسه مع كثرة المتبجحين بالكفر والإلحاد لذلك لما ادعاها النمروذ الذي ~~حاج إبراهيم في ربه فقال: أنا أحيي وأميت، فعلم إبراهيم عليه السلام ~~أنه يريد اللجاج والسفسطة التي لا طائل منها، وإلا فكيف يكون الأمر بقتل ~~واحد إماتة، والأمر بترك الآخر والعفو عنه إحياء؟ ثم ما بال الذين ~~خلقوا قبلك وميلادهم قبل ميلادك؟ إذن: أنت لم تخلق ولم تحي أحدا، ~~وسبق أن بينا الفرق بين القتل والموت مع أنهما يشتركان في إنهاء الحياة ~~وإزهاق الروح، لكن الموت يكون بإزهاق الروح أولا، يتبعه نقض البنية ~~وتحطم الجسم. أما القتل فينقض البنية أولا نقضا يترتب عليه إزهاق ~~الروح فالروح لا تقيم إلا في بنية سليمة، ومثلنا لذلك بلمبة الكهرباء ~~حين تحرق فينطفىء نورها، فهل يعني ذلك أن التيار انقطع عنها؟ لا بل هو ~~موجود ms7652 لكنه يحتاج لبنية سليمة بدليل أننا إذا استبدلنا اللمبة تضيء. ~~والحق - سبحانه وتعالى - يبين لنا هذا الفرق في قوله سبحانه: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم.. # [آل عمران: 144] إذن: فالنمروذ لا يحيي، بل يبقي على الحياة، ولا ~~يميت بل يقتل ويزهق الروح. وكان بمقدور إبراهيم عليه السلام أن يرد ~~عليه هذه الحجة، وأن يكشف تزييفه، لكنه أراد أن يأخذه إلى ميدان آخر لا ~~يستطيع التلفيق فيه ولا التمحك، فقال له: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب فبهت الذي كفر.. # [البقرة: 258]. كذلك مسألة الرزق فهي مسلمة لله لم يدعها أحد: { ~~الله الذي خلقكم ثم رزقكم.. } [الروم: 40]. بدليل أن ~~الله تعالى جعل بعض المناطق جدباء، يجوع فيها القادر والعاجز، ويجوع فيها ~~ذو المال وغير ذو المال، ولو كان هناك رازق غير الله فليحي هذه ~~المناطق الجدباء. وقوله تعالى: { ثم يميتكم ثم يحييكم.. ~~} [الروم: 40] ولم يقل: يقتلكم { هل من شركآئكم من يفعل ~~من ذلكم من شيء.. } [الروم: 40] أي: اسألهم هذا السؤال، ~~ودعهم يجيبون هم عليه: أتستطيع الأصنام التي تشركونها مع الله أن تفعل ~~شيئا من الخلق أو الرزق أو الإحياء أو الإماتة؟ أفي قدرتها شيء من ذلك ~~وأنتم الذين تصنعونها وتنحتون حجارتها بأيديكم، وتصورونها كما تشاؤون، ~~فإذا هبت عاصفة أطاحت بها وربما كسرت ذراع أحد الأصنام فتجتمعون ~~لإقامتها وإصلاحها؟ فأين عقولكم؟ وما هذه الخيبة التي أصابتكم؟ لذلك يقول ~~سبحانه عنهم: # والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم يخلقون # [النحل: 20]. ويقول سبحانه: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له.. # [الحج: 73] بل وأكثر من ذلك # وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ~~ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73]. بالله، أيستطيع أحد أن يسترد ما أخذته منه الذبابة؟ ~~ونلحظ في الآية تكرار من وهي للتبعيض: { هل من شركآئكم من ~~يفعل من ذلكم من شيء.. } [الروم: 40] والمعنى: لا يستطيع ~~أحد من شركائكم أن يفعل شيئا ولو هينا من ms7653 الخلق، أو الرزق، أو ~~الإحياء، أو الإماتة. لذلك يجب أن تعلقوا على هذه القضايا من الله ~~بقول واحد { سبحانه وتعالى عما يشركون } [الروم: 40] ~~لا تعليق إلا هذا. لذلك لما تكلم سيدنا إبراهيم عن الأصنام قال: # فإنهم عدو.. # [الشعراء: 77] أي: أنتم وما تعبدون من دون الله لأنهم كانوا يشركون ~~آلهتهم مع الله، فالله سبحانه داخل في هذه الشركة لذلك استثناه ربه # إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء: 77-78]. ونلحظ هنا في قوله # الذي خلقني.. # [الشعراء: 78] أنه لم يؤكدها بشيء، ولم يذكر قبل الخلق الضمير هو لأن ~~مسألة الخلق كما قلنا لم يدعها أحد، أما في الهداية وهي مجال ~~ادعاء، فقال فهو أي: الحق سبحانه يقصر الهداية على الله # فهو يهدين # [الشعراء: 78]. وفي هذا إشارة إلى أن القانون الذي ينظم حياتي والمنهج ~~الذي يهديني قانون ربي لا آخذه من أحد سواه، وكثيرا ما نرى من يدعي ~~الهداية ويقول: إنني وضعت قانونا يسعد حياة الناس، ويفعل كذا وكذا، ~~سمعنا هذه النغمة مرة من الرأسمالية، ومرة من الاشتراكية، ومن الشيوعية.. ~~الخ. إذن: هذا مجال ادعاء واسع، فقيده إبراهيم - عليه السلام - وقصره ~~على الله، حيث لا منهج إلا منهج الله، ولا قانون يحكمنا إلا قانون ~~ربنا، كما نقول في العامية مفيش إلا هو. كذلك في مسألة الإطعام قال: # والذي هو يطعمني.. # [الشعراء: 79] فاستخدم القصر هنا بذكر الاسم الموصول الذي ثم الضمير ~~المفرد الغائب هو ليؤكد أن الذي يطعمه إنما هو الله لأن الإنسان قد يظن ~~أن أباه هو الذي يطعمه، أو أن أمه هي التي تطعمه لأنها تعد له طعامه، ~~فهما السببان الظاهران في هذه المسألة، فاحتاج الأمر إلى أكثر من مؤكد. ~~ثم يقول عليه السلام: # والذي يميتني ثم يحيين # [الشعراء: 81] هكذا دون توكيد لأن الموت والحياة مسألتان مسلمتان لله ~~مفروغ منهما، وكذلك: # والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين # [الشعراء: 82] وهذه أيضا لا تكون إلا لله تعالى. إذن: ما كان للغير فيه ~~شبهة عمل يؤكدها ويخصها لله تعالى، أما الأخرى التي ms7654 لا دخل لغير الله ~~فيها فيسوقها مطلقة دون اختصاص. فالتعليق في هذا الأمر العجيب لا يكون ~~إلا بقولنا: { سبحانه وتعالى عما يشركون } [الروم: 40] ~~أي: تنزيها له عن الشركة، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~أخبرنا أن الله تعالى قال: لا إله إلا أنا، ولم يقم لهذه القضية ~~منازع، ولم يدعها أحد لنفسه. إذن: فهي مسلم بها، وإلا فإن كان ~~هناك إله آخر فأين هو؟ ولماذا لم يدافع عن حقه في الألوهية؟ إن كان لا ~~يدري فهو غافل، وإن كان يدري ولم يعارض فهو جبان، وفي كلتا الحالتين لا ~~يصلح أن يكون إلها. لذلك ربنا حكمها بقضية واحدة، فقال: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. ثم يقول الحق سبحانه: { ظهر الفساد في ~~البر... }. ### || [30.41] # ظهر: بان ووضح. والظهور: أن يبين شيء موجود بالفعل لكنا لا نراه، وما ~~دام الحق سبحانه قال: { ظهر الفساد.. } [الروم: 41] فلا بد أن ~~الفساد كان موجودا، لكن أصحاب الفساد عموه وجنوه إلى أن فقس وفرخ ~~في المجتمع. والفساد لا يظهر إنما يظهر أثره، أتذكرون الزلزال الذي حدث ~~والذي كشف الفساد والغش والتدليس بين المقاول والمهندس، وكانت المباني ~~قائمة والفساد مستترا إما لغفلتنا عنه، أو لتواطئنا معه، أو لعدم ~~اهتمامنا بالأشياء إلى أن طمت المسائل، ففضح الله الأرض بالزلزال، ~~ليكشف ما عندنا من فساد. فإذا ازداد الغش، وانتشر وفاق الاحتمال لا ~~بد أن يظهره الله للناس، فلم يعد أحد قادرا على أن يقف في وجه ~~الفساد، أو يمنعه لذلك يتدخل الحق سبحانه، ويفضح أهل الفساد ويذيقهم ~~آثار ما عملت أيديهم. وتأتي ظهر بمعنى " الغلبة " كما في قوله تعالى: # فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ~~ظاهرين # [الصف: 14] أي غالبين. وفي سورة التحريم: # وإن تظاهرا عليه.. # [التحريم: 4]. وبمعنى " العلو " في قوله تعالى: # فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا # [الكهف: 97]. فالمعنى { ظهر الفساد.. } [الروم: 41] أي: غلب ~~الصلاح وعلا عليه، والكون خلقه الله تعالى على هيئة الصلاح، وأعده ~~لاستقبال ms7655 الإنسان إعدادا رائعا، وللتأكد من صدق هذه المسألة انظر في ~~الكون وأجناسه وأفلاكه وأجوائه، فلن ترى فسادا إلا فيما تتناوله يد ~~الإنسان. أما ما لا تتناوله يد الإنسان، فلا ترى فيه خللا لأن الله خلقه ~~منسجم الأجناس منسجم التكوين: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. فهل خلقنا الحق سبحانه وخلق اختيارنا لنفسد في الكون؟ لا، ~~إنما هو ابتلاء الاختيار حين ينزل عليك المنهج ويجعله قانونا لحركتك ~~بافعل ولا تفعل، وما لم أقل فيه افعل أو لا تفعل فأنت حر فيه، فلا يحدث ~~من الفعل أو من عدمه ضرر في الكون، أما أنا فقد قلت افعل في الذي يحصل ~~منه ضرر بعدم فعله، وقلت لا تفعل في الذي يحصل ضرر من فعله. فالفساد يأتي ~~حين تدخل يدك في شيء وأنت تطرح قانون الله في افعل ولا تفعل، أما ~~الصلاح فموجود وفيه مناعة يكافح بها الفساد، فإن علا تيار الفساد وظهر ~~على الصلاح وغلبه بان للناس. وعندها ينبهنا الحق سبحانه بالأحداث ~~تطرقنا وتقول لنا: انظروا إلى من خالف منهج الله ماذا حدث له لذلك في ~~أعقاب الأحداث نزداد عشقا لله، وحبا لطاعته، وترى الناس تمشي على ~~العجين متلخبطه، لكن سرعان ما يعودون إلى ما كانوا عليه من الإهمال ~~والغفلة، على حد قول الشاعر: # تروعنا الجنائز مقبلات # ونلهو حين تذهب مدبرات # كروعة ثلة لمغار ذئب # فلما غاب عادت راتعات # فالحق يقول: { ظهر الفساد.. } [الروم: 41] أي: غلب على قانون ~~الصلاح الذي أقام الله عليه نظام هذا الكون، الذي لو نالته يد الإنسان ~~لفسد هو الآخر، كما قال سبحانه: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات ~~والأرض.. # [المؤمنون: 71]. فظواهر الكون أشياء وقضايا لكل العامة، ومن الحكمة ألا ~~تنالها يد الإنسان لأن الله تعالى يريد للكون البقاء، ولم يأت أوان ~~انتهائه، لذلك الحق سبحانه يجعل فينا مناعة تجعلنا نقبل الفساد إلى حين، ~~إلى أن يصل إلى درجة التشبع، فتتفجر الأوضاع. فقوله: { ظهر ~~الفساد في البر.. } [الروم: 41] نتيجة ms7656 لدعوته صلى الله عليه ~~وسلم لأن كلمة ظهر تدل على أن شيئا وقع، فكأنه يقول لنا: إن كررتم ~~الفساد والغفلة تكرر ظهور الفساد، فهو يعطينا ملخصا لما حدث بالفعل ~~من عداوتهم لرسول الله، ومقاطعته وعزله وإغراء السفهاء منهم للتحرش به، ~~ثم عداوة أصحابه وإجبارهم على الهجرة إلى الحبشة حتى لا يستقر لهم قرار ~~بمكة. لذلك دعا عليهم رسول الله: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " # فأصابهم الجدب والقحط، حتى روي أنهم كانوا يذهبون للبحر لصيد السمك، ~~فيبتعد عنهم ولا يستقيم لهم فيعودون كما أتوا. وهذا معنى { ظهر ~~الفساد في البر والبحر.. } [الروم: 41]. ثم يوضح الحق ~~سبحانه سبب هذا الفساد: { بما كسبت أيدي الناس.. } [الروم: ~~41] فتلحظ هنا أن الحق سبحانه لما يذكرالرحمة لا يذكر علتها، لكن يذكر ~~علة الفساد لأن الرحمة من الله سبحانه أولا وأخيرا تفضل، أما ~~الأخذ والعذاب فبعدله تعالى لذلك يبين لك أنك فعلت كذا، وتستحق كذا، ~~فالعلة واضحة. هناك قضية أخرى أحب أن أوضحها لكم، وهي أن الحق سبحانه ~~يعامل خلقه معاملته في الجزاء، فالله يقول: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها.. # [الأنعام: 160]. إذن: فالحسنة الواحدة تستر عشر سيئات، وكذلك في جسم ~~الإنسان، فيقول بعض علماء وظائف الأعضاء والتشريح: إن الكلية بها مليون ~~خلية يعمل منها العشر بالتبادل، فمجموعة تعمل، والباقي يرتاح وهكذا. ~~فانظر كم ترتاح الخلية حتى يأتي عليها الدور في العمل. فكأن ربنا - ~~سبحانه وتعالى - خلق لها العشر يقوم مقام المليون لذلك قالوا لو أن في ~~أحد الدواوين عشرة موظفين، منهم واحد محسن، يستر إساءة الباقين، وكثيرا ~~ما تلاحظ هذه الظاهرة في دواوين الحكومة، فترى غالبية الموظفين منشغلين: ~~هذا يقرأ الجرائد، وهذا يشرب الشاي، وآخر لم يأت أصلا. وخلف كومة من ~~الملفات تجد موظفا نحيلا غارقا في العمل، يقصده الجميع، ويتحمل هو ~~تقصير الآخرين، ويؤدي عنهم، وبه تسير دفة الأمور، لكن إن فقدنا هذا ~~أيضا، فلا بد أن تأتي { ظهر الفساد.. } [الروم: 41] إذن: إن ~~رأيت الفساد فاعلم أنه نتيجة إهمال وغفلة ms7657 فاقت كل الحدود. # وما دام الحق سبحانه قال: { بما كسبت أيدي الناس.. } ~~[الروم: 41] فلا بد أن الفساد جاء من ناحيتهم، وبالله هل اشتكينا أزمة ~~في الهواء مثلا؟ لكن نشتكي تلوث الهواء بما كسبت أيدي الناس، أما حين ~~نذهب إلى الخلاء حيث لا يوجد الإنسان، نجد الهواء نقيا كما خلقه الله. ~~الحق سبحانه تكفل لنا بالغذاء فقال: # وقدر فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 10] لكنا نشتكي أزمة طعام، لماذا؟ لأن الطعام يحتاج إلى عمل، ~~ونحن تكاسلنا، وأسأنا التصرف في الكون، إما بالكسل والخمول عن استخراج ~~خيرات الأرض وأقواتها، وإما بالأنانية حيث يضن الواجد على غير الواجد. ~~وقد قرأنا مثلا أن أمريكا تسكب اللبن في البحر، وتعدم الكثير من ~~المحصولات، وفي العالم أناس يموتون جوعا، إذن: هذه أنانية، أما التكاسل ~~فقد حدث منا في الماضي. وانظر الآن إلى صحرائنا التي كانت جرداء قاحلة، ~~كيف اخضرت الآن، وصارت مصدرا للخيرات لما اهتممنا بها ويسرنا ملكيتها ~~للناس، فإن ضنت الأرض في منطقة ما فقد جعل الله لنا سعة في غيرها، ~~فالخالق سبحانه لم يجعل الأرض لجنس ولا لوطن، إنما جعلها مشاعا لخلق ~~الله جميعا. واقرأ قوله تعالى: # ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها.. # [النساء: 97]. ولذلك قلت في هيئة الأمم: إن في القرآن آية واحدة، لو أخذ ~~العالم بها لضمنت له الرخاء والاستقرار والأمان، إنها قوله تعالى: # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10] فالأرض كل الأرض للأنام كل الأنام، لكن الواقع خلاف ذلك، ~~فقد وضعوا للأرض حدودا، وأقاموا عليها الحواجز والأسوار، فإن أردت ~~التنقل من قطر إلى آخر تجشمت في سبيل ذلك كثيرا من المشاق في إجراءات ~~وتأشيرات.. إلخ. وكانت نتيجة ذلك أن يوجد في الكون رجال ازدحموا بلا أرض، ~~وفي موضع آخر أرض بلا رجال، ولو حدث التكامل بين هذه وتلك لاستقامت ~~الأمور. إذن: الذين وضعوا الحدود والحواجز في أرض الله أخذوها لأنفسهم، ~~فلم تعد أرض الله الواسعة التي تستقبل خلق الله من أي مكان آخر، ~~إنما جعلوها أرضهم، وأخضعوها لقوانينهم هم، وتعجب حين تتأمل حدود الدول ~~على ms7658 الخريطة، فهي متداخلة، فترى جزءا من هذه الدولة يدخل في نطاق دولة ~~أخرى، على شكل مثلث مثلا، أو تمتد أرض دولة في دولة أخرى على شكل لسان ~~أو مناطق متعرجة، فماذ دمتم قد وضعتم بينكم حدودا، فلماذا لا تجعلونها ~~مستقيمة؟ وكأن واضعي هذه الحدود أرادوها بؤرا للخلاف بين الدول، ولا ~~يخلو هذا التقسيم من الهوى والعصبيات القبلية والجنسية والقومية ~~والدينية، لكن لو أخذنا بقول ربنا: # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10] لما عانينا كل هذه المعاناة. وقوله تعالى: { كسبت.. } ~~[الروم: 41] عندنا: كسب واكتسب، الغالب أن تكون كسب للحسنة، واكتسب ~~للسيئة لأن الحسنة تأتي من المؤمن طبيعة بدون تكلف أو افتعال، فدل ~~عليها بالفعل المجرد كسب. # أما السيئة، فعلى خلاف الطبيعة، فتحتاج منك إلى تكلف وافتعال، فدل ~~عليها بالفعل المزيد الدال على الافتعال اكتسب. ألا ترى أنك في بيتك ~~تنظر إلى زوجتك وبناتك كما تشاء، أما الأجنبية فإنك تختلس النظرات إليها ~~وتحتال لذلك؟ فكل حركاتك مفتعلة، لماذا؟ لأنك تفعل شيئا محرما ~~وممنوعا، أما الخير فتصنعه تلقائيا وطبيعيا بلا تكلف. كما أن الحسنة ~~لا تحتاج منك إلى مجهود، أما السيئة فتحتاج إلى أن تجند لها كل ~~قواك، وأن تحتاط، كالذي يسرق مثلا، فيحتاج إلى مجهود، وإلى محاربة ~~لجوارحه لأنها على الحقيقة تأبى ما يفعل. ومع ذلك نلحظ قوله تعالى: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار.. # [البقرة: 81]. فجعل السيئة كسبا لا اكتسابا. قالوا: لأن السيئة هنا ~~صارت عادة عنده، وسهلت عليه حتى صارت أمرا طبيعيا يفعله ولا يبالي ~~كالذي يفعل الحسنة، وهذا النوع والعياذ بالله أحب السيئة وعشقها، حتى ~~أصبح يتباهى بها ولا يسترها ويتبجح بفعلها. وهذا نسميه فاقد، فقد أصبح ~~الشر والفساد حرفة له، فلا يتأثر به، ولا يخجل منه كالذي يقبل الرشوة، ~~ويفرح لاستقبالها، فإن سألته قال لك: وماذا فيها؟ أنا لا أسرق الناس. ~~وقوله تعالى: { ليذيقهم بعض الذي عملوا.. } [الروم: 41] ~~الإذاقة هنا عقوبة، لكنها عقوبة الإصلاح كما تعاقب ولدك وتضر به حرصا ~~عليه، وسبق أن قلنا: إنه لا ms7659 ينبغي أن نفصل الحدث عن فاعله، فقد يعتدي ولد ~~على ولدك، فيجرحه فتذهب به للطبيب، فيجرحه جرحا أبلغ، لكن هذا جرح ~~المعتدي، وهذا جرح المداوي. وحين يذيق الله الإنسان بعض ما قدمت يداه ~~يوقظه من غفلته، وينبه فيه الفطرة الإيمانية، فيحتاط للأمر ولا يهمل ~~ولا يقصر، وتظل عنده هذه اليقظة الإيمانية بمقدار وعيه الإيماني، فواحد ~~يظل يقظا شهرا، ثم يعود إلى ما كان عليه، وآخر يظل سنة، وآخر يظل عمره ~~كله لا تنتابه غفلة. وقد أذاق الله أهل مكة عاقبة كفرهم حتى جاعوا ولم ~~يجدوا ما يأكلونه إلا دم الإبل المخلوط بوبرها، وهو العلهز. وقوله: ~~{ لعلهم يرجعون } [الروم: 41] لأن الكلام هنا في الدنيا، وهي ~~ليست دار جزاء، فالحق يذيقهم بعض أعمالهم ليلتفتوا إليه سبحانه، ~~ويتوبوا ويعودوا إلى حظيرة الإيمان لأنهم عبيده، وهو سبحانه أرحم بهم من ~~الوالدة بولدها. والحق سبحانه ساعة يقول { ظهر الفساد.. } [الروم: ~~41] أي: على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين لنا أن الرسل ~~إنما جاءوا لإنقاذ البشرية من هذا الفساد، لكن ما دام الأمر علل ~~فالأمر يدور مع العلة وجودا وعدما، فكلما ظهر الفساد حلت العقوبة، ~~فخذوها في الكون آية من آيات الله إلى قيام الساعة. فظهر الفساد قديما # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [العنكبوت: 40]. لكن هذا الأخذ كان قبل سيدنا رسول الله في الأمم ~~السابقة، وكان هلاك استئصال لأن الرسل السابقين لم يكلفوا بالمحاربة ~~لأجل نشر دعوتهم، فما عليهم إلا نشر الدين وتبليغه، مع التأييد ~~بالمعجزات، فإن تأبى عليهم أقوامهم تولى الحق سبحانه عقابهم، أما ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أكرمها الله بألا يعاقبها بعذاب ~~الاستئصال: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال: 33]. ثم سيظهر الفساد حديثا وسيحدث العقاب. إذن: ليست الأمة ~~الإسلامية بدعا في هذه المسألة. ثم يقول الحق سبحانه: { قل سيروا ms7660 ~~في الأرض... }. ### || [30.42] # السير: الانتقال من حيز مكاني إلى حيز آخر، وسبق أن قلنا: إن النظرة ~~السطحية في ظاهر الأمر أن السير يكون على الأرض لا فيها لأننا نسكن على ~~الأرض لا فيها، لكن الحق سبحانه يبصرنا بقوله: { قل سيروا في ~~الأرض.. } [الروم: 42] أن الأرض ليست هي اليابسة والماء على سطح الكرة ~~الأرضية، أما الأرض فتشمل غلافها الجوي لذلك يدور معها وهو إكسير الحياة ~~فيها فلا حياة لها إلا به. إذن: فهواء الأرض من الأرض، وهو أهم الأقوات ~~للأحياء عليها، فحين يقول تعالى: # وقدر فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 10] فالهواء داخل فيها، لذلك قال { قل سيروا في الأرض.. ~~} [الروم: 42]. وقلنا: لو أنك استقرأت أجناس الوجود لوجدت أنك الجنس ~~الأعلى في الكون، وكل الأجناس تحتك تخدمك، فأنت تنتفع بالحيوان وبالنبات ~~وبالجماد، فأدنى الأجناس في الكون وهو الجماد له مهمة يؤديها. فأنت أيها ~~الإنسان الذي كرمك الله على كل أجناس الوجود إذا لم تبحث لك عن مهمة ~~تؤديها في الحياة، ودور تقوم به، فأنت أقل منزلة من أدنى الأجناس وهو ~~الجماد، إذا لم تبحث بعقلك عن شيء ترتبط به يناسب سيادتك على من دونك، ~~فأنت أتفه من الحجر لأن الحجر له مهمة يؤديها، وأنت لا مهمة لك. لكن هذا ~~الجنس الأدنى إن أراد سبحانه أعطاه عزة فوق السيد المخدوم وهو الإنسان، ~~ففي فرض الحج يسن لك أن تقبل هذا الحجر، وتسعى جاهدا لكي ~~تقبله، وتأمل الإنسان - وهو سيد هذا الوجود - وهو يحاول أن يقبل ~~الحجر، ويغضب إن لم يتمكن من ذلك. وتأمل الرد من دولة الأحجار على ~~من عبدها من دون الله: # عبدونا ونحن أعبد لله # من القائمين بالأسحار # تخذوا صمتنا علينا دليلا # فغدونا لهم وقود النار # قد تجنوا جهلا كما قد تجنوه # على ابن مريم والحواري # للمغالي جزاؤه والمغالى فيه # تنجيه رحمة الغفار # ثم يقول سبحانه: { فانظروا كيف كان عاقبة الذين من ~~قبل.. } [الروم: 42] فالسير في الأرض يكون إما للسياحة والتأمل في ~~آيات الله في كونه، لذلك يستخدم فيها الفاء { فانظروا.. } [الروم: ~~42] أو ms7661 يسير في الأرض لطلب الرزق. وفي آية أخرى: # قل سيروا في الأرض ثم انظروا.. # [الأنعام: 11] والمعنى: سيروا في الأرض للاستثمار، وطلب القوت، وقضاء ~~المصالح، لكن لا يفوتكم النظر والتأمل في آيات الله وفي مخلوقاته لتأخذوا ~~منها العبرة والعظة. ومعنى: { كيف كان عاقبة الذين من ~~قبل.. } [الروم: 42] أي الذين ظهر الفساد بينهم، فأذاقهم الله الألم ~~بما كسبت أيديهم، فهذه ليست عندك وحدك، إنما حدثت في الأمم السابقة، ~~كما قال سبحانه: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين # [الصافات: 137]. فهناك مدائن صالح والأحقاف وعاد وثمود والفراعنة. # . إلخ انظر ما حل بهم بعد الحضارة والنضارة، بعد ما توصلوا إليه من ~~علم التحنيط الذي لم يعرف العلم أسراره حتى الآن، ويضعون مع جثث الموتى ~~حبوب القمح أو الشعير، فتظل على حالها، بحيث إذا زرعت بعد آلاف السنين ~~تنبت. إنها قدرة علمية فائقة، ومع ذلك ما استطاعت هذه الحضارة أن تحمي ~~نفسها من الاندثار، وإذا كان القرآن قد قال عن الحضارة الفرعونية # وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 10] فقد قال عن إرم # التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 8]. فأي حضارة هذه؟ وأين هي الآن؟ طمرتها رمال الأحقاف، ~~ودفنتها تحت أطباق الثرى، ولا تعجب من ذلك، ففي هذه المنطقة إن هبت ~~عاصفة واحدة، فإنها تغطي قافلة كاملة بجمالها ورجالها تحت الأرض، فما ~~بالك بالعواصف منذ قرون طوال لذلك نجد كل الآثار يتم التنقيب عنها ~~حفرا. إذن: فالحضارات مع عظمها لم تستطع أن تحمي نفسها من الزوال، ~~وهذا دليل على وجود قوة أعلى منها تزيلها وتقضي عليها. وقوله تعالى: { ~~كان أكثرهم مشركين } [الروم: 42] أي: أن القليل منهم لم ~~يكن مشركا، قالوا: هذه القلة هم الصبيان والمجانين، ومن ليس له ~~إرادة حرة، وإن أخذت هذه القلة مع الكثرة المشركة، فإن الله إنما أراد ~~بهم خيرا لأن مثواهم إلى الجنة بغير حساب. لذلك لما تكلمنا عن موسى ~~والعبد الصالح في سورة الكهف: لما قتل الخضر الغلام تعجب موسى، ففي ~~المرة الأولى خرق السفينة واعتدى على ملك، أما في هذه المرة فقد أزهق ~~روحا ms7662 لذلك قال في الأولى # لقد جئت شيئا إمرا # [الكهف: 71] أي: عجيبا، أما في الثانية فقال: # لقد جئت شيئا نكرا # [الكهف: 74]. ثم بين الخضر الحكمة من قتل الغلام فقال: إن له أبوين ~~صالحين، وفي علم الله تعالى أنه سيفسد عليهما دينهما لأن الفتنة تأتي ~~الإنسان غالبا من الزوجة أو من الولد، كما قال سبحانه: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم.. # [التغابن: 14] لماذا؟ لأنهما يحملانك على ما لا تطيق، ويضطرانك ربما ~~للسرقة أو للرشوة لتوفر لهما ما يلزمهما، ولأن الفساد يأتي من ناحيتهما ~~قال سبحانه: # ما اتخذ صاحبة ولا ولدا # [الجن: 3] يعني: طمئنوا عبادي، فلا أحد يؤثر على إرادتي. إذن: فالخضر ~~صنع الجميل بالوالدين، حيث أنقذهما من هذا الابن، وصنع أيضا جميلا ~~بالغلام حيث قتله قبل سن التكليف، وجعل مصيره إلى الجنة، وربما لو ~~تركه لكان كافرا بالله عاقا لوالديه، وهذا كله إنما جرى بأمر الله ~~وحكمه: { وما فعلته عن أمري.. } [الكهف: 82]. وكأن الحق - ~~تبارك وتعالى - يقول لنبيه في هذه المسألة بداية من # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس.. # [الروم: 41] ثم إنزال العقاب بهم جزاء ما عملت أيديهم وأجبتك في دعوتك ~~عليهم. كل ذلك إنما يعني أنني أقوي مركزك، ولن أتخلى عنك، وما دام ~~الأمر كذلك فإياك أن يؤثر فيك مكرهم أو تركن إلى أحد منهم ممن ~~قالوا لك: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، لكن يقول الحق سبحانه: { ~~فأقم وجهك للدين القيم... }. ### || [30.43] # قوله تعالى: { فأقم وجهك للدين القيم.. } [الروم: 43] ~~يعني اطمئن يا محمد، وتفرغ لعبادة الله لأنني وعدتك بالنصر، وأجبتك حين ~~قلت: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ". # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77] يعني: من لم تنله عقوبة الدنيا نالته عقوبة الآخرة. ~~وقال: { فأقم وجهك.. } [الروم: 43] لأن الوجه محل التكريم، ~~وسيد الكائن الإنساني، وموضع العزة فيه، بدليل أن السجود والضراعة لله ~~تعالى تكون بوضع هذا الوجه على الأرض لذلك حين ترسل شخصا برسالة أو ~~تكلفه أمرا يقضيه ms7663 برجله، أو بيده، أو بلسانه، أو بأي جارحة من ~~جوارحه تقول له: أرجو أن تبيض وجهي لأن الوجه هو السيد. ومن ذلك قوله ~~تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه.. # [القصص: 88] لأنك لا تعرف سمة الناس إلا بوجوههم، ومن أراد أن يتنكر ~~أو يخفي شخصيته يستر مجرد عينيه، فما بالك إن ستر كل وجهه، وأنت لا ~~تعرف الشخص من قفاه، ولا من كتفه، ولا من رجله، إنما تعرفه بوجهه، ~~ويقولون: فلان وجيه القوم، أو له وجاهته في القوم، كلها من ناحية الوجه. ~~وما دام قد خص الوجه، وهو أشرف شيء فيك، فكل الجوارح مقصودة من باب ~~أولى فهي تابعة للوجه، فالمعنى: أقم يدك فيما أمرك الله أن تفعل ~~ورجلك فيما أمرك الله أن تسعى، وقلبك فيما أمرك الله أن تشغل به، وعينك ~~فيما أمرك الله أن تنظر فيه.. الخ. يعني: انتهز فرصة حياتك { من قبل ~~أن يأتي يوم.. } [الروم: 43] هو يوم القيامة { لا مرد له ~~من الله.. } [الروم: 43] المعنى: أن الله حين يأتي به لا يستطيع أحد ~~أن يسترده من الله، أو يأخذه من يده، أو يمنعه أن يأتي به، أو أنه ~~سبحانه إذا قضي الأمر لا يعود ولا يرجع فيه. فكلمة { من الله.. } ~~[الروم: 43] تعطينا المعنيين، كما في قوله تعالى: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله.. # [الرعد: 11] فكيف تحفظه المعقبات من أمر الله؟ قالوا: كونهم معقبات ~~للحفظ أمر صادر من الله أصلا، وبناء على أمره تعالى بالحفظ. وقوله: { ~~يومئذ.. } [الروم: 43] يعني: في اليوم الذي لا مرد له من الله { ~~يصدعون } [الروم: 43] أي: هؤلاء الذين تكاتفوا على حربك وعلى ~~عداوتك وإيذائك، وتعصبوا ضدك { يصدعون } [الروم: 43] أي: ~~ينشقون بعضهم على بعض، ويتفرقون، وقد وردت هذه المسألة في آيات كثيرة. ~~والتفريق إما إيمان وكفر أي: أشقياء وسعداء، وإما أن يكون التفريق في ~~القوم الذين عاندوا واتبعوا أتباعهم على الشرك، فيتبرأ كل منهم من الآخر، ~~كما قال سبحانه: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا.. # [البقرة: 166]. ثم قال الحق ms7664 ليبين لنا ذلك التفريق في الآخرة بعلته، ~~وعلته ما حدث في الدنيا، فالله تعالى لا يظلم أحدا، فقال بعد ذلك: { ~~من كفر فعليه كفره ومن... }. ### || [30.44] # ما دامت القيامة أمرا لا مرد له من الله، فلننتبه للعواقب، ولنحسب ~~لها حسابا، فمن كفر فعليه كفره، عليه لا له، وهذه قضية تقتضي أن نقول ~~في مقابلها: ومن آمن فله إيمانه. بعد أن بين الدلائل الواضحة على ~~واحديته في الكون، وأحديته في ذاته سبحانه، وبين الأدلة الكونية بكل ~~صورها برهانا وحجة، وضرب أمثالا وتفصيلا بعد ذلك قال: سأقول لكم أنكم ~~أصبحتم مختارين أي: خلقت فيكم الاختيار في التكليف حتى لا أقهر أحدا ~~على الإيمان بي. وخلق الاختيار في التكليف بعد القهر في غير التكليف ~~يدل على أن الله تعالى لا يريد من عباده قوالب تأتمر بأمر القهر، ولكنه ~~يريد أن يجذب الناس بمحبوبيتهم للواحد الأحد. وإلا فكان من الممكن أن ~~يخلقهم جميعا مهتدين، وأن يخلقهم على هيئة لا تتمكن من الكفر، وتسير ~~إلى الطاعة مرغمة، كما قال سبحانه حكاية عن السماء والأرض: # أتينا طآئعين # [فصلت: 11] وذلك يفسر لنا أمانة خلق الاختيار في الناس. والحق - ~~سبحانه وتعالى - حينما تكلم عن هذه المسألة بوضوح قال: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.. # [الأحزاب: 72] والإباء هنا ليس إباء تكبر على مراد الله، إنما وضعوا ~~أنفسهم في الموضع الطبيعي، فقالوا: لا لحمل الأمانة لأننا لا نأمن أنفسنا ~~ولا نضمنها عند الأداء. والإنسان كذلك ابن أغيار، فقد يحمل الأمانة، ~~ويضمن أداءها في وقت التحمل، لكنه لا يضمن نفسه عند الأداء، وسبق أن ~~مثلنا لذلك بمن يقبل الأمانة، ويرحب بها عند التحمل، ثم تطرأ عليه ~~من أحداث الحياة ما يضطره لأن يمد يده إلى هذه الأمانة وإن كان في ~~نيته الأداء، لكن يأتي وقته فلا يستطيع، وآخر يقدر هذه المسئولية ~~ويرفض تحمل الأمانة، وهذا هو العاقل الذي يقدر الظروف وتغير الأحوال. ~~ومعلوم أن الأمانة لا توثق، فإن كتبت وشهد عليها فإنها لم تعد ~~أمانة، ms7665 فالأمانة إذن مردها لاختيار المؤتمن إن شاء أقر بها، وإن ~~شاء أنكرها. فالحق سبحانه قال حكاية عن السماوات والأرض والجبال # فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.. # [الأحزاب: 72] لأنهم يقدرون مسئوليتها، أما الإنسان فقد تعرض ~~لحملها وقال: عندي عقل أفكر به، وأختار بين البدائل، وسوف أؤدي، فضمن وقت ~~التحمل، لكنهن لا يضمن وقت الأداء، فظلم نفسه وجهل حقائق الأمور. # وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72] ظلوما لنفسه، جهولا بما يمكن أن يطرأ عليه من الأغيار. ~~وما دام الإنسان ابن أغيار، فإنه لا يثبت على حال لذلك قلنا: إذا صعد ~~الإنسان الجبل إلى قمته وهو ابن أغيار فليس أمامه إلا أن ينزل، والعقلاء ~~يخافون أن تتم لهم النعمة لأنه ليس بعد التمام إلا النقصان، كما قال ~~الشاعر: # إذا تم شيء بدا نقصه # ترقب زوالا إذا قيل تم # فإذا قلت: لماذا خلق الله الاختيار في الإنسان ولم يخلقه في الأجناس ~~التي تخدمه من جماد ونبات وحيوان؟ نقول: كن دقيقا، وافهم أنها أيضا ~~خيرت بقوله تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.. # [الأحزاب: 72]. إذن: هذه الأجناس أيضا خيرت، لكنها اختارت اختيارا ~~واحدا يكفيها كل الاختيارات، فقالت: نريد يا رب أن نكون مقهورين لكل ما ~~تريد. ولما كنا مختارين أعطانا الله تعالى هذه القضية: { من كفر ~~فعليه كفره.. } [الروم: 44] وكلمة عليه تفيد الدين ~~والوزر، و له تفيد النفع، فإذا جئنا بالمقابل بقول: ومن آمن فله ~~إيمانه، كما في: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14]. لكن القرآن لم يأت بهذا المقابل، إنما عدل إلى ~~مسألة أخرى: { ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون } ~~[الروم: 44] فلماذا؟ قالوا: لأن فائدة الإيمان أن تعتقد بوجود إله قادر ~~واحد هو الله فتؤمن به، فإذا ما أمرك تطيع، فعلة الإيمان التكليف لذلك ~~حين تبحث أي تكليف إياك أن تنظر إلى علته فتقول: كلفني بكذا لكذا، ~~فعلة التكليف وحكمته عنده تعالى. فإذا قلنا مثلا: حكمة الصيام أن ~~يشعر الغني ويذوق ألم الجوع فيعطف على ms7666 الفقير، فهل يعني هذا أن الفقير ~~المعدم لا يصوم؟ إذن: ليست هذه حكمة الصيام، والأصوب أن تقول: أصوم لأن ~~الله أراد مني أن أصوم، وحكمة الصيام عنده هو. ومثلنا لذلك ولله تعالى ~~المثل الأعلى: أنت حين تشكو مرضا أو ألما تسأل عن الطبيب الماهر ~~والمتخصص حتى تنتهي إليه، وعندها تنتهي مهمة عقلك، فتضع نفسك بين يديه ~~يفحصك ويشخص مرضك، ويكتب لك الدواء، فلا تعارضه في شيء، ولا تسأله ~~لماذا كتب هذا الدواء. فإذا سألك زائر مثلا: لماذا تأخذ هذا الدواء؟ لا ~~تقول: لأن من خصائصه كذا، ومن تفاعلاته كذا، إنما تقول: لأن الطبيب وصفه ~~لي، مع أن الطبيب بشر قد يخطىء، وقد يكتب لك دواء، أو يعطيك حقنة ترديك، ~~ومع ذلك تسلم له بما يراه مناسبا لك، فإذا كنت لا تناقش الطبيب وهو ~~خطأ، فكيف تناقش الله فيما فرضه عليك وتطلب علة لكل شيء؟ ولا يناقش في ~~علل الأشياء إلا المساوى، فلا يناقش الطبيب إلى طبيب مثله، كذلك يجب ~~أن نسلم لله تعالى بعلل الأشياء وحكمتها إلى أن يوجد مساو له ~~سبحانه يمكن أن يناقشه. والحق سبحانه يبين لنا علة الإيمان - لا ~~الإيمان في ذاته - إنما ما يترتب عليه من طاعة أوامر هذا الإله، وعلى ~~طاعة هذه الأوامر الأوامر يترتب صلاح الكون، بدليل أن الله يطلب من ~~المؤمنين أن ينشروا الدعوة، وأن يبلغوها، وأن يحاربوا من يعارضها ~~ويمنعهم من نشرها. # فما شهر السيف في الإسلام إلا لحماية بلاغ الدعوة، فإن تركوك وشأنك ~~فدعهم، بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام ظل بها أصحاب ديانات أخرى ~~على دياناتهم، وهذا دليل على أن الإسلام لم يرغم أحدا على اعتناقه. ~~لكن ما دام الإسلام قد فتح البلاد فلا بد أن تكون له الغلبة، وأن ~~يسير الجميع معه في ظل منهج الله، فيكون للكافر ولغير ذي الدين ما ~~لصاحب الدين. فكأن الحق سبحانه يريد لقوانينه أن تحكم آمنت به أو لم ~~تؤمن لأن صلاح الكون لا يكون إلا بهذه القوانين. إذن: فأنت حر، تؤمن ~~أو ms7667 لا تؤمن، لكن مطلوب ممن آمن أن يحمي الدعوة في البلاغ، ثم يترك ~~الناس أحرارا، من آمن فبها ونعمت، ومن أبى نقول له: لك ما لنا، ~~وعليك ما علينا. إذن: فأصل الإيمان لصلاح الخلافة، ولا يهتم الله سبحانه ~~بأنك تؤمن أو لا تؤمن، ما دام منهج الخلافة قائما، وهذا المنهج يعود ~~نفعه على المؤمن وعلى الكافر، فإذا كان الإيمان يربي الإنسان على ألا ~~يفعل إلا خيرا وصلاحا، فالكافر لا بد وأن يستفيد من هذا الصلاح. وهل ~~قال الشرع للمؤمن: لا تسرق من المؤمن؟ لا إنما أيضا لا تسرق من الكافر.. ~~الخ، فالكل أمام منهج الله سواء. وفي القرآن آية ينبغي أن نتنبه لها، ~~ونعرف غير المؤمنين بها، ليعلموا أن الإيمان إنما يحمي مصلحة الناس ~~جميعا، إنها قوله تعالى: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما * ~~واستغفر الله.. # [النساء: 105-106] يعني: إن خطر لك أن تكون لصالح الخائن، استغفر الله ~~من هذا # إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما # [النساء: 107] ولو كان مؤمنا به. ولهذه الآية قصة مشهورة هي قصة ~~اليهودي زيد بن السمين، وقد جاءه طعمة بن أبيريق - وكان مؤمنا - وقال: ~~يا زيد خذ هذه الدرع أمانة عندك فقبله زيد، وإذا بالدرع مسروق قد سرقه ~~ابن أبيريق من قتادة بن النعمان ووضعه في جوال من الدقيق، فكان على الدرع ~~آثار الدقيق، فلما بحث ابن النعمان عن درعه دله أثر الدقيق على بيت ~~ابن السمين اليهودي فاتهمه بسرقته. ثم جاءوا به إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليحكم في أمره، فقص عليه ما كان من أمر ابن أبيريق، وأنه وضعه ~~عنده على سبيل الأمانة. وعندها عز على المسلمين أن يسرق واحد منهم، ~~وأن يأخذها اليهود ذلة في حقهم، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يدير ~~الأمر في رأسه، فإن حكم على المسلم أخذها اليهود حجة، وإن حكم للمسلم ~~كانت عيبا وسبة في الدين، فأسعفه ربه بهذه الآية: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق ms7668 لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105] فقال: بين الناس لا بين المؤمنين فحسب. ومعنى # ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105] البعض يقولون: لا تخاصم الخائن حتى لا يضطهدك، إنما ~~المراد: لا تكن خصيما لصالحه. # واستغفر الله.. # [النساء: 106] إن طرأت عليك مسألة الإسلام وصورته بين غير المسلمين ~~لأن الله في مبدأ الإصلاح لا يحب كل خوان أثيم. ولو أن غير المسلمين ~~تنبهوا إلى هذه القضية، وعلموا أن الله تعالى عدل الحكم للمؤمنين، وأعلنه ~~لرسول الله، وقرر أن الحق هو الحق، والكل أمامه سواء المؤمن وغير المؤمن ~~لعلموا أن الإسلام هو الدين الحق ولأقبلوا عليه، لذلك يقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " من عادى ذميا فأنا خصيمه يوم القيامة ". # لأنك إن عاديته واضطهدته أو هددته في حياته، أو في عرضه، أو في ~~ماله لصارت حجة له في ألا يؤمن، وله أن يقول: إذا كان هذا هو حال ~~المؤمنين، فما الميزة في الإسلام حتى أعتنقه؟ بل من مصلحتي أن أبتعد ~~عنه، لكن إن عاملته بالحق وبالخير والحسنى لعطفته إلى الإسلام، وجعلته ~~يؤنب نفسه ألا يكون مسلما. لذلك سبق أن قلنا: إن سيدنا إبراهيم ~~- على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام - جاءه رجل فاشتم منه أنه غير ~~مسلم، فلما سأله قال: أنا مجوسي فرد الباب في وجهه، فانصرف الرجل، وإذا ~~بإبراهيم - عليه السلام - يتلقى الوحي من الله: يا إبراهيم لم تقبل أن ~~تضيفه لأنه على غير دينك، وأنا قبلته طوال عمره في ملكي وهو كافر ~~بي. فأسرع إبراهيم خلف الرجل حتى لحق به واسترضاه، فقال الرجل: وماذا جرى ~~لقد طردتني ونهرتني منذ قليل؟ فقال: إن ربي عاتبني في أمرك، فقال الرجل: ~~إن ربا يعاتب أنبياءه بشأن أعدائه لحقيق أن يعبد. لا إله إلا الله، ~~إبراهيم رسول الله. إذن: نفهم من هذا أن العمل الصالح هو مطلوب الإيمان، ~~وإذا آمنت بإله لتأخذ الحكم منه وأنت مطمئن أنه إله حق، فلا يهم بعد ذلك ~~أن تؤمن أو لا تؤمن المهم قاعدة الصلاح في ms7669 الكون وفي حركة الحياة لذلك ~~لم يقل ومن آمن فله إيمانه، كأن المراد بالإيمان العمل { ومن عمل ~~صالحا فلأنفسهم يمهدون } [الروم: 44] لأنه لا يعمل صالحا ~~إلا إذا كان مؤمنا. ونلحظ هنا أن الآية تتحدث عن صيغة المفرد: { من ~~كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا.. } [الروم: 44] ثم ~~يتحول إلى صيغة الجمع { فلأنفسهم يمهدون } [الروم: 44] ولم ~~يقل: فهو يمهد لنفسه، فلماذا؟ قالوا: لأن الذي يعمل الصالح لا يعمله ~~لذاته، إنما له ولذريته من بعده، كما جاء في قوله سبحانه: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم.. # [الطور: 21] إذن: ساعة تكلم عن الإيمان جاء بالمفرد، وساعة تكلم عن ~~الجزاء جاء بصيغة الجمع. # كما أن العمل الصالح يأتي من ذات الإنسان، ويستقبله هو من غيره، وكلمة ~~من هنا تصلح للمفرد وللمثنى وللجمع بنوعية، وتحل محل جميع الأسماء ~~الموصولة تقول: من جاءك فأكرمه، ومن جاءتك فأكرمها، ومن جاءاك ~~فأكرمهما، ومن جاءوك فأكرمهم.. الخ. كذلك في هذه الآية استعمل من ~~للدلالة على المفرد، وعلى الجمع. وتأمل قوله تعالى: # فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم.. # [النور: 61] وهل يسلم الإنسان على نفسه؟ قالوا: نعم لأن المؤمنين شيء ~~واحد، إذا سلمت على أحدهم فكأنك سلمت على الجميع، وأيضا إذا قلت ~~لصاحبك السلام عليكم يرد عليك: وعليكم السلام، فكأنك سلمت على ~~نفسك. ومعنى { يمهدون } [الروم: 44] مأخوذة من المهد، وهو فراش ~~الطفل، والطفل لا يمهده ولا يسويه ويهيئه، ولا بد له من صدر ~~حنون يسوي له مهده، ويفرشه ويعده، فكأن الذي يعمل الصالح في الدنيا ~~يمهد لنفسه فراشا في الآخرة، كما يحكي أبو منصور بن حازم عن أبي عبد ~~الله بن الحسين يقول: العمل الصالح يسبق صاحبه إلى الجنة ليمهد له فراشه، ~~كما يمهد الخادم لأحدكم فراشه. لذلك سبق أن قلنا: إن الذين يؤثرون على ~~أنفسهم يؤثرون من الفانية ليدخر لهم في الباقية، و # " سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أهديت له الشاة، وعاد ~~ليسأل أم المؤمنين عائشة عنها فقال لها: " ماذا صنعت بالشاة؟ " فقالت: ~~ذهبت كلها إلا ms7670 كتفها، يعني: تصدقت بها إلا كتفها، فقال سيدنا رسول ~~الله: " بل، بقيت كلها إلا كتفها ". # وفي حديث آخر: # " يا بن آدم، تقول: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما لبست فأبليت، ~~أو أكلت فأفنيت، أو تصدقت فأبقيت ". # والإمام علي رضي الله عنه يسأله أحدهم: أنا من أهل الدنيا، أم من أهل ~~الآخرة؟ فقال الإمام: الجواب عندك أنت، فقال: كيف؟ قال: هب أنه دخل ~~عليك شخص بهدية، وآخر يطلب منك صدقة فلأيهما تبش؟ إن كنت تبش لصاحب ~~الهدية فأنت من أهل الدنيا وأن كنت تبش لطالب الصدقة فأنت من أهل ~~الآخرة. ذلك لأن الإنسان يحب ما يعمر له محبوبه، فإن كان من أهل الدنيا ~~يحب ما يعمرها له، وإن كان من أهل الآخرة يحب من يعمر له آخرته. ثم ~~يعلل الحق سبحانه لماذا يمهدون لأنفسهم: { ليجزي الذين ~~آمنوا... }. ### || [30.45] # وذكر هنا الإيمان فقال { ليجزي الذين آمنوا.. } [الروم: 45] ~~ثم { وعملوا الصالحات.. } [الروم: 45] حتى لا يظن أحد أن العمل ~~الصالح ربما يغني عن الإيمان. وهذه مسألة شغلت كثيرا من الفلاسفة، ~~يقولون: كيف أن الرجل الكافر الذي يعمل الصالحات لا يجازى عليها؟ نقول ~~له: أجر ويجازى على عمله الصالح لكن في الدنيا لأنه لم يعمل لله، بل ~~عمل للشهرة وللصيت، وقد أخذ منها تكريما وشهرة وتخليدا لذكراه وأقيمت ~~لهم التماثيل.. إلخ، أما جزاء الآخرة فلمن عمل العمل لوجه الله خالصا. ~~والقرآن ينبهنا إلى هذه المسألة يقول: إياكم أن تغشوا بمن يعمل ~~الأعمال للدنيا: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. وجاء في الحديث: # " فعلت ليقال وقد قيل " # نعم بنيت مسجدا، لكن كتبت عليه: بناه فلان، وشرف الافتتاح فلان.. الخ ~~فماذا تنتظر بعد ذلك، إن ربك يريد العمل الخالص لوجهه تعالى، كما جاء في ~~الحديث # " ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما فعلت يمينه ". # فقوله تعالى: { ليجزي الذين آمنوا.. } [الروم: 45] يدل على ~~أن العمل الصالح إن كان صالحا بحق يفيد صاحبه في الدنيا، لكن لا ~~يفيده في الآخرة إلا ms7671 أن يكون صادرا عن إيمان بالله، ثم يربط الإيمان ~~بالعمل الصالح حيث لا يغني أحدهما عن الآخر. وقوله تعالى: { من ~~فضله.. } [الروم: 45] أي: تفضلا من الله، حتى لا ينخدع أحد بعمله، ~~ويظن أنه نجا به، وهذه المسألة موضع نقاش بين العلماء يقولون: مرة يقول ~~القرآن { من فضله.. } [الروم: 45] ومرة يقول: # ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون # [النحل: 32] أي: أنها حق لكم بما قدمتم من عمل، فهل الجنة حق للمؤمنين ~~أم فضل من الله؟ ونقول: العمل الذي يطلبه الله تكليفا من المؤمنين به ~~يعود على من؟ يعود على الإنسان، ولا يستفيد الله منه بشيء لأن له تعالى ~~صفات الكمال المطلق قبل أن يخلق الخلق. لذلك قال في الحديث القدسي: # " يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل ~~واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي قدر جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم ~~وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي قدر ~~جناح بعوضة، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد، ~~فسألني كل مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كمغرز إبرة إذا ~~غمسه أحدكم في بحر، ذلك أني جواد ماجد واجد، عطائي كلام، وعذابي ~~كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن فيكون ". # ويقول سبحانه: # ما عندكم ينفد وما عند الله باق.. # [النحل: 96]. إذن: فالأعمال التكليفية لخير الإنسان نفسه، وإن كانت في ~~الظاهر تقييدا لحريته، فهو مثلا يريد أن يسرق ليزيد ماله، فنأخذ على ~~يديه، ونمنعه ونقول له: تنبه أننا منعناك من السرقة وأنت واحد، ومنعنا ~~الناس جميعا أن يسرقوا منك، فأنت إذن المستفيد من منهج الله، فلا تنظر ~~إلى ما أخذه منك التكليف، ولكن انظر إلى ما أعطاك هذا التكليف من الغير. ~~وما دام التكليف كله في مصلحتك ولخيرك أنت، فإن أثابك الله عليه بعد ذلك ~~فهو فضل من الله عليك، كما تقول لولدك مثلا إن تفوقت سأعطيك كذا وكذا ~~مع أنه المستفيد من ms7672 التفوق، فتكون الجائزة بعد ذلك فضلا. كذلك الحق ~~تبارك وتعالى يحب عبده أن يتقن عمله، وأن يجتهد فيه لذلك يعطيه مكافأة ~~عليه مع أننا المستفيدون منه. ويقول سبحانه: # يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق.. # [النور: 25] فجعله حقا عليه سبحانه، كما قال: # وكان حقا علينا نصر المؤمنين # [الروم: 47]. ولو بحثنا كلمة " حق " فلسفيا لوجدنا أن كل حق لك يقابله ~~واجب على غيرك، فلا يكون حقا لك إلا إذا كان واجبا على غيرك، فحقك ~~هنا واجب إذن على الله تعالى، لكن الواجب يقتضي موجبا فمن أوجب على ~~الله؟ لا أحد لأنه سبحانه أوجبه على نفسه. إذن: فالحق الذي جعله لك ~~تفضلا منه سبحانه، والحق في أنه جعل لك حقا، كالذي ليس له حق في ~~الميراث، فيتفضل عليه واحد في التركة ويجعل له وصية يكتبها له، فتصير ~~حقا واجبا، له أن يطالب الورثة به شرعا لأن المورث تفضل وجعله ~~حقا له. ثم يقول سبحانه: { إنه لا يحب الكافرين } [الروم: ~~45] نلحظ في الآية أنها تتحدث عن جزاء المؤمنين، فما مناسبة ذكر ~~الكافرين هنا؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أن يلفت نظر عبده الكافر إلى ~~الإيمان ومزاياه، كأنه يقول له: تعال إلى الإيمان لتنال هذا الجزاء. ~~ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - رجل عنده ثلاثة أولاد وعدهم بهدية ~~لكل من ينجح في دراسته، فجاء آخر العام ونجح اثنان، وأخذ كل منهما ~~هديته، وتألم الوالد للثالث الذي أخفق وتمنى لو كان مثل أخويه. وكذلك ~~الحق سبحانه لا يحب الكافرين لأنه يحب أن يكون الخلق جميعا مؤمنين ~~لينالوا جزاء الإيمان لأن الجميع عباده، وهو سبحانه أرحم بهم من الوالدة ~~بولدها، وهم خلقته وصنعته، وهل رأيتم صانعا حطم صنعته وكسرها، إذن: ~~فالله تعالى حريص على عباده حتى الكافر منهم. وجاء في الحديث القدسي: # " قالت السماء: يا رب ائذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم، فقد طعم ~~خيرك، ومنع شكرك، وقالت الأرض: يا رب ائذن لي أن أخسف بابن آدم فقد طعم ~~خيرك ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب ائذن ms7673 لي أن أخر على ابن آدم فقد ~~طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب ائذن لي أن أغرق ابن آدم، فقط ~~طعم خيرك ومنع شكرك. فماذا قال الرب الخالق للجميع؟ قال: " دعوني ومن ~~خلقت، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم ~~يتوبوا فأنا طبيبهم ". # لذلك يفرح الله تعالى بتوبة عبده حين يعود إليه بعد إعراض، ويضرب لنا ~~سيدنا رسول الله مثلا لتوضيح هذه المسألة فيقول: # " لله أفرح بتوبة عبده المؤمن من أحدكم وقع على بعيره، وقد أضله في فلاة ~~". # فالله لا يحب الكافرين لأنهم لم يكونوا أهلا لتناول هذا الفضل، وما ذاك ~~إلا لأنه سبحانه محب لهم حريص على أن ينالهم خيره وعطاؤه. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ومن آياته أن يرسل الرياح... }. ### || [30.46] # هذه نعم خمس من نعم الله على عباده. فإرسال الرياح وحدها نعمة، ~~وتبشيرها بالمطر نعمة، وإجراء الفلك نعمة، والابتغاء من فضل الله نعمة، ~~ثم الشكر على هذا كله نعمة أخرى. والآيات: جمع آية، وهي كما قلنا: ~~الشيء العجيب الذي يجب أن يلفت الأنظار، وألا يغفل الإنسان عنه طرفة ~~عين، ومن ذلك قولنا: فلان آية في الفصاحة، أو آية في الجمال.. إلخ. ~~وتطلق الآيات ويراد بها معان ثلاثة: آيات كونية تلفت إلى المكون ~~سبحانه، وتثبت قدرة الخالق. # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر.. # [فصلت: 37]. وآيات بمعنى المعجزات التي تصاحب الرسل لتثبت صدقهم في ~~البلاغ عن الله، ثم الآيات التي تحمل الشرع والأحكام، وهي آيات القرآن ~~الكريم التي تحمل إلينا منهج الله. وهنا يتكلم الحق سبحانه عن الآيات ~~الكونية { ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات.. } ~~[الروم: 46] كلمة الرياح جمع ريح، والرياح هنا بالمعنى العام: الهواء، ~~وهو أنواع: هواء ساكن # إن يشأ يسكن الريح.. # [الشورى: 33]. والهواء الساكن يضايق الإنسان، حيث يصعب عليه عملية ~~التنفس، فيجلب الهواء لنفسه إما بيده أو بمروحة. لماذا؟ ليجدد الأكسوجين ~~في الهواء المحيط به فيستطيع التنفس، والهواء يأتي مرة ساخنا يلفح ~~الوجوه، ومرة نسيما رطبا منعشا عليلا، ويأتي عاصفا مدمرا.. الخ. ~~والحق ms7674 سبحانه - كما سبق أن بينا - رتب مقومات حياة الخليقة في الأرض ~~على: الهواء، ثم الماء، ثم الطعام على هذا الترتيب، وحسب أهمية هذه ~~المقومات. فالهواء هو أهم مقوم في حياة الكائن الحي، حيث لا يصبر عليه ~~الإنسان إلا لحظة بمقدار شهيق وزفير ولو حبس عنه لمات. ثم الماء ويصبر ~~عليه الإنسان إلى عشرة أيام. ثم الطعام ويصبر عليه إلى شهر. لذلك من حكمة ~~الخالق سبحانه ألا يملك الهواء لأحد، ولو ملكه أحد وغضب عليك لمت ~~قبل أن يرضى عنك، أما الماء فقليل أن يملكه للناس، أما الطعام فكثيرا ~~ما يملك لأن الإنسان يصبر عليه فترة طويلة تمكنه أن يكتسبه، ويحتال ~~عليه، أو لعل مالك الطعام يرق قلبه ويعطيك. لذلك نسمع من عبارات ~~التهديد: والله لأكتم أنفاسه، كأن هذه العملية هي أقسى ما يمكن فعله ~~لأنك قد تمنع عنه الماء أو الطعام ولا يموت، لكن إن منعت عنه الهواء ~~فهي نهايته، وهي أسرع وسائل الإبادة للإنسان وأيسرها وأقلها أثرا، فلا ~~يترتب عليها دم ولا جروح مجرد منديل مبلل بالماء. إذن: الهواء مقوم ~~هام حياة وإماتة. وقلنا: إذا حبس الهواء أو سكن لا يتجدد فيه الأكسوجين ~~فيتضايق الإنسان لأن أنفاسه تكتم، أما إذا حدثت في المكان رائحة كريهة ~~فترى الجميع يضج: افتحوا النوافذ، لماذا؟ ليتجدد الهواء. # إذن: إرسال الرياح في ذاتها نعمة، فإذا كان فيها برودة وشعرت بطراوتها ~~فهي تبشرك بالمطر لذلك كان العربي يعرف المطر قبل وقوعه ويقدر ~~مسافة السحابة التي ستمطره، إذن: فالتبشير بالمطر نعمة أخرى. وهاتان ~~النعمتان إرسال الرياح وإنزال المطر، لا دخل للإنسان فيهما { ~~وليذيقكم من رحمته.. } [الروم: 46] أي: بالمطر أما في آية ~~الفلك { ولتجري الفلك بأمره.. } [الروم: 46] فنسب الجريان ~~إلى الفلك لأن للإنسان يدا فيها وعملا، فهو صانعها ومسيرها بأمر ~~الله { ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } ~~[الروم: 46] أي: تسيرون في البحر للصيد وطلب الرزق، أو حتى للنزهة ~~والسياحة. إذن: الآية التي لا دخل للإنسان فيها تنسب إلى الله وحده، ~~وإن كان للإنسان فيها عمل نسبها إليه، كما ms7675 في قوله تعالى: # أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن ~~بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ~~ما لا تعلمون # [الواقعة: 58-61]. فأعطانا نعمة الحياة، ثم ذكر ما ينقضها، حتى لا ~~نستقبل الحياة بغرور، ولما كانت آية الحياة وآية الموت لا دخل للإنسان ~~فيها اكتفى بهذا الاستفهام # أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون # [الواقعة: 59] ولا أحد يستطيع أن يقول أنا خلقت. أما في آية الحرث، ~~فنسب الحرث إلى الإنسان لأن عمله كثير في هذه الآية، حيث يحرث ويبذر ~~ويروي.. إلخ لذلك قال في نقض هذه النعمة # لو نشآء لجعلناه حطاما.. # [الواقعة: 65] وأكد الفعل باللام حتى لا تغتر بعملك في الزرع. أما في ~~الماء، فلم يذكر هذا التوكيد لأن الماء نعمة لا يد للإنسان فيها لذلك ~~قال في نقضها # لو نشآء جعلناه أجاجا.. # [الواقعة: 70] بدون توكيد. النعمة الخامسة: { ولعلكم تشكرون ~~} [الروم: 46] وهذه النعمة هي كنز النعم كلها وعقالها، فإن شكرت لله ~~نعمه عليك زادك منها: # وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم.. # [إبراهيم: 7]. وبعد ذلك يسلي الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم: ~~{ ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم... }. ### || [30.47] # يعني: يا محمد، إن كنت تعبت في الدعوة، ولقيت من صناديد قريش عنتا ~~وعنادا وإيذاء ومكرا وتبييتا، فنحن مع ذلك نصرناك، وخذ لك أسوة في ~~إخوانك من الرسل السابقين، فقد تعرضوا لمثل ما تعرضت له، فهل أسلمنا ~~رسولنا لأعدائه؟ إذن: اطمئن، فلن ينال هؤلاء منك شيئا. ومعنى { ~~فجآءوهم بالبينات.. } [الروم: 47] أي: الآيات الواضحات التي ~~تثبت صدقهم في البلاغ عن الله، ومع ذلك لم يؤمنوا وكذبوا { ~~فانتقمنا من الذين أجرموا.. } [الروم: 47] وهنا إيجاز ~~لأمر يفهم من السياق، فلم يقل القرآن أنهم كذبوا، إنما جاء بعاقبة ~~التكذيب { فانتقمنا.. } [الروم: 47]. وهذا الإيجاز واضح في قصة هدهد ~~سليمان، في قوله تعالى: # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول ~~عنهم فانظر ماذا يرجعون # [النمل: 28] ثم أتبعها مباشرة: # قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم # [النمل: 29] وحذف ما بين العبارتين ms7676 من أحداث تفهم من السياق، وهذا ~~مظهر من مظاهر بلاغة القرآن الكريم. وتكذيب الأمم السابقة للآيات التي ~~جاءتهم على أيدي الرسل دليل على أنهم أهل فساد، ويريدون أن ينتفعوا بهذا ~~الفساد، فشيء طبيعي أن يعاندوا الرسل الذين جاءوا للقضاء على هذا ~~الفساد، وأن يضطهدوهم، فيغار الله تعالى على رسله { فانتقمنا من ~~الذين أجرموا.. } [الروم: 47]. ثم يقرر هذه القضية: { وكان ~~حقا علينا نصر المؤمنين } [الروم: 47] وما كان الله تعالى ~~ليرسل رسولا، ثم يسلمه لأعدائه، أو يتخلى عنه لذلك قال سبحانه في موضع ~~آخر: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. وسبق أن قلنا: لا ينبغي أن تبحث في هذه الجندية: ~~أصادق هذا الجندي في الدفاع عن الإسلام أم غير صادق؟ إنما انظر في ~~النتائج، إن كانت له الغلبة فاعلم أن طاقة الإيمان فيه كانت مخلصة، وإن ~~كانت الأخرى فعليه هو أن يراجع نفسه ويبحث عن معنى الانهزام الذي كان ضد ~~الإسلام في نفسه، لأنه لو كان من جند الله بحق لتحقق فيه # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173] ولا يغلب جند الله إلا حين تنحل عنهم صفة من صفات ~~الجندية. وتأمل مثلا ما حدث في غزوة أحد، حيث انهزم المسلمون - وإن ~~كانت كلمة الهزيمة هنا ليست على سبيل التحقيق لأن المعركة كانت سجالا، ~~وقد انتصروا في أولها، لكن النهاية لم تكن في صالحهم لأن الرماة خالفوا ~~أمر رسول الله، والهزيمة بعد هذه المخالفة أمر طبيعي. وهل كان يسرك ~~أيها المسلم أن ينتصر المسلمون بعد مخالفتهم أمر رسولهم؟ والله لو ~~انتصروا مع مخالفتهم لأمر رسولهم لهان كل أمر لرسول الله بعدها، ~~ولقالوا: لقد خالفنا أمره وانتصرنا. إذا فمعنى ذلك أن المسلمين لم ~~ينهزموا، إنما انهزمت الانهزامية فيهم، وانتصر الإسلام بصدق مبادئه. # كذلك في يوم حنين الذي يقول الله فيه # ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم.. # [التوبة: 25] حتى أن الصديق نفسه يقول: لن نغلب اليوم عن قلة، فبدأت ~~المسألة بالهزيمة، لكن الأمر كما تقول صعبوا على ربنا فأنزل ms7677 السكينة ~~عليهم، وشاء سبحانه أن يسامحهم في هذه الزلة مراعاة لخاطر أبي بكر. ~~فقوله تعالى { وكان حقا علينا نصر المؤمنين } [الروم: ~~47] نعم، نصر المؤمنين حق على الله، أوجبه سبحانه على نفسه، فهو ~~تفضل منه سبحانه، كما يتفضل الموصي بماله على الموصى له. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { الله الذي يرسل... }. ### || [30.48] # الحق سبحانه يعطينا هنا مذكرة تفصيلية لعملية حركة الرياح، وسوق ~~السحاب، وإنزال المطر، وكلمة الرياح إذا جمعت دلت على الخير كما في ~~قوله تعالى: # وأرسلنا الرياح لواقح.. # [الحجر: 22]. أي: تلقح النباتات فتأخذ من الذكر، وتضع في الأنثى، ~~فيحدث الإثمار، ومن عجيب هذه العملية أن ترى الذكر والأنثى في العود ~~الواحد كما في نبات الذرة مثلا، ففي الشوشة أعلى العود حبات اللقاح ~~الذكر، وفي الشعيرات التي تخرج من الكوز متصلة بالحبات توجد أعضاء ~~الأنوثة، ومع حركة الرياح تتناثر حبات اللقاح من أعلى وتنزل على هذه ~~الشعيرات، فتجد الشعيرة التي لقحت تنمو الحبة المتصلة بها، أما الأخرى ~~التي لا يصلها اللقاح فتموت. ولذلك نلحظ أن العيدان التي في مهب الريح ~~أو ناحية بحري أقل محصولا من التي تليها، لماذا؟ لأن الرياح تحمل ~~حبات لقاحها إلى العيدان الأخرى التي تليها، فيزداد محصولها. فإذا كانت ~~بعض النباتات نعرف فيها الذكر من الأنثى كالنخيل، والجميز مثلا، فأين ~~الذكر والأنثى في القمح، أو في الجوافة، أو في الموز. ولما درسوا حبوب ~~اللقاح هذه وجدوا أن كل حبة مهما صغرت فيها أهداب دقيقة مثل القطيفة ~~تتناثر مع الرياح، ويحملها الهواء إلى أماكن بعيدة لذلك ترى الجبال ~~والصحراء تخضر بعد نزول المطر، فمن بذر فيها هذه البذور؟ إنها الرياح ~~اللواقح بقدرة الخالق عز وجل. ولنا وقفة عند قوله تعالى: # إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره.. # [الشورى: 33] أي: السفن التي تسير بقوة الرياح تظل راكدة على صفحة الماء ~~لا يحركها شيء، فإن قلت: كيف نفهم هذا المعنى الآن مع تقدم العلم الذي ~~سير السفن بقوة البخار والديزل أو الكهرباء، واستغنى عن الرياح؟ ونقول: ~~الرياح من معانيها الهواء، ms7678 وهي أيضا تعني القوة مطلقا، كما في قوله ~~تعالى: # ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.. # [الأنفال: 46] أي: قوتكم، فالريح تعني القوة على أي وضع، سواء أسارت ~~بالرياح أو بالآلة، فهو سبحانه قادر على أن يسكنها. لذلك تجد أن الرياح ~~بمعنى القوة لها قوة آنية، وقوة آتية، آنية يعني الآن، وآتية تأتي فيما ~~بعد، وكذلك كل إنسان وكل شيء في الكون له نفس وريح وكيماوية خاصة به ~~تميزه عن غيره وهذه مهمة كلاب البوليس التي تشم رائحة المتهمين والمجرمين ~~في قضايا المخدرات مثلا، فالشخص له رائحة الآن وهو موجود، وله رائحة ~~تظل في المكان حتى بعد أن يفارقه. لذلك يعلمنا القرآن أن الريح هو ~~أثبت الآثار في الإنسان، واقرأ في ذلك قوله تعالى عن يوسف ويعقوب عليهما ~~السلام: # اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت ~~بصيرا.. # [يوسف: 93]. وكان يوسف في مصر، ويعقوب في أرض فلسطين، فلما فصلت العير ~~بقميص يوسف، وخرج من نطاق المباني التي ربما حجزت الرياح، قال يعقوب # إني لأجد ريح يوسف.. # [يوسف: 94] على بعد ما بينهما من المسافات. وإذا أفردت الرياح دلت ~~على الشر، ومعنى الرياح أن تأتي ريح من هنا وريح من هنا.. فتأتيك ~~بالأكسوجين أينما كان، وتحمل إليك عبير العطور في الكون، فهي إذن تأتيك ~~بالفائدة. وقلنا: إن الأشياء الثابتة اكتسبت الثبات من وجود الهواء في ~~كل نواحيها وجهاتها، ولو فرغت الهواء من ناحية من نواحي إحدى ~~العمارات لانهارت في الحال، كذلك الريح إن جاءت مفردة فهي مدمرة، وفيها ~~العطب كما في قوله تعالى: # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم # [الذاريات: 41]. وقال: # بريح صرصر عاتية # [الحاقة: 6]. فقوله تعالى: { الله الذي يرسل الرياح.. } ~~[الروم: 48] فإرسال الرياح في ذاته نعمة { فتثير سحابا.. } ~~[الروم: 48] إثارة السحاب أي: تهيجه وتحركه، وهذه نعمة أخرى. والسحاب ~~عبارة عن الماء المتبخر من الأرض، وتجمع بعضه على بعض في طبقات الجو، ~~وماء المطر ماء مقطر بقدرة الله، كما نجري نحن عملية التقطير في ~~المعامل مثلا، فيأتينا المطر بالماء العذب النقي الزلال الذي قطرته ms7679 ~~لنا عناية الخالق سبحانه دون أن ندري. وإذا كان تقطير كوب واحد يحتاج ~~إلى كل هذه العمليات، وكل هذه التكلفة، فما بالك بماء المطر؟ وسبق أن ~~قلنا: إن من حكمة الخالق سبحانه أن جعل ثلاثة أرباع اليابسة ماء لتتسع ~~رقعة البخر ليكفي الربع الباقي، وضربنا لتوضيح ذلك مثلا بكوب الماء ~~حين تتركه على المنضدة مثلا، وحين تسكبه في أرض الغرفة، ففي الحالة ~~الأولى يظل الماء فترة طويلة لأن البخر قليل، أما في الأخرى فإنه سرعان ~~ما يتبخر. ثم يقول سبحانه: { فيبسطه في السمآء كيف ~~يشآء.. } [الروم: 48] وانظر إلى طلاقة المشيئة، فالمطر يصرفه الله كيف ~~يشاء إلى الأماكن التي تحتاج إلى مطر، ومن العجيب أن الله تعالى حين يريد ~~أن يرزق إنسانا ربما يرزقه من سحاب لا يمر على بلده، وانظر مثلا إلى ~~النيل، من أين يأتي ماؤه؟ وأين سقط المطر الذي يروي أرض النيل من أوله ~~إلى آخره؟ ومعنى { ويجعله كسفا.. } [الروم: 48] كسفا: جمع ~~كسفة، وهي القطعة { فترى الودق.. } [الروم: 48] المطر { ~~يخرج من خلاله.. } [الروم: 48] أي: من بين هذه السحب. { ~~فإذآ أصاب به من يشآء من عباده إذا هم ~~يستبشرون } [الروم: 48] والإصابة قد تكون مباشرة، فيهطل المطر ~~عليهم مباشرة، وقد تكون غير مباشرة بأن تكون الأرض منحدرة، فينزل المطر ~~في مكان ويسقي مكانا آخر، بل ويحمل إليه الخصب والنماء، كما كان النيل ~~في الماضي يحمل الطمي من الحبشة إلى السودان ومصر. وكان هذا الطمي يستمر ~~مع الماء طوال مجرى النيل وإلى دمياط، فلماذا لم يترسب طوال هذه ~~المسافات؟ لم يترسب بسبب قوة دفع الماء وشدة انحداره، بحيث لا يستقر هذا ~~الطمي ولا يترسب. # وقوله: { إذا هم يستبشرون } [الروم: 48] لأن الرياح حين تمر ~~عليهم تبشرهم بالمطر، وحين ينزل المطر يبشرهم بالزرع والنماء ~~والخصب والخير، كما قال تعالى: # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج # [الحج: 5]. وأذكر وأنا صغير وبلدنا على النيل، والنيل من أمامها متسع، ~~وبه عدة جزر يزرعها الناس، فأذكر أننا كنا نزرع ms7680 الذرة، وجاء الفيضان ~~فأغرقه وهو ما يزال أخضر لم ينضج بعد، وكان الناس يذهبون إليه ويجمعونه ~~بالقوارب، ورأيت النساء تزغرد والفرحة على الوجوه، فكنت أسأل أبي رحمه ~~الله: النيل أغرق الزرع. فلماذا تزغرد النساء؟ فكان والدي يضحك ويقول: ~~تزغرد النساء لأن النيل أغرق الزرع، وهذا هو مصدر الخير، وسبب خصوبة ~~الأرض، فلما كبرت وقرأت قصيدة أحمد شوقي رحمه الله في النيل: # من أي عهد في القرى تتدفق # وبأي كف في المدائن تغدق # الماء ترسله فيصبح عسجدا # والأرض تغرقها فيحيا المغرق # لما قرأت هذه القصيدة عرفت لماذا كانت النساء تزغرد حين يغرق النيل ~~الزرع. والاستبشار لنزول المطر يأتي على حسب الأحوال، فإن جاء بعد يأس ~~وقحط وجفاف كانت الفرحة أكبر، والاستبشار أبلغ حيث يأتي المطر مفاجئا { ~~إذا هم يستبشرون } [الروم: 48] أما إن جاء المطر في الأحوال ~~العادية فإن الاستبشار به يكون أقل. ثم يقول سبحانه: { وإن كانوا ~~من قبل... }. ### || [30.49] # معنى { لمبلسين } [الروم: 49] آيسين من نزول المطر، فإن جاءهم ~~المطر بعد هذا اليأس كانت فرحتهم به مزودجة ومضاعفة. وللعلماء وقفة حول ~~هذه الآية لأنها كررت كلمة من قبل، وبالتأمل نجد المعنى: من قبل أن ~~ينزل عليهم، وإن كانوا من قبل هذا القبل يائسين، فهنا إذن قبلان. ولا ~~بد أن نفهم أن هناك إرسالا للرياح التي تبشر بالمطر، وهناك إنزال ~~المطر، فلما ينزل المطر يكون هناك قبلية له هي الإرسال، فقبل الإرسال كان ~~عندهم يأس، وبعد الإرسال قالوا ربما لا تمطر. إذن: هنا كم قبل؟ قبل ~~الإنزال وقبل الإرسال. فالمعنى: فهم من قبله - أي من قبل أن ينزل المطر ~~- من قبل هذا عندهم يأس. ### || [30.50] # كأن الحق سبحانه أراد أن يستدل بالمحس المنظور في الكون على ما ~~يريد أن يخبرنا به من الغيب من أمور البعث والآخرة لذلك يعلل بقوله: { ~~إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير } ~~[الروم: 50] فذكر مع الأرض الفعل المضارع يحيي، والفعل المضارع يدل على ~~التجدد والاستمرار وهذه عملية محسة لنا. أما في إحياء الموتى فجاء ~~بالاسم ms7681 محيي، والاسم يفيد ثبوت الصفة ليؤكد إحياء الموتى، ومعلوم أن ~~الموت لا يشك فيه أحد لأنه مشاهد لنا، أما البعث فهو محل شك لدى ~~البعض لأنه غيب. ومع ذلك يقول تعالى عن الموت: # ثم إنكم بعد ذلك لميتون # [المؤمنون: 15]، فيؤكد هذه القضية مرة بإن، ومرة باللام، والموت شيء ~~واقع لا ننكره، فلماذا كل هذا التأكيد؟ قالوا: نعم هو واقع لا نشك فيه، ~~لكنه واقع مغفول عنه، فكأن الغفلة عنه كالإنكار، ولو كنتم متأكدين منه ما ~~غفلتم عنه. فلما ذكر البعث قال: # ثم إنكم يوم القيامة تبعثون # [المؤمنون: 16] فأكدها بمؤكد واحد، مع أنه محل شك، فكأنه لما قامت ~~الأدلة عليه كان ينبغي ألا يشك فيه لذلك لم يؤكده كما أكد الموت، ~~ولما غفلنا عن الأدلة كان واجبا أن يؤكد الموت، فأكد الموت، ولم ~~يؤكد البعث. ومعنى { فانظر.. } [الروم: 50] الأمر بالنظر هنا ليس ~~فنطزية ولا للفرجة أو التسلية، لأننا نقول: هذا الأمر فيه نظر يعني: ~~محلا للبحث والتقصي لنصل إلى وجه الحق فيه، بترجيح بعض الأدلة على بعض. ~~إذن: فانظر أي: نظر اعتبار وتأمل لأننا نريد أن نقيس الغائب عنا والذي ~~نريد أن نخبر به من أمور الآخرة بالمنظور لنا من إحياء الأرض بعد موتها. ~~ففي الآية دليل جديد من أدلة قدرة الحق ووحدانيته، وهو دليل كوني نراه ~~جميعا، والحق سبحانه يلون الأدلة ليلفت المخلوق إلى عظمة الخالق ~~ليؤمن به إلها واحدا قاهرا قيوما مقتدرا، وهذه الأدلة حجة تضيء ~~العقل، وآيات في الكون تبرهن على الصدق، وأمثال يضربها للناس في الكون ~~وفي أنفسهم، ووعد لمن آمن، ووعيد لمن خالف. وهنا أيضا دليل كوني مشهود ~~في الكون، فالذي أحيا الأرض الميتة كما تشاهدون لمحي الموتى في الآخرة ~~كما يخبركم، وجاء بصيغة اسم الفاعل الدال على ثبوت صفة الإحياء قبل أن ~~يحيي، كما نقول: فلان شاعر فلم يكتسب هذه الصفة لأنه قال شعرا، إنما هو ~~إنما هو شاعر قبل أن يقول، كذلك الخالق سبحانه محي قبل أن يوجد منه ~~الفعل، وقادر قبل أن يخلق ms7682 مقدورا له، وخالق قبل أن يخلق خلقا، ~~فبالصفة فيه سبحانه خلق. ولكي نقرب الشبه بين إحياء الأرض بالنبات ~~وإحياء الموتى يوم القيامة نقول: لو نظرنا إلى الإنسان لوجدنا هذا الهيكل ~~الضخم الذي يزن إلى مائة كيلو أو يزيد، أصل تكوينه ميكروب لا يرى ~~بالعين المجردة، حتى قالوا: إن أنسال العالم كله من الحيوان المنوي يمكن ~~أن توضع في حجم كستبان الخياطة، إذا ملىء نصفه من المني، ثم يأخذ هذا ~~الحيوان المنوي من الغذاء من الرزق فينمو ويكبر في الحجم فقط، لكن تظل ~~الشخصية كما هي. # فإذا مات الإنسان يبلى هذا الجسد، ويتحلل إلا عظمة الذنب، فتبقى لا ~~تتحلل ولا تأكلها الأرض لتكون هي البذرة التي تنبت الإنسان بقدرة الله ~~يوم القيامة لذلك جاء في حديث إحياء الموتى يوم القيامة # " فينبتون كما ينبت البقل ". # ففي هذه العظمة الصغيرة كل صفات الإنسان وخصائصه، ومنها يعود كما كان ~~قبل الموت، كما نرى حبة السمسم مثلا، فهي رغم صغرها إلا أنها تحمل كل ~~خصائص هذا النبات كلها، إذن: صغر الحجم دليل على القدرة، فإذا ما وضعت ~~هذه الحبة الصغيرة في البيئة المناسبة تأخذ الغذاء من التربة ومن الهواء ~~وتنمو وتكبر، وهذا النمو وهذا الكبر لا يعطي شخصية جديدة إنما الشخصية ~~ثابتة، إنما يعطي تكبيرا لها فحسب. لذلك لما شرحوا الأرنب وجدوه صورة ~~طبق الأصل من تشريح الإنسان، بمعنى أن فيه كل جوارح الإنسان وكل أجهزته، ~~حتى البعوضة في حجمها الضئيل فيها كل الأجهزة، لكن أين جهازها الهضمي ~~وجهازها الدموي وجهازها العصبي والسمبتاوي والبولي.. الخ، فدقة هذه ~~المخلوقات دليل على القدرة. وفي حضارتنا الحالية نجد أن من علامات التقدم ~~العلمي أن نصغر الكبير إلى أقصى درجة ممكنة، وانظر مثلا إلى الراديو ~~أول ما اخترعوه كان في حجم النورج، أما الآن فهو في حجم علبة الكبريت. ~~إذن: فالعظمة أن تضع كل الأجهزة في هذا الحجم الصغير، أو تجعلها كبيرة ~~فوق العادة وفوق القدرة، كما في ساعة " بج بن " مثلا. لذلك نرى الخالق ~~سبحانه خلق الشيء الدقيق ms7683 المتناهي في الصغر، بحيث لا يدرك بالعين ~~المجردة، ومع ذلك يحتوي على كل خصائص الشيء الكبير، وخلق من المخلوقات ~~الضخم الذي لا تستطيع أن تحده. إذن: حينما ينمو الشيء لا يزداد خصائص ~~جديدة، إنما تكبر عنده نفس الخصائص ونفس المشخصات الأصلية فيه. وسبق ~~أن قلنا: لو أن إنسانا يزن مثلا مائة كيلو أصابه مرض والعياذ بالله ~~أفقده نصف وزنه، نقول: أين ذهب هذا النقص؟ ذهب إلى فضلات نزلت منه لأن ~~الإنسان ينمو حينما يكون الداخل إليه من الغذاء أكثر من الخارج منه من ~~الفضلات، فإن تساوى يقف عند حد معين لا يزيد ولا ينقص. فإذا سخر الله ~~لهذا المريض طبيبا يداويه، فإنه يستعيد عافيته إلى أن يعود إلى وزنه ~~الطبيعي مائة كيلو كما كان، فهل عاد إليه ما فقده في نقص الوزن، أم عاد ~~إليه مثله من عناصر الغذاء والتكوين؟ عاد إليه مثل الذي فقده. # إذن: فالشخصية هي هي باقية لا تتغير مع النقص أو الزيادة. كذلك فالشخصية ~~أو الخصائص موجودة في هذا الميكروب الدقيق أو في هذه الحبة الصغيرة، إلى ~~أن توضع في بيئتها المناسبة، فتعطي نفس الشخصية أو نفس الخصائص لنوعها، ~~حتى قالوا: إن قدماء المصريين وضعوا مع الموتى بعض الحبوب، وحفظوها طوال ~~آلاف السنين، بحيث إذا وضعت الحبة منها في التربة المناسبة فإنها تنبت. ~~فإذا كان الإنسان يستطيع أن يستنبت الحبة بعد بضعة آلاف من السنين، أيكون ~~عزيزا على الله أن يستنبت بذرة الإنسان، ويحيي الذرة الباقية منه في ~~الأرض حين ينزل عليها المطر بأمره تعالى يوم القيامة؟ ثم إن الحبة ~~الواحدة التي يستنبتها الإنسان تعطيه آلافا من نوعها، أما بذرة الإنسان ~~والذرة الباقية منه فتعطي شخصا واحدا لا غير، أيصعب هذا على القدرة ~~الإلهية. لذلك يحثنا الحق سبحانه على التأمل في قوله { فانظر.. } ~~[الروم: 50] لا نظر عين، ولكن نظر تأمل وتعقل واستنباط، وربنا ينعى ~~علينا الغفلة في التأمل، فيقول سبحانه: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. ونسمي الجدل لإظهار الحقائق ms7684 مناظرة، يناظر كل منا ~~الآخر، لا نظر عين، ولكن نظر عقل واستنباط. { فانظر إلى آثار ~~رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتهآ إن ذلك ~~لمحي الموتى.. } [الروم: 50] أي: الذي أحياها { لمحي ~~الموتى.. } [الروم: 50] وما دام قد ثبتت له صفة الإحياء، فإذا ~~أخبرك بأنه يحيي الموتى، فصدق وخذ مما شاهدته دليلا على ما غاب ~~عنك. ثم يختم الحق سبحانه هذه الآية بصفة أخرى تؤكد صفة الخلق والإحياء ~~{ وهو على كل شيء قدير } [الروم: 50] فغير أنه سبحانه ~~حي ومحيي له سبحانه صفات الكمال، والقدرة على كل شيء علما وقدرة ~~وحكمة وبسطا وقبضا ونفعا وضرا.. إلخ. فبعد أن ذكر الحدث في الفعل ~~المضارع الدال على الاستمرار { يحي.. } [الروم: 50] ذكر الاسم الدال ~~على ثبوت الصفة { لمحي.. } [الروم: 50] ثم جاء بكل صفات الكمال في { ~~وهو على كل شيء قدير } [الروم: 50]. يريد الله أن يبين أن ~~الإنسان كنود، وأنه خلق جزوعا، إن مسه الشر يجزع، وإن مسه الخير ~~يمنع، فلما كان يائسا من الهواء يهب عليه أرسل الله إليه الرياح، وبعد ~~أن كان يائسا من قطرة الماء أنزل الله عليه المطر مدرارا، فهل أخذ في ~~باله هذا العطاء، بحيث إذا أصابه يأس من شيء طلب فرجه من الله، وأزاح ~~اليأس عن نفسه وقال: إن لي ربا ألجأ إليه، ولا ينبغي لي أن أقنط وهو ~~موجود؟ فالذي فرج عليك من يأس الرياح ومن يأس المطر قادر أن يفرج عنك ~~كل كرب لذلك ينبغي أن يكون شعار كل مؤمن: لا كرب وأنت رب، ما دام ~~لك رب فلا تهتم ولا تيأس، فليست مع الله مشكلة المشكلة ألا يكون لك ~~رب تلجأ إليه. # وهذا هو الفرق بين المؤمن والكافر المؤمن له رب يلجأ إليه إن عزت ~~عليه الأسباب، أما الكافر فما أشقاه، فإن ضاقت به الأسباب لا يجد صدرا ~~حنونا يحتويه، فيلجأ في كثير من الأحوال إلى الانتحار. لذلك كان سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر يقوم إلى الصلاة، وكان ~~يقول: # " ارحنا بها يا بلال ms7685 " # ففي الصلاة تختلي بربك وخالقك، وتعرض عليه حاجتك، وتستمد منه العون ~~والقوة. كذلك يعلمنا هذا الدرس نبي الله موسى - عليه السلام - فحينما ~~خرج ببني إسرائيل وأدركه فرعون وقومه، فوجدوا أنفسهم محاصرين، البحر من ~~أمامهم والعدو من خلفهم، قالوا لموسى { إنا لمدركون } [الشعراء: ~~61] وهذا منطق البشر وواقع الأشياء، لكن كان لموسى منطق آخر ينطلق فيه من ~~وجود رب قادر يلجأ إليه في وقت الشدة فيفرجها عنه. فقال موسى بملء فيه ~~كلا قالها على سبيل اليقين قولة الواثق من أن ربه لن يتخلى عنه، لم ~~يقلها برصيد من عنده، إنما برصيد إيمانه في الله # إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62] وهذا هو المفزع لكل مؤمن. لم لا، وأنت إن كانت لديك ~~قضية ترتاح إن وكلت فيها محاميا يدافع عنك، فما بالك إن وكلت ~~رب الأرض والسماء، فكان هو سبحانه المحامي والقاضي والشاهد والمنفذ ~~للحكم؟ وأنت ترى القاضي في الدنيا يحكم ببينة قد يدلس فيها ويحكم، ~~ويحكم بإقرار لا يستطيع أن ينتزعه من صاحبه، أو بشهادة الشهود، وقد ~~يكونون شهود زور، ثم هو بعد ذلك لا يملك تنفيذ حكمه، فهناك سلطة قضائية ~~تحكم وسلطة تنفيذية تنفذ، حتى السلطة التنفيذية يستطيع المجرم أن يفلت ~~منها. أما في محكمة العدل الإلهي، فقاضيها هو الحق - سبحانه وتعالى - فلا ~~يحتاج إلى بينة أو إقرار أو شهود، ولا يستطيع أحد أن يدلس عليه ~~سبحانه، أو أن يفلت من حكمه لذلك قال تعالى عن نفسه: # وهو خير الحاكمين # [الأعراف: 87]. ثم يقول الحق سبحانه: { ولئن أرسلنا ريحا... ~~}. ### || [30.51] # لك أن تلحظ الفرق بين أسلوب هذه الآية { ولئن أرسلنا ريحا.. ~~} [الروم: 51] والآية السابقة # الله الذي يرسل الرياح.. # [الروم: 48] فيرسل: مضارع دال على الاستمرار، والرياح كما قلنا لا ~~تستعمل إلا في الخير، فكأن إرسال الرياح أمر متوافر، وكثيرا ما يحدث ~~فضلا من الله وتكرما. أما هنا، وفي الحديث عن الريح، وسبق أن قلنا: ~~إنها لا تستعمل إلا في الشر، فلم يقل يرسل، بل اختار إن الدالة على ~~الشك، والفعل الماضي الدال على الانتهاء ms7686 لماذا؟ لأن ريح الشر نادرا ما ~~تحدث، ونادرا ما يسلطها الله على عباده، فمثلا ريح السموم تأتي ~~مرة في السنة، كذلك الريح العقيم جاءت في الماضي مرة واحدة، كذلك الريح ~~الصرصر العاتية. إذن: فهي قليلة نادرة، ومع ذلك إن أصابتهم يجزعون ~~وييأسون، وهذا لا ينبغي منهم، أليست لهم سابقة في عدم اليأس حين يئسوا من ~~إرسال الرياح، فأرسلها الله عليهم ومن إنزال المطر فأنزله الله لهم، ~~فلماذا القنوط والرب موجود؟ ومعنى { فرأوه.. } [الروم: 51] أي: رأوا ~~الزرع الذي كان أخضر نضرا { مصفرا.. } [الروم: 51] أي: متغيرا ~~ذابلا { لظلوا من بعده يكفرون } [الروم: 51] يكفرون ~~باليأس الذي يعزل الحق سبحانه عن الأحداث، مع أن لهم سابقة، وقد يئسوا ~~وفرج الله عليهم. ذلك لأن الإنسان لا صبر له على البلاء، فإن أصابه ~~سرعان ما يجزع، ولو قال أنا لي رب أفزع إليه فيرفع عني البلاء، وأن له ~~حكمة سأعرفها لاستراح ولهان عليه الأمر. ولك أن تسأل: لماذا قال ~~القرآن { ولئن أرسلنا.. } [الروم: 51] ولم يقل وإن؟ قالوا: ~~هذه اللام الزائدة يسمونها اللام الموطئة للقسم، فتقدير الكلام: والله ~~لئن أرسلنا، فالواو هنا واو القسم واللام موطئة له، وللحق سبحانه أن ~~يقسم بما يشاء على ما يشاء، وكل قسم يحتاج إلى جواب، تقول: والله ~~لأضربنك. كذلك الشرط في إن يحتاج إلى جواب للشرط، والحق سبحانه هنا مزج ~~بين القسم والشرط في جملة واحدة، فإن قلت فالجواب هنا للقسم أم للشرط؟ ~~قالوا: فطنة العرب تأبى أن يوجد جوابان في جملة واحدة، فيأتي السياق ~~بجواب واحد نستغني به عن الجواب الآخر، والجواب يكون لما تقدم، فإن ~~تقدم القسم فالجواب للقسم، وإن تقدم الشرط فالجواب للشرط. وهنا { ~~ولئن أرسلنا ريحا.. } [الروم: 51] قدم القسم لأن التقدير: ~~والله لئن أرسلنا ريحا.. وكلمة { لظلوا.. } [الروم: 51] مأخوذة من ~~الظل وظل فعل ماض ناقص مثل بات يعني في البيتوتة، وأضحى يعني: استمر ~~في وقت الضحى، وأمسى في وقت المساء، كذلك ظل أي: استمر في الوقت الذي ~~فيه ظل يعني: طوال النهار، إذن: نأخذ الزمن من المشتق ms7687 منه. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { فإنك لا تسمع الموتى... }. ### || [30.52] # يريد الحق سبحانه أن يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم حتى لا يألم لما ~~يلاقيه من قومه، يقول له: يا محمد لا تتعب نفسك لأن هؤلاء لا يؤمنوا، ~~وما عليك إلا البلاغ، فلا تيأس لإعراض هؤلاء، ولا تتراجع عن تبليغ دعوتك ~~والجهاد في سبيلها والجهر بها لأنني أرسلتك لمهمة، ولن أتخلى عنك، وما ~~كان الله ليرسل رسولا ثم يخذله أو يسلمه. وقد قال تعالى لنبيه: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6] ولو أردت لجعلتهم مؤمنين قسرا لا يملكون أن يكفروا: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4]. إنما أريد أن يأتوني طواعية عن محبة، لا عن قهر لأنني لا ~~أريد قوالب تخضع، إنما قلوبا تخشع، ويستطيع أي بشر بجبروته أن يجعل ~~الناس تخضع له أو تسجد، لكنه لا يستطيع مهما أوتي من قوة أن تخضع ~~قلوبهم، أو يحملهم على حبه. وهنا يقول تعالى لنبيه: { فإنك لا ~~تسمع الموتى.. } [الروم: 52] فجعلهم في حكم الأموات، وهم أحياء ~~يرزقون، لماذا؟ لأن الذي لا ينفعل لما يسمع ولا يتأثر به، هو والميت ~~سواء. أو نقول: إن للإنسان حياتين: حياة الروح التي يستوي فيها المؤمن ~~والكافر، والطائع والعاصي، وحياة المنهج والقيم، وهذه للمؤمن خاصة، والتي ~~يقول الله فيها: # يأيها الذين آمنفوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24]. فهو سبحانه يخاطبهم هذا الخطاب وهم أحياء، لكن المراد ~~هنا حياة المنهج والقيم، وهي الحياة التي تورثك نعيما دائما باقيا ~~لا يزول، خالدا لا تتركه ولا يتركك. لذلك يقول سبحانه عن هذه الحياة: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. لذلك سمى الله المنهج الذي أنزله على رسوله روحا: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا.. # [الشورى: 52] لأن المنهج يعطيك حياة باقية لا تنزوي ولا تزول. وسمى ~~الملك الذي نزل به روحا: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193] فالمنهج روح من الله، نزل به روح ms7688 من الملائكة هو جبريل ~~عليه السلام على قلب سيدنا رسول الله ليحمله رسول مصطفى فيبثه في الناس ~~جميعا، فيحيون الحياة الآخرة. فالكفار بهذا المعنى يحيون حياة روح ~~القالب التي يستوي فيها جميع البشر، لكن هم أموات بالنسبة للروح الثانية، ~~روح القيم والمنهج. لذلك، إذا كان عندنا شخص شقي أو بلطجي يفسد في ~~المجتمع أكثر مما يصلح نقول له: أنت وجودك مثل عدمه، لماذا؟ لأن الحياة ~~إذا لم تستغل في النافع الدائم، فلا معنى لها. وهنا يقول تعالى لنبيه: ~~لا تحزن، ولا تذهب نفسك على هؤلاء القوم الحسرات، فهم موتى لم يقبلوا روح ~~المنهج وروح القيم، وما داموا لم تدخلهم هذه الروح، فلا أمل في إصلاحهم، ~~ولن يستجيبوا لك، فالاستجابة تأتي ممن أصغى سمعه، وأعمل عقله في الكون من ~~حوله ليصل إلى حقيقة الحياة ولغز الوجود. # وسبق أن قلنا: إنك إذا سقطت بك طائرة مثلا في صحراء، وانقطعت عن ~~الناس، فلا أنيس ولا شيء من حولك، ثم فجأة رأيت أمامك مائدة عليها أطايب ~~الطعام والشراب، فطبيعي قبل أن تمتد يدك إليها لا بد أن تسأل نفسك: ~~من أتى بها؟ كذلك أنت أيها الإنسان طرأت على كون معد لاستقبالك، ~~مليء بكل هذا الخير، بالله ألا يستدعي هذا أن تسأل من أعد لي هذا ~~الكون؟ ثم لم يدع أحد هذا الكون لنفسه، ثم جاءك رسول من عند الله يخبرك ~~بحقائق الكون، ويحل لك لغز الحياة والوجود، لكن هؤلاء القوم لما جاءهم ~~رسول الله أبوا أن يستمعوا إليه، ولم يقبلوا الروح الذي جاءهم به. ~~والحق سبحانه يعرض لنا هذه المسألة في آية أخرى: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا.. # [محمد: 16] وهذا يعني أن روح المنهج لم تباشر قلوبهم. ويرد الحق ~~عليهم: # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ~~أولئك ينادون من مكان بعيد # [فصلت: 44]. فالقرآن واحد، لكن المستقبل للقرآن مختلف، فواحد يسمعه بأذن ~~مرهفة وقلب واع ms7689 فيستفيد، ويصل إلى حل اللغز في الكون وفي الخلق ~~لأنه استجاب للروح الجديدة التي أرسلها الله له، وآخر أعرض. وهؤلاء الذين ~~أعرضوا عن القرآن إنما يخافون على مكانتهم وسيادتهم، فهم أهل فساد ~~وطغيان، ويعلمون أن هذا المنهج جاء ليقيد حرياتهم، ويقضي على فسادهم ~~وطغيانهم لذلك رفضوه. لذلك تجد أن الذين تصدوا لدعوات الرسل وعارضوهم ~~هم السادة والكبراء، ألا تقرأ قول الحق سبحانه عن مقالتهم: # إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا # [الأحزاب: 67]. إذن: لا تتعجب من أن القرآن يسمعه إنسان فيقول ~~مستلذا به: الله، أعد، وآخر ينصرف عنه لا يدري ما يقول، والمنصرف عن ~~القرآن نوعان: إما ينصرف عنه تكبرا يعني: وعي القرآن وفهمه لكن تكبر ~~على الانصياع لأوامره، وآخر سمعه لكن لم يفهمه لأن الله ختم على قلبه. ~~ومهمة الداعي أن يتعهد المدعو، وألا ييأس لعدم استجابته، وعليه بتكرار ~~الدعوة له، لعله يصادف عنده فترة صفاء وفطرة، وخلو نفس، فتثمر فيه الدعوة ~~ويستجيب. وإلا فقد رأينا من أهل الجاهلية من أسلم بعد فترة طويلة من ~~عمر الدعوة أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة، وغيرهم. ~~ونعلم كم كان عمر بن الخطاب كارها للإسلام معاديا لأهله، وقصة ضربه ~~لأخته بعد أن أسلمت قصة مشهورة لأنها كانت سبب إسلامه، فلما ضربها ~~وشجها حتى سال الدم منها رق قلبه لأخته، فلما قرأت عليه القرآن صادف ~~منه قلبا صافيا، وفطرة نقية نفضت عنه عصبية الجاهلية الكاذبة فانفعل ~~للآيات وباشرت بشاشتها قلبه فأسلم. # لذلك أمر الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجهر بالدعوة، وأن ~~يصدع بما يؤمر، لعل السامع تصادفه فترة تنبه لفطرته، كما حدث مع عمر. ~~وحين نلحظ الفاء في بداية هذه الآية { فإنك لا تسمع ~~الموتى.. } [الروم: 52] نجد أن التقدير: فلا تحزن، ولا يهولنك ~~إعراضهم لأنك ما قصرت في البلاغ، إنما التقصير من المستقبل لأنهم لم ~~يقبلوا الروح السامية التي جاءتهم، بل نفروا من السماع، وتناهوا عنه، كما ~~حكى القرآن عنهم: # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه ms7690 لعلكم تغلبون # [فصلت: 26]. ونهى بعضهم بعضا عن سماع القرآن دليل على أنهم يعلمون أن ~~من يسمع القرآن بأذن واعية لا بد أن يؤمن به وأن يقتنع. ثم يقول ~~سبحانه: { ولا تسمع الصم الدعآء إذا ولوا ~~مدبرين } [الروم: 52] وفي موضع آخر: # والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر.. # [فصلت: 44] وقال أيضا: # صم بكم.. # [البقرة: 18]. وقد علمنا من وظائف الأعضاء أن البكم يأتي نتيجة الصمم ~~لأن اللسان يحكي ما سمعته الأذن، فإذا كانت الأذن صماء فلا بد أن يكون ~~اللسان أبكم، ليس لديه شيء يحكيه. لذلك نجد الطفل العربي مثلا حين ينشأ ~~في بيئة إنجليزية يتكلم الإنجليزية لأنه سمعها وتعلمها، بل نجد صاحب ~~اللغة نفسه تعرض عليه الكلمات الغربية من لغته فلا يعرفها لماذا؟ لأنه ~~لم يسمعها، فحين يقول العربي عن العجوز: إنها الحيزبون والدردبيس.. ~~الخ تقول: ما هذا الكلام، مع أنه عربي لكن لم تسمعه أذنك. والأذن هي أداة ~~الالتقاط الأولى لبلاغ الرسالة، وما دام الله تعالى قد حكم عليهم بأنهم ~~في حكم الأموات، فالإحساس لديهم ممتنع، فالأذن لا تسمع آيات القرآن، ~~والعين لا ترى آيات الكون ولا تتأملها. لذلك قال تعالى عنهم: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46]. وكلمة أعمى نقولها للمبصر صحيح العينين حينما يخطىء في شيء، ~~فتقول له: أنت أعمى؟ لماذا، لأنه وإن كان صحيح العينين، إلا أنه لم ~~يستعملهما في مهمتهما، فهو والأعمى سواء. وهؤلاء القوم وصفهم الله بأنهم ~~أولا في حكم الأموات، ثم هم مصابون بالصمم، فلا يسمعون البلاغ، وتكتمل ~~الصورة بأنهم عمى لا يرون آيات الإعجاز في الكون، وليتهم صم فحسب، ~~فالأصم يمكن أن تتفاهم معه بالإشارة فينتفع بعينيه إن كان مقبلا عليك، ~~لكن ما الحال إذا كان مدبرا، كما قال تعالى: { إذا ولوا ~~مدبرين } [الروم: 52] يعني: أعطوك ظهورهم، إذن: لم يعد لهم ~~منفذ للتلقي ولا للإدراك، فهم صم بكم، وبالإدبار تعطلت أيضا حاسة ~~البصر، فلا أمل في مثل هؤلاء، ولا سبيل إلى هدايتهم. ### || [30.53] # والدلالة على الطريق والهداية إليه لا ms7691 تتأتى مع العمى، خصوصا إذا ~~أصر الأعمى على عماه، ونقول لمن يكابر في العمى فلان لا يعطي العمى ~~حقه يعني: يأنف أن يستعين بالمبصر، ولو استعان بالناس من حوله لوجدهم ~~خدما له ولصار هو مبصرا ببصرهم. وقوله سبحانه: { إن تسمع.. } ~~[الروم: 53] أي: ما تسمع { إلا من يؤمن بآياتنا فهم ~~مسلمون } [الروم: 53] وهؤلاء هم أصفياء القلوب والفطرة، الذين ~~يلتفتون إلى كون الله، يتأملون أسراره وما فيه من وجوه الإعجاز والقدرة، ~~فيستدلون بالخلق على الخالق، وبالكون على المكون سبحانه، ولم لا، ~~ونحن نعرف من اخترع أبسط الأشياء في حياتنا ونؤرخ له، ونخلد ~~ذكراه، ألسنا نعرف أديسون الذي اخترع المصباح الكهربائي، والله الذي خلق ~~الشمس لهو أولى بالمعرفة. فإذا جاءك رسول من عند الله يخبرك بوجوده ~~تعالى، ويحل لك لغز هذا الوجود الذي تحتار فيه، فعليك أن تصدقه، وأن ~~تؤمن بما جاءك به لذلك الحق سبحانه يعلم الرسل أن يقولوا للناس في ~~أعقاب البلاغ # ومآ أسألكم عليه من أجر.. # [الشعراء: 109]. وفي هذا إشارة إلى أن العمل الذي يؤديه الرسل ~~لأقوامهم عمل يستحقون عليه أجرا بحكم العقل، لكنهم يترفعون عن أجوركم ~~لأن عملهم غال لا يقدره إلا من أرسلهم، وهو وحده القادر على أن ~~يوفيهم أجورهم. ومعنى { يؤمن بآياتنا.. } [الروم: 53] يعني: ~~ينظر فيها ويتأملها، ويقف على ما في الكون من عجائب الخلق الدالة على ~~قدرة الخالق، فإذا ما جاءه رسول من عند الله أقبل عليه وآمن به لذلك قال ~~بعدها: { فهم مسلمون } [الروم: 53]. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~الله الذي خلقكم من... }. ### || [30.54] # الحق - تبارك وتعالى - بعد أن عرض علينا بعض الأدلة في الكون من حولنا ~~يقول لنا: ولماذا نذهب بعيدا إذا لم تكف الآيات في الكون من حولك، ~~فانظر في آيات نفسك، كما قال سبحانه: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21] وجمع بين النوعين في قوله سبحانه: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. فهنا يقول: تأمل في نفسك أنت: { الله الذي خلقكم ~~من ضعف.. } [الروم: 54]، فإن قال الإنسان المكلف ms7692 الآن: أنا لم ~~أشاهد مرحلة الضعف التي خلقت منها. نقول: نعم لم تشاهدها في نفسك، ~~فلم تكن لك ساعتها مشاهدة، لكن شاهدتها في غيرك، شاهدتها في الماء ~~المهين الذي يتكون منه الجنين، وفي الأم الحامل، وفي المرأة حين تضع ~~وليدها صغيرا ضعيفا، ليس له قدم تسعى، ولا يد تبطش، ولا سن ~~تقطع، ومع ذلك ربي بعناية الله حتى صار إلى مرحلة القوة التي أنت فيها ~~الآن. إذن: فدليل الضعف مشهود لكل إنسان، لا في ذاته، لكن في غيره، وفي ~~مشاهداته كل يوم، وكل منا شاهد مئات الأطفال في مراحل النمو المختلفة، ~~فالطفل يولد لا حول له ولا قوة، ثم يأخذ في النمو والكبر فيستطيع ~~الجلوس، ثم الحبو، ثم المشي، إلى أن تكتمل أجهزته ويبلغ مرحلة الرشد ~~والفتوة. وعندها يكلفه الحق - سبحانه وتعالى - وينبغي أن نكلفه نحن ~~أيضا، وأن نستغل فترة الشباب هذه في العمل المثمر، فنحن نرى الثمرة ~~الناضجة إذا لم يقطفها صاحبها تسقط هي بين يديه، وكأنها تريد أن تؤدي ~~مهمتها التي خلقها الله من أجلها. لذلك، فإن آفتنا نحن ومن أسباب تأخر ~~مجتمعاتنا أننا نطيل عمر طفولة أبنائنا، فنعامل الشاب حتى سن الخامسة ~~والعشرين على أنه طفل، ينبغي علينا أن نلبي كل رغباته لا ينقصنا إلا أن ~~نرضعه. آفتنا أن لدينا حنانا مرق لا معنى له، أما في خارج بلادنا، ~~فبمجرد أن يبلغ الشاب رشده لم يعد له حق على أبيه، بل ينتقل الحق ~~لأبيه عليه، ويتحمل هو المسئولية. والحق سبحانه يعلمنا في تربية ~~الأبناء أن نعودهم تحمل المسئولية في هذه السن: # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ~~كما استأذن الذين من قبلهم.. # [النور: 59]. فانظر أنت أيها الإنسان الذي جعلت كل الأجناس الأقوى منك ~~في خدمتك، انظر في نفسك وما فيها من آيات وما بين جنبيك من مظاهر قدرة ~~الله، فقد نشأت ضعيفا لا تقدر على شيء يخدمك غيرك. ومن حكمته تعالى في ~~الطفل ألا تظهر أسنانه طوال فترة الرضاعة حتى لا يؤذي أمه، ثم تخرج له ~~أسنان ms7693 مؤقتة يسمونها الأسنان اللبنية لأنه ما يزال صغيرا لا يستطيع ~~تنظيفها، فيجعلها الله مؤقتة إلى أن يكبر ويتمكن من تنظيفها، فتسقط ~~ويخرج مكانها الأسنان الدائمة، ولو تأملت في نفسك لوجدت ما لا يحصى من ~~الآيات. # { ثم جعل من بعد ضعف قوة.. } [الروم: 54] أي: قوة ~~الشباب وفتوته: { ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة.. ~~} [الروم: 54] أي: ضعف الشيخوخة، وهذا الضعف يسري في كل الأعضاء، حتى في ~~العلم، وفي الذاكرة # لكيلا يعلم من بعد علم شيئا.. # [الحج: 5]. ويظل بك هذا الضعف حتى تصير إلى مثل الطفل في كل شيء تحتاج ~~إلى من يحملك ويخدمك إذن: لا تأخذ هذه المسألة بطبع تكوينك، ولكن ~~بإرادة مكونك سبحانه، فبعد أن كنت ضعيفا يقويك، وهو سبحانه ~~القادر على أن يعيدك إلى الضعف، بحيث لا تستطيع عقاقير الدنيا أن تعيدك ~~إلى القوة لذلك يسخر أحد العقلاء ممن يتناولون الفيتامينات في سن ~~الشيخوخة، ويقول: يا ويل من لم تكن فيتاميناته من ظهره. لذلك تلحظ ~~الدقة في الأداء في قول سيدنا زكريا: # قال رب إني وهن العظم مني.. # [مريم: 4] لأن العظم آخر مخزن لقوت الإنسان، حيث يختزن فيه ما زاد عن ~~حاجة الجسم من الطاقة، فإذا لم يتغذ الجسم بالطعام يمتص من هذا ~~المخزون من الشحوم والدهون، ثم من العضل، ثم من نخاع العظم، وهو آخر مخزن ~~للقوت في جسمك. فمعنى قول سيدنا زكريا: # إني وهن العظم مني.. # [مريم: 4] يعني: وصلت إلى مرحلة الحرض التي لا أمل معها في قوة، ويؤكد ~~هذا المعنى بقوله # واشتعل الرأس شيبا.. # [مريم: 4]. وقلنا: إن بياض الشعر ليس لونا، إنما البياض انعدام اللون ~~لذلك فاللون الأبيض ليس من ألوان الطيف، ومع الشيخوخة تضعف أجهزة ~~الإنسان، وتضعف الغدد المسئولة عن لون الشعر عن إفراز اللون الأسود، ~~فيظهر الشعر بلا لون. ونلحظ أن أغلب ما يشيب الناس يشيبون مما يعرف ب " ~~السوالف " من هنا ومن هنا، لماذا؟ قالوا: لأن الشعرة عبارة عن أنبوب ~~دقيق، فإذا قصت أثناء الحلق ينفتح هذا الأنبوب، وتدخله بعض المواد ~~الكيمياوية مثل ms7694 الصابون والكولونيا، فتؤثر على الحويصلات الملونة وتقضي ~~عليها لذلك نلاحظ هذه الظاهرة كثيرا في المترفين خاصة لذلك تجد بعض ~~الشباب يظهر عندهم الشيب في هذه المناطق من الرأس. وقد رتب سيدنا زكريا ~~مظاهر الضعف بحسب الأهمية، فقال أولا # وهن العظم مني.. # [مريم: 4] ثم # واشتعل الرأس شيبا.. # [مريم: 4] ومع كبر سيدنا زكريا وضعفه، ومع أن امرأته كانت عاقرا إلا ~~أن الله تعالى استجاب له في طلبه للولد الذي يرث عنه النبوة، فبشره ~~بولد وسماه يحيى، وكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول لنا: إياكم، ألا ~~أستطيع أن أخلق مع الشيب والكبر والضعف؟ لذلك قال بعدها: { يخلق ما ~~يشآء.. } [الروم: 54]. # وقال في شأن زكريا عليه السلام: # قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك ~~من قبل ولم تك شيئا # [مريم: 9]. وقوله تعالى: { وهو العليم القدير } [الروم: 54] ~~أي: أن هذا الخلق ناشىء عن علم # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14] لكن العلم وحده لا يكفي، فقد تكون عالما لكنك غير قادر على ~~تنفيذ ما تعلم، كمهندس الكهرباء، لديه علم واسع عنها، لكنه لا يستطيع ~~تنفيذ شبكة أو معمل كهرباء، فيذهب إلى أحد الممولين ليعينه على التنفيذ ~~لذلك وصف الحق سبحانه نفسه بالعلم والقدرة. إذن: هذا هو الدليل النفسي ~~على الموجد الحق الفاعل المختار الذي يفعل الأشياء بعلم وقدرة، ولا يكلفه ~~العمل شيئا ولا يستغرق وقتا لأنه سبحانه يقول للشيء: كن فيكون، ولا ~~تتعجب أن ربك يقول للشيء كن فيكون لأنك أيها المخلوق الضعيف تفعل هذا ~~مع أعضائك وجوارحك. وإلا فقل لي: ماذا تفعل إن أردت أن تقوم مثلا ~~أو تحمل شيئا مجرد أن تريد الحركة تجد أعضاءك طوع إرادتك، ودون أن تدري ~~بما يحدث بداخلك من انفعالات وحركات، وإن قلت فأنا كبير وأستطيع أداء ~~هذه الحركات كما أريد، فما بالك بالطفل الصغير؟ وسبق أن ضربنا مثلا ~~لتوضيح هذه المسألة بالبلدوزر، فلكل حركة منه ذراع خاص بها يحركه ~~السائق، وأزرار يضرب عليها، وربما احتاج السائق لأكثر من أداة التحريك ~~هذه الآلة حركة واحدة. ms7695 أما أنت فمجرد أن تريد تحريك العضو تجده يتحرك معك ~~كما تريد دون أن تعرف العضلات والأعصاب التي شاركت في حركته، فإذا كنت ~~أنت على هذه الصورة، أتعجب من أن الله تعالى يقول للشيء كن فيكون؟ ثم ~~يقول الحق سبحانه: { ويوم تقوم الساعة... }. ### || [30.55] # بعد أن عرض الحق - سبحانه وتعالى - الدليل ليهتدي به من يشاء، ومن ~~لم يهتد يلوح له بهذا التهديد: { ويوم تقوم الساعة ~~يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة.. } [الروم: 55] ~~معنى كلمة { تقوم الساعة.. } [الروم: 55] تدل على أنها موجودة، ~~لكن نائمة تنتظر الإذن لها، فتقوم تنتظر أن نقول لها: كن فتكون. ~~فالقيام هنا له دلالته لأن الساعة أمر لا يتأتى به القيام، إنما يقيمها ~~الحق سبحانه، فقوله { تقوم.. } [الروم: 55] كأنها منضبطة كما تضبط ~~المنبه مثلا، ولها وقت تنتظره، وهي من تلقاء نفسها إن جاء وقتها ~~قامت. وحين تتأمل كلمة { تقوم.. } [الروم: 55] تجد أن القيام آخر ~~مرحلة للإنسان ليؤدي مهمته، فيقابلها ما قبلها، فقبل القيام القعود، ثم ~~الاضطجاع، ثم النوم، فمعنى قيام الساعة يعني: أنها جاءت لتؤدي مهمتها ~~أداء كاملا. وسميت الساعة لأنها دالة على الوقت الذي يأذن الله ~~فيه بإنهاء العالم، وإن كانت الساعة عندنا كوحدة الحساب الزمن نقول: ~~صباحا أو مساء وفق حساب الحكومة أو الأهالي، توقيت كذا أو كذا. هذه ~~الآلة التي في أيدينا بما تضبطه لنا من وقت أمرها هين، ليست مشكلة أن ~~تقدم أو تؤخر عدة ثوان أو عدة دقائق، تعمل أتوماتيكيا أو ~~بالحجارة، صنعت في سويسرا، أو في الصين، هذه الساعة لا تهم، المهم ~~الساعة الأخرى، الساعة التي لا ساعة بعدها، واعلم أنها منضبطة عند الحق ~~سبحانه، وما عليك إلا أن تضبط نفسك عليها، وتعمل لها ألف حساب. وعجيب ~~أن يقسم الكفار يوم القيامة { ما لبثوا غير ساعة.. } [الروم: ~~55] فإن كذبوا في الدنيا، فهل يكذبون أيضا في الآخرة؟ قالوا: بل ~~يقولون ذلك على ظنهم، وإلا فالكلام منهم في هذا الوقت ليس اختياريا، فقد ~~مضى وقت الاختيار، ولم يعد الآن قادرا على الكذب. لذلك ms7696 سيقول الحق ~~سبحانه في آخر الآية: { كذلك كانوا يؤفكون } [الروم: 55] فقد ~~كانوا يقلبون الحقائق في الدنيا، أما في الآخرة فلن يقلبوا الحقائق، إنما ~~يقولون على حسب نظرهم. والمجرمون: المجرم هو الذي خرج عن المطلوب منه ~~بذنب يخالفه، فنقول: فلان أجرم، والقانون يسمى الفعل جريمة. ومعنى { ~~ما لبثوا.. } [الروم: 55] اللبث: المكث طويلا أي في الدنيا، أو: ~~ما لبثوا في قبورهم بعد الموت إلى قيام الساعة، أو: ما لبثوا بعد النفخة ~~التي تميت إلى النفخة التي تحيي. فهذه فترات ثلاث للبثهم في القبور، ~~أطولها للذين ماتوا منذ آدم عليه السلام، ثم أوسطهم الذين جاءوا بعد ذلك ~~أمثالنا، ثم أقلهم لبثا وهم الذين يموتون بين النفختين، وفي كل هذه ~~الفترات يوجد كفار، وعلى عهد آدم كان هناك كفار، وعلى مر العصور بعده ~~يوجد كفار، حتى بين النفختين يوجد كفار، إذن: فكلمة لبثوا هنا على ~~عمومها: أطول، وطويل، وقصيرة، وأقصر. # وهؤلاء يقولون يوم القيامة " ما لبثنا غير ساعة " مع أن الآخرة لا كذب ~~فيها، لكنهم يقولون ذلك على حسب ظنهم لأن الغائب عن الزمن لا يدري به، ~~والزمن ظرف لوقت الأحداث، كما أن المكان ظرف لمكانها، فالنائم مثلا لا ~~يشعر بالزمن لأن الزمن يحسب بتوالي الأحداث فيه، فإذا كنت لا تشعر ~~بالحدث فبالتالي لا تشعر بالوقت، سواء أكان بنوم كأهل الكهف، أو بموت ~~كالذي أماته الله مائة عام ثم بعثه. ولما قاموا من النوم أو الموت لم ~~يوقتوا إلا على عادة الناس في النوم، فقالوا: # لبثنا يوما أو بعض يوم.. # [الكهف: 19] لأنه في هذه الحالة لا يدري بالزمن، إنما يدري بالزمن الذي ~~يتتبع الأحداث، وما دام الإنسان في هذه الحالة لا يدرك الزمن، فهو صادق ~~فيما يخبر به على ظنه. لذلك يقول تعالى في آية أخرى: # قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا ~~لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العآدين # [المؤمنون: 112-113] أي: اسأل الذين يعدون الزمن ويحصونه علينا، ~~والمقصود والملائكة، فهم الذين يعرفون الأحداث، ويسجلونها من خلق آدم ~~عليه السلام وإلى الآن، ms7697 وإلى قيام الساعة. فلا يسأل عن عدد إلا من عد ~~بالفعل، أو من يمكن أن يعد، أما الشيء الذي لا يكون مظنة العد ~~والإحصاء فلا يعد، وهل عد أحد في الدنيا رمال الصحراء مثلا؟ لذلك ~~نسمع في الفكاهات: أن واحدا سأل الآخر: تعرف في السماء كم نجم؟ قال: ~~تسعة آلاف مليون وخمسمائة ألف وثلاثة وتسعون نجما، فقال الأول: أنت ~~كذاب، فقال الآخر: اطلع عدهم. لكن، لماذا يستقل الكفار الزمن فيقسمون ~~يوم تقوم الساعة ما لبثوا غير ساعة؟ وفي موضع آخر يقول عنهم: # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46]. قالوا: لأن الزمن يختلف بحسب أحوال الناس فيه، فواحد ~~يتمنى لو طال به الزمن، وآخر يتمنى لو قصر، فالوقت الذي يجمعك ومن تحب ~~يمضي سريعا وتتمنى لو طال، على خلاف الوقت الذي تقضيه على مضض مع من ~~تكره، فيمر بطيئا متثاقلا. على حد قول الشاعر: # حادثات السرور توزن وزنا # والبلايا تكال بالقفزان # ويقول آخر: # ودع الصبر محب ودعك # ذائع من سره ما استودعك # يقرع السن على أن لم يكن # زاد في تلك الخطى إذ شيعك # إلى أن يقول: # إن يطل بعدك ليلى فلكم # بت أشكو قصر الليل معك # ففي أوقات السرور، الزمن قصير، وفي أوقات الغم الزمن طويل ثقيل، ألم ~~تسمع للذي يقول - لما جمع الليل شمله بمن يحب: # يا ليل طل يا نوم زل # يا صبح قف لا تطلع # كذلك الذي ينتظر سرورا يستبطىء الزمن، ويود لو مر سريعا ليعاين ~~السرور الذي ينتظره، أما الذي يتوقع شرا أو ينتظره فيود لو طال الزمن ~~ليبعده عن الشر الذي يخافه. # لذلك نجد المؤمنين يودون لو قصر الزمن لأنهم واثقون من الخير الذي ~~ينتظرهم والنعيم الذي وعدوا به، أما المجرمون فعلى خلاف ذلك، يودون ~~لو طال الزمن ليبعدهم عما ينتظرهم من العذاب لذلك يقولون ما لبثنا في ~~الدنيا إلا قليلا ويا ليتها طالت بنا. إما لأنهم لا يدرون بالزمن ~~ويقولون حسب ظنهم، أو لأنهم يريدون شيئا يبعد عنهم العذاب. إذن: ms7698 ~~أقسموا ما لبثوا غير ساعة، إما على سبيل الظن، أو لأن الغافل عن الأحداث ~~لا يدري بالزمن، ولا يستطيع أن يحصيه، كالعزير الذي أماته الله مائة ~~عام ثم بعثه # قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم.. # [البقرة: 259] فأخبره ربه أنه لبث مائة عام # قال بل لبثت مئة عام.. # [البقرة: 259]. والذي لا شك فيه أن الله تعالى صادق فيما أخبر به، ~~وكذلك العزير كان صادقا في حكمه على الزمن لذلك أقام الحق - سبحانه ~~وتعالى - الدليل على صدق القولين فقال: # فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه.. # [البقرة: 259] والطعام لا يتغير في يوم أو بعض يوم، فقام الطعام والشراب ~~دليلا على صدق الرجل. ثم قال سبحانه # وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر ~~إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما.. # [البقرة: 259]. فقامت العظام البالية دليلا على صدقه تعالى في المائة ~~عام. ولا تقل: كيف نجمع بين صدق القولين؟ لأن الذي أجرى هذه المسألة رب، ~~هو سبحانه القابض الباسط، يقبض الزمن في حق قوم، ويبسطه في حق ~~آخرين. وهذه الآية { ويوم تقوم الساعة.. } [الروم: 55] جاءت ~~بعد إعذار الله للكافرين برسله، ومعنى إعذارهم أي: إسقاط عذرهم في أنه ~~سبحانه لم يبين لهم أدلة الإيمان في قمته بإله واحد، وأدلة الإيمان ~~بالرسول بواسطة المعجزات حتى يؤمنوا بآيات الأحكام في: افعل، ولا تفعل. ~~فالآيات كما قلنا ثلاث: آيات تثبت قمة العقيدة، وهو الإيمان بوجود الإله ~~القادر الحكيم، وآيات تثبت صدق البلاغ عن الله بواسطة رسله، وهذه هي ~~المعجزات، وآيات تحمل الأحكام. والحق سبحانه لا يطلب من المؤمنين به أن ~~يؤمنوا بأحكامه في: افعل ولا تفعل إلا إذا اقتنعوا أولا بالرسول ~~المبلغ عن الله بواسطة المعجزة، ولا يمكن أن يؤمنوا بالرسول المبلغ ~~عن الله إلا إذا ثبت عندهم وجود الله، ووجود الله ثابت في آيات الكون. ~~لذلك دائما ما يعرض علينا الحق سبحانه آياته في الكون، لكن يعرضها ~~متفرقة، فلم يصبها علينا صبا، إنما يأتي بالآية ثم يردفها بما حدث ~~منهم من التكذيب والنكران، فيأتي بالآية ms7699 ونتيجتها منهم، ذلك ليكرر ~~الإعذار لهم في أنه لم يعد لهم عذر في ألا يؤمنوا. فنلحظ هذا ~~التكرار في قوله سبحانه: # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم ~~من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من ~~فضله ولعلكم تشكرون # [الروم: 46]. ثم يذكر أن هذه الآيات لم تجد معهم: # ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ~~فجآءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا ~~وكان حقا علينا نصر المؤمنين # [الروم: 47]. ثم يسوق آية أخرى: # الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه ~~في السمآء كيف يشآء ويجعله كسفا فترى الودق ~~يخرج من خلاله فإذآ أصاب به من يشآء من ~~عباده إذا هم يستبشرون * وإن كانوا من قبل أن ~~ينزل عليهم من قبله لمبلسين * فانظر إلى ~~آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتهآ إن ~~ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير # [الروم: 48-50]. ثم يذكر سبحانه ما كان منهم بعد كل هذه الآيات: # ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من ~~بعده يكفرون # [الروم: 51]. وهكذا يذكر الحق سبحانه الآية، ويتبعها بما حدث منهم من ~~نكران، ويكررها حتى لا تبقى لهم حجة للكفر، ثم تأتي هذه الآية: { ~~ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة.. } [الروم: 55] لتقول لهم: إن كنتم قد كذبتم بكل هذه ~~الآيات، فستأتيكم آية لا تستطيعون تكذيبها هي القيامة. وعجيب أن ~~يقسموا بالله في الآخرة ما لبثوا غير ساعة، وقد كفروا به سبحانه في ~~الدنيا. وفي الآية جناس تام بين كلمة الساعة الأولى، والساعة الثانية، ~~فاللفظ واحد لكن المعنى مختلف { ويوم تقوم الساعة.. } [الروم: ~~55] أي: القيامة { يقسم المجرمون ما لبثوا غير ~~ساعة.. } [الروم: 55] أي: من الوقت، ومن ذلك قول الشاعر: # رحلت عن الديار لكم أسير # وقلبي في محبتكم أسير # أي: مأسور. ولي أنا وزميلي الدكتور محمد عبد المنعم خفاجة - أطال الله ~~بقاءه - قصة مع الجناس، ففي إحدى حصص البلاغة، قال الأستاذ: لا يوجد في ~~القرآن جناس تام إلا في هذه الآية بين ساعة وساعة، لكن يوجد فيه جناس ~~ناقص، فرفع الدكتور محمد ms7700 أصبعه وقال: يا أستاذ أنا لا أحب أن يقال: في ~~القرآن شيء ناقص. فضحك الشيخ منه وقال له: إذن ماذا نقول؟ وقد قسم أهل ~~البلاغة الجناس إلى تام وناقص: الأول تتفق فيه الكلمتان في عدد الحروف ~~وترتيبها وشكلها، فإن اختلف من ذلك شيء فالجناس بينهما ناقص، كما في قوله ~~تعالى: # ويل لكل همزة لمزة # [الهمزة: 1] فبين همزة ولمزة جناس ناقص لأنهما اختلفا في الحرف الأول. ~~أذكر أن الشيخ أشار إلي وقال: ما رأيك فيما يقول صاحبك؟ فقلت: نسميه ~~جناس كل، وجناس بعض، يعني: تتفق الكلمتان في كل الحروف أو في بعضها، ~~وبذلك لا نقول في القرآن: جناس ناقص. فقولهم { ما لبثوا غير ~~ساعة.. } [الروم: 55] أي: الساعة الزمنية التي نعرفها، والزمن له ~~مقاييس: ثانية، ودقيقة، وساعة، ويوم، وأسبوع، وشهر، وسنة، وقرن، ودهر، ~~وهم يقصدون الساعة الزمنية المعروفة لنا. # إذن: فهم يقللون مدة مكثهم في الدنيا أو في القبور لما فاجأتهم ~~القيامة، وقد أخبرناهم وهم في سعة الدنيا أن متاع الدنيا قليل، وأنها ~~قصيرة وإلى زوال، فلم يصدقوا والآن يقولون: إنها كانت مجرد ساعة، ولم ~~يقولوا حتى شهر أو سنة، فكيف تستقل ما سبق أن استكثرته، وظننت أنك خالد ~~فيه حتى قلت # ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنآ إلا الدهر.. # [الجاثية: 24]. ففي الدنيا كذبتم وأنكرتم، ولم تستجيبوا لداعي ~~الإيمان، أما الآن في الآخرة فسوف تستجيبون استجابة مصحوبة بحمده تعالى، ~~كما قال سبحانه: # يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده.. # [الإسراء: 52] أي: تقولون الحمد لله والإنسان لا يحمد إلا على شيء ~~محبوب. ثم يقول سبحانه: { كذلك.. } [الروم: 55] أي: كهذا الكذب { ~~كانوا يؤفكون } [الروم: 55] والإفك من أفك إفكا، أي: صرف ~~الشيء عن وجهه لذلك سمي الكذب إفكا لأن الكاذب يخبر بقضية تخالف ~~الواقع، فيأتي بها على غير وجهها، أو يوجدها وهي غير موجودة، أو ينكر ~~وجودها. ومنه قوله تعالى: # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53] وهي القرى التي قلبها الله، فجعل عاليها سافلها. فقوله { ~~كذلك.. } [الروم: 55] أي: كهذا الإفك كانوا يؤفكون، يعني: يكذبون ~~الرسل في الحقائق التي ms7701 جاءوا بها من قبل ربهم. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وقال الذين أوتوا العلم... }. ### || [30.56] # قال هنا { العلم والإيمان.. } [الروم: 56] فهل العلم ينافي ~~الإيمان؟ لا، لكن هناك فرق بينهما، فالعلم كسب، والإيمان أنت تؤمن ~~بالله وإن لم تره. إذن: شيء أنت تراه وتعلمه، وشيء يخبرك به غيرك بأنه ~~رآه، فآمنت بصدقه فصدقته، فهناك تصديق للعلم وتصديق للإيمان لذلك ~~دائما يقال: الإيمان للغيبية عنك، أما حين يقوى إيمانك، ويقوى ~~يقينك يصير الغيب كالمشاهد بالنسبة لك. وقد أوضحنا هذه المسألة في ~~الكلام عن قوله تعالى في خطابه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. فقال: ألم تر مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد عام ~~الفيل، ولم يتسن له رؤية هذه الحادثة، قالوا: لأن إخبار الله له أصدق ~~من رؤيته بعينه. فقوله: { أوتوا العلم والإيمان.. } [الروم: ~~56] لأن العلم تأخذه أنت بالاستنباط والأدلة... الخ، أو تأخذه ممن يخبرك ~~وتصدقه فيما أخبر، # " لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل الصحابي: " كيف أصبحت "؟ قال: ~~أصبحت مؤمنا حقا، قال: " لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك "؟ يعني: ~~ما مدلول هذه الكلمة التي قلتها؟ فقال الصحابي: عزفت نفسي عن الدنيا، ~~فاستوى عندي ذهبها، ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ~~ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون - يريد أن يقول لرسول ~~الله: لقد أصبحت وكأني أرى ما أخبرتنا به - فقال له رسول الله: " عرفت ~~فالزم ". # لكن، من هم الذين أوتوا العلم؟ هم الملائكة الذين عاصروا كل شيء، لأنهم ~~لا يموتون، أو الأنبياء لأن الذي أرسلهم أخبره، أو المؤمنون لأنهم ~~صدقوا الرسول فيما أخبر به. وقال { أوتوا العلم.. } [الروم: 56] ~~ولم يقل: علموا، كأن العلم ليس كسبا، إنما إيتاء من عالم أعلم منك ~~يعطيك. فإن قلت: أليس للعلماء دور في الاستدلال والنظر في الأدلة؟ ~~نقول: نعم، لكن من نصب لهم هذه الأدلة؟ إذن: فالعلم عطاء من الله. ثم ~~يقول سبحانه: { لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم ~~البعث.. } [الروم: 56] يعني: مسألة ms7702 مرسومة ومنضبطة في اللوح المحفوظ ~~إلى يوم البعث { فهذا يوم البعث.. } [الروم: 56] الذي كنتم ~~تكذبون به، أما الآن فلا بد أن تصدقوا فقد جاءكم شيء لا تقدرون ~~على تكذيبه لأنه أصبح واقعا ومن مصلحتكم أن يقبل عذركم، لكن لن يقبل ~~منكم، ولن نسمع لكم كلاما لأننا قدمنا الإعذار سابقا. وقوله تعالى: { ~~ولكنكم كنتم لا تعلمون } [الروم: 56] في أول الآية قال: ~~{ أوتوا العلم.. } [الروم: 56] فنسب العلم إلى الله، أما هنا ~~فنسبه إليهم لأن الله تعالى نصب لهم الأدلة فلم يأخذوا منها شيئا، ونصب ~~لهم الحجج والبراهين والآيات فغفلوا عنها، إذن: لم يأخذوا من الدلائل ~~والحجج ما يوصلهم إلى العلم. ثم يقول الحق سبحانه: { فيومئذ ~~لا ينفع الذين... }. ### || [30.57] # قوله { فيومئذ.. } [الروم: 57] أي: يوم قيام الساعة { لا ينفع ~~الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون } ~~[الروم: 57] أي: لا يقبل منهم عذر، ومعنى { ظلموا.. } [الروم: 57] ~~أي: ظلموا أنفسهم، والظالم يلجأ إلى الظلم لأنه يريد أن يأخذ من الغير ما ~~عجزت حركته هو عن إدراكه. فالظلم أن تأخذ نتيجة عرق غيرك لتحوله إلى دم ~~فيك، لكن دمك إن لم يكن من عرقك فهو دم فاسد عليك، ولا تأتي منه ~~أبدا حركة إجابة في الوجود لا بد أن تكون نتيجته حركات شر لأنه دم ~~حرام، فكيف يتحرك في سبيل الحلال؟ لذلك ورد في الحديث الشريف أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلى طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما ~~أمر به المرسلين " # ، فقال: # يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ~~إني بما تعملون عليم # [المؤمنون: 51] وقال: # يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون # [البقرة: 172] ثم ذكر # " الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر ثم يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ~~ومطعمه من حرام، ومشربه من حرام، فأنى يستجاب له ". # إذن: كيف يستجاب لنا وأبعاضنا كلها غير أهل لمناجاة الله بالدعاء؟ ~~ولا يقف الأمر عند عدم قبول العذر، إنما { ولا هم يستعتبون ms7703 } ~~[الروم: 57] العتاب: حوار بلطف ودلال بين اثنين في أمر أغضب أحدهما، ~~وكان من المظنون ألا يكون، ويجب أن يعرض عليه ليصفي نفسه منه، كأن يمر ~~عليك صديق فلا يسلم عليك فتغضب منه، فإن كنت حريصا على مودته تقابله ~~وتقول: والله أنا في نفسي شيء منك، لأنك مررت فلم تسلم علي يوم كذا، ~~فيقول لك: والله كنت مشغولا بكذا وكذا ولم أرك، فيزيل هذا العذر ما ~~في نفسك من صاحبك. ونقول: عتب فلان على فلان فأعتبه أي: أزال عتابه لذلك ~~يقولون: ويبقى الود ما بقي العتاب، ويقول الشاعر: # أما العتاب فبالأحبة أخلق # والحب يصلح بالعتاب ويصدق # والهمزة في أعتب تسمى همزة الإزالة، ومنها قول الشاعر: # أريد سلوكم - أي بعقلي - والقلب يأبى # وأعتبكم وملء النفس عتبى # ومنه ما جاء في مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم لربه يوم الطائف بعد أن ~~لقي منهم ما لقي، حتى لجأ إلى حائط، وأخذ يناجي ربه: # " رب إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ ~~إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي.. إلى أن ~~يقول: لك العتبى حتى ترضى ". # يعني: يا رب إن كنت غضبت لشيء بدر مني، فأنا أريد أن أزيل عتابك ~~علي. # ومن همزة الإزالة قولنا: أعجمت الكلمة أي: أزلت عجمتها وخفاءها، ~~وأوضحت معناها، ومن ذلك نسمي المعجم لأنه يزيل خفاء الكلمات ~~ويبينها. وتقرأ في ذلك قوله تعالى: # إن الساعة آتية أكاد أخفيها.. # [طه: 15] أي: أقرب أن أزيل خفاءها بالآيات والعلامات. وهذه الكلمة { ~~يستعتبون } [الروم: 57] وردت في القرآن ثلاث مرات، ووردت مرة ~~واحدة مبنية للفاعل يستعتبون، لأنهم طلبوا إزالة عتابهم، فلم يزله ~~الله ولم يسمح لهم في إزالته، أما يستعتبون فلأنهم لم يطلبوا العتب ~~بأنفسهم، إنما جعلوا لهم شفعاء يطلبون لهم، لكن خاب ظنهم في هذه وفي ~~هذه. فالمعنى { ولا هم يستعتبون } [الروم: 57] لا يجرؤ شفيع ~~أن يقول لهم: استعتبوا ربكم، واسألوه أن يعتبكم أي: يزيل العتاب عنكم. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ولقد ضربنا للناس ms7704 في هذا... }. ### || [30.58] # وهذه الآية تعني أننا لم نترك معذرة لأحد ممن كفروا برسلهم لأننا جئنا ~~لهم بأمثال متعددة وألوان شتى من الأدلة المشاهدة ليستدلوا بها على غير ~~المشاهد ليأخذوا من مرائيهم ومن حواسهم دليلا على ما غاب عنهم. فحين ~~يريد سبحانه أن يقنعهم بأن يؤمنوا بإله واحد لا شريك له يضرب لهم هذا ~~المثل من واقع حياتهم: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا.. # [الزمر: 29]. هل يستوي عبد لسيد واحد مع عبد لعدة أسياد يتجاذبونه، إن ~~أرضي واحدا أسخط الآخرين؟ ثم يقرب المسألة بمثل من الأنفس، وليس ~~شيء أقرب إلى الإنسان من نفسه، فيقول الحق سبحانه وتعالى: # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ~~ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم فأنتم ~~فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك ~~نفصل الآيات لقوم يعقلون # [الروم: 28]. والمعنى: إذا كنتم لا تقبلون أن يشارككم مواليكم فيما ~~رزقكم الله، فتكونون في هذا الرزق سواء، فكيف تقبلون الشركة في حق الله ~~تعالى؟ وحين يريد الحق سبحانه أن يبطل شركهم وعبادتهم للآلهة يضرب لهم ~~هذا المثل # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73]. والمثل يعني أن تشبه شيئا بشيء، وتلحق خفيا بجلي، ~~لتوضحه وليستقر في ذهن السامع، كأن تشبه شخصا غير معروف بشخص معروف، ~~ويسمى هذا: مثل أو مثل، نقول: فلان مثل فلان. أما المثل فقول من ~~حكيم شاع على الألسنة، وتناقله الناس كلما جاءت مناسبته، وسبق أن ~~مثلنا لذلك بالملك الذي أرسل امرأة تخطب له أم إياس بنت عوف بن محلم ~~الشيباني، وكان اسمها عصام، فلما عادت من المهمة بادرها بقوله: ما وراءك ~~يا عصام؟ فصارت مثلا يقال في مثل هذه المناسبة مع أنه قيل في حادثة ~~مخصوصة. والمثل يقال كما هو، لا نغير فيه شيئا، فنقول: ما وراءك يا عصام ~~للمذكر وللمؤنث، وللمفرد وللمثنى وللجمع. ومن ذلك نشبه الكريم بحاتم، ms7705 ~~والشجاع بعنترة.. الخ لأن حاتما الطائي صار مضرب المثل في الكرم، ~~وعنترة في الشجاعة. وفي المثال نقول لمن يواجه بمن هو أقوى منه: إن ~~كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا، ونقول لمن لم يعد للأمر عدته: قبل ~~الرماء تملأ الكنائن. إذن: المثل قول شبه مضربه الآن بمورده، سابقا لأن ~~المورد كان قويا وموجزا لذلك حفظ وتناقلته الألسنة. والقرآن يسير على ~~أسلوب العرب وطريقتهم في التعبير وتوضيح المعنى بالأمثال حتى يضرب المثل ~~بالبعوضة، والبعض يأنف أن يضرب القرآن بجلاله وعظمته مثلا بالبعوضة، ~~وهو لا يعلم أن الله يقول: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها.. # [البقرة: 26]. وليس معنى: # فما فوقها.. # [البقرة: 26] أي: في الكبر كما يظن البعض، فيقولون: لماذا يقول فما ~~فوقها وهو من باب أولى، لكن المراد ما فوقها في الصغر وفيما ~~تستنكرونه من الضآلة، كالكائنات الدقيقة والفيروسات.. الخ. لكن، لماذا ~~يضرب الله الأمثال للناس؟ قالوا: لأن الإنسان له حواس متعددة، فهو يرى ~~ويسمع ويشم ويتذوق ويلمس.. الخ، ولو تأملت كل هذه الحواس لوجدت أن ألصق ~~شيء بالحس أن يضرب لذلك حين تريد أن توقظ شخصا من النوم فقد لا يسمع ~~نداءك فتذهب إليه وتهزه كأنك تضربه فيقوم. إذن: فالضرب هو الأثر الذي ~~لا يتخلف مدلوله أبدا، ومن ذلك قوله تعالى: # وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله.. # [المزمل: 20] أي: يؤثرون فيها تأثيرا واضحا كالحرث مثلا، وهو أشبه ~~ما يكون بالضرب. والضرب لا يكون ضربا يؤدي مهمة وله أثر إلا إذا كان ~~بحيث يؤلم المضروب، ولا يوجع الضارب، وإلا فقد تضرب شيئا بقوة فتؤلمك ~~يدك، فكأنك ضربت نفسك. وهذا المعنى فطن إليه الشاعر، فقال للذين لا ~~يؤمنون بقدر الله: # أيا هازئا من صنوف القدر # بنفسك تعنف لا بالقدر # ويا ضاربا صخرة بالعصا # ضربت العصا أم ضربت الحجر # فالحق سبحانه يضرب المثل ليشعركم به، وتحسون به حس الألم من ~~الضرب، فإذا لم يحس الإنسان بضرب المثل فهو كالذي لا يحس بالضرب ~~الحقيقي المادي، وهذا والعياذ بالله عديم ms7706 الإحساس أو مشلول الحس. ~~فالمعنى: { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من ~~كل مثل.. } [الروم: 58] يعني: أتيناهم بأمثال ودلائل لا يمكن لأحد ~~إلا أن يستقبلها كما يستقبل الضرب لأن الضرب آخر مرحلة من مراحل ~~الإدراك. وسبق أن قلنا: إن الحق سبحانه ضرب المثل لنفسه سبحانه في قوله: # الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح.. # [النور: 35]. والمثل هنا ليس لنوره تعالى كما يظن البعض، إنما مثل ~~لتنويره للكون الواسع، وهو سبحانه ينورك حسيا بالشمس وبالقمر ~~وبالنجوم، وينورك معنويا بالمنهج وبالقيم. ففائدة النور الحسي أن ~~يزيل الظلمة، وأن تسير على هدى وعلى بصيرة فتسلم خطاك واتجاهك من أن ~~تحطم ما هو أقل منك أو يحطمك ما هو أقوى منك، والمحصلة ألا تضر الأضعف ~~منك، وألا يضرك الأقوى منك. كذلك النور المعنوي، وهو نور القيم والمنهج ~~يمنعك أن تضر غيرك، ويمنع غيرك أن يضرك، وكما ينجيك النور الحسي من ~~المعاطب الحسية كذلك ينجيك نور القيم من المعاطب المعنوية. لذلك يقول ~~سبحانه بعد أن ضرب لنا هذا المثل: # نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء ويضرب ~~الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم # [النور: 35]. وسبق أن ذكرنا ما كان من مدح أبي تمام لأحد الخلفاء: # إقدام عمرو في سماحة حاتم # في حلم أحنف في ذكاء إياس # فقال أحد حساده على مكانته من الخليفة: أتشبه الخليفة بأجلاف العرب؟ ~~فأطرق هنيهة، ثم أكمل على نفس الوزن والقافية: # لا تنكروا ضربي له من دونه # مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة والنبراس # الأعجب من هذا أنهم أخذوا الورقة التي معه، فلم يجدوا فيها هذين ~~البيتين، وهذا يعني أنه ارتجلهما لتوه، وقد قلت: والله لو وجدوا هذه ~~الأبيات معدة معه لما قلل ذلك من شأنه، بل فيه دلالة على ذكائه ~~واحتياطه لأمره وتوقعه لما قد يقوله الحساد والحاقدون عليه. لكن لم تجد ~~هذه الأمثال ولم ينتفعوا بها، وليت الأمر ينتهي عند هذا الحد بل: { ~~ولئن جئتهم بآية.. } [الروم: 58] أي: ms7707 جديدة { ليقولن ~~الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون } [الروم: 58] ~~فيتهمون الرسل في بلاغهم عن الله بأنهم أهل باطل وكذب. والحق سبحانه ~~يحتج على الناس في أنه لم يجبهم إلى الآيات التي اقترحوها لأن السوابق ~~مع الأمم التي كذبت الرسل تؤيد ذلك، فقد كانوا يطلبون الآيات، فيجيبهم ~~الله إلى ما طلبوا، فما يزدادون إلا تكذيبا. لذلك يقول سبحانه: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون.. # [الإسراء: 59]. فالأمر لا يتعدى كونهم يريدون إطالة الإجراءات وامتداد ~~الوقت في جدل لا يجدي، ثم إن في إجابتهم إلى ما طلبوا رغم تكذيبهم ~~بالآيات السابقة احتراما لعدم إيمانهم، ودليلا على أن الآيات السابقة ~~كانت غير كافية، بدليل أنه جاءهم بآية أخرى، إذن: فعدم مجيء الآيات يعني ~~أن الآيات السابقة كانت كافية للإيمان لكنهم لم يؤمنوا لذلك لن نجيبهم في ~~طلب آيات أخرى جديدة. وهذه القضية واضحة في جدل إبراهيم - عليه السلام - ~~مع النمروذ في قوله تعالى: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه ~~الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت قال أنا أحيي وأميت.. # [البقرة: 258]. وعندها شعر إبراهيم عليه السلام بأن خصمه يميل إلى ~~الجدل والسفسطة، وأنه يريد إطالة أمد الجدل، ويريد تضييع الوقت في أخذ ~~ورد لذلك أضرب عن هذه الحجة - مع أن خصمه لا يميت ولا يحيى على ~~الحقيقة - وألجأه إلى حجة أخرى لا يستطيع منها فكاكا، ولا يجد معها ~~سبيلا للمراوغة فقال: # فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها ~~من المغرب.. # [البقرة: 258] فماذا يقول هذا المعاند؟ # فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين # [البقرة: 258]. كذلك كان فرعون يلجأ إلى هذا الأسلوب في حواره مع موسى ~~وهارون عليهما السلام، ففي كل موقف كان يقول: # فمن ربكما يموسى # [طه: 49] إنه الجدل العقيم، يلجأ إليه من أفلس، فلم يجد حجة يستند ~~إليها. ونلحظ في أسلوب الآية صيغة الإفراد في { ولئن جئتهم ~~بآية.. } [الروم: 58] ثم تنتقل إلى صيغة الجمع في { إن أنتم ~~إلا مبطلون } [الروم: 58] فلم يقولوا ms7708 لرسولهم مثلا: أنت مبطل، ~~فلماذا؟ قالوا: لأن الرسول حين يكذبه قومه فيقولون: أنت مبطل، فلعل من ~~أتباعه المؤمنين به من يدافع عنه ويشهد بصدقه، فجاءت صيغة الجمع لتفيد ~~الشمول، فكأنهم يقولون: أنت مبطل وكل من يتشدد لك. # أو: يكون المعنى { إن أنتم.. } [الروم: 58] يعني: كل الرسل { ~~مبطلون } [الروم: 58] أي: كاذبون تختلقون من عند أنفسكم وتقولون: هو ~~من عند الله. وعجيب من هؤلاء أن يؤمنوا بالله ويكذبوا رسله، ككفار مكة ~~الذين شمتوا في رسول الله حين فتر عنه الوحي فقالوا: " إن رب محمد قلاه ~~". وهم لا يدرون أن الوحي كان يجهد رسول الله، وكان يشق عليه في بداية ~~الأمر، حتى جاء زوجه خديجة يقول: زملوني زملوني، دثروني دثروني، وكان ~~جبينه يتفصد عرقا، وكان صلى الله عليه وسلم يقول عن الملك: # " وضمني حتى بلغ مني الجهد ". # وما ذاك إلا لالتقاء الملكية بالبشرية لذلك كان جبريل عليه السلام يتمثل ~~لسيدنا رسول الله في صورة بشر، ليس عليه غبار السفر ولا يعرفه أحد، كما ~~جاء لرسول الله وهو في مجلس الصحابة يسأله عن الإيمان والإسلام والإحسان. ~~إذن: مسألة فتور الوحي وانقطاعه مدة عن رسول الله أراد الله به أن يستريح ~~رسول الله من مشقة الوحي حتى يزول عنه الألم والعناء، وعندها يشتاق للوحي ~~من جديد، ويهون عليه فيتحمله ويصير له دربة على تلقيه من الملك، فشوق ~~الإنسان إلى الشيء يجعله يتحمل المشاق في سبيله، ويهون عليه الصعاب، ~~كالذي يسير إلى محبوبه فلا يبالي حتى لو سار على الشوك، أو اعترضته ~~المخاوف والأخطار. والوحي لقاء بشري بملكي، فإما أن ينتقل الرسول إلى ~~مرتبة الملك، أو ينتقل الملك إلى مرتبة البشر، وهذا التقارب لم يحدث في ~~بداية نزول الوحي فأجهد رسول الله واحتاج إلى هذه الراحة بانقطاع الوحي. ~~لذلك يقول سبحانه: # ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك # [الشرح: 2-3] أي: جعلناه خفيفا لا يجهدك، ويقول سبحانه في الرد عليهم: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى # [الضحى: 1-3]. فعجيب أن يقولوا: " إن رب محمد ms7709 قلاه " فيعترفون برب محمد ~~ساعة الشدة والضيق الذي نزل به، فأشمتهم فيه حتى قالوا: إن رب محمد جفاه، ~~فلما وصله ربه بالوحي ودعاهم إلى الإيمان كفروا وكذبوا. ### || [30.59] # قوله سبحانه: { كذلك.. } [الروم: 59]. أي: كتكذيبهم لكل آية تأتيهم ~~بها { يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون } ~~[الروم: 59]. أي ختمها وأغلقها. فإن قلت: فمن المصلحة أن تظل قلوبهم ~~مفتوحة لعلها تستقبل شيئا من الهداية والنور. نقول: الختم على قلوب ~~هؤلاء لا يكون إلا بعد استنفاد كل وسائل الدعوة، فلم يستجيبوا فلا أمل ~~في هدايتهم ولا جدوى من سماعهم. والحق - سبحانه وتعالى - رب يعين عبده ~~على ما يحب ويلبي له رغبته، حتى وإن كانت الكفر، وهؤلاء أرادوا الكفر ~~وأحبوه، فأعانهم الله على ما أرادوا، وختم على قلوبهم حتى لا يدخلها ~~إيمان، ولا يفارقها كفر. لذلك سبق أن حذرنا أصحاب المصائب، أو الذين ~~يفقدون عزيزا، حذرناهم أن يستديموا الحزن، وأن يألفوه مخافة أن ~~يوافقكم الله على هواكم في محبة الحزن وعشقه، فتتوالى عليكم الأحزان ~~وتتتابع المصائب، إياكم ان تدعوا باب الحزن مواربا، بل أغلقوه بمسمار ~~الرضا، فالحزن إن ظل بك فلن يدع لك حبيبا. وكذلك نقول: إن شغل عنك ~~شخص فلا تذكره بنفسك، بل أعنه على هجرك، وساعده بألا تذكره. ~~فإذا قلت: إذا كان الحق سبحانه قد وصفهم بأنهم لا يعلمون، فلماذا يختم ~~على قلوبهم، ولماذا يحاسبهم؟ نقول: لأن عدم العلم نتيجة تقصيرهم، فالحق ~~سبحانه أقام لهم الأدلة والآيات الكونية الدالة على وجوده تعالى، فلم ~~ينظروا في هذه الآيات ولم يستدلوا بالأدلة على وجود الخالق القادر ~~سبحانه، وضرورة البلاغ من الله، إذن: فعدم علمهم نتيجة غفلتهم وتقصيرهم. ~~لكن، ماذا بعد أن كذبوا الرسل وأنكروا الآيات، أتتوقف مسيرة الدعوة، ~~لأنهم صموا آذانهم عنها؟ لقد خلق الله الكون ونثر فيه الآيات التي تدل ~~على وجود الإله الواحد الأحد، وجعل فيه المعجزات التي تثبت صدق الرسل ~~في البلاغ عن الله، والحق سبحانه لا ينتفع بهذه الآيات لأن ملكه تعالى ~~لا يزيد بطاعتنا، ولا ينقص بمعاصينا، فالمسألة تعود ms7710 إلينا نحن أولا ~~وآخرا، إذن: فالحسم في هذه المسألة: دعك من هؤلاء المكذبين يا ~~محمد، واثبت على ما أنت عليه. ثم يقول الحق سبحانه: { فاصبر إن ~~وعد الله حق... }. ### || [30.60] # اصبر على كرههم، واصبر على لددهم وعنادهم، واصبر على إيذائهم لك ولمن ~~يؤمن بك، اصبر على هذا كله لأن العاقبة في صالحك { إن وعد الله ~~حق.. } [الروم: 60]. وقد وعد الله رسله بالنصرة والغلبة، ووعد ~~الله حق، فتأكد أن النصر آت. لكن ما دام النصر آتيا، فلماذا هذا ~~الصراع بين المؤمنين والكافرين؟ ولماذا كل هذه المشقة والعناء في سبيل ~~الدعوة؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أن يمحص أتباع محمد، وأن ~~يدربهم على مسئولية حمل أمانة الدعوة وشعلة النور من بعد رسول الله، ~~لا إلى أهل الجزيرة العربية وحدها، إنما إلى الكون كله. فلا بد أن ~~يكونوا من أهل الثبات على المبدأ الذين لا تزعزعهم الشدائد، والدليل على ~~ذلك أنهم يؤذون ويضطهدون فيصبرون، وهذه أهم صفة فيمن يعد لتحمل ~~الأمانة. لذلك نقول: إذا رأيت منهجا أو مبدأ يغدق على أصحابه أولا، ~~فاعلم أنه مبدأ باطل لأن المبدأ الحق يضحي أهله من أجله بأنفسهم ~~وبأموالهم، يعطونه قبل أن يأخذوا منه، لماذا؟ لأن صاحب المبدأ الباطل لن ~~يجد من يناصره على باطله إلا إذا أغراهم بالمال أولا واشترى ذممهم، ~~وإلا فماذا يلجئه إلى مبدأ باطل، ويحمله على اتباعه؟ إذن: لا بد أن يقبض ~~الثمن أولا. أما المبدأ الحق فيعلم صاحبه أن الثمن مؤجل للآخرة، فهو ~~ممنى بأشياء فوق هذه الدنيا يؤمن بها ويعمل من أجلها، فتهون عليه نفسه، ~~ويهون عليه ماله في سبيل هذا المبدأ. وفي رحلة الدعوة، رأينا الكثيرين ~~يتساقطون بالردة عندما تحدث لرسول الله آية أو هزة تهز الناس، وكأن ~~الشدة غربال يميز هؤلاء وهؤلاء، حتى لا يبقى تحت راية لا إله إلا الله ~~إلا الصناديد الأقوياء القادرون على حمل هذا اللواء إلى العالم كله. ~~فالله يقول لنبيه: اصبر على تكذيبهم وعلى إنكارهم وعلى ائتمارهم عليك، ~~فنحن مؤيدوك، ولن نتخلى عنك، وقد ms7711 وضح لك هذا التأييد حين جاهروك فانتصرت ~~على جهرهم وبيتوا لك في الخفاء فانتصرت على تبييتهم، واستعانوا حتى ~~بالجن ليفسدوا عليك أمرك، ففضح الله تدبيرهم ونجاك منهم. إذن: فاطمئن، ~~فنحن لهم بالمرصاد، ولن نسلمك أبدا، بل وسوف نريك فيهم ما يستحقون من ~~العقاب في الدنيا، وتراه بعينك، أو في الآخرة بعد موتك: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. ومن هذا العقاب الذي نزل بهم في الدنيا ورآه سيدنا رسول ~~الله ما حاق بهم يوم بدر من قتل وأسر وتشريد، وقلنا: إن عمر رضي الله ~~عنه وما أدراك ما عمر، فقد كان القرآن ينزل على وفق رأيه، ومع ذلك لما ~~نزلت: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] تعجب وقال: أي جمع هذا الذي سيهزم، ونحن عاجزون حتى عن ~~حماية أنفسنا، فلما كانت بدر، ورأى ما رأى قال: صدق الله # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. وقوله تعالى: { إن وعد الله حق.. } [الروم: ~~60] الوعد: هو البشارة بخير لم يأت زمنه الآن، وفرق بين الوعد بالخير ~~من إنسان، والوعد من الله تعالى، فوعدك قد يختلف لأنك ابن أغيار، ولا ~~تملك كل عناصر الوفاء بالوعد، وربما جاء وقت الوفاء فلم تقدر عليه أو ~~تتغير نفسك من ناحيته فتبخل عليه، أو تراه لا يستحق... إلخ. إذن: ~~الأغيار التي تنتابك أو تنتابه أو تنتاب قيمة ما تؤديه من الخير موجودة، ~~وقد تحول بينك وبين الوفاء بما وعدت. لذلك يعلمنا الحق سبحانه أن ~~نحتاط لهذا الأمر، فيقول سبحانه: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24] فاربط فعلك بمشيئة الله التي تيسر لك الفعل، ولا ~~ينبغي أن تجزم بشيء أنت لا تملك شيئا من أسبابه. قلنا: هب أنك ~~قلت: سألقاك غدا في المكان الفلاني، وسأعطيك كذا وكذا، فأنت قلت هذه ~~المقولة ووعدت هذا الوعد وأنت لا تضمن أن تعيش لغد، ولا تضمن أن يعيش ~~صاحبك، وإن عشتما لغد فقد يتغير رأيك، أو يصيبك شيء يعوقك عن الوفاء، ~~إذن: فقولك إن ms7712 شاء الله يحميك أن توصف بالكذب في حالة عدم الوفاء ~~لأنك وعدت ولم يشأ الله، فلا دخل لك في الأمر. فالوعد الحق يأتي ~~ممن؟ من الذي يملك كل أسباب الوفاء، ولا يمنعه عنه مانع. وقوله ~~تعالى: { ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } [الروم: 60] ~~خف الشيء: لم يعد له ثقل، واستخف غيره: طلب منه أن يكون خفيفا، ~~فمثلا حين تقسو على شخص يأتي آخر فيقول لك: خف عنه. واستخفه مثل ~~استفزه يعني: حركه وذبذبه من ثباته، فإن كان قاعدا مثلا هب ~~واقفا. لذلك نقول في مثل هذه المواقف خليك ثقيل.. فلان بيستفزك يعني: ~~يريد أن يخرجك عن حلمك وثباتك.. متبقاش خفيف.. إلخ ونقول للولد فز ~~يعني قف انهض، ومنه قوله تعالى # واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب ~~عليهم بخيلك ورجلك.. # [الإسراء: 64]. إذن: فالمعنى استخفه: حمله على الخفة وأن يتحول عن ~~الثبات الذي هو عليه. فالمعنى: إياك يا محمد أن يستفزك القوم، أو ~~يخرجوك عن ثباتك، فتتصادم معهم، لكن ظل على ثباتك في دعوتك ولا تقلق ~~لأن الله وعدك بالنصرة ووعد الله حق. والحق سبحانه ساعة يرخي ~~العنان لمن كفر به إنما يريد أن يخرج كل ما عندهم حتى لا يبقى لهم ~~عذر، ثم يقابلهم ببعض ما عنده مما يستحقون في الدنيا، والباقي سيرونه في ~~الآخرة. # والله يقول: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. ومن سيرة الإمام علي - رضي الله عنه وكرم الله ~~وجهه - علمنا أنه ابتلي بجماعتين: الخوارج الذين يكفرونه، والشيعة ~~الذين يؤلهونه ويصلون به إلى درجة النبوة، حتى صدق فيه قول رسول الله: # " هلك فيك اثنان: محب غال، ومبغض قال ". # ويروى أنه - رضي الله عنه - كان يصلي يوما الفجر بالناس، فلما قرأ: ولا ~~الضالين اقترب منه أحد الخوارج وقرأ: # ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن ~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين # [الزمر: 65] يريد أن يقول له: أنت كافر ولن يقبل منك عملك. وسرعان ما ~~فطن علي لما أراده الرجل، فقرأ بعدها ms7713 مباشرة: { فاصبر إن وعد ~~الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } ~~[الروم: 60] يعني: لن تخرجني عن ثباتي وحلمي ولن تستفزني. والعظمة ~~في هذا الموقف أن يرد عليه لتوه بالقول الشافي من كتاب الله دون سابق ~~إعداد أو ترتيب، ولم لا، وهو علي بن أبي طالب الذي أوتي باعا طويلا ~~في البلاغة والفصاحة والحجة. ومعنى: { الذين لا يوقنون } ~~[الروم: 60] من اليقين، وهو الإيمان الثابت الذي لا يتزعزع، فيصير عقيدة ~~في القلب لا تطفو إلى العقل لتناقش من جديد. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1] # { الم } سبق أن فصلنا القول في الحروف المقطعة في بدايات السور، ~~وذكرنا كل ما يمكن أن يقوله بشر، وبعد هذا كله نقول: والله أعلم بمراده ~~لأننا مهما أوتينا من العلم فلن نصل إلى غاية هذه الحروف، وسيظل فيها من ~~المعاني ما نعجز نحن عن الوصول إليه. فإن قلت: فما فائدة هذه الحروف ~~المقطعة إن كانت غير معلومة المعنى؟ نقول: نحن نناقشكم بالعقل وبالمنطق، ~~فالقرآن نزل بأسلوب عربي، وتحدى العرب وهم أهل الفصاحة والبلاغة والبيان ~~وأصحاب التعبير الجميل والأداء الرائع، ونزل في قريش التي جمعت في لغتها ~~كل لغات القبائل العربية، وقد خرج منها صناديد كذبوا محمدا، وكفروا ~~بدعوته، فهل سمعنا منهم من يقول مثلا: ما معنى الم أو حم. والله لو ~~كان فيها مطعن ما تركوه، إذن: فهذا دليل على أنهم فهموا هذه الحروف، ~~وعرفوا أن لها معنى أبسطها أن نقول: هي من حروف التنبيه التي كان ~~يستخدمها العرب في كلامهم، فهي مثل ألا في قول الشاعر: # ألا هبي بصحنك فاصبحينا # ولا تبق خمور الأندرينا # فألا أداة للتنبيه، وتأتي أهمية التنبيه في أول الكلام من أن المتكلم ~~يملك زمام منطقه فيرتبه ويعده، ويدير المسائل بنسب ذهنية في ذهنه، لكن ~~السامع قد يكون غافلا، فيفاجأ بالكلام دون استعداد، فيفوته منه شيء، ~~فتأتي حروف التنبيه لتخرجه من غفلته، وتسترعي انتباهه، فلا يفوته من ~~كلامك شيء، إذن: أبسط ما يقال في هذه الحروف أنها للتنبيه على طريقة ~~العرب في كلامهم. وسبق أن ms7714 بينا أن القرآن مبني كله على الوصل في ~~آياته وسوره، بل في آخره وأوله نقول: من الجنة والناس بسم الله الرحمن ~~الرحيم الحمد لله رب العالمين وكذلك في الآيات والسور. وكأن الله تعالى ~~يريد منك ألا تفصل آية من القرآن عن التي بعدها لذلك يقولون عن قارئ ~~القرآن: هو الحال المرتحل، فهو حال في آية أو سورة، مرتحل إلى التي ~~تليها. إذن: الوصل سمة عامة في القرآن كله لا يستثنى من ذلك إلا ~~الحروف المقطعة في بدايات السور، فهي قائمة على القطع، فلا نقول هنا ألف ~~لام ميم، لكن نقول ألف لام ميم، فلماذا اختلفت هذه الحروف عن السمة ~~العامة للقرآن كله؟ قالوا: ليدلك على أن الألف أو اللام أو الميم، لكل ~~منها معناه المستقل، وليست مجرد حروف كغيرها من حروف القرآن لذلك خالفت ~~نسق القرآن في الوصل لأن لها معنى مستقلا تؤديه. ويفسر هذا قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا ~~أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ". # ثم يقول الحق سبحانه: { تلك آيات الكتاب... }. ### || [31.2] # تلك: اسم إشارة للمؤنت مثل ذلك للمذكر، وهي عبارة عن التاء للإشارة، ~~واللام للبعد، سواء أكان في المكان أو في المكانة والمنزلة، ثم الكاف ~~للخطاب، وتأتي بحسب المخاطب مذكرا أو مؤنثا، مفردا أو مثنى أو جمعا. ~~فتقول في خطاب المفرد المذكر: تلك. وللمفردة المؤنثة: تلك. وللمثنى ~~تلكما.. إلخ، ومن ذلك قول امرأة العزيز في شأن يوسف عليه السلام: # فذلكن الذي لمتنني فيه.. # [يوسف: 32] فذا اسم إشارة ليوسف، واللام للبعد وكن ضمير لمخاطبة ~~جمع المؤنث. ويقول تعالى في خطاب موسى: # فذانك برهانان من ربك.. # [القصص: 32] أي اليد والعصا، فذان اسم إشارة للمثنى، والكاف للخطاب. ~~والإشارة هنا { تلك آيات.. } [لقمان: 2] لمؤنث وهي الآيات، والمخاطب ~~سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته تبع له، والقرآن الكريم مرة ~~يشير إلى الآيات، ومرة يشير إلى الكتاب نفسه، فيقول: الكتاب أو الفرقان، ~~أو ms7715 القرآن ولكل منها معنى. فالكتاب دل على أنه يكتب وتحويه السطور، ~~والقرآن دل على أنه يقرأ وتحويه الصدور، أما الفرقان فهذه هي المهمة ~~التي يقوم بها: أن يفرق بين الحق والباطل. وهنا قال: { تلك آيات ~~الكتاب الحكيم } [لقمان: 2] فوصفه بالحكمة، أما في أول البقرة ~~فقال: # ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى.. # [البقرة: 2] فلم يوصف بالحكمة، إنما نفى عنه أن يكون فيه ريب. أي: شك. ~~وكلمة # لا ريب فيه.. # [البقرة: 2] تؤكد لنا صدق الرسول في البلاغ عن الله، وصدق الملك ~~الذي حمله من اللوح المحفوظ إلى رسول الله، وقد مدحه الله بقوله # ذي قوة عند ذي العرش مكين # [التكوير: 20]. وقال عن سيدنا رسول الله في شأن تبليغ القرآن # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 44-46]. إذن: فالقرآن كما نزل من عند الله، لم يغير فيه ~~حرف واحد، وسيظل كذلك محفوظا بحفظ الله له إلى أن تقوم الساعة، وسنظل ~~نقرأ # لا ريب فيه.. # [البقرة: 2]. ويقرؤها من بعدنا إلى قيام الساعة، فقد حكم الحق سبحانه ~~بأنه لا ريب في هذا القرآن منذ نزل إلى قيام الساعة، فإن شككونا في شيء ~~من كتاب ربنا فعلينا أن نقرأ: # ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين # [البقرة: 2]. فهذه قضية حكم الله بها، وهي ممتدة وباقية ما بقيت ~~الدنيا، كما سبق أن قلنا ذلك في قوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم.. # [فصلت: 53]. فالآية تستوعب المستقبل كله، مستقبل من عاصر نزول القرآن، ~~ومستقبل من يأتي بعد إلى قيام الساعة، بل مستقبل من تقوم الساعة ~~عليه. فالقرآن لم ينزله الله ليفرغ كل أسراره وكل معجزاته في قرن ~~واحد، ولا في أمة واحدة، ثم يستقبل القرون والأمم الأخرى دون عطاء، الله ~~يريد للقرآن أن يظل جديدا تأخذ منه كل الأمم وكل العصور، وتقف على ~~أسراره ومعجزاته وآياته في الكون. # ومعنى { الكتاب الحكيم } [لقمان: 2] الكتاب لا يوصف بالحكمة ~~إنما يوصف بالحكمة من يعلم، فالمعنى: الكتاب الحكيم أي: الموصوف ~~بالحكمة، أو الحكيم قائله، ms7716 أو الحكيم منزله. ومعنى حكيم: هو الذي يضع ~~الشيء في موضعه، ولا يضع الشيء في موضعه إلا الله لأنه هو الذي يعلم ~~صدق الشيء في موضعه. أما نحن فنهتدى إلى موضع الشيء، ثم يتبين لنا ~~خطؤه في موضعه، ونضطر إلى تغييره أو تعديله ككثير من المخترعات التي ظننا ~~أنها تخدم البشرية قد رأينا مضارها، واكتوينا بنارها فيما بعد. فكل آية ~~ذكرت ناحية من نواحي كمال القرآن وجهة من جهات عظمته، إذن: فهي لقطات ~~مختلفة لشيء واحد متعدد الملكات في الكمال، وكذلك تجد تعدد الكمالات في ~~الآية بعدها: { هدى ورحمة.. }. ### || [31.3] # هنا يقول سبحانه { هدى ورحمة للمحسنين } [لقمان: 3] أما ~~في صدر سورة البقرة فيقول # هدى للمتقين # [البقرة: 2] وفرق بين المعنيين، فالتقوى تقتضي الإيمان، ومطلوب ~~الإيمان الافتراض يعني: أن تؤدي ما فرضه الله عليك. أما مطلوب الإحسان ~~ففوق ذلك، فالإحسان في الأداء أن تحسن في كمه، وأن تحسن في كيفه: ~~تحسن في كيفه بأن تستصحب مع العمل الإخلاص للمعمول له، وهو الحق سبحانه، ~~وتحسن في كمه بأن تعشق التكليف حتى تؤدي فوق ما فرض عليك، فبدل أن ~~تصلي ركعتين أن تصلي ثلاثا أو أربعا، هذا إحسان في الكم. والتقوى من ~~عجائب التأويل القرآني كما سبق أن قلنا. فالقرآن يقول اتقوا الله ويقول ~~اتقوا النار، والمعنى عند التحقيق واحد لأن اتق النار يعني: اجعل بينك ~~وبينها وقاية وحاجزا يمنعك منها، كذلك اتق الله، لا أن تجعل بينك وبين ~~ربك حاجزا لأن المؤمن دائما يكون في معية الله. إنما اجعل بينك وبين ~~صفات الجلال ومتعلقاتها من الله وقاية، اتق صفات المنتقم الجبار القهار.. ~~الخ لأنك لست مطيقا لهذه الصفات، ولا شك أن النار جندي من جند الله، ~~ومتعلق من متعلقات صفات الجلال إذن: فالمعنى واحد. والبعض يأخذون ~~بالظاهر فيقولون: كيف نتقي الله، والتقوى أن تبعد شيئا ضارا عنك؟ نقول: ~~نعم أنت تبعد عنك الكفر، وهذا هو عين التقوى، والمتقون هم الذين يحبون ~~أن يتقوا الله بألا يكونوا كافرين به، وما دام الإنسان اتقى الكفر ms7717 فهو ~~محسن ومؤمن، فالقرآن مرة يأتي باللازم، ومرة بالملزوم، ليؤدي كل منهما ~~معنى جديدا لذلك لما سئل سيدنا رسول الله عن الإحسان - في حديث جبريل ~~- قال: # " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". # فحين نوازن بين صدر سورة البقرة، وبين هذه الآية { هدى ورحمة ~~للمحسنين } [لقمان: 3] نرى أن القرآن لا يقوم على التكرار، إنما ~~هي لقطات إعجازية كل منها يؤدي معنى، وإن ظن البعض في النظرة السطحية ~~أنه تكرار، لكن هو في حقيقة الأمر عطاء جديد لو تأملته. فهنا وصف الكتاب ~~بأنه حكيم، وأنه هدى ورحمة: والهدى هو الدلالة على الخير بأقصر طريق، وقد ~~نزل القرآن لهداية قوم قد ضلوا، فلما هداهم إلى الصواب وأراهم النور أراد ~~أن يحفظ لهم هذه الهداية، وألا يخرجوا عنها فقال { ورحمة } ~~[لقمان: 3] يعني: من رحمة الله بهم ألا يعودوا إلى الضلال مرة أخرى. ~~كما في قوله سبحانه: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين # [الإسراء: 82]. فالمعنى: شفاء لمن كان مريضا، ورحمة بألا يمرض أبدا ~~بعد ذلك. ثم يقول الحق سبحانه: { الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة... }. ### || [31.4] # جاءت هذه الآية كوصف للمحسنين، فهل هذه هي كل صفاتهم، أنهم يقيمون ~~الصلاة ويؤتون الزكاة، وبالآخرة هم يوقنون؟ قالوا: لا لكن هذه الصفات هي ~~العمد الأساسية، والحق سبحانه يريد من خلقه سواسية في العبودية، وهذه ~~السواسية لا تتأتى إلا إذا تساوى الجميع. وفي الصلاة بالذات تتجلى هذه ~~المساواة، وفيها يظهر عز الربوبية وذل العبودية، وفيها منتهى الخضوع ~~لله عز وجل، ثم هي تتكرر خمس مرات في اليوم والليلة. أما الفرائض الأخرى ~~فلا تأخذ هذه الصورة، فالزكاة مثلا تجب مرة واحدة في العام # وآتوا حقه يوم حصاده # [الأنعام: 141] وتجب على القادر فقط دون غيره، كذلك الصوم والحج، فكأن ~~الصلاة هي عمدة العبادات كلها، ولشرفها ومنزلتها جعلها الله لازمة للعبد ~~ولا تسقط عنه بحال أبدا لذلك شرعت صلاة المريض والمسافر والخائف... ~~الخ. وفي الصلاة استطراق للعبودية في الخلق جميعا، حيث نخلع أقدارنا ~~حين نخلع نعالنا ms7718 على باب المسجد، ففي الصف الواحد، الرئيس والمرءوس، ~~والكبير والصغير، والرفيع والوضيع - نقصد الوضيع في نظر الناس، وربما لا ~~يكون وضيعا عند ربه - فالجميع هنا سواء، ثم حين نرى الكبار والرؤساء ~~والسادة معنا في الصفوف خاضعين لله أذلاء تزول بيننا الفوارق، ويدك في ~~نفوسهم الكبرياء، فلا يتعالى أحد في مجتمع المسلمين على أحد. ولمنزلة ~~الصلاة وأهميتها رأينا كيف أنها الفريضة الوحيدة التي فرضها الله علينا ~~بالمباشرة، أما باقي التكاليف فقد فرضت بواسطة الوحي، وسبق أن ضربنا ~~مثلا لذلك برئيس العمل حينما يأتيه أمر هام، فلا يأمر به بمكاتبة أو ~~بالتليفون، إنما يستدعي الموظف المختص إلى مكتبه، ويلقي إليه الأمر ~~مباشرة. وكذلك رسول الله استدعاه ربه إلى السماء، وأخذ حظا بالقرب من ~~الله تعالى، والله سبحانه يعلم حب الرسول لأمته وحرصه عليهم، وعلى أن ~~ينالوا هم أيضا هذا القرب من حضرته تعالى، فأجابه ربه، وجعل الصلاة ~~حضورا للعبد في حضرته تعالى، وقربا كقرب رسول الله في رحلة المعراج. ~~لذلك خاطبه ربه بقوله: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5] فقال سيدنا رسول الله: # " إذن، لا أرضى وواحد من أمتي في النار ". # وكما تحدث الصلاة استطراق عبودية تحدث الزكاة في المجتمع استطراقا ~~اقتصاديا، فيعيش الجميع الغني والفقير عيشة كريمة ميسرة، فلا يشبع ~~واحد حتى التخمة، والآخر يموت جوعا. وما بالك بمجتمع لا يتعالى فيه ~~الكبير على الصغير ولا يبخل فيه الغني على الفقير؟ إذن: في الصلاة ~~والزكاة ما يكفل سعادة المجتمع كله. وقد فرض الله الزكاة للفقراء لأن ~~الله سبحانه حين يستدعي عبد إلى كونه لا بد أن يضمن له مقومات ~~الحياة، ولم لا وأنت إذا دعوت شخصا إلى بيتك لا بد أن تكرمه، وأن ~~تعد له على الأقل ضروريات ما يلزمه فضلا عن الإكرام والحفاوة ورفاهية ~~المأكل والمشرب. # . الخ. فالله سبحانه استدعى عباده إلى الوجود مؤمنهم وكافرهم، وعليه ~~سبحانه أن يوفر لهم القوت، بل كل مقومات حياتهم، كذلك يضمن للعاجز غير ~~القادر قوته، لذلك يفرض الزكاة حقا معلوما للسائل والمحروم، فهي صلات ~~والأولى ms7719 صلاة. ولهذه المسألة قصة في الأدب العربي، فيروى أن ابن ~~المدبر وكنيته أبو الحسن، كان الشعراء يقصدونه للنيل من عطاياه، يقولون: ~~إن اللها تفتح اللها، أي: أن العطايا تفتح الأفواه بالمدح والثناء. ~~لكن، كان ابن المدبر إذا مدحه شاعر بشعر لم يعجبه يأمر رجاله أن يأخذوه ~~إلى المسجد ولا يتركوه حتى يصلي لله مائة ركعة، وبذلك خافه الشعراء ~~وتحاشوا الذهاب إليه إلا أبو عبد الله الحسين بن عبد السلام البشري، ذهب ~~إليه وقال: عندي شعر أحب أن أنشده لك. فقال: أتدري ما الشرط؟ قال: نعم، ~~قال: قل ما عندك، فقال: # أردنا في أبي حسن مديحا # كما بالمدح تنتجع الولاة # يعني: يذهب الشعراء إليهم لينالوا من خيراتهم. # فقلنا أكرم الثقلين طرا # ومن كفيه دجلة والفرات # وقالوا يقبل المدحاة لكن # جوائزه عليهن الصلاة # فقلت لهم وما تغني صلاتي # عيالي إنما الشأن الزكاة # فيأمر لي بكسر الصاد منها # فتصبح لي الصلات هي الصلاة # فلما تجرأ عليه أحدهم وسأله: لماذا تعاقب من لم يعجبك شعره بصلاة ~~مائة ركعة؟ فقال: لأنه إما مسيء وإما محسن، فإن كان مسيئا فهي كفارة ~~لإساءته في شعره، وإن كان محسنا فهي كفارة لكذبه في. ثم يقول سبحانه ~~في وصفهم: { وهم بالآخرة هم يوقنون } [لقمان: 4] لأن ~~الإيمان باليوم الآخر يقتضي أن نعمل بمنهج الله في افعل كذا و لا تفعل ~~كذا، ونحن على يقين من أننا لن نفلت من الله ولن نهرب من عقابه في ~~الآخرة، وأننا محاسبون على أعمالنا، فلم نخلق عبثا، ولن نترك سدى، ~~كما قال سبحانه: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون # [المؤمنون: 115]. ونلحظ هنا في الأسلوب تكرار ضمير الغيبة هم فقال: { ~~وهم بالآخرة هم يوقنون } [لقمان: 4] وهذا يدلنا على أن ~~الإيمان بالآخرة أمر مؤكد لا شك فيه، ومع أن الناس يؤمنون بهذا اليوم، ~~ويؤمنون أنهم محاسبون، وأن الله لم يكلفهم عبثا - مع هذا - يؤكد الحق ~~سبحانه على أمر الآخرة لأنها مسألة بعيدة في نظر الناس، وربما غفلوا عنها ~~لبعدها عنهم، ولم لا وهم يغفلون ms7720 حتى عن الموت الذي يرونه أمامهم كل ~~يوم، ولكن عادة الإنسان أن يستبعده في حق نفسه. لذلك يقول الحسن البصري: ~~ما رأيت يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت. أما الكفار فينكرون ~~هذا اليوم، ولا يؤمنون به لذلك أكد الله عليه. # ولما # " سأل النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة رضي الله عنه: " كيف أصبحت يا ~~حذيفة؟ " قال: أصبحت مؤمنا حقا، فقال: " لكل حق حقيقة فما حقيقة ~~إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر ~~إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون " ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " عرفت فالزم ". # وقوله { يوقنون } [لقمان: 4] من اليقين، وهو الإيمان الراسخ الذي لا ~~يتزعزع، ولا يطرأ عليه شك فيطفو إلى العقل ليناقش من جديد وسبق أن ~~قلنا: إن المعلومة تتدرج على ثلاث مراحل: علم اليقين، وعين اليقين، وحق ~~اليقين. علم اليقين إذا أخبرك به من تثق به، فإذا رأيت ما أخبرك به ~~فهو عين اليقين، فإذا باشرت ذلك بنفسك فهو حق اليقين. وضربنا لذلك ~~مثلا إذا قلت لك: إن البيت الحرام في مكة وصفته كذا وكذا، وقد حدثت ~~فيه توسعات كذا وكذا، فهذه المعلومات بالنسبة لك علم يقين، فإذا رأيت ~~الحرم فهي عين يقين، فإذا يسر الله لك الحج أو العمرة فباشرته ~~بنفسك، فهو حق اليقين. والحق سبحانه وتعالى عالج هذه المراتب في ~~سورتين: # ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا ~~سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو ~~تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم ~~لترونها عين اليقين * ثم لتسألن يومئذ عن ~~النعيم # [التكاثر: 1-8]. وذلك حين يمرون على الصراط ويرون النار بأعينهم رأي ~~العين. أما حق اليقين بالنسبة للنار، فقد جاء في قوله تعالى: # فأمآ إن كان من المقربين * فروح وريحان ~~وجنت نعيم * وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * ~~فسلام لك من أصحاب اليمين * وأمآ إن كان من ~~المكذبين الضآلين * فنزل من حميم * وتصلية ~~جحيم * إن هذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ~~ربك العظيم # [الواقعة: 88-96]. ms7721 لكن، هل القرآن نزل هدى للمتقين، وهدى للمحسنين ~~فحسب؟ قلنا: إن الهداية تأتي بمعنيين: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق ~~ومعونة، فإن كانت هداية دلالة فقد دل الله المؤمن والكافر بدليل قوله ~~تعالى: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت: 17]. فالحق سبحانه دل الجميع لأنهم عباده، فمنهم من قبل ~~الدلالة واقتنع بها فآمن، ومنهم من رفضها فكفر، أما الذي قبل دلالة ~~الله وآمن به فيزيده الله هداية أخرى، هي المعونة على الإيمان، ~~فيحببه إليه حتى يعشقه، ثم يعينه عليه، كما قال سبحانه # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. ثم يقول الحق سبحانه: { أولئك على هدى من ~~ربهم... }. ### || [31.5] # وصف الحق سبحانه قرآنه بأنه هدى، أما هنا فيقول: { أولئك على ~~هدى } [لقمان: 5] والمتكلم هو الله - عز وجل - فلا بد أن نتأمل ~~المعنى، ربنا عز وجل يريد أن يقول لنا نعم القرآن هدى، لكن إياك أن ~~تظن أنك حين تتبع هذا الهدى تنفعه بشيء، إنما المنتفع بالهداية أنت، فحين ~~تكون على الهدى يدلك ويسير بك إلى الخير، فالهدى كأنه مطية يوصلك ~~إلى الخير والصلاح، فأنت مستعل على الهدى إن قبلته، وإن كان هو ~~مستعليا عليك تشريعا. ثم هو هدى ممن؟ { هدى من ربهم } ~~[لقمان: 5] ممن لا يستدرك عليه، فإن دلك دلك بحق، وهب أن البشر ~~اهتدوا إلى شيء فيه خير، لكن بعد فترة يعارضون هم أنفسهم هذا الطريق، ~~ويكتشفون له مضار ومثالب، ويستدركون عليه، وربما يعدلون عنه إلى غيره، ~~وكم هي القوانين البشرية التي ألغيت أو عدلت؟ إذن: الهداية والدلالة ~~الحقة لا تكون إلا لله، والقانون الذي ينبغي أن يحكمنا ونطمئن إليه لا ~~يكون إلا لله، لماذا؟ لأن البشر ربما ينتفعون من قوانينهم، وقد تتحكم ~~فيهم الأهواء أو يميلون لشخص على حساب الآخر، أما الحق - سبحانه وتعالى - ~~فهو وحده سبحانه الذي لا ينتفع بشيء مما شرع لعباده، ولا يحابي أحدا على ~~حساب أحد، والعباد كلهم عباده وعنده سواء. لذلك يطمئننا الحق سبحانه على ~~تشريعه وعدالته سبحانه، فيقول # ما اتخذ صاحبة ولا ms7722 ولدا # [الجن: 3] يعني: اطمئنوا، فربكم ليس له صاحبة تؤثر عليه، ولا ولد يظلم ~~الناس فيحابيه، فأنتم جميعا عنده سواسية. ثم هناك فرق بين هدى من ~~الله، وهدى من الرب، فالرب هو الذي رباك، هو الذي أوجدك من عدم، وأمدك ~~من عدم، وأعطاك قبل أن تعرف السؤال، وتركك تربع في كونه وتتمتع بنعمه. ~~لذلك يعلمك ربك: إياك أن تسألني عن رزق غد لأنني رزقتك قبل أن تعرف ~~أن تسأل، ثم لم أطالبك بعبادة غد، إذن: ليكن العبد مؤدبا مع ربه ~~عزوجل. وهكذا نتبين أن الربوبية عطاء، أما الألوهية فتكليف. ثم يخبر ~~الحق سبحانه عنهم بخبر آخر { وأولئك هم المفلحون } ~~[لقمان: 5] فالفلاح نتيجة الهدى الذي ساروا عليه واتبعوه، كما قال تعالى: # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1]. الفلاح أصله من فلاحة الأرض بالحرث والبذر ~~والسقي.. الخ، فاستعارها أسلوب القرآن للعمل الصالح، ووجه الشبه بين ~~الأمرين واضح، فالفلاح يلقي الحبة فيضاعفها له ربه سبعمائة حبة، كذلك ~~العمل الصالح يضاعف لصاحبه، فالحسنة عند الله بعشر أمثالها إلى ~~سبعمائة ضعف # والله يضاعف لمن يشآء # [البقرة: 261]. واقرأ في كتاب الله هذا المثل: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مائة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم # [البقرة: 261]. وتأمل الاستدلال هنا: إذا كانت الأرض وهي مخلوقة لله ~~تعطي كل هذا العطاء، فكيف يكون عطاء من خلقها؟ إذن: فهم لاشك مفلحون ~~أي: فائزون بالثمرة الطيبة التي تفوق ما بذلوه من مشقة، كما يزرع الفلاح ~~الأرض فتعطيه أضعاف ما وضع فيها. ثم يقول الحق سبحانه: { ومن ~~الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله ~~بغير... }. ### || [31.6] # بعد أن ذكر الحق سبحانه الكتاب وآياته، وأن فيه هدى ورحمة لمن اتبعه ~~وفلاحا لمن سار على هديه يبين لنا أن هناك نوعا آخر من الناس ينتفعون ~~بالضلال ويستفيدون منه، وإلا ما راجت سوقه، ولما انتشر بين الناس ~~أشكالا وألوانا. لذلك نرى للضلال فئة مخصوصة حظهم أن يستمر وأن ينتشر ~~لتظل مكاسبهم، ولتظل لهم ms7723 سيادتهم على الخلق وعبوديتهم لهم واستنزاف ~~خيراتهم. وطبيعي إن وجد قانون يعيد توازن الصلاح للمجتمع لا يقف في ~~وجهه إلا هؤلاء يحاربونه ويحاربون أهله ويتهمونهم ويشككون في نواياهم، ~~بل ويواجهونهم بالسخرية والاستهزاء مرة وبالتعدي مرة أخرى. وربما قطعوا ~~عليهم سبل الحياة، كما عزلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب أبي ~~طالب، ثم يكرهون أهل الحق على الهجرة والخروج من أموالهم وأهلهم إلى ~~الحبشة مرة، وإلى المدينة مرة أخرى، لماذا؟ لأن حياتهم تقوم على هذا ~~الضلال فلا بد أن يحافظوا عليه. والحق سبحانه يبين لنا أن هؤلاء ~~الذين يحاربون الحق ويقفون في وجه الدعوة إلى الإيمان يعرفون تماما أنهم ~~لو تركوا الناس يسمعون منهج الله وداعي الخير لا بد أن يميلوا إليه ~~لذلك يحولون بين آذان الناس ومنطق الحق، فهم الذين قالوا للناس: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه.. # [فصلت: 26]. وما ذلك إلا لأنهم واثقون من لغة القرآن وجمال أسلوبه، ~~واستمالته للقلوب بحلو بيانه، فلو سمعته الأذن العربية لا بد وأن ~~تتأثر به، وتقف على وجوه إعجازه، وتنتهي إلى الإيمان. فإذا ما أفلت ~~منهم أحد، وانصرف إلى سماع الحق أتوه بصوارف أخرى وأصوات تصرفه عن الحق ~~إلى الباطل. وقوله سبحانه: { ومن الناس } [لقمان: 6] من هنا ~~للتبعيض أي: الناس المستفيدون من الضلال، والذين يسؤوهم أن يأتم الناس ~~جميعا بمنطق واحد، وهدف واحد وهدى واحد لأن هذه الوحدة تقضي على تميزهم ~~وجبروتهم وظلمهم في الأرض لذلك يبذلون قصارى جهدهم في الضلال { ومن ~~الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل ~~الله.. } [لقمان: 6] قوله تعالى: { يشتري } [لقمان: 6] من الشراء ~~الذي يقابله البيع، والشراء أن تدفع ثمنا وتأخذ في مقابله مثمنا، ~~وهذا بعدما وجد النقد، لكن قبل وجود النقد كان الناس يتعاملون ~~بالمقايضة والتبادل سلعة بسلعة، وفي هذه الحالة فكل سلعة مباعة وكل سلعة ~~مشتراة، وكل منهما بائع ومشتر. ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه ~~السلام: # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه ~~من الزاهدين # [يوسف: 20]. والمعنى: شروه أي: باعوه. ومن ms7724 ذلك أيضا قوله تعالى: # ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله.. # [البقرة: 207]. أي: يبيعها، إذن: الفعل شرى يأتي بمعنى البيع، وبمعنى ~~الشراء. # أما إذا جاء الفعل بصيغة اشترى فإنه يدل على الشراء الذي يدفع له ثمن، ~~ومن ذلك قوله تعالى: # وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل ~~إليكم ومآ أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون ~~بآيات الله ثمنا قليلا.. # [آل عمران: 199]. وقوله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة # [التوبة: 111]. وعادة تدخل الباء على المتروك تقول: اشتريت كذا بكذا ~~وحين نتأمل قوله تعالى: { ومن الناس من يشتري لهو ~~الحديث } [لقمان: 6] نجد أن هذه عملية تحتاج إلى طلب للشيء المشترى، ~~ثم إلى ثمن يدفع فيه، وليت الشراء لشيء مفيد إنما { لهو الحديث } ~~[لقمان: 6] وهذه سلعة خسيسة. إذن: هؤلاء الذين يريدون أن يصدوا عن سبيل ~~الله تحملوا مشقة الطلب، وتحملوا غرم الثمن، ثم وصفوا بالخيبة لأنهم ~~رضوا بسلعة خسيسة، والأدهى من ذلك والأمر منه أن يضعوا هذا في مقابل ~~الحق الذي جاءهم من عند الله على يد رسوله بلا تعب وبلا مشقة وبلا ثمن، ~~جاءهم فضلا من عند الله وتكرما: # قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى # [الشورى: 23]. فأي حمق هذا الذي يوصفون به؟ وكلمة اللهو: ذكر القرآن ~~اللهو وذكر اللعب في عدة آيات، قدمت اللعب على اللهو في قوله تعالى: # وما الحياة الدنيآ إلا لعب ولهو وللدار ~~الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون # [الأنعام: 32]. وفي قوله تعالى: # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو # [الحديد: 20]. وقدمت اللهو في قوله تعالى: # وما هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ولعب # [العنكبوت: 64]. فقدمت الآيات اللعب في آيتين لأن اللعب أن تصنع حركة ~~غير مقصودة لمصلحة، كما يلعب الأطفال، يعني: حركة لا هدف لها، ونقول ~~عنها لعب عيال وسميت لعبا لأن الطفل يلعب قبل أن يكلف بشيء، فلم ~~يشغل باللعب عن غيره من المهمات. لكن إذا انتقل إلى مرحلة التكليف، فإن ~~اللعب يشغله عن شيء طلب منه، ويسمى ms7725 في هذه الحالة لهوا، ومنه قوله ~~تعالى: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قآئما # [الجمعة: 11]. إذن: فاللهو هو الشيء الذي لا مصلحة فيه، ويشغلك عن مطلوب ~~منك. فآية سورة العنكبوت التي قدمت اللهو على اللعب تعني أن أمور ~~الاشتغال بغير الدين قد بلغت مبلغا، وأن الفساد قد طم واستشرى ~~الانشغال بغير المطلوب عن المطلوب، فهذه أبلغ في المعنى من تقديم اللعب ~~لأن اللعب لم يلهه عن شيء. لكن، ما اللهو الذي اشتروه ليصرفوا الناس به ~~عن الحق وعن دعوة الإسلام؟ إنهم لما سمعوا القرآن فيه قصصا عن عاد ~~وثمود، وعن مدين وفرعون.. الخ، فأرادوا أن يشغلوا الناس بمثل هذه القصص. ~~وقد ذهب واحد منهم وهو النضر بن الحارث إلى بلاد فارس وجاءهم من هناك ~~بقصص مسلية عن رستم وعن الأكاسرة وعن ملوك حمير، اشتراها وجاء بها، ~~وجعل له مجلسا يجتمع الناس فيه ليقصها عليهم، ويصرفهم بسماعها عن سماع ~~منطق الحق في رسول الله. # وآخر يقول: بل جاء أحدهم بمغنية تغنيهم أغاني ماجنة متكسرة. ومعنى: { ~~لهو الحديث } [لقمان: 6] قال العلماء: هو كل ما يلهي عن مطلوب ~~لله، وإن لم يكن في ذاته في غير مطلوب الله لهوا، وعليه فالعمل ~~الذي يلهي صاحبه من صناعة أو زراعة.. الخ يعد من اللهو إن شغله ~~مثلا عن الصلاة، أو عن أداء واجب لله تعالى. ومن التصرفات ما يعد ~~لهوا، وإن لم يشغلك عن شيء كالغناء، وللعلماء فيه كلام كثير خاصة بعد ~~أن صاحبته الموسيقى وآلات الطرب والحركات الخليعة الماجنة، ولفقهائنا ~~القدامى رأيهم في هذا الموضوع، لكن العلماء المحدثين والذين يريدون أن ~~يجيزوا هذه المسألة يأخذون من كلام القدماء زاوية ويطبقونها على غير ~~كلامهم. نعم، أباح علماؤنا الأنس بالغناء في الأفراح وفي الأعياد ~~اعتمادا على # " قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصديق الذي رأى جاريتين ~~تغنيان في بيت رسول الله فنهرهما، وقال: أمزمار الشيطان في بيت رسول ~~الله، فقال صلى الله عليه وسلم: " دعهما، فإننا في يوم عيد ". # وكذلك أباحوا الأناشيد ms7726 التي تقال لتلهب حماس الجنود في الحرب، أو التي ~~ينشدها العمال ليطربوا بها أنفسهم وينشغلوا بها عن متاعب العمل، أو ~~المرأة التي تهدهد ولدها لينام. ومن ذلك حداء الإبل لتسرع في سيرها، وقد ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لأنجشة: # " رفقا بالقوارير " # فشبه النساء في لطفهن ورقتهن بالقوارير، فإذا ما أسرعت بهن الإبل ~~هزت بهن الهوادج، وهذا يشق على النساء. إذن: لا مانع من كل نص له ~~غرض نبيل، أما إن أهاج الغرائز فهو حرام - والكلام هنا عن مجرد النص - ~~لأن الخالق سبحانه يعلم طبيعة الغرائز في البشر لذلك نسميها غريزة لأن ~~لها عملا وتفاعلا في نفسك بدون أي مؤثرات خارجية، ولها طاقة لا بد ~~أن تتحرك، فإن أثرتها أنت ثارت ونزعت إلى ما لا تحمد عقباه. ~~وسبق أن أوضحنا أن مراتب الشعور ثلاث: يدرك بحواسه، ثم وجدان يتكون في ~~النفس نتيجة للإدراك، ثم النزوع والعمل الذي يترجم هذا الوجدان. ومن ~~رحمة الله بنا أن الشرع لا يتدخل في هذه المسألة إلا في مرحلة النزوع، ~~فيقول لك: قف لا تمد يدك إلى ما ليس لك: ومثلنا لهذه المسألة ~~بالوردة تراها في البستان، ويعجبك منظرها، وتجذبك رائحتها فتعشقها وهذا ~~لك، فإن مددت يدك لتقطفها يقول لك الشارع قف ليس من حقك. إذن: ~~فالشارع الحكيم لا يتدخل في مرحلة الإدراك، ولا في المواجيد إلا في ~~مسألة واحدة لا يمكن الفصل فيها بين الإدراك والوجدان والنزوع، لأنها ~~جميعها شيء واحد، إنها عملية نظر الرجل إلى المرأة التي لا تحل له، لماذا ~~هذه المسألة بالذات؟ قالوا: لأنها لا تقف عند حد الإعجاب بالمنظر، ~~إنما يورثك هذا الإعجاب انفعالا خاصا في نفسك، ويورثك تشكلا خاصا ~~لا يهدأ، إلا بأن تنزع، فرحمة بك يا عبدي أنا سأتدخل في هذا الأمر بالذات ~~من أوله، وأمنعك من مجرد الإدراك، لأنك إن أدركت وجدت، وإن وجدت ~~نزعت إلى ما تجد فأثمت في أعراض الناس أو كبت في نفسك، فأضررت بها، ~~وربك يريد أن يبرئك من الإثم ومن الإضرار بالنفس، ms7727 فالأسلم لكم أن ~~تغضوا أبصاركم. # إذن: لا تقل الغناء لكن قل النص نفسه: إن حث على فضيلة فهو حلال، ~~وإن أهاج الغرائز فهو حرام وباطل، كالذي يشبب بالمرأة ويذكر مفاتنها، ~~فهذا حرام حتى في غير الغناء، فإذا ما أضفت إليه الموسيقى والألحان ~~والتكسر والميوعة ازدادت حرمته وتضاعف إثمه. أما ما نراه الآن وما نسمعه ~~مما يسمونه غناء، وما يصاحبه من حركات ورقصات وخلاعات وموسيقى صاخبة، ~~فلا شك في حرمته. فكل ما يخرج الإنسان عن وقاره ورزانته وكل ما يجرح ~~المشاعر المهذبة فهو حرام، ثم إن الغناء صوت فإن خرج عن الصوت إلى أداء ~~آخر مهيج، تستعمل فيه الأيدي والأرجل والعينان والوسط.. الخ فهذا كله ~~باطل ومحرم. ولا ينبغي للمؤمن الذي يملك زمام نفسه أن يقول: إنهم يفرضون ~~ذلك علينا، فالمؤمن له بصيرة يهتدي بها، ويميز بين الغث والسمين، ~~والحق والباطل، فكن أنت حكما على ما ترى وما تسمع، بل ما يرى وما يسمع ~~أهلك وأولادك، وبيدك أنت الزمام إن شئت سمعت، وإن شئت أغلقت ~~الجهاز، فلا حجة لك لأن أحدا لا يستطيع أن يجبرك على سماع أو رؤية ما ~~تكره. ففي رمضان مثلا، وهو شهر للعبادة نصوم يومه، ونقوم ليله، وينبغي ~~أن نكرمه، ونحتفظ فيه بالوقار والروحانية، ومع ذلك يخرجون علينا بألوان ~~اللهو الذي يتنافى والصيام، فإن سألتهم قالوا: الناس مختلفو الأمزجة، ~~وواجبنا أن نوفر لهم أمزجتهم، لكن للمؤمن ولاية على نفسه وهو يملك ~~زمامها، فلا داعي أن تتهم أحدا ما دام الأمر في يدك، وعليك أن تنفذ ~~الولاية التي ولاك الله، فإن فعلت ففي يدك خمسة وتسعون بالمائة من حركة ~~الحياة، ولغيرك الخمسة الباقية. ثم إن ما يحل من الغناء مشروط بوقت لا ~~يكون سمة عامة ولا عادة ملحة على الإنسان يجعلها ديدنه لذلك يقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " روحوا القلوب ساعة بعد ساعة ". # وهؤلاء المغنون والمغنيات الذين يدخلون في الغناء ما ليس منه من ~~الحركات والرقصات لا يدرون أنهم يثيرون الغرائز، ويستعدون على الشباب غير ~~القادر على ms7728 الزواج، ويلهبون مشاعر الناس ويثيرون الغيرة. # . الخ. إذن: القضية واضحة لا تحتاج منا إلى فلسفة حول حكم الغناء أو ~~الموسيقى، فكل ما يثير الغرائز، ويخرجك عن سمت الاعتدال والوقار فهو ~~باطل وحرام، سواء أكان نصا بلا لحن، أو لحنا بدون أداء، أو أداء ~~مصحوبا بما لا دخل له بالغناء. لكن، لماذا يكلفون أنفسهم ويشترون لهو ~~الحديث؟ العلة كما قال الحق سبحانه: { ليضل عن سبيل الله } ~~[لقمان: 6] وفرق بين من يشتري اللهو لنفسه يتسلى به، ويقصر ضلاله على ~~نفسه وبين من يقصد أن يضل ويضل غيره لذلك فعليه تبعة ~~الضلالين: ضلالة في نفسه، وإضلاله لغيره. وقوله: { لهو ~~الحديث } [لقمان: 6] لا يقتصر على الغناء والكلام، إنما يشمل الفعل ~~أيضا، وربما كان الفعل أغلب. وقوله تعالى: { بغير علم } [لقمان: ~~6] يدل على عدم معرفتهم حتى بأصول التجارة في البيع والشراء، فالتاجر ~~الحق هو الذي يشتري السلعة، بحيث يكون نفعها أكثر من ثمنها، أما هؤلاء ~~فيشترون الضلال لذلك يقول الحق عنهم: # فما ربحت تجارتهم # [البقرة: 16]. والسبيل: هو الطريق الموصل إلى الخير من أقصر طريق، وهو ~~الصراط المستقيم الذي قال الله تعالى عنه # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6] لذلك نقول في علم الهندسة: المستقيم هو أقصر بعد بين ~~نقطتين. وقوله: { ويتخذها هزوا } [لقمان: 6] أي: السبيل لأن ~~السبيل تذكر وتؤنث، تذكر باعتبار الطريق، كقوله تعالى: # وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا # [الأعراف: 146]. وتؤنث على اعتبار الشرعة، كقوله تعالى: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة # [يوسف: 108]. هؤلاء الذين يشترون الضلال لإضلال الناس لا يكتفون بذلك، ~~إنما يسخرون من أهل الصلاح، ويهزأون من أصحاب الطريق المستقيم والنهج ~~القويم، ويسفهون رأيهم وأفعالهم. ثم يذكر الحق سبحانه عاقبة هذا كله: ~~{ أولئك لهم عذاب مهين } [لقمان: 6] أولئك: أي الذين ~~سبق الحديث عنهم، وهم أهل الضلال { لهم عذاب مهين } [لقمان: 6] ~~ووصف العذاب هنا بالمهانة دليل على أن من العذاب ما ليس مهينا، بل ~~ربما كان تكريما لمن وقع عليه كالرجل الذي يضرب ولده ليعلمه ~~ويربيه، فهو يضربه لا ليعذبه ويؤلمه ويهينه، ms7729 إنما لكي لا يعود إلى ~~الخطأ مرة أخرى. على حد قول الشاعر: # فقسا ليزدجروا ومن يك حازما # فليقس أحيانا على من يرحم # إذن: فمن العذاب ما هو تذكير وتطهير أو ترضية وتكريم لمستقبل، وإنما ~~سمي عذابا تجاوزا، فهو في هذه الحالة لا يعد عذابا. وفي هذا ~~المعنى قال الزمخشري رضي الله عنه: الملك يكون عنده الخادم، فيفعل ما لا ~~يرضي سيده، فيأمر صاحب الشرطة أن يأخذه ويعذبه جزاء ما فعل، فيأخذه ~~الشرطي ويعذبه بقدر لا يتعداه، لأنه يعلم أنه سيعود مرة أخرى إلى خدمة ~~السيد، فالعذاب في هذه الحالة يكون بقدر ما فعل الخادم ليس مهينا له. ~~لكن إن قال له: خذ هذا الخادم واقصه عن الخدمة أو افصله، يعني: ليست ~~له عودة فلا شك أن العذاب سيكون مهينا وأليما. فالعذاب إن سميناه ~~عذابا يكون إكراما لمن تحب وتريد أن تطهره، أما العذاب المهين فهو لمن ~~لا أمل في عودته، والإهانة تقتضي الأبدية والخلود. ثم يقول الحق سبحانه ~~وتعالى: { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا ~~كأن لم يسمعها كأن... }. ### || [31.7] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى ~~مستكبرا.. } [لقمان: 7] بعد قوله: # ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل ~~الله # [لقمان: 6] يدلنا على حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تبليغ أمر ~~دعوته، حتى لمن يعلم عنه أنه ضل في نفسه، بل ويريد أن يضل غيره. ~~ومعنى { ولى } [لقمان: 7] يعني: أعرض وأعطانا عرض أكتافه كما نقول: ~~وتولى وهو مستكبر { ولى مستكبرا } [لقمان: 7] أي: تكبر على ~~ما يدعى إليه، أنت دعيت إلى حق فاستكبرت، ولو كنت مستكبرا في ذاتك ~~لما لجأت إلى باطل لتشتريه، إذن: فكيف تستكبر عن قبول الحق وأنت محتاج ~~حتى إلى الباطل؟ ولماذا تتكبر وليس عندك مقومات الكبر؟ ومعلوم ~~أنك تستكبر عن قبول الشيء إن كان عندك مثله، فكيف وأنت لا تملك لا مثله ~~ولا أقل منه؟ إذن: فاستكبارك في غير محله، والمستكبر دائما إنسان في ~~غفلة عن الله لأنه نظر إلى نفسه بالنسبة للناس - وربما كان ms7730 لديه من ~~المقومات ما يستكبر به على الناس - لكنه غفل عن الله، ولو استحضر جلال ~~ربه وكبرياءه سبحانه لاستحى أن يتكبر، فالكبرياء صفة العظمة وصفة ~~الجلال التي لا تنبغي إلا لله تعالى، فكبرياؤه سبحانه شرف لنا وحماية ~~تمنعنا أن نكون عبيدا لغيره سبحانه. لذلك نسمع في الأمثال العامية اللي ~~ملوش كبير يشتري له كبير فإن كان لي كبير خافني الناس واحتميت به، كذلك ~~المؤمن يحتمي بكبرياء ربه لأن كبرياء الله على الجميع والكل أمامه ~~سواسية، لا أحد يستطيع أن يرفع رأسه أمام الحق سبحانه. إذن: فكبرياؤه ~~تعالى لصالحنا نحن. وهذا المستكبر استكبر عن سماع الآيات { كأن في ~~أذنيه وقرا } [لقمان: 7] أي: ثقل وصمم { فبشره ~~بعذاب أليم } [لقمان: 7] ونحن نعلم أن البشارة لا تكون إلا في ~~الخير، فهي الإخبار بأمر سار لم يأت زمنه، كما تبشر ولدك بالنجاح قبل ~~أن تظهر النتيجة. أما البشارة بالعذاب فعلى سبيل التهكم بهم والسخرية ~~منهم، كما تتهكم من التلميذ المهمل فتقول له: أبشرك رسبت هذا العام. ~~واستخدام البشرى في العذاب كأنك تنقله فجأة من الانبساط إلى الانقباض، ~~وفي هذا إيلام للنفس قبل أن تقاسي ألم العذاب، فالتلميذ الذي تقول له: ~~أبشرك يستبشر الخير بالبشرى، ويظن أنه نجح لكن يفاجأ بالحقيقة التي ~~تؤلمه. والشاعر يصور لنا هذه الصدمة الشعورية بقوله: # كما أبرقت يوما عطاشا غمامة # فلما رأوها أقشعت وتجلت # ويقول آخر: # فأصبحت من ليلى الغداة كقابض # على الماء خانته فروج الأصابع # لذلك يقولون: ليس أشر على النفس من الابتداء المطمع يأتي بعده الانتهاء ~~الموئس، وسبق أن مثلنا لذلك بالسجين الذي بلغ به العطش منتهاه، ورجا ~~السجان، إلى أن جاء له بكوب من الماء، ففرح واستبشر، وظن أن سجانه رجل ~~طيب أصيل فلما رفع الكوب إلى فيه ضربه السجان من يده فأراقه على الأرض. # ولا شك أن هذا آلم وأشد على نفس السجين، ولو رفض السجان أن يأتي له ~~بالماء من البداية لكان أخف ألما. وهذا الفعل يسمونه " يأس بعد إطماع " ~~فقد ابتدأ معه بداية مطمعة، وانتهى ms7731 به إلى نهاية موئسة، نعوذ بالله من ~~القبض بعد البسط. ثم يذكر الحق سبحانه عقوبة الإضلال عن سبيل الله ~~والتولي والاستكبار { فبشره بعذاب أليم } [لقمان: 7] ~~فعذابهم مرة مهين ومرة أليم. ثم يقول الحق سبحانه: { إن الذين ~~آمنوا وعملوا... }. ### || [31.8] # وهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات في مقابل الذين يشترون لهو الحديث ~~ليضلوا عن سبيل الله، وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني لأن ذكر الشيء ~~مع مقابله يوضح المعنى ويعطيه حسنا، كما في قوله تعالى: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14]. فالجمع بين المتقابلات يفرح المؤمن بالنعيم، ثم ~~يفرحه بأن يجد أعداءه من الكفار الذين غاظوه واضطهدوه وعذبوه يجدهم في ~~النار. وقلنا: إن الحق - سبحانه وتعالى - حينما يتكلم عن الإيمان يردفه ~~بالعمل الصالح { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات } ~~[لقمان: 8] لأن الإيمان أن تعلم قضايا غيبية فتصدق بها، لكن ما قيمة ~~هذا الإيمان إذا لم تنفذ مطلوبه؟ وكذلك في سورة العصر: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات.. # [العصر: 1-3] ففائدة الإيمان العمل بمقتضاه، وإلا فما جدوى أن تؤمن ~~بأشياء كثيرة، لكن لا توظف ما تؤمن به، ولا تترجمه إلى عمل وواقع لذلك ~~إن اكتفيت بالإيمان ككلمة تقال دون عمل، فقد جعلت الإيمان حجة عليك لا ~~حجة لك. ومعنى { وعملوا الصالحات } [لقمان: 8] أي: الصالح، ~~والحق سبحانه خلق الكون على هيئة الصلاح، فالشيء الصالح عليك أن تزيد من ~~صلاحه، فإن لم تقدر فلا أقل من أن تدع الصالح على صلاحه فلا تفسده. ~~ثم يذكر سبحانه جزاء الإيمان والعمل الصالح { لهم جنات النعيم ~~} [لقمان: 8] فهي جنات لا جنة واحدة، ثم هي جنات النعيم أي: المقيم الذي ~~لا تفوته ولا يفوتك. ثم يقول الحق سبحانه: { خالدين فيها وعد ~~الله حقا... }. ### || [31.9] # حين نتأمل هذه الآيات نلمس رحمة الله بعباده حتى الكافر منهم الذي ضل ~~وأضل، ومع ذلك فالله رحيم به حتى في تناول عذابهم، ألا ترى أن الله ~~تعالى قال في عذابهم أنه مهين، وأنه أليم، لكن لم يذكر ms7732 معه خلودا كما ~~ذكر هنا الخلود لنعيم الجنات، كما أن العذاب جاء بصيغة المفرد، أما الجنة ~~فجاءت بصيغة الجمع، ثم أخبر عنها أنها { وعد الله حقا } [لقمان: ~~9]. والوعد يستخدم دائما لعدة بخير يأتيك، وقلنا: إن العبد يعد وقد ~~لا يفي بوعده لأنه لا يملك كل مقومات الوفاء، أما الوعد إن كان من ~~الله فهو محقق لأنه سبحانه يملك كل أسباب الوفاء، ولا يمنعه أحد عن تحقيق ~~ما أراد لأنه سبحانه يملك كل أسباب الوفاء، ولا يمنعه أحد عن تحقيق ما ~~أراد لأنه سبحانه ليس له شريك، كالرجل الذي أراد أن يذم آخر فقال له: ~~الدليل على أن الله ليس له شريك أنه خلقك، فلو كان له شريك لقال له: لا ~~داعي لأن تخلق هذا. لذلك يعلمنا الحق - سبحانه وتعالى - أن نردف ~~وعدنا بقولنا: إن شاء الله حتى نكون منصفين لأنفسنا من الناس، ولا ~~نتهم بالكذب إذا لم نف، وعندها لي أن أقول: أردت ولكن الله لم يرد، ~~فجعلت المسألة في ساحة ربك عز وجل. وبهذه المشيئة رحم الله الناس من ~~ألسنة الناس، فإذا كلفتني بشيء فلم أقضه لك فاعلم أن له قدرا عند الله ~~لم يأت وقته بعد، واعلم أن الأمر لا يقضي في الأرض حتى يقضي في ~~السماء، فلا تغضب ولا تتحامل على الناس، فالأمور ليست بإرادة الناس، ~~وإنما بإرادة الله. لذلك حين تتوسط لأخيك في قضاء مصلحة وتقضي على ~~يديك، المؤمن الحق الذي يؤمن بقدر الله يتأدب مع الله فيقول: قضيت ~~معي لا بي، يعني: شاء الله أن يقضيها فأكرمني أن أتكلم فيها وقت مشيئته ~~تعالى، كذلك يقول الطبيب المؤمن: جاء الشفاء عندي لا بي. ولو فهم الناس ~~معنى قدر الله لاستراحوا، فحين ترى المجد العامل يقصي ويبعد، وحين ~~ترى الخامل والمنافق يقرب ويعتلي أرفع المناصب فلا تغضب، وإذا لم ~~تحترمه لذاته فاحترم قدر الله فيه. فالمسائل لا تجري في كون الله بحركة ~~ميكانيكية، إنما بقدر الله الذي يرفع من يشاء ويضع من يشاء، وله ~~سبحانه الحكمة البالغة ms7733 في هذه وتلك، وإلا لقلنا كما يقول الفلاسفة: إن ~~الله تعالى خلق القضايا الكونية ثم تركها للناس يسيرونها. والحق ~~سبحانه ما ترك هذه القضايا، بدليل قوله تعالى: # يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن ~~يشآء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ~~ويجعل من يشآء عقيما # [الشورى: 49-50]. فبعد هذه الآية لا يقل أحد: إن فلانا لا ينجب أو ~~فلانه لا تنجب لأن هذه مرادات عليا لله تعالى، ولو أن العقيم احترم قدر ~~الله في العقم لجعل الله كل من يراهم من الأولاد أولاده، وما دام الله ~~تعالى قال # يهب # [الشورى: 49] فالمسألة في كل حالاتها هبة من الله تعالى لا دخل لأحد ~~في الذكورة أو الأنوثة أو العقم. فلماذا - إذن - قبلت هبة الله في ~~الذكور، ولم تقبل هبة الله في العقم؟ وسبق أن تحدثنا عن وأد البنات قبل ~~الإسلام لأن البنت كانت لا تركب الخيل، ولا تدافع عن قومها، ولا تحمل ~~السلاح.. إلخ، فلما جاء الإسلام حرم ذلك وكرم المرأة، وأعلى من شأنها، ~~لكن ما زالت المفاضلة قائمة بين الولد والبنت. والآن احتدم صراع مفتعل ~~بين أنصار الرجل وأنصار المرأة، والإسلام بريء من هذا الصراع لأن الرجل ~~والمرأة في الإسلام متكاملان لا متضادان، وعجيب أن نرى من النساء من ~~تتعصب ضد الرجال وهي تجن إن لم تنجب الولد، وهذه شهادة منهن ~~بأفضليته. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعلمنا أن من يحترم قدره في ~~إنجاب البنات يقول الله له: لقد احترمت قدري فسوف أعطيك على قدري، ~~فيعطيه الله البنين، أو ييسر لبناته أزواجا يكونون أبر به من ~~أولاده وأطوع. ثم ألا ترى أن الله تعالى قدم البنات، في الهبة، فقال: # يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور # [الشورى: 49] لماذا؟ لأنه سبحانه يعلم محبة الناس للذكور: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر ~~به # [النحل: 58-59]. وقوله تعالى: { وهو العزيز الحكيم } [لقمان: ~~9] العزيز الذي لا يغلب، ولا يستشير أحدا فيما يفعل { الحكيم } ~~[لقمان: ms7734 9] أي: حين يعد، وحين يفي بالوعد. ثم تنتقل الآيات إلى دليل من ~~أدلة الإيمان الفطري بوجود الإله: { خلق السماوات بغير ~~عمد... }. ### || [31.10] # أولا: ذكر الحق سبحانه آية كونية لم يدعها أحد لنفسه من الكفار أو من ~~الملاحدة، وهي آية موجودة ومشاهدة، وبعد أن قال سبحانه أنا خالق السماء ~~والأرض لم يعارضه أحد، ولم يأت من يعارضه فيقول: بل أنا خالق السماء ~~والأرض. وسبق أن قلنا: إن القضية تسلم لصاحبها ومدعيها إذا لم يقم ~~لها معارض، فإن كانت هذه القضية صحيحة، والحق سبحانه هو الخالق فقد ~~انتهت المسألة، وإذا كان هناك خالق غيره سبحانه فأين هو؟ هل درى أن ~~واحدا آخر أخذ منه الخلق، ولماذا لم يعارض ويدافع عن حقه؟ أو أنه لم ~~يدر بشيء فهو إله نائم على ودنه، وفي كلا الحالين لا يصلح أن يكون ~~إلها يعبد. لذلك قال تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران: 18]، فهذه شهادة الذات للذات، ولم يعارضها معارض فصحت ~~لصاحبها إلى أن يوجد معارض. وسبق أن مثلنا لذلك - ولله المثل الأعلى ~~- بجماعة جلسوا في مجلس فلما انفض مجلسهم وجد صاحب البيت حافظة نقود لا ~~يعرف صاحبها، فاتصل بمن كانوا في مجلسه، وسألهم عنها فلم يقل واحد منهم ~~أنها له، إلى أن طرق الباب أحدهم وقال: والله لقد نسيت حافظة نقودي هنا، ~~فلا شك إذن أنها له وهو صاحبها حيث لم يدعها واحد آخر منهم. والحق ~~سبحانه يقول في إثبات هذه القضية: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42] أي: لذهبوا يبحون عمن أخذ منهم الخلق والناس، وأخذ ~~منهم الألوهية. فإن قالوا نحن آلهة لكن فوقنا إله أكبر يرد الحق ~~عليهم: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. وقوله تعالى: { بغير عمد ترونها } [لقمان: 10] ~~حين تدور في أنحاء الكرة الأرضية من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى ~~غربها تجد السماء تظلك، ومع سعة السماء لا تجد لها عمدا ms7735 ترفعها، وكلمة ~~{ ترونها } [لقمان: 10] تحمل معنيين: إما هي فعلا بغير عمد، أو لها ~~عمد لكن لا نراها { بغير عمد ترونها } [لقمان: 10] يعني: لا ~~نرى لها عمدا، لكن الحقيقة أن لها عمدا لا ترونها بإحساسكم ومقاييسكم. ~~فإن قلت، فما هذه العمد التي لا نراها؟ البعض يقول: هي الجاذبية، وهذا ~~القول مجانب للصواب، والحق سبحانه يكفينا مؤنة البحث في هذه المسألة، ~~فيقول سبحانه: # .. ويمسك السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه # [الحج: 65]. إذن: لا نملك إلا أن نقول إنها ممسوكة بقدرة الله، ولكي لا ~~نحار في كيفية ذلك يقرب الله لنا هذه المسألة بمثال مشاهد لنا، ~~فالطير يمسكه الله في جو السماء: # ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السمآء ~~ما يمسكهن إلا الله.. # [النحل: 79]. وفي موضوع آخر يقول الحق سبحانه: # إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا # [فاطر: 41] إذن: فهو سبحانه يمسكها بقانون، لكن لا نعرفه نحن ولا ندركه. ~~والسماء في اللغة: كل ما علاك فأظلك، فالغيم الذي يعلوك وتراه قريبا ~~منك يعد من السماء بدليل قول الله تعالى: { وأنزلنا من ~~السمآء مآء } [لقمان: 10] والماء ينزل من الغيم، لا من السماوات ~~العلا، والفرق بينهما أن الغيم تراه في مكان دون آخر، وتراه متقطعا ~~منفطرا، أما السماء العليا فهي بشكل واحد، لا ترى فيها من فطور. وحين ~~تكلم الحق سبحانه عن الأرض والسماء قال: إنها سبع سماوات، ولم يقل سبع ~~أراضين، بل # ومن الأرض مثلهن # [الطلاق: 12] فدل على أن الأرض سبع كالسماء، وإن كانت السماء كل ما ~~أظلك، فالأرض كل ما أقلك، لكن أين هذه الأرضين السبع؟ لقد أخبرنا ~~القرآن الكريم أن السماوات سبع، وأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~مر بها في مرحلة المعراج فقال في الأولى كذا وكذا، وفي الثانية كذا ~~وكذا، وما دامت السماء كل ما أظلك، والأرض كل ما أقلك فالخلق في ~~السماء الأولى مثلا سماؤهم السماء الثانية، وأرضهم سماؤنا الأولى، وهكذا ~~وهكذا. ثم يقول سبحانه: { وألقى في الأرض رواسي } [لقمان: ~~10] أي: الجبال الراسية الثابتة المتصلة بالأرض ms7736 اتصالا وثيقا بحيث لا ~~تتخلخل منها، والعلة في خلق الجبال الرواسي على الأرض { أن تميد ~~بكم } [لقمان: 10] أي: تميل وتضطرب بكم، ولو أن الأرض مخلوقة على هيئة ~~الثبات لما احتاجت إلى ما يثبتها. إذن: فالأرض متحركة، وما خلقت ~~الجبال إلا لتثبيتها وضبط حركتها، فدلت هذه الآية على صدق النظرية ~~القائلة بدوران الأرض، كذلك في قوله تعالى: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # [النمل: 88]. إذن: فللجبال حركة مرتبطة بحركة الأرض، فإن قلت: ~~ولماذا لا نراها؟ نقول: لأن وحدة المكان تجعلك لا تدرك هذه الحركة، ~~فالمتحد في مكان لا تختلف مرائي الأشياء بالنسبة له. فلو تصورنا أن ~~هذا المسجد الذي يجمعنا صمم على هيئة رحى تدور بنا، فهل نشعر ~~بدورانه ونحن ندور بدورانه؟ لا نشعر، لماذا؟ لأن مواقعنا من بعض ثابتة لا ~~تتغير، كذلك موقعنا من المكان لذلك لا نشعر بالحركة لكن نشعر بالحركة حين ~~نقيس متحركا بثابت، فلو فتحنا الباب مثلا أو الشباك ورأينا ما هو خارج ~~المسجد، عندها نشعر أننا نتحرك. إذن: لا يمكن لمن على الأرض أن يشعر ~~بحركتها لأنه يتحرك معها، وما دامت الجبال أوتادا في الأرض وهي - أي ~~الجبال - تمر مر السحاب فلا بد أن الأرض كذلك تمر وتتحرك بنفس ~~الحركة، وحركة الجبال ليست ذاتية، إنما هي تابعة لحركة الأرض، والحق ~~سبحانه شبه حركة الجبال بحركة السحاب، والسحاب حركته غير ذاتية، إنما ~~هي تابعة لحركة الرياح. # ثم يذكر الحق سبحانه علة أخرى لخلق الجبال: { وبث فيها من ~~كل دآبة } [لقمان: 10] وسبق أن أوضحنا أن الجبال تمثل مخازن ~~للقوت الذي به قوام الحياة للإنسان وللحيوان والذي ينشأ من الزرع، ~~وبينا أن الطبقة الخارجية للجبال تتفتت بعوامل التعرية، ثم يحملها ماء ~~المطر إلى الوديان فتزيد من خصوبة الأرض بمقدار كل عام، ومن الجبال أيضا ~~يتكون الماء في الأنهار او في مسارب الأرض فنخرجه حين الحاجة إليه. ومن ~~حكمته تعالى أن جعل الجبال راسية ثابتة، وجعلها صلدة وإلا لو كانت هشة ~~لأذابتها الأمطار وفتتها في عدة سنوات، ثم ms7737 حرمت الأرض من الخصوبة التي ~~تستمدها من الجبال لذلك يقول الله تعالى: # وما ننزله إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21] فمع زيادة السكان تزداد المساحة الخصبة التي يكونها ~~الغرين الذي يتفتت من الجبال عاما بعد عام. واقرأ إن شئت قوله ~~تعالى: # قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 9-10]. فالجبال جعلها الله راسية حتى لا تضطرب بنا الأرض، وجعلها ~~صلبة لأنها مخزن الخصب الذي يمدنا بالزرع الذي به قوام حياتنا. ~~ومن رحمة الله بالإنسان أن جعل فيه ذاتية استبقاء الحياة، فإن منع عنه ~~الطعام أو الشراب تغذى من المخزون في جسمه فيأخذ أولا من الدهن، ثم من ~~اللحم، ثم من العظم لذلك قلنا: إن العظم هو آخر مخازن القوت في جسم ~~الإنسان، وفي ضوء ذلك نفهم قول سيدنا زكريا: # إني وهن العظم مني # [مريم: 4]. يعني: قد بلغت آخر مرحلة من مراحل استبقاء الحياة. فكان من ~~رحمة الله بالخلق أن جعل حتى شره الإنسان للطعام والشراب رحمة به، ~~حيث يتحول الزائد عن طاقته وحاجته إلى مخزون في جسمه، فإذا انقطعت به ~~السبل أو تعذر عليه الطعام والشراب استمد مما في جسمه. كذلك من ~~رحمة الله بالإنسان أن جعله يصبر على الطعام إلى شهر، ويصبر على الماء ~~من ثلاثة أيام إلى عشرة بحسب ما في جسمه من مخزون الطعام والشراب، أما ~~الهواء فلا يصبر عليه إلا بمقدار شهيق وزفير لذلك تتجلى رحمته تعالى ~~وحكمته في خلقه بألا يملك الهواء لأحد، فلو ملكه عدوك لمت قبل ~~أن يرضى عنك. وقوله: { وبث فيها من كل دآبة } [لقمان: 10] ~~بث أي: نشر، والدابة: كل ما له دبيب على الأرض، والدبيب بحسب ما يدب على ~~الأرض، وكل ما يمشي على الأرض له دبيب نسمعه في الحيوان الضخم مثلا، لكن ~~لا نسمعه في النملة مثلا، فهي أيضا لها دبيب بدليل قولنا: فلان يسمع ~~دبة النملة، إذن: لها دبيب على الأرض، لكن أذن ms7738 من التي تستطيع أن ~~تسمعه؟ وقوله تعالى: { من كل دآبة } [لقمان: 10] كل تعني سورا ~~كليا يضم كل ما له حركة ودبيب على الأرض، يعني: كل ما يقال له دابة ~~بداية من النملة أو الفيروسات الآن إلى أكبر حيوان على الأرض. # وقوله من تتدرج من الصغير إلى الكبير فتدل على الشمول. ومن هذه ~~الدواب ما أحله الله ومنها ما حرمه لذلك يقول البعض: ما دام الله حرم ~~هذه الحيوانات، فما الضرورة في خلقها؟ وهل كل شيء مخلوق يؤكل؟ لا، ~~ليس كل مخلوق من الحيوانات يؤكل لأن له مهمة أخرى يؤديها. ولو تأملت ما ~~حرم عليك لوجدته يخدمك في ناحية أخرى، فمنه ما يمد الحيوانات التي ~~تأكلها، ومنه ما فيه خاصية تحتاج إليها في غير الأكل، فالثعبان مثلا لا ~~نرى فيه إلا أنه مخلوق ضار، لكن ألم نحتج إلى سمه الآن، ونجعله ~~مصلا نافعا؟ ألسنا ننتفع بجلوده؟ الخ، فإذا كنا لا نأكله فنحن نستفيد ~~من وجوده في نواح أخرى. كذلك الخنزير مثلا: البعض يقول: ما دام الله ~~تعالى حرمه، فلماذا خلقه؟ سبحان الله، هل خلق الله كل شيء لتأكله أنت؟ ~~ليس بالضرورة أن تأكل كل شيء، لأن الله جعل لك طعامك الذي يناسبك، أتأكل ~~مثلا البترول؟ كيف ونحن نرى حتى السيارات والقطارات والطائرات لكل منها ~~وقوده المناسب له، فالسيارة التي تعمل بالبنزين مثلا لا تعمل بالسولار.. ~~الخ، فربك أعطاك قوتك كما أعطى لغيرك من المخلوقات أقواتها. لذلك إذا ~~نظرت في غابة لم تمتد إليها يد الإنسان تجد فيها جميع الحيوانات والطيور ~~والدواب والحشرات.. الخ دون أن تجد فيها رائحة كريهة أو منظرا ~~منفرا، لماذا؟ لأن الحيوانات يحدث بينها وبين بعضها توازن بيئي، ~~فالضعيف منها والمريض طعام للقوي، والخارج من حيوان طعام لحيوان آخر.. ~~وهكذا، فهي محكومة بالغريزة لا بالعقل والاختيار. وكل شيء لا دخل ~~للإنسان فيه يسير على أدق نظام فلا تجد فيه فسادا أبدا إلا إذا ~~طالته يد البشر، ولك أن تذهب إلى إحدى الحدائق أو المتنزهات في شم ~~النسيم مثلا ms7739 لترى ما تتركه يد الإنسان في الطبيعة. لكن، لماذا وصف ~~الإنسان بهذا الوصف؟ ولماذا قرن وجوده بالفساد؟ نقول: لأنه يتناول ~~الأشياء بغير قانون خالقها، ولو تناول الأشياء بقانون الخالق عز وجل ما ~~أحدث في الطبيعة هذا الفساد. وسبق أن بينا أن الإنسان لا قدرة له ~~على شيء من مخلوقات الله إلا إذا ذللها الله له ويسرها لخدمته، بدليل ~~أن الولد الصغير يركب الفيل ويسحب الجمل وينيخه ويحمله الأثقال في حين ~~لا قدرة لأحدنا على ثعبان صغير، أو حتى برغوث، لماذا؟ لأن الله تعالى ~~ذلل لنا هذا، ولم يذلل لنا هذا. # ثم يقول تعالى: { وأنزلنا من السمآء مآء فأنبتنا ~~فيها من كل زوج كريم } [لقمان: 10] من السماء: أي من جهة ~~العلو ومن ناحية السماء، وإلا فالمطر لا ينزل من السماء، إنما من الغمام ~~{ فأنبتنا فيها.. } [لقمان: 10] أي: في الأرض: { من كل ~~زوج كريم } [لقمان: 10] زوج أي: نوع من النبات، فهي كلمة تدل على ~~مفرد، لكن معه مثله، والبعض يظن أنها تعني اثنين وهذا خطأ لذلك نقول عن ~~الرجل زوج، وعن المرأة زوج رغم أنه مفرد، لكن قرن بغيره. وقال تعالى ~~عن التكاثر: # ومن كل شيء خلقنا زوجين.. # [الذاريات: 49] فسمي الذكر زوج وسمي الأنثى زوج. ومثلها كلمة توأم ~~فهي تدل على مفرد، لكن مفرد لم يولد وحده إنما معه غيره، والبعض يقول ~~توأم ويقصد الاثنين، إنما الصواب أن نقول هما توأمان. ووصف الحق سبحانه ~~الزوج أي النوع من النبات بأنه { كريم } [لقمان: 10] لأنه يعطيك بكرم ~~وسخاء، فالحبة تعطيك سبعمائة حبة، وهذا عطاء المخلوق لله، فما بالك بعطاء ~~الخالق عز وجل؟ ثم يقول الحق سبحانه: { هذا خلق الله ~~فأروني ماذا خلق الذين من... }. ### || [31.11] # والكلام هنا موجه للمكابرين وللمعاندين الجاحدين لآيات الله: { ~~هذا.. } [لقمان: 11] أي: ما سبق ذكره لكم من خلق السماوات بغير ~~عمد، ومن خلق الجبال الرواسي والدواب وإنزال المطر وإحياء النبات.. ~~الخ. هذا كله { خلق الله.. } [لقمان: 11] فلم يدعه أحد لنفسه، ~~وليس لله فيه شريك { فأروني ماذا خلق الذين من دونه.. ms7740 } ~~[لقمان: 11] أي: الذين اتخذتموهم شركاء مع الله، ماذا خلقوا؟ وليس لهذا ~~السؤال إجابة عندهم، حيث لا واقع له يستدلون به، ولا حتى بالمكابرة لأن ~~الحق أبلج والباطل لجلج، لذلك لم نسمع لهم صوتا ولم يجرؤ واحد منهم ~~مثلا على أن يقول آلهتنا خلقت الجبال مثلا أو الشمس أو القمر، فلم ~~يستطيعوا الرد رغم كفرهم وعنادهم. والحق سبحانه في الرد عليهم يبين لهم ~~أن المسألة لا تقف عند عدم قدرتهم على الخلق، إنما لا يعرفون كيف ~~خلقوا هم أنفسهم: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 11]. وفي قول الله # وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51] دليل على صدق القرآن ومظهر من مظاهر إعجازه، فقد أخبرنا ~~الحق سبحانه أنه سيوجد مضلون يضلون الناس في مسألة الخلق، ويصرفونهم ~~عن الحق بكلام باطل. وفعلا صدق الله وسمعنا من هؤلاء المضلين من يقول: ~~إن الأرض قطعة من الشمس انفصلت عنها، وسمعنا من يقول إن الإنسان في ~~أصله قرد.. الخ، ولولا هذه الأقاويل وغيرها ما صدقت هذه الآية، ولجاء ~~أعداء الإسلام يقولون لنا: أين المضلون الذين أخبر عنهم القرآن؟ فكأن كل ~~كلام يناقض { هذا خلق الله.. } [لقمان: 11] هو كلام مضل، ~~وكأن هؤلاء المضلين - في غفلة منهم ودون قصد - يؤيدون كلام الله # وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. ونجد هذه المسألة أيضا في سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، حيث يطلع علينا من حين لآخر من ينكر سنة رسول الله ويقول: بيننا ~~وبينكم كتاب الله، فما كان فيه من حلال حللناه، وما كان فيه من حرام ~~حرمناه. وعندها نقول: سبحان الله، كأن الله تعالى أقامكم دليلا على ~~صدق رسوله، فقد أخبر الرسول عنكم، وعما تقولونه في حق سنته، حيث ~~قال: # " يوشك رجل يتكئ على أريكته، يحدث بالحديث عني فيقول: بيننا وبينكم ~~كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ~~". # ومعنى: { هذا خلق الله.. } [لقمان: 11] أي: مخلوقاته { ~~فأروني ماذا خلق الذين من دونه.. } [لقمان: ms7741 11] ولن ~~نطلب منك خلقا كخلق السماء والأرض والجبال، ولا إنزال المطر وإحياء ~~الأرض بالنبات، بل اخلقوا أقل شيء في الموجودات التي ترونها، وليس هناك ~~أقل من الذباب: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له.. # [الحج: 73] بل وأبلغ من ذلك # وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ~~ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73]. ثم يختم الحق سبحانه الآية بقوله: { بل الظالمون في ~~ضلال مبين } [لقمان: 11] أي: ضلال محيط بهم من كل اتجاه، والضلال ~~المبين المحيط لا ترجى معه هداية، فلن يهتدي هؤلاء، وما عليك إلا أن ~~تصبر على دعوتك يا محمد حتى يبدلك الله خيرا من هؤلاء، ويكونون لك ~~جنودا يؤمنون بك، وينصرون دعوتك. وقد كان. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر... }. ### || [31.12] # الحق سبحانه آتانا قبل أن يخلقنا، وآتانا بعد أن خلقنا بالمنهج ثم ~~والى إلينا بمواكب الرسالات التي تحمل إلى كل بيئة المنهج الذي ~~يناسبها، وقبل أن يخرج آدم عليه السلام لتحمل عبء هذه الخلافة أعطى ~~الله له تجربة، هذه التجربة مفادها أن يحافظ على منهج ربه في افعل و لا ~~تفعل وأن يحذر كيد الشيطان. وقد مر آدم بهذه التجربة البيانية قبل أن ~~يجتبيه الله للنبوة وكثيرون يظنون أن عصيان آدم جاء بعد أن كلف ~~بالنبوة فيقولون: كيف يعصي آدم ربه، وهو نبي والنبي معصوم؟ ونقول: نعم، ~~عصى آدم ربه، لكن قبل النبوة، وهو ما يزال بشرا عاديا لذلك قال سبحانه ~~في حقه: # وعصى ءادم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب ~~عليه وهدى # [طه: 121-122]. إذن: جاء الاجتباء بعد المعصية، فإن قلت: فما الداعي ~~للعصيان يصدر من آدم، وهو يعد للنبوة؟ قالوا: لأنه أبو البشر، والبشر ~~قسمان: بشر معصومون، وهم الأنبياء، وبشر ليست لهم عصمة وهم عامة الناس ~~غير الأنبياء، ولا بد لآدم أن يمثل النوعين لأنه أبو الجميع، فمثل ~~البشر عامة حين وقع في المعصية، ومثل الأنبياء حين اجتباه ربه وتاب ~~عليه، فجمع بذلك بين الملحظين. هنا يقول سبحانه: { ولقد ms7742 آتينا.. ~~} [لقمان: 12] والإيتاء يطلق على الوحي مع الفارق بينهما، فإن أطلق ~~الوحي فإنه ينصرف إلى الوحي للرسول بمنهج من الله، ويعرف الوحي عامة ~~بأنه إعلام بخفاء. ومن ذلك قوله تعالى في الوحي للملائكة: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا.. # [الأنفال: 12]. ويوحي للبشر، قال تعالى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه.. # [القصص: 7]. ويوحي للحيوان # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا.. # [النحل: 68]. ومن ذلك أيضا يوحي الشياطين بعضهم إلى بعض من شياطين ~~الإنس أو الجن: # وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجادلوكم.. # [الأنعام: 121]. كذلك يوحي الله إلى أهل الخير من أتباع الرسل: # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي.. # [المائدة: 111]. هذا في المعنى اللغوي للوحي وهو: إعلام بخفاء، فإن ~~قصدت الوحي الشرعي الاصطلاحي: فهو إعلام من الله لرسوله بمنهجه. وهذا ~~التعريف يخرج كل الأنواع السابقة. والحق سبحانه عبر عن الإيتاء ~~العام بقوله: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشآء.. # [الشورى: 51]. والإيتاء يقصد به الإلهام، ويكون حين تتوفر للإنسان آلة ~~استقبال سليمة صالحة لاستقبال الإلهام والخاطر من الحق سبحانه وتعالى، ~~وآلة الاستقبال لا تصلح للاستقبال عن الله تعالى إلا إذا كانت على ~~مواصفات الخالق سبحانه صانعها ومبدعها، كما يلتقط الراديو أو التليفزيون ~~الإرسال، فإن انقطع عنك الإرسال فاعلم أن جهاز استقبالك به عطب، أما ~~الإرسال فموجود لا ينقطع، ولله تعالى المثل الأعلى. # وله سبحانه إرسال دائم إلى عباده، لا يلتقطه إلا من صفت آلة ~~استقباله، وصلحت للتلقي عن الله، وهذه الآلة لا تصلح إلا إذا كانت على ~~المنهج في افعل ولا تفعل، لا تصلح إذا تكونت من الحرام وتغذت به لأن ~~الحرام يفسد كيماوية الفطرة التي خلقها الله في عباده يوم أن أخذ عليهم ~~العهد: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى.. # [الأعراف: 172]. فهذه الذرية لو ظلت على حالها من الصفاء يوم كانت في ~~ظهر ms7743 آدم ويوم أخذ الله عليها العهد، ولو التزمت منهج ربها في افعل و لا ~~تفعل لكانت أهلا لإلهام الله لأن آلة استقبالها عن الله سليمة. وتأمل ~~في وحي الله إلى أم موسى: # أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ~~ولا تخافي ولا تحزني.. # [القصص: 7]. فأي آلة استقبال هذه التي استقبلت هذا الأمر ونفذته دون ~~أن تناقشه، واطمأنت إليه قبل أن تفكر فيه؟ وكيف تقتنع الأم أن الموت ~~المحقق ينجي وليدها من موت مظنون؟ لذلك نقول: إذا صادف الإلهام آلة ~~استقبال سليمة فإنه لا يوجد في النفس ما يصادره، ولا ما يبحث عن دليل، ~~فقامت أم موسى ونفذت الأمر كما ألقي إليها، هذا هو الإيتاء. ومنه أيضا ~~قوله تعالى: # فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65] والعبد الصالح لم يكن نبيا، ومع ذلك آتاه الله بدون واسطة، ~~فكان هو معلما للنبي، وما ذلك إلا لأنه عبد لله على منهج موسى، وأخلص ~~لله تعالى فآتاه الله من عنده. واقرأ قول الله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا.. # [الأنفال: 29] وقال سبحانه: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17] إذن: كل ما علينا لنأخذ إلهامات الحق سبحانه أن نحتفظ ~~بصفاء البنية التي خلقها الله لتظل بمواصفات خالقها، ثم نسير بها على ~~منهجه تعالى في افعل ولا تفعل، وكان سيدنا لقمان من هذا النوع الصافي ~~الطاهر النقي، الذي لم يخالط جسمه حرام، والذي لا يغفل عن منهج ربه لذلك ~~آتاه الله الحكمة، وقال فيه: { ولقد آتينا لقمان ~~الحكمة.. } [لقمان: 12]. وقد اختلف العلماء فيه: أهو نبي أم غير ~~نبي، والغالب أنه غير نبي لأن القائلين بنبوته ليس لهم سند صحيح، ~~والجمهور اجتمعوا على أنه رجل صالح مرهف الحس، دقيق الإدراك، والحس كما ~~قلنا هو الأصل الأول في المعلومات، وكان لقمان لا يمر على الأشياء إلا ~~بهذا الحس المرهف والإدراك الدقيق العميق، فتتكون لديه مدركات ~~ومواجيد دقيقة تختمر في نفسه، فتتجمع لديه مجموعة من الفضائل ms7744 والقيم التي ~~تسوس حركة حياته، فيسعد بها في نفسه، بل ويسعد غيره من حوله بما يملك من ~~المنطق المناسب والتعبير الحسن، كذلك كان لقمان. # وللعلماء أبحاث حول شخصية لقمان وجنسيته، فمنهم من ذهب إلى أنه كان ~~أسود اللون غليظ الشفتين كأهل جنوب إفريقيا، لكنه مع ذلك كان أبيض القلب ~~نقي السريرة، تخرج من بين شفتيه الغليظتين الحكم الرقيقة والمعاني ~~الدقيقة. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قالوا: # " إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم ". # لذلك حين ترى من هو أقل منك في مال، أو صحة، أو جاه، أو منظر فلا تغتر ~~بذلك، وانظر وتأمل ما تميز به عليك لأن الخالق سبحانه - كما قلنا - ~~وزع فضله بين عباده بالتساوي، بحيث يكون مجموع كل إنسان يساوي مجموع ~~الآخر، ولا تفاضل بين المجموعات إلا بالتقوى: # " لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح ". # فالذين يحلو لهم أن يقسموا المهن مثلا إلى مهن شريفة وأخرى حقيرة ~~نقول: ليست هناك مهنة حقيرة ما دام المجتمع في حاجة إليها ولا تستقيم ~~حركة الحياة إلا بها، فكيف تحقرها؟ وكيف تحقر أهلها؟ والله لو قعد ~~الوزراء في بيوتهم أسبوعا ما حدث شيء، لكن لو تعطل عمال النظافة مثلا ~~أو الصرف الصحي ليوم واحد لحدثت مشكلة، ولأصبحت الدنيا خرارة. وكيف ~~نحقر هذه المهن ونحقر أصحابها، وهم يرضون باليسير، ويتحملون ما لا ~~يطيقه غيرهم، كيف نحقرهم، والله تعالى يقول: # يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم.. # [الحجرات: 11]. فإن قلت: ما دام ليس نبيا، فكيف يؤتيه الله؟ نقول: ~~بالمدد والإلهام الذي قال الله فيه: # إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا # [الأنفال: 29] فمن يحافظ على مواصفات التكوين بمنطق الله يأخذ من الله ~~مباشرة. كما لو طلب منك ولدك مبلغا من المال يتاجر به في السوق، فتعطيه ~~مبلغا يسيرا تجربه به، فإن أفلح وربحت تجارته يطمئن قلبك فتزيده ~~أضعاف ما أخذ في المرة الأولى، كذلك الإنسان إن أحسن ms7745 صحبته لربه داوم ~~الله عليه فضله ووالى إليه فيضه. لذلك يقول سيدنا عمر بن عبد العزيز: ما ~~قصر بنا في علم ما نجهل إلا عدم عملنا بما علمنا - يعني: لو كنا أهلا ~~للزيادة لزادنا، لو كنا مأمونين على ما علمنا فوظفناه في حركة حياتنا ~~لجاءتنا فيوضات إشراقية وعطاءات من ربنا ممتدة لا تنتهي، أما إن أخذنا ~~العلم فألقيناه جانبا ولم نعمل به، فما الداعي للزيادة، وأنت لم تستفد ~~بما عندك؟ وكما تكلم العلماء في شخصية لقمان وجنسيته تكلموا في حكمته، ~~فسأله أحدهم وقد تبسط معه في الحديث: ألم تكن عبدا تخدم فلانا؟ ~~قال: بلى، قال: فبم أوتيت الحكمة؟ قال: باحترامي قدر ربي، وأدائي ~~الأمانة فيما وليت من عمل، وصدق الحديث، وعدم تعرضي لما لا يعنيني. # وهذه الصفات كافية لأن تكون منهجا لكل مؤمن، ولأن ينطق صاحبها ~~بالحكمة، والله لو كانت فيه صفة الصدق في الحديث لكانت كافية. لذلك وصل ~~لقمان إلى هذه المرتبة وهو العبد الأسود، فآتاه الله الحكمة مباشرة، وهو ~~ليس نبيا ولا رسولا، وسميت إحدى سور القرآن باسمه، وهذا يدلك على أن ~~الإنسان إذا اعتدل مع الله وأخلص في طاعته فإن الله يعطيه من فيضه ~~الواسع، فيكون له ذكر في مصاف الرسل والأنبياء. ويروى من حكمة ~~لقمان أن سيده أمره أن يذبح له شاة ثم يأتيه بأطيب مضغتين فيها، فذبح ~~الشاة وجاءه بالقلب واللسان، وفي اليوم التالي قال له: اذبح لي شاة وأتني ~~بأخبث مضغتين فيها، فجاءه أيضا بالقلب واللسان فسأله: ألم تأت بهما ~~بالأمس على أنهما أطيب مضغتين في الشاة؟ قال: بلى فليس شيء أطيب منهما ~~إذا طابا، ولا شيء أخبث منهما إذا خبثا. وبعد لقمان جاء سيدنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا هذا الدرس فيقول: # "... ألا أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد ~~الجسد كله، ألا وهي القلب ". # ويقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: # " من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة ". # ويروى أن لقمان ms7746 كان يفتي الناس، وكانوا يثقون بكلامه، وكان ذلك قبل ~~داود عليه السلام، فلما جاء داود كف لقمان عن الفتيا، فلما سألوه: ~~لماذا امتنعت عن الفتيا؟ فقال - وهذه أيضا من حكمته: ألا أكتفي إذا ~~كفيت؟ يعني: لماذا أتمسك بها وقد بعث الله لي من حملها عني، وهو ~~يعلم تماما أنه مجرد عبد صالح أي: أنه أخذ الحكمة من منازلهم كما يقال، ~~أما داود فرسول من عند الله، ومن الحكمة أن يفسح له هذا المجال، ويترك ~~له ساحة الفتيا في القوم لعله يأتي بأفضل مما عند لقمان لذلك تركها له ~~عن رضا وطيب خاطر. والبعض يقول: إن الله خيره بين أن يكون نبيا أو ~~حكيما، فقال: أما وقد خيرتني يا رب، فأنا أختار الراحة، وأترك ~~الابتلاء، أما إن أردتها يا رب عزمة فأنا سأقبلها سمعا وطاعة لأني ~~أعلم أنك لن تخذلني. والحق سبحانه ينطق لقمان بأشياء من الحكمة يسبق ~~بها النبوة ليبين لنا أن الإنسان من الممكن أن يكون ربانيا، كما جاء في ~~الحديث القدسي: # " عبدي، أطعني تكن ربانيا، تقول للشيء كن فيكون ". # ذلك لأن فضل الله ليس له حدود، وليس عليه حرج، وبابه تعالى مفتوح، المهم ~~أن تكون أهلا لأن تلج هذا الباب، وأن تكون في معية ربك دائما. # ومما يروى من حكمة لقمان أنه غاب في سفرة، ثم عاد فلقيه تابعه، ~~فقال له: ما حال أبي؟ فقال: مات، فقال لقمان: الآن ملكت أمري، ثم سأل: ~~فما حال زوجتي؟ فقال: ماتت، فقال: جددت فراشي، ثم سأل عن أخته، فقال: ~~ماتت، فقال: ستر الله عرضي، ثم سأل عن أخيه، فقال: مات، فقال: انقصم ~~ظهري. وهذا الكلام لا يصدر إلا عن حكمة، فكثيرا ما يفرح الابن - خاصة ~~العاق - بموت أبيه لأنه سيترك له المال يتمتع به، أما لقمان فيقول عندما ~~علم بموت أبيه: الآن ملكت أمري لأنه في حياة أبيه كان له أمر، لكن أمره ~~ليس في يده إنما في يد أبيه، فلما مات أبوه صار أمره بيده. وهذه الحكمة ~~توضح لنا قول ms7747 النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنت وما ملكت يداك لأبيك " # كأنه من العيب أن تقول في حياة أبيك: أنا أملك كذا وكذا. أما الآن فقد ~~تجاوز الأبناء كل هذه القيم، ونسمع الابن يقول لأبيه: اكتب لي كذا وكذا. ~~أما قوله: " جددت فراشي " فهي كلمة لها معنى كبير: أنا لا أدخل الجديدة ~~على فراش القديمة حتى لا أجرح مشاعرها، أو أنني لا أتزوج إلا بعد وفاة ~~زوجتي الأولى ذلك لأن الغيرة طبع في النساء. وكانت أم المؤمنين عائشة ~~تغار حتى من ذكر السيدة خديجة، فقد # " دخلت فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم على أبيها مغضبة فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " ما أغضبك يا أم أبيها " فقالت: والله إن عائشة قالت ~~لي: إن رسول الله تزوج أمك ثيبا، ولم يتزوج بكرا غيري، فقال لها رسول ~~الله: " إذا أعادت عليك هذا القول - وانظر هنا إلى أدب النبوة في الرد ~~وفي سرعة الخاطر - فقولي لها: ولكن أمي تزوجت رسول الله وهو بكر، ~~وتزوجتيه أنت وهو ثيب " # هذا كلام النبوة، ومن بعدها لم تعدها عائشة مرة أخرى. وقد يقول ~~قائل: وكيف تغار عائشة، وهي أم المؤمنين وزوج رسول الله؟ قالوا: هذه ~~الغيرة لها معنى، فقد عقد رسول الله عليها وهي بنت السادسة، ودخل بها وهي ~~بنت التاسعة، وقد جاوز صلى الله عليه وسلم الخمسين من عمره، ومع فارق ~~السن بينهما رضيت عائشة برسول الله لأنها رأت فيه من مزايا نوره ما ~~جعلها تغار عليه رغم كبر سنه وصغر سنها، فلم تنظر إليه على أنه ~~رجل عجوز يكبرها، بل رأت فيه ما يفوق ويعلو على مجرد الشباب. إذن: ~~فمعنى: " جددت فراشي " أنني أراعي مشاعر الزوجة الجديدة، فلا أدخلها ~~على فراش القديمة فأصدمها به، وألهب مشاعر الغيرة عندها، حتى من التي ~~ماتت، وأنا أريد أن تكون صافية التكوين لذاتي، راضية عن كل تصرفاتي، أريد ~~أن أمنع كل شبهة تقلق كونها سكنا لي، وأنا سكن لها. # نعود إلى قوله تعالى: { ولقد آتينا لقمان الحكمة.. } ~~[لقمان: 12] فالذي آتى ms7748 هو الله عز وجل، والحكمة: مادة حكم تدل على وضع ~~الشيء في موضعه، ومنها الحاكم لأنه يضع الحق في نصابه، حتى في الدواب ~~نسمي الحديدة التي توضع في فم الفرس لأتحكم في حركته حكمه لأن الهدف من ~~ركوب الخيل مختلف، فمرة أركبه للنزهة، ومرة أركبه لأدرك به صيدا، ومرة ~~للكر وللفر في المعركة، فكل هدف من هذه له حركة، وينبغي أن أتحكم ~~في حصاني ليؤدي لي ما أريده منه. إذن: فالحكمة تعني في معناها العام ~~وضع الشيء في موضعه، وهي مجموعة من ملكات الفضائل تصدر عنها الأشياء ~~التي تضع كل أمر في محله لكن بيسر وبلا مشقة ولا تعب، كالشيخ الذي ظل ~~يدرس في الأزهر مثلا عشرين أو ثلاثين سنة تذهب إليه، وتستفتيه في أمر من ~~الأمور، فيجيبك بيسر وسهولة، وبدون تفكير أو إعداد، لماذا؟ لأن ~~الفتيا أصبحت ملكه عنده لا تحتاج منه إلى مجهود ولا مشقة. ومن ~~الحكمة أن يخلق الله لك أشياء، ويهديك لأن تستنبط منها أشياء أخرى. ~~وساعة تسمع من الله تعالى: { ولقد.. } [لقمان: 12] فاعلم أن هنا ~~قسما فالواو واو القسم، والمقسم عليه مؤكد باللام ومؤكد بقد ~~التي تفيد التحقيق. قوله سبحانه: { آتينا.. } [لقمان: 12] الحق - ~~سبحانه وتعالى - في إتيانه للأشياء يعني تعدي ما قدره لمن قدره من خير ~~ظاهر ومن خير مستور. وقبل أن يخلق الله الإنسان خلق له، فجاء الإنسان ~~الأول آدم عليه السلام وطرأ على كون فيه كل مقومات حياته من هواء وماء ~~وأرض وسماء وطعام وشراب.. الخ. وكل ذلك مسخر له تسخيرا لا دخل ~~للمنتفع به فيه، وهذا أول الإيتاء، بل قبل ذلك، وفي الأزل قبل أن يخلق ~~الإنسان خلق له مقومات مادته ومقومات قيمه وروحه - أي: أوجدها. ~~لأننا نعلم أن كل صانع قبل أن يقدم على صنعة لا بد أن يحدد ~~الغاية، ويضع الهدف منها أولا، لا أن يصنع الشيء ثم ينظر فيه: لأي ~~شيء يصلح هذا الشيء، كذلك لا بد أن يسبق الصنعة منهج صيانتها. ~~فالحق سبحانه قبل أن يخلق الإنسان وضع ms7749 له مقوماته المادية والمعنوية، ~~والمنهج الذي يصلحه وحدد الهدف من وجوده لذلك ينبهنا الحق سبحانه ~~إلى هذه المسألة في قوله تعالى: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان # [الرحمن: 1-3] فقبل أن يخلق الله الإنسان وضع المنهج الذي به صيانته، ~~وهو القرآن الكريم. إذن: فمعنى الإيتاء أن يعدي الله ما قدره من خير ~~ظاهر أو خير مستور لمن قدره، والخير يكون على نوعين: خير يقيم المادة، ~~وخير يقيم القيم الروحية، المادة تقوم بالهواء وبالطعام وبالشراب.. الخ، ~~والقيم تقوم بالوحي وبالمنهج الذي حمله الرسل بافعل ولا تفعل. والله ~~تعالى آتى كثيرا من خلقه، فلماذا خص لقمان بالذات، فقال { ولقد ~~آتينا لقمان الحكمة.. } [لقمان: 12]؟ قالوا: لأن الله تعالى ~~حين يأمر الرسل بأمر ليبلغوه يعد الرسل لهذا الأمر، وكأن الحق ~~سبحانه يريد أن يقول لنا، إن الفطرة السليمة تهتدي إلى الله، وإلى ~~المطلوب من الله بدون وحي، وبدون إعداد. ومن ذلك ما روي عن سيدنا عمر ~~- رضي الله عنه - من أنه كان يحدث سيدنا رسول الله بالأمر، ويقترح ~~عليه فيأتي الوحي موافقا لرأيه، فكيف يتسنى لعمر أن يقترح على رسول الله ~~وفي وجوده، وهو المشرع الثاني بعد القرآن؟ نقول: لأن الله تعالى يريد ~~أن يثبت لنا أن الفطرة السليمة إذا صفت لله تستطيع أن تهتدي إلى ~~الأشياء، وتصل إلى الحق قبل أن ينزل الوحي به. إذن: فالإيتاء من الله ~~لا يأتي عبثا، فالإيتاء الأول كان لآدم عليه السلام، وآدم شاء الله أن ~~يجعله خليفة له في الأرض، ولا يعني هذا أنه أول المخلوقات في الأرض، ~~والحق سبحانه لم يقل إنني أول ما خلقت خلقت آدم، وبدليل قوله تعالى: # والجآن خلقناه من قبل من نار السموم # [الحجر: 27]. ومسألة الخلق هذه هينة على الله، بدليل قوله تعالى: # إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك ~~على الله بعزيز # [إبراهيم: 19-20] فالمسألة ليست نادرة حدثت مرة واحدة، ولن تحدث بعد ~~ذلك. وللعلماء كلام طويل في عوالم أخرى غير عالمنا كعالم الحن، وعالم ~~البن، وعالم الجن وغيرها مما لا ms7750 يعلمه إلا الله، لكن إن حدثك ~~المضللون الذين يريدون أن يستدركوا على الدين ويقولون: إن الحفريات ~~أثبتت وجود مخلوقات قبل آدم، فكيف تقولون: إن آدم أول مخلوق؟ ونقول ~~لهؤلاء: لم يقل أحد: إن آدم أول مخلوق على الأرض، إنما هو أول هذا ~~الجنس البشري الذي نسميه " إنسان " لكن سبقته أجناس أخرى، وشاء الله أن ~~يجعل آدم خليفة في الأرض، ثم أخبر الملائكة # إني جاعل في الأرض خليفة.. # [البقرة: 30]. والله حين يخبر الملائكة هذا الخبر لا يستشيرهم، إنما ~~ليبين لهم أمرا واقعا، وخص الملائكة بهذا الإخبار لأنه سيكون لهم دور ~~مع هذا الخليفة الجديد. إذن: فالذين قال الله لهم: # إني جاعل في الأرض خليفة.. # [البقرة: 30] ليسوا كل الملائكة، إنما الذين لهم دور ومهمة مع هذا ~~المخلوق، أما باقي الملائكة فلا يدرون بآدم، ولا يعرفون عنه شيئا، وليس ~~في بالهم إلا الله. # والقرآن الكريم يشير لنا إلى هذه المسألة إشارة دقيقة في قوله تعالى ~~مخاطبا إبليس لما رفض السجود لآدم: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75] والعالون هم الملائكة الذين لم يشملهم الأمر بالسجود. وقلنا: ~~إن الله تعالى كرم آدم حين خلقه تعالى، وباشر خلقه بيده سبحانه، ولم ~~يخلقه كباقي المخلوقات بكن لذلك جاء في حيثية النقد على إبليس: # قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت ~~بيدي.. # [ص: 75]. إذن: مباشرة الخلق باليد دليل على العناية بالمخلوق لأن اليد ~~هي الآلة الفاعلة لأكثر الأشياء، وحتى الآن نفخر بعمل اليد فنقول هذا ~~الشيء يدوي يعني: لم تصنعه آلة صماء، إنما يد مفكر يتقن الصنعة. وفي ~~مسألة خلق آدم - عليه السلام - يحلو للبعض أن يقول: هو الذي أخرجنا من ~~الجنة، فهل قال الله تعالى قبل أن يصدر أول بيان عن آدم أنني خلقته ~~للجنة، ثم عصى آدم ربه وتسبب في أن نخرج منها؟ لم يقل ذلك، إنما قال: # إني جاعل في الأرض خليفة.. # [البقرة: 30] فهو - إذن - مخلوق للأرض، وما الجنة التي دخلها إلا جنة ~~التجربة لا جنة الخلد، والبعض يظن أن كلمة الجنة إذا ms7751 أطلقت تعني جنة ~~الآخرة، وهذا خطأ بدليل قول الله تعالى: # إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين # [القلم: 17]. وقوله تعالى: # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب.. # [الكهف: 32]. فالجنة في اللغة هي المكان المليء بالأشجار الكثيفة التي ~~تستر من يسير فيها، كما تستره أيضا عن البيئة الخارجية لأنها تكفيه ~~بما فيها عن الاحتياج إلى غيرها، فبها كل مقومات الحياة، ومن ذلك ~~الجنة التي دخلها آدم لأن الله تعالى أراد أن يصنع لآدم تدريبا على ~~مهمة الخلافة، ولم لا ونحن ندرب كل صاحب مهمة على مهمته قبل أن يقوم ~~بها، حتى لاعب الكرة. وحين نأخذ المتدرب لندربه على أداء مهمته لا بد ~~أن نوفر له كل مقومات حياته، ونتكفل له بكل ما يعينه على أداء مهمته، ~~فنقدم له إقامة كاملة من طعام وشراب ومسكن.. إلخ وكذلك فعل الله تعالى ~~لآدم فقال له # يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها ~~رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظالمين # [البقرة: 35]. وحين نقارن بين ما أباحه الله لآدم وما حظره عليه نجد أنه ~~تعالى أباح له كل ما في الجنة ولم يحرم عليه إلا هذه الشجرة التي ~~أوضحها وبينها له. كما نلحظ قوله تعالى: # لا تقربا.. # [البقرة: 35] ولم يقل: لا تأكلا لأن القرب من الشيء قد يغري ~~بمزاولته، فاحتط أنت لنفسك بعدم القرب منه. # وهذا التدريب لآدم فيه إشارة رمزية لكل تكليف من الله لخلقه في افعل و ~~لا تفعل. ثم يذكر الحق سبحانه آدم بالمقدمة العدائية التي حدثت بينه ~~وبين إبليس، وينصحه بأن يحذر هذا العدو لأنه أبى أن يسجد له لما أمره ~~الله بالسجود استكبارا وعتوا. والله حين يأمر بالسجود لآدم إنما يريد ~~السجود للأمر والانصياع له، لا السجود لآدم في ذاته لذلك نجد الأمر من ~~الله تعالى يختلف باختلاف المأمورين، فمرة ينهى عن شيء ويأمر بمثله ليرى ~~مدى انضباطك للأمر وللنهي. ففي الحج مثلا، يأمرك أن تقبل حجرا، ~~وأن ترمي حجرا آخر وترجمه، وهذا ms7752 حجر وذاك حجر، إذن: فالحجرية غير ~~منظورة، لكن المنظور فيه إلى الأمر أو النهي. وبصرف النظر عن المصلحة أو ~~الحكمة من الأمر أو النهي، فمثلا حينما يتعذر الماء يشرع التيمم بدلا ~~من الوضوء، فيأتي من يقول: الوضوء للنظافة، فما النظافة في التيمم، وهو ~~يلوث الجسم؟ ونقول: فرق بين النظافة والتطهير، والمراد من التيمم ~~التطهير بشيء هو أصل في مادتك وتكوينك، فالمسألة انضباط في طاعة الأمر ~~بأن تفعل شيئا تجعله مقدمة لصلاتك، كأنك لا تقبل على الصلاة إلا ~~بتهيئة، وأيضا لأن الصلاة بها قوام روحك وحياتك، وحياتك في الأصل ~~ومادتك من الماء الذي تستخدمه في الوضوء والتراب الذي تستخدمه في التيمم. ~~إذن: لهاتين المادتين رمزية يجب أن تلحظ في الدخول على الله في الصلاة، ~~ولا يليق بالمؤمن أن يفلسف أمور العبادات ويبحث عن علتها والحكمة أو ~~المصلحة من أدائها، إنما يكفي أن يقول: علة هذا الأمر أن الله أمر به ~~أن يفعل، وعلة هذا الحكم أن الله أمر به ألا يفعل. لذلك ورد عن ~~الإمام علي رضي الله عنه أنه قال: لو كانت المسألة بالعقل لكان أسفل ~~الخف أولى بالمسح من أعلاه، إذن: المسألة طاعة والتزام للأمر وللنهي ~~لذلك من غير المناسب أن نقول: إن من حكمة الصوم: أن يشعر الغني بألم ~~الجوع، فيعطف على الفقير لأنني سأقول لك إذن: لماذا يصوم الفقير؟ ~~ولتوضيح هذه المسألة ضربنا مثلا وما زلنا نكرره. قلنا: إن أعز شيء على ~~المرء صحته، فإن أصابته علة، فأول ما يعمل عقله يبحث عن الطبيب ~~المتخصص في مرضه فيذهب إليه، ثم يسلم له نفسه ليفحصه، ثم يكتب له الدواء ~~فيأخذه ويتناوله دون أن يسأل عن علته، أو لماذا وصفه الطبيب، لماذا؟ ~~لأن الطبيب مؤتمن بعد أن تعلم ودرس وتخصص، فأنت لا تسأله ولا ~~تناقشه: لماذا كتب لك هذا الدواء، وهو مع ذلك إنسان وعرضة للخطأ وللسهو ~~وللنسيان، ومع ذلك لا يناقش. إذن: علة تناول الدواء أن الطبيب وصفه لي، ~~وعلة كل أمر عند الآمر به. # والآمر في العبادات ms7753 هو الحق - سبحانه وتعالى - فلا يليق بالمؤمن بعد أن ~~آمن بالله وبحكمته وقدرته أن يبحث ليعلم الحكمة من كل أمر يأتيه من ربه ~~عز وجل. نعود إلى آدم - عليه السلام - وأن الجنة التي دخلها كانت ~~للتدريب والتجربة ولم تكن جنة الخلد، تدرب فيها آدم على: كل افعل ~~وعلى: لا تقرب لا تفعل واحذر الشيطان فإنه عدو لك، وسوف يوسوس لك، ويغويك ~~لأنه لا يريد أن يكون عاصيا وحده، يريد أن يجرك معه إلى حمأة ~~المعصية. وظل آدم وزوجته يأكلان كما قال تعالى من الجنة رغدا حيث شاءا، ~~دون أن يقربا هذه الشجرة التي بينها الله لهما إلى أن وسوس لهما ~~الشيطان وأغراهما بالأكل منها، مع أن الله تعالى حذرهما، وأعطاهما حقنة ~~مناعة ضد الشيطان ووسوسته، ومع ذلك حدثت من آدم الغفلة. وهذه الغفلة ~~الله ينبه بها ذرية آدم من بعده: أن الشيطان لن يدعكم، وسوف يدخل ~~عليكم بألاعيبه وحيله، كما دخل على أبيكم آدم، فكونوا منه على حذر، ~~وابحثوا بعقولكم ما يلقيه إليكم من وساوس. بالله ماذا قال إبليس لآدم حين ~~أغواه بالأكل من الشجرة؟ قال: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين # [الأعراف: 20]. أليس من المنطق أن نقول: ولماذا لم تأكل أنت منها يا ~~إبليس فتصير ملكا، وتصير من الخالدين، ولا تتمحك فتقول: # فأنظرني إلى يوم يبعثون # [الحجر: 36] إذن: كان على آدم أن يتنبه إلى مكايد الشيطان وألاعيبه. ~~ثم ينبهنا - سبحانه وتعالى - من خلال هذه القصة إلى أن الشيطان ~~سيأتينا في مقام الطاعة، فلو أن آدم وزوجه ذهبا إلى هذه الشجرة وأكلا ~~منها ما وسوس لهما، فهذا دليل على أنهما احتاطا للأمر، فلم يقربا من ~~الشجرة تنفيذا لأمر الله لذلك تدخل الشيطان. إذن: نقول إن الشيطان لا ~~يتدخل إلا في مجال الطاعة، أما المعصية فصاحبها كفاه مؤنة الوسوسة، ~~الشيطان يذهب إلى المسجد لا يذهب إلى الخمارة لأن الذي يذهب إلى الخمارة ~~صار شيطانا في ذاته، فما حاجته لإبليس؟ لذلك يقول تعالى حكاية ms7754 عن ~~إبليس: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] أي: في مواضع الخير وطرق الصلاح والهداية لأبطل أعمالهم، ~~وأفسد عليهم أمرهم، ونحن نلحظ ذلك في صلاتنا مثلا، فقد تنسى شيئا، ~~وتحاول أن تتذكره فلا تستطيع، وفجأة وأنت تصلي تتذكره. فلو أننا أخذنا ~~الروشتة من خالقنا عز وجل وبمجرد أن ينزغنا الشيطان نقول: أعوذ بالله من ~~الشيطان الرجيم لتنبه الشيطان، وعلم أننا لسنا في غفلة، وأننا نكشف ~~ألاعيبه، ونعرف حيله وصدق الله العظيم حين قال: # وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~بالله.. # [الأعراف: 200]. وقد وصف الله الشيطان بأنه خناس، يعني: إذا ذكر الله ~~خنس وتضاءل، فإن جاءك هذا الخاطر الشيطاني - حتى وإن كنت تقرأ القرآن ~~- قل بجرأة وقوة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ليعلم أن ألاعيبه لا ~~تخفى عليك فينصرف عنك، أما أن تخضع له فإنه يعطيك فقط طرف الخيط، ويفتح ~~لك بابا يشغلك به، ثم يتركك أنت تكر هذا الخيط من نفسك، ويذهب هو ~~يستغفل واحدا غيرك. # والشيطان رغم علمه، إلا أن فيه تغفيلا بدليل أنه أعلن عن خطته، وأظهر ~~لنا مكايده قبل أن يكيدنا بها، فقال: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] وقال # لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم.. # [الأعراف: 17]، فالذي يدبر المكايد ويتآمر على غيره لا يعلن عن مكايده ~~مقدما، ونحن أيضا كان علينا أن نحذر هذه المكايد خاصة، وقد أعلن ~~عدونا عنها. ولك أن تلحظ في خطة إبليس أنه يأتيك من جهاتك الأربع، ~~ومعلوم أن الجهات ست، فلماذا لم يذكر فوقنا وتحتنا؟ قالوا: لأن هاتين ~~الجهتين محل نظر إلى الله عز وجل، فالعبد ينظر إلى عز الربوبية في ~~عليائه وذل العبودية إذا اتجه في سجوده إلى أسفل. إذن: فأنت في معية ~~ربك في هاتين الجهتين، والشيطان لا ينال منك إلا وأنت بعيد عن معية ربك. ~~ومثلنا لذلك، ولله المثل الأعلى قلنا: إن الغلام إذا كان يسير في يد ~~أبيه وفي صحبته، لا يجرؤ أحد من أمثاله على الاعتداء عليه، إنما إن سار ~~وحده فهو عرضة للإيذاء. ms7755 وهذا دليل على علم إبليس وعلى ذكائه، ونلحظ هذا ~~أيضا في قوله: # لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم ~~المخلصين # [ص: 82-83] كأنه يقول لربه: أنا لا أقترب من عبادك الذين هم في حضانتك، ~~وفي معيتك. والتغفيل الأكبر في إبليس أنه مع علمه بمقام ربه يتمرد على ~~أمره، حين يأمره بالسجود فلا يسجد. إذن: نبه الله تعالى آدم وحذره من ~~كيد إبليس، وكان عليه أن يحذر وألا تدخل عليه حيلة الأكل من الشجرة ~~إلا أنه في غفلة منه عن أمر ربه أكل من الشجرة، فلما خالف الأمر اختلفت ~~طبيعته، وبدت له ولزوجه السوءة، وكانت المرة الأولى التي يشعر فيها ~~آدم بعورته عند خروج الغائط. لكن، ما الفرق بين فتحة دخول الطعام الفم ~~وفتحة خروجه؟ ولماذا أصبحت هذه عورة، وهذه غير عورة؟ قالوا: لأن آدم حال ~~طاعته لأمر ربه في الأكل من ثمار الجنة كان يأكل بطهي ربه، وهو طهي بحكمة ~~وبقدر معلوم، يكفي مقومات الحياة ولا يزيد عنها، لذلك لم يبق في بطن ~~آدم فضلات، ولم توجد عنده غازات أو أرياح، فلم يشعر في هذه الحالة بحاجة ~~إلى التغوط، فكانت الفتحتان متساويتين، هذه فتحة، وهذه فتحة. فلما خالف ~~آدم ربه وذاق الشجرة اختلفت الأغذية في بطنه، وحدث لها تفاعلات، ونتج ~~عنها فضلات وأرياح، ولما أحس بها آدم نفر منها وأصابه الخجل، وشعر أنها ~~عورة ينبغي أن تستر، فالطبع السليم لا بد أن ينفر منها لذلك أخذ ~~يزيل هذا الأذى عن نفسه، ويستره بأوراق الشجر، ومنذ ذلك الحين لم يستطع ~~آدم أن يسد هذه الفتحة، ولن تسد. # إذن: الحق سبحانه جعل الدربة لآدم في الجنة هذه، وهيأ له فيها ~~طعامه، ونهاه عن نوع بعينه، فأمره ونهاه وعلمه وحذره، فلما وقع في ~~المخالفة وأغواه الشيطان، ولم يعمل بنصيحة ربه أخرجه إلى الأرض بهذه ~~التجربة، لتكون رمزا له ولذريته من بعده: إن سرت على منهجي ووفق ~~أوامري في افعل و لا تفعل فلن تجد عورة في الكون كله، ونحن نرى ذلك فعلا ~~في حركة حياتنا ms7756 في الكون، فلا نرى عورة في المجتمع ولا خللا إلا إذا ~~خولفت أوامر الله. هذا هو الإتيان الأول، بعد ذلك قدر الله غفلة ~~البشر، فأرسل إليهم الرسل بالمنهج، فكان إتيان آخر، كما قال تعالى: # وآتينا داوود زبورا # [النساء: 163] وقال في عيسى عليه السلام: # وآتيناه الإنجيل # [الحديد: 27]. وهذا الإيتاء من الله يتم في خفاء لذلك يسمونه وحيا، ~~وهو من الغيبيات، فالله تعالى لا يمد يده فيعطي النبي أو الرسول شيئا ~~حسيا، ومن هنا ارتبط الإيمان بالغيبيات دون المحسات، فأنا لا أقول ~~مثلا: آمنت بأنني قاعد في مسجد الشيخ سليمان وأمامي جمع من الإخوة.. ~~الخ. إذن: لا بد أن يكون الإيمان بأمر غيبي. الحق - سبحانه وتعالى - ~~يؤتى على توالي العصور أنبياءه معجزات، ويؤتيهم منهجا يسوس حركة ~~الحياة، ولا يقتصر إيتاء الله على الرسل، إنما يؤتى غير الرسل، ويؤتى ~~الحيوان.. الخ. ثم يعطينا الحق سبحانه نموذجا للحكمة التي آتاها لقمان: ~~{ أن اشكر لله.. } [لقمان: 12] هذه هي الحكمة الأولى في الوجود ~~لأنك إن شكرت الله على ما قدم لك قبل أن توجد، وعلى ما أعطاك قبل أن ~~تسأل، وعلى ما هدى جوارحك لتؤدي مهمتها حتى وأنت نائم، كأنه تعالى يقول ~~لعباده: ناموا أنتم فربكم لا تأخذه سنة ولا نوم. فإن شكرك لله يهدم أول ~~لبنة من لبنات الاغترار، فالذي يفسد خلافة الإنسان في الأرض أن يغتر ~~بما أعطاه الله وبما وهبه، وينسى أنه خليفة، ويعتبر نفسه أصيلا في ~~الكون، والشكر لله تعالى يكون على ما قدم لك من نعم. ومن ذلك قوله ~~تعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78] أي: تشكر الله على ما سبق، فقد ولدت لا تعلم شيئا، ثم ~~تكونت عندك آلات الإدراك والعلم، فعلمت وملأت قلبك بالمعاني الجميلة ~~لذلك تشكر الله عليها، فجعل هذه الآلات لك، علته أن تشكر أي: على ~~ما مضى. # ثم هناك شكر آخر، لا على ما فات، لكن شكر هو في ذاته نعمة جديدة، وتأمل ~~في ذلك ms7757 قول الله تعالى: # ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم ~~من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من ~~فضله.. # [الروم: 46] هذه كلها نعم يعطف عليها بقوله: # ولعلكم تشكرون # [الروم: 46]. فعطف الشكر على النعم السابقة يعني أنه في ذاته نعمة، وإلا ~~لقال كما في الآية السابقة # لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. والشكر بهذا المعنى هو المراد في قوله تعالى: # لئن شكرتم لأزيدنكم.. # [إبراهيم: 7] فهذا شكر لما سبق، وهذا شكر لما هو آت. والشكر في قوله ~~تعالى: { أن اشكر لله.. } [لقمان: 12] موجه إلى الله تعالى، ~~فكيف إذا توجه الشكر في أسباب تناوله إلى غير الله، كأن تشكر صاحبك الذي ~~قدم لك معروفا مثلا؟ قالوا: لو تأملت شكر غير الله ممن قدم لك ~~معروفا يستوجب الشكر لوجدته يؤول إلى شكر الله في النهاية. لذلك قالوا: ~~لا تشكر الله إلا حين تشكر من ساق لك الجميل على يديه، يعني: جعله ~~سببا في قضاء حاجتك، ثم إن الذي قدم لك جميلا، ما قدمه لك وما آثرك ~~على نفسه إلا لأن الله أمره بذلك، ودعاه إليه. وأثابه على فعله، فإذا ~~سلسلت الشكر لانتهى إلى شكر الله تعالى. ثم يقول سبحانه: { ومن ~~يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله ~~غني حميد } [لقمان: 12] علمنا أن الشكر لله هو أول الحكمة، ~~فلماذا؟ لأن من يشكر تعود إليه ثمرة شكره. وإياك أن تظن أن من مقومات ~~قيومية ربك أن تشكره، فشكرك وعدمه سواء بالنسبة لله تعالى، كيف وقد ~~وسع سبحانه الكافر الذي كفر به، ولم يقطع عنه نعمه ذلك لأنه سبحانه غني ~~عن خلقه { ومن كفر فإن الله غني حميد } [لقمان: 12] ~~لأنه سبحانه يعرف أنه رب، حتى للكافر الجاحد. ونلحظ في الأسلوب هنا عظمة ~~وروعة، ففي الشكر قال سبحانه { ومن يشكر.. } [لقمان: 12] أما في ~~الكفر فقال: { ومن كفر.. } [لقمان: 12] ولم يقل: ومن يكفر، وفرق ~~بين الأسلوبين، والكلام هنا كلام رب، ففي الشكر جاء بالفعل المضارع { ~~يشكر.. } [لقمان: 12] الدال على الحال والاستقبال، فالشكر متجدد ~~ودائم على خلاف الكفر. وكأنه - سبحانه وتعالى - لا يريد ms7758 من عبده الدوام ~~على كفره، فلعله يتوب ويرجع إلى ساحة الإيمان، فجاء بالفعل الماضي { ~~كفر.. } [لقمان: 12] أي: في الماضي فحسب، وقد لا يعود في المستقبل، ~~وهذا مظهر من مظاهر الإعجاز البياني في القرآن الكريم. ومعنى { حميد ~~} [لقمان: 12] من صيغ المبالغة على وزن " فعيل " وتأتي مرة بمعنى " فاعل ~~" مثل رحيم، ومرة بمعنى " مفعول " مثل قتيل أي: مقتول، والمعنى هنا { ~~حميد } [لقمان: 12] أي: محمود وجاءت هذه الصفة بعد { غني.. } ~~[لقمان: 12] لأن الكافر لو كان يعلم أن الله لم يقطع عنه نعمه رغم كفره ~~به لحمد هذا الإله الذي حلم عليه، ولم يعامله بالمثل. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وإذ قال لقمان... }. ### || [31.13] # يعطينا الحق سبحانه طرفا من حكم لقمان التي رواها القرآن الكريم: { ~~وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه.. } [لقمان: 13] قوله: ~~{ وإذ.. } [لقمان: 13] أي: اذكر يا محمد حين قال لقمان لابنه، وتوجيه ~~حكمة لقمان ونصيحته لابنه يدلنا على صدق ما روي عنه أنه كان يفتي ~~الناس ويعظهم قبل سيدنا داود عليه السلام، فلما جاء داود أمسك لقمان ~~وقال: ألا أكتفي وقد كفيت، ثم وجه نصائحه لمن يحب وهو ولده. ولذلك، ~~فالإمام أبو حنيفة - رضوان الله عليه - عندما شكاه القاضي ابن أبي ليلى ~~إلى الخليفة أنه يفند شكاواه وأحكامه، فأرسل إليه الخليفة بأن يترك ~~الفتوى، وبينما هو في بيته إذ جاءته ابنته وقالت له: يا أبي حدث لي كذا ~~وكذا - تريد أن تستفتيه - فماذا قال لها وهي ابنته؟ قال: سلي أخاك ~~حمادا، فإن أمير المؤمنين نهاني عن الفتيا. وفرق بين أن يتكلم ~~الإنسان مع عامة الخلق، وبين أن يتكلم مع ولده، فالابن هو الإنسان ~~الوحيد في الوجود الذي يود أبوه أن يكون الابن أفضل وأحسن حالا منه، ~~ويتمنى أن يعوض ما فاته في نفسه في ولده ويتدارك فيه ما فاته من خير. ~~ومعنى { وهو يعظه.. } [لقمان: 13] الوعظ: هو التذكير بمعلومة ~~علمت من قبل مخافة أن تنسى، فالوعظ لا يكون بمعلومة جديدة، إنما ~~ينبه غفلتك إلى شيء موجود عندك، لكن غفلت عنه، فهناك فرق بين ms7759 عالم ~~يعلم، وواعظ يعظ، والوعظ للابن يعني أنه كان على علم أيضا بالمسائل، ~~وكان دور الوالد أن يعظه ويذكره. ونلحظ في أسلوب الآية أن الله تعالى ~~لما أخبر عنه قال { وإذ قال لقمان لابنه.. } [لقمان: 13] ~~ولما تكلم لقمان عن ابنه قال { يبني.. } [لقمان: 13] ولم يقل يا ~~ابني، فصغره تصغير التلطف والترقيق، وليوحي له: إنك لا تزال في حاجة إلى ~~نصائحي، وإياك أن تظن أنك كبرت وتزوجت فاستغنيت عني. وأول عظة من ~~الوالد للولد { لا تشرك بالله.. } [لقمان: 13] وهذه قمة العقائد ~~لذلك بدأ بها لأنه يريد أن يصحح له مفهومه في الوجود، ويلفت نظره إلى ~~أن الأشياء التي نعم بها آباؤك وأجدادك لا تزال تعطي في الكون، ومن ~~العجيب أنها باقية، وهي تعطي في حين يموت المعطى المستفيد بها. وتأمل ~~منذ خلق الله الكون كم جيل من البشر انتفع بالشمس؟ ومع ذلك اندثروا ~~جميعا، وما زالت الشمس باقية، كذلك القمر والهواء والجبال.. الخ. فكيف ~~وأنت سيد هذا الكون يكون خادمك أطول عمرا منك؟ إذن: على العاقل أن ~~يتأمل، وعلى الإنسان الذي كرمه الله على سائر المخلوقات أن يقول: لا ~~بد أن لي عمرا أطول من عمر هذه المخلوقات التي تخدمني، وهذا لا يتأتى ~~إلا حين تصل عمرك في الدنيا بعمرك في الآخرة، وهذا يستدعي أن تؤمن بالله ~~وألا تشرك به شيئا، فهو وحده سبحانه الذي خلق لك هذا كله، وأعده ~~لخدمتك قبل أن توجد: واقرأ: # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من ~~دونه.. # [لقمان: 11]. فكيف تدعي أن لله شركاء في الخلق، وهم أنفسهم لم يدعوا ~~أنهم آلهة، أو أنهم خلقوا شيئا في كون الله؟ كيف وأنت تسير في الصحراء، ~~فترى الحجر يعجبك فتأخذه وتسويه وتجعله إلها ولو هبت الريح ~~لأطاحت به؟ ثم ما المنهج الذي جاءتكم به هذه الآلهة بم أمرتكم وعم ~~نهتكم؟ ماذا أعدت من نعيم لمن عبدها، وماذا أعدت من عذاب لمن كفر بها؟ ~~إذن: فهذه آلهة بلا تكليف، والعبادة في حقيقتها أن يطيع العابد أمر ~~معبوده، إذن: ms7760 هي آلهة باطلة لا يخفى بطلانها على العاقل. لذلك يقول ~~لقمان: { إن الشرك لظلم عظيم } [لقمان: 13] نعم الشرك ظلم ~~لأن الظلم يعني: نقل حق الغير إلى الغير، وقمة الظلم ومنتهاه أن تأخذ ~~حق الله، وتعطيه لغير الله، ألا ترى أن الصحابة ضجوا لما نزل قوله ~~تعالى: # الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ~~أولئك لهم الأمن وهم مهتدون # [الأنعام: 82]. وقالوا: يا رسول الله، ومن منا لم يخالط إيمانه ظلم؟ ~~فهدأ رسول الله من روعهم وطمأنهم أن المراد بالظلم هنا ظلم القمة أي: ~~الشرك بالله { إن الشرك لظلم عظيم } [لقمان: 13]. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ووصينا الإنسان بوالديه... }. ### || [31.14] # أهذه وصية من وصايا لقمان لابنه، أم هي كلام جديد من الله تعالى جاء في ~~سياق كلام لقمان؟ قالوا: هو من كلام الحق تبارك وتعالى، بدليل قوله تعالى ~~بعد ذلك: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما.. # [لقمان: 15]. ومن التكريم للقمان أن الله تعالى ساق هذه الوصية بعد ~~وصيته لابنه، فجاءت وكأنها حكاية عنه. ومعنى { ووصينا.. } [لقمان: ~~14] يعني: علمنا ووعظنا، وهما يدلان على معلومات تبتدئ بعلمنا ويذكر بها ~~في وعظنا، ويوفى بها حين جمعنا كل الخير في كلمة واحدة لذلك فالنبي صلى ~~الله عليه وسلم عندما خطب الناس في حجة الوداع ذكر أمهات الفضائل، لماذا؟ ~~لأنه آخر كلامه إليهم، والموقف لا يناسب أن يذكر فيه تفاصيل الدين كله، ~~فاكتفى بذكر أسسه وقواعده، كالرجل منا حين تحضره الوفاة يجمع أولاده، ~~ويوصيهم، فيختار الأمور الهامة والخلاصة في أضيق نطاق. الله تعالى يقول: ~~{ ووصينا الإنسان بوالديه.. } [لقمان: 14] والوصية ~~بالوالدين بالذات أخذت رقعة واسعة في كتاب الله، في هذه الآية ذكر علة ~~الوصية، فقال: { حملته أمه وهنا على وهن وفصاله ~~في عامين.. } [لقمان: 14]. وفي خمس آيات أخرى وردت كلمة إحسانا، ~~في قوله تعالى: # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا ~~الله وبالوالدين إحسانا.. # [البقرة: 83]. وفي سورة النساء: # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا.. # [النساء: 36]. وفي الأنعام: # قل تعالوا أتل ms7761 ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا.. # [الأنعام: 151]. وفي الإسراء: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا.. # [الإسراء: 23]. وفي الأحقاف: # ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه ~~كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا.. # [الأحقاف: 15]. وفي آية واحدة وردت كلمة حسنا في سورة العنكبوت: # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا.. # [العنكبوت: 8]. وفي آية واحدة أيضا جاءت الوصية بالوالدين دون ذكر ~~لهاتين الكلمتين: حسنا وإحسانا هي الآية التي نحن بصدد الحديث عنها. ~~لكن، ما الفرق بين إحسانا و حسنا؟ الفرق أن الإحسان مصدر أحسن، وأحسن ~~حدث، تقول: أحسن فلان إحسانا. أما حسنا فمن الحسن وهو المصدر الأصيل ~~لهذه المادة كما تقول: فلان عادل، فوصفته بالعدل، فإن أردت أن تبالغ ~~في هذا الوصف تقول: فلان عدل أي: في ذاته، لا مجرد وصف له. إذن: ~~فحسنا آكد في الوصف من إحسانا، فلماذا جاءت في هذه الآية بالذات: # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا.. # [العنكبوت: 8] قالوا: لأن هذه الآية تتعرض لمسألة صعبة تمس قمة ~~العقيدة، فسوف يطلب الوالدان من الابن أن يشرك بالله. لذلك احتاج الأمر ~~أن نوصي الابن بالحسن في ذاته، وفي أسمى توكيداته فلم يقل هنا ~~إحسانا إنما قال حسنا حتى لا يظن أن دعوتهما إياه إلى الشرك مبرر ~~لإهانتهما، أو التخلي عنهما لذلك يعلمنا ربنا: # فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا # [لقمان: 15]. وإن كانت الوصية هنا بالوالدين ألا أن حيثيات الوصية خاصة ~~بالأم { حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في ~~عامين } [لقمان: 14] فلم يذكر شيئا عن دور الأب، لماذا؟ قالوا: لأن ~~الكلام هنا كلام رب، وما عليك إلا أن تعمل فيه فكرك وقلبك لتصل إلى ~~دقائقه. الله تعالى يذكرنا هنا بدور الأم خاصة، لأنها تصنع لك وأنت ~~صغير لا تدرك صنعها، فهو مستور عنك لا تعرفه، أما الأفعال الأب وصنعه ~~لك فجاء حال كبرك وإدراكك للأمور من حولك، فالابن يعرف ما قدم أبوه ~~من أجله. فكأن أفعال الأب وجدت حين تم تكوين العمر العقلي الواعي، ففهم ~~الابن ما فعل أبوه، وكثيرا ما ms7762 سمع الابن: أبوك ذهب إلى كذا، أبوك أحضر ~~لك كذا، وهذا الأمر عندما يأتي أبوك.. الخ، فدور الأب ظاهر على خلاف دور ~~الأم لذلك ذكره الحق - تبارك وتعالى - هنا { حملته أمه وهنا ~~على وهن } [لقمان: 14]. ويأتي من يقول: أليس الابن نتيجة التقاء ~~الأب والأم، فهما فيه سواء؟ ونقول: بلى، لكن مشقة الأم فيه أوضح أثناء ~~الحمل وعند الولادة، ولولا أن الله تعالى ربط النسل بالشهوة لزهد الناس ~~فيه لما تتحمله الأم من مشاق، ولما يتحمله الأب من تبعات الأولاد. ونعرف ~~قصة المرأة التي ذهبت تقاضي زوجها لأنه يريد أن يأخذ ولدها منها، فقالت ~~للقاضي وقد قال لها: أليس الولد ولدكما معا؟ قالت: بلى، ولكنه حمله ~~خفا ووضعه شهوة، وحملته وهنا على وهن، فحكم لها. ومعنى: { وهنا ~~على وهن.. } [لقمان: 14] أي: ضعفا على ضعف، والمرأة بذاتها ضعيفة، ~~فاجتمع لها ضعفها الذاتي مع ضعف بسبب الجنين الذي يتغذى منها، ويكبر في ~~أحشائها يوما بعد يوم لذلك قلنا: إن من حكمة الله تعالى في خلق الرحم ~~أن جعله قابلا للتمدد والاتساع ليحتوي الجنين في مراحل الحمل المختلفة ~~إلى أن يزيد الجنين زيادة لا يتحملها اتساع الرحم فينفجر إيذانا ~~بولادة إنسان جديد وخلق آخر كما قال تعالى: # ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن ~~الخالقين # [المؤمنون: 14]. فالجنين كان خلقا تابعا لأمه في غذائه وفي تنفسه ~~وحركته، لكن حينما جاء أمر الله وأذن بميلاده أنشأه خلقا آخر له ~~مقومات حياة مستقلة غير متصل بأمه. ويقولون في هذه العملية القرن طش ~~كما تنفجر البالونة إذا نفخت لدرجة أكثر مما تتحمل، ومن العجيب أن الرحم ~~يتسع بقدرة الله لعدة توائم كما نرى ونسمع. ومن عظمة الخالق سبحانه في ~~مسألة الرزق أن رزق الجنين يأتيه منفصلا عن رزق أمه، فلكل منهما رزق لا ~~يأخذه الآخر، ومعلوم أن المرأة حين يقدر لها حمل ينقطع عنها الدم ~~الذي كان ينزل بصفة دورية حال فراغ الرحم من الحمل، هذا الدم هو الذي ~~جعله الله غذاء للجنين الجديد. # أما إذا لم يقدر ms7763 لها حمل فإن جسمها يطرد هذا الدم ويتخلص منه ولا ~~يستفيد به، لماذا؟ لأنه ليس غذاءها، وكأن الخالق - عز وجل - ينبهنا أن ~~لكل منا رزقه الذي لا يتعداه إلى غيره. وأيضا من حكمته تعالى في وضع ~~الجنين في بطن أمه عند الولادة أن ينزل برأسه، وهذا هو الوضع الطبيعي ~~لولادة طفل سليم لأن أول ضروريات الحياة للطفل ساعة ينفصل عن أمه أن ~~يتنفس، فإذا نزل برأسه - وهذا الوضع يحاول أطباء الولادة التأكد منه - ~~استطاع التنفس حتى وإن تعسر نزول باقي جسمه، أما إن نزل الطفل بعكس ~~هذا الوضع فإنه يختنق ويموت قبل أن يتم نزوله. ثم يقول سبحانه: { ~~وفصاله في عامين.. } [لقمان: 14] الفصال: أي الانفصال عن الأم ~~في مسألة الرضاعة، ومنه: يسمون ولد الناقة الذي استغنى عن لبنها: الفصيل ~~أي الذي فصل عن أمه، وأصبح قادرا على أن يأكل، وأن يعيش دون ~~مساعدتها، وحتى عملية فصال الولد عن أمه فيها مشقة وألم للأم. أما ~~العملية الجنسية التي أثمرت الولد فكانت شركة بينهما، وبذلك لا بد أن ~~نعترف أن للأم الدور الأكبر وعليها العبء الأكبر في مسألة الأولاد لذلك ~~كان لها الحظ الأوفر في وصية النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي ~~سأله: من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه ~~وسلم: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، فأعطى كلا منهما على قدر ما قدم. ~~ومسألة الفصال هذه شرحت في آيات أخرى، ففي سورة البقرة: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ~~لمن أراد أن يتم الرضاعة.. # [البقرة: 233] وهذه تؤكد { وفصاله في عامين.. } [لقمان: 14] ~~وفي آية أخرى تجمع الحمل والرضاعة معا: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا.. # [الأحقاف: 15] وبخصم العامين من الثلاثين شهرا يكون الباقي ستة أشهر، ~~وهي أقل مدة للحمل. وهذه المسألة اعتمد عليها الإمام علي - رضي الله عنه ~~- حينما رأى عمر رضي الله عنه يريد أن يقيم الحد على امرأة ولدت لستة ~~أشهر لأنه يعتقد أن مدة الحمل تسعة أشهر، فقال لعمر: يا أمير المؤمنين، ~~الله يقول غير ms7764 ذلك، فقال: وماذا يقول الله؟ فذكر علي الآيتين ~~السابقتين: # وحمله وفصاله ثلاثون شهرا.. # [الأحقاف: 15]. والأخرى: { وفصاله في عامين أن اشكر لي ~~ولوالديك إلي المصير } [لقمان: 14]. ثم بين له علي أن ~~أقل مدة للحمل بناء على هاتين الآيتين ستة أشهر، فقال عمر: بئس المقام ~~بأرض ليس فيها أبو الحسن. وقوله تعالى: { أن اشكر لي ~~ولوالديك إلي المصير } [لقمان: 14] فالله تعالى هو ~~المستحق للشكر أولا لأنه سبحانه هو الذي أنشأ من عدم، وأمد من عدم، ~~ثم الوالدان لأنهما السبب في الإيجاد وإنشاء الولد. # فكأن الحق سبحانه مسبب أعلى لأنه خلق من لا شيء، والوالدان سبب من ~~أسباب الله في الوجود، إذن: لا تحسن شكر الله الخالق الأول والمسبب ~~الأعلى حتى تحسن شكر الوالدين، وهما السبب الثاني في وجودك. فقوله ~~سبحانه: { أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير } ~~[لقمان: 14] أي: على الإيجاد، لكن في موضع آخر: # وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء: 24] وهذه للإيجاد وللتربية وللرعاية، فكما أن هناك أبوة ~~للإيجاد هناك أبوة للتربية، فكثيرا ما نجد الطفل يريبه غير أبيه وغير ~~أمه، ولا بد أن يكون لهؤلاء نصيب من الشكر ومن الولاء والبر ما دام ~~أن الله تعالى ذكرهم في العلة # وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء: 24]. والعلة تدور مع المعلول وجودا وعدما، فإذا لم يكن ~~للأب الحقيقي وجود، فالأبوة لمن ربى، وله نفس حقوق الأب من حيث الشكر ~~والبر والمودة، بل ينبغي أن يكون حقه مضاعفا لأن في الأب الحقيقي عطف ~~البضع على البضع، وفي الأب المربي عطف الدين على الدين، وهذه مسألة ~~أخرى غير مجرد الأبوة. لكن، هل شكر الله أولا دربة على أن تشكر ~~الوالدين، وهما السبب المباشر في وجودك؟ أم أن شكر الوالدين دربة على ~~أن تشكر الله الذي خلقك وأوجدك؟ نقول: هما معا، فشكر الله يستلزم شكر ~~الوالدين، وشكر الوالدين ينتهي إلى شكر الله. وقوله: { إلي ~~المصير } [لقمان: 14] أي: المرجع، والمعنى: أنني أوصيك بأهم شيء ~~فاحذر أن تخالف وصيتي لأنني أقدر على أن أعاقب من خالف. ms7765 ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وإن جاهداك على أن... }. ### || [31.15] # يؤكد الحق سبحانه على أمر الوالدين، وكأنه سبحانه استدرك غير مستدرك، ~~فليس لأحد أن يستدرك على الله، وكأن واحدا كان يناقش رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في أمر الوالدين وما نزل في شأنهما، فسأل: كيف لو أمراني ~~بالكفر، أأكفر طاعة لهما؟ لذلك جاء الحكم من الله في هذه المسألة. وفي ~~آية العنكبوت: # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك ~~لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهمآ إلي ~~مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون # [العنكبوت: 8]. فذكر فيها حسنا ولم يقل فيها { وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا.. } [لقمان: 15] فكأن كلمة الحسن، وهي الوصف ~~الجامع لكل مدلولات الحسن أغنت عن المصاحبة بالمعروف. ومعنى { ~~جاهداك.. } [لقمان: 15] نقول: جاهد وجهد، جهد أي في نفسه، أما جاهد ~~ففيها مفاعلة مع الغير، نقول: جاهد فلان فلانا مثل قاتل، فهي تدل على ~~المشاركة في الفعل، كما لو قلت: شارك عمرو زيدا، فكل منهما فاعل، وكل ~~منهما مفعول، لكن تغلب الفاعلية في واحد، والمفعولية في الآخر. فمعنى { ~~وإن جاهداك.. } [لقمان: 15] لا تعني مجرد كلمة عرضا فيها عليك ~~أن تشرك بالله، إنما حدث منهما مجهود ومحاولات لجذبك إلى مجاراتهما في ~~الشرك بالله، فإن حدث منهما ذلك فنصيحتي لك { فلا تطعهما.. } ~~[لقمان: 15]. ثم إياك أن تتخذ من كفرهما ودعوتهما لك إلى الكفر سببا في ~~اللدد معهما، أو قطع الرحم، فحتى مع الكفر يكون لهما حق عليك { ~~وصاحبهما في الدنيا معروفا.. } [لقمان: 15] ثم إنهما كفرا ~~بي أنا، وأنا الذي أوصيك بهما معروفا. وقوله تعالى: { واتبع ~~سبيل من أناب إلي.. } [لقمان: 15] أي: لن تكون وحدك، إنما ~~سبقك أناس قبلك تابوا وأنابوا فكن معهم { ثم إلي ~~مرجعكم.. } [لقمان: 15] أي: مأواكم جميعا. قالوا: إن هذه الآية ~~نزلت في سعد بن أبي وقاص، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~خالي سعد، فليرني امرؤ خاله " ولما أسلم سعد غضبت أمه - وكانت شديدة ~~الحب له فكادت تجن وحلفت لا تأكل ولا تشرب ولا تغتسل، وأن تتعرى ms7766 ~~في حر الشمس حتى يرجع دينه، فلما علم سعد بذلك قال: دعوها والله لو ~~عضها الجوع لأكلت، ولو عضها العطش لشربت، ولو أذاها القمل ~~لاغتسلت، أما أنا فلن أحيد عن الدين الذي أنا عليه، فنزلت: { وإن ~~جاهداك.. } [لقمان: 15]. ولو أن الذي يكفر بالله ويريد لغيره من ~~المؤمنين أن يكفر معه كابن أو غيره، ثم يرى وصية الله به رغم كفره لعلم ~~إن الله تعالى رب رحيم لا يستحق منه هذا الجحود. # وسبق أن ذكرنا الحديث القدسي الذي قالت فيه الأرض: # " رب ائذن لي أن أخسف بابن آدم، فقد طعم خيرك ومنع شكرك وقالت السماء: ~~رب ائذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت ~~البحار: يا رب ائذن لي أن أغرق ابن آدم فقد طعم خيرك، ومنع شكرك.. الخ، ~~فقال الحق تبارك وتعالى: لو خلقتموهم لرحمتموهم ". # ذلك لأنهم عباد الله وصنعته، وهل رأيتم صاحب صنعة يحطم صنعته، وجاء ~~في الحديث النبوي: # " الله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره، وقد أضله في أرض فلاة ~~". # إذن: فنعم الرب هو. ويروى أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - جاءه ~~ضيف، فرأى أن سمته غير سمت المؤمنين، فسأله عن دينه فقال: إنه من ~~عباد النار، فرد إبراهيم الباب في وجهه، فانصرف الرجل، فعاتب الله ~~نبيه إبراهيم في شأن هذا الرجل فقال: يا إبراهيم، تريد أن تصرفه عن دينه ~~لضيافة ليلة، وقد وسعته طوال عمره، وهو كافر بي؟ فأسرع إبراهيم خلف ~~الرجل حتى لحق به، وأخبره بما كان من عتاب الله له، فقال الرجل: نعم ~~الرب رب يعاتب أحبابه في أعدائه، ثم شهد ألا إله إلا الله. فلو أن ~~الكافر الذي يريد الكفر لغيره يعرف أن الله يوصي به وهو كافر، ويرقق ~~له القلوب لعاد إلى ساحة الإيمان بالله لذلك كثيرا ما نقابل أصحاب ~~ديانات أخرى يعشقون الإسلام فيختارونه، فيغضب عليهم أهلهم فنقول للواحد ~~منهم: كن في دينك الجديد أبر بهم من دينك القديم، ليعلموا محاسن ~~دينك، فضاعف لهم البر، ms7767 وضاعف لهم المعروف، لعل ذلك يرقق قلوبهم ~~ويعطفهم نحو دينك. وتأمل عظمة الأسلوب في { وصاحبهما في ~~الدنيا معروفا.. } [لقمان: 15] فلم يقل مثلا أعطهم معروفا، ~~إنما جعل المعروف مصاحبة تقتضي متابعتهما وتفقد شأنهما، بحيث يعرف ~~الابن حاجة أبويه، ويعطيهما قبل أن يسألا، فلا يلجئهما إلى ذل ~~السؤال، وهذا في ذاته إحسان آخر. كالرجل الذي طرق بابه صديق له، فلما ~~فتح له الباب أسر له الصديق بشيء فدخل الرجل وأعطى صديقه ما طلب، ثم ~~دخل بيته يبكي فسألته زوجته: لم تبكي وقد وصلته؟ فقال: أبكي لأنني لم ~~أتفقد حاله فأعطيه قبل أن يذل نفسه بالسؤال. والحق - تبارك وتعالى - ~~حين يقول بعد الوصية بالوالدين: { إلي مرجعكم فأنبئكم ~~بما كنتم تعملون } [لقمان: 15] إنما لينبهنا أن البر ~~بالوالدين ومصاحبتهما بالمعروف لم ينسى لك ذلك، إنما سيكتب لك، وسيكون ~~في ميزانك لأنك أطعت تكليفي وأمري، وأديت، فلك الجزاء لأنك عملت ~~عملا إيمانيا لا بد أن تثاب عليه. ### || [31.16] # { يبني.. } [لقمان: 16] نداء أيضا للتلطف والترقيق { إنهآ إن ~~تك مثقال حبة من خردل.. } [لقمان: 16] يريد لقمان أن ~~يدل ولده على صفة من صفات الحق سبحانه، هي صفة العلم المطلق الذي لا تخفى ~~عليه خافية، وكأنه يقول له: إياك أن تظن أن ما يخفى على الناس يخفى على ~~الله تعالى # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. وكما أن الله تعالى لا يخفى عليه مثقال حبة من خردل، حتى ~~إن كانت في باطن صخرة، أو في السماوات، أو في الأرض، كذلك لا تخفى عليه ~~حسنة ولا سيئة مهما دقت، ومهما حاول صاحبها إخفاءها. وقلنا: إن ~~المستشرقين وقفوا عند مسألة علم الله الخفي بخفايا خلقه، وعند قوله ~~تعالى: # يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون # [الأنبياء: 110] يقولون: الله يمتن بعلم ما نكتم، فكيف يمتن بعلم ~~الجهر، وهو معلوم للجميع؟ ونقول: الحق سبحانه في قوله: # إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون # [الأنبياء: 110] لا يخاطب فردا، إنما يخاطب جماعة، فهو يعلم جهر ~~الجماعة في وقت واحد، ومثلنا لذلك بمظاهرة ms7768 مثلا، فيها الآلاف من ~~البشر يهتفون بأصوات مختلفة وشعارات شتى، منها ما يعاقب عليه القانون، ~~فهل تستطيع مع اختلاط الأصوات وتداخلها أن تميز بينها، وترجع كل كلمة ~~إلى صاحبها؟ إنك لا تستطيع، مع أن هذا جهر يسمعه الجميع، أما الحق - ~~تبارك وتعالى - فيعلم كل كلمة، ويعلم من نطق بها ويرد كل لفظ إلى ~~صاحبه. إذن: من حقه تعالى أن يمتن بعلم الجهر، بل إن علم الجهر أعظم ~~من علم السر وأبلغ. وقوله تعالى # مثقال حبة من خردل.. # [لقمان: 16] أي: وزن حبة الخردل، وكانت أصغر شيء وقتها، فجعلوها وحدة ~~قياس للقلة، وليس لك الآن أن تقول: وهل حبة الخردل أصغر شيء في الوجود؟ ~~فالقرآن ذكرها مثالا للصغر على قدر معرفة الناس بالأشياء عند نزوله، ~~أما من حيث التحقيق فقد ذكر القرآن الذرة والأقل منها. لذلك لما ~~اخترعوا في ألمانيا أسطوانة تحطيم الجوهر الفرد أي الجزء الذي لا يتجزأ، ~~واستطاعوا تفتيت الذرة، ظنوا أن في هذه العملية مأخذا على القرآن، فقد ~~ذكر القرآن الذرة، وجعلها مقياسا دينيا في قوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8] لكن لم يذكر الأقل منها، ومعلوم أن الجزء أصغر من كله. ~~ونقول: قرأتم شيئا وغابت عنكم أشياء، ولو كان لديكم إلمام بكلام الله ~~لعلمتم أن فيه احتياطا لما توصلتم إليه، ولما ستتوصلون إليه فيما بعد، ~~واقرأوا إن شئتم قول الله تعالى عن الذرة: # ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين # [يونس: 61]. بل نقول: إن الاحتياط هنا احتياط مركب، فلم يقل صغير إنما ~~قال أصغر وهذا يدل على وجود رصيد في كلام الله لكل مفتت من الذرة. ~~وقوله: { فتكن في صخرة أو في السماوات أو في ~~الأرض يأت بها الله.. } [لقمان: 16] { في صخرة.. } ~~[لقمان: 16] أي: على حبكة الوجود، وفي أضيق مكان { أو في ~~السماوات أو في الأرض.. } [لقمان: 16] يعني: في المتسع الذي ~~لا حدود له، فلا في الضيق المحكم، ولا في المتسع يخفى على الله شيء ms7769 { ~~يأت بها الله.. } [لقمان: 16] واستصحب حيثيات الإتيان بها بوصفين ~~لله تعالى: { إن الله لطيف خبير } [لقمان: 16]. وجمع بين ~~هاتين الصفتين لأنك قد تكون خبيرا بالشيء عالما بمكانه، لكنك لا تستطيع ~~الوصول إليه، كأن يكون في مكان ضيق لا تنفذ إليه يدك، وعندها تستعين ~~بآلة دقيقة كالملقاط مثلا، فالخبرة موجودة، لكن ينقصك اللطف في الدخول. ~~والحق - سبحانه وتعالى - لطيف، فمهما صغرت الأشياء ودقت يصل إليها، ~~فهو إذن عليم خبير بكل شيء مهما صغر، قادر على الإتيان به مهما دق لأنه ~~لطيف لا يمنعه مانع، فصفة اللطف هذه للتغلغل في الأشياء. ونحن نعلم أن ~~الشيء كلما دق ولطف كان أعنف حتى في المخلوقات الضارة، وسبق أن ~~أوضحنا هذه المسألة بمن بنى بيتا في الخلاء، وأراد أن يؤمن نوافذه ~~من الحيوانات والحشرات الضارة، فوضع على النوافذ شبكة من الحديد تمنع ~~اللصوص والحيوانات الكبيرة، ثم تذكر الفئران والثعابين فضيق الحديد، ثم ~~تذكر الذباب والناموس فاحتاج إلى شيء أضيق وأدق، إذن: كلما كان عدوك ~~لطيفا دقيقا كان أعنف، واحتاج إلى احتياط أكثر. فقوله تعالى { إن ~~الله لطيف خبير } [لقمان: 16] يعني: لا يعوزه علم بالمكان، ولا ~~سهولة ويسر في الوصول إلى الأشياء. كانت هذه بعض وصايا لقمان ومواعظه ~~لولده، ولم يأمره حتى الآن بشيء من التكاليف، إنما حرص أن ينبهه: أنك ~~قد آمنت بالله وبلغك منهجه واستمعت إليه، فأطع ذلك المنهج في افعل ولا ~~تفعل، لكن قبل أن تباشر منهج ربك في سلوكك اعلم أنك تتعامل مع إله قيوم، ~~لا تأخذه سنة ولا نوم، ولا يغيب عنه شيء، فادخل على المنهج بهذا ~~الاعتقاد. وإياك أن تتغلب عليك شبهة أنك لا ترى الله، فإنك إن لم ~~تكن تراه فإنه يراك، واعلم أن عملك محسوب عليك، وإن كان في صخرة صماء ~~ضيقة، أو في سماء، أو في أرض شاسعة. ويؤكد هذه المسألة قوله تعالى في ~~الحديث القدسي: # " يا عبادي: إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن ~~كنتم تعتقدون أني أراكم، فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ ms7770 ". # بعد ذلك يدخل لقمان في وعظه لولده مجال التكليف، فيقول له: { يبني ~~أقم الصلاة... }. ### || [31.17] # هذه مسائل أربع بدأها لقمان بإقامة الصلاة، والصلاة هي الركن الأول بعد ~~أن تشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وعلمنا أن الصلاة ~~لأهميتها فرضت بالمباشرة، ولأهميتها جعلت ملازمة للمؤمن لا تسقط عنه ~~بحال، أما بقية الأركان فقد تسقط عنك لسبب أو لآخر، كالصوم والزكاة ~~والحج، فإذا سقطت عنك هذه الأركان لم يبق معك إلا الشهادتان والصلاة ~~لذلك جعلها النبي صلى الله عليه وسلم عماد الدين. ولذلك بدأ بها لقمان: { ~~يبني أقم الصلاة.. } [لقمان: 17] لأنها استدامة إعلان الولاء ~~لله تعالى خمس مرات في اليوم والليلة، فحين يناديك ربك الله أكبر فلا ~~ينبغي أن تنشغل بمخلوق عن نداء الخالق، وإلا فما موقف الأب مثلا حين ~~ينادي ولده فلا يجيبه؟ فاحذر إذا ناداك ربك ألا تجيب. ثم تأمل النداء ~~للصلاة الذي اهتدت إليه الفطرة البشرية السليمة، وأقره سيدنا رسول ~~الله: الله أكبر الله أكبر، يعني أكبر من كل ما يشغلك عنه، فإياك أن ~~تعتذر بالعمل في زراعة أو صناعة أو تجارة عن إقامة الصلاة. وقد ناقشت ~~أحد أطباء الجراحة في هذه المسألة، فقال: كيف أترك عملية جراحية من أجل ~~الصلاة؟ فقلت له: بالله لو اضطررت لقضاء الحاجة تذهب أم لا؟ فضحك وقال: ~~أذهب، فقلت: فالصلاة أولى، ولا تعتقد أن الله تعالى يكلف العبد ~~تكليفا، ثم يضن عليه باتساع الزمن له، بدليل أنه تعالى يراعي وقت العبد ~~ومصالحه وإمكاناته، ففي السفر مثلا يشرع لك الجمع والقصر. فبإمكانك أن ~~توفق صلاتك حسب وقتك المتاح لك، إما بجمع التقديم أو التأخير، وكم ~~يتسع وقتك ويخلو من مشغولية العبادة إذا جمعت الظهر والعصر جمع تقديم، ~~والمغرب والعشاء جمع تأخير في آخر وقت العشاء؟ أو حين تجمع الظهر ~~والعصر جمع تأخير، فتصليهما قبل المغرب، ثم تصلي المغرب والعشاء جمع ~~تقديم؟ إذن: المسألة فيها سعة، ولا حجة لأحد في ترك الصلاة بالذات، ~~أما الذين يقولون في مثل هذه الأمور # لا يكلف ms7771 الله نفسا إلا وسعها.. # [البقرة: 286] وأن هذا ليس في وسعي.. فنقول لهم: لا ينبغي أن تجعل ~~وسعك هو الحكم، إنما التكليف هو الحكم في الوسع، وما دام ربك - عز ~~وجل - قد كلفك فقد علم سبحانه وسعك وكلفك على قدره بدليل ما شرعه ~~لك من رخص إذا خرجت العبادة عن الوسع. وقال { أقم الصلاة.. ~~} [لقمان: 17] لأن الصلاة أول اكتمال في الإجماع لمنهج الله، وبها يكتمل ~~إيمان الإنسان في ذاته، وسبق أن قلنا: إن هناك فرقا بين أركان الإسلام ~~وأركان المسلم، أركان الإسلام هي الخمس المعروفة، أما أركان المسلم فهي ~~الملازمة له التي لا تسقط عنه بحال، وهي الشهادتان والصلاة، وإن كان على ~~المسلم أن يؤمن بها جميعا، لكن في العمل قد تسقط عنه عدا الصلاة ~~والشهادتين. # ثم يبين لقمان لولده: أن الإيمان لا يقف عند حد الاستجابة لهذين ~~الركنين الأساسيين، إنما من الإيمان ومن كمال الإيمان أن تحب لأخيك ما ~~تحب لنفسك، فيقول له: { وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر.. } [لقمان: 17] فانشغل بعد كمالك بإقامة الصلاة، بأن تأمر ~~بالمعروف وتنهى عن المنكر، فبالصلاة كملت في ذاتك، وبالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر تنقل الكمال إلى الغير، وفي ذلك كمال الإيمان. وأنت ~~حين تأمر بالمعروف، وحين تنهى عن المنكر لا تظن أنك تتصدق على الآخرين، ~~إنما تؤدي عملا يعود نفعه عليك، فبه تجد سعة الراحة في الإيمان، وتجد ~~الطمأنينة والراحة الذاتية لأنك أديت التكاليف في حين قصر غيرك ~~وتخاذل. ولا شك أن في التزام غيرك وفي سيره على منهج الله راحة لك أنت ~~أيضا، وإلا فالمجتمع كله يشقى بهذه الفئة القليلة الخارجة عن منهج ~~الله. ومن إعزاز العلم أنك لا تنتفع به الانتفاع الكامل إلا إذا عديته ~~للغير، فإن كتمته انتفع الآخرون بخيرك، وشقيت أنت بشرهم. إذن: لا ~~تنتفع بخير غيرك إلا حين تؤدي هذه الفريضة، فتأمر غيرك بالمعروف، وتنهاه ~~عن المنكر، وتحب لهم ما تحب لنفسك، وبذلك تنال الحظين، حظك عند الله لأنك ~~أديت، وحظك عند الناس لأنك في مجتمع متكامل الإيمان ينفعك ms7772 ولا يضرك. ~~ولك هنا أن تلحظ أن هذه الآية لم تقرن إقامة الصلاة بإيتاء الزكاة كعادة ~~الآيات، فغالبا ما نقرأ: # وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة.. # [البقرة: 43]. وحين نستقرئ كلمة الزكاة في القرآن الكريم نجد أنها وردت ~~اثنتين وثلاثين مرة، اثنتان منها ليستا في معنى زكاة المال المعروفة ~~النماء العام إنما بمعنى التطهر، وذلك في قوله تعالى في قصة الخضر وموسى ~~عليهما السلام: # أقتلت نفسا زكية بغير نفس.. # [الكهف: 74]. ثم قوله تعالى: # فأردنآ أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة ~~وأقرب رحما # [الكهف: 81]. والمعنى: طهرناهم حينما رفعنا عنهم بابا من أبواب الفتنة ~~في دين الله. والموضع الآخر في قوله تعالى: # وحنانا من لدنا وزكاة.. # [مريم: 13] فالمعنى: وهبنا لمريم شيئا نزكيها به ذلك لأن الزكاة أول ~~ما تتعدى تتعدى من واجد لمعدم، ومريم لم تتزوج فهي معدمة في هذه ~~الناحية لذلك وهبها الله النماء الخاص من ناحية أخرى حين نفخ فيها الروح ~~من عنده تعالى. وفي موضع واحد، جاءت الزكاة بمعنى زكاة المال، لكن غير ~~مقرونة بالصلاة، وذلك في قوله تعالى: # ومآ آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا ~~يربو عند الله ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه ~~الله فأولئك هم المضعفون # [الروم: 39]. وفي هذه الآية قال لقمان لولده: { يبني أقم ~~الصلاة وأمر بالمعروف. # . } [لقمان: 17] ولم يقل: وآت الزكاة، فلماذا؟ ينبغي أن نشير إلى أن ~~القرآن جمع بين الصلاة والزكاة لأن الصلاة فيها تضحية بالوقت، والوقت زمن ~~العمل، والعمل وسيلة الكسب والمال، إذن ساعة تصلي فقد ضحيت بالوقت الذي ~~هو أصل المال، فكأن في الصلاة تصدقت بمائة في المائة من المال المكتسب في ~~هذا الوقت، أما في الزكاة فأنت تتصدق بالعشر، أو نصف العشر، أو ~~ربع العشر، ويبقى لك معظم كسبك، فالواقع أن الزكاة في الصلاة أكبر ~~وأبلغ من الزكاة نفسها. إذن: لما كانت الزكاة في كل منهما، قرن القرآن ~~بينهما إلا في هذا الموضع، ولما تتأمله تجده من دقائق الأسلوب القرآني، ~~فالقرآن يحكي هذه الوصايا عن لقمان لولده، ولنا فيه ملحظان: الأول: ms7773 أن ~~الله تعالى لم يكلف العبد إلا بعد سن البلوغ إلا في الصلاة، وجعل ~~هذا التكليف موجها إلى الوالد أو ولي الأمر، فأنابه أن يكلف ولده ~~بالصلاة، وأن يعاقبه إن أهمل في أدائها، ذلك ليربي عند ولده الدربة ~~على الصلاة، بحيث يأتي سن التكليف، وقد ألفها الولد وتعود عليها، ~~فهي عبادة تحتاج في البداية إلى مران وأخذ ورد، وهذا أنسب للسن ~~المبكرة. والوالد يكلف ولده على اعتبار أنه الموجد الثاني له، والسبب ~~المباشر في وجوده، وكأن الله تعالى يقول: أنا الموجد لكم جميعا وقد ~~وكلتك في أن تكلف ولدك لأن معروفك ظاهر عنده، وأياديك عليه كثيرة، ~~فأنت القائم بمصالحه الملبي لرغباته، فإن أمرته قبل منك وأطاعك، ~~فهي طاعة بثمنها. وطالما وكلتك في التكليف فطبيعي أن أوكلك في ~~العقوبة، فإن حدث تقصير في هذه المسألة فالمخالفة منك، لا من الولد ~~لأنني لم أكلفه إنما كلفتك أنت. لذلك بدأ لقمان أوامره لولده ~~بإقامة الصلاة، لأنه مكلف بهذا الأمر، فولده ما يزال صغيرا بدليل ~~قوله { يبني.. } [لقمان: 17] فالتكليف هنا من الوالد، فإن كان ~~الولد بالغا حال هذا الأمر فالمعنى: لاحظ التكليف من الله بإقامة ~~الصلاة. أما الزكاة، وهي تكليف من الله أيضا فلم يذكرها هنا - وهذه من ~~حكمة لقمان ودقة تعبيره، وقد حكاها لنا القرآن الكريم لنأخذ منها ~~مبادئ نعيش بها. ثانيا: إن كلفه بالزكاة فقال: أقم الصلاة وآت ~~الزكاة فقد أثبت لولده ملكية، ومعروف أن الولد لا ملكية له في وجود ~~والده، بدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: # " أنت ومالك لأبيك " # وذكرنا أن لقمان لما علم بموت أبيه قال: إذن ملكت أمري فأمره ليس ~~ملكا له في حياة أبيه لذلك لم يأمر ولده بالزكاة، فالزكاة في ذمته هو، ~~لا في ذمة ولده. وتتأكد لدينا هذه المسألة حين نقرأ قول الله تعالى: # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو ~~بيوت إخوانكم أو بيوت ms7774 أخواتكم أو بيوت ~~أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو ~~صديقكم.. # [النور: 61]. فالله تعالى رفع عنا الحرج أن نأكل من هذه البيوت، ~~ونلحظ أن الآية ذكرت الأقارب عدا الأبناء، وكان الترتيب المنطقي أن يقول ~~بعد أمهاتكم: أو بيوت أبنائكم، فلماذا لم يذكر هنا بيوت الأبناء؟ قالوا: ~~لأنها داخلة في قوله: بيوتكم، فبيت الابن هو بيت الأب، والولد وما ملكت ~~يداه ملك لأبيه. ثم يقول لقمان لولده: { واصبر على مآ ~~أصابك.. } [لقمان: 17] الصبر: حمل النفس على التجلد للأحداث، حتى ~~لا تعين الأحداث على نفسك بالجزع، فأنت أمام الأحداث تحتاج إلى قوة ~~مضاعفة، فكيف تضعف نفسك أمامها؟ والمصيبة تقع إما لك فيها غريم، أو ~~ليس لك فيها غريم، فالذي يسقط مثلا، فتنكسر ساقه، أو الذي يفاجئه ~~المرض.. الخ هذه أقدار ساقها الله إليك بلا سبب فلا غريم لك فيها لذلك ~~يجعلها في ميزانك: إما أن يعلي بها درجاتك، وإما أن يكفر بها سيئاتك ~~لذلك كان الكفار يفرحون إذا أصاب المسلمين مصيبة، كما فرحوا يوم أحد، ~~وقد رد الله عليهم وبين غباءهم، وقال سبحانه: # قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا.. # [التوبة: 51] وتأمل الجار والمجرور لنا ولم يقل كتب علينا، إذن: ~~فالمصيبة في حساب له لا عليه فلماذا تفرحون في المصيبة تقع بالمسلمين؟ ~~وأوصى بالصبر بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الذي يتعرض لهذين ~~الأمرين لا بد أن يصيبه سوء من جراء أمره بالمعروف أو نهيه عن ~~المنكر، فإن تعرضت للإيذاء فاصبر لأن هذا الصبر يعطيك جزاء واسعا. ~~وتغيير المنكر له مراحل وضحها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن ~~لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". # فالله أمرك أن تغير المنكر، لكن جعل لك تقدير المسألة ومدى إمكانك ~~فيها، فالدين يريدك مصلحا لكن لا يريد أن تلقى بنفسك إلى التهلكة، ~~فلك أن تغير المنكر بيدك فتضرب وتمنع إذا كان لك ولاية على ms7775 صاحب ~~المنكر، كأن يكون ولدك أو أخاك.. إلخ. فلك أن تضربه مثلا إن رأيت ~~سيجارة في فمه، أو أن تكسر له كأس الخمر إن شربها أو تمزق له مثلا ورق ~~" الكوتشينة " ، فإن لم تكن لك هذه الاستطاعة فيكفي أن تغير ~~بلسانك إن كانت لديك الكلمة الطيبة التي تداوي دون أن تجرح الآخرين، ~~ودون أن يؤدي النصح إلى فتنة، فيكون ضرره أكثر من نفعه. فإن لم يكن ~~في استطاعتك هذه أيضا، فليكن تغيير المنكر بالقلب، فإن رأيت منكرا ~~لا تملك إلا أن تقول: اللهم إن هذا منكر لا يرضيك لكن أيعد عمل ~~القلب تغييرا للمنكر وأنت مطالب بأن تغيره بيدك يعني: إلى ضده؟ وهل ~~هذه الكلمة تغير من الواقع شيئا؟ قالوا: لا يحدث التغيير بالقلب إلا إذا ~~كان القالب تابعا للقلب، فالقلب يشهد أن هذا منكر لا يرضي الله، ~~والقالب يساند حتى لا تكون منافقا، فأنت أنكرت عليه الفعل، ولا استطاعة ~~لك على أن تمنعه، ولا أن تنصحه، فلا أقل من أن تعزله عن حياتك ~~وتقاطعه، وإلا فكيف تغير بقلبك إن أنكرت عليه فعله وأبقيت على ~~وده ومعاملته؟ إذن: لا يكون التغيير بالقلب إلا إذا أحس صاحب المنكر ~~أنه في عزلة، فلا تهنئه في فرح، ولا تعزيه في حزن، وإن كنت صاحب تجارة، ~~فلا تبع له ولا تشتر منه. # . الخ. وما استشرى الباطل وتبجح أهل الفساد وأهل المنكر إلا لأن الناس ~~يحترمونهم ويعاملونهم على هذه الحال، بل ربما زاد احترام الناس لهم خوفا ~~من باطلهم ومن ظلمهم. فالتغيير بالقلب ليس كلمة تقال إنما فعل وموقف، ~~وقد علمنا ربنا - تبارك وتعالى - هذه القضية في قوله سبحانه: # وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات ~~الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ~~إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم ~~جميعا # [النساء: 140]. ويقول سبحانه في آية أخرى: # وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك ~~الشيطان فلا ms7776 تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين # [الأنعام: 68]. والنبي صلى الله عليه وسلم في قصة الثلاثة الذين ~~خلفوا بغير عذر في غزوة تبوك، يعلمنا كيف نعزل أصحاب المنكر، لا ~~بأن نعزلهم في زنزانة كما نفعل الآن، إنما بأن نعزل المجتمع عنهم، ليس ~~المجتمع العام فحسب، بل عن المجتمع الخاص، وعن أقرب الناس إليه. وقد تخلف ~~عن هذه الغزوة عدة رجال اعتذروا لرسول الله فقبل علانيتهم وترك سرائرهم ~~لله، لكن هؤلاء الثلاثة لم يجدوا لأنفسهم عذرا، ورأوا أنهم لا يستطعيون ~~أن يكذبوا على رسول الله، ولم يحبسهم الرسول، إنما حبس المجتمع عنهم حتى ~~الأقارب، فكان الواحد منهم يمشي و يتمحك في الناس ليكلمه أحد منهم، فلا ~~يكلمه أحد، وكعب بن مالك يتسور على ابن عمه الحديقة، ويقول له: تعلم ~~أني أحب الله ورسوله فلا يجيبه، ويصلي بجوار الرسول يلتمس أن ينظر إليه، ~~فلا ينظر إليه. ولما نجحت هذه المقاطعة على هذا المستوى أعلاها الشرع ~~وتسلسل بها إلى الخصوصيات في البيت، فعزل هؤلاء الثلاثة عن زوجاتهم، فأمر ~~كلا منهن ألا يقربها زوجها إلى أن يحكم الله في أمرهم، حتى أن واحدة ~~من هؤلاء جاءت لرسول الله وقالت: يا رسول الله، إن زوجي رجل كهدبة الثوب ~~يعني: ليست له رغبة في أمر النساء فأذن لها رسول الله في أن تخدمه على ~~ألا يقربها. # ظل هؤلاء الثلاثة ثلاثين يوما في هذا الامتحان العام وعشرة أيام في ~~الامتحان الخاص، ونجح المجتمع العام، ونجح المجتمع الخاص، وهكذا علمنا ~~الشرع كيف نعزل أصحاب المنكر وأهل الجريمة، فعزل المجتمع عنهم أبلغ من ~~عزلهم عن المجتمع، لذلك كان وقع هذه العزلة قاسيا على هؤلاء. فهذا كعب ~~بن مالك يحكي قصته ويقول: لقد ضاقت بي الأرض على سعتها، والحق يقول في ~~وصف حالهم: # حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت ~~عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله ~~إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله ~~هو التواب الرحيم # [التوبة: 118]. فلما استوى المجتمع العام والمجتمع الخاص على منهج الله ~~فرج ms7777 الله عن هؤلاء الثلاثة، ونزل قوله تعالى: # ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب ~~الرحيم # [التوبة: 118]. فأسرع أحدهم يبشر كعبا بهذه البشرى فطار كعب فرحا بها، ~~وقال: فوالله ما ملكت أن أخلع عليه ثيابي كلها، ثم أستعير ثيابا أذهب ~~بها إلى رسول الله. إذن: ينبغي أن نعزل المجتمع كله عن أصحاب المنكر، لا ~~أن نعزلهم هم في السجون، لكن من يضمن لنا استقامة المجتمع في تنفيذ هذه ~~العزلة كما نفذها المجتمع المسلم على عهد رسول الله؟ نعود إلى ما كنا ~~نتحدث عنه من أن المصيبة إذا كانت قدرا من الله ليس لك فيها غريم، فإن ~~الصبر عليها هين، فالأمر بينك وبين ربك، أما إن كان لك في المصيبة ~~غريم كأن يعتدي عليك أحد فيحرق زرعك أو يقتل ولدك، فهذه تحتاج إلى صبر ~~أشد، فكلما رأيت غريمك هاجت نفسك وغلى الدم في عروقك، فيحتاج إلى طاقة ~~أكبر ليحمل نفسه على الصبر. لذلك يقول سبحانه في هذه المسألة: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] فأكدها باللام لأنها تحتاج إلى طاقة أكبر من الصبر وضبط ~~النفس حتى لا تتعدى كلما رأيت الغريم، وهذا من المواضع التي وقف عندها ~~المستشرقون يلتمسون فيها مأخذا على كلام الله. يقولون: ما الفرق بين قول ~~القرآن { إن ذلك من عزم الأمور } [لقمان: 17] وقوله: # إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. ثم أيهما أبلغ من الأخرى، فإن كانت الأولى بليغة فالأخرى ~~غير بليغة. ونقول في الرد عليهم: كل من الآيتين بليغة في سياقها، فالتي ~~أكدت باللام جاءت في المصيبة التي لك فيها غريم وتحتاج إلى صبر أكبر، ~~أما الأخرى ففي المصيبة التي ليس لك فيها غريم، فهي بينك وبين ربك، ~~والصبر عليها هين يسير. لذلك، فالحق سبحانه يعالج هذه المسألة ليصفي ~~النفس ويمنع ثورتها، فيقول: # وجزآء سيئة سيئة مثلها.. # [الشورى: 40] لتقف النفس عند حد الرد بالمثل، ثم يرقى المسألة، ~~ويفتح بابا للعفو: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله.. # [الشورى: 40] وقال في موضع آخر: # وإن عاقبتم فعاقبوا ms7778 بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين # [النحل: 126]. فحين يبيح لك ربك أن تأخذ بحقك تهدأ نفسك، وربما تتنازل ~~عن هذا الحق بعد أن أصبح في يدك لذلك كثيرا ما نرى - خاصة في صعيد مصر ~~حيث توجد عادة الأخذ بالثأر - القاتل يأخذ كفنه على يديه، ويدخل به على ~~ولي الدم، ويسلم نفسه إليه، وعندها لا يملك ولي الدم إلا أن يعفو. حتى ~~في مسألة القتل والقصاص يجعل الحق سبحانه مجالا لترقية النفس البشرية ~~وأريحيتها، بل ويسمي الطرفين إخوة في قوله تعالى: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان.. # [البقرة: 178]. ففي هذا الجو وفي أثناء ما تسيل الدماء يحدثنا ربنا ~~عن العفو والإحسان والأخوة، ومعلوم أن هناك فرقا بين أن تأخذ الحق، ~~وبين أن تنفذ أخذ الحق بيدك. فالله تعالى خالق النفس البشرية ويعلم ما ~~جبلت عليه من الغرائز وما تكنه من العواطف، وما يستقر فيها من ~~القيم والمبادئ، لكنه - سبحانه وتعالى - لا يبني الحكم على ارتفاع ~~المناهج في الإنسان، إنما على ضوء هذه الطبيعة التي خلقه عليها، فليس ~~الخلق كلهم على درجة من الورع تدعوهم إلى العفو والصفح لذلك أعطاك حق ~~الرد بالمثل على من اعتدى عليك # وجزآء سيئة سيئة مثلها.. # [الشورى: 40] وقال: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. # [النحل: 126]. ومع ذلك حين تتأمل هذه الآيات تجد أن تنفيذها من الصعوبة ~~بمكان، فمن لديه القدرة والمقاييس الدقيقة التي توقفه عند حد ~~المثلية التي أمر الله بها؟ وسبق أن بينا: أنه إذا اعتدى عليك شخص ~~وضربك مثلا، أتستطيع أن تضربه مثل ضربته لا تزيد عليها، لأنك إن زدت ~~صرت ظالما، واقرأ بقية الآية: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب ~~الظالمين # [الشورى: 40]. وسبق أن ذكرنا قصة المرابي اليهودي الذي اتفق مع مدينه ~~على أن يقطع من جسمه رطلا، إذا لم يؤد في الموعد المحدد، وفعلا جاء ~~موعد السداد، ولم يف المدين، فرفع اليهودي أمره إلى القاضي وأخبره بشرطه ~~- وكان القاضي موفقا قد ms7779 نور الله بصيرته، فقال لليهودي: نعم لك ~~حق في أن تنفذ ما اتفقنا عليه، وسأعطيك السكين على أن تأخذ من المدين ~~رطلا من لحمه في ضربة واحدة، بشرط إذا زدت عنها أو نقصت أخذناه من ~~لحمك. وعندها انصرف اليهودي لأن المثلية لا يمكن أن تتحقق، فكأن الله ~~تعالى بهذا الشرط - شرط المثلية في الرد - يلفت انتباهك إلى أن العفو ~~أولى بك وأصلح. # إذن: يحدثنا الحق - تبارك وتعالى - عن العفو وعن الإحسان في المصيبة ~~التي لك فيها غريم، ويبين لنا أنك إذا أخذت حقك الذي قرره لك فقد أرحت ~~نفسك، لكن حرمتها الأجر الذي تكفل الله لك به إن أنت عفوت. وكأن الحق ~~- تبارك وتعالى - يريد أن يولد من أسباب البغضاء أسبابا للولاء، فالذي ~~كان من حقك أن تقتله ثم عفوت عنه أصبحت حياته ملكا لك، فهل يفكر لك ~~في سوء بعدها؟ لذلك يعلمنا ربنا: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34]. وأذكر أنني جاءني من يقول: والله أنا دفعت بالتي هي أحسن ~~مع خصمي، فلم أجده وليا حميما كما قال الله تعالى، فقلت له: عليك أن ~~تراجع نفسك لأنك ظننت أنك دفعت بالتي هي أحسن، لكن الواقع غير ذلك، ولو ~~دفعت بالتي هي أحسن لصدق الله معك، ورأيت خصمك وليا حميما، إنما ~~أنت تريد أن تجرب مع الله والتجربة مع الله شك. والنبي صلى الله ~~عليه وسلم يعلمنا أن نبقى على يقين التوكل ساريا دون أن نفكر كيف ~~يحدث، وقصة الصحابية أم مالك شاهدة على ذلك، فقد كان عندها غنم تحلب ~~لبنها، فتصنع مما زاد عن حاجتها وحاجة أولادها زبدا، وكانت تهدي منه إلى ~~رسول الله في عكة عندها، فكان أهل بيت رسول الله يفرغون هذه العكة في ~~آنيتهم، ثم يعيدونها إليها وهكذا. حتى قالت أم مالك: والله ما أصبت ~~إداما إلا من هذه العكة، وكانت كلما احتاجت الإدام أفرغت العكة، فوجدت ~~بها الإدام حتى بعد أن أفرغها أهل بيت الرسول، لكن خيل لها ms7780 في يوم من ~~الأيام أنها أسرفت في استعمال هذه العكة، وظنت أن ما بها من إدام قد نفد، ~~فأخذتها وعصرتها، فلم تجد فيها شيئا، فظنت أن رسول الله غاضب منها، ~~فذهبت إليه وقصت عليه هذه المسألة، فقال لها صلى الله عليه وسلم: # " " أعصريتها يا أم مالك؟ " فقالت: نعم يا رسول الله، فأخبرها أن ~~التجربة مع الله شك وأنها لو لم تعصرها ولم تظن هذا الظن لبقيت ~~العكة على حالها " # ، وكما تعودت منها. وتلحظ أن كلمة أصابك والمصيبة تدل على أنها واقعة بك ~~ولن تنجو منها لأنها قدر أرسل إليك بالفعل، وسيصيبك لا محالة، والمسألة ~~مسألة وقت إلى أن يصلك هذا السهم الذي أطلق عليك، فإياك أن تقول: لو ~~أني فعلت كذا لكان كذا، فما سميت المصيبة بهذا الاسم إلا لأنها صائبتك ~~لا تستطيع أن تفر منها. كما يقولون عن الموت: تأكد أنك ستموت، وعمرك ~~بمقدار أن يصلك سهم الموت. وكلمة { من عزم الأمور } [لقمان: 17] ~~نقول: فلان له عزم، ونسمع القرآن يقول: # فإذا عزمت فتوكل على الله.. # [آل عمران: 159] العزم: الفرض المقطوع به، والذي لا مناص عنه، ومنه ما ~~جاء في قول لقمان لما خيره ربه بين أن يكون رسولا أو حكيما، فاختار ~~الراحة وترك الابتلاء، لكنه قال: يا رب إن كانت عزمة منك فسمعا وطاعة، ~~يعني: أمرا مفروضا ينبغي ألا نحيد عنه. والعزم يعني شحن كل طاقات ~~النفس للفعل والقطع به، فالصلاة على الميت مثلا لا تسمى عزيمة لأنها ~~فرض كفاية إن فعلها البعض سقطت عن الباقين، على خلاف الصلاة التامة في ~~السفر مثلا حيث يعتبرها الإمام أبو حنيفة عزيمة لا رخصة، فإن أتممت ~~الصلاة في السفر أسأت، عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه ". # والمعنى: لا ترد يد الله المبسوطة لك بالتيسير في الصلاة أثناء السفر. ~~ثم يعتمد في هذا الرأي على دليل آخر من علم الأصول هو أن الصلاة فرضت ~~في الأصل مثنى مثنى، ثم أقرت في ms7781 السفر وزيدت في الحضر. إذن: فصلاة السفر ~~مع الأصل، فلو أتممت الصلاة في السفر أسأت. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~ولا تصعر خدك للناس... }. ### || [31.18] # معنى: تصعر من الصعر، وهو في الأصل داء يصيب البعير يجعله يميل ~~برقبته، ويشبه به الإنسان المتكبر الذي يميل بخده، ويعرض عن الناس ~~تكبرا، ونسمع في العامية يقولون للمتكبر فلان ماشي لاوي رقبته. فقول ~~الله تعالى: { ولا تصعر خدك للناس.. } [لقمان: 18] ~~واختيار هذا التشبيه بالذات كأن الحق سبحانه ينبهنا أن التكبر ~~وتصعير الخد داء، فهذا داء جسدي، وهذا داء خلقي. وقد تنبه الشاعر إلى ~~هذا المعنى فقال: # فدع كل طاغية للزمان # فإن الزمان يقيم الصعر # يعني: إذا لم يستطع أبناء الزمان تقويم صعر المتكبر، فدعه للزمان فهو ~~جدير بتقويمه، وكثيرا ما نرى نماذج لأناس تكبروا وتجبروا، وهم الآن لا ~~يستطيع الواحد منهم قياما أو قعودا، بل لا يستطيع أن يذب الطير عن ~~وجهه. والإنسان عادة لا يتكبر إلا إذا شعر في نفسه بميزة عن الآخرين، ~~بدليل أنه إذا رأى من هو أعلى منه انكسر وتواضع وقوم من صعره، ~~ومثلنا لذلك ب فتوة الحارة الذي يجلس على القهوة مثلا واضعا قدما ~~على قدم، غير مبال بأحد، فإذا دخل عليه فتوة آخر أقوى منه نجده ~~تلقائيا يعتدل في جلسته. وهذه المسألة تفسر لنا الحكمة التي تقول اتق شر ~~من أحسنت إليه لماذا؟ لأن الذي أحسنت إليه مرت به فترة كان ضعيفا ~~محتاجا وأنت قوي فأحسنت إليه، وقدمت له المعروف الذي قوم حياته ~~فأصبح لك يد عليه، وكلما رآك ذكرته بفترة ضعفه، ثم إن الأيام دول ~~تدور بين الخلق، والضعيف يصبح قويا ويحب أن يعلي نفسه بين معارفه، ~~لكنه لا بد أن يتواضع حينما يرى من أحسن إليه، وكأن وجود من أحسن ~~إليه هو العقبة أمام علوه وكبريائه لذلك قبل: اتق شر من أحسنت إليه. ~~ثم أن الذي يتكبر ينبغي أن يتكبر بشيء ذاتي فيه لا بشيء موهوب له، ~~وإذا رأيت في نفسك ميزة عن الآخرين فانظر فيما تميزوا ms7782 وهم به عليك، ~~وساعة تنظر إلى الخلق والخالق تجد كل مخلوق لله جميلا. لذلك تروى قصة ~~الجارية التي كانت تداعب سيدتها، وهي تزينها وتدعو لها بفارس الأحلام ابن ~~الحلال، فقالت سيدتها: لكني مشفقة عليك لأنك سوداء لن ينظر أحد إليك، ~~فقالت الجارية: يا سيدتي، اذكري أن حسنك لا يظهر لأعين الناس إلا إذا ~~رأوا قبحي - فالذي تراه أنت قبيحا هو في ذاته جميل، لأنه يبدي جمال ~~الله تعالى في طلاقة القدرة - ثم قالت: يا هذه، لا تغضبي الله بشيء من ~~هذا، أتعيبين النقش، أم تعيبين النقاش؟ ولو أدركت ما في من أمانة ~~التناول لك في كل ما أكلف به وعدم أمانتك فيما يكلفك به أبوك لعلمت في أي ~~شيء أنا جميلة. # ويقول الشاعر في هذا المعنى: # فالوجه مثل الصبح مبيض # والشعر مثل الليل مسود # ضدان لما استجمعا حسنا # والضد يظهر حسنه الضد # والله تعالى يعلمنا هذا الدرس في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى ~~أن يكن خيرا منهن.. # [الحجرات: 11]. فإذا رأيت إنسانا دونك في شيء ففتش في نفسك، وانظر، ~~فلا بد أنه متميز عليك في شيء آخر، وبذلك يعتدل الميزان. فالله تعالى ~~وزع المواهب بين الخلق جميعا، ولم يحاب منهم أحدا على أحد، وكما ~~قلنا: مجموع مواهب كل إنسان يساوي مجموع مواهب الآخر. وسبق أن ذكرنا أن ~~رجلا قال للقمان: لقد عرفناك عبدا أسود غليظ الشفاه، تخدم فلانا وترعى ~~الغنم، فقال لقمان: نعم، لكني أحمل قلبا أبيض، ويخرج من بين شفتي ~~الغليظتين الكلام العذب الرقيق. ويكفي لقمان فخرا أن الله تعالى ذكر ~~كلامه، وحكاه في قرآنه وجعله خالدا يتلى ويتعبد به، ويحفظه الله ~~بحفظه لقرآنه. ولنا ملحظ في قوله تعالى { ولا تصعر خدك ~~للناس.. } [لقمان: 18] فكلمة للناس هنا لها مدخل، وكأن الله تعالى ~~يقول لمن يصعر خده لا تدع الناس إلى العصيان والتمرد على أقدار ~~الله بتكبرك عليهم وإظهار مزاياك وستر مزاياهم، فقد تصادف قليل ~~الإيمان ms7783 الذي يتمرد على الله ويعترض على قدره فيه حينما يراك متكبرا ~~متعاليا وهو حقير متواضع، فإن كنت محترف صعر و كييف تكبر، فليكن ~~ذلك بينك وبين نفسك، كأن تقف أمام المرآة مثلا وتفعل ما يحلو لك مما ~~يشبع عندك هذا الداء. فكأن كلمة { للناس.. } [لقمان: 18] تعني: أن ~~الله تعالى يريد أن يمنع رؤية الناس لك على هذا الحال لأنك قد تفتن ~~الضعاف في دينهم وفي رضاهم عن ربهم. ثم يقول لقمان: { ولا تمش في ~~الأرض مرحا.. } [لقمان: 18] المرح هو الاختيال والتبختر، فربك ~~لا يمنعك أن تمشي في الأرض، لكن يمنعك أن تمشي مشية المتعالي على ~~الناس، المختال بنفسه، والله تعالى يأمرنا: # فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه ~~النشور # [الملك: 15]. فالمشي في الأرض مطلوب، لكن بهيئة خاصة تمشي مشيا سويا ~~معتدلا، فعمر - رضي الله عنه - رأى رجلا يسير متماوتا فنهره، وقال: ما ~~هذا التماوت يا هذا، وقد وهبك الله عافية، دعها لشيخوختك. ورأى رجلا ~~يمشي مشية الشطار - يعني: قطاع الطرق - فنهاه عن القفز أو الجري ~~والإسراع في المشي. إذن: المطلوب في المشي هيئة الاعتدال، لذلك سيأتي في ~~قول لقمان: # واقصد في مشيك.. # [لقمان: 19] يعني: لا تمش مشية المتهالك المتماوت، ولا تقفز قفز أهل ~~الشر وقطاع الطريق. { إن الله لا يحب كل مختال ~~فخور } [لقمان: 18] المختال: هو الذي وجد له مزية عند الناس، والفخور ~~الذي يجد مزية في نفسه، والله تعالى لا يحب هذا ولا ذاك لأنه سبحانه يريد ~~أن يحكم الناس بمبدأ المساواة ليعلم الناس أنه تعالى رب الجميع، وهو ~~سبحانه المتكبر وحده في الكون، وإذا كان الكبرياء لله وحده فهذا يحمينا ~~أن يتكبر علينا غيره، على حد قول الناظم: # والسجود الذي تجتويه # من ألوف السجود فيه نجاة # فسجودنا جميعا للإله الحق يحمينا أن نسجد لكل طاغية ولكل متكبر ومتجبر، ~~فكأن كبرياء الحق - تبارك وتعالى - في صالح العباد. ثم يقول الحق سبحانه ~~على لسان لقمان عليه السلام: { واقصد في مشيك... }. ### || [31.19] # القصد: هو الإقبال على الحدث، إقبالا لا نقيض فيه ms7784 لطرفين، يعني: ~~توسطا واعتدالا، هذا في المشي { واغضض من صوتك.. } [لقمان: ~~19] أي: اخفضه وحسبك من الأداء ما بلغ الأذن. لكن، لماذا جمع السياق ~~القرآني بين المشي والصوت؟ قالوا: لأن للإنسان مطلوبات في الحياة، هذه ~~المطلوبات يصل إليها، إما بالمشي - فأنا لا أمشي إلى مكان إلا إذا كان لي ~~فيه مصلحة وغرض - وإما بالصوت فإذا لم أستطع المشي إليه ناديته بصوتي. ~~إذن: إما تذهب إلى مطلوبك، أو أن تستدعيه إليك. والقصد أي التوسط في ~~الأمر مطلوب في كل شيء لأن كل شيء له طرفان لا بد أن يكون في أحدهما ~~مبالغة، وفي الآخرة تقصير لذلك قالوا: كلا طرفي قصد الأمور ذميم. ثم يقول ~~سبحانه مشبها الصوت المرتفع بصوت الحمار: { إن أنكر ~~الأصوات لصوت الحمير } [لقمان: 19] والبعض يفهم هذه الآية ~~فهما يظلم فيه الحمير، وعادة ما يتهم البشر الحمير بالغباء وبالذلة، ~~لذلك يقول الشاعر: # ولا يقيم على ضيم يراد به # إلا الأذلان عير الحي والوتد # هذا على الخسف مربوط برمته # وذا يشد فلا يرثى له أحد # ونعيب على الشاعر أن يصف عير الحي - والمراد الحمار - بالذلة، ويقرنه ~~في هذه الصفة بالوتد الذي صار مضرب المثل في الذلة حتى قالوا أذل من وتد ~~لأنك تدق عليه بالآلة الثقيلة حتى ينفلق نصفين، فلا يعترض عليك، ولا ~~يتبرم ولا يغيثه أحد، فالحمار مسخر، وليس ذليلا، بل هو مذلل لك من ~~الله سبحانه. ولو تأملنا طبيعة الحمير لوجدنا كم هي مظلومة مع البشر، ~~فالحمار تجعله لحمل السباخ والقاذورات، وتتركه ينام في الوحل فلا يعترض ~~عليك، وتريده دابة للركوب فتنظفه وتضع عليه السرج، وفي فمه اللجام، ~~فيسرع بك إلى حيث تريد دون تذمر أو اعتراض. وقالوا في الحكمة من علو صوت ~~الحمار حين ينهق: أن الحمار قصير غير مرتفع كالجمل مثلا، وإذا خرج لطلب ~~المرعى ربما ستره تل أو شجرة فلا يهتدي إليه صاحبه إلا إذا نهق، فكأن ~~صوته آلة من آلات البادية الطبيعية ولازمة من لوازمه الضرورية التي تناسب ~~طبيعته. لذلك يجب أن نفهم قول الله ms7785 تعالى: { إن أنكر الأصوات ~~لصوت الحمير } [لقمان: 19] فنهيق الحمار ليس منكرا من الحمار، ~~إنما المنكر أن يشبه صوت الإنسان صوت الحمار، فكأن نهيق الحمار كمال فيه، ~~وصوتك الذي يشبهه منكر مذموم فيك، وإلا فما ذنب الحمار؟ إنك تلحظ الجمل ~~مثلا وهو أضخم وأقوى من الحمار إذا حملته حملا فإنه ينعر إذا ثقل ~~عليه، أما الحمار فتحمله فوق طاقته فيحمل دون أن يتكلم أو يبدي ~~اعتراضا، الحمار بحكم ما جعل الله فيه من الغريزة ينظر مثلا إلى القناة ~~فإن كانت في طاقته قفز، وإن كانت فوق طاقته امتنع مهما أجبرته على ~~عبورها. # أما الإنسان فيدعوه غروره بنفسه أن يتحمل مالا يطيق. ويقال: إن ~~الحمار إذا نهق فإنه يرى شيطانا، وعلمنا بالتجربة أن الحيوانات ومنها ~~الحمير تشعر بالزلزال قبل وقوعه، وأنها تقطع قيودها وتفر إلى الخلاء، ~~وقد لوحظ هذا في زلزال أغادير بالمغرب، ولاحظناه في زلزال عام 1992م ~~عندما هاجت الحيوانات في حديقة الحيوان قبيل الزلزال. ثم إن الحمار إن ~~سار بك في طريق مهما كان طويلا فإنه يعود بك من نفس الطريق دون أن ~~توجهه أنت، ويذهب إليه مرة أخرى دون أن يتعداه، لكن المتحاملين على ~~الحمير يقولون: ومع ذلك هو حمار لأنه لا يتصرف، إنما يضع الخطوة على ~~الخطوة، ونحن نقول: بل يمدح الحمار حتى وإن لم يتصرف لأنه محكوم ~~بالغريزة. كذلك الحال في قول الله تعالى: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا.. # [الجمعة: 5]. فمتى نثبت الفعل وننفيه في آن واحد؟ المعنى: حملوها أي: ~~عرفوها وحفظوها في كتبهم وفي صدورهم، ولم يحملوها أي: لم يؤدوا حق حملها ~~ولم يعملوا بها، مثلهم في ذلك # كمثل الحمار يحمل أسفارا.. # [الجمعة: 5] فهل يعد هذا ذما للحمار؟ لا، لأن الحمار مهمته الحمل ~~فحسب، إنما يذم منهم أن يحملوا كتاب الله ولا يعملوا به، فالحمار ~~مهمته أن يحمل، وأنت مهمتك أن تفقه ما حملت وأن تؤديه. فالاعتدال في ~~الصوت أمر ينبغي أن يتحلى به المؤمن حتى في الصلاة وفي التعبد ms7786 يعلمنا ~~الحق سبحانه: # ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ~~ذلك سبيلا # [الإسراء: 110] أما ما تسمعه من الجعر في مكبرات الصوت والنواح طوال ~~الليل فلا ينالنا منه إلا سخط المريض وسخط صاحب العمل وغيرهم، ولقد ~~تعمدنا عمل إحصاء فوجدنا أن الذين يأتون إلى المسجد هم هم لم يزيدوا ~~شيئا ب الميكروفونات. كذلك الذين يرفعون أصواتهم بقراءة القرآن في ~~المساجد فيشغلون الناس، وينبغي أن نترك كل إنسان يتقرب إلى الله بما يخف ~~على نفسه: هذا يريد أن يصلي، وهذا يريد أن يسبح أو يستغفر، وهذا يريد ~~أن يقرأ في كتاب الله، فلماذا تحمل الناس على تطوعك أنت؟ بعد أن عرضت ~~لنا الآيات طرفا من حكمة لقمان ووصاياه لولده تنقلنا إلى معنى كوني ~~جديد: { ألم تروا أن الله... }. ### || [31.20] # التسخير: هو الانقياد للخالق الأعلى بمهمة يؤديها بلا اختيار في ~~التنقل منها، كما سخر الله الشمس والقمر.. إلخ، فعلى الرغم من أن ~~كثيرا من الناس منصرفون عن الله وعن منهج الله لم تتأب الشمس في يوم ~~من الأيام أن تشرق عليهم، ولا امتنع عنهم الهواء، ولا ضنت عليهم ~~الأرض بخيراتها ولا السماء بمائها، لماذا؟ لأنها مسخرة لا اختيار ~~لها. ولا نفهم من ذلك أن الله سخر هذه المخلوقات رغما عنها، فهذا فهم ~~سطحي لهذه المسألة، حيث يرى البعض أن الإنسان فقط هو الذي خير، إنما ~~الحقيقة أن الكون كله خير، وهذا واضح في قول الله تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. إذن: فالجميع خير، خيرت السماوات والأرض والجبال ~~فاختارت أن تكون مسخرة لا إرادة لها، وخير الإنسان فاختار أن ~~يكون مختارا لأن له عقلا يفكر به ويقارن بين البدائل. ومعنى التسخير ~~أنك لا تستطيع أن تخضع ما ينفعك من الأشياء في الكون بعقلك ولا بإرادتك ~~ولا بالمنهج، والدليل على ذلك أنك إذا صدت طيرا وحبسته في قفص ومنعته ~~من أن يطير في السماء وتريد أن تعرف: أهو مسخر ms7787 لك أم غير مسخر وحبسه ~~حلال أم حرام؟ فافتح له باب القفص، فإن ظل في صحبتك فهو مسخر لك، ~~راض عن بقائه معك باللقمة التي يأكلها أو المكان الذي أعددته له، وإن ~~خرج وترك صحبتك فاعلم أنه غير مسخر لك، ولا يحق لك أن تستأنسه رغما ~~عنه. لذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما مر بغلام صغير يلعب بعصفور ~~أراد أن يعلمه درسا وهو ما يزال عجينة طيعة، فأقنعه أن يبيعه ~~العصفور، فلما اشتراه عمر وصار في حوزته أطلقه، فقال الغلام: فو الله ما ~~قصرت بعدها حيوانا على الأنس به. وسبق أن تكلمنا عن مسألة التسخير، ~~وكيف أن الله سخر الجمل الضخم بحيث يسوقه الصبي الصغير ولم يسخر لك ~~مثلا البرغوث فلو لم يذلل الله لك هذه المخلوقات ويجعلها في خدمتك ما ~~استطعت أنت تسخيرها بقوتك. وقوله تعالى: { وأسبغ عليكم ~~نعمه ظاهرة وباطنة.. } [لقمان: 20] أسبغ: أتم وأكمل، ومنها ~~قوله تعالى عن سيدنا داود: # أن اعمل سابغات.. # [سبأ: 11] أي: دروعا ساترة محكمة تقي لابسها من ضربات السيوف وطعنات ~~الرماح، والدروع تجعل على الأعضاء الهامة من الجسم كالقلب والرئتين، وقد ~~علم الله تعالى داود أن يصنع الدروع على هيئة الضلوع، ليست ملساء، إنما ~~فيها نتوءات تتحطم عليها قوة الضربة، ولا تتزحلق فتصيب مكانا آخر. ~~وروي أن لقمان رأى داود - عليه السلام - يعجن الحديد بين يديه فتعجب، ~~لكنه لم يبادره بالسؤال عما يرى وأمهله إلى أن انتهى من صنعته للدرع، ~~فأخذه ولبسه وقال: نعم لبوس الحرب أنت، فقال لقمان: الصمت حكم ~~وقليل فاعله فظلت حكمة تتردد إلى آخر الزمان. # فمعنى أسبغ علينا النعمة: أتمها إتماما يستوعب كل حركة حياتكم، ويمدكم ~~دائما بمقومات هذه الحياة بحيث لا ينقصكم شيء، لا في استبقاء الحياة، ~~ولا في استبقاء النوع لأن الذي خلق سبحانه يعلم كل ما يحتاجه المخلوق. ~~أما إذا رأيت قصورا في ناحية، فالقصور من ناحية الخلق في أنهم لم ~~يستنبطوا من معطيات الكون، أو استنبطوا خيرات الكون، لكن بخلوا بها ~~وضنوا على غيرهم، وهذه ms7788 هي آفة العالم في العصر الحديث، حيث تجد قوما ~~قعدوا وتكاسلوا عن البحث وعن الاستنباط، وآخرين جدوا، لكنهم بخلوا ~~بثمرات جدهم، وربما فاضت عندهم الخيرات حتى ألقوها في البحر، وأتلفوها ~~في الوقت الذي يموت فيه آخرون جوعا وفقرا. إذن: فآفة العالم ليس في أنه ~~لا يجد، إنما في أنه لا يحسن استغلال ما يجد من خيرات، ومن مقومات لله ~~تعالى في كونه. فقوله تعالى: { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ~~وباطنة.. } [لقمان: 20] هذه حقيقة لا ينكرها أحد، فهل تنكرون أنه ~~خلقكم، وخلق لكم من أنفسكم أزواجا منها تتناسلون؟ هل تنكرون أنه خلق ~~السماوات بما فيها من الكواكب والمجرات، وخلق الليل فيه منامكم، ~~والنهار وفيه سعيكم على معايشكم؟ ثم في أنفسكم وما خلقه فيكم من الحواس ~~الظاهرة وغير الظاهرة، وجعل لكل منها مجالا ومهمة تؤديها دون أن تشعر ~~أنت بما أودعه الله في جسمك من الآيات والمعجزات، وكل يوم يطلع علينا ~~العلم بجديد من نعم الله علينا في أنفسنا وفي الكون من حولنا. فمعنى { ~~ظاهرة.. } [لقمان: 20] أي: التي ظهرت لنا: { وباطنة.. } ~~[لقمان: 20] لم نصل إليها بعد، ومن نعم الله علينا ما ندركه، ومنها ما ~~لا ندركه. تأمل في نفسك مثلا الكليتين وكيف تعمل بداخلك وتصفي الدم من ~~البولينا، فتنقيه وأنت لا تشعر بها، وأول ما فكر العلماء في عمل بديل لها ~~حال فشلها صمموا جهازا يملأ حجرة كبيرة، كانت نصف هذا المسجد من المعدات ~~لتعمل عمل الكليتين، ثم تبين لهم أن الكلية عبارة عن مليون خلية لا ~~يعمل منها إلا مائة بالتناوب. وقالوا: إن الفشل الكلوي عبارة عن عدم ~~تنبه المائة خلية المناط بها العمل في الوقت المناسب يعني المائة الأولى ~~أدت مهمتها وتوقفت دون أن تتنبه المائة الأخرى، ومن هندسة الجسم ~~البشري أن خلق الله للإنسان كليتين، حتى إذا تعطلت إحداهما قامت الأخرى ~~بدورها. أما النعم الباطنة فمنه ما يكتشف في مستقبل الأيام من آيات ~~ونعم، فمنذ عدة سنوات أو عدة قرون لم نكن نعرف شيئا عن الكهرباء ~~مثلا، ولا عن السيارات ms7789 وآلات النقل وعصر العجلة والبخار. # . إلخ. كلها نعم ظاهرة لنا الآن، وكانت مستورة قبل ذلك أظهرها النشاط ~~العلمي والبحث والاستنباط من معطيات الكون، وحين تحسب ما أظهره العلم من ~~نعم الله تجده حوالي 3% ونسبة 97% عرفها الإنسان بالصدفة. وقلنا: إن ~~أسرار الله ونعمه في كونه لا تتناهى، وليس لأحد أن يقول: إن ما وضعه الله ~~في الأرض من آيات وأسرار أدى مهمته لأنه باق ببقاء الحياة الدنيا، ولا ~~يتوقف إلا إذا تحقق قوله تعالى: # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا ~~أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس.. # [يونس: 24]. وفي الآخرة سنرى من آيات الله ومن عجائب مخلوقاته شيئا ~~آخر، وكأن الحق تعالى يقول لنا: لقد رأيتم آياتي في الدنيا ~~واستوعبتموها، فتعالوا لأريكم الآيات الكبرى التي أعددتها لكم في ~~الآخرة. ففي الآخرة سأنشئكم نشأة أخرى، بحيث تأكلون ولا تتغوطون ولا ~~تتألمون، وتمر عليكم الأعوام ولا تشيبون، ولا تمرضون، ولا تموتون، لقد ~~كنتم في الدنيا تعيشون بأسبابي، أما في الآخرة فأنتم معي مع المسبب ~~سبحانه، فلا حاجة لكم للأسباب، لا لشمس ولا لقمر ولا.. إلخ. لذلك نقول: ~~من أدب العلماء أن يقولوا اكتشفنا لا اخترعنا لأن آيات الله ونعمه ~~مطمورة في كونه تحتاج لمن ينقب عنها ويستنتجها مما جعله الله في كونه ~~من معطيات ومقدمات. وسبق أن قلنا: إن كل سر من أسرار الله في كونه له ~~ميلاد كميلاد الإنسان، فإذا حان وقته أظهره الله، إما ببحث العلماء وإلا ~~جاء مصادفة تكرما من الله تعالى على خلقه الذين قصرت جهودهم عن ~~الوصول إلى أسراره تعالى في كونه. وفي هذا إشارة مقدمة لن نؤمن بالغيب ~~الذي أخبرنا الله به، فما دمنا قد رأينا نعمه التي كانت مطمورة في ~~كونه فينبغي علينا أن نؤمن بما يخبرنا به من الغيب، وأن نأخذ من ~~المشاهد دليلا على ما غاب. واقرأ في هذه المسألة قول الله تعالى: # ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء.. # [البقرة: 255] أي: شاء سبحانه ms7790 أن يوجد هذا الغيب، وأن يظهر للناس بعد ~~أن كان مطمورا، فإن صادف بحثا جاء مع البحث، وإن لم يصادف جاء ~~مصادفة وبلا أسباب، بدليل أنه نسب إحاطة العلم لهم. أما الغيب الذي ليس ~~له مقدمات توصل إليه، ولا يطلع عليه إلا الله فهو المعني بقوله ~~تعالى: # عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول.. # [الجن: 26-27]. وقال سبحانه: { ظاهرة وباطنة.. } [لقمان: 20] ~~لأن الظاهرة تلفتنا إلى الإيمان بالله واجب الوجود الأعلى، والباطنة ~~يدخرها الله لمن يأتي بعد، ثم يدخر ادخارا آخر، بحيث لا يظهر إلا حين ~~نكون مع الله في جنة الله. # وقد حاول العلماء أن يعددوا النعم والآيات الظاهرة والباطنة، ~~فالظاهرة ما يعطيه لنا في الدنيا ظاهرا، والباطنة ما أخبرنا الله بها، ~~فمثلا حين تريد الجهاد في سبيل الله تعد لذلك عدته من سلاح ~~وجنود.. الخ وتأخذ بالأسباب، فيؤيدك الله بجنود من عنده لم تروها، كما ~~قال سبحانه: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم.. # [الأنفال: 12]. والرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا ببعض هذه النعم ~~الباطنة، فيقول: # " للمؤمن ثلاثة هي له وليست له - يعني ليست من عمله - أما الأولى: أن ~~المؤمنين يصلون عليه، وأما الثانية فجعل الله له ثلث ماله يوصي به - ~~يعني: لا يتركه للورثة إنما يتصرف هو فيه، وكان المنطق أن تستفيد بما لك ~~وأنت حي، فإذا ما انتهيت فليس لك منه شيء وينتقل إلى الورثة يوزعه الله ~~تعالى بينهم بالميراث الذي شرعه، فمن النعم أن يباح لك التصرف في ثلث ما ~~لك توصي به لتكفر به عن سيئاتك وتطهر به ذنوبك - أما الثالثة: أن ~~الله تعالى ستر مساويك عن خلقه، ولو فضحك بها لنبذك أهلك وأحبابك ~~وأقرباؤك ". # إن من أعظم النعم علينا أن يحجب الله الغيب عن خلق الله، ولو خيرت ~~أي إنسان: أتحب أن تعرف غيب الناس ويعرفوا غيبك؟ فلا شك في أنه لن ~~يرضى بذلك أبدا. والنبي صلى الله عليه وسلم يوضح هذه المسألة في قوله: # " لو تكاشفتم ما تدافنتم ms7791 " # يعني: لو ظهر المستور من غيب الإنسان، واطلع الناس على ما في قلبه ~~لتركوه إن مات لا يدفنونه، ولقالوا دعوه للكلاب تأكله، جزاء له على ~~ما فعل. لكن لما ستر الله غيوب الناس وجدنا حتى عدو الإنسان يسرع بحمله ~~ودفنه، كما قال القائل: محا الموت أسباب العداوة بيننا. لكن من غباء ~~الإنسان أن ينبش عن عيوب الآخرين، وأن يتتبع عوراتهم، فهل ترضى أن ~~يعاملك الناس بالمثل، فيتتبعون عوراتك، ويبحثون عن عيوبك؟ ثم إن سيئة ~~واحدة يعرفها الناس عنك كفيلة بأن تزهدهم في كل حسناتك، والله تعالى ~~يريد أن ينتفع الناس بعضهم ببعض ليثرى حركة الحياة. ثم يقول تعالى: { ~~ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ~~ولا كتاب منير } [لقمان: 20]. المجادلة: الحوار في أمر، لكل طرف ~~فيه جنود، وكل منهم لا يؤمن برأي الآخر، والجدل لا يكون إلا في سبيل ~~الوصول إلى الحقيقة، ويسمونه الجدل الحتمي، وهذا يكون موضوعيا لا لدد ~~فيه، ويعتمد على العلم والهدى والكتاب المنير، وفيه نقابل الرأي بالرأي ~~ليثمر الجدال. ومن ذلك قوله تعالى: # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي ~~أحسن.. # [العنكبوت: 46] أما الجدل الذي يريد فيه كل طرف أن يعلي رأيه ولو ~~بالباطل فهو مماراة وسفسطة لا توصل إلى شيء. # والجدل مأخوذ من الجدل أي الفتل، والشيء حين يفتل على مثله يقويه، ~~كذلك الرأي في الجدل يقوي الرأي الآخر، فإذا ما انتهيا إلى الصواب ~~تكاتفا على إظهاره وتقويته، فالجدل المراد به تقوية الحق وإظهاره. فإن ~~كان الجدل غير ذلك فهو مماراة يحرص فيها كل طرف على أن يعلي رأيه ولو ~~بالباطل. والحق سبحانه يبين لنا أن من الناس من ألف الجدل في الله على ~~غير علم ولا هدى ولا كتاب منير، فيقولون مثلا في جدالهم: أللكون إله ~~موجود؟ وإن كان موجودا، أهو واحد أم متعدد؟ وإن كان موجودا أيعلم ~~الجزئيات أم الكليات؟ أيزاول ملكه كل وقت؟ أم أنه خلق القوانين، ثم ~~تركها تعمل في الكون وتسيره؟ كأن الله تعالى زاول سلطانه في ms7792 الملك ~~مرة واحدة. ومعلوم أن الله تعالى قيوم أي: قائم على أمر الخلق كله في ~~كل وقت، والدليل على ذلك هذه المعجزات التي خرقت النواميس لتدل على ~~صدق الرسل في البلاغ عن الله، كما عرفنا في قصة إحراق إبراهيم - عليه ~~السلام - فلو أن المسألة إنجاء إبراهيم من النار لما مكنهم الله منه، أو ~~مكنهم منه ومن إلقائه في النار، ثم أرسل على النار سحابة تطفئها. لكن ~~أراد سبحانه أن يشعلوا النار، وأن يلقوا بإبراهيم فيها، ومع ذلك يخرج ~~منها سالما ليروا بأعينهم هذه المعجزة الخارقة لقانون النار ليكبتهم ~~الله، ولا يعطيهم الفرصة ليخدعوا الناس، ولو أفلت إبراهيم من قبضتهم ~~لوجدوا هذه الفرصة ولقالوا: لو أمسكنا به لفعلنا به كذا وكذا. ومعنى { ~~بغير علم.. } [لقمان: 20] العلم أن تعرف قضية وتجزم بها، وهي ~~واقعة وتستطيع أن تدلل عليها، فإن كانت القضية التي تؤمن بها غير ~~واقعة، فهذا هو الجهل، فالجاهل لا يوضع في مقابل العالم لأن الجاهل لديه ~~علم بقضية لكنها باطلة، وهذا يتعبك في الإقناع لأنه ليس خالي الذهن، ~~فيحتاج أولا لأن تخرج من ذهنه القضية الباطلة وتحل محلها القضية ~~الصحيحة، أما الأمي فهو خالي الذهن من أي قضية. فإن كانت القضية ~~التي تجزم بها واقعة لكن لا تستطيع أن تدلل عليها، كالولد الصغير ~~الذي علمناه أن الله أحد واستقرت في ذهنه هذه المسألة لأن أباه أو معلمه ~~لقنه هذه القضية حتى أصبحت عقيدة عنده، فالذي يدلل عليها من ~~لقنها له إلى أن يكبر، ويستطيع هو أن يدلل عليها. والعلم أنواع، ~~منها وأولها: العلم البدهي الذي نصل إليه بالبديهة دون بحث، فمثلا حين ~~نرى الإنسان يتنفس نعلم أنه حي بالبديهة، ونعلم أن الواحد نصف الاثنين، ~~وأن السماء فوقنا، والأرض تحتنا.. الخ. وإذا نظرت إلى معلومات الأرض ~~كلها تجد أن أم هذه المعلومات البديهة. # فعلم الهندسة مثلا يقوم على نظريات تستخدم الأولى منها مقدمة لإثبات ~~الثانية، والثانية مقدمة لإثبات الثالثة وهكذا. فحين تعيد تسلسل النظريات ~~الهندسية فإنك لا بد عائد إلى النظرية ms7793 الأولى وهي بديهة تقول: إذا ~~التقى مستقيم بآخر نتج عن هذا الالتقاء زاويتان قائمتان. إذن: فأعقد ~~النظريات لا بد أن تعود إلى أمر بدهي منثور في كون الله، المهم من ~~يلتفت إليه، وقد قال الحق سبحانه وتعالى: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. فقوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في ~~الله.. } [لقمان: 20] أي: وجودا وصفاتا { بغير علم ولا ~~هدى ولا كتاب منير } [لقمان: 20] يعني: أن الجدل يصح إن كان ~~بعلم وهدى وكتاب منير، فإن كان بغير ذلك فلا يعد جدلا إنما مراء لا ~~طائل من ورائه. ومعنى الهدى: أي الاستدلال بشيء على آخر، كالعربي الذي ~~ضل في الصحراء، فلما رأى على الرمال بعرا وأثرا لأقدام استأنس ~~بها، وعلم أنه على طريق مطروق ولا بد أن يمر به أحد، فلما عرضت له ~~قضية الإيمان استدل عليها بما رأى فقال: البعرة تدل على البعير، والقدم ~~تدل على المسير، سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، نجوم تزهر، وبحار تزخر.. ~~ألا يدل ذلك على اللطيف الخبير. فالإنسان حين ينظر في الكون وفي آياته ~~لا بد أن يصل من خلالها إلى الخالق عز وجل، فما كان لها أن تتأتى ~~وحدها، ثم إنه لم يدعها أحد لنفسه ممن ينكرون وجود الله، وقلنا: ~~إن أتفه الأشياء التي نراها لا يمكن ان توجد هكذا بدون صانع، فمثلا ~~الكوب الذي نشرب فيه، هل رأينا مثلا شجرة تطرح لنا أكوابا؟ إذن: لا ~~بد أن لها صانعا فكر في الحاجة إليها، فصنعها بعد أن كان الإنسان ~~يشرب الماء عبا، أو نزحا بالكف، وما توصلنا إلى هذا الكوب الرقيق ~~النظيف إلا بعد بحث العلماء في عناصر الوجود، أيها يمكن أن يعطيني هذه ~~الزجاجة الشفافة، فوجدوا أنها تصنع من الرمل بعد صهره تحت درجة حرارة ~~عالية، فهذا الكوب الذي يمكن أن نستغني عنه أخذ منا خبرة وقدرة وعلما.. ~~إلخ. فما بالك بالشمس التي تنير الكون كله منذ خلق الله هذا الكون دون ~~أن تكل أو تمل أو ms7794 تتخلف يوما واحدا، وهي لا تحتاج إلى صيانة ولا ~~إلى قطعة غيار، أليست جديرة بأن نسأل عمن خلقها وأبدعها على هذه ~~الصورة، خاصة وأنها فوق قدرتنا ولا تنالها إمكاناتنا. هذه هي الآيات التي ~~نأخذها بالأدلة، لكن هذه الأدلة لا توصلنا إلا إلى أن لهذا الكون ~~بآياته العجيبة خالقا مبدعا، لكن العقل لا يصل بي إلى هذا الخالق: من ~~هو، وما اسمه، إذن: لا بد من بلاغ عن الله على يد رسول يبلغنا من ~~هذا الخالق وما اسمه وما مطلوباته، وماذا أعد لمن أطاعه، وماذا أعد ~~لمن عصاه. # وفرق بين التعقل والتصور، والذي أتعب الفلاسفة أنهم خلطوا بينهما، ~~فالتعقل أن أنظر في آيات الكون، وأرى أن لها موجدا، أما التصور فبأن ~~أتصور هذا الموجد: شكله، اسمه، صفاته.. إلخ وهذه لا تتأتى بالعقل، إنما ~~بالرسول الذي يأتي من قبل الإله الموجد. وسبق أن ضربنا مثلا - ولله ~~تعالى المثل الأعلى - قلنا: لو أننا نجلس في مكان مغلق، وطرق الباب طارق، ~~فكلنا يتفق على أن طارقا بالباب لا خلاف في هذه، لكن نختلف في تصوره، ~~فواحد يتصور انه رجل، وآخر يقول: طفل، وآخر يتصوره امرأة، وواحد يتصوره ~~بشيرا، وآخر يتصوره نذيرا.. إلخ. إذن: اتفقنا في التعقل، واختلفنا ~~في التصور، ولكي نعرف من الطارق فعلينا أن نقول: من الطارق؟ ليعلن هو عن ~~نفسه ويخبرنا من هو؟ ولماذا جاء؟ وينهي لنا هذا الخلاف. كذلك الحق - ~~تبارك وتعالى - هو الذي يخبرنا عن نفسه، لكن كيف يتم ذلك؟ من خلال رسول ~~من البشر يستطيع أن يتجلى الله عليه بالخطاب، بأن يكون معدا لتلقي ~~هذا الخطاب، لا أن يخاطب كل الناس. وقد مثلنا لذلك أيضا بلمبة ~~الكهرباء الصغيرة أو الراديو الذي لا يتحمل التيار المباشر، يل يحتاج إلى ~~ترانس أو منظم يعطيه الكهرباء على قدره وإلا حرق، فحتى في الماديات لا ~~بد من قوي يستقبل ليعطي الضعيف. والحق سبحانه يعد من خلقه من يتلقى ~~عنه، ويبلغ الناس، فيكلم الله الملائكة، والملائكة تكلم الرسل من ~~البشر لذلك يقول سبحانه: # وما ms7795 كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا.. # [الشورى: 51]. وإلا لو كلم الله جميع البشر، فما الحاجة للرسل؟ لذلك ~~لما سئل الإمام علي رضي الله عنه: أعرفت ربك بمحمد، أم عرفت محمدا ~~بربك؟ فقال: لو عرفت ربي بمحمد لكان محمد أوثق عندي من ربي، ولو عرفت ~~محمدا بربي، فما الحاجة إذن للرسل، لكن عرفت ربي بربي، وجاء محمد، ~~فبلغني مراد ربي منى. إذن: لا بد من هذه الواسطة. والحق سبحانه ~~يعطينا في القرآن مثالا يوضح هذه المسألة في قوله تعالى عن سيدنا موسى: # قال رب أرني أنظر إليك.. # [الأعراف: 143] فبماذا أجابه ربه؟ # قال لن تراني.. # [الأعراف: 143] ولم يقل سبحانه: أنا لا أرى، والمعنى: لو أعددتك ~~الإعداد المناسب لهذه الرؤية لرأيت بدليل أننا سنعد في الآخرة على ~~هيئة نرى فيها الله عز وجل: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]. وفي المقابل يقول عن الكفار الذين سيحرمون هذه ~~الرؤية # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15]. ثم لما تجلى الحق سبحانه للجبل، وهو الجنس الأقوى من ~~موسى مادة وصلابة أندك الجبل، ونظر موسى إلى الجبل المتجلي عليه ~~فخر صعقا، فما بالك لو نظر إلى المتجلي سبحانه؟ إذن: الحق سبحانه ~~حينما يريد أن يخاطب أحدا من خلقه، أو يتجلى عليه يعده لذلك، ~~ويربيه على عينه، كما قال عن موسى # ولتصنع على عيني # [طه: 39] وقال في موضع آخر: # واصطنعتك لنفسي # [طه: 41] ثم يقوم هذا المربي الذي رباه الله بتربية الخلق. وقد ربى ~~محمد صلى الله عليه وسلم أمته في ثلاث وعشرين سنة، ولو أن الله تعالى ~~خاطب كل إنسان بالمنهج لاستغرقت تربية الناس وقتا طويلا لذلك يصطفي ~~الله الرسل، ويعطيهم من الخصائص ما يمكنهم من تربية الأمم بعد أن ~~رباهم الله، واصطنعهم على عينه. إذن: كان ولا بد من إرسال الرسل ~~للبلاغ عن الله: من هو، ما اسمه، ما صفاته؟ ما مطلوباته؟ ماذا أعد ~~لمن اطاعه؟ وماذا أعد لمن عصاه.. إلخ. لذلك فأول دليل على بطلان الشرك ~~أن تقول للذي يشرك الشمس أو ms7796 القمر أو الأصنام مع الله في العبادة: وماذا ~~قالت لك هذه الأشياء؟ ما مطلوباتها؟ ما مرادها منك؟ وإلا، فلماذا تعبدها ~~والعبادة في أوضح معانيها: طاعة العابد لأمر المعبود ونهيه؟ فإن قلت: ~~إذن لماذا قبلت عقول هؤلاء القوم أن يعبدوا هذه الأشياء؟ نقول: لأن ~~التدين طبيعة في النفس البشرية ومركوز في الفطرة التي فطر الله الناس ~~عليها، وسبق أن أوضحنا أن كلا منا فيه ذرة حية من أبيه - عليه السلام - ~~لم يطرأ عليها الفناء، وإلا لما وجد الإنسان، وهذه الذرة في كل منا هي ~~التي شهدت الفطرة، وشهدت الخلق، وشهدت العهد الذي أخذه الله علينا ~~جميعا # ألست بربكم.. # [الأعراف: 172]. فإن حافظت على إشراقية هذه الذرة فيك، ولم تعرضها ~~لما يطمس نورها - ولا يكون ذلك إلا بالسير على منهج خالقك وبناء لبنات ~~جسمه مما أحل الله - إن فعلت ذلك أنار الله وجهك وبصيرتك. لذلك جاء في ~~الحديث أن العبد يشكو: يقول # " دعوت فلم يستجب لي، لكن أنى يستجاب له، ومطعمه من حرام، ومشربه من ~~حرام، وملبسه من حرام؟ " # كيف وقد طمس الذرة النورانية فيه، وغفل عن قانون صيانتها؟ واقرأ قوله ~~تعالى: # فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى # [طه: 123-124]. فالمعيشة الضنك والعياذ بالله تأتي حين تنطمس النورانية ~~الإيمانية، وحين لا تحافظ على إشراقية هذه الذرة التي شهدت خلق الله، ~~وشهدت له بالربوبية، ولو حافظت عليها لظلت كل التعاليم واضحة أمامك، ~~وما غفلت عن منهج ربك هذه الغفلة التي جرت عليك المعيشة الضنك، واقرأ ~~قول الله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا.. # [الأنفال: 29] أي: نورا يهديكم وتفرقون به بين الحق والباطل. # والحق سبحانه يوضح لنا ما يطمس الفطرة الإيمانية، وهما أمران: الغفلة ~~والتي قال الله عنها: # أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين # [الأعراف: 172] والقدوة التي قال الله عنها: # إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من ~~بعدهم.. # [الأعراف: 173]. فالذي يطمس الفطرة الإيمانية ms7797 الغفلة عن المنهج، هذه ~~الغفلة توجد جيلا لا يتمسك بمنهج الحق، وبذلك تكون العقبة في الجيل ~~الأول الغفلة، لكن في الأجيال اللاحقة الغفلة والقدوة السيئة، وهكذا كلما ~~تنقضي الأجيال تزداد الغفلة، وتزداد القدوة السيئة لذلك يوالي الحق ~~سبحانه إرسال الرسل ليزيح عن الخلق هذه الغفلة، وليوجد لهم من جديد ~~قدوة حسنة، ليقارنوا بين منهج الحق ومنهج الخلق. فمن أراد أن يجادل ~~في الله فليجادل بعلم وبهدى وبكتاب منير منزل من عند الله، ووصف ~~الكتاب بأنه منير يدلنا على أن الكتاب المنسوب إلى الله تعالى لا بد ~~أن يكون منيرا لكنه قد يفقد هذا النور بما يطرأ عليه من تحريف وتبديل ~~ونسيان وكتمان.. إلخ. وقد أوضح الله تعالى هذه المراحل في قوله تعالى: # فلما نسوا ما ذكروا به.. # [الأنعام: 44]. ثم: # يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى.. # [البقرة: 159]. وإن كان الإنسان يعذر في النسيان، فلا يعذر في ~~الكتمان، ثم الذي نجا من النسيان ومن الكتمان وقع في التحريف # يحرفون الكلم عن مواضعه.. # [المائدة: 13] وليتهم اقتصروا على ذلك، إنما اختلفوا من عند أنفسهم ~~كلاما، ثم نسبوه إلى الله: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله.. # [البقرة: 79] فأنواع الطمس هذه أربعة ظهرت كلها في اليهود. إذن: فالكتب ~~التي بأيديهم لا تصلح للجدل في الله لأنها تفقد العلم والحجة والهدى، ولا ~~تعد من الكتاب المنير المشرق الذي يخلو من التضبيبات والفجوات، فجوات ~~النسيان والكتمان، والتحريف والاختلاق. فمن يريد أن يجادل في الله ~~فليجادل بناء على علم بدهى أو هدى استدلالي، أو كتاب منير. والكتب ~~المنزلة كثيرة، منها صحف إبراهيم وموسى، ومنها زبر الأولين، والزبور ~~نزل على سيدنا داود، والتوراة على موسى، والإنجيل على عيسى - عليهم ~~جميعا السلام - وهذه كلها كتب من عند الله، لكن هل طرأ عليها حالة عدم ~~الإنارة؟ نقول: نعم، لأنها انطمست بشهوات البشر فيها وبأهوائهم التي ~~شوهتها وأخرجتها عن الإشراقية والنورانية التي كانت لها، وهذا نتيجة ~~السلطة الزمنية وهي أقسى شيء في تغيير المناهج. هذه السلطة الزمنية هي ms7798 ~~التي منعت اليهود أن يؤمنوا برسول الله، وهم يعلمون بعثته في بلاد ~~العرب، ويعلمون موعده وأوصافه، وأنه صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل لذلك ~~يقول القرآن عنهم: # يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم.. # [الأنعام: 20]. ويقول عنهم: # وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون # [البقرة: 146] لذلك، سيدنا عبد الله بن سلام يقول عن سيدنا رسول الله: ~~والله لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني، ومعرفتي لمحمد أشد. # ويحكي القرآن عن أهل الكتاب أنهم كانوا يستفتحون برسول الله على الكفار ~~فيقولون لهم: لقد أظل زمان نبي جديد نسبقكم إليه، ونقتلكم به قتل عاد ~~وإرم # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله ~~على الكافرين # [البقرة: 89]. لماذا؟ لأنهم يعلمون أنه سيسلبهم المكانة التي كانت لهم، ~~والريادة التي أخذوها في العلم والاقتصاد والحرب.. إلخ، لقد كانوا ~~يعدون واحدا منهم لينصبوه ملكا عليهم في المدينة ليلة هاجر ~~إليها رسول الله، فلما دخلها رسول الله لم تعد لأحد مكانة الريادة بعد ~~رسول الله، فرفض هذا الملك الجديد. إذن: فكل الكتب السماوية لحقها ~~التحريف والتغيير، فلم يضمن لها الحق سبحانه الصيانات التي تحميها كما ~~حمى القرآن، وما ذاك إلا ليظهر شرف النبي الخاتم، فالكتب السابقة للقرآن ~~جاءت كتب أحكام، ولم تكن معجزة في ذاتها، فالرسل السابقون كانت لهم ~~معجزات منفصلة عن الكتب وعن المنهج، فموسى عليه السلام معجزته: العصا ~~واليد.. إلخ وكتابه ومنهجه التوراة، وعيسى عليه السلام معجزته أن يبرئ ~~الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله وكتابه ومنهجه الإنجيل. أما محمد ~~صلى الله عليه وسلم فمعجزته وكتابه ومنهجه هو القرآن، فهو منهج ومعجزة ~~ستصاحب الزمان إلى أن تقوم الساعة لأن رسالته هي الرسالة الخاتمة، فلا ~~بد أن يكون كتابه ومعجزته كذلك فنقول: هذا محمد وهذه معجزته. أما ~~الرسالات السابقة فكانت المعجزة وقتية لمن رآها وعاصرها، ولولا أن الله ~~أخبرنا بها ما عرفنا عنها شيئا، وما صدقنا بها، وسبق أن شبهناها ~~بعود الكبريت الذي يشعل مرة واحدة رآه من رآه، ثم يصبح خبرا لذلك ms7799 لا ~~نستطيع أن نقول مثلا: هذا موسى عليه السلام وهذه معجزته لأننا لم نر ~~هذه المعجزة. ولما كانت الكتب السابقة كتبا تحمل المنهج، وليست معجزة في ~~ذاتها ترك الله تعالى حفظها لأهلها الذين آمنوا بها، وهذا أمر تكليفي ~~عرضة لأن يطاع، ولأن يعصى، فكان منهم أن عصوا هذا الأمر فحدث ~~تضبيب في هذه الكتب. يقول تعالى: # إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب ~~الله.. # [المائدة: 44]. وساعة تسمع الهمزة والسين والتاء، فاعلم أنها للطلب: ~~استحفظتك كذا يعني: طلبت منك حفظه، مثل: استفهمت يعني طلبت الفهم، ~~واستخرجت، واستوضحت.. إلخ. فلما جرب الخلق في حفظ كلام الخالق فلم ~~يؤدوا، ولم يحفظوا، تكفل الله سبحانه بذاته بحفظ القرآن، وقال: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. لذلك ظل القرآن كما نزل لم تنله يد التحريف أو الزيادة ~~أو النقصان، وصدق الله تعالى حين قال في أول سوره # ذلك الكتاب لا ريب فيه.. # [البقرة: 2] لا الآن، ولا بعد، ولا إلى قيام الساعة، حتى أن أعداء ~~القرآن أنفسهم قالوا: لا يوجد كتاب موثق في التاريخ إلا القرآن. # والعجيب في مسألة حفظ القرآن أن الذي يحفظ شيئا يحفظه ليكون حجة له، ~~لا حجة عليه، كما تحفظ أنت الكمبيالة التي لك على خصمك، أما الحق - ~~سبحانه وتعالى - فقد ضمن حفظ القرآن، والقرآن ينبئ بأشياء ستوجد فيما ~~بعد، والحق سبحانه لا يحفظ هذا ويسجله على نفسه، إلا إذا ضمن صدق ~~وتحقق ما أخبر به وإلا لما حفظه، إذن: فحفظ الحق سبحانه للقرآن دليل ~~على أنه لا يطرأ شيء في الكون أبدا يناقض كلام الله في القرآن: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82]. وسبق أن قلنا: إن القرآن حكم في أشياء مستقبلية للخلق ~~فيها اختيار، فيأتي اختيار الخلق وفق ما حكم، مع أنهم كافرون بالقرآن، ~~مكذبون له، ومع ذلك لم يحدث منهم إلا ما أخبر الله به، وكان بإمكانهم أن ~~يمتنعوا، لكن ms7800 هيهات فلا يتم في كون الله إلا ما أراد. لكن، ماذا نفعل ~~فيمن يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؟ نلفته إلى ~~العلم، وإلى الهدى، وإلى الكتاب المنير. ندعوهم إلى النظر في الآيات ~~الكونية، وفي البدهيات التي تثبت وجود الخالق عز وجل، ندعوهم إلى الهدى، ~~والاستدلال وإلى النظر في المعجزة التي جاء بها رسول الله، ألم يخبر وهو ~~في شدة الحصار الذي ضربه عليه وعلى آله كفار مكة حتى اضطروهم إلى أكل ~~الميتة وأوراق الشجر.. إلخ. ألم يخبر القرآن في هذه الأثناء بقوله ~~تعالى: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] حتى أن سيدنا عمر ليتعجب: أي جمع هذا؟ ونحن غير قادرين ~~على حماية أنفسنا؟ فلما جاء يوم بدر ورأى بعينه ما حاق بالكفار قال: صدق ~~الله # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. ألم يقل القرآن عن الوليد بن المغيرة # سنسمه على الخرطوم # [القلم: 16] وفعلا، لم يعرفوا الوليد يوم بدر بين القتلى إلا بضربة على ~~خرطومه. ألم يشر رسول الله قبل المعركة إلى مصارع القوم، فيقول وهو ~~يشير إلى مكان بعينه: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، ثم تأتي المعركة ~~ويقتل هؤلاء في نفس الأماكن التي أشار إليها سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. والحق سبحانه أعطانا في القرآن أشياء تدل على أنه كتاب ~~ينور لنا الماضي، وينور لنا الحاضر والمستقبل. وسبق أن قلنا: إن ~~الغيب دونه حجب الزمان، أو حجب المكان، فما سبقك من أحداث يحجبها عنك ~~حجاب الزمان الماضي، وما سيحدث في المستقبل يحجبه عنك حجاب الزمان ~~المستقبل، أما الحاضر الذي تعيشه فيحجبه عنك المكان، بل وقد تكون في نفس ~~المكان وتجلس معي، لكنك لا تعرف ما في صدري مثلا. وكل هذه الحجب خرقها ~~الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم، فمثلا في غزوة مؤتة لما بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم جيشه إليها، وبقي هو في المدينة قال: حين وزع ~~القيادة: يحمل الراية فلان، فإذا قتل يحملها فلان، فإذا قتل يحملها ~~فلان وسمى هؤلاء الثلاثة، ثم ms7801 قال: فإذا قتل الثالث فاختاروا من بينكم ~~من يحملها. # وجلس النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه في المدينة، وأخذ يصف لهم ~~المعركة وصفا تفصيليا، فلما عاد الجيش من مؤتة وجدوا واقع المعركة وفق ~~ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة. وقد نبهتنا هذه ~~المسألة إلى السر في تسمية مؤتة غزوة وكانوا لا يقولون غزوة إلا للتي ~~شهدها رسول الله بنفسه، أما التي لا يخرج فيها فتسمى سرية فلما أخبر صلى ~~الله عليه وسلم بما يدور في المعركة مع بعد المسافات اعتبرها المسلمون ~~غزوة. بل وأبلغ من ذلك، فالحق سبحانه كسف لرسوله صلى الله عليه وسلم ما ~~يدور في نفوس قومه: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول.. # [المجادلة: 8]. هذه كلها من آيات الإنارة في القرآن التي استوعبت ~~الماضي والحاضر والمستقبل. ثم يقول الحق سبحانه: { وإذا قيل لهم ~~اتبعوا... }. ### || [31.21] # كلمة { مآ أنزل الله.. } [لقمان: 21] عامة تشمل كل الكتب ~~المنزلة، وأقرب شيء في معناها أن نقول: اتبعوا ما أنزل الله على رسلكم ~~الذين آمنتم بهم، ولو فعلتم ذلك لسلمتم بصدق رسول الله وأقررتم ~~برسالته. أو: يكون المعنى { اتبعوا مآ أنزل الله.. } [لقمان: ~~21] أي: تصحيحا للأوضاع، واعرضوه على عقولكم وتأملوه. لكن يأتي ردهم: ~~بل وبل تفيد إضرابهم عما أنزل الله { نتبع ما وجدنا عليه ~~آبآءنا.. } [لقمان: 21] وفي آية أخرى # قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ.. # [البقرة: 170]. فما الفرق بين وجدنا و ألفينا وهما بمعنى واحد؟ قالوا: ~~لأن أعمار المخاطبين مختلفة في صحبة آبائهم والتأثر بهم، فبعضهم عاش مع ~~آبائه يقلدهم فترة قصيرة، وبعضهم عاصر الآباء فترة طويلة حتى ألف ما ~~هم عليه وعشقه لذلك قال القرآن مرة ألفينا ومرة وجدنا. والاختلاف ~~الثاني نلحظه في اختلاف تذييل الآيتين، فمرة يقول: # أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة: 170] ومرة أخرى يقول: # أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # [المائدة: 104]. فما الفرق بين: يعقلون ويعلمون؟ الذي يعقل هو الذي ~~يستطيع بعقله أن يستنبط الأشياء، فإذا ms7802 لم يكن لديه العقل الاستنباطي عرف ~~المسألة ممن يستنبطها، وعليه فالعلم أوسع دائرة من العقل لأن العقل ~~يعلم ما عقله، أما العلم فيعلم ما عقله هو وما عقله غيره، فقوله ~~يعلمون تشمل أيضا يعقلون. إذن: إذا نفي العقل لا ينفى العلم ~~لأن غيرك يستنبط لك فالرجل الريفي البسيط يستطيع أن يدير التلفزيون مثلا ~~ويستفيد به ويتجول بين قنواته، وهو لا يعرف شيئا عن طبيعة عمل هذا ~~الجهاز الذي بين يديه، إنما تعلمه من الذي يعلمه، فالإنسان يعلم ما ~~يعقله بذاته، ويعلم ما يعقله غيره، ويؤديه إليه لذلك فنفي العلم دليل ~~على الجهل المطبق الذي لا أمل معه في إصلاح الحال. ونلحظ أيضا أن ~~القرآن يقول هنا: { قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ~~آبآءنا.. } [لقمان: 21]، وفي موضع آخر يقول: # قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ.. # [المائدة: 104] فقولهم: نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فيه دلالة على ~~إمكانية اتباعهم الحق، فالإنكار هنا بسيط، أما الذين قالوا # حسبنا.. # [المائدة: 104] يعني: يكفينا ولا نريد غيره، فهو دلالة على شدة الإنكار ~~لذلك في الأولى نفى عنهم العقل، أما في الأخرى فنفى عنهم العلم، فعجز ~~الآيات يأتي مناسبا لصدرها. وهنا يقول تعالى في تذييل هذه الآية { ~~أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير } ~~[لقمان: 21] لأن آباءهم ما ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه من عبادة الأصنام ~~والكفر بالله إلا بوسوسة الشيطان، فالشيطان قدر مشترك بينهم وبين ~~آبائهم. وهذا يدلنا على أن منافذ الإغواء مرة تأتي من النفس، ومرة تأتي ~~من الشيطان، وبهما يطمس نور الإيمان ونور المنهج في نفس المؤمن. # وسبق أن بينا أنك تستطيع أن تفرق بين المعصية التي تأتيك من قبل ~~الشيطان، والتي تأتيك من قبل نفسك، فالشيطان يريدك عاصيا على أي وجه ~~من الوجوه، فإذا تأبيت عليه في ناحية نقلك إلى ناحية أخرى. أما النفس ~~فتريد معصية بعينها تقف عندها لا تتحول عنها، فالنفس تميل إلى شيء بعينه، ~~ويصعب عليها أن تتوب منه، ولكل نفس نقطة ضعف أو شهوة تفضلها لذلك بعض ~~الناس لديهم كما ms7803 قلنا طفاشات للنفوس لأنهم بالممارسة والتجربة يعرفون ~~نقطة الضعف في الإنسان ويصلون إليه من خلالها، فهذا مدخله كذا، وهذا ~~مدخله كذا. لكن نرى الكثيرين ممن يقعون في المعصية يلقون بالتبعة على ~~الشيطان، فيقول الواحد منهم: لقد أغواني الشيطان، ولا يتهم نفسه، وهذا ~~يكذبه الحديث النبوي في رمضان: # " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت ~~الشياطين ". # فلو أن المعاصي كلها من قبل الشيطان ما رأينا معصية في رمضان، ولا ~~ارتكبت فيه جريمة، أما وتقع فيه المعاصي وترتكب الجرائم، فلا بد أن ~~لها سببا آخر غير الشيطان لأن الشياطين مصفدة فيه مقيدة. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ومن يسلم وجهه... }. ### || [31.22] # يعني: من أراد أن يخلص نفسه من الجدل بغير علم، وبغير هدى، وبغير ~~كتاب منير، فعليه أن يسلم وجهه إلى الله لأن الله تعالى قال في آية ~~أخرى: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] ثم استثنى منهم # إلا عبادك منهم المخلصين # [الحجر: 40]. وقال سبحانه: # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان.. # [الإسراء: 65]. ومعنى { يسلم وجهه إلى الله.. } [لقمان: ~~22] أخلص وجهه في عبادته لله وحده، وبذلك يكون في معية الله، ومن كان ~~في معية ربه فلا يجرؤ الشيطان على غوايته، ولا يضيع وقته معه، إنما ~~ينصرف عنه إلى غافل يستطيع الدخول إليه، فالذي ينجيك من الشيطان أن ~~تسلم وجهك لله. وقد ضربنا لذلك مثلا بالولد الصغير حينما يسير في صحبة ~~أبيه فلا يجرؤ أحد من الصبيان أن يعتدي عليه، أما إن سار بمفرده فهو ~~عرضة لذلك، لا يسلم منه بحال، كذلك العبد إن انفلت من يد الله ~~ومعيته. وهذا المعنى ورد أيضا في قوله سبحانه: # بلى من أسلم وجهه لله.. # [البقرة: 112] وهنا قال { إلى الله.. } [لقمان: 22] فما الفرق بين ~~حرفي الجر: إلى، اللام؟ استعمال إلى تدل على أن الله تعالى هو الغاية، ~~والغاية لا بد لها من طريق للهداية يوصل إليها. أما اللام فتعني ~~الوصل لله مباشرة دون قطع طريق، وهذا الوصول المباشر لا يكون إلا بدرجة ~~عالية من الإخلاص لله. فقوله ms7804 تعالى: { ومن يسلم وجهه إلى ~~الله.. } [لقمان: 22] يعني: أنك على الطريق الموصل إلى الله تعالى، ~~وأنك تؤدي ما افترضته عليك. ومن إسلام الوجه لله قول ملكة سبأ: # وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين # [النمل: 44] الكلام هنا كلام ملكة، فلم تقل: أسلمت لسليمان، لكن مع ~~سليمان لله، فلا غضاضة إذن. وإسلام الوجه لله، أو إخلاص العمل لله تعالى ~~عملية دقيقة تحتاج من العبد إلى قدر كبير من المجاهدة لأن النفس لا تخلو ~~من هفوة، وكثيرا ما يبدأ الإنسان العمل مخلصا لله، لكن سرعان ما تتدخل ~~النفس بما لها من حب الصيت والسمعة، فيخالط العمل شيء من الرياء ولو ~~كان يسيرا. لذلك فإن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحمل عنا هذه ~~المسألة ويطمئن المسلم على عمله، فيقول في دعائه: # " اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك، فخالطني فيه ما ليس لك ". # والنبي صلى الله عليه وسلم ليس مظنة ذلك، لكن الحق سبحانه علمه أن ~~يتحمل عن أمته كما تحمل الله عنه في قوله تعالى: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك.. # [الأنعام: 33] أي: أنك أسمى عندهم من أن تكون كاذبا. # ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33]. # وقوله تعالى: { فقد استمسك بالعروة الوثقى.. } ~~[لقمان: 22] كلمة استمسك تدل على القوة في الفعل والتشبث بالشيء كما ~~نقول تبت فيه، وهي تعني: طلب أن يمسك لذلك لم يقل مسك إنما استمسك. ~~وأول مظاهر الاستمساك أنك لا تطمئن إلى ضعف نفسك، فيكون تمسك بالعروة ~~الوثقى أشد، كما لو أنك ستنزل من مكان عال على حبل مثلا فتتشبت به ~~بشدة لأنك إن تهاونت في الاستمساك به سقطت، وهذا دليل على ثقتك بضعف ~~نفسك، وأنه لا ينجيك من الهلاك، ولا واقي لك إلا أن تستمسك بهذا الحبل. ~~كذلك الذي يسلم وجهه لله ويمسك بالعروة الوثقى، فليس له إلا هذه ~~منجية وواقية. وكلمة { بالعروة الوثقى.. } [لقمان: 22] ~~العروة: هي اليد التي نمسك بها الكوز أو الكوب أو الإبريق، وهي التي تفرق ~~بين الكوب والكأس، فالكأس ms7805 لا عروة لها، إلا إذا شرب فيها الشراب الساخن، ~~فيجعلون لها يدا. ومعنى { الوثقى.. } [لقمان: 22] أي: المحكمة، وهي ~~تأنيث أوثق، نقول: هذا أوثق، وهذه وثقى، مثل أصغر وصغرى، وهي تعني ~~الشيء المرتبط ارتباطا وثيقا بأصله، فإن كان دلوا فهي وثقى ~~بالدلو، وإن كان كوبا فهي وثقى بالكوب، فهي الموثقة التي لا تنقطع، ~~ولا تنفصل عن أصلها. والعروة تختلف باختلاف الموثق، فإن صنع العروة ~~صانع غاش، جاءت ضعيفة هشة، بمجرد أن تمسك بها وتنخلع في يدك، وهذا ~~ما نسميه " الغش التجاري " وهو احتيال لتكون السلعة رخيصة يقبل عليها ~~المشتري، ثم يكون المعوض في ارتفاع قطع الغيار، كما نرى في السيارات ~~مثلا، فترى السيارة رخيصة وتنظر إلى ثمن قطع الغيار تجده مرتفعا. إذن: ~~إرادة عدم التوثيق لها مقصد عند المنتفع، فإذا كان الموثق هو الله ~~تعالى فليس أوثق من عروته. وفي موضع آخر يقول الحق عنها # واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا.. # [آل عمران: 103] فالعروة الوثقى هي حبل الله المتين الذي يجمعنا فلا ~~نتفرق لذلك في الاصطلاح نسمي الفتحة في الثوب والتي يدخل فيها الأزرار ~~عروة لماذا؟ لأنها هي التي تجمع الثوب، فلا يتفرق. وفي آية أخرى وصف ~~العروة الوثقى بقوله سبحانه: # لا انفصام لها.. # [البقرة: 256]. ثم يقول سبحانه: { وإلى الله عاقبة الأمور ~~} [لقمان: 22] أي: مرجعها، فلا نظن أن الله تعالى خلقنا عبثا، أو أنه ~~سبحانه يتركنا سدى: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون # [المؤمنون: 115]. ولو تركنا الله تعالى بلا حساب لكان المنحرف الذي أعطى ~~لنفسه شهواتها في الدنيا أوفر حظا من المستقيم، وما كان الله تعالى ~~ليغش عبده الذي آمن به، وسار على منهجه، أو يسلمه للظلمة والمنحرفين. ~~وإذا كانت لله تعالى عاقبة الأمور أي: في الآخرة، فإنه سبحانه يترك لنا ~~شيئا من ذلك في الدنيا نصنعه بذواتنا لتستقيم بنا مسيرة الحياة وتثمر ~~حركتها، ومن ذلك مثلا ما نجريه من الامتحانات للطلاب آخر العام لنميز ~~المجد من الخامل، وإلا تساوى الجميع ولم يذاكر أحد، ولم يتفوق أحد لذلك ~~لا ms7806 بد من مبدأ الثواب والعقاب لتستقيم حركة الحياة، فإذا كنا نجري ~~هذا المبدأ في دنيانا، فلماذا نستنكره في الآخرة؟ فهل يليق بهذا العالم ~~الذي خلقه الله على هذه الدقة وكونه بهذه الحكمة أن يتركه هكذا هملا ~~يستشري فيه الفساد، ويرتع فيه المفسدون، ثم لا يحاسبون؟ إن كانت هذه هي ~~العاقبة، فيا خسارة كل مؤمن، وكل مستقيم في الدنيا. # ثم يقول الحق سبحانه: { ومن كفر فلا يحزنك كفره ~~إلينا مرجعهم فننبئهم... }. ### || [31.23] # بعد أن بين الحق سبحانه أن إليه مرجع كل شيء ونهاية الأمور كلها، أراد ~~أن يسلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: { ومن كفر.. } [لقمان: ~~23] أي: بعدما قلناه من الجدل بالعلم وبالهدى وبالكتاب المنير، وبعدما ~~بيناه من ضرورة إسلام الوجه لله، من يكفر بعد ذلك { فلا يحزنك ~~كفره.. } [لقمان: 23]. وهذا القول من الله تعالى لرسوله صلى الله ~~عليه وسلم يدل على أن الله علم أن رسوله يحب أن تكون أمته كلها مؤمنة، ~~وأنه يحزن لكفر من كفر منهم ويؤلمه ذلك، وقد كرر القرآن هذا المعنى في ~~عدة مواضع، منها قوله تعالى: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6] ويقول: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. فالله تعالى يريد أن يقول لرسوله: أنا أرسلتك للبلاغ ~~فحسب، فإذا بلغت فلا عليك بعد ذلك، وكثيرا ما تجد في القرآن عتابا ~~لرسول الله في هذه المسألة، وهو عتاب لصالحه لا عليه، كما تعاتب ولدك ~~الذي أجهد نفسه في المذاكرة خوفا عليه. ومن ذلك قوله تعالى معاتبا نبيه ~~صلى الله عليه وسلم: # عبس وتولى * أن جآءه الأعمى * وما يدريك ~~لعله يزكى # [عبس: 1-3]. والعتاب هنا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الرجل ~~المؤمن الذي جاءه يستفهم عن أمور دينه، وذهب يدعو الكفار والمكذبين به، ~~فكأنه اختار الصعب الشاق وترك السهل اليسير، إذن: فالعتاب هنا عتاب لصالح ~~الرسول لا ضده، كما يظن البعض في فهمهم لهذه الآيات. كذلك الأمر في قوله ~~تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ ms7807 أحل الله لك.. # [التحريم: 1] فالله يعاتب رسوله لأنه ضيق على نفسه، فحرم عليها ما ~~أحله الله لها. ثم يقول سبحانه: { إلينا مرجعهم.. } [لقمان: ~~23] يعني: إذا لم تر فيهم عاقبة كفرهم، وما ينزل بهم في الدنيا، فسوف ~~يرجعون إلينا ونحاسبهم في الآخرة، كما قال سبحانه في موضع آخر: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم.. # [غافر: 77] أي: ترى بعينك ما ينزل بهم من العقاب # أو نتوفينك فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. إذن: { إلينا مرجعهم.. } [لقمان: 23] هذه هي ~~الغاية النهائية، وهذه لا تمنع أن نريك فيهم أشياء تظهر عزتك ~~وانتصارك عليهم، وانكسارهم وذلتهم أمامك، وهذا ما حدث يوم الفتح يوم ~~أن دخل النبي مكة منصرا ومتواضعا يطأطئ رأسه بأدب وتواضع لأنه يعلم أن ~~النصر من الله، وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول لأهل مكة: لقد كنتم تريدون ~~الملك لتتكبروا به، وأنا أريده لأتواضع به، وهذا هو الفرق بين عزة ~~المؤمن وعزة الكافر. لذلك لما تمكن رسول الله من رقابهم - بعد أن ~~فعلوا به ما فعلوا - جمعهم وقال قولته المشهورة: # " يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم؟ " قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن ~~أخ كريم، قال: " اذهبوا فأنتم الطلقاء ". # ولك أن تلحظ تحول الأسلوب من صيغة الإفراد في { ومن كفر فلا ~~يحزنك.. } [لقمان: 23] إلى صيغة الجمع في { إلينا مرجعهم.. ~~} [لقمان: 23] ولم يقل: إلي مرجعه لأن من في اللغة تقوم مقام الأسماء ~~الموصولة كلها، فإن أردت لفظها فأفردها، وإن أردت معناها فاجمعه. ~~وقوله تعالى: { فننبئهم بما عملوا.. } [لقمان: 23] لأننا ~~نسجله عليهم ونحصيه، كما قال سبحانه: # أحصاه الله ونسوه.. # [المجادلة: 6] { إن الله عليم بذات الصدور } [لقمان: ~~23] أي: بنات الصدر ومكنوناته يعلمها الله، حتى قبل أن تترجم إلى نزوع ~~سلوكي عملي أو قولي، فالله يعلم ما يختلج في صدورهم من حقد أو غل أو ~~حسد أو تآمر. و # عليم.. # [آل عمران: 119] صيغة مبالغة من العلم، وفرق بين عالم وعليم: عالم: ~~ذات ثبت لها العلم، أما عليم فذات علمها ذاتي لذلك يقول تعالى: # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف: 76]. ثم يقول ms7808 الحق سبحانه: { نمتعهم قليلا ثم... }. ### || [31.24] # الحق سبحانه يبين لكل مؤمن ألا يغتر بحال الكفار حين يراهم في حال ~~رغد من العيش، وسعة وعافية وتمكن لأن ذلك كله متاع قليل، والحق ~~سبحانه يريد من أتباع الأنبياء أن يدخلوا الدين على أنه تضحية لا مغنم. ~~وسبق أن أوضحنا أنك تستطيع أن تفرق بين مبدأ الحق ومبدأ الباطل بشيء ~~واحد، هو استهلال الاثنين، فالداخل في مبدأ الحق مستعد لأن يضحي، ~~والداخل في مبدأ الباطل ينتظر أن يأخذ المقابل لذلك ضحى المسلمون ~~الأوائل في سبيل دينهم بالأنفس والأموال، وتركوا بلادهم وأبناءهم لماذا؟ ~~لأنهم مكلفون بأداء مهمة إنسانية عالمية، لا يحملها إلا من كان ~~مستعدا للعطاء، أما أصحاب الدعوات الباطلة كالشيوعية وغيرها فلا بد ~~أن يأخذوا أولا. لذلك روي أن صحابيا حين سمع من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم البشرى بالجنة، وأنه ليس بينه وبينها إلا أن يحارب فيقتل ~~ألقى تمرات كانت في يده، ولم ينتظر حتى يمضغها، وأسرع إلى المعركة ~~مبتغيا الشهادة وطامعا فيما عند الله، وقد سمع منهم في ساحة القتال ~~أن ينادي أحدهم: هبي يا رياح الجنة، وآخر يقول: إني لأجد ريح الجنة ~~دون أحد. فقوله تعالى: { نمتعهم قليلا ثم نضطرهم ~~إلى عذاب غليظ } [لقمان: 24] هذا التمتع بزينة الحياة الدنيا ~~ما هو إلا استدراج لهم لا تكريم، وقلنا: إنك لا تلقى بعدوك من على ~~الحصيرة مثلا، إنما تعليه وترفعه ليكون أخذه أليما وشديدا، كذلك ~~الحق سبحانه يمتعهم، لكن لفترة محدودة لتكون حسرتهم أعظم إذا ما أخذهم ~~من هذا النعيم. واقرأ في هذا المعنى قول الله تعالى: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة فإذا هم مبلسون # [الأنعام: 44] أي: يائسون. وكلمة الفتح لا تؤدي نفعا إلا إذا جاءت ~~معرفة الفتح وقلنا: هناك فرق بين فتح لك وفتح عليك، فتح لك أي: لصالحك، ~~أما فتح عليك أي: أعطاك الدنيا لتكون حملا فوق رأسك. إذن: فإذا رأيت ~~لهم هذا الفتح فلا تغتر به، ms7809 واعلم انهم نسوا ما ذكروا به. وقد ورد ~~في الأثر أن الله تعالى إذا غضب من المرء رزقه من الحرام، فإذا اشتد غضبه ~~عليه بارك له فيه. ذلك ليظل في سعة ورغد عيش وعلو مكان، حتى إذا ~~أخذه الله آلمه الأخذ واشتد عليه، فأخذ الكافر وهو في أوج قوته ~~وجبروته يدل على قوة الأخذ وقدرته، أما الضعيف فلا مزية في أخذه، ~~كالذي يريد أن يحطم الرقم القياسي مثلا، فإنه يعمد إلى أعلى الأرقام ~~فيحطمها ليثبت جدارته. ومن ذلك أيضا نرى أن القرآن لما أراد التحدي ~~ببلاغته وفصاحته تحدى العرب، وهم أهل الفصاحة والبلاغة وفن الأداء ~~البياني، ولا معنى لأن يتحدى عييا لا يقدر على الكلام. ومعنى { ~~نضطرهم.. } [لقمان: 24] نلجئهم أي: نضيق عليهم الخناق، بحيث لا ~~يجدون إلا العذاب الغليظ، أو: أن فترة الحساب وما قبل العذاب أشد من ~~العذاب نفسه، كما جاء في الحديث من # " أن الشمس تدنو من الرؤوس، حتى ليتمنى الناس الانصراف ولو إلى النار ~~". # ووصف العذاب هنا بأنه { غليظ } [لقمان: 24] والغلظ يعني السمك، ~~فالمعنى أنه عذاب كبير يصعب قلقلة النفس منه، فلو كان رقيقا لربما أمكن ~~الإفلات منه. ثم يعود السياق إليهم: { ولئن سألتهم من ~~خلق... }. ### || [31.25] # هذا إفحام لهم، حيث شهدوا بأنفسهم أن الله تعالى هو خالق السماوات ~~والأرض، وتعجب بعد ذلك لأنهم ينصرفون عن عبادة الخالق سبحانه إلى عبادة ~~من لا يخلق ولا يرى ولا يسمع. لذلك بعد هذه الشهادة منهم، وبعد أن ~~قالوا الله يتبعها الحق سبحانه بقول { قل الحمد لله.. } ~~[لقمان: 25] أي: الحمد لله لأنهم أقروا على أنفسهم، ونحن في معاملاتنا ~~نفعل مثل هذا، فحين يعترف لك خصمك تقول: الحمد لله. وهذه الكلمة تقال ~~تعليقا على أشياء كثيرة، فحين يعترف لك الخصم بما تريد تقول: الحمد ~~لله، وحين يخلصك الله من أذى أحد الأشرار تقول: الحمد لله أي: الذي ~~نجانا من فساد هذا المفسد. فلو بلغنا خبر موت أحد الأشقياء أو قطاع ~~الطرق نقول: الحمد لله أي: الذي خلصنا من شره، وأراح منه ms7810 البلاد ~~والعباد، ومن ذلك قول الله تعالى: # فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ~~رب العالمين # [الأنعام: 45]. كذلك تقال حينما ينصف المظلوم، وترد إليه مظلمته، ~~أو تظهر براءته، كما سنقول - إن شاء الله - في الآخرة: # الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا ~~لغفور شكور # [فاطر: 34]. # وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ~~حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين * ~~وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا ~~الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء فنعم أجر ~~العاملين # [الزمر: 73-74]. فالحمد لله تقال أيضا عند خلوصك إلى غاية تخرجك مما ~~كنت فيه من الضيق، ومن الهم، ومن الحزن، وتقال حين ندخل الجنة، وننعم ~~بنعيمها ونعلم صدق الله تعالى فيما أخبرنا به من نعيمها. هذا كله حمد ~~على نعمه، وهناك الحمد الأعلى: ألم تقرأ الحديث القدسي: # " إن الله يتجلى على خلقه المؤمنين في الجنة فيقول: يا عبادي، ألا ~~أزيدكم؟ فيقولون: وكيف تزيدنا وقد أعطيتنا ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟ قال: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم ~~بعدها أبدا " # فماذا بعد هذا الرضوان؟ يقول تعالى: # وترى الملائكة حآفين من حول العرش يسبحون ~~بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد ~~لله رب العالمين # [الزمر: 75]. هذا هو الحمد الأعلى، فقد كنت في الحمد مع النعمة، وأنت ~~الآن في الحمد مع المنعم سبحانه. ثم يقول سبحانه: { بل أكثرهم ~~لا يعلمون } [لقمان: 25] وهم أهل الغفلة عن الله، أو { لا ~~يعلمون } [لقمان: 25] أي: العلم الحقيقي، النافع، وإن كانوا يعلمون ~~العلم من كتاب غير منير، أو: يعلمون العلم الذي يحقق لهم شهواتهم. ثم ~~ينتقل السياق إلى آيات كونية فيقول سبحانه: { لله ما في ~~السماوات... }. ### || [31.26] # بعد أن سجل الله تعالى عليهم اعترافهم وشهادتهم بأنه سبحانه خالق ~~السماوات والأرض، أراد سبحانه أن يبين لنا أن السماوات والأرض ظرف ~~لما فيهما، وفيهما أشياء كثيرة، منها ما نعرفه، ومنها ما لا نعرفه، ~~والمظروف دائما أغلى من المظروف فيه، فما في ms7811 المحفظة من نقود عادة أغلى ~~من المحفظة ذاتها، وما في الخزانة من جواهر وأموال أو أوراق هامة أنفس ~~من الخزانة وأهم. لذلك قلنا: إياك أن تجعل كتاب الله حافظة لشيء هام ~~عندك لأنه أغلى من أي شيء فينبغي أن نحفظه، لا أن نحفظ فيه. وكأن في ~~الآية إشارة إلى أنهم كما أقروا لله تعالى بخلق السماوات والأرض ~~ينبغي أن يقروا كذلك بأن له سبحانه ما فيهما، وهذه مسألة عقلية يهتدي ~~إليها كل ذي فكر سليم، فما دامت السماوات والأرض لله، فله ما فيهما، ~~وهب أن لك قطعة أرض تمتلكها، ثم عثرت فيها على شيء ثمين، إنه في هذه ~~الحالة يكون ملكك شرعا وعقلا. وينبغي للعاقل أن يتأمل هذه المسألة: ~~لله تعالى ما في السماوات وما في الأرض، ومن هذه الأشياء الإنسان الذي ~~كرمه الله، وجعله سيدا لجميع المخلوقات وأعلى منها، بدليل أنها ~~مسخرة لخدمته: الحيوان والنبات والجماد، فهل يصح أن يكون الخادم أعظم ~~من سيده أو أطول عمرا منه؟ فعلى العاقل أن يتأمل هذه المسألة، وأن ~~يستعرض أجناس الكون ويتساءل: أيكون الجماد الذي يخدمني أطول عمرا مني؟ ~~إذن: لا بد أن لي حياة أخرى تكون أطول من حياة الشمس والقمر وسائر ~~الجمادات التي تخدمني، وهذا لا يكون إلا في الآخرة حيث تنكدر الشمس، ~~وتتلاشى كل هذه المخلوقات ويبقى الإنسان. إذن: أنت محتاج لما في الأرض ~~ولما في السماء من مخلوقات الله، وبه وحده سبحانه قوامها مع أنه سبحانه ~~غني عنها لا يستفيد منها بشيء، فالله سبحانه خلق ما هو غني عنه لذلك ~~يقول: { إن الله هو الغني الحميد } [لقمان: 26] لأنه ~~سبحانه بصفات الكمال خلق، فلم يزده الخلق صفة كمال لم تكن له، فهو ~~محي قبل أن يوجد من يحييه، معز قبل أن يوجد من يعزه. وقلنا: ~~إنك لا تقول فلان شاعر لأنك رأيته يقول قصيده بل لأنه شاعر قبل أن ~~يقولها، ولولا أنه شاعر ما قال. فمعنى { إن الله هو الغني.. ~~} [لقمان: 26] أي: الغني المطلق لأن له سبحانه كل هذه ms7812 الملك في السماوات ~~والأرض، بل جاء في الحديث القدسي أن السماء والأرض بالنسبة لملك الله ~~تعالى كحلقة ألقاها ملق في فلاة، فلا تظن أن ملك الله هو مجرد هذه ~~المخلوقات التي نعلمها، رغم ما توصل إليه العلم من الهندسة وحساب ~~المسافات الضوئية. # فالله سبحانه هو الغني الغنى المطلق لأنه خلق هذا الخلق وهو غني ~~عنه، ثم أعطاه لعبيده وجعله في خدمتهم، فكان من الواجب لهذا الخالق أن ~~يكون محمودا { إن الله هو الغني الحميد } [لقمان: 26] ~~وحميد فعيل بمعنى محمود، وهو أيضا حامد كما جاء في قوله تعالى: # فإن الله شاكر عليم # [البقرة: 158] لكن، شاكر لمن؟ قالوا: إذا كان العبد يشكر ربه، وقد ~~علمه الله: أن الذي يحييك بتحية ينبغي عليك أن تحييه بأحسن ~~منها، فربك يعاملك هذه المعاملة، فإن شكرته يزدك، فهذه الزيادة ~~شكر لك على شكرك لربك. أي: مكافأة لك. ثم يقول الحق سبحانه: { ولو ~~أنما في الأرض من شجرة... }. ### || [31.27] # قوله تعالى { من شجرة.. } [لقمان: 27] من: هنا تفيد العموم أي: ~~من بداية ما يقال له شجرة، وفرق بين أن تقول: ما عندي مال، وما عندي من ~~مال، فالأولى لا تمنع أن يكون عندك القليل من المال الذي لا يعتد به، ~~أما من مال فقد نفيت جنس المال قليله وكثيره. وتقول: ما في الدار أحد. ~~وربما يكون فيها طفل مثلا أو امرأة، أما لو قلت: ما في الدار من أحد، ~~فهذا يعني خلوها من كل ما يقال له أحد. والشجرة: هي النبات الذي له ~~ساق، وقد تشابكت أغصانها، ومن ذلك قوله تعالى: # فيما شجر بينهم.. # [النساء: 65]. أما النبات الذي ليس له ساق فهو العشب أو النجم الذي ~~ينتشر على سطح الأرض، خاصة بعد سقوط الأمطار، وهذا لا تؤخذ منه الأقلام، ~~إنما من الشجرة ذات الغصون والفروع. وقد ذكر القرآن الكريم هذين النوعين ~~في كلام معجز، فقال سبحانه: # الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر ~~يسجدان # [الرحمن: 5-6] فالشمس والقمر # بحسبان # [الرحمن: 5] أي: حساب دقيق محكم لأن بهما حساب الزمن، # والنجم والشجر ms7813 يسجدان # [الرحمن: 6] أي: في خضوع لله تعالى. وكلمة النجم هنا يصح أن تضاف إلى ~~الشمس والقمر، ويصح أن تضاف للشجر، فهو لفظ يستخدم في معنى، ويؤدي معنى ~~آخر بضميمة ضميره. وقد تنبه الشاعر إلى هذه المسألة، فقال: # أراعي النجم في سيرى إليكم # ويرعاه من البيدا جوادي # فهو ينظر إلى نجم السماء ليهتدي به في سيره، ويرعى جواده نجم الأرض، ~~ومن ذلك أيضا كلمة العين، فتأتي بمعنى الذهب والفضة، وبمعنى الجاسوس، ~~وبمعنى عين الماء، وبمعنى العين المبصرة. ومعنى: { والبحر يمده ~~من بعده سبعة أبحر.. } [لقمان: 27] أي: يعينه ويساعده إن ~~نفد ماؤه. ولك هنا أن تسأل: لماذا جعل الإمداد للماء، ولم يجعله للشجر؟ ~~قالوا: لأن القلم الواحد يكتب بحبر كثير لا حصر له، فالحبر مظنة ~~الانتهاء، كما أن الشجر ينمو ويتجدد، أما ماء البحر فثابت لا يزيد. واقرأ ~~أيضا في هذه المسألة: # قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد ~~البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا ~~بمثله مددا # [الكهف: 109]. والعدد سبعة هنا { سبعة أبحر.. } [لقمان: 27] لا ~~يراد به العدد، إنما يراد به الكثرة كما في قوله تعالى: # سبع سماوات.. # [الطلاق: 12] فهذه في مجرتنا الشمسية، فما بالك بالسماوات في المجرات ~~الأخرى، وقد علمنا أن السماء هي كل ما علاك فأظلك. إذن: يرد العدد سبعة ~~على سبيل الكثرة، والعرب كانوا يعتبرون هذا العدد نهاية للعدد لأن العدد ~~معناه الأرقام التي تبين المعدود، فهناك فرق بين العدد والمعدود، ولما ~~تبينا هذا الفرق استطعنا أن نرد على المستشرقين في مسألة تعدد الزوجان، ~~فالعدد يعني 1، 2، 3، 4، 5 أما المعدود، فما يميز هذه الأعداد. # والرسول صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن ينهي التعدد المطلق للزوجات ~~لما أنزل الله عليه أن يأمر الناس أن من معه أكثر من أربع زوجات أن ~~يمسك أربعا منهن ويفارق الباقيات. وكان عند رسول الله في هذا الوقت تسع ~~زوجات لم يشملهن هذا الحكم، فقالوا: لماذا استثنى الله محمدا من هذا ~~الحكم؟ وكيف يكون عنده تسع، وعند امته أربع؟ ولم يفطنوا إلى ms7814 مسألة العدد ~~والمعدود: هل استثنى الله تعالى رسوله في العدد، أم في المعدود؟ نقول: ~~استثناه في المعدود لأنه تعالى خاطب نبيه في آية أخرى: # لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن.. # [الأحزاب: 52] ففرض على رسول الله أن يقتصر على هؤلاء، لا يزيد عليهن، ~~ولا يتزوج بعدهن حتى لو متن جميعا. إذن: لم يستثنه في العدد، وإلا ~~لكان من حقه إذا ماتت واحدة من زوجاته أن يتزوج بأخرى، وإن متن ~~جميعا يأتي بغيرهن. ولك أن تقول: ولماذا جعل الله الاستثناء في المعدود ~~لا في العدد؟ قالوا: لأن زوجات غير النبي صلى الله عليه وسلم إذا طلقها ~~زوجها لها أن تتزوج بغيره، لكن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمهات ~~للمؤمنين ومحرمات عليهم، فإن طلق رسول الله إحدى زوجاته بقيت بلا ~~زواج. لذلك أمر رسول الله أن يمسك زوجاته التسع، شريطة ألا يزيد ~~عليهن، في حين يباح لغيره أن يتزوج بأكثر من تسع، بشرط ألا يبقى معه ~~أكثر من أربع، وعليه، فهذا الحكم ضيق على رسول الله في هذه المسألة في ~~حين وسع على أمته. ونعلم أن معظم زوجات النبي كن كبيرات في ~~السن، وبعضهن كن لا إربة لهن في مسألة الرجل، لكنهن يحرصن على شرف ~~الانتساب لرسول الله، وعلى شرف كونهن أمهات المؤمنين لذلك كانت الواحدة ~~منهن تتنازل عن قسمها في البيتوتة لضرتها مكتفية بهذا الشرف. إذن: ~~التفريق بين العدد والمعدود خلصنا من إفك المستشرقين، ومن تحاملهم على ~~رسول الله واتهامهم له بتعدد الزوجات، وأنه صلى الله عليه وسلم وسع على ~~نفسه وضيق على أمته. ومسألة العدد والمعدود هذه مسألة واسعة حيرت حتى ~~الدارسين للنحو، فلا إشكال في العدد واحد والعدد اثنان لأننا نقول في ~~المفرد المذكر: واحد والمؤنث: واحدة. وللمثنى المذكر: اثنان، وللمؤنث: ~~اثنتان. فالعدد يوافق المعدود تذكيرا وتأنيثا، لكن الخلاف يبدأ من ~~العدد ثلاثة، حيث يذكر العدد مع المعدود المؤنث، ويؤنث مع المعدود ~~المذكر، فمن أين جاء هذا الاختلاف؟ قالوا: لاحظ ms7815 أن التذكير هو الأصل ~~ولذلك احتاج التأنيث إلى علامة، أما المذكر وهو الأصل فلا يحتاج إلى ~~علامة، تقول: قلم. وتقول: دواة. فاحتاجت إلى علامة للتأنيث فهي الفرع ~~والمذكر هو الأصل. # وتعال إلى الأعداد من ثلاثة إلى عشرة، تقول: ثلاثة، أربعة، خمسة، ~~ستة... إلخ فالعدد نفسه مبني على التاء، وليست هي تاء التأنيث، لأنها ~~أعداد مجردة بلا معدود، فإذا أردنا تأنيث هذا العدد وبه تاء لا نضيف إليه ~~تاء أخرى، إنما نحذف التاء فيكون الحذف هو علامة التأنيث ويبقى العدد مع ~~المذكر على الأصل بالتاء. فما حكاية العدد سبعة بالذات؟ قالوا: إن العدد ~~واحد هو الأصل في الأعداد لأن العد ينشأ من ضم واحد إلى آخر، فواحد هو ~~الخامة التي تتكون منها الأعداد فتضم واحدا إلى واحد وتقول: اثنان وتضم ~~إلى الاثنين واحدا، فيصير العدد ثلاثة.. وهكذا. ومعلوم أن أقل الجمع ~~ثلاثة، والعدد إما شفع وإما وتر، الشفع هو الذي يقبل القسمة على الاثنين، ~~والوتر لا يقبل القسمة على الاثنين، والله تعالى يقول: # والشفع والوتر # [الفجر: 3] فبدأ بالشفع وأوله الاثنان ثم الثلاثة، وهي أول الوتر، أما ~~الواحد فقد تركناه لأنه كما قلنا الخامة التي يتكون منها جميع الأعداد. ~~وما دام الله تعالى قال: # والشفع والوتر # [الفجر: 3] فالاثنان أول الشفع، والثلاثة أول الوتر، وأربعة ثاني الشفع، ~~وخمسة ثاني الوتر، وستة ثالث الشفع، وسبعة ثالث الوتر. وقلنا: إن الجمع ~~أقله ثلاثة، فاعتبرت العرب العدد سبعة أقصى الجمع وترا وزوجا، وانتهت ~~عند هذا العدد، فإذا أرادوا العد أكثر من ذلك أتوا بواو يسمونها واو ~~الثمانية، وقد سار القرآن الكريم في أحكام العدد هذه على ما سارت عليه ~~العرب. واقرأ إن شئت هذه الآيات: # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا ~~جآءوها فتحت أبوابها.. # [الزمر: 71]. أما في الجنة فيقول سبحانه: # وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا ~~حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها.. # [الزمر: 73]. فما الفرق بين الآيتين؟ ولماذا جاءت الواو في الثانية، ولم ~~تذكر في الأولى؟ قالوا: لأن # فتحت.. # [الزمر: 71] في الأولى جواب شرط، ms7816 وهذا الجواب كانوا يكذبونه ~~وينكرونه. والشرط تأسيس # حتى إذا جآءوها.. # [الزمر: 71] ماذا حدث؟ # فتحت أبوابها.. # [الزمر: 71] إنما هل كان المؤمنون المتقون الذين يذهبون إلى الجنة ~~يكذبون بهذا اليوم؟ إذن ف: # فتحت.. # [الزمر: 71] هنا لا تكون جوابا لأنهم يعلمون يقينا أنها ستفتح، أما ~~الجواب فسيأتي في: # وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها ~~خالدين * وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء ~~فنعم أجر العاملين # [الزمر: 73-74]. ولما كانت أبواب النار سبعة لم يذكر الواو، أما في ~~الجنة فذكر الواو، لأن أبوابها ثمانية. كذلك اقرأ قول الله تعالى ولاحظ ~~متى تستخدم الواو: # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات ~~سائحات ثيبات وأبكارا # [التحريم: 5]. تجد الواو قبل الثمانية، ذلك لأن العرب تعتبر السبعة ~~منتهى العدد بما فيه من زوج وفرد. # وقوله تعالى: { والبحر يمده.. } [لقمان: 27] أي: يجعل ~~مدادا لكلمات الله { ما نفدت كلمات الله.. } [لقمان: 27] ~~كلمات الله هي السبب في إيجاد المقدورات العجيبة لأن الله تعالى يقول: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82] فكل مراد من شيء سببه كن. وهنا عجيبة ينبغي أن نتأملها: فالله ~~تعالى يقول للشيء وهو لم يخلق بعد كن، كأن كل الأشياء موجودة في الأزل ~~ومكتوبة، تنتظر هذا الأمر كن، فتبرز إلى الوجود، كما يقول أهل المعرفة: ~~أمور يبديها ولا يبتديها. إذن: { كلمات الله.. } [لقمان: 27] هي ~~كن وكل مرادات الله في كونه، ما علمنا منه وما سنعلم، وما لم نعلم إلا ~~حين تقوم الساعة. ألم يقل في العجيب من أمر عيسى عليه السلام # وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.. # [النساء: 171] والمعنى أنه لم يخلق بالطريق الطبيعي في خلق البشر من ~~أب وأم، إنما خلق بهذه الكلمة كن. لماذا؟ لأن الله تعالى يريد أن يثبت ~~لنفسه طلاقة القدرة في الإيجادات وأنه سبحانه يخلق كما يشاء، فمرة يخلق ~~بلا أب وبلا أم، كما خلق آدم عليه السلام، ومرة يخلق بأم دون أب كما ms7817 خلق ~~عيسى عليه السلام، ومرة يخلق بأب وأم، ويخلق بأب دون أم كما خلق حواء. ~~إذن: القسمة العقلية موجودة بكل وجوهها. إذن: مع طلاقة القدرة لا اعتبار ~~للأسباب، فأنت إن أردت أن تكون مثلا قطرة الماء، فعليك أن تأتي ~~بالأكسوجين والأيدروجين بطريقة معينة ليخرج لك الماء وإلا فلا، أما ~~الخالق - عز وجل - فيخلق بالأشياء وبدون شيء، لأن الأشياء بالنسبة لله ~~تعالى ليست فاعلة بذاتها، وإنما هي فاعلة بمراد الله فيها. ثم يقول ~~سبحانه: { إن الله عزيز حكيم } [لقمان: 27] والعزيز هو الذي ~~يغلب ولا يغلب ويقهر ولا يقهر، ولا يستدرك أحد على فعله حتى لو كان ~~مخالفا لعقله هو، وتأمل معنى العزة، وكيف وردت في هذا الموقف من قوله ~~تعالى لسيدنا عيسى عليه السلام. # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب # [المائدة: 116] إلى أن يقول: # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118]. والمنطق العقلي يقتضي أن نقول في عرف البشر: فإنك أنت ~~الغفور الرحيم، فالمقام مقام مغفرة، لكن عيسى عليه السلام يأتي بها، لا ~~من ناحية الغفران والرحمة، وإنما من ناحية طلاقة القدرة والعزة التي لا ~~يستدرك عليها أحد. # فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118] والمعنى: لو قال الناس لماذا غفرت لهم مع أنهم قالوا ~~كذا وكذا؟ فالإجابة أنني أنا العزيز الذي أغلب ولا أغلب، ولا يستدرك أحد ~~على حكمي، إذن: ذيل الآية بالعزة لعزة الله تعالى في خلقه. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ما خلقكم ولا... }. ### || [31.28] # الحق سبحانه وتعالى يؤكد دائما على قضية البعث والقيامة، ويريد سبحانه ~~أن ينصب للناس في حركة حياتهم موازين الجزاء لأن كل عمل لا توجد فيه ~~موازين للجزاء يعتبر عملا باطلا، ولا يمكن أن يستغني عن الجزاء ثوابا ~~وعقابا إلا من كان معصوما او ms7818 مسخرا، فالمعصوم قائم دائما على ~~فعل الخير، والمسخر لا خيار له في أن يفعل أو لا يفعل. إذن: إذا لم ~~يتوفر مبدأ الجزاء ثوابا وعقابا في غير هذين لا بد أن يوجد فساد، ~~إذا لم يثب المختار على الفعل، ويعاقب على الترك اضطربت حركة الحياة، ~~حتى في المجتمعات التي لا تؤمن بإله وضعت لنفسها هذا القانون، قانون ~~الثواب والعقاب. والحق - سبحانه وتعالى - يعطينا مثالا لهذا المبدأ في ~~قوله تعالى من قصة ذي القرنين: # إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء ~~سببا * فأتبع سببا # [الكهف: 84-85]. أراد الحق سبحانه أن يبين أن الرجل الممكن في الأرض له ~~مهمة، هذه المهمة هي شكر الله على التمكين ولا يكون إلا بإقامة ميزان ~~العدالة في الكون # حتى إذا بلغ مغرب الشمس.. # [الكهف: 86] أي: في رأي العين، وإلا فهي لا تغرب أبدا، إنما تغرب عن ~~جماعة في مكان، وتشرق على جماعة في مكان آخر. # وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما ~~قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن ~~تتخذ فيهم حسنا # [الكهف: 86]. ولا يفوض إنسان في أن يعذب أو يتخذ الحسنى إلا إذا ~~كانت لديه مقاييس وميزان العدالة، وقد قال الله عنه: # وآتيناه من كل شيء سببا # [الكهف: 84] أي: نعمة وميزانا لتوزيع هذه النعمة، فلم تقتصر نعمة الله ~~عليه في أنه صاحب سلطان وجبروت، إنما عنده المقومات الحياتية، وعنده ~~ميزان العدالة الذي يضبط استطراق النعم في الكون كله. فالذي خير في ~~أن يفعل أو لا يفعل أراد أن يبين منهجه في أنه لم يأخذ الاختيار وسيلة ~~لتثبيت الأهواء لذلك قال بعدها: # قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ~~ربه فيعذبه عذابا نكرا # [الكهف: 87] هذا هو العقاب # وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى ~~وسنقول له من أمرنا يسرا # [الكهف: 88] أي: بعد أن ينال ثوابه، نعطيه فوق ذلك حوافز تشجعه، ونقيم ~~له حفلة تكريم لنغري غيره بأن يسلك مسلكه. إذن: فقضية الثواب والعقاب أمر ~~لازم، وإذا كان هذا في ms7819 الأمور الحياتية الجزئية، فهو أولى في أمور ~~الدين والقيم التي تسيطر على كل موازين الحياة، لا بد من وقت للثواب ~~وللعقاب، وإلا استشرى الظلم واغتال الناس، وقضى عليهم وأخذ منهم كل متع ~~الحياة، فانتفع بذلك المفسد، وخاب كل من التزم بدين الله وقيم منهجه. # لذلك تجد الحق - تبارك وتعالى - يؤكد دائما على مسألة البعث والقيامة ~~والحساب، وترى أعداء الدين يحاولون أن يشككوا في هذه القضية، وأن ~~يزحزحوا الناس عن الإيمان بها بطرق شتى. فالفلاسفة لهم في ذلك دور، ~~وللملاحدة دور، ولأهل الكتاب دور لذلك تجد التوراة مثلا تكاد تخلو من ~~إشارة عن اليوم الآخر، وهذا أمر غريب لا يمكن تصوره في كتاب ودين سماوي ~~ومنهج حياة. وما ذلك إلا لأن أهل التوراة أرادوا أن يزحزحوا الناس عن ~~أمور عدة ليثبتوا لأنفسهم سلطة زمنية مادية، حتى إنهم طمعوا في أن ~~يرتقوا بهذه السلطة حتى يصلوا إلى الله تعالى، كما حكى القرآن عنهم: # وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله ~~جهرة.. # [البقرة: 55]. ولما أنزل الله عليهم المن، وهو مادة حلوة كطعم ~~القشدة جعلها تتساقط عليهم، وأنزل عليهم السلوى، وهي طيور مثل السمان ~~تنزل عليهم جاهزة معدة للتناول رفضوا عطية الله لهم، وطعامه الذي ~~أعد من أجلهم، وقالوا: بل نريد طعاما نصنعه بأيدينا، وقالوا: # لن نصبر على طعام واحد.. # [البقرة: 61]، فقال لهم: # اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم.. # [البقرة: 61]. وما دام الأمر بالنسبة لهؤلاء ماديا فلا بد أن يزحزح ~~نفسه عن الآخرة وعن القيامة والحساب، لذلك راحوا يشككون فيها، أما ~~الفلاسفة فقالوا: حين يبعث الله إنسانا بعد الموت وقد تحللت أعضاؤه ~~وصارت ترابا، ثم غرست في هذا المكان شجرة فتغذت من هذا التراب، وأكل ~~إنسان آخر من ثمارها وانتقلت إليه بعض خلايا وجزئيات الأول، فإذا كان ~~هناك بعث أتبعت هذه الجزئيات مع الأول أم مع الآخر؟ فإن كانت مع الأول ~~فهي نقص في الآخر والعكس. هذه هي شبهة الفلاسفة. وقد تخبط الفلاسفة هذا ~~التخبط لأنهم لم يفطنوا إلى شيء في الوجود ms7820 يعطي قيما للغيبيات، وقد ~~أوضحنا هذه المسألة فقلنا لهم: لو أن إنسانا يزن مائة كيلو مثلا أصيب ~~بمرض أفقده أربعين كيلو من وزنه، فماذا يعني هذا النقص بالنسبة للشخص ~~نفسه؟ هذه المسألة يتحكم فيها أمران: الغذاء والإخراج، ففي فترة النمو ~~يكون الداخل للجسم أكثر من الخارج، أما في فترة الشيخوخة مثلا فالخارج ~~أكثر، فإن توازن الأمران كانت حالة من الثبات لا يزيد فيها الشخص ولا ~~ينقص، وهي فترة الثبات. فالشخص الذي نقص من وزنه أربعون كيلو، ثم شفاه ~~الله وعادت إليه عافيته حتى زاد وزنه وعاد إلى حالته الطبيعية، فهل ~~تغير الشخص حال نقصان وزنه؟ وهل تغير حال عودته إلى طبيعته؟ أم ظلت ~~الشخصية والذاتية هي هي؟ إذن: المسألة في تكوين الجسم ليست ذرات وجزيئات، ~~إنما هي شخصية معنوية خاصة وإن تكونت من جزيئات المادة وهي الستة عشر ~~عنصرا التي تكون جسم الإنسان، والتي تبدأ بالأكسوجين وتنتهي ~~بالمنجنيز، وهي نفس العناصر المكونة لتربة الأرض التي نأكل منها، وهذه ~~العناصر بنسب تختلف من شخص لآخر. # والحق سبحانه وتعالى يقول: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4] يعني: نعرف ما نقص من كل إنسان: كذا في الحديد، وكذا من ~~الأكسوجين، وكذا من الفسفور.. إلخ. إذن: حين يبعث الله الإنسان بعد الموت ~~يبعث هذه الشخصية المعنوية بهذه الأجزاء المعروفة، فيأتي الشخص هو هو. ~~ومن القضايا التي أثاروها في مسألة البعث ولالتباسات التي يحاولونها ~~يقولون: الله تعالى يخلق الإنسان في مدة تسعة أشهر، أو ستة أشهر، يمر ~~خلالها بعدة مراحل: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظاما، ثم يكسو هذه ~~العظام لحما، هذا للإنسان الواحد، فكم تستغرق إعادة خلق البشر من ~~لدن آدم عليه السلام حتى قيام الساعة؟ ونقول: لقد ذكرتم كيفية خلق ~~سلالة الإنسان والتي تستغرق تسعة أو ستة أشهر، لكن لم تذكروا خلق ~~الأصل، وهو آدم عليه السلام، وقد خلقه الله على هيئته وصورته التي كان ~~عليها، فلم يكن صغيرا وكبر، إنما خلق كبيرا مستويا كاملا، ثم ~~نفخت فيه ms7821 الروح. ثم إن عناصر الفعل هي: الفعل، والفاعل، والمنفعل، ~~يضاف إليها الزمن الذي سيتم فيه الفعل، فأنا أريد أن أنقل هذه الحملة ~~من هنا إلى هناك فنقلنا فعل، وأنا الفاعل، والحملة هي المنفعل ثم الزمن ~~الذي يستغرقه الحدث، والزمن يعني توزيع جزئيات الحدث على جزئيات الزمن ~~فإذا أردت أن تخيط ثوبا بطريقة يدوية فإنه يأخذ منك وقتا طويلا، فإن ~~خطه بالماكينة أخذ وقتا أقل بكثير. إذن: فزمن الفعل يتناسب مع قوة ~~الفاعل، وتذكرون أنه في الماضي كانت الشوارع تضاء بمصابيح الزيت، وكان ~~لكل منطقة عامل يصعد إلى سلم إلى كل فانوس ليشعله، أما الآن فتستطيع أن ~~تنير مدينة بأكملها بضغطة زر واحد. إذن: كلما زادت القوة قل الزمن. ~~فتعال إذن إلى مسألة البعث والإعادة بعد الموت: أهي بقوتك أنت لتحسبها ~~بما يناسب قوتك وقدرتك؟ إنها بقوة الله عز وجل، والله لا يعالج الأمور ~~كما نفعل ولا يزاولها، إنما يفعل سبحانه بكن. إذن: فالفعل بالنسبة لله ~~تعالى لا يحتاج إلى زمن توزع فيه جزئيات الفعل على جزئيات الزمن. ولم ~~تستبعد هذا في حق الله تعالى، وقد أعطاك ربك طرفا منه رغم قدرتك ~~المحدودة؟ ألست تجلس في مثل هذا المجلس فترانا جميعا مرة واحدة في نظرة ~~واحدة، كذلك تسمع الجميع دفعة واحدة؟ ألست تقوم بمجرد أن تريد أن تقوم، ~~وتنفعل جوارحك لك بمجرد أن يخطر الفعل على بالك؟ أتفكر أنت في العضلات ~~التي تحركت والإشارات التي تمت بداخلك لتقوم من مجلسك؟ وقد سبق أن ~~أوضحنا هذه المسألة حين قارنا حركة الإنسان في سلاستها وطواعية الجوارح ~~لمراد صاحبها بحركة الحفار مثلا، فهو لا يؤدي حركة إلا بالضغط على زر ~~خاص بها. # فإذا كنت أنت أيها العبد تنفعل لك جوارحك وأعضاؤك بمرادك في الأشياء، ~~فهل تستبعد في حق الله أن يفعل بكلمة كن؟ كيف وأنت ذاتك تفعل بدون أن ~~تقولها؟ مجرد الإرادة منك تفعل ما تريد. فإن قلت: كيف يفعل الحق سبحانه ~~بكلمة كن، وأنا أفعل بدون أن أقولها؟ نقول: نعم أنت تفعل بدون ms7822 كن ~~لأن الأشياء ليست منفعلة لك أنت، إنما هي مسخرة بكن الأولى حين قال ~~الله لها كوني مسخرة لإرادته، إذن: أنا أفعل بدون كن لأنها ليست في ~~مقدوري أنا، فكأن كن الأولى من الله تعالى هي كن لنا جميعا. وبهذا ~~الفهم استطعنا تفسير حادثة الإسراء والمعراج، واستطعنا الرد على منكريها، ~~فالله يقول: # سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصى.. # [الإسراء: 1]. فلما سمع الكفار بالحادثة أنكروها وقالوا: كيف ونحن نضرب ~~إليها أكباد الإبل شهرا؟ نعم أنتم تضربون إليها أكباد الإبل شهرا لأن ~~فعلكم يحتاج إلى زمن ومزاولة نوزع فيها جزئيات الفعل على جزئيات الزمن، ~~أما محمد فلم يقل سريت، فيكون في الفعل كأحدكم إنما قال: أسري بي. ~~إذن: فهو محمول على قدرة أخرى، فالفعل لا ينسب إليه إنما إلى حامله إلى ~~الله، وقلنا: كلما زادت القوة قل الزمن، فإذا كانت القوة قوة الحق - ~~تبارك وتعالى - فلا زمن لذلك يقول سبحانه في مسألة الخلق والإعادة: { ~~ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة.. } [لقمان: ~~28]. فالأمر يسير على الله لأن خلق النفس الواحدة وخلق جميع الأنفس ~~يتم بكن، فالمسألة لا تحتاج إلى تسعة أو ستة أشهر. وضربنا مثلا لتوضيح ~~هذه المسألة بصناعة الزبادي مثلا، فأنت تأتي باللبن وتضع عليه المادة ~~المعروفة وتتركه في درجة حرارة معينة فيتحول تلقائيا إلى الزبادي الذي ~~تريده، فهل جلست أمام كل علبة تحولها بنفسك، أم أنك عملت العملية ~~المعروفة في هذه الصناعة، ثم تركت هذه المواد تتفاعل بذاتها؟ كذلك شاء ~~الله تعالى أن يوجد الإنسان جنينا في بطن أمه، وأن تجري عليه أمور ~~النمو بطبيعتها، إذن: خلق الإنسان لا يقاس بالنسبة لله تعالى بالزمن، ~~وقد حل لنا الإمام علي كرم الله وجهه هذه القضية حينما سئل: كيف ~~يحاسب الله الناس جميعا من لدن آدم عليه السلام إلى قيام الساعة في ~~وقت واحد؟ فقال: يحاسبهم جميعا في وقت واحد، كما أنه يرزقهم جميعا في ~~وقت واحد لأنه سبحانه لا يشغله شأن عن شأن. ثم يذيل الحق ms7823 سبحانه هذه ~~الآية بقوله تعالى: { إن الله سميع بصير } [لقمان: 28] سميع ~~وبصير صيغة مبالغة من السمع والبصر، وقلنا: إنك وأنت العبد المخلوق ~~تستطيع أن ترى هذا الجمع مرة واحدة في نظرة واحدة، وكذلك تسمعه، فما بالك ~~بسمع الله تعالى وبصره؟ ثم يقول الحق سبحانه: { ألم تر أن ~~الله... }. ### || [31.29] # هذه آيات كونية واضحة مرئية للجميع: للمؤمن وللكافر، للطائع وللعاصي، ~~فالحق سبحانه يوزع لنا الوقت بين ليل ونهار، لكنه ليس توزيعا متساويا ~~ميكانيكيا، بحيث يكون كل منهما أربعا وعشرين ساعة ثابتة على التقدير ~~الجبري كما يقولون لذلك نرى اليوم ينقص مثلا عن الأربع وعشرين ساعة عدة ~~دقائق تضاف إلى زمن الليل أو العكس. لذلك قالوا من أيام بطليموس: السنة ~~365 يوما وخمس ساعات، وخمس وخمسون دقيقة، واثنتا عشرة ثانية بالدقة. ~~بعدها انتهوا إلى أن السنة 365 يوما وربع يوم عن طريق الجبر، فكل ثلاث ~~سنين نجبر الرابعة، ويقولون: سنة بسيطة، وسنة كبيسة أي: طويلة، فالتي ~~تقبل القسمة على أربعة سنة كبيسة، لذلك نجد شهر فبراير في هذه السنة 29 ~~يوما، ذلك لنعوض اليوم. وكلمة يوم تعني الليل والنهار، لكن القسمة ~~بينهما ليست متساوية، فالحق - تبارك وتعالى - بصنعته الحكيمة أراد أن ~~يوزع الحرارة والبرودة على كل مناطق المعمورة، ويعطي لكل منطقة ما ~~تحتاجه لتنبت أرضها، وتعطينا نحن مقومات حياتنا، بدليل أن من النباتات ما ~~لا ينمو إلا في الصيف، ومنها ما لا ينمو إلا في الشتاء، كذلك في الاعتدال ~~الربيعي والاعتدال الخريفي. لذلك، عرفنا أخيرا أن الخالق سبحانه جعل ~~لمحور الأرض ميلا بمقدار 23.5 درجة عن مستوى مدارها فهي إذن غير مستوية، ~~ففي فصل الشتاء يكون القسم الكبير منها مواجها لليل، والآخر مواجها ~~للنهار، فتجد ليل الشتاء أطول من ليل الصيف وأبرد منه، ويبلغ ليل الشتاء ~~أقصى ما يمكن من الطول وهو 12 ساعة فهي شهر كيهك، حتى أن الفلاحين يقولون ~~في كيهك كياك صباحك مساك قوم من نومك حضر عشاك. ومقابل ذلك في فصل الصيف، ~~فكأن ميل محور الأرض سر من ms7824 أسرار هندسة هذا الكون، ففي الحادي والعشرين ~~من حزيران يونيو يبدأ الانقلاب الصيفي، وفي الثالث والعشرين من كانون ~~الأول ديسمبر يبدأ الانقلاب الشتوي، ثم الاعتدال الربيعي في الحادي ~~والعشرين من آذار مارس، والاعتدال الخريفي في الثاني والعشرين من أيلول ~~سبتمبر. وفي الاستواء الربيعي والاستواء الخريفي تجد أن الليل مساو ~~للنهار، وجوهما معتدل لا حر ولا برد. فقول الله تعالى: { ألم تر ~~أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار ~~في الليل.. } [لقمان: 29] يعني: لا تظن أن الليل والنهار قسمة ~~متساوية لأن الله تعالى بحكمته يدخل جزءا من الليل في النهار، أو جزءا ~~من النهار في الليل، فيزيد في أحدهما، وينقص من الآخر لحكمة أرادها ~~سبحانه وتعالى لصالح الإنسان، وإمدادا له بمقومات حياته، لتعلم أن ما ~~يطرأ على الليل أو النهار من تغيير الأشياء لها مناط في الحكمة الإلهية ~~العليا. # وحين نقسم اليوم إلى ليل ونهار - وهي قسمة كما قلنا ليست رتيبة ولا ~~متساوية - فإن لليل مهمة في الحياة وللنهار مهمة، كما بين لنا سبحانه: # وجعلنا اليل لباسا *وجعلنا النهار معاشا # [النبأ: 10-11]. معنى اللباس أن تسكن فيه وتكن وتستر نفسك لذلك عرفنا ~~فيما بعد أن الضوء أثناء النوم أمر غير صحي، وفهمنا قول رسول الله: " ~~أطفئوا المصابيح إذا رقدتم ". والحق سبحانه يوضح لنا هذه المسألة في ~~قوله تعالى: # والضحى * والليل إذا سجى # [الضحى: 1-2] ويقول: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى # [الليل: 1-2] ليبين لك أن لكل منهما مهمة في حركة حياتك، فالنهار ~~للحركة، والليل للسكون، وعليك ألا تخلط بين هاتين المهمتين دون داع، وقد ~~استثنينا من هذه القاعدة من تحتم عليهم طبيعة عملهم أن يعملوا بالليل ~~ويرتاحوا بالنهار. والخالق عز وجل جعل في حركة الليل والنهار أسرارا ~~وعجائب ينبغي أن نتنبه إليها بمعطيات العلم، ومن حكمة الخالق سبحانه أن ~~جعل لكل سر في الكون ميلادا يولد فيه، ونثر أسرار كونه على خلقه ولم ~~يظهرها لجيل واحد، وإلا لو كشف القرآن كل أسراره للأمة الأمية التي ~~عاصرت نزوله لانصرفت عن ms7825 الدعوة الجديدة بتكذيب هذه القضايا التي لم ~~تصدقها العقول حتى في العصر الحديث ورغم تقدم العلوم، فمثلا لما قال ~~العلماء بكروية الأرض ودورانها حول الشمس لم نصدق هذه الحقائق حتى جاءتنا ~~الصور الفضائية التي تؤكد ذلك. وقلنا: إن ميلاد سر من أسرار الكون قد ~~يصادف بحثا من البشر، فيأتي السر ويظهر على أنه نتيجة لهذا البحث، وإلا ~~أظهره الله للناس بالمصادفة رحمة بهم وتفضلا عليهم لذلك نجد أن معظم ~~الاكتشافات جاءت صدفة، لم يسع إليها البشر، ولم يذهبوا إليها بمقدمات. ~~والقرآن الكريم حين يتحدث عن الليل والنهار يقول كلاما عاما يفهمه كل ~~معاصر لمرحلة من مراحل التقدم العلمي: # وجعلنا اليل والنهار آيتين.. # [الإسراء: 12]. ويقول: # وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر أو أراد شكورا # [الفرقان: 62] ومعنى خلفة يعني: يخالف أحدهما الآخر ويأتي بعده، وهذا ~~صحيح الآن، فنحن نرى الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لكن كيف ~~نتصور هذه المسألة في بدء الخلق؟ لو أن البداية كانت بخلق الأرض ~~مواجهة للشمس، فالنهار إذن أولا ليس خلفة لشيء قبله، ثم تغيب الشمس ~~فينشأ الليل ليكون خلفة للنهار، وفي المقابل إن وجدت الأرض غير مقابلة ~~للشمس، فالليل هو الأول ليس خلفة لشيء قبله. إذن: لا يحل لنا هذه ~~المسألة إلا قوله تعالى: # وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة.. # [الفرقان: 62] أي: من بداية الخلق وهما خلفة، وهذا لا يتأتى ولا ~~يسوغ إلا إذا كانت الأرض مكورة، بحيث يكون الجزء المقابل للشمس منها ~~مكونا للنهار، والجزء الآخر لليل في وقت واحد، فلما تحركت الأرض في ~~دورانها صار كل منها خلفة للآخر، إذن: معطيات القرآن يهضمها العقل، ولا ~~يعارضها أبدا. # تذكرون في الثلاثينيات وبالتحديد عام 1928 فسروا السماوات السبع بأنها ~~الكواكب السبعة السيارة التي تدور حول الشمس، ذلك ليقربوا العلم للناس، ~~ويشاء الله - سبحانه وتعالى - أن يكتشفوا بعدها نبتون ثم بلوتو فصاروا ~~تسعة كواكب، وأظهر الله لهم فساد هذا التأويل. وفي الكون عجائب كثيرة ~~نعرفها حتى عن طريق الكفار، وكأن الله سخر حتى ms7826 الكافر ليثبت إيمان ~~المؤمن، فإذا كنا قد عرفنا اليوم عندنا على الأرض، وأنه ليل ونهار ~~يكونان أربعا وعشرين ساعة، فماذا يعني اليوم بالنسبة للكواكب الأخرى؟ ~~لما عرفوا أفلاك الكواكب الأخرى التي تدور حول الشمس وجدوا أقربها للشمس ~~عطارد، ثم الزهرة، ثم الأرض، ثم المريخ، ثم المشتري، ثم زحل، ثم نبتون، ~~ثم بلوتو، وهو أبعد الكواكب عن الشمس. ومن عجائب اليوم في هذه الكواكب أن ~~يوم الزهرة مثلا 244 يوما بيومنا نحن، أما العام فيساوي 225 يوما ~~بيومنا، فكأن يوم الزهرة أطول من عامها، كيف؟ قالوا: لأن المدار مختلف عن ~~مدار الأرض، فاليوم نتيجة دورة الكوكب حول نفسه، والعام نتيجة دورة ~~الكوكب حول الشمس. وقوله تعالى: { وسخر الشمس والقمر.. } ~~[لقمان: 29] ولك أن تلحظ دقة الأداء القرآني في الانتقال من الفعل ~~المضارع { يولج.. } [لقمان: 29] إلى الماضي { سخر.. } [لقمان: 29] ~~ففي الكلام عن حركة الليل والنهار قال { يولج.. } [لقمان: 29] ولما ~~تكلم عن الشمس والقمر قال: { سخر.. } [لقمان: 29] لماذا؟ قالوا: لأن ~~التسخير تم مرة واحدة، ثم استقر على ذلك، أما إيلاج الليل في النهار، ~~وإيلاج النهار في الليل فأمر مستمر يتكرر كل يوم، فناسبه المضارع الدال ~~على التكرار. وقوله تعالى: { كل يجري إلى أجل مسمى.. } ~~[لقمان: 29] أي: إلى غاية محدودة لذلك نسمي العمر النهائي: الأجل. ~~والمراد بالأجل المسمى يوم القيامة، فكأن الخالق سبحانه ضمن لنا استمرار ~~الشمس والقمر إلى قيام الساعة، فاطمئنوا. ثم أي عظمة هذه في كوكب مضيء ~~ينير العالم كله منذ خلقه الله وإلى قيام الساعة، دون صيانة ودون قطعة ~~غيار ذلك لأنه مبني على التسخير القهري الذي يمنع الاختيار، فليس للشمس ~~أن تمتنع عن الشروق وكذلك القمر، ومن العظمة في الألوهية هذه الرحمانية ~~الرحيمة التي تحتضن الجميع المؤمن بها والكافر. وفي هذه الآية ورد ~~التعبير بلفظ { إلى أجل مسمى.. } [لقمان: 29] وفي مواضع أخرى ~~ورد بلفظ # لأجل مسمى.. # [الرعد: 2] باللام بدلا من إلى، وكذلك في سورتي فاطر 13 والزمر 5، ولكل ~~من الحرفين معنى { إلى أجل.. } [لقمان: 29] تعطينا الصورة لمشية ~~الشمس والقمر قبل وصولهما ms7827 الأجل، إنما # لأجل مسمى.. # [فاطر: 13] أي: الوصول المباشر للأجل. # وكما أن لليل مهمة وللنهار مهمة، كذلك للشمس مهمة، وللقمر مهمة بينها ~~الله في قوله: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا.. # [يونس: 5]. وفي موضع آخر قال سبحانه: # تبارك الذي جعل في السمآء بروجا وجعل فيها ~~سراجا وقمرا منيرا # [الفرقان: 61] فالضياء للشمس فيه نور وحرارة، على خلاف نور القمر الذي ~~يناسب حالما لا حرارة فيه. ومن عجائب أمر القمر أننا كنا نحسبه قطعة ~~من اللؤلؤ مضيئة في السماء، حتى إن الشعراء درجوا على تشبيه المحبوبة ~~بالقمر، ولو عرفوا حقيقة القمر التي عرفناها نحن اليوم ما صح منهم هذا ~~التشبيه، فقد أطلعنا العلم أن القمر ما هو إلا حجارة وجسم معتم لا يضيء ~~بذاته، إنما يعكس فقط ضوء الشمس لذلك لما شبه أحد الشعراء محبوبته ~~بالقمر أنكرت عليه هذا الشبه: # شبهتها بالبدر فاستضحكت # وقابلت قولي بالنكر # أي: تكلفت الضحك. # وسفهت قولي وقالت متى # سمجت حتى صرت كالبدر # ولك أن تسأل فمن أين عرفت سماجة البدر، وأنه حجارة لا جمال فيها؟ تجيب ~~هي حين تقول: # البدر لا يرنو بعين كما # أرنو ولا يبسم عن ثغر # ولا يميط المرط عن ناهد # ولا يشد العقد في نحر # من قاس بالبدر صفائي فلا # زال أسيرا في يدي هجري # إذن: فحقيقة القمر التي عرفناها أخيرا آية من آيات الله الظاهرة ~~والباطنة في الكون أطلعنا الله عليها بسلطان العلم، فلما تيسر للبشر ~~الصعود إلى سطحه عرفنا أنه جسم معتم، وصخور لا تنير بذاتها، إنما تعكس ~~أشعة الشمس، فتصل إلينا هادئة حالمة، وكأن القمر كما يقولون: يصنع من ~~الفسيخ شربات. ومن حكمة الخالق سبحانه في خلق الشمس والقمر أن تكون ~~الشمس ميزانا لمعرفة اليوم، والقمر لمعرفة الشهر، وهو الأصل في ~~التكليفات، لأن له شكلا مميزا في أول الشهر على خلاف الشمس لذلك يقول ~~سبحانه: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره ~~منازل لتعلموا عدد السنين والحساب.. # [يونس: 5]. وتتجلى عظمة التكليف الإلهي وارتباطه بالقمر في فريضة الحج ~~مثلا، بحيث ms7828 يتنقل موعد الحج على مدار العام كله، فمرة يأتي في الصيف، ~~وأخرى في الشتاء.. إلخ مما ييسر للحجاج ما يناسب كلا منهم من الجو ~~الملائم، ويقطع الأعذار في التخلف عن أداء هذه الفريضة. إذن: بالتوقيت ~~القمري يأتي الحج في كل أوقات السنة لذلك قال البعض: إن ليلة القدر دائرة ~~في العام كله إذا ما قارنا التوقيت الشمسي بالتوقيت القمري، فإن اتفقنا ~~على أن ليلة القدر في السابع والعشرين من رمضان، فإنها ستوافق أول يناير ~~مثلا، وفي العام التالي توافق الثاني، ثم الثالث وهكذا.. وهذا من رحمة ~~الله تعالى بعباده.. ثم يقول سبحانه: { وأن الله بما ~~تعملون خبير } [لقمان: 29] وما دام أنه سبحانه خبير بما تعملون، ~~فهو الذي يهييء لكم صلاح العمل بخبرته وحكمته وقدرته وقيوميته لذلك شرع ~~لكم الأعمال التي تنظم حركة حياتكم وحركة عبادتكم لذلك نجد رمضان مثلا ~~يدخل بالليل فنقول هذه الليلة من رمضان، أما يوم عرفة فيدخل بيومه لأنه ~~يوم مجموع له الناس. وقوله: { وأن الله بما تعملون خبير ~~} [لقمان: 29] معطوفة على { ألم تر أن الله يولج.. } ~~[لقمان: 29] فالتقدير: وألم تر أن الله بما تعملون خبير. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ذلك بأن الله هو الحق... }. ### || [31.30] # قوله تعالى: { ذلك.. } [لقمان: 30] إشارة إلى ما تقدم ذكره من دخول ~~الليل في النهار، ودخول النهار في الليل، وتسخير الشمس والقمر، ذلك كله { ~~ذلك بأن الله هو الحق.. } [لقمان: 30] فكل ما تقدم نشأ ~~عن صفة من صفات الله وهو الحق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، ~~فكأن ناموس الكون بكل أفلاكه وبكل المخلوقات فيه له نظام ثابت لا يتغير ~~لأن الذي خلقه وأبدعه حق { بأن الله هو الحق.. } [لقمان: ~~30]. وما دام الله تعالى هو الحق فما يدعونه من الشركاء هم الباطل { ~~وأن ما يدعون من دونه الباطل.. } [لقمان: 30]، فلا يوجد ~~في الشيء الواحد حقان، فإن كان أحدهما هو الحق فغيره هو الباطل، ~~فالحق واحد ومقابله الباطل. وأي باطل أفظع من عبادتهم للأصنام واتخاذها ~~آلهة وشركاء مع الله عز وجل؟ كيف ms7829 وهي حجارة صوروها بأيديهم وأقاموها ~~ليعبدوها من دون الله، والحجارة جماد من جمادات الأرض، والجماد هو العبد ~~الأول لكل المخلوقات، عبد للنبات، وعبد للحيوان، وعبد للإنسان لأنه ~~مسخر لخدمة هؤلاء جميعا. فكيف بك وأنت الإنسان الذي كرمك ربك وجعل ~~لك عقلا مفكرا تتدنى بنفسك وترضى لها أن تعبد أدنى أجناس الوجود، ~~وتتخذها شريكا مع الله، وأنت ترى الريح إذا اشتدت أطاحت باللات أو ~~بالعزى، وألقته على الأرض، وربما كسرت ذراعه، فاحتاج لمن يصلح هذا ~~الإله، إذن { وأن ما يدعون من دونه الباطل.. } [لقمان: ~~30]. لذلك قلنا في الحروب التي تنشب بين الناس: إنها لا تنشب بين حقين ~~لأن الحقيقة لا يوجد فيها حقان، إنما هو حق واحد، والآخر لا بد أن ~~يكون باطلا، أو تنشأ بين باطلين، أما نشأتها بين حق وباطل فإنها في ~~الغالب لا تطول لأن الباطل زهوق. والعاقبة لا بد أن تكون للحق ولو ~~بعد حين، أما الباطل فإنه زهوق، إنما تطول المعركة إن نشبت بين ~~باطلين، فليس أحد الطرفين فيها أهلا لنصرة الله، فتظل الحروب بينهما حتى ~~يتهالكا، وتنتهي مكاسب طغيان كل منهما، ولا يردهما إلا مذلة اللجوء إلى ~~التصالح بعد أن فقدا كل شيء. لذلك نرى هذه الظاهرة أيضا في توزيع ~~التركات والمواريث بين المستحقين لها، حيث ينشب بينهم الخلاف والطعن ~~واللجوء إلى القضاء والمحامين حتى يستنفد هذا كله جزءا كبيرا من هذه ~~التركة، حتى إذا ما صفت مما كان بها من أموال جمعت بالباطل ترى ~~الأطراف يميلون إلى الاتفاق والتصالح وتقسيم ما بقي. واقرأ إن شئت حديث ~~رسول الله صلى الله عليهم وسلم: # " من أصاب مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر " # ومعنى: مهاوش يعني التهويش أو كما نقول بيهبش من هنا ومن هنا، وطبيعي أن ~~يذهب الله هذا المال في الباطل وما لا فائدة منه. # وسبق أن أعطينا مثلا لمصارف المال الحرام بالأب يرجع إلى بيته، فيجد ~~ابنه مريضا حرارته مرتفعة، فيسرع به إلى الطبيب ويصيبه الرعب، ويتراءى ~~له شبح المرض، فينفق على ابنه ms7830 المئات، أما الذي يعيش على الكفاف ويعرق في ~~كسب عيشه بالحلال فيكفيه في مثل هذه الحالة قرص أسبرين وكوب ليمون، ~~فالأول أصاب ماله من مهاوش، والآخر أصابه من الحلال. فقول الله تعالى: { ~~ذلك بأن الله هو الحق.. } [لقمان: 30] يعني: أن الحق هو ~~الظاهر وهو الغالب، فإن قلت كيف ونحن نرى الباطل قد يعلو على الحق ~~ويظهر عليه؟ ونقول: نعم، قد يعلو الباطل لكن إلى حين، وهو في هذه الحالة ~~يكون جنديا من جنود الحق، كيف؟ حينما يعلو الباطل وتكون له صولة لا ~~بد أن يعض الناس ويؤذيهم ويذيقهم ويلاته، فيلتفتون إلى الحق ويبحثون ~~عنه ويتشوقون إليه. إذن: لولا الباطل ما عرفنا ميزة الحق، ومثال ذلك ~~الألم الذي يصيب النفس الإنسانية فينبهها إلى المرض، ويظهر لها علتها، ~~فتطلب الدواء، فالألم جندي من جنود الشفاء، وقلنا سابقا: إن الكفر جندي ~~من جنود الإيمان. لذلك لا تحزن إن رأيت الباطل عاليا، فذلك في صالح ~~الحق، واقرأ قول ربك عز وجل: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها.. # [الرعد: 17] يعني: يأخذ كل واد على قدره وسعته من الماء # فاحتمل السيل زبدا رابيا.. # [الرعد: 17] وهو القش والفتات الذي يحمله الماء # ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو ~~متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل.. # [الرعد: 17] أي: مثلا لكل منهما. # فأما الزبد فيذهب جفآء.. # [الرعد: 17] يعني: مطرودا مبعدا من الجفوة # وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. وبعد أن بين الحق سبحانه وتعالى أنه { الحق.. } ~~[لقمان: 30] وأن غيره من آلهة المشركين هم الباطل ذكر لنفسه سبحانه صفتين ~~أخريين { وأن الله هو العلي الكبير } [لقمان: 30] ~~العلي الكبير يقولها الله تعالى، ويقولها رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~ونقولها نحن لأن الله قالها ولأن النبي الصادق أخبرنا بها، لكن المسألة ~~أن يشهد بها من كفر بالله. لذلك يعلمنا ربنا - تبارك وتعالى - أن نحمد ~~الله حينما يشهد الكافر لله رغم كفره به، كما ورد في الآيات السابقة: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ms7831 ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون # [لقمان: 25]. فهذه الشهادة منهم تستحق من المؤمن أن يقول: الحمد لله ~~لأنها شهادة جاءت ممن كفر بالله وكذب رسوله وحاربه، وأيضا تنظر إلى ~~هذا الكافر الذي تأبى على منهج الله وكذب رسوله حين يصيبه مرض مثلا، ~~أيستطيع أن يتأبى على المرض كما تأبى على الله؟ هذا الذي ألف التمرد ~~على الله: أيتمرد إن جاءه الموت. # واقرأ قوله تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه.. # [الإسراء: 76] أي: لا يجدون أمامهم ساعة الكرب والهلاك إلا الله لأن ~~الإنسان في هذه الحالة لا يخدع نفسه ولا يكذب عليها، بالله أرأيتم ~~إنسانا أحاطت به الأمواج، وأشرف على الهلاك يدعو يقول: يا هبل؟ إذن: ~~الله هو العلي وهو الكبير، وغيره شرك وباطل. وسبق أن ضربنا مثلا ~~للإنسان، وأنه لا يغش نفسه، ولا يخدعها خاصة إذا نزلت به ضائقة ~~بالحلاق أو حكيم الصحة كما كانوا يطلقون عليه، فهو يداوي أهل القرية ~~ويسخر من طبيب الوحدة الصحية، ويتهمه بعدم الخبره لكن حين مرض ولده ~~وأحس بالخطر أخذ الولد وتسلل به في ظلام الليل، وذهب إلى الطبيب. ~~فلله وحده العلو، ولله وحده الكبرياء، بدليل أن الكافر حين تضطره أمور ~~الحياة وتلجئه إلى ضرورة لا مخرج منها لا يقول إلا: يالله يا رب. فالله ~~هو العلي بشهادة من كفر به، ثم أردف صفة العلي بصفة الكبير لأن العلي ~~يجوز أنه علا بطغيان وعدم استحقاق للعلو، لكن الحق سبحانه هو العلي، وهو ~~الكبير الذي يستحق هذا العلو. ثم يلفتنا الحق سبحانه إلى آية أخرى من ~~آياته في الكون: { ألم تر أن الفلك... }. ### || [31.31] # بعد أن ذكر الحق سبحانه بعض الآيات الكونية البعيدة عنا أراد سبحانه أن ~~يعطينا نموذجا آخر للآيات التي بين أيدينا في الأرض فقال تعالى: { ~~ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله.. ~~} [لقمان: 31] ألم تر: يعني ألم تعلم { أن الفلك.. } [لقمان: 31] ~~أي: السفن. وربما أن سيدنا رسول الله لم ير هذه السفن في ms7832 البحار، ولم ~~تكن قد ظهرت السفن العملاقة التي نراها اليوم كالأعلام، كما في قوله ~~سبحانه: # وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام # [الرحمن: 24]. ومتى وجدت البوارج العالية التي تشبه الجبال والمكونة ~~من عدة أدوار. لم توجد إلا حديثا، إذن: فهذا مظهر من مظاهر إعجاز ~~القرآن، ومن ذلك قوله تعالى: # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون # [الزخرف: 33]. ومن يبحث في القرآن يجد فيه الكثير من هذه الآيات التي ~~تثبت صدق القرآن وصدق رسول الله في البلاغ عن الله. وذكرنا قصة ~~المرأة التي أسلمت لما قرأت التاريخ الإسلامي، وقرأت في سيرة رسول الله ~~أن المؤمنين به كانوا يجعلون عليه حراسة دائمة يتبادلونها حماية له من ~~أعدائه، وفجأة صرف رسول الله هؤلاء الحرس من حوله وقال لهم لقد أنزل الله ~~علي # والله يعصمك من الناس.. # [المائدة: 67] فوقفت المرأة عند هذه الآية وقالت: والله لو أن هذا الرجل ~~كان يخدع الناس جميعا ما خدع نفسه في حياته. وقلنا في معنى { ألم ~~تر.. } [لقمان: 31] أنها بمعنى ألم تعلم، لأن إعلام الله لك أوثق من ~~رؤية عينيك. وكلمة { تجري في البحر بنعمة الله.. } ~~[لقمان: 31] الجري: حركة تودع فيها مكانا إلى مكان آخر، هذا التوديع إما ~~أن تمشي الهوينا أو تجري. لكن ما هي نعمة الله في جريها؟ أولا كانت ~~أول سفينة من الخشب المربوط إلى بعضه بالحبال والدسر، وكان الغاطس ~~منها في الماء حوالي شبر واحد يزيح من الماء بحجم وزن السفينة، فإذا ما ~~وضعت عليها ثقلا فإنها تغطس بمقدار هذا الثقل، حتى إذا ما زاد وزن الماء ~~المزاح عن وزن السفينة وحمولتها فإنها تغرق. وهذه الفكرة هي التي تستخدم ~~في الغواصات، فبالوزن يتم التحكم في حركة الغواصة تحت الماء. والآن نرى ~~السفن العملاقة والتي تصنع من الحديد، والعجيب أن هذا الحديد الصلب ~~يحمله الماء السائل اللين ويجري به، ثم تأتي الريح فتدفع السفن إلى حيث ~~تريد، حتى وإن كانت تسير عكس جريان الماء، ويتمكن ربان ms7833 السفينة من ~~التحكم في حركتها باستخدام بعض الآلات البسيطة وبتوجيه الشراع بطريقة ~~معينة فتسير السفينة حسب ما أراد حتى لو كان اتجاهها عكس اتجاه الريح، ~~ويسمون هذه الحركة تسفيح. # لذلك يقول سبحانه عن حركة السفن: # إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره.. # [الشورى: 33]. وكأن الحق سبحانه يريد أن يبين لنا أن أقل الأشياء ~~كثافة بقوة الحق له يحمل أكثر الأشياء كثافة، وانظر إن شئت إلى جرارات ~~النقل الثقيل، هذه الجرارات العملاقة التي تحمل عدة أطنان من الحديد ~~مثلا على أي شيء تسير وتتحرك؟ إنها تسير وتتحرك على الهواء المضغوط في ~~عجلاتها، والذي يأخذ قوته من هذا الضغط، بحيث إذا زدت في ضغط هذه ~~العجلات تقوى على نفسها فتنفجر. وقوله تعالى: { ليريكم من ~~آياته.. } [لقمان: 31] أي: من عجائبه في كونه خاصة في البحار، ففي ~~الماضي كنا لا نرى من المخلوقات في الأعماق إلا السمك الذي يصطاده ~~الصيادون، أما الآن ومع تطور علوم البحار وطرق التصوير تحت الماء أصبحنا ~~نرى في أعماق البحار عجائب أكثر مما نراه على اليابسة. ثم يقول تعالى: { ~~إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } [لقمان: 31] قوله ~~تعالى: { لكل صبار.. } [لقمان: 31] توحي بأن آيات الله في كونه ~~كثيرة، لكن على الإنسان أن يبذل جهدا في البحث عنها واكتشافها، وعليه ~~أن يكون صبارا على مشقة البحث والغوص تحت الماء، فإذا ما رأينا ما في ~~أعماق البحار من عجائب مخلوقات الله فقد وجب علينا الشكر { لكل ~~صبار شكور } [لقمان: 31] والشكر لا يكون إلا عن نعمة جدت لم ~~تكن موجودة من قبل. إذن: الحق - تبارك وتعالى - يريد منا أن نستقبل ~~آياته في الكون استقبال بحث وتأمل ونظر، لا استقبال غفلة وإعراض، كما ~~قال سبحانه: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. وتقديم صبار على شكور دليل على أن الصبر على مشقات العمل ~~والبحث والاستنباط والاكتشاف يؤتى نعمة كبيرة تدعو الإنسان إلى شكرها. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { وإذا غشيهم موج... }. ### || [31.32] # معنى { غشيهم موج.. } [لقمان: 32] يعني: ms7834 غطاهم واحتواهم لذلك ~~قال: { كالظلل.. } [لقمان: 32] جمع ظلة، وهي التي تعلو الإنسان ~~وتظلله، ولا يكون الموج كذلك إلا إذا علا عن مستوى الإنسان، وخرج عن ~~رتابة الماء وسجسجته. ومن ذلك قول الله تعالى: # وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة.. # [الأعراف: 171]. وأنت تشاهد هذه المظاهر إذا كنت في عرض البحر، فترى ~~الموجة من بعيد أعلى منك، وأنها حتما ستطمسك، حتى إذا ما وصلت إليك ~~شاهدت فيها مظهرا من لطف الله بك، حيث تتلاشى وتمر من تحتك بسلام، وهذا ~~شيء عجيب ونعمة تستوجب الشكر. فالموج إذن شيء مخيف لذلك لما غشيهم ~~وأيقنوا الهلاك { دعوا الله مخلصين له الدين.. } ~~[لقمان: 32] دعوا الله رغم أنهم كافرون به، لكن المرء في مثل هذه الحال ~~لا يخدع نفسه ولا يكذب عليها، فالأمر جد، فلم يدعوا اللات أو العزى، ولم ~~يقل أحد منهم يا هبل، إنما دعوا الله بإخلاص لله، فإن كانوا ملتفتين ~~لدين آخر في عبادة الأصنام، ففي هذا الموقف لا بد أن يخلصوا لله ~~لأنهم واثقون أن الأصنام لن تنفعهم، وأنها لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، ~~ولن يكون النفع وكشف البلاء إلا من الله الحق. فإن قلت: ما دام الأمر ~~كذلك، فما الذي صرفهم عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام؟ قلنا: إن ~~التدين طبيعة في النفس البشرية، وهذه الطبيعة باقية في ذرات كل إنسان ~~منذ خلق الله آدم، وأخذ من صلبه ذريته، وأشهدهم على أنفسهم # ألست بربكم.. # [الأعراف: 172] فشهدوا. فكل واحد منا فيه ذرة شهدت هذا العهد، وهذه ~~الذرة هي مصدر الإشراقات في نفس المؤمن، وعليه أن يحافظ عليها بأن يأخذ ~~قانون صيانة هذه الذرة ممن خلقها، لا أن يطمس نورها بمخالفة قانون ~~صيانته الذي وضعه له ربه - عز وجل - فيكون كمن قال الله فيه: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى # [طه: 124]. النبي صلى الله عليه وسلم يوضح لنا هذه المسألة بقوله: # " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه أو، ~~يمجسانه ". # فالنفس الإنسانية بخير ما دام ms7835 فيها الإشراقيات الإلهية الأولى التي ~~شهدت أن الله هو الرب، لكن إذا تضببت فلا بد أن تحدث الخيبة ويدخل ~~الفساد. إذن: التدين طبع في النفس، لكن التدين الحق له مطلوبات ~~ومنهج بافعل كذا، ولا تفعل كذا، وهذا يريد أن يرضي نفسه بأن يكون ~~متدينا، لكن يريد أن يريح نفسه من مطلوبات هذا التدين، فماذا يفعل؟ ~~يلجأ إلى عبادة إله لا مطلوبات له، وقد توفرت هذه في عبادة الأصنام. لكن ~~نقول لمن عبد الأصنام: لا بد أن يأتي عليك الوقت الذي لا تلتفت فيه ~~إلى الأصنام، بل إلى الإله الحق الذي هربت من مطلوباته وانصرفت عن ~~عبادته، لا بد أن تلجئك الأحداث إلى أن تلوذ به لذلك يقولون في ~~المثل اللي متحبش تشوف وجهه، يحوجك الزمن لقفاه. # فأنتم أعرضتم عن الله وكفرتم به، فلما نزلت بكم الأحداث وأحاطت بكم ~~الأمواج صرتم أرانب، فلماذا الآن تلجئون إلى الله؟ لماذا لم تستمروا ~~على عنادكم وتكبركم حتى على الله؟ ثم يقول تعالى: { فلما ~~نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد.. } [لقمان: 32] وكان ~~ينبغي عليهم بعد أن اعترفوا أن الله هو الإله الحق الذي يلجأ إليه ~~ويستغاث به، وبعد أن نجاهم وأسعفهم، كان ينبغي عليهم أن يؤمنوا به، ~~وأن يطيعوه، وأن تؤثر فيهم هذه الهزة التي زلزلتهم، إلا أنهم عادوا إلى ~~ما كانوا عليه من الكفر والإعراض عن الله، وطاوع نفسه وشهوته. هذه هي حال ~~الكافر حينما يتعرض للابتلاء والتمحيص، فإنه ينتكس ولا يرعوى على خلاف ~~المؤمن، فإنه إن تعرض لمثل هذا الاختبار يزداد إيمانا ويقينا. ~~والمقتصد هو البين بين، تأخذه الأحداث والخطوب، فترده إلى الله حال ~~الكرب والشدة، لكنه إذا كشف عنه تردد وضعفت عنده هذه الروح، بدليل أن ~~الله تعالى يذكر في مقابل المقتصد نوعا آخر منهم غير مقتصد { وما ~~يجحد بآياتنآ إلا كل ختار كفور } [لقمان: 32]. ~~فمنهم من بهت كفره حينما تنبه في الوازع الإيماني، لكنه لما نجا غرته ~~الدنيا من جديد، ومنهم الجاحد الختار أي: الغادر. ولك أن تلحظ ~~المقابلة بين صبار وختار، ms7836 وبين شكور وكفور. ثم يخاطب الحق سبحانه ~~الناس، فيقول: { يأيها الناس اتقوا... }. ### || [31.33] # خطاب الحق سبحانه لعباده بيأيها الناس يدل على أنه تعالى يريد أن ~~يسعدهم جميعا في الآخرة، وسبق أن ذكرنا الحديث القدسي الذي تقول فيه ~~الأرض: يا رب ائذن لي أن أخسف بابن آدم، وقالت البحار: نغرقه... إلخ، ~~فكان الرد من الخالق عز وجل # " دعوني وخلقي، فلو خلقتموهم لرحمتموهم، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، ~~وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". # وقوله تعالى: { اتقوا ربكم.. } [لقمان: 33] التقوى أن تجعل ~~بينك وبين ما يضرك وقاية تقيك وتحميك لذلك يقول تعالى في آية أخرى # واتقوا النار.. # [آل عمران: 131] وهما بمعنى واحد لأن معنى اتقوا الله: اجعلوا بينكم ~~وبين صفات جلال ربكم وانتقامه وجبروته وقاية، وكذلك في: اتقوا النار. ~~فالخطاب هنا عام للناس جميعا مؤمنهم وكافرهم، فالله تعالى يريد أن ~~يدخلهم جميعا حيز الإيمان والطاعة، ويريد أن يعطيهم ويمن عليهم ~~ويعينهم، وكأنه سبحانه يقول لهم: لا أريد لكم نعم الدنيا فحسب، إنما ~~أريد أن أعطيكم أيضا نعيم الآخرة. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم، كان ~~رحيما حتى بالكافرين والمعاندين له، كما ذكرنا في قصة اليهودي الذي ~~اتهموه ظلما بسرقة درع أحد المسلمين، وقد عز على المسلمين أن يرمى ~~واحد منهم بالسرقة، فجعلوها عند اليهودي، وعرضوا الأمر على سيدنا رسول ~~الله، فأداره في رأسه: كيف يتصرف فيه؟ فأسعفه الله، وأنزل عليه: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله.. # [النساء: 105] لا بين المؤمنين فحسب # ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105] أي: لا تخاصم لصالح الخائن، وإن كان مسلما، فالناس ~~جميعا سواء أمام مسئولية الإيمان. وفرق بين: اتقوا ربكم واتقوا الله ~~لأن عطاء الربوبية غير عطاء الألوهية، عطاء الربوبية إيجاد من عدم، ~~وإمداد من عدم، وتربية للمؤمن وللكافر، أما عطاء الألوهية فطاعة وعبادة ~~وتنفيذ للأوامر، فاختار هنا الرب الذي خلق وربى، وكأنه سبحانه يقول ~~للناس جميعا: من الواجب عليكم أن تجعلوا تقوى الله شكرا لنعمته عليكم، ~~وإن كنتم قد كفرتم بها. ولا تنتهي ms7837 المسألة عند تقوى الرب في الدنيا، ~~إنما { واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده.. } ~~[لقمان: 33] أي: خافوا يوما ترجعون فيه إلى ربكم، وكلمة يوم تأتي ~~ظرفا، وتأتي اسما متصرفا، فهي ظرف إذا كان هناك حدث سيحدث في هذا ~~اليوم كما تقول: خفت شدة الملاحظة يوم الامتحان، فالخوف من الحدث، لا ~~من اليوم نفسه، أما لو قلت خفت يوم الامتحان، فالخوف من كل شيء في هذا ~~اليوم، أي من اليوم نفسه. فالمعنى هنا { واخشوا يوما.. } [لقمان: ~~33] لأن اليوم نفسه مخيف بصرف النظر عن الجزاء فيه، وفي هذا اليوم { لا ~~يجزي والد عن ولده. # . } [لقمان: 33] خص هنا الوالد والولد لأنه سبحانه نصح الجميع، ثم ~~خص الوالدين في الوصية المعروفة # ووصينا الإنسان بوالديه.. # [لقمان: 14]. ثم ذكر حيثيات هذه الوصية وقال: # أن اشكر لي ولوالديك.. # [لقمان: 14] فجعل لهما فضلا وميزة ومنزلة عند الله، حتى أصبحا مظنة ~~النفع حتى يوم القيامة، فأراد سبحانه أن يبين لنا أن نفع الوالد ~~لولده ينقطع في الآخرة، فكل منهما مشغول بنفسه، فلا ينفع الإنسان حتى ~~أقرب الناس إليه. وفي سورة البقرة: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا.. # [البقرة: 48] أي: مطلق النفس، لا مجرد الوالد والولد، إنما عامة الناس ~~لا ينفع أحد منهم أحدا أيا كان. والآية بهذا اللفظ وردت في موضعين: ~~اتفقا في الصدر، واختلفا في العجز، وهي تتحدث عن نفسين: الأولى هي ~~النفس الجازية أي: التي تتحمل الجزاء، والأخرى هي النفس المجزية التي ~~تستحق العقوبة. فالآية التي نظرت إلى النفس المجزي عنها، جاء عجزها # ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة.. # [البقرة: 123]. ومعنى: عدل أي فدية، فالنفس المجزي عنها أول مرحلة ~~عندها لتدفع عن نفسها العذاب أن تعرض الفدية، فلا يقبل منها فدية، لكنها ~~لا تيأس، بل تبحث عمن يشفع لها من أصحاب الجاه والمنزلة يتوسط لها ~~عند الله، وهذه أيضا لا تنفع. أما النفس الجازية، فأول ما تعرض تعرض ~~الشفاعة، فإن لم تقبل عرضت العدل والفدية لذلك جاء عجز الآية الأخرى ~~الذي اعتبر النفس الجازية ms7838 بتقديم الشفاعة على العدل. إذن: ذيل الآية ~~الأولى عائد على النفس المجزي عنها، وذيل الآية الثانية يعود على النفس ~~الجازية. وهنا { لا يجزي والد عن ولده.. } [لقمان: 33] لأن ~~الوالد مظنة الحنان على الولد، وحين يرى الوالد ولده يعذب يريد أن ~~يفديه، فقدم هنا الوالد ثم قال: { ولا مولود هو جاز عن ~~والده شيئا.. } [لقمان: 33] فقدم المولود، وكان مقتضى الكلام أن ~~نقول: ولا يجزي ولد عن والده، فلماذا عدل عن ولد إلى مولود؟ الكلام هنا ~~كلام رب، وفرق كبير بين ولد ومولود لأن المسلمين الأوائل كان لهم آباء ~~ماتوا على الكفر، فظنوا أن وصية الله بالوالدين تبيح لهم أن يجزوا عنهم ~~يوم القيامة، فأنزل الله هذه الآية تبين لهؤلاء ألا يطمعوا في أن ~~يدفعوا شيئا عن آبائهم الذين ماتوا على الكفر. لذلك لم يقل هنا ولد، ~~إنما مولود، لأن المولود هو المباشر للوالد، والولد يقال للجد وإن علا ~~فهو ولده، والجد وإن علا والده، فإذا كانت الشفاعة لا تقبل من المولود ~~لوالده المباشر له، فهي من باب أولى لا تقبل للجد لذلك عدل عن ولد ~~إلى مولود، فالمسألة كلام رب حكيم، لا مجرد رصف كلام. لكن، متى يجزي ~~الوالد عن الولد، والمولود عن والده؟ قالوا: الولد ضعيف بالنسبة لوالده ~~يحتاج منه العطف والرعاية، فإذا رأى الوالد ولده يتألم سارع إلى أن يشفع ~~له ويدفع عنه الألم، أما الولد فلا يدفع عن أبيه الألم لأنه كبير، إنما ~~يدفع عنه الإهانة، فالوالد يشفع في الإيلام، والولد يشفع في الإهانة، فكل ~~منهما مقام. # ثم يقول سبحانه: { إن وعد الله حق.. } [لقمان: 33] عرفنا أن ~~الوعد: إخبار بشيء يسر لم يأت وقته، وضده الوعيد، وهو إخبار بشيء يؤذي ~~لم يأت وقته بعد، لكن ما فائدة كل منهما؟ فائدة الوعد أن تستعد له، ~~وتأخذ في أسبابه، فهو يشجعك على العمل والسعي الذي يحقق لك هذا الوعد ~~كأن تعد ولدك مثلا بجائزة إن نجح في الامتحان، وعلى العكس من ذلك ~~الوعيد لأنه يخوفك من عاقبته فتحترس، وتأخذ بأسباب ms7839 النجاة منه. إذن: ~~الوعد حق، وكذلك الوعيد حق، لكنه خص الوعد لأنه يجلب للنفس ما تحب، ~~أما الوعيد فقد يمنعها من شهوة تحبها، ووضحنا هذه المسألة بأن الحق - ~~سبحانه وتعالى - يتكلم في النعم أن منها نعم إيجاب، ونعم سلب. واقرأ ~~في ذلك قول ربك: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36]. فإذا كانت الجنة وما فيها نعما تستحق الشكر، ويمتن ~~الله بها علينا، فأي نعمة في الشواظ والنار والعذاب؟ قالوا: هي نعمة من ~~حيث هي تحذير وتخويف من العذاب لتبتعد عن أسبابه، وتنجو منه قبل أن تقع ~~فيه، نعمة لأن الله لم يأخذنا على غرة، ونبهنا إلى الخطر قبل أن نقع ~~فيه. ووعد الله حق لأنه وعد ممن يملك الوفاء بما وعد، وإنفاذ ما ~~وعد به، أما غير الله سبحانه فلا يملك أسباب الوفاء، فوعده لا يوصف ~~بأنه حق لذلك قال سبحانه في سورة الكهف: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24]. فأنت وإن كنت صادقا فيما وعدت به إلا أنك لا تضمن ~~البقاء إلى أن تفي بما وعدت، فإن بقيت فقد تتغير الأسباب فتحول بينك ~~وبين الوفاء، وأنت لا تملك سببا واحدا من هذه الأسباب. إذن: تأدب ودع ~~الأمر لمن يملك كل أسباب إنفاذ الوعد، وقل سأفعل كذا إن شاء الله، ~~حتى إذا لم تنفذ يكون لك حجة فتقول: أردت لكن الله لم يشأ. وكأن ربنا - ~~عز وجل - يريد أن يداري كذبنا ويستره علينا، يريد ألا يفضحنا به، ~~وأخرجنا من هذه المسئولية بترك المشيئة له سبحانه، وكأن قدر الله في ~~الأشياء صيانة لعبيده من عبيده. لذلك كثيرا ما نقول حينما لا نستطيع ~~الوفاء: هذا قدر الله، وماذا أفعل أنا، والأمر لا يقضى في الأرض حتى ~~يقضى في السماء. وما دمنا قد آمنا بقدر الله والحكمة منه، فلا تغضب مني ~~إن لم أف لك وأنت كذلك، والعاقل يعلم تماما حين يقضي أمرا لأحد أن ~~قضاء الأمر جاء ms7840 معه لا به، فالقدر قضاء، ووافق قضاؤه قضاء الله للأمر، ~~فكأن الله كرمه بأن يقضي الأمر على يديه، لذلك قلنا: إن الطبيب المؤمن ~~يقول: جاء الشفاء معي لا بي، وأن الطبيب يعالج والله يشفي، إذن: لا ~~يوصف الوعد بأنه حق إلا وعد الله عز وجل. # وما دام وعد الله حقا فعليك أن تفعل ما وعدك عليه بالخير وتجتنب ما ~~توعدك عليه بشر، وألا تغرك الحياة { فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا.. } [لقمان: 33] أي: بزينتها وزخرفها، فهي سراب ~~خادع ليس وراءه شيء، واقرأ قول الله تعالى: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون # [المؤمنون: 115]. والحق سبحانه يضرب لنا مثلا للدنيا، لا لينفرنا ~~منها، وإنما لنحتاط في الإقبال عليها، وإلا فحب الحياة أمر مطلوب من ~~حيث هي مجال للعمل للآخرة ومضمار للتسابق إليها. يقول تعالى في هذا ~~المثل: # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا.. # [الكهف: 45] فسماها دنيا، وليس هناك وصف أبلغ في تحقيرها من أنها دنيا # كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح.. # [الكهف: 45] نعم، كذلك الدنيا تزدهي، لكن سرعان ما تزول، تبدأ ابتداء ~~مقنعا مغريا، وتنتهي انتهاء مؤسفا. وقوله تعالى: { ولا ~~يغرنكم بالله الغرور } [لقمان: 33] والغرور بالفتح الذي ~~يغرك في شيء ما، والغرور يوضحه لنا الشاعر الجاهلي وهو يخاطب محبوبته ~~فيقول: # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل # وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي # أغرك مني أن حبك قاتلي # وأنك مهما تأمري القلب يفعل # فمعنى غرك: أدخل فيك الغرور، بحيث تقبل على الأشياء، وتتصرف فيها في ~~كنف هذا الغرور وعلى ضوئه. والغرور بالفتح هو الشيطان، وله في غروره ~~طرق وألوان، فغرور للطائعين وغرور للعاصين، فلكل منهما مدخل خاص، فيغر ~~العاصي بالمعصية، ويوسوس له بأن الله غفور رحيم، وقد عصا أبوه فغفر الله ~~له. لذلك أحد الصالحين سمع قول الله تعالى: # يأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي ~~خلقك فسواك فعدلك # [الانفطار: 6-7] فأجاب هو: غرني كرمه، لأنه خلقني وسواني في أحسن ~~صورة، وعاملني بكرم ودللني، حتى أصابني الغرور بذلك، ولو ms7841 أنه عز وجل ~~قسا علينا ما اغتررنا. وكان لأحدهم دين خمسة صاغ فضة عند آخر، فردها ~~إليه، فلما نظر فيها الدائن وجدها ممسوحة فأعادها إليه، فقال المدين: ~~والله لو كنت كريما لقبلتها دون أن تنظر فيها. فأخذ الواعظ هذه الواقعة ~~وأراد أن يعظ بها الدائن، وكان يصلي صلاة لا خشوع فيها، فقال له: إن ~~صلاتك هذه لا تعجبني، فهي نقر لا خشوع فيها، أرأيت لو أن لك دينا ~~فأعطاك صاحب الدين نقودا ممسوحة قديمة أكنت تقبلها؟ فقال الرجل: والله ~~لو كنت كريما أقبلها ولا أردها. ثم يقول الحق سبحانه مختتما سورة ~~لقمان: { إن الله عنده... }. ### || [31.34] # بعد أن حذرنا ربنا - تبارك وتعالى - من الغرور في الحياة الدنيا ~~يذكرنا أن بعد هذه الحياة حياة أخرى، وقيامة وساعة { إن الله ~~عنده علم الساعة.. } [لقمان: 34] والساعة لا تعني القيامة ~~فحسب، إنما لكل منا ساعته، لأنه من مات فقد قامت قيامته. لماذا؟ لأنه ~~انقطع عمله، ولا يمكنه تدارك ما فاته من الإيمان أو العمل الصالح، فكأن ~~قيامته قامت بموته. وقلنا: إن عمر الدنيا بالنسبة لك هو مقدار عمرك فيها، ~~وإن كان عمر الدنيا على الحقيقة من لدن آدم - عليه السلام - إلى قيام ~~الساعة، لكن ماذا استفدت أنت من عمر غيرك؟ إذن: لا ينبغي أن تقول: إن ~~الدنيا طويلة لأن عمرك فيها قصير، ثم إنك لا تعلمه، ولا تستطيع أن تتحكم ~~فيه، وكما أبهم الله الساعة أبهم الأجل لأن في إبهامه أنفع البيان، فلما ~~أبهم الله الأجل جعل النفس البشرية تترقبه في كل لحظة، فكل لحظة تمر عليك ~~يمكن أن يأتيك فيها الموت. وهكذا أشاع الموت في كل الزمن، وما دام الأمر ~~كذلك فلا بد أن ينتبه الإنسان ويخشى أن يموت وهو على معصية، فالإبهام ~~هنا هو عين البيان. وقلنا: إن الذين ماتوا من لدن آدم عليه السلام ~~يلبثون في قبورهم طوال هذه المدة، فإذا ما قامت القيامة # كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها # [النازعات: 46] لماذا؟ قالوا: لأن قياس الزمن إنما يتأتى ms7842 بالأحداث، فحيث ~~لا توجد أحداث لا يوجد زمن. ومثلنا لذلك بأهل الكهف الذين مكثوا في ~~كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا، ومع ذلك لما سأل بعضهم بعضا # كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم.. # [الكهف: 19]. لماذا؟ لأن النوم يخلو من الأحداث، فلا يشعر النائم فيه ~~بالزمن، كما أنهم لما رأى بعضهم بعضا بعد هذه الفترة رآه على حالته التي ~~نام عليها لم يتأثر بمرور هذه المدة، ولم تتغير هيئته، فأقصى ما يمكن ~~تصوره أن يقول: لبثنا يوما أو بعض يوم. وكذلك الحال في قصة العزير ~~الذي قال الله عنه: # أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على ~~عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ~~فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت ~~قال لبثت يوما أو بعض يوم.. # [البقرة: 259] لأن هذه هي أطول مدة يمكن أن ينامها الإنسان. ثم أخبره ~~ربه # بل لبثت مائة عام.. # [البقرة: 259] ويريد الحق سبحانه أن يدلل على صدق الرجل في قوله ~~يوما أو بعض يوم، وعلى صدقه تعالى في قوله مائة عام، فيقول سبحانه: # فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه.. # [البقرة: 259] أي: لم يتغير. وهذا دليل على صدقه في يوم أو بعض يوم # وانظر إلى حمارك.. # [البقرة: 259]. وهذا دليل على صدق الحق - تبارك وتعالى - في قوله # مائة عام.. # [البقرة: 259] فكلا القولين صادق لأن الله تعالى هو القابض الباسط، يقبض ~~الزمن في حق قوم، ويبسطه في حق آخرين. وهذه الآية جمعت خمسة أمور استأثر ~~الله تعالى بعلمها: { إن الله عنده علم الساعة ~~وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت.. } [لقمان: 34]. فهل هذه هي كل الغيبيات في الكون؟ نقول: في ~~الكون غيبيات كثيرة لا نعرفها، فلا بد أن هذه الخمس هي المسئول عنها، ~~وجاء الجواب على قدر السؤال، بالله لو هبت الريح، وحملت معها بعض ~~الرمال، أنعرف أين ذهبت هذه الذرات؟ وفي أي ناحية، أنعرف ورق الشجر كم ~~تساقط منها؟ هذه كلها غيبيات لا ms7843 يعلمها أيضا إلا الله، أما نحن فلا نعلم ~~حتى عدد النعم التي أنعم الله بها علينا # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. # [إبراهيم: 34]. إذن: فهذه نماذج لما استأثر الله بعلمه لأن الله تعالى ~~قال: # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله إن الله عزيز حكيم # [لقمان: 27]. فلله تعالى في كونه أسرار لا تحصى، أجل الله ميلادها ~~لنعلم أننا في كل يوم نجهل ما عند الله، وكل يوم يطلع علينا العلماء ~~والباحثون بجديد من أسرار الكون - هذا ونحن لا نزال في الدنيا، فما بالنا ~~في الآخرة، وفي الجنة إن شاء الله؟ وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~عنها فقال: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # والإنسان يكتسب المعلومات، إما برؤية العين، أو بسماع الأذن، ومعلوم أن ~~رقعة السمع أوسع من البصر لأنك لا ترى إلا ما تراه عيناك، لكن تسمع ~~لمرائي الآخرين، ثم أنت تسمع وترى موجودا، لكن هناك ما لا يخطر على قلب ~~بشر يعني: أشياء غيبية لم تطرأ على بال أحد، وفي ذلك يقول سبحانه: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ~~جزآء بما كانوا يعملون # [السجدة: 17]. وقد ورد في أسباب نزول مفاتح الغيب هذه، أن رجلا من ~~محارب، اسمه الحارث بن عمرو بن حارثة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: يا رسول الله: أريد أن أعرف متى الساعة، وقد بذرت بذري، وأنتظر ~~المطر فمتى ينزل؟ وامرأتي حامل، وأريد أن تلد ذكرا، وقد أعددت لليوم ~~عدته، فماذا أعد لغد؟ وقد عرفت موقع حياتي، فكيف أعرف موقع مماتي؟ ~~هذه خمس مسائل مخصوصة جاء بها الجواب من عند الله تعالى { إن الله ~~عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري ~~نفس بأي أرض تموت. # . } [لقمان: 34]. وعجيب أن نرى من خلق الله من يحاول أن يستدرك على ~~مقولة الله في هذه ms7844 الغيبيات الخمس، كالذين حاولوا أن يتنبأوا بموعد قيام ~~الساعة، وقد كذبوا جميعا، ولو قدر لهم الإيمان بالله، والعلم بما ~~قاله الله في قيام الساعة ما تجرأ منهم أحد على هذه المسألة. وقلنا: إن ~~الحق سبحانه أخفى موعد الساعة لكي نستشعرها دائما، وفي كل وقت، حتى ~~الذين لا يؤمنون بها ويشكون فيها، وإذا ما استشعرها الناس عملوا لها، ~~واستعدوا لأهوالها، كما أخفى الله عن الإنسان ساعة موته ومكان أجله، وجعل ~~الموت يدور على العباد على غير قاعدة. فمنهم من يموت بعد دقائق من ~~مولده، ومنهم من يعمر مئات السنين، كما أنه سبحانه لم يجعل للموت ~~مقدمات من مرض أو غيره، فكم من مريض يعافى، وصحيح يموت، كما يقولون: كيف ~~مريضكم؟ قال: سليمنا مات، وصدق القائل: # فلا تحسب السقم كأس الممات # وإن كان سقما شديد الأثر # فرب عليل تراه استفاق # ورب سليم تراه استتر # كذلك الموت لا يرتبط بالسن: # كم بودرت غادة كعاب # وغودرت أمها العجوز # يجوز أن تبطئ المنايا # والخلد في الدهر لا يجوز # إذن: أخفى الله القيامة وأخفى الموت لنظل على ذكر له نتوقعه في كل ~~لحظة، فنعمل له، ولنتوقع دائما أننا سنلقى الله، فنعد للأمر عدته لأن ~~من مات فقد قامت قيامته لأنه انقطع عمله، ففي إبهام موعد القيامة وساعة ~~الموت عين البيان لكل منهما، فالإبهام أشاعه في كل وقت. وقوله: { ~~وينزل الغيث.. } [لقمان: 34] وهذا أيضا، ومع تقدم العلوم ~~حاول البعض التنبؤ به بناء على حسابات دقيقة لسرعة الرياح ودرجة ~~الحرارة.. إلخ، وربما صحت حساباتهم، لكن فاتهم أن الله أقدارا في ~~الكون تحدث ولا تدخل في حساباتهم، فكثيرا ما نفاجأ بتغير درجة ~~الحرارة أو اتجاه الريح، فتنقلب كل حساباتنا. لذلك من عجائب الخلق أنك ~~كلما اقتربت من الشمس وهي مصدر الحرارة تقل درجة الحرارة، وكلما ~~ابتعدت عنها زادت درجة الحرارة، إذن: المسألة ليست روتينية، إنما هي قدرة ~~لله سبحانه، والله يجمع لك الأسباب ليثبت لك طلاقة قدرته التي تقول ~~للشيء: كن فيكون. ألسنا نؤمر في الحج بأن نقبل حجرا ms7845 ونرمي آخر، ~~وكل منهما إيمان وطاعة، هذا يباس وهذا يداس، هذا يقبل وهذا يقنبل، ~~لماذا؟ لأن الله تعالى يريد منا الالتزام بأمره، وانصياع النفس المؤمنة ~~للرب الذي أحيا، والرب الذي كلف. وقوله تعالى: { ويعلم ما في ~~الأرحام.. } [لقمان: 34] هذه أيضا من مفاتح الغيب، وستظل كذلك مهما ~~تقدمت العلوم، ومها ادعى الخلق أنهم يعلمون ما في الأرحام، والذي ~~أحدث إشكالا في هذه المسألة الآن الأجهزة الحديثة التي استطاعوا بها ~~رؤية الجنين، وتحديد نوعه أذكر أم أنثى، فهذه الخطوة العلمية أحدثت ~~بلبلة عند بعض الناس، فتوهموا أن الأطباء يعلمون ما في الأرحام، وبناء ~~عليه ظنوا أن هذه المسألة لم تعد من مفاتح الغيب التي استأثر الله ~~بها. # ونقول: أنتم بسلطان العلم علمتم ما في الأرحام بعد أن تكون ووضحت ~~معالمه، واكتملت خلقته، أما الخالق - عز وجل - فيعلم ما في الأرحام ~~قبل أن تحمل الأم به، ألم يبشر الله تعالى نبيه زكريا عليه السلام ~~بولده يحيى قبل أن تحمل فيه أمه؟ ونحن لا نعلم هذا الغيب بذواتنا، إنما ~~بما علمنا الله، فالطبيب الذي يخبرك بنوع الجنين لا يعلم الغيب، إنما ~~معلم غيب. والله - تبارك وتعالى - يكشف لبعض الخلق بعض الغيبيات، ومن ~~ذلك ما كان من الصديق أبي بكر - رضي الله عنه - حين أوصى ابنته عائشة ~~- رضي الله عنها - قبل أن يموت وقال لها: يا عائشة إنما هما أخواك ~~وأختاك، فتعجبت عائشة حيث لم يكن لها من الإخوة سوى محمد وعبد الرحمن، ~~ومن الأخوات أسماء، لكن كان الصديق في هذا الوقت متزوجا من بنت خارجة، ~~وكانت حاملا وبعد موته ولدت له بنتا، فهل تقول: إن الصديق كان ~~يعلم الغيب؟ لا، إنما أعلم من الله. إذن: الممنوع هنا العلم الذاتي أن ~~تعلم بذاتك. ثم إن الطبيب يعلم الآن نوع الجنين، إما من صورة الأشعة أو ~~التحاليل الي يجريها على عينة من الجنين، وهذا لا يعتبر علما للغيب، و ~~الشطارة أن تجلس المرأة الحامل أمامك وتقول لها: أنت إن شاء الله ستلدين ~~كذا أو كذا، وهذا ms7846 لا يحدث أبدا. ثم يقول سبحانه: { وما تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا.. } [لقمان: 34] الإنسان يعمل، إما لدنياه، وإما ~~لأخراه، فالمعنى إما تكسب من الخير المادي لذاتك لتعيش، وإن كان من ~~مسألة التكليف، فالنفس إما تعمل الخير أو الشر، الحسنة أو السيئة، ~~والإنسان في حياته عرضة للتغير. لذلك يقال في الأثر: # " يا ابن آدم، لا تسألني عن رزق غد، كما لم أطالبك بعمل غد ". # وقوله تعالى: { وما تدري نفس بأي أرض تموت.. } ~~[لقمان: 34] وهذه المسألة حدث فيها إشكال # " لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الأنصار أنه سيموت بالمدينة ~~حينما وزع الغنائم على الناس جميعا ما عدا الأنصار لذلك غضبوا ووجدوا في ~~أنفسهم شيئا لأن رسول الله حرمهم، لكن سيدنا رسول الله جمعهم وتلطف ~~معهم في الحديث واعترف لهم بالفضل فقال: والله لو قلتم أني جئت مطرودا ~~فآويتموني فأنتم صادقون، وفقيرا فأغنيتموني فأنتم صادقون.. لكن الأ ~~تحبون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون أنتم برسول الله " # ، وقال في مناسبة أخرى # " المحيا محياكم، والممات مماتكم ". # إذن: نبئ رسول الله أنه سيموت بالمدينة، والله يقول: { وما ~~تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ~~أرض تموت.. } [لقمان: 34] نقول: الأرض منها عام ومنها خاص، فأرض ~~المدينة شيء عام، نعم سيموت بالمدينة، لكن في أي بقعة منها، وفي أي ~~حجرة من حجرات زوجاته، إذن: إذا علمت الأرض العامة، فإن الأرض الخاصة ~~ما زالت مجهولة لا يعلمها أحد. يروى أن أبا جعفر المنصور الخليفة ~~العباسي كان يحب الحياة ويحرص عليها، ويخاف الموت، وكان يستشير في ذلك ~~المنجمين والعرافين، فأراد الله أن يقطع عليه هذه المسألة، فأراه في ~~المنام أن يدا تخرج من البحر وتمتد إليه، وهي مفرجة الأصابع هكذا، ~~فأمر بإحضار من يعبر له هذه الرؤيا، فكان المتفائل منهم، أو الذي ~~يبغى نفاقه يقول له: هي خمس سنوات وآخرون قالوا: خمسة أشهر، أو خمسة أيام ~~أو دقائق. إلى أن انتهى الأمر عند أبي حنيفة رضي الله عنه فقال له: إنما ~~يريد الله أن يقول ms7847 لك: هي خمسة لا يعلمها إلا الله، وهي: { إن الله ~~عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري ~~نفس بأي أرض تموت.. } [لقمان: 34]. وما دامت هذه المسائل ~~كلها مجهولة لا يعلمها أحد، فمن المناسب أن يكون ختام الآية { إن ~~الله عليم خبير } [لقمان: 34]. إذن: الحق سبحانه يريد أن يريح ~~خلقه من الفكر في هذه المسائل الخمس، وكل ما يجب أن نعلمه أن المقادير ~~تجري بأمر الله لحكمة أرادها الله، وأنها إلى أجل مسمى، وأن العلم بها لا ~~يقدم ولا يؤخر، بالله ماذا يحدث لو علمت ميعاد موتك؟ لا شيء أكثر ~~من أنك ستعيش نكدا حزينا طوال الوقت لا تجد للحياة لذة. لذلك أخفى ~~الله عنا هذه المسألة لنقبل على الله بثقتنا في مجريات قدر الله ~~فينا. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1] # هذه من الحروف المقطعة المبنية على الوقف، على خلاف آيات القرآن التي ~~بنيت كما قلنا على الوصل من أول القرآن إلى آخره، بل على وصل آخره ~~بأوله لذلك لا ينبغي أن تقرأ القرآن على الوصل، ما دام نفسك يساعدك، ~~ولا تقف إلا إذا انقطع النفس، فتقف وتسكن الحرف الذي وقفت عليه. وقد ~~قال علماء القراءات: وليس في القرآن من وقف وجب لأنه بني على الوصل، ~~فلا تقف إلا إذا ضاق نفسك لذلك جعلوا في القرآن مواضع للوقف، وترسم ~~في المصحف صلى، قلى، ج، لكن الأصل الوصل. وقلنا: إن أوضح مثال على ~~الوصل في القرآن أن كلمة الناس في آخر سورة الناس، وهي آخر القرآن لم ~~تأت ساكنة، إنما متحركة بالكسر الناس لأن الله تعالى قدر حلك في ~~الناس فجعلك ترحل إلى بسم الله الرحمن الرحيم في أول الفاتحة، فلا تقطع ~~الصلة بين آخر القرآن وأوله، وسمينا قارئ القرآن لذلك الحال المرتحل. ~~وهنا تأتي { الم } [السجدة: 1] بعد مفاتح الغيب الخمسة التي سبقت في ~~آخر سورة لقمان، وكأنها ملحقة بها، فهي سر استأثر الله تعالى بعلمه، ~~ونحن في تفسيرنا لها نحوم حولها لذلك ms7848 كل من فسر الحروف المقطعة في ~~بدايات السور لا بد أن يقول بعدها: والله أعلم بمراده لأن تفسيراتنا ~~كلها اجتهادات تحوم حول المعنى المراد لذلك نحن لا نقول هذه الكلمة في كل ~~آيات القرآن، إنما في هذه الآيات والحروف بالذات. وكيف بنا حين يجمعنا ~~الله تعالى إن شاء الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، كيف بنا حين نسمع ~~هذا القرآن مباشرة من الله عز وجل؟ لا شك أننا سنسمع كلاما كثيرا غير ~~الذي سمعناه، ومعاني كثيرة غير التي توصلنا إليها في اجتهاداتنا، ~~وعندها سنعرف مرادات الله تعالى في هذه الحروف، وسنعرف كم قصرت ~~عقولنا عن فهمها، وكم كنا أغبياء في فهمنا لمرادات ربنا. وقوله تعالى { ~~الم } [السجدة: 1] عادة يأتي بعد هذه الحروف المقطعة أمر يخص ~~الكتاب العزيز. وهنا يقول سبحانه: { تنزيل الكتاب لا... }. ### || [32.2] # مادة نزل وردت في القرآن بلفظ: نزل، ونزل، وأنزل، أنزل تدل على ~~التعدية، يعني: أن الله تعالى عدى القرآن من اللوح المحفوظ، إلى أن ~~يباشر مهمته في السماء الدنيا، وهذا الإنزال من الله تعالى. أما نزل ~~فالتنزيل مهمة الملائكة لذلك يقول تعالى في الإنزال: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] أي: من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم تتنزل به ~~الملائكة منجما حسب الأحداث، وفي ذلك يقول تعالى: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. ويقول سبحانه: # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل.. # [الإسراء: 105] فقد كان محفوظا عندنا في اللوح المحفوظ # لا يمسه إلا المطهرون # [الواقعة: 79] ثم نزل به الروح الأمين جبريل. وما دام # نزل به.. # [الشعراء: 193] فهذا يعني أن القرآن نزل معه، فقوله: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193] تساوي تماما # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل.. # [الإسراء: 105]. فالنزول ينسب مرة إلى القرآن، ومرة إلى الروح ~~الأمين. ومادة نزل وما يشتق منها من إنزال وتنزيل تفيد كلها أنه جاء من ~~جهة العلو إلى جهة أسفل منه، كأنك تتلقى من جهة أعلى منك وأرفع، وما ~~دمت تتلقى من جهة أعلى منك، فإياك أن يضل بك الفكر لناحية أخرى. ~~لذلك يقول تعالى مخاطبا ms7849 رسوله صلى الله عليه وسلم في أمر التكليف: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم.. # [الأنعام: 151] فنحن نفهم أن تعالوا بمعنى تعال. أي: أقبل، لكنها تحمل ~~مع هذا المعنى معنى العلو: أقبل دانيا إلى متعال، تعال من أوضاعك ~~الرضية إلى علو ربك في الملأ الأعلى. تعال يعني: لا تأخذ من نفسك ولا ~~من مساو لك، إنما ارتفع وخذ من الأعلى، ارتفع عن مستوى الأرض ~~وعقولهم وأفكارهم، وخذ من الذي شرع لك لأنه لا بد أن تكون عنده ~~أمور ومواصفات آمن لك وأسلم لأن علمه أوسع، فلا يشرع لك اليوم ما ~~ينقضه غدا. ثم إن شرعه لك يستوعب كل نواحي حياتك وأقضيتها، وهذه ~~المواصفات لا تكون إلا في الحق - تبارك وتعالى - وهو سبحانه أرحم بك من ~~الوالدة بولدها، فلا يشرع لك إلا ما يصلحك، ثم هو سبحانه ليس له غرض ~~أو مصلحة ذاتية من وراء هذا التشريع، كما نرى في تشريعات البشر للبشر. ~~وقد رأينا الرأسماليين حينما شرعوا قانونا جاء يخدمهم، وليكونوا هم أول ~~المنتفعين به لذلك سرعان ما تهاوى لأن شرط المشرع الحق ألا ينتفع هو ~~بما يشرع، وعليه فلا مشرع حق إلا الله. لذلك رأينا حتى غير ~~المؤمنين بالله من الكافرين أو المشركين بعد أن تعضهم الأحداث، وتخفق ~~قوانينهم في حل مشاكلهم يلجئون إلى حلول لها من قوانين الإسلام. ولما ~~سئلنا في سان فرانسيسكو عن قوله تعالى: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # [التوبة: 33] وفي موضع آخر # يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله ~~متم نوره ولو كره الكافرون # [الصف: 8]. قالوا لنا: هذا يعني أن الإسلام ظاهر على الأديان منذ أربعة ~~عشر قرنا من الزمان، فما بالنا نرى الآن أكثر أهل الأرض من غير ~~المسلمين؟ فقلت في الرد عليهم: والله لو فهمتم أسرار اللغة، وتأملتم ~~هذه الآية لوجدتم أن الرد فيها، فواحدة تقول: # ولو كره الكافرون # [الصف: 8]، والأخرى تقول # ولو كره المشركون # [التوبة: 33]. إذن: فالكفر والشرك موجودان مع وجود الإسلام، وليس معنى ms7850 ~~الظهور هنا أن يطمس هؤلاء، أو أن يقضى عليهم قضاء مبرما، إنما يظهر ~~عليهم بحيث يضطرون إليه، ويلجئون إلى أحكامه، رغم عدم إيمانهم به، وهذا ~~أبلغ في الظهور، أن تأخذ بما في القرآن وأنت غير مؤمن به لأنك لا تجد ~~حلا لقضاياك إلا فيه. وأوضح مثال على ذلك أنهم هاجموا شرع الله في مسألة ~~الطلاق، وفي مسألة تعدد الزوجات، واتهموا الإسلام بالوحشية.. إلخ، ثم ~~تضطرهم أقضية الحياة ومشاكلها أن يشرعوا الطلاق، وأن يأخذوا به على ~~مرأى ومسمع من الفاتيكان، فماذا جرى؟ فنقول لهم: هل أسلمتم وآمنتم؟ لا، ~~إنما لجأنا إليه لأن فيه الحل لهذه المشاكل التي أحاطت بنا. فهذه إذن ~~شهادة العدو لدين الله، وهذا هو أعظم الإظهار للإسلام على هذه الأديان ~~لأنهم لو أسلموا لقالوا عنهم: أخذوا بهذا الشرع لأنهم أسلموا، إنما ها هم ~~يأخذون به وهم به كافرون مشركون. ومعنى { لا ريب فيه.. } [السجدة: ~~2] أي: لا شك فيه، وقلنا: إن النسب في القضايا. أي نسبة شيء لشيء إما ~~مجزوم بها أو غير مجزوم بها، فلو قلنا: الأرض كروية هذه قضية جزم بها ~~الآن، ونستطيع التدليل على صحتها دليلا حسيا، فهذه قضية واقعة ومجزوم ~~بصحتها، وعليها دليل في الكون. فإن كانت القضية غير مجزوم بها، فهي ~~بين ثلاث حالات: إما فيها شك، أو ظن، أو وهم: الشك أن تتساوى ~~الكفتان: الإثبات والنفي، والظن أن تغلب جانب الإثبات فلا تجزم به ~~إنما ترجحه، فإن غلبت الأخرى وجعلتها هي الراجحة، فهذا توهم. وهنا ~~قال سبحانه { لا ريب فيه.. } [السجدة: 2] لا شك فيه، فنفى ~~الشك، وهو تساوي النفي والإثبات، وما دام قد نفى التساوي، فهذا يعني ~~أنه أراد أن يثبت الأعلى. أي: أنه حق لا يرقى إليه الشك. وجملة { لا ~~ريب فيه.. } [السجدة: 2] جملة اعتراضية بين { الكتاب.. } ~~[السجدة: 2]، وبين { من رب العالمين } [السجدة: 2] وما دام أنه ~~{ من رب العالمين } [السجدة: 2] فلا بد أنه حق لا ريب ~~فيه. ثم يقول الحق سبحانه: { أم يقولون افتراه بل... }. ### || [32.3] # عجيب أن يقابل العرب كلام الله ms7851 بهذا الاتهام، وهم أمة فصاحة وبلاغة ~~وبيان، وقد بلغوا في هذا شأنا عظيما، حتى جعلوا للكلام معارض وأسواقا، ~~كما نقيم الآن المعارض لمنتجاتنا، ولا يعرض في المعارض هذه إلا السلع ~~الجيدة محل الفخر، فقبل الإسلام كان في عكاظ وذي المجاز مضمار للقول ~~وللأداء البياني بين الأدباء والشعراء. فعجيب منهم ألا يميزوا كلام ~~الله عن كلام البشر، خاصة وقد تحداهم وتحدى فصاحتهم وبلاغتهم أن ~~تأتي بآية واحدة من مثله، ومعلوم أن التحدي يكون للقوي لا للضعيف، ~~فتحدى القرآن للعرب يحسب لهم، وهو اعتراف بمكانتهم ومكانة لغتهم، ~~فهو - إذن - شهادة لهم، ويكفيهم أن الله تعالى أدخلهم معه في مجال ~~التحدي. ولما عجزوا عن الإتيان بمثله راحوا يتهمونه ويتهمون رسول الله، ~~فمرة يقولون: شاعر، ومرة: ساحر، وأخرى يقولون: مجنون، ومرة يقولون: بل ~~يعلمه ذلك أحد الأعاجم.. إلخ، وهذا كله إفلاس في الحجة، فهم يريدون ~~أن يكذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما القرآن في حد ذاته، ~~فلا يخفى عليهم أنه كلام الله، وأن البشر لا يقولون مثل هذا الكلام، ~~بدليل أن الوليد بن المغيرة لما سمعه قال: # " والله، إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وأنه يعلو ولا يعلى عليه ~~". # لذلك لما لم يجدوا في القرآن مطعنا اعترفوا بأنه من عند الله، لكن كان ~~اعتراضهم أن ينزل على هذا الرجل بالذات: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] فكانوا ينتظرون أن ينزل القرآن على عظيم من عظمائهم او ~~ملك من الملوك، لكن أن ينزل على محمد هذا اليتيم الفقير، فهذا لا ~~يرضيهم، وقد رد القرآن عليهم: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات.. # [الزخرف: 32]. يعني: إذا كنا قد قسمنا بينهم أمور الدنيا وما يتفاضلون ~~به من عرضها، فهل نترك لهم أمور الآخرة يقسمونها على هواهم وأمزجتهم؟ ~~والرسالة رحمة من الله يختص بها من يشاء من عباده # والله أعلم حيث يجعل رسالته.. # [الأنعام: 124]. وهذا يعني أنهم انتهوا إلى أن القرآن معجز، ms7852 وأنه من ~~عند الله لا غبار عليه، والذي قرأه منهم، وأيقن أنه حق قال: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وهذا الكلام لا يقول به عاقل، وقد دل على غبائهم ~~وحمقهم، وكان الأولى بهم أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فاهدنا إليه. وقد رد القرآن على كل افتراءاتهم على رسول الله، ~~وفندها جميعا، وأظهر بطلانها، لما قالوا عن رسول الله إنه مجنون رد ~~الله عليهم: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4]. والمجنون لا يكون أبدا على خلق عظيم لأنه محكوم بالغريزة ~~لا يختار بين البدائل والتصرفات كالحيوان، ولا ينشأ عن ذلك خلق كريم. ~~أما الإنسان السوي فإنه يختار بين البدائل المتعددة، فلو اعتدى عليه ~~إنسان فقد يرد عليه. بمثل هذا الاعتداء، وقد يفكر في المثلية، وأن ~~اعتداءه قد يزيد فيميل إلى التسامح، واحد يكظم غيظه وآخر يزيل كل أثر ~~للغيظ، ويبغى الأجر على ذلك من الله، عملا بقوله تعالى: # ألا تحبون أن يغفر الله لكم.. # [النور: 22] وكأن الله يشجعنا على عمل الخير. لذلك لما سئل الحسن ~~البصري: كيف يطلب الله منا أن نحسن إلى من أساء إلينا؟ قال: هذه ~~مراق في مجال الفضائل، وقد أباح الله لك أن ترد الإساءة بمثلها # وجزآء سيئة سيئة مثلها.. # [الشورى: 40] لكن يترك الباب مفتوحا أمام أريحية النفس المؤمنة # فمن عفا وأصلح فأجره على الله.. # [الشورى: 40]. ثم إذا حسبنا هذه المسألة بمقاييس العقل، فإن الخلق ~~كلهم عيال الله، وهم عنده سبحانه سواء، فماذا لو اعتدى أحد عيالك على ~~الآخر؟ لا شك أنك ستكون في جانب المظلوم، فتأخذه في حضنك وترعاه وتعطف ~~عليه، وكذلك الحق - تبارك وتعالى - يكون في جانب عبده إذا ظلم. وقد قال ~~أحدهم: ألا أحسن إلى من جعل الله في جانبي؟ من هنا يقولون: أنت لا ~~تكسب كثيرا من الأخيار، إنما كل كسب ms7853 لك يأتي من الأشرار حين يسيئون إليك ~~وتحسن إليهم لذلك يقولون: فلان هذا رجل طيب، لكن من يمشي معه لا ~~يستفيد منه حسنة أبدا، لماذا؟ يقولون: لأنه خادم للجميع، وجعل خده ~~مداسا لمن معه، فلا يجعل أحد يستفتح منه بحسنة. وروي عن سيدنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه تبسم في مجلس مع أصحابه، فقالوا: ما ~~يضحكك يا رسول الله؟ فقال: # " رأيت ربي، وقد أجلس بين يديه خصمين، فقال أحدهما: يا رب إن هذا ~~ظلمني فخذ لي حقي منه، فقال: كيف آخذ لك حقك منه؟ قال: أعطني من ~~حسناته بقدر ما أساء إلي، فقال: ليست له حسنات، فقال: فخذ من سيئاتي ~~واطرح عليه، فقال أويرضيك ألا تكون لك سيئة؟ قال: إذن، يا رب كيف ~~أقضي حقي منه؟ قال: انظر يمينك، فنظر الرجل يمينه، فوجد قصورا وبساتين ~~وجنانا، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ~~فقال: لمن هذه يا رب؟ قال: لمن يدفع ثمنها، فقال: وما ثمنها يا رب؟ ~~قال: أن تأخذ بيد أخيك إلى الجنة، فعجبت من رب يصلح بين عباده ". # هذا عن قولهم عن رسول الله: مجنون، أما قولهم: ساحر. # فالرد عليها ميسور، فإذا كان محمد ساحرا، سحر من آمن به، فلماذا لم ~~يسحركم أنتم أيضا؟ فكونكم سالمين من السحر دليل على أنه صلى الله عليه ~~وسلم ليس ساحرا، بل هذا كذب وافتراء على رسول الله. أما قولهم: شاعر، ~~فهذا عجيب منهم، وهم أمة كلام وبلاغة، وهم أكثر خلق الله تمييزا للشعر ~~من النثر، وخير من يفرق بين الأساليب وطرق الأداء، وقد تولى الله تعالى ~~الرد عليهم، فقال: # وما علمناه الشعر وما ينبغي له.. # [يس: 69]. وفي سورة الحاقة، يقول سبحانه: # وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا ~~بقول كاهن قليلا ما تذكرون # [الحاقة: 41-42]. فلما خابت كل هذه الحيل، وكذبت كل هذه الافتراءات ~~قالوا: بل له شيطان يعلمه، وكانوا يقولون ذلك للشاعر البليغ الذي لا ~~يشق له غبار في الفصاحة وحسن الأداء، ms7854 حتى جعلوا لهؤلاء الجن مكانا ~~خاصا بهم، فقالوا وادي عبقر، وهو مسكن هؤلاء الجن الذين يلهمون البشر ~~ويعلمونهم. والشعر كلام موزون مقفى، وله بحور معروفة، فهل القرآن ~~على هذه الشاكلة؟ لا، إنما هو افتراء على رسول الله، كافترائهم عليه هنا: ~~{ أم يقولون افتراه.. } [السجدة: 3]. فقوله تعالى: { أم ~~يقولون.. } [السجدة: 3] أم تعني أن لها مقابلا: يعني: أيقولون كذا؟ ~~أم يقولون: افتراه، فماذا هذا المقابل؟ المقابل { تنزيل الكتاب ~~لا ريب فيه من رب العالمين } [السجدة: 2] فالمعنى: ~~أيصدقون بأن هذا الكتاب من عند رب العالمين، وأنه لا ريب فيه؟ أم ~~يقولون افتراه محمد، فأم هنا جاءت لتنقض ما يفهم من الكلام السابق ~~عليها. وقوله: { بل هو الحق من ربك.. } [السجدة: 3] نعرف ~~أن بل تأتي للاستدراك، لكنها هنا ليست للاستدراك، إنما لإبطال قولهم: { ~~افتراه.. } [السجدة: 3] كما لو قلت: زيد ليس عندي بل عمرو، فأفادت ~~الإضراب عما قبلها، وإثبات الحكم لما بعدها، وهم يقولون افتراه والله ~~يقول: { بل هو الحق من ربك.. } [السجدة: 3] فكلامهم ~~واتهامهم باطل، والقرآن هو الحق من عند الله. وقلنا: إن { الحق.. } ~~[السجدة: 3] هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه التغيير لذلك فالحقائق ~~ثابتة لا تتغير أبدا، كيف؟ هب أن حادثة وقعت نتج عنها مدع ~~ومدعى عليه وشهود، واجتمعوا جميعا أمام القاضي، وقد يحدث أن يغير ~~أحدهم أقواله، أو يشهد الشهود شهادة زور. لكن خبرة القاضي ودربته تكشف ~~الحقائق وتظهر كذبهم حين يضرب أقوال بعضهم ببعض، ويسألهم ويحاورهم إلى ~~أن يصل إلى الحقيقة ذلك لأن الواقع شيء واحد، ولو أنهم يصفون واقعا ~~لاتفقوا فيه، ولباقة القاضي هي التي تظهر الباطل المتناقض وتبطله ~~وتحق وتغلب الحق الذي لا يمكن أن يتناقض. كالقاضي الذي اجتمع أمامه ~~خصمان، يدعي أحدهما على الاخر أنه أخذ منه مالا ولم يرده إليه، ~~فقال المدعي عليه: بل رددته إليه في مكان كذا وكذا، فأنكر المدعي، ~~فقال القاضي للمدعى عليه: اذهب إلى هذا المكان، فلعل هذا المال وقع ~~منك هناك، فذهب الرجل وأبطأ بعض الوقت، فقال القاضي للمدعي: لقد أبطأ ms7855 ~~صاحبك، فقال: أبطأ لأن المكان بعيد، فوقع في الحقيقة التي كان ينكرها. # ثم يقول سبحانه: { لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من ~~قبلك.. } [السجدة: 3] ومعلوم أن سيدنا رسول الله جاء بشيرا ونذيرا، ~~لكن خص هنا النذير لأنه جاء ليصلح معتقدات فاسدة، وإصلاح الفاسد لا ~~بد أن يسبق ما يبشر به، ولم يأت ذكر البشارة هنا لأنهم ما سمعوا ~~للنذارة، وما استفادوا بها. لكن قوله تعالى: { مآ أتاهم من ~~نذير من قبلك.. } [السجدة: 3] تصطدم لفظيا بقوله تعالى: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24] وقوله تعالى: # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15] وليس بين هذه الآيات تناقض لأن المعنى: ما أتاهم من نذير ~~قريب، ولا مانع من وجود نذير بعيد، كما قال تعالى: # يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم ~~على فترة من الرسل.. # [المائدة: 19]. وإلا، فمن أين عرفوا أن الله تعالى خالق السماوات ~~والأرض، كما حكى القرآن عنهم: # ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ~~ليقولن الله قل الحمد لله.. # [لقمان: 25] فهذا أثر من آثار الرسل السابقين، كما كان فيهم أناس متبعون ~~لمنهج الدين الحق، والذين سماهم الله الحنفاء، وهم الذين لم يسجدوا لصنم، ~~ولم ينحرفوا عن الفطرة السوية. وقوله تعالى: { لعلهم يهتدون } ~~[السجدة: 3] لعل تفيد الرجاء، والرجاء من الله كأنه واقع متحقق لأن الله ~~تعالى يحب لعباده جميعا أن يؤمنوا به ليأخذوا جميل عطائه في الآخرة، ~~كما أخذوا عطاءه في الدنيا، وهم جميعا خلقه وصنعته، وسبق أن ذكرنا ~~الحديث القدسي: # "... دعوني وما خلقت، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا ~~إلى فأنا طبيبهم.. ". # ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى قضية من قضايا أصول الكون: { الله ~~الذي... }. ### || [32.4] # يخبرنا الحق - تبارك وتعالى - أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما لخدمة ~~الإنسان، وهو المكرم الأول في هذا الكون، وجميع الأجناس في خدمته ~~حيوانا ونباتا وجمادا، فهو سيد في هذا الكون، لكن هل أخذ هذا السيد ~~سيادته بذاته وبفعله؟ لا إنما أخذها بفضل الله عليه، فكان عليه أولا أن ~~يشكر من ms7856 أعطاه هذه السيادة على غيره. وهذا السيد عمره ومروره في الحياة ~~عبور، فعمره فيها يطول أو يقصر ينتهي إلى الموت، في حين أن الجمادات التي ~~تخدمه عمرها أطول من عمره، وهي خادمة له، فكان لزاما عليه أن يتأمل هذه ~~المسألة: كيف يكون عمر الخادم أطول وأبقى من عمر السيد المخدوم؟ إذن: لا ~~بد أن لي عمرا آخر أطول من هذا، عمرا يناسب تكريم الله لي، ويناسب ~~سيادتي في هذا الكون، إنها الآخرة حيث تندثر هذه المخلوقات التي خدمتني ~~في الدنيا وأبقى أنا، لا أعيش مع الأسباب، إنما مع المسبب سبحانه، فلا ~~أحتاج إلى الأسباب التي خدمتني في الدنيا، إنما أجد كل ما أشتهيه بين ~~يدي دون تعب ودون سعي، وهذه ارتقاءات لا تكون إلا لمن يطيع المرقى ~~المعطي. لذلك، الحق - سبحانه وتعالى - يلفتنا ويقول: صحيح أنت أيها ~~الإنسان سيد هذا الكون وكل مخلوقاتي في خدمتك، لكن خلقها أكبر من ~~خلقك: # لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57]. لماذا؟ لأن للناس أعمارا محددة، مهما طالت لا بد أن ~~تنتهي إلى أجل، ثم إن هذه الأعمار لا تسلم لهم، إنما تنتابها الأغيار، ~~فالغني قد يفتقر، والصحيح قد يمرض، والقوي قد يضعف، أما الشمس والقمر ~~والنجوم والكون كله فلا يتعرض لهذه الأغيار فما رأينا الشمس أو القمر أو ~~النجوم أصابتها علة وانتهت كانتهاء الإنسان، ثم أنت لست مثلها في ~~العظمة المستوعبة لأن قصارى ما فيك أنك تخدم نفسك أو تخدم البيئة التي ~~حولك، أما هذه المخلوقات فتخدم الكون كله. فإذا أقر - حتى الكفار - ~~بأن الله تعالى هو خالق السماء والأرض إذن: فهي دليل أول على وجود الحق ~~تبارك وتعالى. ومسألة خلق السماوات والأرض من الأشياء التي استأثر الله ~~بعلمها وليس لأحد أن يقول: كيف خلقت ولا حتى كيف خلق الإنسان لأن ~~مسائل الخلق لم يشهدها أحد فيخبرنا بها لذلك يقول تعالى: # مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. فسماهم الله مضلين، والمضل هو الذي يجنح ms7857 بك إلى طريق ~~باطل، ويصرفك عن الحق، وقد رأينا فعلا هؤلاء المضلين وسمعنا ~~افتراءاتهم في مسألة خلق السماوات والأرض. إذن: خلق السماوات والأرض ~~مسألة لا توخذ إلا ممن خلق لذلك قص لنا ربنا - تبارك وتعالى - ~~قصة خلق آدم، وقص لنا قصة خلق السماوات والأرض، لكن الخلق حدث ~~وفعل، والفعل يحتاج إلى زمن تعالج فيه الحدث وتزاوله، والإشكال هنا في ~~قوله تعالى { في ستة أيام. # . } [السجدة: 4]. فهل الحدث بالنسبة لله تعالى يحتاج إلى زمن؟ الفعل ~~من الإنسان يحتاج إلى علاج يستغرق زمنا، حيث نوزع جزئيات الفعل على ~~جزئيات الزمن، أما في حقه تعالى فهو سبحانه يفعل بلا علاج للأمور، إنما ~~يقول: للشيء كن فيكون، أما قوله تعالى: { في ستة أيام.. } ~~[السجدة: 4] فقد أوضحناها بمثال، ولله المثل الأعلى. قلنا: أنت حين تصنع ~~الزبادي مثلا تأتي بالحليب، ثم تضع عليه خميرة زبادي سبق إعداده، ثم ~~تتركه في درجة حرارة معينة سبع أو ثماني ساعات بعدها تجد الحليب قد ~~تحول إلى زبادي، فهل تقول: إن صناعة الزبادي استغرقت مني سبعا أو ~~ثماني ساعات؟ لا، إنها استغرقت مجرد إعداد المواد اللازمة، ثم أخذت هذه ~~المواد تتفاعل بعضها ببعض، إلى أن تحولت إلى المادة الجديدة. كذلك الحق - ~~تبارك وتعالى - خلق السماوات والأرض بأمره كن، فتفاعلت هذه الأشياء ~~مكونه السماوات والأرض. ومسألة خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~عولجت في سبع سور من القرآن، أربع منها تكلمن عن خلق السماوات والأرض ~~ولم تتعرض لما بينهما، وثلاث تعرضت لخلق السماوات والأرض وما بينهما، ~~ففي الأعراف مثلا، وفي يونس، وهود، والحديد. تعرضت الآيات لخلق السماوات ~~والأرض فقط. وفي الفرقان والسجدة وق. فتكلمت عن البينية، فكأن ~~السماوات والأرض ظرف خلق أولا، ثم خلق المظروف في الظرف، وهذا هو ~~الترتيب المنطقي أن تعد الظرف أولا، ثم تضع فيه المظروف. وقوله ~~تعالى: { في ستة أيام.. } [السجدة: 4] الله يخاطب بهذه الآيات ~~العرب، واليوم له مدلول عند العرب مرتبط بحركة الشمس والقمر، فكيف يقول ~~سبحانه { في ستة أيام.. } [السجدة: 4] ولم تخلق بعد لا الشمس ms7858 ~~ولا القمر؟ نقول: المعنى خلقها في زمن يساوي ستة أيام بتقديرنا نحن الآن، ~~وإلا فاليوم عند الله تعالى يختلف عن يومنا، ألم يقل سبحانه وتعالى: # وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون # [الحج: 47] أي: في الدنيا. وقال عن اليوم في الآخرة: # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4] فلله تعالى تقدير لليوم في الدنيا، ولليوم في الآخرة. ~~والحق سبحانه لم يفصل لنا مسألة الخلق هذه إلا في سورة فصلت فهي ~~التي فصلت القول في خلق السماوات والأرض، وهذه من عجائب هذه ~~السورة. فقال تعالى: # قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام.. # [فصلت: 9-10] هذه ستة أيام. # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين.. # [فصلت: 11-12] وهكذا يصبح المجموع ثمانية أيام. إذن: كيف نوفق بين ~~ستة أيام في الإجمال، وثمانية أيام في التفصيل؟ قالوا: الأعداد يحمل ~~مجملها على مفصلها لأن المفصل تستطيع أن تضم بعضه إلى بعض، أما ~~المجمل فهو النهاية. وأعد معي قراءة الآيات: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 9-10] وهذا كله من لوازم الأرض # في أربعة أيام.. # [فصلت: 10] أي: أن هذه اللوازم تابعة لما قبلها. فالمعنى: في تتمة أربعة ~~أيام، فاليومان الأولان داخلان في الأربعة، كما لو قلت: سرت من ~~القاهرة إلى طنطا في ساعة، وإلى الأسكندرية في ساعتين، فالساعة الأولى ~~محسوبة من هاتين الساعتين. فالحق سبحانه خلق الأرض في يومين، وخلق ما ~~يلزمها في تتمة الأربعة الأيام، فالزمن تتمة للزمن لأن الحدث يتمم ~~الحدث، إذن: المحصلة النهائية ستة أيام، وليس هناك خلاف بين الآيات # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82] ومن العجيب أن ms7859 يأتي هذا التفصيل في فصلت. وقوله تعالى: ~~{ ثم استوى على العرش.. } [السجدة: 4] الحق - تبارك وتعالى ~~- يخاطب الخلق بما يقرب الأشياء إلى أذهانهم لأن الملوك أو أصحاب ~~الولاية في الأرض لا يستقرون على كراسيهم إلا بعد أن يستتب لهم الأمر. ~~فمعنى { استوى.. } [السجدة: 4] صعد وجلس واستقر، كل هذه المعاني ~~تناسب الآية، لكن في إطار قول الحق سبحانه وتعالى # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. فكما أن لله تعالى وجودا ليس كوجودك، وسمعا ليس ~~كسمعك، وفعلا ليس كفعلك، فكذلك له سبحانه استواء، لكن ليس كاستوائك، ~~وإذا دخلت حجرة الجلوس مثلا عند شيخ البلد وعند العمدة والمحافظ ورئيس ~~الجمهورية ستجد مستويات متباينة، كل على حسب ما يناسبه، فإذا كان البشر ~~يتفاوتون في الشيء الواحد، فهل نسوى بينا وبين الخالق عز وجل؟ فالمعنى ~~إذن { ثم استوى على العرش.. } [السجدة: 4] استتب له أمر ~~الخلق، { ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع.. } ~~[السجدة: 4] الولي: من يليك، ويكون قريبا منك، وإليه تفزع في ~~الأحداث، فهو ملجؤك الأول. والشفيع: الذي يشفع لك عند من يملك أمرك، ~~فالولي هو الذي ينصرك بنفسه، أما الشفيع فهو يتوسط لك عند من ~~ينصرك، فليس لك ولي ولا شفيع من دون الله عز وجل. لذلك يقول سبحانه: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه.. # [الإسراء: 67] فلا أحد ينجيكم، ولا أحد يسعفكم إلا الله { أفلا ~~تتذكرون } [السجدة: 4]. كأن هذه المسألة يجب أن تكون على بالك ~~دائما، فلا تغفل عن الله لأنك ابن أغيار، والأحداث تتناوبك، فلا ~~يستقر بك حال، فأنت بين الغنى والفقر، والصحة والمرض، والقوة والضعف. # لذلك تذكر دائما أنه لا ولي ولا نصير لك إلا الله، وإذا استحضرت ~~ذلك دائما اطمأن قلبك، ولم لا وأنت تستند إلى ولي وإلى نصير لا ~~يخذلك أبدا، ولا يتخلى عنك لحظة، فإذا خالط هذا الشعور قلبك أقبلت ~~على الأحداث بجسارة، وإذا أقبلت على الحدث بجسارة لم يأخذ الحدث من قوتك ~~شيئا لأن الذي يخاف الأحداث يضعف قوته الفاعلة. فمثلا صاحب العيال ~~الذي يخاف الموت ms7860 فيتركهم صغارا لا عائل لهم لو راجع نفسه لقال لها: ~~ولم الخوف على العيال من بعدي، فهل أنا خلقتهم، أم لهم خالق يرعاهم ~~ويجعل لهم من المجتمع الإيماني آباء متعددين؟ لو قال لنفسه ذلك ما اهتم ~~لأمرهم، وصدق الذي قال مادحا: أنت طرت باليتم إلى حد ~~الكمال وقال آخر: # قال ذو الآباء ليتى لا أبا لي # ولم لا؟ وقد كفل الإسلام للأيتام أن يعيشوا في ظل المجتمع المسلم أفضل ~~مما يعيش من له أب وأم. إذن: فالإنسان حينما يعلم أن له سندا من ~~ألوهية قادرة وربوبية لا تسلمه يستقبل الحوادث بقوة، ويقين، ورضا، ~~وإيمان بأنه لن يسلم أبدا ما دام له إيمان برب، وكلمة رب هذه ستأتي ~~على باله قسرا في وقت الشدة، حين يخذله الناس وتعييه الأسباب، فلا ~~يجد إلا الله - حتى لو كان كافرا لقال في الشدة: يارب. وقوله تعالى: { ~~من دونه.. } [السجدة: 4] يعني: لا يوجد غيره، وإن وجد غير ~~فبتحنين الله للغير عليك، فالخير أيا كان فمرده إلى الله. ثم يقول ~~الحق سبحانه وتعالى: { يدبر الأمر من السمآء... }. ### || [32.5] # في هذه الآية رد على الفلاسفة الذين قالوا بأن الله تعالى قادر وخالق، ~~لكنه سبحانه زاول سلطانه في ملكه مرة واحدة، فخلق النواميس، وخلق ~~القوانين، ثم تركها تعمل في إدارة هذا الكون، ونقول: لا بل هو سبحانه { ~~يدبر الأمر.. } [السجدة: 5] أي: أمر الخلق، وهو سبحانه قيوم ~~عليه. وإلا فما معنى # لا تأخذه سنة ولا نوم.. # [البقرة: 255] إن قلنا بصحة ما تقولون؟ بل هو سبحانه خلق الكون، ~~ويدبر شئونه على عينه عز وجل، والدليل على قيوميته تعالى على خلقه ~~أنه خلق الأسباب على رتابة خاصة، فإذا أراد سبحانه خرق هذه الرتابة ~~بشواذ تخرج عن القوانين المعروفة كما خرق لإبراهيم - عليه السلام - قانون ~~الإحراق، وكما خرق لموسى - عليه السلام - قانون سيولة الماء، ومسألة ~~خرق القوانين في الكون دليل على قيوميته تعالى، ودليل على أن أمر ~~الخلق ما يزال في يده سبحانه. ولو أن المسألة كما يقول الفلاسفة لكان ~~الكون مثل ms7861 المنبه حين تضبطه ثم تتركه ليعمل هو من تلقاء نفسه، ولو كان ~~الأمر كذلك لانطفأت النار التي ألقي فيها إبراهيم عليه السلام مثلا. ~~لذلك لما سئل أحد العارفين عن قوله تعالى: # كل يوم هو في شأن # [الرحمن: 29] ما شأن ربك الآن، وقد صح أن القلم قد جف؟ قال: أمور ~~يبديها ولا يبتديها، يرفع أقواما ويضع آخرين. إذن: مسألة الخلق إبداء ~~لا ابتداء، فأمور الخلق معدة جاهزة مسبقا، تنتظر الأمر من الله ~~لها بالظهور. وقلنا هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82] فكلمة # يقول له.. # [يس: 82] تدل على أن هذا الشيء موجود بالفعل ينتظر أن يقول الله له: ~~اظهر إلى حيز الوجود. فالحق سبحانه { يدبر الأمر من ~~السمآء إلى الأرض.. } [السجدة: 5] ثم تعود إليه سبحانه النتائج ~~{ ثم يعرج إليه.. } [السجدة: 5] فالله سبحانه يرسل إلى الأرض، ~~ثم يستقبل منها لأن المدبرات أمرا من الملائكة لكل منهم عمله ~~واختصاصه، وهذه المسألة نسميها في عالمنا عملية المتابعة عند البشر، ~~فرئيس العمل يكلف مجموعة من موظفيه بالعمل، ثم لا يتركهم إنما يتابعهم ~~ليستقيم العمل، بل ويحاسبهم كلا بما يستحق. والملائكة هي التي تعرج ~~بالنتائج إليه سبحانه { في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون } [السجدة: 5] فالعود سيكون للملائكة، وخطو ~~الملائكة ليس كخطوك لذلك الذي يعمله البشر في ألف سنة تعمله الملائكة ~~في يوم. ومثال ذلك ما قرأناه في قصة سليمان - عليه السلام - حين قال: # أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين # [النمل: 38]. وهذا الطلب من سليمان - عليه السلام - كان على ملأ من ~~الإنس والجن، لكن لم يتكلم بشري، ولم يتصد أحد منهم لهذا العمل، إنما ~~تصدى له عفريت، وليس جنيا عاديا، والعفريت جنى ماهر له قدراته ~~الخاصة، وإلا ففي الجن أيضا من هو لبخة لا يجيد مثل هذه المهام، كما في ~~الإنسان تماما. # قال العفريت: # أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك.. # [النمل: 39] وهذا يعني أنه سيستغرق وقتا، ساعة أو ساعتين، أما الذي ~~عنده ms7862 علم من الكتاب فقال: # أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك.. # [النمل: 40] يعني: في طرفة عين لما عنده من العلم لذلك لما رأى سليمان ~~العرش مستقرا عنده في لمح البصر، قال: # قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم ~~أكفر.. # [النمل: 40]. إذن: الفعل يستغرق من الزمن على قدر قوة الفاعل، فكلما ~~زادت القوة قل الزمن، وقد أوضحنا هذه المسألة في كلامنا على الإسراء ~~والمعراج. ومعنى: { مما تعدون } [السجدة: 5] أي: من سنينكم ~~أنتم. ثم يقول الحق سبحانه: { ذلك عالم الغيب... }. ### || [32.6] # قوله تعالى { ذلك.. } [السجدة: 6] إشارة إلى تدبير الأمر من السماء ~~إلى الأرض، ثم متابعة الأمر ونتائجه، هذا كله لأنه سبحانه { عالم ~~الغيب والشهادة.. } [السجدة: 6] وأنه سبحانه { العزيز ~~الرحيم } [السجدة: 6] فالحق سبحانه يعلمنا أن الآمر لا بد أن ~~يتابع المأمور. وقلنا: إن عالم الغيب تعني أنه بالأولى يعلم الشهادة، ~~لكن ذكر الحق سبحانه علمه بالشهادة حتى لا يظن أحد أن الله غيب، فلا ~~يعلم إلا الغيب، وقد بينا معنى الشهادة هنا حينما تكلمنا عن قول ~~الله تعالى: # يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون # [الأنبياء: 110]. والجهر أو الشهادة يعني الجهر المختلط حين تتداخل ~~الأصوات، فلا تستطيع أن تميزها، مع أنها جهر أمامك وشهادة، أما الحق ~~سبحانه فيعلم كل صوت، ويرده إلى صاحبه، فعلم الجهر هنا أقوى من علم ~~الغيب. ومعنى { العزيز.. } [السجدة: 6] أي: الذي لا يغلب ولايقهر، ~~فلا يلويه أحد عن علمه، ولا عن مراداته في كونه، ومع عزته فهو ~~سبحانه الرحيم. ### || [32.7] # الخلق إيجاد من عدم بحكمة، ولغاية ومهمة مرسومة، وليس عبثا هكذا ~~يخلق الأشياء كما اتفق، فالخالق - عز وجل - قبل أن يخلق يعلم ما يخلق، ~~ويعلم المهمة التي سيؤديها لذلك يخلق سبحانه على مواصفات تحقق هذه ~~الغاية، وتؤدي هذه المهمة. وقد يخيل لك أن بعض المخلوقات لا مهمة لها ~~في الحياة، أو أن بعضها كان من الممكن أن يخلق على هيئة أفضل مما هي ~~عليها. ونذكر هنا الرجل الذي تأمل في كون الله فقال: ليس في الإمكان ~~أبدع ms7863 مما كان. والولد الذي رأى الحداد يأخذ عيدان الحديد المستقيمة، ~~فيلويها ويعوجها، فقال الولد لأبيه: لماذا لا يترك الحداد عيدان ~~الحديد على استقامتها؟ فعلمه الوالد أن هذه العيدان لا تؤدي مهمتها إلا ~~باعوجاجها، وتأمل مثلا الخطاف وآلة جمع الثمار من على الأشجار، إنها ~~لو كانت مستقيمة لما أدت مهمتها. وفي ضوء هذه المسألة نفهم الحديث ~~النبوي الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم - عن النساء: # " إنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه ~~كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء ". # وحين تتأمل الضلوع في قفصك الصدري تجد أنها لا تؤدي مهمتها في حماية ~~القلب والرئتين إلا بهذه الهيئة المعوجة التي تحنو على أهم عضوين في ~~جسمك، فكأن هذا الاعوجاج رأفة وحنو وحماية، وهكذا مهمة المرأة في ~~الحياة، ألا تراها في أثناء الحمل مثلا تترفق بحملها وتحافظ عليه، ~~وتحميه حتى إذا وضعته كانت أشد رفقا، وأكثر حنانا عليه؟ إذن: هذا ~~الوصف من رسول الله ليس سبة في حق النساء، ولا إنقاصا من شأنهن لأن ~~هذا الاعوجاج في طبيعة المرأة هو المتمم لمهمتها لذلك نجد أن حنان المرأة ~~أغلب من استواء عقلها، ومهمة المرأة تقتضي هذه الطبيعة، أما الرجل فعقله ~~أغلب ليناسب مهمته في الحياة، حيث يناط به العمل وترتيب الأمور فيما ~~ولي عليه. إذن: خلق الله كلا لمهمة، وفي كل منا مهما كان فيه من ~~نقص ظاهر - ميزة يمتاز بها، فالرجل الذي تراه لا عقل له ولا ذكاء ~~عنده تقول: ولماذا خلق الله مثل هذا؟ لكن تراه قوي البنية، يحمل من ~~الأثقال والمشاق ما لا تتحمله أنت، والرجل القصير مثلا، ترى أنت عيبه ~~في قصر قامته، لكن يراها غيرك ميزة من مزاياه، وربما استدعاه للعمل ~~عنده لهذه الصفة فيه. وحين تتأمل مثلا عملية التعليم، وتقارن بين أعداد ~~التلاميذ في المرحلة الابتدائية، وكم منهم يصل إلى مرحلة التعليم العالي. ~~وكم منهم يتساقطون في الطريق؟ ولو أنهم جميعا أخذوا شهادات عليا لما ~~استقام الحال، وإلا فمر ms7864 للمهن المتواضعة والحرف وغيرها. # إذن: لا بد أن يوجد هذا التفاوت لأن العقل الواحد يحتاج إلى آلاف ~~ينفذون خطته، وقيمة كل امرئ ما يحسنه مهما كان عمله. لذلك قلنا: إنه لا ~~ينبغي لأحد أن يتعالى على أحد لأنه يمتاز عنه في شيء ما، إنما ينظر فيما ~~يمتاز به غيره لأن الخالق عز وجل وزع المواهب بين الخلق جميعا، ويكفي ~~أن تقرأ قول الحق سبحانه: # يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم.. # [الحجرات: 11]. فالله تعالى: { الذي أحسن كل شيء ~~خلقه.. } [السجدة: 7] لأن لكل مخلوق مهمة مهيأ لها، وتعجب من ~~تصاريف القدر في هذه المسألة فتجد أخوين، يعمل أحدهما في العطور، ويعمل ~~الآخر في الصرف الصحي، وتجد هذا راضيا بعمله، وهذا راض بعمله. حتى أنك ~~تجد الناس الذين خلقهم الله على شيء من النقص أو الشذوذ حين يرضى الواحد ~~منهم بقسمة الله له وقدره فيه يسود بهذا النقص، أو بهذا الشذوذ، وبعضنا ~~لاحظ مثلا الأكتع إذا ضرب شخصا بهذه اليد الكتعاء، كم هي قوية! وكم ~~يخافه الناس لأجل قوته! وربما يجيد من الأعمال ما لا يجيده الشخص ~~السوي. فإن قلت: إذا كان الخالق سبحانه أحسن كل شيء خلقه، فما بال ~~الكفر، خلقه الله وما يزال موجودا، فأي إحسان فيه؟ نقول: والله لولا ~~طغيان الكافرين ما عشق الناس الإيمان، كما أنه لولا وجود الظلم ~~والظالمين لما شعر الناس بطعم العدل. إذن: فالحق سبحانه يخلق الشيء، ~~ويخلق من ضده دافعا له. ثم يقول سبحانه: { وبدأ خلق الإنسان ~~من طين } [السجدة: 7] فالإنسان الذي كرمه الله على سائر المخلوقات ~~بدأه الله من الطين، وهو أدنى أجناس الوجود، وقلنا: إن جميع الأجناس ~~تنتهي إلى خدمة الإنسان. الحيوان وهو أقربها للإنسان، ثم النبات، ثم ~~الجماد، ومن الجماد خلق الإنسان. وقد عوض الله عز وجل الجماد الخادم ~~لباقي الأجناس حين أمر الإنسان المكرم بأن يقبله في فريضة كتبت ~~عليه مرة واحدة في العمر، وهي فريضة الحج، فأمره أن يقبل الحجر ~~الأسود، وأن يتعبد ms7865 لله تعالى بهذا التقبيل لذلك يتزاحم الناس على الحجر، ~~ويتقاتلون عليه، وهو حجر، وهم بشر كرمهم الله، وما ذلك إلا ليكسر ~~التعالي في النفس الإنسانية، فلا يتعالى أحد على أحد. وسبق أن بينا أن ~~المغرضين الذين يحبون أن يستدركوا على كلام الله قالوا: إن الله تعالى ~~قال في مسألة الخلق مرة # من مآء.. # [المرسلات: 20] ومرة # من تراب.. # [الكهف: 37] ومرة # من طين # [المؤمنون: 12] ومرة # من صلصال.. # [الحجر: 33] ومرة # من حمإ مسنون # [الحجر: 26].. إلخ، فأي هذه العناصر أصل للإنسان؟ وقلنا: إن هذه مراحل ~~مختلفة للشيء الواحد، والمراحل لا تقتضي النية الأولية، فالماء والتراب ~~يكونان الطين، فإذا ترك الطين حتى تتغير رائحته فهو الحمأ المسنون، ~~فإذا ترك حتى يجف ويتجمد فهو الصلصال، فهذه العناصر لا تعارض بينها، ~~ويجوز لك أن تقول: إن الإنسان خلق من ماء، أو من تراب، أو من طين. # .. إلخ. والمراد هنا الإنسان الأول، وهو سيدنا آدم - عليه السلام - ثم ~~أخذ الله سلالته من ماء مهين، والسلالة هي خلاصة الشيء، فالخالق سبحانه ~~خلقنا أولا من الطين، ثم جعل لنا الأزواج والتناسل الذي نتج عنه رجال ~~ونساء. ثم يحتفظ الخالق سبحانه لنفسه بطلاقة القدرة في هذه المسألة، ~~وكأنه يقول لك: إياك أن تفهم أنني لا أخلق إلا بالزوجية، إنما أنا ~~أستطيع أن أخلق بلا زوجية كما خلقت آدم، وأخلق من رجل بلا امرأة كما ~~خلقت حواء، وأخلق من امرأة بلا رجل كما خلقت عيسى عليه السلام. وقد ~~تتوفر علاقة الزوجية ويجعلها الله عقيما لا ثمرة لها، وهكذا تناولت ~~طلاقة القدرة كل ألوان القسمة العقلية في هذه المسألة، واقرأ إن شئت: # لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب ~~لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * أو ~~يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما ~~إنه عليم قدير # [الشورى: 49-50]. إذن: هذه مسألة طلاقة قدرة للخالق سبحانه، وليست عملية ~~ميكانيكية، لأنها هبة من الله # يهب لمن يشآء إناثا.. # [الشورى: 49] ولاحظ أن الله قدم هنا الإناث، وهم الجنس الذي لا ~~يفضله الناس أن يولد ms7866 لهم، ولكن تجد الذي يرزقه الله بالبنت فيفرح بها، ~~ويعلم أنها هبة من الله يعوضه الله بزوج لها يكون أطوع له من ولده. ~~كما أنه لو رضي صاحب العقم بعقمه، وعلم أنه هبة من الله لعوضه ~~الله في أبناء الآخرين، وشعر أنهم جميعا أبناؤه، ولماذا نقبل هبة الله ~~في الذكور وفي الإناث، ولا نقبل العقم، وهو أيضا هبة الله؟ ثم ألست ترى ~~من الأولاد من يقتل أباه، ومن يقتل أمه؟ إذن: المسألة تحتاج منا إلى ~~الرضا والتسليم والإيمان بأن العقم هبة، كما أن الإنجاب هبة. ثم إن ~~خلق الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام من طين جاء من البداية على ~~صورته التامة الكاملة، فخلقه الله رجلا مستويا، فلم يكن مثلا طفلا ~~ثم كبر وجرت عليه سنة التطور، لا إنما خلقه الله على صورته، أي: على ~~صورة آدم. والبعض يقول: خلق الله آدم على صورته أي على صورة الحق، ~~فالضمير يعود إلى الله تعالى، والمراد: على صورة الحق لا على حقيقة الحق، ~~فالله تعالى حي يهب من حياته حياة، والله قوي يهب من قوته قوة، ~~والله غني يهب من غناه غنى، والله عليم يهب من علمه علما. لذلك ~~قيل: " تخلقوا بأخلاق الله " لأنه سبحانه وهبكم صفات من صفات تجليه، ~~وقد وهبكم هذه الصفات، فاجعلوا للصفة فيكم مزية وتخلقوا بها، فمثلا ~~كن قويا على الظالم، ضعيفا متواضعا للمظلوم، على حد قول الله ~~تعالى في صفات المؤمنين: # أشدآء على الكفار رحمآء بينهم.. # [الفتح: 29]. وقال: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.. # [المائدة: 54]. وهذه الصفات المتناقضة تجتمع في المؤمن لأنه ليس له طبع ~~واحد، إنما الموقف والتكليف هو الذي يصبغه ويلويه إلى الصفة المناسبة. ~~وقلنا: إن علماء التحاليل في معاملهم أثبتوا صدق القرآن في هذه ~~الحقيقة، وهي خلق الإنسان من طين حينما وجدوا أن العناصر المكونه ~~لجسم الإنسان هي ذاتها العناصر الموجودة في التربة، وعددها 16 عنصرا، ~~أقواها الأكسوجين، ثم الكربون، ثم الهيدروجين، ثم النيتروجين، ثم ~~الصوديوم، ثم الماغنسيوم، ثم البوتاسيوم.. إلخ. ### || [32.8] # النسل هو ms7867 الأنجال والذرية، والسلالة: خلاصة الشيء تسل منه كما يسل ~~السيف من غمده، فالسلالة هي أجود ما في الشيء، ولذلك نقول: فلان من سلالة ~~كذا، وفلان سليل المجد. يعني: في مقام المدح. حتى في الخيل يحتفظون لها ~~بسلالات معروفة أصيلة ويسجلون لها شهادات ميلاد تثبت أصالة سلالتها. هذا ~~النسل وهذه السلالة خلقها الله من ماء، وهو مني الرجل وبويضة المرأة. ~~هذا الماء وصفه الله بأنه { مهين } [السجدة: 8] لأنه يجري في مجرى ~~البول، ويذهب مذهبه إذا لم يصل إلى الرحم، وفي هذا الماء المهين عجائب، ~~ويرحم الله العقاد حين قال: إن أصول ذرات العالم كله يمكن أن توضع في ~~نصف كستبان الخياطة، وتأمل كم يقذف الرجل في المرة الواحدة من هذا ~~المقدار؟ إذن: المسألة دقة تكوين وعظمة خالق، ففي هذه الذرة البسيطة ~~خصائص إنسان كامل، فهي تحمل: لونه، وجنسه، وصفاته.. إلخ. وسبق أن قلنا في ~~عالم الذر: إن في كل منا ذرة وجزيئا حيا من لدن أبيه آدم عليه ~~السلام. ثم يقول الحق سبحانه: { ثم سواه ونفخ فيه... }. ### || [32.9] # وهذه التسوية كانت أولا للإنسان الأول الذي خلقه الله من الطين، كما ~~قال سبحانه: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر: 29] وقد مر آدم - عليه السلام - في هذه التسوية بالمراحل ~~التي ذكرت، كذلك الأمر في سلالته يسويها الخالق - عز وجل - وتمر بمثل ~~هذه المراحل: من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة.. إلخ، ثم تنفخ فيه ~~الروح. وإذا كان الإنسان لم يشهد كيفية خلقه، فإن الله تعالى يجعل من ~~المشاهد لنا دليلا على ما غاب عنا، فإن كنا لم نشهد الخلق فقد ~~شاهدنا الموت، والموت نقض للحياة وللخلق، ومعلوم أن نقض الشيء ~~يأتي على عكس بنائه، فإذا أردنا مثلا هدم عمارة من عدة أدوار فإن آخر ~~الأدوار بناء هو أول الأدوار هدما. كذلك الحال في الموت، أول شيء فيه ~~خروج الروح، وهي آخر شيء في الخلق، فإذا خرجت الروح تصلب الجسد، أو ~~كما يقولون شضب، وهذه المرحلة أشبه بمرحلة الصلصالية، ms7868 ثم ينتن وتتغير ~~رائحته، كما كان في مرحلة الحمأ المسنون، ثم يتحلل هذا الجسد ويتبخر ما ~~فيه من مائية، وتبقى بعض العناصر التي تتحول إلى تراب ليعود إلى أصله ~~الأول. إذن: خذ من رؤيتك للموت دليلا على صدق ربك - عز وجل - فيما ~~أخبرك به من أمر الخلق الذي لم تشهده. وقوله تعالى: { وجعل لكم ~~السمع والأبصار والأفئدة.. } [السجدة: 9] سبق أن تكلمنا ~~عن هذه الأعضاء، وقد قرر علماء وظائف الأعضاء مهمة كل عضو وجارحة، ومتى ~~تبدأ هذه الجارحة في أداء مهمتها، وأثبتوا أن الأذن هي الجارحة الأولى ~~التي تؤدي مهمتها في الطفل، بدليل أنك إذا وضعت أصبعك أمام عين الطفل ~~بعد ولادته لا يرمش، في حين يفزع إن أحدثت بجواره صوتا: ذلك لأنه ~~يسمع بعد ولادته مباشرة، أما الرؤية فتتأخر من ثلاثة إلى عشرة أيام. لذلك ~~كانت حاسة السمع هي المصاحبة للإنسان، ولا تنتهي مهمتها حتى في النوم، ~~وبها يتم الاستدعاء، أما العين فلا تعمل أثناء النوم. وهذه المسألة ~~أوضحها الحق سبحانه في قصة أهل الكهف، فلما أراد الحق سبحانه أن ينيم ~~أهل الكهف هذه المدة الطويلة، والكهف في صحراء بها أصوات الرياح والعواصف ~~والحيوانات المتوحشة لذلك ضرب الله على آذانهم وعطل عندهم هذه الحاسة ~~كما قال سبحانه: # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا # [الكهف: 11]. إذن: الأذن هي أول الأعضاء أداء لمهمتها، ثم العين، ثم ~~باقي الأعضاء، وآخرها عملا الأعصاب، بدليل أن الطفل تصل حرارته مثلا ~~إلى الأربعين درجة، ونراه يجري ويلعب دون أن يشعر بشيء، لماذا؟ لأن جهازه ~~العصبي لم ينضج بعد، فلا يشعر بهذه الحرارة. # لذلك نجد دائما القرآن يقدم السمع على البصر، ويتقدم البصر إلا في ~~آية واحدة هي قوله تعالى: # أبصرنا وسمعنا.. # [السجدة: 12] لأنها تصور مشهدا من مشاهد القيامة وفيه يفاجأ الكفار ~~بأهوال القيامة، ويأخذهم المنظر قبل أن يسمعوا الصوت حين ينادي المنادي. ~~ومن عجائب الأداء البياني في القرآن أن كلمة أسماع يقابلها أبصار، لكن ~~المذكور هنا: { السمع والأبصار.. } [السجدة: 9] فالسمع مفرد، ~~والأبصار جمع، فلماذا أفرد ms7869 السمع وجمع البصر؟ قالوا: لأن الأذن ليس لها ~~غطاء يحجب عنها الأصوات، كما أن للعين غطاء يسدل عليه ويمنع عنها ~~المرئيات، فإذن فهو سمع واحد لي ولك وللجميع، الكل يسمع صوتا واحدا، ~~أما المرئيات فمتعددة، فما تراه أنت قد لا أراه أنا. ولم يأت البصر ~~مفردا - في هذا السياق - إلا في موضع واحد هو قوله تعالى: # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا # [الإسراء: 36] ذلك لأن الآية تتكلم عن المسئولية، والمسئولية واحدة ~~ذاتية لا تتعدى، فلا بد أن يكون واحدا. ومن المناسب أن يذكر الحق ~~سبحانه السمع والأبصار والأفئدة بعد الحديث عن مسألة الخلق لأن الإنسان ~~يولد من بطن أمه لا يعلم شيئا، وبهذه الأعضاء والحواس يتعلم ويكتسب ~~المعلومات والخبرات كما قال سبحانه: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. إذن: فهذه الأعضاء ضرورية لوجود الإنسان الخليفة في الأرض، ~~وبها يتعايش مع غيره، ولا بد له من اكتساب المعلومات، وإلا فكيف ~~سيتعايش مع بيئته؟ وقلنا: إن الإنسان لكي يتعلم لا بد له من استعمال ~~هذه الحواس المدركة، كل منها في مناطه، فاللسان في الكلام، والعين في ~~الرؤية، والأذن في السمع، والأنف في الشم، والأنامل في اللمس. وقلنا: إن ~~هذه الحواس هي أمهات الحواس المعروفة، حيث عرفنا فيما بعد حواس أخرى ~~لذلك احتاط العلماء لهذا التطور، فأطلقوا على هذه الحواس المعروفة اسم " ~~الحواس الظاهرة " ، وبعد ذلك عرفنا حاسة البين التي نعرف بها رقة ~~القماش وسمكه، وحاسة العضل التي نعرف بها الثقل. إذن: حينما يولد ~~الإنسان يحتاج إلى هذه الحواس ليتعايش بها ويدرك ويتفاعل مع المجتمع الذي ~~يعيش فيه، ولو أن الإنسان يعيش وحده ما احتاج مثلا لأن يتكلم، لكنه ~~يعيش بطبيعته مع الجماعة، فلا بد له أن يتكلم ليتفاهم معهم، وقبل ذلك ~~لا بد له أن يسمع ليتعلم الكلام. وعرفنا سابقا أن اللغة وليدة ~~السماع، فالطفل الذي يولد في بيئة عربية ينطق بالعربية، والذي يعيش في ~~بيئة إنجليزية ينطق الإنجليزية ms7870 وهكذا، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، ~~فإذا لم تسمع الأذن لا ينطق اللسان. لذلك سبق أن قلنا في سورة البقرة في ~~قول الله تعالى: # صم بكم.. # [البقرة: 18] أن البكم وهو عدم الكلام نتيجة الصمم، وهو عدم السماع، ~~فالسمع - إذن - هو أول مهمة في الإنسان، وهو الذي يعطيني الأرضية الأولى ~~في حياتي مع المجتمع من حولي. # ومعلوم أن تعلم القراءة مثلا يحتاج إلى معلم أسمع منه النطق، فهذه ~~ألف، وهذه باء، هذه فتحة، وهذه ضمة.. إلخ، فإذا لم أسمع لا أستطيع النطق ~~الصحيح، ولا أستطيع الكتابة. وبالسماع يتم البلاغ عن الله من السماء إلى ~~الأرض لذلك تقدم ذكر السمع على ذكر البصر. والحق سبحانه لما تكلم ~~عن السمع بهذه الصورة قال: أنا سأسمع أسماء الأشياء، فهذه أرض، وهذه ~~سماء.. إلخ، لذلك حينما نعلم التلميذ نقول له: هذه عين، وهذه أذن. ~~وبعد أن يتعلم التلميذ من معلمه القراءة يستطيع بعد ذلك أن يقرأ ~~بذاته، فيحتاج إلى حاسة البصر في مهمة القراءة، فإذا أتم تعليمه واستطاع ~~أن يصحح قراءته بنفسه، واختمرت عنده المعلومات التي اكتسبها بسمعه وبصره ~~استطاع أن يقرأ أشياء أخرى غير التي قرأها له معلمه، واستطاع أن يربي ~~نفسه ويعلمها حتى تتكون عنده خلية علمية يستحدث من خلالها أشياء ~~جديدة، ربما لا يعرفها معلمه، وهذه مهمة الفؤاد { وجعل لكم ~~السمع والأبصار والأفئدة.. } [السجدة: 9]. فالمعاني تتجمع ~~بهذه الحواس، حتى يصير الإنسان سويا لديه الملكة التي يتعلم بها، ثم ~~يعلم هو غيره. واللغة المنطوقة لا تتعلم إلابالسماع، فأنا سمعت من ~~أبي، وأبي سمع من أبيه، وتستطيع أن تسلسل هذه المسألة لتصل إلى آدم عليه ~~السلام أبي البشر جميعا، فإن قلت: فممن سمع آدم؟ نقول: سمع الله ~~حينما علمه الأسماء كلها: # وعلم آدم الأسمآء كلها ثم عرضهم على ~~الملائكة فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن ~~كنتم صادقين # [البقرة: 31]. وهذا أمر منطقي لأن اللغة المسموعة بالأذن لا يمكن لأحد ~~اختراعها، ومع ذلك يوجد من يعترض على هذه المسألة، يقول: هذا يعني أن ~~اللغة توقيفية، لا دخل ms7871 لنا فيها. بمعنى: أننا لا نستحدث فيها جديدا. ~~ونقول: نعم، اللغة أمر توقيفي، لكن أعطى الله آدم الأسماء وعلمه ~~إياها، وبهذه الأسماء يستطيع أن يتفاهم على وضع غيرها من الأسماء في ~~المعلومات التي تستجد في حياته. وإلا، فكيف سمينا الراديو ~~والتليفزيون.. إلخ وهذه كلها مستجدات لا بد لها من أسماء، والاسم لا ~~يوجد إلا بعد أن يوجد مسماه، وهذه مهمة المجامع اللغوية التي تقرر ~~هذه الأسماء، وتوافق على استخدامها، وقد اصطلح المجمع على تسمية ~~الهاتف: مسرة. والتليفزيون: تلفاز.. إلخ. إذن: أتينا بهذه الألفاظ ~~واتفقنا عليها لأنها تعبر عن المعاني التي نريدها، وهذه الألفاظ وليدة ~~الأسماء التي تعلمها آدم عليه السلام، فاللغة بدأت توقيفية، وانتهت ~~وضعية. وقوله تعالى بعد هذه النعم: { قليلا ما تشكرون } ~~[السجدة: 9] دليل على أن هذه النعم تستوجب الشكر، لكن قليل منا من ~~يشكر، وكان ينبغي أن نشكر المنعم كلما سمعنا، وكلما أبصرنا، وكلما عملت ~~عقولنا وتوصلت إلى جديد. # لذلك، كان شكر المؤمن لربه لا ينتهي، كما أن أعياده وفرحته لا تنتهي، ~~فنحن مثلا نفرح يوم عيد الفطر بفطرنا وبأدائنا للعبادة التي فرضها الله ~~علينا، وفي عيد الأضحى نفرح لأن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - تحمل ~~عنا الفداء بولده، لكي يعفينا جميعا من أن يفدي كل منا، ويتقرب إلى ~~الله بذبح ولده، وإلا لكانت المسألة شاقة علينا لذلك نفرح في عيد الأضحى، ~~ونذبح الأضاحي، ونؤدي النسك في الحج. وما دام المؤمن ينبغي له أن يفرح ~~بأداء الفرائض وعمل الطاعات، فلماذا لا نفرح كلما صلينا أو صمنا أو ~~زكينا؟ لماذا لا نفرح عندما نطيع الله بعمل المأمورات، وترك ~~المنهيات؟ لماذا لا نفرح في الدنيا حتى يأتي يوم الفرح الأكبر، يوم تتجمع ~~حصيلة هذه الأعمال، وننال ثوابها الجنة ونعيمها؟ واقرأ إن شئت قول ربك: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ~~ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في ~~جنات النعيم * دعواهم فيها سبحانك اللهم ~~وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد ~~لله رب العالمين # [يونس: 9-10]. ### || [32.10] # معنى { ضللنا في الأرض.. } [السجدة: ms7872 10] أي: غبنا فيها، ~~واندثرت ذراتنا، بحيث لا نعرف أين ذهبت، وإلى أي شيء انتقلت، إلى ~~حيوان أم إلى نبات؟ إذا حدث هذا { أئنا لفي خلق جديد.. } ~~[السجدة: 10] يعني: أيخلقنا الله من جديد مرة أخرى؟ والحق سبحانه يرد ~~عليهم: { بل هم بلقآء ربهم كافرون } [السجدة: 10] بل ~~تفيد الإضراب عن كلامهم السابق، وتقرير حقيقة أخرى، هي أنهم لا ينكرون ~~البعث والحشر، إنما ينكرون لقاء الله { بل هم بلقآء ربهم ~~كافرون } [السجدة: 10] لأن مسألة الحشر مستحيل أن ينكروها لأن ~~الدليل عليها واضح. كما قال سبحانه: # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد # [ق: 15] والذي خلق من العدم أولا قادر على الإعادة من موجود، لأن ذراتك ~~وخاماتك موجودة، فالإعادة أسهل من البدء لذلك قال سبحانه: # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه.. # [الروم: 27]. إذن: تكذيبهم ليس للبعث في حد ذاته، إنما للقاء الله ~~وللحساب، لكنهم ينكرون البعث لأنه يؤدي إلى لقاء الله، وهم يكرهون لقاء ~~الله، فينكرون المسألة من بدايتها. ### || [32.11] # تلحظ هنا أنهم يتكلمون عن البعث # وقالوا أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق ~~جديد.. # [السجدة: 10] ومعلوم أن البعث إيجاد حياة، فإذا بالقرآن يحدثهم عن ~~الوفاة، وهي نقض للحياة، ليذكرهم بهذه الحقيقة. ومعنى { ~~يتوفاكم.. } [السجدة: 11] من توفيت دينا من المدين. أي: أخذته ~~كاملا غير منقوص، والمراد هنا الموت، والتوفي ينسب مرة إلى الله عز ~~وجل: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42] وينسب لملك الموت # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم.. # [السجدة: 11] وينسب إلى أعوانه من الملائكة # حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم ~~لا يفرطون # [الأنعام: 61]. لأن مسألة الموت أمرها الأعلى بيد الخالق سبحانه، فهو ~~وحده واهب الحياة، وهو وحده صاحب الأمر في نقضها وسلبها من صاحبها ~~لذلك حرم الله القتل، وجعل القاتل ملعونا لأنه يهدم بنيان الله، فإذا ~~قدر الله على إنسان الموت إذن لملك الموت في ذلك، وهو عزرائيل. إذن: ~~هذه المسألة لها مراحل ثلاث: التوفي من الله يأمر به عزرائيل، ثم يأمر ~~عزرائيل ms7873 ملائكته الموكلين بهذه المسألة، ثم ينفذ الملائكة هذا الأمر. ~~وتأمل لفظة # توفته رسلنا.. # [الأنعام: 61] أي: أخذته كاملا، فلم يقل: أعدمته مثلا لذلك نقول ~~قبضت روحه أي: ذهبت إلى حيث كانت قبل أن تنفخ فيه، ذهبت إلى الملأ ~~الأعلى، ثم تحلل الجسد وعاد إلى أصله، وذاب في الأرض، جزئية هنا وجزئية ~~هناك، كما قالوا: # أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد.. # [السجدة: 10]. فالذي يتوفى لم يعدم، إنما هو موجود وجودا كاملا، ~~روحه وجسده، والله قادر على إعادته يوم القيامة لذلك لم يقل أعدمنا. ~~وهذه المسألة تحل لنا إشكالا في قصة سيدنا عيسى - عليه السلام - فقد ~~قال الله فيه: # إذ قال الله يعيسى إني متوفيك ورافعك ~~إلي.. # [آل عمران: 55]. فالبعض يقول: إنه عليه السلام توفي أولا، ثم رفعه ~~الله إليه. والصواب أن واو العطف هنا تفيد مطلق الجمع، فلا تقتضي ترتيبا ~~ولا تعقيبا، واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه وتعالى: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم.. # [الأحزاب: 7]. والخطاب هنا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ونوح عليه ~~السلام قبله. فالمعنى هنا أن الله تعالى قدم الوفاة على الرفع، حتى لا ~~يظن أحد أن عيسى - عليه السلام - تبرأ من الوفاة، فقدم الشيء الذي فيه ~~شك أو جدال، وما دام قد توفاه الله فقد أخذه كاملا غير منقوص، وهذا ~~يعني أنه لم يصلب ولم يقتل، إنما رفعه الله إليه كاملا. وقوله ~~تعالى: { قل يتوفاكم ملك الموت.. } [السجدة: 11] جاءت ~~ردا على قولهم: # أئذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد.. # [السجدة: 10] فالحق الذي قال أنا خلقت الإنسان لم يقل وأنا سأعدمه ~~إنما سأتوفاه، فهو عندي كامل بروحه وبذراته التكوينية، والذي خلق في ~~البدء قادر على الإعادة، وجمع الذرات التي تشتتت. وقوله عن ملك الموت { ~~الذي وكل بكم.. } [السجدة: 11] أي: يرقبكم ولا يغفل عنكم، ~~يلازمكم ولا ينصرف عنكم، بحيث لا مهرب منه ولا فكاك، كما قال أهل ~~المعرفة: الموت سهم انطلق إليك فعلا، وعمرك بمقدار سفره إليك، فهو ms7874 واقع ~~لا محالة. كما قلنا في المصيبة وأنها ما سميت مصيبة إلا أنها ستصيبك لا ~~محالة. وقوله: { ثم إلى ربكم ترجعون } [السجدة: 11] أي: ~~يوم القيامة. ثم يقول الحق سبحانه: { ولو ترى إذ ~~المجرمون... }. ### || [32.12] # تصور لنا هذه الآية مشهدا من مشاهد يوم القيامة، يوم يساق المجرم ~~ذليلا إلى ما يستحق من العذاب، كأن ترى مجرما مثلا تسوقه الشرطة وهو ~~مكبل بالقيود يذوق الإهانة والمذلة، فتشفى نفسك حين تراه ينال جزاءه ~~بعد أن أتعب الدنيا وأداخ الناس. وفي هذا المشهد يخاطب الحق سبحانه ~~نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو أول مخاطب، ثم يصبح خطابا لأمته: { ولو ~~ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم.. } ~~[السجدة: 12] أي: حالة وجودهم أنهم ناكسو رءوسهم. وتقدير جواب الشرط: ~~لرأيت أمرا عجيبا يشفي صدرك مما فعلوه بك. ونلحظ في هذا الأسلوب دقة ~~الأداء في قوله تعالى: { ولو ترى.. } [السجدة: 12] فلم يقل مثلا: ~~ولو تعلم لأن إخبار الله كأنه رؤيا العين، فحين يخبرك الله بأمر، فاعلم ~~أنه أصدق من عينك حين ترى لأن عينك قد تخدعك، أما إخبار الله لك فهو ~~الحق. ومعنى { ناكسوا رءوسهم.. } [السجدة: 12] النكس هو جعل ~~الأعلى أسفل، والرأس دائما في الإنسان أعلى شيء فيه. وقد وردت هذه ~~المادة في قوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام حين حطم الأصنام، ~~وعلق الفأس على كبيرهم: # ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ~~ينطقون # [الأنبياء: 65]. فبعد أن عادوا إلى رشدهم واتهموا أنفسهم بالظلم ~~انتكسوا وعادوا إلى باطلهم، فقالوا: # لقد علمت ما هؤلاء ينطقون # [الأنبياء: 65]. وورد هذا اللفظ أيضا في قوله تعالى: # ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون # [يس: 68]. والمعنى: نرجعه من حال القوة والفتوة إلى حال الضعف والهرم ~~وعدم القدرة، كما قال سبحانه: # ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم ~~بعد علم شيئا.. # [النحل: 70]. فبعد القوة يتكئ على عصا، ثم لا يستطيع السير فيحبو، أو ~~يحمل كما يحمل الطفل الصغير، هذا هو التنكيس في الخلق، وحين نتأمله ~~نقول: الحمد لله لو عافانا من ms7875 هذه الفترة وهذه التنكيسة، ونعلم أن الموت ~~لطف من الله ورحمة بالعباد، ألا ترى أن من وصل إلى هذه المرحلة ~~يضيق به أهله، وربما تمنوا وفاته ليستريح وليستريحوا؟ وتنكيس رءوس ~~المجرمين فيه إشارة إلى أن هذه هي العاقبة فاحذر المخالفة، فمن تكبر ~~وتغطرس في الدنيا نكست رأسه في الآخرة، ومن تواضع لله في الدنيا ~~رفعت رأسه، وهذا معنى الحديث الشريف: " من تواضع لله رفعه ". وفي تنكيس ~~رءوس المجرمين يوم القيامة معنى آخر لأن الحق - سبحانه وتعالى - سيفعل في ~~كل مخالف في الآخرة من جنس ما فعل في الدنيا، وهؤلاء الذين نكس الله ~~رءوسهم في الاخرة فعلوا ذلك في الدنيا، واقرأ إن شئت قول ربك: # ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه.. # [هود: 5]. أي: يطأطئون رءوسهم لكي لا يواجهوا رسول الله، فللحق صولة ~~وقوة لا يثبت الباطل أمامها لذلك نسمع من أصحاب الحق: تعال واجهني، هات ~~عيني في عينك، ولا بد أن يستخزي أهل الباطل، وأن يجبنوا عن المواجهة ~~لأنها ليست في صالحهم. وهذا العجز عن المواجهة يدعو الإنسان إلى ارتكاب ~~أفظع الجرائم، ويصل به إلى القتل، والقتل لا يدل على القوة، إنما يدل على ~~عجز وضعف وجبن عن المواجهة، فالقاتل أقر بأنه لا يستطيع أن يواجه ~~حياة عدوه فقتله، ولو كان قويا لواجه حياته. ومن العذاب الذي يأتي من ~~جنس ما فعل الإنسان في الدنيا قول الله تعالى في الذين يكنزون الذهب ~~والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى ~~عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم ~~فذوقوا ما كنتم تكنزون # [التوبة: 34-35]. سبحان الله، كأنها صورة طبق الأصل مما فعلوه في ~~الدنيا، فالواحد منهم يأتيه طالب العطاء فيعبس في وجهه، ثم يعرض عنه، ~~ويعطيه جنبه، ثم يعرض عنه ويعيطه ظهره، ويأتي العذاب بنفس هذا التفصيل. ~~إذن: فعلى العاقل أن يحذر هذه المخالفات، فمن جنسها يكون العذاب في ~~الآخرة. وهؤلاء المجرمون حال تنكيسهم ms7876 يقولون: { ربنآ أبصرنا ~~وسمعنا.. } [السجدة: 12] هذا كلامهم، ومع ذلك لم يقل القرآن: قالوا ~~أبصرنا وسمعنا، فحذف الفعل هنا يدل على أن القول ليس سهلا عليهم لأنه ~~إقرار بخطئهم الأول وإعلان لذلة التوبة. وقلنا: إن هذه هي الآية ~~الوحيدة التي تقدم فيها البصر على السمع لأن الساعة حين تأتي بأهوالها ~~نرى الهول أولا، ثم نسمع ما نراه. لذلك يقول تعالى مصورا أثر هذا ~~الهول: # وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب ~~الله شديد # [الحج: 2]. وفي معرض حديثنا السابق عن الحواس: السمع والبصر والفؤاد ~~فاتنا أن نذكر آية مهمة جاءت على غير هذا الترتيب، وهي قول الله تعالى: # ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى ~~أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم # [البقرة: 7]. فجاء الفؤاد هنا أولا، وجمع الفؤاد مع السمع في الختم ~~لأنهما اشتركا فيه، أما البصر فاختص بشيء آخر، وهو الغشاوة التي تغطي ~~أبصارهم ذلك لأن الآية السابقة في السمع والبصر والفؤاد كانت عطاء من ~~الله، فبدأ بالسمع، ثم البصر، ثم ترقى في العطاء إلى الفؤاد، لكن هنا ~~المقام مقام سلب لهذه النعم، فيسلب الأهم أولا، فأتى بالفؤاد ثم السمع ~~ثم الأبصار. لكن أي شيء أبصروه؟ وأي شيء سمعوه في قولهم { ربنآ ~~أبصرنا وسمعنا.. } [السجدة: 12]؟ أول شيء يبصره الكافر يوم ~~القيامة # ووجد الله عنده.. # [النور: 39] وحده سبحانه ليس معه شريك من الشركاء الذين عبدوهم في ~~الدنيا، وليس لهم من دونه سبحانه ولي، ولا شفيع، ولا نصير. # ومعنى { وسمعنا.. } [السجدة: 12] أي: ما أنزلته يا رب على رسولك، ~~ونشهد أنه الحق وصدقنا الرسول في البلاغ عنك، وأنه ليس مفتريا، ولا ~~هو شاعر، ولا هو ساحر، ولا هو كاذب. لكن، ما فائدة هذا الاعتراف الآن؟ ~~وبماذا ينفعهم وهو في دار الحساب؟ لا في دار العمل والتكليف؟! وما أشبه ~~هذا الاعتراف باعتراف فرعون قبل أن يغرق: # آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل.. # [يونس: 90] لذلك رد الله عليه: # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين # [يونس: 91]. فقولهم: { ربنآ أبصرنا وسمعنا.. } [السجدة: ~~12] إقرار ms7877 منهم بأنهم كانوا على خطأ، وأنهم يرغبون في الرجوع إلى الصواب، ~~كما قال سبحانه في موضع آخر: # حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون * ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت.. # [المؤمنون: 99-100]، ورد الله عليه: # كلا إنها كلمة هو قآئلها # [المؤمنون: 100]. ثم كشف حقيقة أمرهم: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]. وهنا يقولون: { ربنآ أبصرنا وسمعنا ~~فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون } [السجدة: 12] وهل ~~يكون اليقين في هذا الموقف؟ اليقين إنما يكون بالأمر الغيبي، وأنتم الآن ~~في اليقين الحسي المشاهد، فهو إذن يقين لا يجدى. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ولو شئنا لآتينا... }. ### || [32.13] # هنا قد يسأل سائل: لماذا جعل الله الناس: مؤمنا وكافرا، وطائعا ~~وعاصيا؟ لماذا لم يجعلنا جميعا مهتدين طائعين؟ أهذا صعب على الله ~~سبحانه؟ لا، ليس صعبا على الله تعالى، بدليل أنه خلق الملائكة طائعين ~~منفذين لأوامره سبحانه # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. كذلك الأرض والسماء والجبال.. إلخ، كلها تسبح الله ~~وتعبده # كل قد علم صلاته وتسبيحه.. # [النور: 41]. وقال: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]، وبعد ذلك يعطي الله تعالى لبعض خلقه معرفة هذا ~~التسبيح، كما قال في حق داود عليه السلام: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن.. # [الأنبياء: 79]. نعم، هي تسبح أيضا مع غير داود، لكن الميزة أنها ~~تشترك معه في تسبيح واحد، كأنهم كورس يرددون نشيدا واحدا. وعرفنا في ~~قصة الهدهد وسليمان - عليه السلام - أنه كان يعرف قضية التوحيد على أتم ~~وجه، كأحسن الناس إيمانا بالله، وهو الذي قال عن بلقيس ملكة سبأ: # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ~~وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل فهم لا يهتدون # [النمل: 24]. وقال # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون # [النمل: 25]. والحق - سبحانه وتعالى - حينما يريد أن يدلل لخلقه ~~على قدرته يجعل من الضعف قوة، ومن القوة ضعفا، وانظر إلى حال المؤمنين ~~الأوائل، وكم كانوا أذلة مستضعفين، فلما أسلموا رفعهم ms7878 الله بالإسلام ~~وجعلهم سادة. ومشهورة قصة الصديق أبي بكر لما أدخل عليه المستضعفين ~~أمثال: عمار وبلال.. وترك صناديد قريش بالباب، فعاتبه أبوه على ذلك: كيف ~~يدخل العبيد ويترك هؤلاء السادة بالباب؟ فقال أبو بكر: يا أبي، لقد رفع ~~الإسلام الخسيسة، وإذا كان هؤلاء قد ورمت أنوفهم أن يدخل العبيد قبلهم، ~~فكيف بهم حين يدخلهم الله الجنة قبلهم؟ وعجيب أن يصدر هذا الكرم من ~~الصديق أبي بكر، مع ما عرف عنه من اللين ورقة القلب والحلم. ~~وهذا لون من تبديل الأحوال واجتماع الأضداد، وقد عرض الحق - تبارك وتعالى ~~- لهذه المسألة في قوله تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون # [المطففين: 29-30] يعني: يسخرون منهم ويهزأون بهم، كما نسمع من أهل ~~الباطل يقولون للإنسان المستقيم خدنا على جناحك. وليت الأمر ينتهي عند ~~هذا الحد، إنما إذا عادوا إلى أهلهم كرروا هذا الاستهزاء، وتبجحوا به، ~~وفرحوا لإيذائهم لأهل التقوى والاستقامة: # وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * ~~وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ ~~أرسلوا عليهم حافظين # [المطففين: 31-33] لكن ينهي الحق سبحانه هذا الموقف بقوله: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على ~~الأرآئك ينظرون # [المطففين: 34-35] ثم يسألهم الله # هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 36]. فهنا يقول الحق سبحانه: لا تفهموا أن أحدا تأبى علي، ~~من خلقي، إنما أردت لهم الاختيار، ثم أخبرتهم بما أحب أن يفعلوه، ~~فيريد الله أن يعلم علم وقوع بمن آمن به، وهو يملك ألا يؤمن. وإلا ~~فهو سبحانه عالم أزلا ليكون الفعل حجة على أصحابه، إذن: إياك أن تظن ~~أنك باختيارك كسرت قهر العلى. وسبق أن قلنا: إن الذين ألفوا التمرد ~~على الله إيمانا به، فكفروا وتمردوا على طاعته فعصوه.. إلخ نقول لهم: ما ~~دمتم قد تعودتم التمرد على أوامر الله، فلماذا لا تتمردون على المرض ~~مثلا أو على الموت؟ إذن: أنت عبد رغم أنفك. يقول سبحانه هنا: { ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها.. } [السجدة: 13] أي: لجعل ~~الناس كالملائكة، وكالمخلوقات المسيرة ms7879 التي لا اختيار لها، وسبق أن ~~قلنا: إن المخلوقات كلها خيرت في حمل الأمانة، وليس الإنسان وحده، ~~لكن الفرق أن ابن آدم أخذ الاختيار مفصلا، وبقية الخلق أخذوا ~~الاختيار جملة، بدليل قوله تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. ومعنى الهداية في { ولو شئنا لآتينا كل ~~نفس هداها.. } [السجدة: 13] أي: هدى المعونة، وإلا فقد هدى الله ~~جميع الناس هدى الدلالة على طريق الخير، فالذي اخذ بهدى الدلالة وقال ~~على العين والرأس يأخذ هدى المعونة، كما قال سبحانه: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. ولكي نفهم الفرق بين الهديين، اقرأ: # وأما ثمود فهديناهم.. # [فصلت: 17] أي: دللناهم وأرشدناهم # فاستحبوا العمى على الهدى.. # [فصلت: 17]. ثم يقول سبحانه: { ولكن حق القول مني ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ~~[السجدة: 13]. الحق سبحانه يريد أن يثبت لخلقه أنه هو الأولى ~~بالحكمة في الخلق، بدليل أن الذي يشذ عن مراد الله لا بد أن يفسد به ~~المجتمع، كما نرى المجتمعات تشقى بكفر الكافر، وبعصيان العاصي. والحق ~~سبحانه يترك الكافر يكفر باختياره، والعاصي يعصي باختياره ليؤذي الناس ~~بإثم الكافر وبإثم العاصي، وعندها يعودون إلى تشريع الله ويلجئون إلى ~~ساحته سبحانه، ولو أن الناس عملوا بشرع الله ما حدث فساد في الكون ولا ~~خلل في حياتهم أبدا. لذلك نفرح حينما ينتقم الله من أهل الكفر ومن ~~أهل المعصية، ونقول: الحمد لله الذي أراح منهم البلاد والعباد. إذن: ~~مخالفة منهج الله في القمة كفرا به سبحانه، وفي غيرها معصية لأمره هو ~~الذي يبين مزايا الإيمان وحلاوة التشريع. وقلنا: إن التشريع يجب أن ~~يأخذه المكلف أخذا كاملا بما له وبما عليه، فالله كلفك ألا ~~تسرق من الناس، وكلف الناس جميعا ألا يسرقوا منك. ومعنى { ~~ولكن حق القول مني. # . } [السجدة: 13] أي: وقع وثبت وقطع به، ويأتي هذا المعنى بلفظ سبق، ~~كما في # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين # [الصافات: 171] وفي قصة نوح عليه السلام: # فاسلك فيها من كل زوجين ms7880 اثنين وأهلك إلا من ~~سبق عليه القول.. # [المؤمنون: 27]. وقال تعالى حكاية عن الكفار في حوارهم يوم القيامة: # فحق علينا قول ربنآ إنا لذآئقون # [الصافات: 31]. ومعنى { لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين } [السجدة: 13] عرفنا أن الله تعالى خلق الجنة، ~~وخلق لها أهلا يملأونها، وخلق النار وخلق لها أهلا يملأونها، فليس ~~فيهما أزمة أماكن، فالجنة أعدت لتسع جميع الخلق إن آمنوا، وكذلك ~~النار أعدت لتسع الخلق جميعا إن كفروا. لذلك حين يذهب أهل الجنة ~~إلى الجنة يرثون أماكن أهل النار فيها، كما قال سبحانه: # ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الأعراف: 43]. والجنة: أي الجن والعفاريت. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~فذوقوا بما نسيتم... }. ### || [32.14] # والتقدير: ذوقوا العذاب، كما جاء في آية أخرى # ذوقوا مس سقر # [القمر: 48] ويقال هذا لزعماء ورءوس الكفر # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]. واختار حاسة التذوق لأن كل وسيلة إدراك قد تتصل بلون من ~~ألوان الترف في الحياة، أما الذوق فيتصل بإمداد الحياة، وهو الأكل ~~والشرب، وبهما قوام حياة الإنسان، فهما ضرورتان للحياة لا مجرد ترف ~~فيها. وفي موضع آخر، يبين لنا الحق سبحانه أثر الإذاقة، فيقول عن ~~القرية التي كفرت بربها: # فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا ~~يصنعون # [النحل: 112] وتصور أن يكون الجوع لباسا يستولي على الجسم كله، وكأن ~~الله تعالى يريد أن يبين لنا عضة الجوع، التي لا تقتصر على البطن فحسب، ~~إنما على كل الأعضاء، فقال # لباس الجوع.. # [النحل: 112] لشمول الإذاقة، فكأن كل عضو في الجسم سيذوق ألم الجوع، ~~وهذا المعنى لا يؤديه إلا اللفظ الذي اختاره القرآن. وقد فطن الشاعر إلى ~~هذه الشمولية التي تستولي على الجسم كله، فقال عن الحب الإلهي حين يستشرف ~~في القلب ويفيض منه ليشمل كل الجوارح، فقال: # خطرات ذكرك تستثير مودتي # فأحس منها في الفؤاد دبيبا # لا عضو لي إلا وفيه صبابة # فكأن أعضائي خلقن قلوبا # وعلة هذه الإذاقة { بما نسيتم لقآء يومكم هذآ.. } ~~[السجدة: 14] أي: يوم القيامة الذي حدثناكم عنه، وحذرناكم من أهواله، ~~فلم نأخذكم على ms7881 غرة، لكن نبهناكم إلى سوء العاقبة، فلا عذر لكم الآن، ~~وقد ضخمنا لكم هذه الأهوال، فكان من الواجب ان تلتفتوا إليها، وأن ~~تعتبروا بها، وتتأكدوا من صدقها. أما المؤمنون فحين يرون هذا الهول ~~وهذا العذاب ينزل بالكفرة والمكذبين يفرحون لأن الله نجاهم بإيمانهم من ~~هذا العذاب. وتكون عاقبة نسيان لقاء الله { إنا نسيناكم.. } ~~[السجدة: 14] فأنتم نسيتم لقاء الله، ونسيتم توجيهاته، وأغفلتم إنذاره ~~وتحذيره لكم، ونحن تركناكم ليس هملا، إنما تركناكم من امتداد الرحمة ~~بكم، فقد كانت رحمتي تشملكم في الدنيا، ولم أخص بها المؤمنين بي، بل ~~جعلتها للمؤمن وللكافر. فكل شيء في الوجود يعطي الإنسان مطلق الإنسان ~~طالما أخذ بالأسباب، لا فرق بين مؤمن وكافر، هذا في الدنيا، أما في ~~الآخرة فننساكم من هذه الرحمة التي لا تستحقونها، بل: { وذوقوا ~~عذاب الخلد بما كنتم تعملون } [السجدة: 14]. فإن كنتم ~~قد تمردتم على الله وكفرتم به في دنيا محدودة، وعمرك فيها محدود، فإن ~~العذاب الواقع بكم اليوم خالد باق دائم، فخسارتكم كبيرة، ومصيبتكم ~~فادحة. وقلنا: إن العمل في الدنيا للآخرة يمثل معادلة ينبغي أن تحل ~~حلا صحيحا، فأنت في الدنيا عمرك لا يحسب بعمرها، إنما بمدة بقائك ~~فيها، فهو عمر محدود، أما الآخرة فخلود لا ينتهي، فلو أن النعيم فيهما ~~سواء لكان امتداد الزمن مرجحا للآخرة. ثم إن نعيمك في الدنيا على قدر ~~إمكاناتك وحركتك فيها، أما نعيم الآخرة فعلى قدر إمكانات الله في الكون، ~~نعيم الدنيا إما أن يفوتك أو تفوته أنت، ونعيم الآخرة باق لا يفوتك ~~أبدا لأنك مخلد فيه. إذن: هي صفقة ينبغي أن تحسب حسابا صحيحا، ~~وتستحق أن نبيع من أجلها الدنيا بكل ما فيها من غال ونفيس لذلك سماها ~~رسول الله تجارة رابحة. وقال سبحانه وتعالى عن الكافرين # أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ~~ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين # [البقرة: 16]. ثم يقول الحق سبحانه: { إنما يؤمن بآياتنا... ~~}. ### || [32.15] # الخرور: السقوط بغير نظام ولا ترتيب، كما جاء في قوله تعالى # فخر عليهم السقف من فوقهم.. # [النحل: 26] وفي موضع ms7882 آخر قال سبحانه في هذا المعنى: # إن الذين أوتوا العلم من قبله.. # [الإسراء: 107] أي: من قبل القرآن # إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا * ~~ويقولون سبحان ربنآ إن كان وعد ربنا لمفعولا # [الإسراء: 107-108] فالخرور أن تهوي إلى الأرض ساجدا دون تفكير، وكل ~~سجود في القرآن يتلو هذه المادة خر دليل على أنها أصبحت ملكة وآلية ~~في المؤمن، بل ويؤكدها الحق سبحانه بقوله: # يخرون للأذقان سجدا # [الإسراء: 107] لأنه سجود يأخذ الذقن، فهو متمكن في الذلة، وهو فوق ~~السجود الذي نعرفه في الصلاة على الأعضاء السبعة المعروفة. ولم يذكر ~~الخرور مع الركوع إلا في موضع واحد، هو قوله تعالى في شأن سيدنا داود: # وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر ~~راكعا وأناب # [ص: 24]. وفي موضع آخر قال سبحانه: # ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا # [الإسراء: 109] فكلما ازدادوا ذلة ازدادوا خشوعا، فكأنهم عشقوا ~~التكليف، وأحبوا أوامر الله لذلك بالغوا في الذلة والعبودية لله تعالى، ~~وهذه المسألة تفسر لنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء ". # ففي السجود تضع وجهك وجبهتك، وهي رمز العلو والرفعة تضعها على الأرض ~~خضوعا لله عز وجل. ثم يقول الحق سبحانه عنهم: { تتجافى جنوبهم ~~عن... }. ### || [32.16] # التجافي يعني الترك، لكن الترك قد يكون معه شوق ويصاحبه ألم، كما تودع ~~حبيبا وتتركه وأنت غير زاهد فيه ولا قال له، أما الجفوة فترك فيه ~~كراهية للمتروك، فهؤلاء المؤمنون الذين يتركون مضاجعهم كأن جنوبهم تكره ~~المضجع وتجفوه لأنها تتركه إلى لذة أبقى وأعظم هي لذة الاتصال بالله ~~ومناجاته. ونذكر هنا إن الإمام عليا رضي الله عنه حينما ذهب ليدفن فاطمة ~~بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها وقف عند قبر رسول الله ~~وقال: السلام عليك يا سيدي يا رسول الله، قل عن صفيتك صبري، ورق ~~عنها تجلدي، إلا أن لي في التعزي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع ~~تأس - يعني: الذي تحمل فقدك يا رسول الله يهون عليه أي فقد ~~بعدك ms7883 - فلقد وسدتك يا رسول الله في ملحودة قبرك، وفاضت بين سحري ~~ونحري نفسك، أما ليلي فمسهد، وأما حزني فسرمد، إلى أن يختار ~~الله لي دارك التي أنت بها مقيم، هذا وستخبرك ابنتك عن حال أمتك وتضافرها ~~على هضمها... فأصغها السؤال، واستخبرها الحال، هذا ولم يطل منك ~~العهد، ولم يخل منك الذكر. ثم لما أراد أن ينصرف عن قبر حبيبه قال: ~~والسلام عليك سلام مودع، لا قال ولا سئم، فإن انصرف فلا عن ملالة، ~~وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله به عباده الصابرين. فقوله ~~تعالى: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع.. } [السجدة: 16] ~~أي: تكرهها وتجفوها، مع أنها أعز ما يركن إليه الإنسان عند راحته، ~~فالإنسان حين تدب فيه الحياة، ويستطيع أن تكون له قوة ونشاط يعمل في ~~الحياة، فالعمل فرع وجود الحياة، وبالقوة يمشي، وبالقوة يحمل الأثقال. ~~فإذا ما أتعبه الحمل وضعه عن نفسه ليستريح، لكنه يستطيع أن يمشي بدون ~~حمل، فإن أتعبه المشي وقف، فإذا أتعبه الوقوف جلس لذلك يحدث أن تقول ~~لصاحبك: لو سمحت احمل عني هذا الحمل فيقول: يا شيخ، هل أنا قادر أن ~~أحمل نفسي؟ إذن: التعب في هذه الحالة ناشئ من ثقل الجسم على القدمين ~~فيتعبه الوقوف، ألا ترانا إذا أطال الإمام في الصلاة مثلا نراوح بين ~~القدمين مرة على هذه، ومرة على هذه، أما القعود فيريح الإنسان لأنه ~~يوسع دائرة العضو المحتمل، فثقل الجسم في حالة القعود يوزع على ~~المقعدة كلها، فإذا بلغ به التعب حدا بحيث أتعبه القعود فإنه يستلقي على ~~جنبه، ويمد جسمه كله على الأرض فيتوزع الثقل على كل الأعضاء، فلا يحمل ~~العضو إلا ثقله فقط. فإن شعر الإنسان بتعب بعد هذا كله تقلب على جنبه ~~الآخر أو على ظهره، هذه كلها ألوان من الراحة لجسم الإنسان، لكنه لا ~~يرتاح الراحة الكاملة إلا إذا استغرق في النوم، ويسمون هذا التسلسل ~~متواليات عضلية. # والدليل على أن النوم راحة تامة أنك لا تشعر فيه بالألم الذي تشعر به ~~حال اليقظة - إن كنت تتألم ms7884 من مرض مثلا - وهذه كلها متواليات يمر بها ~~المؤمن، وبالتالي إذا مات استراح أكثر، ثم إذا بعث يوم القيامة ارتاح ~~الراحة الكبرى، فهي مراحل نمر بها إلى أن نرتمي في حضن خالقنا عز وجل. ~~إذن: فالمضاجع آخر مرحلة في اليقظة، ولم تأت إلا بعد عدة مراحل من ~~التعب، ومع ذلك شوق المؤمنين إلى ربهم ورغبتهم في الوقوف بين يديه سبحانه ~~ينسيهم هذه الراحة، ويزهدهم فيها، فيجفونها ليقفوا بين يدي الله. وفي ~~موضع آخر قال تعالى عنهم: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون # [الذاريات: 17] ثم يقول سبحانه: { يدعون ربهم.. } [السجدة: 16] ~~أي: يدعون ربهم وهم على حال التعب، كأن الدعاء مجرد الدعاء يريحهم، لماذا ~~ولم يجابوا بعد؟ قالوا: لأنهم وضعوا حاجاتهم وطلبهم عند قادر على ~~الإنفاذ، ثم إن حلاوة لقائهم بربهم في الصلاة تنسيهم التعب الذي يعانون. ~~والمؤمنون يدعون ربهم { خوفا وطمعا.. } [السجدة: 16] أي: خوفا ~~مما حدث منهم من تقصير في حق الله، وأنهم لم يقدموا لله تعالى ما ~~يستحق من التقوى ومن الطاعة { وطمعا.. } [السجدة: 16] أي: في المغفرة ~~{ ومما رزقناهم ينفقون } [السجدة: 16] والمراد هنا الزكاة. ~~لذلك نرى في قوله تعالى: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع.. ~~} [السجدة: 16] أن هذا التجافي كان بقصد الصلاة لأن القرآن عادة ما يقرن ~~بالصلاة بالزكاة، فقال بعدها: { ومما رزقناهم ينفقون } ~~[السجدة: 16]. ### || [32.17] # قلنا: إن الحق سبحانه أخفى أسرار الخير عن الخلق، ولم يعطهم منها ~~إلا على قدر حاجتهم منها، فإذا أراد سبحانه أن يجازي عباده المؤمنين لا ~~يجازيهم بما يعلمون من خيرات الدنيا وإمكاناتهم فيها، إنما يجازيهم بما ~~يعلم هو سبحانه، وبما يتناسب مع إمكانات قدرته. وهذه الإمكانات لا نستطيع ~~نحن التعبير عنها لأن ألفاظ اللغة لا تستطيع التعبير عنها، ومعلوم أن ~~الإنسان لا يضع الاسم إلا إذا وجد المسمى والمعنى أولا لذلك قال تعالى ~~في التعبير عن هذا النعيم: { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم ~~من قرة أعين.. } [السجدة: 17]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الجنة: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خظر ms7885 على قلب بشر " # إذن: كيف نسمي هذه الأشياء؟ وكيف نتصورها وهي فوق إدراكاتنا؟ لذلك ~~سنفاجأ بها حين نراها إن شاء الله. ثم ألا ترى أن الحق سبحانه حينما ~~يعرض علينا طرفا من ذكر الجنة لا يقول لنا الجنة كذا وكذا، إنما يقول: # مثل الجنة التي وعد المتقون.. # [الرعد: 35] أي: أن ما نعرضه عليك ليس هو الجنة، إنما شبيه بها، أما هي ~~على الحقيقة ففوق الوصف الذي تؤديه اللغة، فأنا أعطيكم الصورة القريبة ~~لأذهانكم. ثم ينقي الحق سبحانه المثل الذي يضربه لنا من شوائبه في ~~الدنيا، وتأمل في ذلك قول الله تعالى عن نعيم الجنة: # مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من ~~مآء غير آسن.. # [محمد: 15] وكانت آفة الماء عندهم أن يأسن ويتغير في الجرار، فنقاه ~~الله من هذه الآفة. وكذلك في # وأنهار من لبن لم يتغير طعمه.. # [محمد: 15] وكان العربي إذا سار باللبن يحمض فيعافه # وأنهار من خمر لذة للشاربين.. # [محمد: 15] وآفة خمر الدنيا أنها تغتال العقل، وتذهب به، وليس في شربها ~~لذة لذلك نرى شاربها والعياذ بالله يتجرعها مرة واحدة، ويسكبها في فمه ~~سكبا، دليلا على أنها غير طيبة، وهل رأيت شارب الخمر يمتصها مثلا ~~كما تمتص كوبا من العصير، وتشعر بلذة شربه؟ وقد وصف الله خمر الآخرة ~~بقوله: # لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون # [الصافات: 47]. ثم يقول سبحانه: # وأنهار من عسل مصفى.. # [محمد: 15] فوصف العسل بأنه مصفى لأن آفة العسل عندهم ما كان يعلق ~~به من الحصى والشوائب حين ينحدر من بيوت النحل في الجبال، فصفى الله ~~عسل الآخرة من شوائب العسل في الدنيا. ومهما بلغ بنا ترف الحياة ونعيمها، ~~ومهما عظمت إمكاناتنا في الدنيا، فلن نرى فيها نهرا من الخمر، أو من ~~اللبن، أو من العسل، ثم إن هذه الأنهار تجري في الجنة بلا شطآن، بل ~~ويتداخل بعضها في بعض دون أن يطغى أحد منها على الآخر، وهذه طلاقة القدرة ~~التي لا حدود لها. # إذن: الحق سبحانه حين يشرح لنا نعيم الجنة، وحين يصفها يعطينا ms7886 المثال ~~لا الحقيقة، ثم ينقى هذا المثال مما يشوبه في الدنيا. ومن ذلك أن ~~العربي كان يحب شجرة السدر أي النبق، فيستظل بظلها، ويأكل ثمرها، لكن ~~كان ينغص عليه هذه اللذة ما بها من أشواك لا بد أن تؤذى من يقطف ~~ثمارها، فلما ذكرها الله تعالى في نعيم الجنة قال عنها: # في سدر مخضود # [الواقعة: 28] أي: منزوع الشوك، فالمتعة به تامة لا ينغصها شيء. ولما ~~تكلم عن نساء الجنة قال سبحانه عن الحور العين: # لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن # [الرحمن: 74] فنفى عنهن ما ينغص على الرجل جمال المرأة في الدنيا، ~~وطمأنك أنها بكر لم ينظر إليها أحد قبلك. لهذا قال تعالى عن نعيم الجنة ~~{ فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين.. } ~~[السجدة: 17] والقرة والقرور أي: السكون، ومنه قر في المكان أي: استقر ~~فيه، والمعنى أن الإنسان لا يستقر في المكان إلا إذا وجد فيه راحته ~~ومقومات حياته، فإذا أردت أن تستقر في مكان أو تشتري شقة مثلا تسأل ~~عن المرافق والخدمات من ماء وكهرباء وطرق.. إلخ. حتى نحن في تعبيراتنا ~~العامية وفي الريف الذي يحتفظ لنا بخصائص الفطرة النقية التي لم يشبها ~~زيف الحضارات ولا زخرفة المدينة، وهذه الفطريات تستهوي النفوس وتجذبها، ~~بدليل أن الإنسان الحضاري مهما بلغ القمة وسكن ناطحات السحاب، وتوفرت له ~~كل كماليات الحياة لا بد أن يأتي اليوم الذي يلجأ فيه إلى أحضان ~~الطبيعة، فلا ترتاح نفسه، ولا تستقر إلا في الريف، فيقضي هناك عدة أيام ~~حيث تهدأ هناك نفسه، وتستريح من ضوضاء المدينة، والبعض يسمونها الويك ~~إند. فمعنى قرة العين أي: استقرارها على شيء بحيث لا تتحول عنه إلى غيره، ~~والعين لا تستقر على الشيء إلا إذا أعجبها، ورأت فيه كل ما تصبو إليه من ~~متعة. ومن ذلك قولنا فلان عينه مليانة يعني: لا يحتاج مزيدا من المرائي ~~غير ما يراه وفلان عينه فارغة يعني: لا يكتفي بما يرى، بل يطلب المزيد، ~~فينظر هنا وهناك. ففي الجنة تقر العيون بحيث لم يعد ms7887 لها تطلعات، فقد ~~كملت لها المعاني، فلا ينبغي لها أن تطمع في شيء آخر إلا الدوام. ~~لذلك يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم: # ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه.. # [طه: 131]. فالإنسان إذا كانت عينه فارغة تراه زائغ العينين، ينظر هنا ~~وهناك، ولو كانت عينه مليانة لانتهى عندها. ومن معاني مادة قر القر ~~وهو البرد الشديد، وهذا المعنى يكنون به عن سرور النفس، فالعين ~~الباردة أي: المسرورة، أما العين الساخنة فهي الحزينة المتألمة. # ومن المعاني أيضا لقرور العين سكونها وعدم حركتها لعلة أو عمى، ومن ~~ذلك قول المرأة التي دخلت على الخليفة فقالت: أقر الله عينك، وأتم ~~عليك نعمتك. ففهم الحاضرون أنها تدعو له، فقال: والله ما دعت لي، إنما ~~دعت علي، فهي تقصد أقر الله عينك يعني: أسكنها لا تتحرك، وأتم ~~عليك نعمتك. أي: أزالها لأن النعمة إذا تمت زالت، فلا شيء بعد التمام ~~إلا النقصان. ثم يعلل الحق سبحانه هذا النعيم الذي أخفاه لعباده ~~المؤمنين في الجنة بأنه { جزآء بما كانوا يعملون } [السجدة: ~~17] وهذه أثارت معركة بين العلماء هي معركة الأحباء: فريق قال إن المؤمن ~~يدخل الجنة بعمله، كما نصت هذه الآية أي: أن الجنة بالعدل لا بالفضل، ~~وفريق قال: بل يدخل الجنة بفضل الله، كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا ~~إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # فلما حميت هذه المعركة أرادوا أن يوحدوا هذين الرأيين، ويوفقوا ~~بينهما، فقالوا: لقد سبق الله تعالى المكلف بالإحسان، فخلق له مقومات ~~حياته قبل أن يوجد، ثم تركه يرتع في نعمه دون أن يطالبه بشيء حتى بلغ ~~سن التكليف. فإذا ما كلفه الله بعد سابق نعمه عليه، فعليه أن يطيع ~~هذا التكليف جزاء ما سبق من إحسان الله إليه الإحسان الأول، وبذلك يكون ms7888 ~~الجزاء في الآخرة ليس على العمل، إنما محض فضل من الله على عباده. إذن: ~~حينما تؤدي ما كلفك ربك به كأنك تجازي ربك بطاعته على سابق إحسانه ~~إليه، فكأن الجنة ونعيمها زيادة وفضل من الله، فالله سبحانه له الفضل ~~عليك في الأولى، وله الفضل عليك في الآخرة. ثم إن الحق - تبارك وتعالى - ~~حين يشرع لك ويكلفك، فشرعه وتكليفه في ذاته فضل، ألا ترى أن ~~الحسنة عنده سبحانه بعشر أمثالها، وأنها تضاعف إلى أضعاف كثيرة، ونحن ~~ملكه سبحانه، يعطينا أو لا يعطينا. وبعض أهل المعرفة والشطح يقولون: ~~الله قدم الإحسان أولا، فيجب على العبد أن يأتي بالإحسان جزاء الإحسان ~~لأنه # هل جزآء الإحسان إلا الإحسان # [الرحمن: 60]. وحين يحسن العبد في التكليف يحييه ربه بإحسان آخر، ~~فيرد العبد على إحسان ربه إليه بالإحسان، وهكذا يتواصل الإحسان بين العبد ~~وربه إلى ما لا نهاية. ثم يقول الحق سبحانه: { أفمن كان ~~مؤمنا... }. ### || [32.18] # أولا: نلحظ في اللفظ أن مؤمنا وفاسقا جاءت بصيغة المفرد، فكان القياس ~~أن نقول: لا يستويان، إنما سياق القرآن { لا يستوون } [السجدة: ~~18] وسبق أن قلنا: إن من وما الموصولتين تأتي للمفرد أو للمثنى أو ~~للجمع، وللمذكر وللمؤنث، فمرة يراعي السياق لفظها، ومرة يراعى معناها. ~~والمعنى هنا { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا } [السجدة: ~~18] الحق سبحانه لا يتكلم عن المفرد، إنما عن الجمع، أو أنها قيلت ردا ~~لحالة مخصوصة بين مؤمن وكافر وأراد الحق سبحانه أن يعطيها العموم لا خصوص ~~السبب، فراعى السياق خصوص السبب في مؤمن وكافر، وراعى عموم الموضوع فقال ~~{ لا يستوون } [السجدة: 18] والقاعدة الفقهية تقول: إن العبرة في ~~القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقيل: إن هذه الآية نزلت في الوليد ~~بن عقبة بن أبي معيط حين جادل عليا رضي الله عنه. فقال له: أنا أشب ~~منك شبابا، وأجلد منك جلدا، وأذرب منك لسانا، وأحد منك سنانا، ~~وأشجع منك وجدانا، وأكثر منك مرقا، فرد عليه علي - كرم الله ~~وجهه - بما يدحض هذا كله ويبطله، فقال له: اسكت يا فاسق، ms7889 ولا موهبة ~~لفاسق. والمعنى: إن كنت كما تقول فقد ضيعت هذا كله بفسقك، حيث استعملت ~~قوة شبابك وجلدك وذرب لسانك وشجاعة وجدانك في الباطل وفي المعصية، ~~وفي الصد عن سبيل الله. وهكذا جمعت الآية بين خصوصية هذا السبب في { ~~أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا.. } [السجدة: 18] وبين ~~عموم الموضوع في { لا يستوون } [السجدة: 18]، فهذا الحكم ينسحب ~~على الجمع أيضا. وجاء قوله تعالى: { لا يستوون } [السجدة: 18] ~~كأنه جواب للسؤال { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا.. } ~~[السجدة: 18] لكن، لماذا لم يأت الجواب مثلا: لا يستوي المؤمن والفاسق؟ ~~قالوا: لأن هذا الأسلوب يسمى أسلوب الإقناع التأكيدي، وهو أن تجعل الخصم ~~هو الذي ينطق بالحكم. كما لو قال لك صديق: لقد مررت بأزمة ولم تقف ~~بجانبي. فتستطيع أن تقول له: وقفت بجانبك يوم كذا ويوم كذا - على سبيل ~~الخبر منك، لكن الإخبار منك يحتمل الصدق ويحتمل الكذب، فتلجأ إلى أسلوب ~~آخر لا يستطيع معه الإنكار، ولا يملك إلا الاعتراف لك بالجميل فتقول ~~بصيغة السؤال: ألم أقدم لك كذا وكذا يوم كذا وكذا؟ وأنت لا تسأله إلا إذا ~~وثقت بأن جوابه لا بد أن يأتي وفق مرادك وعندها يكون كلامه حجة ~~عليه. لذلك طرح الحق سبحانه هذه المسألة في صورة سؤال: { أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا.. } [السجدة: 18] ولا بد أن نقول نحن في ~~جواب هذا السؤال: لا يستوي مؤمن وفاسق، ومن يقل بهذا فقد وافق مراد ~~ربه. وما دام أن المؤمن لا يستوي والفاسق، فلكل منهما جزاء يناسبه: { ~~أما الذين آمنوا... }. ### || [32.19] # وإن كانت لفظة مؤمن جاءت مفردة، فقد أوضحت هذه الآية أن المراد الجمع ~~{ أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. } [السجدة: 19] ~~أي: العموم لأنه أخذ مما كان مفردا جمعا، وهذا دليل على أن هذا ~~المفرد في جنسه جمع كثير، كما في قوله تعالى # والعصر * إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 1-2] فالإنسان مفرد يستثنى منه الجمع # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. # [العصر: 3] لأن لفظة الإنسان هنا تدل على الجماعة، و ال فيها ال ~~الاستغراقية. فالحق ms7890 سبحانه ينقلنا من المؤمن إلى العموم { أما ~~الذين آمنوا.. } [السجدة: 19] ومن الفاسق إلى # وأما الذين فسقوا.. # [السجدة: 20] فهما جماعتان متقابلتان لكل منهما جزاؤه الذي يناسبه: { ~~أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات ~~المأوى.. } [السجدة: 19] والمأوى هو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ~~ويلجأ إليه ليحفظه من كل مكروه، كما قال تعالى في شأن عيسى وأمه مريم ~~عليهما السلام: # وآويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ومعين # [المؤمنون: 50] يعني: يمكنهما الاستقرار فيها لأن بها مقومات الحياة ~~ومعين يعني: عين ماء. ومن ذلك قوله تعالى في قصة ابن نوح حين قال لأبيه: # سآوي إلى جبل يعصمني من المآء.. # [هود: 43] فنبهه أبوه وحذره، فقال: # لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم.. # [هود: 43]. ونلحظ في هذه القصة حنان الأبوة من سيدنا نوح حين قال # رب إن ابني من أهلي.. # [هود: 45] لكن ربه عز وجل لا يتركه على هذه القضية، إنما يصححها له # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.. # [هود: 46]. إذن: فالبنوة هنا ليست بنوة نسب، إنما بنوة إيمان وعمل، ~~ألا ترى أن سيدنا رسول الله قال لسلمان الفارسي وهو من غير العرب ~~بالمرة: # " سلمان منا آل البيت ". # وإن كان النسب ينفع من الآباء إلى الأبناء، فهذه ليست خصوصية للأنبياء، ~~إنما لكل الناس، كما قال سبحانه: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم ~~من شيء.. # [الطور: 21]. وإلحاق الأبناء بالآباء في الحقيقة كرامة للآباء أن يجدوا ~~أولادهم معهم في الجنة جزاء إيمان الآباء وعملهم الصالح، فإن كان ~~الأولاد دون سن التكليف فطبيعي أن يلحقوا بالآباء، بل وتكون منزلتهم ~~أعظم من منزلة آبائهم لأن الأطفال الذين يموتون قبل الرشد ليس لهم ~~أماكن محددة، إنما ينطلقون في الجنة يمرحون فيها كما يشاؤون. وقد مثلنا ~~لذلك بالولد الصغير تأخذه معك في زيارة أحد الأصدقاء، فتجلس أنت في حجرة ~~الجلوس، بينما الولد الصغير يجري في أنحاء البيت، ويدخل أي مكان فيه لا ~~يمنعه أحد، لذلك يسمون الأطفال دعاميص الجنة. والبعض هنا يثير مسألة أن ms7891 ~~الإنسان مرتهن بعمله، ولا ينتفع بعمل غيره، فكل معلق من عرقوبه كما ~~نقول، فالبعض يسأل: لماذا إذا نصلى على الميت، والصلاة عليه ليست من ~~عمله؟ فإن كانت الصلاة عليه لها فائدة تعود عليه فقد انتفع بغير عمله، ~~وإن لم تكن لها فائدة فهي عبث، وحاش لله أن يضع تشريعا عبثا. # ونقول: هل صليت على كل ميت مؤمنا كان أو كافرا؟ لا إنما نصلي على ~~المؤمن، إذن: صلاتك أنت عليه نتيجة إيمانه، وجزء من عمله، ولولا إيمانه ~~ما صلينا عليه. نعود إلى معنى كلمة المأوى، فالجنة مأوى المؤمن، تحفظه ~~من النار وأهوالها { نزلا بما كانوا يعملون } [السجدة: 19] ~~أي: جزاء عملهم الصالح، والنزل هو المكان المعد لينزل فيه الضيف ~~الطارئ عليك لذلك يسمون الفندق نزل، فإذا كانت الفنادق الفاخرة التي ~~نراها الآن ما أعده البشر للبشر، فما بالك بما أعده رب البشر ~~لعباده الصالحين؟ ### || [32.20] # { فسقوا.. } [السجدة: 20] من الفسوق أي الخروج، نقول: فسقت البلحة ~~يعني خرجت عن قشرتها، والمراد هنا الذين خرجوا عن طاعة الله وعن مطلوبات ~~الحق سبحانه { فمأواهم النار.. } [السجدة: 20] قلنا: إن المأوى ~~هو المكان الذي تأوي إليه، فيحميك من كل مكروه، فكيف توصف به النار هنا؟ ~~قالوا: المأوى المكان الذي ينزل فيه الإنسان على هواه وعلى كيفه، أما ~~هؤلاء فينزلون هنا رغما عنهم، أو أن الكلام هنا على سبق التهكم ~~والسخرية، كما في قوله تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21]. ومعلوم أن البشرى لا تكون إلا بالشيء السار، ومثل: # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49]، وهذا كثير في أسلوب القرآن لأنه أسلوب يؤلم الكافرين، ~~ويحط من شأنهم. ثم يصور لنا الحق سبحانه ما فيه أهل النار من اليأس: ~~{ كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها.. } ~~[السجدة: 20] وفي موضع آخر قال عنهم # ونادوا يمالك ليقض علينا ربك قال إنكم ~~ماكثون # [الزخرف: 77] إذن: لا أمل لهم في الخروج، ولا حتى في الموت الذي يريحهم ~~مما هم فيه، بل تردهم الملائكة في العذاب، ويقولون لهم: { ذوقوا ~~عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ms7892 } [السجدة: 20]. ~~فالإذاقة تعدت اللسان واستولت على كل الأعضاء، فكل ذرة فيه تذوق عذاب ~~النار جزاء ما كانوا يكذبون بها في الدنيا، حيث كذبوا بالأصل، وهو ~~الرجوع إلى الله يوم القيامة. ثم إن عذاب الفاسقين لا يقتصر على عذاب ~~الآخرة، إنما سيكون لهم عذاب آخر يذوقونه في الدنيا: { ~~ولنذيقنهم من العذاب الأدنى... }. ### || [32.21] # { العذاب الأدنى.. } [السجدة: 21] أي: القريب والمراد في الدنيا ~~{ دون العذاب الأكبر.. } [السجدة: 21] أي: عذاب الآخرة، وهذا ~~العذاب الذي سيصيبهم في الدنيا مظهر من مظاهر رحمة الله حتى بالكافرين ~~والفاسقين لأن الله تعالى علله بقوله: { لعلهم يرجعون } ~~[السجدة: 21]. إذن: المراد ما يلحقهم من عذاب في دار التكليف كالأسر ~~والذلة والهوان من كثرة المؤمنين وقوتهم، ألم يركب عبد الله بن مسعود ~~مع ما عرف عنه من ضآلة الجسم على أبي جهل في إحدى الغزوات، وقد طرحه في ~~الأرض وداسه بقدمه، ويروى أن أبا جهل نظر إليه وهو على هذه الحال وقال: ~~لقد ارتقيت مرتقى صعبا يا رويعي الغنم. ووصف العذاب في الآخرة بأنه ~~العذاب الأكبر لأنه العذاب المحيط الذي لا مهرب منه ولا ملجأ. وقوله ~~سبحانه { لعلهم يرجعون } [السجدة: 21] أي: رجاء أن يعودوا ~~إلى ساحة الإيمان. وقلنا: إن لعل تفيد الرجاء المحقق إن كان الفعل من ~~الله عز وجل، أما الرجاء هنا فرجاء في العبد الذي يملك الاختيار لذلك رجع ~~منهم البعض، ولم يرجع الآخرون. ثم يقول الحق سبحانه: { ومن أظلم ~~ممن... }. ### || [32.22] # هنا أيضا يعرض علينا ربنا - تبارك وتعالى - هذه القضية في صورة هذا ~~السؤال التقريري، كأنه سبحانه يقول لنا: أنا رضيت ذمتكم يا عبادي، فقولوا ~~لي: هل يوجد أحد أظلم ممن ذكر بآيات ربه، ثم أعرض عنها. والمنطق ~~الطبيعي أن نقول: لا أحد أظلم من هذا. وهذا إقرار منا بهذه الحقيقة ~~لذلك عرضها الحق سبحانه في صورة سؤال بدل الإخبار بها. ومعنى { ذكر.. ~~} [السجدة: 20] أي: أن رسالات الله إلى خلقه ما هي إلا تذكير بعهد ~~الإيمان القديم الذي أخذه الله على عباده حين قال سبحانه: # ألست بربكم.. # [الأعراف: ms7893 172] وسبق أن قلنا إن في كل منا ذرة شهدت هذا العهد، ~~وعلى كل منا أن يحفظ إشراقات هذه الذرة في نفسه بأن يغذيها بالحلال، ~~ويعودها الطاعة لتبقى فيه إشراقات الإيمان. كما قال تعالى: # ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * ~~قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها # [الشمس: 7-10]. ثم يقول الحق سبحانه: { ولقد ءآتينا موسى... ~~}. ### || [32.23] # والإيتاء يختلف، فهناك من يؤتى بمنهج أو بمعجزة أو بهما معا، ~~وهناك إيتاء لكتاب موقوت، لزمن موقوت، لقوم موقوتين، وإيتاء آخر لكل ~~الأزمان ولكل الأمكنة. و { الكتاب.. } [السجدة: 23] أي: التوراة { ~~فلا تكن في مرية.. } [السجدة: 23] أي: في شك { من ~~لقآئه.. } [السجدة: 23] لقاء موسى عليه السلام أم لقاء الكتاب؟ إن ~~كان لقاء موسى فهو تبشير بأن الله سيجمع بين سيدنا رسول الله وهو حي ~~بقانون الأحياء وموسى عليه السلام الميت بقانون الأموات، وهذا لا يتأتى ~~إلا إذا كان حديث الإسراء والمعراج في أنهما التقيا فيه صادقا. لذلك في ~~القرآن آية ينبغي أن نقف عندها، وأن نتأملها بيقظة، وهي قوله تعالى: # وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من ~~دون الرحمن آلهة يعبدون # [الزخرف: 45]. هذا تكليف من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم أن ~~يسأل الرسل، فمتى يسألهم؟ فهذه الآية تنبئ بأنهم لا بد أن يلتقوا. ~~فهذه الآية في لقاء موسى والأخرى في لقاء كل الرسل. إذن: علينا أن نصدق ~~بحديث الإسراء والمعراج، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع بإخوانه ~~من الأنبياء وصلى بهم ودار بينهم حوار. أما إذا كان المعنى { فلا تكن ~~في مرية من لقآئه.. } [السجدة: 23] أي: لقاء الكتاب، ~~فالتوراة كما قلنا أصابها التحريف والتبديل، وزيد عليها وكذب فيها، ~~لكن سيأتيك يا محمد من أهل التوارة أمثال عبد الله بن سلام من يعرفون ~~التوراة بلا تحريف ويسرون إليك بها، هؤلاء الذين قال الله فيهم: # من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون آيات الله ~~آنآء الليل وهم يسجدون # [آل عمران: 113]. ألم يواجه عبد الله بن سلام قومه من اليهود، فيقول ~~لهم: ms7894 كيف تكذبون بمحمد، وقد كنتم تستفتحون به على الذين كفروا، ~~فتقولون لهم: لقد أطل زمان نبي يأتي فنتبعه، ونقتلكم به قتل عاد وإرم، ~~لقد تجمعتم من شتى البلاد التي اضطهدتكم، وجئتم إلى يثرب تنتظرون مقدم ~~هذا النبي، فما بالكم تكذبونه؟ وقال القرآن عنهم: # ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به.. # [البقرة: 89]. ومن لقاء الكتاب الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~روي عن عبد الله بن سلام أنه لما أراد أن يؤمن أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت - يعني: يتبجحون ~~بالكذب - فإذا أسلمت قالوا في ما ليس في. فاسألهم عني يا رسول الله ~~قبل أن أعلن إسلامي، فلما اجتمع اليهود سألهم رسول الله: ما تقولون في ~~ابن سلام؟ فقالوا: سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وابن حبرنا... فقال عبد الله: ~~أما وقد قالوا ما قالوا يا رسول الله فأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك ~~رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا. فقال عبد الله: ألم أقل لك يا ~~رسول الله أنهم قوم بهت؟ وقوله تعالى: { وجعلناه هدى لبني ~~إسرائيل } [السجدة: 23] أي: جعلنا الكتاب هدى، وهذا دليل على أن ~~منهم مهتدين بدليل شهادة القرآن لهم: # من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون آيات الله ~~آنآء الليل وهم يسجدون # [آل عمران: 113]. وقوله تعالى في الآية بعدها: { وجعلنا منهم ~~أئمة... }. ### || [32.24] # أئمة: ليس المقصود بالإمامة هنا السلطة الزمنية من باطنهم، إنما إمامة ~~القدوة بأمر الله لذلك قال سبحانه: { يهدون بأمرنا.. } [السجدة: ~~24]، فهم لا يصدرون في شيء إلا على هدى من الله. وفي سورة الأنبياء قال ~~تعالى: # وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينآ ~~إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتآء ~~الزكاة وكانوا لنا عابدين # [الأنبياء: 73]. الإيقان: هو الإيمان الذي لا يتزعزع، ولا يطفو إلى ~~العقل ليبحث من جديد، يعني: أصبحت مسألة مسلما بها، مستقرة في النفس. ### || [32.25] # تلحظ على أسلوب الآية أنها لم تقل ms7895 مثلا: إن ربك يفصل بينهم، إنما ~~استخدمت الضمير المنفصل هو ليفيد التأكيد والاختصاص، فالمعنى لا أحد ~~يفصل بينهم في القيامة إلا الله، كما قال سبحانه: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. إذن: جاءت هو لتقطع الشك في وجود الغير. ولك أن تتأمل هذا ~~الضمير في هذه الآيات، ومتى استعمله الأسلوب، يقول تعالى في قصة سيدنا ~~إبراهيم عليه السلام: # فإنهم عدو لي.. # [الشعراء: 77] أي: الأصنام # إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين * ~~والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو ~~يشفين * والذي يميتني ثم يحيين # [الشعراء: 77-81]. فاستخدم الضمير الدال على الاختصاص في الهداية ~~والإطعام والسقيا والشفاء، وهذه الأفعال مظنة أن يدعيها أحد لنفسه، ~~أما الإحياء والإماتة فهي لله وحده لا يمكن أن يدعيها أحد لذلك جاءت ~~بدون هذا التوكيد، فهي مسألة مسلم بها لله تعالى. والشك يأتي في مسألة ~~الفصل يوم القيامة لأن الله تعالى جعل الملائكة المدبرات أمرا لتدبر أمر ~~الخلق، وقال سبحانه # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله.. # [الرعد: 11] أي: تبعا لأمر الله فيه، فقد يفهم البعض أن للملائكة دورا ~~في الفصل بين الناس يوم القيامة، كما أن لهم مهمة في الدنيا. وتأمل هنا ~~أن الله تعالى ذكر لفظ الربوبية فقال { إن ربك.. } [السجدة: 25] ~~ولم يقل: إن الله، والربوبية كما قلنا عطاء وتربية، وكأنه سبحانه ~~يقول: اطمئنوا فالذي سيتولى مسألة الفصل هو ربكم. وقوله سبحانه: { ~~فيما كانوا فيه يختلفون } [السجدة: 25] لأن الفصل لا يكون ~~إلا عن نزاع، والنزاع لا بد أن يكون عن قضية تريد مراجعة من حكم حاكم. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { أولم يهد لهم كم... }. ### || [32.26] # الحق - سبحانه وتعالى - تكلم عن الرسالة التي أرسل بها رسوله صلى الله ~~عليه وسلم ليؤكد في الناس عقيدة أعلى، وهي عقيدة الوجود للإله الواحد ~~الذي لا شريك له، ثم بين أن لنا مع الله لقاء آخر حين تنتهي هذه الدنيا ~~الفانية، ثم نستقبل حياة خالدة، إما إلى جنة إن شاء الله، وإما إلى نار ~~ونعوذ ms7896 بالله. والحق سبحانه حين يعرض آياته في الكون يعرضها لتثبت أنه هو ~~الذي خلق هذه الآيات العجيبة، فلم يتركنا سبحانه ننظر وننصرف إنما لفتنا ~~ونبهنا إلى وجوب النظر إلى آياته في الكون، وحين يأتي من يريد أن ~~ينبه عقلك فاعلم أنه لا يريد أن يخدعك، أو أن يأخذك على غرة، فربك ~~يقول لك: استقبل كلامي هذا بمنتهى التدبر والتذكر والتعقل. ولو لم ~~يكن واثقا من أنه سيصل بالتدبر والتعقل والتذكر إلى الغاية التي ~~يريدها لما نبه عقلك لآياته، كما ترى عارض السلعة الجيدة الواثق من ~~جودتها يعرضها عليك، ويكشفها لك، ويدعوك إلى فحصها وتأمل ما فيها، فهو ~~لا يفعل ذلك إلا لثقته في بضاعته وأنها ستنال رضاك. أما صاحب السلعة ~~المغشوشة فيخدعك ويسلك معك أساليب اللف والدوران والتغرير، فحين تدهب ~~مثلا لشراء حذاء وجاء ضيقا يقول لك: سيتسع بعدما تمشي فيه، فإن جاء ~~واسعا يقول لك: أحضر لك واحدا أوسع؟ ليوهمك أنه ضيق، وأساليب هؤلاء ~~مكشوفة لا تخفى على أحد، فالذي يريد أن يغش أو يخدع يلف القضايا ~~ليسترها عن عقلك المتدبر المتذكر المتمعن. أما الحق سبحانه، فكثيرا ما ~~قال في قرآنه: أفلا يسمعون، أفلا يعقلون، أفلا يتدبرون القرآن لذلك من ~~مصلحة الدعوة أن يتعقلها الناس، وأن يتدبروها، في حين أن بعض أصحاب ~~الديانات الأخرى يقول لك حين تناقشه: أبعد العقل عن هذه المسألة، ~~لماذا؟ لأنه واثق أنها لو بحثت بالعقل لردها العقل ولم يقبلها - والحق ~~سبحانه يريد ألا يترك عذرا لأحد في البلاغ، فالدعوة قد بلغت الجميع ~~بلاغا سليما واضحا، تلك آيات الله في الكون. ثم يأتي الحق سبحانه ~~بآيات معجزة ليثبت صدق الرسول، فيجعلها تخالف نواميس الكون فيما نبغ ~~فيه القوم ليقطع عليهم الحجة، ثم يأتي بآيات الأحكام التي تحمل المنهج ~~بافعل ولا تفعل، ويبين أن صلاح حركة الحياة في تطبيق هذا المنهج ~~ويترك للمخالفات أن تظهر بعض العيوب، فإذا ما نظرت إلى عيب أو عورة في ~~المجتمع عرفت أنها نتيجة طبيعية لمخالفة منهج الله، فكأن المخالفة ذاتها ms7897 ~~من مؤكدات الحكم. ثم يبين سبحانه أنه أرسل رسلا كثيرين من لدن ~~آدم عليه السلام لأن الإنسان الذي هو خليفته في الكون تصيبه غفلة حين ~~ينخرط في أسباب الدنيا، وتأخذ عليه كل فكره وكل همه، فينسى ما طلب الله ~~منه، فمن عادة الإنسان ألا يتذكر إلا ما ينفعه النفع العاجل. # لذلك نجد كثيرا من الناس ينسى ما للناس عنده، ويتذكر ما له عندهم. ~~فالحق سبحانه يقول: أنا لم يعد لخلقي عندي حجة، فقد نثرت لهم آيات ~~الكون الملفتة، وهي آيات واضحات لم يدعها أحد لنفسه، ومع كثرة ~~الملحدين والكافرين لم نر أبدا من ادعى خلق الشمس أو القمر، ولم ~~يقل أحد: إنني أسير الريح، أو أنبت الزرع، أو أنزل الماء من ~~السحاب. والحق سبحانه ينبهنا أيضا: لا تنس أيها الإنسان أنك خليفة لله ~~في الأرض، وإياك أن تظن أنك أصيل فيها، فساعة تظن أنك أصيل في الدنيا ~~يتخلى الله عنك، ويتركك لنفسك فتهلك، كما حدث لقارون حين وسع الله عليه ~~في الدنيا، فاغتر بما في يده، وظن أنه من سعيه وعلمه وجهده. فكانت ~~النتيجة # فخسفنا به وبداره الأرض.. # [القصص: 81] لينبه الناس جميعا أن المال ليس مال صاحبه، إنما هو ~~مستخلف فيه، ولو كان ماله لحافظ عليه، فالحق يرد الناس بالأحداث إلى ~~طبيعة الفطرة الخلافية، لأن فساد الكون يأتي من اعتبار الإنسان نفسه ~~أصيلا في الكون. وسبق أن قلنا: إن الإنسان إذا نظر في الكون نظرة ~~فاحصة عادلة لعلم ما يأتي: أن كل شيء لم تتدخل فيه يد الإنسان سليم، ~~ويؤدي مهمته على أكمل وجه، وأن كل فساد في الكون إنما هو من تدخل ~~الإنسان فيه بغير قانون ربه، ولو تدخل فيه بقانون ربه لصلحت له ~~الأشياء التي تدخل فيها، كما صلحت له الأشياء التي لم يتدخل فيها. ~~وقلنا: إنك إذا رأيت عوارا في الكون فاعلم أنه نتيجة حق مضيع من ~~حقوق الله، فحين ترى فقيرا يتضور جوعا أو عريانا لا يملك ما يستر ~~عورته، فاعلم أن الأغنياء قصروا في أداء ms7898 حق الله في الزكاة لأن الله ~~تعالى شرعها بحساب، فلو أن القادر أخرج الزكاة المفروضة في ماله لما بقي ~~في المجتمع المحيط به محتاج. ثم يريد منا الحق سبحانه أن نحافظ في نفوسنا ~~على إيمان الفطرة، وعلى الذرة الإيمانية الأولى التي لم تدخلها الشهوة، ~~ولم يخالطها النسيان، هذه الذرة التي شهدت العهد الأول الذي قال الله ~~فيه: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين # [الأعراف: 173]. أي: قبل أن تأخذكم شهوات الدنيا ونسيانها فتنكروا هذه ~~الشهادة، وتقولون: # إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ ~~أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون # [الأعراف: 172-173]. فالذي يحافظ على هذه الذرة، وعلى هذه اللمسة ~~الربانية التي وضعها الله فيه بيده، وعلى العهد الذي أخذه الله عليه يبقى ~~له نور هذه الفطرة، وتظل هذه النورانية متأججة في نفسه، فإن أهملها ~~طمستها الذنوب والغفلة. # لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يضرب لنا المثل فيقول: # " تعرض الأمانة - أي: التكاليف الاختيارية من الله - على القلوب ~~كالحصير عودا عودا، فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة بيضاء، ~~وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة سوداء حتى تكون على قلبين: أبيض مثل ~~الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا ~~كالكوز مجخيا ممقوتا، لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا ". # فالطاعات أو الذنوب تتراكم على القلب كما تصف عيدان الحصير عودا ~~بجوار عود، فيبيض القلب بالطاعات، أو يسود بالمعاصي. والإنسان منه مادة ~~ومنه روح، الروح في المادة تعطيها الحياة والحركة والفهم والفكر والتصرف، ~~وهما قبل أن يلتقيا كانا مسبحين لله تعالى، فكل شيء في الوجود ~~مسبح # كل قد علم صلاته وتسبيحه.. # [النور: 41]. وعلى الإنسان أن يفهم هذه الحقيقة، وأن يحافظ على الطبيعة ~~الإيمانية في ذراته ومكوناته لتظل مشرقة نيرة بنور الإيمان، فإن غفل ~~عن هذه الطبيعة حدثت الأغيار، وحدث عدم الانسجام بين ذراته في الذات ms7899 ~~البشرية، فحين تحمل إرادتك الجسم والروح على المعصية يكرهك جسمك، ~~وتكرهك روحك لأنك خالفت منهج خالقها - عز وجل - فهي مسبحة عابدة وأنت ~~لاه غافل عاص لذلك تلعنك روحك وتلعنك أبعاضك. ومن رحمة الله بالعاصي ~~أن ينام فترتاح أبعاضه، وترتاح روحه من معاصيه، وتأخذ راحتها في عبادة ~~ربها، حيث لا منازع لها، ولا معاند من إرادة صاحبها، لذلك يشعر الإنسان ~~بالراحة عند النوم، ويقوم منه نشيطا لما حدث من انسجام وتعادل بين ذرات ~~ذاته أثناء النوم. لذلك ورد أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ~~تنام عينه ولا ينام قلبه لأن أبعاضه منسجمة دائما في نومه وفي يقظته، ~~فإذا رأيت إنسانا يغلب عليه أنه منهك القوى فاعرف أنه قد أتعب ذراته، ~~وأنها تود الخلاص منه بالنوم، وكأنها تقول له نم فلم تعد صالحا ~~للتعايش معي. إذن: الحق سبحانه ينبهنا دائما من هذه الغفلة بواسطة ~~الرسل، ثم يترك سبحانه للرسالات التي سبقت أدلة تؤيد الرسل الموجودين، ~~وتعينهم على أداء مهمتهم لذلك يقول لنا: انظروا إلى الرسل الذين سبقوا، ~~وكيف كانت عاقبة المكذبين بهم. { أولم يهد لهم كم ~~أهلكنا من قبلهم من القرون.. } [السجدة: 26] كما قال ~~سبحانه: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 6-10]. فهذه الأهرامات التي يفد إليها الناس، والتي تعد ~~مزارا سياحيا هي آية من آيات الله تقوم دليلا على هلاك أصحابها من ~~المكذبين للرسل، فالحق سبحانه لم يترك لأحد من خلقه عذرا بعد أن ~~كشف له الآيات الكونية تشهد بوحدانيته تعالى وألوهيته، والمعجزات التي ~~تثبت صدق الرسول في البلاغ عن ربه، ثم آيات الأحكام التي تحمل أقضية ~~الحياة، والتي لا يمكن لبشر أن يستدرك عليها، والتي تحمل الحل الشافي ~~والدواء الناجع لكل داءات المجتمع. # وبعد ذلك تركت لهم تكذيب المكذبين أمام أعينهم، كما قال سبحانه: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]. فها هي آثار عاد وثمود وغيرهم ms7900 ما تزال شاهدة ~~عليهم، بعضها فوق الأرض، ومعظمها مطمور تحت طبقات الثرى لذلك نجد أن كل ~~الآثار القديمة يجدونها في الحفريات تحت الأرض، ولم لا وقد كانت العاصفة ~~تهب الهبة الواحدة، فتبتلع القافلة بأكملها، فما بالك بهبات الرياح ~~من أيام عاد حتى الآن. إذن: خذوا عبرة من مصير هؤلاء. ومعنى { أولم ~~يهد لهم.. } [السجدة: 26] يهدي: أي: يدل ويرشد ويبين ويوضح، ~~والهداية لها عناصر ثلاثة: هاد ومهدي والشيء المهدى إليه، ومادة: ~~هدى تستعمل في كتاب الله ثلاثة استعمالات: الأول: أن يذكر الهادي، وهو ~~الله عز وجل، والثاني: أن يذكر المهدي وهم الخلق، والثالث: وهو أن ~~يذكر المهدى إليه، وهي الغاية التي يريدها الله. وهذا الفعل يأتي مرة ~~متعديا بنفسه، كما في سورة الفاتحة: # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6] أي: يا الله، فالله هو الهادي، ونحن المهديون، والغاية هي ~~الصراط المستقيم. ومرة يعدى الفعل باللام، كما في # الحمد لله الذي هدانا لهذا.. # [الأعراف: 43] فلم يقل: هدانا هذا، ومرة يتعدى بإلى كما في # .. والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم # [البقرة: 213]. فتلحظ أن الهادي واحد وهو الله تعالى، والمهدي هو ~~الخلق، لكن المهدى إليه هو المختلف، أما في هذه الآية فالأمر مختلف، ~~حيث يقول سبحانه: { أولم يهد لهم.. } [السجدة: 26] فلم تدخل ~~اللام على المهدى إليه، إنما دخلت على المهدي، فلم يقل الحق سبحانه: ~~أو لم يهد الله هؤلاء القوم لكذا. فلماذا؟ قالوا: لأن بعض الناس يظنون ~~أن الله حين يهدي إلى الطريق يحملك مشقات التكاليف لذلك نرى بعض الناس ~~ينفرون من التكاليف ويرون فيها عبئا عليهم، ومن هنا عبد بعضهم ~~الأصنام، وعبد بعضهم الشمس أو القمر.. إلخ لأنها آلهة بدون منهج وبدون ~~تكاليف، ليس لها أوامر، وليس عندها نواه، وما أيسر أن يعبد الإنسان ~~مثل هذه الآلهة التي لا مطلوبات لها. والذي يرى في التكاليف مشقة، ويراها ~~عبئا عليه يراها كذلك لأنها تصادم مراد نفسه في الشهوات وتحد من ~~رغباته، ومرادات النفس ربما أعطتك لذة عاجلة، لكن يعقبها حسرة وشر آجل. ~~ومثلنا لذلك بالتلميذ ms7901 الذي يتحمل مشقة المذاكرة والدرس طمعا في ~~التفوق الذي ينتظر حلاوته، وآخر يفضل اللذة السريعة العاجلة فيلعب ولا ~~يهتم، فيلاقي مذلة الفشل والاحتقار آخر العام. # إذن: عليك أن تقرن بين مشقة العمل والنتيجة والثمرة التي تنالها من ~~ورائه، وعندها تهون عليك مشقة التكاليف لأن ما ينتظرك من الأجر عليها ~~أعظم مما قدمت وأبقى. فالحق سبحانه يريد منا أن نقبل على التكاليف، ~~ونعرف أنها لمصلحتنا نحن، وأنها في الحقيقة تشريف لنا لا تكليف لأن الذي ~~كلفني لا يحتاج مني إلى هذا، ولا ينتفع من عبادتي بشيء، بل هو سبحانه ~~يتحنن إلي لأكون أهلا لإنعامه وجديرا بفضله وكرمه. ألم يقل سبحانه: # لئن شكرتم لأزيدنكم.. # [إبراهيم: 7] فالمسألة إذن منك وإليك، فالله سبحانه له صفات الكمال قبل ~~أن يخلق عباده. فاللام في { أولم يهد لهم.. } [السجدة: 26] ~~أي: لصالحهم ومن أجلهم، وليس عليهم، فالهدى لصالح المهدي لا الهادي، ولو ~~فهم الإنسان هذه الحقيقة وعرف أن الهداية راجعة إليه لقبل يد من ~~بلغه عن الله هذا الفضل. ويؤكد هذا المعنى - لمن فطن - قوله تعالى عن ~~المؤمنين: # أولئك على هدى من ربهم.. # [لقمان: 5] فالهدى ليس حملا يحملونه، إنما مطية يركبونها إلى الغاية ~~النبيلة التي أرادها الله لهم. فما الذي بينه الله للمؤمنين ودلهم ~~عليه؟ يقول سبحانه: { كم أهلكنا من قبلهم من القرون ~~يمشون في مساكنهم.. } [السجدة: 26] أي: انظروا إلى المخالفين ~~للرسل من قبلكم، وكيف أخذهم الله فلم يمكنهم من رسله، بل انتصر الرسل ~~عليهم. وكم هنا تفيد الاستفهام عن العدد، وهي بمعنى كثير، كما تقول لمن ~~ينكر جميلك: كم أحسنت إليك أي: مرات كثيرة لا تعد، والمراد أننا ~~بينا لكم كثيرا من الأمم التي عادت رسلها، وكيف كانت عاقبتهم وغايتهم ~~التي انتهوا إليها: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [العنكبوت: 40]. ومن مصلحتنا أن يبين الله لنا عاقبة المكذبين لأنه ~~ينبهنا إلى الخطر قبل أن نقع ms7902 فيه. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة في ~~كلامنا عن قوله تعالى - من سورة الرحمن: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36] فاعتبر الشواظ والنار من النعم التي ينبغي ألا ~~نكذب بها، لماذا؟ لأنه نبهنا إليها حتى لا نقع فيها. وقوله تعالى: { ~~من القرون.. } [السجدة: 26] القرن حدده العلماء بمائة عام، لكن ~~هذه المائة تتداخل، ويقترن فيها عدة أجيال يجتمعون على مذهب أو مبدأ ~~واحد، فالقرن يقرن بين الجد والابن والحفيد، هذا إن أردت الزمن وحده، ~~فإن قرن الزمن بعصر دين من الأديان أو نبي أو ملك، فقد يطول القرن إلى ~~الألف عام، كما في قرن نوح عليه السلام. فالقرن مرتبط بما قرن به لذلك ~~نقول: العصر الجاهلي، عصر صدر الإسلام، عصر بني أمية، العصر العباسي، عصر ~~المماليك، وما نزال حتى الآن نقول عن عصرنا: العصر الحديث. # والحق سبحانه يبين لنا في الحياة التي نعيشها أن الزمن متغير، إلى أعلى ~~في الماديات، وإلى أدنى في المعنويات، فكلما تقدم الزمن انحل الناس ~~من ربقة الدين وتفلتوا منه ذلك لأن الارتقاءات المادية ينتج عنها ~~حضارات تستهوي النفوس وتغريها، والنتيجة انحدار في القيم وفي الدين، ولو ~~أن الارتقاء كان متساويا لسار الأمران في خطين متوازيين. لذلك يقول ~~تعالى: # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلهآ أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا ~~أو نهارا.. # [يونس: 24]. ثم إنك لو نظرت إلى جزئيات الحضارة في الكون تجد أن الأمم ~~صاحبة الحضارات لم تستطع أن تجعل لنفسها وقاية من اندحار حضارتهم، ولم ~~يستطيعوا صيانتها. حتى العصور التقدمية: كنا في العصر الحجري، ثم عصر ~~البخار، ونحن الآن في عصر الفضاء. إذن: نحن مرتقون فقط في الماديات، لكن ~~منحدرون في المعنويات، لكن هل هذا الارتقاء المادي جاء عن امتلاك لمعالم ~~هدى الله في الأرض؟ لا، لأن الله تعالى بين لنا: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. فأنا الذي أنزلت، وأنا الذي ضمنت حفظه، فلم أتركه لكم ~~تحفظوه، إذن: المسألة عن عجز ms7903 منا، وإلا فكتاب البداية موجود حجة علينا. ~~وقوله تعالى: { يمشون في مساكنهم.. } [السجدة: 26] أي: أنني ~~لا ألقى القضايا بدون حجة أو دليل، بل هي شاخصة أمامكم تمرون بها، ~~وترونها ليل نهار، كما قال سبحانه: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]. ثم يقول سبحانه: { إن في ذلك لآيات ~~أفلا يسمعون } [السجدة: 26] فالله يحضهم على أن يستمعوا إلى ~~سير المكذبين المعاندين، وما حاق بهم من انتقام الله منهم. وبالله: ~~الإنسان مهما قصر عمره، ألم ير ظالما، وألم ير مصرع هذا الظالم ~~وعاقبة ظلمه، فإن لم ير ظالما ألم يحدث عنه؟ إذن: مما يصلح حال ~~الناس أن يستمعوا إلى حكايات عن الظالمين وعن نهايتهم، وما ينزل بهم من ~~الانتقام الذي لا ينتظر الآخرة، بل يعجل لهم في الدنيا. وفي ذلك حكمة ~~لله بالغة لأن الظالم ربما لا يرعوى ولا يرجع في الدنيا عن ظلمه، فيظل ~~يعربد في الخلق ما أحياه الله، لكن إن مسه شيء من العذاب، فلربما ~~عاد إلى رشده، وإن لم يعد كان عبرة لغيره. لذلك قال أهل المعرفة: لن ~~يموت ظلوم حتى ينتقم الله منه. وربما من رآه ظالما يراه مظلوما، ~~ومن أراد أن يرى نهاية ظالم فلينظر إلى مصارع الظالمين قبله. وتأمل قول ~~ربك: # وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا.. # [الأنعام: 129] فكأن الظالم له رسالة، هي أن ينتقم من ظالم مثله، وهكذا ~~يهلك الله هؤلاء بعضهم ببعض لأن الخير طيب القلب لا يؤدب ظالما، ~~فإن اعتديت عليه غلب عليه طابع التسامح والعفو. # ألم يقل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكفار مكة: # " اذهبوا فأنتم الطلقاء " # فكأن الله عز وجل يقول للخير: اجلس أنت واسترح، واترك الأشرار لي، ~~فسوف أرسل عليهم من هو أشر منهم ليؤدبهم. واختار الحق هنا حاسة السمع { ~~أفلا يسمعون } [السجدة: 26] لأنها وسيلة الإدراك المناسبة ~~للموقف، فبها نسمع ما يحكى عن الظالمين وبها نعتبر، وفي موضع آخر سيقول # أفلا يبصرون # [السجدة: 27] ويقول: # أفلا يعقلون # [يس: 68] فينوع لنا، ويقلب كل وسائل الإدراك لينبهنا من خلالها. ms7904 ~~والمعنى { أفلا يسمعون } [السجدة: 26] ما يروى لهم عن مصارع ~~الظالمين، لقد نبهناهم وذكرناهم، ومع ذلك أشركوا وجعلوا سمعهم ودن من ~~طين، وودن من عجين. ### || [32.27] # أولا لك أن تلحظ هنا توافق النسق القرآني بين صدر الآيات وعجزها، ففي ~~الآية السابقة قال سبحانه # أولم يهد لهم.. # [السجدة: 26] أي: يدل ويرشد، والكلام فيها عن قصص تاريخي، فناسبها # أفلا يسمعون # [السجدة: 26] أما هنا فالكلام عن مشاهد مرئية، فناسبها { أفلا ~~يبصرون } [السجدة: 27] فهذا ينبغي أن يسمع، وهذا ينبغي أن يرى. ~~وفي الآية السابقة قال سبحانه # أهلكنا.. # [السجدة: 26] لنعتبر بإهلاك المكذبين في الماضي، أما هنا فيلفتنا إلى ~~آية من آياته في الكون، فيأتي الفعل { نسوق المآء.. } [السجدة: 27] ~~بصيغة المضارع الدال على التجدد والاستمرار، ففي كل الأوقات يسوق الله ~~السحب، فينزل منها المطر على الأرض الجرز أي: المجدبة، فتصبح مخضرة ~~بأنواع الزروع والثمار، وهذه آية مستمرة نراها جميعا، ولا تزال في الحال ~~وفي الاستقبال، ولأن هذه الآية واقعة الآن تحتاج منا المشاهدة والتأمل ~~قال في ختامها { أفلا يبصرون } [السجدة: 27]. وفي موضع آخر قال ~~سبحانه: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا * وإنا لجاعلون ما عليها ~~صعيدا جرزا # [الكهف: 7-8] فالجرز هي الأرض المقطوع منها النبات، إما لأن الماء ~~شح عليه فجف، وإما أنه استحصد فحصدوه. ومعنى { نسوق المآء.. } ~~[السجدة: 27] السوق: حث بسرعة لذلك تقول للذي يتعجلك ما لك سايقنا ~~كده، ومعلوم أن السوق يكون من الوراء، على خلاف القيادة، فهي من ~~الأمام، فالذي تسوقه تسوقه وهو أمامك، تراه فلا يتفلت منك، ولو كان خلفك ~~فهو عرضة لأن يهرب منك، فلا تشعر به. والسوق مرة يكون للسحاب، كما ~~في قول الله تعالى # والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه ~~إلى بلد ميت.. # [فاطر: 9]. ومرة يكون السوق للماء نفسه كما في هذه الآية، وسوق ~~الماء له عدة مظاهر: فالله يسوق الماء من السحاب إلى الأرض، فإذا نزل إلى ~~الأرض ساقه في الأنهار، أو سلكه ينابيع في الأرض ليحتفظ لنا به لحين ~~الحاجة إليه. فربنا ms7905 - عز وجل - جعل لنا خزانات للماء تحت الأرض، لا ~~لنحرم منه حين يوجد، لكن لنجده حين يفقد، وكون الماء ينابيع في الأرض ~~يجعلنا نتغلب على مشاكل كثيرة، فالأرض تحفظه لنا، فلا يتبخر ولا نحتاج ~~إلى بناء السدود وغيرها، مما يحفظ لنا الماء العذب. لذلك يقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب ~~أرضا، فكان منها نقيا - أرض خصبة - قبلت الماء، فأنبتت الكلأ ~~والعشب، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فشرب الناس منه وسقوا أنعامهم ~~وزروعهم، وكان منها قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل ما بعثني ~~الله به من الهدى والعلم ". # فهذه أنواع ثلاثة من الأرض تمثل انتفاع الناس بالعلم، فالأولى تمسك ~~الماء، وتخرج الزرع، والثانية تمسك الماء حتى ينتفع الناس به، ولك أن ~~تسأل: فما فائدة الثالثة: القيعان التي لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ؟ ~~ولماذا خلقها الله إذن؟ نقول: هذه القيعان هي التي تسلك الماء في باطن ~~الأرض، وصدق الله: # فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه ومآ ~~أنتم له بخازنين # [الحجر: 22] وقال سبحانه: # قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم ~~بمآء معين # [الملك: 30]. إذن: هذه القيعان لها مهمة يعرفها من فطن لهذه ~~المسألة، وإلا فالله تعالى لم يخلق شيئا عبثا أبدا، كذلك يكون انتفاع ~~الناس بالعلم، فمنهم من نرى أثر علمه خيرا عاجلا، ومنهم من يتأخر ~~نفع علمه للأجيال القادمة. ثم إياك أن تظن أن الماء حين يسلكه الله ~~ينابيع في باطن الأرض يسيح فيها، أو يحدث له استطراق سائلي يختلط فيه ~~العذب بالمالح، لا.. إنما يسير الماء العذب في شبه أنابيب ومسارب خاصة، ~~يجدونها حتى تحت مياه الخليج المالحة. وهذه من عجائب الخلق الدالة على ~~قدرة الخالق عز وجل، وكما يوجد برزخ بين المائين على وجه الأرض # مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا ~~يبغيان # [الرحمن: 19-20] كذلك هناك برزخ للماءين تحت الأرض. فالحق سبحانه يلفت ~~أنظارنا إلى هذه الآية المشاهدة { أولم يروا أنا نسوق ~~المآء إلى ms7906 الأرض الجرز.. } [السجدة: 27] نعم، هذه آية ~~نشاهدها جميعا، لكن المراد هنا مشاهدة تمعن وتذكر وعظة وتعقل، ~~نهتدي من خلالها إلى قدرة الخالق عز وجل. وقوله سبحانه { أنا ~~نسوق.. } [السجدة: 27] فيه دليل على قيوميته تعالى على الخلق، فإن ~~كان سوق الماء يتم بواسطة الملائكة المكلفين به، إلا إنه تعالى صاحب ~~الأمر الأول والمتتبع لعملية تنفيذه. وقدم الحق سبحانه الأنعام على ~~الإنسان في الأكل من الزرع، مع أنها كلها مملوكة للإنسان لأن الأنعام في ~~الغالب ما تأكل من الزرع، وهو ما يزال أخضر لم ينضج بعد، ليأكل منه ~~الإنسان، وأيضا هو سبحانه حين يطعم الأنعام فإنما يطعم من جعله له ~~فاكهة طعام، وهي الأنعام. وأشرنا إلى أن دقة البيان القرآني اقتضت ~~أن تختم هذه الآية المشاهدة بقوله تعالى: { أفلا يبصرون } ~~[السجدة: 27] لأن هذه مسألة تتعلق بالبصر. ولك أن تقرأ في مثل هذه ~~الدقة قوله تعالى: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون # [القصص: 71-72]. فقال في الأولى # أفلا تسمعون # [القصص: 71] لأنها تتكلم عن آية الليل، والسمع هو وسيلة الإدراك فيه، ~~وقال في الأخرى # أفلا تبصرون # [القصص: 72] لأنها تتكلم عن آية النهار، والبصر هو وسيلة الإدراك في ~~النهار، إذن: نلحظ دقة الأداء وإعجازه لأن المتكلم إله ورب، فلا بد ~~أن تجد كل لفظة في مكانها المناسب. ثم يقول الحق سبحانه: { ويقولون ~~متى هذا... }. ### || [32.28] # متى يستفهم بها عن الزمان، والاستفهام بها يدل على أنك استبطأت الشيء ~~فاستفهمت: متى يحدث؟ الرسول صلى الله عليه وسلم حين بعث أخبر قومه أنه ~~مرسل إليهم بمنهج من الله، وقد أيده الله بالمعجزات، وأخبرهم بمصير ~~من اتبعه ومصير من خالفه، وأن ربه - عز وجل - ما كان ليرسله إليهم، ثم ~~يسلمه أو يتخلى عنه، فهو لا بد منتصر عليهم، فهذه سنة الله في ~~أنبيائه ورسله، حيث ms7907 قال سبحانه: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. لذلك قلنا: إذا رأيت موقفا لم ينتصر فيه المسلمون، ~~حتى في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة الصحابة، فاعلم أن الجندية ~~عندهم قد اختلت شروطها، فلم يكونوا في حال الهزيمة جنودا لله متجردين. ~~وحين نتأمل الأحداث في أحد نجد أن الله تعالى يقول للمسلمين: لا تظنوا ~~أن وجود رسول الله بينكم يحميكم أو يخرجكم عن هذه القضية، فهذه سنة ~~الله في كونه لا تتبدل. ففي أحد خالف المسلمون أوامر رسول الله، حين ~~نزل الرماة وتركوا أماكنهم طمعا في الغنائم، فالتف عليهم المشركون، ~~وكانت النتيجة لا نقول انهزموا إنما هم لم ينتصروا لأن المعركة ماعت ~~والرسول موجود بينهم. والبعض يرى في هذه النتيجة التي انتهت إليها الحرب ~~في أحد مأخذا، فيقول: كيف يهزم جيش يقوده رسول الله؟ وهذه المسألة ~~تحسب للرسول لا عليه، فالرسول لن يعيش بينهم دائما، ولا بد لهم أن ~~يروا بأعينهم عاقبة مخالفتهم لأمر رسول الله، وأن يشعروا بقداسة هذه ~~الأوامر، ولو أنهم انتصروا مع المخالفة لفقدوا الثقة في أوامر رسول الله ~~بعد ذلك، ولم لا وقد خالفوه في أحد وانتصروا!! كذلك في يوم حنين الذي ~~قال الله فيه: # ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت.. # [التوبة: 25]. وكان من إعجاب المؤمنين بكثرتهم أن يقول أبو بكر نفسه: لن ~~نغلب اليوم عن قلة، لذلك لقنهم الله تعالى درسا، وكادوا أن ~~يهزموا، لولا أن الله تداركهم في النهاية برحمته، وتحولت كفة الحرب ~~لصالحهم، وكأن التأديب جاء على قدر المخالفة. فالحق سبحانه يعلمنا ~~امتثال أمره، وأن نخلص في الجندية لله سبحانه، وأن ننضبط فيها لنصل إلى ~~الغاية منها، فإن خالفنا حرمنا هذه الغاية لأنني لو أعطيتك الغاية ~~مع المخالفة لما أصبح لحكمي مكان احترام ولا توقير. وهنا يحكي الحق - ~~تبارك وتعالى - عن المشركين قولهم لرسول الله: { متى هذا ~~الفتح.. } [السجدة: 28] أي: النصر الذي وعدكم الله به، وقد ms7908 كان هذا ~~النصر غاية بعيدة المنال أمام المؤمنين، فما زالوا قلة مستضعفة. # لذلك لما نزل قول الله تعالى: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] تعجب عمر حتى قال: أي جمع هذا، ونحن لا نستطيع أن نحمي ~~أنفسنا؟ لكن الحق سبحانه لم يطل عليهم هذا الوضع، وسرعان ما جاءت بدر، ~~ورأى عمر بعينه كيف تحقق وعد الله، وكيف هزم جمع المشركين، ورددها ~~بنفسه بعد المعركة: نعم يا رب، سيهزم الجمع ويولون الدبر. ومن العجيب ~~أن يدل رسول الله على الكفار وعلى أصحابه وأنصاره بفيض الله عليه، وأنه ~~أخبره بنتيجة المعركة قبل حدوثها، فيقف صلى الله عليه وسلم في أرض بدر، ~~ويشير بعصا في يده إلى مصارع المشركين: هذا مصرع أبي جهل، وهذا مصرع ~~عتبة، وهذا مصرع الوليد.. إلخ. فمن يستطيع أن يحدد نتيجة معركة بهذا ~~التفصيل، والمعركة أخذ ورد وكر وفر واختلاط، مع أنهم لم يخرجوا ~~لحرب، إنما خرجوا لملاقاة قافلة قريش التجارية، فما بالك لو خرجوا على ~~حال استعداد للحرب، وهذه سيأخذها الكفار قياسا يقيسون عليه قوة المسلمين ~~الوليدة، وسيقذف الله بهذه النتيجة الرعب في قلوب الكفار، ولم لا وقد ~~انتصرت القلة المستضعفة غير المجهزة علة الكثرة المتعجرفة المستعدة ~~للحرب. والاستفهام هنا { متى هذا الفتح.. } [السجدة: 28] ليس ~~استفهاما على حقيقته، إنما يراد به الاستهزاء والسخرية، وجواب الله على ~~هذا الاستفهام يحدد نيتهم منه، فهم يستبعدون هذا النصر وهذه الغلبة التي ~~وعد الله بها عباده المؤمنين، لكنهم يستبعدون قريبا، ويستعلجون أمرا ~~آتيا لا ريب فيه. وقد سجل القرآن عليهم مثل هذا الموقف في قوله تعالى ~~حكاية عن الكفار يقولون لرسولهم: # فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # [الأعراف: 70]. كلمة الفتح إن جاءت معرفة بأل فخيرها مضمون، فاعلم ~~أنها نعمة محروسة لك سينالك نفعها، فإن جاءت نكرة فلا بد لها من ~~متعلق يوضح الغاية منها: أهذا الفتح لك أم عليك فقوله تعالى في خطاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # [الفتح: 1] دل على أن هذا الفتح لصالحه صلى الله ms7909 عليه وسلم، فهو غنم ~~لا غرم، كما يقولون في حسابات البنوك: له وعليه. أما الأخرى، ففي قوله ~~تعالى: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء.. # [الأنعام: 44]. إذن: تنبه لما يفتحه الله عليك ولا تغتر به، ~~وتأمل: أهو لك أم عليك؟ وإياك أن تطغيك النعمة إذا زهزهت لك الدنيا، ~~فلعلها استدراج وأنت لا تدري، فالفتح يحتمل المعنيين، واقرأ إن شئت: # ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السمآء والأرض.. # [الأعراف: 96] أي: احذروا هذه النعمة لا تطغيكم. وكلمة الفتح تأتي ~~بمعان متعددة، يحددها السياق، كما قلنا في كلمة العين، فتأتي بمعنى ~~العين الباصرة. تقول: رأيت فلانا بعيني، وتقول: جدت على فلان بعين ~~مني أي: بالذهب أو الفضة، وتقول: سمحت له أن يروي أرضه من عيني أي: عين ~~الماء، وتقول: هؤلاء عيون فلان أي: جواسيسه. # وهذا يسمونه: المشترك اللفظي. وكلمة الفتح تستخدم أولا في الأمر ~~المادي، تقول: فتحت الباب أي: أزلت مغاليقه، وهذا هو الأصل في معنى ~~الفتح. فالحق سبحانه يقول في قصة سيدنا يوسف عليه السلام: # ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت ~~إليهم.. # [يوسف: 65] ففتحوا متاعهم الفتح المادي الذي يزيل عنه الأربطة. وقد ~~يراد الفتح المعنوي، كما في قول الله تعالى: # وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم ~~بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم.. # [البقرة: 76] أي: بما أعطاكم الله ومنحكم من الخير ومن العلم. ويأتي ~~الفتح بمعنى إظهار الحق في الحكم بين حق وباطل وتجلية الأمر فيه لذلك ~~يسمى أهل اليمن القاضي الفاتح. ويأتي بمعنى النصر والغلبة، كما في هذه ~~الآية التي معنا: { ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم ~~صادقين } [السجدة: 28] ولا بد أن يقول المؤمنون في إجابة هذا ~~السؤال: نحن لا نقول أننا صادقون أو كاذبون في هذا الخبر لأن هذه مسألة ~~بعيدة عنا، ولا دخل لنا بها، إنما هي من الله الذي أخبرنا هذا الخبر، ~~فنحن لا نوصف فيه، لا بصدق ولا بكذب. ولكي يكون الإنسان عادلا ينبغي ~~أن ينسب الفعل إلى ms7910 فاعله، أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبر ~~قومه خبر إسرائه قال: # " لقد أسري بي الليلة من مكة إلى بيت المقدس " # ولم يقل سريت ومع ذلك سأله القوم: أتدعي أنك أتيتها في ليلة، ونحن ~~نضرب إليها أكباد الإبل شهرا؟ وهذه مغالطة منهم، لا عدم فهم لمقالة رسول ~~الله لأنهم أمة كلام، ويفهمون جيدا معاني الألفاظ. إذن: رسول الله ما ~~سرى بذاته، إنما أسرى الله به، فمن أراد أن يبحث هذه المسألة ~~فليبحثها في ضوء قدرة الله، وكيف يكون الزمن بالنسبة لله تعالى، وقلنا: ~~إن الفعل الذي يستغرق زمنا هو الفعل العلاجي، إنما ربنا - تبارك وتعالى ~~- لا يعالج الأفعال، فقط يقول كن فيكون، والفعل يتناسب مع زمنه تناسبا ~~عكسيا، فكلما زادت قوة الفاعل قل زمن الفعل. وعليه لو نسبت حادثة ~~الإسراء إلى قوة الحق تبارك وتعالى لوجدت الزمن لا زمن. ثم يجيب الحق ~~تبارك وتعالى عن سؤالهم { متى هذا الفتح.. } [السجدة: 28] بما ~~يفيد أنه سؤال استبعاد واستهزاء، فيقول سبحانه: { قل يوم ~~الفتح... }. ### || [32.29] # أي: لم تسألون عن يوم الفتح؟ وماذا ينفعكم العلم به؟ إن يوم الفتح إذا ~~جاء أسدل الستار على جرائمكم، ولن تنفعكم فيه توبة أو إيمان، ولن ~~ينظركم الله إلى وقت آخر. ومعلوم أن الإيمان لا ينفع صاحبه إلا إذا ~~كانت لديه فسحة من الوقت، أما الإيمان الذي يأتي في النزع الأخير، وإذا ~~بلغت الروح الحلقوم فهو كإيمان فرعون الذي قال حين أدركه الغرق: # قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل وأنا من المسلمين # [يونس: 90] فرد الله عليه هذا الإيمان # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين # [يونس: 91]. الآن لا ينفع منك إيمان لأنك مقبل على الله، وقد فات أوان ~~العمل، وحل أوان الحساب، الإيمان أن تؤمن وأنت حريص صحيح تستقبل ~~الحياة وتحبها، الإيمان أن تؤمن عن طواعية. { ولا هم ينظرون } ~~[السجدة: 29] أي: ليس لكم الآن إمهال لأن الذي خلقكم يعلم سرائركم، ويعلم ~~أنه سبحانه لو أمهلكم لعدتم لما كنتم عليه # ولو ردوا ms7911 لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]. ثم يقول الحق سبحانه: { فأعرض عنهم ~~وانتظر... }. ### || [32.30] # هذا المعنى كما نقول في العامية اديني عرض كتافك أي: انصرف عنهم، فلم ~~يعد بينك وبينهم لقاء، ولا جدوى من مناقشتهم والتناظر معهم فقد ~~استنفدوا كل وسائل الإقناع، ولم يبق لهم إلا السيف يردعهم، على حد ~~قول الشاعر: # أناة فإن لم تغن عقب بعدها وعيدا # فإن لم يغن أغنت عزائمه # فقد بلغهم رسول الله وأنذرهم، لقد بشرهم بالجنة لمن آمن، وحذرهم ~~النار لمن كفر فلم يسمعوا. إذن: # فما هو إلا الوحي أو حد مرهف # فالعاقل الوحي يقنعه، والجاهل السيف يردعه. وقوله سبحانه: { ~~وانتظر.. } [السجدة: 30] أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم، أي: انتظر وعدي لك بالنصر والغلبة، وقلنا: إن وعد الله محقق، حيث ~~لا توجد قوة أخرى تمنعه من إنفاذ وعده، أما الإنسان فعليه حين يعد أن ~~يتنبه إلى بشريته، وأنه لا يملك شيئا من أسباب تنفيذ ما وعد به. لذلك ~~يعلمنا ربنا: # ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 24] وتعليق أمرك على مشيئة الله عز وجل يحميك أن تكون كاذبا ~~إذا لم تف بما وعدت به، فأسباب الوفاء بالوعد لا يملكها البشر، إنما ~~يملكها خالق البشر سبحانه، فإذا وعد فاعلم أن وعده متحقق لا محالة. ~~وقلنا: إنك حين تقول لصاحبك مثلا: سأقابلك غدا أو سأفعل لك كذا وكذا، ~~نعم أنت صادق وتنوي الوفاء، لكنك لا تملك في الغد سببا واحدا من أسباب ~~الوفاء، فلربما طرأ لك طارئ، أو منعك مانع، وربما تغير رأيك.. إلخ. ~~وفرق بين انتظار رسول الله حين ينفذ أمر ربه { وانتظر.. } [السجدة: ~~30] وبين { إنهم منتظرون } [السجدة: 30] فانتظار رسول الله ~~لشيء محقق، له رصيد من القوة والقدرة، أما انتظارهم فتسويل نفس ووسوسة ~~شيطان، لا رصيد لها من قوة إنفاذ. ومعنى # إنهم منتظرون # [السجدة: 31] أي: ينتظرون أن يحدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ~~يمنعه من تبليغ رسالة ربه، وهذا حمق منهم، فقد كان عليهم ms7912 أن يعلموا أن ~~الرسول مؤيد من الله مرسل من قبله لهدايتهم، وما كان الله تعالى ~~ليرسل رسولا ثم يسلمه أو يخذله، فسنة الله في الرسل أن لهم الغلبة ~~مهما قويت شوكة المعاندين لهم. إذن: لا سبيل إلى ذلك، ولا سبيل أيضا ~~إلى الخلاص منه أو حتى تخويفه ليرتدع، ويدع ما يدعو إليه من منهج ربه. ~~وقد ورد هذا الانتظار في موضع آخر بلفظ التربص في قوله تعالى: # تربصوا فإني معكم من المتربصين # [الطور: 31]. وفي قوله تعالى: # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين.. # [التوبة: 52] أي: ماذا تنتظرون منا ونحن أمام حسنيين: إما النصر ~~والغلبة عليكم، وساعتها ندحركم ونذلكم. # أو الشهادة التي تضمن لنا حياة النعيم الباقية الخالدة # ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من ~~عنده أو بأيدينا فتربصوا.. # [التوبة: 52]. يعني: تربصوا بنا، فنحن أيضا نتربص بكم، لكن فرق بين ~~تربصنا وتربصكم. وهذه السورة سميت السجدة أولا: لأن بها سجدة تلاوة ~~ينبغي أن نسجد الله شكرا عندها، والسجود يمثل منتهى الخضوع للحق - تبارك ~~وتعالى - فإذا جاءت هذه الآية التي تهز كيان الإنسان يعلمنا ربنا أن ~~ننفعل لهزة الكيان، وأن نسارع بالسجود، ولا ننتظر سجودنا بعد ذلك في ~~الصلاة. فكأن في هذه الآية آمرا قويا وسرا عظيما استدعى أن نخرج ~~السجود عن موقعه بأمر من شرع السجود الأول. إذن: لا بد أن في آيات ~~سجود التلاوة طاقات جميلة من نعم الله تذكرني به. والحق سبحانه ~~يريد أن يشعر الخلق أنهم يستقبلون نعما جديدة، لا يكفي في شكرها ~~السجود الرتيب الذي نعرفه، فيشرع لها سجودا خاصا بها. وفي السورة أيضا ~~بعض الإشارات التي وقف عليها العارفون وقالوا: إنها تضع نماذج لصيانة ~~النفس الإنسانية، وعدم بعدها عن حكمة خالقها، ومن هذه الإشارات أن ~~العين ترى الأشياء فتقول: هذا حسن، وهذا قبيح، ذلك من مجرد الشكل ~~الخارجي، لكن على المرء أن يتأمل الأشياء ويعرف معنى القبح. القبح ليس ~~ما قبح في نظرك، إنما القبيح الذي يخرج الحسن التكليفي عن مناطه ~~لأن الخالق - عز وجل ms7913 - خلق كل شيء جميلا، كما قال سبحانه: # الذي أحسن كل شيء خلقه.. # [السجدة: 7]. فإذا قبح الشيء في نظرك فاعلم أنك نظرت إلى جانب ~~الشكل، وأهملت جوانب أخرى، وقل إنني لم أتوصل إلى سر الجمال فيه. ~~وسبق أن قلنا: إن الخالق سبحانه نثر المواهب بين خلقه بحيث تجد ~~مجموع مواهب كل إنسان تساوي مجموع مواهب كل إنسان، فلا تنظر إلى جانب ~~واحد فتقول: هذا غني، وهذا فقير، لكن انظر إلى الجوانب الأخرى. ويروى ~~أن سيدنا نوحا عليه السلام رأى كلبا أجرب فبصق عليه، فأنطق الله الكلب ~~الأجرب، وقال له: أتعيبني أم تعيب خالقي؟ والمعنى أنه خلقني لحكمة، ~~ولمعنى من المعاني. وصدق القائل: # للقبح وقت فيه يظهر حسنه # ويحمد من غش البناء لدى الهدم # كذلك نثر الحق سبحانه حكمه، ونثر خيره في كتابه، فلا تغني آية عن آية، ~~ولا تغني كلمة عن كلمة، ولا حرف عن حرف، لكن البصائر التي تتلقى عن ~~الله هي التي تستطيع أن تقف على أسرار الله. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1] # قوله تعالى: { يأيها النبي.. } [الأحزاب: 1] نداء لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، والمنادي هو الحق سبحانه، رسول الله لقبه، واسمه ~~محمد، واسمه أحمد كما ذكر في القرآن، والإنسان حين يولد يوضع له اسم ~~يدل على مسماه، بحيث إذا أطلقه الواضع انصرف إلى المسمى، والقوم الذين ~~سموا لهم محيط يعرفون فيه، وغيرهم بنفس الأسماء لهم محيط آخر، فمحمد ~~هذا المحيط غير محمد هذا المحيط. وتعريف الإنسان يكون بالاسم أو ~~بالكنية أو باللقب، فالاسم هو العلم الذي يوضع لمسمى ليعلم به ~~وينادى به، ويميز عن غيره، أما الكنية فاسم صدر بأب أو أم كما ~~نقول: أبو بكر، وأم المؤمنين، فإن سمي به بداية وجعل علما على ~~شخص فهو اسم، وليس كنية، أما اللقب فما أشعر برفعة أو ضعة كما تقول: ~~فلان الشاعر أو الشاطر.. إلخ. فإذا أطلق الاسم الواحد على عدة مسميات، ~~بحيث لا تتميز بعضها عن بعض وجب أن توصف بما يميزها كأسرة مثلا عشقت ~~اسم محمد فسمت ms7914 كل أولادها محمد فلا بد أن نقول: محمد الكبير، محمد ~~الصغير، محمد الأوسط.. إلخ. ورسول الله صلى الله عليه وسلم له اسم ~~وكنية ولقب، أما اسمه فمحمد وقد ورد في القرآن الكريم أربع مرات: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل.. # [آل عمران: 144]. # ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله.. # [الأحزاب: 40]. # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم.. # [الفتح: 29]. # وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ~~ربهم.. # [محمد: 2]. وورد باسم أحمد في موضع واحد هو: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد.. # [الصف: 6] وسبق أن تكلمنا في علة هذه التسمية. أما كنيته: فأبو ~~القاسم، ولقبه: رسول الله. وهكذا استوفى سيدنا رسول الله العلمية في ~~أوضاعها الثلاثة: الاسم، والكنية، واللقب. واللقب يضعه أيضا الأب أو ~~الأم أو الناس المحيطون بالإنسان، إما يدل على الرفعة تفاؤلا بأنه سيكون ~~له شأن، أو يدل على الضعة، وهذه في الغالب تحدث في الأولاد الذين ~~يخاف عليهم العين، فيختارون لهم لقبا يدل على الحطة والضعة وما ~~أشبهه بالفاسوخة يعلقونها على الصغار مخافة العين. أما لقب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقد اختاره له ربه عز وجل، وطبيعي أن يأتي لقبه صلى ~~الله عليه وسلم مشعرا برفعة أيما رفعة، فهي ليست عند الخلق فحسب، ~~إنما رفعة عند الخالق، فلما ولد رسول الله أسماه جده بأحب الأسماء ~~عنده، وقال: سميته محمدا ليحمد في الأرض وفي السماء. ولما ولد ~~القاسم كني به رسول الله فقيل: أبو القاسم، فلما اختاره الله للرسالة ~~وللسفارة بينه تعالى وبين الخلق لقبه برسول الله وبالنبي، وهذان ~~اللقبان على قدر عظيم من الرفعة لو جاءت من البشر، فما بالك وهي من عند ~~الله، فأنت حين تضع المقاييس تضعها على قدر معرفتك وإمكاناتك. # فالرسول صلى الله عليه وسلم رسول الله ونبي الله بمقاييس الله، فهو إذن ~~مشرف عندكم، مشرف عند من أرسله و # الله أعلم حيث يجعل رسالته.. # [الأنعام: 124]. فأحب شيء في الإعلام برسول الله أن ms7915 نقول: محمد، أو ~~أبو القاسم، أو رسول الله، أو النبي، والحق سبحانه حين نادى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم لم يناده باسمه أبدا، فلم يقل يا محمد، إنما بلقبه ~~الذي يشعر برفعته عند الحق سبحانه، فقال في ندائه: # يأيها النبي.. # [الأنفال: 65]، # يأيها الرسول.. # [المائدة: 41]. ولو تتبعت نداء الله للرسل من لدن آدم عليه السلام لا ~~تجد رسولا نودي بغير اسمه إلا محمد صلى الله عليه وسلم. أما لفظ محمد ~~فقد ورد في القرآن، لكن في غير النداء، ورد على سبيل الإخبار بأن محمدا ~~رسول الله. وحتى في الإخبار عنه صلى الله عليه وسلم أخبر الله عنه بلقبه: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم.. # [التوبة: 128]. وقال: # وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا # [الفرقان: 30]. إذن: في النداء استقل بيا أيها النبي، ويا أيها الرسول، ~~أما في الإخبار فلا بد أن يذكر اسمه محمد رسول الله، وإلا فكيف يعرف ~~أنه رسول الله؟ فيخبر به أولا اسما ومسمى. ونودي صلى الله عليه ~~وسلم بيأيها النبي، ويأيها الرسول تعظيما له صلى الله عليه وسلم، ونحن ~~حين نريد أن نعظم من ننادي نسبق الاسم بمقدمات، نقول: يا سيدي ~~فلان، يا فضيلة الشيخ، يا صاحب العزة.. إلخ. وقد تقدمت أيها على ~~المنادي هنا لأن الاسم المنادى المحلى بأل لا ينادى مباشرة إلا في لفظ ~~الجلالة الله فنقول: يا الله، فكأن الحق سبحانه توحد حتى في النداء، ~~هذا في نداء المفرد. والحق سبحانه نادى رسوله بيأيها النبي، ويأيها ~~الرسول، الرسول هو سفير بين الله وبين خلقه ليبلغهم منهجه الذي يريد ~~أن تسير عليه حياتهم فالرسول مبلغ، أما النبي فمرسل أيضا من ~~قبل الحق سبحانه، لكن ليس معه شرع جديد، إنما يسير على شرع من سبقه ~~من الرسل، أما فهو فقدوة وأسوة سلوكية لقومه. ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~جمع الأمرين معا، فهو نبي ورسول له خصوصيات أمر بها، ولم يؤمر ~~بتبليغها - وهذه مسائل خاصة بالنبوة - وله أمور أخرى أمر بها، وأمر ~~بتبليغها. ومعلوم من أقوال العلماء ms7916 أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسول ~~بالمعنى الاصطلاحي، وإلا فهم جميعا مرسلون من قبل الله. وكلمة ~~النبي مأخوذة من النبأ وهو الخبر الهام، فالخبر يكون من البشر للبشر، ~~فإن كان من خالق البشر فهو نبأ أي: أمر عظيم ينبغي الاهتمام به، وأصله ~~من النبوة، وهي الشيء العالي المستدير في وسط شيء مستو. # فحين تقول: رأيت فلانا اليوم، هذا لا يسمى نبأ إنما خبر لذلك قال ~~سبحانه: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم # [النبأ: 1-2] أي: الخبر الهائل الذي هز الدنيا كلها، وملأ الأسماع، ~~وزلزل العروش. ثم يقول سبحانه مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم { اتق ~~الله.. } [الأحزاب: 1] سبق أن قلنا: إن الكلام العربي مقسم إلى ~~خبر وإنشاء، فالخبر نسبة كلامية كانت قبل النطق بها نسبة ذهنية، وبعد ~~النطق بها كلامية، فإن كان لها معنى ومدلول فهي نسبة واقعية، والخبر هو ~~القول الذي يوصف بالصدق إن طابق الواقع، ويوصف بالكذب إن خالف. أما ~~الإنشاء فهو مقابل الخبر يعني: قول لا يوصف بصدق ولا بكذب، كأن تقول ~~لإنسان: قف، فهذا أمر لا يقال لقائله: صادق، ولا كاذب. فقوله تعالى ~~لنبيه { اتق الله.. } [الأحزاب: 1] هذه نسبة كلامية من الله ~~لرسوله، ليحدث مدلول هذا الأمر، وهو التقوى، لكن أكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم غير تقي حتى يأمره ربه بالتقوى؟ نقول: ليس بالضرورة أن يكون ~~الرسول عصى، فيأمره الله بتقواه، لكن الحق سبحانه ينشئ مع رسوله كلاما ~~بداية دون سابقة عصيان. أو: أنه الأمر الأول بالتقوى كما تقول لولدك في ~~بداية الدراسة: اجتهد وذاكر دروسك، وأنت تعرف أنه مجتهد، لكن لا بد من ~~تقرير المبدأ في بداية الأمر. ثم إن الحدث يحدث في أزمنة ثلاثة: ماض ~~وحال ومستقبل، فإذا طلب من شخص فعل شيء هو مقيم عليه بالفعل كقوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله # [النساء: 136]. فالحق سبحانه يأمرهم بالإيمان، مع أنه وصفهم وخاطبهم ~~بلفظ الإيمان لأن المعنى: أنتم آمنتم قبل أن أكلمكم، وهذا الإيمان ~~السابق لكلامي ماض، وأنا أريد منكم ms7917 أن تحدثوا إيمانا جديدا، حالا ~~ومستقبلا، أريد أن تجددوا إيمانكم، وأن تستمروا عليه. فمعنى { ~~يأيها النبي اتق الله.. } [الأحزاب: 1] أي: واصل تقواك ~~حالا، كما فعلتها سابقا، وواصلها مستقبلا، فلا تنقطع عنها أبدا. أو: ~~أن تقوى الله أمر يلصق الإنسان بربه، والله كلف بأشياء، ثم أباح لك من ~~جنس التكليف أشياء، فإذا قال الله لرسوله { اتق الله.. } [الأحزاب: ~~1] فهي غير قوله لنا: اتقوا الله، فالأمر لنا نحن بالتقوى، أي: نفذ ما ~~فرض عليك، أما في حق رسول الله فهي بمعنى: ادخل في مقام الإحسان، ~~وجدده دائما لأن مراقي القبول من الله لا تنتهي، كما أن كمالات العطاء ~~في الله لا تنتهي. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " من استوى يوماه فهو مغبون " # أي: من استوى يومه مع أمسه في قربه من الله فهو خاسر، لماذا؟ لأنه ~~ينبغي للمؤمن أن يزيد في قربه وفي مودته، وعلاقته بالله يوما بعد يوم ~~لأن نعم الله عليك متوالية تستوجب شكرا متواليا، وحمدا دائما. # كما أن الحق سبحانه لا يكتفي من رسوله بما يكتفي به من سائر الخلق، إذن: ~~فالتقوى بالنسبة لرسول الله غير التقوى بالنسبة لسائر الخلق، التقوى في ~~حق رسول الله مجالها أوسع، وللرسول مع الله فيوضات لا تنتهي. لذلك حين ~~يناديك ربك للصلاة في كل يوم خمس مرات، فاعلم أن فضله عليك غير مكرر، بل ~~فضله متجدد، فعطاؤه لك في الظهر غير عطائه لك في العصر، غير عطائه لك في ~~المغرب، وهكذا تكون التقوى عملا متواصلا ممتدا. ولذلك يحذرنا أهل ~~الخير أن نداوم مع الله في شيء من الطاعة، ثم نقصر عنها، كذلك يحذرنا ~~الشرع أن ننذر لله ما لا نستطيع الوفاء به، لأنك بالنذر تفرض على نفسك ~~الطاعة، فأجمل بك أن تظل في مقام التطوع، إن خفت نفسك للطاعة ~~أدها، وإن قصرت فلا شيء عليك. وكونك تفرض على نفسك شيئا من الطاعات ~~من جنس ما فرض الله عليك. يعني: أنك أحببت الطاعة وحلت لك العبادة، ~~حتى زدت الله منها، فقلت مثلا: نذرت ms7918 لله أن أصلي من الركعات كذا، أو ~~أتصدق بكذا من المال لأنك رأيت في الصلوات الخمس إشراقات وفيوضات من ~~الله فزدت منها. والحق سبحانه يطلب منا حين ينادينا للصلاة أن نسعى ~~للمسجد، مع أن الأرض كلها مسجد وكلها طهور، لكن المسجد خصص للصلاة، ~~فينبغي أن تؤدى فيه، وأنت في صلاة ما دمت تسعى للصلاة، فمن كان ~~بعيد البيت عن المسجد عليه أن يأتي الصلاة في سكينة ووقار، ولا يخرج عن ~~هذا السمت حتى وإن تأخر عن تكبيرة الإحرام. وقد ورد في حديث سيدنا ~~رسول الله: # " إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما ~~أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ". # وهناك مطلوب إيمان ومطلوب إحسان: مطلوب الإيمان هو ما فرضه الله عليك، ~~وجاء في الحديث القدسي: # " ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه ". # فإن أردت أن تتقرب إلى الله فتقرب إليه بما يحب، ومن جنس ما فرضه ~~عليك، فالله أمرك بصلاة وصيام وزكاة، فإن حلت لك هذه العبادات فزد ~~منها فوق ما فرضه الله عليك، وحين تزيد اعرف أنه مستك نورانية ~~الإشراق في العبادة فقلت: الله يستحق مني فوق ما كلفني، وهذا هو مقام ~~الإحسان. وسبق أن تحدثنا عن هذا المعنى في قوله تعالى: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم ~~يستغفرون # [الذاريات: 15-18]. وهل فرض الله على عبده ألا يهجع إلا قليلا من ~~الليل؟ لا بل لك أن تصلي العشاء، وتنام حتى صلاة الفجر، كذلك في ~~الاستغفار، أما الذي لا يهجع من الليل إلا قليلا ويقوم في السحر ~~للاستغفار، فلا بد أنه حلت له العبادة، وحلا له الوقوف في حضرة ربه ~~- عز وجل - فدخل في مقام الإحسان. # ثم الإحسان نوعان: إحسان كم، وإحسان كيف، إحسان الكم بأن تزيد على ما ~~فرض عليك، فتصلي فوق الفرض وتزكي فوق الفرض، أما إحسان الكيف فبأن ~~تخلص في عبادتك لله، وأن تعبد الله كأنك ms7919 تراه، فإن لم تكن تراه فإنه ~~يراك يعني: إذا لم يكن لديك الإشراق والشفافية التي تريك الله، فلا ~~أقل من أن تعبده على أنه يراك. وساعة تدخل في مقام الإحسان فأنت حر ~~إذن فيما تقدم من الإحسان، كما قال سبحانه: # ما على المحسنين من سبيل.. # [التوبة: 91] على حسب ما تخف نفسك للطاعة، خفت لخمس ركعات، خفت ~~لعشر، خفت لخمسة بالمائة في الزكاة، خفت لعشرة.. إلخ أنت حر. ألا ~~ترى أن الحق سبحانه لما تكلم عن هذا المقام قال: # وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 19] أما في الزكاة المفروضة فقال: # والذين في أموالهم حق معلوم # [المعارج: 24]. إذن { يأيها النبي اتق الله.. } ~~[الأحزاب: 1] أي: تقوى تناسب مقامك من ربك لأن عطاءات الله سبحانه لا ~~تتناهى، كما أن كمالاته لا تتناهى، لذلك كان سيدنا رسول الله يقوم الليل ~~حتى تتفطر قدماه ولما سألته السيدة عائشة: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما ~~تقدم من ذنبك؟ قال: # " أفلا أكون عبدا شكورا ". # يعني: العبادة لا تكون لمجرد الثواب والمغفرة، إنما هناك درجات ~~وارتقاءات أخرى. والتقوى: قلنا أن تجعل بينك وبين ما يمكن أن ينشأ منه ~~ضرر لك وقاية، لكن كيف نجعل بيننا وبين ربنا سبحانه وقاية، ومهمة التقوى ~~أن تندمج مع الله في معيته؟ هذا في حق من يتحكم جيدا في نفسه، ويحملها ~~على منهج الله. قالوا: لأن لله تعالى صفات جلال وصفات جمال، ولكل صفة ~~منها مطلوب، فالله تعالى غفور رحيم، وهو أيضا سبحانه القهار الجبار ~~المنتقم، الله سبحانه هو الضار وهو النافع، إذن: فصفات الجمال هي التي ~~تؤتي الإنسان الخير الذي يحبه، وصفات الجلال هي التي تتسلط على من ~~يخالف. فعلى العبد دائما أن يظل خائفا من صفات الجلال راجيا صفات ~~الجمال. إذن: تقوى الله تكون بأن تجعل بينك وبين صفات الجلال وقاية لأنك ~~لست مطيقا لهذه الصفات، ولا تطيق مسة خفيفة من النار، وهي جند من ~~جنود الله فاحذرها. وعرفنا في مسألة الشفاعة أن الصيام والقرآن يشفعان ~~لصاحبهما، وأن الله يشفع بعض ms7920 المؤمنين، ويشفع الأنبياء والملائكة، ~~ثم بعد ذلك تبقى شفاعة أرحم الراحمين، فكيف يشفع الله عند الله؟ قالوا: ~~أي تشفع صفات الجمال عند صفات الجلال، فحين يذنب العبد ذنبا تتسلط عليه ~~صفات الجلال لتعاقبه، فتتصدى لها صفات الجمال، وتشفع عندها لتسقط ما لها ~~عنده من حق. # ثم يقول سبحانه مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم: { ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين.. } [الأحزاب: 1] فهل حين يتقي رسول ~~الله ربه أيطيع الكافرين والمنافقين؟ قالوا: جمع القرآن بين الأمر ~~بالتقوى والنهي عن طاعة الكافرين والمنافقين على الالتزام، تقول: أكرم ~~فلانا وفلانا أيضا، فلم تقل لا تكرم إلا فلانا، إذن: فعطف لا تطع ~~الكافرين والمنافقين على { اتق الله.. } [الأحزاب: 1] بالالتزام. ~~والنبي صلى الله عليه وسلم حينما جاء جاء على نظام كوني أعده الله تعالى ~~لخلقه، وحين خلق الله الخلق أخذ على الإنسانية كلها بكل أفرادها من ~~آدم إلى أن تقوم الساعة - أخذ عليهم العهد # ألست بربكم قالوا بلى.. # [الأعراف: 172] فشهدوا لله تعالى قبل أن تتهيأ لهم المعاصي والشهوات. ~~فإذا أصابت الناس غفلة أو نسوا هذا العهد بعث الله لهم من رسله من ~~يذكرهم لذلك خوطب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: # إنمآ أنت منذر.. # [الرعد: 7]. وقال سبحانه عن الرسل: # رسلا مبشرين ومنذرين.. # [النساء: 165] يعني: ليسوا منشئين تقوى وطاعة، إنما مذكرون بقضية معلومة ~~سلفا من الأزل، وما هم إلا مبشرين بالثواب لمن أطاع، ومنذرون بالعذاب ~~لمن عصى، والحق سبحانه يريد من عباده أن يكونوا على ذكر دائم لهذه ~~الحقيقة وألا يغفلواعنها. والغفلة تأتي إما من شهوة النفس أو كسلها عن ~~مطلوب شاق للعبادة أو وسوسة من غير مطيع في أذنك، سواء أكان من شياطين ~~الإنس أو من شياطين الجن، كما قال تعالى: # يوحي بعضهم إلى بعض.. # [الأنعام: 112]. وقلنا: إن المنحرف يحسد المستقيم على استقامته، لكنه لا ~~يستطيع أن يتحمل تبعات هذه الطاعة، فلا أقل من أن يحاول أن يجذب ~~المستقيم إليه، فيوسوس له ويصرفه عن صفة الكمال التي له لذلك حين يوسوس ~~لك صاحبك بشيء من معصية ms7921 الله فأول شيء ينبغي أن تفطن إليه أنه يكرهك، ~~ولا يريد لك الخير الذي يعجز هو عن إدراكه، فهو لا يريد لك أن تتميز ~~عليه بشيء. إذن: الكافرون والمنافقون الذي يصادمون دعوة الرسل لم يقدروا ~~على أن يحملوا أنفسهم على منهج الله، ولا أن يلتزموا كما التزم ~~المؤمنون، فلا أقل من أن يحولوا بين المؤمنين وبين المنهج الجديد الذي ~~جاء به رسول الله. وقلنا: إن الرسول لم يأت إلا لضرورة، هي انطماس معالم ~~المنهج عند المرسل إليهم، وانعدام الرادع في النفس البشرية أولا ثم في ~~المجتمع ككل، فالإنسان حين يغفل تذكره النفس اللوامة وترده عن ~~المعصية، فإذا ما ضعف سلطان هذه النفس تحكمت فيه النفس الأمارة بالسوء ~~وصرفته عن الخير كله، فلم يبق له رادع إلا في المجتمع الإيماني الذي ~~يقوم بدوره في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وهذه هي ميزة الخيرية في هذه الأمة التي قال الله فيها: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.. # [آل عمران: 110]. فإذا انطمس هذا المبدأ في المجتمع أيضا حتى لم يعد ~~فيه آمر بمعروف ولا نآه عن منكر، فلا بد أن تتدخل السماء بإيقاظ ~~جديد برسول جديد، لكن أمة محمد صلى الله عليه وسلم من شرفها عند ربها ~~وشرفها برسولها أن الله منحها هذه الخيرية، بحيث لا يعدم فيها الأمر ~~بالمعروف ولا النهي عن المنكر أبدا لذلك لا يجيء رسول بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لأنها أمة مأمونة. ولا بد للأمة التي توفرت لها هذه ~~المناعة الجماعية الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر أن يكون لها وعي ~~إيماني وفهم جيد لهذه المهمة، وقد وردت فيها مذكرة الإيضاح التفسيرية من ~~سيدنا رسول الله حين قال: # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن ~~لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". # فالمشرع قدر عدم الاستطاعة، فجعل لكل خطوة من أمر بمعروف أو نهى عن ~~منكر مجالا: متى أغير المنكر بيدي؟ ومتى أغيره بلساني؟ ومتى أغيره ~~بقلبي؟ أغيره ms7922 بيدي فيمن أملك الولاية عليه، حيث أتمكن من التغيير، فإن ~~كان المنكر ممن لا ولاية لي عليه، فعلى أن أغيره بلساني في ضوء ~~قوله تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.. # [النحل: 125] بالأسلوب الحسن الجميل، لكن تجد بعض الدعاة يدعون على غير ~~بصيرة، فيغفلون مسألة الاستطاعة، ولا يجعلون لعدم الاستطاعة مجالا، ~~ويميلون إلى تغيير المنكر كله باليد، وهذا مخالف لأمر رسول الله. فإن ~~توقعت أن يصيبك ضرر فلتغير المنكر بقلبك لأن الهدف أن تستقطب المنحرف ~~إلى جهة الاعتدال، وهذا لا يتم إلا باللين وبالرفق حتى لا تجمع عليه ~~شدتين: الأولى أن تخرجه مما يألف، والثانية: أن تخرجه عما يألفه ~~بما يكرهه. ويخطئ الكثيرون في فهم تغيير المنكر بالقلب فيظنون مثلا أن ~~تقول في نفسك: اللهم إن هذا منكر لا يرضيك وأنا أنكره، هذا مجرد إنكار ~~باللسان والله لا يريد كلمة تخرج من أفواههم، إنما يريد منا عمل القلب ~~الذي يتبعه عمل الجوارح، فقالبك في هذا الإنكار تابع لقلبك. فحين ترى ~~من استشرى في العصيان والطغيان وأنت لا تقدر على نهيه، لا بيدك ولا ~~بلسانك، ولا تستطيع مواجهته، فعليك أن تكون كارها لعمله معرضا عنه، ~~مهملا له، فلا تجامله في حزن ولا تهنئه في فرح ولا تساعده إن احتاج.. ~~إلخ. عليك أن تعزله عن مجتمعك، فإذا فعل معه الجميع هذا الفعل، وسلكوا ~~معه هذا المسلك سقط واحده وارتدع. # لذلك لم نر النبي صلى الله عليه وسلم صنع سجنا للمسلمين المخالفين، ~~إنما جعل سجنهم في عزل المجتمع الإيماني لهم، أو سجن المجتمع عنهم، لا ~~يكلمهم ولا يتعامل معهم، حتى الزوجة عزلها الشرع عن زوجها لا يقربها حتى ~~يقضي الله في أمره. أتذكرون قصة كعب بن مالك، وكيف عزله المجتمع الإيماني ~~وكان من الثلاثة الذين خلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك، حتى قاطعه ~~أقرب الناس إليه، فلما تسور الحديقة على ابن عمه وقال: تعلم أني أحب ~~رسول الله فلم يرد عليه. وتأتي زوجة هلال إلى رسول الله ms7923 وقد كان أحد ~~الثلاثة أيضا، وتقول: يا رسول الله، إن هلالا رجل كبير السن، ليس له ما ~~للرجال في النساء، فقال لها: اخدميه لكن لا يقربنك. وقد ظل هؤلاء في هذه ~~العزلة حتى أن القرآن قال فيهم: # حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت ~~عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله ~~إلا إليه.. # [التوبة: 118]. هكذا التزم المسلمون الأوائل بشرع الله، واستطاعوا لا ~~نقول سجن المخالف، إنما سجن المجتمع عنه، وهذه المسألة هي سبب الأزمة ~~التي تعيشها بلدنا الآن، فالمجرم الذي يعيش بيننا، أليس معلوما لأهل ~~المنزل الذي يعيش فيه، بل لأهل الحي والشارع؟ فهل ذهب واحد منهم إلى تاجر ~~فقال له: أعطني كذا فقال: لا ليس عندي وقاطعه؟ هل سلم واحد منهم على ~~شخص، فلم يرد عليه السلام؟ إذن: المجتمع كله يتحمل هذه المسئولية، ~~ويتحمل الإثم عليها لأنه تستر على هؤلاء، لدرجة أن نقول: إن المجتمع ~~نفسه مجرم أكثر من المجرمين. وينبغي قبل أن نتكلم عن المجرم نتكلم معه ~~نحاوره وننصحه ونحسن إليه قبل أن نقاطعه، نفهم هذا المعنى من قول سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " # ولم يقل على سلطان جائر. فقبل أن نفضحه ونشنع عليه يجب أن نتكلم ~~معه، وأن ننصحه حتى يعلم أنك تريد به الخير، وتريد أن ترده إلى الجادة ~~فيقبل منك، وعلى الأقل لا يضرك، إنما آفتنا أننا نشنع على المجرم، ~~وربما نحمله فوق الصدق الواحد ألف كذب لمجرد كراهيتنا له. لذلك قال ~~العربي في صفات الناس: إن علموا الخير أخفوه، وإن علموا الشر أذاعوه، ~~وإن لم يعلموا كذبوا. إذن: معنى التغيير بالقلب أن يكون قالبك موافقا ~~لقلبك، وهذه لا تكلفك شيئا، على خلاف التغيير باليد أو باللسان لذلك ~~وصفه رسول الله بأضعف الإيمان، يعني أنها مسألة يقوم بها الضعيف. وبعزل ~~المجتمع عن المجرم تنتهي ظاهرة الإجرام، وما استشرى الإجرام إلا حين خاف ~~الناس من المجرمين وتملقوهم وتوددوا إليهم ربما لاتقاء شرهم، ولم ~~لا يزداد ms7924 المجرم في إجرامه والأمر كذلك؟ لذلك جعل الشارع الحكيم الدية في ~~القتل الخطأ ليست على القاتل وحده، إنما على العاقلة أي: على جميع ~~العائلة لأنها المنوط بها تقويم أبنائها، والأخذ على أيدي المنحرف منهم ~~لأنها هي التي ستتحمل العاقبة، وبذلك يحدث التوازن في المجتمع. # والحق - سبحانه وتعالى - حين وضع المنهج الذي ينظم حياة الخلق يريد ~~سبحانه الخير لخلقه، وهو سبحانه صاحب الخير ولا ينتفع منه بشيء، فلو أن ~~الخلق جميعا كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في ملك ~~الله شيئا. ثم هو سبحانه خلق الإنسان، وحدد مهمته في الحياة، ووضع له ~~قانون صيانته فيها، كما أن صانع الآلة يحدد الهدف منها قبل صناعتها، وحدد ~~لها قانون صيانتها، فالذي صنع الغسالة مثلا رأى كيف تتعب المرأة في ~~عملية غسيل الملابس، فصنع هذه الآلة لتقوم بهذه المهمة، ولم يحدث أن صنع ~~صانع آلة، ثم قال: انظروا في أي شيء يمكن أن تستخدم. لذلك، فشل ~~العالم كله يأتي من أن الخلق يريدون أن يحددوا مهمة الإنسان، ويضعوا ~~له قانون صيانته، ويغفلون أنه صنعة الله، والذي يحدد مهمة الصنعة هو ~~صانعها. والحق سبحانه حدد لنا مهمتنا في الحياة قبل أن يستدعينا ~~إليها، واقرأ إن شئت قول ربك: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان # [الرحمن: 1-3]. فالحق سبحانه قبل أن يخلق الإنسان وضع له المنهج، ~~وحدد له مهمته وقانون صيانته في قرآنه الكريم، كما يحدد الصانع مهمة ~~صنعته أولا، فإن حدث في هذه الصنعة عطب فيجب أن ترد إلى ~~الصانع، وإلى قانون الصيانة بافعل ولا تفعل لأنه سبحانه هو الذي خلق، وهو ~~الذي يعلم ما يصلح صنعته ويضمن سلامتها، واقرأ إن شئت: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. ويقول تعالى: # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول.. # [النساء: 59] إذن: فآفة المجتمع البشري أولا: أنه يريد أن يحدد ~~لخلق الله مهمتهم، وأن يتدخل في صنعة ليست صنعته. ثانيا: حين يفسد ~~المجتمع يجعلون له قوانين إصلاحية من عندهم، وهل تركنا الله ms7925 بدون منهج، ~~وبدون قانون صيانة؟ لقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~قدوتنا إذا حزبه أمر أو عز عليه شيء يهرع إلى ربه، ويقف بين يديه في ~~الصلاة، كما تعرض أنت آلتك أو جهازك على المهندس المختص، فيصلح لك ما فيه ~~من عطب، وهذه مسألة مادية يصلحها المهندس بشيء مادي. أما الحق سبحانه ~~فغيب، فحين يصلحك أنت أيها العبد يصلحك بقانون الغيب، بحيث لا تدري أنت ~~كيف أصلحك، المهم حين تعرض نفسك على ربك وعلى خالقك - عز وجل - تعود ~~منشرح الصدر، راضيا طيب النفس. الحق سبحانه يقول لرسوله: { ولا ~~تطع الكافرين والمنافقين.. } [الأحزاب: 1] لأنهم أهل فساد ~~يمارسونه وينتفعون به لذلك لا بد أن يصادموا الحق، وأن يعترضوا ~~طريقه، وأساس الفساد في الكون أن يحب الإنسان أن يأخذ خير غيره، وأن ~~يكون دمه من عرق الآخرين، فإذا جاء من يعدل هذا الميزان المائل وقفوا ~~له بالمرصاد لأن دعوته تتعارض ومنافعهم. # والحق سبحانه بين لنا على مدى موكب الرسل جميعا أنه ما من رسول إلا ~~كان له أعداء ومعاندون، لكن سنة الله في الرسل أن تكون لهم الغلبة في ~~نهاية الأمر، كما قال سبحانه: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. إذن: فالله تعالى يريد منا الاستقامة على منهجه، ~~وأهل الفساد يريدون الانحراف عن هذا المنهج، واقرأ: # وأن هذا صراطي مستقيما.. # [الأنعام: 153] يعني: استقامة على إطلاقها، فمن منكم يرينا فيه ~~التواء أو اعوجاجا؟ # فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله.. # [الأنعام: 153]. فالصراط المستقيم واحد، وسبيل الحق واحد، أما الباطل ~~والفساد فله سبل شتى، وقد نبهنا سيدنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى هذه القضية حين خط للصحابة خطا واحدا مستقيما، وعلى ~~جانبيه خطوطا، ثم تلا: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.. # [الأنعام: 153]. وتعلمنا في علم الهندسة أن الخط المستقيم هو أقرب ~~مسافة بين نقطتين، فلو خط مهندس طريقا مستقيما بين بلدين مثلا تراه ms7926 ~~لو انحرف في بداية الطريق عدة سنتيمترات فإنها تبعده عن البلدة الأخرى ~~عدة كيلو مترات. إذن: الطريق المستقيم هو الذي يسهل لك السفر، ويقرب ~~لك المسافة، أما السبل المتعددة فإنها تهدر مجهودك وتشق عليك، حتى أنت ~~في لغتنا العامية تقول لصاحبك: تعال دغري أو تقول بلاش لف ودوران كذلك ~~يقول لك ربك: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل.. # [الأنعام: 153]. وإن كان طريق الحق واحدا، فطرق الضلال متعددة، فواحد ~~فساده من ناحية المال، وواحد من ناحية النساء، وواحد يفسده المنصب ~~والسلطان.. إلخ. فإذا ما جاء رسول من عند الله يكبح جماح هؤلاء لا بد ~~أن يتصادموا معه لذلك ينبه الحق - تبارك وتعالى - نبيه صلى الله عليه ~~وسلم: أول مراتب التقوى أن تتقي الله وحده، ثم لا تطع الكافرين ~~والمنافقين لأنهم يريدون أن يأخذوك للشر والله يريدك للخير. وقوله ~~تعالى: { ولا تطع الكافرين والمنافقين.. } [الأحزاب: 1] ~~تعني: أنه لا مانع أن تطيع غيرهم من أصحاب الرأي والمشورة من المؤمنين ~~فيما لم يأتك فيه أمر من الله لذلك # " نزل سيدنا رسول الله في غزوة بدر على رأي الصحابي الجليل الحباب بن ~~المنذر لما قال له: يا رسول الله، أهذا منزل أنزلكه الله، أم هو الحرب ~~والمكيدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بل هو الحرب والمكيدة " ~~، فقال: إذن هذا ليس لك بمنزل ". # وقد أشار سلمان الفارسي على رسول الله بحفر الخندق فأخذ بمشورته، ~~والقاعدة الشرعية تقول: لا اجتهاد مع النص، فإذا لم يكن في المسألة ~~نص فلا مانع من أن تطيع المؤمنين الناصحين لك، المشيرين عليك بالخير. ~~فالحق سبحانه لم يمنع عن رسوله نصح الناصحين، ولم يحرمه مشورة أهل ~~الرأي. وقد اختلف الناس حول استشارة الحاكم: أهي ملزمة له أم غير ملزمة؟ ~~وإجابة هذا السؤال في قوله تعالى: # وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على ~~الله.. # [آل عمران: 159]. فللحاكم أن يسمع المشورة، وأن يقارن بين الآراء ~~ويفاضل بينها، ثم يكون له وحده القرار النهائي # فإذا عزمت.. # [آل عمران: 159] أي: أنت وحدك. ms7927 وفي العالم المعاصر نرى الأنظمة إذا ~~احتاجت إلى أخذ الآراء في موضوع ما ترجح الجانب الذي به الرئيس، وهذا ~~لا يصح، فالآراء تنير للرئيس الطريق، وتوضح له الصورة، وله هو القرار ~~الأخير لأن الحيثية التي انتخبته من خلالها أنك تشهد له بالتفوق، إذن: ~~فهو الذي يرجح أحد الآراء. وفرق بين المشورة والتفويض، فحين يفوض ~~رئيس الدولة شخصا أو هيئة لدراسة أمر من الأمور، أو اتخاذ قرار، فهي ~~صاحبة الرأي، وحين تعرض عليه ما توصلت إليه يعطيها الموافقة لأنه ~~فوضها في هذا الأمر، إذن: التفويض يجيز لك اتخاذ القرار، أما المشورة ~~فتقف عند عرض الرأي فحسب. والرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يريد الخروج ~~لغزوة أحد، لكن لما شاور صحابته أشاروا عليه بالخروج لما عندهم من ~~العزة والحماس لنصرة دين الله، وظلوا برسول الله حتى استعد للحرب، ولبس ~~لها ملابسها، ثم عادوا إلى رأيه صلى الله عليه وسلم في عدم الخروج. فقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " ما كان لنبي يلبس لامة الحرب... ". # وحدث ما حدث في أحد ولم ينتصر المسلمون، أما أبو بكر رضي الله عنه - ~~فلم يستمع لمشورة المسلمين في حرب الردة وصمم عليها، وقال: والله ~~لأقاتلنهم ولو بالذر يعني: بالحصى، وانتصر الصديق، وإليه يرجع الفضل في ~~إنقاذ دين الله من فتنة كادت تذهب به. إذن: فاجعلوا من اختيار الله ~~لرسوله صلى الله لرسوله صلى الله عليه وسلم مرجحا، فيأخذ منكم جميع ~~الآراء، ويستشيركم، ثم ينفذ هو ما يراه مناسبا. وهنا فرق بين الكافرين ~~والمنافقين، ولدينا بعض المصطلحات التي ينبغي أن نكون على علم بمدلولها: ~~الإيمان والكفر والنفاق والجحد. الإيمان: الإنسان منا له قلب يحمل ~~النوايا، وله قالب يعبر عنها، كما قال الشاعر: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما # جعل اللسان على الفؤاد دليلا # فالإيمان هو الحق الذي يعتقده القلب، ويقتنع به، ويوافقه اللسان ~~والقالب، أما إن وافق اللسان القلب في الباطل فهذا هو الكفر. لذلك قلنا: ~~إن الكافر منطقي مع نفسه لأنه نطق بما في قلبه، لكنه غير منطقي ms7928 مع الحق ~~لأنه جحده بقلبه وجحده بلسانه، فليس عنده اختلاف بين القلب واللسان. # أما النفاق فهو أن يعتقد القلب الكفر ويضمره، ويعلن اللسان كلمة ~~الإيمان، فالمنافق يخالف لسانه قلبه، فهو غير منطقي لا مع الحق ولا مع ~~نفسه لذلك كان المنافق في الدرك الأسفل من النار، لأنه أشر من ~~الكافر. لذلك لما طلب سيدنا رسول الله من القوم أن يقولوا: لا إله إلا ~~الله قالتها القلة المؤمنة، وامتنعت الكثرة الكافرة، لماذا؟ لأنهم يعرفون ~~معناها، وإلا لقالوها من بداية الأمر، وانتهت المواجهة بين الإيمان ~~والكفر، فعدم نطقهم بها دليل على فهمهم لها ولمطلوباتها. أما الجاحد ~~فعلى النقيض من المنافق، فهو مقتنع في نفسه، لكنه لا يقدر على النطق بما ~~يقتنع به من الحق لذلك يقول تعالى عنهم: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # [النمل: 14]. ولما طال الجدل بينهم وبين رسول الله قالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32] بدل أن يقولوا: فاهدنا إليه. وبعد أن قالوا في القرآن ~~أنه سحر، وأنه أساطير الأولين.. إلخ زهق باطلهم، وكشف الله جحودهم، حين ~~حكى قولهم: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إذن: فالقرآن لا غبار عليه وهو حق، لولا أنه نزل على هذا ~~الرجل بالذات، ولو نزل على عظيم من عظماء مكة أو المدينة لآمنا به، ~~وهكذا أثبتوا إيمانهم بالقرآن، والقرآن يستوجب أن يؤمنوا أيضا بمحمد. ~~ومعلوم أن الإسلام صاح صيحته الأولى في أذن من؟ في أذن كفار مكة وسادة ~~قريش والجزيرة كلها، وقد كانت لهم الكلمة المسموعة والمنزلة الرفيعة بين ~~العرب جميعا لقيامهم على خدمة الحجيج، ووقوع بلادهم على طرق التجارة بين ~~الشمال والجنوب. إذن: الإسلام لم يستضعف جماعة ليعلن فيهم صيحته الأولى، ~~إنما اختار السادة، لكن الله تعالى لم يشأ أن ينتصر الإسلام في مكة لأنه ~~لو انتصر فيها لكان من الممكن أن يقال: قوم من قريش تعصبوا لواحد منهم ~~ليسودوا به العالم كما سادوا ms7929 الجزيرة. لذلك لما أعلن سيدنا رسول الله ~~دعوته بين قومه أسرعوا إليه يقولون: يا محمد إن كنت تريد ملكا ~~ملكناك علينا، وإن كنت تريد مالا جمعنا لك المال حتى تصير أغنانا.. ~~فقال قولته المشهورة: # " والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا ~~الأمر ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه ". # فشاء الله أن تكون الصرخة الأولى في أذن السادة أصحاب الكلمة والسلطة في ~~مكة، وأن تكون نصرة الدين في المدينة، لتعلم الدنيا كلها أن الإيمان ~~بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، وليست العصبية لمحمد هي التي خلقت ~~الإيمان بمحمد. # ونفهم أيضا من قوله تعالى: { ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين.. } [الأحزاب: 1] أن غير الكافرين وغير المنافقين لا ~~يكون لهم أمر يطاع مع أمر رسول الله لأن المؤمن برسول الله يتلقى من ~~رسول الله. لذلك يعد من الخطأ بمكان أن نقول: كيف فعل رسول الله كذا ~~وكذا؟ فنناقشه ونستدرك عليه صلى الله عليه وسلم، وكيف تجعل من نفسك أيها ~~المؤمن ميزانا وحكما يحكم على أفعال الرسول ويضعها في الميزان؟ كمن ~~يناقشون مثلا مسألة تعدد الزوجات، ويصل بهم الحد إلى انتقاد رسول ~~الله، وكأنه يجري له محاكمة. وكيف نعارض رسول الله في هذا، والله تعالى ~~لم يعارضه، ولم يقله من مسألة الرسالة، بل ارتضى الله فعل رسوله ~~وباركه، فلا تجعل من نفسك مقياسا على رسول الله لأن الأصل أنه هو ~~المقياس الذي نقيس عليه أفعالنا، فنسأل: أفعل رسول الله ذلك أم لم يفعل؟ ~~فإن فعل فعلنا. ومن هذا المنطلق سمي الصديق صديقا، فلما ~~حدثوه أن رسول الله يخبر أنه أتى بيت المقدس في ليلة قال: إن كان قال ~~فقد صدق. والحق سبحانه حين ينهى رسوله عن طاعة الكافرين والمنافقين إنما ~~يبين له طبيعتهم، وحقيقة عدائهم له، فهم غير مخلصين له، وعليه أن ~~يتهم أمرهم إن أمروه ويتهم نهيهم إن نهوه، وكيف يخلصون في أمره أو ~~نهيه، وقد جاء ليصادم سيادتهم، ويكسر جبروتهم وكفرهم؟ وهبهم مخلصين لك ~~لأنك من ms7930 قريش، ويريدون نصرتك فينقصهم في نصحهم لك العلم والحكمة، فلا ~~يصح إذن أن تقارن بين طاعة الله وطاعة هؤلاء، مهما كانوا مخلصين لك. كما ~~نلحظ أن القوم فعلا طلبوا من رسول الله أشياء، فكأن الله نبهه قبل أن ~~يطلبوا منه إلى ما يطلب منه من مخالفتهم وعدم طاعتهم، والطاعة فيها مطيع ~~ومطاع، وهم يريدون ان يكونوا مطاعين، ورسول الله طائع ممتثل لأمرهم، لكن ~~كيف تقلب المسألة بهذا الشكل، وما جاء رسول الله إلا ليشرع للناس ~~فيطيعوه، فهو الذي يأمر، وهو الذي يطاع. فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~يقول لهم: كيف أقارن بينكم وبين ربي؟ وقد ثبت ذلك فقد جاء أبو سفيان ~~وعكرمة بن أبي جهل والوليد بن المغيرة والأعور السلمي وانضم إليهم وفد ~~ثقيف، جاءوا جميعا إلى المدينة واجتمعوا بعبد الله بن أبي، وعبد الله ~~بن سعد بن أبي السرح، وقد أمنهم رسول الله فقالوا: يا محمد كف عن ~~آلهتنا: اللات والعزى ومناة، واشهد بأن شفاعتهم تقبل عند الله، ونريد أن ~~تحفظ لنا كرامتنا ومهابتنا بين العرب، فمتعنا بآلهتنا سنة وأقرنا على ~~ذلك، ونتركك وشأنك مع ربك. فنهاه الله { ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين.. } [الأحزاب: 1] لأنك لا ينبغي أن تتراجع أمامهم في ~~شيء أبدا، وإلا لكنت خاضعا لهذه السيادة المزعومة، ولأعطيتهم الفرصة ~~حين تطاوعهم لأن يقولوا: لقد أطاعنا محمد فيصيرون هم الهادين، وأنت ~~المهدي. # ثم إن هذا الأمر بعدم طاعتهم وهم القادة والصناديد وما زالت الدعوة ~~وليدة تحتاج إلى مهادنة مع أعدائها، وربما يقول قائل: ولم لم يهادنهم ~~رسول الله حتى يشتد عود الدعوة، فهم سادة القوم وأصحاب الكلمة ~~والمهابة؟ لكن منطق الحق يرفض هذه المهادنة، ويرفض أن يعتمد رسول الله ~~إلا على الله لذلك قال في الآية بعدها: # وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا # [الأحزاب: 3]. ثم يقول سبحانه: { إن الله كان عليما حكيما ~~} [الأحزاب: 1] فالعلم غير الحكمة، العلم أن تعلم القضايا، أما الحكمة ~~فأن توظف هذه القضايا في أماكنها، فالعلم وحده لا يكفي، فالصفتان ~~متلازمتان متكاملتان، كما في قوله ms7931 تعالى: # إن خير من استأجرت القوي الأمين # [القصص: 26]. فالقوي إن كان خائنا لم تنفعك قوته، كذلك إن كان الأمين ~~ضعيفا فلا تنفعك أمانته لذلك لما اشتكى أمير المؤمنين إلى أحد خاصته من ~~أهل العراق، يقول: إن استعملت عليهم القوي يفجروه، وإن استعملت ~~عليهم الضعيف يهينوه، فقال له: إن استعملت عليهم القوي فلك قوته وعليه ~~فجوره، فقال له أمير المؤمنين: ما دمت قد عرفت هذا فلا أولي ~~عليهم غيرك. إذن: فالعلم يعطيك قضايا الخير كله، والحكمة أن تضع الشيء ~~في موضعه، والقضية في مكانها. ثم يقول الحق سبحانه: { واتبع ما ~~يوحى إليك... }. ### || [33.2] # نلحظ هنا نهيا بين أمرين: الأول # يأيها النبي اتق الله.. # [الأحزاب: 1] والآخر: { واتبع ما يوحى إليك من ربك.. ~~} [الأحزاب: 2] وبينهما النهي: # ولا تطع الكافرين والمنافقين.. # [الأحزاب: 1] ووقوع هذا النهي بين هذين الأمرين ترتيب طبيعي لأنك إذا ~~اتقيت الله ستعلي منهج الحق، وهذا يؤذي أهل الباطل وأهل الفساد ~~المستفيدين به، فلا بد أن يأتوا إليك يوسوسون في أذنك ليصرفوك عن ~~منهج ربك، وعليك إذن أن ترد الأمر إلى ما يوحى إليك وأن تتبعه. وقلنا: ~~إن الوحي: إعلام بخفاء، فإن كان علانية فلا يعد وحيا، ولله تعالى ~~في وحيه وسائل كثيرة مع جميع خلقه، فيوحي سبحانه إلى الجماد لأنه قادر ~~على أن يخاطب الجماد، كما في قوله سبحانه وتعالى عن الأرض: # يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 4-5]. ويوحي إلى النحل: # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون # [النحل: 68]. ويوحي إلى غير رسول أو نبي: # وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي ~~وبرسولي.. # [المائدة: 111]. وقال: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه.. # [القصص: 7]. هذا هو الوحي في معناه العام، أما الوحي الخاص فيكون من ~~الله تعالى لرسول مرسل من عنده إلى الخلق، وله طرق متعددة، فمرة ~~يكون بالنفث في الروع، ومرة يكون بالوحي بكلام لا يرى قائله، ولا يعرف ~~مصدره، ومرة يكون عن طريق رسول ينزل به من الملائكة. يقول تعالى: # وما كان ms7932 لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل رسولا.. # [الشورى: 51]. والقرآن الكريم لم يأت بالإلهام ولا بالكلام من وراء ~~الغيب والحجب، إنما جاء عن طريق رسول ملك نزل به على رسول الله، فثبت ~~القرآن من هذا الطريق. ولا بد في هذه المسألة من التقارب بين الرسول ~~الملك، والرسول البشر، فلكل منهما طبيعته الخاصة، ولكي يلتقيا لا بد ~~من أمرين: إما أن يرتفع البشر إلى مرتبة الملائكية بحيث يستقبل منها، أو ~~ينزل الملك إلى مرتبة البشرية بحيث يستطيع أن يلقنها. لذلك جاء في ~~الحديث أن جبريل عليه السلام نزل إلى مجلس رسول الله في صورة بشرية ~~ليعلم الناس أمور دينهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الوحي ~~تأخذه قشعريرة، ويتصبب جبينه عرقا، حينما يأتيه جبريل بالوحي، وما ذاك ~~إلا لالتقاء الملكية بالبشرية، فكان صلى الله عليه وسلم يبلغ به الجهد ~~حتى يقول: زملوني زملوني، دثروني دثروني. وإذا جاءه الوحي وهو ~~جالس مع أصحابه وركبته على ركبة أحدهم يشعر لها بثقل كأنها الجبل، أو ~~يأتيه الوحي وهو على دابة فكانت تئط، لذلك فتر عن رسول الله الوحي بعد ~~فترة ليستريح من هذا الإجهاد، وتبقى له حلاوة ما أوحي إليه، فيتشوق إليه ~~من جديد. # وبعدها خاطبه ربه: # ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 1-4]. والهدف حينما يكون غاليا، والغاية سامية يهون في سبيلها ~~كل جهد، وقد عاد الوحي إلى رسول الله بعد شوق، وخاطبه ربه بقوله: # وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ~~ربك فترضى # [الضحى: 4-5]. إذن: ثبت القرآن بالوحي عن طريق الرسول الملك، ولم يثبت ~~بالإلهام أو النفث في الروع، أو الكلام من وراء حجاب، يقول تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان.. # [الشورى: 52]. والوحي هنا: { واتبع ما يوحى إليك.. } ~~[الأحزاب: 2] من من؟ { من ربك.. } [الأحزاب: 2] ولم يقل مثلا ~~رب الخلق، نعم هو سبحانه رب الخلق جميعا، لكن محمدا صلى ms7933 الله عليه ~~وسلم سيد الخلق، فهو رب الخلق من باب أولى، وكلمة ربك تدل على الحب ~~وعلى الاهتمام، وأنه تعالى لن يخذلك أبدا، وما اتصاله بك إلا للخير لك ~~ولأمتك. ثم يقول تعالى: { إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا } [الأحزاب: 2] الخبير من وصل إلى منتهى العلم الدقيق، ومنه ~~قولنا: اسأل أهل الخبرة. يعني: لا يسأل أهل العلم السطحي، فالخبير هو ~~الذي لا يغيب عنه شيء. وتلحظ أن الآية السابقة ختمت بقوله تعالى: # إن الله كان عليما حكيما # [الأحزاب: 1] أي: عليما بما يشرع، حكيما يضع الأمر في موضعه، وقال ~~هنا: { إن الله كان بما تعملون خبيرا } [الأحزاب: 2] ~~أي: بما ينتهي إليه أمرك مع التشريع، استجابة أو رفضا، فربك لن ~~يشرع لك ثم يتركك، إنما يخبر ما تصنع، ولو حتى نوايا القلوب. ~~فالخبرة تدل على منتهى العلم وعلى العلم الواسع، وهذا المعنى واضح في ~~قوله تعالى في قصة لقمان: # يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن ~~في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها ~~الله إن الله لطيف خبير # [لقمان: 16]. فالخبرة تدل على العلم الواسع الذي لا تفوته جزئية مهما ~~صغرت، واللطف هو التغلغل في الأشياء مهما كانت دقيقة، وقلنا: إن الشيء ~~كلما لطف عنف. فكأن الحق سبحانه يقول لرسوله: اطمئن، فمهما ~~صودمت من خصومك، ومهما تألبوا عليك، فربك من ورائك لم يتخلى عنك، ~~وهؤلاء الخصوم خلقي، وأنا معطيهم الطاقات المفكرة والطاقات العاقلة ~~والطاقات المتآمرة، وسوف أنصرك عليهم في كل مرحلة من مراحل كيدهم لك. ~~لذلك لم يقووا عليك مناظرة ولا جدلا، ولم يقدروا عليك حين بيتوا لك ~~ليضربوك ضربة رجل واحد، فيتفرق دمك بين القبائل، وخرجت من بينهم سالما ~~تحثو التراب على رؤوسهم، حتى لما استعانوا عليك بالسحر وبالجن أخبرتك ~~بما يدبرون لك، ولم أسلمك لكيدهم. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وتوكل على الله... }. ### || [33.3] # يعني: إياك أن تظن أن واحدا من هؤلاء سوف يساعدك في أمرك، او أنه يملك ~~لك ضرا ولا نفعا، فلا تحسن الظن بأوامرهم ms7934 ولا بنواهيهم، ولا تتوكل ~~عليهم في شيء، إنما توكل على الله. ولا بد أن نفرق هنا بين التوكل ~~والتواكل: التوكل أن تكون عاجزا في شيء، فتذهب إلى من هو أقوى منك ~~فيه، وتعتمد عليه في أن يقضيه لك، شريطة أن تستنفد فيه الأسباب التي ~~خلقها الله لك، فالتوكل إذن أن تعمل الجوارح وتتوكل القلوب. وقد ضرب لنا ~~سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا توضيحيا في هذه المسألة ~~بالطير، فقال: # " لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا ~~وتروح بطانا ". # أما التواكل فأن ترفض الأسباب التي قدمها الله لك، وتقعد عن الأخذ ~~بها، وتقول: توكلت على الله، لا إنما استنفد الأسباب الموجودة لك من ربك، ~~فإن عزت عليك الأسباب فلا تيأس لأن لك ربا أقوى من الأسباب لأنه ~~سبحانه خالق الأسباب. لذلك، كثير من الناس يقولون: دعوت الله فلم يستجب ~~لي، نقول: نعم صدقت، وصدق الله معك لأن الله تعالى أعطاك الأسباب ~~فأهملتها، فساعة تستنفد أسبابك، فثق أن ربك سيستجيب لك حين تلجأ إليه. ~~واقرأ قوله تعالى: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.. # [النمل: 62] والمضطر هو الذي عزت عليه الأسباب، وخرجت عن نطاق قدرته ~~كما حدث لسيدنا موسى - عليه السلام - حين حاصره فرعون وجنوده حتى قال قوم ~~موسى: # إنا لمدركون # [الشعراء: 61]. نعم، مدركون لأن البحر من أمامهم، والعدو من خلفهم، هذا ~~رأي البشر وواقع الأمر، لكن لموسى منفذ آخر فقال: كلا يعني لن ندرك # إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62] قالها موسى عن رصيد إيماني وثقة في أن الله سيستجيب له. ~~والبعض يقول: دعوت الله في كذا وكذا، وأخذت بكل الأسباب، فلم يستجب لي، ~~نقول: نعم لكنك لست مضطرا، بل تدعو الله عن ترف كمن يسكن مثلا في ~~شقة ويدعو الله أن يسكن في فيلا أو قصر، فأنت في هذه الحالة لست مضطرا. ~~ثم يذكر الحق سبحانه حيثية التوكل على الله، فيقول: { وكفى بالله ~~وكيلا } [الأحزاب: 3] أي: يكفيك أن يكون الله وكيلك لأنه لا شيء ms7935 ~~يتأبى عليه، ولا يستحيل عليه شيء. وأحكي لكم قصة حدثت بالفعل معنا، ~~وكنا نسير مع بعض الإخوان فرأينا رجلا مكفوف البصر يريد أن يعبر الشارع ~~فقلنا لزميل لنا: اذهب وخذ بيده، فنزل وعبر به الشارع ثم قال له: إلى أين ~~تذهب؟ قال: إلى المنزل رقم كذا في هذا الشارع، فأخرج صاحبنا من جيبه عشرة ~~جنيهات ووضعها في يد الرجل، فلما أمسك بورقة العشرة جنيهات لم يلتفت إلى ~~المعطي، إنما رفع وجهه إلى السماء وقال: لا شيء يستحيل عليك أبدا، ثم ~~قال لصحابنا: يا بني أرجعني مكان ما كنت!! فقد قضيت حاجته التي كان يسعى ~~لها!! نعم { وكفى بالله وكيلا } [الأحزاب: 3] لأنه لا تعوزه ~~أسباب، ولا يثنيه عن إرادته شيء # ما عندكم ينفد وما عند الله باق.. # [النحل: 96]. وفي التوكل ملحظ آخر ينبغي أن نتنبه إليه، هو أنك إذا ~~توكلت على أحد يقضي لك أمرا فاضمن له أن يعيش لك حتى يقضي حاجتك، فكيف ~~تتوكل على شخص وتعلق به كل آمالك، وفي الصباح تسمع نعيه: مات فلان؟ ~~إذن: لا ينبغي أن تتوكل إلا على الله الحي الذي لا يموت: # وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده.. # [الفرقان: 58] واستغن بوكالة الله عن كل شيء { وكفى بالله ~~وكيلا } [الأحزاب: 3]. ثم يقول الحق سبحانه: { ما جعل الله ~~لرجل... }. ### || [33.4] # ترتبط هذه الآية بالآيات قبلها، فقد ذكر الله تعالى معسكرين: معسكرا ~~يحب أن يطاع، فقال تعالى لرسوله # يأيها النبي اتق الله.. # [الأحزاب: 1] وقال: # واتبع ما يوحى إليك من ربك.. # [الأحزاب: 2] وبينهما معسكر آخر نهي رسول الله عن طاعته # ولا تطع الكافرين والمنافقين.. # [الأحزاب: 1]. إذن: نحن هنا أمام معسكرين: واحد يمثل الحق في أجلى ~~معانيه وصوره، وآخر يمثل الباطل، وللقلب هنا دور لا يقبل المواربة، إما ~~أن ينحاز ويغلب صاحب الحق، وإما أن يغلب جانب الباطل، وما دمت أنت أمام ~~أمرين متناقضين لا يمكن أن يجتمعا، فلا بد أن تغلب الحق لأن الله ~~تعالى: { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.. } ~~[الأحزاب: 4] إما الحق ms7936 وإما الباطل، ولا يمكن أن تتقي الله وتطيع ~~الكافرين والمنافقين لأن القلب الذي يميل ويغلب قلب واحد. ومعلوم أن ~~القلب هو أهم عضو في الجسم البشري فإذا أصيب الإنسان بمرض مثلا يصف له ~~الطبيب دواء، الدواء يؤخذ عن طريق الفم ويمر بالجهاز الهضمي، ويحتاج ~~إلى وقت ليتمثل في الجسم، فإن كانت الحالة أشد يصف حقنة في العضل، ~~فيصب الدواء في الجسم مباشرة، فإن كان المرض أشد يعطى حقنة في ~~الوريد لماذا؟ ليصل الدواء المطلوب جاهزا إلى الدم مباشرة، ليضخه القلب ~~إلى جميع الأعضاء في أسرع وقت. إذن: فالدم هو الذي يحمل خصائص الشفاء ~~والعافية إلى البدن كله، والقلب هو الموتور الذي يؤدي هذه المهمة لذلك ~~عليك أن تحتفظ به في حالة جيدة، بأن تملأه بالحق حتى لا يفسده الباطل. ~~وسبق أن أوضحنا أن الحيز الواحد لا يمكن أن يسع شيئين في وقت واحد فما ~~بالك إن كانا متناقضين؟ وقد مثلنا هذه العملية بالزجاجة الفارغة إن ~~أردت أن تملأها بالماء لا بد أن يخرج منها الهواء أولا ليدخل مكانه ~~الماء. كذلك الحال في المعاني، فلا يجتمع حق وباطل في قلب واحد أبدا، ~~وليس لك أن تجعل قلبا للحق وقلبا للباطل لأن الخالق جعل لك قلبا ~~واحدا، وجعله محدودا لا يسع إلا إيمانك بربك، فلا تزاحمه بشيء آخر. ~~ويروى أنه كان في العرب رجل اسمه جميل بن أسد الفهري وكان مشهورا ~~باللسن والذكاء، فكان يقول: إن لي قلبين، أعقل بواحد منهما مثل ما يعقل ~~محمد، فشاء الله أن يراه أبو سفيان وهو منهزم بعد بدر، فيقول له: يا ~~جميل، ما فعل القوم؟ قال: منهم مقتول ومنهم هارب، قال: وما لي أراك هكذا؟ ~~قال: مالي؟ قال: نعل في كفك، ونعل في رجلك، قال: والله لقد ظننتهما ~~في رجلي، فضحك أبو سفيان وقال له: فأين قلباك؟ وإذا كان القلب هو المضخة ~~التي تضخ الدم إلى كل الجوارح والأعضاء حاملا معه الغذاء والشفاء ~~والعافية، كذلك حين تستقر عقائد الخير في القلب، يحملها الدم كذلك إلى ms7937 ~~الجوارح والأعضاء، فتتجه جميعها إلى طاعة الله، فالرجل تسعى إلى ~~الخير، والعين لا تنظر إلا إلى الحلال، والأذن تسمع القول فتتبع أحسنه، ~~واللسان لا ينطق إلا حقا. # فكل الجوارح إذن لا تنضح إلا الحق الذي تشربته من طاقات الخير في ~~القلب. لذلك يعلمنا سيدنا رسول الله هذا الدرس، فيقول: # " إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد ~~الجسد كله، ألا وهي القلب ". # ثم يأخذ الحق سبحانه من مسألة اجتماع المتناقضين في قلب واحد مقدمة ~~للحديث عن قضايا المتناقضات التي شاعت عند العرب، فيقول سبحانه: { ما ~~جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل ~~أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم.. } ~~[الأحزاب: 4]. وقد شاع في الجاهلية حين يكره الرجل زوجته، يقول لها: أنت ~~علي كظهر أمي، ومعلوم أن ظهر الأم محرم على الابن حرمة مؤبدة، لذلك ~~كانوا يعتبرون هذه الكلمة تقع موقع الطلاق، فلما جاء الإسلام لم يجعلها ~~طلاقا، إنما جعل لها كفارة كذب لأن الزوجة ليست أما لك، وحدد هذه ~~الكفارة إما: عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكينا، أو صيام ستين يوما. وهذه ~~المسألة تناولتها سورة قد سمع # الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن ~~أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ~~وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا.. # [المجادلة: 2] أي: كذبا لأن الزوجة لا تكون أما. فالحق سبحانه جاء ~~بمتناقض، وأدخل فيه متناقضا آخر، فكما أن القلب الواحد لا تجتمع فيه ~~طاعة الله وطاعة الكافرين والمنافقين، فكذلك الزوجة لا تكون أبدا أما، ~~فهي إما أم، وإما زوجة. كذلك وجد عند العرب تناقض آخر في مسألة التبني، ~~فكان الرجل يستوسم الولد الصغير، أو يرى فيه علامات النجابة فيتبناه، ~~فيصير الولد ابنا له، يختلط ببيته كولده، ويرثه كما يرثه ولده، وله عليه ~~كل حقوق الابن. وهذه متناقضة أيضا كالسابقة، فكما أن الرجل لا يكون له ~~قلبان، وكما أن الزوجة لا تكون أما بحال، كذلك المتبنى لا يكون ولدا، ~~فيقول سبحانه: { وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم.. } ~~[الأحزاب: 4]. الدعي: هو الذي تدعى أنه ms7938 ابن وليس بابن، وكان هذا ~~شائعا عند العرب، وأراد الله سبحانه أن يبطل هذه العادة، ومثلها مسألة ~~الظهار، فألغى القرآن هذه العادات، وقال: ضعوا كل شيء موضعه، فجعل ~~للظهار كفارة، ونهى عن التبني بهذه الصورة. والحق سبحانه ساعة يريد أن ~~يلغي حكما يقدم صاحب الدعوى نفسه ليطبق هو أمام الناس لذلك جعل سيدنا ~~رسول الله يبدأ بنفسه، ويبطل التبني الذي عنده. تعلمون أن سيدنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تزوج من السيدة خديجة، وكان لها منزلة عند رسول ~~الله، وقد اشترى لها حكيم بن حزام عبدا من سوق الرقيق هو زيد بن حارثة، ~~وكان من بني كلب، سرقه اللصوص من أهله، وادعوا أنه عبد فباعوه، ثم ~~أهدته السيدة خديجة لسيدنا رسول الله، فصار مولى لرسول الله، يخدمه ~~طيلة عدة سنوات، وما بالكم بمن يكون في خدمة رسول الله؟ لقد أحب زيد ~~رسول الله، وعشق خدمته، وقال عن معاملته صلى الله عليه وسلم له: # " لقد خدمت رسول الله عشر سنين، فما قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا ~~لشيء تركته لم تركته ". # وفي يوم من الأيام، رآه واحد من بني كلب في طرقات مكة، فأخبر أهله به، ~~فأسرع أبو زيد إلى مكة يبحث عن ولده، فدلوه عليه، وأنه عند محمد، فذهب ~~إلى سيدنا رسول الله، وأخبره خبر ولده، وطلب منه أن يعود معه إلى بني ~~كلب. ولكن، ما كان رسول الله ليتخلى عن خادمه الذي يحبه كل هذا الحب، ~~فقال لأبيه: خيره، فإن اختاركم فخذوه، وإن اختارني فأنا له أب، فلما ~~خيروه - قال سيدنا زيد: والله ما كنت لأختار على رسول الله أحدا. ~~عندها أحب رسول الله أن يكافئه على هذا الموقف، وعلى تمسكه بخدمته، ~~فتبناه كما تتبنى العرب، وسموه بعدها: زيد بن محمد. فلما أراد الحق ~~سبحانه أن يبطل التبني بدأ بمتبنى رسول الله، ليكون هو القدوة لغيره ~~في هذه المسألة، فكيف أبطل الله تعالى هذه البنوة؟ كان سيدنا رسول الله ~~قد زوج زيدا من ابنة عمته زينب بنت جحش، ms7939 أخت عبدالله بن جحش، وقد تعب ~~رسول الله في إقناع عبدالله وزينب بهذه الزيجة التي رفضتها زينب، تقول: ~~كيف أتزوج زيدا وهو عبد وأنا سيدة قرشية؟ ثم تزوجته إرضاء لرسول الله، ~~وعملا بقوله تعالى: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.. # [الأحزاب: 36]. لكنها بعد الزواج تعالت عليه، أنها من السادة، وهو من ~~العبيد، فكره زيد ذلك، ولم يطق فأحب أن يطلقها، فذهب إلى رسول ~~الله وشكا إليه ما كان من زينب، وعرض عليه رغبته في طلاقها. فقال له رسول ~~الله: أمسك عليك زوجك، فعاوده مرة أخرى فقال له: أمسك عليك زوجك فعاوده ~~زيد، عندها علم رسول الله أن رغبتهما في الطلاق، وكراهيتهما للحياة ~~الزوجية أمر قدري، أراده الله لحكمة، ولأمر تشريعي جديد، شاء الله أن ~~يوقع البغض بين زيد وزينب، فبغض زينب لزيد كان تعاليا واستكبارا، ~~وبغض زيد لزينب كان اعتزازا بالنفس. ولكي يبطل الحق سبحانه تبني ~~رسول الله لزيد قضى بأن يتزوج رسول الله من زينب بعد طلاقها من زيد، ~~ومعلوم أن امرأة الابن تحرم على أبيه، فزواج سيدنا رسول الله من زينب ~~يعني أن زيدا ليس ابنا لرسول الله، ويبطل عادة التبني، والأثر المترتب ~~على هذه العادة. # وقد أحس رسول الله بشيء في نفسه، وتردد في هذا الزواج مخافة أن ~~يقول الناس، إن محمدا أوعز إلى زيد أن يطلق زينب ليتزوجها هو، كما ~~يقول بعض المستشرقين الآن، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يضمر حب زينب ~~في نفسه، وهذا كلها افتراءات على رسول الله، فالذي يحب امرأة لا يسعى ~~جاهدا لأن تتزوج من غيره، وحين يريد زوجها أن يطلقها لا يقول له: ~~أمسك عليك زوجك. ثم لا ينبغي لأحد أن يخوض فيما أخفاه رسول الله في ~~نفسه، من أنه عاشق أو محب، لكن انظر فيما أبداه الله، فالذي أبداه ~~الله هو الذي يخفيه رسول الله، واقرأ: # وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس ~~والله أحق أن تخشاه # [الأحزاب: ms7940 37]. إذن: الذي كان يخفيه رسول الله هو أنه يخاف أن تتكلم ~~به العرب، وأن تقول فيه ما لا يليق به في هذه المسألة. ويقول تعالى: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها # [الأحزاب: 37] لماذا؟ # لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيآئهم.. # [الأحزاب: 37]. وهكذا قرر الحق سبحانه مبدأ إبطال التبني في شخص رسول ~~الله. والحق سبحانه حينما يبطل عادة التبني إنما يبطل عادة ذميمة، ~~تقوض بناء الأسرة، وتهدم كيانها، تؤدي إلى اختلاط الأنساب وضياع ~~الحقوق، فالولد المتبني يعيش في الأسرة كابنها، تعامله الأم على أنه ~~ابنها، وهو غريب عنها، كذلك البنت تعامله على أنه أخوها، وهو ليس كذلك، ~~وفي هذا من الفساد ما لا يخفى على أحد. وأيضا، فكيف يكون الأب الذي ~~جعله الله سببا مباشرا لوجودك وتأتي أنت لترد هذه السببية، وتنقلها ~~إلى غير صاحبها، وأنت حين تنكر النبوة السببية في أبيك فمن السهل عليك ~~- إذن - أن تنكر المسبب الذي خلق أولا، ولم لا وقد تجرأت على إنكار ~~الجميل. وكذلك الذي ينكر البنوة السببية يتجرأ على أن ينسب الأشياء إلى ~~غير أهلها، فينسب العبادة لغير مستحقها، وينسب الخلق لغير الخالق. ~~وإلا، فلماذا يحثنا الحق دائما على بر الوالدين؟ ولماذا قرن بين ~~عبادته سبحانه وبين الإحسان إلى الوالدين في أكثر من موضع من كتابه ~~العزيز، فقال سبحانه: # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا # [النساء: 36] وقال: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا # [الإسراء: 23]. قالوا: لأن الأب هو سبب الوجود المباشر، فإذا لم تبره، ~~وأنكرت أبوته وتمردت عليها، فلعلك تتمرد أيضا على سبب الوجود ~~الأصلي، فالوالدان لهما حق البر والإحسان، حتى لو كانا كافرين. لذلك، لما ~~سئل صلى الله عليه وسلم: أيسرق المؤمن؟ قال: نعم، أيزني المؤمن، قال: ~~نعم، أيكذب المؤمن؟ قال: لا؟. فالشرع حين يضع للجريمة حدا وعقوبة، ~~فهذا إيذان بأنها ستحدث في المجتمع المسلم، أما الكذب فلم يضع له الشارع ~~حدا، مع أنه أشد من السرقة، وأعظم من الزنى، لماذا؟ قالوا: لأن المؤمن ~~لا يتصور منه ms7941 الكذب، ولا يجترئ هو عليه لأنه إن عرف عنه الكذب وقال ~~أمامك: أشهد أن لا إله إلا الله يمكنك أن تقول له: أنت كاذب. # ثم يقول الحق سبحانه: { ذلكم.. } [الأحزاب: 4] أي: ما تقدم من ~~جعل الزوجة أما، أو جعل الدعي ابنا، فالزوجة لا تكون أبدا أما ~~لأن الأم هي التي ولدت، كذلك لا يكون للولد إلا أب واحد { ذلكم ~~قولكم بأفواهكم.. } [الأحزاب: 4] وهل يكون القول إلا ~~بالأفواه؟ فماذا أضافت الأفواه هنا؟ قالوا: نعم، القول بالفم، لكن أصله ~~في الفؤاد، وما اللسان إلا دليل على ما في الفؤاد، كما قال الشاعر: # إن الكلام لفي الفؤاد وإنما # جعل اللسان على الفؤاد دليلا # إذن: لا بد أن يكون الكلام نسبة في القلب، منها تأتي النسبة ~~الكلامية، فهل ما تقولونه له واقع، هل الزوجة تكون أما؟ وهل الولد ~~الدعي يكون ابنا. فهذا كلام من مجرد الأفواه، لا رصيد له في القلب ولا ~~في الواقع، فهو - إذن - باطل، أما الحق فما يقوله الحق سبحانه { ~~والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } [الأحزاب: 4] ~~والحق هو أن يكون المعتقد في القلب مطابقا للكائن الواقع. فالإنسان قد ~~يتكلم بكلام استقر في قلبه حتى صار عقيدة عنده، وهو كلام غير صحيح، فحين ~~يخبر بهذا الكلام لا يسمى كاذبا لأنه أخبر على وفق اعتقاده، مع أن ~~الخبر كاذب، فهناك فرق بين كذب الخبر، وكذب المخبر. فالحق سبحانه ~~يعاملنا في الأمر المعتقد في القلب: إن كان له واقع، فهو صدق في ~~الخبر، وصدق في المخبر، وإن كان المعتقد لا واقع له فهو كذب في ~~الخبر، وصدق في المخبر. إذن: الأمر المعتقد يكون حقا، إن كان له واقع، ~~ويكون كاذبا إن لم يكن له واقع، فإذا لم يكن هناك اعتقاد في القلب ~~أصلا فهو مجرد كلام بالفم، وهذا أقل مرتبة من القول الذي تعتقده وهو ~~غير واقع. فمعنى { والله يقول الحق } [الأحزاب: 4] أي: الواقع ~~الذي يجب أن يعتقد، والإعجاز هنا ليس في أن الله تعالى يقول الحق الواقع ~~بالفعل، إنما ويخبر بالشيء فيقع ms7942 في المستقبل على وفق ما أخبر سبحانه. ~~واقرأ قوله تعالى: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. فالحق سبحانه صادق حين يقول ما كان، ويصدق حين يقول ما ~~سيكون. والحق سبحانه حين يقول: { والله يقول الحق.. } ~~[الأحزاب: 4] كأنه يقول: قارنوا بين قولين: قول بالأفواه، وقول بالواقع ~~والاعتقاد، وإذا كان قول الله أقوى من الاعتقاد فقط فهو من باب أولى ~~أقوى من القول بالأفواه فقط. وقوله تعالى: { وهو يهدي السبيل } ~~[الأحزاب: 4] يهدي السبيل إلى القول الحق. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~ادعوهم لآبآئهم هو... }. ### || [33.5] # معنى { ادعوهم لآبآئهم.. } [الأحزاب: 5] يعني: قولوا: زيد بن ~~حارثة، لكن كيف ينزع من زيد هذا التاج وهذا الشرف الذي منحه له سيدنا ~~رسول الله؟ نعم، هذا صعب على زيد - رضي الله عنه - لكنه { أقسط عند ~~الله.. } [الأحزاب: 5] لا عندكم أنتم. و { أقسط.. } [الأحزاب: 5] ~~أفعل تفضيل، نقول هذا قسط وهذا أقسط، مثل عدل وأعدل، ومعنى ذلك أن الذي ~~اختاره رسول الله من نسبة زيد إليه يعد قسطا وعدلا بشريا، في ~~أنه صلى الله عليه وسلم أحس بالبنوة وصار أبا لمن اختاره وفضله على ~~أبيه. لكن الحق سبحانه يريد لنا الأقسط، والأقسط أن ندعو الأبناء ~~لآبائهم { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في ~~الدين ومواليكم.. } [الأحزاب: 5] أي: نعرفهم بأنهم إخواننا ~~في الدين. ومعنى الموالي: الخدم والنصراء الذين كانوا يقولون لهم " ~~العبيد " ، فالولد الذي لا نعرف له أبا هو أخ لك في الله تختار له اسما ~~عاما، فنقول مثلا في زيد: زيد بن عبد الله، وكلنا عبيد الله تعالى. ~~والبنوة تثبت بأمرين: بالعقل وبالشرع، فالرجل الذي يتزوج زواجا شرعيا، ~~وينجب ولدا، فهو ابنه كونا وشرعا، فإذا زنت المرأة - والعياذ بالله ~~- على فراش زوجها، فالولد ابن الزوج شرعا لا كونا لأن القاعدة ~~الفقهية تقول: الولد للفراش، وللعاهر الحجر. كذلك في حالة الزوجة التي ~~تتزوج مرة أخرى بعد وفاة زوجها أو بعد طلاقها، لكنها تنجب لستة أشهر، ~~فتقوم هنا شبهة أن يكون الولد للزوج الأول، لذلك يعد ابنا شرعا ~~لا كونا لأنه ولد على فراشه. ms7943 فإن جاء الولد من الزنا - والعياذ بالله - ~~في غير فراش الزوجية فهو ابنه كونا لا شرعا لذلك نقول عنه " ابن غير ~~شرعي ". كما أن في قوله تعالى: { هو أقسط عند الله.. } ~~[الأحزاب: 5] تشريفا للنبي صلى الله عليه وسلم، فلو قال تعالى: هو قسط ~~لكان عمل النبي إذن جورا وظلما، لكن أقسط تعني: أن عمل النبي قسط ~~وعدل. وقوله تعالى: { وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم ~~به ولكن ما تعمدت قلوبكم.. } [الأحزاب: 5] يخرجنا ~~من حرج كبير في هذه المسألة، فكثيرا ما نسمع وما نقول لغير أبنائنا: يا ~~بني على سبيل العطف والتودد، ونقول لكبار السن: يا أبي فلان احتراما ~~لهم. فالحق سبحانه يحتاط لنا ويعفينا من الحرج والإثم، لأننا نقول هذه ~~الكلمات لا نقصد الأبوة ولا البنوة الحقيقية، إنما نقصد تعظيم الكبار ~~وتوقيرهم، والعطف والتحنن للصغار، فليس عليكم إثم ولا ذنب في هذه ~~المسألة، إن أخطأتم فيها، والخطأ هو ألا تذهب إلى الصواب، لكن عن غير ~~عمد. # وإذا كان ربنا - تبارك وتعالى - قد رفع عنا الحرج، وسمح لنا باللغو حتى ~~في الحلف بذاته سبحانه، فقال: # لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان # [المائدة: 89] فكيف لا يعفينا من الحرج في هذه المسألة؟ ثم يقول ~~سبحانه: { وكان الله غفورا رحيما } [الأحزاب: 5] سبق أن ~~قلنا: أن الفعل إذا أسند إلى الحق سبحانه انحل عنه الزمن، فليس مع ~~الله تعالى زمن ماض، وحاضر ومستقبل، وهو سبحانه خالق الزمن. لذلك نقول: { ~~وكان الله غفورا رحيما } [الأحزاب: 5] يعني: كان ولا يزال ~~غفورا رحيما لأن الاختلاف في زمن الحدث إنما ينشأ من صاحب الأغيار، ~~والحق سبحانه لا يطرأ عليه تغيير. لذلك نخاف نحن من صاحب الأغيار لأنه ~~متقلب، ويقول أهل المعرفة: تغيروا من أجل ربكم - يعني: من الانحراف ~~إلى الاستقامة - لأن الله لا يتغير من أجلكم، أنت تتغير من أجل الله، لكن ~~الله لا يتغير من أجل أحد، وما دام الحق سبحانه كان غفورا رحيما، وهو ~~سبحانه لا يتغير، فبالتالي سيبقى سبحانه غفورا رحيما. وتلحظ ms7944 في أسلوب ~~القرآن أنه يقرن دائما بين هذين الوصفين غفور ورحيم لأن الغفر سلب ~~عقوبة الذنب، والرحمة مجيء إحسان جديد بعد الذنب الذي غفر، كأن تمسك ~~في بيتك لصا يسرق، فلك أن تذهب به للشرطة، ولك أن تعفو عنه وتتركه ~~ينصرف إلى حال سبيله، وتستر عليه، وبيدك أن تساعده بما تقدر عليه ~~ليستعين به على الحياة، وهذه رحمة به وإحسان إليه بعد المغفرة. وقد ~~عولجت هذه المسألة في قوله تعالى: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. # [النحل: 126] وهذا التوجيه يضع لنا أول أساس من أسس المغفرة لأنك لا ~~تستطيع أبدا تقرير هذه المثلية، ولا تضمن أبدا إذا عاقبت أن تعاقب ~~بالمثل، ولا تعتدي لذلك تلجأ إلى جانب المغفرة، لكي لا تدخل نفسك في ~~متاهة اعتداء جديد، يوجب القصاص منك. وسبق أن حكينا قصة المرابي الذي ~~اشترط على مدينه إذا لم يسدد ما عليه في الوقت المحدد أن يأخذ رطلا من ~~لحمه، فلما تأخر اشتكاه المرابي عند القاضي، وذكر ما كان بينهما من شروط، ~~فأقره القاضي على شرطه، لكن ألهمه الله أن يقول للمرابي: نعم خذ ~~رطلا من لحمه، لكن بضربة واحدة، فإن زدت عنها أو نقصت وفيناها ~~من لحمك أنت، عندها تراجع المرابي، وتنازل عن شرطه. إذن: أجاز لك الشرع ~~القصاص بالمثل ليجعل هذه المرحلة صعبة التنفيذ، ثم يفتح لك الحق سبحانه ~~باب العفو والصفح في المرحلة الثانية: # وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور ~~رحيم # [التغابن: 14]. ثم يفسرها بحيثية أخرى، فيقول سبحانه: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. ومعنى كظم الغيظ أنني لم أنفعل انفعالا غضبيا ينتج ~~عنه رد فعل انتقامي، وجعلت غضبي في قلبي، وكظمته في نفسي، وهذه ~~المرحلة الأولى، أما الثانية فتخرج ما في نفسك من غيظ وغضب وتتسامح ~~وتعفو. # ثم المرحلة الثالثة أن ترتقي إلى مرتبة الإحسان، فتحسن إلى من أساء ~~إليك، وهذه رحمة، والرحمة أن يميل الإنسان بالإحسان لعاجز عنه، فإن كان ~~الأمر بعكس ذلك فلا تسمى رحمة، كأن يميل ms7945 العبد بإحسان إلى سيده. هذه ~~صور أتت فيها الرحمة بعد المغفرة، وهذا هو الأصل في المسألة، وقد تأتي ~~الرحمة قبل المغفرة، كأن تمسك باللص الذي يسرق فتشعر أنه مكره على ~~ذلك، وليس عليه أمارات الإجرام، فيرق له قلبك، وتمتد يدك إليه ~~بالمساعدة، ثم تطلق سراحه، وتعفو عنه، فالرحمة هنا أولا وتبعتها ~~المغفرة. بعد ذلك لقائل أن يقول: ما موقف زيد بعد أن أبطل الله تعالى ~~التبني، فصار زيد بن حارثة بعد أن كان زيد بن محمد؟ وكيف به بعد أن ~~سلب هذه النعمة وحرم هذا الشرف؟ أضف إلى ذلك ما يلاقيه من عنت ~~المرجفين، وألسنة الذين يوغرون صدره، ويوقعون بينه وبين رسول الله، ~~وهو الذي اختاره على أبيه. لا شك أن الجرعة الإيمانية التي تسلح بها ~~زيد جعلته فوق هذا كله، فقد تشرب قلبه حب رسول الله، ووقر في نفسه ~~قوله تعالى: # وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.. # [الأحزاب: 36]. ثم تأتي الآيات لتوضح للناس: لستم أحن على زيد من ~~محمد، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين جميعا من أنفسهم، ~~لا بزيد وحده. ثم يقول الحق سبحانه: { النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم... }. ### || [33.6] # فالمعنى: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين جميعا من ~~أنفسهم فما بالكم بزيد؟ إذن: لستم أحن على زيد من الله، ولا من رسول ~~الله، وإذا كنتم تنظرون إلى الوسام الذي نزع من زيد حين صار زيد ابن ~~حارثة بعد أن كان زيد بن محمد. فلماذا تغمضون أعينكم عن فضل أعظم، ~~ناله زيد من الله تعالى حين ذكر اسمه صراحة في قرآنه وكتابه العزيز ~~الذي يتلى ويتعبد بتلاوته إلى يوم القيامة، فأي وسام أعظم من ~~هذا؟ فقوله تعالى: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها # [الأحزاب: 37] قول خالد يخلد معه ذكر زيد، وهكذا عوض الله زيدا ~~عما فاته من تغيير اسمه. وقوله تعالى: { النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم.. } [الأحزاب: 6] ما المراد بهذه ~~الأولوية من النبي ms7946 صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: هي ارتقاءات في مجال ~~الإحسان إلى النفس، ثم إلى الغير، فالإنسان أولا يحسن إلى نفسه، ثم إلى ~~القرابة القريبة، ثم القرابة البعيدة، ثم على الأباعد لذلك يقول صلى الله ~~عليه وسلم: # " ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول ". # ويقولون: أوطان الناس تختلف باختلاف هممها، فرجل وطنه نفسه، فيرى كل ~~شيء لنفسه، ولا يرى نفسه لأحد، ورجل وطنه أبناؤه وأهله، ورجل يتعدى ~~الأصول إلى الفروع، ورجل وطنه بلده أو قريته، ورجل وطنه العالم كله ~~والإنسانية كلها. فرسول الله صلى الله عليه وسلم تعدى خيره إلى ~~الإنسانية كلها على وجه العموم، والمؤمنين على وجه الخصوص لذلك # " كان صلى الله عليه وسلم إذا مات الرجل من أمته وعليه دين، وليس عنده ~~وفاء لا يصلي عليه ويقول: " صلوا على أخيكم ". # والنظرة السطحية هنا تقول: وما ذنبه إن مات وعليه دين؟ ولماذا لم ~~يصل عليه الرسول؟ قالوا: لم يمنع الرسول الصلاة عليه وقال: صلوا ~~على أخيكم لأنه قال في حديث آخر: # " من أخذ أموال الناس يريد أداءها - لم يقل أداها - أدى الله عنه ~~". # أما وقد مات دون أن يؤدي ما عليه، فغالب الظن أنه لم يكن ينوي الأداء ~~لذلك لا أصلي عليه، فلما نزل قوله تعالى: { النبي أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم.. } [الأحزاب: 6] صار رسول الله ~~يتحمل الدين عمن يموت من المسلمين وهو مدين، ويؤدي عنه رسول الله، ~~وهذا معنى { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم.. } ~~[الأحزاب: 6] فالنبي أولى بالمسلم من نفسه. ثم ألم يقل سيدنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمام عمر: # " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من: نفسه، وماله، والناس أجمعين " # ولصدق عمر - رضي الله عنه - مع نفسه قال: نعم يا رسول الله، أنت احب ~~إلي من أهلي ومالي، لكن نفسي. # . فقال النبي صلى الله عليه السلام: # " والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه " # فلما رأى عمر أن المسألة عزيمة فطن إلى الجواب الصحيح، فلا بد أن ~~الله أنطق رسوله بحب غير الحب الذي ms7947 أعرفه، إنه الحب العقلي، فمحمد صلى ~~الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه، والإنسان حين يحب الدواء المر إنما ~~يحبه بعقله لا بعاطفته، وكما تحب الولد الذكي حتى ولو كان ابنا لعدوك، ~~أما ابنك فتحبه بعواطفك، وتحب من يثني عليه حتى لو كان غبيا ~~متخلفا. ومشهورة عند العرب قصة الرجل الغني الذي رزقه الله بولد ~~متخلف، وكبر الولد على هذه الحالة حتى صار رجلا، فكان الطالبون للعطاء ~~يأتونه، فيثنون على هذا الولد، ويمدحونه إرضاء لأبيه، وطمعا في ~~عطائه، مع أنهم يعلمون بلاهته وتخلفه، إلى أن احتاج واحد منهم، فنصحوه ~~بالذهاب إلى هذا الغني، وأخبروه بنقطة ضعفه في ولده. وفعلا ذهب الرجل ~~ليطلب المساعدة، وجلس مع هذا الغني في البهو، وفجأة نزل هذا الولد على ~~السلم كأنه طفل يلعب لا تخفى عليه علامات البله والتخلف، فنظر الرجل ~~إلى صاحب البيت، وقال: أهذا ولدك الذي يدعو الناس له؟ قال: نعم، قال: ~~أراحك الله منه، والأرزاق على الله. وقوله تعالى: { وأزواجه ~~أمهاتهم.. } [الأحزاب: 6] أي: أن أزواجه صلى الله عليه وسلم أمهات ~~للمؤمنين، وعليه فخديجة رضي الله عنها أم لرسول الله بهذا المعنى لأنه ~~أول المؤمنين لذلك كانت لا تعامله معاملة الزوجة، إنما معاملة الأم ~~الحانية. ألا تراها كيف كانت تحنو عليه وتحتضنه أول ما تعرض لشدة ~~الوحي ونزول الملك عليه؟ وكيف كانت تطمئنه؟ ولو كانت بنتا صغيرة ~~لاختلف الأمر، ولاتهمته في عقله. إذن: رسول الله في هذه المرحلة كان في ~~حاجة إلى أم رحيمة، لا إلى زوجة شابة قليلة الخبرة. وزوجاته صلى الله ~~عليه وسلم يعتبرن أمهات للمؤمنين به لأن الله تعالى قال مخاطبا ~~المؤمنين: # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا ~~أزواجه من بعده أبدا.. # [الأحزاب: 53] لماذا؟ لأن الرجال الذين يختلفون على امرأة توجد بينهم ~~دائما ضغائن وأحقاد. فالرجل يطلق زوجته ويكون كارها لها، لكن حين ~~يتزوجها آخر تحلو في عينه مرة أخرى، فيكره من يتزوجها، وهذه كلها أمور ~~لا تنبغي مع شخص رسول الله، ولا يصح لمن كانت ms7948 زوجة لرسول الله أن تكون ~~فراشا لغيره أبدا لذلك جعلهن الله أمهات للمؤمنين جميعا، وهذه الحرمة ~~لا تتعدى أمهات المؤمنين إلى بناتهن، فمن كانت لها بنت فلتتزوج بمن ~~تشاء. إذن: لا يجوز لإنسان مؤمن برسول الله ويقدره قدره أن يخلفه على ~~امرأته. لذلك كان تعدد الزوجات في الجاهلية ليس له حد معين، فكان ~~للرجل أن يتزوج ما يشاء من النساء، فلما جاء الإسلام أراد أن يحدد العدد ~~في هذه المسألة، فأمر أن يمسك الرجل أربعا منهن، ثم يفارق الباقين، ~~بمعنى أنه لا يجمع من الزوجات أكثر من أربع. # أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أمسك تسعا من الزوجات، وهذه ~~المسألة أخذها المستشرقون مأخذا على رسول الله وعلى شرع الله، كذلك ~~من لف لفهم من المسلمين. ونقول لهؤلاء: أنتم أغبياء، ومن لف ~~لفكم غبي مثلكم لأن هذا الاستثناء لرسول الله جاء من قول الله تعالى له: # لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج.. # [الأحزاب: 52]. يعني: إن ماتت إحداهن لا تتزوج غيرها، حتى لو متن ~~جميعا لا يحل لك الزواج بغيرهن، في حين أن غيره من أمته له أن يتزوج ~~بدل إحدى زوجاته، إن ماتت، أو إن طلقها، وله أن يطلق منهن من ~~يشاء ويتزوج من يشاء، شريطة ألا يجمع منهن أكثر من أربع، فعلى من ~~ضيق هذا الحكم؟ على رسول الله؟ أم على أمته؟ إذن: لا تظلموا رسول الله. ~~ثم ينبغي على هؤلاء أن يفرقوا بين الاستثناء في العدد والاستثناء في ~~المعدود، فكون رسول الله يكتفي بهؤلاء التسع لا يتعداهن إلى غيرهن، ~~فالاستثناء هنا في المعدود، فلو انتهى هذا المعدود لا يحل له غيره، ولو ~~كان الاستثناء في العدد لجاز لكم ما تقولون. ومن ناحية أخرى: حين يمسك ~~الرجل أربعا، ويفارق الباقين من زوجاته لهن أن يتزوجن بغيره، لكن كيف ~~بزوجاته صلى الله عليه وسلم إن طلق خمسا منهن، وهن أمهات المؤمنين، ~~ولا يحل لأحد من أمته الزواج منهن؟ إذن: الخير والصلاح في أن ms7949 تبقى زوجات ~~الرسول في عصمته. وما دام { النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم.. } [الأحزاب: 6] كذلك يجب أن يكون المؤمنون أولى برسول ~~الله من نفسه، ليردوا له هذه التحية، بحيث إذا أمرهم أطاعوه. ثم يقول ~~تعالى: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين } [الأحزاب: 6]. ~~كلمة { وأولو الأرحام } مأخوذة من الرحم، وهو مكان الجنين في بطن ~~أمه، والمراد الأقارب، وجعلهم الله أولى ببعض لأن المسلمين الأوائل ~~حينما هاجروا إلى المدينة تركوا في مكة أهلهم وأموالهم وديارهم، ولم يشأ ~~أنصار رسول الله أن يتركوهم بقلوب متجهة إلى الأزواج. فكانوا من شدة ~~إيثارهم لإخوانهم المهاجرين يعرض الواحد منهم على أخيه المهاجر أن ~~يطلق له إحدى زوجاته ليتزوجها، وهذا لون من الإيثار لم يشهده تاريخ ~~البشرية كلها لأن الإنسان يجود على صديقه بأغلى ما في حوزته وملكه، إلا ~~مسألة المرأة، فما فعله هؤلاء الصحابة لون فريد من الإيثار. وحين آخى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار هذه المؤاخاة اقتضت أن ~~يرث المهاجر أخاه الأنصارى، فلما أعز الله الإسلام، ووجد المهاجرون ~~سبيلا للعيش أراد الحق سبحانه أن تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي، فلم ~~تعد هناك ضرورة لأن يرث المهاجر أخاه الأنصاري. # فقررت الآيات أن أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في مسألة الميراث، فقال ~~سبحانه: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في ~~كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين.. } [الأحزاب: 6] ~~فقد استقرت أمور المهاجرين، وعرف كل منهم طريقه ورتب أموره، والأرحام ~~في هذه الحالة أولى بهذا الميراث. وقوله تعالى: { وأولو ~~الأرحام.. } [الأحزاب: 6] تنبيه إلى أن الإنسان يجب عليه أن يحفظ ~~بضعة اللقاء حتى من آدم عليه السلام لأنك حين تتأمل مسألة خلق ~~الإنسان تجد أننا جميعا من آدم، لا من آدم وحواء. يروى أن الحاجب دخل ~~على معاوية، فقال له: رجل بالباب يقول: إنه أخوك، فقال معاوية: كيف لا ~~تعرف إخوتي، وأنت حاجبي؟ قال: هكذا قال، قال: أدخله، فلما دخل الرجل سأله ~~معاوية: أي إخوتي أنت؟ قال: أخوك من آدم، فقال معاوية: نعم، رحم مقطوعة، ms7950 ~~والله لأكونن أول من يصلها. وقوله تعالى: { إلا أن ~~تفعلوا إلى أوليآئكم معروفا.. } [الأحزاب: 6] الحق ~~سبحانه يترك باب الإحسان إلى المهاجرين مفتوحا، فمن حضر منهم قسمة ~~فليكن له منها نصيب على سبيل التطوع، كما جاء في قوله تعالى: # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا ~~معروفا # [النساء: 8]. وقوله سبحانه: { كان ذلك في الكتاب مسطورا } ~~[الأحزاب: 6] أي: في أم الكتاب اللوح المحفوظ، أو الكتاب أي: القرآن. ثم ~~ينقلنا الحق سبحانه إلى قضية عامة لموكب الرسل جميعا: { وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم... }. ### || [33.7] # كلمة إذ، إذا ظرف لحدث، تقول: إذا جاءك فلان فأكرمه، فالإكرام معلق ~~بالمجيء، والمعنى هنا: واذكر إذ أخذ الله من النبيين ميثاقهم، وهذه قضية ~~عامة في الرسل جميعا، ثم فصلها الحق سبحانه بقوله: { ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم.. } [الأحزاب: ~~7]. الميثاق: هو العهد يؤخذ بين اثنين، كالعهد الذي أخذه الله تعالى ~~أولا على الخلق جميعا، وهم في مرحلة الذر، والذي قال الله عنه: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم.. # [الأعراف: 172]. فما العهد الذي أخذه الله على النبيين؟ العهد هنا هو: ~~الاصطفاء والاختيار من الله لبشر أن يكون رسولا وسفيرا بين الله تعالى ~~والخلق، وحين يصطفي الله رسولا ليبلغ الناس شرع الله، هذا الاصطفاء لا ~~يرد، إذن، فهو عرض مقبول، وحين يقبله الرسول كأنه أخذ عهدا وميثاقا من ~~الله تعالى بأن يحمل رسالة الله إلى الخلق، فهي - إذن - مسألة إيجاب ~~وقبول. فقوله تعالى: { وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم.. } [الأحزاب: 7] الآخذ هو الحق سبحانه، والمأخوذ منه هم ~~النبيون، والميثاق: العهد الموثق، والعهد تعاهد وتعاقد بين طرفين على ~~أمر يحقق الصالح عندهما معا، ولو اختلف واحد منهما ما تم العقد، ~~فإن كان الطرفان متساويين اشترط كل منهما ما يراه لنفسه في العقد. فإن ~~كان الميثاق من الأعلى إلى الأدنى فهو الذي يأخذ العهد للأدنى، لماذا؟ ~~لأنك جعلته في مرتبة أن يعطي عهدا، ويوثق بينك وبينه أشياء لذلك ms7951 يقول ~~الحق سبحانه: # وميثاقه الذي واثقكم به.. # [المائدة: 7]. والمواثقة مفاعلة بين الطرفين: أنتم واثقتموه به وهو ~~واثقكم به لأن الرسل حين يختارهم الله، لا شك أنه سبحانه يعلم حيث يجعل ~~رسالته، فإذا اختار الله رسولا، فقبول الرسول للرسالة ارتضاء منه بما ~~يريده الله من العهد. وهل رأينا رسولا في موكب الرسالات عرضت عليه ~~الرسالة فرفضها؟ إذن: قبول الرسالة كأنه العهد، جاء من طرف واحد في إملاء ~~شروطه لأنه الطرف الأعلى، وحيثية التوثيق في أن الله اختاره، وجعله ~~أهلا للاصطفاء للرسالة. لذلك رأينا في قصة سيدنا موسى - عليه السلام - ~~لما اصطفاه الله للرسالة آنس من نفسه أنها مسألة كبيرة بالنسبة له، لكن ~~لم يردها، إنما طلب من الله أن يسانده في هذه المسئولية أخوه هارون، ~~فقال للحق سبحانه وتعالى: # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ~~ردءا يصدقني.. # [القصص: 34]. فلم يقل: أنا لا أصلح لهذه المسألة، إنما أذعن لأمر الله، ~~فالله أعلم حيث يجعل رسالته، ومسألة العقدة التي في لسانه يستعين عليها ~~بأخيه. إذن: كلمة الميثاق تدور حول الشيء المؤكد الموثق، ومنه قوله ~~تعالى عن الأعداء: # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى ~~إذآ أثخنتموهم فشدوا الوثاق.. # [محمد: 4]. ثم يأتي تفصيل هذه القضية العامة: { ومنك ومن نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم.. } [الأحزاب: 7]. ~~قوله منك أي من سيدنا رسول الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، لكن لماذا ~~قدم محمدا صلى الله عليه وسلم على نوح عليه السلام، وهو الأب الثاني ~~للبشرية كلها بعد آدم عليه السلام؟ نعلم أن البشرية كلها من سلالة آدم ~~عليه السلام، إلى أن جاء عهد نوح عليه السلام، فانقسموا إلى مؤمن وكافر، ~~ثم جاء الطوفان ولم يبق على وجه الأرض إلا نوح ومن آمن به، فكان هو ~~الأب الثاني للبشر بعد سيدنا آدم. لذلك يقول البعض: إن نوحا عليه السلام ~~رسالته عامة، كما أن رسالة محمد عليه الصلاة والسلام عامة. ونقول: عمومية ~~نوح كانت لمن آمن به ولأهل السفينة في زمن معلوم ومكان محدد، أما رسالة ~~محمد فهي ms7952 عامة في كل الزمان، وفي كل المكان. أما تقديم ذكر محمد صلى الله ~~عليه وسلم أولا لأن الواو هنا عادة لا تقتضي ترتيبا ولا تعقيبا، إنما ~~هي لمطلق الجمع، ثم قدم رسول الله لأنه المخاطب بهذا الكلام، ومن إكرامه ~~الله لرسوله أن يبدأ به في مثل هذا المقام، ثم لهذا التقديم ملحظ آخر ~~نفهمه من قوله صلى الله عليه وسلم عن نفسه # " كنت نبيا وآدم بين الماء والطين ". # ثم يخص بالذكر هنا نوحا لأنه الأب الثاني للبشر، ثم إبراهيم وموسى ~~وعيسى، فإبراهيم، لأن العرب كانت تؤمن به، وتعلم أنه أبو الأنبياء، ~~وتقدر علاقته بالكعبة ورفع قواعدها، وأنه قدوة في مسألة الذبح ~~والسعي وغيرها. وموسى وعيسى لأن اليهودية والمسيحية ديانتان معاصرتان ~~لدعوة رسول الله، حيث كان اليهود في المدينة، والنصارى في نجران، وهما ~~أهل الكتاب الذين كان بينهم وبين رسول الله مواقف شتى، وكانت لهم في ~~الجزيرة العربية السيادة العلمية والسيادة الاقتصادية والسيادة العمرانية ~~والسيادة الحربية، وكأنهم هم أصحاب هذه البلاد. ومن العجيب أن هؤلاء كان ~~الله سبحانه - في ميثاقهم مع أنبيائهم - يدخرهم ليشهدوا لمحمد بصدق ~~دعوته لذلك كانوا يستفحتون بمحمد على الذين كفروا ويقولون لعبدة الأصنام: ~~لقد أطل زمان نبي سنتبعه، ونقتلكم به قتل عاد وإرم، فكانوا يعرفون زمان ~~رسول الله وموطنه، وأنه سيبعث في أرض ذات نخل، ومن صفاتها كذا وكذا، ~~لذلك لما قطعهم الله في الأرض أمما وشتتهم، جاء المشتغلون منهم بالعلم ~~إلى يثرب ينتظرون بعثته صلى الله عليه وسلم. لذلك يقول تعالى: # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب # [الرعد: 43]. إذن: فأهل الكتاب كان من المفترض فيهم أن يشهدوا لرسول ~~الله بصدق الرسالة، لكن يحكي القرآن عنهم بعد هذا كله: # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله ~~على الكافرين # [البقرة: 89]. فكيف إذن تم هذا التحول؟ وكيف تنقلب عقيدة القلب إلى ~~تمرد القالب؟ قالوا: إنها السلطة الزمنية التي أحبوا أن تبقى، وأن ~~تدوم لهم. فقد بعث الرسول وهم أهل ms7953 مال وتجارة وأهل حرف وعمارة، ~~وخافوا من رسول الله ومن الدين الجديد أن يسلبهم هذه المكانة، وأن يقضي ~~على هذه السيادة، لذلك قال القرآن عنهم: # بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بمآ أنزل ~~الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشآء ~~من عباده فبآءو بغضب على غضب وللكافرين ~~عذاب مهين # [البقرة: 90]. لهذا خص بالذكر هنا موكب الأنبياء موسى وعيسى عليهما ~~السلام. ونلحظ أن السياق ذكر موسى عليه السلام، ولم يذكر له أبا، أما في ~~عيسى عليه السلام فقال: { وعيسى ابن مريم.. } [الأحزاب: 7] وهذا ~~دليل على أنه يؤكد الأصالة في الإنجاب، فالأب هو الأصل إن وجد مع ~~الزوجة، فإن لم يوجد الأب فالأبوة للزوجة لذلك نسب عليه السلام إلى أمه. ~~وجاءت هذه المسألة لتبرهن على طلاقة القدرة الإلهية، فمسألة الخلق ليست ~~عملية ميكانيكية تخضع لقانون، إنما هي قدرة الله التي خلقت آدم بدون أب ~~ولا أم، وخلقت حواء من أب دون أم، وخلقت عيسى عليه السلام من أم بدون ~~أب، وخلقت سائر الخلق من أب وأم، وهكذا استوفى الخلق القسمة العقلية ~~في كل صورها. وقوله تعالى: { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } ~~[الأحزاب: 7] أي: من الأنبياء، والميثاق الغليظ أي المؤكد، فقد وسعه ~~الله وأكده حينما أخبر أنبياءه ورسله أنهم سيضطهدون وسيحاربون من ~~أممهم. لذلك لم يوصف الميثاق بأنه غليظ إلا في هذا الموضوع، وفي علاقة ~~الرجل بالمرأة حين يطلقها، وقد فرض لها مهرا، فينبغي أن يؤديه إليها، ~~ولو كان قنطارا، يقول سبحانه: # وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ~~وأخذن منكم ميثاقا غليظا # [النساء: 21]. فسمى الميثاق بين الزوجين ميثاقا غليظا أي: قويا ~~ومتينا لأنه في العرض، ولم يوصف الميثاق فيما دون ذلك بأنه غليظ. ~~وهذا الميثاق الذي أخذه الله تعالى على الرسل المذكرين المبشرين ~~المنذرين جاء تفصيله في قوله تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا ~~وأنا معكم ms7954 من الشاهدين # [آل عمران: 81]. والشيء الذي شهد الله عليه لا يحتاج إلى قضاء، لكن ~~لماذا أخذ الله هذا العهد؟ قالوا: لأن الذي لا يؤمن بإله ليس لديه دين ~~يتعصب له حين يأتي رسول جديد، لكن من الصعب على الإنسان أن يكون له ~~دين، ثم يأتي رسول جديد ليزحزحه عن دينه، وهنا تكمن المشقة التي يعانيها ~~الرسل. لذلك قال الله تعالى للرسل: من تمام ميثاقكم أن تقولوا لأقوامكم ~~إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، ثم أقررهم على ~~ذلك، وأشهدهم عليه فشهدوا، والمعنى: إياكم أن تتركوا أممكم التي تؤمن بكم ~~بدون أن تضعوا لهم هذه القاعدة، ففيها الوقاية لهم. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ليسئل الصدقين عن... }. ### || [33.8] # اللام هنا في { ليسأل.. } [الأحزاب: 8] لام التعليل، فالمعنى أننا ~~أخذنا من النبيين الميثاق، لكن لن نتركهم دون سؤال # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم.. # [الأحزاب: 7] لماذا؟ { ليسأل الصادقين عن صدقهم.. } ~~[الأحزاب: 8] لكن إذا كان المبلغ صادقا، فكيف يسأل عن صدقه؟ سؤال ~~الصادق عن صدقه ليس تبكيتا للصادق، إنما تبكيتا لمن كذب به، سنسأل ~~الرسل: أبلغتم هؤلاء؟ ويقول تعالى: # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم.. # [المائدة: 109] ويسأل الله القوم: # ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ~~وينذرونكم لقآء يومكم هذا.. # [الأنعام: 130]. فالاستفهام هنا للتقريع والتبكيت لمن كذب. أو: يكون ~~المعنى { ليسأل الصادقين عن صدقهم.. } [الأحزاب: 8] أي: ~~أنتم بشرتم بأن الإله واحد، فأنتم صادقون لأنكم أخذتم هذه مني، ولما ~~قامت الساعة ولم تجدوا إلها آخر يحمي الكافرين، إذن: فقد صدقت فيما ~~أخبرت به، وصدقتم فيما بلغتم عني، حيث لم تجدوا في الآخرة إلا الإله ~~الواحد. لذلك يقول سبحانه: # ووجد الله عنده فوفاه حسابه # [النور: 39] ولو كان معه سبحانه إله آخر لدافع عن هؤلاء الكافرين، ~~ومنعهم من العذاب. كذلك يسأل الرسل عن البعث الذي وعد الله به، وبلغوه ~~لأممهم، وعن الحساب وما فيه من ثواب وعقاب، وكأن الحق سبحانه يسألهم: هل ~~تخلف شيء مما أخبرتكم به؟ هل قصرت في إثابة المحسن أو معاقبة المسيء؟ ~~إذن: ms7955 صدق كلامي كله. كما تجلس مع ولدك مثلا تراجع معه المواد الدراسية، ~~وتحثه على المذاكرة فيوفق في الامتحان، ثم تسأله: ماذا فعلت في ~~إجابة السؤال الفلاني؟ فأنت لا تقصد الاستفهام، إنما تستعيد معه أمجاد ما ~~أنجزه بالفعل تسأله عن توفيق الله له، كذلك الحق سبحانه يستعيد مع الرسل ~~وقفتهم لدين الله وإعلاءهم كلمة الحق في هذه الساعة ولا مرد لها. ~~إذن: فسؤال الصادقين عن صدقهم تكريم لهم، وشهادة بأنهم أدوا ما عليهم، ~~وهو كذلك تبكيت لمن كذب بهم. ثم يقول سبحانه: { وأعد ~~للكافرين عذابا أليما } [الأحزاب: 8] والفعل الماضي هنا دليل ~~على أن كل شيء معد وموجود سلفا، ولن ينشىء الحق سبحانه شيئا ~~جديدا، كذلك قال عن الجنة # أعدت للمتقين # [آل عمران: 133]. وسبق أن أوضحنا أن الله تعالى خلق الجنة لتسع الناس ~~جميعا إن آمنوا، وخلق النار كذلك تسع الناس جميعا إن كفروا، يعني: لن ~~تكون هناك أزمة أماكن، فإذا ما أخذ أهل الإيمان أماكنهم من الجنة تتبقى ~~أماكن الذين كفروا شاغرة، فيقول تعالى للمؤمنين: خذوها أنتم: # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الزخرف: 72]. وقد وصف العذاب مرة بأنه أليم، ومرة بأنه مهين، ومرة بأنه ~~عظيم، ومرة بأنه شديد، ولكل منها ملحظ، فالأليم يلحظ فيه القسوة ~~والإيلام، والعذاب المهين يلحظ فيه إهانة المعذب والنيل من كرامته، ~~فمن الناس من يحاول التجلد، ويظهر تحمل الألم وعدم الاكتراث به، في ~~حين يؤلمه أن تنال من كرامته، فيناسبه العذاب المهين. # لذلك يروى في التجلد أن رجلا دخل على معاوية في مرضه، وهو يظهر ~~للناس أنه بخير وصحته على ما يرام، فقال له الرجل: # وإذا المنية أنشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة لا تنفع # ففطن معاوية إلى مقصده، وأجابه من نفس قصيدة أبي ذؤيب: # وتجلد للشامتين أريهموا # أني لريب الدهر لا أتضعضع # أما العذاب العظيم فلعظمه في ذاته، ولكبر حجمه يعني ليس صغيرا، أو ~~يكون صغير الجرم، لكن عظمته في صفاته، أو في بقاء أثره زمن طويل. ويوصف ~~العذاب بأنه شديد لشدة المعذب سبحانه لأنه ms7956 سبحانه إذا أخذ فأخذه ~~أخذ عزيز مقتدر. ثم يقول الحق سبحانه: { يأيها الذين ~~آمنوا... }. ### || [33.9] # أراد الحق سبحانه أن يدلل على قوله لرسوله في الآيات السابقة: # وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا # [الأحزاب: 3] فجاء بحادثة جمعت كل فلول خصومه، فقد سبق أن انتصر عليهم ~~متفرقين، فانتصر أولا على كفار مكة في بدر، وانتصر على اليهود في بني ~~النضير وبني قينقاع، وهذه المرة اجتمعوا جميعا لحربه صلى الله عليه ~~وسلم، ومع ذلك لن يؤثر جمعهم في الصد عن دعوتك، وسوف تنصر عليهم ~~بجنود من عند الله. إذن: فحيثية وتوكل على الله هي قوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم.. ~~} [الأحزاب: 9] النعمة: الشيء الذي يخالط الإنسان بسعادة وبشر وطلب ~~استدامته، وهذه الصفات لا تتوافر إلا في الإيمان لأن استدامة النعمة فيه ~~تعدت زمن الدنيا إلى زمن آخر دائم وباق في الآخرة، وإن كانت نعمة ~~الدنيا على قدر أسبابك وإمكاناتك، فنعمة الآخرة على قدر المنعم ~~سبحانه، فهي إذن: نعمة النعم. والله تعالى يخاطب هنا المؤمنين، ومعنى ~~الإيمان هو اليقين بوجود إله واحد له كل صفات الجلال والكمال، والله ~~سبحانه يكفي العقل أن يهتدي إلى القوة الخالقة الواحدة التي لا تعاند، ~~لكن ليس من عمل العقل أن يعرف مثلا اسم هذا الإله، ولا أن يعرف مراده، ~~فكان ولا بد من البلاغ عن الله. وسبق أن مثلنا لذلك بمن يطرق ~~علينا الباب، فنتفق جميعا بالعقل على أن طارقا بالباب، هذا هو عمل ~~العقل، لكن أمن عمل العقل أن نعرف من هو؟ أو نعرف مقصده من المجيء؟ ~~وهذا ما نسميه التصور. فآفة العقل البشري أنه لم يقنع بالتعقل للقوة ~~القاهرة الفاعلة، فكان يكفيه أن يتعقل أن وراء هذا الكون قوة، هذه القوة ~~لها صفات الكمال التي بها أوجدت هذا الكون، فإن أردنا معرفة ما هي هذه ~~القوة فلابد أن نترك هذا الطارق ليخبرنا عن نفسه، ويفصح عن هدفه وسبب ~~مجيئه، ولا يتم ذلك إلا من خلال رسول يأتي من عند الله يخبرنا عن هذه ms7957 ~~القوة، عن الله، عن أسمائه وصفاته ومنهجه الذي ارتضاه لخلقه، وما ~~أعده الله لمن أطاعه من النعيم، وما أعده لمن عصاه من العذاب. ~~فإن كذبنا هذا الرسول، وطلبنا دليلا على صدقه في البلاغ أخرج لنا ~~من المعجزات ما يؤيده وما يحملنا على تصديقه لأنه أتى بلون مما ننبغ فيه ~~نحن، وفن من فنوننا، ومع ذلك عجزنا عن الإتيان بمثله. إذن: فالتعقل أول ~~مراحل الإيمان: لذلك فإن أبسط رد على من يعبدون غير الله أن نقول ~~لهم: بماذا أمرتكم آلهتكم؟ وعم نهتكم؟ وماذا أعدت لمن أطاعها؟ ~~وماذا أعدت لمن عصاها؟ ما المنهج الذي تستعبدكم به؟ فكان من منطق ~~العقل ساعة يأتينا رسول من عند الله أن نستشرف له، ونقبل عليه، ونسأله ~~عن اللغز الذي لا نعرفه من أمور الحياة والكون، كان علينا أن نستمع له، ~~وأن ننصاع لأوامره لأنه ما جاء إلا ليخرجنا من مأزق فكري، ومن مأزق عقلي ~~لا يستطيع أحد منا أن يحلله، كان على القوم أن يتلهفوا على هذا ~~الرسول، لا أن يعادوه ويعاندوه، لما لهم من سلطة زمنية ظنوها باقية. # وقوله تعالى: { اذكروا نعمة الله عليكم.. } [الأحزاب: ~~9] ما هو الذكر؟ العقل حين يتلقى المعلومات من الحواس يقارن بينها ~~ويغربلها، ثم يحتفظ بها في منطقة منه تمثل خزينة للمعلومات، وما أشبه ~~العقل في تلقي المعلومات بلقطة الفوتوغرافيا التي تلتقط الصورة من مرة ~~واحدة، والناس جميعا سواء في تلقي المعلومات، المهم أن تصادف المعلومة ~~خلو الذهن مما يشغله. وهذه المنطقة في العقل يسمونها بؤرة الشعور، ~~وهي لا تلتقط إلا جزئية عقلية واحدة، فإذا أردت استدعاء معلومة من ~~الحافظة، أو من حاشية الشعور، فالذاكرة هي التي تستدعي لك هذه المعلومة، ~~وتخرجها من جديد من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور. ثم هناك ما يسمى ~~بتداعي المعاني، حين يذكرك شيء بشيء آخر، وهناك المخيلة، وهي التي ~~تلفق أو تؤلف من المعلومات المختزنة شيئا جديدا، ونسميه ~~التخيل، فالشاعر العربي حين أعجبه الوشم باللون الأخضر على بشرة شابة ~~بيضاء تخيلها هكذا. # خود كأن بنانها ms7958 في # نقشه الوشم المزرد # سمك من البللور في # شبك تكون من زبرجد # فهذه صورة تخيلية خاصة بالشاعر، وإلا فمن منا رأى سمكا من ~~البللور في شبك من زبرجد؟ فللشاعر نظرته الخاصة للصور التي يراها، وسبق ~~أن ذكرنا الصورة التي رسمها الشاعر للأحدب، فقال: # قصرت أخادعه وغاص قذاله # فكأنه متربص أن يصفعا # وكأنما صفعت قفاه مرة # فأحس ثانية لها فتجمعا # ومنذ القدم يعتبر الشعراء القلب محلا للحب وللمشاعر، لكن يخرج علينا ~~هذا الشاعر بصورة أخرى جديدة من نسج خياله، فيقول: # خطرات ذكرك تستثير مودتي # فأحس منها في الفؤاد دبيبا # لا عضو لي إلا وفيه صبابة # فكأن أعضائي خلقن قلوبا # فمعنى: { اذكروا نعمة الله عليكم.. } [الأحزاب: 9] لا ~~تمروا على النعم بغفلة لرتابتها عندكم، بل تذكروها دائما، واجعلوها في ~~بؤرة شعوركم لذلك جعل الله الذكر عبادة، وهو عبادة بلا مشقة، فأنت حين ~~تصلي مثلا تستغرق وقتا ومجهودا للوضوء وللذهاب للمسجد، كذلك حين تزكي ~~تخرج من مالك، أما الذكر فلا يكلفك شيئا. لذلك في سورة الجمعة ~~حينما يستدعي الحق سبحانه عباده للصلاة، يقول: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع.. # [الجمعة: 9] فهنا حركتان: حركة إيجاب بالسعي إلى الصلاة، وحركة سلب ~~بترك البيع والشراء، وكل ما يشغلك عن الصلاة. ثم يقول تعالى: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله واذكروا الله كثيرا.. # [الجمعة: 10]. وفي موضع آخر قال: # ولذكر الله أكبر # [العنكبوت: 45] فإياك أن تظن أن الله يريد أن تذكره ساعة الصلاة فحسب، ~~إنما اذكره دائما وأبدا، وإن كانت الصلاة لها ظرف تؤدى فيه، فذكر ~~الله لا وقت له لذلك جعله الله يسيرا سهلا، لا مشقة فيه، لا بالوقت ~~ولا بالجهد، فيكفي في ذكر الله أن تتأمل المرائي التي تمر بها ويقع ~~عليها نظرك لترى فيها قدرة الله. والحق سبحانه يذكرنا بنعمه لأن ~~النعمة بتواليها على النفس البشرية تتعود عليها النفس، ويحدث لها ~~رتابة، فلا تلتفت إليها، فأنت مثلا ترى الشمس كل صباح، لكن قلما ms7959 تتذكر ~~أنها آية من آيات الخالق - عز وجل - ونعمة من نعمه لأنك تعودت على ~~رؤيتها، وأصبحت رتيبة بالنسبة لك. كذلك يلفتنا الحق سبحانه إلى نعمه حين ~~يسلبها من الآخرين، فحين ترى السقيم تذكر نعمة العافية، وحين ترى ~~الأعمى تذكر نعمة البصر.. إلخ وساعتها ينبغي عليك أن تشكر المنعم ~~الذي عافاك مما ابتلى به غيرك، إذن: فهذه الشواذ جعلها الله وسائل ~~للإيضاح وتذكيرا للخلق بنعم الخالق. والنعمة وردت هنا مفردة، وكذلك ~~في قوله تعالى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] وقد وقف أعداء الإسلام من المستشرقين أمام هذه الآية ~~يعترضون على أن النعمة فيها مفردة، يقولون: فكيف تعد؟ وهذا الاعتراض ~~منهم ناشئ عن عدم فهم لمعاني وأساليب القرآن. ونقول: الذي ترونه نعمة ~~واحدة، لو تأملتم فيها لوجدتم بداخلها نعما متعددة تفوق العد لذلك ~~استخدم القرآن هنا إن الدالة على الشك لأن نعم الله ليست مظنة ~~العد والإحصاء كرمال الصحراء، هل تعرض أحد لعدها؟ لأنك لا تقبل ~~على عد شيء إلا إذا كان مظنة العد، وإحصاء المعدود. لذلك، فالحق ~~سبحانه يوضح لنا: إن حاولتم إحصاء نعم الله - وهذا لن يحدث - فلن ~~تستطيعوا عدها، مع أن الإحصاء أصبح علما مستقلا، له جامعات وكليات ~~تبحث فيه وتدرسه. ولك أن تأخذ نعمة واحدة من نعم الله عليك، ثم تتأمل ~~فيها وفي عناصرها ومكوناتها وفوائدها وصفاتها، وسوف تجد في طيات ~~النعمة الواحدة نعما شتى، فالتفاحة مثلا في ظاهرها نعمة واحدة، لكن ~~في ألوانها ومذاقها وعناصر مكوناتها ورائحتها واختلاف وتنوع هذا كله ~~نعم كثيرة. والحق سبحانه جعل نعمه عامة للمؤمن وللكافر لأنه سبحانه ~~جعل لها أسبابا، من أحسن هذه الأسباب أعطته، حتى لو كان كافرا. ثم ~~نلاحظ في قوله تعالى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] أنها وردت في القرآن مرتين، ولكل منهما تذييل مختلف، ~~فمرة يقول تعالى: # وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت ~~الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]، ومرة يقول: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله ~~لغفور ms7960 رحيم # [النحل: 18]. وفيه إشارة إلى أن الله تعالى لو عامل المنعم عليهم من ~~الخلق بما يقتضيه إيمانهم، وما يقتضيه كفرهم، لأعطى المؤمن وسلب ~~الكافر، لكنه سبحانه غفور رحيم بخلقه، فبهاتين الصفتين ينعم سبحانه ~~على الجميع، وما ترفلون فيه من نعم الله عليكم أثر من آثار الغفران ~~والرحمة، فغفر لكم معايبكم أولا، والغفر: أن تستر الشيء القبيح عمن ~~هو دونك. # ثم الرحمة، وهي أن تمتد يدك بالإحسان إلى من دونك، وسبق أن أوضحنا ~~أن المغفرة تسبق الرحمة، وهذه هي القاعدة العامة، لكن قد تسبق الرحمة ~~المغفرة ذلك لأن السلب للشيء المذموم ينبغي أن يسبق النعمة، أو: أن ~~دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة. وقد مثلنا لذلك باللص تجده ~~في دارك، فتستر عليه أولا حين لا تسلمه للبوليس، ثم يرق له قلبك، فتمتد ~~يدك إليه بالإحسان، وهنا تسبق المغفرة الرحمة، وقد تتصرف معه بطريقة ~~أخرى، بحيث تقدم فيها الرحمة على المغفرة، والمغفرة لا تكون إلا من ~~الأعلى للأدنى، فتستر على القبيح قبحه، وأنت أعلى منه، فلا يقال مثلا ~~للخادم: إنه ستر على سيده. ثم يرسل لنا الحق - سبحانه وتعالى - هذه ~~البرقية الدالة على تأييده سبحانه لعباده المؤمنين: { إذ جآءتكم ~~جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ~~وكان الله بما تعملون بصيرا } [الأحزاب: 9]. فالجنود ~~تؤذن بالحرب، وجاءت نكرة مبهمة، ثم جاءت نهاية هذه المعركة في هاتين ~~الجملتين القصيرتين { فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم ~~تروها.. } [الأحزاب: 9] ولم يذكر ماهية هؤلاء الجنود، إلا أنهم من ~~عند الله، جاءوا لرد هؤلاء الكفار وإبطال كيدهم. ثم يأتي بمذكرة ~~تفسيرية توضح من هم هؤلاء الجنود: { إذ جآءوكم من ~~فوقكم... }. ### || [33.10] # هذا وصف لما جرى في غزوة الأحزاب التي جمعت فلول أعداء رسول الله، ~~فقد سبق أن حاربهم متفرقين، والآن يجتمعون لحربه صلى الله عليه وسلم، ~~فجاءت قريش ومن تبعها من غطفان وأسد وبني فزارة وغيرهم، وجاء اليهود من ~~بني النضير وبني قريظة، وعجيب أن يجتمع كل هؤلاء لحرب الإسلام على ما ~~كان بينهم من العداوة والخلاف. وقلنا: إن ms7961 أهل الكتاب كانوا يستفتحون ~~برسول الله على كفار مكة، ثم جاءت الآيات لتجعل من أهل الكتاب شهداء على ~~صدق رسول الله، فقال تعالى: # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله ~~شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب # [الرعد: 43]. ولو قدر أهل الكتاب هذه الشهادة التي قرنها الحق سبحانه ~~بشهادته، لكان عليهم أن يؤمنوا بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~والمعنى: { إذ جآءوكم.. } [الأحزاب: 10] أي: اذكر يا محمد وتخيل ~~وتصور إذ جاءكم الأحزاب، وتجمعوا لحربك { من فوقكم.. } ~~[الأحزاب: 10] أي: من ناحية الشرق، وهم: غطفان، وبنو قريظة، وبنو ~~النضير { ومن أسفل منكم.. } [الأحزاب: 10] أي: من ناحية الغرب ~~وهم قريش، ومن تبعهم من الفزاريين والأسديين وغيرهم { وإذ زاغت ~~الأبصار.. } [الأحزاب: 10] أي: اذكر إذ زاغت الأبصار، ومعنى زاغ ~~البصر أي: مال، ومنه قوله تعالى: # ما زاغ البصر وما طغى # [النجم: 17]. ف زاغت الأبصار يعني: مالت عن سمتها وسنمها، وقد خلق ~~الله العين على هيئة خاصة، بحيث تتحرك إلى أعلى، وإلى أسفل، وإلى اليمين، ~~وإلى الشمال، ولكل اتجاه منها اسم في اللغة، فيقولون: رأى أي: بجمع ~~عينه، ولمح بمؤخر موقه، ورمق أي: من ناحية أنفه.. إلخ فسمت العين ~~وسنمها أن تتحرك في هذه الاتجاهات، فإذا فزعت من شيء أخذ البصر، مال ~~عن سمته من التحول، لذلك يقول تعالى: # فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا.. # [الأنبياء: 97]. وقال: # إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار # [إبراهيم: 42] وشخوص البصر أن يرتفع الجفن الأعلى، وتثبت العين على ~~شيء، لا تتحرك إلى غيره. وفي موضع آخر قال تعالى عن المنافقين ~~والمعوقين: # أشحة عليكم فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون ~~إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من ~~الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد.. # [الأحزاب: 19]. لأن الهول ساعة يستولي على الأعين، فمرة تشخص العين على ~~ما ترى لا تتعداه إلى غيره من شدة الهول، ومرة تدور هنا وهناك تبحث عن ~~مفر أو مخرج مما هي فيه، فهذه حالات يتعرض لها الخائف المفزع. ~~وقوله تعالى: { وبلغت القلوب الحناجر.. } [الأحزاب: 10] ~~معلوم أن الحنجرة ms7962 أعلى القصبة الهوائية في هذا التجويف المعروف، فكيف ~~تبلغ القلوب الحناجر؟ هذا أثر آخر من آثار الهول والفزع، فحين يفزع ~~الإنسان يضطرب في ذاته، وتزداد دقات قلبه، وتنشط حركة التنفس، حتى ~~ليخيل للإنسان من شدة ضربات قلبه أن قلبه سينخلع من مكانه، ويقولون ~~فعلا في العامية قلبي هينط مني. # وقوله تعالى: { وتظنون بالله الظنونا } [الأحزاب: 10]. ~~أي: ظنونا مختلفة تأخذهم وتستولي عليهم، فكل له ظن يخدم غرضه، ~~فالمؤمنون يظنون أن الله لن يسلمهم، ولن يتخلى عنهم، والكافرون يظنون ~~أنهم سينتصرون وسيستأصلون المؤمنين، بحيث لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك. ~~ونلحظ في هذه الآية أن الحق سبحانه لا يكتفي بأن يحكي له ما حدث، إنما ~~يجعله صلى الله عليه وسلم يستحضر الصورة بنفسه، فيقول له: اذكر إذ حدث ~~كذا وكذا. ثم يقول الحق سبحانه: { هنالك ابتلي المؤمنون... ~~}. ### || [33.11] # { هنالك ابتلي المؤمنون.. } [الأحزاب: 11] أي: اختبروا ~~وامتحنوا، فقوي الإيمان قال: لن يسلمنا الله. والمنافق قال: هي ~~نهاية الإسلام والمسلمين { وزلزلوا.. } [الأحزاب: 11] الزلزلة هي ~~الهزة العنيفة التي ينشأ عن قوتها تخلخل الأشياء، لكن لا تقتلعها، ~~والمراد أنهم تعرضوا لكرب شديد زلزل كيانهم، وميز مؤمنهم من منافقهم ~~لذلك يقول تعالى بعدها: { وإذ يقول المنافقون والذين... ~~}. ### || [33.12] # المنافقون هم أنفسهم الذين في قلوبهم مرض، فهما شيء واحد، وهذا العطف ~~يسمونه " عطف البيان ". والغرور أن تخدع إنسانا بشيء مفرح في ~~ظاهره، محزن في باطنه، تقول: ما غرك بالشيء الفلاني كأن في ظاهره شيئا ~~يخدعك ويغرك، فإذا ما جئت لتختبره لم تجده كذلك. ### || [33.13] # { وإذ.. } [الأحزاب: 13] هنا أيضا بمعنى: واذكر { وإذ قالت ~~طآئفة منهم يأهل يثرب.. } [الأحزاب: 13] يثرب: اسم ~~للبقعة التي تقع فيها المدينة، وقد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اسمها إلى طيبة. ومعنى: { لا مقام لكم.. } [الأحزاب: 13] أي: في ~~الحرب { فارجعوا.. } [الأحزاب: 13] يعني: اتركوا محمدا وأتباعه في ~~أرض المعركة واذهبوا، أو { لا مقام لكم } [الأحزاب: 13] أي: على ~~هذا الدين الذي تنكرونه بقلوبكم، وتساندونه بقوالبكم. ثم يكشف القرآن ~~حيلة فريق آخر يريد الفرار { ويستأذن فريق منهم ~~النبي.. ms7963 } [الأحزاب: 13] أي: في عدم الخروج للقتال { يقولون ~~إن بيوتنا عورة.. } [الأحزاب: 13] أي: ليست محصنة، ولا تمنع ~~من أرادها بسوء. يقال: بيت عورة إذا كان غير محرز، أو غير محكم ضد ~~من يطرقه يريد به الشر، كأن يكون منخفضا أو متهدم الجدران يسهل ~~تسلقه، أو أبوابه غير محكمة.. إلخ. كما نقول في العامية منط، لكن ~~الحق سبحانه يثبت كذبهم، ويبطل حجتهم، فيقول { وما هي بعورة } ~~[الأحزاب: 13] إنما العلة في ذلك { إن يريدون إلا فرارا } ~~[الأحزاب: 13] أي: من المعركة إشفاقا من نتائجها ومخافة القتل. ثم يقول ~~سبحانه: { ولو دخلت عليهم... }. ### || [33.14] # { دخلت عليهم } [الأحزاب: 14] أي: البيوت: { من أقطارها ~~} [الأحزاب: 14] من نواحيها { ثم سئلوا الفتنة } [الأحزاب: ~~14] أي: طلب منهم الكفر { لآتوها } [الأحزاب: 14] يعني: لكفروا. { ~~وما تلبثوا بهآ إلا يسيرا } [الأحزاب: 14] يعني: ما يجعل ~~الله لهم لبثا وإقامة إلا يسيرا، ثم ينتقم الله منهم. ### || [33.15] # معنى { عاهدوا الله.. } [الأحزاب: 15] أخذ الله عليهم العهد ~~وقبلوه، وهو ما حدث في بيعة العقبة حين عاهدوا رسول الله على النصرة ~~والمؤازرة. أو: يكون الكلام لقوم فاتتهم بدر وفاتتهم أحد، فقالوا: ~~والله لئن وقفنا في حرب أخرى لنبلون فيها بلاء حسنا. وعهد الله هو ~~الشيء الذي تعاهد الله عليه، وأول عهد لك مع الله تعالى هو الإيمان به، ~~وما دمت قد آمنت بالله فانظر إلى ما طلبه منك وما كلفك به، وإياك ~~أن تخل بأمر من أموره، لأن الاختلال في أي أمر تكليفي من الله يعد ~~نقصا في إيمانك بالله، فلا يليق بك أن تنقض ما أكدته من الأيمان، بل ~~يلزمك أن توفي به لأنك إن وفيت بها وفي لك بها أيضا، فلا تأخذ ~~الأمر من جانبك وحدك، ولكن انظر إلى المقابل. واعلم أن الله مطلع عليك، ~~يعلم خفايا الضمائر وما تكنه الصدور، فاحذر حينما تعطي العهد أن ~~تعطيه وأنت تنوي أن تخالفه، إياك أن تعطي العهد خداعا، فربك - سبحانه ~~وتعالى - يعلم ما تفعل. ### || [33.16] # قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم { قل } [الأحزاب: 16] أي: لهؤلاء ~~الذين يريدون الفرار ms7964 من المعركة { لن ينفعكم الفرار إن ~~فررتم من الموت أو القتل } [الأحزاب: 16] والقرآن هنا ~~يحتاط لمسألة إزهاق الروح، وسبق أن تحدثنا عن الفرق بين الموت والقتل ~~لذلك يقول تعالى عن نبيه محمد: # وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم.. # [آل عمران: 144]. فالموت لا يقدر عليه إلا واهب الحياة سبحانه، ويكون ~~بنقض الروح أولا بأمر خالقها، ثم يتبعه نقض البنية، أما القتل فيقدر ~~عليه الخلق، ويتم أولا بنقض البنية الذي يترتب عليه إزهاق الروح لأن ~~البنية لم تعد صالحة لاستمرار الروح فيها، بعد أن فقدت المواصفات ~~المطلوبة لبقاء الروح. والفرار لن يجدي في هذه المسألة لأن لها أجلا ~~محددا، سواء أكان بالله واهب الحياة، أو كان بفعل واحد من الخلق عصى ~~أمر الله، فهدم البنية التي بناها الله، وما جدوى الفرار من المعركة، وقد ~~رأينا من شهد المعارك كلها، ثم يموت على فراشه، كخالد بن الوليد الذي ~~يقول: لقد شهدت مائة زحف أو زهاءها، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة ~~بسيف، أو طعنة برمح، وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا ~~نامت أعين الجبناء. ثم يناقشهم القرآن: هبوا أنكم فررتم من الموت أو ~~القتل، أتدوم لكم هذه السلامة؟ أتخلدون في هذه الحياة؟ { وإذا لا ~~تمتعون إلا قليلا } [الأحزاب: 16] وسرعان ما تنتهي الحياة، ~~وتواجهون الموت الذي لا مفر منه، وكلنا ذاهب إلى هذا المصير. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { قل من ذا الذي يعصمكم... }. ### || [33.17] # المعنى: قل لهم يا محمد من الذي { يعصمكم.. } [الأحزاب: 17] أي: ~~يمنعكم { من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة.. } [الأحزاب: 17] كما قال في موضع آخر: # لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم.. # [هود: 43]. فإذا أراد الله بقوم سوءا فلا عاصم لهم لأنه لا يمتنع أحد ~~مع الله لأنه لا يوجد معه سبحانه إله آخر يدفع السوء عن هؤلاء. والإشكال ~~الذي يحتاج إلى توضيح هنا قوله تعالى: { أو أراد بكم رحمة..] ~~[الأحزاب: 17] فكيف ms7965 تكون العصمة من الرحمة؟ قالوا: يعصم هنا بمعنى يمنع، ~~والمعنى: لا يمنع أحد من أعدائكم رحمة الله إن أراد الله بكم رحمة. ~~ونلحظ على سياق الآية أنها جاءت بأسلوب الاستفهام، ولم تأت على صورة ~~الخبر، فلم يقل القرآن لمحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد، لا ~~يعصم أحد من الله إن أرادكم بسوء، لأن الجملة الخبرية محتملة للصدق ~~وللكذب، إنما شاء الله أن يجعلها جملة إنشائية استفهامية ليقرروا هم ~~بأنفسهم هذه الحقيقة، كأنه تعالى يقول لهم: لقد ارتضيت حكمكم أنتم، ولو ~~لم يكن الحق سبحانه واثقا من أن الجواب لن يأتي إلا: لا أحد لما ~~جاء بالأسلوب في صورة استفهام، إذن: فالاستفهام هنا آكد في تقرير صدق ~~هذه الجملة. كذلك أنت تلجأ إلى هذا الأسلوب في الرد على من ينكر ~~جميلك، فتقول: ألم أحسن إليك يوم كذا وكذا؟ فلا يملك عندها إلا ~~الإقرار. ثم يقول سبحانه: { ولا يجدون لهم من دون الله ~~وليا ولا نصيرا } [الأحزاب: 17] الولي: هو القريب منك، وأنت لا ~~تقرب منك إلا من ترجو نفعه، هو الذي يليك أو يواليك، فحبه يسبق ~~الحدث، فإذا ما جاء الحدث حمله حبه لك على أن يدافع عنك. والنصير: ~~قريب من معنى الولي، ويدافع أيضا عنك، لكن يأتي دفاعه بعد الحدث، وقد ~~يكون ممن لا قرابة بينك وبينهم. والمعنى: حين يريد الله أحدا بسوء ~~فلن يجد أحدا يمنعه من الله، لا الولي ولا النصير. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { قد يعلم الله المعوقين... }. ### || [33.18] # قد: حرف يفيد التحقيق، خاصة إذا جاءت من الحق سبحانه، ويأتي معها الفعل ~~في صيغة الماضي، لكن هنا { قد يعلم.. } [الأحزاب: 18] فجاء الفعل ~~بصيغة المضارع، وهذا يعني أن الحدث الذي يقع الآن سيثبت أن الله يعلم ~~المعوقين، وقد علم أزلا. فإن قلت: فالحق سبحانه يعلم قبل أن ~~يكون هناك تعويق، نقول: فرق بين أن يعلم الأمر قبل أن يقع، وأن ~~يعلمه إذ يقع، فقد يقول قائل: علمت وسوف تجازيني على ما تعلم سابقا، ~~لكن لو تركتني في ms7966 المستقبل لن تحدث مني مخالفة. إذن: فالحق سبحانه يريد ~~أن يؤكد هذا الأمر. والمعوق: هو الذي يضع العوائق أمام مرادك، ويثبط ~~همتك ويخذلك. وقوله: { هلم إلينا.. } [الأحزاب: 18] يعني: ~~أقبل وتعال. وكلمة هلم تأتي هكذا بصيغة المفرد دائما مع المفرد والمثنى ~~والجمع، ومع المذكر والمؤنث، ومنه قوله تعالى: # قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون أن الله ~~حرم هذا.. # [الأنعام: 150] أي: هاتوا، وهذه هي اللغة الفصيحة. وفي لغة من لغات ~~تهامة يلحقون بها علامة التثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، فيقولون: ~~هلم وهلمي وهلما وهلموا، ولجمع الإناث هلمن. وقوله تعالى: { ولا ~~يأتون البأس إلا قليلا } [الأحزاب: 18] البأس أي: الحرب، ~~كما جاء في قوله تعالى: # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم.. # [الأنبياء: 80]. وقال سبحانه: # والصابرين في البأسآء والضراء وحين البأس.. # [البقرة: 177] ففرق بين البأس والبأساء: البأس أي: الحرب. أما ~~البأساء، فكل ما يصيب الإنسان من مكروه في غير ذاته كفقد ولد، أو خسارة ~~مال.. إلخ، أما الضراء فما يصيب الإنسان في ذاته، كمرض أو نحوه. ومن ذلك ~~قول الله تعالى عن سيدنا داود: # وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من ~~بأسكم.. # [الأنبياء: 80]. والمراد: صناعة الدروع التي يلبسها الإنسان على مظان ~~المقاتل فيه، وعلى أجهزته الحيوية كالصدر والقلب والرأس، ولها غطاء خاص ~~الخوذة، وتصنع الدروع مسننة. أي: بها تموج وتجاويف، بحيث تتلقى ~~ضربات السيف بإحكام، فلا تنفلت الضربة إلى مكان آخر فتؤذيه. لذلك يقول ~~تعالى لنبيه داود عن هذه الصنعة # وقدر في السرد.. # [سبأ: 11] أي: في إحكام هذه الحلقات المتداخلة. وفرق أيضا هنا بين ~~لبوس ولباس: اللباس هو ما يقي الإنسان تقلبات الجو، ويستر عورته أثناء ~~الأمن وسلام الحياة، وهذه هي الملابس العادية التي يرتديها الناس. وفيها ~~يقول الحق سبحانه: # والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من ~~الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ~~وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته ~~عليكم لعلكم تسلمون # [النحل: 81]. أما كلمة لبوس فهي المعدة لحالة الحرب كالدروع ونحوها ~~لذلك جاءت بصيغة دالة على التضخيم لبوس. وهذه الآية تلفتنا إلى مظهر ms7967 من ~~مظاهر الدقة في الأداء القرآني المعجز، فالآية هنا ذكرت الحر، ولم ~~تذكر شيئا عن المقابل له، وهو البرد، والعلماء عادة ما يلجئون إلى ~~تقدير هذا المحذوف عند تفسير الآية، فيقولون: أي تقيكم الحر والبرد، ~~يريدون أن يكملوا أسلوب القرآن، وهذا لا يجوز. # وحين نمعن النظر في هذه الآية، نجد أن الله تعالى خلق الظلال لتقينا ~~حرارة الشمس، وجعل اللباس، وكذلك جعل لنا الأكنان في الجبال، والله خلق ~~الحر على هذه الصورة التي لا يتحملها الإنسان لأن للحر مهمة في حياتنا، ~~فحرارة الشمس تخدمك في أمور كثيرة، وإن كانت تضايقك بعض الوقت، فالحق ~~سبحانه أبقاها لتؤدي مهمة خير لك، ثم حماك بالظل واللباس والأكنان من ~~شرها. فإن قلت: فهذه الأشياء تقيني أيضا البرد، نقول: إياك أن ~~تظن أن الدفء يأتيك من غطاء ثقيل أو ملابس شتوية، إنما الدفء من ذاتك ~~أنت، فأنت تدفئ البطانية والفراش الذي تنام عليه، بدليل أنك ساعة تأتي ~~فراشك لتنام تجده باردا، ثم بعد مرور ساعات الليل تجده في الصباح ~~دافئا. إذن: فحرارتك الذاتية انتقلت إلى الغطاء فأدفأته، وكل ما ~~يؤديه الغطاء أنه يحفظ حرارة جسمك بداخله، فلا تتبدد في الهواء المحيط ~~بك. لذلك، لما درس العلماء مسألة حرارة جسم الإنسان وجدوا فيها مظهرا من ~~مظاهر قدرة الله، فالإنسان تشع منه حرارة تكفي في أربع وعشرين ساعة ~~لغلي سبعة عشر لترا من الماء، ومعدل هذه الحرارة في الجسم 37 ثابتة ~~في قيظ الحر وبرد الشتاء، مما يدل على أن لجسمك ذاتية منفصلة تماما عن ~~الجو المحيط بك. ومن عجائب خلق الإنسان أن هذه الحرارة تتفاوت من عضو ~~إلى عضو آخر، والجسم واحد، فأعضاء حرارتها ما بين 7 - 9 كالأنف والأذن ~~والعين، ولو زادت حرارة العين عن هذا المعدل تنفجر، أما الكبد فحرارته ~~40.. إلخ، ومعلوم أن الحرارة تحدث استطراقا في الجسم الواحد، وفي ~~المكان الواحد. ومن عجائب خلق الإنسان في هذه المسألة العرق الذي ~~يتصبب منك في حالة تعرضك للحرارة الشديدة، فيخرج العرق من مسام الجسم، ~~ليلطف ms7968 من درجة حرارته، ويحدث عملية تبريد، كالتي نراها مثلا في موتور ~~السيارة، حتى عندنا في الفلاحين تجد الفلاح من كثرة عمله في الأرض وكثرة ~~عرقه تتكون على جسمه طبقة مثل الجير، وهذه أملاح تخرج مع العرق لذلك يكثر ~~في هؤلاء الفلاحين أكل المش و المخللات لتعويض نسبة الأملاح المفقودة مع ~~العرق، إذن: فالحق سبحانه لم يقل والبرد، لأن الدفء كما رأينا ذاتي. ~~وقوله تعالى: { ولا يأتون البأس إلا قليلا } [الأحزاب: ~~18] وهذه القلة مستثناه: إما من الإتيان، أو أنهم يأتون البأس، لكن قلة ~~منهم يقاتلون بهمة ونشاط، والباقون أتوا ذرا للرماد في العيون - ~~كما يقولون ولئلا يتهموا بالتخلف عن رسول الله. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~أشحة عليكم فإذا... }. ### || [33.19] # قوله تعالى: { أشحة عليكم.. } [الأحزاب: 19] الشح في معناه ~~العام هو البخل، لكن الشحيح الذي يبخل على الغير، وقد يكون كريما على ~~نفسه وعلى أهله، أما البخيل فهو الذي يبخل حتى على نفسه لذلك قال تعالى: ~~{ أشحة عليكم.. } [الأحزاب: 19] ليس على أنفسهم. وأنت حين ~~تتأمل الصفات المذمومة في الكون تجدها ضرورية لحقائق تكوين الكون، وتجد ~~لها مهمة لذلك فطن الشاعر إلى هذه المسألة، فقال: # إن الأشحاء أسخى الناس قاطبة # لأنهم ملكوا الدنيا وما انتفعوا # لم يحرموا الناس من بعض الذي ملكوا # إلا ليعطوا هموا كل الذي جمعوا # وآخر يرى للبخيل فضلا عليه، فيقول: # جزي البخيل علي صالحة # منى لخفته على نفسي # نعم، البخيل خفيف على النفس لأنه لم يجد عليك بشيء يأسرك به، ولم ~~يستعبدك في يوم من الأيام بالإحسان إليك، فهو خفيف على نفسك لأنك لست ~~مدينا له بشيء. وهذا على حد قول الشاعر: # أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم # وطالما استعبد الإنسان إحسان # فالبخل وإن كان مذموما، فقد ركزه الله في بعض الطباع ليعين التضاد، ~~ومعنى " يعين التضاد " أن البخل مقابله الكرم، والبخيل يعاون الكريم على ~~أداء مهمته، فالكريم عادة إيده سايبه، ينفق هنا وهناك حتى ينفد ما معه، ~~ومن أهل الكرم من يلجأ إلى أن يبيع أرضه أو بيته في سبيل ms7969 كرمه، فمن ~~يشتري منه إذن إذا لم يكن هناك من يكنز المال ويبخل به؟ إذن: لو ~~نظرت إلى كل شيء في الوجود تجد له مهمة، حتى إن كان مذموما، ثم إن ~~البخيل كثيرا ما يكون ظريفا لا يخلو مجلسه من ظرفه، فقد كنا في ~~بواكير شبابنا نشرب السجائر، فكان الواحد منا يخرج علبة السجائر يوزعها ~~على الحاضرين، وربما لا تكفي واحدة فأخرج الأخرى، وكان في مجلسنا واحد من ~~هؤلاء، فنظر إلي في غيظ وقال يا قلبك يا أخي. وقد كانت هذه السجائر ~~سببا في أننا جرنا على شبابنا، فكان لها أثر بالغ علينا في الكبر، ~~فليحم الشباب شبابهم ولا يدمروه بمثل هذه الخبائث المحرمة. ثم يقول ~~سبحانه: { فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك ~~تدور أعينهم.. } [الأحزاب: 19] أي: في ساعة الفزع، يأخذ الفزع ~~أبصارهم، فينظرون هنا وهناك، لا تستقر أبصارهم، ولا تسكن إلى شيء، زاغت ~~أبصارهم { كالذي يغشى عليه من الموت.. } [الأحزاب: ~~19]. ومن ذلك الخبر: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع ". ~~كان هذا حالهم عند الخوف والفزع { فإذا ذهب الخوف سلقوكم ~~بألسنة حداد.. } [الأحزاب: 19] معنى { سلقوكم.. } ~~[الأحزاب: 19] آلموكم وآذوكم بألسنتهم، وقالوا لكم: أعطونا حقنا، فقد ~~حاربنا معكم، ولولا نحن ما انتصرتم على عدوكم، إلى غير ذلك من التطاول ~~بالقول والإيذاء والتأنيب. # وهذا كله من معاني السلق ومنه: سلق اللحم ونحوه، وهو أن يغلي في الماء ~~دون أن تضيف إليه شيئا، ومثله السلخ، فكلها معان تلتقي في الإيلام. ~~وعادة ما تجد في اللغة إذا اشترك اللفظان في حرفين، واختلفا في الثالث ~~تجد أن لهما معنى عاما يجمعهما كما في سلق وسلخ، وفي: قطف، وقطر، وقطم. ~~وكلها تلتقي في الانفصال. وقوله تعالى: { بألسنة حداد.. } ~~[الأحزاب: 19] حداد يعني: حادة فصيحة بملء الفم، كما في قوله تعالى: # فبصرك اليوم حديد # [ق: 22]. ومعنى { أشحة على الخير.. } [الأحزاب: 19] بعد أن ~~قال { أشحة عليكم.. } [الأحزاب: 19] أكد هذا المعنى بقوله { ~~أشحة على الخير.. } [الأحزاب: 19] أي: في عمومه. { ~~أولئك لم يؤمنوا.. } [الأحزاب: 19] لأنهم لو آمنوا لعلموا ~~أن الشح، شح ms7970 عليهم هم، وليس في صالحهم لأن الكريم يستزيد من الله ~~العطاء، أما الشحيح فليس له زيادة لذلك يقول تعالى: # هأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ~~فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن ~~نفسه.. # [محمد: 38]. وربك حين يراك تنفق مما أعطاك يزيدك لأنك مؤتمن على الرزق ~~لذلك يقول أحد الصالحين: اللهم إنك عودتني خيرا، وعودت خلقك خيرا، ~~فلا تقطع ما عودتني حتى لا أقطع عن الناس ما عودتهم. إذن: فالعطاء ~~استدرار لنعمة الله، وسبب للمزيد منها. وهب أن لك عدة أولاد، أعطيت ~~لواحد منهم جنيها مثلا، فذهب واشترى به حلوى، ثم وزعها على إخوته، ~~ولم يؤثر نفسه عليهم، لا بد أنك ستأتمنه، وتعطيه المزيد لأن الخير ~~في يده يفيض على الآخرين. ونتيجة عدم الإيمان { فأحبط الله ~~أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا } [الأحزاب: 19] ~~أي: أنهم عملوا، لكن أعمالهم لا رصيد لها من إيمان لذلك أحبطها الله أي: ~~جعلها غير ذات جدوى ولا فائدة تعود عليهم. وهذه القضية أوضحها القرآن في ~~قوله تعالى: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما ~~كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد # [إبراهيم: 18]. وهذا الإحباط أمر يسير على الله تعالى، لكن أفي حق ~~الله تعالى نقول: هذا صعب، وهذا يسير؟ قالوا: كل أمر الله يسير لأنه ~~تعالى لا يفعل بمعالجة الشيء، إنما يفعل سبحانه بكن، وسبق أن مثلنا ~~لمعالجة الأفعال بمن يريد أن ينقل مثلا عشرة أرادب من القمح، فإنه ~~لا يستطيع إلا أن يحملها مجزأة، فينقل الجوال من هنا إلى هناك، ثم ~~الآخر، إلى أن ينتهي من الكمية كلها، ويأخذ في هذا العمل وقتا يتناسب ~~مع قوته. فلما تقدم العلم، وتطور الفكر الإنساني رأينا الآلة التي ~~تحمل كل هذه الكمية وتنقلها في حركة واحدة، وبمجرد الضغط على مجموعة من ~~الأزرار والمفاتيح، فإذا كان العبد المخلوق لله عز وجل قد استطاع أن ~~يصل إلى هذا التيسير، فما بالك بالخالق عز وجل؟ لذلك يقول تعالى: # إنمآ أمره إذآ ms7971 أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82] ولا تتعجب من هذه المسألة لأن ربك أعطاك في ذاتك شيئا منها، ~~لماذا تستبعد فعل الله تعالى بكن، وأنت ترى جوارحك تنفعل لمجرد ~~إرادتك للفعل، مجرد رغبتك في القيام ترى نفسك قد قمت، دون حتى أن تأمر ~~جوارحك وعضلاتك بالقيام. فإن قلت: فلماذا لا يأمر الإنسان جوارحه ~~وأعضاءه بما يريد؟ نقول: لأنك لا تملك أن تأمرها، فهي تنقاد لك ولمرادك ~~بأمر الله، فالأشياء كلها إنما تأتمر بأمر الخالق سبحانه، ولا تتخلف عن ~~أمره أبدا، ألم تقرأ عن السماء # وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 2]. فالسماء مع عظم خلقها تسمع وتطيع أمر خالقها أما أنت ~~أيها العبد، فأي شيء تأمر، وأنت لا تعرف أصلا ما تأمره؟ وهل تعرف أنت ~~العضلات والأعضاء والأعصاب التي تشترك بداخلك لأداء عملية القيام؟ لذلك ~~ولعدم علمك بما تأمره جعل الله أعضاءك وجوارحك تنفعل لمجرد إرادتك. أما ~~هو سبحانه فيقول كن لأنه خالق كل شيء، وكل شيء مؤتمر بأمره، وقال ~~سبحانه كن حتى لا تقولها أنت، فكأنها سبقت منه سبحانه لصالحك أنت، ~~وأنت تفعل من باطن كن الأولى التي توزعت علينا جميعا. ### || [33.20] # القرآن الكريم يحكي هذا الموقف عن المنافقين، ويكشف نواياهم السيئة، ~~فبعد أن تجمع الأحزاب وخرجوا لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~يزال هؤلاء المنافقون { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا.. } ~~[الأحزاب: 20] فهذا التجمع يخيفهم ويروعهم لذلك لم يصدقوه، فقد رأوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم ينتصر على أعدائه متفرقين، وهذه هي المرة ~~الأولى التي يجتمع فيها أعداء الإسلام على اختلافهم. إذن: استبعد ~~المنافقون تجمع الأحزاب هذا التجمع، وبعد ذلك ينفضون دون أن يصنعوا ~~حدثا يذكر في التاريخ. والحسبان: ظن، أي: ليس حقيقة. { وإن ~~يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في ~~الأعراب.. } [الأحزاب: 20] أي: إن يتجمع الأحزاب يود المنافقون لو ~~أنهم بادون أي: مقيمون في البادية بعيدا عن المدينة لأنهم يخافون من ~~مطلق التجمع، ولأنهم إن بقوا في المدينة إما أن يحاربوا الأحزاب وهم ~~غير واثقين من النصر، وإما ألا ms7972 يحاربوا فيصيرون أعداء للمسلمين. فهم ~~يريدون - إذن - أن يعيشوا في النفاق، وألا يخرجوا منه لذلك يودون عيشة ~~البادية مع الأعراب، ومن بعيد { يسألون عن أنبآئكم.. } ~~[الأحزاب: 20] أي: ما حدث لكم في هذه المواجهة. ثم يقرر القرآن هذه ~~الحقيقة: { ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا } ~~[الأحزاب: 20] أي: درءا للشبهات، وذرا للرماد في العيون، إذن: لا ~~تأس عليهم، ولا تحزن لتخلفهم. ### || [33.21] # أسوة: قدوة ونموذج سلوكي، والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله ~~منهجه لصيانة حركة الإنسان في الحياة، وهو أيضا صلى الله عليه وسلم ~~أسوة سلوك، فما أيسر أن يعظ الإنسان، وأن يتكلم، المهم أن يعمل ~~على وفق منطوق كلامه ومراده، وكذلك كان سيدنا رسول الله مبلغا ~~وأسوة سلوكية لذلك قالت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها: " كان خلقه ~~القرآن ". لكن، ما الأسوة الحسنة التي قدمها رسول الله في مسألة ~~الأحزاب؟ لما تجمع الأحزاب كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: # " اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم ~~وزلزلهم ". # وجعل شعاره الإيماني فيما بعد # " لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم ~~الأحزاب وحده " # وما دام هذا شعار المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو لكم أسوة. وقال ~~تعالى عن المؤمنين في هذه الغزوة: # وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله.. # [البقرة: 214]. وفي بدر يقول أبو بكر: يا رسول الله، بعض مناشدتك ربك، ~~فإن الله منجز لك ما وعدك. ولقائل أن يقول: إذا كان الله تعالى قد وعد ~~نبيه بالنصر، فلم الإلحاح في الدعاء؟ نقول: ما كان سيدنا رسول الله ~~يلح في الدعاء من أجل النصر لأنه وعد محقق من الله تعالى. واقرأ ~~قوله تعالى: # وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ~~وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد ~~الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر ~~الكافرين # [الأنفال: 7]. فالرسول لا يريد الانتصار على العير، وعلى تجارة قريش، ~~إنما يريد النفير الذي خرج للحرب. وقوله تعالى: { في رسول الله.. ~~} [الأحزاب: 21] كأن ms7973 الأسوة الحسنة مكانها كل رسول الله، فهو صلى الله ~~عليه وسلم ظرف للأسوة الحسنة في كل عضو فيه صلى الله عليه وسلم، ففي ~~لسانه أسوة حسنة، وفي عينه أسوة حسنة، وفي يده أسوة حسنة.. إلخ، ~~كله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. هذه الأسوة لمن؟ { لمن كان ~~يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } ~~[الأحزاب: 21]. وصف ذكر الله بالكثرة لأن التكاليف الإيمانية تتطلب من ~~النفس استعدادا وتهيؤا لها، وتؤدي إلى مشقة، أما ذكر الله فكما ~~قلنا لا يكلفك شيئا، ولا يشق عليك لذلك قال تعالى: # ولذكر الله أكبر.. # [العنكبوت: 45]. يعني: أكبر من أي طاعة أخرى لأنه يسير على لسانك، ~~تستطيعه في كل عمل من أعمالك، وفي كل وقت، وفي أي مكان، ولذلك قلنا ~~في آية الجمعة: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله واذكروا الله كثيرا.. # [الجمعة: 10]. ### || [33.22] # أي: لما رأى المؤمنون الأحزاب منصرفين مهزومين { قالوا هذا ما ~~وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما ~~زادهم.. } [الأحزاب: 22] أي: هذا النصر، وهذا الوعد الذي تحقق ما ~~زادهم { إلا إيمانا وتسليما } [الأحزاب: 22]. وهذه المسألة ~~دليل من أدلة أن الإيمان يزيد وينقص، فالإيمان يزيد بزيادة الجزئيات التي ~~تعليه، فبعد الإيمان بالحق - سبحانه وتعالى - هناك إيمان بالجزئيات التي ~~تثبت صدق الحق في كل تصرف. وتسليما: أي لله في كل ما يجريه على ~~العباد. ### || [33.23] # نزلت هذه الآية في جماعة من المؤمنين صادقي الإيمان، إلا أنهم لم يشهدوا ~~بدرا ولا أحدا، ولكنهم عاهدوا الله إن جاءت معركة أخرى ~~ليبادرون إليها، ويبلون فيها بلاء حسنا. وورد أنها نزلت في أنس ~~بن النضر، فقد عاهد الله لما فاتته بدر لو جاءت مع المشركين حرب أخرى ~~ليبلون فيها بلاء حسنا، وفعلا لما جاءت أحد أبلى فيها بلاء حسنا ~~حتى استشهد فيها، فوجدوا في جسده نيفا وثمانين طعنة برمح، وضربة ~~بسيف، وهذا معنى { صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. } ~~[الأحزاب: 23]. وساعة تسمع كلمة { رجال.. } [الأحزاب: 23] في القرآن، ~~فاعلم أن المقام مقام جد وثبات على الحق، وفخر بعزائم ms7974 صلبة لا تلين، ~~وقلوب رسخ فيها الإيمان رسوخ الجبال، وهؤلاء الرجال وفوا العهد الذي ~~قطعوه أمام الله على أنفسهم، بأن يبلوا في سبيل نصرة الإسلام، ولو يصل ~~الأمر إلى الشهادة. وقوله تعالى: { فمنهم من قضى نحبه ~~ومنهم من ينتظر.. } [الأحزاب: 23] قضى نحبه: أي أدى العهد ~~ومات، والنحب في الأصل هو النذر، فالمراد: أدى ما نذره، أو ما عاهد الله ~~عليه من القتال، ثم استعملت النحب بمعنى الموت. لكن، ما العلاقة بين ~~النذر والموت؟ قالوا: المعنى إذا نذرت فاجعل الحياة ثمنا للوفاء بهذا ~~النذر، وجاء هذا التعبير { فمنهم من قضى نحبه.. } ~~[الأحزاب: 23] لتعلم أن الموت يجب أن يكون منك نذرا. أي: انذر لله أن ~~تموت، لكن في نصرة الحق وفي سبيل الله، فكأن المؤمن هو الذي ينذر نفسه ~~وروحه لله، وكأن الموت عنده مطلوب ليكون في سبيل الله. فالمؤمن حين ~~يستصحب مسألة الموت ويستقرئها يرى أن جميع الخلق يموتون من لدن آدم ~~عليه السلام حتى الآن لذلك تهون عليه حياته ما دامت في سبيل الله، ~~فينذرها ويقدمها لله عن رضا، ولم لا وقد ضحيت بحياة، مصيرها إلى زوال، ~~واشتريت بها حياة باقية خالدة منعمة. وقد ورد في الأثر: " ما رأيت ~~يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت " ومع أننا نرى الموت لا يبقى ~~على أحد فينا إلا أن كل إنسان في نفسه يتصور أنه لن يموت. وحق للمؤمن ~~أن ينذر نفسه، وأن يضحي بها في سبيل الله لأن الله يقول: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بمآ آتاهم ~~الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا ~~بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~* يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله ~~لا يضيع أجر المؤمنين # [آل عمران: 169-171]. وهذه الحياة التي عند الله حياة على الحقيقة، لأن ~~الرزق سمة الحي الذي يعيش ويأكل ويشرب. # . إلخ، وإياك أن تظن أنها حياة معنوية فحسب. وقد تسمع من يقول لك: ~~هذا يعني أنني لو فتحت القبر ms7975 على أحد الشهداء أجده حيا في قبره؟ ونقول ~~لمن يحب أن يجادل في هذه المسألة: الله تعالى قال: # أحياء عند ربهم.. # [آل عمران: 169] ولم يقل: أحياء عندك، فلا تحكم على هذه الحياة بقانونك ~~أنت، لا تنقل قانون الدنيا إلى قانون الآخرة. والمؤمن ينبغي أن يكون ~~اعتقادة في الموت، كما قال بعض العارفين: الموت سهم أرسل إليك بالفعل، ~~وعمرك بقدر سفره إليك. والقرآن حين يعالج هذه المسألة يقول تعالى: # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير * الذي خلق الموت والحياة.. # [الملك: 1-2] فقدم الموت على الحياة، حتى لا نستقبل الحياة بغرور ~~الحياة، إنما نستقبلها مع نقيضها حتى لا نغتر بها. وقوله تعالى: { ~~ومنهم من ينتظر.. } [الأحزاب: 23] أي: ينتظر الوفاء بعهده مع ~~الله، وكأن الله تعالى يقول: الخير فيكم يا أمة محمد باق إلى يوم ~~القيامة { وما بدلوا تبديلا } [الأحزاب: 23] معنى التبديل ~~هنا: أي ما تخاذلوا في شيء عاهدوا الله عليه ونذروه، فما جاءت بعد ذلك ~~حرب، وتخاذل أحد منهم عنها، ولا أدخل أحد منهم الحرب مواربة ورياء، ~~فقاتل من بعيد، أو تراجع خوفا من الموت، بل كانوا في المعمعة حتى ~~الشهادة. ثم يقول الحق سبحانه: { ليجزي الله الصادقين... ~~}. ### || [33.24] # تأمل هنا رحمة الخالق بالخلق، هذه الرحمة التي ما حرم منها حتى ~~المنافق، فقال سبحانه: { ويعذب المنافقين إن شآء أو ~~يتوب عليهم.. } [الأحزاب: 24]. وسبق أن تحدثنا عن صفتي المغفرة ~~والرحمة وقلنا: غفور رحيم من صيغ المبالغة، الدالة على كثرة المغفرة ~~وكثرة الرحمة، وأن القرآن كثيرا ما يقرن بينهما، فالمغفرة أولا لتستر ~~العيب والنقائص، ثم يتلوها الرحمة من الله، بأن تمتد يده سبحانه ~~بالإحسان. وقد أوضحنا ذلك باللص تجده في بيتك، فتشفق عليه، ثم تمتد إليك ~~يدك بالمساعدة التي تعينه على عدم تكرار ذلك. وقلنا: إن الغالب أن تسبق ~~المغفرة الرحمة، وقليلا ما تسبق الرحمة المغفرة. وقلنا: إنه يشترط ~~في المغفرة أن تكون من الأعلى للأدنى، فإذا ستر العبد على سيده قبحا لا ~~يقال: غفر له، وكذلك في الرحمة فإن مال ms7976 الأقل بالإحسان إلى الأعلى لا ~~يقال رحمة لأنه قد يعطيه عوضا عما قدم له أو يعطيه انتظار أن يرد ~~إليه ما أعطاه مرة أخرى. ثم يقول الحق سبحانه: { ورد الله ~~الذين... }. ### || [33.25] # الغيظ: احتدام حقد القلب على مقابل منافس، والمعنى: أن الله تعالى رد ~~الكافرين والغيظ يملأ قلوبهم لأنهم جاءوا وانصرفوا دون أن ينالوا من ~~المسلمين شيئا { لم ينالوا خيرا.. } [الأحزاب: 25] ليس الخير ~~المطلق، إنما لم ينالوا الخير في نظرهم، وما يبتغونه من النصر على ~~المسلمين، فهو خير لهم وإن كان شرا يراد بالإسلام. وقد رد الله ~~الكافرين إلى غير رجعة، ولن يفكروا بعدها في الهجوم على الإسلام لذلك ~~قال سيدنا رسول الله بعد انصرافهم خائبين: " لا يغزونا أبدا، بل نغزوهم ~~نحن " وفعلا كان بعدها فتح مكة. وقوله تعالى: { وكفى الله ~~المؤمنين القتال.. } [الأحزاب: 25] أي: أن رد الكافرين لم ~~يكن بسبب قوتكم وقتالكم، إنما تولى الله ردهم وكفاكم القتال، صحيح ~~كانت هناك مناوشات لم تصل إلى حجم المعركة، ولو حدثت معركة بالفعل لكانت ~~في غير صالح المؤمنين لأنهم كانوا ثلاثة آلاف، في حين كان المشركون عشرة ~~آلاف. إذن: كانت رحمة الله بالمؤمنين هي السبب الأساسي في النصر لذلك ~~ذيلت الآية بقوله تعالى: { وكان الله قويا عزيزا } ~~[الأحزاب: 25] قويا ينصركم دون قتال منكم، وعزيزا: أي يغلب ولا يغلب. ~~هذا ما كان من أمر قريش وحلفائها، أما بنو قريظة فيقول الله فيهم: { ~~وأنزل الذين ظاهروهم... }. ### || [33.26] # معنى { ظاهروهم.. } [الأحزاب: 26] أي: عاونوهم { من صياصيهم.. ~~} [الأحزاب: 26] أي: من حصونهم وقلاعهم { وقذف في قلوبهم ~~الرعب.. } [الأحزاب: 26] أي: الخوف وهو جندي من جنود الله، وهذا ~~الرعب الذي ألقاه الله في قلوب الكافرين هو الذي فرقهم، ولم يجعل لكثرة ~~العدد لديهم قيمة، وما فائدة أعداد كثيرة خائفة مذعورة # يحسبون كل صيحة عليهم.. # [المنافقون: 4]. ألم يحدثنا صحابة رسول الله أنهم كانوا يستعملون ~~السواك، فظن الكفار أنهم يسنون أسنانهم ليأكلوهم، هذا هو الرعب الذي ~~نصر الله به عباده المؤمنين. ومعنى { فريقا تقتلون.. } [الأحزاب: ~~26] أي: المقاتلين الذين يحملون السلاح { وتأسرون ms7977 فريقا } ~~[الأحزاب: 26] وهم النساء والذراري وغيرهم ممن لا يحملون السلاح. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وأورثكم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم... }. ### || [33.27] # معنى { وأورثكم.. } [الأحزاب: 27] أي: أعطاكم أرض وديار وأموال ~~أعدائكم من بعد زوالهم وانهزامهم { وأرضا لم تطئوها.. } ~~[الأحزاب: 27] أي: أماكن جديدة لم تذهبوا إليها بعد، والمراد بها خيبر، ~~وكأن الله يقول لهم: انتظروا فسوف تأخذون منهم الكثير { وكان الله ~~على كل شيء قديرا } [الأحزاب: 27]. وهكذا انتهى التعبير ~~القرآني من قصة الأحزاب. وينبغي علينا الآن أن نستعرض القصة بفلسفة ~~أحداثها، وأن نتحدث عما في هذه القصة من بطولات، ففيها بطولات متعددة، ~~لكل بطل فيها دور. وتبدأ القصة حين ذهب كل من حيي بن أخطب، وسلام بن أبي ~~الحقيق، وكانا من قريظة، ذهبا إلى قريش في أماكنها، وقالوا: جئناكم ~~لنتعاون معكم على إبطال دعوة محمد، فأتوا أنتم من أسفل، وننزل نحن من ~~أعلى، ونحيط محمدا ومن معه ونقضي عليهم. وكان في قريش بعض التعقل ~~فقالوا لحيي بن أخطب وصاحبه: أنتم أهل كتاب، وأعلم بأمر الأديان فقولوا ~~لنا: أديننا الذي نحن عليه خير أم دين محمد؟ فقال: بل أنتم أصحاب الحق. ~~سمعت قريش هذا الكلام بما لديها من أهواء، وكما يقال: آفة الرأي الهوى ~~لذلك لم يناقشوه في هذه القضية، بل نسجوا على منواله، ولم يذكروا ما كان ~~من أهل الكتاب قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، وأنهم كانوا يستفتحون على ~~الكافرين برسول الله ويقولون لهم: لقد أطل زمان نبي جديد نتبعه ونقتلكم ~~به قتل عاد وإرم، لقد فات قريشا أن تراجع حيي بن أخطب، وأن تسأله ~~لماذا غيرتم رأيكم في محمد؟ ثم جاء القرآن بعد ذلك، وفضح هؤلاء وهؤلاء، ~~فقال سبحانه: # ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ~~يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين ~~كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا # [النساء: 51]. فكانت هذه أول مسألة تغيب فيها العقول، ويفسد فيها الرأي، ~~فتنتهز قريش أول فرصة حين تجد من يناصرها ضد محمد ودعوته، ومن هنا ~~اجتمع أهل الباطل من قريش وأحلافها من بني فزارة، ms7978 ومن بني مرة، ومن غطفان ~~وبني أسد والأشجعيين وغيرهم، اجتمعوا جميعا للقضاء على الدين الوليد. ثم ~~كانت أولى بطولات هذه المعركة، لرجل ليس من العرب، بل من فارس عبدة النار ~~والعياذ بالله، وكأن الحق سبحانه يعد لنصرة الحق حتى من جهة الباطل، ~~إنه الصحابي الجليل سلمان الفارسي، الذي قضى حياته جوالا يبحث عن ~~الحقيقة، إلى أن ساقته الأقدار إلى المدينة، وصادف بعثة رسول الله وآمن ~~به. وكان سلمان أول بطل في هذه المعركة، حين أشار على رسول الله بحفر ~~الخندق، وقال: يا رسول الله كنا - يعني في فارس - إذا حزبنا أمر ~~القتال خندقنا يعني: جعلنا بيننا وبين أعدائنا خندقا، ولاقت هذه الفكرة ~~استحسانا من المهاجرين ومن الأنصار، فأراد كل منهم أن يأخذ سلمان في ~~صفه، فلما تنازعا عليه، قال سيدنا رسول الله لهم " بل سلمان منا آل ~~البيت " وهذا أعظم وسام يوضع على صدر سلمان رضي الله عنه. # وهذه الفكرة دليل على أن الحق سبحانه يجند حتى الباطل لخدمة الحق، ~~فنحن لم يسبق لنا أن رأينا خندقا ولا أهل الفارسي الذين جاءوا بهذه ~~الفكرة، لكن ساقها الله لنا، وجعلها جندا من جنوده على يد هذا الصحابي ~~الجليل، لنعلم كما قال تعالى # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه.. # [الأنفال: 24]. وقد أوضحنا هذا المعنى في قصة فرعون الذي كان يذبح ~~الأطفال بعد النبوءة التي سمعها، ثم يأتيه طفل على غير العادة يحمله إليه ~~الماء، وهو في صندوقه، ولا يخفى على أحد أن أهله قصدوا بذلك إبعاده عن ~~خطر فرعون، ومع ذلك حال الله بين فرعون وبين ما في قلبه، فأخذ الولد ~~ورباه في بيته. وقد أحسن الشاعر الذي عبر عن هذا المعنى، فقال: # إذا لم تصادف في بنيك عناية # فقد كذب الراجي وخاب المؤمل # فموسى الذي رباه جبريل كافر # وموسى الذي رباه فرعون مرسل # البطل الثاني في هذه المعركة رجل يدعى نعيم بن مسعود الأشجعي، جاء ~~لرسول الله يقول: يا رسول الله لقد مال قلبي للإسلام، ولا أحد يعلم ذلك ~~من ms7979 قومي، فقال له رسول الله: " وما تغني أنت؟ ولكن خذل عنا " أي: ادفع ~~عنا القوم بأي طريقة، أبعدهم عنا، أو ضللهم عن طريقنا، أو قل لهم ~~أننا كثير ليرهبونا.. إلخ. هذا رجل كان بالأمس كافرا، فماذا فعل الإيمان ~~في قلبه، وهو حديث عهد به؟ نظر نعيم، فرأى قريشا وأتباعها يأتون من ~~أسفل، وبني قريظة وأتباعهم يأتون من أعلى، فأراد أن يدخل بالدسيسة ~~بينهما، فذهب لأبي سفيان، وقال: يا أبا سفيان، أنا صديقكم، وأنتم تعلمون ~~مفارقتي لدين محمد، ولكني سمعت همسا أن بني قريظة تداركوا أمرهم مع ~~محمد، وقالوا: إن قريشا وأحلافهم ليسوا مقيمين في المدينة مثلنا، فإن ~~صادفوا نصرا ينتصرون، وإن صادفوا هزيمة فروا إلى بلادهم، ثم يتركون بني ~~قريظة لمحمد لذلك قرروا ألا يقاتلوا معكم إلا أن تعطوهم عشرة من ~~كبرائكم ليكونوا رهائن عندهم. سمع أبو سفيان هذا الكلام، فذهب إلى قومه ~~فقال لهم: أنتم المقيمون هنا، وليس هذا موطن بني قريظة، وسوف يتركونكم ~~لمواجهة محمد وحدكم، فإن أردتم البقاء على عهدهم في محاربة محمد، ~~فاطلبوا منهم رهائن تضمنوا بها مناصرتهم لكم. بعدها ذهب أبو سفيان ~~ليكلم بني قريظة في هذه المسألة، فقال: هلك الخف والحافر - يعني: ~~الإبل والخيل - ولسنا بدار مقام لنا، فهيا بنا نناجز محمدا - هذا بعد ~~أن مكثوا نيفا وعشرين يوما يعدون ويتشاورون - فقالوا له: هذا يوم ~~السبت، ولن نفسد ديننا من أجل قتال محمد وعلى كل حال نحن لن نشترك معكم ~~في قتال، إلا أن تعطونا عشرة من كبرائكم يكونون رهائن عندنا، ساعتها علم ~~أبو سفيان أن كلام نعيم الأشجعي صدق، فجمع قومه وقال لهم: الأرض ليست ~~أرض مقام لنا، وقد هلك الخف والحافر، فهيا بنا ننجو. # قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاء نعيم بن مسعود، وأخبر ~~رسول الله بما حدث، ووجد رسول الله الجو هادئا، فقال: " ألا رجل منكم ~~يذهب فيحدثنا الآن عنهم، وهو رفيقي في الجنة؟ " والمراد: أن يندس ~~بين صفوف الأعداء ليعلم أخبارهم. ومع هذه البشارة التي بشر ms7980 بها سيدنا ~~رسول الله من يؤدي هذه المهمة، لم يقم من الحاضرين أحد، ودل هذا ~~على أن الهول ساعتها كان شديدا، والخطر كان عظيما، وكان القوم في حال ~~من الجهد والجوع والخوف، جعلهم يتخاذلون عن القيام، فلم يأنس أحد منهم ~~قوة في نفسه يؤدي بها هذه المهمة. لذلك كلف رسول الله رجلا يدعى ~~حذيفة بن اليمان بهذه المهمة قال حذيفة: ولكن رسول الله قال لي: لا ~~تحدث أمرا حتى ترجع إلي، فلما ذهبت وتسللت ليلا جلست بين القوم، ~~فجاء أبو سفيان بالنبأ من بني قريظة، يريد أن يرحل بمن معه، فقال: ~~ليتعرف كل واحد منكم على جليسة، مخافة أن يكون بين القوم غريب. وهنا ~~تظهر لباقة حذيفة وحسن تصرفه - قال: فأسرعت وقلت لمن على يميني: ~~من أنت؟ قال: معاوية بن أبي سفيان، وقلت لمن على يساري: من أنت؟ ~~قال: عمرو بن العاص، وسمعت أبا سفيان يقول للقوم: هلك الخف والحافر، ~~وليست الأرض دار مقام فهيا بنا، وأنا أولكم، وركب راحلته وهي معقولة من ~~شدة تسرعه، قال حذيفة: فهممت أن أقتله، فأخرجت قوسي ووترتها وجعلت ~~السهم في كبدها، لكني تذكرت قول رسول الله " لا تحدثن شيئا حتى تأتيني " ~~فلم أشأ أن أقتله، فلما ذهبت إلى رسول الله وجدته يصلي، فلما أحس بي ~~فرج بين رجليه - وكان الجو شديد البرودة - فدخلت بين رجليه فنثر علي ~~مرطه ليدفئني، فلما سلم قال لي: ما خطبك فقصصت عليه قصتي. وبعد أن جند ~~الحق سبحانه كلا من نعيم الأشجعي وحذيفة لنصرة الحق، جاءت جنود أخرى لم ~~يروها، وكانت هذه الليلة باردة، شديدة الرياح، وهبت عاصفة اقتلعت ~~خيامهم، وكفأت قدورهم وشردتهم، ففر من بقي منهم. وهذا معنى قوله ~~تعالى: # وكان الله قويا عزيزا # [الأحزاب: 25] # وما يعلم جنود ربك إلا هو.. # [المدثر: 31]. بعد أن رد الحق سبحانه كفار مكة بغيظهم، وكفى المؤمنين ~~القتال أراد أن يتحول إلى الجبهة الأخرى، جبهة بني قريظة، فلما رجع ~~رسول الله من الأحزاب لقيه جبريل عليه السلام فقال: أوضعت لأمتك يا ~~محمد، ولم ms7981 تضع الملائكة لأمتها للحرب؟ اذهب فانتصر لنفسك من بني قريظة، ~~فقال رسول الله للقوم: # " من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة ". # فاختلف الصحابة حول هذا الأمر: منهم من انصاع له حرفيا، وأسرع إلى ~~بني قريظة ينوي صلاة العصر بها، ومنهم من خاف أن يفوته وقت العصر فصلى ~~ثم ذهب، فلما اجتمعوا عند رسول الله أقر الفريقين، وصوب الرأيين. ~~وكانت هذه المسألة مرجعا من مراجع الاجتهاد في الفكر الإسلامي، والعصر ~~حدث، والحدث له زمان، وله مكان، فبعض الصحابة نظر إلى الزمان فرأى ~~الشمس توشك أن تغيب فصلى، وبعضهم نظر إلى المكان فلم يصل إلا في ~~بني قريظة لذلك أقر رسول الله هذا وهذا. وينبغي على المسلم أن يحذر ~~تأخير الصلاة عن وقتها لأن العصر مثلا وقته حين يصير ظل كل شيء ~~مثليه وينتهي بالمغرب، وهذا لا يعني أن تؤخر العصر لآخر وقته، ~~صحيح إن صليت آخر الوقت لا شيء عليك، لكن من يضمن لك أن تعيش لآخر ~~الوقت. إذن أنت لا تأثم إن صليت آخر الوقت، لكن تأثم في آخر لحظة من ~~حياتك حين يحضرك الموت وأنت لم تصل لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " خير الأعمال الصلاة لوقتها " فليس معنى امتداد الوقت ~~إباحة أن تؤخر. وفي مسألة الأحزاب بطولة أخرى لسيدنا علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه، وقد ظهرت هذه البطولة عندما وجد الكفار في الخندقة نقطة ~~ضعيفة، استطاعوا أن يجترئوا على المسلمين منها، وأن يقذفوا منها خيولهم، ~~فلما قذفوا بخيولهم إلى الناحية الأخرى، فجالت الخيل في السبخة بين ~~الخندق وجبل سلع، ووقف واحد من الكفار وهو عمرو بن ود العامري وهو يؤمئذ ~~أشجع العرب وأقواها حتى عدوه في المعارك بألف فارس. # " وقف عمرو بن ود أمام معسكر المسلمين يقول وهو مشهر سيفه: من ~~يبارز؟ فقال علي لرسول الله: أبارزه يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه ~~وسلم: " اجلس يا علي، إنه عمرو " فأعاد عمرو: أين جنتكم التي وعدتم بها ~~من قتل ms7982 في هذا السبيل؟ أجيبوني. فقال علي: أبارزه يا رسول الله؟ قال: ~~" اجلس يا علي، إنه عمرو " وفي الثالثة قال عمرو: *ولقد بححت من ~~النداء * بجمعكم هل من مبارز* *ووقفت إذ جبن ~~المشجع * موقف القرن المناجز* *إن الشجاعة في الفتى * ~~والجود من خير الغرائز* عندها انتفض علي رضي الله عنه وقال: أنا له ~~يا رسول الله، فأذن له رسول الله، فأشار علي لعمرو، وقال: *لا ~~تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز* *ذو نية وبصيرة * ~~والصدق منجي كل فائز* *إني لأرجو أن أقيم * عليك ~~نائحة الجنائز* *من ضربة نجلاء * يبقى ذكرها عند ~~الهزاهز* أي: الحروب. وكانت لسيدنا رسول الله درع سابغة اسمها ذات ~~الفضول، فألبسها رسول الله عليا وأعطاه سيفه ذا الفقار وعمامته السحاب، ~~وكانت تسعة أكوار، وخرج علي رضي الله عنه لمبارزة عمرو بن ود، فضرب عمرو ~~الدرقة فشقها، فعاجله على بضربة سيف على عاتقه أردته قتيلا، فقال ~~علي ساعة وقع: الله أكبر سمعه رسول الله فقال: " قتل عدو الله ". ثم ~~حدثت زوبعة العثير - وهو غبار الحرب - فحجبت المعركة، فذهب سيدنا عمر ~~رضي الله عنه ليرى ما حدث، فوجد عليا يمسح سيفه في درع عمرو بن ود، ~~فقال: الله أكبر، فقال رسول الله: " قتل وأيم الله ". ومن الأخلاق ~~الكريمة التي سجلها سيدنا علي في هذه الحادثة أنه بعد أن قتل عمرا ~~سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا سلبت درعه، فإنه أفخر ~~درع في العرب "؟ فقال علي: والله لقد بانت سوأته، فاستحييت أن أصنع ذلك. ~~ثم أنشد رضي الله عنه وكرم الله وجهه، وهو يشير إلى عمرو: *نصر ~~الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصوابي* ~~*فصددت حين تركته متجدلا * كالجذع بين دكادك وروابي* ~~وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقنطر بزني ~~أثوابي* وفي هذه الواقعة قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~لو لم يكن لك يا علي غيرها في الإسلام لكفتك " ". # لذلك قال العارفون بالله كأن عليا رضي الله عنه حسد حين قتل عمرو بن ~~ود، ms7983 فأصابته العين في ذاته، فقتل بسيف ابن ملجم، ومن هنا قالوا: أعز ~~ضربة في الإسلام ضربة علي لعمرو بن ود، وأشأم ضربة في الإسلام ضربة ابن ~~ملجم لعلي. وفي المعركة بطولة أخرى لسيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه حيث ~~يقول: ضربني يوم الأحزاب حبان بن قيس بن العرقة، وقال: خذها وأنا ~~ابن العرقة - فقلت: عرق الله وجهك في النار، فلما أصابني في أكحلي - ~~والأكحل هو: العرق الذي نضع فيه الحقنة، ومنه يخرج دم الفصد ~~والحجامة. فقلت: اللهم إن كانت هذه آخر موقعة بيننا وبين قريش فاجعلني ~~شهيدا، وإن كنت تعلم أنهم يعودون فأبقني لأشفي نفسي ممن أخرج رسول ~~الله وآذاه، ولا تمتني حتى أشفى غليلي من بني قريظة. وقد كان، فبعد ~~أن مكث الأحزاب وبنو قريظة قرابة خمسة وعشرين يوما دون قتال، وانتهى ~~الأمر بالمفاوضات اختار سيدنا رسول الله سعد بن معاذ ليكون حكما في هذه ~~المسألة، فحكم سعد بقتل المقاتلين منهم، وأسر الذراري والنساء والأموال، ~~فلما بلغ هذا الحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " لقد حكمت فيهم حكم ربك من فوق سبع سماوات ". # ثم ثار الجرح على سيدنا سعد حتى مات به، فحملوه إلى خيمة رسول الله ~~بالمسجد، فجاءت الملائكة تقول لرسول الله: من هذا الذي مات، وقد اهتز ~~له عرش الرحمن؟ قال: " إنه سعد بن معاذ ". وقد قال تعالى: # فريقا تقتلون وتأسرون فريقا # [الأحزاب: 26]. وفي قوله تعالى: { وأرضا لم تطئوها.. } ~~[الأحزاب: 27] بشارة للمسلمين بأن البلاد ستفتح لهم دون قتال، وهذا حال ~~جمهرة البلاد التي دخلها الإسلام، فغالبية هذه البلاد فتحت بالأسوة ~~السلوكية للمسلمين آنذاك، وبذلك نستطيع أن نرد على من يقول: إن ~~الإسلام انتشر بحد السيف. وإذا كان الإسلام انتشر بحد السيف، فأي ~~سيف حمل المسلمين الأوائل على الإسلام وكانوا من ضعاف القوم لا يستطيعون ~~حتى حماية أنفسهم؟ إذن: لا شيء إلا قدوة السلوك التي حملت كل هؤلاء على ~~الإيمان. وسبق أن ذكرنا أن عمر - رضي الله عنه - وما أدراك ما عمر قوة ~~وصلابة يقول ms7984 حين سمع قول الله تعالى: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. قال: أي جمع هذا، ونحن لا نستطيع حماية أنفسنا؟ مما يراه ~~من ضعف المسلمين وبطش الكافرين. ثم لو انتشر الإسلام بالسيف لأصبح سكان ~~البلاد التي دخلها الإسلام كلهم مسلمين، ولما كانت للجزية وجود في ~~الفقه الإسلامي، إذن: بقاء الجزية على من لم يؤمن دليل على بطلان هذه ~~المقولة، ودليل على عدم الإكراه في الدين، فالفتح الإسلامي كفل حرية ~~العقيدة # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29] وعليه الجزية لبيت مال المسلمين مقابل ما تقدمه الدولية ~~إليه من خدمات. فالجزية التي تتخذونها سبة في الإسلام دليل على أن ~~الإسلام أقركم على دينكم، إنما حمل السيف كان فقط لحماية الاختيار في ~~الدعوة، فأنا سأعرض الإسلام على الناس، ومن حقي أن أقاتل من يعارضني ~~بالسلاح، من حقي أن أعرض الإسلام كمبدأ، فمن آمن به فعلى العين والرأس، ~~ومن لم يؤمن فليبق في ذمتنا. ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى بيوت أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول سبحانه: { يأيها النبي قل ~~لأزواجك... }. ### || [33.28] # لسائل أن يسأل: ما سر هذه النقلة الكبيرة من الكلام عن حرب الأحزاب ~~وحرب بني قريظة إلى هذا التوجيه لزوجاته صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: لأن ~~مسألة الأحزاب انتهت بقوله تعالى: # وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا ~~لم تطئوها.. # [الأحزاب: 27] فربما طلبت زوجات الرسول أن يمتعهن وينفق عليهن، مما ~~يفتح الله عليه من خيرات هذه البلاد، فجاءت هذه الآية: { يأيها ~~النبي قل لأزواجك.. } [الأحزاب: 28] لتقرر أن الإسلام ما جاء ~~ليحقق مزية لرسول الله، ولا لآل رسول الله، حتى الزكاة لا تصح لأحد من ~~فقراء بني هاشم. لكن مجيء الآية هكذا بصيغة الأمر: { يأيها ~~النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن.. } [الأحزاب: 28] ~~دليل على حدوث شيء منهن يدل على تطلعهن إلى زينة الحياة ومتعها. وقد ~~روي عن عمر - رضي الله عنه أنهن اجتمعن يسألن رسول الله النفقة، ~~وأن يوسع عليهن بعد أن قال صلى الله عليه وسلم عن الكفار: لن ~~يغزونا، بل نغزوهم وبعد ms7985 أن بشرتهم الآيات بما سيفتح من أرض جديدة. ~~وقوله تعالى: { فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا ~~جميلا } [الأحزاب: 28] يعني: ليس عندي ما تتطلعن إليه من زينة ~~الدنيا وزخرفها، ومعنى { فتعالين.. } [الأحزاب: 28] نقول: تعالين ~~يعني: أقبلن، لكنها هنا بمعنى ارتفعن من العلو، ارتفعن عن مناهج ~~البشر والأرض، وارتقين إلى مناهج خالق البشر، وخالق الأرض لأن السيادة ~~في منهج الله، لا في متع الحياة وزخرفها. وقد ورد هذا المعنى أيضا في ~~قوله تعالى: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم.. # [الأنعام: 151] فتعالوا أي: ارتفعوا عن قوانين البشر وقوانين الأرض إلى ~~قوانين السماء لأنه يشترط فيمن يضع القانون ألا يفيد من هذا ~~القانون، وأن يكون ملما بكل الجزئيات التي يتعرض لها القانون والبشر ~~مهما بلغت قدرتهم، فإنهم يعلمون شيئا ويجهلون آخر لذلك لا ينبغي أن ~~يقنن لهم إلا خالقهم عز وجل. ومعنى { أمتعكن.. } [الأحزاب: ~~28] أي: أعطيكن المتعة الشرعية التي تفرض للزوجة عند مفارقة زوجها، ~~والتي قال الله فيها: # وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين # [البقرة: 241]. وقوله { وأسرحكن.. } [الأحزاب: 28] التسريح هنا ~~يعني الطلاق { سراحا جميلا } [الأحزاب: 28] ذلك يدل على أن ~~المفارقة بين الزوجين إن تمت إنما تتم بالجمال أي: اللطف والرقة ~~والرحمة بدون بشاعة وبدون عنف لأن التسريح في ذاته مفارقة مؤلمة، فلا ~~يجمع الله عليها شدتين: شدة الطلاق، وشدة العنف والقسوة. ولك أن تلحظ أن ~~لفظ الجمال يأتي في القرآن مع الأمور الصعبة التي تحتاج شدة، واقرأ قوله ~~تعالى: # فصبر جميل.. # [يوسف: 83] والصبر يكون جميلا حين لا يصاحبه ضجر، أو شكوى، أو خروج ~~عن حد الاعتدال. # ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض على زوجاته التسريح الجميل الذي لا ~~مشاحنة فيه ولا خصومة إن اخترنه بأنفسهن، وما كان رسول الله ليمسك ~~زوجة اختارت عليه أمرا آخر مهما كان. وللعلماء كلام طويل في هذه ~~المسألة: هل يقع الطلاق بهذا التخيير؟ قالوا: التخيير لون من حب ~~المفارقة الذي يعطي للمرأة - كما نقول مثلا: العصمة في يدها - فهي ~~إذن تختار لنفسها، فإن قبلت الخيار الأول وقع الطلاق، وإن ms7986 اختارت ~~الآخر فبها ونعمت، وانتهت المسألة. وأمر الله لرسوله أن يقول ~~لزوجاته هذا الكلام لا بد أن يكون له رصيد من خواطر خطرت على زوجاته ~~صلى الله عليه وسلم لما رأين الإسلام تفتح له البلاد، وتجبى إليه ~~الخيرات، فتطلعن إلى شيء من النفقة. وكلمة الأزواج: جمع زوج، وتقال ~~للرجل وللمرأة، والزوج لا يعني اثنين معا كما يظن البعض، إنما الزوج ~~يعني الفرد الذي معه مثله من جنسه، ومثله تماما كلمة التوأم، فهي تعني ~~واحد لكن معه مثله، والدليل على ذلك قوله تعالى: # ومن كل شيء خلقنا زوجين.. # [الذاريات: 49] يعني: ذكر وأنثى، فالذكر وحده زوج، والأنثى وحدها زوج، ~~وهذه القسمة موجودة في كل المخلوقات. وتجمع زوج أيضا على زوجات. ونلحظ ~~في الأسلوب هنا أن الحق سبحانه حين يعرض على رسوله أن يخير زوجاته ~~بين زينة الدنيا ونعيم الآخرة يستخدم إن الدالة على الشك، ولا يستخدم ~~مثلا إذا الدالة على التحقيق، وفي هذا إشارة إلى عدم المبالغة في ~~اتهامهن، فالأمر لا يعدو أن يكون خواطر جالت في أذهان بعض زوجاته. ~~وتعلمون أن سيدنا رسول الله جمع من النساء تسعا معا، منهن خمس من ~~قريش، وهن: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة ابنة ~~أبي أمية، ومن غير قريش: صفية بنت حيي بن أخطب الذي ذكرنا قصته في ~~الأحزاب، ثم جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، ثم ميمونة بنت الحارث ~~الهلالية - ومن ذهب عند التنعيم وجد هناك بئر ميمونة، ثم زينب بنت جحش ~~من بني أسد، هؤلاء هن أمهات المؤمنين التسعة اللائي جمعهن رسول ~~الله معا. فلما سألن رسول الله النفقة كانت أجرأهن في ذلك السيدة ~~حفصة بنت عمر، وقد حدث بينها وبين رسول الله مشادة في الكلام، فقال ~~لها: " ألا تحبين أن أستدعي رجلا بيننا؟ " فوافقت، فأرسل إلى عمر، ~~فلما جاء قال لها رسول الله: تكلمي أنت - يعني: اعرضي حاجتك - فقالت: ~~بل تكلم أنت، ولا تقل إلا حقا. أثارت هذه الكلمة حفيظة سيدنا عمر، فهاج ~~وقام إلى ابنته فوجأها، فحجزه ms7987 رسول الله فتناولها ثانية فوجأها، ثم قال ~~لها: إن رسول الله لا يقول إلا حقا، ووالله لولا أنا في مجلسه ما ~~تركتك حتى تموتي، فقام رسول الله من المجلس ليفض هذا النزاع، وذهب إلى ~~حجرته، واعتكف بها، وقاطع الأمر كله مدة شهر. وتأمل قول الله تعالى: { ~~إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها.. } [الأحزاب: ~~28] فأي وصف أحقر، وأقل لهذه الحياة من أنها دنيا؟ وما فيها من ~~متع إنما هي زينة، يعني: ترف في المظهر، لا في الجوهر، كما قال سبحانه ~~في موضع آخر: # اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد.. # [الحديد: 20]. ثم يعرض رسول الله على زوجاته الخيار الثاني المقابل ~~للحياة الدنيا: { وإن كنتن تردن الله ورسوله... }. ### || [33.29] # المتأمل جانبي التخيير هنا يجد أن المقارنة بينهما أمر صعب يوحي برفض ~~التخيير بين طرفي هذه المسألة، فمن يقبل أن تكون له حياة دنيا مقابل ~~الله، وأن تكون له زينتها مقابل رسول الله، ثم زد على ذلك الدار الآخرة ~~التي لم يذكر قبالتها شيء في الجانب الآخر، ثم إن الحياة الدنيا التي ~~نعيشها حتى لو لم توصف بأنها دنيا كان يجب أن يزهد فيها. والحق أنهن ~~فهمن هذا النص واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ومن يرضى بها ~~بديلا: والحمد لله. # وكفى الله المؤمنين القتال.. # [الأحزاب: 25]. ثم يأتي جزاء من اختار الله ورسوله والدار الآخرة { ~~فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما } ~~[الأحزاب: 29] المحسنة هي الزوجة التي تعطي من الرحمة والمودة الزوجية ~~فوق ما طلب منها. ### || [33.30] # الحق - سبحانه وتعالى - بعد أن خير زوجات النبي صلى الله عليه وسلم ~~فاخترن الله ورسوله والدارالآخرة أراد سبحانه أن يعطيهن المنهج ~~والمبادىء التي سيسرن عليها في حياتهن، ونلحظ أن آية التخيير كانت من ~~كلام النبي عن ربه، أما هنا فالكلام من الله مباشرة لنساء النبي. { ~~ينسآء النبي.. } [الأحزاب: 30] فبداية المسألة # يأيها النبي قل لأزواجك.. # [الأحزاب: 28] فلما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة كأنهن ارتفعن ~~إلى مستوى الخطاب المباشر من الله تعالى، كأنهن ms7988 حققن المراد من الأمر ~~السابق # فتعالين.. # [الأحزاب: 28]. كلمة { نسآء.. } [الأحزاب: 30] نعلم أنها جمع، لكن لا ~~نجد لها مفردا من لفظها، إنما مفردها من لفظ آخر هو امرأة، وفي اللغة ~~جموع تنوسي مفردها بشهرة مفرد آخر أرق أو أسهل في الاستعمال، وامرأة ~~أو مرة يصح أيضا من امرؤ، وهذه اللفظة تختلف عن ألفاظ اللغة كلها، بأن ~~حركة الإعراب فيها لا تقتصر على الحرف الأخير إنما تمتد أيضا إلى الحرف ~~قبل الأخير، فنقول: قال امرؤ القيس، وسمعت امرأ القيس، وقرأت ~~لامريء القيس. وبعض الباحثين في اللغة قال: إن نساء من النسأ ~~والتأخير، على اعتبار أن خلقها جاء متأخرا عن خلق الرجل، ومفردها ~~إذن نسء وإن كان هذا تكلفا لا داعي له. وبعد هذا النداء { ~~ينسآء النبي } [الأحزاب: 30] يأتي الحكم الأول من المنهج ~~الموجه إليهن: { من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين.. } [الأحزاب: 30] نلحظ أن الحق ~~سبحانه لم يبدأ الكلام مع نساء النبي بقوله مثلا: من يتق الله منكن، ~~إنما بدأ بالتحذير من إتيان الفاحشة لأن القاعدة الشرعية في التقنين ~~والإصلاح تقوم على أن " درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة " كما ~~أننا قبل أن نتوضأ للصلاة نبرىء أنفسنا من النجاسة. ومثلنا لذلك ~~وقلنا: هب أن واحدا رماك بتفاحة، وآخر رماك بحجر، فأيهما أولى ~~باهتمامك؟ لا شك أنك تحرص أولا على رد الحجر والنجاة من أذاه، وكذلك ~~لو أردت أن تكوي ثوبك مثلا وهو متسخ، لا بد أن تغسله أولا. لذلك ~~بدأ الحق سبحانه التوجيه لنساء النبي بقوله { من يأت منكن ~~بفاحشة مبينة.. } [الأحزاب: 30] لكن الفاحشة أمر مستبعد، ~~فكيف يتوقع منتهى الذنوب من نساء رسول الله؟ قالوا: ولم لا، وقد خاطب ~~الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: # لئن أشركت ليحبطن عملك.. # [الزمر: 65]. ومعلوم أن رسول الله ليس مظنة الوقوع في الشرك، إذن: ~~فالمعنى، يا محمد ليس اصطفاؤك يعني أنك فوق المحاسبة، كذلك الحال بالنسبة ~~لنسائه: إن فعلت إحداكن فاحشة، فسوف نضاعف لها العذاب، ولن نستر عليها ~~لمكانتها من رسول الله، ms7989 فإياكن أن تظنن أن هذه المكانة ستشفع ~~لكن، وإلا دخلت المسألة في نطاق إذا سرق الوضيع أقاموا عليه الحد، ~~وإذا سرق الشريف تركوه. # إذن: منزلة الواحدة منكن ليست في كونها مجرد زوجة لرسول الله، إنما ~~منزلتها بمدى التزامها بأوامر الله، وإلا فهناك زوجات للرسل خن ~~أزواجهن واقرأ: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله ~~شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين # [التحريم: 10]. ولك أن تسأل: هذا حكم الفاحشة المبينة، أن يضاعف ~~لها العذاب، فما بال الفاحشة منهن إن كانت غير مبينة؟ قالوا: هذا ~~الحكم خاص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم، فإن حدث من إحداهن ذنب ~~بينها وبين نفسها فهو ذنب واحد مقصور عليها، فإن كان علانية فهو ~~مضاعف لأنهن أسوة وقدوة تتطلع العيون إلى سلوكهن، فإن ظهرت منهن فاحشة ~~كان تشجيعا للأخريات، ولم لا وقد جاءت الفاحشة من زوجة النبي. فمضاعفة ~~العذاب - إذن - لأن الفساد تعدى الذات إلى الآخرين، وأحدث قدوة سوء في ~~بيت النبي، فاستحقت مضاعفة العذاب، لأنها آذت شعور رسول الله، ولم ~~تقدر منزلته وفضلت عليه غيره لتأتي معه الفاحشة، وهذا يستوجب أضعاف ~~العذاب، فإن ضاعف لها الله العذاب ضعفين فحسب، فهو رفق بها، ومراعاة ~~لماضيها في زوجية رسول الله. كذلك إن فعلت إحداهن حسنة، فلها أجرها ~~أيضا مضاعفا لأنها فعلت صالحا في ذاتها كأي إنسانه أخرى، ثم ~~أعطت قدوة حسنة، وأسوة طيبة لغيرها. فإن أخذنا في الاعتبار حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة ". # علمنا أن أجر الحسنة لا يضاعف فقط مرتين، إنما بعدد ما أثرت فيه ~~الأسوة، وفرق بين الضعف والضعف. الضعف: ضعف الشيء أي مثله، ~~أما الضعف فهو فقد هذا المثل، فهو أقل. ثم يقول سبحانه: { وكان ~~ذلك على الله يسيرا } [الأحزاب: 30] يعني: مسألة مضاعفة ~~العذاب ms7990 أمر يسير، ولن تغني عنكن منزلتكن من رسول الله شيئا، فهذا ~~أمر لا يسألني فيه أحد، ولا أحابي فيه أحدا، ولا بد أن أسير ~~الأمور كما يجب أن تكون، ولا يعارضني فيها أحد، لذلك كثيرا ما تذيل ~~أحكام الحق سبحانه بقوله: # إن الله عزيز حكيم # [البقرة: 220] فالعزة تقتضي أن يكون الحكم ماضيا لا يعدله أحد، ولا ~~يعترض عليه أحد. وهذا المعنى واضح في قوله تعالى لسيدنا عيسى عليه ~~السلام: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما ~~قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ~~ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ~~فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت ~~على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك ~~وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 116-118]. فقوله: # وإن تغفر لهم.. # [المائدة: 118] يقتضي أن يقول: فإنك غفور رحيم، لكن الحق سبحانه عدل إلى # فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118] لأن الذنب الذي وقع فيه القوم ذنب في القمة، في الألوهية ~~التي أخذوها من الله وجعلوها لعيسى عليه السلام، وهذا بمقتضى العقل ~~يستوجب العذاب الشديد، لكن الحق سبحانه لا يسأل عما يفعل، يعذب من ~~يشاء، ويغفر لمن يشاء، فإن غفر لهم فبصفة العزة التي لا يعارضها أحد، ~~فكأن المنطق أن يسأل الله: لماذا لم تعذب هؤلاء على ما ارتكبوه؟ لذلك ~~دخل هنا من ناحية العزة، التي لا تعارض، والحكمة التي لا تخطىء. وبعد ~~أن ذكر الحق سبحانه مسألة الفاحشة، وما يترتب عليها من عقاب ذكر سبحانه ~~المقابل، فقال تعالى: { ومن يقنت منكن لله ورسوله... ~~}. ### || [33.31] # معنى { يقنت.. } [الأحزاب: 31] أي: يخضع لله تعالى الخضوع التام، ~~ويخشع ويتذلل لله في دعائه، واختار الحق سبحانه القنوت لأنه سبحانه لا ~~يحب من الطائع أن يدل على الناس بطاعته ms7991 لذلك يقول العارفون: رب ~~معصية أورثت ذلا وانكسارا، خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا. أو ~~{ ومن يقنت.. } [الأحزاب: 31] أي: بالغ في الصلاح، وبالغ في الورع ~~حتى ذهب إلى القنوت، وهو الخضوع والخشوع. والنتيجة { نؤتهآ ~~أجرها مرتين.. } [الأحزاب: 31] فالآية السابقة تقرر مضاعفة ~~العذاب لمن تأتي بالفاحشة، وهذه تقرر مضاعفة الأجر لمن تخضع لله وتخشع ~~وتعمل صالحا. { وأعتدنا لها رزقا كريما } [الأحزاب: 31] ~~أي: أعددناه وجهزناه لها من الآن، فهو ينتظرها. وحين تتأمل الأسلوب ~~القرآني في هاتين الآيتين تطالعك عظمة الأداء، فحين ذكر الفاحشة ومضاعفة ~~العذاب جاء الفعل # يضاعف.. # [الأحزاب: 30] مبنيا لما لم يسم فاعله، أما في الكلام عن القنوت ~~لله، فقال { نؤتهآ أجرها.. } [الأحزاب: 31] فجاء الفعل مسندا ~~إلى الحق سبحانه مباشرة، وكأن الحق سبحانه لم يرد أن يواجه بذاته في ~~مقام العذاب، إنما واجه بالعذاب فقط. ومجرد بناء الفعل # يضاعف.. # [الأحزاب: 30] للمجهول يدل على رحمة الله ولطفه في العبارة، فالحق ~~سبحانه يحب خلقه جميعا، ويتحبب ويتودد إليهم، ويرجو من العاصي أن ~~يرجع ويفرح سبحانه بتوبة عبده المؤمن أكثر من فرح أحدكم حين يجد راحلته ~~وقد ضلت منه في فلاة. وجاء في الأثر: # " يا ابن آدم، لا تخافن من ذي سلطان ما دام سلطاني باقيا وسلطاني لا ~~ينفد أبدا، يا ابن آدم، لا تخش من ضيق الرزق وخزائني ملآنة وخزائني لا ~~تنفد أبدا، يا ابن آدم، خلقتك للعبادة فلا تلعب - والمراد باللعب ~~العمل الذي لا جدوى منه - وقسمت لك رزقك فلا تتعب ". # والمراد هنا لا تتعب، ولا تشغل قلبك، فالتعب يكون للجوارح، كلما جاء في ~~الحديث الشريف: # " من بات كالا من عمل يده بات مغفورا له " # ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدا خشنة من العمل قال: # " هذه يد يحبها الله ورسوله ". # فالتعب تعب القلب، فالشيء الذي يطيقه صدرك، وتقدر على تحمله لا ~~يتعبك لذلك نجد خالي الصدر من الهموم يعمل في الصخر وهو هادىء البال، ~~يغني بحداء جميل ونشيد رائع يقوي عزيمته، ويعينه على المواصلة، فتراه ~~مع هذا المجهود فرحا ms7992 منشرح الصدر. وقد فطن الشاعر العربي لهذه ~~المسألة فقال: # ليس بحمل ما أطاق الظهر # ما الحمل إلا ما وعأه الصدر # فالمعنى: أتعب جوارحك، لكن لا تتعب قلبك، والكلل والتعب لا يأتي على ~~الجوارح إنما على القلب، فأتعب جوارحك في العمل الجاد النافع الذي تأخذ ~~من ثمرته على قدر حاجتك، وتفيض بالباقي على غير القادرين. # ثم يقول: # " فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي ~~محمودا، وإن أنت لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن ~~عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ثم لا يكون لك منها إلا ~~ما قسمته لك، وكنت عندي مذموما، يا ابن آدم، خلقت السماوات والأرض ~~ولم أعي بخلقهن، أيعييني رغيف أسوقه لك.. يا ابن آدم، لا تطالبني ~~برزق غد كما لم أطالبك بعمل غد، يا ابن آدم أنا لم أنس من عصاني، ~~فكيف بمن أطاعني؟ " # وشاهدنا هنا قوله تعالى في آخر الحديث القدسي: # " يا ابن آدم، أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبا ". # فربك يظهر لنا بذاته في مقام الخير وجلب النفع لك، أما في الشر فيشير ~~إليك من بعيد، ويلفت نظرك برفق. كما نلحظ في أسلوب الآية قوله تعالى - ~~والخطاب لنساء النبي { ومن يقنت منكن.. } [الأحزاب: 31] ولم ~~يقل تقنت.. ثم أنث الفعل في { وتعمل صالحا.. } [الأحزاب: 31] ~~فمرة يراعي اللفظ، ومرة يراعي المعنى، وسبق أن قلنا إن من اسم موصول ~~يأتي للمفرد وللمثنى وللجمع، وللمذكر وللمؤنث. ونقف أيضا هنا عند وصف ~~الرزق بأنه كريم { وأعتدنا لها رزقا كريما } [الأحزاب: 31] ~~قلنا: إن الرزق كل ما ينتفع به من مأكل، أو مشرب، أو ملبس، أو مسكن، أو ~~مرافق، وقد يأتي في صورة معنوية كالعلم والحلم.. إلخ، وهذا الرزق في ~~الدنيا لا يوصف بأنه كريم، إنما الكريم هو الرازق سبحانه، فلماذا وصف ~~الرزق بأنه كريم؟ قالوا: فرق بين الرزق في الدنيا والرزق في الآخرة، ~~الرزق في الدنيا له أسباب، فالسبب هو الرازق من والد أو وال أو أجير أو ~~تاجر.. إلخ فالذي يجري ms7993 لك الرزق على يديه هو الذي يوصف بالكرم، أما في ~~الآخرة فالرزق يأتيك بلا أسباب، فناسب أن يوصف هو نفسه بأنه كريم، ثم ~~فيها ملحظ آخر: إذا كان الرزق يوصف بالكرم، فما بال الرازق الحقيقي ~~سبحانه؟ ثم يقول الحق سبحانه: { ينسآء النبي لستن... }. ### || [33.32] # كلمة أحد تستخدم في اللغة عدة استخدامات، فنقول مثلا في العدد: أحد ~~عشر إن كان المعدود مذكرا، وإحدى عشرة إن كان المعدود مؤنثا، أما في ~~حالة النفي فلا تستعمل إلا بصيغة واحدة أحد، وتدل على المفرد والمثنى ~~والجمع، وعلى المذكر والمؤنث، فتقول: ما عندي أحد، لا رجل ولا امرأة ولا ~~رجلان ولا امرأتان، ولا رجال ولا نساء، لذلك جاء قوله تعالى: # ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 4]. وقوله سبحانه: { لستن كأحد من النسآء.. } ~~[الأحزاب: 32] هذه خصوصية لهن لأن الأشياء تمثل أجناسا وتحت الجنس ~~النوع، فالإنسان مثلا جنس، منه ذكر ومنه أنثى، وكل نوع منهما تحته ~~أفراد، والذكر والأنثى لم يفترقا إلى نوعين بعد أن كانا جنسا واحدا، ~~إلا لاختلاف نشأ عنهما بعد اتفاق في الجنس فالجنس حد مشترك: حي ~~ناطق مفكر، فلما افترقا إلى نوعين صار لكل منهما خصوصيته التي تميزه ~~عن الآخر. كما قلنا في الزمن مثلا، فهو ظرف للأحداث، فإن كانت أحداث ~~حركة فهي النهار، وإن كانت أحداث سكون فهي الليل، فالليل والنهار ~~نوعان تحت جنس واحد هو الزمن، ولكل منهما خصوصيته، وعلينا أن نراعي هذه ~~الخصوصية، فلا نخلط بينهما. وتأمل قول الله تعالى: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما ~~خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى # [الليل: 1-4]. فالليل والنهار متقابلان متكاملان لا متضادان، كذلك الذكر ~~والأنثى، ولكل دوره ومهمته الخاصة، فإن حاولت أن تجعل الليل ~~نهارا، أو الذكر أنثى أو العكس، فقد خالفت هذه الطبيعة التي اختارها ~~الخالق سبحانه. وحكينا قصة الرجل الذي مر على عمدة القرية، فوجده يضرب ~~غفيرا عنده، فدافع عن الغفير وقال للعمدة: لماذا تضربه يا عم إبراهيم؟ ~~قال: مررت عليه ووجدته نائما، فقال الرجل: نام لأنه قضى النهار ms7994 يروي ~~لك أرضك، ومن يحرث لا يحرس. إذن: تحت الجنس النوع، وهذا النوع غير ~~متكافىء لأنه لو تساوى لكان مكررا لا فائدة منه، إنما يختلف الأفراد ~~ويتميزون لذلك لا تظن أنك تمتاز عن الآخرين لأن الله تعالى وزع المواهب ~~بين خلقه، فأنت تمتاز في شيء، وغيرك يمتاز في شيء آخر، ذلك ليرتبط ~~الناس في حركة الحياة ارتباط حاجة، لا ارتباط تفضل كما قلنا. ~~لذلك، فالرجل الذي يكنس لك الشارع مميز عنك لأنه يؤدي عملا تستنكف ~~أنت عن أدائه، وإذا أدى لك هذا العامل عملا لا بد أن تعطيه أجره، ~~في حين إذا سألك مثلا سؤالا وأنت العالم أو صاحب المنصب.. إلخ فإنك ~~تجيبه، لكن دون أن تأخذ منه أجرا على هذا الجواب، وقد مكثت أنت ~~السنوات الطوال تجمع العلم وتقرأ وتسمع، إلى أن وصلت إلى هذه الدرجة، ~~وصارت لك خصوصية، إذن: لكل منا، ذكر أو أنثى، فردية شخصية تميزه. # هنا يقول الحق سبحانه لنساء النبي { لستن كأحد من ~~النسآء.. } [الأحزاب: 32] هذه هي الخصوصية التي تميزهن عن غيرهن ~~من مطلق النساء، فمطلق النساء لسن قدوة، إنما نساء النبي خاصة قدوة ~~لغيرهن من النساء وأسوة تقتدى. والشرط بعد هذا النفي { إن ~~اتقيتن.. } [الأحزاب: 32] يعني: أن زوجيتهن لرسول الله ليست هذه ~~ميزة، إنما الميزة والخصوصية في تقواهن لله، وإلا فهناك من زوجات ~~الأنبياء من كانت غير تقية. وقوله تعالى: { فلا تخضعن ~~بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض.. } [الأحزاب: 32] ~~أي: اقطعن طريق الفاحشة من بدايته، ولا تقربن أسبابها، واتركن ~~الأمور المشتبهة فيها. ومعنى الخضوع بالقول أن يكون في قول المرأة حين ~~تخاطب الرجال ليونة، أو تكسر، أو ميوعة، أو أن يكون مع القول نظرات أو ~~اقتراب. فإذا اضطررتن لمحادثة الرجال فاحذرن هذه الصفات { ~~فيطمع الذي في قلبه مرض.. } [الأحزاب: 32] والمعنى: أنا ~~لا أتهمكن، إنما الواحدة منكن لا تضمن الرجل الذي تحدثه، فربما ~~كان في قلبه مرض، فلا تعطيه الفرصة. وليس معنى عدم الخضوع بالقول أن ~~تكلمن الناس بغلظة وخشونة، إنما المراد أن تكون الأمور ms7995 عند حدودها ~~لذلك يقول سبحانه بعدها { وقلن قولا معروفا } [الأحزاب: 32] ~~فلما نهى القرآن عن التصرف غير المناسب عرض البديل المناسب، وهو القول ~~المعروف، وهو من المرأة القول المعتدل والسماع بالأذن دون أن تمتد عينها ~~إلى محدثها لأن ذلك ربما أطمعه فيها، وجرأه عليها، وهذا ما يريد ~~الحق سبحانه أن يمنعه. لذلك حكي أن رجلا رأى خادمته على الباب ~~تحدث شابا وسيما، وكان يسألها عن شيء، إلا أنها أطالت معه الحديث، ~~فضربها رب البيت ونهرها على هذا التصرف، وفي اليوم التالي جاء شاب آخر ~~يسألها عن نفس الشيء الذي سأل عنه صاحبه بالأمس، فبادرته بالشتائم ~~والسباب بعد أن ظهر لها ما في قلب هذا، وأمثاله من مرض. وفي موضع آخر ~~من هذه السورة سيأتي: # يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونسآء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك ~~أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا ~~رحيما # [الأحزاب: 59] لأن الرجل حين يجد المرأة محتشمة تستر مفاتن جسمها لا ~~يتجزأ عليها، ويعلم أنها ليست من هذا الصنف الرخيص، فيقف عند حدوده. وقد ~~قال الحكماء: أما إذا رأيت امرأة تظهر محاسنها لغير محارمها وتلح ~~في عرض نفسها على الرجال، فكأنها تقول للرجل فتح يا بجم تقول للغافل ~~تنبه. فتستثير فيه شهوته، فيتجرأ عليها. فالحق سبحانه يريد لزوجات ~~النبي صلى الله عليه وسلم أولا أن يكلمن الناس من وراء حجاب، وأن ~~يكلمن الناس بالمعروف كلاما لا لين فيه، ولا ميوعة حتى لا ~~يتعرضن لسوء، ولا يتجزأ عليهن بذيء أو مستهتر. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية.. }. ### || [33.33] # معنى { وقرن في بيوتكن.. } [الأحزاب: 33] الزمنها ولا ~~تكثرن الخروج منها، وهذا أدب للنساء عامة لأن المرأة إذا شغلت نفسها ~~بعمل المطلوب منها في بيتها وفي خدمة زوجها وأولادها ومصالحهم لما اتسع ~~الوقت للخروج لذلك كثيرا ما يعود الزوج، فيجد زوجته منهمكة في أعمال ~~البيت، وربما ضاق هو نفسه بذلك لأنه لا يجدها متفرغة له. إذن: المرأة ~~المفلسة في بيتها هي التي تكثر الخروج، وتقضي ms7996 مصالح بيتها من خارج ~~البيت، ولو أنها تعلمت الصناعات البسيطة لقضت مصالح بيتها، ووفرت ~~على زوجها، وقد حكوا لنا عن النساء في دمياط مثلا، كيف أن المرأة هناك ~~تعمل كل شيء وتساعد زوجها، حتى أن البنت تتعلم حرفة، ولا ترهق أباها عند ~~زواجها، بل وتوفر من المال ما يساعد زوجها بعد أن تتزوج. وقوله تعالى: { ~~ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى.. } [الأحزاب: ~~33] كلمة التبرج من البرج، وهو الحصن، ومعنى تبرج أي: خرج من البرج ~~وبرز منه، والمعنى: لا تخرجن من حصن التستر، ولا تبدين الزينة والمحاسن ~~الواجب سترها. وقال { تبرج الجاهلية الأولى.. } ~~[الأحزاب: 33] أي: ما كان من التبرج قبل الإسلام، وكانت المرأة - ونعني ~~بها الأمة لا الحرة - تبدي مفاتن جسمها، بل وتظهر شبه عارية، وكن لا ~~يجدن غضاضة في ذلك، وقد رأينا مثل هذا مثلا في إفريقيا. أما الحرائر ~~في الجاهلية، فكانت لهن كرامة وعفة، في حين كانت تقام للإماء أماكن ~~خاصة للدعارة والعياذ بالله لذلك لما أخذ رسول الله العهد على النساء ~~المؤمنات ألا يزنين قالت امرأة أبي سفيان: أو تزني الحرة يا رسول ~~الله؟ يعني: هذا شيء مستنكف من الحرة، حتى في الجاهلية. ومن معاني البرج: ~~الاتساع، فيكون المعنى: لا توسعن دائرة التبرج التي حددها الشرع، ~~وهي الوجه والكفان. وفي موضع آخر، قال تعالى: # والقواعد من النسآء اللاتي لا يرجون نكاحا ~~فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير ~~متبرجات بزينة.. # [النور: 60]. وتعجب من المرأة تبلغ الخمسين والستين، ثم تراها تضع ~~الأحمر والأبيض، ولا تخجل من تجاعيد وجهها، ولا تحترم السن التي ~~بلغتها. ثم يقول سبحانه: { وأقمن الصلاة وآتين ~~الزكاة.. } [الأحزاب: 33] كثيرا ما قرن القرآن بين الصلاة والزكاة، ~~وبدأ بالصلاة لأنها عمدة التكاليف كلها، وإن كنت في الزكاة تنفق بعض ~~المال، والمال فرع العمل، والعمل فرع الزمن، فأنت في الصلاة تنفق الزمن ~~نفسه وتضحي به، فكأنك في الصلاة تنفق نسبة سبعة وتسعين ونصف بالمائة، ~~فضلا عن الاثنين ونصف نسبة الزكاة. كما يفهم من إيتاء الزكاة هنا أن ~~للمرأة ذمتها المالية ms7997 الخاصة المستقلة عن ذمة الغير من أب أو زوج أو ~~غيره، بدليل أن الله كلفها بإيتاء الزكاة، لكن الحضارة الحديثة جعلت مال ~~المرأة قبل الزواج للأب، وبعد الزواج للزوج، ثم سلبت المرأة نسبتها إلى ~~أبيها، ونسبتها بعد الزواج لزوجها. # وهذه المسألة أشد على المرأة من سلبها المال لأن نسبتها لزوجها ~~طمس وتعد على هويتها، وانظر مثلا إلى السيدة عائشة، فما زلنا حتى ~~الآن نقول " عائشة بنت أبي بكر " ولم يقل أحد انها عائشة امرأة محمد. ثم ~~يقول تعالى: { وأطعن الله ورسوله.. } [الأحزاب: 33] لأن ~~المسألة لا تقتصر على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، إنما هناك أمور أخرى ~~كثيرة تحتاج طاعة الله وطاعة رسول الله. ونلحظ هنا أن الآية عطفت رسول ~~الله على ربه تعالى، وجاء الأمر واحدا { وأطعن الله ~~ورسوله.. } [الأحزاب: 33] وحين نستقرىء هذا الأمر في القرآن الكريم ~~نجده مرة يكرر الفعل، فيقول: # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول.. # [التغابن: 12]. ومرة: # وأطيعوا الله والرسول.. # [آل عمران: 132]. ومرة يقول تعالى: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم.. # [النساء: 59]. وهذه الصيغ، لكل منها مدلول ومعنى، فساعة يقول: أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول، كأن لله في الأمر طاعة في الإجمال، وللرسول طاعة ~~في التفصيل، فالحق سبحانه أمر بالصلاة وأمر بالزكاة أمر إجمال، ثم ~~بين الرسول ذلك وفصل هذا الإجمال، فقال: # " صلوا كما رأيتموني أصلي " # وقال: # " خذوا عني مناسككم ". # إذن: تكرر الفعل هنا لأن لله طاعة في إجمال الحكم، وللرسول طاعة في ~~تفصيله، فإن جعل الفعل واحدا # وأطيعوا الله والرسول.. # [آل عمران: 132] فهذا يعني توارد أمر الله تعالى مع أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فالطاعة إذن واحدة، وهب أن الله تعالى له فعل، ~~ورسوله له فعل، فلا يفصل أحدهما عن الآخر، بدليل قوله تعالى: # وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله.. # [التوبة: 74]. فلم يقل: وأغناهم رسوله حتى يقول قائل: كل منهما ~~يغنى بقدرة، انما جاء الفعل واحدا # أغناهم الله ورسوله.. # [التوبة: 74]. واقرأ أيضا قوله تعالى: # والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين # [التوبة: 62] ولم ms7998 يقل: يرضوهما. أما قوله تعالى: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم.. # [النساء: 59] فلم يكرر الأمر بالطاعة مع أولي الأمر لأنه لا طاعة ~~لولي الأمر إلا من باطن طاعة الله، وطاعة رسول الله. ثم يقول سبحانه: { ~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا } [الأحزاب: 33] الرجس بالسين ~~هو الرجز بالزاي، وهو القذارة، سواء أكانت حسية كالميتة مثلا، ~~وكالخمر، أو معنوية كالآثام والذنوب، وقد جمعتها الآية: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون # [المائدة: 90] وقد يراد بالرجس: النفاق والمرض. وكلمة أهل تقال: ~~لعشيرة الرجل، لكنها تطلق في عرف الاستعمال على امرأته، ومن بقية ~~الاصطلاحات لهذا المعنى ما نقوله الآن حين نذهب لزيارة صديق مثلا فنقول: ~~معي الأهل أو الجماعة، والبعض يقول: معي الأولاد، ونقصد بذلك الزوجة، ~~لماذا؟ قالوا: لأن أمر المرأة مبني على الستر، فإذا كان اسمها مبنيا ~~على الستر، فكذلك معظم تكليفاتها مبنية على الستر في الرجل، ونادرا ما ~~يأتي الحكم خاصا بها. # لذلك، السيدة أسماء بنت عميس زوجة سيدنا جعفر بن أبي طالب، وكانت قد ~~هاجرت إلى الحبشة، فلما عادت سألت: أنزل شيء من أمر المرأة في ~~غيبتي؟ فقالوا لها: لم ينزل شيء، فذهبت إلى سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقالت: يا رسول الله، ما أعظم خيبتنا وخسارتنا، فليس لنا في ~~الأحكام شيء، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكن مستورات في ~~الرجال ". ومع ذلك نزل القرآن الكريم بقوله تعالى: # إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين ~~والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين ~~والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين ~~والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين ~~والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله ~~لهم مغفرة وأجرا عظيما # [الأحزاب: 35]. وتلحظ في هذه الآية أيضا { إنما يريد الله ~~ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا } [الأحزاب: 33] أنها تتحدث عن النساء، لكنها تراعي مسألة ~~ستر المرأة فتعود إلى ضمير الذكور { ليذهب عنكم.. } [الأحزاب: ~~33] ولم تقل عنكن، كذلك في { ويطهركم تطهيرا } ~~[الأحزاب: 33] ويصح أنه يريد أهل البيت جميعا رجالا ms7999 ونساء. ### || [33.34] # قوله تعالى { واذكرن ما يتلى في بيوتكن.. } ~~[الأحزاب: 34] أي: نساء النبي { من آيات الله.. } [الأحزاب: 34] ~~أي: آيات القرآن الكريم { والحكمة.. } [الأحزاب: 34] أي: حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو: أن عطف الحكمة على آيات الله من عطف ~~الصفة على الموصوف، لكن القول الأول أولى ما دام أن الأمر فيه سعة. ~~ومعنى { واذكرن.. } [الأحزاب: 34] قلنا: إن الذكر استحضار ~~واستدعاء معلومة من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور، والمعنى: استحضر ذكر ~~الله واجعله على بالك دائما لذلك قال تعالى: # ولذكر الله أكبر.. # [العنكبوت: 45] أي: أكبر من أي عبادة لأن العبادات كما ذكرنا تحتاج ~~إلى استعداد، وإلى وقت، وإلى مشقة، وإلى تفرغ وعدم مشغولية. أما ذكر ~~الله فهو يجري على لسانك في أي وقت، وبدون استعداد أو مشقة، ويلهج به ~~لسانك في أي وقت، وعلى أي حال أنت فيه، واقرأ في ذلك قوله تعالى من سورة ~~الجمعة: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم ~~تفلحون # [الجمعة: 10] فما دام أن الذكر هو أن تجعل الله على بالك، فلا يمنعك من ~~ذلك سعي ولا عمل لأن الذكر أخف العبادات وأيسرها على النفس، ~~وأثقلها في الميزان. ثم تأمل: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا # [الأحزاب: 21]. فمن عظمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن باله لم ~~يخل لحظة من ذكر ربه أبدا لذلك ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~عن نفسه: # " تنام عيني، ولا ينام قلبي ". # ثم تختم الآية بقوله تعالى: { إن الله كان لطيفا خبيرا } ~~[الأحزاب: 34] اللطف هو الدقة في تناول الأشياء وحسن تأتي الأمور ~~مهما كانت وسائلها ضيقة، وسبق أن أوضحنا هذا المعنى وقلنا: إن الأشياء ~~الضارة مثلا كلما لطفت عنفت، فالحديد الذي تجعله على النوافذ ~~ليحميك من الذئاب، غير الحديد الذي يحميك من الثعابين، أو من الناموس ~~والذباب.. إلخ لذلك نجد أن أفتك الأمراض تأتي من الفيروسات اللطيفة التي ~~لم ms8000 تعرف. وحسن التأتي للأمور يعني التغلغل في الأشياء مهما دقت، ~~فقد تضطر مثلا لأن تدخل يدك في شيء ضيق لتتناول شيئا بداخله، فلا ~~تستطيع، فتستعين على ذلك بالولد الصغير لأن يده ألطف من يدك، أو تستعين ~~على ذلك بآلة أدق لتؤدي بها هذا الغرض. ووصف اللطيف يتممه وصف ~~الخبير، فإذا كان اللطيف يعني الدقة في تناول الأشياء وحسن التأتي، ~~فالخبرة تعني معرفة الموضع، فاللطف لا يتأتى إلا بالخبرة. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين... }. ### || [33.35] # قلنا: إن هذه الآية نزلت تطييبا لخاطر السيدة أسماء بنت عميس زوجة ~~سيدنا جعفر بن أبي طالب، لما حدثت سيدنا رسول الله في أمر الأحكام، ~~وأنها تنزل وتتوجه في الغالب إلى الرجال، ويبدو أنها حدثت رسول ~~الله في أمر النساء، وأن منهن مثل الرجال مسلمات ومؤمنات.. إلخ. ونلحظ أن ~~الآية بدأت بذكر الإسلام، ثم الإيمان، فأيهما يسبق الآخر؟ ونجد إجابة ~~هذا السؤال في قول الحق سبحانه وتعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم.. # [الحجرات: 14]. فالإسلام أن تؤدي أعمال الإسلام بصرف النظر، أكان أداؤك ~~لها عن إيمان أو عن غير إيمان؟ لأن الإسلام تلقي حكم، أما الإيمان فأن ~~تؤمن بمن حكم، وتصدق من بلغك هذا الحكم، وعليه فالإيمان سابق ~~للإسلام. لذلك جاءت هذه الآية لتفضح هؤلاء الأعراب الذين تستروا وراء ~~الأعمال الظاهرة للإسلام، وهم غير مؤمنين بها، وقد يأتي الإيمان بعد ~~الإسلام حين تؤدي أعمال الإسلام فتحلو لك، وتجذبك إلى الإيمان والتصديق. ~~لذلك، فرح هؤلاء الأعراب لقوله تعالى: # ولما يدخل الإيمان في قلوبكم.. # [الحجرات: 14] وقالوا الحمد لله لأن لما لا تدخل إلا على ما يمكن أن ~~يجيء، كأن تقول: لما يثمر بستاننا، وثد أثمرت البساتين، والمعنى: أنه ~~سيثمر فيما بعد. قالوا: لأن هناك كثيرا من الأحكام أنت لا تؤمن بالذي ~~حكم بها إلا إذا أدركت حلاوتها، فالرجل الذي جاء سيدنا إبراهيم عليه ~~السلام، وطلب منه أن يبيت عنده، أو: أن يضيفه، فسأله إبراهيم عليه ~~السلام عن ms8001 دينه فقال: إنه مجوسي، فرد الباب في وجهه، فعاتبه ربه في ~~ذلك، وقال له: يا إبراهيم تريده أن يغير دينه لضيافة ليلة، وأنا أسعه ~~طوال عمره وهو كافر بي؟ فأسرع إبراهيم في إثر الرجل حتى لحق به ودعاه إلى ~~بيته، فقال الرجل: ألم تنهرني منذ قليل، فماذا حدث؟ فقال: لقد عاتبني ربي ~~فيك، فقال الرجل: نعم الرب رب يعاتب أحبابه في أعدائه، أشهد ألا ~~إله إلا الله. وقد اشتملت هذه الآية على عشر صفات، بدأت بالمسلمين ~~والمسلمات، وانتهت بالذاكرين الله كثيرا والذاكرات، وكأن الله تعالى ~~أوجد مراد السيدة أسماء بنت عميس في هذه الصفات العشر التي جمعت ~~الرجال والنساء، واشتملت على كل أنواع التكليف، وهي برقية تدل على أن ~~حكم المرأة التكليفي مطمور في باطن الرجل، وهذه هي الأصول. ومعنى { ~~والقانتين.. } [الأحزاب: 35] المداومون على عبادة الله وطاعته في ~~خشوع وتضرع كما نفهم من قوله تعالى { والمتصدقين ~~والمتصدقات.. } [الأحزاب: 35] أن للمرأة ذمتها المالية المستقلة ~~وحرية التصرف في مالها بغير إذن زوجها إذا كانت تملك إرثا أو هبة من ~~زوجها أو من غيره، فلا ولاية عليها من أحد. # وسبق أن أوضحنا هذه المسألة في كلامنا عن الزكاة، وهذه من ميزات ~~المرأة في الإسلام، حيث كانت قبل الإسلام، وحتى في الحضارات الحديثة ~~تابعة لأبيها أو لزوجها، والصدقة تشمل الزكاة لأن الله قال فيها: # إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين ~~عليها.. # [التوبة: 60]. فالصدقة هي العنوان الأعم، ومعناها أنك صدقت الحق ~~سبحانه حين استأمنك على خير، فاستنبط بمجهودك وسعيك في أرض الله التي ~~خلقها، فكأنك تحقق ما كان من سيدنا أبي بكر حين سأله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: ماذا صنع بماله الذي كسبه في الغنيمة؟ قال تصدقت به ~~كله، فقال له: " وماذا أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله. فلما ~~سأل عمر - رضي الله عنه - قال: تصدقت بنصفه، ولله عندي نصفه. فكل ~~منهما تصرف في ماله تصرفا منطقيا يناسبه. وإن كانت الزكاة يراد ~~بها نماء المال وطهارته، فالصدقة عطاء لا يراد به إلا وجه ms8002 الله وثوابه ~~في الآخرة، فكأن المتصدق يريد أن يبر، وأن يعترف لله المعطي بالفضل ~~لأن الله مكنه من مال لم يمكن منه الضعيف، ولا غير القادر. ثم ذكر ~~الحق سبحانه تكليف الصوم { والصائمين والصائمات.. } [الأحزاب: ~~35] والصوم أخذ حكما فريدا من بين أحكام التكاليف كلها، والحق سبحانه ~~جعل لكل تكليف من التكاليف كادر خاص في الجزاء إلا الصوم، فليس له كادر ~~محدد، لذلك قال عنه الحق سبحانه: " إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به " ~~يعني: قرار عال فوق الجميع، فلماذا أخذ الصوم هذه المنزلة؟ قالوا: لأن ~~الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم يعبد بها بشر بشرا أبدا، فمن الممكن ~~مثلا في شهادة أن لا إله إلا الله أن يأتي من يمدح آخر، فيقول له: ~~ليس في الكون إلا أنت، أنت النافع وأنت الضار، وهناك من قال عن نفسه: أنا ~~الزعيم الأوحيد، كذلك في الصلاة نرى من يخضع ويسجد لغير الله كما نخضع ~~ونسجد نحن في الصلاة، وكذلك في الزكاة نتقرب إلى العظيم أو الكبير ~~بالهدايا له أو لمن حوله. لكن، هل قال بشر لبشر: أنا أصوم شهرا، أو ~~يوما تقربا إليك؟ لا.. لأن الصيام للغير المماثل تذنيب للمصوم له لا ~~للصائم لأنه سيضطر لأن يظل طوال اليوم يراقبك، أكلت أم لم تأكل؟ ولأن ~~الصوم هو العبادة الوحيدة التي لم يتقرب بها بشر لبشر قال الله عنها في ~~الحديث القدسي: # " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به " # يعني: جزاؤه خارج المقرر كما قلنا. ومن عظمة تكليف الصوم أيضا أن الله ~~تعالى أحل لنا أشياء، وحرم علينا أشياء أخرى تحريما أبديا، فالذي ~~تحمل التكليف ألف الحلال ولم يألف ما حرم عليه، ورسخت هذه ~~العقيدة في نفسه، حتى أن الحرام لا يخطر بباله أبدا، فلم يأت على باله ~~مرة مثلا أن يشرب الخمر، أو يأكل الميتة، فهذه مسألة منتهية بالنسبة ~~له، فأراد الله تعالى أن يديم لذة التكليف على البشر، ففرض الصوم ~~الذي يحرم عليك اليوم ما كان محللا ms8003 لك بالأمس ومألوفا حتى صار ~~عادة. # إذن: هناك فرق بين دوام العادة ولذة العبادة، وتأمل مثلا يوم الفطر، ~~والفطر عادة لك في غير هذا اليوم، وأنت حر تفطر أو لا تفطر، فإذا ما جاء ~~يوم عيد الفطر أخرجك ربك من العادة إلى العبادة، وجعله تكليفا أن تفطر ~~قبل الخروج للصلاة. ثم يقول تعالى: { والحافظين فروجهم ~~والحافظات.. } [الأحزاب: 35] جاءت مسألة حفظ الفروج بعد ذكر ~~الصيام لأن الصيام امتناع عن شهوتي البطن والفرج، شهوة البطن جعلها ~~الله تعالى لحفظ الحياة بالطعام والشراب، وشهوة الفرج جعلها الله تعالى ~~لحفظ النوع بالنكاح والتناسل. قلنا: إن الله تعالى أرضى السيدة أسماء ~~رضي الله عنها الممثلة لجنس النساء، فذكر أنواع التكاليف مرة للمذكر، ~~ومرة للمؤنث، لكنه راعى في ذلك ستر المرأة، وهنا أيضا يراعي هذه ~~المسألة، فيقول: { والحافظين فروجهم والحافظات.. } ~~[الأحزاب: 35] حينما تكلم عن المذكر قال { والحافظين ~~فروجهم.. } [الأحزاب: 35] ولم يقل: والحافظات فروجهن لأن أمر ~~النساء ينبغي أن يستر وأن يصان. ثم يقول سبحانه { والذاكرين ~~الله كثيرا والذاكرات.. } [الأحزاب: 35] ويعود إلى مسألة ~~الستر مرة أخرى في قوله: { أعد الله لهم مغفرة ~~وأجرا عظيما } [الأحزاب: 35] فقال لهم على سبيل التغليب، وستر ~~المرأة في الرجل، وهذه مسألة مقصودة يراد بها شرف للمرأة، وصيانة لها، ~~لا إهمالها كما يدعي البعض، ومن هذه الصيانة ما نقوله نحن عن المرأة: ~~معي أهلي أو الأولاد أو الجماعة، ونقصد بذلك سترها وصيانتها لا ~~إهمالها، أو التقليل من شأنها. فكأن الحق سبحانه حينما أرضى السيدة أسماء ~~نيابة عن المرأة المسلمة، فذكر ما ذكر من جمع المؤنث الذي يقابل جمع ~~المذكر، أراد أن يبني حول المرأة سياجا من الستر في كل شيء حتى في ~~التكاليف. ونلحظ على سياق الآية هنا أيضا أنه قدم المغفرة على الأجر ~~لأن القاعدة كما قلنا: إن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ~~والحق سبحانه يعد لعباده الأجر على الحسنة التي فعلوها، مع أنه سبحانه ~~لا ينتفع منها بشيء إنما يعود نفعها على المكلف نفسه، فهو يستفيد ~~بالطاعة وينال عليها الأجر ms8004 في الآخرة. أما الحق سبحانه فغني عنا، وعن ~~طاعتنا، واقرأ الحديث القدسي: # " يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل ~~واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم ~~وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا ". # إذن: نحن المستفيدون من التكاليف، ففيها صلاحنا في الدنيا، ثم نأخذ ~~عليها الأجر يوم القيامة. لذلك نجد الكثير من الرسل يقولون لأقوامهم: # ومآ أسألكم عليه من أجر.. # [الشعراء: 109] كأنه يقول: الذي أؤديه لكم من تبليغ دعوة الله في عرف ~~الاقتصاد والتبادل يقتضي أن آخذ عليه أجرا لأنني أؤدي لكم خدمة، لكن ~~ماذا سآخذ منكم أيها العرايا وأجري عال لا يقدر عليه المكلف # إن أجري إلا على الله.. # [يونس: 72] فهو وحده القادر على أن يجازيني بما أستحق. ووصف الأجر ~~بأنه عظيم يدل على كبر في الحجم، ونفاسة في الصفات، وامتداد في ~~الزمن، وهذه هي عناصر العظمة في الشيء، وأي أجر أعظم من أجر الله ~~لعباده في الآخرة؟ ثم يقول الحق سبحانه: { وما كان لمؤمن ولا ~~مؤمنة إذا قضى... }. ### || [33.36] # جمعت هذه الآية أيضا بين المذكر والمؤنث في { وما كان لمؤمن ~~ولا مؤمنة.. } [الأحزاب: 36] فهي امتداد للآية السابقة، فهي تخدم ~~ما قبلها، وتخدم أيضا ما بعدها، وما به أصل السبب لأنها نزلت في عبد ~~الله بن جحش وأخته زينب، حين رفضا زواج زينب من زيد بن حارثة، فالمؤمن ~~عبد الله بن جحش، والمؤمنة أخته زينب من حيث هما سبب لنزول الآية، وإلا ~~فهي لجميع المؤمنين وجميع المؤمنات. وسبق أن ذكرنا قصة زيد بن حارثة، ~~وملخصها أنه سرق من أهله، وبيع في سوق العبيد على أنه عبد، فاشتراه ~~حكيم بن حزام، ثم وهبه للسيدة خديجة أم المؤمنين، فوهبته خديجة رضي الله ~~عنها لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصار مولى لرسول الله. ~~وبينما هو ذات يوم بالسوق، إذ رآه جماعة من قومه فعرفوه، وأخبروا أباه ~~أنه بالمدينة، فجاءه أبوه وأعمامه، ms8005 وحكوا لرسول الله قصته، وطلبوا ~~عودته معهم، فقال رسول الله: خيروه، فإن اختاركم فهنيئا لكم، وإن ~~اختارني، فما كان لي أن أسلمه، فرد زيد وقال: والله ما كنت ~~لأختار على رسول الله أحدا. فأراد سيدنا رسول الله أن يكافىء زيدا على ~~هذا التصرف، فنسبه إليه على عادة العرب في هذا الوقت، فسماه زيد بن ~~محمد. فلما أراد الحق سبحانه أن ينهي هذه العادة، ومثلها عادة الظهار، ~~نزل قوله سبحانه: # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما ~~جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ~~وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم.. # [الأحزاب: 4]. فكما أن الرجل لا يكون له إلا قلب واحد، كذلك لا يكون له ~~إلا أب واحد، وشاء الله أن يبدأ بمتبنى رسول الله ليكون نموذجا ~~تطبيقيا عمليا أمام الناس، وكانت هذه الظاهرة يترتب عليها أن يرث ~~المتبنى من المتبني بعد موته، وأن تحرم زوجة المتبنى أن يتزوجها ~~المتبني. صحيح أن القضاء على هذه العادة قضاء على نظام اجتماعي فاسد ~~موجود في الجزيرة العربية، لكنه في الوقت نفسه دليل على أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تبنى كما يتبنى العرب، وأن الله تعالى أبطل من رسول ~~الله هذا التصرف وهذا سيفتح الباب أمام معاندي رسول الله أن يشمتوا ~~فيه، وأن تتناوله ألسنتهم لذلك عالج الحق سبحانه هذه القضية علاج رب ~~بإنفاذ الأمر في نصرة حبيب له، فلم يشوه عمل الرسول، إنما جعل ~~فعله عدلا، وحكمه سبحانه أعدل، فقال: # ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله.. # [الأحزاب: 5]. والمعنى: إن كنتم جعلتم من العدل والمحبة أن تكفلوا ~~هؤلاء الأولاد، وأن تنسبوهم إليكم، فهذا عدل بشري، لكن حكم الله ~~أعدل وأقسط، وشرف لرسول الله أن يرد الله حكمه إلى حكم ربه، وشرف ~~لرسول الله أن يكون له الأصل في المسألة، وأنه يحكم، فيرد الله حكمه ~~إلى حكمه، فهذا تكريم لرسول الله. # فقوله تعالى # هو أقسط عند الله.. # [الأحزاب: 5] يعني: أن فعل محمد كان قسطا وعدلا بقانون البشر، ~~وقد جاء محمد ليغير قوانين البشر بقوانين رب ms8006 البشر، وبهذا خرج سيدنا ~~رسول الله من هذا المأزق. أما زيد فقد عوضه الله عما لحقه من ضرر بسبب ~~انتهاء نسبه إلى رسول الله، فصار زيد بن حارثة بعد أن كان زيد بن محمد، ~~عوضه الله وأنصفه بأن جعله العلم الوحيد من صحابة رسول الله الذي ~~ذكر اسمه في القرآن الكريم بنصه وفصه، فقال سبحانه: # فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها.. # [الأحزاب: 37] فخلد زيد في كتاب يتلى، ويتعبد بتلاوته إلى يوم ~~القيامة. وعلاقة زيد بن حارثة بما نحن بصدده من قوله تعالى { وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة.. } [الأحزاب: 36] أنه تزوج من السيدة زينب ~~بنت جحش، زوجه إياها رسول الله، وقد نزلت هذه الآية في زينب، وفي ~~أخيها عبد الله. ومعنى { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة.. } ~~[الأحزاب: 36] معنى ما كان أي: أنه شيء بعيد، لا يمكن أن يرد على ~~العقل، أي: أنه أمر مستبعد غير متصور، وكان المنفية تدل على جحد ~~هذه المسألة، فالمؤمن والمؤمنة، ما دام أن الإيمان باشر قلبيهما لا يمكن ~~أن يتركا أمر الله وحكمه، أو أمر رسوله إلى اختيارهما. { وما كان ~~لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ~~أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.. } [الأحزاب: 36] وإلا ~~فلا إيمان لا بالله، ولا برسول الله. فإن قلت: كيف وقد أثبت الله ~~الاختيار؟ نقول: هناك فرق بين اختيار داخل في التكليف، إن شئت ~~فعلته أو لم تفعله، وشيء في إيجاد التكليف بداية، فليس للعباد دخل في ~~إيجاد الشيء المكلف به، إنما إذا كلفتهم أنا، فأنا صاحب التكليف، ~~وكونهم يطيعونه أو لا يطيعونه، فهذا أمر آخر، ليس للعباد أن يقترحوا ~~التكليف على هواهم لأن التكليف لي، ولهم الاختيار في طاعته وفي قبوله، ~~وما دام قد ثبت أنهم آمنوا بالله وآمنوا برسول الله فكان من الواجب عليهم ~~أن يرتضوا الأمر، وألا يعرضوا عنه إلى غيره. وقصة طلاق زيد وزينب، ~~ثم زواج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منها قصة خاض فيها ~~المستشرقون والمغرضون كثيرا، وتجرأوا على سيدنا رسول الله بكلام ms8007 لا ~~ينبغي في حقه صلى الله عليه وسلم، ومن قولهم أن محمدا أحب زينب ~~وأرادها لنفسه، فأمرها أن تشاغب زيدا حتى يطلقها فيتزوجها. ونقول لهؤلاء ~~الأغبياء: أولا زينب بنت جحش الأسدية هي بنت عمة رسول الله، وكان صلى ~~الله عليه وسلم مكلفا بإدارة أموالها ورعاية شئونها، وقد نشأت تحت ~~عينه، ولو أرادها لنفسه لتزوجها بداية، وهذا بنص القرآن: # وتخفي في نفسك ما الله مبديه.. # [الأحزاب: 37]. فإن أردت أن تعرف ما أخفاه رسول الله فخذه مما أبداه ~~الله، والذي أبداه الله قوله تعالى: # لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيآئهم.. # [الأحزاب: 37] وهذا يهدم كل ادعاءاتكم على رسول الله. أما قولهم ~~بانشغال قلب رسول الله بزينب، فنقول: ولماذا تجعلون انشغال قلب محمد ~~انشغالا جنسيا؟ ولو تتبعتم القصة من أولها لظهر لكم غير ذلك، فحينما ~~أرسل رسول الله من يخطب زينب ظن أخوها عبد الله وأختها حمنة أنه ~~جاء ليخطبها لرسول الله، فلما علموا أنه يخطبها لمولاه زيد غضبوا جميعا، ~~فكيف تتزوج السيدة القرشية وبنت عمة رسول الله من عبد، لكن لما علموا أن ~~الأمر من الله أذعنوا له ووافقوا. ثم بعد أن تزوجت زينب من زيد تعالت ~~عليه، بل وشعر أنها تحتقره لهذا الفارق بينهما، فكان زيد يشتكي لرسول ~~الله سوء معاملة زوجته له، وأنها كما نقول منكدة عليه عيشته، وأنها تعيش ~~معه في بيت الزوجية بالقالب لا بالقلب، لكن حبه لرسول الله كان يمنعه من ~~طلاقها، وهو أيضا لا يريد أن يخسر هذا الشرف الذي ناله بالزواج من ابنة ~~عمة رسول الله. وكان سيدنا رسول الله في كل مرة يشتكي فيها زيد من زينب ~~يقول له # أمسك عليك زوجك واتق الله.. # [الأحزاب: 37] ولو أرادها الرسول لنفسه لقال له طلقها، ولوجد الفرصة ~~أمامه سانحة. ويجب أن نبحث هنا علاقة المرأة بالرجل، فالخالق سبحانه خلق ~~الرجل للمرأة، والمرأة للرجل لذلك نجد المرأة العربية أم إياس، وهي توصي ~~ابنتها لما خطبها الحارث، تقول: " أي بنية، إنك لو تركت بلا نصيحة ~~لكنت أغنى ms8008 الناس عنها، ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها ~~وشدة حاجتهما إليها لكنت أغنى الناس، ولكن الرجال للنساء خلقن، ~~ولهن خلق الرجال، وأن النصيحة لو تركت لفضل أدب لتركت لذلك منك، ~~ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل ". وقلنا: إن الإنسان يستطيع أن ~~يعيش أفضل ما يكون من مأكل ومشرب وملبس ومسكن، لكنه مع ذلك لا يستغني ~~بحال عن الزوجة والمرأة كذلك لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها ". # لماذا؟ لأن الزوج يعطيها ما يعطيه الأب والأم والإخوة، ويزيد على ذلك ~~مما يقدرون ولا يستطيعون. الشاهد أن المرأة للرجل، والرجل للمرأة، مهما ~~وضعوا من أسوار من عز أو من جبروت، أو غيره. إن المسألة بالنسبة لزيد ~~كانت صعبة لأن الله تعالى جعل للزواج ثلاث مراحل، وردت في قوله تعالى: # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة.. # [الروم: 21]. فالأولى أن يسكن الزوج إلى زوجته، وأن يطمئن إليها، ~~ويرتاح بجوارها حين تمسح عنه عرقه، وتحتويه بعد تعب اليوم ومشاق الحياة، ~~فإن امتنع السكن بسبب منغصات الحياة، فليكن بينهما مودة تجمعهما، ~~ولم لا، وأنت حين تصاحب صديقا مثلا مدة طويلة تجد له مودة في قلبك، ~~وتجد أن لهذه المودة ثمنا، فتتحمله إن أخطأ، وتسامحه إن أساء، فما ~~بالك بالزوجة، أليست أحق بهذه المودة؟ فإذا ما فقدت المودة أيضا، ~~فليبق بين الزوجين التراحم، فليرحم كل منهما الآخر إن أصابه الكبر ~~أو المرض، أو غير ذلك. وقد وصل زيد مع زينب إلى مرحلة فقد فيها السكن ~~والمودة والرحمة بسبب ما بينهما من فارق. أمر آخر، إن كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد فكر في أمر زينب، فلماذا تعدلون به إلى التفكير في ~~الغريزة؟ ولماذا لا تعدلون به إلى مرتبة الإنصاف، وهو الذي أرغم زينب على ~~الزواج من زيد، وهي الشريفة القرشية، وهو العبد المملوك، فلما وضعها في ~~هذا المأزق أراد أن يطيب خاطرها، ويصلح ms8009 ما كان منه بأن يضمها إليه، ~~فتصير إحدى أمهات المؤمنين. ثم من الذي منع رسولا قال الله عنه أنه ~~بشر من أن تكون له هذه الرغبة، وكل الرسل السابقين كان لهم هذه - هذا على ~~فرض رغبة رسول الله في زينب - لكن الناس لم يحسنوا الظن. والذي ~~يدلنا على أن هذه المسألة كانت ترتيبا ربانيا صرفا ما نجده من ~~الرياضية الإيمانية بين كل من سيدنا رسول الله، ومولاه زيد، وابنة عمته ~~زينب، فقد جمعهم الثلاثة رياضة إيمانية كما نقول نحن الآن: فلان عنده روح ~~رياضية. يعني: يتقبل الهزيمة بروح عالية بدون عداوات أو أحقاد، فلقد ~~انصاع الجميع لأمر الله بهذه الروح الإيمانية. أما الذين يأخذون من قوله ~~تعالى في حق رسوله # وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه.. # [الأحزاب: 37] يأخذونها سبة في حق الرسول، فعليهم أن يعلموا أن ~~الخشية نوعان: خشية من شيء تخاف أن يضرك، وخشية استحياء، فالخشية في # وتخشى الناس.. # [الأحزاب: 37] خشية استحياء، ويكفي أن الحق سبحانه قال في حق رسوله صلى ~~الله عليه وسلم: # إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم ~~والله لا يستحيي من الحق.. # [الأحزاب: 53]. فالخشية هنا تعني خوف رسول الله من ألسنة الكفار التي ~~ستخوض في حقه، والتي ستقول إن محمدا تزوج من امرأة متبناه، لكن غاب ~~عن هؤلاء أن الله تعالى ألغى مسألة التبني، فليس لهم حجة، وطبيعي أن يخاف ~~رسول الله من ألسنة الكفار لأنه جاء لنقض عادات وتقاليد جاهلية، وكان هو ~~صلى الله عليه وسلم أول من تحمل تبعة هذا التغيير لأنه جاء على يديه ~~وفي شخصه صلى الله عليه وسلم. # وسيدنا رسول الله حين يستحي من زواجه من زينب أو من كلام الناس، فإنما ~~يريد أن يبرىء عرضه وساحته، مما يشين، وقد كان صلى الله عليه وسلم ~~يدفع الشبهة عن نفسه دائما، لذلك # " لما رآه بعض أصحابه مع امرأة، فمالوا عنه صلى الله عليه وسلم خشية ~~أن يتسببوا له في حرج، فناداهما رسول الله: " على رسلكما إنها صفية " ~~فقالوا: نحن لا نشك ms8010 فيك يا رسول الله، فقال: " إن الشيطان ليجري من ابن ~~آدم مجرى الدم ". # فرسول الله يريد أن ينفض عن نفسه أي شبهة، يريد ألا يجعل لأحد جميلا ~~عليه، بأنه ستر على رسول الله. ولا أدل على حيائه صلى الله عليه وسلم ~~من قصته مع عبد الله بن سعد بن أبي السرح، فلما دخل صلى الله عليه وسلم ~~مكة فاتحا ومنتصرا كان قد أهدر دم عبد الله بن سعد بن أبي السرح لأنه ~~نال كثيرا من رسول الله، فجاء عثمان بن عفان رضي الله عنه يستأمن لعبد ~~الله من رسول الله - يعني: يطلب له الأمان - فما رد عليه رسول الله، ~~وكان ينتظر أن يقوم رجل من القوم فيقتل عبد الله، لكن عثمان أعادها ~~مرارا على رسول الله حتى أنه استحى من عثمان فأمن عبد الله، فلما ~~أمنه أخذه عثمان وانصرف من مجلس رسول الله. فقال رسول الله لصحابته: # " ألم يكن فيكم رجل رشيد يقوم إليه فيقتله؟ " # يعني: قبل أن يكلمه عثمان فيكون قد سبق السيف العذل كما يقولون، فقام ~~عبد الله بن بشر وقال: يا رسول الله، لقد كانت عيني في عينك، أنتظر إشارة ~~منك لأقتله، لكنك لم تفعل، فقال سيدنا رسول الله - انظر إلى العظمة # " ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين ". # أذكر أنه كان لنا أستاذ، هو سيدنا الشيخ موسى شريف رحمه الله ورضي الله ~~عنه، وكان رجلا له مدد من الله، وقد فسر لنا هذه الآية، وكنا نذاكر ~~دروسنا قبل أن نحضر درسه، وكان يصطفيني من بين إخواني الموجودين أمثال ~~الشيخ حسن جاد، والدكتور خفاجة وأبي العينين وغيرهم، ليسألني عن مذاكرتنا ~~وما وقف أمامنا من قضايا، فناداني وكان قد علم من أبي اسم أمي، فناداني ~~بها فتقدمت إليه، فضربني على قفاي ضربة انحلت معها القضية التي كانت ~~تقف أمامنا، تماما كما تضرب الذي يعاني من الزغطة ضربة على ظهره فتذهب. ~~ولما حدثنا الشيخ عن قصة سيدنا عثمان هذه جاء في اليوم التالي وقال: يا ~~أولاد، رأينا الليلة ms8011 سيدنا عثمان بحيائه، فقلت له: كيف تستأمن لرجل قال ~~في رسول الله كذا وكذا؟ فقال لي: ألا تعلم أن الله يحب من تاب، فقلت ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم - ولم يقل: " أنا رأيت رسول الله - ما ~~الذي جعلك تقبل شفاعة عثمان؟ فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم بطبيعته كان شديد الحياء. # ثم يقول تعالى: { ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ~~ضلالا مبينا } [الأحزاب: 36] وهنا ثلاثة توكيدات: قد الدالة على ~~التحقيق وبعدها الفعل الماضي، ثم المفعول المطلق ضلالا، ثم وصف هذا ~~الضلال بأنه مبين. والضلال هو عدم الاهتداء إلى الطريق المؤدي إلى ~~الغاية، لكن قد يضل إنسان طريقه، ثم يأتي من يفتح عليه ويدله، أما ~~هذا الذي يعصي الله ورسوله، فضلاله ضلال مبين لا يجد من يدله، ولا ~~من يهديه أبدا لأن هذا الطريق الذي يسير فيه موصل إلى الآخرة، وليس ~~هناك شيء من ذلك. كانت هذه لقطة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ~~عثمان وعباد بن بشر أوضحت صفة الحياء في رسول الله، نعود بعدها إلى ما ~~كنا بصدده من الحديث عن الرياضة الإيمانية التي جمعت بين رسول الله وكل ~~من زيد وزينب. وكان سيدنا رسول الله إذا غاب زيد يذهب فيسأل عنه، فذهب ~~مرة، فرأى زينب منشغلة في أمور بيتها، وكانت زينب على حالة طيبة، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " تبارك الله أحسن الخالقين " كما ترى مثلا ابنتك ~~في مظهر حسن، فتقول: ما شاء الله. وكأن رسول الله أراد أن يطيب ~~خاطرها، أو يرفع من روحها نظير ما أجبرها عليه من الزواج بزيد، ونظير ~~أنها تعيش معه على مضض، فلما جاء زيد قالت له: لقد جاء رسول الله وسأل ~~عنك وقال لي: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال لها: يا زينب أرى أن تكوني ~~لرسول الله لأنك وقعت في قلبه، وأرى أن أطلقك ليتزوجك رسول الله، ~~فبدا عليها الارتياح، وتعجبت كأنها لم تصدق: إذا طلقتني أتزوج برسول ~~الله، كان هذا ms8012 الحوار مجرد كلام. وبالله لو قيل هذا الكلام في غير هذا ~~الموقف، ولواحد غير زيد لغلى الدم في عروقه، وفعل ما أفعل، إنما تأمل ~~الرياضة الإيمانية التي تحلى بها زيد. يقول تعالى في هذه المسألة: { ~~وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت... }. ### || [33.37] # معنى { وإذ تقول.. } [الأحزاب: 37] واذكر جيدا وأدر مسألة زيد ~~في رأسك، اذكر إذ تقول للذي أنعم الله عليه بالإيمان - والمراد زيد ~~وأنعمت عليه بالعتق أولا، وأنعمت عليه بقانون البشرية بأن جعلته ~~ابنا لك وأنعمت عليه بأن زوجته، وهو عبد، من قرشية، هي ابنة عمتك، ثم ~~أنعمت عليه حين قلت له { أمسك عليك زوجك واتق ~~الله.. } [الأحزاب: 37]. لكن، لماذا قلت له هذه الكلمة يا محمد؟ ~~أخوفا من كلام الناس أن يقولوا: تزوج من امرأة متبناه؟ كيف وهذا ~~مقصود من الله تعالى، إنه يريد أن ينهي عادة التبني، وأن ينهيها على ~~يدك أنت، فأنت تخفيه خوفا من كلام الناس، وقد أبداه الله حين أخبرك بهذه ~~المسألة، وأن نهايتها ستكون على يديك بأن تتزوج امرأة متبناك { ~~والله أحق أن تخشاه.. } [الأحزاب: 37] فدعك من الناس. ~~لذلك قال سبحانه في موضع آخر: # الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله.. # [الأحزاب: 39]. وسبق أن أوضحنا أن خشيته صلى الله عليه وسلم لم تكن خشية ~~خوف من شيء يضره، إنما خشية استحياء ليدفع رسول الله الشبهة عن نفسه. ~~وقوله تعالى: { فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها.. } [الأحزاب: 37] الوطر: هو الأشياء التي تناسب معاش ~~الرجل، فمعناه الغاية أو الحاجة، وسبق أن قلنا: إن وطر الرجل من زوجته ~~أن تكون سكنا، فإن لم يكن، فمودة تجمعهما، فإن لم يكن فرحمة ~~متبادلة. وقد افتقد زيد في زوجته كل هذه المراحل، فلم يجد معها، لا ~~السكن، ولا المودة، ولا الرحمة، فلماذا - إذن - يستمر في الارتباط بها؟ ~~لذلك كان يذهب إلى رسول الله، فيشتكي له ما يلاقي من زينب، فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول له: { أمسك عليك زوجك واتق ~~الله.. } [الأحزاب: 37]. وتأمل هنا هذه ms8013 الرياضة الإيمانية بين سيدنا ~~رسول الله وزيد وزينب رضي الله عنهما: لما طلق زيد زينب تركها رسول ~~الله لتقضي عدتها، فلما قضت العدة قال: يا زيد اذهب إلى زينب ~~فاخطبها علي، فما هذه العظمة؟ رسول الله يبعث المطلق ليخطب له ~~المطلقة، وهذا يدل على ثقته في زيد، وأنه قد قضى وطره من زينب، ولم ~~يعد له فيها حاجة. ويدخل زيد على زينب، فيقول لها: أبشري يا زينب، لقد ~~بعثني رسول الله لأخطبك له، فقالت: والله لا أجيب حتى أسجد شكرا لله، ~~فقامت زينب فسجدت، عندها عاد زيد إلى رسول الله، فأخبره ما كان من زينب ~~فجاءها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل عليها بلا استئذان. ترى ~~لماذا يدخل عليها سيدنا رسول الله بلا استئذان؟ قالوا لأنها حينئذ صارت ~~زوجته، كما قال سبحانه { فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها. # . } [الأحزاب: 37] أي: زوجه الله بها من فوق سبع سماوات. لذلك كانت ~~السيدة زينب حين تجلس مع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم - وهذه أيضا من ~~الرياضيات الإيمانية - تقول لهن: إني لأفتخر عليكن جميعا بأنكن زوجكن ~~أولياؤكن، أما أنا فزوجني ربي، فلا تجرؤ إحداهن على الرد عليها. ليس ~~هذا فحسب، إنما تدل أيضا على سيدنا رسول الله، فتقول له: يا رسول ~~الله، أنا أدل عليك بثلاث، فيضحك سيدنا رسول الله ويقول: أما الأولى؟ ~~فتقول: أما الأولى فجدي وجدك واحد، وأما الثانية فلأن الله زوجني ~~من فوق سبع سماوات، وأما الثالثة فلأن سفيري في الزواج لم يكن زيدا، ~~إنما كان جبريل. فأي عظمة هذه التي نلاحظها في هذه القصة، وأي رياضة ~~إيمانية عالية من رسول الله وصحابته؟ إذن: لم يتزوج رسول الله من زينب، ~~إنما زوجه ربه لذلك نقول للمغرمين بالخوض في هذه المسألة، يحسبونها ~~سبة في حق رسول الله: افهموا الفرق بين زوج وتزوج. تزوج أي: بنفسه ~~وبرغبته، إنما زوج أي زوجه غيره، وكلمة { زوجناكها.. } ~~[الأحزاب: 37] تحتوي على الفعل زوج والضمير نا فاعل يعود على الحق ~~سبحانه، والكاف لخطاب رسول الله، وهي ms8014 مفعول أول، والهاء تعود على السيدة ~~زينب، وهي مفعول ثان للفعل زوج. فرسول الله في هذه المسألة، وفي كل ~~زوجاته لم يخالف عن أمر الله. فلتكونوا منصفين لأن المسألة ليست عند ~~محمد، إنما عند رب محمد، واقرأوا إن شئتم: # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات ~~سائحات ثيبات وأبكارا # [التحريم: 5]. ثم هبوا - جدلا - أن محمدا فعلها، ما العيب فيها وقد ~~كان التعدد موجودا، ولم ينشىء رسول الله تعددا، كان التعدد ~~موجودا في الأنبياء والرسل، وفيكم وعندكم. أما الذين يتهمون رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأنه وسع على نفسه، فتزوج تسعا، وضيق على أمته ~~بأربعة، فالرد على ذلك أن الله تعالى حكم بأن زوجات الرسول أمهات ~~للمؤمنين، وما دمن أمهات للمؤمنين، فليس لأحد أن يتزوجهن بعد ~~رسول الله، أما غيرهن من المؤمنات فإن كان مع الرجل سبعة مثلا، فعليه ~~أن يفارق ثلاثة منهن، وهؤلاء الثلاثة سيجدن من يتزوج بهن، إذن: ~~على الرسول أن يمسك زوجاته كلهن، وعلى غيره من المؤمنين أن يفارقوا ~~ما زاد على أربع. شيء آخر: تظنون أن رسول الله وسع الله له هذه ~~المسألة، والحقيقة أن الله ضيق عليه إذا ما قارناه بغيره من عامة ~~المؤمنين، فالمؤمن له أن يمسك أربع زوجات، فإذا ماتت إحداهن تزوج ~~بأخرى، وإن طلق إحداهن تزوج بدلا منها، فإن متن جميعا أو ~~طلقهن، فله أن يتزوج غيرهن حتى يكمل الأربعة، وهكذا يكون للمؤمن أن ~~يتزوج بعدد كثير من النساء. # أما رسول الله - نعم تزوج تسعا - لكن خاطبه ربه بقوله: # لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن.. # [الأحزاب: 52] فمن الذي ضيق عليه إذن؟ محمد أم أمته؟ ثم يا قوم ~~تنبهوا إلى الفرق بين الاستثناء في العدد والاستثناء في المعدود، هل ~~استثنى الله نبيه في العدد من أربع إلى تسع، أم استثناه في معدود بذاته، ~~استثناه في المعدود لا في العدد، لأنه لو استثناه في العدد لكان له إذا ms8015 ~~ماتت إحدى زوجاته أن يتزوج بأخرى، إنما وقف به عند معدود بذاته، بحيث ~~لو ماتوا جميعا ما كان له صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بعدهن. وبعد ~~ذلك أظل الحكم على رسول الله هكذا؟ لا، إنما كان في بداية الأمر وبعد ~~ذلك حينما استقرت الأمور وأمن الله رسوله قال له: افعل ما تشاء، لأنك ~~مأمون على أمتك. ثم نقول: هبوا أن رسول الله له اختيار في هذه المسألة، ~~ولم تكن مسبقة، ألم يؤد فعله هذا إلى إلغاء عادة التبني؟ ثم ~~أنزعت الرسالة من رسول الله بعد أن فعل ما فعل؟ إذن: لا يتناقض مراد ~~الله ومراد رسول الله. والذين تناولوا سيدنا رسول الله في هذه المسألة ~~مثل الذين تناولوا سيدنا يوسف - عليه السلام - لما قال الله فيه: # ولقد همت به وهم بها.. # [يوسف: 24] وكأنهم أكثر غيرة على يوسف من ربه عز وجل، نعم هم بها ~~يوسف أي: فكر فيها أو غير ذلك، ولن نقول لكم على الصواب لتظلوا في ~~حيرتكم، لكن أنزع الله منه الرسالة بعد ما هم بها؟ إذن: همه بها لم ~~يناقض الرسالة، فما تقولونه في هذه المسألة فضول منكم. ثم تأتي العلة في ~~هذه المسألة { لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ~~أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن وطرا.. } ~~[الأحزاب: 37] ثم تختم الآية بما لا يدع مجالا للشك في رسول الله: { ~~وكان أمر الله مفعولا } [الأحزاب: 37] أي: لا بد أن ~~يحدث، ولن يترك لأي شخص آخر، حتى لا تفسد القضية في إلغاء عادة التبني، ~~إذن، فزواج رسول الله من امرأة متبناه ما كان إلا لرفع الحرج عن جميع ~~المؤمنين، والآن يصح لكل متبن أن يتزوج امرأة متبناه. ### || [33.38] # قوله تعالى: { ما كان على النبي من حرج.. } [الأحزاب: ~~38] أي: إثم أو ملامة { فيما فرض الله له.. } [الأحزاب: 38] ~~أي: كيف تلومون رسول الله على تنفيذ أمر فرضه الله له وتأمل { فرض ~~الله له.. } [الأحزاب: 38] أي: لصالحه ولم يقل فرض عليه؟ ما دام ~~أن الله هو الذي فرض هذا، فلتصعدوا الأمر ms8016 إليه، فليس لرسوله ذنب فيه. ~~وهذه المسألة تشبه تماما مسألة الإسراء، فحين أخبر سيدنا رسول الله قومه ~~بخبر الإسراء قالوا: يا محمد أتدعي أنك أتيت بيت المقدس في ليلة، ونحن ~~نضرب إليها أكباد الإبل شهرا؟ وهذا غباء منهم لأن محمدا لم يقل: سريت ~~إنما قال: أسري بي. فالذي أسرى به ربه - عز وجل - إذن: المسألة ليست ~~من فعل محمد، ولكن من فعل الله. وسبق أن ضربنا لذلك مثلا توضيحيا - ~~ولله المثل الأعلى - قلنا: هب أن رجلا قال لك: أنا صعدت بولدي ~~الصغير قمة إفرست أتقول له: كيف صعد ولدك قمة إفرست؟ لكن انتفعنا الآن ~~بقول المكذبين: أتدعي يا محمد أنك أتيت بيت المقدس في ليلة ونحن ~~نضرب إليها أكباد الإبل شهرا لأن غباء المكذب يؤدي به إلى عكس ما قصده ~~من غبائه، فهذا القول اتخذناه الآن دليلا للرد على من يقولون بأن ~~الإسراء كان رؤيا، أو كان بالروح دون الجسد. فلو قال رسول الله: رأيت في ~~الرؤيا أني أتيت بيت المقدس ما قالوا هذه المقالة، إذن: فهم القوم ~~أن رسول الله أتى بيت المقدس بروحه وجسده، وإلا ما قارنوا بين ذهابهم ~~وذهابه، فالذين عاصروا هذه الحادثة قالوا هذه المقالة، فكيف نأتي اليوم ~~لنقول: إن الإسراء كنا مناما، أو كان بالروح دون الجسد؟ وقوله تعالى: { ~~سنة الله في الذين خلوا من قبل.. } [الأحزاب: 38] ~~أي: إخوانه من الرسل السابقين، أو فيما كان قبل الإسلام من التعدد، فلم ~~يكن رسول الله بدعا في هذه المسألة. { وكان أمر الله ~~قدرا مقدورا } [الأحزاب: 38] تلحظ أن الآية السابقة ختمت ~~بقوله تعالى: # وكان أمر الله مفعولا # [الأحزاب: 37] فلقائل أن يقول نعم مفعولا في هذا الوقت الذي حدثت فيه ~~هذه الأحداث لذلك قال هنا { وكان أمر الله قدرا مقدورا ~~} [الأحزاب: 38] أي: أن ما حدث لرسول الله كان مقدرا أزلا، ولا شيء ~~يخرج عن تقدير الله، وقد صح أن القلم قد جف على ما كتب، وعلى ما ~~قدر. ### || [33.39] # وكأن الحق سبحانه يعيدنا إلى قوله تعالى في نبيه محمد: ms8017 # وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه.. # [الأحزاب: 37] فالرسل لا يخشون شيئا في البلاغ عن الله، فكأنه تعالى ~~نفى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أن تكون خشيته في البلاغ، إنما خشيته ~~استحياؤه مخافة أن تلوكه ألسنة قومه، وإلا فهم لا يملكون له شيئا ~~يضره أو يخيفه. نلحظ هنا أن { الذين يبلغون رسالات الله ~~ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله.. } [الأحزاب: ~~39] هذه العبارة مبتدأ لم يخبر عنه لأن قوله تعالى { وكفى بالله ~~حسيبا } [الأحزاب: 39] ليس خبرا لهذا المبتدأ، إنما هو تعليق عليه، ~~فأين خبر هذا المبتدأ؟ قالوا: تقديره، الذين يبلغون رسالات الله.. لا ~~يمكن أن يتهموا بأنهم خشوا الناس من أجل البلاغ. { وكفى ~~بالله حسيبا } [الأحزاب: 39] أي: أنكم لن تحاسبوهم، إنما سيحاسبهم ~~الله، وكان مقتضى الحساب مع رسول الله إن فعل ما لا يصح منه أن تسحب ~~منه الرسالة، وأن يأتي الله بنبي آخر، ولم يحدث شيء من هذا. ثم يعود ~~السياق إلى أمر آخر في قضية التبني، فيقول سبحانه: { ما كان ~~محمد أبآ أحد من رجالكم... }. ### || [33.40] # قال سبحانه { ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم.. } ~~[الأحزاب: 40] لأن علاج قضية التبني أهم من أبوته صلى الله عليه وسلم ~~لأحد منكم أن يكون أبوه رسول الله لأن أبوته لآخر لا تنفعه بشيء، إنما ~~ينفعه البلاغ عن الله، وأن يحمل له منهج ربه الذي يسعده في دينه ودنياه. ~~إذن: ففرحكم برسول الله كرسول أولى من فرحكم به كأب، وإلا فما أكثر ~~من لهم آباء، وهم أشقياء في الحياة لا قيمة لهم. وقوله { ما كان.. } ~~[الأحزاب: 40] النفي هنا يفيد الجحود، فهو ينكر ويجحد أن يكون محمد ~~أبا لأحد من رجالكم، وتأمل عظمة الأداء القرآني في كلمة { من ~~رجالكم.. } [الأحزاب: 40] ولم يقل مثلا أبا أحد منكم، لماذا؟ ~~قالوا: لأنه صلى الله عليه وسلم كان أبا لعبد الله وللقاسم ولإبراهيم، ~~وكانوا جميعا منهم، وهو صلى الله عليه وسلم أبوهم، فجاءت كلمة { ~~رجالكم.. } [الأحزاب: 40] لتخرج هؤلاء الثلاثة لأنهم لم يبلغوا ~~مبلغ الرجال، فمحمد ما كان أبدا ms8018 أبا أحد من الرجال، وإن كان أبا ~~لأولاد صغار لم يصلوا إلى مرحلة الرجولة. وقوله { ولكن.. } ~~[الأحزاب: 40] أي: أهم من أبوته أن يكون رسول الله { ولكن ~~رسول الله.. } [الأحزاب: 40] ليس هذا فحسب، ولكن أيضا { ~~وخاتم النبيين.. } [الأحزاب: 40] أي: الرسول والنبي الذي يختم ~~الرسالات، فلا يستدرك عليه برسالة جديدة. وهذه من المسائل التي وقف عندها ~~المستشرقون معترضين، يقولون: جاء في القرآن: # وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم ~~لتؤمنن به ولتنصرنه.. # [آل عمران: 81]. ومحمد صلى الله عليه وسلم من ضمن الأنبياء الذين أخذ ~~عليهم هذا العهد، بدليل: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح.. # [الأحزاب: 7]. إذن: أخذ الله العهد على الأنبياء أنه من ضمن مبادئهم ~~أن يبلغوا قومهم بمقدم رسول جديد، وأنه إذا جاءهم عليهم أن يؤمنوا ~~به، وأن ينصروه، كما بشر مثلا عيسى عليه السلام برسالة محمد صلى الله ~~عليه وسلم فقال: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد.. # [الصف: 6]. فكيف يخبر الله عن محمد أنه خاتم النبيين وهو واحد منهم؟ ~~نقول: نعم هو واحد منهم، لكن إن كانوا قد أمروا بأن يبشروا وأن ~~يبلغوا أقوامهم برسول يأتي، فقد أمر صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه ~~أنه خاتم الأنبياء والرسل. لذلك يروى أن رجلا ادعى النبوة في زمن ~~المأمون، فأمر به فوضع في السجن، وبعد عدة أشهر ظهر رجل آخر يدعي ~~النبوة، فرأى المأمون أن يواجه كل منهما الآخر، فأحضر المدعي الأول وقال ~~له: إن هذا الرجل يدعي أنه نبي، فماذا تقول فيه؟ قال: هو كذاب لأنني ~~لم أرسل أحدا - فارتقى إلى منزلة الألوهية، لا مجرد أنه نبي. # والمرأة التي ادعت النبوة أيضا في زمن المأمون لما أوقفها أمامه ~~يسألها قال لها: ألم تعلمي أن رسول الله قال: لا نبي بعدي؟ قالت: بلى، ~~ولكنه لم يقل لا نبية بعدي! ثم يختم الحق سبحانه هذه المسألة بقوله: { ~~وكان الله بكل شيء عليما } [الأحزاب: 40] وما دام أن ~~الله تعالى عليم بكل ms8019 شيء فليس لأحد أن يعترض لأنه سبحانه هو الذي يضع ~~الرسول المناسب في المكان المناسب والزمان المناسب، وقد علم سبحانه أن ~~رسالة محمد تستوعب كل الزمان وكل المكان. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~يأيها الذين... }. ### || [33.41-42] # أمرنا ربنا سبحانه بذكره ذكرا كثيرا لأن الذكر عمدة العبادات ~~وأيسرها على المؤمن لذلك نجد ربنا يأمرنا به عند الانتهاء من العبادات ~~كالصلاة والصيام والحج، وجعله سبحانه أكبر فقال # ولذكر الله أكبر.. # [العنكبوت: 45]. والذكر شغل الذاكرة، وهي منطقة في المخ، قلنا: إن ~~المعلومة يستقبلها الإنسان في بؤرة شعوره، فإذا أراد أن يحتفظ بها لحين ~~الحاجة إليها حفظها في الحافظة، أو في حاشية الشعور، فأنت مثلا ترى ~~شخصا فتقول: هذا الرجل لم أره منذ عشرين سنة، وآخر مرة رأيته كان في ~~المكان الفلاني. إذن: الذكر لشيء كان موجودا في بؤرة الشعور، الذكر يعني ~~قضية موجودة عندك بواقع كان لها ساعة وجودها، لكن حصلت عنها غفلة نقلتها ~~إلى حاشية الشعور أو الحافظة، بعد ذلك نريد منك ألا تنساها في الحاشية أو ~~في منطقة بعيدة بحيث تحتاج إلى مجهود لتذكرها، إنما اجعلها دائما في ~~منطقة قريبة لك، بحيث يسهل عليك تذكرها دون عناء. وكذلك ينبغي أن يكون ~~ذكرك لله، فهو القضية الحيوية التي ينبغي أن تظل على ذكر لها دائما ~~وأبدا، وكيف تنسى ذكر ربك وقد أخذ عليك العهد، وأنت في عالم الذر، ~~وأخذ منك الإقرار بأنه سبحانه ربك، الحق سبحانه خلق العقل ليستقبل ~~المعلومات بوسائل الإدراك، كما قال تعالى: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. فكأن السمع والبصر هما عمدة الحواس، وبهما نعلم ما لم ~~نكن نعلمه حين نزولنا من بطون أمهاتنا، ونحن حين نستقبل المعلومات يظن ~~بعض الناس أن الناس يختلفون في ذلك ذكاء وبلادة، فواحد يلتقط المعلومة ~~من مرة واحدة، وآخر يحتاج إلى أن تعيدها له عدة مرات. والواقع أن العقل ~~مثل آلة الفوتوغرافيا يلتقط المعلومة من مرة واحدة شريطة أن يكون خاليا ~~ومستعدا لاستقبالها ms8020 غير مشغول بغيرها لأن بؤرة الشعور لا تسع ولا تستوعب ~~إلا فكرة واحدة، وهذه المسألة تناولناها في قوله تعالى: # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.. # [الأحزاب: 4]. فالإنسان الذكي هو الذي لا يشغل باله بأمرين في وقت واحد، ~~ولا يفكر في شيء وهو بصدد شيء آخر، فإذا كانت بؤرة الشعور خالية فالناس ~~جميعا سواسية في التقاط المعلومة. لذلك، المدرس الموفق هو الذي يستطيع ~~أن يجتذب إليه انتباه التلاميذ، ولا يعطيهم الفرصة للانشغال بغير الدرس، ~~وهذا لا يتأتى إلا بالتلطف إليهم وإشراكهم في الدرس بالأسئلة من حين ~~لآخر، ليظل التلميذ متوقعا لأن يسأل فلا ينشغل، لذلك رأينا أن الطريقة ~~الحوارية هي أنجح طرق التدريس، أما طريقة سرد المعلومات فهي تجعل ~~المدرس في واد والتلاميذ في واد آخر، كل منهم يفكر في شيء يشغله. # وسبق أن قلنا: إن الطالب حين يعلم بأهمية درس من الدروس فيذاكره وهو ~~ذاهب للامتحان وهو يصعد السلم إذا جاءه هذا الدرس يجيب عنه بنصه، لماذا؟ ~~لأنه ذاكره في الوقت الحرج والفرصة ضيقة لا تحتمل انشغالا ولا تهاونا، ~~فيلتقط العقل كل كلمة ويسجلها، فإن أراد استرجاعها جاءت كما هي، ~~لماذا؟ لأنها صادفت العقل خاليا غير مشغول. وتأمل عظمة الخالق سبحانه ~~في مسألة التذكر، فالذاكرة جزء صغير في المخ، فكيف بالطفل الصغير الذي ~~لا يتجاوز الثامنة يحفظ القرآن كاملا ويعيده عليك في أي وقت، ونحن ~~نتعجب من شريط التسجيل الذي يحفظ لنا حلقة أو حلقتين. والقرآن ليس حفظا ~~فحسب، إنما معايشة، فحروف القرآن ملائكة، لكل حرف منه ملك، والملك يحب ~~من يوده، فإذا كنت على صلة بالقرآن تكثر من تلاوته، فكأنك تود ~~الملائكة، فساعة تريد استرجاع ما حفظت تراصت لك الملائكة، وجرى القرآن ~~على لسانك. فإن هجرته هجرك، وتفلت من ذاكرتك لذلك حذرنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من هجر القرآن، فقال: # " تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها ~~". # وسبق أن قلنا: إن الذكر هو العبادة الوحيدة التي لا تكلفك شيئا، ولا ms8021 ~~تعطل جارحة من جوارحك، ولا يحتاج منك إلى وقت، ولا إلى مجهود، وليس له ~~وقت مخصوص، فمن ذكر الله قائما وذكر الله قاعدا وذكر الله على جنبه ~~عد من الذاكرين - هذا بالنسبة لوضعك - ومن ذكر الله بكرة، وذكر ~~الله أصيلا، أو غدوا وعشيا، أصبح من الذاكرين - هذا بالنسبة للزمان. ~~ومن قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثلاثين مرة في اليوم كتب من ~~الذاكرين، ومن استيقظ ليلا فأيقظ أهله، وصلى ركعتين فهو من ~~الذاكرين. إذن: فذكر الله مسألة سهلة تستطيع أن تذكر الله، وأنت تعمل ~~بالفأس، أو تكتب بالقلم، تذكر الله وأنت تأكل أو تشرب.. إلخ فذكر الله ~~وإن كان أكبر إلا أنه على المؤمن سهل هين. وقوله تعالى: { ~~وسبحوه بكرة وأصيلا } [الأحزاب: 42] التسبيح: هو التقديس، ~~والتقديس هو التنزيه، فعن أي شيء ننزه الله؟ قالوا: ننزه الله في ~~ذاته، وفي أفعاله، وفي صفاته، فالله تعالى له وجود، ولك أنت وجود، وللنهر ~~وللجبل وجود، لكن وجوده تعالى ليس كوجود ما سواه، وجوده تعالى عن غير ~~عدم، أما وجود ما سواه فوجود عن عدم، هذا في الذات. أما في الأفعال، ~~فالله تعالى له فعل كما أن لك فعلا، لكن نزه ربك أن يكون فعله ~~كفعلك، وهذا ما قلناه في حادثة الإسراء والمعراج، وفي الفرق بين سرى ~~وأسرى به، فإذا كان الفعل لله تعالى فلا تنظر إلى الزمن لأنه ليس فعلك ~~أنت، بل فعل الله، وفعل الله بلا علاج، إنما يقول للشيء: كن فيكون. # وقلنا: إنه حتى في طاقات البشر نجد الفعل يأخذ من الزمن على قدر قوة ~~فاعله، فالولد الصغير ينقل في ساعة ما ينقله الكبير في دقيقة، فلو قست ~~فعل الله بقدرته تعالى وجدت الفعل بلا زمن. كذلك ننزه الله في صفاته، ~~فالله تعالى له سمع نزه أن يكون كسمعك، وله وجه نزه أن يكون ~~كوجهك.. إلخ كل هذا في إطار # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. وحين تستعرض آيات التسبيح ms8022 في القرآن تجدها كثيرة، لكن ~~للتسبيح طابع خاص إذا جاء في استهلالات السور، ففي أول الإسراء: # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1]. فبدأت السورة بتنزيه الله لما تحتويه من أحداث عجيبة ~~وغريبة لذلك قال بداية # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] فالله له التسبيح والتقديس ثابت قبل أن يفعل، وسبحان الله ~~قبل أن يوجد المسبح، كما أنه تعالى خالق قبل أن يوجد من خلق، فهو ~~بالخالقية فيه أولا خلق، كما قلنا في الشاعر: تقول فلان شاعر، هل لأنك ~~سمعت له قصيدة أم هو شاعر قبل أن يقولها؟ هو شاعر قبل أن يقولها، ولولا ~~أنه شاعر ما قال: والمتتبع لألفاظ التسبيح في القرآن يجد أنه ثابت لله ~~تعالى قبل أن يخلق المسبحين في قوله # سبحان الذي أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] ثم بعد أن خلق الله الخلق # سبح لله ما في السموات وما في الأرض.. # [الحشر: 1]. وما يزال الخلق يسبح في الحاضر: # يسبح لله ما في السموات وما في الأرض.. # [الجمعة: 1] فتسبيح الله كان وما يزال إلى قيام الساعة، لذلك يأمر الحق ~~سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ومعه أمته ألا يخرج عن هذه المنظومة ~~المسبحة، فيقول له: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1]. وجاء الأمر بذكر الله وبعد الأمر بتسبيحه تعالى، وكأنه ~~يقول لك كلما ذكرته: نزهه ذاتا وصفاتا وأفعالا، فمن مصلحتك في رحلة ~~الحياة ألا يكون لله مثيل ولا شبيه ولا نظير ولا ند لأن الجميع ~~سيكونون تحت عدله سبحانه، فتنزيه الله لمصلحتك أنت أيها المسبح. ~~وسبق أن ذكرنا في ذلك قول أهل الريف اللي ملوش كبير يشتري له كبير فوجود ~~كبير فوق الجميع يحميك أن يتكبر أحد عليك، إذن: عظمته تعالى وكبرياؤه من ~~أعظم النعم علينا، فساعة تسبحه وتنزهه أحمد الله لأنه منزه، ~~احمد الله أنه لا شريك له، وأن الناس جميعا عنده سواء، احمد الله لأن ~~كلامه وأمره نافذ على الجميع، احمد الله أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ~~وليس بينه وبين أحد من خلقه نسب. وكيف لا نذكر الله ولا نسبحه ms8023 ~~ونحمده، وهو سبحانه الذي خلق الخلق، وقبل أن يخلقهم رتب لهم غاياتهم ~~- والخلق: إيجاد على تقدير لغاية - بل وأعد لهم ما يخدمهم، فطرأ ~~الإنسان على كون معد لاستقباله، فقبل أن يخلقه خلق له. # ثم ما كلفك بمنهجه مباشرة، إنما تركك تربع في نعمه، منذ ميلادك إلى ~~سن البلوغ بدون تكليف، ومعنى البلوغ أن تصل سن الرشد فتقبل على ~~الله بعقل وفكر، فالدين ليس تقليدا إنما عقيدة واقتناع. وسبق أن ~~شبهنا نضج الإنسان بنضج الثمرة، فالثمرة لا تحلو إلا حين تنضج بذرتها، ~~وتصير صالحة للإنبات إن زرعت، وهذه من عظمة الخالق سبحانه، ولو أن ~~الثمرة تحلو وتستوي قبل نضج بذرتها لأكلنا الثمار مرة واحدة، ولما ~~انتفع بها أحد بعدنا، ومثلنا لذلك ببذرة البطيخ إن وجدتها سوداء صلبة ~~فاعلم أن ثمرتها استوت وحلت وصارت صالحة للأكل، وهذه المسألة جعلها ~~الخالق سبحانه لحفظ النوع. شيء آخر: بعد أن بلغت سن التكليف، أجاءك ~~التكليف مستوعبا لكل حركة في حياتك؟ أجاء قيدا لك؟ حين تتأمل مسائل ~~التكليف تجدها في نطاق محدود أمرك الله فيه بافعل كذا ولا تفعل كذا، وهذه ~~المنطقة لا تشغل أكثر من خمسة في المائة من حركة حياتك، وترك لك نسبة ~~الخمسة والتسعين أنت حر فيها، تفعل أو لا تفعل، فأي عظمة هذه! وأي ~~رحمة التي يعاملنا بها ربنا عز وجل! وهذا إن دل فإنما يدل على حب ~~الخالق سبحانه لخلقه وصنعته. أفلا يستوجب ذلك منا ألا نغفل عن ~~ذكره، وأن نكثر من تسبيحه وشكره، في كل غدوة وعشية. والأعظم من هذا كله ~~أنه - سبحانه وتعالى - جعل ذكرك له وتسبيحك إياه لصالحك أنت، وفي ~~ميزانك لذلك قال في الآية التي بعدها: { هو الذي يصلي ~~عليكم... }. ### || [33.43] # معنى { الذي يصلي عليكم.. } [الأحزاب: 43] الصلاة هي ~~الدعاء، والدعاء لا يكون إلا بطلب الخير للداعي، ولا يدعو إلا قادر على ~~هذا الخير، وعليه كيف نفهم هذا المعنى؟ أيدعو ربنا نفسه تبارك وتعالى؟ ~~قالوا: إذا كانت نهاية الصلاة طلب الخير، وهذا الخير إذا طلب حصل، فالحق ~~سبحانه ms8024 هو الداعي، وهو الذي يملك مفاتح الخير كله، فهو الذي يصلي ~~عليكم، وهو الذي يعطيكم، وهو الذي يرحمكم. وأيضا يصلي عليكم الملائكة ~~{ وملائكته.. } [الأحزاب: 43] وقد أخبرنا سبحانه عنهم أنهم # عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون # [الأنبياء: 27]. وقال: # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. والملائكة أقسام: منهم المكلفون بخدمتنا ومنافعنا في ~~الأرض، ومنهم من يحفظنا من الأحداث التي قد تفاجئنا بإقدار الله لهم ~~عليها، ومنهم الحفظة والكرام الكاتبون، وهؤلاء الملائكة المتعلقون بنا هم ~~الذين أمروا بالسجود لآدم عليه السلام في قوله تعالى: # فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر: 29]. وهذا دليل على أنهم سيكونون في خدمته. وكأن الله تعالى قال ~~لإبليس: طلبت منك أن تسجد لآدم، وطلبت من الملائكة وأنت معهم، فإن ~~كنت من الملائكة فينبغي أن تستجيب، وإن لم تكن من الملائكة وحشرتك ~~بطاعتك في زمرتهم كان يجب عليك أن تطيع لأن الأعلى منك سجد. وقد أوضحنا ~~هذه المسألة بمثل، ولله تعالى المثل الأعلى قلنا: إذا أعلن في أحد ~~الدواوين الحكومية أن الرئيس سيزور هذا الديوان يوم كذا، وعلى الوزراء ~~أن يصطفوا لتحيته، ألم يشمل هذا الأمر وكلاء الوزارة من باب أولى؟ ~~فإذا قال الله للملائكة: اسجدوا لآدم وكان معهم إبليس وهو أقل منهم، ~~فكان عليه أن يسجد. ثم إن كنت يا إبليس أخذت منزلة أعلى من الملائكة ~~بالطاعة، فلا بد أن تكون طاعتك لله على هذه المنزلة، فأنت ملوم على ~~أي حال، إلا أنه كان من الجن، والجن مختار، ففسق عن أمر ربه. وهناك نوع ~~آخر من الملائكة لا دخل لهم بالإنسان ولا بدنياه، وهم الملائكة العالون ~~أو المهيمون، وهم الذين قال الله فيهم لما أبى إبليس أن يسجد قال له ~~ربه: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75]. وهؤلاء العالون لم يشملهم الأمر بالسجود لأنهم لا يدرون شيئا ~~عن آدم، وليس لهم علاقة به، وأخصهم حملة العرش وهم أكرم الملائكة، ~~وهؤلاء هم الذين يصلون عليكم بعد أن صلى الله عليكم لذلك ms8025 يبين ~~لنا الحق سبحانه هؤلاء الملائكة ودورهم في الصلاة علينا والاستغفار لنا، ~~فيقول سبحانه: # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا.. # [غافر: 7]. فهؤلاء هم أخص الملائكة وأكرمهم يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به، لكن ما فائدة يؤمنون به بعد أن سبحوه؟ قالوا: لأن التسبيح ~~قد يكون عن خوف ورهبة، أما تسبيح هؤلاء فتسبيح عن حب وعن إيمان، وأنه ~~سبحانه وتعالى يستحق أن يسبح، ومن مهام هؤلاء أيضا أنهم يستغفرون ~~للذين آمنوا، وإن لم تكن لهم علاقة بالناس وليسوا في خدمتهم، إلا أنهم ~~يصلون عليهم ويستغفرون لهم. # إذن: نقول الصلاة من مالك الدعوة القادر على الإجابة رحمة وعطف وحنان، ~~والصلاة ممن دونه دعاء للقادر المالك للخير، فهم يدعون الله للمؤمنين ~~ويستغفرون الله لهم، بل ويبالغون في الدعاء ويتعطفون فيه: # ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب ~~الجحيم # [غافر: 7]. بل لم يقفوا عند حد طلب النجاة للمؤمنين من النار، إنما ~~يطلبون لهم الجنة # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن ~~صلح من آبآئهم وأزواجهم وذرياتهم إنك ~~أنت العزيز الحكيم # [غافر: 8]. ثم يزيدون على ذلك: # وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد ~~رحمته وذلك هو الفوز العظيم # [غافر: 9]. ووالله، لو أراد المؤمن أن يدعو لنفسه ما وجد أعم ولا ~~أشمل من دعاء الملائكة له، فبعد أن طلبوا له المغفرة والنجاة من النار ~~لم يتركوه هكذا في أهل الأعراف، لا هم في الجنة، ولا هم في النار، ~~إنما سألوا الله لهم الجنة عملا بقوله تعالى: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185]. وهذه المسألة من المسائل التي وقف أمامها المستشرقون، ~~فقالوا: إنها تتناقض مع الحديث النبوي: # " ما من يوم تطلع شمسه إلا وينادي ملكان يقول أحدهما: اللهم أعط ~~منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا " # ، فكيف تقولون: إن الملائكة يدعون للناس بالخير وهم يدعون عليهم بالشر؟ ~~وهم معذورون في اعتراضهم لأن ملكاتهم لا تستطيع فهم المعاني في الحديث ~~الشريف، ms8026 والتناقض في نظرهم في قوله صلى الله عليه وسلم: " ويقول الآخر: ~~اللهم أعط ممسكا تلفا " ، فالأولى واضحة لا تناقض فيها لأنها دعوة ~~بالخير، أما الثانية فهي دعوة بالشر. " اللهم أعط ممسكا تلفا ". ولو ~~تأملوا نص هذه العبارة لوجدوا فيها الجواب، فالتلف يعطى أم يؤخذ؟ ~~المفروض أنه يؤخذ، فحين يقول رسول الله: " اللهم أعط ممسكا تلفا " ~~فاعلم أنه عطاء لا أخذ وإن كان في ظاهره تلفا، والمعنى أن شيئا شغلك ~~وفتنك فتصيبك فيه مصيبة تخلصك منه فتعود إلى ربك، إذن: هو أخذ في ~~الظاهر عطاء في الحقيقة. ثم يبين لنا الحق سبحانه العلة في صلاة الله ~~وصلاة الملائكة على المؤمنين، فيقول { ليخرجكم من الظلمات ~~إلى النور.. } [الأحزاب: 43] فكأن منهج الله بافعل ولا تفعل هو أول ~~صلاة الله علينا لأنه الوسيلة التي تخرجنا من الظلمات إلى النور، وجاء ~~هنا بالشيء الحسي لنقيس عليه المعنوي، فأنت في النور ترى طريقك ~~وتهتدي إلى غايتك بلا معاطب، أما في الظلام فتتخبط خطاك وتضل الطريق ~~في الظلام، تسير على غير هدى، وعلى غير بصيرة، فتحطم الأضعف منك، ~~ويحطمك الأقوى منك. # والنبي صلى الله عليه وسلم يوجهنا حين ننام بالليل أن نطفىء ~~المصابيح فيقول: " وأطفئوا المصابيح إذا رقدتم " وقد أثبت العلم أن ~~للأنوار المضاءة أثناء النوم تأثيرا ضارا على صحة الإنسان، وأنه لا ~~يرتاح في الضوء الراحة التامة لما يصيبه أثناء النوم من إشعاع الضوء، كما ~~حذرونا أيضا من التعرض لأضواء التليفزيون مثلا. إذن: للنور مهمة، ~~وللظلمة مهمة - هذا في الحسيات. كذلك منهج الله بافعل ولا تفعل هو ~~النور المعنوي الذي يقيك العطب، ويمنحك الإشراقات التي تهتدي بها في دروب ~~الحياة، لذلك قال تعالى بعدها: { وكان بالمؤمنين رحيما } ~~[الأحزاب: 43]. لكن إن كان سبحانه رحيما بالمؤمنين، فما بال الكافرين؟ ~~قالوا: هو سبحانه بالكافرين رحمن، فالله تعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة ~~لأن رحمن الدنيا يعني أن خيره يعم الجميع المؤمن والكافر، والطائع ~~والعاصي، أما في الآخرة فتتجلى صفة الرحيم لأن رحمته في الآخرة تخص ~~المؤمنين دون غيرهم. والحق سبحانه ms8027 حين يقول: # الله نور السموات والأرض.. # [النور: 35] لا يعني هذا وصفا لذاته سبحانه، إنما يعني أنه سبحانه ~~نور السماوات والأرض أي: منورهما كما نقول: المصباح نور المسجد. وسبق ~~أن أوضحنا هذه المسألة بقول أبي تمام في مدح المعتصم: # إقدام عمرو في سماحة حاتم # في حلم أحنف في ذكاء إياس # وعمرو مضرب المثل عند العرب في الشجاعة، وحاتم في الكرم، وأحنف بن قيس ~~في الحلم، وإياس بن معاوية في الذكاء، فقام إليه أحد الحاضرين وقال له ~~- وكان حاقدا عليه -: أمير المؤمنين فوق ما تقول، أتشبهه بأجلاف ~~العرب؟ وأنشأ يقول: # وشبهه المداح في البأس والندى # بمن لو رآه كان أصغر خادم # ففي جيشه خمسون ألفا كعنتر # وفي خزانه ألف حاتم # عندها أطرق أبو تمام هنيهة، ثم قال: # لا تنكروا ضربي له من دونه # مثلا شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة والنبراس # إذن: فالنور المعنوي يجنبك العطب المعنوي، كما أن النور الحسي ~~يجنبك العطب الحسي لذلك قال سبحانه عن نوره # نور على نور.. # [النور: 35] يعني: نور حسي يقيكم المعاطب الحسية، ونور معنوي يقيكم ~~المعاطب المعنوية # يهدي الله لنوره من يشآء.. # [النور: 35] والمراد به هنا النور المعنوي الذي يهتدي به المؤمن ويسير ~~عليه، أما الكافر فهو لا يعرف إلا النور الحسي فقط. فإن سألت: فأين ~~نجد هذا النور يا رب؟ يجيبك ربك: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.. # [النور: 36-37]. فإن أردت النور الحق فهو في خلوتك مع ربك وفي بيته، ~~حيث تتجلى عليك إشراقاته ويغمرك نوره. # وقبل أن نترك مسألة صلاة الله وصلاة الملائكة على المؤمنين نذكر صلاتنا ~~نحن على النبي صلى الله عليه وسلم، عملا بقوله تعالى: # إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها ~~الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما # [الأحزاب: 56]. فالصلاة من الله تعالى تعني الحنان والرحمة والعطف، ~~والصلاة من الملائكة تعني الدعاء والطلب من الذي يملك، أما ms8028 الصلاة منا ~~نحن على سيدنا رسول الله، فلبعض يظن أنها دعاء منا لرسول الله، وهي ليست ~~كذلك لأنك تقول في الصلاة على رسول الله: اللهم صل على محمد، فأنت لا ~~تصلي عليه صلى الله عليه وسلم، إنما تطلب من الله تعالى أن يصلي عليه، ~~لكن كيف تطلب من الله أن يصلي على رسوله؟ قالوا: لأن كل خير ينال الرسول ~~منثور على أمته. والحق سبحانه وتعالى لم يدع محمدا يصلي عليه كل من ~~آمن به، ثم لا يرد رسول الله عليه هذه التحية بصلاة مثلها، فقال سبحانه: # وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم.. # [التوبة: 103] وكأنها رد للتحية ولصلاة المؤمنين على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ثم يقول الحق سبحانه: { تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام... }. ### || [33.44] # الكلام هنا عن الآخرة، وهذه التحية، وهذا السلام ليس منا، ولكن من الله، ~~كما قال في موضع آخر # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. فالرحمة التي ننالها، والعطف والحنان من الله لنا في الدنيا ~~يعني: سدادا في حركة الحياة، واستقامة في السلوك، وراحة للبال، ~~واطمئنانا للنفس، لكن مع هذا لا تخلو الدنيا من منغصات وأحداث ~~تصيبك، أما رحمة الله في الآخرة فهي سلام تام لا ينغصه شيء، والإنسان ~~أيضا يتمتع بنعم الله في الدنيا، لكن ينغصها عليه خشية فواتها. أما ~~في الآخرة فيتمتع متعة خالصة، لا ينغصها شيء، فالنعمة دائمة باقية لا ~~يفوتها ولا تفوته، لقد كان في الدنيا في عالم الأسباب وهو الآن في الآخرة ~~مع المسبب سبحانه الذي يقول: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. لكن، ما المراد بقوله تعالى: { يوم يلقونه.. } ~~[الأحزاب: 44] أيوم القيامة للثواب، أم يوم يلقونه بالموت وبانتهاء ~~الحياة، كما نقول مثلا في الموت: فلان لقي ربه؟ قالوا: المؤمن لا يأتيه ~~ملك الموت إلا إذا سلم عليه أولا قبل أن يقبض روحه، فإذا سلم عليه ~~فهذا يعني أنه من أهل السلام، وهذه أول مراتبه. وقد يكون المراد السلام ~~التام الذي يلقاه المؤمن يوم القيامة حيث يجد سلاما لا منغصات ~~بعده. ms8029 لذلك نجد أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعاني سكرات ~~الموت تقول له السيدة فاطمة لما رأت ما يعانيه: واكرباه يا أبتاه، فيقول ~~لها " لا كرب على أبيك بعد اليوم " فأي كرب على رسول الله بعد أن ينتقل ~~إلى جوار ربه، إلى السلام النهائي الذي لا خوف بعده. ثم يقول سبحانه: { ~~وأعد لهم أجرا كريما } [الأحزاب: 44] فوصف الأجر نفسه بأنه ~~كريم، والذي يوصف بالكرم الذي أعد الأجر، فوصف الأجر بأنه كريم يعني ~~أن الكرم تعدى من الرب سبحانه الذي أعده إلى الأجر نفسه، حتى صار هو ~~أيضا كريما. ومثال ذلك قوله تعالى: # وأعتدنا لها رزقا كريما # [الأحزاب: 31] فتعدى الكرم من الرازق إلى الرزق لأن الرزق في الدنيا ~~له أسباب بأيدي الخلق، لكن الرزق في الآخرة يأتيك بلا أسباب، وليس لأحد ~~فيه شيء، ولماذ لا يوصف بالكرم وهو يأتيك دون سعي منك، وبمجرد الخاطر ~~تستدعيه فتراه بين يديك. ثم يقول الحق سبحانه: { يأيها النبي ~~إنآ أرسلناك... }. ### || [33.45-46] # الشاهد: هو الذي يؤيد ويثبت الحق لصاحبه لذلك يطلب القاضي شهادة ~~الشهود ليأتي حكمه في القضية عن تحقيق وبينة ودليل لذلك يقولون إن ~~القاضي لا يحكم بعلمه، إنما بالبينة حتى إن علم شيئا في حياته العامة، ~~ثم جاء أمامه في القضاء يتركه ويتنحى عنه لقاض آخر يحكم فيه حتى لا ~~يبني حكمه على علمه هو. وحين تتأمل هذه المسألة تجد أن الله تعالى يريد ~~أن يوزع مسئولية الحكم على عدة جهات، حتى إذا ما صدر الحكم يصدر بعد ~~تدقيق وتمحيص وتصفية لضمان الحق. فنرى مثلا إذا حدثت حادثة نذهب إلى ~~القسم لعمل محضر بالحادث، المحضر يحيله ضابط الشرطة إلى النيابة، فتحيله ~~النيابة للقاضي ليحكم فيه، ثم يعاد مرة أخرى للسلطة التنفيذية ~~لينفذ، كل هذه الدورة يراد بها تحري الحق ووضعه في نصابه. فما بالك ~~إذا كان الحق سبحانه هو الذي يشهد، وهو الذي يحكم، وهو الذي ينفذ ~~الحكم؟ لا شك أن العدالة هنا ستكون عدالة مطلقة. فإن قلت: إذن علام ~~يشهد ms8030 رسول الله؟ قالوا: يشهد رسول الله أنه بلغ أمته، كما يشهد الرسل ~~جميعا أنهم بلغوا أممهم كما قال سبحانه: # فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]. إذن: كل رسول شهيد على أمته، وأنت شهيد على هذه الأمة أنك ~~قد بلغتها، لكن ميزتك على من سبقك من إخوانك الرسل أن تكون خاتمهم، ~~فلا نبي بعدك ولذلك سأجعل من أمتك من يخلف الأنبياء الذين يأتون بعد ~~الرسل في مهمتهم. لذلك جاء في الحديث الشريف قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ". # إذن: ضمن الحق سبحانه في أمة محمد أن يوجد فيهم من يقوم بمهمة ~~الأنبياء في البلاغ، وهذا معنى # لتكونوا شهدآء على الناس.. # [البقرة: 143]. وكلمة الناس هنا عامة، تشمل آدم عليه السلام وذريته إلى ~~قيام الساعة، فإن قلت كيف؟ نقول: يشهدون على الناس بشهادة القرآن أن ~~الرسل قد بلغت أممها، هذا بالنسبة لمن مضى منهم، أما من سيأتي ~~فأنتم مطالبون بأن تشهدوا عليهم أنكم قد بلغتموهم، كما يشهد عليكم رسول ~~الله أنه قد بلغكم. إذن: فأمة محمد أخذت حظا من النبوة، وهو أنها ~~ستستدعى وتشهد على الناس. لذلك يعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمته لهذه المهمة، فيقول: # " نضر الله امرءا، سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من يسمعها، ~~فرب مبلغ أوعى من سامع ". # واقرأ أيضا في ذلك قول الله تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا.. # [البقرة: 143] لماذا؟ # لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا.. # [البقرة: 143] فهذه الأمة في الوسط، بحيث لا إفراط ولا تفريط، وما ~~أشبهها بالميزان الذي لا تميل كفة عن الأخرى إلا بما يوضع فيها، فهي ~~كالميزان العادل الذي لا يميل هنا أو هناك. # وقوله سبحانه { ومبشرا.. } [الأحزاب: 45] لمن استجاب لك بثواب ~~الله، والبشارة هي الإخبار بالخير قبل أوانه { ونذيرا } [الأحزاب: ~~45] أي: منذرا لمن لم يصدقك بعقاب الله، والإنذار هو التخويف بشر لم ~~يأت أوانه { وداعيا إلى الله بإذنه.. } [الأحزاب: 46] أي: ~~بأمر منه، لا تطوعا من عندك، ms8031 فقد يأتي زعيم من الزعماء أو مصلح من ~~المصلحين بمنهج أو بأفكار من عنده ويبثها في مجتمعه. فقوله تعالى: { ~~بإذنه.. } [الأحزاب: 46] يبين الفرق بين الرسول والمصلح من البشر، ~~فهذا الذي جاء به محمد من عند الله، وما بلغكم به إلا بأمر الله. ~~ويشترط فيمن يدعو إلى منهج الخير ثلاثة شروط: الأول: ألا ينتفع بشيء ~~مما يدعو إليه، وهذا لا يوجد في بشر أبدا، وقد رأينا: حينما قنن ~~الرأسماليون غبنوا العمال، وحينما قنن الاشتراكيون غبنوا ~~الرأسماليين.. وهكذا. وذلك لأن البشر لهم أهواء مختلفة متعددة، وكل ~~يريد أن يقنن على هواه، وبما يخدم مصالحه، يريد أن يسخر غيره ~~لخدمة هواه، وبعد فترة قد تطول تفضحهم التجارب، ويفضحهم الواقع، وتظهر ~~لهم أنفسهم مساوىء ما قننوا حتى يثوروا هم على قوانينهم، وينتفضوا على ~~أنفسهم، ويعودوا إلى تعديل هذه القوانين. الشرط الثاني: أن يكون على علم ~~بالأحداث المحتملة بعد أن يقنن، وألا تغيب عنه جزئية من جزئيات ~~الموضوع، فيحتاج إلى تعديل القانون أو الاستدراك عليه. ثالثا: يشترط ~~فيمن يقنن أن يكون حكيما فيما يقنن، بحيث يضع الأمر في موضعه، ~~فلا ينصف جماعة على حساب أخرى، وأن يكون الجميع أمامه سواء. وحين تتأمل ~~هذه الشروط الثلاثة تجدها لا تتوفر إلا في الحق سبحانه وتعالى، إذن: ~~ينبغي ألا ييقنن للبشر إلا رب البشر، وسبق أن أوضحنا هذه المسألة ~~بمثال من المحسوسات، فالناس في الظلمة يحتاجون لبعض النور ليهتدوا به إلى ~~قضاء مصالحهم في الليل، فينير كل منا ليله بما يناسبه من وسائل ~~الإضاءة، فواحد يشعل شمعة، وآخر لمبة نمرة خمسة وآخر لمبة نمرة عشرة، ~~وبعد ما استخدمنا الكهرباء رأينا اللمبة العادية والفوروسنت والنيون ~~والكرستال.. إلخ. إذن: أنتم تنيرون ظلمتكم على قدر إمكاناتكم، فإذا ما ~~أشرقت شمس الصباح، أتبقون على هذه الأنوار؟ لا بل يطفىء الجميع ~~أنواره لأن نور الشمس يأتي على قدر إمكانات خالقها عز وجل، لذلك نقول: ~~أطفئوا مصابيحكم، فقد طلعت شمس الله، فإذا كان ذلك في النور الحسي فهو ~~أيضا ومن باب أولى في النور ms8032 المعنوي، فإذا جاءك نور التشريع ونور ~~المنهج من الله، فأطفىء ما عداه من تشريعات ومناهج. وقوله تعالى: { ~~وسراجا منيرا } [الأحزاب: 46] شبه الحق سبحانه نبيه صلى الله ~~عليه وسلم بالسراج، ولا تستقل هذا الوصف في حق رسول الله، فليس معنى ~~السراج أنه كالسراج الذي يضيء لك الحجرة مثلا، إنما هو كالسراج الذي قال ~~له عنه: # وجعلنا سراجا وهاجا # [النبأ: 13] والمراد: الشمس. فإذا قلت: فلماذا لم يوصف النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأنه شمس، وقد قال تعالى عنها: # هو الذي جعل الشمس ضيآء.. # [يونس: 5]. والشمس أقوى من السراج؟ قالوا: الكلام هنا كلام رب ~~والأسلوب دقيق معجز، صحيح أن الشمس تنير الدنيا كلها، إنما أمة محمد ~~مكلفة أن تقوم بدعوته من بعده، فكأن رسول الله سراج، والسراج تأخذ منه ~~النور دون أن ينقص نوره، لكن لا تستطيع أن تأخذ من الشمس. وحين سطعت ~~أنوار الهداية على لسان رسول الله محمد لم يعد للشرائع الأولى أن ~~تتدخل على حد قول المادح: # كأنك شمس والملوك كواكب # إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # ثم يقول الحق سبحانه: { وبشر المؤمنين بأن... }. ### || [33.47] # نقول في الدعاء: اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل لأن العدل أن تأخذ ~~الجزاء المساوي للعمل، أو تأخذ حقك، أما الفضل فأن تأخذ فوق حقك ~~وزيادة، ومن ذلك قوله تعالى: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا.. # [يونس: 58]. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " " لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله " قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ~~" ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " # لأنني حين أحسب عملي مقابل ما أعطاني ربي من نعم قبل أن أخلق، وإلى ~~أن أبلغ وأكلف، أجد أنني لو قضيت حياتي كلها في طاعة ربي ما وفيت ~~بحقه علي. ثم من ناحية أخرى تجد أن العبادة والطاعة نفعها يعود إليك ~~أنت، ولا ينتفع الله تعالى منها بشيء، فإذا كانت الطاعة والعبادة يعود ~~نفعها إليك، إذن: فالثواب عليها يكون فضلا من الله. ومثلنا لذلك - ~~ولله المثل الأعلى - بولدك تشجعه على المذاكرة، وتحضر له ms8033 أدواته، ~~وتنفق عليه طوال العام، فإذا ما نجح آخر العام أعطيته هدية أو مكافأة، ~~فهذه الهدية من باب الفضل. لذلك، إن أردت أن تصلح بين متخاصمين، أو ~~تؤلف بينهما فقل لهم: أتحبون أن أحكم بينكم بالعدل أم بالفضل؟ ~~سيقولون لك: ليس هناك أفضل من العدل، وعندها لك أن تقول: بل الفضل أحسن ~~من العدل لأن العدل أن تأخذ حقك من خصمك، والفضل أن تترك حقك لخصمك ~~لتأخذه من يد ربك عز وجل. وهذا ما رأيناه مطبقا في قصة الإفك بين ~~سيدنا أبي بكر حين عفا عن مسطح بعد أن نزل قوله تعالى: # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل ~~الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر ~~الله لكم والله غفور رحيم # [النور: 22]. فمن أراد أن يغفر الله له ذنوبه فليغفر لأخيه زلته ~~وسوأته. ثم يقول الحق سبحانه: { ولا تطع الكفرين ~~والمنفقين... }. ### || [33.48] # في أول السورة خاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: # يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين.. # [الأحزاب: 1] وهنا خاطبه ربه بقوله: { ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى ~~بالله وكيلا } [الأحزاب: 48] فالأولى كانت في بداية الدعوة، حين ~~أخذ الكفار يكيدون لرسول الله، فما بالك وقد قويت الدعوة، واشتد ~~عودها، لا بد أن يتضاعف كيد الكافرين لرسول الله. لذلك يكرر له ~~مسألة { ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع ~~أذاهم.. } [الأحزاب: 48] ولا يعني ذلك أنني سأسلمك، إنما أنا ~~وكيلك { وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } ~~[الأحزاب: 48]. فإن قلت: كيف والوكيل أقل من الأصيل؟ نقول: لا، فالأصيل ~~ما وكل غيره، إلا لأنه عجز أن يفعل، فاختار الأقوى ليفعل له. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { يأيها الذين آمنوا إذا... }. ### || [33.49] # تتحدث الآية عن مسألة اجتماعية تخص حفظ النوع، وحفظ النوع الإنساني لا ~~يتأتى إلا بالزواج، وهو وسيلة التكاثر، وأولى مراحل الزواج مرحلة ~~الخطبة، وكثيرون لا يفهمون معنى الخطبة وحدودها لكل من الرجل ~~والمرأة، فالخطبة مجرد أن يذهب طالب البنت إلى ms8034 وليها ليقول له: أإذا ~~تقدمت لطلب يد ابنتك أكون أهلا للقبول؟ فيقول وليها: مرحبا بك، هذه ~~تسمى خطبة، وربما لا يتقدم، فإن تقدم لها، له أن يراها مرة واحدة ~~بين محارمها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للشاب الذي أراد الخطبة: # " انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ". # وعجيب أن يخلط الناس بين الخطبة والعقد، فيعطون الخطبة صفة العقد، ~~فإذا قيل الولي الخاطب اتفق معه على المهر أو الشبكة وعلى كل تفاصيل ~~الزواج، وأباح له أن يجلس مع ابنته، وأن يتحدث معها، وربما يختلي بها، ~~ويا ليتهم جعلوها عقدا، فأخرجوا أنفسهم من هذا الحرج. فالخطبة إن عدل ~~عنها الخاطب ما عليهم إلا أن يذهب إلى ولي البنت فيقول له: لقد طلبت ~~منك يد ابنتك وأنا في حل من هذا الأمر، أما العقد فلا يفسخ قبل ~~الدخول إلا بالطلاق، إذن: لا تجعلوها صورة خطبة وموضوعية عقد. والحق ~~سبحانه وتعالى يبين لنا في هذه الآية الكريمة ما يتعلق بأحكام ~~الطلاق إن وقع قبل الدخول بالزوجة: { يأيها الذين آمنوا ~~إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها.. ~~} [الأحزاب: 49]. فالنكاح هنا مقصود به العقد فقط، وإلا لو قصد به المعنى ~~الآخر لما قال { من قبل أن تمسوهن.. } [الأحزاب: 49] والمس ~~كناية عن الجماع، وهو عملية دائما يسترها القرآن بألفاظ لا تدل عليه ~~حقيقة. والحكم هنا { فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها.. } [الأحزاب: 49] فليس للزوج على زوجته عدة إن ~~طلقها قبل أن يدخل بها لأن العدة إنما كانت لحكمة: فالعدة في حالة ~~الطلاق الرجعي تعطي للزوج فرصة أن يراجع زوجته، وأن يعيدها بنفسه إلى ~~عصمته، والعدة تكون لاستبراء الرحم والتأكد من خلوه من الحمل، وقد ~~تكون العدة، لا لهذا ولا لذاك، ولكن لأنه توفي عنها. فالعدة قبل ~~الدخول لها حكم، وبعد الدخول لها حكم آخر، وهذا الفرق يتضح كذلك في مسألة ~~المهر، فقبل الدخول للزوجة نصف مهرها، كما قال سبحانه: # فنصف ما فرضتم.. # [البقرة: 237] وقال هنا: { فمتعوهن وسرحوهن ms8035 سراحا ~~جميلا } [الأحزاب: 49] فإن سمي المهر بين الطرفين فلها نصفه، وإن ~~لم يسم فلها نصف مهر المثل. أما العدة بعد الدخول ففيها تفصيل، ~~بحيث تختلف من حالة لأخرى بما يناسب الحالة التي تشرع فيها العدة، ~~والعدة كما قلنا: تدل على أنها شيء معدود، فإن كانت المرأة من ذوات ~~الحيض، فهي ثلاث حيضات، ليتأكد خلالها استبراء الرحم، لكن الرحم يستبرىء ~~من مرة واحدة، فلماذا جعلها الله ثلاث حيضات؟ قالوا: الهدف من ذلك إعطاء ~~الزوج فرصة، فقد يراجع نفسه وتهدأ نفسه، فيراجع زوجته في هذه المدة، ~~فالشرع هنا يراعي بناء الأسرة، ألا ترى أن الحق سبحانه شرع التقاء ~~الزوج بزوجته بكلمة: زوجني وزوجتك، أما في حالة الطلاق والفراق بين ~~الزوجين، فجعله على ثلاث مراحل لأن الله تعالى يريد ألا يجعل للغضب ~~العابر سبيلا لنقض كلمة الله في الزواج. # وأذكر أنهم كانوا يسألوننا سؤالا وكأنه لغز: أو يعتد الرجل؟ أو: أو ~~ليس للمرأة عدة عند الرجل؟ قالوا: نعم، يعتد الرجل في حالة واحدة ~~وهي: إذا تزوج امرأة ثم طلقها، وأراد أن يتزوج بأختها، فعليه أن يمضي ~~العدة ليحل له الزواج بأختها. أما عدة التي انقطع عنها الحيض فثلاثة ~~أشهر، وعدة الحامل أن تضع حملها، أما عدة المتوفي عنها زوجها فأربعة ~~أشهر وعشرة أيام، لكن ما الحكم إذا اجتمع للمرأة الحمل مع وفاة الزوج، ~~فكيف تعتد؟ قالوا: تعتد في هذه الحالة بأبعد الأجلين: الحمل، أو ~~الأربعة أشهر وعشرة أيام. ولك أن تسأل: لماذا كانت عدة المطلقة ~~ثلاثة أشهر، وعدة المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام؟ قالوا: ~~لأن هناك فرقا بين الطلاق والوفاة بالنسبة لعلاقة الزوج بزوجته، سببه ~~أن الذي خلق الذكر والأنثى جعل هناك كلمة تجمعهما، هذه الكلمة هي: ~~زوجني وزوجتك شريطة أن تكون علانية على رءوس الأشهاد، ولا تستهن ~~بهذه الكلمة، فأنت لا تعلم ما الذي تصنعه هذه الكلمة في ذرات التكوين ~~الإنساني، ولكنك تعرفها بآثارها. وقلنا: هب أنك تعرضت لشاب تعود ~~معاكسة ابنتك مثلا، ماذا تصنع أنت؟ لا شك أنك ستثور، ms8036 ويفور دمك، ~~وتأخذك الغيرة، وربما تعرضت له بالإيذاء، أما إن جاء من الباب، وطلب ~~يدها منك ترحب به وتسعد ويفرح الجميع، فما الذي حدث؟ وما الفرق بين ~~الموقفين؟ فالذي أهاجك أنه تلصص عليها من غير إذن خالقها، لذلك يقول ~~صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله ". # " ويقول رسول الله لرجل كان مشهورا بالغيرة على بناته، وقد جاء يدعو ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زواج إحدى بناته، فضحك رسول الله وقال: ~~" جدع الحلال أنف الغيرة ". # فالعقد الذي يجمع الزوجين على كلمة الله يجعل الله به بين الزوجين ~~سيالا حلالا عند كل منهما، ويلتقي هذان السيالان في الحلال وتحت مظلة ~~الشرع الذي جمعهما. وعادة ما يصاحب الطلاق بغض من الطرفين، أو كره ~~من أحدهما للآخر لذلك تكون العدة بينهما ثلاثة أشهر أو وضع الحمل ~~لأن الكراهية التي حدثت بينهما تميت خلايا الالتقاء بين الأنسجة، ~~وتسرع بانتهاء ما بينهما من سيال وتطمسه. # أما في حالة موت الزوج، فقد قطع النكاح قدريا من الله، فعادة ما تكون ~~الزوجة محبة لزوجها، حزينة على فقده، وتأتي فاجعة الموت، فتزيدها ~~حبا له، وفي هذه الحالة ليس من السهل أن ينتهي السيال بينهما لذلك ~~يشاء الخالق سبحانه أن يطيل أمد العدة إلى أن ينتهي هذا السيال ~~الذي جمعهما، فلا يدخل على سيال الرجل سيال جديد، فيحدث صراع بين ~~السيالين لذلك كانت عدة المتوفي عنها زوجها أطول من عدة المطلقة. ~~وقوله تعالى: { ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن.. ~~} [الأحزاب: 49] يعني: أن الطلاق قبل المس والدخول كان موجودا كما هو ~~موجود الآن، ونحن نرى الطرفين أو أحدهما يتعجل العقد، رغم أنه غير ~~مستعد لنفقات الزواج، إنما يتعجله لمصلحة تعود عليه من هذا الارتباط. ~~وقد ذكر لنا التاريخ أن كثيرا من الأسر، خاصة الأسر العربية الأصيلة ~~كانت تفعل ذلك، لكنهم لم يكونوا يسمحون للزوج في هذه الحالة أن يختلي ~~بالزوجة، وإن كان عاقدا عليها، وبعض فيتاتنا لهن قصص مشرفة في ms8037 هذه ~~المسألة. ومما روي في هذا الصدد قصة بهيثة بنت أوس بن حارثة الطائي ~~والحارث بن عوف، وهو سيد من سادات بني مرة، وكان للحارث ابن عوف صديق ~~اسمه ابن سنان، وفي ليلة جلس الحارث يتسامر مع صديقه ابن سنان فقال له: ~~ترني لو أنني خطبت إلى أحد من العرب ابنته أيردني؟ قالها وهو معتز ~~بنفسه فخور بسيادته على قومه. فلما رآه صاحبه على هذه الحالة قال له: نعم ~~هناك من يردك، قال: من؟ قال: أوس بن حارثة الطائي، فنادى الحارث ~~على غلامة وقال: أحضر المراكب، وهيا بنا إلى أوس بن حارثة الطائي، فذهبوا ~~إليه، فوجدوه جالسا في فناء بيته، فلما رآه أوس قال له: مرحبا بك يا ~~حارث، فأقبل عليه الحارث، وقال: ويك يا أوس، ما الذي جاء بك؟ وتركه على ~~دابته - قال: جئتك خاطبا لابنتك، فقال له: لست هناك - يعني لست ~~أهلا لها - فلوى الحارث زمام دابته منصرفا، في حين بدا على ابن سنان ~~الارتياح لأن كلامه صدق في صاحبه. فلما دخل أوس على امرأته سألته: من ~~رجل وقف معك فلم يطل ولم ينزل؟ قال: إنه الحارث بن عوف سيد من سادات ~~بني مرة، فقالت: ولماذا لم تستنزله عندك؟ قال: لقد استحمق - يعني: ~~ارتكب حمقا - قالت: وكيف هذا؟ قال: إنه جاء يخطب ابنتي، قالت: عجبا ~~أو لا تريد أن تزوج بناتك؟ قال: بلى، قالت: فإذا كنت لا تزوجهن من ~~سادات العرب، فمن تزوجهن؟ يا أوس، اذهب فتدارك الأمر، قال: كيف وقد ~~فرط مني ما فرط؟ قالت: الحق به، وقل له: إنك جئتني وأنا مغضب من ~~أمر لا دخل لك فيه، ولما راجعت نفسي جئتك معتذرا أطلب منك أن تعود، ~~ولك عندي ما تحب. # فذهب الرجل، فلم يجد الركب، فشد على راحلته، حتى صار بينهما في ~~الركب، فالتفت ابن سنان، وقال: يا ابن عوف، هذا أوس يلحق بنا، فقال: ~~وماذا أصنع به امض، فناداه أوس: يا حارث: اربع علي ساعة، يعني: ~~انتظرني - ولك عندي ما تحب، ففرح الحارث وعاد ms8038 معه. عاد أوس إلى بيته، ~~وقال لامرأته: ادعي ابنتك الكبرى، فجاءت، فقال: با بنية إن الحارث بن ~~عوف سيد بني مرة جاء ليخطبك فقالت: لا تفعل يا أبي، فقال: ولم؟ قالت: ~~إنني امرأة في وجهي ردة - يعني قبح يرد من يراني - وفي خلقي ~~عهدة - أي عيب - وليس بابن عم لي فيرعى رحمي، ولا بجار لك في بلدك ~~فيستحي منك، وأخاف أن يكره مني شيئا، فيطلقني فيكون علي فيه ما ~~تعرف. فقال لها: قومي، بارك الله فيك. ثم قال لامرأته: ادعي ابنتك ~~الوسطى فجاءت، فقال لها ما قال لأختها، فقالت: لا تفعل يا أبي، قال: ~~ولم؟ قالت: أنا امرأة خرقاء - يعني: لا تحسن عملا - وليست لي صناعة، ~~وأخاف أن يرى مني ما يكره فيطلقني، ويكون في ما يكون فقال لها: ~~قومي بارك الله فيك، وادعي أختك الصغرى، وكانت هذه هي بهيثة التي ~~نضرب بها المثل في هذا الموقف. لما عرض عليها أبوها الأمر قالت: افعل ما ~~ترى يا أبي، قال: يا بنيتي، لقد عرضته على أختيك فأبتاه، قالت: ~~لكني أنا الجميلة وجها الصناع يدا، الرفيعة خلقا، فإن طلقني ~~فلا أخلف الله عليه، فقال: بارك الله فيك. ثم قام إلى الحارث وقال: ~~بورك لك يا حارث، فإني زوجتك ابنتي بهيثة، فبارك الله لكما، قال: ~~وأنا قبلت زواجها. ثم قال لامرأته: هيئي ابنتك، واصنعي لها فسطاطا ~~بفناء البيت، ولما صنع الفسطاط حملت إليه بهيثة، ودخل عليها الحارث، ~~لكنه لم يلبث طويلا حتى خرج، فسأله ابن سنان: أفرغت من شأنك؟ قال: لا ~~والله، يا بن سنان، قال: ولم؟ قال: جئت لأقترب منها. فقالت: أعند أبي ~~وإخوتي؟ والله لا يكون ذلك أبدا، فخرجت. فقال: ما دامت لا ترضى وهي ~~عند أبيها وإخوتها، فهيا بنا نرحل، فأمر بالرحيل، وسار الركب بهم ~~طويلا، ثم قال: يا بن سنان تقدم أنت - يعني: أعطنا الفرصة - فتقدم ~~ابن سنان بالركب، وانحاز الحارث بزوجته إلى ناحية من الطريق ونصب ~~خيمته، ثم دخل عليها فقالت له: ما شاء الله، أتفعل بي كما ms8039 يفعل ~~بالسبية الأخيذة، والأمة الجليبة؟ والله لا يكون ذلك حتى أذهب إلى ~~أهلك وبلدك، وتذبح لي الذبائح، وتدعو سادة العرب، وتصنع ما يصنعه مثلك ~~لمثلي. # الشاهد هنا - وهو درس لبنات اليوم - أنها لم ترض لزوجها، ولم تقبل منه ~~في بيت أبيها، ولا في الطريق، ولم تتنازل عن شيء من عزتها وكبريائها، ~~مع أنها زوجته. وفعلا تم لها ما أرادت، وذبحت لها الذبائح، ودعي ~~لها سادات العرب، فلما دخل عليها وحاول الاقتراب منها، قالت: لقد ذكرت ~~لي شرفا ما رأيت فيك شيئا منه، فقال: ولم؟ قالت: أتفرغ لأمر النساء ~~والعرب يقتل بعضهم بعضا - تريد الحرب الدائرة وقتها بين عبس وذبيان - ~~اذهب فأصلح بينهما، ثم عد لأهلك، فلن يفوتك مني شيء، فذهب الحارث وابن ~~سنان، وأصلحا بين عبس وذبيان، وتحملا ديات القتلى ثلاثة آلاف بعير ~~يؤدونها في ثلاث سنوات، ثم عاد إليها، فقالت له: الآن لك ما تريد. ~~وهذه الآية { يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن.. } [الأحزاب: 49] بظاهرها أعطت ~~فهما لبعض الناس الذين يريدون أن يتحللوا من أحكام الدين في أشياء قد ~~ترهقهم: فمثلا الذي طلق امرأته ثلاث مرات، واستوفى ما شرع له من ~~مرات الطلاق حكمه أنه لا تحل له زوجته هذه إلا بعد أن تنكح زوجا ~~غيره، فيأتي من يقول - بناء على الآية السابقة - ما دام النكاح هنا ~~بمعنى العقد فهو إذن كاف في حالة المرأة التي طلقت ثلاث مرات، وأنها ~~تحل لزوجها الأول بمجرد العقد على آخر. ونقول: لكن فاتك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فوض من ربه بالتشريع وبيان وتفصيل ما جاء في كتاب ~~الله من أحكام، كما قال سبحانه مخاطبا نبيه: # وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم.. # [النحل: 44]. فلو أن سنة رسول الله لم تتعرض لهذه المسألة، لكان ~~هذا الفهم جائزا في أن مجرد العقد يبيح عودة الزوجة لزوجها ثانية، لكن ~~الذي أناط الله به مهمة بيان القرآن وقال عنه: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. إذن: فهو ms8040 صلى الله عليه وسلم له حق التشريع، وقد بين ~~لنا المراد هنا في قوله تعالى: # حتى تنكح زوجا غيره.. # [البقرة: 230]. فأبقى كلمة النكاح على أنها مجرد العقد، ثم بين المراد ~~من ذلك، فقال للرجل: " حتى تذوق عسيلته، ويذوق عسيلتها " إذن: تمام الآية ~~لا يجيز لمن يقول: إن مجرد العقد يبيح للرجل أن يعيد زوجته التي ~~طلقت ثلاث مرات إلا بعد أن تذوق عسيلته، ويذوق عسيلتها، وهذه ~~المسألة جعلها الله تأديبا للرجل الذي تعود الطلاق، وسهل عليه ~~النطق به، حتى صار على لسانه دائما. ومن رحمة الخالق بالخلق، ومن حرصه ~~- تبارك وتعالى - على رباط الأسرة أن أحل المرأة للرجل كما قلنا بكلمة ~~زوجني وزوجتك لكن عند الفراق لم يجعله بكلمة واحدة، إنما جعله على ~~مراحل ثلاث ليبقي للمودة وللرحمة بين الزوجين مجالا، فإن استنفد ~~الزوج هذه الفرص، وطلق للمرة الثالثة فلا بد أن نحرق أنفك بأن ~~تتزوج امرأتك من زوج غيرك زواجا حقيقيا تمارس فيه هذه العملية، وهي ~~أصعب ما تكون على الزوج. # ونلحظ هنا أن دقة التشريع أو صعوبته في كثير من المسائل لا يريد الله ~~منه أن يصعب على الناس، وإنما يريد أن يرهب من أن تفعل ذلك، يريدك ~~أن تبتعد عن لفظ الطلاق، وألا تلجأ إليه إلا عند الضرورة القصوى. لذلك ~~يعلمنا سيدنا رسول الله فيقول: # " إن أبغض الحلال عند الله الطلاق " # فالذين يعترضون على الطلاق في شرعنا، ويتعجبون كيف يفارق الزوج زوجته ~~بعد العشرة الطويلة والحب والمودة يفارقها بكلمة، وفات هؤلاء أن ~~الطلاق وإن كان الأبغض إلا أنه حلال، ويكفي أن الله تعالى جعله على ~~مراحل ثلاث، وجعله لا يستخدم إلا عند الضرورة، وحذر الرجل أن يتساهل ~~فيه، أو يجريه على لسانه، فيتعوده. ونلحظ أن الحق سبحانه خص ~~المؤمنات في قوله: { إذا نكحتم المؤمنات.. } [الأحزاب: 49] ~~مع أن المؤمن يباح له أن يتزوج من الكتابية، مسيحية كانت أو يهودية، ~~فكأن في الآية إشارة لطيفة لمن أراد أن يتزوج فليتزوج مؤمنة، ولا ~~يمكن من مضجعه إلا مؤمنة معه، وهذا ms8041 احتياط في الدين، فالمؤمنة تكون ~~مأمونة على حياته وعلى عرضه، وعلى أولاده وماله، فإن غير المؤمنة لا ~~تؤتمن على هذا كله. وقد رأينا بعض شبابنا الذين ذهبوا إلى بلاد الغرب، ~~وتزوجوا من أجنبيات، وبعد الزواج ظهرت النكبات والمصائب، فالأم لا تنسى ~~أنها يهودية أو نصرانية، وتبث أفكارها ومعتقداتها في الأولاد، إذن: فعلى ~~المؤمن أن يختار المؤمنة لأنها مؤتمنة عليه وعلى بيته. وأذكر حين سافرنا ~~إلى الخارج، كنا نسأل: لماذا أبحتم لأنفسكم أن تتزوجوا الكتابية، ولم ~~تبيحوا لنا أن نتزوج المسلمة؟ وكان بعض الآباء يأتون ببناتهم اللائي ~~ولدن في ألمانيا مثلا، وكانت البنت تحاج والدها بهذه المسألة، لماذا ~~لا أتزوج ألمانيا كما تزوجت أنت ألمانية؟ فكنا نرد على بناتنا هناك: ~~بأن المسلم له أن يتزوج كتابية لأنه يؤمن بكتابها، ويؤمن بنبيها، لكن ~~كيف تتزوجين أنت من الكتابي، وهو لا يؤمن بكتابك، ولا يؤمن بنبيك؟ إذن: ~~فالمسلم مؤتمن على الكتابية، وغير المسلم ليس مؤتمنا على المسلمة. ~~وقوله تعالى: { فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا } ~~[الأحزاب: 49] وفي موضع آخر قال سبحانه في نفس هذه المسألة: # وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد ~~فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم.. # [البقرة: 237]. ويمكن أن نوفق بين هاتين الآيتين بأن الأولى نزلت ~~فيمن لم يفرض لها مهر، والثانية فيمن فرض لها مهر، التي لم يفرض ~~لها مهر لها المتعة { فمتعوهن. # . } [الأحزاب: 49] والتي فرض لها مهر لها نصفه، فكل آية تخص وتعالج ~~حالة معينة، وليس بين الآيتين نسخ. وبعض العلماء يرى أنه لا مانع، إن ~~فرض لها مهر أن يعطيها المتعة فوق نصف مهرها، وهذا رأي وجيه، فالعدل ~~أن تأخذ نصف ما فرض لها، والفضل أن يعطيها المتعة فوق هذا النصف، ~~وينبغي أن تبنى المعاملات دائما على الفضل لا على مجرد العدل، وربنا عز ~~وجل يعلمنا ذلك، حين يعاملنا سبحانه بفضله لا بعدله، ولو عاملنا ~~بالعدل لهلكنا جميعا. لذلك جاء في دعاء الصالحين: اللهم عاملنا بالفضل ~~لا بالعدل، وبالإحسان لا بالميزان، وبالجبر لا بالحساب. نعم، فإن لم ~~يكن في الآخرة ms8042 إلا الحساب، فلن يكسب منا أحد، وقد ورد في الحديث: # " من نوقش الحساب عذب ". # ويقول سبحانه: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. فالفرح لا يكون إلا حين يشملك فضل الله، وتعمك رحمته، ~~وفي الحديث الشريف: # " " لن يدخل أحد الجنة بعمله " قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: " ~~ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # فإن قلت: فكيف نجمع بين هذه النصوص من القرآن والسنة، وبين مكانة ~~العمل ومنزلته في مثل قوله تعالى: # ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون # [النحل: 32]. قالوا: صحيح أن للعمل منزلته وفضله، لكنك حين تعبد الله لا ~~تقدم لله تعالى خدمة بعبادتك له، إنما الخدمة مقدمة من الله لك في ~~مشروعية العبادة، وإلا فالله تعالى بكل صفات الكمال خلقك وخلق الكون كله ~~لك، فإن كلفك بعد ذلك بشيء، فإنما هو لصالحك، كما تكلف ولدك بالجد ~~والمذاكرة. ثم لو أنك وضعت عملك في كفة، ونعم الله عليك في كفة لما ~~وفت أعمالك بما أخذته من نعم ربك. إذن: إن أثابك بعد ذلك في ~~الآخرة فإنما بفضله تعالى عليك ورحمته لك. ومثلنا لذلك - ولله تعالى ~~المثل الأعلى - بقولك لولدك: لو نجحت آخر العام سأعطيك هدية أو مكافأة، ~~فمع أنه هو المستفيد من نجاحه إلا أنك تزيده لأنك محب له وتحب له ~~الخير. إذن: ينبغي أن نتعامل بهذه القاعدة، وأن نتخلق بهذا الخلق، ~~خاصة في مثل هذه الحالة، حالة الزوجة التي طلقت قبل الدخول بها. ~~فإن قلت: ولماذا تأخذ الزوجة التي طلقت قبل الدخول بها نصف المهر ~~والمتعة أيضا؟ نقول: هو عوض لها عن المفارقة، فإن كانت هي المفارقة ~~الراغبة في الطلاق، فليس لها شيء من المهر أو المتعة، إنما عليها أن ~~ترد على الزوج ما دفعه، كما جاء في حديث المرأة التي جاءت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تخبره أنها لا تريد البقاء مع زوجها، فقال لها: " ~~ردي عليه ما دفعه لك " وهذه العملية يسميها العلماء الخلع. # ثم بعد أن ذكر الحق سبحانه مسألة ms8043 المتعة قال: { وسرحوهن ~~سراحا جميلا } [الأحزاب: 49]. السرح في الأصل: شجر له ثمر، يوجد ~~في البوادي، ترعاه الماشية وتحبه، فالكبيرة منها تأكل من أعلى الشجرة، ~~أما الصغيرة فيتعهدها الراعي إن كان عنده دقة رعاية، بأن يضرب بعصاه ~~غصون الشجرة، فتتساقط منها بعض الأوراق، فيأكلها الصغار. ومن ذلك قوله ~~تعالى عن عصا موسى عليه السلام: # وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18]. وروي أن سيدنا عمر مر على راع فقال له: يا راع، فنظر ~~الراعي إلى أمير المؤمنين، وقال: نعم يا راعينا - يعني: أنا راعي الغنم ~~وأنت راعي الراعي، فكأنه لا يتكبر راع على راع - فقال عمر: يا هذا في ~~الأرض التي تبعد عنك كذا وكذا سرح أجمل من هذا وأخصب، فاذهب إليه ~~بماشيتك. وهذا درس في تحمل مسئولية الرعية والحرص عليها، وكان عمر رضي ~~الله عنه خير من تحمل هذه المسئولية، فيروى أن سيدنا عمر وسيدنا ~~عبد الرحمن بن عوف رأيا جماعة من التجار عابري السبيل يلجئون إلى المسجد ~~للمبيت فيه، منهم من يحمل بضاعته، ومنهم من يحمل ثمن بضاعة باعها، ~~فخافا أن يجترىء عليهم أحد فيسرقهم، فبات عمر وعبد الرحمن يتسامران حتى ~~الفجر لحراسة هؤلاء العابرين. وحتى الآن، في الفلاحين يقول الذاهب في ~~الصباح إلى الحقول نسرح وللعودة آخر النهار نروح، ثم تدوول هذا اللفظ ~~فأطلق على كل خروج إلى شيء، ومن ذلك نقول: اعطني التسريح، فكأني كنت ~~محبوسا فسمح لك بالخروج، ومن ذلك تسريح الزوجة. لكن تسريح الزوجة وصفه ~~الله تعالى بقوله { سراحا جميلا } [الأحزاب: 49] وكل شيء وصف في ~~القرآن بالجمال له مزية في ذاته، كما في # فصبر جميل.. # [يوسف: 18] وتسريح الزوجة عادة ما يصاحبه غضب وانفعال، فينبغي أن يكون ~~التسريح جميلا لا عنف فيه، كأن يطيب خارطها بقوله: هذا قدرنا، ~~وأرجو الله أن يعوض عليك بخير مني أو غير ذلك، مما يراه مناسبا ~~لتخفيف الخطب عليها، ويكفي أن تتحمل هي ألم المفارقة ومصيبة الطلاق. ~~وأي جمال فيمن يفارق زوجته بالسباب والشتائم، ويؤذيها بأن يمنعها ~~حقا من ms8044 حقوقها. وهذه الآية عالجت قضية هامة من قضايا الأسرة لأنها ~~مرادة للحق سبحانه، فالله تعالى خلق الإنسان الخليفة، وهو آدم عليه ~~السلام، وخلق منه الزوجة ليحقق منهما الخلافة في الأرض، لكن لماذا هذه ~~الخلافة؟ قالوا: ليستمتعوا بآثار قدرة ربهم وحكمته في كونه، كما تسعد أنت ~~حين تأتي لأولادك بما لذ وطاب من الطعام، وتفرح حين تراهم يأكلون ~~ويتمتعون بما جئت به، تفرح لأنك عديت أثر قدرتك للغير - ولله تعالى ~~المثل الأعلى -. فما دام الحق سبحانه جعل الخليفة في الأرض ثم حدد مهمته، ~~فقال: # هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. # [هود: 61] إذن: لا بد أن يضمن لهذا الخليفة مقومات حياته ~~ومقومات استبقاء هذه الحياة لا تكتمل إلا بمقومات بقاء النوع، فإنه ~~لن يعيش في الدنيا وحيدا لآخر الزمان. واستبقاء الحياة يكون بالقوت لذلك ~~فإن ربك عز وجل قبل أن يستدعيك إلى الوجود، وقبل أن يخلقك خلق لك، خلق ~~لك الشمس والقمر والنجوم والكواكب والأرض والهواء والماء، فأعد للخليفة ~~كل مقومات حياته. واقرأ قول الله تعالى: # قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 10]. إذن: فمخازن القوت مملؤة # وما ننزله إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21] وما دام خالق البشر قدر لهم الأقوات مقدما، فليست لك ~~أن تقول " انفجار سكاني " قل: إنك قصرت في استنباط هذا القوت بما ~~أصابك من كسل أو سوء تخطيط. ونلحظ هذا المعنى في قوله تعالى: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. ومن الكفر بنعمة الله سترها بالكسل والقعود عن ~~استنباطها، وقد يشقى جيل بكسل جيل قبله، لذلك لما تنبهنا إلى هذه ~~المسألة، وبدأنا نزرع الصحراء ونعمرها انفرجت أزمتنا إلى حد ما، ~~ولو بكرنا بزراعة الصحراء ما اشتكينا أزمة، ولا ضاق بنا المكان. ~~والحق سبحانه يعلمنا أنه إذا ضاق ms8045 بنا المكان ألا نتشبث به، ففي ~~غيره سعة، واقرأ: # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها.. # [النساء: 97]. لذلك يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم، حتى في ~~الخلوة الليلية معه: # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي ~~الليل.. # [المزمل: 20] إلى أن يقول: # علم أن سيكون منكم مرضى.. # [المزمل: 20] والمرضى غير قادرين على العمل، فعلى القادر إذن أن يعمل ~~ليسد حاجته وحاجة غير القادر # وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ~~وآخرون يقاتلون في سبيل الله.. # [المزمل: 20]. إذن: قانون الإصلاح الذي جعله الله لحياة البشر يقوم على ~~دعامتين: الضرب في الأرض والسعي في مناكبها، وفيه مقومات الحياة، ~~ثم نقاتل في سبيل الله لبقاء الدعوة والمنهج، فالأولى للقالب، وبها نأكل ~~ونشرب ونعيش، والأخرى للقيم. فإن قعدت الأمة أو تكاسلت عن أي من ~~هاتين الدعامتين ضاعت وهلكت وصارت مطمعا لأعدائها لذلك تجد الآن ~~الأمم المتخلفة فقيرة، تعيش على صدقات الأمم الغنية لأنها كفرت بأنعم ~~الله وسترتها، ولم تعمل على استنباطها، قعدت عن الاستعمار والاستصلاح. ~~أما الأغنياء فعندهم فائض لا يعطى للفقراء، إنما يرمى في البحر ~~ويعدم، لتظل لهم السيادة الاقتصادية، لذلك نستطيع أن نقول بأن شر ~~العالم كله والفساد إنما يأتي بكفر نعم الله، إما بسترها وعدم استنباطها، ~~أو بالبخل بها على غير الواجد. # ولأهمية القوت يأتي في مقدمة ما يمتن الله به على عباده في قوله: # فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 4]. وكما ضمن الحق سبحانه للخليفة في الأرض مقومات حياته ~~ضمن له أيضا بقاء نوعه ونسله، وجعل ذلك بالزواج الذي شرعه الله ~~ليأتي النسل بطريقة طاهرة شريفة، لا بطريقة خسيسة دنسة، وفرق بين هذا ~~وذاك، فالولد الشرعي تتلقفه أيدي الوالدين وتتباهى به، أما الآخر فإذا ~~لم تتخلص منه أمه وهو جنين تخلصت منه بعد ولادته، لأنه عار عليها. ~~فالحق سبحانه شرع الزواج لطهارة المجتمع المسلم ونظافته وسلامته، ms8046 مجتمع ~~يكون جديرا بأن يتباهى به سيدنا رسول الله يوم القيامة، فقد ورد في ~~الحديث الشريف: # " تناكحوا تناسلوا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة ". # ثم يقول الحق سبحانه: { يأيها النبي إنآ أحللنا... }. ### || [33.50] # الحق - تبارك وتعالى - لم يخاطب نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم باسمه ~~العلم أبدا، كما خاطب غيره من الأنبياء فقال: يا نوح، يا عيسى، يا ~~موسى، يا إبراهيم.. إلخ، أما رسول الله، فناداه ربه بقوله { يأيها ~~النبي.. } [الأحزاب: 50] و # يأيها الرسول.. # [المائدة: 41]. ونداء الشخص باسمه العلم دليل على أنه ليست له صفة ~~مميزة، فإن ملك صفة مميزة نودي بها تقول: يا شجاع، يا شاعر.. إلخ، ~~الآن الجميع يشتركون في العلمية. إذن: فنداء النبي صلى الله عليه وسلم ~~بيأيها النبي، ويأيها الرسول تكريم له صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: ~~{ إنآ أحللنا لك أزواجك.. } [الأحزاب: 50] ما معنى { ~~أحللنا.. } [الأحزاب: 50] هنا ما دام الحديث عن أزواجه صلى الله ~~عليه وسلم؟ قالوا: معناها أنها كانت في منطقة محرمة ثم أحلها الله ~~له أي: جعلها حلالا، وهذا المعنى يتضح بقوله تعالى بعدها { اللاتي ~~آتيت أجورهن.. } [الأحزاب: 50] كأن رسول الله أخذ بالحل ~~أولا، بدليل أنه آتى الأجر والمهر. ولقد كان للعلماء وقفة عند تسمية ~~المهر أجرا، قالوا: كيف يسمي المهر أجرا، ومعنى الأجر في اللغة: ~~جعل على منفعة موقوتة يؤديها المستأجر للمستأجر، أما النكاح فليس ~~موقوتا، إنما من شروطه نية التأبيد والدوام؟ وللجواب على هذه المسألة ~~نقول: لا يصح أن تؤخذ الآيات، منفصلة بعضها عن بعض، إنما ينبغي أن ~~نجمع الآيات الواردة في نفس الموضوع جنبا إلى جنب ليأتي فهمها تاما ~~متكاملا. فالحق سبحانه يقول في موضع آخر مخاطبا نبيه صلى الله عليه ~~وسلم في شأن زوجاته: # ترجي من تشآء منهن.. # [الأحزاب: 51] أي: تؤخر استمتاعك بها # وتؤوي إليك من تشآء.. # [الأحزاب: 51] أي: تضمها إليك. إذن: ما دام لك أن ترجيء أزواجا منهن ~~وتمنعهن من القسمة، ثم تضم غيرهن، فكأن المنفعة هنا موقوتة، فناسب ذلك أن ~~يسمى المهر أجرا. والحق سبحانه يعطي نبيه ms8047 صلى الله عليه وسلم في كل ~~مراحل سيرته أزكى المواقف وأطهرها وأنبلها، فقوله تعالى: { اللاتي ~~آتيت أجورهن.. } [الأحزاب: 50] دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ~~ما انتفع بهن إلا بعد أن أدى مهرهن، في حين أن للإنسان أن يسمى ~~المهر، ويدخل بزوجته دون أن يدفع من المهر شيئا، ويكون المهر كله أو ~~بعضه مؤخرا، لكن تأخير المهر يعطي للمرأة حق أن تمتنع عن مضاجعته، ~~فإن سمحت له فهو تفضل منها. إذن: فرسول الله اختار أكمل شيء. رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم جاء ليبين للناس ما نزل إليهم، وجعله ربه ~~أسوة سلوكية في الأمور التي يعز على الناس أن يستقبلوها، فنفذها ~~رسول الله في نفسه أولا كما قلنا في مسألة التبني. # كذلك في مسألة تعدد الزوجات، فرسول الله أرسل والتعدد موجود عند العرب ~~وموجود حتى عند الأنبياء السابقين، لكن أراد الله أن يحدد هذا التعدد ~~تحديدا يمتص الزائد من النساء، ولا يجعله مباحا في كل عدد، فأمر رسوله ~~أن يقول لأمته: من كان عنده أكثر من أربع فليمسك معه أربعا، ويفارق ما ~~زاد عنهن، في حين كان عنده صلى الله عليه وسلم تسع زوجات. فلو أن الحكم ~~شمله، فأمسك أربعا، وسرح خمسا لأصابهن ضرر كبير، ولصرن ~~معلقات لأنهن زوجات رسول الله وأمهات المؤمنين، وليس لأحد أن يتزوج ~~إحداهن بعد رسول الله. إذن: الحكم يختلف مع رسول الله، والعدد بالنسبة له ~~أن يقتصر على هؤلاء التسعة بذواتهن، بحيث لو ماتت إحداهن أو طلقت فليس ~~له أن يتزوج بغيرها لأن الله خاطبه بقوله: # لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن ~~من أزواج ولو أعجبك حسنهن.. # [الأحزاب: 52]. وقد بينا للمستشرقين الذين خاضوا في هذه المسألة أن ~~رسول الله لم يستثن في العدد، إنما استثني في المعدود، حيث وقف عند ~~هؤلاء التسع بذواتهن، وليس له أن يتزوج بأخرى، أما غيره من أمته فلن أن ~~يتزوج ضعف أو أضعاف هذا العدد، شريطة ألا يزيد عن أربع في وقت واحد. ~~وكلمة { أحللنا لك ms8048 أزواجك.. } [الأحزاب: 50] جاءت قبل # لا يحل لك النسآء من بعد.. # [الأحزاب: 52] وقد ورد عن السيدة عائشة أنها قالت: ما مات رسول الله حتى ~~أبيح له أن يتزوج ما شاء، فكيف ذلك؟ قالوا: لأن الله تعالى أراد أن ~~يعطي لرسوله تميز الوفاء لأزواجه، فمع أن الله أباح له أن يتزوج ~~بغيرهن، إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل وفاء لهن، والرسول صلى ~~الله عليه وسلم يفعل ذلك لأنه كان إذا حيي بتحية يحيي بأحسن منها أو ~~يردها بمثلها، وقد رأى صلى الله عليه وسلم من أزواجه سابقة خير حين ~~خيرهن فاخترته وفضلن العيش معه على زينة الدنيا ومتعها، فكأنه ~~يرد لهم هذه التحية بأحسن منها. ومجيء { أحللنا لك ~~أزواجك.. } [الأحزاب: 50] قبل # لا يحل لك النسآء من بعد.. # [الأحزاب: 52] دليل على تكريم الرسول ومعاملته معاملة خاصة، فالله قد ~~أحل له قبل أن يحرم عليه، ومثال هذا التكريم قوله تعالى: # عفا الله عنك لم أذنت لهم.. # [التوبة: 43] فسبق العتاب بالعفو. ونلحظ في قوله تعالى: { إنآ ~~أحللنا لك أزواجك.. } [الأحزاب: 50] أن الأزواج جاءت بصيغة ~~المذكر ولم يقل زوجاتك لأن الزوج يطلق على الرجل وعلى المرأة، والزوج ~~في اللغة هو الواحد المفرد ومعه غيره من جنسه، وليس الزوج يعني الاثنين ~~كما يعتقد البعض، ومثلها كلمة توأم فهي تعني الواحد الذي معه غيره، فكل ~~منهما يسمى توأما، ومن ذلك قوله تعالى: # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين.. # [الأنعام: 143]. ثم يقول تعالى: { وما ملكت يمينك ممآ ~~أفآء الله عليك.. } [الأحزاب: 50] نعرف أن ملك اليمين يقصد ~~به المرأة المملوكة، وجاء قوله تعالى: { ممآ أفآء الله ~~عليك.. } [الأحزاب: 50] احتياط، فملك اليمين بالنسبة لرسول الله ~~جاء من طريق شرعي، جاء من الفيء والمراد أسرى الحروب. وقد باشر صلى الله ~~عليه وسلم عملية السبي بنفسه لأن من الإماء حرائر أخذن عنوة أو ~~سرقن، ومنهم من بيعت في سوق الرقيق على أنها أمة، وهذا ما رأيناه ~~فعلا في قصة سيدنا زيد بن حارثة، إذن: فقوله تعالى: { ممآ أفآء ~~الله ms8049 عليك.. } [الأحزاب: 50] أي: أنك ملكتها، وأنت واثق تمام ~~الثقة أنها أمة وفيء أحله الله لك. { وبنات عمك وبنات ~~عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن ~~معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن ~~أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون ~~المؤمنين.. } [الأحزاب: 50]. وكذلك أحل الله لنبيه أن يتزوج من ~~بنات عمه، أو بنات عماته، أو بنات خاله، أو بنات خالاته، والعمومة: ~~أقاربه من جهة أبيه، والخئولة أقاربه من جهة أمة، ونلاحظ أن رسول الله لم ~~يتزوج لا من بنات عمه، ولا من بنات عماته، ولا من بنات خاله، ولا من بنات ~~خالاته. والمعنى أن الله تعالى أحل له أن يتزوج من هؤلاء ما وجد ~~لأن قرابته سيكونون مأمونين عليه، ومعينين له على أمره. وحين تتأمل هذه ~~الآية نجد أن العم والخال جاءت مفردة، في حين جاءت العمات والخالات ~~جمعا، لماذا؟ قالوا: لأن العم والخال اسم جنس، واسم الجنس يطلق على ~~المفرد وعلى الجمع، بدليل أنك تجد اسم الجنس في القرآن يستثنى منه ~~الجمع، كما في # والعصر* إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3]. فالإنسان اسم جنس مفرد، واستثنى منه الذين آمنوا وهي جمع، ~~أما العمات والخالات فليست اسم جنس لذلك جاءت بصيغة الجمع المؤنث. ~~وأيضا، لأن العم صنو الأب، فعلى فرض أنهم أعمام كثيرون، فهم في منزلة ~~الأب، واقرأ في ذلك قوله تعالى: # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق.. # [البقرة: 133] فدخل العم في مجمل الآباء. وكذلك سمى العم أبا ~~في قوله تعالى: # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر.. # [الأنعام: 74] ومعلوم أنه كان عمه. وفي موضع آخر، جاءت عم بصيغة الجمع، ~~وهو قوله تعالى: # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو ~~بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت ms8050 ~~أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم.. # [النور: 61]. فجاءت العم والخال هنا بصيغة الجمع، لماذا؟ قالوا: لأن ~~الحديث هنا عن البيوت التي يباح لك أن تأكل منها، وجاءت بيوت بصيغة ~~الجمع، والعم له بيت واحد، فما دام قال بيوت فلا بد أن تأتي أعمامكم ~~و أخوالكم بصيغة الجمع. ثم يقول تعالى: { وامرأة مؤمنة إن ~~وهبت نفسها للنبي.. } [الأحزاب: 50] الوهب: انتقال ملكية ~~بلا مقابل، نقول: فلان وهبك كذا يعني: أعطاه لك بلا مقابل، ليس بيعا ~~وليس بدلا مثلا. لذلك لما نزلت هذه الآية قالت السيدة عائشة: أتعجب ~~لامرأة تبتذل نفسها، وتعطي نفسها لرجل هكذا مجانا بلا مقابل، فنزل النص ~~{ وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي.. } ~~[الأحزاب: 50] عندها قالت السيدة عائشة لسيدنا رسول الله: يا رسول الله، ~~أرى الله يسارع إلى هواك، فقال لها صلى الله عليه وسلم: # " وأنت يا عائشة، لو اتقيت الله لسارع في هواك ". # والمعنى: أن الله يسارع في هواي، لأنني سارعت في هواه، طلب مني ~~فأديت لذلك يلبي لي ما أريد من قبل أن أطلب منه. وقال { ~~وامرأة مؤمنة.. } [الأحزاب: 50] لأن الهبة هنا خاصة بالمؤمنة، ~~فإن كانت كتابية لا يصح أن تهب نفسها للنبي، لكن أتحل له المرأة بمجرد ~~أن تهب نفسها له؟ قالوا: لا، إنما لا بد من القبول، فإن قالت المرأة ~~لرسول الله: أنا وهبت نفسي لك لا بد أن يقبل هو هذه الهبة لذلك ~~علق على هذه المسألة بقوله { إن وهبت نفسها للنبي إن ~~أراد النبي أن يستنكحها.. } [الأحزاب: 50] لأن المسألة ~~مبنية على إيجاب وقبول. وللعلماء كلام في هذه المسألة، فبعضهم قال: لم ~~يأخذ رسول الله امرأة بهبة أبدا، وقال آخرون: بل عنده أربع موهوبات ~~هن: ميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت خزيمة أم المساكين، وأم ~~شريك بنت جابر، وخولة بنت حكيم. وليس في هذا التعارض فزورة، فمن السهل ~~أن نجمع بين هذين القولين لأن الله تعالى قال: { وامرأة ~~مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي ~~أن يستنكحها.. } [الأحزاب: 50] فربما وهبت ms8051 نفسها للنبي، لكنه لم ~~يرد، أو وهبت نفسها للنبي، فأراد أن يكرمها، وأن يجعل لها مهرا ~~ويتزوجها. وكلمة { يستنكحها.. } [الأحزاب: 50] مثل ينكحها، فهما ~~بمعنى واحد، مثل: عجل واستعجل. ومعنى { خالصة لك من دون ~~المؤمنين.. } [الأحزاب: 50] أن الله تعالى خص رسوله بأشياء ~~ميزة بها لأن مهمته صلى الله عليه وسلم ليست مع نفسه هو، إنما مهمته ~~مع الناس جميعا، وليس للناس المعاصرين له فحسب، إنما جميع الناس حتى ~~قيام الساعة. إذن: فمشغولياته صلى الله عليه وسلم كثيرة كبيرة، كما قال ~~سبحانه: # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # [المزمل: 5]. لذلك أراد الحق سبحانه ألا يشغله شيء عن مهمته هذه، ~~وأراد أن يتوفر رسول الله لأداء هذه المهمة التي هو بصددها، بحيث إذا ما ~~عشق عملية البلاغ عن الله واندمج فيها ومعها تموت في نفسه كل الأهواء، ~~ولا يبقى إلا انشغاله بمهمة الدعوة. بدليل أن الوحي في أوله كان يجهد ~~سيدنا رسول الله، وكان جبينه يتفصد عرقا، ويذهب إلى أهله فربما يقول: ~~زملوني زملوني، ودثروني دثروني، ثم شاء الله تعالى أن يرفع عنه ~~هذه المعاناة، وأن يريحه مما أنقض ظهره وأتعبه، ففتر الوحي فترة عن رسول ~~الله حتى استراحت أعصابه، وهدأت طاقته، وبقيت معه حلاوة ما أوحي إليه ~~هذه الحلاوة التي جعلت سيدنا رسول الله يتشوق للوحي من جديد، وشوقك ~~إلى الشيء ينسيك التعب في سبيله. وفي ذلك يقول تعالى: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 1-5]. وعجيب أن يقول المشركون عند انقطاع الوحي: إن رب محمد ~~قلاه، ففي الجفوة عرفوا أن لمحمد ربا يجفوه، أما حين الخلوة والجلوة ~~قالوا: مفتر وكذاب وشاعر.. إلخ. ومعنى # وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى: 4] يعني: ستكون عودة الوحي خيرا لك من بدايته لأنه جاءك أولا ~~فوق طاقتك فأجهدك، أما في الأخرى فسوف تستدعيه أنت بنفسك وتنتظره على شوق ~~إليه، فطاقتك هذه المرأة مستعدة لاستقباله، قادرة على تحمله دون تعب أو ~~إجهاد. إذن: فالحق سبحانه ms8052 جعل لرسوله ما ييسر له أمر الاندماج في ~~المستقبل، لذلك لما عاوده الوحي لم يتفصد جبينه عرقا، ولا أجهد ~~كالمرة الأولى، لأن طاقة الشوق عنده وطاقة الحب تغلبتا على هذا التعب ~~وهذا الاجتهاد. ثم يقول سبحانه: { قد علمنا ما فرضنا ~~عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم.. } ~~[الأحزاب: 50] أي: من العدد الذي حدد بأربعة، ومن المهر الذي سمي ~~ساعة العقد، والمراد أن لكل حكمه وقانونه، فلك يا محمد حكم يناسبك، ~~ولأمتك حكم. وبمناسبة ما نحن بصدده من الحديث عن أحكام الزواج والتعدد ~~يجدر بنا أن نشير إلى الضجة التي يثيرها أعداء الإسلام بسبب مسألة " تعدد ~~الزوجات " ، مع أن التعدد في مصر لم يصل إلى حد الظاهرة، وليس وباء ~~كما يصوره البعض. فالذين أحصوا هذه المسألة وجدوا أن الذين عددوا ~~بزوجتين ثلاثة بالمائة، والذين عددوا بثلاث واحد في الألف، والذين ~~عددوا بأربع نصف في الألف، فلماذا إذن إثارة الناس ضد ما شرع الله، ثم ~~ألم يمتص التعدد فائضا من النساء؟ وتأتي الزوجة تشتكي: بعد أن عشت ~~معه كذا وكذا، وخدمته كذا وكذا يتزوج علي؟ فأقول لها: أضرك أنت؟ ~~تقول: نعم، أقول: لكنه نفع أخرى، فواحدة بواحدة، ولماذا ننظر إلى ~~المتزوجة، ونغفل التي لم تتزوج، أليس من حقها هي الأخرى أن تتزوج؟ ثم ~~إن المرأة التي قبلت أن تكون الثانية ما قبلت إلا لأنها لم تستطع أن ~~تكون الأولى، وكذلك الثالثة ما قبلت، إلا لأنها لم تستطع أن تكون ~~الثانية. # . إلخ ثم نقول لهؤلاء: أألزمك ربك أن تعدد؟ هذه مسألة أباحها الشارع ~~لحكمة، ولم يلزمك بها، فإن كان التعدد لا يعجبك فاكتف بواحدة. والذين ~~أثاروا الضجة في تعدد الزوجات أثاروا أكثر منها في مسألة ملك اليمين ~~في الإسلام، وراحوا يتهمون الإسلام والمسلمين: كيف يجمع الرجل فوق ~~زوجاته كذا وكذا من ملك اليمين؟ ومعلوم أن ملك اليمين كان موجودا ~~قبل الإسلام، وظل موجودا حتى دعا القانون الدولي العام إلى منع ظاهرة ~~العبودية، ودعا إلى تحرير العبيد، فسرح الناس ما عندهم من العبيد، وكان ~~منهم ms8053 من يشتري العبيد من أصحابهم ثم يطلق سراحهم. ومن هؤلاء العبيد ~~من كان يعود إلى صاحبه وسيده مرة أخرى يريد العيش في كنفه وفي عبوديته ~~مرة أخرى لأنه ارتاح في ظل هذه العبودية، وعاش في حمايتها، وكان بعضهم ~~يفخر بعبوديته ولا يسترها فيقول: أنا عتيق آل فلان. والمنصف يجد أن ملك ~~اليمين في الإسلام ليست سبة فيه، إنما مفخرة للإسلام لأن ملك اليمين ~~وسيلته في الإسلام واحدة، هي الحرب المشروعة، فالإسلام ما جاء لينشىء ~~رقا، إنما جاء لينشىء عتقا. الإسلام جاء والرق موجود، وكان العبيد ~~يباعون مع الأرض التي يعملون بها، ولا سبيل للحرية غير إرادة السيد في ~~عتق عبده، في حين كانت منابع الرق كثيرة متعددة، فكان المدين الذي لا ~~يقدر على سداد دينه يبيع نفسه أو ولده لسداد هذا الدين، وكان اللصوص ~~وقطاع الطرق يسرقون الأحرار، ويبيعونهم في سوق العبيد... إلخ. فلما ~~جاء الإسلام حرم كل هذه الوسائل ومنعها، ولم يبق إلا منبعا واحدا ~~هو السبي في حرب مشروعة، وحتى في الحرب ليس من الضروري أن ينتج عنها ~~رق لأن هناك تبادل أسري، ومعاملة بالمثل، وهذا التبادل يتم على أقدار ~~الناس، فالقائد أو الفيلسوف أو العالم الكبير لا يفتدى بواحد من العامة، ~~إنما بعدد يناسب قدره ومكانته، واقرأ في ذلك قوله تعالى: # فإما منا بعد وإما فدآء حتى تضع الحرب ~~أوزارها.. # [محمد: 4]. لأن الحرب ما شرعت في الإسلام ليرغم الناس على الدين، ~~لكن ليحمى اختيارهم للدين، بدليل أن البلاد التي دخلها الفتح الإسلامي ~~بقي فيها كثير من الناس على كفرهم، ثم ألزمهم دفع الجزية مقابل الزكاة ~~التي يدفعها المسلم، ومقابل الخدمات التي تؤديها إليه الدولة. ثم تأمل ~~كيف يعامل الإسلام الأسرى، وعلى المجتمع الظالم الذي ينتقد الإسلام في ~~هذه الجزئية أن يعلم أن الذي أسرته في المعركة قد قدرت عليه، ~~وتمكنت منه، وإن شئت قتلته، فحين يتدخل الشرع هنا ويجعل الأسير ~~ملكا لك، فإنما يقصد من ذلك حقن دمه أولا، ثم الانتفاع به ثانية، ~~إما بالمال حين يدفع ms8054 أهله فديته، وإما بأن يخدمك بنفسه. # إذن: المقارنة هنا ليست بين رق وحرية كما يظن البعض، إنما هي بين ~~رق وقتل. إذن: مشروعية الرق في أسرى الحرب إنما جاءت لتحقن دم ~~المأسور، وتعطي الفرصة للانتفاع به، فإذا لم يتم الفداء ولا تبادل أسرى ~~وظل أسيرك بيدك، فاعلم أن له أحكاما لا يصح تجاوزها، فهو شريكك في ~~الإنسانية المخلوقة لله تعالى، وما أباح الله لك أن تأسره، وأن تملكه ~~إلا لكي تحقن دمه، لا أن تذله. واقرأ قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه عنده ~~فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه ما لا يطيق، فإن ~~كلفه فليعنه ". # فأي إكرام للأسير بعد هذا، بعد أن حقن دمه أولا، ثم كرمه بأن ~~جعله أخا لك، واحترم آدميته بالمعاملة الطيبة، ثم فتح له عدة منافذ تؤدي ~~إلى عتقه وحريته، فإن كان للرق في الإسلام باب واحد، فللحرية عدة ~~أبواب، منها العتق في الكفارات وهي في تكفير الذنوب التي بين العبد وربه. ~~فإذا لم تكن هناك ذنوب فقد رغبنا الشرع في عتق الرقاب لاجتياز ~~العقبة كما في قوله تعالى: # فلا اقتحم العقبة * ومآ أدراك ما العقبة * فك ~~رقبة # [البلد: 11-13]. هذا إن كان الأسير رجلا، فإن كان امرأة، ففيها نفس ~~التفصيل السابق، وتعامل نفس المعاملة الطيبة يزيد على ذلك أن للأمة - ~~وهي في بيت سيدها - وضعا خاصا، فهي ترى سيدتها تتمتع بزوجها، وترى البنت ~~تتزوج، فيأخذها زوجها إلى بيت الزوجية، إلى آخر مثل هذه الأمور، وهي تقف ~~موقف المتفرج، وربما أخذتها الغيرة من مثل هذه المسائل، فيكرمها الله حين ~~يحلها لسيدها، فيكون لها ما لسيدتها الحرة، فإذا ما أنجبت لسيدها ~~ولدا صارت حرة به، وهذا منفذ آخر من منافذ القضاء على الرق. وقوله ~~تعالى: { لكيلا يكون عليك حرج.. } [الأحزاب: 50] هذه هي ~~الهبة الخالصة للنبي صلى الله عليه وسلم دون أمته، كأن الله يقول لنبيه: ~~لا نريد أن نحملك ضيقا في أي شيء لتفرغ أنت لمهمتك ms8055 الصعبة. { ~~وكان الله غفورا رحيما } [الأحزاب: 50]. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ترجي من تشآء منهن... }. ### || [33.51] # قوله { ترجي من تشآء منهن.. } [الأحزاب: 51] أي: تؤخر من ~~تشاء من زوجاتك عن ليلتها { وتؤوي إليك من تشآء.. } ~~[الأحزاب: 51] أي: تضم إليك، وتضاجع من تشاء منهن { ومن ~~ابتغيت.. } [الأحزاب: 51] من طلبت من زوجاتك وقربت { ممن ~~عزلت.. } [الأحزاب: 51] أي: اجتنبت بالإرجاء والتأخير { فلا ~~جناح عليك.. } [الأحزاب: 51] أي: لا إثم ولا حرج. { ذلك ~~أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بمآ ~~آتيتهن كلهن.. } [الأحزاب: 51] أي: أنهن جميعا ~~سيفرحن، التي تضمها إليك، والتي ترجئها وتؤخرها، وسوف يرضين بذلك ~~لأنهن يعلمن أن مشيئتك في ذلك بأمر الله، فالتي ضمها رسول الله إليه ~~تفرح بحب رسول الله ولقائه، والتي أخرت تفرح لأن رسول الله أبقى ~~عليها، ثم عاد إليها مرة أخرى وضمها إليه وقربها، وهذا يدل على أن ~~لها دورا ومنزلة، وأيضا حين يكون ذلك من تشريع رب محمد لمحمد، فإنه لا ~~يعني أنه كرهها أو زهد فيها، فإن فعلت ذلك يا محمد - مع أن فيه مشقة - ~~فإنما فعلته طاعة لأمر من؟ لأمر الله، فتأخذ ثواب الله عليه. وحين ~~نتأمل كلمة { تقر.. } [الأحزاب: 51] تجد أنها كعامة كلمات القرآن ~~كالألماس، لكل ذرة تكوينية فيه بريق خاص وإشعاع لذلك يقولون عنه: دا ~~بيلالي ومع كثرة بريقه لا يطمس شعاع فيه شعاعا آخر، كذلك كلمات القرآن. ~~قر وردت كثيرا في القرآن كما في # قرة عين لي ولك.. # [القصص: 9]. كلمة قر معناها سكن، نقول: قر بالمكان أي: استقر فيه ~~وسكن، والقر هو البرد، وقرة العين تأتي بالمعنيين، فالعين تسكن عند ~~شيء ما، ولا تنتقل إلى غيره إن كان جميلا يأسرها فلا تفارقه، يقولون: ~~فلان قيد النظر. وفي المقابل يقولون: فلان عينه زائغة يعني: لا تستقر ~~على شيء أو عينه دشعة عند إخواننا الذين ينطقون الجيم دالا مثل ~~دردة يقصدون جرجا، والعين الجشعة بنفس المعنى، وفي المعنى السياسي ~~يقولون: فلان له تطلعات يعني: كلما وصل إلى منصب نظر إلى الأعلى منه. ~~أما القر بمعنى البرودة، ms8056 فقرة العين تعني: برودتها، وهي كناية عن ~~سرورها لأن العين لا تسخن إلا في الحزن والألم لذلك ثبت أخيرا أن حبة ~~العين ترمومتر دقيق لحالة الجسم كله، وميزان لصحته أو مرضه. ولأهمية ~~العين نقول في التوكيد: جاءني فلان عينه، وسبق أن تحدثنا عن ظاهرة ~~الاستطراق الحراري في جسم الإنسان وقلنا: إن من المعجزات في تكوين ~~الإنسان أن الاستطراق الحراري في جسمه يتم بنظام خاص، بحيث يحتفظ كل عضو ~~في الجسم بحرارة تناسبه، فإن كانت حرارة الجسم العامة والمثالية 37 - ومن ~~العجيب أنها كذلك عند سكان القطب الشمالي، وهي كذلك عند سكان خط الاستواء ~~- فإن حرارة الكبد مثلا لا تقل عن 40 مئوية، أما العين فإذا زادت ~~حرارتها عن عشر درجات تنفجر. # إذن: فقرة عين زوجات النبي وسرورهن في مشيئته، حين يقرب إليه ~~من يقرب، أو يؤخر من يؤخر لأن مشيئته نابعة من أمر الله له. وقوله ~~تعالى: { ويرضين بمآ آتيتهن كلهن.. } [الأحزاب: 51] ~~أي: في أي الحالات، ثم جاء قوله تعالى: { والله يعلم ما في ~~قلوبكم وكان الله عليما حليما } [الأحزاب: 51] ليشير إلى ~~أن الرضا هنا ليس هو رضا القوالب، إنما يراد رضا القلب بتنفيذ أوامر الله ~~دون أن يكون في النفوس دخائل أو اعتراض. فالله سبحانه { وكان الله ~~عليما.. } [الأحزاب: 51] يعلم ما في القلوب { حليما } [الأحزاب: ~~51] لا يجازيكم على ما يعلم من قلوبكم، ولو جازاكم على قدر ما يعلم ~~لأتعبكم ذلك. وتأمل حلم الله علينا ورحمته بنا في مسألة البدء ببسم ~~الله، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن كل عمل لا يبدأ ببسم الله ~~فهو أبتر أي: مقطوع البركة، فالإنسان حين يبدأ في الفعل لا يفعله بقدرته ~~عليه، ولكن بتسخير من خلقه له، فحين تقول: بسم الله أفعل كذا وكذا، ~~فإنك تفعل باسم الذي سخر لك هذا الشيء. لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: # والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره ثم ~~تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ~~وتقولوا سبحان الذي سخر لنا ms8057 هذا وما كنا له ~~مقرنين # [الزخرف: 12-13]. فعليك أن تبدأ ببسم الله حتى إن كنت عاصيا لله، ~~إياك أن تظن أنك لست أهلا لهذه الكلمة لأن ربك حليم، ورحمن رحيم. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { لا يحل لك النسآء من بعد... }. ### || [33.52] # سبق أن تناولنا تفسير هذه الآية في إطار سياق الآيات السابقة، ونلخصها ~~هنا في أن الحق سبحانه بدأ رسوله أولا بأن أحل له في قوله: # يأيها النبي إنآ أحللنا لك أزواجك.. # [الأحزاب: 50] ثم قيد هذا التحليل هنا، فقال: { لا يحل لك ~~النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ~~ولو أعجبك حسنهن.. } [الأحزاب: 52]. فالحق سبحانه يأتي ~~بالمخفف في أشياء، ثم يأتي بالمثقل ليعلم القوم أن الله تعالى بدأ ~~رسوله بالعطف والرحمة والحنان، ويبين فضله عليه، كما قال له سبحانه # عفا الله عنك.. # [التوبة: 43] قبل أن يعاتبه بقوله: # لم أذنت لهم.. # [التوبة: 43]. وهذه الآية { لا يحل لك النسآء من بعد ~~ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك ~~حسنهن.. } [الأحزاب: 52] توضح أن ما شرع لرسول الله في مسألة ~~تعدد الزوجات غير ما شرع لأمته، فرسول الله استثناه الله تعالى في ~~المعدود لا في العدد، والفرق بين الاستثناء في العدد والاستثناء في ~~المعدود أن العدد يدار في أشياء متعددة، فلو أنه أباح له عدد تسع ثم ~~توفين لكان له أن يتزوج بتسع أخر، وإن ماتت واحدة منهن له أن ~~يتزوج بواحدة بدلا منها. لكن الاستثناء لم يكن لرسول الله في العدد ~~كأمته، إنما في المعدود، بحيث يقتصر على هؤلاء بخصوصهن، والحكمة في ذلك ~~أن التي يفارقها زوجها من عامة نساء المؤمنين لها أن تتزوج بغيره، على ~~خلاف زوجات رسول الله، فإنهن أمهات للمؤمنين، فلا يحل لهن الزواج بعد ~~رسول الله. ثم أوضحنا أن مسألة ملك اليمين ليست سبة في جبين ~~الإسلام، إنما هي ميزة من ميزاته، فالله ملك الرقبة ليحميها من القتل، ~~والمقارنة هنا ليست بين رق وحرية، إنما بين رق وقتل كما أوضحنا، والذي ~~يتأمل حال المملوك أو المملوكة ms8058 في ظل الإسلام لا يسعه إلا الاعتراف بحكمة ~~الشرع في هذه المسألة. ثم يقول الحق سبحانه: { يأيها الذين ~~آمنوا... }. ### || [33.53] # الحق - سبحانه وتعالى - وزع الأمر بين رسول الله وبين أمته، فكما قال ~~للرسول في أول السورة # يأيها النبي اتق الله.. # [الأحزاب: 1] أمر أمته بذكره وطاعته، وكما تكلم عن أمر يتعلق برسول ~~الله تكلم كذلك عن أمر يتعلق بأمته في قوله # يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم ~~طلقتموهن.. # [الأحزاب: 49]. بعد ذلك قال لرسول الله: # يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا # [الأحزاب: 45] ليبين عموم نفعه لأمته، فجازاه عن الأمة بأن ~~يصلوا عليه، وأن يتأدبوا حين دخولهم بيته صلى الله عليه وسلم، فقال ~~هنا: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت ~~النبي إلا أن يؤذن لكم.. } [الأحزاب: 53] لأن التكليف لا ~~بد أن يكون لمن آمن بالله. وقلنا: إن الحق سبحانه رب وإله، ومعنى رب ~~أنه سبحانه خلق وربى وأنعم وتفضل، والخلق والتربية والإنعام ~~والتفضل ليس خاصا بالمؤمنين، بل لكل من استدعاه الله للوجود من ~~مؤمنين وكافرين. فالشمس تشرق على الجميع، والمطر يروي أرض المؤمن ~~والكافر، والأرض تستجيب للكل، فالذي يحسن أخذ أسباب الله من عطاء ~~الربوبية يأخذ النتيجة، وينال نصيبه موقوتا بمدى الربوبية في الدنيا # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20] والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. فالمؤمن الذي لا يأخذ ~~يد الله الممدودة له بالأسباب ويهملها يعيش متخلفا عالة على غيره، ~~يعيش شحاذا يستجدي قوته حتى من الكافر، فإذا ما خلت الساحة للكافر، ~~وأخذ هو بالأسباب، وأعطاها حقوقها أخذ هو عطاء الرب، وكان أولى ~~بالمؤمن ألا يترك عطاء ربه، يأخذه من لا يؤمن بالله، ثم يتخلف هو عن ~~ركب الحضارة، وإن كانت الحضارة التي وصل إليها الكفار اليوم حضارة في ~~الماديات فحسب. أما القيم والأخلاقيات فقد انحدرت في هذه المجتمعات، ~~بدليل أنك حين تذهب إلى هذه البلاد وتنزل مثلا في فندق - كما نزلنا ms8059 - ~~تجد مكتوبا على باب الحجرة: إذا دخل عليك اللصوص فلا تقاوم، فإن حياتك ~~أثمن مما معك، إذا خرجت إلى الشارع فلا تحمل من المال إلا بقدر ~~ضرورياتك. إذن: ارتقوا في شيء، وانحدروا في أشياء. وإذا كان مظهر ~~ارتقائهم في الناحية الاقتصادية، فانظر إلى أعلى دخل للفرد في العالم ~~تجده في السويد، ومع ذلك تكثر عندهم الأمراض النفسية والعصبية والانتحار ~~والجنون والشذوذ وغيرها من الأمراض الاجتماعية. لقد تحضرت هذه البلاد ~~حضارة مادية لأنهم أخذوا بأسبابها، فأتقن كل عمله، وأعطى وقت العمل ~~للعمل، فما بين الثامنة إلى الثانية عشرة لا تجد إنسانا في الشارع، ولا ~~تجد أحدا يجلس على القهوة مثلا أو يضيع وقت العمل، وفي وقت الراحة يذهب ~~الجميع إلى المطعم ليأكل السندوتش الجاهز، ثم يعود إلى عمله. # هكذا يعيش المجتمع المادي، فالذي لا يعمل فيه يموت من الجوع، والحمد لله ~~أن شبابنا تنبهوا إلى أهمية العمل وتخلوا عن الطفولة التي كانوا ~~يعيشون فيها حتى الثلاثين، وهم عالة على الأبوين. والحق سبحانه هنا ~~يعلمنا الأدب مع رسول الله، ويجعله لنا قدوة، فهو صلى الله عليه وسلم ~~عاش عيشة الكفاف مطعما وملبسا ومسكنا، فليس عنده إلا عدة حجرات، لكل ~~زوجة من زوجاته حجرة واحدة، فليس لديه حجرة صالون أو استقبال، فلا بد ~~أن تتعلم الأمة آداب الدخول وآداب الزيارة في مثل هذه الحالة، وخاصة مع ~~رسول الله في بيوته. فقال سبحانه: { يأيها الذين آمنوا لا ~~تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم.. } ~~[الأحزاب: 53] كلمة بيوت جمع بيت، وهو ما أعد للبيتوتة أي: للمبيت ~~فيه، والمبيت في الأغلب الأعم لليل، فهو محل السكون والبيات، أما ~~النهار فهو محل الحركة، ولا بد للإنسان بعد التعب والجهد أن يأوي ~~بالليل إلى مكان يستريح فيه ويفيء إليه لذلك سمي البيت سكنا، كذلك ~~سميت الزوجة سكنا للسبب نفسه. فالبيت مسكن لإيواء القالب وراحته، ~~والمرأة سكن لإيواء القلب وراحة النفس، فكلاهما ينبغي أن يكون مصدرا ~~للراحة. والبيت يجمع على بيوت إن أردنا المسكن، ويجمع على أبيات إن ~~أردنا ms8060 البيت الشعري، وسمي الشعر بيتا عند العرب وهم أمة فصاحة وبيان ~~لأنه تأوي إليه المعاني، كما نأوي نحن إلى بيوتنا ونسكن فيها، كذلك ~~المعاني تسكن بيت الشعر، فيصير البيت نفسه حكمة. لذلك يقول أحمد شوقي ~~رحمه الله: لا يزال الشعر عاقلا - يعني: لا زينة له من قولهم المرأة ~~العاقل أي: التي لا زينة لها - ما لم تزينه الحكمة، فهو بدونها هراء ~~لا فائدة منه. ولا تزال الحكمة شاردة حتى يؤويها بيت من الشعر يحفظ ~~ويتداول على مر العصور، كما نستشهد نحن الآن بأبيات المتنبي والمعري ~~وشوقي.. إلخ. والبيتوتة في كل شيء بحسبها، فالذين يعملون بالنهار بيتوتهم ~~بالليل، والذين يعملون بالليل بيتوتهم بالنهار، وإن كان الأصل في البيات ~~أن يكون ليلا، وإياك أن تشغل إنسانا وقت بيتوته سواء أكانت بالليل أو ~~بالنهار، فوقت العمل للعمل، ووقت السكن للسكن. لذلك فإن أهل الحكمة عندنا ~~في الفلاحين يقولون: من يحرس يعني: بالليل لا يحرث يعني: بالنهار لأن ~~الإنسان إن انشغل وقت راحته لا يجيد عمله ولا يتقنه. بصرف النظر، أكان ~~وقت الراحة في الليل أو في النهار، فأنت مثلا حين تتأمل البلاد التي ~~تشرق فيها الشمس ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، وتغيب أيضا ثلاثة أشهر أو ستة ~~أشهر، هل نتصور أن يعمل أهل هذه البلاد طوال الثلاثة أشهر، وينامون ثلاثة ~~أشهر؟ لا إنما يقسمون هذه الفترة في ليل أو نهار إلى فترات: فترة ~~للعمل، وفترة للراحة. # لذلك تجد من عظمة القرآن أن يحتاط لمثل هذه الأمور، فيقول سبحانه: # من آياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم من ~~فضله.. # [الروم: 23] فالنوم يكون بالليل، ويكون أيضا بالنهار لمن تستدعي طبيعة ~~عمله أن يعمل بالليل. والبيت يكون على قدر إمكانات صاحبه، المهم أن يكون ~~له مكان يأوي إليه ويستريح فيه، مهما قل، حتى لو كان مكانا ضيقا ~~على قدر ما يسع الإنسان أن يضع جنبه على الأرض، فإن كان فيه متسع ~~فبها ونعمت، وعلى طارق البيت أن يراعي مدى البيتوتة لمن يطرق عليه. ~~وكما يتفاوت الناس في البيوت، ms8061 كذلك يتفاوتون في ترف الحياة وأسباب الراحة ~~في البيت على حسب الإمكانات، وما دامت الراحة على قدر الإمكانات، فينبغي ~~أن يتحلى كل بالرضا، وأن يربط بين عمله ودخله وبين ترف حياته، ~~فقبل أن تفرض لنفسك حياة مترفة، افرض لها أولا عملا مترفا بنفس ~~المستوى، بحيث توفر منه إمكانات هذا الترف. وكما يقول المثل على قدر ~~لحافك مد رجليك فإذا كانت إمكاناتك لا تفر لك إلا الكفاف، فلتكن ~~راضيا به، وإن تمردت وطلبت المزيد فلتتمرد أولا على نفسك، ولتعمل ~~العمل الذي يوفر لك ما تتطلع إليه. وآفة الناس في اقتصادهم أن يحددوا ~~مستوى الحياة أولا، ثم يرغمون دخولهم وإمكاناتهم على هذا المستوى، فيحدث ~~العجز، ولا تفي الإمكانات بالمتطلبات، إنما الواجب أن أحدد مستوى ~~حياتي على ضوء دخلي وإمكاناتي، وبذلك يعيش الإنسان سعيدا مرتاحا لا ~~يرهقه شيء، ولا يفوتنا ونحن نتحدث عن الدخول والإمكانات أن نراعي الحلال ~~في الكسب وفي الإنفاق. وإذا كانت البيوت وأسباب الراحة فيها بحسب ~~إمكانات أصحابها، فينبغي أن تكون أحوالهم النفسية أيضا على قدر ~~إمكاناتهم حتى لا يمتلىء قلب الفقير حقدا على صاحب النعمة. إذن: لا ~~بد لنا أن نتحلى بالرضا، وأن نقنع بما في أيدينا، ومن يدريك لعل ~~صاحب النعمة هذا ورثها، وإن كان لم يتعب هو فيها فقد تعب أباؤه وأجداده، ~~وسبق أن قلنا: إن الذي يعرق عشر سنين من حياته يرتاح بقية عمره، والذي ~~يعرق عشرين سنة يريح أولاده، والذي يعرق ثلاثين يريح أحفاده، ومن ذا ~~الذي عرق وكد ولم يجد ثمرة عرقه؟ فمن أراد أن يعيش محترما مكرما ~~حال شيخوخته فليعمل في شبابه وحال قدرته، وليعرق قبل أن يأتيه يوم لا ~~يجد فيه هذه القدرة لذلك يراعي سيدنا رسول الله هذا المعنى في قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه ". # أما الذين يتسكعون في الشوارع أو على القهاوي فليسوا أهلا لهذه الحياة ~~الكمرية حال شيخوختهم، كذلك العامل الذي لا يعطي للعمل حقه، أو لا يتقنه، ~~أو يجلس يراقب صاحب ms8062 العمل يتحين الفرصة لإضاعة الوقت. # ومعلوم أن القرش إذا اكتسبه صاحبه دون وجه حق كان وبالا عليه وفسادا ~~لحاله لأنه لم يعرق به. واقرأ إن شئت قول سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من أصاب مالا من مهاوش، أذهبه الله في نهابر " # والمهاوش هي الطرق غير المشروعة لجمع المال، وهو نفس المعنى الذي نقصده ~~حين نقول مثلا: فلان جمع هذا المال من الهبش أو النتش، والنهابر هي ~~الأبواب التي تفتح لصرف هذا المال فيما لا فائدة منه. وكثيرا ما نرى ~~بعض الناس دخولهم ورواتبهم كبيرة، ومع ذلك يعيشون عيشة الفقراء، لا ترى ~~عليهم ولا على أولادهم أثرا لهذه النعمة. والناس يختلفون في نظرتهم إلى ~~النعمة في أيدي الآخرين فقوي الإيمان ساعة يرى النعمة في يد غيره لا ~~يحسده عليها، إنما يرى أنها فضل الله على عباده، وتراه يدعو لصاحب ~~النعمة بالبركة، ويقول: والله إنه يستحق هذه النعمة وأكثر منها لأنه ~~جد واجتهد. المؤمن يقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، اللهم بارك ~~له وأعطني من نعمك، المؤمن يرى في نعمة الدنيا نموذجا مصغرا لنعمة ~~الآخرة، فيقول: هذا ما أعده البشر لأنفسهم، فكيف بما أعده الله ~~لخلقه؟ عندها يتراءى له نعيم الجنة، فيقبل عليها بقلب يملؤه الإيمان ~~واليقين، وهذه النظرة للنعمة عند الآخرين تسمى غبطة. أما غير المؤمن - ~~والعياذ بالله - فيحقد على صاحب النعمة، ويراه غير أهل لها، ويتمنى ~~زوالها من عنده، ويحسده عليها، وهذا كله دليل على ضعف الإيمان ~~والاعتراض على أقدار الله في خلقه. ونسمي المساجد بيوت الله، ~~وسمي المسجد بيت الله لأنه جعل خصيصا لكي نقابل فيه الله حينما ~~نسمع نداء الصلاة لذلك حذرنا رسول الله أن ندخل الدنيا معنا بيوت ~~الله، فحذر أن تعقد الصفقات في المساجد، أو تنشد فيها الضالة، ولا ~~أدل على ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم لمن عقد صفقة تجارية في بيت ~~الله: # " لا بارك الله لك في صفقتك " # وقال لمن نشد ضالته في المسجد: # " لا رد الله عليك ضالتك ms8063 ". # لأن الإنسان يعيش طوال وقته للدنيا، فلا يجوز أن يأخذها معه حتى في وقت ~~الصلاة، فوقت الصلاة للقاء الله، وهذا الوقت لا يعطل حركة حياتك، إنما ~~يعطيك شحنة إيمانية تقويك على متابعة حركة حياتك، وسبق أن قلنا: إن ~~هذه الشحنة أشبه بشحنة البطارية، فهل يقال لمن أخذ البطارية ليشحنها أنه ~~عطل البطارية؟ كذلك أنت صنعة الله وخلقته، وما بالك بصنعة تعرض ~~على صانعها كل يوم خمس مرات، أيصيبها عطب بعد ذلك؟ وكذلك أنت حين تعرض ~~نفسك على ربك، تأخذ من هذا اللقاء شحنة إيمان ويقين، وتتخلص من همومك ~~ومشاكلك. # لذلك كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما حزبه أمر فزع إلى ~~الصلاة، ففي الصلاة ترمي بنفسك وترمي بهمومك ومشاكلك في أحضان ربك لأنه ~~سبحانه أعطى الكون أسبابا، فإذا عزت عليك الأسباب ولم تفدك بشيء ~~فاترك الأسباب، والجأ إلى المسبب سبحانه. وقلنا: إن المسجد بيت الله ~~باختيار الخلق، أما بيت الله الحرام فهو بيت الله باختيار الله لذلك ~~جعله الله قبلة كل البيوت، فإذا ما زرته ولو مرة واحدة أصلح حياتك ~~كلها. نعود إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم وما ينبغي أن يتحلى به ~~المؤمنون من أدب في دخولها، وما يجب أن يراعي في دخول هذه البيوت ~~بالذات لأن لها طبيعة خاصة تناسب مهمة صاحبها صلى الله عليه وسلم. { ~~يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي ~~إلا أن يؤذن لكم.. } [الأحزاب: 53] يعني: لا تتهجموا عليها ~~لأنها ضيقة وليست فيها سعة للاستقبال في كل الأوقات، والإذن هنا ~~مقيد بالطعام { إلا أن يؤذن لكم إلى طعام.. } ~~[الأحزاب: 53]. وحتى إذا دعيت إلى طعام رسول الله لا تذهب إليه قبل ~~وقته، فإذا كان الغداء مثلا الساعة الثانية، فلا تذهب أنت الساعة ~~العاشرة لأنه لا يليق أن تشغل رسول الله وله في بيته مهمات يجب ألا ~~ينشغل عنها، مهام مع ربه، ومهام مع أهل بيته، وهذا معنى: { غير ~~ناظرين إناه.. } [الأحزاب: 53] أي: نضج الطعام واستوائه وإعداده، ~~والفعل إني على وزن رضا، وفي لغة: ms8064 أني أنيا مثل: رمي رميا. وهنا تحذير ~~للمؤمنين إذا دعوا إلى طعام رسول الله أن يدخلوا بيوته ينتظرون نضج ~~الطعام، إنما عليهم ألا يدخلوا إلا بعد نضج الطعام وإعداده، بحيث ~~يقول لهم تفضلوا الطعام { ولكن إذا دعيتم فادخلوا.. } ~~[الأحزاب: 53] فالطعام جاهز ومعد { فإذا طعمتم ~~فانتشروا.. } [الأحزاب: 53] فكما نهاهم في أولية الطعام عن ~~انتظار نضجه، كذلك نهاهم في آخريته عن عدم الجلوس بعده، إنما ينبغي ~~عليهم إذا أكلوا أن ينتشروا. والانتشار: أن يأخذ الشيء حيزا أوسع من ~~حجمه، والانتشار يعينك على تحقيق الغاية، ألسنا ننشر الملابس بعد ~~غسلها؟ لماذا؟ لأن نشر الغسيل يساعد على جفافه، ولو تركته في ~~حيزه الضيق لاحتاج أسبوعا لكي يجف، إذن: في الانتشار فائدة. وسبق ~~أن أوضحنا هذه الظاهرة بكوب الماء إذا تركته مثلا وسافرت لمدة شهر، ~~فإنك ستعود فتجده كما هو لم ينقص إلا القليل، لكن إن سكبته في أرض ~~الحجرة فسوف يجف قبل أن تخرج منها. فقوله تعالى هنا { فإذا ~~طعمتم فانتشروا.. } [الأحزاب: 53] أي تفرقوا لأن المكان ~~الذي أنتم فيه في بيت النبي ضيق، إذن: ليذهب كل إلى عمله، وماذا ~~يراد من المؤمن بعد أن تناول طعامه؟ أن يسعى في مناكب الأرض، لا أن ~~يجلس خاملا عالة على غيره، وتأمل أيضا قول الله تعالى في سورة ~~الجمعة: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله.. # [الجمعة: 10]. إذن: أمر الحق سبحانه عباده المؤمنين بالانتشار لأن له ~~هدفا وغاية، فالهدف السعي وطلب الرزق، وماذا بعد أن تناولتهم طعامكم؟ ~~أيليق بكم أن تقعدوا مثل تنابلة السلطان في بيت رسول الله، وأنتم تعلمون ~~أنه يعيش عيشة الكفاف في كل شئون حياته؟ ومن معاني الانتشار: السياحة، ~~وهي مأخوذة من ساح الماء إذا فاض، وأخذ حيزا أكبر، والانتشار أو ~~السياحة ينبغي أن تكون منظمة كما تنتشر نقطة الماء على القماش، فتحدث ~~فيه دائرة منتظمة. كذلك في انتشاركم في الأرض للسعي في طلب الرزق يجب أن ~~يكون بنظام معين، بحيث لا يحدث تكدس في مكان أو زحام، في حين يخلو ms8065 مكان ~~آخر لا يجد من يعمره، ويستنبط خيراته. والسياحة في الأرض أو الانتشار ~~فيها، الله تعالى يريده منا لغايتين: الأولى: الضرب في الأرض وابتغاء ~~رزق الله وفضله، كما قال الحق سبحانه وتعالى: # وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله.. # [المزمل: 20]. والضرب في الأرض ليس مجرد الانتشار فيها، إنما المراد ~~العمل والكفاح واستخراج خيراتها لأن الخالق سبحانه نثر القوت في أنحاء ~~الأرض بالتساوي، ونثر فيها الخيرات لذلك كل يوم تعطينا الأرض جديدا من ~~نعم الله، كنا لا نعرف من خيرات الأرض إلا الزراعة، فلما تقدمت ~~العلوم والاكتشافات وتطورت أدواته عرفنا المعادن والبترول والكنوز ~~المطمورة في أرض الله، وكل أثر كنزي في الأرض لا نستخرجه ولا نعرفه إلا ~~بالضرب في الأرض، وسبق أن قلنا: الضرب إيقاع شيء بقوة. كنا نتعجب من ~~الناس الذين يسكنون البوادي والصحراء ونشفق عليهم، كيف يعيشون في هذا ~~الجدب والقحط؟ ولماذا لا يتركون هذا المكان إلى غيره؟ والآن وبعد ~~الاكتشافات البترولية صاروا هم أغنى الناس وتأتيهم كل خيرات الدنيا تحت ~~أقدامهم. لماذا؟ لأنهم تمسكوا بأرضهم وبلادهم وصبروا عليها، حتى آن ~~الأوان لجني خيراتها، ولو أنهم يئسوا منها ما نالوا كل هذا الخير. وسبق ~~أن أوضحنا أن خيرات الأرض متساوية، وشبهناها بقطاع طولي في البطيخة ~~مثلا، وإن تعددت ألوان هذه الخيرات واختلفت من مكان لآخر. والأخرى: أن ~~تكون السياحة للاعتبار والتأمل في آيات الله في كونه، فبالتنقل والسير في ~~الأرض أرى آيات ليست موجودة في بيئتي، وفي ذلك يقول تعالى: # قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم ~~الله ينشىء النشأة الآخرة إن الله على كل ~~شيء قدير # [العنكبوت: 20] ويقول سبحانه في موضع آخر: # قل سيروا في الأرض ثم انظروا.. # [الأنعام: 11]. والمعنى أن السير في الأرض لابتغاء الرزق ينبغي أن ~~يصاحبه نظر وتأمل لآيات الله. ثم يقول سبحانه: { ولا مستئنسين ~~لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي ~~منكم والله لا يستحيي من الحق. # . } [الأحزاب: 53] أي: لا ينبغي أن تجلسوا بعد الطعام للحديث، وتجعلوها ~~سهراية في بيت رسول ms8066 الله، وهذا النهي كان له سبب وحادثة وقعت، فنزلت هذه ~~الآية. سيدنا رسول الله لم يولم وليمة في عرس من أعراسه إلا لزينب ~~بنت جحش، فذبح صلى الله عليه وسلم شاة، وأعد لهم الحيس، وهو التمر ~~المخلوط بالزبد والسمن، ثم يوضع عليه اللبن الحامض أو الرايب. فلما أكل ~~الناس جلسوا يتحدثون، انتظر رسول الله أن يقوموا وينصرفوا، فلم يقم ~~منهم أحد، وحياؤه صلى الله عليه وسلم يمنعه أن يقول لهم: قوموا، فأراد ~~صلى الله عليه وسلم أن يظهر لهم أنه يريد أن يقوم، وقام فعلا وخرج، ~~فلم يقم منهم أحد ووجد صلى الله عليه وسلم آخرين جالسين بالخارج، فعاد ~~إلى مجلسه، فشعر القوم بما يريده رسول الله فانصرفوا. يقول سيدنا أنس: ~~فجئت فأخبرت رسول الله أنهم انطلقوا، فجاء صلى الله عليه وسلم ودخل، ~~فذهبت لأدخل وراءه، فألقى الحجاب بيني وبينه - يعني: لا أحد يدخل حتى ~~أنت. ومعنى: { إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي ~~منكم.. } [الأحزاب: 53] لأنه صلى الله عليه وسلم يريد أن تنصرفوا، ~~لكن يمنعه حياؤه، وهذا لأن المكان ضيق، ورسول الله في يوم عرس، وليس ~~من المناسب الجلوس عنده. { والله لا يستحيي من الحق.. } ~~[الأحزاب: 53] لذلك قالوا: حسب الثقلاء أن الله لم يحتملهم. هكذا ~~حدثتنا الآية في صدرها عن: آداب الدخول، وآداب الاستئذان، وآداب الأكل، ~~وآداب الجلوس عند رسول الله. ثم تحدثنا بعد ذلك عن الآداب التي يجب أن ~~يتحلى بها المؤمنون في علاقتهم بزوجاته صلى الله عليه وسلم: { وإذا ~~سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب ذلكم ~~أطهر لقلوبكم وقلوبهن.. } [الأحزاب: 53]. المتاع: أواني ~~البيت التي لا تتيسر للجميع، فعادة ما يكون في الشارع أو الحارة بيت أو ~~بيتان مستوران، عندهم مثل هذه الأشياء: ماجور العجين، أو المنخل، أو ~~الغربال، أو الهون.. إلخ. ومثل هذه الأشياء عادة لا تتوفر للفقير، فيذهب ~~إلى جاره فيستعيرها منه، وهذا ما قال الله فيه: # أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع ~~اليتيم * ولا يحض على طعام المسكين * فويل ~~للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون ms8067 * الذين ~~هم يرآءون * ويمنعون الماعون # [الماعون: 1-7]. فالمتاع هو الماعون، وهو أدوات البيت التي يستعيرها منك ~~جارك غير القادر على توفيرها في بيته. إذن: الحق سبحانه في حين جعل ~~للمؤمنين أدبا خاصا مع رسول الله في الدخول عليه أو الأكل في بيته ~~والجلوس عنده، لم يمنع الانتفاع بما عنده صلى الله عليه وسلم من متاع ~~البيت، ومتاع البيت يطلب بأن تطرق الباب على أهله تقول: أعطونا كذا ~~وكذا، وعادة ما تسأل المرأة لأنها ربة البيت والمسئولة عن هذا المتاع، ~~فإذا طلبتم شيئا من زوجات النبي فاطلبوه من وراء حجاب { ذلكم ~~أطهر لقلوبكم وقلوبهن. # . } [الأحزاب: 53]. سبق أن قلنا: إن المشاعر والإدراكات والمواجيد ~~والعقائد التي تستقر في النفس، هذه المظاهر الشعورية تتكون على مراحل ~~ثلاث: آلة تدرك، ووجدان يستقبل، إما بالمحبة، وأما بالكراهية، ثم نفس ~~تنزع، ومثلنا لذلك بالوردة تراها في البستان جميلة نضرة، وتشم ~~رائحتها زكية عطرة، فهذا إدراك بحاسة البصر وحاسة الشم، نتج عنه إعجاب ~~ومواجيد، يترتب عليها أن تمد يدك لتقطفها، وهذا هو النزوع. والشرع لا ~~يتدخل، لا في الإدراك، ولا في الوجدان، إنما يتدخل في النزوع، فلك أن ~~ترى جمال الودرة كما تشاء، ولك أن تشم عبيرها، لكن إن امتدت يدك ~~إليها قلنا لك: قف: أهي حق لك؟ إن كانت حقك فخذها، وإلا فهي ~~محرمة عليك لأنها ليست ملكك، وليس في هذا حجرا على حريتك لأن ~~الذي قيد حريتك في الاعتداء على مال الغير قيد حرية الآخرين في ~~الاعتداء عليك، فأعطاك قبل أن يأخذ منك إذن: فالشرع في صالحك أنت. نقول: ~~الشرع لا يتدخل إلا عند مرحلة النزوع، إلا في علاقة الرجل بالمرأة والنظر ~~إلى جمالها، فإنه يتدخل فيها من بدايتها، فيحظر عليك مجرد الإدراك، لأنك ~~حين ترى جمال المرأة، وربما كانت أجمل من امرأتك أو لم يسبق لك الزواج، ~~فإنك تعجب بها. وهذا الإعجاب لا بد أن يدعوك إلى النزوع، فكيف تنزع ~~في هذه الحالة؟ والنزوع في هذه المسألة له شروط: أولها أن تأتيه من باب ~~الحلال، ms8068 فإن لم تكن قادرا على باب الحلال، فإما أن تعف نفسك، وإما ~~أن تعربد في أعراض الآخرين، لذلك تدخل الشرع في هذه المسألة من أولها، ~~ولم يتركك حتى تقع في المحظور وتنزع فيما لا يحل لك لأن المرأة الجميلة ~~لا شك تهيج في الرجل معاني خاصة. وفي ذلك يقول الشاعر: # سبحان من خلق الجما # ل والانهزام لسطوته # ولذاك يأمرنا بغض # الطرف عنه لرحمته # من شاء يطلبه فلا # إلا بطهر شريعته # وبذا يدوم له التمتع # هاهنا وبجنته # أما الذي يدعي أن نظره إلى جمال المرأة لا يترك فيه هذا الأثر فهو ~~مخالف للطبيعة، حتى وإن كان متزوجا، وإياك أن تظن أن امرأة تغني ~~بجمالها عن جمال في سواها لذلك يقولون: النساء كالخمر، كل مليحة بمذاق، ~~فمهما كانت زوجتك جميلة، وفيها كل المواصفات التي تعجبك فسوف تجد في ~~غيرها الجديد مما ليس فيها. إذن: من رحمة الله بك أن لا تدخل في هذه ~~المسألة من أول مراحلها، فحرم مجرد النظر. وإذا كان هذا في المعنى ~~العام للناس، فكيف يكون مع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال ~~تعالى مخاطبا المؤمنين { وما كان لكم أن تؤذوا رسول ~~الله. # . } [الأحزاب: 53] أي بالنظر إلى زوجاته لأن النظر إدراك يتبعه أن تجد ~~في نفسك شيئا، صحيح أنت لا تستطيع أن تقدم لأنهن أمهات المؤمنين، ~~إنما سينشغل قلبك، ومجرد خواطر القلب هنا إيذاء لسيدنا رسول الله، بدليل ~~أنه قال بعدها: { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده.. } ~~[الأحزاب: 53]. وروي أن رجلا رأى السيدة عائشة قبل الحجاب فانبهر بها، ~~فقال: والله إن مات رسول الله لأتزوجن هذه الحميراء، وإن كان كفر ~~عن هذه القولة وحج ماشيا، وأعتق الرقاب، ليغفر الله له هذه الجرأة ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمعنى { ذلكم.. } [الأحزاب: 53] ~~أي: أمرنا بأن تسألوهن من وراء حجاب، وهذا الأمر احتياط للطرفين { ~~أطهر لقلوبكم وقلوبهن.. } [الأحزاب: 53] لقلوبكم أولا، ~~ولقلوبهن ثانيا. وقوله تعالى: { وما كان لكم أن تؤذوا ~~رسول الله.. } [الأحزاب: 53] أي: لا ينبغي ولا يكون، وهذا ms8069 يعني ~~أن شيئا لم يحدث، بل مجرد الخاطر يعد إيذاء لأنه في حق من؟ في ~~حق رسول الله. وقوله: { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده ~~أبدا.. } [الأحزاب: 53] هذا تكريم لرسول الله ولأزواجه ليس في مدة ~~حياته فحسب، إنما حتى بعد مماته لأنهن أمهات للمؤمنين، وليس لأحد ~~أن يتزوج منهن بعد رسول الله. ومعلوم أن للزوجة بالنسبة لزوجها خصوصية، ~~فعادة في طبيعة التكوين الإنساني ترى الرجل عنده ألوان من الخير، فإن ~~كان صاحب أريحية لا يمنعك شيئا تتطلبه أو تستعيره منه، يعطيك من ماله، ~~من متاع بيته، يعيرك سيارته.. إلخ. إلا ما يتعلق بالمرأة، فإنه يغار حتى ~~من مجرد أن تنظر إليها، ليس ذلك وهي في حوزته وملكه، إنما حتى لو كان ~~كارها لها، حتى لو طلقها يغار عليها أن تتزوج بآخر. إذن المرأة هي ~~المتاع الوحيد الذي يحتل هذه المنزلة، وينال هذا الحفظ وهذه الرعاية، ~~لماذا؟ لأنها وعاء النسل، وكأن الله تعالى يريد للأمة كثرة النسل ~~شريطة أن يكون من طهر وعفة ونقاء، فوضع في قلب الرجل حبها ~~والغيرة عليها. لذلك، تأمل هذا الوصف الذي وصف الله به الأنصار لما ~~استقبلوا المهاجرين، وأفسحوا لهم في أملاكهم وفي بيوتهم، فوصفهم الله ~~وصفا أرقى ما يوصف به مكان في مكين. فقال سبحانه: # والذين تبوءوا الدار والإيمان.. # [الحشر: 9] فكأنهم يسكنون في الإيمان # من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ~~ولو كان بهم خصاصة.. # [الحشر: 9]. وما استحق الأنصار هذا الوصف من الحق سبحانه إلا لإيثارهم ~~إخوانهم المهاجرين وبذل شيء لم يبذله أحد قبلهم، حيث كان الواحد منهم ~~يعرض على أخيه المهاجر أن يطلق له إحدى زوجاته ليتزوجها، وهذه هي ~~المسألة التي تثبت أن إيمان هؤلاء طغى على كل ما عداه، وصار أحب شيء ~~إليهم حتى من المرأة، ومن الغيرة عليها. وقوله تعالى: { إن ذلكم.. ~~} [الأحزاب: 53] أي: ما سبق أن ذكر من سؤال أمهات المؤمنين من وراء ~~حجاب، وألا تؤذوا رسول الله، أو تنكحوا أزواجه من ms8070 بعده، كل هذا { كان ~~عند الله عظيما } [الأحزاب: 53] وكيف يؤذي رسول الله، وهو ما ~~جاء إلا ليحمينا من الإيذاء في الدنيا في الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~إن تبدوا شيئا أو تخفوه... }. ### || [33.54] # فكأن في الآية إشارة تحذير: إياكم أن تسرقكم خواطركم في هذه المسألة ~~لأن ربكم لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عن علمه شيء، وإن كانت الخواطر ~~والهواجس لا يحاسب عليها المرء، إلا أنها محظورة منهي عنها، إن كانت في ~~حق رسول الله. لقد ورد في الحديث الشريف: # " من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة " # هذا في الأمور العامة، أما إن تعلق الأمر برسول الله فلا لأن مراد ~~الحق سبحانه أن يوفر طاقة رسول الله للمهمة التي أرسل بها، وألا ~~يشغله عنها شاغل، وأي مهمة أعظم من مهمة هداية العالم كله، ليس في زمنه ~~صلى الله عليه وسلم، وإنما منذ بعثته وحتى قيام الساعة. وقوله تعالى: { ~~إن تبدوا شيئا.. } [الأحزاب: 54] أي: أي شيء مهما كان { أو ~~تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما } [الأحزاب: ~~54] وعليم صيغة مبالغة في العلم لأن علم الله تعالى علم أزلي ليس ~~متجددا بتجدد الحدث، فالله يعلم قبل الفعل وأثناء الفعل وبعده. ~~لذلك قلنا: إن الزمن عندنا نحن ماض وحاضر ومستقبل، أما بالنسبة للحق ~~سبحانه فليس هناك ماض ولا حاضر ولا مستقبل لذلك يتكلم سبحانه عن المستقبل ~~وكأنه ماض. واقرأ مثلا: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1] وأتى فعل ماض ومع ذلك قال بعده # فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1] والاستعجال لا يكون إلا لشيء لم يأت وقته، فكأن أتى ~~معناها بالنسبة لكم سيأتي، أما بالنسبة للحق سبحانه فإنه أتى بالفعل لأن ~~الزمن كله في علم الله سواء. ومعنى: { فإن الله كان بكل ~~شيء عليما } [الأحزاب: 54] أي: كان وما يزال عليما لأنه سبحانه ما ~~دام كان عليما، وهو سبحانه لا تتأتى فيه الأغيار، فهو سبحانه عليم فيما ~~مضى ولا يزال لأنه لا يتغير، فكان هنا لا تعني أن علمه تعالى نتيجة ~~لحدثكم الذي أحدثتموه، إنما هو ms8071 سبحانه عالم قبل أن يحدث منكم. وهذه ~~الآية من الآيات التي وقف عندها المستشرقون ليستدركوا كما يظنون على كلام ~~الله لأنهم دائما يتهموننا أننا ننظر إلى القرآن بقداسة، وأنه كلام الله ~~فلا نعمل فيه عقولنا، وأنهم حين يدققون في القرآن ويتجرأون على ~~البحث فيه يجدون فيه مآخذ - على حد زعمهم. ووجه اعتراضهم في قوله ~~تعالى: { إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان ~~بكل شيء عليما } [الأحزاب: 54] ومثله: # والله يعلم ما تبدون وما تكتمون # [النور: 29]. يقولون: إذا كان الله يمتن بعلم ما نخفي، فما الميزة ~~وما العظمة في علم ما نبدي؟ نقول: إياك حين تقرأ كلام الله أن تحكم ~~فيه عقلك قبل أن تؤمن أنه صادر من الله تعالى، وأن هذا كلامه سبحانه، ~~وعندها أدر المسألة في عقلك وابحثها حتى تصل إلى الحكمة ووجه الإعجاز ~~فيها. # فقوله تعالى { إن تبدوا.. } [الأحزاب: 54] الله لا يخاطب فردا، ~~إنما يخاطب جمهرة الناس، والإبداء من الجمهرة لا يمكن لك أن تحدد مصدر ~~الفعل فيه، بحيث ترد كل صوت، وكل حركة إلى صاحبها. وسبق أن ~~مثلنا لذلك بالمظاهرة مثلا التي تختلط فيها الأصوات وتعلوا الهتافات، ~~وسمعنا مثلا من ينادي بسقوط فلان، أنستطيع في هذه الحالة أن نحدد ~~صاحب هذا الهتاف؟ لا لا نستطيع بسبب اختلاط وتداخل الأصوات، مع أنه جهر ~~أعلنه صاحبه بأعلى صوته وأبداه على الملأ، ومع ذلك لا تستطيع أنت تحديده. ~~أما الحق سبحانه، فيعلم الصوت، ويعلم صاحبه، ويعلم أثره ونتيجته، ويريد ~~كل كلمة، بل وكل نفس إلى صاحبه، فالذين يحاولون التستر والاستخفاء في ~~جمهرة الناس عليهم أن يحذروا إن شوشوا على الخلق، واستخفوا منهم، ~~فلن يستخفوا من الله، فالله لا تشتبه عليه اللغات، ولا تختلط عليه ~~الأصوات. ثم يقول الحق سبحانه: { لا جناح عليهن في ~~آبآئهن... }. ### || [33.55] # بعد أن نزلت آية الحجاب: # وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء ~~حجاب.. # [الأحزاب: 53] اشتكى أقارب أمهات المؤمنين وقالوا: حتى نحن يا رسول ~~الله؟ فأنزل الله هذه الآية. { لا جناح عليهن في ~~آبآئهن.. } [الأحزاب: 55]. ومعنى { لا ms8072 جناح عليهن.. } ~~[الأحزاب: 55] أي: لا حرج ولا إثم أن يدخل عليهن هؤلاء المذكورون لأن ~~مكانتهم من المرأة معلومة، ولا يخشى من دخولهم عليها، وهم: الأب، ~~والابن، والأخ، وابن الأخ، وابن الأخت. والكلام في { ولا ~~نسآئهن.. } [الأحزاب: 55] وهي مضاف ومضاف إليه، والإضافة في اللغة ~~تأتي بمعان ثلاثة: بمعنى من مثل أردب شعير يعني: من شعير، وبمعنى في ~~مثل مكر الليل أي: في الليل، وتأتي بمعنى اللام مثل مال زيد يعني لزيد، ~~واللام هنا للملكية أو للاختصاص، فمعنى مال زيد يعني: ملك لزيد، وتقول: ~~لجام الفرس، فاللجام ليس ملكا للفرس، إنما يختص به. فهنا كلمة { ~~نسآئهن.. } [الأحزاب: 55] تأتي بمعنى من وبمعنى اللام أي: نساء ~~لهن، أو نساء منهن، ولا تأتي هنا بمعنى في إذن: فالمراد نساء منهن ~~يعني: من قرابتهن أو نسائهن يعني: التابعين لهن مثل الخدم شريطة أن ~~يكن مؤمنات لأن المؤمنة هي المؤتمنة على المؤمنة، أما الكتابية أو ~~الكافرة فلا يصح أن تقوم على خدمة المؤمنة لأنها ربما تصفها لقومها. ~~لذلك نلحظ دقة التعبير هنا في عدم ذكر الأعمام والأخوال لأن العم أو ~~الخال - رغم أنه في منزلة الوالد - إلا أنه قد يصف البنت لابنه، فإن كان ~~العم أو الخال ليس له ولد، فالعلة مفقودة، ويجوز التساهل معهما - إذن - ~~في الدخول على المرأة، وإبداء الزينة أمامهما. وقوله تعالى: { ولا ما ~~ملكت أيمانهن.. } [الأحزاب: 55] قلنا: إن ملك اليمين يأتي ~~من الأسرى في حرب مشروعة، وقد باشرت أسره بنفسك، بمعنى أنه لم يكن ~~حرا، ثم أخذ وبيع على أنه عبد، ثم بعد الأسر يمكن أن تأخذ ملك ~~اليمين بأن تشتريه، أو تأخذه إرثا، أو تأخذه هبة، وملك اليمين قد ~~يكون من النساء فتدخل في نسائهن، أو يكون من الصبيان الذين لم يبلغوا ~~مبلغ الرجال. كما قال سبحانه في موضع آخر: # أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النسآء.. # [النور: 31]. ويدخل في ذلك أيضا التابعون الذين يعملون في البيت ~~كالبوابين والسائقين والطباخين.. إلخ، والشرع يتساهل مع هؤلاء لأن العرف ~~الاجتماعي يأبى أن تنشأ ms8073 علاقة بين هؤلاء وبين أهل البيت، فهؤلاء ~~التابعون يعملون في البيوت، وبها نساء وبنات جميلات، لكن كم من هؤلاء ~~تجرأ على أن ينظر إلى سيدته ذلك لأن المركز الاجتماعي جعل بينهما ~~حاجزا. ثم يقول سبحانه: { واتقين الله.. } [الأحزاب: 55] كأن ~~الحق سبحانه يقول: لقد بينت لكن الحكم في الدخول على المرأة، وبينت ~~الأنواع التي لا جناح عليكن في دخولهم، والحارس عليكن في هذا ~~تقواكن لله، فتقوى الله هي التي تحملك على طاعته، وتمنعك من الخروج ~~عنها، ويكفي بعد الأمر بالتقوى أن تعلم { إن الله كان.. } ~~[الأحزاب: 55] وما يزال { على كل شيء شهيدا } [الأحزاب: 55]. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { إن الله وملئكته يصلون... }. ### || [33.56] # جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالخير لأمته مبشرا للمؤمنين، نذيرا ~~للكافرين، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية قومه، كما قال ~~تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. كان صلى الله عليه وسلم يألم ويحزن إن تفلت أحد من ~~يده، وخرج عن ساحة الإيمان، وكان يكلف نفسه في أمر الدعوة فوق ما ~~يطيق، وفوق ما طلب منه، حتى خاطبه ربه بقوله: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. ومعلوم أن سيدنا رسول الله لم يطلب منه إلا البلاغ ~~فحسب، أما الهداية فمن الله عز وجل لأنه تعالى قال: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4]. فلشدة حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية قومه عاتبه ربه ~~لأنه شق على نفسه، فالعتاب هنا لصالحه صلى الله عليه وسلم، كما جاء في ~~قوله تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ~~تبتغي مرضات أزواجك.. # [التحريم: 1]. وهذا العتاب أشبه بعتابك لولدك الذي أرهق نفسه في ~~المذاكرة، حتى أنك أشفقت عليه، فأنت لا تلومه على تقصير، إنما على ~~المبالغة في عمل لا تطيقه قوته. وقد ظهرت قمة حرصه صلى الله عليه وسلم ~~على أمته حين أنزل الله عليه: # والضحى * والليل إذا ms8074 سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 1-5]. فالتقطها رسول الله من ربه وجعلها لأمته، فقال: # " إذن: لا أرضى وواحد من أمتي في النار ". # فإذا كان رسول الله حريصا عليكم بهذا الشكل، فهو يستحق منكم أن ~~تصلوا عليه لأن كل خير يناله يعم عليكم، ويعود إليكم لذلك قال ~~سبحانه: { إن الله وملائكته يصلون على النبي ~~يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما } [الأحزاب: 56]. وتلحظ أن الخبر { يصلون.. } [الأحزاب: ~~56] خبر عن الله والملائكة فجمع الحق سبحانه بين صلاته وصلاة ملائكته، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم سمع مرة خطيبا يخطب، يقول: من يتق الله ~~ورسوله يثبه الله، ومن يعصهما يعاقبه الله، فقال صلى الله عليه وسلم ~~له: # " بئس خطيب القوم أنت " # لماذا؟ قالوا: لأنه جمع بين الله تعالى ورسوله في: ومن يعصهما، وكان ~~عليه أن يقول: ومن يعص الله ورسوله، فالله وحده هو الذي يجمع معه ~~سبحانه من يشاء. قال سبحانه: # وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ~~فضله.. # [التوبة: 74]. أما نحن، فليس لنا أبدا أن نأتي بصيغة تشريكية بين الله ~~تعالى وأحد من خلقه. وقوله تعالى: { إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي. # . } [الأحزاب: 56] هكذا قال الله، وجمع معه سبحانه من يشاء من خلقه، ~~وأنت لا يجوز لك أن تجمع هذا الجمع إلا إذا كنت تقرأه على أنه قرأن، ~~فإن أردت أن تنشىء كلاما من عندك فلا بد أن تقول: الله يصلي على ~~النبي، والملائكة يصلون على النبي. لذلك احتاط علماء التفسير لهذه ~~المسألة فقالوا أن يصلون ليست خبرا للكل، إنما تقدير الخبر أن الله يصلي ~~على النبي، والملائكة يصلون على النبي. وإذا كان الله يصلي على ~~النبي، والملائكة يصلون على النبي، فماذا عنكم أنتم؟ يجب أن تصلوا ~~أنتم كذلك على النبي { يأيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما } [الأحزاب: 56]. سبق أن بينا أن الصلاة من ~~الله لها معنى، ومن الملائكة لها معنى، ومن المؤمنين المأمورين بها لها ~~معنى، فكل بحسبه، والصلاة ms8075 في الأصل هي الدعاء، والدعاء يقتضي داعيا ~~ومدعوا له ومدعوا، فمثلا حين أدعو الله أن يغفر لفلان، فأنا الداعي، ~~والله تعالى مدعو، وفلان مدعو له، فإذا كان المصلي والداعي هو الله عز ~~وجل، فمن يدعو؟ إذن: معنى الدعاء لا يأتي مع الله تعالى. لذلك قلنا: ~~إنك لو نظرت إلى الأحداث تجد أن صاحبك مثلا إذا قال لك أعدك أن ~~أعطيك غدا كذا وكذا، فهذا وعد منه، لا يملك هو من أسباب الوفاء به ~~شيئا، أما إن قال لك: أدعو الله أن يعطيك كذا وكذا، ونسب العطاء لله ~~تعالى، فهذا أرجى للتحقيق لأنه منسوب إلى الله، فإن قبل الدعاء تحقق ~~المطلوب، فإن كان الله تعالى هو الذي يأمر لك بهذا العطاء فلا بد أن ~~تناله لا محالة. إذن: الصلاة من الله ليست بمعنى الدعاء، إنما هي تنفيذ ~~مباشر ورحمة شاملة وعامة، ويكفي من رحمته تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~أن جعله خاتم الرسل، فلا يستدرك عليه أحد، يكفيه من رحمته وإنعامه ~~وثنائه عليه أن قرن اسمه باسمه لذلك خاطبه بقوله: # ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 4]. يكفيه من تكريم الله له أنه سيقبل شفاعته يوم القيامة، لا ~~لأمته فحسب، إنما للخلق جميعا، يكفيه أن الله تعالى خاطب كل رسله ~~بأسمائهم المشخصة لهم، وخاطبه هو بالوصف المكرم في # يأيها النبي.. # [الممتحنة: 12] و # يأيها الرسول.. # [المائدة: 41]. أما عن صلاة الملائكة، فهي دعاء، واقرأ: # الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ~~ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ~~ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر ~~للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب ~~الجحيم * ربنا وأدخلهم جنات عدن التي ~~وعدتهم ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم ~~وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم * وقهم ~~السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ~~وذلك هو الفوز العظيم # [غافر: 7-9]. فإذا كان الخلق جميعا محل صلاة الملائكة واستغفارهم ~~ودعائهم، حتى الذين أذنبوا منهم، ثم تابوا، فما بالك برسول الله، وهو ~~هادي الناس جميعا. # أما الصلاة من المؤمنين، فهي الاستغفار، واستغفارهم ليس لرسول الله، ~~إنما ms8076 هو استغفارهم لأنفسهم لأن رسول الله جاء رحمة لهم، وما دام جاء ~~رحمة لهم كان من الواجب ألا يغيب توقيره عن بالهم أبدا فهم إن ~~استغفروا، فاستغفار عن الغفلة عنه صلى الله عليه وسلم، أو عن أنهم لم ~~يتقدم اسمه، فيصلون عليه. والمؤمن حين يصلي على رسول الله، ماذا يملك ~~من عطاء يؤديه لرسول الله؟ ماذا بأيدينا؟ لذلك تأمل لفظ صلاتك على ~~رسول الله، إنك لا تقول أصلي، ولكن تقول: اللهم صل على محمد، أو صلى ~~الله على محمد، فتطلب ممن هو أعلى منك أن يصلي على رسول الله لأنه ~~لا يوجد عطاء عندك تؤديه لرسول الله. إذن: فالصلاة من الله الرحمة ~~العامة المطلقة، والصلاة من الملائكة الدعاء، والصلاة من المؤمنين ~~الاستغفار. لذلك # " سئل سيدنا رسول الله: يا رسول الله تلك صلاة الله، وتلك صلاة ~~الملائكة، فما الصلاة عليك؟ يعني كيف؟ قال صلى الله عليه وسلم: " قولوا ~~اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد ". # ودخل عليه صحابي، فقال: يا رسول الله، ما رأيتك بهذه الطلاقة والبشر ~~قبل اليوم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: # " إن جبريل جاءني فأخبرني أن من صلى علي صلاة صلى الله بها عليه ~~عشرا، وكتب له عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ". # وقال عمر رضي الله عنه: دخل رجل على رسول الله، فسأله: ما الصلاة عليك ~~يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: # " ذلك من العلم المكنون، ولولا أنكم سألتموني ما قلته: إن الله وكل بي ~~ملكين، فإذا صلى واحد علي قال الملكان: غفر الله لك. ويقول الله: ~~آمين وتقول الملائكة: أمين ". # سبحان الله: الله عز وجل بذاته يؤمن على دعاء الملكين. وقالوا: ~~الصلاة على رسول الله فرض على المؤمن، كالحج مرة واحدة في العمر، لكنها ~~واجبة عليه عند كل ذكر لرسول الله، لذلك جاء في الحديث: # " أبخل البخلاء من ذكرت ms8077 عنده فلم يصل علي ". # وقوله تعالى بعدها: { وسلموا تسليما } [الأحزاب: 56] لك أن ~~تلحظ في صدر الآية { إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي.. } [الأحزاب: 56] ولم يقل سبحانه ويسلمون، فلما أمر ~~المؤمنين قال { صلوا عليه وسلموا تسليما } [الأحزاب: ~~56] فزاد: وسلموا تسليما. قال العلماء: لأن الصلاة على رسول الله لا ~~تكون إلا مع التسليم له بمعنى طاعته والإذعان لأمره، وأن تسلم زمامك ~~له في كل صغيرة وكبيرة، وإلا فكيف تصلي عليه وأنت تعصي أوامره، وقد ~~قال تعالى: # فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما # [النساء: 65]. ومن معاني التسليم أن نقول: السلام عليك أيها النبي كما ~~نقول في التشهد، والسلام اسم من أسماء الله، ومعنى: السلام عليك يا ~~رسول الله أي: جعل الله لك وقاية، فلا ينالك أحد بسوء. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { إن الذين يؤذون... }. ### || [33.57] # الإيذاء: إيقاع الألم من المؤذي للمؤذى، سواء أكان الإيذاء بالقول أم ~~بالفعل، والإيذاء بهذا المعنى أمر لا يتناسب مع الحق سبحانه وتعالى. إذن ~~ما معنى: يؤذون الله؟ قالوا: الله تعالى لا يؤذي بالفعل لأنهم لا ~~يستطيعون ذلك، فهو أمر غير ممكن، أما القول فممكن، والإيذاء هنا يكون ~~بمعنى إغضاب الله تعالى بالقول الذي لا يليق به سبحانه، كقولهم: # إن الله فقير ونحن أغنيآء.. # [آل عمران: 181] وبعضهم أنكر وجود الله. وقولهم: # يد الله مغلولة.. # [المائدة: 64]. وقولهم: # عزير ابن الله.. # [التوبة: 30]. وبعضهم يسب الدهر، والله يقول في الحديث القدسي: # " يؤذيني عبدي، وما كان له أن يؤذيني، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي ~~الأمر، أقلب الليل والنهار ". # وهل الزمن له ذنب في الأحداث التي تؤلمك؟ الزمن مجرد ظرف للحدث، أما ~~الفاعل فهو الله عز وجل، إذن: لا تسبوا الدهر، فالدهر هو الله، وهم ~~أنفسهم قالوا: # ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنآ إلا الدهر.. # [الجاثية: 24]. كل هذا إيذاء بالقول، لكن ينبغي أن ننظر فيه: أهو كذب ~~وبهتان؟ أم قول صادق يقوم عليه دليل؟ وقد يؤذيك شخص بكلمة، ms8078 لكنك لا ~~تؤذى منها، وفي هذه الحالة يأخذ هو إثمها، وتسلم أنت من شرها وتسلم ~~من ألمها.. فهذه الأقوال منهم في الواقع فيها إيذاء، لكن ليس لله تعالى، ~~إنما إيذاء لهم، كيف؟ الحق - سبحانه وتعالى - حينما استخلف الإنسان في ~~الأرض خلق له الكون قبل أن يخلقه فطرأ الإنسان على كون معد ~~لاستقباله، فيه مقومات بقاء الحياة، ومقومات بقاء النوع، ثم أعد ~~له أيضا قانون صيانته، بحيث إن أصابه عطب استطاع أن يصلحه، هذا ~~القانون هو منهجه سبحانه المحفوظ في كتابه، واقرأ قول الحق سبحانه: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه ~~البيان # [الرحمن: 1-4]. فقانون الصيانة في القرآن موجود قبل أن يخلق الإنسان ~~لأن الإنسان خلق الله وصنعته خلقه الله في أحسن تقويم، وعلى أحسن ~~هيئة، ويريد له أن يظل هكذا سوي التكوين في كل شيء، فإذا ما خرج هذا ~~الخليفة المخلوق لله على قانون صيانته، فإنه ولا شك لا بد أن يغضب ~~الله، لأن الله يريد أن تظل صنعته جميلة، كما أبدعها سبحانه. إذن: ~~فالذين أنكروا وجود الله، أو الذين أشركوا به، والذين قالوا: " إن الله ~~فقير ونحن أغنياء " أو قالوا: الملائكة بنات الله... إلخ هذه الأقوال ~~التي ترتب عليها غضب الحق سبحانه لأنه خليفته في الأرض لم يؤد ~~المطلوب منه على حسب منهج الله. ونقول لهؤلاء: إياكم أن تظنوا أنكم ~~بكفركم خرجتم من قبضة الحق سبحانه، بل أنتم في قبضته، وتحت مشيئته، ولو ~~شاء سبحانه لقهركم على طاعته، أو خلقكم على هيئة الصلاح لا تأتي منكم ~~المعصية كما خلق الملائكة، إنما جعلكم مختارين فيما كلفكم به، من شاء ~~آمن، ومن شاء كفر، ليعلم من يقبل عليه بحب لا بقهر. # والدليل على ذلك أنكم مخلوقون، على هيئتين. هيئة لكم فيها اختيار وهي ~~التكاليف، وهيئة مقبوضين في قبضة الحق سبحانه وهي القضاء، فما دمتم ~~تعودتم التمرد على التكاليف، فلماذا لا تتمردون على أقدار الله فيكم، ~~كالمرض والموت مثلا؟ ومع ذلك ما دمت قد اخترت الكفر وأنا رب، ~~ومطلوب مني أن أعينك ms8079 على ما تحب، فسوف أختم على قلبك، بحيث لا يدخله ~~الإيمان، ولا يخرج منه الكفر الذي تحبه. إذن: أنا جئت على مرادك مما يدل ~~على أن كفرك بي لا يضرني ولا يؤذيني. وقد ورد في الحديث القدسي: يا ~~عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني. وإن ~~كانت لكم منطقة اختيار في الدنيا هي أمور التكاليف، فسيأتي يوم القيامة، ~~ويمتنع الاختيار كله، فلا اختيار لأحد في شيء يوم يقول الحق سبحانه # لمن الملك اليوم.. # [غافر: 16] فلا يجيب أحد، لا مالك ولا مملوك، فيجيب الحق سبحانه على ~~ذاته: # لله الواحد القهار # [غافر: 16]. هذا في معنى إيذاء الله تعالى، أما الإيذاء في حق سيدنا ~~رسول الله، فرسول الله بشر، يمكن أن يصيبه الإيذاء بالفعل والإيذاء ~~بالقول، فكما قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء قالوا عن رسول الله: كاهن ~~وساحر ومجنون وشاعر، ثم تعدى الإيذاء إلى الفعل الذي أصاب رسول الله ~~وآلمه بالفعل. ألم يرم بالحجارة حتى دميت قدماه في الطائف؟ ألم ~~يضعوا على ظهره الشريف سلا البعير في مكة - أي سقط البعير - ألم ~~تكسر رباعيته يوم أحد ويشج ويسيل دمه صلى الله عليه وسلم؟ فرسول ~~الله ناله مع ربه - عز وجل - إيذاء بالقول، ثم ناله إيذاء آخر بالفعل، ~~إيذاء بشري فيه إيلام، وقمة الإيذاء بالفعل ما يتعرض لأمر محارمه ~~وأزواجه صلى الله عليه وسلم. لذلك قال تعالى: # وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله.. # [الأحزاب: 53] أي: بمخالفة ما جاء به، أو بأن تتهموه بما ليس فيه، أو ~~تتعرضوا له بإيلام حسي، ثم لم يخص من ألوان الإيذاء إلا مسألة الأزواج، ~~فقال: # ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا.. # [الأحزاب: 53] وذكر هذه المسألة بالذات صراحة مراعاة لطبيعة النفس ~~البشرية، فقد قلنا: إن الرجل يمكن أن يتجمل على أصحابه أو أحبابه بأغلى ~~ما يملك، لكنه أبدا لا يقبل أن ينظر أحد إلى زوجته، يحميها ويغار ~~عليها من مجرد النظر. لذلك فإن سيدنا حذيفة، وكان يحب امرأته، فقال لها: ~~ألا تحبين أن تكوني ms8080 معي في الجنة؟ فقالت: بلى، فقال لها: إذن إذا مت ~~فلا تتزوجي بعدي - فهو يغار عليها حتى بعد موته - لأني سمعت رسول الله ~~يقول: # " المرأة لآخر أزواجها ". # لكن هذا الحديث ووجه بحديث آخر # " لما سئل رسول الله: أي نساء الرجل تكون معه في الجنة؟ فقال: " ~~أحسنهن خلقا معه ". # وقد رأى البعض تعارضا بين هذين الحديثين، والواقع أنه ليس بينهما ~~تعارض، لأن الآخرية هنا لا يراد بها آخرية الزمن، إنما آخرية الانتقال، ~~كما لو تمتعت برحلة جميلة مع أحد الأصدقاء منذ عشرين سنة، فلما ذكرته ~~بها قال: كانت آخر متعة، مع أنك تمتعت بعدها برحلات أخرى. فالمعنى: تكون ~~لآخر أزواجها في المتعة، وإن كان متقدما بحسن الخلق، إذن: ~~فالمعنيان متفقان، لا تعارض بينهما. ومسألة غيرة الرجل على المرأة لها ~~جذور في تاريخنا وأدبنا العربي، ومن ذلك قول الشاعر: # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت # فوا أسفى من ذا يهيم بها بعدي # فهو مشغول بها حتى بعد أن يموت، لكن يؤخذ عليه أنه شغل بمن يحل محله ~~في هيامه بمحبوبته لذلك كان أبلغ منه قول الآخر: # أهيم بدعد ما حييت فإن أمت # فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي # إذن: فهذه الغيرة مراتب ودرجات. ويحدثنا التاريخ أن أحد الخلفاء ~~العباسيين - أظنه الهادي - كان يحب جارية اسمها غادر، ولشدة حبه لها ~~قالوا إنه تزوجها، وفي خلوة من خلوات الهيام والعشق قال لها: عاهديني - ~~لأن صحته لم تكن على ما يرام - إذا أنا مت أن لا تتزوجي بعدي، ~~وفعلا أعطته هذا العهد، فلما مات الهادي لم تلبث أن نسيت غادر عشقها ~~للهادي، ونسيت حزنها عليه - وهذا من رحمة الله بنا أن كل شيء يبدأ ~~صغيرا ثم يكبر إلا المصائب، فإنها تبدأ كبيرة ثم تصغر. بعدها تزوجت غادر ~~من أخي الهادي، وفي يوم من الأيام استيقظت فزعة صارخة، حتى اجتمع عليها ~~من في القصر، وسألوها: ماذا بك؟ قالت: جاءني الهادي في المنام، وقال ~~لي: # خالفت عهدي بعدما # جاورت سكان المقابر # ونكحت غادرة أخي # صدق الذي سماك ms8081 غادر # لا يهنك الإلف الجديد # ولا عدت عنك الدوائر # ولحقت بي منذ الصباح # وصرت حيث ذهبت صائر # وما كادت تنتهي من قولها حتى لفظت أنفاسها الأخيرة، وماتت لذلك، فالحق ~~سبحانه يراعي هذه الغرائز الإنسانية وهذه الطبيعة، ألا ترى أن عدة ~~المتوفى عنها زوجها كانت سنة كاملة، كما في قوله تعالى: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج.. # [البقرة: 240]. ثم جعلت عدة المتوفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة ~~أيام احتراما لهذه الغريزة في المرأة. ثم يبين الحق سبحانه الجزاء ~~العادل لمن يؤذي الله ويؤذي رسول الله، فيقول سبحانه: { لعنهم ~~الله.. } [الأحزاب: 57] أي: طردهم من رحمته { في الدنيا ~~والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا } [الأحزاب: 57]. ثم ~~يعطينا الحق سبحانه إشارة إلى أن هذا الجزاء العادل الذي أعده لمن ~~يؤذي الله ورسوله ليس تعصبا لله، ولا تعصبا لرسول الله، بدليل أن ~~الذي يؤذي مؤمنا أو مؤمنة لا بد أن يجازي عن هذا الإيذاء، فسوى ~~المؤمن والمؤمنة في إرادة الإيذاء بإيذاء الله، وبإيذاء رسول الله، فقال ~~سبحانه: { والذين يؤذون... }. ### || [33.58] # لما تكلم الحق سبحانه عن إيذاء المؤمنين والمؤمنات خص هذا الإيذاء ~~بقوله { بغير ما اكتسبوا.. } [الأحزاب: 58] لأن هناك إيذاء ~~مشروعا أوجبه الله للذين يخرجون على حدوده، فحد الزنا والقذف وشرب ~~الخمر.. إلخ كلها فيها إيذاء للمؤمن وللمؤمنة، لكنه إيذاء مشروع لا ~~يعاقب من قام به، كما في إيذاء الله ورسوله. لذلك يقول تعالى في ~~اللذين يأتيان الفاحشة: # واللذان يأتيانها منكم فآذوهما.. # [النساء: 16]. والحق سبحانه حين شرع هذه الحدود وهذا الإيذاء، إنما شرعه ~~ليكون عقوبة لمن يتعدى حدود الله، وتطهيرا له من ذنبه، ثم لتكون ~~رادعا للآخرين، فسيدنا عمر رضي الله عنه لما قرأ هذه الآية: { ~~والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات.. } [الأحزاب: ~~58] بكى فقال له جليسه: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ قال: لأنني آذيت ~~المؤمنين والمؤمنات، قال: يا أمير المؤمنين إنك تؤذي لتعلم ولتقوم ~~والله تعالى أمرنا أن نرجم، وأن نقطع، فضحك عمر وسر. بل أكثر من هذا ~~يأمرنا الحق سبحانه في ms8082 الحدود: # ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله.. # [النور: 2]. لأن الرأفة في حدود الله رحمة حمقاء، ولسنا أرحم بالخلق ~~من الخالق سبحانه، والله تعالى حين يضخم العقوبة ويؤكد عليها، إنما ~~يريد ألا نجترىء على حدوده، وألا نعرض أنفسنا لهذه العقوبات، ولك ~~أن تسأل حين تقرأ قوله تعالى: # ولكم في القصاص حياة.. # [البقرة: 179]. كيف تكون الحياة في القتل؟ نعم، في القصاص حياة لأنك حين ~~تعلم أنك إن قتلت تقتل، فلن تقدم أبدا على القتل، وبذلك حمى الله ~~القاتل والمقتول، وهل يعد هذا إيذاء؟ ومعنى { بغير ما ~~اكتسبوا.. } [الأحزاب: 58] أي: بغير جريمة تستحق الإيذاء، وكلمة { ~~اكتسبوا.. } [الأحزاب: 58] قلنا: هناك فرق بين: فعل وافتعل، فعل ~~أي الفعل الطبيعي الذي ليس فيه مبالغة ولا تكلف، أما افتعل ففعل فيه ~~تكلف ومبالغة، كذلك كسب واكتسب، كسب: أن تأخذ في الشيء فوق ما أعطيت، ~~كما لو اشتريت بخمسة وبعت بسبعة مثلا فهذا كسب، أما اكتسب ففيها ~~زيادة وافتعال. لذلك تجد في العرف اللغوي العام أن كسب تأتي في الخير ~~واكتسب تأتي في الشر، مثل قوله تعالى: # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.. # [البقرة: 286] لها ما كسبت تفيد الملكية، وعليها تفيد الدين. ذلك ~~لأن الأمر الحلال يأتي طبيعيا تلقائيا، أما الحرام فيحتاج إلى محاولة ~~وافتعال واحتياط، فحين تنظر مثلا إلى زوجتك تكون طبيعيا لا تتكلف ~~شيئا، أما حين تنظر إلى امرأة جميلة في الشارع، فإنك تتلصص لذلك وتسرق ~~النظرات، خشية أن يطلع أحد على فعلتك، هذا هو الفرق بين الحلال ~~والحرام. وفي آية واحدة في كتاب الله جاء الفعل كسب في الشر، وذلك في ~~قوله تعالى: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار.. # [البقرة: 81]. فلماذا؟ قالوا: لأن الآية فيمن تعود السيئات، وأحاطت ~~به الخطايا حتى أصبحت عادة، وسهلت عليه حتى صارت عنده كالحلال، يفعله ~~بلا تكلف، بل ويجاهر به ويتباهى، هذا هو المجاهر الذي قال فيه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " كل أمتي معافى إلا المجاهرين " # وفيه: # " ستر الله عليه وأصبح يفضح نفسه ms8083 ". # وهذا الذي يسر بالمعصية ويتباهى بها بلغ به الاحتراف أنه يستطيع أن ~~يستر حركات انفعاله في الحرام، كأنها الحلال بعينه لذلك جاء الفعل كسب ~~هنا، وكأن السيئة أصبحت ملكة. أذكر بمناسبة التكلف والافتعال في ~~الحرام رجلا من بلدتنا اسمه الشيخ مصطفى، ذهب إلى السوق لشراء بقرة، ~~وأخذ النقود في جيبه، ومن حرصه وضع يده على جيبه خوفا من اللصوص، فلما ~~رأوه في السوق يمسك جيبه بيده عرفوا أنه ضالتهم، فكيف احتالوا ليسرقوه؟ ~~لطخ أحدهم كتفه بروث البهائم، ثم احتك بالشيخ مصطفى، حتى اتسخت ملابسه ~~فغضب، وأخذ ينظف ملابسه من الروث، ونسي مسألة النقود التي في جيبه ~~فسرقوه. وكما يأتي الحرام بافتعال، كذلك يكون العقاب فيه أيضا افتعال ~~ومبالغة تناسب افتعال الفعل لذلك يقول سبحانه في عقاب الذين يؤذون ~~المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا: { فقد احتملوا.. } ~~[الأحزاب: 58] ولم يقل حملوا، وفرق بين حمل واحتمل، حمل تقال لما ~~في طاقتك حمله، إنما احتمل يعني فوق الطاقة، وإن حملته تحمله بمشقة، ~~فالجزاء هنا من جنس العمل، فكما تفاعلت وتكلفت في المعصية كذلك ~~يكون الجزاء عليها. { فقد احتملوا بهتانا وإثما ~~مبينا } [الأحزاب: 58] البهتان: أن تقول في غيرك ما ليس فيه، ~~فالبهتان كذب، أما الإثم: فأن ترتكب ذنبا في حقه بأن تؤذيه بصفة هي ~~فيه بالفعل، لكنه يكره أن تصفه بها، كما تقول للأعمى مثلا: يا أعمى. ~~لذلك ورد في الحديث لما سئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: # " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد ~~بهته " # أي: كذبت وافتريت عليه. ووصف الحق سبحانه الإثم هنا بأنه مبين { ~~وإثما مبينا } [الأحزاب: 58] يعني: جلي واضح لأن الوضوح في ~~الإثم إما أن يكون بأن تقر أنت به وتعترف بذنبك، وإما أن يكون ~~بالبينة، فلو سألناك: أنت قلت لهذا الرجل يا أعمى، أتحب أن توصف أنت ~~بصفة تكرهها؟ لا بد أن تقول: لا أحب. إذن: فالإثم هنا واضح، ويكفي ~~إقرارك به. وينبغي ms8084 أن تعامل الناس كما تحب أن يعاملوك كما علمنا ~~سيدنا رسول الله، فكما أنه لا يرضيك أن يسرق الناس منك، كذلك أنت لا ~~تسرق منهم، وكما يؤذيك الإثم كذلك يؤذيهم. ثم يأخذنا الحق سبحانه إلى ~~أدب آخر من آداب الأسرة، فيقول سبحانه: { يأيها النبي... }. ### || [33.59] # نلحظ أن الأمر توجه أولا لأزواج النبي، ثم لبناته صلى الله عليه ~~وسلم، وهذا يعني أن رسول الله لا يأمر أمته بشيء هو عنه بنجوى، إنما ~~يأمرهم بشيء بدأ فيه بأهل بيته، وهذا أدعى لقبول الأمر وتنفيذه، فقبل ~~أن آمركم أمرت نفسي فلم أتميز عنكم بشيء. لذلك جاء في سيرة القائد ~~المسلم " طارق بن زياد " أنه لما ذهب لفتح الأندلس وقف بجنوده على شاطىء ~~البحر، وأعداؤه على الشاطىء الآخر، ثم قال للجنود: أيها الناس أنا لن ~~آمركم بأمر أنا عنه بنجوى، وإنني عند ملتقى القوم سابقكم، فمبارز سيد ~~القوم، فإن قتلته فقد كفيتم أمره، وإن قتلني فلن يعوزكم أمير بعدي. ~~أي: أنني سابقكم إلى القتال، ولن أرسلكم وأجلس أتفرج وأرقب ما يحدث، ~~يعني: أنا لا أتميز عنكم بشيء. وبهذه المساواة أيضا ساد عمر - رضي الله ~~عنه - القوم وقاد العالم وهو يرتدي مرقعته بالمدينة لذلك لما رآه رجل ~~وهو نائم تحت شجرة كعامة الناس قال: حكمت فعدلت فأمنت، فنمت يا ~~عمر. وكان - رضي الله عنه - إذا أراد أن يأخذ قرارا في أمر من أمور ~~رعيته يعلم أن الفساد إنما يأتي أولا من الحاشية والأقارب والأتباع ومن ~~مراكز القوى التي تحيط به لذلك كان يجمع قرابته ويحذرهم: أنا اعتزمت ~~أن أصدر قرارا في كذا وكذا، فوالذي نفسي بيده من خالفني منكم إلى شيء ~~منه لجعلته نكالا للمسملين، أيها القوم إياكم أن يدخل عليكم من ~~يدعي صلته بي، فتعطونه غير حق من لم يعرفني، والله إن فعلتم ~~لأجعلنكم نكالا للمسلمين. وورود النص القرآني بلفظ # يأيها النبي قل لأزواجك.. # [الأحزاب: 59] دليل على أن سيدنا رسول الله كان ينقل النص الذي جاءه، ~~والصيغة التي تكلم الله بها دون أن يغير ms8085 فيها شيئا، وإلا فقد كان ~~بإمكانه أن ينقل الأمر لأزواجه، فيقول: يا أيها النبي أزواجك وبناتك ~~يدنين عليهن من جلابيبهن. إنما نقل النص القرآني كما أنزل عليه ليعلم ~~الجميع أن الأمر من الله، وما محمد إلا مبلغ عن الله، فمن أراد أن ~~يناقش الأمر فليناقش صاحبه. وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم ساعة نزلت ~~عليه هذه الآية كن تسعة أزواج، كرمهن الله وخيرهن فاخترن رسول ~~الله، كان منهن خمس من قريش هن: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة، ~~وسودة بنت زمعة، وثلاث من سائر العرب هن: ميمونة بنت الحارث، وزينب ~~بنت جحش، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق، وواحدة من نسل هارون أخي ~~موسى - عليهما السلام - هي السيدة صفية بنت حيي بن أخطب. أما بنات رسول ~~الله، فرسول الله أنجب البنين والبنات: البنون ماتوا جميعا في الصغر، ~~أما البنات فأبقاهن الله حتى تزوجن جميعا، وهن: زينب، ورقية، ~~وأم كلثوم. # وأصغرهن فاطمة، وهي الوحيدة التي بقيت بعد موت سيدنا رسول الله، أما ~~زينب ورقية وأم كلثوم فقد متن في حياة رسول الله. ولفاطمة قصة في ~~الضحك والبكاء لذلك بعض العارفين كان يقول في قوله تعالى: # وأنه هو أضحك وأبكى # [النجم: 43] أن السيدة فاطمة حينما سئلت ما الذي أبكاك وما الذي ~~أضحكك؟ قالت: لأنني لما دخلت على أبي وهو مريض قال لي: إن هذا هو مرض ~~الموت يا فاطمة فبكيت، ثم انصرفت فأشار إلي وقال لي: يا فاطمة ستكونين ~~أول أهل بيتي لحوقا بي فضحكت. لذلك لم تمكث فاطمة بعد رسول الله إلا ستة ~~أشهر. وقد أخذ العلماء من هذا الحديث أن لقاء الأموات يكون بمجرد الموت، ~~وإلا لو كان اللقاء في البعث والقيامة لاستوى في ذلك من مات أولا، ~~ومن مات آخرا، فدل قوله: # " ستكونين أول أهل بيتي لحوقا بي " # على أن لقاءه صلى الله عليه وسلم بها سيكون بمجرد أن تموت. الشاهد في ~~هذه القصة أن أحدهم - أظنه الإمام عليا - قال لفاطمة: الله يقول # وأنه هو أضحك وأبكى # [النجم: 43] أما ms8086 رسول الله فأبكاك أولا، ثم أضحكك حتى لا يكون أضحك ~~وأبكى كربه. أما السيدة زينب فتزوجت العاص بن الربيع قبل أن يحرم ~~الزواج من الكفار، وقد أسر العاص في غزوة بدر، فذهبت زينب لتفديه، ~~وقدمت قلادة كانت معها، فلام رآها رسول الله وجد أنها قلادة خديجة - رضي ~~الله عنها - قد وهبتها لابنتها، فقال: إن رأيتم أن تردوا لها قلادتها ~~وتفكوا لها أسيرها فافعلوا، فرد صلى الله عليه وسلم الأمر إلى من ~~ينتفع به، فتنازلوا عن القلادة. أما رقية وأم كلثوم فلهما حوادث، منها ~~حوادث مؤسفة، ومنها حوادث مبهجة، أما المؤسف فإن عتبة بن أبي لهب عقد ~~على رقية، وأخوه عتيبة عقد على أم كلثوم، وكان هذا قبل بعثة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فلما بعث رسول الله وحدث ما حدث بينه وبين أبي لهب ~~وأنزل الله تعالى: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب # [المسد: 1-2]. قال لابنه عتبة: رأسي ورأسك علي حرام حتى تطلق رقية ~~فطلقها، بعدها مر عتبة على رسول الله، وفعل فعلة فيها استهزاء ~~برسول الله، فقال له صلى الله عليه وسلم: # " أكلك كلب من كلاب الله ". # أخبر عتبة أباه بما كان من دعاء رسول الله عليه، وكان أبو لهب يعلم صدق ~~رسول الله، وأن دعاءه مستجاب لا يرد، فخاف على ابنه، وأخذ يحتاط له، ~~ويوصي به رفاقه في رحلات تجارته - وعجيب أنه مع هذا كله لم يؤمن. # وفعلا كان عتبة في رحلات التجارة ينام في وسط القوم، وهم يحيطون به من ~~كل جانب، وفي إحدى الليالي جاءه أسد، فأخذه من بين القوم، ولم يبق منه ~~إلا ما يعرف به. علق على هذه الحادثة أحد المغرضين فقال: إن رسول الله ~~قال: " أكلك كلب " وهذا أسد، فرد عليه أحد العارفين فقال: إذا نسب ~~الكلب إلى الله، فلا بد أن يكون أسدا، فرسول الله لم يقل: كلب من ~~كلابكم، إنما من كلاب الله. هذا ما كان من أمر عتبة، أما عتيبة فقد طلق ~~أم ms8087 كلثوم، لكنه لم يتعرض لرسول الله بإيذاء، بل قالوا: إنه كان يستحي أن ~~يواجه رسول الله، لذلك لم يدع عليه رسول الله. أما الحادث المبهج في ~~حياة رقية وأم كلثوم، فقد أبدلهما الله خيرا من عتبة وعتيبة، حيث تزوجت ~~رقية من سيدنا عثمان، فلما ماتت تزوج بعدها من أم كلثوم لذلك لقب - ~~رضي الله عنه - بذي النورين، وكانت النساء يغنين حين تزوج عثمان برقية: # أحسن ما رأى إنسان # رقية وزوجها عثمان # فانظر إلى عظم هذا العوض أن يبدلهما الله بعتبة وعتيبة من؟ ~~عثمان، نعم العوض هذا، والعوض في مثل هذه المسائل إنما يتأتى بقبول ~~القضاء في نظائره، فإذا أصيب الإنسان فاستسلم وسلم الأمر لله فقال كما ~~علمنا رسول الله: # " إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي - أيا كانت ~~هذه المصيبة - وأخلفني خيرا منها ". # إذا قال ذلك وعلم أن لله حكمة في كل قضاء يقضيه لا بد أن يعوضه ~~الله خيرا، وأظن أن قصة السيدة أم سلمة مشهورة في هذا المقام، فلما توفي ~~زوجها أبو سلمة حزنت عليه حزنا شديدا، ولما جاءها النسوة يعزينها ~~في زوجها قالت إحداهن: يا أم سلمة، قولي كما قال رسول الله: إنا لله ~~وإنا إليه راجعون، اللهم أأجرني في مصيبتي، واخلفني خيرا منها، ~~فقالت: وهل هناك خير من أبي سلمة، يعني: هو في نظرها أحسن الناس وخيرهم. ~~لكنها مع هذا رضيت بقضاء الله فما انقضت عدتها حتى طرق عليها طارق ~~يقول: يا أم سلمة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبك لنفسه، فضحكت ~~لأن الله عوضها بمن هو خير من أبي سلمة. بعد أن أمر الحق سبحانه ~~أزواج النبي وبناته أولا بهذا الأدب ثنى بنساء المؤمنين، فقال { ~~يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونسآء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك ~~أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا ~~رحيما } [الأحزاب: 59] لأن أسرة رسول الله ليست أزواجه وبناته فحسب، ~~إنما العالم كله، وكلمة نساء جمع، لا واحد له من لفظه، فمفرد أزواج زوج، ~~ومفرد بنات ms8088 بنت، أما نساء فمفردها من معناها، لا من لفظها، فتقول: امرأة، ~~واستثقل جمع امرأة على امرآت فقالوا: نساء وأصلها في اللغة من ~~النسيء، قالوا: لأن المرأة أجل خلقها بعد خلق الرجل. # وفي اللغة: النسء أي: التأخير والتأجيل، فقالوا: نساء. ثم يذكر ~~سبحانه الأمر الذي وجه إلى زوجات النبي، وبناته ونساء المؤمنين جميعا ~~{ يدنين عليهن من جلابيبهن.. } [الأحزاب: 59] فالفعل { ~~يدنين.. } [الأحزاب: 59] مجزوم في جواب الطلب قل مثل: اسكت ~~تسلم، ذاكر تنجح، وفي الآية شرط مقدر: إن تقل لهن ادنين ~~يدنين. كما في # وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا # [الحج: 27] لأن الخطاب هنا للمؤمنات، وعلى رأسهن أزواج النبي وبناته، ~~وإن لم يستجب هؤلاء للأمر، فقد اختل فيهن شرط الإيمان. ومعنى: ~~الإدناء: تقريب شيء من شيء، ومن ذلك قوله تعالى في وصف ثمار الجنة # قطوفها دانية # [الحاقة: 23] أي: قريبة التناول سهلة الجني، والمراد: يدنين ~~جلابيبهن أي: من الأرض لتستر الجسم. وقوله: { عليهن.. } [الأحزاب: ~~59] يدل على أنها تشمل الجسم كله، وأنها ملفوفة حوله مسدولة حتى الأرض. ~~وكلمة { جلابيبهن.. } [الأحزاب: 59] مفردها جلباب، وقد اختلفوا في ~~تعريفه فقالوا: هو الثوب الذي يلبس فوق الثوب الداخلي، فتحت الجلباب ~~مثلا فانلة أو قميص وسروال، ويجوز أن تكون الملابس الداخلية قصيرة، أما ~~الجلباب فيجب أن يكون سابغا طويلا قريبا من الأرض. وقالوا: الجلباب هو ~~الخمار الذي يغطي الرأس، ويضرب على الجيوب - أي فتحة الرقبة - لكن هذا ~~غير كاف، فلا بد أن يسدل إلى الأرض ليستر المرأة كلها لأن جسم ~~المرأة عورة، ومن اللباس ما يكشف، ومنه ما يصف، ومنه ما يلفت النظر. وشرط ~~في لباس المرأة الشرعي ألا يكون كاشفا، ولا واصفا، ولا ملفتا ~~للنظر لأن من النساء من ترتدي الجلباب الطويل السابغ الذي لا يكشف ~~شيئا من جسمها، إلا أنه ضيق يصف الصدر، ويصف الأرداف، ويجسم ~~المفاتن، حتى تبدوا وكأنها عارية. لذلك من التعبيرات الأدبية في هذه ~~المسألة قول أحدهم - وهو على حق - إن مبالغة المرأة في تبرجها ~~إلحاح منها في عرض نفسها على الرجل. يعني: تريد أن ms8089 تلفت نظره، تريد ~~أن تنبه الغافل وكأنها تقول: نحن هنا. وإن تساهلنا في ذلك مع البنت ~~التي لم تتزوج، ربما كان لها عذر، لكن ما عذر التي تزوجت؟ ثم يبين ~~الحق - تبارك وتعالى - الحكمة من هذا الأدب في مسألة اللباس، فيقول: { ~~ذلك.. } [الأحزاب: 59] أي: إدناء الجلباب إلى الأرض، وستر الجسم، ~~وعدم إبداء الزينة { أدنى.. } [الأحزاب: 59] أي: أقرب { أن ~~يعرفن فلا يؤذين.. } [الأحزاب: 59]. فالمرأة المسلمة تعرف ~~بزيها وحشمتها، فلا يجرؤ أحد على التعرض لها بسوء أو مضايقتها، ~~فلباسها ووقارها يقول لك: إنها ليست من هذا النوع الرخيص الذي ينتظر ~~إشارة منك، وليست ممن يعرض نفسه عرضا مهيجا مستميلا ~~ملفتا. # وقوله تعالى بعد ذلك وفي ختام الآية { وكان الله غفورا ~~رحيما } [الأحزاب: 59] جاء وصف المغفرة والرحمة هنا ليشير إلى أن ~~عقوبة الله ليست بأثر رجعي، فما سبق هذا الأمر من تجاوزات مغفور معفو ~~عنه برحمة الله، والعبرة بسلوك المؤمنة بعد أن تسمع هذا الأمر بإدناء ~~الجلباب والتستر. والحق سبحانه بمثل هذا الأدب إنما يؤمن حياة ~~المرأة المسلمة، كيف؟ نقول: معنى التأمين أن نأخذ منك حال يسرك، وحين ~~تكون واجدا، لنعطيك حينما تكون غير واجد. كذلك الإسلام حين يستر جمال ~~المرأة ومفاتنها حال شبابها ونضارتها يسترها حين تكبر، وحين يتلاشى ~~الجمال، ويحل محله أمور تحرص المرأة على سترها، فالإسلام في هذه ~~الحالة يحمي المرأة ويحفظ لها عزتها. ثم يقول الحق سبحانه: { لئن ~~لم ينته المنفقون... }. ### || [33.60-61] # المتتبع لموكب الرسالات يجد أن الرسل واجهوا في نشر رسالتهم ثلاثة أصناف ~~من البشر: صنف آمن، وصنف كفر، وصنف وقف مترددا بين الكفر والإيمان، ~~وهؤلاء هم المنافقون. ذلك لأن الرسول حين يبعث إنما يبعث لتغيير وضع ~~اجتماعي بلغ من السوء درجة لا يحتملها الناس، فالذي يعاني من هذا الوضع ~~ينتظر هذا الرسول الجديد، فما أن يبعث حتى يبادر إلى الإيمان به لأنه ~~جاء بمبادىء جديدة، لا ظلم فيها، ولا قهر، ولا استبداد، ولا رشوة، ولا ~~فساد. إذن: من عضته هذه الأحداث، وشقى بهذا الفساد سارع إلى الإيمان، ms8090 ~~وكذلك آمن أهل مصر، وما إن دخلها الإسلام حتى أسرعوا إليه، لماذا؟ لأنهم ~~شقوا قبله بحكم الرومان، وكذلك آمن الفرس بمجرد أن سمعوا بالإسلام، ~~ورأوا الأسوة الحسنة في المسلمين بعد أن عضهم فساد غير المسلمين. ~~ساعة يشقى الناس بفساد الأوضاع يتطلعون إلى منقذ، فإن جاءهم ~~اتبعوه، خاصة إن كان منهم وله فيهم ماض مشرف لم يجربوا عليه كذبا ~~ولا نقيصة. وهذا ما رأيناه مثلا في قصة إسلام سيدنا أبي بكر، فما أن ~~أعلن محمد أنه رسول الله حتى سارع إلى الإيمان به دون أن يسأله عن شيء، ~~لماذا؟ لأنه عرف صدقه، وعرف أمانته، ووثق من ذلك. ومثله كان إيمان ~~السيدة خديجة - رضي الله عنها - فما إن جاءها رسول الله مضطربا مما ~~لاقى من نزول الملك عليه حتى احتضنته، وهدأت من روعه، وأنصفته، ~~وذهبت به إلى ورقة بن نوفل لتثبت له أنه على الحق، وأن الله تعالى لن ~~يسلمه ولن يتخلى عنه. وكان مما قالت: " والله إنك لتقري الضيف، وتحمل ~~الكل، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الدهر... ". لذلك قال العلماء: ~~إن السيدة خديجة كانت أول فقيهة في الإسلام قبل أن ينزل الإسلام. وطبيعي ~~أن يكون أهل الفساد والمستفيدون منه على النقيض، فهم ينتفعون بالفساد ~~والاستبداد، ويريدون أن تظل لهم سيادتهم ومكانتهم، وأن يظل الناس ~~عبيدا لهم، يأكلون خيراتهم ويستذلونهم. وهؤلاء الذين استعبدوا الناس، ~~وجعلوا من أنفسهم سادة بل آلهة، ويعلمون أن الرسول ما جاء إلا للقضاء ~~على سيادتهم وألوهيتهم الكاذبة، هؤلاء لا بد أن يصادموا الدعوة، لا ~~بد أن يكفروا بها، وأن يحاربوها، حفاظا على سيادتهم وسلطتهم ~~الزمنية. وعجيب أن نرى من عامة الناس من ألف هذه العبودية، ورضي هذه ~~المذلة، واكتفى بأن يعيش في كنف هؤلاء السادة مهما كانت التبعات، ~~هؤلاء وأمثالهم هم الذين قالوا: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. فبعد أن جاءهم الرسول المنقذ ما زالوا يتطلعون إلى عظيم ~~يستعبدهم. وكل من هذين الفريقين المؤمن، والكافر كان منطقيا مع نفسه، ~~فالمؤمن آمن بقلبه، ms8091 ونطق بلسانه، والكافر كفر بقلبه، وكفر بلسانه، لأنه ~~لم ينطق بكلمة التوحيد، والإنسان قلب وقالب، ولا بد في الإيمان أن ~~يوافق القالب ما في القلب. # أما الصنف الثالث وهو المنافق، فليس منطقيا مع نفسه، لأنه آمن بلسانه، ~~ولم يؤمن بقلبه، فهو جبان يظهر لك الحب، ويضمر الكره لذلك جعلهم الله ~~في الدرك الأسفل من النار. لذلك، فالعرب لما سألهم رسول الله أن ~~يقولوا: لا إله إلا الله، ليبطل بها سيادة زعماء الكفر أبوا أن يقولوها، ~~لماذا؟ لأنهم يعلمون أنها ليست كلمة تقال، إنما لها تبعات، ويترتب عليها ~~مسئوليات لا يقدرون هم على القيام بها، ولو أنها كلمة تقال لقالوها، ~~وانتهى العداء بينهم وبين رسول الله. فمعنى لا إله إلا الله: لا عبودية ~~إلا لله، ولا خضوع إلا لله، ولا تشريع إلا لله، ولا نافع إلا الله... ~~إلخ، وكيف تستقيم هذه المعاني مع من ألف العبودية والخضوع لغير الله؟ ~~والحق - تبارك وتعالى - لما تكلم هنا عن المنافقين خص المدينة، فقال ~~سبحانه { لئن لم ينته المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة.. } [الأحزاب: ~~60] فالنفاق لم يظهر في مكة، وهي معقل الكفر والأصنام، إنما ظهر في ~~المدينة، وهي التي آوت مهاجري رسول الله، وكان غالبية أهلها من أهل ~~الكتاب، وهم أقرب إلى الإيمان من الكفار، فلماذا هذه الظاهرة؟ قالوا: لإن ~~الإسلام كان ضعيفا في مكة، وصار قويا في المدينة، فالنفاق ظاهرة صحية ~~للإسلام لأنه لولا قوته ما نافقه المنافقون، فظهور النفاق في المدينة ~~دليل على قوة الإسلام فيها، وأنه صارت له شوكة، وصارت له سطوة لذلك نافق ~~ضعاف الإيمان ليأخذوا خير الإسلام، وليحتموا بحماه، وإلا فالضعيف لا ~~ينافق. نعم، ظهر النفاق في المدينة التي قال الله في حق أهلها: # والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم ~~يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة.. # [الحشر: 9]. ويقول عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها ms8092 ". # وأيضا القرآن هو الذي قال عن أهل المدينة: # ومن أهل المدينة مردوا على النفاق.. # [التوبة: 101] وهذا ليس استضعافا للمدينة، إنما إظهار لقوة الإسلام ~~فيها، بحيث أصبحت له سطوة وقوة تنافق. هنا قوله تعالى: { لئن ~~لم ينته المنافقون.. } [الأحزاب: 60] ساعة تسمع { لئن ~~لم ينته.. } [الأحزاب: 60] فاعلم أن الله تعالى أقسم بشيء وهذا ~~القول هو جواب القسم، والحق سبحانه لا يقسم إلا على الشيء العظيم، ونحن ~~البشر نقسم لنؤكد كلامنا، كما تقول: والله إن ما حدث من فلان كذا وكذا ~~سأفعل كذا وكذا. # أما الحق سبحانه، فكلامه صادق ونافذ دون قسم، فما بالك إن أقسم؟ ~~لذلك يقول بعض العارفين إذ سمع الله تعالى يقسم: من أغضب الكريم حتى ~~ألجأه أن يقسم؟ كلمة { المنافقون.. } [الأحزاب: 60] مفردها منافق، ~~مأخوذ من نافقاء اليربوع، واليربوع حيوان صغير يشبه الفأر، يعرفه أهل ~~البادية، يعيش في جحور، فيترصدونه ليصطادوه ساعة يخرج من جحره، لكن هذا ~~الحيوان الصغير فيه لؤم ودهاء، فماذا يفعل؟ يجعل لجحره مدخلين، واحد ~~معروف، والآخر مستتر بشيء، فإذا أحس بالصياد على هذا المدخل ذهب إلى ~~المدخل الآخر لذلك أشبه المنافق تماما الذي له قلب كافر ولسان مؤمن. ~~وتلحظ أن المنافقين وصفهم الله هنا بصفات ثلاث { المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة.. } [الأحزاب: 60] فالعطف هنا لا يقتضي المغايرة، إنما عطف ~~صفات مختلفة لشيء واحد، وجاءت هذه الصفات مستقلة لأنها أصبحت من ~~الوضوح فيهم، بحيث تكاد تكون نوعا منفردا بذاته. وقد وصف القرآن في ~~موضع آخر المنافقين بأن في قلوبهم مرضا، فقال سبحانه: # ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر ~~وما هم بمؤمنين * يخادعون الله والذين آمنوا ~~وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في ~~قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم ~~بما كانوا يكذبون # [البقرة: 8-10]. وفي هذا دليل على أن الواو هنا أفادت عطف صفة على صفة، ~~لا طائفة على طائفة، ومثله العطف في قوله تعالى: # والذين تبوءوا الدار والإيمان.. # [الحشر: 9] فالدار أي المدينة، وكذلك الإيمان يراد به المدينة أيضا. ~~ومعنى { والمرجفون.. ms8093 } [الأحزاب: 60] المرجف من الإرجاف، وهو ~~الهزة العنيفة التي تزلزل، ومنه قوله تعالى: # يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة # [النازعات: 7] فالمرجفون هم الذين يحاولون زلزلة الشيء الثابت، وزعزعة ~~الكيان المستقر، كذلك كان المنافقون كلما رأو للإسلام قوة حاولوا ~~زعزعتها وهزها لإضعافه والقضاء عليه. وهؤلاء هم الذين نسميهم في التعبير ~~السياسي الحديث الطابور الخامس، وهم الجماعة الذين يروجون الإشاعات، ~~ويذيعون الإباطيل التي تضعف التيار العام وتهدد استقراره. وكثيرا ما ~~قعد المنافقون يقولون: إن قبيلة فلان وقبيلة فلان اجتمعوا للهجوم على ~~المدينة والقضاء على محمد ورسالته، وهدفهم من هذه الإشاعات إضعاف وهزيمة ~~الروح المعنوية لدى المسلمين الجدد والمستضعفين منهم. حتى على مستوى ~~الأفراد، كانوا يذهبون إلى من يفكر في الإسلام، أو يرون أنه ارتاح ~~إليه، فيقولون له: ألم تعلم أن فلانا أخذه قومه، أو أخذه سيده وعذبه ~~حتى الموت لأنه اتبع محمدا، ذلك ليصرفوا الناس عن دين الله. إذن: ~~المرجف يعني الذي يمشي بالفتنة والأكاذيب ليصرف أهل الحق عن حقهم، بما ~~يشيع من بهتان وأباطيل. لذلك يهددهم الحق سبحانه: لئن لم ينته هؤلاء ~~المنافقون عن الإرجاف في المدينة وتضليل الناس ليكونن لنا معهم شأن ~~آخر، كان هذا وقت مهادنة ومعاهدة بين المسلمين واليهود وأتباعهم من ~~المنافقين، وكأن الله تعالى يقول: لقد سكتنا على جرائمهم إلى أن قويت ~~شوكة الإسلام، أما وقد صار للإسلام شوكة فإن نقضوا عهدهم معنا فسوف ~~نواجههم. # وعجيب من هؤلاء المرجفين أن يظنوا أن الله لا يعلم أباطيلهم، ولا ~~يعلمها رسوله، والله تعالى يقول: # أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج ~~الله أضغانهم * ولو نشآء لأريناكهم ~~فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول ~~والله يعلم أعمالكم # [محمد: 29-30]. ومعنى لحن القول: أن يميلوا بالكلام عن غير معناه، ومن ~~ذلك قولهم في السلام على رسول الله: السام عليكم، والسام هو الموت، وكما ~~لووا ألسنتهم بكلمة راعنا فقالوا: راعونا يقصدون الرعونة. وأغرب من ذلك ~~ما حكاه القرآن عنهم: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول.. # [المجادلة: 8]. فهذا القول منهم دليل على ms8094 غبائهم. أولا: لأنهم يتمنون ~~العذاب. ثانيا: لأنهم قالوا ذلك في أنفسهم لم يقولوا للناس، ولم يقولوا ~~حتى لبعضهم البعض لأن يقولون جمع، و في أنفسهم جمع، فكأن كلا منهم كان ~~يقول ذلك في نفسه. إذن: ألم يسأل واحد منهم نفسه: من الذي أعلم رسول ~~الله بما في نفسي؟ ألا يدل ذلك على أن محمدا موصول بربه، وأنه لا ~~بد فاضحهم، وكاشف مكنونات صدورهم، إذن: هذا غباء منهم. والمتتبع ~~لتاريخ اليهود والمنافقين في المدينة يجد أن الإسلام لم يأخذهم على ~~غرة، إنما أعطاهم العهد وأمنهم ووسع لهم في المسكن والمعيشة طالما ~~لم يؤذوا المسلمين، لكن بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم ~~يتناجون بالإثم والعدوان، فبعث إليهم ونهاهم عن التناجي بالإثم ~~والعدوان، لكنهم عادوا مرة أخرى، كما قال القرآن عنهم # ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون ~~لما نهوا عنه # [المجادلة: 8]. إذن: لم يبق إلا المواجهة على حد قول الشاعر: # أناة فإن لم تغن عقب بعدها # وعيدا فإن لم يغن أغنت عزائمه # لذلك يأتي جواب الشرط: { لئن لم ينته المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم.. } [الأحزاب: 60]. فجواب الشرط: { ~~لنغرينك بهم.. } [الأحزاب: 60] من الإغراء، وهو باب من أبواب ~~الدراسات النحوية اسمه الإغراء، ويقابله التحذير، الإغراء: أن تحمل ~~المخاطب وتحببه في أمر محبوب ليفعله، كما تقول لولدك مثلا: الاجتهاد ~~الاجتهاد. أما التحذير فأن تخوفه من أمر مكروه ليجتنبه، كما تقول: ~~الأسد الأسد، أو الكسل الكسل. فمعنى { لنغرينك بهم.. } ~~[الأحزاب: 60] أي: نسلطك عليهم، ونغريك بمواجهتهم والتصدي لهم، ~~فكأن هذه المواجهة صارت أمرا محبوبا يغرى به لأنها ستكون جزاء ما ~~فزعوك وأقلقوك. وما دمنا سنسلطك عليهم، وما دمتم ستصيرون إلى قوة وشوكة ~~تغرى بعدوها، فلن يستطيعوا البقاء معكم في المدينة. { ثم لا ~~يجاورونك فيهآ إلا قليلا } [الأحزاب: 60] أي: في المدينة، ~~وكلمة { إلا قليلا } [الأحزاب: 60] يمكن أن يكون المعنى: قليل ~~منهم، أو قليل من الزمن ريثما يجدوا لهم مكانا آخر، يرحلون إليه ~~مشيعين بلعنة الله. # { ملعونين أينما ثقفوا أخذوا ms8095 وقتلوا ~~تقتيلا } [الأحزاب: 61]. الملعون: المطرود من رحمة الله، أو مطرودون ~~من المدينة بعد أن كشف الله دخائل نفوسهم الخبيثة لذلك طردهم رسول ~~الله من المسجد لأنهم كانوا من خبثهم ولؤمهم يدخلون المسجد، بل ~~ويصلون في الصف الأول، يظنون أن ذلك يستر نفاقهم. لكن رسول الله كان ~~يطردهم بالاسم: يا فلان، يا فلان، فكان صلى الله عليه وسلم يعرفهم، ولم ~~لا وقد قال الله له: # ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم.. # [محمد: 30]. ومعنى { أينما ثقفوا.. } [الأحزاب: 61] أي: ~~وجدوا { أخذوا.. } [الأحزاب: 61] أي: أسروا { وقتلوا ~~تقتيلا } [الأحزاب: 61] ولاحظ المبالغة في { وقتلوا.. } ~~[الأحزاب: 61] والتوكيد في { تقتيلا } [الأحزاب: 61] يعني: اقتلوهم ~~بعنف، ولا تأخذكم فيهم رحمة جزاء ما ارتكبوه في حق الإسلام والمسلمين. ~~ولأن المنافق الذي طبع على النفاق صارت طبيعته مسمومة ملوثة لا تصفو ~~أبدا، فالنفاق في دمه يلازمه أينما ذهب، ولا بد أن ينتهي أمره إلى ~~الطرد من أي مكان يحل فيه. لذلك، فمع أن الله تعالى قطعهم في الأرض ~~أمما، إلا أن كل قطعة منهم في بلد من البلاد لها تماسك فيما بينها، بحيث ~~لا يذوبون في المجتمعات الأخرى فتظل لهم أماكن خاصة تعرف بهم، وفي كل ~~البلاد تعرف حارة اليهود، لكن لا بد أن يكتشف الناس فضائحهم، وينتهي ~~الأمر بطردهم وإبادتهم، وآخر طرد لهم ما حدث مثلا في ألمانيا. وصدق الله ~~حين قال فيهم: # وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم ~~القيامة من يسومهم سوء العذاب # [الأعراف: 167]. ثم يقول الحق سبحانه: { سنة الله في ~~الذين... }. ### || [33.62] # بعد أن بين الحق سبحانه نهاية أعدائه بالتقتيل وانتصار رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، أوضح أن هذا ليس شيئا جديدا في موكب الرسالات، إنما هي سنة ~~متبعة ومتواترة، وهل رأيتم في موكب الرسالات رسولا أرسله الله، ثم خذله ~~أو تخلى عنه، وانتهى أمره بنصر أعدائه عليه؟ والسنة: هي الطريقة ~~الفطرية الطبيعية المتواترة التي لا تتخلف أبدا، فالأمر إذا حدث مرة ~~أو مرتين لا يسمى سنة، فالسنة إذن لها رتابة واستدامة. فالمراد بالسنة ~~هنا غلبة الحق على الباطل ms8096 { في الذين خلوا.. } [الأحزاب: 62] ~~يعني: الذين مضوا من الأمم السابقة، وما زالت سنة الله في نصر الحق ~~قائمة، وستظل إلى قيام الساعة لأنها سنة. { ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا } [الأحزاب: 62] نعم لا تتبدل ولا تتغير لأنها سنة ~~من؟ سنة الله، والله سبحانه ليس له نظير، وليس له شريك يبدل عليه، أو ~~يستدرك على حكمه بشيء. بعد ذلك أراد الحق سبحانه أن يخبرنا أن المنهج ~~الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربه وفيه أوامره، وفيه ~~نواهيه، وفيه سبل الخلاص من الخصوم، هذا المنهج لا بد أن يحترم ~~لأنه سيسلم الناس جميعا إلى حياة أخرى يستقبلون فيها استقبالا، لا ~~ينفعهم فيه إلا أعمالهم. حياة أخرى يعيشون فيها مع المسبب سبحانه، لا ~~مع الأسباب فإياكم أن تظنوا أن الله خلقكم ورزقكم وتنعمتم بنعمه في ~~الدنيا، وانتهت المسألة، وأفلت من عقابه من خرج على منهجه، لا بل ~~تذكروا دائما أنكم راجعون إليه، ولن تفلتوا من يده. ### || [33.63] # سئل رسول الله كثيرا عن الساعة، والسؤال ظاهرة صحية إذا كان في الأمر ~~التكليفي لأن السؤال عن التكاليف الشرعية دليل على أن السائل آمن برسول ~~الله، وأحب التكليف، فأراد أن يبني حركة حياته على أسس إسلامية من ~~البداية. فعلى فرض أن الإسلام جاء على أشياء كانت متوارثة من الجاهلية ~~فأقرها الإسلام، فيأتي من يسأل عن رأي الإسلام فيها حرصا منه على ~~سلامة دينه وحركة حياته. لكن أراد الحق سبحانه أن يهون المسائل على ~~الناس، فقال سبحانه: # يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن ~~تبد لكم تسؤكم.. # [المائدة: 101]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم ~~على أنبيائهم ". # إذن: السؤال المطلوب هو السؤال عن الأمور التكليفية التي تهم المسلم، ~~حتى وإن كانت من أمور الجاهلية، وقد أقر الإسلام كثيرا منها، فالدية ~~مثلا في الإسلام جاءت من جذور كانت موجودة عند الجاهليين وأقرها ~~الإسلام، وقد أمر الله تعالى المسلم بأن يسأل عن مثل هذه ms8097 المسائل في ~~قوله تعالى: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43]. أما السؤال عن الساعة، فالساعة أمر غيبي لا يعلمه إلا ~~الله، فهو سؤال لا جدوى منه، لذلك لما سئل رسول الله: متى الساعة؟ قال ~~للسائل: " وماذا أعددت لها " فأخذه إلى ما ينبغي له أن يسأل عنه ويهتم ~~به. وهذه الآية الكريمة { يسألك الناس عن الساعة.. } ~~[الأحزاب: 63] جاءت بعد معركة الإيذاء لله تعالى، والإيذاء لرسوله ~~وللمؤمنين به، هذا الإيذاء جاء ممن لا يؤمنون بالسماء، ولا يؤمنون ~~بالله، ولا يؤمنون بالبلاغ عن الله بواسطة رسوله. وإيذاء هؤلاء لله تعالى ~~هو في الحقيقة إيذاء لأنفسهم لأنه لا يصل إلى الله تعالى، والله يريد لهم ~~الخير لأنهم عباده وصنعته، فحين يخرجون على منهجه فإنما يؤذون أنفسهم، ~~أما إيذاؤهم لرسول الله فقد آذوه صلى الله عليه وسلم في أهله وفي نفسه، ~~فقد تعرضوا له صلى الله عليه وسلم بما يتأبى عنه أي إنسان كريم، ~~آذوه بالقول وبالفعل، ومع ذلك صبر صلى الله عليه وسلم، وصبر أصحابه، وقد ~~أوذوا في أنفسهم وفي أموالهم. والمتأمل يجد أن هذا الإيذاء مقصود وله ~~فلسفة، فقد أراده الله تعالى ليمحص المؤمنين، وليرى - وهو أعلم سبحانه ~~- من يثبت على الإيمان لذلك قال تعالى: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2]. وسبق أن أوضحنا أن الإيمان ليس كلمة تقال، إنما ~~الإيمان مسئولية وعمل، ولهذا السبب امتنع كفار مكة عن النطق بكلمة ~~الإيمان لأنهم يعلمون حقيقتها، وهم أهل بيان وفهم للأساليب وللمعاني. # وثبات سيدنا رسول الله وصبره هو والذين آمنوا معه دليل على أنهم أجروا ~~مقارنة بين هذا الإيذاء في الدنيا من بشر له قدرة محدودة، وإيذاء الله ~~سبحانه في الآخرة، وهذا إيذاء يناسب قدرته تعالى، ولا يمكن أن يفر منه ~~أحد. إذن: نقول: إن للإيذاء فلسفة مقصودة، وإلا فقد كان من الممكن أن ~~يأخذ الله أعداء دينه أخذ عزيز مقتدر، كما أخذ قوم نوح بالطوفان، وقوم ~~فرعون بالغرق، وكما خسف بقارون الأرض، لكن أراد سبحانه أن ms8098 يعذب هؤلاء ~~بأيدي المؤمنين وبأيدي رسول الله، وربما لو نزلت بهم أخذه عامة لقالوا: ~~آية كونية كالزلازل والبراكين مثلا لذلك قال تعالى مخاطبا المؤمنين: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم.. # [التوبة: 14]. ثم يصبر الحق سبحانه نبيه ويسليه: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. إذن: رد الحق سبحانه على هذا الإيذاء جاء على نوعين: نوع ~~في الدنيا بأن ينصر الله نبيه عليهم، كما بشره الله بقوله: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. والآخر رد أخروي يوم القيامة لذلك قال تعالى: { ~~يسألك الناس عن الساعة.. } [الأحزاب: 63]. والسؤال الذي ~~سئله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متوجها إلى أمرين: الأول: ~~إعجازي لأنهم كانوا يعلمون من كتبهم وأنبيائهم بعض الأمور، فيريدون أن ~~يحرجوا بها رسول الله حين يسألونه عنها، فلم يجدوا جوابا، وهم يعرفون ~~أن رسول الله أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولم يجلس أبدا إلى معلم، لكن ~~الحق سبحانه كان يسعف رسوله ويعلمه الجواب، فيجيب عليهم الجواب ~~الصحيح، فيموتون غيظا، ويتمحكون في أي مسألة ليثبتوا لأنفسهم أن ~~محمدا لا يعلمها. من ذلك مثلا سؤالهم عن أهل الكهف: كم لبثوا؟ فأجابهم ~~الله تعالى: # ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا ~~تسعا # [الكهف: 25] فقالوا: نحن نعلم أنها ثلاثمائة، فمن أين هذه الزيادة؟ ~~وجهلوا أن توقيت المناسك الإلهية في الدين إنما يقوم على التقويم الهلالي ~~لا على حركة الشمس لأن مقتضى ما تعطيه لنا الشمس أن نعلم بها بداية ~~اليوم ونهايته، لكن لا نعرف بها أول الشهر ولا آخره. أما التوقيت العربي ~~الهلالي، فله علامة مميزة هي ظهور الهلال أول الشهر، وإذا ما قارنت بين ~~التقويم الهلالي والتقويم الميلادي تجد أن كل سنة هجرية تنقص أحد عشر ~~يوما عن السنة الشمسية، فالثلاثمائة سنة الميلادية تساوي في السنة ~~الهجرية ثلاثمائة وتسعة. فكأنهم أرادوا تجهيل محمد، فنبههم الله إلى ~~أنهم هم الجهلة. وعجيب أن يعترض اليهود على هذا التوقيت، مع أنه التوقيت ~~العبادي لسيدنا موسى عليه السلام، ألم يقل سبحانه: # وواعدنا موسى ثلاثين ms8099 ليلة وأتممناها بعشر ~~فتم ميقات ربه.. # [الأعراف: 142]. إذن: فقوله تعالى: # وازدادوا تسعا # [الكهف: 25] فيه إعجاز أدائي بليغ، يدل على أن التسع سنين إنما جاءت ~~زيادة من داخل الثلاثمائة، وليست خارجة عنها. # ثم سألوه صلى الله عليه وسلم عن رجل جوال، فأنزل الله: # ويسألونك عن ذي القرنين.. # [الكهف: 83]. فكان ينبغي أن يلفتهم ذلك إلى صدق محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وأن يسألوا أنفسهم: من أين له هذا العلم، وهو الأمي الذي لم يجلس ~~مرة إلى معلم؟ لذلك قلنا: إن الأمية عيب في كل إنسان، إلا أنها ~~كانت شرفا وميزة في رسول الله بالذات لأنها تعني في حق رسول الله أنه ~~لم يعلمه بشر كما اتهموه، إنما علمه ربه. كذلك كانت الأمة التي نزل ~~فيها القرآن أمة أمية، وهذا أيضا شرف في حقها، فلو أن هذه الأمة كانت ~~أمة علم وثقافة لقالوا عن الإسلام: إنه قفزة حضارية، لكنها كانت أمة ~~أمية يسودها النظام القبلي، فلكل قبيلة قانونها ونظامها، ولكل قبيلة ~~رئيسها، ومع ذلك خرج منهم من جاء بنظام عام يصلح لسياسة الدنيا كلها، ~~إلى أن تقوم الساعة، وهذا لا يتأتى إلا بمنهج إلهي. إذن: الأمية في ~~العرب شرف، وعجزهم عن محاكاة القرآن، والإتيان بمثله أيضا شرف لهم، ~~فكون الحق سبحانه يتحداهم بأسلوب القرآن دليل على عظمتهم في هذا ~~المجال، وإلا فأنت لا تتحدى الضعيف إنما تتحدى القوي في مجال التحدي، ~~فكأن تحدي الله العرب شهادة منه سبحانه بأنهم أفصح الخلق لذلك جاءهم ~~بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه. ثم يسأل اليهود رسول الله عن الساعة { ~~يسألك الناس عن الساعة.. } [الأحزاب: 63] وهم يسألون عن ~~الساعة يعني: عن يوم القيامة لأنهم ينكرونه، ومن مصلحتهم ألا يكون هذا ~~اليوم، حتى لا يقفوا موقف المساءلة والحساب على ما أجرموه في الدنيا من ~~ظلم وشرك وعربدة وسفك للدماء، ولغو في أعراض الناس. ولو بحث هؤلاء ~~قضية القيامة والحساب بالعقل - لا بنصوص القرآن - لوجدوا أنها أمر منطقي ~~لا بد أن يحدث، فمثلا نحن عاصرنا الحزب الشيوعي في روسيا ms8100 سنة 1917، ~~ورأينا كيف أخذوا الإقطاعيين والرأسماليين وعذبوهم، وفعلوا بهم ~~الأفاعيل، وصادروا ممتلكاتهم جزاء لهم على ظلمهم للناس، وكنا نقول لهم: ~~نعم هذا أمر منطقي أن تقتص من الظالم، لكن ما بال كثير من الظلمة ~~الذين ماتوا أو لم تدركوهم وأفلتوا من قبضتكم؟ بالله، لو جاء شخص ودلكم ~~على مكان أحد الظلمة هؤلاء، ألستم تحمدون له هذه المساعدة؟ فكيف به لو ~~قال: بل سأحضره وأحاسبه وأقتص منه، أليست هذه إعانة لكم على مهمة ~~الانتقام من الظالمين؟ لذلك نقول: كان من الواجب أن يكون الشيوعيون أول ~~الناس إيمانا بيوم القيامة وبالبعث والحساب ليتداركوا من أفلت من ~~أيديهم. شيء آخر: ألستم تضعون - في أي نظام من أنظمتكم الوضعية - ~~القوانين المنظمة؟ ما معنى القانون: القانون قواعد تحدد للمواطن ما له ~~وما عليه، أليس في قوانينكم هذا مبدأ الثواب للمحسن، والعقاب للمقصر؟ ~~إذن: كل مجتمع لا بد أن تكون فيه عناصر خارجة على نظامه، وتستحق ~~العقوبة، فمن استطاع أن يدلس على المجتمع، وأن يداري جريمته ما ~~حظه من العقوبة، وقد استشرى فساده وكثر ظلمه؟ إذن: لا بد أن نؤمن ~~بقدرة أخرى لا يخفى عليها أحد، ولا يدلس عليها أحد، ولا يهرب منها ~~أحد، قدرة تعرف الخفايا وتفضحها وتحاسب أصحابها. # هذه القضية لا بد أن تسوقك إلى فطرية الإيمان بالله تعالى، وأنه ~~سبحانه خبير عالم # وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في.. # [الأنعام: 59]. لماذا إذن تنكرون القيامة وأنتم في أنظمتكم الدنيوية ~~تجندون الجواسيس والمخابرات،وتحصون همس الناس لمعرفة الذين ~~يحتالون في ألا يراهم القانون؟ أليس من فضل الله عليكم أنه سبحانه يعلم ~~ما خفي عليكم ويقتص لكم من خصومكم؟ فقضية القيامة والحساب واضحة ~~بالفطرة لذلك تجد أن المنكرين لها هم الذين أسرفوا على أنفسهم ويخافون ما ~~ينتظرهم من العقاب في هذا اليوم، ولا يملكون إلا إنكاره وعدم الاعتراف ~~به، وكأن هذا الهروب هو الحل. وسورة الكهف تعطينا نموذجا لهؤلاء، وهو ~~صاحب الجنة الذي قال: # ومآ أظن الساعة ms8101 قائمة.. # [الكهف: 36] بعد أن أسرف على نفسه وجحد نعمة الله عليه، ولما تنبه ~~وراجع فطرته قال: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36]. فالتكذيب بيوم القيامة هو الأغلب والآكد والشك في # ولئن رددت إلى ربي.. # [الكهف: 36] يعني: وعلى فرض أني رددت إلى ربي يوم القيامة فسوف ~~يكون لي عنده أفضل مما أعطاني في الدنيا، فكما أكرمني هنا سيكرمني هناك. ~~وهذا اعتقاد خاطيء وفهم أحمق، فالله تعالى لا يكرم في الآخرة إلا من ~~أكرم نفسه باتباع منهجه في الدنيا، ومن لم يكرم نفسه هنا بمنهج الله لا ~~يكرمه الله في الآخرة. لذلك كثيرا ما نسمع: دعوت فلم يستجب لي، ~~خصوصا السيدات، جاءتني إحداهن تشتكي أنها توجهت إلى الله بالدعاء، ومع ~~ذلك البنت لم تتزوج والولد كذا والزوج كذا. فكنت أقول لها كتر خيرك أولا ~~أنك عرفت أن لك ربا تفزعين إليه وقت الشدة كما قال سبحانه: # فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا.. # [الأنعام: 43]. إنما أسألك: هل أنت أجبت الله أولا فيما طلبه منك كي ~~تنتظري منه أن يجيبك إلى ما طلبت؟ أأجبت الله في شعرك هذا؟ أأجبت ~~الله في شفايفك وتغييرك لخلقة الله؟ فكانت لا تجد جوابا، إلا أن ~~تقول: والله أنا قلبي صافي ولا أوذي أحدا... إلخ. إذن: أخذتم على الله ~~أنكم دعوتم فلم يستجب لكم، ولم تأخذوا على أنفسكم أنه سبحانه دعاكم ~~أولا وناداكم فلم تستجيبوا لندائه، احرصوا أولا على إجابة نداء الله، ~~وثقوا أنه سبحانه سيجيبكم. # نعود إلى ما كنا بصدده من الحديث عن السؤال في القرآن الكريم، فسؤالهم ~~عن الساعة إما ليتأكد السائل أنها ستحدث، وإما لأنه يستبطئها ويريدها ~~الآن. ومادة السؤال جاءت كثيرا في كتاب الله لأن القرآن لم ينزل على ~~رسول الله جملة واحدة، إنما نزل منجما حسب الأحداث ليعطيهم الفرصة ~~للسؤال، وجاء السؤال إما لتحدي رسول الله، وإما للاستزادة من أحكام الله ~~التي أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا جاء ممن عشقوا ~~الإيمان، فأحبوا أن تبني حركة حياتهم على هدى الإيمان. ms8102 حتى المسائل ~~التي كانت لها جذور في الجاهلية راحوا يسألون عنها، لماذا، مع أن الإسلام ~~أقرها؟ قالوا: لأنهم أرادوا أن يبنوا أعمالهم على العبادة، لا على ~~العادة الجاهلية. والقرآن حينما عرض لهذه الأسئلة قال مرة: # ويسألونك عن المحيض قل هو أذى.. # [البقرة: 222] فرسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سئل هذا السؤال لم ~~يقل: هو أذى لأن الجواب ليس من عنده، إنما هو مبلغ عن الله، والله ~~هو الذي يقول، فقال # قل هو أذى.. # [البقرة: 222] فكلمة قل هذه من مقول الله تعالى، وأنا أقولها كما هي. ~~لذلك نعجب ممن ينادي بحذف كلمة قل من القرآن، بحجة أنها لا تضيف ~~جديدا للمعنى في حين أنها دليل على صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ودليل على أن ما جاء به ليس من عنده إنما من عند الله وهو مبلغ ~~فحسب، فربه قال له قل وهو يقولها كما هي # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو.. # [البقرة: 219]. وفي موضع آخر: # يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير ~~فللوالدين والأقربين.. # [البقرة: 215]. لكن قل تأتي مرة مقترنة بالفاء، ومرة أخرى غير مقترنة ~~بها، فلماذا؟ هذا ملمح إعجازي في أداء القرآن، لأن الجواب بقل يعني ~~أن السؤال قد حدث بالفعل، مثل # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج.. # [البقرة: 189]. أما الجواب حين يقترن بالفاء، فإنه يعني وجود شرط، ~~فالسؤال لم يحدث بالفعل، إنما سيحدث في المستقبل، كما في قوله تعالى: # ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا # [طه: 105]. والمعنى: إن سألوك في المستقبل عن الجبال فقل ينفسها ربي ~~نسفا، فالجواب معد مسبقا لسؤال لم يسأل بعد، لكنه لا بد ~~أن يسأل، وأن يقع منهم، وهذا وجه آخر من وجوه الإعجاز في القرآن ~~الكريم، وإلا فقد كان بإمكانهم ألا يسألوا، لكن هيهات أن ينقض أحد ~~كلام الله، أو ينقض علمه تعالى. ما دام الله قال فلا بد أن يقولوا، ~~وهذه المسألة أوضحناها في قوله تعالى: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما ms8103 كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد # [المسد: 1-5]. فحكم الله تعالى على هذا الكافر العنيد أنه سيموت على ~~كفره، وسيكون مصيره وزوجته النار، وقد سمع أبو لهب وامرأته هذه الآية، ~~وعرفوا صدقها، لكنه مع ذلك لم يؤمن ولو نفاقا، وقد آمن من هو أشد ~~كفرا وعنادا، أمثال: عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد وغيرهما. لكن الذي ~~حكم وأخبر أنه لن يؤمن يعلم أنه سينتهي إلى هذه النهاية مهما حذره ~~وأنذره لذلك كان أبو لهب مثالا لغباء الشرك، فلو أنه جاء في محفل من ~~محافل قريش بعد نزول هذه السورة، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله لأحرج رسول الله وكذب القرآن، لكن لم يحدث شيء من ~~هذا، وما كان ليحدث بعد أن قال الله، مع أنه حر مختار. وفي آية واحدة ~~من كتاب الله وردت الإجابة عن السؤال غير مصدرة قل ولا فقل، وهي ~~قوله سبحانه: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب.. # [البقرة: 186]، لماذا؟ قالوا: لأن السؤال هنا عن ذات الله تعالى لذلك ~~جعل الجواب منه سبحانه مباشرة بلا واسطة لأن المقام مقام سؤال عن قريب ~~مباشر لك، كذلك جاءت الإجابة مباشرة. هذا عن السؤال، أما عن الساعة التي ~~سألوا عنها، فكلمة الساعة حين نطلقها في هذا العصر نريد بها الآلة ~~المعروفة التي تحدد أجزاء الوقت من ليل أو نهار بالسوية، فليس هناك ساعة ~~أكبر من ساعة. والعرب حينما اخترعوا الساعة أو المزولة، كانت ساعة ~~دقاقة بالماء، وهي عبارة عن خزان يقطر منه الماء قطرة قطرة، وكلما نزلت ~~قطرة الماء حركت عقارب الساعة بالتساوي، وسميت ساعة بالذات لأن ~~الساعة هي أقرب أجزاء الوقت لليل أو للنهار، وبعد ذلك عرفنا الدقيقة ~~والثانية والجزء من الثانية. وقد حرص العرب بالذات على حساب الوقت، ~~وفكروا في آلة تضبطه لأن الإسلام يقوم على عبادات موقوتة لا بد أن ~~تؤدى في وقتها، من هنا اخترعوا الساعة. وكأن الحق سبحانه استعار فطرة ~~البشر منهم، حين ms8104 سمى القيامة الساعة فالساعة التي تنتظرونها هي آلة ~~مواقيتكم في الحركة لذلك قال شوقي رحمه الله: # دقات قلب المرء قائلة له # إن الحياة دقائق وثوان # والحق سبحانه يقول: # ويوم تقوم الساعة.. # [الروم: 55] أي القيامة: # يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة.. # [الروم: 55] أي ساعتكم وآلتكم التي تعارفتم عليها لضبط الوقت، فجمع ~~سبحانه بين الساعة الفاصلة بالقيامة، وبين الساعة التي هي جزء من الليل، ~~أو من النهار. والمعنى: { يسألك الناس عن الساعة.. } ~~[الأحزاب: 63] يعني: أتوجد أم لا توجد؟ وإذا كانت توجد، قالوا: # فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # [الأعراف: 70]. الحق سبحانه تكلم في السؤال عن الساعة في موضعين: هنا ~~{ يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند ~~الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } ~~[الأحزاب: 63]. وفي سورة الشورى: # الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما ~~يدريك لعل الساعة قريب # [الشورى: 17]. ونلحظ أولا أن كلمة قريب جاءت بدون تأنيث، والساعة ~~مؤنثة، فلم يقل قريبة، قالوا: لأن المراد وقت قيامها: وما يدريك لعل ~~وقت قيامها قريب. وقال اللغويون: إن قريب على وزن فعيل، وهذا الوزن يستوي ~~فيه المذكر والمؤنث، كما في قوله سبحانه: # والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4]. ثم في الآية الأولى جاء بالفعل تكون، فقال: { تكون ~~قريبا } [الأحزاب: 63] وفي الأخرى قال: قريب لماذا؟ قالوا: لأن السؤال ~~مرة يكون عن أصل الوجود، ومرة يكون عن شيء تابع لأصل الوجود، وفي ~~الدراسات النحوية ندرس للتلاميذ كان وأخواتها، وهي فعل ماض ناقص، ~~يرفع المبتدأ وينصب الخبر، وقد تأتي كان تامة تكتفي بفاعلها كما في # وإن كان ذو عسرة.. # [البقرة: 280] يعني: إن وجد ذو عسرة. إذن: إن أردت الوجود الأول ~~فهي تامة، وإن أردت وجودا ثانيا طارئا على الوجود الأول فهي ناقصة، ~~كما لو قلت: كان زيد مجتهدا، فأنت لا تتكلم عن الوجود الأول لزيد، ~~إنما تتكلم عن شيء طرأ على وجوده، وهو اجتهاده، وهذه هي كان الناقصة لأن ~~الفعل ينبغي أن يدل على زمن وحدث، والفعل كان دل على زمن فقط، ~~فاحتاج إلى خبر ليدل ms8105 على الحدث، فكأنك قلت: اجتهد زيد.. في الزمن ~~الماضي. كذلك نقول في الوجود الأول وكان التامة: " كان الله ولا شيء معه ~~" هذا هو الوجود الأعلى، فإن أردت شيئا آخر متعلقا بهذا الوجود ~~الأول تقول: # وكان الله غفورا رحيما # [النساء: 152]. فالحق سبحانه في هاتين الآيتين يرد على الذين يسألون ~~عن الساعة، إما لأنهم ينكرونها وجودا، أو يؤمنون بها، ويسألون عن وقتها، ~~فقال مرة: { لعل الساعة تكون قريبا } [الأحزاب: 63] ومرة # لعل الساعة قريب # [الشورى: 17]. كلمة # وما يدريك.. # [الشورى: 17] معنى الدراية: الإعلام، كما نقول: هل دريت بالموضوع ~~الفلاني، يعني: علمت به. وفي علم الأصول يقسمون العلم إلى: علم ~~دراية، وعلم رواية، فلم الرواية كالذي يحفظ القرآن الكريم بالقراءات ~~السبع أو العشر أو الأربعة عشر، ومع ذلك ربما لا يعرف تفسيره لأن علمه ~~بالقرآن علم رواية فحسب، أما الذي تخصص في تفسيره ومعرفة معانيه ~~وأحكامه، فهذا العلم يعد علم دراية، فالدراية إذن علم بالتفصيل، ~~والرواية علم بالإجمال الكلي. ومن حكمته تعالى أن يكون حفظة القرآن ~~ليسوا من العلماء - إلا فيما ندر - لأن العالم إذا ما وقف حفظه عند ~~كلمة معينة ربما دعاه علمه إلى التصرف فيها بلفظ آخر، كما في ~~فتبينوا، فتثبتوا مثلا، أما الذي حفظ القرآن رواية فحسب، فإذا وقف أمام ~~كلمة ناسيا لها، فإنه لا يتجاوزها حتى يفتح الله عليه بما نسيه، وبذلك ~~حفظ الله كلامه. ونلحظ أن هذا الفعل جاء بصيغة المضارع # وما يدريك.. # [الشورى: 17] وجاء بصيغة الماضي # ومآ أدراك.. # [المرسلات: 14] ولكل منهما مدلول، فساعة يقول سبحانه # وما يدريك.. # [الشورى: 17] يعني: لا وسيلة إلى أن يعلمك أحد بها أبدا، لا في ~~الحال، ولا في الاستقبال. أما # ومآ أدراك.. # [المرسلات: 14] فتدل على أنه نفى أن يعلمه أحد قبل الآن، ومن الممكن أن ~~نعلمه نحن. ومن ذلك قوله تعالى: # سأصليه سقر * ومآ أدراك ما سقر * لا تبقي ولا ~~تذر # [المدثر: 26-28]. وقال: # ومآ أدراك ما يوم الفصل * ويل يومئذ ~~للمكذبين # [المرسلات: 14-15]. وقال: # الحاقة * ما الحآقة * ومآ أدراك ما الحاقة * ~~كذبت ثمود وعاد ms8106 بالقارعة # [الحاقة: 1-4]. وقال: # القارعة * ما القارعة * ومآ أدراك ما القارعة * ~~يوم يكون الناس كالفراش المبثوث # [القارعة: 1-4]. وقال: # فلا اقتحم العقبة * ومآ أدراك ما العقبة * فك ~~رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة # [البلد: 11-14]. وقال: # وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * ومآ ~~أدراك ما هيه * نار حامية # [القارعة: 8-11]. وقال: # ومآ أدراك ما يوم الدين * ثم مآ أدراك ما يوم ~~الدين * يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر ~~يومئذ لله # [الانفطار: 17-19]. وقال: # إنا أنزلناه في ليلة القدر * ومآ أدراك ما ~~ليلة القدر * ليلة القدر خير من ألف شهر # [القدر: 1-3]. وهكذا في كل وما أدراك تعني: أنك لم تكن تعرفه من ~~قبل، لكن سيخبرك الله به، أما صيغة { وما يدريك.. } [الأحزاب: 63] ~~فتعني أن هذا الشيء المبهم سيظل كذلك مبهما لا يطلعك الله عليه، ومن ~~هذه الأمور وقت قيام الساعة { وما يدريك لعل الساعة ~~تكون قريبا } [الأحزاب: 63]. ولم يخبر الحق سبحانه عن وقتها لأن ~~الإبهام قد يكون أوضح البيان، فالله تعالى أبهم عنا ساعة الموت، فلا ~~يدري أحد منا متى يموت، وهذا الإبهام جعلك تنتظره في كل لحظة من لحظات ~~حياتك، فالحقيقة أنه بهذا الإبهام أوضحه كل الإيضاح. كذلك أبهم الله ~~مثلا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان لأنه سبحانه لا يريدك ~~متعبدا ليلة واحدة، إنما يريدك متعبدا طوال هذه العشر لتستزيد من ~~الثواب وتحب العبادة لذاتها لا لمجرد الثواب عليها. وكذلك أخفى الله ~~تعالى عنا وقت الساعة، لكي نتوقعها في كل وقت، وننتظرها كل لحظة، وهذا ~~أدعى للاستقامة والخوف من المعصية، ومن أدراك أن تقوم الساعة وأنت ~~على معصية الله، إذن: الإبهام هنا عين البيان. وهو مقصد من مقاصد الحق ~~سبحانه ليشيع الحكم في كل زمان، وإلا لو عرف الإنسان أجله لسار في ~~الدنيا كما نقول على حل شعره يعربد فيها كما يشاء، ثم يتوب قبل الموت ~~لذلك لم يجعل الله تعالى للموت سببا، فحين لا ترى سببا قل مات لأنه ~~يموت، وصدق من قال: والموت ms8107 من دون أسباب هو السبب. # ورحم الله شوقي حين قال في الموت: # في الموت ما أعيا وفي أسبابه # كل امري رهن بطي كتابه # أسد لعمرك من يموت بظفره # عند اللقاء كمن يموت بنابه # إن نام عنك فكل طب نافع # أو لم ينم فالطب من أذنابه # وكثيرا ما نرى المريض يموت بسبب حقنة أعطاها له الطبيب، أو عملية ~~جراحية غير موفقة. وصدق من قال: # سبحان من يرث الطبيب وطبه # ويرى المريض مصارع الآسينا # لكن مع ذلك، يجعل الله لها علامات لطفا بنا ورحمة، علامات صغرى ~~وعلامات كبرى لذلك يقول سبحانه عن الساعة: # إن الساعة آتية أكاد أخفيها.. # [طه: 15]. يعني قاربت أن أزيل خفاءها بالعلامات الصغرى، والعلامات ~~الكبرى، لأنها أصبحت قريبة، وقلنا: إن الهمزة في أخفيها همزة إزالة يعني: ~~أزيل خفاءها، مثل همزة أعجم تقول: أعجم الكتاب أي: أزال عجمته وإبهامه ~~بوضع النقط على الحروف، ومنه سميت الكتب التي توضح معاني المفردات: ~~معاجم. وقد تكون الإزالة بالتضعيف مثل قشرت البرتقالة يعني: أزلت ~~قشرتها. فمعنى # وما يدريك.. # [الشورى: 17] أي: لا أحد سيخبرك بها ولا أنا، وكما ضن الحق بعلمها ~~على الخلق جميعا فقد ضن على نبيه وحبيبه محمد، ولو كان مخبرا ~~بها لأخبر نبيه، حتى ولو سرا بينه وبينه، دون أن يبلغ الناس بها، ~~لكن أبدا لا هذه ولا هذه لذلك كان سيدنا رسول الله إذا سئل عن الساعة ~~قال: # " ما المسئول عنها بأعلم من السائل ". # ثم يقول الحق سبحانه: { إن الله لعن الكافرين... }. ### || [33.64-65] # لعنهم يعني: طردهم من رحمته تعالى، وأبعدهم أي: في الدنيا { وأعد ~~لهم سعيرا } [الأحزاب: 64] يعني نارا تستعر وتتأجج وتتوهج، وهذا ~~في الآخرة في اليوم الذي قال الله فيه: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30]. وهذه النار المتأججة باقية دائمة لا تنتهي { خالدين فيهآ ~~أبدا.. } [الأحزاب: 65] وسمعنا بعض العلماء يقولون عن الأبدية أنها ~~ذكرت في كل الآيات التي تحدثت عن نعيم الجنة، لكنها لم تذكر في ~~عذاب الكفار يوم القيامة. وصاحب هذا القول لم يستقرئ ms8108 كتاب الله جيدا، ~~فقد ذكر هذا اللفظ: { خالدين فيهآ أبدا.. } [الأحزاب: 65] في ~~موضعين: أحدهما هذا الذي نحن بصدده، والآخر في سورة الجن في قوله سبحانه: # ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيهآ أبدا # [الجن: 23]. وهذا مظهر من مظاهر رحمة الله تعالى بعباده أن يأتي لفظ ~~التأبيد في كل آيات الجنة، ولا يأتي إلا في موضعين لأهل النار، ذلك لأن ~~رحمة الله سبقت غضبه، فاقتضى ذلك أن يبشر المؤمنين بتأبيد النعيم ~~ودوامه. أما في جزاء الكافرين، فيقول: { خالدين فيهآ.. } [الأحزاب: ~~65] ولا يذكر لفظ التأبيد، لعل ذلك يحنن قلوب هؤلاء، ويعطفهم إلى طريق ~~الله الرحيم بهم. وذكر لفظ التأبيد في هاتين الآيتين ليحقق المبدأ ~~ويقرره فحسب، ومن رحمته تعالى أن تسبق رحمته في البشارة، وتتلطف ~~بالنذارة. فهذه الحكمة الإلهية مقصودة، وكانت تؤتي ثمارها المرجوة. ~~فكانت بابا لإيمان الكثيرين من الكفار، وسبق أن ذكرنا قصة سيدنا ~~إبراهيم - عليه السلام - لما جاءه ضيف وطرق بابه، فسأله عن دينه، فلما ~~علم أنه غير مؤمن أغلق الباب في وجهه، فانصرف الرجل، لكن سرعان ما عاتب ~~الله تعالى نبيه إبراهيم في ذلك وقال له: يا إبراهيم، لقد وسعته طوال ~~حياته في ملكي وهو كافر بي، أتريد أن يغير دينه في ليلة تستضيفه ~~فيها. فهرول إبراهيم - عليه السلام - حتى لحق بالرجل، وأعاده إلى ضيافته، ~~فقال الرجل: ألم تردني عن بابك منذ قليل؟ قال: بلى، ولكن عاتبني ربي ~~فيك، فقال: نعم الرب رب يعاتب أولياءه في أعدائه، أشهد أن لا إله ~~إلا الله، وأنك رسول الله. وهم في خلودهم في النار { لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا } [الأحزاب: 65] أي: مالكا يتولى أمرهم { ~~ولا نصيرا } [الأحزاب: 65] ينصرهم أو يدافع عنهم. ### || [33.66] # بعد أن ذكر الحق سبحانه الأبدية التي ستكون للكفار في النار يذكر ~~وصفا للحالة التي سيكونون عليها في النار { يوم تقلب ~~وجوههم في النار.. } [الأحزاب: 66] التقليب معناه تغيير الأمر ~~وتصريفه من حال إلى حال، ومنه قوله تعالى: # لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد * ~~متاع قليل ثم ms8109 مأواهم جهنم وبئس المهاد # [آل عمران: 196-197]. يعني: أسفارهم ونشاطهم في حركة التجارة بين الشام ~~واليمن، وما يترتب على هذه الحركة من أموال وثروات. فقوله: { يوم ~~تقلب وجوههم في النار.. } [الأحزاب: 66] أي: تقلبهم ~~الملائكة، فكلما نضج جانب قلبوهم على الجانب الآخر كما تقلب نحن سيخ ~~الكباب على النار لتستوعبه كله، فيتم نضجه. وخص الوجه، لأنه سمة ~~الإعلام بالشخص، وأشرف أعضائه وأكرمها، ومنه أخذت الوجاهة والوجيه، ~~وكلها تدل على الشرف، ونظرا لأنه أشرف الجوارح، فالجوارح كلها تحميه ~~وتدافع عنه، وسبق أن قلنا: لو أن سيارة أسرعت بجوارك، ولطخت ثيابك ~~ووجهك بالوحل مثلا، ماذا تفعل؟ أولا: تنشغل بوجهك وتزيل ما أصابه من ~~أذى، ثم تلتفت إلى ثيابك. ولتعلم أهمية الوجه ومنزلته، اقرأ قوله تعالى: # أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة.. # [الزمر: 24] فمن شدة العذاب يتقيه بوجهه الذي هو أشرف أعضائه. أو: ~~أن معنى التقليب من عذاب إلى عذاب، وقد أعطانا الحق سبحانه صورا متعددة ~~لوجوه الكافرين في النار، والعياذ بالله، فقال مرة: # ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة.. # [الزمر: 60]. وقال: # ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * ~~أولئك هم الكفرة الفجرة # [عبس: 40-42]. وقال: # ووجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة # [القيامة: 24-25]. فالوجه هنا لا يأخذ صورة واحدة، إنما يأخذ ألوانا ~~متعددة وأحوالا شتى، تدل على تنوع ما يتعرضون له من العذاب والإيلام، ~~والوجه هو الدليل الأول على صاحبه، والمترجم عما بداخله، فحين يتغير ~~لك صاحبك مثلا تلحظ ذلك على وجهه، فتقول: ما لك تغير وجهك من ناحيتي؟ ~~أو لماذا تقلب وجهك عني؟ وهؤلاء حال تقلب وجوههم في النار، ~~يقولون: { يليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا } ~~[الأحزاب: 66] وهم الذين كانوا بالأمس يؤذون الله، ويؤذون الرسول، ~~ويؤذون المؤمنين. كلمة { يليتنآ.. } [الأحزاب: 66] كلمة تمن، وهو ~~لون من الطلب تتعلق به النفس وتريده، لكن هيهات، فهو عادة يأتي في ~~المحال، وفي غير الممكن، كما جاء في قول الشاعر: # ألا ليت الشباب يعود يوما # فأخبره بما فعل المشيب # وقول الآخر: # ليت الكواكب تدنو لي ms8110 فأنظمها # عقود مدح فما أرضى لكم كلمى # فالشباب لا يعود، والكواكب لا تدنو لأحد، لكنها أمنية النفس، كذلك ~~هؤلاء يتمنون أن لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا رسول الله، لكن هيهات ~~أن يجدي ذلك، فقد فات الأوان. ثم يذكر الحق سبحانه المقابل، فهم ما ~~أطاعوا الله وما أطاعوا رسول الله، لكن حجتهم: { وقالوا ربنآ ~~إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا... }. ### || [33.67-68] # السادة: جمع السيد، وهو الآمر المنفذ على غيره، ولا يغير عليه أحد، ~~والكبراء: هم الذين يأخذون منازل في قومهم، على قدر ما يؤدون لهم من ~~خدمات، فسيد القوم أو كبير القوم لا يتبوأ هذه المنزلة من فراغ، إنما ~~من مواهب وإمكانات تؤهله لهذه المنزلة لذلك لا يجد غضاضة في أن يقول له ~~الناس: يا سيدي. لأنه دفع ثمن هذه السيادة وهذا هو السيد الحقيقي. وقد ~~تؤخذ السيادة بالقوة والجبروت والقهر، دون أن يقدم السيد شيئا ~~يسود به قومه، وهذا تلصص على السيادة يبغضه الناس لذلك فإن الشرع ~~الإسلامي لم يغفل هذه السيادة الحقيقية، ولم يغفل وجاهة الناس ومنزلتهم، ~~فقيم ذلك كله ماليا في شركة سماها شركة الوجوه، فرأس مالي في الشركة ~~أموال، ورأس مالك وجاهتك ومحبة الناس لك ومنزلتك في المجتمع. والناس ~~يحبون هذه السيادة الحقة التي أخذها صاحبها بحقها يحبونها لأنهم ~~ينالون خيرها، وينتفعون بها على خلاف السيادة المسروقة التي أخذها صاحبها ~~عنوة، فهم لا يستفيدون منها بشيء، بل هي سيادة تضرهم، وتأكل ~~خيراتهم. لذلك قلنا في العبودية: إنها كلمة نكرهها، إن كانت عبودية بشر ~~لبشر لأنها عبودية تعطى خير العبد لسيده، إنما العز كله في أن تكون ~~العبودية لله تعالى، حيث يأخذ العبد خير سيده. وتأمل كيف كانت العبودية ~~شرفا وتكريما لسيدنا رسول الله حينما خاطبه ربه بقوله: # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا.. # [الإسراء: 1] فعبودية محمد لله هي التي أوصلته إلى هذه المنزلة التي لم ~~يصل إليها بشر سواه. وصدق الشاعر حين قال: # حسب نفسي عزا بأني عبد # يحتفي بي بلا مواعيد رب # هو ms8111 في قدسه الأعز ولكن # أنا ألقى متى وأين أحب # فإن أردت أن تقابل ربك، فالأمر في يدك، فأنت تحدد مكان المقابلة ~~وزمانها وموضوعها، في الشارع، في البيت، في العمل، في المسجد مجرد أن ~~تتوضأ وتقول: الله أكبر تصبح في حضرة ربك، ثم أنت الذي تنهي المقابلة ~~إن شئت، وربك عز وجل لا يمل حتى تملوا. فأي عز فوق هذا؟ في ~~حين أنك إن أردت أن تقابل رئيسا مثلا أو وزيرا فدون هذا اللقاء ~~عقبات ومصاعب، وليس لك من أمر هذا اللقاء شيء، فهو الذي يحدد لك الزمان ~~والمكان، حتى ما تقوله، وهو الذي ينهي المقابلة. أنت في عبوديتك لله ~~تعالى، ربك هو الذي يطلبك لحضرته، ويغضب إن دعاك ولم تجب، فنعم ~~الرب ربك، ونعمت العبودية عبوديتك له سبحانه. وهنا يلقى الكفار ~~باللائمة على سادتهم وكبرائهم { إنآ أطعنا سادتنا ~~وكبرآءنا فأضلونا السبيلا } [الأحزاب: 67] ويريدون ~~الانتقام منهم، وأن ينفسوا عن أنفسهم بأن يروهم في العذاب جزاء ما ~~أوقعوهم في الشرك، وزينوا لهم المعصية. # فيقولون: { ربنآ آتهم ضعفين من العذاب.. } [الأحزاب: ~~68] أي عذاب مضاعف لأن ضلالهم كان كذلك مضاعفا، فقد ضلوا في ~~أنفسهم، وأضلوا غيرهم. وفي موضع آخر يحكى لنا القرآن قول الكافرين يوم ~~القيامة: # ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين # [فصلت: 29]. وفي آيات كثيرة يحكى لنا القرآن حوارات تدور بين الكافرين، ~~يلقى كل منهم التهمة على الآخر، كما حكى عن إبليس قوله: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ ~~أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي إني كفرت ~~بمآ أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب ~~أليم # [إبراهيم: 22]. ولم يكتفوا بمضاعفة العذاب لسادتهم، إنما طلبوا لهم ~~اللعن، واللعن الكبير { والعنهم لعنا كبيرا } [الأحزاب: 68] ~~فاللعن لأنهم ضلوا في ذواتهم، وينبغي أن يكون كبيرا لأنهم أضلوا ~~غيرهم. ونلحظ هنا أن كل نداء للرب - تبارك وتعالى - يأتي دائما بغير ~~أداة النداء، لماذا؟ قالوا: لأن النداء له أدوات تختلف باختلاف المسافة ~~بينك ms8112 وبين المنادى، والنداء طلب الإقبال، فإن كان المنادى بجوارك تقول: ~~محمد افعل كذا، فإن كان بعيدا عنك تقول: أمحمد. والأبعد منه: يا محمد. ~~والأبعد: أيا محمد. وهذه الأدوات مبنية على مد الصوت بحسب المسافة. ~~إذن: ماذا تقول حين تنادي ربك وإن لم تكن أنت قريبا من الله، فالله ~~قريب منك؟ لا تستخدم أداة النداء لا للقريب ولا للبعيد، لذلك ورد في ~~القرآن لفظ رب منادى في خمس وستين آية بدون أداة نداء، أولها قول سيدنا ~~إبراهيم - عليه السلام -: # رب اجعل هذا بلدا آمنا.. # [البقرة: 126]. إلى قول نوح - عليه السلام -: # رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ~~وللمؤمنين والمؤمنات.. # [نوح: 28]. ويكفي في هذا القرب قول الله تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16]. لذلك لما سئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: أقريب ~~ربنا فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله: # وإذا سألك عبادي عني فإني قريب.. # [البقرة: 186]. إذن: فالله تعالى قريب منا بالفعل، وإن حدث بعد فمنك ~~أنت، وأكثر ما يكون العبد قربا من الله حين يكون مضطرا، حتى إن كان ~~بعيدا عن الله قبل الاضطرار. وفي آيتين فقط من كتاب الله نودي الرب - ~~تبارك وتعالى - بأداة النداء يا الأولى: # وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا هذا ~~القرآن مهجورا # [الفرقان: 30]. والأخرى: # وقيله يرب.. # [الزخرف: 88]. وهذان الموضعان حكاية عن كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فلماذا لم تأت أداة النداء إلا من محمد صلى الله عليه وسلم في نداء ربه؟ ~~قالوا: لأن سيدنا رسول الله كان شديد الحرص على هداية قومه ونصرة ~~دعوته، حتى خاطبه ربه بقوله: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. وقد مر رسول الله بمواقف صعبة لدرجة جعلته يستبطئ ~~نصر الله، فالله تعالى أنزل عليه: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا.. # [غافر: 51] ومع ذلك زلزل رسول الله والذين آمنوا معه كما قال سبحانه: # وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله.. # [البقرة: 214] فخاف ms8113 صلى الله عليه وسلم أن يكون بعد عن ربه، وهذا ~~البعد ما هو إلا مظنة من رسول الله، أو اتهام للنفس. فلما ذهب صلى ~~الله عليه وسلم يدعو ربه ويشتكي إليه أن قومه هجروا القرآن نادى ربه من ~~منزلة البعيد، فقال: يا رب وكأنه صلى الله عليه وسلم ظن في نفسه ~~التقصير أو الفشل في مهمته ورأى أن ذلك يبعده عن ربه، لكن أنصفه ربه ~~وأكد نداءه، بل وأقسم به، فقال الحق سبحانه: # وقيله يرب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون * ~~فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون # [الزخرف: 88-89]. أي: أقسم بقولك يا محمد: # يرب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا # [الفرقان: 30] والحق سبحانه يقسم بما يشاء على ما يشاء، يقسم ~~بالملائكة وبالجماد، يقسم بالنبات، لكن الحق - سبحانه وتعالى - لم يقسم ~~بأحد من الخلق إلا برسول الله في قوله تعالى: # لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون # [الحجر: 72]. أي: وتعميرك، أو وحياتك يا محمد. وكما أقسم سبحانه بحياة ~~نبيه محمد أقسم بقوله، فقال سبحانه: # وقيله يرب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون # [الزخرف: 88]. ثم يخاطب الحق سبحانه عباده المؤمنين، فيقول تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا ~~موسى... }. ### || [33.69] # بعد أن تكلم الحق سبحانه عن الذين آذوا الله، وآذوا رسول الله، وآذوا ~~المؤمنين دل على أن المسألة ليست تعصبا لمحمد، إنما هذا مبدأ سائد ~~في كل رسل الله، وليس معنى منع إيذاء محمد أن تؤذوا غيره من إخوانه ~~الرسل، فقال سبحانه: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا.. } ~~[الأحزاب: 69] وموسى - عليه السلام - كانت له في رحلة دعوته علاقتان: ~~علاقة مع الفراعنة، وعلاقة مع بني إسرائيل، ولم يكن موسى - عليه السلام ~~- رسولا إلى الفراعنة، إنما أرسل إلى بني إسرائيل لذلك قال موسى وهارون ~~لفرعون: # إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا ~~تعذبهم.. # [طه: 47] فهدفه تخليص بني إسرائيل من استعباد فرعون. أما دعوته لفرعون ~~إلى الإيمان بالله وإظهار المعجزة أمامه لعله يؤمن، فجاءت على هامش دعوته ~~الأساسية لبني إسرائيل، ms8114 ومع ذلك لم يسلم موسى عليه السلام من إيذاء ~~فرعون، فقال عنه # ساحر كذاب # [غافر: 24]. وقال: # إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء: 27]. وقال: # أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد ~~يبين # [الزخرف: 52]. وطبيعي أن يؤذى موسى عليه السلام من فرعون، وقد جاء ~~ليبطل ألوهيته المزعومة، لكن كيف يؤذى من بني إسرائيل، وهو الذي جاء ~~لينقذهم من قبضة فرعون، ومما كانوا فيه من العذاب والاستعباد؟ قال ~~العلماء: إن بني إسرائيل آذوا موسى حين آذوا من بعثه، الله سبحانه ~~وتعالى، فقالوا له: # أرنا الله جهرة.. # [النساء: 153]. وقالوا: # إن الله فقير ونحن أغنيآء.. # [آل عمران: 181]. وآذوا موسى حين قالوا معترضين على ما رزقهم الله من ~~المن والسلوى، فقالوا: # لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج ~~لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها ~~وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما ~~سألتم.. # [البقرة: 61]. ومعلوم أن المن هو سائل يشبه العسل، يتساقط مثل الندى ~~في الصباح من الأشجار، والسلوى طائر يشبه السمان يسوقه الله إليهم ~~دون تعب منهم، لكنهم قوم لا يؤمنون بالغيب، ولا يريدون هذا الطعام ~~الجاهز، فهم يريدون شيئا محسوسا يزرعونه، ويعدونه بأنفسهم. ثم آذوا ~~موسى عليه السلام في شخصه، حين اتهموه بقتل أخيه هارون حين صعدا الجبل، ~~ومات هارون هناك، فقالوا: إن موسى حقد على أخيه فقتله، فجعل الله ~~الملائكة تحمل جسد هارون وتمر به على بني إسرائيل وهو سليم لا جرح ~~فيه، وهذا معنى قوله تعالى: { فبرأه الله مما قالوا.. } ~~[الأحزاب: 69]. وقال آخرون: بل اتهموا موسى عليه السلام بمرض في جسده ~~لأنه عليه السلام كان شديد الحياء، ستيرا، يحتاط في ستر نفسه عند ~~استحمامه وعند قضاء حاجته، فقالوا: ما فعل ذلك إلا لعيب يريد أن يستره. # ومنهم من قال: به برص. ومنهم من تجرأ واتهمه بعيب في أعضائه ~~التناسلية، فشاء الله أن يبرئه مما قالوا، فنزل ذات يوم النهر ليستحم، ~~فأمر الله حجرا فأخذ ثيابه بعيدا عنه، ms8115 فجرى موسى عليه السلام خلف الحجر ~~وهو يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر فرأوه مبرا من العيوب التي اتهموه بها. ~~أو: أن قارون لما حصلت الخصومة بينه وبين موسى عليه السلام استأجر امرأة ~~بغيا، وقال لها: اتهمي موسى على مشهد من الناس، فشاء الله أن يجتمع ~~الناس وتنطق هي وتقول: قارون فعل كذا وكذا، فبرأه الله بذلك. والحق ~~سبحانه وتعالى يقول هنا: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا.. } ~~[الأحزاب: 69] فينفي عنه العيب، ثم يثبت له الوجاهة والشرف. { وكان ~~عند الله وجيها } [الأحزاب: 69] وأي وجاهة بعد أن أظهر الله ~~براءته، وبين كذب أعدائه، فالوجاهة هيئة تدل على أنه مقبول الرجاء، ~~مقبول الدعاء، لا يجرؤ أحد أن يرميه بعيب بعد ذلك، ولا أن يتهمه بذنب ~~لم يفعله لأنهم علموا أن لموسى ربا يحميه، ويدافع عنه. ومن عدالته ~~سبحانه وتعالى مع خلقه أن من يرمى بذنب لم يفعله يعوضه عنه ~~بأن يستر عليه ذنبا فعله، ولا يفضحه به، فواحدة بواحدة، إلا شيئا ~~واحدا كان مع موسى - عليه السلام - فحين لقي جواب الله، فكأنه غره كرم ~~ربه معه فقال: يا رب ما داموا قالوا في كذا وكذا، أسألك ألا يقال ~~في ما ليس في، فقال: يا موسى، أنا لم أفعل ذلك لنفسي، فكيف أفعله لك؟ ~~والمعنى أنهم يقولون في حق الله تعالى أكثر من ذلك. إذن: أبقى الله ~~الكفر ليطمئن كل من أنكر جميله، وكأنه يقول له: لا تحزن فأنا الخالق، ~~وأنا الرازق، ومع ذلك كفروا بي وأنكروا الجميل. ### || [33.70-71] # سبق أن تكلمنا عن معنى التقوى، وهي أن تجعل بينك وبين الله وقاية، فالحق ~~سبحانه له صفات جمال، وصفات جلال: صفات الجمال الفضل والرأفة والمغفرة ~~والغنى والنفع.. إلخ وصفات الجلال: الجبار المنتقم ذو البطش.. إلخ ~~فالتقوى أن تجعل بينك وبين صفات الجلال وقاية تقيك منها لأنك لست ~~مطيقا لبطش الله وانتقامه. ومع ذلك يقول أحد العارفين: احرص على معيتك ~~مع الله، نعم لأنك حين تجعل بينك وبين صفات الجلال ms8116 وقاية تقترب من صفات ~~الجمال. أما إذا اشتبه عليك قوله تعالى: # اتقوا الله.. # [المائدة: 112] وقوله تعالى: # واتقوا النار.. # [آل عمران: 131] فاعلم أن النار جند من جنود غضب الله، فمن يتقي الله ~~يتقي النار، فلا تعارض إذن. ومعنى: { وقولوا قولا سديدا } ~~[الأحزاب: 70] أي: قولا صادقا يوصل للحق، وكلمة سديد من سداد السهم، ~~حين يصيب هدفه ولا يخطئه، وهدفك أن تنعم بذات الله في الآخرة، وأن ~~تنفض الأسباب التي في الدنيا، وتعيش مع المسبب سبحانه. فأنت في الدنيا ~~حين تريد أن تأكل مثلا انظر إلى الطعام الذي أعد لك، كم أخذ من وقت ~~وإمكانات وأموال.. إلخ، أما في الآخرة، فمجرد أن يخطر الشيء على بالك ~~تجده بين يديك، إذن: هذه معية يجب أن تحرص عليها كل الحرص. ثم يذكر ~~لنا الحق سبحانه نتيجة القول السديد { يصلح لكم أعمالكم ~~ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد ~~فاز فوزا عظيما } [الأحزاب: 71] أي: في الآخرة، ووصف الفوز بأنه ~~عظيم لأنك في الدنيا تأخذ عطاء الله بأسباب الله، أما في الآخرة فتأخذ ~~عطاء الله من ذات الله، وليس هناك أعظم من هذا. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض... }. ### || [33.72] # العرض: إدارة معروض على معروض عليه، كما نرى مثلا في العرض العسكري، ~~حيث تمر نماذج من الجيوش والأسلحة أمام القائد، ومنه قوله تعالى في قصة ~~سيدنا سليمان عليه السلام: # إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد # [ص: 31]. ومنه قولك: عرضت على فلان الأمر يعني: أطلعته عليه، ليرى فيه ~~رأيه يقبل أو لا يقبل، فالعرض تخيير لا إلزام فيه. فالحق سبحانه يقول: ~~عرضت الأمانة على خلقي كل خلقي، ومنه الإنسان والحيوان والجماد ~~والنبات لأرى من منهم سيقبل تحملها، ومن سيرفض، إذن: معنى العرض ~~أن هناك من سيقبل، وهناك من سيرفض. لذلك قلنا: من الخطأ: أن نقول: ~~إن الأرض والسماء والجبال.. إلخ مسيرة مقهورة، بل يجب أن نعدل ~~العبارة فنقول هي مقهورة باختيارها لأن الله حين عرض عليهن الأمانة أبين ~~أن يحملنها وأشفقن منها، وقالت: ms8117 نخرج من باب الجمال، فاختارت ألا ~~تكون مختارة. ومعنى الأمانة في عرفنا هي المال، أو الأشياء النفيسة ~~التى تخشى عليها الضياع، فتودعها عند من تلتمس فيه أنه يحافظ عليها ~~لحين حاجتك لها، وليس لك أن تأخذ ممن ائتمنته صكا، ولا أن تحضر ~~شهودا، وإلا ما أصبحت أمانة، إذن: ليس عليها إثبات إلا أمانة من ~~أخذها، فإن شاء أقر بها وأداها، وإن شاء أنكرها. فالأمانة إيعاد ~~النفس بأن تكون مختارة في الفعل وغيره، فإن كانت مقهورة بصك، أو ~~بشهادة شهود لم تعد أمانة. والأمانة التي عرضها الحق سبحانه على ~~خلقه هي أمانة الاختيار في أن يكون مختارا في أن يؤمن أو يكفر، في ~~أن يطيع أو يعصي، فكل ما عدا الإنسان رفض التحمل لأنه لم تأخذه الحمية ~~وقت العرض والتحمل، مخافة أن يأتي وقت الأداء، فلا يجد له ذمة. ~~وفرق بين وقت التحمل ووقت الأداء، فمن يلاحظ وقت التحمل فقط يقدم ~~عليها ويقبلها، لكن من يلاحظ مع التحمل الأداء يرفض، فربما مع حسن ~~النية والرغبة في الأداء تتغير الظروف، أو تتغير الذمة، أو يطرأ عليك ما ~~يحوجك لها، فتمتد إليها يدك، فيأتي وقت الأداء، فلا تستطيع. كل أجناس ~~الوجود ما عدا الإنسان أبوا، أن يحملوا الأمانة واختاروا القهر ~~والتسيير للخالق عز وجل لأن الإنسان كما وصفه ربه { كان ظلوما ~~جهولا } [الأحزاب: 72]. كذلك وصل عباد الله الصالحين إلى منزلة ~~العبودية لله حين وجهوا اختيارهم حسب مراد ربهم، فالله أعطاهم ~~الاختيار في الإيمان أو الكفر فآمنوا، وأعطاهم الاختيار في الطاعة وفي ~~المعصية فأطاعوا، فوجهوا اختيارهم إلى ما أحب ربهم، فصاروا من عباده ~~المقربين. فكأنك إذن تنازلت عن اختيار نفسك في حرية الحركة، فصرت ~~كالسماوات والأرض والجبال حين تنازلن عن اختيارهن لاختيار ربها ووصلت - ~~مع أنك مختار - إلى أن لا تختار إلا ما وضعه الله لك منهجا. # هنا يحلو للبعض أن يقول: كيف عرضت الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال، وهي جمادات، وكيف لها أن تأبى؟... إلخ نقول: أنت أدخلت نفسك ~~في متاهة، وهل كان ms8118 العرض منك أنت حتى لا تفهمك الجمادات؟ أم كان العرض من ~~ربها وخالقها؟ ساعة ترى فعلا يحدث منك ويحدث من الله، إياك أن تعزل ~~الحدث عن فاعله، والله يقول: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. فهو سبحانه خالقها، وهو الذي يخاطبها، ولم تنكر ذلك، وقد ~~علم الله بعض رسله مثلا لغة الطير فعرفها وتفاهم معها، كما قال سبحانه ~~عن نبيه سليمان أنه قال: # علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء.. # [النمل: 16]. وقال: # فتبسم ضاحكا من قولها.. # [النمل: 19]. وقال عن تسبيح الجبال مع سيدنا داود عليه السلام # يجبال أوبي معه والطير.. # [سبأ: 10] فالجبال، نعم تسبح في كل حال، لكن الذي امتاز به سيدنا ~~داود أن يوافق تسبيحه تسبيح الملائكة، وكأنهم جميعا فرقة ينشدون ~~نشيدا واحدا. إذن: الخالق سبحانه هو الذي يخاطب ما يشاء من خلقه، ولو ~~علمك أن تخاطب الجمادات لخاطبتها، وتأمل مثلا قصة الهدهد وسيدنا ~~سليمان حين ذهب إلى أهل سبأ، ووجدهم يعبدون الشمس من دون الله، وكيف أنه ~~كان على فقه تام بقضية التوحيد. فأرح نفسك وانسب الفعل إلى فاعله ~~وأنت تستريح، ولك في تصرفات حياتك أسوة، فأنت مثلا لو دخل عليك ولدك ~~ممزق الثياب، يسيل منه الدم، قبل أن تسأله عن شيء تسأله: من فعل بك ~~هذا؟ لا بد أن تحدد الفاعل أولا، فعليه ستبني حكمك وقرارك، فإن كان ~~الفاعل ابن الجيران مثلا تقيم الدنيا ولا تقعدها، وإن قال لك: عمي ~~فلان ضربني تهدأ أعصابك، وتقول للولد: لا بد أنك فعلت شيئا استحق ~~العقاب، ولو ذهبت إلى عمه لعرفت فعلا أن الولد ارتكب خطأ، إذن: الفعل ~~الواحد يمكن أن يكون سيئا، ويمكن أن يكون حسنا، المهم من الفاعل؟ ~~وآيات القرآن يساند بعضها بعضا، وتسعفنا في هذه المسألة، فالذي قال { ~~إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال.. } [الأحزاب: 72] قال # وإن من شيء إلا يسبح بحمده.. # [الإسراء: 44]. فكل شيء في الوجود كله مسبح، فدل هذا على أن ~~الموجودات لها دلالة عن ذاتها، وتستطيع أن تبين عما في مرادها، ms8119 ونعجب من ~~بعض العلماء حين يقول: هذه دلالة حال، لا دلالة مقال، وهذا القول يرده ~~قوله تعالى: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. ونحن نفهم تسبيح الدلالة، ونراه في انسجام جزئيات الكون ~~ونظامه البديع، والحق يقرر أننا لن نفهم هذا التسبيح. إذن: هو تسبيح ~~مقال على الحقيقة لا يعرفه إلا من عرفه الله. ولم نستبعد تسبيح ~~الكائنات، ونحن نرى لبعض الطوائف والمهن شفرات وإشارات لا يفهمها غيرهم، ~~وفي اللغة الواحدة يمكن أن تسمع كلمات لا تعرف معناها، فضلا عن اختلاف ~~اللغات بين الجنسيات المختلفة. # فإذا كنت لا تعرف بعض المعاني في لغتك، وإذا كنت لا تعرف لغات الآخرين ~~وهم من بني جنسك، فلماذا تنكر أن يكون للأجناس الأخرى في الوجود لغات ~~يتعارفون عليها، ويعبرون بها؟ ثم أكل اللغات ووسائل الفهم منطوقة؟ ~~أليست هناك مثلا لغة الإشارة، يتعارف عليها البعض، ويفهم بها؟ ومع ذلك ~~هناك قدر مشترك ومنطق في الدلالة يتفق عليه الجميع في كل اللغات ~~ويتفاهمون به، كما يتفاهم الخرس مثلا، كما أن هناك أشياء تتفق فيها ~~كل الطباع كالضحك والبكاء، فليس هناك ضحك عربي، ولا بكاء فرنسي مثلا. ~~ومعنى حمل الأمانة أي: القيام بها وتطبيقها، كما جاء في قوله تعالى في ~~معنى الحمل: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا.. # [الجمعة: 5]. فقد حملوها كمنهج وحفظوا ما فيها، لكن لم يحملوها بمعنى: ~~لم يطبقوا هذا المنهج، فصار مثلهم عند الله كمثل الحمار الذي يحمل ~~الكتب، وهو لا يستفيد مما فيها، وهذا في حد ذاته ليس ذما للحمار، ~~وليس اتهاما له بالغباء كما يدعي البعض، فالحمار ليس شغله الفهم إنما ~~الحمل. فحسب، فمن حمل منهجا دون أن يستفيد به فهو شبه الحمار في هذه ~~المسألة، وهذه خصوصية للحمار - أنه يحمل ما لا يفهم. والحمار في أمور ~~أخرى يفهم ويؤدي مهمته على الوجه الذي ربما عجز عنه الإنسان، فمن المعروف ~~عن الحمار أنه إذا ذهب إلى مكان فإنه لا ينساه ولا يضل عنه ولو بعد فترة، ~~وربما يضل الإنسان ms8120 طريقه الذي سار فيه منذ فترة، أما الحمار فلو تركت ~~له حرية الحركة لذهب بك إلى نفس المكان. إذن: من الغبي؟ لذلك فالبعض ~~يسأل: إذن لماذا يتهمون الحمار بالغباء؟ قالوا: لأنهم كلفوه بما لم ~~يكلفه الله به، فالحمار خلق للحمل، وأنت تريده على درجة من الفهم ~~ربما تفقدها في الإنسان العاقل. وسبق أن قلنا: إنك إذا أردت من الحمار ~~أن يقفز فوق قناة مثلا أوسع من إمكاناته، فإنه لا يطاوعك أبدا فمهما ~~ضربته لا يقدم على القفز، فإن كانت في مقدوره نظر إليها وكأنه يقدر ~~اتساعها بالضبط، ثم يقفز دون أن تجبره، وهذا التصرف تصرف من يحسب ~~العواقب جيدا، ويفهم ما يفعل. إذن: الشيء لا ينفصل عن مهمته، ولا يطلب ~~منه فوق ما هيىء له، ومثلنا لذلك بعود الحديد ترى جماله في ~~استقامته، فإن أردته خطافا مثلا فجماله وأداؤه لمهمته لا يتم إلا ~~بعوجه، وساعتها لا تستطيع أن تقول عنه إنه معوج لأن هذا العوج هو ~~عين الاستقامة لمهمته. لذلك قلنا في قوله تعالى: # إن أنكر الأصوات لصوت الحمير # [لقمان: 19] ليس ذما لصوت الحمار لأن صوت الحمار جعله الله عاليا هكذا ~~لأنه يعيش في بادية، وغالبا ما يستتر خلف مرتفع أو حجر أو شجرة أو يبتعد ~~مسافة طويلة عن صاحبه، فجاء صوته بهذه الهيئة ليدل عليه ويرشد صاحبه إلى ~~مكانه. إذن: فالصوت العالي يكون منكرا إذا لم يكن له مهمة، وإذا ~~استعمل في غير موضعه، والشيء قد يكون مختلفا، لكن مهمته تكون متحدة. ~~مثلا، الدم الذي به حياة الإنسان إذا تجلط داخل أوعيته يؤدي إلى شلل ~~العضو، ويحتاج إلى أدوية تعيد له سيولته، وفي المقابل إذا زادت سيولة ~~الدم أدى ذلك إلى نزيف، وإذا حدث جرح مثلا لا يندمل لأن الدم لا يتجلط ~~ولا يسد أماكن خروجه، إذن: تجلط الدم مطلوب خارج الأوعية، وسيولة الدم ~~مطلوبة داخل الأوعية. إذن: لكل منهما حكمة في مكانه. ومعنى: { ~~وأشفقن منها.. } [الأحزاب: 72] أي: خفن وقت التحمل مخافة أن ~~يأتي وقت الأداء فلا يؤدي { وحملها ms8121 الإنسان.. } [الأحزاب: 72] ~~لما عنده من فكر واختيار ومحاولة، لكن قد يأتي فكره بالضرر. وقلنا: إن ~~الإنسان يأكل مثلا حتى يشبع، ثم يعرض عليه الحلو والبارد، فتمتلئ بطنه ~~حتى التخمة وحتى المرض، في حين أن الحمار أو الجاموسة مثلا لا تأكل ~~عودا واحدا فوق الشبع لأنها محكومة بالغريزة التي لا تعرف التصرف في ~~الأشياء، وميزة الحيوان في هذه الغريزة وفي عدم تصرفه. لذلك وصف الإنسان ~~هنا بأنه { كان ظلوما جهولا } [الأحزاب: 72] وهذه صيغة فعول ~~الدالة على المبالغة في الظلم والمبالغة في الجهل. وقد يعقل الظلم للغير ~~لأن الظالم يظن أنه يستفيد منه، أما أن يظلم المرء نفسه بأن يمنعها ~~خيرا، أو يجلب لها ضرا، فهذا ما لا يعقل ودليل الغباء. فحين يتكاسل ~~عن الطاعة لشهوة نفس موقوتة يمنعها خيرا باقيا، ومتعة لا حدود لها، ~~فهو عدو لنفسه لذلك قال العلماء: إن نفس الإنسان هي أعدى أعدائه لأن ~~العدو إن كان من خارجك تستطيع أن تراه، وأن تحتاط له، أما إن كان من ~~داخلك فأمره شاق. وقد بين الحق سبحانه أن أعظم الظلم الشرك بالله، ~~فقال سبحانه: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] وهذا الظلم أيضا لا يعود ضرره على الله تعالى، إنما يعود ~~على المشرك بالله لذلك وصف الإنسان بعد الظلم بأنه جهول لأنه يظلم نفسه، ~~وهذا يدل على الجهل وعدم العلم، والجهول هو الذي يقع في الخطأ ويعدل عن ~~الحق عن جهل، فالوصف هنا يدل على الحكمة الأدائية { إنه كان ~~ظلوما جهولا } [الأحزاب: 72]. ثم يقول الحق سبحانه: { ليعذب ~~الله المنافقين والمنافقات والمشركين ~~والمشركات... }. ### || [33.73] # أولا: يلفت أنظارنا أن الآية السابقة ذيلت بقوله تعالى # إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72] وذيلت هذه الآية بقوله سبحانه { وكان الله ~~غفورا رحيما } [الأحزاب: 73] فكأن وصف ظلوما قابله غفورا، ~~و جهولا قابله رحيما. فالحق سبحانه غفور لمن ظلم، ورحيم لمن جهل، ~~فالنسق القرآني مظهر من مظاهر رحمة الله، والله سبحانه وتعالى علم عنه ~~ممن آمن به أنه غفور رحيم، لكن لا ينبغي أن تغرك صفات الجمال في ms8122 ~~ربك - عز وجل - فتقدم على الذنب وتظلم، اعتمادا على أن ربك سيغفر ~~وسيرحم. لذلك قالوا في قوله تعالى: # يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم # [الانفطار: 6] أن الذي غر الإنسان بربه فعصاه أو كفر به اعتماده على ~~أن ربه كريم، فصفة الكرم في الله هي التي أغرت بعصيانه. وكأن الحق ~~سبحانه لقن الإنسان الجواب عن هذه المسألة، فإن سئل: ما غرك ~~بربك؟ يقول: كرمه، وعندنا في الفلاحين يسأل أحدهم الآخر: لماذا لا تطمئن ~~في صلاتك، وتنقرها هكذا أرأيت لو كان عليك شلن لواحد هل يصلح أن تعطيه ~~شلنا ممسوحا؟ فرد عليه الرجل: والله لو كان كريما لقبله. وفي ~~الآية دقيقة أخرى في قوله تعالى: { ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات.. } [الأحزاب: 73] فهل كان عرض الأمانة والتكليف ~~للناس ليعذبهم؟ هل التعذيب مقصود لله في الحكم؟ قالوا: لا لأن اللام هنا ~~{ ليعذب.. } [الأحزاب: 73] لام العاقبة، فالحق سبحانه جعل التكليف ~~ليتبعه الناس ولا يعذبون، فاللام دلت على النتيجة كما في قوله تعالى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. فساعة التقطه آل فرعون التقطوه عليه السلام ليكون قرة ~~عين لهم، لا ليكون عدوا، لكن الذي حدث أنه صار عدوا وحزنا، فاللام ~~ليست للتعليل، إنما لام النتيجة والعاقبة، وهي أن تفعل الشيء لمراد عندك، ~~ثم تأتي العاقبة لتدل على غباء الذي فعل. وقوله: { المنافقين ~~والمنافقات.. } [الأحزاب: 73] سبق أن عرفنا النفاق، وقلنا: إن ~~النفاق أشد من الكفر لأن الكافر كان منطقيا مع نفسه لأنه كفر بقلبه ~~وبلسانه. يعني: وافق لسانه ما في قلبه، أما المنافق فغير منطقي مع نفسه ~~لأنه اعتقد شيئا ونطق بخلافه: أخفى الكفر وأظهر الإيمان فهو مشتت ~~الفكر لذلك استحق أن يكون أعدى الأعداء، وأن يكون في الدرك الأسفل من ~~النار، ويكفي ما فيه من خداع وتمويه، فهو بظاهره معك، وفي حقيقته هو ~~عدوك. ونلحظ أيضا في هذه الآية أن الحق سبحانه أراد أن يفصل فصلا ~~تاما بين جزاء المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، وبين جزاء ~~المؤمنين والمؤمنات، فالأسلوب البشري يقتضي أن يقول بعدها: { ~~ليعذب ms8123 الله المنافقين والمنافقات ~~والمشركين والمشركات.. } [الأحزاب: 73] ويتوب على المؤمنين ~~والمؤمنات. لكن السياق القرآني هنا لم يعطف التوبة على العذاب وفصل ~~الفعلين بتكرار الفاعل الصريح، وهو لفظ الجلالة فقال { ليعذب ~~الله.. } [الأحزاب: 73] وقال: { ويتوب الله.. } [الأحزاب: 73] ~~ليفصل هذا عن هذا، ويعزله بحكم خاص به لأن لله تعالى - كما ذكرنا - صفات ~~جلال، تختص بالكافرين والمنافقين، وصفات جمال تختص بالمؤمنين، ولكل من ~~النوعين سياق خاص مستقل. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1] # { الحمد لله.. } [سبأ: 1] جملة قائلها الحق سبحانه، فهل قالها ~~لنفسه أم قالها ليعلمنا نحن أن نقولها؟ قالها ليعلمنا. والحمد أن ~~تأتي بثناء على مستحق الثناء بالصفات الجميلة. ومقابله: الذم، وهو أن ~~تأتي لمستحق الذم بالصفات القبيحة، وتنسبها إليه. وأنت قد تحمد شيئا ~~لا علاقة لك به، لمجرد أنه أعجبك ما فيه من صفات، فاستحق في نظرك أن ~~يحمد، كأن تحمد الصانع على صنعة أتقنها مثلا، وإن لم تكن لك علاقة ~~بها. إذن: فالحمد مرة يكون لأن المحمود فيه صفات تستحق الحمد، وإن لم ~~تصل إليك، فكيف إذا كانت صفات التحميد والتمجيد والتعظيم أثرها واصل ~~إليك؟ لا شك أن الحمد هنا أوجب. لذلك نقول: كل حمد ولو توجه لبشر ~~عائد في الحقيقة إلى الله تعالى لأنك حين تحمد إنسانا إنما تحمده على ~~صفة وهبها الله له، فالحمد على إطلاقه ولو لمخلوق حمد لله. وكلمة { ~~الحمد لله.. } [سبأ: 1] وردت في القرآن ثمان وثلاثون مرة، ~~وخصت منها في فواتح السور خمس مرات: في الفاتحة: والأنعام، والكهف، ~~وسبأ، وفاطر. والحق سبحانه بدأ بالحمد لأنه بدأ خلقه من عدم فله علينا ~~نعمة الخلق من عدم، ثم أمدنا بمقومات الحياة فوفر لنا الأقوات التي ~~بها استبقاء الحياة، ثم التناسل الذي به استبقاء النوع، هذا لكيان ~~الإنسان المادي، لكن الإنسان مطلوب منه حركة الحياة، وهو يعيش مع آخرين ~~فلا بد أن تتساند حركاتهم لا تتعاند، لا بد أن تنسجم الحركات وإلا ~~لتفانى الخلق. وهذا التساند لا يتأتى إلا بمنهج يحدد الحركات، ~~ويحكم الأهواء، وإلا لجاء واحد يبني، وآخر يهدم. هذا ms8124 في الدنيا، أما في ~~الحياة الآخرة فسوف يعدنا لها إعدادا آخر، ويعيدنا إلى خير مما كنا ~~فيه لأننا نعيش في الدنيا بالأسباب المخلوقة لله تعالى، أما في الأخرة ~~فنعيش مع المسبب سبحانه مع ذات الحق. نحن في الدنيا نزرع ونحصد ونطبخ ~~ونخبز ونغزل.. إلخ، هذه أسباب لا بد من مزاولتها، لكنك في الآخرة تعيش ~~بكن من المسبب، في الدنيا تخاف أن يفوتك النعيم أو تفوته أنت، أما ~~في الآخرة فنعيمها باق لا يزول ولا يحول، في الدنيا تتمتع على قدر ~~إمكاناتك، أما في الآخرة فتتمتع على قدر إمكانات ربك. فالحق سبحانه ~~أوجدنا من عدم، وأمدنا من عدم، ووضع لنا المنهج الذي يحفظ القيم، ~~وينظم حركة الحياة قبل أن توجد الحياة، فقبل أن يخلقك خلق لك ~~كالصانع الذي يحدد مهمة صنعته قبل صناعتها، وهل رأيتم صانعا صنع ~~شيئا، ثم قال: انظروا في أي شيء يمكن أن يستخدم؟ لذلك قال تعالى: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه ~~البيان # [الرحمن: 1-4] فالمنهج المتمثل في القرآن وضع أولا ليحدد لك مهمتك ~~وقانون صيانتك، قبل أن توجد أيها الإنسان. والمتأمل لآيات الحمد في ~~بدايات السور الخمس يجد أنها تتناول هذه المراحل كلها، ففي أول الأنعام: # الحمد لله الذي خلق السموت والأرض وجعل ~~الظلمت والنور ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون # [الأنعام: 1]. تكلم الحق سبحانه عن بدء الخلق، ثم قال: # هو الذي خلقكم من طين.. # [الأنعام: 2] وهذا هو الإيجاد الأول. ثم في أول الكهف يذكر مسألة وضع ~~المنهج والقيم: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا # [الكهف: 1]. هذا هو القانون الذي يحكم الأهواء، وينظم حركة الحياة ~~لتتساند ولا تتعاند. وفي أول سورة سبأ التي نحن بصددها يذكر الحمد في ~~الآخرة: { الحمد لله الذي له ما في السموت وما ~~في الأرض وله الحمد في الآخرة.. } [سبأ: 1] وحين تنظر إلى ~~الحمد في الآخرة تجده حمدا مركبا مضاعفا لأنك في الدنيا تحمد الله ~~على خلق الأشياء التي تتفاعل بها لتعيش بالأسباب، لكن في الآخرة لا ~~توجد ms8125 أسباب، إنما المسبب هو الله سبحانه، فالحمد في الآخرة أكبر ~~حمدا يناسب عيشك مع ذات ربك سبحانه. وفي أول فاطر: # الحمد لله فاطر السموت والأرض جاعل ~~الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ~~ورباع يزيد في الخلق ما يشآء.. # [فاطر: 1]. نحمد الله على القيم، وعلى المنهج الذي وضعه لنا الحق سبحانه ~~بواسطة الملائكة، والملائكة هم رسل الله إلى الخلق، ومنهم الحفظة، ~~ومنهم المدبرات أمرا التي تدبر شئون الخلق، ومنهم من أسجدهم الله ~~لك. ثم جاءت أم الكتاب، فجمعت هذا كله في: # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2] والرب هو الخالق الممد # الرحمن الرحيم * ملك يوم الدين # [الفاتحة: 3-4] أي: في الآخرة، ثم ذكرت وجوب السير على المنهج # إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط ~~المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضآلين # [الفاتحة: 5-7]. ولأنها جمعت البداية والنهاية، والدنيا والآخرة ~~سميت فاتحة الكتاب، وسميت المثاني، وسميت أم القرآن. فقوله ~~تعالى: { الحمد لله.. } [سبأ: 1] علمنا الله تعالى أن نقولها ~~لأن الناس مختلفون في المواهب، وفي الملكات، وفي حسن الأداء، وفي ~~صياغة الثناء، فلا يستوي في الحمد والثناء الأديب والأمي الذي لا يجيد ~~الكلام لذلك قال الله لنا: أريحوا أنفسكم من هذه المسألة، وسوف أعلمكم ~~صيغة يستوي فيها الأديب الفيلسوف مع راعي الشاة، وسوف تكون هذه الصيغة هي ~~أحب صيغ الحمد إلي، هذه الصيغة هي { الحمد لله.. } [سبأ: 1]. ~~لذلك جاء في الحديث قول سيدنا رسول الله في حمد ربه، والثناء عليه: " ~~سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك " فحين أقول خطبة ~~طويلة في حمد الله والثناء عليه، وتقول أنت: الحمد لله لا أقول لك قصرت ~~في حمد ربك، وكأن هذه الصيغة وتعليمها لنا نعمة أخرى تستحق الحمد لأنها ~~سوت الجميع، ولم تجعل لأحد فضلا على أحد في مقام حمد الله والثناء ~~عليه. # وحين تحمد الله على أن علمك هذه الصيغة، بماذا تحمده؟ تحمده بأن تقول ~~الحمد لله. إذن: هي سلسلة متوالية من الحمد لا تنتهي، الحمد لله على ~~الحمد لله، ms8126 ومعنى ذلك أن تظل دائما حامدا لله، وأن يظل الله تعالى ~~دائما وأبدا محمودا. كما قلنا: إن اختلاف المواقيت في الأرض واختلاف ~~المشارق والمغارب إنما جعلت لتستمر عبادة الله لا تنقطع أبدا في كل ~~جزئيات الزمن، ففي كل لحظة صلاة، وفي كل لحظة الله أكبر، وفي كل لحظة ~~أشهد ألا إله إلا الله، وفي كل لحظة أشهد أن محمدا رسول الله... إلخ ~~لتظل هذه الألفاظ وهذه العبادات دائرة طوال الوقت، فالكون كله يلهج بذكر ~~الله وعبادة الله في منظومة بديعة، المهم من يحسن استقبالها، المهم ~~صفاء جهاز الاستقبال عندك. وقوله سبحانه { وله الحمد في ~~الآخرة.. } [سبأ: 1] بينا أن الحمد في الآخرة أكبر وأعظم من الحمد ~~في الدنيا لأنك في الدنيا تعيش بالأسباب، أما في الآخرة فتعيش مع ذات ~~المسبب سبحانه، في الدنيا نعيم موقوت، وفي الآخرة نعيم باق، في الدنيا ~~فناء، وفي الآخرة بقاء لذلك قال سبحانه عن الآخرة: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]. وقال سبحانه حكاية عن المؤمنين في الآخرة: # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ~~وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء ~~فنعم أجر العاملين # [الزمر: 74]. وقالوا: # الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي ~~لولا أن هدانا الله.. # [الأعراف: 43]. فإن قلت: فما وجه الحمد في أن الله تعالى يملك ~~السماوات والأرض؟ نقول: فرق بين أن يخدمك في الكون ما لا تملك، وبين ~~أن يخدمك ما تملك، فالعظمة هنا أنك تنتفع هنا بما لا تملك، فالسماوات ~~والأرض ملك لله، ومع ذلك هي في خدمتك أنت، وليست العظمة من أن يخدمك ~~ما تملكه. لذلك قالوا لأحد الناس: لماذا لا تشتري لك سيارة؟ قال: والله ~~الإخوان كثيرون، وكلهم عندهم سيارات، وكل يوم أركب سيارة واحد منهم، ولا ~~يغرمني هذا شيئا. إذن: انتفاعك بما يملك الغير أعظم من انتفاعك بما ~~تملك أنت، وملك الله جعل لصالحنا نحن، وهذه تستحق الحمد، فاللهم لا ~~تحرمنا نعمك. ملحظ آخر أن الحق سبحانه يريد أن يطمئن العباد، فملك ~~السماوات والأرض لله وحده، ms8127 ولو كانت لغيره لمنعنا منها، فكأن ربك يقول ~~لك: اطمئن فهذا ملكي وأنا ربك ولن أتخلى عنك أبدا، وليس لي شريك ~~ينازعني، فيمنع عنك خيراتي، فأنا المتفرد بالملك والسلطان. لذلك، ~~فالحق سبحانه حين يقول للشيء: # كن فيكون # [آل عمران: 47] ما قال كن إلا لأنه سبحانه يعلم أنه لا يستطيع ألا ~~يكون، والدليل قوله تعالى عن الأرض # وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 2] أي: أصغت السمع، وحق لها ذلك، فما قال سبحانه لشيء ~~كن إلا وهو واثق أنه لا يخرج عن أمره. لذلك سبق أن قلنا: إن الحق ~~سبحانه حين طلب منا أن نشهد أنه لا إله إلا هو شهد بها لنفسه أولا، ~~فقال: # شهد الله أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18] وهذه شهادة الذات للذات، ولذلك تصرف سبحانه في الملك ~~تصرف من لا شريك له، فلم يقل شيئا أو يحكم حكما، ثم خاف أن ينقضه ~~أحد أو يعدله. ثم شهدت بذلك الملائكة، ثم شهد بذلك أولو العلم من عباده # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط.. # [آل عمران: 18]. فشهادة الله شهادة الذات للذات، وشهادة الملائكة شهادة ~~المشهد، وشهادة أولي العلم شهادة العلم والدليل. ونلحظ أيضا أن الحق ~~سبحانه قال: { الذي له ما في السموت وما في الأرض.. ~~} [سبأ: 1] فكرر الاسم الموصول ما ولم يقل له ما في السماوات والأرض، ~~كما جاء في قوله سبحانه في التسبيح: مرة: # يسبح لله ما في السموت وما في الأرض.. # [الجمعة: 1]. ومرة: # يسبح له ما في السموت والأرض.. # [الحشر: 24]. وفرق بين التعبيرين لأن هناك خلقا مشتركا بين السماء ~~والأرض، وهناك خلق خاص بالسماء، وخلق آخر خاص بالأرض، فإن أراد الكل ~~قال: # ما في السموت والأرض.. # [الحشر: 24]، وإن أراد الاختلاف كلا في جهته، قال { ما في ~~السموت وما في الأرض.. } [سبأ: 1]. والسماوات والأرض ظرف ~~لما فيهما من خيرات، والذي يملك الظرف والمكان يملك المظروف فيه، فالحيز ~~هنا مشغول. ثم يقول سبحانه تذييلا لهذه الآية { وهو الحكيم ~~الخبير } [سبأ: 1] الحكيم: هو الذي يضع ms8128 الشيء في مكانه وموضعه ~~المناسب، ولا يتأتى هذا إلا لخبير يعلم الشيء، ويعلم موضعه الذي يناسبه ~~لذلك قال سبحانه { وهو الحكيم الخبير } [سبأ: 1] الذي لديه ~~خبرة بدقائق الأشياء وبواطنها. ثم أراد سبحانه أن يعطينا نموذجا لهذه ~~الحكمة ولهذه الخبرة، فقال سبحانه: { يعلم ما يلج في الأرض ~~وما يخرج منها... }. ### || [34.2] # معنى { يلج.. } [سبأ: 2] يدخل، ومنه قوله تعالى: # يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل.. # [فاطر: 13] يعني: يدخل كلا منهما في الآخر، فزيادة الليل تنقص من ~~النهار، وزيادة النهار تنقص من الليل لذلك نرى اختلاف المواقيت. لكن، ما ~~الذي يدخل في الأرض - في حدود ما تراه أنظارنا -؟ هناك أشياء تدخل في ~~الأرض لا دخل لنا بها كماء المطر مثلا حين ينزل من السماء، نأخذ منه ~~حاجاتنا، ويتسرب منه جزء في باطن الأرض، كما قال تعالى: # فسلكه ينابيع في الأرض.. # [الزمر: 21]. ويدخل في الأرض الحبة التي نزرعها، فينشأ عنها الاقتيات ~~الذي يضمن لنا بقاء الحياة، وهذه الاقتيات يأتي من مضاعفة الحبة إلى ~~أضعاف كثيرة، كذلك يدخل في الأرض الميت الذي نستودعه الأرض بعد أن ~~يموت، ولك أن تلحظ وجه الشبه بين الحبة تزرعها، والميت تدفنه في ضوء ~~قوله تعالى: # منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى # [طه: 55]. فكما أن الحبة أنبتت سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، كذلك ~~يجب أن نقيس المتواليات الذهنية فنقول كذلك حين أدخل أو أدفن في الأرض ~~بعد الموت: أخرج بحياة أخرى أكثر نماء من حياتي في الدنيا، وأكثر ~~خيرا فضلا عما سترته الأرض من سوءاتي. وقوله سبحانه: { وما ~~ينزل من السمآء.. } [سبأ: 2] ما الذي ينزل من السماء؟ ينزل منها ~~المطر لاستبقاء الحياة، وبالماء حياة كل شيء حي، هذا في مادة تكوينك، أما ~~في حياتك الروحية فتنزل الملائكة بالقيم وبالمنهج الذي به تحيا الأرواح ~~والقلوب، وتنزل الملائكة المدبرات أمرا، التي تدبر شئون الخلائق، ~~والتي قال الله فيها: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله.. # [الرعد: 11]. والبعض لا يفهم معنى الآية، فيقول: ms8129 كيف تحفظه الملائكة من ~~أمر الله؟ يريدون أن أمر الله ينبغي أن ينفذ، فكيف يحفظونه منه؟ ~~والمعنى: يحفظونه حفظا صادرا من أمر الله، ليس تطوعا من عندهم. ~~والحق سبحانه يرينا قدرته في إنزال المطر حينما نجري عملية تقطير الماء ~~في المعامل والأجزاخانات، انظر كم يتكلف كوب الماء المقطر، وكم يأخذ من ~~الوقت والجهد، أما المطر فتقطره لك قدرة الله دون أن تشعر أنت به، ~~فحرارة الشمس تبخر الماء الذي يكون السحب، ثم تسوقه الرياح إلى حيث ~~شاء الله له أن ينزل، ومن حكمته تعالى أن جعل ثلاثة أرباع الكرة ~~الأرضية ماء لتتسع مساحة البخر، فيكفي المطر حاجة الأحياء. ومثلنا لهذه ~~الظاهرة بكوب الماء الذي تتركه لمدة شهر، فلا ينقص إلا عدة سنتيمترات، ~~أما إن سكبته في أرض الحجرة فإنه يجف قبل أن تغادرها، لماذا؟ لأنك ~~وسعت المساحة التي يتبخر منها الماء. # وماء المطر هو الماء العذب الزلال الذي يشرب منه الإنسان والحيوان ~~والطير، ونسقي منه الزرع ومشارف الأرض، وما تبقى يسلكه الله في جوف ~~الأرض لحين الحاجة إليه، فالمطر آية من آيات الله الدالة على قدرته ~~تعالى. ثم يقول سبحانه: { وما يعرج فيها.. } [سبأ: 2] أى: يصعد، ~~وقد أشار القرآن إلى هذه المسألة في قوله تعالى: # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح ~~يرفعه.. # [فاطر: 10] أى: تصعد آثار التكليف المنهجي من الله تعالى. لكن نلحظ في ~~أسلوب { وما يعرج فيها.. } [سبأ: 2] استخدام حرف الجر في ولم ~~يقل يعرج إليها، نعلم أن الحرف يدل على معنى في ذاته، لكن هذا المعنى ~~لا بد له من ضميمة شيء إليه، ليعطي معنى يفهم، فالحرف في يدل على ~~الظرفية، كما تقول: ماء في الكوب، أما لو قلت في مستقلة بذاتها، فإنها ~~لا تدل على شيء. والعلماء حينما استقبلوا كثيرا من الأساليب وجدوا بها ~~حروفا ظنوا أنها زائدة، أو أنها بمعنى حرف آخر، كما قالوا في معنى: { ~~وما يعرج فيها } [سبأ: 2] أن في هنا بمعنى إلى، لكن لماذا عدل ~~الأسلوب عن إلى إلى في؟ إذن: لا بد ms8130 أنها تحمل معنى الظرفية. وللتوضيح ~~نذكر ما قلنا في قوله تعالى: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71] البعض قال أي: على جذوع النخل، وهذا فهم غير دقيق عن الله ~~لأن في هنا تعطيني المعنيين: معنى على ومعنى في. فالتصليب صلب شيء على ~~شيء، وهذا المعنى تؤديه على، لكن فيه قصور، فإن أردت على فحسب، فينبغي ~~أن تقول: لأصلبنكم على جذوع النخل تصليبا قويا، بحيث تدخل أجزاء ~~المصلوب في المصلوب عليه. إذن: المعنى الكامل للتصليب لا تؤديه إلا في. ~~خذ مثلا عود كبريت وضعه على يدك، أو على أصبعك، والفف عليه خيطا ~~خفيفا، في هذه الحالة الخيط فقط يثبت العود، أما إذا شددت عليه الخيط ~~بقوة، فإن العود يدخل في الجلد حتى يكاد يختفي بداخله، هذا هو التصليب ~~المراد أن تشد المصلوب على المصلوب عليه بقوة بالمسامير أو الحبال أو ~~نحوه. لذلك قال سبحانه: # في جذوع النخل.. # [طه: 71] ولم يقل على جذوع النخل لأن في أدت معنى الاستعلاء ~~والظرفية معا. كذلك في { وما يعرج فيها.. } [سبأ: 2] ولم يقل: ~~وما يعرج إليها لأن إلى لا تؤدي المعنى المطلوب، ف إلى تدل على الغاية، ~~كما تقول: سافرت من القاهرة إلى الإسكندرية. والسماء ليست هي غاية صعود ~~الكلم الطيب، إنما غايته ومنتهاه إلى الله عز وجل، وما السماء إلا طريق ~~يوصل إلى المنتهى الأعلى، وسبق أن قلنا: إن السماء هي كل ما علاك. ~~وهذا المعنى لحرف الجر واضح كذلك في قوله تعالى: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم.. # [آل عمران: 133] فاستخدم إلى لأن المغفرة هي غاية ما يسعى إليه المؤمن ~~ويسارع. وقال: # أولئك يسارعون في الخيرات.. # [المؤمنون: 61]. ولم يقل: إلى الخيرات لأن الخيرات ليست هي الغاية، إنما ~~هي مراتب يترقى فيها المؤمن ويتعالى، كلما وصل إلى خير تطلع إلى ~~أخير منه، فكأن الخيرات ظرف يسير فيه لا إليه. كذلك لما تكلم الحق ~~سبحانه عن الذين كذبوا الرسل، قال: # فردوا أيديهم في أفوههم.. # [إبراهيم: 9]. البعض يقول: أي: إلى أفواههم، لا لأن في تحمل معنى ~~المبالغة في رد ms8131 المنهج الذي جاء به الرسل، فالمعنى أن الرسل حينما ~~جاءوا بالمنهج لم يقبله المكذبون وقالوا لهم: وفروا عليكم كلامكم، ~~يعنى: لن يجدي معنا شيئا، وجعلوا أيديهم داخل الأفواه، وعضوا عليها ~~من الغيظ مما سمعوا من الرسل، وهذا المعنى لا تؤديه لفظة: إلى أفواههم. ~~ثم هو سبحانه: { وهو الرحيم الغفور } [سبأ: 2] صفة الرحيم أي: ~~الذي يمنع وقوع الضر بداية، كما قال سبحانه: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين.. # [الإسراء: 82]. كلمة { شفآء.. } [الإسراء: 82] تعني: أنه أصابك مرض ~~نشأ من الغفلة، فجاء القرآن ليذكرك وينبهك ويشفي نفسك من هذه ~~الغفلة، فإن لم توجد الغفلة كان القرآن رحمة تمنع حدوث الداء من ~~البداية. و رحيم صيغة مبالغة من الرحمة. كذلك { الغفور } [سبأ: 2] ~~صيغة مبالغة من المغفرة، والحق سبحانه كثيرا ما يؤكد على هذه الصفة لأنه ~~سبحانه خلق الإنسان، ويعلم أنه لن يسير دائما على الصراط المستقيم، ولا ~~بد أن ينحرف يوما ما عن المنهج القويم لذلك قال # يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ~~ويعفوا عن كثير.. # [المائدة: 15]. وقلنا: إنه لولا صفة الرحمة والتوبة والمغفرة لتمادى ~~المذنب في الذنوب، ويئس أن يعود إلى الطريق المستقيم، وهذا الذي أسميناه ~~فاقد وبه يشقى المجتمع كله، لكن إن عرف أن له ربا يغفر الذنب ويقبل ~~التوبة، فإنه يقبل عليها ويتوب ولم لا، وقد تكفل الله له بمغفرة ذنوبه ~~إن تاب وأناب؟ إذن: شرع الله التوبة ليرحم الخلق ليرحم الخلق ~~كلهم، ويقدم لهم جميلا، فحين يتوب على المذنب يرحم المجتمع من ~~شره، ويرحمه هو من آثار ذنوبه لذلك يقول تعالى: # ثم تاب عليهم ليتوبوا.. # [التوبة: 118] أى: شرع لهم التوبة ليفتح لهم مجال التراجع وطريق العودة ~~إلى الله، حتى لا يكون هناك شراسة وتماد في الشر، ولا ينقلب المذنب ~~إلى طاغوت. وحين نتأمل قوله تعالى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. # [إبراهيم: 34] نجد صدر الآية ورد بنفس اللفظ في موضعين، لكن العجز ~~مختلف، ففي آية: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان ~~لظلوم كفار # [إبراهيم: ms8132 34] وفي الأخرى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله ~~لغفور رحيم # [النحل: 18]. عندما وقف بعضهم عند هذه الآية اعترضوا، فقالوا: كيف ~~تعد النعمة، وهي واحدة؟ # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها.. # [إبراهيم: 34] والرد: أن النعمة التي تراها واحدة في ظاهرها في طيها ~~نعم شتى، وقد وضح لنا هذا بعد أن تقدمت العلوم وظهر علم عناصر ~~الأشياء، فالتفاحة مثلا تراها في ظاهرها نعمة واحدة، لكن علم العناصر ~~يبين لنا أن بها نعما شتى، وعناصر وفوائد مختلفة، فهي نعمة في ~~طيها نعم. والنعمة تقتضي: نعمة، ومنعما، ومنعما عليه، ~~فالنعمة في ذاتها من الكثرة بحيث لا تعد ولا تحصى لذلك استخدم كلمة ~~إن الدالة على الشك، ولم يقل مثلا: إذا عددتم نعمة الله لأن هذا مجال ~~لا يطمع فيه أحد، ونعم الله ليست مظنة الإحصاء. لذلك لم يقدم أحد ~~على محاولة عد نعم الله حتى بعد أن وجدت جامعات وكليات متخصصة في ~~الإحصاء، حاولت إحصاء كل شيء إلا هذه المسألة، لأن الإقبال على العد ~~والإحصاء يعني إمكانية الوصول إلى إحصاء المعدود. أما من حيث المنعم ~~عليه وهو الإنسان، فهو ظلوم كفار، ظلوم لنفسه ولغيره، كفار بالنعمة، ~~ولو آخذناه بذلك لحرمناه هذه النعمة، والذي حماه من هذا الحرمان أن ~~المنعم عليه غفور ورحيم، وهذا إذا نظرنا إلى المنعم سبحانه. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ~~قل بلى وربي لتأتينكم... }. ### || [34.3] # هنا أيضا يحدثنا عن الساعة، ففي آخر الأحزاب # يسألك الناس عن الساعة.. # [الأحزاب: 63] وهنا ينكرونها { وقال الذين كفروا لا ~~تأتينا الساعة.. } [سبأ: 3] أي: القيامة. فلماذا ينكرونها؟ نعم ~~ينكرونها لأنهم أسرفوا على أنفسهم، وتمادوا في غيهم، ولن تكون القيامة ~~في صالحهم لذلك يهربون منها بالإنكار والتكذيب. حتى إخوان هؤلاء المكذبين ~~ممن يحبون أن يستدركوا على كلام الله يقولون: إذا كان الله قد قدر ~~كل شيء على العبد، فقدر الطاعة، وقدر المعصية، فلماذا يعذبه على ~~المعصية؟ والمحلاحظ، أنه لم يقل أحد منهم في المقابل: ولماذا يثيبه على ~~الطاعة؟ مما يدل على ms8133 أن هذه الوقفة خاطئة وغير منطقية، وأنهم يخافون ~~العقاب، وصاحب هذه المقولة ما قالها إلا لأنه واثق من كثرة سيئاته، ومن ~~مصلحته أن يكذب بالقيامة وينكرها، كالذي قال: # ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي ~~لأجدن خيرا منها منقلبا # [الكهف: 36]. فكثرة سؤالهم عن الساعة وإنكارهم لها يدل على خوفهم ~~منها، بل هم مرعوبون من مجرد تصديقها لأنهم يعلمون جيدا أنهم إن استتروا ~~عن الناس فلن يستتروا من الله، وإن عموا على قضاء الأرض فلن ~~يعموا على قضاء السماء، ولن تنفعهم في القيامة حجة ولا لباقة منطق، ~~ولا تزييف للحقائق. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعل أحدكم أن يكون ألحن ~~بحجته فأقضى له، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما ~~أقطع له قطعة من النار ". # فالقاضي يحكم بالحجة وبالبيان، ويمكن للمتكلم أن يضلل القاضي، وأن ~~يأخذ حق الآخرين ظلما، كما يفعل بعض المحامين الآن، هذا في الدنيا، ~~أما في الآخرة فأنت في محكمة قاضيها الحق سبحانه وتعالى. إذن: هؤلاء ~~ينكرون القيامة لأنها اللغز الذي يحيرهم، والحقيقة التي تقض مضاجعهم ~~وترعبهم، الحقيقة التي تزلزل جاههم، وتقضي على سيادتهم، وإن أمنوا في ~~الدنيا لما لهم من جاه وسيطرة، ففي القيامة سيأتون كما قال تعالى # ولقد جئتمونا فردى كما خلقنكم أول مرة ~~وتركتم ما خولنكم وراء ظهوركم.. # [الأنعام: 94]. وكثرة سؤالهم عن الساعة له نظير في العالم الحديث وفي ~~عالم الاقتصاد، فمثلا ترى الرجل كلما جلس مع عالم سأله عن رأي الدين في ~~فوائد البنوك، حتى إنه ليسأل في ذلك ألف عالم، فلماذا لا يكتفي بقول ~~واحد منهم؟ لأنه يريد أن يسمع رأيا على هواه يقول له: إن فوائد البنوك ~~حلال، فهذه مسألة شائكة تشغل الكثيرين، لكن ما دامت قد حاكت في الصدر، ~~فهي من الباطل الذي قال عنه سيدنا رسول الله: # " والإثم ما حاك في الصدر، وخشيت أن يطلع عليه الناس ". # ثم يرد الحق سبحانه على إنكارهم للساعة، فيقول مخاطبا نبيه صلى ms8134 الله ~~عليه وسلم: { قل بلى وربي لتأتينكم.. } [سبأ: 3] يعني: ~~قل بملء فيك بلى وبلى نفي للنفي السابق في قولهم { لا تأتينا ~~الساعة.. } [سبأ: 3] وحين ننقض النفي، فإننا نثبت المقابل له، فمعنى ~~بلى أي: أنها ستأتي. ثم لا يكتفي الأسلوب بذلك، إنما يؤكد هذه القضية ~~بالقسم { قل بلى وربي لتأتينكم.. } [سبأ: 3] فالحق ~~سبحانه يعلم رسوله أن يحلف بذاته سبحانه وهو مطمئن أنها ستأتيهم، ~~والحق سبحانه لا يلقن رسوله يمينا كاذبا، والحق سبحانه صادق دون ~~حلف، فما بالك حين يحلف لك؟ وقوله تعالى بعدها { عالم الغيب.. } ~~[سبأ: 3] فيه إشارة إلى أننا لا نخبر بالساعة ولا نحلف على إتيانها من ~~فراغ، إنما بما عندنا من علم الغيب، فهي لا بد آتية، ليس هذا فحسب، ~~إنما سنوافيكم فيها بإحصاء كامل للذنوب، كبيرها وصغيرها، ظاهرها ~~وخفيها، فعالم الغيب لا يخفى عليه شيء مهما استتر، ومهما كنت بارعا ~~في إخفائه عن الناس. { عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ~~ذرة في السموت ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ~~ولا أكبر إلا في كتاب مبين } [سبأ: 3] لا يعزب: لا يغيب ~~عن علمه. والحق سبحانه في جمهرة الآيات يضرب المثل لصغر الأشياء ~~بالذرة، وهي الهباءة التي نراها في شعاع الشمس، ولا نراها في الظل ~~لصغر حجمها، إذن: كونك لا ترى الشيء لا يعني أنه غير موجود، بل ~~موجود، لكن ليست لديك آلة البصر الدقيقة التي تستطيع رؤيته بها، والعين ~~المجردة لا ترى كل الأشياء، لكن حزمة الضوء القوية تساعدك على رؤية ~~الأشياء الدقيقة لذلك قالوا: إن الضوء والذر أحكم مقاييس الكون. لذلك ~~يستخدم المهندسون هذه الظاهرة مثلا في استلام المباني، والتأكد من دقة ~~تنفيذها، فالحائط الذي يبدو لك مستويا مستقيما لو تركته عدة أيام ~~لكشف لك الغبار عما فيه من نتوءات وعدم استواء لأن الغبار والذرات ~~تتساقط عموديا، كذلك الضوء حين تسلطه على حائط يكشف لك ما فيه من ~~عيوب، مهما كانت دقيقة لا تراها بالعين المجردة. ولأن الذرة كانت أصغر ~~ما يعرفه الإنسان، قال تعالى: # إن الله ms8135 لا يظلم مثقال ذرة.. # [النساء: 40]. لكن، هل ظلت الذرة هي أصغر ما في الكون؟ حينما انهزمت ~~ألمانيا في الحرب العالمية الأولى لم تقبل الهزيمة، وأبت أن تكون ~~مغلوبة فصممت على أنها تثأر لنفسها، فاشتغل كل فرد فيها في اختصاصه، ~~وكان مما أنجزوه عملية تحطيم الجوهر الفرد أي: تحطيم الجزء الذي لا ~~يتجزأ، وهذه أول فكرة في تفتيت الذرة يعرفها العالم. وهذه العملية ~~نشاهدها نحن في عصارة القصب مثلا، وهي أن تدخل عود القصب بين ~~أسطوانتين، فكلما ضاقت المسافة بين الأسطوانتين زادت عملية العصر وتفتيت ~~العود، كذلك عملت ألمانيا أسطوانة تحطيم الجوهر الفرد. # وعندها قال الذين يحبون أن يستدركوا على كلام الله ذكر القرآن أن الذرة ~~هى أصغر ما في الكون، وها نحن فتتنا الذرة إلى أجزاء. ولو ألم هؤلاء ~~بكل القرآن، وقرأوا هذه الآية: { عالم الغيب لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السموت ولا في الأرض ولا أصغر ~~من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } [سبأ: 3] ~~لعرفوا أن القرآن احتاط لما سيأتي به العلم من تفتيت الذرة، وأن في كلام ~~الله رصيدا لكل تقدم علمي. وتأمل الدقة الأدائية هنا، فقط ذكر الذرة، ~~وهي أصغر شيء عرفه الإنسان، ثم ذكر الصغير عنها والأصغر بحيث مهما وصلنا ~~في تفتيت الذرة نجد في كلام الله رصيدا لما سنصل إليه. وقال: { لا ~~يعزب.. } [سبأ: 3] لا يغيب { عنه مثقال.. } [سبأ: 3] مقدار { ~~ذرة في السموت ولا في الأرض.. } [سبأ: 3] لشمول كل ما ~~في الكون { ولا أصغر من ذلك.. } [سبأ: 3] أي: أصغر من الذرة { ~~ولا أكبر.. } [سبأ: 3] من الذرة. ولقائل أن يقول: إذا كان الحق ~~سبحانه يمتن علينا بمعرفة الذرة، وما دق من الأشياء، فما الميزة في ~~أنه سبحانه يعلم الأكبر منها؟ قالوا: هذه دقيقة من دقائق الأسلوب ~~القرآني، فالشيء يخفى عليك، إما لأنه متناه في الصغر، بحيث لا تدركه ~~بأدواتك، أو لأنه كبير بحيث لا يبلغه إدراكك، فهو أكبر من أن تحيط به ~~لكبره، إذن: فالحق سبحانه مسلط على أصغر شيء، وعلى أكبر شيء لا ms8136 يغيب ~~عنه صغير لصغره، ولا كبير لكبره. والحق سبحانه لا يحيط علمه بما في ~~كونه فحسب، بل ويسجله في كتاب معجز خالد، وفرق بين الأخبار ~~بالعلم قولا وبين تسجيله، فإذا لم يكن العلم مسجلا فلك أن تقول ~~ما تشاء، لكن حين يسجل يصير حجة عليك. لذلك نرى الحق سبحانه حين يعطينا ~~قضية في الكون يحفظها مع القرآن، وأنت لا تحفظ إلا ما في صالحك، وما دام ~~الحق سبحانه يحفظها فهذا يعنى أنها واقعة لا محالة، وإلا ما سجلها الحق ~~سبحانه وحفظها، فهو سبحانه يعلم تمام العلم أنه لا يكون في ملكه إلا ما ~~علم، إذن: كتب لأنه علم، وليس علم لأنه كتب. ومن الذي أمر بكتابته؟ ~~علمه سبحانه إذن: فالعلم أسبق. لكن، لماذا عندما سألوا عن الساعة أو ~~أنكروها ذكرهم الله بعلمه لكل صغيرة وكبيرة، فقال: { لا يعزب ~~عنه مثقال ذرة في السموت ولا في الأرض ولا ~~أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين } [سبأ: ~~3]. قالوا: ذكر لهم الحق سبحانه إحاطة علمه بكل شيء ليلهيهم عن التفكير ~~في أمر الساعة، ويشغلهم بذنوبهم، وأنها محسوبة عليهم لا يخفى على الله ~~منها شيء، وعندها سيقولون: ليتنا ما سألنا، كما قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن ~~تبد لكم تسؤكم.. # [المائدة: 101]. إذن: سألوا عن الساعة، فأخذهم إلى ساحة أخرى تزعجهم ~~وتزلزلهم كلما علموا أن علم الله تعالى يحيط بكل شيء في السماوات وفي ~~الأرض. فالمسألة ليست مجرد فنطزية علم، إنما سيترتب على هذا العلم جزاء ~~وحساب، فقال سبحانه: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات... }. ### || [34.4] # عجيب أن يوصف الرزق ذاته بأنه كريم، فالكريم صفة الرازق الذي يهبك ~~الرزق، فما بالك إن كان الرزق نفسه كريما يذهب إليك ويعرف مكانك، كما ~~قال الشاعر: # تحر إلى الرزق أسبابه # ولا تشغلن بعدها بالكا # فإنك تجهل عنوانه # ورزقك يعرف عنوانكا # ثم يقول الحق سبحانه: { والذين سعوا في آياتنا ~~معاجزين... }. ### || [34.5] # السعي هو المشي الحثيث وقطع المسافة، فما معنى { سعوا في ~~آياتنا.. } [سبأ: 5] ألم ms8137 تسمع قولهم: سعى فلان بفلان عند السلطان ~~مثلا؟ والمراد: أنه نقل إلى السلطان ما يغضبه وما يحزنه من هذا ~~الشخص، وهذه التي نسميها في العامية وبين الموظفين ضربه زنبة هي هنا ~~بنفس هذا المعنى. { سعوا في آياتنا.. } [سبأ: 5] يعني: ضربوا ~~فيها زنب وألبوا الناس عليها ليزهد فيها من كان مقبلا عليها، ~~ويخرج منها من كان فيها ويتملص منها، سعوا في آيات الله وهي القرآن ~~ليبطلوه وليصرفوا الناس عنه، لماذا؟ لأنهم واثقون من أثر القرآن في ~~القلوب، فلو أعطاه الناس آذانهم لابد وأن يؤثر فيهم ويجذبهم إلى ساحة ~~الإيمان، فتنفعل به قلوبهم. وتلهج به ألسنتهم. وهؤلاء هم الذين قالوا: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون # [فصلت: 26] ولو كان القرآن كلاما عاديا غير ذي أثر لما نهوا عن ~~سماعه، ولما شوشوا عليه، وخافوا من سماعه. ومعنى { معاجزين.. } ~~[سبأ: 5] مفردها معاجز: اسم فاعل من عاجز مثل: قاتل ومقاتل، وعاجز ~~مثل نافس، والمنافسة الأصل فيها التسابق في التنفس، وقد روى أن سيدنا ~~عمر وسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مرا ببحيرة، فقال عمر: ~~هيا بنا نتنافس يعني: نغطس تحت الماء، لنرى أينا أطول نفسا من الآخر، ~~ومعروف أن طول فترة الغطس تدل على قوة التنفس وسلامة الرئة، وأنها تحتوى ~~مخزونا أكبر من الهواء، ثم أطلقت المنافسة على كل مسابقة. ومثل نافس: ~~عاجز يعنى: حاول كل من الطرفين إثبات عجز الآخر. تقول: عاجزني ~~يعني: جعلني أفعل فعلا أعجز عنه، فكأنهم يريدون بسعيهم في آيات الله أن ~~يثبتوا عجزها، وأن يعجزوا الدعوة أن تبلغ مداها، ويعجزوا رسول ~~الله أن يتمم رسالته، ويعجزوا منهج الله أن يصل إلى خلق الله. لكن ~~يعاجزون من؟ يعاجزون الله؟ كيف وهو سبحانه الذي أرسل الرسل، وتكفل ~~بنصرتهم وعدم التخلي عنهم، وما كانت الحروب والقتال بين الرسل ~~والمكذبين إلا سببا يأتي من خلاله نصر الله، كما قال سبحانه: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين # [التوبة: 14]. وقال سبحانه: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ms8138 ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-172]. إذن: من سيعاجزون؟ ربما يقبل أن يعاجزوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أو يعاجزوا المؤمنين، أما الحق سبحانه فهو ~~الغالب القادر، وهل يستطيع أحد أن يعجز الله، ويتغلب عليه سبحانه، ~~فيجعله عاجزا، وهو سبحانه القادر الغالب؟ فمعنى { سعوا في ~~آياتنا.. } [سبأ: 5] أي: وضعوا المكايد والعراقيل في طريقها: ليفسدوا ~~أمر الدعوة، وحتى يردوها على رسول الله في فمه الذي قالها { ~~معاجزين. # . } [سبأ: 5] حالة كونهم معاجزين، يعني: يسيرون مع خالقهم في مضمار ~~واحد، الله يريد أن يعجزهم، وهم يريدون أن يعجزوا الله، وأن يكونوا ~~في مكان القدرة الإلهية العليا ليثبتوا أن الدعوة باطلة. ثم يبين ~~سبحانه جزاء هؤلاء المعاجزين: { أولئك لهم عذاب من ~~رجز أليم } [سبأ: 5] الرجز والرجز هو الحمل الثقيل، وأصله ~~الذنب، وما يترتب عليه من عقوبة لذلك يقول تعالى: # والرجز فاهجر # [المدثر: 5] أي: الذنب الكبير، أو العقوبة المترتبة عليه، والمعنى: لا ~~تفعل الذنب، ولا ما يؤدي للعقوبة، وإذا هجرت الذنب لا تأتي العقوبة. وقد ~~وصف العذاب هنا بأنه { عذاب من رجز أليم } [سبأ: 5] والعذاب ~~يوصف مرة بأنه أليم، ومرة بأنه مهين، ومرة بأنه عظيم، وهي أوصاف تدل ~~على معان مختلفة لحال واحدة، فهو أليم أي: يؤلم صاحبه، فإن كان ~~جلدا يدعى التحمل فله عذاب مهين يهينه، ويحط من كرامته، وهو الذي ~~يتعالى أو يظن نفسه عظيما. والعذاب المهين ليس بالضرورة أن يكون ~~مؤلما، فمن الناس من يؤلمه التوبيخ والتقريع، فإن أردت ضخامة العذاب ~~من حيث القدر، فهو عذاب عظيم. إذن: إن أردت الإيلام فهو عذاب أليم، وإن ~~كان قليلا في قدره، وإن أردت التحقير والإهانة فهو عذاب مهين، وإن ~~أردت ضخامة العذاب فهو عذاب عظيم. ثم يقول الحق سبحانه: { ويرى ~~الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك ~~هو الحق... }. ### || [34.6] # هنا تثبيت لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأن ربه - عز وجل - ~~يقول له: يا محمد لا تيأس من هؤلاء الذين سعوا في آياتنا معاجزين ولا ~~تهتم، فإن الذي ms8139 جعل من الكفرة من يسعون بالفساد ويعاجزون خالقهم جعل ~~أيضا لك من ينصر دعوتك ويؤيدك من الذين يؤمنون بآيات الله، ويعلمون ~~أنها الحق، وأن ما يقوله هؤلاء من الهراء، وهو الباطل. فكما أثبت لهم ~~سعيا في الباطل ومعاجزة أثبت للمؤمنين العلم بآيات الله وتصديقها ~~والاعتراف بأنها الحق، وطمأن رسول الله أن هؤلاء لن يفسدوا عليك أمرك، ~~ولن يطفئوا نور الله، كما قال سبحانه: # يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم والله ~~متم نوره ولو كره الكفرون # [الصف: 8]. وقال: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # [التوبة: 33]. فقوله تعالى: { ويرى الذين أوتوا العلم ~~الذي أنزل إليك من ربك هو الحق.. } [سبأ: 6] أي: ~~يشهدون لك بأنك على الحق، وأنك جئتهم بمنهج هو الحق، ويهدي إلى صراط ~~مستقيم. إذن: فضع هؤلاء قبالة الذين سعوا في آياتنا معاجزين، واعقد ~~مقارنة بين هؤلاء وهؤلاء. فالكفار الذين سعوا في آياتنا بالفساد ~~مجردون عن معونة القدرة، بل إن القدرة ضدهم ولهم بالمرصاد، أما الذين ~~أوتوا العلم وشهدوا لرسول الله، فهم مؤيدون للقدرة الإلهية، والقدرة ~~معهم تساندهم، فأي الكفتين أرجح؟ ومعنى: { ويرى الذين ~~أوتوا العلم } [سبأ: 6] الذين أوتول العلم من المؤمنين بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم الذين صدقوه وصدقوا معجزته ورسالته. أو: الذين أوتوا ~~العلم من أهل الكتاب اليهود أو النصارى، فالمنصفون منهم يعلمون صدق ~~رسول الله، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم وهم الذين ذهبوا إلى يثرب قبل ~~بعثة رسول الله ينتظرون بعثته، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا ~~يقولون: لقد أظل زمن نبي جديد نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به.. # [البقرة: 89]. لذلك يقولون القرآن في جدال الكافرين: # ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل.. # [الرعد: 43] أي: ردا عليهم # كفى بالله شهيدا بيني وبينكم.. # [الرعد: 43] أي: الله الذي أرسلني بالمعجزة # ومن عنده علم الكتاب # [الرعد: 43] أي: من اليهود والنصارى، أهل التوراة والإنجيل. والعلم: هو ~~كل قضية مجزوم بها، وهي واقعة وعليها دليل، وغير ذلك لا يعتبر علما، ~~فالقضية إن ms8140 لم يكن مجزوما بها فلا تدخل في العلم، إنما هي في الشك، ~~أو في الظن، أو في الوهم، فإن كانت القضية مجزوما بها، لكن ليس لها ~~واقع، فهذا هو الجهل. لذلك سبق أن قلنا: ليس الجاهل هو الذي لا يعلم، ~~إنما الجاهل الذي يعلم قضية منافية للواقع، أما الذي لا يعلم فهو الأمي ~~خالي الذهن تماما لذلك يقبل منك ما تقول، على خلاف الجاهل الذي ينبغي ~~عليك أن تثبت له خطأ قضيته أولا، ثم تقنعه بما تريد. # فإن كانت القضية مجزوما بها ولها واقع، لكن لا تستطيع أن تدلل ~~عليها، فهي تقليد كالولد الذي نلقنه مثلا # قل هو الله أحد * الله الصمد # [الإخلاص: 1-2] فيحفظها كما هي، لكن لا يستطيع أن يقيم الدليل عليها، ~~فهو إذن مقلد لمن يثق فيه وفي إخلاصه له، كأبيه أو معلمه، فإن وصل ~~الولد إلى مرحلة يستطيع فيها أن يدلل على صدق هذه القضية فقد وصل ~~إلى مرتبة العلم. والعلم وإن كان أنواعا كثيرة، إلا أنه يمكن حصره في ~~العلم الشرعي والعلم الكوني: العلم الشرعي أو علم الشرع، ومصدره السماء ~~يبلغه رسول بمعجزة، ولا دخل لأحد فيه، وليس للبشر في علم الشرع إلا ~~النقل والرواية، والبلاغ من الرسول، وهذا العلم هو الذي يحدد لنا ~~الحلال والحرام، وقد جاء العلم الشرعي لا ليتدخل في العلم الكوني، إنما ~~جاء ليضبط الأهواء المختلفة لذلك يختلف الناس في هذا العلم. أما العلم ~~الكوني فهو العلم الذي يبحث في أجناس الوجود كلها: في الجماد، وفي ~~النبات، وفي الحيوان، وفي الإنسان، فهذا العلم يقوم على نشاط العقل، ولا ~~يختلف الناس فيه لأنه مادى يعتمد على البحث والتجربة والملاحظة لذلك ~~يتنافس فيه الناس، وربما سرقوه بعضهم من بعض. وبهذا العلم الكوني ~~يرقي الإنسان حياته، فالخالق عز وجل أعطاك كل مقومات الحياة ~~وضرورياتها، وعليك إن أردت رفاهية الحياة أن تعمل عقلك وفكرك في ~~معطيات الكون من حولك لتكتشف ما لله تعالى في كونه من أسرار وآيات ~~ترقي بها حياتك. ففي الماضي، كان الإنسان ms8141 مثلا إذا أراد الماء يذهب ~~إلى النهر أو إلى البئر، فإن عز عليه الماء طلب السقيا من الله، ~~وتوجه إليه بالدعاء ولا شيء آخر، فلما تطورت الوسائل وتوصل الإنسان ~~إلى خواص الماء واستطراقه من أعلى إلى أسفل، واستحدث الخزانات ~~والمواسير، وصار يستقبل الماء في بيته بمجرد فتح صنبور المياه أصبح إذا ~~انقطعت عنه المياه لا يقول: يا رب اسقنى. إنما يبحث عن سبب انقطاعها، ~~أهو في ماسورة كسرت؟ أم أن الكهرباء انقطعت فعطلت موتور الرفع؟ أم أن ~~محطة المياه تعطلت؟.. إلخ. إذن: كلما تقدمت الحضارة ووسائل المدنية ~~بعدت الصلات بيننا وبين الله. وهذا العلم الكوني الذي يقوم على الفكر ~~وإعمال العقل لا دخل للسماء فيه، ويستوي فيه المؤمن والكافر، فمن ~~سعى إليه وأخذ بأسبابه أعطته الأسباب لذلك وجدنا معظم الاختراعات ~~والاكتشافات جاء بها علماء كفرة لا يؤمنون بالله، كالكهرباء والتليفون ~~والتلغراف وغيرها. فمعنى: { ويرى الذين أوتوا العلم.. } ~~[سبأ: 6] أى: العلم الشرعي، وهم الذين آمنوا بك وصدقوك بالمعجزة على ~~أنك رسول الله، وأن ما جئت به هو الحق { الذي أنزل إليك من ~~ربك هو الحق. # . } [سبأ: 6]. وكذلك الذين أوتوا العلم الكوني لهم دور في تصديق الرسل ~~وتأييدهم بما أوتوا من العلم الكوني الذي يدل على الله، وإذا كان ~~القرآن كتاب الله المقروء، فالكون بأجناسه المختلفة كتاب الله المشاهد ~~المنظور. واقرأ إن شئت قول الحق سبحانه وتعالى: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها.. # [فاطر: 27] هذا هو النبات # ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود # [فاطر: 27] وهذا هو الجماد # ومن الناس.. # [فاطر: 28] الإنسان # والدوآب والأنعام.. # [فاطر: 28] أي: الحيوان # مختلف ألوانه كذلك.. # [فاطر: 28]. ثم يختم الحق سبحانه بقوله: # إنما يخشى الله من عباده العلماء.. # [فاطر: 28] أي علماء؟ علماء الكون الذين يبحثون في أجناسه المختلفة ~~وقوانينه العلمية والاجتماعية والصحية.. إلخ. وهؤلاء العلماء يخشون ~~الله لأنهم يشاهدون أسراره في كونه، ويطلعون الناس عليها، فهم جند ~~من جنود الدعوة إن آمنوا يؤيدون قدرة الله، بل ويستشهد علماء الشرع ms8142 ~~بكلامهم، ويظهرون قدرة الله في الكون من خلال نظرياتهم العلمية، إذن: ~~للعلم الكوني مهمة كبرى في مجال الدعوة إلى الله. لكن، من الذي يرى ~~من هؤلاء - علماء الشرع، أو علماء الكون - أن الذي جاء به محمد هو ~~الحق؟ إن قلنا علماء الشرع فقد شهدوا لرسول الله وصدقوه، سواء من ~~المؤمنين برسالته، أم من علماء أهل الكتاب، وإن قلنا علماء الكون فقد ~~شهدوا هم أيضا لرسول الله وأيدوه بما لديهم من أسرار قدرة الله، ~~والدليل أننا كنا نتحدث في قوله تعالى: # عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في ~~السموت ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين # [سبأ: 3]. قلنا: إن الذرة هي الهباءة المتناهية في الصغر، والتي لا ~~ترى بالعين المجردة إلا في شعاع الشمس، هذا هو كلام الحق سبحانه، ~~فأعطنى من العلم الكوني ما يثبت هذا الكلام، وما يقنعني بأن الله تعالى ~~يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه حتى الذرة في السماوات ولا في الأرض. نقول: ~~من الذى خلق السماوات والأرض وما فيهن؟ لا أحد يستطيع أن يقول غير ~~الله. كما قال سبحانه: # ولئن سألتهم.. # [لقمان: 25] أي: الكفار # من خلق السموت والأرض ليقولن الله.. # [لقمان: 25]، وقال تبارك وتعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون # [الزخرف: 87]. لا أحد يجرؤ أن يقول غير هذا، مع أن الكفرة والملاحدة ~~كثيرون، لكن لم يدع أحد أنه خلق شيئا، كيف والناس يقفون عند أتفه ~~الأشياء، فيؤرخون لها ويخلدون اسم صانعها أو مخترعها، لو سألت ~~تلميذ الابتدائية: من اكتشف الكهرباء؟ يقول لك. أديسون. من أول من ~~صعد إلى القمر؟ يقول لك: كذا وكذا. فكيف نعرف هؤلاء ونصنع لهم التماثيل ~~ونكرمهم، ولا نسأل أنفسنا: من خلق الشمس، من خلق القمر؟ من أجرى ~~الهواء. # . إلخ، وهذه مقومات الحياة وأساسياتها، وليست ترفا كالأخرى. إذن: قضية ~~الخلق هذه ساعة تعرض لا بد أن يتمثل لك قوله تعالى # فبهت الذي كفر.. # [البقرة: 258] يعني: لا يملك إلا أن يقول: الله. تذكرون أننا قلنا: إذا ms8143 ~~قال الحق قولا، وقال البشر قولا يجب أن ينطمس قول البشر أمام قول الله ~~لأن البشر حين يقننون يقننون حسب ما يرى من أحداث، ولا يحسب حسابا ~~لما سيطرأ، وما يستجد لذلك تأتي قوانين البشر عاجزة قاصرة تحتاج دائما ~~إلى تعديل. كذلك، في مسألة الإضاءة نرى البشر يضيء كل منهم بيته مثلا ~~حسب إمكاناته وقدراته، فإذا جاء نور الله أطفئت كل الأنوار، ومن هذه ~~المسألة نأخذ الدليل على مسألة الذرة التي نحاول أن نثبت علم الله لها ~~من خلال العلم الكوني. فنحن الآن في المسجد، والمسجد مضاء، ونرى كل شيء، ~~فهل ترون الآن غبارا في جو المسجد؟ لا، مع أننا في النور، لكن ماذا لو ~~جلست بجوار شباك مثلا يدخل منه شعاع الشمس؟ لا شك أنك سترى هذا الغبار ~~المتطاير في الجو. إذن: هذا الغبار لا تراه إلا في ضوء الشمس، فنور البشر ~~لا يكشف الغيب، إنما يكشفه نور الله المتمثل في ضوء الشمس، فإذا كانت ~~الشمس المخلوقة لله تعالى بينت لنا ما خفى عنا، أيعجز خالق الشمس ~~سبحانه أن يعلم ما غاب عنا؟ هذه إذن رسالة العلم الكوني، أن يثبت ~~لنا ما يؤيد الدعوة، وأن ما جاء به الرسول حق. مسألة أخرى توضح مكانة ~~العلم الكوني ومنزلته في الدعوة، هذه المسألة نجدها في قوله تعالى عن ~~عذاب الكفار يوم القيامة: # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. # [النساء: 56]. هكذا قال الله تعالى، وهكذا نقلها القرآن لنا لم يخبرنا ~~شيئا عن مراكز الألم والإحساس، وكنا لا نعلم شيئا عنها، حتى جاء علماء ~~وتخصصوا في وظائف الأعضاء، وبعد بحوث وتجارب توصلوا إلى أن الجلد هو ~~المسئول عن الإحساس، فقد لاحظ الألمان أن المريض حين نعطيه حقنة مثلا لا ~~يشعر بالألم إلا بمقدار ما تنفذ الإبرة من طبقة الجلد، فأخذوا من ذلك أن ~~الجلد هو محل الإحساس، وليس المخ أو النخاع الشوكي كما قال البعض. أخذ ~~علماء الشرع هذه القضية، وجعلوها دليلا على قول الحق سبحانه: # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا ms8144 غيرها.. # [النساء: 56] لماذا يا رب؟ # ليذوقوا العذاب.. # [النساء: 56] فالجلد محل الإذاقة، وهكذا ساعدني العلم الكوني في إثبات ~~صدق القرآن الكريم، وأنه حق. كذلك نفعنا العلم الكوني في إثبات كروية ~~الأرض، وأنها تدور حول الشمس، فالحق سبحانه أخبرنا أن الليل والنهار ~~خلفة أى: يخلف كل منهما الآخر، وهذا واضح لنا الآن في تعاقب الليل ~~والنهار، لكن ماذا كان أول الخلق لو أن النهار خلق أولا يعني: ~~خلقت الشمس مواجهة للأرض ثم غابت، فجاء الليل، فالنهار في هذه الحالة ~~ليس خلفة لليل، لأن النهار جاء أولا لم يسبقه ليل فليس خلفة. # وعليه فلا بد أن تكون الأرض خلقت على هيئة كروية، ما قابل الشمس ~~منها يكون النهار فيه، وما لم يقابل الشمس يكون الليل فيه، فهما معا في ~~وقت واحد، فلما دارت الشمس تعاقب الليل والنهار، وخلف كل منهما الآخر، ~~فلا تتأتى هذه الخلفة إلا بكروية الأرض. فقوله تعالى: { ويرى ~~الذين أوتوا العلم.. } [سبأ: 6] أي: العلم الشرعي المنزل من ~~أعلى، أو العلم الكوني القائم على البحث والمشاهدة. وقوله { أوتوا ~~العلم.. } [سبأ: 6] سواء كان علما شرعيا، أو علما كونيا يدل على ~~أن العلم إيتاء، فليس هناك عالم بذاته، إنما العلم إيتاء من الله حتى فى ~~علم الكونيات لذلك لم يقل علموا، إنما { أوتوا العلم.. } [سبأ: ~~6]. لذلك قالوا: إن كان العلم نعمة من الله، فكذلك النسيان قد يكون ~~نعمة، وجنديا يخدم الإنسان، فنحن نعرف مثلا الخميرة التي تخمر العيش، ~~إذا وجدت رغيف العيش مبلط يعني: وجهه ملتصق بظهره ترده للبائع وتطلب ~~الرغيف القابب هذا ما تفعله الخميرة في رغيف العيش تجعل الهواء يدخل بين ~~ذرات العجين، فحين تدخله النار يتمدد هذا الهواء فيحدث فاصلا بين ~~وجه الرغيف وظهره. وهذه الخميرة هي التي تعطى للعيش طعمه المميز، فهل ~~تعرف من أين جاءت هذه الفكرة؟ جاءت نتيجة نسيان، فيروى في هذه المسألة ~~أن امرأة عجنت العجين، ثم انشغلت عن خبزه بعض الوقت ونسيته، فلما ~~تذكرت جاءت إليه وخبزته كما هو، فوجدت هذا الفرق بين العجين حين ms8145 يخبز ~~سريعا، وحين يترك حتى يختمر، وكانت هذه بداية فكرة الخميرة، وكأن كل ~~قطعة خميرة نأكلها الآن هي في الحقيقة جزء من خميرة هذه المرأة. كذلك ~~يقال في سبب شواء اللحم أن الإنسان أولا كان يأكل اللحم نيئا، وقد ذبح ~~رجل شاة بالليل، وأوقد نارا يستدفئ بها، فجاء ذئب ينازعه الشاة، فدخل ~~معه في معركة، فوقعت قطعة لحم في النار، فلما خلص من الذئب شم رائحة ~~الشواء فأعجبته، ومن هنا عرف الإنسان كيف يشوي اللحم. إذن: الحق سبحانه ~~يهدي خلقه ولو بالنسيان، ولو بالمصادفة، فالعلم حتى الكوني منه إيتاء ~~من الله، وكل قضية كونية لا يعطيك الله علمها مباشرة، يعطيك المقدمات ~~التي توصل إليها، وتهدي إلى معرفتها. وكنا ونحن نتعلم الهندسة ندرس ~~كتابا اسمه هول ونايت نتعلم كيف نبرهن على صحة النظرية، فمثلا النظرية ~~المائة نبرهن عليها بما ثبت في النظرية التسعة والتسعين وهكذا، فحين ~~تسلسل هذه المسألة نصل إلى النظرية، رقم واحد، كيف نبرهن على صحتها؟ ~~قالوا: البرهان عليها بدهية في الكون، فكأن كل علم وصل إلينا أصله ~~بدهية مخلوقة لله تعالى، إذن: فالعلم سواء أكان شرعيا أو كونيا إيتاء ~~من الله لذلك قال سبحانه: # واتقوا الله ويعلمكم الله.. # [البقرة: 282] يعني: يلهمكم ويرشدكم إلى الأشياء ولو بالمصادفة، وسبق أن ~~قلنا: إن لكل سر في الكون ميلادا، إما أن يأتي نتيجة بحث الإنسان، ~~فإن لم يبحث الإنسان فيه كشفه الله له ولو بالمصادفة، كما اكتشف الإنسان ~~مثلا البنسلين. لذلك يقول سبحانه في العلم الكوني # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم له ما في السموت وما في الأرض من ~~ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين ~~أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه ~~إلا بما شآء.. # [البقرة: 255]. فمعنى { إلا بما شآء.. } [البقرة: 255] أي: يأذن ~~سبحانه بميلاد هذا الشيء، فإن شاء سبحانه أعطاك علمه نتيجة بحثك وأنت ~~تبحث وإن لم يكن هناك بحث أعطاك العلم مصادفة. أما العلم الذي ~~استأثر الله به فهو ms8146 غيب لا يحيط به أحد، كما قال سبحانه: # علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول.. # [الجن: 26-27] هذا هو العلم الذي لا دخل لأحد فيه، أما العلم الكوني ~~فله زمن، وله ميلاد يولد فيه. ونلحظ في أسلوب الآية أن المفعول الثانى ~~للفعل يرى جاء على صورة الضمير المنفصل { ويرى الذين أوتوا ~~العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق.. } ~~[سبأ: 6] ولم يقل الحق فقط إنما { هو الحق.. } [سبأ: 6] وهذا ~~الضمير المنفصل يعني أن غيره ليس حقا، فالحق هو الذي أنزل على رسول، ~~وما عداه ليس حقا، وكأنها خاصية لم تعط إلا له صلى الله عليه وسلم. ~~ومثلها قوله تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم: # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء: 78] فلم يقل: الذي خلقني يهديني لأنها تحتمل أن يهديك ~~غيره، إنما # فهو يهدين # [الشعراء: 78] قصرت الهداية عليه سبحانه وتعالى، ومثلها # والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو ~~يشفين # [الشعراء: 79-80] فقصر الإطعام والسقيا والشفاء على الله سبحانه ~~وتعالى، لأنك قد تظن أن أباك هو الذي يطعمك ويسقيك، وهو مجرد سبب ومناول ~~عن الله. وكذلك قد تظن أن الشفاء بيد الطبيب، وما الطبيب إلا معالج، ~~والشفاء من الله، لكن تأمل حين تكلم سبحانه بعدها عن الموت والحياة، قال: # والذي يميتني ثم يحيين # [الشعراء: 81] ولم يأت بالضمير المنفصل هنا، لماذا؟ لأن الموت والحياة ~~لم يدعها أحد غير الله، فليست مظنة المشاركة، والكلام هنا عن الموت ~~لا عن القتل، وهناك فرق بينهما سبق أن أوضحناه. إذن: قوله تعالى: { ~~هو الحق.. } [سبأ: 6] دلت على أن الحق واحد، هو ما أنزل الله، ~~وما عداه باطل، ولا يجتمع حقان في مسألة واحدة، إلا إذا كانت الجهة ~~منفكة كأن تقول مثلا: والله أنا ودعت فلانا اليوم في المطار وسافر إلى ~~كذا، فيقول آخر: بل لم يسافر وأنا رأيته اليوم في بيته، وعندها يتهم كل ~~واحد منكما الآخر بالكذب فأسرعت إلى التليفون واتصلت بهذا الرجل، فقال ~~لك: نعم لم أسافر فقد طرأ لي طارىء، فرجعت ms8147 من المطار. # إذن: فالخبران صادقان، لكن الجهة منفكة. والحق هو: الشيء الثابت الذي لا ~~يتغير ولا ينكر، وكيف تنكر الحق وأنت حين تريد أن تؤيد نفسك في شيء ~~تقول: هذا حقي يعني لي ولا ينازعني فيه أحد، فالدعوى التي تقيمها أن ~~هذا حقك. والحق إلى جانب أنه أمر ثابت فهو ينفعك، فله إذن ميزتان أو ~~حجتان: الأولى أنه الحق الثابت وغيره باطل، والأخرى أنه يعود عليك نفعه ~~لذلك قال تعالى بعدها: { ويهدي إلى صراط العزيز ~~الحميد } [سبأ: 6]، فإذا لم تقبل الحق لذاته وتتعصب له، فاقبله لما ~~يعود عليك من نفعه، فهذان الأمران هما من حيثيات التمسك بالحق. ومعنى { ~~العزيز.. } [سبأ: 6] هو الذي لا يغلب ولا يقهر، ومنه قولنا: عز ~~على كذا يعني: لم أقدر عليه، وفلان عزيز يعني لا يقهره أحد، فصفة العزة ~~صفة ترهيب، فحين تعرض عن هذا الحق فاعلم أنك تعصي عزيزا لا يقهر، ~~يغلب ولا يغلب. ثم يتبعها سبحانه بصفة من صفات الترغيب { الحميد } ~~[سبأ: 6] بمعنى المحمود على ما يعطى من النعم، فهي ترغبك في ~~المزيد من نعم الله. ثم يقول الحق سبحانه: { وقال الذين ~~كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم... }. ### || [34.7] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا.. } [سبأ: 7] معلوم أن القول ~~يحتاج إلى قائل، وإلى مقول له، القائل هم الذين كفروا، قالوا: لمن؟ ~~قالوا بعضهم لبعض وهم يتسامرون، أو قال المتبوع منهم لتابعه الذي يقلده. ~~أما قولهم فهو { هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا ~~مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد } [سبأ: 7]. ~~ويلفت أنظارنا في هذا القول أنهم وصفوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بكلمة رجل، وهي نكرة قصدوا بها الاستهزاء والاستنكار والتقليل من ~~شأنه صلى الله عليه وسلم. وهذا في حد ذاته يدل على غبائهم وتغفيلهم، فهم ~~أنفسهم الذين وصفوه بأنه رسول الله حين قالوا كما حكى القرآن عنهم: # لا تنفقوا على من عند رسول الله.. # [المنافقون: 7] فدل ذلك على غبائهم. وهم أيضا الذين قالوا - لما ~~فتر الوحي عن رسول الله - إن رب محمد ms8148 قلاه، وهذا عجيب منهم، فعند ~~المحنة والسوء يعترفون أن لمحمد ربا. وقولهم { ينبئكم.. } [سبأ: ~~7] من النبأ، ولا يطلق إلا على الخبر الهام وليس مطلق الخبر، فمثلا ~~حين أقول لك: أكلت اليوم كذا وكذا، وذهبت إلى مكان كذا لا يعد هذا ~~نبأ لأنه خبر عادي، أما النبأ فخبر عجيب وهام وعظيم، كما جاء في قول الله ~~تعالى: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم # [النبأ: 1-2]. ومعنى { إذا مزقتم كل ممزق.. } [سبأ: 7] ~~التمزيق: إبطال الكل عن أجزائه، وإبعاد الأجزاء بعضها عن بعض، فمثلا أنا ~~أجلس الآن على كرسي، هذا الكرسي كل مكون من أجزاء: خشب ومسامير ~~وغراء وقطن وقماش.. إلخ، فتمزيق هذا الكل أن أفصل هذه الأجزاء عن بعضها، ~~فينهدم هذا الكل إلى أجزاء. وينبغي هنا أن نفرق بين الكل والكلى: الكل ~~مكون من شيء كثير، لكنه مختلف في الحقيقة، فالخشب غير المسمار غير ~~الغراء غير القماش، فكل جزء له تكوينه الخاص. أما الكلي فيطلق على ~~أشياء كثيرة منفصلة، إلا أنها متفقة في الحقيقة، كما نقول مثلا: إنسان ~~بالنسبة للأفراد شيء كلي لأن الإنسان يطلق على كل المجموع، بحيث يقال ~~عن كل فرد: إنسان، إنما في الكل لا أقول الخشب كرسي. هذا هو التمزيق، ~~فماذا أضافت { كل ممزق.. } [سبأ: 7]؟ أي: تمزيقا شديدا يمزق ~~الكل، ويمزق الجزء، إذن: التمزيق له مراحل وصور، فمعنى { مزقتم ~~كل ممزق.. } [سبأ: 7] استقصاء لأصغر شيء يصل إليه الممزق، وهذا ~~التمزيق نشاهده في تحلل الميت وتفكك أجزائه وعناصره، حتى تذهب في ~~الأرض، لا يبقى لها أثر. ومن ذلك قولهم: # وقالوا أءذا ضللنا في الأرض أءنا لفي خلق ~~جديد.. # [السجدة: 10]. فمعنى # ضللنا في الأرض.. # [السجدة: 10] أي: ذهبنا فيها وغبنا في متاهتها. # والتمزيق له أسباب متعددة، فمن يموت ويدفن تمزقه الأرض، ومن يموت ~~محروقا تمزقه النار، وربما تذروه الرياح وتتبعثر ذراته، ومن تأكله ~~الحيوانات والطير.. إلخ. ومع هذا التمزيق والتفتيت والبعثرة تستطيع قدرة ~~الله أن تعيد الإنسان من جديد، واقرأ: # ق والقرآن المجيد * بل عجبوا أن جآءهم منذر ~~منهم فقال الكافرون هذا ms8149 شيء عجيب * أءذا ~~متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد # [ق: 1-3] يستبعدون البعث، فيرد القرآن عليهم # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم.. # [ق: 4] يعني: لا تستعجبوا، فكل ذرة تبعثرت نعلمها، ونعلم مكانها، ونقدر ~~على إعادتها # وعندنا كتاب حفيظ # [ق: 4] يعني: ليس مجرد علم، إنما علم مسجل محفوظ، لا يناله تغيير ولا ~~تبديل. وقوله: { إنكم لفي خلق جديد } [سبأ: 7] الخلق الجديد ~~أن يعاد الشيء إلى أصل تكوينه، كالذي يقلب البدلة مثلا فتصير جديدة، ~~لماذا؟ لأنه أعاد تكوينها من جديد. ثم يقول الحق سبحانه: { أفترى ~~على الله كذبا أم به جنة... }. ### || [34.8] # هذا القول كسابقه يحتاج إلى قائل ومقول له، ويصح أن يكون قائله هو ~~القائل الأول الذي قال # هل ندلكم على رجل ينبئكم.. # [سبأ: 7] ويصح أن يكون الآخر الذى سمع القائل الأول فرد عليه: { ~~أفترى على الله كذبا أم به جنة.. } [سبأ: 8]. معنى { ~~أفترى.. } [سبأ: 8] من الافتراء، وهو تعمد الكذب { أم به ~~جنة.. } [سبأ: 8] أي: جنون يعني: كلامه هراء، لا وزن له، ولا يقال ~~له صدق ولا كذب. لكن لماذا اتهموا رسول الله بأن به جنة بعد أن اتهموه ~~بالكذب والافتراء؟ قالوا: لأن هذا اتهام كذب، والكاذب دائما يخاف أن ~~يفتضح أمره، وينكشف كذبه لذلك يحاول أن يجعل لنفسه مخرجا حين يثبت ~~كذبه، فقالوا: { أفترى على الله كذبا أم به جنة.. } ~~[سبأ: 8] فإذا ما ثبت صدق رسول الله، وأنه ليس كاذبا ولا مفتريا وجد ~~المتهم له مخرجا فقال: والله أنا لا أدري أهو مفتر أم به جنة، وما ~~دام ثبت صدقه، فهو به جنة. وعجيب أن يصف كفار مكة رسول الله بالكذب ~~والافتراء على الله، وهو واحد منهم، ما عرفوا عنه إلا أنه الصادق الأمين، ~~وما جربوا عليه كذبا قط، وما رأوه يوما خطيبا ولا شاعرا، وهم أهل ~~الفصاحة وفرسان الكلمة، لا يخفى عليهم تذوق اللغة وفهم الأساليب ~~العربية، فكان عليهم أن يعقلوا أولا قبل أن يوجهوا لرسول الله هذا ~~الاتهام. ثم، هل تأتي البلاغة؟ وهل يأتي النبوغ بعد سن الأربعين؟ ms8150 معلوم ~~أن النبوغ يأتي فى أواخر العقد الثانى أو أوائل العقد الثالث من العمر، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم لبث فيهم أربعين سنة قبل أن يبلغهم ~~عن الله كلمة واحدة. لذلك يخاطبهم القرآن، ويجادلهم بالحجة، فيقول على ~~لسان سيدنا رسول الله: # فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16] يعنى: تدبروا الأمر واعقلوه، فأنتم أهل البلاغة واللسان ~~الفصيح، ومنكم الخطباء والشعراء ملأوا الدنيا كلاما، فهل رأيتم مني ~~شيئا من هذا؟ إذن: الذي قال: { أم به جنة.. } [سبأ: 8] احتاط ~~لنفسه، فحين يظهر صدق رسول الله يقول هو: أنا قلت: إنه إما كاذب، ~~وإما مجنون. ثم يرد الحق على هؤلاء: { بل الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة في العذاب والضلال البعيد } [سبأ: 8] كلمة ~~بل تفيد الإضراب عما قبلها ونفيه ورفضه، ثم إثبات ما بعدها، فهي تنفي ~~أن يكون رسول الله مفتريا، وتنفي أن يكون مجنونا لأن رسول الله ما ~~جربتم عليه كذبا من قبل، وما رأيتم عليه علامة من علامات الجنون لأن ~~المجنون لا يحمد على فعل، ولا يذم على فعل، ولا يوصف بصدق ولا كذب، ~~وقد سبق أن مدحتم رسول الله فقلتم عنه " الصادق الأمين ". # لذلك يقول الحق سبحانه: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4] وهل يوصف المجنون بأنه على خلق عظيم؟ هل يوصف المجنون ~~بالأدب أو الوفاء أو غيرها من خصال الخلق الحميد؟ فكيف إذن تصفون رسول ~~الله بالجنون، وقد شهدتم له بسيدة الخصال الحميدة في النفس البشرية وهي ~~الأمانة، وكنتم تأتمنونه على أشيائكم، وتضعونها عنده؟ لذلك خلف رسول ~~الله الإمام عليا وراءه بعد أن هاجر ليرد الودائع والأمانات إلى أهلها. ~~وبعد أن أبطل الحق سبحانه كذبهم على رسول الله يقرر ما يستحقونه على ذلك ~~من العذاب { بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب ~~والضلال البعيد } [سبأ: 8] في العذاب لأنهم اتهموا رسول الله ~~بالكذب والافتراء على الله، ورسول الله لم يكذب، ولم يفتر على الله، ~~وهم ms8151 في الضلال البعيد لأنهم وصفوا رسول الله بالجنون، وهو شيء مخل ~~بتكوينه إنما لم يكذب، إذن: العذاب مقابل الاتهام بالافتراء على الله، ~~والضلال البعيد مقابل اتهامه صلى الله عليه وسلم بالجنون. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما ~~خلفهم من السمآء والأرض... }. ### || [34.9] # الهمزة هنا للاستفهام. والمعنى: كيف يقولون هذا ويغفلون عن آيات الله في ~~كونه، وهي ظاهرة لهم غير مطموسة عليهم لأنهم يعيشون في بادية سماؤها ~~مكشوفة لهم، ليست ذات عمائر تحجب عنهم آيات الله كأهل المدن مثلا، ~~قلما يرون الشمس أو القمر، وإذا حدث كسوف أو خسوف لا يدرون به إلا من ~~أخبار الصحف. أما أهل البادية فيعيشون في صحراء شاسعة، وتبدو لهم صفحة ~~السماء، أنيسهم الشمس بالنهار، والقمر والنجوم بالليل، وهم ينظرون إلى ~~هذه الآيات ويتأملونها لذلك قال الرجل العربي وهو يتأمل الكون من حوله ~~وهو على الفطرة: سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، القدم ~~تدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، أفلا يدل ذلك على وجود اللطيف ~~الخبير؟ إذن: كيف وآيات الحق واضحة أمامكم - تتهمون رسول الله وتغفلون عن ~~آيات الله { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما ~~خلفهم من السمآء والأرض.. } [سبأ: 9] معنى { ما بين ~~أيديهم.. } [سبأ: 9] أمامهم { وما خلفهم.. } [سبأ: 9] ~~وراءهم، ويمكنك أن تزيد يمينهم وشمالهم لأنك أينما سرت في هذه ~~الاتجاهات فلن تجد إلا السماء، حتى لو قلت تحتهم وحاولت أن تخترق الأرض ~~فلا بد أن تصل في النهاية إلى سماء في الجهة الأخرى، لكنه لم يقل ~~تحتهم لأن الإنسان لا يستطيع أن يخترق الأرض إلى نهايتها. ثم أي عظمة ~~في خلق السماء بهذا الاتساع وهي بلا عمد؟ إنك لا تستطيع إقامة خيمة ~~مساحتها عدة أمتار إلا بأن تثبتها بالحبال والأوتاد وترفعها بالأعمدة، ~~ولو هبت عليها الريح اقتلعت أوتادها وأعمدتها وهدمتها على من فيها، ~~فكيف تمر على آيات الله في السماء وفي الأرض دون أن تتأملها؟ ثم يقول ~~سبحانه: { إن نشأ نخسف بهم الأرض.. } [سبأ: 9] كما ms8152 خسفها ~~بقارون { أو نسقط عليهم كسفا من السمآء.. } [سبأ: ~~9] كما نزلت الصاعقة من قبل على المكذبين للرسل و كسفا جمع كسفة أي: ~~قطعة { إن في ذلك لآية لكل عبد منيب } [سبأ: 9] آية ~~يعني: عبرة وعظة لكل عبد يحاول أن يرجع لربه. فكأن الحق سبحانه جعل في ~~كونه هذه الآيات لتذكر كل غافل، وترد كل كافر، وتعطفه إلى أن يرجع ~~إلى ربه، ولو رجع الكافر إلى ربه لقبله. إذن: الحق سبحانه خلق ~~الخلق، ويريد أن يسعدهم، لكن لا بد أن نختبر من يستحق السعادة، ~~وأن نميز من أطاع منهج الله ومن عصاه. لذلك يقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " مثلي ومثلكم كرجل أوقد نارا فأخذ الذباب والفراش يتهافت عليها، ~~فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون مني ". # فالحق سبحانه يفتح لعباده - حتى الكافرين منهم - باب الأمل ليعودوا إلى ~~ساحته، وقد ورد عن رسول الله أنه قال: # " لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم وقع على بعيره وقد أضله في فلاة " # ففتح بالتوبة وبالإنابة باب الرجوع إليه، وخاصة إذا اكتملت للإنسان ~~الوسائل الداعية للتوبة من تقدم السن أو المرض.. إلخ. مما يبعد الإنسان ~~عن مظان الشهوات، ويدعوه لأن يقبل على الله ويصلح ما فسد من علاقته ~~بربه وخالقه، حتى إذا ما عاد إليه يوم القيامة عاد طاهرا من ذنوبه ذلك ~~لأن الخلق خلقه، وصنعته، والصانع يريد لصنعته الخير والسعادة. وسبق ~~أن ذكرنا الحديث الذي يوضح أن السماء والأرض والجبال والبحار ~~تمردت على ابن آدم، واستأذنت ربها - تبارك وتعالى - أن تفتك به. فقالت ~~السماء: يا رب ائذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم، فقد طعم خيرك، ~~ومنع شكرك.. إلخ، فماذا قال الحق سبحانه لها؟ قال: دعوني وما خلقت، لو ~~خلقتموهم لرحمتموهم، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا ~~طبيبهم. ثم يقول الحق سبحانه: { ولقد آتينا داوود منا ~~فضلا يجبال أوبي معه والطير... }. ### || [34.10-11] # بعد أن فتح الحق سبحانه باب التوبة لعباده، وأعطاهم الأمل حتى الكافرين ~~منهم، وبعد أن فعلوا برسول الله ms8153 ما فعلوا، وسعوا في آيات الله معاجزين ~~ما يزال الحق سبحانه رحيما بهم، حريصا عليهم، فيلفت أنظارهم إلى واسع ~~رحمته. وكأنه سبحانه يقول لهم: لا تستكثروا أفعالكم وذنوبكم أمام رحمة ~~الله، ولا تصدنكم هذه الذنوب عن التوبة والعودة إلى الله، وإن كنتم ~~أذنبتم، فمن الرسل من حدثت هفوة من بعضهم مع أنهم أنبياء، فكأن الحق ~~سبحانه مع هذا كله يلتمس لهم عذرا. لذلك ذكر بعدها حكاية سيدنا داود: { ~~ولقد آتينا داوود منا فضلا.. } [سبأ: 10] وفي موضع آخر ~~بين ما كان من أمر سيدنا داود: # وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر ~~راكعا وأناب # [ص: 24]. إذن: لا تخجلوا أن تنيبوا إلى الله لأن سيدكم الذي أعطيته ~~كذا وكذا لما حدثت منه هفوة استغفر وخر راكعا وأناب، يريد سبحانه ~~أن يحنن قلوبهم ليعودوا إلى أحضان ربهم. كذلك سيدنا سليمان حدثت منه ~~هفوة، فابتلاه الله وعاقبه، فتاب واستغفر، واقرأ: # ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه ~~جسدا.. # [ص: 34] والجسد يعني: أنه أصبح لا يستطيع الحركة في ذاته # ثم أناب * قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ~~ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب # [ص: 34-35] فماذا كان من أمره بعد أن استغفر # فسخرنا له الريح تجري بأمره رخآء حيث أصاب ~~* والشياطين كل بنآء وغواص * وآخرين مقرنين ~~في الأصفاد # [ص: 36-38]. لذلك يقال: إن سيدنا سليمان ركب البساط مرة، فداخله شيء من ~~الزهو أو الإعجاب، فمال به البساط، فقال له: اعتدل يا بساط، فقال: ~~أمرنا أن نطيعك ما أطعت الله. والمعنى: أنك ما سخرتنا، إنما سخرنا ~~الله لك. ومعنى الفضل الشيء الزائد، وقد أعطى الله داود عليه السلام ~~نعما كثيرة لم يعطها لكثير من الأنبياء، أعطاه الاصطفاء وأعطاه ~~المنهج، وزاده نعمة أخرى خاصة به، وهي أنه ألان له الحديد، كما قال ~~سبحانه: { وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات.. } ~~[سبأ: 10-11]. وكلمة { منا.. } [سبأ: 10] دلت على أن النعمة ليست من ~~ذاتك، إنما من الله، فتقديم الجار والمجرور هنا أفاد قصر النعمة على ~~المنعم سبحانه، ومثلها ms8154 الجار والمجرور في قوله تعالى في قصة سيدنا موسى ~~عليه السلام: # وألقيت عليك محبة مني.. # [طه: 39]. كأن الحق سبحانه يقول لنبيه موسى عليه السلام: لقد أخذك آل ~~فرعون، والتقطوك من اليم في وقت كانوا يقتلون فيه الأطفال، وقد جئتهم في ~~صورة تدعو إلى الشك، لكنهم أحبوك، ورأوا فيك قرة عين لهم، وأنت وقتها ~~أسمر اللون، كبير الأنف، جعد الشعر يعني: ليس فيك ما يلفت النظر، لكن ~~تذكر أني ألقيت عليك محبة مني أنا، فأحبوك. # والفضل من الله يأتي الناس جميعا، لكن الرسل لهم نعم متميزة، وفضل ~~أعظم في صورة معجزات، ويبين الحق سبحانه فضله على نبيه داود بقوله: { ~~يجبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد } ~~[سبأ: 10]. يا جبال نداء، فالله ينادي الجبال لأنها تسمع وتعي هذا النداء ~~{ أوبي.. } [سبأ: 10] يعني: رجعي معه ما يقول وما يقرأ من الزبور ~~أو من الذكر، وهنا دليل على أنه يفهم قول الجبال، وأنها تفهم قوله، ~~وتردد خلفه، إذن: للجبال منطق ولغة أفهمها الله نبيه داود. وقد ~~تناولنا مسألة تسبيح الجمادات لما تعرضنا لقوله تعالى: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44] ورددنا قول من قال إنه تسبيح الحال لا تسبيح المقال لأن ~~الله قال # ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44] وما دام قد حكم سبحانه أننا لا نفقه تسبيحهم، فهو تسبيح ~~بالقول. والذين قالوا بتسبيح الدلالة استعظموا أن يكون للجبل كلام ولغة ~~وتفاهم، لكل هل للجبل كلام معك أنت؟ للجبل كلام مع ربه وخالقه الذي قال: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. إذن: ما دخلك أنت في هذه المسألة؟ ولماذا تنكرها؟ وتأمل ~~قوله سبحانه: # ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.. # [الرعد: 13] فجمع بين تسبيح الرعد وهو جماد وتسبيح الملائكة، وهم على ~~أجناس المخلوقات، وأين وجه الدلالة في تسبيح الملائكة؟ فلماذا العجب، وقد ~~ثبت أن لكل شيء لغة تناسبه، وقد رأينا لغة للهدهد، ولغة للنمل.. إلخ. ~~فعظمة سيدنا داود أنه فهم لغة الجبال، وسمع تسبيحها، ووافق تسبيحها ~~تسبيحه، كذلك { والطير.. ms8155 } [سبأ: 10] يعني: يا طير أوب مع داود، ~~وردد معه التسبيح. { وألنا له الحديد } [سبأ: 10] وهذه ~~معجزة أخرى لسيدنا داود، وإذا قال الله عدة أشياء، ثم حدث في الواقع أنه ~~صدق في واحدة، ألا أصدقه في الأخرى؟ فإذا قال سبحانه { وألنا ~~له الحديد } [سبأ: 10] فلا بد أن نصدق بذلك، وأن نعتقد أن ~~الحديد صار في يد سيدنا داود مثل طين الصلصال الذي يشكله الأطفال كيفما ~~أرادوا، لأن البعض يرى أن { وألنا له الحديد } [سبأ: 10] ~~يعني: علمه الله أن النار تذيب الحديد، ولو أن الأمر كذلك فليس فيه ~~معجزة، ولا ميزة على غيره من الناس. وللحديد ميزات عدة، وأنواع مختلفة، ~~وتتوقف مدى أهميته على مدى صلابته، ولأهميته أنزله الله من عل كما أنزل ~~الكتب لذلك تكلم سبحانه في سورة الحديد عن الرسل مثل موسى وعيسى - عليهما ~~السلام - وتكلم عن إنزال الكتب، وقال عن الحديد: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. # [الحديد: 25]. ومعلوم أن الإنزال يأتي من جهة العلو، فالحق سبحانه أنزل ~~الكتب ينطق بها الرسل لهداية المهتدى الذي يسمع، وأنزل الحديد لردع ~~العاصي وزجره، ففي الحديد بأس شديد في وقت الحرب، ومنافع للناس في وقت ~~السلم. # لذلك قال تعالى بعدها: # وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن ~~الله قوي عزيز # [الحديد: 25] ينصره في أي شيء؟ ينصره في الحديد، وفي استخدامه وقت ~~الحروب، وسيدنا داود - عليه السلام - آتاه الله، وأنزل عليه هذا وهذا: ~~الكتاب للهداية، والحديد للحرب. لذلك قال له: { أن اعمل ~~سابغات.. } [سبأ: 11] يعني: دروعا واسعة، وهي عدة الحرب يلبسها ~~الجندي على مظان الفتك، وخاصة على الصدر لأن بداخله القلب والرئتين، ~~ولم يقل له اعمل فأسا ولا محراثا مثلا لأن هذه لمنافع الأرض، والله ~~يريد ما يحمي المنهج ويزجر العاصي. وكانت الدروع قبله تصنع ملساء يتحرك ~~عليها السيف ويتزحلق، وربما أصاب منطقة أخرى من الجسم، وكانت تصنع على ~~قدر ما يحمي الصدر، فعلمه الله أن تكون واسعة لتحمي أكبر قدر ممكن من ~~الجسم، فقال { أن اعمل سابغات.. } [سبأ: 11]. وعلمه كذلك أن ms8156 ~~تكون على شكل حلق متداخلة { وقدر في السرد.. } [سبأ: 11] ~~يعني: أحكم تداخل هذه الحلق بعضها في بعض، حتى إذا ما نزل عليها السيف ~~ثبت على إحداها ولم يتحرك. وكان درع الإمام علي - كرم الله وجهه ورضي ~~عنه - ليس لها ظهر، فقالوا له: ألا تتخذ لدرعك ظهرا؟ فقال: ثكلتني ~~أمي، إن مكنت عدوي من ظهري. فتأمل أن الله تعالى لم يعلم نبيه ~~داود أولا وسائل السلم، إنما علمه أولا وسائل الحرب وإعداد العدة ~~لمن نقض كلمة الله، وحاد عن منهجه، علمه أن يعد له ما استطاع من ~~قوة. ومعنى: { وقدر في السرد.. } [سبأ: 11] اجعلها بتقدير دقيق ~~وإحكام في النسج، قال العلماء: السرد: الحلق التي يتكون منها الدرع، ~~وبها خروق توضع فيها المسامير التي تثبت الحلق بعضها إلى بعض. فمعنى { ~~وقدر في السرد.. } [سبأ: 11] يعني: لا تجعل الخرق واسعا، لا ~~يثبت فيه المسمار، ولا تجعله ضيقا فيغلق المسمار الحلقة، وقال آخرون: ~~{ وقدر في السرد.. } [سبأ: 11] يعني: اعمل منها على قدر ما ~~تحتاج، ولهذا المعنى قصة: يروى أن سيدنا داود - عليه السلام - كان يأكل ~~من بيت مال المؤمنين لأنه المتولى لأمرهم، فأنزل الله ملكا في صورة ~~رجل، وجعل الناس يسألونه: كيف يعيش داود؟ فقال: فيه كثيرون من خصال ~~الخير، إلا أنه يأكل من بيت المال، فلما بلغت هذه الكلمة داود غضب ~~وتألم لها وبكى، ثم قال: يا رب لم جعلت في هذه المسألة؟ فعلمه ~~الله صناعة الدروع ليعيش منها. فكان يصنع الدرع بأربعة آلاف يعيش منها ~~حتى تنفد، فيصنع درعا آخر وهكذا، فلما أمره الله بصناعة الدروع قال { ~~وقدر في السرد. # . } [سبأ: 11] يعني: اجعلها على قدر حاجتك، ولا تبالغ فيها. ثم يقول ~~سبحانه: { واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير } ~~[سبأ: 11] كأن الحق سبحانه يقول لنبيه داود: تذكر حين تعمل ما طلب ~~منك أني بصير بعملك مطلع عليه، وهذه التذكرة لنبي مأمون على التصرف، ~~فما بالك بنا نحن؟ إننا نلاحظ العامل يتقن عمله طالما يراه صاحب العمل، ~~فإن غاب عنه أهمل العمل وغشه، فالله ms8157 يحذرنا من هذه المسألة. هكذا ورد ~~أمر سيدنا داود في هذا الموضع مختصرا، وإن كانت له قصص في مواضع أخرى. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ولسليمان الريح غدوها شهر ~~ورواحها شهر... }. ### || [34.12] # يعني: كما آتينا داود منا فضلا، وكان من هذا الفضل أن أوبت معه ~~الجبال، وألنا له الحديد، كذلك كان من فضل الله على ولده سليمان أن ~~طوعنا له الريح، وجعلناها تأتمر بأمره. وسبق أن بينا أن كلمة الريح ~~إن وردت مفردة، فهي في الشر والعذاب، وإن جاءت جمعا دلت على الخير ~~والرحمة، واقرأ قوله تعالى: # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم * ما ~~تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # [الذاريات: 41-42] وقال: # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم # [الأحقاف: 24]. وفي الرياح قال: # وأرسلنا الرياح لواقح.. # [الحجر: 22]. وبيان ذلك، أن الريح إن كانت مفردة تعد ريحا مدمرة ~~لأنها تأتي من ناحية واحدة، والذي يقيم الأشياء ويحفظ توازنها أن الرياح ~~تحيط بها من كل جانب فتستقيم، فالذي يدعم ناطحات السحاب مثلا الهواء ~~الذي يحيط بها، فإن أفرغت الهواء من ناحية منها انهارت نحو هذه ~~الناحية لذلك كانت الريح الواحدة من جنس العذاب، والرياح من جنس الرحمة، ~~ألا ترى الأعاصير تدمر لأنها تأتي من جهة واحدة؟ لكن، هل سخر الله ~~تعالى لسليمان الرياح؟ أم سخر له الريح؟ قالوا: لم تسخر لسليمان ~~الرياح كلها، إنما ريحا مخصوصة وظفها له وطوعها لأمره، وهذه الريح ~~أعظت سليمان عليه السلام عزة ومنعة. بحيث لا يقوى أحد على مواجهته ~~أو التصدي له. لذلك كان هو - عليه السلام - النبي والملك الذي لم يحاربه ~~أحد، ولم يجرؤ أحد على منازعته ملكه ولا نبوته. كيف وفي يده من القوة ~~ما لم يتوفر لغيره، فسلطانه سلطان قهر إن أراد شيئا أذعن الجميع ~~لإرادته. أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءت دعوته لاستمالة ~~القلوب، لا لإرغام القوالب لذلك خاطبه ربه بقوله: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4]. ومعنى: { غدوها شهر ms8158 ورواحها شهر.. } ~~[سبأ: 12] الغدو: السير أول النهار، والرواح: العودة آخر النهار { ~~وأسلنا له عين القطر.. } [سبأ: 12] أى: أذبنا له النحاس، ~~كما ألنا لأبيه الحديد، فهذه واحدة من الأفضال التي خص الله بها ~~سيدنا سليمان، تذكرون قصة السد الذي بناه ذو القرنين، فلما انتهى من ~~بنائه قال: # آتوني أفرغ عليه قطرا # [الكهف: 96] يعني: نحاسا مذابا، بحيث لا يستطيع أحد أن ينقبه. ثم ~~يذكر الحق سبحانه أمرا آخر مما خص به سليمان عليه السلام: { ومن ~~الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه.. } [سبأ: 12] ~~ومعنى { بإذن ربه.. } [سبأ: 12] أن المسألة كلها تسخير من الله ~~لنبيه سليمان، وليس أمرا ذاتيا من عنده. لذلك قال: { ومن يزغ ~~منهم عن أمرنا.. } [سبأ: 12] أي: يميل، أو ينحرف عنه، أو يعصاه ~~{ نذقه من عذاب السعير } [سبأ: 12] فأمر سليمان للجن من ~~باطن أمر الله، ومن يعص أمره كأنه عصى أمرنا. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل ~~وجفان... }. ### || [34.13] # المحاريب: جمع محراب، ويطلق على القصر الفخم الواسع، وعلى المكان الذي ~~يتخذه الناس للعبادة، ومنه قوله تعالى: # كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا.. # [آل عمران: 37]. والتماثيل: جمع تمثال، وهو ما ينحت من الحجر مثلا، ~~أو يصور على هيئة إنسان، أو حيوان، أو طائر.. إلخ. وفي مسألة التماثيل ~~بالذات يطرأ سؤال: أيمتن الله على نبيه سليمان بأن الجن تصنع له ~~التماثيل مع ما عرف عنها من أنها رمز للإشراك بالله، وقد حطمها ~~الأنبياء ونهوا عن عبادتها من دون الله؟ قالوا: حطمت التماثيل ~~لما اتخذها الناس للعبادة والألوهية، وكانت من قبل لا تتخذ للعبادة، ~~بل للخدمة، وللدلالة على الإهانة والإذلال، ألم نر في الآثار القديمة ~~كرسيا أو مائدة تقوم على هيئة مجموعة من الأسود مثلا؟ وحتى الآن توجد ~~قصور تقوم شرفاتها على هيئة رجل منحن يحمل الشرفة بدلا من الخرسانة ~~التي نصنعها نحن الآن، إذن: كانت التماثيل تدل على الإذلال والإهانة، ~~فلما عبدت أمرنا بتحطيمها وتحريمها. وقوله: { وجفان ~~كالجواب.. } [سبأ: 13] الجفان: جمع جفنة، وهي القصعة المعروفة ms8159 { ~~كالجواب.. } [سبأ: 13] كالحوض الواسع الكبير، وهذا كناية عن كرمه ~~وكثرة إطعامه الطعام { وقدور راسيات.. } [سبأ: 13] أي: قدور ~~ثابتة لكبرها، فهى لا ترفع ولا تحرك من مكان لآخر لعظمها. لذلك ~~حدثنا في سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن مطعم قال: ~~كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جفنة قصعة طعام كنت أستظل بها في ~~اليوم القائظ في مكة، وهذا دليل على سعتها وكبرها وكثرة من يطعمون ~~منها. ولما بنى الملك عبد العزيز آل سعود الرياض جعل بها قدورا للطعام، ~~وكان القدر يسع الجمل يقف بداخله، وأذكر أنني أول ما ذهبت إلى مكة دخلت ~~المبرة، فوجدت بها قدورا واسعة، فوقفت في إحداها فوسعتني. ومعنى { ~~اعملوا آل داوود شكرا.. } [سبأ: 13] أى: شكرا لله على ~~نعمه، لا لتقوتوا أنفسكم فحسب، إذن: فربك يعلمك: لا تعمل على قدر ~~حاجتك فحسب لأن في مجتمعك من لا يقدر على العمل، فاعمل أنت أيها القادر ~~على قدر طاقتك، وخذ لنفسك ما يكفيك، وتصدق بما فاض عنك لغير ~~القادرين. ومعلوم أن شكر النعمة يقيدها أي يديمها بل ويزيدها، كما قال ~~سبحانه: # لئن شكرتم لأزيدنكم.. # [إبراهيم: 7]. أو: المعنى { اعملوا آل داوود شكرا.. } [سبأ: ~~13] أن أقدركم على العمل حتى تعولوا من لا يقدر على العمل { وقليل ~~من عبادي الشكور } [سبأ: 13] يعني: قليل من الناس من يقابل ~~نعمة الله بالشكر. لذلك روي أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - سمع في ~~الطريق رجلا يقول: اللهم اجعلني من القليل، فتعجب عمر من دعوة الرجل، ~~ولم يفهم معناها، فسأله عنها، فقال الرجل، سمعت الله يقول: { وقليل ~~من عبادي الشكور } [سبأ: 13] وأنا أرجو أن أكون منهم، فقال ~~عمر متعجبا: كل الناس أعلم منك يا عمر؟! فمن الناس من عنده ملكة ~~التقاط المعاني وتوظيفها، من ذلك ما يحكى من أن رجلا كان يسير في سوق ~~البطيخ في بغداد وهو صائم في يوم حار، فمر برجل يبيع شرابا مثل ~~العرقسوس مثلا، وينادي: غفر الله لمن شرب مني، فمال إليه وقال له: ~~اسقني، فقال له ms8160 صاحبه: تذكر أنك صائم، فقال: والله لقد رجوت دعوته. # رجل آخر كان يسعى بين الصفا والمروة، والمسعى زمان - أنتم لم ترونه - ~~كان عبارة عن شارع به دكاكين وبيع وشراء وحركة قبل أن يطور بهذا ~~الشكل الحالي، وكان به رجل يبيع الخيار وينادي: العشرة بريال يا خيار، ~~فسمعه رجل يسعى، فقال متعجبا: إذا كان الخيار العشرة بريال، فبكم يكون ~~الأشرار؟! ثم يقول الحق سبحانه: { فلما قضينا عليه الموت ~~ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل ~~منسأته... }. ### || [34.14] # قلنا: إن من الأشياء التي سخرها الله لسليمان ليحقق له ملكا لا ~~ينبغي لأحد من بعده أن سخر له الريح وسخر له الجن يعملون له ما يشاء ~~من محاريب وتماثيل.. إلخ. وتسخير الجن يعني: أن الله سبحانه وتعالى سخر ~~له أخف الخلق حركة وأخفاها وهم الجن لأن للجن طبيعة مخصوصة لذلك قال ~~الله عنهم: # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم.. # [الأعراف: 27]. ولهم أيضا خفة في مزاولة الأعمال بأن يقصروا زمنها، ~~وأن يكثروا حملها، والدليل على ذلك أن سليمان - عليه السلام - حينما طلب ~~عرش بلقيس، وكان في سبأ قال لجلاسه: # أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين # [النمل: 38] فلم يتكلم أحد من الإنس لأن سليمان قيد الإتيان بزمن فوق ~~قدرة البشر، وقد طلب سليمان العرش بعد أن علم أن قوم سبأ قد خرجوا وهم ~~في الطريق إليه، ويريد من يحضر عرش بلقيس قبل أن يصلوا إليه. حتى الجن ~~لم يتعرض لهذه المهمة جني عادي، إنما عفريت من الجن # قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم ~~من مقامك.. # [النمل: 39]. وكلمة عفريت تعني: أنه الماهر من الجن، الشاطر الذي يأتي ~~بما لا يأتي به غيره من بني جنسه، وهذا يدل على أن الجن منهم العفريت ~~الماهر ومنهم اللبخة يعني: مثلنا تماما. وما زلنا في لغتنا العامية ~~نقول: فلان عفريت يعني: ماهر يجيد ما لا يجيده الآخرون. لكن، كان في مجلس ~~سليمان من هو أمهر من العفريت وأكثر منه خبرة وخفة، إنه ms8161 الذي أوتي ~~قدرا من العلم # قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك.. # [النمل: 40]. فإن كان العفريت سيأتي بعرش بلقيس قبل أن يقوم سليمان من ~~مقامه، وربما أقام سليمان في مقامه هذا ساعة أو عدة ساعات، لكن الذي عنده ~~علم من الكتاب تعهد بأن يأتي به # قبل أن يرتد إليك طرفك.. # [النمل: 40] وارتداد الطرف لا يحتاج إلى زمن طويل، فالطرف يطرف في ~~الدقيقة الواحدة عدة مرات. لذلك صور الحق سبحانه سرعة الاستجابة لهذا ~~الفعل، فقال: # فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ~~ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما ~~يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم # [النمل: 40]. ولم يتعرض السياق لتفاصيل الإتيان بالعرش، ولم يذكر حتى ~~أن سليمان أمره بالإتيان به، بل: # أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما ~~رآه مستقرا عنده.. # [النمل: 40] هكذا مباشرة لأن الفعل نفسه لم يستغرق وقتا، وكذلك جاء ~~التعبير سريعا مباشرا. والحق - سبحانه وتعالى - يعلم أن الجن كانوا ~~يسترقون السمع قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، أما بعد بعثته صلى ~~الله عليه وسلم فقد منعهم الله من استراق السمع، فقال سبحانه: # فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # [الجن: 9]. وهذه واحدة من ميزات رسالته صلى الله عليه وسلم، فقبل رسول ~~الله صين سر السماء جله. وبعده صلى الله عليه وسلم صين سر السماء ~~كله. قبل رسول الله كان الجن يصعدون في السماء يسترقون السمع، ~~ويلتقطون بعض كلام الملائكة، ثم يوحونه إلى أوليائهم من شياطين الإنس، ~~كما قال سبحانه: # وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجدلوكم.. # [الأنعام: 121]. ثم يخبرون الناس بما علموا، ويدعون أنهم يعلمون ~~الغيب، وفعلا تأتي الأحداث كما أخبروا، فيغشون الناس ويخدعونهم ~~ويفتنونهم لذلك أراد الحق سبحانه أن يفضح الجن في هذه المسألة، فقال: { ~~فلما قضينا عليه الموت.. } [سبأ: 14] أي: على سليمان، ~~وكلمة قضينا تعني: أن الموت قضاء، لا مندوحة عنه، ولا يترتب على سبب ~~من مرض أو كبر أو غيره، وكما قلنا: ms8162 والموت من دون أسباب هو السبب، ~~يعني: مات لأنه يموت. لذلك يخاطب الحق سبحانه الأحياء، بما فيهم سيدنا ~~رسول الله بقوله: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30] ويخاطبه هو صلى الله عليه وسلم أولا قبل أن يخاطب أمته ~~بهذه الحقيقة. ومعنى ميت أى: تؤول إلى الموت، فنحن ونحن أحياء ميتون ~~أي: سنموت، أما الذي مات بالفعل فيسمى ميت بسكون الياء، كما قال ~~الشاعر: # * وما الميت إلا ما إلى القبر يحمل # لذلك، فإن العلماء لما أعطونا صورة حسية للموت قالوا: مع حياتك ~~التي بدأت انطلق معها سهم الموت إليك، فعمرك بمقدار وصوله إليك، فنحن - ~~وإن كنا أحياء - ميتون. وقوله تعالى: { ما دلهم على موته.. ~~} [سبأ: 14] أي: دل الجن، فضمير الغائبين في دلهم يعود على معلوم ~~من السياق الأول في: # ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه.. # [سبأ: 12]. قالوا في قصة سيدنا سليمان عليه السلام أنه كان يعبد الله ~~ويشكره بمقدار ما أنعم عليه وما أعطاه من الملك، فمع كل هذه النعم كان ~~يقضي الأسبوع والشهر ولا يأكل إلا الخشكار، وهي الردة التي نعرفها، وهي ~~آخر درجة في الدقيق، والتي نسميها في الفلاحين السن، وهو طعام الفقراء ~~والعبيد، أما السادة والأغنياء فيأكلون الدقيق الفاخر أو نمرة واحد. ~~وسبحان الله، أظهر العلم الحديث أن الفائدة في هذا السن الذي يأكله ~~الفقراء، لدرجة أنه أصبح يوصف كدواء، ويجعلونه الآن على هيئة أقراص ~~كعلاج لبعض الأمراض، حتى أن أهل الرفاهية الذين عاشوا على الدقيق الفاخر ~~وتغذوا طوال حياتهم على الخبز السياحي والقطايف.. إلخ. يأتي الواحد ~~منهم في أواخر حياته فيحرم عليه الطبيب كل هذه الأنواع ولا يجد له ~~دواء إلا في السن وفي الردة التي ما ذاقها طوال حياته، وكأنها معادلة ~~لا بد أن تتم بين الأغنياء والفقراء. # وهذه البحوث التي أظهرت لنا أهمية الردة تلفتنا وتفهمنا معنى قول الله ~~سبحانه وتعالى وقسمه: # والحب ذو العصف والريحان # [الرحمن: 12]. كذلك كان سيدنا سليمان يعبد الله واقفا، لا على هيئة ~~مريحة، فكان يشق على نفسه شكرا لله، ms8163 ويقف عابدا لله حتى يتعب، فيراوح ~~بين قدميه، ثم يستعين بالعصا يتكىء عليها من شدة تعبه. وقد قضى الله عليه ~~الموت، وهو على هذه الهيئة، فلم يكتشف الجن موته، وظلوا يعملون بين يديه ~~ويجتهدون خوفا منه عليه السلام. وأراد الحق سبحانه أن ينهى بموت سليمان ~~مسألة شغلت الجن والإنس، هي قضية علم الجن للغيب، أراد سبحانه أن يفضح ~~الجن، وأن يظهر عجزهم عن علم الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله. مات ~~سليمان واقفا متكئا على عصاه، وظل على هذه الحالة حتى سلط الله على ~~عصاه دابة الأرض، كما قال سبحانه: { ما دلهم على موته ~~إلا دابة الأرض تأكل منسأته.. } [سبأ: 14]. البعض ~~يفهم أن { دابة الأرض.. } [سبأ: 14] الأرض التي تقابل السماء، لكن ~~المراد الدابة التي تقرض كما نقول: قرض الفأر كذا وكذا، وفعلها قرض ~~يقرض قرضا. مثل: ضرب يضرب ضربا، وهذه الدابة هي العتة التي تصيب ~~الخشب وتأكله. هذه الدابة أو العتة ظلت تنخر في العصا حتى اختل توازن ~~سليمان عليه السلام، فسقط على الأرض { فلما خر تبينت ~~الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في ~~العذاب المهين } [سبأ: 14] أي: ما مكثوا وما ظلوا في العذاب ~~المهين. ومعنى خر: سقط بلا نظام، كما جاء في قوله تعالى: # فخر عليهم السقف من فوقهم.. # [النحل: 26]. فالخرور انهيار بلا نظام وبلا ترتيب، وعندها فقط علم ~~الجن بموت سليمان، وكذلك الإنس، وعلموا أنهم لا يعلمون الغيب، ولو علموا ~~الغيب لاكتشفوا موته، وما لبثوا في العمل، وفي التعب والعذاب طوال هذه ~~المدة، عندها انكشف أمرهم، وعلم كذبهم وادعاؤهم معرفة الغيب. وقوله ~~تعالى: { ما لبثوا في العذاب المهين } [سبأ: 14] يدل على ~~أن الجن يتعب من العمل ويطرأ عليه ما يطرأ على كل حى من تعب وإجهاد. ~~والمنسأة هي العصا من الفعل نسأ بمعنى أخر، وسميت العصا منسأة ~~لأن الإنسان يزجر بها الهوام والحيوانات الضارية التي تؤذيه ويؤخرها عنه ~~ويبعدها ويردعها لذلك سميت منسأة. وسيدنا موسى - عليه السلام - قال في ~~عصاه لما سأله ربه: # وما تلك بيمينك ms8164 يموسى * قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى # [طه: 17-18]. وقد أطال موسى الحديث مع الله لأن الله تعالى آنسه أن يطيل ~~حين قال له # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 17] ولم يقل له مثلا: ما بيدك؟ ثم من الذي يخاطبه ربه ولا يطيل ~~الحديث معه سبحانه وتعالى؟ ومع ذلك تدارك موسى أمره، فقال مجملا # ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18]. ونفهم من قوله تعالى: { ما لبثوا في العذاب ~~المهين } [سبأ: 14] أن العمل الذي كانوا فيه كان عملا شاقا وفيه ~~إهانة لهم لأن الجن يظنون أن لهم خيرية على الإنس، وأنهم جنس تسامى على ~~البشر، بدليل قول أبيهم من قبل: # أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف: 12]. فمن الإهانة لهم، ومن العذاب أن يسخروا لواحد من ~~الإنس، ويعملون له، ويأتمرون بأمره، فالعمل الذي كانوا يعملونه لسليمان ~~إن لم يكن مرهقا لهم بدنيا فهو مرهق نفسيا، ولم لا وقد سخرهم ~~من هو أدنى منهم - على حسب ظنهم. ولسائل أن يسأل: كيف يكون في العذاب ~~المهين من يخدم نبيا ويعاشره؟ نقول: هذه الشبهة جاءت من كلمة الجن، ~~ففهمنا أن الجن كلهم كانوا مسخرين لسليمان، والحقيقة أن الجن سمي ~~كذلك لأنه مستور الفعل لا نراه، والذي سخر من الجن هم الشياطين، كما قال ~~سبحانه: # والشياطين كل بنآء وغواص # [ص: 37]. وقال: # ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ~~ذلك.. # [الأنبياء: 82] وهؤلاء هم أصحاب العذاب المهين، أما مؤمنو الجن فلم ~~يكونوا مسخرين. وكلمة خر بمعنى سقط توحي بأن كرامة الإنسان في ~~روحه، وفي السر الذي وضعه الله فيه، فهذا سليمان نبي الله بجلالة قدره ~~ومكانته عند ربه يقول عنه { فلما خر.. } [سبأ: 14] وكأنه جماد سقط ~~على الأرض لأن الروح حينما تفارق الجسد يصير كالجماد، كالعصا وكالحجر. ~~وسبق أن قلنا: إن الروح ساعة تسلب من الجسد أول ما ينسى ينسى اسمه ~~مهما كان عظيما، ويقولون: الجثة ثم إذا ما وضعت في النعش يقولون: ~~الخشبة. سبحان الله، لم يعد ms8165 لهذه المادة أية صفة، بل ويسارع الأهل ~~والأحبة إلى الخلاص منها ودفنها بأسرع ما يمكن، ولو بقيت عندهم لا ~~يتحملها أحد منهم، لما يطرأ عليها من تغير ورائحة يتأذى منها أقرب ~~الأقارب. ثم يحدثنا الحق سبحانه عن سبأ وأهلها، فيقول تعالى: { لقد ~~كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان... }. ### || [34.15] # ينقلنا الحق - تبارك وتعالى - من قصة سليمان عليه السلام إلى أهل سبأ، ~~فما العلاقة بينهما؟ المتأمل في سور القرآن وآياته يجد بينها ترابطا ~~وانسجاما، والمناسبة هنا أن سيدنا سليمان كانت له أبرز قصة في ~~الإيمانيات والعقائد مع بلقيس ملكة سبأ، فبينهما إذن علاقة، وهذه النقلة ~~لها مناسبتها. وقصة سليمان والهدهد وبلقيس قصة مشهورة، وبها دلالات ~~إيمانية عظيمة في العقيدة، وفي بيان أن الحيوان عنده دراية بالعقيدة، ~~وبأسرار الله في كونه. و سبأ علم على رجل اسمه عمرو بن عامر، ~~ويلقبونه بمزيقباء وأبوه ماء السماء وقد سأل كرة بين نسيك رضي الله ~~عنه سيدنا رسول الله عن سبأ فقال: كذا وكذا... وكان له عشرة أولاد هم: ~~أزد، وكندة، ومذحج، وأشعريون، وأنمار، وغسان، وعاملة، ولخم، ~~وجذام، وخثعم. وقد كون كل واحد منهم قبيلة كبيرة. ستة من هؤلاء ذهبوا ~~إلى اليمن، وأربعة ذهبوا إلى الشام، الذين ذهبوا إلى اليمن عاشوا في ~~خيرها الوفير، فيروى أن بلقيس لما رأت ماء المطر يسيح في الوديان ~~وتتشربه الأرض، فلا يستفيدون به، فكرت في بناء سد بين جبلين يحجز ماء ~~المطر، وجعلت به عيونا كالتي عندنا في القناطر الخيرية مثلا، تفتح عند ~~الحاجة وتعطي الماء بقدر لذلك زاد الخير والنماء في اليمن، حتى سميت ~~اليمن الخصيب واليمن السعيد. إلا أن عرافة عندهم أو امرأة حكيمة ذات رأي ~~قالت لسبأ هذا: إن السد سيخرب ويغرق ماؤه اليمن فاخرج منها، وفعلا خرج ~~سبأ إلى الحجاز والشام، حيث ذهب الغساسنة إلى الشام، والمناذرة إلى ~~العراق، وأنمار إلى المدينة، وأزد إلى عمان في الأردن. واسم سبأ بعد أن ~~كان علما على شخص تعدى إلى أن صار اسما لقبيلة، ثم اسما للمكان ~~الذي ms8166 يسكنونه. وقوله تعالى: { لقد كان لسبإ في مسكنهم.. ~~} [سبأ: 15] أي: المكان الذي يسكنونه، والمكان الذي يعيش فيه الإنسان ~~يسمى سكن أو بيت أو منزل، ولكل منها معنى. والسكن هو المكان الذي ~~يتخذه الإنسان ليسكن إليه وليطمئن فيه، ويرتاح من حركة الحياة والعمل، ~~والإنسان لا يسكن إلا في مكان تتوفر فيه مقومات الحياة والأمن. لذلك ~~فإن سيدنا إبراهيم عليه السلام لما وضع زوجته وولده عند البيت دعا ربه: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم.. # [إبراهيم: 37]. فقد كان هذا المكان جدبا لا زرع فيه ولا ماء، ولا ~~مقوم من مقومات الحياة إلا الهواء ومعنى # أسكنت.. # [إبراهيم: 37] أي: وطنتهم في هذا المكان. أما المنزل فهو المكان تنزل ~~فيه مرة أو عدة مرات، ثم ترحل عنه لا تقيم فيه إقامة دائمة، فهو ~~كالاستراحات التي تجعل للطوارئ، ولا يقيم فيها أهلها إلا عدة أيام في ~~السنة كلها. # ومن ذلك ما # " روى أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ببدر سأله ~~الصحابي الجليل الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أهذا منزل أنزلكه الله؟ ~~أن هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: " بل هو الرأي والحرب والمكيدة " قال: ~~إذن لا أراه لك بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ~~ثم نعور نفسد ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ~~ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~لقد أشرت بالرأي ". # إذن: السكن فيه دوام واستقرار، أما المنزل فهو استراحة، إن شئت نزلت ~~به، وإن شئت رحلت عنه. أما البيت فيلاحظ فيه البيتوتة، والإنسان لا ~~ينام نوما مريحا إلا في مكان يأمن فيه على نفسه وعلى ماله، فإن الخائف ~~وكذلك الجوعان لا ينام. ومن السكن قوله تعالى في بني إسرائيل: # وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض ~~فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا # [الإسراء: 104]. أخذ أحد المستشرقين هذه الآية، وجعلها دليلا على أن ~~الأرض كلها مباحة لليهود، كيف وهم ms8167 في الأرض، وأنت حين تريد هذا الأمر ~~تقول: اسكن القاهرة، اسكن طنطا مثلا، فتعين لي مكانا، لكن { اسكنوا ~~الأرض } [الإسراء: 104] لها معنى آخر، هو التقطيع الذي قال الله عنه: # وقطعناهم في الأرض أمما.. # [الأعراف: 168]. يعني: ليس لهم وطن مخصوص، وسوف ينساحون في الدنيا كلها، ~~ولن يتمكن أحد من ضربهم والقضاء عليهم، وهم على هذه الحالة من التقطيع، ~~حتى يأتي أمر الله، ويجمعهم في مكان واحد، وعندها سيسهل القضاء عليهم. ~~ومعنى كلمة { آية.. } [سبأ: 15] نقول: فلان آية في الكرم، وفلان آية في ~~الأدب.. إلخ، والمراد شيء عجيب نادر الوجود، والحق سبحانه حدثنا عن أنواع ~~ثلاثة من الآيات: آيات كونية مثل: # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر.. # [فصلت: 37] # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت.. # [فصلت: 39]. وآيات بمعنى معجزات وخوارق للعادة، تأتي على أيدي الرسل ~~لتؤيدهم وتثبت صدقهم في البلاغ عن الله، كما في قوله تعالى: # اسلك يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء.. # [القصص: 32]. ثم تطلق الآيات على آيات الكتاب الحاملة لأحكام الله في ~~القرآن الكريم، وهذه كلها - سواء كانت آيات كونية، أو معجزات، أو آيات ~~القرآن - كلها عجائب، وإن كانت هذه العجائب واضحة في الآيات الكونية وفي ~~المعجزات، فهي أيضا واضحة في آيات الكتاب الحكيم، فالقرآن عجيبة في ~~تنظيم حياة الناس بدليل أن الكافر به سيضطر إلى الأخذ بأحكامه والانصياع ~~لقوانينه، لا على أنها دين، ولكن على أنها قوانين حياة. وسبق أن ~~مثلنا لذلك بأحكام الطلاق التي طالما نقدوها وهاجموها، واتهموا دين ~~الله - ظلما وجهلا - بالقسوة، ثم بعد ذلك نراهم يلجئون إليه، ولا يجدون ~~حلا لبعض مشكلاتهم إلا في الطلاق وفي الرجوع إلى أحكام الله، مع أنهم ~~غير مؤمنين به، وهذا منتهى الغلبة لدين الله أن يرجع إليه الكافر به، ~~إنها غلبة الحق وغلبة الحجة. # وسبق أن قلنا: إن أحد المستشرقين سألنا في سان فرانسيسكو قال: في ~~القرآن # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # [الصف: 9]. وبعد ms8168 أربعة عشر قرنا من الزمان ما زال في الدنيا يهودية ~~ومسيحية وبوذية... إلخ، وهذا الكلام يدل على عدم فهم لمعنى الآيات، ~~فليس المراد # ليظهره على الدين كله.. # [الصف: 9] أن يصبح الناس جميعا مؤمنين، بدليل قوله تعالى # ولو كره المشركون.. # [الصف: 9]. إذن: فالدين سيظهر ظهور حجة وظهور غلبة على تقنيناتهم، وسوف ~~يطرأ عليهم من مشكلات الحياة ما لا يجدون له حلا إلا في شرع الله، وهذا ~~هو الظهور المراد في الآية. ثم يوضح الحق - تبارك وتعالى - ماهية الآية ~~التي كانت لسبأ في مسكنهم، فيقول سبحانه: { جنتان عن يمين ~~وشمال.. } [سبأ: 15] وما دام الله تعالى وصف هاتين الجنتين بأنهما ~~آية، فلا بد أن فيهما عجائب، وأنهما يختلفان عن الجنان التي نعرفها. ~~وقد حدثنا العلماء عن هذه العجائب فقالوا عن هاتين الجنتين: لا تجد ~~فيهما عقربا، ولا حية، ولا ذبابا، ولا برغوثا... إلخ، فإن طرأ عليهما ~~طارئ، وفي جسمه قمل فإنه يموت بمجرد أن يدخل إحدى هاتين الجنتين، ~~وهذه كلها عجائب في الجنتين. ونلحظ هنا أن الآية مفرد والعجائب كثيرة لأن ~~كلمة آية تطلق على الجمع أيضا، ومن ذلك قوله تعالى في سيدنا عيسى ~~عليه السلام: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية.. # [المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين، قالوا: لأن الأمر العجيب الذي جمعهما ~~واحد، فعيسى عليه السلام ولد من لا ذكورة، وأمه حملت وولدت كذلك من ~~لا ذكورة، فالآيتان آية واحدة. ومعنى: { جنتان عن يمين ~~وشمال.. } [سبأ: 15] يحتمل أن يكون لكل واحد منهم جنتان، واحدة عن ~~اليمين، والأخرى عن الشمال، وبيته في الوسط، ويحتمل أن تكون الجنتان لأهل ~~سبأ جميعا، بمعنى أنها جنان موصولة عن اليمين، وجنان موصولة عن ~~الشمال وصلا لا يميز بسور ولا حائط، مما يدل على أن الأمن كان ~~مستتبا بينهم، وقد شاهدنا مثل هذا في أمريكا، حيث الحقول والمزارع ممتدة ~~متصلة لا يفصلها إلا مجرد سلك بسيط. وقوله سبحانه { كلوا من ~~رزق ربكم واشكروا له.. } [سبأ: 15] كيف نفهم { كلوا ~~من رزق ربكم.. } [سبأ: 15] والناس جميعا يأكلون من رزق الله؟ ~~قالوا: الناس ms8169 يأكلون من رزق الله بالأسباب، إنما هذا رزق الله مباشرة بلا ~~أسباب لذلك يقول تعالى في موضع آخر # كلوا من طيبات ما رزقناكم.. # [طه: 81]. فليس كل الرزق طيبا للأكل، إنما هنا { كلوا من رزق ~~ربكم.. } [سبأ: 15] أي: كله طيب، وكله حلو، فالفاكهة في هاتين ~~الجنتين لا يصيبها عطب، ولا يطرأ على ثمارها ما يطرأ على الثمار من فساد ~~لذلك سيقول سبحانه في آخر الآية: { بلدة طيبة ورب غفور } ~~[سبأ: 15]. ونعرف أن البساتين مؤونة الخدمة فيها قليلة لذلك نرى الفلاح ~~حين يضيق بزراعة الأرض وأجور العمالة يلجأ إلى زراعة الحدائق والبساتين ~~المثمرة لأنها أقل تكلفة، ولا تحتاج إلى رعاية كثيرة إلا وقت الإثمار. ~~والحق سبحانه يقول في غير هذا الموضع: # أفرأيتم ما تحرثون * ءأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة: 63-64] فأثبت لهم عملا وحرثا، إنما المسألة هنا في هاتين ~~الجنتين، فهي عطاء من الله بلا عمل وبلا أسباب، فالله سبحانه هو الزارع، ~~وقد خصها بالجو اللطيف، لا حر ولا قر، ولا سآمة، ولا مخافة، ولا ~~زهد في نعمة من النعم لتكرارها. إذن لا عمل لهم في حدائقهم ينتج ما ~~يستمتعون به، إنما عملهم أن يشكروا المنعم سبحانه ليزيدهم من ~~الخيرات، وشكر النعمة هو حكمة العبد مع مولاه لذلك قال سبحانه عن لقمان: # ولقد آتينا لقمان الحكمة.. # [لقمان: 12] ما هذه الحكمة؟ # أن اشكر لله.. # [لقمان: 12] لأن شكر النعمة يزيدها. وقوله سبحانه: { بلدة ~~طيبة.. } [سبأ: 15] يعني: تعطيك طيب الأشياء بدون منغصات فيها لأن ~~هناك أشياء تعطيك طيبا تهنأ به، لكنها تتعبك وتنغصك فيما بعد. أما هذه ~~البلدة فما فيها طيب تأكله هنيئا مريئا لأنها رزق الله بدون أسباب من ~~العباد، لكن حين يتدخل العباد في عطاء الله تظهر في النعم متاعب ~~ومنغصات، وهذا ما نعاني منه الآن بسبب التدخل في المزروعات بالمواد ~~الكيماوية والمبيدات الحشرية، التي أفسدت علينا حياتنا، وجاء ضررها أكثر ~~من نفعها حتى أصبحنا نعزو كل الأمراض إلى تدخلنا في عطاء الله، ولو ~~تركنا الأرض تروى بماء السماء كما كان في ms8170 البداية لذقنا الخير بلا ~~منغصات، فمن الضروري أن نتأدب مع الله في عطائه. لذلك تجد كثيرا من ~~المترفين والمثقفين وأهل العلم والفلاسفة يحبون الخروج من ضوضاء المدن ~~وتلوث هوائها ومياهها وما فيها من صخب ويخرجون إلى الريف أو البراري، ~~يهربون من الآثار الضارة للحضارة الحديثة إلى الخلاء، حيث يعيش راعي ~~الأغنام، حيث الطبيعة كما خلقها الله، وحيث الفطرة السليمة التي لم يتدخل ~~فيها البشر. تذكرون في الماضى، كنا نقاوم دودة القطن مقاومة يدوية ~~طبيعية، فلما تقدمت العلوم جاءوا بمادة دى دى تي للقضاء على دودة القطن، ~~لكن هذه المادة السامة أماتت كل شيء في الحقول، قضت على الأسماك في ~~الترع والمصارف، وقضت على أبى قردان صديق الفلاح، ولوثت الماء ~~والمزروعات. # .. إلخ. أما دودة القطن فهي الوحيدة التي أخذت مناعة، وأصبحت كما قلنا ~~كييفة دى دى تي. أما سبأ فكانت { بلدة طيبة.. } [سبأ: 15] بكل ~~ما فيها من طيب الماء والهواء والتربة لم يصبها تلوث من أى نوع، ~~وإذا كانت البلدة نفسها طيبة، فما بالك بما عليها؟ وفى الآية طلبان { ~~كلوا من رزق ربكم واشكروا له.. } [سبأ: 15] وفيها ~~تحذير: إياك أن تغتر بالنعمة، وتظن أنها أصبحت ملكا لك، وتنسى المنعم ~~بها عليك، إياك أن تكون كالذي قال الله فيه # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. إياك أن تظن أنك أصيل في هذه المسألة، وظل دائما على ~~ذكر بأن المنعم هو الله، وأن ما أنت فيه هو من عطاء الله، ثم بعد ذلك ~~عليك أن تشكره سبحانه لأن الشكر قيد النعم. وفي موضع آخر، تكلم الحق ~~سبحانه عن شكر النعمة فقال: # وقليل من عبادي الشكور # [سبأ: 13] والحمد لله أنه سبحانه لم يقل: وقليل من عبادي الشاكر، ~~وتعلمون أن الشكور صيغة مبالغة من الشكر، أو الشكور هو الذي يشكر على ~~النعمة، ثم يشكر الله على أن ألهمه أن يشكر على النعمة، فكأنه قدم ~~الشكر مرتين. ثم لم يقصر النعمة على أهل سبأ في الدنيا وحسب، إنما ~~تعدت نعمته عليهم إلى الآخرة، ms8171 ففى الدنيا { بلدة طيبة.. } ~~[سبأ: 15] وفي الآخرة { ورب غفور } [سبأ: 15] يعني: يتجاوز عنكم ~~إن حدثت منكم زلة أو هفوة. ثم يبين الحق سبحانه النتيجة ورد ~~فعلهم: فيقول: { فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل ~~العرم... }. ### || [34.16-17] # قوله تعالى: { فأعرضوا.. } [سبأ: 16] أي: عن المأمور به، وهو # كلوا من رزق ربكم واشكروا له.. # [سبأ: 15] فلم يأكلوا من رزق الله، إنما أكلوا من سعيهم ومهارتهم - على ~~حد زعمهم - وهذه أول الخيبة، ثم لم يشكروا الله على هذه النعم لأن ~~النعم أترفتهم فنسوا شكرها. وفرق بين ترف وأترف، نقول: ترف فلان أن ~~تنعم. لكن أترف فلان، أي: غرته النعمة لذلك قال تعالى: # وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها.. # [الإسراء: 16]. فلا بأس أن تتنعم، لكن المصيبة أن تطغيك النعمة، ~~وتغرك، وأول طغيان بالنعمة أن تنسبها إلى نفسك فتقول: بمجهودي وشطارتي ~~كالذي قال: # إنمآ أوتيته على علم عندي.. # [القصص: 78] ثم أن تنسى المنعم، فلا تشكره على النعمة. وفي موضع آخر ~~لخص لنا الحق سبحانه هذه القضية في قوله سبحانه # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما ~~كانوا يصنعون # [النحل: 112]. وقال في قوم سيدنا نوح عليه السلام: # وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم مآء ~~غدقا # [الجن: 16]. إذن: صيانة النعمة بشكرها والاعتراف بها كلها منسوبة إلى ~~المنعم سبحانه، وحتى نحن على مستوى البشر نقول: فلان هذا حافظ للجميل، ~~فنزيده ولا نبخل عليه بجميل آخر وآخر، فما بالك بالحق سبحانه وتعالى؟! ~~وكلمة الإعراض تعطي شيئا فوق الإهمال وفوق النسيان لأن الإعراض أن ~~تنصرف عن محدثك وتعطيه جانبك كما تقول لمن لا يعجبك حديثه اعطني عرض ~~كتافك. إذن: الإعراض ترك متعمد بلا مبالاة، أما السهو أو النسيان أو ~~الخطأ أو عند النوم، فهذه كلها أمور معفى عنها، قد رفعها الله عنا ~~رحمة بنا، فربك عز وجل لا يعاملك إلا على اليقظة والانتباه وتعمد ~~الفعل. واقرأ إن شئت قول ربك: # ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ms8172 ضنكا ~~ونحشره يوم القيامة أعمى # [طه: 124]. لماذا؟ لأن الإعراض فيه شبهة عدم اعتناء بالآمر، فالنكبة فيه ~~أشد على خلاف أن تكون معتنيا بالآمر، وبعد ذلك تتهم نفسك لأي سبب ~~آخر. ويقول تعالى أيضا في الإعراض: # وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه.. # [فصلت: 51] وسوف يأتي الجزاء على قدر الإعراض، كما بين الحق سبحانه في ~~قوله: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى ~~عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم.. # [التوبة: 34-35]. كما نقول: أنت ربيت من سيقتلك فيما بعد، كذلك هؤلاء ~~كنزوا الأموال ليتمتعوا بها قليلا في دنيا فانية، ثم يلاقون تبعة ذلك ~~يوم القيامة، نار تكوى جباههم وجنوبهم وظهورهم، حتى يتمنى الواحد منهم - ~~والعياذ بالله - لو أنه قلل منها حتى يقلل من مواضع الكي. # وتأمل هذا الترتيب: جباههم وجنوبهم وظهورهم، فسوف تجده نفس ترتيب ~~الإعراض عن المحتاج الذي سأل صاحب المال في الدنيا، فأول ما يراه يشيح ~~عنه بوجهه، ثم يعطيه جانبه، ثم يدير إليه ظهره، فيأتي الجزاء من جنس ~~العمل وبنفس تفاصيله. فماذا كانت نتيجة هذا الإعراض؟ يقول تعالى: { ~~فأرسلنا عليهم سيل العرم.. } [سبأ: 16] أي: بعد أن ~~انهار سد العرم، فسال ماؤه، فأغرقهم، ومن العجيب أن الله تعالى جعل من ~~الماء كل شيء حي، لكن إذا أراده سبحانه وسيلة هلاك أهلك، وبه أهلك الله ~~قوم نوح، وبه أهلك فرعون وجنوده، وهذا من طلاقة قدرة الله، حيث يوجه ~~الشيء للحياة فيحيى، وللهلاك فيهلك. وبعد أن أفزعهم سيل العرم لماذا ~~أرادوا الإقامة بعد ذلك أقاموا في أماكن لا ماء فيها، فإذا أرادوا الماء ~~جلبوه من الآبار بالقرب، وكأن الماء أحدث لديهم عقدة. وهذه القضية ~~القديمة لها عندنا قصة حديثة: كنا ونحن في الأزهر نلبس القفاطين و ~~الكواكيل، وكان لنا زميل حالته رقيقة، وكان لا يملك إلا كاكولة واحدة ~~لبسها حتى بليت وتمزقت، فكان يمد يده من وقت لآخر إلى مكان القطع ويحاول ~~أن يداريه، حت صارت عادة ms8173 عنده، ثم رزقه الله بأخ له توظف واشترى له ~~كاكولة جديدة، فلما لبسها صارت يده تمتد إلى نفس الموضع، وتحاول ستر ~~القطع الغير موجود في الجديدة، فقال له أحد الزملاء: ما لك؟ فقال: ~~القديمة رعباني. والسيل: أن يسيل الماء على وجه الأرض بعد أن تشربت منه ~~قدر حاجتها، فما فاض عليها سال من مكان لآخر، والحق سبحانه يعلمنا: قبل ~~أن نبحث عن مصادر الماء لا بد أن نبحث عن مصارفه حتى لا يغرقنا، ~~واقرأ: # وقيل يأرض ابلعي مآءك ويسمآء أقلعي.. # [هود: 44]. فالأمر الأول للأرض أن تبلع الماء وتتشربه، ثم يا سماء ~~أمسكي ماءك لذلك إذا تشبعت الأرض بالماء نقول: الأرض عننت يعني: ~~امتلأت بالمياه الجوفية، فإن كانت أرضا زراعية لا تخرج زرعا، وإن ~~كانت في المدن أضرت بالمباني، وفاضت في الشوارع وكسرت المواسير... ~~إلخ، ويعرف أهمية الصرف من يتعاملون مع الأرض. وسيل العرم منسوب إلى ~~العرم، وله إطلاقات متعددة، فالعرم هي الحجارة التي تبنى بها السدود، أو ~~هو الجرذ الفأر الذي نقب السد، وأحدث به فجوة نفذ منها الماء، فوسعها ~~وجعلها عينا. وقد رأينا ما فعله الماء في تحطيم خط بارليف، حيث هدى الله ~~أحد مهندسينا جزاه الله خيرا إلى فكرة استخدام ضخ الماء بقوة لإزالة ~~الساتر الترابي الذي كان عقبة في طريقنا للاستيلاء على هذا الخط المنيع ~~وتحطيمه، وفعلا كانت فكرة أدهشت العالم كله. والعرم جمع مفرده عرمة ~~مثل لبن ولبنة، لكن اللبن هو الطوب النى أو الطين، أما العرم فهو ~~الطوب المتحجر. # ثم يقول سبحانه: { وبدلناهم بجنتيهم جنتين.. } ~~[سبأ: 16] من صفاتهما أنهما { ذواتي أكل خمط.. } [سبأ: 16] ~~يعني: أبدلهم الله بالجنتين السابق وصفهما بجنتين أخريين، لكن ثمارهما ~~{ أكل خمط.. } [سبأ: 16] يعني: ثمر مر تعافه النفس، وأشجارهما { ~~وأثل وشيء من سدر قليل } [سبأ: 16]. والأثل: هو شجر ~~الطرفاء، وهو قليل النفع لا ثمر له، والسدر: هو شجر النبق المعروف، وهو ~~شجر قليل الفائدة. فكيف يسمى هذا جنة؟ قالوا: سماها الحق جنة على سبيل ~~التهكم، وإلا فليس في الجنة مثل هذا الشجر. ms8174 ونلحظ أن الحق سبحانه رحيم ~~بهم حتى في العقاب، فلم يجعلها خاوية ولا شيء فيها. ثم يقرر الحق تبارك ~~وتعالى أن ما نزل بهم ليس ظلما لهم، إنما جزاء ما فعلوا { ذلك.. } ~~[سبأ: 17] يعني: ما سبق ذكره من الأكل الخمط والأثل والسدر { ~~جزيناهم.. } [سبأ: 17] أي: جزاء لهم { بما كفروا.. } [سبأ: ~~17] والكفر ستر النعمة، وهؤلاء ستروا نعمة الله حين ظنوا أنهم يأكلون ~~من جهدهم وسعيهم وملكهم، وستروا نعمة الله حين لم يلتفتوا إلى المنعم ~~سبحانه ولم يشكروه، فما أطاعوا في # كلوا من رزق ربكم.. # [سبأ: 15] وما أطاعوا في # واشكروا له.. # [سبأ: 15]. ثم ينزه الحق سبحانه نفسه بهذا الاستفهام التقريري: { ~~وهل نجزي إلا الكفور } [سبأ: 17] وجاء بالكفور وهي صيغة ~~مبالغة، ولم يقل سبحانه: الكافر، وهذا من رحمته سبحانه بعباده، فهو ~~سبحانه لا يجازي منهم إلا الكفور أي: المصر على الكفر المتمادي فيه. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { وجعلنا بينهم وبين القرى ~~التي باركنا فيها قرى ظاهرة... }. ### || [34.18] # هذه نعمة أخرى يمتن الله بها على أهل سبأ، فمعنى { وجعلنا ~~بينهم.. } [سبأ: 18] بين أهل سبأ { وبين القرى التي ~~باركنا فيها.. } [سبأ: 18] والمراد بلاد الشام التي قال الله فيها ~~قصة الإسراء: # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله ~~لنريه من آياتنآ إنه هو السميع البصير # [الإسراء: 1]. والقرى جمع قرية، وهي اسم لمكان متواضع البناء، به مقومات ~~الحياة الضرورية، فإذا نزلته وجدت به قرى يعني طعاما وشرابا. ونعلم ~~أن أهل اليمن كانوا أهل تجارة بين اليمن والشام، فجعل الله لهم في طريق ~~تجارتهم { قرى ظاهرة.. } [سبأ: 18] يعني: متقاربة متواصلة، كانت ~~بمثابة استراحات في الطريق مثل الرست وذلك لبعد المسافة بين اليمن ~~والشام في رحلتي الشتاء والصيف، فأراد الحق سبحانه أن ييسر لهم ~~تلك الرحلات، وأن يقطعوها بلا مشقة. { وقدرنا فيها السير.. ~~} [سبأ: 18] يعني: جعلنا سيرهم على مسافات متقاربة، فالقرى الظاهرة لهم ~~في سيرهم والقريبة منهم بحيث يمرون بها ويرونها على طريقهم بلا مشقة، ~~قرى موزعة على مسافات الطريق، بحيث كلما ms8175 ساروا مسافة وجدوا قرية على ~~سابلة الطريق. وهذا يعني أنهم سيأمنون، لا يخيفهم شيء، وأنهم لا يحتاجون ~~لحمل زاد، فالقرى التى سيمرون بها تكفيهم مؤنة الطريق، ويجدون بها ~~حاجتهم، وهذا أيضا يعني أنهم لن يحتاجوا إلى دواب كثيرة للحمل. والسير ~~أي في الصباح ويقال كذلك للغدوة والروحة، ثم يؤنسهم الحق سبحانه بهذا ~~الأمر { سيروا فيها ليالي وأياما آمنين } [سبأ: 18] ~~بحيث يسير في الغدوة إلى مكان يقيل فيه، ويسير في الرواح إلى مكان يبيت ~~فيه يعني: محطة للقيلولة ومحطة للبيتوتة. وهذا السير في ظل أمن وأمان ~~ضمنه لهم الحق سبحانه، فلا يروعهم شيء لا من الناس، ولا من الوحوش. ~~وحين نقارن بين قوله تعالى هنا { آمنين } [سبأ: 18] وبين قوله تعالى ~~عن قريش: # الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 4] نجد أن الأمن يتوفر بالإطعام والأمان من الخوف، وهنا قال { ~~آمنين } [سبأ: 18] ولم يقل من خوف لأن معنى { آمنين } [سبأ: 18] ~~أي: الأمن التام آمنين من الخوف، وآمنين من الجوع لأنه لم يذكر مع { ~~آمنين } [سبأ: 18] متعلق. ثم يقول الحق سبحانه: { فقالوا ربنا ~~باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم ~~أحاديث... }. ### || [34.19] # تأمل هذا التعنت وهذا البطر لنعمة الله، حيث لم يعجبهم أن قارب الله ~~لهم بين القرى، فطلبوا { ربنا باعد بين أسفارنا } [سبأ: ~~19] يعني: افصل بين هذه القرى بصحار شاسعة، بحيث لا يستطيع السفر فيها ~~إلا الأغنياء والقادرون الذين يملكون المطايا القوية القادرة على الحمل. ~~إذن: نظرتهم في هذه المسألة نظرة اقتصادية كلها جشع وطمع، فهم يريدون أن ~~يحرموا الفقراء وغير القادرين من السفر للتجارة معهم، فحين تتقارب القرى ~~وتكثر الاستراحات على طول الطريق، فلا يكاد المسافر يتجاوز قرية إلا ~~بدت له الأخرى من بعيد، فهذا يسهل السفر على الفقراء الذين يركبون ~~الدواب الضعيفة، فوسائل الامتطاء تختلف حسب قدرات الناس، فواحد على جواد، ~~وواحد على ناقة، وواحد على حمار. وقرب المسافات بين القرى شجع ~~الفقراء على السفر لرحلة الشام لذلك طلب هؤلاء أن يباعد الله بين هذه ~~القرى فهو مطلب جشع أنانى ms8176 لذلك قال تعالى بعدها: { وظلموا ~~أنفسهم.. } [سبأ: 19] نعم ظلموا أنفسهم لأنهم حرموها من الراحة التي ~~جعلها الله لهم، وظلموا أنفسهم لأنهم أرادوا أن يحتكروا هذه التجارة، ~~وألا يخرج إليها غيرهم من الفقراء، أو ظلموا أنفسهم لأنهم أثبتوا لها ~~عدم اكتمال الإيمان لأن الإيمان لا يكتمل للمؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه، وهؤلاء يحبون أن يستأثروا بالنعمة لأنفسهم، ويحرموا منها غيرهم. ~~لكن، كيف تكون المباعدة التي طلبوها في طريق تجارتهم؟ عرفنا من علم ~~الهندسة أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، فاستقامة الطريق ~~تيسر الحركة فيه، وتقلل الوقت والمجهود، والمباعدة لا تكون إلا ~~بتحطيم بعض القرى لتبعد المسافة بينها، أو بأن يلتوي الطريق، أو يدور ~~هنا وهناك. فكانت نتيجة هذا الجشع والبطر { فجعلناهم أحاديث ~~ومزقناهم كل ممزق.. } [سبأ: 19] أى: أحدوثة يتحدث بها ~~الناس أو حدوتة تحكى، كما لو وقع مجرم في أيدي رجال الشرطة، فجعلوه عبرة ~~لغيره حتى تحاكى الناس به، كذلك أهل سبأ جعلهم الله عبرة لغيرهم حتى ~~صارت سيرتهم مثلا يضرب، يقولون في المثل العربي الدال على التفرق: ~~تفرقوا أيدي سبأ، يعني: تفرقوا بعد اجتماع كما تفرق أهل سبأ. ومعنى { ~~ومزقناهم كل ممزق.. } [سبأ: 19] أي: التمزيق والتفريق ~~بكل أنواعه وطرقه، بحيث يتناول التمزيق كل الأجزاء مهما صغرت { إن ~~في ذلك لآيات.. } [سبأ: 19] يعني: فيها عبر وعظات يستفيد منها ~~العاقل في حياته. { لكل صبار شكور } [سبأ: 19] صبار وشكور من ~~صيغ المبالغة، صبار مبالغة من الصبر لأن هؤلاء ظلموا الفقراء ~~واضطهدوهم، وأرادوا أن يقطعوا عليهم سبيل النعمة، وأن يستأثروا به ~~لأنفسهم وقد تكرر منهم ذلك لذلك لم يقل لكل صبار لأنهم تحملوا من الأذى ~~ما يحتاج إلى صبر كثير. # وسبق أن قلنا: لو علم الظالم ما أعده الله للمظلوم لضن عليه ~~بالظلم، ويكفي المظلوم أن الله تعالى سيكون في جانبه يوم القيامة. ومن ~~الغباء أن الظالم حين يتنبه إلى ظلمه وتهدأ شرته وعصبيته يريد أن ~~يكفر عن ظلمه، فيسعى في أبواب الخير، ويبني مسجدا مثلا أو مدرسة... ~~إلخ يظن ms8177 أن له ثوابها، والحقيقة أن الثواب لمن ظلمهم وأخذ أموالهم لأن ~~الله سبحانه وتعالى يقول: # وكفى بنا حاسبين # [الأنبياء: 47]. وقال أيضا { شكور } [سبأ: 19] يعني: كثير الشكر لله ~~أن أقدره على أن يصبر لذلك قالوا: ما صبرت وإنما صبرناك. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ~~فاتبعوه... }. ### || [34.20] # معنى: { ولقد.. } [سبأ: 20] توكيد باللام مرة وبقد أخرى { صدق.. ~~} [سبأ: 20] حقق وأكد { عليهم.. } [سبأ: 20] على أهل سبأ وأمثالهم ~~ممن اتبعوه { إبليس ظنه.. } [سبأ: 20] ما ظن إبليس؟ ظنه ~~أن شهوات البشر ستمكنه من إغوائهم، ونحن نعلم قصته لما أمره الله ~~بالسجود لآدم فأبى وقال مهددا: # بمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] وقال: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] وكان لا يزال فيه بقية من حياء، فقال: # إلا عبادك منهم المخلصين # [الحجر: 40]. فظن إبليس أنه قال: لقد أغويت أباهم وقدرت عليه حين ~~أغويته، فأكل من الشجرة مع أنه كان أول الخلق وأقواهم، وقد كلفه الله ~~مباشرة وكلفه بشيء واحد، وهو أن يأكل من كل ثمار الجنة، عدا هذه ~~الشجرة، ومع ذلك قدرت عليه. إذن: فأنا أقدر على ذريته لأنهم أقل منه ~~قوة، وقد كلفهم الله تكليفا غير مباشر، وكلفهم بتكاليف متعددة، ~~فأنا أقدر عليهم من قدرتي على أبيهم. وهذا الظن من إبليس ليس علما ~~للغيب، إنما هو قياس قاس ذرية آدم على أبيهم، فإذا كان آدم هو المخلوق ~~الأول الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته وكلفه مباشرة ولم ~~يكلفه إلا بأمر واحد، ومع ذلك قدرت عليه فأنا على ذريته أقدر، هذا ~~قياس لم يصل إليه إبليس ولاية ولا كرامة لذلك سماه ظنا. فلما قدر ~~إبليس على ذرية آدم وأغواهم بالفعل قال: ظني جاء في محله لأنهم بالفعل ~~اتبعوه { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه.. ~~} [سبأ: 20] ثم يأتي هذا الاستثناء { إلا فريقا من ~~المؤمنين } [سبأ: 20] فجاء هذا الاستثناء مطابقا للاستثناء الأول # إلا عبادك منهم المخلصين # [الحجر: 40]. ثم يقول الحق سبحانه: { وما كان له عليهم من ~~سلطان إلا لنعلم... }. ### || [34.21] # لما أغوى إبليس بني آدم ms8178 هل لهم عذر في هذا الإغواء؟ وهل الذنب هنا ذنب ~~إبليس؟ الحق سبحانه يخبر عنه وعنهم هذا الخبر في سياق قصة سبأ: { وما ~~كان له عليهم من سلطان.. } [سبأ: 21]، وقد التقط إبليس ~~هذه العبارة وجعلها حجة له يوم القيامة، فإذا قال له البشر يوم ~~القيامة: أنت سبب ضلالنا وغوايتنا قال: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.. # [إبراهيم: 22]. يعني: لا تلوموني ولا تظلموني، فقد كنتم على تشويره مني، ~~وليس لي عليكم من سلطان: لا سلطان قوة أقهركم بها وأجبركم على طاعتي، ولا ~~سلطان حجة أقنعكم به، والفرق بين سلطان القهر وسلطان الحجة أنك تفعل مع ~~الأول وأنت غير راض فأنت مكره، أما مع سلطان الحجة والمنطق فإنك تفعل ~~ما يطلب منك عن رضا واقتناع. وربنا عز وجل حذرنا من إبليس ووسوسته ~~ونزغه، وعلمنا أننا لن نقهره إلا بالله خصوصا بهذه الروشتة التي قال ~~الله فيها: # وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ ~~بالله.. # [فصلت: 36]. مجرد أن تذكره بالله يخنس ويهرب ويتراجع، فهو يقدر عليك ~~وحدك، فإن لجأت إلى ربك خاف وفر لأنه لا قدرة له، ولا كيد مع ذكر ~~الله، لذلك قال بعض العارفين: قل هذه الكلمة بقوة وكأنك تراه وتصرعه. ~~فماذا نفعل إن جاء لأحدنا وهو يقرأ القرآن؟ قالوا: يقطع قراءته، ويقول ~~بصوت أعلى وبأسلوب مغاير لقراءته: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وقد ~~حاولنا أن نقرب هذا المعنى لأذهان الناشئة فقلنا: لو أن أحد الأغنياء ~~مثلا يجلس في الشرفة ليلا، فرأى لصا يحاول دخول بيته، فقام من مكانه، ~~وقال إحم ماذا يصنع اللص؟ يهرب، فإن قال في نفسه لعلها مصادفة، ثم عاد ~~في الليلة التي بعدها، فتنبه له صاحب البيت، وقال إحم عندها يفر بلا ~~عودة، فصاحب البيت متنبه غير غافل. كذلك، قول أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم يفزع الشيطان ويطرده، فإن عاد إليك مرة ومرة فقل كلما شعرت ~~بوسوسته ونزغاته: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، عندها سيعلم أنك فقسته، ~~وأنه لا ms8179 مدخل له إليك. وقد عرف الشيطان حين جادل ربه من أين يدخل على ابن ~~آدم، فقال: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] فهو كما ذكرنا، لا يقعد في خمارة مثلا، إنما يقعد في ~~المسجد، فهو يعلم أنك في عبادة، وكل مناه أن يفسد عليك عبادتك، ~~ألا تراه يذكرك في الصلاة ما نسيت من مهمات الحياة، وعلى المؤمن أن ~~يقدر موقفه بين يدي الله، وألا ينشغل بأي شيء وهو في حضرة ربه. ~~فالصلاة هي الصراط المستقيم الذي سيقعد لك الشيطان عليه لذلك علمنا ~~فقهاؤنا - رحمهم الله ورضي الله عنهم - أن نغيظ الشيطان، فإذا وسوس لك ~~في الصلاة بحيث لا تدري، أصليت ركعتين أم ثلاثا، فاعتبرها ركعتين ~~وابن على الأقل، كذلك في الوضوء وأمثاله من العبادات، لتغيظه وتيئسه ~~منك. # وظاهرة السهو في الصلاة في الحقيقة ظاهرة صحية فهي الإيمان، فلا تمرض ~~نفسك بها، وكن قوي الإيمان وتشجع على هذا العدو، وقل له: لن ~~أعطيك الفرصة لتفسد علي لقائي مع ربي، قل هذا واشخط شخطة إيمان فإنك ~~تحرقه، وإن عاد فعد، واعلم أن كيد الشيطان كان ضعيفا # إن كيد الشيطن كان ضعيفا # [النساء: 76]. فلا قدرة له عليك ما دمت في معية الله، وما دمت ~~ذاكرا لله، عندك تنبه إيماني، وتنبه عقدي. وسبق أن حكينا قصة ~~الإمام أبي حنيفة لما جاءه رجل يستفتيه ويقول: يا إمام، لقد كنت أخفيت ~~مالا في مكان في الصحراء، وعلمته بحجر، فجاء السيل فطمسه حتى ضللت ~~مكانه، فضحك الإمام وقال للرجل بما لديه من خبرة وتمرس وملكة في ~~الفتيا: يا بنى ليس في هذا علم، لكني سأحتال لك، اذهب بعد أن تصلي ~~العشاء، فتوضأ وضوءا جديدا بنية أن يهديك الله إلى ضالتك وصل لله ~~ركعتين، ثم أخبرني ماذا حدث. فعل الرجل ما أوصاه به الإمام، فجاءه إبليس ~~ليفسد عليه صلاته وقال له: إن المال في مكان كذا وكذا، فراح فوجد المال، ~~ثم عاد إلى الإمام فأخبره فقال: والله لقد علمت أن الشيطان لا يدعك ~~تتم ليلتك مع ربك. إذن: فثق ms8180 بكلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ~~وقلها بقوة إيمان، أيقول الله قولة يأتي واقع الحياة من المؤمن به ~~ليكذبها؟ وجربها أنت بنفسك. وقوله تعالى: { إلا لنعلم من ~~يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك.. } [سبأ: 21] ما ~~دام أنه ليس لإبليس سلطان على بني آدم، وما دام أنهم على تشويرة منه، فلا ~~بد أن إيمانهم غير راسخ، وأنهم نسوا حكما من أحكام الله لأنه ~~سبحانه حذرهم منه ووصف لهم طريقة التغلب عليه فلم يفعلوا. فكانت غواية ~~إبليس لهم { لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها ~~في شك.. } [سبأ: 21] أي: علم وقوع، وإلا فالحق سبحانه يعلم ما ~~سيكون منهم أزلا، لكن لا بد أن يحدث منهم الفعل لتقوم الحجة عليهم ~~كالمعلم الذى يرى على تلميذه علامات الفشل، فيحذره، فحين يدخل الامتحان ~~ويرسب فيه يأتي يعاتب أستاذه أنه بشره بالرسوب فيقول المعلم: وهل ~~أمسكت بيدك ومنعتك من الإجابة، لقد حكمت عليك من خلال المقدمات التي ~~رأيتها منك. ومع ذلك كان من الممكن أن يغش هذا التلميذ في الامتحان ~~وينجح رغم ما قاله المعلم لأن علمه علم ناقص، أما علم الحق سبحانه ~~فعلم تام. إذن: فعلم الوقوع ألزم للحجة. ثم يقول سبحانه: { وربك ~~على كل شيء حفيظ } [سبأ: 21] حفيظ صيغة مبالغة من الحفظ، ~~فالله تعالى حفيظ على الكنوز وعلى الأرزاق وعلى العلم وعلى كل شيء، كما ~~قال سبحانه: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21] وما دام الله تعالى هو الحفيظ، فلا أحد يستطيع أن يخل ~~بهذه القضية. ثم يقول الحق سبحانه: { قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دون الله... }. ### || [34.22] # ينتقل الحق سبحانه إلى قضية عامة، هي قضية هؤلاء القوم الذين يعبدون غير ~~الله ويجادلهم، ليظهر لهم فساد مسلكهم وبطلان عبادتهم دون الله، وقد ~~رد هؤلاء فقالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3]. ونقول أولا: ما هي العبادة؟ العبادة أن يطيع العابد أمر ~~معبوده ونهيه، فإذا كان الكفار يعبدون الشمس أو القمر أو الأصنام... إلخ ~~بماذا أمرتهم ms8181 هذه الآلهة؟ وعن أي شيء نهتهم؟ ماذا أعدت هذه الآلهة ~~لمن عبدها من الثواب؟ وماذا أعدت لمن كفر بها من عقاب؟ إذن: أنتم كاذبون ~~في كلمة نعبدهم، وإذا كنتم تعبدونهم ليقربوكم إلى الله زلفى، فلماذا لا ~~تتوجهون بالعبادة إلى الله مباشرة؟ فكيف تعبدون آلهة بلا منهج ولا عمل ~~لها فيمن عبدها، ولا عمل لها فيمن كفر بعبادتها؟ وهذه المخلوقات التي ~~يعبدونها من دون الله مخلوقة لله مسخرة له سبحانه مسبحة، وهي بريئة ~~من هذا الشرك ولا ترضاه، بل هي أعبد لله منهم لذلك نطقت الأحجار على ~~لسان هذا الشاعر. وقالت: # عبدونا ونحن أعبد لله # من القائمين في الأسحار # تخذوا صمتنا علين دليلا # فغدونا لهم وقود النار # قد تجنوا جهلا كما قد # تجنوه على ابن مريم والجوارى # للمغالى جزاؤه والمغالى # فيه تنجيه رحمة الغفار # فالحق سبحانه يناقشهم في هذه المسألة: { قل ادعوا الذين ~~زعمتم من دون الله.. } [سبأ: 22] ادعوا هذه الآلهة ~~المدعاة، لكنهم لم يدعوا، لعلمهم أن آلهتهم المزعومة لن تجيب لذلك ~~أكمل الله لهم وأظهر لهم النتيجة: لو دعوتم هذه الآلهة، فإنهم { لا ~~يملكون مثقال ذرة في السموت ولا في الأرض.. } ~~[سبأ: 22]. فعلام إذن تعبدونهم، وهم لا يملكون شيئا، ولم يصنعوا لكم ~~معروفا، ولا قدموا لكم خدمة { وما لهم فيهما.. } [سبأ: 22] ~~أي: في السماوات والأرض { من شرك.. } [سبأ: 22] يعني: مع الله، أي ~~ليس لهم مع الله شركة في مسألة الخلق { وما له منهم من ~~ظهير } [سبأ: 22] يعني: لم يعاونوا الله حين خلق السماوات والأرض، ~~والظهير هو المعين القوي، ومنه قول الحق سبحانه وتعالى: # والملائكة بعد ذلك ظهير # [التحريم: 4]. والظهير من الظهر، وهو أقوى الأعضاء في الحمل، وفي الدفع، ~~فالظهير: الذي يعاونك ويساندك بكل قوته. والذين يدعون من دون الله آلهة ~~يحاجون بأشياء متعددة أولا: الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وجعله ~~خليفة له في الأرض، وخلق له مقومات حياته قبل أن يخلقه، وتركه يرتع ~~في نعمه ولم يكلفه بشيء حتى سن البلوغ والنضج ويبلغ الإنسان سن ~~النضج حين يصبح قادرا على ms8182 إنجاب مثله. وسبق أن مثلنا ذلك بالثمرة، ~~فهي لا تنضج، ولا يحلو طعمها في مذاق الإنسان، إلا إذا استوت بذرتها، ~~بحيث إذا زرعت أنبتت مثلها، وهذا من لطف الله بنا، وإلا لو حلت ~~الثمرة قبل نضج بذرتها لأكلنا الثمار مرة واحدة، وانقطع نوعها بعد ذلك. # ويشاء الخالق سبحانه أن يجعل للتكاثر النسلي في الإنسان تكاثرا نسليا ~~أعظم منه في الخيرات بما يمثل احتياطا واسعا يؤمن حاجة الإنسان، ~~فحبة البطيخ الواحدة تنتج شجرة بها عدة ثمار، بها مئات البذور لأننا نزرع ~~بعضها ونتسلى بقزقزة الكثير منها. والحق سبحانه أخذ علينا ميثاق الذر، ~~والبشر جميعا في ظهر آدم عليه السلام، وأشهدهم على أنفسهم قبل أن تتأتى ~~لهم شهوات النفس المعارضة لمنهج الله # ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم ~~القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا ~~إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من ~~بعدهم.. # [الأعراف: 172-173]. وهذا العهد فطري في النفس الإنسانية، وما جاءت ~~الأديان إلا لتنفض عن هذه الفطرة غبار الغفلة وغبار الشهوات لذلك لم يأت ~~الرسل لتأسيس دين، إنما للتذكير بهذا العهد القديم: # فذكر إنمآ أنت مذكر # [الغاشية: 21]. لذلك، فالإنسان منا حين تتناوبه الأحداث، وتعز عليه ~~الأسباب، ولا يرى منقذا، ترده هذه الفطرة إلى القوة الخفية التي ~~ستنقذه، فتجده يقول مستنجدا ومستغيثا: يا هوه يعني يا هو، وهو ضمير ~~غيبة، إنما أشد إعلاما من الاسم الظاهر، لماذا؟ لأنك حين تقولها لا ~~تنصرف إلا لغائب عن عينك واحد هو الله. لذلك قال سبحانه: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] ولم يقل: قل الله أحد لأنه لا يخطر ببالك حين تقولها ~~إلا الله خصوصا في الشدة، وحين تعز عليك الأسباب، فلا يسعفك إلا ربك، ~~كما قال سبحانه: # ضل من تدعون إلا إياه.. # [الإسراء: 67]. وفي الشدة والضيق لا يكذب الإنسان على نفسه ولا يخدعها، ~~فترى حتى الكفار عند الشدة يقولون: يا رب، وتردهم الفطرة إلى الله ~~الحق. لكن ما دام الإيمان الفطري بهذه القوة، ما الذي يطمسه في النفس ~~الإنسانية؟ قالوا: ms8183 تطمسه الشهوات حين تتحرك في اتجاه مخالف لمنهج الله، ~~فالمنهج يهدف إلى تهذيب الشهوات والغرائز والحد من عنفوانها، ولا ~~يعد هذا تعديا عليها، وإلا فلماذا خلقها؟ لا بد أن لها مهمة، ~~فالغريزة الجنسية مثلا جعلت لبقاء النوع، ولم تجعل للشراسة ~~والعربدة في أعراض الآخرين، كذلك جعل الله الغضب غريزة ولها مهمة. فالحق ~~أباح لك أن تغضب حين تستغضب. لذلك قالوا: من استغضب ولم يغضب فهو ~~حمار، ومع ذلك يأمرنا ربنا بالحلم، ويقول سبحانه: # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا.. # [المائدة: 8] يعني: لا يخرجك الغضب عن حد الاعتدال، ولا يدعوك إلى ~~الظلم، فالحق سبحانه لا يكبت فيك هذا الشعور، لكن يقيده حتى لا نطغى ~~بسببه. وقصة سيدنا عمر في هذا الموضوع وضعت لنا المبدأ، فيروى أن سيدنا ~~عمر - رضي الله عنه - رأى قاتل أخيه زيد بن الخطاب في المعركة، فانصرف ~~عنه، فذكروه: هذا قاتل أخيك، فقال: وماذا أفعل به، وقد هداه الله ~~للإسلام، فكأن الإسلام برد نار الثأر في نفسه، والإسلام كما علمنا ~~يجب ما قبله. # كذلك الإسلام يجب الغضب - فلما واجه عمر قاتل أخيه قال له: يا هذا ~~أدر وجهك عني، فإني لا أحبك - قالها عمر بما عنده من غريزة الغضب - ~~فقال الرجل: أو عدم حبك لي يمنعني حقا من حقوقي؟ قال: لا. قال: إنما ~~يبكي على الحب النساء، يعني: لا يهمني تحب أم تكره، المهم أن حقي محفوظ. ~~كذلك حب الاستطلاع غريزة، جعلها الله في الإنسان ليكشف بها أسراره في ~~الكون، فلا تجعلها تلصصا على أعراض الناس وأسرارهم. إذن: ما جاء الدين ~~ليكبت الغريزة أو ليقضي عليها، إنما جاء ليعلو بها ويهذبها، ويقف بها ~~عند حد الاعتدال والمهمة التي خلقت من أجلها لذلك قلنا: إن الإسلام ~~يجمع للمؤمن في بعض المواقف بين الشيء ومقابله كما في قوله سبحانه: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم.. # [الفتح: 29]. ورحم الله الإمام عليا - رضي الله عنه - حين قال: # لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني # إلى الجهل في بعض ms8184 الأحايين أحوج # ولي فرس للحلم بالحلم ملجم # ولي فرس للجهل بالجهل مسرج # فمن رام تقويمي فإني مقوم # ومن رام تعويجي فإني معوج # فالشدة مطلوبة ولها موضعها، والذلة مطلوبة ولها موضعها، إذن: الموقف ~~الإيماني هو الذي يصنعك، والمنهج إنما جعله الله لتستقيم به أمور الحياة، ~~فإذا كلفك الله بشيء يصادم شهوة في نفسك، فلا تقل إن الشرع صادم ~~شهوتي، بل خذها من باب الكرم الواسع، وقل وصادم شهوات الآخرين من ~~أجلي، فالشرع حين قال لك: لا تسرق وأنت واحد قال للملايين: ألا يسرقوا ~~منك. وحين تصطدم الفطرة السوية والتدين الطبيعي بشهوات النفس يبحث ~~الإنسان عن تدين يرضي شهواته ويشبع غرائزه، فهو يريد أن يكون ~~متدينا، وفي الوقت ذاته يريد ألا تقيد شهواته، فماذا يفعل؟ يلجأ ~~إلى عبادة آلهة بلا منهج وبلا تكاليف، ومن هنا عبد الناس غير الله، ~~ودعك ممن عبدوا الأشجار والأحجار، وتأمل الذين عبدوا الملائكة مثلا، ~~هل أمرتهم بشيء أو نهتهم عن شيء؟ لذلك الحق سبحانه يقول: { قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دون الله.. } [سبأ: 22] ولو بحثنا مسألة ~~الشركاء بالعقل لظهر بطلانها وكذبها، فإذا كان لله تعالى شركاء، ومعه ~~سبحانه آلهة أخرى، فأين هم؟ أدروا بأن الله تعالى استبد بالألوهية، ~~وشهد بها لنفسه، وأعلنها صراحة من دونهم؟ إن كانوا على دراية بذلك، فلما ~~تركوه سبحانه يستبد بالألوهية؟ وإن كانوا لم يدروا بذلك فهم آلهة نيام؟ ~~وفي كلتا الحالتين لا يستحقون هذه الألوهية. # لذلك الحق سبحانه يمس هذه القضية مسا جميلا، فيقول: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42] يعني: لو كان صحيحا وجود آلهة مع الله لذهبوا إليه ~~ليناقشوه، لماذا استبد بالألوهية من دونهم، أو لذهبوا إليه ليتقوه، ~~وليتقربوا إليه. وأرقى ما يعبد المشركون يعبدون الملائكة، وكأن عبادتهم ~~أصبحت قريبة من عبادة الله، والله يقول عن الملائكة: # بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون # [الأنبياء: 26-27]. ويرد القرآن عليهم: # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ms8185 ويخافون ~~عذابه.. # [الإسراء: 57]. فهؤلاء الملائكة الذين تعبدونهم من دون الله هم أنفسهم ~~يتقربون إلى الله ويتوسلون إليه، الأقرب منهم يتوسل إلى الله، ويحب ~~أن يكون أكثر قربا، فإذا كان الأقرب هو الذي يبتغي الوسيلة والقرب، ~~فما بالك بالقريب؟ وما بالك بالبعيد والأبعد؟ إذن: أنتم أغبياء بعبادتكم ~~الملائكة، وهل تظنون أن خلقا من خلق الله كالملائكة يرضى أن تعبدوه ~~من دون الله، أو يقبل أن يشفع لك عند الله، هذا سفه في التفكير. فالحق ~~سبحانه وضع شروطا للشفاعة، فقال: # يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن ورضي له قولا # [طه: 109]. ويقول الحق سبحانه: { ولا تنفع الشفاعة عنده ~~إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم... }. ### || [34.23] # قال العلماء: يشترط للشفاعة شرط في المشفوع له أن يكون من أهل التوحيد، ~~وشرط في الشافع أن يؤذن له بالشفاعة، كما قال تعالى: # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه.. # [البقرة: 255] فلا يقوم الشافع فيشفع مباشرة، إنما ينتظر أن يؤذن له ~~بها، وهنا يضطرب المشفوع له ويفزع، ويكون قلقا، يا ترى أيؤذن للشافع؟ ~~أم ترد شفاعته؟ لذلك يقول تعالى: { حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم.. } [سبأ: 23] يعني: أزيل عنها الفزع. فالتضعيف في فزع ~~أفاد إزالة الحدث المأخوذ منه الفعل، كما نقول مرضه يعني: أزال مرضه و ~~قشر البرتقالة يعني: أزال قشرتها... إلخ. { قالوا ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق.. } [سبأ: 23] أي: قال القول الحق، وأذن ~~بالشفاعة لمن ارتضى. وقال تعالى: { ولا تنفع الشفاعة.. } [سبأ: ~~23] ولم يقل تقبل الشفاعة لأن هدف الشافع أن تنفع الشفاعة المشفوع ~~له، فإذا ما ذهب ليشفع له قال له المشفوع عنده: أنا لا أرضى أن تشفع ~~للمشفوع له، فالذي انتفى نفع الشفاعة لا قبولها، ففرق بين أن توجد ~~الشفاعة، وبين أن تنفع الشفاعة. وفي سورة البقرة آيتان في الشفاعة ~~صدرهما واحد، لكن العجز مختلف، ففي الأولى: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها شفعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ~~ينصرون # [البقرة: 48]. والأخرى: # واتقوا يوما لا ms8186 تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ~~ينصرون # [البقرة: 123]. وهاتان الآيتان من المواضع التي وقف أمامها المستشرقون، ~~وظنوا فيها مأخذا على كلام الله، فالمعنى واحد حتى اللفظ هو هو، لكن في ~~الأولى قدم # ولا يقبل منها شفعة.. # [البقرة: 48] وفي الأخرى قدم # ولا يقبل منها عدل.. # [البقرة: 123] وفي الأولى قال # ولا يؤخذ منها عدل # [البقرة: 48]. وهذا الاعتراض منهم نتيجة عدم الفهم عن الله، فالآيتان ~~تتحدثان في الشفاعة عن نفسين. الأولى: النفس الشافعة. والأخرى: النفس ~~المشفوع لها، الشافع له موقف مع الله، والمشفوع له، له موقف قبل ذلك لأنه ~~لم يأت بالشافع إلا لأنه لم يقدر على إنهاء المسألة بنفسه، فالضمير يعود ~~في الآية الأولى على الشافع، وفي الأخرى على المشفوع له، كيف؟ المعنى ~~هنا: لا تجزي نفس شافعة عن نفس مشفوع لها، النفس الشافعة هي التي يقبل ~~منها الشفاعة، والنفس المشفوع لها هي التي تنفعها الشفاعة، إذن: الآية ~~الأولى تخص الشافع لأنه يذهب ليشفع فلا يقبل منه، فيعرض أن يدفع هو ~~العدل، ويكون كفيلا فيما على المشفوع له، فلا يقبل منه أيضا. أما ~~الآية الأخرى فهي في المشفوع له لأنه يعرض أن يدفع ما عليه أولا فلا ~~يقبل منه عدل، فيبحث عمن يشفع له. # وسميت شفاعة لأن الشفع يقابل الوتر، وصاحب الحاجة الذي يطلب ~~الشفاعة واحد، فإذا انضم إليه الشافع، فهما اثنان يعني: شفع. ثم يقول ~~سبحانه في ختام الآية: { وهو العلي الكبير } [سبأ: 23] علي ~~أن يناقش في أي قرار يتخذه، وكبير يعني أكبر من الشافع، وأكبر من ~~المشفوع له. فالحق سبحانه قال الحق ونطق به، وهذا يعني أنه وقف بجانب ~~الحق، فلم يعبأ بشافع مهما كانت منزلته، ولا بمشفوع له مهما كانت ذلته ~~ورقته لأنه سبحانه هو العلي الكبير. وبعد ذلك يعود الحق سبحانه إلى ~~مناقشة المسألة مناقشة عقلية، فيقول: { قل من يرزقكم من ~~السموت والأرض قل الله... }. ### || [34.24] # أي: قل لهم يا محمد: من يرزقكم من السماوات والأرض؟ لكن إذا كان محمد ms8187 ~~هو المستفهم منهم، فمن يجيب؟ بالطبع هم لن يجيبوا لذلك أجاب الله قل ~~الله فهذه حقيقة لا يستطيعون مجابهتها، ولو اعترفوا بها لقلنا لهم إذن: ~~لماذا لم تؤمنوا بالله وهو رازقكم؟ أيليق بكم أن تكفروا به وهو الرازق، ~~وتؤمنوا بآلهة أخرى لا تنفعكم ولا تضركم؟ فاعترافهم بهذه الحقيقة يلزمهم ~~الحجة، ويقيم عليهم الدليل على سفه تفكيرهم، وكأن الحق سبحانه أراد أن ~~يعفيهم من هذا الحرج، فأجاب بدلا منهم. والحق سبحانه يسألهم هذا السؤال ~~لأن الإجابة لن تكون إلا على وفق مراده سبحانه وتعالى، كما لو اشتريت ~~مثلا بدلة لشخص ما وفي موقف من المواقف أنكر جميلك، فتقول له: من الذي ~~اشترى لك هذه البدلة؟ أنت لا تسأل هذا السؤال إلا وأنت واثق أن الإجابة ~~ستكون في صالحك، وأنه لا يستطيع الإنكار، فلو أنكر ستقول له: تعال إلى ~~التاجر الذي اشتريتها منه لنرى من الذي اشتراها، فأنت تملك إقامة ~~الدليل عليه إن أنكر. وقوله سبحانه وتعالى: { وإنآ أو إياكم ~~لعلى هدى أو في ضلال مبين } [سبأ: 24]. الهدى: هو ~~الدلالة على الخير والطريق إليه، والضلال: أن تضل عن الخير والدلالة ~~إليه، ومنه قوله تعالى: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7]. والهدى والضلال من المتناقضات في الدين، والمتناقضان لا ~~يجتمعان أبدا، فلا بد أن يكون واحد على هدى والآخر على ضلال. كثيرون ~~لا يفهمون الفرق بين الضد والنقيض، الضد شيء يضاد شيئا، لكن لا ينفيه، ~~كما تقول مثلا: الشيء الفلاني أحمر أم أخضر؟ فيقول لك: لا أحمر ولا أخضر ~~إنما أبيض، إذن: الضدان لا يجتمعان وقد يرتفعان معا، لا هذا ولا هذا، ~~بل شيء آخر. أما النقيضان فإن ارتفع واحد ثبت الآخر، كما هنا في الهدى ~~والضلال. فمعنى { وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ~~ضلال مبين } [سبأ: 24] إن كان أحدنا على الهدى فلا بد أن ~~يكون الآخر في الضلال، ولا ثالث لهما، والحديث هنا عن منهج خير في جانب ~~الإيمان، ومنهج شر في جانب الكفر، فرسول الله يقول لهم: نحن وأنتم على ~~طرفي نقيض، ms8188 نحن نقول لا إله إلا الله وندعو إلى الخير، وأنتم تكفرون ~~بالله وتدعون إلى الشر، ومع ذلك لا أحكم لي بالهدى، ولا عليكم بالضلال، ~~بل أقول: أنا وأنتم على النقيض، إن كان أحدنا على الهدى فالآخر في ~~الضلال. بالله عليكم، هل رأيتم حجاجا أرق من هذا الحجاج؟ فرسول ~~الله لم يحكم لنفسه وللمؤمنين معه بالهدى رغم وضوحه في جانبهم، ولم يحكم ~~على الكفار بالضلال رغم وضوحه في جانبهم، ومثال ذلك، لو حلف رجلان على ~~شيء واحد أمام رجل أعمى أيقول لواحد: أنت صادق، وللآخر أنت كاذب؟ لا، بل ~~يقول: واحد منكما صادق، والآخر كاذب، فهذا حكم أولي لا يلزم أحدا. # لكن، حين تبحث القضية يتضح لك من على هدى ومن في ضلال { وإنآ ~~أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } [سبأ: 24] ~~كلمة { لعلى هدى } [سبأ: 24] على تفيد الاستعلاء، كأن الهدى لا ~~يستعلي عليك، وإنما تستعلي أنت على الهدى وتكون فوقه، كأنه مطية توصلك ~~للخير المطلوب وللطريق المستقيم، فساعة تقرأ على فاعلم أن هناك مكانا ~~عاليا، وهناك ما هو دون هذا. وتأمل مثلا قوله تعالى: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم.. # [الرعد: 6] فالمغفرة تعلو الظلم لأن الظلم يقتضي أن تعاقب، فتأتي ~~المغفرة فتعلو عليه وتمحو أثره، وبعض المفسرين يرى أن على هنا بمعنى مع ~~أي مع ظلمهم، والمعية لا تستقيم هنا لأنها تسوي بين الظلم والمغفرة ~~وتجعلهما سواء، فكيف تتغلب المغفرة على الظلم بهذا المعنى؟ إذن: لا بد ~~أن تكون المغفرة على الظلم، لا مع الظلم. كذلك في قوله تعالى: # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق.. # [إبراهيم: 39] فقال # على الكبر.. # [إبراهيم: 39] لأن الكبر كان يمنعه أن ينجب، فالحق سبحانه خرق له هذه ~~القاعدة، وأعطاه إسماعيل وإسحاق على كبره، وقلنا: إن الكبر هو أقوى ~~الأحداث التي يتعرض لها الإنسان لذلك قال سيدنا زكريا عليه السلام: # وقد بلغت من الكبر عتيا # [مريم: 8]. والعتو يعني: الجبروت والقوة، أما الكبر فضعف وهزال ~~وعدم قدرة على أبسط الأشياء مهما قاومه بالغذاء ms8189 وبالفيتامينات، فلا شيء ~~يقوى عليه أو يمنعه لذلك إذا تعددت الداءات في الجسم فلا مرجع لها إلا ~~الكبر، والإنسان بعد سن السبعين والثمانين يشتكي كل شيء في جسمه لذلك ~~يسمونها أمراض الشيخوخة. يعني: لا سبب لها إلا كبر السن. إذن: نقول { ~~لعلى هدى.. } [سبأ: 24] أى: أن الهدى سيكون مطيتك التي توصلك إلى ~~الجنة وإلى النعيم، أما الضلال فقال { في ضلال.. } [سبأ: 24] وكأنها ~~ظلمة تحيط بالضال وهو يتخبط فيها، لا يدري أين يذهب، ومعنى { مبين ~~} [سبأ: 24] واضح بين. ### || [34.25] # هذا تلطف آخر وارتقاء فى حجاج الكفار يظهر مدى حرص سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على أن يستل الضغينة من نفوس الكفار، وتأمل: { لا ~~تسألون عمآ أجرمنا.. } [سبأ: 25] فيجعل رسول الله الإجرام ~~في جانبه وهو ولم يسو هذه المرة بين الطرفين، كما قال هناك # وإنآ أو إياكم.. # [سبأ: 24] إنما وصف فعله بالإجرام وقال عن الكفار { ولا نسأل ~~عما تعملون } [سبأ: 25] ولم يقل تجرمون. وفي الآية دقيقة أخرى، ~~هي ورود أجرمنا بصيغة الماضي، كأن الإجرام حدث بالفعل، أما هم فورد ~~الفعل تعلمون بصيغة المضارع ليدل على أنه لم يحدث منهم بعد، وهذا ~~تلطف آخر، وارتقاء في النقاش، وتودد إلى الخصم عله يرعوى، فيفرح ~~الله بتوبته وعودته إلى رحابه. وهذا الأسلوب الجدلي في الآيتين لا ~~يتأتى إلا من المجادل القوي الحجة الذي لا تنزله عنها زلة سابقة من ~~خصمه. ومثل ذلك قولنا في المناقشة: سلمنا جدلا بكذا وكذا، ونرضى ~~لأنفسنا بالأقل، لماذا؟ لأنك تعلم أنك على الحق، وقوة الجدل لديك تجعلك ~~على ثقة بأن البحث في المسألة سينتهي لصالحك. لكن، مع ذلك كيف يأمر الحق ~~سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينسب الإجرام إلى نفسه؟ قالوا: لأن ~~الجرم يختلف باختلاف المخاطب به، كما قالوا: حسنات الأبرار سيئات ~~المقربين. ثم تنتهي الآيات إلى خلاصة هذه القضية في قوله تعالى: { قل ~~يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق... }. ### || [34.26] # المعنى: لن نطيل معكم النقاش والحجة لأننا نتكلم بالحق وأنتم تتلاعبون ~~بالباطل، فالخلاصة معكم ms8190 أن يفصل الله بيننا وبينكم في محكمته الإلهية { ~~قل يجمع بيننا ربنا.. } [سبأ: 26] أي: يوم القيامة { ثم ~~يفتح بيننا بالحق.. } [سبأ: 26] أي: يحكم ويقضي، وفي بعض ~~بلادنا حتى الآن يقولون للقاضى: الفتاح { وهو الفتاح العليم ~~} [سبأ: 26] أي: الذي يحكم عن علم كامل، ولا تخفى عليه خافية. وسمي ~~الحكم فتحا، لأنه يفتح شيئا عن شيء ويحدث فرجة بينهما، فكأنهما ~~كانا متشابكين، بحيث يلتبس الحق بالباطل، وكأنها معركة، فيأتي الحكم ~~فيفض هذا الاشتباك، وفض الاشتباك هذا هو الفتح، ولا يفتح بين الحق ~~والباطل إلا الله. ### || [34.27] # الحق سبحانه يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: أروني الذين ~~أشركتم مع الله، وهو صلى الله عليه وسلم يراهم بالفعل، يرى أصنامهم التي ~~يعبدونها من دون الله، فما فائدة { أروني.. } [سبأ: 27]؟ قالوا: لأنه ~~حين يطلب منهم هذا المطلب يعلم أنهم يستحون أن يشيروا إليها، ولا ~~يجرؤون على ذلك لأنهم يعلمون أنها أحجار صماء، لا تضر ولا تنفع. ومعنى ~~{ ألحقتم به شركآء.. } [سبأ: 27] من الإلحاق، وهو أن تأتي ~~بشيء جديد تلحقه بشيء ثابت، فكأن ألوهية الله هي الألوهية الحق الثابتة، ~~وآلهتهم الجديدة طارئة عليها، ليست أصيلة، فالإيمان ثابت وأصيل وفطري ~~في النفس الإنسانية، أما هذه الآلهة فمحدثة طارئة باطلة، لذلك ينفيها ~~بقوله { كلا.. } [سبأ: 27]. ثم يضرب عن هذا الكلام السابق ليثبت ~~الألوهية لله وحده { بل هو الله العزيز الحكيم } [سبأ: ~~27] و بل تفيد الإضراب عما قبلها وإثبات الحكم لما بعدها، فالإله الحق هو ~~الله. وفي موضع آخر، يناقشهم الحق سبحانه: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا.. # [الأنبياء: 22] ونعلم من دراساتنا النحوية أن إلا أداة استثناء، تفيد ~~إخراج ما بعدها من حكم ما قبلها، وأن المستثنى بعدها منصوب، كما نقول: ~~حضر الطلاب إلا محمدا. فلو طبقنا هذه القاعدة على هذه الآية لكان ~~المعنى: لو كان فيهما آلهة خارج منها الله لفسدتا، لكن لو كان فيهما ~~آلهة والله معهم لم تفسدا، هكذا منطق الآية إذا أخذت إلا على ~~أنها أداة استثناء للإخراج، إنما إلا هنا ليست ms8191 حرف استثناء، بل هي اسم ~~بمعنى غير، بدليل أن ما بعدها وهو لفظ الجلالة مرفوع وليس منصوبا على ~~الاستثناء، فالمعنى: لو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا. وقوله: { بل ~~هو الله.. } [سبأ: 27] جاء هنا أيضا بضمير الغيبة هو، ومعلوم أن ~~ضمير الغيبة لا يأتي إلا إذا سبقه مرجع، تقول: جاءني على فأكرمته، إلا ~~مع الله سبحانه وتعالى، فإن هو تسبق المرجع { بل هو الله.. } ~~[سبأ: 27] لماذا؟ قلنا: لأنه ضمير لا ينصرف إلا لغائب واحد هو الموجود ~~الأعلى سبحانه. ثم يقول الحق سبحانه: { ومآ أرسلناك إلا ~~كآفة للناس بشيرا ونذيرا... }. ### || [34.28] # معنى { أرسلناك.. } [سبأ: 28] أي: جعلناك رسولا { إلا ~~كآفة للناس.. } [سبأ: 28] كلمة كافة تبين منزلة الرسول الخاتم، ~~فقبل بعثة سيدنا رسول الله كان الرسول يبعث لقوم مخصوصين، كما قال ~~سبحانه وتعالى: # ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية ~~من ربكم.. # [آل عمران: 49]. ذلك، لأن البشر لما تكاثروا كما قال سبحانه: # وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء.. # [النساء: 1] تفرقوا في أنحاء الأرض هنا وهناك، والعالم لا يزال في ~~طفولة فطرته، ليس فيه ارتقاءات للقاء بين هذه الجماعات، فكانت جماعات ~~منعزلة، لا اتصال بينها، ولكل بيئة منها داءاتها: فهؤلاء يطففون الكيل ~~والميزان، وهؤلاء يعبدون الأصنام... إلخ فيأتي الرسول إلى قوم مخصوصين ~~ليعالج داءهم لا علاقة له بغيرهم. أما سيدنا رسول الله، فكان هو الرسول ~~الخاتم المبعوث للناس كافة لأن الله تعالى علم أزلا أنه سيأتي على ~~التقاء مع الدنيا كلها، وعلى اتصال بين الجماعات التي كانت متفرقة، ~~وها نحن الآن نعيش عالم القرية الواحدة، وما يحدث في أقصى بلاد الدنيا ~~نسمعه ونراه في وقته، وما دام العالم التقت مجتمعاته وقاراته، فالداءات ~~واحدة لذلك جاء رسول واحد ليعالج كل الداءات في كل المجتمعات، هذا معنى: ~~{ ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس.. } [سبأ: 28]. ومعنى ~~أنه صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل أنه مشهود له، وليس شاهدا لغيره، فقد ~~أخذ الله تعالى العهد على الرسل، أنه إذا جاء محمد يشهدون له فشهدوا له ~~جميعا، أما هو صلى ms8192 الله عليه وسلم فلم يشهد لأحد لأنه لم يأت بعده ~~رسول. قال العلماء في كلمة { كآفة.. } [سبأ: 28] يعني: للناس جميعا، ~~ففي موضع آخر يقول تعالى: # قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا.. # [الأعراف: 158]. يعني: لم تعد هناك خصوصية، لا زمانية ولا مكانية. ~~وحين نتأمل كلمة { كآفة.. } [سبأ: 28] نجد لها مناسبة في واقع لغتنا، ~~استقر على ألسنة العامة: نشاهد الخياط مثلا حين يخيط ثوبا يعمل ~~المقص في القماش، فيقطعه إلى لحمة وسدة، لكن تخرج خيوط الثوب من خلال ~~أطرافه كما نقول القماش بينسل فيجمع الخياط هذه الأطراف بعضها إلى بعض، ~~بحيث تكون أطراف القماش إلى الداخل، وهذه العملية نسميها كفكفة القماش، ~~أو نسميها الآن السرفلة. ومن ذلك كلمة كافة يعني: جمع شتات الناس ~~في كل زمان ومكان، بحيث لا يخرج منهم جنس ولا جماعة، ولا يشذ عن منهجه ~~أحد. وعندنا في الفلاحين نبات ينمو على حواف القنوات اسمه النجيل، وهو ~~غير الحشيش المعروف، والنجيل لا يرتفع عن سطح الأرض، وتتشابك عيدانه ~~وجذوره بحيث يمنع هذه الحواف أن تنهار، أو يسقط منها الردم فيسد ~~القناة، فكأن النجيل أدى مهمة هي كف الردم ومنعه أن ينهار يعني: كف ~~جنسا أن يشرد عن مهمته. # وكلمة { كآفة.. } [سبأ: 28] من كف الشيء يكفه، فهو كاف، وزيدت ~~تاء التأنيث للمبالغة، كما في عالم وعلام وعلامة، لذلك يقول ربنا عن ~~نفسه سبحانه: # علام الغيوب # [التوبة: 78] فإن قلت: لماذا لم يقل علامة؟ نقول: لأن علم ~~الله تعالى لا يترقى بلاغة وقلة. فمعنى { ومآ أرسلناك إلا ~~كآفة للناس.. } [سبأ: 28] يعني: تكفهم وتمنعهم عن كل شر يفسد ~~الصلاح في الأرض، وهذه هي مهمة المنهج الذي جاء به سيدنا رسول الله لذلك ~~قال سبحانه: # ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها.. # [الأعراف: 56]. إذن: كلمة { كآفة.. } [سبأ: 28] إما وصف للناس ~~بمعنى جميعا، وإما وصف لرسول الله بمعنى كاف للناس عن الشر، والتاء ~~للمبالغة. ومعنى { بشيرا ونذيرا.. } [سبأ: 28] من البشارة، وهي ~~أن تخبر بخير لم يأت أوانه بعد، ويقابلها النذارة، وهي أن تخبر بشر ms8193 ~~لم يأت أوانه بعد، فميزة البشارة أنها نخبرك بالخير القادم لك لتأخذ ~~بأسبابه وتقبل عليه وتجتهد في سبيله، وأنت مشتاق إليه، كذلك النذارة ~~تحذرك من الخطر المقبل لتنصرف عن أسبابه وتدفعه عنك. ومثال ذلك: المعلم ~~الذي يبشر التلميذ المجتهد بالنجاح والتفوق، وينذر المهمل بالفشل ~~والرسوب، لماذا؟ لأنه يريد من المجتهد أن يزيد في اجتهاده، ومن الكسول ~~المهمل أن يترك الكسل والإهمال ليتفوق هو الآخر. وقوله: { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون } [سبأ: 28] أي: لا يعلمون أنك الرسول ~~الخاتم، أو الرسول الذي جاء ليمنع الشر عن البشرية كلها ويصلح حركتها. ~~وما دام أكثر الناس لا يعلمون، فمعنى ذلك أن القلة هي التي تعلم، وهذه ~~القلة العالمة هي خميرة الخير في الوجود لذلك نرى الناس مهما بالغوا في ~~الإلحاد، وفي الخروج عن منهج الحق لا بد أن تخرج من بينهم هذه القلة ~~التي تتمسك بالحق وتسعى إليه وتنادي به، فهي موجودة في كل زمان ومكان ~~وإن قلت. لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة ". # إذن: لا بد أن تبقى فينا هذه القلة كنماذج وخليات للخير، ~~ولاستبقائه بين الناس مهما أظلمت الدنيا من حولهم. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ ويقولون متى هذا الوعد... }. ### || [34.29-30] # المتأمل في كتاب الله يجد الحق - سبحانه وتعالى - لم يجعل القرآن ~~أبوابا منفصلة، هذا للصلاة، وهذا للزكاة، وهذا للربا... إلخ إنما يخلط ~~هذه الأحكام في نسق رائع، ومزيج مشوق، يراوح بين الأساليب، فلا يمل ~~منه قارئه، ولا يزهد. القرآن ليس كتاب قانون، يفرد فصلا لكل جريمة، ~~إنما يتناول الجريمة بأسلوب فريد، فيذكر الجريمة ويفظعها ويبين أثرها، ~~حتى إذا ما قرر العقوبة عليها تجد هذه العقوبة طبيعية تتقبلها النفوس لأن ~~صاحب العقوبة يستحقها. يقول تعالى حكاية عن الكافرين: { ويقولون ~~متى هذا الوعد.. } [سبأ: 29] والوعد لا يكون إلا بالخير، ~~والوعيد يكون بالشر، وعجيب أن يسمى الكفار القيامة وعدا، فكان ينبغي ~~أن يقولوا متى هذا الوعيد، أو: أن الله تعالى لوى ألسنتهم ليقولوا كلمة ~~الحق، ms8194 فهو بالفعل وعد حق من الله، وإن كان في حقهم وعيدا. والوعد من ~~الله فيه أشياء كثيرة، خاتمته البعث والحساب، ثم الجنة أو النار. لكن هل ~~وعد الله لا يتحقق إلا في الآخرة؟ قالوا: لا بل يرون شيئا منه في ~~الدنيا، وإلا لو تركهم الله سالمين إلى أن يعاقبهم في الآخرة لاستشرى ~~فسادهم، ولعربد غير المؤمنين دون رادع لهم. لذلك من حكمته تعالى أن ~~يعجل لهم شيئا من وعده، فيرونه في الدنيا، كما قال تعالى: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] وفعلا، جاء يوم بدر وهزمهم الله، وقتل منهم من قتل، ~~وأسر منهم من أسر، فكما صدقت فيهم المقدمات، فسوف تصدق المتواليات ~~في الآخرة. لذلك يخاطب الحق نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. فمن لم يتحقق فيه وعد الله في الدنيا وتشاهده بعينيك، ~~فموعده الآخرة، وإلا فهناك من الكفار من مات قبل بدر، ولم يشهدوا ~~انتصارات المسلمين وفتوحاتهم، ولم ينلهم شيء من عقاب الدنيا. وقولهم: { ~~متى هذا الوعد.. } [سبأ: 29] استبطاء للعذاب. ثم يأمر الله ~~تعالى نبيه أن يرد عليهم: { قل لكم ميعاد يوم لا ~~تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون } [سبأ: 30] هو ~~يوم النصر عليهم، كما في يوم بدر، حيث أذاقهم الله الذلة والهوان والموت، ~~وقضى على جبروتهم، أو هو يوم القيامة. والذي ضرب لكم هذا الميعاد هو ~~القادر على إنفاذه، وليست هناك قوة تمنعه سبحانه أن يفي بما وعد، أو حتى ~~يؤخره لحظة واحدة، وهو سبحانه العليم بأن الآيات الكونية لا تشذ عما ~~أراد سبحانه. وسبق أن بينا أن البشر حين يعدون لا يملكون أسباب ~~الوفاء بوعودهم، لذلك علمنا ربنا - عز وجل - أن نحتاط لذلك فقال ~~سبحانه: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24]. لأن الله يحب لعبده أن يكون صادقا، فحين يعلق فعله ~~على مشيئة الله يعفي نفسه من الكذب وإخلاف الوعد حين عدم الوفاء خاصة، ~~وهو لا يملك عنصرا واحدا من عناصره، إذن: ms8195 اطرح المسألة على من يملك ~~كل هذه العناصر لذلك نسمي الوعد من الناس وعدا ومن الله الوعد الحق ~~يعني: الذي لا يتخلف أبدا. ومعنى { لا تستأخرون عنه ساعة ~~ولا تستقدمون } [سبأ: 30] أنه ميعاد مضبوط، وكان الحق سبحانه ~~يريد بذلك أن يستقبل الإنسان كل المعطيات التي منحه الله، وأن تظل ~~دائما في ذهنه لا يغفل عنها. وجاء يوم نكرة مبهمة، والإبهام هنا هو ~~عين البيان، كما سبق أن أوضحنا، فحين يبهم الله مثلا أجل الإنسان ~~يظل دائما متذكرا له، ينتظره في أي وقت، ويتوقعه في كل نفس، وفي كل ~~لحظة دون أن يربطه بمرض أو غيره، فالموت من دون أسباب هو السبب. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا ~~القرآن ولا بالذي بين يديه... }. ### || [34.31] # قولهم { لن نؤمن بهذا القرآن.. } [سبأ: 31] يدل على ~~لجلجتهم، ففي موضع آخر حكى القرآن عنهم قولهم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] ومعنى هذا أن القرآن لا غبار عليه ولا اعتراض، الاعتراض ~~على من نزل عليه القرآن، كذلك من الغباء قولهم: # إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ.. # [القصص: 57] فاعترفوا أنه جاء بالهدى. ومثله قولهم: # لا تنفقوا على من عند رسول الله.. # [المنافقون: 7]. صحيح، الباطل لجلج، يتخبط هنا وهناك في تفكير مشوش ~~ليس له سيال واحد، وهذا التخبط يكشف ما هم عليه من الباطل، وقلنا: إن ~~المحقق الماهر هو الذي يصل إلى الحقيقة من خلال مناقشة المتهم مناقشة ~~توقعه دون أن يدري، ذلك لأن المتكلم بالحق يحكي واقعا على هيئة واحدة، ~~فمهما أعدت عليه السؤال يجب إجابة واحدة. أما الكاذب فلا يحكي ~~واقعا، إنما يحكي كذبا واختلاقا لا بد أن ينتهي بتضارب في أقواله، ~~كالكذاب الذي جاء يحكي للناس يقول: رجعت من البندر ليلة العيد الصغير، ~~وكانت الدنيا قمر ظهر. وقديما، قال العربي: إن كنت كذوبا فكن ~~ذكورا. يعني: تذكر ما سبق أن قلته، ذلك لأنه لا يستند إلى واقع. ~~ومعنى { ولا بالذي بين يديه.. } [سبأ: 31] يعني: الكتب ~~السابقة ms8196 على القرآن كالتوراة والإنجيل. بعد أن قالوا هذا الكلام أراد ~~الحق سبحانه أن يفظع الرد عليهم فقال: { ولو ترى.. } [سبأ: 31] ~~يعني: يا محمد { إذ الظالمون موقوفون عند ربهم.. } ~~[سبأ: 31] يعني: بين يدي الله، ينتظرون الفصل والحساب. تعلمون أن لو ~~أداة شرط تحتاج إلى جواب، هذا الجواب حذف من سياق الآية ليدل على ~~التهويل والتفظيع. وتقديره: ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم.. ~~لرأيت أمرا عظيما، وهذا الأسلوب تذهب فيه النفس كل مذهب، ونتصور ~~ألوان العذاب والذلة التي يعانيها الكفار في هذا الموقف بين يدي الله عز ~~وجل، فحذف الجواب هنا أبلغ من ذكره. كنا نرى زمان الرجل الظالم أو ~~المتجبر أو البلطجي الذي يجلس طوال النهار على القهوة، والناس تخدمه، ~~وتقضي له حاجته اتقاء شره، لكن ساعة يقع في أيدي العدالة وتأخذه الشرطة، ~~وأنتم تعلمون ما تفعله الشرطة بالمجرمين، ساعتها يفرح الناس فيه ~~ويتندرون به: لو رأيتم ما حدث لفلان؟ يعنى: حدث له أمر عظيم يناقض ~~جبروته الذي كان يمارسه على الناس ويكسر شوكته. إذن: حذف الجواب لنأخذه ~~نحن على المحمل المخيف لأنه لو حكى واقعا لجاء على لون واحد وهيئة ~~واحدة. لذلك وقف المستشرقون معترضين على قوله تعالى في وصف شجرة الزقوم: # طلعها كأنه رءوس الشياطين # [الصافات: 65] يقولون: نحن لم نر شجرة الزقوم، ولم نر رؤوس الشياطين، ~~فكيف يشبه القرآن مجهولا بمجهول؟ # نعم، ينبغي في التشبيه أن تشبه المجهول بالمعلوم، والخفي بالجلي، ~~لكن هؤلاء يحاولون تصيد أخطاء أو مآخذ على كتاب الله، وهيهات لهم ذلك، ~~وكل اعتراضاتهم على كلام الله تأتي من عدم فهم للآيات وعدم وجود ~~الملكة العربية وعدم الإلمام بلغة القرآن وأساليب العرب، فهذا النهج في ~~التشبيه نهجه العربي القديم حين قال: # أيقتلني والمشرفي مضاجعي # ومسنونة زرق كأنياب أغوال # هكذا رأى العربى القديم أن أسنة الرماح كأنياب الأغوال، فهل رأى أحد ~~الغول؟ إذن: القرآن عربي، وخاطب العرب بأساليبهم، فيكفي لتبشيع الصورة ~~أن تحاول أنت أن تتخيل صورة الغول أو صورة الشيطان لتذهب نفسك في ~~بشاعتها مذاهب شتى ms8197 مخيفة مفزعة، بدليل أننا إذا قلنا لرسامي ~~الكاريكاتير في العالم كله: ارسموا لنا صورة الشيطان، فسوف يرميها كل ~~واحد منهم حسب رؤيته هو، وستأتي صورة مختلفة بعضها عن بعض لأن أحدا ~~منهم لم ير الشيطان، إنما تخيله. ترى، لو حدد القرآن شكل شجرة ~~الزقوم وقال لك: إنها مثل كذا وكذا، أيعطيك هذا التشبيه بشاعة أكثر مما ~~أعطتك رؤوس الشياطين؟ هكذا ربب الحق سبحانه هذا المعنى. ثم تستمر ~~الآية في وصف موقف هؤلاء الظالمين بين يد الله تعالى، ويا ليتها تنتهي ~~عند الذلة والانكسار، إنما { يرجع بعضهم إلى بعض ~~القول } [سبأ: 31] يعني: يتجادلون ويتناقشون، يرمي كل منهم باللائمة ~~على الآخر، ومعنى يرجع من المراجعة، فواحد يقول، والآخر يرد كلامه ~~وينكره، وفي القرآن مواضع كثيرة تحكى هذه المراجعة بين الأتباع ~~والمتبوعين، وهنا نموذج منها: { يقول الذين استضعفوا } ~~[سبأ: 31] يعني: الضعفاء والمقلدين { للذين استكبروا } [سبأ: ~~31] وهم السادة الكبار المتبوعون { لولا أنتم لكنا مؤمنين ~~} [سبأ: 31] فيكفي من عظمة القيامة أن يقف المستضعف أمام القوي ويراجعه ~~ويواجهه - مع أن كلاهما خائب خاسر - ذلك لأن الضعف كان في الدنيا ~~والاستكبار والتبعية، أما الآن وفي ساحة الحساب فقد تساوت الرؤوس، وها ~~هم الضعفاء يقولون لأسيادهم { لولا أنتم لكنا مؤمنين } ~~[سبأ: 31]. وما دامت المسألة مراجعة، كل يرجع إلى الآخر قوله، فلا ~~بد أن يرد الذين استكبروا، وأن يراجعوا الذين استضعفوا. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { قال الذين استكبروا للذين ~~استضعفوا أنحن صددناكم... }. ### || [34.32] # يرد الذين استكبروا: { أنحن صددناكم عن الهدى بعد ~~إذ جآءكم بل كنتم مجرمين } [سبأ: 32] يعني: ما منعناكم ~~عن الهدى، وما حلنا بينكم وبين الإيمان { بل كنتم مجرمين } ~~[سبأ: 32] يعني: بطبيعتكم، فقد وجدتم طريقنا سهلا، وعبادتنا لا تكليف ~~فيها ولا مسئولية، ليس فيها صوم ولا صلاة ولا زكاة، ولو فكرتم واعملتم ~~عقولكم ما تبعتمونا. وهذا هو نفسه منطق الشيطان حين يناقش أولياءه يوم ~~القيامة، ويقول لهم: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ ~~أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي ms8198 # [إبراهيم: 22]. الفعل أصرخ يصرخ فهو مصرخ، اسم فاعل للذي يصرخ ويستجير ~~بغيره لينقذه من أمر فوق طاقته وإمكاناته، فإن أنقذه يقال: أصرخه يعني: ~~أزال صراخه والمفعول منه مصرخ به، والمعنى في قول الشيطان: إنني لا ~~أستطيع أن أزيل صراخكم، وأنتم لا تستطيعون أن تزيلوا صراخي، فالمسألة ~~انتهت، ولا ينفع أحدا ولا ينقذه إلا عمله الصالح. ثم يرد الذين ~~استضعفوا ويرجعون القول إلى الذين استكبروا مرة أخرى، يقولون: { ~~وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر ~~اليل والنهار إذ تأمروننآ أن نكفر بالله ~~ونجعل له أندادا وأسروا الندامة... }. ### || [34.33] # هذا استمرار في المراجعة والحوار، كل يلقى بالمسئولية على الآخر، ~~فلما اتهموهم بالإجرام، وأنهم انساقوا خلفهم طمعا في تدين خفيف، لا ~~تكاليف فيه، ولا منهج يقيد شهواتهم رد المستضعفون { بل مكر ~~اليل والنهار } [سبأ: 33] يعني: المكر الذي ينشأ في الليل، ~~والمكر الذي ينشأ في النهار، حيث قضيتم الليل والنهار تلحون علينا ~~وتلعبون في آذاننا حتى اتبعناكم. { إذ تأمروننآ أن نكفر ~~بالله ونجعل له أندادا } [سبأ: 33] يعني: شركاء { ~~وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } [سبأ: 33] ~~فالندامة تعتصرهم، ومع ذلك لا يجهرون بها ولا يبدونها حتى لا يشمت بهم ~~الآخرون، وفرق بين أن يندم الإنسان وبين أن تلجئه الظروف، لأن ~~يعلن الندم. ثم يقول سبحانه: { وجعلنا الأغلال في أعناق ~~الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون } ~~[سبأ: 33] الأغلال: القيود، ومعنى { هل يجزون إلا ما كانوا ~~يعملون } [سبأ: 33] تنبيه للمؤمنين الذين يسمعون هذا الكلام وهذا ~~الجزاء: إياكم أن تأخذكم بهؤلاء رقة على حالهم في الآخرة، وانظروا ~~إلى ما فعلوه في الدنيا من إجرام لتعلموا أن الله تعالى عادل لا يظلم ~~الناس، ولكن أنفسهم يظلمون. ومثال ذلك قوله تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون # [المطففين: 29] إلى أن قال سبحانه: # هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 36]. ذلك لأن الجريمة حين ينتهي وقتها، وتهدأ آثارها ينسى ~~الناس بشاعتها، ولا يذكرون إلا بشاعة العقاب عليها، أو ترق للمجرم ~~قلوب الذين لم يشهدوا جريمته لذلك يذكرنا الحق ms8199 سبحانه بعدله، وأن ~~هذا الجزاء جزاء وفاق، فلا تأخذكم بالمجرمين رأفة، ولا ترحموهم في هذا ~~الموقف المخزي الذليل، وضعوا عقوبتهم أمام جريمتهم يوم كذبوا الرسل. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ومآ أرسلنا في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوهآ... }. ### || [34.34] # نلحظ في هذه الآية أنها ذكرت النذارة، ولم تذكر البشارة، لماذا؟ قالوا: ~~لأن الحديث عن قرية استشرى فيها الفساد بحيث لم يعد لها إلا النذارة، ~~فهؤلاء قوم كذبوا الرسل، ووقفوا من الدعوة موقف العداء والمكابرة. أما ~~البشارة فتكون في عموم الدعوة، والحديث هنا عن دعوة خاصة بهؤلاء ~~المكذبين. ومعنى { في قرية } [سبأ: 34] أي: في أهل قرية، والقرية ~~اسم للمكان، أو أن الله سبحانه جاء بالمكان وإن كان يريد المكين لأن ~~المكان كجماد مسبح لله، فيفرح بالمؤمن المسبح فيه، ويحزن ويضيق ~~بالكافر الذي يقيم فيه لذلك يقول العربي القديم فلان نبا به المكان يعني: ~~المكان كرهه، ولما قالوا لرجل حكيم: أدريت أن فلانا باع أرضه؟ قال: بل ~~باعته أرضه. وقوله { إلا قال مترفوهآ } [سبأ: 34] جمع مترف ~~وترف يترف أي: تنعم. أما أترف فتعني أن النعمة أطغته وفتنته، فالحق ~~سبحانه لم يمنع عبده أن يتمتع بنعمه، المهم ألا تطغيه النعمة. وقد ~~يكون الترف والتنعم استدراجا من الله للعبد، وإملاء له، ومدا له ~~في النعمة حتى يطغى بها، وتأمل مثلا قول الله تعالى: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم # [الأنعام: 44] ولم يقل لهم يعني ليس هذا الفتح في صالحهم مع أنه في ~~ظاهرة نعمة # أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا # [الأنعام: 44] وتعودوا النعمة وألفوها # أخذناهم بغتة.. # [الأنعام: 44]. لذلك، ليس من الصواب قولك لأخيك: فتح الله عليم ~~والصواب: فتح الله لك. واقرأ: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # [الفتح: 1] # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها.. # [فاطر: 2] وحكوا لنا عن سياسي كبير كان له خصم، ففوجئوا بأنه أصدر ~~قرارا بترقية هذا الخصم إلى منصب كبير، فتعجبوا: كيف يرقى خصمه؟ ~~فقال: أرفعه إلى منزلة عالية، حتى إذا سقط منها كان السقوط مؤلما، ms8200 وسبق ~~أن قلنا: إذا أردت أن توقع عدوك لا توقعه من فوق الحصيرة مثلا. ~~ومن الاستدراج بالنعمة والترف قوله تعالى: # وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ~~ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها ~~تدميرا # [الإسراء: 16]. البعض يخطىء فهم هذه الآية، فيقول: # أمرنا مترفيها ففسقوا فيها # [الإسراء: 16] أن الفسق مترتب على الأمر. والله سبحانه لا يأمر بالفسق، ~~ولا يأمر بالفحشاء، وإنما يأمر بالطاعة والعبادة، كما قال سبحانه: # ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله.. # [البينة: 5] وقال: # إن الله يأمر بالعدل والإحسان.. # [النحل: 90] فالمعنى: أمرنا مترفيها بما يأمر الله به، فما كان منهم إلا ~~أن فسقوا فيها أي: فسقوا في الأمر، إذن: الفسق ليس مترتبا على الأمر، ~~وإنما على مخالفة الأمر. الحق - سبحانه وتعالى - حين يعرض قضية الترف ~~والإتراف يقول: أنا أنعمت على عبادي نعما يتنعمون بها، إنما كنت ~~أريد أن يستقبلوا هذه النعم بالشكر، وأن يعدوا النعمة إلى غير ~~المنعمين ليحصل في المجتمع المسلم التكافل الاجتماعي المطلوب، ولينزع ~~هذا التكافل الغل والحقد من قلوب الفقراء على الأغنياء. # فالفقير إذا رأى الغنى ينتفع بآثار النعمة، ويتمتع بها دونه، يحقد عليه، ~~ويتمنى زوال نعمته، فإن نال منها شيء أحب الغنى، وسأل الله له المزيد، ~~هذا من ناحية الفقير. أما من ناحية الغني، فالحق سبحانه يعلم أن ~~الإنسان عامة مطبوع على النفعية لذاته وحب الخير لها لذلك عامله الحق ~~سبحانه بهذا المنطق، منطق النفعية حين يعطيه جزاء ما أنفق، ويثيبه على ~~ما يفعل من الخير، قال له: الحسنة بعشر أمثالها، غض طرفك عن المحارم في ~~الدنيا أمتعك بالحور العين يوم القيامة.. الخ. لذلك يقولون: إن التدين ~~نفعية عالية، فأنت مثلا ما آثرت الفقير على نفسك، وما أعطيته ما في ~~جيبك إلا لأنك تريد من الله تعالى أضعاف ما أعطيت. إذن: أنت حتى في ~~تجارتك مع الله تحب النفع لنفسك. والحق سبحانه يعطي الغني وصاحب الهمة ~~العالية الذي يكدح ويتعب ويكون الثروة، يعطيه حقه، ويحترم جهده وعرقه، ~~ويحترم مشاعره النفعية، فحين يسأله يسأله جزءا من ماله، لا ms8201 ماله كله، ~~واقرأ قوله تعالى: # إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا ~~وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أمولكم * ~~إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم # [محمد: 36-37]. ويحببهم في الإنفاق بنفس هذا المنطق: # ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله ~~فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن ~~نفسه والله الغني وأنتم الفقرآء.. # [محمد: 38]. إذن: مسألة الإنفاق هذه تخرج ضغن الغني، كما أخرجت ~~ضغن الفقير، فهي تحدث استطراقا إيمانيا، واستطراقا اقتصاديا في ~~المجتمع، فصاحب المال يحمد الله على النعمة، ولا يبخل بها على الفقير، ~~والفقير يحمد الله أن جعل النعمة في يد من يجود بها عليه، وهكذا يحدث ~~التوازن في المجتمع. نعود إلى ما كنا بصدده من قوله تعالى: { ومآ ~~أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ ~~إنا بمآ أرسلتم به كافرون } [سبأ: 34] لماذا أنتم ~~كافرون بما جاء به الرسل؟ الحق - تبارك وتعالى - يريد من العباد ألا ~~يستعلي قوي على ضعيف، وألا يستعلي غني على فقير، وألا يستعلي عالم ~~على جاهل، إنما يريد أن يعم الخير، فمن كانت عنده خصلة من خصال ~~الخير عداها إلى غيره. أما هؤلاء فقد اختاروا الكفر، واطمأنوا إليه ~~لأن النعمة أطغتهم وأترفتهم، فمالوا إلى البذخ وإلى المظالم حتى عشقوا ~~هذا كله، فلما جاء الدين ليعدل من سلوكهم صادموه، وحاولوا طمسه ~~والقضاء على دعوته لأنهم ألفوا السيادة، وألفوا الطغيان، ولا يريدون ~~أن تسلب منهم هذه السيادة. وإلا لو أن العالم كان مستقيما متوازنا ما ~~كانت هناك حاجة للرسل، إذن: ما جاء رسول إلا بعد أن عم الفساد وطم. # وسبق أن قلنا: إن الحق سبحانه خلق في النفس الإنسانية مناعة إيمانية ~~نتيجة الفطرة الأولية، لكن الشهوات وتقاليد الظالمين تطمس هذه الفطرة، ~~فتحتاج إلى مذكر يعيدها إلى الطبيعة والفطرة التي خلقها الله، لذلك ~~قال سبحانه: # إنمآ أنت مذكر # [الغاشية: 21] يعني: ليس بادئا. والحق سبحانه يبين أن الناس أمام ~~الخير والشر أنواع ثلاثة، فقال الحق سبحانه وتعالى: # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم ms8202 مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل ~~الكبير # [فاطر: 32]. فالظالم لنفسه هو الذي يفعل السيئة، ولا يلوم نفسه، ولا ~~يندم على سيئته، ولا يتوب منها، فهو يظلم نفسه لأنه يحرمها الجزاء ~~والنعيم الأبدي. والمقتصد هو الذي يتردد بين الحسنة والسيئة، فإن فعل ~~سيئة تذكر ولام نفسه وتاب، ثم يفعل الحسنة لتكفر السيئة، وهؤلاء قال ~~الله فيهم: # خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم إن الله غفور رحيم # [التوبة: 102]. وقوله سبحانه: # ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا # [فاطر: 32] يراد به أمة محمد صلى الله عليه وسلم: لأن الميراث يعني أن ~~الموروث ينتقل من السابق إلى اللاحق، فأمة محمد ورثت الرسل جميعا في كل ~~أمورهم الخيرية، وتكفلت بأن تردع الشر في كل نواحيه، وبذلك ورثوا ~~الرسالات كلها لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كما قال سبحانه: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر # [آل عمران: 110]. وقال تعالى أيضا: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143]. فالرسول يشهد أنه بلغكم، وأنتم تشهدون أنكم بلغتم ~~من بعدكم، رسولكم فوضه الله في أن يشرع لكم، وفوضكم أنتم في ~~أن تحملوا منهجه من بعده لذلك انقطعت الرسالات بعده صلى الله عليه وسلم ~~لأن أمته ستقوم بمهمة الرسالة، وهذا دليل على أنها أمة، الخيرية فيها ~~باقية إلى قيام الساعة. وقولهم: { إنا بمآ أرسلتم به ~~كافرون } [سبأ: 34] بم أرسل الرسل؟ أرسلوا أولا بقضية التوحيد، ~~وأنه لا إله إلا الله، أرسلوا بالبلاغ عن الله، أرسلوا بمعجزات، أرسلوا ~~بأحكام ومناهج تحكم حركة الحياة. فهؤلاء كفروا بهذا كله لأنهم يريدون أن ~~يعيشوا في ترفهم وظلمهم، وأن يستبدوا كما يشاؤون. لكن قولهم { بمآ ~~أرسلتم به } [سبأ: 34] دل على غبائهم لأنهم لم يقولوا مثلا ~~بما جئتم به، أو بما ادعيتموه، إنما بما أرسلتم به، فهم يعترفون بأنهم ~~مرسلون، فهذه كلمة الحق ساقها الله على ألسنتهم، كما ساقه على ألسنتهم ~~في قولهم: # لا تنفقوا على من عند رسول الله ms8203 # [المنافقون: 7] وقولهم لما فتر الوحي عن رسول الله: إن رب محمد قلاه. ~~إذن: هم يعترفون لرسول الله بالرسالة، والمرسل لا يرسل من مثله، إنما ~~من جهة أعلى، فالرسالة ليست من عند محمد # قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16] لكن، ما علة هذا الكفر؟ ### || [34.35] # قلنا إن الدين إنما جاء ليحدث توازنا في المجتمع واستطراقا عقديا ~~واقتصاديا واجتماعيا، فمنطق هؤلاء الذين كفروا بالرسل أنهم ليسوا في ~~حاجة إلى هذا كله، فعندهم المال والأولاد، وعندهم كل متع الحياة. { ~~وقالوا.. } [سبأ: 35] أي: في حيثيات كفرهم { نحن أكثر ~~أموالا وأولادا } [سبأ: 35] بل أكثر من ذلك يأخذهم غرورهم إلى ~~أن يقولوا: { وما نحن بمعذبين } [سبأ: 35] لماذا؟ يقولون: ~~لأن الله ما كان ليعطينا هذا النعيم في الدنيا، ويضن علينا في الآخرة. ~~لكن نقول لهم: أنتم واهمون، ففرق بين عطاء الألوهية وعطاء الربوبية، ~~الله تعالى أعطاكم بعطاء الربوبية الذي يشمل الجميع المؤمن والكافر، ~~والطائع والعاصي، أما عطاء الألوهية فتكليف، فالله يعطيكم في الدنيا ~~بعطاء الربوبية، ويعاقبكم في الآخرة بمقتضى الألوهية. وهذه الحيثية منهم: ~~{ نحن أكثر أموالا وأولادا } [سبأ: 35] حجة عليهم لا ~~لهم، فمن أين لكم هذا الخير؟ ثم إن كثرة الأموال كان يجب أن تحملكم على ~~نواحي الخير، وكثرة الأولاد كان ينبغى أن تجعلوا منهم عزوة لكم على ~~الحق، إذن: كفركم بعد هذه النعم دليل على أنكم استخدمتموها في الباطل ~~وفي الظلم والطغيان. وما أشبه قولهم: { وما نحن بمعذبين } ~~[سبأ: 35] بقول صاحب الجنة: # ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي ~~لأجدن خيرا منها منقلبا # [الكهف: 36] وهذا بطر بنعمة الله وغرور بها، فليس بين الله تعالى وبين ~~أحد من خلقه قرابة ولا نسب، لينعم في الدنيا وينعم في الآخرة بلا عمل، ~~فهؤلاء فتنتهم المال، وفتنتهم الذرية لذلك يقول سبحانه محذرا: # يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم # [التغابن: 14]. والحمد لله أنه قال من، فهي تفيد التبعيض، يعني: ما ~~يزال في بعض ms8204 الأزواج وفي بعض الأولاد عنصر الخير موجود. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء... }. ### || [34.36] # أي قل ردا عليهم في اغترارهم بكثرة الأموال والأولاد: { إن ~~ربي يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر } [سبأ: 36] يبسط: ~~يوسع الرزق بكرمه، ويقدر: يعني: يضيقه على من يشاء بحكمته تعالى. ~~والرزق لازمة من لوازم الربوبية التي خلقت، والتي استدعت الإنسان ~~للوجود، فلا بد أن تضمن له مقومات حياته. لكن الرازق سبحانه لا يرزق ~~الناس جميعا بمسطرة يعني بالتساوي لأن الله تعالى يريد أن تكون ~~المجتمعات متعاونة متكافلة، ولو أن كل إنسان كان عنده ما يكفيه ما احتاج ~~أحد إلى أحد، وما حدث في المجتمع هذا الترابط وهذا الاتصال الجماعي. وسبق ~~أن أوضحنا أن ترابط المجتمع لا بد أن يكون ترابط حاجة، لا ترابط ~~تفضل، فلو فرضنا أننا جميعا تخرجنا في الجامعة، أو أخذنا الدكتوراة، ~~فمن يكنس الشوارع، ومن يمسح الأحذية؟ لو جعلنا هذه الأعمال تفضلا من ~~بعضنا ما قبلها أحد. وقلنا: إن الرجل المتعجرف أو المتكبر أو الباشا لو ~~عاد إلى بيته فوجد به رائحة كريهة فسأل فقالوا: المجاري بها كذا وكذا لا ~~شك أنه لن يهدأ له بال حتى تنتهي هذه المشكلة، وربما ركب سيارته، وذهب ~~بنفسه إلى السباك ليخلصه من هذه المشكلة. نقول في هذه الحالة: إن ~~السباك فاضل على الباشا في هذا الوقت، لأن الله أعطاه قدرة على نفسه لا ~~يملكها الباشا أو حامل الدكتوراة، وهذا السباك ما تحمل مثل هذا العمل ~~إلا لحاجته إليه وإلا ما قبله. لذلك أحسن الشاعر حين قال: # الناس للناس من بدو وحاضرة # بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم # وهذه الخدمة تقوم على التداول، فالحق سبحانه لم يجعل ذرية كلها خادمة، ~~وذرية مخدومة، إنما أنت خادم في شيء ومخدوم في شيء آخر، وهكذا كلنا خادم، ~~وكلنا مخدوم، ليعلم الإنسان أيا كان أنه ابن أغيار، وأن سيادته ليست ~~ذاتية فيه، فإن كان هو الأعلى عليه أن يقدر هذا العلو ويعمل له ليظل ~~على علوه، فإن ms8205 رأى الأدنى منه فلا يحقره، بل يقدر له مهمته في ~~خدمته، وأنه سيحتاج إليه في يوم ما في عمل لا يقدر هو عليه. لذلك يقول ~~تعالى: # والله فضل بعضكم على بعض في الرزق.. # [النحل: 71] كثيرون يظنون أن الرزق هو المال، إنما الرزق كلمة عامة ~~يراد بها كل ما ينتفع به الإنسان، والحق سبحانه فضل بعضنا على بعض في ~~هذه الأشياء، لكن أي بعض فضل؟ وأي بعض فضل عليه؟ أنت مفضل ~~فيما لك فيه موهبة، ومفضل عليه فيما لا موهبة لك فيه، وهكذا يتكاتف ~~المجتمع ويتكامل، ويرتبط ارتباط حاجة لا ارتباط تفضل. وتأمل قوله ~~تعالى: # فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ~~ونعمه فيقول ربي أكرمن # [الفجر: 15] وشكرا، وكثر الله خيرك أن نسبت الإكرام لربك # وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ~~ربي أهانن # [الفجر: 16] فيقول الحق كلا يعني: أنت كذاب في هذا القول لأن بسط ~~الرزق ليس دليلا على التكرم، ولا تضييقه دليل إهانة. وإلا كيف يكون ~~بسط الرزق دليل التكريم، والناس فيما يرزقون لا يكرمون به اليتيم، ~~ولا المسكين، ويأكلون التراث أكلا لما. # كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحآضون على ~~طعام المسكين * وتأكلون التراث أكلا لما * ~~وتحبون المال حبا جما # [الفجر: 18-20]. إذن: على الإنسان أن يتأدب مع الله فيما صنع لأن الله ~~يعلم كيف يرزق، وهو سبحانه يريد أن يجعل من الناس أسوة للناس، فالغني ~~الذي افترى بماله يبقيه الله حتى يرى فيه الفقير المفترى عليه، يرى ~~فيه عقاب الله ليعلم أن لله تعالى ألوهية، ولله تعالى قيومية، لا يفلت ~~الظالم من عقابها في الدنيا قبل الآخرة. وهذا المعنى خاطب الله به نبيه ~~فقال: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. ثم إن مسألة الرزق لا تتوقف على مهارة، أو شطارة، أو علم، ~~فهناك من سعى للرزق وزرع واجتهد، لكن عند الحصاد جاءته جائحة اجتاحت ~~زرعه فأهلكته، وكأن الحق سبحانه يقول لنا: إياك أن تفطن إلى ألوهية ~~الأسباب، وتغفل ألوهية المسبب. والرزق مقسوم ms8206 لصاحبه، وإن حمله غيره، ~~فالجنين في بطن أمه غذاؤه من تكوينها ومن دمها، لكن هذا الدم وإن حملته ~~الأم ليس رزقها، بدليل أنه إذا حدث الحمل توافر هذا الدم لغذاء الجنين، ~~فإن لم يحدث الحمل نزل منها هذا الدم في عملية الحيض، ولم تنتفع به ~~الأم، لماذا؟ لأنه ليس رزقها هي، وهذا يساعدنا في فهم قوله تعالى: # نحن نرزقهم وإياكم # [الإسراء: 31]. لذلك قالوا: ليس كل ما تملك رزقا لك، إنما رزقك ما ~~انتفعت به، فالشيء يكون في ملكك وفي حوزتك تظن أنه لك، ثم يضيع منك، أو ~~يسرق أو يؤمم أو تصيبه جائحة.. إلخ بل أكثر من ذلك قد يكون طعاما ~~وتأكله بالفعل، ويتمثل في جسمك دما يجري في عروقك، ثم يسيل منك بسبب ~~جرح، أو عملية جراحية مثلا: إذن: هذا الدم ليس رزقا لك. فالمؤمن ينبغي ~~أن يظمئن إذن إلى عملية الرزق، ويعلم أنها بقيومية الله التي ترزق ~~المؤمن والكافر، وأن الرزق مقسوم لك، مسمى باسمك، فلا يأخذه غيرك مهما ~~كان، فإن بسط لك فاحمد الله، وإن قتر وضيق عليك فاعلم أنها ~~بحكمة الله، واقرأ: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر 21]. ثم تختم الآية بقوله تعالى: { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون } [سبأ: 36] فالأكثرية لا يعلمون حكمة الله في ~~تفاوت الأرزاق، وهذا يعني أن قلة منهم هم الذين يعلمون، فاللهم اجعلنا ~~من هذه الأقلية. ثم يقول الحق سبحانه: { ومآ أموالكم ولا ~~أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من ~~آمن... }. ### || [34.37] # الكلام هنا موجه إلى الكفار الذين ظلموا بأموالهم وأولادهم، فمثل هذا ~~المال، ومثل هؤلاء الأولاد لا يكونون أبدا زلفى، ولا قربى إلى الله، لكن ~~إن استغل هذا في مرضاة الله وفي سبيل الله وفي أبواب الخير فهو من أعظم ~~القربات. المال ينفق منه في نواحي الخير، والأولاد يربون التربية ~~الصالحة ليكونوا أسوة خير في مجتمعهم، لذلك استثنى الله تعالى فقال: { ~~إلا من آمن وعمل صالحا } [سبأ: 37] أى: فيما أعطاه الله من ~~نعمة المال ومن ms8207 نعمة الأولاد. { فأولئك لهم جزآء الضعف ~~بما عملوا } [سبأ: 37] وهكذا فتح الله الباب للنعمة، حين تستغل في ~~مرضاة الله، فليس كل الأموال ولا كل الأولاد نعمة، فالمال قد يجر صاحبه ~~إلى الهلاك، ويلقي به في النار، والأولاد الذين ظننت أنهم لك عزوة ~~وقوة قد تنقلب هذه العزوة عليك. ورأينا كثيرا من الذين يبحثون عن هذه ~~العزوة في الباطل، لكن يريد الله أن يذلهم بما فتنوا، يذهب الرجل ~~مثلا فيخطب لولده بنت أحد الأعيان، أو الأغنياء، أو أحد أصحاب المناصب، ~~ويفرح بهذا النسب ويفخر به، لكن أضمنت أنك سترضي هذه البنت؟ وأنك لن ~~تختلف معها في يوم من الأيام لذلك كثيرا ما تنقلب هذه العزوة وهذا ~~الجاه على صاحبنا، فيذله الله من حيث ظن هو العزة والكرامة. وقوله ~~تعالى: { فأولئك لهم جزآء الضعف } [سبأ: 37] لا يأتي ~~الضعف إلا في جزاء الحسنة، أما السيئة فلا تضاعف، إنما يكون الجزاء ~~بمثلها، وهذا من رحمة الله تعالى بنا، وقال { الضعف } [سبأ: 37] ولم ~~يقل الأضعاف لأن الضعف اسم جنس يصلح للقليل وللكثير، ومن ذلك قوله ~~تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات # [العصر: 1-3] فاستثنى الذين وهي جمع من المفرد الإنسان لأنه اسم ~~جنس. والضعف أي: مضاعفة الحسنة، أو مضاعفة الصدقة، ومن معاني الضعف ~~أنك إذا وزنت الأصل الذي أنفقته وجدته ضعيفا بالنسبة لما أخذت عليه ~~من الجزاء. وليست المضاعفة هي نهاية العطاء عند الله لأن الحديث النبوي ~~الشريف أكمل هذه المسألة، فقال صلى الله عليه وسلم: # " الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ". # فالله تعالى يضاعف لمن يشاء على قدر النيات في العطاء والبذل، فواحد ~~يعطي وفي نفسه أنه أعطى وبذل من ماله ومن جهده، وآخر يعطي ويؤمن أنه مجرد ~~مناول عن الله، فالمال عنده مال الله، والعطاء من الله. ومن صور العطاء ~~ما تعلمناه من السيدة فاطمة، فروي أن سيدنا رسول الله دخل عليها ~~فوجدها تجلو درهما لها، فسألها رسول الله عنه فقالت: لأنني نويت أن ~~أتصدق به، وأنا أعلم ms8208 انه يقع في يد الله قبل أن يقع في يد الفقير. # ثم إن المتصدق بمجرد أن يخرج الصدقة من يده تخرج قيمتها من قلبه، ولا ~~يتتبعها، ولا تتعلق نفسه بها، أما حين يقرض قرضا، فإن نفسه لا تنساه ~~وتتعلق به، وكلما تحركت نفسه لطلب القرض صبر عليه، فكان له الثواب على ~~قرضه كلما صبر عليه. لذلك أثار المستشرقون ضجة حول مسألة الجزاء على ~~الصدقة وعلى القرض، وادعوا تضارب الآية والحديث في هذه المسألة، ففي ~~الحديث قال صلى الله عليه وسلم: # " مكتوب على باب الجنة: الحسنة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر ". # والحق سبحانه يقول: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له ~~أضعافا كثيرة.. # [البقرة: 245]. وبالجمع بين الاثنين يكون القرض حين يضاعف بعشرين لا ~~بثمانية عشر، والحمد لله فتح الله لنا ما أغلق من هذه المسألة، ~~فقلنا: لو أن رجلا تصدق بدينار مثلا، فالله يجازيه الحسنة بعشر ~~أمثالها، لكن هل أعاد إليه الدينا الذي دفعه؟ لا، إنما ذهب الدينار مقابل ~~العشرة، إذن: أخذ في الواقع تسعة، فحين تضاعف تساوي ثمانية عشر. نعود ~~إلى قوله تعالى: { إلا من آمن وعمل صالحا } [سبأ: 37] في ~~مواضع كثيرة من كتاب الله يجمع الله بين الإيمان والعمل الصالح، لماذا؟ ~~لأنهما جناحان لا يتم العمل إلا بهما معا، فالعمل الصالح بلا إيمان ~~هباء لا قيمة له كأعمال الكفار الخيرية التي يأخذون الجزاء عليها في ~~الدنيا شهرة وتكريما وتخليدا لهم، لكن لا نصيب لهم في ثواب الآخرة، ~~كذلك لا قيمة للإيمان إن لم يترجم إلى عمل صالح. { فأولئك } ~~[سبأ: 37] أي: الذين آمنوا وعملوا الصالحات { لهم جزآء الضعف ~~بما عملوا وهم في الغرفات آمنون } [سبأ: 37] الغرفات ~~جمع غرفة، وهي المكان الذى يبنى عادى أعلى البيت، وتكون خاصة للاستقرار ~~الذاتي، لذلك نرى حتى الآن في بناء الفيلات مثلا يجعلون الدور الأرضي ~~للاستقبال العام وللطعام، فإن أراد صاحب البيت أن يرتاح يصعد إلى الدور ~~العلوي الذي جعل للاستقلالية والخصوصية. وللإنسان خصوصيات، حتى داخل ~~بيته وبين أولاده، فإذا كان صاحب البيت ms8209 مثلا في غرفة نومه، فله الحرية ~~أن يلبس ما يشاء، أو حتى يجلس فيها عريانا، فإن أراد أن يخرج إلى الصالة ~~تهيأ لها وارتدى الملابس التي تناسبها، فإن أراد أن يخرج إلى الشارع ~~تهيأ أيضا له بما يناسبه منة ملابس، كذلك النادي، أو مكان اجتماع ~~القوم، لكل زي خاص وسمت خاص. ولهذه الاستقلالية والخصوصية جعل الناس ~~الآن غرفة للبنين، وغرفة للبنات، فإن لم تكن هناك سعة في المكان ~~جعلوا سريرا للولد، وسريرا للبنت. فالحق سبحانه يحفظ لعبده قدره، ~~ويحفظ له هذه الخصوصية، وهي خصوصية آمنة لا ينغص أمنها فزع { وهم ~~في الغرفات آمنون } [سبأ: 37]. ### || [34.38] # نقول: سعى فلان بفلان عند السلطان، يعني: بوشاية وبإفساد، وهؤلاء ~~سعوا في آيات الله ليصرفوا الناس عنها، ويشغلوهم عن سماعها. ومعنى: { ~~معاجزين } [سبأ: 38] مفردها معاجز، والمعاجزة مفاعلة يعني: واحد ~~يعاجز الآخر أي: يريد أن يعجزه، إذن: المعاجزة معركة، لكن إياكم أن ~~تظنوا أنها بين مؤمنين وكافرين، أو بين الرسل والمكذبين لهم، لا إنما ~~هي معركة عالية، فالذين يعاجزون يعاجزون الله في آياته ليبطلوها، ~~وليضعوا العقبات في طريقها، ومهما كان كيدهم فلن يعجزوا الله، ولن ~~يفلتوا منه سبحانه، كما قال تعالى: # ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان ~~قريب # [سبأ: 51]. وهنا يقول: { أولئك في العذاب محضرون } ~~[سبأ: 38] ومعنى محضرون أنهم يحضرون رغما عنهم، فهي اسم مفعول من حضر، ~~فهم يجرون ويشدون كالمقبوض عليهم، ومنها كلمة محضر وهو الذي ~~يحضر المتهم رغما عنه. ثم يقول الحق سبحانه: { قل إن ربي ~~يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له... }. ### || [34.39] # قلنا: يبسط يعني يوسع. ويقدر يعني: يضيق، وقد ورد هذا المعنى قبل ~~عدة آيات، لكن هنا يضيف لفتة جديدة، فيقول سبحانه بعدها مباشرة { ومآ ~~أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ~~} [سبأ: 39] وكأن الحق سبحانه يلفت أنظارنا إلى أن الخلق جميعا خلقه ~~وعباده، وهو قادر سبحانه أن يعطي الجميع، وأن يوسع على الجميع، لكن ~~يريد أن يتحاب الخلق، وأن يتكافل الناس لذلك وسع على بعضهم، ms8210 ~~وضيق على بعضهم، ثم أشار لمن وسع عليه ولوح له بجزاء الإنفاق، ~~لينفق على أخيه الذي ضيق عليه. وهذه الآية تعطينا ملخصا لاقتصاد ~~العالم كله لأن معنى الاقتصاد موازنة المصروفات بالواردات، فالمصروفات ~~لمصروف له، والواردات لوارد عليه، إذن: لا بد أن يكون في المكان ~~الواحد فئة تعطي وفئة تأخذ، لا بد أن يكون فيها فقراء وأغنياء، لذلك ~~الحق سبحانه لم يترك بسطة الغنى هكذا حرة، كذلك لم يترك تقتير الفقير، ~~بل جعل لهذا مبذلا، ولهذا مصدرا. فبعد أن أخبر سبحانه: { قل إن ~~ربي يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له ~~} [سبأ: 39] حكمها فقال: { ومآ أنفقتم من شيء فهو ~~يخلفه } [سبأ: 39] فالحق سبحانه يراعي مبدأ النفعية لصاحب المال، ~~ويراعب حب الأغنياء للمال لذلك يطمئنهم على أموالهم، ويتكفل هو سبحانه ~~بأن يخلفها لهم. والحق سبحانه بسط الرزق للأغنياء وهم يحبون المال ولكنه ~~يقول لهم: إذا أحلت على غنى فاتبع، يعني: إن كان لك دين عند فقير ~~فأحالك بدينك إلى غنى قادر على السداد فتحول لأنك لا تضمن متى سيوسع ~~الله على الفقير ليسدد ما عليه. وهكذا طمأن الله الأغنياء بأن ~~أموالهم لن تنقص بالإنفاق لأنها أحيلت إلى الله وتكفل هو بالسداد. لذلك ~~يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: # " ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت ~~فأبقيت ". # " ولما أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة تصدقت بها ~~السيدة عائشة، وأبقت لرسول الله كتفها لأنها تعلم أنه يحب الكتف، فلما ~~عاد رسول الله سألها: ماذا صنعت بالشاة يا عائشة؟ قالت: ذهبت كلها إلا ~~كتفها، فقال صلى الله عليه وسلم: " بل بقيت كلها إلا كتفها ". # لماذا؟ لأنه مال تحول إلى ذمة الله، وقد تعهد الله بأن يخلفه، وما ~~بالك إن كان الإخلاف من الله القائل: # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ~~ردوهآ # [النساء: 86]. وأنت حييت الله في الفقير بتحية فلا بد أن يردها ~~لك بأحسن منها، بل ويضاعفها لك أضعافا كثيرة بما يفوق الحصر ms8211 ~~والعد، ومثلنا لذلك بالحبة يزرعها الفلاح، فتعطي سبع سنابل، في كل ~~سنبلة مائة حبة، فإذا كان هذا عطاء الأرض المخلوقة لله تعالى، فما بالك ~~بعطاء الخالق عز وجل؟ فقوله تعالى: { فهو يخلفه } [سبأ: 39] يريد ~~سبحانه أن يطمئن الغني بأن ماله لن ينقص، ويطمئن الفقير بأنه لن ~~يتخلى عنه، ولن يتركه للفقر، بدليل أنه سبحانه اقترض من أجله، فقال ~~تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245] فالله يقترض من الخلق للخلق، وهو قادر سبحانه أن ~~يوسع على الجميع، إنما الهدف أن يتعايش الناس بوداد المعونة، وأن ~~يحب الغني الفقير، ولا يحقد الفقير على الغني. لذلك تختم الآية بقوله ~~تعالى: { وهو خير الرازقين } [سبأ: 39] قال سبحانه خير ~~الرازقين لأن الرازق: كل من يمد لك يده بما تنتفع به، وعليه فأبوك ~~بالنسبة لك رازق، والذي يعولك ويتكفل بك رازق، كذلك ربك عز وجل رازق، ~~لكن فرق بينهما، فأبوك رازق لأنه يأتي لك بالرزق، لكن إن سألته من أين ~~هذا الرزق يقول: من عند الله، فهو سبب ومناول، أما الحق سبحانه فهو خالق ~~الرزق لذلك قال { وهو خير الرازقين } [سبأ: 39]. وسبق أن ~~أوضحنا: إذا رأيت صفة مشتركة بين الخلق والخالق فاعلم أن الجهة ~~منفكة، فلكل ما يناسبه. إذن: حيثية الخيرية هنا أنه تعالى هو الرازق، ~~وهو خالق الرزق، وهو الذى ييسر لك أسبابه حتى يصل إليك. وقالوا: خيرية ~~الله في الرزق ناشئة من ثلاث مسائل: الأولى: أنه سبحانه لا يؤجل الرزق ~~لوقت الحاجة إليه، إنما خلقه لك قبل أن يخلقك، وأعد لك مقومات ~~الحياة قبل أن يستدعيك إليها. الثانية: أنه لا يحاسبك على ما رزقك. ~~الثالثة: لا يطلب منك ثوابا على ما وهبك. لهذا كله كان الحق سبحانه وما ~~يزال خير الرازقين، وتأمل مثلا فرعون لما ربى موسى عليه السلام امتن ~~عليه، فقال: # ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ~~سنين # [الشعراء: 18]. والمعنى: كان ينبغي عليك يا موسى أن تجاملنا، وتحفظ ~~جميلنا عليك، وألا تصادمنا هذا الصدام. ومثل ذلك قول الحق ms8212 سبحانه ~~وتعالى: # حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين # [يونس: 109]. وقوله تعالى: # .. فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. في هذه الآيات كلها، الحق - تبارك وتعالى - راعى مواهب ~~الخلق وقدر حركتهم الإيجابية في الحياة لذلك أثبت لهم صفة من صفاته ~~وهي الخلق، ومعنى الخلق إيجاد شيء لم يكن موجودا، فالإنسان ~~يعد خالقا حين يصنع من الرمل الكريستال مثلا: والحق سبحانه لا يضن ~~عليه فيسميه خالقا، لكن إن كان الإنسان خالقا، فالحق - سبحانه وتعالى ~~- أحسن الخالقين، لماذا؟ قالوا: حيثيات هذه الخيرية في عملية الخلق من ~~عدة وجوه: منها: أولا: أن الإنسان يخلق من مادة موجودة، أما الخالق ~~سبحانه فيخلق من لا شيء من العدم. ثانيا: صنعة الإنسان تظل على حالة ~~واحدة، فلا تنمو ولا تتكاثر، أما خلق الله ففيه حياة، فهو يتغذى ~~وينمو ويتكاثر.. الخ. ثم يقول الحق سبحانه: { ويوم يحشرهم ~~جميعا ثم يقول للملائكة... }. ### || [34.40-41] # المعنى: واذكر يوم يحشرهم جميعا، واليوم ظرف للحشر وللجمع يوم القيامة، ~~لكن لماذا يذكر رسول الله هذا اليوم؟ قالوا: هنا إشارة لسيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن الله لم ينسه وما تركه، ولا تخلى عنه، بدليل ~~أنه سينتقم له من أعدائه ومكذبيه في هذا اليوم، وكأن الله يقول له: ~~سترى ماذا سنفعل بهم، كما قال سبحانه في آخر المطففين: # هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 36]. وقوله تعالى: { ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } [سبأ: 40] معلوم أن ~~الكفار عبدوا آلهة كثيرة، فلماذا خص الملائكة هنا بهذا السؤال؟ قالوا: ~~لأنهم أعلى الأجناس التي عبدت من دون الله وأقربهم إلى الله لذلك ~~قالوا عنهم: بنات الله، فهم يظنون أن الملائكة لهم كلمة عند الله، ~~ويمكن أن يشفعوا لهم أو يدافعوا عنهم إن عبدوهم لذلك ذكر هنا الملائكة، ~~ولم يذكر الشجر والحجر الذي عبد من دونه سبحانه. لكن، لماذا وجه ~~السؤال للملائكة المعبودين، ولم يوجه للعابدين الذين أشركوا؟ لماذا ~~لم يوبخهم الله ويقرعهم على عبادتهم دون الله؟ قالوا: لأن الحق ~~سبحانه أراد أن يسمع المشركون من الملائكة أنفسهم ms8213 الرد: لتكون الحجة ~~عليهم أبلغ. يقول سبحانه للملائكة: { أهؤلاء } [سبأ: 40] المشركون ~~{ إياكم كانوا يعبدون } [سبأ: 40] فأول ردهم { قالوا ~~سبحانك } [سبأ: 41] يعني: تنزيه لك يا رب أن يعبد سواك { أنت ~~ولينا من دونهم } [سبأ: 41] يعني: نحن في ذلية عبوديتنا لك ~~يا رب أعز وأكرم من كونهم يعبدوننا { بل كانوا يعبدون ~~الجن } [سبأ: 41] يعني: ما عبدونا، إنما عبدوا الجن { أكثرهم ~~بهم مؤمنون } [سبأ: 41] فلماذا عبدوا الجن؟ ولماذا كان أكثرهم ~~يؤمن بالجن؟ الجن هو الجنس الذي يقابل الإنس، وسمي الجن لأنه مستور ~~عنا، يرانا ونحن لا نراه، كما قال تعالى: # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم # [الأعراف: 27]. والذين عبدوا الجن لم يعبدوهم جميعا، إنما عبدوا ~~الشياطين منهم، وعبدوهم لأنهم يطيعونهم، وأكثرهم كانوا بالجن مؤمنين، ~~لماذا؟ لأن الجن كانوا يسترقون السمع، فيلتقطون بعض الأخبار والحقائق، ~~ثم يوحونها إلى أوليائهم من شياطين الإنس فيأخذها هؤلاء ويخبرون الناس ~~بها على سبيل أنهم يعلمون الغيب، إلا أنهم كانوا يدسون في هذه الحقائق ~~الكثير من الباطل، ثم تأتي بعض الأحداث موافقة لما أخبروا به، فيفتن ~~الناس بهم، ويظنون أنهم يعلمون الغيب. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا... }. ### || [34.42] # قوله سبحانه { فاليوم } [سبأ: 42] أي: يوم القيامة { لا يملك ~~بعضكم لبعض } [سبأ: 42] أي: الملائكة ومن عبدوهم من المشركين ~~{ نفعا ولا ضرا.. } [سبأ: 42] فإن كانوا يظنون أنهم الملائكة، ~~وأنهم عباد مكرمون، وأن لهم منزلة عند الله لذلك سيشفعون لهم فأفهموهم: ~~أنكم لا تشفعون إلا لمن ارتضى ولا تشفعون ابتداء، بل تنتظرون أن ~~يؤذن لكم في الشفاعة، ثم أنتم أيها الملائكة تستحون أن تكونوا ~~شفعاء لمن عبد غير الله لأن إخلاصكم في عبوديتكم لله تعالى يمنعكم أن ~~تناصروا هؤلاء أو تشفعوا لهم. ومثل هذا الموقف شاهدناه مع سيدنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان الذين آمنوا بالله وكفروا برسالته ~~مقدمون عنده على من كفروا بالله، فعصبية محمد صلى الله عليه وسلم، ~~لربه أكثر من عصبيته لنفسه. وقوله تعالى: { ونقول للذين ~~ظلموا ذوقوا عذاب النار ms8214 التي كنتم بها تكذبون ~~} [سبأ: 42] هذه الآية من المواضع التي وقف أمامها المستشرقون يظنون أن ~~بها مأخذا على كلام الله، قالوا: القرآن يقول في سبأ { ذوقوا عذاب ~~النار التي كنتم بها تكذبون } [سبأ: 42] ويقول في ~~السجدة: # ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون # [السجدة: 20]. فهل كذب الكفار بالنار، أم كذبوا بالعذاب؟ ونقول: ~~منهم من كان يكذب بوجود النار أصلا، وهؤلاء قال الله لهم { ~~ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون } [سبأ: ~~42] لأن تكذيبهم منصب على النار، والاسم الموصول التى يعود إلى ~~النار. أما الذين آمنوا بوجود النار، لكن ينكرون أن يعذبوا بها قال ~~الله لهم # ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون # [السجدة: 20] لأن تكذيبهم للعذاب لا للنار لذلك جاء الاسم الموصول الذي ~~العائد إلى العذاب. ثم يقول الحق سبحانه: { وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات قالوا ما هذا... }. ### || [34.43] # معنى { يصدكم } [سبأ: 43] أي: يصرفكم { عما كان يعبد ~~آبآؤكم } [سبأ: 43] وهذا دليل على أن عبادتهم ما دون الله كان مجرد ~~تقليد للآباء، وهم بقولهم هذا لم يأتوا بجديد، فقد أخبر الله عنهم بهذا، ~~وهم ما يزالون في عالم الذر يوم أخذ عليهم العهد والميثاق: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون # [الأعراف: 172-173]. بعد أن قالوا في رسول الله قالوا في القرآن: { ما ~~هذآ إلا إفك مفترى } [سبأ: 43] الإفك: قلب الشيء عن ~~موضعه أو قلب الحقائق، ومن هنا سمي الكذب إفكا لأن الكذب أن تقول ~~قضية يناقضها الواقع، والصدق أن تقول قضية يؤيدها الواقع، فحين تقلب ~~الحقيقة فإنك تغير الواقع. ومن ذلك قوله تعالى: # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53] فالمؤتفكة هي القرى التي قلبها الله، وجعل عاليها سافلها، ~~ومنه أيضا قوله تعالى: # فأنى تؤفكون # [الأنعام: 95] يعني: كيف تصرفون عن الحق، وتقلبونه إلى الباطل. ~~وليتهم وقفوا في وصف القرآن عند ms8215 هذا الوصف، إنما زادوا { مفترى } ~~[سبأ: 43] أي: متعمد. ثم يقول تعالى: { وقال الذين كفروا ~~للحق لما جآءهم إن هذآ إلا سحر مبين } [سبأ: ~~43] معنى { إن هذآ } [سبأ: 43] ما هذا الذي جاء به محمد { إلا ~~سحر مبين } [سبأ: 43] وعجيب أن يصفوا ما جاء به محمد بالسحر لأن ~~السحر تخييل لأعين الناس، وليس ما يفعله الساحر حقيقة، إنما هو توهم لذلك ~~قلنا: هناك فرق بين السحر الذي جاء به السحرة وعصا موسى عليه السلام. ~~كان سحرهم كما قال تعالى: # سحروا أعين الناس # [الأعراف: 116] وقال # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66] مجرد تخيلات لا حقيقة. إنما لما ألقى موسى عصاه صارت ~~حية حقيقية، ولو لم تنقلب حية حقيقية ما خاف منها موسى، كما قال تعالى: # فأوجس في نفسه خيفة موسى # [طه: 67]. ولو لم تكن حية حقيقية ما آمن لموسى كبار السحرة، فالقرآن ~~يحكى عنهم أنهم بمجرد رؤيتهم لها قالوا: # آمنا برب هارون وموسى # [طه: 70] يعني المسألة ليست من موسى، إنما من الله. إذن: فأين ما جاء به ~~محمد من السحر؟ وإذا كان محمد ساحرا سحر المؤمنين به كما تقولون، فلماذا ~~لم يسحركم أيضا وتنتهي هذه المسألة؟ ومعلوم أنه لا خيار للمسحور مع ~~الساحر. إذن: هذا القول منهم كذب على سيدنا رسول الله وعناد ومكابرة لعدم ~~قبول الحق الذي جاء به. ثم يقول الحق سبحانه: { ومآ آتيناهم من ~~كتب يدرسونها ومآ أرسلنا... }. ### || [34.44] # كأن الحق سبحانه يسأل: من أين جاءوا بهذا الكلام، وبهذه الاتهامات، هل ~~آتيناهم كتبا يدرسونها، ويعلمون منها ذلك؟ ويجيب سبحانه { ومآ ~~آتيناهم من كتب يدرسونها } [سبأ: 44] كذلك { ومآ ~~أرسلنا إليهم قبلك من نذير } [سبأ: 44] يعني: رسول ~~يخبرهم بهذا. إذن: من أين جاءوا به؟ يقول سبحانه: { وكذب الذين ~~من قبلهم وما بلغوا معشار... }. ### || [34.45] # المعنى: أن ما قالوه في رسول الله، وفيما جاء به من الهدى تكذيب كما ~~كذب السابقون، فهو سنة متبعة وطبيعة في المرسل إليهم حين يأتي دين ~~جديد ليخرجهم عن طغيانهم واستبدادهم ويقضي على سيادتهم واستعبادهم للناس ~~لذلك ms8216 لا بد أن يصادموا الدين ويكذبوا الرسل، لتظل لهم وسائل ~~الطغيان ووسائل الفساد. فمعنى { وكذب الذين من قبلهم } ~~[سبأ: 45] الأمم السابقة الذين كذبوا إخوانك الرسل السابقين، فلست يا ~~محمد بدعا في ذلك. { وما بلغوا معشار مآ آتيناهم } ~~[سبأ: 45] يعني: الأمم السابقة التي كذبت رسلها ما بلغت في الرسالة ~~وفي المنهج والحجة والبينة معشار ما آتيناك ذلك لأن سيدنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جاء بالدين الوافي والمنهج الكامل الذي لا يمكن الاستدراك ~~عليه. أو: أن المعنى { وما بلغوا } [سبأ: 45] أي: كفار مكة الذين ~~كذبوا رسول الله { معشار مآ آتيناهم } [سبأ: 45] يعني: ما ~~آتينا الأمم السابقة من القوة، فالذين كذبوا الرسل من الأمم السابقة ~~كانوا أكثر قوة، وأكثر نفوذا، وأكثر حضارة من كفار مكة، وأين هم من عاد ~~وثمود وفرعون؟ واقرأ قوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * ~~الذين طغوا في البلاد # [الفجر: 6-11]. فأين قوة كفار قريش من قوة هؤلاء الذين يضرب بهم المثل ~~في: القوة، والبطش، والجبروت، والطغيان؟ ومع ذلك أصابهم من بأس الله ما ~~أصابهم. والمعشار أكثر من العشير، والعشير أكثر من العشر، فإذا أردت ~~العشرات تقول عشر، وإذا أردت المئات تقول عشير، وإذا أردت الآلاف ~~تقول معشار. وقوله تعالى: { فكيف كان نكير } [سبأ: 45] يعني: ~~انظر كيف كان أخذى للمكذبين، فلم أتركهم دون عقاب، إنما أخذتهم أخذ ~~عزيز مقتدر، ومعنى { نكير } [سبأ: 45] يعني: إنكاري عليهم بالتدمير ~~والعقاب، وإنكاري عليهم على قدر ما كانوا هم منكرين. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله ~~مثنى وفرادى ثم تتفكروا... }. ### || [34.46] # بعد أن أعطاهم الحق سبحانه درسا وعبرة بمن سبقهم من المكذبين يعود ~~ليخاطبهم من جديد، فيقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل } يعني: لهم { ~~إنمآ أعظكم بواحدة } [سبأ: 46] الوعظ ليس إنشاء حكم، إنما ~~هو تذكير بحكم سبق ونسيه الناس، فالواعظ يبين للناس أمورا يعرفونها ~~ويؤمنون بها من الدين، ms8217 لكم أنستهم الشهوات والغفلة هذه الأمور، فهو ~~مذكر بها، والعظة لا تكون إلا من محب لك حريص على مصلحتك. لذلك ~~فالحق - تبارك وتعالى - يعطينا نموذجا للوعظ في قصة لقمان حين يعظ ~~ولده: # وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يبني لا ~~تشرك بالله.. # [لقمان: 13]. ومعنى { بواحدة } [سبأ: 46] يعني: موعظة واحدة فيها ~~كل الآحاد، واستخدم السياق { إنمآ } [سبأ: 46] الدالة على القصر ~~يعني: لا أعظكم إلا بواحدة، ما هي؟ { أن تقوموا لله } [سبأ: 46] ~~يعني: إياك أن تقوم لشهوة نفسك، أو لسيادة تحافظ عليها، إياك أن تقوم ~~وأنت تريد الاستعلاء على هذا النبي، إنما يكون قيامك لله، يعني: تتجرد عن ~~هواك، وتتجرد عن شهواتك وعن تعصبك. وما دمت تتودد إليهم أن ~~يقوموا لله فلا بد أن لله تعالى مكانة في قلوبهم، وهو سبحانه في بالهم ~~بدليل: # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله قل الحمد لله # [لقمان: 25]. # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]. إذن: كانوا يؤمنون بأن الله تعالى هو خالقهم، وهو خالق ~~السماوات والأرض لأن هذه المسألة من الوضوح بحيث لا ينكرها منكر، مهما ~~بلغ من الكفر والإلحاد، لماذا؟ لأن مسألة الخلق لم يدعها أحد لنفسه ~~لأن الدعوى إنما تكون عند وقوع ليس بباطل يمكن أن يكون له رواج، لكن هذه ~~المسألة واضحة، لا لبس فيها، ومهما بحثوا فلن يجدوا خالقا لهم وللكون ~~من حولهم إلا الله لذلك يجادلهم بالمنطق في هذه المسألة فيقول: أنتم أمام ~~أمرين: إما إنكم خلقتم هذا الخلق، أو أنكم خلقتم من غير خالق. ~~فالأولى مردودة لأن أحدا لم يدع الخلق، والأخرى مردودة لأن أتفه من ~~السماء والأرض، وأتفه من الإنسان لا بد له من صانع يصنعه، فالحذاء ~~الذي تلبسه في قدميك، أليس له صانع؟ إذن: السماء والأرض والإنسان لا ~~بد أن لهم صانعا على قدر عظمهم، وكيف ينكرون هذه المسألة وهم ~~يعترفون بعضهم لبعض بأبسط الأمور، ويعرفون صاحبها ويفخرون به، ففلان كان ~~يئد البنات، وفلان كان عنده جفنة طعام يأكل منها كذا وكذا من الضيفان، ~~وفلان ms8218 كان أشجع العرب.. إلخ وكثر في شعرهم قولهم: أنا ابن فلان، وأنا ~~ابن فلان. إذن: مسألة الخلق هذه لا يجرؤ أحد منهم على أن ينكرها، وما ~~داموا يعترفون لله تعالى بالخلق، فعليهم أن يقوموا لهذا الإله الذي ~~أقروا له بالخلق، وأن يخلصوا في قيامهم له، فلا يكون في بالهم أحد ~~سواه، وعندها ثقوا تماما أنكم ستصلون بهذا القيام إلى الحق لأنه لا ~~يضبب الحق في عقول الباحثين فيه إلا هوى النفس، كما قاله سبحانه: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموت ~~والأرض # [المؤمنون: 71]. والقيام المراد هنا لا يشترط فيه الجماعة ولا ~~الجماهيرية لأنه قيام للتفكر، فينبغي أن يكون { مثنى ~~وفرادى.. } [سبأ: 46] مثنى: يعنى: اثنين اثنين، وفرادى: واحدا ~~واحدا. بحيث يختلي كل مع نفسه ليفكر في أمر محمد بواقعية وتجرد: ~~كيف كان بينكم، وكيف كانت سيرته وأخلاقه، وهل جربتم عليه كذبا، أو ~~سحرا، أو كهانة؟ وهل سبق له أن ادعى ما ليس له؟ هل رأيتم عليه قبل ~~بعثته علامة من علامات الجنون؟ { ثم تتفكروا ما بصاحبكم ~~من جنة } [سبأ: 46]. وهذا التفكر في حال رسول الله يحتاج إلى ~~موضوعية لذلك اختار أن ينفردوا به، إما مثنى مثنى، وإما فرادى، فالإنسان ~~حين يكون بمفرده، فلا يوجد له نظير ينهزم أمامه، ولا نظير يهيجه على غير ~~الحق، فرأيه في هذه الحالة يكون أقرب للصواب. والمنفرد إن تفكر وصل ~~إلى الحق لأنه لن يغش نفسه، ولن يخدعها، ولن يستكبر أن يعود للحق، إما ~~أن كانوا جماعة فلا بد أن يحاول كل منهم أن يثبت حجته، ولو اضطر ~~للكذب وللخداع كما نراهم في مثل هذه المواقف، كل يحلف أنه على الحق ~~وغيره على الباطل. فكأن الحق بهذه الطريقة في التفكير يحمينا ويعصمنا من ~~غوغائية الجماهيرية في الحكم، هذه الغوغائية التي نشاهدها مثلا في ~~المظاهرات، حيث يهتف كل بما يريد، فتختلط الأصوات، وتتداخل الهتافات، ~~فلا تستطيع أن تميزها. لذلك لما تكلم شوقي رحمه الله عن موقعة اكتيوم ~~بين كليوباترا وخصومها وقد هزمت فيها، إلا أن أبواقهم صورت ~~الهزيمة ms8219 على أنها نصر، وأخذت الجماهير الغوغائية تردد ما يقولون، ~~فقال شوقي: # اسمع الشعب ديون # كيف يوحون إليه # ملأ الجو هتافا # بحياتى قاتليه # أثر البهتان فيه # وانطلى الزور عليه # يا له من ببغاء # عقله في أذنيه!! # فالحق يعلمنا كيفية التفكر مثنى أو فرادى، ويحمينا من الغوغائية. ~~وهذه المسألة تأخذنا إلى اعتراض المستشرقين على قوله تعالى: # يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون # [الأنبياء: 110]. ووجه اعتراضهم: إذا كان الله تعالى يمتن علينا بعلم ~~ما نكتم، فما الميزة في علم الجهر، وكلنا يعلم الجهر؟ ونقول: الخطاب هنا ~~للجماعة، فالحق سبحانه يعلم ما تكتمون جميعا وما تعلنون، إن اختلطت ~~أصواتكم وتداخلت فهو يعلمها، ويرد كل صوت إلى صاحبه، وعلم الجهر ~~المختلط أعظم من علم المكتوم لأن المكتوم يمكن أن تكون له أمارات تدل ~~عليه، أما علم الجهر المختلط، فيصعب أن تميز بعضه من بعض. كذلك إن ~~كانوا مثنى مثنى، فالاثنان كما نقول: الرأي والرأي الآخر، ولو انهزم ~~أحدهما أمام الآخر فهزيمته مستورة لذلك دائما ما نسمع من يقول لخصمه: ~~أريد أن أجلس أنا وأنت على انفراد؟ لأنكما طرفا المسألة ولا يوجد طرف ~~ثالث يسبب لواحد منكما إحراجا، أو إذلالا، يتسبب في تغير مسلكك ~~أمامه. # ومعنى { أن تقوموا لله } [سبأ: 46] ليس القيام الذي يقابله ~~القعود، إنما من قام بالأمر يعني: فعله وأداه، وإن كان قاعدا، ومن ~~ذلك نقول: فلان يقوم بأمر فلان، أو فلان يؤدي وظيفة فلان. أي: يقوم بها. ~~ومعنى { ما بصاحبكم } [سبأ: 46] يعني: رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { من جنة } [سبأ: 46] جنون لأنهم قالوا على رسول الله أنه ~~مجنون، وعجيب منهم وهم أعرف الناس به، أن يصفوه بالجنون، وهم لم يروا ~~عليه علامة من علامات الجنون، ولم يصنع شيئا مخالفا لمجتمعه الذي عاش ~~فيه، بل كانوا قبل البعثة يقولون عنه: الصادق الأمين، فكما ظهر كذبهم في ~~قولهم ساحر، كذلك ظهر كذبهم في قولهم مجنون. ولو خلا الواحد منهم إلى ~~نفسه، ثم تفكر في شخص رسول الله لوصل بنفسه إلى الحق، ولو أدار ms8220 في عقله ~~هذه الاتهامات لوجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ منها، وما دام ~~منفردا في هذا التفكر، فلن يخجل أبدا أن يعود إلى الحق لأنه لن ~~ينهزم أمام أحد. وقد تناول القرآن الكريم كل افتراءاتهم على رسول الله، ~~وأظهر بطلانها، فقال تعالى: # إنه لقول رسول كريم * وما هو بقول شاعر ~~قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون # [الحاقة: 40-42]. وقال: # وما صاحبكم بمجنون # [التكوير: 22]. والحق - سبحانه وتعالى - هنا لم يذكر لنا نتيجة التفكر ~~والبحث مثنى وفرادى لأنه معلوم وواضح، إلا أنه قال عنه صلى الله عليه ~~وسلم: { إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد ~~} [سبأ: 46]. شيء آخر: هل آمن الناس كلهم برسول الله بعد أن سمعوا منه ~~قرآنا معجزا لنقول: إن القرآن هو المعجزة التي تثبت صدق الرسول؟ ~~نقول: لا، إنما منهم من لم يؤمن بعد أن سمع القرآن، ومنهم من آمن قبل ~~نزول القرآن، وبمجرد أن قال محمد: إني رسول الله. وأولهم السيدة خديجة، ~~والصديق أبو بكر، فما حيثية إيمانهم برسول الله؟ وما المعجزة التي ~~عرفوا بها صدقه؟ حيثيته ومعجزته عند هؤلاء سيرته صلى الله عليه وسلم ~~فيهم أولا، فهي كافية لأن يؤمنوا به إن قال: أنا رسول الله إليكم. أما ~~القرآن فهو معجزة وتحد لمن جحد. لذلك نرى سيدنا رسول الله يذكر قومه ~~بهذه السيرة بينهم ويتخذها حجة له، # " فلما بعث صعد إلى الصفا، ونادى في القوم، فلما اجتمعوا حوله قال: " ~~أرأيتم لو حدثتكم أن خيلا وراء هذا الوادي جاءت لتغير عليكم، أكنتم ~~مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك من كذب، فقال: " أنا رسول الله ~~إليكم " فقالوا لتوهم: أنت كذاب تبا لك، ألهذا جمعتنا؟ ". # " وروي في إسلام سيدنا عبد الله بن سلام، وكان أحد أحبار اليهود أنه ~~لما اطمأن قلبه للإيمان بعد ما رأى من أوصاف رسول الله التي ذكرت في ~~كتبهم، وتأكد أنه رسول الله ذهب إليه وقال: يا رسول الله لقد شرح الله ~~صدري للإيمان، وتعلم يا رسول الله أن ms8221 اليهود قوم بهت، فإذا أسلمت ~~قالوا في ما ليس في، فادعهم يا رسول الله، واسألهم عني، وسوف ~~أعلن إسلامي أمامهم بعد أن تسمع رأيهم في، وفعلا دعاهم سيدنا رسول ~~الله وسألهم: ما تقولون في ابن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا ~~وابن حبرنا، وجمعوا له كل أوصاف المدح، عندها قال ابن سلام: أما وقد ~~قالوا في ما قالوا: أشهد أنك رسول الله، فقالوا: بل أنت شرنا وابن ~~شرنا. فقال: ألم أقل لك يا رسول الله أنهم قوم بهت؟ ". # وتلحظ أن الذين صادموا رسول الله في أول البعثة، والذين اتهموه بالكذب ~~من أهله وأقرب للناس إليه، وعمه هو الذي قال له: تبا لك ألهذا جمعتنا؟ ~~وهنا موطن حكمة وحجة في بعثة سيدنا رسول الله، جعلها الله ليعلم الناس أن ~~مكانة قريش وسيادتها في الجزيرة العربية لم تكن هي التي صنعت رسالة محمد ~~ليسودوا بها العالم، فأعدى أعدائه كانوا من قريش، ولم يجد رسول الله ~~نصرة في مكة، إنما كانت نصرته في يثرب. لذلك سبق أن قلنا: إن الإيمان ~~بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، لا أن العصبية لمحمد هي التي خلقت ~~الإيمان به صلى الله عليه وسلم. ثم يقول الحق سبحانه: { قل ما ~~سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري... }. ### || [34.47] # الأجر: هو الجعل مقابل عمل، وهذه العبارة قالها كل الرسل، فقد علمهم ~~الله أن يقول الواحد منهم لقومه: # ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين # [الشعراء: 109] كأنه في طي هذا الأسلوب، أنه لو كان هناك تقييم منصف ~~لكنت أستحق أجرا على رسالتي ودعوتي لأنني أجلب لكم بالهداية نفعا ~~كبيرا لأنه ليس صفقة في هذه الدنيا الفانية، إنما نفعا باقيا في حياة ~~خالدة باقية. لكن الواقع أنني لا آخذ أجري منكم، إنما آخذه من الله لأن ~~العمل الذي أقوم به أكبر من أن تقوموه بثمن، والحق - سبحانه وتعالى - ~~هو الذي يقوم عملي، وأنا واثق أنه سبحانه سيعطيني { إن أجري ~~إلا على الله } [سبأ: 47]. ومعنى: { فهو لكم } [سبأ: ms8222 47] ~~يعني: إن كنت أخذت منكم أجرا، فسوف أعمل لكم بهذا الأجر، أو سيعود ~~جزاؤه عليكم. وسبق أن قلنا: إن كل الرسل قالوا هذه العبارة إلا رسولين ~~اثنين لم تأت هذه العبارة في سياق كلامهما، هما: سيدنا إبراهيم، ~~وسيدنا موسى عليهما السلام، مما يدل على أن هذه المسألة مبنية بحكمة ~~كبيرة عالية، فلماذا إبراهيم وموسى بالذات من بين كل الرسل؟ قالوا: لأن ~~سيدنا إبراهيم عليه السلام أول ما واجه المخالفين واجههم في عمه، فلما ~~صادمه عمه، ورفض دعوته اعتزله، واكتفى بأن يدعو له، وليس من المعقول أن ~~ينتظر أجرا من عمه لذلك لم تأت في كلامه مسألة الأجر هذه. كذلك موسى - ~~عليه السلام - كانت أول دعوته لفرعون، الذي قال له: # ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ~~سنين # [الشعراء: 18] يعني: إن كان يستحق أجرا على دعوته لفرعون، فسوف يستحي ~~أن يطلب منه الأجر، وقد تربى في بيته، وفي رعايته. وكلمة { قل ما ~~سألتكم من أجر } [سبأ: 47] تحتمل معنيين: أنني أخذت أجرا ~~وأعطيته لكم، أو أنا من الأصل لم أسألكم أجرا، ثم تختم الآية بقوله ~~تعالى: { وهو على كل شيء شهيد } [سبأ: 47] يعني شاهد ~~علينا جميعا، ويعلم ما قاسيته في سبيل دعوتكم إلى الحق، ويعلم ما ~~فعلتموه معي من عناد وتعنت، وهو سبحانه سيغلى أجري على قدر معاناتي ~~وما تحملته في سبيل هدايتكم، والأخذ بأيديكم إلى ساحته. وإذا كان ~~الإنسان إن عمل عملا لا بد أن يكون له حظ منه ومغنم ومنفعة، ~~فرسول الله لم يسألكم حتى الأجر على العمل، فبأي شيء تتهمونه بعد ذلك؟ ~~بعد ذلك أراد الحق سبحانه أن يوضح لنا أمرا يتعلق بالحق الذي جاء به ~~رسول الله، فالكفار كانوا يعترضون على شخص رسول الله، بدليل قولهم: # أءنزل عليه الذكر من بيننا.. # [ص: 8]، وقالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. فهم يعترفون بالقرآن ويعلمون أنه ذكر، وأنه لا غبار ~~عليه، المشكلة أنه نزل على هذا الرجل بالذات، ولم ينزل على واحد منهم من ~~عظماء ms8223 القوم لذلك أراد الحق سبحانه أن يقول إن إنزال مناهج الله للأرض ~~لا بد أن تنزل على مصطفى يصطفيه الله، لا مصطفى يصطفيه الخلق، فلا ~~معنى لقولهم: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. لذلك يرد الحق سبحانه عليهم بالحجة: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات # [الزخرف: 32]. وقال سبحانه: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]. ورحمة الله هي ما ينتفع به الناس، إما في الدنيا، وهذه ~~رحمة تشمل المؤمن والكافر، وإما رحمة في الآخرة، وهذه للمؤمن دون الكافر، ~~وهذه الرحمة الأخروية دائمة باقية في نعيم لا يفوتك ولا تفوته، فإذا كنت ~~أقسم لكم أرزاقكم ومعيشتكم في الحياة الدنيا، فكيف أكل إليكم اختيار ~~من يرحمكم في الآخرة؟ هل أقسم لكم الرحمة الموقوتة. وأترك لكم الرحمة ~~الباقية؟ ثم ينحو القرآن معهم منحى آخر بعد أن وعظهم وتودد إليهم، ~~فيقول سبحانه: { قل إن ربي يقذف بالحق... }. ### || [34.48-49] # لك أن تلحظ هنا حدة الأسلوب، خلافا للآيات السابقة التي كانت تعظهم ~~وتتودد إليهم، وكأن الحق سبحانه يقول لهم: لا تظنوا أننا سنظل نتودد ~~إليكم، أو أنكم الذين ستسيرون المراكب، فالدين سيظهره الله رغم ~~عنادكم، والحق سيعلو رغم كفركم. فقال سبحانه: { قل } أي: ردا عليهم { ~~إن ربي يقذف بالحق } [سبأ: 48] فبعد أن أعطاكم الفرصة، ~~وبعد أن طال تمردكم، فالآن ربي سيقذف بالحق، كما قال سبحانه في موضع آخر # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ~~زاهق ولكم الويل مما تصفون # [الأنبياء: 18]. والقذف: الرمي بشدة، وهي كلمة توحي بالعنف والقوة، ~~إن جاءت من البشر، فما بالك إن كان القذف من الله، والمقذوف من الله هو ~~الحق، والحق كما قلنا هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. والقذف لا بد ~~أن له غرضا وغاية، ومن أراد أن يقذف شيئا عليه أن يحدد المسافة ~~لقريب أم لبعيد، فإن كان لقريب فقلما يخطىء القاذف المقذوف، وإن كان ~~القذف لهدف بعيد فاحتمال الخطأ أكثر، وهكذا كلما بعدت المسافة ms8224 لأن ~~معنى القذف تحديد موضع لتصل القذيفة إليه، وتصيب الغاية المقصودة منها. ~~وعندما يكون الموضع قريبا، فالتغيرات التي ستطرأ عليه قليلة لأن زمن ~~وصول القذيفة إليه قصير، على خلاف الهدف إن كان بعيدا فهو عرضة لأن ~~يتغير، فتختلف مثلا زاويته بسبب الريح، أو الأعاصير أو خلافه لذلك نحتاج ~~في هذه الحالة إلى أجهزة وحسابات دقيقة تحسب بعد الهدف وقوة المقذوف، ~~وقوة الريح أي: تتصادم معه وغير ذلك من حسابات السرعة والزمن، كالذي يرمي ~~الطير مثلا وهو في الهواء، لا بد أن يغير نقطة التنشين لتناسب حركة ~~واتجاه الطائر. ولا أقدر على هذه العملية من علام الغيوب سبحانه، ~~الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض لذلك جاء الحق ~~سبحانه بالصفة التي تناسب الدقة في هذه العملية، فقال: { قل إن ~~ربي يقذف بالحق علام الغيوب } [سبأ: 48] فهو سبحانه ~~أولا يقذف بالحق، وقذيفته سبحانه لا تخطىء هدفا لأنه تعالى علام ~~الغيوب. والحق الذي يقذف الله به هو المنهج الذي أنزله من السماء يقذفه ~~لغاية وهي الرسالة، كما قال سبحانه: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]. إذن: القاذف هو الله، والمقذوف الحق، وهو الشيء الثابت ~~الذي لا يتغير، والغاية المقصودة هي وصول الرسالة إلى من اختاره الله ~~لها، وهذه العملية لا تخطىء لأن القاذف عالم بكل غيب يؤثر على مسار ~~المقذوف، فالحق لا بد أن يصل إلى صاحبه المختار له والمصطفى لحمله، ~~لا إلى سواه. لذلك هذه الآية ترد على هؤلاء الذين يقولون: إن الرسالة ~~أو الوحي أخطأ، فنزل على محمد بدل أن ينزل على فلان، فهذا تخبط لا سند ~~له. # وكلمة { الغيوب } [سبأ: 48] هنا تدل على كثرة المؤثرات التي يمكن أن ~~تعترض القذيفة، فتحول بينها وبين هدفها، وهذه المؤثرات لا يعلمها إلا ~~الله. فإن قلت: الفعل يقذف جاء في صيغة المضارع الدال على الحال ~~والاستقبال، يعني: أن الحق سبحانه عمله أنه يقذف بالحق إلى الرسل، فهل ~~قذفه إلى رسول الله؟ تأتي الإجابة في قوله تعالى في الآية بعدها: ms8225 { قل ~~جآء الحق.. } [سبأ: 49] يعني: قذفه بالفعل في صورة القرآن الذي نزل ~~على محمد الذي اختاره الله للرسالة ولحمل منهجه إلى خلقه لينظم به حركة ~~حياتهم، وإذا كان الحق الواضح الثابت قد جاء وظهر، والذي قذفه علام ~~الغيوب، فما موقف الباطل المقابل له؟ لا بد أنه يتراجع، ولا يستطيع ~~الصمود أمام قوة الحق. { وما يبدىء الباطل وما يعيد } ~~[سبأ: 49] فلا يبدىء في الأولى، ولا يعيد في الأخرى، يعنى: كما نقول: لا ~~في العير ولا في النفير لا يهش ولا ينش، هذا إذا كان للباطل وجود أو ~~ثبات، إنما الباطل ما هو إلا خيال بعيد في أذهان أصحابه لا وجود له. ~~والحق - سبحانه وتعالى - يعطينا صورة حسية للحق والباطل، فيقول سبحانه: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها.. # [الرعد: 17] يعني: كل واد يحوي من الماء على قدر اتساعه # فاحتمل السيل زبدا رابيا # [الرعد: 17]. والزبد هو القش والفتات الذي يحمله الماء، وهو تافه لا ~~نفع فيه، يأتي الهواء فيزيحه هنا وهناك، وتبقى صفحة الماء نقية لينتفع ~~الناس به. ومعنى رابيا: طافيا على السطح، وفي هذا إشارة إلى أن الباطل ~~لا نفع فيه، ولا بقاء له مهما علا، وأن وجوده كوجود هذا الغثاء، الذي ~~لا قيمة له، ولا فائدة منه. ثم يقول الحق سبحانه: { قل إن ضللت ~~فإنمآ أضل على نفسي... }. ### || [34.50] # نلحظ أنه صلى الله عليه وسلم نسب الضلال إن حدث إلى النفس، ولكنه صلى ~~الله عليه وسلم نسب الهداية إلى الله وإلى الوحي المنزل عليه لأن الله ~~إذا أنزل منهجا هاديا لإنسان مختار، ومجال الاختيار أن توجد بدائل ~~يختار العقل منها لأن العقل لا مهمة له في الأمر الواحد الذي ليس له ~~بديل، فمثلا: تقول أريد أن أسافر إلى الفيوم، فلا تجد إلا طريقا ~~واحدا، فلا عمل للعقل والاختيار هنا، لكن تقول: أريد أن أسافر إلى ~~الإسكندرية، فتجد طريقين: الزراعي وصفته كذا وكذا ومميزاته كذا وكذا، ~~والصحراوي وصفته كذا ومميزاته كذا. والله تعالى خلق كونه كله مختارا، ~~إلا في الأمور القضائية ms8226 القدرية، فقد جعلها الله قهرية لا اختيار ~~للإنسان فيها لأن تدخله فيها يفسدها. ولا تظن أنك وحدك مختار في ~~الكون، فكل ما حولك من السماء والأرض مختار أيضا، إلا أن السماء ~~والأرض والجبال اختاروا مرة واحدة، ثم سحبوا اختيارهم الكلي على كل ~~الجزئيات التي تأتي بعد، واقرأ في ذلك قوله تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. فالجمادات اختارت من البداية أن تكون مقهورة لله عز ~~وجل، وأبت تحمل هذه الأمانة، أما الإنسان فتحملها وقال: أستطيع بعقلي ~~أن أختار بين البدائل، وفاته أنه أدرك وقت التحمل، ولم يدرك وقت ~~الأداء، وما يطرأ عليه من عوارض وشهوات ووسوسة شيطان.. إلخ لذلك وصفه ~~الحق سبحانه بأنه كان ظلوما جهولا، يعني: ظلوما لنفسه، جهولا ~~بالعواقب. والمنهج الذي وضعه الحق سبحانه منهج عام، وضع للمؤمن وللكافر، ~~فالله هدى ودل الجميع إلى طريق الخير، وترك الجميع مختارا، فمنهم من ~~اختار شهوات نفسه في الدنيا، ورأى أن يتمتع بها، ويحدث ما يحدث بعد ذلك، ~~ومنهم من تأمل هذا المنهج، فوجده من مطاع بمعجزة، وهذه المعجزة خرقت ~~نواميس الكون، فهو - إذن - منهج من عليم قادر وإله أعلى، اختار هذا ~~المنهج لصلاح الخلق. والإنسان عموما يحب الخير لنفسه، لكن يختلف الناس ~~في فهمهم للخير لذلك يقول سبحانه: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # [الإسراء: 11]. ويقول سبحانه: # سأوريكم آياتي فلا تستعجلون # [الأنبياء: 37]. وكأن الحق سبحانه يقول للإنسان: لا تعجل في دعائك، ~~وارض بما اختاره لك لأن حكمك وفهمك للخير على قدر علمك بالخير، لكن ~~أعلم منك به، وأعلم منك باستقبالك لهذا الخير وأثره فيك. لذلك قلنا: إننا ~~نسمع كثيرا من يقول: أنا أصلي وأسير على منهج الله، ومع ذلك دعوت فلم ~~يستجب لي، نقول: لأنك دعوت بالخير بفهمك أنت للخير، لكن ربك أعلم منك ~~بالخير لك لذلك لم يجب دعاءك. # وكثيرا أيضا ما نسمع أما تدعو على ولدها الوحيد في ساعة غضب تقول: ~~إلهي ms8227 أشرب نارك، إلهي يجيينى خبرك بالله، لو أن الله أجاب دعاءها، ماذا ~~كانت تقول في ربها؟ إذن: عدم إجابة الله لك فيما تدعو أحيانا هو عين ~~الخير لك، لأنه يعلم حمق دعائك، وهو رب لا يرضى لك بآثار هذا الحمق لذلك ~~يعدل لك ما أخطأت فيه. أمر آخر في هذه المسألة، فقد يكون الدعاء بخير ~~حقيقي، لكن جاء هذا الدعاء من غير مضطر، إنما جاء كما نقول بغددة، والحق ~~تبارك وتعالى وعد بإجابة المضطر إذا دعاه، فقال سبحانه: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه # [النمل: 62] فلو كنت مضطرا لأجابك لأن المضطر استنفد كل الأسباب ~~الموهوبة له من الله، وعجزت قوته، فلجأ إلى الله المسبب سبحانه، ~~وأغلبنا يدعو الله عن غير اضطرار. إذن: حين لا يجاب دعاؤك، فاعلم أنه ~~دعاء بشر تظنه أنت خيرا، والخير في ألا يجيبك الله، أو أن دعاءك عن ~~غير اضطرار. نعود إلى كلامنا عن المنهج الذي وضعه الله لهداية الناس ~~جميعا، ونقول: الذي آمن بهذا المنهج واهتدى به يعينه الله ويزيده هداية، ~~كما قال سبحانه: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17] والذي انصرف عنه وضل كذلك يزيده الله من الضلال، ويختم على ~~قلبه، بحيث لا يدخله إيمان، ولا يخرج منه كفر، ذلك لأنه تعالى رب يعين ~~عبده على ما أحب، ويزيده مما يريد. إذن: طالما هناك اختيار في قبول ~~المنهج فلا بد أن توجد هداية، ويوجد ضلال، الهداية تجلب الخير ~~والثواب، والضلال يجلب الشر والعقاب، هنا الحق سبحانه يوضح لنا أن ~~الضلال ينسب إلى النفس، أما الهداية فتنسب إلى الله وإلى منهجه، وقد ~~قال سبحانه في موضع آخر: # مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن نفسك # [النساء: 79]. وقال سبحانه قبلها: # قل كل من عند الله # [النساء: 78] لماذا؟ لأنه سبحانه جعل الطريقين ودل الجميع، فإن نظرت ~~إلى الفعل فالله هو الذي أمدك، كما قال سبحانه: # كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك وما ~~كان عطآء ربك محظورا # [الإسراء: 20]. فالله أعطاك مثلا اللسان تنطق ms8228 به كلمة التوحيد، أو تنطق ~~به كلمة الكفر والعياذ بالله، فاللسان لم يعصك، لا في هذه ولا في تلك، ~~فمن الذي أعطاك حرية الاختيار؟ الله، لذلك قلنا: لم يكفر كافر قهرا عن ~~الله، أما عدم رضائه عنه، فهذا موضوع آخر. لذلك قلنا: الرجل الذي أعطى ~~لابنه جنيها مثلا - وهو قوة شرائية - وقال له: اذهب إلى السوق واشتر ~~به ما تريد، لكن يرضينى أن تنفقه في شيء نافع، فالذي أعطاه القوة ~~الشرائية أبوه، والذي ترك له الخيار أبوه، وهو قادر أن يحجر عليه ويسلبه ~~هذه القوة، وهذا هو الاختيار. # كذلك الحق - تبار ك وتعالى - يريد أن يذهب الإنسان إليه وهو مختار، وهو ~~قادر ألا يذهب، يريد أن يذهب العباد إليه عن حب، وعن رغبة، وعن إيمان، ~~لا عن قهر وجبروت لأنه سبحانه - كما سبق أن قلنا - يريد قلوبا تخشع، ~~لا قوالب تخضع. فقوله تعالى: { قل إن ضللت } [سبأ: 50] يعني: أنا ~~وأنتم سواء في هذه المسألة لأن الضلال نتيجة للسيئات التي تقترفها النفس، ~~فهي سبب الضلال { قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي } ~~[سبأ: 50] أما الهداية فمن الله لأنها بسبب منهج الله { وإن ~~اهتديت فبما يوحي إلي ربي } [سبأ: 50]. لكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم متفق وأمته في نسبة الضلال إلى النفس، لكن يختلف عنهم في ~~الهداية { وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي } [سبأ: 50] ~~فالهداية جاءته صلى الله عليه وسلم من الله مباشرة قبل أن يبعث له ~~رسولا بالرسالة، وقبل أن ينزل عليه وحتى السماء، أما هداية الأمة ~~فبواسطة الرسول الذي يبلغ منهج الله ويأتي بالمعجزة. فهداية رسول الله ~~كانت بداية لما اختاره الله رسولا على هذا الوضع من الهداية، ثم أنزل ~~عليه المنهج لهداية الأمة. وقوله تعالى: { إنه سميع قريب } ~~[سبأ: 50] سميع أي: يعرف مطلوبي، ويسمع مني كل نفس، وهو سبحانه مع سمعه ~~قريب مني لا يبطىء علي في الإجابة لأن الفعل من الله تعالى لا يحتاج إلى ~~علاج ومزاولة، إنما الفعل من الله بكن. ثم يرجع الحق سبحانه إلى رسوله ms8229 ~~صلى الله عليه وسلم ليسليه: { ولو ترى إذ فزعوا فلا ~~فوت... }. ### || [34.51] # قوله تعالى: { ولو ترى } [سبأ: 51] أسلوب شرط ورد عدة مرات في ~~القرآن الكريم، وتلحظ أن السياق لم يذكر له جوابا، واقرأ: # ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم # [سبأ: 31]. # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيت ربنا.. # [الأنعام: 27]. فالجواب هنا محذوف لأنه معلوم من السياق، فالتقدير هنا: ~~ولو ترى يا محمد إذ فزعوا يوم القيامة أرأيت شيئا عظيما وأمرا عجيبا ~~يريح قلبك، وينتقم لك جزاء ما كذبوك وعاندوك، وقد ورد هذا المعنى ~~أيضا في قوله تعالى: # هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 36]. فالذين طغوا وتجبروا في الدنيا، وصادموا كلمة الحق، ~~وكانوا عتاة وفراعنة تراهم في الآخرة حين يصيبهم فزعها بسابس قططا ~~وأرانب. ومعنى { فلا فوت } [سبأ: 51] لا مهرب ولا نجاة لهم لأن ~~الإنسان قد يفزع ويخاف من شيء، لكن يستطيع الهرب منه، أو ربما ينقذه أحد، ~~أما هؤلاء فسوف يفزعون دون منقذ ودون مهرب ولا مفر، وهذا يشفي صدرك وصدور ~~المؤمنين الذين أوذوا معك في سبيل نشر دعوة الحق. فكما وقفوا في وجه دعوة ~~الله سيقفون يوم القيامة موقف الذلة والمهانة، وتأمل: # موقوفون عند ربهم # [سبأ: 31] # وقفوا على النار # [الأنعام: 27] # وقفوا على ربهم # [الأنعام: 30] يعني: ينتظرون أن يؤذن لهم ليروا ماذا سيقول شفعاؤهم ~~الذين عبدوهم من دون الله، لكن يفاجأون بأن شفعاءهم وكبراءهم يسبقونهم ~~إلى النار، ويتقدمونهم إلى العذاب كما تقدموهم في الضلال. لذلك يقول ~~سبحانه: # ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا # [مريم: 69] وقال عن فرعون: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ~~وبئس الورد المورود # [هود: 98]. وهكذا ييئسهم الله من النجاة لأنهم كانوا ينتظرون هؤلاء ~~الشفعاء وهؤلاء الرؤساء ليدافعوا عنهم، فإذا بهم يتقدمونهم إلى العذاب. ~~وهذه الوقفات التي ذكرناها للكفار يوم القيامة، كل وقفة منها لها ذلة، ~~وكل وقفة لها فزعة، وكل وقفة عذاب في حد ذاتها، وكأن الحق سبحانه ~~يقول لنبيه: لو رأيت وقفاتهم وفزعهم لشفى غليلك، ms8230 ولعلمت أننا استطعنا ~~أن نجازيهم بما يستحقون. وسبق أن مثلنا لهذا الموقف بواحد فتوة أو ~~فاقد يذل أهل بلده ويخيفهم، فالكل يخافه ويجامله ويتقي شره، وفي ~~إحدى المرات قبضت عليه الشرطة وساقوه في السلاسل، فترى أهل البلدة فرحين ~~يتغامزون به، ونسمع فعلا في مثل هذا الموقف من يقول لو شفت اللي حصل ~~لفلان، والمعنى: رأيت أمرا عجيبا لا يتخيل في الذهن. ومعنى: { ~~وأخذوا } [سبأ: 51] أهلكوا { من مكان قريب } [سبأ: 51] ~~هو موقف القيامة ومكان الحساب، يعني: لم يترك لهم الحق سبحانه بحبوحة، ~~إنما أخذهم من الحساب إلى النار. ثم يقول الحق سبحانه: { وقالوا ~~آمنا به وأنى لهم التناوش... }. ### || [34.52] # سبحان الله، فبعد أن فعلوا برسول الله وأتباعه ما فعلوا، وبعد أن ~~فزعوا وحاق بهم العذاب يعلنون الإيمان ويقولون { آمنا به } [سبأ: ~~52] وما أشبه هذا بإيمان فرعون لما أدركه الغرق # قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل وأنا من المسلمين # [يونس: 90] فرد الله عليه # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين # [يونس: 91] يعني: هذا وقت لا ينفع فيه إيمان. وهنا يرد الحق عليهم ~~إيمانهم، فيقول: { وأنى لهم التناوش } [سبأ: 52] أي: تناول ~~الإيمان { من مكان بعيد } [سبأ: 52] كلمة أنى يعني: كيف لهم ~~الإيمان الآن، وهم في موقف الموت أو البعث، فقد كان الإيمان قريبا منهم ~~في الدنيا، أما الآن أبعد ما يكون عنهم. لذلك استخدم السياق أداة ~~الاستفهام أنى ولها معنيان: بمعنى كيف الدالة على التعجب يعني: هذا ~~أمر غريب وعجيب منهم، وتأتي أنى بمعنى من أين كما جاء في قول سيدنا ~~زكريا للسيدة مريم: # كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا قال يمريم أنى لك هذا # [آل عمران: 37]. يعني: من أين لك هذا الرزق؟ لذلك ينبغي لولي الأمر أن ~~يتعلم من هذه الآية إذا رأى عند أهله شيئا لم يأت لهم به أن يسألهم ~~من أين جاءوا به، وكيف وصل إلى بيته، وهذا احتياط واجب لأن هذا الشيء قد ~~يكون تسللا أو استمالة إلى معصية. وترد السيدة ms8231 مريم على هذا السؤال # قالت هو من عند الله # [آل عمران: 37] ثم تذكر حيثية ذلك # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37] يعني: إياك أن تحسب المسائل بقدرتك، فتقول: من أين أتتك ~~فاكهة الصيف في الشتاء، أو فاكهة الشتاء في الصيف؟ لأن هذا عطاء الله ~~وقدرته. وكأن هذا القول من السيدة مريم قد نبه سيدنا زكريا إلى قضية غفل ~~عنها، فهزته هذه الكلمة # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37]. عندها قال في نفسه إذن: لماذا لا أدعو الله أن يرزقني ~~الولد بعد أن بلغت من الكبر عتيا وامرأتي عاقر، فعطاء الله لا يخضع ~~للأسباب # هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ~~ذرية طيبة إنك سميع الدعآء # [آل عمران: 38]. وهكذا استفاد سيدنا زكريا من هذه القضية العقدية التي ~~نبهته لها السيدة مريم، وفعلا استجاب الله له وأعطاه ولدا، بل أكد ~~ذلك بأن سماه له # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ~~أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من ~~الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين # [آل عمران: 39]. وهذا تسجيل للبشرى وتأكيد لها، ومن ذلك ما روي عن ~~سيدنا أبي بكر، فقبل أن يموت أوصى السيدة عائشة بخصوص الميراث من بعده، ~~فقال لها: إنما هما أختاك وأخواك. # في وقت لم يكن لها إلا أخوان هما: عبد الرحمن ومحمد، وأخت واحدة هي ~~السيدة أسماء، لكن بعد موت الصديق ولدت زوجته بنت خارجة بنتا ~~فصدقت وصية الصديق، وهو - رضي الله عنه - لم يكن علم الغيب، إنما ~~علم، وأنطقه الله بذلك، لأنه لا يعلم ما في الأرحام إلا الله، فلا احد ~~يعلم ما في الأرحام بذاته، إنما يعلم من الله. وقد ورد عن سيدنا رسول ~~الله أنه قال لأهل المدينة: # " المحيا محياكم، والممات مماتكم " # فبين صلى الله عليه وسلم أنه سيموت في المدينة، والله تعالى يقول: # وما تدري نفس بأي أرض تموت # [لقمان: 34]. فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم غيبا، إنما ~~علم الغيب من علام ms8232 الغيوب سبحانه لذلك لا نقول فلان عالم غيب، إنما ~~معلم غيب. لذلك كثيرا ما نرى بعض أهل الصلاح أو الذين كشف الله عنهم ~~الحجاب يرى السيدة الحامل فيقول لها سم هذا الولد محمدا، وفعلا تلد ~~ولدا، وتسميه محمدا، هذا تسجيل للبشرى وإلهام من الله وتعليم لمن ~~اختارهم الله لهذا العلم. والناس حين يسمون يختارون الاسم الذي يتفاءل ~~به، فيقولون: سعيد، ذكي.. إلخ تفاؤلا أن يكون الولد بالفعل سعيدا أو ~~ذكيا، لكن أتملك أن يكون الاسم على مسماه؟ لا لا أحد يملك أن يكون ~~ولده كما يريد، لكن إذا كان المسمى هو الله سبحانه فهو وحده القادر على ~~تحقيق المسمى. لذلك لما وهب لسيدنا زكريا الولد وسماه يحيى لم يفطن ~~الناس إلى هذه التسمية، وأنها من الله تعني أن هذا الولد سيحيا ولا يموت، ~~فالله سماه يحيى ليحيا، وفي هذه التسمية إشارة إلى أنه سيموت شهيدا، ~~فتتصل حياة الدنيا بحياة الشهادة، ولو فطن قاتلوه إلى هذا المعنى ما ~~قتلوه. لذلك لما ذهبنا لزيارة قبر سيدنا حمزة قلنا هناك: # أحمزة عم المصطفى أنت سيد # على شهداء الأرض أجمعهم طرا # وحسبك من تلك الشهادة عصمة # من الموت في وصل الحياتين بالأخرى # وهذه القضية العقدية التي استفاد منها سيدنا زكريا فطلب من الله الولد، ~~استفادت منها السيدة مريم بعد ذلك حين حملت بلا ذكورة، فتذكرت # إن الله يرزق من يشآء بغير حساب # [آل عمران: 37] فاطمأن قلبها. فكلمة أنى في قوله تعالى: { وأنى ~~لهم التناوش من مكان بعيد } [سبأ: 52] هى بمعنى كيف، ~~ومثلها قول السيدة مريم لما بشرت بعيسى: # أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر # [مريم: 20]. ومثل قوله تعالى: # أنى يحيي هذه الله بعد موتها # [البقرة: 259] فالسؤال هنا عن كيفية الإحياء، وهي مسألة لا تقال إنما ~~تشاهد، ألم نقرأ قول سيدنا إبراهيم: # رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260]. وللمستشرقين اعتراض على هذه الآية. يقولون: كيف يخاطب ~~الله أبا الأنبياء إبراهيم ويقول له: # أولم تؤمن # [البقرة: 260] ويقول ms8233 هو # بلى ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260]، وهل الإيمان إلا اطمئنان قلب إلى عقيدة ما؟ ونقول: ~~الإيمان خلاف الاطمئنان هنا، فالإيمان بأن الله يحيى الموتى موجود عند ~~إبراهيم، فهو لم يسأل: أيوجد إحياء للموتى من الله أم لا يوجد لأنه يؤمن ~~بقدرة الله على إحياء الموتى، إنما يسأل عن كيفية ذلك، فالاطمئنان ~~المقصود على الكيفية، بدليل أن الله تعالى أظهر له آية عملية وتجربة ~~حسية في مسألة ذبح الطير لأن الكيفية كما قلنا لا تقال إخبارا إنما ~~تشاهد. فالحق سبحانه ينكر على الكفار تناولهم للإيمان في هذا الوقت { ~~وأنى لهم التناوش من مكان بعيد } [سبأ: 52] التناوش ~~تناول الشيء بيسر، وهم يريدون تناول الإيمان في آخر لحظة، وبعد فوات ~~أوانه وضياع فرصته، يريدون إيمانا بلا تكاليف، وأنى لهم ذلك، وهم ~~أبعد ما يكونون عن الإيمان، لأن محل الإيمان في الدنيا، فهذا القول منهم ~~أشبه بقول أصحابهم الذين قالوا: # ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا ~~نعمل # [فاطر: 37]. ثم يقول الحق سبحانه: { وقد كفروا به من قبل ~~ويقذفون بالغيب... }. ### || [34.53] # يعني: عرض عليهم الإيمان وهم في بحبوحة الدنيا وسعتها، فكفروا به، ~~والدنيا هي محل الإيمان ومحل التكاليف والأوامر والنواهي، فلما وقفوا ~~موقف الموت أو البعث تمنوا الإيمان وقالوا آمنا وهم في هذا { ~~يقذفون بالغيب من مكان بعيد } [سبأ: 53] يعني: يتكلمون ~~بالظن فيما لا علم لهم به، يريدون أن يصلوا إلى غرضهم، وهو أن ينجوا ~~من العذاب، لكن يأتي هذا القذف بالظن أيضا من مكان بعيد، يعني في غير ~~محله، وفي غير وقته، والقرآن هنا أثبت لهم قذفا، كما أثبت للحق سبحانه ~~قذفا # قل إن ربي يقذف بالحق # [سبأ: 48]، لكن شتان بين الاثنين. قذف هؤلاء من مكان بعيد، والقذف ~~من بعيد قذف لا يصيب الهدف، وهم في قذفهم لا يعلمون الغيب، ولا ~~يعلمون المؤثرات التي تؤثر على المقذوف، أما الحق سبحانه فيقذف وهو ~~سبحانه علام الغيوب الذي لا يغيب عن علمه شيء. ### || [34.54] # نقول: حلت بين الخصمين يعني: فصلت بينهما، وجعلت بينهما حائلا ~~ومانعا ms8234 من الاشتباك حتى لا يبلغ كل منهم أشده في المعركة، أو ينال ~~مراده من خصمه، فالحق - سبحانه وتعالى - جعل حائلا ومانعا بين هؤلاء ~~وبين ما يشتهون. والاشتهاء طلب شهوة النفس من غير ارتباط بمنهج، لكن ما ~~الذي كان يشتهيه الكفار؟ كانوا يشتهون أن يطمسوا دعوة الحق، فلم ~~يمكنهم الله من طمسها، كما قال سبحانه: # يريدون أن يطفئوا نور الله بأفوههم ويأبى ~~الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكفرون # [التوبة: 32]. وقال سبحانه: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # [الصف: 9]. وهم يشتهون انطماس الدعوة لتبقى لهم سيادتهم التي نهبوها على ~~حساب الضعفاء، ولتظل لهم المكانة والتصرف، كذلك يشتهون انطماس الدعوة ~~حتى لا تقف مناهج الله عقبة أمام شهوات نفوسهم. ومعلوم أن الإنسان تحاربه ~~نفسه قبل أن يحاربه الشطيان، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~رمضان: # " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت ~~الشياطين " # ومع ذلك تحدث في رمضان ذنوب وجرائم. إذن: هذه الذنوب وهذه الجرائم ليست ~~عن طريق الشيطان، إنما من طريق النفس، كأن الله تعالى يريد أن يفضح ~~العاصين الذين يتهمون الشيطان، ويلقون عليه تبعة كل ذنوبهم. إذن: ليس ~~الشيطان وحده هو وسيلة الضلال والغواية، إنما هناك النفس الأمارة ~~بالسوء. وسبق أن أوضحنا كيفية التفريق بين المعصية من طريق الشيطان ~~والمعصية من طريق النفس، وقلنا: إذا وقفت أمام معصية بعينها لا تتحول ~~عنها مهما عزت عليك أسبابها، فاعلم أنها من شهوات النفس لأن النفس ~~تريد شيئا بعينه، أما الشيطان فإن عزت عليك معصية أخذك إلى أخرى، ~~المهم أن تعصي الله على أي وجه، وبأية طريقة. فقوله تعالى: { وحيل ~~بينهم وبين ما يشتهون } [سبأ: 54] دل على أن المسألة ~~بالنسبة لهم كانت شهوة نفس، لا مدخل للشيطان فيها، لماذا؟ لأنهم كفروا ~~بالله وفرغ الشيطان منهم، وإلا ماذا يريد منهم بعد ذلك، فلم تبق إلا ~~شهوات النفس فاشتهوا أن يطمسوا الدعوة، وأن يذلوا من آمن ويجعلوه ~~عبرة لمن يفكر في ms8235 الإيمان، لكن حال الله بينهم وبين ما أحبوا، وسارت ~~الدعوة على خلاف ما اشتهوا، فمن ذل وضرب وأهين من المؤمنين ثبت على ~~إيمانه، ومن كان يفكر في الإيمان لم يرهبهم، ولم يخف مما فعلوه ~~بإخوانه المؤمنين. فإن قلت: كيف أسلم الله المؤمنين الأوائل لأن ~~يعذبهم الكفار، وأن يهينوهم ويخرجوهم من أرضهم؟ نقول: كان هذا لحكمة ~~عالية أرادها الحق سبحانه، وهي أن يمحص إيمان المؤمنين، بحيث لا يثبت ~~على إيمانه إلا قوى العزيمة الذي يصبر على تحمل الشدائد، فهؤلاء هم الذين ~~سيحملون منهج السماء ودعوة الحق إلى العالم أجمع، فلا بد أن يكونوا صفوة ~~تختار دين الله وتضحي في سبيله بكل غال ونفيس. # لذلك أراد سبحانه أن تتزلزل هذه الدعوة في بدايتها عدة مرات، وأن ترى ~~بعض الفتن التي تغربل الناس، وتخرج المؤمنين في جانب، والمنافقين في ~~الجانب الآخر، وهذا ما حدث بالفعل في مسألة الإسراء والمعراج مثلا، وفي ~~رحلة الطائف، كلها فتن تمحص المؤمنين. لقد ضيق الكفار على ~~المؤمنين الخناق، حتى جلس رسول الله يفكر في أمرهم ويفتش في رقعة الأرض ~~المعاصرة له، أيها تناسب أصحابه، ويأمنون فيها على أرواحهم وعلى دينهم، ~~فلم يجد صلى الله عليه وسلم إلا الحبشة، فقال لأصحابه: # " اذهبوا إلى الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم أحد عنده ". # وفعلا كان النجاشي عند ظن رسول الله، فأكرم المؤمنين، ورفض أن ~~يسلمهم إلى وفد قريش لذلك كافأه رسول الله بأن وكله في أن يزوجه ~~من أم حبيبة، وكانت لهذه الزيجة حكمة، فالسيدة أم حبيبة هاجرت مع زوجها ~~إلى الحبشة، لكنه تنصر هناك، وظلت أم حبيبة على إيمانها، فدل ذلك ~~على صدق إيمانها، وأنها ما هاجرت لأجل زوجها، إنما هاجرت لله ورسوله، ~~فكافأها رسول الله هذه المكافأة. فالكفار اشتهوا إيذاء رسول الله وإيذاء ~~المؤمنين مجاهرة، فلم يصلوا من ذلك إلى شيء، فاشتهوا التآمر على رسول ~~الله وقتله، ودبروا له مؤامرة لقتله # ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين # [الأنفال: 30] فخيب الله سعيهم، # " وخرج رسول الله من بين شبابهم وفتيانهم، وهو ms8236 يحثو التراب على وجوههم، ~~ويقول: " شاهت الوجوه ". # والله يقول: # فأغشيناهم فهم لا يبصرون # [يس: 9]. وهكذا حال الله بينهم وبين ما يشتهون من المجاهرة ومن ~~المؤامرة، فحاولوا أن يسحروا رسول الله، بأن يكيدوا له بطريقة خفية ~~فسحره لبيد بن الأعصم، واستعانوا في ذلك بإخوانهم من شياطين الجن، كما ~~قاله سبحانه: # وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجدلوكم # [الأنعام: 121] لكن خيب الله مسعاهم في السحر أيضا، ولم ينالوا من ~~رسول الله، ولا من منهج الله، وكأن الله تعالى يقول لهم: وفروا على ~~أنفسكم، فرسول الله معصوم من الله، كما خاطبه سبحانه بقوله: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67]. وقوله سبحانه: { كما فعل بأشياعهم من ~~قبل } [سبأ: 54] يعني هذه القضية ليست خاصة بكفار مكة، إنما هي سنة ~~متبعة في الأمم السابقة، ومعنى { بأشياعهم } [سبأ: 54] بأمثالهم ~~من الكفار في الأمم السابقة. والأشياع: جمع شيعة، وهم الجماعة المجتمعة ~~على رأي ينتفعون به، ويدافعون عنه، سواء أكان حقا أم كان باطلا، فقوله ~~تعالى هنا: { كما فعل بأشياعهم من قبل } [سبأ: 54] دل ~~على أنهم كانوا على باطل، أما قوله تعالى: # وإن من شيعته لإبراهيم # [الصافات: 83] فهذه على الحق. # والمعنى: أنهم أخذوا كما أخذ أمثالهم من الكافرين مع الفارق بين ~~الحالتين، فقبل رسول الله كانت السماء تتدخل مباشرة لتدافع عن دين الله ~~وعن نبي الله لذلك حدثت فيهم الزلازل والخسف والصيحة والمسخ.. إلخ. ~~فالأمم السابقة لم تكن مأمونة على أن تدفع عن دين الله بسيفها، أما ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد استأمنها الله على هذه المهمة، فحملت ~~السيف ودافعت عن دينها لذلك أكرم الله هذه الأمة، فلم يحدث فها خسف، ~~ولا مسخ ولا إغراق. مما حدث لسابقيهم. لذلك لما يئس نوح عليه السلام من ~~هداية قومه دعا عليهم: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا # [نوح: 26-27]. أما سيدنا رسول الله فجاءه الملك يعرض عليه الانتقام من ~~كفار قومه، فيقول: لا، لعل الله يخرج من أصلابهم من ms8237 يقول لا إله إلا ~~الله. وفعلا آمن منهم كثيرون أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ~~وعكرمة بن أبي جهل، كما كانوا ألد أعداء الإسلام صاروا قادته الفاتحين. ~~وقد تألم المسلمون كثيرا لأن هؤلاء نجوا من القتل، وهم لا يدرون أن ~~الله تعالى كان يدخرهم للإسلام، فصار خالد سيف الله المسلول، وعمرو أعظم ~~القادة الفاتحين، ويكفي شهادة لعكرمة أنه ابن أبي جهل، وأنه لما ضرب ~~ضربة قوية في موقعة اليرموك احتضنه خالد وهو يعاني سكرات الموت، فقال: يا ~~خالد، أهذه ميتة ترضي عني الله ورسوله؟ حتى الذين ظلوا على كفرهم من ~~قوم رسول الله كانوا في صالح الإسلام، فمثلا أبو لهب وهو عم رسول الله، ~~وهو الذي قال له: تبا لك، ألهذا جمعتنا، وهو الذي قال عن رسول الله لما ~~مات ولده إنه أبتر يعني مقطوع الذرية، لأن أولاد البنات ينسبون إلى ~~آبائهم، كما قال الشاعر: # فإنما أمهات القوم أوعية # مستودعات وللأحساب آباء # ومن العجيب أن أبا لهب قدم للإسلام كما قدم خالد وعمرو وربما أكثر، ~~كيف؟ لأن الله جعله حجة على صدق كلام الله، وعلى صدق رسول الله فيما ~~بلغ عن ربه، فلما قال لرسول الله: تبا لك، ألهذا جمعتنا؟ رد الله ~~عليه: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد # [المسد: 1-5]. فحكم الله عليه وهو ما يزال في سعة الدنيا، وما يزال ~~مختارا حرا قادرا على إعلان إيمانه ولو نفاقا، ومع ذلك لم يجرؤ أن ~~ينطق بكلمة التوحيد، ولو نطق بها لكان له أن يقول: إن القرآن كاذب، وها ~~أنا أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وهكذا أقام الله من ~~هذا الكافر المعاند دليلا على صدق كلامه، وصدق رسوله. # ثم تختم السورة بقوله تعالى: { إنهم كانوا في شك مريب ~~} [سبأ: 54] كانوا في شك من أمر رسول الله، ونصرته عليهم، وعدم تخلي ~~ربه عنه، مع أنهم كانوا على اتصال بأهل ms8238 الكتاب، وأهل الكتاب يقرأون كتبهم ~~على هؤلاء الكفار ويستفتحون بها عليهم، وقد علموا منها أن عاقبة الصراع ~~بين الرسل وأقوامهم على مر موكب الرسالة كانت للرسل لأن الله تعالى ما ~~كان ليرسل رسولا ثم يسلمه أو يتخلى عنه. وهذه قضية ذكرت في الكتب ~~السابقة كما ذكرت في القرآن في أكثر من موضع، وإن كانت الكتب السابقة ~~قد ضاعت أو حرفت فالقرآن هو كتاب الله الباقي الذى تكفل الله بحفظه، ~~فهو يتلى كما أنزل إلى يوم القيامة، وفيه يقول الله تعالى: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا # [غافر: 51]. وقال سبحانه: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-172]. لذلك سبق أن قلنا: إن هزم الإسلام في معركة مع ~~غيره فاعلم أن شرط الجندية الإيمانية قد اختل، ولو نصرهم الله مع ~~اختلال شرط الجندية الإيمانية قد اختل، ولو نصرهم الله مع اختلال شرط ~~الجندية فيهم ما قامت للإسلام قائمة بعدها، وهذا الدرس تعلمناه في ~~أحد، لما خالف الرماة أمر رسول الله ونزلوا من على الجبل يريدون ~~الغنائم، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذرهم من هذا، وقال لهم: ~~لا تتركوا أماكنكم مهما حدث، فلما تركوا أماكنهم التف عليهم الكفار، ~~وكادوا يهزمونهم. وإن كان التحقيق أن الكفار لم ينتصروا في أحد لأن ~~المعركة ماعت، ولو انتصر المسلمون مع هذه المخالفة لهان عليهم أمر رسول ~~الله بعد ذلك، ولقالوا: لقد خالفنا أمره في أحد وانتصرنا، إذن: نقول: ~~الذي هزم في أحد هو من انخذل عن جندية الإيمان، أما الإسلام في ~~حد ذاته فقد انتصر. إذن: كانوا في شك من الغاية التي ينتهي إليها ~~رسول الله، والشك هنا في رسول الله لأن لديهم قضية عقدية هي الإيمان ~~بوجود الله، وأنه سبحانه الخالق لكل شيء، بدليل قوله تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]. والشك يعني عدم الجزم وعدم اليقين، وبينا ذلك بأن نسب ~~الكلام في الكون ست، لكل ثلاث منها اتجاه، فالكلام بداية علم ms8239 الله ~~سبحانه آدم الأسماء كلها ليتفاهم بها مع غيره، فالكلام يقتضي متكلما ~~ومخاطبا، ولا بد أن يكون المخاطب على علم بمدلول الكلام، بدليل أن ~~العربي لا يفهم الإنجليزي، ولا الإنجليزي يفهم العربي، لا بد من علم ~~بالتواضع في اللغة ليفهم كل منهما عن الآخر. والكلام المفيد هو الجملة ~~التي يحسن السكوت عليها، بأن تعطي معنى مفيدا، فلو قلت مثلا محمد ~~فهي مفردة من مفردات اللغة لا تعطي معنى إلا بنسبة، فتقول: محمد كريم، ~~فأسندت الكرم إلى محمد، وهذا معنى تام، يحسن السكوت عليه. # وإسناد الكرم لمحمد هو معتقد المتكلم به، فإن كان لهذا الكلام وجود ~~بالفعل بأن وجد شخص اسمه محمد، وصفته الكرم، فهذا الكلام المعتقد جازم ~~بالحكم والحكم واقع، فإن كان المتكلم غير جازم بالحكم، مترددا فيه فهذا ~~شك، فالشك فيه نسبة متأرجحة بين النفي والإثبات بحيث تتساوى الكفتان، ~~فإن رجحت واحدة فهي ظن، والأخرى المرجوحة وهم. إذن: كم نسبة للكلام غير ~~المجزوم به؟ ثلاث: الشك والظن والوهم. أما الكلام المجزوم به فإن كان له ~~واقع، وتستطيع أن تدلل عليه فهو علم، وإن لم تستطع أن تدلل عليه فهو ~~تقليد، وإن جزمت به وليس له واقع فهذا جهل، وهذه الثلاث نسب الكلام ~~المجزوم به: علم، وتقليد، وجهل. إذن: الكفار جازمون معتقدون في أن الله ~~هو الخالق، لكنهم شاكون في مسألة البلاغ عن الله، وأنها جاءت على لسان ~~محمد صلى الله عليه وسلم { إنهم كانوا في شك مريب } ~~[سبأ: 54] الشك ذاته يوقع في الارتياب والقلق. ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1] # تعرضنا للسور التي بدئت بالحمد لله، وهي: الأنعام، والكهف، وسبأ. ~~وهنا في فاطر، والحمد في كل منها له معنى وله مناسبة لأن الإنسان احتاج ~~إلى إيجاد من عدم، ثم وسائل إبقاء في الحياة الدنيا، ثم احتاج إلى إيجاد ~~بعد البعث، وأيضا وسائل إبقاء في الآخرة. فسورة الكهف تعرضت لحمد الله ~~على المنهج # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب.. # [الكهف: 1] لأن المنهج هو وسيلة الاستبقاء للإنسان، فلولا أن المنهج ~~يبين للناس ms8240 الحق والباطل لتفاني الخلق، وما استقامت لهم الحياة، ~~أما سورة سبأ فتعرضت لحمد الله على نعمه في الدنيا وفي الآخرة. وهنا في ~~فاطر: { الحمد لله فاطر السموت والأرض جاعل ~~الملائكة رسلا } [فاطر: 1] فذكرت الحمد على وسائل الإبقاء ~~كلها، المادي منها المتمثل في مقومات الحياة المادية، والمعنوي منها ~~المتمثل في منهج الله. والحمد على إطلاقه لله تعالى، حتى إن توجه للبشر، ~~فمرده إلى الله، لأنك حين تحمد البشر تحمده على شيء قدمه لك، هذا ~~الشيء ليس من ملكه في الحقيقة، ولا من ذاته، إنما هو من فيض الله ~~عليه، فهو مناول عن الله، وإن قدم لك عملا فإنما يقدمه بالطاقة التي ~~خلقها الله فيه، وبالجوارح التي انفعلت بخلق الله فيه، إذن: فالحمد ~~بكل صيغة راجع إلى الله تعالى. ثم يأتي بحيثية من حيثيات حمد الله، ~~فيقول: { فاطر السموت والأرض } [فاطر: 1] ومعنى فاطر ~~السماوات والأرض: خلقها ومبدعها على غير مثال سابق يحتذى به، وهذه ~~مسألة تستحق الحمد لأن الله تعالى كرم الإنسان الخليفة في الأرض، ~~فسوده على سائر الأجناس وكرمه بالعقل الذي يختار بين البدائل. وبعد ~~ذلك بين سبحانه إن كان خلق الإنسان معجزا، وإن كان هو السيد ~~المخدوم من جميع الأجناس، فإن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق ~~الناس وأعظم لذلك لما تكلم سبحانه عن حمد الله ذكر أكبر المخلوقات ~~وأعظمها، وهي السماوات والأرض. والسماء هي كل ما علاك، لذلك تطلق على ~~السحاب، فهو السماء التي ينزل منها المطر، كما قال سبحانه # ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر # [القمر: 11] وليست هذه هي السماء المقابلة للأرض. والله تعالى يقول في ~~خلق السماوات السبع: # الذي خلق سبع سموت طباقا # [الملك: 3] يعني: ليس بها فتوق أو شقوق، فكيف إذن تنزل الملائكة ومسكنهم ~~السماء، كيف ينزلون إلى الأرض؟ قال الحق سبحانه وتعالى: # تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من ~~كل أمر # [القدر: 4]. الحق سبحانه يقرب لنا وظيفة الملائكة، وأنها خاصة ~~بالسماء صعودا وهبوطا، فقال في آية فاطر { جاعل الملائكة ~~رسلا أولي أجنحة } [فاطر: 1] فعملهم إذن في ms8241 السماء، لكن كيف ~~ينفذون من السماء، وليس بها فتوق ولا شقوق، قالوا: ينفذون لأن طبيعتهم ~~الملائكية الشفافة تسمح لهم بذلك، فالإنسان مثلا خلق من طين، والطين ~~له جرم ومادة لا تمكنه أن ينفذ من شيء. # أما الجن فقد خلقه الله من النار، وللنار أيضا جرم ومادة، لكن ألطف ~~وأشف من الطين لذلك ينفذ الجن من الأشياء المادية، بدليل أنك لو جعلت ~~مثلا تفاحة خلف جدار، فإنك لا ترى شكلها، ولا تحس طعمها ولا رائحتها، ~~لكن لو أوقدت نارا خلف هذا الجدار فإنك بعد قليل تحس بحرارتها في ~~الجهة الأخرى، وهكذا ينفذ الجن كما تنفذ الحرارة. أما الملائكة فهي أرقى ~~الأجناس وأعلاها، خلقها الله من نور، وهو ألطف وأشف من الطين ومن النار ~~لذلك لا يحتاج النور إلى منافذ، أرأيتم مثلا الأشعة التي تخترق الجسم ~~وتعطينا صورة كاملة لما بداخله كالقلب أو غيره هكذا الملائكة تنفذ لا ~~يحجزها شيء. وقوله سبحانه { جاعل الملائكة رسلا } [فاطر: 1] ~~الملائكة جنس من المخلوقات، قال الله عنهم: # بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون # [الأنبياء: 26-27] والملائكة أقسام: فمنهم العالون، وهم المهيمون في ~~الله، ولا عمل لهم إلا عبادته سبحانه، وهؤلاء لا يدرون شيئا عن هذا ~~الكون، ولا صلة لهم به لذلك لما أبى إبليس أن يسجد لآدم كما أمره ~~الله، قال الله له: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75]. ومن الملائكة قسم له علاقة بالإنسان، وهؤلاء هم الذين أمروا ~~بالسجود لآدم، وكأن الله تعالى يقول لهم: هذا المخلوق هو الذي ستكونون في ~~خدمته، ومنهم: المعقبات، كما قال سبحانه: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله # [الرعد: 11] يعني: يحفظونه حفظا صادرا من أمر الله، وإلا فالملائكة ~~لا تمنع عن الإنسان أمرا قضاه الله عليه. إذن: حفظهم لنا حفظ من باطن ~~حفظ الله لنا لذلك يقولون مثلا العين عليها حارس، ونرى مثلا من يسقط ~~من الطابق الثالث أو الرابع، ولا يصيبه مكروه لأن الله سبب له أسباب ~~النجاة، وحفظته الحفظة. ومن ms8242 هؤلاء المدبرات أمرا، الذين قال الله عنهم: # فالمدبرات أمرا # [النازعات: 5] وهم الذين يدبرون أمور الخلق بأمر الله، ومنهم ~~الكتبة الذين يكتبون الأعمال: # كراما كاتبين # [الانفطار: 11]. هؤلاء الملائكة جعلهم الله { رسلا } [فاطر: 1] إما ~~إلى الرسل من البشر يحملون إليهم منهج الله، وإما رسلا منه سبحانه ~~لمهامهم التي تتعلق بهذا الكائن الإنساني. ثم وصفهم فقال: { أولي } ~~[فاطر: 1] أصحاب { أجنحة مثنى وثلاث ورباع } [فاطر: 1] ~~وهذا الوصف دل على صلة الملائكة بالجو والسماء، ومهمة الصعود والهبوط، ~~وهذه الأجنحة ليس لها نظام ثابت، بل منهم من له مثنى، ومن له ثلاث، ~~ومن له رباع، بل ويزيد الله في ذلك ما يشاء { يزيد في الخلق ~~ما يشآء } [فاطر: 1]. وكأن الخالق سبحانه يقول لنا: إن كنتم لم ~~تروا إلا جناحين للطائر، فلا تتعجبوا ولا تنكروا أن يكون للملك أكثر ~~من ذلك لأنه خلق الله الذي يزيد في الخلق ما يشاء، والذي له سبحانه ~~طلاقة القدرة، فخلق الله ليس عملية ميكانيكية أو قوالب تصب على شكل ~~واحد، وخلق الله ليس مخبزا آليا يخرج لك الأرغفة متساوية. # وتتجلى طلاقة القدرة في الخلق منذ خلق الإنسان الأول آدم عليه السلام، ~~فإن كانت مسألة التناسل تقوم على وجود ذكر وأنثى، ومن هذه جاءت جمهرة ~~الناس، فطلاقة القدرة تخرق هذه القاعدة في كل مراحل القسمة العقلية لها، ~~فالله خلق آدم عليه السلام من لا أب ولا أم، وخلق حواء من أب بلا أم، ~~وخلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب. فما دام أن الذي يزيد في الخلق هو ~~الله، فلا تتعجب ولا تكذب حين تسمع الحديث النبوي، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " رأيت جبريل وله ستمائة جناح " # صدق لأنك لست مسئولا عن الكيفية، إنما عليك أن توثق الكلام: صدر ~~من الله أو لم يصدر، صح عن رسول الله أو لم يصح، كن كالصديق ~~لما حدثوه عن الإسراء والمعراج وقالوا: إن صاحبك يقول كذا وكذا، فقال ~~الصديق: " إن كان قال فقد صدق ". لذلك، فالذين يبحثون في علل ~~الأحكام عليهم أن يدعوا البحث ms8243 فيها، ويكفي أن يوثقوا مصدرها، ~~فإن كانت من الله فعلى أن أفعل لمجرد أن الله أمرني بذلك، فعلة ~~الحكم أن الله أمر به، فهمت حكمته أو لم أفهم. ونرى بعض العلماء يحرصون ~~على استنباط الحكم من كل عبادة من العبادات، فيقولون مثلا، شرع الله ~~الصوم ليدرك الغني ألم الجوع، فيعطف على الفقير، وهذا يعني أن الفقير ~~لا يصوم، فالأقرب أن تقول: أصوم لأن الله أمرني بالصوم. فأنت مثلا لا ~~تسأل الطبيب لماذا كتب لك دواء كذا وكذا، بل تترك له هذه المهمة، وما ~~عليك إلا أن تتناول الدواء، ولا يسأل الطبيب، ولا يناقشه في هذه المسألة ~~إلا طبيب مثله، لكن هل هناك مساو لله فيسأله: لماذا فرض علينا كذا ~~أو كذا؟ فقوله سبحانه { يزيد في الخلق ما يشآء } [فاطر: 1] ~~دليل على طلاقة القدرة التي لا يعجزها شيء، ومن طلاقة القدرة أن ترى ~~الطويل والقصير، ولا تكاد تفرق بين قامات الناس وهم جلوس لأن منطقة ~~الصدر والبطن متقاربة الطول، إنما تفرق بينهم حال الوقوف لأن معظم ~~الطول في السيقان والأوراك لذلك تنظر إلى رجلين وهما جالسان ترى طولهما ~~واحدا، فإن قاما ظهر الفارق، وهذا يسمونه الحبتر. من طلاقة القدرة ~~اختلاف الخلق في الشكل، وفي اللون، وفي الطباع، وفي الذكاء لذلك من وقت ~~لآخر نرى طفلا برأسين، أو بيد فيها ستة أصابع، أو دابة بخمسة أرجل، من ~~طلاقة القدرة أن ترى هذا وسيما معتدل الصورة، متناسق الأعضاء، كهؤلاء ~~الذين تنطبق عليهم شروط القبول مثلا في الكليات العسكرية أو البوليس، ~~وترى آخر جبهته نصف وجهه، أو أنفه كذا وكذا. # . إلخ، هذا جريء القلب، وهذا رعديد جبان، هذا فصيح اللسان، وهذا عيى لا ~~يكاد ينطق لذلك يقول سبحانه # ومن آياته خلق السموت والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم.. # [الروم: 22]. من طلاقة القدرة أنه سبحانه # يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * ~~أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء ~~عقيما # [الشورى: 49-50]. من طلاقة القدرة أن يؤلف الله سبحانه بين الأجناس ~~المتباعدة تآلف مصلحة وانتفاع، ففي ms8244 السودان مثلا بيئة تعيش فيها ~~التماسيح، ورغم ما عرفناه من شراستها إلا أن الله ألف بينها وبين ~~الطيور، فجمعتهم مصالح مشتركة: التمساح يخرج إلى البر ثم يفتح فاه، ~~فيأتي الطائر ويدخل فم التمساح، وينظف له أسنانه ويتغذى على بقايا ~~طعام التمساح ويخلصه من الفضلات، فإذا أحس الطائر بقدوم الصياد صوت ~~ليحذر التمساح، فتسرع إلى الماء، سبحان الله الذي خلق فسوى، والذي ~~قدر فهدى. إنك تتعجب من طلاقة القدرة حين ترى عنق الزرافة أو الجمل، ~~وعنق الدب مثلا، فكل له ما يناسبه. تذكرون أنه عندما تكلم العلماء عن ~~الحواس، قالوا: الحواس الخمس. واحتاطوا للأمر وللزيادة فقالوا: الخمس ~~المعروفة، وبالفعل عرفنا بعدها حواس أخرى، كحاسة البين التي نعرف بها ~~مثلا سمك القماش، وعرفنا حاسة العضل التي نعرف بها ثقل الأشياء. كما ~~أن أعضاء الإنسان وحواسه تؤدي مهمتها مع اختلافها من شخص لآخر، فنحن ~~جميعا نرى بالعين، ونسمع بالأذن، ونشم بالأنف وهكذا، لكن ألم تسمع فلان ~~هذا يسمع دبة النملة، وروى لنا التاريخ عن شخصيات كانت ترى لمسافات بعيدة ~~على غير المعتاد، هذا كله زيادة في الخلق، يختص الله بها من يشاء. ~~لذلك يقول الشاعر: # سبحان من قسم الحظوظ # فلا عتاب ولا ملامه # أعمى وأعشى ثم ذو # بصر وزرقاء اليمامه # وزرقاء اليمامة يضرب بها المثل في حدة البصر، فيقولون: أبصر من زرقاء ~~اليمامة. ويلخص الشاعر قصة فتاة منحها الله هذه الزيادة في البصر، ~~فقال: # واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت # إلى حمام شراع وارد الثمد # قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا # إلى حمامتنا أو نصفه فقد # وكان عندها حمامة واحدة، فتمنت أن ينضم هذا السرب ونصفه إلى ~~حمامتها، وبذلك سيكون عندها مائة: # فعدوه فألفوه كما حكمت # ستا وستين لم تنقص ولم تزد # فتأمل هذه الفتاة تنظر إلى سرب الحمام وتعده، وتضيف إليه نصفه ثم تضيف ~~حمامتها، فيكون لديها مائة حمامة، هذه قوة في البصر، وقوة في الملاحظة. ~~كذلك حاسة الشم فيها عجائب مما يزيده الله في هذه الحاسة عند من شاء أن ~~يزيده، ms8245 والمثال الواضح لحاسة الشم وتمييز الروائح عند كلب البوليس مثلا، ~~وحاسة الشم قوية أيضا عند الذين يبيعون الروائح والعطور، فأنت تقول ~~رائحة طيبة، لكن قليل من يميز بين هذه الروائح، أما بائع الروائح فرغم ~~امتلاء أنفه بهذه الروائح الطيبة إلا أنه لا يستطيع أن يميزها فيقول ~~لك: هذه رائحة ورد، وهذه رائحة فل، وهذه كذا، وهذه كذا، فإن خلط له ~~عدة أنواع يقول لك: هذا مخلوط. # أما سيدنا يعقوب عليه السلام فقد تميز في هذه الحاسة بصورة عجيبة، ~~وتعلمون أنه ابتلي بفقد ولده يوسف - عليه السلام - حين رماه إخوته في ~~البئر، وانتهى الأمر به إلى أن صار على خزائن مصر كلها، وجاءه إخوته ~~يطلبون الميرة إلى أن أعطاهم قميصه ليجعلوه على وجه أبيه فيرتد له بصره، ~~العجيب هنا أنه لما فصلت العير يعني: خرجت من مصر وعن حيزها السكاني لأن ~~المنطقة السكنية تكثر الروائح فيها وتختلط، فلما خرجوا بقميص يوسف خارج ~~المدينة، قال يعقوب عليه السلام - وهو آنذاك - بأرض فلسطين: # إني لأجد ريح يوسف # [يوسف: 94]، لأن في قميص يوسف شيئا من رائحته. ومع تقدم العلم عرفنا ~~أن الرائحة هي أقوى الآثار الدالة على الإنسان، وأن للرائحة بصمة كبصمة ~~اليد أو بصمة الصوت لذلك حتى في لغتنا العامية نقول مش ح اخللي لفلان ~~ريحه، وكأن الرائحة هي آخر أثر يمكن أن يتبقى للإنسان في المكان. كذلك ~~يزيد الله في الخلق ما يشاء في حاسة الذوق، وبعض الناس حرفته وعمله أنه ~~ذواقة يذوق الطعام، ويزيد الله في الخلق ما يشاء في حاسة اللمس، ~~وكلنا رأى الصراف في البنك بمجرد أن تلمس أصابعه العملة يعرف جيدها ~~من زائفها. كل هذه المعاني نفهمها من قوله تعالى: { يزيد في ~~الخلق ما يشآء } [فاطر: 1] ثم تختم الآية بما يطمئن القلوب إلى ~~هذه الطلاقة { إن الله على كل شيء قدير } [فاطر: 1] ~~هذه هي العلة، يعني: لا تتعجب، فهي قدرة الله التي لا يعجزها شيء، وشيء ~~هذه تعد جنس الأجناس لأنها تشمل من الذرة إلى المجرة، وهو سبحانه ms8246 ~~يقول للشيء كن فيكون، فكأنه موجود في علم الغيب ينتظر الأمر بأن يظهر. ~~وبعضهم قال: يزيد في الحلق بالحاء، والمراد: جمال وعذوبة الصوت لأن ~~الصوت وسيلة لنقل خواطر المتكلم إلى السامع، وهذه يكفي لها أي صوت، ~~فإن كان الصوت جميلا عذبا، فهذه زيادة وفضل من الله. ومن أغرب ما ~~رواه لنا تاريخ العرب، ويعد دليلا على الزيادة في الخلق، والمواهب ~~التي يختص الله بها من يشاء ما روى عن نزار ابن معد بن عدنان، وقد ~~رزقه الله أربعة من الأولاد هم: مضر. ومن قبيلته جاء سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وربيعة، وإياد، وأنمار، فلما أحس نزار بدنو ~~أجله جمع أولاده الأربعة وقال لهم: أريد أن أدلكم على تركتكم مني قبل ~~أن أموت: القبة الحمراء لمضر، والفرس الأسود والخباء الأسود لربيعة، ~~والشمطاء لإياد، ومجلس القوم ونديه لأنمار. # وإن اختلفتم فاذهبوا إلى الأفعى الجرهمى بنجران يفسر لكم كلامي. ~~فلما مات نزار اختلف أولاده، فذهبوا إلى الأفعى الجرهمى، وهم في طريقهم ~~إلى نجران - وكانت من أرض اليمن - رأى مضر في ناحية الطريق مرعى رعت ~~فيه إبل، وفي الجانب الآخر مرعى أحسن منه لم يمس، فقال: إن الجمل الذي ~~رعى هنا أعور. فقال ربيعة: وهو أزور يعني: أعرج. وقال أنمار: هذا الجمل ~~أبتر يعني مقطوع الذيل. وقال إياد: وإنه لشرود. وبينما هم على هذه الحال ~~قابلهم رجل ينشد بعيره يقول: هل رأيتم بعيرا شرد مني؟ فقال مضر: أهو ~~أعور؟ قال: نعم، قال: وأزور؟ قال: نعم، قال: وأبتر؟ قال: نعم، قال: ~~وشرود؟ قال: نعم، هو شرود، وأنتم أخذتموه، فاحتكموا إلى الأفعى الجرهمى، ~~لأنهم كانوا على مقربة من نجران، فلما سألهم قالوا: ما أخذنا الجمل. ~~فقال: إذن كيف وصفتموه لصاحبه هذا الوصف؟ قال مضر: لما رأيته رعى ~~جانبا دون الآخر عرفت أنه أعور، وقال ربيعة: لما رأيت أثر خفه على ~~الأرض وجدت اليمنى سليمة البصمة على الرمال، والأخرى غير ذلك، فعرفت ~~أنه أزور، وقال إياد: رأيت بعره في مكان واحد، فعرفت أنه أبتر، ولو ms8247 ~~كان له ذيل لفرق بعره هنا وهناك، فقال أنمار: لما رأيته يأكل من ~~أماكن متفرقة عرفت أنه شرود. فقال الأفعى الجرهمى: خلوا سبيلهم، ~~فتلك فراسة يهبها الله لمن يشاء. ثم سألهم: من أنتم؟ فقالوا: نحن أولاد ~~نزار بن معد بن عدنان، وقد أوصانا أبونا إذا اختلفنا أن نحتكم إليك، ثم ~~قصوا عليه مقالة أبيهم، فقال: القبة الحمراء التي لمضر. أعطوه كل شيء ~~أحمر كالدنانير والنوق الحمر لذلك سميت مضر الحمراء بعد أن صار ~~مضر علما على القبيلة. وقال: والفرس الأدهم والخباء الأسود لربيعة ~~يعني: أعطوه كل شيء فيه سواد، والشمطاء لإياد: أعطوه رذال المال و ~~المدعبلات من الغنم. أما أنمار فله الفضة البيضاء والمجلس. وبعد أن فسر ~~لهم وصية أبيهم أراد أن يكرمهم، فأمر كهرمانه أن يذبح لهم ذبيحة، ويعد ~~لهم طعاما وشرابا، وعلى مائدة الطعام جلسوا يتحدثون، وهو يتأمل ~~فراستهم، فقال ربيعة: ما رأيت أطيب من هذا اللحم، لولا أن أمه غذيت ~~بلبن كلبة، فلما شربوا من الشراب قال مضر: شراب طيب لولا أن كرمته ~~زرعت على قبر، ثم قال أنمار: هذا الرجل من سراه القوم وهو سيد، إلا ~~أنه ليس ابن أبيه، فقال إياد: والله ما رأينا كلاما أحسن من كلامنا ~~بعضنا مع بعض. ثم قام الأفعى الجرهمى واستدعى الراعي الذي ذبح لهم الشاة، ~~وسأله: ما هذه الشاة التي ذبحتها لنا؟ فقال له: ماتت أمها بعد ولادتها، ~~ولم يكن عندنا شياه مرضعة، فأرضعتها من كلبة، ثم سأل كهرمانة عن ~~الشراب فقال: هو من العنبة التي زرعتها على قبر أبيك، فلم يبق إلا ~~أن يسأل عن نسبه إلى أبيه، فذهب إلى أمه وقال لها: يا أمي، أخبريني من ~~أنا؟ ومن أبي؟ فأحست الأم أنه سمع شيئا فقالت له: لقد كان أبوك ~~ملكا مطاعا، وذا نعمة ومال، إلا أنه لم ينجب، فخشيت أن يذهب هذا ~~الملك وهذا المال إلى غيره، فحدث ما حدث. # عندها عاد إلى ضيفانه وقال لهم: لم تعودوا فى حاجة إلي، وإنما يصبح ~~الناس جميعا في حاجة ms8248 إليكم. فإن سألت الآن: وكيف عرف هؤلاء ما عرفوا؟ ~~نقول: إنها فراسة وقوة وملاحظة تدخل تحت هذه الآية { يزيد في ~~الخلق ما يشآء } [فاطر: 1]. ثم يقول الحق سبحانه: { ما ~~يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما ~~يمسك فلا مرسل له }. ### || [35.2] # ما دام أنه - سبحانه وتعالى - هو الخالق، هو الخالق، فمقتضى الخلق أن ~~يوفر الله للمخلوق ما يصلحه، فهو أولا يحتاج إلى رحمة في بقاء حياته ~~لذلك ينزل سبحانه المطر فيحيى الأرض بالنبات ليزرع الإنسان ويأكل ~~ويشرب، وهذا قوام حياته المادية، ثم يوفر له أيضا قوام حياته الروحية ~~والمعنوية، فينزل عليه ما يحفظ قيمه، وما ينظم حياته بأدب مع غيره، ~~وهذا هو المنهج الذي قال الله فيه # أهم يقسمون رحمت ربك # [الزخرف: 32]. وهذه الرحمة إن أرادها الله بعبد، فلا أحد يمنعها عنه { ~~ما يفتح } [فاطر: 2] يعني: يعطي ويمنح { فلا ممسك } [فاطر: ~~2] فلا مانع ولا حابس لها { وما يمسك فلا مرسل } [فاطر: 2] ~~لا معطي { له من بعده } [فاطر: 2] أي: من بعد الله. وتأمل الأسلوب ~~القرآني في { ما يفتح } [فاطر: 2] مقابلها يغلق، لكن الحق سبحانه ~~لم يقل: وما يغلق، إنما { وما يمسك فلا مرسل له من ~~بعده } [فاطر: 2] لماذا؟ قالوا: لأن المغلق ربما تمكن أحد من فتحه ~~بالحيلة أو بالقوة، أما { وما يمسك } [فاطر: 2] فلا أحد يستطيع ~~أن ينال شيئا أمسكه الله. ومن معاني هذا الفتح وهذه الرحمة: الرسالة ~~التي خص الله بها سيدنا رسول الله لذلك قال الكفار # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. وقالوا: # أءنزل عليه الذكر من بيننا # [ص: 8]. فرد الله عليهم: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا.. # [الزخرف: 32]. يعني: تأدبوا مع الله، فهو الذي قسم لكم أمور الدنيا ~~وأمور المعايش، أيترك لكم ولأهوائكم أن تقسموا الوحي، وأن تجعلوه ~~ينزل على من تهوون؟ والفتح: إزالة حاجز بين شيئين، ومنه حسي كما ~~نفتح الباب أو الشنطة مثلا، كما ورد في القرآن: # ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت ~~إليهم # [يوسف: ms8249 65]. وقد يكون الفتح أمرا معنويا كالفتح بالخير، أو بالرحمة ~~كالوحي الذي اختص الله به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه قوله ~~تعالى: # أتحدثونهم بما فتح الله عليكم # [البقرة: 76] يعني: من الوحي الموجود في التوراة من صفة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، هذا فتح معنوي بالخير وبالبركة. ومن معاني الفتح: الفصل ~~وفض الإشكال بين الخصوم، كما في قوله سبحانه: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # [الأعراف: 89]. وعلة قوله تعالى: { ما يفتح الله للناس ~~من رحمة فلا ممسك لها.. } [فاطر: 2] لأنه سبحانه واحد لا ~~شريك له، ولا إله غيره، فلو كان معه إله آخر لكان له رأي آخر، أما الحق ~~سبحانه وحده فيتصرف في ملكه تصرف من لا شريك له، وإلا فكيف يثق ~~بأنه حين يقول للشيء كن فيكون أن الشيء يطيعه؟ فالله يقول هذا الأمر، ~~وهو يعلم أن الشيء سيطيع، فلا أحد يستطيع أن يقول له لا تطع، لذلك أول ~~من شهد بالألوهية والوحدانية الواحدة هو الله سبحانه، شهد بها لنفسه ~~سبحانه، فقال: # شهد الله أنه لا إله إلا هو # [آل عمران: 18] وهذه شهادة الذات للذات، لذلك أقبل على الأشياء بكن ~~فكانت، وسمعت، وأطاعت، ونفذت. واقرأ: # إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 1-2] يعني: سمعت بوعى وحق لها أن تسمع، وأن تطيع لأنه ~~ليس لها إله آخر يعارضها إن أطاعت. وبعد أن شهد الحق سبحانه لنفسه ~~شهادة الذات للذات شهدت بذلك الملائكة شهادة المشاهدة، ثم شهد أولو ~~العلم شهادة التدليل: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم.. # [آل عمران: 18]. ثم تذيل الآية بقوله تعالى: { وهو العزيز ~~الحكيم } [فاطر: 2] نعم، ما دام أنه تعالى إله واحد لا شريك له، يرسل ~~رحمته لمن يشاء، ويمسك عمن يشاء فهو عزيز، والعزيز هو الذي لا ~~يغلب ولا يمانع، لكن هذه العزة وهذه الغلبة ليست صادرة عن بطش أو ~~ظلم أو جبروت، إنما صادرة عن حكمة { وهو العزيز الحكيم } ~~[فاطر: 2] فهو سبحانه حكيم في عطائه، حكيم في ms8250 منعه، والحكمة - كما قلنا - ~~هي وضع الشيء في موضعه المناسب. ثم يقول الحق سبحانه: { يأيها ~~الناس اذكروا نعمت... }. ### || [35.3] # الحق سبحانه يمتن على عباده ويذكرهم بنعمه عليهم، ويذكر أول هذه ~~النعم، وهي نعمة الخلق من عدم، وأراد سبحانه أن يبرز لهم هذه ~~المسألة إبرازا يشاركه - سبحانه وتعالى - فيه، فلم يأت الأسلوب في صورة ~~الخبر: أنا خلقتكم. إنما جاء في صورة الاستفهام ليقولوا هم ويقروا { ~~هل من خالق غير الله يرزقكم من السمآء ~~والأرض } [فاطر: 3]. ومعلوم أن الخبر عرضة لأن يكذب، أما ~~الاستفهام فلا تستطيع أن تكذبه، وأنت لا تستفهم عن شيء فعلته إلا إذا ~~كنت واثقا أن الإجابة ستأتي على وفق مرادك، فحين ينكر شخص جميلك لا ~~تقول له: فعلت لك كذا وكذا لأنه ربما كذبك، إنما تقول: ألم أقدم لك ~~كذا يوم كذا؟ حينئذ لا يستطيع إلا أن يقر بجميلك، فلن يجد إجابة عن ~~سؤالك إلا الإقرار. كذلك الحق سبحانه يقررهم بنعمه ليكون الإقرار ~~حجة عليهم ويسألهم، وهو سبحانه أعلم { هل من خالق غير الله ~~يرزقكم } [فاطر: 3] ثم يذكر هو سبحانه النتيجة { لا إله ~~إلا هو } [فاطر: 3] ولم يقولوها هم لأنهم مربوكون وكان المنطق: ما ~~دام هو سبحانه الخالق الرازق فعليهم أن يؤمنوا به، وقالها سبحانه بصيغة ~~الغائب { لا إله إلا هو } [فاطر: 3] ولم يقل إلا أنا، كأنه ~~سبحانه هو الشاهد في هذه المسألة، كأنه يتكلم عن الغيب. وقوله { ~~فأنى تؤفكون } [فاطر: 3] يعني: كيف بعد هذا تصرفون عن توحيده ~~وعن الإيمان به، وتؤفكون من الإفك، وهو قلب الشيء عن موضعه وصرفه ~~عن محله، ومن ذلك المؤتفكة، وهي القرى التى أهلكها الله، فجعل عاليها ~~سافلها، وقلبها على وجهها. والإفك أيضا بمعنى الكذب لأنه يقلب ~~الحقيقة، فكأن الحق سبحانه يقول لهم: كيف تقلبون الحقائق؟ وكيف تصرفون ~~خلق الله ورزق الله إلى غيره سبحانه؟ يعني: قولوا لنا علة ذلك. ~~وبعد أن تكلم الحق سبحانه عن الوحدانية والألوهية أراد أن يتكلم ~~سبحانه عن مرسل الألوهية إلى الخلق: { وإن يكذبوك فقد ~~كذبت رسل من ms8251 قبلك... }. ### || [35.4] # هذه تسلية لسيدنا رسول الله، كما خاطبه ربه بقوله: # قل ما كنت بدعا من الرسل # [الأحقاف: 9] لست أول رسول يكذبه قومه، فمن قبلك كذبوا، وهذا أمر ~~طبيعي لأن السماء لا ترسل رسولا إلا حين يعم الفساد، ويفتقد الناس ~~الوازع والرادع، لا من النفس للنفس ولا من المجتمع. وقلنا: إن الخالق ~~سبحانه جعل في النفس الإنسانية رادعا ذاتيا يردعها حين تخرج عن منهج ~~ربها، وهي النفس اللوامة، فإن توارت هذه النفس وغلبت عليها النفس ~~الأمارة بالسوء جاء دور المجتمع الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ~~فإن فسد المجتمع فلا بد أن يأتي رسول جديد بمعجزة جديدة ليجدد للناس ~~ما غفلوا عنه من دين الله. وكون رسالة محمد هي الخاتمة، فلا رسول بعده، ~~هذه شهادة لأمته أنها سيظل فيها الخير، وستظل مأمونة على دين الله. وقوله ~~تعالى: { وإلى الله ترجع الأمور } [فاطر: 4] أي: في الآخرة، ~~فمن كذبك من قومك إما أن يأخذه الله في الدنيا كما أخذ المكذبين ~~من الأمم السابقة، وإما أن يؤخر له العذاب في الآخرة. بعد ذلك يتكلم ~~الحق سبحانه عن الأصل الثالث من أصول التشريع، فبعد أن تحدث عن الألوهية ~~والوحدانية، وتحدث عن الرسول، يتحدث عن المسألة الثالثة التي اختلفوا ~~فيها، وهي البعث والحشر والحساب: { يأيها الناس إن وعد ~~الله حق فلا تغرنكم الحياة... }. ### || [35.5] # يعني: وعده حق في أنكم ستردون إلى الله في الآخرة، فيحاسبكم ~~ويجازيكم، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وهذا مبدأ معروف ومعمول به ~~في كل المجتمعات، حتى البدائية منها، وحتى الملاحدة يعملون بهذا المبدأ، ~~فيعطي المجد ويعاقب المقصر، بل بعض هؤلاء يضعون قوانين للثواب ~~والعقاب أصرم وأشد من قوانين الله، مثل قوانين الإعدام والشنق ومصادرة ~~الأموال.. إلخ. والمجتمع لا يستقيم أمره إلا بهذا المبدأ، فإن اختل ~~تطبيقه فسد المجتمع، وأحبط الأفراد، وعمت الفوضى، ولم لا والمحسن ~~لا يأخذ ثمرة إحسانه، والمجرم لا يعاقب على جريمته؟ إذن: لا بد أن ~~نربي في الناس وازع الرغبة في الخير، والرهبة من الشر ليزداد المحسن في ~~إحسانه، ms8252 ويرعوى المسيىء عن إساءته. وكيف لا يقبل هذا المبدأ في عالم ~~مليء بالمظالم والتعديات والبطش والجبروت، ثم لا يأتي الوقت الذي ينال ~~فيه كل ما يستحقه؟ لذلك كثيرا ما أذكر ما دار بيننا وبين الشيوعيين ~~الذين ينكرون مسألة البعث والحساب، فكنت أقول لهم: لقد أخذتم أعداءكم ~~وقتلتموهم، وصادرتم أموالهم، وفعلتم بهم الأفاعيل لأنهم في نظركم غيروا ~~مقاييس العطاء، فما بال من فعلوا هذا وظلموا، لكنهم أفلتوا منكم، ولم ~~تطلهم أيديكم بعقاب؟ وما بال الظالمين قبلكم وبعدكم؟ أليس من الصواب ~~القول بموعد يجمع هؤلاء جميعا للحساب، حيث ينال كل منهم جزاءه؟ أليس ~~هذا الجزاء يسعدكم ويثلج صدوركم حين ترون الظالم يؤخذ بظلمه. إذن: ~~كان عليكم أن تؤمنوا بهذا اليوم، لا أن تنكروه وتكفروا به، وهو يقوم ~~على نفس المبدأ الذي تنادون به أنتم. لذلك تلحظ أن النداء هنا لكل الناس: ~~{ يأيها الناس إن وعد الله حق } [فاطر: 5] أي: وعده ~~بالقيامة والبعث والحساب، فهذه مسألة يخاطب بها كل الناس، ووعد الله ~~حق لأن الوعد يأخذ حقية من الواعد، ومن قدرته على إنفاذ وعده، ومن ~~أقدر من الله؟ إذن: ينبغي أن نثق في الوعد إن جاء من الله سبحانه، ~~ولا نثق في وعد من لا قدرة له في ذاته. وسبق أن بينا أن الإنسان ~~يعد وينوي الوفاء وقت الوعد، لكنه لا يملك أسباب الوفاء، فربما طرأ ~~عليه طارئ، أو تغيرت الظروف، فحالت بينه وبين الوفاء بوعده لذلك ~~يعلمنا ربنا أدبا عاليا في هذه المسألة في سورة الكهف، فيقول سبحانه: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24] فتعليق فعلك على مشيئة ربك يعفيك من الكذب إن عجزت ~~عن الوفاء، فلك أن تقول: نويت الوفاء، لكن الله لم يشأ. لذلك لا ~~يوصف وعد بالحقية إلا وعد الله لأنه سبحانه وحده الذي يملك كل أسباب ~~الوفاء بوعده. ولا يعوقه عن الوفاء شيء، ولا يمانعه أحد. # وما دام أن وعد الله حق { فلا تغرنكم الحياة ~~الدنيا } [فاطر: 5] لا تخدعنكم لأن الناس ms8253 طبائع، منهم من يغتر ~~بثناء الناس عليه، ومنهم من يغتر في ذاته، وهذا هو الذي تغره الحياة ~~الدنيا بشهواتها، فيعيش فيها بلا تكاليف وبلا التزامات، كما فعل الكفار ~~حين عبدوا الحجارة، لأنها آلهة بلا تكاليف. لذلك يحذرنا ربنا: لا تخدعنكم ~~الدنيا عن شيء آخر أعلى منها هو الآخرة، ويكفي ذما لهذه الحياة أن الله ~~تعالى سماها دنيا، والمقابل للدنيا حياة عليا هي الآخرة، فالمعنى: لا ~~تخدعنكم الدنيا عن مطلوب الله الذي يؤهلكم لحياة أخرى عليا. وسبق أن ~~بينا أن الدنيا بالنسبة للإنسان هي مدة بقائه فيها، لا عمر الدنيا كله، ~~وعمرك في الدنيا رغم قصره هو عمر مظنون، ونعيمك فيها على قدر حركتك ~~فيها، أما عمرك في الآخرة فمتيقن، ونعيمك فيها على قدر إمكانات الله، ~~وأنت مهما بلغت من نعيم الدنيا ينغصه عليك أن يزول، إما أن تتركه ~~أنت وتموت، أو يتركك هو فتظل في الدنيا رغم غناك وتمتعك بها، مؤرقا ~~مشغول البال خائفا من فوات النعمة، أما في الآخرة فالنعمة باقية دائمة، ~~لا مقطوعة ولا ممنوعة. إذن: إن اغتررت بالدنيا فأجر هذه المقارنة. ~~لذلك، لما تكلم الحق سبحانه عن هذه الحياة وصفها بأنها دنيا، ولما ~~تكلم عن الآخرة قال: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64] فمعنى الحيوان أي: الحياة الحقيقية الباقية التي لا ~~يهددها موت ولا فناء، فيجب - إذن - أن تتنبه، وأن تختار البديل ~~الأرجح والأنفع لك لذلك نقول للذين اعتمدوا على الله وعاشوا في كنف ~~الله وعلى منهج الله نقول: إنهم عرفوا كيف يسوسون حياتهم، فأخذوها من ~~أقصر الطرق، ونصف هؤلاء بالمكر، والمراد المكر العالي المكر الحسن. وفي ~~موضع آخر، يبين الحق سبحانه لنا حبائل الدنيا ووسائل غرورها، فيقول ~~سبحانه: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع ~~الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب # [آل عمران: 14]. وقوله سبحانه: { ولا يغرنكم بالله ~~الغرور } [فاطر: 5] أي: الشيطان، فالخداع والغرور إما أن يكون من ~~النفس ذاتها بدون مؤثر ms8254 خارجي، وإما أن يوجد شيطان سوء يغرك ويوسوس ~~لك، إذن: أنت أمام عدوين، إما الدنيا بشهواتها، وإما الشيطان بهمزه ~~ونزغه، وقد حذرنا ربنا منه، فقال: # وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله ~~إنه سميع عليم # [الأعراف: 200]. تعني: تنبه لهذا العدو، وكن منه على حذر، فعداوته لك ~~مسبقة منذ أبيك آدم، وكرهه لك واضح معلن، فينبغي أن يكون لك معه ~~موقف لذلك يقول تعالى بعدها: { إن الشيطان لكم عدو ~~فاتخذوه عدوا... }. ### || [35.6] # ما دام أنه عدو لك معلن العداء، فلا يجوز لك أن تهادنه أو تستكين له ~~وتطيعه لأنك حين تطيعه يستمرىء عداوته ضدك، إذن: لا بد أن تعاديه، ~~وأن توفقه عند حده، كيف؟ أضعف الإيمان أن لا تطيعه، فإن أردت أن ~~تكون أقوى منه فانتقم منه وغظه بأن تتجه إلى مقابل ما يطلب منك، فهو ~~يأمر بالسوء، فافعل أنت الحسن يأمرك بالشر، فاجتهد في الخير، وكأنك تسخر ~~منه وتلقنه درسا لا يملك بعده إلا أن ينصرف عنك لأنك وظفت ~~عداوته لصالحك وانتفعت بها، وهذا ما يغيظه. وتستطيع أن تأخذ بهذا ~~المبدأ مع أي عدو آخر، سواء أكان من شياطين الإنس أو شياطين الجن، ~~تستطيع أن تجعل من عداوته لك حافزا على الخير وعلى عشق كل ما هو جميل، ~~فالعاقل من استفاد من عدوه أكثر من استفادته من صديقه. وصدق القائل: # عداي لهم فضل علي ومنة # فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا # هموا بحثوا عن زلتي فاجتنبتها # وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا # فالمؤمن الحق يستطيع أن يستفيد من عداوة أعدائه في نواح كثيرة، فهو ~~مثلا يعمل ويجتهد ليتفوق على عدوه، لا أن يتكاسل حتى يكون دونه منزلة ~~ومرتبة، يجتنب المعايب وأفعال السوء حتى لا يعطي لعدوه فرصة أن يشمت ~~فيه.. إلخ. كذلك نقول: إن بعض الصفات المذمومة في الناس فيها جوانب خير ~~لو تأملناها، فالبخيل مثلا مكروه من الجميع، لكن حين تتأمل وضعه تجده هو ~~الذي يعين الكريم على كرمه، كيف؟ رأينا كثيرا في القرى هذا النموذج: ~~رجل كريم لا يساعده دخله على ms8255 القيام بمتطلبات هذا الكرم وتبعاته من ~~السماحة والبذل والعطاء والمجاملة.. إلخ، فكان كل فترة يبيع قطعة أرض ~~لينفق منها، فلمن يبيع الكريم أرضه إذا لم يكن هناك البخيل الممسك؟ ~~فكأن البخيل يعين الكريم على كرمه. وإذا كان الكريم يأسرك بكرمه وتدان له ~~بجميله، فليس للبخيل جميل عليك، ولست أسيرا له في شيء لذلك عبر ~~الشاعر عن هذا المعنى، فقال: # جزي البخيل على صالحة # مني لخفته على ظهري # يعني: ليس له جميل عندي يجعلني عبدا لإحسانه. ومعنى { فاتخذوه ~~عدوا } [فاطر: 6] أن تشحن كل طاقاتك وكل مواهبك لتربي فيك المناعة ~~اللازمة ضد إغراءاته ووسوسته لك بالسوء، فإن أردت الارتقاء في مناهضته، ~~فزد من الحسنات التي يكرهها، فإن جاءك في الصلاة ليفسدها عليك ~~فغظه بأن تخشع فيها، وتزيد في تحسينها. { إنما يدعوا ~~حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } [فاطر: 6] يعني: أصبح ~~له حزب وجماعة يحاول أن يكثرها لذلك قال تعالى في موضع آخر: # استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله ~~أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم ~~الخاسرون # [المجادلة: 19]. ومعنى حزب: جماعة تعصبوا لفكرة يعملون من أجلها في ~~مقابل جماعة أخرى لهم مناهضات، ويعملون هم أيضا لفكرة تخدمهم. والعلة ~~في أنه يدعو حزبه ليكونوا كثرة فيكثر المتخبطون في منهج الله والخارجون ~~عنه في مقابل الإيمان والطاعة، هذه هي العلة. أما قوله تعالى { ~~ليكونوا من أصحاب السعير } [فاطر: 6] فاللام هنا لام ~~العاقبة ومعناها: أنك تريد الشيء لعلة، لكن تنتهي إلى علة أخرى ضد ~~مطلوبك. وقوله: { من أصحاب السعير } [فاطر: 6] دل على أن ~~بينهم وبين النار ألفة، وأنها تريدهم وتعشقهم حتى صارت بينهما مصاحبة. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { الذين كفروا لهم عذاب شديد... ~~}. ### || [35.7] # بعد أن ذكر الحق سبحانه حزب الشيطان يذكر الحكم عليه { الذين ~~كفروا لهم عذاب شديد } [فاطر: 7] وفي المقابل { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير ~~} [فاطر: 7]: ثم يقول الحق سبحانه: { أفمن زين له سوء ~~عمله فرآه حسنا... }. ### || [35.8] # الأسلوب في { أفمن زين له سوء عمله } [فاطر: 8] أسلوب ~~استفهام، لكن لم يذكر ms8256 المقابل له، وتقديره هل يستوي، ومن لم يزين له ~~سوء عمله؟ والحق سبحانه لم يذكر جوابا لأنه معلوم، ولا يملك أحد إلا أن ~~يقول لا يستويان، لأن الناس منهم من يعمل السيئة، ويعلم أنها سيئة، ~~ويكتفي بها لا يتعداها، ومنهم من يتعدى فيفعل السيئة ويدعي أنها ~~حسنة، وهذا مصيبته أعظم لأنه ارتكب جريمة حين فعل السيئة، وارتكب جريمة ~~أخرى حين ادعى أنها حسنة، هذا معنى: { فرآه حسنا } [فاطر: 8]، وهذا ~~اختلال في الرؤية وضلال. لذلك يقول تعالى بعدها: { فإن الله ~~يضل من يشآء ويهدي من يشآء } [فاطر: 8] وهذه الآية وقف ~~عندها كثيرون، يقولون: إن كان الله هو الذي يهدي، وهو الذي يضل. فلماذا ~~يحاسب الإنسان؟ ولا بد لتوضيح هذه المسألة أن نبين معنى يهدي ويضل. ~~يهدي يعنى: يدله على طريق الخير ويرشده إليه، وهذا الإرشاد من الله لكل ~~الناس، فمن سمع هذا الإرشاد وسار على هداه وصل إلى طريق الخير، فكان ~~له من الله العون وزيادة الهدى، كما قال سبحانه: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. أما الذي أغلق سمعه فلم يسمع ولم يهتد فضل الطريق ~~وانحرف عن الجادة، فأعانه الله أيضا على غايته، وزاده ضلالا، وختم على ~~قلبه ليكون له ما يريد، فلا يدخل قلبه إيمان، ولا يخرج منه كفر، وهؤلاء ~~قال الله فيهم: # في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب ~~أليم بما كانوا يكذبون # [البقرة: 10]. لذلك يقول تعالى عن قوم ثمود: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت: 17]. فمعنى { هديناهم } يعني: دللناهم وأرشدناهم لطريق ~~الخير، ولكنهم رفضوا هذه الدلالة وعارضوا الله فضلوا فأضلهم الله. ~~يعني: زادهم ضلالا. وسبق أن أوضحنا هذه القضية وقلنا: هب أنك تريد ~~أن تذهب إلى مكان ما، ووقفت عند مفترق الطرق لا تدري أيهما يوصلك ~~إلى غايتك، فذهبت إلى رجل المرور تسأله أين الطريق، فدلك عليه فشكرته ~~وعرفت له جميله، فلما رآك مطيعا له، شاكرا لفضله قال الله: لكن أمامك ~~في هذا الطريق عقبة سأسير معك حتى تتجاوزها، هكذا يعامل الحق سبحانه ms8257 ~~المهتدين: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. وقد خاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56] وخاطبه بقوله: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] فأثبت له صلى الله عليه وسلم الهداية بمعنى الإرشاد ~~والدلالة، لكن نفى في حقه الهداية بمعنى المعونة على الهدى، فالذي ~~يعين هو الله. ثم إن الحق سبحانه لم يترك هذه المسألة هكذا، إنما بين ~~من يهديه ومن يضله، فقال سبحانه: # إن الله لا يهدي القوم الكافرين # [المائدة: 67] وقال: # والله لا يهدي القوم الفاسقين # [الصف: 5] وأي هداية للإنسان بعد أن كفر بالله، وفسق عن منهجه، ~~وأفسد في البلاد، وظلم العباد؟ وقوله تعالى: { فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات } [فاطر: 8] يعني: لا تهلك نفسك حسرة على عدم ~~إيمانهم، وهذا المعنى شرحه الحق سبحانه في قوله: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان حريصا على هداية قومه، ~~يألم أشد الألم حين يشرد أحد منهم عن طريق الإيمان لذلك قال تعالى عن ~~نبيه محمد: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. ثم يقول سبحانه مسليا رسوله صلى الله عليه وسلم: { ~~إن الله عليم بما يصنعون } [فاطر: 8] يعني: لا تخفى ~~عليه خافية من أفعالهم، وسوف يجازيهم ما يستحقون من عقاب على قدر ما ~~بدر منهم من إعراض، فاطمئن ولا تحزن. بعد ذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى بعض ~~الآيات الكونية الخاصة بنعمه سبحانه على الخلق، فيقول تعالى: { ~~والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه ~~إلى بلد ميت... }. ### || [35.9] # معنى: يرسل الرياح يعني: يحركها، وبتحريك الرياح يتم استيعاب خير الوجود ~~كله، ألا ترى أن الريح إذا سكنت يتضايق الإنسان ويحاول تحريكها بنفسه ~~بيده أو بالمروحة مثلا لأن حيزك في التنفس لا يتم إلا بتحريك الهواء، ~~وتغيير ثاني أكسيد الكربون ليحل محله الأكسوجين، ولا تتم هذه العملية ~~إلا بتحريك الهواء لذلك يقولون: ms8258 إذا لم يمر عليك الهواء فمر أنت عليه. ~~يعني: حركه أنت. ونتيجة حركة الرياح إثارة السحب { فتثير سحابا ~~} [فاطر: 9] يعني: تهيجه وتحركه من أماكنه، بحيث يذهب بعد تجمعه ~~إلى حيث أراد الله أن ينزل المطر، إذن: حركة السحاب ليست ذاتية، وإنما ~~تابعة لحركة الرياح، وهذه المسألة تساعدنا في فهم قوله تعالى: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب # [النمل: 88]. فالجبال التي نحسبها ثابتة هي في الحقيقة تمر وتتحرك كحركة ~~السحاب، وكما أن السحاب لا يمر بذاته، إنما بحركة الرياح، كذلك الجبال لا ~~تمر بذاتها، إنما بحركة الأرض والجبال ثابتة على الأرض كالأوتاد لذلك ~~تتحرك بحركتها: # صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما ~~تفعلون # [النمل: 88]. البعض لم يفطن إلى حركة الأرض التي تتبعها حركة الجبال، ~~فقال في قوله تعالى: # وهي تمر مر السحاب # [النمل: 88] أن هذا في الآخرة، لكن أين هي الجبال في الآخرة والله يقول ~~عنها: # وتكون الجبال كالعهن # [المعارج: 9] ثم، كيف يمتن الله عليها ويحتج ببديع صنعه في حركة ~~الجبال في الآخرة، حيث لا تكليف، ولا موضع لتحنين القلوب وعطفها إلى ~~الإيمان. هذا عن حركة الرياح، أما عن سكونها، فيقول تعالى: # إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره # [الشورى: 33] والمراد: السفن التي تسيرها الرياح، فإن قلت: فهل ~~يظل لهذه الآية هذا المعنى بعد التطور الذي طرأ على السفن، وبعد أن ~~تلاشت القلاع وحل محلها الآلات التي تسير السفن دون حاجة إلى حركة ~~الهواء؟ نقول: نعم ستظل الآية تحمل هذا المعنى إلى ما شاء الله لأن ~~الاختراعات الحديثة لم تفاجئ خالقها عز وجل، ومن قال: إن الريح هو ~~الهواء؟ الريح هو القوة أيا كانت، واقرأ قوله تعالى: # ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم # [الأنفال: 46] يعنى: قوتكم أيا كانت قوة هواء، أو قوة كهرباء، أو قوة ~~بخار ومحركات.. الخ. ونلحظ في أسلوب هذه الآية أن الفعل { أرسل } ~~[فاطر: 9] جاء في صيغة الماضي، لكن تثير في صيغة المضارع، ولم يقل ~~سبحانه: فأثارت سحابا، قال: أرسل يعني: أمر أن ترسل، ms8259 فهذه مسألة انتهت ~~وفرغ منها، أما إثارة السحاب وتحريكه فمسألة متجددة مستمرة في كل ~~لحظة، فناسبها المضارع الدال على الحال والاستقبال. أو: أن المعنى { ~~والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا } [فاطر: 9] ~~جاء في الماضي لأن الكلام عن الغيب، والاسم الظاهر غيب وهو لفظ الجلالة، ~~ثم انتقل من الغيب في { أرسل الرياح } [فاطر: 9] إلى مقام ~~المتكلم، فقال { فسقناه } [فاطر: 9] كأن الله يلفتك بالنعمة إلى غيب ~~هو الله تعالى، فحين تستحضر أنه الله الذي فعل أصبحت أهلا لمكالمة ~~الله لك. # ومثال ذلك ما قلنا في سورة الفاتحة: # بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب ~~العالمين * الرحمن الرحيم * ملك يوم الدين # [الفاتحة: 1-4] هذا كله غيب إلى # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. ولم يقل: إياه نعبد لينقلك من الغيب إلى الخطاب المباشر ~~معه سبحانه لأنك أصبحت أهلا لأن تخاطبه ويخاطبك بعد أن آمنت ~~بالحيثيات الأولى في # الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * ~~ملك يوم الدين # [الفاتحة: 2-4]. ومعنى { فسقناه إلى بلد ميت } [فاطر: ~~9] يعني: سقنا السحاب، أو سقنا الماء بعد نزوله في جداول وأنهار إلى ~~الأرض التي لا نبت فيها، والتي يمكن أن تنتفع به، وهذا أدل على قدرة ~~الله، وتأمل مثلا ماء النيل الذي يروي السودان ومصر أين نزل؟ وهذا دليل ~~على أن رزقك سيأتيك مهما بعد عنك مصدره. فإذا ما استقر الماء في الأرض ~~كانت النتيجة { فأحيينا به الأرض بعد موتها } [فاطر: ~~9] يعني: أحييناها بالنبات، ثم يجعل الحق سبحانه من نعم إحياء الأرض ~~الميتة دليلا على نعمة أخرى موصولة في الآخرة، فيقول سبحانه: { كذلك ~~النشور } [فاطر: 9] يعني: البعث يوم القيامة وإحياء الموتى من ~~قبورهم. فخذ مما تشاهد من إحياء الأرض دليلا على صدق ما غاب عنك، ~~فكما أن الماء ينزل على الأرض الميتة فيحييها، كذلك حين تنزل الروح على ~~مادة الإنسان المدفونة في الأرض يحدث لها النشور والبعث، وتدب فيها ~~الحياة. وسبق أن بينا أن العلماء لما حللوا جسم الإنسان وجدوه ~~مكونا من ستة عشر عنصرا. أولها: الأكسوجين. وآخرها: المنجنيز. وهي ms8260 ~~نفسها عناصر التربة التي ينمو فيها النبات. ثم يقول الحق سبحانه: { من ~~كان يريد العزة فلله العزة جميعا... }. ### || [35.10] # التأبي على الرسالات تأب على أن يكون المؤمن الذي يكلف بتكليفات ~~تبعا لرأي غيره وطوع أمره، والرسول ما جاء إلا ليقول لنا افعل كذا و ~~لا تفعل كذا، وبعض الناس يرى في هذه الطاعة خدشا لكرامته وعزته، فهو ~~يريد أن يكون الأعلى الذي لا يأمره أحد ولا ينهاه، وهؤلاء الذين تتحدث ~~عنهم الآية يريدون أن تكون لهم العزة في نفوسهم. والحق - سبحانه ~~وتعالى - هنا يصحح لهم معنى العزة ويبين غباءهم، فيقول سبحانه: { ~~من كان يريد العزة } [فاطر: 10] أي: العزة الحقيقية لا ~~المدعاة: { فلله العزة جميعا } [فاطر: 10] فالعزة ~~الحقيقية ألا تكون مغلوبا ولا مقهورا لأحد، وهذه العزة لا وجود لها ~~إلا في رحاب الله، فمهما بلغ الإنسان في الدنيا من القوة والجبروت لا ~~بد أن يغلب، ولا بد أن يقهره الموت، فإن كنت مغرما بعزة لا ~~تزول، فهي من جنب الله. لذلك فالله تعالى يعلمنا الحكمة، فيقول: # وتوكل على الحي الذي لا يموت # [الفرقان: 58] يعني: أنا أعلم بك وأعلم بضعفك، وأنك في حاجة إلى من ~~تتوكل عليه ليقضي لك الأمور التي فوق طاقتك، فإياك أن تلجأ إلى غيري، ~~فأنا الباقي الذي لا يموت، فإن توكلت على ضعيف مثلك، فربما مات قبل ~~أن يقضى لك حاجتك، كذلك من أراد العزة فليكن في حضن الله يعتز ~~بعزته، ويتقوى بقوته، ومن كان في حضن الله يخلع الله عليه من ~~صفاته ويفيض عليه. لذلك سيدنا رسول الله يعطينا هذا الدرس، # " وهو في الغار، ومعه الصديق - رضي الله عنه - فيقول الصديق: يا ~~رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فيقول سيدنا رسول الله وهو ~~واثق بربه: " يا أبا بكر ما بالك باثنين الله ثالثهما " " # وحكى عنه القرآن قوله: # لا تحزن إن الله معنا # [التوبة: 40]. فهذه الطمأنينة التي ملأت قلب رسول الله منشؤها معية ~~الله له ولصاحبه، وهذه المعية تقتضي أن يخلع الله عليهما من صفاته ~~سبحانه، ms8261 فإذا كان تعالى لا يرى، فمن كان في معيته كذلك لا يرى. ومعنى ~~{ العزة جميعا } [فاطر: 10] يعني: كل ألوان العزة، وهذه المسألة ~~من المسائل التي تكلم فيها المستشرقون، يلتمسون فيها مأخذا على كلام ~~الله، يقولون: إن الله يقول { فلله العزة جميعا } [فاطر: ~~10] وفي آية أخرى: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8]. ولا تعارض بين الآيتين لأن العزة في الأصل لله، وعزة ~~الرسول من التحامه بالعزيز، وعزة المؤمنين من التحامهم بعزيز العزيز، فهي ~~عزة موصولة من الله تعالى لمن اعتز به، وأول من اعتز بالله ~~رسوله، ثم المؤمنون به. ثم يقول سبحانه: { إليه يصعد الكلم ~~الطيب } [فاطر: 10] دائما نخاطب الله على جهة العلو، مع أنه سبحانه ~~في كل مكان، وليس له مكان، لذلك يحتج البعض على هذه المسألة فيقول: كيف ~~أن الله ليس له مكان، وسيدنا رسول الله لما أراد الله أن يكلمه أصعده ~~إلى السماء السابعة؟ نقول: كان الصعود لمكان الرائي لا لمكان المرئي، ~~فالرائي لا يرى إلا من هذا المكان، فمثلا لو أننا سمعنا الآن ضجة خارج ~~المسجد، وهذه النافذة التي تطل على هذه الضجة عالية، فماذا تفعل إن ~~أردت أن تعرف ما يدور بالخارج، لا بد لك أن تصعد هذا العلو لترى ما ~~يحدث، فالأحداث هي هي، لكن مكان الرائي يختلف. # ومعنى { الكلم الطيب } [فاطر: 10] هذا وصف عام لكل كلام يدل ~~على منهج الخير، وقد أعطانا القرآن مثالا لذلك في قوله سبحانه: # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء * ~~تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.. # [إبراهيم: 24-25]. وقد حاول العلماء تحديد هذه الكلمة، فقالوا هي: كلمة ~~لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله ولا قوة إلا بالله، ولكن هذا ~~التحديد يضيق المعنى الواسع الذي أراده الله تعالى منها، والأصوب أن ~~نقول الكلمة الطيبة: كل كلام يؤدي إلى خير. وقوله تعالى: { والعمل ~~الصالح يرفعه } [فاطر: 10] بعد أن تكلم سبحانه عن صعود الكلم ~~الطيب يتكلم عن رفع العمل الصالح لأن الإنسان قد ms8262 يتكلم بالكلمة الطيبة ~~دون أن تؤدي مطلوبها، ودون أن يترجمها إلى عمل، وربما قالها نفاقا ~~مثلا، كالذين قالوا لا إله إلا الله نفاقا وفرارا من القتل، ومع ذلك ~~تصعد إلى الله، فيقول الله احموه بهذه الكلمة دنياه، ولا تتعرضوا له ما ~~دام نطق بها، إنما ليس له عليها جزاء في الآخرة لأن الجزاء يتأتى من ~~العمل الذي يخدم مدلول الكلمة، فالعبرة إذن بالعمل والعمل الصالح، فهو ~~الذي يرفع إلى الله، ويحميك في الدنيا، ويحميك في الآخرة، ويجمع لك ~~الخيرين. ثم يذكر الحق سبحانه وتعالى المقابل: { والذين يمكرون ~~السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور ~~} [فاطر: 10] الفعل مكر يتعدى بحرف الجر نقول: مكر بفلان ومكره يعني: ~~خدعه ويتعدى بنفسه كما في { يمكرون السيئات } [فاطر: 10] ~~وأصلها يمكرون المكرات السيئات، فهي وصف لمصدر مأخوذ من مادة الفعل مثل: # والذين آمنوا وعملوا الصالحات # [النساء: 122] أي: الأعمال الصالحات. أو مكر: فعل مكرا، فيكون المعنى: ~~والذين فعلوا السيئات. ثم يبين سبحانه جزاء المكر السيء: { لهم ~~عذاب شديد } [فاطر: 10] لماذا؟ لأنك حين تمكر، كأنك تريد أن تسرق ~~شيئا من الله، وتظن أنه لن يدري بك، وغفلت أنك تبيت المكر سرا، ~~وهو سبحانه يعلم السر والنجوى، وأنك حين تمكر وحين تبيت تبيت ~~على قدر إمكاناتك، وربك عز وجل كذلك يمكر ويبيت على قدر إمكاناته، ~~وقدرته تعالى: # ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين # [الأنفال: 30]. لذلك يبوء هذا المكر بالخسران وبالبوار، كما قال سبحانه: ~~{ ومكر أولئك هو يبور } [فاطر: 10] فهو مكر بائر، كالأرض ~~البوار التي لا تنبت ولا تنتج، ومنه قوله سبحانه: # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار # [إبراهيم: 28]. فهذا المكر الذي ظنه صاحبه ينفعه، ويرفعه على خصمه، ~~ويجعل نفسه عالية عليه، إذا به يبور، ولا يؤتى ثماره، وليته يبور ~~وتنتهى المسألة، إنما ينقلب عليه ويجر على صاحبه العذاب الشديد. ومعنى ~~{ لهم عذاب شديد } [فاطر: 10] اللام تفيد الملكية، فهنا قلب ~~يعني: لهم عذاب أي: استحقوه وكأن العذاب يحرص عليهم كما يحرص الإنسان على ms8263 ~~ما يملك، فهو عذاب ملازم لهم لا ينفك عنهم. ### || [35.11] # تعرضت هذه الآية لقضية الخلق الأول للإنسان الخليفة، وهذا الخلق كان ~~له مراحل، فالإنسان الأول وهو آدم عليه السلام خلق خلقا أوليا من ~~مادة الأرض، وهي التراب الذي يخلط بالماء، فصار طينا، هذا الطين مر ~~بأطوار عدة، فالطين إن تركته حتى يعطن وتكون له رائحة فهو الحمأ ~~المسنون، فإن تركته حتى يجف ويتماسك فهو الصلصال، فهذه - إذن - أطوار ~~للمادة الواحدة التي صور الله منها آدم، ثم نفخ فيه من روحه، وهذا هو ~~الخلق الأول الذي أخذ الله منه حواء، ومنهما يتم التناسل والذرية. ~~وقبل أن يتكلم الحق سبحانه عن خلق الإنسان تكلم عما خلقه الله ~~للإنسان قبل أن يوجد، فتكلم سبحانه عن خلق السماوات والأرض # الحمد لله فاطر السموت والأرض # [فاطر: 1] ثم تكلم عن الملائكة الذين ينزلون بالوحي إلى الرسل من البشر، ~~ثم أنزل من السماء ماء به تنبت الأرض. هذه كلها مقومات حياة الإنسان، ~~أوجدها الله له قبل أن يوجده هو، وضمن له مقومات حياته المادية ~~والمعنوية الروحية، المادية بالقوت طعاما وشرابا وهواء، والروحية ~~بالمنهج والقرآن لذلك قال سبحانه: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان # [الرحمن: 1-3]. فالإنسان خلق لغاية، كالصانع يحدد غاية الشيء المصنوع ~~قبل أن يبدأ فيه، وقلنا: إن الذي صنع التليفزيون أو الثلاجة لم يصنعها ~~ثم قال: انظروا فيم تستخدم هذه الآلة، إنما قدر غايتها، وحدد هدفها ~~قبل صناعتها، كذلك الحق سبحانه قبل أن يخلق الإنسان قدر حركته في ~~الحياة وما يسعده فيها، فوضع له منهج القرآن قبل أن يخلق، ثم جاء خلق ~~المادة بعد وضع المنهج. والحق سبحانه حينما يتكلم عن خلق الإنسان، ~~يقول: { والله خلقكم من تراب } [فاطر: 11] فجاء الأسلوب ~~كأنه يتحدث عن غائب، ولم يقل سبحانه أنا خلقتكم، فكأننا نقول: الله ~~خلق الإنسان من تراب ذلك لأن وسائل الخطاب بين متكلم ومخاطب تأتي على ~~ثلاث صور: ضمير المتكلم أنا، أو ضمير المخاطب أنت، أو ضمير الغائب هو. ~~فالمتكلم حين يتكلم يقول: أنا فعلت. من ms8264 الجائز أن يكذب، فإن خوطب: ~~أنت فعلت. من الجائز أن ينافق، لكن إذا جاء الأسلوب بصيغة الغائب: هو ~~فعل، فقد برئنا من الادعاء في المتكلم، ومن النفاق في المخاطب. وحين نقول ~~هو خلق يعني: ليس هناك غيره، وسبق أن قلنا: إن ضمير الغائب هو لا ينصرف ~~إلا إلى الحق سبحانه وتعالى. وإذا استقرأت آيات الخلق في القرآن ~~الكريم تجدها بأسلوب الغيبة في مائة وسبع آيات، بداية من قوله تعالى فى ~~سورة البقرة: # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا # [البقرة: 29] وآخره سورة الفلق: # قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق # [الفلق: 1-2] وبأسلوب المتكلم في ست وسبعين آية، مثل: # .. إنا خلقناكم من ذكر وأنثى.. # [الحجرات: 13]. وبأسلوب المخاطب في أربعة مواضع هي: # ربنآ ما خلقت هذا باطلا سبحانك # [آل عمران: 191]. وقوله: # خلقتني من نار وخلقته من طين # [الأعراف: 12]. وقوله: # أأسجد لمن خلقت طينا # [الإسراء: 61]. فأسلوب الغيبة هو أكثر هذه الأساليب لأن الحديث عن غائب ~~يخلو من ادعاء، ويخلو من نفاق المواجهة، أو نفاق الخطاب. لكن، ما معنى ~~الخلق؟ قال العلماء: الخلق إيجاد من عدم لحكمة أو لغاية مسبقة، لا ~~مجرد الإيجاد من عدم، كيف؟ أنت إذا أخذت قطعة كبيرة من طين جاف ورميتها ~~على الأرض، فإنها تتفتت قطعا مختلفة الأشكال، وربما وجدت منها على ~~شكل هلال، وأخرى على شكل نجمة، وأخرى على شكل وجه إنسان أو حيوان. هذا ~~يعد إيجادا، لكن لا يعد خلقا لأن الخلق إيجاد مقصود لغاية ~~مقصودة، وحكمة مرادة، وهذه مهمة الخالق وحده سبحانه. فإن قلت: كيف ~~والله تعالى يثبت لنا خلقا في قوله تعالى: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. قلنا: إن الخالق سبحانه يقدر مجهودات البشر، ولا ~~يبخسهم حقوقهم لذلك يثبت لهم المشاركة في الخلق مع الفارق الواضح بين ~~خلق الله وخلق غيره، فإذا وصف الإنسان بأنه خالق، فالله أحسن ~~الخالقين لأن سبحانه يخلق من عدم، وأنت تخلق من موجود، وخلقك يثبت على ~~حالة واحدة، ويجمد عليها، أما خلق الله فيتطور وتدب فيه الحياة ~~فيتغذى ms8265 وينمو ويتناسل.. إلخ. ومثلنا لذلك بصانع الزجاج يأخذ مثلا ~~الرمل المخلوق لله، ثم يعالجه بطريقة معينة، ويحوله إلى زجاج، نعم أنت ~~خلقت شيئا لأن هذا الكوب لم يكن موجودا، فأوجدته، لكن من مادة ~~موجودة مخلوقة لله، وعقل فكر هو من مخلوقات الله، ونار صهرت هي من ~~خلق الله. ثم إنك لا تستطيع أن تمنح هذا الكوب صفة الحياة، فينمو ~~مثلا، أو يتكاثر، إذن: إن أثبت الله لك خلقا فهو سبحانه أحسن ~~الخالقين. والحق سبحانه يقول هنا: { والله خلقكم من تراب } ~~[فاطر: 11] وفي مواضع أخرى قال: # من طين # [الأنعام: 2] وقال # من حمإ مسنون # [الحجر: 26] وقال: # من صلصال كالفخار # [الرحمن: 14] ولا تعارض بين هذه الأقوال لأنها أطوار للمادة الواحدة ~~كما بينا، كالثوب الذي تلبسه تقول: هذا الثوب من القطن، أو من الغزل، ~~أو من النسيج، فهي مراحل تمر بها المادة الواحدة. فليس في هذا تناقض في ~~المراحل، إنما التناقض في أن يكون الشيء مرتبة واحدة، ثم تجعله مراتب، ~~إنما هذه المسألة مراحل للمرتبة الواحدة، كالطفل يصير غلاما، ثم شابا، ~~ثم رجلا، ثم كهلا.. إلخ كلها مراحل لإنسان واحد. الحق سبحانه حكم في ~~كونه بأشياء، ونهى العقل أن يفكر في أشياء، قال: أنا خلقت لك الكون ~~والمادة، وضمنت لك مقومات حياتك، فإن أردت أن ترقي نفسك فأعمل ~~عقلك في المادة المخلوقة لله، واستنبط منها على قدر إمكاناتك، لكن لا ~~تشغل بالك بأمرين لا جدوى من التفكير فيهما، هذان الأمران هما خلق ~~السماوات والأرض وخلق الناس لأن الله تعالى يقول: # مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. فخلق السماوات والأرض وخلق الإنسان مسألة لم يشهدها ~~أحد منكم، ولم يكن مع الله سبحانه معاون يخبركم بما حدث، لكن احذروا ~~سيأتي في المستقبل مضلون يضلونكم في هذه المسألة، يقولون لكم - ~~كما يقول المضلون الآن - إن السماوات والأرض كانتا قطعة واحدة ملتهبة، ~~وحدث لها كذا وكذا، أو أن الإنسان أصله الأول قرد تطور إلى إنسان، احذروا ~~هؤلاء، ولا تأخذوا معلوماتكم ms8266 إلا ممن شهدها ويعلمها، وهو الحق سبحانه ~~وتعالى. لكن الحق سبحانه خلق العقل آلة للتفكير، وجعل له منافذ يصل من ~~خلالها إلى الحقيقة، والاستدلال بما رآه على ما غاب عنه، فعلى العقل أن ~~يتأمل ما يراه ويستدل به على ما لا يراه. نحن لم نشهد عملية الخلق، لكن ~~شهدنا عملية الموت، والموت نقض للخلق، كما أن الهدم نقض للبناء. ~~فهذه قضية فلسفية للعقل فيها دور، فأنت حين تريد بناء عمارة مثلا من ~~عشرة أدوار تبدأ ببناء الدور الأول، لكن إن أردت هدمها تبدأ بالدور ~~العاشر، فالهدم على عكس البناء، كذلك الموت نقيض الحياة. فالذي لم نشاهده ~~من عملية الخلق أخبرنا الله به في كتابه، فقال: خلقتكم من تراب صار ~~طينا، ثم صار الطين حمأ مسنونا، وصار الحمأ المسنون صلصالا كالفخار، ~~تشكل على صورة الإنسان، ثم نفخ فيه الله الروح فدبت فيه الحياة. ~~ونحن شاهدنا الموت ورأيناه يأتي على عكس عملية الخلق، فأول شيء في ~~الموت أن تفارق الروح الجسد، فيتصلب حتى يكون كالفخار، ثم يرم، ~~وتتغير رائحته كأنها الحمأ المسنون، ثم تمتص الأرض ما فيه من مائية ~~ليعود إلى تراب وفتات يختلط بتراب الأرض، ويعود إلى أمه التي جاء منها. ~~إذن: خذ مما شاهدت دليلا على صدق ما أخبرك الله به مما لم تشاهده. ~~الحق - سبحانه وتعالى - حينما تكلم عن الخلق تكلم عن مرحلتين: الأولى: ~~خلق الإنسان الأول آدم عليه السلام من طين، ولكى يتم التكاثر لعمارة ~~الأرض كانت المرحلة الثانية بأن خلق له زوجه، فقال: # الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها ~~زوجها.. # [الأعراف: 189]. والظن يتسع في هذه المسألة، فيصح أنه سبحانه أخذ قطعة ~~من آدم وخلق منها حواء، ويصح أن تكون هذه القطعة كذلك كانت من الطين، ~~لكن اكتفى بالتشريع الأول للرجل، ومن آدم وحواء أنشأ النسل، وتم ~~الاستخلاف في الأرض. ولكي نخرج من المتاهة في هذه المسألة نقول: قوله ~~تعالى # وخلق منها زوجها # [النساء: 1] يعني: من جنسها، من جنس خلقها، كما قال سبحانه: # لقد جآءكم رسول من ms8267 أنفسكم # [التوبة: 128] يعنى: من جنسكم. لكن، أيخلق الله هذا الخلق، ويستخلف ~~خليفته في الأرض، ثم يتركه دون أن يمده بالمنهج الذي حكم حركته ~~حياته؟ لا، لا بد أن ينزل له المنهج لأن معنى الخلافة تقتضي أن ~~يوجد هذا المنهج. والحق سبحانه حين يملك خليفته أشياء تأتمر بأمره ~~ربما غره ذلك الملك فقال له: اذكر أنك لست أصيلا، وأنك خليفة، وطالما ~~تتذكر أنك خليفة فلن تطغى، إنما الذي يطغيك أن تظن أنك أصيل في ~~الكون، والأصيل في الكون هو الذي يحفظ ما وهب له، هو الذي لا يمرض ولا ~~يموت، ولا يوجد معه من هو أقوى منه. إذن: تذكر أنك مستخلف، وما ~~دمت مستخلفا فعليك أن تنفذ أوامر من استخلفك. بعد أن تكلم الحق ~~سبحانه عن الخلق الأول من تراب وخلق الزوجة، يحدثنا عن الخلق ~~العام الذي سيأتي منه البشر جميعا بعد آدم وحواء، وبالتزاوج يتم الخلق ~~عن طريق النطفة، فيقول سبحانه { ثم من نطفة ثم جعلكم ~~أزواجا } [فاطر: 11]. وفي موضع آخر فصل مراحل النطفة، فقال: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ~~ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة # [الحج: 5]. وأول زواج تم بين أولاد آدم تم بالتباعد، فابن هذه البطن ~~يتزوج أخته من بطن أخرى، وهكذا كان التباعد بحسب زيادة النسل قدر ~~المستطاع، ومسألة التباعد هذه هي التي أدت إلى أول جريمة قتل في ~~البشرية، وهي مسألة قابيل وهابيل، فلما اتسعت الدنيا، وكثر الناس ~~منع زواج الأخت والخالة والعمة. وقد أثبت العلم أهمية التباعد في ~~الزواج، وأن زواج الأقارب يثمر نسلا أضعف من زواج الأباعد، حتى في ~~الزراعة أثبتوا أن زراعة الحبوب المستخرجة في نفس أرضها يعطي محصولا ~~أقل لذلك لجئوا في الزراعة إلى عملية التهجين. والنبي صلى الله عليه ~~وسلم يحث على هذا التباعد، فيقول: # " اغتربوا لا تضووا " # يعني: لا تتزوج شديدة القرابة منك لأن الأقارب خصائص وجودهم واحدة والدم ~~واحد، أما في الاغتراب، فالخصائص مختلفة والدم مختلف ms8268 لذلك يأتي النسل ~~أقوى لذلك فطن الشاعر العربي إلى هذه المسألة، فقال: # أنذر من كان بعيد الهم # تزويج أولاد بنات العم # فليس بناج من ضوى وسقم # بأبي وإن أطعمته لا ينمي # وقد لاحظوا ضعف النسل في الأسر التي تزوج أولادها من الأقارب، ~~ومدحوا الاغتراب، فقال الشاعر: # فتى لم تلده بنت عم قريبة # فيضوى وقد يضوى سليل الأقارب # وآخر يبتعد عن بنت عمه في الزواج رغم حبه لها، ويقول: # تجاوزت بنت العم وهي حبيبة # مخافة أن يضوي علي سليلها # ثم يقول تعالى: # وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه # [فاطر: 11] عملية حمل الأنثى تتم نتيجة الالتقاء بين الذكر والأنثى ~~تحت مظلة الشرع ومنهج الله، وللعلماء كلام طويل في مسألة حمل المرأة، أهي ~~المسئولة عنه أم الرجل، وأخيرا سمعنا من التحاليل التي أجروها أن ~~الرجل هو المسئول عن ميكروب الذكورة أو الأنوثة، أما المرأة فتحمل ~~البويضة التي تستقبل هذا أو ذاك. # وعجيب أن تفطن المرأة العربية القديمة إلى نتائج العلم الحديث الآن، وأن ~~يكون لديها إلمام وفهم لهذه المسألة، فالمرأة البدوية التي كانت لا ~~تنجب إلا البنات، فغضب عليها زوجها، وذهب فتزوج بأخرى لتنجب له الولد، ~~وهجر الأولى، فأنشدت وقالت: # ما لأبي حمزة لا يأتينا # غضبان ألا نلد البنينا # تالله ما ذاك في أيدينا # ونحن كالأرض لغارسينا # *نعطي لهم مثل الذي أعطينا* # وعجيب أن تتكلم البدوية بما توصل إليه العلم الحديث في القرن ~~العشرين، وكأن الحق سبحانه يريد أن يثبت لنا أن الفطرة السليمة البعيدة ~~عن الهوى قد تصل إلى حقائق الكون، فسداد الرأي لا يجتمع وهوى النفس لذلك ~~قالوا: آفة الرأي الهوى، ومن ذلك ما روي عن سيدنا عمر من أن القرآن كان ~~ينزل على وفق ما يراه، وما ذاك إلا لسلامة فطرته. وقوله: { ولا ~~تضع إلا بعلمه } [فاطر: 11] هذه مراحل تمر بها المرأة، أولا، ~~تزوجت ثم حملت، ثم وضعت حملها، وهذه كلها مراحل السلامة، ولم يذكر - ~~سبحانه وتعالى - ما يطرأ على الحمل من عطب، فقد تحمل الأم ويسقط جنينها ms8269 ~~ولا تضعه. والإعجاز الذي يصاحب عملية الحمل أن الدم الذي ينزل من المرأة ~~حال الدورة الشهرية يتحول عندما تحمل إلى غذاء للجنين فكأن هذا الدم ليس ~~رزقا لها، بل رزق ولدها إن قدر لها الحمل، وإن لم يقدر لها حمل ~~نزل منها دون أن تستفيد منه بشيء. والعجيب أن هذا الدم يكفي الجنين ~~الواحد، ويكفي الاثنين والثلاثة، والأكثر من ذلك، وأخيرا سمعنا عن ~~المرأة التي ولدت سبعة، ومع ذلك كانت بحالة جيدة يعني: لم ينقص من وزنها ~~شيء، وكأن الخالق عز وجل يذكرنا قبل أن تحملوا هم القوت والأرزاق ~~انظروا ما فعل الله بكم وأنتم في بطون أمهاتكم، فلكل منكم رزق لا ~~يتعداه ولا يخطئه. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة ". # ومع تقدم العلم الآن لم يستطيعوا تحديد موعد الولادة بشكل قاطع، ~~وستبقى هذه اللحظة في علم الله { ولا تضع إلا بعلمه } ~~[فاطر: 11] لماذا؟ لأننا نعرف نعم مدة الحمل، لكن لا نعرف على وجه ~~التحديد متى التصق الزيجوت في الرحم لذلك فإن أطباء الولادة دائما ما ~~يقولون ستضع الحامل بين كذا وكذا من الأيام. إذن: لحظة الولادة أشبه ما ~~تكون في خفائها بلحظة الموت لا يعلمها إلا الله، ومعنى يعلمها يعني: ~~يعلمها بكل ما يحيط بها من ملابسات وأحداث. # وبعد أن تضع المرأة حملها تتحول إلى مرضعة وحاضنة فيجري لها الخالق ~~سبحانه رزق ولدها لترضعه دون أن يأخذ من رزقها شيئا، لأن إمداد الله ~~لها مستمر، والشيء ينقص إن أخذ منه دون إمداد. ثم يقول سبحانه: { وما ~~يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في ~~كتاب } [فاطر: 11] يعمر يعني: يمد الله في عمره، وعندنا في اللغة ~~أفعال ملازمة للبناء للمجهول، فمثلا نقول: زكم فلان لأنه لم يجلب لنفسه ~~الزكام، كذلك نقول: فلا عمر. هو لم يعمر نفسه، إنما عمره الله، ~~لذلك جاء بصيغة اسم المفعول معمر، والمعمر يعني: طويل العمر. وهذا ~~من المواضع التي وقف عندها المستشرقون معترضين كالعادة، بسبب ms8270 جهلهم ~~باللغة العربية وأساليبها، قالوا: كيف يعمر بالفعل، فيعيش مائة سنة ~~مثلا ثم ينقص من عمره؟ نقول: هم معذورون لأنهم لا يعلمون أن في اللغة ~~ضميرا ومرجعا للضمير. فتقول مثلا: قابلت فلانا فأكرمته، فالهاء في ~~أكرمته تعود على فلان هذا، وتقول: تصدقت بدرهم ونصفه. فهل يعني هذا أنك ~~تصدقت بدرهم، ثم أعدته ثانية ونصفته؟ لا إنما المعنى: تصدقت بدرهم ~~ونصف درهم مثله، فمرة يعود الضمير على ذات واحدة، ومرة يعود على واحد من ~~مثله، كما في: تصدقت بدرهم ونصفه. والإنسان له ذات وله صفات، ذاته هي ~~قوام تكوينه، وصفاته ما يطرأ على الذات من أوصاف، فكونه معمرا يعني ~~بلغ سنا كبيرة، وكما يعود الضمير على مثل الأول أو على بعض مثله، كذلك ~~يعود على بعض ذاته، فالمعمر ذات ثبت لها التعمير، فعلام يعود الضمير ~~في { ولا ينقص من عمره } [فاطر: 11] صحيح حينما يصل إلى مائة ~~سنة لا نستطيع أن نميته في سن العشرين مثلا. إذن: أعد الضمير على ~~الذات دون الصفة، وما يعمر من معمر، ولا ينقص من ذاته، فالذات لم ~~يثبت لها التعمير إلا بإذن الله، فيصير المعنى مثل: تصدقت بدرهم ~~ونصفه. والحق سبحانه حدثنا عن التعمير عندما تكلم عن اليهود: # وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو ~~نصارى # [البقرة: 111]. وقالوا: # وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80]. فرد الله عليهم: إن كنتم ضمنتم الجنة، وأنه لا يأخذها ~~منكم أحد، فتمنوا الموت الذي يوصلكم إليها: # قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة ~~من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين # [البقرة: 94]. ثم حكم الله عليهم { ولن يتمنوه أبدا بما ~~قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين * ~~ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين ~~أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو ~~بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما ~~يعملون } [البقرة: 95-96]. فمعنى { ولا ينقص من عمره } ~~[فاطر: 11] يعني: من عمر ذات لم يثبت لها التعمير إلا بإذن الله. وقوله { ~~إلا في كتاب } [فاطر: 11] أي: ms8271 في اللوح المحفوظ، فكل ما يحدث في ~~الأعمار وفي فترات الحمل والوضع من الإنقاص أو الزيادة، كله مسطر ~~معلوم في اللوح المحفوظ { إن ذلك على الله يسير } [فاطر: ~~11] فإن كان صعبا عليكم وعلى فهمكم فهو يسير وسهل على الله سبحانه. # ألا ترى لسيدنا زكريا عليه السلام وهو يدعو الله أن يرزقه الولد ~~الصالح الذي يرث النبوة من بعده، مع أنه بلغ من الكبر عتيا وامرأته ~~عاقر، وأي ذرية بعد هذا السن خاصة إن كانت الزوجة عاقرا؟ لكن، إن ~~كانت بقوانين الله، فالأمر سهل ميسور. واقرأ: # وإني خفت الموالي من ورآءى وكانت امرأتي ~~عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من ~~آل يعقوب واجعله رب رضيا * يزكريآ إنا ~~نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل ~~سميا * قال رب أنى يكون لي غلام وكانت ~~امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا * قال ~~كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من ~~قبل ولم تك شيئا # [مريم: 5-9]. إذن: لا تقس المسألة على قدرتك وقانونك لأن الفعل ينسب ~~إلى الله، لا إلى بشر. كذلك سيدنا موسى - عليه السلام - لما تبعه فرعون ~~بجنوده حتى حاصره وضيق عليه الخناق حتى قال أتباع موسى # إنا لمدركون # [الشعراء: 61] ولم لا والبحر من أمامهم وجنود فرعون من خلفهم، فقال موسى ~~قولة الواثق بربه وقدرته التي لا حدود لها # قال كلا # [الشعراء: 62] يعني: لن يدركونا، قالها بما لديه من رصيد الثقة بالله # إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62] فجاءه الفرج لتوه # أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم # [الشعراء: 63]. رأى موسى طريقا يابسا يشق البحر، فعبر هو وقومه إلى ~~أن أصبح في الجانب الآخر، فأراد أن يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى ~~سيولته، فلا يعبره فرعون، لكن نهاه ربه، فالمعجزة لم تنته بعد، وما ~~زال لها بقية، والله تعالى قادر على أن ينجي ويهلك بالشيء الواحد، ~~وظل الطريق اليابس على يبوسته حتى اغتر به فرعون، فعبره ليلحق بموسى، ~~ولما نزل آخر جندي من جنود ms8272 فرعون أطبق الله عليهم الماء، وأعاده إلى ~~سيولته، فأغرق فرعون وجنوده، هذه طلاقة القدرة التي لا تحدها حدود، ~~ولا تخضع للأسباب. كذلك تأمل مسألة الخلق والتكاثر تجد جمهرة الناس ~~جاءوا من ذكر وأنثى، وهذه هي القاعدة، لكن قدرة الله لا يعجزها أن تأتي ~~بالخلق في كل مراحل القسمة العقلية المنطقية في هذه المسألة، فالخالق ~~سبحانه خلق آدم بلا أب وبلا أم، ثم خلق حواء من أب بلا أم، وخلق عيسى من ~~أم بلا أب. إذن: نقول الأمر هين يسير على الله، وإن ظننته أنت ~~صعبا. ثم يقول الحق سبحانه: { وما يستوي البحران هذا ~~عذب فرات سآئغ شرابه وهذا ملح أجاج... }. ### || [35.12] # الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقرب لنا القضية العقلية القيمية ~~فيعرضها لنا في صورة حسية مشاهدة { وما يستوي البحران } ~~[فاطر: 12] وكأن الله يقول لنا: كما أن هناك أشياء حسية لا تستوي في ~~الحس، كذلك في القيم أشياء لا تستوي. معنى { البحران } [فاطر: 12] ~~البحر معروف، وهو المتسع الذي يحوي الماء المالح، وسمي النهر أيضا ~~بحرا على سبيل التغليب، والنهر يحوي الماء العذب، فهما مختلفان لا ~~يستويان { هذا عذب فرات } [فاطر: 12] { وهذا ملح ~~أجاج } [فاطر: 12] إذن: هما وعاء لشيء واحد هو الماء، فهما وإن ~~اشتركا في الشيء الواحد وهو الماء فهما مختلفان في النوع: هذا عذب، وهذا ~~مالح، العذب وصف بأنه { عذب فرات } [فاطر: 12] أي: شديد ~~العذوبة { سآئغ شرابه } [فاطر: 12] سهل المرور في الحلق هنيئا، ~~ووصف المالح بأنه { ملح أجاج } [فاطر: 12] شديد الملوحة. وبين ~~العذب والمالح عجائب في التكوين، ففيهما مثلا تعيش الأسماك ونأكلها، ~~فلا نفرق بين سمك الماء المالح وسمك الماء العذب لأن الله أعد الكائن ~~الحي ليأخذ من الماء مقومات حياته، وينفي ما لا يريد، مثل الشجرة ~~تزرعها، فتأخذ من الأرض العناصر اللازمة لها وتطرد ما لا تحتاج إليه. ففي ~~التربة الواحدة تزرع مثلا شجرة شطة وعود القصب، فتتغذى الشجرتان بنفس ~~العناصر، وتسقى بنفس الماء، لكن يخرج الطعم مختلفا تماما، كما قال ~~سبحانه: # وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من ms8273 أعناب ~~وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء ~~واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل # [الرعد: 4]. وهذه فطرة وغريزة جعلها الله في كل الكائنات الحية، أن تأخذ ~~من الغذاء ما تحتاج إليه فقط، ولما أراد العلماء أن يقربوا لنا عملية ~~التغذية في النبات قالوا: إنها تعتمد على خاصية الأنابيب الشعيرية، ~~فالشعيرات الجذرية تمتص الماء والغذاء من التربة وتوصله بهذه ~~الخاصية إلى الساق والأوراق، لكن فاتهم أن الأنابيب الشعيرية تمتص ~~الماء دون تفرقة ودون تمييز لعنصر دون عنصر، ودون انتخاب لمادة دون أخرى. ~~إذن: ليست هي الخاصية الشعيرية، إنما هي الغريزة والفطرة الإلهية التي ~~أودعها الله في الكائن الحي. والإنسان تطرأ عليه مسائل غريزية، ومسائل ~~عاطفية، ومسائل عقلية: فالمسائل العاطفية مثل الحب أو البغض لا دخل ~~للتشريع فيها لأن الإنسان لا يملك التحكم فيها، فأحبب من شئت، واكره ~~من شئت، لكن شريطة ألا يخرجك الحب أو الكره عن حد الاعتدال ~~إلى الظلم والتعدي، كما قال سبحانه: # ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى.. # [المائدة: 8]. كذلك المسائل الغريزية لا يتدخل فيها الشرع، فالجوع ~~والعطش مثلا غرائز يعرفها المرء بنفسه وبالتجربة، فأنت لا تعلم ولدك ~~الجوع أو العطش، بل هو يعرفه بنفسه حين يجوع وحين يعطش. # لذلك عجيب الآن أن تسمع من ينادي بتعليم الأولاد والبنات في المدارس ~~الأمور الجنسية، ويريدون مادة جديدة تسمى التربية الجنسية يتعلمها ~~الأطفال منذ الصغر، ونقول: سبحان الله متى يسمح للصغار بتعلم ~~الغرائز، الغرائز لا تعلم، بل يعرفها الإنسان في وقتها المناسب. ومن ~~عجائب الخلق أن الماء العذب لا يختلط بالماء المالح، كما قال سبحانه # بينهما برزخ لا يبغيان # [الرحمن: 20] وهذا دليل إعجاز، فالماء المالح في البحار والمحيطات ~~الكبيرة دائما ما نجد منسوب المياه فيها أقل من منسوب مياه الأنهار، ~~ولو كان العكس لطغى الماء المالح على الأنهار وعلى اليابسة. ومعنى ذلك ~~أن تموت المزروعات وتفسد التربة لذلك شاءت حكمة الخالق سبحانه أن يكون ~~منسوب الأنهار أعلى، وأن يكون لها مصبات تنتهي إلى البحار ms8274 لتفرغ فيها ~~الماء الزائد عن الحاجة. وللخالق سبحانه حكمة في الماء العذب ليكون ~~صالحا للشرب ولسقي الزرع ويروي العطش، أما المالح فالله يحفظه بنسبة ~~الملوحة فيه حتى لا يفسد ويعطن لأن البحار والمحيطات هي مخازن الماء ~~العذب، فمنها يتبخر ماء المطر الذي تجري به الأنهار، وتلحظ أن درجة ~~الملوحة تختلف حسب طبيعة المكان، فمثلا تجد الماء في بحر البلطيق أقل ~~ملوحة، لأنه مصب لعدة أنهار، ويقع في منطقة كثيرة المطر، وهذا كله ~~يقلل من ملوحته. أما البحر الميت مثلا، فهو أكثر البحار ملوحة، ~~لدرجة أن الأسماك لا تعيش فيه، والسبب أنه لا توجد أنهار تصب فيه، ويقع ~~في منطقة حارة، قليلة المطر، فيكثر تبخر الماء منه، أما بقية المياه ~~الملتقية في البحار والمحيطات فتكاد ملوحتها تكون واحدة. وسبق أن ذكرنا ~~الحكمة من اتساع مساحة الماء المالح في البحار والمحيطات، وقلنا: إن ~~اتساع سطح الماء يزيد في نسبة البخر ليتوفر الماء العذب الصالح للري ~~وللشرب، ومثلنا لهذه العملية بكوب الماء تتركه على المكتب لمدة شهر ~~وتعود فتجده كما هو تقريبا، أما إن سكبته على أرض الحجرة فإنه يجف ~~قبل أن تغادرها، لماذا؟ لأنك وسعت مساحة التبخر. إذن: وسع الله ~~سطح المالح ليعطينا المطر الكافي لاستمرار الحياة، إذن: لا يذم ~~الماء المالح إن قوبل بالعذب لأنه أصل وجوده. لذلك قال الشاعر في ~~المدح: # أهدى لمجلسه الكريم وإنما # أهدى له ما حزت من نعمائه # كالبحر يمطره السحاب وما له # فضل عليه لأنه من مائه # ومعلوم أن الماء في الكون له دورة معروفة، قال الله فيها: # والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات ~~يسرا # [الذاريات: 1-3]. فالماء الذي خلقه الله في الكون هو هو لا يزيد ولا ~~ينقص، فما يستهلكه الإنسان مثلا من الماء يخرجه على شكل فضلات وبول ~~وعرق.. إلخ وما تبقى في جسمه من نسبة المائية وهي 90 في المائة من وزنه ~~تمتصها الأرض بعد موته، كذلك الزرع والحيوان، فهي إذن دورة معروفة ~~مشاهدة، كذلك فالحياة دورة فحين نقول لك: إن الله قادر على ms8275 إعادتها ~~فخذ من المشاهد دليلا على صدق ما غاب. # وقوله سبحانه: { ومن كل.. } [فاطر: 12] أي: ما من الماءين العذب ~~والمالح { تأكلون لحما طريا } [فاطر: 12] والمراد السمك، وهو ~~في الماء العذب كما في الماء المالح، والطعم واحد، ولم تجد مثلا ~~أسماك الماء المالح مالحة كالفسيخ مثلا أو السردين، ذلك لأن الكائن ~~الحي يمتص ما يحتاج إليه، ويترك العناصر الأخرى. وكلمة { لحما ~~طريا } [فاطر: 12] إشارة إلى أن السمك ينبغي أن يؤكل طريا طازجا، ~~فإن يبس وخرج عن طراوته فلا تأكله، وقد اشتهر عن العرب اللحم القديد، ~~حيث كانوا يجففون لحم الأنعام في حر الشمس ويقددونه ليعيش فترة ~~أطول، فهي طريقة من طرق حفظ اللحوم تناسب لحوم الأنعام، أما لحوم الأسماك ~~فتفسد إن خرجت عن هذا الوصف { لحما طريا.. } [فاطر: 12]. ثم ~~يذكر الحق سبحانه نعمة أخرى من نعم البحر: { وتستخرجون ~~حلية تلبسونها } [فاطر: 12] والحلية ما يتزين به من اللؤلؤ ~~والمرجان وغيرهما مما يخرج من البحر، وهذه زينة عامة للرجال وللنساء على ~~خلاف حلية الذهب التي تحرم على الرجال، فللرجل أن يتحلى بما يشاء من ~~حلية البحر، فلا نهي عن شيء منها، وحتى حلية الذهب للنساء، فإن المرآة ~~تتحلى بها لمن؟ للزوج. { وترى الفلك فيه مواخر } [فاطر: 12] ~~أي: السفن في البحر { مواخر } [فاطر: 12] يعني: تشق البحر شقا في ~~رحلات الصيد أو رحلات السفر، وهنا مظهر من مظاهر الإعجاز القرآني، ~~فالخطاب في القرآن أول مخاطب به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم تخاطب أمته من باطن خطابه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يركب ~~البحر ولا رآه. فحين يقول القرآن على لسانه: # وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام # [الرحمن: 24] يعني: كالجبال الشامخة. نقول: ومتى ظهرت السفن العملاقة ~~التي توصف بهذا الوصف؟ إنها لم تظهر إلا في العصر الحديث، وكانت قبل ~~سفنا عادية بدائية، فمن الذي أخبر سيدنا رسول الله بهذا التقدم الجاري ~~الآن في صناعة السفن، حتى إنه ليخيل لك أنها مدينة متحركة على أمواج ~~البحر. وقوله: { لتبتغوا من فضله } [فاطر: 12] تطلبوا ms8276 رزق ~~الله وفضل الله في حركة السفن، سواء كانت للصيد أو للسفر { ولعلكم ~~تشكرون } [فاطر: 12] كلمة لعل كما نعلم تدل على الرجاء، والمعنى: ~~لعلكم بعد كل هذه النعم تقابلونها بالشكر، وفي هذا إشارة إلى قلة من ~~يشكر. بعد ذلك ينتقل بنا السياق إلى ظاهرة أخرى وآية من آيات الكون: { ~~يولج الليل في النهار ويولج النهار في ~~الليل... }. ### || [35.13] # صحيح أن الليل والنهار يتساويان في بعض الأحايين، لكن يطول الليل في ~~الشتاء فيأخذ جزءا من النهار، ويطول النهار في الصيف فيأخذ جزءا من ~~الليل، إذن طول أحدهما نقص من الآخر، هذا معنى { يولج الليل ~~في النهار ويولج النهار في الليل } [فاطر: 13] يعني: ~~يدخل هذا في هذا. وظاهرة إدخال الليل في النهار وإدخال النهار في الليل ~~ناشئة من ميل المحور، فالحق سبحانه كما وزع الماء وحفظه في البحر ~~الواسع، كذلك وزع الحرارة، فالشمس لولا وجود المحور المائل لاحترقت ~~الجهة المقابلة للشمس وتجمدت الجهة الأخرى. ومن عجائب الخلق أن الإنسان ~~الذي يعيش عن القطب الشمالي أو القطب الجنوبي حرارته 37 مثل الذي يعيش ~~عند خط الاستواء، لأن الجسم البشري مبني على هندسة خاصة تحفظ له حرارته ~~المناسبة أيا كان، بل تحفظ لكل عضو فيه حرارته التي تناسبه مع أن ~~الأعضاء كلها في جسم واحد، والحرارة تشع وتستطرق في المكان كله. عجيب ~~أن الكبد مثلا لا يؤدي وظيفته الطبيعية إلا في درجة حرارة 40، والعين لا ~~تزيد حرارتها عن 7، فمن يمنع حرارة الكبد أن تستطرق في الجسم كله وتصل ~~إلى العين مثلا؟ إنه الخالق # الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى # [الأعلى: 2-3]. وقوله سبحانه: { وسخر الشمس والقمر } ~~[فاطر: 13] يعني: ذللهما للإنسان، وجعلهما في خدمته دون قدرة له ~~عليهما، ودون إرادة منه، فالشمس والقمر آيتان في الهيكل العام للكون لا ~~دخل للإنسان فيهما، ولو كان له دخل لفسد أمرهما وما استقام، وصدق ~~الله: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموت ~~والأرض.. # [المؤمنون: 71]. فإن قلت: إفساد الإنسان في الأرض أمر ممكن، فكيف ~~يكون إفساده للسماء؟ قالوا: ألم يتمن ms8277 قوم أن تسقط السماء عليهم، ~~فقالوا: # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا # [الإسراء: 92] فلو اتبع الحق أهواء هؤلاء لخربت الدنيا. وهذه ~~مسألة تكلمت فيها المدرسة الفلسفية في ألمانيا أمام مدرسة أخرى، وكان ~~لهما رأيان متناقضان، وهما في عصر واحد، وكل منهما تتخذ من رأيها دليلا ~~على الإلحاد وقولا بعدم وجود إله، وهذا عجيب. فواحدة تقول: لا شذوذ في ~~العالم، فهو يسير على قوانين مستقيمة أشبه ما تكون بالميكانيكا، ولو كان ~~لهذا الكون إله خالق لاختلف الخلق وحدث فيه شذوذ. والأخرى تقول: إن ~~الكون لا يسير على نظام ثابت، بل يحدث فيه شذوذ في الخلق، بدليل أن ~~البعض يولد مثلا معوقا، ولو كان للعالم إله خالق لجاء الخلق ~~واحدا مستويا لا اختلاف فيه. سبحان الله، فهم يريدون الإلحاد على أي ~~وجه، فمزاجهم أن يلحدوا. ونقول لهؤلاء: تعالوا نردكم إلى الصواب وإلى ~~كلمة سواء: يا من تريد شذوذ الأشياء دليلا على وجود إله قادر الدليل ~~موجود، ويا من تريد ثبات الأشياء دليلا على وجود إله حكيم الدليل ~~موجود، لكن الجهة منفكة، كيف؟ النظام الثابت الذي لا شذوذ فيه موجود في ~~الكون العلوي الذي يسير على رتابة ونظام لا يتخلف، فحركة الشمس والقمر ~~والكواكب والأفلاك تسير كلها على نظام واحد لا يختل أبدا، والآن ~~استطعنا مثلا تحديد لحظة الكسوف والخسوف، وفعلا نشاهده في وقته بالضبط. # إذن: إن أردت الثبات دليلا فخذه من الأفلاك العليا لأنها لا بد ~~أن تبنى على نظام ثابت لا شذوذ فيه، وإلا لاختل الكون كله. فإن ~~كنت تريد الشذوذ فشاهده في الجزئيات لأن شذوذ الجزئيات لا يؤثر على ~~النظام العام للكون لذلك ترى: هذا سليم، وهذا أعمى، وهذا أعور.. إلخ. ~~إذن: الثبات في موضعه لحكمة والشذوذ في موضعه لحكمة، وهذا وذاك دليلان ~~على وجود الإله الخالق القادر. وقوله تعالى { كل يجري لأجل ~~مسمى } [فاطر: 13] أي: الشمس والقمر يجري كل منهما إلى وقت معلوم ~~يتم فيه فناؤهما ونهايتهما { ذلكم } [فاطر: 13] أي: الذي فعل هذا ~~وقدره { الله ربكم له الملك ms8278 } [فاطر: 13] أي: العالم ~~المحس المشاهد لك، أما الذي لا تراه من ملك الله فهو عالم ~~الملكوت، وهو ما غاب عنك، ولا تدركه حواسك. لذلك لما نجح سيدنا إبراهيم ~~في الابتلاء كما قال تعالى: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124] أعطاه الله منزلة عظيمة، وأطلعه على الملكوت الذي غاب عن ~~غيره، فقال سبحانه: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض # [الأنعام: 75] وما يترتب من عالم الملك المشاهد لنا ناشئ عن عالم ~~الملكوت الذي لا ندركه. والحق سبحانه وتعالى يشير إلى هذا العالم - عالم ~~الملكوت - في قوله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا # [الأنفال: 29]. كيف، ونحن ما اتقينا الله إلا بالفرقان أي: بالقرآن، فما ~~معنى # يجعل لكم فرقانا # [الأنفال: 29]؟ قالوا: الفرقان هنا أن يريك الله ملكوت السماوات ~~والأرض. وقوله سبحانه: { والذين تدعون من دونه ما ~~يملكون من قطمير } [فاطر: 13] يعني: إن كان الإله الحق خلق ~~لكم كذا كذا، وسخر لكم الشمس والقمر، فإن آلهتكم المدعاة المزعومة { ~~ما يملكون من قطمير } [فاطر: 13] فما القطمير؟ المتأمل في ~~القرآن الكريم يجده يولي اهتماما كبيرا للنخلة، وأول ما خاطب خاطب ~~العرب، وهم أول من ووجهوا بالإسلام ودعوا إليه، فخاطبهم القرآن بما ~~يناسبهم، وذكر لهم أمثلة من بيئتهم، والنخلة مشهورة في البيئة العربية، ~~ولها في ديننا منزلة، حتى أنه نسب إلى سيدنا رسول الله أنه قال " ~~أكرموا عمتكم النخلة ". وهذا القول وإن لم يصح عن رسول الله إلا أن الذي ~~قاله لم يقله من فراغ، ولا بد أن لهذا القول أصلا، وأن هناك صلة ~~بين الإنسان والنخلة. # وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه: # " إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ". # فلما سمع عبد الله بن عمر هذا قال لأبيه: لقد وقع في نفسي أنها النخلة، ~~لأنها لا يسقط ورقها، وهي أشبه بالمؤمن، فكل ما فيها نافع فبكر عمر إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إن ابني عبد الله قال ~~عن الشجرة التي ms8279 ذكرت أنها النخلة. فقال: صدق، فقال عمر: فوالله ما يسرني ~~أن يكون لي بها حمر النعم، يعني: فرح أن يفهم ابنه مقالة رسول الله. ~~وقد حاول العلماء تقريب هذه الحقيقة إلى الأذهان وإثبات النسب بين ~~الإنسان والنخلة، وأنها ربما تكون قد خلقت من بقية طينة سيدنا آدم، ~~فقالوا: إن رائحة طلع النخلة الذي يتم به التلقيح هي نفس رائحة المني ~~عند الإنسان، وهذا يرجح صدق قول من قال إنها عمتنا. وفي خلق ~~النخلة على هذه الصورة عجائب وأسرار، ويكفي أن كل ما فيها نافع، ولا ~~يرمى منها شيء، وقد جعلها الله موضعا للمثل والعبرة، فلما حدث ~~العرب عن الهلال، قال: # والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون ~~القديم # [يس: 39]. والعرجون هو السباطة التي تحمل البلح حين تيبس تلتوي ~~وتتقوس، فقرب لهم الأعلى بذكر الأدنى المعروف لهم. خذ مثلا نواة ~~التمرة، وهي أهون ما يكون، إلا أن الله تعالى كرمها حين ذكر منها ثلاثة ~~أجزاء جعلها أمثالا توضيحية. ذكر القطمير الذي معنا في هذه الآية { ~~والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير } ~~[فاطر: 13] وهو الغشاء الشفاف الذي يحيط بالنواة، ونجد مثله بين بياض ~~البيضة وقشرتها. وذكر النقير في قوله سبحانه: # فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا # [النساء: 124] والنقير تجويف صغير، أو نقرة في ظهر النواة. وذكر الفتيل ~~في قوله تعالى: # قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ~~ولا تظلمون فتيلا # [النساء: 77] والفتيل خيط أبيض تجده في بطن النواة، وهذه الثلاث: ~~القطمير والنقير والفتيل تضرب مثلا للشيء اليسير المتناهي في القلة. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم ولو ~~سمعوا ما استجابوا لكم... }. ### || [35.14] # قوله { إن تدعوهم } [فاطر: 14] الدعاء هنا معناه العبادة، فقد كان ~~الواحد منهم يقف أمام صنمه يدعوه ويتوسل إليه ويكلمه.. إلخ، لكن هيهات ~~فهذا حجر لا يسمع، فدعاؤه غباء فضلا عن كونه كفرا، ومعنى { لا ~~يسمعوا دعآءكم } [فاطر: 14] أي: الآلهة التي لا تعقل ولا تسمع، ~~كالشجر والحجر وغيره. لكن، لماذا عبد الكفار الأصنام مثلا، وهم يعلمون ms8280 ~~أنها حجارة نحتوها بأيديهم، ويرون أن هبة الريح توقع معبودهم، ~~وتلقيه على الأرض، وتكسر ذراعه، فيحتاج إلى من يصلحها، شيء عجيب أن ~~تعبد الأصنام من دون الله، لكن السبب هو فطرة التدين في النفس البشرية. ~~فكل إنسان بطبعه يحب التدين، وآفة التدين أن له مطلوبات، فما المانع أن ~~يذهب الإنسان إلى تدين يرضي هذه الفطرة، ومع ذلك لا مطلوبات له، من هنا ~~عبدت الأصنام، وعبدت الكواكب والأشجار وجعلت آلهة. ومعنى العبادة: ~~أن يطيع العابد أمر معبوده وينتهي عن نهيه، فإذا لم يكن هناك أمر ولا ~~نهي، فالعبادة ساقطة باطلة لأنك تعبد إلها بلا منهج، وإلا فبماذا أمرتهم ~~هذه الآلهة وعم نهتهم؟ ماذا أعدت لمن عبدها؟ وماذا أعدت لمن ~~كفر بها؟ وقوله تعالى: { ولو سمعوا } [فاطر: 14] أي: على فرض أنهم ~~عبدوا بشرا يسمعهم { ولو سمعوا ما استجابوا لكم } ~~[فاطر: 14] يعني: ما وافقوا على عبادتكم لهم، ولرفضوا أن يكونوا آلهة، ~~ومثال ذلك: الذين عبدوا عيسى عليه السلام من دون الله. وقد تناول الشاعر ~~هذه المسألة حين تخيل أن غار ثور يغار من غار حراء لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم جعله مكانا للخلوة وللتعبد، وفيه نزل عليه أول ~~الوحي، فلما نزل النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته بغار ثور فرح ثور، ~~ورأى أن الرءوس قد تساوت، فحراء لبعثة رسول الله، وثور لهجرته، التي ~~كانت منطلقا للدعوة. يقول الشاعر: # كم حسدنا حراء حين ترى # الروح أمينا يغذوك بالأنوار # فحراء وثور صارا سواء # بهما اشفع لأمة الأحجار # عبدونا ونحن أعبد لله # من القائمين بالأسحار # تخذوا صمتنا علينا دليلا # فغدونا لهم وقود النار # قد تجنوا جهلا كما قد تجنوه # على ابن مريم والحواري # للمغالي جزاؤه والمغالي فيه # تنجيه رحمة الغفار # فالحجر ذاته يأبى أن يعبد من دون الله، ويعلم في حقيقته قضية التوحيد، ~~ويخر لله مسبحا، فما بالك بالبشر؟ لذلك سنرى في موقف القيامة ~~العجب من المعارك والمناقشات بين العابد والمعبود، والتابع والمتبوع، ~~يقول تعالى: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب ms8281 وتقطعت بهم الأسباب # [البقرة: 166] وقال حكاية عن الذين ضلوا: # ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين # [فصلت: 29]. وهنا يقول سبحانه: { ويوم القيامة يكفرون ~~بشرككم } [فاطر: 14] أي: هؤلاء الذين توجهتم إليهم بالعبادة ~~واتخذتموهم آلهة سيتبرأون منكم ومن شرككم { ولا ينبئك مثل ~~خبير } [فاطر: 14] أي: عالم ببواطن الأمور، وكأن الله تعالى يقول لك: ~~أنا أخبرك بما سيكون في المستقبل فخذ من صدقي فيما مضى دليلا على ~~صدقي فيما هو آت، ومن صدقي فيما تشاهد دليلا على صدقي فيما غاب عنك. ### || [35.15-17] # النداء في { يأيها الناس } [فاطر: 15] نداء عام للناس جميعا، ~~المؤمن والكافر، والطائع والعاصي { أنتم الفقرآء إلى الله ~~والله هو الغني الحميد } [فاطر: 15] هذه حقيقة يذل الله ~~بها كبرياء الذين تأبوا على الإيمان بالله، وتمردوا على منهج الله، ~~وكأن الله تعالى يقول لهم: ما دمتم قد ألفتم التمرد فتمردوا أيضا ~~على الفقر إن أفقرتكم، وعلى المرض إن نزل بكم، تمردوا على الموت إن ~~حان أجلكم، إذن: أنتم مقهورون لربوبية الله، لا تنفكون عنها. { والله ~~هو الغني الحميد } [فاطر: 15] أي: الغنى المطلق، ومعنى { ~~الحميد } أي: المحمود كثيرا، والغنى لا يحمد إلا أن أعطى، وكان ~~عطاؤه سابغا، فالغنى الممسك لا يحمد بل يذم. ثم يذكرهم الحق ~~سبحانه بحقيقة أخرى غابت عنهم { إن يشأ يذهبكم ويأت ~~بخلق جديد } [فاطر: 16] كما قال في موضع آخر: # وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم # [محمد: 38] ومعنى: خلق جديد: الشيء الجديد هو قريب العهد بالعمل فيه، ~~مثل الثوب الجديد يعني الذي فرغ من خياطته ولم يلبس بعد. وإعادة ~~الخلق أو الإتيان بخلق جديد أمر هين على الله { وما ذلك على ~~الله بعزيز } [فاطر: 17] يعني: ليس صعبا، لكن الحق سبحانه يريد ~~أن يأتي له الخلق طواعية، ويؤمنون به سبحانه، وهم قادرون على الكفر ~~ولهم مطلق الاختيار، وهذا الاختيار موطن العظمة في دين الله. وسبق أن ~~مثلنا هذه القضية بأنه لو أن لك عبدين أمسكت الأول إليك بسلسلة، ~~وتركت الآخر حرا، وإن ناديت ms8282 على أحدهما لبى وأجاب، فأيهما يعد ~~الأطوع لك. كذلك الحق سبحانه يريدنا طائعين عن رضا وعن اختيار، لا عن قهر ~~وكراهية، فالله سبحانه كما قلنا لا يريد قوالب تخضع، إنما يريد قلوبا ~~تخشع. والإتيان بخلق جديد أمر هين يسير على الله تعالى لأن الله ~~تعالى لا يخلق بعلاج، وإنما يخلق بكن فيكون، وهذا من الله تعالى لا ~~يحتاج إلى زمن. ولو أردت أن تستقصي هذا المعنى في قوله تعالى: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82] تجد أن الشيء في الحقيقة موجود بالفعل، لكن في عالم الغيب ~~والأمر، له أن يظهر لنا في عالم الواقع لذلك لما سئل أحد العارفين ~~قال: أمور يبديها، ولا يبتديها. وتلحظ في قوله تعالى { والله هو ~~الغني الحميد } [فاطر: 15] ذكر ضمير الفصل هو فلم يقل الحق ~~سبحانه: والله الغني، وهذا الضمير أفاد توكيد الخبر وقصر الغنى على ~~الله سبحانه وتعالى، لذلك قلنا: إن هذا الضمير لا يأتي إلا فى المواضع ~~التي تحتمل شبهة المشاركة، كما في قوله تعالى: # الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ~~ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 78-80]. فجاء هنا بضمير الغائب هو لأن الهداية والإطعام ~~والسقيا والشفاء من المرض كلها مظنة أن يشاركه فيها أحد من الخلق، ~~أما في الحديث عن الموت فقال: # والذي يميتني ثم يحيين # [الشعراء: 81] ولم يأت هنا بضمير الغائب لأن الموت والإحياء لله وحده، ~~ولا شبهة فيهما، ولم يدعهما أحد لنفسه. ثم يقول الحق سبحانه: { ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى ~~حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ~~إنما تنذر... }. ### || [35.18] # معنى { ولا تزر وازرة } [فاطر: 18] لا تحمل نفس آثمة { وزر ~~أخرى } [فاطر: 18] حمل نفس أخرى لأنها هي الأخرى مثقلة ~~بحملها، والوزر هو الحمل الثقيل الذي لا يطيقه الظهر، ومنه قوله ~~تعالى في مسألة الوحي: # ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك # [الشرح: 2-3] يعني: أتعبك نتيجة التقاء الملائكية بالبشرية. لذلك # " كان صلى الله عليه وسلم يتفصد جبينه ms8283 عرقا من لقاء جبريل، وهو الذي ~~قال مصورا هذا اللقاء: " ضمني حتى بلغ مني الجهد " وعاد إلى أهله ~~يقول: زملوني زملوني، دثروني دثروني " # ومع هذا كله لما فتر الوحي اشتاق إليه وتمناه أن يجيء، لأنه ذاق ~~حلاوته، وحلاوة الشيء تنسيك ما تلاقيه من المتاعب في سبيله. والمعنى: لا ~~تحمل وزر وذنب نفس أخرى مثقلة بالذنوب والآثام، وقد شرح الحق لنا هذا ~~المعنى فى قوله سبحانه: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37] فكل مشغول بنفسه، مرتهن بعمله، لا وقت للمجاملة لذلك ~~يقول الوالد لولده: يا بني حملي ثقيل علي، فخذ عني شيئا منه. ~~فيقول الولد: حسبي حملي يا أبي. كذلك هنا { وإن تدع مثقلة ~~إلى حملها } [فاطر: 18] أي: نفسي مثقلة بالآثام تطلب من يحمل ~~عنها شيئا من ذنوبها ولكن هيهات { لا يحمل منه شيء ولو ~~كان ذا قربى } [فاطر: 18] أي: لو كان هذا النداء لأقرب الناس ~~إليها ما أجاب وما حمل عنها، وكيف تحمل نفس وزر نفس أخرى، وهي مشغولة ~~بحملها مثقلة به؟ لذلك يكذب الحق سبحانه قول الذين كفروا حين ~~يتعرضون لحمل خطايا أتباعهم، فيقول سبحانه: # وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا ~~سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من ~~خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون * وليحملن ~~أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم ~~القيامة عما كانوا يفترون # [العنكبوت: 12-13]. إذن: هذه مسألة واضحة، فكل مشغول بنفسه # كل نفس بما كسبت رهينة # [المدثر: 38]. فالإنسان في الدنيا مرتبط إما بقرابة لها حقوق عليه، وإما ~~بإخوان وأصدقاء، وإما بمنقذ يستنجد به، وإن لم يكن قريبا ولا صديقا، ~~لكن يوم القيامة ستنحل كل هذه العرى لأن الموقف لا يحتمل المجاملات ~~ولا التضحيات. لذلك لما سمعت السيدة عائشة رضي الله عنها سيدنا رسول ~~الله وهو يحدثهم عن القيامة، ويذكر أن الشمس تدنو من الرؤوس والخلق ~~يقفون عرايا، استاءت وسألت رسول الله: كيف يقف الناس عرايا ينظر بعضهم ~~إلى عورة بعض؟ فأجابها رسول الله أن كل امرئ ms8284 مشغول بنفسه، وأن الأمر أعظم ~~من أن ينظر أحد لعورة أحد في هذا الموقف. ثم يقول سبحانه مخاطبا نبيه ~~صلى الله عليه وسلم: { إنما تنذر الذين يخشون ربهم ~~بالغيب } [فاطر: 18] يعني: إنذارك يا محمد وتحذيرك لا ينفع إلا ~~الذين يخشون ربهم بالغيب، أما الآخرون فقد ظلموا أنفسهم حين حرموها الخير ~~الكثير الذي أراده الله لهم، ظلموها حين غرتهم الدنيا بنعيمها الفاني، ~~وشغلتهم عن نعيم الآخرة الباقي الدائم. # والإنذار: التخويف من شر قبل أوانه لتتوقاه، والفرصة سانحة قبل أن ~~يداهمك، فأنت مثلا حين تريد أن تحث ولدك على المذاكرة وتحذره من ~~الإهمال الذي يؤدي إلى الفشل لا تقول له هذا ليلة الامتحان، إنما قبله ~~بوقت كاف ليتدارك أمره، ويصحح ما عنده من قصور أو إهمال. والإنذار ~~والتخويف لا يجدي إلا مع من يؤمن بما تخوفه به، فحين ينذر رسول الله ~~بعذاب الآخرة لا ينتفع بهذا الإنذار إلا من يؤمن بالله ويؤمن بالقيامة. ~~ومعنى { يخشون ربهم } [فاطر: 18] الخشية هي الخوف، لكن بحب ~~وتوقير، لا خوف بكراهية، فأنت تخاف مثلا من بطش جبار ظالم. لكن تخافه ~~وأنت كاره له، إنما خوفك من الله خوف ناتج عن حب وتوقير، لذلك يصحب ~~هذا الخوف رجاء وطمع في رحمته تعالى، فأنت تسير في رحلة حياتك بجناحين: ~~خوف من العذاب، ورجاء في الرحمة. والإنسان ينبغي ألا ينظر إلى الفعل في ~~ذاته، بل ينظر إلى الفعل وإلى قابل، فقد يكون الفعل واحدا لكن يختلف ~~مستقبل الفعل، فالقرآن مثلا سمعه قوم عند رسول الله، فحكى الله عنهم: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا.. # [محمد: 16]. في حين سمعه آخر فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه ~~لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى عليه. ~~وسمعه عمر فلان قلبه ورق فأسلم، فالقرآن واحد، لكن فرق بين من ~~يسمعه وهو له كاره، فيغلق عليه وبين من يستقبله بقلب واع مفتوح ~~لإشراقات القرآن وتجلياته. ألا ترى أن الحديد يستجيب ms8285 لك حين تطرقه وهو ~~ساخن، فيصير كالعجينة في يدك، أما إن طرقته وهو بارد فإنه لا يتفاعل ~~معك، كذلك قلنا مثلا: إنك في اليوم البارد تنفخ في يدك لتشعر بالدفء، ~~وتنفخ أيضا في كوب الشاي مثلا لتبرده، فكيف تجتمع هذه المتضادات لفعل ~~واحد؟ نقول: لأن الفاعل وإن كان واحدا إلا أن المستقبل للفعل مختلف. ~~كذلك إنذاره صلى الله عليه وسلم إنذار واحد، لكن استقبله قوم بخضوع ورغبة ~~في الهداية فآمنوا، واستقبله قوم بعناد وإصرار فلم يستفيدوا منه ولم ~~ينتفعوا بثمرته. وقوله { الذين يخشون ربهم بالغيب } ~~[فاطر: 18] دلت على أن الإيمان اكتمل في نفوس هؤلاء اكتمالا يستوي فيه ~~مشهد الحكم بغيبه. ومن ذلك قول الإمام على رضي الله عنه: لو انكشف عني ~~الحجاب ما ازددت يقينا. # " ولما سأل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر: " كيف أصبحت يا ~~أبا ذر؟ " قال: أصبحت مؤمنا حقا، قال: " فإن لكل حق حقيقة، فما حقيقة ~~إيمانك؟ " قال: عزفت نفسي عن الدنيا، حتى استوى عندي ذهبها ومدرها، ~~وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار ~~يعذبون، فقال له رسول الله: " عرفت فالزم " ". # ثم يذكر الحق سبحانه صفة أخرى للذين استجابوا لإنذار رسول الله وانتفعوا ~~به: { وأقاموا الصلاة } [فاطر: 18] فهم مع خشيتهم لله خشية ~~أوصلتهم إلى إيمان يستوي فيه الغيب بالمشاهدة، هم أيضا يقيمون الصلاة ~~أي: يؤدونها على أكمل وجه، والصلاة كما ذكرنا هي العبادة الوحيدة التي لا ~~تسقط عن المكلف بحال، فقد يطرأ عليك ما يسقط الزكاة أو ما يسقط ~~الصيام أو الحج فلم تبق إلا شهادة ألا إله إلا الله محمد رسول الله. ~~وهذه يكفي أن تقولها ولو مرة واحدة. أما الصلاة فهي العبادة الوحيدة ~~الملازمة للمسلم لأن الصلاة في حقيقتها استدامة الولاء لله تعالى، ~~فربك يدعوك إلى لقائه خمس مرات في اليوم والليلة يناديك لتعرض الصنعة ~~على صانعها، وما بالك بصنعة تعرض على صانعها خمس مرات في اليوم والليلة؟ ~~أيكون بها عطب بعد ذلك؟ أما إذا أردت ms8286 مقابلة عظيم من عظماء الدنيا ~~فدونه أبواب وحراس ومواعيد وإجراءات صارمة، ولا تملك أنت من عناصر ~~هذا اللقاء شيئا، بل يحدد لك الموعد والموضوع وحتى ما تقوله، إنك تستأذن ~~في أوله ولا تملك الانصراف في آخره. أما لقاؤك بربك فخلاف ذلك، ففي يدك ~~أنت كل عناصر اللقاء، فأنت تبدؤه متى تحب، وتنهيه كما تحب، وتناجي ربك ~~فيه بما تريد، تبثه شكواك، وتعرض عليه حاجتك، فيسمع ويجيب. وبعد أن ~~ذكر الحق سبحانه هذه العبارة الدائمة يقرر هذه الحقيقة { ومن تزكى ~~فإنما يتزكى لنفسه } [فاطر: 18] يعني: عبادتك عائدة إليك ~~أنت لا ينتفع الله تعالى منها بشيء، فهو سبحانه لا تنفعه طاعة الطائعين، ~~ولا تضره معصية العاصين. فهو سبحانه غني عنا، ونحن بعبادتنا لله لم ~~نزده سبحانه صفة كمال لم تكن له لأنه بصفة الكمال أوجدنا وبصفة الكمال ~~كلفنا. لذلك جاء في الحديث القدسي: # " يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، وشاهدكم وغائبكم ~~كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن ~~أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم وشاهدكم وغائبكم كانوا على أفجر قلب رجل ~~واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، ذلك أني جواد ماجد واجد، عطائي ~~كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون ". # إذن: نحن صنعة الله، وما رأينا صانعا يعمد إلى صنعته فيحطمها أو ~~يعيبها، إنما يصلحها ويهذبها ويعتني بها، حتى إن أصابك عطب أو إيلام ~~فاعلم أنه في النهاية لصالحك. { وإلى الله المصير } [فاطر: 18] ~~يعني: المرجع والمنقلب يوم القيامة ليفصل بين الخصوم، ولينال كل ما ~~يستحق، فمن أفلت من العقاب في الدنيا فهناك مصير سيرجع إليه. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { وما يستوي الأعمى والبصير }. ### || [35.19-22] # هذه حقائق يقررها الحق سبحانه، فالمتناقضان لا يستويان، لأن الأعمى لا ~~يعرف مواقع الأشياء من حركته، والبصير يعرف مواقع الأشياء من حركته، ~~البصير يرى مواقع الأشياء ويتفادى الأخطار، أما الأعمى فلا بد له من ~~مرافق يتطوع بصداقة عينه السليمة للعين الغائبة، لذلك ms8287 نقول: إن أعطى ~~الأعمى للعمى حقه صار مبصرا، كيف؟ لأنه لا يتكبر أن يستعين بالمبصر، ~~فحين ينادي على من يأخذ بيده تتسابق إليه كل العيون من حوله لتساعده، ~~أما إن تعالى فسرعان ما يندب على وجهه. والعمى والبصر حسيات توضح ~~المعنوي، فالمراد لا يستوي الجاهل والعالم لأن حركة الحياة تنقسم إلى ~~حركة مادية: تأتي وتذهب، تزرع وتقلع.. إلخ وحركة قيمية معنوية، وهي ~~الروحانيات والأخلاقيات العالية، مثل معاني: الإيمان، الصدق، الوفاء، ~~العدل، الرحمة.. إلخ. وإذا كانت الحركة المادية الحسية تحتاج إلى نور ~~حسي يهديك حتى لا تصطدم بما هو أقوى منك فيحطمك، أو بما هو أضعف منك ~~فتحطمه، فكذلك الحركة القيمية المعنوية الروحية تحتاج إلى نور معنوي يهدي ~~خطاك كي لا تضل، هذا النور المعنوي هو المنهج الذي قال الله فيه: # قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين* يهدي به ~~الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم ~~من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم # [المائدة: 15-16]. فالشمس هي النور الحسي، والقرآن هو النور المعنوي ~~لذلك قلنا في قوله تعالى: # الله نور السموت والأرض # [النور: 35] أي: منورهما بالنورين. الحق سبحانه سبق أن ذكر لنا ~~التقابل بين الماءين العذب والمالح، فقال سبحانه: # وما يستوي البحران هذا عذب فرات سآئغ شرابه ~~وهذا ملح أجاج # [فاطر: 12] نعم، لا يستويان، لكن العلاقة بينهما علاقة تقابل كالليل ~~والنهار، لا علاقة تضاد كالأعمى والبصير، بدليل أن الله جمعهما معا، ~~فقال: # ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية ~~تلبسونها # [فاطر: 12] فإن اختلف المتقابلان، فلكل منهما مهمة يؤديها، فهما ~~متساندان لا متعاندان. وبعد أن ذكر الحق سبحانه عدم استواء الأعمى ~~والبصير يقول: { ولا الظلمات ولا النور } [فاطر: 20]، لأن ~~النور هو مصدر الإبصار فالمبصر لا يرى شيئا في الظلمة. هذا في العمى ~~والبصر الحسي، أما القيم والمعنويات فلها مقياس آخر لذلك يقول تعالى: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46]، فقد يكون الرجل مبصرا وهو أعمى بصيرة. والأعمى في ~~المعنويات هو الذي يجهل الحكم الذي ms8288 يهديه إلى منطقة الحق في كل القيم، ~~والبصير هو العالم بهذه الأحكام. وحين تتأمل أسلوب هاتين الآيتين. تجد ~~فيهما ملمحا من ملامح الإعجاز في كلام الله، فالأولى { وما يستوي ~~الأعمى والبصير } [فاطر: 19] قرنت بين الاثنين باستخدام واو ~~العطف، أما الأخرى { ولا الظلمات ولا النور } [فاطر: 20] ~~فذكرت لا النافية الدالة على توكيد عدم الاستواء، فلم يقل الحق سبحانه ~~كما في الأولى: ولا الظلمات والنور، لماذا؟ قالوا: لأن العمى والبصر ~~صفتان قد تجتمعان في الشخص الواحد، فقد يكون أعمى اليوم ويبصر غدا، قد ~~يكون جاهلا ويتعلم، أو كافرا ويؤمن، فيطرأ عليه الوصفان لذلك لم يؤكد ~~معنى عدم الاستواء، أما الظلمات والنور فهما متقابلان لا يجتمعان. # كما تلحظ في دقة الأداء القرآني لأن الحق سبحانه هو المتكلم، فقال: { ~~ولا الظلمات ولا النور } [فاطر: 20] فالظلمات جمع والنور ~~مفرد لأن مذاهب الضلال شتى، فهذا يعبد النجوم، وهذا يعبد الأصنام، وهذا ~~يعبد الملائكة.. الخ. أما النور فواحد، هو منهج الله المنزل في كتابه. ~~لذلك لما أراد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلم أصحابه هذا ~~الدرس خط لهم خطا مستقيما، ومن حوله خطوط متعرجة، ثم تلا: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله # [الأنعام: 153]. ثم يقول سبحانه: { ولا الظل ولا الحرور } ~~[فاطر: 21] وهما أيضا متقابلان لا يجتمعان، كذلك { وما يستوي ~~الأحيآء ولا الأموات } [فاطر: 22] وتلحظ هنا أن الحق سبحانه ~~أعاد ذكر الفعل المنفي { وما يستوي } [فاطر: 22] لتأكيد عدم ~~الاستواء بين الحي والميت. وكذلك ذكر لا النافية الدالة على التوكيد لأن ~~كلمة الأحياء تعني المؤمنين الإيمان الحق، الذين يستحقون حياة أبدية ~~باقية تتصل بحياتهم الدنيوية الفانية، أما الأموات فهم الكفار الذين ~~تأبوا على منهج الله. أو: أن الأحياء هم الذين عرفوا أن الحياة الحقة ~~هي العيش بمنهج ربهم الذي يؤدي بهم إلى الحياة الحقيقية الباقية التي قال ~~الله عنها: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. وهذه هي الحياة المرادة في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله ms8289 وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال: 24] كيف وهو يخاطبهم وهم أحياء بالفعل؟ إذن: المعنى يحييكم ~~الحياة الحقيقية التي لا تنتهي بموت، ولا تسلب منها نعمة. ومن ذلك أيضا ~~قوله سبحانه: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت ليس ~~بخارج منها.. # [الأنعام: 122]. ومن المعاني التى نفهمها من عدم استواء الأحياء ~~والأموات أن الحي خلقه الله وأمده بأجهزة نفسية: عقلا، وأعصابا، ~~وعضلات، وسمعا وبصرا.. الخ وهذه الأعضاء لها قيمة، ولها مهمة، وعليه ~~أن يستخدم هذه النعم استخداما يجعلها وسائل لنعم أخرى، ثم ليعلم أنه ~~في رحلة حياته لا بد أنه سيموت، لكن ربه عز وجل أبهم له أجله ليكون ~~ذلك عين البيان، وليظل على ذكر له طوال الوقت وينتظره في كل لحظة، ~~فعمرك محسوب بعد تنازلي، وسهم الموت أطلق في اتجاهك بالفعل، وعمرك ~~بقدر وصوله إليك. بعد أن تكلم الحق سبحانه عن الحال في التكليفات فقال: ~~لا يستوي الأعمى الجاهل بأصول دينه والبصير العالم بها، ولا يستوي نور ~~الإيمان والهداية مع ظلمات الضلال، يتكلم سبحانه عن المآل، فيقول: { ~~ولا الظل ولا الحرور } [فاطر: 21] الظل كناية عن نعيم الجنة، ~~وفي موضع آخر قال: # ظلا ظليلا # [النساء: 57] والحرور كناية عن العذاب وشدة حره. ثم يقول سبحانه ~~مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم ومسليا له: { إن الله ~~يسمع من يشآء ومآ أنت بمسمع من في القبور } ~~[فاطر: 22] النبي صلى الله عليه وسلم جاء على كفر وجهالة من قومه، فكانت ~~دعوته أن يخرجهم من العمى والجهالة إلى ما ينير بصائرهم ويخرجهم من ~~ظلمات الضلال إلى نور الإيمان. وقد كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص ~~على هداية قومه يكاد يهلك نفسه في سبيل دعوته لذلك خاطبه ربه بقوله: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. كذلك هنا يخاطبه بقوله: { إن الله يسمع من ~~يشآء } [فاطر: 22] أي سماع هداية إقبال، وإلا فهم جميعا يسمعون، ~~لكن هناك سماع إعراض وسماع إقبال، منهم من يقبل ms8290 ويؤمن ويتأثر بكلام ~~الله، ومنهم من يسمع ثم يعرض وينصرف عما سمع لذلك قال الله فيهم: # ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو ~~أسمعهم لتولوا وهم معرضون # [الأنفال: 23]. إذن: يا محمد، لقد أديت ما عليك نحوهم، وخاطبتهم خطاب ~~هداية، وخطاب تهديد ووعيد، فلم يسمعوا { ومآ أنت بمسمع من ~~في القبور } [فاطر: 22] فجعلهم الله لعدم سماعهم كالأموات، وإلا # " فرسول الله خاطب أهل قليب بدر من الكفار حين وقف عليهم وناداهم ~~بأسمائهم: " يا عتبة بن ربيعة، يا شبيبة بن ربيعة، يا أبا جهل أليس وجدتم ~~ما وعدكم ربكم حقا، فإنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقا ". فقال عمر: ~~أتكلمهم وقد جيفوا؟ قال صلى الله عليه وسلم: " والله، ما أنتم بأسمع ~~منهم، ولكنهم لا يتكلمون ". # فالمعنى: ما أنت بمسمع السماع المؤدي إلى الهداية، كما أنك لا تسمع ~~من في القبور لأن زمن السماع وقبول الهداية انتهى بالموت. لكن إذا كان ~~رسول الله لا يسمع من في القبور، فما مهمته؟ يقول سبحانه بعدها: { ~~إن أنت إلا نذير }. ### || [35.23] # إن هنا بمعنى ما النافية: ما أنت إلا نذير أي: محذر من المعصية ومن ~~العذاب، وكأن الحق سبحانه يريد أن يخفف عن رسوله، فيحدد له هذه المهمة ~~فحسب، وليس له أن يزيد عليها بما يشق عليه حتى يكاد يهلك نفسه، ~~فيقول له: مهمتك فقط الإنذار، أما الهداية فمن الله فأرح نفسك، فلو ~~أرادهم الله جميعا مؤمنين لجاءوا طائعين مسخرين كغيرهم من المخلوقات. # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن ~~نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 3-4]. ثم يقول الحق سبحانه: { إنآ أرسلناك ~~بالحق بشيرا ونذيرا... }. ### || [35.24] # الحق: هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والله تعالى يضرب لنا مثلا حسيا ~~لتوضيح الحق والباطل، فيقول سبحانه: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض ms8291 كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. وقد ترجمنا هذه العلاقة بين الحق والباطل ترجمة عصرية ~~فقلنا: لا يصح إلا الصحيح، نعم لأن الباطل وإن أخذ صورة الحق مرة بعض ~~الوقت، فهو كالزبد الذي سرعان ما تزيحه الرياح لتكشف وجه الحقيقة ~~الناصع والحق الواضح. وقوله تعالى لنبيه: { إنآ أرسلناك ~~بالحق } [فاطر: 24] يدل على أنه الرسول الخاتم الذي لا رسول ولا نبي ~~بعده يغير شيئا مما جاء به، فالنبي جاء بالحق الثابت الذي لا يتغير ~~أبدا، ولا يستدرك عليه أحد بعده. لذلك فإن آفة البشرية الآن أنها تحكم ~~العصر وتطور الأوضاع في الحكم على المخالفات الشرعية، فحين نتعرض لمخالفة ~~نسمع من يقول إنه التطور الذي لا بد منه، وهؤلاء هم دعاة عصرنة ~~الدين، يعني تطويع الدين ليلائم العصر. وهذا يعني أن تطور العصر هو ~~المشرع، في حين أن المفروض أن العصر هو الذي يستقبل تشريع السماء ويبني ~~حركة حياته على هديه ونوره لأن الحركة التي تبنى على هدي السماء هي ~~الحركة العليا من الرب الأعلى الذي يعلم حقيقة الخير لك ولا يستدرك عليه، ~~أما إن شرع لك إنسان مثلك، فحتى هو لو دلك على الخير فهو خير من ~~وجهة نظره وعلى قدر علمه، فلا بد أن يكون فيه نقص وقصور، ولا بد ~~أن يأتي بعده من ينقضه ويستدرك عليه. لذلك رأينا حتى غير المسلمين ~~تلجئهم أقضية الحياة إلى أن يأخذوا بحلول الإسلام للتغلب على مشاكلهم، ~~وهم بالطبع لا يأخذون أحكام الإسلام حبا فيه، إنما لأنهم لم يجدوا حلا ~~في غيره. ومن هذه القضايا قضية الطلاق التي طالما أثاروا حولها الشكوك ~~وظنوها مأخذا على الإسلام، والآن في إيطاليا يقررون الطلاق، لا لأن ~~الإسلام شرعه، إنما لأن مشاكلهم لا تحل إلا به. وهذه المسألة توضح ~~لنا معنى قوله تعالى: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # [التوبة: 33]. لذلك سئلنا في بعض رحلاتنا: القرآن يقول: # ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # [الصف: 9] وفى آية أخرى: # والله متم نوره ms8292 ولو كره الكفرون # [الصف: 8] فكيف تم نور الله ومع الإسلام ديانات أخرى كثيرة، ما زالت ~~موجودة، وأغلبها أكثر من الإسلام عددا وقوة؟ لقد فهم هؤلاء أن معنى # متم نوره # [الصف: 8] أن يصير الناس جميعا مسلمين، ولو كان الأمر كذلك ما قال ~~الله تعالى # ولو كره المشركون # [الصف: 9] # ولو كره الكفرون # [الصف: 8] إذن: الحق سبحانه يقرر وجود الشرك والكفر مع الإسلام. ~~والمعنى: أن الله متم نوره يعني مع كفرهم ومع شركهم طوال المدة، إلا ~~أنهم لن يقدروا على إطفاء هذا النور، فسوف يظل، وسوف يتغلب على أحكامهم ~~ويظهر عليها، بحيث لا يجدون حلا لأقضيتهم إلا في هذا النور. وقوله ~~تعالى: { بشيرا ونذيرا } [فاطر: 24] البشير: الذي يخبر بالخير ~~قبل أوانه. والنذير: الذي يحذر من الشر قبل أوانه { وإن من ~~أمة إلا خلا فيها نذير } [فاطر: 24] إن هنا بمعنى ما ~~النافية، مثل: # إن أنت إلا نذير # [فاطر: 23] فالمعنى: ما من أمة إلا خلا فيها نذير يعني: جاءها نذير ~~ومضى. والأمة: الجماعة من الناس، تجمعهم أرض واحدة، أو يجمعهم سلوك واحد، ~~أو عقيدة واحدة. ومن معاني كلمة أمة ما جاء في قوله تعالى: # إن إبراهيم كان أمة # [النحل: 120] يعني: جامعا وحده كل خصال الخير، بحيث لو جمعت كل صفات ~~الخير في أمة تجدها في سيدنا إبراهيم عليه السلام. وإذا كانت الأمم ~~السابقة مضى في كل منها نذير، فرسول الله هو النذير الأخير، لماذا؟ ~~قالوا: لأن واقع العالم في القديم كان بعيد التواجد منقطعا بعضه عن بعض ~~لصعوبة الاتصال، فالجماعات تعيش منفصلة لا اتصال بينها، فترى لكل بيئة ~~داءاتها وعيوبها وعاداتها، فيأتي الرسول ليعالج داءات قومه فحسب، فسيدنا ~~نوح عليه السلام جاء للذين عبدوا ودا وسواعا ويغوث ويعوق ~~ونسرا، وسيدنا لوط عليه السلام جاء ليعالج داء الشذوذ في قومه.. الخ ~~أما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جاء على ميعاد مع التقاء ~~الدنيا كلها، حين تداخلت الحضارات والمجتمعات، فصار العيب في أمة عيبا ~~في كل الأمم، وزاد هذا الالتقاء حتى أصبحنا اليوم نرى ms8293 ونسمع ما يحدث في ~~أقصى بلاد الدنيا في التو واللحظة، كذلك نرى ونسمع سلبيات وعيوب ~~الآخرين وكأنها في بلادنا، إذن: ستتوحد الداءات، وتتوحد النقائص، ويصبح ~~العالم كله بيئة واحدة، لذلك كانت رسالة الإسلام رسالة عالمية، وبعث ~~سيدنا رسول الله للناس كافة. ثم يقول الحق سبحانه: { وإن يكذبوك ~~فقد كذب الذين من قبلهم جآءتهم رسلهم ~~بالبينات... }. ### || [35.25] # يعني: يا محمد، خذ لك أسوة من إخوانك الرسل السابقين، فقد كذبوا ~~جميعا، وهذه سنة متبعة، ولست أنت يا محمد بدعا من الرسل. وقلنا: إن ~~الله تعالى لا يرسل رسولا إلا إذا عم الفساد وعز العلاج، فلا ~~وجود للنفس اللوامة التي تردع صاحبها عن المعصية، ولا للمجتمع الآمر ~~بالمعروف الناهي عن المنكر، يعني: لا مناعة في الذات، ولا مناعة في ~~المجتمع، فقد فسد هو الآخر، واجتمع أهله على الضلال، عندها لا بد أن ~~تتدخل السماء برسول جديد يأتي بمعجزة تناسب الزمن الذي جاء فيه. فقوله ~~تعالى: { وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم } ~~[فاطر: 25] لأن الرسول ما جاء إلا ليواجه الفساد في المجتمع، وطبيعي أن ~~يواجهه الضالون والظالمون والمتجبرون المستفيدون من هذا الفساد، وأن ~~يكذبوه لذلك قال تعالى: # وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها ~~ليمكروا فيها # [الأنعام: 123]. وقوله تعالى: { جآءتهم رسلهم بالبينات ~~} [فاطر: 25] بالبينات يعني: بالشيء الواضح الذي يبين أن المتكلم صادق ~~في التعبير والبلاغ عن ربه، وهذه هي المعجزة، إذن: فالرسول جاء بالمعجزة ~~لتكون دليلا على صدقه في البلاغ عن ربه، فليست المعجزة هي هدف الرسالة، ~~إنما هدف الرسالة تبليغ الأحكام والمنهج. ويعني { وبالزبر } [فاطر: ~~25] أي: الكتب السماوية المنزلة مثل: صحف إبراهيم، وتوراة موسى، وإنجيل ~~عيسى، لكن خص هنا الزبور والقرآن الزبر والكتاب المنير لأن الزبور الذي ~~أنزل على سيدنا داود امتاز بأنه مكتوب، ومكتوب بحروف منقوشة بارزة، ~~لذلك كانت ثابتة ليست بمداد يمحى مثلا، فهي أشبه بالنقوش الحجرية، ~~ويسمونها الأويمة. والكتاب المنير هو القرآن الكريم لأنه النور المعنوي ~~الذي ينير للناس طريق الحياة ويهدي حركتهم، فإن كانت الشمس هي النور ~~الحسي ms8294 الذي يهدي حركتك للحسيات، فالقرآن هو النور المعنوي الذي يهدي ~~من آمن به. ثم يقول الحق سبحانه: { ثم أخذت الذين ~~كفروا... }. ### || [35.26] # وهذه سنة الله في المرسلين، أن يأخذ الكافرين بهم والمعاندين لهم، ~~أرأيتم نبيا أسلمه الله أو انهزم أمام قومه المعاندين؟ لقد وعد الله ~~رسوله بالنصرة وبالتأييد، فقال سبحانه: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا # [غافر: 51]. وقال: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173] لذلك إن رأيت جنديا لله انهزم في شيء ولم يغلب، ~~فاعلم أن شرطا من شروط الجندية تخلف، وأول شرط للجندية لله الطاعة، ~~فإن خالف الجندي أوامر الله فلا بد أن يهزم، لذلك قلنا: إن ~~المسلمين انتصروا في بدر وهم فئة قليلة # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله # [البقرة: 249]. ولم يمض على بدر سنة واحدة، وحدثت أحد، صحيح لم ~~يهزم المسلمون لكنهم أيضا لم ينتصروا لأن المعركة ماعت ذلك لأن ~~الرماة خالفوا أمر رسول الله وتخلوا عن أماكنهم ونزلوا لجمع ~~الغنائم، وأراد الله تعالى تأديب عباده المخلصين فلا بد أن يهزهم ~~هذه الهزة العنيفة، ويروا هذه النتيجة لأنهم خالفوا. لذلك قلنا: إن ~~الإسلام انتصر في أحد، وإن كان المسلمون لم ينتصروا لأنهم لو انتصروا ~~مع مخالفة أمر رسول الله لهانت على المسلمين أوامر رسول الله بعد ذلك، ~~ولقالوا: لقد خالفنا أوامره وانتصرنا في أحد إذن: كان لا بد من هذه ~~النتيجة المائعة ليعلم المسلمون أهمية الطاعة والأسوة برسول الله. كذلك ~~في حنين لما رأى الصديق أبو بكر كثرة المسلمين، فقال: لن نغلب ~~اليوم عن قلة - وكانوا عشرة آلاف مقاتل - فأراد الله أن يكسر هذا الغرور ~~في المسلمين، فكان التفوق للكفار في بداية المعركة حتى أحرجوا المسلمين، ~~لكن تداركتهم رحمة الله، وكأن الله أراد أن يصحح لهم الخطأ فحسب، لا ~~أن تنزل بهم الهزيمة. وحين نتأمل معنى: { ثم أخذت الذين ~~كفروا } [فاطر: 26] نجد أن الأخذ يدل على قوة الآخذ وقوة الجذب ~~التي تستوعب كل أعضاء المأخوذ، فعلى مستوى البشر نقول: أخذ فلان يعني ~~ساقه ms8295 أو شده من مجمع ثوبه وملكه بقبضة يده، أما لو قلت أخذه الله ~~فأخذ الله شديد، أخذ عزيز مقتدر. لذلك يقول بعدها { فكيف كان ~~نكير } [فاطر: 26] أي: نكيري واعتراضي على ما فعلوا. والنكير هو الشيء ~~الذي تستنكره وتغضب منه، وما بالك بقوم أنكر الله مسلكهم وغضب عليهم؟ لا ~~بد أن يأخذهم أخذا يرضي أولياءه، ويرضي المؤمنين به. فقوله ~~سبحانه: { فكيف كان نكير } [فاطر: 26] يعني: قل لي يا محمد هل ~~قدرت على مجازاتهم بما يستحقون؟ وهذا المعنى واضح أيضا في قوله تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 29-36]. ثم يقول الحق سبحانه: { ألم تر أن الله ~~أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ~~ألوانها... }. ### || [35.27] # تلحظ أن الحق سبحانه وتعالى يذكرنا ببعض نعمه علينا، ثم يتبع ذلك ~~ببعض المطلوبات، وهكذا ليؤنس قلبك بالإحسان إليك لتستجيب لمطلوباته. ~~والحق سبحانه حين يذكر عباده بهذه الآية الكونية، آية إنزال الماء من ~~السماء بعد أن بين لنبيه أخذه الشديد للكافرين، كأنه سبحانه يقول ~~لرسوله: دعك من أمر هؤلاء الكافرين، فأنا قادر على معاقبتهم، وتأمل في ~~هذه الآية الكونية { ألم تر أن الله أنزل من السمآء ~~مآء.. } [فاطر: 27]. وقوله { ألم تر } [فاطر: 27] أي: تشاهد لأن ~~الجميع يرى الماء، وهو ينزل من ناحية العلو، والسماء هي كل ما علاك ~~فأظلك، وقد تأتي # ألم تر # [الفيل: 1] بمعنى: ألم تعلم. وهذا في الأشياء التي لم يرها رسول الله ~~كما في قوله سبحانه: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. ومعلوم أن سيدنا رسول الله لم ير حادثة الفيل، لكن خاطبه ~~ربه ب # ألم تر # [الفيل: 1] ليدل على أن إخبار الله له أوثق وأصدق من رؤية العين. ~~ومسألة إنزال الماء من السماء أي من ناحيتها، وإلا فالسماء شيء آخر، ms8296 ~~المطر إنما ينزل من السحاب القريب من الأرض. نقول: مسألة إنزال الماء من ~~ناحية السماء يبدو أمرا طبيعيا، فبخار الماء ينعقد في السماء على هيئة ~~سحب ممتلئة بالماء، والماء له ثقل ينزل إلى أسفل بجاذبية الأرض، لذلك ~~يرتب الله على إنزال المطر إخراج النبات { فأخرجنا به ثمرات ~~مختلفا ألوانها } [فاطر: 27] فإن قلت: إن نزول الماء من ~~السماء أمر طبيعي قد يشك فيه أنه من فعل الطبيعة، فهل إحياء الأرض ~~وإنبات النبات مختلف الثمرات والألوان أيضا من فعل الطبيعة؟ وكلمة { ~~أنزل } [فاطر: 27] تفيد العلو من المنزل والدنو من المنزل ~~إليه، حتى لو كان هذا الأمر معكوسا وأتى الإنزال من أسفل إلى أعلى كما ~~في قوله تعالى: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس # [الحديد: 25] والحديد في الواقع نخرجه من باطن الأرض، لكن سماه الله ~~إنزالا لأن المراد به الإتيان من أعلى لأدنى بصرف النظر عن جهته أعلى أو ~~أدنى. ونحن نشاهد عملية إنزال الماء من السماء، لكن لم نشاهد عملية البخر ~~التي تتم على سطح الماء في الأرض، ثم صعودها إلى طبقات الجو العليا حيث ~~تتكون السحب عن طريق التكثيف، والإنسان لم يكن يعلم شيئا عن هذه ~~العمليات حتى تقدمت العلوم، وعرفنا عملية تقطير الماء. أما عملية ~~إخراج النبات والثمرات المختلفة الألوان فهي واضحة مشاهدة في البساتين ~~والحقول، فكلنا يرى بدائع الألوان واختلاف الأشكال بحيث لا تتناهى حصرا ~~لأن ألوان الطيف إن كانت هي الألوان الأصلية فيمكن أن يتولد منها ما ~~لا حصر له، فاللون الأسود مثلا لو أضفت إليه قطرة واحدة من اللون البني ~~مثلا يعطيك لونا آخر، فإن أضفت قطرتين يعطيك لونا ثالثا، وهكذا لا ~~تتناهى الألوان، وهذه المسألة نشاهدها الآن في صناعة الأقمشة، فقد تعددت ~~ألوانها بدرجات مختلفة وزركشات لا حصر لها. # إذن: نقول: إن الألوان كائن لا يتناهى. ولك أن تتأمل تداخل الألوان ~~وتناسقها في زهرة أو وردة في الحديقة، وسوف ترى في ألوانها الإعجاز ~~المبهر، فالحبة واحدة، والأرض واحدة، والماء واحد، لكن تولد من هذا كله ms8297 ~~هذا الشكل البديع وهذه الألوان المتداخلة المتناسقة لأن الحدث آثار ~~المحدث، فإذا كان المحدث محدود القدرة ظهرت آثاره كذلك محدودة ~~القدرة، وإذا كان المحدث فائق القدرة تأتي آثاره فائقة القدرة، أما ~~الحق سبحانه فله طلاقة القدرة لذلك تأتي آثاره كذلك. وتلحظ في سياق الآية ~~أن الحق سبحانه لم يتكلم عن إنزال المطر من السماء قال { أنزل } [فاطر: ~~27] بصيغة ضمير الغائب، لكن لما تكلم عن إخراج الثمرات قال: { ~~فأخرجنا } [فاطر: 27] فنقلنا إلى ضمير الجماعة المتكلمة الدال على ~~التعظيم لماذا؟ لأن إنزال الماء من السماء ليس هدفا في ذاته، فليس هو ~~المهم، بدليل أن الماء قد ينزل على الأرض السبخة فلا تستفيد به، أما ~~عملية إخراج الثمار فهي العملية المهمة التي أنزل الله الماء من أجلها ~~لذلك ذكرها بضمير الجمع الدال على التعظيم، فالحق سبحانه يعظم نفسه ~~في الفعل كما في قوله سبحانه: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. ونحن نعرف في عرفنا أن الحدث يختلف باختلاف المحدث، فإن ~~أحدثه فرد واحد أتى الحدث على مستوى قدرة هذا الفرد، فإن تكاتفت فيه ~~جماعة جاء على مستوى هذا التكاتف لذلك نسمع عند سن القوانين التي تحكم ~~الشعوب يقول القائد أو الملك: نحن رئيس الجمهورية، أو نحن ملك مصر، أو ~~نحن سلطان كذا وكذا لأن مسألة سن القوانين ليست مسألة فردية يقررها ~~الحاكم أو الملك، ولا ينطق بها باسمه، إنما يشاركه فيها رعيته، وينطق ~~باسمهم جميعا. لذلك نجد الحق سبحانه وتعالى حين يحدثنا عن فعل من ~~أفعاله يحدثنا بضمير الجمع، أما إن تكلم عن ذاته سبحانه تكلم بضمير ~~المفرد، مثل: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم الصلاة لذكري # [طه: 14]. وإنزال الماء في صورته أمر واحد، أما الإخراج ففيه تلون ~~للمخرج، فالماء المنزل من السماء واحد، لكن آثار الماء متعددة، فهذا ~~أصفر، وهذا أبيض، وهذا أحمر.. الخ، فهذه العملية تحتاج إلى تعظيم ~~يناسبها. لكن، هل الإخراج للثمرات هكذا مباشرة؟ أم الإخراج للنبات الذي ~~يعطي الثمرات؟ الإخراج للنبات الذي يعطي الثمر، ms8298 فالحق سبحانه يذكر لنا ~~الشيء بنهاية المطلوب منه وهو الثمر، وهذا الثمر يأتي مختلفا في ألوانه، ~~مع أن البيئة واحدة ويسقى بماء واحد، وحين تتأمل الألوان في الثمار تجد ~~فيها طلاقة القدرة لله تعالى، وهذه الألوان لم تجعل هكذا لمجرد الشكل ~~والزينة، إنما جعلت هكذا لحكمة أرادها الخالق سبحانه، منها أن هذه ~~الألوان تجذب الحشرات المخصبة. # ولو تأملت هذه الألوان لوجدتها متعددة حتى في اللون الواحد، ألا ترى ~~أن بياض الثلج مثلا غير بياض الثوب، غير بياض الجير لذلك يصفون الألوان ~~فيقولون أبيض يقق، وأصفر فاقع، وأحمر قان، وأخضر مدهام. وبعد أن ~~حدثنا الحق سبحانه عن آية من آياته في النبات يحدثنا عن الجماد { ~~ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود } [فاطر: 27] ففي الجمادات أيضا ألوان نشاهدها مثلا ~~حين نشق الصخر لاستخراج ما في باطن الأرض، ترى مثلا الجرانيت والرخام ~~والعقيق بألوان مختلفة كذلك. وكلمة { جدد } [فاطر: 27] جمع جدة، وهي ~~الخط الفاصل بين شيئين، رأيتم طبعا الحمار الوحشي المخطط ومدى تناسق هذه ~~الخطوط، ترى مثل هذا في طبقات الجبال، وهي مختلفة البياض ومختلفة ~~الاحمرار. ومعنى { وغرابيب سود } [فاطر: 27] تقول: أسود غربيب ~~يعني: شديد السواد. فالغربيب أشد درجات السواد نسبة إلى الغراب لشدة ~~سواده. بعد أن ذكر الحق سبحانه جنس النبات وجنس الجماد يذكر أن هذا ~~الاختلاف موجود أيضا في الإنسان وفي الحيوان - وهذه هي أجناس الوجود، ~~فيقول سبحانه: { ومن الناس والدوآب والأنعام مختلف ~~ألوانه... }. ### || [35.28] # إذن: فالاختلاف في كل الأجناس لأن الخلق قائم على طلاقة القدرة، ~~فالناس مع كثرتهم مختلفون، وهذا إعجاز دال على طلاقة القدرة، فالخلق ~~ليس على قالب واحد يخرج نسخا متطابقة، إنك تنظر إلى الرجل فتقول هو ~~شبه فلان، لكن إذا دققت النظر لا بد أن ترى اختلافا، إذن: طلاقة ~~القدرة تقتضي اختلاف كل أجناس الوجود: الجماد، والنبات، والحيوان، ~~والإنسان. ومعنى الدواب: كل ما يدب على الأرض عدا الإنسان والأنعام ~~التي هي البقر والغنم والإبل والماعز. وقوله سبحانه: { إنما يخشى ~~الله من عباده العلماء.. } [فاطر: ms8299 28]. والخشية هي الخوف ~~الممزوج بالرجاء، وهذا من العلماء عمل من أعمال القلوب، وأنت تخاف مثلا ~~من عدوك، لكن لا رجاء لك فيه، إنما حين تخاف من الله تخافه سبحانه وأنت ~~ترجوه وأنت تحبه، لذلك قالوا: لا ملجأ من الله إلا إليه. والعلم إما علم ~~شرعي، وهو علم الأحكام: الحلال والحرام والواجب والسنة.. الخ. أو علم ~~الكونيات، وهذه الآية وردت في سياق الحديث عن آيات كونية ولم يذكر قبلها ~~شيء من أحكام الشرع لذلك نقول: إن المراد بالعلماء هنا العلماء بالكونيات ~~والظواهر الطبيعية، وينبغي أن يكون هؤلاء هم أخشى الناس لله تعالى لأنهم ~~أعلم بالآيات الكونية في: الجمادات، والنبات، وفي الحيوان، والإنسان، وهم ~~أقدر الناس على استنباط ما في هذه الآيات من أسرار لله تعالى. وكونيات ~~الوجود هي الدليل على واجب الوجود، وهي المدخل في الوصول إلى الخالق ~~سبحانه وإلى الإيمان به لذلك كثيرا ما نجد في القرآن: # ومن آياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم ~~من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون # [الروم: 23]. وإذا كان العلم قضية يقينية مجزوما بها وعليها دليل، فإن ~~الحق سبحانه وتعالى نزل لنا علم الشرع وحدد لنا حدوده، فلا دخل ~~لنا فيه، لذلك عصمه الله وأحكمه لأن الأهواء تختلف فيه، والحق سبحانه ~~يقول: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموت ~~والأرض # [المؤمنون: 71]. أما علم الكونيات فقد تركه الخالق سبحانه للعقول تبحث ~~فيه وتستنبط منه وتتنافس فيه، بل وتسرقه بعض الدول من بعض. وآفة العصر ~~الحديث أن يدخل علماء الشرع أنوفهم في الكونيات، أو أن يدخل علماء ~~الكونيات أنوفهم في أحكام الشرع، وقد رأينا مثلا لما قالوا بأن الأرض ~~كروية، وأنها تدور حول الشمس، أسرع بعض علماء الشرع فاتهموا هؤلاء ~~بالكفر، وهذا خطأ فادح، وكان عليهم أن يأخذوا من الحق سبحانه ما عصم به ~~الأهواء من أن تختلف لأن شكل الأرض وحركتها مسألة كونية لا صلة فيها ~~بالحلال والحرام. والحق سبحانه يقول: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43] فأهل الذكر في العلوم الشرعية غير أهل الذكر ms8300 في العلوم ~~الكونية، ويجب أن يحترم كل منهما تخصص الآخر في مجاله، ولا ينسى ~~علماء الشرع أن علماء الكونيات هم الذين يكتشفون لنا أسرار الله في ~~الخلق، وهم الذين يربون في نفوسنا أدلة الإيمان بواجب الوجود الذي ~~تصدر عنه أحكام الحلال والحرام. # والحق سبحانه وتعالى خلق الكون على هيئة الصلاح، فلو دخلت مثلا غابة ~~من الغابات الأنف - يعني: التي لم يدخلها أحد، وما زالت على طبيعتها كما ~~خلقها الله - لا تجد فيها قذارة ولا رائحة كريهة ولا قمامة ولا غصنا ~~مكسورا.. الخ، بل تراها نظيفة متناسقة، فالفضلات بها غذاء لحيوانات ~~أخرى، فنظافتها ذاتية. وأذكر أننا رأينا في وادي فاطمة في السعودية ~~عين ماء تروى الوادي من حولها، وفي أحد الجداول رأينا أسماكا صغيرة ~~في حجم واحد مثل عقلة الأصبع فسألت صاحب البستان: هل يكبر هذا السمك؟ ~~قال: لا بل يظل على هذه الصورة، وهو ما جاء إلا بعد أن ألقينا بعض فضلات ~~الطعام في الماء فظهر ليتغذى عليها ثم يختفي، وكأن له مهمة محددة هي ~~نظافة الماء، ولما جئنا إلى مصر وجدنا بها هذا السمك في " متحف الأحياء ~~المائية " يقوم بنفس هذه المهمة، وهي تنظيف أحواض الأسماك من الفضلات. ~~لذلك نقول: لا يأتي الفساد في الطبيعة إلا حين يتدخل فيها الإنسان، ~~بدليل أن المخلوقات التي لا دخل للإنسان فيها تسير بنظام محكم دقيق لا ~~اختلاف فيه لذلك حين ترى في الكون مثلا أزمة في القوت، فاعلم أنها نتيجة ~~حركة خاطئة للإنسان، أو نتيجة تكاسل عن استنباط خيرات الأرض. إذن: على ~~علماء الشرع ألا يدخلوا أنفسهم في الكونيات، وقد علمنا ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين نهاهم عن تأبير النخل يعني: تلقيحه، فلم ~~يثمر النخل، فلما رأى رسول الله ذلك قبلها في نفسه وقال: # " أنتم أعلم بشئون دنياكم " # يعني: المسائل الكونية والعلمية والمعملية التجريبية، هذه أمور لا دخل ~~لأحكام الشرع فيها، لكن آفة العلماء اليوم ألا يلتزم كل بما يخصه. ~~لذلك خص الله هنا علماء الكونيات لأنهم الأقدر على ms8301 التمعن في أسرار ~~الله، فالحق سبحانه ملأ كونه بأسرار تتناسب مع تطور العصر ومضي الزمن، ~~فالأسرار التي عرفها الإنسان في العصر الحجري مثلا غير التي عرفها في ~~العصر الحديث، وشاءت حكمة الله أن يجعل لكل سر من أسراره ميلادا ~~يظهر فيه، بحيث لا تظهر الأسرار في زمن واحد، ويستقبل الإنسان باقي الزمن ~~بدون جديد. وحين تتأمل هذه المسألة تجد أن الحق سبحانه أظهر للإنسان ما ~~فيه مقومات حياته، ثم ترك الأمور البدهية التي يعرفها الناس ليترقوا ~~فيها، فالإنسان مثلا استخدم بدهية أن الماء ينساب من أعلى إلى أسفل، ~~ورقى هذه البدهية وأصبح يستقبل الماء في بيته من الصنبور الحنفية، بعد ~~أن كان ينقل الماء من الآبار والأنهار، ويتحمل في سبيل ذلك المشاق، فلما ~~أعمل عقله في بدهيات الكون ترقى وجنى ثمرة هذا الترقي. # لذلك تجد أن أعقد النظريات العلمية والالكترونية مأخوذة في بدايتها من ~~بدهيات، وقلنا في علم الهندسة: إنك تبرهن على صدق النظرية المائة ~~باستخدام النظرية التسعة والتسعين، وهكذا حتى تصل إلى النظرية الأولى، ~~وهي قائمة على بدهية من بدهيات الكون، لا تختلف فيها العقول. لذلك دائما ~~يدعونا الحق سبحانه إلى التفكر والتأمل والتدبر.. الخ وما توصل ~~إليه البشر الآن من آلات ووسائل حديثة مثل: الغسالة، والثلاجة، ~~والتلفاز.. الخ ما هي إلا ثمرة هذا الفكر الذي رقى البدهيات، حتى وصل ~~بها إلى ما وصل إليه الآن، ومن أراد أن يقف على هذا الترقي، ويرى قدرة ~~الله في توارد الصناعات وارتقاءاتها من حلقة إلى حلقة فليذهب إلى ديترويت ~~ليرى هناك معرض فورد الذي يضم ارتقاءات الصناعات من إبرة الخياطة ~~للصاروخ. إذن: الكون فيه أسرار يكتشفها الإنسان، ولكل سر ميلاد يظهر ~~فيه، إما نتيجة بحث للإنسان أو حتى صدفة، ومن لطف الله تعالى أن ~~الملاحدة لما اكتشفوا بعض أسرار الكون قالوا اكتشفنا، ولم يقل أحد منهم: ~~اخترعنا. وكأن الله تعالى صرفهم وألهاهم عن النطق بكلمة الاختراع ولوى ~~ألسنتهم حتى لا يجترئوا على الله، فالجاذبية مثلا موجودة منذ خلقت ~~السماوات والأرض، ودور ms8302 الإنسان أنه اكتشف هذا السر لذلك الذي يقول اخترعت ~~نقول له: هذا كذب والصواب أنك اكتشفت. وقوله تعالى: { إن الله ~~عزيز غفور } [فاطر: 28] عزيز لا يغلب، وغفور لكم إن بدر منكم سهو ~~أو تقصير في استنباط أسرار الله في كونه، يغفر لهم إن أخطأوا في تجربة ~~من تجاربهم، فسوف يأتي من بعدهم ويصححها. ثم يقول الحق سبحانه: { إن ~~الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة ~~وأنفقوا... }. ### || [35.29-30] # بعد أن ذكر الحق سبحانه العلم الكوني، وأنه وسيلة لخشية الله ومعرفة ~~أسراره في كونه أراد سبحانه أن يلفت أنظارنا وأن يحذرنا: إياكم أن ~~تفتنوا بالعلم الكوني فينسيكم مهمتكم في أن تتلقوا عن الله ما ~~يسعدكم، فتحدث سبحانه عن المنهج: { إن الذين يتلون كتاب ~~الله } [فاطر: 29] وهذا هو العلم الشرعي والذكر الذي يعصم الناس من ~~اختلاف الأهواء. ومعنى { يتلون كتاب الله } [فاطر: 29] أي: ~~تلهج به ألسنتهم، وتعيه قلوبهم { وأقاموا الصلاة } [فاطر: 29] ~~وهذه عبادة تشترك فيها كل الجوارح { وأنفقوا مما رزقناهم ~~سرا وعلانية } [فاطر: 29] والإنفاق يخص الناحية المالية، فهو ~~دليل على سماحة النفس بما تنفق، وحبها للبذل والعطاء في السر ~~والعلانية، وبالإنفاق تكتمل لهذه النفس الصفات الطيبة، ويجتمع لها عمل ~~القلب وعمل الجوارح في طاعة الله. وقوله: { مما رزقناهم } ~~[فاطر: 29] يعني: أن الإنفاق ليس من مالك الخاص، إنما من مال الله الذي ~~رزقك، وجعلك مستخلفا فيه وما نفقتك إلا سبب، والأسباب في الكون ستر ~~ليد الله في العطاء. وهؤلاء الذين ينفقون مما رزقهم الله سرا وعلانية { ~~يرجون تجارة لن تبور } [فاطر: 29]. فالإنفاق في سبيل الله ~~تجارة مع الله { لن تبور } [فاطر: 29] أي: لن تكسد، وأنت حين تنفق ~~على المحتاجين، وحين تطعم الجائع إنما تحبب الله إلى خلقه أرأيت لو ~~أن ملكا من ملوك الدنيا له عبيد، أليس مكلفا بإطعامهم وسد ~~حاجتهم، وهذه من سمات العظمة فيه، كذلك الحق سبحانه هو خالق هؤلاء ~~الفقراء، وهو الذي استدعاهم للوجود، وهو سبحانه المكلف باقتياتهم. إذن: ~~حين تطعمهم أنت فكأنك تؤدي مهمة الله عز وجل، وتحبب خلق الله إلى ms8303 ~~الله، فالحق سبحانه حين يعطف مخلوقا على مخلوق يقول: كأن عبدي يعينني ~~على خلقي لأن الله تعالى استدعى الخلق للوجود، وتكفل بأن يغنيهم، ~~فحين يأتي عبده الغني ويكون في عون الفقير يقول سبحانه: كان عبدي في ~~عون أخيه بقدرته، فلا بد أن أكون في عونه بقدرتي، فالعبد لا يكون ~~أبدا أكرم من خالقه، وكيف يعطف العبد وهو لم يخلق شيئا، ولم يستدع ~~أحدا للوجود، ولا يعطف الخالق سبحانه؟ فإن قلت: ما دام الحق سبحانه قد ~~استدعى الخلق للوجود، فلماذا لم يضمن لهم الحياة الكريمة التي لا ~~يحتاجون فيها لعطف أحد غيره؟ نقول: أراد الحق سبحانه أن يزرع بذور ~~المحبة والتعاطف بين خلقه، أراد مجتمعا مسلما قائما على المحبة وعلى ~~التعاون وعلى التكافل، ثم وعد سبحانه السخي المعطي بأن يعامله بقدر ~~سخائه وعطائه هو سبحانه. هذه هي التجارة مع الله التي لا تبور، والبور ~~والبوار. أي: الفساد وهو يصيب التجارة من ناحيتين: إما فساد في الربح، ~~كأن تتبعك التجارة ولا تربح، أو فساد في الربح وفي الأصل يعني: تخسر أصل ~~التجارة، ومعلوم أن الإنسان لا يتاجر إلا بقصد الربح لذلك قال أهل ~~المعرفة وأهل التجارة مع الله: إن أردت الربح المحقق فتاجر مع كريم ~~وهبك ما تجود به، وبعد ذلك يجازيك عليه. # لذلك كان أحد الصالحين يهش في وجه السائل ويبش ويقول له: مرحبا بمن ~~جاء ليحمل عني زادي إلى الآخرة بغير أجرة. وسئل الإمام على - رضي الله ~~عنه - يا أبا الحسن، أريد أن أعرف نفسي، أأنا من أهل الدنيا؟ أم من أهل ~~الآخرة؟ فقال: إن كنت تهش لمن يعطيك أكثر ممن يأخذ منك، فأنت من ~~أهل الدنيا لأن الإنسان يحب من يعمر ما يحب. # " ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال له صحابي: أنا أكره الموت، فقال له ~~الرسول: " ألك مال؟ " قال: نعم، قال: " أتتصدق به "؟ قال: لا، قال: " ~~إن المال يحب صاحبه، فإن كنت تحبه في الآخرة أحببت أن تموت للآخرة، ~~وإن كنت تحبه في الدنيا أحببت أن تظل ms8304 معه في الدنيا ". # واستخدام أداة النفي لن هنا له ملحظ، فلن تنفي الحال والاستقبال لأن ~~الإنسان قد يموت قبل أن يدرك ثمرة الخير في هذا العطاء، وقبل أن يرى ~~نتيجة صدقه لذلك يطمئنه ربه بأن هذه تجارة مع الله لن تبور، وسوف ينتظره ~~جزاؤها في الآخرة وقوله تعالى: { سرا وعلانية } [فاطر: 29] أي: ~~على أي حال، أما نفقة السر، فالحكمة منها أنها تبعد صاحبها عن الرياء أو ~~المباهاة، وهي أيضا ستر لحياء الآخذ لذلك كان بعض العارفين إذا أراد أن ~~يعطف على فقير أو محتاج يحتال على ذلك بحيلة تحفظ للمحتاج ماء وجهه، ~~فيكلفه مثلا بعمل بسيط، ثم يعطيه المال على أنه أجره على العمل، لا على ~~أنه صدقة. والبعض يتأدب في هذه المسألة، فيعطي المحتاج على أنها قرض وفي ~~نيته أنها صدقة، وربما أكد هذا المعنى، فقال لصاحبه: ربنا يعينك على ~~السداد، لكن إياك تاكله. وبعضهم يعطي الصدقة على أنها أمانة، لكن يقول ~~للآخذ: إذا تيسر لك هذا المبلغ وأصبح فائضا عن حاجتك فأعطه محتاجا ~~إليه، وقل له يعطيه بدوره إلى من يحتاج إليه بعده، وهكذا تتنامى ~~الصدقة، وتدور على ما شاء الله من المحتاجين إليها. هذا عن صدقة السر، ~~أما العلانية فالحكمة منها أنها تمثل زاجرا للواجد حتى لا يبخل ولا يضن ~~بما عنده، كذلك تحمي صاحبها من ألسنة الناس، وتحمي عرضه أن يخوض ~~الناس في حقه فيقولون: يبخل رغم غناه. كما أن الإنفاق علانية يعد ~~نموذجا وأسوة للغير في العطاء. وقال العلماء: يراد بالسر الصدقة ~~الزائدة على الفريضة، وهذه ينبغي فيها الستر، ويراد بالعلانية الزكاة ~~المفروضة لأن الجهر في العبادة مطلوب كما هو الحال في الصلاة مثلا، ~~والمتأمل يجد الزكاة أولى بالعلانية من الصلاة، فمن اليسير إقامة ~~الصلاة في أوقاتها، أما الزكاة فقد تكون واجدا لكن تشح نفسك وتبخل ~~بالعطاء. # وأنت حين تنفق تنفق على من؟ على محتاج غير قادر أو مسلوب القدرة، ~~ومن الذي سلبه القدرة؟ الله، لذلك كلفك الله أن تنفق على من سلبه ~~القدرة، وأن ms8305 تعينه: أولا حتى لا يحقد عليك، وحتى يتمنى لك المزيد من ~~الخير لأن خيرك سيعود عليه، لذلك كنا نرى أهل الريف مثلا يحزنون ويبكون ~~إن ماتت بقرة فلان أو جاموسة فلان، لماذا؟ لأنها كانت تسقي الفقراء من ~~لبنها، وتحرث أرض المحتاج. ثانيا: وهذه حكمة أسمى من الأولى، وهي أن ~~النفقة على غير القادر تجعله لا يغير خواطره على ربه وخالقه وتحميه من ~~الاعتراض على قدر الله الذي منعه وأعطى غيره، وضيق عليه ووسع على ~~الآخرين. النفقة على غير القادر تجعله يشعر أنه أحظ حالا من الغنى، ~~ولم لا وهو يساق له رزقه دون تعب منه ودون عناء؟ ويأتيه الغنى إلى بابه ~~ليعطيه حقه في مال الله. لذلك قال العلماء: الفقير شرط في إيمان الغني، ~~وليس الغني شرطا في إيمان الفقير. لذلك يعلمنا سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فيقول: # ".. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". # والحق سبحانه وتعالى لما تكلم عن المحسنين الذين يكلفون أنفسهم ~~فوق ما كلفهم الله، ومن جنس ما كلفهم الله، يقول سبحانه: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم ~~يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم # [الذاريات: 15-19]. فالحق غير المعلوم هو الصدقة، أما الزكاة المفروضة ~~التي هي حق الفقير في مال الغني فقد وردت في صفات المؤمنين في سورة سأل ~~فقال سبحانه: # والذين في أمولهم حق معلوم * للسآئل ~~والمحروم # [المعارج: 25]. لذلك، فالزكاة لا تخفى، بل تؤدى علانية، لأنك ~~تؤدي حقا عليك للفقير، حتى أن بعض فقهاء الأندلس رضي الله عنهم قال: ~~لو مكنت بولاية أمر على المؤمنين، فرأيت من يمنع الفقير حقه بمقدار ~~نصاب لأتيته لأقطع يده، فتأمل هذا الاجتهاد من العلماء، وكيف ساووا بين ~~منع الفقير حقه والسرقة. وسواء أكان الإنفاق سرا أم جهرا وعلانية، ~~فلا بد أن تتوفر له النية الخالصة كما علمنا ربنا في الحديث القدسي: # " الإخلاص سر من أسراري، أودعته قلب ms8306 من أحببت من عبادي، لا يطلع عليه ~~ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده " # وأنت في عطائك تتعامل مع الله، والله واجد ماجد كريم، لا يبخسك حقك، ~~وتجارتك معه سبحانه لا بد أن تكون رابحة لذلك قال بعدها: { يرجون ~~تجارة لن تبور } [فاطر: 29]. # كذلك يحذرنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرياء الذي يحبط ~~الأعمال، ويفسدها ويحرم صاحبها من ثمرتها يوم القيامة، حيث يقال له: ~~فعلت ليقال وقد قيل. ويحذرنا سيدنا رسول الله أن تكون أعمالنا كأعمال ~~الكافرين الذين قال الله فيهم: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. ثم يقول سبحانه: { ليوفيهم أجورهم ~~ويزيدهم من فضله.. } [فاطر: 30] أي: أنهم سيأخذون جزاء ~~أعمالهم وعطائهم بوفاء من الله، ثم يزيدهم بعد ذلك من فضله تكرما، ~~قالوا هذه الزيادة أن تقبل شفاعتهم فيمن يحبون، فإن شفعوا لأحد من ~~أحبابهم قبل الله شفاعتهم، لماذا؟ لأن لهم أيادي سابقة على الفقراء ~~والمحتاجين من عباد الله، يكرمهم الله من أجلها، ويتفضل عليهم كما ~~تفضلوا على عباده. { إنه غفور شكور } [فاطر: 30]. ولك أن ~~تسأل: لماذا ذيلت الآية باسم الله الغفور، مع أنها تحدثت عن أعمال ~~الخير من تلاوة كتاب الله، وإقامة الصلاة، والإنفاق في سبيل الله، فأي ~~شيء من هذه يحتاج إلى المغفرة؟ قالوا: ذكر هنا المغفرة، لأن العبد حين ~~يضع شيئا من هذا الخير قد يداخله شيء من الغرور أو الإعجاب أو غيره مما ~~يشوب العمل الصالح، فيغفرها الله له، ليلقى جزاءه خالصا لذلك ورد في ~~حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم إني أعوذ بك من عمل أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ". # وقوله { شكور } [فاطر: 30] صيغة مبالغة من شاكر، فكأن الله تعالى ~~بعظمته يشكر عبده، بل ويبالغ في شكره لأن العبد في ظاهر الأمر عاون ربه ~~في أن يرزق من كان مطلوبا من الله أن يرزقه لذلك يشكره الله ولا ~~يبخسه حقه، مع ms8307 أنه في واقع الأمر مناول عن الله. وأنت حين تقرؤها: { ~~إنه غفور شكور } [فاطر: 30] وتعلم أنه تعالى يشكرك لا تملك إلا ~~أن تشكره سبحانه، وعندها يزيدك من النعمة، إذن: نحن أمام شكر دائم لا ~~ينقطع، وعطاء لا ينفد. ### || [35.31] # الوحي في معناه العام كما قلنا: إعلام بخفاء، فإن كان جهرا وعلانية ~~فلا يعد وحيا، فأنت مثلا يدخل عليك جماعة من الضيوف فتنظر مجرد ~~نظرة إلى خادمك يفهم منها ما تريد دون أن يشعر أحد بك، هذا يعد وحيا. ~~كذلك الوحي الشرعي لا يأتي علانية، إنما خفية بين الله تعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم. الوحي يختلف باختلاف الموحي، والموحى إليه، والموحى ~~به. فالله تعالى يوحي للجماد، كما أوحى للأرض: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5]. ويوحي للنحل: # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا.. # [النحل: 68]. وأوحى البشر من غير الرسل: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه # [القصص: 7] وأوحى للحواريين. أما الوحي الشرعي الذي يتعلق بالتكاليف ~~فوحي من الله وخطاب إلى الرسل بمنهج ليبلغوه عن الله، وليس مجرد خاطر ~~أو إلهام كالوحي السابق، ومن الوحي أن يوحي الشياطين إلى أوليائهم، ~~يقول الحق سبحانه: # وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجدلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # [الأنعام: 121]. قوله تعالى: { والذي أوحينآ إليك من ~~الكتاب } [فاطر: 31] أي: من القرآن. أو من اللوح المحفوظ { هو ~~الحق } [فاطر: 31] أي: القرآن هو عين الحق، وقد عرفنا من دراساتنا ~~النحوية أن المبتدأ يأتي دائما معرفة، لأنك ستحكم عليه، ولا يمكن أن ~~تحكم على مجهول فتقول مثلا: زيد مجتهد. فزيد معروف لك حكمت عليه بأنه ~~مجتهد، إذن: المجهول هو الخبر، لذلك يأتي نكرة دائما، فإذا قلت زيد هو ~~المجتهد، فإن هذا يعني أنه بلغ من الاجتهاد مبلغا، بحيث إذا أطلق ~~الاجتهاد لا ينصرف إلا إليه. كذلك في قوله تعالى { هو الحق } ~~[فاطر: 31]: أي: لا ينصرف الحق إلا إليه، وهو عين الحق، ومعنى الحق ~~الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا يتضارب، وحتى لا يفهم أحد أنه ما دام ~~القرآن هو ms8308 الحق فغيره من الكتب السابقة باطل، قال سبحانه: { مصدقا ~~لما بين يديه } [فاطر: 31] فالقرآن حق ومصدق لما سبقه من ~~الكتب السماوية، فهي أيضا حق لأن القرآن صدق عليها، ولم يأت مخالفا ~~لها. وفي موضع آخر، قال تعالى: # ومهيمنا عليه # [المائدة: 48]. فكأن الحق سبحانه يعطي للقرآن صولة الخاتم النهائي في ~~الإكمال البشري، فإن جاء حكم في الكتب السابقة ثم نزل حكم آخر في القرآن ~~فلنأخذ بالحكم الأخير لأنه نسخ الأول لمصلحة يقتضيها العصر وطبيعة ~~التكاليف التي تتدرج حسب حالات الأمم. فكأن الحق سبحانه ميز رسوله صلى ~~الله عليه وسلم بميزة لم تتوفر لغيره من الرسل، وهي أن الرسل السابقين ~~كانوا يبلغون ما يوحى إليهم لأممهم، لكن الله أذن لرسوله أن يبلغ ~~عن الله وفوضه أن يشرع لقومه لذلك قال سبحانه: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. وهذه الآية ترد على الذين يقولون بأخذ القرآن دون السنة، ~~هذه الفرية القديمة الحديثة التي نسمع من ينادي بها من حين لآخر، وهم ~~لا يعلمون أن نص القرآن يلزمهم بالسنة واحترامها والأخذ بها لأنها ~~موضحة للقرآن، مبينة له، شارحة لما أجمل فيه، وإلا فماذا يقولون ~~في قوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]؟ ولو قلت لك: هل في دستورنا مادة تنص على فصل الموظف ~~الذي يتغيب عن عمله خمسة عشر يوما؟ لا توجد هذه المادة في الدستور، ~~إنما هي قانون وضعه جماعة من المختصين المفوضين في ذلك، حيث يؤلف ~~للخادمين في الحكومة والعاملين بها لجنة تضع لهم القوانين بالتفويض، كذلك ~~فوض رسول الله من قبل ربه عز وجل في أن يشرع لأمته، وأن ~~يوضح لهم. ثم يقول سبحانه: { إن الله بعباده لخبير ~~بصير } [فاطر: 31] الخبير: هو الذي يعلم خبايا كل الأشياء على ~~حقيقتها، والبصير: هو الذي لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة، فقد ~~تعلم الشيء لكن لا تراه، والحق سبحانه يجمع في القرآن كثيرا بين الخبير ~~البصير كما في هذه الآية، أو بين اللطيف الخبير ms8309 لأن الخبرة تحتاج إلى بصر ~~وتحتاج إلى لطف. واللطيف كما قلنا هو الذي يتغلغل في الأشياء ولا يمنعه ~~مانع. لذلك قلنا: إن أعنف الأشياء فتكا هي الدقيقة اللطيفة التى لا ~~ترى بالعين المجردة، وكنا زمان نسميها الميكروب، والآن ظهر الفيروس، أظن ~~أنه ألطف وأدق من الميكروب، وأشد منه فتكا. وقد أوضحنا هذه المسألة ~~بالذي يبني بيتا مثلا، ويريد أن يحتاط للحيوانات والحشرات الضارة، فيضع ~~شبكة من الحديد مثلا على الشبابيك، لكن لا بد أن تتناسب هذه الشبكة ~~مع دقة الشيء الذي تخاف منه، فالذي يمنع الذئاب، غير الذي يمنع ~~الفئران، غير الذي يمنع الذباب والناموس.. الخ. إذن: كلما دق الشيء ~~عنف واحتاج إلى احتياط أكثر، لأنه يتغلغل في أضيق شيء وينفذ إليك دون ~~أن تشعر به. ونفهم من قوله تعالى: { إن الله بعباده ~~لخبير بصير } [فاطر: 31] أن الله تعالى هو القادر وحده على أن ~~يشرع لعباده ما يناسبهم في كل زمان ومكان لذلك تعددت الكتب السماوية ~~لما اختلفت الداءات، فلما التقى العالم واتصل جاء القرآن مهيمنا على كل ~~هذه الكتب. ثم يقول الحق سبحانه: { ثم أورثنا الكتاب ~~الذين اصطفينا من عبادنا... }. ### || [35.32] # الكتاب هو القرآن، إذن: هذا الميراث كان بعد سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو دليل على أن المرحلة التي بعد رسول الله مرحلة ميراث ~~للكتاب وللمنهج يرثه العلماء عن رسول الله لذلك جاء في الحديث: # " إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا ~~درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ". # فالنبي صلى الله عليه وسلم كان هو المبلغ والمعلم حال حياته، أما ~~بعد وفاته فقد وكل الله هذه المهمة إلى العلماء. ومعنى { أورثنا } ~~[فاطر: 32] يعني: طلبنا منهم أن يفعلوا فيه فعل الوارث في المال لأن ~~الوارث للمال يوجهه وجهة النفع العام، وهذه هي وجهة الرسالة أيضا. ~~لذلك قال تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143] فنحن ورثة محمد، ومن علم منا حكما فعليه أن ms8310 يبلغه. ~~فالرسول شهيد على من بلغهم، كذلك أمته سيكونون شهداء على الناس الذين ~~يبلغونهم. ومعنى { اصطفينا } [فاطر: 32] أي: اخترنا وفضلنا على ~~سائر الأمة، ثم يقسم الحق سبحانه هؤلاء إلى ثلاثة أصناف: { فمنهم ~~ظالم لنفسه } [فاطر: 32] ظلمها بالتقصير في حق هذا الكتاب ~~الذي ورثه، فلم يعمل به كما ينبغي أن يعمل، بل قد يرتكب كبيرة والعياذ ~~بالله. وهذا الصنف ظلم نفسه لأنه حرمها الثواب فكل تكليف يطلب منك ~~العمل اليسير ويعطيك عليه الجزاء الوفير، فحين تقصر في اليسير من ~~العمل فإنك لا شك ظالم لنفسك. { ومنهم مقتصد } [فاطر: 32] ~~يعني: يعمل به في بعض الأوقات، فيخلط عملا صالحا بآخر سيء. { ~~ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله } [فاطر: 32]. اللهم ~~اجعلنا منهم إن شاء الله، وكلمة سابق تدل على أن هناك سباقا ومنافسة: ~~أي المتسابقين يصل أولا إلى الغاية الموضوعة للسباق، وأهل هذا الصنف ~~يتسابقون في الخيرات. وقوله تعالى: { اصطفينا } [فاطر: 32] دلت على ~~أن كلمة التوحيد لها ثمن، والإيمان برسول الله له ثمن، والعمل بما جاء به ~~رسول الله له ثمن، وإن كان من بين هؤلاء المصطفين من يظلم نفسه ~~بالتقصير بل وارتكاب المعاصي، وهو مع هذا كله من المصطفين لأنه قال لا ~~إله إلا الله، والحق سبحانه لا يسوي بين من قال هذه الكلمة ومن ~~جحدها " لا إله إلا الله حصني، من قالها دخل حصني ". لذلك ذكر الحق ~~سبحانه لهؤلاء المؤمنين الذين ورثوا الكتاب وصفين: { الذين ~~اصطفينا من عبادنا } [فاطر: 32] فوصفهم بالاصطفاء، والعبودية ~~له سبحانه. إذن: نزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم وورثت أمته ~~الكتاب من بعده، فهي امتداد لرسالته لذلك أمن الله على هذه الأمة على ~~أن تحمل منهج الله إلى الناس كافة إلى أن تقوم الساعة، في حين لم يأمن ~~غيرنا. # وقد تكفل الحق سبحانه بحفظ هذا الكتاب، ولم يكل حفظه إلى أحد كما حدث ~~في الكتب السابقة على القرآن، كما قال سبحانه: # إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار بما استحفظوا ms8311 من كتاب ~~الله وكانوا عليه شهدآء فلا تخشوا الناس ~~واخشون.. # [المائدة: 44]. ومعنى { استحفظوا } [المائدة: 44] طلب منهم أن ~~يحفظوه، لكنهم قصروا فنسوا بعض الآيات، وحرفوا بعضها، وكتموا ~~بعضها، بل ومنهم من كان يأتي بكلام من عنده ويقول هو من عند الله، ولأن ~~القرآن هو الكتاب الخاتم حفظه الله بنفسه، ولم يأمن أحدا على حفظه. ~~فإن قلت: كيف يكون الظالم نفسه من المصطفين، وهو مرتكب للذنوب ~~وربما للكبائر؟ نقول: بمجرد أن يقول العبد أشهد ألا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله، فهو مصطفى، اصطفاه الله على الكفار بهذه الكلمة، ~~وإن حدثت منه المعصية بعد ذلك. والحق سبحانه وتعالى حين يذكر الذنب ~~ويجرمه ويضع له عقوبة، فهذا إذن بأنه سيقع، فمثلا جرم الله ~~السرقة ووضع لها حدا، وجرم الزنا ووضع له حدا، فكأن مثل هذه الأمور ~~تحدث في مجتمع المسلمين، أما الكذب مثلا فلم يضع له حدا ولا عقوبة، ~~لذلك ورد في حديث سيدنا رسول الله لما سئل: أيزني المؤمن يا رسول الله؟ ~~قال: نعم، أيسرق المؤمن يا رسول الله؟ قال: نعم، أيكذب المؤمن يا رسول ~~الله؟ قال: لا. فكأن المؤمن يتوقع منه الزنا والسرقة، ولا يتوقع ~~منه الكذب، فهو أبعد الصفات عن المؤمن، لماذا؟ قالوا: لأن الكذب يخالف ~~الواقع ويقلب الحقائق، والمؤمن لا يكذب لأنه ينطق بلا إله إلا الله، فإن ~~كان كذابا ما يدريني أنه صدق في هذه الكلمة، فكأن الكذب يهدم الإيمان من ~~أساسه لذلك لم يجعل الله له عقوبة لأنه لا يتصور من المؤمن. والمقتصد: ~~هو الذي تساوت حسناته وسيئاته، وخلط عملا صالحا بآخر سيء، وفي موضع ~~آخر يقول تعالى فى حق هذا الصنف: # وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله ~~غفور رحيم # [التوبة: 102]. يقول النحاة: إن عسى تدل على الرجاء، وأغلب الرجاء ~~التوقع واحتمال الحديث، على خلاف ليت التي وضعت للتمني، والتمني يكون ~~لشيء بعيد أو مستحيل الحدوث، فهي لمجرد إظهار المحبوبية للشيء المتمنى ~~فقط، ولا تدل على رجاء. ms8312 ومن ذلك قول الشاعر: # ألا ليت الشباب يعود يوما # فأخبر بما فعل المشيب # وسبق أن قلنا: إن عسى وإن دلت على رجاء حدوث الفعل، إلا أنها ~~درجات بعضها أوثق من بعض ومراتب، فمثلا إن كان الرجاء في بشر مثلك كأن ~~تقول: عسى فلان أن يعطيني. فهذا رجاء على درجة معينة من احتمال التحقق، ~~فإن قلت عسى أن أعطيك بصيغة المتكلم، فهي أقوى من الأولى وأوثق، فإن ~~قلت: عسى الله أن يعطيك فهي أوثق لأنه رجاء في الله، فإن قوله ~~سبحانه: # عسى الله أن يتوب عليهم # [التوبة: 102] فعسى هنا للرجاء المحقق، إذن: هذه من أرجى الآيات التي ~~ينتظرها المقتصد المقصر في حق ربه. أما السابق بالخيرات، فهو الذي ~~يعمل بالأمر ويتمه ويأتي به على أكمل أوجه، ومن ذلك قوله تعالى: # وفي ذلك فليتنافس المتنافسون # [المطففين: 26]. وتأمل مثلا قوله تعالى في سيدنا إبراهيم عليه السلام: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124]. يعني: أتم ما أمر به أولا بالقدرة العادية، ثم ~~بالحيلة والقدرة العقلية، فلما أمره الله مثلا بأن يرفع القواعد من ~~البيت: # وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت ~~وإسمعيل # [البقرة: 127] ماذا طلب منه؟ وماذا فعل هو؟ طلب منه أن يرفع قواعد ~~البيت، وكان يكفي في طاعة هذا الأمر أن يبني القواعد على قدر ما تطوله ~~يده من الارتفاع، لكنه زاد على ذلك واستخدم الحيلة العقلية، فبعد أن ~~وفى الأمر وأداه أراد أن يزيد شيئا من عنده، وأن يحسن العمل فوق ما ~~طلب منه، فكان يأتي بالحجر الضخم ويضعه ك السقالة، ويقف عليه ليرفع ~~البناء بقدر ارتفاع الحجر، وولده إسماعيل يناوله. كذلك لما ابتلي في ~~شبابه بالإحراق صبر ووثق بالله، فلما جاءه جبريل عليه السلام يعرض عليه ~~المساعدة، وهو الواسطة بينه وبين ربه أبى وقال: أما إليك فلا، يعني: أنت ~~وصلتني بالله فلم يعد بيني وبين ربي واسطة. وهذه مسألة عجيبة، ودرجة ~~من الإيمان عالية، وثقة بالله لا يتطرق إليها شك ولا ارتياب لذلك أنقذه ~~الله وخرق له العادة، وأبطل من أجله ms8313 قانون النار والإحراق، فقال سبحانه ~~للنار # ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. وتأمل هذا الاحتياط من رب الأمر # كوني بردا وسلما # [الأنبياء: 69] لذلك قال العلماء: لو أن الأمر كان للنار كوني بردا ~~وفقط لتحولت عليه بردا قاتلا ربما أشد من النار. ثم إن هذا الابتلاء ~~وقع لإبراهيم عليه السلام في نفسه وهو صغير والإنسان قبل أن يكون له ولد ~~يكون كل حظه في نفسه، فإن رزق الولد انتقل حظه إلى ولده فيحبه أكثر من ~~حبه لنفسه، ويتمنى أن يعوض في ولده ما لم يستطعه في نفسه، لذلك ~~يقولون: إن الإنسان لا يحب أن يكون أحد أفضل منه إلا ولده، إذن: عصبية ~~الإنسان في حبه لولده أكثر من عصبيته لنفسه. وسيدنا إبراهيم - عليه ~~السلام - بعد أن نجح في الابتلاء في النفس ابتلاه الله في الولد، وتعلمون ~~أن سيدنا إبراهيم رزقه الله بالولد على كبر وبعد يأس من الإنجاب، فجاء ~~إسماعيل على شوق من إبراهيم حتى إذا شب الولد وبلغ مبلغ السعي مع أبيه ~~يأتيه الأمر من السماء أن يذبحه، وجاء هذا الأمر في صورة رؤيا، والرؤيا ~~تحتمل التأويل، لكن إبراهيم عليه السلام لم يؤولها، وأخذها على الحقيقة. # وهذا الابتلاء في الحقيقة ينطوي على ابتلاءات أربع: الأول: أن يذبح ~~الولد الذي جاءه على كبر وبعد طول انتظار. الثاني: ألا يذبحه شخص آخر ~~فيكون غريما لإبراهيم عليه السلام. الثالث: أن يذبحه هو بيده الرابع: ~~أن يشرك ولده معه في الابتلاء وألا يأخذه على غرة. ذلك أن إبراهيم ~~عليه السلام لما هم بتنفيذ ما أمر به لم يرد أن يأخذ ولده ~~غرة لعدة أمور: أولا: حتى لا يتهم بالقسوة والغلظة. ثانيا: لكي ~~لا تتغير خواطر الولد نحو والده فيتهمه بما لا يليق. ثالثا: ليشركه ولده ~~معه في الابتلاء وفي الثواب، وفي الرضا بقضاء الله لذلك قال له: # يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ~~ماذا ترى # [الصافات: 102]. فكأنه يأخذ رأيه في الموضوع: # قال يأبت افعل ما تؤمر.. # [الصافات: 102] ولم يقل مثلا: افعل ms8314 ما تريد، فالأمر انصياع وخضوع لأمر ~~الله: # ستجدني إن شآء الله من الصابرين # [الصافات: 102]. وهكذا اشترك الاثنان في الرضا، وفي الصبر، وفي الجزاء ~~وخطف إسماعيل الفوز في الابتلاء في آخر الشوط لذلك قال تعالى: # فلما أسلما # [الصافات: 103] الولد وأبوه # وتله للجبين # [الصافات: 103] يعني: هم بذبحه، أو كاد يفعل # وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا ~~كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء ~~المبين * وفديناه بذبح عظيم # [الصافات: 104-107]. وحين تتأمل هذه القصة تجد أن الحق سبحانه قابل هذه ~~الابتلاءات الأربعة، بعطاءات أربعة: أنقذ إسماعيل من الذبح، وفداه بذبح ~~عظيم، ثم بشر إبراهيم بإسحاق. ومن وراء إسحاق يعقوب، ثم جعلهم جميعا ~~من الأنبياء فضلا من الله. { ذلك هو الفضل الكبير } [فاطر: ~~32] نعم، الحق سبحانه يعاملنا بالفضل الكبير، ويعطينا مثلا ليحببنا ~~في الدين، فالحسنة عنده بعشر أمثالها، أو يزيدها إلى سبعمائة ضعف إلى ~~أضعاف كثيرة، والسيئة بمثلها. ومن غلبت حسناته سيئاته يرجى له ~~الجنة، ومن غلبت سيئاته حسناته فهو مرجأ لأمر الله، إن شاء عذبه ~~بعدله ومآله إلى الجنة، وإن شاء غفر له بفضله، فإن بادر بالتوبة النصوح ~~وأخلص بدل الله سيئاته حسنات. حتى أن بعض الظرفاء يقول: ليتني كنت من ~~أهل الكبائر. وجاء في دعاء العارفين: اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل، ~~وعاملنا بالإحسان لا بالميزان، وعاملنا بالجبر لا بالحساب. يعاملنا ربنا ~~بالفضل بدليل أنه أدخل الظالم لنفسه، وأدخل المقتصد في ساحة المصطفين من ~~عباده. ثم يوضح لنا الحق سبحانه هذا الفضل الكبير فيقول: { جنات ~~عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور... }. ### || [35.33] # تلحظ أن { جنات } [فاطر: 33] جمع، فهي جنات عدة، لا جنة واحدة، ~~وجنات عدن يعني: إقامة دائمة لا تنتهي، ووصف الجنات هنا بالدوام لأن آدم ~~عليه السلام سبق أن أدخل الجنة، لكن خرج منها، أما جنة الآخرة فدائمة ~~باقية لا يخرج منها من دخلها. وقوله تعالى { يحلون فيها من ~~أساور من ذهب ولؤلؤا } [فاطر: 33] تلحظ أن الحق سبحانه ذكر ~~هنا التحلية والزينة قبل الضروريات، وهذا يعني أن الضروريات جاهزة مفروغ ~~منها، ms8315 وهذه التحلية ستكون في الآخرة من الذهب ومن الحرير، وهي من ~~المحرمات على الرجال في الدنيا، أما في الآخرة فشيء آخر. وكلمة أساور ~~جمع أسورة وأسورة جمع سوار. مثل فؤاد وأفئدة، فهي جمع للجمع ليدل على ~~كثرتها، وأنك ستحلى إن شاء الله في الجنة بأساور كثيرة تملأ الذراع من ~~المعصم إلى العضد، ومعلوم أن السوار هو ما يتحلى به المعصم وتلبسه ~~النساء للزينة في الدنيا، كل حسب إمكاناتها، حتى أن بعض الغنيات ~~يلبسن أسورة عريضة في العضد يسمونها دملك لفرط غناها. وعجيب أن نرى ~~بعض الرجال يتعجلون حلية الجنة، لكن من غير طريقها، فيلبسون الأساور، ~~وهو ما يسمى الآن الانسيال. وذكر الحق سبحانه أساور الذهب في الحلية ~~لأن الملوك قديما كانوا يلبسونها ويتحلون بها، وكان لكسرى سواران ~~لهما قصة في تاريخنا، فلما أسلم سراقة بن مالك، وكان نحيلا تشبه ذراعاه ~~ذراعي الماعز، وكان بعض الصحابة يسخرون منه، فنهاهم عن ذلك سيدنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقال قولة عرفوا معناها فيما بعد، قال: " كيف ~~بهما - يعني ذراعي سراقة - في سواري كسرى؟ ". فلما فتح المسلمون بلاد ~~فارس وغنموا قصور كسرى وأمواله جار السواران من نصيب سراقة عند ~~توزيع الغنائم، فلما رآهما عمر في يديه قال: صدق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. وهذه الأساور { من ذهب ولؤلؤا } [فاطر: 33] الذهب معلوم ~~أنه من الجبال، واللؤلؤ من حلية البحر. وتأمل دقة الأداء القرآني ~~هنا: فلما تكلم عن الأساور جاء بجمع الجمع ليدل على الكثرة، لكن لما تكلم ~~عن الثياب قال { ولباسهم فيها حرير } [فاطر: 33] بصيغة ~~المفرد، لماذا؟ قالوا، لأنك لا تحتاج إلى العديد من الثياب إلا لترد عن ~~نفسك البرد أو الحر، وليس في الجنة شيء من هذا. ### || [35.34] # هذا قول المؤمنين ساعة يتمتعون بنعيم الجنة، فهم لا ينسون المنعم ~~سبحانه، فيحمدونه أولا على أن شرع لهم المنهج الذي أوصلهم إلى هذا ~~النعيم، ويحمدونه على أن نجاهم وأنقذهم من الكفر وهداهم إلى الإيمان. ~~إذن: هذا حمد مركب. وكلمة { الحمد لله } [فاطر: 34] هي ms8316 آخر ما ~~يقوله المنعمون في الآخرة، كما قال تعالى: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]. ومن لطف الله بعباده وعطفه عليهم يعلمهم كيف يحمدونه ~~سبحانه، ويعلمهم هذه الكلمة الموجزة المكونة من مبتدأ وخبر: الحمد ~~لله، ذلك لأن الناس مختلفون في القدرة على الأداء البياني والتعبير ~~البليغ، فواحد بليغ قادر على صياغة الأسلوب الجميل وتنميق العبارات، وآخر ~~لا يجيد شيئا من هذا لذلك علمنا الله تعالى كيف نحمده بلفظ سهل ميسور ~~يتساوى فيه الجميع. لذلك جاء في مناجاة رسول الله لربه: # ".. لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ". # وقلنا: إن كلمة الحمد لله تستوجب سلسلة لا تنتهي من الحمد، فحين تقول ~~على النعمة: الحمد لله. فهذه الكلمة في ذاتها نعمة تستوجب الحمد، وتستحق ~~الحمد، وهكذا يظل الحق سبحانه محمودا، ويظل العبد حامدا إلى ما لا ~~نهاية. وقوله سبحانه { الذي أذهب عنا الحزن } [فاطر: 34] ~~هذه نعمة ثالثة تستحق الحمد، فالحمد أولا على النعم، وثانيا على أنك ~~حمدت الله على نعمه، وثالثا تحمد الله الذي أذهب عنك الحزن، والحزن ~~كل ما يحزنك أو يغمك، أو هو استدامة الحزن في الإنسان. فالإنسان يسعد ~~بالنعيم في الدنيا ويسر به، لكن ينغصه عليه مخافة زواله، فيعيش ~~مهموما حزينا، يخاف أن تفوته النعمة أو يفوتها هو بالموت، أما في ~~الآخرة فلا يفكر المرء في شيء من هذا أبدا، فقد ذهب هذا الفكر مع ذهاب ~~الدنيا، والجزاء في الآخرة باق دائم، لا يفوتك ولا تفوته. وقولهم: { ~~إن ربنا لغفور شكور } [فاطر: 34] كأنهم يتهمون أنفسهم ~~بالتقصير، وأنهم ما أدوا حق الله كما ينبغي، وأن ما هم فيه من النعيم ~~ما هو إلا لأن ربهم غفور يتجاوز عن تقصيرهم، وشكور يشكر لهم العمل الصالح ~~بعد أن وفقهم له وأعانهم عليه. ثم يذكر الحق سبحانه إقرارهم بما وهبهم ~~الله من نعيم، فيقول: { الذي أحلنا دار المقامة من ~~فضله... }. ### || [35.35] # معنى: { أحلنا } [فاطر: 35] أدخلنا وجعلها محلا لنا { دار ~~المقامة } [فاطر: 35] أي: الإقامة الدائمة والمراد الجنة، فالجنة ~~دار إقامة ms8317 دائمة. أما الدنيا فما هي إلا معبر إلى الآخرة، ولا تسمى ~~دار إقامة. وهذه الجنة جعلها الله محلا لهم ليس بأعمالهم، إنما بفضل من ~~الله وتكرم، حتى إن كان لك عمل صالح فهو راجع إلى تشريع الله لك. إذن: ~~كله يعود إلى فضل الله. وقولهم: { ولا يمسنا فيها } [فاطر: 35] ~~أي: في الجنة { نصب } [فاطر: 35] أى: تعب ومشقة { ولا يمسنا ~~فيها لغوب } [فاطر: 35] يعني: إعياء وفتور نتيجة التعب من حركات ~~الأجهزة. والإنسان منا في سعيه في الدنيا يتعرض لكثير من المشاق، حتى ~~أننا نقول يضرب في الأرض يعني: يسعى فكأنها عملية مرهقة شاقة يعود ~~الإنسان منها متعبا منهكا، هذا هو اللغوب إلى أن ترتاح منه ~~وتستجم، وتعود لك قوتك ونشاطك للعمل من جديد. ومن هذا المعنى قوله تعالى: # ولقد خلقنا السموت والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام وما مسنا من لغوب # [ق: 38]. وقال بعضهم: النصب: تعب الجوارح. واللغوب: تعب الصدور، ~~ويراد به الهم الذي يشغل بال الإنسان. وهذا المعنى قال فيه شوقي رحمه ~~الله: # ليس بحمل ما أطاق الظهر # ما الحمل إلا ما وعاه الصدر # والإمام على رضي الله عنه لما سئل عن أشد جنود الله في الأرض، قال: ~~الهم. فإن تسلط على إنسان أقلقه وأقض مضجعه لذلك قالوا: والهم يغلب ~~النوم، فكان أشد منه، وما يزال الهم بالإنسان حتى يصير نحيلا بعد ~~البدانة، كما قال المتنبي: # والهم يغتنم الجسيم نحافة # ويشيب ناصية الصبي ويهرم # بعد أن حدثنا الحق سبحانه وتعالى عن أهل الإيمان المصطفين من عباده، ~~وعن جزائهم في جنات عدن لتستبشر النفس، وتتفتح إلى بشارات الأتقياء يذكر ~~سبحانه ما يقابل ذلك من نذارات الأغبياء، وذكر المقابل يزيد المعنى ~~وضوحا، وهو سمة من سمات الأسلوب القرآني، كما في قوله تعالى: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14]. وقوله سبحانه: # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزآء بما ~~كانوا يكسبون # [التوبة: 82]. كذلك هنا يقول سبحانه: { والذين كفروا لهم ~~نار جهنم لا يقضى عليهم... }. ### || [35.36] # اللام في { لهم نار جهنم } [فاطر: ms8318 36] تفيد الملكية ~~والاختصاص، كما نقول: فلان له كذا وكذا، فكأنهم يتعلقون بها، وهي تتعلق ~~بهم تعلق المالك بالمملوك، وساعة يدخلونها والعياذ بالله يودون ~~الخلاص منها ولو بالموت، على حد قول الشاعر: # كفى بك داء أن ترى الموت شافيا # وحسب المنايا أن يكن أمانيا # نعم: يتمنون الخلاص ولو بالموت، لكن هيهات لهم ذلك، وهذا المعنى ~~واضح في قوله تعالى في موضع آخر: # ونادوا يمالك ليقض علينا ربك قال إنكم ~~ماكثون # [الزخرف: 77] فالموت ليس عذابا، بل هو بالنسبة لهم راحة من عذاب أشد ~~وأبقى. وأذكر أن بعض المستشارين ادعى أن كتاب الله ليس فيه دليل على ~~رجم الزانية المحصنة، واستدل على ذلك بقوله تعالى في الإماء: # فعليهن نصف ما على المحصنت من العذاب # [النساء: 25]. على اعتبار أن الرجم لا يتجزأ ليكون فيه نصف رجم، وما دام ~~الرجم لا يتجزأ فلا رجم إذن. فربنا سبحانه وتعالى ألهم وقلنا والحمد ~~لله: علينا أن نحدد أولا ما العذاب؟ العذاب: إيلام حي، وإذا ما جمعنا ~~آيات القرآن في الموضوع بعضها إلى بعض، وضحت لنا الصورة وظهر المعنى، ~~فالله يقول في قصة هدهد سليمان عليه السلام: # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأاذبحنه # [النمل: 21] إذن: الموت أو الذبح أو القتل ليس عذابا. والرجم إماتة، ~~والإماتة إنهاء للعذاب. والحق سبحانه وتعالى حين قال هذا النص شاء الله ~~سبحانه أن يجعل لنبيه صلى الله عليه وسلم بيانا بهذا النص، وفرق بين ~~حكم تأخذه بالنص، وحكم تأخذه بالتطبيق الفعلي من المشرع صلى الله عليه ~~وسلم لأن النص يمكن لك أن تؤوله، أما التطبيق الفعلي من رسول الله فلا ~~تأويل فيه، وقد ثبت أن رسول الله رجم بالفعل. ولو كان الأمر كما يدعي ~~المستشار لكانت الآية: فعليهن نصف ما على المحصنات دون أن تذكر العذاب، ~~فقوله تعالى: # من العذاب # [النساء: 25] يعني: لا من غيره، فهو بيان للنصف، نصف العذاب، والرجم ليس ~~عذابا، بل إنهاء للعذاب. ثم يخبر سبحانه عن حال أهل النار { ولا ~~يخفف عنهم من عذابها } [فاطر: 36] أي: أنه عذاب دائم لا ms8319 ~~ينقطع ولا يفتر، فالإنسان مثلا في الدنيا قد يبتلى - والعياذ بالله - ~~بأن يعتقل ويضرب مثلا ليقر بما حدث، إلى أن يصير جسمه جسما أطرش ~~يعني: لا يشعر بالألم لكثرة الضرب لذلك مثل هؤلاء يضرب جلدة، أو عدة ~~جلدات، ثم لا يشعر بعدها بشيء، ويصدق فيه قول الشاعر: # من يهن يسهل الهوان عليه # ما لجرح ميت إيلام # أو قول الآخر: # وكنت إذا أصابتنى سهام # تكسرت النصال على النصال # إذن: عذاب الدنيا قد يخفف، ولو بهذه العادة الرديئة، وهي فقدان ~~الإحساس بالعذاب حين يفقد الجلد اتصاله بالمخ، أما عذاب الآخرة فلا ~~يخفف عنهم مهما طال بهم لذلك يقول تعالى في موضع آخر: # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء: 56]. ### || [35.37] # معنى { يصطرخون } [فاطر: 37] أي: يصرخون ويصيحون مستغيثين طالبين ~~للنجدة، والصراخ: استنجاد بمن يخلصك من شدة أو ضائقة أو عذاب، ومثل هذا ~~الصوت نسمعه مثلا حين يشب حريق لا قدر الله، فيصرخ الناس طلبا ~~للمساعدة. وهؤلاء يصطرخون { فيها } [فاطر: 37] أي: في النار يقولون في ~~صراخهم { ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا ~~نعمل } [فاطر: 37] أولا: عجيب منهم أن يقولوا الآن ربنا هذه الكلمة ~~التي أنكروها في الدنيا، وكفروا بها، الآن ينطقونها، لكن بعد فوات ~~أوانها. ثم أقروا على أنفسهم بأن عملهم في الدنيا لم يكن صالحا، ~~وهذه حيثية تحسب عليهم لا لهم، وتزيد من عذابهم لا تخففه عنهم. ثم لو ~~أجابهم الله - وهيهات لهم ذلك - هل سيعلمون صالحا كما يقولون؟ لقد علم ~~الله كذبهم، فقال سبحانه # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 28]. إذن: هذا مجرد كلام حين الضائقة، ولو رجعوا لعادوا لما ~~كانوا عليه لذلك يرد الله عليهم { أولم نعمركم ما ~~يتذكر فيه من تذكر.. } [فاطر: 37] يعني: مددنا لكم العمر ~~في الدنيا بما يكفي للتذكر وللاعتبار لمن أراد أن يتذكر أو يعتبر. { ~~وجآءكم النذير } [فاطر: 37] الرسول الذي ينذركم ويحذركم من ~~عاقبة أفعالكم، ومع ذلك لم تعودوا إلى الجادة، ولم تراجعوا أنفسكم إلى أن ~~فات الأوان. { فذوقوا فما للظالمين ms8320 من نصير } [فاطر: ~~37] أي: ذوقوا العذاب، ومعنى { من نصير } [فاطر: 37] أي: معين. ~~والنصير هو الذي يدفع عنك بقوة، ويدخل معك المعركة، وفي موضع آخر يقول ~~سبحانه # من ولي ولا نصير # [الشورى: 31] والولي: هو القريب الذي يدفع عنك برجاء واستمالة وتحنين، ~~وهؤلاء لا لهم ولي، ولا لهم نصير في هذا الموقف. ثم يقول الحق سبحانه: ~~{ إن الله عالم غيب السموت... }. ### || [35.38] # جاءت هذه الآية كتعليل لما قبلها، فالحق سبحانه يعلم كل ما غاب في ~~السماوات وفي الأرض، ويعلم خفايا الصدور ومكنوناتها ونواياها وما يعلق ~~بها، وقد علم سبحانه نوايا أهل النار، وعلم أنهم لو رجعوا إلى الدنيا ~~لعادوا لما كانوا عليه، فهذه تجربة لن تتكرر لذلك أنهى الله معهم هذا ~~الموقف، وحكم بعدم رجوعهم. ثم يقول الحق سبحانه: { هو الذي ~~جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره... ~~}. ### || [35.39] # معنى: { خلائف } [فاطر: 39] خلفاء: يخلف بعضكم بعضا. وفي آية أخرى # إني جاعل في الأرض خليفة.. # [البقرة: 30] أي: خليفة لله في أرضه لذلك وهبنا الله صفات من صفاته ~~سبحانه، لنباشر بها مهمتنا في الأرض، فإن وجدت فينا قدرة على العمل فهي ~~من قدرة الله، وإن وجدت في تصرفاتنا حكمة فهي فيض من حكمة الله، وإن ~~وجدت فينا عزة فهي من عزة الله.. الخ. هذا هو معنى الخلافة لأن الإنسان ~~حين يتأمل ذاته يجد أن كل ما فيه موهوب له من خالقه سبحانه، ليس ذاتيا ~~فيه. وسبق أن قلنا مثلا: إنك لمجرد إرادتك أن تقوم من مكانك تجد نفسك ~~قد قمت دون أن تعرف ماذا حدث في أعضائك وعضلاتك، وكيف صدرت الأوامر لهذه ~~العضلات أن تتحرك، هذه في الحقيقة صفة من صفات الخالق سبحانه وهبك شيئا ~~منها، بدليل أنه سبحانه إن سلبك هذه القوة لا تستطيع القيام، وقد سلبها ~~بالفعل من غيرك ليبين لك أن قوتك ليست ذاتية فيك، فلا تغتر بها. تلحظ ~~مثلا بعد تطور الصناعة أن العلماء استخدموا حركات البشر في صناعة ~~الأوناش والبلدوزرات فترى الحركة الواحدة تحتاج إلى عدة حركات من ms8321 الآلة، ~~وتحتاج إلى أن يضغط السائق على زر معين لهذه الحركة، أما أنت فلا ~~تحتاج فى حركة أعضائك إلى شيء من هذا. فبمجرد أن تريد الفعل تفعله ~~وتتفاعل معك أعضاؤك وعضلاتك، وتؤدي لك ما تريد منها دون أن تشعر أنت ~~بشيء، فإذا كنت أنت وأنت مخلوق لله تعالى حين تريد شيئا تفعله دون أن ~~تأمر عضوا من أعضائك، ولا عضلة من عضلات جسمك، فما بالك بالخالق سبحانه؟ ~~أتنكر أنه سبحانه يقول للشيء كن فيكون؟ # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. أنت حينما تريد حركة لا تأمر شيئا من أعضائك، لأنك لا تعرف ~~أيها تأمر، فالأعضاء والعضلات والأعصاب أشياء متداخلة، ولا تدري أنت ما ~~يدور بداخلك لتؤدي هذه الحركة لذلك سواك الخالق سبحانه على صورة تنفعل ~~لك أعضاؤك بمجرد إرادتك، أما الخالق سبحانه فيأمر الأشياء ويقول لها: ~~كن. لأنه سبحانه يعلم الآلة التي تتحرك. وأيضا الخالق سبحانه لم يترك ~~لك أمرا على جوارحك، إنما ذللها لك وطوعها لإرادتك لأنك لا تضمن إن ~~أمرتها أن تطيعك وتستجيب لك، أما الخالق سبحانه فإن أمر الأشياء ~~أطاعته، بدليل أن الإنسان حين يسلب القدرة على الحركة، أو حين يصيبه ~~هذا المرض والعياذ بالله يريد أن يحرك أصبعا من أصابعه فلا يستطيع. ~~والحق سبحانه وتعالى قبل أن يستدعي الخليفة إلى الوجود خلق له قبل أن ~~يخلقه، وضمن له قوته ومقومات حياته وضرورياتها إلى قيام الساعة، ثم ~~ترك للعقول أن تعمل، وأن تستنبط من الضروريات ما يترف الحياة ويثريها. # إذن: أنت أيها الخليفة لله في الأرض ليس لك أن تستقبل أمر الله في افعل ~~كذا و لا تفعل كذا بالطاعة والانقياد، فإن كفرت بعد ذلك { فمن كفر ~~فعليه كفره } [فاطر: 39] كفرت يعني لم تطع افعل ولا تفعل، ~~والكفر يعني الستر، وكفر بالله يعني: ستره، كأن الله كان ظاهرا، فستره ~~الكافر بكفره لذلك قلنا: إن الكفر أول دليل على الإيمان، فلولا وجود الله ~~ما كان الكفر. وكما أن هناك كفرا بالله الذي استخلفك، ms8322 هناك كفر بما ~~استخلفت فيه، كفر بالنعمة بأن تنسى واهبها لك والمنعم عليك ~~بها، ومن كفر النعمة أن تكسل عن استنباطها واستخراجها من باطن الأرض، ~~وتتركها مطمورة لا ينتفع الناس بها، ومن كفر النعمة أيضا ألا تؤدي ~~حق الله فيها، وأن تسترها عن مستحقها المحتاج إليه. وما يعانيه ~~العالم الآن من أزمات في القوت ومجاعات ما هو إلا نتيجة طبيعية لكفر ~~النعمة، إما بالتكاسل والقعود عن استنباطها، وإما نستنبطها لكن تشح بها ~~نفوسنا وتبخل، بدليل أننا عشنا فترة طويلة في الوادي الضيق، ولم نحاول ~~ولم نحاول استنباط خيرات الصحراء، فلما تنبهنا إلى ضرورة غزو الصحراء ~~وتعميرها أصابنا هوس الاستنباط، فزرعنا الترف ولم نزرع الضروريات فتجد ~~السوق عندنا مليئا بالبرتقال والموز والعنب والكنتالوب والفراولة.. الخ ~~ونحن نشحت رغيف العيش، ونستجدي غيرنا ضروريات حياتنا. إذن: الجزاء هنا من ~~جنس العمل { فمن كفر فعليه كفره } [فاطر: 39] أي: يجزى ~~به، فالذي كفر بالمنعم له جزاؤه، وجزاؤه العذاب في الآخرة، والذي كفر ~~بالنعمة له جزاؤه، وجزاؤه أن يموت جوعا وأن يذل لغيره، وإن ذل ~~لغيره فلن ينفذ أمرا ولا نهيا، ولن يهتم بدين ولا بمنهج. ورحم الله ~~أجدادنا الذين قالوا: اللي لقمته من فاسه كلمته من راسه. ثم يقول سبحانه ~~مبينا عاقبة الكفر { ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ~~ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا ~~خسارا } [فاطر: 39] نعم، الكفر يزيد صاحبه مقتا وكراهية من الله ~~عز وجل لأنك كفرت بمن؟ كفرت بالله ربك وخالقك ورازقك وواهبك النعم، ~~وكل كفر بشيء من هذا يستوجب لك كراهية وبغضا من الله، وهذا البغض يزيد ~~بالاستمرار في الكفر والتصميم عليه، ثم بعد هذا كله يزيد الكفر صاحبه { ~~خسارا } [فاطر: 39] وأي خسارة بعد الكفر بالله، الخسارة هنا كبيرة ~~لأنها هلاك وخسران لخيري الدنيا والآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: { قل ~~أرأيتم شركآءكم الذين تدعون من دون الله ~~أروني... }. ### || [35.40] # الخطاب في قل لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم { أرأيتم ~~شركآءكم الذين تدعون من دون الله } [فاطر: 40] يعني ~~أخبروني عنهم، ms8323 وليست مجرد استفهام عن الرؤية كما لو قلت لك: أرأيت ~~فلانا أمس؟ تقول: نعم أو لا، أما هنا فالمراد الإخبار عن الحال وطلب ~~منهم هم أن يخبروا عن حال شركائهم الذين عبدوهم من دون الله، وجعلهم هم ~~أنفسهم حكما في هذه المسألة. { أروني ماذا خلقوا من ~~الأرض } [فاطر: 40] يعني: أخبروني إن كانوا هم انفردوا بالخلق { ~~أم لهم شرك في السموت } [فاطر: 40] يعني: شاركوني ~~الخلق وكانت أيديهم بيدي يخلقون معي { أم آتيناهم كتابا ~~فهم على بينة منه } [فاطر: 40] كتابا يبيح لهم الشرك، ~~ويكون حجة لهم في شركهم. والحق سبحانه وتعالى يشرح لنا هذه القضية في ~~موضع آخر، فيقول سبحانه: # مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. فالحق سبحانه لا ينفي مشاركتهم له سبحانه في الخلق فحسب، ~~إنما ينفي مجرد مشاهدتهم لهذه المسألة، فليس لهم علم بالخلق ولا صلة ~~لهم به، ولا يستطيعون أن يخبروا كيف خلقت السماوات والأرض، ولا كيف ~~خلقوا هم أنفسهم. ثم يقول سبحانه { بل } [فاطر: 40] وهي إضراب عن ~~الكلام السابق، وإثبات للحكم بعدها { إن يعد الظالمون بعضهم ~~بعضا إلا غرورا } [فاطر: 40] وإن هنا بمعنى ما النافية، يعني: ~~ما يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا، والغرور هو الخداع الذي ~~يلبس الباطل ثوب الحق ليجذب إليه، ويزخرفه لهم ليغرهم به. ومن ذلك ~~قول الله تعالى: # يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم # [الانفطار: 6] يعني: ما أغراك بمعصيته؟ وما شجعك على عصيان أوامره؟ ~~وكأن الحق سبحانه يعلمنا الرد بقوله تعالى الكريم فالذي غرنا بالله ~~كرمه وفضله. فالمعنى: بل كل هذا باطل، فشركاؤهم ما خلقوا شيئا، وما ~~شاركوا في خلق شيء، ولا آتيناهم كتابا يكون حجة لهم، كل هذا خداع ~~منهم وزخرفة، والحقيقة أنهم يغر بعضهم بعضا، ويخدع بعضهم بعضا بهذه ~~الأباطيل. ثم يقول الحق سبحانه: { إن الله يمسك السموت ~~والأرض أن تزولا... }. ### || [35.41] # نعم، الله وحده هو الذي يمسك السماوات أن تقع على الأرض ويمسك ~~السماوات والأرض أن تزولا يعني: تتحرك من أماكنها، وتسقط وتتهدم، ms8324 ولو ~~تركها الخالق سبحانه ما استطاع أحد أن يمسكها { من بعده } [فاطر: ~~41] أي: سواه، وهذه المسألة لله وحده، ليس له فيها شريك ولا معارض، وهي ~~من صميم # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. والحق سبحانه يمسك السماوات والأرض أن تزولا، لأنه سبحانه ~~خلق السماوات بغير عمد، وبغير دعائم تحملها # خلق السموت بغير عمد ترونها # [لقمان: 10]. وأرني غير الله يستطيع أن يرفع هذه القبة الزرقاء هكذا ~~بغير عمد، إن قصارى ما وصل إليه التقدم البشري بناء كوبرى مثلا يمتد ~~لعدة مترات بدون دعائم في وسطه، مع أنهم يستعيضون عن ذلك بدعائم أقوى في ~~أطرافه، بحيث تحمل الوسط وتشده ويسمونها الكباري المعلقة، فأين هذا من ~~رفع السماء؟ والسماء كما قلنا: هي كل ما علاك، فالله يمسك السماء بما ~~فيها من نجوم وأقمار وكواكب ومجرات، ويمسك الأرض أن تميد بأهلها، وأن ~~تضطرب بهم. ولما تكلم العلماء في هذه المسألة قالوا: إنها الجاذبية التي ~~تمسك الأشياء، لكن إن كانت الجاذبية للأرض، فلماذا لم تجذب النجوم ~~مثلا، وهي بين السماء والأرض؟ إذن: المسألة قدرة إلهية، ونظام للكون ~~محكم، يجعل لكل مخلوق في السماوات والأرض ما يحفظ توازنه ويمسكه أن ~~يقع. و إن في قوله تعالى: { ولئن زالتآ إن أمسكهما } ~~[فاطر: 41] يعني ما يمسكهما، فهي بمعنى أداة النفي، كما في قوله تعالى: # إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم # [المجادلة: 2]. وتختم الآية بقوله تعالى: { إنه كان حليما ~~غفورا } [فاطر: 41] ولك أن تسأل: ما علاقة هاتين الصفتين لله تعالى ~~الحليم والغفور بمسألة إمساك السماوات والأرض، وهي مسألة كونية؟ قالوا: ~~لأن هذه المسألة يكثر حولها الجدال، وكثيرا ما يتعدى الإنسان حددوه ~~فيها، فيسأل عما لا ينبغي له الخوض فيه، وعن كيفية إمساك السماوات ~~والأرض، وهو يمشي في أنحاء الأرض، ويركب الطائرة في جو السماء، فلا ~~يرى شيئا، ولا يرى أعمدة. وهذه مسألة لا دخل لنا فيها، ويكفي أن الخالق ~~عز وجل أخبرنا عنها بقوله: # خلق السموت بغير عمد ترونها # [لقمان: 10] أي: لا يوجد لها عمد بالفعل، أو لها عمد، لكن لا ms8325 ترونها ~~ويصح المعنيان، وعلينا أن نقف عند هذا الحد. فالحق سبحانه حليم لا ~~يعاقب المتجرئين عليه، الخائضين في حقه، بل إن المنكرين لوجوده سبحانه لا ~~يعاجلهم بالعقوبة، ولولا حلمه تعالى كان دربكها على رؤوسهم. وقد ورد في ~~الحديث القدسي: # " قالت الأرض: يا رب ائذن لي أن أخسف بابن آدم، فقد طعم خيرك ومنع ~~شكرك، وقالت السماء: يا رب ائذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم، فقد ~~طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب ائذن لي أن أسقط على ابن ~~آدم، فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب ائذن لي أن أغرق ~~ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. فقال تعالى: دعوني وخلقي، لو ~~خلقتموهم لرحمتموهم، إن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا ~~طبيبهم.. ". # إذن: لولا حلم الله علينا ومغفرته لذنوبنا ما أمسك السماوات والأرض، ~~ولتهدم هذا الكون على من فيه. ثم يقول الحق سبحانه: { وأقسموا ~~بالله جهد أيمانهم لئن جآءهم نذير ليكونن ~~أهدى من إحدى الأمم... }. ### || [35.42] # قوله تعالى: { جهد أيمانهم } [فاطر: 42] أي: اجتهدوا في ~~القسم والحلف بأغلظ الأيمان { لئن جآءهم نذير } [فاطر: 42] ~~رسول { ليكونن أهدى } [فاطر: 42] أشد هداية { من إحدى ~~الأمم } [فاطر: 42] أي: أهدى من الأمم السابقة يعني: سيكونون في ~~المقدمة. والحق سبحانه يوضح لنا هذا المعنى في موضع آخر، فيقول ~~سبحانه: # وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من ~~الأولين * لكنا عباد الله المخلصين # [الصافات: 167-169]. وهذا كله قولهم بأفواههم، ويعلم الله أنهم كاذبون، ~~لكنه سبحانه يرخى لهم العنان، ولا يكشف هذا الكذب فيقول لهم: دعكم من ~~الأولين، وها هو الذكر الذي طلبتم وقلتم إنكم ستكونون به أهدى الناس، ~~والمراد هنا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. { فلما جآءهم ~~نذير ما زادهم إلا نفورا } [فاطر: 42] يعني: إعراضا ~~وتباعدا عن الحق وعن الهداية، لماذا؟ لأن الذكر الذي جاءهم جاء على يد ~~محمد، ولو جاء على يد رجل عظيم كما يقولون لقبلوه: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] فيرد ms8326 الله عليهم: # أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم ~~معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات # [الزخرف: 32]. عجيب منهم أن يريدوا قسمة رحمة الله على هواهم واختيار ~~رسول الله كما يحبون # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]. كيف والله قد قسم بينهم أبسط أمور حياتهم في الدنيا، ~~فجعل هذا غنيا، وهذا فقيرا، وهذا قويا، وهذا ضعيفا. لكن هذا القول ~~منهم دليل على أن القرآن عندهم لا غبار عليه، وأنهم لا يكذبون به مع ~~أنهم قالوا عنه إنه سحر، وأنه كهانة، وأنه شعر، ومع هذا يعترفون بأن ~~القرآن لا غبار عليه، لكن آفته أنه نزل على محمد بالذات. ثم يبين ~~الحق سبحانه علة نفورهم، فيقول: { استكبارا في الأرض ~~ومكر السيىء ولا يحيق... }. ### || [35.43] # نعم، استكبروا على الحق، فلم يقبلوه، لماذا؟ لأن هذا الحق جاء لينزلهم ~~من عالي السيادة إلى العبودية المقترحة المستطرفة بين كل الخلق، وهم ~~ألفوا السيادة وتشق عليهم المساواة، وأن يكونوا هم وعبيدهم كأسنان ~~المشط. وكأن الحق سبحانه يرد عليهم: يا من تستكبرون عن قبول الحق بما ~~لكم من السيادة، أما كان يليق بكم أن تخزوا على عرضكم، وتسألوا أنفسكم: ~~من أين لكم هذه السيادة؟ بالله، لو أن الله تعالى مكن أبرهة من هدم ~~الكعبة في حادثة الفيل، وانصرف الناس إلى كعبة أخرى في صنعاء، أكانت لكم ~~سيادة؟ أكانت لكم مهابة أو ذكر بين الناس؟ إذن: كان عليكم أن تعملوا ~~عقولكم، وأن تتأملوا هذه المهابة من أين، وهذه الأرزاق التي تساق إليكم ~~من أين؟ لقد كنتم تحرمون على الناس أن يطوفوا بالبيت إلا وهم عرايا ~~ليشتروا منكم الثياب. واقرأوا قول الله: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم ~~يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم ~~كعصف مأكول # [الفيل: 1-5]. لماذا فعل الله هذا بأصحاب الفيل؟ يجيب الحق سبحانه في ~~السورة بعدها: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * ~~فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 1-4]. ms8327 يعني: ما فعلت هذا بأصحاب الفيل إلا من أجل قريش، ~~واستبقاء سيادتها، وتوفير القوت والأمن لها، لكنهم مع هذا كله استكبروا ~~على منهجي وصادموا رسولي، وعاندوه وكادوا له. { استكبارا في ~~الأرض ومكر السيىء } [فاطر: 43] أي: برسول الله، وبمن آمن ~~معه ليردوهم عن دينهم، ولو علموا حيثية استكبارهم لهداهم هذا الاستكبار ~~إلى الإيمان بمن جعلهم كبراء. ثم يقرر الحق سبحانه هذه الحقيقة: { ~~ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } [فاطر: 43] فقد ~~مكروا برسول الله وكادوا له، وتآمروا عليه، وآذوا المؤمنين به وعذبوهم، ~~لكن جعل الله كيدهم في نحورهم، كما قال سبحانه في موضع آخر: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك # [الأنفال: 30] أي: يسجنوك # أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين # [الأنفال: 30]. لقد احتالوا للقضاء على دعوة الإسلام بكل ألوان ~~الاحتيال، فلم يفلحوا، حتى دبروا لقتله صلى الله عليه وسلم، فخيب الله ~~سعيهم، وخرج رسول الله من بينهم وهم نيام، وهو يحثو التراب على رؤوسهم، ~~ثم لما يئسوا من القضاء عليه بالحيلة لجئوا إلى الجن، واستعانوا بهم ~~ليسحروا رسول الله، لكن نجاه الله منهم، ثم حاولوا دس السم في طعامه ~~صلى الله عليه وسلم. وكأن الله تعالى يقول لهم: وفروا جهودكم، فلن ~~تطفئوا نور الله، ولن تصدوا محمدا عن دعوته، لا بالاستهزاء والسخرية، ~~ولا بالإيذاء والمكر والتبييت، ولا حتى بالسحر. # ومعنى: { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله } ~~[فاطر: 43] يعني: ينزل بهم ويحيط بهم، وينقلب عليهم. ثم يقول سبحانه: { ~~فهل ينظرون إلا سنت الأولين } [فاطر: 43] يعني: فما ~~ينظرون إلا سنت الأولين في الرسل السابقين، والسنة هي الطريقة والعادة ~~المتبعة والموجودة، فهل وجدوا في الرسل السابقين وفي الأمم السابقة أن ~~الله أرسل رسولا ثم خذله، أو تخلى عنه، ولم يهلك أعداءه والمكذبين به؟ ~~إن نصرة الرسل سنة متبعة، كما قال سبحانه: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. ثم يؤكد الحق سبحانه هذا المعنى فيقول: { ولن تجد ~~لسنت الله تحويلا } [فاطر: 43] لماذا لا تتبدل سنة الله ~~ولا تتحول؟ لأن الله تعالى أولا ليس عنده ms8328 بداء، ومعنى البداء أن ~~تفعل شيئا ثم يعن لك أن تفعل أحسن منه، وأيضا لأنه سبحانه إله واحد، ~~لا ثاني له، ولا شريك له، فلا أحد يستدرك عليه، أو يغير فعله. ثم يقول ~~الحق سبحانه: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد... }. ### || [35.44] # الاستفهام في { أولم يسيروا في الأرض فينظروا.. } ~~[فاطر: 44] استفهام يفيد التعجب، يعني: كيف يكون منهم هذا { أولم ~~يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم } [فاطر: 44] أي من المكذبين الذين أخذهم الله { ~~وكانوا أشد منهم قوة } [فاطر: 44]. كما قال سبحانه في ~~موضع آخر: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]. نعم، كانوا في حركة حياتهم وفي أسفارهم يمرون على ~~قرى عاد وثمود، وقوم لوط وقوم صالح.. الخ وكانوا يرون آثارهم وما ~~حاق بهم من الدمار والخراب بعد أن كذبوا رسلهم، وكانوا أصحاب حضارات ~~وعمارة وقصور لا مثيل لها. كما قال سبحانه: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * ~~الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * ~~فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك ~~لبالمرصاد # [الفجر: 6-14]. والعجيب أن أصحاب هذه الحضارات التي جابت سمعتها الآفاق ~~لم يستطيعوا أن يضعوا لحضاراتهم ما يصونها من الاندثار. ولنا ملحظ في ~~قوله سبحانه: { أولم يسيروا في الأرض } [فاطر: 44]. فمنذ عهد ~~قريب كنا نعتقد أن السير في الأرض يعني على الأرض لأننا نسير عليها لا ~~فيها، إلى أن اكتشفنا أن الأرض فيها الأقوات، وسيد الأقوات الهواء، بدليل ~~أنك تصبر على الماء لعدة أيام، وتصبر أكثر منها على الطعام، لكنك لا تصبر ~~على الهواء إلا بمقدار شهيق أو زفير، لو حبس عنك لفارقت الحياة. وعرفنا ~~أن هواء الأرض من الأرض لذلك يدور معها ويرتبط بها إذن: نحن بهذا المعنى ~~لا نسير على الأرض، إنما نسير فيها، حتى الذي يحلق بالطائرة في طبقات ~~الجو العليا أيضا يسير في الأرض ms8329 لأن الهواء من الأرض، وهو أصل قوامها ~~نفسا وقوتا. وليتأكد لك أن الهواء سيد الأقوات، إجر هذه التجربة، خذ ~~إصيصا أو برميلا مثلا وضع فيه تربة زراعية بوزن معين، وازرع فيه شجرة ~~مثمرة كالموز مثلا، وبعد فترة زن الثمار التي أخذتها من الشجرة وزن ~~ما نقص من التربة، وسوف تجد أن التربة نقصت بمقدار خمسة بالمائة، أما ~~نسبة الخمسة والتسعين فمن الهواء. فكأن الهواء هو المغذى الأساسى ~~للنبات لذلك نقول: إنه الأصل فى القوت، على خلاف ما كنا نعتقده من أن ~~التربة هي الأصل في القوت، لذلك يشير القرآن إلى هذه المسألة، فيقول ~~سبحانه: # ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم # [المائدة: 66] فذكر الفوقية قبل التحتية. الحق سبحانه وتعالى في هذه ~~الآية { أولم يسيروا في الأرض فينظروا. # . } [فاطر: 44] يريد من الكفار أن ينظروا إلى مواقع الحياة، لا إلى ~~كلامنا، ولا إلى كلامهم، بل واقع الحياة المشاهد، فقال { أولم ~~يسيروا } [فاطر: 44] لأنهم ساروا بالفعل لأنهم كانوا أمة لها تجارة ~~في الصيف إلى الشمال، وفي الشتاء إلى الجنوب. وفي هذه الأسفار رأوا ~~الكثير من آثار من سبقهم، فهل رأوا في السابقين رسولا هزم من ~~المكذبين به؟ لقد هزم الله المكذبين والكافرين، وكتب النصر للمؤمنين ~~الصادقين، وهؤلاء الذين أخذهم الله كانوا أشد منهم قوة، لكنها قوة ~~البشر مهما بلغت من التقدم ماذا تفعل أمام قوة الله، فلا تنظر إلى قوة ~~الرسول، لكن انظر إلى قوة من أرسله، ومن تكفل بحفظه ونصرته. إذن: ~~هذه معركة ليست بين خلق وخلق، إنما بين خلق معاندين للخالق سبحانه، ~~فهل تعجزون الله؟ لذلك ينفي الحق سبحانه أن يكونوا معجزين، وينفي أن ~~يكونوا معاجزين، وفرق بين الاثنين: معجز إن أعجزه ولو مرة يعني: أتى ~~بما يعجزه، إنما معاجز فيها مشاركة ومفاعلة، كأن الإعجاز كان بينهما ~~سجال، وفيه أخذ ورد. فكأن الحق سبحانه يملي لهم ويمهلهم، فيجعل ~~لهم الغلبة، في بعض الجولات ليستنفد كل أنواع الحيل، ويستنفد كل ~~قواهم، إذن: مهما ms8330 كانت قوتكم، ومهما استعنتم وتقويتم بحضارات أخرى ~~فلن تعجزوا الله لأن الله تعالى لا يعجزه شيء، وليس له سبحانه شريك أو ~~مقابل يساعدكم، فهو إله واحد يساعد المؤمنين به وينصرهم، وأنتم لا ناصر ~~لكم، والحق سبحانه أهلك المكذبين قبلكم، وكانوا أشد منكم قوة، والذي ~~يقدر على الأشد أقدر من باب أولى على الأضعف. والحق سبحانه وتعالى ~~حين يريد أن يؤكد أمرا واقعيا من الممكن أن يأتي به في صورة الخبر، ~~فيقول: لقد ساروا في الأرض، ورأوا كذا وكذا، لكن عدل عن الخبر هنا إلى ~~الاستفهام، يعني: اسألوهم أساروا أم لم يسيروا؟ والحق سبحانه لا يسأل هذا ~~السؤال إلا وهو واثق أنهم سيقولون سرنا، وهذا يؤكد الكلام لأنه إقرار ~~من المخاطب نفسه، كما أن الاستفهام بالنفي أقوى في تقرر المخاطب من ~~الاستفهام بالإثبات. ومسألة السير في الأرض أخذت حظا واسعا من القرآن ~~الكريم لأن الله تعالى يريد من الناس أن ينظروا إلى الآيات الكونية، ~~وأن يتأملوا في الكون ليقفوا على أسراره، وعلى دلائل القدرة فيه لذلك ~~يأمرنا الحق سبحانه مرة بقوله: # قل سيروا في الأرض فانظروا # [النمل: 69] ومرة: # قل سيروا في الأرض ثم انظروا # [الأنعام: 11]. فما الفرق بين التعبيرين؟ قالوا: السير في الأرض يكون ~~إما للنظر والاعتبار وإما للاستثمار، فقوله تعالى: # فانظروا # [النمل: 69] للسير المراد منه الاعتبار والتأمل في آيات الله، وفي هندسة ~~الكون العجيبة التي تدلنا على قدرة الخالق سبحانه. أما قوله # ثم انظروا # [الأنعام: 11] فهي للسير الذي يراد منه العمل والاستثمار وطلب الرزق، ~~فحتى إن سرت في أنحاء الأرض طلبا للرزق وللاستثمار لا تنس ولا ~~تغفل عن الاعتبار وعن التأمل، ولا تحرم نفسك من النظر في الآيات وفي ~~ملك الله الواسع، خاصة إذا اختلفت البيئات. # فالبيئة الصحراوية البدوية كبادية الحجاز مثلا تسير فيها لا تكاد ترى ~~فيها أثرا للون الأخضر، وفي إندونيسيا مثلا ذهبنا إلى أماكن تكسوها ~~الخضرة، بحيث لا ترى بقعة من الأرض خالية من النبات، وفي كل من هاتين ~~البيئتين خيراتها وما يميزها عن الأخرى لذلك قالوا ms8331 في المثل: اللي ~~يعيش ياما يشوف، واللي يمشي يشوف أكثر. ثم يقول سبحانه: { وما كان ~~الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض ~~إنه كان عليما قديرا } [فاطر: 44]. سبق أن تكلمنا في معنى ~~يعجزه، الآية هنا لا تنفي أن شيئا في السماوات أو في الأرض يعجز ~~الحق سبحانه، إنما تنفي مجرد أن يكون هذا أو يتصور، فهذا أمر لا ~~يتصور ولا يكون أصلا. وقوله: { من شيء } [فاطر: 44] من هنا تنص ~~على العموم يعني: من بداية ما يقال له شيء كما تقول: ما عندي مال، فيجوز ~~أن يكون لديك مال، لكن قليل لا يعتد به، فإن قلت: ما عندي من مال ~~فقد نفيت وجود كل ما يقال له مال، مهما كان قليلا ولو قرشا واحدا. ~~وقوله تعالى: { إنه كان عليما قديرا } [فاطر: 44] يبين ~~علة أنه سبحانه لا يعجزه شيء، فالله تعالى عليم بعلم محيط لا يعزب عنه ~~شيء، فإن بيتوا شيئا علمه الله وعلم مكانه، ثم هو سبحانه قدير، عالم ~~بقدرة، وهذان هما عنصرا الغلبة العلم والقدرة، تعلم الشيء وتقدر أن ~~ترده. ثم يقول الحق سبحانه: { ولو يؤاخذ الله الناس بما ~~كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة... }. ### || [35.45] # الحق سبحانه وتعالى رحيم يوالي نعمه حتى على الكافرين به، والعاصين ~~لأوامره، ولو أن الله تعالى آخذهم بظلمهم - وظلمهم كثير - ما ترك أحدا ~~منهم، فلماذا يعاملنا الله هذه المعاملة؟ ولماذا يمهلنا هذا الإمهال؟ ~~قالوا: لأنه تعالى ربنا وخالقنا، ويعلم أن الإنسان ضعيف أمام شهوات نفسه، ~~ضعيف أمام هواه وأمام شيطانه لذلك سبق حلمه غضبه، وسبق عفوه ~~مؤاخدته، وقال سبحانه # ويعفوا عن كثير # [الشورى: 30]. وورد في الأثر أن الحق سبحانه يخاطبنا بقوله تعالى: ".. ~~لو لم تذنبوا لخلقت خلقا غيركم يذنبون، فيستغفرون فأغفر لهم " وإلا ~~فكيف يوصف الحق سبحانه بأنه تواب غفار، فالحق سبحانه يريد أن يثبت ~~لنفسه سبحانه كل صفات الكمال، وأولها الوجود الواجب، ثم الحياة، وكل ~~الصفات تابعة لهاتين الصفتين. وهذه الصفات لله تعالى يمكن أن تقسم إلى ~~قسمين: قسم له ms8332 مقابل: وهي صفات الفعل من الله تعالى، مثل: المحيي ~~يقابلها المميت، والمعز يقابلها المذل، وقسم ليس له مقابل وهي صفات الذات ~~مثل: الحي العزيز القهار الحليم، فهي صفات لا نقيض لها. والحق سبحانه لا ~~يؤاخذ الناس بما كسبوا. أي: من التعدي والظلم لأن الله خلق الإنسان، ~~وخلق له شهوات وغرائز، وكل أمور الدين جاءت لتعلي هذه الشهوات، وتسمو ~~بهذه الغرائز، لا لتمحوها، جاءت لتهذبها لا لتقضي عليها، وإلا لو أن الحق ~~سبحانه أراد ألا تحدث هذه التعديات وهذا الظلم ما جعل الغرائز أصلا. ~~فمثلا غريزة الجنس خلقها الله لعمارة الكون، ويريد الله من الإنسان أن ~~يعلي من هذه الغريزة بحيث تكون في الحلال وتحت مظلة الشرع، وسبق أن ~~بينا الفرق في هذه المسألة حين تتم في النور وتحت مظلة شرع الله، وعلى ~~كلمات الله، وكيف نفرح بها ونعلنها ونفخر بها، أما لو تمت في الخفاء ~~بعيدا عما شرع الله فنحاول كتمانها، والتخلص من ثمرتها إن كان لها ~~ثمرة، وإن ظهرت للناس كانت وصمة عار لا تمحى. لذلك جاء في الحديث # " أن رجلا من الصحابة كان شديد الغيرة على بناته، فلما تقدم رجل لخطبة ~~واحدة منهن ذهب ليخبر رسول الله، فتبسم رسول الله وقال له: " جدع ~~الحلال أنف الغيرة ". # يعني: الأمر الذي كنت تغار منه ولا تقبله، الآن تفرح به وتدعو الناس ~~إليه، لماذا؟ لأنه جاء من طريق الحلال الذي شرعه الله، وكلمة الحق هي ~~التي أبرزت العواطف، وجعلت المهيج المثير مسعدا لا غضاضة فيه. ~~كذلك غريزة حب الاستطلاع موجودة في الإنسان ليتأمل الكون من حوله، ويبحث ~~عن أسرار الله فيه، وما جعلها الله للتلصص على الناس، وتتبع عوراتهم ~~وأعراضهم. كذلك الأكل والشرب غريزة جعلها الله لأنها مقوم من ~~مقومات الحياة، وينبغي أن تكون في هذه الحدود حدود استبقاء الحياة، ~~لا أن تتحول إلى نهم وشراهة، وتصل إلى حد التخمة. # والغريزة جعلها الله في الإنسان لحكمة، فالولد مثلا يتحمل أبوه مشقة ~~تربيته والإنفاق عليه، ويظل الولد عالة على أبيه طيلة خمس ms8333 عشرة سنة، ~~ولولا أن الله تعالى ربط النسل بالعملية الجنسية، وجعل فيها لذة الجماع ~~لزهد كثيرون في الإنجاب، كذلك الأم تتحمل مشقة الحمل والولادة ~~والرضاعة.. إلخ، حتى أنها لتقسم في الولادة أنها لا تحمل مرة أخرى، لكن ~~عندما يذهب ألم الوضع، ويكبر الولد تشتاق إلى غيره.. وهكذا. وحين تتأمل ~~مسألة الغريزة تجد أن الخالق سبحانه جعل في الإنسان الغريزة ونقيضها، ~~فتراه في موقف رحيما وفي موقف آخر غضوبا، أو عزيزا في موقف، ذليلا ~~في موقف آخر، وهاتان الغريزتان لا تجتمعان في الإنسان في وقت واحد، ~~فالظرف الإيماني يحكم عليه مرة بأن يكون عزيزا، ومرة بأن يكون ذليلا. ~~واقرأ إن شئت قوله تعالى: # فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة: 54]. وقوله سبحانه: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29]. إذن: الخالق عز وجل جعل فيك الغرائز المتناقضة، لا يكبت ~~شيئا منها، لكن لتستعمل كل غريزة منها في موقعها المناسب. ومعنى: { ~~يؤاخذ } [فاطر: 45] يعني: يعاقب ويجازي { بما كسبوا } [فاطر: ~~45] نقول: كسب واكتسب، كلمة كسب تدل على وجود تجارة فيها ربح ومكسب زيادة ~~على رأس المال، وهي تدل على المكسب الذي يأتي طبيعيا، أما اكتسب ففيها ~~مفاعلة، وهي على وزن افتعل، ففيها افتعال وتكلف. لذلك يستعمل القرآن ~~كسب في الخير واكتسب في الشر # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # [البقرة: 286] لأن فعل الخير يأتي منك طبيعيا، لا تكلف فيه ولا افتعال ~~على خلاف الشر، فيحتاج إلى محاولات وإلى حيل واحتياط وتلصص.. الخ. ~~لذلك قلنا: إن الطاعة لا تكلف الإنسان شيئا، أما المعصية فهي التي ~~تكلف الكثير لأن الطاعة تأتي منك طبيعية، أما المعصية فتحتاج إلى حيل ~~واحتيال وافتعال. فإن قلت: فما بال قوله تعالى في السيئة # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار # [البقرة: 81]. نقول: استعمل القرآن كسب مع السيئة لأنه يتحدث عن الذين ~~أسرفوا على أنفسهم، وبالغوا في المعصية حتى أحبوها وعشقوها، بل ويتحدثون ~~بها ويجاهرون، وحتى أن المعصية ms8334 تأتي منهم طبيعية، كأنها طاعة، ويفعلونها ~~بلا افتعال ولا احتياط، فهي في حقهم كسب لا اكتساب، ويفرحون بها ~~كأنها مكسب فلا يؤنبون أنفسهم، ولا يلومونها، ولا يندمون على معصيتهم. ~~والآية هنا بنفس هذا المعنى { ولو يؤاخذ الله الناس بما ~~كسبوا.. } [فاطر: 45] يعني: عشقوا المعصية والظلم وفرحوا به كأنه ~~مكسب. ثم يأتي جواب الشرط: { ما ترك على ظهرها من دآبة. # . } [فاطر: 45] معنى الدابة: كل ما يدب على الأرض. أي: يمشي عليها ~~الهوينا، لكن غلبت الكلمة على ما يركب ويحمل الأثقال. لذلك قال ~~العربي لآخر: لقد أعييتني شب ودب يعني في شبابك، وفي شيخوختك، ~~وأنت تدب وتمشي الهوينا. لكن، ما ذنب الدواب تتحمل عاقبة ظلم ~~الإنسان؟ قالوا: العلاقة هنا أن الدابة مخلوقة مذللة لخدمة الإنسان ~~وراحته، فمعنى هلاك الدواب أن تمتنع راحة الإنسان، وأن يمتنع المطر ~~وتجدب الأرض، وعندها لا يجد الإنسان قوته، لا من لحوم الدواب ولا من ~~نبات الأرض، وفي هذا إذلال للإنسان الذي يرى وسائل حياته وأسباب راحته ~~تسلب منه دون أن يفعل شيئا، ولا يقدر على شيء. وحين نتتبع آيات ~~القرآن نجد أنه تكلم عن هذا المعنى في موضعين: الأول: في سورة النحل: # ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها ~~من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا ~~جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون # [النحل: 61]. والآخر هنا في فاطر: { ولو يؤاخذ الله الناس ~~بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة ولكن ~~يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم فإن ~~الله كان بعباده بصيرا } [فاطر: 45]. قد يرى البعض في ~~الآيتين تكرارا، وحاشا لله أن يكون في كلامه تكرار، فإذا تأملت لوجدت ~~بينهما خلافا، يجعل لكل منهما معناها الخاص. فالأولى تتكلم عن ظلم ~~الناس، والأخرى عما اكتسبوه من السيئات عامة، وكل من اللفظين يعطيك ~~لقطة جديدة لأنني قد أظلم، لكن أندم على ظلمي، ولا أفرح به، ولا أتمادى ~~فيه، أما إن صار عادة لي حتى عشقته، فهو اكتساب وافتعال بالمعنى الذي ~~ذكرنا. الأولى تقول: { ما ترك على ms8335 ظهرها } [فاطر: 45] ~~والأخرى: # ما ترك عليها # [النحل: 61] كذلك في تذييل الآيتين، ففي الأولى يتحدث الحق سبحانه عن ~~الزمن والأجل الذي لا يتقدم ولا يتأخر، وفي الأخرى يتحدث عن الجزاء، وأن ~~الله تعالى بصير بأعمال عباده، لا يخفى عليه منهم شيء، إذن: فالآيتان ~~متكاملتان، ليس فيهما تكرار أبدا. وضمير الغائب في { ما ترك على ~~ظهرها } [فاطر: 45] و # ما ترك عليها # [النحل: 61] هذا الضمير متصل بالآية قبلها: # ..وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا ~~في الأرض # [فاطر: 44] فالضمير يعود على أقرب مذكور، وهو الأرض، ويفهم هذا المرجع ~~أيضا بالقرينة العقلية لأن المعنى ينصرف إليها. وهذه الآية لها معنا قصة ~~ونحن صغار في كتاب الشيخ حسن رحمه الله، وكان الشيخ يكلف العريف أن ~~يصحح لنا الألواح، وفي هذا اليوم جلس الشيخ حسن يصحح لنا بنفسه، لكن ~~في هذا اليوم لم أكن صححت اللوح وطلعت خالص وانتظرت الفلكة والمقرعة ~~تشتغل، لكن الشيخ قال لي: اسمع أنا سأعلمك كيف تقرأ هذه الآية دون أن ~~تخلطها بآية النحل، لا تجمع الظائين ولا السينين يعني: إن قلت ~~بظلمهم فلا تقل على ظهرها وإن قلت بما كسبوا فلا تقل ~~لا يستأخرون ساعة وهكذا كان شيخنا رحمه الله يعايش القرآن ويتفاعل ~~معه، وصدق الله العظيم # ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر # [القمر: 22]. وكان لي معه أيضا - رحمة الله عليه - قصة أخرى، ما زلت ~~أذكرها في سورة الشورى، وجلس الشيخ يصحح لنا اللوح وكنا هربنا ولم ~~نصحح، فلما جلست أمام الشيخ قرأت حم عسق وقد مرت بنا حم وطه وغيرهما لكن ~~لم يمر بنا مثل عسق فقرأتها كما هي عسق، فضربني الشيخ فقرأت أيضا ~~عسق فضربني، وفي المرة الثالثة عرف أنني لم أصحح اللوح على العريف، ~~فقال: قل عين سين قاف، فظلت ملازمة لي لا أنساها حتى الآن، رحمهم الله ~~ورضي عنهم أجمعين. والمراد بالأجل في { فإذا جآء أجلهم } ~~[فاطر: 45] أي: القيامة والعذاب، أو جاء أجل إفنائهم بعذاب يستأصلهم، ~~وعرفنا أن عذاب الاستئصال مثل الصيحة والرجفة والخسف.. ms8336 الخ لا ينزل إلا ~~على يأس من هداية القوم، بحيث لم يعد هناك أمل في حياتهم، كما جاء في ~~قصة سيدنا نوح - عليه السلام - لما قال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا # [نوح: 26-27]. لكن إن كان هناك أمل في أن يؤمن بعض القوم فلا ينزل بهم ~~مثل هذا العذاب. أو: يراد بالأجل هنا أجل الأمة، كما قال سبحانه: # لكل أمة أجل # [يونس: 49] فكأن الآجال ثلاثة: أجل للدنيا ونهايته قيام الساعة، وأجل ~~للشخص الواحد بانتهاء عمره، وأجل للأمة كلها حين يأتيها عذاب عام يقضى ~~عليهم جميعا مرة واحدة. أو: لكل أمة أجل تنتصر فيه، وتغلب مع وجود ~~المعاندين والكافرين، كما حدث لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~انتصر المسلمون في بدر، فقد كان لأمة الظلم والكفر أجل انتهى بالإسلام ~~وقوة المسلمين، مع أن الأمل كان بصيصا من نور، بحيث يغلب اليأس على ~~الأمل. حتى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - يقول لما نزلت: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] قال عمر: أى جمع هذا ونحن عاجزون عن حماية أنفسنا؟ فلما ~~جاءت بدر وانتصر المسلمون، قال: صدق الله # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] فقد اشتدت شوكة الإسلام، وقوى المسلمون، وأذنت دولة الكفر ~~بالزوال، انتهى أجل الأمة الكافرة الظالمة، وبدأ أجل الأمة المؤمنة. لذلك ~~حين نتأمل قوله تعالى: # وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا ~~النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي ~~الأحيآء ولا الأموات.. # [فاطر: 19-22]. نجد أربعة متقابلات، الأولان منها مطابقان لحاله صلى ~~الله عليه وسلم مع أمته قبل انتشار الإسلام في فترة غلبة الجاهلية على ~~سيدنا رسول الله وأتباعه في مكة، فالأعمى أي: الجاهل بالحكم، والبصير ~~العالم به، والظلمات يعني: الضلال والكفر، والنور هو الإيمان، لأنهم ~~كانوا عميا، فأراد الله أن يبصرهم، وكانوا في ظلمات الجهل والضلال ~~فأخرجهم الله منها إلى نور الإيمان. # أما المتقابلان الأخيران فيطابقان حاله صلى الله عليه وسلم مع أمته بعد ~~أن ms8337 أرسى الإسلام دعائمه، وتمكن من نفوس المؤمنين # ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحيآء ولا ~~الأموات # [فاطر: 21-22] فتراه بدأ بصفة الإيجاب فلم يقل الحرور ولا الظل كما قال # الأعمى والبصير # [فاطر: 19] لماذا؟ لأن الحديث هنا عن أمة النصر وأمة الإيمان، فناسب أن ~~يبدأ التقابل بصفة الخير التي تناسب هذه الأمة الجديدة. وفي هذا المعنى ~~إشارة لطيفة إلى انتهاء الجاهلية وظلماتها وعماها، وإيذان ببداية أجل ~~جديد، لأمة الإيمان الوليدة التي تستظل بواحة الإيمان بعد أن أحياهم ~~الله بالإيمان وكانوا أمواتا بالكفر، كما قال سبحانه في آية أخرى: # أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا ~~يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت ليس ~~بخارج منها.. # [الأنعام: 122]. وسبق أن بينا الفرق بين ميت وميت، الميت ~~بالتشديد هو من يؤول أمره إلى الموت وإن كان حيا، ومن ذلك خطاب الحق ~~سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30] يعني: سيؤول أمرك إلى الموت. أما ميت بالسكون فهو الذي مات ~~بالفعل. إذن: نستطيع أن نقول { فإذا جآء أجلهم } [فاطر: 45] ~~أي: بنصرة الإيمان على الكفر { فإن الله كان بعباده ~~بصيرا } [فاطر: 45] كلمة عباد وعبيد جمع لعبد، ومع أنهما جمع لمفرد ~~واحد إلا أن معناهما مختلف لأن الإنسان العبد ملك سيده، وما دام ملكه ~~فهو مطيع لأوامره، والإنسان المؤمن له اختيار، فالله تعالى يخاطبه وهو ~~يطيع أو يعصي، في حين أن العبد لا يعصي سيده إن كان من البشر. نعم قد ~~يخالف أمر الله، لكنه لا يخالف أمر سيده، كيف؟ قالوا: لأن الله تعالى هو ~~الحليم الغفار، أما السيد من البشر فلا يخلو من جبروت، أو طغيان، أو ~~استبداد وتسلط. وفرق بين طاعة العبد وهو مختار أن يعصي وطاعته وهو ~~مقهور على الطاعة، وسبق أن مثلنا لهذه المسألة بعبدين سعيد وسعد، ~~سعيد شد إلى سيده بسلسلة لا يستطيع الفكاك منها، وسعد أطلق حرا لا ~~يقيده شيء، وحين ينادي السيد على أحدهما يأتيه، فأيهما أطوع؟ لا شك أن ~~سعدا أطوع من سعيد ms8338 لأنه يأتي سيده وهو قادر مختار ألا يأتي، أما سعيد ~~فلا يملك إلا أن يجيب لأنه لو عصى لجذبه السيد من السلسلة. كذلك الحق ~~سبحانه خلق الخلق مختارين، ووضع لهم هذه القاعدة: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29] من شاء أطاع، ومن شاء عصى، وهذا تصرف العبيد مع ~~سيدهم، فإن قال العبد: يا رب أنت خلقتني ورزقتني وجعلت لي الجوارح، ~~وجعلتني مختارا، وأنا عبد من عبيدك لذلك أتنازل عن اختياري لاختيارك، ~~وعن مرادي لمرادك، لقد اختار هذا العبد أن يكون مقهورا لربه مسخرا كما ~~سخرت السماء والأرض. # وهؤلاء هم العباد، وهم الصفوة من الخلق الذين آثروا مراد الله على ~~مراد أنفسهم لذلك يتحدث عنهم الحق سبحانه ويعطينا صورة لهم: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا # [الفرقان: 63] يعني: متواضعين غير متكبرين، وعلام التكبر # إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا # [الإسراء: 37]. # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين ~~يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ~~ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان ~~غراما * إنها سآءت مستقرا ومقاما * والذين ~~إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ~~ذلك قواما * والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما # [الفرقان: 63-68]. هذه صفات ثمان ترسم لنا صورة كاملة لمن استحقوا أن ~~يكونوا عباد الله لذلك يخاطبهم ربهم في موضع آخر: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم # [الزمر: 53]. ومن رحمة الله بعباده أن الحسنة تمحو السيئة، كما قال ~~سبحانه: # وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من اليل ~~إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين # [هود: 114]. بل وأعظم من ذلك، ألا تقتصر رحمة الله على محو السيئة، ~~إنما تبدل السيئة بعد التوبة حسنة: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا ~~رحيما # [الفرقان: 70]. وحول معنى عباد و عبيد الذي أوضحناه ms8339 سمعنا من يعترض ~~ويقول: في القرآن ما يناقض هذا المعنى، وهو قوله تعالى في موقف القيامة ~~يخاطب الكبراء والسادة الذين أضلوا الناس وزينوا لهم الكفر: # أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل # [الفرقان: 17]. ونقول: ليس بين الآيات تعارض كما تقولون لأن الحديث هنا ~~عن الآخرة، وليس في الآخرة اختيار، فلا فرق بين عباد و عبيد في الآخرة. ~~وقوله تعالى: { فإن الله كان بعباده بصيرا } [فاطر: 45] ~~ذكر هنا صفة البصر لأنها أقوى وسائل العلم والإدراك، فللعلم وسائل متعددة ~~ذكرها الحق سبحانه في قوله: # والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ~~لعلكم تشكرون # [النحل: 78]. فالسمع أول وسائل الإدراك، وهو أول جارحة تتنبه وتؤدي ~~مهمتها في المولود، بدليل أنك تضع مثلا أصبعك أمام عينه، فلا تطرف، أما ~~إن صرخت في أذنه ينزعج ويستجيب للصوت، والسمع كذلك هو الحاسة التي لا ~~تتعطل أثناء النوم لأن بها يتم الاستدعاء، والسمع هو الوسيلة الأولى في ~~القيم والمعنويات، وبه يستقبل الإنسان منهج الله. # أما البصر وإن جاء في المرتبة الثانية إلا أنه أكبر من السمع وأقوى ~~لأنك قد تسمع عن الشيء، لكن لا تلتفت إليه، فإن تحول من السمع إلى ~~البصر فقد وصل إلى قمة الإدراك الذي لا شك فيه لذلك يقولون: ليس من ~~العين أين. والشيء الذي تسمع عنه قد يكون كاذبا، أما الشيء الذي تبصره ~~فإنه لا يكون إلا حقا. لذلك، فالحق - سبحانه وتعالى - حين يريد أن يؤكد ~~لنا معلومة، يقول سبحانه: # ألم تر # [الزمر: 21] لأن الذي تراه العين هو الآكد. وأبو جعفر لما قال لمقاتل: ~~عظني يا مقاتل، قال له: أعظك بما سمعت، أم ربما رأيت؟ بالله أجيبوا ~~أنتم بماذا؟ قال: عظني بما رأيت، نعم لأنك قد تسمع كذبا، أما إن ~~رأيت بالعين فهو الحق. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1-2] # يس يصح أن تكون حروفا مقطعة مثل الم و طه، ويصح أن تكون حروفا ~~مقطعة صادفت اسما لذلك من أسمائه صلى الله عليه وسلم: يس وطه، ولا ~~مانع ms8340 أن يكون الاسم على حرفين، بل على حرف واحد مثل ن في قوله تعالى: # ن والقلم وما يسطرون # [القلم: 1] وقد جعل علما على سيدنا ذي النون عليه السلام، كذلك ق ~~أصبح علما على الجبل المعروف. إذن: هذه حروف مقطعة، يمكن أن تنقل ~~إلى العلمية، ويسمى بها. وكثيرا ما تحدثنا عن الحروف المقطعة ~~في أوائل السور، وكلما مر بنا حروف مقطعة لا بد أن نتحدث ~~عما تحتمله من المعاني، والذي يثبت في الذهن أن الحرف له اسم ~~ومسمى، اسم الحرف لا يعرفه إلا المتعلم، أما مسمى الحرف فيعرفه ~~المتعلم ويعرفه الأمي، الأمي مثلا يعرف الفعل أكل ويقول: أكلت، لكن لا ~~يستطيع أن يتهجى حروفه لأنه لا يعرف إلا مسمى الحروف، أما المتعلم ~~فيعرف اسم الحرف فيقول: ألف فتحة، وكاف فتحة، ولام فتحة. فكيف إذن عرف ~~محمد صلى الله عليه وسلم أسماء هذه الحروف ونطق بها، وهو الأمي الذي لا ~~يعرف القراءة ولا الكتابة؟ الجواب: أنه علم وعرف من ربه عز وجل. ~~والقرآن جاء معجزة يتحدى القوم فيما نبغوا فيه، والعرب كانوا أهل ~~فصاحة وبيان، ويكفي أنهم كانوا يقيمون المعارض والأسواق للكلمة، كما نقيم ~~نحن الآن المعارض للصناعات المتميزة، ومعروف عند العرب سوق عكاظ وسوق ~~المربد والمجنة.. الخ. وقد بلغ من اهتمامهم بالكلمة والأسلوب أن يعلقوا ~~القصائد الشهيرة عندهم على الكعبة، وسميت هذه القصائد " المعلقات " ~~، وهي أشهر ما عرف من الشعر الجاهلي. وكون القرآن يتحداهم هذه شهادة ~~لهم بالتفوق، فالضعيف لا يتحدى بل القوى، كما نرى الآن مثلا في تحطيم ~~الرقم القياسي في مجال من المجالات. وتحدي القرآن للعرب في الفصاحة ~~والبلاغة مثل تحدي سيدنا موسى للسحرة، وتحدي سيدنا عيسى للأطباء، ~~إذن: هذه سنة متبعة في جميع الأمم يتحداها الحق سبحانه بما نبغوا فيه. ~~كذلك القرآن الكريم جاء بلغة العرب وحروفهم وكلماتهم التي ينطقون بها، ~~ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله، لماذا مع أن مادة الكلام واحدة؟ قالوا: ~~لأن المتكلم بالقرآن هو الحق سبحانه. وقد أوضحنا هذه المسألة بمثل - ~~ولله المثل الأعلى ms8341 - قلنا: لو أردت اختبار مجموعة من عمال النسيج ~~أيهم أمهر لا يصح أن تعطي أحدهم مثلا حريرا، وآخر قطنا، وآخر صوفا ~~لأن المادة الخام مختلفة، إنما تعطي الجميع مادة واحدة، ثم تنظر في نسيج ~~كل منهم، كذلك القرآن ولغة العرب، المادة واحدة لكن المتكلم هنا العرب، ~~والمتكلم هنا الحق سبحانه. # وحين تتأمل حروف العربية تجدها ثمانية وعشرين حرفا، والحروف المقطعة ~~في القرآن أربعة عشر، فهي إذن نصف الحروف العربية. وللفخر الرازي - رحمه ~~الله - جدول مدهش ينظم هذه الحروف، ويوضح أنها وضعت هكذا لحكمة، ~~ووضعت بقدر وحساب، هذه الحروف الأربعة عشر تقسم كما يلي: مجموع حروف ~~اللغة ثمانية وعشرون حرفا، التسعة الأوائل بداية من الألف إلى الذال لم ~~تأخذ الحروف المقطعة منها إلا حرفين: الألف والحاء، وتركت منها سبعة أحرف ~~أما التسعة أحرف الأخيرة، وتبدأ من الفاء فقد أخذت منها الحروف المقطعة ~~سبعة أحرف هي: القاف والكاف واللام والميم والنون والهاء والياء وتركت ~~منها الفاء والواو، فهي إذن على عكس التسعة الأول. أما الحروف العشرة في ~~الوسط، والتي تبدأ من الراء وتنتهي بالغين، فلها نسق آخر، حيث أخذت ~~الحروف المقطعة منها الأحرف غير المنقوطة، وهي الراء والسين والصاد ~~والطاء والعين، وتركت منها الزاي والشين والضاد والظاء والغين. كذلك حين ~~نتأمل مثلا حروف الحلق تجد الخاء في المجموعة الأولى لم تذكر في ~~الحروف المقطعة، وذكرت الميم في المجموعة الأخيرة. وهكذا نرى أن هذه ~~الحروف لم توضع هكذا اعتباطا أو كما اتفق، إنما وضعت بقدر ونظام له ~~حكمة ووراءه أسرار، وضعت بهندسة مقصودة الذات فهي مثل سنان المفتاح، ~~والله سبحانه وتعالى يفتح بها لمن يشاء، ومن حكمته تعالى أنه لم يعط ~~كل أسرار هذه الحروف لجيل من الأجيال، إنما وزع عطاءها على مر ~~الأزمان بحيث لا يستقبل جيل من الأجيال كلام الله بلا عطاء، وليظل ~~القرآن نورا يضيء جنبات الدنيا إلى قيام الساعة لذلك يقول سبحانه: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. هذه السين الدالة على الاستقبال ms8342 نطق بها سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال # سنريهم # [فصلت: 53] وظهرت في عهده أسرار، ونطق بها من بعده من الأجيال ~~المتعاقبة، وظهرت لها أسرار، وسنظل ننطق بها وتتجلى لنا أسرارها إلى ~~قيام الساعة، وإلى أن تظهر الآية الكبرى وهي القيامة. إذن: فعطاء القرآن ~~عطاء مستمر لا ينقطع أبدا. لذلك لما تناقشنا مع بعض المستشرقين في سان ~~فرانسيسكو حول موضوع المخترعين والمكتشفين الذين خدموا البشرية وأسعدوها ~~باختراعاتهم واكتشافاتهم. قال أحدهم: عجبا للمسلمين! لماذا لا يدخل ~~هؤلاء المكتشفون الذين أسعدوا البشرية الجنة؟ فأوضحنا له أنهم نعم خدموا ~~البشرية، لمن لم يكن الله في بالهم حين اكتشفوا ما اكتشفوا، بل كان في ~~بالهم الشهرة والمجد والذكر بين الناس، وقد نالوا ما يريدون فخلدنا ~~ذكراهم وأقمنا لهم التماثيل.. الخ فينطبق عليهم الحديث: # " عملت ليقال وقد قيل " # إذن: هؤلاء العلماء الذين خدموا البشرية وأسعدوها وهم غير مؤمنين بالله ~~ما هم إلا خدم سخرهم الله لخدمة البشر، فهم كالشمس والقمر وغيرهما، ~~سخرهما الله للإنسان لفائدته ولمنفعته، ما هم إلا جنود من جنود الله ~~يخدمون هذا الحرف في # سنريهم # [فصلت: 53] ليظل يعطي على مر الأزمان، وفي كل المستقبل. هؤلاء ~~العلماء غير المؤمنين بالله مثلهم كمثل خادم عندك قلت له: احمل هذا ~~الحجر مثلا، فقال لك إنه ثقيل علي لا أقوى على حمله، فإن قلت له: ~~استعن بمن يحمله معك ربما قال لك لا أجد، لكن إن قلت له احمله ~~وسوف تجد تحته كنزا هو لك فإنه سيحمله وحده، في هذه الحالة: أحمله ~~احتراما لأمرك؟ أم حمله طمعا في الكنز؟ كذلك لما تقدمت العلوم اكتشفوا ~~أن الخمر تضر بالكبد، فأقلع كثيرون عن شربها مخافة ضررها، وبعد أن عرف ~~العلة، أما المؤمن فيقلع عنها قبل أن يعرف هذه الحقيقة، يقلع عنها لأن ~~ربه عز وجل نهاه عن شربها فينتهي ثقة منه في حكمة ربه، واحتراما لأمره، ~~ولو لم يعرف العلة. ولأن سورة يس، ثبت في الحديث أنها قلب القرآن فيجب أن ~~نستهل الاستعاذة والتسمية قبلها، كما استهللناها ms8343 في السور قبلها، ~~فالحق سبحانه الذي أنزل القرآن معجزة وكتاب هداية على سيدنا رسول الله ~~ليصحح للمؤمنين به حركة حياتهم قال: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم # [النحل: 98]. وقلنا سابقا: إن علة هذا الأمر من الأعلى أن الشيطان ~~حينما عصى ربه في السجود لآدم، وحدث الحوار بينه وبين ربه قال: # لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] يعني: حتى لا يتميز آدم وبنوه عني في المعصية # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83] فقوله: # لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] أي: في أن يسلكوا طريقا غير الطريق الذي رسمه الله لهم، ~~والطريق الذي رسمه الله لهم هو الصراط المستقيم الذي قال فيه: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]. نعم، لأن الشيطان لا يأتي الخمارة ولا أماكن القمار ~~والمعصية، إنما يتعرض لأهل الطاعات ليفسد عليهم طاعتهم، والصراط المستقيم ~~هنا هو منهج الله الذي وضعه لإسعاد البشرية، فإبليس بدل أن ينتظر إلى ~~أن تنفذ منهج الله في حركة الجوارح طاعة ومعصية يأتي للأساس الذي تأخذ ~~عنه تلك الجوارح منهج الحركة، فإذا قرأت القرآن جاء ليفسد عليك القراءة. ~~لذلك يعلمك ربك - عز وجل - الاستعاذة، أولا لتقطع على الشيطان هذا ~~السبيل لأنه لن ينتظرك حتى تقرأ، وحتى تأتي بثمرة هذه القراءة في حركة ~~الحياة، بل يأتي إلى القرآن نفسه فيفسده عليك من البداية، فإن أردت أن ~~تنتصر عليه فاستعذ بالله منه. وحين تستعيذ منه بالله فإنك تلجأ إلى ركن ~~قوي ودرع واق لا ينفذ إليك منه شيء من وسوسة الشيطان وهمزه وغمزه ~~لذلك كان الشيطان واعيا حين قال: # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83] فهم الذين يحتمون منه في حمى ربهم وخالقهم. أما قوله تعالى { ~~بسم الله الرحمن الرحيم } فالحق سبحانه خلق الإنسان، وجعله ~~سيد هذا الكون، وسخر له كل شيء، ومما سخر له سخر أبعاضه لإرادته، ~~فسخر مثلا لسانه لإرادته، فإن كان مؤمنا قال: الله واحد. # وإن كان غير ذلك قال: الله ثالث ثلاثة، كذلك سخر له العين تنظر إلى ~~ما أحل وإلى ما حرم كذلك الرجل، فكل جوارحك سخرها الله لك ms8344 إن ~~أردت منها طاعة أطاعت، وإن أردت منها معصية عصت، فالإرادة هي التي ~~تملي ما تريده، والجوارح لا تملك إلا أن تنفذ طاعة أو معصية لأنها ~~مسخرة. وسبق أن مثلنا لذلك بالقائد الأعلى للجيش حين يرسل مثلا ~~القائد الأدنى على رأس كتيبة في مهمة ما، فعلى الكتيبة أن تطيع أمر هذا ~~القائد المباشر طاعة عمياء، حتى لو كانت هذه الأوامر في غير صالحهم، وليس ~~لهم أن يعترضوا عليه حتى إذا ما عادوا إلى القائد الأعلى اشتكوا له ما ~~كان من قائدهم المباشر، كذلك طاعة الجوارح لإرادة الإنسان في الدنيا. أما ~~في الآخرة فسوف تسلب منه هذه القيادة لجوارحه، وسوف تشهد هذه الجوارح ~~على صاحبها أمام الحق الأعلى سبحانه، ففي الآخرة لا سلطان لأحد إلا ~~الله: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. وقال سبحانه: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. وقال: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء # [فصلت: 21]. فإذا كنت تريد عملا من الأعمال، هذا العمل يتطلب منك ~~أولا طاقة عقلية فكرية تخطط له، ثم يتطلب قوة في الجوارح لتفعل، من ~~الذي خلق لك العقل المفكر؟ ومن الذي أمد جوارحك بالقوة والطاقة ~~الفاعلة؟ أهي تأتمر لك وتفعل مطلوبك بقوة ذاتية فيك؟ أم بتقدير الله لها؟ ~~إذن: عليم أن تقبل على كل فعل، فكرا وتخطيطا وتنفيذا وعملا بقولك ~~بسم الله، وحين تقولها فكأنك تقول للجوارح: أنا لا أطلب منك بقوتي، ولكن ~~من باطن قوة بسم الله، فبسم الله أفعل لا بي. بدليل أن الله تعالى إن ~~أراد سلب الإنسان ذاتية الحركة وذاتية الطاقة والفكر فتشل الجوارح ~~ويشل التفكير، إذن: أقبل على كل أعمالك ببسم الله الذي يعينك عليها. ~~ثم أنت في الأعمال تحتاج إلى حكمة، وإلى قدرة، وإلى علم.. الخ، فمن ~~الجامع لكل هذه الصفات؟ إنه الله. إذن: فقل بسم الله الجامع لصفات ~~الكمال كله الممد خلقه بها، فهو سبحان العالم الذي يمدك بالعلم، ~~القادر الذي يمدك بالقدرة، الحكيم الذي يمدك ms8345 بالحكمة، العزيز الذي يمدك ~~بالعزة، القهار الذي يمدك بالقهر.. الخ. ألسنا نسمع القاضي يقول عندما ~~يجلس للحكم: بآسم الشعب يعني: هو لا يحكم بذاته، إنما يحكم بقوة الشعب، ~~كذلك المؤمن يقول: بسم الله عند كل عمل يعني أيتها الجوارح، أطيعيني من ~~باطن طاعتك لله. ثم يصف الحق سبحانه نفسه بقوله # الرحمن الرحيم # [الفاتحة: 1] لأن الحق سبحانه خلق الخلق مختارين، فكان منهم المؤمن ~~والكافر، والطائع والعاصي، وربما غفل الإنسان عن منهج الله فصدرت منه ~~صغائر بل وكبائر، فكيف يقبل على عمله ببسم الله؟ وكيف يستعين به سبحانه ~~وقد عصاه. # لذلك يقول له ربه عز وجل لا تستح أن تقول بسم الله، لأنني رحمن رحيم، ~~أغفر لك وأتجاوز عما كان منك، ولن أتخلى عنك، إذن: تشجع ولا تترك ~~الاستعانة باسمي مهما كان منك من ذنوب، واعتمد في ذلك على أني رحمن ~~رحيم. وقد روي أن الأصمعي سمع رجلا يقول - وهو يطوف بالكعبة - اللهم ~~إني عاصيك وأستحي أن أطلب منك، لكن أطلب ممن، وليس في الكون إلا ~~أنت؟ فقال له الأصمعي: يا هذا، إن ربك قد أجابك لحسن مسألتك له. والحق ~~سبحانه وتعالى حين يعدد نعمه على عباده يقول # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] نعم، لأن عد الشيء مظنة إحصائه، ومع تقدم العلوم ~~وتخصص جامعات ومعاهد للإحصاء لم يقبل أحد على عد نعم الله لأنها ~~لا تعد، بل النعمة الواحدة مطمور فيها ما لا يحصى من النعم لذلك لم ~~يقل سبحانه: وإن تعدوا نعم الله، بل نعمة الله، فالنعمة الواحدة ~~مستور فيها ما لا يدرك من النعم. ونلحظ في هذه الآية أنها وردت في ~~موضعين، لكن لكل منهما تذييل، فواحدة: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان ~~لظلوم كفار # [إبراهيم: 34] والأخرى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله ~~لغفور رحيم # [النحل: 18]. وكأن الحق سبحانه يقول لنا: أنت أيها الإنسان المنعم ~~عليه ما تقابل به نعم الله من الظلم وكفران النعمة، فربك المنعم ~~سبحانه يقابل ظلمك وكفرك لنعمه باستدامة النعم ms8346 لأنه غفور ورحيم. وللعلماء ~~أقوال في يس قالوا: الياء للنداء و س من أسمائه صلى الله عليه وسلم لأن ~~عادة العرب أن تحذف بعض حروف الكلمة، وتبقي على الحرف المميز قوى ~~الجرس، فمثلا كلمة إنسان، السين أقوى حرف فيها لذلك ورد قول النبى صلى ~~الله عليه وسلم: # " كفى بالسيف شا " # والمراد: شاهدا. ومن ذلك قول الشاعر: # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل # وإن كنت قد أزمعت صرمي فأجملي # والمراد: فاطمة. ونحن في حديثنا اليومي نختصر بعض الحروف، فحين ننادي ~~مثلا يا أحمد، بعضنا لا ينطق الدال، وخاصة في لهجة الدمايطة. إذن: فحذف ~~بعض الحروف وإبقاء بعضها مما له جرس قوي أمر وارد في لغة العرب. وقال ~~آخرون: بل اسمه صلى الله عليه وسلم يس وحذفت ياء النداء والخطاب لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم. الحق سبحانه وتعالى علم الإنسان الأسماء كلها، ~~يعني: علمه الكلمة المطلوبة له في التخاطب، وبعد ذلك ساعة يتكلم ~~الإنسان ويتخاطب يتواضع ويصطلح على أسماء أخرى، فالإنسان مثلا الآن ~~يعرف التليفزيون ويتعارف على هذا الاسم، فهل علم الله آدم اسم ~~التليفزيون؟ لا إنما اصطلح عليه الإنسان بما علمه الله. # فالمعنى: # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31] أي: الصالحة لتخاطبه الآن في البيئة البدائية، وعليه هو ~~أن ينمي لغته، فيضع لهذا الشيء اسم كذا، وهذا اسم كذا. ونحن نعرف أن ~~الحروف قسمان: القسم الأول: حروف مبني يعني مهمتها بناء الكلمة، دون أن ~~يكون لها معنى غير ذلك، كما نقول مثلا: كتب، فالكاف والتاء والباء حروف ~~تبنى منها هذه الكلمة دون أن تعطي معنى آخر زيادة على معنى هذا الفعل ~~الذي كونته الحروف. القسم الثاني: حروف معنى، وهي أن يكون للحرف معنى ~~يدل عليه بذاته كما نقول: كتبت. فهذه التاء الأخيرة تحمل معنى آخر غير ~~معنى الكتابة لأنها تدل على الفاعل المتكلم فإن جاءت مفتوحة دلت على ~~الفاعل المخاطب، وإن جاءت مكسورة دلت على المؤنث، وهكذا. وقلنا: إن ~~اسم الحرف قد يصادف علما على شيء، فالسين مثلا اسم لنهر معروف، ~~والعين حرف ms8347 معجم لكن سمي به أشياء كثيرة: العين الباصرة، وعين الماء، ~~والعين بمعنى الجاسوس، والعين للنفيس من المال من الذهب أو الفضة. وقوله ~~سبحانه: { والقرآن الحكيم } [يس: 2] هذه الواو تسمى واو القسم ~~فما دخلت عليه كاليمين، لكن هل المطالب التي يريدها المتكلم من المخاطب ~~تأتي بالقسم أم بالدليل؟ تأتي بالدليل، وقد يأتي اليمين فيه الدلالة على ~~الغرض المراد. فمثلا يقول لك صاحبك: يا أخي أنت لم تقدرني، لأنني ~~مررت بأزمة، فلم تقف بجانبي فتقول له: وحياة الشيك الذي كتبته لك يوم ~~كذا، وحياة الهدية التي أخذتها يوم كذا، فتحلف له بالدليل على صدقك. ~~كذلك هنا الحق - تبارك وتعالى - يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: أنت مرسل ~~وأنا أحلف بالقرآن لأنه دليل على أنك رسول صادق. كلمة قرآن مصدر لقرأ ~~تقول قرأت قراءة وقرآنا، ولا بد أن الزيادة في المبنى تدل على ~~الزيادة في المعنى، فقلنا قرآنا لنفرق بين قراءة القرآن وقراءة غيره، ~~وهي أيضا تدل على أنه كتاب مقروء، ومرة أخرى يسميه الكتاب لأنه مكتوب، ~~فالقرآن إذن مقروء من الصدور، مكتوب في السطور. ومرة أخرى يسميه ~~الذكر، لأنه يذكرنا بعهد الفطرة الأولى التي قال الله فيها: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين # [الأعراف: 172]. وهذا التذكير بالعهد الأول يعد رحمة من الله بنا، ~~فمن رحمة الله بنا أن يذكرنا إذا نسينا أو غفلنا، فمنذ أن خلق آدم ~~وإلى الآن، الحق - تباك وتعالى - يذكر عباده، فكما يلقن الوالد ~~ولده حركة الحياة يلقنه أولا حركة هذا الدين، ولا بد أن يستمر هذا ~~التلقين وهذا التذكير، وأن يتوالى من جيل إلى جيل لأن طبيعة الإنسان فيه ~~غفلة وفيه نسيان، وتحدث منه معصية. # لذلك الذين قالوا: # إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ~~ءاثارهم مهتدون # [الزخرف: 22] كاذبون في هذا القول لأن آدم وأمته في البداية كانوا على ~~هدى، فلماذا لم تتبعوهم؟ إذن: أنتم اتبعتم الآباء الضالين ms8348 لا ~~المهتدين. كذلك حين تتأمل مسألة جمع القرآن تجد أن الذين جمعوا القرآن ~~كانوا يتحرون في الآية قبل تسجيلها أن تكون مكتوبة أولا في قرطاس أو ~~في الرقاع والعظام التي سجل عليها القرآن أولا، ثم يشهد على صحتها ~~اثنان من القراء، لماذا؟ قالوا: لأن القرطاس لا هوى له، فيغير ما كتب ~~فيه، أما الإنسان الحافظ فهو عرضة للخطأ والنسيان والغفلة، فلا بد ~~أن يكون معه آخر يذكره على حد قوله تعالى: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى # [البقرة: 282]. والقرآن وصفه الله بالحكمة، وهي وضع الشيء في موضعه ~~الحق ليؤدي مهمته، وكل المعاني الدينية مأخوذة من محسات قبل الدين، ~~فمثلا الفرس يركبه الإنسان ليوصله إلى مراداته، فإن كان مرادك من ~~ركوب الفرس التنزه بين الحقول سار بك سيرا بطيئا كسير الحنطور ~~مثلا، وإن أردت به قطع المسافة جرى بك كالريح. لذلك جعلوا للحصان ~~لجاما يوضع في حنكه ليكبح سرعته، ويتحكم فيه، هذا اللجام يسمى ~~الحكمة ومنها الحكمة التي تكبح جماح الأهواء، كي لا تشرد وتضع ~~المسائل في موضعها، فالإنسان له هوى يميل به، وينحرف بحركته عن الجادة، ~~فيأتي القرآن بالحق الواضح الذي يقوم هذا الميل ويصلحه، والقرآن في ~~الحقيقة حكيم، لأنه محكم من الحكيم الأعلى سبحانه، إذن: فالقرآن كلام من ~~الحكيم، وهو بالنسبة للإنسان كالحكمة للفرس. ولحكمة القرآن اختص ~~بأشياء، فتناول القرآن لا يكون كتناول غيره من الكتب، فالكتاب العادي ~~أتناوله في أي وقت وعلى أي حال كنت جنبا أو محدثا، أما القرآن ~~فلا يمسه إلا طاهر، لأنك مع القرآن تقبل على مقدس له خصوصية، فإياك ~~أن تتناوله وأنت غير طاهر، كما قال الحق سبحانه: # إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه ~~إلا المطهرون # [الواقعة: 77-79]. فالحق سبحانه جعل لك هذه الضوابط النفسية لتعرف أنك ~~مقبل على كتاب له تميز عن سائر الكتب الأخرى. كذلك للقرآن خصوصية في ~~حروفه، فالحروف هي التي تكون الكلمات، فهي عبارة عن نبرات صوتية، لكل ~~منها منطقة في أعضاء الكلام، فمثلا حروف تخرج من الجوف ms8349 والصدر هي: # همز فهاء ثم عين حاء # مهملتان ثم غين فاء # فإن خرجنا من منطقة الجوف نجد الحروف اللسانية التي تنطق من اللسان ~~بداية من: لغلوغه ثم وسطه ثم طرفه. فالقاف مثلا تخرج من أقصى اللسان، ~~والشين والجيم من وسطه، والضاد واللام والراء من طرفه، كذلك هناك حروف ~~تخرج من الشفة، كالفاء من باطن الشفة السفلي، والباء من باطن الشفتين ~~معا، كذلك الواو يشترك في نطقها الشفتان. # ولكي نقرأ القرآن قراءة صحيحة لا بد أن نلتزم بهذه المخارج الصوتية، ~~على خلاف قراءة أي كتاب آخر، فلا يشترط له هذا الشرط لذلك نقول: إن ~~كمال القرآن لا يتعدى ما دام له طريقة معينة ونغمة مضبوطة، فلا بد أن ~~تراعى. فمثلا لو أنك تتكلم في خطبة عادية تقول: أيها السادة السلام ~~عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، لقد استدعاني فلان لألتقي به في مكان ~~كذا.. لو نطقت هذا الكلام بنغمة القرآن وطريقته لكان شيئا غير مقبول ~~بايخ أما إن كان هذا النغم في القرآن، فإنه يأتي جميلا متناسقا. ~~إذن: كمال القرآن لا يتعدى حتى في نطقه لأن هذا شيء مختص به وحده ~~دون غيره من الكلام، فإن عديت خصائص القرآن إلى غيره من الكلام جاء ~~سخيفا مردودا لا يقبل. أذكر ونحن صغار أنهم كانوا ينصحوننا بقراءة كتب ~~الأدب مثل كتب المنفلوطي مثل " العبرات " أو " النظرات " لنتعلم الأسلوب ~~الجميل في كتابه الإنشاء، وبالفعل كان أسلوبنا يتحسن ويترقى بقراءة ~~كتب الأدب، ونكتسب منها تعبيرات جديدة، فإن جئت إلى حافظ القرآن الذي ~~جوده على القراءات العشر أو الأربعة عشر، وقرأت له كلمة أو مقالا، ~~فإنك تجد أسلوبه لا يتأثر بالقرآن لماذا؟ لأن كمال أسلوب القرآن لا ~~يتعدى. إذن: نفهم أن حكمة القرآن جاءت من هذه الخصوصية: في حروفه ~~حكمة، وفي كلماته حكمة، وفي نظمه، وترتيله، وفي أسلوبه الذي لا يبارى ~~ولا ينقل إلى غيره. ثم يقول الحق سبحانه: { إنك لمن ~~المرسلين }. ### || [36.3] # هذا هو جواب القسم، الحق سبحانه يرد على كفار مكة، ويقسم لهم: إنك يا ms8350 ~~محمد لمن المرسلين، والمتكلم حين يرى المخاطب خالي الذهن عن الأمر ~~الذي يتحدث فيه يلقي له الكلام طبيعيا بدون تأكيد، فإن كان شاكا في ~~الكلام أو منكرا له أكد المتكلم كلامه بمؤكد يناسب الشك أو ~~الإنكار. لذلك الحق سبحانه يؤكد هنا كلامه بأكثر من مؤكد { إنك ~~لمن المرسلين } [يس: 3] فاستخدام التأكيد بإن واللام، وقبل ذلك ~~القسم لأن الكفار منكرون لرسالته صلى الله عليه وسلم، وعلى قدر الإنكار ~~يكون تأكيد الكلام. وتأمل في ذلك قوله تعالى: # إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا ~~بثالث فقالوا إنآ إليكم مرسلون # [يس: 14] وكانت النتيجة الإنكار # قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا ومآ أنزل ~~الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون # [يس: 15]. لذلك يؤكدون كلامهم بأكثر من مؤكد: # قالوا ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون # [يس: 16]. وقلنا: إن هذه الآية جاءت دليلا وبرهانا في صورة اليمين، ~~كأن الله يقول: الذي يقرأ القرآن لا بد أن يؤمن بأنك يا محمد مرسل ~~من الله، لماذا؟ لأنهم أمة كلام وتذوق، وما وجدت أمة من الأمم حتى ~~المعاصرة تقيم معارض للكلمة، أما العرب في جاهليتهم فقد أقاموا للكلمة ~~أسواقا ومعارض يتبارى فيها الخطباء والشعراء كل عام في المربد وعكاظ وذي ~~المجنة وغيرها. وقد بلغ اهتمامهم بالكلمة أن يعلقوا أروع قصائدهم على ~~أستار الكعبة، وما دام العرب أمة كلام، إذن: كان عليهم أن يستقبلوا ~~القرآن بهذه الملكة، وألا يخفى عليهم إعجازه، لكنهم كذبوه وقالوا: ~~سحر وقالوا: شعر وقالوا: افتراء. فلما أعيتهم الحيل ولم ينالوا من ذلك ~~شيئا قالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] يعني: القرآن لا غبار عليه إلا أنه ينزل على محمد، هذه ~~آفته عندهم لأن ملكتهم البلاغية لا يصح أن تقف أمام القرآن أو ~~تكذبه. لذلك كانوا حتى وهم على كفرهم يحبون سماع القرآن، يتخفى ~~الواحد منهم، ويذهب يتسمع القرآن من رسول الله ليلا، وربما تقابل ~~الاثنان منهم عند حجرات رسول الله، فسأل أحدهما الآخر: ماذا أتى بك إلى ~~هنا يا فلان، فلا يملك إلا ms8351 أن يقول: جئت لزيارة خالتي المريضة، والآخر ~~يقول جئت لكذا وكذا!! لكن هيهات فحاله يغني عن مقاله. لذلك تأمل قول ~~الشاعر في هذه المسألة: # انظروهم وقد تسلل كل # بعدما انفض مجلس السمار # اختلاسا يسعى لحجرة طه # لسماع التنزيل في الأسحار # اعذروهم حسنه فلما تراءوا # عللوها ببارد الأعذار # لذلك كان الواحد منهم حينما يسمع القرآن من رسول الله ويعود إلى قومه، ~~فيقولون: لقد رجع فلان بغير الوجه الذي ذهب به. ### || [36.4] # الصراط: هو الطريق، وله معنى آخر يوم القيامة، هو الصراط المضروب على ~~متن جهنم يمر عليه البار والفاجر، والمؤمن والكافر، ويختلف المار ~~عليه باختلاف عمله في الدنيا، فواحد يمر عليه كالبرق الخاطف، مع أنه ~~أحد من السيف وأدق من الشعرة، وآخر يمر عليه كأسرع جواد، وآخر ~~يمر عليه حبوا، وآخر يقع في جهنم، والعياذ بالله. وحين تمر على الصراط ~~لن يكون معك عصا تحفظ بها توازنك كلاعب السيرك مثلا لأن الذي يزن ~~حركتك على الصراط هو القرآن الذي استمسكت به في الدنيا، فكأن المؤمن ~~حين يمر على الصراط لا يكون توازنه من تحته إنما من أعلى، من جهة ~~القرآن، فهو أشبه بالكباري المعلقة التي لا يحملها شيء من تحتها، لكنها ~~مشدودة من أعلى بما يمسكها ويحفظ توازنها، كذلك حال المؤمن على الصراط. ~~والصراط في معناه العام هو الطريق المستقيم الذي يوصلك للغاية من أقرب ~~مسافة وأيسرها، لكن عبارة القرآن { على صراط مستقيم } [يس: ~~4] فيها إشارة إلى أن الصراط له مهمة، هي أن يوصلك إلى الغاية ~~المرادة، فالصراط في خدمتك. ومثل ذلك قوله سبحانه: # على هدى # [البقرة: 5] البعض يفهم أن الهداية تقتضي التكاليف وتقييد الحركة، وأن ~~في الهداية مشقة وعنتا، لكن لفظ الآية يعني خلاف ذلك، فمعنى # على هدى # [البقرة: 5] أنك تعتلي الهدى، وكأنه مطية لك توصلك لغايتك المجيدة، ~~فهو يحملك، لا تحمله أنت. ووصف الصراط بأنه مستقيم، لأننا تعلمنا في ~~الهندسة أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، فحين تريد مثلا ~~الانتقال من مكان إلى مكان، ف من للابتداء، ms8352 و إلى للغاية التي تريدها، ~~وما دمت لا يعنيك إلا البداية والغاية، فالتيسير يقتضي أن تسلك أقرب ~~الطرق وأقصرها وهو الخط المستقيم لأن كل التواء في الطريق أو منعطف يكون ~~في خط السير مثلثا من ضلعين، ويكون الطريق المستقيم هو الضلع الثالث. ~~ومعلوم أن مجموع أي ضلعين في المثلث أطول من الثالث، إذن: يطول عليك ~~الطريق لذلك يحدثنا القرآن عن الصراط المستقيم، وعن سواء السبيل يعني: ~~الجهة اليمين تساوي الجهة اليسار. لكن، لماذا كان طريق المؤمنين صراطا ~~مستقيما؟ لأن الله تعالى هو الذي شرعه في منهج خلقه، ولأنه منزل من ~~الله. ### || [36.5] # وساعة تسمع كلمة { تنزيل } [يس: 5] فاعلم أنه من جهة العلو، وإن ~~كان المنزل في باطن الأرض لأنه في واقع الأمر جاء من الأعلى، كما في ~~قوله تعالى: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس # [الحديد: 25] فالحديد لا تنظر إلا أن مقره في الأرض، لكن انظر إلى ~~علو خالقه لذلك أعطاه الله صفتين: صفة دنيوية، وأخرى دينية. # فيه بأس شديد ومنافع للناس # [الحديد: 25] فالبأس الشديد لأعداء الله # وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب # [الحديد: 25] فهذه للآخرة، وفيه منافع للناس أي: في الدنيا لذلك تجده ~~المعدن الشائع الانتفاع به، والأكثر قوة وصلابة. وقوله تعالى: { ~~العزيز الرحيم } [يس: 5] ذكر سبحانه هنا صفة العزة وصفة الرحمة ~~لأن التنزيل من أعلى منهج يقيد حركة الإنسان بافعل كذا، ولا تفعل كذا، ~~وأنت مختار تطيع أو تعصي، فالحق الذي شرع لك هذا المنهج يريد لك الخير ~~لأنه سبحانه لا يعود عليه شيء من طاعتك ولا تضره معصيتك. إذن: أنت ~~المقصود من هذه المسألة لأن الله تعالى عزيز عن خلقه، ورحيم بهم، فإذا ~~نظرت إلى العاصي المخالف لمنهج الله، فالله عزيز قادر على الانتقام، لا ~~يقدر أحد أن يأخذك من قبضته تعالى، وإذا نظرت إلى المطيع، فالله رحيم. ~~وعلة الإنزال: { لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم... }. ### || [36.6] # الإنذار: التخويف من معطب مهلك، ويشترط أن يكون الإنذار قبل وقوع الشيء ~~ليؤدي الإنذار مهمته في أن يردع الإنسان عنه، ms8353 فلا يقع في أسباب الهلاك، ~~ويستطيع أن يحتاط لنفسه، وأن ينجو بها. ومعنى { مآ أنذر آبآؤهم ~~} [يس: 6] ساعة تسمع ما تظن أنها نافية، كذلك قال المفسرون. قالوا: لأنهم ~~كانوا أي: الآباء أهل غفلة، وعلى فترة من الرسل، فلم يكن لهم رسول ~~ينذرهم. فإن قلنا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل نذيرا ~~للناس كافة، بمن فيهم من اليهود والنصارى قالوا: لا، ليس نذيرا لنا، فقد ~~جاءنا نذير من قبله، جاءنا موسى وجاءنا عيسى. وحل هذا الإشكال أن ~~نقول: نعم موسى عليه السلام أنذر قومه، وعيسى عليه السلام أنذر قومه، لكن ~~مرت عليهم جميعا فترات احتلفوا فيها وضلوا، ولم يأت لهم نذير ~~يردهم عن ضلالهم، إذن: جاءكم النذير، لكنكم لم تستمروا على نذارته، وها ~~هو محمد صلى الله عليه وسلم جاءكم نذيرا جديدا. أو: أن ما هنا بمعنى ~~اسم موصول أى: لتنذر قوما بالذي أنذر به آباؤهم، كما أنذر آباؤهم من ~~قبلهم. يعني: لست بدعا من الرسل. وقوله: { فهم غافلون } [يس: ~~6] الغفلة أن يوجد شيء كان بخاطرك، ثم لم يتعلق قلبك به حتى يدخل في ~~مرتبة النسيان، فلا تذكره إلا حين يأتي من ينبهك إليه، ويذكرك به، ~~والنسيان ليس وظيفة القلب، إنما وظيفة العقل والذاكرة، فلو أن القلب ~~متعلق بالشيء، فكلما طرأت عليه غفلة تعلق القلب بها يسدها، فتظل ~~في الذاكرة لا تغفل عنها. ### || [36.7] # الحق سبحانه وتعالى سطر أزلا كل ما يكون من مستقبلي أي دعوة ~~دينية المؤمنين بها والكافرين، لكنه سبحانه ترك للناس الاختيار، وكونه ~~تعالى يسجل ما سيحدث من الناس، ثم يأتي الحدث منهم وفق ما سجل، هذا ~~يعني أن ما قاله قديما حق. والقرآن يقول مرة { حق القول } [يس: ~~7]، ومرة # سبق عليه القول # [هود: 40]، ومرة # وقع القول # [النمل: 82]. وكلها تدل على أن ما سبق في علم الله من الإخبار عن مختار ~~اختار الهدى أو الضلال مسجل عنده تعالى، وهو حق كما أخبر الله به، ولو ~~كان العبد غير مختار لقلنا: إن الله قهره على ما أراد، ms8354 لكنه مختار. ~~والحق سبحانه له طلاقة القدرة وطلاقة العلم، فلعلمه تعالى بما سيكون سجل ~~وكتب، وقد أوضحنا هذه المسألة في كلامنا عن أبي لهب: # تبت يدآ أبي لهب وتب # [المسد: 1] فقد كان بوسع أبي لهب حين سمع هذه الآية أن ينطق بكلمة ~~الإيمان ولو نفاقا، وله إذن أن يتهم القرآن وأن يكذبه، لكنه لم ~~يفعل وظل على كفره حتى صدق فيه إخبار الله مع أنه مختار. كذلك في ~~قوله تعالى: # ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما ~~نقول # [المجادلة: 8] وعجيب منهم بعد أن فضحهم القرآن، وأخبرهم بما يدور في ~~نفوسهم ألا يؤمنوا به، وألا يسألوا أنفسهم من الذي أخبر محمدا بما ~~في نفوسنا، ولو لم يكن منهم هذا القول في أنفسهم بالفعل لواجهوا ~~محمدا، ولقالوا: لم يحدث منا هذا. لذلك الذين أنكروا رسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم مع إخباره بمغيبات لا تقع عليها عقول البشر أنكروا ~~رسالته، ولكنهم أرادوا أن يثبتوا له فوق الرسالة أنه إله يخبر بالشيء ~~قبل حدوثه، فهو صلى الله عليه وسلم يقول لهم: أنا رسول وهم يريدونه ~~إلها. القول السابق وقع على هؤلاء لأنهم لا يؤمنون، ولأنهم يكذبون ~~ويعاندون { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا ~~يؤمنون } [يس: 7] لذلك يقولون: إن للملائكة تعجبا، قالوا: وما ~~تعجب الملائكة. قالوا: ساعة تقع في كون الله حركة يجدون خبرها عندهم ~~في الكتاب، فيقولون: ما أعلم ربنا وأقدره، يعني: ما أخبر الله به، وقع ~~كما أخبر تماما، مع أن العباد لهم حرية الاختيار. ولما حاول الفلاسفة ~~عرض هذه المسألة: { لقد حق القول على أكثرهم فهم ~~لا يؤمنون } [يس: 7] قالوا: الحق سبحانه وتعالى حين ترك الأمر ~~للمكلف بالاختيار لأن الإنسان نفسه قبل أن يكون مختارا لم يلزمه ~~الله بشيء، على خلاف السماوات والأرض والجبال، فقد رفضت هذا الاختيار، ~~واخترت أن تكون مسخرة لله، مقهورة لإرادته سبحانه. يقول تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. إذن: الحق سبحانه ms8355 خير الجميع فأبت السماوات والأرض ~~والجبال، أما الإنسان فقد اغتر بعقله وذكائه وتصرفه في الأمور، فقبل ~~الاختيار، فحكم الله عليه بأنه ظلوم وجهول، ظلوم لأنه ظلم نفسه بتحمل ~~الأمانة، وجهول لأنه ضمن وقت التحمل، ولم يضمن وقت الأداء، فالعاقل هو ~~الذي ينظر إلى وقت أداء الأمانة، لا إلى وقت تحملها. فلو جاءك صديق ~~يودع لديك مبلغا من المال كأمانة لحين الحاجة إليه، فمن السهل أن ~~تقبل هذا المبلغ وفي نيتك أداؤه عندما يطلبه صاحبه، لكنك لا تضمن أن ~~تتغير ظروفك فتحتاج إليه، أو تتغير ذمتك، أو غير ذلك مما يطرأ على ~~الإنسان. إذن: فجهل الإنسان هنا أنه أغفل وقت الأداء، وظلمه لنفسه أنه ~~جر عليها ما لا تقدر عليه لأن شهوات نفسه لا بد أن تلح عليه، ولا ~~بد أن توقعه في المخالفة. قالوا: إن العالم كله محكوم بأمرين: ~~بمشهود، وغيب، ومن عجيب الأمر أن المشهود هو الدليل على الغيب، يعني خذ ~~مما تراه دليلا على ما لا تراه لذلك حين نريد أن نربي في الناس ~~الإيمان بالله نلفت أنظارهم إلى ملكوت السماوات والأرض: # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر لا ~~تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي ~~خلقهن إن كنتم إياه تعبدون # [فصلت: 37]. # ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها ~~لمحى الموتى إنه على كل شيء قدير # [فصلت: 39]. وبعد أن تتأمل في ملكوت الله وآياته في كونه فتؤمن به ~~يعطيك قضايا أخرى لا يتسع لها عقلك، لماذا؟ لأنه سبحانه يريد للإيمان به ~~عنصرين: أن تؤمن بالمشهد، وأن تسلم إذا آمنت بالمشهد على وجود حق، وهو ~~الحق واجب الوجود، فتسمع منه سبحانه، فإن أخبرك بشيء لم يتسع له عقلك ~~فاقبله من باطن الإيمان به. فإن قال لك إن الصراط مثلا أدق من ~~الشعرة، وأحد من السيف فلا تنكر، وإن كان عقلك لا يتسع لإدراكها، لأن ~~الذي قالها الله المشرع. فأنت أخذت من المشهد دليل الغيب وهو الله، ~~وأخذت من دليل الغيب وهو ms8356 الله إيمانك بأشياء لا يعقلها عقلك، فكأن ~~المشهد والغيب عليهما مدار الإيمان وغيره. فمطلوبات التدين إما ~~مطلوبات من القلب، أو مطلوبات من الجوارح، أو مطلوبات من اللسان. فالقلب ~~مطلوب منه العقيدة بأن يؤمن بواجب الوجود، وأنه واحد، وأن يؤمن بأنه لا ~~بد أن يبلغني منهج حياتي لأنه هو الذي خلقني وأنا صنعته، والصانع هو ~~الذي يحدد قانون الصيانة لما صنع، وقانون الصيانة لا يكون إلا بالبلاغ. ~~والحق سبحانه لا يكلم الخلق واحدا واحدا، إنما يصطفي لهذه المهمة - ~~مهمة البلاغ عنه سبحانه - من يشاء من الملائكة ومن البشر، فالمصطفى من ~~الملائكة يبلغ المصطفى من البشر، والمصطفى من البشر يبلغ بقية الناس لذلك ~~ربى النبي صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية في ثلاث وعشرين سنة، ولو ~~أن كل واحد انتظر أن يكلمه الله مباشرة لاستغرقت تربية الأمة أكثر من ~~ذلك بكثير. # إذن: البلاغ عن الله ضرورة من ضرورات وجود الله، وإلا إذا كان الله ~~موجودا فأنت لا تعرف أنه سبحانه واحد، أو أن له شريكا، أنت بنفسك لا ~~تعرف هذه المسألة، لا بد من رسول يخبرك: عن الله، عن اسمه، وعن صفاته، ~~وعن مراده منك. لذلك الذين يعبدون الشمس أو القمر أو الشجر أو الحجر أبلغ ~~رد عليهم أن نقول لهم أولا: ما هي العبادة؟ العبادة طاعة العابد ~~لمعبوده في أمره ونهيه، فنقول: ماذا قالت لكم الشمس؟ بم أمرتكم؟ وعن ~~أي شيء نهتكم؟ ماذا أعدت لمن عبدها؟ وماذا أعدت لمن عصاها؟ ~~إذن: هذه آلهة بلا منهج وبلا تكاليف، فهي إذن باطلة مردودة. وسبق أن ~~أوضحنا هذه المسألة بمثال، قلنا: لو أن طارقا طرق علينا الباب، لا ~~بد أننا جميعا سنلتقي في فكرة واحدة، هي أن طارقا بالباب يريد ~~الدخول، إنما لا أحد منا يعرف من هو؟ ولا لماذا أتى؟ ولا من أين، أهو ~~بشير أم نذير؟ هذه أمور لا بد أننا سنختلف فيها. إذن: علينا أن نقف عند ~~الحد الذي نتفق عليه، وهو أن طارقا بالباب، ونترك لهذا الطارق أن ~~يعبر هو ms8357 عن نفسه، فنقول: من أنت؟ فيقول: أنا فلان جئت لكذا وكذا. ~~كذلك الحق سبحانه يكفي أن تستدل من صنع الكون العجيب أن له صانعا ~~عالما قادرا حكيما، له كل صفات الكمال، لكن من هو؟ وما مراده منك؟ ~~هذه مهمة الرسول المبلغ عن الله. لذلك، فإن خيبة الفلاسفة أنهم لم ~~يقفوا عند تعقل واجب الوجود سبحانه، بل أرادوا أن يتصوروا واجب ~~الوجود، هذا هو خطؤهم، ولو وقفوا عند التعقل لكان كافيا، ثم تقول لمن ~~تعقلته: من أنت؟ وماذا تريد مني؟ ماذا أعددت لي إن أطعتك؟ وماذا تفعل ~~بي إن عصيتك؟ وعندها يرسل لك رسولا يجيبك على كل هذه الأسئلة. هذا هو ~~مطلوب التدين القلبي، وهو الاعتقاد بوجود إله واجب الوجود، واحد أحد، ~~وأنه يرسل الرسول ليبلغ عنه، وهذا الرسول صادق في البلاغ مؤيد بمعجزة، ~~هذه مسألة عقلية واضحة. وبعد أن آمنت بهذه العقلية الواضحة المشهودة ~~يخبرك بأشياء غيبية لا دليل عليها، كالإخبار مثلا عن الجنة وصفاتها، ~~وأنك ستتمتع فيها وتأكل دون أن تتغوط.. إلخ هذه كلها مسائل يقف العقل ~~أمامها، لكن من أخبرك بها؟ الله الذي صدقك فيما شاهدت، وسبق أن آمنت ~~به ووثقت بكلامه. ثم يأتي دور مطلوبات الجوارح، فالإله الذي آمنت به لا ~~بد أن تكون على اتصال دائم به سبحانه لذلك شرع لك الصلوات الخمس، ~~وفيها دوام الولاء لله. # لكن، لماذا جعلها خمس صلوات؟ قالوا: كانت خمسين لتستوعب كل الزمن يعني: ~~خمسين توزع على أربع وعشرين ساعة، بمعدل صلاة كل نصف ساعة، ومن رحمة ~~الله بنا أن جعلها خمسا في العمل، وخمسين في الأجر، ومع ذلك يمل الناس ~~منها. وأذكر أننا ونحن في الحرم، كنا نصلي الظهر مثلا، وسرعان ما ~~يؤذن للعصر، فلا نتمكن من الجلوس في الحرم والتأمل فيه، والنكتة ~~المشهورة في هذا المقام أن الشيخ أحمد رحمه الله كان كثيرا ما يذكر ~~واحدا منا بالصلاة قوم يا واد صلي. فقال له: يا شيخ أحمد احنا جايين ~~نحج، مش جايين نصلي. إذن: نقول جعلت الصلاة خمسا لتستوعب ms8358 كل اليوم ~~والليلة، ولتحقق استدامة الولاء لله تعالى، ثم أنت في الصلاة نفسها تجد ~~هذه ركعتين، وهذه ثلاثا، وهذه أربعا دون أن يعي عقلك الحكمة من العدد ~~هنا، ويكفي أن تقول هنا إن الله هو الذي شرعها كذلك وتقف. ثم أنت لا تعيش ~~في المجتمع بمفردك، بل مع أناس، منهم الضعيف، ومنهم الفقير والمحتاج، ~~وهؤلاء لا بد أن يعيشوا كما تعيش أنت، فعليك أن تعينهم بالزكاة أو ~~الصدقة. ثم شرع لك الصيام، وهو عبادة تعودك ألا تعصي الله وتبعدك ~~عن المخالفة، حتى تصير الاستقامة عادة متأصلة فيك، والله يريد أن ~~يستديم في التكاليف حرارة العبادة، لا إلف العادة لذلك يأتي إلى ما ~~أحله لك في شعبان، ويمنعه عنك في رمضان. كذلك في اللسان الذاكر الناطق ~~بالكلمات، هناك في القرآن كلام تفهمه، وكلام يقف أمامه عقلك، ففواتح ~~السور مثلا كلها مما تقف فيه العقول، والباقي مما تتفتح فيه العقول ~~وتفهمه لأن هناك فرقا بين من يقبل على الشيء لتعقله، ومن يقبل على ~~الشيء بدون تعقل، ولكن لأن الآمر أمر به. وسبق أن ضربنا مثلا قلنا: ~~هب أن سيدا في بيته وعنده عمال، فقال لواحد منهم: انقل هذا الحجر من ~~مكانه إلى مكان آخر فقال: لا أقدر وحدي، وسوف أستعين بزميل لي، فقال: إن ~~تحته مالا هو لك، عندها سيكافح وحده لنقل الحجر، إذن: نقله للعلة أم ~~للأمر؟ للعلة، والإيمان لا يكون كذلك، الإيمان لا يكون لعلة، إنما ~~انصياعا للأمر. فالمعنى: { لقد حق القول } [يس: 7] يعني: وجب ~~وثبت وجاء كما سجلناه عليهم، وقوله { على أكثرهم } [يس: 7] ~~يعني: ليس عليهم جميعا، وهذا كما قلنا سابقا احتياط للواقع، وهو دليل ~~على أن منهم مؤمنين، ولو رجلا واحدا، وهذا الاحتياط من القرآن نسميه " ~~صيانة الاحتمال ". وقوله تعالى: { فهم لا يؤمنون } [يس: 7] إخبار ~~يدل على حيثيات هذا الإخبار. ثم يقول سبحانه: { إنا جعلنا في ~~أعناقهم أغلالا... }. ### || [36.8] # يعطينا الحق سبحانه في هذه الآية تصويرا لحال هؤلاء الكافرين المعرضين ~~عن اتباع الحق، فيقول: { إنا جعلنا في أعناقهم ms8359 أغلالا ~~فهى إلى الأذقان فهم مقمحون } [يس: 8] الأغلال: مفردها ~~غل، وهو الحديدة التي تمسك اليد وتشدها تحت الذقن، وحين تشد اليد تحت ~~الذقن ترتفع الرأس إلى أعلى، وبالتالي يرتفع مستوى النظر إلى أعلى، فلا ~~يكاد يرى الإنسان طريقه، ولا يهتدي إلى موضع قدمه. وهذه الصورة واضحة ~~أيضا في معنى كلمة { مقمحون } [يس: 8] المقمح: مأخوذ من إبل قماح، ~~وقماح الإبل أنها حين تذهب لشرب الماء تغرف منه، ثم ترفع رءوسها إلى ~~أعلى. قال بعضهم: إن هذه صورة رسمها الحق سبحانه لمن غل يده عن الصدقة ~~وعن الإنفاق، كذلك تغل يده إلى عنقه يوم القيامة، بحيث يؤثر هذا ~~الغل في مساره الذي بنى عليه حركة حياته، والحق سبحانه يوازن دائما ~~بين ما فعله المستحق للجزاء والجزاء، فالجزاء من جنس العمل. ومثال ذلك ~~قوله سبحانه: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله # [التوبة: 34] هذا هو العمل، فما الجزاء # فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى عليها في نار ~~جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ~~هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون # [التوبة: 35]. هذه مواضع ثلاثة من الإنسان: الجباه، والجنوب، ~~والظهور جاءت بهذا الترتيب لتطابق تماما ما فعله صاحب المال الذي كنز ~~ماله وضن به على الفقير، فقد كان الفقير يأتيه فيلوى عنه جبهته ويعطيه ~~جنبه، ثم يدير له ظهره وينصرف عنه، فجاء عذابهم على مقدار ما فعلوه. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن ~~خلفهم سدا... }. ### || [36.9] # هل معنى هذا أن الله تعالى يساعدهم، ويعينهم على الكفر؟ قالوا: نعم لأن ~~عبدي حين أناديه فيتأبى علي في ندائي، ولا يقبل علي بعبوديته لي ~~أعينه على كفره لأنني رب غني عنه، فإن أحب الكفر وعشقه ولم يعد ~~هناك أمل في هدايته أختم على قلبه، فلا يدخله إيمان، ولا يخرج منه الكفر. ~~لذلك من تجنى عليك وصد عنك فأعنه على ذلك، ولا تذكره بنفسك. ~~إذن: ما كفر أحد غصبا عن الله، إنما كفر بما أودع الله فيه من اختيار، ~~ولأنه سبحانه رب ms8360 وهو خالق العباد، فعليه سبحانه أن يعينهم، كلا على ~~ما يريد، فالذي أراد الإيمان وأحبه أعانه على الإيمان، والذي أراد ~~الكفر وعشقه أيضا أعانه عليه وساعده. لذلك ختم الله على قلوب ~~الكافرين، وهنا يقول: { وجعلنا من بين أيديهم } [يس: 9] ~~يعني: أمامهم { سدا } [يس: 9] حاجزا ومانعا { ومن خلفهم ~~سدا } [يس: 9]. هذا مانع مادي خارج عن تكوين الإنسان { ~~فأغشيناهم } [يس: 9] يعني: جعلنا على أبصارهم غشاوة وغطاء، فهم ~~مصدودون عن الحق لأشياء. أولا: في ذواتهم أغشينا أبصارهم فلا يرون ولا ~~يهتدون لأنهم بذواتهم لم يذكروا عهد الفطرة الأولى التي فطر الله الناس ~~عليها. أما الخارج عنهم، ففي المنهج الذي لم يلتفتوا إليه، لا فيما ~~أمامهم، ولا فيما وراءهم لأن هناك سدا يمنعهم، فلو تذكروا ما ~~ينتظرهم لارتدعوا عن غيهم، ولو تأملوا ما نزل بمن سبقهم من ~~المكذبين، وما حاق بهم من عذاب الله لرجعوا. لكن جعل الله من أمامهم ~~سدا، فلا يعرفون ما ينتظرهم، ومن خلفهم سدا فلا يتدبرون ما حاق ~~بأسلافهم، ممن قال الله فيهم: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا.. # [العنكبوت: 40]. فإن قلت: الحق سبحانه جعل سدا يمنعهم من الجهة ~~الأمامية، وسدا يمنعهم من الجهة الخلفية، فماذا لو ساروا على جنب إلى ~~اليمين، أو إلى اليسار؟ قالوا: لو ساروا وتوجهوا إلى اليسار مثلا لصار ~~اليسار بالنسبة لهم أمام، واليمين صار خلفا، فهم إذن محاصرون ~~بالموانع، بحيث لا أمل لهم في الرجوع إلى منهج الحق، وإلى الصواب. ويصح ~~أن يكون المعنى { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن ~~خلفهم سدا } [يس: 9] أي: مانعا يمنعهم من التأمل والنظر في ~~الأدلة العقلية المنصوبة أمامهم ليؤمنوا { ومن خلفهم سدا } ~~[يس: 9] يمنعهم، فلم ينتهوا إلى الفطرة الإيمانية المودعة فيهم. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم... }. ### || [36.10] # السوائية هنا بالنسبة لهم، لا بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأن رسول الله عليه مجرد البلاغ، وما دام بلغهم فقد انتهت ms8361 مهمته، فكأن ~~الله يقول له: اطمئن ولا تحزن، فإنذارك وعدمه عندهم سيان، إنما بإنذارك ~~أقيمت عليهم الحجة، لأنهم أقسموا في موضع سابق: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءهم نذير ~~ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جآءهم ~~نذير ما زادهم إلا نفورا # [فاطر: 42]. ثم يقول الحق سبحانه: { إنما تنذر من اتبع ~~الذكر وخشي الرحمن بالغيب... }. ### || [36.11] # يعني: إنذارك يا محمد يجدي مع من يذكر الله ويخافه، ويؤمن به، ويؤمن ~~بقدرته تعالى على البعث وعلى الحساب، هذا الذي ينتفع بالإنذار ويستفيد ~~منه على خلاف المكذب للأصل، كيف يستفيد من الإنذار؟ ومعنى { اتبع ~~الذكر } [يس: 11] أي: القرآن. والخشية: خوف، لكن بمهابة، فأنت تخاف ~~الله وتهابه، وكذلك ترجوه، أما الخوف من غير الله فخوف بكره لأنه خوف ~~من جبروت لذلك جاءت بعد الخشية صفة الرحمة { وخشي الرحمن } [يس: ~~11] فأنت تخاف ممن اتصف بالعطف والحنان، وهذا أدعى أن يحببك ~~فيمن تخاف منه ويعطفك إليه، فتكون خشيتك له ممزوجة بالهيبة والوقار، ~~وبالرجاء فيه لذلك قال سبحانه: { وخشي الرحمن } [يس: 11] حتى لا ~~تنفر من الذي تخافه. وهذه الخشية تكون من المؤمن { بالغيب } [يس: ~~11] يعني: ساعة يكون غائبا عن الناس منفردا، فإنه يخشى الله، ولا يخشى ~~الناس، ولا يحتاج إلى رقيب لأن رقابة البشر للبشر لا تجدي لأنك ستجعل ~~عليه رقيبا من جنسه، وما جاز على المراقب يجوز على المراقب من تدليس ~~وغيره، حتى حين تجعل على المراقب تفتيشا مفاجئا لا تأمن التدليس. وسبق ~~أن ضربنا مثلا برجل المرور، فالواحد منا قبل أن يسمح له بقيادة سيارة ~~لا بد أن يمر بشروط قاسية تضمن أولا سلامة السيارة التي يقودها، ~~ثم تمكنه هو من فن القيادة، ولا بد أن يجتاز الاختبارات اللازمة ~~لذلك، ومع هذا كله منا من يلتزم، ومنا من لا يلتزم بالقواعد ~~المرورية لذلك نجعل رجل المرور ليراقب وينظم حركة المرور في الشوارع، ~~وعليه من يراقبه. لكن لما وجدوا أن رجل المرور يمكن أن يدلس، فيأخذ ~~الرخصة من مخالف، ويتغافل عن آخر استحدثوا آلات للمراقبة مثل الرادارات، ms8362 ~~لتكون أكثر دقة، لكن هذه الآلات من يشغلها؟ بشر يجوز عليهم ما يجوز ~~على غيرهم. إذن: حين يكون المراقب من جنس المراقب، فعملية المراقبة لا ~~تفيد، ولو جعلنا على كل منا رقيبا لاحتجنا إلى جيوش من الحراس. إذن: ~~ماذا نفعل لنحكم هذا العالم كله؟ محمد صلى الله عليه وسلم جاء ولرسالته ~~ميزات الرسالة الكاملة، فرسالته غير محدودة بزمان ولا بمكان، فالزمان ~~والمكان هما اللذان يحصران الأحداث، فهما ظرفان للحدث، فإذا لم يكن حدث ~~موجودا فلا زمان ولا مكان لذلك لا يصح أن يقال بالنسبة لله تعالى: ~~أين ولا متى، لأن أين ومتى مخلوقتان لله. وإذا كان الزمان والمكان ~~يشتركان في الظرفية للحدث إلا أن المكان ظرف قار يعني: ثابت، والزمان ~~ظرف متغير، فهذا وقته الصبح، وهذا الظهر ونقول: هذا قبل كذا، وهذا بعد ~~كذا. رسول الله جاء برسالة عامة في الزمان وفي المكان إلى أن تقوم ~~الساعة، وجاء بمنهج لصيانة الإنسان في العالم كله مع اختلاف بيئاته ~~وطبائعه، وفي الأزمنة باختلاف عصورها، فكيف تتحقق هذه الصيانة وهذه ~~المراقبة؟ ما دام محمد صلى الله عليه وسلم قد جاء بمنهج ليحكم به العالم ~~كله زمانا ومكانا، فلا يصح أن يجعل على كل فرد منه رقيبا من جنسه، ~~ولا حتى من الملائكة، إنما عليه أن يربي في نفوس الناس خشية الله، وأن ~~يزرع في قلوبهم المهابة منه سبحانه بالغيب وهذا هو الرقيب الحقيقي ~~والرقيب الملازم الذي لا ينفك عنك، ولا يفارقك لحظة. # لذلك، المرأة التي راودها الرجل وأغراها بأنهما في فلاة لا يراهما أحد ~~فقال لها: ما يمنعك مني، وما يرانا غير الكواكب؟ فقالت له: يا أبله، وأين ~~مكوكب الكواكب؟ هذه هي خشية الرحمن بالغيب. وروي أن المعتضد وهو أحد ~~ملوك دولة بني بويه أيام الخلافة العباسية، وكان مشهورا بالذكاء ~~والعدل، وحدث أن جاء رجل إلى سوف بغداد ليبيع عقدا نفيسا ليحج بثمنه، ~~فلم يجد في السوق مشتريا لنفاسة العقد، ومر الرجل بشيخ وقور عليه ~~علامات الصلاح فقال: هذا رجل أمين أودع عنده ms8363 هذا العقد أمانة حتى أعود ~~من الحج، فلما عاد من الحج سأل الشيخ عن العقد الذي تركه عنده، فأنكره ~~الشيخ، وخابت كل محاولاته لاستعادة العقد. سمعه أحد المارة فقال: يا هذا ~~إنه رجل مخادع كذاب، اذهب إلى المعتضد، وسوف يعيد لك العقد بذكائه ~~وحيلته، ذهب الرجل إلى المعتضد وقص عليه القصة فقال له: اذهب في الغد ~~واجلس بجوار هذا الرجل، وسوف أمر عليك في موكبي فلا تقم لي وإن ~~كلمتك فرد وأنت جالس، ودعني أتصرف في هذه المسألة. وفي الغد مر ~~المعتضد في موكبه المهيب، وحوله الحاشية و الهيلمان والصولجان فنظر إلى ~~صاحب العقد وقال: يا فلان منذ متى وأنت هنا؟ وكيف لا تخبرني بوجودك ~~لأقابلك وأؤدي لك حقك. سمع الشيخ هذا الكلام فظن أن الرجل من معارف ~~الملك ومن أتباعه، فارتعد ونادى صاحب العقد، وقال له: أرجوك لا تذكرني ~~أمام الملك بحكاية العقد هذه، وقام إلى العقد فرده إلى صاحبه، ذهب ~~الرجل بالعقد إلى المعتضد فتبسم، وقال له: انتظرني في الغد أمام دكان هذا ~~الشيخ. وبالفعل جاء المعتضد، لكنه هذه المرة كان بصحبته المشنقة، فأمر ~~بنصبها أمام دكان هذا المخادع، وأمر به فشنقوه. ثم قال: هذا جزاء من ~~كان إيمانه بين الناس مشهدا، وليس إيمانه بالغيب - يعني: بعيدا عن أعين ~~الناس. لذلك جعل الله المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وكانوا أول ~~الناس سعيا للصلاة، وكانوا أصحاب الصف الأول خلف رسول الله، ومع ذلك ~~كان هذا جزاءهم لماذا؟ لأن المنافق متناقض مع نفسه، فلسانه خلاف قلبه. ~~ومن معاني الغيب في قوله تعالى: { وخشي الرحمن بالغيب } ~~[يس: 11] أي: الغيب الذي أخبر الله به من أن هناك آخرة وبعثا وحشرا ~~وحسابا. # وهذه الخشية لله تكون بالغيب يعني: الإيمان بالغيب، والله تعالى نؤمن به ~~سبحانه وهو غيب، والغيب كما قلنا: ما غاب عنك ولا يوجد في الكون طريق ~~يوصلك إليه ولا مقدمات، فنحن نعرف مثلا في حل تمارين الهندسة أو ~~النظرية: الفرض والمعطيات والمطلوب، فالمعطيات والمقدمات توصلك للغاية ~~وللمطلوب. لذلك تجد أن ms8364 علم الغيب ينقسم إلى قسمين: غيب استأثر الله به، ~~لا يظهر عليه أحدا إلا من ارتضى من رسول، ولم يجعل لهذا النوع من ~~الغيب مقدمات توصل إليه وتدل عليه، وهناك غيب له مقدمات تدلك عليه، ~~فإن استخدمت هذه المقدمات توصلت بها اليوم إلى ما كان غيبا ~~بالأمس، وينبغي عليك أن تستدل بالغيب الذي صار مشهدا لك على أن تصدق ~~بالغيب الذي لم تدرك غيبه، ولا سبيل لك إليه، ينبغي أن يحفزك ما ترى على ~~أن تؤمن بما لم تره. وقلنا: إن هذا النوع من الغيب وهو الغيب الذي له ~~مقدمات توصل إليه، له ميلاد يظهر فيه، فإن صادف هذا الميلاد بحثا من ~~البشر، وكان البحث سببا في ظهوره، وإلا أظهره الله مصادفة، كما جاءت ~~أغلب الاكتشافات التي تخدم البشرية الآن مصادفة لأن ميلاد الغيب جاء ~~وبحثك عنه لم يجيء. والمؤمن هو الذي يزداد إيمانه بالغيب حين يستدل بما ~~ظهر له على ما لم يظهر، ومن العلماء والموهوبين من الناس من يفسر لك ~~الغيب الذي لم يأت أوانه بشيء موجود بالفعل، ومن ذلك ما روي أن الروم ~~أرسلت إلى أمير المؤمنين أن يرسل إليهم عالما يفقههم في أمور الدين، ~~فأرسل إليهم الشعبي فجعلوا يسألونه فيما يخفى عليهم من الدين، وكان ~~مما عرضوه عليه أن الإنسان حين ينعم في الجنة يأكل ولا يتغوط، فكيف ~~يكون ذلك؟ فرد الشعبي بما عنده من الإشراقات التنويرية التي يفتح الله ~~بها على من يشاء. وقال لهم: أرأيتم الجنين في بطن أمه، إنه يتغذى وينمو ~~دون أن يتغوط، ولو تغوط في مشيمته لاحترق، كذلك الإنسان في الجنة يأكل ~~ولا يتغوط لأنه يتغذى بطهي الله له، فالله يعطيه بقدر بحيث لا يبقى ~~شيء يتغوطه الإنسان، أما نحن فنأكل بطهينا لأنفسنا، ولا نأكل بقدر ~~الحاجة، لذلك نتغوط. قالوا له: زعمتم أنكم تأخذون من الجنة ما تشاءون دون ~~أن ينقص منها شيء، فكيف ذلك؟ قال: لأن الشيء ينقص بالأخذ منه حين لا ~~يكون له مدد من الغير، فإن كان له ms8365 مدد لا ينقص، والمدد في الجنة من ~~الله، فكيف يتأتى النقصان؟ شيء آخر: لو جئت إلى المصباح فأخذت مه شعلة، ~~بل آلاف الشعلات، أينقص من ضوء المصباح شيء؟ وهكذا رد الشعبي، وأعجب ~~به القوم، وكتبوا له كتابا يوصله إلى أمير المؤمنين، وكأنهم حسدوا أمير ~~المؤمنين أن تكون مثل هذه العقلية وهذه الموهبة في خدمته، وكان في ~~الكتاب: عجبت لقوم فيهم مثل الشعبي، كيف يولون غيره؟ فلما ذهب الشعبي ~~وسلمه الكتاب قرأه أمير المؤمنين، وقال للشعبي: أتدري ما في الكتاب؟ ~~قال: لا يا أمير المؤمنين. # قال: اقرأ، فقرأ الشعبي العبارة: عجبت لقوم فيهم مثل الشعبي كيف ~~يولون غيره؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، لأنه لم يرك، ولو رآك ~~لغير رأيه. والمتأمل في مسألة الإنذار يجد لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنذارين: عام للعالمين جميعا، وهو إنذار بلاغ من الله للجميع ~~المؤمن والكافر، وهو الذي قال الله فيه: # إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا.. # [فاطر: 24] فالذين يؤمنون بالله ينتفعون بالإنذار، وينتفعون بالبشارة، ~~والذين لا يؤمنون لا ينتفعون من ذلك بشيء. والإنذار الآخر إنذار خاص ~~بمن خشي الرحمن بالغيب، وهو إنذار القبول، وينتفع به من خشي الرحمن ~~بالغيب، فالذين لا يخشون ربهم سبق أن أنذروا، لكن إنذار بلاغ، فلم ~~ينتفعوا به لذلك لم يشملهم الإنذار الخاص. وقوله سبحانه: { فبشره ~~بمغفرة وأجر كريم } [يس: 11] قلنا: إن البشارة: إخبار ~~بالخير قبل أوانه ليحفزك إلى أسباب الخير ويطعمك فيها، وتلحظ هنا أن ~~المغفرة سبقت الأجر، لماذا؟ قالوا: لأن الحق - سبحانه وتعالى - قبل أن ~~يعطيك النعمة يصرف عنك العذاب أولا لأن التخلية كما قلنا تسبق التحلية، ~~ثم إن المغفرة دائما هي جزاء الإيمان بالله، أما الأجر فجزاء العمل ~~بمنهج الله لذلك قال سبحانه: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48] فمن آمن بالله أمن العذاب وضمن المغفرة، فإن أراد ~~الأجر فعليه بالعمل الصالح. ووصف الأجر نفسه بأنه كريم مع أن الكريم هو ~~المعطي سبحانه، فالمعنى أن كرم المعطي تعدى إلى ms8366 العطية، فصارت العطية ~~كريمة، وكأنها تتلهف على صاحبها، كما يتلهف الرجل إلى العطاء لذلك ~~قلنا: إن النعمة التي ينعم الله بها على خلقه تعشق صاحبها، وتسعى ~~إليه وتكره من يحسده عليها، أو يحقد عليه بسببها. لذلك لا تذهب إلى هذا ~~الحاسد الحاقد، ولا يناله منها خير أبدا، وكأن المنعم سبحانه يقول: ما ~~دمت قد كرهت النعمة عند غيرك، فلن تنال منها شيئا لأنك تخطئ الله ~~في عطائه، وتعترض على قضائه، فكيف تأتيك نعمته؟ لكن إن أحببت النعمة عند ~~غيرك تأتك وتطرق هي بابك. وهذه المسألة لها شواهد كثيرة من حياتنا، ~~أذكر منها أن رجلا من بلدنا ميت غمر جاءني يشكو قسوة عمه الغني عليه، ~~وأنه رغم غناه بخيل عليه. ويستعمل الأغراب، ويتركه هو بدون عمل، وغير ~~ذلك مما ذكره في شكواه، وكان معي في هذه الجلسة أهلي، فقالت له: يا ابني ~~أنت دائما تشتم عمك وتخوض في حقه، قال: نعم لأنه لا يسأل عني. # فقلت له: أسألك سؤالا وأستحلفك ألا تكذب، فلما رأى أنني سأحلفه على ~~المصحف تراجع، فقلت له: أتحب النعمة عند عمك؟ قال: لا، كيف أحبها، وأنا ~~لا أنال منها شيئا، قلت: لو أحببت النعمة عند عمك، وتمنيت له الخير ~~والمزيد لجاءتك النعمة تطرق بابك، قال: إذن أرجوك يا مولانا تكلم عمي ~~وتوصيه علي. ويبدو أن الرجل حاول فعلا إصلاح نفسه، فأصلح الله ما بينه ~~وبين عمه، فبعد صلاة الفجر جاءني يطرق الباب، فلما دخل قال وهو يبكي: يا ~~مولانا أحكي لك حكاية أغرب من الخيال. قلت: ما هي؟ قال: قبل الفجر بساعة ~~جاء من يطرق علي الباب بشدة، فقمت ففتحت الباب، فإذا به عمي يعاتبنى ~~ويقول: كيف تتركني للأغراب ينهبون مالي وأنت داير على حل شعرك، خذ ~~المفاتيح، ومن الصباح تفتح المحلات، وتباشر بنفسك مصالحي. فقلت له. نعم، ~~لأنك أحببت النعمة عند عمك وغيرت ما في نفسك ناحيته. إذن: من أراد ~~أن تكون نعم الناس كلها عنده. فليحب النعمة عند غيره. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { إنا نحن ms8367 نحيي الموتى ونكتب ما قدموا ~~وآثارهم... }. ### || [36.12] # قوله تعالى في الآية السابقة # فبشره بمغفرة وأجر كريم # [يس: 11] لها موضع هنا، فالمغفرة والأجر الكريم في الآخرة، فناسب أن ~~يحدثنا الحق سبحانه عن مشهد من مشاهدها: { إنا نحن نحيي ~~الموتى } [يس: 12]. قوله تعالى: { إنا نحن } [يس: 12] هذان ~~ضميران للمتكلم على سبيل التعظيم، فإنا هي نحن، كما لو قلت: زيد زيد، ~~فماذا أضافت نحن بعد إنا؟ القاعدة في صياغة اللغة أن تمييز الشيء يأتي ~~حين يكون هناك اشتراك، فإن لم يكن اشتراك فلا يأتي التمييز كما لو ~~قلت لمن يطرق على بابك: من أنت؟ يقول: محمد، وأنت تعرف محمدين ~~كثيرين. فتقول: أي المحمدين أنت؟ فيقول: محمد أحمد، وأيضا أنت تعرف ~~كثيرين بهذا الاسم، فتقول: محمد أحمد من؟ فيقول: محمد أحمد محمود. ~~وعندها يحصل التمييز لوجود الاشتراك في الأولى، وفي الثانية. فكأن الحق ~~سبحانه لما قال { إنا } [يس: 12] وليس هناك غيره قال: { إنا نحن ~~} [يس: 12] يعني: كأنه قال إنا إنا يعني: لا أحد سواي، فليس في ~~هذه المسألة اشتراك. وسبق أن أوضحنا أن كلام الله تعالى عن نفسه قد يأتي ~~بصيغة الجمع كما في # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1]. وقال: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] وتلحظ أن الضمير هنا للتعظيم، وهكذا في كل الآيات التي تتحدث ~~عن فعل من أفعاله تعالى، أو عن فضل من أفضاله، ذلك لأن كل فعل من أفعاله ~~تعالى يحتاج إلى عدة صفات: يحتاج إلى علم، وإلى حكمة، وإلى قدرة.. الخ ~~وكل هذه الصفات كامنة في نحن الدالة على العظمة المتكاملة في الأسماء ~~الحسنى لله تعالى. أما حين يتكلم سبحانه عن الذات الواحدة، فيأتي بضمير ~~المتكلم المفرد كما في: # إنني أنا الله # [طه: 14] ولم يقل مثلا: إننا نحن الله لأن إننا ونحن تدل على الجمع، ~~والكلام هنا عن الوحدانية، فلا بد أن يأتي بصيغة المفرد. لذلك يؤكد ~~الحق سبحانه هذه الوحدانية بعدة وسائل للتوكيد في قوله سبحانه: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني ~~وأقم ms8368 الصلاة لذكري # [طه: 14] فلم يقل سبحانه: فاعبدنا وأقم الصلاة لذكرنا، إنما # فاعبدني وأقم الصلاة لذكري # [طه: 14] لأن العبادة تكون لله وحده. قم إن عملية البعث وإحياء الموتى ~~لله وحده لا يشاركه فيها أحد. وقال سبحانه { إنا نحن نحيي ~~الموتى } [يس: 12] قبل { ونكتب ما قدموا وآثارهم } ~~[يس: 12] مع أن الكتابة تسبق عملية الإحياء، الكتابة كانت في الدنيا، ~~والإحياء في الآخرة، فلماذا؟ أولا: عليك أن تلاحظ أن هذا الكلام ليس ~~كلامك، إنما كلام الله، فلا بد أن تعمل عقلك لتفهم عن الله مراده ~~لأن أسلوب الحق - سبحانه وتعالى - يحمل من الكمالات ما يناسب كماله ~~سبحانه، وكلامك أنت يحمل ما يناسب كمالك. # لذلك سبق أن قلنا: إن القرآن له تميزات عن كل الكتب، وأن تناوله غير ~~تناول أي كتاب فلا بد أن يقرأ على طهارة، وعلى وضوء، ولا بد أن ~~يراعى في قراءته مخارج الحروف وقواعد التلاوة وآدابها. وفاتنا أن نقول: ~~إنه تميز تميزا آخر، فكما تميز في نطقه تميز في كتابته، فمثلا ~~كلمة اسم تكتب بالألف كما في # تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام # [الرحمن: 78]، وكما في # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1]، لكن في البسملة في أوائل سور القرآن كتبت بدون الألف هكذا ~~بسم الله الرحمن الرحيم، لذلك نقول عن القرآن: نكتبه بالإملاء؟!! لا لأن ~~كتابته توقيف. إذن: ما الحكمة من تقديم { إنا نحن نحيي ~~الموتى } [يس: 12] على { ونكتب ما قدموا } [يس: 12]؟ ~~قالوا: لأنه ما فائدة الكتابة؟ الكتابة للأعمال لحصر الحسنات لنثيب ~~عليها، ولحصر السيئات لنعاقب عليها، فإذا لم يكن هناك إحياء للموتى ~~وحساب وجزاء، فما فائدة الكتابة؟ لذلك قدم الإحياء على كتابة الأعمال، ~~كما أن الإحياء أعظم من الكتابة فناسب أن يتقدم عليها. ومعنى: { ما ~~قدموا } [يس: 12] أي: من الأعمال، والعمل قد يكون عملا مثمرا ~~مستمرا بعد موت صاحبه كالصدقة الجارية، فلو حفر إنسان بئرا مثلا يشرب ~~منه الناس ويموت يظل البئر يسقي الناس، أو ترك علما نافعا، هذا كله ~~أثر من آثار العمل الذي كتب أولا، وهو المراد بقوله تعالى: ms8369 { ~~وآثارهم } [يس: 12] ومن آثار الإنسان ما سنه للناس وتركه يتبع من ~~بعده، سواء أكان حسنة أم سيئة، فكله مكتوب مسجل في كتاب لا يترك صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها، وأحصى آثارها من بعد صاحبها، فلو كتب إنسان مثلا ~~وصية ظالمة حرمت صاحب الحق من حقه، والوارث من ميراثه تحمل كل الآثار ~~المترتبة على هذا الظلم لأنه لم يحرم الوارث المباشر فحسب، إنما حرم ~~أيضا ذريته التي كانت ستستفيد من هذا الميراث، لذلك يظل عليه وزرها ~~إلى يوم القيامة. كذلك من سن للناس قانونا جائرا، فعليه وزر ~~القانون الجائر الذي حكم هو به، ثم على من يحكم بهذا القانون من بعده، ~~ومثل مسألة القطاع العام مثلا، القطاع العام أقامه من أقامه، ثم ~~ظلت آثاره تنهب في الناس إلى أن ضج منه الجميع وطالب الحكام ~~أنفسهم بتعديله. هذه القضية تشرح لنا حديث سيدنا رسول الله: # " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ~~ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " # أرأيتم الرجل العجوز يزرع النخلة وربما لا ينتفع بثمرها، لكن ينتفع به ~~من بعده، فهذه هي آثاره من بعده يكتبها الله له ويحصيها لحسابه. # وقال بعض العلماء في معنى: { ونكتب ما قدموا وآثارهم } ~~[يس: 12] أي: نكتب ما قدموا من النية التي تسبق العمل، ثم نكتب العمل ~~نفسه، وهو آثار هذه النية، فحين تعقد نية الخير في عمل ما تأخذ أجر ~~النية، فإذا ما عملت العمل تأخذ أجر العمل. وهذا يفسر لنا الحديث ~~الشريف: # " من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بها فعملها ~~كتبت له عشرا " # وهذا يرشدنا إلى أهمية عقد النية قبل الشروع في العمل ليثاب عليها ~~الإنسان، فالمؤمن لا يأتي العمل هكذا عشوائيا. وقوله تعالى: { وكل ~~شيء أحصيناه في إمام مبين } [يس: 12] هناك فرق بين ~~الكتابة والإحصاء، الكتابة أن تكتب الشيء، لكن لا تضم المكتوبات إلى ~~بعضها، فتحتاج إلى من يحصيها ويعدها، فالحق سبحانه يسجل علينا ~~الأعمال ms8370 كتابة أولا، ثم إحصاء وعدا، والإحصاء والعد أيضا في ~~كتاب مسجل فيه كل شيء { في إمام مبين } [يس: 12] والإمام هو ما ~~يؤتم به، والمراد هنا اللوح المحفوظ الذي تأخذ منه الملائكة مهمتها في ~~إدارة الكون. ثم يقول الحق سبحانه: { واضرب لهم مثلا ~~أصحاب القرية... }. ### || [36.15-17] # فلما كذبوا وأنكروا للمرة الثانية كان لا بد من تأكيد الكلام على ~~هذا النحو: { إنآ إليكم لمرسلون } [يس: 16] وكل كلمة من ~~هذه العبارة فيها تأكيد، أولا بإن، ثم أسلوب القصر في تقديم الجار ~~والمجرور إليكم، ثم لام التوكيد في لمرسلون، إذن: على قدر الإنكار يكون ~~التأكيد، وهؤلاء ينكرون الرسالة من عدة وجوه أولا: { قالوا مآ ~~أنتم إلا بشر مثلنا } [يس: 15]، ثم { ومآ أنزل ~~الرحمن من شيء } [يس: 15]، ثم { إن أنتم إلا ~~تكذبون } [يس: 15]. وقولهم: { مآ أنتم إلا بشر مثلنا ~~} [يس: 15] يعتبرون أن بشرية الرسل قدح في الرسالة، لكن كيف تتحقق ~~الرسالة إذا لم يكن الرسول من البشر؟ الحق سبحانه يناقشهم هذه المسألة ~~في موضع آخر، فيقول سبحانه: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا * قل لو ~~كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ~~عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 94-95]. هذا أول رد عليهم، فالذين يمشون على الأرض بشر ~~ليسوا ملائكة. وفي موضع آخر يجاري الحق الخلق، فيقول: وحتى لو جاء ~~الرسول ملكا لا بد أن ينزل على صورة البشر # ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا # [الأنعام: 9] وإلا كيف ترونه؟ وكيف تتلقون منه على صورته الملائكية. ~~إذن: لا بد أن يكون الرسول من جنس المرسل إليهم لتصح الأسوة ~~فيه، وكيف تتحقق الأسوة في الرسول الملك، وهو لا يعصي الله أصلا، ~~والرسول مطالب أن يبلغ منهج الله، وأن يطبقه بنفسه، لذلك قال ~~سبحانه # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] يعني: يطبق هو المنهج الذي جاء به قبل أن يبلغه ~~للناس. وقولهم: { ومآ أنزل الرحمن من شيء } [يس: 15] دل ~~على غبائهم في الأداء، فعجيب منهم أن يعترفوا ms8371 لله تعالى بصفة الرحمة، ~~وهم لا يؤمنون به، ومن مقتضيات هذه الرحمة أن يرسل إليهم رسولا يدلهم ~~على الخير ويدفعهم عن الشر، إذن: يعترفون بالحيثية التي تدينهم، ثم ~~يزيدون على ذلك فيتهمون الرسل بالكذب: { إن أنتم إلا تكذبون ~~} [يس: 15]. وعندها يؤكد الرسل رسالتهم، فيقولون: { ربنا يعلم ~~إنآ إليكم لمرسلون } [يس: 16] فكلمة { ربنا يعلم } ~~[يس: 16] حلت محل القسم: لأنهم يشهدون الله على صدق رسالتهم، ~~والقسم عند العرب لإثبات قضية مختلف عليها، وما دام قال الرسل { ربنا ~~يعلم } [يس: 16] فالأمر إما أن يكون صحيحا، أو غير صحيح، فإن كان ~~غير صحيح فقد كذبوا على الله. وقد أجمع العرب على أن الكذبة الفاجرة ~~توجب خراب الديار - هكذا يعتقدون - وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم ~~ما يدل على أن الكذب يجعل الديار بلاقع، # " ولما سئل صلى الله عليه وسلم: أيسرق المؤمن؟ قال: نعم. أيزني ~~المؤمن؟ قال: نعم. أيكذب المؤمن؟ قال: لا ". # فالكذب مذموم منهي عنه، حتى عند غير المؤمنين بدين لذلك رأينا كفار ~~مكة لا ينطقون بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله ولو كانوا يعلمون أنها ~~كلمة تقال ليس لها مدلول لقالوها، لكنهم يعلمون مدلولها ومعناها، ~~يعلمون أنها تعني أن العبادة لا تكون إلا لله، وأن الأمر والنهي والسيادة ~~لا تكون إلا لله.. الخ لذلك تأبوا فلم يقولوها، لأنهم لا يريدون ~~مدلولها. هؤلاء الكفار في تكذيبهم للرسل يعتقدون أنهم بذلك يغارون ~~لله وينتقمون من الرسل الذين يكذبون عليه سبحانه، فيقولون: { قالوا ~~إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم... ~~}. ### || [36.18] # كأنهم يقولون للرسل: ما دمتم كذبتم على الله وقلتم # ربنا يعلم.. # [يس: 16] في أمور نظنكم فيها كاذبين، فقد تطيرنا بكم يعني: تشاءمنا. ~~والتطير من الطيرة. وكانت عادة معروفة عند العرب، فكانوا حين يريد ~~الواحد منهم عمل شيء، يأتي إلى طير فيزجره ويطلقه، فيرى إلى أين يطير: ~~فإن طار إلى اليمين أمضى ما ينوي عليه، وإن طار إلى اليسار أمسك ~~وتشاءم، وقد حرم الإسلام هذه العادة ونهى عنها. وقولهم { لئن لم ~~تنتهوا } [يس: 18] أي: عما ms8372 تقولونه من أنكم مرسلون بمنهج { ~~لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم } [يس: ~~18] فجمعوا عليهم الرجم والعذاب الأليم، والرجم غير العذاب، الرجم رمي ~~بالحجارة حتى الموت، فهو إنهاء للعذاب لأن التعذيب إيلام حي، فمن مات ~~لا يستطيع أن تعذبه، لذلك قالت العرب: لا يضير الشاة سلخها بعد ~~ذبحها. لذلك لما ادعى أحد القضاة أن القرآن ليس فيها نص على الرجم: ~~قلنا لهم: صحيح، ليس في القرآن آية تنص على الرجم، لكن أيهما أقوى في ~~التقنين: الكلام أم الفعل؟ أيهما يعد حجة؟ لا شك أن الفعل أقوى ~~حجة، لأن الكلام يمكن أن يؤول، أما الفعل فلا تأويل فيه، وقد فعل ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الرجم في ماعز والغامدية. إذن: الاحتجاج هنا ~~ليس بالنص القولي، إنما الفعل من رسول الله الذي فوضه الله في أن ~~يشرع، وأمرنا بطاعة أوامره، فقال سبحانه: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7] والحق سبحانه لا يأمرنا هذا الأمر إلا إذا كان قد ترك لرسول ~~الله أمورا يشرعها. وهذه من ميزاته صلى الله عليه وسلم على غيره من ~~الرسل، فكل رسول ما عليه إلا أن يبلغ الحكم كما جاءه من الله، أما ~~سيدنا رسول الله فأمر أن يبلغ عن الله، وترك له بعض الأمور، وفوض ~~أن يشرع فيها. لذلك جاءت هذه الآية: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. لذلك حين نستقرئ آيات الطاعة تجد القرآن يقول مرة: # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول # [المائدة: 92]. ويقول في آية أخرى: # وأطيعوا الله والرسول # [آل عمران: 132]. ويقول: # وأطيعوا الرسول # [النساء: 59]. فتكرار الفعل أطيعوا يعني: أن الجهة منفكة، فلله ~~تعالى أمر وللرسول أمر، يعني: أطيعوا الله في التقنين الإجمالي العام، ~~وأطيعوا الرسول في تفصيل ما أجمل، ففي الزكاة مثلا جاء الأمر العام ~~بأداء الزكاة، لكن لم يحدد الحق سبحانه له نصابا، هذا النصاب بينه ~~سيدنا رسول الله. إذن: لله فيها أمر، وللرسول أمر. أما إن جاء الأمر ~~وأطيعوا واحدا وعطف رسول الله على الله، ولم تكرر الطاعة مع المطاع، ms8373 ~~فاعلم أن الأمر واحد قاله الله وقاله رسول الله، فطاعة المطاع الثاني ~~من باطن طاعة المطاع الأول، كما في قوله سبحانه: # أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم # [النساء: 59] فلم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم لأن طاعة أولي الأمر من ~~باطن طاعة الله وطاعة رسول الله، وليس لهم طاعة مستقلة منفصلة، بل طاعتهم ~~في ظل طاعة الله وطاعة رسول الله. إذن: الاستدلال بالفعل أقوى من ~~الاستدلال بالقول، فإن قال قائل: نريد أن نسمع كلام الله في هذه ~~المسألة نقول: نعم، هناك كلام بالنص وكلام باللازم، والحق سبحانه حين ~~تكلم عن الإماء في هذه المسألة قال: # فعليهن نصف ما على المحصنت من العذاب # [النساء: 25]. والعذاب كما قلنا: إيلام حي أما الرجم فهو إنهاء ~~للحياة، وإنهاء للعذاب لذلك بين الحق سبحانه أن النصف للعذاب، وهنا ~~يخرج الرجم لأن الرجم لا ينصف. إذن: فالنصف ليس على الإطلاق وكونه ~~يخص هنا العذاب، فهذا يعني أن عليهن الرجم أيضا كاملا، لا ينصف. ~~ومن ذلك أيضا قوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام والهدهد: # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأاذبحنه # [النمل: 21] إذن: العذاب غير الذبح وغير القتل. وقولهم: { ~~لنرجمنكم } [يس: 18] الرجم قد يطلق على القول، لنرجمنكم ~~بالقول، وقد يكون الرجم على حقيقته بشدة حتى الموت، أو بهوادة، فيراد ~~منه الإيلام. ### || [36.19] # معنى { طائركم } [يس: 19] يعني: تشاؤمكم { معكم } [يس: 19] أي: ~~ملازم لكم، والمراد هنا الكفر، والهمزة الأولى في { أئن } [يس: 19] ~~للاستفهام و إن أداة شرط وجوابها محذوف تقديره: أئن ذكرتم بالله ~~وبمنهج خالقكم، وبما يسعدكم في دنياكم تكون النتيجة أنمن تهددون ~~المذكر لكم بالرجم وبالعذاب الأليم، بدل أن تتبركوا به وتعينوه ~~وتتبعوا ما جاءكم به. { بل أنتم قوم مسرفون } [يس: 19] ~~يعني: متجاوزون للحد لأن الأمر بيننا وبينكم لم يخرج عن كونه مناظرة ~~كلامية لم نتعد فيها حدود البلاغ بأننا مرسلون إليكم، فكانت النتيجة ~~أن قابلتم المناظرة الكلامية بهذا الفعل القاسي المسرف المتجاوز للحد، ~~حيث جمعتم علينا الرجم والعذاب الأليم. في هذه الأثناء، ماذا حدث؟ { ~~وجآء من أقصا المدينة ms8374 رجل يسعى قال... }. ### || [36.20-22] # قوله سبحانه: { وجآء من أقصا المدينة رجل يسعى ~~قال يقوم اتبعوا المرسلين } [يس: 20] يدل على أن ~~الرسولين الأولين اللذين كذبهما القوم كان لهما أنصار مؤمنون بهما، ~~مصدقون لدعوتهما، فلما جاء الثالث وأيضا كذبه القوم أخذت هؤلاء ~~المؤمنين حمية الحق، وكان منهم هذا الرجل الذي جاء من أقصى المدينة ~~يسعى لنصرة الحق وإعلاء كلمته، وقالوا: اسمه حبيب النجار. ونلحظ في ~~هذه الآية أولا قوله سبحانه: { من أقصا المدينة } [يس: 20] ~~أنه لم يكن قريبا من مكان هذه المناظرة الكلامية، وأنه تحمل المشاق في ~~سبيل نصرته للحق، وهذا دليل على قوة الطاقة الإيمانية عند هذا الرجل، ~~ودليل أيضا على أن الرسولين السابقين قد بلغت دعوتهما أقصى المدينة. ثم ~~وصفه بأنه رجل ولم يقل فلان، فذكر الصفة البارزة في تكوينه أنه ~~رجل. وهمة الرجل هي التي تحدد مقدار رجولته، فرجل يريد الحياة لنفسه ~~فقط والكل يخدمه، يرى كل شيء لنفسه ولا يرى نفسه لأحد، هذا رجل وطنه نفسه ~~وذاته، ورجل وطنه أهله وعياله يعدي إليهم منفعته، ورجل وطنه أمته، ~~ورجل وطنه العالم كله مثل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو فلسفة ~~الرجل. إذن: همم الرجال هي التي تحدد أوطانهم ومنازلهم، وأعلى هذه ~~المنازل رجل وطنه العالم كله لأن الخلق كلهم عيال الله، فمن يحب ~~الخير لهم وينثر عليهم ما ينفعهم فقد استأمنه الله على رزق العباد. ~~ومثلنا لبيان ذلك قلنا: هب أن لك أولادا، واحدا منهم يأخذ مصروفه ~~فينفقه على ملذاته ورغباته وفيما لا يفيد، والآخر يشتري بمصروفه حلوى ~~ويوزعها على إخوته الصغار، فأيهما تؤثره بعد ذلك، وأيهما تزيده؟ ~~كذلك اليد المناولة عن الله لخلق الله، وكأن الله يقول له: أنت مأمون ~~على نعمتي، مأمون على خلقى، ومن ذلك قول الشاعر: # وإني امرؤ لا تستقر دراهمي # على الكف إلا عابرات سبيل # وقوله { يسعى } [يس: 20] يعني: أن مجيئه لم يكن عاديا، إنما ~~مسرعا يجري { قال يقوم اتبعوا المرسلين } [يس: 20] ~~وقوله { يقوم } [يس: 20] نداء لتحنين المنادى، كأنه يقول: يا أهلي، ms8375 ~~يا عشيرتي، يا أبنائي، فذكر ما بينه وبينهم من صلات المودة والرحمة. ~~وقوله { اتبعوا المرسلين } [يس: 20] يدل على تأييده لهم، وهو ~~هنا يذكر الحيثية الأولى لهذا الاتباع هي أنهم مرسلون، ثم يذكر لهم حيثية ~~أخرى فيقول: { اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم ~~مهتدون } [يس: 21] يعني: لم يطلبوا منكم أجرا على دعوتهم. وكلمة { ~~من لا يسألكم أجرا } [يس: 21] لا تقال إلا إذا كان العمل ~~الذي قام به يحتاج إلى أجر، والرسول ما جاء إلا لينفع المرسل إليهم، فهو ~~منطقيا يحتاج إلى أجر، لكن من يستطيع أن يوفيه أجره؟ لا أحد يوفيه ~~أجره إلا الله لأن نفع الرسول يتعدى نفع الدنيا إلى نفع الآخرة، ~~فمن من البشر يعطي الرسول ما يستحقه؟ لذلك رأينا الرسل جميعا يقولون ~~هذه الكلمة # إن أجري إلا على الله # [يونس: 72] يعني: أنتم أيها القوم لا تملكون مقدار أجري، ولا تقدرون على ~~تقييمه، إنما يعطيني أجري الذي أعمل من أجله. كل رسل الله قالوا هذه ~~الكلمة إلا رسولين، هما: سيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى عليهما السلام، ~~لماذا؟ قالوا: لأن إبراهيم كانت أول دعوته لأبيه آزر، ولا يليق أن يطلب ~~منه أجرا على دعوته إياه إلى الحق، كذلك سيدنا موسى أول ما دعا دعا ~~فرعون الذي رباه في بيته، وله فضل عليه، فكيف يطلب منه أجرا؟ وقوله ~~سبحانه: { وهم مهتدون } [يس: 21] حيثية ثالثة لاتباعهم، فهم ~~مرسلون من قبل من أرسله الله، والله لا يرسل إلا من يهدي إلى ~~صراط مستقيم يوصل إليه سبحانه. فهؤلاء المرسلون مهتدون في أنفسهم، ~~وبالتالي هادون لغيرهم، فهو إذن يذكر الأمر وعلته، فهؤلاء الرسل لا ~~يسألون أجرا، ولا يدعون إلى ضلال، بل إلى هدى. ثم يلتفت هذا الرجل إلى ~~نفسه، فيقول للقوم: أنا لا آمركم أمرا أنا عنه بنجوة، ولو كنت ~~سأغشكم فلن أغش نفسي { وما لي لا أعبد الذي فطرني } ~~[يس: 22] أي: خلقني من العدم، فهو أولى بالعبادة، هو الذي صنعني، أوجدني ~~من عدم، وأمدني من عدم، ولا زال يوالي علي نعمه، إذن: ما يمنعني أن ms8376 ~~أعبده وهو أولى بالعبادة، ولو لم تكن عبادتي له إلا لأكافئه على ~~نعمه دون نظر إلى ثواب، لكانت عبادته واجبة. وهذا ليس كلام رسول، إنما ~~كلام رجل مؤمن متطوع باشر الإيمان قلبه، فأراد أن يزكي إيمانه، وأن ~~يعدى هدايته إلى غيره من باب قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". # الحق سبحانه خلق الخلق أولا، ثم أرسل الرسل بالمنهج لهدايتهم، الرسل ~~بدورهم بلغوا الأصحاب، ومن بلغه شيء تحمله كما يتحمله الرسول، لذلك ~~قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها ~~فرب مبلغ أوعى من سامع ". # إذن: مسئولية الدعوة يتحملها أولا الرسل، ثم المؤمنون بهم الذين بلغتهم ~~الدعوة، وهذا التحمل ليس تفضلا، إنما تكليف من الله، لذلك قال ~~سبحانه: # لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا # [البقرة: 143]، فكما شهد الرسول أنه بلغكم، فواجب عليكم أن تشهدوا على ~~الناس أنكم بلغتموهم لأن المؤمنين بالرسالة امتداد للرسول. لذلك، رأينا ~~هذا الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لإعلاء كلمة الحق وتأييد ~~الرسل لم يكن رسولا ولم يكلفه أحد بهذا، إنما تطوع به لأن طاقة ~~الإيمان عنده دفعته إلى هذا الموقف. # ثم نراه يطبق المسألة على نفسه أولا، فيقول: { وما لي لا ~~أعبد الذي فطرني } [يس: 22] وهذا تلطف في عرض الدعوة وأحرى ~~أن تقبل. وقوله: { وما لي } [يس: 22] كأنه يتعجب من أمر نفسه لو ~~أنه لم يؤمن بالذي فطره، والتعجب من النفس أصدق ألوان التعبير، كأنه لا ~~يماري ولا يداهن ويقول ما في نفسه، كما قال سيدنا سليمان - عليه السلام: # مالي لا أرى الهدهد # [النمل: 20]. فالجواب ليس عند الغير، بل عنده هو، كأنه يقول: لا بد ~~أن يكون الهدهد موجوا لكني لا أراه، فالقاعدة أنه يستعمل الكل والكل ~~موجود، فالعجب عندي أنا: ما لي لا أراه، ثم يعيد الأمر # أم كان من الغآئبين # [النمل: 20] يعني: إما أن يكون المانع من عندي أنا، أو ms8377 من عنده، كأنه ~~يشكك في الأول، ثم يدقق فيجده من عنده هو. فقوله: { وما لي لا ~~أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون } [يس: 22] كأن أمر ~~الفطرة والخلق يقتضي أن تعبد الذي فطر، والخروج عن هذا أمر يستدعي ~~العجب. لذلك في سورة البقرة الحق سبحانه يلقننا في مخاطبة الكافرين # كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا فأحيكم # [البقرة: 28] يعني: كيف يكون ذلك منكم، إن كفركم بالله الذي خلقكم ~~ورزقكم أمر لا يجوز بالمنطق العقلي، فأخبرونا إذن الطريقة التي كفرتم ~~بها. والفطر: الخلق العجيب على غير مثال سابق لذلك يقول سبحانه عن ~~نفسه # بديع السموت والأرض # [البقرة: 117] يعني: خلق السماوات والأرض ابتداء على غير مثال سابق ~~احتذاه في الخلق. أو: أن المعنى { الذي فطرني } [يس: 22] أي: ~~على الإيمان به إيمان فطرة، إذن: فإيمانه بالله إما إيمان شكر لمن خلقه ~~وأوجده على غير مثال سابق، أو إيمان الفطرة الأولى التي فطر الله الناس ~~عليها، واستجاب هو لما في ذاته من هذه الفطرة. وحين نتأمل مهمة هذا ~~الرجل نجد أنه أشبه بالقلب بالنسبة لباقي أعضاء الجسم، أي: من حيث تكوين ~~مراحل الإيمان، كيف؟ الجسم عبارة عن جوارح متعددة، لكل جارحة مهمة ~~ووظيفة، وحياة الجسم تتطلب مقومات الحياة من الطعام والشراب والهواء، ~~فيأكل الإنسان من نتاج الأرض، ويشرب من مائها. وبعد عملية التناول وما ~~فيها من نعم لله في أسنان تقطع، وأضراس تطحن، ولعاب يساعد في عملية ~~البلع، وعصارات هاضمة.. الخ يتمثل الغذاء في الجسم إلى دم يستقبله القلب ~~فيأخذ منه حاجته أولا ليقوي نفسه على ضخ الدم إلى باقي الأعضاء ~~ليؤدي كل عضو مهمته. كذلك، كان هذا الرجل من حيث قوة إيمانه، فبعد أن ~~آمن واستقر الإيمان في قلبه أراد أن يعدي إيمانه إلى قومه، وأن ~~يشع عليهم من الهداية التي تشرب بها قلبه، إذن: فهو يمثل قلب ~~الرسالات، لذلك جاء في الحديث الشريف أن # " يس قلب القرآن " # وهذه المسألة لم تأت إلا في يس، لذلك كانت هي قلب القرآن لأنها جاءت ~~بآخر مرحلة من مراحل الرسالات ms8378 التطوعية التي تخدم الرسالة الواجبية. ~~وما دام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن يس قلب القرآن، فعلى ~~المؤمن أن يقبل كل ما جاء في فضلها مما صح عن رسول الله، وليس من ~~الضروري أن نقف على علة كل شيء، لأن الإيمان كما قلنا غيب ومشهد، ~~والمؤمن يأخذ من صدق ما شاهد دليلا على صدق ما غاب عنه. إذن: لنأخذ ~~هذه الأحاديث على العين والرأس، حتى إن قرأت يس، فلم تجد ما أخبرت به ~~الأحاديث، فيكفيك أنك تقرأ كلام الله، ولن تعدم الخير على أي حال لذلك ~~رأينا بعضهم يضع الأحاديث التي تحث على قراءة القرآن. وقد ورد في حديث ~~أبي أن المريض الذي تقرأ عنده يس تأتيه صفوف الملائكة على قدر كل حرف ~~منها عشرة آلاف ملك، لا يفارقونه حتى يموت، ثم يشهدون تغسيله، ويشهدون ~~تشييعه، والصلاة عليه ودفنه. وفي رواية أخرى: من قرئت عنده يس وهو ~~مريض، أو قرأها هو لنفسه يأتيه جبريل عليه السلام بكأس فيه ماء، فيشربه ~~شربة لا يظمأ بعدها، ولا يحتاج إلى أحواض الأنبياء. هذا كله وغيره على ~~العين والرأس، وتحقق معناه عندنا، أو لم يتحقق. وقوله سبحانه { ~~وإليه ترجعون } [يس: 22] يعني: لا تظنوا أنكم تفلتون من الله ~~لأنكم في قبضته، وأنتم في البدء كنتم منه بإقراركم، وكذلك تكون النهاية ~~إليه والمرجع، فإن لم تقدروا نعمة الإيجاد فقدروا مغبة العود. ~~ونلحظ في هذه الآية أن الرجل المؤمن يتكلم عن نفسه بصيغة المفرد { وما ~~لي لا أعبد الذي فطرني } [يس: 22] ثم يعدل عن الإفراد إلى ~~خطاب الجماعة والقوم المكذبين { وإليه ترجعون } [يس: 22] ولم ~~يقل: وإليه أرجع، لماذا؟ قالوا: لأن الطاعة التي هي أصل العبادة إنما ~~تأتي على مراحل ثلاث: الأولى: أن تطيع من تجد فيه نموذجا كماليا ~~يستحق أن يطاع، ويستحق أن يحمد لكماله، وإن لم يعد عليك منه شيء، ~~كما تنظر مثلا إلى قصيدة رائعة معبرة فتعجب بقائلها وتثني عليه، أنت ~~لا يعود عليك شيء منها لكنك تقدر الشاعر لذاته. الثانية: ms8379 أن تطيع ~~إنسانا وتقدره لمنفعة تعود عليك منه، وكثيرا ما نرى الناس يخدمون ~~رجلا جبانا لا يستحق أن يخدم، وما خدمه الناس إلا طمعا فيما عنده. ~~والمرحلة الثالثة: أن تطيع شخصا أو تحترمه لمجرد الخوف منه واتقاء ~~شره. وقد حقق الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى المرحلتين الأولى ~~والثانية في قوله { وما لي لا أعبد الذي فطرني } [يس: ~~22] فأنا أعبده لأنه بكماله يستحق أن يعبد، وأعبده لنعمه المتوالية، أما ~~المرحلة الثالثة فجعلها لهؤلاء المكذبين من قومه، فقال { وإليه ~~ترجعون } [يس: 22]. يعني: تنبهوا يا قوم: إذا لم تقدروا في الله ~~صفات الكمال التي يحب لأجلها، ولم تقدروا في الله نعمه المتوالية ~~عليكم، فاعلموا أن العودة إليه والمرجع والمصير بين يديه، وهو سبحانه قوي ~~عليكم، لا يفلت من قبضته أحد. ثم يؤكد هذا الرجل المؤمن على مسألة عباده ~~الله وحده، فيزيد: { أأتخذ من دونه آلهة إن يردن ~~الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا... }. ### || [36.23-25] # الاستفهام في { أأتخذ } [يس: 23] يحمل معنى التعجب والإنكار، ~~فهو يتعجب وينكر: كيف يتخذ من دون الله آلهة، والله هو الذي خلقه، وحين ~~تتأمل معنى الفعل أتخذ تجد أن الشيء المتخذ ليس أصلا، فمعنى اتخاذ ~~آلهة أنها ليست آلهة في الحقيقة، وأنها لا تستحق أن تكون آلهة، لكن ~~عمدت إليها فجعلتها آلهة، ومثله اتخاذ الولد في قوله تعالى: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق.. # [المؤمنون: 91]. فالمعنى: أن الله تعالى ليس له ولد في حقيقة الأمر، ~~وإن قلتم اتخذ الله ولدا، فهذا يعني أنه أتى سبحانه إلى ولد فتبناه، ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وكما تقول أنت اتخذت ولدا. يعني: أتيت ~~إلى ولد لم تنجبه فتبنيته. إذن: ما دامت هذه آلهة متخذة، فالمعنى أنها ~~ليس لها وجود أصلا، وكأن الرجل يصحح للقوم فكرتهم عن العبادة. وقوله ~~سبحانه: { إن يردن الرحمن بضر } [يس: 23] هذه العبارة ~~فيها لفتة لطيفة ينبغي تأملها لأن صفة الرحمة في الرحمن تتناقض مع الضر، ms8380 ~~فكيف جمع السياق بينهما؟ نقول: إذا فسرت ما يجري عليك به قدر الله على ~~أنه ضر لك فتعقل أنه من رحمن، فلا بد أن يكون لمجريه عليك وهو ~~الرحمن حكمة فيما أجرى، لذلك نقول: أحمدك ربي على كل قضائك وجميع ~~قدرك، حمد الرضا بحكمك، لليقين بحكمتك. فكأن الحق سبحانه يقول لك: ~~تنبه أنه ليس كل ما تراه بقوانينك أنت ضارا لك، هو كذلك لن مجريه عليك ~~رحمن، ففي طيات هذا الضر نفع كثير. كما يقدم الأب الحنون ولده للطبيب ~~فيجري له جراحة مؤلمة، أو يقطع جزءا منه ليصلح باقي الجسم، فهذا ضرر ~~في الظاهر، وفي الحقيقة رحمة به. لذلك سبق أن قلنا: إذا دخل عليك ولدك ~~يسيل دمه، فلا تستقبل هذا إلا بالرضا، ولا بالسخط، إلا بعد أن تسأل عن ~~الفاعل، فإن كان عدوا سخطت عليه، وإن كان محبا تقبلت ما حدث ~~بالرضا، وقلت للولد: لا بد أن عمك مثلا رآك تخطئ فعاقبك. كذلك لا ~~تحكم على أقدار الله التي يجريها عليك إلا من منطلق أنها من رحمن أرحم ~~بك من الوالدة بولدها، وأنت خلقه وصنعته، وما رأينا أحدا من حمقى ~~البشر يعمد إلى صنعته فيحطمها، إنما يعتنى بها، ويعمل فيها يد التجميل ~~والتزيين، كما ترى النجار مثلا يمسك ب الفارة وينحت في الخشب. أتقول: ~~إنه يضر بصنعته؟ لا بل يصلحها ويزينها. لذلك يقول تعالى في الحديث ~~القدسي: # " يا ابن آدم، أنا لك محب، فبحقي عليك كن لي محبا " # أبعد هذا التودد من الخالق للخلق يجري عليهم ما يضرهم؟ وفي حياتنا ~~العملية كثيرا ما نرى شواهد لهذه المسألة، فكثيرا ما يفوتك القطار أو ~~الأتوبيس مثلا، فتأخذ الميعاد التالي، وفي الطريق تجد القطار أو ~~الأتوبيس حدث له حادث فتصحح أنت فكرتك الأولى، وتحول غضبك لفوات ~~القطار إلى شكر لله الذي نجاك، وكنت تظن غير ذلك. # إذن: انظر إلى من أجرى عليك الأقدار، ولا تنظر إلى المنفعة السطحية ~~لأن لله تعالى حكمة فيما يجريه، تعلمها أنت أو لا تعلمها. أيضا كثيرا ~~ما ms8381 يخفق أحد أبنائنا مثلا في الامتحان وقد ذاكر واجتهد وحصل العلوم.. ~~الخ لكن عرض له عارض من مرض أو غيره فلم يوفق. النظرة السطحية ~~للأمور تقول: إنها شر وخسارة تدعو إلى السخط والعياذ بالله، لكن النظرة ~~المتأنية المتأملة ترى لله تعالى حكمة في هذا الإخفاق. فالأب العاقل في ~~مثل هذه المواقف يقول لولده: يا بني، احمد الله فأنت دائم النجاح، ولعلك ~~إن نجحت هذا العام لا تسلم من عيون الحاسدين، وهذه فرصة لك لتزيد من ~~مجموعك لتدخل الكلية التي تريدها.. الخ. وهكذا يوثق الوالد علاقة ولده ~~بالله، ويزيد من إيمانه ورضاه بربه، ويبعده عن السخط وعدم الرضا ~~بالقضاء، وهذه مسألة ينبغي على الآباء الاهتمام بها. إذن: اللمسة التي ~~نريد الوقوف عندها في هذه الآية أن الرحمن إن كانت تنافي عندك فعل ~~الضر، فهذا عندك أنت، إنما عند مجريها لا تنافي، لأنها من الرحمانية. ~~وقوله تعالى: { لا تغن عني شفاعتهم شيئا } [يس: 23] ~~يعني: شفاعة هذه الآلهة - إن كانت لهم شفاعة - لا تجدي، لأنهم شركاء ~~لله وأنداد لله، فكيف تقبل شفاعتهم عنده سبحانه؟ وشرط في الشفاعة أن ~~يكون الشافع محبوبا عند المشفوع عنده، فهذه الآلهة على فرض أنه كان لهم ~~شفاعة، فهي غير مقبولة عند الله تعالى، مع أن هذه الآلهة في ذاتها معذورة ~~حيث لا ذنب لها، فهي ما ادعت أنها آلهة، إنما ادعى البشر ذلك. ~~وسبق أن ذكرنا أن هذه الآلهة قد تبرأت من كونها تعبد من دون الله، وصدق ~~الشاعر الذي صاغ هذا المعنى: فقال على لسان هذه الآلهة: # عبدونا ونحن أعبد لله # من القائمين بالأسحار # قد تجنوا جهلا كما قد # تجنوه على ابن مريم والحواري # تخذوا صمتنا علينا دليلا # فغدونا بهم وقود النار # للمغالي جزاؤه والمغالى فيه # تنجيه رحمة الغفار # وقوله سبحانه: { ولا ينقذون } [يس: 23] لأن الشافع حين ترد ~~شفاعته يمكن أن ينقذ المشفوع فيه من يد المشفوع عنده، أما هؤلاء الآلهة ~~فلا تقبل شفاعتها، ولا تستطيع أن تنقذ من طلب منها أن تشفع له. وقد ~~بينا معنى ms8382 الشفاعة، وأنها من الشفع يعني: إنسان له قضية، ولا يستطيع ~~وحده بأسباب حل هذه القضية فيستعين بآخر ليساعده وينضم إليه ليقويه ~~على حلها، إذن: بعد أن كان مفردا صار بالشافع شفعا. # يعني: اثنين. ولما أراد الحق سبحانه أن يجلى لنا هذه المسألة قال سبحانه ~~في سورة البقرة: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها شفعة ولا يؤخذ منها عدل # [البقرة: 48]. وقال في موضع آخر: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة # [البقرة: 123]. تلحظ أن صدر الآيتين متفق لكن عجزهما مختلف، فلماذا؟ ~~قالوا: لأن مرجع الضمير مختلف لأن عندنا هنا نفسا جازية، ونفسا ~~مجزيا عنها، فإن أعدت الضمير على المجزى عنها، فالمجزى عنه لا يشفع ~~بنفسه، إنما يعرض العدل أولا، ويطلب تقويم الضرر ليدفع فديته، فإن لم ~~يقبل منه العدل بحث عمن يشفع له، إذن: فالمعنى: لا يقبل من ذاتها ~~عدل، ولا تنفعها شفاعة الغير. فإن أعدت الضمير على النفس الجازية - ~~أي: الشافعة - فإن الشافع يتقدم ليشفع أولا، فإن لم تقبل شفاعته فإنه ~~يعرض العدل، ويتحمل الفدية. إذن: هذه الآلهة - على فرض أن لها شفاعة - ~~فهي شفاعة مردودة غير مقبولة، وهم أيضا لا يستطيعون إنقاذ من يلجأ ~~إليهم من قبضة الحق سبحانه، فهم لا يصلحون للشفاعة، ولا للإنقاذ، وهذا ~~المعنى واضح في قوله تعالى: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73]. وقوله: { إني إذا لفي ضلال مبين } [يس: 24] ~~يعني: إن فعلت ذلك، وذهبت إلى عبادة هذه الآلهة أكون في ضلال { ~~مبين } [يس: 24] بين واضح، وقوله: { لفي ضلال مبين } ~~[يس: 24] كأن الضلال يحاصره ويحيط به من كل ناحية، بحيث لا يستطيع أن ~~ينجو منه. ثم يقول هذا الرجل المؤمن: { إني آمنت بربكم ~~فاسمعون } [يس: 25] هذا الخطاب يصح أن يوجه إلى الرسل الذين جاء ~~الرجل ليساندهم في دعوتهم ويناصرهم، فنظر إليهم وقال { إني آمنت ~~بربكم ms8383 } [يس: 25] ومعنى { فاسمعون } [يس: 25] أي: اسمعوا مني ~~ما أناصركم به، واشهدوا لي بأنني متطوع بهذه المساندة الإيمانية، لم ~~يكلفنى أحد بها. ويصح أن يكون هذا الخطاب موجها إلى القوم ~~المكذبين، فهو يقول لهم: { إني آمنت بربكم } [يس: 25] ~~يعني: الله ربكم رغما عنكم، وإن كنتم كافرين به سبحانه فأنا احترمت ~~ربوبيته لكم، وآمنت بها لأدخل في عظمة هذه الربوبية { فاسمعون } ~~[يس: 25] أي: اسمعوا مني هذا البلاغ لأكون قد أديت ما وجب علي ~~نحوكم، وأبلغتكم ولم أخدعكم أو أغشكم. ثم يقول الحق سبحانه: { قيل ~~ادخل الجنة قال يليت... }. ### || [36.26-27] # بناء الفعل قيل للمجهول يفيد التعميم، فمن الذي قال له ادخل الجنة، ~~ومتى قال؟ في القرآن آية نقرؤها تجيب عن ذلك، اقرأ قوله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30]. فالرجل الذي وقف هذا الموقف الإيماني متبرعا، وجاء من ~~أقصى المدينة يسعى ليساند الرسل في أمر لم يكلف به، ويأتي للقوم ~~المكذبين بحجج وبراهين لم يأت بها الرسل أنفسهم جدير بأن تتنزل ~~عليه الملائكة، وبأن تبشره بالجنة. أو: أن الحق سبحانه حكى عنه ما يقوله ~~بعد أن يموت ويدخل الجنة، وهذا إكبار من الله له. ومن مؤهلات هذا الرجل ~~لدخول الجنة أنه لم ينظر إلى حظ نفسه من التدين، إنما نظر أيضا إلى ~~حظ إخوانه، فحتى بعد أن بشر بالجنة، أو بعد أن دخلها لم ينشغل ~~بنعيمها عن قومه، إنما قال { يليت قومي يعلمون } [يس: 26] ~~يعني: ما أنا فيه من النعيم، وما انتهى إليه أمر الإيمان والطاعة، ~~ليعملوا مثلي ولينالوا ما نلت، إنهم لو علموا لتهافتوا على الإيمان، ~~وأقبلوا على الطاعة أكثر من تهافتهم على الكفر والمعصية. وقوله: { بما ~~غفر لي ربي وجعلني من المكرمين } [يس: 27] لاحظ أن ~~المغفرة سبقت المكرمة، وهذه المسألة يسمونها التخلية والتحلية، وسبق أن ~~مثلنا لها بالثوب حين تريد أن تكويه مثلا: أتذهب به إلى المكوجي بما ~~عليه من وسخ؟ لا إنما تنظفه أولا، ثم ms8384 تزينه بالكي. كذلك الحق ~~سبحانه وتعالى - ولله المثل الأعلى - قبل أن يدخل عبده الجنة ~~ينقيه أولا من الذنوب، ويطهره مما علق به، وهذه هي التخلية، ثم ~~يكرمه بالجنة، وهذه هي التحلية، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز # [آل عمران: 185]. فالحق سبحانه يمتن علينا أولا بأن يزحزحنا عن ~~النار بمغفرة الذنوب، ثم يكرمنا بدخول الجنة كرامة منه وفضلا. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { ومآ أنزلنا على قومه من بعده من ~~جند... }. ### || [36.28-29] # نفهم من سياق هاتين الآيتين أن القوم المكذبين قتلوا هذا الرجل ~~المتطوع، أو أنه مات بطبيعة الحال، والمنتظر أن الله تعالى يجازيهم على ~~تكذيبهم للرسل الثلاثة أولا، ثم تكذيبهم للرجل الذي جاء من أقصى المدينة ~~يسعى لنصحهم، فماذا فعل الله بهم؟ يقول سبحانه: إن أمر هؤلاء المكذبين ~~أهون من أن ننزل عليهم جندا من السماء تهلكهم. ومجرد صيحة واحدة ~~كافية لهلاكهم، فالمعنى { ومآ أنزلنا على قومه من بعده ~~} [يس: 28] أي: من بعد النصيحة والعظات والبراهين التي تطوع بها { ~~من جند من السمآء وما كنا منزلين } [يس: 28] يعني: لم ~~ننزل وما كان ينبغي لنا أن ننزل عليهم جندا من السماء لأن الأمر أهون ~~من ذلك. { إن كانت إلا صيحة واحدة } [يس: 29] أي: ما كانت ~~إلا صيحة واحدة { فإذا هم خامدون } [يس: 29] كلمة { خامدون ~~} [يس: 29] تدل على أنهم كانوا متحمسين للكفر بهم في أوار وغضب واشتعال ~~على رسل الله أولا، ثم على الرجل المتطوع ثانيا، فهم في ذلك أشبه ~~بالنار المتأججة، فأخمدها الله. ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك كلمة ~~يصح أن يقولها كل مؤمن يرى مصارع العاصين ونهاية الكافرين الذين أدركهم ~~الموت قبل أن يتداركوا أنفسهم بالإيمان، يقول: { يحسرة على ~~العباد ما يأتيهم من رسول... }. ### || [36.30] # هذه كلمة تحسر كثيرا ما نقولها تحسرا على فوات الخير ممن نحب له ~~الخير، ومعنى { يحسرة } [يس:30] هذا نداء كأنك تناديها تقول: يا ~~حسرة تعالى، فهذا أوانك. والتحسر هنا على العباد الذين كذبوا رسل ~~الله واستهزأوا ms8385 بهم، وهذا أمر يجب أن يتحسر عليه كل مؤمن لأن الله ~~تعالى خلقك وخلق لك قبل أن يستدعيك للوجود. خلق لك مقومات حياتك ~~المادية، وصان مادتك بما قدر لك في الأرض من أقوات ومن ضروريات ~~وكماليات، فهل يعقل أن يعطى كل هذا للبدن ويترك الروح بلا عطاء، وهي ~~أهم من البدن؟ لا بد إذن أن يكون للروح عطاء وغذاء وقيم، بل إن القيم ~~هي مطلوب الله من عبده لأنك ستكون عابدا لله، مطيعا لأوامره، منتهيا ~~عن نواهيه، وهذا هو المنهج الذي كلفك به في افعل كذا، ولا تفعل كذا. ~~لذلك تجد أن عطاء المادة ومقومات حياة البدن مكفولة للجميع: للمؤمن ~~وللكافر، للطائع وللعاصي لأن الله تعالى هو الذي استدعى الكل إلى الوجود ~~لذلك تكفل بأرزاقهم، كما تستدعي أنت مثلا ضيفا إلى بيتك، فتهيىء له ~~مطعمه ومشربه ومقامه عندك، وكل الناس أخذوا هذا العطاء. أما عطاء ~~القيم والروح، فبعضهم أخذه وبعضهم تركه لأن عطاء المادة سمح له بشهوة ~~نفسه، أما القيم فقيدت هذه الشهوة وأمسكتها عن أشياء، نفسه تريدها، ~~فلما صدته القيم عن شهوات النفس تركها وتملص منها. هذا المنهج ~~القيمى جاء من محب لك حريص على مصلحتك، كما ذكرنا فى الحديث القدسي ~~عن رب العزة: # " عبدي، أنا لك محب، فبحقي عليك كن لي محبا " # فأنت المنتفع بهذا المنهج لأن الله تعالى خلقك بكل صفات الكمال فيه ~~سبحانه، فطاعتك لا تزيده كمالا، كما أن معصيتك له لا تنقصه شيئا من ~~صفاته، ولا تضره بشيء. لذلك جعل الله من عباده الغني والفقير، وكان ~~قادرا سبحانه على أن يجعلنا جميعا أغنياء لا يحتاج أحد منا إلى ~~أحد، والفقير لو تأمل الحكمة في فقره لحمد الله ولعلم أنه بفقره شرط في ~~إيمان الغني، وليس الغني شرطا في إيمان الفقير، فالغني يحتاجني قبل أن ~~أحتاجه أنا، الغني يسعى ويتعب ويكابد أسباب الرزق والتجارة والمكسب ~~والخسارة، ثم يأتي إلى بابي ليعطيني حق الله في ماله وأنا مستريح ~~البال. الغني فرض عليه الحج، وإن قصر فيه يعاقب، ms8386 وإن حج فهو بين ~~قبول أو رد، فإن لم يقبل حجه ظلت الفريضة عليه؟ وفرق بين من ~~فرض عليه الركن، وبين من لم يفرض عليه أصلا. إذن: المتأمل يرى أن ~~الفقير أحظ من الغني، وغير المستطيع أحظ من المستطيع. وقد كنا مع بعض ~~الإخوان، فأردنا أن نصلي المغرب في مسجد سيدنا الحسين، فلما قمنا ~~للصلاة، استوقفنا عم الحاج سيد جلال وقال: انتظروا دقيقتين، لأنني أرسلت ~~الولد سليمان يفك لي عشرة جنيهات، فقال احد الحاضرين: معي جنيهات جديدة ~~هات العشرة جنيهات أفكها لك، فقال الحاج سيد: لا، لأن الرجل الذي أنوي ~~أن أعطيه لا يأخذ إلا الجنيه الكبير بتاع زمان، ويرفض هذه العملة ~~الجديدة. # فقلت في نفسى: سبحان الله، هذا الرجل المجذوب الذي يقعد على باب سيدنا ~~الحسين وصفته كذا وكذا يسخر أكبر رجل اقتصادي في مصر عم سيد جلال، ~~ومعه الوزير أحمد طعيمة ليوفروا له النقود التي تعجبه. والعجيب أن من ~~هؤلاء من كان يجلس على باب سيدنا الحسين يضع رجلا على رجل، ويمر ~~عليه موكب الوزير والوزراء فلا ينتبه إليهم، ولا هو يلقى بالا إلى ~~الموكب والحراس والدنيا من حوله، فماذا يعني هذا؟ يعني أنه مشغول بما هو ~~أعظم من هذا كله، وأن الله قد تجلى عليه بما أفقده الوعي بالدنيا وبما ~~حوله. لذلك رأى أحد منهم موكبا لأحد الوزراء فقال للآخر: والله نحن في ~~لذة، لو علم بها هؤلاء لحاربونا عليها بالسيف، أليس هؤلاء سادة؟ أليسوا ~~أعزة؟ إذن: كل مؤمن يرى مصير المكذبين ومصارع الكافرين في هذه ~~القصة وفي أشباهها لا بد أن يقول هذه الكلمة { يحسرة على ~~العباد } [يس: 30] لماذا؟ لأن من تمام الإيمان أن يتحسر المؤمن ~~على من لم يذق طعم الفضيلة ولذة الطاعة، فهو مسكين يستحق من يشفق ~~عليه ويتحسر على حاله، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بل ويحب الخير ~~للإنسانية كلها. ثم يقول الحق سبحانه: { ألم يروا كم ~~أهلكنا قبلهم من القرون... }. ### || [36.31-32] # يعني: كان يكفي هؤلاء المكذبين أن ينظروا مصير من كذب ms8387 قبلهم، وما ~~حاق بهم من العذاب، وأنهم بعد أن أهلكهم الله لم يرجع منهم أحد. وكلمة { ~~يروا } [يس: 31] من الفعل رأى، وهى تأتي: بصرية أو علمية، تقول: رأيت ~~المشهد، فهذه رؤية بصرية، وتقول: رأيت هذا الرأي يعني علمته، والرؤية ~~البصرية تقصر معلوماتك على ما اتصلت به جارحتك، أما العلمية فتعطيك ما ~~اتصلت به جارحتك وجوارح الآخرين، فالرؤية العلمية إذن أوسع من البصرية. ~~لذلك قال تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. ومعلوم أن سيدنا رسول الله ولد في عام الفيل، وربما بعد ~~هذه الحادثة، إذن: لم ير منها شيئا رؤية بصرية، ومع ذلك خاطبه ربه ~~بقوله # ألم تر # [الفيل: 1] يعني: ألم تعلم، سواء أكان قومه قصوا عليه القصة، أو أن ~~الله تعالى أخبره بها. والرؤية البصرية للأحداث أوثق وسائل الإدراك لأنه ~~كما يقولون: ليس مع العين أين، لكن لماذا عدل السياق عن ألم تعلم إلى ألم ~~تر؟ قالوا: في هذا إشارة من الحق سبحانه لنبيه يقول له: إن إخباري لك ~~بقضية علمية أوثق من رؤيتك بعينك. وقوله تعالى: { ألم يروا } [يس: ~~31] تعني أن من هؤلاء القوم من رأى بالفعل مصارع المكذبين، ومر على ~~ديارهم وهي خاوية على عروشها في أسفارهم ورحلات تجارتهم في الشتاء ~~والصيف، ومعنى { كم } [يس: 31] تفيد الكثرة، وأنه أمر فوق الحصر كما ~~تقول لمن ينكر جميلك: كم أحسنت إليك وكأنك تقول له: أنا أرتضى حكمك ~~وأستأمنك أنت على الجواب، وبذلك تحول الإخبار منك إلى أقرار منه هو. ~~ومعنى: { من القرون } [يس: 31] القرون جمع قرن، وهو فترة من الزمن ~~قدروها بمائة عام، والقرن أيضا يعني الجماعة أو القوم يجمعهم الشيء ~~الواحد مهما طالت فترته كالدين الواحد، أو حكم ملك من الملوك.. الخ. ~~فمثلا نقول: قوم نوح وقد أخذوا من الزمن مساحة ألف عام أو يزيد. وقوله: ~~{ أنهم إليهم لا يرجعون } [يس: 31] يحتمل أكثر من معنى ~~حسب عود الضمير في أنهم وفي إليهم فالآية تتحدث عن قرون أهلكت من ~~قبل وتخاطب ms8388 مكذبين معاصرين، فإن عاد ضمير الغائبين في أنهم إلى القرون ~~التى أهلكت. فالمعنى: أنهم لا يرجعون، ولم نر أحدا منهم رجع بعد ~~هلاكه، وإن عاد الضمير على المخاطبين الموجودين. فالمعنى: أنكم أيها ~~المخاطبون، لا ترجعون في نسبكم إلى هؤلاء الذين أهلكهم الله لأن الله ~~تعالى استأصلهم بحيث لم يبق منهم أحدا ولا نسلا. والآية في مجملها ~~تعني أن هلاك الكافرين والمكذبين ليس بدعا: بل هو سنة متبعة على ~~مر الزمان، فالقرآن يقص علينا ما نزل بعاد وثمود وفرعون: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * ~~الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد # [الفجر: 6-12]. والله تعالى أبقى الآثار لتدلنا على صدق ما أخبرنا به ~~سبحانه، وها نحن نرى أمريكا مثلا، وهي سيدة الحضارة الحديثة، وصاحبة ~~الأسبقية في الابتكار والاختراع وغزو الفضاء، ومع ذلك يأتون إلى مصر ~~ليشاهدوا آثار الفراعنة التي بنيت قبل الميلاد بآلاف السنين، ويتعجبون ~~رغم تقدمهم العلمي من كيفية بناء الأهرامات مثلا. هذه السنة - سنة ~~إهلاك الكافرين - نرى لها شواهد في عصرنا الحديث، فروسيا التي انتحرت ~~وقتلت نفسها بنفسها، انظر ماذا فعلت في الشيشان، هذه الدولة الإسلامية ~~الصغيرة، في حين قصرنا نحن عن نصرتهم، أو أن نصرتنا لهم لم تكن ~~على قدر جبروت المعتدين لذلك تدخلت السماء ورد الله على أعداء دينه، ~~وثأر منهم في زلزال سخاليل. وقوله تعالى في الآية بعدها: { وإن كل ~~لما جميع لدينا محضرون } [يس: 32] جاءت هذه الآية بعد ~~قوله سبحانه { أنهم إليهم لا يرجعون } [يس: 31] لتوضح أن ~~عدم الرجعة أي فى الدنيا، وإلا لو لم يكن لهم رجعة لا في الدنيا ولا في ~~الآخرة، فالموت راحة بالنسبة لهؤلاء المكذبين، كما قال الفخر الرازي ~~رحمه الله، إنما المراد: لا يرجعون في الدنيا، أما في الآخرة فلا بد ~~من الرجوع للحساب عن كل كبيرة وصغيرة. قوله سبحانه وإن إن هنا بمعنى ما ~~النافية و لما بمعنى إلا، فالمعنى: وما ms8389 كل إلا جميع لدينا محضرون. ~~وقد عرفنا من دراستنا لقواعد النحو أن كل وجميع من ألفاظ التوكيد المعنوي ~~للجمع، ومثلهما أبصع وأكتع وأبتع، تقول: جاء القوم أجمعون أو أبصعون أو ~~أبتعون، وجاء القوم كلهم. ونلحظ أن الآية جمعت بين لفظي التوكيد كل ~~وجميع، فلماذا؟ قالوا: الجمع بينهما ضروري هنا، لأن لكل منهما مدلولا، ~~لا تؤديه الأخرى، فالكلية تفيد الشمول للأفراد في الرجوع، فكلهم يعني كل ~~فرد منهم، ولا يشترط أن يكونوا مجتمعين سويا، إنما يأتي كل بمفرده ~~لترى الذلة والصغار على المسرفين وعلى الكافرين الذين جعلوا من ~~أنفسهم آلهة مطاعة. أما جميع فيعنى: يأتون مجتمعين. ومعنى { ~~محضرون } [يس: 32] من الفعل حضر، وفرق بين حضر وأحضر، حضر، أي: ~~طواعية بنفسه وبرغبته، أما أحضر أي: أجبر على الحضور، وأكره رغم ~~أنفه. بعد أن ذكر الحق سبحانه مسألة البعث في { وإن كل لما ~~جميع لدينا محضرون } [يس: 32] أراد سبحانه أن يذكر دليلا ~~على صدق هذه القضية لأن البعث من المسائل التي ينكرها كثيرون، وصدق ~~القائل: # زعم المنجم والطبيب كلاهما # لا تحشر الأجساد قلت إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر # أو صح قولي فالخسار عليكما # وكما يقول لك الناصح: إن ذهبت في الطريق الفلاني فاحذر وخذ الاحتياط ~~لأن فيه ذئابا وسباعا وقطاع طرق، فماذا عليك إن أخذت الحيطة، ولم ~~تجد شيئا، مما خوفك منه؟ كذلك اعتقادي في البعث إن لم يفدني لا ~~يضرني، واعتقادكم إن لم يضركم لا يفيدكم. وأقوى شبهة في مسألة بعث ~~الأجساد عند الفلاسفة أنهم قالوا: هب أن إنسانا مات ودفن وتحلل ~~جسده وزرعت على قبره شجرة تغذت من بقاياه، ثم أثمرت وأكل من ثمارها ~~إنسان آخر، فوصلت إليه عناصر من الأول، فحين يكون البعث. كيف تبعث ~~هذه العناصر للأول، أم للآخر؟ وصاحب هذه الشبهة فهم أن العناصر حين ~~تتكون لها ذاتية في التكوين، ولم يفهم أن لها جنسية في التعميم، كيف؟ ~~نقول: هب أن إنسانا أصابه مرض أنقص وزنه عشرين كيلو مثلا، ثم هدى الله ~~الطبيب إلى علته ووصف له ms8390 الدواء شفي من مرضه وتغذى حتى عاد إلى ~~وزنه الأول، أين ذهبت عناصره التي نقصت منه؟ وهل هي كمية نفس العناصر ~~التي عادت إليه بعد أن شفي؟ إذن: المسألة ليست خصوصية عناصر، بل كمية ~~عناصر، والعظمة في أن نحصي كمية عناصر كل إنسان، فلو جمعت كمية العناصر ~~الموجودة عندي أكون محمد الشعراوي لأن عناصر البشر جميعا واحدة هي الستة ~~عشر عنصرا المعروفة، والتي تبدأ كما ذكرنا بالأكسوجين، ثم الكربون، ثم ~~النتروجين، ثم الهيدروجين.. الخ لكن يختلف الأشخاص باختلاف كميات هذه ~~العناصر عند كل منا، فأنت عندك كذا أكسوجين، وكذا كربون، وكذا نتروجين، ~~وأنا أعلى منك في الأكسجين، وأقل منك في الكربون، وهكذا. والحق سبحانه ~~يعلمنا أن المسألة ليست ذاتية عناصر، وخصوصية عناصر، إنما قيمة عناصر، ~~فيقول سبحانه في سورة ق: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4] يعني: يحفظ هذه الكميات ويحصيها بمقاديرها، فإذا أراد سبحانه ~~البعث جمع نسبة كذا ونسبة كذا تعطي فلانا، ونسبة كذا إلى نسبة كذا تعطي ~~فلانا وهكذا، ولم يقف الأمر عند علم هذه النسب، بل حفظها الله ~~وسجلها في كتاب حفيظ. وفي موضع آخر، يرد الحق سبحانه على منكري البعث ~~يقول لهم: لماذا تكابرون في البعث، وهو إعادة لشيء كان موجودا بالفعل ~~وتفرقت عناصره، والأعجب من ذلك أن أنشأته من غير موجود، إذن: فالبعث ~~أهون من الإعادة # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27] هذا إن جاريناكم في فهمكم للأمور، واتبعنا قوانينكم في ~~التفكير. وسبق أن أوضحنا أن العناصر التي خلقها الله في الكون هي هي، لم ~~تزد شيئا، ولم تنقص شيئا، فالماء مثلا هو نفس الماء منذ خلق الله ~~الأرض، لكنه يدور في دورة معروفة، فالإنسان مثلا يشرب طوال حياته كذا طن ~~من الماء، فهل يحتفظ بها؟ لا بل تخرج منه في صورة بول وخلافه، حتى بعد ~~أن يموت يتبخر ما فيه من مائية، وتمتصها الأرض لتبدأ دورة جديدة للماء. ~~وهكذا عناصر الإنسان تدور هذه الدورة. وهنا يسوق ms8391 الحق سبحانه لهؤلاء ~~المنكرين هذا الدليل: { وآية لهم الأرض الميتة ~~أحييناها وأخرجنا منها حبا... }. ### || [36.33-35] # وهذا دليل مشاهد يراه الجميع، ولا يستطيع أحد إنكاره، فنحن نرى الأرض ~~الميتة الجرداء القاحلة، فإذا ما جاء المطر اخضرت ودبت فيها الحياة ~~واهتزت وربت، وعلى الإنسان أن يأخذ مما يشاهد دليلا على صدق ~~ما غاب عن مشاهدته. وقوله تعالى { وآية لهم } [يس: 33] الآية: ~~الشيء العجيب في بابه كما نقول: فلان آية في الكرم أو آية في الحسن، ~~وهذه الآية لهم يعني للكافرين فحسب، لأن المؤمن لا يحتاج إلى هذه الأدلة ~~المؤمن قال: # أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد # [فصلت: 53]. وطلب الدليل على الشيء أول دليل على وجوده، وما أتعبت نفسي ~~في البحث عن الدليل إلا لأنني مقتنع بوجود الشيء، فطلب الدليل هو عين ~~الدليل، والمؤمن لا يطلب الدليل إلا ليجادل به من لا يؤمن ليلفته إلى ~~آيات الله. وهذه الآية إما أن تأخذها على أنها آية كونية تدل على قدرة ~~الإله الموجد سبحانه، وإما أن تأخذها دليلا على أننا إذا أنزلنا ~~المطر على الأرض الميتة تهتز وتنبت من كل زوج بهيج. والمتأمل في الأرض ~~يجد أنها آية في ذاتها، ونعمة من أعظم نعم الله علينا، حتى وإن كانت ~~صخرا لا تنبت، فيكفي أنها مقرنا، فوقها نستقر، وإليها نأوي، فما بالك ~~إن منحها الله لونا من الحياة حين تهتز بالنبات وتتحول إلى اللون ~~الأخضر البديع. وإحياء الأرض على مراتب، فإما أن يكون الإحياء بنباتات ~~لا تغني في القوت مثل العشب والحشائش والنجيل، ويكفي أن هذا النوع يكسو ~~وجه الأرض جمالا ونضرة ويلبد الرمل ويثبته على وجه الأرض فلا تبعثره ~~الرياح في أعيننا، فهي إذن مظهر من مظاهر حياة الأرض، ونعمة من نعم ~~الله، والمرتبة الأخرى أن تنبت الأرض النبات الذي نقتات به، وهو قسمان: ~~الحبوب التي تمثل الضروريات، وهي من مقومات حياتك، وهي أصل القوت وأهمها ~~القمح. وقد أشار الحق سبحانه إلى أهميتها، فقال سبحانه # والحب ذو العصف # [الرحمن: 12] ليلفت أنظارنا إلى أهمية ms8392 القشرة التي كنا إلى وقت قريب لا ~~نهتم بها، ونضعها علفا للمواشي، ونأكل الدقيق الفاخر أو العلامة، وكان ~~هذا طعام الصفوة والأغنياء إلى أن تنبهنا إلى أهمية الردة، فأصبحنا ~~نفضلها على الدقيق الفاخر، بدليل أن الخبز المكون من الردة الآن ~~أغلى من الخبز الأبيض، ثم رأينا الذين أسرفوا على أنفسهم في أكل الخبز ~~الأبيض الفاخر لا يأكلون إلا الردة، وبأمر الطبيب. لذلك روي أن سيدنا ~~سليمان عليه السلام، وقد أعطاه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده كان ~~لا يأكل إلا الخشكار أي: الدقيق الخشن أما الدقيق العلامة فللخدم. ثم ~~الفواكه وتعد من الترفيات التي نتفكه بها. لذلك يقول سبحانه: { ~~وآية لهم الأرض الميتة أحييناها. # . } [يس: 33] هذه هي المرتبة الأولى، ثم { وأخرجنا منها حبا ~~فمنه يأكلون } [يس: 33] وهذه هي الضروريات. ثم { وجعلنا ~~فيها جنات من نخيل وأعناب.. } [يس: 34]. وخص النخيل ~~والأعناب لأن البلح والعنب أهم الفواكه، وأقربها من ضروريات القوت، فهما ~~قوت للبعض، وفاكهة للبعض لذلك قال شوقي رحمه الله عن البلح: # طعام الفقير وحلوى الغني # وزاد المسافر والمغترب # ونقف هنا عند عظمة الأداء القرآني لأن الكلام كلام رب، وعلينا نحن أن ~~نجلي وجوه العظمة فيه، وقد لاحظ العلماء جزاهم الله عنا خيرا أن ~~القرآن لما تكلم عن الفاكهة قال { من نخيل وأعناب } [يس: 34] ~~فذكر الشجرة في النخيل، وذكر الثمرة في الأعناب، ولم يذكر ثمرة النخيل ~~وهي التمر، ولم يذكر شجرة العنب وهي الكرم. ولما بحث العلماء هذه ~~المسألة وجدوا أن القرآن ذكر النخيل لأنها شجرة كثيرة الفوائد، مستمرة ~~العطاء، لا يقتصر نفعها على ثمرها، بل كل ما فيها نافع مفيد، ويكفي أن ~~تعرف أن النخلة لا يرمى منها شيء أبدا، ولكل جزء فيها استعمال ومهمة: ~~الجذع والجريد والخوص، حتى الليف يحشون به أفخم أنواع الصالونات، أما ~~شجرة العنب فبعد أن تأخذ ثمرها لا يبقى فيها إلا مجموعة من العيدان ~~الملتوية التي لا تغني شيئا. ثم يقول سبحانه { وفجرنا فيها من ~~العيون } [يس: 34] لأن الأرض المنزرعة التي تعطينا هذا العطاء ms8393 إما ~~أن تروى بالأنهار أو بالمطر، فإذا لم يتوفر لها هذان المصدران تروى ~~بعيون وهي المياه الجوفية التي تتسرب من ماء المطر في باطن الأرض، كما ~~قاله سبحانه: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ~~ينابيع في الأرض # [الزمر: 21]. وهذه العيون مظهر من مظاهر قدرة الله، فمنها ما نبحث عنه ~~ونحفره، ومنها ما ينساب بنفسه طبيعيا بقدرة الله، وكأن ربك عز وجل ~~يطمئنك إلى عطائه، فإن كنت في أرض غير ممطرة ولست في واد تجري فيه ~~الأنهار فاطمئن، ففي باطن عيون تتفجر بالماء العذب الصالح للشرب ~~ولسقى الأرض. وقد تنبهنا مؤخرا إلى ضرورة زراعة الصحراء واستصلاحها، ~~وأعاننا على ذلك ما فيها من آبار ومياه جوفية، ما علينا إلا أن نبحث ~~عنها. ثم يبين الحق سبحانه العلة في تفجير العيون، فيقول سبحانه: { ~~ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا ~~يشكرون } [يس: 35] قوله تعالى: { من ثمره } [يس: 35] قالوا: من ~~ثمره. أي: الحبوب والبلح والعنب وغيرها، أو من ثمر تفجير العيون، قال ~~البعض: ينبغي أن ننسب الثمرة إلى الأصل، فيكون المعنى: من ثمر القدرة في ~~كن، وليس المراد الثمرة القريبة. فكأن الحق سبحانه يريد أن يخلعك من ~~الفتنة بالأسباب، ويلفتك إلى المسبب الأعلى الأول لذلك أمرنا حين يعز ~~الماء ولا تسعفنا الأسباب أن نلجأ إلى المسبب سبحانه بصلاة الاستسقاء ~~لأن المسبب سبحانه هو المرجع النهائي لهذه المسألة، وأنت حين تستسقي لا ~~تستسقي بنفسك، إنما بأضعف منك، وإن كنت عاصيا كفورا تستسقي بمن لم ~~يرتكب معصية. # لذلك أمرنا أن نأخذ معنا في صلاة الاستسقاء النساء والأطفال والمواشي، ~~وكأننا نتوسل إلى الله بضعفهم وطهارتهم من المعاصي، وكأننا نقول لربنا: ~~يا رب إن كنا قد عصيناك ولا نستحق السقيا فاسقنا لأجل هؤلاء. بل ~~وأمرنا في الاستسقاء أن نخرج إليه ونحن مخالفون للأردية مغيرون ~~لسمتها، إظهارا للذلة والانكسار لله سبحانه وتعالى. والآن، بعد ما حدث ~~من تطور في استخدام الماء حتى صرنا نستقبله في خزانات ومواسير ~~بعدت الصلة بين واهب الماء والمنتفع به، فحين تنقطع ms8394 المياه لا تخطر ~~على بالك صلاة الاستسقاء، ولا تتذكر واهب الماء، إنما تفكر في سبب انقطاع ~~المياه فتسأل عن المواسير وعن الموتور.. الخ. إذن: الأسباب نفسها ~~أبعدتنا عن المسبب سبحانه. وقوله سبحانه { وما عملته ~~أيديهم } [يس: 35] استدراك يراعي دور الإنسان وعمله، فمن الثمار ما ~~يؤكل مباشرة مثل الخوخ والبرتقال والخيار، ومن الثمار ما يحتاج إلى ~~علاج وإعداد ليؤكل، كما نفعل مثلا في الكوسة وغيرها مما يحتاج إلى ~~إعداد، فكأن الحق سبحانه يقدر لك دورك، ويعطيك حقك، ويذكر لك عملك ~~مهما كان يسيرا. وهذه المسألة جاءت بوضوح في قوله سبحانه: # أفرأيتم ما تحرثون * ءأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون # [الواقعة: 63-64] فربك عز وجل يقدر عملك في حرث الأرض وإعدادها ~~للزراعة، وهذا دورك فيها، أما مسألة الإنبات فهي لله وحده، لا دخل لك ~~فيها. كذلك احترم ربك عملك في إيجادك شيئا كان معدوما وسماك ~~خالقا، لأنك أوجدت معدوما، وإن كان هذا الذي أوجدته من موجود معلوم، ~~فقال سبحانه # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14]. فإذا كان ربك قد احترم خلقك لشيء كان معدوما، فينبغي ~~عليك أن تحترم أحسنيته في الخلق، فأنت خالق وربك أحسن الخالقين، أنت ~~تستطيع أن تعالج الرمل مثلا، وتصنع منه كوبا، هذا نوع من الخلق لكن ~~يظل الكوب كما هو، ويثبت على الحالة التي أوجد عليها، فلا تعطي أنت الكوب ~~صفة الحياة، أما خلق الله فيعطيه الله صفة الحياة، فينمو ويكبر ~~ويتناسل. الخ. وقوله سبحانه: { أفلا يشكرون } [يس: 35] جاء بعد ~~ذكر هذه النعم السابقة، والتي تستوجب شكر الله عليها، لكن لم يأت ~~هنا أمر بالشكر ولم يأت بأسلوب خبري، إنما جاء هكذا { أفلا ~~يشكرون } [يس: 35] بصيغة الاستفهام، وكأن الله تعالى يقول لنا: ~~أجيبوا أنتم، فقد استأمنتكم على الجواب، وقد علم سبحانه أن الجواب لا ~~يمكن أن يكون إلا الإقرار بالشكر على النعمة. ثم يقول سبحانه: { ~~سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت ~~الأرض... }. ### || [36.36] # كلمة { سبحان } [يس: 36] تعني: التنزيه المطلق لواجب الوجود الأعلى ~~عن أن تحكمه قوانين الموجود نفسه لذلك ms8395 تقال في كل أمر عجيب كما في قصة ~~الإسراء والمعراج، فقد استهل القرآن سورة الإسراء بقوله تعالى # سبحان الذى أسرى بعبده # [الإسراء: 1] فالإسراء بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى ~~بيت المقدس، ثم الصعود به إلى السماء السابعة في جزء في الليل يعد ~~أمرا عجيبا، وينبغي ألا نقيس هذا الفعل على قوتنا نحن، بل على قوة ~~الفاعل لأن الفعل يجب أن يقارن بقوة فاعله قوة وضعفا. وسبق أن ~~قلنا لتوضيح هذه المسألة: إنني لو قلت: صعدت بابني الصغير قمة افرست ~~مثلا، أتقول لي: كيف صعد ولدك الصغير قمة افرست؟ فالحق سبحانه في قوله # سبحان الذى أسرى بعبده # [الإسراء: 1] يقول لنا: لا تتعجبوا من هذه المسألة لأن محمدا لم يقل ~~سريت، إنما قال: أسري بي، فأنا الذي أسريت به وأنا منزه عن ~~الزمان، ومنزه عن المكان وعن القوة، وإذا كان كل فعل يقاس زمنه بقوة ~~فاعله فقس الزمن على الفاعل الأعلى سبحانه، وعندها ستجد لا زمن. ~~وقلنا: إنك حين تذهب إلى الإسكندرية مثلا ماشيا تستغرق عدة أيام، أما ~~بالسيارة فتستغرق عدة ساعات، وبالطائرة عدة دقائق، وبالصاروخ ثواني، إذن: ~~كلما زادت القوة قل الزمن، وعلى هذا قس الإسراء والمعراج. لذلك تجد ~~أن هذه الكلمة # سبحان # [الإسراء: 1] لا تقال ولم تقل من قبل إلا لله تعالى، مع كثرة ~~الجبابرة في الأرض، ومع وجود من ادعى الألوهية، ومن قال: أنا ربكم ~~الأعلى ومع ذلك لم تقل إلا لله لذلك نقول في ذكر الله: سبحانك ولا ~~تقال إلا لك، لماذا؟ لأنها تعني التنزيه المطلق، وهو لا يكون إلا لله. ~~وكلمة سبحان مصدر يعني: لله سبحان أي تنزيه قبل أن يوجد من ينزهه، فهو ~~منزه في ذاته قبل أن يوجد من يقول سبحان الله، كما أنه تعالى خالق ~~قبل أن يخلق، ورازق قبل أن يرزق أحدا، فالصفة موجودة فيه سبحانه قبل ~~أن يوجد لها متعلق، كما تقول: فلان شاعر، أهو شاعر لأنه قال قصيدة ~~رائعة، أم هو شاعر قبل أن يقولها؟ نعم هو ms8396 شاعر قبل أن يقول القصيدة، ~~ولولا موهبة الشعر عنده ما قالها. إذن: فصفات الكمال كلها موجودة لله ~~تعالى قبل أن يوجد لها متعلق لأن هذه الصفات هي التي أوجدت متعلقها. ~~وكما ذكر القرآن كلمة المصدر سبحان ذكر المشتق منها من الماضي، فقال ~~سبحانه: # سبح لله ما في السموت وما في الأرض # [الحشر: 1]. وذكر المضارع في قوله تعالى: # يسبح لله ما في السموت وما في الأرض # [الجمعة: 1]. إذن: الحق سبحانه مسبح قبل أن يخلق الخلق، ثم لما ~~خلق الخلق سبحت له كل المخلوقات، وما زالت تسبح وستظل تسبح، ~~فما دام الكون كله مسبحا فلا تخرج أنت عن هذه المنظومة، وسبح معها: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1]. والتنزيه المطلق للحق سبحانه له مقامات ثلاثة: الأول: أن ~~تنزه ذاته سبحانه عن كل الذوات. الثاني: أن تنزه صفاته سبحانه عن كل ~~الصفات، فأنت توصف بالغنى، لكن غناك ليس كغنى الحق سبحانه، أنت موجود ~~والله موجود، فهل وجودك كوجوده سبحانه؟.. الخ. ثم الثالث: أن تنزه فعله ~~سبحانه أن يشبه الأفعال، فإذا قيل: الله فعل كذا. إياك أن تقيس فعله ~~تعالى بفعلك لذلك قلنا في # سبحان الذى أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] قسها على قوة الفاعل سبحانه، لا على قوتك أنت. الحق ~~سبحانه حينما يأتي بشيء يعلمه المخاطبون الأولون لا يغلق خزائن فضله، ~~إنما يترك لنا رصيدا احتياطيا لكل ما يجد بعد ذلك نتيجة التطور ~~والتزاوج في قوله سبحانه: { سبحان الذي خلق الأزواج ~~كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا ~~يعلمون } [يس: 36]، فقوله تعالى: { ومما لا يعلمون } [يس: ~~36]. فهو غير معلوم للمخاطبين أولا، لكن سيعلم فيما بعد، وأبرز آيات ~~القرآن التي أشارت إلى هذه المسألة قوله سبحانه: # والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ~~ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8]. فجاء قوله تعالى: # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8] رصيدا احتياطيا لما استجد بعد ذلك من وسائل النقل ~~والمواصلات، كالسيارات والطائرات والصواريخ.. الخ. فإن قلت: فلماذا ~~جاءت هذه الأشياء المتسجدة على سبيل الإجمال؟ نقول: لأن العقل لم يكن ~~مستعدا لأن يقبلها ms8397 ساعة الخطاب، وهو لم ير شيئا من هذا، لكن حين ~~يوجد الشيء يراه صراحة، فقال سبحانه على سبيل الإجمال # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8] لأن كل يوم سيأتي لنا بجديد وبعجائب لم نرها من قبل، وآخر ~~ما شاهدناه من ذلك الصواريخ، ومن يدريك لعلنا نرى عن قريب ما هو أعجب ~~منها، وعندها سندخل كل هذه الأشياء تحت # ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8]. كذلك هنا في قوله تعالى { ومما لا يعلمون } [يس: ~~36] فنحن نعلم الأزواج في { مما تنبت الأرض } [يس: 36] ~~وشاهدناها مثلا في تلقيح النخيل وغيره من المزروعات، ونعرف منها الذكر ~~والأنثى في النخيل وفي الجميز مثلا، لكن هناك مزروعات أخرى لا نعرف فيها ~~الذكر من الأنثى، وهذه الأنواع تلقحها الرياح بقدرة الله كما قال ~~سبحانه: # وأرسلنا الرياح لواقح # [الحجر: 22]. وفي بعض المزروعات جعل الخالق سبحانه الذكورة والأنوثة في ~~العود الواحد، وغالب الظن أنها في المزروعات الضرورية للأقوات كالذرة ~~والقمح، فليس فيهما عود ذكر وأخر أنثى، إنما في العود الواحد كعود الذرة ~~مثلا نجد في أعلى العود سنبلة تحمل حبات لقاح الذكورة وتحتها كوز ~~الذرة الذي تخرج منه شعيرات تمثل الأنوثة وتتلقى حبات اللقاح التي ~~تبعثرها الرياح من أعلى. # لذلك إذا لم تخرج هذه الشعيرات وتبرز من الكوز يدكر كما يقول الفلاحون ~~يعني: لا يخرج كوزا، ولا تتكون بداخله حبات الذرة، لماذا؟ لأنه لم ~~يتلق حبات الذكورة. لذلك من العجائب أنك تجد حبات الذرة في أسفل الكوز ~~أكبر مما يليها إلى أعلى وبالتدريج لأن كل شعيرة من الشعيرات متصلة بحبة ~~من حبات الكوز، وتمثل هذه الشعيرة القناة التي تنقل اللقاح إلى الحبة، ~~لكن الشعيرات التي تنزل إلى أسفل الكوز تخرج منه قصيرة متفرقة، مما يتيح ~~لها أن تتلقى أكبر كمية من اللقاح على خلاف الشعيرات الأعلى، فإنها تكون ~~طويلة متراكمة بعضها على بعض لذلك لا تأخذ كفايتها من اللقاح، فتكون ~~حباتها أقل حجما، إلى أن تضمر في أعلى الكوز وتتلاشى. ونحن جميعا ~~نشاهد صدق قوله تعالى # وأرسلنا الرياح لواقح # [الحجر: 22] حين ms8398 ننظر مثلا إلى الجبال وهي جرداء قاحلة، فإذا نزل عليها ~~المطر اخضرت، فمن بذر فيها هذه البذور؟ والحق سبحانه وتعالى في قوله ~~{ سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون } [يس: 36] إنما يطمئننا ~~على امتداد النعمة وامتداد المنعم عليه، فبالتزاوج يبقى النوع ويتكاثر، ~~والزوجية موجودة في كل شيء، وكلمة زوج لا تعني اثنين كما يظن البعض، إنما ~~الزوج يعني: الشيء الواحد لكن معه مثله، فنحن لا نقول للحذاء مثلا زوج ~~يعني اليمين والشمال، إنما نقول زوجين، ومثلها كلمة توأم، فكل واحد منهما ~~يقال له: توأم وهما توأمان. والزوجية موجودة في كل شيء في الوجود، كما ~~قال سبحانه في آية أخرى: # ومن كل شيء خلقنا زوجين # [الذاريات: 49]. وإذا نظرت إلى هذا الوجود كله بعين العلم الفاحصة ~~المجربة المدققة لوجدت كل شيء في الوجود زوجين لاستدامة الصنف، بعض ~~هذه الأشياء ندري مسألة الزوجية فيها، وبعضها لا ندري به، وما دام ~~الزوجان يجتمعان للتكاثر فلا بد من تلقيح أحدهما بالآخر، فما الذي ~~يدلنا على ميعاد هذا التكاثر؟ قالوا: الشيء الذي لا دخل للإنسان فيه ~~فالله يعلم ميعاده، ويجعلها تتكاثر كل بما يناسبه، لكن المشكلة عندك ~~أنت أيها الإنسان، ولو كانت عندك مقاييس دقيقة في الذات لعلمت أن هناك ~~تغيرات كيماوية في جسمك تحتاج منك إلى دقة ملاحظة، هذه التغيرات هي ~~التي تدلك على ميعاد التكاثر. والآن اخترعوا ساعة تضعها المرأة بعد ~~الحيض، وتلاحظ منها درجة حرارتها، فإذا ارتفعت عن 37 فهذا يعني وجود ~~تغير كيماوي في الجسم، يدل على نزول البويضة لذلك نرى كثيرين من ~~الأزواج تتأخر عندهم عملية الإنجاب، لأن المرأة ليست لديها دقة ~~الملاحظة التي تعرف منها وقت التبويض الذي يؤدي إلى الإنجاب. وذكر الحق ~~سبحانه الزوجية في { مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ~~ومما لا يعلمون } [يس: 36] ولم يذكر الحيوان، لماذا؟ لأنه ~~سبحانه ذكر الأعلى، وهو الإنسان الحيوان الناطق، فالآخر مثله وتابع ~~له. # ومعنى { ومما لا يعلمون } [يس: 36] أن في الكون أشياء كثيرة ~~لا نعلم وجه ms8399 الزوجية فيها، وقد نعلمها مستقبلا مع تقدم العلوم ~~التجريبية، كما حدث مثلا في الكهرباء، وعرفنا أنها سالب وموجب، ولا ~~نستفيد بالكهرباء إلا إذا التقى السالب بالموجب، أما إن التقى سالب ~~بسالب أو موجب بموجب، فالنتيجة تكون عكسية، والسالب والموجب هنا نوع من ~~أنواع الزوجية، كذلك الحال في الذرة وغيرها مما اكتشفه العلم الحديث. ~~إذن: فكلمة { ومما لا يعلمون } [يس: 36] لها مدلولات وقعت، ~~أخبر الله عنها قبل أن نكتشفها لنعلم أن الغيب الذي يخبرنا الله به يأتي ~~كمقدمة لغيب آخر سنعرفه في المستقبل، وكأن الحق سبحانه يلفت أنظارنا: كما ~~صدق الواقع ما أخبرت به من الغيب، فصدقوا ما أخبرتكم به من غيب ~~الآخرة. بعد أن تكلم الحق سبحانه عن المكان وهو الأرض تكلم عن الزمان ~~لأن الإنسان يعيش بالأحداث، والحدث يحتاج إلى زمان وإلى مكان، فبعد أن ~~حدثنا الحق سبحانه عن الأرض وما عليها وهي المكان، يحدثنا عن ~~الزمان، فقال سبحانه: { وآية لهم اليل نسلخ منه ~~النهار... }. ### || [36.37] # قوله تعالى { وآية لهم } [يس: 37] يعني: خاصة بهم، وليست آية ~~للكل لأن النبي صلى الله عليه وسلم آمن بفطرته، ولم يكن بحاجة إلى دليل ~~ليؤمن، كذلك المؤمن لا يبحث عن الدليل ألا ليرد به على من ينكر. و { ~~اليل } [يس: 37] هو قسيم النهار، فاليوم يتكون من ليل ونهار، وليس ~~من الدقة في المقابلات أن نقول اليوم والليل لأن اليوم يشمل الليل ~~والنهار، فكلاهما يوم، لكن البعض نظر إلى قوله تعالى # سبع ليال وثمانية أيام حسوما # [الحاقة: 7] فأطلق اليوم مقابل الليل بدل النهار. والليل ظلمة، وفيها ~~السكون يشبه النوم الذي تنامه بالليل، والنوم يشبه الموت، والليل يقابل ~~النهار لكن لا يعانده ولا يضاده كما يظن البعض، فالليل يقابل النهار، ~~وبينهما تكامل لأن لكل منهما مهمة في الحياة، الليل جعل لنهدأ من حركة ~~النهار ونستريح لنستأنف نهارا جديدا بنشاط، والنهار جعل للعمل وللسعي ~~نستغل فيه راحة الليل. إذن: هما متعاضدان لا متعاندان، وكل شيء له مقابل، ~~إياك أن تأخذه على أنه ضد، بل انظر إلى ms8400 أنه شيء ضروري لا بد أن ~~يكون. لذلك الحق سبحانه يلفتنا في الزمن إلى هذه المسألة، فيقول: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون # [القصص: 71-72]. إذن: لكل منهما مهمة، ولا يغني أحدهما عن الآخر، ومن ~~دقة الأداء القرآني أن يقول سبحانه في الليل # أفلا تسمعون # [القصص: 71] وفي النهار # أفلا تبصرون # [القصص: 72] لأن الليل ظلمة، وأداة الاستدعاء فيه الأذن، أما النهار ~~فضياء نبصر فيه. إذن: لا يصح أن نجعل من كل متقابلين متضادين، فالتكامل ~~غير التضاد، كذلك أراد الله تعالى أن يحل بهذه المسألة مشكلة لا ~~تزال العصور تتصارع فيها إلى الآن، مشكلة التقابل بين الذكورة والأنوثة، ~~أو الرجل والمرأة، والآن نسمع من ينادي بأن المرأة مثل الرجل، كيف ولكل ~~منهما مهمة نوعية، إنهما متكاملان مثل تكامل الليل والنهار. وقد أشار ~~الحق سبحانه إلى هذا التكامل في قوله سبحانه: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما ~~خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى # [الليل: 1-4]. ومعنى # إن سعيكم لشتى # [الليل: 4] يعني: مختلف، ولكل مهمة يؤديها في الحياة، فالذين ينادون ~~الآن بالمساواة بين الرجل والمرأة إنما يظلمون المرأة لأنهم يريدون ~~للمرأة أن تقوم بدور الرجل في حركة الحياة، وبعد ذلك يتركون المرأة تقوم ~~هي بالخصوصية التي لا يؤديها إلا هي، إذن: هي أخذت من مهمة الرجل، ولم ~~يأخذ الرجل من مهمتها. # إذن: الحق سبحانه يخلق المتقابلات لتتكامل لا لتتعارض، وتتساند لا ~~لتتعاند، فهي مسألة موزونة بحساب. وقوله سبحانه: { نسلخ منه ~~النهار } [يس: 37] السلخ كشط الجلد عن الشاة، فما العلاقة بين هذه ~~المسألة وضوء الليل والنهار؟ قالوا: الأصل في الشيء الظلمة، ولا تظهر ~~الظلمة إلا بمنير طارئ فالليل ظلمة، ثم يأتي ضوء النهار فيستر هذه ~~الظلمة، فكأن النهار حينما يأتي يستر الظلمة كما يستر جلد الشاة لحمها، ~~فإذا ما أراد ms8401 الحق سبحانه أن يأتي الظلام يخلع الضوء، كما نسلخ جلد ~~الشاة عن لحمها. إذن: فالليل يأتي على طبيعته لأنه الأصل لذلك قال ~~سبحانه: { وآية لهم اليل نسلخ منه النهار فإذا ~~هم مظلمون } [يس: 37] فالظلام عدم نور، أما النور فإيجاد، ويحتاج ~~إلى آلة جديدة، فلو تركت الليل لحاله لظل مظلما، ولولا آلة الضوء ~~لظل ليلا، إذن: للضوء آلة. أما الظلام فليس له آلة حينما تعمل يأتي ~~الظلام، أو قل الظلام أمره عدمي، أما الضوء فأمره وجودي، فإذا قيل: ~~نسلخ منه النهار فقد شبه الضوء الذي يغطي الظلام بالجلد الذي يغطي لحم ~~الشاة. والمعنى: نذهب بهذا الغلاف الضوئي الذي يستر الليل، فيحل الظلام ~~أي: يظهر على طبيعته ومن تلقاء نفسه لذلك جاء الأداء القرآني بإذا الدالة ~~على المفاجأة { فإذا هم مظلمون } [يس: 37] فكأن المسألة ~~تلقائية لا تحتاج إلى ترتيب. ثم يقول سبحانه: { والشمس تجري ~~لمستقر لها... }. ### || [36.38] # الشمس هي آلة الضوء الذي نسلخه عن الليل، ومعنى { تجري لمستقر ~~لها } [يس: 38] أي: لشيء ولغاية تستقر عندها، والمتتبع لحركة الشمس ~~يجد أن لها مطلعا عاما هو الشرق، وهذا المطلع العام يقسم إلى مطالع ~~بعدد أيام السنة. إذن: فمطالع الشمس مختلفة لذلك رأينا قدماء المصريين في ~~معابدهم يدركون هذه الحقيقة الكونية ويحسبونها بدقة، ويجعلون في المعبد ~~365 طاقة، تشرق الشمس كل يوم من واحدة منها بالترتيب، إلى أن تصل إلى ~~أخرها في آخر السنة. وقد عرف الإنسان أن للشمس مجموعة من الكواكب تدور ~~حولها، وسماها المجموعة الشمسية، وهي تتكون من سبعة كواكب: عطارد ~~والزهرة والأرض والمريخ والمشتري وزحل ويورانوس، وقد أغرت هذه السبعة ~~بعض العلماء مثل الشيخ المراغي والشيخ محمد عبده أن يقولوا إنها السماوات ~~السبع، لكن في سنة 1930 اكتشف العلماء كوكبا آخر هو بلوتو، وبعدها ~~بعشرين سنة اكتشفوا كوكبا آخر هو نبتون، فصاروا تسعة كواكب في المجموعة ~~الشمسية، كلها في السماء الدنيا، ولا صلة بينها وبين السماوات السبع، لكن ~~حاول الشيخان تقريب المسائل الدينية للفهم. هذه الكواكب في المجموعة ~~الشمسية لكل كوكب منها ms8402 دورة حول نفسه، ودورة حول الشمس، من دورته حول ~~نفسه ينشأ اليوم، ومن دورته حول الشمس ينشأ العام، والدورتان تختلفان في ~~السرعة، فإذا كانت دورة الكوكب حول نفسه أسرع من دورته حول الشمس كان ~~يومه أطول من عامه. لذلك من الأشياء الملغزة التي تقال في الجغرافيا: ~~ما يوم أطول من عام؟ يوم الزهرة أطول من عامها، لأنهم لما حسبوا حركة ~~الزهرة بالنسبة ليوم الأرض وجدوا أن عام الزهرة 225 يوما من أيام الأرض، ~~ويومها 244 من أيام الأرض، ذلك لأن سرعتها حول نفسها أكبر من سرعتها في ~~دورتها حول الشمس. فمعنى { والشمس تجري لمستقر لها } ~~[يس: 38] أي: الشمس بمجموعتها، وما يدور حولها من كواكب تجري إلى نجم ~~يسميه علماء الفلك الفيجا والعرب تسميه النسر الواقع، والشمس تجري ~~بمجموعتها بسرعة 12 ميلا في الثانية، الشمس لها حركة والكواكب التي تدور ~~حولها لها حركة، وهذه أشبه ما تكون بإنسان يركب مركبا، فكيف نحسب حركته ~~وسرعته؟ إن كان هو ساكنا فسرعته تساوي سرعة المركب، وإذا كان يسير في ~~نفس اتجاه المركب، فسرعته تساوي سرعته في ذاته زائد سرعة المركب، فإن ~~كان يسير في عكس اتجاه المركب فسرعته تساوي سرعة المركب ناقص سرعته هو. ~~ومعنى { لمستقر لها } [يس: 38] المستقر إما أن يكون نهاية ~~العام، ثم تبدأ عاما جديدا، وتشرق من أول مطلع لها، أو أن المستقر آخر ~~عمرها ونهايتها حيث تنفض وتكور وتنتهي. لكن، ما الذي يحرك هذه ~~المجموعة الشمسية؟ وكيف تجري بهذه السرعة؟ ونحن نعلم أن الحركة تحتاج إلى ~~طاقة تمدها، فما الطاقة التي تحرك هذه المجموعة بهذه الصورة وهذا ~~الاستمرار؟ قالوا: إنها تجري، لأن الله خلقها على هيئة الحركة والجريان، ~~لذلك تجري لا يوقفها شيء، وستظل جارية إلى أن يشاء الله، فلا يلزمها ~~إذن طاقة تحركها، ومثال ذلك قوله تعالى: # إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده # [فاطر: 41]. وفي علم الحركة قانون اسمه قانون العطالة، وهو أن كل متحرك ~~يظل على حركته، إلى أن ms8403 توقفه، وكل ساكن يظل على سكونه إلى أن ~~تحركه، وهذا القانون فسر لنا حركة الأقمار الصناعية ومراكب الفضاء ~~التي تظل متحركة لفترات طويلة. ونتساءل: ما الفترة التي تحركها طوال هذه ~~المدة؟ إنها تتحرك لأنها وضعت في مجالها على هيئة الحركة فتظل متحركة لا ~~يوقفها شيء لأنها فوق مجال الجاذبية. إذن: كل الذي احتاجته هذه الآلات ~~من الطاقة هي طاقة الصاروخ الذي يحملها، إلى أن يعبر بها مجال الجاذبية ~~الأرضية، أما هي فتظل دائرة بلا طاقة وبلا وقود. ثم يذكرنا الحق ~~سبحانه بفضله في هذه الحركة، فيقول { ذلك } [يس: 38] أي: ما سبق من ~~حركة الليل والنهار وجريان الشمس { تقدير العزيز العليم } ~~[يس: 38] يعني: كل هذا الجريان وكل هذه الحركة إنما هما بتقدير الله، ~~وكلمة { العزيز } [يس: 38] هنا مناسبة تماما، فالمعنى أنه تعالى ~~العزيز الذي لا تغلبه القوانين لأنه سبحانه خالق القوانين. ثم يقول ~~سبحانه: { والقمر قدرناه منازل حتى عاد... }. ### || [36.39] # بعد أن تكلم الحق سبحانه عن الشمس وهي آلة الضوء، تكلم عن القمر لأنه ~~له مهمة يؤديها حين تغيب الشمس، وكأن القمر استعار من الشمس بعض ضوئها ~~لينير بالليل للذين لا يعملون إلا ليلا كالعسس والحراس ورجال الأمن ~~وعمال المخابز وغيرهم، فالقمر كما تعلمون لا يضيء بنفسه، إنما يعكس بعض ~~ضوء الشمس، فيأتي ضوؤه هادئا لذلك يسمونه الضوء الحليم، حيث يأتينا لا ~~شعاع له، ولا حرارة فيه. لذلك حين يعدد لنا الحق سبحانه بعض آلائه ~~ونعمه، يقول # ومن آياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم ~~من فضله.. # [الروم: 23]. فإذا كان النوم مقصورا على الليل، فماذا كان يفعل هؤلاء ~~الذين تقتضي طبيعة عملهم أن يعملوا بالليل، ويرتاحون وينامون بالنهار، ~~فهذه الآية مظهر من مظاهر دقة الأداء القرآني، فإن كان الليل هو ~~الأصل في النوم والراحة لجمهرة الناس، فلا مانع من النوم بالنهار ~~للقلة القائمة على أمر النائمين بالليل. ومعنى: { قدرناه ~~منازل } [يس: 39] يعني: قدرنا سيره في منازل ومسافات، هذه ~~المنازل نشاهدها كل شهر في حركة القمر: التربيع الأول، والتربيع الثاني ~~ثم البدر.. والقمر أسرع ms8404 في حركته من الشمس لأنه يقطع فلكه في شهر، ~~بينما تقطع الشمس فلكها في سنة. وتأمل دقة الأداء القرآني المبني ~~على الهندسة العليا في قوله سبحانه: { حتى عاد كالعرجون ~~القديم } [يس: 39] هذه صورة توضيحية لمنازل القمر مأخوذة من البيئة ~~العربية، فالعرجون هو عذق النخلة الذي يحمل الثمار، ونسميه السباطة، ~~وهي مكونة من عدة شماريخ رفيعة، لكن قاعدتها عند اتصالها بجذع النخلة ~~عريضة ومفلطحة، هذا العذق ييبس ويضمر كلما تقادم ويعوج و يتقفع كلما ~~جفت منه المائية، وهذه الصورة توضح تماما حركة القمر حيث يضمر ويتقفع ~~إلى أن يتلاشى آخر الشهر. وإذا كان القرآن قد شبه القمر بالعرجون ~~القديم، فإن العرب تشبهه بقلامة الظفر، كما جاء في قول شاعرهم الذي راح ~~يرقب ضوء القمر حتى يغيب فيتسلل إلى محبوبته: # وغاب ضوء قمير كنت أرقبه # مثل القلامة قد قدت من الظفر # ومن الحكمة أن نشبه القمر العالي الذي لا ندركه بشيء دان ندركه، وأن ~~نقول لك: هذا مثل هذا لتتضح الصورة. ثم يقول سبحانه جامعا بين الشمس ~~والقمر، وبين الليل والنهار: { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك ~~القمر ولا اليل... }. ### || [36.40] # لا يقال: فلان لا يدرك فلانا إلا إذا كان سابقه، كذلك الشمس لا تدرك ~~القمر لأنه كما قلنا سابقها وأسرع منها لأنه يقطع دورته في شهر، وتقطع ~~الشمس دورتها في سنة. كذلك: { ولا اليل سابق النهار } [يس: ~~40] الليل والنهار هما الزمن الناشىء عن حركة الشمس والقمر، فالنهار ابن ~~الشمس، والليل ابن القمر، وفي هذه الآية نفيان، نفي لأن تدرك الشمس ~~القمر فضلا عن أن تسبقه، ونفي لأن يسبق الليل النهار، فإذا كانت ~~الشمس لا تدرك القمر، فليس معنى هذا أن يسبق الليل ابن القمر النهار ~~ابن الشمس. إذن: إياك أن تقول إن الليل يسبق النهار لأن هذه آيات كونية ~~أرادها الخالق سبحانه. والحق سبحانه حينما يتكلم في قضية قد تقف فيها ~~العقول يأتي لها بالرمزية بحيث يستطيع العاقل المفكر الذي يقرأ الأساليب ~~ويدققها أن يصل إلى مطلوب الله فيها، أما من ms8405 حرم هذا الاستعداد ~~فيمر عليها مرورا عابرا لا يصل منه إلى شيء. ونقول في هذه المسألة ~~الكونية: صحيح القمر يسبق الشمس، لكن الليل لا يسبق النهار، وتأمل العلاج ~~بالأساليب. والحق سبحانه إذا قال: { ولا اليل سابق النهار } ~~[يس: 40] فإنه سبحانه لا يقول ذلك إلا إذا كان هناك معتقد بأن الليل ~~يسبق النهار، فأراد سبحانه أن يصحح لهم هذا الاعتقاد، فنفى أن يسبق ~~الليل النهار { ولا اليل سابق النهار } [يس: 40] وهذا يعني ~~أن عندي قضية هي: ولا النهار يسبق الليل. إذن: المحصلة لا الليل يسبق ~~النهار، ولا النهار يسبق الليل، فالقضية التي أثبتوها أراد الله نفيها ~~والقضية التي نفوها تركها على حالها. لكن، كيف يتأتى لهم هذا الفهم؟ ~~قالوا: ظنوا أن الليل يسبق النهار، لأن اليوم يثبت بالليل لا بالنهار، ~~ففي صيام رمضان مثلا يثبت بداية اليوم من الليل، فلما كان ذلك ظنوا أن ~~الليل يسبق النهار، إذن: عندهم قضية مقطوع بها، هي أن النهار لا يسبق ~~الليل، وهذه لم يتعرض لها القرآن وتركها كما هي، أما القضية المخالفة ~~للآية الكونية فصححها لهم { ولا اليل سابق النهار } [يس: ~~40]. إذن: نحن أمام لغز يقول: الليل لا يسبق النهار، والنهار لا يسبق ~~الليل، كيف؟ قالوا: لو أن الله تعالى خلق الأرض مسطوحة مواجهة للشمس لكان ~~النهار أولا، ثم تغيب الشمس فيحل الليل، أما لو كانت الأرض غير مواجهة ~~للشمس لكان الليل أولا يعقبه النهار، لكن الحقيقة أن الله تعالى خلق ~~الأرض على هيئة كروية بحيث لا أسبقية لليل على نهار، ولا لنهار على ليل ~~لأنهما وجدا معا في لحظة واحدة لأن الأرض مكورة، فما واجه منها ~~الشمس كان نهارا، وما غابت عنه الشمس كان ليلا. # لذلك حلت لنا هذه الآية مشكلة طال الجدال حولها هي: كروية الأرض. ~~وقوله سبحانه: { وكل في فلك يسبحون } [يس: 40] يسبحون من ~~السبح، وهو قطع المسافة على ماء لين، فهي حركة فيها انسيابية، ليست على ~~أرض تدب عليها الأقدام، وهذا مثال لحركة الأفلاك، وهذه الحركة السبحية ~~يكون كل جزء ms8406 منها موزعا على جزء من الزمن. وهذه الحركة ليس لدينا ~~المقاييس التي ندركها بها، إنما نعرفها من جملة الزمن مع جملة الحركة، ~~فمثلا لو ولد لك مولود وجلست ترقبه وتلاحظ نموه، فإنك لا تلاحظ هذا ~~النمو، ولا يكبر الولد في عين أبيه أبدا، لماذا؟ لأن نموه لا يأتي قفزة ~~واحدة يمكن ملاحظتها، إنما يوزع النمو على الزمن، لكن إذا غبت عن ~~ولدك عدة شهور أو سنوات فإنك تلاحظ نموه حين تعود وتراه لأنك تلاحظ مجموع ~~النمو طوال فترة غيابك عنه. فمعنى: { وكل في فلك يسبحون } ~~[يس: 40] يعني: يسيرون سيرا انسيابيا متتابعا يوزع على الزمن. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم ~~في الفلك... }. ### || [36.41-44] # قوله تعالى { وآية لهم } [يس: 41] هي آية لنا ولهم، لنا على سبيل ~~الاستدلال نستدل لهم بها لنقنعهم، ولهم هم أي: تدعوهم إلى الإيمان بالله ~~لذلك لما سئل الإمام علي رضي الله عنه: أعرفت ربك بمحمد؟ أم عرفت ~~محمدا بربك؟ فقال: عرفت ربي بربي، وجاء محمد فبلغني مراد ربي مني. ~~ومعنى { الفلك } السفن { المشحون } المملوء. والمراد: سفينة ~~سيدنا نوح - عليه السلام - وقد أوحى الله إليه أن يصنع السفينة، ودله ~~على كيفية صناعتها، كما قال سبحانه: # فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ~~ووحينا.. # [المؤمنون: 27]. فالسفن في حد ذاتها من آيات الله، ولو لم يوح الله ~~إلى نوح أن يصنع السفينة، كيف كنا ننتقل في الماء، وهو ثلاثة أرباع الكرة ~~الأرضية، فهذه آية أجراها الله تعالى على يد سيدنا نوح، ليعلم الناس ~~جميعا صناعة السفن، ثم للعقول بعد ذلك أن تطورها وترقى بصناعتها، ~~كما نرى الآن السفن العملاقة على أحدث ما يكون، حيث استبدل الإنسان ~~قلع المركب بآلات البخار والكهرباء، وحل الحديد والمعادن محل ~~الخشب والمسامير.. الخ. ومع هذا التطور، وبعد الاستغناء عن قوة الريح في ~~تسيير السفن تظل السفن تسير بسم الله وبقدرته حتى إن استخدمت البخار أو ~~الكهرباء لأن الريح لا يعني الهواء الذي يسير السفن فحسب، إنما الريح ~~تعني القوة أيا كانت لذلك يقول ms8407 سبحانه: # ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.. # [الأنفال: 46]. ويقول سبحانه: # إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره.. # [الشورى: 33]. ويستوقفنا في هذه الآية قوله تعالى: { حملنا ~~ذريتهم في الفلك المشحون } [يس: 41] والآية تتحدث عن ~~العرب الذين نزل القرآن مخاطبا لهم، والذين حملوا في السفينة هم ~~آباؤهم لا ذريتهم، فكيف ذلك؟ قال القرآن: { حملنا ذريتهم } ~~[يس: 41] والمراد: آباؤهم لأن الذرية تطلق أيضا على الأب لأن الذراري ~~منه، أو لأن الآباء الذين نجوا في السفينة هم الأصل الأصيل للموجودين ~~الذين يخاطبهم القرآن، وكانوا هم مطمورين في آبائهم. لذلك سبق أن ~~قلنا: إن كل واحد منا إلى أن تقوم الساعة فيه جزىء حي من أبيه آدم ~~لم يطرأ عليه الموت، ولو تتبعت الآباء وسلسلت هذه السلسلة لقلت ~~إنني من ميكروب حي جاء من أبي، وأبي من ميكروب حي جاء من أبيه، ~~وهكذا إلى آدم عليه السلام، ولو كان هذا الميكروب ميتا ما جئت. إذن: ففي ~~كل منا ذرة تكوينية من أبيه آدم لم يطرأ عليها تغيير، وهذه الذرة هي ~~التى تحمل الفطرة الإيمانية في كل إنسان. ووصف الحق سبحانه الفلك بأنه ~~مشحون. يعني: مملوء لأن سيدنا نوحا لم يأخذ فيها المؤمنين لينجيهم من ~~الغرق فحسب، إنما ليوفر لهم سبل العيش بعد النجاة، وإلا فكيف يعيش ~~الناس على أرض لا يوجد فيها غيرهم، لا نبات ولا حيوان ولا طيور؟ لذلك ~~قال سبحانه مخاطبا نبيه نوحا: # قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين.. # [هود: 40]. وقوله سبحانه: { وخلقنا لهم من مثله ما ~~يركبون } [يس: 42] فمن بعد السفينة أخذها الناس نموذجا، وصنعوا ~~مثله، وطوروا في صناعته، فأنشأوا السفن والمراكب والزوارق وغيرها مما ~~يركب في البحر. أو: خلقنا لهم من مثله ما يركب في البراري والصحراء، ~~ومن ذلك يسمون الجمل مثلا سفينة الصحراء. ثم يحذرنا الحق سبحانه أن ~~نغتر بهذه المراكب لأنها وسائل للنجاة، لأنه سبحانه إن أراد الهلاك ~~أهلك، وكم رأينا سفنا عملاقة توفرت لها كل سبل الأمان والسلامة، ومع ~~ذلك ابتلعتها الأمواج بمن فيها. وصدق الله: { وإن ms8408 نشأ ~~نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون } [يس: 43] ~~فإياك حين ترزق بنعمة تخلصك من معطب أن تغرك النعمة فتحسب فيها ~~الأمن والنجاة لأنك لن تفلت من قبضة الله، ولا ينقذك أحد، ولا ينجيك شيء ~~إن أراد بك الهلاك، وهل ترى بيدك شيئا ينجيك حين تهب عاصفة، أو يعلو ~~الموج فوق سفينتك كالجبال؟ إذن: آلاتك ووسائلك لا تنجيك من قدري. ومعنى ~~{ فلا صريخ لهم } [يس: 43] الصريخ هو الذي تستصرخه وتستنجد به ~~لينقذك، ويأخذ بيدك، ويخرجك من المأزق الذي أنت فيه. ومن روائع العقائد ~~التي استشفها أهل الإشراق والتنوير أن قالوا: الإنسان يصرخ ويستنجد ~~بمن هو أقرب منه: كأبيه: أو أمه، أو خادمه، أو جاره.. الخ. فإذا لم ~~يجد؟ يقول: يا الله، لذلك نسمع بعضهم يقول عند المأزق: يا هوه. والمراد ~~يا هو يعني: يا الله لأنه لا يوجد غيره ينقذ ويغيث. ومن المواضع التي ~~وردت فيها مادة صرخ قوله تعالى حكاية عن الشيطان # مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي # [إبراهيم: 22] والمصرخ: هو الذي يزيل الصراخ يعني: يسعفك، ويزيل عنك ~~الشدة. وقوله تعالى: { ولا هم ينقذون } [يس: 43] يعني: امتنع ~~المصرخ، وامتنع عنهم أيضا المنقذ الذي يتطوع فينقذهم، وهذا قطع ~~للأمل في النجاة، فإن أراد الله الإهلاك فلا سبيل للنجاة أبدا، إلا ~~بإذنه تعالى ورحمته. لذلك يقول في الآية بعدها: { إلا رحمة ~~منا } [يس: 44] رحمة تنجي من الغرق، ومعنى { ومتاعا إلى حين ~~} [يس: 44] أن هذه النجاة ليست صكا بالسلامة الدائمة والبقاء المستمر، ~~إنما هذه النجاة متاع إلى حين، إلى أن يحل الأجل ويدركك الموت، ~~فأنت إذن سلمت من الحمام إلى الحمام الذي لا بد منه. وأشبه بذلك ~~قول الفخر الرازي: # ولو أنا إذا متنا استرحنا # لكان الموت راحة كل حي # ولكنا إذا متنا بعثنا # ونسأل بعدها عن كل شي # وكلمة الحين تعني الفترة من الزمن بحسب ما تقاس به، فمثلا في: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم: 17] الحين يعني: يوم وليلة، وفي قوله تعالى: # تؤتي أكلها كل حين.. # [إبراهيم: 25] الحين هنا ms8409 يعني: سنة، وفي: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا # [الإنسان: 1] يعني: مقدار محدد من الزمن. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم... }. ### || [36.45] # تعلمون أن إذا أداة الشرط التي تفيد التحقيق. أما إن فتفيد الشك، ~~ومعنى { لهم } أي: للكافرين، وجاء الفعل { قيل } هكذا مبنيا ~~للمجهول ليفيد العموم، فكأن كل مؤمن عليه أن يقول، وأن ينصح، وأن يأخذ ~~بيد غيره إلى طريق الله. والحق سبحانه في هذه الآية يقول لعباده ~~المؤمنين: يا عبادي، يا من آمنتم بي، وصدقتم رسلي، لكني أحب ألا ~~تدخروا وسعا لتنقذوا خلقي من غضبي عليهم، حين يصرون على الكفر ~~ويقيمون عليه. وهذا نوع من الرجاء في المؤمنين أن يأخذوا بيد الكفار، ~~وأن ينقذوهم من دواعي غضب الله عليهم، وهذا المعنى داخل تحت قول سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". # ومعنى { ما بين أيديكم } [يس: 45] أي: ما هو أمامكم، وما ~~ينتظركم من البعث والحشر والسؤال والحساب، ثم النار { وما خلفكم } ~~[يس: 45] يعني: ما سبقكم من العبر بالمكذبين قبلكم، وكيف كانت عاقبتهم ~~ونهاية كفرهم { لعلكم ترحمون } [يس: 45] رجاء أن يرحمكم ~~الله. إذن: فينبغي أن يكون في بال المؤمن أن يمهد السبيل لرحمة الكافر، ~~وأن يحاول وسعه أن ينقذه، وأن يعطف عليه، لا أن يسلك معه مسلك ~~اللدد والخصومة التي لا تجدي. ### || [36.46] # هذا هو اللدد والعناد بعينه، فالآيات أمامهم واضحة، وهم يعرضون عنها ~~وينصرفون عن تدبرها ذلك لأن الذين يكفرون بالله ويكذبون رسله، ~~ويتأبون على منهج الله الذي جاء لصيانة خليفته في الأرض، هؤلاء ~~مستفيدون من الفساد، ومستفيدون من الإعراض عن منهج الله، فطبيعي أن ~~يروا في كل رسول وفي كل مصلح أنه جاء ليقطع أرزاقهم، ويفسد عليهم ~~حياتهم، فيصادمونه ويقفون في وجهه. وهذه الآية يفسرها قول الله في موضع ~~آخر: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14]. فإن قلت: ما دمتم حريصين على أن يرحم الله هؤلاء ~~الكافرين، فلماذا ms8410 لا تلحون عليهم بالآيات الجديدة إلى أن يؤمنوا ~~فيرحمهم الله؟ نقول: مهما جئناهم بالآيات فسوف ننتهي إلى هذه النتيجة ~~التي قررها القرآن: { وما تأتيهم من آية من آيات ~~ربهم إلا كانوا عنها معرضين } [يس: 46]. ### || [36.47] # هذا لون آخر من عنادهم وقلبهم للحقائق، فإذا قال لهم الناصح { ~~أنفقوا مما رزقكم الله } [يس: 47] يعني: مما استخلفكم فيه لا ~~مما عندكم، وملكه لكم يكون الرد { أنطعم من لو يشآء الله ~~أطعمه } [يس: 47] هكذا يقلب الكافر حقائق الأمور ويتبجحون بالباطل. ~~{ أنطعم من لو يشآء الله أطعمه } [يس: 47] يعني: ~~لسنا بخلاء بل نحب أن ننفق، وأن ننفذ مرادات الله في خلقه، والله يريد ~~أن يمنع الرزق عن هؤلاء، فكيف نرزقهم نحن، إننا لو أنفقنا عليهم لكنا ~~معاندين مخالفين لمراد الله، ولو شاء الله لأطعمهم. ولم يقفوا بعنادهم ~~عند هذا الحد، إنما يتمادون فيتهمون المؤمنين بالضلال المبين { إن ~~أنتم } [يس: 47] يعني: ما أنتم { إلا في ضلال مبين } [يس: ~~47] سبحان الله، لماذا؟ لأنكم تعارضون مراد الله، وتطعمون من حرمه ~~الله وتجيرون عليه. نعم، الحق سبحانه رب الجميع، ويرزق الجميع، ويطعمنا ~~ويسقينا، لكنه سبحانه يريد أن يشهد عطف عباده على عباده لتسير حركتهم في ~~الحياة بلا غل، وبلا حقد، فالفقير حين ينال من خير الغني لا يحقد ~~عليه ولا يحسده، بل يتمنى دوام النعمة عنده، ثم إن الغنى والفقر عرض ~~ينتقل ويزول، والواقع يشهد بذلك. ### || [36.48-50] # قولهم { متى هذا الوعد } [يس: 48] أي: الوعد بالآخرة وكلمة ~~الوعد تدل على البشارة بالخير، على خلاف الوعيد وهو إنذار بالشر، فعجيب ~~منهم أن ينكروا الوعد وهو في صالحهم، وحظهم في الوعد لا في الوعيد. وهذا ~~الاستفهام منهم على سبيل الإنكار، فليس هناك آخرة ولا حساب ولا جزاء، ~~والعاقل منهم الذي يعترف بالآخرة يقول كما قال صاحب الجنة # ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي ~~لأجدن خيرا منها منقلبا # [الكهف: 36]. ومعنى { إن كنتم صادقين } [يس: 48] في قولكم بأن ~~هناك بعثا وحسابا، وواضح ما في إنكارهم للقيامة من تحد وعناد ~~واستعجال لها. يقولون: ms8411 أين هي القيامة التي تتكلم عنها، ائت بها الآن إن ~~كنت صادقا، ويظل الواحد منهم في هذا الجدل إلى أن تفاجئه القيامة. { ~~ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم ~~يخصمون } [يس: 49] يعني: ربما تفاجئه القيامة وهو في جداله هذا، ~~وما المانع فالأمر لا يكلفنا إلا مجرد صيحة واحدة تأخذهم وتقضي عليهم ~~جميعا. وهذا إنذار لأهل الغفلة الذين غفلوا عن البعث والحشر والحساب، ~~وشغلتهم الدنيا في تجارتهم وفي زراعتهم ومشاكل حياتهم، حتى أضاعوا الحياة ~~في أخذ ورد وجدال وخصام إلى أن فاجأتهم القيامة لذلك يقول الشاعر: ~~إياك أن تجادل في شيء كان في يدك فأخذه منك غيرك. # نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة # فكيف آسى على شيء لها ذهبا # ومعنى { تأخذهم وهم يخصمون } [يس: 49] يعني: تفاجئهم وهم ~~في جدالهم وخصامهم، ومعنى { يخصمون } [يس: 49] أي: يختصمون، ~~فقلبت التاء صادا، وأدغمت في الصاد للدلالة على المبالغة. والأخذ ~~يدل على الشدة # أخذ عزيز مقتدر # [القمر: 42]. وقوله: { فلا يستطيعون توصية } [يس: 50] ~~يعني: تفاجئهم الصيحة والقيامة، بحيث لا يتمكن أحد أن يوصي أحدا، ~~والوصية معروفة وهي أن يوصي الإنسان أهله وأولاده بما هو مهم في ~~حياتهم لذلك رأينا سيدنا رسول الله في حجة الوداع لما أحس بدنو الأجل ~~أوصى المسلمين في خطبته الجامعة للب الدين وأسسه، كذلك من أقبل على ~~أجله واستشعر نهايته عليه أن يوصي من يحرص عليه بالأشياء المهمة. إذن: ~~فهم في هذا الموقف لا يسعفهم الوقت لكي يوصى بعضهم بعضا { ولا ~~إلى أهلهم يرجعون } [يس: 50] حتى ولا هذه يستطيعونها. ~~فالقيامة إذن لا ينبغي أن يستبطئها أحد لأنها تأتي بغتة لذلك أخفاها ~~الله، واستأثر سبحانه وحده بعلمها ليظل الإنسان على ذكر لها، ينتظرها ~~في كل وقت، والقيامة بالنسبة للإنسان لا تعني بالضرورة الآخرة، إنما مجرد ~~أن يموت فقد قامت القيامة في حقه، فبالموت لم يعد له عمل، ولا توبة، ~~ولا استدراك لشيء. ثم يقول الحق سبحانه: { ونفخ في الصور فإذا ~~هم من الأجداث... }. ### || [36.51-53] # قوله سبحانه: { ونفخ في الصور } [يس: 51] أي: البوق الذي ينفخ ~~فيه ms8412 إسرافيل، وهذه هي نفخة البعث، وتسبقها نفخة الصعق التي تميتهم ~~وتخمدهم، لذلك يقول سبحانه: # ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون # [الزمر: 68]. فإن قلت: النفخة واحدة، فكيف تميت الأولى وتحيي ~~الثانية؟ نقول: النفخة في الصور ما هي إلا علامة فقط للحدث أما الفاعل ~~على الحقيقة فهو الله سبحانه وتعالى، فهو الذي يميت في الأولى، ويحيي في ~~الثانية. ومعنى { الأجداث } [يس: 51] القبور { إلى ربهم ~~ينسلون } [يس: 51] يعني: يسرعون وأصل كلمة { ينسلون } [يس: 51] ~~من نسل الخيوط بعضها عن بعض، نقول: الثوب ينسل يعني: تخرج بعض الخيوط من ~~أماكنها من اللحمة أو السدة، لذلك نقول: كفف الخياطة يعني: امنع ~~هذا التنسيل بأن تمسك الخيوط بعضها إلى بعض، فلا تنفلت. فإذا ما خرجوا ~~من الأجداث ورأوا الحقيقة التي طالما كذبوها قالوا: { يويلنا من ~~بعثنا من مرقدنا } [يس: 52] هم الذين يقولون ويدعون على ~~أنفسهم بالويل والثبور لا أحد يقول لهم: ويلكم إنما يقولونها هم لأنفسهم، ~~وهذا بيان للحسرة على ما فاتهم. والمعنى: يا ويلنا احضر، فهذا أوانك، لأن ~~الأمر فوق ما نحتمل، ولا نستطيع دفعه، والإنسان حين يفاجأ بفساد رأيه ~~يعود على نفسه باللوم، بل قد يضربها ويعذبها. وعجيب منهم أن يقولوا الآن ~~{ من بعثنا من مرقدنا } [يس: 52] فيعترفون بأن الموت كان ~~مجرد مرقد، والمرقد لا بد بعده من يقظة. عندها يرد عليهم: { ~~هذا } أي: ما ترونه من أمور القيامة { ما وعد الرحمن ~~وصدق المرسلون } [يس: 52] ويجوز أن يكون اسم الإشارة { هذا ~~} إشارة إلى { مرقدنا } في { من بعثنا من مرقدنا هذا ~~} [يس: 52]. الحق - سبحانه وتعالى - أخبر أنه جامع الناس ليوم لا ريب ~~فيه، وأن من أفلت من عقوبات الدنيا وعذاب الحياة التي يعيشون فيها، فإن ~~الله مدخر له عذابا من نوع أشد لأن الذين قاموا بالدعوة إلى الله ~~أول الأمر واضطهدوا وأوذوا، منهم من مات في الاضطهاد قبل أن يرى ~~انتصار الإسلام وغلبة المسلمين، وقبل أن يرى انتقام الله من أعدائه، ~~فإذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يري الله هؤلاء المؤمنين عاقبة ~~الكافرين ms8413 وما نزل بهم من العذاب. والوعد هنا رغم أنه إنذار بالشر الذي ~~ينتظرهم، إلا أنه في حقهم يسمى وعدا لا وعيدا، لماذا؟ لأن التحذير ~~من الشر قبل الوقوع فيه نعمة كبرى، كما في قوله تعالى في سورة الرحمن: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36]. فجعل النار والشواظ من آلاء الله لأنه يخوفهم ~~بها، ويحذرهم منها، ولم يفاجئهم بها وهم أصحاء، ويسمعون ويبصرون، ويقدرون ~~على الرجوع إلى الله والتوبة إليه، فهم في وقت المهلة والتدارك. # وكما تحذر ولدك من الرسوب إن هو أهمل دروسه وتتوعده، إذن: فالوعيد ~~هنا عين النعمة لذلك سمي وعدا لا وعيدا. ومعنى: { وصدق ~~المرسلون } [يس: 52] أى: في البلاغ عن الله { إن كانت } [يس: ~~53] أي: ما كانت النفخة { إلا صيحة واحدة } [يس: 53] لا تتكرر ~~لأن الذي يكرر الفعل البشر، ومعنى تكراره أن الفعل الأول لم يكن ~~كافيا ولم يف بالغرض منه، أما هنا فالفاعل الله عز جل. { إن ~~كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا ~~محضرون } [يس: 53] إذا هنا فجائية، فبمجرد الصيحة أحضروا جميعا ~~رغما عنهم، وبدون اختيارهم، ومحضر اسم مفعول من أحضر. يعني: أجبر على ~~الحضور والمثول بين يدي الله للحساب. وفي الآية السابقة # وإن كل لما جميع لدينا محضرون # [يس: 32] فزادت كل الدالة على شمول الأفراد، إنما قد يكون شمول الأفراد ~~تتابعا مجموعة تلو الأخرى، لكن هنا يأتون مجموعين ليرى التابع متبوعه، ~~والضال من أضله.. الخ لذلك يسمونها الفاضحة. ### || [36.54] # كأن الحق سبحانه يطمئن أهل الإيمان والعمل الصالح، يعني: لا تخافوا من ~~هول القيامة لأننا لا نظلم أحدا، والجزاء عندنا من جنس العمل { ولا ~~تجزون إلا ما كنتم تعملون } [يس: 54] فهذه الآية ~~طمأنينة لمن عمل صالحا، وتخويف لمن عمل سيئا. واليوم هنا أي: يوم ~~القيامة، والموازين فيه بيد الحق سبحانه، يعني: إن كنتم في الدنيا يظلم ~~القوي الضعيف، ولا تقيمون الموازين بالقسط، فالميزان يوم القيامة ~~ميزان عادل، لا يظلم لأن الذي سيقيم هذا الميزان هو الحق سبحانه: ms8414 # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. ثم يحدثنا الحق سبحانه عن جزاء أصحاب الجنة، فيقول: { إن ~~أصحاب الجنة اليوم في... }. ### || [36.55-58] # قوله تعالى: { إن أصحاب الجنة } [يس: 55] الصاحب هو ~~المنتقى والمختار من جنسك لتصاحبه ولا تفارقه، فكأن الجنة أخرجت مخرج ~~العقلاء الذين يصاحبون ويصاحبون، ذلك لأن الجنة كانت في بالهم وفي ~~أذهانهم، فهم متعلقون بها وهي شغلهم الشاغل، فلهم صحبة بالجنة، ~~وللجنة صحبة بهم، فكلما أقدموا على خير تذكروا الجنة فرغبوا فيه، وكلما ~~أقدموا على شر تذكروا النار فانصرفوا عنه. أو: أن الصاحب هو المالك ~~للشيء، فكأن الجنة ملك لهم، ملكوها وحازوا مفاتيحها بما قدموا من ~~العمل الصالح. ومعنى { اليوم } أي: يوم القيامة { في شغل } [يس: ~~55] أي: نعيم يشغلهم عن أي شيء آخر أو: في شغل عن معارفهم وأقاربهم ~~الذين دخلوا النار والعياذ بالله، كما قال سبحانه: # واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود ~~هو جاز عن والده شيئا # [لقمان: 33] فهم في نعيم يشغلهم عن كل هؤلاء، فكأنهم لا يعرفونهم. { ~~فاكهون } يقال: فاكه وفكه يعني: متلذذ ومتنعم. ومنها: ~~الفاكهة، فهي ليست من الضروريات إنما من التفكه والتلذذ. وقوله سبحانه: ~~{ هم وأزواجهم في ظلال على الأرآئك متكئون } ~~[يس: 56] أذكر أنني لما قرأت هذه الآية على الإخوان ضرب واحد منهم على ~~صدره - وكان شيخا وقورا - ضرب على صدره بعنف وانفعال، وقال: يا خرابي، ~~يعني فلانة هتجيلي تاني لأنه رأى في زوجته ما ينفره منها، فتعجب أنها ~~ستصاحبه حتى في الآخرة وفي الجنة، فقلنا له: يا شيخ أنت تكره في زوجتك ~~أشياء لكن لها مع الله أعمال طيبة، تجعلها أهلا للجنة، فعملها الطيب مع ~~الله يلغي عملها السيىء معك. وربما كنت أنت حاد المزاج، أو طماعا ~~وعينك زائغة لأن الله تعالى قال في الحياة الزوجية: # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة # [الروم: 21]. فالحياة الزوجية في بدايتها سكن، حيث يسكن كل منهما ~~إلى الآخر ويرتاح في حضنه، ثم إذا تغيرت الأوضاع وزهد أحدهما ms8415 في ~~الآخر أو ظهر منه ما ينفر كانت المودة، فإذا ما أصابهما الكبر ~~والعجز فليرحم كل منهما عجز الآخر، بما جعله الله بينهما من صفة ~~الرحمة، فالحياة الزوجية في هذه الحالة معيشة تراحم قبل كل شيء. ثم إن ~~هذه الزوجة التي تنقم منها بعض الصفات، وتنفر من تصرفاتها لن تأتي في ~~الآخرة على هذه الصورة التي تكرهها، إنما ستأتي على صورة جديدة كما قال ~~سبحانه: # وأزواج مطهرة # [آل عمران: 15] فالله سيطهرها مما كنت تأخذه عليها. ومعنى: { في ~~ظلال } [يس: 56] أي: لا شمس هناك، ولا حر يؤذيهم، والظل معروف ~~ألفه المكلفون في الدنيا، وإليه يفيئون في حر الشمس، فهو أمر مألوف ~~لهم، أما في الآخرة فهي ظلال يمتعون فيها، أو في ظل الله كما ورد في ~~الحديث الشريف: # " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. ". # والأرائك: جمع أريكة، وهي السرير الذي له حجلة النموسية أو: هي ~~الوسادة التي يتكأ عليها. ومعنى { متكئون } [يس: 56] الاتكاء حالة ~~وهيئة للإنسان، فهو: إما قائم، أو قاعد، أو متكئ، والاتكاء أمتع هذه ~~الحالات لأن القائم قائم لعمل، والقاعد يقعد لهم يفكر فيه، فلا هو ~~قادر على القيام للعمل، ولا هو قادر على الاتكاء للراحة، فقوله سبحانه { ~~متكئون } [يس: 56] يعني: تمام الراحة لهم. ثم يقول سبحانه: { ~~لهم فيها } [يس: 57] أي: في الجنة { فاكهة } [يس: 57] الفاكهة ~~من التفكه والتلذذ، وعرفنا أن الطعام يأكله الإنسان إما للاقتيات وهو ~~الضروريات، وإما فاكهة للتلذذ والتنعم، وهنا يذكر الحق سبحانه ~~الفاكهة فحسب لأننا لا نأكل في الجنة إلا تفكها وتنعما، لا عن حاجة ~~أو جوع. { ولهم ما يدعون } [يس: 57] أي: ما يدعون به وما يخطر ~~ببالهم، فيجدوه بين أيديهم، وقال بعضهم ما يدعون يعني: لا يدخر الله ~~لهم دعوة لأنه سبحانه يعطيهم قبل أن يدعوا. وبعد ذلك يتكلم الحق - سبحانه ~~وتعالى - عن معنى كان يريده لخلقه في الدنيا نتيجة للسير على منهجه ~~وصراطه المستقيم، فيقول سبحانه: { سلام قولا من رب رحيم ~~} [يس: 58] فثمرة الإسلام أن يسلموا زمامهم جميعا إلى ms8416 يد خالقهم، ~~وأن يكونوا إخوة عابدين لمعبود واحد، وأن يعيشوا معا في أمن واطمئنان ~~وسلام. إذن: فالأمن والسلام هما الغاية من منهج الله، وهما تمام النعمة، ~~وإلا فلو نعم الإنسان بكل ألوان النعيم وفقد نعمة الأمن والسلام ~~لنغصت عليه كل النعم، وما هنئ بعيش ولا تمتع بلذة لذلك امتن الله ~~تعالى على قريش فقال: # الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 4]. السلام يكون منك حين تقبل على آخر فتقول: السلام عليكم ~~يعني: أنا مقبل عليك بسلام، فيرد عليك: وعليكم السلام، والمعنى: لا أنت ~~تؤذينا، ولا نحن نؤذيك، وكل يعطى من السلام على قدر إمكاناته، فإذا ~~كان السلام من الله، فهو السلام المطلق، السلام الذي يحميك من كل جوانبك، ~~فلا ينفذ إليك شيء يضرك. ومعنى: { سلام قولا } [يس: 58] يعني: ~~الله تعالى هو قائله ليس مناولة عن طريق الملائكة مثلا، فيقول لهم: ~~سلموا على فلان، فالمعنى: سلام حالة كونه قولا من رب رحيم، وليس ~~بلاغا عن الله من أحد، واختار هنا لفظ الربوبية التي تقتضي أن المربي ~~يحب المربى، فما بالك إذا وصفت الربوبية بالرحمة { من رب ~~رحيم } [يس: 58] وبعد أن حدثنا الحق سبحانه عن المؤمنين، وما ~~ينتظرهم من النعيم يحدثنا عن المجرمين: { وامتازوا اليوم ~~أيها... }. ### || [36.59] # معنى: { وامتازوا } [يس: 59] أي: تميزوا أيها المجرمون عن ~~المؤمنين، وانحازوا بعيدا عنهم، تجمعوا في جانب واحد لتروا دخول ~~المؤمنين الجنة، وتظلوا أنتم في الموقف لتزداد حسرتكم. وقد اقتضت حكمة ~~الله تعالى أن يميز المؤمنين والكافرين بمعنى: أن يعرف كل منهم، ~~وذلك في غزوة الحديبية، # " فلما منع المسلمون من دخول مكة وهم على مشارفها حزن المسلمون ~~حزنا شديدا، حتى كبار الصحابة مثل عمر بن الخطاب الذي قال لرسول ~~الله: لم نقبل الدنية في ديننا؟ وكاد المسلمون يخالفون أمر رسول ~~الله حتى قال لزوجته السيدة أم سلمة: " هلك الناس يا أم سلمة، أمرتهم ~~فلم يطيعوا " فقالت: يا رسول الله، إنهم مكروبون. ذلك لأنهم منعوا من ~~دخول الحرم وهم على مقربة منه، وهذا أمر صعب على نفوسهم، ms8417 ثم أشارت على ~~رسول الله وقالت: يا رسول الله امض إلى ما أمرك الله به فافعل، ولا تكلم ~~أحدا، فإنهم لو رأوك عزمت انصاعوا، وفعلا أخذ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بمشورة السيدة أم سلمة، وانتهت المشكلة ". # وقبل أن يعودوا إلى المدينة بين الله لهم وجه الحكمة في ذلك والعلة ~~من صلح الحديبية، ولماذا قبل رسول الله شروطها. العلة أن بين كفار مكة ~~مؤمنين يكتمون إيمانهم، ولا يعرفهم أحد، فلو دخل المسلمون مكة في هذا ~~الوقت لحدثت مصادمات بين الجانبين، وعندها سيؤذى هؤلاء المؤمنون ~~الذين يكتمون إيمانهم، ولا يستطيعون الجهر به، وسيؤخذ العاطل مع الباطل. ~~لذلك قال سبحانه في هذه القصة من سورة الفتح: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال ~~مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ~~ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما # [الفتح: 25] ومعنى # لو تزيلوا # [الفتح: 25] يعني: لو تميز المؤمنون عن الكافرين. أو: يكون المعنى: { ~~وامتازوا اليوم أيها المجرمون } [يس: 59] امتازوا ~~بعلامات تميزكم وتلازمكم دائما، بحيث لا يكون خجلكم أمامنا الآن فحسب، ~~إنما تكون لكم سمات تعرفون بها، وهذه العلامة هي علامة الغضب وسواد ~~الوجه والعياذ بالله. ومن ذلك قوله تعالى في المؤمنين: # تعرفهم بسيماهم # [البقرة: 273]. ### || [36.60-61] # كأن سائلا سأل: وهل يستحق الكفار كل هذا العذاب وهذا الغضب من الله ~~تعالى؟ فيجيب الحق سبحانه: نعم، يستحقون لأن الله نبههم وحذرهم فلم ~~يستجيبوا، ذلك في قوله تعالى: { ألم أعهد إليكم يبني ~~ءادم أن لا تعبدوا الشيطان } [يس: 60]. فالحق سبحانه لم ~~يأخذكم على غرة، إنما نبهكم وبين لكم مداخل الشيطان وحبائله ~~وحيله لأن الشيطان من خيبته رمى بكل مداخله مع المؤمنين أمام الله، ~~فحذرنا الله منها، وبين لنا عداوته لنا، وعداوته المسبقة مع آدم عليه ~~السلام منذ أن أمر بالسجود فأبى. ولم ينته أمره عند عدم السجود، ~~إنما أغوى آدم، وأراد أن ينتقم منه ومن ذريته من بعده، ms8418 بل وأقسم على ذلك ~~أمام خالقه سبحانه، فقال بجبروت الإغواء كما حكى القرآن: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] لكنه تذكر عبوديته الحقة للرب الأعلى، فقال: # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83]. فهؤلاء لا مدخل لي إليهم، والمعنى أن الخصومة ليست بيني ~~وبينك، إنما بيني وبين آدم. وحين أقسم إبليس، أقسم قسما يؤكد قدرته على ~~ما يهدد به، فمثلا سحرة فرعون حين أقسموا قالوا: # بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون # [الشعراء: 44]. أما إبليس فيعرف جيدا كيف يقسم، فقال # فبعزتك # [ص: 82] يعني: باستغنائك عن خلقك، من شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ~~هذا هو الباب الذي سأدخل منه إليهم، أما من تريده أنت يا رب، فلا ~~أستطيع أن أقترب منه. ومعنى { ألم أعهد إليكم } [يس: 60] ~~يعني: آمركم كما في قوله تعالى: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه: 115]. يقول تعالى: ألم آمركم يا بني آدم أن تحذروا مكايد الشيطان، ~~وأن تتنبهوا إلى مداخله إليكم وشباكه وخططه، ألم يقل هو نفسه: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] إذن: كان ينبغي ما دمتم أخذتم المصل الواقي أن تكون ~~لديكم المناعة اللازمة لمواجهة هذا العدو، خاصة وقد أسفر عن وجهه، وأوضح ~~خططه، فهو لكم على الصراط المستقيم، ومداخله من سبل الطاعة لا من سبل ~~المعصية، الشيطان لا يأتي أهل الفجور ورواد الخمارات، إنما يأتي أهل ~~الطاعات ليفسدها عليهم. وصدق الشاعر الذي قال عمن أسرف على نفسه في ~~المعاصي: # وكنت امرءا من جند إبليس فارتقى # بي الحال حتى صار إبليس من جندي # ومعنى: { أن لا تعبدوا الشيطان } [يس: 60] عبادته طاعة ~~نزغاته ووسوسته، والعلة في ذلك { إنه لكم عدو مبين } [يس: ~~60] يعني: عدو بين العداوة، محيط بأساليب الكيد لأعدائه. وبعد أن ~~نهانا ربنا - تبارك وتعالى - عن عبادة الشيطان يوجهنا إلى العبادة ~~الحقة: { وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم } [يس: 61] ~~حين نتأمل هاتين الآيتين نجد أن العلة في النهي عن عبادة الشيطان { ~~إنه لكم عدو مبين } [يس: 60] كان القياس في الآية بعدها: ~~وأن اعبدوني لأنني حبيبكم كما جاء في ms8419 الحديث القدسي: # " يا ابن آدم، أنا لك محب، فبحقي عليك كن لي محبا ". # لكن الحق سبحانه لم يعلل عبادته سبحانه بالمحبة، إنما اعبدوني لأني ~~أدعوكم إلى الصراط المستقيم النافع لكم المنظم لحياتكم، اعبدوني لهذا، ~~أما مسألة المحبة فهي موجودة وأنا أحبكم، فسواء كنت أحبك أو لا أحبك كان ~~ينبغي عليك اتباع هذا الصراط المستقيم لأنك المستفيد منه. ولأهل المعرفة ~~وقفة عندما قرأوا: # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6] { هذا صراط مستقيم } [يس: 61]، # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه # [الأنعام: 153]. قالوا: الصراط المستقيم هو الطريق العدل الذي لا ~~اعوجاج فيه، ويمثل أقرب الطرق وأقصر مسافة بين نقطتين، وساعة تسمع ~~كلمة الطريق تعرف أن له بداية ونهاية من.. إلى، وهنا إشارة لطيفة ينبغي ~~أن يتنبه لها المؤمن، هي أن الدنيا بالنسبة لك ما هي إلا طريق أنت تسير ~~فيه، له بداية وله نهاية، فهي - إذن - ليست دار قرار وإقامة، إنما دار ~~عبور ومرور. والإنسان حينما يقيم في مكان ولا يجد به راحته يتركه إلى ~~مكان آخر، ولو استقام له المكان الأول ما تركه لذلك يقول تعالى: # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها.. # [النساء: 97]. وهذه الهجرة أيضا تحتاج إلى طريق أهاجر فيه من.. إلى. ~~فكأن الحق سبحانه يقول لك: أنت في الدنيا عابر سبيل، إلى غاية أعظم ~~وأشرف، فاسلك إليها أقرب الطرق الموصلة إليها، وإذا كنت قد عاينت ~~بنفسك من في الدنيا التي تعيشها، فإن الله تعالى قد أخبرك عن إلى التي ~~تسير إليها. أنت في الدنيا تعيش بالأسباب المخلوقة لله، والممدودة إليك ~~في: الأرض التي تعيش عليها، والماء الذي تشربه، والهواء الذي تتنفسه، ~~والعقل الذي تفكر به.. الخ لكن ربك الذي مد لك هذه الأسباب، يخاف عليك ~~الغرور بالأسباب: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. لذلك يجعل هذه الأسباب تتخلف في بعض الأحيان، كي تتعلق ~~أنت بالمسبب سبحانه، وتظل على ذكر له سبحانه، فتدعوه وتلجأ إليه. ms8420 ومن ~~الناس من يحب الله دعاءهم، ويحب أن يسمع أصواتهم، فيبتليهم ليدعوه ~~فيسمعهم، وآخرون يكره الله نداءهم، فيأمر الملائكة أن تقضي حوائجهم، حتى ~~لا يسمع لهم صوتا. ثم يحكي لنا الحق سبحانه تاريخ الشيطان مع بني آدم، ~~هذا التاريخ الذي كان علينا أن نتذكره دائما: { ولقد أضل ~~منكم جبلا كثيرا... }. ### || [36.62] # الجبل: هم القوم الأشداء الأقوياء. وحين ترى مادة جبل فاعلم أنها ~~تدل على القوة والشدة والثبات والفخامة، ومن ذلك سمي الجبل لثباته ~~ونقول: فلان جبل على كذا. يعني: صفة أصيلة فيه، ثابتة في شخصيته، ~~فبين هذه الأشياء جامع اشتقاقي واحد لذلك نشبه الرجل العاقل ~~بالجبل لأنه ثابت لا تهزه الأحداث. ومن ذلك قول الشاعر يرثي أحد الخلفاء، ~~وقد رأى الناس يحملونه إلى قبره: # رضوى على أيدى الرجال يسير # ورضوى جبل معروف. ومعنى { ولقد أضل منكم جبلا ~~كثيرا أفلم تكونوا تعقلون } [يس: 62] يعني: لستم أول ~~من أضله إبليس، فقد أضل قبلكم قوما كثيرين كانوا أقوى منكم، ولعب ~~بهم حتى جعل منهم أداة للضلال، فلم يقف عند حد ضلالهم هم، إنما ~~ضلوا وأضلوا، حتى صاروا جندا من جنده كما قلنا. ويكفي في عظمة ~~الحضارات القديمة أن الحضارة الحديثة حضارة القرن العشرين - قرن ~~الاختراعات والاكتشافات والتقدم العلمي الهائل - تقف مبهورة أمام حضارة ~~قديمة مثل حضارة الفراعنة مثلا، بل وتقف عاجزة عن فهمها، والوصول إلى ~~أسرارها، وكان على رأس هذه الحضارة فرعون. فماذا فعل به الشيطان، أغواه ~~وأضله، حتى قال لقومه: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]. وحكى عنه القرآن فقال: # فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين # [الزخرف: 54]. ففرعون وأمثاله من الأقوياء ما استطاعوا أن يواجهوا ~~الشيطان، وما استطاعوا النجاة من مكايده لأنه دخل إليهم من مدخل شهوات ~~النفس، ثم صعب عليهم الطاعات، فمالوا إلى المعاصي وانصرفوا عن الطاعات. ~~ثم يؤنب الحق سبحانه هؤلاء العاصين: { أفلم تكونوا ~~تعقلون } [يس: 62] يعني: أين كانت عقولكم حين انسقتم وراءه، بعد ~~أن حذرناكم منه وبينا لكم مداخله، وحين يردك خالقك إلى العقل، ويأمرك ~~بإعماله فاعلم أن نتيجة إعمال ms8421 العقل موافقة لمراده سبحانه منك، فإن ~~أعملت عقلك في كون الله وآياته، لا بد أن تصل إلى نتيجة مرادة لله ~~تعالى، كذلك أنت لا تأمر مخاطبك بأن يعمل عقله في شيء، إلا إذا كنت ~~واثقا أن نتيجة هذا العمل في صالحك، ووفق هواك، ولو كنت تعرف أن ~~النتيجة على خلاف ما تريد ما أعطيته الفرصة لإعمال عقله. ومثلنا ~~لذلك بالبائع الذي يبيع سلعة جيدة، فإنه يدعوك إلى فحصها وتأملها ~~والتأكد من جودتها، فبائع الأصواف مثلا يعرض عليك الثوب، ويبين لك ~~جودته، ويشعل الثقاب، ويحرق لك خيطا من خيوط النسيج، إنه لا يفعل ذلك ~~إلا وهو واثق من جودة بضاعته وأنك لا بد مقتنع بها، حريص على شرائها، ~~أما الغاش فيحاول إقناعك بكلام نظري معظمه كذب وتدليس، ويحاول أن ~~يصرف ذهنك وفكرك في الشيء، لأن النتيجة لن تكون في صالحه. كذلك الحق - ~~سبحانه وتعالى - يقول: { أفلم تكونوا تعقلون } [يس: 62]. ~~يعنى: لو عقلتم لتوصلتم إلى الحق، وإلى الصراط المستقيم. ### || [36.63-65] # هنا أيضا اعتبر التخويف من جهنم وعدا لا وعيدا، وسبق أن عرفنا أن ~~الوعد في الخير، والوعيد في الشر، ومن ذلك قول الشاعر: # يا دهر يا منجز إيعاده # ومخلف المأمول من وعده # وقلنا: سمى ذلك وعدا لأن التحذير من الشر قبل الوقوع فيه يعد ~~خيرا لأنك تستطيع تدارك الأمر، وتصحيح الخطأ. وقوله سبحانه: { ~~اصلوها } [يس: 64] ادخلوها، واصطلوا بنارها، واحترقوا بلظاها، { ~~اليوم } [يس: 64] أي: يوم الجزاء اليوم القائم الذي نحن فيه، أما ما ~~قبله فقد مضى ومضت معه اللذات التي جاءت بكم إلى النار، ذهبت اللذات ~~وبقيت تبعتها، ولم يعد أمامكم إلا النار تحترقون فيها { بما كنتم ~~تكفرون } [يس: 64] يعني: هذه النار ليست ظلما، إنما جزاء كفركم ~~بنعمة الله، وهذا تقريع لهم لأنهم لم يعرفوا للحق سبحانه نعمه عليهم، ولو ~~عرفوا لله هذه النعمة ما كفروا بها. لذلك حين تحسن إلى إنسان، فيقابل ~~إحسانك بالإساءة يخجل أن يقابلك، ويستطيع أن يتحمل منك أي عقاب، إلا ~~أن تواجهه أنت، لماذا؟ لأن حياء المسيء من ms8422 المحسن أشد عليه من العذاب، ~~فكأن الله تعالى يقول لهؤلاء الكفرة بنعمه: استحيوا من الله، لأنه أنعم ~~عليكم فكفرتم بنعمه، ولو أن عندكم إحساسا لكان تذكيركم بكفركم أشد ~~عليكم من هذه النار التي تصلونها. ثم يقول سبحانه واصفا حالهم، ~~والعياذ بالله: { اليوم نختم على أفواههم ~~وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا ~~يكسبون } [يس: 65]. قوله: { اليوم } [يس: 65] أي: يوم القيامة ~~والجزاء { نختم على أفواههم } [يس: 65]. نضرب عليها فلا ~~يستطيعون الكلام، فالأفواه مناط الكلام، وقبل أن يختم الله على أفواههم ~~في الآخرة ختم على قلوبهم في الدنيا، بالأمس ختم الله على القلوب فلا ~~يدخلها إيمان ولا يخرج منها كفر، واليوم ختم الله على الأفواه ومنعهم ~~الكلام، حتى لا يعتذرون ولا يستغفرون. فالمقام هنا مقام حساب لا عمل، فلا ~~جدوى من الاستغفار، ولا فائدة من الاعتذار، بل انتهى أوان الكلام ~~والمنطق، ولم يعد للسان دور، اليوم تغلق الأفواه وتقيد الألسنة ~~لتنطق الجوارح. وتأمل بعدها: { وتكلمنآ أيديهم وتشهد ~~أرجلهم بما كانوا يكسبون } [يس: 65] القياس كان يقتضي ~~أن يقول الحق سبحانه { 1649;ليوم نختم على أفواههم } ~~[يس: 65]. ومثلها: وننطق أيديهم ونشهد أرجلهم، لكن السياق القرآني ~~هنا مختلف، فبعد أن يختم الله على أفواههم تكلمنا أيديهم تطوعا لا ~~أمرا، وتشهد أرجلهم تطوعا لا أمرا، فلم نقل للأيدي: تكلمي، ولم نقل ~~للأرجل: اشهدي. وإنما تطوعت هذه الجوارح بالشهادة، مع أنها هي نفس ~~الجوارح التي بوشرت بها المعاصي والذنوب في الدنيا، ومع ذلك تشهد لا ~~على نفسها، إنما على النفس الواعية التي أخضع الله لها الجوارح، وأمرها ~~أن تسير وفق مرادها، ورهن إشارتها في الدنيا. # أما ونحن الآن في الآخرة، وقد تحررت الجوارح من تبعيتها للنفس ~~الواعية، وأصبح الملك كله والتفويض كله لله تعالى، فالآن تتكلم ~~الجوارح بما تريد، وتشهد بما كان أمام الرب الأعلى سبحانه. وسبق أن ~~مثلنا هذه المسألة بالكتيبة من الجيش يرسلها القائد الأعلى، وعلى ~~الكتيبة أن تطيع أوامر قائدها المباشر، ولو كانت الأوامر خاطئة، إلى أن ~~تعود إلى الأعلى، فتشكو له ما كان من القائد ms8423 المباشر، هكذا الجوارح يوم ~~القيامة. فإن قلت: فلماذا أسند التكلم للأيدي، والشهادة للأرجل؟ نقول: ~~لأن جمهرة الأعمال عادة تسند إلى الأيدي، حتى لو كان المشي وسيلة العمل، ~~وطالما أن الأيدي تتكلم، فكأنها أصبحت مدعية تحتاج إلى شاهد فتشهد ~~الأرجل. أما مسألة: كيف تنطق الأيدي، فالذي أنطق اللسان وهو قطعة من لحم ~~ودم قادر على أن ينطق باقي الأعضاء الأيدي أو غيرها، وما دام الفعل ~~لله تعالى فلا داعي للسؤال عن الكيفية، ثم إن الأيدي بها من الأعصاب ~~أكثر مما بأعضاء الكلام. وقوله تعالى: { بما كانوا يكسبون } ~~[يس: 65] ولم يقل: بما كانوا يعملون، لأن هناك فرقا بين إنسان يقبل ~~على المعصية لكنه لا يفرح بها، بل يندم عليها ويعاقب نفسه على ارتكابها، ~~وآخر يعتبر ارتكاب المعصية مكسبا فيفرح بها، ويتحدث عنها ويتباهى ~~بارتكابها. ومن حيث التحقيق اللغوي لمادة كسب، فإن هذا الفعل يأتي مجردا ~~كسب، ويدل على الربح في البيع والشراء، وعلى العمل يأتي من الإنسان ~~طبيعيا، لا تكلف فيه ولا افتعال، وغالبا ما يستخدم في الخير. ويأتي ~~هذا الفعل مزيدا بالهمزة والتاء اكتسب، ويدل على الافتعال والتكلف، ~~وتستخدم هذه الصيغة في الإثم، وأوضحنا هذه المسألة فقلنا: إن الإنسان ~~حين يفعل الخير يأتي الفعل منه طبيعيا تلقائيا، أما الشر فيتلصص له ~~ويحتال، ذلك لأن الخير هين لين سهل مقبول، أما الإثم فشاق مخجل. ~~أنت حين تجلس مثلا بين أهلك ترى زوجك أو بناتك أو عمتك أو خالتك.. الخ ~~وفيهن الجميلات والحسان، وأنت تنظر إليهن جميعا دون تكلف ودون خجل، ~~لأنه أمر طبيعي، أنا مع غير المحارم ومع من يحرم عليك النظر إليهن، ~~فإنك تسرق النظرة وتحتال لها، حتى لا ينكشف أمرك، ولا يطلع أحد على ~~نقيصتك. فإذا جاءت كسب محل اكتسب، فاعلم أن صاحب المعصية ومرتكب الإثم قد ~~تعود عليه وألفه، حتى أنه يفعله كأمر طبيعي فلا يخفيه ولا يستحي منه، ~~بل يجاهر به، فعد الاكتساب في حقه كسبا، كما في هذه الآية: { ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } [يس: 65]. ### || [36.66-67] # يعني: ms8424 كما ختمنا على أفواههم ومنعناهم الكلام لو شئنا لطمسنا أعينهم ~~يعني: أغلقناها وسويناها، بحيث لا يظهر لها أثر في وجوههم، وإذا طمسنا ~~على أعينهم فقدوا البصر، فكيف يبصرون وهم يسابقون إلى الصراط؟ لقائل أن ~~يقول: إذا فقدوا البصر على الصراط، فقد تكون لهم بدائل وحيل تسعفهم، كأن ~~يتحسس طريقه بعصا مثلا، أو يجد من يأخذ بيده ويرشده، فالحق سبحانه ~~وتعالى يطوقهم من كل نواحيهم، ويقطع أملهم في النجاة، فيقول: { ولو ~~نشآء لمسخناهم على مكانتهم } [يس: 67]. فالأمر لا ~~ينتهي عند العمى والطمس على الأعين، إنما هناك ما هو أشد، أن يمسخهم في ~~أماكنهم ويجمدهم فيها، فلا يستطيعون حراكا. والمسخ أن يصيروا كالمساخيط ~~لا يتحرك، أو مسخناهم يعني: حولنا صورهم إلى صور قبيحة، إذلالا وإهانة ~~لهم. والمعنى الأول أوجه، لأنه تعالى قال بعدها: { فما استطاعوا ~~مضيا ولا يرجعون } [يس: 67]. لأنهم تجمدوا في أماكنهم، فلا ~~حركة لهم لا إلى الأمام بالمضي فى الطريق الجديد الذي هم مقبلون عليه، ~~ولا حتى العودة في الطريق الذي جاءوا منه وألفوه. ### || [36.68] # الحق سبحانه قد أعذر بأنه أنذر، وأعذر لأنه قال لهم لا تعبدوا الشيطان ~~وبين عداوته، وقال: اعبدوني واسلكوا صراطي المستقيم، إذن: ليس لهم عذر ~~حين كفروا بالله وأطاعوا الشيطان وعبدوه، لكنهم قد يعتذرون من ناحية أخرى ~~فيقولون: يا رب أنت أخذتنا ولو عشنا لاهتدينا وعدنا إلى الصراط ~~المستقيم، فيرد الله عليهم: # أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر.. # [فاطر: 37]. يعني: قد عمرناكم عمرا طويلا يكفي للتذكر والعودة فلم ~~تعودوا، ثم إن التعمير يورث الضعف والوهن وعدم القدرة، فأنت أول ~~الحياة عندك فتوة وقوة ونشاط بدني وذهني، لكن مع الكبر تضعف البنية، ~~وتقل القوة العضلية والعقلية، ويعود الإنسان إلى الضعف الذي بدأ به ~~وهو طفل صغير، وكما قال تعالى: # لكي لا يعلم بعد علم شيئا.. # [النحل: 70]. فإذا كنتم لم تعودوا ولم ترعووا في فترة القوة وسلامة ~~العقل والتفكير، أتعودون في فترة الهرم والضعف والنسيان؟ لذلك يقول هنا ~~الحق سبحانه: { ومن نعمره } [يس: 68] نطيل عمره ونمد له ms8425 فيه { ~~ننكسه في الخلق } [يس: 67] الانتكاس: العودة إلى الوراء، ~~والرجوع إلى ما كنت عليه أولا، فطول العمر يعود بالإنسان إلى مرحلة ~~الطفولة الأولى، فهو نكسة في حقه حين يصير شيخا هرما لا يستطيع الحراك ~~ولا الكلام، وتأخذ ذاكرته في الضعف فينسى ويخرف، فهو كالطفل تماما ~~يحتاج من يحمله ويطعمه ويزيل عنه الأذى.. الخ، فهل في هذه الحال ~~عودة؟ وهل ينفع معها تفكر وتدبر؟ { أفلا يعقلون } [يس: 68] ~~يعني: أين عقولكم في هذه المسألة، والحق سبحانه يسوقها بأسلوب الاستفهام، ~~ولا يأتي بها على سبيل الإخبار ليجيبوا هم ويقروا على أنفسهم بعدم ~~التعقل. ### || [36.69-70] # نلحظ هنا نقلة في سياق هذه الآيات، فما العلاقة التي نقلتنا من الكلام ~~عن الآخرة وجزاء الكافرين المجرمين إلى الحديث عن سيدنا رسول الله؟ نعرف ~~أن المقاصد الأصلية للتدين هي أولا: توحيد الله، ومعنى التوحيد لله ~~تعالى أن تشهد أنه واحد أحد، ولكل من الوصفين معنى لا يؤديه الآخر، فلكل ~~منهما ما صدق، فمعنى واحد أي: من حيث الوجود هو واحد لا فرد آخر معه. ~~أما أحد فيعني أنه في ذاته سبحانه ليس مكونا من أجزاء، فالإله أحد ~~في ذاته، لم تجتمع عدة أشياء في تكوينه، ذاته لا ترتكن إلى شيء، فمثلا ~~حين تأخذ الشيء الواحد كالكرسي مثلا، الكرسي في وجوده كرسي واحد، لكنه ~~ليس واحدا، لأنه مكون من عدة أشياء، مكون من الخشب والمسامير ~~والغراء و البوية.. الخ فهو واحد ليس أحدا، أما الحق سبحانه فلا بد ~~أن يوصف بالوصفين معا، فنقول: هو سبحانه واحد أحد لأن لكل منهما ~~معنى. ومسألة الواحدية مسألة عملية عقلية لأن الله تعالى أعلن أنه الإله ~~الحق، وأنه واحد لا شريك له، وأنه هو الخالق وحده، وهو الرازق، وهو الذي ~~يستحق وحده أن يعبد، هذه دعوى لم يقم لها معارض، والدعوى تثبت ~~لصاحبها إلى أن يدعيها آخر، ونحن لم نر أحدا ادعى الخلق لنفسه. ~~فلو كان معه سبحانه إله آخر أو آلهة أخرى فأين هم؟ لماذا لم يطالبوا ~~بحقهم في هذه المسألة؟ أو ms8426 أنهم سكتوا عنها أو لم يدروا بها؟ وعلى أي ~~حال من هذه الأحوال لا يصلحون لأن يكونوا آلهة لذلك يناقش القرآن هذه ~~المسألة بكلام منطقي: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. إذن: فالتوحيد هو الأساس الأصيل للدين، لكن لا أعرف ~~بالعقل مطلوب الإله مني، لا بد أن يبعث لي رسول يخاطبني بمطلوب ربي ~~مني، إذن: لا بد من رسول. وهذا هو المقصد الثاني للدين. وخطاب الحق ~~للخلق طاقة كمال مطلق والبشر نقص مطلق لذلك لا بد في هذا الخطاب من ~~واسطة تستطيع التلقي عن هذا الكمال المطلق، وتستطيع التبليغ إلى الأقل ~~كمالا، وهكذا تتدرج المسألة، فالله تعالى يخاطب الملائكة، والملائكة ~~تخاطب الرسل، والرسل يخاطبون الناس. فلا بد من الرسالة وهي المقصد ~~الثاني للدين، والرسول هو الواسطة بين الخالق والخلق، والرسول ليس ~~مبلغا فحسب، إنما مبلغ وأسوة سلوك وتطبيق، كما قال سبحانه: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة # [الأحزاب: 21] ولو كان الرسول ملكا لما تحققت به الأسوة، ولا يمكن ~~أن أحمل على مطلوب الرسول إلا إذا كان الرسول من جنسي. لذلك يقول تعالى ~~موضحا هذه القضية: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94] فيأتي الرد قل أي ردا عليهم: # لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. إذن: كيف ننزل ملكا لبشر؟ لو نزل الملك على طبيعته ~~النورانية ما رآه البشر، ولا بد أن يأتيهم في صورة بشرية، لظلت ~~الشبهة قائمة: # ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9]. فلا بد - إذن - من وسائط هي أشبه ما تكون ب الترانس في ~~عالم الكهرباء، وهو أداة تأخذ من القوى وتعطى للضعيف دون أن تحرقه. ~~العنصر الثالث للدين هو الحشر لأن الرسالة جاءت لتحمل المنهج: افعل كذا ~~ولا تفعل كذا، هذا المنهج من الناس من سيسير عليه فيفعل ما أمر به ~~وينتهي عما نهي عنه، ومنهم ms8427 من سينصرف عنه بل ويخالفه، إذن: لا بد ~~من مرد يثاب فيه المطيع، ويعاقب فيه المخالف، هذا المرد هو ~~الحشر. فالحق سبحانه تكلم عن التوحيد في قوله: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني ~~هذا صراط مستقيم # [يس: 60-61] وتكلم عن الحشر في قوله سبحانه: # هذه جهنم التي كنتم توعدون * اصلوها اليوم ~~بما كنتم تكفرون # [يس: 63-64]. والآن يتكلم عن العنصر الثاني وهو الرسالة فنقول عن رسوله ~~صلى الله عليه وسلم: { وما علمناه الشعر وما ينبغي له ~~} [يس: 69] أي: نحن لا المجتمع ولا البيئة التي يعيش فيها لذلك كانت ~~الأمية في رسول الله شرفا لأنه لو لم يكن أميا لكانت ثقافته من ~~الخلق. أما أميته فتعني أنه أخذ ثقافته وعلمه من الله لذلك كان من ~~شرفه صلى الله عليه وسلم أن يكون أميا، ومن شرف أمته أن تكون أمية، ~~لأنها لو كانت أمة متعلمة لقيل إن ما حدث في الجزيرة العربية ما هو إلا ~~قفزة حضارية، كما قالوا: لما نصرنا الله في حرب رمضان ورأينا بأعيننا ~~تأييد الله لنا، ومع ذلك قالوا: نصر حضاري. فالحق سبحانه يقرر هذه ~~الحقيقة: { وما علمناه الشعر } [يس: 69] لكنا علمناه غير ~~الشعر، فرسول الله معلم نعم، لكن معلم من من؟ من ربه، لم يأخذ ~~شيئا من البشر. وقد يظن أن الله لم يعلمه الشعر لأن الشعر يحتاج ~~إلى ثقافة لغوية وعلم بالأوزان والقوافي، ولا بد له من الحس ~~المرهف والأذن الموسيقية إلى آخر هذه الأدوات التي يحتاجها الشاعر وربما ~~لم تتوفر هذه الأدوات لرسول الله كما أنها لم تتوفر لكثيرين غيره. فيرد ~~الله تعالى هذا الظن، ويقول: { وما ينبغي له } [يس: 69] يعني: لم ~~نعلمه الشعر لنقص في إمكانياته، فلو أراد أن يقول شعرا لقال الشعر ~~على أحسن ما يقال، لكن لا ينبغي له ذلك لأن مهمة الرسول خلاف مهمة ~~الشاعر، فأغلب الشعر في الكذب وفي الشر، فإذا دخل في الخير ضعف ~~ولان، ذلك لأن طبيعة الشعر أن ms8428 ينطلق ويحلق في الخيال، وأن يقول ~~الشاعر ما يحلو له أيا كانت غايته لذلك قالوا: أعذب الشعر أكذبه. # وكثيرا ما نرى الشعراء أصحاب القيم والأخرق يصعب عليهم الجمع بين مطلوب ~~الإيمان منهم، وما تدعوهم إليه ملكة الشعر عندهم، فلا يملكون إلا أن ~~يحصروا أنفسهم في شعر القيم والأخلاق والفضائل، ويبتعدوا عن شعر الهجاء ~~والغزل. والشاعر المهجري الذي عرف عنه التقوى والصلاح، فحاول أن يجمع ~~بين هذه التقوى والموهبة الشعرية لديه فقال: # مولاي إني قد عصيتك عامدا # لأراك أجمل ما تكون غفورا # ولقد جنيت من الذنوب كبارها # ضنا بعفوك أن يكون صغيرا # فأجاد في الأولى، ولم يوفق في الثانية. وسيدنا حسان بن ثابت، كان ~~شاعرا مجيدا في الجاهلية، فلما أسلم قالوا له: لان شعرك يا أبا ~~الحسام. فقال: الشعر نكد يقوى في الشر، فإذا دخل في الخير ضعف ~~ولان. فقوله تعالى: { وما ينبغي له } [يس: 69] دفع عن رسول الله ~~الاتهام بأن طبيعته ليست شاعرية، أو أنه غير مرهف الحس، وأن أذنه غير ~~موسيقية، إلى آخر هذا الهراء، وكيف يتهم بهذا من علمه الله، ~~وباشرت أذنه الوحي؟ أما القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنشد ~~الشعر، نعم أنشد رسول الله الشعر، لكن لم ينشده مستقيما، بل خالف فيه ~~حتى لا يظل البيت على استقامة وزنه، فلما أنشد: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # ويأتيك من لم تزود بالأخبار # وورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: " أصدق كلمة قالها لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وكل نعيم زائل لا محالة # والصواب: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وكل نعيم لا محالة زائل # إذن: كان سيدنا رسول الله يكسر وزن البيت، حتى لا يقال إنه أنشد الشعر، ~~مع أن الله تعالى قال: { وما علمناه الشعر } [يس: 69] لكن لم ~~ينه رسول الله عن إنشاده، فكأن رسول الله يحتاط للأمر، فيقول ولا أنشده ~~أيضا، ليكون بعيدا عنه كلية. هذا عن الإنشاد، أما عن قوله الشعر بنفسه، ~~فيرى البعض أنه صلى ms8429 الله عليه وسلم قال شعرا مثل قوله في غزوة حنين: # أنا النبي لا كذب # أنا ابن عبد المطلب # نعم جاء هذا القول من رسول الله موافقا لوزن شعري يسمونه الرجز، ~~فهو قول صادف وزنا شعريا وفرق بين نظم الكلام وإخضاعه للوزن ~~والقافية، وبين كلام يصادف وزنا دون قصد، وإلا ففي القرآن نفسه آيات ~~صادفت وزنا شعريا، فهل نقول إنها شعر؟ واقرأ مثلا: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون.. # [آل عمران: 92]. # فذلكن الذي لمتنني فيه # [يوسف: 32]. # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم # [الحجر: 49]. هذه وغيرها آيات صادفت وزنا شعريا، لكنها لا تسمى ~~شعرا لأن الشعر قول موزون مقفى قصدا. # الحق سبحانه حكى عن رسوله أن الكفار اتهموه فقالوا: ساحر وشاعر وقالوا: ~~كاهن، لكن القرآن رد عليهم في مسألة الشعر، ونفى أن يقول الرسول ~~شعرا: { وما علمناه الشعر } [يس: 69] ولم ينف عنه السحر ~~ولا الكهانة، لماذا؟ قالوا: لأن مهمة رسول الله بلاغ القرآن عن الله، ~~والقرآن من جنس الأساليب الراقية، وأقرب شيء إليه الشعر لذلك نفاه ~~القرآن، أما السحر فطلاسم وكلام لا معنى له، فلم يقل: وما علمناه ~~السحر. ولو أن لهذه الكلمة مدلولا لكان الرد عليها سهلا، فإذا كان ~~محمدا ساحرا سحر المؤمنين به، فلماذا لم يسحركم أنتم أيضا، إذن: ~~تكذيبكم له وكفركم به أدل شيء على أنه ليس ساحرا، وهل للمسحور إرادة ~~مع الساحر. وفي قولهم كاهن رد عليهم: # ولا بقول كاهن # [الحاقة: 42] لأن قول الكاهن كلام مسجوع سجعا باردا، والقرآن ~~خلاف هذا كله، ثم إنكم أهل فصاحة وبيان، وأنتم أعلم الناس بالأساليب ~~والتمييز بينها، فهل يخفى عليكم أن تفرقوا بين القرآن وغيره من الكلام ~~وأنتم أمة كلام، وتجعلون للكلمة أسواقا ومعارض؟ ثم يبين الحق سبحانه ~~العلة في عدم قول الرسول للشعر، فيقول سبحانه: { إن هو إلا ذكر ~~وقرآن مبين } [يس: 69] إن هنا بمعنى ما النافية. يعني: ما هذا ~~القرآن إلا تذكير لمن يعقل وقرآن مبين. أي: بين واضح يتلى، وقد يكون ~~له نغم ألذ في أذن الورع من ms8430 الشعر، لذلك بعض الناس يسمع القرآن ~~فتأخذه نشوة وإعجاب، ولو سألته تجده لا يعرف ما يحدث له، لماذا؟ قالوا: ~~لأن الذي يتكلم الله، والذي يسمع خلق الله، فالله تعالى يتكلم بالكلام ~~الذي يؤثر ويستميل المخلوق لله الذي ما يزال على فطرته التي فطر الناس ~~عليها، فإن خرج عن هذه الفطرة لم يؤثر فيه القرآن هذا التأثير، ذلك لأن ~~القرآن واحد أما الفطرة المستقبلة فتختلف. والحق سبحانه يشرح لنا هذه ~~المسألة في قوله تعالى: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا # [محمد: 16] فأمره الله أن يرد عليهم: # قل هو # [فصلت: 44] أي: القرآن # للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في ~~آذانهم وقر وهو عليهم عمى # [فصلت: 44]. ذلك لأن فاعل الشيء غير قابله، وسبق أن مثلنا لذلك بكوب ~~الشاي الساخن تنفخ فيه ليبرد، وفي الشتاء تنفخ في يديك لتدفئها، فالنفخة ~~واحدة، لكن المستقبل لها مختلف، كذلك حال الناس في تلقى القرآن، فمن ~~تلقى كلام الله بفطرة سليمة فهمه وتأثر به، ومن تلقى كلام الله وهو ~~منشغل عنه أغلق عليه، فلم يفهم عن الله ولم يتأثر بكلامه. لذلك نرى ~~بعض الناس من غير العرب لا ينطق بكلمة عربية، لكنه ساعة يسمع أو يقرأ ~~كلام الله تجد له انفعال مواجيد، وتدمع عيناه، لماذا؟ لا بد أن شيئا في ~~تكوينه تأثر بهذا الأسلوب. # وإذا كان الحق سبحانه أوحى إلى الجماد فانفعل لكلامه، وأوحى إلى الحيوان ~~ففهم عنه، فمن باب أولى يكلم الإنسان العاقل بكلام يصادف طبيعته ويؤثر ~~فيه، فيتأثر وينفعل. ثم يقول سبحانه مبينا مهمة هذا الذكر وهذا ~~القرآن المبين: { لينذر من كان حيا } [يس: 70] نعم، سماهم ~~أحياء وخطابك لهم دليل على أنهم أحياء، لكن أحياء الحياة المادية التي ~~تنتهي بالموت، إنما هناك حياة أخرى بالعقل والفكر وبالقيم الروحية، وهذه ~~لا يظهر أثرها إلا بعد الموت. والناس جميعا يشتركون في الحياة المادية ~~لذلك يسمى العنصر الذي يدخل على الحياة المادية لتأخذ طابع الحياة ~~الروحية الروح، فالروح ms8431 روح من أمره سبحانه، وبعد أن يعطيه الروح التي ~~تحيا بها المادة يعطيه الروح التي تحيا بها القيم، وحياة القيم قلنا: ~~إنها ترتقي بك لتعطيك قيمة في الآخرة، وقد تعطيك في الدنيا راحة البال ~~واستقامة واستقرارا، لكن تظل الحياة الحقيقية في الآخرة. فإذا شاء الله ~~أعطي الإنسان حياة موصولة كما أعطي سيدنا يحيى، فلما دعا سيدنا ~~زكريا ربه # قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس ~~شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا * وإني خفت ~~الموالي من ورآءى وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من ~~لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ~~رب رضيا # [مريم: 4-6]. فأجابه الله: # يزكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم ~~نجعل له من قبل سميا # [مريم: 7]. إذن: بشره الله بالغلام، وسماه اسما يدل على أنه سيعطيه ~~حياة موصولة فحين تسمى ولدك ذكي مثلا تفاؤلا أن يكون ذكيا، أو نبيل ~~تفاؤلا أن يكون نبيلا، لكن أتملك أن تحقق رغبتك هذه. لذلك قال الشاعر: # وسميته يحيى ليحيا فلم يكن # لرد قضاء الله فيه سبيل # نعم، أنت سميت، لكنك لا تهب الحياة، واهب الحياة هو الله، فإذا سمى ~~الله يحيى فلا بد أن يحيا حياة موصولة لذلك مات سيدنا يحيى شهيدا، ~~لتتصل حياته الدنيا بحياة الآخرة، وليحقق فيه ما أراده الله. ومعنى: { ~~ويحق القول على الكافرين } [يس: 70] أي: يستحق لهم ~~العذاب لأنهم لم ينتفعوا بالإنذار. ثم يتحدث الحق سبحانه بعد ذلك عن بعض ~~آياته في الكون: { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما ~~عملت أيدينآ... }. ### || [36.71-73] # هنا نقلهم الحق سبحانه إلى مجال المادة التي لا يستطيعون إنكارها، ~~وقلنا: إن الرؤية في { أولم يروا } [يس: 71] يصح أن تكون رؤية ~~بصرية أو رؤية علمية { أنا خلقنا لهم مما عملت ~~أيدينآ أنعاما } [يس: 71] قوله { مما عملت أيدينآ } ~~[يس: 71] ينفي المشاركة يعني: هذه صنعتنا وخلقنا لم يشاركنا فيه أحد، ~~ولم يعاونا فيه أحد، بل هو خلق لله وحده. وكلمة { أنعاما } [يس: ~~71] هي الأنعام التي ذكرت في سورة الأنعام: # ثمنية أزوج من الضأن اثنين ومن ms8432 المعز ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صدقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء ~~إذ وصكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله ~~لا يهدي القوم الظلمين # [الأنعام: 143-144]. وهي البقر والإبل والغنم والماعز، وسميت أنعاما ~~لأنها النعمة البارزة في أشياء متعددة، ننتفع بها في حياتنا، فنأخذ منها ~~الصوف والوبر والجلود والألبان، ونحمل عليها الأثقال، وهذه كلها نعم ~~واضحة في البيئة العربية. ثم إن خلق الأنعام في ذاته نعمة، وقوله ~~سبحانه { فهم لها مالكون } [يس: 71] نعمة أخرى لأن هناك حيوانات ~~أخرى متوحشة لا تملك إلا بالصيد وبالقوة، وهي قليلة النفع إذا ما ~~قورنت بالمستأنسة التي ينتفع بها الإنسان، فيسوقها ويركبها ويحلبها. ثم ~~نعمة التذليل { وذللناها لهم } [يس: 72] وإلا فإذا خلقها الله ~~ولم يذللها ما استطاع الإنسان تذليلها، ولا الاستفادة منها، فالجمل ~~مثلا رغم ضخامة حجمه وقوته، إلا أن الطفل يسوقه وينيخه ويركبه، كيف؟ ~~لأن الله ذلله وسخره، أما الثعبان فمع صغر حجمه إلا أننا نخافه ~~ونهرب منه لأن الله لم يذلله لنا، بل البرغوث في الفراش يشاغبك ~~ويقلقك، وليس لك سلطان عليه. إذن: فخلق هذه الأنعام في ذاته نعمة، ~~وتملكها نعمة، وتذليلها نعمة، وهذه النعم للمؤمن والكافر على السواء، ~~لأنها من عطاء الربوبية. إذن: كان عليهم أن يحترموا هذه، وأن يسألوا ~~أنفسهم: كيف نكفر بالله وهو يوالي علينا كل هذه النعم، وليت الأمر يقف ~~عند كفرهم هم، إنما يتعدى ذلك حين يمنعون الرسل من نشر دعوتهم. وقوله ~~سبحانه: { فمنها ركوبهم } [يس: 72] أي: ما يركب من الدواب. ~~وركوب مثل قولنا: شاة حلوب يعني: تحلب { ومنها يأكلون } ~~[يس: 72] أي: من لبنها وهي حية، واللبن نأمل منه الجبن والزبدة.. الخ { ~~ولهم فيها منافع ومشارب } [يس: 73] مشارب جمع مشرب. ~~والمراد القربة التي كانوا يشربون بها، وتصنع من جلود هذه الحيوانات ~~أو يراد بالمشارب ما ms8433 يشرب من ألبانها، واللبن وإن كان يشرب من الأنثى ~~إلا أن الذكر سبب فيه، فلولا أنها حملت ما كان منها اللبن. # ثم تختم هذه النعم بقوله سبحانه { أفلا يشكرون } [يس: 73] ~~هكذا بأسلوب الاستفهام ليجيبوا هم، فالله لا يقول لهم: اشكروني على هذه ~~النعم إنما يقررهم: أهذه تستوجب الشكر أم لا؟ ثم لو شكرتم فسوف تتعرضون ~~لعطاء آخر وزيادة: # لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7]. إذن: كان يجب عليهم أن يشكروا الله على نعمه، وأن ~~تدعوهم هذه النعم إلى الإيمان بهذا الإله المنعم الذي يوالي عليهم ~~نعمة ظاهرة وباطنة، ولم لا والإنسان حينما يكون موظفا يتقاضى أجره كل ~~شهر من صاحب العمل لا بد أن يحييه كل يوم ويتودد إليه، فالمنعم بكل ~~هذه النعم أفلا يستحق أن يعبد وأن يشكر؟ وليت الأمر ينتهي بهم عند ~~حد عدم الشكر، إنما يحكي القرآن عنهم فيقول: { واتخذوا من ~~دون الله... }. ### || [36.74-75] # عجيب أن يحكي القرآن عنهم هذا بعد أن شرح الله لهم آياته التي تثبت ~~وجوده الأعلى ووحدانيته الكبرى، ففي الآفاق حول الإنسان آيات، وفي نفسه ~~آيات، فمن انصرف عن الأولى أو غفل عنها، فكيف يغفل عن الأخرى، وهي في ~~نفسه وذاته التي لا تفارقه. لذلك قال سبحانه: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. ومع ذلك { واتخذوا من دون الله آلهة } [يس: ~~74] أي: عبدوها من دون الله، لماذا؟ { لعلهم ينصرون } [يس: ~~74] صحيح أن الإنسان يتخذ إلها منه لينصره في شدته، لكن إذا كان هذا ~~الإله الذي ترجع إليه في الشدة هو الذي يرجع إليك ويحتاجك لتصلحه إن ~~كسرته الريح، أو أطاحت به العوارض، فإن وقع تقيمه، وإن كسرت ذراعه ~~أصلحتها، وإن جاء السيل جرفه، وألقى به في الوحل، إذن: كيف يتخذ هذا ~~إلها؟ وتعرفون قصة سيدنا إبراهيم لما حطم الأصنام سأل قومه: # أأنت فعلت هذا بآلهتنا يإبراهيم * قال بل ~~فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون # [الأنبياء: 62-63]. وهكذا أوقفهم نبي الله إبراهيم على كلمة الحق التي ~~لا يستطيعون إنكارها، ms8434 وهي أنهم جمادات صماء لا تنطق # فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم ~~الظالمون # [الأنبياء: 64] لكن سرعان ما تنبهوا إلى خطورة هذا الاعتراف، فعادوا إلى ~~ما كانوا عليه من المكابرة والعناد # ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ~~ينطقون # [الأنبياء: 65] عندها رأى إبراهيم أن يجابههم بهذه الحقيقة التي ~~يحاولون الانفلات منها # قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ~~ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون ~~الله أفلا تعقلون # [الأنبياء: 66-67]. لذلك يرد الله عليهم: { لا يستطيعون ~~نصرهم وهم لهم جند محضرون } [يس: 75] فهم لا ينصرون ~~عابديهم، إنما العابدون هم الذين ينصرونهم، ويوم القيامة سيجمعهم الله ~~معا، لا يحشر العابد بدون المعبود لتكون المواجهة، فلو حشر العابد ~~وحده لانتظر معبوده ينصره ويدافع عنه، إنما يحشر الجميع معا، كما قال ~~سبحانه: # ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون # [الصافات: 25-26]. وقال سبحانه: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون # [الصافات: 22] أي: أحضروهم معهم في النار، العابد والمعبود، والمعنى أن ~~هذه الأصنام ستكون وقودا للنار التي يعذب بها العابدون. وبعد ذلك ~~يعود السياق إلى رسول الله، الذي يكابرون فيه ويعاندونه: { فلا ~~يحزنك قولهم إنا نعلم... }. ### || [36.76] # الحق سبحانه وتعالى يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم ويطيب خاطره، ~~والتسلية لا تكون إلا من مسل لمسلى، المسلي هو الذي أرسل ~~المسلى، فلابد أن يجامله حتى في الشدة، وسنة الله في الرسل جميعا أن ~~الله ما أرسل رسولا وخذله أبدا، وما كانت الشدة في رحلة وموكب الرسالات ~~إلا تصفية لنفوس المؤمنين، وتمحيصا لهم، وتصحيحا للعقيدة، حتى لا يبقى ~~إلا المؤمن الحق الذي يتحمل مسئولية الرسالة والدفاع عنها. لذلك يقول ~~سبحانه مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: { فلا يحزنك قولهم } ~~[يس: 76] لا تحزن يا محمد، والحزن: أسف النفس على عدم تحقيق ما يتمنى ~~الإنسان وطروء ما يفسد، فإن حزن رسول الله وانقبضت نفسه، فمن ~~يسليه؟ ومن يخفف عنه؟ يسليه الذي أرسله لأنه سبحانه يحصي ~~عليهم كل شيء، ويعلم ما يسرون وما يعلنون. { إنا ms8435 نعلم ما ~~يسرون وما يعلنون } [يس: 76]. لكن، ما الذي أسره هؤلاء؟ ~~الذين واجهوا رسول الله كانوا قسمين: قسم واجهه بشجاعة، فأعلن بلسانه ما ~~في قلبه من أنه لا يؤمن به، وهؤلاء هم الكفرة، وقسم آمن بلسانه وكتم ~~الكفر في قلبه، وهؤلاء هم المنافقون، فمعنى { ما يسرون } [يس: 76] ~~أي: من النفاق { وما يعلنون } [يس: 76] من الكفر. أو { ما ~~يسرون } [يس: 76] من الإيمان الحقيقي بك، وأنك رسول وأمين وصادق { ~~وما يعلنون } [يس: 76] من الكفر، بدليل قوله تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14]. بدليل أنهم لم يكذبوا القرآن، ولم يعترضوا عليه، إنما ~~اعتراضهم أن ينزل على محمد بالذات، لذلك قالوا كما حكى عنهم القرآن: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. وبدليل أنهم كانوا يأتمنون رسول الله على ودائعهم ~~وأماناتهم، هذا كله دليل على إيمانهم برسول الله، لكنهم مع ذلك أعلنوا ~~كلمة الكفر خوفا على السلطة الزمنية والمنزلة والسيادة والجبروت، وقد ~~جاء الدين الجديد ليسلب منهم هذا كله، ويوقف تسلطهم على الضعفاء ~~وعلى الفقراء. إذن: لا بد أن يصادموا رسول الله، وأن يقفوا في وجه ~~دعوته، بكل قواهم رغم إيمانهم بصدقه في قرارة أنفسهم لذلك كانوا في ~~المدينة يستعدون لتنصيب ملك منهم فلما دخلها رسول الله واجتمع الناس عليه ~~انفضت مملكتهم، وزالت قبل أن تولد، ذهبت السلطات الزمنية التي كانت ~~للكفار كما ذهبت السلطة من أيدي اليهود، وكانوا أهل العلم وأهل المال ~~وأهل القتال، ذهب كل هذا يوم علت كلمة الإسلام. أو: يراد بما ~~يسرون وما يعلنون أن عمل الإنسان حصيلة أمرين: شيء أو حاجة تختمر في ~~النفس تعد سرا وعقيدة تدفعه إلى العمل فإن ترجمت إلى عمل ~~وبرزت للوجود صارت علانية، وعليه يكون المعنى: نعلم ما يسرون من ~~عقائدهم الفاسدة، وما يعلنون من فعل القبائح. # لكن أيمتن الله بعلم الشيء دون فائدة من وراء هذا العلم؟ المسألة لا ~~تنتهي بمجرد العلم، إنما لا بد أن يترتب على هذا العلم جزاء يعاقب ~~الكافر العاصي، ويثيب المؤمن المطيع، إذن: ms8436 تدبروا أمركم، واحذروا ما ~~يترتب على هذا العلم من آثار لأن علم الله ليس فنطزية علم ومعرفة. لذلك ~~قال تعالى في الآية الأخرى: # ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا # [يونس: 65] البعض فهم أن كلمة # إن العزة لله جميعا # [يونس: 65] هي قول الكافرين، لكن كيف يقولها الكافر، ليتهم قالوا إنما ~~قالها الله تذييلا لقوله: # ولا يحزنك قولهم # [يونس: 65] لماذا؟ لأن العزة لله جميعا. بعد أن تكلم الحق سبحانه عن ~~آياته في الآفاق في الأرض وفي الشمس والقمر والفلك والدواب والأنعام ~~يتكلم سبحانه عن آياته في النفس الإنسانية، فإذا كانت الآيات في الآفاق ~~من حولهم لم تلفتهم إلى الله، فهذه هي آياته في ذات أنفسهم التي لا ~~تفارقهم: { أولم ير الإنسان أنا خلقناه من ~~نطفة... }. ### || [36.77] # قوله سبحانه: { أولم ير } [يس: 77] بمعنى يعلم لأن الإنسان لم ~~ير عملية الخلق في نفسه، فإن قلت: فمن الذي أعلمه؟ ومن الذي ~~عرفه أن الله هو الخالق؟ قالوا: عرف الإنسان هذه الحقيقة لأن في الكون ~~كمالا لم يدعه أحد من الخلق، ثم فوجئت الدنيا برسول الله يخبر بأن ~~الله تعالى هو الخالق، ولم يعارض أحد، فهذه إذن دعوى ليس لها معارض ولا ~~مناهض، مع أن الإنسان كثيرا ما يدعي ما ليس له، لكن هذه الدعوى بالذات ~~لا يستطيع أحد أن يدعيها لنفسه. والقاعدة أن الدعوى تثبت لصاحبها ما لم ~~يقم لها معارض، وإلا لو أن هذه الدعوى لم تسلم للخالق عز وجل، فأين ~~الخالق؟ لماذا لم يعارضها، ولماذا لم يطالب بحقه في الخلق؟ إما أنه ~~جبن عن المواجهة، أو أنه لم يدر بهذه الدعوى، وفي كلتا الحالتين لا ~~يستحق أن يكون إلها. ونلحظ على سياق هذه الآيات أن الحق سبحانه قال في ~~الآيات السابقة: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون # [يس: 71] وهنا قال: { أولم ير الإنسان } [يس: 77] فخاطب ~~الإنسان، ولم يخاطب الجماعة، قالوا: لأن هذه الآية # " نزلت في أبي بن خلف حين أمسك بعظم بال، وراح يفتته أمام ~~رسول ms8437 الله ويقول: أتزعم أن ربك يحيي هذا مرة أخرى؟ قال: " نعم يحييك، ~~ويدخلك النار " " # ، أو يراد بالإنسان مطلق الإنسان، فهي لكل مكذب بالبعث ممن هم ~~على شاكلة أبي. وقوله سبحانه: { من نطفة } [يس: 77] العلم ~~التجريبي لم يصل إلى شيء في مسألة الخلق هذه إلا مؤخرا، يحاول على ~~استحياء كشف بعض أسرار خلق الإنسان مما لم نكن نعرف عنها شيئا من ~~قبل، والنطفة هي الجوهر والميكروب أو الجرثومة الفعالة التي تسبب ~~الإخصاب حين تصل إلى البويضة، وهذه النطفة تسبح في سائل هو المني وتعيش ~~فيه لذلك قال تعالى في آية أخرى: # ألم يك نطفة من مني يمنى # [القيامة: 37]. وقد أثبت العلم التجريبي الحديث أن النطفة هي المسئولة ~~عن تحديد الذكورة أو الأنوثة، والبويضة ما هي إلا وعاء فقط. إذن: لا ~~دخل للمرأة في هذه المسألة، بدليل قول الله تعالى: # ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة ~~فخلق فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر ~~والأنثى # [القيامة: 37-39] أي: من النطفة، وقلنا: إن من العجيب أن المرأة العربية ~~قديما فطنت إلى هذه الحقيقة التي لم يتوصل إليها العلم إلا حديثا. ~~أما حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذه، المسألة: # " إذا غلب ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد إلى أبيه، وإذا غلب ماء ~~المرأة نزع الولد إلى أمه " # فهموا من هذا الحديث أن تحديد الذكورة أو الأنوثة يتوقف على الماء الذي ~~يسبق، لكن حين نتأمل اللفظ نفسه، فكلمة غلب تدل على الغلبة والسباق، ~~والسباق لا يكون إلا لعناصر تخرج من نقطة واحدة، وتنطلق في اتجاه واحد، ~~إذن: فهما غير متقابلين، فمعنى يغلب يعني يسبق. وقلنا: إنهم الآن تنبهوا ~~إلى أن البويضة حين تخرج من المرأة تحدث تغييرا كيماويا في تكوين ~~المرأة يسبب ارتفاعا في درجة الحرارة وتغيرا في المزاج وفي نبضات ~~القلب لذلك اخترعوا ساعة تقيس هذه التغييرات، وتعرف بها المرأة موعد نزول ~~البويضة. والنطفة ميكروب متناه في الصغر لا يرى إلا بالمجهر، ورحم ~~الله العقاد الذي قال كلمة موجزة تصور هذا ms8438 الصغر، فقال: إن أنسال ~~العالم كله - يعني النطف التي كونتهم - يمكن أن توضع في نصف كستبان ~~الخياطة. فسبحان الخالق الذي يخرج من هذه النطفة المتناهية الصغر ~~إنسانا كاملا، وينشىء منها العظام الصلبة والعضلات نصف الصلبة ~~والرخوة، وأنشأ منها الغضاريف والأعصاب والدم السائل والمخ.. الخ. هذا ~~في الجسم المادي، والأعجب منه ما يحتويه هذا الجسم من العقل الذي يفهم، ~~واللسان الذي ينطق ويتذوق، والعين التي ترى، واليد التي تبطش، والأنف ~~الذي يشم، والأنامل التي تلمس، والرجل التي تسعى. هذه كلها من النطفة، ~~هذا الميكروب الذي لا يرى بالعين المجردة، هذه النطفة التي عبر عنها ~~القرآن بالماء المهين، مهين لأن الإنسان يتبوله ويخرج من مجرى البول، ~~ويلقى فى دورات المياه مع القاذورات، وإن أصاب ملابسك لا بد أن ~~تغسل. ومن هذا الماء المهين يخلق الإنسان، بل ويصل إلى أعلى مراتب ~~الطغيان والجبروت، كيف؟ قالوا: لأن الإنسان له صفات حسنة في ذاته، ~~ومواهب يحب أن يظهرها، فإن كان مع أحبابه أعجبه شكله الجميل أو ماله أو ~~ذكاؤه.. الخ، فيحاول أن يبين هذه المواهب لهم، فإذا عودي كانت له ~~مواهب أخرى في أعدائه، ومع العدو يجند الإنسان كل مواهبه لينتصر على ~~عدوه، هذه مواهب في الغضب وفي الخصومة والجدال. لذلك قال أحدهم: # وكم من نعمة لله في حمدتها # يجمعها في مواهب ثلاث # أولاهما لنفسي وثانيتهما لأحبابي # وأصحابي وثالثهما لخصمي # هذا كله معنى { فإذا هو خصيم مبين } [يس: 77] يعني: بعد أن ~~خلق الإنسان من هذه النطفة ومن هذا الماء المهين فوجئنا بأنه { خصيم } ~~[يس: 77] يعني: عدو لدود { مبين } [يس: 77] يعني: يبين عن مواهب ~~العداء عنده إبانة واضحة، والإنسان لا يكون مبينا لغيره إلا إذا بان ~~الشيء في نفسه هو لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فالمدرس الفاشل هو الذي لا ~~يستطيع أن ينقل المعلومة لتلاميذه لأن المعلومة غير واضحة عنده، ولو كانت ~~المعلومة واضحة في ذهنه لاستطاع أن ينقلها بأي أسلوب. إذن: المعنى { ~~مبين } [يس: 77] يحسن الإبانة عما في نفسه لذلك تقول: أبنت لك ~~لأنها بانت ms8439 عندي، وأعلمتك لأنها علمت عندي، وأفهمتك لأنني فهمت، ~~فهما إذن موهبتان، والإنسان ترتقي مواهبه ويجند كل صفاته في الخصومة لا ~~يدخر شيئا منها، ففي الخصومة يظهر ما عنده من المال أو الشجاعة أو ~~الحيلة. # . الخ. وعجيب أن هذا كله كامن في النطفة، وعجيب أيضا أن ينقل ~~الإنسان هذه الخصومة من ذات نفسه، ومن خصومته لأعدائه إلى خصومة ربه ~~وخالقه. لذلك قال تعالى بعدها مصورا هذه الخصومة لا مع أبي سبب ~~نزول الآيات، إنما مع كل من هو على شاكلة أبي: { وضرب لنا ~~مثلا ونسي خلقه... }. ### || [36.78-79] # تحدثنا عن ضرب المثل وقلنا: الضرب إيقاع جسم على جسم بعنف، ويشترط ~~فيه أن يكون الضارب أقوى من المضروب، وإلا كانت النتيجة عكسية، ومن ذلك ~~قول الرافعي رحمه الله: # أيا هازئا من صروف القدر # بنفسك تعنف لا بالقدر # ويا ضاربا صخرة بالعصا # ضربت العصا أم ضربت الحجر؟ # كذلك ضرب المثل هو إيجاد شيء يوقع على شيء، ليبين لك الأثر الحاسم ~~الفعال، فحين تشك مثلا في شيء يوضحه لك بمثل لا تشك فيه، ~~فيقربه إلى ذهنك، ومن ذلك قوله تعالى لما أراد أن يوضح لنا بطلان ~~الشرك، والفرق بينه وبين التوحيد، قال سبحانه: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد ~~لله بل أكثرهم لا يعلمون # [الزمر: 29]. نعم، لا يستوي عبد يتنازعه عدة أسياد، وعبد ملك لسيد ~~واحد، كذلك لا يستوي التوحيد والشرك. فقوله تعالى: { وضرب لنا ~~مثلا } [يس: 78] أي: أبي بن خلف، والمثل الذي ضربه أن أخذ عظما ~~قد بلي، وراح يفتته أمام رسول الله وهو يقول: أتزعم يا محمد أن ربك ~~سيحيي هذا، بعد أن صار إلى ما ترى؟ وإن كانت الآيات نزلت في أبي، إلا ~~أنها لا تقتصر عليه، إنما تشمل كل مكذب بالبعث، منكر لهذه القضية. ~~ومعنى { ونسي خلقه } [يس: 78] يعني: لو تذكر خلقه هو، وتأمل ~~في ذات نفسه وجد الدليل على ما يكذب به لأن الله خلقك من العدم، فصار ~~لك وجود، فإذا مت ms8440 بقيت منك هذه البقايا التي تفتتها منثورة في ~~الأرض، ومعلوم بحسب ما تفهمه العقول أن الإيجاد من موجود أهون من الإيجاد ~~من العدم # وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه # [الروم: 27]. الحق سبحانه في هذه الآية يخاطبنا على قدر عقولنا ووفق ~~منطقنا، وإلا فلا يقال في حقه تعالى هين وأهون، ولا سهل وأسهل، هذا ~~يقال في حق البشر فحسب. وقوله: { قال من يحيي العظام وهي ~~رميم } [يس: 78] حينما ألقى هذا السؤال على الكافرين المكذبين ~~بالبعث يقولون: لا أحد يستطيع أن يحيي الموتى، لماذا؟ لأنه يقيس ~~المسألة على عجز القدرة في البشر، لا على طلاقة القدرة في الخالق ~~سبحانه. والعجيب أن الله تعالى يثبت للإنسان صفة الخلق، فيقول: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] والإنسان ينكر ويكذب بقدرة الله في الخلق، فإذا كان ~~ربك لم يضن عليك بأنك خالق، فلا تضن عليه بأنه أحسن الخالقين. وقلنا: ~~إذا وجدت صفة لله تعالى ووصف بها البشر فلا بد أن تأخذها في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] فلله تعالى وجه لا كالأوجه، وله سبحانه يد لكن ليست ~~كالأيدي.. وهكذا لأن الله تعالى واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في ~~أفعاله. # الله موجود وأنت موجود، لكن وجودك ليس كوجوده، الله غني وأنت غني، لكن ~~غناك ليس كغنى الله، غنى الله ذاتي لا ينفصل عنه سبحانه، أما ~~غناك فموهوب. الله خالق وأنت خالق، لكن فرق بين خلقك وخلق الله، ~~خلقك من موجود وخلقه تعالى من عدم، خلقك جامد لا حياة فيه، وخلق ~~الله في حياة فينمو ويتغذى ويتكاثر.. الخ فأنت خالق، لكن ربك سبحانه أحسن ~~الخالقين. إذن: لله تعالى صفات الكمال المطلق، يفيض منها على خلقه ~~فيعطيهم من صفاته تعالى، لكن تظل له سبحانه طلاقة القدرة. ومعنى { ~~رميم } [يس: 78] قديمة بالية تتفتت. ثم يرد الحق سبحانه على هذا ~~المكذب وأمثاله: { قل يحييها الذي أنشأهآ أول ~~مرة } [يس: 79] ومعنى { أنشأهآ } يعني: من العدم، ولأن ينشئها ~~من موجود أولى، وقوله { أول مرة } [يس: 79] في الرد على ms8441 هذا ~~المكذب يوحي بأن هناك مرة أخرى، وإحياء آخر غير الأول { وهو ~~بكل خلق عليم } [يس: 79] أي: بالخلق الأول وبالخلق الثاني، ~~فالعلم بالخلق الأول أن يعطيه صفات ومواهب في ذاته، وأن يستعمره في ~~الأرض، وأن يجعل له منهجا ينظم حياته فيها. وبهذا المنهج أرشده إلى ~~سبيل الخير، وحذره من سبل الشر، وأوضح له الجزاء على هذا وذاك، وهو ~~سبحانه عليم بالخلق الآخر في الآخرة. أي: يعلم كيف يجازيه على ما ~~قدم. إذن: معنى { وهو بكل خلق عليم } [يس: 79] يعني: عليم ~~كيف يكلفه، وعليك كيف يجازيه، وعلى قدر التكليف يكون الجزاء. ~~الفلاسفة المسلمون أحبوا أن يوضحوا لنا هذا المعنى، فقالوا: حينما أراد ~~الله أن يخلق من العدم وقبل أن توجد السماء أو الأرض قال: اخرجى يا سماء ~~كوني سماء فكانت، وهكذا الأرض. إذن: قادريته سبحانه هي التي فعلت، ~~ومقدورية الأشياء هي التي انفعلت، فما الذي انتهى من هذين العنصرين؟ ~~إنهما باقيتان موجودتان: قادرية الفاعل سبحانه، ومقدورية الأشياء. ### || [36.80] # الحق سبحانه يسوق لهم دليلا آخر على طلاقة قدرته، فإن كنتم تكذبون ~~بالبعث، فانظروا إلى هذه الآية المادية التي تشاهدونها، فالذي يحيي ~~العظام التي رمت هو الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا توقدونها، ~~فيشتعل العود الأخضر، والخضرة دليل الرطوبة والمائية، فكيف تأتي النار من ~~الماء، هذه آية يرونها في البيئات العربية كل يوم، ومعلوم أن الحطب هو ~~أول وقود عرفه الإنسان واستخدمه بسلام لأنه أصفى وقود، وهو صحي لا ~~يلوث البيئة، ولا يضر بها، ولك أن تقارن بين وقود الحطب ووقود البترول ~~مثلا، لتعرف الفرق. ### || [36.81-82] # هذا ترق في الدليل، فبعد أن ذكر سبحانه آية جعل الشجر الأخضر ~~نارا، يسوق الدليل الأقوى، وهو خلق السماوات والأرض، السماوات دليل من ~~العلو الثابت الذي لا يتغير، والأرض دليل ملامس لنا، نشاهده ونباشره. ~~وحيثية هذه الآية جاءت في آية أخرى، حيث قال الحق سبحانه: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. فإن قلت: علل لنا أن خلق السماوات والأرض ms8442 مع أنها ~~لا تحس ولا تتكلم ولا تعلم.. الخ. أكبر من خلق الناس، نقول: نعم خلق ~~السماوات والأرض أكبر من خلق الناس لأنها منذ خلقها الله على حالها لم ~~تتغير، وستظل إلى قيام الساعة، أما أنت أيها الإنسان فتموت، تموت وأنت ~~طفل، بل وأنت جنين في بطن أمك، تموت وأنت شاب وأنت شيخ هرم، وقصارى ما ~~يمكن أن تصل إليه لو عمرت في الدنيا مائة عام أو يزيد عليها بضعة أعوام، ~~فأين عمرك من عمر الشمس، أو القمر أو الأرض؟ وهل رأيت خادما أطول عمرا ~~من مخدومه؟ إننا نتوارد على هذا الكون أفرادا وأمما ودولا، تذهب ~~جميعها وتفنى وتبقى السماء والأرض كما هي شامخة عظيمة، لا يطرأ عليها ~~تغيير، ولا تخرج عن قانون التسخير في شيء أبدا، ومنذ أن خلق الله هذا ~~الكون ما رأينا كوكبا خرج عن فلكه، ولا تخلف عن موعده، أو امتنع عن ~~أداء مهمته. هذا حال الجمادات في السماوات والأرض، فما حالكم أنتم أيها ~~العقلاء؟ لو تحدثنا في المادة فهي تبقى وأنتم تموتون، وفي المعاني ~~والقيم تتساند هذه الجمادات، وأنتم تتعاندون وتختلفون وتتصارعون، فأيكم ~~إذن أحسن خلقا وأكبر؟ لذلك يجيب الحق سبحانه على هذا الاستفهام ~~المنفي: { أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر ~~على أن يخلق مثلهم.. } [يس: 81]. فيقول بلى أي: نعم قادر { ~~وهو الخلاق العليم } [يس: 81] وخلاق صيغة مبالغة من خالق، ~~ليؤكد هذه القضية لكل مكذب بها، وهو سبحانه { العليم } [يس: 81] ~~أي: بمن خلق. ثم يقول سبحانه: { إنمآ أمره إذآ أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون } [يس: 82] هنا إشارة لطيفة من ~~الحق سبحانه لكل مكذب بالبعث، كأن الله يقول لهم: يا من تكذبون ~~بقدرة الله على بعث العظام التي رمت، أتظنون أن الله يخلق بعلاج كما ~~تخلقون أنتم، الله الخالق لا يخلق بعلاج، وإنما يخلق بكلمة كن، بل يخلق ~~سبحانه بمجرد مراده، فإن أراد شيئا كان، دون أن يقول، ودون أن يأمر، ~~وما كلمة كن إلا لتقريب المسألة إلى أذهاننا. وسبق أن أوضحنا هذه ~~العملية ms8443 بمثال، ولله المثل الأعلى، قلنا: كيف تنكر أيها الإنسان قدرة ~~الله، وقد أفاض عليك بمثلها في ذات نفسك، فأنت مثلا حينما تريد أن تقوم ~~من مجلسك، ماذا تفعل؟ هل أمرت العضلات أن تتحرك، بل هل تعرف أصلا ما ~~هي العضلات التي تقيمك، وما الأعصاب التي تتحكم في هذه العملية؟ إنك تقوم ~~بمجرد إرادتك للقيام وليس لك دخل فيها، بدليل أن الطفل الصغير الذي لا ~~يعرف عن تكوين جسمه شيئا يقوم إذا أراد القيام، فإذا كنت أنت أيها ~~الإنسان تنفعل لك الأشياء دون أن تقول لها انفعلي، فهل يليق بك أن ~~تكذب بهذا في حق ربك وخالقك؟ فإن قلت: فلماذا لا آمر أعضائي وأقول ~~لها: اعملي كذا وكذا؟ نقول: الحق سبحانه يقول للشيء كن لأنه سبحانه ~~يعلم أن الأشياء ستأتمر بأمره، ولن تخرج عن مراده، إنما هل أنت واثق أنها ~~ستأتمر بأمرك إن أمرتها؟ إنك لا تثق بهذه المسألة بدليل أن الله تعالى ~~حين يسلب الإنسان هذه القدرة تخرج أعضاؤه عن طاعته، فيريد أن يقوم فلا ~~يستطيع، تشل الأعضاء فلا تتحرك. # إذن، نقول: إذا كان المخلوق مجرد إرادته تسيطر على جوارحه، فهل نستبعد ~~أن تكون إرادة الخالق الأعلى تسيطر على هذا الكون المخلوق له سبحانه؟ ~~وكلمة كن يقولها الله ليقرب لنا فهم المسألة، ويقولها لأن الأشياء ~~لا تتخلف أبدا عن طاعته والانفعال لأمره، إنما أنت إن قلتها فلن ~~يسمعك أحد لذلك قال سبحانه موضحا استجابة الأرض لأمره سبحانه: # وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 2] أي: حق لها أن تسمع، وأن تطيع. ومعنى { أن يقول ~~له } [يس: 82] أي: للشيء الذي لم يوجد بعد، فكيف أذن يخاطبه وهو ما ~~يزال غيبا، قالوا: الخالق سبحان خلق كل الأشياء أزلا في عالم اسمه " ~~عالم المثال " ، فالأشياء موجودة بالفعل، لكن تنتظر الأمر بالظهور ~~والخروج إلى عالم الوجود لذلك قال أحد العارفين: أمور يبديها ولا ~~يبتديها. ### || [36.83] # عرفنا في الآية السابقة أن الحق سبحانه إذا قال كن انفعلت له الأشياء ~~وأطاعت، أما إن قالها الإنسان فلن يستجيب له شيء، ms8444 وقلنا: إذا ورد لله ~~تعالى وصف يوصف به البشر، فعلينا أن نأخذه في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] إذن: طبيعي أن تختم هذه الآيات والسورة كلها بقوله تعالى ~~{ فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } [يس: 83] يعني: ~~تنزيها له عن أن يشبهه أحد، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. ~~وكلمة { ملكوت } [يس: 83] من ملك، وهذه المادة الميم واللام والكاف ~~تستخدم على معان أربعة: الأول: نقول مالك، وهو كل من ملك شيئا ولو ~~كان يسيرا، فلو كان لا يملك إلا الثوب الذي يلبسه يسمى مالك. الثاني: ~~نقول ملك وهو الذي يملك من ملك أي: يملك أن يتصرف فيه وفي إدارة ~~حركته، الثالث: كلمة الملك وهي أن يترقى الملك في أمور ظاهرة يعرفها ~~الناس، الرابع: كلمة الملكوت ويراد بها الملك المستور غير الظاهر، وهو ~~أقوى وأعم من الملك. وقد يكون الشيء من عالم الملكوت، ثم يصير إلى ~~عالم الملك مثل الأشياء التي كانت غيبا واكتشفها الإنسان أو ابتكرها، ~~فصارت مشهودة، وهناك أشياء تظل دائما في عالم الملكوت لا نعرف شيئا ~~عنها إلا في الآخرة، وهذا النوع هو الذي يكذبون به، ومن ذلك قوله ~~تعالى في شأن سيدنا إبراهيم: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض # [الأنعام: 75]. نعم، يطلعه الله على عالم الملكوت، لأنه لما أطلعه على ~~عالم الملك وابتلاه نجح في الابتلاء بتفوق، نجح في كل مراحل حياته، نجح ~~وهو شيخ كبير في مسألة ذبح ولده إسماعيل، نجح لما ألقي في النار ~~لذلك صار أهلا لأن يطلعه الله على أسرار الكون، وعلى عالم الملكوت، ~~كما لو أن في أولادك ولدا صالحا ترى فيه مخايل النجابة، فتصطفيه بشيء ~~تفضله به عن باقي الأولاد، كذلك من يحسن العبودية لله تعالى يحسن الله ~~له العطاء. ومن ذلك ما قصه علينا القرآن في سورة الكهف من قصة العبد ~~الصالح الذي رافقه نبي الله موسى وتعلم منه، والذي قال الله فيه # فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65] هذا العبد ms8445 الصالح لم يكن نبيا، ولم ينزل عليه الوحي، ومع ~~ذلك تعلم منه النبي، لماذا؟ لأنه أخذ ما جاء به الرسول وطبقه على ~~نفسه، فلما علم الله منه أنه مأمون على مناهج الله وعلى أسراره زاده ~~وأعطاه من علمه اللدني، وكشف له من أسرار الملكوت. ألا ترى أن ~~سيدنا موسى - عليه السلام - غضب منه حينما خرق السفينة، وتعمد أن ~~يعيبها، وهي لمساكين فقراء، هذا هو عالم الملك الذي اطلع عليه العبد ~~الصالح، أما علمه بعالم الملكوت ففي قوله: # وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # [الكهف: 79] فأطلع العبد الصالح على بعض عالم الملكوت، كما أطلع ~~إبراهيم عليه السلام على ملكوت السماء. وكلمة ملكوت تحمل معنى المبالغة، ~~مثل: رحموت وجبروت ورهبوت، فهي إذن للمبالغة في الملك، لكن نلحظ عند ~~علماء القراءات أن أحدهم يقرأ: # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4] فيقول ملك يوم الدين بدون صيغة المبالغة، قالوا: لأن ~~الكلام عن يوم الدين، وفي هذا اليوم الملك كله لله وليس لأحد ملك، ولا ~~حتى الثوب الذي يرتديه. ومن ذلك أيضا قولنا في الأذان الله أكبر فذكر ~~الصفة أكبر دون مبالغة، ولم يذكر الاسم الكبير، فكيف يتأتى ذلك في شعار ~~الصلاة، التي هي عماد الدين، ونأتي بالصفة دون الاسم؟ قالوا: لأن الأذان ~~يأخذ الناس من أعمالهم للاستجابة لنداء ربهم، والعمل له اعتباره في ~~الإسلام لأنه مهمة الإنسان في الحياة، وبه يتوصل إلى طاعة الله لذلك ~~يقدره الدين ولا يحتقره. ومعنى الله أكبر أن العمل كبير ومهم، لكن ~~الله أكبر ونداء ربك أهم، أما كبير فهي اسم من أسماء الله. ومعنى كبير ~~أن ما دونه صغير لذلك أتى في الأذان بالوصف لا بالاسم. فقوله تعالى: { ~~فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } [يس: 83] أي: ما ~~تراه وما لا تراه من الملك، وما خفي عنك، ثم توصلت إليه بالعلم ~~واكتشفته، والذي لا تراه من الملك إلى أن يخبر الله به أحد عباده: # علم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا ~~من ارتضى من رسول # [الجن: 26-27]. والتحقيق أن ms8446 المغيبات والأسرار المطمورة في الكون لا ~~يكتشفها الإنسان إنما تكشف له، وقلنا: إن كل سر في الكون أراد الله ~~أن يظهره له عمر وميلاد، فإن صادف ميلاده بحثك ظهر على يديك، وإلا ~~أظهره الله لك مصادفة في موعده إذا لم تبحث عنه لذلك يقولون: إن سبعة ~~وتسعين بالمائة من مكتشفات الحياة ظهرت لنا مصادفة. ويقول سبحانه في آية ~~الكرسي: # يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون ~~بشيء من علمه إلا بما شآء # [البقرة: 255] فالإنسان لا يحيط إلا بعلم الشيء اليسير من علم الله، ولا ~~يحيط بهذا اليسير إلا بعلمه تعالى وإذنه، حين يأذن بميلاد الشيء وظهوره. ~~وقوله سبحانه: { وإليه ترجعون } [يس: 83] أي: يوم القيامة، ~~فكونوا على ذكر لهذه الحقيقة، فمن لم يؤمن بنعمة الخلق ترهبه نعمة ~~الإعادة والمرجع، فأنتم ما خلقتم عبثا، ولمن تتركوا سدى. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-4] # هذا الأسلوب يسمى أسلوب القسم، الله تعالى هو المقسم يقسم على { ~~إن إلهكم لواحد } [الصافات: 4] وقد أخبر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بمراده تعالى في القسم، فالله يريد منا إن أقسمنا ألا ~~نقسم إلا به سبحانه، لكن بالاستقراء رأينا أن الحق سبحانه يقسم ~~بخلق من خلقه، فيقسم بالملائكة، ويقسم بالحيوان، ويقسم ~~بالجبال، ويقسم بالفجر.. الخ. قالوا: لأن الله تعالى يقسم بما يشاء على ~~من يشاء، أما أنت فلا تقسم إلا بالله، لأن القسم تعظيم للمقسم ~~به، وينبغي ألا يكون معظما عند المؤمن إلا الله، ولا يصح أن تقول ~~وحياة فلان، ورأس علان فإن كنت حالفا فلتحلف بالله، كما جاء في الحديث ~~الشريف: # " من كان حالفا فليحلف بالله ". # فإذا ظهر ما يكون ظاهره قسما بغير الله، فاعلم أنه لا يعد ~~قسما، وخصوصا إن جاء من عالم أو يقيني كأن يقول: وحياة أبوك يا ~~فلان تعمل كذا وكذا، هذا ليس قسما، إنما هو مساءلة. القسم: أن تقسم ~~على شيء، حدث أو لم يحدث، إنما طلب الشيء يسمى مساءلة، كذلك يقول الحق ~~تعالى: # ..الذي تسآءلون به والأرحام # [النساء: 1] أي: وبالأرحام في قراءة من ms8447 جر الأرحام. والحق سبحانه يقسم ~~بما يشاء على من يشاء، وأنت لا تقسم إلا بالله لأن الشيء قد يكون ~~تافها في نظرك، ولكنه عند خالقه عظيم، وله مهمة تغفل أنت عنها، وحين ~~يحلف الله به إنما يلفت نظرك إلى أهميته ودوره، فمثلا لما فتر الوحي ~~عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلتفت الكفار إلى الحكمة من ~~ذلك. والحكمة أن الوحي كان يثقل على رسول الله، حتى يبلغ منه الجهد، ~~وحتى أن جبينه ليتفصد عرقا، وإن نزل الوحي عليه وهو على دابة فإنها ~~تئن وتنخ به ذلك لأن الوحي ثقيل. كما قال سبحانه: # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # [المزمل: 5]. فجاءت فترة انقطاع الوحي رحمة برسول الله، وتسرية عنه، ~~وتخفيفا من معاناته، ثم ليشتاق هو إلى الوحي يعاوده من جديد، لم يلتفت ~~الكفار إلى ذلك، وقالوا: إن رب محمد قلاه يعني: تركه وهجره وجفاه، ~~وواضح ما في هذا القول من تناقض، فعند الإيمان يكذبون بمحمد ورب محمد، ~~وعند الجفوة يقولون: إن رب محمد قلاه، ويعترفون أن له ربا!! لذلك أراد ~~الحق سبحانه أن يوضح لهم هذه المسألة، وأن يظهر غباءهم بهذا المقسم ~~الذي جاء مناسبا للموقف، يحمل إشارة لطيفة إلى العلاقة بين المقسم ~~به، والمقسم عليه، فقال سبحانه: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 1-5]. # والمعنى: أنك يا محمد أجهدت بالوحي، وكان لا بد أن تستريح لتشتاق ~~نفسك إليه وتطلبه، وحين ترتاح سيخفف ذلك من معاناتك في استقباله، وسوف ~~تذوق حلاوته من جديد، ويكون عليك أيسر وأسهل، وأتى الحق سبحانه بهذا ~~القسم بشيء موجود مشاهد، لا يختلف عليه اثنان. فهم يعرفون { الضحى ~~} [الضحى: 1] حين تشرق الشمس، وتنير الكون، ويعرفون # والليل إذا سجى # [الضحى: 2] يعني: سكن وهدأ، والإشارة هنا في أن الضحى إذا جاء ثم تلاه ~~الليل بسكونه، هل يعني هذا أن الضحى لن يعود مرة أخرى؟ لا، بل سيأتي ~~الضحى من جديد بعد أن تكون قد ms8448 ارتحت من تعب النهار والسعي فيه، ~~واستعدت نشاطك ليوم جديد، ومعنى # وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى: 4] أي: أن عودة الوحي ثانية ستكون أحلى من الأولى، وأخف وأيسر. ~~إذن: الحق سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، ليعلمنا أن هذه الأشياء ~~عظيمة عند خالقها، لكن غفلنا نحن عن وجه العظمة فيها، ويقسم بما يشاء ~~من مخلوقاته ليقرب لنا بواسطة المعلوم شيئا مجهولا. هنا يقول ~~تعالى: { والصافات صفا } [الصافات: 1] الواو تسمى واو القسم ~~مثل: التاء والباء. نقول: والله وبالله وتالله، وقد يستغنى عن حروف ~~القسم، ويستدل عليه باللام في جواب القسم، كما في: # إنك لمن المرسلين # [يس: 3] وأنت لا تقسم على الشيء بداية، وإنما تقسم إن أنكر المخاطب ~~لتؤكد له الخبر، ويأتي القسم والتأكيد على قدر الإنكار. فإذا قال الحق ~~سبحانه مثلا: # لا أقسم بيوم القيامة # [القيامة: 1] أو: # لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد ~~* ووالد وما ولد * لقد خلقنا الإنسان في كبد # [البلد: 1-4] وفي: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة: 75-76]. وفي هذه الآيات. قسم بدليل أن له جوابا، لكن لماذا ~~نفاه القرآن، فقال لا أقسم قالوا: لأن نفى القسم هنا أشد من ~~القسم المثبت لأن القسم إنما جاء لتأكيد المقسم عليه، ومعنى لا أقسم ~~أن هذا أمر واضح لا يحتاج إلى قسم، القسم يأتي لتأكيد أمر منكر أو ~~مشكوك فيه، أما هذا الأمر فواضح بين، ومع ذلك سأقسم لك. ومعنى { ~~والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتليت ~~ذكرا } [الصافات: 1-3] قالوا: الصافات صفا هي الملائكة تصف، ~~والصف انسجام مجموعة بحيث لا يشذ فيها فرد عن فرد، فالصف لا ~~يعني مجرد الجمع، إنما الجمع في انسجام وانضباط، # " لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان في استعراض الجنود في المعركة ~~يسوي الصفوف، فلما رأى رجلا شذ عن الصف وخرج عنه فشكه في بطنه ~~ليستقيم في مكانه من الصف، وكان الرجل محبا لرسول الله، فقال: أوجعتني ~~يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هذه بطني اقتص ms8449 منها ~~" فأقبل الرجل يقبل رسول الله ويقول: والله يا رسول الله لقد أملت ~~أن أستشهد، فأحببت أن يكون آخر عهدي بالحياة أن يمس جسدي جسدك الشريف ~~". # والصف دليل الانتظام والالتزام والاستعداد لتلقي الأوامر، وهكذا ~~تصف الملائكة في انتظار الأوامر، ليقوم كل منهم بمهمته ودوره. وإذا ~~استعرضت مادة ص ف ف في القرآن الكريم تجدها تدور حول هذا المعنى، ومن ~~ذلك قوله تعالى: # فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا # [طه: 64] يعني: مجتمعين متحدين، وقال: # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22]. وقال: # أولم يروا إلى الطير فوقهم صفت ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن # [الملك: 19]. صحيح، ترى الطائر في السماء باسطا أجنحته هكذا لا يحركها، ~~ومع ذلك لا يقع، كذلك تراه يقبض أجنحته، ويظل أيضا ثابتا في مكانه، فما ~~الذي أمسكه لا يقع؟ أمسكه الرحمن وكأن في إمساك الطير الذي نراه ونشاهده ~~دليلا على صدق الحق في قوله تعالى: # إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده # [فاطر: 41]. إذن: إمساك الطير نموذج لإمساك السماء، إلا أن هذا إمساك ~~مؤقت، وذاك إمساك دائم. ويقول عن الملائكة عموما: # وإنا لنحن الصآفون # [الصافات: 165] يعني: نقف في انضباط منتظرين الأوامر، والصف هنا يدل على ~~الانسجام، وأنه لا يتعالى أحد على أحد، ويدل على الرهبة ممن أنت أمامه ~~مصفوفا. ومن ذلك أيضا قوله تعالى في نعيم الجنة: # ونمارق مصفوفة # [الغاشية: 15]. بعض العلماء يرى أن الصافات لها معنى أوسع، ويراد بها ~~مجال نشر الدعوة والإعلام بها، والدفاع عنها، وحماية الاختيار في ~~الإسلام، وفي القتال، قال تعالى: # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص # [الصف: 4] معنى # في سبيله # [الصف: 4] أي: من أجل الإعلام بدينه والدفاع عنه أمام أعدائه، فالإعلام ~~بالدين مهمة العلماء، والدفاع عنه مهمة الجنود في ساحة القتال، وينبغي أن ~~يكون هؤلاء وهؤلاء صفا واحدا كأنه البنيان المرصوص لذلك قال تعالى: # فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم # [التوبة: 122]. فالعالم لا ms8450 يقاتل لأن مهمته حمل الدعوة، والمقاتل ~~يموت في سبيلها ويضحي بحياته من أجلها، وهذه التضحية هي التي تثبت صدق ~~الدعوة لأن الدعوة لو لم تكن صادقة في نفس صاحبها لما ضحى من ~~أجلها، ثم تضحيته بروحه دليل على ثقته أنه ذاهب إلى خير مما هو فيه. ~~وتعرفون قصة الصحابي الذي سمع كلام رسول الله عن أجر الشهيد، وكان في فمه ~~تمرة يمضغها، فقال لرسول الله: أوليس بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل ~~هؤلاء فيقتلونني؟ قال: بلى. فألقى التمرة واستبطأ أن يمضغها وأسرع إلى ~~ساحة القتال. إذن: القتال في سبيل الله، إما باللسان وإما بالسنان، ~~ولابد أن يعلم أن المقاتل الذي يحمل السيف لا يحمله ليكره غير ~~المؤمن على الإيمان لأنه لا إكراه في الدين، إنما يحمله ليحمي حريته ~~واختياره هو لهذا الدين، بدليل أن الإسلام فتح بلادا كثيرة، وظلت على ~~دينها. # والصف الواحد ليس فقط للمقاتلين في ساحة القتال، إنما أيضا لحاملي ~~الدعوة، فيجب على هؤلاء العلماء أن يكونوا في دعواهم صفا واحدا لا يشقه ~~خلاف، فما كان في كلام الله محكما التزموا به، وما كان متشابها لا ~~يكفر بعضهم بعضا بسببه. { فالزاجرات زجرا } [الصافات: 2] ~~قالوا: هذه هي مهمة الملائكة أن تزجر الشياطين الذين يسترقون السمع، كما ~~قال تعالى: # وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن ~~يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # [الجن: 9]. وكانت الشياطين قبل رسالة محمد صلى الله عليه وسلم تصعد في ~~السماء، وتتسمع الأخبار، ويمكنهم الله من بعض الأخبار والأوامر ~~فيسمعونها ويلقونها إلى أوليائهم من البشر، فيزيدون عليها أشياء باطلة، ~~ويخبرون الناس بها على سبيل أنهم يعلمون الغيب، فلما كانت بعثة النبي صلى ~~الله عليه وسلم منعوا من استراق السمع، وسلط الله عليهم الشهب ~~تنقض عليهم فتحرقهم. فإن قلت: كيف، ونحن نرى النجوم على كثرتها، هي هي ~~لا تنقص، نقول: لأن النجوم منها نجوم في السماء للزينة، ومنها نجوم ~~للرجم، بدليل قوله تعالى: # إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب * ~~وحفظا من كل شيطان مارد * لا يسمعون إلى ms8451 ~~الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب * دحورا ~~ولهم عذاب واصب # [الصافات: 6-9]. أما { فالتليت ذكرا } [الصافات: 3] قالوا: ~~هي المنزلات الوحي على الرسل لأنهم يتلونه عليهم، بعد أن نزلوا به ~~من عند الله. آخرون فهموا { والصافات } [الصافات: 1] على معنى آخر ~~يتفرع عنه معان أخرى للزاجرات زجرا والتاليات ذكرا، قالوا: معنى { ~~والصافات } [الصافات: 1] أي: المؤمنين يصفون للصلاة، لأنها ~~عماد الدين ورمز للاجتماع والوحدة، ومن تمامها أن تكون في صفوف مستوية. ~~لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة " # وقال: # " إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج " # والصفوف في الصلاة دليل على الانضباط، وأنه لا يشذ أحد عن الآخر، ودليل ~~على الخضوع والوقوف في أدب بين يدي الله. إذن: فكما تصف الملائكة ~~تصفون أنتم، ولكل صلاته وعبادته. فإذا ما سوينا الصفوف واستقمنا ~~فيها لله تعالى ندخل في الصلاة ونقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ~~وهذا زجر للشيطان لذلك قال: { والصافات صفا * فالزاجرات ~~زجرا } [الصافات:1-2] ومعنى { فالتليت ذكرا } [الصافات: 3] ~~أي: ما نتلوه بعد ذلك من كلام الله: # الحمد لله رب العالمين*الرحمن الرحيم ~~*ملك يوم الدين # [الفاتحة: 2-4]. هذا هو القسم، فما المقسم عليه؟ المقسم عليه قوله ~~سبحانه: { إن إلهكم لواحد } [الصافات: 4] وهذه العبارة مع ~~أنها جواب لقسم، إلا أن الله تعالى أكدها أولا ب إن ثم أكدها ~~باللام في لواحد، وذلك لأنها تمثل أساس الدين وجوهر العقيدة، فالإله ~~الحق واحد هو المهيمن على هذا كله، وقلنا: إن واحد غير أحد: واحد يعني ~~ليس له ثان مثله، أما أحد فيعني أنه غير مركب من أجزاء في تكوينه، فهو ~~سبحانه في ذاته أحد. ### || [37.5] # وفي آية أخرى قال: # له ما في السموت وما في الأرض وما بينهما وما ~~تحت الثرى # [طه: 6] وهذا الذي تحت الثرى هو الذي يحتاج منا إلى بحث لنصل إليه ~~ونكتشفه ونخرجه كما قلنا من عالم الملكوت إلى عالم الملك. هنا قال { ~~ورب المشارق } [الصافات: 5]، وفي موضع آخر قال: # برب المشرق والمغرب # [المعارج: 40] إذن: الحق سبحانه ms8452 يبقي لألمحية الالتقاط الذهني من ~~الألفاظ موضعا، فما دام هناك مشارق إذن لابد أن يقابلها مغارب لأن ~~الشمس لا تشرق على قوم إلا وتغرب عن آخرين، إذن: عرفناها باللزوم. وحين ~~نستعرض هاتين الكلمتين في كتاب الله نجد أنهما تأتيان مرة بصيغة المفرد # رب المشرق والمغرب # [المزمل: 9]، وتأتي بصيغة المثنى # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17]، وتأتي بصيغة الجمع # برب المشرق والمغرب # [المعارج: 40]. ذلك لأنه إذا خاطب الإنسان الواحد في المكان الواحد قال ~~المشرق والمغرب، لأن لكل مكان مشرقا ومغربا، فإن تعددت الأماكن ~~تعددت المشارق والمغارب، فنحن مثلا في القطر الواحد نلاحظ أن مغرب ~~القاهرة غير مغرب الأسكندرية، فإذا نظرنا إلى كل الأمكنة في الكرة ~~الأرضية علمنا أن المشارق والمغارب لا تتناهى، ففي كل نصف ثانية مشرق ~~ومغرب. لذلك قلنا: من حكمة الخالق سبحانه في دورة الأرض حول نفسها، وحول ~~الشمس أنها توزع مقومات الحياة في الكون كله، فلو ظلت الشمس مواجهة ~~لمكان واحد لاحترق، ولو ظلت غائبة عن مكان لتجمد. ونتيجة هذه ~~الحركة يظل الحق سبحانه معبودا في كل أوان بكل عبادة، كما سبق أن أوضحنا ~~أنه في اللحظة الواحدة يصلى الصبح عند قوم، والظهر عند آخرين، والعصر ~~عند آخرين، والمغرب والعشاء، وهكذا على مدار اليوم والليلة. أما قوله ~~تعالى # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17] قالوا: المشرقان يعني: المشرق والمغرب، أو مشرق الصيف ~~ومشرق الشتاء. ثم يقول سبحانه: { إنا زينا السمآء الدنيا ~~بزينة... }. ### || [37.6-9] # نعم، حين ننظر إلى السماء ليلا نجدها مزدانة بالنجوم تتلألأ، وفي ~~هذه النجوم عجائب وأسرار عرفها العربي الأمي، فعرف النجم وعرف اسمه ~~ومكانه وحركته، واهتدى به في سيره في الصحراء، كما قال سبحانه: # وعلامات وبالنجم هم يهتدون # [النحل: 16]. وحين تتأمل هذه النجوم في السماء ترى أن الله تعالى أراد ~~أن يرحمنا من حرارة الشمس، ويبقي لنا آثار الضوء نهتدي به ليلا لأن ~~هذه النجوم إنما تستمد ضوءها من ضوء الشمس. ثم للكواكب مهمة أخرى: { ~~وحفظا من كل شيطان مارد } [الصافات: 7] يعني: تحفظنا ~~هذه الكواكب من الشياطين لأنها ms8453 تنقض على الشياطين فتحرقها، وهذا النوع ~~يسمونه النيازك، أما زينة الكواكب فباقية لأنها لا دخل لها بهذه ~~المسألة، أما النجوم المخصصة للشيطان المارد، فلا بد أن تتناقص. ~~ومعنى المارد أي: المتمرد على منهج ربه، لأنه وارث لإبليس، يقف من ذريته ~~نفس الموقف الذي وقفه إبليس من آدم، فإن قلت: الله تعالى يريد أن يسود ~~منهجه الكون، ليسود السلام والأمن والطمأنينة، فلماذا إذن يخلق ~~الشيطان المارد؟ نقول: ليوصل الإيمان في النفس المؤمنة مع وجود ~~المخالف، وإلا فما الميزة إذا كان الجميع مؤمنين طائعين، إذن: لابد ~~أن نصفي أهل الإيمان، وأن نمحصهم لنعلم أهل الثبات، لأنهم سيحملون ~~دعوة يظل نداؤها إلى أن تقوم الساعة، فهذه لا يحملها ألا أولو العزم. ~~وقوله: { لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون ~~من كل جانب } [الصافات: 8] جاءت هذه الآيات بعد أن أقسم الله ~~بالزاجرات زجرا، وقلنا: من معانيها أن الملائكة تزجر الشياطين عن ~~استراق السمع في الملأ الأعلى، حيث كانوا يخطفون بعض الجزئيات ~~ويلقونها إلى أوليائهم من الكهنة فيضيف هؤلاء إليها كثيرا من الكذب ~~ليضللوا به الخلق. وقد كثر هذا الاستراق قبل بعثة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فلما بعث صلى الله عليه وسلم منعهم الله من استراق السمع، ~~وسلط عليهم الشهب تزجرهم وتنقض عليهم، كما حكى القرآن: # وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن ~~يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # [الجن: 9] ذلك تكريما لرسالة محمد أن يدلس عليها تدخل الشياطين ~~بشيء يفسد على الناس عقائدهم، فقال: # فالزاجرات زجرا # [الصافات: 2]. ومن عجائب الزجر أنه يأتي على معنيين. فمعنى: زجرت ~~إنسانا يعنى: نهيته عن عمل شيء، أما زجرت الدابة يعني: أحثها على ~~السير، ومن ذلك قول الشاعر: # فيا ويحنا إلفين بوعد بيننا # فهذا له عش وذلك في عش # فلما ألحت للوصال صبابتي # زجرت جوادى أن يطير ولا يمشي # وفي المعنى الآخر، قال الشاعر: # .... لم يبق في # نا للمودة مطرحا # إني زجرتك عن خنا # فزجرتني أن أنصحا # فالزجر يأتي بمعنيين متضادين. ومعنى { لا يسمعون } ~~[الصافات: 8] فرق بين سمع وتسمع: ms8454 سمع يعني دون قصد منه، إنما ~~تسمع يعني حاول وتكلف أن يسمع بصرف النظر أنه سمع شيئا أو لم يسمع. # والمعنى: أن هؤلاء الشياطين منعوا بعد بعثته صلى الله عليه وسلم من ~~تسمع الأخبار في الملأ الأعلى، وهم يحاولون، لكن تزجرهم الملائكة ~~وتنقض عليهم الشهب. { ويقذفون من كل جانب } [الصافات: ~~8] والقذف: الرجم بحيث تكون الضربة نافذة { دحورا } [الصافات: 9] ~~يعني: مذمومين مطرودين، والمدحور هو المطرود بإهانة { ولهم عذاب ~~واصب } [الصافات: 9] يعني: دائم لا يتغير، ومنه قوله تعالى # وله الدين واصبا.. # [النحل: 52] يعني: دائما، فالدين هو هو واحد مع كل الرسل، ووصف ~~العذاب هنا بأنه دائم لأنه حيل بينه وبين إنفاذ مهمته في استراق السمع ~~والتقاط الأخبار من الملأ الأعلى. ### || [37.10] # المعنى: أن بعض هؤلاء المردة سيستطيعون خطف بعض الأخبار، لكن لن يتمكنوا ~~من الفرار بها، وتوصيلها إلى أوليائهم. والخطف نوع من حيازة الملكية بدون ~~وجه حق، فلكل منا حيازة وملكية، ولا يخرجه عن ملكيته إلا من ~~يأخذها منه اعتداء وظلما، ولهذا الاعتداء والظلم وسائل متعددة منها: ~~الخطف وهو أن يؤخذ منك الشيء خطفا يعني بسرعة، لكن على مرأى ~~منك ولا تستطيع منعه لأن الشيء بعيد عن متناول يدك، كالولد الصغير يخطف ~~شيئا من البائع ويجرى به. فإن كان صاحب الشيء قريبا واستطاع الإمساك ~~به فنازعه المعتدى وتغلب عليه وأخذه فهو غصب، فإن أخذ الشيء دون علم ~~صاحبه فهو سرقة، أما إن كان مؤتمنا على المال وأخذ منه فهو اختلاس.. ~~هذه كلها وسائل لحيازة أموال الغير دون وجه حق. كذلك يخطف الشيطان بعض ~~الأخبار ويحاول الفرار بها، لكن هيهات له ذلك { فأتبعه شهاب ~~ثاقب } [الصافات: 10] يعني: كوكب ينقض عليه، ومعنى { ثاقب } ~~[الصافات: 10] يعني: نافذ يخترق الأجواء، حتى يصل إلى هدفه في أسرع وقت. ~~فإن قلت: فلماذا لا يمنع بداية من استراق السمع؟ قالوا: فرق بين ~~أن يمنع من الشيء أصلا، وبين أن يناله ثم لا ينفذ به ولا يستفيد ~~منه، إن الله يمكنه من بعض الأخبار بالفعل فيسمعها، لكن تعاجله ~~الزاجرات والشهب ms8455 من كل ناحية، فتكون حسرته أعظم، حسرة أنه تعب وتحمل ~~المشاق في استراق السمع والخطف، وحسرة أنه لم ينتفع بما سمع. ### || [37.11] # قوله تعالى: { فاستفتهم } [الصافات: 11] أمر من الله تعالى ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم، يعني: سلهم، واستفتى طلب الفتوى لأن الألف ~~والسين والتاء تدل على الطلب، والفتوى من الفتوة، فحين يكون الإنسان ~~بصدد شيء، يريد أن ينفذه، ولا يعرف فيه طريق الحق والصواب يذهب إلى من ~~هو أعلم منه يستفتيه. يعني: يطلب منه الفتوى أو الفتوة، والقوى الدافعة ~~له على العمل، فكأنه كان ضعيفا وأراد أن يقوى برأي غيره. فكأن الحق - ~~سبحانه وتعالى - استأمنهم أن يفتوا، وأن يجيبوا هم لأنه سبحانه واثق ~~من أن الخصوم لن يجدوا إلا قولة الحق ينطقون بها لذلك لم يأت سبحانه ~~بالمراد إخبارا، إنما أتى به إقرارا منهم وشهادة لأن الخبر يحتمل الصدق ~~أو الكذب، أما الإقرار فلا يستطيع أحد إنكاره لذلك قالوا: الإقرار سيد ~~الأدلة. ومضمون السؤال { فاستفتهم أهم أشد خلقا أم ~~من خلقنآ } [الصافات: 11]؟ يعني: أهم وأعظم وأشد خلقا من ~~السماء والأرض، ثم لم يأت بالجواب لوضوحه، ولن يكون إلا أن خلق ~~السماء والأرض أشد من خلقهم وأعظم لذلك قال سبحانه في موضع آخر: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. فإن أردت أن تدلل على هذه المسألة فتأمل خلقك ~~وخلق السماوات والأرض، فالسماء والأرض مع أنهما يخدمانك، إلا أنهما ~~أطول عمرا منك وأبقى، فهما منذ خلقهما الله باقيان لم يزولا، أما ~~الإنسان فيموت وهو طفل، ويموت وهو شاب، ويموت وهو شيخ، يموت ويترك التركة ~~باقية تتوارثها الأجيال. إذن: هما أشد وأقوى لأنهما مخلوقان خلقة ~~دائمة، وأقوى من ناحية أنهما محكومان باختيارهما حين قالتا: # أتينا طآئعين # [فصلت: 11]. فاختارا أن تكونا مسخرتين قال تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. وقلنا: إن هناك فرقا بين قدرة النفس على تحمل ~~الأمانة وقدرتها على الأداء، فقد ms8456 تتحمل الأمانة وتنوى أداءها، لكن لا ~~تضمن نفسك عند الأداء، فربما تغيرت الظروف، أو طرأ عليك ما يحول بينك ~~وبين أدائها لذلك امتنعت السماوات والأرض عن حمل الأمانة، وخرجت عن ~~مرادها لمراد ربها، فكانت مسخرة. إذن: فهي أيضا مخيرة إلا أنها ~~اختارت بكلمة واحدة منسحبة على الزمن كله، أما الإنسان فاختار أن يكون ~~مختارا ينفذ أو لا ينفذ. ثم إن السماء والأرض وما بينهما وما فيهما من ~~مخلوقات وكواكب وأجرام وأفلاك تسير وفق نظام دقيق محكم، لا يشذ ولا ~~يتخلف أبدا: # الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر ~~يسجدان # [الرحمن: 5-6]. وقال: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. # أما الإنسان فيتخبط في الحياة، ويخالف منهج ربه، وينحرف عن الطريق الذي ~~رسم له. إذن: أيهما أعظم خلقا، وأشد تكوينا، وأصح أداء؟ لا ~~يسع هؤلاء الكفار رغم كفرهم إلا أن يقولوا: السماوات والأرض أشد وأعظم ~~من خلق الإنسان. ومثال ذلك حين سألهم الله # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87] # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله # [الزمر: 38] لأن هذه كلها حقائق لا تنكر، حتى من الكفار. ثم يسوق لهم ~~الحق سبحانه دليلا على صدق هذه المسألة، فيقول: { إنا خلقناهم ~~من طين لازب } [الصافات: 11] يعني: هذا أصلهم، فأين هم من خلق ~~السماوات والأرض؟ ومعنى { لازب } [الصافات: 11] يعني: طين متماسك ~~بعضه ببعض، فهو وسط بين السيولة والصلابة، يعني: أشبه ما يكون بطين ~~الصلصال الذي نوزعه على التلاميذ في المدارس، والطين تراب وضع عليه ~~الماء، فإن زاد الماء صار الطين لينا يسيل من يدك، وإن قل الماء ~~جف وتصلب. لذلك وقف المستشرقون عند مراحل التكوين الإنساني ~~يعترضون: من أي شيء خلق الإنسان، والقرآن قال # من طين # [المؤمنون: 12] و # من تراب # [الحج: 5] و # من حمإ مسنون # [الحجر: 33] و # من صلصال كالفخار # [الرحمن: 14]. وقد غاب عنهم أن هذه مراحل للشيء الواحد كما قلنا، فالماء ~~يوضع على التراب فيصير طينا، ولو ترك هذا الطين إلى أن يعطن أو ms8457 ~~يتعفن يصير حمأ مسنونا، فإن ترك حتى يجف يصير صلصالا. الحق ~~سبحانه يحدثنا هنا عن الخلق الأول للإنسان { فاستفتهم أهم ~~أشد خلقا أم من خلقنآ إنا خلقناهم من طين ~~لازب } [الصافات: 11] لأن آدم عليه السلام خلق من الطين ثم خلقت ~~بعده حواء، والقرآن قص علينا قصة خلق آدم، لكن اكتفى في خلق حواء ~~بقوله تعالى: # وخلق منها زوجها # [النساء: 1]. قالوا: { منها } يعني من جنس تكوينها، فيصح أن تكون ~~حواء قد خلقت مثل آدم من الطين، أو خلقت من ضلع من أضلاعه، وفي ~~كلتا الحالتين تعود إلى أصل الطين، والله تعالى يخلق ما يشاء، وسبق أن ~~بينا طلاقة القدرة في عملية خلق الإنسان، وأنها استوعبت كل الصور ~~العقلية لهذه العملية، فالله سبحانه يخلق من لا أب ولا أم، ويخلق من أب ~~بلا أم، ويخلق من أم بلا أب، وقد يجتمع الأب والأم ولا يحدث بينهما ~~إنجاب. يقول الحق سبحانه: # يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * ~~أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء ~~عقيما # [الشورى: 49-50]. إذن: خلق الإنسان الأول، وهو آدم عليه السلام من ~~الطين، وخلقت من جنسه زوجه، ثم جاءت الذرية من آدم بعد أن فارق ~~الطينية وصار إنسانا، فنحن وإن جئنا من نسل إنسان، إلا أنه يعود في ~~أصله إلى الطين، فإن قلت: أين الطينية، وقد تشكل شكلا آخر غير ~~الطين، بدليل أنه إذا استحم بالماء لا يذوب كما يذوب الطين وتتفكك ~~جزئياته. # نقول: لا بد أن يرد الإنسان الأصل أو الفرع إلى الأصل الأول وهو ~~الطين لأن الإنسان يتوالد ويتكاثر بواسطة الحيوان المنوي في الذكر ~~والبويضة في الأنثى، فمن أين يأتي هذا وهذه؟ من الدم، والدم نتيجة ~~الغذاء، والغذاء مصدره الأرض والطين. إذن: سنؤول لا محالة إلى الطين، لكن ~~من الطين مرة بواسطة، ومرة بدون واسطة. والحق سبحانه نبهنا إلى هذه ~~المسألة في قوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. فنحن لم نشاهد عملية الخلق، إنما أخبرنا الله بها، ms8458 فعلمنا ~~أن الإنسان خلق من الطين الذي مر بهذه المراحل، حتى نفخ الله فيه ~~الروح، ودبت فيه الحياة، هذا كله لم نشاهده، لكن شاهدنا الموت الذي ~~ينقض الحياة، وعلينا نحن أن نأخذ مما نشاهده دليلا على صدق الغيب الذي ~~أخبرنا الله به ولم نشاهده. ونحن نعلم أن نقض الشيء يأتي على عكس ~~بنائه، فالذي يهدم عمارة مثلا من عدة أدوار يبدأ بالدور الأخير، كذلك ~~يأتي الموت عكس الحياة، فأول شيء، تخرج الروح، ومعلوم أن نفخ الروح ~~في الإنسان هى آخر مرحلة في مراحل الخلق، فإذا ما فارقت الروح الجسد ~~عاد إلى أصله، حيث يرم الجسد وتمتص الأرض ما فيه من الماء، ثم يتحلل ~~الباقي ويعود إلى التراب الذي جاء منه. ثم آخر، هو أن الإنسان الذي خلق ~~من الطين وقوامه الغذاء الذي يخرج من الطين، لما حلل العلماء جسم ~~الإنسان وجدوه مكونا من 16 عنصرا. أولها: الأوكسجين، ثم الكربون، ثم ~~الهيدروجين، ثم النتروجين.. الخ. وهي نفس العناصر المكونة للتربة ~~الزراعية الخصبة التي تعطينا القوت، إذن: يكون هذا دليلا على صدق ~~الحق - تبارك وتعالى - في قوله: { إنا خلقناهم من طين ~~لازب } [الصافات: 11]. ### || [37.12-14] # معنى بل إضراب عن الكلام السابق وبداية لكلام جديد عجبت بالفتح ~~أي: يا محمد. والعجب: هو استغراب وقوع شيء على خلاف نظائره، ومن ذلك ~~قوله تعالى في العقائد: # كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا فأحيكم.. # [البقرة: 28]. يعني: كيف يحدث منكم الكفر بعد أن فعلنا بكم ذلك؟ هذا ~~شيء مستغرب، ومسألة عجيبة. يعني: جاءت على خلاف ما ينتظر منكم. لكن من ~~أي شيء عجب النبي صلى الله عليه وسلم؟ عجب من إنكارهم ومن كفرهم، مع ~~وضوح الأدلة الدامغة على صدق قضية الإيمان. وقد سقنا لهم الدليل ~~تلو الدليل، ومع ذلك كذبوا لذلك قال تعالى مخاطبا نبيه صلى الله ~~عليه وسلم في موضع آخر: # وإن تعجب فعجب قولهم.. # [الرعد: 5]. يعني: وافق الله محمدا على أن يعجب. والمعنى: إن تعجب يا ~~محمد فقولهم عجب. لكن عجب عند من؟ يجوز عجب عند رسول ms8459 الله، ويجوز عجب ~~عند الله تعالى، إذن: هل يعجب الله تعالى كما نعجب؟ قالوا: نعم، بدليل أن ~~فى هذه الآية قراءة بالضم بل عجبت بتاء المتكلم سبحانه، وبدليل ما ورد ~~في الحديث الشريف: # " تعجب ربك من شاب ليست له صبوة ". # لماذا؟ لأنه خرج على طبيعة التكوين الإنساني، أو قدر على نفسه وتحكم ~~فيها، بحيث لم يفعل ما يفعله الشباب، فهذا شيء مستغرب منه، ومعنى تعجب ~~الحق سبحانه من هذا أنه يستغرب منه هذا العمل ليجازيه جزاء مستغربا ~~كذلك. وسبق أن قلنا: إذا وجدت صفة مشتركة بيننا وبين الحق سبحانه، ~~فعلينا أن نأخذها في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. ومن ذلك قوله تعالى: # يخادعون الله وهو خادعهم # [النساء: 142]. وقوله: # ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين # [الأنفال: 30]. لذلك إياك أن تقول: الله خادع أو الله ماكر لأن هناك ~~فرقا بين أسماء الله تعالى وأفعال وصف الله بها نفسه سبحانه. فالمكر ~~مثلا من أفعال البشر يراد به خداع الخصم والتخييل عليه، لتستطيع أنت ~~أن تنفذ إلى غرضك منه، وهذا المكر يقابله مكر مثله يشاكله أو أمكر ~~منه. والمكر مأخوذ من قولهم شجرة ممكورة، وهي شجرة ذات عيدان ملفوفة ~~بعضها على بعض، بحيث لا تستطيع أن تميزها، ولا أن ترد كل فرع فيها ~~إلى أصله، كذلك المكر فيه لف وحيل لتستر سيئاتك عن خصمك، هذا في مكر ~~البشر بعضهم ببعض، لكن إن مكر الله بك فلن ينجيك من مكره شيء لذلك قال ~~سبحانه: # والله خير الماكرين # [آل عمران: 54]. وقوله تعالى: { ويسخرون } [الصافات: 12] السخرية ~~هي الاستهزاء من الشيء، والمعنى أنك تعجب يا محمد من نكرانهم وتكذيبهم مع ~~وضوح الأدلة، وهم يسخرون منك ومن تعجبك { وإذا ذكروا لا ~~يذكرون } [الصافات: 13] يعني: بآيات أخرى وبراهين ترشدهم { لا ~~يذكرون } [الصافات: 13] أي: يعرضون عنها، ولا يلتفتون إليها، ~~ويصرون على الإنكار { وإذا رأوا آية } [الصافات: 14] أي: دليلا ~~جديدا { يستسخرون } [الصافات: 14] أي: يبالغون في السخرية. # ففي الآية قبل السابقة قال: { ويسخرون } [الصافات: 12] وهنا { ~~يستسخرون } [الصافات: 14] هذا دليل على أن من هؤلاء ms8460 المكذبين ~~أناسا ترق قلوبهم لآيات الله وللأدلة الإيمانية، وحين ترق قلوبهم ~~تخف لديهم نزوة الكيد لمحمد، فيكتفون بالتكذيب دون السخرية لأن الإباء ~~يأتي على درجات، فواحد يأبى أن يفعل ما تأمره به، وآخر يأبى أن يفعل ~~ويسخر منك. فهؤلاء الذين يسخرون لا يكتفون بالسخرية من رسول الله، إنما { ~~يستسخرون } [الصافات: 14] يعني: يطلبون ممن لا يسخر أن يسخر، ~~يعني: يستسخرون غيرهم، إذن: هناك فرق بين يسخرون ويستخسرون، حتى لا ~~نقول كما يقول بعض المستشرقين: هذا تكرار في كلام الله. ### || [37.15] # معنى { إن هذآ } [الصافات: 15] ما هذا إلا سحر { مبين } ~~[الصافات: 15] يعني: واضح، والسحر كما قلنا تخييل شيء غير واقع، فيخيل ~~إليك أنه واقع، فالسحر لا يغير حقيقة الشيء، إنما يسحر الناظر إليه، كما ~~قال تعالى في سحرة فرعون: # .. سحروا أعين الناس # [الأعراف: 116]. وقال: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66]. إذن: أين السحر من دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن قضية ~~الإيمان التي يدعو الناس إليها؟ والرد على هذه الفرية سهل وواضح: إذا ~~كانت عند محمد القدرة على أن يسحر الناس، فيؤمنوا بدعوته، وسحر هؤلاء ~~الذين آمنوا فلم لم يسحركم أنت؟ إذن: هذا اتهام باطل لا معنى له. ثم ~~يعودون مرة أخرى إلى مسألة البعث، ليسألوا عنها سؤال إنكار واستبعاد، ~~وهي أصل من أصول الدين لا يستقيم الإيمان إلا بها: { أءذا متنا ~~وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون... }. ### || [37.16-18] # عجيب منهم إنكار البعث بعد ما سقناه إليهم من أدلة، حتى إن أنكروا ~~أدلتنا وكذبوا بها، ألم يسمعوا من الأمم السابقة والرسالة التي مضت ~~أن البعث حق؟ إذن: هو العناد والاستكبار عن قبول الحق. لذلك، فالقرآن ~~الكريم يضرب لهم مثلا ودليلا على صدق الإخبار بالبعث، ويسوق هذه ~~القصة من الأمم السابقة في سورة البقرة: # أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على ~~عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ~~فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت ~~قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مئة ~~عام فانظر إلى ms8461 طعامك وشرابك لم يتسنه ~~وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر ~~إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما ~~تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء ~~قدير # [البقرة: 259]. هذه قصة واقعية لأن القرآن حكاها لنا عن الأمم السابقة ~~لتكون دليلا على قدرة الله على بعث الموتى، وهي قصة رجل باحث عن ~~الحقيقة، جعله الله مثالا ونموذجا لنفسه أولا، ولمن جاء بعده، فلما ~~مر على القرية وهي على هذا الحال من الخراب استبعد أن تحيا بأهلها ~~مرة أخرى، فأماته الله ليريه كيف يحيي الموتى. وصدق الرجل في قوله # لبثت يوما أو بعض يوم # [البقرة: 259] وصدق الله في قوله # بل لبثت مئة عام # [البقرة: 259] كيف؟ لأن عظام الحمار التي تحولت إلى تراب دلت على ~~المائة عام، وطعامه الذي لم يتغير دل على يوم أو بعض يوم، وهذا ليس ~~عجيبا، ما دام أن الفاعل هو الله عز وجل القابض الباسط، فهو وحده القادر ~~على أن يجمع بين الضدين، فيقبض الزمن في حق قوم، ويبسطه في حق ~~آخرين. ألم يأمر نبيه موسى - عليه السلام - أن يضرب بعصاه البحر، فصار ~~الماء كل فرق كالطود العظيم، وأمره أن يضرب بعصاه الحجر، فانبجست ~~منه اثنتا عشرة عينا؟ إذن: هي طلاقة القدرة. وعجيب منهم أيضا أن ~~يسألوا عن الآباء، مع أن قضية البعث واحدة، فقولهم { أو آبآؤنا ~~الأولون } [الصافات: 17] دليل على تخبطهم، أو ربما فهموا أن الذي ~~سيموت حديثا طازة يعني: هو الذي سيبعث، أما القديم فبعثه غير ممكن. ~~ويرد الله عليهم قل يعني: قل لهم يا محمد بملء فيك نعم يعني: ~~ستبعثون، والنبي يقولها قولة الواثق لأنه مأمور بها من قبل الله ~~القادر على أن يبعث الخلق { قل نعم وأنتم داخرون } ~~[الصافات: 18] يعني: ستبعثون حال كونكم { داخرون } [الصافات: 18] ~~يعني: صاغرين أذلاء خاضعين، جزاء اللدد والعناد والاستكبار على قبول ~~الحق في الدنيا، كما قال تعالى في موضع آخر: # بل هم اليوم مستسلمون # [الصافات: 26]. ### || [37.19-21] # قوله تعالى { فإنما هي } [الصافات: 19] أي: مسألة البعث { ~~زجرة واحدة } [الصافات: 19] صيحة ms8462 واحدة، أو نفخة واحدة كافية لأن ~~تخرجهم من قبورهم { فإذا هم ينظرون } [الصافات: 19] لا أننا ~~سنذهب إلى كل واحد منهم ونوقظه اصحى يا فلان إذن: البعث الذي تكذبون به ~~أمره يسير علينا، ولا يكلفنا شيئا. والصيحة في ذاتها لا تبعث ~~الموتى، إنما هي مجرد إذن للملك، بأن يباشر مهمته، فهي مثل الجرس الذي ~~يبدأ به العمل، فبعد الزجرة { فإذا هم ينظرون } [الصافات: ~~19] هكذا مباشرة لأن إذا هنا تدل على المفاجأة، فالأمر لن يستغرق وقتا، ~~وأول ما يقومون من القبور ينظرون أي: هنا وهناك لأنهم سيرون أمرا ~~عجيبا لا عهد لهم به، وسيفاجئهم ما كانوا يكذبون به في الدنيا. ~~لذلك حكى القرآن عنهم في آية أخرى: # ربنآ أبصرنا وسمعنا # [السجدة: 12] وهي أول آية في القرآن يتقدم فيها البصر على السمع لأنهم ~~أول ما يفاجئهم يفاجئهم منظر جديد لم يروه من قبل، فينظرون إليه. ~~فإذا ما عاينوا هذا المنظر، قالوا: { يويلنا هذا يوم ~~الدين * هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون ~~} [الصافات: 20-21] هم الذين يقولون، وهم الذين يدعون على أنفسهم ~~بالويل والثبور، لا نقولها نحن ويلكم، بل يقولونها هم { يويلنا } ~~[الصافات: 20] يعني: احضر، فهذا أوانك لأنهم الآن تكشفت لهم الحقائق ~~وبان كذبهم وفساد تفكيرهم، وما كانوا فيه في الدنيا من اللدد ~~والعناد، وأول ما يتبين للإنسان فساد تفكيره وسوء عمله أول ما يلوم ~~يلوم نفسه، فيدعو عليها. وقولهم: { هذا يوم الدين } [الصافات: ~~20] يعني: يوم الجزاء على الأعمال، هذا الجزاء الذي لم يؤمنوا به في ~~الدنيا، ها هم يعترفون به، أو { هذا يوم الدين } [الصافات: 20] ~~يعني: هذا هو اليوم الذي ينفع فيه الدين، كما تقول لولدك وهو مقبل على ~~الامتحان: هذا يوم المذاكرة. يعني: اليوم الذي لا تنفعك فيه إلا مذاكرتك. ~~ثم يقولون: { هذا يوم الفصل } [الصافات: 21] ثم يعترفون { ~~الذي كنتم به تكذبون } [الصافات: 21] والفصل لا يكون إلا ~~في الخصومة، والخصومة هنا كانت بين الرسل وأقوامهم المكذبين لهم ~~والمعاندين، ومثل هذه الخصومة لا ينهيها الجدل لأن المكذبين لديهم لدد ~~وعناد، وقد لا ms8463 ينهيها السيف حتى يموت الظالم دون أن يقتص منه. إذن: ~~لا بد أن يأتي يوم للقصاص وللفصل في هذه الخصومات لذلك قال أحدهم: ~~والله لا يموت ظلوم حتى ينتقم الله منه، فقال الآخر: كيف وفلان ظلم ~~كثيرا ولم نر فيه شيئا؟ قال: والله، إن وراء هذه الدار دارا أخرى ~~يجازى فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. نعم، لا بد من هذا ~~اليوم، وإلا لكان الظالم أحظ من المظلوم. ### || [37.22-24] # أي: اجمعوا كل هؤلاء معا في النار { الذين ظلموا ~~وأزواجهم وما كانوا يعبدون } [الصافات: 22] إذن: ~~المحشور ثلاثة: الذين ظلموا جزاء ظلمهم، وأزواجهم، وما كانوا يعبدونه من ~~دون الله. قلنا: الزوج يعني المفرد ومعه مثله. فلا نقول على الرجل ~~والمرأة زوج، إنما زوجان، الرجل يسمى زوج والمرأة تسمى زوج، لا أن الزوج ~~يعني الاثنين كما يظن البعض، ومثلها كلمة توأم، فكل واحد منهما يسمى ~~توأم، وهما معا توأمان لذلك قال تعالى في سورة الأنعام: # ثمنية أزوج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين.. # [الأنعام: 143]. وقال: # ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين.. # [الأنعام: 144]. فلو أن الزوج يطلق على الاثنين لقال: أربعة أزواج. ~~ومعنى كلمة { وأزواجهم } [الصافات: 22] أي: أزواجهم في الدنيا، ~~كالزوجة التي تعين زوجها على الظلم، كامرأة أبي لهب، التي قال الله في ~~حقها: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد # [المسد: 1-5]. أو يراد بأزواجهم أشكالهم ونظائرهم وقرناءهم الذين ~~أضلوهم وأغووهم { وما كانوا يعبدون * من دون الله.. ~~} [الصافات: 22-23] أي: الأصنام التي عبدوها من دون الله، تحشر معهم في ~~النار، ليروا آلهتهم التي عبدوها وتعلقوا بها تسبقهم إلى النار، ~~فينقطع أملهم في النجاة وبيان لفساد تفكيرهم، حيث عبدوا أصناما لا تضر ~~ولا تنفع، وهذا توبيخ لهم لذلك يمتد هذا التوبيخ بعنف في قوله تعالى: { ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم } [الصافات: 23] وهل القذف في ~~النار هدى؟ والمعنى: دلوهم على طريق جهنم، يعني: سخرية منهم ~~وتهكما ms8464 بهم. ثم يقول سبحانه: { وقفوهم إنهم مسئولون } ~~[الصافات: 24] أي: احبسوهم للسؤال وللحساب، وهذا السؤال سيكون فرديا ليس ~~جماعيا، فكل واحد منهم سيسأل وسيناقش، قالوا: في السؤال تبكيت النفس ~~للنفس قبل أن يبكتهم الله الذي كفروا به، يعني: ساعة يعاينون البعث ~~وموقف الحساب يبكتون أنفسهم، ويندمون ساعة لا ينفع الندم. ### || [37.25-26] # وهذا الاستفهام أيضا على سبيل السخرية والتهكم، يعني: ما لكم الآن لا ~~ينصر بعضكم بعضا وكنتم تناصرون في الدنيا، الأتباع ينصرون السادة، ~~والسادة يجندون الأتباع، وما أشبههم في هذا الموقف بالمثل القائل: ~~وافق شن طبقه، أو قولنا اتلم المتعوس على خايب الرجا. لذلك يقول تعالى ~~بعدها: { بل هم اليوم مستسلمون } [الصافات: 26] أي: ~~خاضعين منقادين أذلاء مهانين، ونحن نقول: رفع الراية البيضاء. يعني: ~~لم يعد لديه شيء من القوة يدافع بها عن نفسه، ولا حجة ولا منطق، إنه ~~الآن قاعد في ذلة وصغار، ينتظر أمر الله فيه. ### || [37.27-30] # تأمل هذه المواجهة بين التابع والمتبوع، بعد أن ظهرت خيبة الجميع ~~وتكشفت الحقائق التي طالما أنكروها في الدنيا وكذبوا بها، إنهم ~~الآن يلقي كل منهم بالمسئولية على الآخر، ويتساءلون فيما بينهم. { ~~قالوا } [الصافات: 28] أي: الأتباع { إنكم كنتم تأتوننا ~~عن اليمين } [الصافات: 28] اليمين يعني من جهة اليمين، واليمين منه ~~اليمن والتيمن، واليمين جهة الخير لذلك أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالتيمن في كل شيء، فبها نسلم، وبها نأكل ونشرب، ونتناول الأشياء ~~ونكتب، لأنها مشرفة مكرمة، حتى العرب قديما كانوا يتفاءلون بجهة ~~اليمين لو طار الطير ناحية اليمين. واليمين أيضا من معانيها أنها مصدر ~~القوة في الفعل، وغالبية الناس يستخدمون اليمين، وهي عندهم الأقوى، وقد ~~سئلنا مرة عن الذين يعملون بالشمال: هل ننهاهم عن ذلك؟ نقول: العمل ~~باليمين أو اليسار ليس مجرد تعود، إنما هو تكوين طبيعي في الجسم، ففي ~~الجسم مركز يتحكم في توزيع القوة، فبعض الناس يميل مركز القوة عندهم ~~ناحية اليمين، فتكون يمينه أقوى من شماله، وبعضهم العكس، وبعضهم يتساوى ~~عنده مركز القوة، فيعمل باليمين ويعمل باليسار بنفس القوة، وهذا ~~يسمونه ms8465 الأضبط مثل سيدنا عمر رضي الله عنه. ومن معاني اليمين أيضا ~~الحلف والقسم، وهذه المعاني كلها واردة في معنى هذه الآية { إنكم ~~كنتم تأتوننا عن اليمين } [الصافات: 28] يعني: من جهة ~~الخير والحق لتصرفونا عنه، أو من ناحية البطش والقوة لتجبرونا على الفعل، ~~أو بالحلف يعني: تحلفون لنا أن هذا هو الطريق الصحيح، لا طريق غيره. ويرد ~~المتبوعون على التابعين { قالوا بل لم تكونوا مؤمنين } ~~[الصافات: 29] يعني: ما أخرجناكم من الإيمان إلى الكفر، بل كنتم بطبيعة ~~الحال غير مؤمنين، وبمجرد أن أشرنا إليكم سرتم خلفنا وتابعتمونا { ~~وما كان لنا عليكم من سلطان } [الصافات: 30] والسلطان ~~إما سلطان قوة يقهركم على الفعل، وإما سلطان حجة يقنعكم بالكفر، فليس ~~لنا عليكم لا سلطان قوة وقهر، ولا سلطان حجة وإقناع. { بل كنتم } ~~[الصافات: 30] بطبيعتكم { قوما طاغين } [الصافات: 30] أي: متجاوزين ~~للحد في الكفر وفي الضلال. وهذه تعليمة إبليس يقولها لأتباعه في الآخرة ~~حين يتبرأ منهم ويلقي عليهم مسئولية كفرهم، كما حكاه القرآن الكريم: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم # [إبراهيم: 22]. ### || [37.31-34] # معنى { فحق } [الصافات: 31] أي: وقع ووجب { علينا } [الصافات: ~~31] أي: جميعا التابع والمتبوع، الجميع وجب له العذاب، والحق هو الشيء ~~الثابت الذي لا يتغير، وهذا المعنى ورد في القرآن بأساليب ثلاثة: # سبق عليه القول # [هود: 40]، و # حق القول # [يس: 7]، و # وقع القول # [النمل: 82]. فقد سبق منا أن أخبرنا بحدوث الشيء، وقد تحقق بالفعل ~~ما أخبرنا به وتحققه بوقع يعني: بقوة وبشدة. وقالوا: إن كلمة # وقع القول # [النمل: 82] لم تستخدم إلا في الشر، ما عدا مرة واحدة استخدمت في ~~الخير، وهي قوله تعالى: # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ~~ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله.. # [النساء: 100]. وتأمل قوله سبحانه: { إنا لذآئقون } [الصافات: ~~31] ولم يقولوا معذبون أو محرقون، لأن العذاب أو الإحراق يمكن أن ~~ينتهي في وقت من الأوقات، أما الإذاقة فهي دائمة ms8466 ومستمرة، وهذا المعنى ~~واضح في قوله تعالى: # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء: 56]. وقد اكتشفنا مؤخرا أن الجلد هو مركز الإحساس لا المخ، ~~بدليل أنك حين تأخذ حقنة مثلا تشعر بالألم بمجرد أن تنفذ الإبرة من ~~منطقة الجلد، وبعد ذلك لا تشعر بألم، هذه الحقيقة قررها الحق سبحانه في ~~قوله: # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها # [النساء: 56] لماذا؟ # ليذوقوا العذاب # [النساء: 56] فإذاقة العذاب في نفس الجلد. وقولهم: { فأغويناكم ~~} [الصافات: 32] أي: دللناهم على طريق الغواية والضلال، والغاوي هو ~~الذي ضل طريق الخير والحق { إنا كنا غاوين } [الصافات: 32] ~~والمعنى: إن كنا نحن ضالين غاوين، فلماذا نترككم للهداية وللإيمان، ~~لا بد أن تشربوا معنا من نفس الكأس، وهذا منطق أستاذهم إبليس، فلما ~~عصى وطرد من رحمة الله أقسم أن يضل معه ذرية آدم، ليكونوا مثله في ~~الضلال. ثم ينهي الحق سبحانه هذه المواجهة بين أهل الباطل، ويقرر هذه ~~الحقيقة { فإنهم يومئذ } [الصافات: 33] أي: يوم القيامة { في ~~العذاب مشتركون } [الصافات: 34] وهذه سنتنا في أهل الضلال { ~~إنا كذلك نفعل بالمجرمين } [الصافات: 34] والمجرم هو ~~الذي يكذب بقضية الإيمان الأولى، وهي التوحيد لذلك يصفهم الحق سبحانه ~~في الآية بعدها: { إنهم كانوا إذا قيل لهم... }. ### || [37.35-37] # قوله سبحانه: { إنهم } [الصافات: 35] أى: الكفار الذين وصفوا ~~بالإجرام { كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله ~~يستكبرون } [الصافات: 35] أي: يستكبرون عن قبولها والتصديق بها { ~~ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا } [الصافات: 36] يعني: ~~منصرفون عن عبادتها { لشاعر مجنون } [الصافات: 36] أي: من أجله، ~~ومن أجل دعوته. وعجيب من العرب وهم أمة كلام يقدرون الكلمة ~~ويتذوقونها، ويجعلون لها أسواقا ومعارض، ويكرمون الشعر والشعراء، ~~لدرجة أنهم علقوا أجود قصائدهم على أستار الكعبة، عجيب من قوم هذا ~~حالهم أن يقولوا { آلهتنا } [الصافات: 36] وهم يعلمون تماما معنى ~~الآلهة ومعنى العبادة، فالإله يعني المعبود فبأى حق عبدت الأصنام؟ ~~بماذا أمرتكم؟ وعن أي شيء نهتكم؟ ما المنهج الذي جاءتكم به؟ نعم هم ~~يعلمون أنها جمادات، لا تضر ولا تنفع، لكن عبدوها بفطرة التدين في ~~الإنسان، فالإنسان بطبعه متدين ms8467 يحب أن يستند إلى قوة أعلى منه يلجأ ~~إليها عند الشدة، قوة تعينه على التجلد والتصبر للأحداث، وقد وجدوا ~~في هذه الآلهة أنها آلهة بلا تكاليف وبلا متطلبات، فعبدوها من دون الله. ~~ثم عجيب منهم وهم أمة كلام ألا يفرقوا بين كلام الله في القرآن وبين ~~الشعر، وهم أعلم الناس به وبأوزانه وقوافيه، فأين الشعر من كلام الله في ~~القرآن؟ ثم عجيب منهم أن يتهموا رسول الله بالجنون، وهم أعلم الناس به ~~وبأخلاقه وصفاته وسيرته فيهم قبل بعثته، وما أبعد الجنون عن الذي جمع ~~محاسن الصفات وكريم الأخلاق!! الجنون أن يتصرف المجنون بجوارحه ~~تصرفا لا يمر على العقل، المجنون لا يفاضل بين الأشياء، ولا يعرف ~~الضار من النافع، المجنون ليس له خلق، لذلك يرد الحق عليهم ويدفع ~~عن رسوله اتهاماتهم، فيقول: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4]. لذلك يقول تعالى هنا: بل وهي للإضراب عن الكلام السابق، ~~يعني: دعك من هذا الهراء { بل جآء بالحق } [الصافات: 37] ~~بالشيء الثابت الذي لا يتغير { وصدق المرسلين } [الصافات: 37] ~~صدق من سبقوه من الرسل في منهج الله. ### || [37.38-39] # في الآيات السابقة قال سبحانه حكاية عن الظالمين قول المتبوعين ~~لأتباعهم: # فحق علينا قول ربنآ إنا لذآئقون # [الصافات: 31] وهنا يؤكد هذا المعنى، إلا أنه يصرح هنا بنوع الإذاقة ~~{ لذآئقو العذاب الأليم } [الصافات: 38] وهذا العذاب الأليم ~~ليس ظلما ولا تعديا، إنما جزاء ما قدمتم: { وما تجزون إلا ~~ما كنتم تعملون } [الصافات: 39]. وبعد الحديث عن أهل الكفر ~~واللدد وأهل الإجرام والعناد، وبيان مصيرهم، وما ينتظرهم من الجزاء ~~يتبع الحق سبحانه هذا بالحديث عن أهل الإيمان الذين أخلصوا العبادة لله، ~~والجمع بين المتقابلين أسلوب من أساليب القرآن، كما في قوله سبحانه: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14] وبضدها تتميز الأشياء، والشيء بعد ذكر مقابله يتبين ~~حسنه، كما قال الشاعر واصفا محبوبته: # فالوجه مثل الصبح مبيض # والشعر مثل الليل مسود # ضدان لما استجمعا ms8468 حسنا # والضد يظهر حسنه الضد # لذلك يذكر الحق سبحانه ما أعده للمؤمنين المخلصين، بعدما ذكره من جزاء ~~الظالمين المكذبين، لينشئ الحسرة في نفوسهم، فتكون عذابا جديدا يضاف ~~إلى عذابهم في النار. يقول تعالى: { إلا عباد الله ~~المخلصين * أولئك لهم رزق معلوم... }. ### || [37.40-47] # سبق الحديث عن جزاء الكافرين، وهنا استثناء { إلا عباد الله ~~المخلصين } [الصافات: 40] فهم مستثنون بعيدون من هذا المصير، ~~وكلمة { المخلصين } [الصافات: 40] جمع مخلص بالفتح، فهي اسم ~~مفعول. يعني: الذين أخلصهم الله واصطفاهم لطاعته وعبادته { أولئك ~~لهم رزق معلوم } [الصافات: 41] أي: في الآخرة لأن رزق الدنيا ~~ليس معلوما لأنك تكد وتتعب في الدنيا، وقد تحرم ثمرة هذا الكد، ~~فالزراعة قد تبور، والتجارة قد تخسر. إذن: لنا رزق في الدنيا، لكنه غير ~~معلوم، أما في الآخرة فرزقك معلوم مخصص لك لا يتخلف أبدا، ولا ~~تحول دونه الأسباب لأنك تعيش في الآخرة - كما قلنا - مع المسبب ~~سبحانه. وسبق أن عرفنا الرزق وقلنا: إنه كل ما ينتفع به، حتى ما ~~يؤخذ من الحرام يعد رزقا لذلك قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم # [البقرة: 172]. ثم ينتقل السياق إلى تفصيل ما أجمل في كلمة رزق. وأهم ~~رزق ينتفع به المرء هو القوت الضروري الذي به قوام حياته، ثم التفكه ~~بما يرفه هذه الحياة، لكن الحق سبحانه هنا لم يذكر الضروريات، إنما ~~ذكر الترف الزائد على الضروريات { فواكه وهم مكرمون } ~~[الصافات: 42] مع أنه في مواضع أخرى ذكر الضروريات، ثم أتبعها بالفاكهة ~~والترفيات، مثل قوله سبحانه: # ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا ~~يشكرون # [يس: 35]. إذن: لماذا اقتصر الكلام هنا على الفاكهة فحسب؟ قالوا: لأن ~~الكلام هنا عن الآخرة، والأكل في الآخرة لا يكون عن حاجة إلى الطعام، ~~إنما يكون متعة وتفكها بالأكل. أو: يكون المراد أن الله تعالى ما دام ~~قد ضمن لك التفكه، فمن باب أولى ضمن لك القوت الضروري. ومعنى { ~~وهم مكرمون } [الصافات: 42] أي: أنهم لا يرمى لهم الأكل ~~ليأكلوا، كما نرمي الحشيش للبهائم مثلا، لا نقصد بذلك إكرامهم، ms8469 إنما ~~يساق لهم هذا الرزق { وهم مكرمون * في جنات النعيم } ~~[الصافات: 42-43] لأنه رزق المحب لأحبابه. وقوله تعالى: { على ~~سرر متقابلين } [الصافات: 44] يعني: لا يكلفهم مشقة التزاور، ~~فالسرر التي يجلسون عليها متقابلة، بحيث إن أردت أن تزور أخا لك ~~تجده أمامك، دون أن تنتقل إليه، فهذه مسألة مضمونة. { يطاف عليهم ~~بكأس من معين } [الصافات: 45]، وفي آية أخرى بين سبحانه ~~الذين يطوفون بهذه الكأس # يطوف عليهم ولدان مخلدون * بأكواب وأباريق ~~وكأس من معين # [الواقعة: 17-18]. الكأس يراد بها الخمر أو القدح الذي يوضع فيه ~~الخمر { من معين } [الصافات: 45] يعني: من شيء تراه بعينيك، أو من ~~عيون تجري كما تجري عيون الماء. ثم يصف هذه الخمر بأنها بيضاء والبيضاء ~~هي أصفى أنواع الخمر عند العرب. { لذة للشاربين } [الصافات: ~~46] ولم يقل لذيذة. # إنما لذة أي: هي في ذاتها لذة، وكأن اللذة تجسدت في هذه الكأس، ~~كما تقول: فلان عادل. فإن أردت المبالغة في هذا الوصف قلت: فلان ~~عدل. ووصف الخمر في الآخرة بأنها { لذة للشاربين } ~~[الصافات: 46] ليفرق بينها وبين خمر الدنيا، لأن خمر الدنيا كما ~~نراهم يشربونها في الأفلام لا تشرب للذة، لأنه يضع القليل منها في ~~الكأس، ثم يصبها في فمه صبا، ويتناولها على مضض لكراهية طعمها. ~~لكن طالما أن خمر الدنيا لا لذة في تعاطيها، فلم يشربونها؟ ~~يشربونها للأثر الذي ينشأ منها من اختلال العقل الذي يعد حارسا على ~~الحركة، وهم يريدون الانطلاق والحرية من هذا الحارس لذلك فأجود أنواع ~~الخمر عندهم والعياذ بالله، هذه التي تغيبه عن وعيه، وتفعل به كذا ~~وكذا. أما خمر الآخرة فلا يجمعها بهذه إلا اسمها فحسب، خمر الآخرة ~~لذة، تشعر بها حين تتناولها، وتأخذها رشفة رشفة على مهل لتتذوق ~~حلاوتها، ثم هي لا تذهب بالعقل ولا تغتاله { لا فيها غول } ~~[الصافات: 47] أي: لا تغتال العقول، ولا تذهب بها. { ولا هم عنها ~~ينزفون } [الصافات: 47] نقول: انزف الحوض. يعني: أفرغه من الماء ~~بالتدريج إلى نهايته، ونزف الدم يعني: سال من الجسم واحدة واحدة، إلى ~~أن يموت الإنسان. ms8470 ومن أنواع الخمر ما يسبب نزفا لما في البطن، ~~بحيث يفرغ شاربها كل ما في بطنه، ويخرج كل ما في جوفه. أما خمر ~~الآخرة فلا تسبب هذا النزف. أو: يكون المعنى { ولا هم عنها ~~ينزفون } [الصافات: 47] أي: لا تستنزف عقولهم، ولا يسكرون ~~بسببها، كما تسكر خمر الدنيا. ### || [37.48-49] # هذا وصف لنساء الجنة فهن { قاصرات الطرف.. } [الصافات: 48] ~~يعني: تغض بصرها، فلا تنظر إلى غير زوجها، وقلنا: إن أغلى ما يتملكه ~~الإنسان يمكن أن يهبه لغيره، فأنت تعير صاحبك سيارتك مثلا أو بيتك ~~أو ثوبك.. الخ أما المرأة فهي الشيء الوحيد الذي لا تقبل مجرد النظرة ~~إليها، لما لها من خصوصية ومنزلة، كذلك تحب من زوجتك ألا تمتد ~~عينها إلى غيرك، وهذه من صفات أهل الجنة فهن { قاصرات ~~الطرف.. } [الصافات: 48] تقصر نظرها على زوجها، وهن كما في آية ~~أخرى: # حور مقصورات في الخيام # [الرحمن: 72] يعني: مأسورات محفوظات لأزواجهن. فالحق سبحانه يحفظ حسن ~~المرأة، ويحرص على التكوين العفيف في المجتمع، ليأتي النسل شريفا ~~طاهرا، وهذه المقاييس التي للمؤمنة في الدنيا هي كذلك في الآخرة، فكأن ~~الحق سبحانه يطمئن الأزواج على هذه الخصوصية، ويؤكد أن الزوجة فيها لا ~~يشاركه فيها أحد، ولو حتى بالنظرة. ومعنى { عين } [الصافات: 48] عين ~~جمع عيناء. يعني: واسعة العينين مع حسنهما، وهذه من علامات الملاحة ~~والحسن في المرأة عند العرب لذلك من المقاييس التي وضعوها للجمال أن ~~العين تكون واسعة، والفم ضيق، بحيث إذا قيست عينها بفمها، كانت عينها ~~أوسع. ومعنى عندهم يعني: في حوزتهم لأنها من متاع الجنة، فمن اشتهى ~~منهن شيئا وجده وإلا ترفع عنها، لكن هي موجودة عندهم. ثم يصفهن ~~سبحانه بقوله: { كأنهن بيض مكنون } [الصافات: 49] كلمة { ~~بيض } [الصافات: 49] جمع بيضة، والمراد بيضة النعام لأنها أكبر وأجمل ~~في اللون. ويقولون لمن يحمى الجمال في قبيلته: يحمى بيضتها لذلك وصف ~~البيض هنا بأنه { مكنون } [الصافات: 49] مصان مستور لم تمد ~~إليه يد. ### || [37.50-53] # سبق أن استمعنا إلى حوار دار بين الكافرين المجرمين في النار. وهنا يحكي ~~لنا الحق سبحانه ms8471 هذا الحوار بين أهل الجنة يتساءلون عن أهل الظلم، وأهل ~~الضلال والغواية وأهل التكذيب، أين هم الآن؟ وما مصيرهم؟ { قال قآئل ~~منهم } [الصافات: 51] من أهل الجنة { إني كان لي قرين } ~~[الصافات: 51] أي: صاحب في الدنيا { يقول أءنك لمن ~~المصدقين } [الصافات: 52] أي: بالبعث { أءذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أءنا لمدينون } [الصافات: 53] يعني: ~~محاسبون. وهذا السؤال منه على سبيل التكذيب والإنكار لقضية البعث ~~والحساب. ### || [37.54-57] # القرآن يصور لك هذا الموقف كأنك تراه، ويحكيه كأنك تسمعه، فبينما أهل ~~الجنة مشغولون في تساؤلهم عن أهل الضلال ممن كانوا يعرفونهم في ~~الدنيا، إذ نظر أحدهم فاطلع على أهل النار، فرأى صاحبه الذي حاول أن ~~يضله، صاحبه المكذب بالبعث وبالحساب. فقال لجلسائه: انظروا هذا ~~فلان في النار. { فاطلع فرآه في سوآء الجحيم } [الصافات: ~~55] أي: في وسطها، فلا أمل له في النجاة منها، عندها تذكر المؤمن ~~نعمة الله التي شملته وأنقذته من هاوية الضلال، التي كاد أن يوقعه ~~فيها صاحبه، فقال مخاطبا هذا القرين: { تالله إن كدت ~~لتردين } [الصافات: 56] أي: تهلكني معك { ولولا نعمة ~~ربي.. } [الصافات: 57] أي: تداركتني وأنقذتني { لكنت من ~~المحضرين } [الصافات: 57] أي: الذين تحضرهم الملائكة للعذاب، وهنا ~~تزداد فرحة المؤمنين بإيمانهم، ويزداد شكرهم لله واعترافهم بفضله، ولا ~~ينغص عليهم هذه الفرحة إلا الخوف من الموت وفوات هذا النعيم، ~~فيقولون: { أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى ~~وما نحن بمعذبين... }. ### || [37.58-61] # فهم إذن يخافون فوات هذا النعيم، فيتساءلون { أفما نحن ~~بميتين * إلا موتتنا الأولى } [الصافات: 58-59] يعني: ~~ألسنا سنموت مرة أخرى { وما نحن بمعذبين } [الصافات: 59] ~~أي: بعد ما نحن فيه من النعيم، أليس هناك شيء آخر نحاسب ونعذب ~~عليه، كأن أمنيته أن يظل على هذه الحال من التنعم، فلا يفوته لا ~~بموت ولا بتغير الحال من النعيم إلى العذاب. { إن هذا } ~~[الصافات: 60] أي: ما نحن فيه من النعيم الدائم الذي لا ينقطع ولا يزول، ~~ولا يأتي بعده حساب آخر ولا عذاب { لهو الفوز العظيم } ~~[الصافات: 60] ولا شك أن هذه غاية ينبغي أن يعمل لها كل عامل { لمثل ms8472 ~~هذا فليعمل العاملون } [الصافات: 61]. فكأن الحق سبحانه ~~يحكي لنا هذا الموقف من الآخرة ليبين لنا أثر الإيمان وعاقبة العمل ~~الصالح، ويستحضر لنا ما يحدث في اليوم الآخر، لنأخذ من ذلك العبرة ~~والعظة، فكل عمل يؤدي إلى هذه العاقبة سهل هين، مهما ~~تحملنا فيه من مشاق ومتاعب، وهو مكسب لا خسارة فيه. ### || [37.62-65] # الآيات هنا تراوح بين ذكر الجنة وما فيها من النعيم، وذكر النار وما ~~فيها من العذاب، فتعود مرة أخرى إلى جهنم وعذابها ووصف ما فيها { ~~أذلك } [الصافات: 62] أي: ما سبق ذكره من نعيم الجنة { خير } ~~[الصافات: 62] أفضل، فهي بمعنى أفعل التفضيل. { نزلا } [الصافات: 62] ~~أي: منزلا وضيافة. فالنزل ما يعد للضيف الطارئ من مسكن، فيه ~~مقومات الحياة من مأكل ومشرب وخلافه، لذلك يسمون الفندق نزل، ~~والفنادق مع ما فيها الآن من سبل الراحة هي ما أعده البشر للبشر، فما ~~أدراك بما أعده رب البشر؟ لا بد أن تكون الضيافة على قدر ~~إمكانات المضيف. { أم شجرة الزقوم } [الصافات: 62] وطبيعي أن ~~نسأل: ما هي يا رب شجرة الزقوم؟ فيصفها الله لنا { إنا ~~جعلناها فتنة للظالمين } [الصافات: 63] فتنة بمعنى: محنة ~~وعذاب { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } [الصافات: ~~64] أي: في وسطها. وهذا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة، فلا تسأل عن كيفية ~~نمو شجرة في وسط النار لأن الفاعل هو الله عز وجل. إذن: خذها في إطار ~~تنزيه الحق عن قوانين الخلق. ومعنى { طلعها } [الصافات: 65] أي: ~~ثمرها { كأنه رءوس الشياطين } [الصافات: 65] لكن نحن لم ~~نر رءوس الشياطين، لذلك وقف بعض المستشرقين الذين يحاولون الاستدراك ~~على كلام الله، وقف يقول: كيف يشبه الله في هذه الآية مجهولا ~~بمجهول، فنحن لم نر شجرة الزقوم، ولم نر رءوس الشياطين، والتشبيه يأتي ~~لتوضيح المشبه بذكر المشبه به، فما فائدة أن تشبه مجهولا بمجهول؟ ~~نقول: مخ الإنسان فيه جزء للحافظة، وجزء للذاكرة، وجزء للتخيل يسمى ~~مخيلة، فالإنسان يرى الأشياء، فتسجلها الحافظة في حاشية الشعور، ثم ~~الذاكرة تستدعي له هذه الأشياء، أما المخيلة فتأخذ من واقع الأشياء ~~وتكون صورا ms8473 جديدة متخيلة، لا أصل لها في الواقع. هنا أنت مع هذا ~~التشبيه { طلعها كأنه رءوس الشياطين } [الصافات: 65] مع ~~أنك لم تر رءوس الشياطين، إلا أن خيالك سيرسم لها صورة على أبشع ما ~~يكون، وعندها سيتضح لك الفارق بين النزل الذي أعده الله للمؤمنين ~~في الجنة وهذه الشجرة التي ثمارها كرءوس الشياطين، فالجمع بين هاتين ~~الصورتين مقصود، فكأن ربك عز وجل أراد أن يسوق لك العظة في وقت ~~الجزاء المشهود، لا في وقت التكذيب. وشجرة الزقوم شجرة خبيثة، منتنة ~~الرائحة، مرة الطعم، موجودة في منطقة تهامة، جعلها الله مثلا ~~للشجرة التي تنبت في أصل الجحيم، قالوا: هذا بمثابة تقريع للمعذبين ~~بهذه الشجرة، لأنهم كانوا يكذبون بالبعث وبالحياة بعد الموت، فجعل ~~الله لهم هذه الشجرة تنبت في وسط جهنم وفيها طعامهم، فلا طعم لهم غير ~~ثمرها. والشجرة تعني الخضرة والمائية، ومعلوم أن المائية تنافي النار، ~~وفي هذا إشارة إلى طلاقة القدرة التي كذبوا بها في الدنيا. # إذن: كون هذه الشجرة في أصل الجحيم، وهم يعيشون على ثمرها ويحتاجون ~~إليها وهي شاخصة أمامهم، هذا كله تقريع لهم على ما كذبوا به. وهذه ~~المسألة تذكرنا بسيدنا إبراهيم - عليه السلام - حين ألقي في النار، ~~فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وعطل بقدرته تعالى قانون الإحراق. ~~الحق سبحانه يريد أن يبشع صورة هذه الشجرة، مع أن العرب يعرفون شجرة ~~بهذا الاسم، ويعرفون خبثها ونتن ريحها ومرارة طعمها، ويعرفون ~~طلعها البسيط، لكن أحدا لم ير الطلع الذي يشبه رءوس الشياطين. ~~إذن: المراد تبشيعه وإعطاء الفرصة للتخيل أن يذهب في تصور بشاعته ~~كل مذهب، فطلع كل شيء يكون جميلا، بل هو أجمل ما في الشجرة، أما هذه ~~فطلعها كأنه رءوس الشياطين، ولك أن تتصور ما فيه من القبح ~~والدمامة والشكل المنفر. ومعلوم أن العرب كانت تعتقد أن الشياطين ~~أقبح صورة، ويقابله الملاك أحسن وأجمل صورة، ومن ذلك قول النسوة لما ~~رأين يوسف عليه السلام: # حاش لله ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم # [يوسف: 31]. إذن: راعى القرآن في ms8474 هذا التشبيه معتقدات العرب، وجاء ~~بصورة مجهولة. نعم لكن سيتصورها كل واحد بمقاييس القبح عنده، ولو أتى ~~بمثل محدد معروف في القبح، لكان على لون واحد، وربما كان ~~قبيحا في نظر شخص وغير قبيح في نظر الآخر، لكن الحق سبحانه يريد منظرا ~~مقبحا عند الكل، ومن منا يتصور الشيطان جميلا؟ لذلك قلنا: ~~إذا جئنا برسامي الكاريكاتير في العالم، وقلنا لهم: ارسموا لنا صورة ~~تخيلية للشيطان، فسوف يرسم كل منهم صورة للقبح في نظره، ولن تجد ~~فيها صورة مثل الأخرى. إذن: جاء تشبيه طلع شجرة الزقوم برءوس الشياطين، ~~ليشيع معاني القبح جميعا في النفوس، وهذه الصورة كفيلة بأن تنفرنا ~~من هذه الشجرة. وأصل الطلع هو الكم الذي يحوي أول ثمرة للشجرة، ~~ويقال للكوز الذي يحوي ثمرة النخل وما يشبهها. فإذا خرجت منه ~~الشماريخ، وبانت استدارته وتكوينه يسمى بلح طالما كان أخضر اللون. ~~والبلحة لها ثلاثة أوصاف: الأول: حجمها، فإذا أخذت حجمها الطبيعي ~~والنهائي يبدو دون لون، فتتلون إما حمراء أو صفراء، وفي هذه المرحلة ~~يقولون البلح عفر ويسمونه زهو. الثاني: إذا استقر اللون وكملت ~~حمرته أو صفرته يسمونه بسر. الوصف الثالث: بعد الحجم واللون ~~يأتي القوام: لين أو يابس بحسب البيئة، فإن كانت حارة جافة، فإنها تؤثر ~~على البسر وتجففه، فيتحول إلى تمر، وإن كانت البيئة باردة رطبة صار ~~البسر رطبا. ### || [37.66-68] # معنى: ستضطرهم الضرورة وتلجئهم لهذا المثل المكدر المنكد لهم، حيث ~~لا طعام لهم غيرها { فإنهم لآكلون منها } [الصافات: 66] ولن ~~يأكلوا على قدر الضرورة، بل { فمالئون منها البطون } ~~[الصافات: 66] وعندما يملأون منها بطونهم تزداد النار فيها، فيريدون ~~شرابا يطفىء هذه النار، فيكون شرابهم الحميم، والعياذ بالله. { ثم ~~إن لهم عليها لشوبا من حميم } [الصافات: 67] الشوب ~~هو الشيء المخلوط الممزوج، والحميم هو الماء الذي بلغ غاية الحرارة. وفي ~~موضع آخر، سماه القرآن الغسلين هذا شرابهم والعياذ بالله، فإذا ما ~~أكلوا وشربوا عادوا للجحيم مرة أخرى: { ثم إن مرجعهم لإلى ~~الجحيم } [الصافات: 68]. ثم يبين الحق سبحانه علة ذلك، وسبب ~~هذا المصير المؤلم، ms8475 وأنه ليس ظلما لهم، إنما جزاء ما فعلوا: { إنهم ~~ألفوا آبآءهم ضآلين... }. ### || [37.69-70] # يعني: وجدوا آباءهم على ضلال { فهم على آثارهم } [الصافات: ~~70] يعني: يتبعون طريقهم ويقلدونهم، ومعنى { يهرعون } [الصافات: ~~70] أي: يزعجون ويسرعون كأن شيئا يحملهم على الإسراع لأن هذا الفعل ~~يهرعون مبني للمجهول. أى: لما لم يسم فاعله كما نقول: زكم ~~فلان، فالفاعل غير معروف. ولو كان الإسراع في اتباع الآباء منهم لقال ~~يهرعون بالفتح، إنما يهرعون كأن شيئا يدفعهم إلى تقليد الآباء، ليبين ~~لك سبحانه أن الشر أعدى، لأنه لا تكليف للنفس فيه ولا حجز للشهوة، لذلك ~~يجري الإنسان إليه ويسرع في طلبه. أما الهدى والمنهج فلا يسرع إليه لأنه ~~يضيق عليه مجال الشهوات، ويقيد حركته في إطار ما شرع الله، إذن: هم ~~يقلدون الآباء وهم يعرفون أنهم ضالون لينفلتوا من قيد التكاليف ~~الشرعية. لذلك لما أخذ الله تعالى علينا العهد ونحن في عالم الذر، قال ~~سبحانه: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون # [الأعراف: 172-173]. وقد حكى القرآن اعترافهم باتباع الآباء في أكثر من ~~موضع من كتاب الله، فقال سبحانه: # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ # [البقرة: 170] ويرد عليهم # أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة: 170]. فكأن الحق سبحانه يقول لهم: أنتم كاذبون في هذا الادعاء. ~~ولو كانت القضية عامة، فلماذا لم تتبعوا أباكم آدم عليه السلام، وقد جاء ~~بمنهج وسار عليه؟ فلو اتبعه القوم لقلدهم من بعدهم وهكذا، ولاستمر ~~منهج الله، إنما حكمتكم الشهوات، وسيطرت عليكم الرغبات، فأخرجتكم عن ~~منهج ربكم وخالفتم. ثم أليس منكم رجل عاقل يعي هذا الضلال، ويأنف أن ~~يتبعه، ويبحث عن هدى؟. ### || [37.71-74] # قوله تعالى: { ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين } ~~[الصافات: 71] يعني: ليس هؤلاء بدعا في الضلال، فقد ضل ms8476 قبلهم كثيرون ~~ممن سبقوهم، وهذا يعني أن قلة آمنت، والكثرة ضلت { ولقد ~~أرسلنا فيهم منذرين } [الصافات: 72] يعني: لم نتركهم على ~~غفلتهم، بل أرسلنا إليهم الرسل تنذرهم وتحذرهم. وقلنا: إن في ذات النفس ~~البشرية مناعات ذاتية، تعصم صاحبها من المعصية ومن الزلل، حتى لو كان ~~منفردا عن الناس، فإن ضعفت عنده هذه المناعة فخالف منهج الله تلومه ~~النفس اللوامة الأوابة، فتؤنبه حتى يتوب ويرجع، فإن ألف المعصية ~~وضعفت عنده النفس اللوامة، ولم يعد له رادع من ذات نفسه ردعه ~~المجتمع الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المجتمع الناصح الذي يقيم ~~بين أفراده قوله تعالى: # وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3]. وفرق بين: وصوا وتواصوا، تواصوا يعني: يوصي بعضكم ~~بعضا، ففيها تفاعل بين أفراد المجتمع لأن المجتمع حتى المؤمن المتدين ~~يتفاوت الناس فيه من حيث الاستقامة وتطبيق المنهج، ولا بد أن ~~يوجد في المجتمع من يضعف فيشذ، أو تصيبه غفلة، فيجد من يردعه، ~~ويجد من يذكره حتى يعود إلى الجادة. فإذا فقد الرادع من المجتمع، ~~وعم الفساد المجتمع قلنا: تدخلت السماء برسول جديد ومنهج جديد. نحن ~~نعرف أن الرسول يأتي بشيرا ونذيرا. لكن الحق سبحانه هنا خص الإنذار ~~{ ولقد أرسلنا فيهم منذرين } [الصافات: 72] لماذا؟ ~~قالوا: لأن درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة، وقلنا لتوضيح هذه ~~المسألة: لو أن شخصا يرمي لك تفاحة مثلا، وآخر يرميك بحجر لا شك أنك ~~ستدفع الحجر عن نفسك أولا. وقوله: { فانظر كيف كان عاقبة ~~المنذرين } [الصافات: 73] يعني: تأمل نتيجة الإنذار، فرسل الله ~~أنذروا الجميع، لكن هل انتفع الجميع بالإنذار؟ لا بل منهم من انتفع به، ~~ومنهم من أعرض عنه، لذلك جاء الحق سبحانه بعدها بهذا الاستثناء: { ~~إلا عباد الله المخلصين } [الصافات: 74] أي: الذين أخلصهم ~~واصطفاهم لعبادته وطاعته، وهم الذين انتفعوا بالإنذار. وبعد أن تكلم ~~الحق سبحانه عن موكب الرسل إجمالا، فقال: { ولقد أرسلنا ~~فيهم منذرين } [الصافات: 72] أراد سبحانه أن يتكلم عنهم ببعض ~~التفصيل، فقال سبحانه: { ولقد نادانا نوح فلنعم ~~المجيبون * ونجيناه وأهله من الكرب... }. ### || [37.75-82] # لكن، لماذا بدأ بسيدنا ms8477 نوح عليه السلام؟ قالوا: لأن دعوته كانت أشبه ~~بدعوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك قال تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه # [الشورى: 13]. الحق سبحانه وصى نوحا، ووصى غيره من الرسل ممن ~~هم أعلى منه، ومع ذلك عطفهم عليه، وجعله في المقدمة. قالوا: لأن لنوح ~~خصوصية هي في البيئة التي كان فيها، وفيمن آمن به، فكان المؤمنون به هم ~~الذين نجوا في السفينة، وهم وحدهم الموجودون في العالم كله في ذلك ~~الوقت، فكأن له عمومية رسالة بخصوص الموضوع، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم له عمومية رسالة، لكن في عموم الموضوع. قوله سبحانه: { ولقد ~~نادانا نوح } [الصافات: 75] كلمة نادانا تدل على أنه - عليه ~~السلام - استنفد كل وسائله في دعوة قومه ولم تفلح، بدليل أنه قال في موضع ~~آخر كما حكى القرآن: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا # [نوح: 26-27] وما دعا نوح على قومه هذه الدعوة إلا بعد يأس منهم، ~~وبعد أن وجد أن أسبابه الإيمانية المحيطة به من أتباعه غير كافية، ~~فلمن يلجأ إذن؟ يلجأ لله، لأنه وحده القادر على أن يخلصه منهم، ~~فيناديه: يا رب أنت بعثتني فلا تتخل عني، وهذه ظاهرة فطرية لكل ~~مستنجد مستغيث، فأنت حين يطرأ لك خطر، لا تستطيع دفعه بقوتك وحيلتك ~~تستنجد بأقرب الناس إليك، فإن لم تجد تستنجد بالبعيد، فإن عز المغيث ~~تقول - كما قلنا سابقا - يا هوه يعني: يا رب ليس غيرك يغيثني. ثم ~~يأتي جواب هذا النداء: { فلنعم المجيبون } [الصافات: 75] لأنه ~~عليه السلام - كان نعم الداعي، فلا بد أن يقابل بنعم المجيبون، ~~ولم يقل: فلنعم المجيب، لأنه الحق يجيبه بجنوده في الأرض مثل: الهواء ~~والماء والملائكة.. # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31] ونتيجة هذه الإجابة { ونجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم } [الصافات: 76]. وهنا وقف المستشرقون يقولون: كيف ~~وقد ms8478 أهلك الله ولده، أليس من أهله؟ لكن في موضع آخر قص القرآن علينا ~~قصة نوح عليه السلام وولده الذي شذ عنه، فغرق مع المغرقين ولم تفلح ~~توسلات نوح: # رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت ~~أحكم الحاكمين # [هود: 45]. وهذا اللبس ناتج من أن الناس أغفلوا أن بنوة الأنبياء ~~ليست بنوة النسب، إنما بنوة الإيمان بالله لذلك رد الله على نوح: # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.. # [هود: 46]. فالأهلية هنا أهلية عقيدة وإيمان بالله، لا أهلية دم ~~ونسب لذلك إذا نظرت في هذه الآية تجد الحق سبحانه لم ينف الذات، ~~إنما نفى فعل الذات # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.. # [هود: 46]. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: # ".. لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم وأحسابكم ". # وكلمة { من الكرب العظيم } [الصافات: 76] المراد: الغرق، ~~والكرب هو: المكروه الذي لا تستطيع دفعه عن نفسك، ولا يدفعه عنك من ~~حولك حين تستغيث بهم، فإن كان لك فيه حيلة للنجاة فلا يسمى كربا، ~~ووصف الكرب هنا بأنه عظيم، لأنه جاء بحيث لا يملك أحد دفعه، فالماء ~~ينهمر من السماء، وتتفجر به الأرض، ويغطي قمم الجبال، فأين المفر ~~إذن؟ ومعلوم أن الماء قوام حياة كل حى، ومن أجل نعم الله ~~علينا، لكن إن أراد سبحانه جعل الماء نقمة وعذابا، وقد رأينا في قصة ~~سيدنا موسى - عليه السلام - كيف نجى الله موسى بالماء، وأهلك فرعون ~~بنفس الماء. وقوله تعالى: { وجعلنا ذريته هم الباقين } ~~[الصافات: 77] أي: الذين كانوا معه في السفينة وهم المؤمنون بدعوته { ~~وتركنا عليه في الآخرين } [الصافات: 78] أي: في الناس ~~جميعا من بعده يثنون عليه. { سلام على نوح في العالمين } ~~[الصافات: 79]. فالناس جميعا عليهم حين يسمعون سيرة هذا النبي الذي ~~تحمل في سبيل دعوته المشاق، ومكث في دعوة قومه هذا العمر الطويل، ~~الذي خالف أعمار الناس أن يسلموا عليه، وينبغي حين نسمع ذكره أن ~~نسلم عليه، فنقول: عليه السلام { سلام على نوح } [الصافات: ~~79] أي: اعطه السلامة والسلام { إنا كذلك نجزي ~~المحسنين ms8479 } [الصافات: 80] يعني: هذه سنة لله متبعة في أنبيائه، ~~أن ينصرهم ويبقى لهم الذكر الحسن من بعدهم { إنه من ~~عبادنا المؤمنين } [الصافات: 81]. وقوله: { ثم أغرقنا ~~الآخرين } [الصافات: 82] يعني: الكافرين. وكلمة الأخرين إهمال لهم، ~~واحتقار لشأنهم. ### || [37.83-87] # قوله تعالى: { وإن من شيعته لإبراهيم } [الصافات: 83] أي: ~~أن إبراهيم - عليه السلام - كان من شيعة سيدنا نوح. يعني: من أتباعه ~~الذين تابعوه، وساروا على منهجه. والشيعة هم الذين يشايعون الإنسان على ~~فكره فيؤمنون به، بل ويحاولون أن يحملوا دعوته إلى الناس معه، وأن ~~يتحملوا الأذى في سبيل ذلك، ومن هنا سميت الشيعة المذهب المعروف ~~الذين شايعوا الإمام عليا رضي الله عنه، وتعلمون طبعا الفرق بين ~~الشيعة والشيوعية. لكن، لماذا بدأ الحق سبحانه هنا موكب الرسل بنوح - ~~عليه السلام - ثم تبعه بإبراهيم - عليه السلام؟ يقول سبحانه: { إذ ~~جآء ربه بقلب سليم } [الصافات: 84] هذه هي العلة لأن سلامة ~~القلب هي الأساس في الدين وفي العقيدة، لأن فطرة الله التي فطر الناس ~~عليها ابتداء مبنية كلها على هيئة الصلاح والسلامة، فإن طرأ على هذه ~~الفطرة فساد فمن الإنسان. لذلك مدح سيدنا إبراهيم بسلامة القلب { إذ ~~جآء ربه بقلب سليم } [الصافات: 84] وهو القلب الذي فطر عليه ~~أولا ظل كما هو لم يتغير، فعاش به، وجاء به ربه في الدنيا، لذلك يظفر ~~به في الآخرة: # يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله ~~بقلب سليم # [الشعراء: 88-89]. فالسلامة الأولى التي فطره الله عليها استصحبها ~~باستصحاب منهج الله، فسلم في الدنيا، فلقى الله بقلب سليم في ~~الآخرة، وهكذا وصف الله نبيه إبراهيم على أحسن ما يكون الوصف. وتأمل ~~كلمة { إذ جآء ربه } [الصافات: 84] فهي توحي بأن سيدنا إبراهيم ~~لم ينتظر إلى أن يأتي له رسول يدعوه، إنما أقبل على الله بنفسه، وجاء ~~بفكره يبحث ويتأمل في ملكوت السماوات والأرض، إلى أن اهتدى إلى الله. ~~لذلك لما أراد الله تعالى أن يعرف نبيه إبراهيم، وأن يقدمه ~~لمعشر الإيمان قال هذه البرقية الموجزة: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا.. # [النحل: ms8480 120]. تعلمون أن الحق سبحانه خلق المواهب ووزعها على الناس، ~~فكل منا له موهبة في شيء ما، ذلك ليظل الناس مترابطين ترابط ~~حاجة، فتحتاج لي وأحتاج لك، أما سيدنا إبراهيم فقد جمع وحاز كل المواهب ~~التي في أمة كاملة، فالمعنى # إن إبراهيم كان أمة # [النحل: 120] يعني: حاز مواهب أمة. لذلك استحق - عليه السلام - أن ~~يريه الله ملكوت السماوات والأرض، فالناس جميعا يكتفون بعالم الملك، ~~أما هو فقد تجاوز هذا العالم إلى عالم الملكوت، لماذا؟ لأنه جرد نفسه ~~عن شبهة اليقين بأحد غير الله، بدليل أنه لما ألقى في النار وجاءه ~~الملك يعرض عليه المساعدة: ألك حاجة؟ فيقول سيدنا إبراهيم بما لديه من ~~رصيد الإيمان واليقين بالله أما إليك فلا. يقولها في هذا الوقت العصيب، ~~وهذا الكرب الملم. # وقوله سبحانه: { إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون } ~~[الصافات: 85] وهذه تعد من سلامة القلب، لأنه أحب شيئا وسعد به، ~~فأراد أن ينقله إلى غيره وأولهم الأقارب، فهم أولى الناس بأن ~~تعدي لهم خيرك لذلك أول ما دعا إبراهيم دعا أباه وقومه: { إذ قال ~~لأبيه وقومه ماذا تعبدون } [الصافات: 85]. وكلمة لأبيه ~~وردت في القرآن عشر مرات، واحد فقط منها لسيدنا يوسف - عليه السلام - ~~في قوله تعالى: # إذ قال يوسف لأبيه يأبت إني رأيت أحد عشر ~~كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4] والتسع الباقيات لسيدنا إبراهيم بداية من سورة الأنعام إلى ~~سورة الممتحنة، من هذه التسع موضع واحد جمع فيه بين الاسم العلم ~~والوصف، فقال: # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما ~~آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين # [الأنعام: 74]. وفي الثمان الباقيات جاءت كلمة لأبيه بدون ذكر آزر، ~~فكأن كلمة آزر جاءت في هذا الموضع لتشعرنا بشيء، هو أنك إذا جمعت ~~بين الوصف والعلم، فلا بد أن يكون الوصف مشتركا مع غير العلم، ~~وضربنا لذلك مثلا قلنا: إذا أردت أن تسأل عن شخص، وقابلك ولده في ~~الشارع تقول له: أبوك موجود؟ لأن هذا السؤال لا ينصرف إلا إلى أبيه ~~الحقيقي، فإن قلت: أبوك محمد ms8481 موجود؟ فإنك لا شك تقصد عمه، لأنك ~~ميزته باسمه لإزالة الاشتراك في الأبوة. إذن: آزر لم يكن الأب ~~الحقيقي لسيدنا إبراهيم، إنما هو عمه، ولا غرابة في ذلك، فالقرآن ~~يسمي العم أبا في قوله تعالى: # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا ونحن له مسلمون # [البقرة: 133]. ومعلوم أن إسماعيل أخو إسحاق، ومع ذلك أدخله في جملة ~~الآباء بالنسبة لسيدنا يعقوب، عليهم جميعا الصلاة والسلام. وسيدنا ~~إبراهيم في معرض دعوته لأبيه وقومه يسألهم هذا السؤال: # ما تعبدون # [الشعراء: 70] وفي موضع آخر: { ماذا تعبدون } [الصافات: 85] و # ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون # [الأنبياء: 52]. وهنا: { ماذا تعبدون * أإفكا آلهة دون ~~الله تريدون } [الصافات: 85-86] وهذه كلها استفهام إنكاري، ~~وقلنا: إن الاستفهام أقوى من الإخبار لأن الإخبار يمكن أن يكذب، ~~أما الاستفهام فيجعل الخصم يقر بالقضية، ولا يستطيع أن يكذبها. ~~والإفك هو أقبح أنواع الكذب لأن القبح في الكذب على مراحل، كيف؟ ~~قالوا: ننظر في الموضوع الذي يكون فيه الكذب، فإن كان في الحقيقة ~~العليا في الذات الإلهية، فهو أقبح الكذب كمن يدعي لله شريكا. ~~فإن كان الكذب على البشر فهو بحسب من تكذب في حقه، فمثلا الذين ~~اتهموا السيدة عائشة وخاضوا في عرضها سماه الله إفكا لشناعته ~~وعظم منزلة من قيل في حقه هذا الكذب، فقال سبحانه: # إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم.. # [النور: 11]. ومن معاني الإفك قلب الشيء على وجهه، وقلب الحقيقة، ~~ومن ذلك قوله تعالى: # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53]. والمعنى: أتريدون آلهة إفكا وكذبا دون الله { فما ~~ظنكم برب العالمين } [الصافات: 87] أخبرونا ماذا تظنون في ~~الله؟ وما الذي لا يعجبكم في ألوهيته سبحانه؟ وكيف تخدعون أنفسكم، ~~فتنصرفون عنه سبحانه، وهو رب العالمين، ومثال ذلك قوله تعالى: # يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم # [الانفطار: 6]. لذلك قال أحد العارفين: كأن الحق سبحانه لقن الناس ~~الجواب، فالذي غرني بالله أنه كريم. والطرفة هنا أن رجلا رأى آخر ms8482 ~~يصلي صلاة على عجل، ينقرها نقرا، فقال له: بالله لو عليك خمسة قروش ~~لواحد، يصح أنك تعطيها له ممسوحة؟ فقال الرجل: والله، لو كان كريما ~~سيقبلها ولا ينظر فيها. فكأن الحق سبحانه يتعجب من هؤلاء الذين أشركوا ~~به سبحانه، مع وضوح الدليل على بطلان شركهم، والشيء لا يتعجب منه إلا ~~إذا جاء على غير ما يجب أن يكون عليه من الصدق لذلك قال سبحانه في ~~أول البقرة: # كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا فأحيكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون # [البقرة: 28]. يعني: هذا أمر عجيب منكم، ومسألة لا يقبلها العقل. ثم بدأ ~~سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يحقق قول ربه: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض.. # [الأنعام: 75] وسبق أن فرقنا بين الملك والملك والملكوت. ### || [37.88-96] # قوله تعالى عن سيدنا إبراهيم { فنظر نظرة في النجوم } ~~[الصافات: 88] هذه أولى خطوات إبراهيم إلى عالم الملكوت، والنظرة هنا ~~ليست هي النظرة الخاطفة العابرة، إنما نظرة التأمل الفاحصة المتأنية، ~~فهي بمعنى رأى بتمعن واستنباط، ومن ذلك قولنا: هذه مسألة فيها نظر. ~~يعني: تأمل وتأن. والنجوم مفردها نجم، وهو كل مضيء في السماء إضاءة ~~ذاتية، لا أن يعكس ضوء الشمس، وعليه فالشمس نجم من النجوم. فقوله ~~تعالى: { فنظر نظرة في النجوم } [الصافات: 88] دل على ~~أنها نظرة طويلة متأملة مستوعبة، لأنها استوعبت كوكبا وقمرا وشمسا. ~~لذلك شرح لنا هذه النظرة في موضع آخر، فقال سبحانه: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض ~~وليكون من الموقنين * فلما جن عليه الليل ~~رأى كوكبا قال هذا ربي فلمآ أفل قال لا أحب ~~الآفلين * فلمآ رأى القمر بازغا قال هذا ربي ~~فلمآ أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من ~~القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال ~~هذا ربي هذآ أكبر فلمآ أفلت قال يقوم ~~إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السموت والأرض حنيفا ومآ أنا من ~~المشركين # [الأنعام: 75-79]. إذن: كانت نظرة إبراهيم طويلة متأنية لأنها ~~استغرقت طيلة مطلع الكوكب وغيابه، ثم مطلع القمر وغيابه، ثم مطلع الشمس ~~وغيابها، ms8483 فلما رأى - عليه السلام - أن هذه المرائى لا تصلح لأن تكون ~~آلهة تعبد، قال: { إني سقيم } [الصافات: 89] البعض يعدها كذبة ~~من كذبات سيدنا إبراهيم أنه قال لقومه: إني مريض. إذن: أخذوا السقم ~~على أنه سقم الأبدان والمراد هنا سقم القلب، وشغله بما لا يستطيع ~~الإنسان تحمله من إنكار القوم لمسألة الألوهية.. فهذه قضية تتعبه ~~وتؤرقه. وهذا هو السقم الذي أراده سيدنا إبراهيم { فقال إني ~~سقيم } [الصافات: 89] أي: مجهد فكريا من إنكار الناس لقضية ~~الألوهية. إذن: إبراهيم عليه السلام لم يكن ينظر في النجوم ليرى دليلا ~~يقتنع هو به، إنما يبحث عن دليل مادي في الكون ينقله للناس. لكن، ما الذي ~~أحوجه أن يقول للقوم: إني سقيم؟ قالوا: لأنهم كانوا في يوم عيد يجتمعون ~~فيه، فقال: إني سقيم لكي لا يخرج معهم، وليتفرغ هو لما عزم عليه من تحطيم ~~الأصنام، يقول تعالى: { فتولوا عنه مدبرين } [الصافات: ~~90] أي: انصرفوا وتركوه. { فراغ إلى آلهتهم فقال ألا ~~تأكلون } [الصافات: 91] معنى راغ: ذهب خفية، بحيث لا يراه أحد، أو ~~تسلل كمن يريد الانصراف من مجلس دون أن يشعروا به، فيمشي خطوتين ثم ~~يقف، ثم يمشي، ثم يتوارى خلف شيء وهكذا حتى يخرج، وهذا المعنى نقوله ~~بالعامية: فلان زوغ أو زاغ. وسيدنا إبراهيم فعل ذلك وتسلل إلى آلهتهم ~~ليحطمها، لكن قبل أن يحطمها استهزأ بها { فقال } [الصافات: 91] أي: ~~للآلهة { ألا تأكلون } [الصافات: 91] فلم يجيبوا، فقال: { ما ~~لكم لا تنطقون } [الصافات: 92] قالها سخرية واستهزاء بهم. # بعد ذلك مال عليهم ضربا { فراغ عليهم ضربا باليمين } ~~[الصافات: 93] وقلنا: إن اليمين جهة القوة. كما في قوله سبحانه: # قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين # [الصافات: 28] أي: من جهة القوة والقهر. والمعنى أن سيدنا إبراهيم أخذ ~~يحطمها بقوة ويكسرها، حتى أحدث التكسير صوتا عاليا سمعه القوم { ~~فأقبلوا إليه يزفون } [الصافات: 94] أي: مسرعين. فلما ~~رآهم { قال أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم ~~وما تعملون } [الصافات: 95-96] الاستفهام هنا للتعجب ~~وللاستنكار، يقول لهم: كيف تعبدون إلها من صنع أيديكم تنحتونه من ~~الصخور، فأنتم أعلم الناس ms8484 به، وترونه يقع، فتقيمونه في مكانه، وينكسر ~~فتصلحونه، ويجرفه السيل ويمرغه في الوحل فتنتشلونه. إذن: كيف يعبد مثل ~~هذا الإله، وكيف تنصرفون إلى عبادته، وتتركون عبادة الله الإله الحق الذى ~~خلقكم، وخلق ما تعملون؟ وطبعا ليس لديهم جواب لهذا السؤال، وليس لديهم ~~رد على إبراهيم إلا رد القوة والبطش، فلا حجة لديهم، ولا منطق ~~يدافعون به عن آلهتهم: { قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه ~~في الجحيم * فأرادوا به كيدا... }. ### || [37.97-98] # تعلمون قصة النار التي أوقدوها، ثم ألقوا بنبي الله إبراهيم في ~~وسطها، هذا هو الكيد الذي أرادوه بإبراهيم، وما كان الله تعالى ليبعث ~~نبيا ثم يسلمه، فرد الله كيدهم عليهم # إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا # [الطارق: 15-16]. ومعنى { فجعلناهم الأسفلين } [الصافات: ~~98] أي: في هذا المقام. وفي هذا الموقف الذي فعلوه بإبراهيم، فليسوا ~~الأسفلين لأنهم كفار، إنما أسفلين لأنهم تعالوا على إبراهيم وتمكنوا ~~منه، وقدروا على إلقائه في النار فعلا وهي مشتعلة، وظنوا ساعتها أنهم هم ~~العالون. لكن سرعان ما تكشفت حقيقة الموقف، وظهرت الآية الكبرى التي ~~أرادها الله تعالى فلو أراد الله لنجا إبراهيم، فلم يتمكنوا من ~~الإمساك به، ولو أراد سبحانه لأمطرت السماء على النار فأطفأتها، لكن ~~أراد الله أن يبطل حججهم، فلو هرب إبراهيم من أيديهم لقالوا: لو لم ~~يهرب لأحرقناه، ولو أمطرت السماء لقالوا: ظاهرة طبيعية لا دخل لنا ~~بها. لكن ها هو إبراهيم، وها هي النار تشتعل، ومع ذلك ينجو إبراهيم بعد ~~أن جاء نداء الحق وكلمة الحق للخلق # قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. الخطاب من الله تعالى، والأمر للنار على طبيعتها، وبذات ~~مواصفاتها # كوني بردا وسلما # [الأنبياء: 69] لا في ذاتك، إنما # على إبراهيم # [الأنبياء: 69] فهذه خصوصية لهذه النار بالذات، فهي من ظاهرها مشتعلة، ~~وفي حقيقتها # بردا وسلما # [الأنبياء: 69] على إبراهيم، فهي مثل شجرة الزقوم، تبدو لهم شجرة ~~خضراء، وهي نار تحرقهم. وهكذا جعلهم الله في هذا المقام { الأسفلين ~~} [الصافات: 98] أي: في الكيد الذي دبروه، فهم يكيدون والله يكيد، ولا ~~بد أن يؤخذ الكيد ms8485 من خلال فاعله. ### || [37.99-101] # لما لم يجد إبراهيم - عليه السلام - فائدة من دعوته لقومه، قال: { ~~وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين } [الصافات: 99] ~~والمعنى ذاهب لنصرة دينه وإلا فربه موجود معه، وفي كل مكان، أو مهاجر ~~إلى ربي. أي: إلى مكان آخر، حيث أجد من يسمعني ويستجيب لدعوتي، وما ~~دمت ذاهبا إلى ربي { سيهدين } [الصافات: 99] أي: يهديني المقام ~~الطيب المناسب لدعوتي. ثم يدعو إبراهيم ربه { رب هب لي من ~~الصالحين } [الصافات: 100] أي: هب لي ذرية صالحة مؤمنة، ونبي ~~الله حين يتمنى الذرية لا يتمناها لتكون ذكرى أو عزوة أو امتدادا ~~ينتقل إليه الميراث، فالأنبياء يريدون الولد ليحمل رسالتهم، وليكون ~~نموذجا إيمانيا يرثه في دعوته لذلك قال في قصة سيدنا زكريا: # يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا # [مريم: 6]. فكأن سيدنا إبراهيم عز عليه ألا يتسع عمره ليكون ~~جنديا من جنود منهج الله في الأرض، فقال: يا رب قر عيني بأن أرى ولدا ~~لي يحمل مسئولية النبوة من بعدي. وقال { رب هب لي من ~~الصالحين } [الصافات: 100] ولم يقل رب هب لي الصالحين، فأراد من ~~ذريته من هو صالح من ضمن صلاح غيره، فهو يريد الصلاح لذريته وللآخرين ~~لذلك أجابه ربه: { فبشرناه بغلام حليم } [الصافات: 101] ~~الحليم: هو الذي لا يستفزه غضب، ويتحمل الأمور على مقدار ما تطيب به ~~أخلاقه، ومن الحلم ترك المراء واللجاج، ولو كان في الحق. لذلك جاء ~~في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء، وإن كان محقا.. ". # فهذا في حاشية الجنة، وهذا في صميم الجنة، لماذا؟ لأنه يعتقد أن له ربا ~~قيوما لا تأخذه سنة ولا نوم، سوف يحكم بين الجميع، وإليه تنتهي كل ~~الخلافات، فيقتص للمظلوم من ظالمه. والناس يميلون دائما إلى كبير يحكم ~~بينهم، ونقول في العامية اللي له أب ميحملش هم، فما بالك بمن له رب. ~~لذلك من رحمة الله بنا أن يقول: يا عبادي ناموا ملء جفونكم، لتصبحوا ~~نشيطين لأعمالكم، ولا تحملوا هم شيء، ms8486 لأن ربكم لا ينام. وقوله سبحانه: ~~{ فبشرناه بغلام حليم } [الصافات: 101] البشرى بالشيء ~~تكون قبل وجوده، فوصفه الله بأنه سيكون حليما وهو ما يزال غلاما. يعني: ~~سيجمع الوصفين معا لأن الحلم عادة ما يتكون لدى الرجل الواعي الذي ~~يستطيع تقدير الأمور، فالميزة هنا أن يتصف الغلام بالحلم في صغره. ~~وفعلا ظهر حلم هذا الغلام في أول اختبار يتعرض له، حين قال له أبوه: # يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ~~ماذا ترى # [الصافات: 102] تأمل ماذا قال الغلام، وأبوه يريد أن يذبحه، # قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله ~~من الصابرين # [الصافات: 102] هذا هو الحلم، يتجلى منه وهو غلام. ### || [37.102-107] # هنا لم يتعرض السياق لحمل السيدة هاجر ولا ولادتها لإسماعيل، إنما انتقل ~~مباشرة من البشارة به إلى مرحلة بلوغه السعي مع أبيه، فقال سبحانه ~~بعدها: { فلما بلغ معه السعي } [الصافات: 102] ذلك لأن ~~الحق سبحانه هو الذي يتكلم، وهو الذي يحكي. ومن البلاغة أن نترك ما ~~يعلم من السياق، وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني، ففي قصة سيدنا ~~سليمان - عليه السلام - والهدهد، قال تعالى: # اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول ~~عنهم فانظر ماذا يرجعون # [النمل: 28]، ثم يختصر السياق كثيرا من الأحداث، ويقول: # قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم # [النمل: 29] ولم يتعرض لرحلة الهدهد، ولا لكيفية توصيل الخطاب إلى ~~الملكة. كذلك هنا: { فبشرناه بغلام حليم * فلما بلغ ~~معه السعي } [الصافات: 101-102] فبلوغه السعي دل على أن ~~البشارة تحققت، وولد الغلام، وبلغ مع أبيه السعي، وفرق بين بلغ ~~السعي عموما، وبلغ مع أبيه السعي لأن الغلام لا يكلف بالعمل إلا على ~~قدر طاقته في الحركة، وعلى قدر عافيته وتحمله، وإسماعيل في هذا ~~الوقت بلغ السعي مع أبيه فحسب لأنه لن يكلفه أبوه الحنون إلا بما يقدر ~~عليه من المصالح، والأمور الحياتية، فيفعل الغلام ما يقدر عليه، ويترك ~~ما لا يقدر عليه لأبيه، ولو كان مع شخص آخر فربما كلفه بما لا يستطيع. ~~فلما بلغ الغلام هذا المبلغ { قال يبني ms8487 إني أرى في ~~المنام أني أذبحك } [الصافات: 102] والمعنى: أرى في المنام ~~انه مطلوب مني أن أذبحك، لا أن الذبح تم في المنام، وانتهت ~~المسألة بدليل رد إسماعيل { قال يأبت افعل ما تؤمر ~~ستجدني إن شآء الله من الصابرين } [الصافات: 102]. ~~وتأمل هنا الحلم على حقيقته، وعظمة الرد في هذا الامتحان الصعب { ~~قال يأبت افعل ما تؤمر } [الصافات: 102] ولم يقل: افعل ما ~~تريد لأن طاعته لأبيه هنا من باطن طاعته لله تعالى وامتثاله لأمر ربه، ~~فهو يدرك تماما أن أباه متلق الأمر من الله، وإن جاء هذا الأمر في ~~شكل رؤيا. إذن: هو يعلم رغم صغره أن رؤيا الأنبياء وحي حق. ~~وسيدنا إبراهيم ينادي ولده { يبني } [الصافات: 102] هكذا بالتصغير، ~~لأن بني تصغير ابن فلم يقل يا ابني، فقد أوثقه الحنان الأبوي، وعرض عليه ~~هذا الابتلاء، وهو مشحون بعاطفة الحب لولده والشفقة عليه، لأنه ما يزال ~~صغيرا، ومعلوم أن حنان الوالد يكون على قدر حاجة الولد لذلك المرأة ~~العربية لما سئلت: أي بنيك أحب إليك؟ فقالت: المريض حتى يشفى، ~~والغائب حتى يعود، والصغير حتى يكبر. فقوله: { يبني } [الصافات: ~~102] يعني: أنا لا أعاملك معاملة الند، بل معاملة الصغير المحتاج ~~إلى الحنان الأبوي، فخذ أوامري مصحوبة بهذه العاطفة الأبوية القلبية. # وقوله: { فانظر } [الصافات: 102] يعني: فكر، وتدبر { ماذا ~~ترى } [الصافات: 102] أي: في هذه الرؤيا، فكأن الصغير في هذه المسألة ~~مطلوب منه أمران: بربك بأبيك، وبرك برب أبيك { قال يأبت ~~افعل ما تؤمر } [الصافات: 102]، فقوله { افعل } بر بأبيه. ~~وقوله { ما تؤمر } بر برب أبيه. ثم يؤكد سيدنا إسماعيل رغم صغره ~~فهمه لهذه القضية، وإدراكه لهذا الابتلاء، فيقول: { ستجدني إن ~~شآء الله من الصابرين } [الصافات: 102] أي: على هذا البلاء { ~~فلما أسلما } [الصافات: 103] يعني: هما معا استسلما لأمر الله، ~~وأذعنا لحكمه، وسلم كل منهما زمام حركته في الفعل لربه، فإبراهيم ~~هم بالذبح، وإسماعيل انقاد، وقال لأبيه { ستجدني إن شآء ~~الله من الصابرين } [الصافات: 102]. والابتلاء في حق سيدنا ~~إبراهيم - عليه السلام - ابتلاء مركب هذه المرة، فقد ابتلي في ~~شبابه حين ms8488 ألقي في النار، فنجح في الابتلاء، أما هذه المرة فالابتلاء ~~وهو شيخ كبير، جاءه الولد على كبر، فهو أحب إليه من نفسه ويؤمر ~~بقتله. وكان بوسع إبراهيم أن يذبحه على غرة، ودون أن يعلمه ~~بمسألة الذبح هذه، ولكنه أراد أن يشركه معه في الأجر، وألا يوغر ~~صدره من ناحيته، وهو يذبحه دون داع. وقوله تعالى: { وتله ~~للجبين } [الصافات: 103] يعني: ألقاه على وجهه، أو على جنبه، قالوا: ~~كان ذلك بمشورة الولد، حتى لا يرى أبوه وجهه ساعة يذبحه، فتأخذه الشفقة ~~به، فلا يذبح، وكأن الولد يعين والده ويساعده على إتمام الأمر، وهكذا ~~ظهر الاستسلام واضحا، فالولد ملقى على الأرض، والوالد في يده السكين، ~~يحاول بالفعل ذبح ولده، وأي ولد؟ ولده الوحيد الذي رزق به على ~~كبر. والابتلاء ليس بأن يموت الولد، إنما أن يذبحه أبوه بيده، لا بشخص ~~آخر، ويذبحه بناء على رؤيا لا أمر صريح لذلك قلنا ابتلاء مركب، لأن ~~وجوه الابتلاء فيه متعددة، قد اجتاز إبراهيم وولده هذا الابتلاء بنجاح، ~~واستحق عليه السلام أن يقول الله في حقه: # إن إبراهيم كان أمة # [النحل: 120]. نقول: لما وصل إبراهيم وولده إلى هذه الدرجة من الاستسلام ~~لله، ناداه الله { وناديناه أن يإبراهيم } [الصافات: 104] ~~وكأن الله كان معهما يرقب هذا الانقياد من عبدين صدقا مع الله، فجاءهما ~~فرج الله { وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت ~~الرؤيآ إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا ~~لهو البلاء المبين } [الصافات: 104-106]. يعني: ارفع يدك يا ~~إبراهيم عن ذبح ولدك الوحيد، فما كان الأمر إلا بلاء مبينا، أي: واضح ~~قاس عليك أنت وولدك، وهو مبين لأنه يبين قوة عقيدة إبراهيم - عليه ~~السلام - في تلقي الأمر من الله، وإن كان صعبا وقاسيا، ثم الانصياع ~~له والطاعة، وكذلك كان البلاء في حق ولده الذي خضع وامتثل. وجاء ~~الفداء: { وفديناه بذبح عظيم } [الصافات: 107] ذبح بمعنى ~~مذبوح، وهو الكبش الذي أنزله الله، فداء لإسماعيل. ### || [37.108-111] # لقد استحق سيدنا إبراهيم هذه المنزلة في جميع الأمم من بعده أن ~~يسلموا عليه، كلما ذكر، فيقولون { سلام ms8489 على إبراهيم } ~~[الصافات: 109] فلو ذبح إبراهيم ولده لصارت سنة من بعده أن يتقرب ~~الإنسان إلى الله بذبح ولده، لكن لما صبر سيدنا إبراهيم، واستسلم لأمر ~~ربه جاءه الفرج من الله وعوفي وولده من هذا البلاء، وعوفينا جميعا معه ~~من هذه المسألة، فكلما ذكر قلنا: عليه السلام، لأنه حمانا من هذا ~~الموقف الصعب. وقوله: { كذلك نجزي المحسنين } [الصافات: ~~110] كذلك يعني كما فعلنا مع إبراهيم نجزي كل محسن، والمحسن هو الذي لا ~~يقف عند حد الواجب المطلوب منه، إنما يتعداه إلى الزيادة من جنس ما ~~فرض عليه وكلف به. فالحق سبحانه فرض علينا خمس صلوات في اليوم ~~والليلة، فمن زاد على ذلك فهو من الإحسان. الله فرض علينا الحق ~~المعلوم للفقير وهو الزكاة، فمن زاد وأعطى غير المعلوم فهو من الإحسان، ~~واقرأ في سورة الذاريات: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين # [الذاريات: 15-16]. يعني: زائدين عما فرض الله من جنس ما فرض الله ~~عليهم. ثم يذكر سبحانه حيثيات هذا الإحسان # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار ~~هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم # [الذاريات: 17-19]. والمحسن يستحق هذا الجزاء لأن الذي يتقرب إلى الله ~~بأكثر مما فرض الله عليه دليل على أنه عشق التكليف والمكلف، وعلم ~~أن الله كلفه بأقل مما يستحق فزاد. ### || [37.112-113] # هذه العطاءات كلها نتيجة # فلما أسلما وتله للجبين # [الصافات: 103] لأن الابتلاء الذي وقع لسيدنا إبراهيم كان ابتلاء ~~مركبا من مراحل ثلاث: فقد الولد الذي جاء على كبر، وأن يقتله ~~بيده، ثم تاج هذه المراحل أن يقتل ولده برؤيا منامية لذلك جاءه الجزاء ~~على قدر هذه العقبات في الابتلاء، # وفديناه بذبح عظيم # [الصافات: 107]. والفداء فداء إسماعيل من الذبح فعاش إسماعيل، ثم زاده ~~الله فأعطاه إسحاق { وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين } [الصافات: 112] فهو أيضا نبي، وفي آية أخرى قال سبحانه: # ومن ورآء إسحاق يعقوب # [هود: 71] ويعقوب أيضا نبي. إذن: كل هذا الخير جاء ثمرة الاستسلام ~~لله تعالى والرضا بحكمه لذلك صدق ms8490 القائل: # سلم لربك حكمه فلحكمة يقضي # وحتى تستفيد وتسلما # واذكر خليل الله في ذبح ابنه # إذ قال خالقه فلما أسلما # ثم يمتد هذا العطاء، فيقول سبحانه: { وباركنا عليه وعلى ~~إسحاق } [الصافات: 113]. فلما تكلم الحق سبحانه عن الذرية، قال: { ~~ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين } ~~[الصافات: 113] يعني: الذرية فيها هذا وذاك، الخير والشر. هكذا عرضت لنا ~~هذه الآيات قصة سيدنا إبراهيم على وجه الاختصار، حيث لم تتعرض لكل ~~الأحداث.. وينبغي هنا أن نذكر معركة الأديان في مسألة الذبيح، ~~فالمسلمون يعتقدون أن الذبيح إسماعيل، وغير المسلمين يقولون: الذبيح ~~إسحاق، وهذا القول مردود من عدة وجوه: أولا: لو كان الذبيح إسحاق لكانت ~~مسألة الذبح والفداء وما يتعلق بهما من مناسك مغداها ومراحها بأرض ~~الشام، حيث عاش هناك سيدنا إسحاق، أما وهي تفعل في أرض الحجاز حيث ~~ولد وعاش سيدنا إسماعيل، فهذا دليل من الواقع على أن الذبيح إسماعيل. ~~ثانيا: ثم معنا دليل من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: # " أنا ابن الذبيحين " # أي: الذبيحين اللذين كان لهما فداء من الذبح، وتعلمون أن الذبيح الأول ~~هو عبد الله أبو النبي، وقد فداه أبوه من الذبح بمائة ناقة، أما الذبيح ~~الثاني فإسماعيل عليه السلام الذي فداه ربه بكبش. فإن أنكر غيرنا هذه ~~الأدلة لأنهم لا يؤمنون بها، فعلينا أن نأتيهم بدليل من كتبهم لأن ~~الإنسان لا يصدق إلا بما يؤمن به، فلو حلفت للكافر باللات والعزى ~~فإنه لا يصدقك لأنه يعلم أنك لا تؤمن باللات والعزى، والإنسان لا يحلف ~~إلا بما يعظمه. ولو قلت له: والله لصدقك. لذلك نسوق لغير ~~المسلمين هذا الدليل من التوراة التي يؤمنون بها، وقد ترك الله لنا في ~~الكتب السابقة على القرآن مواضع تؤيد ما جاء به القرآن، وما زالت هذه ~~المواضع موجودة، وكأن الله أعماهم عنها لتظل دليلا على الحقيقة التي ~~لا يعترفون بها. وعليهم أن يقرأوا في الأصحاح الثالث والعشرين في سفر ~~التكوين وأوحى الله إلى إبراهيم أن اصعد بابنك الوحيد جبل الموريا ~~وقدمه قربانا لي ms8491 ومتى كان إسحاق عليه السلام وحيدا وقد ولد إسحاق ~~وعمر إسماعيل أربعة عشر عاما. وفي الأصحاح الرابع والعشرين ولد إسحاق ~~وعمر إسماعيل أربع عشرة سنة. ### || [37.114-122] # هذا موكب أولي العزم من الرسل، فبعد أن حدثنا القرآن عن سيدنا ~~إبراهيم، يحدثنا عن سيدنا موسى { ولقد مننا على موسى ~~وهارون } [الصافات: 114] من الله على موسى وهارون منة عطاء، ~~بأن جعلهما رسولين إلى بني إسرائيل، ومنة نصر بأن نصرهما على فرعون ~~وجنوده { ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم } ~~[الصافات: 115] والمراد فرعون، ووصفه الله بالكرب العظيم، لأن فرعون لم ~~يكن رجلا متسلطا على الناس كملك، إنما متسلط عليهم كإله، وقد أراد ~~الكيد بموسى عليه السلام، وأراد الكيد لقومه في مصر، حيث أخذ منهم الخدم ~~والفعلة والسحرة. وكلمة فرعون تطلق على ملوك مصر القدماء، فكل واحد منهم ~~يسمى فرعون، لكن في سورة يوسف سمي حاكم مصر العزيز والملك ولم يقل ~~فرعون، لماذا؟ قالوا: لأنه بعد أن فك حجر رشيد علمنا أن الهكسوس ~~حينما أغاروا على مصر كانوا ملوكا في مصر لا فراعنة، فلما عاد الأمر إلى ~~فرعون كان بنو إسرائيل في خدمة الفرعون بسبب وقوفهم إلى جوار المحتلين ~~الهكسوس، فاضطهدهم الفرعون وأعوانه. فمعنى { ونجيناهما ~~وقومهما من الكرب العظيم } [الصافات: 115] أي: من فرعون ~~ومن الاستعباد، حيث خرج بهم موسى - عليه السلام - فأدركه فرعون بجنوده ~~حتى حاصرهم عند البحر، فكأن البحر من أمامهم، وجيش فرعون من خلفهم. وما ~~أشبه هذا الموقف بموقف طارق بن زياد في فتح الأندلس، حين قال لجنوده: إن ~~البحر من أمامكم، والعدو من ورائكم. وعندها أيقن بنو إسرائيل أن فرعون ~~سيلحق بهم ويدركهم فقالوا لموسى عليه السلام: # إنا لمدركون # [الشعراء: 61] لأن شواهد الواقع تدل على ذلك فهم لا محالة مدركون ~~بقوانين البشر، لكن لموسى مع ربه قانون آخر، جعل موسى عليه السلام ~~يقول بملء فيه كلا كلا لن ندرك، قالها بما لديه من ثقة بربه، وبما ~~لديه من الرصيد الإيماني: # قال كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62] وفعلا، جاءه الفرج لتوه، وأمره ربه أن ms8492 يضرب بعصاه ~~البحر، وكان ما تعلمون من القصة. ثم يقول سبحانه { ونصرناهم ~~فكانوا هم الغلبين } [الصافات: 116] نعم، وأي غلبة؟ لأن ~~هناك فرقا بين أن تغلب عدوك ويظل المغلوب حيا يرزق، وبين أن ~~تغلبه غلبة تبيده من الوجود، والذي حدث في قصة موسى وفرعون أن الله قضى ~~على فرعون وجنوده قضاء مبرما. ثم { وآتيناهما الكتاب ~~المستبين } [الصافات: 117] المستبين الذي بلغ النهاية في البيان، ~~والمراد بالكتاب التوراة، وقد وصف الحق سبحانه وتعالى - التوراة في موضع ~~آخر، فقال: # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا ~~للمتقين # [الأنبياء: 48]. وقوله تعالى: { وهديناهما الصراط ~~المستقيم } [الصافات: 118] أي: المنهج القويم الموصل إلى الله من ~~أقرب طريق { وتركنا عليهما في الآخرين * سلام على ~~موسى وهارون } [الصافات: 119-120] يعني تركنا لهما الذكر الحسن ~~فيمن يأتي من بعدهم، فكل من يسمع قصة موسى وهارون ومواقفهما ~~وثباتهما في الحق يقول سلام عليهما { إنا كذلك نجزي ~~المحسنين } [الصافات: 121] أي: موسى وهارون. # ومعلوم أن هارون جاء بطلب من موسى لما قال لربه: # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ~~ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون # [القصص: 34] فاستجاب الله لطلب موسى وأيده بأخيه هارون، وجعلهما معا ~~رسولا واحدا إلى بني إسرائيل. والقرآن يبين لنا هذه المسألة، وأنهما ~~كانا كرسول واحد في قوله تعالى: # وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة ~~وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن ~~سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم # [يونس: 88]. فيرد الحق سبحانه: # قد أجيبت دعوتكما # [يونس: 89]، مع أن الداعي موسى وحده، لكن في الجواب قال # قد أجيبت دعوتكما # [يونس: 89] أي: موسى وهارون لأنهما في مجال الرسالة واحد، لا ينفصل ~~أحدهما عن الآخر، فدعوة موسى هي دعوة هارون. وقد حاول بعض العلماء أن ~~يقربوا لنا هذه المسألة، فقالوا: أجاب الله موسى بقوله: # قد أجيبت دعوتكما # [يونس: 89] لأن موسى دعا، وهارون أمن على دعائه، والمؤمن أحد ~~الداعين. ثم يقول سبحانه عن موسى وهارون: { إنهما من عبادنا ~~المؤمنين } [الصافات: 122] ثم ينتقل السياق ms8493 إلى نبي آخر، هو سيدنا ~~إلياس: { وإن إلياس لمن المرسلين * إذ قال ~~لقومه... }. ### || [37.123-126] # كلمة إلياس تكتب هكذا بالسين، والبعض لا يكتبون السين، إنما يكتبون ~~اسمها فيقولون إلياسين فهما علم على هذا النبي الكريم نقول: إلياس أو ~~إلياسين اسم لمسمى واحد، وهو غير اليسع عليهم جميعا السلام. وهذه ~~الآيات توضح أن سيدنا إلياس جاء بقضية عقدية، لا بمنهج تكليفي، جاء ~~ليصحح القمة العقدية في الإيمان بواجب الوجود الإله الواحد الذي يجب أن ~~يدعى وحده، وموكب الرسالات من لدن آدم عليه السلام إنما جاء ليصحح ~~صلة المخلوق بالخالق. لذلك أثبت له أنه الخالق الرازق، وأنه العليم ~~القادر الحكيم العزيز.. الخ، فهو الذي خلقك وأنعم عليك، لتتلقى أوامره ~~برضا، وتقبل عليها باطمئنان، وإن لم تكن عبادتك له جزاء ما قدم لك ~~من النعم التي هيأها لك قبل أن توجد، فلا تكن عبادتك له خوفا من ~~عقابه حين تعود إليه. معنى { ألا تتقون } [الصافات: 124] ألا ~~للحث وللحض على التقوى، أو للعرض كما تقول: هل لك من كذا؟ وقوله { ~~أتدعون بعلا } [الصافات: 125] أي: تعبدون صنما اسمه بعلا { ~~وتذرون } [الصافات: 125] تتركون { أحسن الخالقين } ~~[الصافات: 125]. الحق سبحانه حين يصف نفسه بأنه تعالى أحسن الخالقين ~~يعني: أنه سبحانه لا يضن على عبده بصفة الخلق، فالإنسان الذي يعمل ~~عقله في الكون، ويخترع شيئا نافعا لمجتمعه يسميه الله خالقا، لأنه ~~أبدع شيئا جديدا لم يكن موجودا. فهو خالق، والله أحسن الخالقين، لأن ~~الله يخلق من عدم محض، أما أنت فتخلق من موجود، خلق الله فيه حياة ~~ونموا وحركة.. الخ، وخلقك جامد ثابت عند شيء معين، وقد سبق أن ~~بينا الفرق بين الاثنين. وتأمل هنا: الحق سبحانه ينكر عليهم أن يعبدوا ~~صنما، ويتركوا عبادة الله لكن لم يقل: وتذرون الله، إنما { ~~وتذرون أحسن الخالقين } [الصافات: 125] فذكر الوصف ~~المشوق الدال على أحقيته تعالى في العبادة، وكأنهم سألوا، ومن أحسن ~~الخالقين؟ فقال سبحانه: { الله ربكم ورب آبآئكم ~~الأولين } [الصافات: 126] فأنا أحسن الخالقين، وأنا ربكم وأنا رب ~~آبائكم الأولين، المستحق للعبادة. فماذا كان ms8494 الجواب؟ { فكذبوه ~~فإنهم لمحضرون... }. ### || [37.127-132] # قوله تعالى: { فكذبوه } [الصافات: 127] كشأن كل الأقوام التي ~~جاءها الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، ولا بد أن يكذب الرسل، ~~يكذبهم أهل الفساد والمنتفعون من الفساد، يكذبهم سادة القوم ~~وكبراؤهم، لتظل لهم سيادتهم وجبروتهم واستعبادهم للضعفاء { ~~فكذبوه فإنهم لمحضرون } [الصافات: 127] أي: عندنا ~~للحساب تحضرهم ملائكة العذاب، والمعنى: لا تظنوا أنكم تفلتون من أيدينا، ~~لأن لكم معادا ورجعة كما قال سبحانه: # أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا ~~لا ترجعون # [المؤمنون: 115]. وقوله: { إلا عباد الله المخلصين } ~~[الصافات: 128] أي: الذين اصطفاهم لطاعته وأخلصهم لعبادته، ثم تختم هذه ~~القصة الموجزة لهذا النبي الكريم بما ختمت به سابقتها { وتركنا ~~عليه في الآخرين * سلام على إل ياسين * إنا ~~كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا ~~المؤمنين } [الصافات: 129-132]. ونفهم من هذه الخاتمة أن الإحسان ~~فرع الإيمان، يعني ما كان محسنا إلا لأنه كان مؤمنا أولا. هكذا ~~لخص لنا القرآن قصة هذا النبي، وبين أنه جاء بقضية عقدية لا قضية ~~تكليفية، جاء ليصحح للقوم الأساس والقاعدة التي تبنى عليها الحياة، ~~وهذه مهمة الرسل من لدن آدم عليه السلام، فقد خلق الله آدم أبا البشر ~~خليفة في الأرض. ومعنى خليفة في الأرض أن يزاول في الأرض مهمة عن الحق ~~سبحانه وتعالى. ولكي يزاول هذه المهمة أمده الله بصفات من صفاته، وهذه ~~الصفات موهوبة ممدودة ليست ذاتية في الخليفة، لذلك يسلبها الخالق في أي ~~وقت، فالله تعالى هو واجب الوجود الأعلى، وهو المتصف بهذه الصفات بذاته، ~~فالله قادر ويعطيك من قدرته قدرة، وحكيم ويهبك من حكمته حكمة تزاول بها ~~الأشياء، والله قهار ويعطيك قهارية تزجر بها من كان تحت تصرفك ~~لتستقيم أمورهم، ويعطيك رحمانية تحنو بها على الضعيف والمحتاج. إذن: فمن ~~صفات الحق واجب الوجود الأعلى أنه يعطينا من وجوده وجودا، بل وجودات ~~متعددة بتعدد الأفراد ومتوالية الأمثال، لكن يعطي سبحانه من الوجود ~~الذاتي وجودا عرضيا. فإن نظرت إلى الآفات التي تصيب الناس في ~~حواسهم أو في جوارحهم تجدها مرادة لله تعالى خلقا أو توجها، ms8495 لماذا؟ ~~لأن الإنسان كما أخبر عنه خالقه: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. وضربنا لذلك مثلا بالولد مع أبيه، فلو أن الأب يعطي ولده ~~المصروف كل شهر تجد الولد لا يحرص على لقاء أبيه إلا كل شهر، إنما لو ~~أعطاه يوما بيوم لتعرض له الولد كل يوم وتمحك فيه، وأظهر نفسه ليأخذ ~~مصروفه الذي تعود عليه، فتراه مثلا يمر على أبيه في الصباح. ويقول: ~~يا أبي أنا رايح المدرسة، فالحاجة هي التي ألجأته لمودة أبيه. إذن: ~~يجب أن نفسر فلسفة الحاجات التي تعوز النتيجة، وهذه الحاجات هي التي ~~تلجئك إلى ربك، والواقع يؤيد ذلك، وكثيرا ما نرى الإنسان لا يلجأ لربه ~~ولا يصلح ما بينه وبين خالقه إلا إذا اختل عنده شيء، وعزت عليه ~~أسبابه، فلا يجد إلا ربه فيقول: يا رب، يا الله. # إذن نقول: الخالق يهب الخليفة من صفاته، لكن تظل هذه الصفات الموهوبة ~~عرضية غير دائمة لذلك يموت الإنسان جنينا، ويموت طفلا، ويموت شابا ~~وكهلا وشيخا، وهذه القضية تفسر لنا الحديث الشريف: # " خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا ". # فالهاء يجوز أن تعود على الله تعالى، فيكون المعنى: خلق الله آدم على ~~صورته تعالى، لا على حقيقته، وفرق بين الصورة والحقيقة، الصورة هى التي ~~تؤخذ لك لقطة على هيئة معينة، ثم تتجمد على هذه الهيئة، إذن: هذا الخلق ~~لا يعني أن آدم أخذ شيئا من صفات الله على الحقيقة، لا إنما على الصورة، ~~لأن الحقيقة لها دوام، والصفات في آدم لا دوام لها. ويجوز أن تعود ~~الهاء على آدم، فيكون المعنى: خلق الله آدم على صورته أي على صورة آدم ~~لأن الله تعالى لم يخلق آدم جنينا، ثم ولد ثم صار طفلا فشابا، لا بل ~~خلقه أول الأمر هكذا على هذه الهيئة المعروفة للإنسان الكامل الأعضاء ~~والجوارح. إذن: يجوز الوجهان. وفرق بين من يخلق، ومن يخلق من ~~يخلق، ولتوضيح هذه المسألة قلنا: إن الطفل الصغير لا يقدر مثلا على نقل ~~المائدة من مكانها، ms8496 أما الرجل القوي فيستطيع أن ينقلها له، وهو في هذه ~~الحالة لم يعد قوته إلى الضعيف ليفعل بنفسه، إنما عدى له أثر صفته ~~فحمل عنه واشتال له، وظل الطفل ضعيفا غير قادر على الحمل. لذلك ~~نقول: إن وجه العظمة في خلق الله تعالى وفي عطائه، أنه سبحانه يخلق ~~من قدرته قدرة، ويهبك إياها، فتقدر أنت بنفسك وتعمل بيدك، فالخلق ~~يتطوعون ويعينون الضعيف ويفعلون له، لكن يظل ضعيفا، أما الخالق ~~سبحانه فيعطي الضعيف قوة فيفعل بنفسه. لكن تنبه أن هذه الصفات موهوبة ~~لك لا ذاتية فيك لأنك لست أصيلا في الوجود بل أنت خليفة، ولا بد لك ~~أن تظل في حضن من استخلفك، وإياك أن تشذ عمن استخلفك، وإلا ~~سحب منك مقومات هذا الاستخلاف. وحين ترى أصحاب الابتلاءات والعاهات: هذا ~~أعور وهذا أعرج.. الخ فاعلم أن الخالق سبحانه يريد أن يلفتك إليه، ~~وينبهك إلى أنك لست أصيلا في الوجود إنما مستخلف، وأنك شيء ما ~~دام معك من استخلفك، فإن تخلى عنك فأنت لا شيء، وآفة الإنسان في ~~الكون أن يعتبر نفسه أصيلا، ولو فهم دوره وحقيقة وجوده لاستقامت ~~الأمور. البعض ينظر إلى هذه العاهات على أنها تشويه للخلق ولا يرى فيها ~~حكمة، والحقيقة أنها خلقت لحكمة مرادة لله تعالى، وما هي إلا وسيلة ~~إيضاح للناس كي لا تغتر بالجوارح السليمة، وكي تظل على ذكر لله ~~الخالق، وكما قلنا الحاجة هي التي تلجئك. # ونحن نرى مثلا رجال المرور يعمدون إلى سيارة جديدة محطمة، ويجعلونها ~~في مكان بارز يراه الناس ليرتدع السائقون عن الرعونة في السرعة، فهذه ~~السيارة وسيلة إيضاح ونموذج جعل كذلك لهدف، وربما تعمدوا إعدام ~~السيارة لما يترتب على إعدام سيارة واحدة من نجاة ملايين السيارات. ~~كذلك أنت أيها المعافى، حين ترى أصحاب العاهات تقول: الحمد لله الذي ~~عافاني مما ابتلاك به، وتلتفت إلى نعم الله عليك التي كثيرا ما تغفل ~~عنها، فإن قلت: فما ذنب هذا المبتلى أن يجعله الله وسيلة إيضاح ~~لغيره؟ نقول: لو أدركت ما وجده من العوض ms8497 عما فقد لتمنيت أن تكون ~~مثله، لذلك نلاحظ أن أصحاب العاهات عوضهم الله بخصلة أخرى تعوض ما ~~فيه من نقص لذلك نقول في الأمثال: كل ذي عاهة جبار وقد رأيتم فاقد ~~الذراعين يلضم الخيط في الإبرة برجليه، والطفل المكفوف يحفظ القرآن كله ~~وهو ابن السادسة، أخذ الله منه البصر وأعطاه البصيرة، إنها مواهب لا ~~يستطيعها الأصحاء. وسبق أن قلنا إن الأكتع لو ضربك بيده الكتعاء لعرفت ~~أنها ضربة مميتة، لأنها يد مستريحة لا تعمل، ففيها من القوة ما ليس ~~للصحيحة، وإذا انفعل كانت كل قوته في هذه اليد. ونحن نقول لإخواننا ~~الذين ابتلاهم الله بفقد البصر: صناديق العلم!! لماذا؟ لأنهم حصلوا من ~~العلم ما يعجز عنه المبصرون ذلك لأن المبصر تشغله المرائي المتعددة من ~~حوله، أما المكفوف فلا يشغله شيء، فبؤرة الشعور عنده دائما خالية جاهزة ~~للاستقبال، ثم هو لا يستطيع أن يقرأ بنفسه، فينتهز فرصة أن يقرأ له، ~~فينصت جيدا، ويعي ما يسمع بحيث لا يحتاج إلى إعادته مرة أخرى لذلك قال ~~أحدهم: # عميت جنينا والذكاء من العمى # فجئت عجيب الظن للعلم موئلا # وغاب ضياء العين بالقلب رافدا # لعلم إذا ما ضيع الناس حصلا # إذن: نحن حينما نرى أصحاب العاهات أو الابتلاءات ننظر إلى كمالنا نحن، ~~ولا ننظر إلى ما عوضوا به من مواهب في جوانب أخرى، وسبق أن قلنا: إن ~~الذي أبدع السيمفونية العالمية المشهورة كان أصم!! وتيمورلنك الذي ~~دوخ العالم وصاحب الفتوحات المعروف كان أعرج!! والمؤمن الحق حين يرى ~~غيره ممن ابتلاهم الله لا يتعالى عليهم ولا يدل عليهم بسلامة جوارحه، ~~إنما يتواضع لهم، وهو يعلم أن هذا النقص يقابله عوض فيقول في نفسه: يا ~~ترى في أي الجوانب تتفوق علي وتتميز عني؟ وبهذه النظرة يتساوى ~~الجميع. نقول: فعلى الإنسان أن يظل دائما على ذكر لهذه الحقيقة أنه ~~خليفة لله في الكون ليس أصيلا فيه، وما أشبه هذه الخلافة بالوكالة حين ~~توكل غيرك في شيء بعينه، فإن اعتبر نفسه وكيلا في كل شيء فسدت ~~الوكالة لذلك نرى ms8498 العقلاء حين يوكلون غيرهم يوكلون على قدر ~~الحاجة والضرورة حتى لا تستغل الوكالة، ويطغى الوكيل على صاحب الحق ~~الأصيل. # وصلاح الدنيا كلها واستقامة أمور الناس قائمة على هذا المبدأ، مبدأ ~~الاستخلاف، فالأصل في الإنسان أن يظل خليفة محتاجا لمن استخلفه، ~~والعادة أن الاستغناء ينسيك، والحاجة تلجئك وتعطفك إلى من استخلفك. ~~ولما خلق الله آدم ليكون خليفة في الأرض، هل أنزله في الوجود ليباشر ~~مهمته في إعمار الأرض واستنباط أسرار الله في الكون، دون أن يعده ~~لهذه المهمة؟ كيف ونحن نأخذ مثلا اللاعب الذي نعده لمجرد أن يلعب ~~فندربه ونعلمه ونصرف عليه ونصحح له أخطاءه، إلى أن يصل إلى المستوى ~~المطلوب منه، فما بالك بمهمة إعمار الأرض؟ كذلك الحق - سبحانه وتعالى - ~~درب آدم على هذه المهمة، فأسكنه في بستان فيه كل ما تشتهيه النفس: # وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا ~~منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة ~~فتكونا من الظلمين # [البقرة: 35]. وهكذا حدد الخالق سبحانه لآدم كيفية معيشته في الجنة، ~~فأحل له أن يأكل منها كما يشاء، باستثناء شجرة واحدة. إذن: فالحلال ~~كثير لا يعد ولا يحصى، أما الحرام فمحدود، وكذلك شأن الله تعالى في ~~الحياة، فالأصل في الأشياء الإباحة إلا ما جاء به نص يحرمه وهو محصور ~~في أشياء بعينها. وتأمل هنا هذا الاحتياط التشريعي في قوله سبحانه: # ولا تقربا # [البقرة: 35] ولم يقل: ولا تأكلا، فالمنهي عنه مجرد قربها لأن ~~قربك من المحرم يغريك به حتى تقع فيه لذلك تجد أسلوب القرآن في ~~الأوامر يقول: # تلك حدود الله فلا تعتدوها # [البقرة: 229] أما في النواهي فيقول: # تلك حدود الله فلا تقربوها # [البقرة: 187]. لذلك لما حرم الإسلام الخمر لم يحرم شربها فحسب، ~~إنما حرم كل ما يتصل بها من بيع أو شراء أو نقل أو صناعة، أو حتى ~~التواجد في مكان هي فيه، لماذا؟ ليسد كل الطرق المؤدية إليها ~~المغرية بها. وحين يبين لنا الحق سبحانه الحلال والحرام والأوامر ~~والنواهي، فإنما يلفت أنظارنا إلى قضية مهمة، وكأنه يقول لنا: إن ms8499 استقمت ~~على منهجنا وتكليفنا لك ستظل حياتك سليمة بلا عورة، خالية من المشاكل ~~والصعاب، فإن تعديت هذه الحدود فانتظر ظهور العورات في المجتمع، ~~سواء أكانت عورات اجتماعية، أم أخلاقية، أم اقتصادية.. الخ. وفي قصة آدم ~~- عليه السلام - حين أكل من الشجرة رمز إلى هذه المسألة، كيف؟ لما ~~استقام آدم على منهج ربه والتزم بما أمره الله به عاش في الجنة معافى ~~بلا سوءة، فلما خالف وأطاع وسوسة الشيطان فأكل من الشجرة التي نهي ~~عنها بدت سوءته لأول مرة، لأنه لما استقام كان يأكل بطهي ربه له وهو ~~طهي على قدر حاجة الجسم ومقومات الحياة فلا يبقى منه شيء، يخرج ~~فضلات من الجسم. # ولكن لما تدخلت الشهوة، وأطاع الشيطان أفسد الخلطة الغذائية التي ~~أعدت له، فتكونت في بطنه الفضلات وأحس لأول مرة بشيء غريب لم ~~يعهده، وفوجئ بأن خرقا في بدنه يخرج منه شيء قذر كريه الرائحة. لذلك ~~عرف آدم أنها عورة ينبغي أن تستر، فأخذ يقطع من أوراق الشجر ليستر ~~عورته، ويداري سوءته، هذا قوله تعالى: # فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا ~~يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهمآ ~~ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن ~~الشيطآن لكما عدو مبين # [الأعراف: 22]. وقد رأينا في أثناء الحروب أن الجندي يتغذى على قرص ~~صغير يؤدي مهمة الوجبة الغذائية، لكن لا يترك فضلات في الجسم، ذلك لتخف ~~مؤونة التموين، ولا يحتاج الجندي لعملية الإخراج. إذن: في قصة آدم والأكل ~~من الشجرة إشارة رمزية إلى أن أحكام الله ما دامت منفذة يستقيم حال ~~البلاد والعباد، ولا تظهر في المجتمع عورات ومساوئ، لذلك حين ترى في ~~المجتمع عورة ظهرت في أي ناحية: علمية، اقتصادية، اجتماعية، خلقية.. الخ ~~فاعلم أن بندا من بنود منهج الله قد عطل، فابحث عنه، وحاول إصلاحه ~~بنفسك أولا، إن كان الإصلاح في مقدورك لذلك قال تعالى: # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم.. # [الرعد: 11]. وآدم - عليه السلام - وقع في هذه المخالفة بعد أن بين ~~الله له ms8500 ما أحل له وما حرم عليه، وبين له عداوة الشيطان، وأنها ~~عداوة مسبقة منذ أمره الله بالسجود فلم يسجد، ومع ذلك سمع آدم لوسوسة ~~الشيطان، وكان عليه أن يعمل نعمة العقل، وأن يفكر فيما قاله عدوه ~~إبليس، حين قال: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين # [الأعراف: 20]. يعني: أن من يأكل من هذه الشجرة يخلد ولا يموت، إذن: ~~لماذا لم تأكل أنت يا إبليس منها، ما دام الأمر كذلك؟ ألست القائل لله ~~تعالى: # أنظرني إلى يوم يبعثون # [الأعراف: 14] فهنا إشارة إلى وجوب التفكر في وسوسة الشيطان وعدم الخضوع ~~له. إذن: ففترة وجود آدم في الجنة كانت فترة التدريب على المنهج ~~الخلافي، فلما حدثت منه المخالفة وحصل منه عصيان أراد الله أن يخرجه ~~من الجنة، وأن ينزله إلى حياة الأرض ليتحرك فيها حركة الخليفة، ~~مستصحبا للتجربة السابقة. وكأن الله يقول له: خذ من الحلال ما شئت، ~~وابتعد عن الحرام واحذر الشيطان فهو عدوك، وسيظل يوسوس لك ليوقعك في ~~المخالفة كما أوقعك في المخالفة الأولى، فإياك أن تسمع له لأنك لو ~~سمعت له وهو عدوك سيخرجك من حياة النعيم إلى حياة الشقاء، كما أخرجك ~~من جنة الالتزام بأمر والالتزام بنهي: # فقلنا يآءادم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا ~~يخرجنكما من الجنة فتشقى # [طه: 117] ولم يقل: فتشقيا. والحق سبحانه وتعالى وضع لنا في هذه الآية ~~إشارة رمزية منذ أول الخلق، لتحل لنا مشكلة وقضية ما زال ~~العالم يتحدث فيها إلى الآن وسيظل، إنها قضية خروج المرأة للعمل ~~والمساواة بالرجل، وأن المرأة تريد أن تثبت ذاتها.. الخ. وعجيب أن ~~تطالب المرأة بالمزيد من المسئوليات، فهى تريد أن تأخذ من مهمة الرجل، ~~في حين أن الرجل لن يأخذ من مهمتها شيئا، ولن يحمل عنها عبئا من ~~أعبائها، الرجل لا يحمل ولا يلد ولا يرضع. إذن: أخذت أنت مهمة الرجل ~~مضافا إليها مهمتك الخاصة التي لا يقوم هو بها، وفي هذا ظلم للمرأة. ~~فقوله تعالى لآدم # فتشقى # [طه: 117] دل ms8501 منذ أول الخلق على أن الشقاء والكدح والعمل وتحمل ~~المسئولية مهمة الرجل، وأن المرأة سيدة في بيتها معززة مكرمة، ~~وهذه الصورة ظلت موروثة في مجتمعاتنا بدون تضليل وبدون انطماس، فحتى ~~الآن حين يتقدم شاب لخطبة البنت يشترط عليه كبير العائلة يقول أنت ~~حتستتها ولا حتشغلها يعني: أتجعلها سيدة مصونة في بيتها، أم أنك ~~ستخرجها للعمل؟ البعض يقول: كيف يعصي آدم وهو نبي؟ فهو إذن مثل ~~الشيطان: هذا عصى وهذا عصى. نقول: عصى آدم وهو فى فترة التدريب التي لا ~~يؤاخذ فيها المخطئ، بل نصحح له دون مؤاخذة، فالتلميذ في المدرسة ~~يصوب له المعلم خطأه باللون الأحمر دون أن يحاسبه عليه، إلى أن ~~يأتي اختبار آخر العام، فيحاسبه على الخطأ. فآدم حين أخطأ كان في فترة ~~التدريب، وقد صوب الله له خطأه، ثم إنه لم يكن نبيا في هذه ~~الفترة، لأن آدم خلق ليكون أبا للبشر جميعا، والبشر سيقسمون إلى ~~قسمين: قسم مصطفى وهم الرسل، وقسم مصطفى عليه وهم المرسل إليهم. ~~إذن: آدم في البداية كان يمثل القسمين، وجاءت تجربته تمثل عصيان البشر ~~وعصمة الأنبياء، لذلك أخطأ فصوب الله له، ثم تاب فتاب الله عليه ~~واصطفاه، وكذلك حال البشر واقرأ: # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121] هذه إشارة إلى ما سيكون من البشر # ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى # [طه: 122]. إذن: الاجتباء والعصمة جاءت بعد التجربة الأولى لأن آدم ~~مثل الجميع، مثل عصيان البشر، ومثل عصمة الأنبياء. هذا الخليفة طرأ ~~على وجود خلق له قبل أن يوجد لا أن الله خلقه، ثم نظر ماذا يريد ~~وماذا يحتاج، ثم خلقه سبحانه خلقا يناسب قيامه بمهمته في عمارة الأرض # هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها # [هود: 61]. ولم يجعل الحق سبحانه العبادات الأصيلة - أي أركان الإسلام - ~~هي كل حركة الحياة، بل جعلها هي الشحنة التي تعينك على حركة الحياة لذلك ~~من قال إن الإسلام هو هذه الأركان يؤديها وحسب نقول له: لا لأن هذه ~~الأركان بها تستمد القوة من الله لتنجح في حركة الحياة، والإسلام ms8502 أوسع ~~من هذه الخمس بكثير، بدليل قوله تعالى في سورة الجمعة: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع # [الجمعة: 9]. إذن: ناداهم وأخذهم من شغل ومن عمل هو قمة حركة الحياة، ~~ألا وهو البيع، وإن كان البيع مرتبطا بالشراء إلا أنه أقوى، لذلك خصه ~~بالذكر ولم يقل: وذروا البيع والشراء، لماذا؟ قالوا: لأنه سبحانه خالق ~~الطبع الإنساني، ويعلم أن الإنسان ثقيل عند الشراء غير حريص عليه، لكنه ~~حريص عليه، لكنه حريص على البيع ويسعى إليه لذلك عندما يكلفك أهل البيت ~~بشراء شيء ربما تماطل في شرائه أو تؤجله، وتسر حين تذهب فتجد المحل ~~مغلقا، أما لو كنت بائعا فإنك تحرص كل الحرص على أن تبيع، لماذا؟ لأن ~~المشتري ينفق والبائع يأخذ لذلك ذكر الحق سبحانه البيع لأنه ثمرة الحركة. ~~وبعد انتهاء الصلاة قال: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله.. # [الجمعة: 10] إذن: أخذك للصلاة من عمل، وأعادك بعد الصلاة إلى العمل ~~والسعي. وحين تتأمل لفظ الحديث: # " بني الإسلام على خمس " # يعني: هذه الخمس هي الدعائم التي يقوم عليها الإسلام والمبنى غير المبنى ~~عليه، وهل البناء الذي نسكنه مكون من الأساس والأعمدة فحسب؟ إذن: ~~الإسلام ليس هو الأركان الخمس، إنما الإسلام أوسع من ذلك، الأركان هي ~~الشحنة التي يستدعيك ربك إليها، فتأخذ من لقائه المدد الذي يعينك على ~~القيام بحركة الحياة. ومثلنا ذلك بالبطارية حين تذهب بها إلى الشحن، ~~فنحن لا نستفيد بها في فترة الشحن، إنما نعطيها الشحنة اللازمة لتعمل بها ~~بعد ذلك. ومن عجيب أمر الرحمة الإلهية أن الله تعالى جعل الذهاب إلى شحنة ~~الطاقة الإنسانية فرضا تكليفيا لا بد لك من القيام به، لا بد ~~لك أن تقابلني خمس مرات في اليوم والليلة لأنك خلقي وصنعتي، ~~والصانع أعلم بما يصلح صنعته، وتصور صنعة تعرض على صانعها خمس ~~مرات في اليوم والليلة: هل يبقى فيها عطب، هذا في الصانع إن كان من ~~البشر، فما بالك في الصانع إن كان ms8503 هو رب البشر وخالقهم سبحانه. الصانع ~~من البشر يصلح صنعته بشيء مادي مثل مسمار أو قطعة غيار مثلا، أما ~~الخالق سبحانه فيصلحك دون شيء مادي ذلك لأن المهندس وصنعته شيء مادي ~~فيصلح بالمادة، أما الخالق سبحانه فغيب، فحين يصلحك من عطب فيك ~~يصلحك بالغيب فلا تشعر به ولا تراه. إذن: نقول لا بد أن نفهم الدين ~~على حقيقته، وأن نفهم أن لكل منا مهمة، فإذا تفوق عليك غيرك فاعلم ~~أن تفوقه لصالحك وعائد عليك، لأنه بتفوقه يؤدي إليك خدمة، في حين أنه لا ~~يستفيد منك، فالذي يجيد عملا لا شك أنه ينفع نفسه وينفع الآخرين، على ~~خلاف من لا يجيد شيئا. # لذلك نقول في الفلاحين باب النجار مخلع، فالنجار تظهر مهارته حينما يصنع ~~لغيره لأنه يتقاضى أجرا، إنما لا يجيد الصناعة لنفسه، إذن: حين ترى ~~المتفوق عنك، لا تحسده ولا تحقد عليه، بل تمن له الزيادة، وتمن ~~له الخير، فسوف يصيبك شيء لا محالة من هذا الخير، وسيعود عليك هذا ~~التفوق في شكل خدمة يقدمها لك. لذلك كنا في الفلاحين، لو مات لأحدنا ~~بقرة أو جاموسة يحزن الجميع، لدرجة أننا رأينا مرة جماعة يبكون على عجل ~~مات فتعجبنا، الناس يبكون على الميت منهم، لكن من الحيوانات؟! بعدها ~~عرفنا أن هذا العجل هو الذي يدير الساقية، ويحرث الأرض التي يأكل منها ~~هؤلاء الناس، وينالهم خير هذه الأرض، وكنا في الريف لا نشتري الخيار ولا ~~الملوخية ولا البامية وغيرها كثير، بل كان يهدى ولا يباع. إذن: الهبة ~~المبذولة عند الخلق عائدة على كل الخلق، فحين ترى سيفيض عليك، وحين ~~ترى من يجيد عملا لا تجيده أنت لا تحقد عليه، لأنك ستحتاجه ليجيد لك ~~عملك حتى لو كنت تكرهه، أو على خلاف معه تحرص عليه ليعمل لك، فأنت تعلم ~~مدى إجادته للعمل، فتذهب إليه حرصا على مصلحتك أنت، وبذلك يتم التعادل ~~المطلوب في المجتمع، وتستقيم أمور الخلق استقامة مبنية على الحاجة. ~~ولو تأملت في نفسك كما قال الله تعالى: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون ms8504 # [الذاريات: 21] لوجدت في نفسك هذا التعادل بين الأعضاء، فعندك مثلا ~~اليد اليمنى تزاول بها بعض الأعمال التي تناسبها، واليد اليسرى تزاول ~~بها أعمالا أخرى تناسبها، اليد اليمنى للأعمال الشريفة المكرمة، أما ~~اليسرى فهي لما دون ذلك، وغالبا ما تكون اليمين أقوى من الشمال وأكثر ~~حركة منها وأدق في التناول. وتأول مثلا حين تريد أن تقص أظافرك، ~~فإنك تقص الشمال باليمين فيأتي القص دقيقا مريحا، على خلاف قص ~~اليمين بالشمال، إذن: موهبة اليمين عادت على الشمال، وعدم موهبة الشمال ~~عادت على اليمين، وهذا يلفتنا إلى أن الكمالات في الكون كمالات ~~مستطرقة تستطرق فيه، كاستطراق الماء. والحق - سبحانه تعالى - حين خلق ~~الإنسان الخليفة أعطى له تكوينات تناسب مهمته، وأول هذه التكوينات ~~الجوارح التي نسميها الحواس التي نحس بها الأشياء، ويسمونها الحواس ~~الخمس الظاهرة، وقولهم الظاهرة احتياط لما سيجد من حواس يعرفها العلم، ~~وفعلا اكتشف في الإنسان حواس أخرى غير الخمس كالحاسة التى أعرف بها ~~الجوع، وكحاسة البين التي أميز بها البعد بين شيئين، وحاسة العضل ~~التي أعرف بها ثقل الأشياء. وحين تتأمل هذه الحواس الخمس المعروفة، تجد ~~أن التكليف الشرعي جاء على مقتضى هذا التكوين في الحواس، فلكل حاسة في ~~الإنسان، ولكل جارحة عمل، فأداء كل جارحة لمهمتها يسمى عمل، فالقلب ~~يعمل بالنية، واللسان يتكلم، والأذن تسمع، والأنف يشم، واليد تمس ~~الأشياء، والعين ترى، هذا كله عمل. # ولا بد هنا أن نفرق بين العمل والفعل، والفعل يقابله القول الذي هو ~~مهمة اللسان لذلك قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2]. إذن: فالقول، وهو مهمة اللسان أخذ قسما وحده، وبقية الحواس ~~أخذت القسم الآخر، فالقول للسان، والفعل لبقية الحواس، لماذا أخذ ~~اللسان الشطر، وبقية الحواس الشطر الآخر؟ قالوا: لأن القول هو وسيلة ~~نقل مطلوب الرسل منا لنفعل، ونقل مطلوباتنا من الغير ليفعلوها. إذن: فكل ~~الأفعال في خدمة القول، ومنهج الله لا يأتينا إلا بالقول الذي يحمل الأمر ~~للحواس فتعمل، والعمل ليس بالضرورة عملا عضليا، بل ربما يكون عملا ~~معنويا، ms8505 كعمل القلب وهو النية كما قلنا، والشرع هو الذي يحكم هذه ~~الحواس، ويحدد لها الإطار الذي تعمل فيه في ضوء الحلال والحرام. ومهمة ~~الحواس أن تلتقط المدركات، ثم تعرضها على العقل، فيصفيها تصفية ~~حقيقية، بأن يقارن بينها، ويعرف أن هذه تصلح لكذا، وهذه لكذا، وبعد هذه ~~التصفية يسلمها للقلب لتصير عقيدة فيه، وكلمة عقيدة تعني الشيء ~~المعقود الذي لا يفك، ولا يعرض للنقاش مرة أخرى في العقل، فالطفل ~~الصغير مثلا يغريه شكل النار الجميل، فيحاول الإمساك بها، فتحرقه ~~النار، ويحس لأول مرة بالحرارة، فتتكون عنده عقيدة أو قضية عقلية أن ~~النار تحرق، فلا يقترب منها بعد ذلك، ويظل طوال حياته يسير على هذه ~~العقيدة أو هذا المبدأ، ولا يحتاج لأن يجربه مرة أخرى. هذه العقيدة ~~ساعة تستقر في القلب يضخها القلب مع الدم، فتسير في جميع البدن، وتتخلل ~~كل الأعضاء فتتشربها، وهذا يفسر لنا الحديث الشريف: # " إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت ~~فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ". # وبعد أن خلق الحق سبحانه للإنسان الجوارح والحواس خلق الغرائز، وهي ~~أمور لازمة لك، ثابتة في تكوينك، ولا يمكن لك الاستغناء عنها، لكن هذه ~~الغريزة قد تلح عليك فتخرجك عن الهدف منها، وعندها لا بد أن ~~يتدخل الشرع ليكبح جماحها، وليعيدها إلى توازنها الذي خلقها الله من ~~أجله. يتدخل الشرع ليعلي الغريزة ويهذبها، لا ليكبتها ويقضي عليها، ~~فالأكل غريزة لاستبقاء الحياة ويكفي فيه ما قال سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ". # ولا ينبغي أن تخرج عن ذلك، وتتحول إلى شره وتخمة. حب الاستطلاع ~~غريزة جعلها الله لاستكشاف أسراره في الكون، والتأمل في مخلوقاته، فإن ~~خرجت عن هذا الإطار وصارت تجسسا وتتبعا للعورات، فقد خردت عن ~~مهمتها، وهنا يتدخل الشرع ليعليها ويعيد إليها توازنها. وأعنف غرائز ~~الإنسان الغريزة الجنسية، خاصة في سن الشباب وهذه الغريزة جعلها الله ~~لحفظ النوع واستبقاء النسل، هذه هي المهمة التي من أجلها خلقت غريزة ~~الجنس، وقد ms8506 حرص الشرع على استبقاء هذه الغريزة مصحوبة بمنهج حركتها ~~لمن خلقها لتستقيم الأمور، لأن النسل هو الثروة الأولى التي ينبغي ~~الحفاظ عليها ليأتي النسل شريفا طاهرا. # وسبق أن فرقنا بين النسل الشرعي المحسوب على الوالدين، والنسل غير ~~الشرعى، وكيف أن الأول يقابل بالفرحة وبالحنان والعطف والرعاية، والآخر ~~يقابل بالكراهية وعدم الرغبة، وربما فكرت أمه في التخلص منه، ولو ~~بإلقائه في الشارع. من هنا حرص الدين على بناء الأسرة بناء سليما فيه ~~شرف وكبرياء وعزة نفس في ظل كلمة الله ومنهجه الذي يؤمن لك ~~سلامة نسلك، فيأتي موثوقا به تطمئن إليه، وتعتني به، وتربيه أحسن ~~تربية، وهذا هو هدف الشرع. وسبق أن تحدثنا عن الفرق بين الحلال ~~والحرام في هذه المسألة، وذكرنا الحديث الشريف: # " جدع الحلال أنف الغيرة ". # إذن: فهذه الغريزة مخلوقة في النفس البشرية لأداء مهمة، ولكي تبقى في ~~إطار ما خلقت له، لكن الحاصل أن كثيرين يخرجون بها عن هدفها، والعجيب ~~أن يظلم الإنسان الحيوان في هذه المسألة، حين يقول: هذه شهوة بهيمية ~~ويتشدق بها. وهذا القول يدل على عدم فهم لغريزة الحيوان لأن الحيوان ~~يقف بالغريزة عند حدودها كما خلقها الله لذلك لم نر بهيمة أنثى حملت ~~ثم مكنت فحلا منها بعد ذلك، كذلك الفحل يشمها، فيعرف أنها حامل ~~فينصرف عنها. أهذه شهوة بهيمية على حسب ما نقصد نحن من هذه الكلمة؟ لا، ~~بل هي إنسانية.. ولك أن تقارن بين هذه الغريزة عند الحيوان وعند ~~الإنسان، وسوف ترى العجب في خروج الإنسان بهذه الغريزة عن المراد منها. ~~ومن حكمة الخالق سبحانه أن ربط الغريزة الجنسية والنسل بالاستمتاع، ~~ذلك لأن للنسل مطالب وتبعات ومسئوليات، فلو لم تكن هناك متعة ترغب ~~الإنسان لزهد في المسألة، وانصرف عنها. والحق سبحانه وتعالى يأتي ~~للمؤمنين على منهج واحد بأمور متقابلة مثل: العزة والذلة، فالمؤمن ~~غير مطبوع على عزة دائمة ولا على ذلة دائمة، إنما الموقف الذي يعيشه ~~هو الذي يملي عليه أن يكون عزيزا، أو أن يكون ذليلا، فالذلة ~~والانكسار لإخوانه المؤمنين والعزة ms8507 والتعالي على الكافرين الجاحدين، ~~كما قال تعالى في وصف سيدنا رسول الله والمؤمنين: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم.. # [الفتح: 29]. إذن: فهم أشداء رحماء في وقت واحد، وهذا دليل على أن ~~المؤمن لا تكيفه غرائزه إلا بمعدلات خالق الغرائز. من التكوينات أيضا في ~~خلق الإنسان بعد الحواس والغرائز أن الله خلق في الإنسان العاطفة، ~~والعاطفة شعور لا نعرف سببه لذلك تقابل شخصا فترتاح إليه وآخر تكرهه ~~هكذا دون سابق تعامل، لماذا إذن تحب هذا وتكره ذاك؟ إنها العاطفة لذلك ~~تحب ولدك ولو كان غبيا لأنك تحبه بعاطفتك، وتحب ابن عدوك الذكي تحبه ~~بعقلك. # . لذلك لم يجعل الحق سبحانه العاطفة مجالا للتكليف. ويبين لنا سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم العاطفة في قوله لصحابته، وفيهم سيدنا عمر: # " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أمه وأبيه ونفسه ". # وقفت هذه الكلمة في نفس عمر. فقال: يا رسول الله، أنت أحب إلي من أمي ~~وأبي أو من ولدي ومالي، لكن نفسي يا رسول الله؟ فكررها رسول الله مرة ~~أخرى، حتى علم عمر أنها عزيمة، ولا بد أن رسول الله يقصد حبا غير ~~الذي يراه عمر، إنه يقصد الحب العقلي، عندها قال عمر: الآن يا رسول ~~الله، يعني: الآن أصبحت أحب إلي من أبي وأمي، وأحب إلي من ولدي ~~ومالي، وأحب إلي من نفسي التي بين جنبي. إذن: المراد في حب رسول ~~الله الحب العقلي، فلولاه صلى الله عليه وسلم ما اهتدينا ولا بلغنا ~~الهدى، ولولاه لهلكنا، فأنت تحب محمدا صلى الله عليه وسلم كما تحب ~~الدواء المر، لا تحبه بعاطفتك إنما بعقلك لذلك فهم سيدنا عمر أن الحب ~~المطلوب شرعا حب العقل، وإن تحول بعد ذلك إلى عاطفة وعشق للذات، ~~وهذه درجة أخرى أعلى من الأولى. والقرآن الكريم يعلمنا هذا في قول ~~الله تعالى: # اعدلوا هو أقرب للتقوى # [المائدة: 8] يعني: لا يحملنكم البغض لقوم أن تظلموهم، وألا تعدلوا ~~معهم، إذن: البغض غير ممنوع لأنه مسألة عاطفية، فأحبب ms8508 من شئت، ~~وابغض من شئت، لكن إياك أن يحملك الحب أو البغض على أن تظلم ~~بأن تجامل من تحب، وتظلم من تكره. ولأن العواطف بهذا الشكل، يعني: ~~ليس لها انضباط في الذات خرجت من نطاق التكاليف الشرعية لأنك لا تعرف ~~لماذا مالت بك العاطفة لأن تحب أو تكره. وحين نتأمل الحواس ~~والغرائز والعاطفة نجد أن الحواس ظاهرة معروفة فالعين ترى، والأذن ~~تسمع.. الخ. وكذلك الغرائز ظاهرة بأثرها وأسبابها، فحين تجوع تطلب ~~الطعام، وحين تريد أهلك تحن إليهم، أما العاطفة فشيء خفي غير ظاهر، ~~لذلك يضرب لها القرآن مثلا ليس في الإنسان ولا حتى فيما دونه من الحيوان ~~أو النبات إنما مثلا في الجماد، واقرأ قوله تعالى في عاقبة الكافرين قوم ~~فرعون: # فما بكت عليهم السمآء والأرض.. # [الدخان: 29]. ومعلوم أن البكاء مظهر عاطفي، فهل تبكي السماء؟ وهل ~~تبكي الأرض؟ نعم تبكي وتنفعل، وكأنها تقول لهؤلاء: اذهبوا غير مأسوف ~~عليكم، وإلا لما نفى الله عنها البكاء، ولم نستبعد ذلك؟ والسماء ~~والأرض خلق من خلق الله خاضع للتسخير، ألم يقل الحق سبحانه: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44]. إذن: لا غرابة أن يفرح الجماد حين يجد من يسبح معه ~~وينسجم مع الكون المسبح، ولا غرابة أن يحزن، وأن يبكي عندما يشذ ~~البشر عن هذه المنظومة المسبحة، وعليه يمكن القول بأن السماء والأرض لم ~~تبك على هلاك قوم فرعون، وفرحت لهداية آسية امرأة فرعون. # إذن: للسماء والأرض انفعال وعاطفة فهي تحب وتكره، وتبكي وتفرح. وهذا ~~المعنى أوضحه لنا الإمام علي رضي الله عنه، حين قال: إذا مات المؤمن بكى ~~عليه موضعان: موضع في السماء، وموضع في الأرض، أما موضعه في السماء فمصعد ~~عمله - يبكيه لأنه حرم من صعود الكلم الطيب والعمل الصالح - أما ~~موضعه في الأرض فمصلاه - يعني: المكان الذي كان يصلي فيه. كانت ~~هذه مقدمة ضرورية ندخل بها على قصة سيدنا لوط في قوله تعالى: { ~~وإن لوطا لمن المرسلين * إذ نجيناه... }. ### || [37.133-138] # كانت مهمة سيدنا لوط في دعوة ms8509 قومه أشق مهمة لذلك ذكر في القرآن سبع ~~عشرة مرة، بالرفع وبالجر، وذكر عشر مرات بالنصب، ووجه المشقة في ~~مهمته عليه السلام أنه جاء ليعدل أعنف الغرائز في النفس البشرية، ~~وهي الغريزة الجنسية. ليت هذه الغريزة. كانت عند القوم في مسارها ~~الطبيعي، بمعنى غريزة الرجل نحو المرأة، إنما كانت غريزة جنسية منحرفة لم ~~يسبق لها مثيل من قبل وهي علاقة الرجل بالرجل، لذلك جاءت منهم جريمة ~~وفعلة نكراء مبتكرة لم يسبق إليها أحد غيرهم، كما قال تعالى على لسان ~~سيدنا لوط: # أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين # [الأعراف: 80]. قلنا سابقا: إن كل إنسان منا له في ذاته الخاصة ~~حرية، فإذا انتقلت إلى غيره جاءت قيود لهذه الحرية، إذن: فلي حرية مع ~~نفسي، ولي حرية مع أهلي، ولي حرية من الناس عموما في الشارع، ولكل ~~حدود والتزامات، فالإنسان مثلا حين يغلق على نفسه حجرته الخاصة تكون ~~حريته أوسع، حيث لا أحد معه يحد من حريته. فإذا خرج من حجرته الخاصة ~~إلى الصالة مثلا تصبح حريته مقيدة بعض الشىء لوجود أهله وأولاده، ~~فإذا خرج إلى الشارع حيث عامة الناس قيدت حريته أكثر لأن لكل من ~~يتعامل معهم في الشارع حرية، وحرية الآخرين تقيد حريتك، فإذا ما ~~ذهبت إلى النادي مثلا حيث الأحبة والأصدقاء، فإنك تذهب بهندامك الكامل ~~وأدبك الجم.. إلخ. لذلك ظهر تبجح قوم لوط بفاحشتهم، لدرجة أنهم كانوا ~~يأتونها في ناديهم، كما قال تعالى: # وتأتون في ناديكم المنكر # [العنكبوت: 29] يعني: الفعل الذي لا ينبغي لكم في الخلوة تفعلونه في ~~النادي علانية، وهذه الفعلة ممنوعة شرعا، حتى لو كانت في المحللة ~~لك وهي الزوجة لأن إتيان الزوجة لا يكون إلا في منبت الولد. لذلك لما ~~نادى البعض بحرية الرجل في الاستمتاع بالمرأة حيثما يشاء، وفهم هذه ~~الحرية من قوله تعالى: # نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم # [البقرة: 223] نقول لهم: لقد غفلتم عن معنى الحرث هنا، فالحرث هو الأرض ~~المعدة للإنبات، كذلك يكون إتيان الزوجة في موضع الإنبات حيث ms8510 يأتي ~~الولد، فإن كان في الموضع الآخر الذي لا إنبات فيه فهو حرام. فإذا كان ~~الإسلام يحرم هذه الفعلة مع الزوجة، فما بالك لو فعلها مع رجل مثله؟ ~~وكما حرم الشرع فعلة قوم لوط، وهو إتيان الرجل للرجل حرم كذلك أن ~~تفعل المرأة بالمرأة، وهو ما يسمى بالسحاق والعياذ بالله، وهذا ~~التحريم بالقياس على الرجل. إذن: فالشرع عدل الغرائز المنحرفة في علاقة ~~الرجل بالرجل، وفي علاقة المرأة بالمرأة، وفي العلاقة الزوجية بين الزوج ~~وزوجته، ووضع الضوابط الرادعة في هذه المسألة، لماذا؟ لأن هذا الانحراف ~~سيسيء إلى النسل وإلى عمارة الكون، والحق سبحانه يريد لخليفته في الأرض ~~أن يأتي طاهرا شريفا، ليكون أهلا لهذه الخلافة. # لذلك ذكر سيدنا لوط عليه السلام سبعا وعشرين مرة لثقل المهمة التي ~~كلف بها. في حين ذكر سيدنا عيسى عليه السلام رغم أهميته في موكب ~~الرسالات، ورغم طبيعة خلقه العجيبة، إلا أنه ذكر خمسا وعشرين مرة. ~~وأنا شخصيا أخذت على كثيرين من الكتاب والعلماء أنهم ينسبون هذه ~~الجريمة، وينسبون فاعلها إلى نبي الله لوط - عليه السلام - فيقولون عن ~~الفعلة النكراء لواط ومرتكبها لوطي، وهذا خطأ فادح وعيب كبير أن ننسب ~~القبح والفاحشة لنبي الله، الذى جاء ليحاربها، وليعدل سلوك الناس ~~فيها، قالوا: نحن نسير في ذلك على مقتضى الكلام العربي في النسب، كما ~~قال الناظم: # والواحد اذكر ناسبا للجمع # إن لم يشابه واحدا بالوضع # يعني: هم قوم لوط بالإضافة، لكن في اللغة ما يسمى بالنحت، ويمكن أن ~~ننحت من الكلمة ما يفيد أن القوم هم أصحاب هذه الفعلة، بعيدا عن لوط - ~~عليه السلام - فعيب أن نجعله عنوانا لهذه الفاحشة. وهذه الآيات ~~التي معنا تذكر قصة سيدنا لوط مع قومه، فهي لقطة موجزة لآخر القصة ~~ولنهايتها، حيث نجى الله المؤمنين وأهلك الكافرين، وبداية قصة لوط ~~حينما تقابل مع عمه سيدنا إبراهيم عليهما السلام، كما قال تعالى: # فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه ~~هو العزيز الحكيم # [العنكبوت: 26]. فهذه لقطة من القصة، وليس تكرارا لها كما ms8511 يدعي ~~البعض، فالقصص في القرآن لا يأتي سردا جملة واحدة، إنما يأتي لقطات ~~مختلفة يذكرها في مناسبتها. وقد وقف السطحيون في مسألة عصا موسى يتهمون ~~القرآن بالتكرار، وهذا نتيجة قصورهم في فهم كتاب الله، فالأمر الأول ~~بإلقاء العصا كان في مجال الإيناس، حيث أراد الحق سبحانه أن يجري لموسى ~~هذه التجربة بينه وبين ربه، بدليل سؤال الإيناس. # وما تلك بيمينك يموسى # [طه: 17] فالله يعلم ما في يمينه، لكن أراد سبحانه أن يؤنسه لذلك أطال ~~سيدنا موسى في الجواب، فقال: # قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على ~~غنمي ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18] ثم أمره الله أن يلقيها: # قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية ~~تسعى * قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها ~~الأولى # [طه: 19-21]. إذن: أراد الحق سبحانه أن يدرب موسى، حتى إذا جاء لقاؤه ~~مع فرعون ورأى العصا حية على الحقيقة، كان لديه دربة ولا يخاف. ثم ~~كان الأمر بإلقاء العصا في المرة الأخرى في موقف آخر أمام فرعون ~~والسحرة. إذن: هذا موقف، وهذا موقف آخر. وإن شاء سبحانه أورد القصة ~~كاملة، كما في قصة سيدنا يوسف - عليه السلام - ربما ليتحقق لها الحبكة ~~الفنية كما يقول نقاد الأدب، وربما لأن العبرة والعظة لا تتم إلا بتمام ~~القصة لأن القصة في القرآن ليست سردا لتاريخ، ولا مجالا للتسلية، ~~إنما تساق للعبرة والعظة، وتساق لتسلية سيدنا رسول الله. # فمهمة رسول الله أمام مجابهة قومه له باللدد والخصومة والعناد والكفر ~~كانت تقتضي أن يثبته الله في كل آونة، فكلما احتاج إلى تثبيت نزلت ~~عليه الآيات تحمل لقطة مناسبة من موكب الرسالات، ثم يسلي الله رسوله ~~فيقول له: لأنك سيد الرسل وخاتم الرسل ومبعوث إلى الناس كافة إلى آخر ~~الزمان، فلا بد أن تتضاعف لك المتاعب من قومك. وسبق أن مثلنا ~~لذلك، وقلنا: إننا شاهدنا مثلا ثورة يوليو 1952 وما زلنا نشهد الاحتفال ~~بذكراها كل عام، ونستمع إلى قصتها وما دار فيها، لكن كل سنة نستدرك عليها ~~شيئا جديدا، ونستخلص منها دروسا. ms8512 إذن: نقول جاء القصص القرآني كل ~~لقطة في مناسبتها لتثبيت رسول الله كما قال تعالى: # كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا # [الفرقان: 32]. يقول سبحانه: { وإن لوطا لمن المرسلين * ~~إذ نجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في ~~الغابرين * ثم دمرنا الآخرين } [الصافات: 133-136] أي: ~~بالقصف والرجم. كلمة وأهله الأهل تطلق على عشيرة الرجل الأقربين، ~~وتطلق على الزوجة، والحق سبحانه وتعالى أخبر هنا أنه نجى لوطا وأهله ~~أجمعين، واستثنى منهم امرأته { إلا عجوزا في الغابرين } ~~[الصافات: 135]، وفي آية أخرى قال: # إلا امرأتك كانت من الغابرين # [العنكبوت: 33] والغابرون جمع: غابر ويطلق الغابر على معنيين متقابلين. ~~الغابر: يعني الشيء الذي مضى وانتهى، والغابر الباقي، وقد اجتمع لامرأة ~~لوط المعنيان معا، فهي من الغابرين الذين تركناهم للهلاك، أو من ~~الغابرين يعني الباقين أيضا للعذاب حتى يأتي. ثم يذكرنا الحق سبحانه ~~بأن القصة في القرآن لا تساق للتسلية، إنما تساق للعبرة والعظة، ~~فيقول: { وإنكم لتمرون عليهم } [الصافات: 137] أي: على ~~آثارهم في سدوم { مصبحين } [الصافات: 137] في الصباح { وباليل ~~أفلا تعقلون } [الصافات: 138] نعم، يمرون عليهم في رحلاتهم ~~وأسفارهم وفي تجارتهم في رحلة الشتاء والصيف، ويشاهدون آثارهم وما تبقى ~~من ديارهم. كانت هذه لقطة موجزة، وبرقية عاجلة لقصة سيدنا لوط مع قومه ~~ومثلها تماما قصة سيدنا يونس: { وإن يونس لمن ~~المرسلين... }. ### || [37.139-144] # أولا: أثبت الحق سبحانه لسيدنا يونس - عليه السلام - أنه مرسل { ~~وإن يونس لمن المرسلين } [الصافات: 139] فلنأخذ هذه ~~الفكرة في الاعتبار قبل الدخول في قصته، ولنفهم القصة في هذا الإطار، حتى ~~إذا ما حدث منه شيء لا يليق برسول في نظرك، فاعلم أنه لا يطعن في منزلته ~~كرسول، فالذي أرسله شهد له بالرسالة ولم يعزله منها، ولم يجرده من ~~منزلته بعد ما حدث. إذن: حين تسمع قصته لا تقل أن هذا الفعل لا يليق ~~برسول لأنك لست أغير على الله من الله. وتأمل قول الله فيه { إذ ~~أبق إلى الفلك المشحون } [الصافات: 140] معنى أبق: هرب ~~وليس الهروب المطلق، إنما هروب العبد من سيده، لا هروبه من مستأجره، ولا ~~هروب ms8513 ابني مني، فهذا لا يعد أبوقا. فكلمة أبق فيها ملحظ العبودية ~~المطلقة للسيد الأعلى، فالله سيده وهو عبده. لأن العبد مملوك بملك اليمين ~~فهو بذاته ملك لي حين آخذه أسيرا، نعم بذاته، لأن الله حقن بهذا ~~الملك دمه، فبدل أن أقتله في الحرب أسرته واستعبدته، فهو لا يصير ~~عبدا إلا إذا أسرته، وما دمت أسرته وقدرت عليه تستطيع قتله، إذن: ~~ملكك الله رقبته، لأنه حمى دمه أن يراق. فلا داعي إذن للمقارنة بين ~~الرق والحرية، وإن أردت المقارنة، فقارن بين رق وقتل، ولو ~~خيرت العبد نفسه بين أن يعيش عند سيد يخدمه، وبين القتل لاختار ~~العبودية. إذن: العبودية هنا ليست سبة في الإسلام، إنما هي جميل ~~أسداه الإسلام إلى هؤلاء العبيد. ومحمد صلى الله عليه وسلم ما جاء ~~ليشرع للرق، ويزيد من أعداد الرقيق إنما جاء ليقضي على الرق، ~~وليجفف منابعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جاء والرق موجود في ~~المجتمع وبكثرة، حيث كان له ثلاثة وعشرون مصدرا يأتي الرق منها، فماذا ~~فعل الإسلام؟ سد كل هذه المصادر، ولم يبق منها إلا الأسير في حرب ~~شرعية، ثم أخذ يعدد مصارف الرق ويفتح الأبواب لتحرير الرقيق كما رأينا ~~في الكفارات وفي التطوع بتحرير الرقاب. فإن لم ترتكب ذنبا يستدعي ~~كفارة وعتق رقبة ولا حاجة لك في التطوع بعتق رقبة واحتفظت بما لديك ~~من الرقيق فلتكرمه. وقد وضع لنا النبي صلى الله عليه وسلم دستورا نسير ~~عليه في معاملة الرقيق، حين قال: # " هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده ~~فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن ~~كلفه ما يغلبه فليعنه عليه ". # هكذا أمر الإسلام في مسألة العبيد، والإسلام أبقى على الرق من الحرب ~~المشروعة لأن لي عدوا كافرا يحاصرني ويحاربني، ويأخذ أولادي أسرى ~~عنده، فلا بد من المعاملة بالمثل، أسروا منا نأسر منهم، فدوا ~~أسراهم نفدي أسرانا، أطلقوا السراح نطلق. # . وهكذا، إذن: المتأمل في هذه المسألة يجد أن محمدا صلى ms8514 الله عليه وسلم ~~ما جاء ليشرع للرق، إنما جاء ليشرع للعتق. وقوله تعالى في شأن ~~سيدنا يونس { إذ أبق } [الصافات: 140] ليس مأخذا على نبي الله ~~يونس، لأن أبق تعني أنه معترف بأنه عبد لربه، هذه اللقطة لم يأت لها ~~تفصيل هنا، إنما جاء في سورة أخرى لنعرف أن المسألة ليست ميكانيكا، ~~المسألة مرادات حق تأتي في موضعها لحكمة، ولسيدنا يونس سورة باسمه، ~~ولن يذكر اسمه إلا مرة واحدة، ثم يذكر في غير السورة المسماة باسمه كل ~~تاريخه. فمعنى أبق هرب من سيده أو ترك قومه دون إذن من ربه، وهذه ~~المسألة فصلت في قوله تعالى # وذا النون # [الأنبياء: 87] أي: صاحب الحوت، وهو سيدنا يونس # إذ ذهب مغاضبا # [الأنبياء: 87] والمغاضب غير الغاضب، المغاضب: فيها مفاعلة ومشاركة، ~~فهو غاضب، والمقابل له أيضا غاضب، فهي مثل شارك محمد عليا، فهي شارك ~~علي محمدا، أما غاضب فيعني من ناحيته هو فحسب. لكن مغاضبا لمن؟ ~~الطرف الآخر هنا هم القوم لما كذبوه وآذوه لم يطق، فهو ليس مغاضبا ~~لربه، إنما مغاضبا لقومه وعنده أمل، وظن في ربه أن يسامحه في هذا التصرف ~~لذلك قال تعالى بعدها: # فظن أن لن نقدر عليه # [الأنبياء: 87] البعض فهم نقدر من القدرة، وحاشا لله أن يظن نبي الله أن ~~الله لن يقدر عليه، ولن يعيده إلى قومه. إنما معنى نقدر هنا أي: نضيق ~~عليه، كما في قوله تعالى: # ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله # [الطلاق: 7] فهي ثقة منه في رحمة من أرسله، وأنه سبحانه لن يضيق عليه ~~أن ينفس عن عواطفه حين ترك قومه دون إذن من ربه. ومعنى الفلك ~~السفينة المشحون المملوء، وهذا يدلنا على أن السفينة حملا خاصا، لا ~~ينبغي أن يزيد، وإلا تعرضت السفينة للغرق حسب قاعدة أرشميدس، وبهذه ~~القاعدة تطفو الأشياء، وعليها قامت فكرة الغواصات، معنى غواصة يعني: ~~تغوص تحت الماء، لأن وزنها أثقل من إزاحة الماء لذلك يقولون: خف تعوم. ~~وما دام أن الفلك مشحون، والعدد أزيد من حمل السفينة فقرر القبطان أن ms8515 ~~يلقي بأحد الركاب ليخف الحمل، فأجروا القرعة، فخرج سهم سيدنا يونس، ~~فألقوا به في البحر فالتقمه الحوت، هذا معنى { فساهم.. } [الصافات: ~~141] أي: دخل معهم في القرعة، وألقى بسهمه مع سهامهم، { فكان من ~~المدحضين } [الصافات: 141] معنى { المدحضين } [الصافات: 141] ~~المدحض الخاسر في الصفقة، والمراد القرعة حيث كان من نصيبه أن يلقى ~~هو في البحر. والقرعة طريقة للاختيار، تبرئ مالك السفينة من أن يتهم ~~بالتحيز أو المحاباة، وعملية إلقاء السهام مسألة قدرية خالصة، لا دخل ~~فيها للهوى، وهي دليل على عدالة الحكم لذلك كثيرا ما نلجأ في إجراء ~~القرعة إلى طفل صغير، يختار الأوراق الملقاة مثلا، لماذا؟ لأنه لا ~~يستطيع التمييز بينها لذلك يأتي اختياره قدرا منزها عن الهوى. # فقوله تعالى { فساهم } [الصافات: 141] يعني: دخل معهم في القرعة ~~يعطينا لقطة اجتماعية تعفينا من الحرج والضغائن، لأنه إذا وجد شيء لا ~~يتسع للطالبين له، لا يصح أن يميز القائم عليه بين هؤلاء الطالبين لأن ~~تمييز واحد على الآخر يورث في النفس شيئا، وإجراء القرعة اختيار ~~قدري لا دخل لأحد فيه. وهذه المسألة لجأ إليها سيدنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، # " حينما دخل المدينة والتف الناس حوله، كل يريد أن يأخذ بزمام ~~ناقته صلى الله عليه وسلم ليذهب برسول الله إلى بيته، فكيف يفعل رسول ~~الله وهو يريد ألا يكسر خاطر أحد منهم؟ لقد حسم رسول الله هذا الموقف، ~~حين قال: " دعوها فإنها مأمورة " " # فأخرج نفسه من الاختيار، وتركه لله تعالى ولقدره، وسارت الناقة حتى ~~بركت عند ديار بني النجار. قد يقول قائل: هل تنجو السفينة أو تغرق بسبب ~~شخص واحد خف من وزنها أو زاد عليه؟ نقول: نعم ألم تسمع عن القشة ~~التي قصمت ظهر البعير، فأنت حين تحمل الجمل يتحمل على قدر طاقته، ~~حتى إذا زدت عليه عودا واحدا برك بحمله، والحقيقة أن العود الواحد أو ~~القشة لا تقصم ظهر البعير، إنما مجموع العيدان والقشة الأخيرة هي فقط ~~التي رجحت الوزن ووصلت به إلى درجة عدم التحمل، كذلك الحال في سفينة ~~سيدنا ms8516 يونس، حيث توقف نجاتها من الغرق على إلقاء واحد من ركابها، وهلاك ~~واحد خير من هلاك الجميع. ونتعلم من هذه المسألة أنه لا مانع حين يحل ~~الخطر بالجماعة أن يدفعه عنهم أحدهم، والقرعة هي التي تحدد هذا الواحد. ~~ثم يقول سبحانه { فالتقمه الحوت وهو مليم } [الصافات: ~~142] أي: ابتلعه الحوت، وقد فعل عليه السلام ما يلام عليه، واللوم نوع ~~من العتاب، وفرق بين ما تلام عليه وما تعاقب عليه، سيدنا يونس فعل ~~ما يعاتب عليه من ربه - عز وجل - وكأن الله يقول له: لقد تسرعت حين ~~تركت قومك وضقت بهم لأول إيذاء تتعرض له، وكان عليك أن تصبر، وأن ~~تتحمل الأذى في سبيل دعوتك. فاللوم ضرب من العتاب، لا يصل إلى درجة ~~العقاب، وغالبا ما ينشأ العتاب بين الأحبة لاستبقاء المودة، لذلك قال ~~الشاعر: # أما العتاب فبالأحبة أخلق # والحب يصلح بالعتاب ويصدق # ومعلوم أنك لا تعاتب إلا من تحرص عليه ليظل في صحبتك. إذن: يشفع ~~لسيدنا يونس هنا عدة أشياء أولها { إذ أبق } [الصافات: 140] يعني: ~~كان عبدا لله تعالى، ثم # فظن أن لن نقدر عليه # [الأنبياء: 87] أي: لا نضيق عليه، وهذا حسن ظن بالله، ثم { وهو ~~مليم } [الصافات: 142] فالله عاتبه ولامه مجرد لوم، على أمر لا ~~يصح من نبي، والعتاب دليل المحبة. وقوله تعالى: { فلولا أنه ~~كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم ~~يبعثون } [الصافات: 144] التسبيح يعني: التنزيه المطلق لله تعالى ~~فكونه من المسبحين جعله موضعا للوم والعتاب، لا للإيذاء والعذاب، ~~فلولا إيمانه وتسبيحه لظل في بطن الحوت إلى يوم يبعثون. مسألة ~~عتاب الحق سبحانه لنبيه يونس على تركه لقومه وتخليه عنهم، لمجرد أنهم ~~عاندوه وكذبوه يذكرنا بسنة الله تعالى في رسله، وهي النصرة ~~والتأييد # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # [غافر: 51]. لكن قد يتأخر هذا النصر، مع أن الله قادر أن ينصرهم من أول ~~وهلة، لكن الحق سبحانه يريد بذلك أمرين: أولا: أن يستشري الفساد ~~ويعم، حتى يضيق الناس به فيتطلعون إلى الحق وإلى ms8517 الخير، ويسعون ~~هم إليه. ثانيا: ليمحص الله المؤمنين بالرسل، ويميز منهم أصحاب ~~الثبات والقدرة على تحمل مشاق الدعوة فيما بعد. إذن: تأخر النصرة ~~ليس خذلانا للرسل، ولا تخليا عنهم، فما كان الله تعالى ليرسل رسولا ~~ويتخلى عنه. ### || [37.145-148] # نلحظ في الأخذ، قال # فالتقمه الحوت # [الصافات: 142] فنسب الفعل للحوت، لكن هنا في النجاة نسب الفعل إلى ~~الله، فقال { فنبذناه } [الصافات: 145] أي: ألقيناه وطرحناه { ~~بالعرآء } [الصافات: 145] أي: في أرض فضاء واسعة { وهو سقيم } ~~[الصافات: 145] يعني: مريض أو متعب من الضيق الذي عاناه في بطن الحوت، ~~أو سقيم من التفكير فيما حدث من قومه، وفيما حدث منه، فهي تحتمل السقم ~~المادي والمعنوي. ثم لم يتركه ربه بهذا العراء، بعد أن ألقاه الحوت في ~~هذه الأرض الفضاء وهو متعب، وأشبه ما يكون بالطفل بعد ولادته، فأنبت ~~الله له شجرة اليقطين { وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ~~} [الصافات: 146] وهي شجرة عريضة الأوراق قالوا: هي شجرة القرع تستره ~~وتظله وتحميه من الذباب والحشرات لأنه خرج وحوله إفرازات من بطن ~~الحوت تعوق تنفس جلده، وتعوق حالته الصحية، وتجعله لزق المزاج. لذلك ~~لما سئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شجرة اليقطين، قال: # " هي شجرة أخي يونس ". # والهاء في عليه تعود على سيدنا يونس، وهذا يعني أن إنبات هذه الشجرة ~~حدث بعد أن ألقاه الحوت في العراء، ولم تكن شجرة اليقطين موجودة في ~~هذا المكان من قبل. إذن: فالتقام الحوت لسيدنا يونس - عليه السلام - كان ~~رحمة له من الله بدل أن يضيع في البحر الواسع وتتقاذفه الأمواج لا ~~ندري أين تذهب به، أما الحوت فله إرادة ويمكنه الاحتفاظ به وإلقاؤه على ~~البر. فنحن أمام سلسلة من رحمات الله ليونس عليه السلام. وقوله تعالى: ~~{ وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون * فآمنوا ~~فمتعناهم إلى حين } [الصافات: 147-148] كأن الحق سبحانه ~~يقول لنا: إياكم أن تظنوا أن ما حدث من يونس يقدح في رسالته، أو يجعلنا ~~نغير رأينا فيه كرسول، فهو مرسل إلى { مئة ألف أو يزيدون } ~~[الصافات: 147] والمائة ألف ms8518 هنا قد تكون كناية عن العدد الكثير لأن الألف ~~قديما كان منتهى ما يعرف من العدد عند الناس. لذلك لما أرادوا أن ~~يفدوا بنت كسرى أظن حين وقعت في الأسر عرضوا على من جعلت في سهمه ~~من المسلمين كذا ألف فوافق، فقال له أصحابه بعد أن عقد هذه الصفقة: ~~لماذا لم تطلب أكثر من ذلك، فهم قادرون على أن يفدوها بالمال الكثير؟ ~~قال: والله لو أعلم أن وراء الألف عددا لقلت. وقوله تعالى: { أو ~~يزيدون } [الصافات: 147] هل الحق سبحانه لا يعرف عدد هؤلاء القوم على ~~وجه التحديد؟ نعم يعرفهم سبحانه وتعالى، ولو أراد لذكرهم لنا تحديدا، ~~إنما قوله { أو يزيدون } [الصافات: 147] ليس للدلالة على الزيادة، ~~إنما لتأكيد العدد السابق المائة ألف، كما أعطيت فلانا حقه ويزيد، فأنت ~~لا تتحدث عن الزيادة إنما تؤكد على العدد، وأنه غير ناقص لأن الألف ~~يطلق أيضا على ما يقرب الألف مثل تسعمائة وتسعة وتسعين، إذن: فالزيادة ~~هنا تؤكد تمام العدد. # وقوله تعالى: { فآمنوا فمتعناهم إلى حين } [الصافات: ~~148] وما دام المتاع موقوتا بزمن ينتهي عنده، فهو متاع الدنيا، ومتعة ~~الدنيا للمؤمن تنتهي إلى خير منها، فلا تقل إذن: أنهى الله متعة ~~المؤمن لأن انقطاع متعة الدنيا يوصلك بمتعة الآخرة، وتمتعك في ~~الدنيا موقوت بعمرك فيها، ومحدود بحدود إمكانياتك وقدراتك، أما متعة ~~الآخرة فباقية وتأتي على قدر إمكانيات المنعم سبحانه. إذن: هذا إكرام ~~أن تنقل من نعيم الدنيا إلى نعيم الآخرة، فقوله { إلى حين } ~~[الصافات: 148] يعد جميلا من الله. بعد ذلك ينتقل الحق سبحانه إلى ~~قضية أخرى: { فاستفتهم ألربك البنات... }. ### || [37.149-152] # قوله: { فاستفتهم } [الصافات: 149] كلمة استفتى أي: طلب ~~الفتيا، مثل استخرج طلب الإخراج، واستفهم طلب الفهم، والفتية تعني ~~منتهى القوة، ومنها الفتى والفتوة. فمعنى: استفتى طلب ما يقويه في ~~جهة الفتوى، فالذي لا يعرف قضية دينية مثلا يسأل عنها ويستفتي يعني: بعد ~~أن كان ضعيفا في الدين، يطلب أن يصير قويا في أمر دينه، ومن ذلك ~~قوله تعالى في سيدنا إبراهيم: # سمعنا فتى يذكرهم يقال له ms8519 إبراهيم # [الأنبياء: 60]. وفي أهل الكهف: # إنهم فتية آمنوا بربهم # [الكهف: 13]. يعني: لم يكونوا شيوخا، وعجيب أن يأتي الإيمان مع فتوة ~~الشباب وعنفوانه، وهو مظنة الشهوات والرغبات لذلك ورد في الحديث: # " عجب ربك من شاب ليست له صبوة ". # والحق سبحانه بين لنا في مقاييس المجتمعات أنها لا تخلو عن اثني عشر ~~نوعا، ست منها في المحبوبية، وست في المبغضين والعياذ بالله، ~~المحبوبون منهم المحبوب والأشد حبا، والمبغضون كذلك منهم المبغض ~~والأشد بغضا. يقول تعالى في الحديث القدسي: # " أحب ثلاثا وحبي لثلاث أشد: أحب الشيخ الطائع، وحبي للشاب ~~الطائع أشد، وأحب الغني الكريم وحبي للفقير الكريم أشد، وأحب الفقير ~~المتواضع وحبي للغني المتواضع أشد ". # هؤلاء الستة المحبوبون، وتستطيع أنت أن تأتي بالمقابل لهؤلاء، وهم ~~المبغوضون والعياذ بالله. إذن: الشاب الطائع أكثر محبة عند الله لأن ~~عنده دواعي الشهوة ومبرراتها وعنفوانها، ومع ذلك تغلب عليها وسلك طريق ~~الطاعة على خلاف الشيخ الذي ذهبت شهوته وقلت دواعيها عنده، كذلك ~~الحال في الغني الكريم وفي الفقير المتواضع. هؤلاء الثلاثة يمثلون قمة ~~الرقي في المجتمعات، وقمة الخلافة في الأرض، وتصور مجتمعا شبابه ~~طائعون، وفقراؤه كرماء، وأغنياؤه متواضعون. تحت هذا درجة مجتمع شيوخه ~~طائعون، وأغنياؤه كرماء متواضعون ودون هؤلاء المبغضون، والعياذ بالله. ~~فالمعنى { فاستفتهم } [الصافات: 149] يعني: اطلب منهم الفتوى التي ~~تقويك في أمرك الجدلي لذلك نقول للمفتي الذي يقصده الناس للفتوى الناس ~~يريدون أن تقويهم برأيك، فلا تذهب بهم ناحية المياسير لأنك بذلك ~~تشجعهم على المياسير، فأنت إذن لا تقويهم إنما تضعفهم، بل أعطهم الحكم ~~الصحيح فهو القوة الحقيقية. لكن، لماذا يطلب الحق سبحانه من النبي أن ~~يستفتي القوم؟ قالوا: لأن القضية حين تكون معلومة الحكم عند المتكلم ~~يقول: أنا لا أقضي فيها، إنما خصمي هو الذي يقضي، لماذا؟ لأنك واثق أنه ~~إذا أدار المسألة في ذهنه لن يجد إلا أن يقول ما تريده أنت، كما تقول ~~لمن ينكر جميلك أنا راض حكمك، ألم أقف بجانبك يوم كذا وكذا؟ هكذا على ~~سبيل السؤال لأنك واثق من الجواب. ms8520 أما لو جاء الكلام منك خبرا، فالخبر ~~يحتمل الصدق ويحتمل الكذب لذلك ناقش الحق هذه القضية بهذا الاستفهام { ~~ألربك البنات ولهم البنون } [الصافات: 149] هذا ~~استفهام يحمل معنى الإنكار والتعجب، يعني: كيف تقولون ذلك لأنهم قالوا: ~~الملائكة بنات الله ثم نسبوا لله سبحانه الولد. # لذلك يرد القرآن عليهم { ألربك البنات ولهم البنون } ~~[الصافات: 149] كيف؟ من الذي خلق؟ إنه الله خالق الذكر وخالق الأنثى، ~~فكيف تختارون لأنفسكم الجنس الأفضل وهم الذكور، وتجعلوا لله تعالى ~~البنات؟ كيف وأنتم إذا بشر أحدكم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ~~يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، ثم يفكر: # أيمسكه على هون أم يدسه في التراب # [النحل: 59]. كلمة # يدسه في التراب # [النحل: 59] يعني: حيا لأن عاطفة الأبوة لا تتحمل أن يرى الوالد ولده ~~وهو يموت، أو أن يخنقه بيده لذلك يتخلص منه بدفنه في التراب حتى لا ~~يراه. وفي آية أخرى قال سبحانه: # وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل ~~وجهه مسودا وهو كظيم * أومن ينشأ في الحلية ~~وهو في الخصام غير مبين # [الزخرف: 17-18] يعني: أتجعلون لله من يربى في النعمة والزينة، وهم ~~البنات، وتجعلون لأنفسكم البنين القادرين على العمل والسعي وتحمل ~~المشاق، لذلك حكم سبحانه على هذه المسألة بأنها قسمة ظالمة جائرة. فقال ~~سبحانه: # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22] تأمل كلمة ضيزى، والله لو كان في غير القرآن لكان ~~ثقيلا غير مستساغ، لكنه يأتي في سياقه من كلام الله طبيعيا سلسبيلا، ~~لماذا؟ لأنه وضع في مكانه ليعبر عن هذه القسمة الجائرة العجيبة، التي ~~لا يعبر عنها إلا هذا اللفظ العجيب بما يحمله من جرس يرن في الأذن. ثم ~~يقول الحق سبحانه وتعالى: { أم خلقنا الملائكة إناثا ~~وهم شاهدون } [الصافات: 150]. إذن: أنتم مخطئون، بل جهلة أغبياء ~~في قضيتين: الأولى: أنكم جعلتم الملائكة إناثا، والأخرى: أنكم أخذتم ~~الذكور لأنفسكم وتركتم لله البنات، فمن قال لكم إن الملائكة بنات، ~~فكلمة بنت وولد منشؤها الزوجية والتناسل، والملائكة لا يتزوجون ولا ~~يتناسلون، ms8521 ولا يتصفون بذكورة ولا أنوثة. ثم إن الذي يحكم على الملائكة ~~بأنهم إناث لا بد أن يكون قد شهد خلقكم، والله يقول: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون # [الزخرف: 19]. وقال في سورة الكهف: # مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51] الحق سبحانه يخبرنا بهذه الحقيقة # وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51] يعني: معاونين ومساعدين في عملية الخلق، فهو يفضح هؤلاء ~~الذين سيأتون ويتحدثون في مسألة الخلق كأنهم رأوها، فيقولون: الملائكة ~~إناث. ويقولون: الإنسان أصله قرد إلى آخر هذه الادعاءات. الحق يحذرنا ~~منهم ليعطينا المناعة اللازمة لمواجهتهم، ويكفي أن نعلم أن هذه مسألة ~~غيبية لا علم لهم بها، إلا ما أخبرنا به الخالق سبحانه، ومع ذلك ترك ~~لنا في الكون ما يبين صدقه فيما لم نشهد. # والحق سبحانه ينقض هذه الأباطيل بقوله سبحانه: # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون # [الذاريات: 49]. فكل جنس من الأجناس قائم بذاته، وليس هناك شيء متطور عن ~~شيء آخر. كذلك قال سبحانه: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها # [يس: 36]. أما الملائكة فلهم طبيعة خاصة لا تصلح للزوجية لأنهم لا ~~يتصفون بذكورة ولا أنوثة، كما أنهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون.. ~~إلخ وإن كانت هذه مسألة مخالفة للعقل، فخذها هي الأخرى ضمن الأشياء ~~المخالفة للعقل، والتي يختبر بها إيمانك بالمغيبات التي أخبرك بها ~~ربك، وهذه المغيبات التي أخبرك بها ربك، وهذه المغيبات التي ~~أخبرك الله بها رصيدها أنك آمنت بالقائل المخبر بها. ثم ينتقل الحق ~~سبحانه إلى قضية أخرى فيقول: { ألا إنهم من إفكهم ~~ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون } [الصافات: ~~151-152] إذن: فجرأتهم على الله لم تنته عند حد وصفهم الملائكة ~~بأنهم إناث، ولا عند نسبتهم البنات لله تعالى، بل وصلت جرأتهم إلى ذات ~~الله سبحانه، فقالوا: { ولد الله } [الصافات: 152]. وكأن الحق ~~سبحانه يفسح للمكابر ويرخي له العنان حتى يقول كلمة تكشف كذبه، وتفضح ~~ادعاءه، وتظهر أن المكابر في أمر الدين أحمق غبي، لأنهم ms8522 قالوا # اتخذ الله ولدا # [البقرة: 116] والآن يقولون ولد الله وفرق كبير بين القولين: ~~ولد الله نسبوا لله الولد مباشرة إنما اتخذ الله ولدا يعني: ~~لم يلد إنما تبنى ولدا، فالأصل أنه ليس له ولد، لذلك اتخذ ولدا. وقد ~~رد الله على قولهم ولد الله فقال: # قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم ~~يولد * ولم يكن له كفوا أحد # [الإخلاص: 1-4]. ورد على قولهم: # اتخذ الله ولدا # [البقرة: 116] فقال: # ما اتخذ صاحبة ولا ولدا # [الجن: 3]. ولنبحث نحن مسألة اتخاذ الولد من خلال واقعنا: لماذا نسعى ~~للولد ونطلبه؟ لماذا نحزن نحن حين يمتنع الإنجاب ونقلق حين يتأخر الولد؟ ~~قالوا: لأن الولد ذكرى وامتداد لأبيه لذلك يفرح الرجل بابنه ويفرح أكثر ~~بحفيده لأنه بالولد ضمن ذكراه جيلا، وبالحفيد ضمن ذكراه جيلين، عجيب ~~أمرنا مع الدنيا، كيف نتمحك فيها ونتشبث بها ولو بالذكرى، وإذا لم ~~تدم لك الدنيا فما انتفاعك بدنيا غيرك؟ ولما تحدث شوقي - رحمه ~~الله - في هذه المسألة لما جاءه حفيد وفرح به قال: # فاضمن لنفسك بعد موتك ذكرها # فالذكر للإنسان عمر ثان # ولا شك أن شوقي لا يعني بالذكر الولد، إنما يعني العمل الصالح ~~والأثر الطيب الذي يخلد ذكرى صاحبه، إذن: تحتاج الولد لأنك ستموت ~~وسيحمل ولدك اسمك وذكراك، أما الحق سبحانه فباق لا يموت، وقد كان عبد ~~المطلب لا يعيش له أولاد فنذر لله إذا رزقه أولادا أن يذبح واحدا ~~منهم تقربا لله تعالى، فالإنسان يحتاج الأولاد ليكونوا عزوة كما ~~يقولون، وآخر يقول إذا مت، من يأخذ في العزاء؟ سبحان الله إذن ~~ضمنت أنك ستعزي وولدك من بعدك سيعزى. # إذن: المسألة فان في فان. نعم، لهذه الأسباب نحتاج نحن الولد ونسعى ~~إليه، أما الحق سبحانه فباق لا يموت، فبماذا ينفعه الولد ولم يتخذه، وله ~~سبحانه ملك السماوات والأرض؟ لذلك يرد الحق عليهم: # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشآء # [الزمر: 4] لو أراد سبحانه لاختار ما يشاء، فهو الذي يقول، وهو الذي ~~يختار لا أنتم ms8523 لذلك كان رسول الله مؤدبا في عبوديته مع ربه، فقال: # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # [الزخرف: 81] يعني: إن كان للرحمن ولد أخبر هو سبحانه به، فأنا أول ~~المؤمنين بوجوده. وفي موضع آخر، قال في الرد عليهم: # وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # [مريم: 92] فالحق سبحانه لم يتخذ ولدا، ولا ينبغي له ذلك، ولا يناسبه ~~أبدا، لأن معنى الوالدية أو المولودية مفقود في حقه تعالى، لأنه باق ~~لا يموت، فيحتاج إلى من يحمل ذكراه، وهو الغني عن خلقه، وله ملك ~~السماوات والأرض، والعباد كلهم صنعته وعياله، فلا يحتاج إلى عزوة كما ~~تحتاجون. وقال سبحانه: # ما اتخذ صاحبة ولا ولدا # [الجن: 3] يعني: لم يكن له صاحبة. يعني: زوجة حتى يكون له منها ولد. ~~إذن: هذا كله إفك وافتراء على الله لذلك وصفهم الله بالإفك، ثم بالكذب ~~المؤكد في { ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد ~~الله وإنهم لكاذبون } [الصافات: 151-152]. لكن، لماذا هذا ~~الإفك وهذا الكذب؟ قالوا: ليحتفظوا لأنفسهم بالسلطة الزمنية التي كانت ~~لهم قبل الإسلام، السلطة الزمنية التي جعلت لهم الزعامة والرياسة ~~والجاه، ومعلوم أن اليهود في المدينة كانت لهم مكانتهم المالية والعلمية ~~والحربية، وكانوا يستفتحون على الكافرين برسول الله # فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به # [البقرة: 89] لماذا؟ لأنهم يعرفون أنه سيسلب منهم هذه السلطة. وسمى ~~الله كذبهم إفكا، لأن الإفك هو الكذب المتعمد، وافتراء الكذب المتعمد ~~إنما كان إفكا لأنه يقلب الحقائق، ومن ذلك سميت المؤتفكة، وهي ~~القرية التي قلبها الله بأهلها، فجعل عاليها سافلها. والكذب المتعمد ~~قلب للحقيقة لأن الإنسان إذا قال قضية، هذه القضية تسمى نسبة ~~كلامية، فإن سبقها نسبة وجودية تطابق الكلام فالكلام صدق، وإن كانت ~~النسبة لكلام لا واقع له فهي كذب، والكذب على درجات، أعلاها وأشدها ~~الافتراء على الله تعالى في قضية واضحة، وفي أصل من أصول العقيدة، فليس ~~الكذب هنا في أمر هين، عدة جنيهات مثلا، بل الكذب هنا في القمة ~~العقدية. { ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد ~~الله } [الصافات: 151-152] فنسبوا ms8524 لله تعالى الولد مباشرة، وليس مجرد ~~اتخاذ الولد. لذلك يحكم الله عليهم { وإنهم لكاذبون } ~~[الصافات: 152] لكن هذا أسلوب خبري، والخبر من الله تعالى صادق لا شك، ~~لكنه في العقل قضية تحتمل الصدق والكذب، لذلك يطوقهم الله بأسلوب آخر ~~لا يجدون منه منفذا، يثبت كلامهم في أذهان قارئيه أو سامعيه، يطوقهم ~~بهذا الإقرار، فيقول سبحانه: { أصطفى البنات على... }. ### || [37.153-155] # الهمزة في { أصطفى } [الصافات: 153] همزة الاستفهام لأن الفعل { ~~أصطفى } [الصافات: 153] مبدوء بهمزة وصل، فلما دخلت عليه همزة ~~الاستفهام حذفت همرة الوصل، وأثبتت الهمزة التي جاءت لمعنى ~~الاستفهام، فأصله: أاصطفى. وهذا الاستفهام للتعجب والإنكار لأن الحق ~~سبحانه هو خالق البنين والبنات، فكيف يصطفي لنفسه سبحانه الجنس الأدنى، ~~وهو خالق الجنسين؟ إذن: هذا كلام لا يقبل حتى في ميزان العقل فالمسألة ~~واضحة لذلك يأتي بهذين الاستفهامين للتعجب من قولهم، فيقول: { ما ~~لكم كيف تحكمون * أفلا تذكرون } [الصافات: 154-155] ~~يعني بعقولكم فالأمر واضح، وسبق أن أوضحنا أن الحق سبحانه يستفهم منهم، ~~حتى يأتي الحكم منهم هم على سبيل الإقرار ولا يكون إخبارا، والإقرار سيد ~~الأدلة، أما الخبر فيحتمل الصدق ويحتمل الكذب، في العقل. هذا دليل عقلي ~~يبطل هذا الادعاء، إلا أن الدليل العقلي قد تختلف فيه العقول، لذلك ~~ينقلنا الحق سبحانه إلى الدليل النقلي، فلعل عندهم كتابا يدرسون في ~~هذه المسألة: { أم لكم سلطان... }. ### || [37.156-157] # بعد أن أبطل الله ادعاءهم بالدليل العقلي يبطله بالدليل النقلي، ~~فكلمة { سلطان } [الصافات: 156] إما سلطان حجة تقنع، أو سلطان قهر ~~وإجبار، الفرق بينهما أن سلطان الحجة يقنع المقابل فيفعل طائعا، أما ~~سلطان القهر فيجبره فيفعل كارها. والمعنى: ليس لديك سلطان حجة ولا ~~قهر. ومثل ذلك قوله تعالى حكاية عن إبليس يوم القيامة: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي.. # [إبراهيم: 22] يعني: لا قوة عندي أقهركم بها على طاعتي، ولا حجة أقنعكم ~~بها، بل كنتم أنتم على تشويرة يعني: على استعداد للضلال وللمعصية. ومعنى ~~{ مبين } [الصافات: 156] بين واضح. وقوله تعالى { فأتوا ~~بكتابكم إن كنتم صادقين } [الصافات: 157] يعني: ms8525 إن كان ~~لكم سلطان فأتوا بكتابكم، أي: الذي نزل عليكم من الله يخبركم بهذا. ### || [37.158-159] # كلمة الجنة بالكسر وكذلك الجنة بالفتح ومنها الجن ومجنون كلها مادة ~~جن وتفيد الاكتنان والستر و الجنة هنا هم الملائكة سموا بذلك لأنهم ~~مستورون عنا فلا نراهم، وكذلك الجنة لأنها تستر من يسير فيها بكثرة ~~أشجارها، أو تستر من فيها بتوفير كل احتياجاته، فلا يحتاج أن يخرج ~~منها، وكذلك المجنون لأنه غاب عقله واستتر. والمعنى أنهم جعلوا بين الله ~~تعالى وبين الملائكة نسبا حين قالوا: الملائكة بنات الله { ولقد ~~علمت الجنة إنهم لمحضرون } [الصافات: 158] يعني: ~~علمت الملائكة أن هؤلاء المشركين بالله محضرون للعذاب، ومحضر اسم ~~مفعول يعني: أجبر على الحضور. ثم يرد الله عليهم منزها نفسه ~~سبحانه عن مشابهة الخلق: { سبحان الله عما يصفون } ~~[الصافات: 159] فكلمة سبحان الله نراها دائما في كل شيء، يخرج الذات إلى ~~مشابهة الخلق، والسبحانية لله أي: التنزيه لله موجود وثابت لله تعالى ~~قبل أن يوجد المنزه. فكلمة سبحان تعني: التنزيه المطلق لله قبل ~~أن يخلق من ينزهه، فلما خلق الله الخلق سبحه # سبح لله ما في السموت وما في الأرض وهو ~~العزيز الحكيم # [الحشر: 1] وقال: # يسبح لله ما في السموت وما في الأرض # [التغابن: 1] أي: ما يزال مسبحا في الحال والاستقبال إلى قيام ~~الساعة. وما دامت هذه السبحانية ثابتة لله تعالى قبل الخلق وبعده ~~ودائمة في الماضي والحاضر والمستقبل، فإياك يا أشرف الخلق وأكرمه ومن ~~جعل الخلق كله من أجله ألا تكون مسبحا أو تشذ عن هذه المنظومة ~~المسبحة # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1] فمعنى { سبحان الله عما يصفون } [الصافات: ~~159] يعني: تنزه الحق سبحانه عن قول هؤلاء المشركين وكذبهم، ~~وتعالى سبحانه أن يكون بينه وبين الجنة نسب. ### || [37.160-163] # مناسبة قوله تعالى هنا { إلا عباد الله المخلصين } ~~[الصافات: 160] استثناء من قوله تعالى # إنهم لمحضرون # [الصافات: 158] فاستثنى الله عباده المخلصين أن يدخلوا مع هؤلاء ~~المحضرين للعذاب. وقوله: { فإنكم وما تعبدون } [الصافات: ~~161] أي: من دون الله { مآ أنتم عليه بفاتنين } [الصافات: ~~162] يعني: أنتم ms8526 وما تعبدون من دون الله لا تفتنوا خلقي علي. يعني: ~~لا تفسدوا الخلق على الله تعالى، يقال: فتن فلان على فلان زوجته. ~~يعني: أفسدها عليه، والمعنى: أنتم لا تستطيعون أن تفسدوا بيني وبين ~~ملائكتي. وكيف والملائكة أنفسهم ما خلقوا إلا لعبادتي وحبي # يسبحون اليل والنهار لا يفترون # [الأنبياء: 20] كيف تفسدونهم وهم بريئون منكم ومن عبادتكم لهم، بل ~~ويلعنونكم. إذن: كيف تفسدونهم على الله؟ والحق سبحانه في موضع آخر يرد ~~عليهم: # أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته.. # [الإسراء: 57] يعني: هؤلاء الذين يعبدونهم من دون الله هم أنفسهم يبتغون ~~إلى الله الوسيلة التي تقربهم إليه. وفي موضع آخر قال: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. إذن: ما أنتم بفاتني هؤلاء المعبودين على ربهم لأنهم ~~أخلصوا لله العبادة ويتنافسون في التقرب إليه. وقوله: { إلا من ~~هو صال الجحيم } [الصافات: 163] أي: إلا من يرضي بالعبودية من ~~البشر فمصيره النار لذلك لما أراد سبحانه أن يبكت الذين عبدوا ~~الحجارة قال: انظروا فلن تعذبوا في النار إلا بالحجارة لتروا ~~معبودكم معكم ومثلكم في النار. فإن قلت: وما ذنب هذه الأحجار التي ~~عبدت من دون الله؟ يقول سبحانه: { وما منآ إلا له... }. ### || [37.164-166] # إذن: هذه الحجارة حين يحمى عليها ليعذب بها هؤلاء المشركون لا لأن ~~لها ذنبا تعاقب عليه، إنما لها مقام معلوم، والتزام بتنفيذ أمر الله ~~في المخالف: { وما منآ إلا له مقام معلوم } [الصافات: ~~164]. يعني: قدر ومرتبة، فالملائكة درجات ومراتب، لا يحقد الأدنى على ~~الأعلى ولا يزدري الأعلى الأدنى لأن المقام المعلوم الذي جعلهم الله فيه ~~قدر لله تعالى، وهم يحترمون قدر الله في خلق الله، وهذا درس ينبغي أن ~~نتعلمه، وأن يراعي كل منا قدر الآخرين ومنزلتهم، فأنا حين أحترم ~~الأعلى مني إنما أحترم قدر الله الذي جعله أعلى مني، وإن كان دوني في ~~يوم ما، وقلنا إن العالم ليس مسألة ميكانيكا إنما خلق بقدر وبحكمة ~~مرادة لله. فكيف نكون بنات ms8527 الله؟ وكيف نعبد من دون الله ونحن مسخرون ~~لعبادته سبحانه ونحن جنود مصفوفون في انتظار أوامره تعالى { وإنا ~~لنحن الصآفون } [الصافات: 165] أي: نقف صفوفا منتظمة، والصف ~~دليل الانتظام وعنوان الالتزام والانضباط لذلك ورد في الحديث: # " إن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج " # لماذا؟ لأنكم بين يدي الله سبحانه فأروا الله منكم ما يدل على المساواة ~~والالتزام والترابط. وفي الحرب كذلك: # إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ~~كأنهم بنيان مرصوص # [الصف: 4] وهذا التشبيه له دلالته، لأن البنيان المرصوص يعني أن اللبنة ~~فيه ليس لها إرادة في الخروج عن الأخرى لأنها محكومة بالبناء الذي ~~وضعت فيه لذلك لما استعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف في ~~إحدى الغزوات رأى جنديا شذ عن صفه، فأشار إليه بعصاه أن يستوي ~~بمثله، وأن ينضبط في صفه. ثم يقولون: { وإنا لنحن ~~المسبحون } [الصافات: 166] يعني كيف نرضى أن نعبد من دون الله، ~~ونحن ما خلقنا إلا لتسبيحه تعالى: { وإن كانوا ليقولون * ~~لو أن عندنا ذكرا... }. ### || [37.167-170] # قولهم: { لو أن عندنا ذكرا } [الصافات: 168] أي: كتابا ~~ووحيا منزلا { من الأولين } [الصافات: 168] كالذي أنزل ~~على الرسل السابقين { لكنا عباد الله المخلصين } ~~[الصافات: 169] وعجيب منهم أن يبرروا شركهم بهذه الحجة، وقد جاءهم سيد ~~المرسلين جميعا، فالرسل السابقون كانوا محدودي الرسالة زمانا ومكانا، ~~وكانوا جميعا قبل رسول الله مكلفين بنقل حكم الله إلى الخلق، أما ~~رسول الله: فهو الرسول الوحيد الذي فوض من الله أن يشرع للخلق لأن ~~رسالته عامة في الزمان وفي المكان إلى قيام الساعة. إذن: كيف تريدون ~~ذكرا من الأولين، ومعكم خاتم الرسل المشرع الذي تأتيه من الله ~~القضية الكلية فيبينها ويشرحها ويفصلها. وقوله: { فكفروا به ~~} [الصافات: 170] يعني: لما جاءهم الرسول الذي يطلبونه كفروا به. إذن: ~~المسألة مسألة لجج وعناد وكبرياء في قبول الحق والانقياد له { ~~فسوف يعلمون } [الصافات: 170] حرفا السين و سوف يدلان على ~~الاستقبال، لكن سوف أبعد في الزمن من السين. فقوله تعالى { فسوف ~~يعلمون } [الصافات: 170] احتياط زمني من القرآن الكريم، فالفعل { ~~يعلمون } [الصافات: ms8528 170] مضارع للحال وللاستقبال، أما سوف فهي ~~للمستقبل البعيد عن مستقبل السين ذلك لأن المعاصرين لنزول القرآن منهم ~~من سيموت قبل أن يرى عاقبة المشركين، وقبل أن يشهد ظهور الإسلام ~~وانتصاراته. فإن كان قد مات قبل أن يعلم فسوف يعلم في الآخرة ويرى ~~العاقبة، هذا لغير المؤمن، أما المؤمن فليس في حاجة إلى هذا العلم لأنه ~~صدق الله فيما أخبر، ومن ذلك قول الإمام علي رضي الله عنه. لو كشف عني ~~الحجاب ما ازددت يقينا. لذلك لما نزل قول الله تعالى - وكان المسلمون ~~في كرب وشدة وضيق قبل الفتح: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] والسين تدل على المستقبل القريب تعجب سيدنا عمر وما أدراك ~~ما عمر، كان القرآن ينزل على مقتضى ما يرى، ومع ذلك تعجب وقال: أي ~~جمع هذا ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا وأهلنا، فلما جاء الفتح ~~وانتصر المسلمون وحدث ما حدث قال: صدق الله # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. فالمؤمن مصدق بما أخبر الله به، لأنه أمر قضي أزلا ~~في علم الله، وما دام قضي بالفعل في الأزل، ولا توجد قوة معارضة تنقض ~~ما قضى الله به، وما دام الله تعالى لا يعتريه عجز يمنعه أن ينفذ ما ~~قضى فهو واقع لا محالة. والمثال الواضح في هذه المسألة قوله تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل: 1] تعلمون أن علماء النحو يقولون: الفعل ماض وهو ما دل على ~~حدوث فعل في زمن مضى وانتهى، ومضارع: وهو ما يدل على الحال أو الاستقبال، ~~إذن: كيف نجمع بين { أتى } الماضي و # فلا تستعجلوه # [النحل: 1]. والنهي عن استعجاله يدل على المستقبل، أي: أنه لم يأت ~~بعد؟ نقول: الذي يتكلم بهذا الكلام هو الله لا نحن، والله تعالى لا ~~يحكمه زمان، فإذا أخبر بأمر فهو واقع لأنه لا راد لما قضى أزلا، ~~فأمر الله أتى أزلا فلا تستعجلوه واقعا. ### || [37.171-173] # معنى { سبقت كلمتنا } [الصافات: 171] يعني: قلناها قبل الكون ~~كله، وهذه الكلمة لها مترادفات: سبقت كلمتنا ووقعت وحقت، سبقت أي: ~~لتحديدها قبل الحدوث، ms8529 ووقعت ساعة الحدوث وحقت أي: هي حق أن أقضي ~~بقدرتي، وحق أن تقع على من أريد. إذن: فهي معان ملتقية معا ~~ومتكاملة. فما هي هذه الكلمة التي سبقت من الله لعباده المرسلين؟ هي ~~قوله: { إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم ~~الغالبون } [الصافات: 172-173]. هاتان قضيتان: الرسل لا محالة ~~منصورون، والجند لا محالة غالبون، هذه كلمة سبقت من الله وقضاء لا ~~يرد، لذلك أخذ العلماء وأهل المعرفة من هذه الآيات أن للجندية شروطا، ~~من استوفاها استحق الغلبة، ومن أخل بها استحق الهزيمة. فحين ~~ننظر في نتيجة معركة بين مسلمين وكافرين، فإن انتصر المسلمون فاعلم أنهم ~~حققوا شروط الجندية لله، وإن هزموا فعليهم أن ينظروا في أنفسهم ~~ويبحثوا عن أسباب الخلل، ووجه المخالفة لقانون الجندية لأنهم لو ظلوا ~~على جنديتهم لله لتحقق لهم وعد الله بالغلبة. وهذه المسألة واضحة ~~في معركة بدر وفي أحد، ففي بدر انتصر المسلمون لأنهم لم يخالفوا قانون ~~الجندية لله تعالى، لكن في أحد لم ينتصروا مع أن رسول الله بينهم، ولا ~~تتعجب لذلك فهذا أمر طبيعي، ألم يخالفوا أمر رسول الله؟ بلى خالفوا، فكيف ~~لو انتصروا مع هذه المخالفة؟ والله لو نصرهم الله لهان عليهم أمر رسول ~~الله بعد ذلك، ولقالوا: خالفناه في يوم كذا وانتصرنا، إذن: النتيجة يوم ~~أحد انهزم المسلمون المتخاذلون، لكن انتصر الإسلام وعلت قوانينه ~~ومبادئه. أما الرسل فهم واثقون من وعد الله لهم بالنصر، وهذه مسألة ~~عندهم لا تناقش، والدليل على ذلك من قصة سيدنا موسى - عليه السلام -، ~~فلما خرج من مصر ببني إسرائيل فأتبعه فرعون وجنوده، حتى كاد أن يدركه ~~عند شاطئ البحر، وحتى قال قوم موسى # إنا لمدركون # [الشعراء: 61]. فبماذا رد سيدنا موسى؟ قال كلا هكذا بملء فيه يكذب ~~واقعا يمكن أن يحدث بعد لحظة واحدة، فالبحر من أمامهم والعدو من خلفهم، ~~لكنه يقول # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. هذه هي الثقة في كلمة { إنهم لهم المنصورون ~~} [الصافات: 172] أي: الرسل. ### || [37.174-177] # قوله تعالى: { فتول عنهم } [الصافات: 174]. أي: اتركهم الآن في ms8530 ~~باطلهم وأعرض عنهم، لماذا والحق سبحانه قادر على نصرة دينه من أوله ~~لحظة؟ قالوا: الحق سبحانه يريد أن يستشري الباطل، وأن يعلو حتى يعض ~~الناس فيكرهونه ويضيقون به. وأيضا ليتدرب أهل الحق على المحن والشدائد ~~ويقوى عودهم { وأبصرهم فسوف يبصرون } [الصافات: 175] ~~يعني: انظر إلى حالهم وعاقبة أمرهم، وسوف يبصرون هم هذه العاقبة، وما ~~يحل بهم من العذاب الذي يستعجلونه { أفبعذابنا يستعجلون ~~} [الصافات: 176]. كما قال تعالى في موضع آخر: # فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # [الأحقاف: 22]. وهذا غباء منهم، لأن هذا العذاب الذي يكذبون به ~~ويستبعدونه واقع لا محالة { فإذا نزل بساحتهم فسآء ~~صباح المنذرين } [الصافات: 177] والساحة هي المكان الواسع أو ~~الفناء الذي يجد الناس فيه متنفسا ومنفذا يروح عنهم، و { ~~نزل } [الصافات: 177] يعني: حل ووقع وفاجأهم. { فسآء صباح ~~المنذرين } [الصافات: 177] يعني: قبح هذا الصباح، وبئس هذا ~~الصباح، والصبح هو الميعاد الحق للمعركة لمفاجأة المحارب قبل أن يستعد، ~~أو يفاجئهم العذاب في وضح النهار فلا يستطيعون أن يستتروا من الفضيحة، و ~~{ المنذرين } [الصافات: 177] القوم الذين أنذرناهم وحذرناهم. ### || [37.178-179] # قوله تعالى في الآية السابقة # فتول عنهم حتى حين # [الصافات: 174] يراد به حين الدنيا، كذلك # وأبصرهم # [الصافات: 175] أي: في الدنيا # فسوف يبصرون # [الصافات: 175] أي: في الدنيا وهذا الحين هو الذي قال الله فيه: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم # [غافر: 77] أي: من العقاب في الدنيا # أو نتوفينك فإلينا يرجعون # [غافر: 77] في الآخرة. أما الحين هنا { وتول عنهم حتى ~~حين } [الصافات: 178] يراد به حين الآخرة، فليس تكرارا للحين الأول، ~~كذلك { وأبصر فسوف يبصرون } [الصافات: 179] في الآخرة حين ~~يفاجئهم العذاب الذي أنكروه وكذبوا به، فيقولون ساعتها: # ربنآ أبصرنا وسمعنا # [السجدة: 12]. ### || [37.180-182] # يختم الحق سبحانه السورة بالسبحانية التي تثبت التنزيه لله تعالى في ~~ذات ليست كالذوات، وفي صفات ليست كالصفات، وفي أفعال ليست كالأفعال، فكل ~~شيء له سبحانه ولخلقه فيه نسبة نأخذه في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. فالمعنى: { سبحان ربك } [الصافات: 180] أي: ~~تنزه ربك عن كل نقص وعن كل مشابهة، فالخلق ذوات، لكن ليست كذاته ms8531 ~~سبحانه، ولهم وجود ليس كوجوده سبحانه، ولهم غنى ليس كغناه، وحكمة ~~ليست كحكمته.. إلخ. ومعنى { رب العزة } [الصافات: 180] كلمة رب ~~تفيد التربية وهي تأهيل المربي لأنه ينجح في الغاية المنوطة به المطلوبة ~~منه، ولكي تعده لا بد أن تعرف أولا الغاية التي وجد من أجلها، بعد ~~ذلك لا بد أن تكون لديك حكمة تحدد له المنهج الذي يوصله إلى هذه ~~الغاية. إذن: من يحدد الغاية من وجود الإنسان؟ قلنا: إن الصانع من ~~البشر هو الذي يحدد الغاية من صنعته أولا، وقبل أن يشرع فيها فهل مخترع ~~التليفزيون مثلا صنعه ثم قال لنا: انظروا في أي شيء يمكن أن يستعمل ~~هذا الجهاز؟ لا بل حدد الهدف وحدد الغاية أولا، كذلك غايتك أيها ~~الإنسان لا يحددها لك إلا من خلقك. فصيانة الصنعة يقوم بها الصانع، ~~كذلك صيانة الخلق لا تكون إلا بمنهج الحق. لذلك نقول: ما فسدت الدنيا ~~إلا حين خرج الإنسان عن هذا الإطار، فحدد لنفسه الغاية، ووضع لنفسه ~~منهج الحياة ونحى صانعه ومنهج صانعه جانبا، وقلنا: إن منهج الخالق ~~للخلق مثل الكتالوج الذي به تصان الصنعة، وبه نصلح ما فيها من عطب، ~~ويشترط في واضح المنهج أن يكون من الدقة والحكمة بحيث لا يفوته شيء ولا ~~يستدرك عليه، ولا نضطر إلى تعديل ما وضع، والخالق سبحانه هو الأعلم ~~بعباده وصنعته، وهو الأعلم بما يصلحهم في الدنيا وفي الآخرة # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. وإلا فلماذا يستدعينا الخالق سبحانه إلى خمس مرات في اليوم ~~والليلة، ويجعل الصلوات فرضا لازما لا يسقط عن الإنسان بحال من ~~الأحوال، لذلك شرعت صلاة السفر وصلاة المريض، حتى أنه إذا اشتد عليه ~~المرض صلى ولو بطرفة عينه أو بخاطر نفسه. وسبق أن قلنا في هذه ~~المسألة: إنك حين تريد مثلا مقابلة رئيس أو مسئول كبير، فلا بد لك من ~~موعد مسبق وموافقة وإجراءات، بل ويحدد لك ما تقوله، ثم هو الذي ينهي ~~المقابلة.. الخ أما لقاؤك مع ربك فلقاء المحب الذي يترك لحبيبه ms8532 أن يحدد ~~وقت المقابلة ومكانها وموضوعها، ويترك له أن ينهيها متى أحب، وأن ~~يبدأها متى شاء، فإن أردت لقاء ربك فما عليك إلا أن تستعد له وتكبر: ~~الله أكبر، كلمة تجعلك مباشرة في حضرة ربك عز وجل. # وتصور صنعة تعرض على صانعها خمس مرات كل يوم، أيبقى فيها عطب أو ~~فساد؟ لذلك # " كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر يهرع إلى ~~الصلاة، وكان يقول: " أرحنا بها يا بلال " " # نعم أرحنا بها، لا أرحنا منها. إذن: ذكر سبحانه في الختام السبحانية، ثم ~~الربوبية التي تربيك وتعدك للمهمة المرادة منك، هذه التربية تربيك ~~لماذا؟ تربيك للعزة { رب العزة } [الصافات: 180] والعزة أن تغلب ~~ولا يغلبك أحد أبدا، وقلنا - ولله تعالى المثل الأعلى - الولد الصغير ~~حين يسير في الشارع وحده يتجرأ عليه الآخرون، ويتحرشون به ويضربونه، أما ~~إن سار في صحبة والده وأخذه في يده لا يجرؤ أحد على التعرض له، كذلك ~~أنت أيها المسلم كن دائما في حضن ربك، وفي يده، وفي معيته، وعندها لن ~~يجرؤ أحد عليك. إذن: العزة التي يتصف بها الحق سبحانه، ويفيض منها على ~~عباده هي الغلبة التي لا تقهر، والقدرة التي لا تحتاج إلى أحد، وهناك ~~عزة أخرى هي العزة بالإثم، والتي قال الله عنها: # وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ~~فحسبه جهنم ولبئس المهاد # [البقرة: 206]. فالعزة هنا كبر بلا رصيد ولا سند. ومنها أيضا قوله ~~تعالى حكاية عن المنافقين: # يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل # [المنافقون: 8] نعم، صدقوا والله، لكن من الأعز ومن الأذل؟ وقوله ~~{ عما يصفون } [الصافات: 180] أي: تنزه سبحانه عن قولهم وعن ~~كذبهم { وسلام على المرسلين } [الصافات: 181] أي: جميعا ~~لأنهم وإن كلفونا في بعض الأحيان ما يشق على النفس إلا أنهم أخذوا ~~بأيدينا إلى بر الأمان والنجاة، فعليهم منا السلام كلما ذكرناهم ~~نصلي ونسلم عليهم { والحمد لله رب العالمين } ~~[الصافات: 182] الذي هدانا لاتباع المنهج بواسطة الرسل، وأعاننا على هذا ~~الاتباع، والحمد لله على الجزاء الذي أعده ms8533 لنا من نعيمه وجناته في ~~الآخرة، لذلك قال سبحانه: # وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]. وقال العلماء رواية عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من أراد أن يكال له بالكيل الأوفى من الأجر يوم القيامة فليختم ~~مجلسه بقوله: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون * ~~وسلام على المرسلين * والحمد لله رب ~~العالمين } " # [الصافات: 180-182]. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1] # سبق أن تكلمنا عن الحروف المقطعة في فواتح السور، وقلنا: إن الحق ~~سبحانه بدأ بعضها بحرف واحد مثل: ص و ن و ق، وبعضها بحرفين مثل: طس وحم ~~وبعضها بثلاثة أحرف مثل: الم، وبعضها بأربعة مثل: المص، وبعضها بخمسة مثل ~~كهيعص و حم عسق. وقلنا: إن الحروف على قسمين: حروف مبنى وحروف معنى، حروف ~~مبنى هي التي تتكون منها الكلمة مثل: كتب فهي مبنية من الحروف: الكاف ~~والتاء والباء، إنما الكاف وحدها أو التاء ليس لها معنى بمفردها. أما ~~حروف المعنى مثل تاء الفاعل في كتبت لأنها دلت على الفاعل المتكلم، ~~وكتبت الفاعل المخاطب، وكتبت للمؤنثة المخاطبة. وقلنا: إن حروف اللغة ~~عبارة عن ثمانية وعشرين حرفا، جاء منها في فواتح السور أربعة عشر حرفا، ~~وأحسن ما قيل فيها إنها مادة كلمات القرآن، ولبنات بنائه، ومع أن العرب ~~يعرفون هذه الحروف وينطقونها إلا أنهم عجزوا عن محاكاة القرآن والإتيان ~~بمثله، مع أن هذه صنعتهم ومجال نبوغهم وتفوقهم، نعم الحروف هي الحروف، ~~والكلمات هي الكلمات، لكن المتكلم بالقرآن هو الله فلا بد أن ~~يعجزوا. وقوله تعالى { ص والقرآن ذي الذكر } [ص: 1] دليل على ~~الإعجاز وحامل الإعجاز، فكلمة ص حرف من مكونات القرآن، والقرآن معجز لأن ~~العرب عجزت عن الإتيان بمثله ولو آية واحدة من آياته، وهي أمة بيان ~~وكلام وفصاحة، وهي الأمة الوحيدة التي جعلت للكلمة معرضا، وللبلاغة ~~أسواقا في عكاظ، والمربد وذي المجنة، وقد بلغ بهم تقديس الكلمة إلى أن ~~علقوا الجيد منها على أستار الكعبة. لذلك جاءت معجزته صلى الله عليه ~~وسلم من جنس ما نبغ فيه قومه. فالمعنى ms8534 ص أي: حرف من حروفهم { ~~والقرآن } [ص: 1] الذي عجزوا عنه، والقرآن مرة يطلق عليه الكتاب ~~لأنه مكتوب، ويطلق عليه القرآن لأنه مقروء، فهو مكتوب في السطور ومقروء، ~~ومحفوظ في الصدور. ومعنى { ذي الذكر } [ص: 1] أي: صاحب الذكر، وكلمة ~~الذكر تطلق على معان عدة مثل: كلمة عين تطلق على عين الماء، وعلى ~~العين الباصرة، وعلى الذهب والفضة، وعلى الجاسوس، وتطلق على الوجيه من ~~الناس، والسياق وذكاء السامع هو الذي يحدد المعنى، فهذه المعاني بينها ~~مشترك لفظي يجمعها، وهذه من مميزات اللغة. كذلك قلنا مثلا: كلمة النجم ~~تطلق على النجم في السماء، وتطلق على النبات الذي لا ساق له، ومنه ~~قوله تعالى: # والنجم والشجر يسجدان # [الرحمن: 6]. ومن ذلك قول الشاعر: # أراعي النجم في سيري إليكم # ويرعاه من البيدا جوادي # فكلمة الذكر تطلق على القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: # وقالوا يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك ~~لمجنون # [الحجر: 6] ويطلق الذكر على كتب الرسل السابقين، كما في قوله تعالى: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43]. ويطلق الذكر على الصيت والسمعة، كما جاء في قوله تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون # [الزخرف: 44] أي: القرآن. وفي قوله تعالى: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم.. # [الأنبياء: 10] وما ارتفع العرب ولا علت لغتهم إلا لأنها لغة القرآن. ~~ويطلق الذكر أيضا على التذكر، كما في قوله تعالى: # فأنساه الشيطان ذكر ربه.. # [يوسف: 42]. ويطلق الذكر على التسبيح، كما في قوله تعالى: # يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله # [النور: 36-37]. ويطلق الذكر على معنى آخر، هو العطاء الجيد من الله، ~~والعمل الطيع من العبد. إذن: فلفظ الذكر أشبه في القرآن بالماسة تتلألأ ~~في يدك، كلما قلبتها وجدت لها بريقا. فكل هذه المعاني تدخل تحت ~~قوله تعالى: { ص والقرآن ذي الذكر } [ص: 1]. ### || [38.2] # نعرف أن بل حرف يفيد الإضراب عما قبله أو نفي ما قبله وإثبات ما بعده، ~~ف بل هنا تثبت أن الذين كفروا في عزة وشقاق، فما المنفي ms8535 قبلها؟ ~~قبلها قوله تعالى # ص والقرآن ذي الذكر # [ص: 1] هذه معجزة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان من الواجب أن يقتنعوا ~~بها، وأن يؤمنوا بها لكنهم كفروا، فالمعنى: بل الذين كفروا ما صدقوه، ~~بل هم في عزة وشقاق. بعض العلماء يرى أن # ص والقرآن ذي الذكر # [ص: 1] قسم جوابه جاء في آخر السورة في قوله تعالى: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64] لا.. لا يصح أن نقدر القسم ثم نبحث له عن جواب مناسب. ومعنى: ~~{ في عزة.. } [ص: 2] أي: عزة الإثم، وهي التعالي والاستكبار عن ~~الحق، وهي عزة بلا رصيد { وشقاق } [ص: 2] من الشق، وهو حدوث فاصل بين ~~شيئين، ولهذه معان كثيرة في اللغة، نقول: هذا في شق وذلك في شق. يعني: ~~لا يلتقيان، مثل كلمة عدو، لأن العدوان لا يتفقان، وكلمة عدو أصلها في ~~لغة العرب، ومن بيئتهم حيث توجد الوديان، والوادي له ناحيتان، كل واحدة ~~تسمى عدوة. ومنه قوله تعالى: # إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة ~~القصوى.. # [الأنفال: 42] فعدو من العدوة. يعني: كل واحد منا في ناحية، ومثلها ~~كلمة جانب، وكلمة حد كما في قوله تعالى: # إن الذين يحآدون الله ورسوله # [المجادلة: 5]. ومثلها كلمة انحرف، يعني: هذا في حرف، وهذا في حرف، ~~يعني: على طرف وهذا على الطرف الآخر، ومنه قوله تعالى: # ومن الناس من يعبد الله على حرف.. # [الحج: 11] فهذه كلها ألفاظ تؤدي معنى عدم الالتقاء، كما في: { بل ~~الذين كفروا في عزة وشقاق } [ص: 2] عزة آثمة كاذبة ~~وشقاق يعني: اختلاف لا التقاء فيه، والمراد بالشقاق عدم اتعاظهم من ~~سوابق الأمم مع رسلهم لذلك القرآن لا يسرد لهم تاريخا حين يقول لهم: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138] إنما يذكرهم بما غفلوا عنه. وهنا يقول: { كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن... }. ### || [38.3] # كم هنا خبرية تفيد الكثرة، فكأن الحق سبحانه ترك للمخاطب أن يتصور ~~الكمية ويحدد الكمية في كم، وأنت لا تستخدم هذا الأسلوب إلا وأنت ~~واثق من هذه الكثرة، كما تقول لمن ms8536 يجحد فضلك: كم أعطيتك أو كم صبرت ~~عليك، يعني: مرارا كثيرة. والقرن قلنا: إنه الفترة أو الطائفة من الزمن ~~يحكمها مشخص واحد كالنبوة أو غيرها، كما نقول قوم نوح أو قوم هود، وقد ~~اصطلح على أن القرن مائة سنة، وسميت قرنا لأنها متقارنة بعضها ببعض. ~~وفي قوله تعالى { من قبلهم } [ص: 3] احتياط جميل لأنه بعد بعثة ~~سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يهلك الله قوما بالجملة كما حدث ~~قبله صلى الله عليه وسلم لذلك خاطب الحق سبحانه رسوله محمدا بقوله: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33]. فقوله تعالى: { من قبلهم } [ص: 3] يعني: هذه مسألة ~~سبقت ولن تتكرر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهذه المسألة تجد لها ~~نظيرا في قوله تعالى: # فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل # [البقرة: 91]. لو لم يقل الحق سبحانه من قبل لظن سيدنا رسول الله ~~أن قومه ربما قتلوه كما قتل الأنبياء قبله، لكن الحق سبحانه يطمئن ~~رسوله بقوله # من قبل # [البقرة: 91] يعني: اطمئن، فهذه لن تتكرر، وفي هذا تثبيت لفؤاده صلى ~~الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { فنادوا } [ص: 3] يعني: ساعة حل ~~بهم العذاب، ونزل بهم الهلاك العام نادوا نداء عاما لكل من يسمع ~~ليخلصهم ويغيثهم وينقذهم، لكن ينادون من؟ لم يحدد القرآن المنادي ~~ليدل على ما هم فيه من الفزع لذلك نجد أن المناداة للفزع إلى من يخلصك ~~مما لا تقدر عليه لها مراحل على قدر الخطر الذي تتعرض له، فلو رماك ~~أحد مثلا بحجر تنادي ذاتك وتستدعي بعضك، فتحرك يدك مثلا أو رجلك ~~لتتفادى الأذى. فإن كان الخطر فوق استطاعتك تنادي أقرب الناس إليك ~~أباك، أمك، أخاك، جارك، من يسير معك في الشارع.. إلخ فإذا لم تجد ~~مغيثا في هؤلاء تقول يا هوه. وقلنا: إنها تعني يا هو يعني: يا الله ~~ليس لي سواك أناديه وألجأ إليه. وهؤلاء لما نزل بهم الهلاك نادوا نداء ~~عاما لكل من يستطيع أن ينقذهم ويغيثهم، لكن هيهات فمن يغيثهم إن ~~كان ما ينزل بهم ms8537 من الله؟ إذن: نداؤهم لا جدوى منه { فنادوا ولات ~~حين مناص } [ص: 3] كلمة لات مكونة من لا النافية زيدت عليها ~~التاء، لا للنفي عموما فتنفي مرة المكين كما لو قلت: لا رجل في الدار ~~وتنفي المكان كما لو قلت: لا دار أسكنها، فإذا زيدت عليها التاء نفت ~~الزمن خاصة لذلك جاءت بعدها كلمة حين وهي مثل: ثم وثمة، قال ~~الشاعر: # ثمت قمنا إلى جرد مسومة # أعرافهن لأيدينا مناديل # ومعنى مناص يعني: مفر ومهرب. فالمعنى { فنادوا ولات حين ~~مناص } [ص: 3] يعني: ليس الوقت وقت مفر ولا مهرب. ### || [38.4-5] # العجب هو الاستغراب، إنهم يتعجبون وأمرهم أعجب، يتعجبون { أن ~~جآءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر ~~كذاب } [ص: 4] والعجيب حقا أن يأتيهم رسول من جنس آخر غير جنسهم، ~~لذلك قال تعالى في موضع آخر: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. كانوا يريدون الرسول ملكا، ولو جاءهم ملك لجاءهم في ~~صورة رجل منهم، ولو شخص لهم في صورة رجل لظلت الشبهة قائمة، والحق ~~سبحانه يرد عليهم: # قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ~~لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا # [الإسراء: 95]. وقال سبحانه: # ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9]. إذن: لا بد أن يكون المرسل من جنس المرسل إليهم، ~~لأن الرسول حامل منهج يحققه، الرسول أسوة وقدوة لقومه، وكيف تتحقق ~~الأسوة بالملك؟ والله لو جاء الرسول ملكا لاعترضوا عليه، ولقالوا ~~إنه ملك معصوم يقدر على ما لا نقدر نحن عليه، ثم إن الملك ليس له ~~شهوة كشهوتنا.. الخ. إذن: العجب هو استغراب أن يكون الرسول واحدا منهم ~~ومن جنسهم، إن كون الرسول من بينكم هو الحجة وبه تتم الأسوة لذلك ~~حينما يمتن الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقول: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم.. # [التوبة: 128] يعني: من جنسكم وليس غريبا عنكم، فهذه ميزة لكم، إذن: ~~عجبكم ليس له مكان. والجنس هنا ليس جنس الإنسان فحسب، إنما من نوعهم ms8538 من ~~العرب، بل من أوسطهم وهم قريش وأنتم تعرفونه قبل بعثته، وتعرفون أصله ~~ونسبه لذلك يرد الله عليهم فيقول: # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات.. # [يونس: 15] يعني: واضحات لا تنكر # قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير ~~هذآ أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من ~~تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني ~~أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل لو شآء ~~الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد ~~لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 15-16]. نعم لقد عاش سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~قومه أربعين سنة قبل بعثته، وكانوا يعرفون عنه كل شيء، إذن: العجب في ~~النقيض، وليس في الواقع الذي يتعجبون منه. ثم يحكي الحق عنهم: { وقال ~~الكافرون هذا ساحر كذاب } [ص: 4] الساحر هو الذي يخيل ~~لنا الأشياء فنراها على غير حقيقتها، لكنه لا يغير الحقيقة، فالسحر ليس ~~في الشيء إنما في أعين الناس، كما قال تعالى: # سحروا أعين الناس.. # [الأعراف: 116]. لذلك هناك فرق بين السحر وبين معجزة سيدنا موسى عليه ~~السلام، وقد كانت من جنس يقارب السحر لأنه سيعانده سحرة، ولما ألقى ~~موسى عصاه فرآها السحرة تلقف ما سحروا قالوا: آمنا برب موسى، وما ذلك ~~منهم إلا لأنهم أيقنوا أن ما جاء به موسى ليس من قبيل السحر، فهم ~~يعرفون السحر جيدا، ويعرفون ألاعيب السحرة، وليس هذا الذي يرونه منها. # إنهم يرون حية تلقف ما يأفكون، والساحر يرى الأشياء على حقيقتها، ~~فيرى الحبال حبالا، في حين يراها الناس ثعابين تسعى وتتحرك، إذن: ما ~~فعله موسى أمامهم ليس من السحر. ونرد على هؤلاء الذين يتهمون رسول الله ~~بالسحر. ونقول: لو سلمنا معكم أن محمدا ساحر وسحر من آمن به، فكيف ~~بكم لا تزالون على كفركم؟ لماذا لم يسحركم محمد كما سحر المؤمنين به، ~~وتنتهي المسألة بينكم وبينه؟ ثم يقولون: { أجعل الآلهة إلها ~~واحدا إن هذا لشيء عجاب } [ص: 5] إنهم يتعجبون ~~وينكرون أن يدعوهم رسول الله إلى التوحيد، وإلى ms8539 عبادة الله وحده لا ~~شريك له، وقد كانوا يعبدون آلهة عدة، فحول البيت أصنام كثيرة، ومنهم ~~من كان يعبد الشمس أو القمر أو الكواكب والنجوم، ومنهم من عبد ~~الملائكة.. إلخ. لكن من أين أتتهم هذه الشبهة؟ جاءت هذه الشبهة من ~~استعظامهم الوجود، فهذا الكون البديع المحكم فيه أرض بها أنهار وجبال ~~وزروع وثمار، وفيه سماء فيها شمس وقمر ونجوم وكواكب وأفلاك.. إلخ. فهذا ~~الكون في نظرهم لا يقدر على خلقه واحد بمفرده، لا بد أن كثيرين اشتركوا ~~في خلقه. إذن: فعظمة الوجود هي التي جعلتهم يقولون بآلهة متعددة، وهنا ~~لا بد أن نقول سبحان الله، فالعكس هو الصحيح في هذه المسألة، فعظمة ~~الخلق دليل على أن الخالق واحد، ولو كان الخالق متعددا لما جاء ~~الخلق على هذا النظام والتناسق، ولو كان الخالق متعددا لكان الحال كما ~~وصفه الحق سبحانه: # إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم ~~على بعض.. # [المؤمنون: 91]. فقولهم: { أجعل الآلهة إلها واحدا.. } ~~[ص: 5] خطأ من ناحيتين: الأولى ظنهم أن عظمة الصنعة دليل على تعدد ~~الصانع، في حين أن عظمة الصنعة دليل على أن الصانع واحد، الأخرى: أنكم ~~قلتم بتعدد الآلهة، والإله يعني المعبود المطاع في أوامره ونواهيه ~~فقولوا لنا: بماذا أمرتكم هذه الآلهة، وعم نهتكم؟ بل ماذا أعدت ~~لمن أطاعها من الجزاء، وماذا أعدت لمن عصاها؟ إذن: قولكم آلهة كذب ~~وهراء تقولونه بألسنتكم ما أنزل الله به من سلطان، ولو عرفتم معنى الآلهة ~~ومعنى العبادة وأن المعبود لا بد أن يكون له منهج يسير عليه العباد، ~~لو عرفتم هذا لما قلتم بتعدد الآلهة. لذلك الحق سبحانه يضرب لهم ~~مثلا، فيقول: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا.. # [الزمر: 29]. يعني: هل يستوي في العبودية عند مملوك لسيد واحد وعبد ~~مملوك لعدة أسياد، وليتهم متفقون إنما متشاكسون مختلفون فيما بينهم، كذلك ~~لا يستوي من عبد الله وحده ومن عبد آلهة متعددة. وقولهم: { إن ~~هذا لشيء عجاب } [ص: 5] في الآية قبلها قال تعالى: { ~~وعجبوا ms8540 } [ص: 4] من الفعل عجب ومصدره عجبا. أما هنا فقال ~~عجاب وهذه الصيغة تدل على المبالغة في العجب والاستغراب، فأصل المصدر ~~والبنية موجود فيها، والزيادة دلت على المبالغة كما نقول: طويل ~~وطوال. ونقول: أمر غريب وغراب. ### || [38.6-7] # الملأ هم الذين يملأون العين مهابة وزيا وهنداما، ويملأون صدور ~~المجالس. والمراد: الأعيان وزعماء القوم وصناديد الكفر في قريش، وعلى ~~رأسهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل وأبي بن خلف، وأمية بن خلف، وعتبة ~~بن ربيعة، وأخوه شيبة، والنضر بن الحارث، وخصهم الله بالذكر لأنهم أهل ~~السيادة، ودعوته صلى الله عليه وسلم ستسحب بساط السيادة من تحت أقدامهم، ~~فهم المضارون من دعوة رسول الله. ولهذه المسألة قصة، فهؤلاء الزعماء ~~ذهبوا إلى أبي طالب عم رسول الله وقالوا له: لو كان ابن أخيك يريد ~~ملكا ملكناه علينا، وإن كان يريد مالا جمعنا له من المال حتى ~~يصير أغنانا.. إلخ فكلم أبو طالب رسول الله وقال: يا ابن أخي، ابق ~~علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، إن قومك جاءوني ~~وقالوا كذا، وكذا فقال صلى الله عليه وسلم قولته المشهورة: # " والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن ~~أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك دونه ". # فلما خاب سعيهم، وعلموا أن رسول الله لن يهادنهم في آلهتهم، ولن ~~يقبل عروضهم ومساوماتهم أسرعوا إلى القوم يحفزونهم على التمسك بآلهتهم ~~والصبر عليها { وانطلق الملأ منهم } [ص: 6] يعني: إلى قومهم { ~~أن امشوا } [ص: 6] يعني: سيروا على ما أنتم عليه من عبادة الأصنام، ~~وابقوا على طريقتكم وعبادتكم { واصبروا على آلهتكم } [ص: ~~6] يعني: على عبادتها واحذروا أن يضلكم محمد عنها. { إن هذا ~~لشيء يراد } [ص: 6] أي: مسألة مدبرة لها ما بعدها من العواقب، لأن ~~الآلهة إن كفرتم بها ستغضب عليكم فيصيبكم الجدب والقحط، أو الشيء ~~يراد بنا نحن الأعيان، فنذل بعد أن كنا سادة، ونصير سواسية مع باقي ~~القوم. وقولهم: { ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة } ~~[ص: 7] أي: ما سمعنا بأن ms8541 الإله واحد، والملة الآخرة هي أقرب الملل ~~إليهم، وهي اليهودية والنصرانية، نعم اليهودية والنصرانية نزلت من ~~السماء بتوحيد الله، لكن الذي شجعهم على هذا القول أن اليهود قالوا: ~~عزير ابن الله. والنصارى قالوا: المسيح ابن الله وقالوا: إن الله ثالث ~~ثلاثة. لذلك قال كفار مكة: ما سمعنا بتوحيد الله في الملة الآخرة { إن ~~هذا إلا اختلاق } [ص: 7] يعني: ما هذا إلا كذب وافتراء، ومعنى ~~الاختلاق: خلق الشيء بلا واقع يسانده. ### || [38.8] # هذه نقلة أخرى في جدالهم وتكذيبهم لرسول الله، فقبل ذلك كانوا يعترضون ~~على بشرية الرسول، ويطلبون أن يكون الرسول ملكا، والآن يتنازلون عن ~~هذا المبدأ ويتحولون إلى الذات، كما قال تعالى في موضع آخر: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. يعني: لماذا محمد بالذات، وفينا أناس عظماء وسادة كانوا ~~أولى منه بالرسالة؟ وهنا قالوا: { أءنزل عليه الذكر من ~~بيننا } [ص: 8] لذلك الحق سبحانه يرد عليهم # أهم يقسمون رحمت ربك # [الزخرف: 32] فجعل نبوته صلى الله عليه وسلم رحمة بهم. # نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا # [الزخرف: 32]. يعني: كيف تتدخلون في هذه المسألة الهامة، تريدون أن ~~تقسموا رحمة الله، والله هو الذي قسم لكم أمور الدنيا الهينة، فجعل ~~منكم سادة وعبيدا وأغنياء وفقراء.. إلخ إن كان الحق سبحانه هو الذي ~~ينظم لكم أبسط أمور حياتكم، فكيف تطمعون في أن تقسموا أنتم فضل الله ~~ورحمته؟ # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124] وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وقوله تعالى: { بل ~~هم في شك من ذكري } [ص: 8] الذكر هنا يعني القرآن، وكأن الحق ~~سبحانه وتعالى يسلي رسوله ويطيب خاطره، كما خاطبه في موضع آخر بقوله: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33]. والمعنى: لا تحزن يا محمد. فقومك لا يكذبونك أنت إنما ~~يكذبون ما جئت به من الذكر، فأنت عندهم الصادق الأمين الذي لا غبار ~~عليه، يعني المسألة ليست متعلقة ms8542 بك وبشخصك أنت، إنما متعلقة بي أنا، فكأن ~~الله تعالى حملها عن رسوله ليطمئنه ويسليه ويخفف عنه ما يلاقي من ~~عناد قومه له. وقوله سبحانه: { بل لما يذوقوا عذاب } [ص: 8] ~~هذا لون من ألوان التهديد، يعني: لن يظلوا على هذه الحال من السلامة ~~والنجاة فعذابهم قادم ذلك لأن لما تفيد نفي الحدث في الماضي مع إثبات ~~حدوثه في المستقبل، تقول: فلان لم يأت يعني في الماضي وقد لا يأتي في ~~الحاضر والمستقبل، إنما فلان لما يأتي يعني: لم يأت في الماضي، وسوف ~~يأتي في الحاضر أو المستقبل، فمعنى { لما يذوقوا عذاب } [ص: ~~8] يعني: حتى الآن لم ينزل بهم عذاب الله، لكن ينزل لا محالة. ### || [38.9-11] # بعد أن نفى الحق سبحانه قدرتهم على أن يقسموا رحمته تعالى ينفي هنا أن ~~تكون مفاتيح خزائن رحمته بأيديهم، فأم هنا للتسوية، والمعنى: أهم ~~يقسمون رحمة ربك، أم عندهم خزائن رحمته؟ لا هذا ولا ذاك، لأن النبوة ~~رحمة، وخزائن الرحمة مملوكة للرحيم والله رحمن، فليس لهم شيء من ذلك لأن ~~الله تعالى لم يملك مفاتيح خزائنه لأحد حتى أولياء الله المقربين ~~الذين يعطيهم ومضات إشراقية غيبية ليثبت بها اليقين بالمسلك الذي سلكوه. ~~حتى هؤلاء لم يملكهم مفاتيح خزائنه، إنما يفتح لهم ما يشاء من فضله، ~~ويعطيهم ما يريدون من الكرامات، وتظل مفاتيح خزائنه تعالى في يده # وعنده مفاتح الغيب # [الأنعام: 59] لا يسلمها لأحد. لذلك ذيلت الآية بهذين الاسمين من ~~أسمائه تعالى { العزيز الوهاب } [ص: 9]. فالعزيز هو الذي يغلب ~~ولا يغلب، فالله غالب لا يغلب على أمره، ومن كانت هذه صفته كيف ~~يأخذون منه خزائن رحمته، وهو سبحانه: { الوهاب } [ص: 9] الذي يهب ~~من يشاء تفضلا وتكرما منه سبحانه. ثم يقول سبحانه: { أم لهم ~~ملك السموت والأرض وما بينهما } [ص: 10] يعني: إن ~~كان لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما { فليرتقوا فى ~~الأسباب } [ص: 10] فليصعدوا هم إلى السماء، وليعرجوا إليها ليتولوا ~~هم تدبير أمر الخلق، والحق سبحانه يوضح هذه المسألة في آية أخرى: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم ms8543 أن تنفذوا من ~~أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان # [الرحمن: 33] أي: بسلطان منا. لذلك لما وصل الإنسان واعتلى سطح القمر ~~قال المتفلسفون: وصلوا بسلطان العلم، كيف والله يقول بعدها: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران # [الرحمن: 35] إذن: ليس السلطان المراد سلطان العلم كما يدعون، إنما ~~سلطان من الله خالقها، فهو سبحانه الذي ينفذ من يشاء، ويمنع من ~~النفوذ من يشاء، ولو لم تأت هذه الآية لكان الذين ينكرون معراج رسول ~~الله على صواب. وقوله سبحانه: { جند ما هنالك مهزوم من ~~الأحزاب } [ص: 11] المراد كفار مكة، وأنهم مهزومون لا محالة، كما ~~هزم من قبلهم من المكذبين للرسل. ثم يسلي الحق - سبحانه وتعالى ~~- نبيه بذكر ما كان من تكذيب السابقين لرسلهم، يعني: يا محمد لست ~~بدعا في هذا الأمر، ويبدأ بأطول الرسالات عمرا، وهي رسالة سيدنا نوح - ~~عليه السلام - فيقول سبحانه: { كذبت قبلهم قوم نوح... }. ### || [38.12-14] # معنى: { ذو الأوتاد } [ص: 12] صاحب الأوتاد وهي الأشياء المثبتة، ~~وقيل: المراد الأهرامات. أو كانت له أوتاد مثبتة عذب بها خصومه، و { ~~لئيكة } [ص: 13] هي الحديقة ملتفة الأشجار، متشابكة الأغصان، ~~وأصحاب الأيكة هم قوم سيدنا شعيب { أولئك الأحزاب } [ص: 13] ~~أي: الذين تحزبوا على رسلهم وصادموهم وعاندوهم. { إن كل إلا ~~كذب الرسل } [ص: 14] ما أحد من هؤلاء إلا كذب رسوله { ~~فحق } [ص: 14] أي: وجب له وحق عليه عقاب إذن: فكيف يقدرون ~~لأنفسهم أن يقفوا منك يا محمد هذا الموقف ولا نعاقبهم؟ كيف يفلتون منا ~~وقد عاقبنا من هم أقوى منهم؟ ### || [38.15] # أي: ما ينتظرون، فعذابهم بالنسبة لنا أمر يسير لا يحتاج إلى علاج، إنما ~~هي مجرد صيحة واحدة أي: نفخة واحدة قالوا: هي النفخة الثانية التي بها ~~يبعث الخلق { ما لها من فواق } [ص: 15] يعني: لا إفاقة لهم ~~بعدها. ### || [38.16] # معنى { قطنا } [ص: 16] أي: نصيبنا وجزاءنا، وأصلها من القطعة كانوا ~~يكتبون فيها الجائزة. يعني: إن كنا مذنبين عجل لنا العذاب الآن قبل ~~يوم القيامة، لكن كيف يأتيكم العذاب الآن في الدنيا والدنيا فانية، ينتهي ms8544 ~~العذاب بفنائها، فكأن عذابهم في الدنيا لا يكفي جزاء لهم على كفرهم ~~لذلك يؤخره الله لهم إلى يوم القيامة، وهي دار بقاء وإقامة لا نهاية ~~لها. والحقيقة أن الصيحة ليست هي التي ستعذبهم، إنما هي مجرد جرس ~~إيذانا ببدء هذا اليوم. والحق - سبحانه وتعالى - يشرح لنا هذا الموقف ~~منهم ويوضحه في قوله تعالى # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وهذا دليل غبائهم، فهل يدعو عاقل بمثل هذا؟ وكأن الحق ~~سبحانه يريد أن يدلل لنا على أن موقفهم في العناد والتأبي على ~~الرسالات ضد نفوسهم، فبدل أن يقولوا فاهدنا إليه يقولون # فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. لذلك الحق سبحانه يتعجب من استعجالهم العذاب: # أفبعذابنا يستعجلون * فإذا نزل بساحتهم ~~فسآء صباح المنذرين # [الصافات: 176-177]. وعجيب من كفار مكة أن يقولوا { قبل يوم ~~الحساب } [ص: 16] فهل يؤمنون بهذا اليوم؟ إذن: لماذا ينطقون به ~~ويعترفون بوجوده حتى يظهر في فلتات ألسنتهم؟ قالوا: إنه تنبه مواجيد ~~الفطرة قبل أن يعمل العقل الماكر، فالذي يكذب يعمل عقله في الكذب، ~~ولابد له أن يكون ذكورا لأن الكذب ليس له واقع ثابت. لذلك كثيرا ~~ما يكذب الإنسان كذبة اليوم، ويكذب خلافها غدا، فالصادق لا يتغير ~~كلامه لأنه يحكي واقعا، أما الكاذب فيحكي غير الواقع لذلك قالوا: إن ~~كنت كذوبا فكن ذكورا، مثل رجل كاذب يحكي ويقول: ذهبنا إلى البندر ~~ليلة العيد الصغير، وكانت الدنيا قمر ضهر!! كيف؟ والمحقق الماهر هو الذي ~~يستغل هذه المسألة ليعلم صدق الأقوال من كذبها، فالصادق يحكي واقعا، ~~فلو سأله المحقق ألف مرة لجاءت أقواله واحدة، أما الكاذب فيحكي ~~خيالا لا بد أن تتضارب فيه الأقوال فينكشف زيفه، الواقع يملي ~~نفسه عليك، أما الكذب فيمليه الإفك والتلفيق، فلا تدري على أي صورة ~~يكون. فقولهم: { قبل يوم الحساب } [ص: 16] جاء منهم فلتة ~~لسان كشفت عما يؤمنون به بين أنفسهم، ومثلها قول المنافقين: # لا تنفقوا على من ms8545 عند رسول الله حتى ينفضوا # [المنافقون: 7]. فجعلوا النفعية هي المقياس، فكأن أتباع محمد حين لا ~~ينفق عليهم سينفضون من حوله ذلك لأن الأمور عندهم مادية، وكل شيء عندهم ~~له ثمن. وقالوا: لما فتر الوحي عن رسول الله: إن رب محمد قلاه، ~~هكذا تسرقهم المواجيد الفطرية، ويظهر الحق في فلتات الألسنة عندما ~~تتنبه الغريزة والفطرة، ويغيب العقل الماكر المدبر. أو أنهم قالوا: { ~~وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب } ~~[ص: 16] على سبيل الاستهزاء بالوعيد الذي توعدهم الله به، فهم لا ~~يؤمنون بهذا العذاب ولا يثقون في وقوعه، فاستعجالهم له استهزاء به، ~~فكأنهم قالوا: هات لنا العذاب فنحن مشتاقون لعذابك، فلا تؤخره إلى ~~يوم الحساب، وهذا التهكم لا يليق مع قولهم { ربنا } [ص: 16]. ### || [38.17-20] # الصبر: استعلاء النفس على الأحداث بمعنى ألا تنال الأحداث من النفس ~~ومن قوتها، لأن الذي يصاب بمصيبة يحتاج إلى قوة إضافية فوق قوته ~~الطبيعية، فلا تجعل المصيبة أو الشدة تضعف من قوتك على تحمل الحدث. ~~وإياك أن تجعل المصيبة مصيبتين، حين تضعف أمام الأحداث فيجتمع عليك ~~المصيبة والضعف عن تحملها، ذلك لأن المصيبة بالنسبة للمؤمن على قسمين. ~~الأول: مصيبة للإنسان دخل فيها كالطالب المهمل الذي يرسب في الامتحان، ~~فالرسوب نتيجة إهمالك وتهاونك، فإن كنت ستغضب فاغضب من نفسك ولمها ~~وعنفها، وحاول أن تصحح خطأها، وتصلح فسادها، هذه هي الرجولة التي ~~تواجه الواقع ولا تتنصل من المسئولية. الثاني: صبر على حدث ليس ~~للإنسان دخل فيه، وهذا هو الأمر القدري يجريه الله عليك، ولا يريد لك ~~منه إلا الخير، وإن كنت تعتقد أنت أنه شر. لذلك قد يدعو الإنسان بما ~~يراه خيرا له حسب قوانينه وفهمه للخير، لكن لا يرى إجابة فيغضب ~~ويقول: دعوت فلم يستجب لي. وغفل أن ربه - عز وجل - أعلم بالخير أين ~~هو، لذلك لم يجبه، إذن: فإجابته لك ألا يجيبك. لذلك يعلم الحق ~~سبحانه المؤمنين الرد على الذين كانوا يشمتون في الأحداث تصيبهم، فيقول: # قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا # [التوبة: 51] نعم، كتب ms8546 الله لنا لا علينا، لأن المصيبة لا تأتي المؤمن ~~إلا بالخير، فهي إما تمحيص لنا وإما علو لمرتبتنا، وإما ليعلم غير ~~المؤمنين أن لأهل الإيمان جلادة أمام الأحداث، وصلابة لا تلين. ومن ~~ناحية أخرى، نجد المصيبة التي تصيب الإنسان إما مصيبة له فيها غريم، أو ~~مصيبة لا غريم فيها، فالمصيبة التي لك فيها غريم اعتدى عليك مثلا تحتاج ~~إلى صبر أقوى وجلد وتحمل أكثر، لأنك كلما رأيت غريمك حرك فيك ~~كوامن النفس ودواعي الانتقام، أما المصيبة التي ليس لك فيها غريم، وهي ~~المصيبة القدرية التي أصابتك بقدر الله فهي أهون على النفس من الأولى ~~لأنها من الله، فلا تملك معها إلا أن تقول لا حول ولا قوة إلا بالله ~~وتصبر وتحتسب، وإلا فماذا تفعل مثلا أمام المرض أو الموت؟ لذلك يقول ~~سبحانه في المصيبة التي لك فيها غريم: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] يعني: تحتاج إلى عزيمة وقوة تحمل تعينك على الصبر، أو ~~تدعوك إلى المغفرة، أما المصيبة القدرية التي لا غريم لك فيها، فيقول ~~الحق فيها: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17] ولم يقل هنا # إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]، فآية لقمان في المصيبة التي لا غريم فيها، فأتت بدون ~~اللام، وآية الشورى لما فيها غريم فأتت فيها اللام. # هنا الحق سبحانه يريد أن يسلي نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ~~ويخفف عنه ما يلاقي من قومه، فقولهم عن رسول الله أنه ساحر وكاذب ~~ومجنون.. إلخ كل هذا يحزن رسول الله ويشق عليه ويؤلمه لذلك مرت ~~بنا آيات كثيرة في تسليته صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33]. وهنا يخاطبه ربه: { اصبر على ما يقولون } [ص: ~~17] ثم يعطيه مثلا من موكب الرسالات السابقة { واذكر عبدنا ~~داوود } [ص: 17] لكن لماذا ذكر سيدنا داود بالذات في هذا المقام؟ ~~قالوا: لأن قوم سيدنا داود قالوا في حقه ms8547 ما هو أفظع مما قيل في حق ~~رسول الله، فكفار مكة قالوا: ساحر، وكاهن، وكذاب. أما قوم داود فقد ~~اتهموه في شرفه وعفته وطهارته، حين زعموا أنه بعث بأحد قادته إلى حرب ~~خارج البلاد لأنه كان يحب زوجته، ويريد أن يخلو له الجو وينفرد بها، ~~ومع ذلك صبر سيدنا داود. والحق سبحانه يخاطب نبيه محمدا ويقول له: اصبر ~~كما صبر داود. مع أن محمدا هو خاتم الرسل جميعا، فلا رسالة بعده ~~وفوضه الله في أن يشرع لأمته، وهذه خصوصية لم تسبق لأحد غيره من ~~الرسل، وأرسل الله معه كتابا خالدا مهيمنا على كل الكتب السابقة ومع ~~ذلك يقول له ربه: اصبر كما صبر داود، وكما صبر إخوانك من الرسل ليدل ~~على أن أمة الرسالة أمة واحدة، كل منهم يبلغ عن الله رسالة مناسبة ~~لقومه، فالرسل جميعا كشخص واحد. لذلك قال تعالى: { واذكر عبدنا ~~داوود } [ص: 17] وبعد ذلك ذكر عدة رسل من موكب الرسالات ولم يقل ~~عبادنا، كأنهم تجمعوا كلهم في مهمة واحدة فلا تفرق بينهم لذلك يقول ~~سبحانه: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. # [الشورى: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا تفضلوني على يونس بن متى ". # لأنكم لا تعلمون مقاييس المفاضلة، فدعوا المفاضلة لله تعالى فهو الذي ~~يفضل، كما قال سبحانه: # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم.. # [البقرة: 253]. وتأمل هذا الشرف الكبير الذي ناله سيدنا داود حين ~~تحدث الحق عنه، فقال { واذكر عبدنا داوود } [ص: 17] كذلك ~~نال سيدنا محمد في استهلاك سورة الإسراء: # سبحان الذى أسرى بعبده # [الإسراء: 1] فليس للإسراء حيثية، إلا أنه صلى الله عليه وسلم عبد أخلص ~~العبودية لله فاستحق هذا الشرف العظيم لذلك لما جفت به الطائف واضطهدوه ~~وشتموه جاء العزاء من الله، فإن كانت الأرض لم تحتف بك، فسوف تحتفي ~~بك السماء. وقوله تعالى: { ذا الأيد } [ص: 17] يعني: صاحب القوة في ~~العبادة، والإيمان يحتاج فعلا إلى قوة تعينك ms8548 على الطاعة، وتزجرك عن ~~المعصية، وتكبح جماح النفس حين تميل بك إلى المخالفة، أما الطاعة فتحتاج ~~إلى قوة لأن الطاعة غالبا ما تكون ثقيلة على النفس، فتحتاج إلى قوة ~~دافعة حافزة لذلك يقول تعالى عنها: # وإنها لكبيرة إلا على الخشعين # [البقرة: 45]. أما المعصية فلها لذة وجاذبية وشهوات تلح على النفس، ~~فتحتاج كذلك إلى عزيمة وقوة رادعة كابحة لذلك كثيرا ما يتكرر ذكر ~~القوة في كتاب الله، فقال عن داود { ذا الأيد } [ص: 17]، وقال ليحيى ~~عليه السلام: # ييحيى خذ الكتاب بقوة # [مريم: 12]. فالمؤمن لا بد أن يكون قويا، قوي الإرادة والعزم، لا ~~بد له من قوة الدفع إلى الطاعات لأنه يكسل عنها، وقوة الردع عن ~~المعاصي لأنه يميل إليها، والإنسان لا يكسل عن الطاعة ولا يرغب في ~~المعصية إلا حين يعزل العمل عن الجزاء والعاقبة، ولو استحضر الجزاء ~~وتذكر العاقبة لهانت عليه الطاعة وخفت على نفسه وسهلت، ~~ولزهد في المعصية، وفر منها فراره من الأسد. وقد أوضحنا هذه ~~المسألة بمثال قلنا: هب أن شابا طغت عليه الغريزة الجنسية، وهي أعنف ~~الغرائز في الإنسان، فقلنا له: تقضي ليلة مع فتاة جميلة لكن في الصباح ~~سندخلك هذا الفرن المتأجج لمدة ساعة، فماذا يقول؟ إذن: استحضار العقاب ~~على المعصية عند المعصية يمنعك منها، كذلك استحضار الثواب على الطاعة ~~يدفعك إليها. وهناك في جبال الهملايا وعند قمة إفرست وجدوا ضحايا كثيرين ~~ممن يحاولون اعتلاء هذه القمة، فبعضهم مات بعد ثلث المسافة، وبعضهم ~~بعد الثلثين وهكذا، فما الذي حملهم على تحمل هذه المصاعب والمخاطر؟ ~~إنها شهوة الاستعلاء على هذه القمة التي تعد أعلى قمة في العالم، إنه ~~حب الشهرة وتخليد الذكر في دوائر المعارف، إذن: استهانوا بالأخطار ~~ليصلوا إلى هذه الغاية التي يتطلعون إليها. فالذي يجعل الإنسان يزهد في ~~الطاعات ويتكاسل عنها أنه لم يستحضر الثواب عليها ولو استحضر ثوابها ~~لسهلت عليه، كما قال الشاعر: # تهون علينا في المعالي نفوسنا # ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر # والنبي صلى الله عليه وسلم يشرح لنا هذه المسألة بقوله: ms8549 # " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". # يعني: ينتفي عنه وصف الإيمان في لحظة وقوعه في هذه المعصية لأنه غفل ~~عن العاقبة، وغفل عن الله، ولو استحضر الله في ذهنه ما أقدم. ثم يقول ~~تعالى في وصف سيدنا داود: { إنه أواب } [ص: 17] من الفعل آب آيب ~~وأواب صيغة مبالغة على وزن فعال. يعني: كثير التوبة والأوب إلى ~~الله، وهذه الكلمة فيها إشارة إلى أن الإنسان عرضة للمعصية، وأنه مهما ~~تاب فهو معرض للعودة مرة أخرى لأنه ليس معصوما، المهم أن تحدث لكل ~~ذنب توبة، وألا تكون مصرا على أن تعود. # لذلك تلحظ أن من أسماء الله تعالى الغفار # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى # [طه: 82] ولم يقل غافر، لماذا؟ لأن الخلق فيهم غفلة، وفيهم معصية ~~تتكرر، وتكرر المعصية يحتاج إلى تكرر المغفرة لذلك من رحمة الله بنا ~~أنه غفار أي: كثير المغفرة. وقوله تعالى في حق سيدنا داود: { ~~إنه أواب } [ص: 17] تشرح لنا فيما بعد معنى # وخر راكعا وأناب # [ص: 24]. ثم يقول تعالى: { إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن بالعشي والإشراق } [ص: 18] معنى: { بالعشي ~~} [ص: 18] الوقت بعد الظهر إلى المغرب { والإشراق } [ص: 18] بعد ~~شروق الشمس وهو وقت الضحى، ومعلوم أن الجبال جماد، والجماد هو أدنى ~~الأجناس في الكون، فالإنسان هو سيد هذا الكون، وهو أعلى الأجناس، يليه ~~الحيوان، ثم النبات، ثم الجماد. الحق سبحانه يخبرنا أن الجماد يسبح، ~~وأن للجماد حياة في حين يظن الإنسان أن جماد يعني جامد لا حياة فيه، ~~نعم لا حياة فيه بمقياسك أنت، لكن له حياة أخرى غير حياتك، أنت تسعى ~~وتجري في طول الدنيا وعرضها، أما الجماد فثابت لا يتحرك. لكن لكل جنس ~~حياة تناسبه، فأنت أيها الإنسان لك حياتان: حياة في حال اليقظة، وحياة ~~أخرى في حال النوم، أقانونك وأنت نائم هو قانونك وأنت مستيقظ؟ إنك ترى في ~~النوم الأشخاص والأشكال، وتميز بين الألوان، وتعيش قصة طويلة ms8550 وتعي ~~تفاصيلها، كل هذا وأنت نائم مغمض العينين، فبأي حاسة رأيت ما رأيت؟ ~~بعد ذلك لك حياة أخرى مناسبة للموت، وحياة أخرى مناسبة للبعث. وإن أردت ~~أن تستدل على أن كل شيء في الوجود له حياة تناسبه، فاقرأ إن شئت: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44] بعض العلماء قال - ليخرج من هذا المطب - التسبيح هنا يعني ~~تسبيح دلالة. يعني: هذه المخلوقات تدل على خالقها، وليس المراد تسبيح ~~المقال، ولو كان التسبيح المراد تسبيح دلالة كما يقول ما قال الحق بعدها: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم # [الإسراء: 44] لأننا نفهم تسبيح الدلالة. إذن: لا بد أن لها ~~تسبيحا آخر، لا نعلمه نحن. كذلك في قوله تعالى في الطير: # والطير صآفات كل قد علم صلاته وتسبيحه # [النور: 41] فليس لنا أن نبحث في كيفية صلاة الطير، فكل جنس يعلم كيف ~~يصلي لله خالقه، ألم تر النملة جنود سليمان فتسرع لتحذر قومها: # يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون # [النمل: 18] وتأمل هذا الاحتياط في قولها وعدالة الحكم في # وهم لا يشعرون # [النمل: 18] فهم ليسوا ظلمة ولا جبارين، وإن مروا عليكم سيحطمونكم من ~~حيث لا يدرون ولا يشعرون بكم. ألم يعلم هدهد سليمان قضية التوحيد؟ ألم ~~يكن سببا في هداية قوم ضلوا وعبدوا الشمس من دون الله حين عاد إلى ~~سليمان، يقول # أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين ~~* إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ~~ولها عرش عظيم # [النمل: 22-23]. والذي أغاظ الهدهد وأثر في نفسه أن يراهم يسجدون ~~للشمس من دون الله: # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ~~وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل فهم لا يهتدون * ألا يسجدوا لله الذي ~~يخرج الخبء في السموت والأرض ويعلم ما ~~تخفون وما تعلنون # [النمل: 24-25]. إن الهدهد يفهم القضية كاملة، بل ويجيد في ذلك ما لا ~~يجيده الإنسان العاقل. والإنسان الذي يدل على الكون بعقله وفهمه، ~~ألم يعلمه الغراب كيف يواري سوأة ms8551 أخيه وجثته: # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف ~~يواري سوءة أخيه.. # [المائدة: 31]. إذن: فكل كون له عالمه، وله لغته، وله صلاته لله ~~وخشوعه، فلا تفرض قانونا لتسحبه على قانون آخر، فتحيل كثيرا من ~~الأشياء. وإن أردت سندا لهذا من نفس القرآن فاقرأ قوله تعالى: # ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن ~~بينة # [الأنفال: 42] فالهلاك نقيض الحياة. واقرأ: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]. إذن: حين نجمع بين الآيتين نرى أن كل شيء له حياة خاصة به، ~~وإن كنا لا ندرك نحن كنه هذه الحياة لكنها موجودة، بدليل أن كل شيء ~~هالك. والآن بدأ العلماء يسجلون لغة الطير ولغة الحيوان ويتوصلون ~~إلى حل شفرة هذه اللغات. ومن العجائب التي جعلها الله لتشرح لنا قدرته ~~تعالى في كونه أنهم لما صنعوا الصاروخ ديسكافري، وأرادوا إطلاقه إلى ~~الفضاء ووزنه 110 أطنان، وجدوا به عطلا يمنع انطلاقه، فلما بحثوا عن ~~العطل وجدوا طائرا وزنه أربعة جرامات اسمه نقار الخشب نقر في الجدار ~~العازل لخزان الوقود في الصاروخ اثنين وأربعين ثقبا فعطل الصاروخ عن ~~الانطلاق، وهكذا سخر طائر وزنه أربعة جرامات وبنى عشه على هذا ~~الصاروخ العملاق فعطل حركته. وكأن الطيور أرادت أن تثأر لنفسها لما ~~رأت الإنسان يزاحمها في عالم الطيران لذلك وجدوا أن أكبر شيء يهدد ~~الطيران هو عالم الطيور، وأن جماعات منها تعترض الطائرات، وتحوم حول ~~المطارات وكأن هناك عداوة بينها وبين هذه المخلوقات التي تنازعها ~~الطيران. لذلك فكر علماء الطيران في فكرة تطرد الطيور عن المطارات، ~~فأخذوا فكرة أصوات الطيور التي تصدرها كإنذار لغيرها عند حدوث خطر ~~وسجلوا هذه الأصوات وأذاعوها حول المطارات، لكن الطير تنبه إلى هذه ~~الخدعة، ولم تعد تزعجه هذه الأصوات، لذلك لجأوا إلى وسيلة أخرى ~~فقالوا: إن الطيور تخاف من الصقور، فصنعوا لها مجسمات من البلاستيك ~~وعلقوها، لكن هذه الخدعة عرفها الطير، وسخر منها حين وضعت بعض الطيور ~~أعشاشها على أجنحة هذه الصقور. إذن: للطير عالمه ومملكته وأسراره، عرفنا ~~منها شيئا، وغابت عنا ms8552 منها أشياء. # فإذا قرأت عن سيدنا داود: { إنا سخرنا الجبال معه ~~يسبحن بالعشي والإشراق } [ص: 18] فاعلم أن الجبال تسبح ~~على الحقيقة تسبيحا لا يعلمه إلا ربها وخالقها. والميزة هنا لسيدنا داود ~~ليست في تسبيح الجبال لأن الجبال مسبحة دائما، إنما المعجزة هنا أنها ~~تسبح معه وتردد معه نشيدا واحدا، فالكلام في معه أي تسبح مع ~~تسبيحه. لذلك قلنا في قولهم: سبح الحصى في يد رسول الله، قلنا: عدلوا ~~العبارة، لأن الحصى يسبح حتى في يد أبي جهل، فالصواب والمعجز أن نقول: ~~سمع رسول الله تسبيح الحصى في يده. هذه هي العظمة. ومعنى { ~~بالعشي.. } [ص: 18] العشي: الفترة بعد الظهر إلى المغرب { ~~والإشراق } [ص: 18] أي: شروق الشمس، وقد أخذ بعض الأئمة من هذه ~~الآية دليلا على مشروعية صلاة الضحى التي صلاها النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وبعضهم يقول عن هذه الصلاة: صلاة الإشراق. لكن أي عشي؟ وأي ~~إشراق؟ هذا وقت وكل مكان له عشي وله إشراق يخالف الآخر. إذن: فهو وقت ~~ممتد في كل وقت كما أوضحنا في الصلاة، فهي دائمة ممتدة لا تنقطع أبدا، ~~ففي مكان يصلي الصبح، وفي آخر يصلي الظهر، وفي آخر يصلي العصر ~~وهكذا. فكأن الخالق سبحانه أراد بهذه الدورة الزمنية أن يعبد سبحانه ~~في كل جزئيات الزمان عبادة لا تنقطع في وقت من الأوقات. ومن ذلك قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ~~ليتوب مسيء الليل " # ولا يخلو الزمن أبدا من ليل أو نهار، إذن: فالمعنى أنه سبحانه يده ~~مبسوطة دائما. ثم يقول سبحانه: { والطير محشورة كل له ~~أواب } [ص: 19] معنى محشورة أي: مجتمعة حول سيدنا داود، لأنه عليه ~~السلام كان جميل الصوت حين يقرأ المزامير ويتغنى بها، فكانت الطير تجتمع ~~عليه وتردد معه وترجع ما يقول: إذن: كانت منظومة إيمانية مكونة ~~من سيدنا داود والجبال والطير، جميعهم يرددون تسبيحا واحدا، وكأنهم كما ~~قلنا: كورس واحد. لذلك قالوا في { كل له أواب } [ص: 19] أي: ~~داود والجبال والطير، كل ms8553 منهم أواب لله خاضع له راجع إليه. وقوله: { ~~وشددنا ملكه } [ص: 20] أي: قويناه وساندناه بالنصر والهيبة، ~~النصر في كل شيء، والهيبة أقوى أسباب القوة لذلك إذا أراد الله أن يضعف ~~الملك نزع الهيبة منه من القلوب، وحين لا يهابه الناس يتجرأون عليه. { ~~وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب } [ص: 20] الحكمة: وضع ~~الشيء في موضعه المناسب له، والذي تأتي منه الثمرة المرجوة من أقصر الطرق ~~وأيسرها، والحق سبحانه حين يأتي بلفظ من الألفاظ يأخذ أنسه بما في ~~اللغة، فالحكمة مأخوذة من الحكمة، وهي اللجام الذي يوضع في حنك ~~الجواد، فيسهل التحكم فيه وضبط حركته كما أريد، فأرخى له ليسرع، وأجذبه ~~فيقف. # وقالوا: الحكمة أي النبوة وسداد الرأي في الأمور، وقد امتاز كل من سيدنا ~~داود وسيدنا سليمان بالذات بأن جمع الله لهما الملك والنبوة لذلك ~~رأينا المخالفين لهما فطسانين لا وجود لهم، ولا أثر لأن الملك يطمس ~~عنف المخالف. ومعنى { وفصل الخطاب } [ص: 20] أي: علم الفصل ~~في الخصومات، والفصل لا يكون إلا في متجادلين، يأتي هذا بحجة وهذا بحجة، ~~وعلى الحكم بينهما أن يفصل بينهما، بأن ينصف الحق ويبطل الباطل. ~~وإن كانت مسألة فصل الخطاب هذه اعترض عليها لأن سيدنا سليمان فيما بعد ~~عدل حكما لأبيه، وهذه تحسب أيضا لسيدنا داود لأن الذي عدل حكمه هو ~~ولده، والإنسان لا يحب لأحد أن يتفوق عليه إلا ولده لذلك سر بها ~~سيدنا داود. ### || [38.21-22] # حين يستفهم منك بقوله { وهل أتاك } [ص: 21] فاعلم أنه دليل على ~~أن هذا الشيء كان يجب أن تعلمه، تقول: هل أتاك كذا وكذا يعني: أتاك ~~ومثله قوله تعالى: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا # [الإنسان: 1]. المعنى: أتى على الإنسان وقت من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا إنما أتى الأسلوب بصيغة الاستفهام لتأتي أنت بالمراد، فيكون ~~إقرارا منك، والإقرار لا يكذب على خلاف الإخبار بالمراد فالإخبار ~~يحتمل عقلا الصدق ويحتمل الكذب. أو: أن هذا الأسلوب للتشويق للنبأ. ~~والنبأ ليس هو مطلق الخبر إنما هو الخبر العظيم الذي ms8554 ينبغي أن يعلم ~~لذلك يهتم به، فليس من قبيل النبأ أن تقول مثلا: أكلت اليوم كذا ~~وكذا، لذلك حين يخبرنا الحق سبحانه عن أمر القيامة يقول: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم * الذي هم فيه ~~مختلفون # [النبأ: 1-3]. وكلمة { الخصم } [ص: 21] تطلق على المفرد والمثنى ~~والجمع بنوعيه تقول: هذا خصم وهذه خصم، وهؤلاء خصم.. إلخ وقد تثنى ~~مع المثنى كما في: # هذان خصمان اختصموا في ربهم # [الحج: 19] لذلك جاءت بعدها { إذ تسوروا المحراب } [ص: 21] ~~بصيغة الجمع. ومعنى تسوروا: تسلقوا: لأنهم لم يدخلوا من الباب، إنما ~~دخلوا من أعلى السور، وهذا دليل على أن هؤلاء الخصم لم يأتوا من جهة ~~الأرض، إنما من جهة السماء، فكانوا جماعة من الملائكة في صورة بشر، ~~والمحراب: هو المكان المقدس الذي يجعله الإنسان لخلوته ومناجاته ~~لربه، ومن ذلك قوله تعالى في السيدة مريم: # كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا.. # [آل عمران: 37] ونحن نسميه الآن القبلة. ثم يقول سبحانه: { إذ ~~دخلوا على داوود ففزع منهم } [ص: 22] الإشكال هنا كيف ~~يفزع سيدنا داود لرؤية هؤلاء وهو في حضرة الله وفي حضانته، وبين يديه ~~يصلي ويتعبد ويسبح؟ وكيف أن الحق سبحانه يفزع عبده ونبيه، وهو بين ~~يديه؟!! قالوا: الفزع على قسمين: فزع يحرك قلبك بالجزع ولكن قالبك ~~سليم لم يتأثر. وفزع آخر ينضح من القلب على القالب فيتأثر حتى تظهر عليه ~~علامات الفزع. وقد كان فزع سيدنا داود من النوع الثاني، لماذا؟ قالوا: ~~لأن الملائكة حين رأوه على هذه الحال قالوا له { لا تخف } [ص: 22] ~~ولا يقولون له ذلك إلا إذا انفعل قالبه انفعالا يدل على الخوف، فهذا ~~دليل على أن الفزع تجاوز قلبه إلى قالبه. ونفهم أيضا من قولهم له { لا ~~تخف } [ص: 22] أنهم ليسوا من رعيته، وليسوا من البشر لأن واحدا من ~~الرعية لا يجرؤ أن يقول للملك: لا تخف. وقولهم: { خصمان بغى ~~بعضنا على بعض } [ص: 22] يدل على اتفاقهم رغم خصومتهم، فقد ~~تكلموا جميعا في نفس واحد، أو تكلموا بالترتيب، أو تكلم واحد منهم ms8555 ~~وأمن الباقون، والمؤمن أحد الداعين، فكونهم تكلموا بهذه الصورة ~~المنظمة وأيديهم في أيدي بعض، فهذا يدلنا على أنه خلاف بينهم، ولا يطمع ~~أحد منهم في الآخر، إذن: ما المسألة؟ وما حقيقة مجيء هؤلاء على هذه ~~الصورة؟ لا بد أن لهم هدفا آخر. # ومعنى بغى حاول أن يطغى وأن يظلم { فاحكم بيننا بالحق ~~ولا تشطط } [ص: 22] هذا القول منهم دل على جراءتهم، ودل على ~~أنهم من ملأ آخر غير البشر من الملائكة. ومعنى { ولا تشطط } [ص: ~~22] يعني: لا تبتعد عن الحق ولا تجر. { واهدنآ إلى سوآء ~~الصراط } [ص: 22] اهدنا أي جميعا دون تمييز بين واحد وآخر، فهم خصم ~~لكن سواء بدل قولهم { بغى بعضنا على بعض } [ص: 22] دون أن ~~يميزوا الباغي من الذي بغي عليه، والصراط هو الطريق المستقيم، وسواء ~~الصراط يعني وسطه، والمعنى: دلنا على الحق أو عين الحق، ثم أخذوا في ~~عرض قضيتهم: { إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة... }. ### || [38.23] # نلحظ في كلمة أخي لونا من التحنين، فمع وجود الخصومة لكن هو أخي كما ~~في قوله تعالى: # إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون # [الشعراء: 106] وفي أعنف ألوان العداوة، وهي الثأر يقول سبحانه: # فمن عفي له من أخيه شيء # [البقرة: 178] يريد أن يحنن قلب ولي الدم على القاتل. القضية: { ~~إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة ~~واحدة.. } [ص: 23] كلمة نعجة تطلق في اللغة ثلاثة إطلاقات: أنثى ~~الضأن، أو الشاة الجبلية، أو البقرة الوحشية { فقال أكفلنيها } ~~[ص: 23] يعني: اجعلها لي أكفلها أنا فعندي غنم كثيرة، فاجعلها ترعى مع ~~غنمي، فيكفينا راع واحد بدل أن تكلف نفسك راعيا لها، والمعنى أن ~~كفالتها سهلة علي لا تكلفني شيئا. { وعزني في الخطاب } [ص: ~~23] يعني: غلبني بالحجة والجدال، ومعلوم أن القاضي يحكم بالحجة والبرهان، ~~وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته ~~فأقضي له، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له ~~قطعة من النار ms8556 ". # فالمعنى أن أخي غلبني بحديثه وتمكنه من حجته، وأنا أشعر بالظلم ونفسي ~~غير راضية لذلك جئتك أرفع أمري إليك لتحكم فيه، وهكذا سمع داود - عليه ~~السلام - دعوى الأول ولم يسمع الطرف الآخر، وهذه زلة من زلات القاضي. ~~لذلك قال أهل المعرفة في هذه المسألة: إذا جاءك صاحب دعوى وقد فقئت ~~عينه فلا تحكم له حتى تسمع من الآخر، فلعله قد فقئت عيناه. لقد بادر ~~سيدنا داود بالحكم، فقال: { قال لقد ظلمك بسؤال ~~نعجتك... }. ### || [38.24-25] # قوله: { لقد ظلمك } [ص: 24] نسب واحدا إلى الظلم { بسؤال ~~نعجتك إلى نعاجه } [ص: 24] أدخل شيئا في حيثية الحكم وليس ~~من حيثية الحكم، فهل لو لم يكن له تسع وتسعون نعجة، أكان يحل له أن ~~يقول لأخيه: اعطني نعجتك؟ إذن: هذه المسألة لا دخل لها في القضية لأنه ~~ظالم، وإن لم يكن له تسعة وتسعون. إذن: سيدنا داود أولا حكم قبل أن ~~يسمع من الطرف الآخر، ثم أدخل في حيثية الحكم ما ليس له دخل فيه، وهو ~~قوله: { إلى نعاجه } [ص: 24] فربما هم حاقدون عليه أن يكون عنده ~~تسع وتسعون. وقوله تعالى: { وإن كثيرا من الخلطآء } [ص: ~~24] أي: الشركاء { ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات } [ص: 24] المعنى: أن هذه القضية ~~ليست قضية فذة ولا مفردة، إنما هي ظاهرة كثيرة الحدوث بين الشركاء، ~~فكثيرا ما يبغي شريك على شريكه ويظلمه مع أنهم ما تشاركوا إلا لمحبة ~~بينهما واتفاق وتفاهم، لكن هذا كله لا يمنع ميل الإنسان إلى أن يظلم، ~~وما أشبه هؤلاء بالمقامرين تراهم في الظاهر أحبة وأصدقاء، في حين أن ~~كلا منهم حريص على أخذ ما في جيب الآخر. ثم يلفتنا الحق سبحانه إلى أن ~~هذه المسألة ليست على إطلاقها، إنما هناك نوع آخر من الشركاء لا يظلم، ~~فمن هم؟ هم الذين استثناهم الله بقوله: { إلا الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات } [ص: 24] لكنهم قليلون { وقليل ما هم ~~} [ص: 24] أي: أقل من القليل أو قليل جدا. والنبي صلى الله عليه وسلم ~~يحكي عن ربه عز وجل ms8557 في الحديث القدسي: # " أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإن خان خرجت من ~~بينهما ". # يعني: إن تسرب الظلم والخيانة إلى الشركة خرج الله تعالى منها، ~~فمحقت بركتها، وحل بها الخراب والخسران. ثم يقول تعالى مبينا حال ~~سيدنا داود بعد أن مر بهذه القضية: { وظن داوود أنما ~~فتناه } [ص: 24] يعني: اختبرناه وابتليناه، وظن هنا بمعنى علم ~~وأيقن، وكأن الحق سبحانه يعلم داود علم القضاء وأصوله فامتحنه بهذه ~~المسألة، فكانت بالنسبة له مطب في أمور ثلاثة: الأول: أنه خاف وفزع وهو ~~في حضرة ربه من خلق مثله يقبلون عليه، وظن أنهم سيقتلونه. الثاني: أنه ~~حكم للأول قبل أن يسمع من الآخر. الثالث: أنه أدخل في حكمه حيثية لا ~~دخل لها في المسألة. وكلمة { فتناه } [ص: 24] أي: اختبرناه من ~~قولهم: فتن الذهب على النار ليخلصه من العناصر الخبيثة فيه. فلما علم ~~سيدنا داود بذلك لم يتأب، إنما استغفر ربه من كل ذلك { فاستغفر ~~ربه وخر.. } [ص: 24] أي: سقط على الأرض سقوطا لا إراديا، ~~والسقوط هنا يناسب السجود لا الركوع لذلك قال تعالى: # يخرون للأذقان سجدا # [الإسراء: 107] فكلمة خر أعطتنا المعنيين يعني: خر ساجدا حالة كونه ~~راكعا قبل أن يسجد ومعنى { وأناب } [ص: 24] رجع إلى الله بالتوبة. ~~ثم تأتي النتيجة: { فغفرنا له ذلك } [ص: 25] أي: ما كان منه { ~~وإن له عندنا لزلفى } [ص: 25] قربى ومنزلة، ويكفي أن ~~تسبح معه الجبال، ويردد معه الطير { وحسن مآب } [ص: 25] ~~حسن مرجع ومرد. ### || [38.26] # كلمة { خليفة } [ص: 26] هنا إما خليفة لله في الأرض خلافة عامة لأن ~~الإنسان كله خليفة لكنه عليه السلام عمدة على الخليفة، أو خليفة الأنبياء ~~في حمل رسالاتهم إلى الناس، وما دام هو مستخلفا فهو موظف إن أحسن ~~الوظيفة دامت له، وإن لم يحسن نزعت منه. فآفة الإنسان أنه إذا ما ~~استجابت له الأشياء وطاوعته الأسباب يظن أنه صار أصيلا في الكون، ونسي ~~أنه مستخلف غير أصيل، إنما لو ظل على ذكر لخلافته في الأرض، ~~وأنه من الممكن أن يعزل عن الخلافة في ms8558 أي وقت لظل مؤدبا مع ربه ~~الذي استخلفه: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. وقوله تعالى { فاحكم بين الناس بالحق } ~~[ص: 26] يعني: ما دمت خليفة لله في الأرض تعمرها بالأحكام وتقيم فيها ~~الحق { فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ~~} [ص: 26] وهذه نصيحة غالية لكل من يحكم بين الناس، فالحق أمامك نبراس ~~يهديك، فضعه في موضعه أيا كان، ولا تتبع هواك لأن الرأي يفسده ~~الهوى. لذلك وقف بعض المفكرين أمام قول الله تعالى عن سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 3-4]. قالوا: ما دام هو وحي يوحى، فلماذا يعدل الله له ~~كما في قوله سبحانه: # عفا الله عنك لم أذنت لهم.. # [التوبة: 43]. وقوله تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك # [التحريم: 1]. وقوله تعالى: # عبس وتولى * أن جآءه الأعمى # [عبس: 1-2]. قالوا: إن الحق سبحانه لا يعدل لرسوله، إنما يخبر أنه لا ~~هوى له يجعله يميل عند الحكم، فهو صلى الله عليه وسلم يدخل على المسألة ~~بدون هوى، سواء أكان الأمر من عند الله أو من المفوض له أن يشرع فيه. ~~والحق سبحانه حينما أراد أن يحدد مهمة رسوله صلى الله عليه وسلم حدد ~~مهمة كتابه بأنه كتاب معجز، ويحمل أصول المنهج لا فروعه، وأنه مهيمن على ~~غيره من الكتب السابقة، لأن الكتب السابقة عليه أثبت الله أنها ~~بدلت وحرفت، فلم يأمن عليها المؤمنين بها كما قال سبحانه: # بما استحفظوا من كتاب الله.. # [المائدة: 44]. ومعنى استحفظوا: طلب منهم حفظه وحفظ منهجه، فحفظ ~~الكتاب المنزل كان تكليفا والتكليف عرضة أن يطاع وأن يعصى، ~~وهؤلاء عصوا وبدلوا وحرفوا، كما قال الله # ونسوا حظا مما ذكروا به # [المائدة: 13] والذين لم ينسوا حرفوا # يحرفون الكلم عن مواضعه # [المائدة: 13] ومنهم من جاء بكلام من عند نفسه، وأدخله في كلام الله # وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب ~~لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون ~~هو من عند الله وما هو ms8559 من عند الله ويقولون ~~على الله الكذب وهم يعلمون # [آل عمران: 78]. إذن: مثل هؤلاء لا يؤتمنون على حفظ كتاب الله، وقد ~~ثبت ذلك بهذه التجربة، لذلك لم يجعل الحق سبحانه حفظ القرآن إلى ~~المؤمنين به، إنما تكفل سبحانه بحفظ القرآن، فقال سبحانه: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. ولأن الحق سبحانه جعل لنبيه محمد هذه المنزلة أراد أن ~~يبينها، فقال: # " مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فحسنه ~~وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ~~ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين ~~". # والحق سبحانه يبين منزلة رسوله في إكمال الأديان، فيقول # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي.. # [المائدة: 3] ليس هذا فحسب، إنما يعطيه مهمة أخرى، هي صيانة هذه الأديان ~~به وبالعلماء الذين يخلفون من بعده، لذلك قال سبحانه: # لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا.. # [البقرة: 143]. فالرسول يشهد أنه بلغنا، وعلينا نحن أن نمد رسالة رسول ~~الله، فنشهد أننا بلغنا الناس من بعده. لذلك يحذرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من طائفة تأتي ممن لا يؤمنون بسنته يقولون: علينا بكتاب الله ~~فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. وحين تتتبع ~~لفظ الطاعة في القرآن تجد أنه أتى على صور متعددة. فمرة يقول: # وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول # [التغابن: 12] بتكرار الأمر بالطاعة. ومرة يقول: # وأطيعوا الله والرسول # [آل عمران: 132] بدون تكرار لفعل الأمر. ومرة يقول: # أطيعوا الله ورسوله # [الأنفال: 20]. فتكرار الأمر بالطاعة مرة لله ومرة لرسول الله حين يكون ~~لله أمر في القضية الإجمالية مثل الصلاة مثلا، ولرسول الله أمر في تفصيل ~~كيفية الصلاة. فإن توارد أمر رسول الله مع أمر الله جاء الأمر واحدا ~~بدون تكرار، فإن كان الأمر خاصا برسول الله، ولم يرد فيه من الله شيء ~~قال: أطيعوا الرسول. لذلك تلحظ العظمة في الأداء في قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم ms8560 # [النساء: 59] ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، لماذا؟ ليلفتنا إلى أن طاعة ~~أولي الأمر من باطن طاعة الله، وطاعة رسول الله يعني ليس لهم طاعة خاصة ~~بهم لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقوله تعالى { فاحكم ~~بين الناس بالحق } [ص: 26] أي: حكما عاما للناس جميعا ليس ~~خاصا بك، وهنا لا بد أن نذكر قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما # [النساء: 105]. ولهذه الآية قصة، فقد نزلت في كل من زيد بن السمين، وكان ~~رجلا أمينا مع أنه يهودي، وفي قتادة بن النعمان وطعمة بن أبيرق، فقد ~~كان لقتادة درع سرقه ابن أبيرق واتهم فيه اليهودي ابن السمين، وبعد ~~استقصاء الأمر وجدوا الدرع عند ابن أبيرق المسلم وظهرت براءة اليهودي. # وهنا أسرع الناس إلى رسول الله حتى لا يحكم على المسلم، فتكون سبة في حق ~~المسلمين أمام اليهود، فتردد رسول الله في المسألة، فأنزل الله عليه: # إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين ~~الناس # [النساء: 105] أي: الناس جميعا اليهود والنصارى والمسلمين وفعلا حكم ~~رسول الله على المسلم وبرأ ساحة اليهودي ولم يبال أحد لا رسول الله ~~ولا المسلمون بأن ينتصر اليهودي على المسلم لأن الحق أعز من هذا ومن ~~ذاك. وحين رأى اليهود رسول الله يحكم لليهودي ويدين المسلم أقبلوا على ~~الإسلام، وأسلم منهم كثيرون على رأسهم مخيريق الذي أعلن إسلامه، ووهب كل ~~ماله لرسول الله، ثم خرج للغزو لما أعجله النفير قبل أن يصلي لله ركعة ~~واحدة، وقتل مخيريق في هذه الغزو شهيدا، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عنه: # " نعم مخيريق، دخل الجنة ولم يصل لله ركعة ". # هذا معنى { فاحكم بين الناس بالحق.. } [ص: 26]. ومعنى { ~~خليفة.. } [ص: 26] أن الله استخلفنا جميعا في الأرض، وجعل ~~للمستخلفين خليفة يدبر أمرهم ويحكم بينهم فيما اختلفوا فيه بمنهج من ~~استخلف الكل. أو خليفة للرسل الذين سبقوه ينبه إلى ما انطمس من مواكب ~~الحق في الخلق، والحكومة ms8561 بين الناس لا تكون إلا عن اختلاف بينهم لأنهم ~~لو لم يختلفوا ما تحاكموا، وما لم يختلف فيه الناس فلا دخل للحاكم فيه ~~إلا أن يكونوا قد اختلفوا مع الحق الأعلى، فعندها لا بد أن يتدخل. ~~وكلمة { بالحق.. } [ص: 26] الحق يعني: الشيء الثابت الذي لا يتغير، ~~وهذا لله تعالى، أما الإنسان فأموره تتغير ولا تستقر على حال، ونحن منها ~~أغيار، لكن الحكم الذي يحكم حركة الإنسان ما دام من الله فهو ثابت لا ~~يتغير، وما دام الله تعالى قد أتم النعمة وأكمل الدين ورضي الإسلام، ~~فلا استدراك لأحد عليه في شيء من الأشياء لأن الاستدراك طعن في ~~استقصاء الله لحكمة الحكم. والحق يقابله الباطل، وقد يعلو الباطل في بعض ~~الأحيان، لكن يظل الحق هو الحق حتى يعلو في نهاية المطاف. والحق سبحانه ~~يترك الباطل يعلو في بعض الأحيان لحكمة، هي أن يعض الباطل الناس، ~~ويكويهم بناره لتظهر لهم حلاوة الحق، فإذا لذعهم مر الباطل فزعوا هم ~~إلى طلب الحق. إذن: فإن علا الباطل فالحق أعلى، وقد ضرب لنا الحق ~~سبحانه مثلا يوضح هذه المسألة، فقال سبحانه: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. إذن: فالحق ثابت، وبهذا الثبات نفهم أن المناهج الإلهية ما ~~جاءت لتجعل كلمة الله هي العليا، إنما جاءت لتجعل كلمة الذين كفروا ~~السفلى، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: # وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله ~~هي العليا.. # [التوبة: 40] فلم يعطف الثانية على الأولى، ولم يقل: وكلمة الله هي ~~العليا. لأن كلمة الله ليست جعلا، وإنما هي شيء ثابت، وهي حق أزلا. ~~ثم يقول سبحانه مخاطبا سيدنا داود: { ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن سبيل الله.. } [ص: 26] الهوى: ميل النفس إلى ~~شيء تهواه بغض النظر عن منهج يحكمه، والهوى يختلف باختلاف الناس، ms8562 حتى ~~الأصدقاء الحميمون المتلازمون في المأكل والمشرب والميول إذا ذهبوا لشراء ~~شيء اشتروا أشياء مختلفة وألوانا متباينة. نعم، هناك جامعة تجمعهم هي ~~الصداقة، لكن الأهواء مختلفة، فإذا كان هواي يخالف هواك، فلا بد أن ~~نرجع إلى شيء لا نختلف فيه، فإن كان هذا الشيء الذي لا نختلف فيه من ~~أعلى منا فلا غضاضة، الغضاضة تأتي حين تخضع لمن يساويك وتحكمه، وتنتهي ~~إلى رأيه. لذلك الحق سبحانه يحكم هذه المسألة بقوله تعالى: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموت ~~والأرض.. # [المؤمنون: 71]. ونحن نفهم أن اختلاف الأهواء يفسد الحياة على الأرض، ~~لكن كيف يفسد السماء؟ ولماذا بدأ بفساد السماوات قبل الأرض؟ قالوا: نعم، ~~لأن الفساد سيتعدى فساد الأرض، ويفسد أيضا السماء، بمعنى أنه سيفسد ~~حكم الله المنزل من السماء، وما دام سيفسد حكم الله المنزل من السماء ~~وهو الحق، وهذا الفساد سابق لفساد ما على الأرض. لذلك لم يقولوا: # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا.. # [الإسراء: 92] هذا هوى، ولو أجابهم الله فيما طلبوا لفسدت فعلا ~~السماوات والأرض، فمن رحمة الله بالخلق أن عصم أهواءهم في المناهج ~~النظرية التي تحكم الناس فيما يختلفون فيه، أما الشيء الذي لا يختلف فيه ~~فتركه لكم تربعون فيه كما تشاءون. فإن قلت: فلماذا ترك لهم الأمور التي ~~لا اختلاف فيها؟ نقول: لأنهم سينتهون فيها إلى حق واحد مجمع عليه، ~~وهذا ما نراه مثلا في العلوم المادية التجريبية، فهي مجال مفتوح للجميع، ~~الروس مثل الأمريكان، بل نراهم يجعلون على هذه العلوم حواجز حديدية حتى ~~لا تصل إلى غيرهم، والبعض يتلصص ويسرق ما وصل إليه الآخرون. إذن: ~~فالشيء الذي سنتفق فيه لا تتدخل فيه السماء، وهذه المسألة حكمها سيدنا ~~رسول الله، وأعطانا مثالا في نفسه صلى الله عليه وسلم في مسألة تأبير ~~النخل، فلما اقترح عليهم عدم تأبير النخل فسد في هذا العام ولم يثمر، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: # " أنتم أعلم بشئون دنياكم ". # لماذا؟ لأنكم ستصلون بالتجربة إلى شيء واحد، تتفقون عليه وتسرقونه من ~~الآخرين، أما في الأهواء ms8563 فهي مختلفة من واحد لآخر، ويحصل منها الصدام ~~باردا كان أو حارا. # ثم يبين الحق سبحانه العلة من النهي عن اتباع الهوى، فيقول: { ~~فيضلك عن سبيل الله.. } [ص: 26] يعني: لا تتبع الهوى، لأن ~~اتباع الهوى يضلك عن سبيل الله، وقد أوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم ~~هذه المسألة حين خط للصحابة خطا مستقيما، وخط حوله خطوطا ~~متعددة، ثم تلا: # وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله.. # [الأنعام: 153]. وتفرق السبل ينشأ من الاختلاف مهما كان يسيرا، ~~فالمللي الواحد يفرق السبل، ولو رسمت خطين من مركز واحد ومال ~~أحدهما عن الآخر مللي واحد لنتج عن ذلك تباعدهما بالتدريج كلما بعدا ~~عن المركز، أرأيت مثلا المحولجي الذي يقوم بتحويل مسار القطار ماذا ~~يفعل؟ إنه يحرك طرف القضيب الذي لا يتجاوز سمكه خمسة مللي متر، فينتج عن ~~هذه الحركة تحويل مسار القطار من الإسكندرية إلى أسوان. وهكذا تتفرق ~~السبل، وينشأ عن الاختلاف اليسير اختلاف عظيم، فالتباعد الهين البسيط ~~عند المركز ينتج عنه تباعد واسع كلما طالت المسافة، وكما يكون التفرق ~~في السبل المتعددة يكون التفرق كذلك في الطريق الواحد حين يكون واسعا ~~يسمح بالتفرق. فمثلا الطريق الصحراوي إلى الإسكندرية طريق واسع من ~~اتجاهين، ويمكنك أن تسير في أحدهما بطريقة ملتوية تميل مرة إلى اليمين ~~ومرة إلى اليسار، فينشأ عن ذلك طول الطريق لذلك قالوا سواء السبيل يعني: ~~أن تجعل الجانبين على سواء. ثم يوضح الحق سبحانه عاقبة الضلال والانحراف ~~عن جادة الطريق، فيقول: { إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب } [ص: ~~26]. إذن: فالغفلة عن هذا اليوم ونسيان العاقبة هو سبب الوقوع في العذاب ~~الشديد، فلو ذكر الإنسان الجزاء على السيئة ما فعلها، ولو ذكر ثواب ~~الحسنة ما غفل عنها، ولا تكاسل عن أدائها. ### || [38.27] # يعني: ما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا، بل خلقناهما بالحق، ~~لذلك تجدها ثابتة لا تتغير، كما قال سبحانه: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ms8564 ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40] ولو كان هذا الخلق على غير ذلك لحدث صدام في كل دقيقة وفي ~~كل لحظة بين هذه الأجرام والأفلاك. ومعنى { ظن الذين كفروا.. ~~} [ص: 27] أي: أنهم يظنون أنها خلقت باطلا، ذلك ظنهم وهو مجرد ~~ظن، ولو جاء الخلق كما يظنون ما كان خلقا، لأن الخلق لا بد أن ~~يكون له غاية عند الخالق قبل أن يخلق، كما قلنا أن الذي اخترع الغسالة ~~أو الثلاجة قبل أن يخلقها حدد لها مهمتها، لا أنه خلقها. وقال: ~~انظروا فيما تصلح هذه الآلة. فالذي صنع هو الذي يحدد الغاية، وهو الذي ~~يضع قانون الصيانة لصناعته. لذلك نقول: إن ضلال العالم كله ناشئ من أنهم ~~يريدون أن يقننوا بأنفسهم غاية ما صنع الله، ويريدون أن يضعوا لخلق ~~الله قانون صيانته، وأن يتجاهلوا ما وضع الله، لا رد الأمر إلى صاحبه ~~كما تفعل في أمور الدنيا، فكل صانع أعلم بما يصلح صنعته. ثم يأتي هذا ~~التهديد: { فويل للذين كفروا من النار } [ص: 27] ~~كثيرا ما يهدد الخالق سبحانه خلقه بالنار، ويتوعدهم بالعذاب، ~~والبعض يرى في ذلك لونا من القسوة، والحقيقة أنها لون من ألوان ~~الرحمة لا القسوة، فمن رحمة الله بنا أن يعظم الذنب، وأن يظهر ~~العقوبة، ومن رحمته بنا أن يضع الجزاء قبل أن يقع الذنب لأنك حين ~~تستحضر الجزاء ترتدع ولا تفعل. إذن: التهديد والوعيد لحكمة. ### || [38.28] # بعد أن ذكر الحق سبحانه جزاء الكافرين في النار أراد سبحانه أن يذكر ~~المقابل، وبضدها تتميز الأشياء، أراد سبحانه أن يعقد لنا هذه المقارنة ~~بين الكافرين والمؤمنين الذين استقاموا على منهج الحق، وساروا على ~~الصراط، وسلم الناس من أيديهم ومن ألسنتهم، وأشاعوا الأمن وأشاعوا ~~المحبة، كيف إذن نسويهم بالكافرين المفسدين؟ وفي هذا إشارة من الحق ~~سبحانه كأنه يقول لنا: إياكم أن تسووا بين هؤلاء وهؤلاء، إياكم أن ~~تأخذكم بالمفسدين الظالمين رحمة لأنكم إن رأفتم بهم فقد سويتم ~~بينهم وبين المؤمنين. لذلك كنا نرد على الشيوعيين ونقول لهم: نعم لقد ~~انتقمتم من ms8565 خصومكم الرأسماليين والإقطاعيين، وفعلتم بهم الأفاعيل، لكن ما ~~بال الذين ماتوا قبل أن تدركوهم وتنتقموا منهم؟ لا شك أنهم ظلموا ثم ~~ذهبوا دون أن يعاقبوا. إذن: كان لا بد أن تعترفوا بيوم آخر يقتص ~~فيه من هؤلاء الذين لم يقتص منهم في الدنيا، وإلا سوينا بين ~~المحسن والمسيء. وقال: { كالمفسدين في الأرض.. } [ص: 28] لأن ~~الله تعالى خلق الأرض على هيئة الصلاح، فإن لم تزدها صلاحا يريح ~~الناس ويسعدهم، فلا أقل من أن تبقي عليها كما هي لا تفسدها، وأوجه ~~الإصلاح في الكون كثيرة، ومثلنا لذلك ببئر الماء، إما أن تتركه على حال ~~يستفيد منه الناس كما هو، وإما أن تزيده حسنا، كأن تبنى حوله سورا ~~يحميه، أو تجعل عليه آلة لرفع الماء.. الخ. أما أن نلقي فيه بالقاذورات ~~فهذا هو الفساد. وقلنا: لو دخلت بستانا أنفا أي: لم يدخله أحد قبلك ~~تجده على طبيعته، لا ترى فيه شجرة كسرت، ولا تشم فيه رائحة كريهة، رغم ~~أن فيه حشرات وحيوانات وفضلات.. إلخ لكن إن دخلها الإنسان ظهر فيها ~~الخلل والفساد، لماذا؟ لأنه لا يبقى على الصلاح الذي خلق الله الطبيعة ~~عليه لأنه دخلها بغير منهج الله، ولو دخل بمنهج الله لاستقامت الأمور. ~~ثم يؤكد الحق سبحانه هذا المعنى فيقول: { أم نجعل المتقين ~~كالفجار } [ص: 28] الفاجر هو الفاسق الذي يفسق عن القانون الذي ~~يحميه ويحمي المجتمع كما تفسق الرطبة من قشرتها، والحق سبحانه قبل أن ~~يحمي المجتمع من الفاسق حمى الفاسق من المجتمع، والفاسق واحد، والمجتمع ~~كثير. إذن: فالفرد هو المستفيد من منهج الحق وهو الرابح. وأيضا، الإنسان ~~حين تمر المسألة بخاصة نفسه يلتفت إلى الحق قصرا عنه، لأنه لن يجد ~~حماية إلا في الحق، وسبق أن ضربنا مثلا لطلاب الجامعة قلنا: هب أن ~~ثلاثة من الشباب في دور المراهقة اثنان منهم ساروا - كما نقول - على ~~حل شعرهم. والآخر استقام على المنهج حتى أنهما كانا يسخران منه، ~~ويقولان عنه: فلان هذا صللى فلان جردل.. قفل.. إلخ ما نسمع من هذه ~~الكلمات. وصادف ms8566 أن كان عند أحدهما أخت، بالله لمن يزوجها؟ لصاحبه ~~المنحل؟ أم لصاحبه الملتزم المستقيم؟ لا شك أنه يفضل الثاني، لأنه ~~يأمنه ويطمئن إليه، إذن: لا بد أن يظل الحق حقا، والفضيلة فضيلة، ~~ولا يمكن أن يستوي التقي والفاجر. ثم يخاطب الحق سبحانه نبيه صلى ~~الله عليه وسلم ليسليه لأن قصص القرآن جاء تسلية له صلى الله عليه وسلم، ~~وتثبيتا لفؤاده: { كتاب أنزلناه إليك مبارك ~~ليدبروا... }. ### || [38.29] # الكتاب هو القرآن، والمبارك هو الشيء الذي يعطي من الفائدة والخير فوق ~~ما يتصور منه، تقول: هذا الشيء نأخذ منه ولا ينقص، نسميه مبروك كرجل ~~يعيش على راتب محدود، ومع ذلك تراه يربي أولاده أحسن تربية ويعيش بين ~~الناس عيشة الأغنياء، فيقولون: إنه رجل مبارك، وأن الله يبارك في راتبه ~~القليل فيصير كثيرا، لكن كيف يبارك الله في القليل؟ قالوا: ينزل على ~~القليل، القناعة أولا فيرضى صاحبها، ثم يسلب المصارف فلا ينفق منها ~~إلا في المفيد، الناس يظنون أن الرزق هو المال، ولا يدرون أن سلب ~~المصارف لون من ألوان الرزق، وقلنا: إن الرزق رزق إيجاب بأن يزيد ~~الدخل، ورزق سلب بأن تقل المصارف. ومثلنا لذلك بالرجل يعيش ~~من الحلال، وحين يمرض ولده مثلا يكفيه كوب من الشاي وقرص أسبرين، أما ~~الذي يعيش من الحرام ويكثر المال في يده حين يمرض ولده لا بد أن ~~يذهب به إلى أفضل الأطباء، وينفق على شفائه أضعاف ما ينفق الأول. ~~والقرآن مبارك، وآياته مباركة من حيث الأحكام الظاهرية، لأنه سيربي ~~النفس على استقامة، هذه الاستقامة لو نظرت إليها اقتصاديا تجد أنها لا ~~تكلفك شيئا، نعم الاستقامة لا تكلفك، أما الانحراف فهو الذي ~~يكلف، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء ". # نعم الكافر يأكل كثيرا ليشبع، أما المؤمن فتكفيه لقيمات يقمن ~~صلبه، ثم هو لا يأكل إلا إذا جاع، وإذا جاع صار أي طعام بالنسبة له ~~لذيذا، ولو كان الخبز الجاف والملح، لذلك قال العربي الحكيم: طعام ~~الجائع هنيء. ms8567 أما الآن فنراهم يجهزون قبل الطعام السلطات والمشهيات ~~والمقبلات، لماذا؟ ليأكل الإنسان كثيرا، يأكل حتى التخمة، ثم بعد ذلك ~~يحتاج إلى المسهلات والمهضمات.. إلخ. وهذا ليس من صفات المؤمن لأن ~~سيدنا رسول الله وضع لنا المنهج في ذلك، فقال: # " نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع " # فهذا المنهج يراعي الناحية الاقتصادية، ويوفر الخير والسعادة للكل: ~~اقتصاديا، واجتماعيا، وسياسيا، وأمنيا بدون تكلفة. ثم إن القرآن ~~مبارك من ناحية أخرى، فحين تتفاعل مع المنهج، وحين تعشقه يبين لك ~~الحق سبحانه ألوانا من الأسرار يتعجب منها غيرك، ويفتح عليك فتوحات ~~عجيبة، ألم يتعجب موسى - عليه السلام - وهو نبي الله من عمل العبد ~~الصالح، والعبد الصالح عبد الله على منهج موسى، ومع ذلك أمر الله موسى ~~أن يتبع العبد الصالح، وأن يتعلم منه، لكنه يتبعه بإخلاص وبعشق، فلما ~~اتبعه موسى بعشق وإخلاص تعلم منه الأعاجيب، وهذا المعنى ورد في قوله ~~تعالى: # يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر ~~لكم والله ذو الفضل العظيم # [الأنفال: 29]. الفرقان هنا ليس هو القرآن، بل هو فرقان خاص لمن يتبع ~~الفرقان الأول وهو القرآن، ويصل به إلى درجة التقوى، يعطيه الحق سبحانه ~~فرقانا خاصا لأنه اتبع القرآن بإخلاص وبعشق. ومعنى { ليدبروا ~~آياته.. } [ص: 29] والتدبر هو ألا ننظر إلى الوسيلة نظرة سطحية، ~~إنما ننظر بتفكر وتمعن وحساب للعاقبة، ننظر إلى الخلفيات واللوازم ~~لنستنبط ما في الشيء من العبر، لذلك لما خرق الخضر السفينة اعترض ~~موسى لأنه نظر إلى سطحية المسألة والمنطق. يقول: إن السفينة السليمة أفضل ~~من المعيبة إنما للعبد الصالح مقياس آخر، فهو لا يقارن بين سفينة سليمة ~~وأخرى مخروقة، إنما يقارن بين سفينة مخروقة ولا سفينة أصلا أيهما أفضل؟ ~~لأن الرجل الظالم كان سيأخذ السفينة، إن كانت سليمة فخرقها هو الذي ~~نجاها من هذا الظالم، وبقيت السفينة لأصحابها، هذا هو علم الملكوتيات ~~والغيبيات التي يفيض الله بها على من يشاء من عباده الذين أخلصوا له ~~سبحانه. وقوله: { وليتذكر أولوا ms8568 الألباب } [ص: 29] أي: ~~أصحاب العقول الواعية، وتأمل هنا أن الحق سبحانه ينبه العقول، ~~ويحرك الفهم إلى تأمل آياته في الكون، والمقابل لك أو الذي بينك ~~وبينه صفقة لا ينبهك إليها، إلا لأنه واثق أنك ستقبل عليها وإلا أخفاها ~~ودلس عليك، كالذي يبيع لك سلعة جيدة تراه يشرح لك مزاياها، ويدعوك إلى ~~اختبارها، والتأكد من جودتها وينبه عقلك إلى ما خفي عنك منها. أما ~~صاحب السلعة الرديئة فإنه يصرف نظرك عن عيوبها، ويشغل عقلك بأمور أخرى، ~~حتى لا تتنبه إلى عيوب السلعة، فمثلا تدخل المحل لشراء حذاء مثلا، فإن ~~كان ضيقا يقول لك البائع: إنه يتسع بالمشي فيه، وإن كان واسعا سبقك هو ~~بقول: أنا أرى أنه ضيق عليك قليلا، المهم عنده أن يلف عقلك حتى تشتريه. ~~فالحق - سبحانه وتعالى - يدعونا إلى تأمل آياته وتدبرها والبحث فيها، ~~لأنه سبحانه واثق أننا حين ننظر وحين نبحث ونتأمل سنقتنع بها، وسنصل من ~~خلالها إلى الحق والصواب. ومع ذلك نرى البعض يقف أمام بعض المسائل ~~الدينية يقول: هذه مسألة فوق البحث ولا عمل للعقل فيها، ونقول: لكن ~~أمرنا بالتدبر والتفكر والتأمل في الكون، فلا مانع أن نبحث. ثم يعود ~~بنا السياق القرآني مرة أخرى إلى سيدنا داود، لا ليقص علينا قصته، إنما ~~لأنه سيكون أبا لنبي آخر، هو سيدنا سليمان عليهما السلام: { ووهبنا ~~لداوود سليمان... }. ### || [38.30-33] # من عجائب السياق القرآني في ذكر داود وسليمان أنهما يشتركان في مسألة ~~واحدة، فلو نظرت إلى أول آية ذكرت سيدنا داود تجدها في سورة البقرة في ~~قوله تعالى: # فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت.. # [البقرة: 251]. وآخر ذكر له هنا في سورة ص: { ووهبنا لداوود ~~سليمان.. } [ص: 30]. كذلك أول ذكر لسيدنا سليمان ورد في سورة ~~البقرة في قوله تعالى: # واتبعوا ما تتلوا الشيطين على ملك ~~سليمن.. # [البقرة: 102]. وآخر ذكر له في سورة ص في قوله تعالى: # ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه ~~جسدا ثم أناب # [ص: 34]. قوله تعالى: { ووهبنا لداوود سليمان.. } [ص: 30] ~~الوهب: عطاء بلا مقابل، فإن قلت: فالإنجاب ms8569 كله يعد بلا مقابل، ~~نعم لكن الخالق سبحانه يهبك ذاتا، ثم يزيد عليها هبة أخرى هي الصفات ~~التي تتوفر للذات، مثل: الملك والحكمة وغيرها لذلك الذين يطلبون الأشياء ~~على غير مظانها من الأسباب يطلبونها بالهبة، كما في قوله تعالى: # وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي.. # [ص: 35]. وقوله تعالى: # فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل ~~يعقوب واجعله رب رضيا # [مريم: 5-6]. فسيدنا زكريا حين طلب من الله الولد كان شيخا كبيرا، ~~وكانت امرأته عاقرا، فالأسباب كلها ليست مواتية وليست صالحة للإنجاب، ~~لذلك طلبها على سبيل الهبة من الله، لا بالقانون والأسباب. وإن كانت ~~الأسباب في ذاتها هبة إلا أنها هبة عامة، لكن ما يلحق الذات من الصفات ~~الخاصة تعد هبة خاصة. وقوله تعالى: { نعم العبد.. } [ص: 30] ~~نعرف أن نعم تقال للمدح، والمدح هنا بالصفة العقدية، وهي العبودية ~~لله تعالى. وسبق أن قلنا: إن كلمة عبد وعبودية كلمة ممقوتة عند الناس ~~ولهم الحق في مقتها، لأن العبودية للبشر يأخذ فيها السيد خير عبده، ~~لكن العبودية لله تعالى يأخذ العبد من خير سيده، فهذه هي العبودية الحقة ~~التي تعد عزا للعبد ورفعة. لذلك لما تجلى الحق سبحانه على نبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم بنعمة الإسراء والمعراج، قال: # سبحان الذى أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] فكأن عبوديته لربه هي التي أوصلته إلى هذه المنزلة. لذلك ~~- ولله المثل الأعلى - الرجل صاحب الصنعة أسطى أو معلم وتحت يده صبيان، ~~يقرب منهم المخلص الذي يحسن صنعته، ويجيد الخضوع له والطاعة والخدمة، ~~لذلك يختصه بمواهبه، ولا يضن عليه بخفايا الصنعة ودقائقها، ويعطيه ~~خصوصيات لا يعطيها لغيره. ومع أنه - عليه السلام - كان ملكا إلا أن ~~ربه مدحه بصفة العبودية { نعم العبد.. } [ص: 30] ثم بين لنا ~~مناط المدح بالعبودية، فقال { إنه أواب } [ص: 30] يعني: رجاع ~~إلى الله إن هفت نفسه هفوة أنب نفسه عليها، ورجع إلى ربه، ويتوب ~~إليه، لذلك يقول تعالى في بيان التوبة: # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من ms8570 قريب.. # [النساء: 17]. معنى # بجهالة # [النساء: 17] يعني: لم يخطط لها ولم يرتب للمعصية، وإذا حدثت منه لا ~~يفرح بها ولا يجاهر، بل يحزن ويلوم نفسه # فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما ~~حكيما * وليست التوبة للذين يعملون السيئات ~~حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ~~ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا ~~لهم عذابا أليما # [النساء: 17-18]. وضربنا مثلا لهذين النوعين بطلاب العلم الذين كانوا ~~يسافرون في بعثات علمية إلى فرنسا، فكان منهم المستقيم الملتزم بمنهج ~~الله، لكن تفاجئه إحدى الفتيات المنحرفات ليلا، وتعرض نفسها عليه، وتظل ~~تغريه حتى يرتكب معها الفاحشة، هذا فعلها بجهالة ودون قصد أو تدبير، ~~على خلاف الآخر الذي يسعى إلى الفاحشة ويتتبع عناوين أصحابها، وهذا هو ~~الذي يقصد المعصية ويسعى إليها. وكلمة { أواب } [ص: 30] يعني: كثير ~~الأوبة والرجوع، فهي صيغة مبالغة بمعنى رجاع إلى الحق، فهو لم يفرح ~~بالمعصية، وإنما ندم عليها وتدارك خطأه وصوب طريقه، بدليل قوله تعالى ~~بعدها: { إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد } ~~[ص: 31]. العشي: ما بعد الظهر إلى المغرب، وعرض عليه مثل العرض العسكري ~~الذي يستعرض فيه القائد جنوده وقواته. ومعنى { الصافنات.. } [ص: 31] ~~جمع صافن، وهو الجواد العريق الأصيل، وتستطيع أن تلاحظ الجواد ~~الأصيل من وقفته، فهو لا يقف على أربع، إنما على ثلاث في رشاقة، وكأنه ~~على أهبة الاستعداد. ومعنى { الجياد } [ص: 31] جمع: جواد وهو ~~القوي السريع، فلما عرضت على سيدنا سليمان الصافنات الجياد من ~~خيله وقواته، قال { إني أحببت حب الخير عن ذكر ~~ربي حتى توارت بالحجاب } [ص: 32] قالوا: الخير هنا ~~يراد به الخيل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة ". # وقال: # " خير ما ربيت فرس تمسك عنانه، حتى تسمع كل صيحة تطير إليها ". # لذلك لما أمرنا ربنا أن نستعد لأعداء الدين والمنهج، قال: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة.. # [الأنفال: 60] أي: قوة عامة. ثم خص الخيل، فقال: # ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله ~~وعدوكم.. # [الأنفال: 60]. فلما عرضت الخيل على ms8571 سليمان قال { إني ~~أحببت حب الخير عن ذكر ربي.. } [ص: 32] يعني: حبا ~~ليس للتباهي والخيلاء، كالذين يربون الخيل للمظهر ودخول السباق وذياع ~~الصيت، إنما أحببتها حبا صادرا عن ذكر ربي وذكر منهج ربي، الذي أمر ~~بإعداد الخيل والرباط والقوة التي تستطيع أن تفرض منهج الله في الأرض. { ~~حتى توارت بالحجاب } [ص: 32] الفاعل هنا مستتر، والفاعل حين ~~يأتي مستترا لا بد أن يكون له مرجع كما تقول: جاءني رجل فأكرمته يعني: ~~أكرمت الرجل المذكور. # وقوله: { توارت بالحجاب } [ص: 32] مشهود في الشمس حين تغيب، ~~فالمعنى حتى توارت الشمس وغابت. وقالوا: إنه فاتته صلاة العشي لانشغاله ~~باستعراض الخيل، فلما فاتته الصلاة { ردوها علي.. } [ص: 33] ~~أي: الخيل، أرجعوها إلي { فطفق.. } [ص: 33] شرع { مسحا ~~بالسوق والأعناق } [ص: 33]. يعني: يمسح على سوق الخيل وأعناقها ~~دلالة على إكرامها والاهتمام بها، وخص السوق والأعناق من الخيل ~~لأنها أكرم ما فيها، فالأعناق بها الأعراف، والسوق أداة الحمل ~~والجري، والمعنى أنه سر منها فمسح بيده على السوق والأعناق. بعض ~~المفسرين لهم رأي آخر، قالوا: المسح هنا يراد به أنه أراد قتلها ~~وذبحها لأنها ألهته عن الصلاة، وهذا الكلام أقرب إلى الإسرائيليات ~~لأن الخيل لم تشغله، بل هو الذي شغلها وشغل الدنيا كلها من حوله، فما ذنب ~~الخيل؟ والعجيب أن في الإسرائيليات أشياء كثيرة تقدح في نبوة الأنبياء في ~~بني إسرائيل، وكثيرا ما نراهم يتهمون أنبياءهم بما لا يليق أبدا ~~بالأنبياء، والعلة في ذلك أن الذي يسرف على نفسه وهو تابع لدين يريد أن ~~يلتمس فيمن جاءه بهذا الدين شيئا من النقيصة ليبرر إسرافه هو على نفسه، ~~من هنا اتهموا أنبياءهم وخاضوا في أعراضهم. ### || [38.34] # الفتنة معناها الاختبار، والفتنة في ذاتها ليست مكروهة، إنما المكروه ~~أن تخفق فيها وتفشل في خوضها، فماذا عليك لو فتناك. يعني: اختبرناك ~~ونجحت في الاختبار؟ وأصل الفتنة من فتنة الذهب لتنقيته، فالذهب منه ~~المخلوط بمواد أخرى، ونريده ذهبا إبريزا صافيا فماذا نفعل؟ نصهر الذهب ~~في النار ليخرج منه الخبث إلى أن يصير خالصا نقيا، كذلك تفعل ms8572 الفتنة ~~بالناس تمحصهم لتبين الجيد من الرديء. وقد فتن الله سليمان كما فتن من ~~قبل أباه داود - عليهما السلام - في مسألة المحراب. ومعنى: { ~~وألقينا على كرسيه جسدا.. } [ص: 34] الكرسي هو العرش ~~الذي يجلس عليه الملك، والجسد هو قالب الكائن الحي. ويقال لهذا القالب ~~جسد إذا كان خاليا من الروح، وللمفسرين في هذه الآية عدة أقوال: قالوا: ~~إن سيدنا داود كان له ولد آخر غير سليمان، إلا أنه كان ولدا فاسدا مثل ~~ولد نوح، فاحتال هذا الولد وقام بانقلاب على سليمان، حتى أخذ الملك ~~منه، وظل ملكا مدة طويلة، فلما أراد الحق سبحانه أن يعيد سليمان إلى ~~ملكه ألقى هذا الولد الفاسد على كرسي عرشه جسدا هامدا لا حركة فيه، ~~يعني: بعد أن كان ملكا مطاعا مسيطرا صار لا يسيطر حتى على نفسه ~~وجوارحه. بعد ذلك خرجت عليه رعيته فقتلوه، وجاء بعده سليمان. وقالوا: إن ~~سيدنا سليمان كان لديه جوار كثيرات. فقال: سأطوف الليلة على سبعين ~~جارية، وآت من كل واحدة بولد فارس يركب فرسه في سبيل الله، يعني: المسألة ~~كلها كانت في الخير وفي الله، إلا أنه لم يقدم المشيئة ولم يقل: إن ~~شاء الله، فلم تلد منهن إلا جارية واحدة، ولدت له جسدا لا حركة فيه ~~ولا تصرف لأن المؤمن مطالب بأن يقدم مشيئة الله إذا عزم على شيء في ~~المستقبل، كما قال سبحانه: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: 23-24]. لأنك حين تقول: سأفعل غدا كذا وكذا، فقد حكمت على فعل ~~لا تملك عنصرا واحدا من عناصره، فأنت لا تضمن بقاء نفسك إلى أن تفعل، ~~ولا تضمن تغير الأحوال وتغير الأسباب، فحين تعلق فعلك على مشيئة ~~الله إنما تحفظ كرامتك وتبرئ نفسك من الكذب، فقد شئت ولكن الله لم ~~يشأ. ويبدو أن الملك أغرى سليمان، فداخله شيء من الزهو لأنه ~~متحكم في عوالم الإنس والجن والطير والحيوان ومطاع من الكون كله من ~~حوله، لذلك لم يقل إن شاء الله، فجازاه الله بذلك. ms8573 وقال آخرون: إن ~~سليمان - عليه السلام - أنجب ولدا، وأن الجن أرادت به سوءا لأنها خافت ~~أن يفعل بها كما يفعل سليمان، فأرادوا قتله، فما كان من سليمان إلا أن ~~رفعه فوق السحاب يرضع من المزن، فكأنه - عليه السلام - أراد أن يفر من ~~قدر الله. # وقالوا: إن الجسد هو سليمان نفسه لأن الإنسان العادي، جعله الله يتحكم ~~في جوارح نفسه حين يريد الله ذلك، فيقوم بمجرد أن يريد القيام، ويتحرك ~~بمجرد أن يريد الحركة دون أن يعرف هو نفسه ماذا يجري في أعضائه ~~ومفاصله، فكأن الله تعالى يعطي الإنسان مثلا في نفسه ليقرب له المسائل ~~المتعلقة بالحق في إطار # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. فإذا كنت أنت أيها المخلوق تفعل ما تشاء، وتنفعل لك ~~جوارحك وتطاوعك بمجرد الإرادة، ودون أن تأمرها بشيء فهل تستبعد هذا في ~~حق الخالق سبحانه، حين يقول: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. إن الحق سبحانه يقول للشيء: كن. أما أنت فلا تقول: كن وقد ~~أراحك الله منها، وجعل الأعضاء تطاوعك دون أمر منك، لأنك لو أمرتها ما ~~استجابت لك، هي تستجيب للخالق سبحانه، فإذا أراد الخالق سبحانه سلبك ~~هذه القدرة، فتريد أن تحرك يدك فلا تستطيع لينبهك إلى أنها موهوبة لك، ~~ليست ذاتية فيك. الحق سبحانه وهب سيدنا سليمان القدرة على السيطرة على ~~جوارح ذاته، ثم عدى هذه القدرة إلى السيطرة على الآخرين من جنسه ومن ~~غير جنسه، وجعل له سيطرة على الكون كله، ينفعل له ويجاوبه، يعني: ~~المسألة كانت استعلاء في التسلط على جنود الله. ويبدو أن سليمان - ~~عليه السلام - داخله شيء في نفسه، فأراد الحق سبحانه أن يلفته إلى أن ~~هذه القدرة ليست ذاتية فيك، إنما هي موهوبة لك، أسلبها حين أشاء، فلا ~~تستطيع السيطرة على جوارحك ولا السيطرة على الآخرين، وألقاه الله فترة ~~جسدا على كرسيه لا يقدر على شيء، ولا يأمر بشيء. فما دامت هذه النعمة ~~موهوبة من الله الذي أعطاك ملكا لا ينبغي لأحد من بعدك، فلا ms8574 بد ~~أن تظل متمسكا بحبله، لاجئا دائما إلى من ملكك هذا الملك. ~~لذلك، يروى أنه - عليه السلام - ركب مرة البساط، وسارت به الريح كما ~~يشاء، وفجأة مال به البساط، وكاد أن يوقعه فأمره أن يستوي به. فقال له ~~البساط: أمرنا أن نطيعك ما أطعت الله. إذن: فتناه لأننا ملكناه ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، لكن لا نريد له أن يطغى أو يتعالى، ~~والحق سبحانه لا يكذب كلامه، وقد قال سبحانه: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. وسليمان - عليه السلام - إنسان، فأراد الحق سبحانه أن ~~يثبت لنا أن الإنسان تملك في جوارحه، وتملك فيمن حوله، وتملك في ~~جنس آخر غير جنسه، لكن هذا كله ليس ذاتيا فيه، بل هو موهوب له بدليل أن ~~الله سلبه هذا الملك في لحظة ما، وألقاه على كرسيه جسدا لا أمر له ~~ولا نهي ولا سلطان على شيء. # فلما فهم سليمان المسألة آب ورجع { ثم أناب } [ص: 24] يعني: رجع ~~إلى ما كان عليه قبل التجربة التي مر بها. يعني: رجع وعاد إلى الجسد ~~الذي فيه روح، أو أناب ورجع إلى الله وعرف السبب فالمعنى يحتمل المعنيين: ~~أناب في السبب، أو أناب في المسبب. والجسد هو الجرم والهيكل الظاهري ~~الذي لا روح فيه، والذي قال الله عنه # فإذا سويته.. # [الحجر: 29] أي: الجسد، ومنه قوله تعالى في قصة السامري: { فأخرج ~~لهم عجلا جسدا له خوار.. } [طه: 88] يعني: هيكل العجل ~~وصورته الظاهرية، لكن بدون روح. فإن قلت: فهل يحدث هذا من الرسل؟ ~~يعني: هل يخطئ الرسول ويصحح له؟ نعم، العيب أن يصحح لك المساوي لك، ~~إنما ليس عيبا أن يصحح لك الأعلى، فماذا فيها إن كان الذي يصحح ~~لسليمان ربه عز وجل لا أنت. إذن: من الشرف أن الله يعدل لسليمان، ~~لذلك لما عدل الحق سبحانه الحكم لنبيه محمد، فقال: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ~~تبتغي مرضات أزواجك.. # [التحريم: 1]. وقال: # عبس وتولى * أن جآءه الأعمى # [عبس: 1-2] فهل استنكف رسول الله أن ms8575 يعدل له ربه؟ لا لم يستنكف ~~بدليل أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أبلغ هذا التعديل وأخبرنا به، وأنا ~~لا أخبر إلا بما فيه شرف لي. ### || [38.35] # هذه الآية تعطينا لقطة من لقطات قصة سيدنا سليمان على نبينا وعليه ~~الصلاة والسلام، ولسيدنا سليمان في قصصه لقطات متعددة، كل لقطة تمثل ~~عبرة من العبر، وعظة من العظات، وموقفا من مواقف سيدنا سليمان في أمر ~~دعوته. وأول لقطة في القصة مع أبيه داود - عليه السلام - حينما حكم في ~~الحرث أي: الزرع، وكان الزرع لرجل فجاءت غنم رجل آخر فأكلت الزرع، وقد ~~حكى لنا الحق سبحانه قصة الحكم الذي حكمه داود، والأمر الذي انتهى إليه ~~الحكم من استدراك على حكم داود من كلام ولده سليمان. وصوب الله ~~الحكمين، وقال سبحانه: # وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت ~~فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ~~ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما.. # [الأنبياء: 78-79]. معنى: # نفشت فيه.. # [الأنبياء: 78] يعني: انتشرت فيه الغنم وأكلته، فلما عرض الأمر على ~~داود قضى بأن يأخذ صاحب الزرع الغنم. فلما علم سليمان بهذا الحكم ~~رده. وقال: بل نعطي الأرض لصاحب الغنم ليزرعها حتى تعود كما كانت، ~~ونعطي الغنم لصاحب الأرض يستفيد منها، ثم يعود كل حق إلى صاحبه، فكأن ~~الله تعالى ألهم سليمان صحة الحكم ليستدرك على أبيه داود، فانظر كيف كانت ~~قداسة كلمة السماء مع كلمة أهل الأرض، وبعد ذلك صوب الله تعالى ~~الحكمين، وقال # وكلا آتينا حكما وعلما.. # [الأنبياء: 79]. إذن: فاستدراك هيئة تحكم على هيئة حكمت ليس عيبا في ~~الأولى، وإنما هذا فهم فهما حكم بمقتضاه، وذلك فهم فهما آخر حكم ~~بمقتضاه، لذلك نجد في المحاكم الحكم الابتدائي والاستئنافي، وبعد ذلك حكم ~~النقض، فهل حكم الاستئناف يطعن في الحكم الابتدائي، أو حكم النقض يطعن في ~~حكم الاستئناف؟ لا، لأن الحكم الأعلى يراعي شيئا فات صاحب الحكم ~~الأدنى، فلا غضاضة في هذا. ونحن حين نستعرض القصة نجد المفسرين لم ~~يظهروا لنا حجة داود في الحكم الذي قضى به، ms8576 ولا حجة سليمان في الحكم ~~الذي قضى به، وبالاستقراء. قلنا: الزرع قديما لم يكن في أرض محكرة ~~مملوكة للناس، إنما كانت الأرض على المشاع، ففي أي مكان تبذر الحب وتسقيه ~~السماء حتى يثمر فتأخذه ثمره دون أن تمتلك أرضه، يعني: من سبق إلى أي ~~حقل زرعه. إذن: الملكية كانت للزرع فحسب لا للأرض، فعلى هذا قام حكم ~~سيدنا داود، وما دامت الأرض ليست مملوكة لصاحب الزرع فالمسألة زرع وغنم. ~~أما سيدنا سليمان فرأى أن الزرع يمثل كما نقول وضع يد على الأرض، ووضع ~~اليد يبيح الملكية، فأبقى لصاحب الملك ملكه في الأرض، فحكم بأن يأخذ ~~صاحب الأرض الغنم ينتفع بها وأن يأخذ صاحب الغنم الأرض يزرعها إلى أن ~~تعود كما كانت، ثم يأخذ كل منهما ماله. # إذن: كان لكل منهما ملحظ، وبناء عليه حكم لذلك فقال تعالى في حقهما: # وكلا آتينا حكما وعلما.. # [الأنبياء: 79]. اللقطة الأخرى هي الفتنة التي وقعت لسيدنا سليمان، ~~وقلنا: إن الأصل في كلمة الفتنة هي صهر المعدن وإحراقه في النار ليخرج ~~منه الخبث والشوائب، فيصير نقيا وتزداد صلابته، ثم أطلقت الفتنة ~~على مطلق الامتحان الذي يميز الجيد من الرديء في البشر، فهي بمعنى ~~الابتلاء. ولو نظرت إلى الفتنة لوجدتها شائعة في خلق الله جميعا، فكل ~~واحد من الخلق فاتن ومفتون، بمعنى أن الغني فتنة للفقير، والفقير فتنة ~~وابتلاء للغني، فالغني يبتلى بالفقير، أيضن عليه بالنعمة أم يعطيه ~~منها؟ أيحتقره لفقره أم يحترم قدر الله فيه؟ كذلك يبتلي الفقير بالغني، ~~أيحسده لغناه ويعترض على قدر الله بالفقر؟ أم يصبر ويتمنى الزيادة لغيره. ~~كذلك الحال في القوي والضعيف، وفي الصحيح والسقيم، وفي الجاهل والمتعلم.. ~~إلخ، إذن: كل منا فاتن ومفتون، المهم من يفوز، ومن ينجح في هذا ~~الابتلاء؟ وهذا المعنى أوضحه الحق سبحانه في قوله تعالى: # وجعلنا بعضكم لبعض فتنة.. # [الفرقان: 20] قالوا: كلمة بعض هنا ليست تحديدا لشخص بعينه، إنما هي ~~جزء من كل متساو، لكن مبهم فيه، كما في قوله تعالى: # ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ ms8577 بعضهم ~~بعضا سخريا.. # [الزخرف: 32]. فأينا مرفوع وأينا مرفوع عليه؟ قالوا: كل منا مرفوع ~~في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، فالناس كلهم إذن سواء، أنت لك مجال تجيده ~~وتبدع فيه، فأنت مرفوع في هذا المجال، ولك مجال آخر لا تجيده ولا تعرف ~~فيه شيئا، فغيرك مرفوع عليك فيه، لأنه يجيد ما لا تجيده أنت. وهذه ~~المسألة تأتي من استطراق المواهب في الخلق، لأنهم جميعا عباد الله، ~~وليس منهم من هو ابن الله، ولا من بينه وبين الله قرابة أو نسب، لذلك ~~نثر الحق سبحانه فضله على عباده جميعا، ووزع بينهم المواهب بالتساوي ~~لأن الله تعالى لو جعل إنسانا مجمع خير وفضائل ما احتاج أحد إلى أحد. ~~والله يريد للعباد أن تتشابك أيديهم، وأن يتعاونوا في حركة الحياة، ~~فالقوي يحتاج للضعيف، والضعيف يحتاج للقوي، العالم يحتاج للجاهل، ~~والجاهل يحتاج للمتعلم. وهكذا يرتبط الناس ارتباط حاجة، لا ارتباط ~~تفضل. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بالباشا أو العظيم الذي يعود من ~~عمله، فيجد مجاري البيت مسدودة، ويشم في بيته رائحة كريهة، فيسرع إلى ~~عامل المجاري لينقذ الموقف، وربما ركب سيارته وذهب إليه في مكان عمله، بل ~~وترجاه أن يأتي معه، فالعامل في هذه الحالة مرفوع، والباشا مرفوع عليه. ~~وأذكر زمان عندنا في ميت غمر في بورصة مقهى اسمها باباه، العمال هناك ~~عملوا ثورة وقالوا: لا يصح أن العامل يخدم غيره، ولا يصح أن يمسح أحذية ~~الخلق، لماذا يا ناس؟ قالوا: لأن في ذلك مهانة ومذلة فقلنا لهم: ~~إذن نمسح نحن لأنفسنا، وفعلا عملنا إضرابا واشترى كل منا علبة ورنيش، ~~وصار يمسح الحذاء لنفسه، وبعد فترة جاء هؤلاء إلى البورصة وضجوا من ~~البطالة وقلة الرزق، وراحوا يرجون الناس العودة إلى ما كانوا عليه. # بعدها ناقشناهم. وقال بعض الإخوان لأحدهم: بالله أنت حين تسألني سؤالا ~~وأجيبك عليه: هل آخذ منك جعلا على الإجابة؟ قال: لا، لو عرفت كم كلفني ~~هذا الجواب من عمري وجدي واجتهادي، ومن تعب أهلي في تربيتي لعرفت أنني ~~كنت أيامها مسخرا ms8578 لك كما أنك مسخر لي الآن، لكنكم نظرتم لنا في ~~وقت راحتنا، ونظرتم إلى أنفسكم وقت عملكم، إذن: القسمة متساوية وكل ~~منا مسخر للآخر، والمسألة ليس فيها إهانة ولا مذلة، بل هو التكامل ~~في حركة الحياة. لذلك قال الحق سبحانه بعدها: # أتصبرون.. # [الفرقان: 20] يعني: أتصبرون على فتنة بعضكم ببعض، حتى الرسل فتنوا ~~بالكفار يؤذونهم ويضطهدونهم، وفتن الكفار بالرسل. إذن: من النعم أن ~~الله تعالى وزع المواهب في الكون كله، ووزع فضله على الخلق # فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت ~~أيمانهم فهم فيه سوآء.. # [النحل: 71]. نعود إلى سيدنا سليمان ونقول: ما يدرينا أن الملك والنبوة ~~معا أغرت سليمان، فوجد في نفسه شيئا من ذلك، فأراد الله أن يصحح له ~~خواطره في نفسه، لأنه يريده لمهمة أعلى مما هو فيه الآن لذلك مر بهذه ~~التجربة، ووجد نفسه على كرسيه جسدا لا يستطيع الحركة. لذلك سيدنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان دائما مؤدبا مع ربه ومع الخلق، فقد ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ". # معنى هذا أن الأنبياء يمكن أن يخالطهم شيء، وأنهم يمكن أن يبتلوا، ~~لكن ممن يكون الابتلاء من الله الذي أرسلهم، والابتلاء يكون تصحيحا ~~لمسار المبتلى، وليس كرها له لا سمح الله. كذلك ابتلى الله سيدنا ~~سليمان، لأنه يعده لأمر أسمى من هذا، هو ملك في ظاهر الملك، إنما ربه ~~يريد أن يعده ليعطيه شيئا من الملكوت. لما عاد سليمان - عليه السلام ~~- وأناب إلى ربه، قال { رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ~~ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب } [ص: 35] ~~يعني: استغفر ربه مما وقع فيه من الغرور. يعني: رب اغفر لي ما سبب أن ~~تجعلني جسدا. وكأنه قال: يا رب، لقد ابتليتني بالملك والنبوة، وهذه ~~مسألة لم تحدث لأحد من قبلي فاغتررت بها، فهب لي ملكا أعظم منه لا ~~ينبغي لأحد من بعدي وسوف أوفي هذه المرة ولن أغتر، وكأنه يقول ms8579 لربه: يا ~~رب جربني وأعطني فرصة أخرى، فلما دعا سليمان هذا الدعاء أجابه ربه ~~وأعطاه ما طلب. # لذلك احترم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوة أخيه سليمان، فقد ~~ورد في الحديث الشريف # " أن الشيطان عرض لرسول الله وهو يصلي ليشغله عن صلاة، فأمسك به رسول ~~الله وهم أن يربطه في سارية المسجد يلهو به صبيان المدينة، لكنه صلى ~~الله عليه وسلم تذكر دعاء أخيه سليمان { رب اغفر لي وهب لي ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي.. } فلم يفعل تقديرا ~~لسليمان عليه السلام ". # ومعنى { الوهاب } [ص: 35] صيغة مبالغة، تدل على كثرة الوهب وقلنا: ~~الهبة عطاء بلا مقابل، والمعنى أن من ضمن ما تهبه يا رب الملك، وهذا يعني ~~أن الملك لا يناله أحد بمجهوده ومهارته، إنما هو هبة من الله، فالله هو ~~الذي يهب الملك ووهبه حتى للكافر الذي حاج إبراهيم في ربه، كما قال ~~سبحانه: # ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه ~~الله الملك.. # [البقرة: 258]. وقال سبحانه: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء.. # [آل عمران: 26]. ### || [38.36-39] # قال سبحانه: { فسخرنا له الريح.. } [ص: 36] وكان تسخير الريح ~~لسليمان أول نعمة أضيفت إلى ملكه لم تكن موجودة من قبل، ومعنى { ~~رخآء.. } [ص: 36] أي: لينة ناعمة كالمطية التي تمشي براكبها مشيا ~~هادئا لا تزعجه ولا توقعه. إلا أن بعض المفسرين قالوا إن كلمة رخاء ~~تتعارض مع قوله تعالى في نفس القصة: # الريح عاصفة.. # [الأنبياء: 81] ونقول: هي بالفعل عاصفة، لكن في موقف آخر لأن الريح في ~~القصة لها عدة استعمالات، فالريح إن كانت تحمله للنزهة فهي رخاء لينة، ~~وإن كانت لحمل الأشياء فهي عاصفة، إذن: فالجهة في الوصف منفكة. ~~وقلنا: إن الريح إن جاءت هكذا مفردة فهي للعذاب، كما في قوله تعالى: # وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم * ما ~~تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # [الذاريات: 41-42] فإن كانت جمعا فهي للخير كما في: # وأرسلنا الرياح لواقح.. # [الحجر: 22]. ومعلوم أن الهواء ms8580 هو الذي يحفظ توازن الأشياء، بدليل أننا ~~لو فرغنا الهواء من جهة من جهات عمارة مثلا، فإنها تنهار في نفس ~~الجهة، لأن الهواء هو الذي يسندها ويحفظ توازنها. فإذا أراد الله تعالى ~~أن يدمر بالريح أتى به من جهة واحدة. فكأن الحق سبحانه يقول: الريح ~~المفروض أنه لا يأتي إلا في العذاب والنقمة، لكن سخرته لسليمان بحيث لا ~~يأتي معه إلا بالخير { فسخرنا له الريح تجري بأمره ~~رخآء حيث أصاب } [ص: 36]. وقوله: { حيث أصاب } [ص: 36] ~~حيث قصد وأنى ذهب. وهذا يعني أن سليمان خاطب الريح التي لا لغة لها لكن ~~فهمه الله، فكأنه أصبح آمرا والريح مأمورة، إذن: فهمت عنه الريح، فالحق ~~سبحانه جعل لكل جنس من الأجناس لغته التي يتخاطب بها في بني جنسه، فإذا ~~فهم الله إنسانا هذه اللغة فهمها وتخاطب بها مع هذه الأجناس. ومن ذلك ~~قوله تعالى: # علمنا منطق الطير.. # [النمل: 16]. لذلك حدثونا عن التماسيح في أعالي النيل، وعن الانسجام ~~والتكامل بينها وبين الطيور التي تتغذى على الفضلات التي بين أسنان ~~التمساح، فالتمساح بعد تناول طعامه يخرج إلى اليابسة ثم يفتح فمه، فيأتي ~~الطير وينقر ما بين أسنان التمساح فينظفها له، فإذا أحس الطير بقدوم ~~الصياد صوت صوتا خاصا يعرفه التمساح، فيسرع إلى الماء وينجو من ~~الصياد، وهكذا يكون التمساح مقوم حياة للطير، والطير مبقى حياة ~~بالنسبة للتمساح، فتأمل الجزاء الأوفى، كيف يوجد في عالم الطير ~~والحيوان؟ ولا يصل إلى مرتبة الفهم عن الطير والحيوان إلا من أعطاه ~~الله هذه الخصوصية، وقد أعطى الله هذه الخصوصية لسيدنا سليمان، ففهم لغة ~~الطير ولغة النمل: # قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون * ~~فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن ~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي ~~وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في ~~عبادك الصالحين # [النمل: 18-19]. إذن: فهم عنها سليمان، وأحس أن هذه نعمة اختصه الله ~~بها وتستوجب الشكر، كذلك فهم عن الهدهد وخاطبه ودار بينهما حوار، وقصة ~~الهدهد مع ms8581 سليمان تدلنا على أن كل من يلي أمرا عليه أن يتابعه ~~متابعة، يعرف بها الملتزم من غير الملتزم. ولولا أن سليمان تفقد الطير ~~ما عرف بغياب الهدهد. وقوله: # مالي لا أرى الهدهد.. # [النمل: 20] كأنه تصور أن الهدهد موجود، لكن المانع عنده هو أن يراه ~~لذلك قال: # أم كان من الغآئبين # [النمل: 20] لأنه نظر فلم يره، ثم جاء الهدهد وقال: # أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين ~~* إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ~~ولها عرش عظيم # [النمل: 22-23]. والذي أثر في نفسه أن تعبد هي وقومها الشمس من دون ~~الله # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ~~وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن ~~السبيل فهم لا يهتدون # [النمل: 24]. وهذه اللقطة من القصة تعلمنا أن الذي يلي أمرا لا يرد ~~من ولي عليه في أمر يشير به، بل ينتظر حتى يسمع منه، ويحترم رأيه ~~لا يصادره، ونتعلم أيضا أن الهدهد كان يعلم قضية التوحيد وقضية الإيمان ~~بالله. ثم يعلمنا الهدهد أن كل إنسان عليه أن يحافظ على مقوم ~~حياته، وأن يظل دائما على باله إن أراد أن يعيش عيشة كريمة، ~~فمقوم الحياة هو الأولى قبل التخطيط ورسم الأهداف، نفهم هذا من قول ~~الهدهد: # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السموت والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون # [النمل: 25]. لكن لماذا خص الخبأ، وهو المخبوء تحت الأرض؟ قالوا: لأن ~~غالب غذاء الهدهد مما خبئ في الأرض، لذلك جعل الله له منقارا طويلا ~~ينقر به الأرض، ويخرج به غذاءه. وقوله تعالى: { والشياطين كل ~~بنآء وغواص } [ص: 37] أي: وسخرنا أيضا له الشياطين، منهم ~~البناء وهو الذي يعمل ويجهد طاقته في يابسة الأرض ويعمرها. والغواص ~~من يجهد طاقته في البحر ليخرج نفائسه { وآخرين.. } [ص: 38] أي: من ~~الشياطين { مقرنين في الأصفاد } [ص: 38] أي: مقيدين ومكبلين ~~بالسلاسل. والأصفاد جمع: صفد وهو السلسلة. فهؤلاء مقيدون ليسوا مطلقين ~~كالبناء والغواص، لكن لماذا قيد الله هؤلاء، وأطلق هؤلاء؟ قالوا: ~~لأن منهم الصالحين الطائعين، ومنهم العصاة الذين ms8582 تأبوا على منهج الله، ~~ومن الممكن أن يتأبى أيضا على رسول الله، وهؤلاء هم الذين يقيدون ~~بالسلاسل، فكأن الصالحين يخدمونه بتوجيه الإيمان، وغير الصالحين يخدمونه ~~بتوجيه القيود والسلاسل، يعني هؤلاء بالرغبة وهؤلاء بالرهبة. ثم يقول ~~سبحانه: { هذا عطآؤنا.. } [ص: 39] فالعطاء مناسب لطلب سليمان حين ~~طلب من الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، قال: # إنك أنت الوهاب # [ص: 35] فرد الله عليه { هذا عطآؤنا.. } [ص: 39] وما دمت قد ~~وهبتك فسوف أجعلك تتصرف فيما وهبته لك لأنني أمنتك { فامنن أو ~~أمسك بغير حساب } [ص: 39] يعني: أنت حر في أن تعطي أو أن ~~تمسك وتمنع. والحق سبحانه لم يجعل لسليمان طلاقة التصرف، إلا لأنه ضمن ~~منه عدالة التصرف، لأن سليمان حين طلب الملك الواسع تعهد لله تعالى ~~بهذه العدالة، لذلك قالوا عنه - عليه السلام - إنه كان لا يأكل إلا خشكار ~~الحب يعني الردة أو النخالة، ويترك الصافي للعبيد ولعامة الناس. فكأنه ~~لم يطلب النعمة والملك الواسع ليتنعم هو به، أو يتباهى، إنما طلبه ~~ليسخره في خدمة الدعوة إلى الله، ولأنه سيجابه قوة كانت أعظم القوى ~~في هذا الوقت، ويكفي أن الله تعالى وصف هذه القوة بقوله: # ولها عرش عظيم # [النمل: 23] أي: بلقيس. وهنا وفي هذه المواجهة سيظهر أثر الملك وقيمته، ~~فلما أغرته بلقيس بالمال قال: # أتمدونن بمال فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم ~~بل أنتم بهديتكم تفرحون # [النمل: 36]. وهنا تظهر الحكمة في أن سليمان حين طلب ملكا لا ينبغي ~~لأحد من بعده، طلبه حتى لا يتميز عليه أحد، ولا يحاول أن يغريه أو ~~يرشيه، أو يستميله بالمال، كما حاولت بلقيس بملكها الواسع في اليمن ~~السعيد في ذلك الوقت. والذي دل على حصافة بلقيس في هذا الموقف أنها ~~استشارت أعيان القوم وأشرافهم وذوي الرأي عندها: # قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم ~~* إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم # [النمل: 29-30]. أولا: كيف عرفت أنه كتاب كريم؟ قالوا: لأنها وجدته في ~~مخدعها دون أن يأتي به رسول، أو يدخل به أحد، ولم ms8583 يمنعه حراس، ولم يطلب ~~استئذانا عليها، لذلك علمت أنه من جهة أعلى منها، ولا بد أن حركة ~~صاحب الكتاب في الحياة أقوى من حركتها، بدليل أن الكتاب وصلها بهذه ~~الطريقة، لذلك استشارت القوم # ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون # [النمل: 32]. وانتهت القصة بقولها: # رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله ~~رب العالمين # [النمل: 44]. إذن: دل قوله تعالى { هذا عطآؤنا فامنن أو ~~أمسك بغير حساب } [ص: 39] على أن عطاء الله للأنبياء ليس ~~للتباهي والتفاخر، إنما هو عطاء لخدم الدعوة إلى الله لذلك نرى الذين ~~ملكهم الله بعض مفاتيح الغيب لم يستغلوا معرفة الغيب لصالحهم، وربما ~~جرت المعجزة على أيديهم أو على ألسنتهم، وهم لا يدرون بها، وتظهر ~~منهم الكرامات وهم أنفسهم لا يعرفونها ولا يشعرون بها. ذلك لأن سر ~~الله وهبه لهم، لا ليتعالوا به على الناس، إنما ليزدادوا هم عبودية ~~واستطراقا في العبودية لله تعالى، وليكونوا نماذج لهداية الخلق والأخذ ~~بأيديهم إلى طريق الحق. # لذلك يروى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما امتنع الغيث وأجدبت ~~الأرض خرج يستسقي، وأخرج الضعفاء من الأطفال والشيوخ والنساء حتى أخرج ~~البهائم وكأنه يقول يا رب إن كنت قد منعت عنا المطر لذنوبنا ~~فاسقنا لأجل هؤلاء، لكن لم تمطر السماء وهم عمر بالانصراف، وبينما ~~هو قافل إذ وجد عبدا واقفا بين الصخور يرفع يديه ويشخص ببصره إلى ~~السماء، قال عمر: فو الله ما وضع يديه حتى أمطرت السماء كأفواه القرب. ~~وعندها تعجب سيدنا عمر كيف أن السماء لم تستجب له واستجابت لهذا العبد، ~~وتأمل عمر وجه العبد حتى عرفه، وذهب إلى النخاس، وقال له: اعرض علي ~~عبيدك، فظن النخاس أنه يريد الشراء، فعرض عليه أفضل ما عنده من أصحاب ~~العضلات المفتولة والقوام السليم، لكن لم يلتفت عمر إلى واحد من هؤلاء، ~~فقال الرجل: والله ما عندي غير هذا العبد وهو كل على مولاه أينما ~~توجه لا يأتي بخير. فلما جاء العبد عرفه عمر، وقال له: أهذا أنت؟ فنظر ~~إليه العبد ورفع بصره إلى ms8584 السماء وقال: اللهم كما فضحتني بين خلقك ~~فخذني غير مفتون ومضى لحاله. هكذا حال من تظهر منه الولاية ~~والكرامة، لا يرضى بها ولا يحب أن تنكشف أمام الناس، فهو لا يريدها ~~ويكفيه ود الله له بها. ### || [38.40] # لزلفى يعني: قربى، ودل على هذه القربى أن الله تعالى أعطاه ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وأعطاه حرية التصرف في هذا الملك، يعطي ~~من يشاء، ويمنع من يشاء، وقد أعطاه الله هذا العطاء مقابل أنه علم أنه ~~لن يصرفه في طغيان ولا في جبروت، ولا في إدلال على الناس، لكن سيضعه في ~~موضعه الذي يريده الله، فأصبح مأمونا على عطاء الله. ومعنى { وحسن ~~مآب } [ص: 40] أي: حسن مرجع ومرد إلى الله يوم القيامة. ثم ينتقل ~~بنا السياق إلى قصة نبي آخر هو سيدنا أيوب عليه السلام: { واذكر ~~عبدنآ أيوب... }. ### || [38.41] # قوله تعالى { واذكر.. } [ص: 41] أي: بالحمد والثناء { عبدنآ ~~أيوب.. } [ص: 41] الوصف بالعبودية هنا شرف، لأنه دل على إعزاز ~~الربوبية لمرتبة العبودية، وقلنا: إن العبودية كلمة ممقوتة عند البشر، ~~لأن العبودية للبشر إهانة وتسخير، يأخذ فيها السيد خير عبده وثمرة حركته ~~في الحياة، أما العبودية لله تعالى فوصف محبوب، وكلمة محمودة، لأن ~~العبد فيها يأخذ خير سيده. لذلك لما امتن الله تعالى على سيدنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في حادثة الإسراء والمعراج جعل حيثية ذلك ~~العبودية له سبحانه، فقال: # سبحان الذى أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] فلما ضاقت به حفاوة الأرض في الطائف أراد ربه أن يريه ~~حفاوة السماء به، فالصفة التي رفعت محمدا إلى هذه المنزلة هي صفة ~~إخلاصه في العبودية لربه. ومعنى { أني مسني الشيطان ~~بنصب وعذاب } [ص: 41] المس: هو الالتقاء الهين الخفيف، يعني ~~هو دون اللمس، قالوا: لأنه مرض مرضا شديدا أثر في إهابه، فكان ~~الشيطان يحوم حوله بخواطر السوء يقول له: كيف يفعل الله بك هذا وأنت ~~رسول، كيف يتركك هكذا دون أن يشفيك. وهكذا اجتمع على سيدنا أيوب ألم ~~الجلد وعذابه الجسدي، وهواجس الشيطان في خواطره النفسية، لذلك ms8585 قال: { ~~بنصب وعذاب } [ص: 41] ونصب بالضم مثل نصب بالفتح والنصب ~~التعب، فهي مثل بخل وبخل، الاثنان بمعنى واحد. وقالوا في مس ~~الشيطان: إن الفعل على الحقيقة لله تعالى، فالله هو الذي يفعل، والشيطان ~~بوسوسته سبب، والله تعالى هو المسبب، فمس الشيطان يعني وسوسته التي ~~شغلت خاطر سيدنا أيوب، فكأن الحق سبحانه أراد من أيوب أن يتنبه إلى أن ~~هذه الوسوسة ما كان يصح أن تمر بخاطره. وسيدنا أيوب لما اجتمع عليه ~~المرض ووسوسة الشيطان ضعف فتوجه إلى ربه يدعوه أن يقطع عن نفسه ~~وسوسة الشيطان لأنها تحتاج إلى مدافعة، والمدافعة تحتاج إلى قوة، والقوة ~~عنده مرهونة بالمرض، ولذلك دعا الله حتى لا يزداد ضعفه بوسوسة الشيطان، ~~فلما دعا الله أجابه: { اركض برجلك هذا مغتسل... }. ### || [38.42] # فكأن الحق سبحانه يقول له: أنا لا أبتليك كراهة فيك، ولا مشقة عليك، ~~إنما أريد أن أسمع منك أنك تكره من يجيل لك بخاطرك شيئا يبعدك عني، { ~~اركض برجلك.. } [ص: 42] يعني: المسألة عندي سهلة يسيرة كما تقول: ~~يا فلان الأمر هين فهو تحت رجليك. والركض هو القذف بشدة وسرعة، ~~تقول: ركضت الفرس. يعني: غمزته برجلي هكذا من تحت ليسرع، ثم يتجاوز ~~السياق مسألة الركض إلى النتيجة مباشرة { هذا مغتسل بارد ~~وشراب } [ص: 42] ولم يقل: فركض فخرج الماء كذا وكذا، إنما انطوى هذا ~~كله، واكتفى بالأمر اركض. والمعنى: أن في هذا الماء مغتسلا لك ~~وشرابا، لأن المرض الذي أصاب سيدنا أيوب يبدو أنه كان مرضا جلديا يترك ~~على بشرته بثورا تشوه جلده. والآن نرى الأطباء الذين يعالجون الأمراض ~~الجلدية يعالجونها بالمراهم الظاهرية التي تعالج ظاهر المرض، لكن لا ~~تتغلغل إلى علاج سبب المرض الداخلي. فكان من رحمة الله بسيدنا أيوب أن ~~جعل شفاءه الظاهري والباطني في ركضة واحدة تخرج الماء، فيغتسل منه ~~مغتسلا باردا، يشفي ظاهر مرضه وشراب يشفي أسباب المرض في داخل جسمه. ~~ثم يتحدث الحق سبحانه عن بعض نعمه على نبيه أيوب: { ووهبنا له ~~أهله ومثلهم معهم رحمة منا... }. ### || [38.43] # قوله تعالى: { ووهبنا له ms8586 أهله.. } [ص: 43] يبدو أن بعض أهله ~~بعدوا عنه لما أصابه المرض، فلما شفاه الله وعاد إلى حال السلامة عادوا ~~إليه { ومثلهم معهم.. } [ص: 43] يعني: وهبنا له مثل أهله أي: ~~من الذرية والأتباع { رحمة منا وذكرى لأولي الألباب ~~} [ص: 43] الذكرى هي الخاطر الذي يمر بك ليصرفك إلى متعلق الذكرى ~~لأنك بصدد ما يبعدك عن سبب الذكرى. ومضمون الذكرى هنا أنه لما صبر جاءه ~~الفرج من الله، فعاد جسمه معافا سليما بعد أن برئ من المرض ومن ~~أسبابه، ثم عاد إليه أهله بزيادة مثلهم عليهم رفقا بعواطفه. وهذا هو ~~المراد بالرحمة في قوله { رحمة منا.. } [ص: 43]، فهذه عطاءات ~~متعددة جاءت ثمرة ونتيجة لصبره عليه السلام ورضائه بما قضى الله به. إذن ~~الذكرى التي نذكرها في هذه القصة أن الإنسان حين ينزل به الكرب يلجأ إلى ~~الله، ويفزع إليه في كربه # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.. # [النمل: 62]. والله يحب من عبده هذا اللجوء لذلك يبتليه، وقد ورد أن ~~الملائكة تقول: يا رب عبدك ضج من الدعاء لك، ولم تجبه، فقال ~~سبحانه: إن من عبادي من أحب دعاءهم، فأنا أبتليهم لأسمع أصواتهم. ### || [38.44] # الضغث: حزمة الحشيش أو حزمة من شماريخ البلح، وقوله: { ولا تحنث.. ~~} [ص: 44] دل على أن المسألة كان فيها يمين يريد الله تعالى لأيوب ~~ألا يحنث فيه، وهذه الآية تلفتنا إلى قصة بينتها السنة، قالوا: إن ~~الشيطان ذهب إلى إحدى زوجات سيدنا أيوب، وقال لها: اطلبي من أيوب أن ~~يلجأ إلي وأنا أشفيه حالا، بشرط أن يقول: إن الذي شفاني الشيطان، ~~ولأنها كانت مستشرفة لأن يبرأ قالت له: والله جاءني خاطر قال لي كذا ~~وكذا، قال: إنه الشيطان استمعت إليه وتريدين أن أطيعه، والله الذي لا ~~إله إلا هو لأجلدنك مائة. هذا هو اليمين الذي أراد الله لأيوب ألا يحنث ~~فيه، فقال له: { وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا ~~تحنث.. } [ص: 44]. والنبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل هذا حينما جاءه ~~الرجل الأحبن، أحبن من ح ب ن يعني: كبير ms8587 البطن، أو في بطنه ~~استسقاء، وقد زنى بامرأة هزيلة مريضة، فلما اعترف بجريمته خاف عليه ~~الرسول أن يموت لو أقام عليه الحد، فأمر بأن يضرب بحزمة من الحشيش، ~~أو مائة عود من شماريخ النخل يضرب بها مرة واحدة. ومعنى { فاضرب ~~به.. } [ص: 44] أي: من آليت على نفسك أن تجلده { ولا تحنث.. } ~~[ص: 44] أي: في يمينك { إنا وجدناه صابرا.. } [ص: 44] فكأن ~~هذا التيسير جزاء له على صبره وعلى رجوعه إلى ربه، فجعل الله له شيئا ~~يرضيه بأن خفف عنه حتى الألم الذي يورثه في الغير، لأنه أقسم أن ~~يجلد، فكان ينبغي عليه أن يجلد على الحقيقة حتى لا يحنث، لكن خفف ~~الله عليه حتى لا يؤلمه في أهله. ### || [38.45-47] # هنا أيضا واذكر أي: بالحمد والثناء عبادنا جمع عبد وقلنا: إن العبودية ~~ممقوتة إن كانت للبشر، لكن العبودية لله عز وشرف إبراهيم هو أبو ~~الأنبياء وإسحاق وهبه الله لإبراهيم بعد أن أسلم الحكم لله حين أمره ~~بذبح ولده إسماعيل ويعقوب هو ابن إسحاق. وقد وقفنا على قصة هؤلاء ~~الأنبياء في قوله تعالى على لسان إبراهيم يقول لولده إسماعيل: # يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ~~ماذا ترى.. # [الصافات: 102] فلم يشأ إبراهيم أن يقبل على ذبح ولده قبل أن ~~يبين له الأمر الذي صدر إليه، ذلك لأنه أشفق عليه أن يأخذه على ~~غرة فيمتلئ قلب الولد على أبيه حقدا لأنه لا يعرف الحكمة من قتل ~~أبيه له، ثم أراد أن يشرك ولده معه في التسليم لله وألا يحرمه الأجر. ~~لذلك قال تعالى: # فلما أسلما.. # [الصافات: 103] يعني: إبراهيم وإسماعيل # وتله للجبين * وناديناه أن يإبراهيم * قد ~~صدقت الرؤيآ.. # [الصافات: 103-105] أي: استسلمت واستسلم ولدك، إذن ارفع يدك # وفديناه بذبح عظيم * وتركنا عليه في الآخرين ~~* سلام على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين * ~~إنه من عبادنا المؤمنين * وبشرناه بإسحاق ~~نبيا من الصالحين * وباركنا عليه وعلى ~~إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين # [الصافات: 107-113]. إذن: جاء إسحاق وجاء من بعده يعقوب نتيجة لتسليم ~~إبراهيم وانصياعه لأمر ربه ms8588 في ذبح إسماعيل، فأبقى على إسماعيل، ووهب ~~إسحاق ويعقوب زيادة وفضلا من الله لأن الحق سبحانه لا يريد بالابتلاء ~~أن يعذب الناس. لذلك قلنا: إن لسيدنا إبراهيم فضلا على كل مسلم، ~~وجميلا في عنق كل مؤمن، لماذا؟ لأن مسألة الذبح لو نفذت في إسماعيل ~~لصارت ابتلاء من الله للإنسان بأن يتقرب إلى الله بذبح ولده، لكن ~~سيدنا إبراهيم بإيمانه وتسليمه الأمر والحكم لله تحمل عنا هذه المسألة، ~~ورفع عنا هذا الحكم، وإلا صارت المسألة نسكا وعبادة لازمة لكل مؤمن ~~من بعده، وصدق القائل: # سلم لربك حكمه فلحكمة # يقضيه حتى تستريح وتغنما # واذكر خليل الله في ذبح ابنه # إذ قال خالقه فلما أسلما # ونتعلم من هذه المسألة أن كل أمر أو حدث يسيء الإنسان في ظاهره ويتعبه ~~ويعتبره الإنسان مصيبة لا ينبغي أن ننظر إليه منفصلا عن فاعله، لكن ~~يجب أن نأخذ الحدث بضميمة من أحدثه لأن الحكم على الحدث يتغير بالنظر ~~إلى الفاعل. وأوضحنا هذه المسألة وقلنا: هب أن ولدك دخل عليك، والدم ~~يسيل من وجهه، فإنك لا تهتم بالإصابة بقدر ما تهتم بالفاعل، فأول سؤال ~~تسأله: من فعل بك هذا؟ ثم تنتظر أن تسمع اسم الفاعل، فإن قال الولد: ~~عمي ضربني فإنك ستهدأ وتقول: لا بد أنك فعلت شيئا استوجب أن يضربك ~~عمك، لكن إن قال لك: فلان خاصة إن كان عدوا لك، فإنك تقيم الدنيا ولا ~~تقعدها. # إذن: لا يمكن أن تحكم على الفعل بالخير أو الشر إلا بنسبته إلى فاعله ~~لأنه بنسبة الفعل إلى فاعل تتمحض الخيرية فيه أو يتمحض الشر فيه. ~~ومعنى { أولي الأيدي والأبصار } [ص: 45] أصحاب الأيدي وهي جمع ~~يد، وتطلق اليد على الجارحة المعروفة، وتطلق على ما تأتي به الجارحة ~~من فعل، تقول: فلان له يد علي يعني: فضل وجميل، ولأن أغلب الأفعال ~~تزاول باليد سميت النعمة التي تصل بطريق اليد باسم هذه الجارحة ~~الفاعلة، ومن ذلك قول القائل: # له أياد علي سابغة # أعد منها ولا أعددها # وفرق بين الحركة الفاعلة التي تقوم بالفعل، ms8589 ومعنى آخر في الحركة ~~الفاعلة هو ما يوجب عليك الحركة، مثلا حين نريد البذل والعطاء، فمن ~~عنده مال يبذل ويعطي بيده، أما المعدم فلا يعطي إنما ينصح من عنده ~~المال بأن يبذل منه. يقول تعالى: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله ما على المحسنين من سبيل.. # [التوبة: 91]. فالعمل هنا ليس باليد إنما باللسان، لكن لما كانت اليد ~~هي الآلة التي نباشر بها أكثر الأعمال نسبنا كل خير يتعدى منك إلى ~~غيرك نسبناه إلى اليد لذلك يقول سبحانه: # يد الله فوق أيديهم.. # [الفتح: 10]. فإذا كان الإنسان غير واجد للمال، وغير قادر على النصح ~~باللسان، فإن الله تعالى لا يحرمه أبدا من العمل الصالح في البذل، ~~ويكتفي منه بأن يفرح بمن يبذل ويسعده العطاء من غيره. ومثال ذلك: ~~الرجل الذي سمعوه يدعو عند الكعبة يقول: اللهم إنك تعلم أني عاصيك، لكن ~~أحب من يطيعك. والأصمعي يسمع رجلا عند الملتزم يدعو ويقول: يا رب أنا ~~أعلم أني عاصيك وأستحي وأنا عاصيك أن أطلب منك، لكن لا إله إلا أنت، ~~فلمن أذهب فقال له: يا هذا، إن ربك يغفر لك لحسن مسألتك. ومعلوم أن ~~المؤمن يجتهد في الدعاء خاصة عند الملتزم، ويحاول أن يحسن الدعاء، ~~ويحسن المسألة في هذا الموقف. مرتبة أخرى يجعلها الله لغير الواجد حتى ~~لا يحرم الأجر في العطاء، هي أن يحزن لأنه لا يجد ما يبذله، كما جاء ~~في قول الله تعالى: # ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا ~~أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض ~~من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون # [التوبة: 92]. فالحق سبحانه لا يحرم مؤمنا أن يكون له موقف في البذل، ~~ولو كان بذلا سلبيا. ومن معاني اليد: القوة كما في قوله تعالى: # يد الله فوق أيديهم.. # [الفتح: 10] فالمراد { أولي الأيدي.. } [ص: 45] أي: أصحاب القوة ~~في طاعة الله. و { الأبصار } [ص: 45] أي: البصائر في العلم والدين ~~والحكمة، أما الأبصار بمعنى حاسة البصر، ms8590 فهي موجودة في الجميع المؤمن ~~وغير المؤمن، إذن: المراد الأبصار التي ترى ثم تؤدي مهمة أخرى فوق البصر، ~~وتزيده نورا على نور. # إذن: البصر وحده لا يكفي لأن آيات الله في الكون هي المعطيات، كما نقول ~~في المسألة الرياضية، وهذه المعطيات تحتاج إلى بصيرة واعية لتصل ~~بالمعطيات إلى المطلوب، وهو الإيمان بمن أعطى هذه المعطيات. فالأبصار ~~حينما تنظر في الكون، وترى معطياته، وترى آيات الله فيه، ثم لا تتأثر ~~عقليا ولا وجدانيا بها، ولا تلتفت إلى صانعها ومبدعها، فلا قيمة لهذه ~~الأبصار. فالمعنى { الأبصار } [ص: 45] أي: أصحاب البصائر التي شغلت ~~العقول والوجدان، بما تراه من الآيات، وعلمت أن هذا الكون لا يمكن أن ~~ينسب إلا إلى قوة قادرة ظاهرة مسيطرة، لا يوجد لها شريك، وإلا لو كان ~~له شريك لظهر أثره، ولدافع عن حقه في هذا الملك، وما دام لم يظهر هذا ~~المعارض ولم يدع أحد أنه خلق، فالقضية تسلم لمن ادعاها. لذلك يقول ~~سبحانه: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. وقدم الأيدي على الأبصار، لأن عمل الأيدي نتيجة نهائية ~~للبصر، لأنك تبصر آيات الله في كونه، وتعرف أنه رب الجميع، وخالق ~~الجميع، ورازق الجميع، فيرق قلبك للفقير وتعطيه، لعلك تصبح مثله في ~~يوم ما فتجد من يعطيك، ولا تحقد على واجد وأنت معدم، لأن خير الواجد ~~سينالك بأي حال. لذلك قال تعالى: # وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا ~~قولا سديدا # [النساء: 9]. ولنعتبر بقوله تعالى: # وكان أبوهما صالحا.. # [الكهف: 82]. ثم يقول سبحانه: { إنآ أخلصناهم بخالصة ~~ذكرى الدار } [ص: 46]. أخلصناهم يعني: أعطيناهم شيئا خالصا لهم، ~~والخالصة التي خصصناهم بها هي التي تلفتهم دائما إلى دار الجزاء وهي ~~الآخرة، وبهذه الذكرى يظل الإنسان دائما مستحضرا ثواب الطاعة وعقاب ~~المعصية، وإذا استحضر الإنسان هذه العاقبة استقام على الطاعة وابتعد عن ~~المعصية. لذلك يقول صلى الله عليه وسلم في بيان هذه المسألة: # ".. لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ms8591 ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ". # لماذا نفى عنه الإيمان في هذه اللحظة؟ قالوا: لأنه غفل عن عاقبة فعله ~~غفل عن الجزاء، فالغفلة هي التي تكسلنا عن الطاعة، وتوقعنا في المعصية، ~~وتغرينا بها، ولو استحضر الإنسان العقوبة على المعصية ما وقع فيها. ~~وسبق أن ضربنا مثلا فقلنا: لو أن شابا عنده شره جنسي. وقلنا له: ~~سنوفر لك ما تريد، لكن بعد أن تقضي ليلتك سنأخذك إلى هذا الفرن المسجور، ~~ونضعك فيه لمدة ساعة واحدة، مثل هذا الشاب ما ظنكم به؟ لا بد أنه سيفر ~~من هذه المعصية، ويهرب منها، ويزهد فيها، لماذا؟ لأنه عاين العاقبة ~~واستحضر الجزاء. # كذلك الطالب الذي يجتهد في دروسه، حتى أنه يهمل في أكله وشربه، لماذا ~~يفعل ذلك؟ لأنه استحضر لذة النجاح وشرف التفوق وعلو المنزلة بين أهله ~~وزملائه، وفي المقابل الطالب المهمل لا يهمل إلا لأنه غفل عن عاقبة ~~الإهمال وذلة الفشل يوم أن تظهر نتيجته. فمعنى { ذكرى الدار } ~~[ص: 46] أي: يظل دائما على ذكر لها يستحضر الثواب على الطاعة، فيقبل ~~عليها، ويستحضر العقاب على المعصية فيفر منها. وقوله: { وإنهم ~~عندنا لمن المصطفين الأخيار } [ص: 47]. أي: الذين ~~اصطفيناهم، ولله تعالى في الخلق اصطفاءات يصطفي من الأماكن، ويصطفي من ~~الأزمنة ما يشاء، كما اصطفى من الأمكنة الكعبة وبيت المقدس، واصطفى من ~~الأزمنة شهر رمضان كذلك يصطفي من الناس رسلا، ويصطفي من الملائكة رسلا. ~~والاصطفاء ليس تدليلا للمصطفى ولا محاباة له، إنما ائتمان المصطفى على ~~ما يريده من اصطفاه أي المصطفي من إشاعة الخير في جنسه، فاصطفاء الرسل ~~ليس تدليلا لهم، إنما الاصطفاء يحملهم أعباء جسيمة في ذواتهم وأنفسهم ~~وفي أموالهم وأهليهم. كذلك اصطفى رمضان لا لنعبد الله ونطيعه في رمضان ~~وحده، إنما ليشيع الطاعة في الزمان كله بأن تأخذ من رمضان الطاقة ~~اللازمة للعام كله، إذن: فاصطفاء الزمان أو المكان أو الإنسان أو ~~الملائكة ليس تدليلا لخلق على خلق، إنما لإشاعة الخير في كل الخلق ~~للخلق. ومعنى { الأخيار ms8592 } [ص: 47] جمع خير. والمعنى: اصطفيناهم ~~لما فيهم من الخيرية، التي تؤهلهم لهذا الاصطفاء. ### || [38.48] # سيدنا إسماعيل معروف لنا جميعا من خلال قصته مع أبيه إبراهيم، والخلاف ~~هنا بين العلماء في سيدنا ذي الكفل، لأن من الرسل من عدهم الله في ~~موكب الرسالات، لكن لم يذكر لنا إلا أسماءهم وأوصافهم، وذو الكفل ذكر ~~هنا بهذا الوصف. # وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار # [ص: 47] فاليسع لا نعرف عنه إلا اسمه، ولم يذكر القرآن من هو، ولا متى ~~بعث، ولا إلى من أرسل، ولا المنهج الذي جاء به، كذلك في ذي الكفل لم ~~يذكر عنه القرآن إلا اسمه، ووصفه هنا بأنه من المصطفين الأخيار، وفي سورة ~~الأنبياء قال عنه الحق سبحانه: # وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين ~~* وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين # [الأنبياء: 85-86]. فوصف مرة بأنه من الأخيار، ومرة بأنه من ~~الصابرين، ومرة من الصالحين، ولهذا أدخله الله في رحمته، وهذه التي جعلت ~~العلماء يختلفون في ذي الكفل، أهو رسول أم غير رسول؟ لكن جمهور العلماء ~~على أنه رسول، بدليل أن الله تعالى سلكه ضمن هؤلاء الرسل. ومما قيل في ذي ~~الكفل أنه في فترة اليسع وفي رسالته أراد أن يستخلف على الناس رجلا ~~بعده، وأراد أن يرى سيرته في الرعية، وكيف سيتصرف هذا في أخريات حياته؟ ~~وحين رأى أن قوته عجزت عن القيام بأمر الدعوة. وكان من حرصه على الدعوة ~~من بعده أن يختبر من يستخلفه وينظر ما يفعل. فلما جلس اليسع في قومه ~~قال: من يتقبل مني بثلاث؟ والباء عادة كما في هذه العبارة تدخل على ~~الثمن، كما تقول: اشتريت كذا بكذا، والمعنى: من يتكفل لي بثلاثة أشياء ~~وأستخلفه على القوم، ثم قال في بيان هذه الثلاث: أن يصوم النهار، ~~ويقوم الليل، ولا يغضب. فقام رجل من القوم تزدريه العين وقال: أنا، ~~فأعاد عليه: أنت تصوم النهار، وتقوم الليل، ولا تغضب؟ قال: نعم، فرده. ~~وفي الغد، جلس اليسع في مجلسه، وعرض على القوم مقالته، فقام الرجل بعينه ~~وقال: أنا، ms8593 فعرف اليسع أن الرجل عنده عزيمة وإصرار على القيام بهذه ~~المهمة، فاستخلفه على القوم. وقد تكلم العلماء في هذه الشروط الثلاثة ~~التي جعلها سيدنا اليسع - عليه السلام - حيثيات الاستخلاف، قالوا: لأن ~~الذي يصوم النهار يصوم عما أحله الله في غير الصوم، والذي يصوم عما ~~أحله الله يصوم من باب أولى عما حرمه الله، فضمن بذلك بعده عن ~~المحرمات، والذي يقوم الليل ترك راحته وترك التنعم ليأنس بربه، ومن ~~كانت فيه هذه الصفة لا يتخذ الاستخلاف للنعمة والرفاهية إنما يتخذه ~~للقيام بأعبائه، وإلا لو أراد التنعم لنام الليل ملء جفونه. أما عدم ~~الغضب فهي صفة لا بد أن تتوافر في كل من يسوس الرعية، أو يجلس في ~~مجلس حكم بين الناس، ومعلوم أن للرعية أخلاقا شتى وصفات متباينة، فلا ~~بد لمن يتولى أمرهم أن يكون حليما لا يغضب لأن الغضب يستر العقل، ~~فلا يختار بين البدائل، ولا يحسن التصرف في الحكومة. # لذلك قالوا للقاضي حين يغضب: رد نفسك، يعني: أنت لا تصلح لمنصب ~~القضاء. إذن: قال ولا تغضب لأن العقل يتأثر بالغضب، فتختلف موازينه في ~~الحكم، وتختلف كذلك ملكات النفس فلا يصح الحكم. قالوا في مسألة عدم ~~الغضب: إن الشيطان لم يستطع التدخل في صيام النهار وقيام الليل، فأراد ~~أن يدخل إليه من ناحية عدم الغضب، فأرسل إليه ذريته ليغضبوه فلم يغضب ~~ذو الكفل - عليه السلام - فقال لهم: ارفعوا أيديكم عنه وسأتولى أنا هذا ~~الأمر، وكان ذو الكفل لا ينام إلا نومة واحدة في القيلولة، هي كل ما ~~ينام في الليل والنهار، وكان يأمر خادمه ألا يدخل أحد عليه في هذا ~~الوقت، فكان الشيطان يتحين هذا الوقت، ويطرق على ذي الكفل الباب، ~~ويحدث عنده ضجة يقول: أنا رجل ظلمني قومي وفعلوا بي كيت وكيت وأريد أن ~~تنصفني منهم. فقال ذو الكفل: ألا تعلم أن هذا الوقت هو الوقت الذي ~~أستريح فيه، اذهب وتعال في وقت أجلس فيه للحكم بينكم، وأنا أقضي في ~~أمرك. وفي اليوم التالي، جاء الشيطان وفعل كما فعل ms8594 بالأمس، وفي اليوم ~~الثالث وجد الباب مغلقا فنفذ إلى ذي الكفل بطريقته الخاصة، قالوا: دخل ~~من كوة في البيت في غفلة من الحارس، وطرق على ذي الكفل باب مخدعه، فلما ~~رآه قال: كيف دخلت؟ فتلعثم. قال: إذن: أنت هو. أي الشيطان قال: والله ~~لقد احتلنا كثيرا على أن نغضبك فلم نفلح، ثم تركه وانصرف. أما عن خلاف ~~العلماء في رسالة ذي الكفل، فأنا أريد أن أجل العلماء عن الخلاف في ~~شيء يصح أن نلتقي فيه. قالوا: الكفل من التكفل، كما في قوله تعالى: # وكفلها زكريا.. # [آل عمران: 37] والكفل: هو النصير. والذين قالوا برسالته استدلوا على ~~ذلك بأمرين: الأول أن الله ذكره في عداد الرسل، الآخر: أن اليسع - عليه ~~السلام - استخلفه. والحق سبحانه وتعالى سكت على هذا الاستخلاف ولم ~~يغيره، وهذا إقرار للاستخلاف وموافقة عليه، كما وافق الحق سبحانه ~~لموسى - عليه السلام - لما طلب من ربه أن يؤيده بأخيه هارون، فقال: # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ~~ردءا يصدقني.. # [القصص: 34]. قال آخرون: بل هو رجل متطوع بالدعوة، فسد الناس في ~~زمانه، ورأى أن هذا الفساد لا يصلحه إلا رجل له عدالة في الحكم، ونزاهة ~~في القضاء بين الناس، ورأى في نفسه هذه المواهب، فعرض على قومه أن يقوم ~~بأمرهم، وأن يسير فيهم بالعدل فوافقوا عليه. إذن: ذو الكفل في رأي ~~هؤلاء أنه ليس رسولا، بل رجل متطوع بمنهج كمنهج الرسل. ### || [38.49-51] # قوله تعالى: { هذا } أي: ما تقدم من موكب الرسل { ذكر } تذكير ~~كما في قوله تعالى: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى.. # [البقرة: 282]. يعني: هذا الذي ذكرناه من موكب الرسل ومن موقف الأمم ~~معهم، وكيف أنهم تحملوا تفاهة القوم وقلة أدبهم مع أنبياءهم، ~~وتحملوا الاجتراء باللسان وبالجوارح، نذكر هذا لمحمد الذي يلقى من ~~قومه ما يلقى من الأذى لنذكره أنه ليس بدعا في الرسل، وأن ما جرى ~~لإخوانه المرسلين لا بد أن يجري له، وإذا كنا نقيس الابتلاء بمقدار ~~الرسالة فنصيب محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الإيذاء ms8595 أكبر من نصيب ~~الرسل أجمعين. فقوله تعالى: { هذا ذكر.. } [ص: 49] تسلية لسيدنا ~~رسول الله حتى يعلم أنه ليس بدعا في ذلك، وأن عظمته في أن يتلقى ~~سفاهة القوم لأن القوم حين يسفهون على الرسول يدل ذلك على أنهم ~~منتفعون بالفساد الشائع في قومهم، وما جاء الرسول إلا ليقضي على هذا ~~الفساد، إذن: لا بد أن يكون الرسول خصما لهؤلاء، وكلما تصدى ~~لفسادهم اشتدت عداوتهم له، وإيذاؤهم وسخريتهم منه، واتهامهم له بالكذب ~~والسحر والجنون.. إلخ. فهذه إذن سنة لله تعالى في كل من يتصدى للدعوة ~~ويجابه الفساد في المجتمع، لا بد أن يجد من يجترئ عليه ويتهمه ~~بالباطل، ويحاول النيل منه والتشكيك في قصده، هذا رد فعل طبيعي إذا ~~وجده الداعية ينبغي أن يسر به، فهو إشارة وعلامة تدل على نجاحه في ~~مسعاه، وأنه نال منهم وغاظهم. وقوله سبحانه: { وإن للمتقين ~~لحسن مآب } [ص: 49] أي: مرجع حسن إلى الله يوم القيامة، فهي تتحدث ~~عن الآخرة وما ينتظره صلى الله عليه وسلم من الجزاء الحسن، ففي الآية ~~عطاءان لرسول الله: الأولى: تسليته صلى الله عليه وسلم في قوله: { ~~هذا ذكر.. } [ص: 49] ثم { وإن للمتقين لحسن مآب ~~} [ص: 49] كأنه تعالى يقول: هذا الذي ذكرناه ذكر لمحمد كي نسليه، ~~لكن الأهم من ذلك ما ينتظره من الجزاء الحسن في الآخرة، الواو هنا عطفت ~~{ وإن للمتقين لحسن مآب } [ص: 49] على { هذا ~~ذكر.. } [ص: 49]. والمتقون مادتها: وقى يعني حال بين شيء يصيبه، ~~وبين نفسه، واتقى الشيء جعل بينه وبين الشيء وقاية تحميه. وإذا نظرنا ~~إلى هذه المادة في القرآن نجد الحق سبحانه يأمر بالتقوى تكليفا يكلف ~~الإنسان أن يقي نفسه مما يعود عليه بالشر، وقد أتت هذه المادة بلفظ: ~~اتقوا الله، واتقوا ربكم، واتقوني، واتقوا النار، واتقوا الفتنة. وكلها ~~تلتقي في معنى واحد، لأن لله تعالى كما قلنا صفات جلال وصفات جمال، فمعنى ~~اتقوا الله: اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال لله وقاية، مثل: المنتقم ~~الجبار القهار. # . إلخ. وهذه الصفات هي التي ترهب المخالف وتردعه، فاتقوا صفات ms8596 الجلال من ~~الله، لأنه سبحانه قادر أن يبطش بكم وليس لكم جلد على انتقام الله أو ~~التعرض لأثر هذه الصفات. وبنفس المعنى: اتقوا النار لأنها جند من ~~جند الله، وأثر من آثار صفات الجلال. وفي موضع واحد من القرآن وردت ~~التقوى بلفظ واتقوا دون ذكر للمتقى، وكأن هذا اللفظ جاء ليدل على شمول ~~التقوى أو مطلق التقوى، فهي تعني: اتقوا الله، واتقوا النار، واتقوا ~~الفتنة.. إلخ. ومعنى { لحسن مآب } [ص: 49] يعني: حسن مرجع، لكن ~~أي مرجع؟ للعلماء في المرجع كلام فلسفي يقولون: أي مرجع الروح ومردها ~~إلى الأجساد يوم القيامة، وهذا كلام لا وزن له لأننا نفهم المرجع ~~والمرد إذا لاحظنا الخلق الأول، والخالق سبحانه قبل أن يخلق الخلق ~~أخذ عليهم العهد، وهم ما يزالون في مرحلة الذر. كما قاله سبحانه: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون # [الأعراف: 172-173]. إذن: إيمان الفطرة في عالم الذر والشهادة لله ~~تعالى بأنه الرب الخالق المربي تستدعي أن يكون المرجع إليه سبحانه ~~والمرد إليه للحساب، هل قابلتم هذه الشهادة بالطاعة أم بالعصيان؟ فمن ~~أدى العهد القديم واستصحبه إلى العهد الجديد فقد فاز وله حسن مآب، ~~وأما من ظلم نفسه وخالف العهد الذي أخذه على نفسه فقد خاب وخسر، وله في ~~الآخرة مآب الشر والسوء. ولما كان حسن المآب كلمة عامة مجملة ~~أراد الحق سبحانه أن يفصلها وأن يوضحها لنا، فقال: { جنات عدن ~~مفتحة لهم الأبواب } [ص: 50] فكلمة جنات عدن بدل من حسن ~~مآب، فكأن الحق سبحانه حصر حسن المآب في جنات عدن، والجنات جمع جنة، ~~وهي المكان المليء بالأشجار المتشابكة التي تستر من يسير تحتها، أو ~~لأنها تجن من يسير فيها وتحبسه عن الخروج فيها أو الحاجة لغيره لأن ~~فيها كل ما يحتاجه، وهذا هو معنى الجنة في الدنيا ms8597 أيضا، ومنه قوله ~~تعالى: # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب.. # [الكهف: 32]. ومثل الجنة التي دخلها آدم - عليه السلام - ليتلقى ~~فيها من الله التجربة التكليفية بافعل ولا تفعل، لكن نسمع من يقول أن ~~آدم كان في جنة الآخرة، وأخرجه الله منها إلى الدنيا، وهذا لا يستقيم لأن ~~أول إخبار من الله عن آدم لم يقل أني خلقته للجنة، إنما قال: # إني جاعل في الأرض خليفة.. # [البقرة: 30]. أما مسألة دخوله الجنة أي جنة الدنيا، فذلك لأنك حين ~~تريد أن تدرب شخصا على عمل ما فإنك لا بد أن تتكفل له بالإقامة ~~والنفقة، وتوفر له مقومات حياته بالطريقة التي تتيح له التدريب ~~والقيام بالمهمة التي كلف بها، وهكذا فعل الله تعالى لآدم، فلما نسي ما ~~أمره الله به واتبع الشيطان تغيرت طبيعته، ولم يعد صالحا للإقامة ~~في هذه الجنة، كما قال سبحانه: # فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما.. # [الأعراف: 22]. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها آدم بسوأته ~~لأنه خالف أمر ربه، كذلك إذا رأيت عورة ظهرت في الأرض إلى أن تقوم ~~الساعة فاعلم أنها نتيجة مخالفة لمنهج الله أو تعطيل لحكم من أحكامه، ~~وإلا ما الذي جعل هذه الفتحة في آدم عورة، وهي لا تختلف عن أي فتحة ~~مثلها في الجسم، ما الفرق بينها وبين فتحة الفم مثلا؟ إذن: متى كانت ~~عورة؟ كانت عورة حين أصبح لها مستقذرات ينفر منها طبع الإنسان، وكيف ~~تكونت هذه المستقذرات؟ تكونت لأنه أكل على خلاف منهج ربه، بدليل أنه ~~لما أكل وفق ما أمره الله لم تكن له فضلات، كان يأكل من طهي الله، ~~يأكل على قدر استبقاء الحياة. لكن لما خالف وأكل من الشجرة تكونت ~~الفضلات وظهر أثرها المستقذر # وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة.. # [الأعراف: 22] يريد أن يستر هذه العورة وأن يداريها، لكنها أصبحت ~~عادة لازمة للإنسان إلى الأبد، سوأة لا تستر ولا تدفع، إذن: صارت سوأة ~~بالمخالفة. لذلك نجدهم في الحروب وميادين القتال يعطون الجنود أقراصا ~~مغذية تفيد الجسم، ms8598 ولا تترك فضلات، ولا تزحم المعدة. ولو تنبه آدم ~~لوسوسة الشيطان ما طاوعه وما أكل من الشجرة لأنه أغواهما بقوله: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين # [الأعراف: 20] في حين أنه يطلب من الله أن ينظره إلى يوم يبعثون، ~~ولو علم أن هذه الشجرة تبقيه وتخلده لأكل هو منها، أليس هو القائل: # رب فأنظرني إلى يوم يبعثون # [ص: 79]. إذن: كان الشيطان كذابا، لكن لم يتنبه آدم لكذبه، قال تعالى: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه: 115]. لكن لماذا يقع آدم - عليه السلام - في هذا الابتلاء؟ قالوا: ~~لأن آدم سيكون أبا للبشر جميعا، وسيكون ممثلا لصنفين منهم، صنف ~~معصوم من الخطأ وهم الأنبياء والرسل، وصنف يخطئ وهم عامة الناس، إذن: لا ~~بد أن تتمثل في حياته هاتان الصورتان، وقد وقع منه العصيان وهو في ~~الجنة في فترة الاختبار التكليفي كما قلنا، وعصيانه هذا لا ينافي عصمة ~~الأنبياء، لأنه لم يكن قد نبئ بعد، لكن تاب آدم فتاب الله عليه # فتلقى ءادم من ربه كلمت فتاب عليه.. # [البقرة: 37]. وقال: # ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى # [طه: 122]. إذن: كان الاجتباء والاختيار للنبوة بعد المحنة التي وقع ~~فيها، وبعد الاجتباء عصم آدم عصمة الأنبياء، وكلمة # ثم اجتباه ربه.. # [طه: 122] دلت على التعقيب ووجود مدة بين عصيان آدم واجتبائه. إذن: ~~قوله تعالى: { جنات عدن.. } [ص: 50] أي: في دار الجزاء ومعنى { ~~عدن } يعني: إقامة دائمة لا تزول ولا تنتهي، وقال عدن لأن جنات ~~الدنيا ينتفع بها صاحبها مدة ثم تزول، فإما أن تصيبها جائحة، كما في ~~قوله تعالى في قصة أصحاب الجنة: # إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب الجنة إذ ~~أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * ~~فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون * ~~فأصبحت كالصريم # [القلم: 17-20] وإما أن يموت هو ويتركها لغيره. لذلك أراد الحق سبحانه ~~أن يطمئن أهل طاعته بأن الجنة التي أعدها لهم باقية دائمة لا تزول، ~~جنات إقامة دائمة خالدة، لا يفوتك ms8599 نعيمها ولا تفوته. وقوله سبحانه: { ~~مفتحة لهم الأبواب } [ص: 50] مفتحة اسم مفعول يدل على ~~المبالغة وكثرة تفتيح الأبواب، فمن الذي يفتحها؟ يجوز فتحها الخزنة ~~ساعة يرون أهل الجنة قادمين يفتحون لهم ويحيونهم # حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]. كما نرى مثلا في الفنادق الكبيرة، يقف الحراس والحجاب ~~على الباب، وساعة يأتي الزائر يفتحون له الباب، لكن لما ارتقوا بهذه ~~المسألة رأينا الأبواب تفتح وحدها أتوماتيكيا بمجرد الاقتراب منها، ~~فإن دخل الزائر تغلق أيضا تلقائيا. فيجوز أن الأبواب تفتح بفعل ~~الملائكة، أو تفتح بمجرد إرادة أهل الجنة، فساعة يريد أن يدخل تفتح ~~له دون تدخل من أحد. فإذا كان البشر قد توصلوا إلى هذه الدرجة في ~~مسألة فتح الأبواب، فهذا التقدم يؤيد ما جاء به القرآن، ومن ذلك ~~أيضا قوله تعالى: # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون # [الزخرف: 33]. لقد رأينا هذه السقف وهذه المعارج، وقد يراد بها ~~السلالم والأسانسيرات التي نصعد فيها الآن، وقد نزل هذا الكلام منذ ما ~~يزيد على أربعة عشر قرنا من الزمان على أمة أمية متبدية، لا تعرف ~~المباني، إنما تسكن الخيام وبيوت الشعر والوبر. إذن: في القرآن لقطات ~~تدلك على أن في كتاب الله رصيدا لكل ما يجد في حياة الناس، فإن ~~تعجبت لشيء في كتاب الله فاعلم أن الواقع يؤيده، وأنكم أيها الخلق ~~ستصلون في علومكم وارتقاءاتكم إلى مثل ما تتعجبون منه، فإذا كنتم قدرتم ~~أن تفعلوا ذلك فاسمحوا لله تعالى أن يفعله من باب أولى. ثم يقول ~~سبحانه في وصف أهل الجنة { متكئين فيها.. } [ص: 51] المتكئ هو ما ~~بين النائم والجالس، أو ما بين النائم والقاعد لأن هناك فرقا بين قعد ~~وجلس - وإن كان المعنى واحدا - لأن قعد تكون عن قيام، كان قائما فقعد، ~~أما جلس فمن الاضطجاع، يعني كان مضطجعا فجلس. # والإنسان حين يكون قائما يحمل وزنه كله على القدمين، فإن تعب من ~~القيام ms8600 قعد، وفي القعود يكون ثقل الجسم على المقعدة، فإن تعب من القعود ~~اتكأ على جنبه.. وهذا وضع بين الجلوس والاضطجاع على الأرض، ويوزع فيه ~~ثقل الجسم فيكون أكثر راحة للإنسان. لذلك اختاره الله لأهل الجنة، ~~واختارته امرأة العزيز للنسوة اللاتي استضافتهن. قال تعالى: # وأعتدت لهن متكئا.. # [يوسف: 31] فالمتكأ دل على أن المجلس لا يمل، وأن الاتكاء هو ~~الوضع الذي يأخذ فيه الإنسان راحته. وقال تعالى في أهل الجنة: # متكئين على فرش بطآئنها من إستبرق وجنى ~~الجنتين دان # [الرحمن: 54]. وقال أيضا في سورة الرحمن: # متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان # [الرحمن: 76]. وقال أيضا في بيان متكأ أهل الجنة: # متكئين فيها على الأرآئك.. # [الكهف: 31]. إذن: أهل الجنة يتكئون إما على الفرش المبطنة ~~بالإستبرق، وهو الحرير السميك الغليظ، وهو يشبه ما نسميه الآن الستان، ~~وإذا كانت هذه الفرش حشوها وبطانتها من إستبرق، فما بالك بظاهرها؟ ومعنى ~~رفرف هو ما نسميه الآن الكرانيش الموجود مثلا في الستائر. ومعنى ~~الأرائك مفردها أريكة، وهي السرير الذي توضع عليه الحليات والستائر أشبه ~~بالنموسية مثلا. هذه هي متكاءات أهل الجنة. لكن ماذا بعد أن يتكئ؟ لا ~~بد لتمام النعيم من الطعام والشراب فهو لا يتكئ ويصوم، إنما { ~~يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب } [ص: 51] فكأن التحية ~~التي تقدم لهم هي ما تشتهيه نفوسهم. يعني: لا يقدم لهم شيئا على غير ~~مرادهم، إنما حسب ما يرغبون وما يشتهون، فالتحية ليست ملزمة للجميع ~~لأنها قد لا تصادف هوى في النفس، وقدم الفاكهة مع أنها تفكه ~~ورفاهية بعد القوت الطبيعي والضروري، قالوا: وجود الفاكهة أو التفكه ~~دليل على وجود الضروريات من باب أولى. وقوله { وشراب } [ص: 51] ~~المراد الشراب المستخرج من العنب، وخص الفاكهة والشراب لأنها لم تكن ~~موجودة في البيئة التي نزل فيها القرآن، فكان لها لذة عندهم، فهم لا ~~يعرفون في طعامهم إلا التمر والبر والشعير، فذكر لهم ما يشتهونه من ~~الطعام والشراب. وفي موضع آخر قال سبحانه: # وفاكهة مما يتخيرون * ولحم طير مما ~~يشتهون # [الواقعة: 20-21]. وفي سورة البقرة يبين ms8601 لهم أن فاكهة الآخرة تختلف ~~عما يعرفونه من فاكهة الدنيا وإن تشابه الاثنان، فالشكل واللون واحد، ~~لكن المذاق مختلف، قال تعالى: # كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا ~~الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشبها ولهم ~~فيهآ أزوج مطهرة وهم فيها خلدون # [البقرة: 25]. إذن: الثمرة هي الثمرة، تفاح مثل التفاح، حتى أنك تقول: ~~هذا الذي أكلته في الدنيا، والحقيقة أنه مختلف تماما لأنه معد لك ~~بطلاقة القدرة. وفي مواضع أخرى يوضح لنا القرآن الكريم مجلس أهل الجنة ~~فيحدثنا مرة عن الفرش والمتكأ، فيقول: # فيها سرر مرفوعة * وأكواب موضوعة * ونمارق ~~مصفوفة * وزرابي مبثوثة # [الغاشية: 13-16]. النمارق جمع نمرقة، وهي التكاية التي نتكئ عليها. ~~والزرابي: جمع زريبة، وهي البساط المنقوش. وإذا حدثنا عن أدوات الشراب ~~يقول مرة أكواب ومرة أباريق ومرة كأس. هذه كلها أوعية للشراب، لكن هناك ~~فرقا بين هذه الثلاثة: فالكوب هو الإناء الذي ليس له عروة ولا خرطوم، ~~عروة يعني يد يمسك منها: والخرطوم هو الذي نسميه البزبوز الذي يصب ~~منه الماء، فإن كان له عروة أو خرطوم سمي إبريقا، فإن كان في الكوب ~~شراب سمي كأسا، يعني: الكأس هو الكوب إن كان ممتلئا، وإن كان ~~فارغا فهو كوب. ومن عادات العرب في الكاسات أن الواحد منهم لا يشرب كل ~~ما فيها، إنما يبقي فيها كمية من الشراب، ثم يريقها على الأرض، وفي هذا ~~دلالة على عدم الشره وعدم الطمع، أو دلالة على امتلاء العين ~~والاستغناء. وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: # وللأرض من كأس الكرام نصيب # وكنا قبل أن نذهب إلى طعام أحد الإخوان حين ندعى إليه نأكل أكلة ~~خفيفة، أو طبقا نسميه طبق الكرامة، حتى لا نجلس على الطعام ونحن ~~متلهفون للطعام، فلا يليق بالكريم أن يقبل على الطعام بشره، كأنه ~~لم ير طعاما من قبل. ومن عادات العرب أيضا في شرابهم أنهم لا يملئون ~~الكأس إلى آخرها، حتى يستطيع الشارب أن يميز الشراب من الكأس التي ~~وضعت فيه، وهذا يدل على صفاء الشراب أو ms8602 صفاء الكأس. لذلك قال شاعرهم: # لولا انتصاف الكأس خلنا أنها # في كف ساقيها تقوم بذاتها # يعني: لو ملئت الكأس لخلت أنها كأس بلا شراب، أو شراب بلا كأس. ~~لكن ماذا يطلب أهل الجنة بعد الاتكاء وبعد الأكل والشرب مما تشتهيه ~~أنفسهم، قالوا: الإنسان بعد أن تتوافر له هذه النعم يتطلع إلى حسناء ~~يداعبها تكون له وحده لا يشاركه فيها غيره، لذلك قال تعالى بعدها: { ~~وعندهم قاصرات الطرف... }. ### || [38.52-54] # معنى { قاصرات الطرف } [ص: 52] أي: تقصر الواحدة منهن عينيها ~~فلا تمتد إلى غير مالكها فلا يطمع أحد أن ينظر إليها، والطرف أو العين ~~لها أثر ولها كلام ولغة، ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام: # فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن ~~حاش لله ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم # [يوسف: 31] إلى أن قال سبحانه حكاية عن يوسف: # قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ~~وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من ~~الجاهلين # [يوسف: 33]. فالقصة كانت مع امرأة واحدة هي امرأة العزيز، فكيف يقول هنا # مما يدعونني إليه.. # [يوسف: 33] و # كيدهن.. # [يوسف: 33] و # أصب إليهن.. # [يوسف: 33] هكذا بصيغة الجمع. إذن: لا بد أنهن ساعة رأينه نظرت ~~إليه كل منهن نظرة استدل منها على أنها تهواه، فالنظرة إذن لغة تحمل ~~كلاما، وتعبر عما في نفس صاحبها، لذلك تكلم يوسف عنهن جميعا، لا عن ~~امرأة العزيز وحدها. لذلك لما أراد العزيز أن يستدعيه قال: # ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن.. # [يوسف: 50] والكلام كان في البداية عن امرأة العزيز. ومن النظرات التي ~~كانت لها دلالات في أدبنا العربي حكي عن أبي دلامة لما دخل على ~~الخليفة وحوله الأعيان، وأراد الخليفة أن يداعب أبا دلامة فقال له: يا ~~أبا دلامة، لتهجون واحدا منا أو لأقتلنك، فوقف أبو دلامة يفكر ~~فيما يقوله، وجعل الحاضرون ينظرون إليه، كل يقول له بالنظرة لا ~~تهجني، ولك ما تشاء من العطاء، فواحد يرغبه وواحد يرهبه. ~~وأخيرا، رأى أبو دلامة أن يرضي الخليفة ويهجو نفسه طمعا فيما ms8603 ~~ينتظره من عطاء هؤلاء الأعيان، وفوجئ الجميع بأبي دلامة يقول: # ألا أبلغ لديك أبا دلامة # فليس من الكرام ولا كرامه # إذا لبس العمامة كان قردا # وخنزيرا إذا نزع العمامه # واغتنى أبو دلامة من جراء هذه الدعابة. فمعنى { قاصرات الطرف ~~أتراب } [ص: 52] أيك تغص طرفها عن غير مالكها، وهذه للخصوصية ~~المطلوبة في المرأة بالذات لأنك تجد الرجل مهما كان سمحا كريما يجود ~~بكل ما يملك على من يحب إلا المرأة، فإنه لا يطيق مجرد أن ينظر أحد ~~غيره إليها، فهذه صفة للمؤمن في الدنيا، وهي أيضا صفته في الآخرة. لذلك ~~نقول: إن من عجائب ما يفعله الإيمان بأهله ومن مزاياه، أنه لا يخلع ~~العقائد من القلوب ولا الاختيار من العقول فحسب، بل يخلع الاتجاه من ~~العاطفة أيضا، وقد رأينا ذلك في قصة المهاجرين والأنصار، فالإيمان خلع ~~من القلوب الكفر، وخلع من العقول حب العناد في الاختيار، ثم خلع أقوى ~~العواطف وهي عاطفة الرجل نحو امرأته. ألم يقل الأنصاري لأخيه المهاجر ~~الذي جاء بغير أهله: انظر إلى زوجاتي، فأيهن أعجبتك أطلقها لتتزوجها ~~أنت. # إلى هذه الدرجة فعل الإيمان بالمؤمنين الأوائل. ومعنى { أتراب } ~~[ص: 52] أي: متساويات في الحسن أو في السن بحيث لا تميز منهن واحدة ~~عن الأخرى، فكلهن جميلات في سن واحدة، وحسن واحد، وقوام واحد ~~لماذا؟ قالوا: حتى تظل الأعين مقصورة على ما تملك لا يطمع أحد في ~~الأخريات ولا ينظر وتزوغ عينه على ما ليس له، فلو كانت النساء جميعهن ~~على درجة واحدة، فلم النظر إذن؟ أو { أتراب } [ص: 52] يعني: مثله ~~ومناسبة له تتقلب له في الصورة التي يحبها. وقوله سبحانه: { هذا.. } ~~[ص: 53] أي: ما ذكرناه من الجنة ونعيمها، هذا المذكور كله { ما ~~توعدون ليوم الحساب } [ص: 53] لكن نوعد ممن؟ نوعد ممن ~~يملك إنفاذ ما وعد به، نعم لأنه سبحانه القادر العزيز الغالب، ليس هناك ~~قوة تعانده، ولا قوة تعارضه فيما يريد. فأنت تعد الوعد وفي نيتك الوفاء ~~به، هذا عند التحمل، لكن أنت لا تملك عنصرا واحدا من عناصر ms8604 الوفاء بما ~~وعدت، فيأتي وقت الوفاء فلا توف لأنه عرض لك عارض حال بينك وبين ~~الوفاء بما وعدت، أما الحق سبحانه فوعده حق، لأن له طلاقة القدرة. ~~وقوله: { ليوم الحساب } [ص: 53] أي: حساب المتقين لأن الحساب ~~مطلقا يشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، فالحساب هنا أي حساب أهل ~~الإيمان، كما قاله سبحانه: # وإن للمتقين لحسن مآب # [ص: 49]. ثم يقول سبحانه: { إن هذا.. } [ص: 54] أي: الذي ذكرناه ~~{ لرزقنا ما له من نفاد } [ص: 54] فلم يقل لرزقكم إنما { ~~لرزقنا.. } [ص: 54] فكأنهم هم الذين يقولون، وهم الذين يقروون أن ما ~~هم فيه من النعيم باق لا ينفد، لماذا؟ لأنهم عاينوا صدق الوعد، وأن ~~الله أدخلهم الجنة على الوصف الذي أخبرهم به، فعلموا أن وعد الله ~~حق، وأن نعيمه خالد باق لا يزول. وبعد أن تكلم الحق سبحانه عن ~~المتقين الأخيار يتكلم بعدها عن الأشرار، فالصورة الأولى # وإن للمتقين لحسن مآب # [ص: 49] يقابلها: { هذا وإن للطاغين... }. ### || [38.55-58] # قال هنا أيضا هذا أي: الكلام السابق عن جزاء المتقين في الجنة. وفي ~~مقابله { وإن للطاغين لشر مآب } [ص: 55] لشر مصير وأسوأ ~~منقلب ومرجع، والمآب هنا أيضا كالمآب السابق، مآب إلى من أخذ عليهم ~~العهد الأول ومنحهم إيمان الفطرة، فكل مولود يولد على الفطرة، لكن ~~هؤلاء لم يوفوا بالعهد الذي أخذوه على أنفسهم، إنما خالفوا # ألست بربكم قالوا بلى.. # [الأعراف: 172]. وكما فصل الحق سبحانه حسن المآب يفصل هنا ~~أيضا شر المآب، فيقول { جهنم يصلونها.. } [ص: 56] أي: يصطلون ~~بنارها { فبئس المهاد } [ص: 56] أي: ساء. والمهاد: هو فراش الطفل ~~الذي يمهد له لينام فيه نومة مريحة، لكن ليس للطفل دخل في إعداده ~~إنما يعده له وليه الذي يتولى أمره، كذلك هؤلاء الطاغون لا دخل ~~لهم في المهد الذي سيلقون فيه. إذن: استخدام المهد هنا على سبيل ~~الاستهزاء والسخرية منهم. { هذا فليذوقوه حميم وغساق } ~~[ص: 57] أي: يذوقوا العذاب حميم هو الشيء الحار الذي تناهت حرارته، و ~~غساق هو صديد أهل النار الذي يسيل منهم في جهنم والعياذ بالله، تقول: ~~غسقت عينه ms8605 أي: سال دمعها. لكن هل ينتهي العذاب بالحميم والغساق؟ لا، بل ~~لهم ألوان أخرى من العذاب { وآخر من شكله أزواج } [ص: 58] ~~آخر: يعني عذاب آخر غير هذا ينتظرهم { من شكله.. } [ص: 58] من مثله ~~ومن جنسه ومن نوعه وتكوينه { أزواج } [ص: 58] أنواع وأصناف مختلفة، ~~وإلا فأين المهل؟ وأين شجرة الزقوم التي طلعها كأنه رؤوس الشياطين، ~~وغيرها من ألوان العذاب الذي أعده الله لهؤلاء الطاغين؟ وبعد أن أعطانا ~~الحق سبحانه هذه المقابلة التوضيحية بين جزاء أهل الأخيار المتقين، ~~ومصير الأشرار الطاغين، أراد سبحانه أن يفرق بين صحبة الأخيار وصحبة ~~الأشرار، فصحبة الأخيار تعينك على الطاعة وتعينك على الخير وصحبة الأشرار ~~تجرك إلى الشر وتدعوك إلى المعصية. ففي المدارس مثلا، كم من تلميذ ~~تفوق لأنه ماشى زميلا من أهل الخير أعانه على دروسه وحثه على ~~المذاكرة وخوفه من سوء العاقبة آخر العام إن أهمل، وفي المقابل كم من ~~تلميذ فشل لأنه صاحب الأشرار الذين أغروه بالهروب من الحصص، وأخذوه إلى ~~الشارع، وإلى السلوك غير المستقيم. وفي النهاية، لا بد أن يحمد ~~المتفوق زميله الذي أخذ بيده إلى الخير، ولا بد أن يذم الفاشل زميله ~~الذي أغراه وأضله وضيع عليه الفرصة. أراد الحق سبحانه أن يعطينا هذه ~~الصورة، فقال سبحانه: { هذا فوج مقتحم معكم... }. ### || [38.59-61] # هذه الآيات تصور لنا موقفا من مواقف القيامة دار بين أهل الشر الذين ~~تعاونوا عليه واجتمعوا من أجله، بين الأخلاء على الشر، وهذا الحوار ~~عناصره ثلاثة، هم: الملائكة خزنة النار، وزعماء الكفر الذين سبقوا إلى ~~النار، ثم أتباعهم من الذين أضلوهم، يقول الملائكة لزعماء الكفر: { ~~هذا فوج مقتحم معكم } [ص: 59] ينبهون أهل النار أن ~~جماعة من أتباعكم قادمة إليكم. ومعنى { مقتحم.. } [ص: 59] يعني: ~~داخل النار بشدة وبسرعة، لكن كيف يسرع الداخل وهو داخل إلى النار؟ قالوا: ~~لأنه لا يسير بإرادته، إنما يجبر على الحضور ويدفع إلى الدخول رغما ~~عنه، كما قال تعالى: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13]. والفوج هو الجماعة أو الطائفة كما نقول: فوج الحجاج، أو ms8606 ~~فوج المسافرين. فماذا قال زعماء الكفر الذين هم في النار؟ قالوا: { لا ~~مرحبا بهم إنهم صالوا النار } [ص: 59] يعني: لا سعة ~~ولا تحية ولا تكريم، هكذا حال الأخلاء على شر، ففي الآخرة تنقلب هذه ~~الخلة وهذه الصداقة إلى عداء، ويلعن كل منهم صاحبه، المتبوع يلعن ~~التابع، والتابع يلعن المتبوع، وها هم المتبوعون يقولون لأتباعهم: { لا ~~مرحبا بهم.. } [ص: 59] وعلام نرحب بهم؟ أجاءوا لينقذونا مما نحن ~~فيه؟ أو حتى ليخففوا عنا؟ إنهم جاءوا للنار وللاصطلاء بحرها. فرد ~~الفوج المقتحم الداخل على قادته وزعمائه الذين أضلوه: { بل أنتم لا ~~مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا.. } [ص: 60] أي: الكفر ~~والضلال، يعني: أنتم غششتمونا وأضللتمونا وأخذتم بأيدينا إلى هذا ~~المصير السيء # فبئس المصير # [المجادلة: 8] الذي صرتم وصرنا إليه { قالوا ربنا من ~~قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار } [ص: ~~61]. وفي موضع آخر، يصور القرآن هذا الموقف، فيقول حكاية عن ~~الكافرين: # ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا ~~السبيلا * ربنآ آتهم ضعفين من العذاب ~~والعنهم لعنا كبيرا # [الأحزاب: 67-68]. فطلبوا لهم ضعفين من العذاب، لأنهم ضلوا في ~~أنفسهم، ثم أضلوا غيرهم فاستوجب كل ضلال جزاء، إذن: لا بد أن ~~يكون المتبوع أشد عذابا من تابعه، والحق سبحانه لا يعذب عبده ~~بأكثر مما يستحق، لكن هؤلاء يضاعف لهم العذاب ضعفين من ناحية ~~انفكاك الجهة، فضعف لأنه ضل في ذاته، وضعف لأنه أضل غيره. ~~ومعنى: { أنتم قدمتموه لنا.. } [ص: 60] أي: بالإغواء ~~والتزيين وتحسين الضلال وتيسير سبله. وفي موضع آخر في سورة البقرة ~~يبين الحق سبحانه أن الأخلاء على الشر سيتبرأ كل منهم من الآخر: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال ~~الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم ~~كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم ~~حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار # [البقرة: 166-167]. وما أشبه موقفهم هذا بموقف الشيطان حين يقول لأتباعه ~~يوم القيامة: # إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن ~~دعوتكم ms8607 فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا ~~أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22]. هذا إذن مصير الأخلاء على الشر، تنتهي خلتهم بالعداوة ~~واللعن أما الأخلاء على الخير فهم أخلاء في الدنيا أخلاء في الآخرة، ~~وهذا المعنى واضح في قوله تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. كلمة أخلاء جمع خليل، والخلة تعني أنهما تحابا في ~~الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، تحابا حبا تعدى مرحلة اللقاء ~~والعناق إلى أن ذوب كلا منهما في الآخر، وكأنه أحدث بينهما تداخل ذرات ~~من جسم إلى جسم، وهذا الذي عبر عنه إسماعيل صبري رحمة الله عليه حين ~~قال: # ولما التقينا قرب الشوق جهده # خليلين فاضا لوعة وعتابا # كأن حبيبا في خلال حبيبه # تسرب أثناء العناق وغابا # لكن كيف يكون تحسين الضلال؟ وكيف يقبل الناس الإغواء بالباطل؟ قالوا: ~~لأن أي منهج من السماء لا بد أن يصادم شهوات النفس ونزواتها، فحين ~~تتغلب الشهوات والنزوات على الإنسان يلجأ إلى إله لا منهج له ولا ~~أوامر ولا نواهي، ومن هنا ضل الناس، فعبدوا الأصنام والجمادات، لأن ~~عبادة مثل هذه الآلهة تشعرهم بالتدين الذي يميل إليه الإنسان بطبعه، ~~فهو إذن متدين. وفي نفس الوقت، ينفلت من قيود المنهج، لأن إلهه لا يأمره ~~بشيء، ولا ينهاه عن شيء لأن العبادة كما قلنا: طاعة العابد للمعبود في ~~أمره ونهيه، فالذين عبدوا الأصنام مثلا أو الشمس أو القمر، بماذا ~~أمرتهم هذه الآلهة، وعم نهتم؟ ماذا أعدت هذه الآلهة لمن عبدها؟ ~~وماذا أعدت لمن كفر بها؟ إذن: فهي آلهة باطلة لأن المعبود بحق له منهج ~~افعل ولا تفعل، عنده الثواب لمن أطاع، والعقاب لمن يعصى. ثم يلتفت أهل ~~النار لفتة أخرى: { وقالوا ما لنا لا نرى رجالا... }. ### || [38.62-64] # { وقالوا } [ص: 62] أي: أهل النار { ما لنا لا نرى ~~رجالا.. } [ص: 62] يعنون أصحاب محمد الذين { كنا نعدهم من ~~الأشرار } [ص: 62]، كما قال الكفار لسيدنا نوح عليه السلام: # ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا ~~الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى ms8608 لكم ~~علينا من فضل بل نظنكم كاذبين # [هود: 27] كذلك قال كفار مكة لأتباع محمد من العبيد أمثال بلال وخباب ~~وغيرهم. فزعماء الكفر في النار ينظرون حولهم، فلا يجدون هؤلاء الأشرار - ~~معهم - فيتعجبون { ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم ~~من الأشرار } [ص: 62] أين هم؟ فالحال أنا لا نراهم، ثم يعودون ~~إلى أنفسهم فيقولون: { أتخذناهم سخريا.. } [ص: 63] يعني: ~~سخرنا منهم، وقلنا: إنهم أشرار وهم ليسوا أشرارا، فمصيرهم غير مصيرنا { ~~أم زاغت عنهم الأبصار } [ص: 63] يعني: هم موجودون معنا، لكن ~~زاغت أبصارنا فلا نراهم. وكلمة سخريا من السخرية والاستهزاء، أما ~~سخريا بالضم فهي بمعنى الاستغلال والاستذلال من التسخير في الأعمال. ~~ومعنى { زاغت عنهم الأبصار } [ص: 63] يعني: مالت عنهم، وقولهم ~~{ ما لنا لا نرى.. } [ص: 62] مثل قول سيدنا سليمان في قصة الهدهد: # مالي لا أرى الهدهد.. # [النمل: 20] فالمعنى أن الهدهد لا بد أن يكون موجودا، لكن المانع ~~عندي في أن أراه، ثم استدرك فقال: # أم كان من الغآئبين # [النمل: 20]. ثم يقول سبحانه: { إن ذلك لحق تخاصم أهل ~~النار } [ص: 64] ولا بد أن يتخاصم أهل النار لأنهم إما ضال ~~وإما مضل فيلقي كل منهم اللوم على الآخر ساعة يرى المصير الذي ~~صاروا إليه، ثم من الذي أخبرنا بهذا التخاصم، أخبرنا به القرآن الكريم، ~~والقرآن لم يقل قضية وخالفها الواقع. ولك أن تلاحظ هذه الحقيقة من ~~واقع القرآن مع المجتمع منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا ~~الحالي، أأخبر الحق سبحانه بقضية، وجاء الواقع مخالفا لها؟ # فلن تجد لسنت الله تبديلا.. # [فاطر: 43]. فمثلا في بدر انتصرنا عليهم وقتلنا منهم قتلى وأخذنا ~~أسرى، ولم يمر عام واحد حتى جاءت أحد، وفيها سار الكفار من مكة إلى ~~مقربة من المدينة، وكانت المؤشرات تدل على انتصار المسلمين، لكنهم خالفوا ~~منهج الله في عدم طاعتهم أمر رسولهم. وقد كان رسول الله قد أمر الرماة ~~ألا يتركوا أماكنهم مهما حدث. فلما رأى الرماة تفوق المسلمين وشاهدوا ~~بوادر النصر سال لعابهم على الأسلاب والغنائم، فنزلوا إليها، وتركوا ~~أماكنهم، فاستغل ms8609 الكفار الفرصة، والتفوا حول المسلمين، وفعلا ماعت ~~المعركة وإن كنا لم نهزم، إلا أننا لم ننتصر، مع أن الله تعالى وعد ~~رسله بالنصر ووعد جنده بالغلبة، فقال سبحانه: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. ومع ذلك كان عدم النصر في أحد ظاهرة صحية في ~~الإيمان لأن المسلمين لو انتصروا مع المخالفة لأمر الرسول لهان عليهم ~~أمره بعد ذلك، ولقالوا: خالفناه في أحد وانتصرنا، فإذا رأيت جنديا ~~للإسلام يهزم فاعلم أنه خالف التوجيه، إما خالف توجيه الرسول، أو خالف ~~توجيه القائد الموكل من الرسول. إذن: سنة الله في النصر لم تتخلف، إنما ~~تخلفت الجندية لله تعالى لذلك قلنا في أحد لم ينتصر المسلمون، لكن ~~انتصر الإسلام وانتصرت أوامره. كذلك حذرنا الحق سبحانه من الغرور ~~والزهو بالقوة وكثرة العدد، لأن النصر في الحقيقة ليس بكثرة عددكم، ~~إنما النصر من الله، وهذا الدرس أخذناه في غزوة حنين، فأبو بكر نفسه ~~داخله شيء من ذلك حين رأى أعداد المسلمين مقارنة بأعداد الكافرين، فقال: ~~لن نهزم اليوم من قلة، فأعطاهم الله درسا لا ينسى، وكاد النصر أن ~~يكون للكفار، لكن أدركتهم رحمة الله، وحن الله عليهم في نهاية المعركة ~~وحسمت لصالح الإسلام. إذن: فالزهو والغرور مخالف لقواعد الجندية ~~فالنصر ليس بالعدد ولا بالعدة، إنما النصر من الله كما قال سبحانه: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين # [التوبة: 14]. وقال: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى.. # [الأنفال: 17]. إذن: نقول ما دام أن الله أخبرنا بتخاصم أهل النار فهو ~~حق واقع نؤمن بصدقه. ثم أراد الحق سبحانه أن يعطي نبيه صلى الله عليه ~~وسلم حجة، فقال: { قل إنمآ أنا منذر... }. ### || [38.65-66] # نفهم هذه الآيات في ضوء ما حكاه القرآن في أول السورة من تكذيب الكافرين ~~لرسول الله، ففي الآيات الأولى من السورة قال تعالى: # وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون ~~هذا ساحر كذاب * أجعل الآلهة إلها واحدا إن ~~هذا لشيء عجاب # [ص: 4-5] ms8610 إلى أن قالوا: # أءنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ~~ذكري بل لما يذوقوا عذاب # [ص: 8]. إذن: الآيات في صدر السورة تبين أن هؤلاء القوم عندهم خلل في ~~قضيتين الأولى في قضية التوحيد # أجعل الآلهة إلها واحدا.. # [ص: 5] والأخرى: قضية النبوة # أءنزل عليه الذكر من بيننا.. # [ص: 8]. فجاءت هذه الآيات لترد عليهم ولتصحح هذا الخلل، فقال هنا: قل ~~يا محمد { إنمآ أنا منذر.. } [ص: 65] واختار هنا الإنذار مع أن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بشيرا ونذيرا، لأن الكلام هنا في مواجهة ~~الكافرين، فناسبهم الإنذار، وفي القضية الأخرى يقول سبحانه: { وما من ~~إله إلا الله الواحد القهار * رب السموت ~~والأرض وما بينهما العزيز الغفار } [ص: 65-66]. ### || [38.67-70] # معنى نبأ هو الخبر الهام الذي وراءه حقائق لا يكذبها الواقع. وقال ~~في سورة النبأ: # عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم # [النبأ: 1-2] ووصف بأنه عظيم لأنه سيترتب عليه أمران يتعلقان بالدنيا ~~والآخرة. فإن كنت أخذت حظك في اتباع شهواتك في الدنيا، والدنيا لها ~~نهاية، فستصلى في الآخرة نارا لا نهاية لها. وكان عليك أن تتنبه لهذه ~~المسألة لأن الإنسان لا بد له أن يحدد غايته في الوجود، والغاية ~~الحقيقية هي التي ليس بعدها بعد، أما الغاية التي بعدها بعد فليست ~~بغاية، بل هي مرحلة تؤدي إلى ما بعدها، كالتلميذ ينجح في القبول مثلا، ~~فيؤدي به النجاح إلى الإعدادية، والنجاح في الإعدادية يؤدي به إلى ~~الثانوية، والثانوية إلى الجامعة. وهكذا حتى لو أخذ الدكتوراه فإنه ينتقل ~~إلى ما بعدها من مراحل ثم الموت، حتى الموت ليس هو نهاية المطاف إنما ~~بعده، إما إلى نار وإما إلى جنة، وهذه هي الغاية التي ليس بعدها بعد، ~~لأنها باقية خالدة لا نهاية لها. لذلك الحق سبحانه ينبهنا إلى هذه ~~الغاية قل يا محمد { هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون } ~~[ص: 67-68]. وكلمة معرض يعني: منصرف هي التي نقول عنها: فلان أعطاني ~~عرض أكتافه يعني: مال عني وانصرف، وهذه الكلمة تمثيل لواقع الناس حين ~~يدعون ms8611 للإنفاق، وحين يدعون لعمل الخير، فمنهم من يعرض عنه، ~~ويكون الإعراض على مراحل أولا يميل عنك بوجهه ويلوي رقبته، ثم يعطيك ~~جنبه، ثم يبالغ فيدير لك ظهره. وقد صور لنا القرآن هذا المشهد، فقال ~~سبحانه في وصف عاقبة الإعراض عن الإنفاق في سبيل الله: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى ~~عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم.. # [التوبة: 34-35]. هكذا يكون الجزاء من جنس العمل، وبنفس ترتيب الإعراض ~~في الدنيا، يكون الكي في الآخرة # هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون # [التوبة: 35]. إذن: الأعضاء التي اشتركت في الإعراض هي التي ستكوى، ~~وعلى قدر الإعراض يتسع الكي. ثم أراد الحق سبحانه أن يدلل على أن ~~محمدا لا يعلم الغيب، فقال: { ما كان لي من علم بالملإ ~~الأعلى إذ يختصمون } [ص: 69] لأنه سبحانه سبق أن تكلم عن ~~تخاصم أهل النار، فقال: # إن ذلك لحق تخاصم أهل النار # [ص: 64] وقد أوضح سبحانه تخاصم الملأ الأعلى من الملائكة في المبدأ، حين ~~قالوا للحق سبحانه: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك.. # [البقرة: 30] هذا هو خصامهم، لا أنهم يتخاصمون كما يتخاصم البشر لأن ~~الله قال عنهم: # بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون # [الأنبياء: 26-27]. إنما سمى الحوار الذي دار بينه سبحانه وبين ~~الملائكة تخاصم، فكأنهم يغارون على الله أن يخلق خلقا آخر هم البشر ~~يعصونه ويفسدون في الأرض، كما أفسدت الجن من قبل. ثم يبين سبحانه ~~أن محمدا لا يعلم الغيب، إنما يخبره الله به وحيا: { إن يوحى ~~إلي إلا أنمآ أنا نذير مبين } [ص: 70] فالذي أعلمني ~~بما سبق يعلمني بما هو آت، وهذا ترق في علم الغيب. والغيب له ستار ~~يحجبه عنا ستار يحجب الماضي وستار يحجب المستقبل، يحجب الماضي الزمن لأن ~~الزمن القديم مثلا لم يكن فيه تدوين لأحداثه، ولو كان فيه تدوين فهو ~~تدوين مزيف، لأنه رأى البشر فيما حدث، وآراء البشر لا ms8612 بد أن تختلف. ~~كذلك يحجب المستقبل زمن المستقبل، فأنت لا تعلم ما سيحدث مستقبلا، أما ~~الحاضر الذي نعيشه فزمنه واحد لكن مكانه مختلف، فحجابه المكان، فأنت تعلم ~~الآن ما يحدث في مكانك، لكنك لا تعلم ما يحدث في الأماكن الأخرى. فالمعنى ~~أن الذي أخبرني أولا بأن الملائكة قالت كذا وكذا هو الذي أخبرني بتخاصم ~~أهل النار، إذن: فهو حق. وقال هنا أيضا { نذير مبين } [ص: 70] ~~أي: واضح، لأن الحديث ليس للمؤمنين أهل البشارة، إنما للمخالفين فناسبهم ~~{ أنمآ أنا نذير مبين } [ص: 70]. ### || [38.71-74] # هذا الكلام جاء من الحق - سبحانه وتعالى - للملائكة على سبيل الإخبار، ~~لكن فهموا هم أنه استشارة، وأن الخالق سبحانه يستشيرهم في مسألة خلق ~~الإنسان لذلك قالوا ما قالوه، وكان عليهم أن يتنبهوا إلى أن المسألة ~~مبتوت فيها، وأنها قضية منتهية لأن الله أخبر بها بقوله: { إني ~~خالق.. } [ص: 71] هكذا بلفظ التوكيد. وهنا لا بد أن نشير إلى أن ~~البعض يحاول الاستدراك على كلام الله في مسألة خلق الإنسان من طين، ~~يقولون: إن القرآن قال مرة: من طين. ومرة: من ماء. ومرة: من حمأ مسنون. ~~ومرة: من صلصال، والواقع أن هذه مراحل للشيء الواحد وليست اختلاف بدايات ~~مأخوذ منها، فالتراب حين يوضع على الماء يصير طينا، فإذا ترك الطين ~~حتى عطن وتغيرت رائحته، فهو الحمأ المسنون، فإذا جف وتصلب فهو ~~صلصال كالفخار. ولما خلق الله الإنسان خلقه من الطين، بمعنى أنه جامع ~~لكل عناصر التربة السوداء والصفراء والرملية.. إلخ وقد توصل العلماء ~~إلى أن هذه التربة هي الصالحة للزراعة، لأن الطينة أو التربة إن كانت ~~متماسكة تمسك الماء تحت الجذر فيمور ويذبل النبات، وإن كانت رملية تسرب ~~فيها الماء قبل أن يمتصه النبات. إذن: نحتاج إلى تربة بين بين، بحيث ~~تمسك الماء بالقدر الذي يتيح للنبات أن يستفيد منه ويمتص عناصر الغذاء، ~~ثم يتسرب الباقي فلا يضر بالجذور. كما توصل العلماء إلى أن عناصر جسم ~~الإنسان عبارة عن 16 عنصرا، تبدأ بالأكسوجين بنسبة 67% وهي أعلى نسبة ~~وتنتهي بالمنجنيز. وأن ms8613 الطين يحتوي على نفس هذه العناصر الستة عشر، وهذا ~~يثبت صدق الحق سبحانه في خلق الإنسان من الطين. ومعنى { فإذا ~~سويته.. } [ص: 72] يعني: صورت قالبه وشكله { ونفخت فيه ~~من روحي.. } [ص: 72] يعني يصير مخلوقا كاملا تدب فيه الحياة ~~ويتحرك { فقعوا له ساجدين } [ص: 72] أي: خروا ساجدين، ليس ~~سجود عبادة، إنما سجود طاعة لصاحب الأمر بالسجود. إذن: سجود الملائكة لم ~~يكن لآدم ذاته، إنما كان لله الذي خلق آدم وأمر الملائكة أن تسجد له، ~~ومعنى تسجد له كما تقول: أنا أسجد للقبلة، فالسجود ليس للقبلة ذاتها ~~إنما ناحيتها. { فسجد الملائكة كلهم أجمعون * ~~إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين } [ص: 73-74]. ### || [38.75] # المتتبع لهذه القصة يجد أن القرآن استوعبها في سبع سور، لكن بأسلوب ~~مختلف في كل منها، فمرة قال: # أبى.. # [الحجر: 31] ومرة قال: # أبى واستكبر.. # [البقرة: 34]. المسألة الأولى التي أردنا توضيحها في هذه القصة أن الحق ~~سبحانه لم يجعل الجنة التي خرج منها آدم إلى الأرض هي جنة المأوى، لأنه ~~لم يخلق للجنة ثم خرج منها بمعصيته، إنما خلق آدم للخلافة في الأرض، ~~وفي أول بلاغ عنه من الله قال تعالى: # إني جاعل في الأرض خليفة.. # [البقرة: 30]. إذن: هو مخلوق للأرض، ونظرا لأنه أبو البشر جميعا، ~~والبشر على صنفين: صنف معصوم هم الرسل، وصنف غير معصوم هم عامة الناس، ~~فكان ولا بد أن يتمثل في آدم ما ثبت للصنفين، عصى آدم أولا، ثم ~~اجتباه ربه وتاب عليه وعصمه الله بعدها، إذن: لم يعص آدم وهو نبي، إنما ~~عصى قبل النبوة. والحق - سبحانه وتعالى - لما عرض هذه المسألة وقال: # إني جاعل في الأرض خليفة.. # [البقرة: 30] لم يشأ سبحانه بعدالته ورحمته أن ينزل آدم إلى الأرض ~~ليعمرها بغير منهج من المناهج التي تصلح حركة الحياة، ولم يشأ أن ~~يجرب فيه التكليف الأول، فصنع له قطعة من الأرض فيها كل مقومات الحياة ~~وترفها، وأسكنه إياها ليدربه على التوجيه والتكليف بافعل ولا تفعل. فأباح ~~له أن يأكل من كل ما في هذا البستان إلا شجرة ms8614 واحدة نهاه عن مجرد ~~الاقتراب منها، ليمثل له الإباحة فيما أحل والحظر فيما منع، ثم ذكره ~~بعداوة الشيطان له وحذر منه ومن وسوسته. لكن أغوى الشيطان آدم، فأكل ~~من الشجرة التي نهي عنها، وحدثت منه المخالفة التي ترتب عليها ظهور ~~عورته لأول مرة، وهنا إشارة رمزية إلى أن العورات لا تظهر في المجتمع إلا ~~بمخالفة منهج الله. ثم نقف أيضا عند # ولا تقربا هذه الشجرة.. # [البقرة: 35] فلم يقل سبحانه: ولا تأكلا من هذه الشجرة، بل نهى عن مجرد ~~قربها، لأن من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه. لذلك تجد الحق سبحانه ~~حين يحدثنا عن الحدود التي أحلها الله لنا يقول: # تلك حدود الله فلا تعتدوها # [البقرة: 229] أما في الحدود التي حرمها فيقول: # تلك حدود الله فلا تقربوها # [البقرة: 187]. ونلحظ في الآية التي معنا قوله تعالى: { يإبليس ما ~~منعك أن تسجد.. } [ص: 75] وفي الأعراف قال: # ما منعك ألا تسجد.. # [الأعراف: 12] فمرة بالإثبات ومرة بالنفي. والمعنى واحد، لأن المتكلم ~~بهذا الكلام هو الله رب العالمين، معنى { ما منعك أن تسجد.. ~~} [ص: 75] يعني: أردت أن تسجد، فعرض لك عارض، أما # ما منعك ألا تسجد.. # [الأعراف: 12] يعني: أمنعك مانع فلم تسجد قهرا عنك؟ وقوله: { لما ~~خلقت بيدي. # . } [ص: 75] بيان لشرف هذا المخلوق، ويكفي في شرفه أن الله تعالى نسب ~~خلقه إليه سبحانه مباشرة { أستكبرت أم كنت من العالين ~~} [ص: 75] يعني: السبب الذي دعاك إلى عدم السجود إما استكبارك أن تسجد ~~لآدم، أم كنت من العالين؟ وقد اختلف العلماء في معنى العالين، بعضهم ~~قال: من الطاغين المتكبرين الذي أعرضوا عن أحكام الله ومنهجه ~~استكبارا، ومن ذلك قوله تعالى في فرعون: # وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن ~~المسرفين # [يونس: 83] وقال سبحانه: # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين # [القصص: 83] أي: علوا على أحكام الله، وعلى أوامر الله. وقال آخرون: ~~معنى العالين هم نوع من الملائكة، والذين لم يشملهم الأمر بالسجود لآدم، ~~فالمأمور بالسجود هم الملائكة الذين لهم علاقة ms8615 بهذا المخلوق وهم ~~المدبرات الذين قال الله عنهم # فالمدبرات أمرا # [النازعات: 5] والمعقبات الذين قال الله فيهم # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر.. # [الرعد: 11] هؤلاء هم الذين أمروا بالسجود. أما العالون فهم ملائكة لا ~~عمل لهم إلا تسبيح الله، ولا صلة لهم بهذا الكون، ولا يدرون عنه شيئا. ~~فالمعنى { أم كنت من العالين } [ص: 75] أي الذين لم يشملهم ~~الأمر بالسجود، وهذا المعنى أقرب للصواب، لأن الله تعالى قال قبلها: { ~~أستكبرت.. } [ص: 75] فلا نفسر العالين بعدها بمعنى المتكبرين، ~~لأنها تؤدي نفس المعنى الأول. وهنا ينبغي أن نشير إلى اختلاف العلماء ~~حول طبيعة إبليس، حيث قال بعضهم: إنه من الملائكة. وقال آخرون: من الجن. ~~أصحاب الرأي الأول يعتمدون على قوله تعالى: # إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين ~~* فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين # [ص: 71-72] فقالوا: إذن إبليس من الملائكة لأن الأمر وجه إليهم، ~~والدليل على ذلك أنه لما خالف وامتنع عن السجود عوقب، فهو إذن داخل في ~~الأمر، والله سبحانه لم يأمر إلا الملائكة، فلو لم يكن من الملائكة لم ~~يعاقب. ونقول في الرد على أصحاب هذا الرأي: لا بد أن نفرق بين ~~الدليل بالالتزام أو الاستنباط، وبين دليل النص، فإذا وجد نص فلا ~~مجال لدليل الالتزام أو الاستنباط، وقد قال الحق سبحانه في سورة الكهف: # إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه # [الكهف: 50] فكيف تصرح الآية بأنه من الجن ونقول نحن: إنه من ~~الملائكة؟ أما لماذا آخذه الله على عدم السجود إن كان من الجن؟ نقول: ~~لأن الملائكة مقهورون على الطاعة، فهي غريزة فيهم # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6] أما الإنس والجن فهم مخيرون بين الإيمان أو الكفر، وبين ~~الطاعة أو المعصية، فإذا جاء منهم من ألزم نفسه بالطاعة بحيث لا يعصي ~~فهو أفضل من الملائكة، لأن الملائكة مقهورون على الطاعة أما هو فطائع ~~باختياره وهو قادر على المعصية. # إذن: أخذ هذه الأفضلية، لأنه حمل ms8616 نفسه على أن يطيع، وقد كان إبليس في ~~هذه المنزلة حتى قيل: إنه طاووس الملائكة لأفضليته عليهم، فلما صدر الأمر ~~للملائكة شمله أيضا، لأنه إن كان أعلى منزلة من الملائكة وحالة الطاعة، ~~فكان عليه أن يطيع الأمر، وإن كان أقل من الملائكة، فالأمر للأعلى ~~يستلزم الأمر للأدنى. ومثلنا لهذه المسألة قلنا: إذا دخل رئيس ~~الجمهورية فوقف له الوزراء، فوقوف وكلاء الوزراء من باب أولى، وبذلك ~~نحسم هذا الخلاف بعيدا عن الجدل الذي لا طائل منه. وقوله تعالى: # فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس ~~استكبر وكان من الكافرين # [ص: 73-74] دليل على أنه مخلوق مختار، كالإنسان يطيع ويعصي، كما قال ~~تعالى: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29]. ثم يحكي الحق سبحانه قول إبليس في الرد على ربه عز ~~وجل: { قال أنا خير منه... }. ### || [38.76] # نعم، خلق آدم من الطين، وخلق إبليس من النار، لكن من قال إن الطين ~~أقل من النار، أو أن النار أعلى من الطين، لأن المخلوق لا يأخذ منزلة ~~وميزة بجنسه، إنما يأخذ ميزته ممن خلقه، إذن: ليس هناك جنس أعلى من ~~جنس، لأن الله خلق الجميع، وجعل لكل منهم مهمة في الحياة، فهم في الخلق ~~لله سواء. لذلك قلنا: إن الله تعالى جعل الأسباب للمؤمن وللكافر عطاء ~~ربوبية، لكن لما آمن المؤمن خصه الله بعطاء آخر، هو عطاء الألوهية في ~~العبادة. فإبليس لما خالف أمر الله، وادعى هذه الخيرية على آدم: { ~~قال فاخرج منها... }. ### || [38.77-78] # الرجيم: المطرود من رحمة الله، المحروم من كل خير، ثم تأكد هذا المعنى ~~في { وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين } [ص: 78] إلى ~~يوم القيامة. فرد إبليس بعد أن لعنه الله وطرده من رحمته: { قال ~~رب فأنظرني إلى... }. ### || [38.79-81] # يقول إبليس لرب العزة: { فأنظرني.. } [ص: 79] أي: أخر أجلي، ~~إذن: فهو يعلم أن لكل أجلا محددا لا يتجاوزه، وقول إبليس لربه: { ~~فأنظرني.. } [ص: 79] يفضح قوله لآدم لما أراد أن يغويه بالأكل من ~~الشجرة # هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى # [طه: 120] فلو ms8617 كانت شجرة الخلد حقا، فلماذا تطلب من ربك أن يؤخر ~~أجلك؟ ودل ذلك أيضا على غفلة آدم، فلو تنبه إلى هذه المسألة ما أكل ~~من الشجرة. ونفهم أيضا من ذلك أن إبليس نفسه المعلم الكبير هو الذي ~~تولى غواية آدم، ولم يترك هذه المهمة لواحد من ذريته، لماذا؟ قالوا: ~~لأن آدم أصبح في صف الملائكة، فلا يناسبه شيطان صغير من الذرية، إنما ~~الكبير إبليس. ثم يجيب الحق - سبحانه وتعالى - إبليس فيما طلب، فيقول ~~له: { فإنك من المنظرين } [ص: 80] المؤخرين { إلى ~~يوم الوقت المعلوم } [ص: 81] أي: إلى يوم القيامة. ### || [38.82-83] # دلت هذه الآية على أن العداوة ليست بين إبليس وربه، إنما بين إبليس ~~وبني آدم، ودلت على أن إبليس عرف كيف يقسم حين قال: { ~~فبعزتك.. } [ص: 82] أي: بعزتك يا رب عن خلقك وغناك عنهم وعن ~~طاعتهم وإيمانهم # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29]. فمن هذا الباب دخلت إليهم، ومن هذا الباب لأغوينهم ~~أجمعين، فأنا لا آخذهم منك يا رب، ومن تريده منهم لا أستطيع الاقتراب ~~منه، بدليل قوله بعدها: { إلا عبادك منهم المخلصين } ~~[ص: 83] إذن: عزتك عنهم هي التي أطمعتني فيهم. ### || [38.84-85] # الكلام هنا لله عز وجل { قال فالحق.. } [ص: 84] أي: ما نصنع لك ~~هو الحق { والحق أقول.. } [ص: 84] أي: أنا لا أقول إلا الحق، ولا ~~يطلب مني إلا الحق لأني أنا الحق، ثم يبين سبحانه الحق المراد ~~الذي قاله الله وقضى به: { لأملأن جهنم منك وممن ~~تبعك منهم أجمعين } [ص: 85] أي: منك ومن ذريتك وممن تبعك ~~منهم، أي: من أمة محمد أي: أمة الدعوة، وهي من آمن أو كفر. قالوا: أهذا ~~حكم مسبق من الله تعالى على الخلق الذين سيجيئون بعد؟ ولو كان الأمر ~~كذلك فالمسألة قهر وإجبار، والحقيقة أن الله تعالى كتب عليهم هذا بعلمه ~~بما سيكون منهم باختيارهم لا بقهره لهم على أن يفعلوا، فلعلمه بما سيكون ~~كتب، وليس في المسألة قهر ولا إجبار. وقد مثلنا لهذه القضية - ولله ~~تعالى المثل الأعلى - قلنا: إن المعلم في الفصل ms8618 يستطيع من خلال علمه ~~بمستوى التلاميذ أن يحدد نتائجهم فيقول: فلان سينجح وفلان سيرسب، فلعلمه ~~بمستواهم الدراسي حكم عليهم، ولا دخل له في الامتحان ولا في تصحيحه. ### || [38.86-88] # قل أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم { قل مآ أسألكم ~~عليه من أجر.. } [ص: 86] ولو قال: ما أسألكم عليه أجرا لاستقام ~~المعنى أيضا، لكن قوله: { من أجر.. } [ص: 86] من هنا دلت على ~~أقل ما يقال له أجر ولو كان جنيها واحدا، أو قرشا واحدا، فمن هنا ~~نفت مطلق الأجر، أما كلمة أجر فهي تعني أجرا مجزيا يعتد به ولا ~~تمنع وجود الأجر القليل، كما تقول: ما عندي مال، وما عندي من مال أي: من ~~بداية ما يقال له مال. ولو كان قرشا واحدا. وكون الحق سبحانه يقول ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد ما أسألكم عليه من أجر، كأنه ~~يقول لهم: يا قوم إن ما جاءكم به محمد عمل نافع لكم في دينكم وفي ~~دنياكم، وكان الواجب عليكم أن تعطوه أجرا عليه، إذن: هو يستحق الأجر ~~لكن لن يسألكم إياه لأن ما يقدمه لكم لا يستطيع بشر أن يؤدي حقه أو ~~يدفع ثمنه، فأجره لا يأخذه إلا من الله، فهو وحده القادر على أن يجازيه، ~~وأن يعوضه عما قدم. إذن: محمد صلى الله عليه وسلم يستحق على هداية ~~القوم وتبليغهم منهج ربهم أجرا، وهو غير زاهد في هذا الأجر، إنما يريد ~~أن يقوم هذا العمل بتقويم الذي أرسله بهذه الرسالة. وهذه العبارة { ~~قل مآ أسألكم عليه من أجر.. } [ص: 86] سنة لازمة لجميع ~~الأنبياء، فكلهم قالوها لأقوامهم عدا سيدنا إبراهيم وسيدنا موسى عليهما ~~السلام، لماذا؟ قالوا: لأن سيدنا إبراهيم أول ما دعا إلى الإيمان بالله ~~ووحدانيته دعا أباه آزر، ولا ينبغي له أن يطلب أجرا من أبيه، كذلك سيدنا ~~موسى أول ما دعا إلى الإيمان دعا فرعون الذي رباه وأحسن إليه، فكيف ~~يقول له: أعطني أجري. وقوله سبحانه: { ومآ أنآ من ~~المتكلفين } [ص: 86] المتكلف: هو المتصنع الذي يظهر شيئا ms8619 ~~فوق قدره المنوط به، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تتكلفوا للضيف فتبغضوه " # يعني: لا تحملوا أنفسكم فوق طاقتها، كالذي يقترض ليقوم بواجب ~~الضيافة، ثم يذهب الضيف ويبقى عليه الدين وهذا يجعله يكره الضيف بعد ذلك ~~ويتأذى أن ينزل به. إذن: كن على طبيعتك، وقم بواجب الضيافة على ~~قدر طاقتك. ولم لا وقدوتك صلى الله عليه وسلم يقول: { ومآ أنآ ~~من المتكلفين } [ص: 86] لأن الأمر الذي جئت به لا يحتاج إلى ~~تكلف إقناع لأنه أمر موافق للطبيعة. ولك أن تستعرض أحكام الشرع، وأن ~~تنظر فيها، أهي صالحة في ذاتها أم لا؟ الدين يقول لك: لا تكذب. فمن ~~يقول إن الخير في الكذب؟ الدين يقول لك لا تغش فمن يقول: إن الصلاح في ~~الغش؟ الدين نهاك عن شرب الخمر فمن يقول إنها تصلح؟ ومن ينكر أنها ~~تفسد العقل الذي ما كرم الإنسان إلا به؟ إذن: كلها أحكام واضحة لا ~~تحتاج إلى تكلف في الإقناع بها، لأنها توافق الفطرة السليمة. # ثم يقول سبحانه: { إن هو إلا ذكر للعالمين } [ص: 87] ~~أي: ما هو أي القرآن { إلا ذكر للعالمين } [ص: 87] والذكر ~~والتذكير لا ينشأ إلا من نسيان شيء سابق ونريد أن نذكرك به، فالقرآن ~~ذكر بمعنى أن يذكرك بما نسيته من العهد الأول عهد الفطرة الذي أخذه ~~الله عليك وأنت في طور الذر، فقال: # ألست بربكم.. # [الأعراف: 172] فأقر الجميع # قالوا بلى.. # [الأعراف: 172]. فقال الله تعالى: إذن احفظوا هذا العهد وتذكروا هذا ~~الإقرار # أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل ~~وكنا ذرية من بعدهم.. # [الأعراف: 172-173]. إذن: الحق سبحانه لا يكلفك بهذا الإقرار إنما ~~يذكرك به، لأن التكليف أخذ عليك يوم أن كنت ذرة في ظهر أبيك ~~آدم، ولم تكن لك شهوة. فقوله تعالى عن القرآن: { إن هو إلا ~~ذكر للعالمين } [ص: 87] دل على أن ما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم من قمة توحيد الله والإيمان به إلى فرعيات التكليف وجزئياته ms8620 ~~أمر كان في القديم، عرفه الجميع وأقروا به، والقرآن فقط مذكر بهذا ~~العهد الأول. ثم تختم السورة بقوله تعالى: { ولتعلمن نبأه ~~بعد حين } [ص: 88] أي: الذين كذبوا القرآن سيعلمون عاقبة هذا ~~التكذيب وسيعلمون أنه خبر صادق، سيعلمون ذلك { بعد حين } [ص: 88] ~~قالوا: الحين يراد به ظهور الإسلام وانتصاره على الكفر، بداية من معركة ~~بدر إلى أن قال القائل: عجبت لهذا الأمي، كيف يفتح نصف الدنيا في ~~نصف قرن، نعم هذه عجيبة ولا تزال حتى الآن. وقد شاهد هؤلاء المكذبون ~~بأعينهم انتصار الإسلام واندحار الكفر، وشاهدوا نقصان رقعة أرض الكفر، ~~وازدياد رقعة أرض الإيمان، كما قال سبحانه: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها.. # [الرعد: 41] ومع ذلك لم يأخذوا من فتوحات الإسلام عبرة. وقالوا: الحين ~~يراد به القيامة حين يدخل هؤلاء المكذبون النار، عندها سيعلمون صدق ~~هذا الكلام الذي أخبرهم الله به في قرآنه. وكلمة النبأ لا تقال إلا للخبر ~~العظيم الهام، كما قال سبحانه: # قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون # [ص: 67-68]. فما بالك بنبأ الذي وصفه بأنه عظيم هو الله؟ وعظمة الخبر ~~تأتي بمقدار ما يهيىء من الخير للإنسان، فالخبر بأنك نجحت في القبول، ~~غير الخبر بنجاحك في التوجيهية، غير الخبر بأنك أصبحت وزيرا، فعظم ~~الخبر بمقدار ما يحمل لك من الخير المرجو منه للإنسان. إذن: ما بالك ~~بالخير الذي ينتظرك بعد قيامك بالتكاليف الربانية، إنه خير لا يسعدك في ~~دنياك المنقضية فحسب، إنما يسعدك في آخرتك الباقية الخالدة، فعظم هذا ~~الخبر أنه ضمن لك الحياتين الدنيا والآخرة. وأسأل الله في آخر السورة ~~أن يجعل لنا حظا من قوله: { ولتعلمن نبأه بعد حين } ~~[ص: 88]. ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1] # فرق بين تنزيل وإنزال ونزول النزول هو الحدث الذي يأتي بشيء من أعلى ~~إلى أدنى، والإنزال يدل على أن الذي أنزل أعلى من المنزل إليه، أما ~~التنزيل فيدل على النزول على فترات بحسب الأحوال. فقوله تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] يعني: أنزلناه جملة واحدة في أول رسالة ms8621 محمد، ليباشر ~~القرآن مهمته في الوجود، ثم نزل بعد ذلك منجما حسب الحاجة. قال ~~تعالى: # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ومآ أرسلناك ~~إلا مبشرا ونذيرا # [الإسراء: 105]. يعني: أنزلناه بالحق بداية، وظل على الحق لم يستطع ~~أحد أن يغيره أو يفسده لأنه حق. وهذه المادة نزل أو نزل أو ~~أنزل، تدل كلها على علو المنزل ودنو المنزل إليه، وتدل على أن شرف ~~المنزل من شرف من أنزله، وتدل أيضا على أن من أنزل المنهج القويم ~~للمخلوق يريد أن يكرمه وأن يعلو به. إذن: دل الإنزال على شرف ~~المنزل وعلو مكانته، وعلى شرف ما أنزل وعلى شرف من اختاره الله، ~~وجعله أهلا لأن يوجه إليه هذا الخير. ومن ذلك قوله تعالى في أمة محمد: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]. ولما تتبعنا مادة نزل في القرآن الكريم وجدناها كلها ~~تدل على العلو، إلا في عدة مواضع لم يكن الإنزال فيها من العلو، وهو ~~قوله تعالى في سورة الحديد: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس # [الحديد: 25] فالحديد لا ينزل من علو إنما يستخرج من الأرض، فلماذا ~~قال الله: # وأنزلنا الحديد # [الحديد: 25]؟ قالوا: نعم الحديد من الأرض، لكن من جعله فيها؟ الخالق ~~سبحانه، إذن: فهو أيضا إنزال أي: جعل له في الأرض، فلا تنظر إلى جهة ~~الإنزال، إنما إلى من أنزل. ثم إن إنزال الحديد تتميم لرسالات الرسل ~~لهداية الخلق إلى منهج السماء، لأن الله تعالى قال بعدها: # وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب # [الحديد: 25] فمن الحديد سنصنع السيوف والرماح وعدة الحرب. كذلك في: # وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج.. # [الزمر: 6] وقوله: # يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير # [الأعراف: 26]. وفي مسألة الإنزال هذه نلحظ لفتة جميلة في أسلوب القرآن ~~الكريم، في استخدام حرف الجر المتعلق بالفعل أنزل، وكيف أنه يأتي مناسبا ~~للمعنى المراد من الإنزال، ففي خطاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول له ~~ربه عز وجل: # نزل عليك الكتب بالحق # [آل عمران: 3] قال عليك مع ms8622 أن الكتاب نزل للناس جميعا # كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته # [ص: 29]. لكن روعي هنا المخاطب المستقبل المبلغ عن الله، لكن لما ~~يتكلم على النعم التي ينتفع الناس بها مباشرة يقول عليكم ثم نلحظ دقة ~~التعبير في استخدام حرف الجر، قال: # وأنزل لكم من الأنعام # [الزمر: 6] وفي اللباس قال: # قد أنزلنا عليكم # [الأعراف: 26] قالوا: لأن اللباس الساتر للبدن يكون على الجسم يلفه ~~ويستره، فناسبه الحرف على. أما الأنعام فهي شيء مستقل منفصل عن الإنسان. ~~الحق سبحانه وتعالى يعطي من علو، ولكن الذي يعطي له هو من صنعته أيضا، ~~فعلو في خلق آدم الخليفة، وعلو في المنهج الذي يصونه، حتى أن بعضهم ~~قال: إن الإنسان خليفة لله في الأرض، بمعنى أنه مفوض من الله بالقيام ~~بما أراده الله، بدليل لو كان هناك محتاج ضن الناس عليه يقول الله ~~لهم: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245]. فسمى هذا الإعطاء للفقير قرضا، مع أنه سبحانه المعطي ~~الواهب لهذا المال، لكن لما كان الحق سبحانه هو الخالق، وهو الذي استدعى ~~الإنسان للوجود وتكفل له برزقه، فاعتبر المال ماله وحقه، فإن بذله فهو ~~قرض لله. ومثلنا لذلك - ولله تعالى المثل الأعلى - قلنا: حين تعطي ولدك ~~مصروفه فيجعله في حصالة مثلا، ومرت بك ظروف احتجت لما في حصالة ~~الولد فقلت له: سلفني ما في حصالتك لحين ميسرة. مع أنك صاحب هذا المال. ~~فكأن الحق سبحانه يحترم ملكية العبد، مع أنها من فضله، فإن طلبها منه ~~طلبها على سبيل القرض. و الكتاب أي: القرآن. فمرة يقول: الكتاب. ومرة: ~~القرآن، دليل على أنه سيأخذ الوصفين معا، فهو كتاب بمعنى مسجل ومكتوب ~~يعني لا ينكر، وهو قرآن بمعنى مقروء، فهو مسجل في السطور ومحفوظ في ~~الصدور، وهذه ستكون حجة علينا. وقد علمنا الدقة التي اتبعها الصحابة في ~~جمع القرآن من صدور الحفظة، فكانوا لا يكتبون آية إلا إذا قرأها اثنان من ~~الحفظة واتفقا على صحتها، كذلك يشهد على صحتها اثنان بعد الكتابة، ~~فدلت هذه الدقة على حيثيات ms8623 قوله تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. وكلمة الكتاب هكذا بأل التعريفية تدل على أنه الكتاب الكامل ~~في الكتب، ولا تنصرف هذه الكلمة إلا إلى القرآن الكريم. وقوله تعالى: { ~~من الله } [الزمر: 1] دل على أن التنزيل من أعلى لأدنى، لكن لماذا ~~قال { من الله } [الزمر: 1] ولم يقل: من الرب؟ لأن هذا الكتاب جاء ~~بمنهج للتربية، والرب هو المتولي للخلق وللتربية. قالوا: لأن الربوبية ~~عطاء يشمل الجميع المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فالرب خلق الجميع ~~الخلق المادي وأمد الجميع، فالكل في عطاء الربوبية سواء. أما المنهج ~~الذي نزل به الكتاب، فهو منهج إيماني وخلقي وتعبدي من عطاء الألوهية، ~~لا من عطاء الربوبية، لذلك قال في الكتاب: { من الله } [الزمر: 1]. ~~والله علم على واجب الوجود، أما الأسماء الحسنى فهي أوصاف بلغت العظمة ~~لأنها لله تعالى وغلبت عليه، فصارت أسماء قال تعالى: # ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها # [الأعراف: 180] والجامع لها كلها لفظ الجلالة الله، فحين تقول الله كأنك ~~ناديت الله بجميع أسمائه الحسنى لذلك أمرنا أن نبدأ العمل بقول باسم ~~الله، والعمل يحتاج إلى قوة وإلى علم وإلى حكمة وإلى عزة. # . إلخ. فلو كنت مقبلا على عمل يحتاج إلى عشرين صفة مثلا فهل تقول: ~~باسم القوي، باسم العليم، باسم الحكيم.. لا لأن في وسعك أن تجمع كل ~~هذه الصفات في قولك باسم الله لأن لفظ الجلالة هي الكلمة الجامعة لكل ~~صفات الكمال، وتناسب كل ما يحتاجه العمل، وكل ما يتعلق بالفعل، مما تعرفه ~~أنت ومما لا تعرفه. لذلك قالوا: إياك أن تدع هذه الكلمة في بداية ~~العمل، حتى لو كنت عاصيا فلا تخز من ربك ولا تخجل أن تقولها، ولا ~~تستبعد أن الله يعاونك حتى وأنت عاصيه، لأن ربك الذي تدعوه وتبدأ عملك ~~باسمه رحمن رحيم، وهو الذي أمرك أن تقولها. إذن: قال سبحانه: { تنزيل ~~الكتاب من الله } [الزمر: 1] لأن الكتاب نزل بمنهج وقيم، ولم ~~يقل: من الرب لأن الرب وصف خاص بالمادة وبالقالب. وقوله: { العزيز ~~الحكيم } [الزمر: 1] العزيز هو: الغني ms8624 عن الخلق الذي لا تنفعه ~~طاعتهم، ولا تضره معصيتهم، وجاء هذا الوصف بعد { تنزيل الكتاب ~~من الله } [الزمر: 1] لمناسبة، فكأن الحق سبحانه يقول لنا: اعلموا ~~أنني متطوع بهذا المنهج الذي أنزلته عليكم، وأريد به سعادتكم في الدنيا ~~ونعيمكم في الآخرة، أما طاعتكم لمنهجي فلا تزيد في ملكي شيئا، لأنني ~~الغني عنكم، فأنا العزيز عن خلقي. لذلك في مسألة الشرك بالله قال ~~تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]. وقال في الحديث القدسي: # " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك به معي غيره تركته ~~وشركه ". # يعني: أنا متنازل لهذا الشريك عن العمل كله، لأني عزيز عن خلقي، لا ~~مصلحة لي من طاعتهم، إنما المصلحة تعود عليهم هم. إذن: فربك خلقك وأنزل ~~عليك ما يصلحك، فإن أطعته أثابك، لأن لله تعالى صفات، وهذه الصفات ~~تحتاج إلى متعلقات، فحين تؤدي هذه المتعلقات لله يجازيك عليها. إذن: قل ~~باسم الله واعلم أنه عزيز عن هذه، وتذكر قوله سبحانه في الحديث القدسي: # " يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل ~~واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا. ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ~~وشاهدكم وغائبكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي ~~شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد، ~~وسألني كل واحد مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص ~~المخيط إذا أدخل في البحر، ذلك أني جواد ماجد واجد، عطائي كلام ~~وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن فيكون ". # فالحق سبحانه هو العزيز الذي يغلب ولا يغلب، وهو سبحانه يخلع من هذه ~~الصفة على من يؤمن به، فللمؤمن عزة من عزة الله، أما غير المؤمن فيبحث ~~عن عزة بالإثم استكبارا بلا رصيد، ومن ذلك قول المنافقين. # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل.. # [المنافقون: 8] قال الله لهم: صدقتم في ms8625 هذه المقولة: ليخرجن الأعز ~~منها الأذل، لكن من الأعز؟ ومن الأذل؟ ثم حكم الحق سبحانه أن العزة ~~لله ولرسوله وللمؤمنين: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين # [المنافقون: 8]. إذن: أنتم الأذل، وأنتم الذين ستخرجون من المدينة لا ~~رسول الله، وقد تم ذلك لرسول الله، وقد كان. والحق سبحانه مع أنه { ~~العزيز.. } [الزمر: 1] الذي يغلب ولا يغلب، فهو سبحانه { الحكيم ~~} [الزمر: 1] أي: الذي يضع الشيء في موضعه. ومن هذه الحكمة أنه سبحانه لا ~~يطبع المؤمن على العزة الدائمة، ولا على الذلة الدائمة، كذلك لا يطبعه ~~على الرحمة الدائمة، ولا على الشدة الدائمة، بل ينفعل للأحداث الإيمانية، ~~كما قال سبحانه: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29] وقال: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين # [المائدة: 54]. ومع أن هذه طباع في النفس إلا أنها معدلة بمنهج من ~~خلقها، فإن كان الموقف يحتاج إلى رحمة فالمؤمن رحيم، وإن كان الموقف ~~يحتاج إلى شدة. فالمؤمن شديد. إذن: هذا مظهر من مظاهر حكمة الخالق ~~سبحانه، فإن قلت: هذه طباع، نعم طباع لكن معدلة بمنهج من خلقها. ~~والحكمة مأخوذة من شيء حسي، مأخوذة من الحكمة التي توضع في فم ~~الفرس، والتي نسميها اللجام، وهو الأداة التي بها نتحكم في حركة الفرس، ~~وفي سرعته واتجاه سيره، وبها نكبح جماحه إن جمح. ### || [39.2-3] # الحق هو الأمر الثابت الذي لا تأتي أغيار الزمن فتنقضه، وما دام الحق ~~ثابتا لا يتغير فلا يغرنك علو الباطل إن علا يوما من الأيام لأن ~~علو الباطل من ثبات الحق، فالباطل حين يعلو يعض الناس، ويشقى به ~~الخلق، ويكتوون بناره، وعندها يتطلعون للحق ويتشوقون إليه. فكأن ~~الباطل جندي من جنود الحق، والكفر جندي من جنود الإيمان. فالله تعالى لا ~~يسلم الحق أبدا، ولكن يتركه فترة حتى يعلو الباطل عليه ليبلو غيرة ~~الناس عليه، فإذا لم يغاروا عليه غار هو عليه. { فاعبد الله } ~~[الزمر: 2] يعني: ما دمنا قد أنزلنا إليك الكتاب بالحق فانظر ماذا في ~~الكتاب، فيه منهج افعل كذا ولا تفعل كذا، فيه تكليف ms8626 للجوارح، ولابد ~~أن يسبق العمل بالتكليف اقتناع القلب بالمكلف والإيمان به. فأنت حين ~~تقف أمام قضية صعبة تعجز عن التفكير فيها، أو أخذ قرار تذهب إلى من ~~شهد له بالحكمة أو العلم والرأي ليفكر لك ويعينك على أمرك، فمثل هذا ~~الرجل تأتمنه وتسلم له زمام أمرك لأن رأيه يصلحك. إذن: لا بد قبل ~~العمل بافعل ولا تفعل أن تثق وتتيقن بمن كلفك، وهذا هو الإيمان الذي ~~ينبغي أن يسبق العمل. لذلك نقول: لا ينفع إيمان بلا عمل ولا عمل بلا ~~إيمان، واقرأ قول الله تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات: 14]. لذلك قال تعالى: { فاعبد الله مخلصا له ~~الدين } [الزمر: 2] فشرط العبادة الإخلاص، والعبادة تعني طاعة ~~العابد لأمر معبوده ونهيه، وهذا التحديد لمعنى العبادة يبطل عبادة ~~كل ما سوى الله تعالى، فالذين عبدوا غير الله من شمس أو قمر أو نجوم ~~أو أشجار أو أحجار عبدوا آلهة - كما يزعمون - بلا منهج وبلا تكاليف. إذن: ~~فكلمة العبادة هنا خطأ وهي باطلة، فماذا قالت لهم هذه الآلهة؟ بم ~~أمرتهم وعم نهتهم؟ ماذا أعدت هذه الآلهة لمن عبدها؟ وماذا ~~أعدت لمن كفر بها؟ فأول ما يبطل عبادة غير الله أنها آلهة بلا منهج وبلا ~~تكاليف. أما الذين قالوا: { ما نعبدهم إلا ليقربونآ ~~إلى الله زلفى } [الزمر: 3] فالله سبحانه نهى عن هذه الزلفى، ~~ونهى أن يكون بينه وبين عباده واسطة أو وسيلة. ثم إن الحق سبحانه أراد ~~أن ينبه الخلق إلى بديع صنعه، وإلى هذا الكون المكتمل، وهذه ~~الهندسة الدقيقة في كل جزئياته، وأن هذا الكون فيه كل مقومات الحياة ~~وكل الأنواع الواهبة للخير، فهل ادعاه أحد لنفسه؟ هل قال أحد: إني خلقت ~~هذا الكون مع كثرة الملحدين والمنكرين لوجود الله؟ لم يحدث أبدا شيء من ~~هذا. إذن: الدعوة تثبت لمدعيها طالما لم يقم لها معارض، فالله تعالى هو ~~الخالق وحده، وهو المستحق للعبادة وحده، وما دونه ضلال وباطل. # لذلك قال سبحانه: # قل لو كان ms8627 معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42] يعني: ذهبوا إليه ليناقشوه كيف أخذ الخلق منهم؟ وكيف ~~ادعاه لنفسه؟ ومعنى { مخلصا له الدين } [الزمر: 2] يعني: اجعل ~~الدين خالصا لوجه الله، وامنع الرياء لأن الذي ترائيه لا يملك لك من ~~ثواب العمل شيئا، فالمرائي الذي يرائي مثلا في صدقته ينفع المحتاج ~~بالصدقة، وهو لا ينتفع بها لأن الله تركه يأخذ أجره ممن يرائيه، ~~والعبد مثلك لا يملك لك شيئا. وفرق في المعنى بين مخلص بالكسر، ~~ومخلص بالفتح: المخلص هو من يسبق عطاء الله له بالإخلاص فيخلص، ~~أما المخلص فيصل بعطاء إخلاصه إلى عطاء الله. قلنا زمان: من الناس من ~~يصل بطاعة الله إلى كرامة الله يعني: ألح في الطاعة وداوم طرق الباب ~~حتى فتح له. وآخر يصل بكرامة الله إلى طاعة الله، يعني: ربه يختاره ~~للطاعة ويخطفه من الخلق أو من المعصية إلى الطاعة، مثل كثيرين من ~~المتصوفة، ومثال ذلك القاضي عياض رحمه الله، فقد كان في بداية أمره قاطع ~~طريق، وفي يوم خرج كعادته يقطع الطريق على الناس، فسمعهم يقولون: لا ~~تمروا من هنا فعياض على هذا الطريق، نزلت هذه الكلمات على عياض نزول ~~الصاعقة، فكيف يهابه الناس ويخافونه لهذه الدرجة، فأخذ يؤنب نفسه وعزم ~~على التوبة، وقال: يارب تب علي حتى يأمن هؤلاء. فتاب الله عليه. ~~فلما استقام سأله الناس الذين يعرفون حقيقته: ما جرى لك يا عياض، يعني: ~~كيف صرت من الأولياء، بعد أن كنت قاطع طريق؟. قال: والله إني لأعرف ~~سببها، لقد مررت يوما بسوق البطيخ - أظن في بغداد - فوجدت ورقة من ~~المصحف ملقاة على الأرض يدوسها الناس فأخذتها ونظفت ما بها من الأذى، ~~ثم طيبتها بدرهم لم يكن معي غيره، ثم وضعتها في شق عال، قال: والذي ~~نفسي بيده لقد سمعت بعدها مناديا ينادي: لأطيبن اسمك كما طيبت اسمي ~~وكانت هذه الحادثة أول عهد عياض بالولاية. لذلك ورد أن النبي صلى الله ~~قال: # " " إن الله أخفى ثلاثا في ثلاث: أخفى رضاه في طاعته ms8628 " فلا تحقرن طاعة ~~أبدا، واعلم أن الله غفر لرجل لأنه سقى كلبا يلهث من العطش، وهذا العمل ~~يدل على محبة طاعة الله وإلا فماذا يأخذ الرجل من الكلب؟ أم تراه ينافقه؟ ~~إذن: ليس إلا حب الطاعة. " وأخفى غضبه في معصيته " فلا تحقرن معصية ~~أبدا، وقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا ~~هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. " وأخفى أسراره في خلقه " كما أخفى أمر ~~عياض وتاب عليه ". # ثم يقول سبحانه: { ألا لله الدين الخالص } [الزمر: 3] بعد ~~أن خاطب الحق سبحانه نبيه بقوله: { فاعبد الله مخلصا له ~~الدين } [الزمر: 2] أراد سبحانه أن ينبه الأذهان إلى أهمية الإخلاص ~~لله تعالى، فجاء بهذا الحرف الدال على الاستفتاح ألا. وهذا الأسلوب يتبعه ~~العربي في كلامه، لأن المتكلم أمير نفسه يتكلم في أي وقت شاء، وهو يعي ~~ما يقول وله خيار فيما يقول أما السامع فليس له خيار فربما كان مشغولا ~~عن المتكلم فيفوته بعض الكلام لذلك على المتكلم أن ينبهه من غفلته، وأن ~~يهيئه لأن يسمع، لا سيما إن كان الكلام مهما أو نفيسا لا ينبغي أن ~~يفوتك منه شيء لذلك قال سبحانه: { ألا لله الدين الخالص } ~~[الزمر: 3]. ونلحظ أيضا هنا أسلوب القصر في تقديم الجار والمجرور { ~~لله } [الزمر: 3] على المبتدأ الدين الخالص، فلم يقل سبحانه الدين ~~الخالص لله، لأنها تحتمل أن نقول: ولغيره، أما قوله { لله الدين ~~الخالص } [الزمر: 3] أي: له وحده، فقصرت إخلاص الدين على الله تعالى ~~دون غيره، تقول: هذا المال لزيد. ولزيد هذا المال. لكن، لماذا لله الدين ~~الخالص؟ قالوا: لأن الدين شرع الله هو الذي شرعه، وهو سبحانه الذي ~~يجازي عليه، فاحذر إذن أن يكون عملك بمنهج الله مقصودا به غير الله ~~لأن غير الله لم يشرع لك، ولا يستطيع أن يعطيك أجر العمل. فكأن الله ~~تعالى يريد أن يحصن حركة الإنسان في كل شيء، بحيث تعود عليه كل ~~حركاته بالخير لذلك دله على الطريق الذي يؤدي به إلى الخير، وهو طريق ~~إخلاص العبادة ms8629 لله وحده. ثم يذكر سبحانه مقابل إخلاص العبادة لله، فيقول: ~~{ والذين اتخذوا من دونه أوليآء } [الزمر: 3] قائلين ~~ومبررين موقفهم حين تبين لهم كذبهم في عبادة ما دون الله، وحين تقول ~~لهم إن هذه الآلهة لا ترى ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، وحين تضيق عليهم ~~الخناق يقولون { ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله ~~زلفى } [الزمر: 3]. والذي يقربك إلى الله لا بد أن يكون ~~مشهودا بالتبعية لله تعالى، وهذه الآلهة التي تعبدونها ليست مشهودة ~~بالتبعية لله تعالى، بل هي من صنعكم أنتم ومن نحت أيديكم، وإذا أطاحت ~~به الريح أقمتموه في مكانه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه. إذن: فعبادتكم لها ~~باطلة، وأنتم كاذبون في هذه العبادة { إن الله يحكم بينهم ~~في ما هم فيه يختلفون } [الزمر: 3] كلمة الحكم لله كلمة ~~ترهب، لأن حكم الله هو الحق الذي لا يحابي أحدا، فالمؤمن حين يسمع هذه ~~الكلمة يطمئن، لأنه سيأتي يوم لا يكون الحكم فيه إلا لله كما قال سبحانه: ~~إن الحكم إلا لله أي: لله وحده لا لغيره، لذلك أنت لا تقول لخصمك: أنا ~~حكمت الله بيني وبينك إلا وأنت واثق أن الحق معك. # لذلك يغضب بعض الناس لو قلت لأحدهم: الله وكيل بيني وبينك. ولو كان على ~~الحق لا يخاف شيئا لقال وأنا رضيت هذه الوكالة وقبلت بها، لكن كونه ~~يغضب حين نحكم الله فيما بينكما، فهذا دليل على أنه يخاف هذا الحكم ~~لأنه على باطل. ثم إن حكم الله سيأتي في وقت لا حكم فيه إلا لله # إن الحكم إلا لله # [الأنعام: 57]. ثم يقول سبحانه: { إن الله لا يهدي من هو ~~كاذب كفار } [الزمر: 3] نعم لا يهديه الله، لأن الكاذب الكفار ~~ليس أهلا لعطاء الهداية لأن الله تعالى هدى الكل هداية الدلالة ~~والإرشاد، فمن آمن منهم زاده هداية المعونة والتوفيق، قال سبحانه: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. وسبق أن ضربنا مثلا لذلك قلنا: إن رجل المرور الذي يقف على ~~مفترق الطرق ينظم المرور ويرشد الناس، فحين تسأله أين الطريق ms8630 إلى ~~الأسكندرية مثلا يقول لك من هنا، فتتوجه إلى حيث أرشدك، وقبل أن تفارقه ~~قلت له: جزاك الله خيرا، لقد كدت أضل الطريق، وأذهب من هنا ومن هنا، ~~لولا أن الله يسر لي أن أقابلك، فقال لك: والله أنت رجل طيب تستحق كل ~~خير، لكن في هذا الطريق منطقة خطر سأركب معك حتى أساعدك في المرور منها. ~~إذن: لما أطعته في الإرشاد الأول زادك بالمعونة والمساعدة، كذلك الحق ~~- سبحانه وتعالى - من يستجيب لهداية الدلالة والإرشاد فيؤمن يزيده ~~هداية أخرى، هي هداية التوفيق والمعونة. والكاذب الكفار هو الشديد ~~الكفر الذي لا ينتفع بإرشاد، ولا هداية. ### || [39.4] # تحدثنا هذه الآية عن نوع آخر من الشرك، فهؤلاء لم يعبدوا الأصنام ولا ~~الشمس ولا القمر، إنما اتخذوا أشياء أخرى يرون بينها وبين الله تعالى ~~صلة، كما نقول من ريحته، ورأوا أن ذلك أخف وأهون من عبادة الأصنام، ~~هؤلاء كالذين قالوا عزير ابن الله، والذين قالوا المسيح ابن الله، أو ~~الملائكة بنات الله.. الخ فرد الله عليهم: { لو أراد الله أن ~~يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء } [الزمر: ~~4] يعني: هذه مسألة لا دخل لكم فيها ولا اختيار، لا تختاروا أنتم لله ~~ولدا لأن الله تعالى لو أراد ذلك - على فرض - لاختار من خلقه ما يشاء ~~هو، لا ما تختارون أنتم. لذلك خاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: # قل إن كان للرحمن ولد # [الزخرف: 81] أي: من اختياره ويخبر هو به # فأنا أول العابدين # [الزخرف: 81] يعني: أول المصدقين المؤمنين به، فهو على العين والرأس، ~~إنما هذا أمر لم يخبر الله به، وإنما نفاه عن نفسه سبحانه. وقد ورد في ~~الحديث: # " الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إليه أرأفهم بعياله " # إذن: فالبنوة ليست لله تعالى، وحتى في بنوة الرسل لم يجعلها الله بنوة ~~دم، ولا بنوة أبدان، إنما بنوة أديان، وأوضح مثال على ذلك سيدنا نوح - ~~عليه السلام - وولده. لما أبى الولد وعصى أمر أبيه أيقن الوالد أنه من ~~الهالكين، فدعا الله: # فقال رب إن ms8631 ابني من أهلي وإن وعدك الحق ~~وأنت أحكم الحاكمين # [هود: 45] لكن عدل الله له معنى البنوة، فقال سبحانه: # قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير ~~صالح # [هود: 46] فسيدنا نوح ظن أن البنوة بنوة نسب، لكن بنوة الأنبياء بنوة ~~اتباع. والحرف لو في { لو أراد الله أن يتخذ ولدا } ~~[الزمر: 4] حرف امتناع لامتناع، وهو من أدوات الشرط يفيد امتناع وقوع ~~الجواب لامتناع وقوع الشرط، فالحق سبحانه لم يتخذ ولدا لأنه لم يرد ~~ذلك، ولو أراده لكان ما يريد. وفي موضع آخر، يناقش الحق سبحانه أصحاب ~~هذا الافتراء، يقول لهم بالمنطق # أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة # [الأنعام: 101]. ثم لماذا يتخذ الولد؟ يتخذ الولد ليكون عزوة لأبيه أو ~~امتدادا له بعد موته، والحق - تبارك وتعالى - هو الغني العزيز عن ~~خلقه، وهو الدائم الباقي فلماذا يتخذ الولد؟ والذين نسبوا لله تعالى ~~الولد في العصور المتأخرة من الديانات، كالذين قالوا: المسيح ابن الله، ~~فهل كان الله تعالى منذ خلق هذا الكون بلا ولد إلى أن جاء عيسى فاتخذه ~~الله ولدا. وبعد أن أخذ عيسى من الوجود أظل الله تعالى هكذا غلبان ~~مقطوع من شجرة بلا ولد؟ كيف يستقيم لكم هذا الادعاء؟ إنها مسألة لا تصح ~~أبدا في حق الله تعالى، فالله لا يحتاج إلى عزوة، ولا يحتاج لمعونة ~~الولد، لأن الله تعالى خلق الخلق كله من ألفه إلى يائه، خلقه بكامل ~~قدرته، وبصفات الكمال فيه، فلم يزده الخلق شيئا ولا صفة لم تكن له ~~من قبل. # لذلك يقول بعض أهل الشطح في هذه الآية: { لو أراد الله أن ~~يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء } [الزمر: ~~4] يقول: لو كان للرحمن ولد كنت أنا أولى أن أكون ولده لأنني أول ~~العابدين. ثم يذيل الحق سبحانه هذه الآية بما ينزه الله عن هذا ~~الافتراء: { سبحانه هو الله } [الزمر: 4] يعني: سبحه ونزهه ~~عن هذه المسألة، فإنها لا تليق به سبحانه، ونزهه أن يشابه شيئا من ~~خلقه، حتى لو وقفت أمام مسألة لا يدركها ms8632 عقلك قل سبحان الله كما قال ~~الله: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها # [يس: 36]. وقال: # فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون # [الروم: 17]. وقال: # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا # [الإسراء: 1]. فالحق سبحانه في مثل هذه المواقف يعلمنا أن ننزه ~~الله، لأن العقل سيقف أمام هذه الأحداث حائرا، لكن الحدث هنا منسوب إلى ~~الله فلا عجب إذن، لأن زمن الحدث يتناسب مع القوة الفاعلة تناسبا ~~عكسيا، فكلما زادت القوة قل الزمن، فإذا نسبت الفعل إلى قوة القوى ~~تجد لا زمن. إذن: نزهوا الله عن اتخاذ الولد لأنه { هو الله } ~~[الزمر: 4] الذي له كل صفات الكمال { الواحد } الذي ليس معه غيره { ~~القهار } أي: الذي لا يحتاج إلى عزوة، ولا يحتاج إلى معين. ### || [39.5] # قوله سبحانه: { خلق السموت والأرض بالحق } [الزمر: ~~5] أي: لم يخلقهما عبثا إنما خلقهما بالحق، والحق كما قلنا: هو الشيء ~~الثابت الذي لا يتغير، كما قال سبحانه في آية أخرى: # وما خلقنا السموت والأرض وما بينهما ~~لعبين # [الدخان: 38]. بل خلقهما الله بالحق وبالحكمة وبحساب دقيق وهندسة بديعة ~~لتؤدي مهمتها التي أرادها الخالق سبحانه، بدليل أنها لا تزال منذ خلقها ~~الله تؤدي مهمتها دون عطب فيها، أو خلاف بين أجزائها. وقوله تعالى: { ~~يكور الليل على النهار ويكور النهار على ~~الليل } [الزمر: 5] تقول: كورت العمامة يعني لففتها على رأسي، ~~فصارت مثل الكرة مكورة، وفي لف العمامة تغطي اللفة اللفة التي ~~تحتها. كذلك الليل والنهار، جزء من الليل يغطي جزءا من النهار فيزيد ~~الليل، أو جزء من النهار يغطي جزءا من الليل فيزيد النهار. هذا هو واقع ~~الليل والنهار، فهل الليل والنهار يقتسمان الأربعة والعشرين ساعة ~~بالتساوي، كل منهما اثنتا عشرة ساعة؟ لا، بل يزيد الليل فينقص من النهار ~~في فصل الشتاء، ويزيد النهار فينقص من الليل في فصل الصيف. هذا يدل على ~~أن الكون ليس محكوما بقوانين ميكانيكية جامدة كما يدعون، بل محكوم ~~بقدرة الخالق سبحانه وحكمته. ولو تأملت طول الليل في الشتاء وقصره في ~~الصيف لوجدت أن أمور الكون لا تسير هكذا حسبما ms8633 اتفق، إنما لكل حركة ~~فيها حكمة، فحين يقصر النهار في الشتاء يحتاج العامل لأن يجهد نفسه ~~لينهي مهمته في هذا الوقت القصير، فيتعب نفسه ويجهدها. ومن الحكمة أن ~~نعطيه فترة أطول يستريح فيها من تعب النهار، ولا بد أن تتناسب فترة ~~الراحة مع فترة الجهد المبذول. أما في فصل الصيف فيطول النهار ويوزع ~~العمل على هذا الوقت الطويل، فيؤدي الإنسان مهمته بأقل مجهود، بالإضافة ~~إلى راحته في وقت القيلولة، فلا يحتاج إلى ليل طويل للراحة، لذلك يأتي ~~ليل الصيف قصيرا. إذن: فالخالق سبحانه يكور الليل على النهار، ~~ويكور النهار على الليل لحكمة في حركة الحياة. وفي موضع آخر عبر ~~القرآن عن هذا المعنى بقوله تعالى: # يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل # [فاطر: 13] يعني: يدخل كلا منهما في الآخر لذلك لا يتساوى الليل ~~والنهار إلا في فترة قصيرة من العام تقتضيها الحركة بينهما. ونفهم أيضا ~~من قوله تعالى يكور أن الأرض كروية، لأن الليل والنهار ظاهرة تحدث ~~على سطح الأرض، وقد أثبت العلم هذه الحقيقة بالصور التي التقطوها للأرض ~~من الفضاء، وصدق الله: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. وقوله: { وسخر الشمس والقمر كل يجري ~~لأجل مسمى } [الزمر: 5]. الأجل: هو يوم القيامة، فالحق سبحانه ~~يطمئن الناس أن الشمس والقمر آيتان لله تعالى باقيتان خالدتان بقاء ~~الدنيا وخلودها، إلى أن ينتهيا معها، ومع ذلك فكل منهما قائم بذاته ~~بقدرة خالقه، لا يحتاج إلى وقود، ولا يحتاج إلى صيانة، ولا قطعة عيار. # . إلخ. { ألا هو العزيز الغفار } [الزمر: 5] قلنا: ألا ~~استفتاحية تفيد تنبيه السامع لما بعدها، فكأن الله تعالى يقول لقد خلقت ~~لكم هذا الكون المحكم البديع، ووفرت لكم مقومات حياتكم، وأنا الغني ~~عنكم، العزيز الذي يغلب ولا يغلب، ولا يحتاج لأحد. لكن ما مناسبة الغفار ~~هنا؟ قالوا: لأن الله تفضل على خلقه بهذه الآيات الشمس والقمر والليل ~~والنهار، وأعطاهم مقومات حياتهم، ومع ذلك لا ينظر إلى ذنوبهم وتقصيرهم ~~في حقه تعالى لأنه الغفار، ويعفو ms8634 عن كثير. وهذا المعنى أوضحه الحق سبحانه ~~في موضع آخر، حين نتأمله نجد فيه عجبا، إنه قول الله تعالى # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] ورد هذا اللفظ في موضعين بصدر واحد وعجز مختلف، فواحدة # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان ~~لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]. والأخرى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله ~~لغفور رحيم # [النحل: 18]. أولا: يلفت أنظارنا هنا في مسألة عد نعمة الله ~~استخدام إن الدالة على الشك، لأن عد نعمة الله مسألة لن تكون ولن تحدث ~~لأن الإقبال على عد الشيء ناتج عن إمكانية ذلك والقدرة عليه، أما نعمة ~~الله فمع تقدم علم الإحصاء ودخوله في شتى المجالات، إلا أن نعمة الله فوق ~~مظنة العد لكثرتها، كما أننا لا نفكر أبدا في عد رمال الصحراء ~~مثلا. فمعنى # وإن تعدوا # [إبراهيم: 34] يعني: على فرض أنكم ستقبلون على عدها # لا تحصوها # [إبراهيم: 34]. ثانيا: كلمة نعمة جاءت هكذا بصيغة المفرد، والعد لا ~~يكون إلا للجمع الذي له أجزاء تعد: واحد، اثنان، ثلاث، أربع.. إلخ فكيف ~~تعد النعمة وهي واحدة؟ قالوا: نعم هي في ظاهرها نعمة واحدة لكن مطمور ~~فيها حين تتأملها نعم كثيرة، فالتفاحة مثلا ترى في الظاهر أنها نعمة ~~واحدة، لكن حين تحللها تجد فيها لونا وشكلا وطعما ومذاقا وعناصر ~~مكونة ومواد غذائية متعددة، كلها نعم من الله. ثالثا: حين تتأمل ~~عجز الآيتين - وهو مرادنا من الكلام - تجد في الآية الأولى { إن ~~الإنسان لظلوم كفار } [إبراهيم: 34] أي: جاحد لنعمة الله، ~~منكر لها، غافل عنها، مقصر في شكرها. فهي إذن تتحدث عن حال المنعم من ~~المنعم عليه، وكيف أنه قابل النعمة بالكفران، ولو جازاه المنعم بما ~~يستحق لحرمه النعمة، لكن يأتي عجز الآية الأخرى: # إن الله لغفور رحيم # [النحل: 18] يعني: يغفر لكم جحودكم للنعمة ونكرانكم للجميل ثم بعد ~~المغفرة الرحمة. ### || [39.6] # تبين الآية طبيعة خلق الإنسان الذي أراده خليفة في الأرض، فقال: { ~~خلقكم من نفس واحدة } [الزمر: 6] هو آدم عليه السلام { ~~ثم جعل منها زوجها } [الزمر: 6] أي: ms8635 حواء، ومنهما كانت ~~الذرية وجاء التناسل. وما دام الله تعالى خلق هذا المخلوق ليكون خليفة ~~يعمر الأرض فلا بد أن يكونوا من جنس واحد ليتم لهم الإلف والانسجام ~~وتجمعهم حركة الحياة. وإلا لو كان هذا الخليفة من أجناس متعددة، فمجموعة ~~مثلا من الإنس، وأخرى من الجن، وأخرى من الحيوان ما استقامت بهم ~~الحياة، ولا تساندت حركتهم. إذن: الجنس الواحد تتوفر فيه المودة والإلف ~~والمحبة والانسجام بين عناصره لأن لكل جنس قانونه ونظامه والتقاءاته ~~ومعاشرته، ولو أن الإنسان خلق من أجناس مختلفة لتعذر عليه الائتلاف ~~واتحاد الحركة والأنس في المعيشة. وأيضا، فإن الخالق سبحانه خلق الإنسان ~~من جنس واحد ليثبت التساوي في الأصل، فلا يكون لأحد مزية على أحد، لأنه ~~خلق من جنس أعلى، وإنما ليكون التفاضل والمزية بمقدار توافق هذا المخلوق ~~مع منهج الله، وهذه القضية أوضحها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: # " لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى ". # والحق سبحانه يقول: # إن أكرمكم عند الله أتقاكم # [الحجرات: 13] يعني: لا فضل لأحدكم على الآخر إلا بحسنه فيما يستقبل عن ~~ربه. وإنما تأتي الألوان والأشكال مختلفة لتناسب بيئة المعيشة، فالبيئات ~~الحارة مثلا يميل أهلها إلى السواد، والبيئات الباردة إلى البياض، كذلك ~~الحال في اختلاف الألسنة بحسب البيئات أيضا. أما الأصل فنحن جميعا ~~نرد إلى آدم، وآدم خلق من تراب، وذريته خلقت من بعده بالتكاثر. ~~حتى في الرسالة قال الله تعالى: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128] يعني: ليس غريبا عنكم، وليس من جنس غير جنسكم، فلم يكن ~~من الملائكة مثلا مع أنها أعلى درجة إلا أن الرسول الملك لا تتحقق فيه ~~القدوة والأسوة المرادة من الرسول، كذلك لم يأت فارسيا ولا روميا ~~يختلف لسانه عن لسانكم، إنما جاء عربيا من أوسطكم، ومن أعظم قبائلكم. ~~إذن: البشر جميعا في هذا الكون يعودون إلى نفس واحدة هي آدم عليه ~~السلام، وقد أوضح لنا الحق سبحانه كيف خلق آدم بالشكل المعروف. وقال ~~سبحانه: # فإذا سويته ونفخت فيه من ms8636 روحي فقعوا له ~~ساجدين # [الحجر: 29]. لكن لم يذكر شيئا عن خلق حواء، إلا أن العلماء قالوا: ~~خلقها الله كما خلق آدم، وقال آخرون: بل خلقت من ضلع من أضلاع آدم، ~~فهي مطمورة في خلق آدم، مما يدل على أن المرأة تابعة للرجل، محجوبة ~~فيه، حتى في مسألة الخلق. وأصحاب هذا الرأي يعتمدون على معنى: { ثم ~~جعل منها زوجها } [الزمر: 6] منها أي: من جزء من أجزائه، أو من ~~جنسه لأن جعل لا تدل على اختلاف العنصر كما في قوله تعالى: # وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما ~~تشكرون # [السجدة: 9]. يعني: قطعة منا صارت السمع، وقطعة صارت البصر، وأخرى ~~الأفئدة. كذلك حين يتحدث القرآن عن العمل تأتي المرأة مستورة في الرجل، ~~فيقول تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3] وفي مواضع كثيرة يقول تعالى: # يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله.. # [المائدة: 35] ولم يوجه الخطاب إلى النسوة مباشرة إلا في الأمور ~~الخاصة بهن. ثم يقول تعالى، وهو يعدد بعض نعمه على خلقه: { ~~وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج } [الزمر: 6] ~~وسبق أن قلنا في صدر هذه السورة: إن الإنزال لا تنظر فيه إلى جهة العلو ~~فحسب كما في إنزال المنهج والقيم، إنما ينظر أيضا إلى المنزل سبحانه، ~~فالإنزال يكون بمعنى الإيجاد، والأنعام من النعم الموجودة في الأرض لكنها ~~من عند من؟ من عند الله فكأنه أنزلها، والإنزال هنا ناسبه حرف الجر { ~~لكم } ولم يقل: عليكم لأن الأنعام شيء منفصل عن الإنسان. وقد ورد ~~تفصيل هذه الثمانية في سورة الأنعام، ومع أن نعم الله علينا كثيرة إلا ~~أنه خص هنا الأنعام بالذات، لأنها الجنس القريب من الإنسان من حيث ~~الخلق، بعدها النبات ثم الجماد. وكلمة الزوج. البعض يظن أنها تعني ~~اثنين معا، وهذا خطأ لأن الزوج تعني: واحد ومعه مثله، ومن ذلك قوله ~~تعالى: # ومن كل شيء خلقنا زوجين # [الذاريات: 49] ومثلها كلمة توأم. وقوله: { يخلقكم في بطون ~~أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ms8637 } ~~[الزمر: 6] معنى { خلقا من بعد خلق } [الزمر: 6] بيان لأطوار ~~الخلق التي يمر بها الجنين في بطن أمه، فهو يتقلب في بطنها بين ماء ~~مهين، يستقر في الرحم نطفة، ثم علقة ثم مضغة، ثم يتكون منها العظام، ~~ثم يكسو العظام لحما، هذه أطوار الخلق المرادة في قوله تعالى: { ~~خلقا من بعد خلق } [الزمر: 6]. قال تعالى: # ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا ~~النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا ~~المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه ~~خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 12-14]. هذه هي الأطوار التي يمر بها الإنسان منذ أن يصل ~~إلى رحم الأم، وهذا يعني أن هناك طورا يسبق هذه الأطوار، هو طور ~~التقاء عنصر الذكورة بعنصر الأنوثة، أو التقاء الحيوان المنوي بالبويضة ~~وتلقيحها لأنه لا يصل إلى الرحم إلا بويضة ملقحة دخلها ميكروب ~~الذكورة. وفي سورة الحج بين سبحانه أن المضغة منها مخلقة وغير ~~مخلقة: # يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ~~ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين ~~لكم ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى # [الحج: 5]. فالمضغة المخلقة هي الجزء الذي خلقت منه الأعضاء ~~والجوارح، وغير المخلقة هي الجزء الذي استقر في الجسم بدون تخليق ليظل ~~احتياطيا للجسم، وكأنه ريزرف أو صيدلية صيانة، فإذا ما حدث في الجسم ~~عطب قامت المضغة غير المخلقة بإصلاحه، كما نرى مثلا في الجروح، ~~فالجرح بعد فترة يندمل وتبني فيه أنسجته حتى تعود كما كانت، من أين؟ من ~~المضغة غير المخلقة. والعجيب أن الجسم حين تتركه على طبيعته ولا تتدخل ~~في الجرح بمواد كيماوية يلتئم ويعود دون أن يترك أثرا، إنما حين نتدخل ~~بأدوية ومواد كيماوية لا بد أن تؤثر على الخلايا والأنسجة، وتترك ~~فيها أثرا. لذلك أثبت العلم أن في الإنسان مخزنين للقوت، مخزنا لقوته ~~اليومي، ومخزنا آخر احتياطيا، نأخذ منه القوت حين ينفد ما في المخزن ~~الأول، لأن ms8638 الإنسان يأكل على قدر الطاقة ثم يزيد عليها، فتتحول هذه ~~الزيادة إلى دهون في الجسم، وحين يجوع الإنسان أو يعطش يستمد قوته من ~~الدهن الموجود في جسمه، ومن العجيب أن هذه المادة الدهنية تتحول إلى أي ~~مادة يحتاجها الجسم. ولوجود هذا المخزن رأينا الإنسان يصبر على الجوع ~~شهرا، في حين لا يصبر على العطش أكثر من عشرة أيام، لماذا؟ لأنه حين ~~يجوع ولا يجد طعاما يستمد طعامه من المخزون الاحتياطي في جسمه. فقوله ~~تعالى: { يخلقكم في بطون أمهاتكم } [الزمر: 6] أي: ~~الخلق الثاني، فالخلق الأول خلق آدم عليه السلام من تراب، وقد أخبرنا ~~الله به، لأن أحدا لم يره، كما قال سبحانه: # مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. فإذا طلع علينا من يقول إن الإنسان أصله قرد تطور إلى ~~إنسان نعلم أنه من المضلين الذين أخبرنا الله عنهم، ولا بد أن نعلم ~~كذبه، والرد على هذا الهراء ميسور، لأن الإنسان إن كان متطورا عن قرد، ~~فلماذا لم تتطور باقي القرود؟ ولماذا على مر التاريخ كله لم نر ~~قردا تطور وارتقى حتى إلى ما يقرب من الإنسان. إذن: هذا كذب وباطل، لأن ~~الخالق سبحانه خلق الأجناس كلها، وجعل من كل زوجين اثنين، يتم التكاثر ~~وليتم الانفصال، قال تعالى: # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون # [الذاريات: 49]. وقوله سبحانه: { في ظلمات ثلاث } [الزمر: 6] ~~بيان للقرار المكين الذي يستقر فيه الإنسان في بطن أمه، قال تعالى: # فجعلناه في قرار مكين * إلى قدر معلوم # [المرسلات: 21-22] والمكين هو المستقر في المكان، فبطن الأم مكان، ~~والجنين في البطن مكين. ولما تكلم العلماء في معنى الظلمات الثلاث قالوا: ~~هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة. # وكلمة الظلمة نفهم منها عدة أمور. أولا: الظلمة تعني عدم وجود النور، ~~وهي مرتبطة بالليل. ثانيا: الليل دائما رطب عن النهار لأن النهار فيه ~~حرارة الشمس وحرارة الأنفاس الناشئة عن الحركة، أما الأنفاس في الليل ~~فهادئة، لأنها لمجرد استبقاء الحياة، وليست ناشئة عن حركة ms8639 العمل والجهد ~~المبذول. ثالثا: كذلك في الظلمة سكون، وهدوء لا يتوفر في النهار. إذن: ~~في الظلمة عدم نور، وفيها برودة، وفيها سكون، وهذه الأمور الثلاثة ضرورية ~~لنمو الجنين، وتكون أعضائه في بطن أمه، لأنه في بطن أمه خلق ضعيف غير ~~مكتمل الأعضاء والجوارح، لا يقوى على تحمل الحرارة، ولا تحمل ~~الضوء، ولا تحمل الأصوات المزعجة، لذلك جعل له الخالق سبحانه عوازل ~~تقيه هذه الأشياء، لذلك قال سبحانه: { في ظلمات ثلاث } [الزمر: ~~6]. والأقرب للصواب أن هذه الظلمات الثلاثة في الرحم وليس منها ظلمة ~~البطن لأن الحق سبحانه يحدثنا عن القرار المكين الخاص بالجنين، فيقول: ~~{ في بطون أمهاتكم } [الزمر: 6] بيان للظرف العام الذي يقع ~~فيه الظرف الخاص بالجنين وهو الرحم، فالبطن ظرف كبير يحوي الرحم والأمعاء ~~والمعدة والكبد والطحال والبنكرياس.. إلخ لذلك حدد الظرف الخاص بالجنين ~~فقال بعدها: { في ظلمات ثلاث } [الزمر: 6]. إذن: الظلمات الثلاث ~~عبارة عن عوازل وأغشية تحمي الطفل، وكلها داخل الرحم، وإذا كان الإنسان ~~المكتمل الناضج تزعجه الأصوات، وربما أتلفت طبلة أذنه مثلا، وتؤذيه ~~الأضواء العالية، حتى لا يقوى نظره على مواجهتها، فهل يطيق الجنين مثل ~~هذه الأشياء، وهو لم تكتمل أعضاؤه بعد؟ ومعلوم أن الطفل يولد بجلد رقيق ~~لا يتحمل الحرارة، ويولد ولم تكتمل فيه بعض الأعضاء والجوارح، فالجهاز ~~العصبي مثلا لا يكتمل إلا بعد عدة سنوات، والجهاز العقلي لا ينضج إلا ~~بعد سن البلوغ، والعين لا تؤدي مهمتها في الرؤية إلا بعد ثلاثة أيام. ~~فالجنين يحتاج إلى حماية لذلك جعله الله في ظرف داخل ظرف داخل ظرف، كما ~~أنك تجعل أوراقك المهمة مثلا في ملف، والملف في الخزينة، والخزينة في ~~غرفة، فقوله { في } دليل على العناية بهذا المخلوق، وتوفير ما يناسبه من ~~الظروف المحيطة به. وقوله سبحانه: { ذلكم الله ربكم له ~~الملك } [الزمر: 6] كلمة { ذلكم } [الزمر: 6] عبارة عن اسم ~~الإشارة ذا وضمير المخاطبين، والإشارة هنا للحق - تبارك وتعالى - فلو ~~أشرت لخطاب المفرد تقول: ذلك، وللمثنى ذلكما كما في: # ذلكما مما علمني ربي # [يوسف: 37] ولجمع المذكر ذلكم ولجمع ms8640 المؤنث ذلكن كما في: # فذلكن الذي لمتنني فيه # [يوسف: 32]. وجاءت هذه الإشارة إلى الحق سبحانه بعد أن تكلم عن بعض ~~أسراره في خلق الإنسان، وعن الظلمات الثلاث في رحم الأم، وكلها في مجال ~~الخلق والتربية والتكوين الأول للإنسان، وهذه المسألة يناسبها صفة ~~الربوبية التي تتولى الخلق والتربية، فالرب هو الخالق وهو المربي، ~~أما كلمة الله فهي للألوهية، والألوهية تكليف، لأن الله يعني المعبود ~~بطاعة أوامره واجتناب نواهيه، والجنين في بطن الأم بعيد عن مسألة ~~التكليف، فلماذا اختار هنا وفي هذا المقام لفظ الألوهية الله فقال: { ~~ذلكم الله ربكم } [الزمر: 6]. # ولم يقل: ذلكم ربكم الله - كما يقول بعض المستشرقين؟ قالوا: لنفهم أنه ~~سبحانه لا يخلقنا ولا يربينا لنكون مثل الدواب في الكون، إنما يخلقنا ~~ويربينا لهدف ولمنهج تكليفي نسير عليه ذلك ليجعلنا نأنس بكلمة الله قبل ~~كلمة رب، وفي هذا إشارة إلى أن الهدف من التكليف صلاح المجتمع وصلاحكم ~~فيما بينكم، فالخالق سبحانه لم يخلقنا عبثا ولم يتركنا هملا وخلقا ~~ضائعا لا هدف له. لذلك في صدر سورة الرحمن يبين الحق سبحانه أن ~~تعليم المنهج قبل تكوين الخلق، وأن الخلق لا يعد نعمة إلا إذا ~~تم في ظل منهج الخالق، فصاحب الصنعة لا بد أن يحدد مهمتها قبل أن ~~يصنعها، قال تعالى: # الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه ~~البيان # [الرحمن: 1-4]. وقوله تعالى: { له الملك } [الزمر: 6] مادة ملك ~~منها الملك والملك والملكوت: الملك بالكسر هو ما تملكه ولو كان ~~يسيرا، والملك بالضم أن تملك من يملك، والملك والملك في عالم ~~المشاهدة، أما الملكوت فهو ما لا نشاهده من ملك الله، ولا يطلع الله ~~عليه إلا من اصطفاه من أنبيائه ورسله وأهل طاعته ممن صفت فطرتهم ~~الإيمانية وسلم لهم جهاز الاستقبال عن الله، هؤلاء يطلعهم الله على ~~بعض ملكوته، لذلك لما وفى سيدنا إبراهيم وأذعن لأمر ربه أراه هذا ~~الملكوت: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض.. # [الأنعام: 75]. ومثل ملك وملكوت نقول: رحمة ورحموت، ورهبة ورهبوت. ~~ومعنى { له الملك.. } [الزمر: 6] يعني: إن كنتم ms8641 قد شهدتم ملكا ~~واسعا فاعلموا أنه لمن خلقكم، ومن العجيب أنه مخلوق من أجلكم أنتم وقد ~~خلقه الله لكم قبل أن يخلقكم لأن الإنسان الأول طرأ على كون معد ~~لاستقباله بكل ما يلزمه من مقومات الحياة بداية من الأرض والسماء ~~والشمس والقمر والنجوم إلى أصغر شيء في الكون. وقوله بعدها: { لا ~~إله إلا هو.. } [الزمر: 6] يعني: أن هذا الخلق العجيب لله ~~وحده ولم يدعه أحد لنفسه، وما دام أن أحدا لم يدع الخلق لنفسه ~~فليس لأحد أن يدعي أنه واضح المنهج الذي يعيش به الإنسان في الكون ~~لأن الذي خلق هو الذي يضع المنهج، والذي صنع هو الذي يضع قانون الصيانة ~~لصنعته. { فأنى تصرفون } [الزمر: 6] أي: كيف تنصرفون عن عبادة ~~الله الخالق إلى عبادة غيره ممن ليس لهم من الخلق شيء؟ كيف تنصرفون عن ~~رب خلق وربى ولا يزال فلم يتركنا ولم يسلم خلقه لأحد غيره، وليس ~~عنده استعداد لأن يسلمه أبدا. ### || [39.7] # بعد أن حنن الحق سبحانه الخلق بذكر الربوبية التي خلقت وربت، ~~وأمرت، وبذكر الألوهية التي ضمنت صلاح البلاد والعباد، بين سبحانه ~~أنه الغني عن خلقه، فقال تعالى: { إن تكفروا فإن الله ~~غني عنكم } [الزمر: 7] يعني: غني عن إيمانكم ولا تنفعه طاعاتكم. ~~فهو سبحانه جعل التكاليف لصلاح حالكم لا لمنفعة تعود عليه سبحانه، فأنتم ~~خلقه وصنعته، والصانع يريد أن يرى صنعته على أحسن حال، يرى العبد ~~المؤمن في المجتمع المؤمن الذي تتساند حركته لا تتعاند، وتتفق توجهاته لا ~~تتضارب، الخالق سبحانه لا يحب أن يرى خلقه يتصارعون، واحد يبني والآخر ~~يهدم. إذن: هذا هو الهدف من الخلق ومن المنهج لأن الله تعالى بصفات ~~الكمال فيه خلق الخلق، ولم يزده الخلق صفة واحدة لم تكن له من ~~قبل، إذن: لا حاجة له إليكم. إنما أنتم صنعته ويريد لكم الخير لذلك لما ~~عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها، وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا. وإباء السماوات والأرض ~~والجبال ليس امتناعا على الله، ولا اعتراضا إنما ms8642 تسليم لأن الله ~~خيرهم فاختاروا أن يكونوا مسيرين. لكن الإنسان قبلها فحكم الله ~~عليه بأنه كان ظلوما وجهولا، لكن كيف يوصف من قبل كلام الله ~~بأنه ظلوم وجهول؟ قالوا: لأنه ظلم نفسه وجهل ما يكون منه، لأنه مخلوق ~~مختار له أن يؤمن، وله أن يكفر، وله أن يطيع وأن يعصي، ولما ~~عرضت عليه الأمانة قبلها لأن الله هو الذي خيره. ووثق بنفسه وقدرته ~~على الأداء، لكنه جهل ما يطرأ عليه وما يجد من أحداث وأهواء، فظلم نفسه ~~عند التحمل وجهل بوقت الأداء، وأسرع في وقت الرضا والقبول، وكان ينبغي ~~عليه أن يحسب حساب الإنجاز والأداء. وفرق بين التحمل والأداء في ~~مسألة الأمانة، لأن الأمانة موكولة إلى ذمة المؤتمن، ولو كتب بها إيصالا ~~أو كان عليها شهود ما سميت أمانة، والإنسان عادة يقبل على تحمل ~~الأمانة وفي نيته أداؤها، كما لو أنك أعطيت صديقا لك مبلغا من المال ~~يحفظه لك، لحين عودتك من السفر مثلا، فتراه يرحب ويقبل لكن تعن له ~~ظروف، وتمتد يده إلى هذا المال، وربما جئت فلم تجده، وعندها إما ينكر أو ~~يماطل. إذن: ظلم نفسه، وجهل وقت الأداء، وجهل أنه ابن أغيار، ونفسه ~~متغيرة، أما السماوات والأرض والجبال لما خيرت اختارت أن تكون ~~مسيرة، لا دخل لها بهذه المسألة فاخذت الأمر من قصيره. ومعنى قوله ~~تعالى: { إن تكفروا فإن الله غني عنكم } [الزمر: 7] ~~واضح في الحديث القدسي: # " يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل ~~واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا. ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ~~كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. ولو أن ~~أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد، وسألني كل واحد مسألته ~~فأعطيتها له ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، ~~ذلك أني جواد ماجد واجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء ~~إذا أردته أن أقول له كن فيكون ". # وقوله سبحانه: { ولا ms8643 يرضى لعباده الكفر } [الزمر: 7] ~~دليل على محبته سبحانه لخلقه، فكأنه تعالى يقول: أنا غني عنكم، لكن لا ~~أحب أن تكونوا كافرين لأنني أريد أن أباهي بكم ملائكتي الذين قالوا ~~عنكم: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك # [البقرة: 30]. وورد أن الحق سبحانه يقول لملائكته: أعلمتم أن عبيدي ~~أطاعوني؟ فيقولون: أطاعوك لنعمتك عليهم، فقال: ولو سلبت نعمتي لأطاعوني. ~~لذلك يمرضهم ويطيعونه، ويفقرهم ويطيعونه، ويهزمهم ويطيعونه، وينصرهم ~~ويطيعونه. إذن: عبادي يطيعونني لذاتي لأني أستحق أن أحب، وأن أطاع ~~بصرف النظر عن نعمي عليهم. لذلك يقول الحق سبحانه عتابا للخلق الذين ~~يعبدونه خوفا من ناره، أو طمعا في جنته: أو لو لم أخلق جنة ونارا أما ~~كنت أهلا لأن أعبد؟ وضربنا مثلا بالرجل الذي يعمل معه خادم يخدمه ~~مقابل مائة جنيه في الشهر، لكن ضاقت حال هذا الرجل وأصبحت لا تتسع ~~لهذا المبلغ، فقال لخادمه: والله أنا لم أعد قادرا على دفع هذا ~~المبلغ، ولا أقدر إلا على خمسين جنيها، فانظر أنت في أمرك أو ابحث لك عن ~~فرصة عمل أخرى، فقال الخادم: أنا موافق على الخمسين، لكن اشتدت الحال ~~بالرجل مرة أخرى، حتى أنه لم يعد قادرا على دفع أكثر من عشرين ~~جنيها، فرضى بها خادمه ثم عشرة فرضى بها، إلى أن قال له: والله حالك ~~معي جعلك تستحق أن تخدم، ولو بلا أجر، هكذا أمر الله معنا. فالحق ~~سبحانه لا يرضى لعباده الكفر لأنهم خلقه وصنعته، وهو سبحانه حريص على ~~ما يصلحهم، حريص على أن يكونوا مؤمنين لتستقيم أمورهم، وتمتد نعمه ~~عليهم من الدنيا إلى الآخرة، فكما أنعم عليهم في الدنيا بنعم موقوتة ~~يريد أن ينعم عليهم في الآخرة ونعم الآخرة باقية خالدة. لذلك ورد في ~~الحديث القدسي: # " قالت الأرض: يا رب ائذن لي أن أخسف بابن آدم، فقد طعم خيرك، ومنع ~~شكرك، وقالت السماء: يا رب ائذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم، فقد ~~طعم خيرك ومنع شكرك إلى أن قال الحق سبحانه لهذه ms8644 المخلوقات التي أظهرت ~~غيرتها على ربها عز وجل: دعوني وخلقي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إن ~~تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ". # { وإن تشكروا يرضه لكم } [الزمر: 7] فإن تشكروا يرضى لكم ~~الشكر، ويعجبه منكم، ويحبه لكم، ويجزيكم عليه خيرا، وإنما رضي لهم ~~سبحانه الشكر لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: # لئن شكرتم لأزيدنكم.. # [إبراهيم: 7]، فالشكر على النعمة يعطينا مزيدا من النعمة، فنشكر عليها ~~فتعطينا المزيد، وهكذا يظل الشكر دائما والنعمة دائمة. وقوله: { ولا ~~تزر وازرة وزر أخرى } [الزمر: 7] أي: لا تحمل نفس مذنبة ~~ذنوب نفس أخرى، يعني: سأكون عادلا بألا أحمل أحدا ذنب غيره، فكل ~~معلق من عرقوبه. وهذه الآية وقف عندها بعض المستشرقين يقول: إنها ~~تتعارض وقوله تعالى: # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13] نعم ظاهر الآيتين التعارض، لكن أنت لم تفهم مناط ~~الوزر. فالقاعدة العامة أنه لا يحمل أحد ذنب أحد، أما هؤلاء فيحملون ~~أوزارهم وأوزار الآخرين، لأن الآية هنا تتحدث عن رؤوس الضلال وقادة الكفر ~~الذين ضلوا في أنفسهم، وأضلوا غيرهم، فالوزر الأول وزر ضلالهم في ~~أنفسهم وأوزار الآخرين الذين أضلوهم وأغووهم وزينوا لهم الضلال. إذن: ~~فالمعنى مختلف. { ثم إلى ربكم مرجعكم } [الزمر: 7] ~~يعني: إن كنت قد بدأت خلقكم بالإكرام لكم، وقابلتم هذا الإكرام ~~بالجحود، ولم تؤدوا حقه بالإيمان بي والطاعة لمنهجي، فاعلموا أنكم ~~سترجعون إلي ولن تفلتوا مني { فينبئكم بما كنتم ~~تعملون } [الزمر: 7] أي: يخبركم بما كان منكم. { إنه عليم ~~بذات الصدور } [الزمر: 7] إذن: تذكروا دائما هذه المسألة، ~~واحسبوا حسابها قبل فوات الأوان. وهذه الآية تحذير من الحق سبحانه، وبيان ~~للعقوبة من شأنه أن يردع الناس عن الجرائم، فلا تقع ولا تحدث العقوبة ~~أصلا، وهذا من رحمة الخالق بالخلق، فهو سبحانه يريد لهم الخير، ويريد ~~لهم أن ينعموا بنعمه في الآخرة، كما نعموا بنعمه في الدنيا. ### || [39.8] # الضر هو ما يخرج الإنسان عن سلامته في نفسه، أو فيمن يعول أو فيما ~~يملك، والإنسان حينما يصيبه الضر يفقده ركيزة التعالي، و العنطزة ~~لأنه ms8645 لا يسلم نفسه بلا ثمن، ويعرف أنه لا أحد يرفع عنه ضره إلا ~~الله، فيتوجه إليه وحده ولا يغش نفسه. وقد أوضحنا هذه المسألة بحلاق ~~الصحة زمان، وكان يقوم بدور الطبيب في البلدة، فلما انتشر التعليم ~~وتخرج بعض الأطباء من كلية الطب خاف صاحبنا على أكل عيشه، وخاف أن ~~يسحب هؤلاء البساط من تحت قدميه فراح الحلاق يهون من شأن الطبيب ~~الجديد الذي عين في البلدة يقول: إنه لا يعرف شيئا وو، يريد أن يصرف ~~الناس عنه، لكن لما مرض ولده ماذا فعل؟ هل غش نفسه؟ لا بل لف الولد ~~بالليل، وأخذه إلى الطبيب الذي طالما تكلم في حقه وقلل من قدراته أمام ~~الناس، أما الآن والمريض ولده فإنه يعود إلى الحق ولا يخدع نفسه. كذلك ~~الإنسان إذا مسه الضر وعزت عليه أسبابه لا يلجأ إلا إلى ربه بعد أن ~~انهدت فيه حيثية # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7] وبعد أن سقط عنه قناع التعالي والغطرسة. وقلنا: إن هذه ~~القضية يستطيع كل منا أن يلمسها في نفسه فأنت مثلا تعطي ولدك مصروفه ~~كل يوم عندما يذهب إلى المدرسة، وفي يوم ما نسيت تعطيه المصروف، ماذا ~~يفعل؟ يتعرض هو لك ويحاول أن يمر من أمامك وكأنه يذكرك بما نسيته، ~~فيسلم عليك أو يقول: أنا رايح المدرسة يا بابا، ولو أنك تعطيه مصروفه كل ~~شهر ما فعل ذلك طوال التسعة وعشرين يوما، نعم # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. فالإنسان ساعة يصيبه الضر، وهو يعلم أن الضر لا يرفعه ~~إلا الله، ولا يصرفه إلا خالق السماوات والأرض، فإنه لا يتوجه إلا إليه، ~~لمن تعتقد مواجيده أنه قادر على رفع هذا الضر، حتى لو كان كافرا ~~بالله، غير مؤمن به فإنه إذا مسه الضر يقول: يا رب، والعجيب أن الله ~~يقبله ويغيثه ولا يرده # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء # [النمل: 62]. ويكفيك أنك لم تجد إلا أنا ولا تقول إلا يا رب. لذلك قال ~~سبحانه: # وإذا ms8646 مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه # [الإسراء: 67] يعني: إن دعوت غير الله لا يستطيع الوصول، ويضل الطريق ~~إليك، ولا يجيبك إلا الله. ومعنى { منيبا إليه } [الزمر: 8] ~~راجعا إليه { ثم إذا خوله نعمة منه } [الزمر: 8] ~~يعني: أعطاه { نسي ما كان يدعو إليه من قبل } [الزمر: ~~8] أثار العلماء ضجة ومعركة حول الاسم الموصول ما هنا وقالوا: لماذا لم ~~يقل نسي من لأن من تدل على العاقل، أما ما فلغير العاقل، على معنى ~~أن ما هنا تعود إلى الله تعالى. # ونقول: القرآن يسير على غير هذا، واقرأ: # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 1-3] ف ما أطلقت على الله تعالى. إذن: ما هنا في معناها ~~الصحيح، وإن غابت عنكم حكمة ذلك، نعم من للعاقل، وما لغير العاقل، لكن ~~الحق سبحانه لم يصف نفسه بالعقل لأن العقل صفتك أنت، فجاء بالصفة التي لا ~~تمنع عدم وجود العقل، ولو قال من لأدخل الحق سبحانه فيمن يعقل، وهو ~~سبحانه لم يصف نفسه بأنه عاقل، إنما عالم وعلام. ويمكن تفادي هذا ~~الإشكال لو وجهنا ما توجيها آخر، فيكون المعنى: نسي الضر الذي كان ~~سببا في رجوعه إلى الله، لا نسي من أنقذه، وكشف عنه ضره، وتكون ما ~~بمعناها اللغوي لغير العاقل. وقوله: { وجعل لله أندادا ~~ليضل عن سبيله } [الزمر: 8] أنداد: جمع ند، وهو الشبيه أو ~~المثيل والنظير، وهؤلاء الكفار رجعوا لله تعالى أندادا مع علمهم أنه ~~الإله الحق سبحانه، ومع علمهم أنه ضل من تدعون إلا إياه، ليرضوا في ~~أنفسهم مواجيد الفطرة الإيمانية، فالواحد منهم يريد أن يكون له إله ~~يعبده، لكن إله على هواه، إله ليس له تكاليف، وليس في عبادته مشقة على ~~النفس، إله بلا منهج: لا افعل، ولا لا تفعل. وقوله { ليضل عن ~~سبيله } [الزمر: 8] البعض قرأها بالفتح ليضل ونقول: هو لم يفعل ذلك ~~إلا لأنه ضال في نفسه، فالأقرب بالضم ليضل أي: يضل غيره. ثم يقول ~~سبحانه قل أي: رد يا محمد. وقل: ms8647 { تمتع بكفرك قليلا ~~إنك من أصحاب النار } [الزمر: 8] لكن ما وجه التمتع ~~بالكفر؟ قلنا: أن يعبد إلها بلا منهج وبلا تكاليف، إلها لا يمنعه من ~~شرب الخمر ولا يقيد شهوات نفسه إلها لا يأمره بالصدق ولا بالأمانة.. ~~إلخ بل يتركه يربع في الكون يتمتع به كما يشاء. وقال: { قليلا } ~~[الزمر: 8] لأن التمتع هنا موقوت بالدنيا ومدة بقائه فيها، وقلنا: إن ~~الدنيا بالنسبة للإنسان هي مدة بقائه فيها لا مدتها منذ خلق آدم إلى ~~قيام الساعة. وكلمة { من أصحاب النار } [الزمر: 8] الصحبة هنا ~~تدل على التعارف والمودة الحميمة بين النار وأهلها لذلك يقول تعالى في ~~خطاب النار: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30] يعني: هاتوا أحبابي وأصحابي، وإلي بالمزيد منهم. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما ~~يحذر الآخرة... }. ### || [39.9] # كلمة أم تفيد التخيير بين أمرين، تقول هذا أم هذا، فلا بد أن يكون لها ~~مقابل، فما مقابل { أمن هو قانت آنآء اليل.. } [الزمر: 9] ~~المقابل لذلك في قوله تعالى قبلها: # وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم ~~إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه ~~من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله.. # [الزمر: 8]. فالمعنى أيهما أحسن من صفته إذا مسه الضر يضرع إلى الله، ~~فإذا كشف عنه الضر جعل لله أندادا، أمن هو قانت آناء الليل ساجدا ~~وقائما يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه. ومعنى: { قانت.. } [الزمر: 9] ~~دائم الخضوع والعبادة آناء جمع إنو مثل حمل وأحمال، فكلمة إنو أي: ~~جزء من الليل، وهي من حيث التصريف أأناو وقلبت الهمزة إلى مد ~~والواو إلى همزة لأنها وقعت بعد الألف الزائدة، فصارت آناء. وقوله: { ~~يحذر الآخرة } [الزمر: 9] يعني: يخاف منها ومن القهر فيها { ~~ويرجوا رحمة ربه } [الزمر: 9] لأن رحمته سبقت غضبه، لم يقل ~~يأمن مقابل يحذر إنما ذكر أولا ما يخوف من الآخرة إن عصى، والمراد ~~يحذر النار في الآخرة، لكن لما تكلم عن رحمة الله جعلها مباشرة، فقال { ~~ويرجوا رحمة ربه ms8648 } [الزمر: 9] ولم يقل: ويرجو الجنة. ~~والمؤمن حين يرجو لا يرجو عمله وسعيه في الدنيا، إنما يرجو وينتظر رحمة ~~الله، لأنه لا ينجو بعمله، لأن أي إنسان مهما كان صالحا حين تحاسبه ~~حسابا دقيقا لا بد أن يخرج بذنوب وإدانة. إذن: فالكفيل فينا جميعا ~~والذي يسعنا رحمة الله، كما جاء في الحديث الشريف: # " لا يدخل أحد الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا ~~أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # فإياك إذن أن تغتر بعملك، لأن التكاليف كلها لصالحك أنت، ولا يعود ~~على الله منها شيء، فحين يجازيك عليها في الآخرة فهو تفضل من الله ~~ونعمة. ثم يقول سبحانه: { قل هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون } [الزمر: 9] بعد أن عقد الحق سبحانه مقارنة ~~بين الإنسان إذا مسه ضر دعا ربه منيبا إليه، ثم إذا خوله نعمة منه ~~نسي ما كان يدعو إليه من قبل، ومن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما ~~يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. أراد سبحانه أن يؤكد هذا المعنى، وأن ~~يبين لنا أن أصحاب العلم الحقيقي لا يستوون، وأصحاب العلم غير الحقيقي { ~~قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ~~} [الزمر: 9] فالذي رجع إلى الكفر بعد أن كشف الله عنه ضره لم يعلم ~~العلم الحقيقي، لأنه لو علمه ما رجع إلى الكفر ولاستقل المطلوب منه في ~~الدنيا إذا قارنه بما أعد له من جزاء في الآخرة. # أما الذي هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما، يحذر الآخرة، ويرجو ~~رحمة ربه، فقد علم العلم الحقيقي، فالقنوت بالليل فيه مسائل كثيرة: ~~أولا: أنه أبعد عن الرياء والسمعة، ثانيا: أن كل جوارحه تفرغت للقاء ~~ربه، فالعين مثلا في ظلمة الليل تستريح من المرائي التي تشغل الإنسان ~~وتأخذ انتباهه لأن كل مرءى يأخذ جزءا من خواطرك، فهذا راح وهذا جاء ~~وهذا قال وهذا.. أما الليل فسكون لا انشغال فيه، فالجوارح كلها خالصة ~~لوجه الله، لا تشغلها المرائي والأصوات. وهذا الجو يوفر لك وقفة حقيقية ~~وخاشعة بين يدي الله. وفي القنوت ms8649 تترك النوم وتحرم نفسك راحتها، لتقوم ~~بين يدي ربك ساجدا أو قائما لذلك يقول الشاعر: # خلوت إلى ربي فهمت بقربه # وصرت خفيف النفس كأني بلا جسم # تلوت كتاب الله فيا نعم # ما عوضت من نعمة النوم # تمنيت ليلي أن يطول لأنتهي # إلى السين من والناس موصولة باسم # هذه صفة أهل القنوت الذين يقضون الليل في مناجاة ربهم، وهذا هو حال ~~المرتحل في كتاب الله الذي لا ينتهي إلى السين من والناس حتى يبدأ في بسم ~~الله الرحمن الرحيم في أوله لذلك سبق أن قلنا: إن القرآن كله مبني على ~~الوصل، لا على الوقف. فهل يستوي من هذا حاله مع من كفر بالله؟ هذا ~~علم وعمل، ولذلك لم يعلم أو علم ولم يوظف علمه فيما ينفعه. ثم إن ~~العبد حينما يعلم ويعمل بعلمه يفيض الله عليه بالمزيد، فيعطيه علم ~~المكاشفة، وعلم الفيض، رحمة منه سبحانه وفضلا، كما رأينا في قصة العبد ~~الصالح الذي صاحبه سيدنا موسى - عليه السلام - قال تعالى في شأنه: # آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا ~~علما # [الكهف: 65] كذلك الرحمة هنا في { ويرجوا رحمة ربه } ~~[الزمر: 9] أي: الفيوضات الخاصة التي يفيض الله بها على من ظل في ~~معيته، ونحن نشاهد هذا في عالم البشر، فحين يكون لك صديق يلازمك ويسير في ~~معيتك لا بد أن تخصه بفضلك وخصوصياتك، فما بالك بمن ظل في معية ~~ربه؟ أيعطيك بلا خصوصية؟ أيسويك بمن يؤدي الفرض وحده؟ لذلك قال ~~سبحانه في الحديث القدسي: # " ما تقرب إلي عبدي بمثل ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب ~~إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره ~~الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني ~~لأعطينه ". # وهكذا يدخل العبد في الربانية التي تقول للشيء كن فيكون، وهذه من ~~الفيوضات لمن كان لله ساجدا أو قائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، ~~يعبده بلا رياء ولا سمعة، ويمنع نفسه النوم والراحة لأنه أنس بربه، ~~واستراح في قربه. # فقوله تعالى: ms8650 { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون } [الزمر: 9] دل على أن هناك علما اسمه علم المكاشفة، ~~يفيض الله به على من يشاء من عباده الصالحين، الذين استحقوا هذه ~~المنزلة، فالعبد الصالح صاحب موسى وعبد الله على منهج موسى، وليس برسول، ~~ومع ذلك فاق الرسول لأن موسى - عليه السلام - أوصله بربه فتقرب إليه، ~~حتى صار من أهل المكاشفة واتصل هو بالله مباشرة، وأطلعه الله على ما لم ~~يطلع عليه نبيه موسى عليه السلام. لذلك في آخر قصته مع سيدنا موسى قال: # وما فعلته عن أمري # [الكهف: 82] إذن: فمهمة الرسل أن يوصلوا الخلق بالخالق، فإذا ما ~~اتصلوا به كان الخط بينهما مباشرا، وكل بحسب قربه من ربه. وقوله ~~سبحانه { إنما يتذكر أولوا الألباب } [الزمر: 9]. أي: ~~أصحاب العقول المفكرة التي تبحث في المحسات، وتتأمل في الآيات لأن ~~للإنسان حواس تدرك، وعقلا يرجح ويختار، فيأخذ هذه بالسمع، وهذه ~~بالبصر، وهذه بالأنف ثم يعرضها على العقل لينظر ما فيها من الخير وما ~~فيها من الشر، فإن كان العقل صحيحا رجح الخير، واختار من البدائل ~~أجداها فائدة، وأهمها نفعا. ### || [39.10] # التقوى أن تحترز من المعاصي، وأن تجعل بينك وبين صفات الجلال من الله ~~وقاية، فالله جبار قهار ذو انتقام، فاجعل بينك وبين هذه الصفات وقاية ~~تحميك. وقوله { الذين آمنوا } [الزمر: 10] للعقائد { اتقوا ~~ربكم } [الزمر: 10] أي: في التكاليف { للذين أحسنوا في ~~هذه الدنيا حسنة } [الزمر: 10] أي: حسنة في الآخرة، فلم ~~يقل: للذين أحسنوا حسنة في هذه الدنيا لأن الكفار يتمتعون في الدنيا ~~بحسنات كثيرة من المال والجاه والعلم.. الخ. فإن فسرنا الحسنة على ~~أنها النعيم، فالنعيم الذي يكون سببا في صرف الإنسان عن ربه لا ~~يعد حسنة إنما سيئة، إذن: فالحسنة المرادة هنا في الآخرة { وأرض ~~الله واسعة } [الزمر: 10] لكن ما علاقة { وأرض الله ~~واسعة.. } [الزمر: 10] بقوله { اتقوا ربكم } [الزمر: 10]. ~~قالوا: يعني: إن صادفت متاعب في أرضك التي تعيش فيها، فإن أرض الله ~~واسعة، فالتمس حماية نفسك ودينك في أرض أخرى، كما قال سبحانه: # ومن يهاجر ms8651 في سبيل الله يجد في الأرض مرغما ~~كثيرا وسعة # [النساء: 100]. وقال في نفس المعنى: # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها.. # [النساء: 97]. إذن: حين تضيق بك أرضك، وحين يضيق عليك الخناق بها، ~~فالتمس أرضا أخرى تأمن فيها على نفسك وعلى دينك، وعلى تطبيق منهج الله ~~دون معاند، ودون معارض. ولو تنبهنا إلى آية في سورة الرحمن لوجدنا فيها ~~حلا لكل مشاكل الدنيا المعاصرة، هي قوله تعالى: # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10]. يعني: جعل الأرض كل الأرض دون تحديد تحت تصرف كل الأنام ~~دون تحديد أيضا، فكل إنسان له في أرض الله نصيب، فإذا ضاق به مكان فله ~~حق في مكان آخر. لكن قوانين البشر ومصالحهم غيرت هذه الصورة، ~~ووضعت العقبات والعراقيل والإجراءات المعقدة في طريق هذه الحرية التي ~~كفلها الخالق سبحانه للحركة على أرضه. لذلك وجدنا أن مشكلة العالم ~~الاقتصادية تكمن في وجود أرض بلا رجال، أو رجال بلا أرض، ولو تركنا الأرض ~~لله كما خلقها الله لعباده، لو جعلنا الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام ~~لقضينا على كل مشاكل الدنيا. وانظر مثلا إلى السودان جارتنا من ~~الجنوب، بها ملايين الأفدنة لا يستفاد منها، وعندنا في مصر ملايين من ~~الأيدي العاملة العاطلة، ولولا الحدود التي قيدنا أنفسنا بها لحلت ~~السودان مشكلة الغذاء في العالم العربي كله. بل والأدهى من ذلك والأمر ~~أن نختلف على الحدود، ونتزاحم على شبر واحد، وتنشب الحروب والأزمات بين ~~الدول بسبب هذه المسألة، إنها النتيجة الطبيعية لمخالفة أمر الله وسنته ~~في الخلق. ثم يقول سبحانه: { إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب } [الزمر: 10] الحث على الصبر بعد قوله { ~~وأرض الله واسعة } [الزمر: 10] دل على أنه لا بد أن ~~توجد في الحياة صعاب ومشاكل ومتاعب تحتاج إلى صبر، والشاعر يقول: # لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها # ولكن أخلاق الرجال تضيق # فالحق سبحانه يريد منا أن نتحمل منهج الله، وأن نقوم به لنسعد أنفسنا، ~~ثم نتسامى ms8652 في الإيمان، ونحاول أن نسعد غيرنا ليحدث استطراق للخير في ~~المجتمع لذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم ~~يسمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع ". # إذن: فنقل الخير إلى الغير فيه خير لك أنت، وسوف يعود عليك نفعه، لأنه ~~حين تحجب علم الخير عن الغير سيكون هذا الغير في شر، وسوف يتعبك هذا ~~الشر وينالك شيء منه، فمن مصلحتك أنت أن يعم الخير الآخرين، ومن ~~مصلحتك أن يكون غيرك خيرا، لا يسرق ولا يسب ولا يخون، ولا يتعدى ~~على الآخرين، فنقل علم الخير إلى الغير مفيد لناقله، ليكف شر ذي ~~الشر عنه على الأقل. والصابر هو الذي يصبر على الشدائد والمحن التي ~~تخرجه عن: سلامة الجوارح، وسلامة المال، وسلامة الأهل، والصابر واثق ~~بأن إيلامه وإيذاءه يعطيه خيرا من النعيم الذي فقده قبل الإيلام ~~والإيذاء، لأن الله قال: { إنما يوفى الصابرون أجرهم ~~بغير حساب } [الزمر: 10]. وإذا كانت التكاليف لها حساب عند الله، ~~فالصلاة لها حساب، والزكاة لها حساب.. إلخ أما الصبر فإن أجره بغير حساب ~~يعني: غير معلوم، حتى قالوا أنه في الجنة حين يرون منازل لم يكن أهلها ~~معروفين بالعمل الصالح، ومع ذلك منازلهم في الجنة عالية، فلما سألوا عن ~~ذلك قالوا: إنهم كانوا من أهل الصبر على البلاء وعلى الشدائد والمحن، ~~فنالوا هذه المنزلة بصبرهم. والصبر عدم تشكيك في رحمة الله، وعدم اعتراض ~~على حكمه وقضائه، فمثلا نرى بعض أهل البلاء يعرضون آفاتهم وبلواهم على ~~المجتمع في موسم الحج، فبعض هؤلاء يذهب للحج وهناك يكشف بلواه أمام ~~الناس، ويظهر عاهته في رجله أو في يده يستجدي بها الخلق، وكأنه يشكو ~~الخالق لخلقه، ولو أنه ستر بلاءه ورضي به لطرق الرزق بابه، ولساقه ~~الله إليه دون جهد. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا بليتم فاستتروا " # لأن من يظهر بلواه للخلق كأنه يفضح الخالق، كأنه يقول للناس: ~~انظروا ماذا فعل الله بي. وفي سير الصحابة وسلف الأمة رأينا امرأة لا ms8653 ~~تقبل من زوجها أن يشكو الفقر لرسول الله، وكانا لا يملكان إلا ثوبا ~~واحدا يلبسه الرجل، ويذهب به في أول الصلاة خلف رسول الله ثم يسرع بعد ~~الصلاة وينصرف إلى بيته لتلبسه زوجته وتصلي هي أيضا فيه. # وقد لاحظ سيدنا رسول الله أنه يرى هذا الرجل في أول الصلاة، ولا يراه ~~بعدها، فتحين رسول الله الفراغ من الصلاة، ثم التفت إليه سريعا ~~فوجده خارجا من المسجد، فناداه وقال له: أراك أول الصلاة ثم لا أراك ~~بعدها أزهدا فينا؟ قال: لا يا رسول الله ولكن لي امرأة بالبيت تنتظر ~~ردائي هذا لتصلي فيه، فدعا له بالخير. فلما ذهب قالت امرأته: لقد تأخرت ~~قدر كذا تسبيحة - هكذا كان حساب الوقت عند هؤلاء - فقال لها: إن رسول ~~الله استوقفني وسألني عن أمري، فلم أجد بدا أن أقول له: إن لي امرأة ~~بالبيت تنتظر ردائي هذا للصلاة، فقالت له: يا هذا أتشكو ربك لمحمد؟ هكذا ~~كان صبر الصحابة، صبر لا يعرف الجزع ولا الشكوى ولا الاعتراض على قضاء ~~الله. لذلك يقول بعض العارفين حين يرى حظ الصابرين في الآخرة: لو علم ~~الناس جزاء الصابرين لتمنوا أن يعودوا إلى الدنيا، وتقرض أجسادهم ~~لينالوا هذه المنزلة. ### || [39.11-12] # نلحظ في هذه الآية تكرار الفعل أمرت، وهذا يدل على أننا أمام أمرين، كل ~~منهما مستقل عن الآخر، فالأمر الأول { قل إني أمرت أن ~~أعبد الله مخلصا له الدين * وأمرت لأن أكون ~~أول المسلمين } [الزمر: 11-12] وهذا أمر ليقين الإيمان وليقين ~~العبادة، بحيث نتوجه بها خالصة لله. والخلوص لله على مراحل، فواحد يعبد ~~الله لانتظار جزائه وطمعا في جنته، وآخر يعبده خوفا من ناره، وآخر ~~يعبده لذاته سبحانه، ولأنه يستحق أن يعبد، وأن يحب لذاته. لذلك قال ~~سبحانه في آخر سورة الكهف: # فمن كان يرجوا لقآء ربه # [الكهف: 110] لا جنة ربه ولا جزاء ربه، إنما يريد اللقاء، ويريد الأنس ~~بالله، فلا تشغله النعمة، إنما تشغله معية المنعم سبحانه # فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه ~~أحدا # [الكهف: 110] والجنة أحد. ms8654 إذن: الأمر الأول خاص بالعقائد، أما الأمر ~~الآخر: { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } [الزمر: 12] ~~فهو للتكاليف الإسلامية بافعل ولا تفعل، لكن كيف يقول رسول الله { ~~وأمرت لأن أكون أول المسلمين } [الزمر: 12] أليس هو ~~أولهم بالفعل؟ لأن أول تكليف كان له هو ساعة نزل عليه الوحي، وقبل أن ~~يبلغه إلى أصحابه، إذن: مرت عليه فترة كان هو صلى الله عليه وسلم أول ~~من أسلم لله، أول من أسلم منهجه لله، قبل أن يبلغ هذا المنهج، هذا ~~إن أردناها حقيقة أولية. وأيضا له أولية في تنفيذ الأحكام أمام الناس ~~بعد أن يبلغهم المنهج، حتى يعلموا أن الرسالة لم تكن لتدليل الرسل، ~~إنما كانت لإقامة الأسوة فيهم، فإذا عمل الرسل أنفسهم على منهج الله ~~علموا الناس جميعا أن هذا المنهج خير، بدليل أنهم ألزموا أنفسهم به ~~تطبيقا قبل أن يلزموا الناس، كالذي قال: لم آمركم أمرا أنا عنه ~~بنجوة. شيء آخر: أن الله تعالى سلب الرسول، وسلب أهل بيته ما أعطاه ~~لعامة المسلمين، فالميت يرثه أهله، ورسول الله لا يرثه أحد من أهله، ~~ولعامة فقراء المسلمين أن يأخذوا من أموال الزكاة والصدقة، أما آل البيت ~~فقد حرم عليهم الأخذ منها. إذن: تحمل رسول الله المشاق في سبيل ~~الرسالة، ولم تكن بالنسبة له رفاهية ولا تدليلا، كذلك تحمل معه أهل ~~بيته، ونالهم جزء من هذه المشاق، ولولا أن إشراق الجزاء في نفوسهم يعطيهم ~~الأمل والثقة في الجنة، هذه الثقة التي جعلتهم وكأنهم ينظرون إلى أهل ~~الجنة في الجنة ينعمون وإلى أهل النار في النار يعذبون، لولا هذا ما ~~صبروا على هذه المتاعب والمشاق. لذلك يقول سبحانه حينما يخاطب نساء ~~النبي: # ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء # [الأحزاب: 32] فلأنكن نساء النبي فلا بد أن تكن أول من ينفذ ~~منهج الرسول لتتحقق بكن القدوة، وليعلم الناس أن الرسول ما جاء جبارا ~~يأمرهم بما لا يأتمر به، أو ينهاهم عما لا ينتهي عنه، بل هو في التنفيذ ~~سابقهم وإمامهم وقدوتهم هو وأهل بيته، إذن: كان صلى الله ms8655 عليه وسلم أول ~~المسلمين بالفعل. # وللعلماء كلام طويل في مسألة أول المسلمين لأنها وردت أيضا على لسان ~~سيدنا موسى عليه السلام، قال # وأنا أول المسلمين # [الأنعام: 163] أي: مسلمي زمانه، أما رسول الله فأول المسلمين في زمنه ~~وفي زمن غيره، نقول لتقريب هذه المسألة: إن الأولية هنا أولية تفوق، ~~والتفوق قد يكون تفوقا إضافيا كما نقول: فلان الأول على كلية الحقوق ~~هذا العام، فالتفوق هنا خاص بالعام الذي نتحدث عنه، وربما جاء في أعوام ~~أخرى من تفوق عليه، وحصل على درجات أعلى منه، وقد يكون التفوق عاما ~~كما لو قلنا: فلان الأول على كلية الحقوق منذ أنشئت. إذن: قد تكون ~~الأولية في الزمن، وقد تكون الأولية في مقارنة الأزمان بعضها ببعض، فإذا ~~قال رسول من الرسل: أنا أول المسلمين، فالمراد أول المسلمين في زمانه، ~~وإذا قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: أنا أول المسلمين فالمراد أول ~~المسلمين من لدن آدم إلى قيام الساعة، يعني: أنا وإن تأخر زمني إلا أنني ~~الأول إذا أخذنا الرتبة ساعة التكليف، ثم إن غيري من الرسل بعث إلى ~~زمن بعينه في مكان بعينه، وأنا بعثت للناس كافة في كل زمان ومكان، ثم ~~إنني خاتم الرسل، فلا رسالة بعدي ولا معقب من الرسل على رسالتي، هذه ~~كلها حيثيات الأولية عند رسول الله، وهي حيثيات ظاهرة لا تنكر. لذلك ~~نجد الأولية دائما على لسان رسول الله كما في قوله تعالى: # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # [الزخرف: 81] يعني: أول من يصدق هذه المسألة. ### || [39.13-15] # سبحان الله، أيقول رسول الله { إني أخاف إن عصيت ربي ~~عذاب يوم عظيم } [الزمر: 13] فكأنه يقول: أنا لم آخذ هذه ~~المنزلة حكما مطلقا أنني نبي مكرم، بل أنا كعامة الناس إن عصيت ~~ربي تعرضت للعقاب، يعني تقديم الله لي أولا واصطفاؤه لي لا يشفع لي إن ~~حدثت مني معصية. ثم يقول سبحانه على لسان رسوله { قل الله أعبد ~~مخلصا له ديني } [الزمر: 14] وهذه أيضا للعقائد وليقين ~~الإيمان، وقد سبق قوله تعالى: # قل ms8656 إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين # [الزمر: 11] وهنا { قل الله أعبد } [الزمر: 14] فما الفرق بين ~~الله أعبد و أعبد الله؟ قوله تعالى: # أن أعبد الله # [الزمر: 11] جاء على الترتيب الطبيعي للجملة: الفعل، ثم الفاعل، ثم ~~المفعول. والجملة بهذا الترتيب لا تمنع من العطف على المفعول كما تقول: ~~أطع فلانا، فإنها لا تمنع أن نقول وفلانا، أما إن قدمنا المفعول به ~~على الفعل، كما في قوله سبحانه: { قل الله أعبد } [الزمر: 14] ~~فإن تقديم المفعول أفاد القصر يعني: قصر العبادة على الله وحده، كما لو ~~قلت: إلى الله أشكو يعني: لا إلى غيره. فالآية الأولى جاءت بالترتيب ~~الطبيعي للجملة، والأخرى جاءت بصيغة القصر، كأنه قال: أنا لا أعبد غير ~~الله، وأنتم اعبدوا ما شئتم { فاعبدوا ما شئتم من دونه } ~~[الزمر: 15]. ثم يبين سبحانه عاقبة الشرك فيقول: { قل إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين } [الزمر: 15]. ~~نفهم أن هؤلاء المشركين خسروا أنفسهم يوم القيامة، لأنهم ظلموا أنفسهم ~~بالكفر وبالشرك، لكن كيف يخسرون أهليهم أيضا؟ قالوا: لأن أهليهم هم ~~أولادهم وذريتهم وهؤلاء إما أن يؤمنوا، وإما أن يظلوا على كفرهم مع ~~الآباء، فإن ظلوا على كفرهم فهم خاسرون كآبائهم، وإن آمنوا فلن ~~يكونوا مع الآباء، وسيحرمون رؤيتهم، لأن هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. ~~إذن: الخسارة ملازمة لهم في كلتا الحالتين. وكلمة الخسارة هنا أكدها ~~الحق سبحانه بالمفعول المطلق { ذلك هو الخسران المبين } ~~[الزمر: 15] ثم وصف الخسران بأنه مبين أي: بين واضح ومحيط لأن التاجر ~~متى يكون خاسرا؟ إما أن يعود إليه رأس ماله دون زيادة، وفي هذه الحالة ~~يكون قد خسر جهده وتعبه في تجارته، وإما أن تتعدى الخسارة إلى رأس المال ~~فيخسر تعبه وجهده، ويخسر جزءا من رأس المال، وهذا هو الخسران المبين، ~~أي: المحيط بكل شيء فقوله تعالى: { ألا ذلك هو الخسران ~~المبين } [الزمر: 15] يعني المحيط الذي أحاط بأهله وماله وتعبه ~~وسعيه. ### || [39.16] # يبين سبحانه عاقبة الكافرين، فيقول: { لهم من فوقهم ظلل ~~من ms8657 النار ومن تحتهم ظلل } [الزمر: 16] كلمة ظلل جمع ظلة، ~~وهي ما يظل الإنسان، ويقيه حرارة الشمس، ففي الظل يلتمس الإنسان ~~الراحة وطراوة الهواء، أما هؤلاء فعليهم ظلل لا ظلة واحدة من النار، ~~والنار لا تكون أبدا ظلة. إذن: هذا أسلوب تهكم بالكافرين، وليت هذه ~~الظلل من جهة واحدة، إنما من فوقهم، ومن تحتهم، والإنسان عادة حينما ~~يأتيه الشر من جهة ينأى إلى الجهة المقابلة، وفي موضع آخر قال سبحانه: # لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش # [الأعراف: 41]. إذن: فالنار محيطة بهم لا مهرب منها، ولا مفر { ~~ذلك يخوف الله به عباده يعباد فاتقون } ~~[الزمر: 16] تأمل رحمة الله بعباده، حتى في مقام ذكر النار والعذاب، ~~فالنار ليس المراد بها تعذيب الخلق، إنما تخويفهم وزجرهم حتى لا ~~يقفوا هذا الموقف، ولا يتعرضوا لهذا العذاب، وأنت لا تصنع ذلك إلا مع ~~من تحب، كما تخوف ولدك من الرسوب، وتبين له عاقبة الإهمال، وما ~~سيتعرض له من الذلة والإهانة والاحتقار، إن هو فشل في دراسته. إذن: حظه ~~تعالى من ذكر النار أن يخوف بها، حتى لا يقع الخلق في الأسباب ~~المؤدية إليها، والعاقل ساعة تخوفه يخاف، وساعة تزجره ينزجر ويرتدع، ~~ويعد هذا التخويف نعمة من أعظم نعم الله عليه. وهذه المسألة واضحة في ~~سورة الرحمن، فالذين يحاولون أن يستدركوا على كلام الله يقولون: من ~~المناسب للمعنى أن تختم الآيات التي تذكر النعم بقوله تعالى: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13]. كما في قوله سبحانه # خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجآن ~~من مارج من نار * فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 14-16] لكن، ما النعمة التي لا ينبغي أن نكذب بها في قوله: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران # [الرحمن: 35]. قالوا: هذا العذاب ليس هو الواقع إنما يذكره ليرهب به ~~يعني: إن حدث منكما كذا وكذا يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا ~~تنتصران، وكونه يرهب ويخوف بالعذاب قبل أن يأتي حينه فإنه يحدث عندي ~~مانع ووقاية فلا أقترف أسباب هذا العذاب، بل ألزم ms8658 جانب الخوف من الله ~~والتقوى. لذلك قال بعدها: { يعباد فاتقون } [الزمر: 16] أي: ~~اجعلوا تخويفي لكم رحمة بكم لا إرهابا لكم، والإنسان حين يوازن بين ~~المسائل ويقارن بين حال أهل الجنة وحال أهل النار لا بد أن يرعوى، ~~وأن يرجع إلى الجادة، وعندها يكون أهلا لرحمة الله ومغفرته. إذن: من ~~نعم الله علينا أن يخوفنا، وأن يحذرنا الشر قبل وقوعه، وألا ~~يأخذنا على غرة، أو يتركنا في غفلة. ### || [39.17-18] # كلمة الطاغوت مبالغة من طاغ، والطاغوت هو الظالم الذي يزيده احترام ~~الناس لظلمه، أو خوفهم منه يزيده ظلما وغطرسة، والطاغوت لا بد أن يكون ~~له توجيه وتعال، لذلك لا يقال للأصنام طواغيت، لأنها لا تعلو بذاتها، ~~وليس لها توجيهات، إنما يعلو بها عبادها، إذن: الطاغوت لا يكون إلا من ~~البشر، ولو كان حاكمين فقط، وإلا فما وجه الطغيان في الأصنام؟ الأصنام ~~لا قالت ولا ظلمت. وفي المثل الريفي يقولون: يا فرعون إيه فرعنك؟ قال: ~~ملقيتش حد يردني إذن: لو وقف الناس في وجهه، ولو ردوا ألوهيته عندما ~~أله نفسه لارتدع عن هذا. ورحم الله أحمد الزين، ففي عهد الملك أرادوا ~~وحدة وطنية تجمع كل الأحزاب تجتمع بالملك ليفكروا في حل مشاكل البلد، ~~ودعوا لذلك مصطفى النحاس، لكنه لم يذهب، فلما سأله أتباعه: لماذا لم ~~تذهب لهذا الاجتماع؟ قال: لأني سأكون فيه أقلية. يعني: لكثرة الموجودين، ~~فأخذ أحمد الزين هذا الموقف، وقال فيه قصيدة أراد أن يغمز فيها الملك، ~~فقال: # كلهم بالهوى يمجد دينه # ألف مفت ومالك بالمدينه # كم رئيس لولا القوانين # تحمي جهله كان طرده قانونه # ذو جنون وزاد فيه جنونا # أن يرى عاقلا يطيع جنونه # فالطاغوت ما صار طاغوتا إلا لأن الناس خافوه ولم يردوا طغيانه، ~~ولم يجابهوه، بل وافقوه وداهنوه، فاستشرى به الطغيان. البعض يرى أن ~~الطاغوت كل ما عبد من دون الله، لكن ينبغي أن نضيف إلى ذلك: وهو راض ~~بهذه العبادة، وبناء على هذا التعريف لا تعد الأصنام طواغيت، ولا ~~يعد عيسى - عليه السلام - طاغوتا، ولا يعد أولياء ms8659 الله طواغيت ~~كما يدعي البعض لأن الناس فتنوا فيهم، ولا ذنب لهم في ذلك. وقوله: { ~~وأنابوا إلى الله.. } [الزمر: 17] أي: رجعوا إلى عبادته وحده ~~لا شريك له { لهم البشرى } [الزمر: 17] أي: بالجنة لأنهم وقفوا ~~في وجه الطغيان، وردوا الظلم ولم يقبلوه، والله تعالى يريد من المجتمع ~~المسلم أن يقف في وجه كل طاغية، وأن يعدل سلوك كل منحرف، وأن يقاطع ~~أهل الفساد ويعزلهم عن المجتمع وحركة الحياة فيه. ومثلنا لذلك بالفتوة ~~الذي يحمل السلاح ويهدد الناس في نفوسهم وفي أرزاقهم وأعراضهم، بل ومنهم ~~من يتحدى القانون والسلطة والنظام، إنه ما وصل إلى هذه الدرجة إلا لأن ~~المجتمع تخلى عن دوره في الإصلاح والتصدي لأهل الشر. قبل أن أبدأ لقائي ~~في هذه الحلقة أذكر أنه وصلني كتاب اليوم من أحد الإخوان يطلب مني أولا ~~أن أذكر له القصيدة التي قيلت في قنوت الليل، وأنا لا أقول من قالها، ~~وإنما أحيله إلى رجل حجة في هذا الباب، هو الدكتور محمد عبد المنعم خفاجة ~~عميد كلية اللغة العربية سابقا، وحجة رابطة الأدب في مصر. # وسأل أيضا عن اختلاف العلماء في تحديد الليل والنهار اختلافا ينفي بعض ~~الليل من النهار، وينفي بعض النهار من الليل، وأقول وبالله التوفيق: إن ~~اختلاف الناس في الليل والنهار اختلاف بين الشرعيين والفلكيين، فالشرعيون ~~يرون أن الليل يبدأ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، والفلكيون يقولون: ~~إن الليل يبدأ من غروب الشمس إلى شروق الشمس. إذن: فهناك فترة مختلف ~~عليها، وهي من الفجر إلى الشروق، فالذين نظروا إلى أنها ليست من الليل ~~هم الشرعيون، وذلك لأن المراد في احتياط الصوم ألا يجور الإنسان على ~~شيء من الليل، يدخل فيه شيئا من النهار فاحتاطوا لذلك. ووجه الاحتياط أن ~~الشرعي نظر إلى النور الذي يبدو عند طلوع الفجر، ولم ينظر إلى سبب النور ~~وهو الشمس، فنحن نرى نورا قبل أن تطلع الشمس. أما الفلكي فينظر إلى وجود ~~النور، هذا النور يكون من علامة الليل. الشرعي قال: لا ففرق بين النور ~~يظهر ms8660 وبين المنور، لأن نور الفجر إلى الشروق نور لا نرى فيه الشمس، وهو ~~مرتبط بغروب الشمس وشروقها، والليل يقال فيه: ليل أليل أو ليلة ليلاء ~~يعني شديدة الظلمة وهي حينما يكون القمر في المحاق، أو يقال ليلة ليلاء. ~~يعني: فيها تعب ومشقة. وقد جعل المحبون من الليل مراحا ومغدى ~~لشعرهم، فإن كانوا مع الأحبة تمنوا أن يطول الليل، وإن فارقوا ~~الأحبة تمنوا أن يقصر الليل. ومن ذلك قول الشاعر # طال ليلي ولم أنم # ونفى عني الكرى طيف ألم # وقال آخر لما اجتمع شمله بمن يحب: # يا ليل طل يا نوم زل # يا صبح قف لا تطلع # والآخر جمع الحالين معا، أظنه البحتري حين قال: # ودع الصبر محب ودعك # ذائع من سره ما استودعك # يقرع السن على أن لم يكن # زاد في تلك الخطى إذ شيعك # يا أخا البدر سناء وسنا # حفظ الله زمانا أطلعك # إن يطل بعدك ليلي فلكم # بت أشكو قصر الليل معك # والليل يقابله النهار، لذلك يقول سبحانه: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون # [القصص: 71-72]. فجعل الليل مقابل النهار، وتلحظ هنا دقة الأداء ~~القرآني، لأن المتكلم رب والأداء أداء إلهي، فلما تكلم عن الليل ذيل ~~الكلام بقوله: # أفلا تسمعون # [القصص: 71] ولما تكلم عن النهار ذيل الكلام بقول: # أفلا تبصرون # [القصص: 72] ذلك لأن السمع وسيلة الإدراك بالليل حيث لا رؤية، أما في ~~النهار فالبصر. وقد اضطر العلماء إلى البحث في علاقة اليوم بالليل ~~والنهار، فقالوا: الحق يقول: # سيروا فيها ليالي وأياما آمنين # [سبأ: 18]. فجعل سبحانه اليوم مقابل النهار، لكن يوم الفلكيين غير هذا، ~~فاليوم عندهم لا يحسب إلا من وقت إلى مثله في القادم، يعني: إن بدأت من ~~العصر فاليوم إلى العصر القادم. ويقولون في التوقيت: صباحا ومساء، فلو ~~استيقظت مثلا للسحور الساعة الثانية ms8661 بعد منتصف الليل أقول: تسحرت ~~الساعة الثانية صباحا، مع أنني ما زلت في الليل، وبالعكس أقول في ~~النهار: الساعة الخامسة مساء، مع أنني ما زلت في النهار، هذا كله من ~~اختلاف الفلكيين والشرعيين. ولكن اليوم اختلف في مدلوله في كثير من ~~المواضع، فالحق سبحانه يقول في كتابه: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا # [المائدة: 3] فأطلق اليوم على أي لحظة من لحظاته. وقال سبحانه: # وذكرهم بأيام الله # [إبراهيم: 5] والمراد بأيام الله الأيام التي تنسب إليها الأحداث، سواء ~~أكانت نعمة أو نقمة، نقول مثلا يوم بدر، وكان يوم بدر نعمة للمؤمنين ~~ونقمة على الكافرين. وإلى هنا انتهت الإجابة على سؤال الأخ السائل، ~~ونعود إلى ما كنا بصدد الحديث عنه من قوله سبحانه: { والذين ~~اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها.. } [الزمر: 17]. قلنا: ~~الطاغوت هو الذي يطغى، ويبارك الناس طغيانه، ولا يصدونه عنه، والطاغوت ~~جاءت هنا مؤنثة بدليل { أن يعبدوها.. } [الزمر: 17]، وفي موضع ~~آخر جاء بصيغة المذكر في قوله تعالى: # يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا ~~أن يكفروا به.. # [النساء: 60]. وكلمة الطاغوت من الكلمات التي تطلق على: المفرد والمثنى ~~والجمع مذكرا ومؤنثا، فنقول: هذا رجل طاغوت، وهذه امرأة طاغوت، ~~وهذان طاغوت، وهؤلاء طاغوت. وهي هنا للجمع، بدليل قوله تعالى: { أن ~~يعبدوها.. } [الزمر: 17] وهي مثل كلمة سبيل، نقول: هذه سبيل، وهذا ~~سبيل. والطاغوت - كما قلنا: لا بد أن تكون له توجيهات، لذلك لا يطلق ~~إلا على الطاغي من البشر أو من الجن، أما الملائكة فلم ترض أن تعبد ~~من دون الله، كذلك يسمى الظالم طاغوتا. ونفهم من قوله تعالى: { ~~وأنابوا إلى الله.. } [الزمر: 17] أي: رجعوا إليه، نفهم منها ~~أنهم كانوا مع الله أولا ثم انحرفوا عنه، كيف؟ قالوا: لأن كل إنسان ~~كان مع الله على فطرة الإيمان الأولى عندما أخذ الله الميثاق على ~~الخلق جميعا فقال: # ألست بربكم قالوا بلى.. # [الأعراف: 172] لكن منهم من ظل على هذا العهد وعلى هذه الفطرة ~~السليمة، ومنهم من انحرف عنها ونسيها. لذلك كثيرا ما يقول ms8662 القرآن وذكر ~~أي: بالعهد الأول، فمعنى { وأنابوا إلى الله } [الزمر: 17] ~~يعني: رجعوا إلى الإيمان الفطري وإلى العهد الأول، أو رجعوا إلى الله ~~للجزاء يوم القيامة. وقوله سبحانه: { لهم البشرى } [الزمر: 17] ~~البشرى الخبر السار الذي نخبر به قبل أوانه، والبشرى تنقسم إلى ~~قسمين: إزالة عطب وألم، أو تحقيق مراد وأمل، فالذين اجتنبوا الطاغوت فلم ~~يعبدوها وأنابوا إلى الله تحقق لهم الأمران معا، لأنهم أولا برئوا من ~~النار وآلامها، ثم تحقق مرادهم بدخول الجنة كما قال سبحانه: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185]. لذلك قال بعدها: { فبشر عباد } [الزمر: 17] أي ~~بهذه البشرى السارة { الذين يستمعون القول فيتبعون ~~أحسنه } [الزمر: 18] القول لا بد أن يكون من قائل، فإذا استمعوا ~~القول من قائل يتبعون أحسن ما قيل، وأن ما قيل يكون من أحسن قائل، وإذا ~~نظرنا إلى أحسن قائل لا نجد إلا الحق سبحانه وتعالى، فإذا أمر الله بحكم ~~فاتبعوه فقوله أحسن القول، وأمره أنفع أمر. والحق سبحانه لا يستفيد من ~~أوامره لكم، ولا تضره معصيتكم، فأنتم إذن المنتفعون بالمنهج، المستفيدون ~~من تنفيذه، ثم أنتم خلق الله وصنعته، ويعز عليه سبحانه أن تنحرف هذه ~~الصنعة أو تعذب. ثم يريد سبحانه من منهجه وشرعه أن يديم عليكم عطاءه ~~ونعمه، وأن تكون نعمة الدنيا موصولة لكم بنعمة الآخرة، لذلك قال عنهم في ~~الحديث القدسي: # " لو خلقتموهم لرحمتموهم ". # أو: أحسن ما قيل يعني الإسلام، فالإسلام جاء والناس أصناف شتى: كفرة ~~لا يؤمنون بإله، ومشركون يؤمنون بإله معه غيره، وأتباع ديانات كان لها ~~كتب ورسل سابقون كاليهود والنصارى. فهؤلاء الذين عاصروا الإسلام إن ~~يستمعوا يستمعوا لقول هذا وقول ذاك، يستمعوا للكفار والملاحدة وللمشركين ~~ولأصحاب الكتب السابقة. فكأن الحق سبحانه يقول: اعرضوا هذه الأقوال على ~~عقولكم، واختاروا أحسنها ولا تتعصبوا لقول دون أن تبحثوه وتقارنوه ~~بغيره، فإن فعلتم ذلك وإن توفرت لكم هذه الموضوعية فلن تجدوا إلا ~~الإسلام أحسن الأقوال والأولى بالاتباع، فهو الدين الذي جمع للناس ~~كل خير، ونأى بهم عن كل شر. وهو ms8663 الدين الذي جاء مهيمنا على جميع ~~الأديان قبله، وكتابه المهيمن على كل الكتب قبله، وجاء الإسلام دينا ~~عاما في الزمان وفي المكان لذلك هو الدين الخاتم الذي لا دين بعده، ولا ~~كتاب بعد كتابه، ولا رسول بعد رسوله. ودين هذه صفاته لا بد أن يكون ~~قد استوفى كل شروط الكمال، كما قال سبحانه: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا.. # [المائدة: 3] فالإسلام إذن أحسن الأديان، وأحسن الأقوال، وأحسن ما ~~نتبعه. ثم تستمر الآيات في وصف المؤمنين الذين اجتنبوا الطاغوت أن ~~يعبدوها، والذين أنابوا إلى الله والذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه { ~~أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا ~~الألباب } [الزمر: 18] هداهم يعني دلهم وأرشدهم، فلما اتبعوا ~~دلالته وإرشاده ولم يكن في نفوسهم عناد لهذه الدلالة أعطاهم هداية ~~التوفيق والإيمان فآمنوا. وقلنا: إن الهداية نوعان: هداية الدلالة، ~~وهداية المعونة. وبينا ذلك كما سبق برجل المرور الذي تجده على مفترق ~~الطرق يدل الناس ويرشدهم، فإن دلك على الطريق فأطعته وشكرته على ~~معروفه زادك، وسار معك حتى لا تؤذيك عقبات الطريق لأنه وجدك أهلا لأن ~~تعان فأعانك. # كذلك الحق سبحانه يعطي عبده هداية الدلالة والإرشاد، وهذه للمؤمن ~~وللكافر، فمن أطاع في الأولى أخذ الثانية، وهي هداية المعونة، وهذه ~~للمؤمن دون الكافر، فكأن الله تعالى يقول لعبده المؤمن: أنت آمنت بي، ~~وسمعت كلامي، وأطعت فسوف أعينك على الطاعة، وأخفف أمرها عليك، وأعسر ~~عليك أمر المعصية. وهذه من أعظم نعم الله على العبد أن ييسر له أمر ~~الطاعة، ويعينه على مشقاتها، وفي المقابل يقفل دونه أبواب المعصية ~~ودواعيها. وهذا معنى قوله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17]. فمعنى زادهم هدى يعني: أعطاهم هداية المعونة على الإيمان. ~~وقوله: { وأولئك هم أولوا الألباب } [الزمر: 18] أي: ~~أصحاب العقول المفكرة المعتبرة، لأنهم نشروا أمامهم كل الأقوال، وبحثوها ~~وقارنوا بينها، وأخذوا أحسنها الذي يحقق لهم السعادة والمصلحة والانسجام ~~في حركة الحياة بلا تعاند، بل حركة مستقيمة متساندة تنفي من القلوب: ~~الحقد والغل والحسد، وتمنع الانحراف ms8664 من: سرقة وغش ورشوة واغتصاب.. إلخ. ~~فمن يصادم مثل هذا المنهج؟ ومن يرفضه؟ إنه منهج مستقيم لا يملك العقل ~~السليم إلا الإذعان له والسير على هديه، لذلك سمى الله هؤلاء الذين ~~اختاروا هذا المنهج سماهم { أولوا الألباب } [الزمر: 18] أي ~~أصحاب العقول، والعقل مهمته أن يعقل الفكر فلا يشطح، بل يعرض المسائل ~~ويختار من البدائل ما يصلحه، لكن آفة الرأي الهوى، فالهوى هو الذي يصرفك ~~عن مقول العقل إلى مقول الهوى. قول آخر يقول: المراد بقوله تعالى { ~~الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه } [الزمر: ~~18] أنه خاص بمن يستمعون أقوال الإسلام، فيتبعون أحسن هذه الأقوال ~~لذلك جاء بصيغة التفضيل أحسن فكأن في الإسلام قول حسن و أحسن، فهذا الرأي ~~لا يأخذ المسألة على العموم، إنما يجعلها خاصة بأقوال الإسلام، وهي كلها ~~متصفة بالحسن، لكن منها حسن وأحسن، وأصحاب العقول المتأملة يختارون ~~منها الأحسن. ومثال ذلك: شرع الإسلام مثلا القصاص من القاتل وشرع ~~الدية عليه، وشرع أيضا العفو، فقال سبحانه: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان.. # [البقرة: 178] فمن أخذ بالقصاص أو الدية أخذ بالحسن، ومن تسامى إلى ~~العفو أخذ بالأحسن. كذلك في قوله تعالى: # إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم.. # [البقرة: 271] فإن أبديت الصدقة فأنت غير آثم، بل هو أمر حسن، لكن ~~الأحسن منه أن تخفيها. ومثله قوله سبحانه: # وجزآء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح ~~فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين # [الشورى: 40]. وفي كل هذه المواضع، نجد الحق سبحانه يرغب عباده في ~~التسامح، لكن التسامح يكون في الأمر الذي تتحمل أنت ثمنه، ويعود عليك ~~ضرره إن كان هناك ضرر، أما إن عاد الضرر على المجتمع عامة فلا تسامح. # والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا هذا الدرس، فكان صلى الله عليه وسلم ~~لا يغضب لنفسه قط. إنما كان يغضب إذا انتهك أمر الله، إذن: تسامح في ~~الأمر الذي يتعلق بك، أما إن تعلق الأمر بعامة المسلمين فليس لأحد الحق ~~أن يتسامح فيه. ms8665 والحق سبحانه يلفت أنظارنا إلى اختيار الأحسن هو أحسن لنا ~~نحن وأفضل، ففي قصة الإفك، قال تعالى: # ألا تحبون أن يغفر الله لكم.. # [النور: 22] يعني: لا تغضب لأنك غفرت لمن أساء إليك، لأن الله تعالى ~~سيعاملك بالمثل فيغفر لك إن أسأت، ومن لا يحب أن يغفر الله له؟ فما ~~دمت تحب أن يغفر لك فاغفر لصاحبك، لكن شريطة ألا تهيج المجتمع ولا ~~تضره. ### || [39.19] # كان النبي صلى الله عليه وسلم محبا لأمته، حريصا على هدايتهم والأخذ ~~بأيديهم، وكان يؤلمه أن يشذ واحد منهم عن منهجه أو يعانده، والقرآن ~~الكريم يعرض لنا هذه المسألة في أكثر من موضع، ففي سورة الشعراء: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. وفي الكهف: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. وقال { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.. } ~~[فاطر: 8]. فالحق سبحانه يسلي رسوله يقول له: يا محمد، لا تحزن على ~~هؤلاء، لأنهم استحقوا العذاب، وحكم الله عليهم أنهم معذبون { أفمن ~~حق عليه كلمة العذاب.. } [الزمر: 19] حق يعني: ثبت من ~~الله، كما في قوله تعالى: # حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين # [السجدة: 13]. وما دام قد حق عليهم العذاب، فلماذا تحزن { أفأنت ~~تنقذ من في النار } [الزمر: 19] وأحقية كلمة العذاب هنا ليست ~~قهرا للعبد أن يفعل، إنما علم أنه سيفعل كذا وكذا، فعلم الله ~~بما سيكون منهم وكتبه عليهم، فالأحقية هنا ليست أحقية كونية أرادها ~~الخالق سبحانه، إنما لأنه سبحانه علم مسبقا ما يختارون. وسبق أن ~~تناولنا هذه المسألة في الكلام عن قوله تعالى: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب # [المسد: 1-3] هذا حكم من الله على أبي لهب أنه سيصلى نارا ذات ~~لهب، وقد جاء هذا الحكم وبلغه رسول الله، وسمعه أبو لهب وهو حي ~~يرزق، أكان محمد صلى الله عليه وسلم يأمن أن يقف أبو لهب في محفل من ~~القوم، ويقول: أشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ms8666 الله، يقولها ولو ~~نفاقا، ويظهر أمام الناس على أنه مؤمن، وفي هذه الحالة يكذب كلام ~~الله؟ لقد كان أبو لهب كافرا، كما كان خالد وعمرو وعكرمة كافرين، وكان ~~بإمكانه أن يؤمن كما آمنوا، لكن علم الله أنه لن يؤمن حتى بعد أن بلغه ~~هذا المصير في قرآن معجز يحفظه من قاله ويتلى إلى يوم القيامة، إذن: ~~دلت هذه الآية على أن الله تعالى علم مسبقا أنه لن يؤمن، ولم يقهره ~~على ألا يؤمن. فالحق سبحانه يقول لرسوله: لا تذهب نفسك عليهم حسرات، ~~لأن الله حكم عليهم لعلمه بما سيكون منهم، أنهم من أهل النار، فكيف ~~تنقذهم، وقد حكم الله عليهم بذلك؟ ونلحظ في أسلوب الآية { أفمن حق ~~عليه كلمة العذاب.. } [الزمر: 19] أن الفعل حق لم تلحقه ~~علامة التأنيث، مع أن فاعله كلمة مؤنثة، قالوا: لأن المؤنث هنا غير ~~حقيقي، فيجوز في الفعل عدم التأنيث. والاستفهام في { أفمن حق ~~عليه كلمة العذاب.. } [الزمر: 19] يحتاج إلى خبر تقديره: ~~أفمن حق عليه كلمة العذاب، أتريد أن تنجيه أو تحميه منه، بأن تلح ~~عليه أن يؤمن، أتريد أن تنقذه من النار، وقد حكم الله عليه أنه من ~~أهلها؟ ### || [39.20] # قلنا: إن من سمات الأسلوب القرآني أن يذكر المتقابلات، فالضد يظهر ~~حسنه الضد، كما في قوله سبحانه: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14]. وهنا بعد أن ذكر الحق سبحانه الكافرين الذين حقت ~~عليهم كلمة العذاب يذكر المقابل لهم، وهم المتقون { لكن } استدراك ~~على ما تقدم { الذين اتقوا ربهم لهم غرف من ~~فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار.. } ~~[الزمر: 20] وهذه المقابلة تهيء النفس لتفظيع المقابل الأسوأ، وتجميل ~~المقابل الأعلى. والغرف جمع غرفة، وهي المكان الخاص المقتضب من ~~البيت، وهي مأخوذة من غرفة الماء { لهم غرف من فوقها ~~غرف.. } [الزمر: 20] ثم وصف التي فوق بأنها { مبنية.. } ~~[الزمر: 20] لأن العادة في الغرفة السفلية أن يعتنى بها في الأساس، الذي ~~يحمل باقي الأدوار، فأراد أن يلفت أنظارنا إلى أن الغرف الفوقية هي ~~أيضا مبنية ms8667 معتنى بها، لا تقل ميزة عن الغرف السفلية، فكل الغرف من ~~الأدنى إلى الأعلى مميزة. ثم تأمل الإعجاز في قوله تعالى: { تجري من ~~تحتها الأنهار } [الزمر: 20] من تحت أيهما؟ من تحت الاثنين، ~~فإن قلت كيف؟ نقول: اقرأ قوله صلى الله عليه وسلم في وصف الجنة: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # وفي موضع آخر قال سبحانه: { تجري من تحتها الأنهار } ~~[التوبة: 72] وفرق بين تحتها ومن تحتها، لو قلنا تجري تحتها الأنهار، ~~فالمعنى أن الأنهار تأتي من مكان آخر وتمر بها، فيمكن للأعلى أن يحجب ~~الماء عن الأدنى. أما { تجري من تحتها الأنهار } [الزمر: 20] ~~فنبع الماء يجري من تحت هذه الغرف، فماؤها ذاتي فيها، ليس لها مدد من ~~خارجها، إذن: فالمياه فيها ذاتية. فأنت تتعجب لأنك تقيس المسائل بهندستك ~~أنت، ولربك سبحانه هندسة أخرى، تأتي على غير ما تتصور لأن الشيء الذي ~~لم تره العين ولم تسمعه الأذن، ولم يخطر على القلب ليس في اللغة ما يدل ~~عليه، فالمعاني توجد أولا، ثم توضع لها الألفاظ الدالة عليها، فإذا ~~لم توجد المعاني فمن أين يأتي اللفظ؟ نحن نعرف الآن مثلا التليفزيون، ~~ونعرف ما هو لكن قبل أن يخترع هل كنا نعرفه أو نعرف اسمه؟ لذلك سبق أن ~~قلنا: إن الذي يقول الله غير موجود - والعياذ بالله - نقول له: كلامك ~~مردود بكلامك، لأن الله مبتدأ وغير موجود خبر، فمن أين عرفت كلمة الله ~~إن كان الله غير موجود؟ إذن: قولك: الله غير موجود دليل على أنه موجود، ~~لأن المعدوم لا لفظ له، فالذي لا تسمعه الأذن، ولا تراه العين، ولا يخطر ~~على البال ليس له اسم. # لذلك لما يصف لنا ربنا الجنة يقول: # مثل الجنة التي وعد المتقون.. # [محمد: 15] يعني: يعطينا مثلا لها وليست هي، لأن لغتكم ليس بها الألفاظ ~~التي تعبر عن هذه المعاني التي في الجنة، ومع ذلك ساعة يعطينا المثل ~~ينفي منه ما يناقض الموجود في الدنيا، فحين يصف خمر الآخرة يقول: # لا ms8668 فيها غول ولا هم عنها ينزفون # [الصافات: 47]. يعني: لا تغتال العقل ولا تستره كما تستره خمر الدنيا، ~~ففي الإنسان غدة مسئولة عن توازنه، فحين يشرب الخمر تتسلط الخمر على هذه ~~الغدة فتفقده توازنه وتستر عقله، فيتمايل هنا وهناك، ويهذي بكلام لا يعرف ~~معناه. وليست كذلك خمر الآخرة، خمر الآخرة تعطيك اللذة والمسرة دون أن ~~تغتال العقل # ولا هم عنها ينزفون # [الصافات: 47] النزف والنزح بمعنى واحد، تقول: نزحت البئر يعني: ~~أخرجت ما فيه من الماء، فالنزف إخراج ما في الجوف. والإنسان في تكوينه ~~الصحي السليم يؤدي جسمه عملية نسميها عملية الإخراج مثل صماخ الأذن ~~والعرق والبول، وهذا الإخراج فيه سلامة وفيه صحة الجسم. لكن هناك إخراج ~~بلا سلامة، كالذي يأكل ثم يتقيأ ما أكل، وقد يتقيأ من جارحة نفسه دما ~~والعياذ بالله، وقد يخرج منه البول باستمرار كمن يعاني من سلس البول ~~مثلا، ومن ذلك النزف ما يحدث لشارب الخمر فينزف ما في بطنه. كذلك في ~~الدنيا ماء، وفي الآخرة ماء، وفي الدنيا لبن، وفي الآخرة لبن، لكن شتان ~~بين ماء الآخرة وماء الدنيا، وبين لبن الآخرة ولبن الدنيا، يقول تعالى في ~~بيان ذلك: # مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من ~~مآء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار ~~من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات.. # [محمد: 15]. من عجيب أمر هذه الأنهار أنها أنهار بلا شطآن، فهي تجري ~~بما فيها من ماء أو لبن أو خمر أو عسل، ومع ذلك لا يختلط بعضها ببعض، ~~وهذا أمر عجيب نضعه تحت ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر. فالحق سبحانه حين يعطينا المثل للجنة ينفي عنه المضار الموجودة ~~لمثله في الدنيا، فآفة الماء في الدنيا أن يأسن، يعني: يتغير فلا يصلح ~~بعد ذلك للشرب، أما ماء الآخرة فغير آسن، لأنه ماء جار في أنهار، ~~وجريان الماء يحفظه أن يأسن، كذلك في اللبن ووصف العسل بأنه مصفى، ~~لأن عسل الدنيا ms8669 لا يخلو من الشوائب. أما خمر الآخرة فهذه لذة للشاربين، ~~يتلذذ بها شاربها، ويرتشفها رشفا للذة طعمها، أما في الدنيا والعياذ ~~بالله فيسكبها في فمه هكذا دفعة واحدة، لأنها كريهة الطعم، كريهة ~~الرائحة. ومن ذلك أيضا قوله تعالى في وصف نعيم الجنة: # في سدر مخضود # [الواقعة: 28] وشجرة السدر شجرة معروفة عند العربي، وكانت تعد من ~~فاكهتهم ومن الأشياء الغالية عندهم، لكن آفتها ما فيها من شوك يؤذي الآكل ~~منها، فنفي الحق سبحانه عن سدر الآخرة هذه الآفة، وقال: # في سدر مخضود # [الواقعة: 28] أي: مقطوع ومنزوع الشوك لا يؤذي من يتناول ثماره. إذن: ~~الحق - سبحانه وتعالى - حين يقول في وصف الجنة: { لهم غرف من ~~فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد ~~الله لا يخلف الله الميعاد } [الزمر: 20] لا تتعجب من ~~كيفية بناء غرف فوقها غرف والماء يجري من تحتها لأن لله تعالى هندسة خاصة ~~تدخل تحت ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهي ~~أشياء لا تدل عليها ألفاظ لغتنا. لكن هناك أشياء أخرى لا اختلاف فيها، ~~مثل: أباريق وأكواب وكأس ونمارق وزرابي وأرائك، هذه من نعم الله في ~~الجنة وموجودة أيضا في الدنيا لكن مع الفارق، فهذه صنعة البشر للبشر، ~~وهذه صنعة خالق البشر للبشر. لذلك لما ذهبنا إلى سان فرانسيسكو ورأينا ~~هناك فندقا فخما على ربوة عالية، ووجدنا فيه كل وسائل الراحة ~~والرفاهية أعجب الجميع به، فقلت لهم: تعجبون من هذا وهو صنعة البشر ~~للبشر، فما بالكم بصنعة الحق للخلق؟ وهذه المسألة تلفت أنظارنا ~~وتوجهنا إلى نعيم الآخرة، فساعة ترى نعيم الدنيا، وساعة ترى الشيء ~~الجميل المبهر لا تحقد على صاحبه ولا تحسده عليه، بل تذكر به نعيم الله ~~الذي أعده لعباده في الآخرة، فكأن الله تعالى بنعيم الدنيا يرغبنا ~~في نعيم الآخرة. وهذا الذي ذكرنا من جزاء المتقين { وعد الله لا ~~يخلف الله الميعاد } [الزمر: 20] الوعد: هو الإخبار بشيء مفرح ~~سار قبل أوانه، وكونك تخبر بالأمر السار قبل أوانه، فهذا يغري بالعمل ms8670 ~~للوصول إلى هذا الوعد، ومقابل الوعد الوعيد وهو الإخبار بشيء مؤلم قبل ~~أوانه، والهدف منه التحذير حتى لا تقع في أسبابه، فالحق سبحانه مراده من ~~الوعد والوعيد أن يشوق الخلق إلى الثواب ويحذرهم من العقاب، ~~ويفظع الجرائم والعقوبات عليها حتى لا نقع فيها. والله سبحانه لا يخلف ~~الميعاد فوعده حق، لأنه سبحانه بيده كل أسباب الوفاء، ولا يوجد له ~~معارض يصرفه عن الوفاء بوعده، لأن الذي يخلف الوعد تعرض له أشياء تخرجه ~~عن إمكانية الوفاء، والإنسان ابن أغيار كثير التقلب، فيطرأ عليه ما يحول ~~بينه وبين الوفاء بوعده، أما الحق سبحانه فهو الحق الذي لا يتغير، ولا ~~يعز عليه شيء، وهو سبحانه القادر الذي له طلاقة القدرة. والحق سبحانه ~~يرينا تحقيق وعده في الدنيا لنصدق بوعده في الآخرة فوعد الله ~~المؤمنين فقال: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. وقال: # ولينصرن الله من ينصره.. # [الحج: 40] وتحقق وعد الله للمؤمنين فانتصروا. وإن اضطهدوا أولا، ~~وتحقق هذا الوعد يجعلني أثق في وعد الآخرة الذي لم يأت وقته. # لذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - لما سمع قول الله: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] قال: أي جمع هذا، ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ فلما ~~جاءت بدر وانتصر المسلمون قال: صدق الله # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45]. فالحق سبحانه يحقق لنا وعده الذي جاء وقته لنثق في تحقق ~~الوعد الذي لم يأت وقته، ومن ذلك قوله تعالى عن الكافرين: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو ~~سريع الحساب # [الرعد: 41] يعني: يا كفار قريش، يا من تعاندون محمدا وتصادموه، ألم ~~تروا أن رقعتكم الواسعة تتناقص، ويأخذ الإسلام منها كل يوم جزءا، ~~فالمعنى ننقص أرض الكفر، ونزيد أرض الإسلام.. وينبغي أن نقول صدق الله في ~~الأولى، ولا بد أن يصدق في الثانية، أي: يوم القيامة. لذلك يعلمنا ~~الحق سبحانه حين نعد بشيء أن نصحبه بالمشيئة، فنقول: إن شاء الله: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله.. # [الكهف: ms8671 23-24] حتى إذا تعذر عليك الوفاء قلت شئت ولكن الله لم ~~يشأ، فكأن الله تعالى تحملها عن عباده، فالعبد شاء ولكني لم أشأ. وهكذا ~~يعفيك الله من الحرج، ويحميك أن تكون كاذبا، فالحق يتحمل عنا كما تحمل ~~عن رسوله في قوله: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون.. # [الأنعام: 33] أي: قولهم: ساحر وكاهن وكذاب ومجنون # فإنهم لا يكذبونك.. # [الأنعام: 33] لأنك عندهم صادق أمين # ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33]. فجعلها سبحانه في حقه، وتحملها عن رسوله. ### || [39.21] # الحق سبحانه وتعالى حينما يخبر عن خيره سواء أكان هذا الخير يتعلق ~~بمقومات الحياة في الدنيا أو بمعدات النعيم في الآخرة، يتكلم عنه ~~على أنه إنزال، وكلمة أنزل تدل على جهة العلو، وأن هذا العطاء من أعلى، ~~وإن خرج من باطن الأرض كما في قوله سبحانه: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس # [الحديد: 25]. فالنعمة من الأعلى وليست من مساو، وأنت في تصريف حياتك ~~عندما تكون لديك مسألة لا تقوى إمكانياتك عليها، ولا يقوى عقلك على ~~التفكير فيها تذهب لمن هو أعلى منك في هذا المجال ولمن تثق فيه وفي ~~فكره، ليساعدك على حلها، تفعل ذلك وأنت راض، لأنك أسلمت الأمر لمن ~~تثق في قدراته. فالحق سبحانه حينما يقول: أنزلنا. يعني: خدوا أحكامي على ~~أنها من أعلى، وعلى أنها الأفضل لكم، لأنها من خالقكم الذي يعلم ما ~~يصلحكم. يقول تعالى هنا: { ألم تر أن الله أنزل من ~~السمآء مآء فسلكه ينابيع في الأرض.. } [الزمر: 21] ~~معنى من السماء أي: من جهة السماء، وإلا فمخازن الماء في الأرض، في ~~البحار، وهي معدة إعدادا كيمياويا بحيث تحفظ الماء فلا يتغير ولا ~~يأسن، ولا تعيش به الطفيليات. لذلك نجد الماء المالح في البحار تصونه ~~نسبة الملوحة في الماء، ويلقي فيه بالقاذورات والجيف، فينفيها الموج ~~ويبقى الماء على صلاحه، ومن ماء البحار تتم عملية البخر التي تكون ~~السحاب والمطر الذي يسقي الإنسان والحيوان والنبات. وماء المطر هو أنقى ~~ما يمكن الحصول عليه من الماء، فعملية البخر مثل عملية تقطير ms8672 الماء التي ~~نجريها في المعامل للحصول على الماء النقي، وتأمل كم تكلفة تقطير زجاجة ~~ماء واحدة، فما بالك بماء المطر الذي ينهمر من السماء؟ لذلك، من حكمة ~~الخالق سبحانه أن جعل الماء ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، وجعل اليابسة ~~الربع، ذلك لتتسع مساحة البخر ويكفي المطر حاجة الأرض من الماء العذب، ~~وسبق أن بينا الفرق بيم الماء الذي له عمق، والماء الذي له سطح متسع، ~~فالبخر يعتمد على اتساع سطح الماء، فكلما اتسع السطح زاد البخر، ومثلنا ~~لذلك بكوب الماء تتركه شهرا وتعود فتجده كما هو لم ينقص منه إلا القليل، ~~لكن إن سكبته في أرض الغرفة، فإنه يجف قبل أن تغادرها. والحق سبحانه ~~يريد للماء المالح أن يتبخر ليتخلص من ملوحته، ثم ينزل ماء عذبا ~~سائغا للشاربين، وعملية البخر هذه تتم ولا ندري عنها شيئا، إنها آية من ~~آيات الله ونعمة من أعظم نعمه علينا. والماء حين ينزل من السماء لا ينزل ~~على كل مكان، إنما ينزل على الأماكن الباردة، فبخار الماء المتجمع في ~~السحاب حينما يمر بمنطقة باردة يتكثف من جديد كما نكثف الماء المقطر، ~~فالماء الذي يأتينا في نهر النيل أين يسقط؟ يسقط على هضبة الحبشة وتحمله ~~إلينا الأنهار، ويتسرب منه جزء في باطن الأرض، ويجعل الله له في الأرض ~~مسالك. # هذا معنى { فسلكه ينابيع في الأرض } [الزمر: 21] يعني: جعل ~~له مجاري خاصة ومسالك، بحيث لا يختلط بالماء المالح، وقد توجد مثلا ~~عين للماء العذب تنبع وسط الماء المالح، ومع ذلك لا تختلط به، وكأن ~~الماء العذب يسير في أنابيب مخصوصة أشبه ما تكون بالشرايين في جسم ~~الإنسان. وقوله تعالى هنا { ألم تر.. } [الزمر: 21] ما دام شيء ~~يمتن الله فيه بالرؤية، فإن كنت تراه فاعلم أنه كلام حقيقي، وأنا أرى ~~المطر ينزل من السماء، وإن كنت لا تراه فصدق ما أخبرك الله به كما ~~تصدق عينك في الرؤية، لأن إخبار الله لك أصدق من رؤية عينيك. ومن ذلك ~~قوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: # ألم تر ms8673 كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1] ومعلوم أن سيدنا رسول الله ولد في عام الفيل يعني: لم ير ~~هذه الحادثة، فالمعنى ألم تر يعني: ألم تعلم علما مني، يفوق علم ~~رؤياك بالعين. ثم يقول سبحانه: { ثم يخرج به زرعا ~~مختلفا ألوانه } [الزمر: 21] فالزرع يزرع في تربة واحدة، ~~ويسقى بماء واحد، ومع ذلك تأتي الثمار مختلفة في الألوان وفي الطعم ~~وفي عناصر التكوين. لما تكلم العلماء في هذه المسألة قالوا: في النبات ~~خاصية تسمى خاصية الانتخاب يعني: أن النبات يمتص بواسطة الجذور ~~العناصر اللازمة له من الأرض، لكن لو جئنا مثلا بإناء فيه ماء، ووضعنا ~~فيه عدة ألوان، ثم وضعنا فيه الأنابيب الشعرية الضيقة التي يصعد فيها ~~الماء إلى أعلى بهذه الخاصية، نجد هذه الأنابيب تمتص من الماء على عمومه ~~لا تفرق بين لون ولون. وليس كذلك امتصاص النبات للعناصر اللازمة له من ~~التربة، النبات لا يمتص إلا المواد اللازمة والمناسبة لطبيعته، فالخاصية ~~الشعرية في الجذور تمتص على هدى، فتأخذ من التربة وتدع، فالتربة واحدة، ~~والماء واحد، ومع ذلك تختلف الطعوم والأشكال والألوان والرائحة. إذن: ليس ~~هو الانتخاب الذي يعنيه العلماء، إنما هو انتخاب إلهي يقوم على الطبيعة ~~التي أودعها الله في الحبة والبذرة الأولى للنبات، فأنت تزرع مثلا ~~الفلفل الحاء بجوار قصب السكر بجوار الرمان، فتجد هذا حارا، وهذا حلوا، ~~وهذا مزا. ثم ينتقل النبات إلى مرحلة أخرى، يصفها الحق سبحانه بقوله: { ~~ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما } ~~[الزمر: 21] معنى يهيج يعني: يجف ويتحطم، ويصير فتاتا. يعني: لا يستمر ~~على خضرته ونضارته، وكأن الحق سبحانه جعل النبات عبرة للإنسان، فالنبات ~~كائن حي كالإنسان، وسيمر الإنسان بهذه المرحلة فيجف ويتفتت كالنبات. ~~فالله سبحانه يضرب لنا مثلا، حتى لا نغتر بذواتنا حين نجد لها قوة أو ~~نجد لها عقلا وتفكيرا أو سلطة وجاها أو مالا، يقول لك ربك: انظر ~~إلى أمك الأرض، وإلى الزرع يخرج منها، إلام يصير؟ فأنت كذلك، فلا تغتر ~~ما دمت من أهل الأغيار. # لذلك يقولون: لا تغضب ms8674 ولا تحزن إن تغيرت بك الأمور، لأنك من أهل ~~الأغيار، وما دمت من أهل الأغيار ووصلت إلى قمة الجبل، فماذا تنتظر؟ ~~تنتظر أن تستقر عليه؟ كيف وأنت من أهل الأغيار؟ إذن: لا بد أن تنزل ~~لذلك إن تمت النعمة ترقب زوالها، كما قال الشاعر: # إذا تم شيء بدا نقصه # ترقب زوالا إذا قيل تم # فإن رأيت نفسك مزهزهة بالعلم أو بالقوة أو بأي مظهر من مظاهر النعيم، ~~فاعلم أنك غدا ستصير إلى كبر وإلى ضعف، ستصير مثل الطفل يحبو وتحتاج إلى ~~من يسندك ويعاونك، كما قال سبحانه: # ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم ~~من بعد علم شيئا # [الحج: 5] فافهم هذا المعنى جيدا في أمك الأرض وفي ذاتك. { إن في ~~ذلك.. } [الزمر: 21] أي: ما تشهده أنت من هذا الذي ذكرنا { ~~لذكرى.. } [الزمر: 21] يعني: تذكرة وعبرة { لأولي الألباب ~~} [الزمر: 21] لأصحاب العقول الواعية والمتدبرة. ### || [39.22] # التقدير هنا { أفمن شرح الله صدره للإسلام.. } ~~[الزمر: 22] كمن ضاق صدره عن الإسلام، إذن: لا بد أن نذكر هذا ~~المقابل لأنهما لا يستويان { فويل للقاسية قلوبهم من ~~ذكر الله.. } [الزمر: 22] تدل على أننا أخذنا الضيق من القسوة، ~~فالذي ضاق صدره عن الإسلام ضاق صدره لقسوة قلبه. وهذه مثل قوله تعالى: # أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما يحذر ~~الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين ~~يعلمون والذين لا يعلمون # [الزمر: 9] والمعنى: أهذا كمن لم يقنت؟ وعليك أنت أن تجيب: أفمن شرح ~~الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، كمن قسا قلبه وضاق صدره عن دين ~~الله وهداية الله؟ ومعنى { شرح الله صدره.. } [الزمر: 22] أي: ~~جعل الضيق واسعا، وتقول لصاحبك: وسع صدرك يعني: اجعله متسعا لمناقشة ~~كل القضايا، ومن معاني سعة الصدر ألا تشغله بالخزعبلات، وألا تزحمه ~~بالباطل، حتى يكون لك أنس به، وعندها يطرد الباطل الحق كما قلنا في ~~مسألة الحيز. فالحيز الواحد لا يتسع إلى لشيء واحد، فالماء مثلا يطرد ~~الهواء حين تملأ زجاجة بالماء. ومن شرح الصدر أن يكون لديك عدالة ~~اختيار ms8675 حين تختار بين البدائل، عليك أن تصفي قلبك، وأن تخرج منه كل ما ~~يشغله، ثم تبحث القضايا المعروضة عليك، فما وجدته مناسبا تدخله قلبك ~~ليستقر فيه حتى يصير عقيدة راسخة لا تقبل المناقشة مرة أخرى، لأن الله ~~تعالى خلق لنا حواس تدرك: عين ترى، وأذن تسمع، ولسان ينطق. وبهذا ~~الحواس نأخذ المعلومات. ثم نعرضها على العقل ليختار منها ويبحث فيها، فما ~~وجده صالحا أسقطه في القلب، وهذه هي العقيدة التي تستقر في القلب، ولا ~~تطفو لتبحث من جديد. لذلك احذر الران الذي يترسب على القلب حتى يغلقه، ~~فلا يكون فيه مكان للحق، والنبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى هذه المسألة ~~في حديث أبي ذر - رضي الله عنه - قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا - وفي رواية: عوذا ~~عوذا - فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها ~~نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تكون على قلبين: على أبيض مثل الصفا لا تضره ~~فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا - وهذا الذي يقول ~~الله فيه: { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا ~~يكسبون } [المطففين: 14] - كالكوز مجخيا - منكوسا - لا يعرف ~~معروفا، ولا ينكر منكرا ". # والفتن هنا هي الشبه التي تعرض للناس في الدين، والرسول صلى الله ~~عليه وسلم يشبهها بالحصير الذي ينسج عودا بجوار عود، حتى يكون كالحصيرة ~~التي نجلس عليها، أو عوذا يعني: نستعيذ بالله من هذه الفتن، أو عودا ~~أي مرة بعد مرة. # إذن: إن أردت بحث قضية الإيمان فاشرح صدرك أولا، ووسعه بأن تخرج ~~ما فيه من اعتقادات، لذلك يقول سبحانه: { أفمن شرح الله ~~صدره للإسلام فهو على نور من ربه.. } [الزمر: ~~22] والنور له مصادر، إما نور مادي كالشمس والقمر والنجوم، وهذه الأنوار ~~التي اكتشفها الإنسان حديثا، أو نور معنوي وهو المقصود هنا، نور القيم ~~والمنهج { فهو على نور من ربه.. } أي: نور الهداية الذي ~~عناه القرآن الكريم في قوله: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ms8676 ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.. # [النور: 36-37]. ففي هذه البيوت التي يذكر فيها الله، ويسبح فيها ~~الله، مكان تلقي فيض النور من الله، وتنزل الخيرات والرحمات لأن الآيات ~~كانت تتكلم قبل ذلك عن نور الله، ومثل تنويره سبحانه للسماوات والأرض: # الله نور السموت والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها ~~كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار نور على نور.. # [النور: 35]. الحق سبحانه لا يضرب لنا مثلا لنوره، إنما مثلا لتنويره # الله نور السموت والأرض.. # [النور: 35] أي: منورهما بخلقه، والمشكاة هي الطاقة غير النافذة في ~~الحائط، والطاقة تكون محدودة المساحة غير واسعة، ثم هي غير نافذة، لذلك ~~تجمع الضوء ولا تبدده، بحيث لا يبقى في المشكاة مكان مظلم. ثم إن المصباح ~~ليس عاديا، إنما في زجاجة، لأن من المصابيح ما ليس له زجاجة والذي نسميه ~~نحن الساروخ وهو يخرج لهبا أسود، لأن الهواء يداعبه من كل ناحية، أما ~~الزجاجة فهي تنقي اللهب وتصفيه، حيث تمنع عنه الهواء إلا بمقدار ~~الاحتراق، فيأتي اللهب صافيا لا دخان له، هذه هي التنقية الأولى. ثم إن ~~الزجاجة هي أيضا غير عادية، إنما صافية في ذاتها، كأنها # كوكب دري.. # [النور: 35] تعكس الضوء في كل ناحية. ثم إن هذا المصباح لا يوقد بزيت ~~عادي، إنما # يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار.. # [النور: 35] فهو زيت له مواصفات خاصة على أعدل المزاج. هكذا ومثل هذا ~~ينور الله السماوات والأرض، فالمثال لتنوير الله لا لنور الله. وهذا هو ~~النور الحسي، وحين تكمل القراءة تجد النور المعني في: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه.. # [النور: 36] وهذا هو النور في قوله: { فهو على نور من ~~ربه.. } [الزمر: 22]. فالحق سبحانه أعطاكم النور الحسي الذي ~~يعينكم على حركة الحياة، ليرى الإنسان مواضع قدمه فلا يحطم الأشياء ms8677 ولا ~~تحطمه إذا ما اصطدم بها، والنور المعنوي للقيم وللروح. # والحق سبحانه حين يعطينا هذا المثل، ويرينا أن المصباح لا يدع في ~~المشكاة ظلمة أبدا، يعطينا بذلك إشارة إلى أن نوره المعنوي كذلك لا ~~يترك عيبا إلا أصلحه، وأتاك نور يهديك وينجيك. وقوله سبحانه: { فويل ~~للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ~~ضلال مبين } [الزمر: 22] ويل لهم لأن قسوة قلوبهم حالت بينهم ~~وبين الإيمان، فويل لهم ساعة يعرفون أن لهم ربا كفروا به، وتفاجئهم ~~هذه الحقيقة التي طالما أنكروها. وقد عبر القرآن الكريم عن هذه القضية ~~في قوله سبحانه: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما ~~كسبوا على شيء.. # [إبراهيم: 18]. والمعنى: أنهم حبطت أعمالهم وخاب سعيهم. وقال أيضا: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. فويل لهم ساعة يعرفون أنهم كفروا بالله وضاق صدرهم عن أن ~~يتسع لنور الإيمان، فالويل لهم حاضر قبل أن يأتيهم العقاب. وقوله: { ~~أولئك في ضلال مبين } [الزمر: 22] أي: بين واضح، ~~والضلال هو عدم الاهتداء في المهيع الذي يسير فيه، كالسائر مثلا في ~~صحراء وضل فيها الطريق، إن ضلاله يبدأ بانحرافه عن الطريق الصحيح ولو ~~بسنتيمترات، لأنها لا بد أن تنتهي به إلى مساحات شاسعة في الضلال، ~~أرأيتم السيمافور في السكة الحديد، وكيف يحول القطار مثلا لبورسعيد أو ~~الإسماعيلية أو طنطا إنه مجرد تحويل سن القضيب عدة ملليمترات ينتج عنها ~~أن يتحول القطار في سيره من مكان إلى مكان آخر بعيد، فالمعنى: { ~~أولئك في ضلال مبين } [الزمر: 22] أي: لا يهتدون إلى شيء ~~أبدا. ### || [39.23] # يقول الله تعالى: ما دمتم ستتبعون الأحسن وتختارونه فأنا منزل عليكم ~~أحسن الحديث، نعم هو أحسن الحديث لأنه كلام الله وكلام الله صفته، وهو ~~كامل الكمال المطلق، وقد جعله الله معجزا، وتولى سبحانه حفظه بنفسه ~~ولم يكل حفظه للخلق. وفي عرف البشر أن الإنسان لا يحفظ إلا ما ms8678 كان حجة ~~له ولا يحفظ الحجة عليه، أما الحق سبحانه فيحفظ القرآن وهو حجة عليه ~~سبحانه لخلقه، فكل ما أتى في القرآن ضمن الحق سبحانه حدوثه، كما أخبرنا ~~الله به لأنه هو منزله وهو حافظه. والمراد بأحسن الحديث القرآن الكريم، ~~ومعنى { متشابها } [الزمر: 23] أي: يشبه بعضه بعضا في الحسن أو ~~في البلاغة أو في الموضوع، فإياك أن تقول: هذه الآية أبلغ من هذه، لأن كل ~~آية بليغة في موضوعها. فلو أخذنا مثلا التشابه في الموضوع نقرأ في قصة ~~سيدنا موسى عليه السلام: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا.. # [القصص: 8]. وفي موضع آخر قال: # أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم ~~فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو ~~له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على ~~عيني # [طه: 39]. فظن البعض هنا تكرارا، لكن المتأمل في معنى الآيتين يجد أن ~~كل أية تؤدي لقطة لا تؤديها الأخرى، فمعنى # ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] العداوة هنا من موسى لآل فرعون إنما في. # يأخذه عدو لي وعدو له.. # [طه: 39] العداوة من جانب فرعون لموسى، والمعركة لا يحمى وطيسها إذا ~~كانت العداوة من جانب واحد، لأن الجانب الآخر ربما يتساهل أو يتنازل ~~لعدوه، فإن كانت العداوة من الطرفين حميت المعركة. وسبق أن قلنا: إن ~~المستشرقين وقفوا أمام قوله تعالى: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17] وقوله: # إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. وقالوا: أيهما أبلغ من الأخرى؟ وإن كانت إحداهما بليغة ~~فالأخرى إذن غير بليغة. ومثل هذه الاستدراكات نتيجة عدم فهم أسلوب ~~القرآن، وعدم وجود الملكة اللغوية عندهم. ونقول لهم: كل آية بليغة في ~~سياقها مناسبة للمعنى الذي قيلت فيه، فالآية الأولى وردت في الكلام ~~عن المصيبة التي لا غريم لك فيها، والصبر في هذه الحالة يسير لذلك لم ~~يؤكد. فمن الطبيعي أن تصبر على المرض مثلا، لأنه لا غريم لك فيه، أما ~~إن كانت المصيبة لك فيها غريم، فالغريم يثير غضبك ويؤجج نار الغل، ~~ويدعو إلى الانتقام، فناسب ذلك التأكيد ms8679 باللام في الآية الأخرى: # لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. وكذلك وقفوا أمام قوله تعالى: # نحن نرزقكم وإياهم.. # [الأنعام: 151] وقوله سبحانه: # نحن نرزقهم وإياكم.. # [الإسراء: 31] وقالوا: ما الفرق بين الآيتين؟ ونقول: لو نظرت إلى صدر ~~الآية لوجدت أن كل عجز يليق بصدره، لأن القتل للأولاد كان له سببان: ~~الأول: الفقر، فالعائل فقير لا يقدر على رزق نفسه، فما بالك برزق أولاده؟ ~~لذلك قال سبحانه: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق.. # [الأنعام: 151] لأن الفقر موجود # نحن نرزقكم وإياهم.. # [الأنعام: 151] وقدم الآباء على الأولاد لانشغال نفوسهم برزقها أولا. ~~والسبب الثاني: أن يكون عنده ما يكفيه، إنما يخشى الفقر إن جاءه أولاد، ~~وفي هذه قال سبحانه: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم.. # [الإسراء: 31] وقدم الأولاد على الآباء، فنحن نرزق الأبناء الذين ~~تخافون الفقر بسببهم قبل أن نرزقكم، إذن: فكل آية مذيلة بما ~~يناسبها. كذلك قلنا في مسألة السمع والبصر في قوله تعالى: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون # [القصص: 71] وذكر هنا السمع لأنه وسيلة الالتقاء في ظلمة الليل، وبه ~~يستدعي الإنسان إن كان نائما. أما في آية النهار، فقال سبحانه: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون # [القصص: 72] لأن البصر لا يكون إلا في ضوء النهار. ومعنى { مثاني.. ~~} [الزمر: 23] يعني: مثنى يقال: مرة واثنين وثلاثة، أو: يثنى في ~~الصلاة حيث نقرأ الفاتحة ثم سورة بعدها، وفي الركعة الثانية كذلك. وقوله: ~~{ تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم.. } ~~[الزمر: 23] وهذه صفة العبد الذي يخشى ربه ويراقبه ويعمل لنظره إليه ~~حسابا، لأنه دائما يعرض سلوكه على ربه، فإن رأى فيه مخالفة عاد إلى ~~كلام الله وتذكر وعيده فيحدث عنده قشعريرة في جلده من خشية ربه، وهي ~~أن يجف الجلد ويقعقع وتحدث رعشة في البدن من خوف العذاب، ومن خوف غضب ~~الله، ثم يعود فيتذكر رحمة ربه التي سبقت غضبه، وعفوه ms8680 الذي سبق عقوبته، ~~فيعود إلى حالته الأولى: { ثم تلين جلودهم وقلوبهم ~~إلى ذكر الله } [الزمر: 23]. إذن: المؤمن يجمع بين الخوف ~~والرجاء، وقلبه بين هذين الأمرين، فساعة يتذكر العقاب على المخالفة ~~يقشعر جلده خوفا، وساعة يتذكر رحمة ربه يلين جلده ويهدأ قلبه، ولم لا ~~وربه قد قال: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم # [الزمر: 53]. ذلك وهذا هو الذي يحدث للمؤمن { هدى الله يهدي ~~به من يشآء ومن يضلل الله فما له من هاد } ~~[الزمر: 23] وقد وقف كثيرون عند هذه الآية يقولون: ما دام أن الله هو ~~الذي يضل فلم يعذب الضال؟ ومعنى { ومن يضلل } [الزمر: 23] ~~يعني: يعلم ضلاله، ويعلم أنه لن يسمع كلامه ولن يتبع منهجه، وقد خلقه ~~الله تعالى مختارا إن شاء آمن وإن شاء كفر، إذن: فالكافر ما كفر ~~غصبا عن الله، إنما هل رضي الله منه ذلك؟ وقوله: { فما له من ~~هاد } [الزمر: 23] يعني: إياكم أن تستدركوا على الله بأحكام بشرية ~~تصنفها لكم عقول الذين يستنكفون أن يأخذوا عن الله، فما دام الله قال ~~فلا يصح أن نستدرك عليه سبحانه لأنه لا يمكن أن نأتي بهدي أحسن من ~~هدى الله. # ويجب على الأقل أن نفهم أن الذي يشرع شرعا يريد أن يحكم به الناس لا ~~بد أن يكون غير منتفع به ليكون حكمه نزيها وموضوعيا لأنه لو كان ~~منتفعا بالحكم لا بد أن يميل قلبه إليه ويسير هواه مع منفعته. يعني: ~~مثلا لو شرع العمال لاختاروا الاشتراكية، ولو شرع الرأسماليون ~~لاختاروا الرأسمالية، لذلك يشترط فيمن يشرع ألا يكون منتفعا بما ~~يشرع، وهذا الشرط لا يتحقق إلا في الحق سبحانه. لذلك فإن الحق سبحانه ~~وتعالى يترك في كونه قضايا حتى عند الكافرين به، وعند غير المؤمنين ~~بمنهجه، قضايا تدل على أن شرع الله هو الأحسن، فكثيرا ما وقفوا عند ~~قضايا لم يجدوا لها حلا في قوانينهم، فلجأوا إلى دين الله وإلى شرع ~~الله، لا لأنهم ms8681 آمنوا به سبحانه، ولكن لأن قضاياهم وأمور حياتهم لا ~~تحل إلا بهذا المنهج. ### || [39.24] # الاستفهام في أفمن مثل سابقه في قوله تعالى: # أفمن شرح الله صدره للإسلام.. # [الزمر: 22] لذلك لا بد أن نقدر هنا المقابل، فالمعنى: { أفمن ~~يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة } [الزمر: ~~24] أي: كمن لا يعذب، ويمكن أن نرقي المسألة فنقول: كمن ينعم؟ ولك أنت ~~أن تحكم. ومعنى { سوء العذاب } [الزمر: 24] أي: العذاب الشديد ~~السيئ، وتأمل { يتقي بوجهه سوء العذاب } [الزمر: 24] ~~معلوم أن الوجه أشرف أعضاء الإنسان، وبه تتميز سمات الخلق لذلك يقول ~~سبحانه: # سيماهم في وجوههم # [الفتح: 29]. ولولا سمات الوجوه لتساوت الأبدان وتشابهت بعضها ببعض، ~~لذلك يهتم الإنسان بوجهه ويدافع عنه ويحميه أولا، ومثلنا لذلك برجل ~~يسير في الطريق، فمرت بجواره سيارة مثلا نثرت عليه وعلى ملابسه الطين، ~~بالله ما أول شيء يحرص على نظافته وإزالة الأذى عنه؟ إنه يمسح أول ما ~~يمسح وجهه، ثم يلتفت إلى ملابسه، لأن الوجه هو أشرف الأعضاء وأشهرها ~~وأكرمها، وهو المحافظ عليه قبل كل الجوارح. إذن: ما بالك بعذاب لا يجد ~~الإنسان ما يتقيه به إلا وجهه؟ نعم يتقي العذاب بوجهه، لأن يديه مغلولة، ~~وقدمه مكبلة، فلا مهرب له ولا خلاص، فلا يملك إلا أن يتقي العذاب ~~ويدفعه عن نفسه بأعز ما يملك، وبأشرف أعضائه وهو الوجه. { وقيل ~~للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون } [الزمر: 24] قوله في ~~العذاب ذوقوا تهكم بهم، واختار الذوق وهو جارحة من الجوارح التي تؤدي ~~مهمة في جسم الإنسان مثل العين والأذن، إنما اختار الذوق خاصة، لأن ~~الذوق هو الحاسة الملازمة للإنسان، وبه قوام الحياة، حيث بالتذوق ندخل ~~الطعام والشراب، ونتمتع به ونجد له لذة تفوق الملاذ الأخرى. أما العين ~~والأذن مثلا، فقد ترى أو تسمع ما لا يعجبك، أما في التذوق فإنك تختار ~~ما يعجبك وتجد له لذة، وهنا يريد الحق سبحانه أن يعمم الذوق في الجسم ~~كله، فجميع البدن يذوق العذاب. وقلنا: إن اللسان هو جارحة التذوق بمراحله ~~وما حوله يذوق ويميز الطعوم، فإذا ما تجاوز ms8682 الطعام هذه المنطقة فلا ~~يشعر الإنسان له بأي مذاق، ولذلك رأينا صناع الدواء يغلفون الدواء ~~المر بمادة مستساغة مقبولة، تساعد على مرور الدواء من منطقة التذوق دون ~~أن نشعر بمرارته. وإذا نظرت إلى الجوارح كلها تجد أنها متعلقة بالغير، ~~فأنا أسمع غيري وأرى غيري، وألمس غيري أو بعضي، أما الذوق فخاص بالإنسان ~~نفسه، فلا يذوق إنسان لآخر لذلك اختار الله سبحانه هذه الجارحة في إظهار ~~شدة العذاب وألمه { ذوقوا } [الزمر: 24] وفي موضع آخر ذق. لا رؤية ~~ولا سماع ولا شم ولا لمس، إنما بالذوق الذي هو خاص بصاحبه، وكأن لكل واحد ~~منهم مذاقا يناسب عذابه. # وإذا كان للذوق منطقة خاصة هي اللسان بمراحله وما حوله، فالذوق هنا ~~أراده الله عاما وشاملا، ليس في منطقة الذوق، ولكن الجسم كله يذوق ~~العذاب، بدليل قوله سبحانه: # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. # [النساء: 56] فالإذاقة هنا تعدت منطقة الذوق إلى الجسم كله. وإذا ما ~~نظرنا إلى قوله تعالى - بالاعتبار - في القرية التي كانت آمنة مطمئنة ~~فكفرت بأنعم الله، قال الله فيها: # فأذاقها الله لباس الجوع والخوف.. # [النحل: 112] فكأن الإذاقة تلبسهم وتحيط بهم من كل ناحية. والشعراء عادة ~~حينما يبالغون في شيء يعدونه من منطقة الحس له إلى كل المناطق، وقد ~~اعتاد الشعراء على ذكر القلب، وأنه محل الحب، ومن ذلك قول الشاعر: # وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى # فهيج أحزان الفؤاد وما يدري # دعا باسم ليلى غيرها فكأنما # أهاج بليلى طائرا كان في صدري # وقال الآخر: # كأن القلب ليلة قيل يغدى # بليلى العامرية أو يراح # قطاة عزها شرك فباتت # تجاذبه وقد علق الجناح # أما الشاعر الذي أراد المبالغة في هذه المسألة فقال: # خطرات ذكرك تستثير مودتي # فأحس منها في الفؤاد دبيبا # لا عضو لي إلا وفيه صبابة # فكأن أعضائي خلقن قلوبا # فالحب عنده تعدى منطقته، حتى صار في كل أعضائه وجوارحه، وهكذا تتعدى ~~الإذاقة منطقة الذوق لتشمل الجسم كله. لذلك كان قوله تعالى: # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. ms8683 # [النساء: 56] آية من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، مع أن ~~الإعجاز باللغة والأسلوب والفصاحة خاص بالعرب، أما غير العربي فله إعجاز ~~آخر يناسبه إعجاز بأن يأتي له القرآن بأقضية، لم تكن تخطر على البال ~~ساعة نزول القرآن، ولم يعرفها العلم طوال قرون. والآن وبعد أكثر من ~~أربعة عشر قرنا من نزول القرآن يثبت العلم الحديث أن ما أخبر به الحق ~~سبحانه في قرآنه هو الحق، وأنه سبحانه هو العالم بما يكون في كون ~~الله باختيار خلق الله. قلنا: إنه لما انتهت الحرب العالمية الأولى ~~وانهزمت ألمانيا جاء أحد علماء الاقتصاد بها ويسمى شاخت، وأراد أن يرفع ~~من شأن بلاده، وأن ينهض بها بعد الهزيمة، ولما لم يتمكن من الخدمة في ~~الجيش لأنه كان أعرج فأعمل عقله في خدمة بلاده، وشجع البحث العلمي فيها ~~إلى أن توصلوا إلى اختراع أسطوانة تحطيم الجوهر الفرد، أو الجزء الذي لا ~~يتجزأ كما يسميه الفلاسفة والمراد به الذرة. فلما نجحوا في تفتيت ~~الذرة، وأصبح لها أجزاء أصغر منها أخذها أعداء الإسلام فرصة للطعن في ~~صدق القرآن الكريم، فقالوا لقد ضرب الله مثلا لأصغر شيء بالذرة في ~~قوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8] وها هو العلم يكتشف ما هو أصغر من الذرة. # لكن سرعان ما فتح الله على أهل العلم فردوا عليهم وقالوا لهم: تمهلوا ~~واقرأوا القرآن كله، ولا تأخذوا منه ما يؤيد تهجمكم عليه، ففي آية أخرى ~~قال الله تعالى: # وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين # [يونس: 61]. إذن: في القرآن احتياط لهذه المسألة، فلم يقل صغير بل أصغر ~~من الصغير، فمهما حدث من تفتيت، ففي القرآن احتياط له. ومن إعجاز القرآن ~~لغير العرب هذه الآيات العلمية التي يكتشفونها، فإذا بالقرآن يسبقهم ~~إليها، ومن ذلك مثلا مسألة مراكز الإحساس في الجسم، أولا قالوا: المخ ~~هو مركز الإحساس، وقال آخرون: ms8684 بل النخاع الشوكي، بدليل أن الإنسان يحس ~~بأشياء مع أنها لم تلمس جسمه، كما لو وضعت أصبعك مثلا مقابل عين إنسان، ~~فإنه يغلق عينه تلقائيا. ثم لما تأملوا الإبرة أو الحقنة تعطى للمريض ~~مثلا، فإنه لا يشعر بالألم إلا بمقدار نفاذ الإبرة من الجلد، فقالوا: ~~إذن: الجلد هو مركز الإحساس، وهذا هو ما قرره القرآن الكريم في قوله ~~تعالى: # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. # [النساء: 56]. وقوله تعالى: { ما كنتم تكسبون } [الزمر: 24] ~~مادة كسب في القرآن الكريم جاءت كما قلنا على صيغتين: كسب واكتسب، وقد ~~بين الحق سبحانه متعلق كل منهما في قوله تعالى: # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.. # [البقرة: 286] فكسب للخير واكتسب للشر لأن كسب على وزن فعل، والخير يأتي ~~من صاحبه طبيعيا لا تكلف فيه ولا افتعال، أما اكتسب فعلى وزن افتعل ~~فيها افتعال، والافتعال لا يكون إلا في الشر، فالخير لا يحتاج منك إلى ~~حيل وافتعال، بل يأتي طبيعيا على خلاف الشر. وقد أوضحنا هذه المسألة ~~بالرجل يجلس مع زوجته وبناته، وينظر إلى جمالهن نظرا طبيعيا لا يحتاط ~~فيه لشيء ولا يخشى فيه شيئا، أما إن أراد أن ينظر إلى امرأة جميلة في ~~الشارع مثلا، فإنه يتلصص لذلك ويحتال، هذا هو الافتعال. لكن القرآن ~~الكريم خالف هذه القاعدة في مواضع، منها هذه الآية { وقيل ~~للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون } [الزمر: 24] ولم يقل ~~تكتسبون، فاستخدم كسب في الشر، وفي موضع آخر أيضا قال: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ~~فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون # [البقرة: 81]. فلماذا عدل القرآن عن اكتسب إلى كسب؟ قالوا: لأن ~~الإنسان والعياذ بالله قد يتعود المعصية ويألف المخالفة حتى تصير له ~~عادة يفعلها فعلا طبيعيا ويأنس بها وكأنها طاعة، وهذا الذي نسميه ~~فاقد ولأنه ألفها وتعود عليها بل ويفرح بها عبر القرآن عنها بكسب ~~التي هي للخير، ونقل الاكتساب إلى محل الكسب. لذلك فرق القرآن بين من ~~يفتعل المعصية ويقصدها ويسعى إليها، ومن تقع عليه المعصية دون إعداد ~~لها، ms8685 واقرأ قول الله تعالى: # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب ~~الله عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست ~~التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر ~~أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين ~~يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا ~~أليما # [النساء: 17-18]. معنى بجهالة أي: من غير قصد لها ولا ترتيب ولا ~~بحث عنها، وإن حدث منهم السوء لا يفرحون به، بل يألمون ويندمون، أما ~~النوع الآخر فيرتكب السيئات عن قصد ولا يبالي، وربما فرح بها وجاهر بها. ### || [39.25-26] # قوله سبحانه: { كذب الذين من قبلهم.. } [الزمر: 25] أي: ~~من الأمم السابقة { فأتاهم العذاب.. } [الزمر: 25] أي: عذاب ~~الدنيا بهزيمتهم ونصرة الدين الذي كانوا يحاربونه ويصادمونه، وهذه ~~أيضا هي التي حدثت للكافرين، حيث نصر الله الإسلام، وأظهر مبادئه ~~وقضاياه على مبادئ الكفر، وهذا في حد ذاته لون من العذاب في ~~الدنيا، فإذا ما عادوا إلى الله في الآخرة كان لهم عذاب آخر أشد وأنكى. ~~إذن: فهم يشبهون من سبقهم من المكذبين لذلك قال في موضع آخر: # كدأب.. # [آل عمران: 11]. لذلك قوله تعالى: كذب هنا وقوله كدأب هناك يتبين ~~لنا قضية نفسية في القرآن الكريم، هي أن حفاظ القرآن يجب ألا يكونوا من ~~العلماء، خاصة علماء اللغة والفصاحة، لأن العالم إذا وقف في القرآن أمام ~~لفظ أمكنه أن يتصرف فيه ويكمل قراءته، فيقول مثلا: # يأيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا.. # [الحجرات: 6] يقول: فتثبتوا أو فتحققوا، ويمكن أن يستقيم المعنى، لكن ~~الحق سبحانه يريد لفظا بعينه لا يجوز أن نتعداه إلى غيره، أما الذي ~~تخصص في حفظ القرآن، وليست لديه ملكة التصرف هذه، فإذا نسي أو وقف في ~~لفظ وقف بالأربعة يعني: لا يمكن له التصرف فيه، وهذا هو المطلوب في ~~حفظة كلام الله، وهذه من عظمة القرآن. لذلك قلنا: إن كمال القرآن لا ~~يتعدى، كيف؟ فمثلا لو أردنا لإنسان أن يرقق أسلوبه ويقويه في ~~الأداء الإنشائي ننصحه بأن يقرأ كتب الأدب عند المنفلوطي والرافعي ms8686 ~~وغيرهما، فلما يكثر من هذه القراءات نلاحظ تحسنا في أسلوبه وأدائه. ~~ثم إن حافظ القرآن المتمكن منه حتى لو حفظه بالعشرة وقيل له اكتب خطابا ~~تجده لا يستطيع أن يكتبه فصيحا أبدا لماذا؟ لأن كمال القرآن لا يتعدى ~~إلى غيره، إنما بلاغة البشر تتعدى إلى البشر. وقوله: { من حيث لا ~~يشعرون } [الزمر: 25] أي: من حيث لا يقدرون ولا يحتسبون، حيث ~~يداهمهم من العذاب ما لم يكن في حسبانهم، ولم يخطر لهم ببال، كما في ~~قوله سبحانه: # ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع ~~الحساب # [النور: 39] أي: فوجئ به، فوجئ بحسبان آخر غير ما كان ينتظر، لأنه كذب ~~في الدنيا بالبعث وبالحساب، والآن يفاجئه الحساب الذي كذب به. ثم يقول ~~سبحانه: { فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا.. ~~} [الزمر: 26] هنا نقل الإذاقة الحسية إلى الإذاقات المعنوية، والخزي ~~والذلة نوع من العذاب، ولها إيلام يفوق الإيلام الحسي، فمن الناس ~~من لا يؤلمه الضرب، إنما تؤلمه كلمة جارحة تخدش عزته وكرامته. لكن ~~لماذا أذاقهم الله الخزي في الدنيا قبل عذاب الآخر؟ أذاقهم الخزي لأنهم ~~تكبروا على الحق وتجبروا، وجاءوا بقضهم وقضيضهم في بدر لمحاربة ~~الإسلام، وظنوا أنهم العناتر والجولة جولتهم، المراد إذن صناديد قريش ~~ورؤوس الكفر أمثال عتبة وشيبة والوليد وغيرهم، جاءوا بالعدد والعدة، وما ~~خرج المسلمون لقتال إنما خرجوا للعير، ومع ذلك أعز الله جنده وأخزى ~~عدوه، فقتل منهم من قتل، وأسر من أسر وذلوا، وكان الخزي لهؤلاء ~~أنكى من القتل. إذن: كان لهم الخزي في الدنيا، أما في الآخرة فلهم عذاب: ~~{ ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } [الزمر: ~~26] نعم، عذاب الآخرة أكبر من خزي الدنيا وأشد { لو كانوا ~~يعلمون } [الزمر: 26] لأن الذين علموا هذه الحقيقة انتهوا وآمنوا، ~~أما هؤلاء فعاندوا وكابروا وكذبوا. ### || [39.27-28] # حينما نتتبع لفظ مثل في القرآن الكريم نجده مرة بصيغة مثل، وهي تفيد ~~تشبيه شيء بشيء مفرد كما تقول: زيد في شجاعته مثل الأسد، الرجل في كرمه ~~مثل الغيث، ومن ذلك قوله تعالى: # فأتوا بسورة من مثله.. # [البقرة: 23] وهي ms8687 تفيد تشبيه صورة منتزعة أو مكونة من عدة أشياء ~~بصورة أخرى مكونة من عدة أشياء يعني: تشبيه حالة بحالة. ومن المثل في ~~القرآن مثل الحياة الدنيا في قوله تعالى: # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا # [الكهف: 45]. فالحياة الدنيا ليست تشبه الماء وحده، إنما ماء نزل من ~~السماء واختلط بتراب الأرض فأخرج النبات لكن سرعان ما يهيج ثم يصفر ثم ~~يجف ويتفتت، حتى يصير هشيما تذروه الرياح، كذلك حياة الإنسان في الدنيا، ~~تزهو لك الحياة ثم تنتهي بالموت، هذه صورة تمثيلية مكونة من عدة أمور ~~تشبه عدة أمور أخرى، وما دامت الدنيا على هذه الصورة فاحذروها، ولا ~~تركنوا إليها ولا تغتروا بها. ومن الصور التمثيلية في القرآن أيضا ~~قوله تعالى في الذين حملوا التوراة، ثم لم يستفيدوا منها: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا.. # [الجمعة: 5]. فهؤلاء ليسوا كالحمار وحده، بل كالحمار الذي يحمل الكتب، ~~ولكنه لا يفهمها، والحمار ليست مهمته أن يفهم إنما مهمته أن يحمل، أما ~~هؤلاء فمهمتهم أن يحملوا وأن يفهموا ما حملوه، وبذلك تميز الحمار ~~عنهم. ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ~~ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه.. # [الفتح: 29]. تأمل هذا المثل، تجد الحق سبحانه مثل محمدا وصحبه في ~~التوراة بمثل معنوي عبادي، لأن اليهود تغلب عليهم الماديات، وجاء بمثل ~~مادي في الإنجيل لأن الإنجيل ليس فيه إلا روحانيات، فلما طغت المادية ~~على اليهود ذكر لهم المثل المعنوي، ولما طغت الروحانيات على النصارى جاء ~~لهم بمثل مادي، فكان ولا بد أن يجيء الإسلام وسطا يراوح بين ~~الماديات والروحانيات. وقوله سبحانه: { ولقد ضربنا.. } [الزمر: ~~27] الضرب قلنا: هو إيقاع شيء فوق شيء بقوة وشدة ليحدث فيه ms8688 أثرا، ومن ~~ذلك الضرب في الأرض أي: حرثها والاعتناء بها لتعطيك من خيرها، وضرب ~~المثل يكون لأنه في ظاهره غريب، فنقول لك: لا تستغربه فهو مثل كذا وكذا ~~فيتضح المقال ويزول الاستغراب، والمثل يشبه المختلف فيه بالمتفق عليه. ~~كما في المثل السابق # محمد رسول الله والذين معه.. # [الفتح: 29]. ومادة مثل في القرآن الكريم وردت إحدى وأربعين مرة بلفظ ~~مثل، واثنتين وعشرين مرة بلفظ مثلا، وثلاث مرات بلفظ مثلهم. ومن طريف ~~الصور التمثيلية قول الشاعر يصف رجلا أحدب، ويصوره لك كأنك تراه ~~بالفعل: # قصرت أخادعه وغاص قذاله # فكأنه متربص أن يصفعا # وكأنما صفعت قفاه مرة # فأحس ثانية لها فتجمعا # وقوله تعالى: { من كل مثل.. } [الزمر: 27] يفيد العموم، يعني: ~~لونا لهم الأمثال لنبين لهم قواعد الدين بما يشاهدونه من الماديات { ~~لعلهم يتذكرون } [الزمر: 27] يعني: يتأملون هذه الأمثال، ~~ويضعون كل مثل مقابل مثاله، وليأخذوا من المشاهد دليلا على ما غاب، ومن ~~المتفق عليه دليلا على المختلف فيه. وقوله سبحانه: { قرآنا ~~عربيا غير ذي عوج.. } [الزمر: 28] أي: أن هذه الأمثال جاءت ~~قرآنا عربيا مبينا واضحا لا عوج فيه، وهو كتاب يقرأ ويكتب وتتكرر ~~تلاوته في العبادة، وهو محفوظ لا يناله تحريف أو تبديل والذي يحفظه قائله ~~سبحانه، إذن: فهذه الأمثال باقية ببقاء القرآن خالدة بخلوده ستظل أمامكم ~~تفيدون منها، كلما عرضت لكم قضايا الحياة وجدتم الحل لها. وقوله: { ~~غير ذي عوج.. } [الزمر: 28] ليس مائلا إلى جهة من الجهات، بل هو ~~مستقيم، لأنه التشريع الحق من الله الذي لا يحابي أحدا ولا يجامل ~~أحدا حتى رسله، واقرأ قوله سبحانه لنبيه وخير رسله محمد # إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا ~~تجد لك علينا نصيرا # [الإسراء: 75]. وفي سورة الكهف وصف القرآن بقوله: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا * قيما.. # [الكهف: 1-2]. وقوله: { لعلهم يتقون } [الزمر: 28] أي: ~~يتقون صفات الجلال من الله تعالى ومتعلقاتها من التعذيب بأي لون من ~~ألوان العذاب. ### || [39.29] # هذا مثل ضربه الله لبيان قضية التوحيد، ويوضح من ms8689 خلاله الفرق بين عبد ~~لسيد واحد، وعبد لعدة أسياد، وهذه صورة مكونة من عدة عناصر، فالرجل ~~مملوك لشركاء، وليتهم متفقون على شيء، إنما متشاكسون مختلفون، كل منهم ~~يأمر بشيء، فإن أرضى هذا أغضب ذاك، وإن أطاع سيدا عصى الآخر. إذن: كيف ~~يبدد نفسه؟ وكيف له أن يستريح فهو دائما في حيرة من أمره؟ أما الآخر، ~~فعبد لسيد واحد، أمره واحد، وهو مرتبط بسيده، قاصر خدمته عليه. { هل ~~يستويان مثلا.. } [الزمر: 29] ويترك الحق سبحانه لك أن تجيب ~~أنت على هذا التساؤل { هل يستويان.. } [الزمر: 29] لا نملك إلا ~~أن نقول: لا يستويان أبدا، ونقر نحن بهذه الحقيقة، وهذا هو مقصد ~~القرآن أن نقر نحن بها، لا أن تلقى إلينا كخبر من الله تعالى، وهذا ~~الذي نحكم به يقوله كل عاقل، ولا يرده أحد. فالعبد المملوك لسيد ~~واحد، كمن آمن بالله تعالى وأخلص له العبادة وحده سبحانه، والعبد ~~المملوك لشركاء متشاكسين مثال للعبد الذي أشرك مع الله في العبادة، وعليك ~~أنت أن تعتبر. وقوله سبحانه: { الحمد لله.. } [الزمر: 29] أي: ~~الحمد لله على أن ضرب لنا الأمثال، وأوضح لنا الأمور لنأخذ المعقول ~~المعنوي بالمحس المادي، فالذي يعبد الله وحده لا شريك له يعيش مرتاح ~~البال، هادئ النفس، مطمئن القلب، على خلاف من يعبد آلهة متعددة، فهو ~~مشتت النفس، غير مستقر البال، إن أرضى سيدا أغضب الآخر، وليس لديه ~~القوة التي تعينه على إرضاء الجميع، فهو أشبه بالخادم الذي يقول أناح ~~أقطع نفسي؟ فالحمد لله الذي نزل القرآن عربيا، لا عوج فيه، والحمد ~~لله الذي ضرب لنا فيه الأمثال التوضيحية التي تقرب ما تقف فيه العقول ~~بالذي تتفق فيه العقول. { بل أكثرهم لا يعلمون } [الزمر: ~~29] أي: لا يعلمون هذه القضية، لا يعلمون أن الإيمان بالإله الواحد الحق ~~والعبودية الخالصة له سبحانه فيها سعادة العبد وراحته، وأن العبودية ~~لآلهة شتى في شقاوة العبد وتعبه. وهم لا يعلمون هذه الحقيقة لأنهم ما ~~وضعوا قضية الإيمان بالربوبية موضع البحث العقلي، بل أخذوها هكذا بلا ~~تأمل، المهم عنده أن ms8690 يكون لهم إله ليس له أوامر ولا نواه، إله بلا ~~منهج وبلا تكاليف، وما أحسن هذا الإله الذي تأخذه على مزاجك، ووفقا ~~لهواك. وقوله سبحانه: { بل أكثرهم لا يعلمون } [الزمر: 29] ~~طمأن أهل الإيمان وأهل التوحيد، فهم وإن كانوا القلة إلا أنهم موجودون، ~~فالخير لا يعدم مهما كان قليلا، ومن ذلك قوله تعالى: # ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين # [الواقعة: 13-14]. وقال في أصحاب اليمين: # ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين # [الواقعة: 39-40] فالخير إذن في هذه الأمة. ### || [39.30-31] # كان كفار مكة إذا أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سوء أو وعكة صحية، ~~أو نزلت به شدة كما حدث في أحد يفرحون لذلك، فما بالك لو مات رسول ~~الله؟ لذلك يقرر القرآن لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة { ~~إنك ميت وإنهم ميتون } [الزمر: 30] فعلام يفرحون ~~وهذه نهاية الجميع، كما قال في موضع آخر: # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت ~~فهم الخالدون # [الأنبياء: 34]. لكن المسألة لن تنتهي عند هذا الحد، إنما بعد الموت ~~حياة أخرى، فيها حساب وجزاء ووقوف بين يدي الله تعالى، وساعتها سيكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى مقام، أما أنتم فسيكون موقفكم موقف ~~المخالفين لله، فماذا تقولون؟ هذا معنى قوله سبحانه { ثم إنكم ~~يوم القيامة عند ربكم تختصمون } [الزمر: 31]. ومعنى ~~{ إنك ميت.. } [الزمر: 30] هكذا بالتشديد. أي: ذاهب منته إلى ~~الموت ففرق بين ميت بتشديد الياء وميت بسكونها، ميت يعني من سيموت ~~ويؤول إلى الموت، ولو كان حيا، لأن الله خاطب رسوله وهو ما يزال حيا. ~~أما ميت فمن مات بالفعل. ومن ذلك قول الشاعر: # وكل أنام الله في الناس ميت # وما الميت إلا من إلى القبر يحمل # وقوله تعالى: { إنك ميت وإنهم ميتون } [الزمر: 30] ~~فيه تطمين وتأسية لرسول الله، كما خاطبه سبحانه بقوله: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77] وهنا قال: { ثم إنكم يوم القيامة عند ~~ربكم تختصمون } [الزمر: 31]. يعني: إما أن ترى انتقام الله ~~منهم في الدنيا ms8691 وإلا ففي الآخرة، إذن: من مصلحتك أنت أن تنتقل إلى ~~الرفيق الأعلى لنختصر المسافة، وترى بعينك مصارع الكافرين المعاندين، فلا ~~تضعف ولا تذل لأن لك مآلا عند الله تأخذ فيه جزاءك، ويأخذون جزاءهم. ~~والحق - سبحانه وتعالى - لما تكلم عن الموت في سورة تبارك، قال: # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير * الذي خلق الموت والحياة.. # [الملك: 1-2]. فتأمل { خلق الموت والحياة.. } [الملك: 2] ~~وجعل الموت أولا مع أنه بعد الحياة، ذلك لأن الحياة ستعطيك نوعا من ~~الغرور، حين ترى جوارحك تستجيب لك، والأسباب تستجيب لك والدنيا تعطيك فلا ~~بد أن يدخلك الغرور، فأراد الحق سبحانه ألا نستقبل الحياة بالغرور، ~~بل نستقبلها أولا بهذه الحقيقة التي تناقض الحياة وهي الموت. إذن: ~~فالعاقل يفهم أنه صائر إلى الموت، ويقضي رحلة حياته وهو على ذكر لهذه ~~النهاية. وقوله { ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم ~~تختصمون } [الزمر: 31] وستكون أول خصومة بين الأنبياء ومن كفروا ~~بهم هي مسألة البلاغ حين يشهد الرسل أنهم بلغوا أقوامهم رسالة الله، ~~فإذا بهم يتعللون، يقولون: اعتقدناه سحرا، اعتقدناه كذبا، اعتقدناه ~~تخييلا، لكنهم ما فطنوا إلى أن الله أكد هذا بقوله # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.. # [البقرة: 143]. إذن: فضل الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها ~~حملت رسالة رسولها، وهذه مسألة لم تحدث مع الرسل السابقين لذلك قال ~~تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس.. # [آل عمران: 110] والدليل على حمل الأمة لهذه الرسالة أنه لم يأت رسول ~~بعد رسول الله، فكأن الله تعالى أمن أمة محمد على رسالته، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم شهد أنه بلغ أمته، وعليهم هم أن يشهدوا أنهم بلغوا ~~الناس. وهذا المعنى من معاني الوسطية التي قال الله فيها: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا.. # [البقرة: 143]. وإن كانت تتسع لغير ذلك فلأنها وسط في كل شيء، فقد ~~رأينا في غير هذه الأمة من أنكر الإله، ومنهم من أثبت آلهة متعددة، ~~وكلاهما تطرف، فجاء الإسلام وقال بعبادة إله واحد لا شريك ms8692 له، فاختار ~~الوسطية والاعتدال وحل هذا النزاع. لذلك خاطبنا ربنا بقوله: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا.. # [البقرة: 143] أي: فيكم نواحي الاعتدال، فإذا سمعتم من يقول ~~بالشيوعية، ومن يقول بالرأسمالية، وإذا رأيتم من يتعصب لمذهبه ~~فقولوا: نحن أمة وسطا تركنا للرأسمالية أن تثمر طموحها، لأنه ليس ~~للجميع لديه طموح، وحين تثمر الرأسمالية طموحها لا بد أن تخدم ~~المجتمع، وانظر كم من العمال يعمل، وكم من البيوت تفتح. كذلك الشيوعية ~~فرضنا لهم ما لم يدفعوا إلى غير القادر، إذن: أخذنا ميزة هؤلاء وميزة ~~هؤلاء، بدليل أن النظامين اللذين سيطرا على العالم طوال مدة من الزمن ~~بدأت شراستهم تقل، فالرأسماليون أخذوا في التخفيف من حدة الرأسمالية، ~~ونظروا إلى العمال فأعطوهم حقوقهم وميزوهم، وجعلوا لهم نقابات... إلخ، ~~وكذلك الشيوعية قالوا: لا بد أن يوجد في المجتمع طبقة تقدر أن تزن ~~الأمور بطموحاتها، ويجعلوا للعمال فرصا يعملون بها، وأخيرا انتهت ~~الشيوعية والحمد لله عن آخرها. إذن: فأمة الإسلام أمة الوسطية أخذت خير ~~النظامين. نقول: سيكون في الآخرة الاختصام الأول بين الأنبياء ومن كذب ~~بهم، واختصام بين أئمة الكفر ومن تبعهم ممن أضلوهم وأغووهم، بين ~~القوم الذين أثروا في السفهاء، وجعلوهم تابعين لهم في الكفر. وقد صور ~~القرآن هذه الخصومة في هذا الموقف، فقال: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب * وقال ~~الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم ~~كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم ~~حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار # [البقرة: 166-167]. لذلك يقول سبحانه وتعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. إذن: لا بد أن يختلفوا الآن، ويلعن بعضهم بعضا، ~~ويلقي كل منهم التبعية على الآخر لذلك يقول تعالى: # وقفوهم إنهم مسئولون * ما لكم لا تناصرون * ~~بل هم اليوم مستسلمون * وأقبل بعضهم على ~~بعض يتسآءلون * قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن ~~اليمين * قالوا بل لم تكونوا مؤمنين # [الصافات: 24-29]. هكذا يختصم التابع والمتبوع، وتتفرق جماعتهم ولا ~~يتناصرون كما تناصروا على كفرهم في الدنيا. ويصور القرآن موقفا ms8693 آخر ~~للكافرين، حيث سبق قادتهم ورؤساؤهم إلى النار، فجاء التابعون فوجدوا ~~السادة قد سبقوهم، يقول تعالى: # هذا وإن للطاغين لشر مآب * جهنم يصلونها ~~فبئس المهاد * هذا فليذوقوه حميم وغساق * ~~وآخر من شكله أزواج * هذا فوج مقتحم معكم ~~لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار * قالوا بل ~~أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس ~~القرار # [ص: 55-60]. وكون القادة يسبقون أتباعهم إلى النار يدل على أنهم ~~أعظم جرما من التابعين لهم لأنهم ضلوا في أنفسهم وأضلوا غيرهم، ~~وفيه أيضا قطع لأمل التابعين في النجاة والخلاص من النار، ومن ~~يخلصهم وقد رأوا سادتهم وقادتهم قد سبقوهم إليها؟ وفي المقابل يعرض الحق ~~سبحانه هذا الحوار بين المؤمنين في الجنة: # قال قآئل منهم إني كان لي قرين # [الصافات: 51] أي: صاحب من أهل الكفر # يقول أءنك لمن المصدقين * أءذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أءنا لمدينون * قال هل أنتم ~~مطلعون * فاطلع فرآه في سوآء الجحيم # [الصافات: 52-55]. يعني: نظر من السور فإذا بقرينه في سواء الجحيم، ~~يعني: في وسطها. فقال: # تالله إن كدت لتردين # [الصافات: 56] تهلكني معك # ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين # [الصافات: 57]. وقد يكون حوارا بلا خصام، كما في قوله تعالى: # يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يليتنآ ~~أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنآ إنآ ~~أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأضلونا السبيلا * ~~ربنآ آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا ~~كبيرا # [الأحزاب: 66-68]. ### || [39.32-33] # الاستفهام في { فمن أظلم } [الزمر: 32] يحمل معنى التعجب ~~والإنكار يعني: لا أحد أظلم من هذا الذي يكذب على الله، فلو كذب على ~~غير الله لكان منكرا، فما بالك وقد كذب على الله الذي لا يخفى عليه شيء ~~في الأرض ولا في السماء، ويعلم حقائق الأشياء سرها وعلانيتها. إذن: ~~فالكذب على الله خيبة، وإن كنت ولا بد ستكذب فاكذب على إنسان مثلك هو ~~أيضا عرضة لأن يكذب. لذلك جاء لفظ { أظلم } على وزن أفعل التي تدل ~~على المبالغة، لأن أفظع الظلم وأعظمه أن تكذب على الله، لكن من ظلم؟ ~~أظلم من يكذب عليه أم ms8694 ظلم نفسه؟ بل ظلم نفسه. ولم يقف الأمر عند هذا بل ~~{ وكذب بالصدق إذ جآءه } [الزمر: 32] لأن التكذيب بالصدق ~~ينقل القضايا إلى نقيضها، والشيء الصدق هو الذي لا يقال لقائله كذبت، ~~لأنه إخبار بأحداث يصدقها الواقع وسبق أن قلنا: إن النسبة الكلامية ~~إذا وافقت نسبة الواقع كان الكلام صادقا، وإذا خالفت الواقع كان ~~كاذبا. ثم يستفهم الحق - سبحانه وتعالى - وهو أعلم: { أليس في ~~جهنم مثوى للكافرين } [الزمر: 32] يعني: ما ظن هؤلاء ~~الذي يكذبون على الله ويكذبون بالصدق، ألم يعلموا هذه الحقيقة وهي أن ~~جهنم مثوى للكافرين المكذبين، لو كانت هذه الحقيقة في بالهم ما اجترأوا ~~على الله، إنما هم كاذبون يقولون غير الواقع ولا يؤمنون به. وبعد ذلك ~~ينتقل إلى خصوصية الصادق { والذي جآء بالصدق } [الزمر: 33] ~~وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي تلقى عن ربه وبلغ أمته، وقد أكد الله ~~تعالى صدق رسوله في مواضع كثيرة، منها: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم ~~من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 44-47]. إذن: مسألة الكذب على الله مسألة لا يحابي فيها أحد ~~حتى الرسل، لذلك جاء بلاغه صلى الله عليه وسلم عن ربه دقيقا، فتراه لا ~~يبلغ مضمون المقولات، إنما يبلغ المقولات ذاتها، واقرأ قوله تعالى: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] فكان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يقول لقومه: الله ~~أحد. وبذلك يكون قد بلغ المراد من الآية إنما قال كما جاءه من ربه # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] فذكر الأمر بأن يقول قل. والعجيب أن يطلع علينا من ~~يقول بحذف مثل هذه الكلمة بحجة أنها لا تضيف جديدا للمعنى، ونقول: هذا ~~ليس كلام بشر، بل هو كلام الله وقرآنه، وقد حفظه الله بنفسه وبلغه ~~رسوله كما تلقاه عن ربه. أرأيت لو أرسلت ابنك ليبلغ عنك قضية مثلا ~~وقلت له: اذهب إلى فلان وقل له كذا وكذا، وبإمكان الولد أن يبلغ ~~مضمون القضية، لكنه حين يقول: أبي قال لي قل لفلان كذا وكذا، ms8695 فهذا يعني ~~أنه يؤكد الكلام ويهتم بالرسالة كما تلقاها، إذن: لو حذفت كلمة قل ~~فقد حذفت كلمة من القرآن، لا كلمة زائدة عليه. # وقوله: { وصدق به } [الزمر: 33] أي: صدق بالصدق الذي جاء به، ~~صدق هو أولا ولم ينتظر منا أن نصدق نحن أو نشهد بذلك، لقد أخذ ~~الرسول عن ربه أنه إله واحد لا شريك له فشهد بذلك أولا وصدق، كذلك ~~الحق سبحانه لم ينتظر شهادة العباد بوحدانيته إنما شهد بها لنفسه أولا، ~~فقال سبحانه: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم # [آل عمران: 18] وبعد أن شهد الله لنفسه بالوحدانية وجب على الرسول ~~أيضا أن يشهد بأن محمدا رسول الله، إذن: جاء بالصدق وصدق هو به ~~وقال هو عن نفسه: أشهد أن محمدا رسول الله. كذلك شهد الملائكة بهذه ~~الوحدانية، وشهد بها أولو العلم شهادة الحجة والدليل والبرهان. وقالوا: ~~{ والذي جآء بالصدق } [الزمر: 33] هو رسول الله { وصدق ~~به } [الزمر: 33] أي: الذين صدقوا رسول الله في أول بلاغ له عن ربه، ~~سواء أكان أبا بكر رضي الله عنه أم السيدة خديجة رضي الله عنها، وقد ~~اختلفوا في هذه المسألة: أهو أبو بكر أم خديجة؟ وليس في المسألة خلاف. ~~فإذا قيل: أول من آمن من الرجال نقول أبو بكر. ومن النساء: خديجة. ~~والواقع أن السيدة خديجة آمنت برسول الله وصدقته في أول الأمر، وربما ~~قبل أن يبلغ أبا بكر الخبر، وتعلمون موقفها من رسول الله حين جاءه ~~الوحي، وأنها ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، فقال: إنه نبي هذه ~~الأمة، ولكي يؤكد لها هذه القضية قال: وإن يدركني يومك لأنصرنك نصرا ~~مؤزرا، ليتني أكون حيا يوم يخرجك قومك، قال: أو مخرجي هم؟ قال: ما ~~جاء أحد بمثل ما جئت به إلا أوذي ولتخرجن. أما الصديق أبو بكر ~~فلما أخبروه أن صاحبك يزعم أنه رسول قال: إن كان قال فقد صدق، إذن: كيف ~~صدق أبو بكر وهو لم ير من رسول الله معجزة تدل على رسالته؟ قالوا: ~~ليست ms8696 المعجزة عياقة لا يؤمن الناس إلا بها، إنما المعجزة جعلت لمن ~~يكابر في التصديق لذلك جاءت معجزة القرآن تحديا للكافرين والمعاندين ~~المكذبين، أما من آمن برسول الله أولا فلا يحتاج إلى معجزة، وأي ~~معجزة جعلت أبا بكر يؤمن ويصدق برسول الله بهذه السرعة؟ قالوا: لأنه ~~لم يجرب على رسول الله كذبا أبدا قبل ذلك، فإذا كان صادقا في أموره ~~مع الناس أيكذب على الله؟ إذن: أخذ أبو بكر المعجزة من تاريخه مع رسول ~~الله، وكذلك السيدة خديجة بدليل أنها هي التي شجعته وآزرته وقالت: # " والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتقري الضيف، وتحمل ~~الكل، وتعين على نوائب الدهر " # فمعجزة محمد لمن آمن به أولا تاريخه وسيرته بينهم. وأنتم تعلمون حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خزيمة الذي يقول فيه: # " من شهد له خزيمة فحسبه " # ونصاب الشهادة معروف، فكيف جعل رسول الله خزيمة نصابا وحده في ~~الشهادة؟ وبم استحق هذه المنزلة؟ قالوا: لأنه فاز بجدارة في قضية التصديق ~~برسول الله # " حينما اقترض رسول الله مبلغا من المال من يهودي، ثم أداه إليه في ~~موعده، لكن جاء اليهودي يدعي أنه لم يأخذ دينه من رسول الله، وذهب ~~إلى رسول الله أمام الناس يقول: يا محمد أو يا أبا القاسم أعطني ~~ديني، فقال رسول الله: لقد أعطيتك، فقال: ومن يشهد على ذلك؟ فقام ~~خزيمة وقال: يا رسول الله أشهد أنك أعطيته دينه. ولأن اليهودي كان ~~كاذبا في ادعائه صدق بشهادة خزيمة وقال في نفسه: لعله كان حاضرا ولم ~~أره، لأن اليهودي أخذ دينه من رسول الله ولم يكن أحد موجودا ~~معهما، عندها خنس اليهودي وانصرف، فاستدعى رسول الله خزيمة، وقال له: يا ~~خزيمة لم يكن معي أحد حين أعطيته حقه، فكيف شهدت أنك رأيتني أعطيه؟ ~~فضحك خزيمة وقال: يا رسول الله أأصدقك في خبر السماء وأكذبك في عدة ~~دراهم؟ فأعجب رسول الله باستنتاج خزيمة، ورآه اجتهادا جميلا، فقال فيه: ~~" من شهد له خزيمة فحسبه ". # والمسألة ليست على دراهم اليهودي، ms8697 إنما لها واقع آخر، حينما أرادوا أن ~~يجمعوا القرآن تحروا فيه أقصى درجات الدقة، فكان الجامع لا يكتب كلمة ~~واحدة في المصحف الجامع إلا إذا رآها مكتوبة، وشهد عليها شاهدان ليتأكد ~~من صدقها في الصدور وفي السطور، حتى وقف أمام آية كتبت وشهد عليها شاهد ~~واحد فتوقف، فلما رأى أن هذا الشاهد هو خزيمة تذكر قول رسول الله فيه: # " من شهد له خزيمة فحسبه " # فكتبها. ومن مواقف التصديق ما كان من الصديق أبي بكر لما أخبروه خبر ~~الإسراء والمعراج. وقالوا له: إن صاحبك يدعي أنه أتى بيت المقدس ~~وعرج به إلى السماء في ليلة واحدة، لم يبحث المسألة ولم يناقشها إنما ~~صدق بداية وقال: إن كان قد قال فقد صدق. فميزان الصدق عنده مجرد أن ~~يقول رسول الله. وقوله: { أولئك هم المتقون } [الزمر: 33] ~~أي: الذين أخذوها من قصيرها كما يقولون، وجعلوا بينهم وبين صفات الجلال ~~من الله وقاية. ### || [39.34-35] # قوله: { لهم ما يشآءون } [الزمر: 34] أي: متوفر لهم كل ما ~~يشاءون، لكن عند من؟ { عند ربهم } [الزمر: 34] حين تكون لا ~~عندية إلا لله وحده، هذه العندية هي معنى قوله تعالى: # لمن الملك اليوم # [غافر: 16]. فالعندية تكون للناس في الدنيا، فهذا موظف عند هذا، وهذا ~~خادم عند هذا، أما في الآخرة فالعندية لله وحده، وفي هذه العندية ينال ~~المؤمن ما اشتهاه في الدنيا ولم يحصل عليه في الآخرة يقول الله { لهم ~~ما يشآءون عند ربهم } [الزمر: 34] ولم يقل لهم ما يشاءون، ~~بل ما يشاءون عندي أنا. أي: بلا أسباب، لأن الأسباب كانت في الدنيا، وما ~~تريده بالأسباب قد لا يتحقق لك، وإن كان في يدك لأن الله يزاول سلطانه ~~بواسطة خلفائه في الأرض، فيجعل هذا سببا في رزق هذا، وهذا يعين هذا، ~~والأسباب قد تتخلف أما في الآخرة فلا أسباب، بل هو عطاء الله المباشر ~~بلا سبب. وفي سيرة أكابر الرسل أحداث توضح لنا هذه العندية لله تعالى، ~~فسيدنا إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - أول ما دعا دعا عمه ~~آزر، وجادله ms8698 في مسألة الأصنام، فلما رآه مصرا على عناده قال له: # سلام عليك.. # [مريم: 47]. كلمة السلام هنا ليست سلام الأمن والطمأنينة، ولا سلام ~~التحية، إنما سلام الموادعة لأنهما مختلفان في الرأي، ولن يثمر الجدل مع ~~العناد والمكابرة، فطول الجدال لن يزيد المسألة إلا تعقيدا وعداوة، ومن ~~الأفضل في مثل هذا الموقف أن ينسحب منه صاحب الحق حتى لا تشتعل نار ~~الخلافات أكثر من ذلك، كما تقول لصاحبك في مثل هذا الموقف: يا عم سلام ~~عليكم لتنهي الموقف، فالسلام عليكم هنا تعني أنني لو لم أترك هذا المكان ~~لن يحدث سلام. وقد يكون سلام من البشر لا يقدرون على أدائه. لذلك، فإن ~~السلام الحق من الله، كما في قوله تعالى: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. الشاهد هنا أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - شاء أن يستغفر ~~لعمه، فلم يجب إلى ذلك، شاء في الدنيا لكن الله لم يشأ، كذلك سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم شاء أن يستغفر لعمه أبي طالب بعد أن دعاه ~~فلم يستجب، وأصر على دين آبائه، فلما استغفر له رسول الله أنزل الله ~~عليه: # ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى.. # [التوبة: 113]. فقد شاء محمد صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لعمه، لكن لم ~~يعط ذلك، لأن هذه المشيئة منه في الدنيا ليست عند الله، أما مشيئته ~~عند الله في الآخرة فمستجابة متحققة، هذا معنى { لهم ما يشآءون ~~عند ربهم. # . } [الزمر: 34]. فإن كانت للمؤمن مشيئات لا تتحقق في الدنيا فهي ~~مدخرة له في الآخرة عند ربه، هذه المشيئات التي لا تتحقق يسترها شيء ~~واحد أن أكرم المشيئة أن تشاء من الله أن ينصر دينه، وقد تحققت هذه ~~المشيئة. إذن: فالمشيئة التي لا تتحقق هي التي تعود على نفسك، أما ~~المشيئة التي تطابق الإيمان بمنهج الله فهي لا بد متحققة كما تحققت ~~مثلا في بدر. فالحق - سبحانه وتعالى - يريد منا حين نكون مؤمنين به ~~ومصدقين لرسوله ألا تكون لنا مشيئة في غير ديننا ms8699 لأن المشيئة في غير ~~الدين يمكن أن تكون في أيدي الناس فلا يحققوها لك، وربما مات المؤمن قبل ~~أن يرى مشيئته بنصر الله فيدخر له ذلك في الآخرة. إذن: المهم عنده أن ~~تكون المشيئة خاصة بنصر دين الله على من يكذبه ويخالفه، وهذه المشيئة ~~متحققة بدليل: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. وقوله: { ذلك جزآء المحسنين } [الزمر: 34] ~~صحيح هناك عمل، وهناك فضل، وتشريع الجزاء على العمل من الفضل لأن ربنا ~~حينما يثيبني على شيء يعود علي بالنفع يعد هذا الجزاء زيادة، والأصل ~~أن يقول لي: لقد أخذت جزاءك منفعة بالعمل الذي عملته لأن خالقك أعطاك ~~كل الأسباب، أعطاك الجوارح التي تعمل بها، وأعطاك الأرض والمال والهواء ~~والماء والطعام، فإن أثابك على العمل كان من فضله. والمحسن درجة أعلى ~~من المؤمن، فالمؤمن يأخذ ما فرضه الله عليه وينفذه دون زيادة، أما ~~المحسن فهو الذي يؤدي ما فرض الله عليه ويزيد عليه من جنس ما فرض الله، ~~فمثلا يصلي الصلوات الخمس ثم يزيد عليها ما شاء من النوافل من صلاة ~~الليل، كما قال سبحانه في المحسنين: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار ~~هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم # [الذاريات: 17-19]. ولم يقل هنا حق معلوم لأن الحق المعلوم هو الزكاة، ~~أما في هذا المقام فالعبد يزكي ماله، ثم يزيد على ذلك ما شاء من ~~التطوع والصدقات، وهذه الزيادات ما طلبها منك ربك، إنما تؤديها محبة ~~وتقربا إليه سبحانه. إذن: كلمة الإحسان عند الله فيها نفس معنى الإحسان ~~للناس. تقول: أحسنت إلى فلان حين تعطيه أكثر من حقه. وحين يجازي الله ~~المحسن إنما يعطيه جزاء إحسانه، فإذا كان العبد يحسن فالله أولى ~~وأكرم. والحق سبحانه أعطانا المثل الحسي للإحسان في الأرض، وما تخرجه ~~من ثمراتها فأنت تضع فيها حبة القمح مثلا، فتعطيك في المقابل سبعمائة ~~حبة، فإذا كان هذا هو عطاء الأرض المخلوقة لله تعالى، فما بالك بعطاء ~~الخالق سبحانه؟ فالمعنى: { لهم ما يشآءون عند ربهم } ~~[الزمر: 34] لماذا؟ لأنهم كانوا محسنين، وهذا ms8700 جزاء الإحسان. وقوله: { ~~ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا } [الزمر: 35] ~~هذا أيضا من العطاء الخاص بدرجة الإحسان، فكلمة أسوأ تدل على المبالغة ~~وأقل منها السيئة، فعندنا سيئة وأسوأ منها، ولا شك أن السيئة تنصرف إلى ~~الصغائر، والأسوأ تنصرف إلى الكبائر، فكأن الذي دخل في مقام الإحسان ضمن ~~أن مقام الإحسان يكون له مثل مقاصة تسقط عنه ذنوبه، ليست الصغائر فحسب ~~إنما الكبائر أيضا لأن الذي يكفر الأسوأ يكفر السيئة من باب ~~أولى، هذا لأنك أدخلت نفسك في مقام لم يطلب منك لمجرد المحبة لمن ~~كلفك. # بل هناك عطاء أعظم من ذلك، هو أن المسألة لا تنتهي عند تكفير الذنوب ~~والسيئات، إنما تبدل إلى حسنات، كما قال سبحانه: # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات.. # [الفرقان: 70]. فتأمل درجات العطاء من الله، والربح في التجارة معه ~~سبحانه. وبنفس الإكرام والتفضل يجازي الله المحسنين على حسناتهم { ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون } ~~[الزمر: 35] فكما غفر لهم الأسوأ يجازيهم أحسن الذي كانوا يعملون، أي: ~~بأحسن من عملهم. هذا العطاء من الله، وهذا التكرم والتفضل منه على عباده ~~شجع الشارد من دعوة الإيمان وحثه على العودة إلى حظيرة الإيمان، ~~فليس هناك ما يحول بينه وبين ربه، وليس في الطريق حجر عثرة مهما ~~كثرت الذنوب ما دام باب التوبة مفتوحا. والحق سبحانه حينما شرع ~~التوبة للعاصين المذنبين شرعها لينقذهم من شراسة المعصية، فلو قلنا ~~للعاصي: ليس لك توبة ماذا يفعل يفقد كما نقول: فلان ده فاقد. يعني: يئس ~~من الإصلاح فتمادى في الفساد وبالغ في الضلال، والحق سبحانه لا يريد ~~لعباده ذلك، ففتح لهم باب التوبة ليعطفهم إلى دين الله، فلا يزداد ~~الانحراف في المجتمع، ولا تستشري فيه المعصية. بعد أن أخبر رسول الله ~~القوم بهذا المنهج الإلهي في الجزاء قال المعاندون لرسول الله: نخاف ~~عليك يا محمد أن تمسك آلهتنا بسوء وقد أغضبتها، سبحان الله يقولون هذا ~~وهم يعلمون أنها حجارة لا تضر ولا تنفع، ولما مسهم الضر ما وجدوا غير ~~الله يلجئون إليه ولذلك نزل قوله ms8701 تعالى: { أليس الله بكاف ~~عبده... }. ### || [39.36-37] # يعني: يا محمد، لا تهتم بهذا الهراء فالله حسبك وكافيك، والذي يدل على ~~ذلك أن رسول الله كان يحرسه القوم من المؤمنين مخافة أن يناله المشركون ~~بسوء، ففوجئوا في يوم أن رسول الله يسرحهم وينهي هذه الحراسة ويصرفها. ~~ولو لم يكن رسول الله واثقا أن الذي أمره بصرف الحراس كفيل بحفظه ~~وحمايته لما فعل ذلك في نفسه لذلك رأينا المرأة الدنماركية وهي تقرأ في ~~سيرته صلى الله عليه وسلم، أنه أعظم العظماء الذين تركوا بصمة واضحة في ~~التاريخ، وقلبوا ميزان الدنيا، فلما جاءت عند هذه الحادثة وقرأت { ~~أليس الله بكاف عبده } [الزمر: 36] وقرأت: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] قالت: والله ما فعل محمد ذلك إلا وهو واثق من حماية ربه ~~له، ولو خدع الناس جميعا ما خدع نفسه، وآمنت بسبب هذه المسألة. قوله ~~سبحانه: { أليس الله بكاف عبده } [الزمر: 36] يحلو للبعض ~~أن يقول المعنى: أليس الله كافيا عبده، ويعتبرون الباء زائدة، وهذا غير ~~صحيح، فليس في كلام الله تعالى حرف زائد فالهمزة هنا استفهام إنكاري، ~~والإنكار يفيد النفي، بعدها ليس للنفي ونفي النفي إثبات. يعني: ننكر أن ~~الله ليس بكاف عبده، وما دمنا ننكر أن الله ليس بكاف عبده، فالنتيجة ~~أن الله تعالى كاف عبده. والحق سبحانه وتعالى: له اسم هو الله، وله صفات ~~هي التي عرفناها بالأسماء الحسنى، ومن أسمائه الحسنى الكافي، فالمعنى ~~إذن: أليس الله موصوفا بكاف عبده، فكيف إذن نقول: إن الباء زائدة؟ إن ~~القول بزيادة الباء هنا يناقض بلاغة القرآن، ولا يصح أن نقول: إن في ~~القرآن حرفا زائدا، البعض يتأدبون مع كلام الله ويقولون: بل هو حرف ~~صلة، وآخرون يقولون: حرف لربط الوجود، ولسنا في حاجة إلى كل هذه ~~التأويلات. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة، فلو قلنا مثلا: ما عندي مال، ~~ما هنا تنفي وجود المال الذي يعتد به، ولا تمنع أن يكون معي جنيه أو ~~جنيهان مثلا، لكن لو قلت: ما عندي من مال أي: من بداية ما ms8702 يقال له مال ~~ولا حتى مليم واحد إذن: حرف الجر هنا ليس زائدا في الكلام، إنما تأسيسي ~~في المعنى. أما الذين قالوا بزيادة الباء في { بكاف } [الزمر: 36] فقد ~~اعتبروا ليس من أخوات كان التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، فلفظ الجلالة ~~اسمها مرفوع وكاف خبرها، فالتقدير: أليس الله كافيا عبده، وهذا ينافي ~~جلال القرآن وبلاغته. وقوله: { ويخوفونك بالذين من دونه ~~} [الزمر: 36] أي: بالأصنام { ومن يضلل الله فما له من ~~هاد } [الزمر: 36] يعني: دعهم يقولون ما يقولون فقد أضلهم الله فمن ~~يهديهم؟ { ومن يهد الله فما له من مضل } [الزمر: 37] ~~هذا هو المقابل إذا هدانا الله الطريق، فلن يضلنا أحد { أليس ~~الله بعزيز ذي انتقام } [الزمر: 37] يعني: أليس الله موصوفا ~~بالعزة، فالباء هنا كسابقتها. # والعزيز هو الذي يغلب ولا يغلب، وما دام هو سبحانه غالبا لا يغلب ~~فاحذروا انتقامه لأنه { ذي انتقام } [الزمر: 37] فمهما صنعتم بالفكر ~~الفاسد والتبييت والائتمار فلن تغلبوه. وعجيب من الكفار أن يخوفوا ~~رسول الله بالأصنام، وهم يعلمون حقيقتها وقولهم فيها: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] كلام باطل لغة، لأن العبادة طاعة العابد للمعبود في أمره ~~ونهيه، وأي أمر أو نهي للأصنام؟ إذن: هذا الكلام منهم هراء وباطل. لذلك ~~سيدنا خالد بن الوليد لما ألان الله قلبه للإسلام أراد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يبعثه ليهدم العزى، فلما ذهب إليها خالد وأمسك ~~بفأسه ليكسرها قال لها: # يا عزى كفرانك لا سبحانك # إني رأيت الله قد أهانك # ولو كانت هذه آلهة لخوفته ومنعت نفسها. وقف بعض المستشرقين عند هذه ~~الآية { ويخوفونك بالذين من دونه } [الزمر: 36] أي: ~~بالأصنام، وقالوا الأصنام: اللات والعزى ومناة كلها أسماء مؤنثة، فكيف ~~يقول القرآن بالذين وهي للمذكر ولم يقل باللاتي؟ ونقول: هناك فرق ~~بين اسم للصنم ومسماه، يعني: اسمه صنم. وهذا الصنم سمي باللات ~~أو العزى، فمن حيث هو صنم يكون الجمع مذكرا، ومن حيث المسمى ~~مؤنثا، فالذين للاسم أي: للأصنام، واللاتي للمسمى. ونقف هنا عند هذه ~~المقابلة في قوله تعالى: ms8703 { ومن يضلل الله فما له من ~~هاد * ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله ~~بعزيز ذي انتقام } [الزمر: 36-37] الضال هو الذي لا يهتدي ~~لغايته، كالذي ضل الطريق لا يدري أين يتجه، هذا ضال عن غير قصد ~~للضلال لأنه لا يعرف. وجاء ضال بمعنى متردد حائر، في قوله تعالى ~~مخاطبا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم: # ووجدك ضآلا فهدى # [الضحى: 7] لأن النبي رأى أمته تفعل أشياء لا تعجبه، وهو ما يزال لا ~~يعرف الصواب الذي ينبغي فعله، أي: لا يعرف الحقيقة، لا أنه يعرف ومنصرف ~~عنها، وفرق بين الحالتين. إذن: الضلال هنا غير مقصود. ويأتي الضلال ~~بمعنى النسيان، كما في قوله تعالى: { أن تضل إحداهما ~~فتذكر إحداهما الأخرى } [البقرة: 282]. ومن الضلال أن ~~ننسى العهد الفطري القديم الذي أخذه الله علينا في قوله سبحانه: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى # [الأعراف: 172]. ومقابل الضلال الهداية، وهي أيضا تأتي بمعان متعددة، ~~لكن الذين يتوركون على كلام الله، ويريدون أن يعترضوا عليه يأخذونها على ~~معنى واحد، يديرونه على كل موضوعاتها، لكن هذا لا يصح. فالهداية تطلق ~~على الدلالة المطلقة، يعني يدلك وأنت حر تطيعه أو تعرض عنه. # وضربنا مثلا لذلك برجل المرور الذي يرشدك ويدلك على الطريق، بعدها ~~أنت حر تسلك أو لا تسلك، فإن سلكت الطريق الذي دلك عليه وشكرته على ~~معروفه، وقلت له: كثر الله خيرك لولاك لضللت الطريق، فإنه ينظر إليك ~~نظرة أخرى، ويراك أهلا للمزيد من الخير. فيقول لك: والله أنت رجل طيب، ~~وسوف أسير معك حتى تمر من هذه المنطقة لأن فيها أخطارا، وهذه تسمى ~~المعونة، فالذي يؤمن بمن هدى ودل أهل لأن يعان، وأن يوفق للمزيد ~~من الهداية. وهذا معنى قول الله تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17] يعني: زادهم بمعونتهم وتخفيف مشاق الطاعة عليهم، وصرف ~~أسباب الشر عنهم. إذن: فالأولى: هداية دلالة مطلقة. والثانية: هداية ~~إعانة وتوفيق. وهاتان الهدايتان أوضحهما الحق سبحانه في ms8704 خطابه لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم، فقال في الأولى: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] وقال في الأخرى: # إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء # [القصص: 56] فكيف يثبت الهداية لرسول الله في آية وينفيها في آية أخرى، ~~والحديث واحد، والفاعل واحد؟ قالوا: لأن الجهة منفكة فالهداية المنفية ~~غير الهداية المثبتة، فالحق يقول لنبيه محمد: أنت مبلغ ومرشد ودال ~~فحسب، لست واضع مناهج وليست لك قدرة على أن ترغم الناس أن يؤمنوا، ~~إنما عليك أن تبلغ لأن بلاغك هو هداية الله للناس، لكن ليست مهمتك أن ~~تدخل الإيمان في القلوب. ومثلها قوله تعالى في آية واحدة: # .. ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا.. # [الروم: 6-7]. هكذا أثبت لهم العلم ونفاه عنهم في نفس الآية، لماذا؟ لأن ~~الجهة منفكة، فالعلم المنفي غير العلم المثبت. وقوله تعالى: { ومن ~~يضلل الله فما له من هاد } [الزمر: 36] يضلل الله يعني: ~~ينسبه للضلال يقول: هذا ضال. يعني: خارج عن الطريق الذي رسمته له، هذا ~~الذي حكم الله بأنه ضال لا يمكن أن يصفه صاحب عقل بأنه مهتد. لأنه ~~حين يعرض مطلوب الله منه وما يفعله يصل بالعقل الفطري إلى أنه ضال، ليس ~~بمهتد. فالحق سبحانه مثلا قال لنا: اصدقوا في حديثكم. ونهانا عن الكذب، ~~فماذا يقول العاقل حين يقارن بين الصدق والكذب؟ لا بد أن يقول: الصدق ~~هداية، والكذب ضلال لا يستطيع أن يقول غير ذلك، خاصة إذا جعل الأمر في ~~نفسه هو: أتحب أن يصدق الناس معك، أم أن يكذبوا عليك؟ إذن: فمن ~~يضلل الله ويحكم بأنه ضال بعد أن بين له الطريق لا يقدر أحد أن ~~يصفه بالهدى، لأن هداية الله أمر تتفق فيه كل العقول الفطرية، خصوصا ~~إذا مسك أنت عاقبة هذا الضلال واكتويت بناره. لذلك تجد الكذاب يحب ~~الصادق، والشرير يحب الخير الشريف وضربنا مثلا لذلك بثلاثة من الشباب ~~بالمراهقين الذين يسيرون في الحياة على حل شعرهم، ويسلكون الطريق ~~البطال، واحد منهم تاب الله عليه واعتزلهم، ms8705 فراحوا يسخرون منه ويصفونه ~~بالجردل والقفل.. الخ. ثم أراد واحد منهما أن يزوج أخته، لمن يزوجها ~~لزميله الذي يوافقه على الشر والفساد، أم للآخر الذي تاب واعتزل شرهم؟ ~~إذن: قد يغريك الباطل، لكن لا بد في النهاية أن يغلب الحق، وأن ~~يظهر ويعلو، { أليس الله بعزيز ذي انتقام } [الزمر: 37] ~~فاصبر على طريقه. ### || [39.38] # أراد الحق سبحانه أن يسفه أحلامهم في أن يعبدوا أصناما، وأراد ~~سبحانه أن يقيم عليهم الدليل والحجة على بطلان هذه العبادة، وأن يكون ~~هذا الدليل إقرارا منهم لا خبرا منه سبحانه، وقلنا: إن إثبات الحكم ~~إما أن يكون خبرا منك، أو إقرارا من المقابل. والإقرار - كما قلنا - ~~سيد الأدلة، وأنت لا تترك للمخاطب أن يحكم هو إلا إذا كنت واثقا أنه ~~سيقول ما تريده أنت، كما تقول لمن ينكر جميلك: ألم أحسن إليك يوم كذا ~~وكذا؟ لا تقولها إلا وأنت واثق أنه لا يستطيع أن ينكر. لذلك فالحق ~~سبحانه يسألهم هنا عن عمدة الكون في الخلق أو الظرف الأعلى الذي يحوي ~~المخلوقات كلها وهو السماوات والأرض، فالإنسان خلق له الكون قبل أن ~~يخلق، فطرأ على أرض فيها زرع ونبات وماء وهواء وتربة صالحة، وطرأ على ~~سماء فيها الكواكب والنجوم والشمس والقمر. فقال سبحانه: { ولئن ~~سألتهم من خلق السموت والأرض ليقولن ~~الله.. } [الزمر: 38] لا بد أن يقولوا الله، والله وحده لأنهم ~~أداروا فكرهم فلم يجدوا أحدا ادعى هذا الخلق، ولم يأت ببال أحد من ~~الكافرين أو المعاندين أو المنكرين لوجود الله لم يأت على باله أن يدعي ~~هذا الادعاء. ولو تتبعنا خلق الإنسان من لدن آدم عليه السلام ومن ~~جاء من ذريته نجده طرأ على هذا الكون بسمائه وأرضه، فلو سألناه: أأنت ~~خلقت السماء والأرض؟ لا يستطيع أن يقول: أنا خلقتهما. فاسألهم أنت يا ~~محمد هذا السؤال: { من خلق السموت والأرض } [الزمر: 38] ~~ولا بد أن يقولوا الله لأنه ما مرت فترة على موجود ليس في وجوده أرض ~~وسماء، حتى يقال إنه أوجدها لما جاء، بل الجميع طارئ على ms8706 هذا الكون. ~~ومثلهما تماما: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87] لأن أول مخلوق خلق وأوجد لا يستطيع أحد أن يقول له: أنا ~~خلقتك، ولا يقدر هو أن يقول خلقت نفسي. وقولهم في الجواب هنا الله ~~يلفتنا إلى مسألة أخرى، فالله لفظ دائر على ألسنتهم ويفهمون مدلوله وإلا ~~ما نطقوا به، ذلك لأن المعاني توجد أولا، ثم توضع لها الألفاظ التي ~~تدل عليها، ومثلنا لذلك بالتليفزيون مثلا، فقبل أن يوجد ما كنا ~~نعرف هذا الاسم، لكن لما وجد وضعنا له الاسم، إذن: كلمة الله كيف دخلت ~~لغة الناس؟ إذن: فلفظ الجلالة الله له مدلوله، وهو الحق سبحانه موجود قبل ~~أن يوجد هذا اللفظ. لذلك نقول لمن ينكر وجود الله تعالى: كلامك ~~متناقض، فقولك الله غير موجود لا يستقيم، لأن الله مبتدأ محكوم عليه ~~وغير موجود خبر محكوم به، فكيف تقول إنه غير موجود، والمعنى يوجد قبل ~~لفظه؟ وكلمة الله ما وجدت في لغة إلا لأنه سبحانه موجود، موجود قبل ~~الاسم ونحن ما عرفنا الاسم إلا لما أخبرنا به صاحبه لأن عمل العقل في ~~الإيمان أن يدلك على أن وراء هذا الكون خالقا أوجده، لكن ما هذه ~~القوة؟ وماذا تريد من الخلق؟ هذه ليست مهمة العقل، فالعقل لا يصل ~~إليها، إنما نعرفها بالبلاغ عن هذا الخالق. # تذكرون أننا مثلنا هذه المسألة قلنا: نحن مثلا جالسون في منزل ثم ~~دق جرس الباب، ساعة سمعنا الجرس اتفقنا جميعا على أن أحدا بالباب، ~~لأن كل حدث لا بد أن له محدثا، لكن من هو؟ ماذا يريد؟ لا نعرف إلا ~~إذا أخبرنا هو بماهيته وقال: أنا فلان، وأريد كذا وكذا. إذن: فالعقل ~~بالنسبة للوجود الأعلى لا يدرك مشخصات الوجود الأعلى، إنما فقط يؤمن ~~بوجوده ويستدل عليه، وهو سبحانه يخبرنا باسمه وصفاته ومنهجه ومطلوباته، ~~فالبلاغ لا بد أن يكون من صاحب الشأن. ومن خيبة الفلاسفة في البحث ~~أنهم أرادوا أن يدخلوا العقل لا في المعقول فقط، إنما في تصور ~~المعقول، والتصور ليس مهمتهم لأنك لا تستطيع ms8707 أن تتصور شكل هذا ~~المعقول، أنت تعقل الموجود فقط ثم تترك للوجود أن يتكلم عن نفسه. لذلك ~~نقفشهم حينما يقولون في العلوم: علوم مادية وعلوم وراء المادة، وهي التي ~~يسمونها الميتافيزيقا، ومن أعلمك أن وراء المادة شيئا يبحث عنه؟ ~~والقضية أنه لا يوجد شيء إلا بشيء إلى أن نعرف هذا الشيء، فإن لم يستدرك ~~عليه شيء آخر يثبت له. فالحق سبحانه قال وأخبر أنه هو الذي خلق هذا ~~الخلق، فهذا الوجود لا يوجد إلا إذا أوجده واجد وأنا الذي أوجدته، ولم ~~يقم لهذه الدعوى معارض إذن: تثبت الدعوى لصاحبها إلى أن يوجد ~~معارض. لذلك سبق أن قلنا: إن كلمة الكفر هي نفسها دليل الإيمان، لأن ~~الكفر معناه الستر، ولا يستر إلا موجود، فكأن الكفر طارئ على الإيمان، ~~كأن الأصل في الفطرة السليمة الإيمان، ثم طرأ عليه الكفر ليستره. وبعد ~~أن قالوا الله وأقروا الحجة الأولى في أنه سبحانه خالق السماوات والأرض ~~قال لهم { قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله.. } ~~[الزمر: 38] يعني: أخبروني فأمنهم أن يقولوا هم وأن يخبروا عن الذين ~~يدعونهم من دون الله أي الأصنام { إن أرادني الله بضر هل ~~هن.. } [الزمر: 38] أي: الأصنام { كاشفات ضره.. } [الزمر: 38] ~~الجواب لا يكون إلا بالنفي، لأن الأصنام أولا لا تسمع ضراعة من يتضرع ~~لها، ولا يدركون مطلوبه، فكيف يجيبونه في كشف الضر عنه؟ وفي المقابل: { ~~أو أرادني برحمة هل هن.. } [الزمر: 38] أي: الأصنام { ~~ممسكات رحمته } [الزمر: 38] الجواب أيضا بالنفي، إذن: ثبت ~~النفع لله بإقرارهم، وثبت البطلان لآلهتهم، لكن إن تلجلجوا بعد ذلك فلم ~~يجيبوك لأن الجواب سيلزمهم الحجة فقل: { حسبي الله. # . } [الزمر: 38] أي: في إيجاد النافع في خلق السماوات والأرض، وحسبي ~~الله في دفع الضر عني، فهو يكفيني. وهذا معنى قوله تعالى في الآية ~~السابقة: # أليس الله بكاف عبده # [الزمر: 36] كافيه يعني: يعطيه النعمة نعمة الوجود أولا، ثم نعمة ~~امتداد هذا الوجود واستبقاء الحياة، ثم نعمة استبقاء النوع، وبعد ذلك ~~يرفع عنه الضر إن أصابه ونزل به، والإنسان إذا مسه الضر ms8708 في نفسه لا ~~يتجه إلى إله باطل أبدا، لأنه لا يخدع نفسه ولا يكذب عليها، لذلك قال ~~سبحانه: # ضل من تدعون إلا إياه # [الإسراء: 67]. وقوله: { عليه يتوكل المتوكلون } ~~[الزمر: 38] هنا أسلوب قصر، يقصر التوكل على الله وحده، وهذا هو التوكل ~~الحقيقي لأن المتوكل على شيء يجعل لقوته رصيدا إذا ذهبت هذه القوة، ~~لذلك فالعاقل هو الذي يتوكل على من يغيثه ويعينه وإذا احتاج إليه ~~وجده، وقلنا: خاب من توكل على مثله لأنك تتوكل عليه، وتأمل عنده قضاء ~~حاجاتك، وبعد أيام تقرأ نعيه في الجرائد، لذلك يعلمنا ربنا سبحانه كيف ~~نتوكل، فيقول: # وتوكل على الحي الذي لا يموت # [الفرقان: 58]. وفرق بين التوكل والتواكل لأنه يد الله مدت قديما ~~بالأسباب للخلق، أسباب استبقاء الحياة بالطعام والشراب، وأسباب استبقاء ~~النوع بالتزاوج. الحق سبحانه حينما ضمن لنا هذه الأسباب جعل لنا دورا ~~فيها، فالأرض مثلا أمامك، والشمس تشرق عليها، والهواء يهب عليها، ~~والمطر يسقيها، وعليك أنت أن تستغل هذه الأسباب بأن تحرث الأرض ~~وتبذر البذور وترعاها لتعطيك الأرض من خيراتها، ولا تنتظر أن تجلس في ~~بيتك والأسباب تأتيك بالطعام تضعه على مائدتك لأن ربك خلقك وخلق لك ~~الجوارح، وجعلها تنفعل لإرادتك فيدك يمكن أن تضرب بها، ويمكن أن تمسح ~~بها على رأس يتيم، لسانك يمكن أن تنطق به كلمة التوحيد، ويمكن أن تنطق ~~به ما ينافيها. لكن تذكر أن جوارحك خاضعة لمرادك في الدنيا فقط، أما في ~~الآخرة فلا ولاية لك عليها، لأنها ستكون في ولاية خالقها، يوم يقول ~~سبحانه: # لمن الملك اليوم # [غافر: 16] وعندها تتحرر جوارحك من ولايتك وتشهد عليك: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. هذه الأسباب وهذه الجوارح التي خلقها الله لك ما خلقها ~~لتعطلها أنت، فإن كان العمل في إمكانك وطلبته من غيرك، فهذا هو التواكل، ~~أن تهمل أسباب الله وتغفل عن هذه المملكة التي جعلها الله تدين لك ~~وتطاوعك، وتأتمر بأمرك لمجرد الإرادة، هذه عزة متعك الله بها في ذاتك، ~~فكيف تذل نفسك بالتوكل على ms8709 مثلك؟ وكيف ترد يد الله الممدودة إليك؟ فإن ~~أخذت بالأسباب، وأعملت عقلك وجوارحك فيما أعطاه الله لك فأنت متوكل، ~~وحقيقة التوكل أن تعمل بالجوارح وتتوكل على الله بالقلب، وتوقع أن ~~يصيبك الابتلاء فتعمل وتأخذ بالأسباب ولا تعطيك، كالذي يزرع الأرض وتأتي ~~جائحة فتقضي على المحصول مثلا. ### || [39.39-40] # هنا تأمل هذا النداء: { يقوم } [الزمر: 39] فبعد عنادهم وإصرارهم ~~على باطلهم وعدم قبولهم للحجج والبراهين ما يزال الحق سبحانه يتحنن ~~إليهم، فيأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يناديهم بهذا النداء الحبيب: ~~يا قوم يعني: أنا لست غريبا عنكم، وأنتم أهلي وعشيرتي التي أعيش ~~بينها. لما دعاهم رسول الله فلم يستجيبوا ولم تفلح معهم الحجج والبراهين ~~التي تثبت بطلان عبادتهم للأصنام، أمره ربه أن يقول لهم: { يقوم ~~اعملوا على مكانتكم إني عامل.. } [الزمر: 39] معنى: ~~اعملوا على مكانتكم كما تقول لمن لم يستجب لك: اعمل ما بدا لك. أو أعلى ~~ما في خيلك اركبه. فالمعنى: اعملوا على مكانتكم. يعني: خذوا كل ~~إمكانياتكم ضدي. لماذا؟ لأنه متوكل على ربه وهو كافيه، فهو لا يقولها ~~مجازفة ولا استكبارا، إنما يقولها برصيد من قوله تعالى: # أليس الله بكاف عبده # [الزمر: 36]. وكلمة { مكانتكم } [الزمر: 39] عندنا مكان ومكانة، ~~المكان هو: الحيز الذي يشغله الشيء. والمكين هو: الذي يشغل المكان، ~~فالكوب مثلا مكان والماء فيه مكين، فأنت ذاتك لك مكان تشغله حتى لو ~~اضطهدك أحد فأخرجك منه لا بد أن يذهب بك إلى مكان آخر. فإذا اتسع بك ~~هذا المكان وصارت لك سلطة على مكان أوسع منه لك فيه سلطان وأمر ونهي ~~فهذه مكانة، فيقال لمن اتسع جاهه وسلطانه: له مكانة. فالتاء الزائدة ~~هنا يسمونها تاء المبالغة. كما نقول في المبالغة في العلم عالم وعلام ~~وعلامة. فكلمة علامة هي قمة العلم وتقال لمن بلغ في مجاله مبلغا ~~بحيث لا يخفى عليه منه شيء. فإن قلت: فلماذا وصف الحق نفسه سبحانه ~~بعلام، ولم يوصف بعلامة؟ نقول: لأن علم الله تعالى لا تفاوت فيه، ~~ليس فيه جزئي وكلي، فلا يوصف الحق سبحانه ms8710 بهذه الصفة. ومن المكانة قوله ~~تعالى في قصة سيدنا يوسف عليه السلام: # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها ~~حيث يشآء # [يوسف: 56] أي: لم نجعل له مكانا، إنما جعلنا له مكانة وسلطانا واسعا ~~ينقله هنا وهناك حيث يشاء، والإنسان يكون له مكان فتأتي قوة تمكنه في ~~المكان، كما في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، وقد يكون له المكان فتأتي ~~قوة فتزيله عنه كما أخذني ورماني في زنزانة. وسبق أن قلنا: إن في اللغة ~~همزة تسمى همزة الإزالة، إذا دخلت على فعل تزيله، كما تقول: أعجم ~~الكلام، يعني: أزال عجمته وأبان معناه، ومن ذلك قول رسول الله في ~~مناجاته لربه: # " لك العتبى حتى ترضى " # يعني: إن كان حصل منه شيء يغضبك فأنا أزيل عتابك علي حتى أبلغ رضاك ~~عني. ونقول: عتب فلان على فلان فأعتبه يعني: أزال عتابه بأن يعتذر له ~~أو يصالحه، لأن العتب لوم على شيء ما كان يصح بين المحبين ومن ذلك قوله ~~تعالى في الكلمة التي معنا المكانة: # وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل ~~فأمكن منهم والله عليم حكيم # [الأنفال: 71]. فمعنى أمكن منهم يعني: أزال مكانهم، ونقول: فلان تمكن من ~~فلان. يعني: قدر عليه وأزاله عن مكانه أو مكانته. إذن: فكلمة المكانة هي ~~ما لك عليه سلطان وولاية تعينك على مرادك، فالمكان إذا بالغت فيه فهو ~~مكانة والتاء للمبالغة، وتأتي أيضا للجاه ينبسط على ما لا يدخل في ~~ملكك تصرفا، وإنما يدخل في ملكك مهابة لذلك لما قتل مالك قالوا: ~~مالك كان يحمي مواقع السحاب. يعني: أينما تمر السحابة وتمطر فمطرها ~~يحميه مالك، بحيث لا يتعدى عليه أحد، وما كان هذا إلا لمكانته في القوم ~~فحمى مواقع السحاب في غير بلاده. وقوله: { إني عامل } [الزمر: 39] ~~يعني: أنتم اعملوا على مكانتكم واستطاعتكم في العناد والاضطهاد والإيذاء، ~~فأنا عامل على مكانتي من الدعوة والنصح لكم والحرص على هدايتكم، فهذه ~~رسالتي ولن أتخلى عنها، وسوف أبالغ في نشرها وأتحمل اضطهادكم لي ~~ولأصحابي، ولن يثنيني شيء عن مرادي. وقوله: ms8711 { فسوف تعلمون } ~~[الزمر: 39] المعلوم هنا: { من يأتيه عذاب يخزيه } [الزمر: ~~40] أي: في الدنيا { ويحل عليه عذاب مقيم } [الزمر: 40] ~~أي: في الآخرة، وتأمل هنا كلمة سوف التي تدل على الاستقبال، فلم يقل ~~حالا الآن، لأن الإسلام بدأ غريبا وانتشر أول ما انتشر بين الضعفاء ~~والعبيد الذين اضطهدوا وماتوا وأوذوا وأخرجوا من ديارهم وأموالهم في ~~سبيل دعوة الحق. فأراد الحق سبحانه أن يمحص أهل الإيمان الذين يحملون ~~هذه الدعوة، وأن يميز منهم ضعاف العقيدة، وينفي عنهم أهل الخور ~~والنفاق الذين لا يصلحون لحمل هذه الرسالة، لذلك كان الوحي كل فترة ينزل ~~على رسول الله بأمر عزيز، وكلما نزل أمر من هذه الأمور نفى بعضهم حتى لم ~~يبق حول رسول الله إلا صحاح الإيمان أقوياء العقيدة. وفي هذه الآية ~~تهديد من رسول الله للقوم المكذبين بأحداث سوف تأتي، هذا التهديد ~~دليل على ثقته صلى الله عليه وسلم بأن من أوحى إليه بهذا التهديد ~~قادر على أن يبرزه كما أخبر به، وإلا لما قاله رسول الله، لأن الزمن ~~سيكشف صدق هذا التهديد أو عدم صدقه. كذلك الأمر في الوعد يخبر به رسول ~~الله قبل أوانه، واقرأ هذا الوعد مثلا: # سيهزم الجمع ويولون الدبر # [القمر: 45] هذا وعد من الله للمؤمنين جاء في أشد وأحلك الظروف وهم ~~مضطهدون لا يستطيعون حماية أنفسهم، لذلك لما نزلت هذه الآية قال عمر ~~رضي الله عنه: أي جمع هذا ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ فلما رآها ~~في بدر قال: صدق ربي وصدق رسوله، وهذا الوعد لا يطعن في الدعوة إنما يريد ~~أن يؤكدها. # إذن: صدق في الوعد، وصدق في الوعيد. وقلنا: إن صدق الرسول في أمور ~~تتعلق بأمته شيء، وصدقه فيما يتعلق بذاته شيء آخر، صدقه فيما يتعلق بذاته ~~آكد، وذكرنا قصة المرأة التي أسلمت حينما قرأت تفسير قوله تعالى ~~لرسوله: # والله يعصمك من الناس # [المائدة: 67] فلما أعطاه ربه الأمان وأنه لن يغتال من جانب الناس صرف ~~صلى الله عليه وسلم حراسه ولم يبق عليهم مع هذا الوعد، فوقفت ms8712 هذه ~~المرأة وقفة عقلية وقالت: لو أنه خدع الناس جميعا ما خدع نفسه، إذن: ~~هذه ثقة من رسول الله بوعد الله. وقوله تعالى: { فسوف تعلمون } ~~[الزمر: 39] ولم يقل ترون أو تنظرون لأن العلم أوسع وأعم من النظر، ~~فالأحداث التي ستأتي ربما تكون بعيدة من مرآهم تحدث في أماكن أخرى ~~يراها البعض ولا يراها البعض، أما العلم فينقل إليك ما تقع عليه جوارحك، ~~وما تقع عليه جوارح الآخرين. إذن: بالعلم تأخذ علم الغير، أنت حينما ترى ~~وتعقل تهتدي إلى الحكم بتصور العقل، وبالعلم تستفيد بما عقله الآخرون. ~~إذن: فالعلم أوسع دائرة من معطيات العقل والجوارح. وقوله: { ويحل ~~عليه عذاب مقيم } [الزمر: 40] كلمة مقيم جاءت لترد على كلام ~~سبق أن قالوه هم، لأن الحروب عندهم كانت تستمر طويلا حتى أربعين سنة، ~~وتكون بينهم سجالا يوم لك ويوم عليك، فربما ظنوا العذاب كذلك فترة ~~وتنتهي، فأراد أن يؤكد لهم أن العذاب إذا حل بهم فليس فيه سجال كسجال ~~الحرب، إنما هو مقيم دائم. ### || [39.41] # نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى مرة يتحدث عن ذاته سبحانه بضمير الجمع ~~إنا ومرة بالمفرد إني أو إنني، فإن كان الكلام في قضية التوحيد جاء ~~بالضمير المفرد كما في قوله سبحانه لسيدنا موسى: # إنني أنا الله # [طه: 14] لأنه يريد أن يقرر قضية التوحيد، ويؤكد سبحانه أنه إله واحد ~~لا شريك له. فإن كان الكلام عن أمر لله فيه عمل ولخلفائه في الأرض عمل ~~يأتي بالجمع كما هنا { إنآ أنزلنا عليك الكتاب للناس ~~} [الزمر: 41]. وتأملوا حرف الجر في عليك وفي للناس فلحروف الجر في اللغة ~~معان واسعة، كلمة عليك تدل على أنني أحملك المسئولية أما اللام في ~~للناس فتدل على النفع لهم، كما نقول في الحسابات: له، عليه، فله تعطي ~~نفعا وعليه تعطي تبعات. فكأن الحق سبحانه يقول: يا قوم يا من تسمعون ~~لدعوة محمد اعلموا أنها لصالحكم وتعود عليكم بالنفع والغنيمة، فقد أنزلنا ~~عليه حملا ثقيلا سيتعبه في ذاته وفي أهله، وسيعرضه للسخرية والإيذاء ~~والتآمر.. الخ. فالكتاب نزل عليك ms8713 يا محمد بتبعاته ومسئولياته، فتحمله ~~وكن من أولي العزم من الرسل الذين سبقوك، مع أنهم أخذوا حيزا ~~محدودا في الزمان وفي المكان، أما أنت فأخذت حيزا غير محدود، لا في ~~الزمان ولا في المكان، فحين تتحمل المشاق في سبيل دعوتك، فاعلم أنك ~~ستتحمل من الشدائد على قدر عموم رسالتك. إذن: فدعوة الإسلام خيرها لكم ~~ومتاعبها يتحملها رسول الله، هذا معنى { إنآ أنزلنا عليك ~~الكتاب للناس } [الزمر: 41] أي: في صالحهم. وحين نوسع الحروف ~~ونقف على معانيها نأخذ مثلا قوله تعالى في أول سورة البقرة: # أولئك على هدى من ربهم # [البقرة: 5]. فالمؤمنون على الهدى، و على تفيد الاستعلاء وكأنه مطية ~~تحملهم وتريحهم لا تتعبهم وتوصلهم إلى غايتهم، هكذا جاء الهدى ليريح ~~الناس ويحملهم إلى أشرف الغايات، فالزموه لأنه ما جاء ليحملكم ما لا ~~تطيقون، إنما جاء ليخدمكم. وقوله سبحانه: { بالحق } [الزمر: 41] ~~الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والحق يعني وضع الشيء في موضعه، ~~فإذا زحزحته عن موضعه فأنا الطارئ عليه، والحق لا بد أن يعود إلى ~~موضعه مرة أخرى، وإنما هي ابتلاءات واختبارات لنمحص جنود الحق لتكون ~~عندهم الأهلية لأن يحملوا الدعوة إلى أن تقوم الساعة. والحق سبحانه ~~يعلمنا: إن رأيت الباطل علا وارتفع فخذ لك واقعة، وخذ لك عبرة من ~~الأشياء المحسة التي تقع تحت بصرك في أصل الحياة وهو الماء، فالماء ~~ينزل من السماء على قمم الجبال فيأخذ معه إلى الوديان القش والحصى ~~والزبد، فتتكون طبقة كم الريم تعلو الماء وهي حقيرة لا قيمة لها حتى إذا ~~ما هبت الرياح أزاحت هذا الزبد هنا وهناك وبقيت صفحة الماء نظيفة ~~ناصعة، هكذا يكون علو الباطل علوا مؤقتا، وسرعان ما يعود الحق إلى ~~نصابه. # والحق سبحانه ما سمح للباطل بأن يعلو إلا يظهر للناس ميزة الحق، فحين ~~يعض الناس بالباطل، وحين يؤلمهم يضجون منه ويشتاقون للحق، فكأن الباطل ~~جند من جنود الحق. وقوله سبحانه: { فمن اهتدى فلنفسه } ~~[الزمر: 41] أي: لصالحها، لأن المشرع سبحانه حين شرع لنا وبعث لنا الرسل ~~وأنزل الكتب ms8714 ما انتفع من ذلك بشيء، وهو سبحانه لا تنفعه طاعة ولا تضره ~~معصية، لأنه بصفات الكمال المطلق أوجدك، بل وأوجد لك قبل أن يستدعيك ~~للوجود، فبصفة الكمال فيه خلق، فهو سبحانه خالق قبل أن يخلق شيئا، كما ~~تقول: فلان شاعر، يعني شاعر قبل أن تسمع منه شعرا، لأنه ما قال الشعر ~~إلا لأنه شاعر. إذن: الحق سبحانه لا ينتفع من عبادة الناس بشيء، والفائدة ~~كلها تعود عليهم هم، لأنهم صنعته، والصانع يريد لصنعته أن تكون على ما ~~يرام وعلى خير حال من بدايتها إلى نهايتها إليه سبحانه. وما دام الشرع ~~والمنهج جاء لصالح البشر، فمن اهتدى فالهداية تعود إليه، ومن ضل ~~فضلاله عليه { فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما ~~يضل عليها } [الزمر: 41] وتأمل هنا أيضا معنى حرف الجر في { ~~فلنفسه } [الزمر: 41] وحرف الجر عليها، فنفع الهداية لك، وضرر ~~المعصية عليك. وقوله: { ومآ أنت عليهم بوكيل } [الزمر: 41] ~~أي: ما أنت يا محمد عليهم بوكيل، والوكيل هو من يكون حر التصرف فيمن ~~وكل عنهم، بحيث يستطيع أن يجبرهم، وأن يحملهم على ما يريد هو. والحق ~~سبحانه وتعالى ما أراد لنبيه صلى الله عليه وسلم ذلك كما قال سبحانه في ~~موضع آخر: # ومآ أنت عليهم بجبار # [ق: 45] إنما أراد له أن يكون داعيا الحسنى، بحيث يأتي إليه الناس ~~بالحب طواعية، ولو شاء لجعلهم كالملائكة وطبعهم على الطاعة. لذلك الكون ~~الذي رضي أن يأتمر بأمر الله بدون اختيار له في شيء كان حكيما واعيا ~~لأن المتحمل قد يضمن نفسه ساعة التحمل، لكن لا يضمن نفسه ساعة الأداء، ~~والفارق بين مسلك الناس في الأمور أنهم يختلفون في إدراك المسئولية ساعة ~~التحمل وساعة الأداء، وكل فساد بين الناس في التعامل إنما منشؤه هذه ~~المسألة. وسبق أن مثلنا لذلك بالأمانة أودعها عندك لحين عودتي مثلا من ~~السفر فتقبلها عندك، وحين أعود لا أجدها، فقد يطرأ عليك من الظروف ما ~~يجعلك تتصرف فيها، وهنا تظهر حكمة الجمادات التي أبت أن تتحمل ~~الأمانة، كما في قوله تعالى: # إنا عرضنا ms8715 الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. وقوله سبحانه: { ومآ أنت عليهم بوكيل } ~~[الزمر: 41] فيه تسلية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأن ربه ~~يقول له: لا تتعب نفسك، ولا تحملها فوق طاقتها، فما عليك إلا البلاغ، ~~فإن نالك شيء من أذاهم فاعلم أنه لا ينقص من مكانتك عندهم، فأنت عندهم ~~الصادق الأمين، وهم يعلمون أنك على الحق، ومنزلتك عندهم كبيرة، ورأيهم ~~فيك من أحسن الآراء، فلا تحزن لقولهم فيك: شاعر وساحر ومجنون: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33]. فكأن الحق سبحانه جعل المسألة عنده سبحانه وأعفى منها ~~رسول الله، فأنت يا محمد لا غبار عليك، وما كذبك المكذبون الظالمون ~~إلا لأنهم جحدوا بآياتي. ### || [39.42] # سبق أن قلنا: إن أحدا لم يشهد عملية الخلق لأن الخالق سبحانه لم ~~يستعن بأحد كما قال سبحانه: # مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. إذن: كيفية الخلق لا يعرفها أحد، ولولا أن الخالق ~~أخبرنا بها لظلت غيبا، فإن أردت أن تعرف كيفية الخلق فخذها ~~من خبر من خلق، وإن ادعى أحد معرفتها من غير هذا الطريق، فاعلم أنه ~~من المضلين الذين أخبر الله عنهم، وسماهم مضلين قبل أن يوجدوا، وأي ~~ضلال أعظم من القول بأن الإنسان في أصله قرد وتطور؟ فكأن الحق سبحانه ~~يعطي لخلقه المناعة التي تحميهم من هجمات أهل الضلال، فيخبرهم بأمرهم ~~أولا ويحذرهم منهم، يعني: تنبهوا فسوف يخرج عليكم أناس في ثوب ~~علماء أو فلاسفة يقول خلق الإنسان كذا وكذا فلا تصدقوهم لأنهم ما ~~شهدوا عملية الخلق. والحق سبحانه وتعالى حين يطرح قضية عقدية للعقول ~~فيها عمل، لكن قد تقف العقول في أشياء منها يكمل ما تقف فيه العقول ~~بالسماع، السماع ممن؟ ممن اعتقدت به بعقلك، إذن: ليس بالضرورة أن ~~يقتنع عقلك بكل شيء إنما يترك لك مسائل لا تقتنع بها إلا لأنها خبر ms8716 ~~ممن اقتنعت به. لذلك قلنا في أول سورة يس: إن المسائل كلها عقائد ~~وأمور لسانية وأمور وأحكام، كل منها تأخذ العمل العقلي والعمل الغيبي، ~~لكن العمل الغيبي دليله من العمل العقلي. الحق سبحانه وتعالى حينما ~~أخبرنا عن قصة الخلق قال: إن الإنسان خلق من تراب اختلط بالماء فصار ~~طينا، ثم صار هذا الطين حمأ مسنونا، ثم صار الحمأ المسنون صلصالا ~~كالفخار، ثم نفخ فيه الحق سبحانه من روحه فدبت فيه الحياة وتحرك. هذه ~~أطوار الخلق التي أخبرنا بها الخالق سبحانه ونحن لم نرها، لكن أوجد في ~~محساتنا وفي مدركاتنا ما يؤدي الصدق بهذه المراحل، وعلينا نحن أن ~~نأخذ مما نشاهده دليلا على صدق ما غاب عنا. كيف؟ الخالق سبحانه كما ~~خلق الحياة خلق الموت، ولما أخبرنا بهما جعل الموت أولا فقال: # الذي خلق الموت والحياة # [الملك: 2]. وقدم الموت حتى لا نستقبل الحياة ببطر وغرور، إنما ~~نستقبلها ونحن نعلم أننا صائرون إلى الموت، منتهون إليه. ويجب أن نعلم ~~أن الدنيا بالنسبة للإنسان ليست هي بطولها من لدن آدم حتى قيام الساعة، ~~إنما الدنيا بالنسبة لك هي مقدار مكثك فيها، وحتى هذا العمر مظنون وليس ~~مضمونا، فمن الناس من يولد ويموت بعد لحظة، وآخر بعد شهور، وآخر بعد ~~سنين. لذلك قال أحد الصالحين: وعلمت أن لي أجلا يبادرني فبادرته، وعلمت ~~أني لا أخلو من نظر الله طرفة عين فاستحييت أن أعصيه، وعلمت أن لي ~~رزقا لا يتجاوزني وقد ضمنه الله لي فقنعت به، فهكذا ينبغي أن يكون ~~أسلوبك في الحياة، فأنت فيها ضيف لست أصيلا. # لذلك قال أهل المعرفة: اجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك - الذي يواليك ~~بالنعم كل يوم - واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه طرفة عين، واجعل خضوعك ~~لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه.. هذه أصول يجب أن نسير عليها، ومبدأ ~~نلتزم به. والموت كما قلنا نقيض الحياة، فإذا لم نكن قد شاهدنا مراحل ~~الخلق فقد شاهدنا بالتأكيد مراحل الموت، فخذ من هذا دليلا على هذا. ~~تعلمون أن نقض ms8717 أي بناء يكون على عكس بنائه، فلو أردنا مثلا هدم عمارة ~~من عشرة أدوار، فإننا نبدأ بهدم الدور العاشر وننتهي بالدور الأول، على ~~عكس البناء، كذلك الموت يبدأ بخروج الروح، وهي أخر شيء في عملية الخلق، ~~ثم يتصلب الجسد، فيكون أشبه بالصلصال، ثم يرم وتتغير رائحته مثل الحمأ ~~المسنون ثم يتحلل ويعود إلى الطين والتراب. إذن: إن كانت عملية الخلق ~~غيبا عنا كما قال سبحانه: # مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق ~~أنفسهم # [الكهف: 51] فعملية الموت شاهدناها. وقوله تعالى: { الله يتوفى ~~الأنفس حين موتها } [الزمر: 42] الأنفس جمع النفس، والنفس هي ~~مجموع التقاء مادة الجسد بالروح، بحيث تنشأ منهما الأغيار الموجودة في ~~الجوارح، فالمادة وحدها لا تسمى نفسا، والروح وحدها لا تسمى ~~نفسا. ومعنى { يتوفى الأنفس } [الزمر: 42] أي: يقبضها إليه ~~سبحانه. وتوفي الأنفس له ظاهرتان: النوم والموت، ففي النوم يسلب ~~الإنسان الوعي والتمييز، وتبقى فيه الروح لإدارة حركة الحياة فيه ~~واستبقائها، فإذا استيقظ من نومه عاد إليه وعيه وعقله وتمييزه، أما في ~~الموت فالله يتوفى الكل: الوعي، والتمييز، والأصل: وهو الروح والجسد، ~~فالجسم في النوم لا يزاول شيئا حتى المخ الذي يجب أن يظل عاملا لا ~~يعمل في النائم إلا كل سبع ثوان. ولذلك لما تتوقف حركة الجسم تنخفض فيه ~~درجة الحرارة ويحتاج إلى تدفئة، لذلك ننصح النائم بأن يتغطى لأن الحركة ~~مفقودة، وينبغي أن نحفظ للجسم حرارته، البعض يظن أن الغطاء هو الذي يدفئ ~~النائم، لكن العكس هو الصحيح فحرارة الجسم هي التي تدفئ الغطاء، وعمل ~~الغطاء أن يحفظ لك حرارة الجسم حتى لا تتبدد، بدليل أنك تذهب إلى فراشك ~~فتجده باردا، وحين تستيقظ من نومك تجده دافئا. وقلنا: إن الإنسان يمر ~~بحالات: يقظة، نوم، موت، بعث. ولكل مرحلة من هذه المراحل قانون خاص، ~~فإياك أن تخلط قانونا بقانون، فمثلا الإنسان منا وهو نائم يفقد الوعي ~~والتمييز، ومع ذلك يصبح فيذكر رؤيا رآها فيها أشكال وأشخاص وألوان ~~يستطيع التمييز بينها وكأنها يقظة، فبأي شيء أدرك هذه المدركات وميز ~~بين الألوان ms8718 وعينه مغمضة؟ قالوا: لأن للنائم أدوات ووعيا غير التي له ~~في اليقظة، فيرى لكن ليس بالعين. # إذن: في حالة الموت يكون له وعي آخر، البعض يتعجب وربما ينكر أن يضم ~~القبر الواحد جسدين أحدهما ينعم والآخر يعذب، فلماذا لا تنكر مثل ~~هذا في النوم مثلا، فأنت تنام مع غيرك في فراش واحد يرى هو أنه في رحلة ~~ممتعة فيها ما لذ وطاب، وترى أنت أنك فيه تضرب أو تمر بحادث مؤلم، ~~لا هو يدري بك ولا أنت تدري به. وقوله: { فيمسك التي قضى ~~عليها الموت } [الزمر: 42] أي: لا تعود إلى الجسم { ويرسل ~~الأخرى.. } [الزمر: 42] أي: في حالة النوم يعود إليك الوعي والتمييز ~~{ إلى أجل مسمى.. } [الزمر: 42] إلى الأجل المعلوم الذي ~~قدره الله لك في اللوح المحفوظ. { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يتفكرون } [الزمر: 42] ساعة تجد الذي يخبرك بشيء ينبه فيك أدوات ~~التمييز بين المقولات التي هي العقل والفكر والذكر والتدبر، فثق بأنه ~~ناصح لك لا يغشك ولا يدلس عليك، لأن الذي يريد غشك يأخذك على عجلة ~~و يكلفتك، حتى لا تدري وجه الصواب ولا يعطيك الفرصة للبحث وتأمل الشيء. ~~وسبق أن مثلنا لذلك ببائع القماش إن كان صادقا يعلم جودة بضاعته، ~~فإنه يختبرها لك فيأخذ فتلة من الصوف مثلا ويحرقها أمامك، لترى بنفسك ~~أنه صوف مائة بالمائة، أما الآخر فيحاول أن يلف ويدور ويخدعك بحيله حتى ~~لا تكتشف فساد بضاعته، فالأول واثق من جودة البضاعة، وأنك مهما فعلت بها ~~فسوف تصل إلى مراده. فساعة يقول الحق سبحانه أفلا تعقلون، أفلا تتذكرون، ~~أفلا تتفكرون فاعلم أنه يهيج عندك أدوات البحث والتأمل والاختيار بين ~~البدائل، ولا يصنع ذلك معك إلا وهو واثق أنك لو استعملت هذه الأدوات فلن ~~تصل إلا إلى مراده منك. ### || [39.43-44] # قوله تعالى: { أم اتخذوا من دون الله شفعآء } [الزمر: ~~43] استفهام إنكاري. يعني: ما كان يصح أن يتخذوا من دون الله شفعاء، ~~فالحق ينكر عليهم بعد أن استمعوا إلى كل هذه الحجج والبراهين، ثم يتخذون ~~من دون الله شفعاء، ms8719 ولماذا الشفعاء من دون الله؟ قالوا: لأن الذي يعبد ~~غير الله يرجي نفسه بأنه متدين، والتدين طبيعة في النفس البشرية من ~~أخذ الله عليها العهد في { ألست بربكم.. } [الأعراف: 172]. ~~لذلك جاء الرسل مذكرين أي: يذكروننا بهذا العهد الأول الذي غفلنا ~~عنه واقرأ: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون # [الأعراف: 172-173]. فالحق سبحانه وتعالى ينكر عليهم أن يتخذوا الشفعاء ~~من دون الله، ويدعوهم أن يرتجعوا عن هذا الأمر المؤسف، لأن اتخاذ الشفعاء ~~من دون الله أمر فيه تناقض لأنهم شفعاء عند من؟ عند الله، كما قالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] إذن: اتخذوا الشفعاء ليشفعوا لهم عند الله، فلماذا لا يتجهون ~~إلى الله مباشرة دون واسطة؟ ثم إن الشفاعة لا تقبل إلا بشروطها، وليس كل ~~من أحب أن يشفع تقبل شفاعته، فالشفاعة ليست بمرادك، بل يشترط في ~~الشفاعة أن يأذن الله للشافع أن يشفع، وأن يرضى عن المشفوع له، وأن ~~يكون من أهل التوحيد، إذن: هذه الشفاعة التي يرجونها شفاعة باطلة ولا ~~تقبل عند الله. لكن لماذا لا يتوجهون إلى الله بالعبادة دون واسطة؟ ~~قالوا: لأن للحق سبحانه وتعالى في عبادته تكاليف قد تشق على النفس، ~~وللمنهج قيود افعل كذا ولا تفعل كذا، وهم يريدون تدينا بلا تكاليف، ~~وآلهة بلا منهج وبلا أوامر، صحيح أنهم يعبدون الأصنام على هواهم. لكن إن ~~حزبهم أمر وضاقت عليهم السبل في أنفسهم لجئوا إلى الله الإله الحق، إذن: ~~أوبوا إلى الله قبل ألا ينفع المآب. وكلمة الشفاعة منها الشفع ~~والوتر، الشفع أن تضم وترا إلى وتر، فيصيران شفعا. يعني: زوجا. ~~وقلنا: إن المستشرقين وقفوا عند آيتين من كتاب الله في مسألة الشفاعة، ~~وحاولوا أن يثيروا حولهما شبهة عدم بلاغة القرآن، وهما قوله تعالى: # واتقوا يوما لا تجزي ms8720 نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها شفعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ~~ينصرون # [البقرة: 48]. والأخرى: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ~~ينصرون # [البقرة: 123]. وقالوا: أي الآيتين أبلغ من الأخرى؟ فإن كانت إحداهما ~~بليغة فالأخرى إذن غير بليغة، ثم ما الحكمة من التقديم والتأخير في ~~الآيتين، والمعنى واحد؟ وهذا كله من هؤلاء نتيجة عدم فهم اللغة، وعدم ~~وجود الملكة التي تتذوق وتفهم عن الله. # ونقول: أنتم أهملتم صدر الآية # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس # [البقرة: 48] فعندنا نفسان: نفس جازية أو شافعة، ونفس مجزي عنها أو ~~مشفوع لها، فأيهما الشافعة وأيهما المشفوع لها، إن أردت النفس المشفوع ~~لها فالمشفوع لها تقدم العدل أولا فلا يقبل منها فتستشفع بمن يشفع ~~لها. وهذا قوله تعالى: # ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة # [البقرة: 123] فإن أردت النفس الشافعة، فالشافع يتقدم بشفاعته أولا، ~~فإن لم تقبل شفاعته قدم العدل، يقول: فلان هذا كم تطلب منه وأنا أدفع ~~عنه. إذن: الآيتان بليغتان كل حسب المعنى المراد منها. استهلت ~~هذه الآية { أم اتخذوا من دون الله شفعآء.. } [الزمر: ~~43] ب أم، وهي تفيد عطف ما بعدها على ما قبلها، كأننا قلنا: أكان ذلك ~~أم اتخذوا؟ والكلام السابق هو قوله تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها.. # [الزمر: 42] فإذا كنتم قد ودعتم بقوة حياتكم وقدرتكم على الحركة ~~والأسباب والتحول فاعلموا أن الله يعطي لكم نموذجا للموت ينتظركم من ~~خلال النوم الذي تباشرونه. هذا الموت وأنتم في يقظة شيء، وحين تنامون شيء ~~آخر، فالذي يقدر على سلب الحياة من التميز والوعي والحركة مع الخارج ~~أي مع الغير قادر على أن يسلبها جميعا لأن النوم يسلب منك الحركة ~~والتميز مع الغير، وإن بقيت لك الحركة في ذاتك كحركة القلب والرئتين ~~والأمعاء.. الخ فإذا كان الله قد قدر على هذه الجزئية فيك، فهو سبحانه ~~يقدر على الأخرى وهي الموت. فالمعنى: أأمنتم ذلك؟ وإن لم تأمنوه وسوف ~~تموتون وتلقوا الله، ms8721 فلماذا تتخذون الشفعاء؟ وما الذي طمأنكم لذلك؟ وما ~~رصيدكم في اتخاذكم الشفعاء؟ يعني: أحصل ذلك أم اتخذتم شفعاء؟ قلنا: ~~الشفيع من الشفع، وهي أن تضم شيئا إلى شيء، فيصير زوجا بعد أن كان ~~وحده، والله سبحانه يريد أن ينهي هذه المسألة، وأن يبين لهم ~~بطلانها، فقال لهم: إن الذين تدعون من دون الله لا يملكون أن يشفعوا ~~وإن ملكوا الشفاعة كما تدعون الملائكة، وكالذين يدعون عيسى أو ~~العزير فهم لا يرضون بها ولا يشفعون لكم. وإن كانوا من الجمادات فهم ~~أقرب منكم إلى الله وأعلم منكم بأصول الشفاعة، فهي لا بد أن تتأبى ~~عليكم وتكرهكم، وإن كنتم تملكونها وتنتفعون بها لأن هذه الجمادات ~~منسجمة مع الكون مسبحة لخالقها فلا تقبل إلا مسبحا، وما انقادت ~~لكم هذه الجمادات إلا لأن الله سخرها لكم، وجعل لكم إرادة تسيطرون بها ~~عليها بمراد الله وأمره كما سيطرتم على جوارحكم، سيطرتم على اللسان فقلتم ~~به كلمة الكفر، وسيطرتم على الأيدي، فبطشتم بها وظلمتم. # . الخ. فهؤلاء جميعا لا يرضون أن يشفعوا لكم لأنكم مخالفون لهم في ~~المنهج لذلك يكرهونكم فكيف يشفعون لكم، لذلك قال تعالى: # فما بكت عليهم السمآء والأرض.. # [الدخان: 29]. فأثبت للسماء وللأرض بكاء، فإن كانت لا تبكي على هؤلاء ~~المخالفين فهي ولا شك تبكي على المناقضين لهؤلاء المتفقين معها في ~~العقيدة والمنهج، إذن: فالسماء والأرض وغيرهما من الجمادات لها تمييز ~~وإلا ما بكت على أهل الطاعة ولم تبك على أهل المعصية. حتى نحن في ~~التعبير الأدبي نقول: فلان نبت به الأرض يعني: كرهت إقامته عليها، ~~لماذا؟ لأنه متمرد على الله مخالف لمنهجه وهي مسخرة مسبحة لذلك ~~إن مات لا تبكي عليه. بل لسان حالها يقول له: أراحنا الله منك، أراح ~~الله منك البلاد والعباد. وقد فسر لنا الإمام علي رضي الله عنه هذه ~~المسألة حين قال: إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء وموضع ~~في الأرض، أما موضعه في السماء فمصعد عمله الطيب. أي: المكان الذي يرفع ~~فيه عمله الصالح، كما قال ms8722 سبحانه # والعمل الصالح يرفعه # [فاطر: 10] وأما موضعه في الأرض فمصلاه. إذن: الذي جعلهم يتكلون ولا ~~يخافون من الموت أنهم اتخذوا الشفعاء، وظنوا أنهم يدافعون عنهم، لكن ~~نقبهم على شونة لأن الشفاعة ليست بمراد الشافع إنما بمراد المشفوع عنده، ~~وهو سبحانه الذي يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع له. لكن هل يحتاج من رضي ~~الله عنه إلى شفاعة؟ قالوا: الإنسان قد تكون نواحي الخير فيه قليلة، لكن ~~يتوفر لهذا القليل شرط الإخلاص فينميه ويثمره ويجبر الله عنده هذا ~~النقص بأن يأذن لأحد المحبوبين عنده أن يشفع له.. وهذه الشفاعة ما شرعها ~~الحق سبحانه إلا ليقبلها ويلطف بها. لذلك قالوا: إياك أن تحتقر عملا ~~صالحا مهما كان يسيرا، فمن يدريك لعله يكون سببا في نجاتك. وورد في ~~الحديث: # " إن الله أخفى ثلاثا في ثلاث: أخفى رضاه في طاعته " # فلا تحقرن طاعة ما فقد غفر الله لرجل سقى كلبا يلهث من شدة العطش، ~~وسقاه بجهد واحتيال حين لم يجد شيئا يخرج به الماء فخلع خفه وسقى به ~~الكلب. ولو سقى هذا الرجل إنسانا لقلنا إنه سقاه لعلة، أو له عنده ~~جميل، إنما سقى كلبا. وهذا يدل على أن العمل فيه إخلاص، لأنه لا ينتفع ~~من الكلب بشيء، إنما تأصل السقاء في نفسه، فهو يحبه بصرف النظر عن ~~المسقى، فالرجل طبع على الخير ولا يعنيه لمن يقدم هذا الخير. الثانية: # " وأخفى غضبه في معصيته " # فقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها وسقتها ولا هي ~~تركتها تأكل من خشاش الأرض. فكما أنك لا تحقر طاعة قد يكون فيها نجاتك، ~~كذلك لا تحقر معصية فقد يكون فيها هلاكك. الثالثة: # " وأخفى أسراره في خلقه " # فلا تحقرن خلقا ما. وقوله سبحانه: { قل أولو كانوا } ~~[الزمر: 43] أي: هؤلاء الشفعاء { لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون } [الزمر: 43] يعني: كيف تطلبون شفاعتهم، وهم على هذا الوصف؟ ~~{ قل لله الشفاعة جميعا } [الزمر: 44] لأن الشفاعة لا تكون ~~إلا بإذنه سبحانه، يأذن للشافع ويرضى عن المشفوع له، فالشفاعة كلها لله ~~وحده، لأن { له ms8723 ملك السموت والأرض ثم إليه ~~ترجعون } [الزمر: 44] فالمتكبر المتأبى على منهجي سيرجع إلي. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت ~~قلوب الذين لا يؤمنون... }. ### || [39.45] # كلمة اشمأزت يعني: نفرت. والإنسان حينما يسمع شيئا لا يحبه يشمئز ~~يعني: يظهر على سحنته الامتعاض، ثم تحدث منه نفرة وقشعريرة كئيبة، ثم ~~ينصرف عن هذا الشيء، كذلك حال هؤلاء لما سمعوا ذكر الله وحده نفرت ~~نفوسهم، وانقبضوا عن توحيد الله، لكن لماذا؟ قالوا: لأنك ذكرته بمن ~~يثق تمام الثقة أنه يملك ضره ونفعه، وإلا لو لم تكن لديه هذه الثقة ما ~~أثر ذكر الله في نفسه، إذن: اشمأزت قلوبهم لأنهم خافوا من شيء، وساعة ~~سمعوا ذكر الله تذكروا جلاله وقدرته وعظمته، وتذكروا أنهم مقبلون عليه ~~واقفون بين يديه، ولم يعملوا لهذا الموقف. وكلمة { وحده } [الزمر: ~~45] تدل على ميلهم إلى الشركاء، فالمعنى: لو ذكر الشركاء ما اشمأزت ~~قلوبهم. واشمئزاز القلوب أمر غيبي ينضح على الوجه بالانفعال، فيبدو على ~~الوجه أنه منقبض انقباضا مؤلما، والآية لم تذكر لماذا اشمأزت قلوبهم ~~مما يدل على أن القلب هو المحرك الذي يعطي الجوارح الانفعال بواقع ~~الأشياء عليها، فمثلا تقابل شخصا فتجد نفسك مبتهجا، وآخر تقابله فتجد ~~نفسك مهتما أو منقبضا عنه، فمن أين هذه الانفعالات؟ من القلب. وقوله: ~~{ وإذا ذكر الذين من دونه.. } [الزمر: 45] أي: الشركاء { ~~إذا هم يستبشرون } [الزمر: 45] أي: يفرحون، لماذا؟ لأنهم ~~يظنون أنهم يشفعون لهم، لكنهم خائبون في هذه، وخائبون في هذه. ### || [39.46] # هذا أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر الوعد لأهل ~~الخير، والوعيد لأهل الشر، واستوفى الأمرين مع الجماعتين، قال لرسوله بعد ~~أن بلغت الوعد والوعيد: ليس لك إلا أن تلتجئ إلى الله، فهو سبحانه وحده ~~الذي يحكم بينك وبين هؤلاء، لأنك استنفدت معهم كل أوجه الدعوة الحسنة ~~والبلاغ الجميل، وما داموا مصرين فدعهم إلى أن يحكم الله بينك ~~وبينهم يوم القيامة. ولا تحزن يا محمد، لأن الله لا يحكم إلا بالحق، وثق ~~أنه الذي اختارك للرسالة، ms8724 وأنه ناصرك ومظهر دينك، وسوف ترى هذه ~~النصرة في الدنيا قبل الآخرة، وفعلا رآها الرسول قبل موته. واقرأ ~~قوله تعالى: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها.. # [الرعد: 41]. أي: ننقص أرض الكفر ونقصان أرض الكفر زيادة في أرض ~~الإيمان، وهذه آية رأوها بأعينهم # أولم يروا # [الرعد: 41] فكان عليهم أن يأخذوا من ذلك عبرة، وأن ينتهوا عن عنادهم، ~~ويعلموا أن الله ناصر دينه ومتم أمره، فكل يوم يمر كانت أرض الإيمان ~~تزداد، وأرض الكفر تنقص، ومحمد يأتيه الموالي والفقراء والمساكين، ثم ~~أتاه بعد ذلك الكبراء والصناديد والأعيان. الحق سبحانه وتعالى يعلم ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، ويعلمنا كيف ندعوه، فقال: قل أي: يا محمد ~~اللهم يقول سيدنا سعيد بن المسيب: لا أجد في القرآن آية أرجى ~~للداعي من قوله سبحانه: { قل اللهم فاطر السموت ~~والأرض.. } [الزمر: 46] وما علمه الله أن يدعو إلا لسبقه في القدر ~~أن يجيب. إذن: الحق سبحانه لم يترك رسوله يدعوه بلفظ من عنده إنما ~~علمه بم يدعو، فلا بد أن يكتب له القبول، كما لو أن شخصا ~~أعطاك المفتاح، هذا يعني أنه يقبلك أن تدخل المكان. وهنا يجب أن نقف على ~~روعة الأداء البياني وعظمة الدعاء والنداء في اللهم وهي عبارة عن ~~لفظ الجلالة الله ألحقت به ميم مشددة للدعاء والنداء، ونحن نعرف أن ~~النداء طلب إقبال المخاطب على المتكلم، وللنداء حروف معروفة حسب قرب ~~المنادي أو بعده من المنادى، فنقول في نداء القريب: أمحمد. وفي نداء ~~البعيد: يا محمد والأبعد: أيا محمد.. إلخ. إذن: فحرف النداء نفسه يحدد ~~موقع المدعو، فهل يجوز استخدام هذه الحروف في نداء الحق سبحانه فنقول ~~مثلا: يا الله؟ إنه من الأدب في نداء الحق سبحانه ألا نناديه سبحانه ~~كما ننادي غيره لأنه سبحانه أقرب إلينا من حبل الوريد، فلا يصح أن ~~نقول: يا الله أو أيا الله، فهذه مراتب للبعد والله قريب. لذلك لا تجد ~~القرآن يستخدم هذه الحروف أبدا في ندائه سبحانه، إنما استخدم اللهم ~~للدعاء، وعلمنا أن ندعوه ms8725 بها، وقد ألحق بها الميم المشددة بدلا من ~~حروف النداء قبل الاسم المنادى، فالميم عوض عن حرف النداء المحذوف ~~فدلت الميم المشددة على النداء، وعلى ذلة الطلب منك. # وحين نستقرئ القرآن الكريم نجد أن كلمة الله وردت بالرفع 985 مرة ليس ~~فيها دعاء إلا باللهم في خمسة مواضع هي: هذه الآية التي معنا، ثم قوله ~~تعالى: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء.. # [آل عمران: 26]. وقوله: # قال عيسى ابن مريم اللهم ربنآ أنزل علينا ~~مآئدة من السمآء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ~~وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين # [المائدة: 114]. وقوله: # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وقوله: # دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها ~~سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين # [يونس: 10]. أما في نداء الربوبية فنقول: يا رب، وفرق بين نداء لفظ ~~الجلالة الله وبين نداء لفظ الربوبية رب، فالألوهية تكليف أما الربوبية ~~فعطاء ومنعم، فما دام الرب معطي نعمة. فنقول في ندائه: يا رب لأن ~~الربوبية إيجاد من عدم وإمداد من عدم وتربية، إذن: أنت المستفيد في ~~عطاء الربوبية، أما الألوهية فتكليف بافعل ولا تفعل. وكلمة { فاطر.. } ~~[الزمر: 46] أي: خالق ومبدع وموجد الوجود من العدم على غير مثال سابق ~~يعني: أمر ابتكاري جديد فإن كان الإيجاد على مثال سابق يعني محاكاة فلا ~~يسمى فاطر. وقوله { السموت والأرض.. } [الزمر: 46] اختار ~~السماوات والأرض، لأنها الكائن الذي لا يغيب عن الإنسان، فالأرض تقله ~~والسماء تظله فهو لا ينفك عنهما لحظة من حياته، وهناك نعم أخرى قد ~~تغيب عن الإنسان في وقت كالماء مثلا. { عالم الغيب ~~والشهادة.. } [الزمر: 46] يمتن الحق سبحانه بعلم الغيب. فكيف ~~يمتن بعلم الشهادة، وهي معلومة للناس مشاهدة؟ قالوا: لأن الله غيب، ~~وقد نفهم أن هذا الغيب كالغيب بالنسبة لك، فأنت تشاهد من معك في ~~البيت، لكن لا تشاهد من هو خارج البيت، فهو ms8726 بالنسبة لك غيب، لكن ~~الحق سبحانه يعلم الغيب ويعلم المشاهد ما غاب عنكم والمشهود لكم ~~ولغيركم. وقوله: { أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا ~~فيه يختلفون } [الزمر: 46] هذا هو المرجع النهائي في الخلاف بين ~~الحق والباطل، يوم الفتح الذي كان ينتظره هؤلاء ويستعجلونه، بل ويستهزئون ~~به كما قال سبحانه حكاية عنهم: # فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # [الأعراف: 70]. وقولوا: # ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين # [السجدة: 28] فيرد عليهم الحق سبحانه: # قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ~~ولا هم ينظرون # [السجدة: 29] يعني: لو جاءكم هذا اليوم فلن ترجعوا بعده مرة أخرى لتجدوا ~~إيمانا ولا توبة. ونلحظ هنا أن القرآن استعمل كلمة عباد للدلالة على ~~الفريقين: المؤمنين، والكافرين، والغالب أن تستخدم كلمة العباد في ~~الطائعين الملتزمين بالمنهج كما في قوله سبحانه: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ~~وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما # [الفرقان: 63]. فهل يقال للكافرين وللعاصين أيضا عباد؟ قالوا: نعم: ~~لأن الإنسان له وضعان بالنسبة لربه تعالى: وضع له فيه اختيار، وهي قوة ~~الاختيار التي خلقها الله في الإنسان بحيث يفعل ما يشاء، حتى إنه يفعل ~~لما لا يريده منه ربه سبحانه. وهناك وضع آخر ليس له فيه اختيار، وهي ~~الأمور القهرية التي لا اختيار للعبد فيها. فالإنسان مثلا قد يتمرد على ~~منهج ربه، وقد يخالفه ويشذ عنه، فنقول له: ما دمت قد ألفت التمرد فتمرد ~~على كل شيء، تمرد على المرض تمرد على الموت.. إنه لا يستطيع، لأنها أمور ~~قهرية لا اختيار له فيها. إذن: فهو في هذا الوضع محكوم بالعبودية قهرا، ~~فهو لا يخرج عن عبوديته لله حتى لو كان كافرا، وحين نقول للكافرين عباد ~~فلأنهم في شق من تصرفاتهم لا يتأبون فيه على الله، بل هم فيه ~~مقهورون. لذلك قال تعالى عنهم في الآخرة: # أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا ~~السبيل # [الفرقان: 17]. هذا خطاب للمضلين فسمى الضالين عبادا، لماذا؟ لأن ~~الكلام هنا في الآخرة حيث يستوي الجميع، فالكل هناك طائع صالح مؤمن، ms8727 كلهم ~~في الآخرة عباد وعبيد. أما في الدنيا فكلهم عبيد وبعضهم عباد. ### || [39.47] # تذكرون أننا قلنا في الحديث عن الشفاعة أن المذنب يعرض على ربه عز وجل ~~أن يدفع الفدية ليغفر له فلا يقبل منه عدل، فيأتي بمن يشفع له فترد ~~شفاعته، فلنفرض أن عنده الدنيا بحذافيرها يملكها ويقدمها عدلا لسيئاته، ~~بل أكثر من ذلك، عنده ما في الأرض جميعا { ومثله معه } [الزمر: ~~47] مع أن هذه الحالة لم تحدث لأحد، لكن على فرض أنها حدثت وقدم العاصي ~~ذلك كله ليفتدي نفسه من عذاب يوم القيامة فلن يتقبل منه. وقوله سبحانه: ~~{ لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة } ~~[الزمر: 47] يدل على أن الإنسان قبل أن يؤمن لنفسه النعيم يريد أن ~~ينجو من العذاب فهذا هو الأهم لذلك الرجل المغرور صاحب الجنتين في سورة ~~الكهف لما اغتر بعمله وظنه صالحا قال: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36] يعني: سيعطيني أفضل مما كان عندي، وهذا غرور والعياذ ~~بالله. لذلك تجد الغني حين يصيبه مرض شديد والعياذ بالله يقول: خذوا ~~كل ما أملك وأعيدوا إلي عافيتي، يريد أن يتخلص مما هو فيه من المرض ~~أولا، كذلك حال أهل المعاصي في الآخرة. ومعنى { من سوء العذاب } ~~[الزمر: 47] أي: من العذاب السيء { يوم القيامة } [الزمر: 47] ثم ~~يفاجئهم ما لم يكن في حسبانهم { وبدا لهم من الله ما ~~لم يكونوا يحتسبون } [الزمر: 47] بدا يعني: ظهر لهم لأن ~~الإنسان مهما تخيل في الدنيا فلن يتسع تخيله لما يأتي الله به في ~~الآخرة. لذلك سيدنا محمد بن المنكدر قال: لقد خوفتني هذه الآية لأنني ~~أخشى حين أموت أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب ذلك لأن الإنسان كثيرا ما ~~يفعل سيئات دون أن يشعر بها، أو دون أن يعلم أنها سيئات، أو قد يفعلها ~~وينساها، وهذه التي قال الله فيها # أحصاه الله ونسوه # [المجادلة: 6]. وقد يزين لك الشيطان السوء فتراه حسنا وما هو ~~بحسن، كل هذا ستفاجأ به في الآخرة. وأول ما يفاجئ الكافرين يوم القيامة ms8728 ~~أنهم لن يجدوا الآلهة التي عبدوها من دون الله ولن تشفع لهم، حتى سادتهم ~~وقادتهم الذين أضلوهم سيتبرأون منهم: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب # [البقرة: 166]. بل إن السادة المضلين سيسبقون الأتباع إلى النار كما ~~حكاه القرآن: # هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم ~~صالوا النار * قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم ~~قدمتموه لنا فبئس القرار * قالوا ربنا من ~~قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار # [ص: 59-61]. ولو دخل التابع قبل سيده لتعلق فكره به وظن أنه سيأتيه ~~ويخلصه، لكنه سيدخل فيجده قد سبقه، وعندها تنقطع منهم الآمال، وتكتمل ~~الحسرة والندامة. ثم يقول الحق سبحانه: { وبدا لهم سيئات ما ~~كسبوا... }. ### || [39.48] # قوله { وبدا لهم } أي: ظهر لهم وبان لهم سيئات هل الذي ~~يظهر لهم في الآخرة السيئات، أم عقوبة السيئات؟ قالوا: الذي يرونه في ~~الآخرة هو عقوبة السيئات، لكن قال { وبدا لهم سيئات ما ~~كسبوا } [الزمر: 48] لأن الجزاء من جنس العمل، فالعقوبة هي أيضا ~~سيئات، كما قال سبحانه: # وجزآء سيئة سيئة مثلها.. # [الشورى: 40] لأن معنى السيئة هو الأمر الذي يسوء، فكما أساء هو في ~~العمل في الدنيا نسيئه في الآخرة. وكلمة { ما كسبوا } [الزمر: ~~48] سبق أن أوضحنا هذه المسألة وقلنا: إن القرآن يستخدم كسب في الخير ~~واكتسب في الشر لأن الخير يأتي من الإنسان طبيعيا لا تكلف فيه ولا ~~احتيال، فيأتي على وزن فعل. أما الشر فيحتاج من فاعله إلى تكلف وستر ~~واحتيال، فعبر عنه بما يدل على الافتعال وهو افتعل أو اكتسب. ومثلنا ~~لذلك بالإنسان حين ينظر إلى أهل بيته أو محارمه وفيهن الجميلات مثلا، ~~فهو ينظر نظرة طبيعية لا يسترها، ولا يخاف فيها شيئا، أما إن أراد أن ~~ينظر إلى امرأة أجنبية عنه فإنه يخفي هذه النظرة، ويحتال لذلك بكل ~~وسيلة. إذن: لماذا استخدم القرآن هنا لفظ كسب في مجال السيئات، وهي كما ~~أوضحنا اكتساب؟ ومثله قوله تعالى: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته.. # [البقرة: 81]. قالوا: استخدم ms8729 القرآن كسب في السيئات لأن صاحب السيئة ~~قد يتعود عليها حتى تصبح طبعا فيه وعادة ودربة، بل وتصبح بالنسبة ~~له مهارة تصل إلى حد التباهي بها والعياذ بالله، وهؤلاء يفعلون السيئة ~~دون تكلف ودون ستر، فهي في حقه كسب لا اكتساب، ومثال ذلك المجرمون ~~الذين اعتادوا الجريمة وتمرسوا بها، فهي بالنسبة لهم عملية طبيعية، ~~وساعة يعمل السيئة يعدها مكسبا له. وقوله: { وحاق بهم } [الزمر: ~~48] أي: نزل بهم { ما كانوا به يستهزئون } [الزمر: 48] هذا ~~المعنى أوضحه الحق سبحانه وتعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 29-36]. نعم.. كثيرا ما نرى ونسمع استهزاء أهل الباطل من ~~أهل الحق وسخريتهم منهم وتندرهم عليهم، ويصل الأمر إلى أن يتهموهم ~~بأنهم على ضلال، سبحان الله؟ لكن عزاء أهل الحق أن هذا الاستهزاء في ~~الدنيا الفانية، وإن صبروا عليه كان لهم الأجر، وسوف يرد هذا الاستهزاء ~~وهذه السخرية في الآخرة الباقية، حيث يسخر أهل الحق من أهل الباطل ~~ويضحكون منهم، بل ويخاطبهم الحق سبحانه ليطيب خاطرهم: # هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 36] يعني: هل قدرنا أن نجازيهم بما يستحقون؟ قالوا: ~~استهزاء الشرير بالخير، وسخريته منه ثأر من طيبته لشريرته، لأنه لا ~~يستطيع ولا يقدر أن يكون مثله فيسخر منه ويستهزئ به لعله ينصرف عما ~~هو فيه من الخير ويذهب إلى الشر، لكن العاقل يفهم هذه المسألة ويعلم أن ~~هذا الاستهزاء غيظ وحقد وحسد فيصبر عليه وهو يعلم أن له بكل سخرية وبكل ~~استهزاء منزلة عند الله، وله على ذلك عوض. ### || [39.49-50] # رأينا المشركين الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى وقالوا: إنما نعبدهم ~~ليقربونا إلى الله زلفى.. إذا ما طرأ لهم طارئ أو جد في حياتهم شيء ~~فوق طاقة أسبابهم لا يلجئون الأصنام، ولا إلى الآلهة التي عبدوها ms8730 من دون ~~الله، إنما يلجئون إلى الله ويضرعون إليه سبحانه ليكشف عنهم ما هم فيه، ~~وليرفع عنهم البلاء، لماذا؟ لأن هذه هي الفطرة السليمة التي فطر الله ~~الناس عليها، والعهد الذي أخذه الله علينا جميعا ونحن في عالم الذر ~~حين قال سبحانه: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172] والإنسان لا يخدع نفسه ولا يسلمها، فإذا أحاط به شر لا ~~تنهض الأسباب لدفعه قال: يا رب وعندها ينسى كبرياءه، وينسى عناده، وينسى ~~تكذيبه للرسل ولا يجد إلا ربه وخالقه وإلهه الحق. وصدق الله: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان ~~الإنسان كفورا # [الإسراء: 67]. ونلحظ أيضا أن الإنسان حينما يقع في كرب لا يقدر على ~~دفعه بنفسه ينادي من حوله، فإذا لم يجبه أحد يقول يا هوه، ومعناها: ~~يا هو يا من ليس هناك غيره، والمراد الله سبحانه وتعالى. وقوله { ثم ~~إذا خولناه } [الزمر: 49] أي: أعطيناه { نعمة منا قال ~~إنمآ أوتيته على علم } [الزمر: 49] يعني: إن أعطيناه نعمة ~~بعد هذا الضر الذي مسه سرعان ما ينسى ويعود إلى صلفه وغروره الحياتي، ~~لأنه يخاف أن مسألة رفع الضر عنه تقربه من ربه الذي دعاه، وأن هذا ~~الجميل الذي ساقه إليه ربه يعيده إلى الجادة وإلى الاستقامة. ~~فالاستقامة تكاليف ومسئولية هو يكرهها، ولا يريد أن يقيد نفسه بها، ~~لأن التكليف معناه منع النفس عن شهواتها، وحملها على الطاعات فهو يخاف ~~أن تأسره هذه المسألة، أو تقيد حريته في الشهوات، لذلك قال الحق سبحانه ~~عن الصلاة: # وإنها لكبيرة إلا على الخشعين # [البقرة: 45]. وقوله: { إنمآ أوتيته على علم } [الزمر: ~~49] لها وجهان: إما على علم من الله أني أستحق هذا الخير وإلا ما ~~أعطاني - هذا إن كان يعتقد أن الله هو الذي يعطي - أو على علم مني، لأن ~~عندي دقة في التعامل ويقظة، وعندي تجربة ودراية بالأمور ودراسة ~~للنتائج. وهنا يصحح له ربه { بل هي فتنة.. } [الزمر: 49] يعني: ~~هذه النعمة فتنة من الله، فلا هي لعلم الله أنك تستحق، ms8731 ولا هي نتيجة ~~لعلمك ومهارتك { بل هي فتنة.. } [الزمر: 49] يعني: ابتلاء ~~واختبار. كما قال سبحانه: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35] نبلو بالشر لنرى من يصبر، ونبلو بالخير لنرى من يشكر ~~ومن يطغى. وفي موضع آخر قال تعالى: # وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ~~ربك بصيرا # [الفرقان: 20]. يعني: كل بعض منا فتنة للبعض الآخر، فالغني فتنة ~~للفقير، والقوي فتنة للضعيف، والعكس صحيح ليختبر الحق سبحانه خلقه: ~~من يصبر ومن يجزع، من يشكر ومن يكفر، من يرضى ومن ينقم. إذن: ~~ينبغي على الإنسان أن يقوم في حركة حياته ما أقامه الله، فكل ما يجريه ~~عليه خير، فإذا رأيت نعمة عند غيرك وليست عندك فاعلم أن الله ما فضل ~~هذا عليك، وأنت بصبرك على ما قدر لك وعدم حقدك على أخيك تستطيع أن ~~تكون أفضل منه. وتختم الآية بقوله تعالى: { ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون } [الزمر: 49] أي: هذه الحقائق التي ذكرت لا يعلمها ~~الكثيرون، وهذا يعني أن القلة تعلم. ثم يوضح الحق سبحانه أن هذه المسألة ~~ليست كلمة نظرية، إنما هي حقيقة لها واقع في تاريخ السابقين، فيقول: { ~~قد قالها الذين من قبلهم فمآ أغنى عنهم ما ~~كانوا يكسبون } [الزمر: 50] نعم قالها قارون # إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص: 78]. ونقول: ما دمت قد أوتيته على علم، سواء علم من الله أنك ~~أهل لهذا الخير أو علم عندك ومهارة في العمل والتناول، فها هي النعمة ~~بين يديك، وما عليك إلا أن تحفظها، وحفظ الشيء الموجود بين يديك ~~أيسر من إيجاده من العدم، فهل تستطيع؟ والمعنى أنني لا أقول لكم كلاما ~~نظريا، بل هو واقع يؤيده التاريخ، فقد قالها قارون واغتر بها، ثم ~~خسفنا به وبداره الأرض وهنا نشأت قضية: إذا كنت قد أوتيته على علم ~~فاحفظه أيضا على علم، لكن ما دام الأمر قد تخلى عنك في الحفظ وهو ~~يسير، فأنت في الإيجاد أشد تخيلا. نعم { قد قالها الذين من ~~قبلهم فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون } [الزمر: ~~50] لأن الله خسف بقارون وبداره أيضا، فلم ms8732 تذهب النعمة والثروة فحسب، بل ~~طال الانتقام حتى الأرض والمكان الذي يعيش عليه ويبيت فيه ويستريح عليه. ### || [39.51] # قوله تعالى: { فأصابهم سيئات ما كسبوا } [الزمر: 51] أي: ~~السابقون الذين قالوا هذه الكلمة من قبل، أصابهم ونزل بهم ما كسبوا من ~~السيئات، يعني: هم فعلوه بأنفسهم، وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ~~{ والذين ظلموا من هؤلاء } [الزمر: 51] أي: المعاصرين { ~~سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين } ~~[الزمر: 51]. والمعجز هو الذي يعمل عملا يتحداك به، وتعجز أنت عن ~~الإتيان بمثله لذلك نسمي آية صدق الرسل في البلاغ عن الله معجزة، لأنها ~~أعجزت المكابر المكذب، أما الذي آمن بمجرد البلاغ وصدق به فلا يحتاج ~~إلى معجزة، والمعجزة يشترط لها أن تكون مقرونة بالتحدي، لماذا؟ قالوا: ~~لأنك حين تتحداه وتخبره أنك ستعمل عملا لا يقدر هو عليه فإنك بذلك ~~تشحن مواهبه ليستعد للمواجهة، وعندها تستطيع أن تقيم عليه الحجة، أما ~~إن فاجأته بالتحدي فله أن يقول لك: والله لو فكرت في المسألة، أو لو ~~كانت في بالي لفعلت. إذن: معجز يعني يصيب الغير بالعجز عن مجاراته. ~~وقلنا في المعجزة: إنها ينبغي أن تكون من جنس ما نبغ فيه القوم، ومناسبة ~~للعصر الذي نتحدى فيه، لأنك لو تحديت قوما بشيء لا علم لهم به ولا ~~دربة لكان لهم أن يقولوا: لو كنا نعلم هذا لفعلناه، وإلا لما كان ~~للتحدي موضع. وقد أعطانا القرآن الكريم نموذجا للتحدي حينما تحدى العرب ~~وهم أهل اللغة وأرباب الفصاحة والبيان، تحداهم أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن، وحين نتأمل هذا التحدي نجده يتدرج تنازليا، وكلما تنازل في ~~تحديه يعلو في إعجازه، لأنه لأول ما تحداهم تحداهم بمثل هذا القرآن، ~~ثم بعشر سور، ثم بسورة واحدة من مثله. ليس هذا وفقط، إنما يخرج التحدي ~~من الإنس إلى الجن لأن العرب وإن كانوا أمة كلام وفصاحة إلا أنهم نسبوا ~~للجن قدرة أعلى على الفصاحة والبلاغة، بدليل أنهم إذا نبغ منهم شاعر ~~وأجاد قالوا: إن الجن يوحى إليه بهذه المعاني، واعتقدوا أن هذا الجن ~~يسكن ms8733 وادي عبقر كما يقولون. لذلك أخرج القرآن التحدي من دائرة الإنس ~~إلى دائرة الجن، فقال سبحانه: # قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا ~~بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا # [الإسراء: 88] أي: معينا ومساعدا. لذلك كانت معجزة سيدنا موسى عليه ~~السلام نوعا من السحر، لأن قومه نبغوا فيه، وكانت معجزة سيدنا عيسى أن ~~يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، لأن قومه نبغوا في الطب. وكلمة { وما ~~هم بمعجزين } [الزمر: 51] أي: في الهرب والإفلات من العقوبة، ~~لأنهم فعلوا أشياء تستحق العقوبة، فإذا أخذناهم للعقاب فلن يعجزونا. ~~يعني: لن يفلتوا منا لأن المسألة بالنسبة لنا قد يكون غريمك في يدك وفي ~~نفس مكانك، وقد يهرب منك إلى مكان آخر، لكن بالنسبة للحق سبحانه فهو في ~~كل مكان، وإلا فدلني على مكان ليس فيه الله سبحانه وتعالى، إذن: كيف ~~الهرب؟ وإلى أين؟! فإن تواجدتم معه فلن يعجز عنكم، وإن هربتم فلن يعجز ~~عن الإتيان بكم. ### || [39.52] # لأن قارون اغتر بماله وجاهه، وما كان فيه من غنى وزهوة في قومه، حتى ~~قال # قال إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص: 78] فأراد الحق سبحانه أن يصحح له المسألة ولمن كان على ~~شاكلته، فقال سبحانه: { أولم يعلموا أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشآء ويقدر } [الزمر: 52] يبسط يعني: يوسع ~~على من يشاء، ويقدر يعني: يضيق على من يشاء ويقبض، وكما نقول: يعطي ~~من لا حيلة له ليتعجب من له حيلة. إذن: المسألة في الرزق والعطاء ~~ليست شطارة ومهارة في تناول الأشياء، إنما هي قدر قدره الرازق سبحانه. ~~وقد ورد في الحديث القدسي قوله تعالى: # " يا ابن آدم.. خلقتك للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تتعب، ~~فإن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندي محمودا، وإن ~~لم ترض بما قسمته لك فوعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ~~ركض الوحوش في البرية، ثم لا يكون لك منها إلا ما قسمته لك وكنت عندي ~~مذموما ". # فالرزق قسمه الرازق سبحانه، ولا يشترط له ms8734 مهارة ولا رجاحة عقل وحسن ~~تفكير، لذلك قال أبو العتاهية: # يرزق الأحمق رزقا واسعا # وترى ذا اللب محروما نكد # والحق سبحانه وتعالى يرزق الإنسان من حيث لا يحتسب، لذلك يحكى أن رجلا ~~راعيا وهو يسير في الطريق إذ عثرت رجله بحجر، فوجد عنده بئرا فجعل ~~يتحسس ما في البئر، فوجد شيئا له صوت شخشخة كصوت الذهب والفضة، فبحث ~~عنه فوجدها غرارة مملوءة بالذهب والفضة فأخذ منها ما يملأ جيوبه وما ~~يستطيع حمله، وترك الباقي في مكان يعلمه ليعود إليه حين الحاجة. وبعد ~~فترة نفد ما معه من المال، فجاء إلى نفس المكان ليأخذ من هذا المال فوجد ~~شخصا آخر قد سبقه إليه وأخذ ما تبقى منه، فلما رآه يحمله على ظهره نظر ~~إليه. فقال الرجل: رزقني الله ما ظننته أنه لك، لكن هو لي. لكن نلحظ في ~~مسألة الرزق أن الناس يخطئون حين يظنون ويحجمون الرزق في المال وحده، ~~فالرزق عندهم هو الغنى وكثرة المال، لكن الصواب أن نقول: الرزق هو كل ~~شيء ينتفع به وتستفيد منه، وعليه فالعلم رزق، والحلم رزق، والأمانة رزق، ~~والصحة رزق.. إلخ. لذلك ينبغي على الغني الذي رزق المال الوفير أن ~~يسأل نفسه حين يرى فقيرا: يا ترى ما رزق هذا الفقير؟ وبم تميز عني؟ ~~ربما كان رزقه في عقله أو في أدبه أو في حلمه أو في سمعته الطيبة بين ~~الناس أو في عافيته. وسبق أن قلنا: إن مجموع المواهب عند أي إنسان ~~تساوي مجموع المواهب عند الآخر، فهذا عنده المال بنسبة عشرة على عشرة، ~~لكنه حرم نعمة الولد بنسبة صفر على عشرة وهكذا لأن الخلق جميعا عيال ~~الله، ولا يوجد منهم من هو ابن الله أو بينه وبين الله نسب. # إذن: علام يوجد التمييز بين واحد وآخر؟ نقول: الرزق يحتاج إلى جهات ~~متعددة لذلك يوزع الرازق سبحانه الأسباب فلا تستقيم الحياة إن كان الناس ~~جميعا أغنياء، أو كان الناس جميعا عقلاء أو علماء لأن العقل الواحد ~~مثلا يحتاج إلى أكثر من جارحة من ms8735 الجوارح تخدم تفكيره، فالمهندس مثلا ~~حين يرسم تصميما لعمارة سكنية، هو مهندس واحد لكن يحتاج إلى كم عامل ~~لتنفيذ هذا العمل، ولخدمة هذه الفكرة الهندسية، فالعامل البسيط الذي يحفر ~~الأرض لوضع الأساس عنده من المواهب ما ليس عند المهندس، وهكذا توزع ~~المواهب وتوزع الأرزاق. والرزق قد يكون بزيادة الدخل، وقد يكون سلبا ~~بنقص المنصرف، فنجد مثلا رجلا راتبه الشهري مائة جنيه ويتعجب الناس كيف ~~يعيش بهذا المبلغ، ونسوا أن المهم في الرزق أن يكون من الحلال، فالله ~~يبارك في القليل منه، حتى يحل محل الكثير، فتجد هذا الرجل مثلا إذا مرض ~~ولده يكفيه قرص أسبرين والأم تعد له كوب شاي ويشفى الولد بإذن الله. ~~بينما نجد آخر يحصل على أضعاف هذا المبلغ، لكنه لا يتحرى الحلال في ~~كسبه، فإذا مرض ولده ذهب به إلى الطبيب، وأجرى التحاليل وأوهم نفسه أن ~~المرض خطير، حتى يصرف على الولد مبالغ كبيرة. لذلك ورد في الحديث الشريف: ~~" من أصاب مالا من مهاوش أذهبه الله في نهابر ". إذن: رزق الإيجاب أن ~~يزيد المورد، ورزق السلب أن يقل المنصرف، لذلك نلحظ مثلا موظفا من ~~أصحاب الرواتب العالية وزميله له راتب متواضع يذهبان إلى السوق، الأول ~~يشتري الرومي أو السمك الكيلو بعشرة جنيهات، أما الآخر فيشتري السمك ~~العادي الكيلو مثلا بأربعة جنيهات، ذهب كل منهما إلى بيته وأكل كل منهما ~~سمكا، لكن الأول صرف أضعاف أضعاف الآخر، وربما النتيجة واحدة، وكل منهما ~~راض بما أخذ وبما أكل، هذا نسميه رزق السلب. والمؤمن ينبغي له دائما ~~أن يضع مسألة الاقتصاد في النفقات في باله، وأن يعلم أن رزق السلب أوسع ~~من رزق الإيجاب، لأن رزق السلب منع ألما، أما رزق الإيجاب فقد يأتي ~~بالألم. وقوله سبحانه: { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ~~} [الزمر: 52] أي: يؤمنون بالرازق الذي سمى نفسه الباسط، وسمى نفسه ~~القابض، وما دام الحق سبحانه سمى نفسه الباسط وسمى نفسه القابض فلا ~~بد أن يكون لكل صفة متعلق، ولا بد أن يوجد في الخلق من يبسط ms8736 ~~الله له الرزق، ومن يقبض عنه ويضيق عليه، وهذا وذاك بحكمته تعالى ~~وقدره سبحانه. فمن وسع الله له رزقه، وبسط له عليه أن يشكر، ومن ~~قدر عليه رزقه وضيق عليه يجب أن يصبر وأن يرضى، وأن يسير في حركة ~~حياته على قدر رزقه، ولا يفتح على نفسه أبواب المسألة، فمن رضي بقدره ~~أعطاه الله على قدره سبحانه لذلك تجد عظماء العالم وأصحاب الكلمة ~~والصيت لو نظرت إليهم في أوليات حياتهم لوجدتهم رضوا بقدر الله فيهم ~~وعاشوا في مستوى دخولهم، فتحقق فيهم قوله: " من رضي بقدري أعطيته على ~~قدري ". ثم يقول الحق سبحانه: { قل يعبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم... }. ### || [39.53] # الإسراف هو تجاوز الحد، نقول: فلان مسرف يعني: يتجاوز الحد في ~~الإنفاق بما لا يتناسب مع دخله، وهؤلاء أسرفوا على أنفسهم ولم يقل: ~~أسرفوا لأنفسهم. إنما أسرفوا عليها. مما يدل على أن هذا الإسراف يجر ~~عليهم الوبال، فهو إسراف في المعاصي والذنوب والعياذ بالله. قلنا: ~~الإسراف تجاوز الحد، الحد إن كان بعد أمر فلا تتجاوزه، وإن كان بعد ~~نهي فقال لا تقربه مجرد القرب منه لذلك يقول تعالى في الأوامر: # تلك حدود الله فلا تعتدوها # [البقرة: 229] يعني: قف عندها. أما في النواهي فيقول سبحانه: # تلك حدود الله فلا تقربوها # [البقرة: 187] لأن قربك من الشيء يغريك به. وكما ورد في الحديث الشريف: # " من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه ". # لذلك حينما نهى الحق سبحانه سيدنا آدم عن الأكل من الشجرة لم يقل له: لا ~~تأكل منها، إنما قال سبحانه: # ولا تقربا هذه الشجرة # [الأعراف: 19]. لذلك تجد أن لفظ الاجتناب أقوى من لفظ التحريم وأشد، ~~وعجيب أن نسمع من الذين يسرفون على أنفسهم يقولون: لم يرد لفظ يحرم ~~الخمر في كتاب الله، نقول: كيف وقد ورد ما هو أشد من التحريم وهو ~~الاجتناب في قوله سبحانه: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس ~~من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * ~~إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله ms8737 وعن الصلاة فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91]. لأن معنى فاجتنبوه يعني: ابتعدوا عنها بالكلية ~~فجانبوا مجلسها، وجانبوا شاربها، وجانبوا بائعها، وجانبوا ناقلها.. إلخ ~~فهذا أبلغ في التحريم من قولنا لا تشرب الخمر، بدليل أن القرآن استخدم ~~لفظ الاجتناب في قمة الإيمان العقدي، فقال سبحانه: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول ~~الزور # [الحج: 30]. فإذا تناولنا الإسراف في الإنفاق نجد أن الحق سبحانه وتعالى ~~يريد أن تسير حركة الحياة في المجتمع الإيماني حركة متوازنة متساوية ~~تتوسط في الأمور، بمعنى أنك تعرف دخلك ورزقك الذي يسوقه الله إليك، والله ~~لا يريد منك أن تقبض هذا الرزق وتمسكه فلا تنفق منه، ولا يريد منك أن ~~تنفقه كله أو تسرف فيه بل يريد الوسطية، كما بين سبحانه: # والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ~~وكان بين ذلك قواما # [الفرقان: 67] فالإسراف والتقتير كلاهما مذموم منهي عنه، فمن اتخذ ~~سبيلا غير سبيل الوسط أضر بنفسه وبالمجتمع، لأنه إن أمسك المال ~~قلت قوة الشراء وقوة البيع في الأسواق، ويترتب على ذلك ركود في الحركة ~~التجارية والصناعية وبوار للسلع وكساد في السوق. وإن أسرف وبذر فأنفق ~~كل دخله لم يجد شيئا يدخره لينمي به حياته ويحسن من مستواه ويرتقي ~~بحياته، وعندها يلوم نفسه لأنه يرى غيره يرتقي ويرفه حياته وهو لا ~~يستطيع. # وهذا المعنى أوضحه الحق سبحانه في قوله تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط فتقعد ملوما محسورا # [الإسراء: 29]. والمعنى: ملوما حين تمسك وتضن، محسورا حين تسرف ~~وتبذر، لأنه سيجد أهل الوسطية يعيشون عيشة السعداء، لا لوم ولا حسرة. ~~والعاقل هو الذي يخضع مصرفه لدخله، لا أن يخضع دخله لمصرفه، لأنك حين ~~تخضع دخلك لمصرفك فلابد أن تمتد يدك للاقتراض من الناس، وهذا سيتعبك ~~ويشق عليك، وسوف تعييك الحيل، ويقبض الناس عنك نفوسهم، وتهون في أعينهم ~~حتى تعيش بسبب ذلك في كرب. إذن: نقول: الإسراف تجاوز الحد فيما يعود ~~عليك بالشر والضرر، لذلك قال تعالى: { أسرفوا على أنفسهم } ~~[الزمر: 53] أما الإسراف الذي يعود عليك بالخير ms8738 فهو إسراف لك لا عليك ~~كالذي يدفع زكاة ماله عشرة بالمائة بدلا من 2.5 بالمائة، لأنه أيقن أن ~~هذا هو الباقي له والمدخر عند الله، فواحد يعمل لأمر دنياه فحسب، وواحد ~~يعمل للدنيا وللآخرة. لذلك لما سئل الإمام علي رضي الله عنه: يا إمام ~~أريد أن أعرف أنا من أهل الدنيا، أم من أهل الآخرة؟ قال: ليس عندي جواب ~~هذا السؤال، إنما جوابه عندك أنت، قال: كيف؟ قال: إذا دخل عليك اثنان: ~~واحد بهدية، والآخر يريد صدقة أو معونة، فانظر إلى أيهما تبش، وبأيهما ~~ترحب، فإن رحبت بصاحب الهدية فأنت من أهل الدنيا، لأنك تحب من يعمر ~~لك دنياك، وإن كانت الأخرى فأنت من أهل الآخرة، لأنك تحب من يعمر لك ~~آخرتك. وتعرفون قصة الشاة التي # " أهديت لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتصدقت بها السيدة عائشة ~~ولم تبق منها إلا كتفها، فلما سألها رسول الله: " ماذا صنعت بالشاة "؟ ~~قالت: كلها ذهب إلا كتفها - وكان صلى الله عليه وسلم يحب من الشاة الكتف ~~- فقال صلى الله عليه وسلم: " بل بقيت كلها إلا كتفها ". # إذن: الباقي هو ما تصدقنا به، والذاهب ما أكلناه، ويؤيد هذا الحديث ~~قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: # " يا ابن آدم، ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، ~~أو تصدقت فأبقيت ". # ثم يفتح الحق سبحانه طاقة الأمل لمن أسرف على نفسه، فيقول لهم: { لا ~~تقنطوا من رحمة الله } [الزمر: 53] القنوط هو اليأس من رحمة ~~الله، لكن لماذا نيأس من رحمة الله؟ قالوا: لأنهم أسرفوا على أنفسهم ~~وبالغوا في المعصية وتمادوا فيها، وحين يعود المسرف ويرجع يلوم نفسه ~~ويؤنبها وتعظم ذنوبه في نظره، ولا يرى نفسه أهلا للمغفرة ولا للرحمة ~~فيداخله اليأس والعياذ بالله. والمتأمل يجد هذا اللوم للنفس وهذا اليأس ~~من الرحمة هو من جهة أخرى ظاهرة صحية في الإيمان، لأن استعظام الذنوب ~~وكون المسرف لا يرى نفسه أهلا للرحمة، هذا يدل على سلامة إيمانه وعلى ~~خوفه من ربه. # قوله سبحانه: ms8739 { إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه ~~هو الغفور الرحيم } [الزمر: 53]. قال عنها ابن عباس أنها ~~أرجى آية في كتاب الله لأنها تعطي الأمل لكل مذنب مهما كانت ذنوبه. ~~ولولا أن الله تعالى أعقبها بقوله: { وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له } [الزمر: 54] لأورثت الناس التهاون وأطمعتهم في ~~رحمة الله طمعا ينسيهم عذابه ونقمته، فالمؤمن يتقلب في حركة حياته ~~بين الخوف والرجاء، ولا بد له منهما معا. نعم ربك غفور رحيم، لكن لا ~~بد لكي تكون موضعا لهذه الرحمة ومتعلقا لهذه المغفرة، لا بد ~~أن تنيب إلى الله، وأن ترجع إليه رجوعا صادقا مخلصا، لأن الذي يذنب ~~ويتوب، ثم يذنب ويتوب كالمستهزئ بربه، نعوذ بالله من هذا. لما قال ابن ~~عباس عن هذه الآية أنها أرجى آية في كتاب الله قال أحد جلسائه: وأنا أرى ~~أن أرجى آية في كتاب الله هي قوله تعالى # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم # [الرعد: 6] وأنا أنتقد العلماء الذين يفسرون # على ظلمهم # [الرعد: 6] بمعنى: مع ظلمهم، وهذا لا يستقيم، ومعنى الآية بحيث نقول ~~عنها أنها أرجى آية في كتاب الله، ونلاحظ هنا أن مع حرفان أما على فثلاثة ~~حروف، فلا بد أن المعنى الذي تؤديه على لا تؤديه مع، لأنه ما دامت هنا ~~مغفرة للذنب، والذنب يتطلب صفة القهار والجبار والمنتقم، لكن مغفرة الله ~~تعلو على الذنب فتمحوه، وهذا المعنى لا تؤديه مع. وهنا وقفة للمستشرقين ~~الذين يحاولون النيل من أسلوب القرآن، وقد رأوا تعارضا بين قوله ~~تعالى هنا: { إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو ~~الغفور الرحيم } [الزمر: 53] وبين قوله سبحانه: # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء: 48]. ونقول لهؤلاء: جهلكم بلغة القرآن ومعطيات الأسلوب أوقعتكم ~~في هذا الخطأ، لأن الذنب يعني ارتكاب جرم جرمه الله وجعل له عقوبة، ~~والشرك بالله ليس ذنبا بهذا المعنى، لأن الشرك يخرج صاحبه من الملة ~~أصلا، وعليه فليس بين الآيتين تعارض كما تظنون. قالوا: نزلت هذه الآية: ~~{ قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله.. ms8740 } [الزمر: 53] نزلت في شأن وحشي ~~قاتل سيدنا حمزة في أحد لما أخذت هند كبد سيدنا حمزة ولاكتها. ونقول: ~~لقد قتل حمزة في أحد ولم يسلم وحشي بعدها، إنما أسلم بعد فترة ~~طويلة، لذلك قال الذين يريدون أن يوفقوا بين الأقوال: لعل وحشيا لما ~~قتل حمزة وتذكر مكانته في الإسلام، وأنه أسد الله قنط من رحمة الله، ~~وهذا القنوط قد يدعوه إلى المزيد من الشر والفجور، وقابله أحد الصالحين ~~وقال له: لا تقنط من رحمة الله، فقد قال الله تعالى: { قل يعبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو ~~الغفور الرحيم } [الزمر: 53]. # لما سمع وحشي هذا الكلام أسلم، فما منعه من الإسلام إلا الخوف مما ~~فعل، فإذا كان أمر المغفرة على هذا النحو فلماذا لم يسلم، وقد ضمن له ربه ~~المغفرة؟ إذن: الآية سابقة على هذه القصة، ولم تنزل في شأنه خاصة إنما ~~نزلت قبله، لكنها قيلت له وقرئت عليه، فكانت سببا في إسلامه. وكلمة { ~~إنه هو الغفور الرحيم } [الزمر: 53] قصرت المغفرة والرحمة ~~عليه سبحانه وتعالى، لأن كل ذنب من الذنوب حق لله تعالى، وما دام ~~الذنب حقا من حقوق الله فهو وحده الذي يملك أن يغفره وأن يرحم صاحبه، ~~وله سبحانه أن يؤاخذ ويعاقب، لأن له سبحانه طلاقة القدرة، وليس معه ~~سبحانه إله آخر يعترض عليه. وهذا المعنى واضح في قصة سيدنا عيسى عليه ~~السلام في قوله تعالى: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن ~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما ~~قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ~~ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ~~فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت ~~على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك ~~وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ms8741 الحكيم # [المائدة: 116-118]. نلحظ هنا في تذييل هذه الآية أنه لم يقل: فإنك أنت ~~الغفور الرحيم فهو المناسب للمغفرة إنما قال: # فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118] فقوله العزيز الحكيم دل على أن عيسى عليه السلام يرى ~~أنهم يجب أن يجازوا في هذه الفرية، ولكن الحق سبحانه له طلاقة القدرة في ~~أن يغفر أو يعذب، ولو كان له سبحانه شريك في هذه المسألة ما قال ذلك، ~~إنما هو سبحانه عزيز حكيم لا يعقب أحد على ما تصرف فيه، فهو سبحانه ~~الذي يغفر لهم لا لأنه غفور رحيم، إنما هم يستحقون العقوبة، وإذا غفر ~~الله لهم فلأنه عزيز حكيم. ### || [39.54] # الإنابة: هي التوبة والرجوع إلى ساحة الإيمان بالله إلها واحدا لا ~~شريك له. والإسلام: أن تنفذ مطلوب الله منك في الأمر والنهي بافعل ولا ~~تفعل. لكن هل تعني الإنابة أنهم كانوا مع الله ثم انصرفوا عنه إلى الكفر، ~~فيطلب منهم العودة والرجوع إلى ساحة الإيمان مرة أخرى؟ نقول: لا بل معنى ~~الإنابة هنا الرجوع إلى العهد الأول الذي أخذه الله على عباده وهم في ~~عالم الذر، وهم في ظهر آدم عليه السلام، هذا العهد الذي قال الله فيه: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين # [الأعراف: 172]. فالمعنى { وأنيبوا إلى ربكم } [الزمر: ~~54] ارجعوا إلى إيمانكم به الإيمان الفطري الذي أخذ عليكم العهد به. هذا ~~الإيمان الفطري هو الذي يصحب الإنسان فيستيقظ ضميره بعد المعصية فيتوب أو ~~بعد الكفر فيؤمن، هذا الإيمان الفطري المستقر في قرار النفس البشرية هو ~~الذي ينبهها إن غفلت، هذا الإيمان هو الذي نبه خالد بن الوليد وعمرو ~~بن العاص وغيرهما، فآمنوا حينما رجعوا إلى العهد الأول والإيمان الفطري. ~~{ من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون } ~~[الزمر: 54] ما معنى النصرة هنا والكلام عن الآخرة؟ أي: لا يتناصر أهل ~~الباطل ولا يدافع أحد منهم عن الآخر لا التابع ولا المتبوع، كما ms8742 قال ~~سبحانه في موضع آخر: # ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون * ~~وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قالوا ~~إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين * قالوا بل لم ~~تكونوا مؤمنين * وما كان لنا عليكم من سلطان ~~بل كنتم قوما طاغين # [الصافات: 25-30]. نعم، لا يتناصرون لأن الموقف هنا موقف خصومة ولوم، ~~حيث يلقي كل منهم التبعة على الآخر، ويتبرأ كل منهم من الآخر لذلك قال ~~سبحانه: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. ### || [39.55] # كلمة أحسن أفعل تفضيل يدل على المبالغة، ونفهم منه أن الأقل في الخير ~~حسن، نقول: هذا حسن وهذا أحسن منه. والأمر هنا باتباع الأحسن، فمثلا ~~الحق سبحانه ينزل من الأحكام ما يرضي النفس البشرية كي لا تمتلئ غيظا ~~وكرها للناس، فيقول سبحانه: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به # [النحل: 126]. يعني: إياك أن تتجاوز المثلية إن أردت أن تعاقب، فإن ~~قدرت على هذه المثلية دون أن تتجاوزها فهذا حسن، لكن الأحسن منه أن ~~تعفو كما قال سبحانه في آية أخرى: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان.. # [البقرة: 178]. وقال: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]. هذا هو الأحسن ومن ذلك قوله تعالى في مسألة التبني: # ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله # [الأحزاب: 5] تعرفون قصة تبني رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن ~~حارثة، وأن زيدا خير بين أهله وبين رسول الله فاختار البقاء مع رسول ~~الله، وقال: ما كنت لأختار على رسول الله أحدا لذلك كافأه رسول الله ~~ونسبه إلى نفسه، فقال: زيد بن محمد. فلما أراد الحق سبحانه أن يحرم ~~التبني وأنزل # ادعوهم لآبآئهم # [الأحزاب: 5] أنصف سيدنا رسول الله وجعل فعله حسنا، لكن مراد الله أحسن ~~وفعل رسول الله قسط، واختيار الله أقسط # هو أقسط عند الله # [الأحزاب: 5] والحكمة من # ادعوهم لآبآئهم # [الأحزاب: 5] حتى لا تهدروا سبب الوجود وهو الأب، لأن إهدار سبب الوجود ~~المباشر وهو الأب يجرئك أن تنكر سبب الوجود الأعلى سبحانه. أو نقول: ~~معنى ms8743 { واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم ~~} [الزمر: 55] أن القرآن نزل وفي القوم ديانتان اليهودية وكتابها ~~التوراة، والنصرانية وكتابها الإنجيل، ولما نزلت هذه الكتب وغيرها كان ~~لها أناس آمنوا بها، وآخرون كفروا وأشركوا، بل ومنهم ملاحدة. فالأمر في ~~واتبعوا أمر للجميع يعني: يا من آمن بموسى، ويا من آمن بعيسى، ~~لقد كان هذا الدين في وقته حسنا، أما الآن فقد جاء الإسلام الدين الخاتم ~~المهيمن على كل الأديان، وأصبح هو الأحسن الواجب عليكم اتباعه. ومرة يكون ~~أفعل التفضيل يعطي للواقع، لكنه لا ينظر إلى المقابل وهو الأقبح، إنما ~~ينظر إلى المساوي في الصفة بالقلة، إلا في شيء واحد لاحظناه فيما يتعلق ~~بالحق سبحانه وتعالى. فمن أسمائه الكبير وليس من أسمائه الأكبر، مع أنه ~~كان المفروض حسب القاعدة أن نقول الأكبر لأنها مبالغة من الكبير فلماذا ~~إذن؟ نقول: كلمة أكبر وردت على أنها صفة للحق سبحانه نسمعها كل يوم في ~~كل أذان وفي كل إقامة للصلاة، والصلاة عبادة لها خصوصيتها ومنزلتها في ~~الدين، فهي العبادة التي تتكرر خمس مرات كل يوم، وهي العبادة التي لا ~~تسقط بحال عن المؤمن ما دام فيه نفس يتردد، وهي العبادة التي لم تشرع ~~بالوحي كباقي العبادات، إنما شرعت بالمباشرة في رحلة المعراج، هذه ~~العبادة حين ننادي لها نقول: الله أكبر ولم يقل: الله كبير. # وهنا موضع العظمة مع أن أكبر أبلغ في المعنى من كبير، لأن التكاليف من ~~الحق سبحانه لا تريد منك مجرد الصلاة والصيام والحج.. إلخ إنما تريد منك ~~أن تؤدي كل حركة نافعة في الحياة معينة للتدين لذلك قالوا في القواعد ~~الشرعية: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ولك أن تتأمل مثلا فريضة ~~الصلاة، كم من الأعمال لا بد منها لتؤدي هذه الفريضة؟ خذ مثلا ستر ~~العورة وهي واجب لا تتم الصلاة إلا به، لكي تستر عورتك لتصلي تحتاج إلى ~~ثوب تلبسه، كيف يتوفر لك هذا الثوب؟ إنه يحتاج إلى خياط يخيطه، ويحتاج ~~لتاجر التجزئة الذي تشتري منه القماش، ثم ms8744 تاجر الجملة، ثم مصنع النسيج ~~والغزل والصباغة والمحلج، ثم الفلاح الذي يزرع القطن ويجمعه. كل هذه ~~العملية تحتاج إلى عدد وماكينات وآلات وأيد عاملة، كذلك الحال في ~~الطعام، الذي لا بد لك منه لتقوى على أداء الفرائض، كل هذه الحركة من ~~أجلك، تخدمك وتعينك، فهذه الأعمال الدنيوية التي لا تقوم الديانة إلا بها ~~هي واجبة لا يستهان بها، بل ينبغي المحافظة عليها وتقديسها، لأنها في ~~منزلة الواجب. وحين يأخذك ربك من هذه الأعمال إلى الصلاة مثلا لا يأخذك ~~من عمل تافه هين لا قيمة له، إنما يأخذك من عمل هو في حد ذاته ~~عبادة، لذلك جعله كبيرا أما الذي يناديك للصلاة فأكبر من هذا كله، لذلك ~~لم يناد الحق سبحانه المؤمن في صلاة إلا في صلاة الجمعة، حيث قال ~~سبحانه: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع.. # [الجمعة: 9]. وخص البيع دون سائر الأعمال، لأنه ثمرة باقي الأعمال من ~~تجارة وزراعة وصناعة، والإنسان أحرص على البيع منه على الشراء، لأن البيع ~~هو الصفقة عاجلة الربح لذلك نجد الإنسان حريصا أن يبيع على خلاف ~~المشتري، فالمشتري مثلا حين لا يجد السلعة التي يريدها يقول بركة يا ~~جامع لأنه سيدفع من جيبه، أما البائع فيأخذ ويربح. فإذا ما انتهت الصلاة ~~ردك ربك إلى العمل الذي استدعاك منه وأعادك إلى دنياك: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله.. # [الجمعة: 10]. إذن: لا تستهن بعمل الدنيا ولا تظنه بعيدا عن الدين، بل ~~هو جزء منه، وما لا يتم الواجب الديني إلا به فهو واجب، والذي يعصي في ~~هذا مثل الذي يعصي في هذا، فحين نقول في النداء للصلاة: الله أكبر تذكر ~~أن غيره كبير لا يستهان به، لكن الذي يعطيك الطاقة أكبر من هذا الكبير، ~~فلا تنشغل بالكبير عن الأكبر. # والآن تتضح الحكمة من أن الله تعالى سمى نفسه الكبير لا الأكبر، فحين ~~نقول: الله كبير هذا يعني أن ما عداه صغير، لكن لو قلنا ms8745 أكبر فما عداه ~~كبير. إذن: فحين تقف في أحكامه تعالى أمام حسن و أحسن فاتبع الأحسن مما ~~أنزل: { واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ~~ربكم.. } [الزمر: 55]. وقول الحق سبحانه وتعالى: { من قبل ~~أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون } ~~[الزمر: 55]. كلمة بغتة يعني فجأة، والعذاب لا يفاجىء إلا الغافل اللاهي ~~الذي يعيش، وليس في باله هذه المسألة، وإلا لو كان في باله لاتقاه ~~وتجنب أسبابه، وحين يأتي لا يكون بغتة. لكن كيف يفاجئه العذاب؟ نقول: ~~ما الفارق بين أن يعيش الإنسان في حياته الدنيا وبين أن يلاقي العذاب؟ ~~الفارق بينهما أن يموت، مجرد أن يموت وتخرج روحه ينتقل من سعة الدنيا إلى ~~عذاب الآخرة إن كان من أهل العذاب والعياذ بالله. ومعلوم أن خروج الروح ~~ليس له ميعاد ولا يعلمه أحد، لأن النفس ربما في أي لحظة يدخل ولا يخرج، ~~هذه المسألة ينبغي أن تكون على بال المؤمن لا يغفل عنها أبدا. ### || [39.56] # هذا نموذج للنفس حين تتحسر وتلوم نفسها، لماذا أوصلت نفسك إلى هذا ~~الموقف، طلبنا منك أن تنيب إلى الله، وأن تسلم له في أحكامه، وأن ~~تتبع أحسن ما أنزل إليك لترفع عن نفسك الحرج وتجنبها اللوم، ولا تقف ~~هذا الموقف لكنك لم تستجب. كلمة { يحسرتا } [الزمر: 56] هذا أسلوب ~~نداء، فأي شيء ينادي العبد؟ ينادي الحسرة والحزن والأسى يقول: يا حسرتي ~~احضري تعالي، فهذا أوانك، يتحسر على نفسه بعد أن فاتته الفرصة، ~~ومعلوم في النداء أنه لا ينادي إلا النافع لكن الموقف هنا موقف تحسر ~~وندم، والحسرة هنا مضافة لياء المتكلم والألف للإطلاق. ومعنى { على ~~ما فرطت في جنب الله } [الزمر: 56] على ما قصرت في حق الله ~~وفي طاعته، والتفريط هو إهمال ما يجب أن يتقدم، لأن الفرصة إن فاتت لا ~~تعوض، كالتلميذ الذي يهمل دروسه ونراه يهتم مثلا ليلة الامتحان. نقول ~~له: يا بني قبل الرماء تملأ الكنائن هذا مثل يضرب لمن لا يستعد ~~للأمر قبل أوانه، فالصياد يخرج للصيد وقد أعد له أدواته، حتى إذا ما ms8746 ~~وجد صيده بادره قبل أن يهرب، لأن الغزالة مثلا لا تنتظر الصياد حتى ~~يملأ كنانته أو يعد سهمه. إذن: أنت تتحسر على نفسك وتلومها، لأنك لم ~~تستغل الفرصة وأهملت حتى فاتتك وهي لا تعوض، فليس أمامك إذن إلا ~~التحسر وعض أصابع الندم، فكأن الأمرين اللذين سبقا هذه الآية وهما: # وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له.. # [الزمر: 54] # واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم.. # [الزمر: 55] كان ينبغي العمل بهما ليحموا أنفسهم من أن يقولوا ساعة ~~يرون العذاب { يحسرتا على ما فرطت في جنب الله.. } ~~[الزمر: 56] فرحمته تعالى ورفقه بعباده لا يحب منهم أن يقولوا هذه ~~الكلمة، فالله لا يريد لعبده أن يقف موقف التحسر، ولا يرضى له ذلك، ~~فحين يقول لنا: لا تقنطوا من رحمة الله، وأنيبوا، وأسلموا، وابتغوا أحسن ~~ما أنزل إليكم يريد أن ينبه الغافل ويحذر من يفكر في الكفر ويذكره ~~بالعواقب، وبما سيكون منه حين يرى العذاب من حسرة. والحسرة أسف وندم على ~~خير فات لا يمكن تداركه، والكافر لا يتحسر حسرة واحدة إنما حسرات ~~كثيرة ملازمة له، فكلما رأى العذاب الذي ينزل به تحسر، وكلما رأى ~~المؤمنين في نعيم تحسر، وكلما تذكر دنياه تحسر. وقوله تعالى: { ~~وإن كنت لمن الساخرين } [الزمر: 56] يعني: الأمر لم ينته عند ~~حد التفريط والتقصير في جنب الله، إنما تعداه إلى السخرية ممن ~~يقفون في جنب الله، فالذنب مضاعف، وسبق أن ذكرنا نموذجا من سخرية أهل ~~الباطل بأهل الحق، واستهزائهم بهم في قوله تعالى من سورة المطففين: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 29-36]. وكثيرا ما نسمع أهل الباطل يسخرون من أهل الحق: ~~يقولون فلان هذا صللي، يا عم خذنا على جناحك.. إلخ لكن يكفي أهل الإيمان ~~أن الله هو الذي سيأخذ لهم حقهم في دار ms8747 البقاء فإن سخروا منكم في الدنيا ~~الفانية فسوف تسخرون منهم في الباقية الدائمة، وإن ضحكوا منكم ضحكا ~~موقوتا منقطعا فسوف تضحكون منهم ضحكا أزليا باقيا. وفي هذه الآية ~~ملحظ { وإن كنت لمن الساخرين } [الزمر: 56] حين نتتبع كلمة ~~النفس في القرآن الكرم نجد أنها تأتي دائما مؤنثة، كما في قوله تعالى: # ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء # [يوسف: 53] وقوله: # ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس: 7-8]. أما هنا فغلب التذكير، فقال حكاية عن النفس: { وإن ~~كنت لمن الساخرين } [الزمر: 56] ولم يقل الساخرات، لماذا؟ ~~قالوا: النفس مؤنثة، فإن أريد بها الإنسان تذكر. وبعد أن حذرنا الحق ~~سبحانه من موقف التحسر والندامة في الآخرة يحذرنا من شيء آخر تتعرض له ~~النفس حين ترى العذاب، فيقول سبحانه: { أو تقول لو أن الله ~~هداني... }. ### || [39.57-58] # قوله تعالى: { أو تقول } [الزمر: 57] أي: النفس { لو أن ~~الله هداني } [الزمر: 57] أي: في الدنيا { لكنت من ~~المتقين } [الزمر: 57] وهذا عجيب، عجيب أن تكذب حتى في الآخرة، ~~لأن معنى { لو أن الله هداني } [الزمر: 57] أنه سبحانه لم ~~يهدك وهذا كذب. يقول الإنسان مدافعا عن نفسه: إن عدم وجودي في صف ~~المتقين أن الله لم يهدني، هذه كذبة لأن الله هداك ودلك وأرشدك إلى ~~طريق الخير وبين لك الحلال والحرام، لكنك لم تتبع هديه ولم تسر على ~~منهجه { أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة } ~~[الزمر: 58] يعني: عودة ورجعة إلى الدنيا مرة أخرى. كما قال سبحانه في ~~موضع آخر: # حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون # [المؤمنون: 99] هذه كلها أماني كاذبة فلا تصدقوهم، فلو رجعوا لعادوا ~~لما كانوا عليه وكما كذبوا في الأولى { لو أن الله هداني } ~~[الزمر: 57] كذبوا في { فأكون من المحسنين } [الزمر: 58]. ~~والكذب قد يتصور من الإنسان في الدنيا، لكن عجيب أن يكذب في الآخرة، ~~وهو بين يدي ربه عز وجل، لذلك سيقول الحق بعدها: # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة # [الزمر: 60]. والظاهر أن الكذب علق معهم وتعودوا عليه حتى أخذوه ms8748 معهم ~~في الآخرة. ثم يرد الحق على هذا الكذب فيقول سبحانه: { بلى قد ~~جآءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت... }. ### || [39.59] # كلمة بلى حرف جواب لا يأتي إلا بعد نفي، فيفيد إثبات المعنى المنفي ~~قبله، كما في قوله تعالى: # ألست بربكم # [الأعراف: 172] فيأتي الجواب # قالوا بلى # [الأعراف: 172] يعني: لا، أنت ربنا، والقاعدة أن نفي النفي إثبات، ~~ومثله: # أليس الله بأحكم الحاكمين # [التين: 8] على من يسمعها أن يقول: بلى يا رب، يعني: لا.. أنت أحكم ~~الحاكمين. إذن: فأين النفي السابق على قوله هنا { بلى قد جآءتك ~~آياتي } [الزمر: 59] قالوا: كونه نفي الهداية في قوله: # لو أن الله هداني # [الزمر: 57] لذلك جاء الجواب بلى يعني: لا بل هديناك { قد جآءتك ~~آياتي فكذبت بها } [الزمر: 59] والآيات جمع آية، وهي الشيء ~~العجيب الملفت للنظر الداعي إلى التأمل والتفكر للعقل وللبصيرة. والآيات ~~كما ذكرنا على ثلاثة أنواع: آيات كونية تدل على قدرة المكون سبحانه ~~كقوله تعالى: # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر # [فصلت: 37]. # ومن آياته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم ~~من فضله # [الروم: 23]. وهذه الآيات الكونية التي تلفتنا إلى المكون الأعلى هي ~~الوسيلة الأولى للإيمان بالله، لذلك كلنا استنبط العلماء في الكون شيئا ~~جديدا أو اكتشفوا جديدا وجدنا له أصلا في كتاب الله، قالها الحق ~~سبحانه منذ أربعة عشر قرنا من الزمان. هذه الآيات الكونية يظهرها الحق ~~سبحانه حتى على أيدي الكافرين به، لذلك حذرنا أن يتدخل علماء الشرع ~~والفقهاء في علوم الدنيا والكونيات لأن الكونيات لها علماء اختصوا بها، ~~وسوف يخدم هؤلاء الدين وقضية الإيمان بالله، وسيظهرون لكم الأسانيد ~~والأدلة على وجوب الإيمان بالله صاحب هذا الكون ومكونه. إذن: فهؤلاء ~~العلماء يتعبون ويفكرون ويبحثون في الكونيات لخدمة المؤمن بالله وخدمة ~~الدين، فهم - وإن كانوا كافرين بالله - جند من جنود الحق، وصدق الله ~~تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. والعجيب أنهم سيحرمون الأجر على هذا الجهد المبذول، لأنهم ~~فعلوا ذلك وتوصلوا إلى ما توصلوا إليه، وليس في بالهم الحق سبحانه، ~~إنما ms8749 في بالهم خدمة الإنسانية، فليأخذوا أجورهم من الإنسانية، وفعلا ~~كرمتهم الإنسانية وصنعت لهم التماثيل، واحتفلت بهم لذلك ليس لهم نصيب ~~في الآخرة. وينطبق عليهم قوله تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. وقوله: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. يعني: فوجئ بأن للكون إلها خالقا، فوجئ بالحساب والجزاء، ~~وهذه أمور لم تكن على باله في الدنيا. النوع الثاني من الآيات هي ~~المعجزات التي تصاحب الرسالات، لتدل على صدق الرسول في البلاغ عن ربه، ~~ومنها قوله تعالى: # ولقد آتينا موسى تسع آيات.. # [الإسراء: 101]. أما النوع الأخير فهي الآيات القرآنية التي تحمل أحكام ~~الدين، والتي قال الله فيها هنا: { بلى قد جآءتك آياتي ~~فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين } [الزمر: ~~59]. # وقوله تعالى: { واستكبرت } [الزمر: 59] استكبر يعني: طلب أن ~~يكون كبيرا، يعني: لم يتكبر فحسب، إنما طلب ذلك وسعى إليه لكنه لم يجب ~~لذلك لأن الذي يستكبر لا بد أن يكون في غنى عمن استكبر عليه، وإذا ~~كنت في ملك الله وتحت سلطانه وتأكل من رزقه وتعيش في خيره، فكيف تتكبر ~~عليه؟ ثم إن المتكبر ينبغي أن يتكبر بشيء ذاتي فيه لا يسلب منه لذلك ~~الذين يتكبرون في الدنيا إنما ينازعون الله صفته لأنهم يتكبرون بلا ~~رصيد، ومن من الخلق عنده ذاتية لا تسلب منه، لذلك نرى من يتكبر ~~بعز يذله الله، ومن يتكبر بغنى يفقره الله، ومن يتكبر بصحته ~~وعافيته يمرضه الله. إذن: التكبر الحق أن تتكبر بشيء تملكه لا يسلب ~~منك، وشر المتكبرين من يتكبر على ربه وخالقه والقادر على أن يسلب منه ~~كل شيء، أما الذي يتكبر على الخلق فغافل عن عظمة ربه وكبريائه لأنه لو ~~عرف عظمة ربه وكبرياءه لاستحى أن يتكبر وأن ينازع الله صفة من صفاته. ### || [39.60] # قوله سبحانه: { الذين كذبوا على الله } [الزمر: 60] أي: في ~~قولهم: # لو أن الله هداني # [الزمر: 57] وفي غيرها لأن الله ms8750 هداك ودلك وأرشدك حين بعث لك الرسل ~~مؤيدة بالمعجزات، وأنزل لك الكتب وبين لك الحلال والحرام، وكذبوا ~~في غير ذلك كالذين قالوا: # إن الله فقير ونحن أغنيآء # [آل عمران: 181] وكالذين قالوا: # يد الله مغلولة # [المائدة: 64] ومثلهم الذين ادعوا أن مع الله آلهة أخرى. كل هؤلاء كذبوا ~~على الله لذلك يأتون يوم القيامة { وجوههم مسودة } [الزمر: ~~60] نعم مسودة لأنهم الآن يواجهون الحق الذي كذبوا عليه، فلابد أن ~~تكون وجوههم مسودة عليها غبرة ترهقها قترة مما فعلوه. وهذا ليس ذما ~~للسواد في ذاته، لأن السواد خلق من خلق الله لا يذم في ذاته، فقد ~~ترى الرجل أبيض اللون، لكن تعلوه قتامة وقتر، فتجد وجهه مظلما والعياذ ~~بالله، وهذا أثر المعاصي والذنوب على الوجه في الدنيا قبل الآخرة. وترى ~~العبد الزنجي كأن وجهه زبيبة، لكن يعلوه ضياء وإشراق، وتجد على وجهه ~~علامات الصلاح، وكأن وجهه يتلألأ نورا ولا تزهد أبدا في النظر إليه ~~لذلك يقول سبحانه وتعالى: # وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ~~ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * ~~أولئك هم الكفرة الفجرة # [عبس: 38-42]. إذن: الوصف لا يمدح ولا يذم لذاته، والسواد والبياض هنا ~~ليس هو السواد كما نعرفه في الدنيا فهي عملية نسبية، وكنت أرى بعض ~~الصالحين وكأن في وجهه كشافا يضيء، وتبدو الفرحة على وجهه وكأن نور ~~اليقين وبشاشة الإيمان تعدت داخله ونضحت على وجهه نورا ونضارة، وهو ~~صاحب بشرة سوداء مثل الأبنوس. ومثل هذا نجده في قوله تعالى: # إن أنكر الأصوات لصوت الحمير # [لقمان: 19] فهل يذم صوت الحمير إن صدر منها؟ لا لأن الخالق خلقه على ~~هذه الصورة، وعلو صوت الحمار لحكمة لأنه قد يختفي مثلا وراء جبل أو ~~تل عال، فلا يهتدي إليه صاحبه إلا من خلال صوته، لكن يذم علو ~~الصوت في الإنسان، فهو أنكر الأصوات إن صدر منه ما يشبه صوت الحمار. ~~كذلك في: # مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ~~كمثل الحمار يحمل أسفارا # [الجمعة: 5] فليس هذا ذما للحمار، لأن الحمار في الحمل يؤدي مهمة وهي ms8751 ~~الحمل فحسب، فهو يحمل حمله دون تبرم ودون اعتراض، لكن يذم الإنسان ~~إن تشبه بالحمار فارتضى لنفسه أن يحمل فقط دون أن يعي ما يحمله، ~~ودون أن يفهم، وأن يطبق ما علم. وقوله: { أليس في جهنم ~~مثوى للمتكبرين } [الزمر: 60] هذا استفهام منفي نجيب عليه ~~فنقول: بلى يا رب، يعني: لا بل لهم مثوى في جهنم، والمعنى: ماذا يظنون؟ ~~أيظنون أنه لا محل لهم فيها ولا مكان، إن مكانهم جاهز ومعد ~~بأسمائهم ينتظرهم ويشتاق إليهم، فليس في جهنم أزمة مساكن كما قلنا. فالحق ~~سبحانه خلق أزلا الخلق، وجعل لكل واحد منهم مكانا في الجنة على اعتبار ~~أن الخلق جميعا سيؤمنون بالله، وجعل لكل واحد منهم مكانا في النار على ~~اعتبار أن الخلق سيكفرون، فإذا ما دخل أهل الجنة الجنة، ودخل أهل ~~النار النار وزعت أماكن أهل النار المعدة لهم لو آمنوا على أهل ~~الجنة، كما قال سبحانه: # وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الزخرف: 72]. ومعنى مثوى أي: مكان إيواء وإقامة دائمة { ~~للمتكبرين } [الزمر: 60]. ### || [39.61] # هذا هو المقابل، فالكافرون مثواهم وإقامتهم في جهنم، أما المؤمنون ~~فينجيهم ربهم { بمفازتهم } [الزمر: 61] أي: بفوزهم ونيلهم ~~لمرادهم. ونعيم الآخرة ينال بشكلين: إما أن يدخل المؤمن الجنة ~~بداية، وإما أن يكون من أهل النار لكن تتداركه رحمة الله فيزحزح عنها ~~إلى الجنة. كما قال سبحانه: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز # [آل عمران: 185] نعم فاز الفوز الأكبر لذلك يسمون الصحارى مفازة مع ~~أنها مهلكة ينقطع فيها السائر، لكن سموها مفازة تيمنا أن ينجو ~~سالكها، وكما يسمون اللديغ من الثعبان أو الحية يسمونه السليم، أملا في ~~أن يسلم من لدغتها. وإذا ما نجاهم الله وكتب لهم الفوز فقد سلموا من ~~مجرد مس العذاب { لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون } ~~[الزمر: 61] لأن كل المشاهد التي يرونها تفرحهم، ولا شيء يحزنهم أبدا، ~~كما قال سبحانه في موضع آخر: # لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة ~~هذا يومكم الذي كنتم توعدون # [الأنبياء: 103]. ### || [39.62] # بعد أن ذكر الحق سبحانه وعده ms8752 ووعيده وبين عاقبة الكافرين وعاقبة ~~المؤمنين عاد إلى قضية عقدية أخرى { الله خالق كل شيء } ~~[الزمر: 62] وكأنه يقول: ما الذي صرفهم عن أن يؤمنوا بالله الإله الحق، ~~وهو سبحانه خالق كل شيء؟ بعضهم أخذ هذه الآية { الله خالق كل ~~شيء } [الزمر: 62] ونسب كل الأفعال إلى الله، فالله في نظرهم خالق كل ~~شيء، خالق الإيمان وخالق الكفر، وخالق الطاعة وخالق المعصية، وبالتالي ~~قالوا: فلم يعذب صاحبها؟ نقول: هناك من يتعصب لقدرة الحق فيقول: كل شيء ~~بقدرته تعالى، وهناك من يتعصب للعدالة فيقول: إن الإنسان هو الذي يفعل ~~وهو الذي يسعى لنفسه، لذلك يثاب على الطاعة ويعاقب على المعصية، وهذا ~~خلاف ما كان ينبغي أن يوجد بين علماء لأن الطاعة أو المعصية فعل، ~~والفعل ما هو؟ الفعل أداء جارحة من الجسم لمهمتها. فالعين ترى، لكن ~~الخالق سبحانه وضع للرؤية قانونا، وجعل لها حدودا، فالعين ترى ما ~~أحل لها وتغض عما حرم عليها، كذلك الأذن واليد والرجل ~~واللسان.. إلخ فإن وافقت في الفعل أمر الشرع فهو طاعة، وإن خالفت أمر ~~الشرع فهي معصية. فمثلا الرجل الذي يرفع يده ويضرب غيره، بالله هل هو ~~الذي جعل جارحته تفعل أم أنه وجه الجارحة لما تصلح له؟ إنه مجرد ~~موجه للجارحة، وإلا فهو لم يخلق فيها الفعل، بدليل أنه لا يعرف ~~العضلات التي تحركت فيه، والأعصاب التي شاركت في هذه الضربة. إذن: نقول ~~إن الفعل شيء، وتوجيه الجارحة إلى الفعل شيء آخر، فالفعل كله مخلوق لله، ~~فهو سبحانه الذي أقدر الأيدي أن تضرب، وهو الذي أقدرها أن تمتد بالخير ~~للآخرين، الخالق سبحانه هو الذي أقدر لسان المؤمن أن يقول: لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله، وأقدر لسان الكافر أن ينطق بكلمة الكفر والعياذ ~~بالله، العين في استطاعتك أن تنظر بها إلى الحلال، وفي استطاعتك أن تنظر ~~بها إلى الحرام. إذن: أقدر الله كل جارحة على المهمة التي تؤديها، فإن ~~كانت هذه المهمة موافقة للشرع فهي طاعة، وإن كانت غير موافقة له فهي ~~معصية، وعليه نقول: ms8753 إن الله تعالى هو خالق الفعل على الحقيقة. إذن: ما ~~فعل العبد في المعصية حتى يعاقب عليها؟ وما فعله في الطاعة حتى يثاب ~~عليها؟ إن فعل العبد ودوره هنا هو توجيه الطاقة التي خلقها الله فيه، هذه ~~الطاقة التي جعلها الله صالحة لأن تفعل الشيء وضده، فالقدرة على الفعل ~~ليست من عندك، إنما من عند الله، وعليك أنت توجيه الطاقة الفاعلة. فمن ~~نظر إلى الفعل فالفعل كله لله { الله خالق كل شيء } [الزمر: ~~62] ومن نظر إلى التوجيه والاختيار فهو للعبد لذلك نقول: إن العاصي لم ~~يعص غصبا عن الله، والكافر لم يكفر بعيدا عن علم الله وإرادته، لأن ~~الحق سبحانه لو شاء لجعل الناس جميعا أمة واحدة على الطاعة والإيمان، ~~لكن ترك لهم الاختيار وتوجيه الأفعال ليرى سبحانه - وهو أعلم بعباده - ~~من يأتيه طواعية وباختياره. # لذلك تأمل قوله سبحانه: # إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. فمن الخطأ أن نقول: إن الإنسان وحده هو المخير، إنما ~~الكون كله مخير أمام الحق سبحانه، لكن الفرق بين اختيار السماوات ~~والأرض واختيار الإنسان أن السماوات والأرض لما خيرت اختارت أن تتنازل ~~عن مرادها لمراد خالقها سبحانه، فهي اختارت بالفعل، اختارت ألا تكون ~~مختارة، وأن تكون مقهورة لمراد ربها، أما الإنسان فقبل الأمانة واختار ~~أن يكون مختارا أمام خيارات متعددة. وسبق أن أوضحنا الفرق بين تحمل ~~الأمانة وأداء الأمانة، وأن العبد قد يضمن نفسه عند التحمل، لكن لا يضمن ~~نفسه عند الأداء، فهي إذن أمر ثقيل، لذلك وصف الحق سبحانه الإنسان في ~~تحمله وتعرضه للأمانة بأنه ظلوم وجهول. إذن: إياك أن تدخل في متاهة ~~فتفهم قوله تعالى: { الله خالق كل شيء } [الزمر: 62] على ~~غير وجهه، فتقول: خالق كفر الكافر وعصيان العاصي، فلماذا يعذبهم؟ لأن ~~الكافر هو الذي اختار الكفر ووجه طاقة الله لغير ما أراد الله، والعاصي ~~كذلك وجه طاقة الله إلى خلاف ما أمر به الله. وهناك من يقول في { ~~الله ms8754 خالق كل شيء } [الزمر: 62] أن الكلية هنا إضافية، كما ~~في قوله تعالى في قصة بلقيس: # وأوتيت من كل شيء # [النمل: 23] يعني: لم تؤت بكل شيء فمن هنا للتبعيض، والمعنى: أنهم ~~يريدون أن يخرجوا فعل العباد من هذه المسألة، وهذا لا يجوز. وقوله ~~تعالى: { الله خالق كل شيء } [الزمر: 62] خبر أخبر به الحق ~~سبحانه يحتمل ويحتمل، لكن أدلة صدق هذا الخبر نشأت حتى من الكافرين ~~بالله، كما قال سبحانه: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]. وقال سبحانه وتعالى: # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله # [لقمان: 25]. إذن: فالظرف والمكان والمكين من خلق الله، والله قد أخبر ~~هذا الخبر وبلغه رسول الله، وفي القوم من جحدوا الله وأنكروه ~~وادعوا له شركاء، ومع ذلك لم ينقض أحد هذه الدعوى ولم يقل أحد: إني ~~خالق هذا الكون. والدعوى تسلم لصاحبها ما لم يقم لها معارض، ومعلوم ~~أن الإنسان يدعي ما ليس له، فلو كان له شيء من الخلق ما سكت عنه. ثم ~~إن الإنسان طرأ على هذا الكون، فوجده كما هو الآن بسمائه وأرضه، فكيف ~~يدعي أنه خالقه وهو أقدم منه، بل وخلقه أعظم من خلقه # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. فإذا ما جاءنا رسول نعلم صدقه يخبرنا بأن لهذا الكون خالقا ~~صفته كذا وكذا كان يجب علينا أن نرهف له الآذان لنسمع حل هذا اللغز، ~~ومثلنا لذلك برجل انقطع في صحراء مهلكة حتى شارف على الموت وفجأة ~~وجد مائدة عليها أطايب الطعام والشراب، بالله ماذا يفعل قبل أن تمتد ~~يده إلى الطعام؟ إنه لا بد أن يسأل نفسه: من أين جاءت هذه المائدة؟ ~~إذن: { الله خالق كل شيء } [الزمر: 62] خبر عليه دليل من ~~الوجود، ودليل من المعاندين للخالق سبحانه، والحقيقة أنهم لا يعاندون ~~الحق من أجل مسألة الخلق، إنما يعاندونه اعتراضا على شرعه وأحكامه، ~~لأن هذه الأحكام ستقيد نفوسهم فلا تنطلق في شهواتها، والإيمان له تبعات ~~ووراءه حساب وعقاب وجزاء، وإلا لماذا عبدوا ms8755 الأصنام؟ عبدوها لأنها آلهة ~~لا منهج لها ولا تكاليف، فهي ترضي فطرة التدين عندهم بأن يكون له ~~معبود يعبده، وما أجمل أن يكون هذا المعبود لا أمر له ولا نهي ولا ~~تكاليف. إذن: قولهم: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] لفظ العبادة هنا لفظ خاطئ، لأن معنى العبادة: طاعة العابد ~~لأمر معبوده ونهيه، وهذه الأصنام ليس لها أمر ولا نهي. وقوله سبحانه: { ~~وهو على كل شيء وكيل } [الزمر: 62] الوكيل: هو الذي ~~توكله أنت في العمل الذي لا تقدر عليه كما في قصة سيدنا موسى - عليه ~~السلام - لما قال له قومه: # إنا لمدركون # [الشعراء: 61] وهم ساعتها على حق لأن البحر من أمامهم، وفرعون وجنوده ~~من خلفهم، فكل الدلائل تؤيد قولهم # إنا لمدركون # [الشعراء: 61]. لكن لموسى عليه السلام نظرة أخرى وشأن آخر، إنه موصول ~~بربه معتمد عليه ومتوكل عليه، يعلم علم اليقين أن الله وكيله فيما يعجز ~~هو عنه لذلك رد عليهم وقال كلا لم يقلها من عندياته، إنما قالها برصيد ~~من إيمانه بربه وثقته بنصره # كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. ويقول تعالى في التوكل عليه: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.. # [النمل: 62]. وقال سبحانه: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه.. # [الإسراء: 67] فالله وكيل لعباده جميعا حتى الكافر منهم لذلك نرى من ~~كفر بالله حين لا تسعفه أسبابه أو تضيق عليه أموره، يقول: يا رب لأنه لا ~~يخدع نفسه ولا يغش نفسه. فكما صدق الحق سبحانه في الإخبار بأنه { خالق ~~كل شيء } [الزمر: 62] صدق في الإخبار بأنه { على كل شيء ~~وكيل } [الزمر: 62] ألا ترى الزرع مثلا يزرعه الفلاح ويرعاه، فتراه ~~نضرا جميلا لكن قبل الحصاد تجتاحه جائحة أو تحل به آفة فتهلكه، بالله ~~من عند من هذه الآفة؟ من عند خصومك وأعدائك؟! لا.. بل هي من عند الله. ~~وما دام أن الله تعالى هو خالق كل شيء وهو وكيل على كل شيء، فلا بد أن ~~يكون له ملك السماوات والأرض لذلك قال بعدها: { له ms8756 مقاليد ~~السموت والأرض... }. ### || [39.63] # القرآن عربي نزل بلغات العرب المتداولة ساعة نزوله، ومع ذلك ففي القرآن ~~كلمات وألفاظ فارسية أو حبشية أو رومية وهذه الألفاظ لا تخرجه عن كونه ~~عربيا، لأنها دخلت لغة العرب قبل نزول القرآن واستعملها العربي وعرفها، ~~وصارت جزءا من لغته. ومن هذه الكلمات مقاليد فلله { مقاليد ~~السموت والأرض } [الزمر: 63] وهي جمع مقلاد على وزن مفتاح، ~~أو جمع مقليد، وفي لغة أخرى يقولون أقاليد جمع إقليد. ومعناها التملك ~~والتصرف والحفظ والصيانة، فلله تعالى ملك السماوات والأرض، وله مطلق ~~التصرف في أمورهما، وله سبحانه حفظهما وتدبير شئونهما. وهذه هي القيومية ~~التي لله تعالى ليظل كل شيء من خلقه في مهمته، فالحق سبحانه خلق من ~~عدم، وأمد من عدم، وشرع الشرائع، وسن القوانين، ثم لم يترك الخلق ~~هكذا يسير بهذه القوانين كما يدعي البعض، إنما هو سبحانه قائم على خلقه ~~قيوم عليهم، لا يغفل عنهم لحظة واحدة، واقرأ: # إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده.. # [فاطر: 41]. ولو أن الكون يسير بالقوانين التي خلقها الله فيه - كما ~~يقول الفلاسفة - لكانت الأمور تستقر على شيء واحد لا يتغير، بمعنى أن ~~يظل الصحيح صحيحا، ويظل العزيز عزيزا، والغني غنيا.. إلخ لكن ~~الأمر غير ذلك، لأن لله في خلقه قيومية وتصرفا. وقد سأل سيدنا عثمان ~~- رضي الله عنه - سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقاليد السماوات ~~والأرض، فقال: # " يا ابن عفان، ما سألني أحد قبلك عنها، مقاليد السماوات والأرض هي: لا ~~إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله العظيم، ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن، بيده الخير يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. تلك مقاليد ~~السماوات والأرض ". # هكذا فسر رسول الله كلمة مقاليد السماوات والأرض بأنها كلمات ذكر، ~~كأن الكون كله قائم بهذه الكلمات العقائدية. فكلمة لا إله إلا الله تعني ~~أن الله واحد لا شريك له، فإذا قضى أمرا لا يعارضه ms8757 معارض، ولا يعترض ~~عليه معترض، إن أعطى لا أحد يمنع عطاءه، وإن منع فلا معطي لما منع ~~لذلك يقول سبحانه: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له # [الحج: 73] بل ما هو أيسر من عملية الخلق # وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه # [الحج: 73] وهل تستطيع أن تسترد من الذبابة ما أخذته من العسل مثلا ~~إن وقعت عليه # ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73]. لذلك هذه الكلمة لا إله إلا الله قالها الحق سبحانه أولا ~~وشهد بها لنفسه سبحانه شهادة الذات للذات، وهذه الشهادة تعني أنه لا ~~يتأبى على الله شيء من الخلق أبدا لذلك يقول للشيء: كن فيكون. # ثم شهدت بذلك الملائكة شهادة المشاهدة، ثم شهد بها أولو العلم شهادة ~~استدلال، قال تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط # [آل عمران: 18] فكلمة لا إله إلا الله مقلاد من المقاليد التي لله ~~تعالى. كذلك كلمة الله أكبر من مقاليد السماوات والأرض، وسبق أن بينا ~~أن كلمة الله أكبر هي شعارنا في النداء للصلاة، مع أن أكبر ليس من أسمائه ~~تعالى إنما من أسمائه تعالى الكبير، فلماذا لم يستخدم الاسم واستخدم في ~~النداء للصلاة الصفة أكبر. قلنا: إنها أفعل تفضيل من كبير لأن ربك حين ~~يستدعيك للصلاة يخرجك من عمل الدنيا، هذا العمل ليس أمرا هينا ولا ~~تافها إنما هو عظيم وكبير، لأن به تقوم أمور الدنيا، وبه تستعين على ~~أمور الدين، فهو وإن كان كبيرا فالله أكبر، فاترك العمل إلى الصلاة، أما ~~الاسم الكبير لأن ما سواه صغير. وكلمة سبحان والله وبحمده من مقاليد ~~السماوات والأرض، لأنك ستتعرض لأمور هي فوق إدراكك ولا يقدر عليها إلا ~~الله، فإياك أن تقف أمامها لتقول: كيف؟ إنما حين ينسب الفعل إلى الله ~~فقل سبحان الله، وهذه المسألة أوضحناها في قصة الإسراء لذلك بدأت بهذه ~~الكلمة # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا # [الإسراء: 1]. ولا غرابة في ذلك، لأن الفعل نسب إلى ms8758 الله ولم يقل محمد ~~صلى الله عليه وسلم: # " سريت إنما قال: أسري بي " # ومعلوم أن الفعل يتناسب وفاعله قوة وزمنا، فإذا كان الفاعل هو الله ~~فلا زمن يذكر. ومثلنا لذلك قلنا: لو أنك تريد السفر إلى الإسكندرية ~~مثلا تركب حمارا أو جوادا أو سيارة أو طائرة أو صاروخا، هل سيكون ~~الزمن نفس الزمن؟ لا لأن الزمن يتناسب مع قوة الوسيلة، فكلما زادت ~~القوة قل الزمن، فإذا كان الفاعل في الإسراء هو قوة القوى وهو الله، ~~فلا شك أن الفعل لا يحتاج إلى زمن. حين تتأمل الدم يجري في الشرايين لا ~~بد أن يكون على درجة معينة من السيولة ليجري، فإن قلت هذه السيولة ~~تجلط وتجمد في مجاريه، وقد تسد الشرايين فيموت الإنسان، لكن إذا سال ~~الدم خارج الجسم يتجلط، أما في العروق فيظل على سيولته. تأمل حرارة ~~الجسم تجد الحرارة الطبيعية 37 سواء أكنت تعيش في بلاد الإسكيمو أو ~~بجوار خط الاستواء حرارتك ثابتة عند 37 ، ومع ذلك ففي جسم الإنسان أعضاء ~~تختلف في حرارتها وهي في الجسم الواحد، فالعين مثلا حرارتها الطبيعية ~~تسع درجات، والكبد أربعون درجة، ولو طغت حرارة الجسم على حرارة العين ~~لفقد الإنسان بصره. ومن المعروف أن من خصائص الحرارة أو البرودة خاصية ~~الاستطراق، فكيف لا تستطرق الحرارة والبرودة داخل الجسم الإنساني؟ هذه ~~كلها أمور يجب أن نقول فيها: سبحان الله صاحب هذه القدرة ومبدعها. # إذن: قل دائما سبحان الله في كل أمر مستغرب لذلك علمنا القرآن هذه ~~الكلمة في كل فعل لا يقدر عليه إلا الله. قال سبحانه: # سبحان الذى أسرى # [الإسراء: 1] وقال: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36]. وكلمة سبحان الله ينبغي أن تقرن بحمده سبحانه، فكأنك تحمد ~~الله أنه منزه عن مماثلة الخلق أو مشابهة الخلق، الحمد لله أنه لا ~~مثيل له ولا نظير له ولا ند له، لأن هذا التنزيه تعود ثماره عليك أنت ~~أيها المؤمن. وكلمة أستغفر الله العظيم من مقاليد السماوات والأرض، ms8759 فإن ~~غفلت عني فمن مقاليدي أن أغفر لك إن استغفرت حتى لا أحرمك من التوبة ~~والإنابة إلي ومغفرة الدنيا محو للذنب، فهي مظهر من مظاهر رحمته ~~تعالى بنا لأن العبد إن أغلقنا في وجهه باب التوبة استشرى في العصيان، ~~وتمادى في الاعتداء على الآخرين. إذن: فمشروعية التوبة رحمت البشر من ~~شرور البشر. وكلمة " لا حول ولا قوة إلا بالله " هي أيضا من مقاليد ~~السماوات والأرض، فإذا أقبلت على شيء: فإياك أن تظن أنك تقبل عليه بحولك ~~وقوتك، إنما لا حول ولا قوة لك إلا بالله، لأنه سبحانه هو الذي يستطيع ~~أن يسلب منك الحول، وأن يسلب منك القوة. أما تفكرت في يدك.. كيف تحركها ~~كيفما تشاء في يسر وسلاسة، وهي تنقاد لك وتطاوعك، وأنت لا تعرف حتى ~~العضلات والأعصاب التي تشارك في هذه الحركة ولا تدري بها؟ إنها قدرة الله ~~فيك، فإذا أراد سبحانه أن يسلب منك هذه القوة منع السيال الكهربي القادم ~~من المخ إلى هذا العضو فتحاول رفعه فلا تستطيع. إذن: اجعل هذه المسألة ~~دائما في بالك كلما أقبلت على عمل، واعلم أنه لا يتم لك بقوتك إنما ~~بقوة الله. وكلمة " هو الأول والآخر والظاهر والباطن " من مقاليد ~~السماوات والأرض، فهو سبحانه الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية، كما ~~قلنا في دعاء رمضان: يا أول لا قبل آخر، ويا آخر لا بعد أول، لكن ذاك في ~~ذاك فقف أيها العقل عند منتهاك. ومعنى: الظاهر أي الظاهر في ملك الله ~~مما يقع تحت إدراك البصر، والباطن: أي الخفي في ملكوت الله الذي لا ~~تراه، فلله تعالى ملك ظاهر وملكوت غير ظاهر لا يطلع عليه إلا من ~~شاء من عباده في الوقت الذي يريده سبحانه. وكلمة " بيده الخير " هي أيضا ~~من المقاليد، وبعض العلماء قالوا: بيده الخير والشر ونظروا إلى قوله ~~تعالى: # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير # [آل عمران: 26]. فلما ms8760 جمعت الآية بين الشيء ونقيضه جرأتهم أن يقولوا ~~بيده الخير والشر وهذا لا يجوز، نعم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ~~بيده الخير " تأدبا مع الله ولم ينسب الشر لله، ونحن كذلك لا ننسب الشر ~~إلى الله تعالى، لذلك أنا منذ عام 1928 وأنا نعترض على قولنا في الدعاء: ~~" واكفنا شر ما قضيت " وقلت: لابد أن يعدل هذا الدعاء، ثم هدانا الحق ~~سبحانه لحلها فقلنا: إن شر ما قضيت ألا ترضى بالقضاء. ولو تأملنا لفظ ~~" بيده الخير " وفي الآية # بيدك الخير # [آل عمران: 26] نجد أن الخير هنا مطلق بمعنى أن كل أفعال الحق سبحانه ~~خير، ولا يأتي الشر إلا من الخلق، واقرأ: # مآ أصابك من حسنة فمن الله ومآ أصابك من ~~سيئة فمن نفسك # [النساء: 79]. فإن قلت: كيف نجمع بين مثل هذه الآية وبين قوله ~~تعالى: # قل كل من عند الله # [النساء: 78] نقول: سبق أن أوضحنا حل هذه الفزورة وقلنا: نعم كل من ~~عند الله بمعنى أن الله تعالى هو خالق الفعل بمعنى خالق القوة والطاقة ~~التي تفعل، لكن أنت توجه هذه الطاقة إما إلى الخير وإما إلى الشر، وعليه ~~نقول: الخير من الله والشر منا نحن. وقوله: " يحيي ويميت " أيضا من ~~المقاليد والموت والحياة هما أول ظاهرة في وجود الإنسان، والخالق سبحانه ~~خلق الحياة وخلق الموت، ولما حدثنا عن ذلك قال تعالى: # الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم ~~أحسن عملا وهو العزيز الغفور # [الملك: 2]. فذكر الموت أولا حتى لا نستقبل الحياة بغرور البقاء، بل ~~نستقبلها وفي الأذهان أننا سننتهي إلى الموت فنعمل لهذه النهاية # وهو على كل شيء قدير # [الروم: 50] يعني: يفعل ما تعجز أنت عن فعله، وله سبحانه القدرة المطلقة ~~فلا يعجزه شيء، ولا يستعصي عليه شيء، لذلك حين تطلب من ربك الرزق اطلب ~~أن يرزقك من حيث لا تحتسب، لأن لله تعالى أسبابا للرزق لا تعرفها أنت، ~~لذلك قال أهل المعرفة: الأسباب ستر ليد الله في العطاء. إذن: فقوله تعالى ~~{ له مقاليد السموت والأرض } [الزمر: 63] أي: ms8761 بقدرته ~~الخالقة وبقيوميته الدائمة { والذين كفروا بآيات الله } ~~[الزمر: 63] سواء أكانت آيات كونية أو معجزات رسل، أو آيات الكتاب حاملة ~~الأحكام، ومعنى كفروا بها أي: استعلوا على تنفيذها { أولئك هم ~~الخاسرون } [الزمر: 63] يعني: صفقتهم خاسرة، وتجارتهم بائرة، لأنهم ~~آثروا الشهوة العاجلة على النعيم الدائم الذي لا يفوتك ولا تفوته. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { قل أفغير الله تأمروني أعبد... ~~}. ### || [39.64] # تذكرون ما كان من أمر كفار مكة لما عاندوا رسول الله وصادموه وتأبوا ~~على دين الله، ومع ذلك انتشر الإسلام وزاد أتباعه، فحاول الكفار مهادنة ~~رسول الله فقالوا له: يا محمد تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فرد ~~الله عليهم قل يا محمد ردا عليهم { أفغير الله تأمروني ~~أعبد أيها الجاهلون } [الزمر: 64] والاستفهام هنا للتعجب ~~والإنكار، أتريدون مني وأنا رسول الله وأمينه على وحيه ورسالته أن ~~أعبد غيره، وكلمة تأمروني ورد فيها عدة قراءات: تأمروني بتشديد النون ~~وتأمرونني، والنون هنا للوقاية يعني: تقي الفعل من الكسر، وتأمروني بياء ~~واحدة. وكلمة أعبد أصلها أن أعبد فلما حذفت أن جاء الفعل على ~~طبيعته بالرفع، وهذه الكلمة دلت على أن عبادة الأصنام أو عبادة غير ~~الله باطلة أصلا في العقل، لأن العبادة كما ذكرنا طاعة العابد للمعبود، ~~والأصنام لا منهج لها نطيعها أو نعصيها. لذلك وصف عابديها بالجهل { ~~أيها الجاهلون } [الزمر: 64] ولابد أن نفرق بين الجاهل والأمي: ~~الأمي أفضل من الجاهل، لأنه خالي الذهن ليست عنده قضية يتمسك بها، ~~لذلك يسهل عليك إقناعه، أما الجاهل فليس خالي الذهن بل لديه قضية خاطئة ~~مخالفة للواقع وهو متمسك بها لذلك يحتاج إلى جهد مضاعف، أولا لتخرج من ~~عنده القضية الخاطئة، ثم تدخل عليه القضية الصحيحة. لذلك قال الحق ~~سبحانه وتعالى: # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه # [الأحزاب: 4]. وسبق أن تكلمنا في مسألة الحيز وأن الحيز الواحد لا يتسع ~~إلا لشيء واحد، لذلك نلاحظ مثلا حين نملأ القلة بالماء تخرج فقاعات ~~الهواء أولا قبل أن يدخل الماء، كذلك القضية الفاسدة في قلب الجاهل لا ~~بد ms8762 أن تخرج أولا حتى يقبل الصواب، وكلما وافقت القضية هواه كان ~~خروجها أصعب، ومن هنا كان الجاهل أشق على المعلم من الأمي. ومسألة ~~الحيز هذه قضية فطرية ينتهي إليها الفيلسوف والطفل وراعي الشاة، ألا ترى ~~الطفل الصغير يجلس مثلا بجوار والده فإن أراد أخوه أن يجلس مكانه قام ~~له وأجلسه، لماذا؟ لأنه يعرف هذه القضية، وأن المكان الواحد لا يتسع إلا ~~لشيء واحد. إذن: وصف الكفار بالجهل لأنهم مؤمنون بقضية خاطئة متمسكون ~~بها، ومن الصعب زحزحتهم عنها وهي قضية الشرك بالله، وأي جهل بعد عبادة ~~الأصنام؟ ثم يقول الحق سبحانه: { ولقد أوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك... }. ### || [39.65] # هذه الآية تبين علة الاستفهام والتعجب في: # أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون # [الزمر: 64] يعني: كيف تأمرونني بذلك، وأنا الرسول المؤتمن على الدين ~~والوحي، وقد أوحى الله إلي وإلى الذين من قبلي { لئن أشركت ~~ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين } [الزمر: 65] ~~هذه علة تجهيلهم في قولهم لرسول الله: نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة. ~~ومعنى { وإلى الذين من قبلك } [الزمر: 65] أي: الرسل ~~السابقين، لأن كل واحد منهم قوبل بهذه القضية، لكن هل يعقل من الرسل ~~أن يشركوا بالله؟ قالوا: هذا فرض، يعني: لو فرضنا ذلك فسيكون هذا ~~جزاءهم، فهي أشبه بقولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة فإذا كان هذا الوعيد ~~موجها إلى الرسل فهو موجه من باب أولى إلى العامة. قال بعض ~~العلماء في هذه الآية { ولقد أوحي إليك وإلى الذين ~~من قبلك } [الزمر: 65] أنت تتكلم هنا عن عصمة الرسل، لكن هذه العصمة ~~بقدر الله، وقدر الله لا يملكه أحد، ألم يقل رسول من الرسل: # قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم ~~بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنآ أن نعود ~~فيهآ إلا أن يشآء الله ربنا وسع ربنا كل ~~شيء علما.. # [الأعراف: 89]. فالمعنى أنه أعطى للقدرة طلاقة أن تفعل ما تريده، وإن ~~كان هذا لا يحدث. ومضمون الوحي إليك وإلى الذين من قبلك: { لئن ~~أشركت ليحبطن عملك } [الزمر: 65] لكن ms8763 الآية جعلت الموحى ~~إليهم في جانب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب، فخص الله ~~رسوله بالخطاب في { لئن أشركت } [الزمر: 65] والخطاب لرسول الله ~~دل على أنه موجه أيضا إلى الرسل السابقين. ومعنى { ليحبطن ~~عملك } [الزمر: 65] يفسد ويضيع بلا جدوى { ولتكونن من ~~الخاسرين } [الزمر: 65] نعرف في التجارة أن الخسارة هي أن يقل ~~رأس المال ذاته، فالتاجر حين لا يربح زيادة على رأس المال لا يسمى ~~خاسرا ما دام سلم له رأس ماله. كذلك المؤمن، رأس ماله في تجارته مع ~~الله إيمانه وعمله الصالح، فربك خلقك من عدم وأمدك من عدم، وأرسل ~~لك رسلا وأنزل لك كتبا، فجعل لك بذلك صفقة رابحة معه سبحانه، وعليك أنت ~~أيها المؤمن أن تستغل هذه الفرصة لتربح مع الله، لأن العمل الذي تعمله ~~في الدنيا عمل موقوت بحياتك وعمرك في الدنيا. أما الجزاء على العمل ففي ~~الآخرة وهي غير موقوتة، بل دائمة باقية، وهنا تكمن ميزة التجارة مع ~~الله لذلك قال سبحانه: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. ### || [39.66] # كلمة بل حرف يفيد الإضراب عن الكلام السابق وإثبات ما بعدها، يعني: اعرض ~~عن دعوتهم لك أن تعبد آلهتهم، وإياك أن تميل إليهم { بل الله ~~فاعبد } [الزمر: 66] وليؤكد عبادة الله وحده حتى جاء بهذا الأسلوب بل ~~الله فاعبد وقدم المفعول به على الفعل، وهذا يسمى أسلوب قصر. يعني: ~~قصر العبادة على الله وحده دون سواه، كما في قوله تعالى: # إياك نعبد # [الفاتحة: 5]. فتقديم الضمير المنفصل العائد على الحق سبحانه على الفعل ~~نعبد يعني: نعبدك أنت فقط لا نعبد غيرك، أما لو قلنا: نعبدك تحتمل ~~ونعبد غيرك. وقوله: { وكن من الشاكرين } [الزمر: 66] الشاكرين ~~الله على الهداية والتوفيق، لأن تعبده وحده وتشكره على ما تقدم لك من ~~النعم، وما هذه النعم إلا عربون للنعيم الدائم الذي ينتظرك. ومن عجائب ~~لطفه تعالى بنا أن شرع لنا من الأحكام افعل ولا تفعل ما فيه الخير لنا ~~في دنيانا، ثم يثيبنا عليه في الآخرة إن أطعنا ويخوفنا ms8764 بالعذاب إن ~~عصينا، فهو سبحانه لطيف بنا حريص على نجاتنا، مع أنه سبحانه لا ينتفع من ~~ذلك بشيء، فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية. واقرأ الحديث القدسي عند رب ~~العزة سبحانه: # " يا عبادي.. لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل ~~واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ~~كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص ~~المخيط إذا أدخل البحر ". # فاعلم أيها العبد أن ربك يحبك ويريد لك الفوز والنجاة فأنت عبده وأنت ~~صنعته، والصانع يريد لصنعته أن تكون على أحسن حال. ### || [39.67] # معنى { وما قدروا الله حق قدره } [الزمر: 67] يعني: ما ~~قدروه وما عظموه التعظيم المناسب له سبحانه، يعني: ما عرفوا لله قيمته، ~~ولذلك أشركوا به، والشرك في حد ذاته عدم تقدير الله حق قدره. وقد ~~فعلوا ذلك والحال أن { والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيمة والسموت مطويات بيمينه } [الزمر: 67] ~~إذن: كيف يحدث منكم ذلك؟ أغفلتم عن هذه الحقيقة؟ إنكم سوف ترون عاقبة ~~فعلكم في الآخرة. ومعنى { والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيمة } [الزمر: 67] نقول: هذا الأمر في يدي يعني: أنا متمكن ~~منه تمكنا بحيث لا يفلت مني، وليس من الضروري بالنسبة لله تعالى أن ~~يكون في المسألة قبضة أو يد، فهنا كناية عن القوة والتمكن، كما نقول ~~مثلا قبضنا على المجرم يعني: أصبح في حوزتنا ولم يعد مطلق السراح في ~~الحياة يفعل ما يشاء. وسبق أن قلنا: إذا ذكر للحق سبحانه وصف له مثيل ~~في عباده فخذه في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] ومن ذلك صفة السمع والبصر واليد والعلم.. إلخ. وكلمة { ~~والأرض جميعا } [الزمر: 67] أي: أرضنا التي نعيش عليها وأمثالها ~~من الأراضين لأن الحق سبحانه قال: # الله الذي خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن # [الطلاق: 12] هذا كله في مجموعتنا الشمسية، فما بالك بباقي المجموعات ~~والمجرات التي تحوي الملايين مثل أرضنا: # وهو على جمعهم إذا يشآء قدير # [الشورى: 29]. وقوله: { والسموت مطويات بيمينه } ~~[الزمر: ms8765 67] يطويها بقدرته تعالى، واليمين عندنا هي الفاعلة في الأشياء ~~وهي مصدر القوة لذلك قال سبحانه: # قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين # [الصافات: 28] أي من جهة القوة، وفي موضع آخر قال الحق سبحانه وتعالى: # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب كما ~~بدأنآ أول خلق نعيده # [الأنبياء: 104]. لكن أي أرض نعني في قوله تعالى: { والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيمة } [الزمر: 67] قالوا: هي أرض ~~غير الأرض التي نعرفها، لأن الأرض ستبدل في الآخرة، كما قال تعالى: # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت # [إبراهيم: 48] لأن أرض الدنيا أرض أسباب، نعيش عليها ونأكل من ثمرها ~~ونزاول فيها حياتنا، أما في الآخرة فالحياة فيها بالمسبب سبحانه. أرض ~~الآخرة لا زرع فيها ولا حرث ولا حصاد، إنما تأكل وتشرب بمجرد إرادة ~~الأكل أو الشرب، فما يخطر على بالك تجده بين يديك لا بأسباب، إنما ~~بقدرة المسبب سبحانه، كذلك السماء في الدنيا سماء أسباب ينزل منها ~~المطر وتشرق فيها الشمس، وينورها القمر، أما في الآخرة فلا شيء من ذلك ~~لا مطر ولا شمس ولا قمر، إنما تنور الأرض بنور ربها. وقوله تعالى في ~~ختام هذه الآية { سبحانه وتعالى عما يشركون } [الزمر: ~~67] أمر بأن نقول سبحان الله، وأن ننزهه تعالى عن مشابهة خلقه في ~~مسألة القبضة وفي طي السماء، لأنه ليس كالطي الذي نعرفه نحن، إنما ~~ينبغي أن نأخذ هذه الصفات في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11] فنزه الله عما يقوله المشركون. ### || [39.68] # الحق سبحانه وتعالى بعد أن تكلم عن العقائد وذكر الوعد للطائعين ~~والوعيد للعاصين، أراد سبحانه أن يحدثنا عن الآخرة وهي دار الجزاء ~~على الأعمال في الدنيا، والدنيا فيها أموات وفيها أحياء، ولن تقوم الساعة ~~إلا إذا مات الجميع ليتحقق البعث، وإلا فكيف يكون البعث في حق من ~~لم يمت؟ لذلك يحدثنا الحق سبحانه هنا عن النفخ في الصور، هذه ~~النفخة التي تميت كل من هو حي. الفعل نفخ جاء بصيغة الفعل المبني ~~للمجهول، الذي لم يسم فاعله، لكن السنة هي التي بينت الفاعل وأنه ~~إسرافيل، و ms8766 الصور بوق مثل القربة ينفخ فيه إسرافيل النفخة الأولى ~~التي تميت كل الأحياء، لأن القيامة ستقوم وعلى الأرض أحياء لا بد أن ~~يموتوا، ليكون لهم بعث كالذين ماتوا من لدن آدم عليه السلام وحتى قيام ~~الساعة. والحق سبحانه يقول: # كل نفس ذآئقة الموت # [العنكبوت: 57]. لكن: هل النفخة الأولى هي التي تميت؟ أو النفخة ~~الثانية هي التي تحيي الموتى؟ نقول: النفخة ذاتها لا تحيي ولا تميت، إنما ~~هي إيذان لمن بيده الأمر أن يبدأ عمله { فصعق من في ~~السموت ومن في الأرض } [الزمر: 67] كلمة صعق تأتي بمعنيين. ~~صعق بمعنى هلك كما في قوله تعالى: # فذرهم حتى يلقوا يومهم الذي فيه يصعقون # [الطور: 45] يعني: يهلكون. وتأتي صعق بمعنى أغمي عليه وفقد الوعي، كما ~~حدث لسيدنا موسى عليه السلام حين تجلى ربه للجبل، فلما دعا موسى ربه ~~قال: # رب أرني أنظر إليك قال لن تراني # [الأعراف: 143] وليس المعنى هنا أنني لا أرى، إنما أنا أرى لكنك في ~~تكوينك الحالي لا تستطيع أن تراني، إذن: قد يتغير الحال على صورة ~~يمكنك فيها أن تراني. وإذا كان البشر قد توصلوا لطرق وأساليب وأسباب ~~تمكن من رؤية ما لم تقدر على رؤيته، فرأينا النظارة والنظارة المعظمة ~~والتليسكوبات.. إلخ. إذن: فالحق سبحانه من باب أولى قادر على أن ~~يجعلك ترى ما لم تكن تراه من قبل. ثم يقول سبحانه في تمام هذه القصة: # ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني # [الأعراف: 143] الحق سبحانه يريد أن يؤكد لموسى عليه السلام هذه القضية ~~لا بالقول إنما بالفعل # فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا # [الأعراف: 143]. وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه موسى: إذا كنت صعقت - ~~يعني: فقدت الوعي - من رؤية المتجلى عليه وهو الجبل، فكيف بك إذا ~~رأيت المتجلي سبحانه؟ وقوله: { إلا من شآء الله } [الزمر: ~~68] أي: شاء ألا يصعق، وهذه المشيئة مؤقتة لأن من لم يمت في هذه ~~النفخة الأولى لابد وأن يموت فيما بعد، وآخر من يموت هو ملك الموت ~~حيث يقول له الحق ms8767 سبحانه: مت يا ملك الموت فيموت. # بعدها يصير الخلود بلا انتهاء. قالوا: الذين استثناهم الله من هذه ~~النفخة هم الملائكة الموكلون جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل، وقد ~~أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه السلام فيمن استثنى من ~~هذه الصعقة، فقد ورد في الحديث أن الصعقة حدثت وحصل للناس غشية، ~~وكان رسول الله أول من أفاق منها فوجد أخاه موسى عليهما السلام ممسكا ~~بالعرش، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدر أصعق موسى فيمن صعق ~~وأفاق قبلي، أم لم يصعق. وما دام أنه أفاق فوجد موسى بجوار العرش إذن هو ~~لم يصعق، ويدخل في هؤلاء الذين استثناهم الله في قوله { إلا من ~~شآء الله } [الزمر: 68] أو أنه صعق لكنه أفاق من الصعق قبل ~~غيره، وهنا قال العلماء: لماذا لم يصعق سيدنا موسى؟ أو لماذا قصرت ~~مدة صعقته عن مدة الآخرين؟ قالوا: لأنه عليه السلام سبق أن صعق في ~~الدنيا لما تجلى ربه للجبل، فشاء الله أن تحتسب له هذه الصعقة، ~~وأن تخفف عنه صعقة القيامة. وقوله { ثم نفخ فيه أخرى ~~} [الزمر: 68] أي: نفخة البعث، فالنفخة الأولى أماتت من لم يكن قد ~~مات، والنفخة الثانية هي البعث والخروج من القبور # فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون # [يس: 51] هذا تصوير لهيئة الصعقة، وكيفية الخروج من القبور { ثم ~~نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } [الزمر: 68]. ~~وكلمة ينسلون دلت على تفرق بعد اجتماع، كما نقول للقماش نسل يعني: ~~بعد أن كانت خيوطه متضامة متماسكة تفككت، وهذا تصوير دقيق وتعبير ~~بليغ يصور الحالة التي كانت توجد في القبور حين يلتقي الأموات في ~~باطن الأرض، لأن الناس في الدنيا وهم في سعة الحياة دائما ما يتخاصمون ~~ويتشاجرون وتكثر بينهم العداوات والمنافسات. وقد عبر الشاعر عن هذا ~~المعنى فقال: # رب لحد قد صار لحدا مرارا # ضاحك من تزاحم الأضداد # فإذا ما ماتوا وضمتهم الأرض امتصت ما كان بينهم من أحقاد وعداوات، ~~فخلصت عناصرهم خلوصا مكنهم من اللقاء والاجتماع، فيقولون: ما ألذ ~~العناق قبل ms8768 دقات الفراق. وكأنهم يفرحون بهذا الاجتماع وبهذا العناق ~~لأنه يعوضهم ما كان بينهم من شقاق في الدنيا، فإذا ما جاءت النفخة ~~الثانية تفكك هذا الاجتماع وتفرق، هذا معنى # ينسلون # [يس: 51] أي: كل على حدة بمفرده وشخصه كما ينسل الخيط من مكانه في ~~النسيج ذلك لأن الجزاء أمر شخصي وكل مرتهن بعمله. ومعنى { ~~ينظرون } [الزمر: 68] أي: ينتظرون ما يقع بهم، أو ينظرون ما حولهم من ~~أهوال تشخص لها الأبصار، كما قال تعالى في آية أخرى حكاية عنهم: # ربنآ أبصرنا وسمعنا # [السجدة: 12] قالوا: هذه هي الآية الوحيدة التي تقدم فيها البصر على ~~السمع، لماذا؟ لأن الموقف هنا في الآخرة حين يبعث الناس من القبور، وحين ~~تحيط بهم الأهوال والكروب من كل ناحية، وهذه الحالة تسبق فيها الأبصار ~~الأسماع فيبصرون قبل أن يسمعوا. وبنفخة البعث تبدأ أهوال القيامة ويشتد ~~الكرب على الكافرين فيرتعدون، فإذا ما صدق الله وعده ووعيده في قيام ~~الساعة بأول مراحلها عندها يعلمون صدق ما كذبوه وكفروا به، هؤلاء الذين ~~طالما كذبوا بالبعث وقالوا: # أءنا لمبعوثون * أو آبآؤنا الأولون # [الصافات: 16-17]. إذن: صدق الله في البعث وفي إحياء الموتى، وسيصدق ~~سبحانه فيما يتلو ذلك من حساب وجزاء، والويل لكم أيها الكافرون ~~المكذبون. ### || [39.69-70] # هذه الآية تنقلنا إلى عالم آخر، إلى الآخرة حيث تبدل الأرض غير الأرض ~~والسماوات غير السماوات، كنا في الدنيا نعيش على الأرض بنور الشمس نقول: ~~أشرقت الشمس أما وقد انتقلنا إلى الآخرة فالأرض هي نفسها تشرق، { ~~وأشرقت الأرض بنور ربها.. } [الزمر: 69] وكأن النور شيء ~~ذاتي فيها، فليس هناك شمس تشرق عليها إنما هي التي تشرق بذاتها. ولم لا؟ ~~وأنت الآن في عالم فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر، وقال تعالى: # لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا # [الإنسان: 13] لأن الدنيا كانت بالأسباب، فالشمس تشرق لتنير الأرض ~~بالنهار والقمر بالليل، أما في الآخرة فلا نعيش بالأسباب، إنما بالمسبب ~~سبحانه حيث كل شيء فيها يكون بلا علاج، فلسنا - إذن - في حاجة إلى زراعة ms8769 ~~الأرض، ولا إلى الشمس تنير النهار، ولا إلى القمر ينير الليل. وكما ~~تبدل الأرض غير الأرض، والسماوات غير السماوات، كذلك أنتم تبدلون ~~على هيئة أخرى تناسب الآخرة، فستأكلون ولا تتغوطون، وتعيشون ولا تهرمون. ~~وحين تشرق الأرض بنور ربها تراها مشرقة دون أن ترى مصدر هذا الإشراق، ~~وهذا ما رأينا شيئا منه في الدنيا، ففي طرق الإضاءة الحديثة توضع ~~الأنوار في أماكن تخفي مصدر الضوء فيأتي النور غير مباشر فلا يؤذي العين، ~~كما يأتيك ضوء الشمس فينير لك الغرفة في حين لا ترى شعاع الشمس المباشر. ~~وقد ضرب لنا الحق سبحانه مثلا لتنويره للسماء والأرض، وذلك في سورة ~~النور، حيث قال سبحانه: # الله نور السموت والأرض.. # [النور: 35] أي: منورهما، ولما أراد سبحانه أن يعطينا مثلا لذلك أتى ~~بمثل من المشاهد لنا المرئي الذي ندركه فقال: # مثل نوره كمشكاة فيها مصباح.. # [النور: 35] أي: كيفية تنويره وأثر نوره سبحانه حتى لا نظن أن هذا المثل ~~يوضح لنا نور الله، لا بل يوضح كيفية تنويره لخلقه وإلا فنوره تعالى لا ~~نعرفه ولا ندرك كنهه. والمشكاة هي الطاقة غير النافذة في الجدار ~~يسمونها كوة، وتوجد حتى الآن في المباني القديمة الفطرية، وهذه ~~المشكاة هي التي يوضع فيها المصباح، وليست هي المصباح كما يظن السطحيون ~~ويستعملونها بهذا المعنى. وميزة المشكاة أنها غير نافذة ومحدودة المساحة، ~~بحيث تجمع ضوء المصباح فلا يتبدد إنما يتركز لتنوير الحجرة التي توجد ~~فيها هذه المشكاة. ثم يصف المصباح بأنه ليس مصباحا عاديا إنما # المصباح في زجاجة.. # [النور: 35] والزجاجة تنقي ضوء المصباح وتمنع عنه الهواء الزائد فلا ~~يحدث دخان يكدر صفو ونقاء الضوء. ثم إن هذه الزجاجة هي أيضا غير ~~عادية إنما # الزجاجة كأنها كوكب دري.. # [النور: 35] والكوكب الدري هو الذي يضيء بنفسه، وهذا يعني أن ضوء هذا ~~المصباح مضاعف. # ثم إن الزيت الذي يوقد به المصباح ليس زيتا عاديا إنما زيت مأخوذ من ~~شجرة معتدلة المزاج # يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا ~~غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه ms8770 نار ~~نور على نور.. # [النور: 35]. البعض يعترض على هذا المثل ويقول: كيف يضرب الله مثلا ~~لنوره بمشكاة فيها مصباح؟ قلنا: إن المثل هنا ليس مثلا لنور الله إنما ~~هو مثل لتنويره للكون، وقد عبر الشاعر أبو تمام عن هذا المعنى في قوله ~~مادحا: # إقدام عمرو في سماحة حاتم # في حلم أحنف في ذكاء إياس # فاعترض عليه أحد جلساء الممدوح. وقال له: كيف تسوي الأمير بأجلاف ~~العرب، الأمير فوق من وصفت، فرد أبو تمام بعد أن أطرق هنيهة: # لا تنكروا ضربي له من دونه مثلا # شرودا في الندى والباس # فالله قد ضرب الأقل لنوره # مثلا من المشكاة والنبراس # هكذا ينور الله للخلق النور الحسي الذي يصون مادتهم، ويحفظ سلامة ~~حركتهم في الحياة، لأن الإنسان إن سار على غير هدى اصطدم بالأشياء من ~~حوله، والصدام يعني أن يحطم القوي الضعيف، لذلك نحرص على وجود ضوء ~~خافت وناسة مثلا بالليل لتحمي حركتنا من الصدام. فإذا كان الخالق سبحانه ~~جعل لنا النور الحسي لحماية مادتنا من أن تحطم أو تتحطم، فلا بد أن ~~يجعل لنا نورا معنويا يحمي فينا القيم، فلا نحطم بظلم، ولا نحطم ~~باضطهاد، وهذا هو نور الوحي والشرع الذي تحيا به القلوب، وينظم حركتنا ~~المعنوية في رحلة الحياة. وكما بين لنا الحق سبحانه النور الحسي ~~بين لنا النور المعنوي فقال خذوه من بيوت الله، فقال تعالى: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا ~~تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام ~~الصلاة وإيتآء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه ~~القلوب والأبصار # [النور: 36-37]. إذن: خذ النور المعنوي من بيوت الله ففيها تلتقي بالله ~~تعالى، فهذا اللقاء يضفي عليك نورا من نور الله يملأ قلبك ويهدي جوارحك ~~ويصلحك، وبين سبحانه أن نور القيم أعلى من نور المادة، بدليل أن ~~الإنسان حين يكون مكفوف البصر يمكنه أن يمشي وأن يزاول أعماله في ~~الدنيا، أما فاقد النور المعنوي، أو أعمى البصيرة كما يقولون فلا يمكن ~~أبدا ms8771 أن يوفق في حركته للصواب لذلك قال تعالى في ختام آية: # الله نور السموت والأرض.. # [النور: 35] قال: # نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء.. # [النور: 35]. وبعد أن أشرقت الأرض بنور ربها { ووضع الكتاب.. ~~} [الزمر: 69] وفي موضع آخر جاء تفصيل وشرح ذلك، فقال سبحانه: # ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ~~ويقولون يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا ~~حاضرا ولا يظلم ربك أحدا # [الكهف: 49]. هكذا فصل الحق سبحانه ما أجمل في { ووضع الكتاب.. ~~} [الزمر: 69] ومعلوم أن آيات القرآن الكريم تفسر بعضها بعضا، والكتاب ~~هنا كتاب خاص بكل إنسان على حدة، كما قال سبحانه: # وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا * اقرأ ~~كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 13-14]. وهذا الكتاب الذي يحصي عليك أعمالك كتاب صدق، لأن ~~كاتبه ملك موكل بك # كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون # [الانفطار: 11-12] وقال: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. فهذا الكتاب ليس في علم الله فحسب لأن علم الله كلام من عنده، ~~إنما هذا كتاب بمعنى أنه مكتوب مقروء يقرؤه صاحبه ويطلع عليه، فيرى فيه ~~عمله الصالح والطالح لذلك ساعة يراه المجرمون يرتعدون خوفا لأنه أحصى ~~عليهم إجرامهم، ولم يترك منه كبيرة ولا صغيرة، عندها لا يملكون إلا أن ~~يدعوا على أنفسهم بالويل والثبور. وبعد أن يأخذ كل كتابه يأتي الله ~~بالرسل { وجيء بالنبيين والشهدآء.. } [الزمر: 69] ~~ليشهد كل نبي أنه بلغ أمته، يقول تعالى: # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم.. # [المائدة: 109]. وبعد أن يشهد الرسل يشهد الشهداء وهم من حملوا العلم ~~بعد الرسل، كما ورد: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه ~~تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ". فهؤلاء العلماء ~~أيضا يشهدون أنهم بلغوا غيرهم لذلك امتازت أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم بعلمائها، لأنهم امتداد لرسالته صلى الله عليه وسلم، لذلك فخيريتنا ~~على الأمم بهذه المسألة. ويشهد أيضا الشهداء الذين قتلوا في ms8772 سبيل ~~الله، وهؤلاء يشهدون أيضا لمكانتهم عند الله، هذه المكانة التي نالوها ~~بالشهادة، ويكفي أن الشهيد يدخل المعركة وهو يعرف أنه إن هزم سيقتل، ~~فهو يتقدم إما للنصر وإما للشهادة، فهو يعلم أنه سيدفع حياته ثمنا، ~~ولولا أنه واثق كل الثقة بما وعده الله من الجزاء ما خرج. لذلك قال تعالى ~~عن الشهداء: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]. وعجيب أن نسمع من يقول على سبيل الإنكار: يعني لو ~~أخرجنا الشهيد من قبره سنجده حيا؟ نقول: اقرأ الآية وتدبر معناها، ~~فالله يقول: # أحياء عند ربهم.. # [آل عمران: 169] لا عندك أنت، بدليل أنه جاء بعدها بمادة الطلب للحياة ~~فقال: يرزقون ذلك لأن الشهيد لما ضحى بحياته ضمن له ربه حياة أخرى ~~أفضل وأعظم وأبقى مما كان فيها في الدنيا لذلك قال الشاعر في حق سيدنا ~~حمزة سيد الشهداء: # أحمزة عم المصطفى أنت سيد # على شهداء الأرض أجمعهم طرا # وحسبك من تلك الشهادة عصمة # من الموت، موصول الحياة إلى الأخرى # المعنى: أنك قدمت حياتك وضحيت بها فعصمت من الموت، لأنك بعد أن ~~مت صرت حيا فوصلت حياتك في الدنيا بحياتك في الآخرة، وهبت الحياة ~~فوصلت الحياة. # والشهادة على العبد يوم القيامة لا تنتهي عند هذا الحد، فبعد أن شهدت ~~عليه الملائكة بالكتاب الذي سطروه، وشهد عليه الأنبياء والشهداء ننقل ~~الشهادة إلى ذاتك أنت، فهذا تدرج في الشهادة من الملائكة وهم من جنس غير ~~جنسك، إلى الأنبياء والشهداء وهم من جنسك، إلى جوارحك وهي قطعة منك: # اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون # [يس: 65]. وقال سبحانه: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. وقال تعالى: # حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا ~~لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله ~~الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة ~~وإليه ترجعون # [فصلت: 20-21]. لكن كيف تشهد الأعضاء والجوارح على صاحبها وكانت في ~~الدنيا ms8773 هي أداة الفعل، فاللسان هو الذي قال، واليد هي التي بطشت، ~~والرجل هي التي سعت.. إلخ؟ قالوا: لأن الله تعالى خلق لعبده الجوارح ~~وسخرها لمراده، وأمرها أن تطيعه فيما يريد، فاللسان مسخر لخدمة صاحبه ~~إن أراد أن يقول لا إله إلا الله قالها. وإن أراد أن ينطق بكلمة الكفر ~~نطق بها، وهكذا بقية الجوارح. إذن: طالما الإنسان في الدنيا فالولاية على ~~الجوارح لمراد الإنسان المخير، والجوارح تابعة لمراده، فإذا ما بعثنا ~~وعرضنا على الخالق سبحانه انحلت هذه الإرادة وسلبت فلا إرادة لأحد ~~إلا لله # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] وعندها تتحرر الأعضاء وتقف موقف الشاهد الصدق. وقوله تعالى: ~~{ وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون } [الزمر: 69] ~~أي: قضى الله بين الناس وأهل المشهد وحكم بين الخلائق، والذي يقضي هو ~~الله. إذن: فهو قضاء بالحق لا يظلم فيه أحد، فليس لأحد في هذا اليوم ~~إرادة، وليس لأحد حكم ولا هوى، إنما الأمر كله لله إن شاء اقتص ~~للمظلوم من الظالم، وإن شاء أرضى المظلوم وعفا عن الظالم. ثم يقول ~~سبحانه: { ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما ~~يفعلون } [الزمر: 70] أي: يجازيها بما عملت إن خيرا فخير، وإن ~~شرا فشر. وهذه الآية وقف عندها المستشرقون يتهمون سياقها بعدم التناسق، ~~فالتناسق في نظرهم أن نقول: ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يعملون. ~~وهم يقولون ذلك لأنهم لا يدركون الفرق بين الفعل والعمل، فالفعل مقابل ~~القول، فاللسان وحده له مهمة القول وباقي الجوارح تفعل، العين ترى، ~~والأذن تسمع، واليد تبطش، والرجل تسعى.. إلخ. كل جارحة لها مهمة وهذه ~~كلها أفعال، أما العمل فيشمل القول والفعل، كل منهما يسمى عملا، لذلك ~~يقول تعالى: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2]. لكن لماذا خص اللسان بالشطر وباقي الجوارح بالشطر الآخر؟ ~~قالوا: لأن القول يتم به البلاغ والتبليغ، فاستحق أن يكون عمدة الجوارح. ~~فما نتيجة هذه التوفية للأعمال؟ نتيجة توفية الأعمال أن تنال كل نفس ما ~~تستحقه على عملها في الدنيا، ms8774 لذلك بعد أن تتم التوفية ويتم الحساب يساق ~~أهل الإيمان إلى الجنة، ويساق أهل الكفر إلى النار: { وسيق الذين ~~كفروا إلى جهنم زمرا... }. ### || [39.71] # نلحظ هنا أن الفعل وسيق جاء مبنيا لما لم يسم فاعله، وفي موضع ~~آخر قال تعالى: # وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد # [ق: 21] فمن هو السائق؟ قالوا: هم الملائكة يسوقون أهل النار إلى جهنم ~~والعياذ بالله، والسائق هو الذي يحث المسوق على الإسراع، كراكب الدابة ~~الذي ينهرها ويحثها لتسرع به، كذلك تفعل الملائكة بالمجرمين وتحثهم إلى ~~جهنم ليسرعوا إليها. وهذا يدل على أن الملائكة مغتاظون منهم، كارهون لهم، ~~متضايقون من أعمالهم في الدنيا، لذلك يزجون بهم إلى جزائهم العادل في ~~جهنم، بلا هوادة وبلا رحمة، أرأيتم رجال الشرطة حينما يمسكون بالمجرم ~~ماذا يفعلون به؟ إنهم يضربونه ويعذبونه ويهينونه لأنه عضو فاسد في ~~المجتمع يريد الجميع التخلص منه، ومعلوم أن الملائكة عباد مكرمون لا ~~يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. والقرآن يصور هذا الموقف في آية ~~أخرى، فيقول سبحانه: # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا # [الطور: 13] يعني: يزجرونهم إليها ويدفعونهم فيها رغما عنهم. ومعنى ~~زمرا يعني: جماعات، فكل أصحاب مخالفة لمنهج الله معا في جماعة، ~~فالتاركون للصلاة جماعة، والتاركون للزكاة جماعة، والآكلون للربا جماعة ~~وهكذا الظلمة والمرتشون والسارقون والزناة والمختلسون يجمع الله كل واحد ~~منهم مع صاحبه، فيحشرون معا يتقدمهم كبيرهم. والفتوة فيهم كما قال ~~سبحانه: # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم.. # [الإسراء: 71] وقال سبحانه: # ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا # [مريم: 69]. وقال في حق فرعون: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ~~وبئس الورد المورود # [هود: 98]. وكون كبراء الضلال وقادة الكفر يتقدمون أتباعهم يدل ذلك ~~على قطع أمل الآخرين في النجاة، فلو دخل التابع فلم يجد متبوعه لتعلق ~~قلبه به، وظن أنه سيأتي ويخلصه، لكن الحال أنه سيدخل فيجد أستاذه وقدوته ~~في الضلال قد سبقه إلى جهنم. حتى إذا ما وصلوا إلى أبواب جهنم فتح لهم { ~~حتى إذا جآءوها فتحت أبوابها.. } [الزمر: 71] لأن ms8775 باب ~~الغضب مش مفندق بل مغلق يفتح للضرورة، على خلاف باب الرحمة فهو مفتوح ~~دائما، وهذا من رحمة الله، لأن رحمة الله سبقت غضبه. وهذه النهاية لتي ~~انتهى إليها أهل النار كتبت عليهم، وعلمها الحق سبحانه من بداية ~~الحياة، واقرأ إن شئت قوله تعالى: # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم ~~شقي وسعيد * فأما الذين شقوا ففي النار لهم ~~فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ما دامت السموت ~~والأرض إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما ~~يريد * وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين ~~فيها ما دامت السموت والأرض إلا ما شآء ربك ~~عطآء غير مجذوذ # [هود: 105-108]. أولا: لا بد لفهم هذه الآية أن تعرف أولا معنى ~~الخلود: الخلود هو المكث الطويل، وهذا المكث سمي خلودا لأن له بداية ~~وليس له نهاية، والكلام هنا عن الذين سعدوا وهم أهل الجنة، والذين شقوا ~~وهم أهل النار، لكن الحق سبحانه استثنى من هؤلاء ومن هؤلاء، والذين ~~استثناهم الله ستنقص مدة خلودهم، كيف؟ الكافر بعد أن حوسب وسيق إلى ~~جهنم تفتح له ويظل خالدا فيها خلودا كاملا من البداية إلى ما لا ~~نهاية، كذلك المؤمن الذي تداركته رحمة ربه بعد أن يحاسب يساق إلى ~~الجنة فيظل فيها خلودا كاملا من البداية إلى ما لا نهاية. # أما الاستثناء فللمؤمن العاصي الذي لم يتب عن معاصيه أو تاب ولم ~~تقبل توبته، هذا لا بد أن يأخذ جزاء هذه المعاصي، وأن تناله لفحة من ~~لفحات النار والعياذ بالله، هذا في البداية، فيدخل النار ما يشاء الله له ~~ثم يخرجه إلى الجنة وبذلك تكون فترة خلوده في الجنة نقصت عن إخوانه ~~المؤمنين، والنقص هنا من البداية، كذلك نقص خلود في النار عن أهل النار ~~الخالدين فيها. وقوله تعالى: { وقال لهم خزنتهآ.. } [الزمر: ~~71] أي: خزنة النار قالوا لهم على سبيل التقريع والتوبيخ { ألم ~~يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم ~~وينذرونكم لقآء يومكم هذا.. } [الزمر: 71] هذا ~~الاستفهام ألزمهم الحجة وأفحمهم، فربهم عز وجل لم يأخذهم على غرة، ms8776 ~~إنما أرسل لهم رسلا، وهؤلاء الرسل منكم من جنسكم ومن أوسطكم والأقرب ~~إليكم لتسهل القدوة به. ومع هؤلاء الرسل حجج وبراهين ووعد ووعيد، لذلك ~~لم يستطيعوا الإنكار { قالوا بلى.. } [الزمر: 71] يعني: حدث هذا، ~~فأقروا على أنفسهم بإسقاط الحجة، وأن الله بعث لهم الرسل الذين أنذروهم ~~هذا اليوم. إذن: الإنذارات التي تحدث للناس في حياتهم من تمام رحمة الله ~~بالخلق، والإنذارات التي سبقت في الحياة بما سيكون بعدها من تمام رحمة ~~الله بالخلق، أرأيت حين تبصر ولدك بعاقبة الإهمال وتخوفه من ~~الرسوب آخر العام، فإنك تعينه على المذاكرة والاجتهاد حتى لا يلاقي ~~العاقبة، وحتى لا يفاجأ بشيء غفل عنه. لذلك وقف المستشرقون عند سورة ~~الرحمن وقالوا: قوله تعالى # خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجآن ~~من مارج من نار * فبأي آلاء ربكما تكذبان * ~~رب المشرقين ورب المغربين * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان * مرج البحرين يلتقيان * ~~بينهما برزخ لا يبغيان * فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان * يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان * ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان * وله الجوار ~~المنشئات في البحر كالأعلام * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان # [الرحمن: 14-25] قالوا: نعم هذه نعم يناسبها # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 25] لكن أي نعمة في قوله # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36]. نعم الإنذار بالشر قبل أن يقع والتحذير منه قبل أوانه ~~نعمة، بل من أعظم نعم الله على الإنسان ليحتاط للأمر، فالتهديد والوعيد ~~والتبصير والتخويف إنما لنحذر المخوف منه فلا نقع فيه. # وقوله: { ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } ~~[الزمر: 71] يعني: وجبت لهم رغم الإنذار والتبصير، والكلمة التي حقت ~~هي قوله تعالى: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [السجدة: 13] فماذا تنتظرون بعد ذلك؟ والعجيب أننا باختياراتنا الخائبة ~~نساعد القدر ويمهد القدر لقدر. والكلمة قول مفرد لا يؤدي إلا معنى في ~~ذاته، إنما لا يؤدي معنى إسناديا، فكلمة السماء مثلا لا تؤدي معنى ~~وحدها يحسن السكوت عليه، لكن حين تقول: السماء صافية تعطي معنى مفهوما ~~يحسن السكوت عليه، قالوا: لكن قد تفيد ms8777 الكلمة الواحدة، فلو قلت: من ~~عندك؟ تقول: زيد. فأفادت: زيد عندي. ولولا تقدير كلمة عندي ما أفادت ~~فالكلمة - إذن - لا تؤدي معنى يحسن السكوت عليه إلا بضميمة غيرها. وقد ~~بين علماء النحو ذلك حين قسموا الكلمة إلى اسم وفعل وحرف وكل منها ~~تسمى كلمة، والفرق بينها أن الاسم يعطي في ذاته معنى مستقلا بالفهم، ~~والفعل يعطي معنى في ذاته، لكنه مرتبط بزمن أو الزمن جزء منه، تقول: أكل ~~أي في الماضي. يأكل في المضارع. وكل في المستقبل، أما الحرف فهو لا ~~يعطي معنى مستقلا بالفهم، إنما لا بد من ضميمة تبين معناه. وتطلق ~~الكلمة ويراد بها الكلام تقول: ألقيت كلمة في الحفل والمراد خطبة، وقد ~~استخدم القرآن الكلمة بهذا المعنى في قوله تعالى: # كلا إنها كلمة هو قآئلها.. # [المؤمنون: 100] والمراد بالكلمة قوله: # رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت.. # [المؤمنون: 99-100]. وكذلك هنا: { حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين } [الزمر: 71] الكلمة هي # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [السجدة: 13]. ### || [39.72] # كلمة بئس للذم والمذموم { مثوى المتكبرين } [الزمر: 72] ~~أي: إقامتهم ونهايتهم، ووصفهم بالمتكبرين خاصة لأنهم ما وصلوا إلى هذه ~~النهاية إلا بتكبرهم، تكبرهم على من؟ على ربهم وخالقهم، وعجيب من العبد ~~أن يتكبر أول ما يتكبر على خالقه سبحانه الذي خلقه من عدم وأمده من عدم. ~~ونلحظ في هذه الآية مظهرا من مظاهر رحمته تعالى حتى بالكافرين، وكأن ~~الحق سبحانه يفتح لهم باب الأمل في النجاة، ويلمح لهم بإمكانية التوبة، ~~ومهما كان منهم فالباب مفتوح، نفهم ذلك من قوله تعالى: { خالدين ~~فيها.. } [الزمر: 72] ولم يقل هنا أبدا كما قال مثلا في قوله ~~تعالى: # ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيهآ أبدا # [الجن: 23]. ولما أحصى العلماء لفظ الأبدية بالنسبة للكافرين وجدوه في ~~آيتين هما الأحزاب 65 - الجن 23، إذن: ذكر كلمة أبدا في بعض الآيات ~~وتركها في البعض الآخر، وفي هذا إطماع لمن لم يصل إلى الحقيقة التي تنجيه ~~ربما تدارك الأمر وأنقذ نفسه وعاد إلى الجادة، أما حين يتكلم الحق ms8778 سبحانه ~~عن الجنة فتجد كلمة # خالدين فيهآ.. # [الجن: 23] غالبا مقرونة بالأبدية. ونلحظ أيضا قوله تعالى: { ~~ادخلوا أبواب جهنم.. } [الزمر: 72] ولم يقل: ادخلوا جهنم. ~~فما الفرق بين التعبيرين؟ قال تعالى: { ادخلوا أبواب ~~جهنم.. } [الزمر: 72] لأن العذاب يبادرهم ويسرع إليهم بمجرد أن ~~يدخلوها فهو يستقبلهم على بابها. بعد ذلك ينتقل السياق إلى المقابل، إلى ~~أهل الجنة، لكن لماذا بدأ بأهل النار فقال: # وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا.. # [الزمر: 71] قالوا: بدأ بهم لأنهم هم المنكرون المكذبون بالبعث ~~والحساب، فبدأ بهم تعجيلات بعقابهم ومساءتهم، أما المتقون فهم مصدقون ~~بهذا اليوم مؤمنون به، وبما سيكون فيه من حساب وجزاء، ثم إن الختام ~~بالوعد والبشارة فيه استبشار وحسن ختام. يقول تعالى: { وسيق ~~الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا... }. ### || [39.73] # هنا أيضا ساقتهم الملائكة مع الفارق بين سوق الكافرين وسوق ~~المتقين، فالكافرون ساقتهم الملائكة ليعجلوا لهم العذاب سوقا فيه زجر ~~وقسوة، أما المتقون فيساقون سوق المحب لحبيبه ليعجلوا لهم النعيم. ~~وقوله زمرا يعني: جماعات كل جماعة على حدة، فهؤلاء الزهاد وهؤلاء ~~العلماء وهؤلاء المجاهدون وهؤلاء الأمناء { حتى إذا جآءوها ~~وفتحت أبوابها.. } [الزمر: 73] هناك قال فتحت وهنا ~~وفتحت قالوا في أهل النار فتحت هي جواب الشرط، أما هنا ~~وفتحت ليست جوابا للشرط، بل جواب الشرط في النعيم المذكور بعدها، ~~لأن فتح الأبواب ليس هو الغاية، إنما الغاية ما يتبع ذلك من النعيم. ~~فالواو هنا عاطفة وجملة { وفتحت أبوابها.. } [الزمر: 73] ~~معطوفة على { حتى إذا جآءوها.. } [الزمر: 73] ذلك لأن المؤمنين ~~ما كانوا يشكون في هذا اليوم، أما الكفار فيشكون فيه لذلك جعل # فتحت أبوابها.. # [الزمر: 71] جوابا للشرط قبلها. أما في المتقين فجواب الشرط أسمى من ~~مجرد فتح الأبواب لهم، ففتحت هذه مداخل الرحمة التي سيذكرها بعد، ويذكر ~~مكوناتها، وكيف أنها تتدرج بداية من تحية الملائكة لهم: { وقال لهم ~~خزنتها سلام عليكم طبتم.. } [الزمر: 73] لأنكم طهرتم ~~أنفسكم من دنس المعاصي والشرك { فادخلوها خالدين } [الزمر: 73] ~~إلى آخر السورة، حيث يرون الملائكة حافين من حول العرش، وهذا هو جواب ~~الشرط الذي يليق ms8779 بهم. جماعة أخرى من العلماء قالوا: إن جواب الشرط هو ~~وفتحت والواو هذه واو الثمانية، فما المراد بواو الثمانية؟ قالوا: كان ~~منتهى العدد عند العرب سبعة، فإذا جاء شيء بعد السبعة يعدونه كلاما ~~جديدا فيعطفونه بالواو، ومن ذلك قوله تعالى في أهل الكهف: # سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة ~~سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة ~~وثامنهم كلبهم.. # [الكهف: 22] فقبل الثامن يذكر الواو. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون ~~الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين # [التوبة: 112] فكلمة الناهون هي الثامنة لذلك سبقت بالواو. وقال بعضهم: ~~إن من ذلك قوله تعالى في سورة التحريم: # عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا ~~منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات ~~سائحات ثيبات وأبكارا # [التحريم: 5]. نعم كلمة أبكارا هنا هي الثامنة، لكن الواو جاءت هنا ~~للفصل بين الاثنين، فالثيبات لا يكن أبدا أبكارا. إذن: فهذه الآية ~~لا يحتج بها في هذا الموضوع، إنما يحتج بآية الكهف وآية التحريم، على ~~أن العدد سبعة هو منتهى العدد عند العرب، وكذلك العدد ألف. لذلك لما ~~وقعت ابنة كسرى في الأسر وذهبت لتفدي نفسها، فقالوا لمن أخذها في ~~حصته: كم تطلب فيها؟ قال: ألف دينار، فقالوا له: إنها بنت كسرى. # يعني: كان بإمكانك أن تزيد على ذلك فقال: والله لو كنت أعلم أن وراء ~~الألف عددا لقلته. ونحن لا نرى هذا الرأي، فكلمة وفتحت ليست هي ~~جواب الشرط هنا، لأن جواب الشرط بالنسبة للمتقين أسمى من فتح الأبواب لهم ~~وأسمى من قول الملائكة لهم { سلام عليكم.. } [الزمر: 73] ~~وأسمى من { طبتم فادخلوها خالدين } [الزمر: 73] لأن الحق ~~سبحانه سيقول بعد ذلك: # وترى الملائكة حآفين من حول العرش يسبحون ~~بحمد ربهم.. # [الزمر: 75] فذكر العرش هنا والملائكة تطوف به مسبحة بحمد ربهم فيه ~~إشارة إلى منتهى النعيم الذي سيلاقيه المتقون، حيث يرون الحق سبحانه ~~الذي استوى على هذا العرش، هذه هي الغاية التي يناسب أن تكون جوابا ~~للشرط السابق. لكن لماذا أخفى الله جواب ms8780 الشرط هكذا؟ قالوا: لأنه لو ~~قالها أي: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " # لو قالها الآن لكانت قد سمعت، إنما أراد سبحانه أن تكون مفاجأة على أنها ~~مما لا يخطر على قلب بشر، يعني: لا تأتي على البال. فمثلا في فاكهة ~~الجنة يأتي لي بالفاكهة التي أعرفها كالتفاح والمانجو مثلا نحن نعرفها ~~في الدنيا، لأنه لو أتى بفاكهة جديدة لم نعرفها في الدنيا لقلنا: لو ~~كانت في الدنيا لكانت مثل هذا شكلا وطعما، لذلك تأتي الفاكهة مما نعرفه ~~في الدنيا، لكن بمواصفات أخرى يتحقق فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ~~ولا خطر على قلب بشر. إذن: التفاضل يأتي من كونها في الجنة، ثم لو جاءت ~~لي الفاكهة في الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر، فكيف لو جاءت للمرة الثانية؟ لا بد أنني سأكون قد رأيتها من قبل ~~وخطرت على بالي، فحين أرى المانجو مثلا أقول: أنا أكلتها قبل ذلك. ~~قالوا: لا بل ستكون على هيئة أخرى، ولون آخر، وطعم آخر غير الذي أكلته ~~في المرة الأولى، وهكذا يتحقق في نعيم الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت ولا خطر على قلب بشر. لذلك يقول تعالى: # كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا ~~الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشبها.. # [البقرة: 25]. ### || [39.74] # قولهم: { وقالوا الحمد لله.. } [الزمر: 74] أهو حمد على ~~صدق الله في الوعد، أم لأنكم بتوفيق الله صدقتم الله فيما وعدكم به؟ ~~المعنى: الحمد لله الذي جعلنا أهلا لأن يصدق وعده فينا لأننا صدقنا ~~به، وإلا فوعد الله صادق صادق. { وأورثنا الأرض.. } [الزمر: ~~74] الإرث هنا له معنى غير معناه الذي نعرفه بأن يرث شخص غيره بعد ~~موته.. فالميراث هنا في الجنة كما قال تعالى في آية أخرى: # ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم ~~تعملون # [الأعراف: 43]. وبيان ذلك كما قلنا أن الحق سبحانه قضى أزلا أن يخلق ~~خلقا، وأن يترك لهم ms8781 الاختيار في أشياء، ويجبرهم في أشياء أخرى ليظلوا ~~عبيدا له سبحانه رغم أنوفهم من ناحية وعبيدا فيما يختارون من ناحية. ~~فإن آثروا جانب الله تعالى وآثروا مراده على ما وكل فيهم من الاختيار ~~فازوا بمنزلة العبودية لله، وكانوا وقتها أفضل من الملائكة لأن الملائكة ~~جبلوا على الطاعة أما الإنسان فأعطى الاختيار يطيع أو يعصي، فإن أطاع ~~فله أن يزهو حتى على الملائكة. لذلك كان إبليس قبل أن يعصي يزهو على ~~الملائكة، وكان يسمى طاووس الملائكة لأنه مخلوق مختار، ومع ذلك أطاع ~~كما أطاعت الملائكة فأصبح له ميزة عليهم إلى أن زل الزلة الأخيرة ~~فأبعد وطرد من رحمة الله. نقول: لما خلق الله الخلق مختارين، لهم ~~أن يطيعوا، ولهم أن يعصوا أعد لهم دار الجزاء في الجنة على اعتبار ~~أنهم جميعا سيطيعون، فلكل واحد منهم منزلة في الجنة، كذلك أعد لهم في ~~النار أماكن تسعهم جميعا لو عصوا، فحين يذهب أهل النار إلى النار تخلو ~~أماكنهم في الجنة فأين تذهب؟ يأخذها أهل الجنة أو يرثونها كما قال ~~القرآن. وقوله تعالى: { نتبوأ من الجنة حيث نشآء.. } ~~[الزمر: 74] نقول: تبوأ المكان يعني: نزل به، ومن ذلك قوله تعالى في قصة ~~يوسف عليه السلام: # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها ~~حيث يشآء نصيب برحمتنا من نشآء # [يوسف: 56] فالمعنى: ننزل ونسكن، لكن المسألة ليست بالقوة، كل يذهب حيث ~~يشاء، وليس فيها تعديا على حقوق الآخرين، فالمعنى: نسكن ما نشاء، كل في ~~جنته وما خصص له لا في جنة غيره، وهذا دليل على أن الجنة الخاصة به واسعة ~~{ فنعم أجر العاملين } [الزمر: 74] نعم للمدح يعني: أجر كبير ~~نالوه بأعمالهم الصالحة. ### || [39.75] # قوله تعالى: { حآفين من حول العرش.. } [الزمر: 75] يعني: ~~يطوفون حوله { يسبحون بحمد ربهم.. } [الزمر: 75] فليس لهم ~~عمل إلا التسبيح بحمد ربهم { وقضي بينهم بالحق.. } [الزمر: ~~75] أي: قضى الله بينهم، بين من؟ بين الملائكة لأنهم أقسام: منهم ~~العالون، وهم المهيمون في الحق سبحانه، وهم لا يدرون شيئا عن دنيانا ولا ~~عن آدم وذريته. ومنهم المسخرون ms8782 لخدمة الإنسان وهم الملائكة الحافظون، ~~الذين قال الله عنهم: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله.. # [الرعد: 11] وهؤلاء الذين أمرهم الله بالسجود لآدم لا كل الملائكة، فكأن ~~هذا السجود دليل خضوع وطاعة لهذا المخلوق الذي ستكونون في خدمته. ومن ~~الملائكة الكرام الكاتبون: # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ~~ما تفعلون # [الانفطار: 10-12]. فمعنى: { وقضي بينهم بالحق.. } ~~[الزمر: 75] يعني: أخذ كل منهم منزلته والجزاء الذي يستحقه. { وقيل ~~الحمد لله رب العالمين } [الزمر: 75] من القائل؟ قالوا: ~~قالها المؤمنون من البشر، وقالوا: قالها جميع الخلائق، وقالوا: قالها ~~الحق سبحانه، فهي ثناء من الله تعالى على ذاته سبحانه، كما شهد سبحانه ~~لنفسه بأنه # لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18]. فالحق سبحانه حمد نفسه على أنه رب العالمين، لذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: # "..... لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " # فهذا ثناء من الله على الله، اللهم اجعلنا دائما من القائلين الحمد لله ~~رب العالمين. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1] # هذه السورة بداية الحواميم أي: السور المفتتحة بقوله تعالى حم نقول في ~~الجمع الحواميم وهذا الجمع على غير القاعدة، فالأصح أن نقول آل حم و حم ~~من الحروف المقطعة التي ترد في أوائل السور، وسبق أن تكلمنا عليها في ~~أكثر من موضع، والحقيقة أننا نحوم حول معانيها مما يتيسر لنا فهمه ~~واستنباطه منها، والجميع في النهاية يقول: الله أعلم بمراده لأن معانيها ~~فوق الإحاطة. قلنا: إن الحرف له اسم وله مسمى، نقول: ألف للحرف أ وباء ~~للحرف ب هذا اسم الحرف، أما المسمى لو قلت مثلا كتب أنا لا أنطقها كاف ~~تاء باء، فهذه أسماء الحروف إنما أنطقها كتب وهذا هو المسمى: مسمى ~~الكاف ك، ومسمى التاء ت، ومسمى الباء ب، إذن: نحن في كلامنا ننطق ~~بمسمى الحروف. لكن في حم ننطق باسم الحرف فنقول: ح م ولو نطقنا المسمى ~~لقلنا حم. ومن هنا تأتي أهمية السماع في قراءة القرآن، فبالسماع ~~تقرأ في أول البقرة الم ms8783 هكذا ألف لام ميم، في حين تقرأ نفس الحروف في ~~سورة الشرح # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1] ولولا السماع ما كنا نعرف هذا النطق. بعض العلماء أخذوا ~~يحومون حول معاني هذه الحروف في أوائل السور فقالوا: القرآن معجز لأمة ~~العرب ولما نبغ العرب في البيان والفصاحة جاءت المعجزة من جنس ما نبغوا ~~فيه ليكون الإعجاز في محله، وإلا فليس هناك أمة من الأمم جعلت للكلمة ~~أسواقا ومعارض كما فعل العرب في عكاظ والمربد وذي المجاز وغيرها. وكان ~~تحدي القرآن لهم عين الشهادة بتفوقهم في هذا الميدان، وأنهم حجة فيه. ~~لكن من أين يأتي إعجاز القرآن؟ وبم تميز من كلام العرب والحروف هي ~~الحروف والكلمات هي الكلمات؟ قالوا: حروف اللغة منها حروف مبني أي: ~~تبنى الكلمة وهذه الحروف ليس لها معنى في ذاتها، وحروف معنى وهي حروف ~~لها معنى وحدها، فمثلا الكاف حرف مبني لأنه يدخل في بناء كلمة كتب، ولو ~~أخذ الكاف من كتب ما كان لها معنى وحدها، أما الكاف في الجندي كالأسد فهي ~~حرف معنى أفاد وحده معنى التشبيه، ولم يدخل في بناء كلمة الأسد، كذلك ~~الباء حرف مبني في كتب وحرف معنى في بالله لأنه أفاد معنى القسم. ومن هذه ~~الحروف تتكون الكلمات، ومن الكلمات تتكون الجمل والعبارات، والعبارات ~~تكون الأسلوب والأداء المتميز الجذاب الذي يستميل الأذن ويؤثر في ~~النفس، ومن هنا تأتي بلاغة الكلام وفصاحته حين يكون موافقا لقواعد ~~اللغة، فإذا كانت الحروف العربية والكلمات هي هي في القرآن، فبم تميز ~~عن كلام العرب؟ قالوا: تميز بنسيجه الخاص، وأن الذي تكلم به هو الله ~~سبحانه. # وسبق أن قلنا: إننا إذا أردنا أن نختبر جماعة من النساجين في جودة ~~النسيج ورقته لا يصح أن نعطي أحدهم خيوط الصوف والآخر القطن والآخر ~~الحرير، لأن المادة الخام مختلفة فلا نستطيع تمييز الأجود، بل لابد أن ~~تكون المادة واحدة ليتم التمييز. فمعنى { حم * تنزيل الكتاب ~~من الله العزيز العليم } [غافر: 1-2] أو # حم * والكتاب المبين # [الدخان: 2] أو # الم * ذلك الكتاب ms8784 لا ريب فيه.. # [البقرة: 1-2] أي: من هذه الحروف تكون القرآن وأعطى سر الإعجاز ~~والتحدي، لأن الله تعالى هو الذي نطق به وبلغه رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، وهو رسول أمي لا يعرف القراءة أو الكتابة. لذلك نطق بالقرآن كما ~~أوحى إليه لم يغير فيه حرفا واحدا لذلك كانت الأمية عيبا وقبحا ~~إلا في رسول الله كانت شرفا وميزة، وكأنه يقول بأميته: أنا لم أتعلم من ~~أحد شيئا، وكل ثقافتي من ربي. كذلك كانت الأمة كلها أمة أمية متبدية ~~لا تعرف الحضارة ولا يحكمها قانون عام، ولو كانت أمة العرب حينها أمة ~~متحضرة لقالوا عن الإسلام أنه وثبة حضارية، لكن جاء الإسلام في جزيرة ~~العرب وهم أمة بدوية ليس لها قانون ولا دستور حكمها إلا قانون القبيلة ~~وعصبيتها، الحاكم فيها شيخ القبيلة، بيوتهم على ظهر جمالهم أنى وجدوا ~~الكلأ نزلوا وضربوا خيامهم، وأنى وجدوا الماء حلوا بجواره، فهم غير ~~مرتبطين بوطن ولا مكان. ناهيك عما كان بينهم من صراع قبلي وحروب تنشب ~~على أيسر الأسباب، وتعرفون مثلا حرب داحس والغبراء التي استمرت بينهم ~~أربعين سنة لذلك لما أراد رسول الله أن يكون للدولة الوليدة جيش ما فتح ~~مدرسة لتعليم فنون القتال والحرب لأنه في أمة تجيد هذه الفنون إجادة ~~تامة، والعربي بطبعه مستعد للحرب كلما سمع هيعة طار إليها. إذن: فكيف ~~لمثل هذه الأمة أن تقود العالم كله أن تفتح بلاد الدنيا، وهي بهذا الوصف؟ ~~فكأن الله تعالى أراد أن يعدهم للسياحة في الأرض بهدي الله لخلق الله ~~فلم يرتبطوا بشيء، ثم بعث فيهم رسول الله فجعل من العبيد سادة، ومن رعاة ~~الشاة قادة ومنارات للأمم كلها. إذن: كانت الأمة العربية معدة لسانا ~~وأمية وبدوية لأن تقود العالم المتحضر ليعرف الجميع أن ما جاء به محمد ~~ليس من عند البشر، إنما من عند الله. نعود إلى مسألة الحروف المقطعة، ~~فنقول: قد تأتي هذه الحروف على حرف واحد مثل ق، ص وعلى حرفين مثل طس، حم ~~وعلى ثلاثة أحرف مثل طسم، ms8785 الم وعلى أربعة أحرف مثل: المص، المر وعلى خمسة ~~أحرف مثل: كهيعص إذن: ليس لها نسق واحد. وحين نتأمل مجموع هذه الحروف ~~نجده أربعة عشر حرفا يعني نصف حروف الهجاء الثمانية والعشرين، وكونه ~~يأتي بالنصف بالذات يعني أنها مسألة مقصودة لم تأت هكذا كما اتفق، ودليل ~~هذه الحروف الأربعة عشر تصرفت تصرفا يوحي بأن لها ملحظا وحكمة ولم ~~تأت اعتباطا، فهذه الحروف الثمانية والعشرون منها تسعة حروف من أول ألف ~~باء إلى حرف الذال لم يأخذ منها في الحروف المقطعة إلا حرفين هما الألف ~~والحاء وترك الباقين. # وهي سبعة أحرف. ثم تأمل التسعة الأحرف الأخيرة تجد أن الحق سبحانه أخذ ~~منها سبعة أحرف وترك حرفين على عكس الأولى فأخذ منها: القاف والكاف ~~واللام والميم والنون والهاء والياء وترك الفاء والواو. هذه ثمانية عشر ~~حرفا، يبقى العشرة الأحرف في الوسط، وتبدأ من الراء إلى الغين. ونلحظ في ~~هذه الأحرف أنه أخذ الحروف غير المنقوطة وترك الحروف المنقوطة، أخذ الراء ~~وترك الزاي، وأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد وترك الضاد، وأخذ الطاء ~~وترك الظاء، وأخذ العين وترك الغين. إذن: هذا النظام في الحروف المقطعة ~~دل على أنها ليست على نسق واحد، وأن لها حكمة مقصودة ولم تأت هكذا ~~اعتباطا، وعلينا نحن أن نستنبط هذه الحكم ونفهم هذه الدلالات كل حسب ~~ما تيسر له، وما زلنا نفتش في هذه الحروف لعلنا نصل. لكن كونك تبحث عن ~~الحكمة فهذا اجتهاد محمود، ولك أن تريح عقلك وتأخذها من الله كما هي كما ~~تأخذ المفتاح مثلا ممن صنع الطبلة، فلا يعنيك أن يكون بسنة واحدة أو ~~اثنتين أو ثلاثة أو أربعة، المهم أن يفتح لك، ويكون سر المفتاح مع من ~~صنعه. لكن للعقل أن يأنس بأشياء، كيف؟ قالوا: الحق سبحانه وتعالى يريد ~~في دينه ثلاثة أمور: عقائد، وأحكام، ومادة تؤدي هذه العقائد والأحكام وهي ~~كلامه في القرآن، وكل من هذه الثلاثة فيه غيب وفيه مشهد. فالعقائد ~~وأولها الإيمان بالله وهو غيب لكن يمكنك الوصول إليه والاستدلال ms8786 عليه ~~بالمشاهد من مخلوقاته وعظيم صنعته وهندسته في الكون المرئي، لأن هذا ~~الكون البديع لم يدع أحد خلقه ولم ينسبه لنفسه. إذن: هو لله وحده، ~~إذن نصدق هذا الغيب بالمشاهد، أما الغيب الذي ليس له مشهد كالصفات التي ~~للحق سبحانه فنأخذها مما نسمع من كلامه سبحانه. كذلك الفرائض والأحكام ~~فيها مشهد وفيها غيب، فالصلاة والزكاة والحج والصيام كلها مشهد، وفيها ~~غيب لا نعرف حكمته حتى الآن، فالصلاة فيها استطراق عبودية، والصيام فيه ~~استدامة التكليف، والزكاة لاستطراق المال في المجتمع، والحج لإعلان ~~الولاء للبيت الذي هو بيت الله، هذه أمور تستطيع أن تعرفها بالعقل، لكن ~~ما الحكمة مثلا من جعل الصبح ركعتين والظهر أربعا والعصر أربعا ~~والمغرب ثلاثا، والعشاء أربعا، هذه لا نعرفها. إذن: مع كل غيب مشهد، ~~ومع كل مشهد غيب، كذلك كلام الله تعالى فيه غيب وفيه مشهد، أما المشهد ~~فهو الكلام الذي نعرفه ونقرؤه ونسمعه ونكتبه ونعرف معناه وتفسيره، وفيه ~~غيب كما في الم، ن، ق، ص. # فكل غيب محروس بمشهد يساعدنا على الإيمان بالغيب لأن المسائل كلها لو ~~كانت مشهدا ما كان للإيمان مجال، فنحن الآن أنا وأنتم نجلس مجلس علم في ~~مسجد الشيخ سليمان، فهل هذا المشهد لنا محل إيمان، لا بل مشهد. أما ~~الإيمان فمحله الغيب، لذلك قال تعالى: # الذين يؤمنون بالغيب.. # [البقرة: 3]. لكن هذا الغيب لابد أن تكون له شواهد من المشاهدة ~~ومقدمة تؤدي إليه، أرأيت مثلا لرحلة الإسراء والمعراج؟ هذا غيب لم ~~يره أحد غير سيدنا رسول الله، رحلة الإسراء كانت رحلة أرضية، ورحلة ~~المعراج كانت رحلة سماوية، الناس شاهدت ما على الأرض من معالم لكن لم ~~تشاهد ما في السماء. لذلك لما أراد سيدنا رسول الله أن يقدم لهم دليلا ~~على صدقه وصف لهم معالم رآها على الأرض فوصف لهم بيت المقدس، والقبيلة ~~التي رآها مسافرة ومتى ستصل، وأن بها جملا صفته كذا وكذا، فهذه رحلة ~~أرضية من الممكن أن يقام عليها دليل. وبصدقه صلى الله عليه وسلم فيما ~~أخبر من مشاهدات ms8787 أرضية صارت هذه الرحلة مشهدا ووسيلة لتصديق المشهديات ~~المخالفة للقوانين، فإن أخبر أنه صعد إلى السماء فصدقوه وخذوا من صدقه ~~في المشاهد دليلا على صدقه فيما غاب لأن كل غيب كما قلنا محروس ~~بمشهد. ثم يقول سبحانه: { تنزيل الكتاب من الله... }. ### || [40.2] # مادة نزل وردت في القرآن بصيغ عدة: أنزلنا، نزلنا، تنزيل، نزل. وكلها ~~تعطي معنى العلو للذي نزل، وصفة العلو تدل على أن المنزل ليس من ~~صنع البشر، وتدل على عظمة المنزل ومنزلته، حتى إن كان من جهة الأرض ~~لا من جهة السماء، كما قال تعالى في الحديد: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. # [الحديد: 25]. ومعلوم أن الحديد يستخرج من الأرض لا ينزل من السماء، ~~فالمعنى: أنزلناه على أنه هبة العالي للأدنى، ولا بد أن يكون الأعلى ~~أعظم من الأدنى. ونقول ذلك حتى في الأحكام والقوانين حين نريد أن نشرع ~~ونقنن القوانين. لا تتركوا قوانين الأعلى وتأخذوا بقوانين الأدنى، لأن ~~المقنن الأعلى سبحانه غير المقنن من البشر، فمهما بلغ من العلم ~~والحكمة فلن يخلو من هوى ولن يتنزه عن غرض، فإن كان من الأغنياء ~~يقنن للرأسمالية، وإن كان فقيرا قنن للشيوعية. لذلك يشترط فيمن ~~يقنن ألا يكون له هوى، وألا يكون منتفعا بما يقنن، وأن يكون ~~محيطا بالأمور كلها بحيث لا يستدرك عليه ولا ينسى جزئية من جزئيات ~~الموضوع، وهذه الشروط كلها لا تتوفر إلا في الحق سبحانه، لذلك لا يجوز ~~لنا أن نترك قانون الله وشرعه ونتحاكم إلى قانون البشر. لذلك تعرض ~~الإسلام لحملات ضارية وانتقادات من غير المسلمين كان آخرها الضجة التي ~~أثاروها في الفاتيكان على الطلاق في الإسلام، لأنهم قننوا لأنفسهم بعدم ~~الطلاق، لكن الطلاق في الإسلام من شرعه؟ الله لا البشر. إذن: فهو ~~الصواب وغيره خطأ، لأنك لا تستطيع أبدا أن تديم علاقة بين زوجين يكره ~~كل منهما الآخر وهو مأمون عليها وهي مأمونة عليه؟ كيف تحكم علي أن أعيش ~~مع امرأة لا تثير غرائزي. إذن: شرع الطلاق في الإسلام لحكمة، لأن ~~المشرع سبحانه ms8788 أعلم بطبائع الخلق، ومرت الأيام وألجأتهم أقضية ~~الحياة ومشاكل المجتمع لأن يشرعوا هم أيضا الطلاق، ما أباحوه لأن ~~الإسلام أباحه ولا محبة في دين الله ولا إيمانا بشرع الله، إنما أباحوه ~~لأن الحياة فرضت عليهم قضايا لا تحل إلا بالطلاق. وهذه المسألة هي ~~التي أجبنا بها حين سئلنا في سان فرانسيسكو عن قوله تعالى: # يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم والله ~~متم نوره ولو كره الكفرون # [الصف: 8] وقال: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون # [التوبة: 33]. يقولون: مر على الإسلام أربعة عشر قرنا من الزمان وما ~~يزال أغلب الناس غير مسلمين، والإسلام ليس هو الدين الغالب بل مهدد ~~ومحارب. قلنا: لو تأملتم معنى الآية لعرفتم أن إظهار الدين لا يعني أن ~~يؤمن كل الناس، إنما يظهر على غيره من الشرائع والقوانين ويضطر غير ~~المسلمين لأن يأخذوا بالإسلام في حل قضاياهم، وقوله تعالى: # ولو كره المشركون # [التوبة: 33] # ولو كره الكفرون # [التوبة: 32] دليل على وجود الكفار والمشركين مع وجود الإسلام. وكلمة ~~الكتاب أي: القرآن، سماه الله كتابا لأنه مكتوب، وقرآنا لأنه مقروء، ~~أو هو كتاب إيذانا بأن يكتب، وهو قرآن إيذانا بأن يقرأ، والقراءة ~~إما من السطور وإما من الصدور الحافظة، وسماه وحيا لأنه أوحي به إلى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم: # إن هو إلا وحي يوحى # [النجم: 4] إذن: لكل تسمية ملحظ. ولما أرادوا جمع القرآن اشترطوا أن ~~تتوافق فيه الصدور والسطور، فما كتبوا آية واحدة إلا إذا وجدوها مكتوبة ~~في الرقاع وشهد شاهدان بصحتها، ورحم الله سيدنا الشيخ محمد عبد الله دراز ~~الذي قرن بين هذه المسألة وقوله تعالى: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى.. # [البقرة: 282]. ثم يقول سبحانه: { من الله العزيز العليم } ~~[غافر: 2] فهذا الكتاب منزل من عند الله المتصف بصفات الكمال المطلق، ~~وله سبحانه طلاقة قدرة وطلاقة حكمة وطلاقة رحمة وطلاقة رحمانية، وما دام ~~الكتاب جاء ممن هذه صفاته فلا يمكن أن يستدرك عليه، وما دام لا ~~يستدرك عليه فصدقوا الآية: # اليوم أكملت ms8789 لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا.. # [المائدة: 3]. لذلك نعجب من الذين ينادون الآن بعصرنة الإسلام، ونقول ~~لهم: بدل أن تعصرنوا الإسلام دينوا العصر. وصفة العزيز أي: الغالب ~~الذي لا يغلب، وما دام أن هذا الكتاب نزله عزيز لا يغلب، فلا بد ~~لهذا الكتاب أن يعلو وأن ينشر وأن يسمعه الناس لا يغلبه أحد، لأن ~~منزله عزيز، ولأن الله تعالى ما كان ليبعث به رسولا ويتركه أو يخذله، ~~فمهما عاندوا ومهما تكبروا وجحدوا سيغلب هذا القرآن، ولن يغلب أبدا في ~~أي مجال من المجالات. وكأن الحق سبحانه يقول للكفار وعبدة الأصنام: ~~خذوا لكم عبرة من واقع الأشياء حولكم، فمحمد وأتباعه بعد أن كانوا ~~محاصرين مضطهدين أصبحوا في ازدياد يوما بعد يوم، وأرض الإسلام أصبحت ~~في ازدياد وزيادة أرض الإسلام نقص من أرض الكفر: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو ~~سريع الحساب # [الرعد: 41]. وقال الحق سبحانه وتعالى: # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا ~~والآخرة فليمدد بسبب إلى السمآء ثم ليقطع ~~فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ # [الحج: 15]. يعني: من كان يشك في نصر الله وتأييده فليبحث له عن مسلك ~~آخر وليأت بحبل يعلقه في السماء ويجعل رقبته فيه ثم ليقطع، فلينظر هل ~~يذهب هذا غيظه؟ وقد قال الله تعالى في بيان سنته في نصرة رسله وعباده ~~الصالحين: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. إذن: فالحق سبحانه ما كان ليكبت دينه، ولا يخذل ~~رسله، أو يتخلى عن نصرة أوليائه. وقوله تعالى: { العليم } [غافر: ~~2] تعني: أن عزته سبحانه ليست فتونة بلا رصيد، إنما هي عزة بعلم، وعزة ~~بحكمة، وعزة برحمانية ورحيمية، فله سبحانه كل صفات الكمال المطلق. ثم ~~يقول سبحانه: { غافر الذنب وقابل التوب شديد ~~العقاب... }. ### || [40.3] # يريد الحق سبحانه ألا ينفصل خلقه عنه مهما كثرت ذنوبهم وغلبتهم ~~شهواتهم، يريد سبحانه أن يعطفهم إليه ويجمعهم في ساحته، لذلك فتح لهم ~~باب التوبة ms8790 والمغفرة وبسط لهم يد العفو والتسامح، ثم لوح لهم بعصا ~~العقاب حتى لا يغتروا، وهذا المنهج يعود نفعه على الكون كله وعلى الفرد ~~خاصة لأن صاحب الذنب لو علم ذنبه لن يغفر لتمادى فيه وأكثر وعربد في ~~الكون وأفسد، وساعتها سيشقى به المجتمع، وخاصة أهل الإيمان. لذلك كانت ~~هذه الآية من أرجى الآيات في القرآن الكريم كما قال سبحانه في أواخر ~~سورة الزمر: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم # [الزمر: 53]. وقلنا: إن هذه الآية وأمثالها لا تتعارض وقوله تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء.. # [النساء: 48] لأن الكفر ليس ذنبا، لأن الذنب أن تخالف أمرا مأمورا ~~به أو منهيا عنه من المشرع الأعلى سبحانه، أما الشرك بالله فهو خروج ~~عن الإيمان أصلا فلا يقال له مذنب. والحق سبحانه كثيرا ما يذكر عباده ~~بمغفرته وقبوله للتوبة حتى لا ييأس أحد من رحمته تعالى، فقوله تعالى: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله.. # [الزمر: 53] لم يقلها الحق سبحانه إلا وهناك من أسرف على نفسه ويئس ~~من رحمة ربه، لأنه بالغ في الذنوب حتى ظن أنها لن تغفر. من هؤلاء وحشي ~~قاتل سيدنا حمزة، لأنه بعد أن قتله أحس بذنبه وعظم جرمه، وأيقن أنه ~~هالك لن يغفر الله له، لذلك البعض يقول إنه ذهب لرسول الله يسأله في هذه ~~المسألة وكذا وكذا، لكن الواقع أنه كان في مكة والآية نزلت في المدينة ~~لكن نقلت إليه فلما سمعها آمن وأسلم. ويروى أن وحشيا قابل النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال له صلى الله عليه وسلم: ما كنت أود أن أراك لولا ~~أنك جئت مستجيرا وربي يقول: # وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى ~~يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه.. # [التوبة: 6]. فقال: وأنا مستجير بك حتى أسمع كلام الله، فقرأ عليه رسول ~~الله: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ms8791 ~~تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~جميعا إنه هو الغفور الرحيم # [الزمر: 53]. فقال: لكن الله يقول: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا.. # [الفرقان: 70] وأنا لا أضمن أني أعمل عملا صالحا، فقرأ عليه رسول الله ~~هذه الآية: { غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ~~ذي الطول.. } [غافر: 3]. ومن هؤلاء الذين أصابهم اليأس من رحمة الله ~~عياش بن أبي ربيعة، فيروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه لما أراد أن يهاجر ~~اتفق مع عياش وهشام بن العاص بن وائل السهمي على أن يهاجروا معا وأن ~~يجتمعوا عند بئر غفار، فإذا حبس واحد منهم انتظروه، فلما جاء الموعد لم ~~يأت عياش حيث حبسه أهله عن الهجرة ثم فتنوه ففتن ولم يهاجر مع صاحبيه، ~~فحصل له يأس من رحمة الله. # فلما نزلت هذه الآية: # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله # [الزمر: 53] تذكر عمر صاحبه عياشا الذي فتن وتذكر أنه التقى معه على ~~الإيمان في يوم ما، وأنه كان ينوي الهجرة إلا أن أهله فتنوه فرق له ~~قلبه وبعث إليه بهذه الآية ليطمئن ويعود إلى الإيمان. قوله تعالى: { ~~غافر الذنب } [غافر: 3] أي: الذي سلف { وقابل التوب } ~~[غافر: 3] أي: عن المعصية التي استقبلها { شديد العقاب } [غافر: ~~3] لحكمة يقرن الحق سبحانه بين المغفرة والعقاب حتى لا يتواكل الناس وحتى ~~لا يغتروا برحمة الله، فالدين يقوم على الخوف والرجاء، وهما كالجناحين ~~للطائر لابد منهما معا { ذي الطول } [غافر: 3] كما تقول يعني ~~إيده طايلة يفعل ما يشاء، فالله ذو الطول أي صاحب الفضل والإنعام يعطي ~~ويتفضل بما يشاء على من يشاء إلا يرد عطاءه أحد، لذلك ورد في ~~الدعاء: " لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت ". فإذا قال الحق ~~سبحانه: # تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم # [غافر: 2] فهمنا من كلمة تنزيل علو المنزل والواسطة المنزل إليه ~~والمنزل إليهم ليكون منهجا لحركة حياتهم، وهذا العلو إنما نشأ لأن ~~المنزل كتاب من الله واجب الوجود الذي له الكمال المطلق في قولنا لا إله ms8792 ~~إلا الله والله أكبر من كل شيء التي فسرناها في قوله تعالى # له مقاليد السموت والأرض # [الزمر: 63]. فلا إله إلا الله مقلاد، والله أكبر مقلاد، وسبحان الله ~~مقلاد، وبحمده مقلاد، ونستغفر الله مقلاد، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~مقلاد، وهو الأول مقلاد، وهو الآخر مقلاد، وهو الظاهر مقلاد، وهو الباطن ~~مقلاد، بيده الخير مقلاد، وهو على كل شيء قدير مقلاد. ولن تجد شيئا في ~~كون الله يخرج عن هذه المقاليد أبدا، وكل شيء فيها إنما هو بيد الله، ~~كما قال سبحانه: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو # [الأنعام: 59]. وبعد ذلك تكلم الحق سبحانه، فقال # العزيز # [غافر: 2] أي: عن خلقه. والعزيز هو الذي يغلب ولا يغلب، وهذه إشارة ~~إلى أنه إذا أنزل الله كتابا على رسول فلن يوجد من يقف أمام هذا ~~الكتاب لأنه غالب لا يغلب، وقوله { العليم } [غافر: 2] أي: يضع ~~الأشياء في أماكنها بما يعلم أنها تؤدي مهمتها بصلاحها. وبعد ذلك طمأن ~~خلقه الذين أسرفوا على أنفسهم في بعض الأشياء، فذكر التخلية في { ~~غافر الذنب وقابل التوب } [غافر: 3] ولكنه سبحانه مع ~~غفرانه للذنب وقبوله للتوب { شديد العقاب ذي الطول لا ~~إله إلا هو إليه المصير } [غافر: 3] فجمع في هذه الآية ~~صفات جلاله كلها وصفات جماله كلها. ونفهم من لا إله إلا هو أنه لا ~~استدراك لأحد على شيء من قوله { إليه المصير } [غافر: 3] فلا ~~مرجع ولا مرد إلا إليه. ثم يقول سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم: { ~~ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا... }. ### || [40.4] # الرسول صلى الله عليه وسلم جاء رسولا من عند الله بما يخرج الجاهلية ~~إلى مقام العلم عن الله، وبذلك تتطهر حركة حياتهم من كل ما يعطي في الكون ~~ذبذبة أو كل ما يعطي في الكون تعاندا حتى يصير الكون كله متساندا ~~متعاضدا، بحيث لا يبني واحد ويهدم الآخر، فيقول سبحانه: { ما يجادل ~~في آيات الله إلا الذين كفروا } [غافر: 4]. الجدل: ~~إبرام الشيء إبراما حقيقيا بحيث يستحيل أن ينقض، وهذه المسألة مثل ms8793 ~~عملية فتل الحبال عندنا في الفلاحين، حيث يأخذ الرجل شعيرات التيل ~~المعروف ويظل يبرم فيها، إلى أن تتداخل الشعيرات وتتماسك وتتداخل، لذلك ~~نرى الحبل قويا متينا. وسمي المراء بين الناس جدلا، لأن كل واحد ~~من الطرفين يريد أن يحكم منطقه وحجته ليغلب الآخر، فكل منهم يجادل ~~لحساب نفسه، صاحب الحق يجادل لإظهار حقه، وصاحب الباطل يجادل ليحق ~~باطله. أي: يظهره في صورة الحق. لكن هل الجدل مذموم في ذاته؟ لا، لأن ~~الجدل بحسب الغاية منه لذلك يقول تعالى: # ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن # [العنكبوت: 46] فدل ذلك على أن في الجدل ما هو حسن وأحسن، والجدل ~~الحسن هو الذي يسعى لإيجاد الحجة على أن الحق حق والباطل باطل، فإن كان ~~العكس فهو جدل باطل مذموم. لذلك نفهم من قوله تعالى: { ما يجادل ~~في آيات الله إلا الذين كفروا } [غافر: 4] أن هذا هو ~~الجدل الباطل لأن الجدل يكون عنها لا فيها، يجادل عنها أي: يدافع عنها ~~ليثبت صدقها ويظهر الحق الذي جاءت به، أما يجادل في الآيات. أي: يحاول ~~التشكيك فيها وتكذيبها. وقلنا: إن آيات الله على ثلاثة أنواع، وهذه هي ~~التي يحدث فيها الجدل: الآيات الكونية التي تشهد بوجود الخالق الأعلى ~~سبحانه، والآيات البينات المعجزة التي تثبت صدق الرسول في البلاغ عن ربه، ~~والآيات القرآنية التي تحمل الأحكام. فالآيات الكونية التي تثبت قدرة ~~الله الخالق الأعلى سبحانه هي التي نشاهدها في الأرض وفي السماء، في ~~الشمس والقمر والنجوم والماء والهواء.. إلخ وهذه الآيات أوجدها الخالق ~~سبحانه على هيئة الصلاح، وعلى قانون ثابت لا يتخلف، ولا دخل للإنسان ~~في حركتها. وسبق أن قلنا: إن الفساد في الكون يطرأ من تدخل الإنسان ~~وامتداد يده إلى مخلوقات الله بغير قانون الله الذي خلق، ولو تدخل ~~الإنسان في الأشياء بقانون الخالق ما رأينا هذا الفساد الذي يعم الكون ~~الآن لذلك يوضح لنا الحق سبحانه هذه القضية، فيقول: # ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها # [الأعراف: 56]. والمعنى: أن الحق سبحانه خلق الأرض على هيئة ms8794 الصلاح، ~~فإياكم أن تفسدوها لذلك يرجع الحق سبحانه الفساد الحادث في الأرض إلى ~~الناس، فيقول: # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس # [الروم: 41]. نعم، لوثنا المياه وألقينا فيها النفايات والمخلفات ~~فماتت الأسماك وظهرت الأمراض، أفسدنا الهواء وأفسدنا التربة الزراعية.. ~~إلخ ذلك لأننا تدخلنا في مخلوقات الله بغير قانون الله، وبغير منهج ~~الله الذي وضعه لصلاح الكون. لكن أي هذه الآيات الثلاث يجادل فيها ~~الكافرون؟ بالطبع هم لا يجادلون في الآيات الكونية ولا يتعرضون لها، ~~لأنهم أولا ينتفعون بها ويرون فيها نظاما دقيقا محكما لا يشذ ولا ~~يتخلف، فلا مجال إذن للجدل فيها. إنما يجادلون في الآيات الأخرى في آية ~~المعجزة، وفي آيات الكتاب حاملة الأحكام فيشككون فيها. أما المعجزة ~~فقالوا: # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إذن: اعتراضهم هنا ليس على القرآن في ذاته إنما في من ~~أنزل عليه، فالقرآن في نظرهم لا غبار عليه لولا أنه نزل على محمد، لكن ~~كفرهم يوقعهم في التناقض فيقولون: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32]. وكان المفترض بالعقل أن يقولوا: فاهدنا إليه، فهذا دليل ~~على شكهم في القرآن وعدم تصديقهم لما جاء به لذلك حكى القرآن عنهم ~~قولهم: # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه # [فصلت: 26]. وتأمل هنا النهي عن مجرد السماع للقرآن، لماذا؟ لأنهم عرب ~~ولهم فطرة لغوية وخبرة بالأداء والبيان، فلو استمعوا للقرآن لابد أن ~~يتأثروا به، وكل من استمع القرآن بقلب خال من ضده لابد أن يقتنع به، ~~وإلا فلماذا كان نهيهم عن مجرد السماع؟ لذلك لا يكتفون بالنهي عن السماع ~~بل يشوشون عليه حتى لا يتمكن السامع من السماع # والغوا فيه # [فصلت: 26] هذا دليل على القرآن لو ترك ليصل إلى الآذان لابد أن ~~ينفذ إلى القلوب فيعمرها ويلفتها إلى الحق إن كان الذهن خاليا من ~~الباطل، فإن كان القلب مشغولا بعقيدة مخالفة لا يتأثر، بدليل قوله ~~تعالى: # ومنهم من ms8795 يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا # [محمد: 16]. وقال فيمن يؤثر فيه سماع القرآن: # وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم ~~إيمانا وهم يستبشرون # [التوبة: 124]. فإن قلت: كيف يكون للشيء الواحد أثران متضادان؟ نقول: ~~لأن القابل للفعل مختلف، وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بالنفخ في الأيدي ~~للتدفئة في البرد، والنفخ في كوب الشاي الساخن ليبرد، فالنفس واحد لكن ~~القابل للنفس مختلف، ولا شك أن حرارة النفس أقل من حرارة كوب ~~الشاي، لكنها أشد من الحرارة في الأيدي وقت الشتاء كذلك يختلف أثر ~~القرآن بالنسبة للسامع. لذلك ينبغي عند سماع القرآن ألا توجد حجب ~~تحجبه عن القلب، والحق سبحانه وتعالى يمنع لغط الجماهير في الجدل ~~البياني، ففي الضوضاء تختلط الأصوات وتتداخل، وتستر عيوب الشخص في ~~الآخرين، وهذا يحدث مثلا في المظاهرات فلا نستطيع أن نسند الصوت إلى ~~صاحبه، وهذه المسألة توضح لنا الحكمة من قوله تعالى: # إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون # [الأنبياء: 110]. وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية يقولون: ما الميزة ~~في علم الجهر والجميع يعلمه، فلماذا يمتن الله بعلمه؟ نقول: قوله تعالى: # ويعلم ما تكتمون # [الأنبياء: 110] دل على أن الجهر أيضا من الجماعة بمعنى: ويعلم ما ~~تجهرون، فالحق سبحانه هو الذي يعلم كل صوت ويعلم صاحبه، ويميز الأصوات ~~ويردها إلى أصحابها، وهذه العملية في ذاتها أصعب من علم الكتمان. ومن ~~جدالهم في آيات الله قولهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ساحر ~~وكاهن، وقولهم عنه شاعر.. إلخ وهذه أقوال باطلة مردودة على أصحابها والرد ~~عليها يسير، فلو كان محمد ساحرا سحر من آمن به، فلماذا لم يسحركم ~~أيضا كما سحرهم؟ إذن: بقاؤكم على حالتكم هذه دليل على كذبكم في هذا ~~الاتهام، أما كاهن فما جربتم عليه قبل ذلك شيئا من الكهانة، ولا سمعتم ~~منه كلاما كالذي يقوله الكهان. والأعجب من ذلك أن يتهموا رسول الله ~~بأنه شاعر، وأن ما يقوله ms8796 شعر، وهم أمة الشعر وفرسان هذا الميدان، وهم ~~أدرى الناس به، ومن كان عنده أدنى دراية باللغة يستطيع أن يفرق بين ~~الشعر والنثر وأن يتذوق كلا منهما ويشعر به إذا انتقل مثلا من الشعر ~~إلى النثر، أو من النثر إلى الشعر. فحين تقرأ مثلا: هذا العتب محمود ~~عواقبه، وهذه الجفوة غمرة ثم تنجلي، ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سيبه أو ~~أخطأ غير ضنين غناؤه، فأبطأ الدلاء فيضا أملؤها، وأثقل السحائب ~~مشيا أحفلها، ومع اليوم غد ولكل أجل كتاب. # فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا # فأفعاله اللائي سررن ألوف # لابد إذن أن تفرق ههنا بين الشعر والنثر، فكيف بهم وهم أمة البلاغة ~~والفصاحة، الأمة التي جعلت للحكمة أسواقا ومعارض، ومع ذلك لا يفرقون ~~بين الشعر والقرآن. القرآن ليس شعرا، بل هو نسيج فريد وحده، واقرأ ~~مثلا: # فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت ~~لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا ~~وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه ~~وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا ~~إن هذآ إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذي ~~لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم.. # [يوسف: 31-32]. هكذا كلام نثر كله لا تشعر فيه بشيء من الشعر، ومع ذلك ~~لو أخذت مثلا: # فذلكن الذي لمتنني فيه # [يوسف: 32] لوجدتها على وزن من أوزان الشعر، كذلك في قوله تعالى: # نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم # [الحجر: 49] لو حولتها إلى تفعيلات تعطيك بحرا من بحور الشعر، لكن ~~لا تشعر أبدا أنك انتقلت من شعر إلى نثر، أو من نثر إلى شعر، ذلك لأن ~~القرآن كما قلنا نسيج وحده. # لذلك قلنا: إن كماله لا يتعدى إلى غيره، فالفقيه الحافظ للقرآن تجده ~~يجيد القراءات السبع، ومع ذلك لا يجيد كتابة خطاب، ونحن ننصح الطلاب ~~بقراءة كتب الأدب مثل كتب المنفلوطي أو العقاد مثلا ليستقيم أسلوبهم ~~ويتمكنوا من الكتابة والتعبير السليم ذلك لأن القرآن لا يتعدى إلى ~~غيره، أما كتب الأدب فتتعدى إلى الأسلوب وتحسنه، القرآن يظل كماله في ~~ذاته. وكان من جدالهم ms8797 في آيات الله أن قالوا عن رسول الله: # إنما يعلمه بشر.. # [النحل: 103] وحددوا شخصا بعينه، لكن رد عليهم القرآن بما يعني: إن ~~كنت كذوبا فكن ذكورا # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. ثم قالوا: مجنون، وعجيب منهم أن يتهموا رسول الله بالجنون ~~وهم يعلمون أدبه وخلقه قبل بعثته، وصاحب الخلق الكريم لا يكون أبدا ~~مجنونا، لكن هذه كلها شبهات المفلسين الذين لا يجدون حجة تقدح في رسالة ~~محمد، فماذا يقولون غير هذا التخبط الأعمى؟ هذا جدل في شخص رسول الله، ~~وكانوا يقولون: ابن أبي كبشة، لكن هيهات أن تنال هذه الافتراءات من شخص ~~رسول الله. ثم يجادلون في أحكام الله، فيقول مثلا: لم يحرم الله الميتة؟ ~~وكيف أن التي ماتت وحدها يعني أماتها الله محرمة، والتي تميتها أنت - ~~أي: بالذبح - محللة؟ يعني في نظرهم أن الموت واحد، فلماذا تحرم هذه ~~وتحل هذه؟ وهم يعترضون على آيات الأحكام لأنها تأتي عامة لا تفرق بين ~~السادة والعبيد، فالحكم واحد للجميع وهم قد ألفوا السيادة. وقوله: { ~~إلا الذين كفروا.. } [غافر: 4] أي: ستروا واجب الوجود الأعلى ~~الذي خلقهم وخلق الكون كله من حولهم، بدليل إقرارهم هم بذلك في الآيات ~~الكونية: # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله.. # [لقمان: 25] فهم وإن كانوا يؤمنون بهذه الآيات الكونية إلا أنهم كفروا ~~بخالقها سبحانه، وستروا الواجب الأعلى الذي ينظم حركة الحياة لخلقه ~~جميعا بحيث تتساند حركة الحياة ولا تتعاند لتظل عمارة الكون التي أرادها ~~الخالق سبحانه. وسبق أن أوضحنا أن كلمة كفروا في ذاتها دليل الإيمان، ~~لأن الكفر يعني الستر والستر يقتضي مستورا، فالمستور إذن وجد أولا ~~قبل الساتر، وما دام ستروا بالكفر وجود الله، فالأصل أنه موجود. وقوله: ~~{ فلا يغررك تقلبهم في البلاد } [غافر: 4] أي: لا ~~يخدعنك أن لهم في البلاد سيادة وتمكينا وعلوا ومهابة، بحيث لا يستطيع ~~أحد أن يتعرض لهم في تقلبهم من مكان لمكان، وفي أسفارهم في رحلة ~~الشتاء والصيف. ولو أنهم عرفوا حقيقة هذه المكانة، ومن الذي بوأهم ms8798 هذه ~~المنزلة ما وقفوا منك يا محمد هذا الموقف، لقد أخذوا هذه المهابة ونالوا ~~هذه المنزلة لجوارهم لبيت الله، والله هو الذي أرسلك إليهم، فكان عليهم ~~أن يؤمنوا بك وأن يصدقوك. # وكلمة تقلبهم تدل على حركتهم وانتقالهم من مكان لآخر، وتدل على قوة ~~الأبدان لذلك كانت كل قبائل العرب تهابهم، جاءت هذه المنزلة لقريش من ~~موسم الحج، حيث تأتي إليهم كل القبائل من جزيرة العرب فتكون في حماية ~~قريش في الموسم، ومن هنا آمنوا في تنقلاتهم وكان عليهم أن يراعوا هذه ~~النعمة، لكنهم جحدوا بها فصدق: عليهم قوله تعالى: # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا ~~وأحلوا قومهم دار البوار # [إبراهيم: 28]. كيف ذلك؟ اقرأ: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم ~~يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم ~~كعصف مأكول # [الفيل: 1-5]. تعرفون قصة أبرهة لما جاء ليهدم الكعبة ليصرف الناس عن ~~بيت الله ويبني كعبة أخرى في صنعاء يحج الناس إليها، وتعرفون ما كان من ~~أمر هذا الجيش، وكيف رده الله بقدرته حتى قيل إن الفيل الضخم الذي كان ~~يتقدم الجيش توقف عن السير نحو الكعبة، في حين يسير في أي اتجاه آخر ~~وأن أحدهم اقترب من الفيل وقال له: ابرك محمود وارجع راشدا فإنك ببلد ~~الله الحرام. فانصرفوا بعد أن أمطرهم الله بحجارة من سجيل، وهزمهم ~~بقدرته تعالى. المهم ماذا قال سبحانه بعد هذه السورة مباشرة؟ قال: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف # [قريش: 1-2] فكأن في بقاء الكعبة بقاء لسيادة قريش، وبقاء لأمنها ~~وسلامتها بين القبائل العربية، فأبقى الله لهم بذلك أن يألفوا رحلة ~~الشتاء والصيف. إذن: العلة من # فجعلهم كعصف مأكول # [الفيل: 5] جاءت في # لإيلاف قريش # [قريش: 1]. وإلا لكان لك أن تتعجب من أول السورة: # لإيلاف قريش # [قريش: 1] وتسأل عن العلة، فإن فصلت العلة هنا عن المعلول، فجاء كل في ~~سورة إلا أنهما في نسق واحد، وسبق أن أوضحنا أن سور القرآن كله قائمة ~~على الوصل فتقرأ: # فجعلهم ms8799 كعصف مأكول # [الفيل: 5] بسم الله الرحمن الرحيم # لإيلاف قريش # [قريش: 1]. فإن قلت: لماذا لم تأت في سورة واحدة؟ لماذا جاءت العلة ~~في سورة والمعلول في سورة أخرى؟ قالوا: الفصل بين الشيء وسببه ليكون ~~الشيء له حكم، والسبب له حكم. إذن: جعلهم كعصف مأكول لئلا تزول الكعبة ~~ولو زالت الكعبة لزالت سيادة قريش ومهابتها، فأبقى الله لهم السيادة ~~والمهابة ليتنقلوا بين الشمال والجنوب لا يجرؤ أحد على التعرض لهم، وسوف ~~يترتب على ذلك قوام حياتهم فيطعمهم من جوع، ويؤمنهم من خوف، يطعمهم ~~بالتجارة وحركة البيع والشراء، ويؤمنهم بألا يتعرض لهم أحد بسوء. ثم ~~يوضح علة ذلك فيقول: # فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4] فهم يتقلبون في نعمة الله، وكان عليهم ألا يكفروها. فقوله ~~تعالى: { فلا يغررك تقلبهم في البلاد } [غافر: 4] لأن ~~الله تعالى لم يهملهم إنما فقط يمهلهم. # فإن قلت: فما حكمة الإمهال؟ يعني: ما دام أن الله تعالى لم يهملهم، ~~فلماذا لم يأخذهم من البداية؟ قالوا: لأن الله تعالى أرسل رسوله صلى الله ~~عليه وسلم خاتم الرسل وجعل دينه خاتم الأديان ومهيمنا على الزمان ~~والمكان، فلا نبي بعده وللرسول مدة ينتهي فيها دوره في الحياة، وينتقل ~~إلى الرفيق الأعلى، ثم يحمل رسالته من بعده جنود الحق الذين محصتهم ~~الشدائد. لذلك قلنا: إن صناديد الكفر الذين عذبوا المسلمين الأوائل ~~واضطهدوهم كانوا فيما بعد من جنود الإسلام، لماذا؟ لأن هذا الاضطهاد وهذا ~~التعذيب هو الذي محص المسلمين وأبعد ضعاف الهمة وضعاف الإيمان الذين ~~فتنهم التعذيب، وأرهبهم الاضطهاد حتى لم يبق في ساحة الإيمان إلا ~~الأقوياء الجديرون بحمل هذه الرسالة وتحمل تبعاتها، لأنها رسالة خالدة ~~باقية في الزمان والمكان كله. فالحق سبحانه ما أهمل الكفار إنما أمهلهم ~~لمهمة، هي أنهم سيساهمون في تربية هذا الجيل الذي سيحمل دعوة الله: # الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إلا الله.. # [الأحزاب: 39]. هؤلاء هم الجيل المحمدي الذي حمل راية الإسلام، وساح بها ~~في كل الأنحاء لا ينتظر على ms8800 ذلك أجرا مقدما إنما ينتظر الأجر من الله ~~في الآخرة. وهذا هو الفرق بين دعوة الحق ودعوة الباطل، فأهل الحق لا ~~ينتظرون أجرا مقدما، أما أهل الباطل فيأخذون أجرهم قبل البدء في العمل، ~~لذلك كل رسل الله قالوا هذه الكلمة: # ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين # [الشعراء: 109]. نعم أجرهم على الله لأنه غال لا يقدر عليه إلا الله، ~~فلا أحد يستطيع أن يجازي الرسول على رسالته في هداية قومه ولو أعطاه ~~مال الدنيا كلها. والتقلب في البلاد أي: التنقل من مكان لمكان فيها ~~لا يتم إلا بعدة أشياء أهمها: سلامة الأبدان لتحمل مشقة السفر، ثم ~~الأمن من خوف الطريق، ثم وجود كفايات له في المنازل التي ينزل فيها في ~~طريقه، لذلك يقول تعالى في موضع آخر: # أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله ~~بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا ~~يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم ~~بمعجزين # [النحل: 45-46]. يعني: في أوج قوتهم وتمكنهم من الحركة والتنقل ~~يأخذهم الله بالعذاب، هذا لون من الأخذ # أو يأخذهم على تخوف.. # [النحل: 47] أي: يخيفهم أولا ويفزعهم قبل أن يأخذهم وهذا لون آخر، ~~كالذين نزلت بهم الصاعقة فأفزعتهم قبل أن يحل بهم عذاب الله، هذان ~~لونان من أخذ الله للكافرين. ### || [40.5] # المعنى: أنهم ليسوا بدعا في الوجود، كما أنك لست بدعا في الرسل، فقد ~~سبقك إخوانك من الرسل فكذبوا كما كذبك قومك، لكن ماذا كانت نتيجة ~~التكذيب؟ أبعث الله رسولا وتركه وأسلمه؟ كلا والله بل سنة الله في رسله ~~أن ينصرهم وأن يخذل أعداء دعوته، قال تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. وهذا ليس كلاما نظريا نسليك به يا محمد، إنما له ~~واقع وله نظائر تؤيده في موكب الرسالات، كما قال سبحانه عن المكذبين: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا.. # [العنكبوت: 40] أي: ريحا ترميهم بالحجارة المحمية # ومنهم من أخذته الصيحة.. # [العنكبوت: 40] وهم قوم ثمود # ومنهم من ms8801 خسفنا به الأرض.. # [العنكبوت: 40] كما خسف بقارون # ومنهم من أغرقنا.. # [العنكبوت: 40] كما فعل بقوم نوح وبقوم فرعون. فسنة الله في الرسالات ~~أن ينصر رسله وأن يهزم عدوه، لذلك قلنا: إذا رأيت الأمة الإسلامية ~~تنهزم في معركة، فاعلم أنه اختل فيها شرط الجندية لله، ولو بقيت على شرط ~~الله في الجندية ما انهزمت أبدا. فقوله تعالى: { كذبت ~~قبلهم.. } [غافر: 5] أي: قبل قومك الذين كذبوك قوم نوح وهذه تسلية ~~لرسول الله وتخفيف عنه، فليس التكذيب للرسالات شيئا جديدا، واختار قوم ~~نوح بالذات لأن رسالة نوح عليه السلام كانت أطول رسالة، حيث لبث في دعوة ~~قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، كل هذا العمر الطويل وهم يجادلون رسول ~~الله نوحا ويكذبونه ويعاندونه، لذلك يئس من صلاحهم ودعا عليهم: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا # [نوح: 26-27]. أما القلة التي آمنت معه فقد دعا لهم حيث بدأ بنفسه: # رب اغفر لي ولوالدي.. # [نوح: 28] ثم # ولوالدي.. # [نوح: 28] لأنهما سبب وجودي # ولمن دخل بيتي مؤمنا.. # [نوح: 28] وهم ما لهم صلة به، ثم لعامة المؤمنين والمؤمنات # وللمؤمنين والمؤمنات.. # [نوح: 28]. إذن: ذكر تكذيب قوم نوح بالذات لأنه العمدة في هذه المسألة ~~وهو الأوضح والأعنف، ولا تخفى عليكم المواقف التي تعرض لها نوح عليه ~~السلام من تكذيب قومه وإيذائهم له واستهزائهم به، وهو يصنع السفينة. ~~وقوله: { والأحزاب من بعدهم.. } [غافر: 5] المراد عاد قوم هود ~~عليه السلام وثمود قوم صالح عليه السلام، وهذا ليس كلاما نظريا بل هو ~~واقع يرونه ويمرون بهذه الديار الخربة: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]. إنهم يمرون في أسفارهم بالأحقاف وبمدائن صالح، ~~وعندنا في مصر آثار الفراعنة كلها تشهد بصدق الله في هذا البلاغ، وها هي ~~أكثر دول العالم تقدما الآن وحضارة تقف عاجزة أمام حضارة الفراعنة، وكيف ~~أنهم وصلوا إلى هذه الدرجة من التقدم منذ أكثر من سبعة آلاف عام، ومع ذلك ~~فاتتهم هذه الحضارة لأنهم لم يصلوا إلى ms8802 الحد الذي يصونها لهم. # واقرأ إن شئت قوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * ~~الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * ~~فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك ~~لبالمرصاد # [الفجر: 6-14]. يعني: القضية لم تنته عند عاد وثمود وقوم فرعون، بل هي ~~عامة في كل مكذب # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]. والأحزاب: هم الذين يتحزبون ويجتمعون على مبدأ واحد، ~~والمراد هنا الذين يتحزبون ضد الدعوة وضد الهداية ويسمونهم لذلك حزب ~~الشيطان ويقابله حزب الله، وهم الذين يؤيدون الرسل وينصرون دعوة الحق. { ~~وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه.. } [غافر: 5] أي: ~~ليقتلوه، وهذه المسألة جاءت مفصلة في قوله تعالى: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك.. # [الأنفال: 30] أي: يحبسوك أو يقيدوك فلا تتحرك هنا وهناك # أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين # [الأنفال: 30]. والكلام هنا أنهم هموا بذلك لكن لم يفعلوه ولم يقدروا ~~عليه، فكلمة هموا تعني توجه وهم مراد لم يحدث على الحقيقة، ومن ~~ذلك قوله تعالى في الطائفتين في غزوة أحد: # إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا.. # [آل عمران: 122] لكن لم يحدث الفشل، فالهم شغل القلب بفعل الشيء، ~~لكن لا يحدث الفعل. لذلك قال سبحانه: # وهموا بما لم ينالوا.. # [التوبة: 74]. إلا الهم الذي كان من سيدنا يوسف عليه السلام، لأن ~~المسألة هنا تتعلق بعصمة نبي كما قال تعالى: # ولقد همت به وهم بها.. # [يوسف: 24] البعض يحمل هذه الآية معاني لا تليق بعصمة نبي الله يوسف، ~~يقول: كيف يهم بها وهو نبي؟ قلنا: الهم تعلق الخاطر بالفعل أو تعلق ~~استجابة الجارحة للفعل، لكن ينفعل أو لا ينفعل هذا هو المهم، والآية فيها ~~همان # ولقد همت به.. # [يوسف: 24] ثم سكوت، ثم # وهم بها.. # [يوسف: 24] لاحظ أن همها هي لم تنل منه شيئا لذلك قالت: # ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم ~~يفعل مآ آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين # [يوسف: 32]. هذا دليل على أن همها ms8803 هي لم يأت بنتيجة، فكيف لا يأتي ~~الهم معها بشيء مع عصيانها، ثم يأتي الهم بشيء مع يوسف؟ إذن: همت به ~~ولم يحدث شيء وهي المريدة، كذلك وهم بها ولم يحدث شيء لأنه لا يريد. ~~وتأمل هنا دقة الأداء القرآني في استخدام نون التوكيد الثقيلة في # ليسجنن.. # [يوسف: 32] ونون التوكيد الخفيفة في # وليكونا من الصاغرين # [يوسف: 32] لأن السجن أمر في يدها وبأمرها يسجن يوسف، فاستخدم نون ~~التوكيد الثقيلة الدالة على التمكن من الفعل، أما أن يكون من الصاغرين ~~فهذا أمر ليس بيدها فلربما سجنته وعطف عليه الحراس وأكرموه، فاستخدم هنا ~~نون التوكيد الخفيفة لهدم تمكنها من هذا الفعل. # والجواب الذي نحسم به مسألة الهم في هذه القصة ونوضح به براءة سيدنا ~~يوسف مما يقوله عنه المفترون نقول: ولقد همت به، نعم أأدت هذا الهم أم ~~لم تؤده؟ لم تؤده بدليل قولها # ولئن لم يفعل مآ آمره.. # [يوسف: 32] # وهم بها.. # [يوسف: 24] نعم هم ولم يفعل بنفس الدليل السابق، فلماذا تحرصون على ~~إلصاق التهمة بنبي الله وهمه كهمها لم يأت بشيء. ثم إن الهم منه ~~هنا أمر طبيعي لأنه استعداد الطبيعة للوقوع في هذا الفعل، يعني: هو أمر ~~ممكن بالنسبة له عليه السلام، فطبيعته صالحة لأن يفعل وإلا لقلنا إنه ~~حصور ليس له في هذا الأمر، لا بل هو صالح له قادر عليه، فما الذي منعه ~~إذن؟ نقول: منعه # لولا أن رأى برهان ربه.. # [يوسف: 24]. أي: في أن هذا حرام. كما تقول: أزورك لولا أن فلانا عندك، ~~فالمعنى أنني لم أزرك، إذن: # وهم بها لولا أن رأى برهان ربه.. # [يوسف: 24] يعني: هم ولم يفعل فالحكم هنا براءة ليوسف عليه السلام ~~حتى من الهم. نعود إلى قوله تعالى: { وهمت كل أمة ~~برسولهم ليأخذوه.. } [غافر: 5] حدث ذلك لكنهم لم يفعلوا ولم ~~يأخذوه { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق.. } ~~[غافر: 5] أي: يزيلوا ويهزموا الحق بالباطل، فماذا كانت النتيجة؟ { ~~فأخذتهم.. } [غافر: 5] أي: أهلكتهم بالفعل لا بالهم كما فعلوا ~~هم، وهذا ما يليق بالقدرة العليا { فكيف كان عقاب ms8804 } [غافر: 5] ~~يعني: هل عرفنا؟ هل قدرنا على عقابهم؟ وهذه مثل قوله تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من ~~الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 29-36]. يعني: هل قدرنا أن نجازيهم على أفعالهم وإجرامهم؟ ~~وكأن الحق سبحانه يريد أن ينبه أهل الإيمان، وأن يطمئنهم إلى عدله ~~سبحانه، فلن يفلت هؤلاء من العقاب، ولا شك أن عقاب أهل الإجرام وأهل ~~الكفر يريح أهل الإيمان. وتأمل هنا أيضا دقة الأداء القرآني في قوله ~~تعالى: { وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه.. } ~~[غافر: 5] ولم يقل برسولها قياسا على أن الأمة مفرد مؤنث، إنما قال { ~~برسولهم.. } [غافر: 5] فأضاف الرسول إلى جمع المذكر، ذلك لأن ~~المواجهة بين الإسلام والكفر كانت بالرجال ولم تكن المرأة طرفا في هذه ~~المواجهات بدليل أنهم لما بيتوا لرسول الله ليلة الهجرة كانوا جميعا ~~من الرجال ولم يكن بينهم امرأة واحدة، كذلك الحال في { وجادلوا ~~بالباطل ليدحضوا به الحق.. } [غافر: 5] فهذه أمور لا ~~دخل للمرأة فيها. ### || [40.6] # حقت أي: وجبت وثبتت ولم يأت واقع لينقضها، لماذا؟ لأن الذي قالها ~~يعلم ما يكون بعدها، وخاصة إذا كان الذين يعملون لهم اختيار في أن ~~يعملوا أو لا يعملوا. فالله تعالى قالها وحكم بها عليهم وهم في بحبوحة ~~الدنيا وفي زمن الاختيار، ومع ذلك لم يخالفوها، وهنا موضع العظمة في كلام ~~الله، العظمة أن أتحداك في أمر لك فيه اختيار، ومع ذلك لا تخرج عما حكمت ~~عليك به. ومثل هذا قلناه في قوله تعالى في شأن أبي لهب وزوجته: # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد # [المسد: 1-5]. فالحق سبحانه وتعالى حكم عليهما بالكفر، وأن مصيرهما ~~النار مع أن الإيمان والكفر أمر وكل الله اختياره للعبد بدليل أن ~~أمثال ms8805 أبي لهب من كفار مكة أسلموا مثل: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، ~~وعكرمة وغيرهم، وكان في إمكان أبي لهب بعد أن نزلت هذه السورة أن يشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يقولها ولو نفاقا، لكن لم ~~يحدث وصدق فيه قول الله تعالى. وهذه المسألة شرحها الحق سبحانه في قوله: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه.. # [الأنفال: 24] فقلبه يحدثه بالشيء إنما العظمة الإلهية تحوله عنه. ~~لذلك قال تعالى لأم موسى: # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا ~~تحزني.. # [القصص: 7] فالقياس العقلي لا يقبل هذا الحل وأي عاقل يقول: إن المرأة ~~إذا خافت على وليدها تلقيه في البحر؟ لكن هنا أم موسى لم تسمع لصوت العقل ~~ولا تأثرت بعاطفتها نحو وليدها، إنما سمعت لقول ربها، سمعت لهذا الوارد ~~الأعلى الذي لا يعارضه أي وارد شيطاني أسفل فلم تتردد أبدا في أن ~~تلقي بوليدها في البحر، لأن الله تعالى حال بينها وبين عاطفة قلبها. ~~كذلك الحال في قصة سيدنا موسى مع فرعون، فقد أخبر الكهنة فرعون أن زوال ~~ملكه سيكون على يد غلام من بني إسرائيل، فماذا فعل فرعون - لتعلموا كيف ~~كانت عقلية الذين ادعوا الألوهية، وكيف أن الله تعالى يحول بين المرء ~~وقلبه، ماذا فعل فرعون؟ راح يبحث عن الأطفال ويقتلهم، وهو لا يعلم أن ~~الله يدخر له هذا الغلام فيأتيه ويطرق بابه وهو في مهده على الهيئة ~~التي تعرفونها، ومع ذلك يطمئن إليه ويتخذه ولدا له، وتقول زوجته # قرت عين لي ولك.. # [القصص: 9] فيأخذه ويربيه في بيته، هذا معنى # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه.. # [الأنفال: 24]. إذن: فقوله تعالى: { وكذلك حقت كلمة ~~ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار } ~~[غافر: 6] ما حقت عليهم بقهر وجبروت، إنما حقت عليهم باختيار منهم، ~~والحق سبحانه وتعالى بعلمه الأزلي علم اختيارهم، فحكم عليهم بسابق علمه ~~فيهم، ولا يمكن أن يأتي واقع يخالف هذا الحكم لأن المتكلم بهذا الكلام ~~هو الله. # وسبق أن أوضحنا أن الكلمة تطلق ms8806 على اللفظ المفرد، وتطلق على الكلام ~~ومن ذلك قوله تعالى: # كلا إنها كلمة هو قآئلها.. # [المؤمنون: 100] وقوله سبحانه في الذين قالوا # اتخذ الله ولدا.. # [يونس: 68] قال: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا ~~كذبا # [الكهف: 5] ونحن نسمي الخطبة الطويلة كلمة. فالكلمة التي حقت ووجبت ~~وثبتت ليست مطلق كلمة، إنما هي { كلمة ربك.. } [غافر: 6] وكلمة ~~الله لا بد أن تحق ولا بد أن تثبت، وما كان الله تعالى ليقول ~~كلمة، ثم يأتي واقع الأحداث ويكذبها، والكلمة التي حقت على الذين كفروا ~~هي { أنهم أصحاب النار } [غافر: 6]. ### || [40.7] # هؤلاء هم الملائكة الذين خلقهم الله لتسبيحه سبحانه، فلا عمل لهم غير ~~تسبيح الله وهم حملة العرش ومن حوله. والتسبيح كما قلنا من المقاليد، ~~ومعنى { يسبحون بحمد ربهم.. } [غافر: 7] أي: ينزهونه ~~سبحانه عن مشابهة خلقه في الأسماء والأفعال والصفات. لذلك قلنا: إذا ~~اشترك الحق سبحانه مع خلقه في شيء فلا بد أن نأخذه في إطار # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. فلله فعل ولك فعل، لكن لا تقس فعلك بفعل ربك سبحانه، ~~وهذه المسألة أوضحناها في شرح أول سورة الإسراء، فلما كان الحدث ~~مستغربا بدأ الله تعالى السورة بالتسبيح # سبحان الذى أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] قالها بداية حتى لا نقيس فعل الله على فعل البشر ولا قدرة ~~الله بقدرة البشر، فلله تعالى فعل ولك فعل، لكن فعل الله ليس كفعلك، ~~فإياك أن تقول المسافة والزمن. وكلمة سبحان الله تعني تنزيه الله تعالى ~~عن كل ما يشبه البشر، لذلك قالوا: كل ما يخطر ببالك فالله خلاف ذلك، ~~وهذا التنزيه ليس طارئا بوجود من ينزه الله إنما هو أزلي قبل أن ~~يخلق الله من ينزهه، فهو سبحانه منزه في ذاته قبل أن يوجد من ~~ينزهه. لذلك لما وجدت السماء والأرض قال: # سبح لله ما في السموت والأرض.. # [الحديد: 1] أي: سبحوا الله ساعة خلقوا فقالوا: سبحان الله الخالق ~~العظيم، ولا يزالون يسبحون، كما قال: # يسبح لله ما في السموت وما في الأرض.. # [الجمعة: 1] فالتسبيح موصول دائم، فإذا كان الكون ms8807 كله سبح لله ولا ~~يزال يسبح، والكون مخلوق لك أيها الإنسان فأنت أولى بالتسبيح منه، ~~لذلك قال: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1]. وتسبيح الله تنزيه له سبحانه في أفعاله وفي صفاته، فحين ~~تتأمل مثلا مسألة الخلق تجد خلق الإنسان من طين، فهل يمكنك أن تأخذ ~~قطعة من الطين فتسويها على هيئة إنسان ثم تنفخ فيها أنت الروح؟ هذه ~~العملية لا يقدر عليها إلا الخالق سبحانه. لذلك سيدنا عيسى عليه السلام ~~لما أراد الله أن يجعل له آية ومعجزة في مسألة الخلق قال: # أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ ~~فيه فيكون طيرا بإذن الله.. # [آل عمران: 49] فقال في نفخ الروح # بإذن الله.. # [آل عمران: 49] لأنه بذاته لا يستطيع هذه العملية، إنما كوني أصور ~~تمثالا على هيئة إنسان أو طائر فهذه مسألة سهلة. إذن: كان عليك أيها ~~الإنسان الذي كرمه الله، كان عليك أن تسبح، لأن الكون والجماد الذي ~~خلقه الله لك سبح وما يزال. وقوله تعالى: { الذين يحملون ~~العرش.. } [غافر: 7] هم الملائكة حملة العرش. إذن: العرش محمول، ~~وهؤلاء الملائكة حتى عددهم فيه إعجاز، فالحق سبحانه أخبر أنهم ثمانية # ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية # [الحاقة: 17]. فلماذا لم يجعلهم أربعة فيكون كما تعودنا في أي بناء ~~له أربعة أركان، ولماذا لم يكونوا خمسة مثلا. إذن: لابد أن في هذا ~~العدد بالذات حكمة وإعجازا. وهذا الإعجاز العددي واضح أيضا في قوله ~~تعالى: # عليها تسعة عشر # [المدثر: 30] فلماذا تسعة عشر بالذات؟ لماذا لم يجعلهم عشرين مثلا، هذا ~~دليل على أن وراء هذا العدد حكمة، وقد أخبر الله تعالى أن هذا العدد فتنة # وما جعلنآ أصحب النار إلا ملئكة وما جعلنا ~~عدتهم إلا فتنة للذين كفروا.. # [المدثر: 31]. والإيمان يقتضي التصديق بما أخبر به الحق سبحانه وألا ~~تناقش مثل هذه المسائل، المهم قال أو لم يقل: حدث الشيء أو لم يحدث، ~~لذلك سيدنا أبو بكر لما أخبروه أن صاحبك يدعي أنه رسول، ماذا قال؟ قال: ~~ألا وقد قالها؟ قالوا: نعم، قال: فقد صدق ولم ms8808 يبحث في المسألة، كذلك نحن ~~في كل أمر يقف فيه العقل، ما دام قد جاءنا فيه خبر من عند الله فعلينا ~~أن نقبله ونؤمن به # ومن أصدق من الله حديثا # [النساء: 87]. وكون عقلك يستوعب هذا الخبر أو لا يستوعبه فهذا موضوع ~~آخر، لأن هناك فرقا بين الوجود وكيفية الوجود، فقد يوجد الشيء لكنك لا ~~تعرف كيف وجد. تأمل في قصة أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام حين ~~قال: # رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبي.. # [البقرة: 260]. تجد السطحيين في الفهم عن الله يتهمون القرآن في هذه ~~المسألة بالتعارض، كيف؟ يقولون: معنى بلى يعني آمنت والإيمان يقتضي ~~اطمئنان القلب إلى العقيدة، فلماذا يقول بعدها: # ولكن ليطمئن قلبي.. # [البقرة: 260]؟ ونقول له: أنت معذور، لأنك لم تفهم معنى السؤال، ولو ~~فهمت معناه ما اتهمت القرآن، هل قال إبراهيم لربه: أتحيي الموتى أم قال # رب أرني كيف تحيي.. # [البقرة: 260] فهو إذن لم يسأل عن إمكانية الفعل ولم يشك في قدرة ~~الله، ولكنه يسأل عن الكيفية # رب أرني كيف تحيي الموتى.. # [البقرة: 260] إذن: فإحياء الموتى أمر سابق يسأل إبراهيم عن كيفيته، فلو ~~قلت لك: كيف بنيت هذا البيت؟ فهذا يعني أن البيت قائم بالفعل. إذن: ~~فقوله بلى يعني: آمنت يا رب أنك تحيي الموتى، وطلب الاطمئنان بعد ذلك ~~للكيفية والسؤال عن الكيفية أمر ضروري في مسألة الخلق وكيفية الإيجاد ~~لأنها عملية لا تتأتى كلاما، لأن فعل الله تعالى ليس علاجا كفعل ~~البشر. فلو قلت لك: كيف بنيت هذا البيت؟ تقول: حفرت الأساس وأحضرت ~~الحديد والأسمنت وفعلت كذا وكذا، فلان صمم، وفلان نفذ، وفلان بنى، ~~وفلان غفق.. إلخ فأعطيك كيفية الفعل بحيث تستطيع تطبيقها إن أردت ولا ~~تجد فيها اختلافا، لكن إن أردنا أن نبين كيفية الإحياء، فكيف نبنيها؟ ~~إنها مسألة لا تتأتى بالكلام، ولا بد من إجراء العملية بالفعل، وتأمل أن ~~الله تعالى أراد أن يجريها إبراهيم بنفسه، وألا تجرى له إنما يمارسها ~~بنفسه. # وفرق بين أن تعدى قدرتك ms8809 لغيرك فتنفعل له، وأن تعدى قدرتك ~~لغيرك فتجعله يفعل بنفسه، فمثلا قد تعجز عن حمل شيء فأحمله عنك وهذا أمر ~~طبيعي، لكن العظمة في أن أجعلك تقدر أنت بنفسك عن حمله. وهذا ما فعله ~~الحق سبحانه مع نبيه إبراهيم عليه السلام: # قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك.. # [البقرة: 260] أي: ضمهن إليك واعرف أوصافهن # ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا.. # [البقرة: 260] يعني: اذبحهن وفرق أجزاءهن على الجبال # ثم ادعهن يأتينك سعيا.. # [البقرة: 260]. إذن: هو الذي يذبح، وهو الذي يقطع الأجزاء، وهو الذي ~~يفرقها، وهو الذي ينادي عليها بنفسه فتتجمع بقدرة الله ويأتين ~~سعيا كما كن من قبل، فإذا كنت أقدرت ما لا يقدر على القدرة ألا ~~أقدر أنا عليها؟ والعرش هو سمة استتباب الملك والسيطرة على الحكم ~~والاستيلاء عليه، وليس من الضروري أن يقعد على العرش بالفعل، لذلك لما ~~تكلم الهدهد عن ملكة سبأ قال: # وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم # [النمل: 23] لأن الملك لا يقعد على العرش إلا عندما تستقر له الأمور، ~~وتدين له البلاد، فإن كانت هناك منطقة معترضة أو مشاغبة للملك تفرغ لها ~~حتى تدين له، وعندها يستقر له الملك. ولما تكلم الحق سبحانه عن استوائه ~~على العرش قال سبحانه: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين * ~~ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين * فقضهن سبع سموت في يومين وأوحى ~~في كل سمآء أمرها.. # [فصلت: 9-12]. إذن: فاستواؤه سبحانه على العرش جاء بعد أن انتهى من ~~الخلق وتم له كل شيء من أمور الملك والسيطرة الكاملة. فقوله سبحانه: ~~{ الذين يحملون العرش.. } [غافر: 7] هم الملائكة الثمانية ~~حملة العرش. { ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا.. } [غافر: 7] ~~وهؤلاء نوع آخر من الملائكة، وهم الكروبيون الذين لا عمل لهم إلا تسبيح ~~الله، وليس في ms8810 بالهم هذا الكون كله، ولا يدرون عنه شيئا، فقط { ~~يسبحون بحمد ربهم.. } [غافر: 7]. لكن هؤلاء الكروبيين ~~الذين يحيطون بالعرش ويسبحون الله ولا عمل لهم غير ذلك، هل يرون ~~الله سبحانه وهو على العرش؟ قال علماؤنا رحمهم الله: أنهم رغم منزلتهم ~~هذه إلا أنهم لا يرون الله تعالى، وأظهر هذه الأقوال قول الفخر الرازي ~~رحمه الله، فلما تكلم في هذه الآية { الذين يحملون العرش ~~ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به. # . } [غافر: 7] استأنس برأي صاحب الكشاف الذي سبقه وقال: إن معنى { ~~ويؤمنون به.. } [غافر: 7] أنهم لا يرونه سبحانه لأن المشهديات ~~ليس فيها إيمان، الإيمان للغيبيات، فلو أنهم شهدوا الله وهو على العرش ما ~~قال في حقهم { ويؤمنون به.. } [غافر: 7] ثم قال الفخر الرازي: ~~ولو لم يكن للإمام صاحب الكشاف إلا هذه لكفته طيلة حياته، هذا مع ما ~~بين الإمامين من خلاف في الرأي. إذن: لا نفهم من مكانة هؤلاء الملائكة ~~وقربهم من ذي الجلال سبحانه أنهم يرونه، لا بل هو سبحانه بالنسبة لهم ~~غيب لا يرونه، يؤكد هذا قوله سبحانه { ويؤمنون به.. } [غافر: 7] ~~فأنت الآن في هذا المجلس لا تقول مثلا: آمنت بأن الشيخ الشعراوي جالس ~~وحوله محبوه ويتكلم في كذا وكذا، لأن ما نحن فيه الآن مشهد لا دخل ~~للإيمان فيه، الإيمان لا يكون إلا بأمر غيبي وهذه ميزة الإيمان، لذلك ~~كثيرا ما يتكرر قوله تعالى: # الذين يؤمنون بالغيب.. # [البقرة: 3]. وسبق أن ضربنا مثلا قلنا: هب أنني أخاف من اللصوص ~~فأخذت مالي الذي أخاف عليه وذهبت إلى مكان بعيد في الحديقة مثلا ووضعت ~~المال وفوقه حجر ثقيل، ولما احتجت لهذا المال ناديت العامل: يا فلان ~~ارفع هذا الحجر، فقال: لا أستطيع وحدي فهو ثقيل، فقلت له: تدري ماذا تحت ~~هذا الحجر؟ تحته المال الذي سأعطيك منه راتبك، عندها يتقدم إلى الحجر ~~ويرفعه، إذن: المهم ليس إطاعة الأمر الذي علم منفعته، إنما إطاعة الأمر ~~وهو غيب عنك. ومعنى { يسبحون بحمد ربهم.. } [غافر: 7] أي: ~~تسبيحا مقرونا بالحمد، لأن التسبيح ثناء على الله، ms8811 أما الحمد فشكر ~~لله على نعمه التي سبقت، ومن أجل النعم أنه سبحانه لا يشبهه شيء ولو ~~وجد له شبيه لحدث تعارض في الكون: # إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم ~~على بعض.. # [المؤمنون: 91] فهو وحده المعبود، وهو وحده المستحق للحمد. ثم بعد ذلك { ~~ويستغفرون للذين آمنوا.. } [غافر: 7] أي: أن هؤلاء ~~الملائكة من ضمن مهمتهم أنهم يستغفرون للمؤمنين، كما حكى عنهم القرآن ~~يقولون: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ~~فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب ~~الجحيم } [غافر: 7]. هذا من دعاء الملائكة للذين آمنوا، والدعاء عادة ~~ب ربنا محذوف الياء التي للنداء فلم يقل: يا ربنا لأن النداء بالياء ~~يدل على بعد المنادى، أما الأبعد فينادى بأيا، والقريب ينادى ~~بالهمزة مثل: أمحمد. أما الحق سبحانه وتعالى فهو من القرب بحيث لا نستخدم ~~في ندائه أي حرف من حروف النداء، لأنه أقرب لعبده من حبل الوريد، لذلك ~~نناديه سبحانه مباشرة ربنا، ولك أن تستقرئ القرآن كله فلن تجد في ندائه ~~سبحانه حرفا من أحرف النداء. حتى الكفار لما نادوا الحق سبحانه قالوا: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء.. # [الأنفال: 32] ومعلوم أن الميم في آخر لفظ الجلالة هنا عوض عن ياء ~~النداء، فلم يقولوا: يا الله إنما قالوا: اللهم. ثم يتابع الحق سبحانه ~~ذكر دعاء الملائكة للذين آمنوا، فيقول: { ربنا وأدخلهم ~~جنات عدن التي وعدتهم... }. ### || [40.8] # معنى { جنات عدن.. } [غافر: 8] أي: إقامة دائمة. وتأمل ثمرة ~~الإيمان بالله، ثمرة لا إله إلا الله، فلا يضر مع الإيمان معصية، ~~فالملائكة في أعلى عليين يذكرونك وينشغلون بك أيها المؤمن، ويدعون لك ~~لأنك آمنت بالله، وهذه تسلية لسيدنا رسول الله ولأمته الذين تحملوا ~~مشاق الدعوة ومن تبعهم إلى يوم الدين. فيا محمد إن كان كفار مكة قد ~~وقفوا منك ومن أتباعك هذا الموقف المعاند فلا تحزن، ويكفيك وأمتك أن ~~تستغفر لك الملائكة، وأي ملائكة؟ حملة العرش والذين يحيطون به. وحين ~~تقرأ هذا الدعاء من الملائكة تجد فيه إشارات ms8812 ووقفات تستحق التأمل أولها ~~أنك أيها المؤمن مذكور بين حملة العرش، وأنت موضع اهتمامهم مع دنو ~~منزلتك وعلو منزلتهم، هؤلاء الملائكة لا عمل لهم إلا أن يسبحوا بحمد ~~ربهم ويستغفروا للذين آمنوا. وتأمل في دعائهم مسألة التخلية ثم التحلية ~~يقولون: { فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ~~وقهم عذاب الجحيم } [غافر: 7] هذه هي التخلية أولا من ~~المؤلم، ثم تأتي التحلية بالنعمة التي تسر، وذلك في { ربنا ~~وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم.. } [غافر: 8] لأن ~~التخلية والنجاة من العذاب أولى من التنعم، والقاعدة أن دفع الضرر مقدم ~~على جلب النفع، لذلك قال تعالى: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185]. ثم إن دعاءهم لم يخص المؤمنين فحسب، إنما يشمل العائلة ~~كلها { ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم ~~وذرياتهم.. } [غافر: 8] فذكروا الشجرة كلها، لأن الآباء ~~يسرون بوجودهم مع الأبناء فلم يقطع عليهم هذه النعمة. وفي موضع آخر ~~ذكر حيثيات هذه النعمة، فقال سبحانه: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم.. # [الطور: 21] إذن: المقصود هنا الإيمان، والإلحاق دل على أن أحدهما ~~كامل والآخر أقل، وإلا لو كانوا متساوين في العمل لأخذ كل منهم بفتحة ~~ذراعيه. ومعنى: # ألحقنا بهم ذريتهم.. # [الطور: 21] لا يقصد بها أن نأخذ المتوسط الحسابي يعني: ما عمله الآباء ~~وما عمله الأبناء ويقسم على الاثنين، لا # ومآ ألتناهم من عملهم من شيء.. # [الطور: 21] يعني: ما نقصنا شيئا من أجورهم، فالإلحاق تفضل من الحق ~~سبحانه لقرة عيون الآباء بالأبناء لكن بشرط الإيمان، لماذا؟ لأنهم لو ~~لم يكونوا مؤمنين لكره الآباء معيتهم ومصاحبتهم. فإن قلت: إذن يكون ~~للإنسان ما لم يسع به. يعني: يأخذ ثمرة عمل الغير، نقول: لا لأنه آمن ~~والإيمان من عمله، صحيح # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]. لكن لا تنظر لسعيه هو، إنما وسع الدائرة وانظر لمن جعله ~~يسعى هذا السعي الطيب، إنها التربية الصالحة، لذلك ورد في الحديث ~~الشريف # " إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث، منها: أو ولد صالح يدعو له " # فكلمة صالح هذه من ms8813 عمل من؟ من عمل الآباء. إذن: حين نعطي الأب ثواب ~~الدعاء الصالح من الابن إنما نعطيه حقه وثمرة عمله وسعيه في هذا الابن، ~~والأب إذا كان صالحا تحرى ان ينفق على ولده من حل، وحين يتحرى ذلك ~~ربما يضيق عليه في النفقة، لأن بعض الأغنياء الذين لا يتحرون الحلال ~~في الكسب ينفقون على أولادهم ببذخ وإسراف في الملبس والمأكل والسيارات ~~الفارهة.. إلخ لأنهم جمعوا هذه الأموال من مهاوش. والرجل الصالح ينأى ~~بنفسه وأولاده عن الحرام، لذلك ربما يشقى الصالح بالصلاح في الدنيا ويصبر ~~على هذا الشقاء وهذا الحرمان، وهذا كله من عمله. لذلك كانوا كثيرا ما ~~يناقشوننا في قوله تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]. يقصدون كيف ينتفع الإنسان بعمل غيره؟ وقلنا لبيان ذلك ~~مثلا: إننا نؤمر بالصلاة على الميت، هذه الصلاة تفيده أم لا؟ إن كانت ~~لا تفيده فهي إذن عبث، وإن كانت تفيده فهل استفاد بعمل غيره؟ نعم يستفيد ~~الميت بدعاء الحي له في صلاة الجنازة، لكن هذا الدعاء في حد ذاته ~~يعتبر من عمل الميت، لأن ثمرة إيمانه بالله، ولولا أنه مؤمن ما صلينا ~~عليه، فأنت حين تصلي صلاة الجنازة لا تصلي على مطلق ميت، إنما على ميت ~~آمن بربه عز وجل، والإيمان من عمله، وبالتالي صلاتك عليه أيضا من عمله. ~~أو نقول في قوله تعالى: # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39] أي: ليس للإنسان حق، فهي منعت العدل ولم تمنع الفضل من ~~الله، وفرق بين العدل والفضل، فالعامل عندك مثلا أجره خمسون وهذا ~~الاتفاق بينكما لا يمنع أن تعطيه سبعين مثلا. ثم تذيل الآية بقوله ~~تعالى: { إنك أنت العزيز الحكيم } [غافر: 8] ولم يقل ~~مثلا: إنك أنت الغفور الرحيم لتناسب الدعاء المذكور في الآية. وهذه مثل ~~قوله تعالى في قصة سيدنا عيسى عليه السلام: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي ~~بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ~~ولا ms8814 أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب # [المائدة: 116] ثم يقول: # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم # [المائدة: 118]. فلم يقل: فإنك أنت الغفور الرحيم، لماذا؟ لأنهم استحقوا ~~العذاب، إنما لو غفرت لهم لا يجرؤ أحد على نقض هذه المغفرة لأنه لا ~~معقب لحكمة سبحانه ولا راد لفضله، فعزتك يا رب وحكمتك هي التي ~~جعلتك تغفر لهم مع أنهم يستحقون العذاب. إذن: فالمغفرة لم تأت من ناحية ~~أنك أنت الغفور الرحيم، إنما من ناحية أنك أنت العزيز الحكيم. والعزيز هو ~~الغالب الذي لا يغلب ولا يعارض. لذلك قلنا: إن إبليس كان ناصحا حين ~~قال: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] والمعنى: فبعزتك عن خلقك وغناك عنهم، من شاء فليؤمن ومن ~~شاء فليكفر، بهذه العزة لأغوينهم، إنما لو أردتهم جميعا مؤمنين ما ~~تعرضت لهم ولا جرؤت على إغوائهم، بدليل أنه استثنى فقال: # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83] فهؤلاء لا سلطان لي عليهم ولا قدرة لي على إغوائهم، إذن: ~~المسألة ليست بين إبليس وربه عز وجل، إنما هي بين إبليس وبني آدم. ثم ~~يقول الحق سبحانه من دعاء الملائكة للمؤمنين: { وقهم السيئات ~~ومن تق السيئات... }. ### || [40.9] # قوله سبحانه وقهم فعل أمر أو دعاء هنا من الفعل وقى أي: يا رب ~~جنبهم المعاصي، ويصح أن نقول: قهم السيئات. يعني: جنبهم عقوبة ~~المعاصي، أو جنبهم المعاصي ذاتها، وعين الرحمة أن يجنبك الله المعاصي ~~والسيئات، لذلك قال: { ومن تق السيئات يومئذ فقد ~~رحمته.. } [غافر: 9]. وهذه مثل قوله تعالى في شأن القرآن الكريم: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين.. # [الإسراء: 82] فالشفاء يكون للداء الموجود بالفعل في النفس الإنسانية، ~~فالقرآن يعالج مثلا داءات الشح والجبن والكذب.. إلخ، أما الرحمة فهي ~~ألا يأتي الداء أصلا، ولا شك أن تجنب الداء بداية أفضل من معالجته ~~كما يقولون: الوقاية خير من العلاج. { وذلك هو الفوز ~~العظيم } [غافر: 9] نعم، وأي فوز أعظم من أن يجنبك الله ~~السيئات فلا تقع فيها؟ كلمة الفوز تعني الفلاح والنجاح، ووصف بأنه ms8815 عظيم ~~لأنك قد تفوز في الدنيا بالمال أو بالمنصب أو بالأولاد، هذا فوز لكن ~~الفوز العظيم في الآخرة لأنه فوز باق ودائم، أما فوز الدنيا فمآله أن ~~ينتهي. ثم يقول الحق سبحانه: { إن الذين كفروا ينادون ~~لمقت الله أكبر... }. ### || [40.10] # لو تتبعنا هذه المسألة من أولها نجد أن الحق سبحانه دعا الخلق بواسطة ~~رسله ومنهجه إليهم، فمنهم من استجاب فآمن، ومنهم من كفر { إذ ~~تدعون إلى الإيمان فتكفرون } [غافر: 10] وهؤلاء الذين لم ~~يستجيبوا لداعي الحق أرادوا ألا يرتبطوا بمنهج الله في افعل ولا تفعل ~~وألا يضيقوا على أنفسهم بالالتزام بالمنهج، وأن يسيروا في الدنيا ~~على هواهم، هذا الذي دعاه إلى أن يكفر. فحين يعاين العذاب في الآخرة ~~يندم ساعة لا ينفع الندم، ويكره نفسه أشد الكره، لأنها لم تتبع منهج ~~الإيمان. هذا معنى قوله سبحانه: { إن الذين كفروا ينادون ~~لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون ~~إلى الإيمان فتكفرون } [غافر: 10] والمقت أشد البغض. أراد ~~الحق سبحانه أن يقول لهم: إن كنتم كرهتم أنفسكم أشد الكره لأنها لم تؤمن ~~بمحمد وبمنهج الحق الذي جاء به، فاعلموا أن مقت الله لكم لكفركم به ~~أشد وأعظم من مقتكم لأنفسكم، إنكم مقتم أنفسكم لأنها حرمتكم الخير ~~وجلبت لكم الشر حين كفرت بالله. والحق سبحانه يمقتكم لأنكم أبعدتم ~~أنفسكم عن مجال الخير منه وخرجتم من حضنه ودائرة رحمته، لأنه سبحانه يغضب ~~أشد الغضب حين يخرج عنده عن ساحته ويحرم نفسه من خيره، وهذا يعني أن ~~ربك يحبك ويحب لك الخير ويريدك في جنبه وفي معيته ويغار عليك حين تشرد ~~أو تشذ عن منهجه، فأنت عبده وصنعته. فكأن مقته سبحانه للكافر رحمة به ~~وغيرة عليه. لذلك قال سبحانه في الحديث القدسي: # " لو خلقتموهم لرحمتموهم ". # إذن: الحق سبحانه أثبت أولا بغضهم لأنفسهم، ثم بين لهم بغضه ~~سبحانه للكافر أشد من هذا. ### || [40.11] # لنفهم معنى { أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } ~~[غافر: 11] لابد أن نعرف ما هو الموت أولا، الموت هو إذهاب الحياة بعد ~~أن كانت موجودة، فما دام ms8816 سيكون الموت فهو دليل على الحياة قبله، والموت ~~أيضا يعني عدم الحياة مطلقا، يعني: عدم لم تسبقه حياة مطلقا. لذلك قال ~~سبحانه: # كيف تكفرون بالله # [البقرة: 28] وهذا استفهام للتعجب يعني: قولوا لنا كيف يتأتى منكم ~~الكفر # وكنتم أموتا فأحيكم # [البقرة: 28] أي: كنتم عدما فوهبكم الحياة # ثم يميتكم # [البقرة: 28] أي: يذهب الحياة الموجودة # ثم يحييكم # [البقرة: 28] أي: في الآخرة. إذن: فالموت مرتان والحياة مرتان كذلك، ~~والخلاف في هذه المسألة: أيكون الموت بعد حياة؟ أم يكفي أن يكون عدم ~~تأتي بعده الحياة؟ نقول: الموت هو العدم المطلق، سواء كان قبله حياة أم ~~لم تكن قبله حياة؟ وأنت مثلا ترى البعوضة صغيرة، والفيل ضخما كبيرا ~~فتقول: سبحان من صغر البعوضة وكبر الفيل، أكانت البعوضة كبيرة ثم ~~صغرها الله أم خلقت هكذا؟ إذن: الموت ليس من الضروري أن يسبقه حياة، ~~فيكفي أنه لم تكن فيه حياة، بعد ذلك أحيانا الله واستوفينا الأجل في ~~الدنيا ثم يأتي الموت. إذن: الآية جمعت بين المعنيين: الموت المطلق أو ~~العدم الذي لم تسبقه حياة، والموت بمعنى نقض الحياة الموجودة بالفعل، ~~فقال سبحانه: { أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } ~~[غافر: 11]. بعضهم يرى أن الموت الأول هو إذهاب الحياة بعد انقضاء الأجل، ~~ثم يحيا في القبر للسؤال ثم يموت في القبر ثم يبعث يوم القيامة، والأول ~~الذي اخترناه أليق. وقوله سبحانه: { فاعترفنا بذنوبنا فهل ~~إلى خروج من سبيل } [غافر: 11] الاستفهام في { فهل إلى ~~خروج من سبيل } [غافر: 11] استفهام للتمني لكن هيهات، فلو ~~ردوا لعادوا لما كانوا عليه، فلا فائدة من تكرار هذه التجربة، ~~والحق سبحانه بين هذه المسألة في قوله تعالى: # كلا إنها كلمة هو قآئلها # [المؤمنون: 100]. ولو ردوا لعادوا بطباع الشر فيهم وكفروا، والخروج ~~أي من المأزق الذي نحن فيه ومن العذاب الذي نعاينه { من سبيل } ~~[غافر: 11] من طريق للخروج وللنجاة. هذا الذي ذكرناه خاص بحياة القوالب ~~وموتها، أما حياة القلوب والأرواح فلها طريق آخر، ذكره الحق سبحانه في ~~قوله: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال: ms8817 24]. لا شك أنه سبحانه يخاطبهم وهم أحياء الحياة المادية ~~إذن: هناك حياة أخرى يدعوهم إليها، إنها حياة المعنويات التي لا يأتي ~~بعدها موت وهي الحياة في الجنة. إذن: عندنا حياة للمادة بها تحيا وتتحرك ~~وتأكل وتشرب وتنشط، وهناك حياة أخرى معنوية بها تدخل الجنة حيث نعيم بلا ~~فوت، وحياة بلا موت. الحياة المادية لها روح تناسبها وهي حياة تنتهي ~~بالموت، أما حياة القيم والمعنويات فلا بد لها من روح علوية تأتي ~~بالالتزام بالمنهج في: افعل ولا تفعل، لذلك يسميها الله روحا: # أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52] وسمي من يحملها روحا: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. وكل من الحياتين لها ما يناسبها من البقاء، فالأولى ~~موقوتة بالأجل، والأخرى ممتدة باقية لذلك قلنا في الشهيد الذي جاد بنفسه ~~وأنهى حياته في سبيل منهجه أن الله يجازيه على ذلك بأن يعصمه من الموت ~~بعد ذلك. ### || [40.12] # الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن العقائد وأيدها بالمعجزات، كان من ~~الواجب أن نستقبل أحكامه تعالى فيها بالرضا والقبول، فلم يكلفنا سبحانه ~~بحكم افعل ولا تفعل إلا بعد أن قدم حيثيات الإيمان الأعلى بالإله ~~الأعلى، وآمن من آمن به وكفر من كفر رغم كل مصالحنا في تنظيم حركة ~~الحياة بمنهج الله. فإذا حكم علينا بحكم فيجب أن نطيعه، وإذا استقر في ~~أذهانكم شيء يخالف ذلك فإن واقعكم يؤيد أنكم لم تؤمنوا بقلوبكم { ~~ذلكم } [غافر: 12] أي: ما يحدث منكم من مواجهة الدعوة ومصادمتها ~~ووقوفكم هذا الموقف المعادي ناشئ من { إذا دعي الله وحده ~~كفرتم } [غافر: 12] أي: كفرتم به. وفي موضع آخر قال سبحانه: # وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا ~~هم يستبشرون # [الزمر: 45]. أي: ظهر عليه الامتعاض والضيق لما سمعوا كلمة الله، لماذا؟ ~~لأنهم يعلمون معنى الإيمان وما يترتب عليه من تكليف بمنهج: افعل كذا ولا ~~تفعل كذا، يعلمون أن هذا المنهج يقيد شهواتهم فينهاهم عن أشياء محببة ~~إليهم ويدعوهم إلى أشياء أخرى ثقيلة على نفوسهم، لذلك إذا ms8818 ذكرتهم بالله ~~وبمنهج الإيمان امتعضوا في حين إذا ذكر غيره سبحانه من آلهتهم { إذا ~~هم يستبشرون } [الزمر: 45] ويفرحون، لماذا؟ لأن هذه الآلهة التي ~~اتخذوها من دون الله ليس لها مطلوب ولا تكاليف بافعل ولا تفعل. إذن: أنتم ~~مع هذه العبادة متروكون على هواكم، وعلى سيئات نفوسكم، هذا معنى ~~الاستبشار ومعنى { وإن يشرك به تؤمنوا } [غافر: 12]. لكن ~~بقيت حقيقة ينبغي ألا تغيب عن أذهانكم: { فالحكم لله ~~العلي الكبير } [غافر: 12] فافرحوا بآلهتكم المزعومة كما ~~تشاؤون، فأنا سأحكمكم بقدري قهرا عنكم فأمرضكم كما أحب، وأميتكم متى ~~أشاء وأفقركم وأغنيكم.. إلخ فلن تخرجوا أبدا بشيء عن ملكي إلا فيما ~~جعلت لكم فيه اختيارا. فأنتم مختارون في الإيمان والكفر فمن شاء ~~فليؤمن ومن شاء فليكفر، من شاء فليطع ومن شاء فليعص ولن تنفعني ~~طاعتكم، ولن تضرني معاصيكم، ومهما تمردتم في الأمور التي لكم فيها اختيار ~~فإن مردكم إلي ومنتهاكم عندي. { فالحكم لله العلي ~~الكبير } [غافر: 12] الذي لا يمكن أبدا لأحد أن يتمرد على قدره، ~~فإن كنتم ألفتم التمرد في الإيمان وفي الطاعة فأروني كيف تتمردون على ~~الله فيما لا اختيار لكم فيه. ثم يذكر الحق سبحانه حيثيات العلو ~~والكبرياء له سبحانه: { هو الذي يريكم آياته... }. ### || [40.13] # الآيات جمع آية وقلنا: إنها على أنواع ثلاثة: آيات كونية تدل على القدرة ~~العالية والحكمة الفائقة للإله الحق صاحب العلو والكبرياء، وآيات ~~المعجزات التي يمنحها سبحانه لتثبيت الرسل والإيمان بصدق بلاغهم عن الله، ~~ثم آيات الأحكام التي تحمل أحكام الله. يقول سبحانه: { هو الذي ~~يريكم آياته } [غافر: 13] أي: الكونية لتؤمنوا بالإله الأعلى ~~ويريكم المعجزات على أيدي الرسل، ثم ينزل لكم آيات الأحكام التي تحمي ~~أديانكم وعقائدكم، لأنني كما حميت أبدانكم بما أنزلت من ماء السماء وما ~~نشأ عنه من رزق لكم تقتاتون به وتعيشون عليه، فكذلك خذوا مني الشيء الآخر ~~الذي جعلته لقوام أديانكم، وهو الأحكام التي تحمي عقيدتكم في الحركة ~~الحكمية بافعل ولا تفعل. فقوله سبحانه: { هو الذي يريكم ~~آياته وينزل لكم من السمآء رزقا } [غافر: 13] ~~يراعي الأمرين ms8819 معا بحيث لا تهمل أحدهما على حساب الآخر. { وما ~~يتذكر إلا من ينيب } [غافر: 13] أي: يرجع إلى الله ويخلع عن ~~نفسه كبرياء الجحود بذلك الإله، وينفض عن نفسه غبار الغفلة حتى يرجع إلى ~~إيمان الفطرة التي أرادها الحق سبحانه في قوله: # ألست بربكم # [الأعراف: 172] وكانت الإجابة أن قال الجميع بلى أي: أنت ربنا الحق. ### || [40.14] # الدعاء: هو إظهار الذلة والخضوع لله تعالى، لماذا؟ لأن من الناس من ~~تمرد على الله وتكبر على الطاعة، وتعالى على أن يظهر لله الخضوع ~~فحين يرى منكم الذلة والخضوع لله ويرى الإخلاص في العبادة يعلم أن هذا ~~التمرد ليس طبعا في الإنسان، بل هو طبع هواه بدليل أن من الناس من ~~ذل وخضع، ومن الناس من يدعو ربه ويخلص له ويطيعه. إذن: ليس التمرد ~~خاصية لازمة للإنسان بل هو خاصية في المتمرد فقط، إنما الإنسان حينما ~~يكون على طبيعته وفطرته لابد له أن يلجأ إلى الله ويستعين به، لذلك ~~ادعوا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون منكم هذا الدعاء. وقلنا في ~~فضل الدعاء أنه " مخ العبادة " ، والدعاء ما هو إلا ذلة عابد لعزة معبود، ~~مجرد إظهار الذلة بصرف النظر عما يترتب على الدعاء، وإلا فالحق سبحانه ~~أعطاك قبل أن تدعوه، وخلق لك قبل أن توجد، لذلك ليس من اللازم أن يستجيب ~~الله لكل من يدعوه، وكأنه سبحانه يقول لنا: تنبهوا إلى أن منكم من ~~يدعو فلا أستجيب له، وأنا حين لا أستجيب له أمنحه العطاء الأعلى لأنه قد ~~يدعو بالشر دعاءه بالخير، ويطلب الشيء وهو لا يعرف أن فيه هلاكه. وسبق ~~أن ضربنا لذلك مثلا بالأم التي تدعو على ولدها حين الغضب تقول إلهي ~~أشرب نارك، فما موقف هذه الأم لو أن الله استجاب لها؟ إذن: الحق سبحانه ~~علم أنها حمقاء في دعائها، وأنها دعت بشر تظنه خيرا فصوب لها ~~الدعاء لذلك قلنا في الثناء عليه سبحانه: سبحانك يا من تصوب خطأ ~~الداعين بألا تجيب، وبذلك حميتنا من الضر، فكم يدعو الإنسان بالشر ~~دعاءه ms8820 بالخير؟ وفي هذه الآية { فادعوا الله مخلصين له ~~الدين ولو كره الكافرون } [غافر: 14] حث لنا على كيد ~~الكافرين وإغاظتهم بإظهار الذلة لله والخضوع له سبحانه، فهذه المسألة ~~تكيدهم، لأنها تظهر لهم عز الربوبية والكبرياء لله تعالى الذي كفروا ~~به، وتعالوا على طاعته، وتكبروا عليه سبحانه، لذلك داوموا على الدعاء ~~أمامهم وأروهم من أنفسكم منتهى الذلة لله. ### || [40.15-16] # كلمة رفيع على وزن فعيل من الفعل رفع، وهذا الوزن يأتي بمعنى فاعل مثل ~~رحيم مبالغة من راحم، وتأتي بمعنى مفعول مثل قتيل يعني مقتول، كذلك كلمة ~~رفيع يصح أن تكون بمعنى رافع. أي: أنه سبحانه رافع لغيره، كما يرفع ~~سبحانه بعض الخلق على بعض. ويصح أن تكون رفيع بمعنى مفعول أي مرتفع في ~~ذاته، والرافع لا يرفع غيره إلا إذا كان مرتفعا في ذاته، فرفيع هنا ~~بمعنى مرتفع عن كل شيء، كما نقول: الله أكبر والله أعلى وأجل. فالله ~~تعالى مرتفع الوجود لأن وجوده أزلي لا عن عدم، أما وجودنا نحن فعن عدم، ~~ووجوده سبحانه إلى دوام ووجودنا إلى عدم، وهو موجود سبحانه بذاته ووجودنا ~~نحن به سبحانه، إذن: فهو سبحانه أحسن مرتفع في الوجود، نعم. والله سبحانه ~~مرتفع في قيوميته، فنحن نعمل ونتعب وننام لنرتاح، أما هو سبحانه فلا ~~يتبعه عمل ولا ينام ليستريح، لذلك قال سبحانه: # الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم # [البقرة: 255] وكأن الحق سبحانه يقول لنا: ناموا أنتم ملء جفونكم ~~لأني لا تأخذني سنة ولا نوم، يريد أن نطمئن ونحن في معيته سبحانه. ~~وبهذه القيومية يرفع الله من يشاء، وبطلاقة قدرته سبحانه يبقي من ~~يشاء في الرفعة وينزل من يشاء إلى الضعة # قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء ~~وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل ~~من تشآء # [آل عمران: 26]. وقوله: { رفيع الدرجات } [غافر: 15] لأن الرفع ~~يقتضي منزلة أعلى من منزلة، وهذه هي الدرجات أي: ما بين كل منزلة وأخرى، ~~والدرجات لا تكون إلا في العلو، أما النزول إلى أسفل ms8821 فتسمى مراحله ~~دركات. والحق سبحانه يرفع من خلقه ما يشاء على ما يشاء، كما رفع من ~~الزمان رمضان على غيره من الشهور، ورفع من المكان البيت الحرام وبيت ~~المقدس، ورفع من الملائكة كما في قوله تعالى على لسان الملائكة: # وما منآ إلا له مقام معلوم # [الصافات: 164]. ورفع من الرسل أولي العزم منهم، كما قال تعالى: # تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض # [البقرة: 253] ويرفع من عامة الخلق كما قال سبحانه: # يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات # [المجادلة: 11] وكما رفع الله سبحانه أولي العلم كذلك رفع أصحاب ~~الحركة في الحياة الذين ما أوتوا علما، إنما عندهم حركة تنفذ هذا العلم ~~وتطبقه وتحقق مطلوبه في الحياة، فالعلم يحتاج في تنفيذه ليد عاملة ~~كأصحاب الحرف والعمال والصناع، لذلك قال سبحانه: # وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم ~~فوق بعض درجات # [الأنعام: 165]. إذن: عندنا رفعة للزمان، ورفعة للمكان، ورفعة ~~للملائكة، ورفعة للأنبياء، ورفعة للمؤمنين، ورفعة لأولي العلم، وأخيرا ~~رفعة للخلائق في الأرض، وتأمل العدالة الإلهية في رفعة الخلائف بعضهم ~~على بعض. # فالحق سبحانه لم يقل لنا أي بعض مرفوع وأي بعض مرفوع عليه، ليبين ~~لنا أن كل بعض مرفوع في شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، إذن: لا يرفع الغني ~~على الفقير، ولا الجميل على القبيح، ولا الذكي على الغبي، إنما يرفع ~~كل بحسب عمله، كما ورد في قوله تعالى: # يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير # [الحجرات: 13]. فكل الخلق غير ما تقدم ممن رفعه الله مرفوع في ~~شيء ومرفوع عليه في شيء آخر، فالنجار الذي يصنع لي المكتب مرفوع علي في ~~هذا العمل ومفضل علي فيه، لأنه يعرف هذه الصنعة ويتقنها وأنا لا ~~أعرفها. فإذا ما جاء هذا العامل يسألني في مسألة كنت أنا مرفوعا عليه ~~فيها، لأنني أعرفها وهو لا يعرفها، وقلنا: إن الحق سبحانه أراد لحركة ~~الحياة بين الخلق أن تبنى على الحاجة لا على التفضل، ms8822 فكل منا يحتاج ~~الآخر ولا تكتمل حركة حياته إلا به. ولو قامت حركة الحياة على التفضل ~~لتعطلت أكثر المصالح ولما استقامت الحياة، وتصور أننا جميعا تخرجنا ~~في الجامعة وصرنا علماء، من سيؤدي لنا الأعمال الأخرى؟ من يكنس ~~الشارع؟ ومن يعمل في المجاري؟ ومن يبيع في الأسواق؟.. إلخ وهذا هو ~~مقصود الشاعر الذي قال: # الناس للناس من بدو وحاضرة # بعض لبعض وإن لم يعلموا خدم # فليس منا من هو مسخر فقط، بل كل منا مسخر في شيء ومسخر له في ~~شيء آخر، لذلك يقول تعالى وهو يعلمنا هذا الدرس: # يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ~~أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى ~~أن يكن خيرا منهن # [الحجرات: 11]. لذلك لا تنظر إلى عمل على أنه أفضل من عمل، إنما هناك ~~عامل أفضل من عامل، والأفضل هو الذي يتقن عمله أكثر، فالعامل الذي يتقن ~~عمله في الأدنى أفضل من العامل الذي لا يتقن عمله في العمل الأعلى. لذلك ~~قال الإمام علي كرم الله وجه: قيمة كل امرئ ما يحسنه فمن أراد من ~~العلو الأفضلية فليتقن عمله مهما كان هذا العمل حقيرا - أي: في نظر ~~البعض منا - فليس في الإسلام عمل حقير، إنما هناك عامل حقير، وهو ~~المتهاون الذي لا يجيد ولا يتقن ما في يده ولا يخلص فيه. وسبق أن ضربنا ~~مثلا من فرنسا ومن مناقشات مجلس الشعب الفرنسي، وقد كانوا يعرضون علينا ~~بعض المواقف الحاسمة في هذه المناقشات، منها أن نقيب العمال كان كثير ~~المطالب لصالح العمال، وكان يسرف في ذلك، لكن كان الوزير المسئول عن ~~تنفيذ هذه المطالب تحكمه ميزانية وأرقام وحسابات. # ومرت الأيام وصار نقيب العمال هذا وزيرا للعمل، ووقف نقيب العمال ~~الجديد يقول له: لا أطلب منك إلا ما كنت تطلبه أنت من سابقك، فقال: لكن ~~تحكمني ميزانيات وحسابات، فأراد أن يثير عاطفته نحو العمال، أو أراد أن ~~يحرجه فقال له: لا تنس أنك كنت في يوم من الأيام ماسح أحذية، فأخذها ~~الوزير بصدر ms8823 رحب وروح رياضية ورد عليه: نعم نعم لكنني كنت أجيدها. ~~إذن: العظمة ليست في العمل إنما في إجادته. لذلك نقول: لو علم العامل ~~المخلص في عمله والمتقن له عن غيب من صاحب العمل يعني يتقنه ويجيده لله، ~~لو علم هذا العامل ما أداه لمواجيد الإيمان بالله لافتخر بهذا العمل ~~على العلماء. قالوا: كيف ذلك؟ وماذا يؤدي العامل لمواجيد الإيمان؟ نقول: ~~لأن كل من يرى عمله المتقن يقول: الله، فكأن العمل المتقن يشيع كلمة ~~الجمال في الكون، ويؤدي إلى ذكر الله، وفي هذا من الثواب ما لا يخفى ~~على أحد. وقوله تعالى: { ذو العرش } [غافر: 15] يعني: الذي يملك ~~كونا استقر له بدون شغب عليه، وهو المستقر في كمال قدرته وألوهيته، ~~والملك لا يتاح له الجلوس والاستواء على عرشه إلا بعد أن يستتب له ~~الأمر مع الفارق بين جلوسه سبحانه واستوائه على عرشه وبين جلوس ملوك ~~الدنيا على عروشهم، فنحن نؤمن بهذا الجلوس دون تكييف أو تشبيه، وما دام ~~وجوده تعالى ليس كوجودنا فكذلك جلوسه ليس كجلوسنا، وقلنا: إننا نأخذ هذه ~~المسائل في إطار # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. والحق سبحانه وتعالى استتب له الأمر في الكون دون ~~منازع، بدليل قوله سبحانه: # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين # [فصلت: 11]. ولأنه سبحانه رفيع الدرجات، وهو سبحانه ذو العرش أراد ~~سبحانه أن يضفي من رفعته على المؤمنين به، وأن يرفعهم على غيرهم، وألا ~~يتركهم هملا وهمجا بدون منهج، لذلك أنزل عليهم روحا منه سبحانه: { ~~يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده } ~~[غافر: 15]. فما كان سبحانه ليستعبد الخلق ثم يتركهم، إنما أنزل لهم ~~المنهج الذي يحكم حركتهم في الحياة بافعل كذا، ولا تفعل كذا، وهذا هو ~~قانون الصيانة الذي يضمن للبشر الصلاح والرفعة وعلو المنزلة، وجعل ~~هذا المنهج اختيارا، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، من شاء أطاع ~~ومن شاء عصى، ليرى المؤمن أثر رفعة الله له في الآخرة حين يدخله ~~الجنة دار النعيم ms8824 الباقي، حيث لا فوت للنعمة، ولا موت للوجود. ~~وهذا المنهج جاءنا في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ينظم ~~حركة حياتنا حتى تتكامل الحركات ولا تتصادم، فحين ترى شرع الله يقيد ~~حركتك في شيء، فاعلم أنه قيد حركات الملايين من أجلك، فحين ينهاك عن ~~السرقة مثلا يقيد حركتك وأنت فرد ويمنع يدك أن تمتد لما لا تملك، وفي ~~المقابل قيد ملايين الأيدي حتى لا تمتد إلى مالك أنت، حين أمرك بغض ~~البصر وحفظ المحارم أمر الخلق جميعهم أن يغضوا أبصارهم عن محارمك. # . إلخ فتأمل من المستفيد من تطبيق هذا المنهج؟ وقوله: { يلقي ~~الروح } [غافر: 15] الروح لها معان عدة. فالذي يتبادر إلى ~~الذهن أنها هي الروح التي تدب في المادة فتمنحها الحياة والحركة، ~~وهذه هي الروح التي ألقاها الخالق سبحانه في آدم فتحرك وأدت كل الجوارح ~~وظائفها بعد أن كانت طينا. ثم أراد سبحانه أن يحرس حركة المادة حتى لا ~~تنطق في شهواتها، فأنزل روحا أخرى من عنده سبحانه هي المنهج القيمي في ~~القرآن الكريم لذلك قال سبحانه: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال: 24]. كيف يحييهم وهم أحياء مخاطبين بهذا الكلام؟ نعم هم ~~أحياء حياة المادة بالروح التي دبت في أجسامهم فتحركوا بها، إنما ~~المراد هنا حياة أرقى من حياة المادة هي حياة القيم التي ترقي حركة ~~الإنسان وتجعلها دائما في الخير لنفسه ولمن حوله، وكما أن حياة المادة ~~لها روح كذلك حياة القيم لها روح. لذلك سمى القرآن روحا، وسمى الذي ~~نزل به من الملائكة روحا، فقال سبحانه: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]. وقال: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. هذه هي حياة القيم والمثل الرفيعة، الحياة التي تؤهلك ~~لحياة أخرى باقية لا تفنى، ولك أن توازن بين حياة تؤهلك للدنيا ~~الفانية وحياة تؤهلك للآخرة الباقية، لابد أنك ستجد الروح الثانية أعظم ~~وأفضل من الأولى. ويكفي في التفريق بينهما أن الروح الأولى، وهي روح ~~المادة تسري في المؤمن والكافر، وبهذه الروح ms8825 يأتي كفر الكافر ومعصية ~~العاصي، أما روح المنهج والقيم فلا تكون إلا للمؤمن، ولا تحركه إلا ~~في الخير حركة سوية تسعده وتسعد من حوله في الدنيا قبل الآخرة. لذلك ~~قال سبحانه: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64] ومعنى الحيوان يعني: الحياة الحقيقية الدائمة الباقية ~~التي لا ينتهي نعيمها ولا يدركها فناء، وإن كان نعيم البشر في الدنيا ~~على قدر حركتهم وإمكاناتهم فنعيمهم في الآخرة على قدر المنعم سبحانه. ~~ثم أنت تعيش في الدنيا عرضة للموت يهددك في كل لحظة، وربما يهجم عليك ~~بغتة فليس له وقت ولا سن معين، وليس له سبب يرتبط به، فمنا من يموت ~~بعد عام، ومنا من يموت بعد مائة عام، ومنا من يموت وهو في بطن أمه، ~~الموت لا يفرق بين كبير أو صغير، ولا بين مريض أو سليم. لذلك أبهمه الله، ~~لماذا؟ لنظل دائما ذاكرين له منتظرين هجمته، فكأن الإبهام هنا هو ~~عين البيان. لذلك الحق سبحانه ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى: # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا # [الملك: 1-2]. تأمل # خلق الموت والحياة # [الملك: 2] فبدأ بالموت وقدمه على الحياة، وكأنه سبحانه يقول لنا: لا ~~تستقبلوا الحياة إلا وفي أذهانكم الموت، لماذا؟ لأن ذكر الموت يمنع ~~الغرور بالدنيا والركون إليها ويضبط سلوك الإنسان، فلا يتحرك إلا في ~~الخير لأنه دائما يعمل حساب العواقب التي تنتظره. وقوله سبحانه: { ~~على من يشآء من عباده } [غافر: 15] يعني: على من يختاره ~~ويصفيه لهذه المنزلة، وهذا مثل قوله تعالى # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # [الحج: 75]. وقوله تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]. ثم يوضح الحق سبحانه العلة من قوله: { يلقي الروح ~~من أمره على من يشآء من عباده } [غافر: 15] لماذا؟ { ~~لينذر يوم التلاق } [غافر: 15] يعني: إياك أن تفهم أن ~~المسألة تنتهي بنهاية الحياة الدنيا، ويفلت أهل المعاصي بمعاصيهم وأهل ~~الظلم بظلمهم لا، إنما هناك مرجع ومرد إلى هذا الإله الذي ms8826 كفرت به أو ~~الذي عصيته وتجرأت على محارمه، تذكر هذه الحقيقة مهما نفرت عنه بالكفر ~~أو نبا جانبك عن جانب ربك، فأنت مردود إليه رغما عنك، موقوف بين ~~يديه، لا مهرب لك منه أبدا، ولا مفر. وقلنا: إن الإنذار يعني التخويف ~~من شر قبل أوانه لتستعد له بأن تتجنب دواعي ما يخيف لتسلم منها، ولا ~~معنى للأنذار ساعة وقوع الحدث، لابد أن يكون قبل الحدوث بفترة كافية ~~تمكنني من أن أتدارك الأمر وأعمل حسابي. وقوله { يوم التلاق } ~~[غافر: 15] أي: التلاقي، والتلاقي لا ينشأ إلا عن تباعد كان موجودا بين ~~شيئين، فبين أي الأشياء يكون هذا التلاقي؟ قالوا: التلاقي هنا والمراد ~~يوم القيامة سيكون في عدة صور، ففي الآخرة سترى الملائكة الذين آمنت بهم ~~في الدنيا إيمانا غيبيا وتلتقي بهم مشهدا. وفي الآخرة سترى رحمك ~~وأسرتك الكبيرة من لدن أبيك آدم حتى آخر ولد له في الدنيا، ستلتقي بهم ~~جميعا، وسترى هذا الرحم الذي قطعته في الدنيا، ستتمثل لك هذه الشجرة ~~الكبيرة متشابكة الأغصان متداخلة الفروع، وعندها ستقول: كيف قطعت هذه ~~الرحم؟ وكيف جفوت هذه القربات لسبب وبدون سبب، لذلك يقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " كلكم لآدم، وآدم من تراب ". # ويقول الحق سبحانه في الحديث القدسي: # " أنا الرحمن، وهذه الرحم اشتققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها ~~وصلته، ومن قطعها قطعته ". # وسيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه دخل عليه حاجبه في يوم من ~~الأيام وقال: يا أمير المؤمنين رجل بالباب يقول أنه أخوك، فقال له: ألا ~~تعرف إخوتي؟ قال: هكذا يقول الرجل، قال أدخله، فلما دخل على معاوية ~~قال له: أي إخوتي أنت؟ قال: أنا أخوك من آدم، فضحك معاوية، وقال: رحم ~~مقطوعة، والله لأكونن أول من وصلها، ثم قربه وأعطاه ما يريد. # ومن التلاقي الذي سيكون في الآخرة أن يلتقي المظلوم بظالمه، والخصم ~~بمخصومه، نعم وعند الله تجتمع الخصوم، وعلى العاقل أن يحسب لهذا اللقاء ~~ألف حساب، ومن تدبر العواقب نجا. ومن التلاقي في الآخرة أن يلتقي ms8827 ~~الإنسان بصحيفة أعماله التي أحصت عليه كل صغيرة وكبيرة # أحصاه الله ونسوه # [المجادلة: 6]. # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا # [آل عمران: 30]. يوم يقول لك ربك: # اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. ثم يرتفع التلاقي إلى قمته، فيلتقي المؤمنون بربهم عز ~~وجل حين يتجلى عليهم سبحانه فيرونه، وتكون هذه أعظم النعم تفضلا من ~~الله وكرما واقرأ: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه ~~يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة # [القيامة: 22-25]. وإذا كانت رؤية الحق سبحانه هي أعظم النعم للمؤمنين ~~فهي أشد ألوان العذاب للكافرين لأنهم سيحرمون منها # كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون # [المطففين: 15] يومها ستشتد حسرتهم وأسفهم: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. وجد الله الذي كفر به في الدنيا، ووجد العاقبة التي طالما ~~حذرناه منها وذكرناه بها. وقوله تعالى: { يوم هم بارزون لا ~~يخفى على الله منهم شيء } [غافر: 16] أي: في هذا اليوم ~~يوم التلاقي يأتون بارزين علانية بعد أن كانوا مستترين بسيئاتهم في ~~الدنيا، اليوم يفتضح أمرهم ويكشف سترهم { لا يخفى على الله ~~منهم شيء } [غافر: 16] الجميع في ساحة واحدة: الملوك والسوقة، ~~السادة والعبيد، الرؤساء والمرؤوسون، الجميع في مقام العبودية. لذلك ~~سينادي الحق سبحانه: { لمن الملك اليوم } [غافر: 16] يقولها ~~الحق سبحانه لأنه تعالى كان يملك بعضنا في الدنيا، أما في الآخرة فلا ~~ملك إلا لله وحده، لذلك يجيب على هذا السؤال المؤمن والكافر، الجميع ~~يقولون { لله الواحد القهار } [غافر: 16] نعم لأنه إله غيره ~~ولا ملك سواه. ومعنى { لمن الملك اليوم } [غافر: 16] أن ~~الملك لله اليوم وقبل اليوم، فهذه الحقيقة التي أنكرها الكفار في ~~الدنيا اعترف بها المؤمنون الذين رضوا بالله ربا، يؤتي الملك من ~~يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء. فكلمة ~~{ اليوم } موجهة هنا إلى الكافرين الذين أنكروا ms8828 هذه الحقيقة في ~~دنياهم، لكنهم اعترفوا بها في الآخرة فأقروا { لله الواحد ~~القهار } [غافر: 16]. ### || [40.17] # { اليوم } يعني: يوم القيامة { تجزى } تحاسب { كل نفس ~~بما كسبت } [غافر: 17] قلنا: إن كسب تأتي للخير واكتسب للشر، ~~وعلماء اللغة يقولون: إن كل زيادة في بنية الكلمة لابد أن يقابلها ~~زيادة في المعنى، لذلك كسب غير اكتسب. كسب على وزن فعل أي يأتي الفعل ~~منك طبيعيا لا تكلف فيه، إنما اكتسب يعني افتعل ففيه افتعال ومحاولة. ~~فالخير لا يحتاج منك إلى تعب، على خلاف الشر فيحتاج إلى تعب ومشقة ~~وتلصص، يقول تعالى: # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت # [البقرة: 286] وقد أوضحنا هذه المسألة بالرجل الذي يجلس بين أهله وفيهم ~~جميلات زوجته وبناته وخالاته وعماته.. إلخ فينظر إلى هذا الجمال دون ~~تكلف ولا تحرج، أما في غير المحارم فإنه يختلس النظرة وينفعل لها ~~ويحاول ألا يراه أحد. كذلك نلحظ هذه المسألة في المرأة تحمل من حلال ~~والأخرى من الحرام، وكيف أن الأولى تدل بحملها وتتباهى به، أما الأخرى ~~فتحاول جاهدة أن تخفيه وأن تتخلص منه، ففرحة الأولى وحسرة الأخرى هو ~~الفرق بين الحلال والحرام. كذلك الإنسان إذا أخذ شيئا من بيته يأخذه ~~علانية بلا تكلف وبلا تخطيط، إنما إن أراد أن يسرق من بيوت الآخرين ~~فإنه يحتال لذلك ويخطط له، إذن: نقول الحلال لا يتعب صاحبه إنما الحرام ~~هو الذي يتعب الدنيا كلها. أما في قوله تعالى: # بلى من كسب سيئة.. # [البقرة: 81] فقد استعملت كسب هنا في الشر، فلماذا؟ قالوا: هذا حين تصير ~~السيئة عند صاحبها إلفا وعادة يفعلها بلا تكلف وبلا مشقة على نفسه ~~وكأنها حسنة، فلما تعود عليها صارت في حقه كسبا لا اكتسابا، وهذا ~~الذي نسميه الفاقد أي: الذي تجرأ على الحرام وألف المعصية حتى صارت ~~له عادة. ومثل ذلك في النظر في قوله تعالى: # يعلم خآئنة الأعين # [غافر: 19] إذن: هناك خائنة أعين، وهناك أمينة أعين، أمينة أعين حين ~~تنظر إلى الحلال، وخائنة أعين حين تنظر إلى المحرم. حتى في الناحية ~~الاقتصادية التي ms8829 تحكم الشعوب وبها يقاس تقدم الأمم ورقيها نقول: ~~الحلال لا يكلف إنما الذي يكلف الحرام - هذا من الناحية الاقتصادية - ~~لأن الأصل في الحلال # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا # [الأعراف: 31] وفي الحديث الشريف: # " نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع ". # ولو عشنا على هذه الأصول لكفانا القليل، ولك أن تجرب نفسك فلا تأكل ~~إلا على جوع، وساعتها ستجد اللقمة لذيذة ولو كانت بملح، فكأن استقامتك ~~على دين الله تريحك وتسترك ولا تتعبك في حركة الحياة، ولا تحتاج منك ~~لمزيد من العمل ولمزيد من المال. كذلك إذا أكلنا لا نشبع، وأنتم ترون ~~الذي يأكل حتى التخمة وحتى يحتاج إلى مهضم، فشق على نفسه وكلفها في ~~الطعام وفي تصريف الطعام. # ثم يقول سبحانه: { لا ظلم اليوم } [غافر: 17] نعم لأن الحاكم في ~~هذا اليوم هو الله العدل المطلق، وكأن الحق سبحانه يقول: الظلم عندكم ~~أنتم أيها البشر، فقد أمهلناكم في الدنيا تربعون فيها بالظلم. يظلم القوي ~~الضعيف، ويظلم الغني الفقير، ويظلم الحاكم المحكومين إنما اليوم { لا ~~ظلم اليوم } [غافر: 17] لقط وصل بكم الظلم في الدنيا إلى غايته ~~حين أشركتم بالله. لذلك قال سبحانه: # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] نعم ظلم بين واضح لأن الظلم معناه أن تأخذ حق الغير ~~لك، أو تأخذ الحق من صاحبه وتعطيه لغير صاحبه، وهذا هو ما حدث منكم حين ~~أشركتم بالله فأخذتم منه سبحانه الألوهية، وجعلتموها للأصنام. الظلم يأتي ~~من عدة وجوه. فمن الظلم أن تعمل خيرا ولا تجزي به خيرا، ومن الظلم أن ~~تعمل الحسنة تستحق عليها عشرة فيعطيك خمسة، ومن الظلم أن تعمل السيئة ولا ~~تحاسب عليها، ومن الظلم ألا تعمل سيئة وتحاسب عليها. إذن: كل اختلال ~~في موازين الملكية والنفعية من العمل تعد ظلما لذلك قال تعالى في ~~الحديث القدسي: # " يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي فلا تظالموا ". # كان هذا في الدنيا، أما في القيامة فأنتم أمام الحاكم العادل وفي رحاب ~~العدل المطلق الذي لا يحابي أحدا على حساب أحد، وليس له ولد ms8830 ولا صاحبة ~~فيميل عن الحق لأجلهما. لذلك قلنا: إن الجن كانوا أصدق استقبالا منا حين ~~قال: # وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ~~ولدا # [الجن: 3] لأن معظم الفساد يأتي من هذين: الصاحبة والولد. وقوله سبحانه: ~~{ إن الله سريع الحساب } [غافر: 17] إشارة إلى طلاقة قدرته ~~تعالى في الفصل بين الناس وفي مجازاتهم على أعمالهم، وكأنه يقول لنا: ~~إياكم أن تظنوا أن موقف الحساب يشق علينا، أو أنه سيأخذ وقتا طويلا، ~~لا فعندنا حسابات أخرى ليس عندنا جلسة تطول ولا جلسة تتأجل. { إن ~~الله سريع الحساب } [غافر: 17] لأن الله تعالى فعل فعله ~~بكن لا يفعل بعلاج كما تفعلون، والدليل على ذلك أن في دنيا الناس آلاف ~~وملايين القضاة يحكمون بين الناس بالحق في آلاف وملايين البلاد في وقت ~~واحد في بلاد مختلفة ومحاكم مختلفة، والحق الذي يحكمون به ليس حقا ~~يتنقل بين القضاة من قاض لآخر، إنما هو موهبة ذابت في نفوسهم جميعا ~~وصبغة صبغت أحكامهم جميعا. فإذا كان المخلوق لله وهو الحق يمكنه أن ~~يستولي على نفوس القضاة في مختلف الأرض في وقت واحد، فالذي خلق هذا الحق ~~أولى بأن يحكم بين الخلائق في وقت واحد. لذلك لما سئل الإمام علي ~~رضي الله عنه هذه المسألة: كيف يحاسب الناس في وقت واحد على كثرتهم؟ ~~قال: كما يرزقهم جميعا في وقت واحد. ### || [40.18] # قلنا: الإنذار هو الإخبار والتحذير من الشر قبل وقوعه و الآزفة من أزف ~~الشيء يعني: دنا وقرب، والمراد بيوم الآزفة الموت لأنه يأتي بغتة، لا ~~يعلم أحد موعده، أو هو يوم القيامة، وهو أيضا قريب لأن الله تعالى يقول ~~فيه: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1] فجاء بالفعل الماضي أتى للدلالة على تحقق وقرب وقوعه، لأن ~~كل آت قريب. في هذا اليوم يوم الآزفة { إذ القلوب لدى ~~الحناجر كاظمين.. } [غافر: 18] تخيل أن القلب انخلع من مكانه في ~~الصدر، وخرج من حيزه حتى وصل الحناجر حتى كتم الأنفاس من شدة الهول ~~والبؤس والشقاء والضيق، كما قال سبحانه في موضع ms8831 آخر: # وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا # [الأحزاب: 10]. ومعنى { كاظمين.. } [غافر: 18] الكظم أن تحاول كتم ~~الشيء في داخلك بحيث لا يخرج، ومنه كظم القربة إذا انخرقت حتى لا ~~يتسرب منها الماء بأن تربط مكان الخرق وتحكم رباطه، ومنه كظم الغيظ ~~حتى تتحكم في غيظك وتكتمه في نفسك ولا تنفذه، كما قال تعالى: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس.. # [آل عمران: 134] فهذا ترق في مراتب العمل الصالح، أولها كظم الغيظ، ~~وأحسن منه التخلص الغيظ بالعفو، وأحسن منه # والله يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. وقوله: { ما للظالمين من حميم ولا ~~شفيع يطاع } [غافر: 18] هذا ساعة يجمع الله الظالمين معا في جهنم ~~والعياذ بالله، هؤلاء اجتمعوا في الدنيا على معصية الله، وساروا فيها على ~~هواهم، والآن في الآخرة يفر بعضهم من بعض ويهرب المتبوع من تابعه، كما ~~قال سبحانه: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه # [عبس: 34-37]. كذلك لا يجدون شفيعا يشفع لهم ولا يدافع عنهم، وقد أوضح ~~الحق سبحانه أن هؤلاء الشفعاء ورؤساء القوم وأئمة الكفر سيسبقون أتباعهم ~~إلى جهنم، فإذا دخلوا وجدوهم قد سبقوهم إليها، فيكون ذلك أقطع لأملهم في ~~النجاة وأشد لحسرتهم، لذلك قال تعالى عن فرعون: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ~~وبئس الورد المورود # [هود: 98]. ومعنى الحميم أي: الصديق الحميم، وهو الذي يخلص لك ويحميك ~~حين يراد بك الضر ويقف بجانبك وقت الشدة، الظالم في الآخرة لا يجد هذا ~~الصديق ولا يجد من يشفع له، فأصدقاؤهم فروا منهم لأنهم اجتمعوا في ~~الدنيا على المعصية. والله يقول: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67] أي: يوم القيامة حيث يتبرأ كل منهم من صاحبه ويلقي عليه ~~باللائمة ويكرهه { ولا شفيع يطاع } [غافر: 18] حتى إن قام ~~للظالم شفيع يشفع له لا يطاع، لأن الشفاعة في الآخرة لها شروط: أن يأذن ~~الله للشافع أن يشفع، وأن يرضي الله عن المشفوع له، والله لا يأذن في ~~الشفاعة لظالم ولا يرضى عنه. لذلك ms8832 لا تقبل مثل هذه الشفاعة، ولا يطاع ~~صاحبها لأنه يطلب من الله الذي يملك العذاب أن يطيعه وأن يعفو عن ~~المشفوع له، فكيف ينقلب الحق سبحانه مطيعا لعبده؟ ### || [40.19] # يعني: اعلموا أن علم الله شامل ولا يخفى عليه شيء مهما دق، فإن ~~عميتم على خلق الله في الدنيا واختلستم النظرات فيما لا يحل لكم ~~فاعلموا أنكم لا تخفون على الله، ولو أيقن المؤمن بشمول علم الله ~~وبنظره إليه ما كانت له خائنة أعين. لذلك رأينا القاضي وهو يحكم بين ~~الناس ويتحرى العدل في حكمه وجد بحاسة الحق عنده أن الشهود يشهدون ~~زورا، لكن ماذا يفعل وهم متفقون في أقوالهم جميعا مهما حاورهم وقلب ~~لهم المواقف ليكشف زيفهم وباطلهم وجدهم على لسان واحد؟ ذلك لأن المحامي ~~مثلا حفظهم الجواب، فماذا يفعل؟ غضب وانفعل للحق الذي يحكم به وقال ~~كلمة هزت الشهود جميعا، وجعلتهم ينطقون بالحق قال لهم: والله لو ~~عميتم على قضاء الأرض فلن تعموا على قضاء السماء. كلمة أنطقه الله ~~بها، فأعادت إليهم رشدهم وهزتهم من الأعماق، فرجعوا إلى الحق. وقوله: ~~{ وما تخفي الصدور } [غافر: 19] يعني: علم سبحانه مكنونات ~~الصدور وخباياها، وهذه لا يعلمها إلا الله. ### || [40.20] # معنى: { يقضي.. } [غافر: 20] أي: يحكم بالحق { والذين يدعون ~~من دونه } [غافر: 20] أي: الأصنام وغيرها مما عبدوه من دون الله { ~~لا يقضون بشيء.. } [غافر: 20] لا يحكمون بشيء، فليس لهم مركز في ~~القضاء أبدا ولا حتى في الظلم، ليس لهم أهلية لأن يقضوا { إن ~~الله هو السميع البصير } [غافر: 20]. السميع لكل قول خارج ~~عن منهجه، العليم بكل فعل يخرج عن منهجه المشاهد لكل شيء. فالحق سبحانه ~~وتعالى يكون هو الشاهد وهو القاضي والحاكم وهو المنفذ، فإذا كانت السلطات ~~عندكم متعددة في الدنيا، فالسلطة في الآخرة لله وحده لا شريك له. بعد ~~ذلك يقول سبحانه: ما بال هؤلاء الكفار الذين يعاندون الدعوة ويصادمون ~~الرسول الذي أرسله الله لهم رحمة، ألم ينظروا في تاريخ سابقيهم من الأمم ~~التي كذبت وما جرى لهم من العقوبة، وما حل بهم ms8833 من هلاك يرون هم ~~آثاره. لقد سجل الحق سبحانه على نفسه، فقال: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون # [الصافات: 171-172]. نعلم أن الإنسان يحفظ السند الذي له ولا يحفظ الذي ~~عليه، أما الحق سبحانه فحفظ وسجل هذا الوعد عليه سبحانه # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] فالحق سبحانه ضمن لرسله النصرة والتأييد، وما كان سبحانه ~~وتعالى ليقول كلمة ويأتي واقع الحياة ليكذبها. إذن: فنصرة الرسل سنة ~~من سنن الله في كونه، يقول سبحانه: { أولم يسيروا في الأرض ~~فينظروا... }. ### || [40.21] # يعني: ألم يقفوا موقف المشاهد لآثار الأمم المكذبة وهم يمرون بهم في ~~رحلة الشتاء والصيف، كما قال سبحانه: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138] ألم تروا مدائن صالح وقرى عاد وثمود وغيرهم ممن ~~كذب الرسل؟ إن آثارهم تدل على أخذ الله لهم، وعلى العقاب الذي نزل ~~بهم فخذوا منهم عبرة، واعلموا أن مصيركم كمصيرهم، ولن تعجزوا الله في ~~ذلك، لأن هذه الأمم التي أخذها الله كانت أشد منكم قوة وآثارا في ~~الأرض، أأنتم أشد من إرم ذات العماد، وفرعون ذي الأوتاد.. أين هم الآن؟ ~~هل استطاعوا رغم حضارتهم حماية هذه الحضارة؟ إن قوتهم وحضاراتهم لم ~~تغن عنهم من الله شيئا، ونزل بهم عذاب الله في الدنيا قبل عذاب ~~الآخرة ولم يمهلهم. لذلك قال سبحانه لرسوله: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77] يعني: إذا لم تر ما نعدهم من العذاب في الدنيا ومت قبلهم ~~فسوف ترى عذابهم في الآخرة. كما قال سبحانه في موضع آخر: # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر لعلهم يرجعون # [السجدة: 21]. والحق سبحانه يريد من سيرنا في الأرض أمرين: سياحة في ~~الأرض للاعتبار وأخذ العظة، وسياحة الانتفاع والاستثمار، إذن: فالسياحة ~~في الأرض والسير فيها مطلوب إيماني، لذلك قال تعالى في سياحة الاعتبار: { ~~أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين كانوا من قبلهم } [غافر: 21] وقال في سياحة ~~الاستثمار: # قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق.. ms8834 # [العنكبوت: 20]. وقال: # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها.. # [النساء: 97]. إذن: لا مانع أن تجمع في سيرك في أرض الله بين سياحة ~~الاعتبار وسياحة الاستثمار والانتفاع، فلا تحرم نفسك من نظرة الاعتبار في ~~خلق الله الجديد عليك، ولا تلهك التجارة والاستثمار عن الاعتبار. ~~وهنا ملحظ في قوله تعالى: { في الأرض.. } [غافر: 21] هذا الملحظ ~~أخذناه من العلم الحديث أخيرا، فقد كان العلماء يفسرون { في الأرض.. ~~} [غافر: 21] على الأرض أي: الأرض والتربة التي نمشي عليها، إلى أن عرفنا ~~مؤخرا أن الأرض تشمل غلافها الجوي، فهذا الهواء الذي فوق الأرض هو ~~العنصر الأساسي والضروري لاستمرار الحياة عليها، وبدونه لا تكون على ~~الأرض حياة، لأن الإنسان لا يستغني عنه بمقدار شهيق أو زفير، وعليه فنحن ~~نسير في الأرض كما جاء نص القرآن الذي سبق العلم الحديث إلى هذه ~~الحقيقة. وحين تسير في أرض الله للاعتبار بمخلوقات الله ترى ألوانا شتى ~~لم ترها من قبل من الناس والأماكن والمزروعات والنعم التي لا تحصى، ~~وتعلم أن الخالق سبحانه يعطي لكل مكان ما يناسبه، ولكل بيئة ما يصلح لها ~~من الغذاء، لذلك تجد بعض المزروعات تجود في أماكن دون أخرى، فبيئة يكثر ~~فيها الموز مثلا، وأخرى يكثر فيها البطاطس، وأخرى القمح. # لذلك قال البعض: إن كثرة الأمراض وتعديها من بيئة لأخرى منشؤه أن الناس ~~يعيشون على غير أقوات بيئتهم، فسكان البيئات الحارة يستوردون أقوات ~~البيئات الباردة والعكس، ومن هذا الخلط نشأت الأمراض. وقوله: { كيف ~~كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم.. } [غافر: 21] أي: ~~عاقبة تكذيبهم الرسل ووقوفهم أمام الدعوة ليطفئوا نور الله بأفواههم، ~~فأخذهم الله ولم تمنعهم منه قوتهم ولا آثارهم في الأرض { وما كان ~~لهم من الله من واق } [غافر: 21] يعني: لم يقهم من الله ~~واق، ولم يدافع عنهم مدافع، ولم تغن عنهم حضاراتهم، لأنهم حين أقاموا ~~هذه الحضارات لم يجعلوا لها قانونا يصونها. ثم يعلل الحق سبحانه ~~لأخذهم أخذ عزيز مقتدر: ms8835 { ذلك بأنهم كانت تأتيهم ~~رسلهم بالبينات... }. ### || [40.22] # { بالبينات.. } [غافر: 22] بالآيات الواضحات وبالمعجزات الباهرات ~~الدالة على صدق الرسول، والآيات التي عجزوا هم عن مثلها رغم أنها كانت ~~مما نبغوا فيه، وقد كانت هذه الآيات كافية لأن يؤمنوا بالله وبرسول ~~الله إليهم الذي جاء لهدايتهم، لكنهم كفروا { فأخذهم الله.. } ~~[غافر: 22] وكلمة أخذهم تدل على التناول بقوة { إنه قوي شديد ~~العقاب } [غافر: 22]. ولا شك أن الأخذ يتناسب وقوة الآخذ، ~~فأخذة الطفل غير أخذة الشاب غير أخذة الفتوة، فما بالك إن كان ~~الآخذ هو الله القوي شديد العقاب، إذا كان الله سبحانه هو الآخذ فلا قوة ~~لمأخوذ على المكابرة أو الامتناع. لذلك قال في موضع آخر: # أخذ عزيز مقتدر # [القمر: 42] هذه هي القوة العليا، فالعزيز هو الذي يغلب ولا يغلب، ~~والمقتدر هو القادر على كل شيء، والذي لا يعجزه شيء. ثم يقص الحق ~~سبحانه بعض قصص الرسل ممن كذبوا وأوذوا، وهنا يقص علينا طرفا من ~~قصة سيدنا موسى عليه السلام: { ولقد أرسلنا موسى ~~بآياتنا... }. ### || [40.23-25] # الحق سبحانه يذكر هنا قصة سيدنا موسى عليه السلام لأنها امتازت على قصص ~~الرسل السابقين له، من حيث إنهم جاءوا ليشفوا الناس من بعض الأمراض ~~العقدية، ويخرجوهم من جاهلية افعل ولا تفعل، ويعيدوهم إلى الجادة، أما ~~سيدنا موسى فقد جاء ليجابه رجلا ادعى الألوهية وتكبر وتجبر فكانت ~~مهمته أصعب، لذلك كان أكثر الرسل قصصا في القرآن الكريم. قوله تعالى: { ~~بآياتنا.. } [غافر: 23] المراد الآيات الواضحات التسع التي أوتيها ~~موسى عليه السلام، تأييدا له وبرهانا على صدق رسالته وأولها العصا، ~~وللعصا في قصة سيدنا موسى تاريخ ومواقف، فبها ضرب البحر فصار كل فرق ~~كالطود العظيم بها انفلق البحر وتجمد الماء، وبنفس العصا ضرب الحجر ~~فانفجرت منه اثنتا عشر عينا، إذن: المسألة ليست في الماء والجبل، إنما ~~معجزة خالق الماء وخالق الجبل الذي يقول للشيء: كن فيكون. لذلك وقف ~~المستشرقون عند قصة سيدنا موسى، ورأوا أنها أخذت النصيب الأوفر بين موكب ~~الرسالات وفصلها القرآن تفصيلا ظنوه تكرارا معادا، خاصة في مسألة ~~العصا، ms8836 حيث ذكرت في ثلاثة مواقف، هي في الحقيقة ليست تكرارا إنما هي ~~لقطات مختلفة لحدث متجمع، فأول ما أعطى الله موسى العصا معجزة سأله ~~عنها: # وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى # [طه: 17-18]. وقلنا: إن موسى لم يرد على قدر السؤال لأن الذي يسأله ربه ~~فأراد أن يطيل أمد الحديث مع ربه عز وجل، فلم يقل عصا أو عصاي، ~~فلما أحس أنه أطال أجمل وقال: # ولي فيها مآرب أخرى # [طه: 18]. الموقف الثاني الذي ذكرت فيه العصا لما أراد الحق سبحانه أن ~~يدرب موسى على استخدامها، وأن يجربها هو بنفسه ليكون على استعداد ~~ودربة حينما يواجه مدعي الألوهية فرعون فقال له: # قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية ~~تسعى * قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها ~~الأولى # [طه: 19-21]. هذا هو المطلوب من إجراء هذه التجربة أمام موسى، أن يخاف ~~منها، وأن يراها على حقيقتها وهي حية، ولو أنها ظلت على حالتها عصا ما ~~خاف منها موسى، ولما قال له ربه # ولا تخف.. # [طه: 21]. ثم كان الموقف الأخير للعصا حين التقى موسى بسحرة فرعون وفي ~~حضرته حين جابه سحرهم بعصاه التي ألقاها فراحت تلقف ما صنعوا، وعن هذا ~~الموقف قال تعالى: # قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ أن نكون أول ~~من ألقى * قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم ~~يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى * فأوجس في ~~نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك أنت ~~الأعلى # [طه: 65-68]. إذن: ليس في ذكر عصا موسى تكرار، إنما هي مواقف مختلفة ~~وحالات عدة للشيء الواحد. # وقوله { وسلطان مبين } [غافر: 23] السلطان هو الحجة الواضحة، ~~والسلطان هو القوة، إما قوة البرهان والحجة، وإما قوة القهر والغلبة، كما ~~ورد في حوار الشيطان يوم القيامة: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ~~لي.. # [إبراهيم: 22]. يعني: لم يكن لي سلطان حجة تقنعكم، ولا سلطان ms8837 قهر وقوة ~~ترهبكم وتجبركم على المعصية، بل كنتم على تشويرة مجرد أن دعوتكم استجبتم # فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ~~ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22] نقول: صرخ فلان فأصرخته يعني: أزلت أسباب صراخه. وقوله: ~~{ إلى فرعون وهامان وقارون.. } [غافر: 24] نعم كان فرعون ~~هو رأس الفتنة ومدعي الألوهية، لكن ذكر معه هامان لأنه كان وزيره ~~ومساعده، وقارون لأنه كان صاحب خزانته، فكان الثلاثة شركاء، لذلك ~~اشتركوا أيضا في اتهام موسى { فقالوا ساحر كذاب } [غافر: ~~24]. { فلما جآءهم بالحق من عندنا.. } [غافر: 25] أي: ~~بالآيات { قالوا اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه.. } ~~[غافر: 25] مسألة قتل الأبناء جاءت من فرعون مرتين: الأولى: أيام كان ~~موسى طفلا، وعلم فرعون من المنجمين أن زوال ملكه سيكون على يد أحد ~~أبناء بني إسرائيل، فأخذ يقتل الأبناء الصغار مخافة هذا الولد الذي ~~سيولد ويزول ملكه على يديه. والعجيب أن نرى هنا غباء فرعون وتغفيله في ~~قتل أبناء بني إسرائيل وحرصه على ألا يفلت منهم أحد، حتى أن رجاله ~~كانوا يدخلون البيوت يبحثون فيها عن الأطفال الصغار. وقد أظهر هذا الموقف ~~غباءه من ناحيتين، أولا: أنه يقتل الأبناء الصغار مع أن النبوءة تقول: ~~إن زوال ملكه سيكون على يد واحد منهم، ثم يأتيه غلام بهذه الطريقة ~~المريبة: صندوق في البحر بداخله غلام صغير جاءه إلى باب بيته، فيطمئن ~~إليه ويأخذه ويربيه على عينه ويغفل عما يراد به. وهذا الموقف يوضحه ~~قوله تعالى: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه.. # [الأنفال: 24] نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف ~~يشاء. وقوله: { واستحيوا نسآءهم.. } [غافر: 25] أي: اقتلوا ~~الأبناء الذكور، لأنهم مصدر الخوف، ومنهم يكون التمرد، ومنهم من يزول ~~ملك فرعون على يديه، أما النساء فاتركوهن أحياء للخدمة وللإذلال. ~~وهذا يفسر لنا: لماذا كان العرب إذا خرجوا للحرب أخذوا معهم نساءهم، لكي ~~يكن معهم في مصير واحد، فإن انتصروا عادوا سالمين، وإن قتلوا ~~قتلوا جميعا حتى لا يبقى النساء بعدهم للأسر والسبي والإذلال. { ~~وما كيد الكافرين إلا في ضلال } [غافر: 25] نعم كان ms8838 ~~هذا كيدا من فرعون وأعوانه، لكن هل أنفذ كيده ببني إسرائيل؟ لا بل رد ~~الله كيده عليه وباء بالضلال والخسران. ### || [40.26] # قول فرعون { ذروني أقتل موسى.. } [غافر: 26] يعني: اتركوني ~~أقتله سيبوني عليه دل على وجود تيار من القوم يمنع فرعون من قتل ~~موسى، وإلا لما قال ذروني فمن هؤلاء؟ ربما كانوا من أتباع فرعون ~~المؤمنين بصدق موسى، وبما جاء به، فأحبوا أن يدافعوا عنه بطريقة لا ~~تثير شك فرعون، فاحتالوا عليه. وهذا دليل على أن أصحاب الخير يجوز لهم ~~أن يحتالوا على أهل الشر لنصرة الخير وأن الله يعينهم. جاء هؤلاء وقالوا ~~لفرعون: إن قتلت موسى سيقول الناس أنه على حق، وأنك لم تقدر على رد ~~حجته فقتلته لتستريح منه، وعندها سيقفون ضدك. ومن هؤلاء المدافعين عن ~~موسى الرجل المؤمن من آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه خوفا من بطش فرعون، ~~والذي دافع عن موسى دفاعا قويا وقدم الحجج، فقال: # وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم.. # [غافر: 28]. وتأمل هنا سخرية فرعون واستهزائه { وليدع ربه.. ~~} [غافر: 26] أي: ربه الذي يدعو إليه ليناديه كي ينقذه ولو لم يكن ~~مستهزئا لقال: وليدع ربنا { إني أخاف أن يبدل ~~دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد } [غافر: 26] ~~سبحان الله انظر كيف يحاول أهل الباطل قلب الحقائق، ففرعون يخاف من ~~موسى أن يبدل دين قومه ودينهم هو الإيمان بفرعون إلها لهم يعبدونه ~~من دون الله. { أو أن يظهر في الأرض الفساد } [غافر: 26] ~~ينشأ الفساد من أين؟ من وجود فريقين في المجتمع: فريق يؤمن بفرعون إلها، ~~وفريق يؤمن بموسى وربه الحق، فالرعية كلها في شقاق ونزاع، وأصحاب مراكز ~~القوى المستفيدون من ألوهية فرعون لن يسكتوا، ولا شك أن هذه فتنة ~~ستحدث فسادا في نظره. ### || [40.27] # هنا يؤكد موسى على ربوبية الحق سبحانه بعد أن هدده فرعون بالقتل # ذروني أقتل موسى.. # [غافر: 26] ثم استهزأ بربه # وليدع ربه.. # [غافر: 26] لذلك جاء رد موسى إني وفيها تأكيد واستحضار لعبوديته ~~أمام عز الربوبية التي يستهزئ بها فرعون، فلما يقل مثلا: ms8839 أعوذ ~~بالله من فعلك، إنما أكد أن الله ربه بل { وربكم } أيضا. ومعنى { ~~عذت.. } [غافر: 27] لجأت إليه وهو القادر على نصرتي وحمايتي، فقوله ~~{ إني عذت بربي.. } [غافر: 27] يبين لنا منزلة الاستعاذة ~~بالله، فالإنسان حين يستعيذ بالله من شيء لا يقوى عليه فقد أفاض ~~وأنصف، لأنه سلط على من آذاه وليست له قدرة على أن يرده، سلط ~~عليه من يقدر على أن يفعل. لذلك قال سبحانه: # فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم # [النحل: 98]. لماذا؟ لأنك حين تقرأ القرآن تنفعل به، وتكون معه في حضرة ~~الله يكلمك وأنت تسمع، وحين تنفعل بالقرآن وتتدبر معانيه تحدث عندك ~~إشراقات ومواجيد ترقى بك، وهذا كله يغيظ الشيطان فيسارع إليك ليصرفك عن ~~القراءة، كما يحدث لنا كثيرا في الصلاة مثلا، ويشكو الكثيرون منا من ~~الانشغال في الصلاة بسبب وسوسة الشيطان. لكن لا عجب في ذلك إذا تأملنا ~~قوله تعالى يحكي لنا موقف الشيطان منا: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] نعم، وأي صراط أقوم من الصلاة وقراءة القرآن، لذلك قلنا: ~~إن الشيطان ليس في حاجة لأن يذهب إلى الخمارة مثلا، إنما يذهب إلى ~~المسجد ليفسد عليك صلاتك ويشغلك عن منهج الهداية، لذلك أمرك الله ~~بالاستعاذة منه ليكون لك حصنا ووقاية. هنا يقول موسى عليه السلام: إني ~~أعوذ بالله منك يا فرعون وهو أقوى منك وقادر على حمايتي من كيدك، فهو ربي ~~أي: الذي خلقني ورباني وأنا مسئول منه، فهو أوجدني بقدرته ويصونني ~~بقيوميته، ألا ترى أن كل صانع يحفظ صنعته، ويجعل لها ضمانا للصيانة؟ ~~أليس الخالق سبحانه أولى بأن يضمن لي حياتي التي خلقها؟ بلى بشرط أن ~~تقولها: عذت بربي. وكان يكفي أن يقول إني عذت بربي ~~فلماذا قتل وربكم؟ قالوا: ليؤكد على ربوبية ربه عز وجل، ويؤكد سعادته ~~بهذه الربوبية، فهو ربي ورب الآخرين وربكم جميعا ليقولوها معه: إنا ~~عذنا بربنا من فرعون وعمله، وكأنه يريد أن يستجمع قوى الخير والإيمان ~~ويقوي جانبه بالجماعة المؤمنة، ليكون الدعاء أدعى للقبول وأولى. ~~هذه المسألة تفسر لنا ms8840 أهمية الجماعة وروح الجماعة في الإسلام، إننا مثلا ~~في الصلاة نقرأ بفاتحة الكتاب، نقول: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5] هكذا بالجمع، فلماذا لم يقل: إياك أعبد وإياك أستعين. ~~لأن دعاء الجماعة أقوى، الجماعة تدخلك في زمرة الصالحين، فإذا لم تكن ~~صالحا فجاور الصالحين لعله ينالك ما ينالهم من الثواب والقبول. # لذلك احذر أن تحتقر أهل التقوى وأهل الصلاح، فلعلك تؤخذ في محض ~~الفضل معهم. إذن: دعاء الجماعة أولى بالقبول من دعاء الفرد، لذلك كانت ~~صلاة الجماعة تفوق صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة، أنت ترى التاجر مثلا ~~يبيع السلعة فيها المعطوبة وفيها السليمة، فإذا ناقشته وقلت له لا آخذ ~~المعطوبة مثلا يقول لك: هذه صفقة واحدة المعطوبة في السليمة، كذلك نحن ~~في صلاة الجماعة نداري المعطوبة في السليمة أملا في أن تقبل الصفقة ~~كلها. فمن أي شيء استعاذ سيدنا موسى؟ { من كل متكبر لا ~~يؤمن بيوم الحساب } [غافر: 27] هكذا بصيغة الجمع وبالوصف { ~~من كل متكبر.. } [غافر: 27] ولم يصرح باسم خصمه فرعون صاحب ~~القضية ومدعي الألوهية ومهدده بالقتل، فلماذا؟ قالوا: لم يذكر فرعون ~~في هذا المقام لأمرين: الأول: حتى لا يجعل فرعون في مقابل الله لو قال: ~~إني عذت بربي من فرعون، ثم إن فرعون لم يكن وحده، بل كان معه آخرون ~~على شاكلته، فأراد أن يجمعهم بكلمة تشمل كل متكبر. الأمر الآخر: أن ~~سيدنا موسى هنا يراعي حق التربية ويحفظ لفرعون هذا الجميل فلم يصرح ~~باسمه، ويكفي أنه داخل ضمن هذا الوصف { من كل متكبر لا ~~يؤمن بيوم الحساب } [غافر: 27]. لذلك نجد القرآن الكريم جعل ~~التربية شقيقة الولادة، يعني الابن في الدم مثل الابن في التربية، فقال ~~سبحانه: # ووصينا الإنسان بوالديه.. # [لقمان: 14] ثم خص الأم بالحيثية # حملته أمه وهنا على وهن.. # [لقمان: 14] لماذا يذكر القرآن هذه الحيثية للأم؟ قالوا: لأن هذه ~~الحيثية لا يدركها الولد وهو طفل، في حين يدرك بعد ذلك فضل والده ~~فذكره الله بفضل أمه لأنه لم يشهده، ثم يقول سبحانه: # وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء: ms8841 24] فعلة الدعاء هنا التربية، سواء أكانت للأم التي ولدت، ~~أم للأم التي ربت، فمن ربي غير ولده كان أهلا لأن يدعي له هذا ~~الدعاء # وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء: 24]. وقوله: { من كل متكبر لا يؤمن بيوم ~~الحساب } [غافر: 27] يعني: اجتمعت فيه خصلتان من خصال الشر، فهو ~~متكبر يعني قاسي القلب، وقسوة القلب لا تردعه عن القهر والجبروت، ثم هو ~~لا يؤمن بالحساب فلا يخاف من القصاص، ولا يعمل حسابا للعواقب، ومثل هذا ~~لا أمل في إصلاحه. ### || [40.28] # لما جاء موسى عليه السلام إلى ربه عز وجل فقال: # إني عذت بربي.. # [غافر: 27] استجاب الله له وأعاذه، لا برسول ولا ملك ولا بأحد من أتباعه ~~المؤمنين، إنما برجل مؤمن من آل فرعون كان يكتم إيمانه خوفا من بطش ~~فرعون قام مدافعا عن موسى، وهذا أوضح في الحجة وأبلغ. لكن لماذا { ~~يكتم إيمانه.. } [غافر: 28] ما دام مؤمنا؟ قالوا: كانوا يغلفون ~~إيمانهم ويسترونه لأنه ليس لديهم القوة التي يدفعون بها الطغيان، ~~فالإيمان في النفس حتى يجد الفرصة فيظهر ويجاهر، وها هو يظهر على لسان ~~هذا الرجل المؤمن الذي يعلن أمام فرعون وجبروته أنه مؤمن، ويدعو بدعوة هي ~~أشبه بدعوة الرسل، ويخبر بمنهج كأنه رسول. وكلمة { يكتم إيمانه.. ~~} [غافر: 28] لها في الإسلام ملحظ وتاريخ، ومعنى كتم الإيمان أن ~~الإيمان يحاول أن يبرز في تصرفات الرجل لكنه يكتم إيمانه، فهو حريص على ~~أن يجعل إيمانه سرا بينه وبين ربه فقط ليستطيع أن يقول كلمة الحق ويجهر ~~بها أمام القوم وهو غير مؤمن حتى لا يؤذى. إذن: فالإيمان عمل وجداني ~~له نضج على جميع جوارح النفس الإنسانية، فالمؤمن تجده متواضعا منكسرا ~~يستجيب للحق ويخضع له، المؤمن عطوف كريم حليم رحيم، تلحظ إيمانه من ~~تصرفاته، ولكنه يحاول أن يكتم هذا حتى يقف الموقف الذي يمكنه من الجهر ~~بالإسلام جهرا قويا عنيفا. لذلك يقولون: إن الإيمان عملية قلبية وهو ~~سر بين العبد وربه، ثم له أمر ظاهري بين المؤمن والناس، وقد يلتحم ~~الأمران السر والجهر بينه وبين ms8842 ربه، وبينه وبين الناس، فقد يكون مؤمنا ~~بينه وبين الله أما بينه وبين الناس فهو مؤمن أو غير مؤمن، لأن العملية ~~الإيمانية يبدي فيها فوق ما يظهر إيمانه، والرسول صلى الله عليه وسلم ~~شرع هذا، كيف؟ قالوا: في غزوة الأحزاب حين اجتمعت قريش وغطفان واليهود، ~~حيث استدرج اليهود كلا من قريش وغطفان ليحاربوا معهم محمدا ليثأروا منه ~~صلى الله عليه وسلم بعد مسألة بني قينقاع لما أذاهم رسول الله. فلما ذهب ~~حيي ومعه سلام بن مشكم إلى مكة ليستثيروا قريشا وغطفان على رسول الله، ~~قال لهم: يجب أن نقف جميعا يدا واحدة في مواجهة محمد، لأننا إن تركناه ~~سيستذلنا ويستذلكم، فلا بد أن تنجدونا بقوتكم، لكن قريشا يعلمون أن ~~اليهود أهل كتاب، فقالوا لهم: نريد أن نسألكم أولا: أمحمد على حق أم ~~نحن؟ وهم يعلمون موقف اليهود من قبل رسول الله، وأنهم كانوا يستفتحون به ~~على الذين كفروا، ويقولون: سيأتي نبي أطل زمانه سنتبعه ونقتلكم به ~~قتل عاد وإرم. المهم أنهم قالوا لهم: إنكم على حق ومحمد على باطل. # وفعلا اتحدوا في محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الحرب التي ~~قال الله فيها عن المؤمنين: # وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله.. # [البقرة: 214]. وسميت هذه الغزوة غزوة الأحزاب أو الخندق، ويأتي جند من ~~جنود الله # وما يعلم جنود ربك إلا هو.. # [المدثر: 31] ويذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول له: يا رسول ~~الله لقد أشرب قلبي الإيمان ولا يعلم أحد بإيماني وأنا أشهد أنك رسول ~~الله، واسم هذا الرجل نعيم بن مسعود الأشجعي فقال له رسول الله: " أنت ~~رجل واحد وما غناؤك لي، لكن اكتم إيمانك وخذل عنا ". هذه أول مسألة في ~~قضية كتم الإيمان، إذن: فكتم الإيمان جائز وله مهمة. فقال الرجل: لكن ~~يا رسول الله سأضطر لأن أقول غير الحقيقة - أكذب يعني - قال: افعل ما ~~تحب. فما كان من نعيم بن مسعود إلا أن ذهب إلى قريش وغطفان وقال لهم: ~~أنتم ms8843 تعلمون ودي لكم ومحبتي إياكم وقد جئتكم بنصيحة لأبرئ ذمتي من ~~الوفاء لكم. إن اليهود ندموا على معاداة محمد وهم يريدون أن يتراجعوا ~~ولن يتراجعوا إلا بشيء تكون لهم يد يطمئنون إلى معاهدة محمد. فإذا أردتم ~~أن تناجزوا محمدا مع هؤلاء وتضمنوا عدم خيانتهم فسوف يطلبون منكم سبعين ~~رجلا رهينة من قريش وغطفان مخافة أنكم إذا اشتدت الحرب وحميت ~~تتركوهم وترجعوا إلى بلادكم ويظلون هم في مواجهة محمد ويكونون هم ~~أعداءه. ثم ذهب إلى اليهود فقال لهم: أنتم تعلمون مودتي لكم ومحبتي ~~إياكم، وإن هؤلاء القوم يعني قريشا وغطفان ليسوا من بلدكم ولهم مكانتهم ~~في بلادهم، ولهم أموالهم وأهلوهم، فإن استشعروا شيئا فروا وتركوكم في ~~مواجهة محمد، فلتأخذوا منهم سبعين رجلا رهينة حتى تضمنوهم. فلما جاء أبو ~~سفيان وقال: لقد طال بنا الموقف وتعب الخف والحافر وطالت المدة، فيا ~~معشر يهود هيا لننجز مهمتنا، قالوا: هذا يوم السبت ولا نقاتل فيه، ونحن ~~لا نقاتل الرجل إلا أن نضمن أنكم معنا إلى نهاية المعركة فأعطونا سبعين ~~رجلا منكم رهنا. عندها علم أبو سفيان أن كلام نعيم صحيح، فقال: ليس ~~لنا أن نعود إلى بلادنا، ثم قال: يا قوم لينظر كل واحد منكم من عن ~~يمينه ومن عن شماله لأننا سنقول كلاما مهما. وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد أرسل إليهم سيدنا حذيفة، فكان بين صفوفهم فبادر من عن ~~يمينه وسأله: من أنت؟ ومن عن شماله وسأله: من أنت؟ وكانت فطنة ~~ولباقة منه حتى لا يسأله أحد ولا ينكشف أمره. بعد ذلك قال أبو سفيان: لم ~~يعد أمامنا إلا الرحيل حتى لا نقع في مخالب اليهود فهيا، وضرب راحلته ~~فقامت وهي معقولة فانقطع العقال. # الشاهد هنا أن نعيم بن مسعود كتم إيمانه عن القوم ليتمكن من القول الذي ~~قاله، وإن كان غير الواقع، وهو لم يفعل ذلك إلا بعد أن استأذن فيه رسول ~~الله، وهذا دليل على أن كتم الإيمان جائز وأنه له مهمة. كذلك سيدنا ~~العباس رضي الله عنه لا ms8844 شك أنه كان قد آمن برسول الله، لأنه ساعة أخذ ~~العهد لرسول الله وكان لم يعلن إسلامه بعد، ذهب وقال: هذا محمد في منعة ~~من قومه، فإن شئتم أن تأخذوه فعاهدوه على كذا وعلى كذا وإلا فاتركوه، ~~فكيف يأخذ العهد لرسول الله وهو ما يزال على دين قريش؟ إذن: لابد أنه ~~كان يكتم إيمانه حتى لا تجرؤ قريش على إيذاء رسول الله الإيذاء البالغ ~~إكراما لعمه العباس. فهذه مهمة كتم الإيمان، لذلك يقول تعالى: # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر ~~صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم # [النحل: 106]. وفي غزوة خيبر كان في اليهود رجل اسمه الحجاج بن علاط ~~السلمي جاء في هذه الغزوة وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: يا رسول الله، لقد شرح الله صدري للإسلام وأشهد ألا إله إلا الله ~~وأنك رسول الله، وأنا ذاهب الآن إلى مكة لأموال لي هناك وأمانات ~~أستردها؟ وسوف يسألونني فاسمح لي أن أقول قال له قل ما تشاء. وذهب ~~الحجاج إلى قريش فقالوا: لابد أن عند هذا الخبر، وسألوه: هل ذهب القاطع ~~إلى خيبر؟ يقصدون رسول الله لأنهم كانوا يتهمونه بقطع الأهل والعشيرة بعد ~~بعثته صلى الله عليه وسلم فقال: نعم وهزم هناك هزيمة منكرة وقتل ~~أصحابه، وسيأخذه اليهود أسيرا ويأتون به إليكم ليصنعوا معكم يدا تظل ~~عليكم لهم طوال العمر، وقد جئتكم لآخذ أموالي التي عند الناس حتى أذهب ~~إلى السبي قبل أن تباع فأشتري منه، فأخذوا يساعدونه في جمع أمواله ~~وييسرون له مهمته. بلغت هذه المقالة العباس فذهب إليه وقال له: يا ~~حجاج ماذا تقول؟ قال: هو ما سمعت، قال: أو حق ذلك؟ قال: أفتكتم ~~علي؟ قال: والذي نفسي بيده أكتم عليك، قال: أمهلني حتى يخلو موضعي من ~~الناس، فجلس مدة ثم ذهب إليه فقال: والله الخبر الذي بلغك عني لم يحدث ~~منه شيء، بل تركت محمدا منتصرا في خيبر وعروسا على صفية بنت حيي ms8845 بن ~~أخطب، ولكني احتلت لآخذ أموالي من هؤلاء، فاكتم أمري واستر علي ~~ثلاثة أيام حتى أعجز القوم وأفر ثم أشع ذلك ما شئت. وبعد ثلاثة أيام ~~تطيب العباس بالطيب وأمسك عصاه ثم طاف بالبيت فلقيه واحد منهم وقال: ~~والله لهذا هو التجلد يا أبا الفضل. يقصد بذلك المصيبة التي وقعت لابن ~~أخيه، فقال العباس للرجل: والذي حلفت به ما هو تجلد ولكنه حقيقة الأمر، ~~لأن صاحبكم أخبركم بخلاف الواقع وابن أخي انتصر على أعدائه وهو عروس على ~~بنت حيي بن أخطب في خيبر، قال: أو يكون ذلك؟ قال: هكذا، قال: أفلتنا ~~الخبيث فأولى له. # نقول: كتم هؤلاء إيمانهم ليتمكنوا من نصرة الدين وليكونوا جندا من ~~جنوده، وللإسلام جنديات مختلفة: جندية العلانية، وجندية الكتمان، وجندية ~~التجسس على الأعداء. بعض المفسرين قال: { يكتم إيمانه } [غافر: ~~28] أي: من آل فرعون، وهذا غير صحيح بدليل أنه سيقول ويخبر بهذا الإيمان ~~ويفصله كأنه رسول، ولو كان الكتمان من آل فرعون لقال: يكتم إيمانه آل ~~فرعون لأن الفعل كتم يتعدى بنفسه إلى مفعولين، كما في قوله تعالى: # ولا يكتمون الله حديثا # [النساء: 42]. لكن ماذا قال الرجل المؤمن؟ قال: { أتقتلون رجلا ~~أن يقول ربي الله } [غافر: 28] تأمل جرأة الحق من هذا المؤمن، ~~فهو يجهر بهذا الاستفهام الإنكاري { أتقتلون رجلا } [غافر: 28] ~~يجهر به أمام فرعون. { أن يقول ربي الله } [غافر: 28] أي: ~~بسبب قوله ربي الله فلا جريرة له غير هذا، يقولها الرجل المؤمن علانية ~~أمام فرعون، وما أدراك ما فرعون، إنه الوحيد الذي ادعى الألوهية وقال ~~لقومه # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] فلا شك أن كلمة الرجل المؤمن تغيظه وتهدم أركان ألوهيته ~~المدعاة. وقوله: { وقد جآءكم بالبينات من ربكم } ~~[غافر: 28] أي: بالآيات الواضحات فكيف يقتل؟ ولنفرض أنه كذاب فلا يضيركم ~~كذبه، لأنه كذب على الله وسوف يتحمل عاقبة هذا الكذب { وإن يك ~~كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض ~~الذي يعدكم } [غافر: 28] يعني: وإن كان صادقا لم تحرموا خيره ~~وأصابكم بعض هذا الخير. إذن: لماذا ms8846 تقتلونه؟ فالاحتياط ألا يقتل. لكن، ~~هل معنى ذلك أن نترك كل ملحد يقول ما يحلو له ويخوض في أمور الدين ولا ~~نمنعه اعتمادا على { وإن يك كاذبا فعليه كذبه } [غافر: ~~28] قالوا: لا بل يجب أن نقدر هنا جملة: امنعوه أن يقول لكن لا ~~تقتلوه. كثيرا ما نسمع عن الزنادقة الذين يخوضون في دين الله الآن، ~~فماذا نفعل. أنتركهم ونقول: عليهم كذبهم؟ لا إنما يجب أن نتصدى لهم ~~ونمنعهم من هذا الهراء، ونأخذ على أيديهم حتى لا يحدثوا ما يضر بدين ~~الله. كذلك قال الرجل المؤمن من آل فرعون يدافع عن سيدنا موسى عليه ~~السلام كأنه يريد أن يستبقي حجة الحق لعله توجد آذان فيما بعد تنصره. ثم ~~يقرر الحق سبحانه هذه الحقيقة: { إن الله لا يهدي من هو ~~مسرف كذاب } [غافر: 28] هذا الكلام يعد تعريضا وطعنا في ~~فرعون، فالحق سبحانه لا يترك أحدا يكذب عليه دون أن يفضح كذبه، لماذا؟ ~~لأن ستر هذا الكذب يعتبر تدليسا في منهج السماء، وحاشا لله تعالى ~~ذلك، لذلك نرى كلما ادعى أحد النبوة افتضح أمره وعلم الناس كذبه، ~~لأنه لا يصح أن يدعي كذاب النبوة، ولا يظهر الله للناس كذبه، وهذا ~~متضمن في قوله تعالى وفي وعده: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا # [غافر: 51]. وفي قوله: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. ### || [40.29] # قوله: { يقوم لكم الملك اليوم } [غافر: 29] هذا كلام ~~الرجل المؤمن ينصح قومه. نعم لهم الملك أي: ملك فرعون وجبروته وسطوته ~~وادعاؤه للألوهية.. إلخ و { ظاهرين في الأرض } [غافر: 29] يعني: ~~منتصرين وعالين على غيركم، لكن احذروا فهذا حال موقوت لا يدوم لكم فهو ~~مقيد { لكم الملك اليوم } [غافر: 29] وكأنه يقول لهم: ~~احذروا أن يضيع هذا الملك من أيديكم. فربما كان هذا الرجل - أي موسى ~~عليه السلام - صادقا فيجمع حوله الأتباع والأنصار، ويقضي على هذا الملك، ~~فاستبقوا إذن ولو الضلال الذي أنتم عليه ولا تدخلوا معه في صدام لا ~~تعلمون عاقبته { فمن ينصرنا من بأس الله إن جآءنا } ~~[غافر: 29] لا أحد، لأن ms8847 بأس الله وانتقامه في تأييد رسله بأس لا ~~يرد ولابد أن يدمر المخالف فاحذروا، هكذا يتحدث الرجل المؤمن بمنطق ~~الإيمان الراسخ في نفسه ويصدق قومه لا يغشهم. وهنا لابد أن ينتفض ~~فرعون، وأن يحاول القبض على زمام الأمور لصالحه: { قال فرعون مآ ~~أريكم إلا مآ أرى ومآ أهديكم إلا سبيل ~~الرشاد } [غافر: 29] لاحظ منطق التسلط في { مآ أريكم إلا مآ ~~أرى } [غافر: 29] ومنطق التزييف في { ومآ أهديكم إلا ~~سبيل الرشاد } [غافر: 29]. لكن هذا من فرعون لم يمنع الرجل المؤمن ~~أن يستمر في دعوته ولم يصده أن ينصح قومه: { وقال الذي آمن ~~يقوم إني أخاف عليكم... }. ### || [40.30-31] # هنا يستمر الرجل المؤمن في نصحه لقومه، فكلمة فرعون لم تخفه ولم ~~تصده عن دعوته، فيقول: { يقوم إني أخاف عليكم مثل ~~يوم الأحزاب } [غافر: 30] يعني: إن كنتم ظاهرين الآن في الأرض ~~ولكم الغلبة، فلستم أظهر ممن سبقوكم في موكب الرسالات من أول نوح وعاد ~~وثمود والذين من بعدهم { مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود ~~والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد ~~} [غافر: 31]. وقد أرانا الله العجب فيمن كذب الرسل # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [العنكبوت: 40]. إذن: عليكم أن تأخذوا ممن سبقوكم في التكذيب عبرة، ~~خاصة وأنتم تشاهدون آثارهم في الأرض التي تدل على أنهم كانوا أقوى منكم ~~وآثارا في الأرض، ومع ذلك لم تنفعهم قوتهم، ولم تمنعهم آثارهم من بأس ~~الله حين نزل بهم، وما أبقى الله على هذه الآثار إلا لتكوين عبرة لمن ~~بعدهم # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]. ولو انطمست آثارهم لم تكن هناك حجة واقع، فبقاء ~~الآثار إلى الآن تبين لنا أن الذين صنعوا هذه الحضارات وتركوا هذه الآثار ~~لم يستطيعوا أن يحموا حضاراتهم، وكانوا أكثر منكم قوة وآثارا في الأرض ~~وعمروها أكثر منكم، فما دام قد حدث هذا في الواقع وأنتم تشاهدونه ms8848 فخذوه ~~قولا من الرسول وواقعا أمامكم في الكون. ونلاحظ هنا أن كلمة يوم جاءت ~~مفردة و الأحزاب جمع فلماذا لم يقل مثلا أيام الأحزاب، والحزب هم ~~الجماعة المناهضون للرسول المكذبون له، فحزب مناهض لنوح، وحزب مناهض ~~لهود، وآخر لصالح.. إلخ. إذن: فالأيام هنا متعددة، ومع ذلك قال: { ~~مثل يوم الأحزاب } [غافر: 30] فوحد اليوم وجمع الأحزاب، ~~لماذا؟ لأن العملية كأنها حدث واحد متحد في الجميع، وإن تعددت ~~الأحزاب بتعدد الرسل فهو يوم الأحزاب لا أيام الأحزاب، لأننا لو قلنا: ~~أيام الأحزاب لكان لهذا يوم بسبب، ولهذا يوم بسبب آخر وهكذا، لكنه سبب ~~واحد في جميع الحالات، ألا وهو التكذيب في مقام العقيدة، وفي مقام تشريع ~~الحق سبحانه للخلق. ثم بعد ذلك يفصل ما أجملته كلمة الأحزاب: { مثل ~~دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما ~~الله يريد ظلما للعباد } [غافر: 31] يعني: لم يأخذهم هذه ~~الأخذة ظلما لهم، وكلمة للعباد يعني: كيف يظلمهم وهم عباده وصنعته، ~~إنما أخذهم جزاء أفعالهم وتكذيبهم لرسلهم ليكونوا عبرة واقعية في الكون ~~يعتبر بها كل من يعارض منهج الحق. ### || [40.32-33] # يوم الأحزاب كان في الدنيا، أما يوم التناد فيوم القيامة، فكأنه حذرهم ~~بيوم الأحزاب من المصائب التي تأتيهم في دنياهم، ثم حذرهم بيوم الجزاء ~~يوم القيامة فقال: { ويقوم إني أخاف عليكم يوم ~~التناد } [غافر: 32] والتناد تفاعل يعني: تناديني وأناديك، والتنادي ~~يوم القيامة سيكون من وجوه عدة، يقول تعالى: # يوم ندعوا كل أناس بإمامهم # [الإسراء: 71] وهذا أول نداء، يقول: يا أمة محمد، يا أمة عيسى، يا أمة ~~موسى.. إلخ أو أن ينادي بعضهم بعضا. وقد ذكر الحق سبحانه صورا متعددة ~~من هذه النداءات، فقال سبحانه: # ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ~~ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم ~~حقا # [الأعراف: 44]. وقال: # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا ~~علينا من المآء أو مما رزقكم الله.. # [الأعراف: 50]. وقال: # ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم ~~بسيماهم.. # [الأعراف: 48] وأصحاب الأعراف جماعة استوت حسناتهم وسيئاتهم ولم يدخلوا ~~الجنة، ms8849 ومع ذلك يشمتون في الكفار. أو: أن التناد ليس من مناداة بعضنا ~~لبعض، إنما هو من الفعل ند يعني: بعد وشرد، يعني: يوم التناد يوم تشرد ~~مني وأشرد منك، وهذا مثل قوله تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصحبته وبنيه # [عبس: 34-36] والمراد: يفر منهم وهم كذلك يفرون منه، فكل يهرب من ~~الآخر لانشغاله بنفسه. لكن ماذا يقصد الرجل المؤمن بذلك؟ قالوا: يريد أن ~~يقول لهم: إن كنتم تظاهرون بعضا على الباطل في الدنيا فاعلموا أنكم ~~ستفرون من بعض في الآخرة { يوم تولون مدبرين } [غافر: 33]. ~~وتأمل هنا حبكة الأداء القرآني، فحينما يأتي بلفظ يحمل معنيين أو يجمع ~~بين معنيين يأتي بما يدل على كل منهما، فهنا مثلا قال { يوم ~~التناد } [غافر: 32] بمعنى المناداة. وقال: { يوم تولون ~~مدبرين } [غافر: 33] بمعنى الفرار، فجمع بين المعنيين في كلمة ~~التناد. ومن ذلك أيضا قوله تعالى في سورة الرحمن # الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر ~~يسجدان # [الرحمن: 6] فالشمس والقمر مخلوقات علوية، والشجر أرضي وبينهما كلمة ~~النجم ولها معنيان: الأول: المتبادر إلى الذهن هو النجم العالي في ~~السماء من جنس الشمس والقمر، والآخر النجم بمعنى: العشب الذي لا ساق ~~له، وهو جنس الشجر. وقوله: { ما لكم من الله من عاصم ~~ومن يضلل الله فما له من هاد } [غافر: 33] من عاصم ~~يعني: لا أحد يستطيع أن يمنعكم من الله، ولا يدفع عنكم بأسا إن نزل بكم ~~{ ومن يضلل الله فما له من هاد } [غافر: 33] يعني: من ~~يحكم الله بضلاله لا يهديه أحد، لماذا؟ قالوا: لأن الله تعالى سيعينه ~~ويمكنه من الضلال. لذلك قلنا: إذا أحب العبد شيئا قال الله لعبده: ~~أحببته يا عبدي سأبليك به، كمن مات له عزيز مثلا فحزن عليه حزنا شديدا ~~وبالغ فيه واستمرأ الحزن، فيقول الله له: أحببت الحزن وعشقته، سوف أزيدك ~~منه، كلما تقادم جددته لك. # لذلك قال أهل المعرفة: أغلقوا أبواب الحزن بمسامير الرضا، لأنكم إن ~~ألفتم الحزن وعشقتموه أدامه الله عليكم، لأنه سبحانه ربكم والمتولي ~~لأموركم، ويعطي كلا منكم ms8850 بغيته، حتى الكافر الذي أحب الكفر وعده الله ~~أن يعينه عليه، لذلك يختم على قلبه بحيث لا يدخله الإيمان ولا يخرج منه ~~الكفر. ثم يستمر الرجل المؤمن من آل فرعون في نصحه لقومه فيقول: { ~~ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات... }. ### || [40.34] # لما جاء يوسف عليه السلام لم يكن في زمنه فرعون على مصر، إنما كان ~~هناك ملك هو العزيز، لذلك لما تقرأ قصة سيدنا يوسف عليه السلام لا تجد ~~ذكرا لفرعون أبدا كما في قصة سيدنا موسى، ولما عرفنا أحداث التاريخ ~~المتعاقبة واستطعنا أن نرجع الأحداث إلى أزمانها عرفنا أن يوسف كان في ~~فترة ملوك الرعاة الهكسوس، وهؤلاء بعد أن دخلوا مصر قضوا على حكم ~~الفراعنة وألغوا الفرعونية وجعلوا أنفسهم ملوكا، لذلك يقول في القصة # وقال الملك # [يوسف: 43] ولم يقل فرعون. ولما عادت الفرعونية مرة أخرى أخذوا ~~يضطهدون بني إسرائيل لأنهم كانوا يناصرون الملك ويؤيدونه. قوله { ~~بالبينات } [غافر: 34] أي: الآيات الواضحات الدالة على صدقه في ~~البلاغ عن الله { فما زلتم في شك مما جآءكم به } ~~[غافر: 34] أي: تشكون في صدق رسالته { حتى إذا هلك } [غافر: ~~34] يعني: مات { قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } ~~[غافر: 34] قالوا: ذلك لأنهم ينكرون الرسالة، فهم في أنفسهم منافقون { ~~كذلك يضل الله من هو مسرف } [غافر: 34] يعني: متجاوز ~~للحد { مرتاب } [غافر: 34] شاك في الرسالة مكذب لها. ### || [40.35] # وهل هناك جدل في الله وله سلطان يؤيد؟ قالوا: نعم الجدل المقصود جدل في ~~الله. يعني: في أمر الله للإثبات، وجدل من المقابل لنفيه. وقلنا: إن ~~الآيات تأتي على معان ثلاثة: آيات كونية تدل على طلاقة قدرة الخالق ~~سبحانه، وآيات لإثبات صدق الرسل في البلاغ عن الله وهي المعجزات وآيات ~~القرآن التي تحمل الأحكام. ففي أي هذه الأنواع كانوا يجادلون؟ أولا: ~~جادلوا في آيات المعجزات وقالوا عنها سحر، والرد على هذا الادعاء سهل، إذ ~~نقول لهم: الذي سحر الناس فآمنوا به، لماذا لم يسحركم أنتم أيضا لتؤمنوا ~~به وعندها تنتهي المسألة؟ كذلك جادلوا في آيات الأحكام، لماذا؟ لأن ms8851 كل ~~حكم ينزله الله على عباده يمنع طغيان جيل في جيل أو فرد في فرد، وهذا ~~ينافي مصلحة أهل التسلط والكبرياء في الأرض # تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين # [القصص: 83]. أما الآيات الكونية التي تثبت قدرة الخالق سبحانه كالشمس ~~والقمر والنجوم وغيرها فليست مجالا للجدل لذلك لم يجادلوا فيها. ومعنى { ~~كبر مقتا } [غافر: 35] أي: أن هذا الجدل في آيات الله بغير حق ~~جدل ممقوت يبغضه الله بغضا كبيرا، ويبغضه الذين آمنوا الذين يحرصون ~~على دين الله وتقوية دواعي الإيمان به في النفوس. { كذلك يطبع ~~الله على كل قلب متكبر جبار } [غافر: 35] معنى { ~~يطبع } أي: يختم على قلبه. والمتكبر: هو الذي يفتعل الكبر ويدعيه ~~وليس عنده مبرراته، فهو يتكبر بلا رصيد عنده للكبر. لذلك ورد الحديث ~~القدسي الذي يوضح هذه المسألة، ويقسم المجتمع الإيماني إلى اثني عشر ~~قسما، ست منها في المحبوبية: منها ثلاثة للمحبوبية العليا، وثلاثة ~~للمحبوبية الأقل. وست أيضا للمبغضين منها ثلاثة للمبغضين، وثلاثة ~~للمبغضين أقل، فانظر في أيها يكون المتكبر. قال تعالى في الحديث ~~القدسي: # " أحب ثلاثا وحبي لثلاث أشد: أحب الفقير المتواضع وحبي للغني المتواضع ~~أشد، وأحب الشيخ الطائع وحبي للشاب الطائع أشد، وأحب الغني الكريم وحبي ~~للفقير الكريم أشد، وأبغض ثلاثا وبغضي لثلاث اشد: أبغض الغني المتكبر ~~وبغضي للفقير المتكبر أشد، وأبغض الشاب العاصي وبغضي للشيخ العاصي أشد، ~~وأبغض الفقير البخيل وبغضي للغني البخيل أشد ". # ففي ضوء هذا الحديث نتعلم أن المجتمع الإيماني ينبغي أن يكون غنيه ~~متواضعا، وفقيره كريما، وشبابه طائعا. هذه صورة أرقى المجتمعات ~~وأعلاها يأتي بعده في المرتبة مجتمع: فقيره متواضع، وغنيه كريم، وشيخه ~~طائع. إذن: قلنا إن المتكبر من يتكبر وليس عنده مبررات الكبر، فماذا ~~لو كان عنده مبررات الكبر؟ نقول: إن كان عنده مبررات الكبر فإنه ينقصه ~~أنه يتكبر بشيء غير ذاتي فيه ومن الممكن أن يسلب منه، كمن يتكبر ~~بعافيته فقد يسلبها الله منه لأنها عرض زائل عنك، ثم إن المتكبر حينما ms8852 ~~يرى من هو أكبر منه يتضاءل في كبريائه، ولو أنه رأى ببصيرته كبرياء ربه ~~لما تكبر. ### || [40.36-37] # يأمر فرعون وزيره ومعاونه هامان أن يبني له بناء شامخا يصعد عليه، ~~لعله يرى هذا الإله الذي يدعو موسى إلى عبادته، كأن الصرح سيوصله ~~لرؤية الإله، والله الإله الذي تراه من صرح لا يصح أن يكون إلها { ~~وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن ~~السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب } [غافر: 37] ~~أي: ضلال وخسران، فلن يظل كذلك، ولكن سيعلو ويعلو إلى أن يفضح الله ~~أمره يوم الغرق. ### || [40.38-39] # هذا قول الرجل المؤمن من آل فرعون يعظ قومه وكأنه نبي، فإن قلت: ~~وماذا أسكته عن فرعون حتى وصل بضلاله إلى أن يدعي الألوهية؟ قالوا: ~~هذه من ضمن قولنا إن للحق صولة لكن لها وقتها المناسب، وساعة ينطق ~~الحق على لسان هذا المؤمن فكأن الحق سبحانه هو الذي يتكلم، لذلك لم ~~يعارضه أحد لأن وارد الرحمن لا يعارض إنما يعارض وارد البشر. لذلك ~~لما قال الحق سبحانه: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني # [القصص: 7] لم تعارض هذا الرأي، ومن يقول للمرأة: إن خافت على وليدها ~~ألقيه في اليم؟ والله لو قالها أحد غير الحق سبحانه لعورضت لكن قبلتها ~~أم موسى ولم تعترض، لأن وارد الرحمن لا يعارض ولا يناقش، وإلا لكان ~~لها أن تقول: أأنجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟ إذن: لا عجب أن ~~يقول الرجل المؤمن هذا الكلام على مرأى ومسمع من فرعون، ومع ذلك لم ~~يعارضه. { يقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع ~~وإن الآخرة هي دار القرار } [غافر: 39] هذه تلفتنا إلى ~~أن الإنسان في أحداث الحياة معه لابد له أن يخدم غاية، ويشترط في ~~الغاية التي تخدم ألا يكون بعدها غاية أخرى، فإن كان بعدها غاية أخرى ~~فليست بغاية، بل هي مرحلة موصلة للغاية، مثل الولد تعلمه ليأخذ ~~الإعدادية مثلا، فهل الإعدادية غاية؟ لا إنما هي مرحلة موصلة إلى ~~مرحلة أخرى ms8853 هي الثانوية، كذلك الثانوية مرحلة موصلة إلى ما بعدها. ~~فالشيء ما دام له بعد فليس بغاية، الغاية هي التي ليس لها بعد، لذلك ~~يقول لهم الرجل المؤمن: إن الدنيا كلها بما فيها متاع مجرد متاع ليست ~~غاية، إنما الغاية الحقيقية هي الآخرة. والنظرة المتأملة ترى أن الإنسان ~~له عمر مظنون في الكون غير محدد أبهمه الله، وجاء هذا الإبهام عين ~~البيان وأرفع درجاته، لأنه سبحانه حين أبهمه في الزمان وفي المكان جعلنا ~~نتوقعه وننتظره في كل لحظة وفي أي مكان، لذلك قالوا: الموت سهم أرسل ~~إليك وهو في الطريق إليك بالفعل وعمرك بقدر سفره إليك. وحين تتأمل الكون ~~من حولك تجد الخالق سبحانه خلق لك كونا منسجما يخدمك، شمس وقمر ونجوم ~~وهواء وماء ونبات.. إلخ فانظر يا من خلقت له هذه الأكوان كيف تفنى ~~أنت وتبقى هي، تموت أنت والشمس كما هي والقمر والنجوم والهواء والماء، لم ~~يتغير في كون الله شيء، حتى الماء الذي نظنه ينقص هو في الكون كما هو منذ ~~خلقه الله لا يزيد ولا ينقص. فالماء الذي أخذته من الكون في حياتك خرج ~~منك مرة أخرى في صورة عرق وفضلات، حتى النسبة التي تبقى فينا بعد الموت ~~تخرج وتمتصها الأرض، كذلك الماء في الوردة مثلا وفي كل الكائنات، إذن: ~~فالكون كله كذلك عبارة عن تغيرات في متحد. # لكن أيعقل أن يكون الخادم أطول عمرا من المخدوم، أموت وتبقى الشمس ~~التي تخدمني والتي خلقت من أجلي؟ نعم لتعلم أن خادمك أطول عمرا منك ~~في الدنيا مع أنك المكرم المخدوم، إذن: لا بد أن لي عمرا آخر يناسب ~~هذا التكريم، عمرا يبقى بعد فناء هذه المخلوقات حيث تنتهي الشمس والقمر ~~والنجوم.. وأبقى أنا، وهذا لا يكون إلا في الآخرة # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت وبرزوا ~~لله الواحد القهار # [إبراهيم: 48]. ولا بد للمؤمن أن يقول بهذا اليوم، وأن يؤمن به ليكون ~~هو المكرم حقا وهو الأطول عمرا. حتى الموت نفسه يموت وتبقى أنت في ~~الآخرة خالدا لا تفوتك ms8854 النعمة ولا يدركك الموت. لذلك يريد منا الحق ~~سبحانه أن ننظر إلى هذه الغاية، لا أن ننظر تحت أقدامنا، ونعيش فقط للحظة ~~التي نحن فيها، فالغاية الحقيقية لكل مؤمن هي الآخرة لأنها ليس لها بعد # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64] والحيوان مبالغة من الحياة. أي: الحياة الحقيقية. وهنا ~~يقول الرجل المؤمن: { يقوم إنما هذه الحياة الدنيا ~~متاع وإن الآخرة هي دار القرار } [غافر: 39] أي: ~~المستقر التي لا عدول عنها، ولا سكنى غيرها، ولا بد أن نعمل لها. ### || [40.40] # نعم ما دامت الآخرة هي دار القرار والمستقر فلابد من الرجوع إلي ~~والوقوف بين يدي أجازي كلا بعمله، وأنا لست جبارا عليكم إنما أنا ~~رحيم بكم أجازي السيئة بمثلها، أو أغفر وأضاعف الحسنة أضعافا كثيرة. ~~والوقفة هنا عند قوله تعالى: { وهو مؤمن } [غافر: 40] فهذا الشرط ~~لا يمنع غير المؤمنين من فعل الخير والعمل الصالح، وقد بين الحق سبحانه ~~هذه المسألة في قوله تعالى: # من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن ~~كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ~~الآخرة من نصيب # [الشورى: 20]. والكافر حين يفعل الخير يأخذ حظه منه في الدنيا، لا نصيب ~~له في ثواب الآخرة، يأخذه في الدنيا شهرة وصيتا وسمعة طيبة على ألسنة ~~الناس، يأخذه في صورة تكريم واحتفال، ألا تراهم يقيمون لهم التماثيل ~~ويخلدون ذكراهم.. إلخ. إذن: أخذوا حظهم في الدنيا، لذلك يقول تعالى: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. تأمل # ووجد الله عنده.. # [النور: 39] يعني: فوجئ به لأنه لم يكن في باله في الدنيا وما عمل من ~~أجله قط، ومعلوم أن الإنسان يأخذ أجره ممن عمل له. وقد سئلنا في ~~هذه المسألة في سان فرانسيسكو: أيضيع أجر الكافر الذي عمل الخير في ~~الدنيا؟ قلت: أعمل للخير لله أم للإنسانية ورقيها؟ قالوا: عمل ~~للإنسانية ورقيها وخدمتها، قلت: فليأخذ أجره منها وقد أخذه شهرا ms8855 ~~وصيتا وتخليدا، قال تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. لذلك نقول: إن الكافرين الذين عملوا لرقي المجتمع وتقدمه ~~نحن ننتفع بأعمالهم ومخترعاتهم ومكتشفاتهم، بل ونطوعها لخدمة الإيمان ~~والدعوة إلى الله، فهذا المسجل وهذا الميكرفون وغيرها ثمرة جهدهم، لكن ~~لا حظ لهم في ثوابه، لذلك نقول: إن هؤلاء خدام حرف واحد من حروف ~~القرآن، ما هو؟ هو السين في قوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق # [فصلت: 53]. فهم يتعبون ويعيشون حياة قاسية في تقشف ليتفرغوا للبحث ~~والدراسة للوصول إلى سر من أسرار الله في كونه، وفي النهاية ينتفع ~~الناس بأعمالهم، ويحرمون هم ثواب هذا العمل. وقوله: { فأولئك ~~يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب } [غافر: ~~40] الرزق كل ما ينتفع به الإنسان، وليس مجرد المال كما يظن البعض، ~~فالعافية رزق، والسلامة رزق، والعلم رزق، والحلم رزق، كل ما تنتفع به ~~رزق لك { بغير حساب } [غافر: 40] كلمة حساب تعني: أنك تحسب للشيء ~~حسابا على قدره. أما في الآخرة فالرزق فيها بغير حساب، أي: بغير حساب من ~~أحد لأن المعطي الرازق هو الله، والله حين يعطيك لا يعطيك على قدر عملك، ~~إنما يعطيك على قدره هو سبحانه. # وحين يأتيك الخير غير المظنون تقول: لم أكن أعمل له حسابا، فمعنى { ~~بغير حساب } [غافر: 40] يعني: طلاقة قدرة في العطاء، قدرة تعطى ~~للمعطي بلا حساب مسبب منه، وبلا حساب على قدرك، فالمسألة إذن واسعة. ~~قالوا: ومن غير الحساب في الجنة أنك تأكل ولا تتغوط، كيف؟ لأنك تأكل بطهي ~~الله لك، وما دمت تأكل بطهي الله الخالق فلا بد أن يعطيك الغذاء على ~~قدر مقومات الحياة دون زيادة، فمن أين تأتي الفضلات إذن؟ ولماذا ننكر هذه ~~المسألة أو حتى نتعجب منها ونحن نراها في الدنيا رغم إمكاناتنا المحدودة؟ ~~ألا تراهم في الحروب مثلا يعطون الجنود حبوبا خاصة تحل محل الغذاء ~~تعطيهم الطاقة اللازمة دون زيادة، ولا تترك في الجسم فضلات للتغوط؟ فإذا ~~كان المخلوق فعل هذا فما بالك بالخالق سبحانه؟ وقد تأكل في الجنة بغير ms8856 ~~حاجة للطعام، تأكل لمجرد التمتع بالأكل، وقد لا تجتاج إلى الطعام أصلا ~~لذلك قالوا: أفضل درجات الجنة وأحسن نعيمها في عليين لأنها مرتبة ليس ~~فيها شيء من متع الحياة إلا أن ترى ربك عز وجل وكفى بها نعمة، فأنت في ~~حضرته تعالى لا تحتاج أصلا إلى هذه المتع. لذلك لما ذهب الشعبي إلى ~~ملك الروم وسأله الملك: أنتم تدعون أنكم في الجنة تأكلون ولا تتغوطون، ~~فكيف ذلك؟ قال: وما العجب في ذلك؟ ألم تر إلى الطفل في بطن أمه كيف ~~يتغذى وينمو، فهل يتغوط في بطنها، إنه لا يتغوط ولو تغوط لاحترق في ~~مشيمته، كذلك المؤمن في الجنة. فقال الملك: وتدعون أنكم تأكلون من ~~الطعام في الجنة فلا ينقص، وكل شيء تأخذ منه لا بد أن ينقص. قال: نعم ~~ينقص إذا لم يكن له مدد يكمل نقصه، هات لي شمعة فأتى له بشمعة فأشعلها ~~ثم قال للموجودين في المجلس: ليأت كل واحد منكم بشمعة ويشعلها من هذه ~~فأشعلوا جميعا شموعهم، فقال لهم: أنقص من ضوء الشمعة شيء؟ كذلك عطاء ~~الله لأهل الجنة لا ينفذ ولا ينقص. ومن عجائب الجنة أن فيها أنهارا، ~~نهرا من لبن، ونهرا من عسل، ونهرا من خمر، ونهرا من ماء، وهذه ~~الأنهار ليس لها شطوط ولا حواجز، بل هي متداخلة ومع ذلك لا تختلط، ويجب ~~أن نؤمن بذلك ولا ننكره، بل لا نعجب له لأن رسول الله أخبرنا # " أن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " # فلم العجب إذن؟ لذلك حين يصفها لنا الحق سبحانه يخبرنا أنه لا يصف ~~لنا الجنة ذاتها، إنما يعطينا مثالا لها، فيقول سبحانه: # مثل الجنة التي وعد المتقون.. # [محمد: 15]. ثم إن الحق سبحانه حينما يعطينا هذا المثل للجنة ليقربها ~~لأفهامنا لا بد أن ينقي هذا المثل من شوائبه عندنا في الدنيا، تأمل: { ~~مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من ~~مآء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين ms8857 وأنهار ~~من عسل مصفى } [محمد: 15]. # فماء الجنة غير آسن لا يتغير كماء الدنيا، ولبن الجنة لا يتغير طعمه ~~كما يتغير لبن الدنيا، وخمر الآخرة لذة ولا يذهب بالعقل، أما خمر الدنيا ~~فكرية ويذهب بالعقل، وعسل الآخرة مصفى من الشوائب على خلاف عسل ~~الدنيا. ثم يقول مؤمن آل فرعون، فيما يذكره لنا الحق سبحانه في قرآنه: { ~~ويقوم ما لي أدعوكم إلى النجاة... }. ### || [40.41-42] # هذا كلام الرجل المؤمن من آل فرعون، كأنه كلام الأنبياء، وإني حتى الآن ~~لم أهتد إلى سبب يقنعني كيف سكت فرعون على هذا الكلام، ولا أستطيع إلا ~~أن أقول: إن الله سبحانه قادر على أن يجمع بين الشيء ونقيضه، فالمؤمن ~~يجهر بهذا الكلام الإيماني لكن الحق سبحانه يدخله في أذن فرعون غير ذلك، ~~وإلا لما سكت عنه وتركه يتكلم بهذا المنطق الإيماني الذي يهدم ألوهية ~~فرعون المدعاة، أو كما قلنا أن وارد الرحمن لا يعارض. وقوله: { ما ~~لي } [غافر: 41] يستفهم عن شيء في نفسه: كيف أدعوكم إلى النجاة وأنتم ~~تدعونني إلى النار؟ أي: إلى ما يؤدي إلى النجاة وما يؤدي إلى النار، ~~قالوا: لأن الخير لا يكون خيرا إلا إذا أحببته لسواك، لذلك قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ". # ثم يوضح معنى { أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى ~~النار } [غافر: 41] فيقول: { تدعونني لأكفر بالله ~~وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى ~~العزيز الغفار } [غافر: 42] فأنتم تحثونني على الكفر بالله ~~والشرك به، وأنا أحثكم على الإيمان به. ### || [40.43] # كلمة لا جرم أي: لا شك ولا محالة { أنما تدعونني إليه ~~} [غافر: 43] أي: إلى عبادته من دون الله { ليس له دعوة } ~~[غافر: 43] أي: دعوة مستجابة لأنهم لا يسمعون الدعاء ولو سمعوا ما ~~استجابوا { وأن مردنآ } [غافر: 43] أي: مرجعنا ومصيرنا ونهاية ~~المطاف بنا { إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب ~~النار } [غافر: 43] أي: المستحقون لها الجديرون بها كأنهم أصحابها. ~~ومعنى { المسرفين } [غافر: 43] أي: المتجاوزين للحد في الكفر ~~والطغيان، وأشدهم المسرف على نفسه الذي ms8858 تجاوز الحد الذي ينبغي أن يقف ~~عنده، وهذا الحد إما أن يكون في المأمورات أو في المنهيات. والحق ~~سبحانه يوضح لنا هذه القضية في قوله تعالى: # تلك حدود الله فلا تعتدوها # [البقرة: 229] أي: في المأمورات، ويقول في المنهيات: # تلك حدود الله فلا تقربوها # [البقرة: 187]. ففي الأوامر احرص على ألا تتعداها وفي النواهي لا ~~يقول لك: لا تفعلها بل لا تقربها، لا تقترب منها ولا من الأسباب المؤدية ~~إليها لأنه من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ولا بد للمؤمن أن ~~يحترم هذا الاحتياط من ربه، لأنه سبحانه خالقه، وأعلم به من نفسه. والرجل ~~المؤمن حينما يذيل موعظته للقوم بقوله { وأن المسرفين هم ~~أصحاب النار } [غافر: 43] كأنه يريد أن يعرض بفرعون الذي بلغ ~~القمة في الإسراف على نفسه، لأن قضية الإسراف في الدين أنك قد لا تسمع ~~لنداء الحق وتلغي أوامره وتعرض عن نواهيه، قد تلغي الإيمان بالله كلية، ~~لكن هذا الطاغية زاد على هذا كله حيث ادعى هو الألوهية، وقال لقومه: # فقال أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] وأي إسراف بعد هذا؟ ### || [40.44] # قوله { فستذكرون مآ أقول لكم } [غافر: 44] يعني: إن ~~كنتم تكذبونني الآن وأنا أريد أن أخرجكم مما تعودتم عليه من عبوديتكم ~~لفرعون فسوف تذكرون ما أقوله لكم من النصح والمراد تذكرونه في الدنيا أو ~~تذكرونه في الآخرة { وأفوض أمري إلى الله } [غافر: 44] ~~أي: أرد أمري إليه سبحانه فهو وليي. وكأنه استشعر أن هذا الكلام الذي ~~قاله سيغضب فرعون، ولا بد أنه سيبيت له لينتقم منه دون مجابهة أو ~~مواجهة حتى لا يؤلب عليه القوم، فقال { وأفوض أمري إلى ~~الله } [غافر: 44]؟ يعني: إن كنت قد بليت بأمر نتيجة ما أفضت فيه ~~من شرح منهج الله والدفاع عن نبيه موسى والاستماع إلى المنهج الحق والسير ~~عليه، فأرجو أن يعطيني من العمل ما ينفعني في الآخرة { إن الله ~~بصير بالعباد } [غافر: 44] فكانت نتيجة تفويض أمره لله: { ~~فوقاه الله سيئات ما مكروا... }. ### || [40.45-46] # قوله تعالى: { فوقاه الله سيئات ما مكروا } [غافر: 45] ~~يعني: لم ms8859 يحدث له مكروه، وهذا أمر يدعو للعجب، لأن هذا الرجل يقف أمام ~~من؟ أمام فرعون ومع ذلك لم يصبه مكروه ولم تضره محاولات فرعون ~~للانتقام منه. لكن ولم العجب؟ الوقاية من الله { فوقاه الله ~~سيئات ما مكروا } [غافر: 45] لأن الفعل لا يترك لذاته ولا ~~يؤخذ لذاته، إنما الفعل بمقارنة فاعله، لا بد من مصاحبة الفعل للفاعل، ~~فالفعل قد يكون واحدا لكن يختلف الحكم فيه سعادة به أو شقاء بالنظر ~~إلى الفاعل. قلنا: هب أن ولدك دخل عليك والدم يسيل من وجهه، ما أول ~~سؤال تبادره به؟ من فعل بك هذا؟ إذن: فأنت لم تنشغل بالدم الذي يسيل ~~منه بقدر انشغالك بمن فعل هذا. فلو قال لك: عمي فلان ضربني تهدأ وتقول ~~له: لا بد أنك فعلت شيئا يستحق العقاب فضربك، لكن إن قال لك: ابن ~~فلان ضربني تقول: نعم لأنه يكرهنا وكذا وكذا. وتقيم الدنيا ولا تقعدها. ~~إذن: فكل فعل لا يحكم عليه لذاته إنما بضميمة فاعله، ومعرفتك للفاعل هي ~~التي يترتب عليها رد الفعل منك. وهذه المسألة حلت لنا الإشكال في ~~قضية الإسراء والمعراج، وفسرت لنا قوله تعالى: # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا # [الإسراء: 1] فما دام أن الذي أسرى هو الله فلا عجب إذن، فالفعل يتناسب ~~وفاعله، ونزه الله عن الزمان والمكان وعن كل ما يشبه الخلق. ولو قال: ~~محمد سرى لكان لنا كلام وجدال، أما وقد أسرى الله به فلا عجب في ~~ذلك. كما لو قلت: صعدت بابني الرضيع قمة الهملايا، أيقول قائل: كيف صعد ~~الرضيع قمة الهملايا؟ كذلك الحال هنا، وحين تكون الوقاية من الله فأي ~~قوة إذن وأي طاغية أو جبار يستطيع أن يؤذيك، والله واقيك منه. وقد ~~جاءت هذه الوقاية إجابة وردا لتفويض الأمر لله تعالى، فالرجل المؤمن ~~قال: { وأفوض أمري إلى الله } [غافر: 44] فجاء الرد فورا ~~{ فوقاه الله سيئات ما مكروا } [غافر: 45]. وهذه الآية ~~وقف عندها الإمام جعفر الصادق واستنبط منها بعض اللطائف والحكم حين قال: ~~عجبت لمن ms8860 خاف ولم يفزع إلى قوله تعالى: # حسبنا الله ونعم الوكيل # [آل عمران: 173] لأني سمعت الله بعقبها يقول: # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء.. # [آل عمران: 174]. وعجبت لمن مكر به ولم يفزع إلى قوله تعالى: { ~~وأفوض أمري إلى الله } [غافر: 44] فإني سمعت الله ~~بعقبها يقول: { فوقاه الله سيئات ما مكروا } [غافر: ~~45]. وعجبت لمن طلب الدنيا وزينتها ولم يفزع إلى قوله تعالى: # ما شآء الله لا قوة إلا بالله # [الكهف: 39] فإني سمعت الله بعقبها يقول: # فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك # [الكهف: 40]. وعجبت لمن اغتم - والاغتمام انقباض الصدر وضيق ~~النفس دون أن تعرف له سببا - ولم يفزع إلى قوله تعالى: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87] فإني سمعت الله بعقبها يقول: # فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي ~~المؤمنين # [الأنبياء: 88] يعني: ليست خاصة به وحده. هذه من دقائق كتاب الله ~~ولطائفه، ومن أخذها وردا له لا يمر به شيء من هذا، ونجاه الله منه ~~ووقاه من الخوف ومن المكر ومن الفقر ومن الغم. ثم إن استجابة الحق ~~سبحانه لعبده المؤمن لم تقف عند حد الوقاية من عدوه، إنما تعدت إلى ~~العدو نفسه حيث انقلب الحال ودارت الدائرة عليه تأمل: { فوقاه ~~الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء ~~العذاب } [غافر: 45] أي: نزل بهم وحل بهم سوء العذاب، والمراد ~~عذاب الدنيا قبل الآخرة، لأن الإنسان له في حياته ثلاث مراحل: الحياة ~~الدنيا التي نعيشها الآن، ثم حياة البرزخ بعد أن يموت إلى أن يبعث يوم ~~القيامة، ثم حياته بعد البعث. فقوله: { وحاق بآل فرعون سوء ~~العذاب } [غافر: 45] أي: نزل بهم قبل الحساب وقبل الآخرة، أما قوله: ~~{ النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } [غافر: 46] ~~فالعرض على النار إذن ليس في الآخرة لأنه قال بعدها: { ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } [غافر: ~~46]. عندنا عرض ودخول، العرض على النار قبل دخولها، فهو إما في الدنيا ~~أو في البرزخ، وما داموا ms8861 لم يعرضوا على النار في الدنيا فلم يبق إلا ~~حياة البرزخ يعرضون فيها على النار إلى قيام الساعة، وهذا ما نسميه ~~عذاب القبر، ثم يأتي دخولهم النار بعد البعث والحساب. وهكذا جمع الله ~~على المسرفين عذابا في الدنيا، وعذابا في البرزخ، وعذابا أشد وأنكى ~~في الآخرة. وكلمة { أشد العذاب } [غافر: 46] تثبت أيضا عذاب ~~القبر، ففيه عذاب شديد لكن عذاب الآخرة أشد، عافانا الله وإياكم من ~~العذاب. ### || [40.47-48] # معنى: { يتحآجون } [غافر: 47] أي: يحاج بعضهم بعضا في النار، ~~ويلقي كل منهم التبعة على الآخر، يقول الضعفاء أي: الأتباع { ~~للذين استكبروا } [غافر: 47] أي: الزعماء والرؤساء { إنا ~~كنا لكم تبعا } [غافر: 47] يعني: تابعين لكم نفعل كما تفعلون، ~~كنا نسير خلفكم ونقتدي بكم { فهل أنتم مغنون عنا نصيبا ~~من النار } [غافر: 47] يعني: هل أنتم مدافعون عنا أو دافعون عنا ~~عذاب النار، أو هل تحملون عنا ذنوبنا؟ والقرآن يعطينا صورا عدة ~~للمحاجة وللجدال يوم القيامة، نقاش بين المؤمنين والكافرين، بين ~~الأقوياء المتبوعين والضعفاء التابعين، قال تعالى: # هأنتم هؤلاء جدلتم عنهم في الحيوة ~~الدنيا فمن يجدل الله عنهم يوم القيمة أم ~~من يكون عليهم وكيلا # [النساء: 109]. ثم يرد المتبوعون: { قال الذين استكبروا ~~إنا كل فيهآ إن الله قد حكم بين العباد } ~~[غافر: 48] وما دام الله قد حكم بين العباد فقد قضي الأمر، ولا راد ~~لقضاء الله، ولا ناقض لحكمه، وكيف يدافعون عنهم وقد سبقوهم إلى النار، ~~اقرأ قوله تعالى في موضع آخر: # ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا # [مريم: 69]. وقال عن فرعون: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ~~وبئس الورد المورود # [هود: 98]. # يقدم قومه # [هود: 98] يعني: يتقدمهم ويسبقهم إلى النار حتى يقطع عنهم الأمل في ~~النجاة، ولو تقدموا هم لقالوا: سيأتي زعيمنا ويخلصنا مما نحن فيه، ~~فكيف وقد سبقهم إليها، ففي هذا تيئيس لهم وقطع لآمالهم. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { وقال الذين في النار لخزنة جهنم... }. ### || [40.49-50] # نفهم من قوله تعالى على لسان أهل النار: { ادعوا ربكم يخفف ~~عنا يوما من العذاب } [غافر: ms8862 49] كأنهم أقروا بأنفسهم أنهم ~~ليسوا أهلا لأن ينادوا الله أو يدعوه. لذلك نادوا الملائكة، فرد ~~الملائكة عليهم: { أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات ~~} [غافر: 50] أي: بالحجج والبراهين الدالة على صدق الرسل { قالوا ~~بلى } [غافر: 50] أي: جاءتنا الرسل بالبينات، فأقروا على أنفسهم. { ~~قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال } ~~[غافر: 50] أي: دعاؤهم هباء لا يجدي ولا ينفعهم - ولا يخفى ما في ~~الآية من التبكيت والتقريع للكافرين والاستهزاء بهم. ### || [40.51-52] # هذا وعد منه سبحانه أن ينصر رسله وأن ينصر الذين آمنوا، كما قال ~~سبحانه: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173] لذلك قلنا: إذا رأيت قوما نسبوا إلى الإسلام ~~وانهزموا، فاعلم أنه قد اختلت فيهم شروط النصرة، وما داموا قد اختلت ~~فيهم شروط النصرة فلا بد أن يلقوا جزاء ذلك في الدنيا، لأنها سنة لله ~~لا تتبدل. قوله تعالى: { إنا لننصر رسلنا والذين ~~آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد } ~~[غافر: 51] جاءت بعد أن قام الرجل المؤمن من آل فرعون يؤيد موسى عليه ~~السلام، ويدعو بدعوته، ويجهر بمنطق الحق أمام فرعون، والمعنى: إنا ~~لننصر رسلنا بأي وسيلة من الوسائل، لأن الله تعالى ما كان ليرسل رسولا ~~بمنهج جديد يهدي به الضالين ثم يسلمه. لكن الحق سبحانه قد يترك أمر ~~الدعوة في أولها تضطهد وتعاند من الخلق ليمحص أهل الدعوة وحتى لا يثبت ~~من حملتها إلا الأقوياء الصناديد، لأنهم هم الذين سيحملون هذه المهمة على ~~أكتافهم يسيحون بها في الكون كله، فلا غرابة أن يمحصوا، وأن يختبر ~~إيمانهم ومدى ثباتهم على المبدأ. رأينا هذا في المؤمنين الأوائل الذين ~~حملوا راية الإسلام مع رسول الله، فهاجروا إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، ~~قال تعالى: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2]. أبدا، والفتنة معناها عرض الناس على محن وشدائد لا ~~يثبت أمامها إلا أقوياء العقيدة الواثقون في الله وفي نصرة الحق، ~~والمؤمن الحق هو الذي يرى أن ما بشر به من الوعد والوعيد في ms8863 الآخرة أمر ~~واضح لا شك فيه، لأن الإنسان دائما لا يخدع نفسه وإن خدع الآخرين. # " لذلك لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدنا حذيفة: " كيف أصبحت ~~يا حذيفة "؟ قال: أصبحت بالله مؤمنا حقا. ولما كانت كلمة حقا هنا ~~كلمة كبيرة المعنى سأله رسول الله: " وما حقيقة إيمانك "؟ قال: عزفت ~~نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ومدرها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في ~~الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون، فقال له: " عرفت ~~فالزم ". # ومعنى { في الحياة الدنيا } [غافر: 51] أي: ينصرهم في الدنيا ~~بأن يغلب حقهم على باطل خصومهم، لذلك قال سبحانه: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77] إذن: فهناك نصرة في الدنيا ونصرة في الآخرة. ثم يبين ~~سبحانه أن ما يحدث في الآخرة عليه شهود متعددون يشهدون عليكم في الآخرة { ~~ويوم يقوم الأشهاد } [غافر: 51] والأشهاد جمع شهود، فالشهود ~~يومئذ كثيرون، تشهد الرسل والأنبياء: # يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم ~~قالوا لا علم لنآ إنك أنت علام الغيوب # [المائدة: 109]. والمؤمنون يشهدون أنهم بلغوا من بعدهم: # هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا ~~شهدآء على الناس.. # [الحج: 78] وتشهد الأبعاض والأعضاء على صاحبها. وكذلك يشهد علينا ~~الحفظة، ويشهد الشهداء الذين قاتلوا فقتلوا، لأن الإنسان قد يدلس في ~~حياته الدنيا لينعم عيشه لكنه لا يخدع نفسه أبدا بعد أن يموت، فهو حريص ~~أن يذهب به الموت إلى خير مما ترك، ولذلك يجازيه الله. فلو تطوع إنسان ~~لكي يجاهد في سبيل الله وهو يعلم أنه سيموت في سبيل الله يقول الله له: ~~أنت مت في الدنيا من أجلي فلا بد أن تكون حيا عندي لذلك قلنا في ~~فلسفة الشهادة لما تكلمنا عن سيدنا حمزة أن الشهادة جعلت لك من الموت ~~عصمة، كيف؟ لأنك حين تختار الموت على الحياة وتستشهد تصير حيا عند الله، ~~فوصلت حياتك الأولى بحياتك عند الله بحياة البعث، فكأنك لم تمت. # أحمزة عم المصطفى أنت سيد # على شهداء الأرض أجمعهم طرا # وحسبك من تلك الشهادة ms8864 عصمة # من الموت في وصل الحياتين بالأخرى # فمن ضحى بحياته لله فكأنه قدمها تحية لربه وإعلاء لمنهجه، ~~فبماذا يحييك الله، يحييك بأن يعصمك بعدها من الموت. ثم يقول سبحانه: { ~~يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم } [غافر: 52] يعني: إن ~~اعتذروا لا يقبل منهم عذر، وفي موضع آخر قال: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36] كأنها مواقف متعددة، مرة يعتذرون حين قالوا: # ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا ~~نعمل # [فاطر: 37] ومرة لا يؤذن لهم في الاعتذار { ولهم اللعنة ~~ولهم سوء الدار } [غافر: 52]. بعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن ~~موكب رسالة سيدنا موسى عليه السلام. ### || [40.53-54] # الهدى يعني: الدلالة على الطريق الموصلة إلى الغاية النافعة، كما ~~قال تعالى في أول البقرة: # أولئك على هدى من ربهم # [البقرة: 5] فالدين لم يأت ليكلفكم أو يشق عليكم، إنما جاء الدين ~~رحمة بكم وليكون مركب النجاة والهداية الذي تركبونه فيحملكم ويوصلكم ~~إلى الغاية النافعة لكم { وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ~~} [غافر: 53] أي: التوراة والإنجيل والزبور. كل هذه الكتب { هدى ~~وذكرى لأولي الألباب } [غافر: 54] معنى ذكرى أي: تذكرة ~~لأن الإنسان إذا استمر على طبيعته الأصيلة بدون تأثر بعوامل الفساد تظل ~~مناعة العهد القديم # ألست بربكم # [الأعراف: 172] موجودة عنده تحميه، لكنه قد ينسى هذا العهد وينحرف عن ~~الجادة، والإنسان من طبيعته النسيان لذلك تأتي الرسل للتذكرة بهذا العهد ~~الأول. ومعنى { الألباب } [غافر: 54] أي: العقول المفكرة المتأملة. ### || [40.55] # كلمة { فاصبر } [غافر: 55] دليل على أنه صلى الله عليه وسلم خوطب ~~بها في مواطن شدة، هذه المواطن قال الله فيها: # وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب # [البقرة: 214]. وقوله: { إن وعد الله حق } [غافر: 55] الوعد ~~هو: الإخبار بالخير قبل أوانه، ووعد الله حق. يعني: متحقق لأن الوعد أن ~~تعد إنسانا وتبشره بالخير والنعيم والسعادة، فهل تقدر وتضمن أن ~~تفي بوعدك؟ لا فربما تموت قبل أن يأتي أوانه، أو تضعف قدرتك التي تفعل ~~بها فلا تستطيع، أما إذا جاء الوعد من القيوم القادر الذي لا يعارض، ~~وهو ms8865 سبحانه باق لا يزول، فهو إذن وعد حق لا بد أن يتحقق. لذلك ~~يعلمنا الحق سبحانه ألا نجزم بوعد، ولا تقوله بصورة القطع لأنك من ~~الأغيار، يقول تعالى: # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23-24]. فتعليق الوفاء على المشيئة يعفيك من الاتهام بالكذب لو ~~لم تفعل فلو قلت أفعل كذا وكذا غدا، هل تملك أسباب الوفاء؟ هل تملك ~~الزمن أو تضمن القوة الفاعلة؟ أبدا لا تضمن بقاء شيء من هذه الأسباب، ~~إذن فقل: إن شاء الله ونزه نفسك عن الكذب لو لم تفعل. وقوله: { ~~واستغفر لذنبك } [غافر: 55] يعني: اطلب المغفرة، وكلمة { ~~لذنبك } [غافر: 55] هل تعني أن الرسول فعل ذنبا؟ قالوا: رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بشر يوحى إليه، وله رأي ببشريته في الأمور التي لم ~~يأت فيها حكم من الله، حتى إن كان رأيه صوابا فرأى الحق سبحانه أصوب. ~~لذلك يصوب له ربه { واستغفر لذنبك } [غافر: 55] فمن أي شيء ~~يستغفر رسول الله؟ يستغفر الله من استبطاء النصر في قوله تعالى: # حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر ~~الله # [البقرة: 214] فالنصر آت، فلم استبطاؤه؟ لذلك وردت في القرآن آيات ~~تثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعل شيئا يعاتب عليه، والحق سبحانه ~~صحح له وصوب له فعله، لكن كيف جاء هذا العتاب؟ تأمل قوله تعالى: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43] فقبل أن يعاتبه قدم العفو عنه. لكن لماذا أذن الرسول ~~لهؤلاء؟ قالوا: إن الذي شغل رسول الله في هذه المسألة أنه قال في نفسه أن ~~الذي يطلب الإذن مني في ألا يقاتل إما صادق العذر فلا مانع من الإذن ~~له، وإما كاذب العذر وهذا لا خير فيه، وعدمه أفضل من وجوده بين الصفوف، ~~كما قال تعالى: # لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا ~~خلالكم يبغونكم الفتنة # [التوبة: 47]. ثم إن هذا العتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: # لم أذنت لهم # [التوبة: 43] لم نعلمه إلا من رسول الله نفسه، ولولا إخباره ms8866 به ما ~~علمناه، فهو صلى الله عليه وسلم لا يستنكف أن يعاتبه ربه، وأن يصوب ~~له اختياره. وقد أوضحنا هذه النقطة في مسألة التبني التي كانت بين سيدنا ~~رسول الله وزيد بن حارثة، وكيف أن الحق سبحانه لما أراد إبطال عادة ~~التبني جعل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وزيد بن حارثة نموذجا لهذا ~~الحكم الجديد. فزيد كان عبدا عند خديجة ووهبته لرسول الله، ولما علم ~~أهله بوجوده بمكة عند رسول الله جاءوا واستأذنوا فيه رسول الله، فما كان ~~من رسول الله إلا أن خيره بين البقاء معه أو الذهاب مع أهله، فاختار ~~زيد البقاء مع رسول الله، فأراد صلى الله عليه وسلم أن يكرم زيدا ~~لموقفه منه وحبه للبقاء في صحبته فتبناه ونسبه إليه، فصار زيد من يومها ~~يعرف بزيد بن محمد. لكن أراد الحق سبحانه أن يبطل هذه العادة، وأن ~~يحرم التبني فأنزل: # ادعوهم لآبآئهم هو أقسط عند الله فإن لم ~~تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم # [الأحزاب: 5]. فمعنى # أقسط عند الله # [الأحزاب: 5] أن ما فعله رسول الله قسط وعدل، لكن حكم الله أقسط وأعدل، ~~فهل هذا التصويب يغضب رسول الله؟ أبدا بدليل أنه صلى الله عليه وسلم هو ~~الذي أخبرنا به ولو كتمه رسول الله ما عرفناه. كذلك في قوله تعالى في ~~أسرى بدر: # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # [الأنفال: 67] لما اختلفوا في أخذ الفداء من الأسرى، وعاتب الله رسوله ~~بهذه الآية، لكن هل تغير الحكم بعد ذلك؟ لا بل ظل كما هو وقال تعالى: # لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيمآ أخذتم ~~عذاب عظيم # [الأنفال: 68]. فكأن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينكر هذه ~~المسألة، خاصة وأن الحكم كما هو لم يتغير، إذن: نحن لم نعلم معتبة الله ~~على رسوله إلا من الرسول نفسه، والمتأمل في عتاب الحق سبحانه لرسوله يجد ~~أنه إما عتاب لمصلحته هو صلى الله عليه وسلم، أو عتاب لأن جانب الصواب ~~الذي حكم به الحق ms8867 سبحانه، كما في هذه المسألة التي ذكرناها. أما العتاب ~~لمصلحته صلى الله عليه وسلم فمثل قوله تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ~~تبتغي مرضات أزواجك # [التحريم: 1] وهذا كما تعاتب ولدك على كثرة سهره في المذاكرة وإجهاده ~~لنفسه، كذلك الحق سبحانه يعاتب رسوله أنه ضيق على نفسه وشق عليها ~~طلبا لمرضاة أزواجه. كذلك عاتبه في مسألة الأعمى فقال: # عبس وتولى * أن جآءه الأعمى * وما يدريك ~~لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه الذكرى * ~~أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما عليك ~~ألا يزكى * وأما من جآءك يسعى * وهو يخشى * ~~فأنت عنه تلهى # [عبس: 1-10]. والعتاب هنا لأنه صلى الله عليه وسلم شق على نفسه حين ~~ترك هذا الأعمى وانصرف عنه لأنه مؤمن، وذهب إلى صناديد الكفر يدعوهم، ~~ورأى أنهم أولى بالدعوة منه. بعض العلماء أخذوا من قوله تعالى { ~~واستغفر لذنبك } [غافر: 55] دليلا على عدم عصمة الأنبياء، ~~وقالوا آخرون: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقد ورد أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال في دعائه: # " اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ". # والبعض له في الآية ملحظ آخر قال: { واستغفر لذنبك } [غافر: ~~55] لا تدل على وقوع الذنب منه بالفعل، والمعنى: إن فعلت ذنبا. أي في ~~المستقبل استغفر، مثل قوله تعالى: # يأيها النبي اتق الله # [الأحزاب: 1] فهل معنى هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يتقي الله؟ ~~لا بل هو أمر ابتدائي بالتقوى. ولا يعني أنه صلى الله عليه وسلم خالف ~~منهجه فأمره الله بتقواه، كما نرى نحن الآن مخالفا لمنهج الله فنقول له: ~~يا فلان اتق الله، يعني: استقم على منهجه، واترك المخالفة، واجعل بينك ~~وبين الله وقاية. لذلك قال: الأمر في: { واستغفر لذنبك } ~~[غافر: 55] أمر تعبدي، كما جاء في قوله سبحانه: # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران: 194] الأمر هنا أمر تعبدي لأننا نقول آتنا، وهو سبحانه قد ~~وعد رسله بذلك، فهو أمر متحقق واقع. ثم نقول للذين يقولون بوقوع الذنب من ms8868 ~~الرسل: هل خلعهم الله من الرسالة لأنهم ارتكبوا الذنب؟ أم تركهم رسلا؟ ~~بل تركهم وأبقى على رسالاتهم، إذن: ما قولك أنت إذا كان ما فعله الرسول ~~لا ينافي رسالته، وهو مرضي عند من خالفه وأذنب في حقه؟ وقوله: { ~~وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار } [غافر: 55] ~~العشي: الوقت من بعد صلاة الظهر إلى آخر النهار، والإبكار من الفجر إلى ~~الضحى، فالمعنى: كن دائما مسبحا بحمد ربك. وإذا كان الأمر هنا ~~للرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين الذين اشتركوا معه في ~~العشي والإبكار، فهو من ناحية أخرى أمر للناس كافة في الزمان وفي ~~المكان لعموم رسالته صلى الله عليه وسلم. إذن: فالعشي والإبكار هنا ~~شائع في الزمان كله والمكان كله، فكل له عشي وإبكار يناسب زمانه ~~ومكانه، وهذا يعني أن يظل تسبيح الله شائعا في الزمان والمكان ~~مستمرا لا ينقطع أبدا، هذا إذا نظرنا إلى اختلاف الأوقات من مكان ~~لمكان. لذلك قلنا: إن ربط التكاليف والعبادات بدورة الهلال يراد بها ~~استدامة دورة العبادة لله تعالى، فلو كانت مرتبطة بالشمس كانت تتحد ~~الأوقات عند الناس، إنما بحساب الهلال ترى أن هذا يصلي الصبح، في نفس ~~الوقت الذي يصلي فيه آخر الظهر، وآخر العصر، وآخر المغرب، وهكذا، إذن: ~~فالحق سبحانه معبود في كل وقت بكل وقت. ومعنى { وسبح بحمد ~~ربك } [غافر: 55] يعني: تسبيحا موصولا بالحمد، لأن التسبيح تنزيه ~~لله تعالى، وما دام الحق منزها عن كل النقائص فثمرة هذا التنزيه ~~عائدة عليك أنت، أنت المستفيد من كون ربك الذي آمنت به واحدا منزها ~~عن النقائص. ### || [40.56] # الجدل: هو المراء والأخذ والرد، مأخوذ من جدل الحبل وفتله، والفتل ~~عملية تتماسك فيها الخيوط، وتتداخل بعضها في بعض بعد أن كانت هشة ~~متفرقة، فالجدل يحمل معنى التقوية، تقوية الرأي بالرأي. والجدل منه جدل ~~بناء يهدف للوصول إلى الحق، وجدل مراء لا فائدة منه، جدل الحق جدل ~~بسلطان يعني: حجة وبرهان، وجدل المراء بالباطل. يعني: بدون سلطان ولا ~~حجة، والسلطان إما أن يكون سلطان قهر يحملك ms8869 ويرغمك ويقهرك على الشيء، ~~وإما سلطان حجة وإقناع، سلطان القهر يجعلك تفعل وأنت كاره مجبر، وسلطان ~~الإقناع والحجة يجعلك تفعل وأنت راض مقتنع. لذلك قال عدو الله إبليس: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم # [إبراهيم: 22]. يعني: لم يكن عندي سلطان قهر أقهركم به على المعصية، ولا ~~سلطان حجة وإقناع أقنعكم به. لذلك قلنا في آية السجود لآدم أن الحق ~~سبحانه قال مرة # ما منعك أن تسجد # [ص: 75] وفي موضع آخر قال: # قال ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12] فواحدة بالإثبات والأخرى بالنفي، كيف؟ يعني: هل جئت ~~لتسجد فجاءت قوة منعتك من السجود؟ أم قوة أقنعتك بعدم السجود فلم تسجد ~~وأنت راض مقتنع بذلك؟ ومعنى { في آيات الله } [غافر: 56] قلنا: ~~إنها على ثلاثة أقسام: آيات كونية لإثبات الوجود الأعلى وقدرته وبديع ~~صنعه، ومن هذه الآيات الكونية الشمس والقمر والنجوم والأرض والهواء ~~والماء.. إلخ. الثانية: هي المعجزات التي يجعلها الله للرسل لإثبات صدق ~~الرسول في البلاغ عن الله. والثالثة: هي آيات القرآن الكريم التي تحمل ~~أحكام الله إلى الناس، وتحمل منهج الله بافعل ولا تفعل. ففي أي هذه ~~الأنواع يجادلون؟ قالوا: يجادلون في المعجزات، وفي آيات الأحكام، أما ~~الآيات الكونية فليست مجالا للجدل. وقوله: { بغير سلطان ~~أتاهم } [غافر: 56] هل يعني هذا أن هناك جدلا في آيات الله بسلطان؟ ~~قالوا: بل المعنى أنه ممتنع أي: ليس في آيات الله جدل، المسألة { إن في ~~صدورهم إلا كبر } [غافر: 56] هذا هو السبب، ومصدر الجدل في ~~آيات الله، كبر في صدورهم يمنعهم من قبول الحق، ويمنعهم أن ينقادوا ~~لرجل منهم ربما ظنوا أنهم أفضل منه. لذلك في بعض الآيات يوضح الحق سبحانه ~~أنهم يؤمنون بالقرآن، لكن اعتراضهم هو على رسول الله كشخص جاء بالرسالة، ~~وهو واحد من عامة القوم ليس بأعظمهم ولا أغناهم، يقول تعالى يحكي على ~~لسان الكفار: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل ms8870 من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. وفي موضع آخر ينكرون الجميع ويقولون: # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32] وكان المنطق أن يقولوا: فاهدنا إليه. وهذا القول منهم ~~دليل على أنهم كارهون للدين جملة، لأن قلوبهم مشغولة بقضية مخالفة هي ~~شركهم بالله وعبادتهم الأصنام، هذه العبادة التي شبوا عليها وتوارثوها، ~~وإذا شغل الإنسان بالباطل لا يمكن أن يهدي للحق إلا إذا أخرجت القضية ~~الباطلة من قلبه أولا، عندها يسمح للحق أن يدخل. لذلك يوضح لنا الحق ~~سبحانه أن مسألة العقائد لا تناقش في جمهرة الناس، إنما تتأملها بينك ~~وبين نفسك، وإن كان لا بد من المشاركة، فواحد فقط، لماذا؟ لأنك حين ~~تجلس بمفردك أو مع شخص واحد معك يثمر النقاش ولا تتسع دائرة الخلاف، ~~فيكون أدعى للوصول إلى الصواب، وإذا انهزم واحد منكما فلن ينهزم أمام ~~جمهرة الناس، وساعتها لن يكابر ولن يعاند وسيعود إلى الحق ويرجع إليه دون ~~حرج. لذلك يقول سبحانه: # إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة # [سبأ: 46] يعني: لا تبحثوا مسائل العقيدة جماهيريا لأن الجماهير لا ~~ضابط لها، وتفكيرها الجماعي يؤدي إلى الخلط والغوغائية، فكن بمفردك ~~حتى لا يداخلك هوى فتميل معه. والكبر في قوله تعالى: { إن في ~~صدورهم إلا كبر } [غافر: 56] إن بمعنى ما في صدورهم إلا ~~كبر. يعني: تعال على الحق الذي يأتي به الرسول، هذا الكبر أو التكبر ~~هو الذي منعهم من الاستماع للرسول، وجعلهم يتعالون عليه، ذلك لأنهم ~~كانوا في مجتمعهم سادة، واستماعهم لرسول الله وطاعتهم له سيجعلهم ~~مسودين لمن يسمعون منه ويطيعونه. ومعلوم أن قريشا كان لها السيادة على ~~كافة العرب، هذه السيادة جعلتهم متمكنين من رحلاتهم التجارية بالشتاء ~~والصيف، وينتقلون بها دون أن يتعرض لهم أحد، لماذا؟ لأن قبائل العرب ~~جميعها تأتي إلى قريش في مكة موسم الحج، ويكونون في ضيافة قريش ورعايتها ~~وفي باطنها، فالبيت الحرام وحجه هو الذي أعطى قريشا هذه المكانة ms8871 وهذه ~~المهابة لذلك قال سبحانه: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * ~~فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 1-4]. وقال سبحانه: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم.. # [العنكبوت: 67]. والدليل على ذلك أنهم لما رأوا في الأصنام آلهة لا ~~أوامر لها ولا تكاليف رضوا بها وعبدوها من دون الله، ومع ذلك لما ~~أرادوا مكانا يكرمون به هذه الآلهة لم يجدوا إلا الكعبة يضعون أصنامهم ~~حولها، إذن: فالكعبة لها قداسة عندهم رغم كفرهم بالله. هذا هو الكبر ~~الذي منعهم من قبول الحق، وهذا الكبر وصفه الله بقوله { ما هم ~~ببالغيه } [غافر: 56] يعني: ليس عندهم دواعي الكبر، فهو كبر كاذب ~~لأن الذي يتكبر ينبغي أن يتكبر بشيء ذاتي فيه لا بشيء عارض ربما يسلب ~~منه، فهو كبر كاذب كمن يتكبر بقوته وعافيته أو بماله أو بسلطانه. # وقوله تعالى: { فاستعذ بالله } [غافر: 56] لأن الاستعاذة بالله ~~تعني أن شيئا جاء فوق أسبابك المادية فلا تقف أمامه مكتوف الأيدي، ~~إنما توجه إلى ربك الذي أرسلك وقل له: إن هذا الأمر أعجزني وفاق ~~طاقتي فاحمله عني، لذلك قال سبحانه: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه # [النمل: 62]. فإذا عزت الأسباب فتوجه إلى المسبب { إنه هو ~~السميع البصير } [غافر: 56] هذان من صفات الكمال المطلق لله ~~تعالى السمع والبصر لأن كل حركات جوارح الإنسان عمل، فاللسان له عمل، ~~واليد لها عمل، والرجل لها عمل. وهذا العمل ينقسم إلى قسمين: إما قول ~~أو فعل، القول أخذ وحده شطر العمل وهو عمل اللسان، وباقي الجوارح عملها ~~يسمى فعل. لذلك قال تعالى: # يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون # [الصف: 2] فذكر القول والفعل، وكله يسمى عملا، فالسمع لما يقال، ~~والبصر لما يفعل، فالحق سبحانه يبين لرسوله صلى الله عليه وسلم منزلة ~~الاستعاذة { فاستعذ بالله } [غافر: 56] لأنه سميع لكل ما يقال، ~~بصير بكل ما يفعل. ### || [40.57] # اللام في لخلق تدل على القسم، وكأن الحق سبحانه يقول: وعزتي ~~وجلالي لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، ms8872 كيف؟ قالوا: لأن ~~الناس في الدنيا أعمارهم متفاوتة: واحد عمره لحظة، وواحد عمره ساعة، ~~وواحد عمره مائة عام إلى عمر نوح عليه السلام، فأين عمري من عمر الشمس مع ~~أنها خلقت لخدمتي، أيكون الخادم أطول عمرا من المخدوم؟ إذن: لا بد ~~أن لك عمرا آخر باقيا بعد ذهاب الشمس وغيرها من المخلوقات التي تخدمك، ~~وهذا لا يكون إلا في الآخرة. قالوا: العمر له طول لا يعلمه إلا الله وله ~~عرض قد يفوق الطول، وكذلك جعل له حجما وعمقا، فالله الذي حدد العمر ~~زمنا من الممكن أن الإنسان يأخذ عمره طولا، لكن يمكنه أن يزيد في عرضه ~~فيكون العرض هو البعد الأطول، بمعنى أن يوسع دائرة نشاطه لينفع نفسه ~~وينفع مجتمعه ويبقى له ذكرى طيبة بعد موته، فكأنه أضاف بنشاطه إلى عمره ~~أعمارا. لذلك نقول: إن أوطان الناس تتحدد على قدر هممهم، فواحد وطنه ~~نفسه يريد كل شيء له وهو ليس لأحد، وهذا هو الأناني، وواحد وطنه أسرته، ~~وآخر وطنه قبيلته، وآخر وطنه بلده، وواحد وطنه العالم كله، فكلما ازدادت ~~الهمة اتسعت دائرة الوطن وزادت رقعته. وحين نقول: إن الشمس أطول ~~عمرا مني نلاحظ أنك أيها الإنسان كائن حي تأكل وتشرب، أما الشمس فجماد ~~لا تأكل ولا تشرب، أنت لك قانون صيانة ويعتريك المرض وغيره لأنك ابن ~~أغيار، أما الشمس فليس لها شيء من هذا فليس لها قانون صيانة ولا يعتريها ~~ما يعتريك، وهي منذ خلقها الله تعمل دون توقف ودون خلل ودون صيانة، ~~والآلة التي بهذا الوصف تدل على قدرة خالقها وعظمة مبدعها. لذلك نقول: ~~إذا نظرنا إلى خلق السماوات والأرض لوجدناه فعلا أكبر من خلق الناس: ~~{ ولكن أكثر الناس لا يعلمون } [غافر: 57] لكن ما ~~معنى لا يعلمون الكون يقع تحت حواسنا، ونراه بأعيننا، وكان ينبغي ~~حين نرى هذا الكون بما فيه من إبداع أن نفكر فيه، وفي عظمة خلقه ودقة ~~نظامه، وكم هو محكم منضبط لا يتخلف أبدا. ألسنا الآن بالعلم نستطيع أن ~~نحدد وقت الكسوف مثلا بالدقيقة والثانية؟ ms8873 وكأن الحق سبحانه جند حتى ~~غير المسلمين لإظهار صدق آياته الكونية، وكيف أنها منضبطة انضباطا لا ~~يمكن لأحد أن يفسده، لذلك قلنا: إنك إذا رأيت خللا أو فسادا في الكون ~~فاعلم أن يد الإنسان المختار تدخلت فيه، والشيء الذي نتركه على طبيعته ~~لا يمكن أن نرى فيه خللا أو فسادا. ### || [40.58] # نعم لا يستوي من يهمل آيات الله ولا يتأملها مع من يفكر فيها ~~ويستنبط منها ويهتدي بها، فالذي لا يتفكر في هذه الآيات مثل الأعمى لأنه ~~لا يتنبه لآيات الكون التي هي أكبر من خلق الناس، وإذا كانت هذه الآيات ~~الكونية أكبر في الخلق وأعظم من خلق الناس، فكيف تغفل عنها، ومنها يمكن ~~أن تأخذ الدليل على وجود واجب الوجود الأعلى سبحانه، وعلى طلاقة قدرته ~~وإبداع صنعته. وكما أنه لا يستوي الأعمى والبصير، كذلك لا يستوي عند الله ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع المسيء، وهذا مظهر من مظاهر عدله ~~سبحانه: { قليلا ما تتذكرون } [غافر: 58] يعني: قليل منكم ~~من يتذكر ذلك. ### || [40.59] # يذكرنا الحق سبحانه بهذه الحقيقة التي طالما تغيب عن الأذهان، وكان ~~يجب عليكم ألا تغفلوا عنها، لأن المسألة ليست مجرد علم بشيء، إنما ~~المسألة أبعد من ذلك، إنه احتياط لما سيحدث ولما سيأتيكم. { إن ~~الساعة لآتية } [غافر: 59] أي: القيامة { لا ريب فيها } ~~[غافر: 59] لا شك، وما دام أن الساعة آتية لا شك فيها فلا بد أن ~~نستعد لها، فلو كنت قد خلقت وتركت هكذا وانفلت من الله لكان لك ~~أن تفعل ما تشاء، لكن ماذا وأنت لك مرجع إلى ربك ومرد إلى خالقك، ~~وموقف للحساب والجزاء؟ إذن: لا مفر لك من أن تحمي آخرتك، وهي الغاية ~~العظمى التي ليس بعدها بعد. وقوله: { ولكن أكثر الناس لا ~~يؤمنون } [غافر: 59] أي: لا يعلمون هذه الحقائق أو يغفلون عنها، مع ~~أن العقل المجرد لا بد أن يهتدي ويعتقد بوجود الساعة والحساب والجزاء، ~~لماذا؟ لأنك حين تنظر إلى الكون تجد المرتبط فيه بمنهج افعل ولا تفعل، ~~ويسير وفق هذا المنهج تجده مؤدبا ms8874 مع الكون من حوله لا يأتي منه ~~فساد ولا تعد، وتجد المنحل الذي انفلت من هذا المنهج مصدر إزعاج ~~وفساد للكون من حوله، فهل يستويان في العقل مجرد العقل؟ هل يستوي المصلح ~~والمفسد؟ من عربد في الكون وآذى خلق الله وأتعب الدنيا كلها ومن ~~أصلح الكون وأسعد الناس وأعانهم؟ ثم ألسنا في عملية التعليم نجري ~~للتلاميذ اختبارات آخر العام ونقول: هذا ناجح، وهذا راسب؟ ألسنا نضع في ~~دنيانا قواعد للثواب والعقاب تقضي بمكافأة المحسن ومعاقبة المسيء؟ إذن: ~~فلماذا ننكر الحساب يوم القيامة يوم يجازى كل بما عمل، حتى الناس ~~الذين لا يؤمنون بالآخرة يؤمنون بمبدأ الثواب والعقاب، وعندهم عقوبات على ~~الجرائم ضد المجتمع لتأديب الخارجين على القانون، فإذا كنت في دنياك ~~جعلت العقوبات وجرمت بعض الأفعال وعاقبت عليها لتستقيم حركة حياتك ~~الدنيا، فلم تنكر هذا المبدأ مع الله في الآخرة؟ أيعقل أن تكون حركة ~~الناس جميعا في الدنيا من أولها إلى آخرها متروكة هكذا دون حساب، دون ~~ثواب للمحسن وعقاب للمسيء. والله، لو كان الأمر كما يدعون وينكرون فقد ~~فاز المنحرفون المجرمون، وربح المخالفون الخارجون على القانون والدين، ~~حيث فعلوا ما فعلوا، وظلموا ما ظلموا، وأفلتوا بجرائمهم، وما خسر في هذه ~~الصفقة إلا المؤمنون والمستقيمون الذين ألزموا أنفسهم بمنهج دون فائدة. ~~وقوله تعالى: { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } [غافر: ~~59]. يعني: أن المسألة ليست قائمة على العقل إنما على الإيمان، فلو ~~تركت للعقل لقلنا ما قلناه الآن، لكن أمر الساعة قائم على الإيمان ~~والعقيدة، والذي يريد ألا يرتبط بالإيمان وأن ينفلت من قيوده يريد ~~ألا يقيد حركته في الوجود بمنهج افعل ولا تفعل، يريد أن يكون حرا ~~يسير في الحياة على هواه. لذلك قلنا: إن الذين عبدوا الشجر والحجر عبدوها ~~لأنها آلهة لا منهج لها ولا تكاليف، وهذه العبادة في معناها باطلة، لأن ~~العبادة تعني: طاعة العابد لأمر المعبود، فهذه الآلهة التي تزعمونها ~~بم أمرتكم؟ وعم نهتكم؟ ماذا أعدت لمن عبدها؟ وماذا أعدت لمن كفر ~~بها؟ إذن: أنتم ما ارتضيتم هذه ms8875 الآلهة إلا لتسيروا في الحياة بلا قيود، ~~وبلا تكاليف، وبلا منهج وبلا ضابط لشهواتكم. ### || [40.60] # معنى { ربكم } [غافر: 60] من تولى تربيتكم، والتربية هنا تعني ~~الإيجاد من العدم والإمداد من عدم، وما دام هو ربي فأنا مسئول منه ~~يضمن لي رزقي وعيشي في الدنيا، وقبل ذلك أعطاني الجوارح التي تعمل، ~~والأعضاء التي بها أعيش، فهو ربي وخالقي الذي استدعاني للكون، ووفر لي ~~فيه أسباب الحياة. لذلك لما أراد سبحانه أن يجعل نموذجا في الكون جعله ~~بحيث يتعاطف الكون مع ذاته ويتكامل في نفسه، فجعل هذا قويا، وهذا ~~ضعيفا، هذا صحيحا وهذا مريضا. فالقوي حركته في الحياة حركة كاملة قوية ~~تزيد عن حاجته، وقال له: ما زاد عن حاجتك اجعله للضعيف الذي لا يقدر على ~~الحركة، والخالق سبحانه قادر على جعل الناس جميعا أقوياء، لكن أراد ~~أن يرتبط الخلق في حركة الحياة ارتباط حاجة لا ارتباط تفضل لأن ~~الارتباط لا يأتي بقانون التفضل، فالتفضل لا إلزام فيه، والمتفضل ~~بالشيء حر، يفعل أو لا يفعل. وقوله: { ادعوني أستجب لكم } ~~[غافر: 60] يعني: فيما عجزتم عن أسبابه ولن تقدروا عليه، ولم تجدوا من ~~بيئتكم عونا عليه، فليس لكم إلا التوجه إلي تدعونني، فأستجيب # أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء # [النمل: 62] فأنا ربكم وخالقكم استدعيتكم إلى الوجود ومنحتكم الأسباب ~~والجوارح، واستخلفتم في الأرض، فليس لكم ملجأ غيري تلجأون إليه إن عزت ~~عليكم الأسباب. أما إن كانت الأسباب ميسرة لكم، وقام كل مكلف ~~بدوره، فلا تتركوا الأسباب وتقولوا: يا رب، عليكم بما في أيديكم من ~~الأسباب أولا، زاولوها فإن ضاقت بكم فاذهبوا إلى المسبب. لكن نلحظ ~~في هذه المسألة أن الله تعالى أمرنا بالدعاء ووعدنا الإجابة، ومع ذلك منا ~~من يدعو فلا يستجاب له، فلماذا؟ قالوا: لأنك تدعو وأنت غير مضطر، فلو ~~كنت في حالة الاضطرار لاستجيب لك. أنت تسكن في مسكن محترم وتدعو الله ~~أن يكون لك فيلا أو قصر، فإن أعطاك القصر قلت: أريد عمارة تصرف على ~~القصر، هذا دعاء عن ترف لا عن ms8876 اضطرار، والإجابة هنا مشروطة بالمضطر. ~~والحق سبحانه وتعالى لا يعفي عبدا عن مسئولية استطراق النفع للعباد، ~~قالوا: لأن الواجد يبذل، وغير الواجد ينصح الواجد، فإن نصحت دون جدوى ~~فلن تبرأ ذمتك حتى بعد ذلك. ولو قرأت القرآن تجد قوله تعالى: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور ~~رحيم # [التوبة: 91]. متى هذا؟ قالوا: إذا لم يكن عندك مال لا بد أن تنصح # إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من ~~سبيل # [التوبة: 91] نصحت ولم يستجب لك. قالوا: اقدر على نفسك، كيف؟ # ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا ~~أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض ~~من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون # [التوبة: 92] فهل أعفى أحدا؟ لا بل حث الجميع على أن يفعلوا: إما ~~بذل المال، وإما بذل المقال، فإذا لم تستطع هذا ولا ذاك فيجب أن تحزن ~~لأنك لم تشارك، ولا يكفي هنا الألم الوجداني، بل لا بد أن يصحبه ~~انفعال عاطفي ينتج عنه بكاء، تبكي أنك لم تجد شيئا تنفقه في سبيل الله. ~~إذن: المسألة استطراق نفعي في الكون، هذا الاستطراق لا يدع أحدا منا في ~~حاجة. وبعد ذلك نقول له: أأنت فقير عجز أم احتراف؟ إن كان فقير احتراف ~~لا يحسب ولا يؤبه له، وإن كان فقير عجز فله أن يجلس في بيته معززا ~~مكرما، والغني هو الذي يذهب إليه ويعطيه حقه، فالقادر إذن أصبح في ~~خدمة غير القادر. وقوله: { إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } [غافر: 60] معنى: { ~~يستكبرون عن عبادتي } [غافر: 60] أي: عن دعائي والذلة لي، ~~وإظهار الحاجة إلي، لذلك قال أهل المعرفة: لا يكن حظك من الدعاء أن ~~تجاب، لكن اجعل حظك من الدعاء ذلة محتاج لمن معه الخير، هذه هي معنى ~~العبادة هنا؟ لذلك تجد ربك عز وجل دائما يصحح لك خطأك في الدعاء: # ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان ~~الإنسان عجولا # [الإسراء: ms8877 11]. فقد تدعو أنت لنفسك بشر تحسبه خيرا، ومن رحمة الله بك ~~ألا يستجيب لك، لذلك قلنا في الثناء على الله تعالى: سبحانك يا من ~~تصوب خطأ الداعين بألا تستجيب، وبذلك حميتنا من الضر، فكم يدعو ~~الإنسان بالشر دعاءه بالخير. وقلنا في ذلك: ما حال المرأة التي نسمعها ~~تدعو على ولدها تقول: إلهي أشرب نارك؟ فمن رحمة الله بها ألا يستجيب ~~لها، إذن في المنع هنا عطاء. لكم لماذا { سيدخلون جهنم ~~داخرين } [غافر: 60] أي: منكسرين صاغرين أذلاء، قالوا: لأنك لا تدعو ~~واحدا إلا إذا كنت مطيعا له، لأن الدعاء والعبادة متساويان، لذلك قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " كل أمر لا يبدأ باسم الله فهو أبتر " # يعني: لا بركة فيه. وعلمنا أن نقول: بسم الله الرحمن الرحيم. يعني: أنا ~~أبدأ عملي ببسم الله لكي تكون يد الله معي في الفعل، فما معنى الرحمن ~~الرحيم هنا؟ قالوا: ربما كانت عاصيا فأذكر له سبحانه صفة الرحمة، لأنه ~~سبحانه لا يتخلى عن عبده حتى لو كان عاصيا، فهؤلاء سيدخلون النار ~~داخرين أذلاء لأنهم استنكفوا أن يدعو الله واستكبروا عن عبادته، فالنار ~~جزاء الاستكبار. ### || [40.61] # الحق سبحانه يذكر هنا آيتين من آياته الكونية هما آية الليل وآية ~~النهار، الليل نعلمه وهو من مغيب الشمس إلى شروقها، والنهار نعلمه وهو من ~~شروق الشمس إلى غروبها، هذا زمن والزمن وعاء الأحداث، وما دام الزمن ~~وعاء الأحداث فلكل حدث زمن يقع فيه. فالحدث الذي يحتاج عملا له وقت، ~~فحين تعمل بالنهار تتعب جوارحك وتحتاج إلى وقت للراحة، فجعل لك الخالق ~~سبحانه الليل تستريح فيه والنهار تعمل فيه، تستريح بالليل لتستعيد قوتك ~~ونشاطك للعمل في النهار التالي، وهكذا. فإن طرأت عليك ظروف منعتك من ~~راحة الليل، فكيف تكون بالنهار؟ تكون متعبا لا توجد لك قوة تعالج بها ~~شيئا، فكأن الله تعالى يريد أن يعلمنا أن من خلقه متقابلات، ومن ~~حمق البشر أن جعلوها متعاديات، وهي في الحقيقة متكاملات. واقرأ إن ~~شئت قوله تعالى: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما ms8878 ~~خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى # [الليل: 1-4]. وهذا يعني أن لليل مهمة، وللنهار مهمة، وللذكر مهمة، ~~وللأنثى مهمة، فلا تظنوا عداء بين الليل والنهار، ولا بين الذكر ~~والأنثى، فكل منهما مكمل للآخر وبينهما تساند لا تعاند كما يظن ~~البعض. لذلك يقول تعالى في آية أخرى: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون # [القصص: 71-72]. وتأمل تذييل الآية هنا وهنا: ففي الليل قال # أفلا تسمعون # [القصص: 71] لأن الليل تتعطل فيه حاسة البصر، وتبقى الأذن تسمع، وهي آلة ~~الاستدعاء ليلا، أما في النهار فقال: # أفلا تبصرون # [القصص: 72] لأن البصر يكون في النهار. كلمة سرمد، بعض المفسرين يرى أن ~~الليل ليس سرمدا، كذلك النهار بمعنى أنه ليس دائما مضطردا، لكن إذا ~~نظرنا إلى حركة الأرض وتعاقب الليل والنهار وجدنا فيهما سرمدية، لأن ~~الليل حين يغادرنا يذهب إلى آخرين لا أنه سرمد وينتهي. فهما إذن دائمان ~~سرمديان، لكن السرمدية المنفعية هي السرمدية بالنسبة للمكان الواحد، ~~فلهما سرمدية في ذاتهما سرمدية في كل مكان، أما سرمدية المكان الواحد ~~فتنتهي لتبدأ في مكان آخر. لذلك يقول تعالى: # وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر أو أراد شكورا # [الفرقان: 62] خلفة: يعني يخلف كل منهما الآخر، فالليل يخلف النهار، ~~والنهار يخلف الليل، هذا الآن واضح لنا كآية كونية، لكن ماذا عن بدء ~~الخلق أيهما كان أولا وخلفه الآخر؟ قالوا: في البدء خلقهما الله معا ~~في وقت واحد، لأن الشمس خلقت مواجهة للأرض، فما كان من الأرض ناحية ~~الشمس كان نهارا، وما حجب عنها في الناحية الأخرى كان ليلا، ثم دارت ~~الأرض في فلكها فتعاقب الليل والنهار، وهذا دليل على كروية الأرض ولو ~~كانت مسطحة ما أمكن ذلك. # والعظمة في قوله: { والنهار مبصرا } [غافر: 61] أي: مبصرا ~~فيه، وقديما كانوا يعتقدون أن شعاع ms8879 الرؤية يخرج من العين إلى المرئي، ~~إلى أن جاء العالم المسلم الحسن بن الهيثم وأثبت عكس ذلك، وبين أن ~~الشعاع يأتي من الشيء المرئي إلى العين فتراه، بدليل أنك لا ترى ما في ~~الظلام وترى ما في النور حتى لو كنت أنت في ظلام، لأن الشعاع ينعكس من ~~المرئي فتراه. وعليه فالنهار نفسه مبصرا: { إن الله لذو ~~فضل على الناس } [غافر: 61] نعم الله صاحب الفضل والتفضل على ~~الناس جميعا، لأنه سبحانه أعطاهم بلا حق لهم عليه سبحانه، فهو متفضل ~~في الإيجاد من عدم، ومتفضل في الإمداد من عدم، ومتفضل في التكليف، ~~نعم حتى في التكليف متفضل، كيف؟ قالوا: لأنه حين كلفك كلفك بشيء يعود ~~نفعه عليك أنت، ولا ينتفع هو منه بشيء، ثم بعد ذلك جازاك عليه، وجعل لك ~~ثوابا، فكأنه سبحانه تفضل عليك في التكليف مرتين. وقوله: { ~~ولكن أكثر الناس لا يشكرون } [غافر: 61] هذا يعني ~~أن القلة هي الشاكرة، ويعرف الشكر بزيادة النعم، فالشكر وزيادة النعمة ~~متلازمان، وقد وعد الحق سبحانه: # وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم # [إبراهيم: 7]. ### || [40.62-63] # قوله تعالى: { ذلكم } [غافر: 62] إشارة إليه سبحانه. أي: الذي فعل ~~لكم كذا وكذا، وتفضل عليكم هو الله ربكم { خلق كل شيء } ~~[غافر: 62] وهذه مسألة لم ينكرها أحد، ولم يدعها أحد لنفسه { لا ~~إله إلا هو } [غافر: 62] هكذا حكم بها الحق سبحانه لنفسه بأنه ~~لا إله إلا هو. إذن: فأنت تؤمن بالله، والله سبحانه آمن بذاته، وشهد ~~لنفسه بهذا، شهد لنفسه أنه لا إله إلا هو قبل أن يشهد بها أحد، لذلك ~~يطلق سبحانه كلمة كن، ويعلم أنها نافذة لأنها كلمته وليس لها معارض، ~~وليس هناك إله آخر يردها أو يعدلها أو يعترض عليها. قال تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة ~~وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم # [آل عمران: 18] قالوا: شهد الله لنفسه سبحانه شهادة الذات للذات، وشهدت ~~الملائكة شهادة المشهد، وشهد أولو العلم شهادة الاستدلال. والحق سبحانه ~~ساعة يقول { خلق كل شيء } [غافر: ms8880 62] يطلقها هكذا قضية عامة ~~على إطلاقها، نقول: إما أن تكون قضية صادقة أو غير ذلك - وحاشا لله - ~~فإن كانت صادقة فقد ثبتت الحجة، وإن كانت غير ذلك فأين خالق كل شيء؟ ~~أين خالق هذا الكون إذا لم يكن الله هو خالقه؟ من هو؟ ولماذا سكت ولم ~~يخبر عن نفسه؟ إن كان لا يدري بوجود الله فهو إله نائم غافل لا يصلح ~~للألوهية، وإن كان يدري بوجود الله الذي أخبر هذا الخبر ولم يعارضه فهو ~~عاجز، والإله لا يكون أبدا عاجزا. لذلك قال سبحانه مؤكدا على صحة ~~هذه القضية: # قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42] يعني: لذهبوا إلى الإله الحق ليناقشوه كيف أخذ منهم ~~الخلق؟ وكيف ادعاه لنفسه؟ وهذا لم يحدث. وقوله: { فأنى ~~تؤفكون } [غافر: 62] أي: تصرفون عن الحق الذي يقول به العقل وتثبته ~~الحجج والبراهين والواقع، فالحق في هذه القضية واضح، وقد أطلقت هذه ~~القضية وأخبرت بها ولم يقم لها معارض، ولم يدعها أحد لنفسه، ومعلوم ~~أن القضية تثبت لصاحبها ما دام ليس لها معارض. وسبق أن أوضحنا هذه ~~المسألة وقلنا: هب أن جماعة جلسوا في مكان، ولما انصرفوا وجد صاحب ~~المكان محفظة نقود فقال لخادمه: ابحث عن صاحب هذه المحفظة، فأخذ الخادم ~~يتصل بهم واحدا واحدا فلم يقل أحد منهم أنها لي، ثم طرق الباب واحد ~~منهم. وقال: والله لقد نسيت محفظتي هنا، فلمن تكون إذن؟ تكون لمن ~~ادعاها إلى أن يظهر مدع آخر. وقوله: { كذلك يؤفك ~~الذين كانوا بآيات الله يجحدون } [غافر: 63] أي: ~~يصرفون عن هذا الحق الواضح البين، ومعنى يجحدون الآيات. # أي: ينكرونها كبرا واستعلاء، فهم لا يجحدونها ولا ينكرونها لدليل ~~عندهم ولا لمنطق يعتمدون عليه، إنما يجحدونها لأنها آيات الله وهم لا ~~يريدون الله، ولا يريدون منهج الله. إنهم يخافون هذا المنهج الذي يؤدب ~~حركتهم في الحياة ويقيد شهواتهم، إنهم يريدون أن ينطلقوا في الحياة ~~بشراسة القوة والبطش بالناس وبشراسة الشهوات التي لا ضابط لها، فجحود ~~الآيات هو ms8881 سبب الانصراف عن الحق، فكأنه أمر غير طبيعي منهم. لذلك رأينا ~~كفار قريش تكبروا عن قبول الحق وعاندوا رسول الله، ولم ينطقوا أبدا بلا ~~إله إلا الله ولو مجرد النطق بها ككلمة، لماذا؟ لأنهم يعرفون معناها ~~تماما ويعلمون مطلوباتها، ولو كانوا يعلمون أنها مجرد كلمة تقال ~~لقالوها، لكنهم وهم العرب أصحاب هذه اللغة يعرفون أن معنى لا إله إلا ~~الله: لا معبود إلا لله، ولا سيادة ولا رأي إلا لله، ولا حكم ولا خضوع ~~إلا لله، وكيف يقبلون بذلك وهم قد ألفوا السيادة على قبائل العرب؟ وكلمة ~~{ يؤفك } [غافر: 63] من الإفك، وهو الكذب وقلب الحقائق، والكذب أن ~~تقول قضية مخالفة للواقع فكأنك تقلب الحقيقة لذلك قال تعالى: # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53] المؤتفكة: هي القرى التي قلبها الله رأسا على عقب، كذلك ~~الكذب يقلب الحقائق، فينكر الموجود ويثبت غير الموجود. وقوله تعالى: { ~~فأنى تؤفكون } [غافر: 62] أي: تصرفون عن الحق الواضح كأن هذا ~~أمر فطري، فبالفطرة يصل الإنسان إلى الله، وما كان ينبغي أن يقف الإنسان ~~أمام هذه القضية لأنها واضحة وعليها دليل، وكل تعاليم العقائد كذلك أمور ~~فطرية أولا، إنما ضبب هذه الفطرة هوى النفس والغفلة وأغيار الزمن. ~~فما جاء به الدليل والعقيدة أمور يصل إليها العقل بالفطرة والطبيعة ~~الصافية، بدليل أن الناس الذين لم يؤمنوا برسول فكروا في هذه المسائل، ~~وتوصلوا إلى وجود الخالق سبحانه لما تأملوا آياته في كونه. لذلك تجد ~~مثلا الفلاسفة الذين كانوا لا يحبون كلمة رسول ويقولون: نحن مهتدون ~~بطبيعتنا ولسنا في حاجة إلى رسل، قالها سقراط، لذلك ناقشه فيها تلميذه ~~أرسطودين وعرض عليه من المسائل والآيات كما يعرض الدين تماما. قال له: ~~انظر إلى نفسك وإلى تكوينك في ذاتك، وتأمل ما فيك من جوارح، لا أقول لك: ~~انظر إلى الآيات الكونية من حولك بل إلى نفسك وجوارحك في ذاتك، أليس لك ~~حواس؟ قال: بلى، قال: اذكرها. قال: لي عين تبصر، وأذن تسمع، ولسان يتكلم، ~~ويد تلمس.. إلخ. قال: فلماذا خلق لك عينان وأذنان ولسان واحد، أليس ms8882 ~~وراء ذلك حكمة؟ تأمل هذه الحواس وتأمل الحكمة من خلقها على هذه الصورة، ~~خلق لك عينين لاستيعاب المرئيات من هنا ومن هنا، وأذنين لاستيعاب ~~المسموعات من هنا ومن هنا. أما اللسان فيكفي في القيام بمهمته لسان واحد ~~به تتكلم وتعبر، وبه تتذوق المطعومات، اللسان على صغر حجمه تتذوق ~~به الحار والبارد، والحلو والمر، ثم إذا التذ به ابتلعه، وإذا لم يلتذ ~~به يلفظه وكأنه كنترول على كل ما تتناوله، ثم إن التذوق يحفزك على الأكل ~~ويرغبك فيه، لأن به استبقاء الحياة والقوة التي نحقق بها مطلوب ~~الله منا. # ثم ألا ترى حكمة في قرب مدخل الطعام من الأنف الذي يشم، والعين التي ~~تبصر؟ لقد خلقه الله على هذه الصورة البديعة لتتمكن من رؤيته، ومن شم ~~رائحته قبل أن تتناوله، أما مخارج الطعام فأين هي؟ بعيدة عن العين، ~~بعيدة عن الأنف، حتى لا تؤذيك الفضلات. نعم # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21]. ثم تأمل العين الواحدة تجد لها جفنا ينقبض، وينفتح ~~حسب إرادتك، وفوق العين حاجب يمنع تساقط العرق داخل العين وتحت أهداب ~~ورموش تدفع عن العين ما يؤذيها من الغبار والأتربة، فإذا نفذ إلى العين ~~شيء بعد ذلك، جاءت الدموع لتمسح العين وتطهرها كما تفعل المساحة ~~التي تمسح زجاج السيارة. والأنف الذي نشم به الروائح الطيبة في الطبيعة ~~وبه نميز الأشياء، والآن نستخدمه ونوظف حاسة الشم عند الكلب مثلا للكشف ~~عن الجرائم والمجرمين. هذا كله كلام نظري يقوله بالفطرة إنسان صفت ~~نفسه، وسلمت فطرته، فتوصل إلى الحق بقليل من التأمل. إذن: فقوله تعالى ~~{ فأنى تؤفكون } [غافر: 62] تحمل معنى التعجب من الانصراف عن ~~الحق، لأنه أمر لا ينبغي أن يكون وما كان يصح من أصحاب العقول أن ينصرفوا ~~عن الحق وهو واضح. لذلك قال تعالى في سورة البقرة: # كيف تكفرون بالله.. # [البقرة: 28] هذا استفهام تعجبي إنكاري، يعني: قولوا لنا كيف يتأتى ~~منكم الكفر مع وجود هذه الآيات الواضحات الدالة على قدرة الله تعالى؟ ### || [40.64] # قوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الأرض قرارا ms8883 } ~~[غافر: 64] أي: مستقرا لكم تعيشون عليها، وكلمة لكم أي: لكل العباد، ~~وهذه يشرحها قوله تعالى في سورة الرحمن: # والأرض وضعها للأنام # [الرحمن: 10] هكذا على العموم، فأي ارض وأي أنام؟ لم يحدد. إذن: فالأرض ~~كل الأرض للأنام كل الأنام، لكن أهذا المبدأ هو واقع حياتنا؟ لا، وما ~~حل الفساد بالعالم، وما وقع الناس في الأزمات وضيق العيش إلا بسبب ~~عدم تطبيق هذا المبدأ. ففي الكون الآن أرض بلا رجال، وفي مناطق أخرى رجال ~~بلا أرض، والسبب في ذلك تلك الحواجز التي وضعها البشر تحول بين عباد ~~الله وأرضه. ولك أن تقرأ قول الله تعالى: # إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ~~قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض ~~قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها.. # [النساء: 97]. لكن يا رب، كيف لنا أن نهاجر وقد جعلوا على الأبواب ~~حواجز وسدودا وحدودا وقوانين للدخول ما أنزل الله بها من سلطان لذلك ~~انظر إلى الخريطة وتأمل حدود الدول المختلفة تجدها حدودا متداخلة وغير ~~منظمة، وفي بعض المناطق تجد الحدود غير واضحة أو مختلفا عليها، وفي بعض ~~البلاد تجد الحدود بؤرا للخلاف والنزاعات بين الدول. هذا إن دل فإنما ~~يدل على أن الأرض أرض واحدة للجميع، لما طرأ عليها الإنسان قسمها ~~وجعل عليها حدودا، خلقها الله واحدة منفتحة واسعة، حتى إذا ضاقت عليك ~~الأسباب في بقعة منها فاذهب إلى أخرى وانطلق في أرض الله، وإذا لم يطبق ~~هذا المبدأ الإلهي فلن تحل مشاكلنا، وسوف تظل الأزمات تطحن الناس. ~~والاستقرار في الأرض على نوعين: استقرار للحياة والحركة، واستقرار للراحة ~~والهدوء، فالواحد منا له بيت يعيش فيه ويأوي إليه وهو مستقره ومكان ~~راحته ومبيته، لذلك نسميه بيتا. وله أرض يسعى فيها ويطلب الرزق والحركة ~~لذلك قال سيدنا إبراهيم: # ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ~~عند بيتك المحرم # [إبراهيم: 37] وقال: # رب اجعل هذا بلدا آمنا # [البقرة: 126] فالأولى قرار للمبيت وللراحة، والأخرى قرار للحركة ~~والسعي. وتلحظ أن قرار المبيت والراحة خاص بك، أما قرار الحركة ms8884 فمشترك ~~مع غيرك، وأن الأرض ليست قرارا لك في حياتك الدنيا فحسب، إنما هي قرار ~~لك حتى بعد موتك # منها خلقناكم وفيها نعيدكم # [طه: 55]. وقوله تعالى: { والسمآء بنآء } [غافر: 64] أي: بناء ~~محكما لا اختلال فيه، والبناء معروف أنه يقوم على عمد تحمله لذلك قال ~~تعالى: # بغير عمد ترونها # [الرعد: 2] إما بغير عمد موجودة أصلا، أو يوجد عمد تحملها لكنكم لا ~~ترونها، فالعمد موجودة لكن لا تدركها حواسكم. فالسماء محمولة بقدرة ~~الله سبحانه، ولم لا والأرض التي نعيش عليها ما هي إلا كرة معلقة في ~~الهواء، فلم لا تقع رغم ثقلها؟ اقرأ: # إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا ولئن ~~زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده # [فاطر: 41] يعني: لا أحد يمسكهما بعد الله. ثم يعطينا الحق سبحانه ~~مثلا حسيا يقرب لنا قدرة الله في حمل السماء والأرض، فيقول: خذوا من ~~الحسيات التي تدركونها دليلا على ما غاب عنكم # أولم يروا إلى الطير فوقهم صفت ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن # [الملك: 19]. نعم، نحن نرى الطير في جو السماء يقف في الجو بلا حركة ~~هكذا، ومع ذلك لا يقع، فمن يمسكه؟ يمسكه ربه عز وجل بقدرته، كذلك يمسك ~~السماوات والأرض بقدرته. وقوله: { وصوركم فأحسن صوركم ~~} [غافر: 64] بعد أن تكلم سبحانه عن الأشياء الكونية الخارجة عنا ~~كالليل والنهار والسماء والأرض يتكلم هنا عن شيء في أنفسنا، لأنه قال ~~سبحانه: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق # [فصلت: 53]. قوله: { وصوركم } [غافر: 64] أي: جعل لكم شكلا ~~مميزا تتميزون به، ثم جعل لكم سمات خاصة تتميز بها الأشخاص ليتم ~~التعريف بحيث لا يفعل أحد فعلا ويستتر منه في آخر. فتمييز الأشخاص هنا ~~مهم حتى ينسب الفعل إلى صاحبه { فأحسن صوركم } [غافر: 64] ~~أي: جعلها أحسن صورة بين المخلوقات، وكان سبحانه قادرا على أن يصور ~~الإنسان على أية صورة، كأن يمشي على أربع مثلا مثل الحيوانات، لكنه ~~كرمه وأحسن شكله، وجعله يمشي معتدلا مرفوع القامة. يقول تعالى: # يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم * الذي ms8885 ~~خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شآء ~~ركبك # [الانفطار: 6-8] يعني: في أحسن صورة وأجمل شكل وأعدله. بعد ذلك { ~~ورزقكم من الطيبات } [غافر: 64] ذلك لاستبقاء الحياة ~~بالقوت، لكنه لم يذكر هنا الزواج الذي به استبقاء النوع، فأعطانا هنا ~~لمحة وترك الأخرى لموضع آخر حتى لا يخلو مكان من كتابه من إعجاز في ~~خلقه. { فتبارك الله رب العالمين } [غافر: 64] يعني: ~~تنزه وتقدس وجاء منه البركة، وجاء منه الفضل، وجاء منه الإمداد. ~~وكلمة تبارك أخذت حظها من كتاب الله، نجدها للأمور المادية ~~الحسية، ونجدها للمعنويات وللمنهج الذي وضعه الله لاستقامة حركة ~~الحياة، فالله جعل لك الجسم المادي، وجعل لك الروح التي يعيش بها هذا ~~الجسم. ### || [40.65] # قوله تعالى: { هو الحي } [غافر: 65] كأن كل صفات الكمال الأصل ~~فيها أن توجد بحياة، فلا يمكن أن توجد قوة إلا بحياة، ولا سمع إلا ~~بحياة، ولا بصر إلا بحياة. وكلمة الحي تعني أن الله تعالى ليس من ~~الأغيار، فأنتم لكم وجود وحياة مرتبطة بهذا الوجود، أما الحق سبحانه ~~فحي بذاته، الحي صفة ذاته، والمحيي صفة فعله، وما دام الحي صفة ~~الذات فما بالذات لا يتخلف، فهو حي أي: لا يموت، لكن صفة المحيي ~~يقابلها صفة المميت فيحيي هذا ويميت هذا. لذلك قالوا: الاسم الذي له ~~مقابل صفة فعل، والاسم الذي ليس له مقابل صفة ذات فقالوا في الثناء عليه ~~سبحانه: يا حي صفة ذاته، ويا محيي صفة فعله، وما بالذات لا يفوت، وما ~~بالفعل يحيا ويموت. وما دام أنه سبحانه حي ولا إله إلا هو { ~~فادعوه } [غافر: 65] بشرط { مخلصين له الدين } [غافر: 65] ~~يعني: حين تدعوه لا يكون في بالك غيره، فإذا لم يكن في بالك غيره حين ~~تدعوه كان معك واستجاب لك. نعم { فادعوه } [غافر: 65] لأنه قيوم ~~يقول لك: نم واسترح لأن ربك قيوم لا ينام # لا تأخذه سنة ولا نوم # [البقرة: 255] وكأنه سبحانه بيدلع من آمن به { فادعوه ~~مخلصين له الدين } [غافر: 65] فإياك أن تقول: توكلت على الله ~~وعليك، أو توكلت على الله ثم ms8886 عليك، هذا كله كذب، استكف بالله وكفى به ~~وكيلا. وحين تدعوه مخلصا له الدين فقد وضعت أمرك في يد واحد، هو الذي ~~يملك أن يفعل، لا أن تذبذبه في يد من لا يستطيع، ثم لاحظ في الدعاء ~~أن ربك أعطاك واستجاب لك قبل أن تدعو، بل وقبل أن تعرف الدعاء، بل ~~وأعطاك قبل أن توجد أصلا، إذن: كل ما يريده منك هو إظهار ذل العبودية ~~لعز الربوبية. { الحمد لله رب العالمين } [غافر: 65] ~~يعني: احمدوا الله أن تفضل عليكم بكل هذه النعم بداية، أوجدكم من ~~عدم وأمدكم من عدم، إلى أن ينتهي بكم المطاف في الجنة إن شاء الله ~~لذلك ساعة ندخل الجنة نقول كما قال سبحانه: { وآخر دعواهم أن ~~الحمد لله رب العالمين } [يونس: 10]. ### || [40.66] # قل الخطاب لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم { إني نهيت أن ~~أعبد الذين تدعون من دون الله.. } [غافر: 66] يعني: ~~المسألة ليست من عندي، إنما هي نهي من الله جاءني في آيات بينات ~~واضحات { وأمرت أن أسلم لرب العلمين } [غافر: 66] ~~أي: أسلم قيادي وأمري لرب العالمين سبحانه. نعم، لأن الإنسان منا حتى ~~في دنيا الناس حينما يكون لا يحسن شيئا ولا تسعفه أسبابه يلجأ إلى من ~~يقضي له حاجته ويقدر عليها، كما نذهب مثلا للمحامي في رفع قضية أو ~~نذهب للطبيب للتداوي.. إلخ لأنك لا تستطيع أن تدافع عن نفسك أمام ~~القاضي، ولا تستطيع أن تداوي مرضك، فإذا ما ذهبت إلى واحد من هؤلاء فلا ~~شك أنك تسلم له زمام أمرك، وتفوضه أن يفعل ما يراه صالحا دون أن ~~تناقشه أو تعترض عليه. إذن: معنى { أسلم لرب العلمين } ~~[غافر: 66] يعني: إسلام الزمام من عاجز عن شيء لقادر على هذا الشيء، فإذا ~~أمرك ربك أمرا فخذ الأمر من منطلق إيمانك به، كيف؟ قال: مثل حالي مع ~~الطبيب حين يصف لي الدواء المناسب لحالتي لا أناقشه فيه، ولا أقول له: لم ~~كتبت كذا وتركت كذا؟ حتى حين أسأل عن الدواء أقول: والله كتبه لي ~~الطبيب، وألقى التبعة ms8887 والمسئولية عليه. فإذا كنت تسلم أمرك وزمامك ~~للطبيب وهو بشر مثلك يخطئ ويصيب لأنك رأيت له حكمة فوق حكمتك وعلما ~~ليس عندك، كيف تفعل هذا معه ولا تفعله مع الله عز وجل، وهو العليم الحكيم ~~القادر؟ إذن: ما أمرك به ربك فامتثل للأمر ونفذ دون نقاش أو اعتراض ~~أو تبرم بما قضى عليك به. والحق سبحانه يعلمنا درس التسليم له سبحانه ~~في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وكيف أنه أسلم وجهه، وألقى زمام أمره ~~لربه تعالى، حينما أمره بذبح ولده إسماعيل الذي لم يرزق به إلا على كبر ~~وبعد يأس، لذلك قال: # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر.. # [إبراهيم: 39]. أراد المفسرون تقريب هذا المعنى، فقالوا: المراد الحمد ~~لله الذي وهب لي على الكبر، فجعلوا على بمعنى مع، وفرق بين كلمة من ~~حرفين، وكلمة من ثلاثة أحرف، ولا يعدل القرآن الكريم عن الحرفين ويختار ~~الثلاثة إلا لملحظ يحتاجه المعنى، فما هو؟ قالوا: معنى مع الكبر أي: مظنة ~~ألا ينجب، لكن مراد الله تعالى فوق هذه المظنة، يعني: # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر.. # [إبراهيم: 39] لا مع الكبر. كذلك في قصة سيدنا زكريا عليه السلام قال: # أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد ~~بلغت من الكبر عتيا * قال كذلك قال ربك # [مريم: 8-9]. # إذن: فمعنى # على الكبر # [إبراهيم: 39] أن الكبر كان يقتضي عدم الإنجاب لكن مراد الله أعلى من ~~الكبر وفوقه. ونفهم هذا المعنى أيضا من قوله تعالى: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم # [الرعد: 6] البعض قال: يعني مع ظلمهم، وهذا لا يصح بل على ظلمهم كما ~~أرادها الحق سبحانه، لأن الظلم يقتضي العقاب، لكن تأتي مغفرة الله وتعلو ~~على الظلم، وعلى قانون مجازاة الظالم بظلمه. وقوله: { نهيت أن ~~أعبد الذين تدعون من دون الله } [غافر: 66] نهي لأنه ~~محب له، فقال له: وجه عبادتك لمن يقدر أن يفعل لك، وهذا النصح لا ~~يكون إلا من محب كما تنصح صاحبك وتدله على الخير، ولولا حبك إياه ما ~~نصحته. وقوله: ms8888 { وأمرت أن أسلم لرب العلمين } ~~[غافر: 66] أسلم قيادي وزمام حركتي في الحياة لربي أفعل ما أمر بفعله، ~~وأنتهي عما نهاني عنه، أمر سكت عنه ولم يقل لي فيه: افعل ولا تفعل فأدخله ~~في مقام المباح، ولو كان أمرا النفس العادية تنفر منه. وحتى إن حكم ~~عليك حكما ترى فيه مشقة ظاهرية على نفسك فاعلم أنه يريد لك الخير من حيث ~~لا تدري، كما قلنا في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام. وتعلمون أن سيدنا ~~إبراهيم ابتلاه ربه بأمور كثيرة كلها مشقة: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124] ولما أتمهن # قال إني جاعلك للناس إماما # [البقرة: 124] في شبابه ابتلي بالإحراق، ولما كبر سنه ابتلي بذبح ~~ولده، وهو في حال ابنه أعز عليه من نفسه، لأن الإنسان حين يتقدم به ~~سنه ويقبل على الآخرة والنهاية يود أن يكون له امتداد في ولده من ~~بعده. فابتلي إذن في أول حياته في ذاته بالإحراق، ثم ابتلي عند وجود ~~الولد وبعد كبر السن بقتل الولد. والابتلاء هنا ابتلاء مبالغة، فلو ~~أنه سيموت موتا طبيعيا لكان ابتلاء، فما بالك حين يقول له: اذبحه ~~بيديك، عندها يكون الابتلاء أشد، وهذا الابتلاء لم يأت بأمر مباشر، ~~إنما برؤيا منامية قابلة للتأويل، ومع ذلك أذعن إبراهيم لمجرد الرؤيا ~~لأنه يعلم أنها من الله. لكن كيف أقبل سيدنا إبراهيم على تنفيذ هذا ~~الأمر؟ أأخذ ولده على غرة؟ لا بل أحب أن يدخله معه في مجال ~~الابتلاء، وألا يحرمه ثواب التسليم معه لله، فقال له: # يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ~~ماذا ترى # [الصافات: 102]. وقوله: # في المنام # [الصافات: 102] أراد أن يعطيه فرصة لأن يقول: كيف تذبحني يا أبي برؤيا ~~منام، فيكون له مجال لأن يعترض لكنه لم يفعل # قال يأبت افعل ما تؤمر # [الصافات: 102]. وتصور لو أن سيدنا إبراهيم أخذ ولده دون أن يخبره ~~بشيء وألقاه على الأرض وأمسك بالسكين ليذبحه، ماذا سيكون شعور الولد نحو ~~والده؟ سيكرهه ويكره فعله ويغضب عليه، وفي هذه الحالة لا نصيب له في ms8889 ~~ثواب هذا الابتلاء. # وتأمل قول إسماعيل في الرد على أبيه: # يأبت افعل ما تؤمر # [الصافات: 102] فيذكره بالآمر يعني: يا أبت افعل ما دام الأمر من ~~أعلى منك، وسبق أن قلنا: إن الفعل في ذاته ينبغي ألا يترتب عليه فرح ~~به ولا غضب منه إلى أن تعرف الفاعل، فإذا عرفت أن ربك هو الآمر، فقد ~~انتهت المسألة وليس إلا التسليم للأمر. وهكذا رأينا التسليم منهما معا، ~~لذلك قال: # فلما أسلما # [الصافات: 103] هكذا بصيغة المثنى # وتله للجبين # [الصافات: 103] يعني: بدأ التنفيذ والانقياد بشكل عملي قال له ربه: ارفع ~~يدك فقد نجحت في الامتحان # وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا ~~كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء ~~المبين * وفديناه بذبح عظيم # [الصافات: 104-107]. هكذا رفع البلاء ولا يرفع قضاء حتى يرضى به، ~~رفع عن إسماعيل القتل ونزل له الفداء وعوضه ربه عن الفزع الذي أصابه، ~~فبشره بغلام آخر # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # [الصافات: 112] يعني: كنا نريد أخذ إسماعيل، فلما رضيت بقضائنا فيه ~~زدناه بآخر، ثم جعلناهما من الأنبياء ومن ذريتهما الأنبياء، فتأمل ماذا ~~جر لك التسليم بالقضاء والرضا به؟ إذن: أنت في التسليم لله لا تأخذ ~~الفعل لذاته، إنما بضميمة صاحبه، الآمر به. ### || [40.67] # الحق سبحانه يعود بنا مرة أخرى إلى مسألة الخلق الأول { هو الذي ~~خلقكم من تراب.. } [غافر: 67] معلوم أن لنا خلقين: خلقا من ~~تراب لما خلق الله آدم وحواء، وخلقا من النسل الذي تناسل منهما. لاحظ أن ~~الله تعالى قال { من تراب.. } [غافر: 67] وقال # من طين.. # [الأنعام: 2] و # من حمإ مسنون # [الحجر: 26] وقال # من صلصال كالفخار # [الرحمن: 14]، وهذه كلها مراحل للشيء الواحد، فالتراب حين نضع عليه ~~الماء يصير طينا، فإذا تركناه فترة تعطن وتغيرت رائحته، وهذا هو ~~الحمأ المسنون، فإذا تركناه يجف يصير صلصالا. وقوله تعالى: { هو ~~الذي خلقكم من تراب.. } [غافر: 67] لا يعني آباءنا آدم ~~وحده، إنما كلنا من تراب حتى من خلقوا بالزواج والتناسل، لماذا؟ لأن ~~الميكروب الذي ستنشأ منه جرثومة الرجل وبويضة المرأة إنما تأتي ms8890 مما نأكله ~~من طعام، والطعام يؤخذ إما من نبات أو حيوان، والنبات والحيوان منشؤهما ~~تراب الأرض. ولذلك رأينا في عملية التحليل الكيماوي لعناصر الإنسان أنها ~~هي نفسها عناصر التراب، وهي العناصر الستة عشر المعروفة، فكون الإنسان ~~خلق من طين لها دليل مادي معلوم لنا الآن، إذن: كلنا من تراب، وإن ~~جئنا من زوجين، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " كلكم لآدم، وآدم من تراب ". # لذلك الحق سبحانه لما تكلم عن الخلق قال: # مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق ~~أنفسهم.. # [الكهف: 51] لأن خلق السماوات والأرض سابق على خلق الإنسان، ~~والإنسان طارئ عليهما، ولما خلق آدم لم يكن له تمييز ليعرف كيف خلق. ~~ثم يأتي سبحانه بكلام يدل على الإعجاز وإفحام المعاندين، فيقول: # وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. يعني: ما أخذت منهم مساعدين لي، ولا معينين لي في عملية ~~الخلق، والمضلون هم الذين يضللون الناس، ويقدمون لهم الباطل في ثوب ~~الحق، ويراد بالمضلين المضلين في مسألة الخلق كمن يقول لنا الآن: إن ~~الإنسان في أصل خلقه الأول كان قردا وتطور كما قال داروين. لكن الحق ~~سبحانه يقطع عليهم طريق الضلال، ويقول لهم: أنتم ما شهدتم الخلق ~~لتخبروا الناس به، وأنا الخالق وحدي ولم يكن معي أحد غيري خبر بما ~~حدث، فإذا أردتم أن تعرفوا كيفية الخلق فاسمعوا مني أخبركم به، وقد ~~أخبرنا الله به في آيات كثيرة في كتابه. فإن قلت: هذا كلام أخبر الله به ~~ولم نشهده، نقول: تأمل واقع الحياة فإنه يدل على صدق الله فيما قال، ~~فأنت لم تر الخلق لكن رأيت نقيضه وهو الموت، ونقض الشيء يأتي على ~~عكس بنائه، فحين تبني مثلا بيتا من أربعة أدوار تبدأ بالأول، فإن ~~أردت أن تهدم تهدم الرابع. كذلك الموت، يبدأ بخروج الروح وهي آخر شيء ~~في خلق الإنسان بعد خروج الروح يتصلب الجسد، ثم يرم ويتغير مثل ~~الجيفة، ثم يتبخر منه الماء الموجود فيه، ثم يتحلل الباقي إلى تراب، ~~فجاء الموت ليصدق ما غاب عنك في بداية الخلق. ms8891 # قوله: { من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم ~~يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم ~~لتكونوا شيوخا.. } [غافر: 67] هذه مراحل في الخلق، { ثم ~~يخرجكم طفلا.. } [غافر: 67] قالوا: هو طفل طالما هو في مراحل ~~النمو، فإذا استوى وأخذ شكله النهائي واستقر على صورة كاملة فقد وصل إلى ~~مرحلة البلوغ التي يستكمل فيها كل أجهزة الوجود، لأن بالبلوغ أصبح ~~قادرا على إنجاب مثله. يقول تعالى: # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ~~كما استأذن الذين من قبلهم.. # [النور: 59] فالطفولة هي مرحلة النمو ومرحلة البلوغ هي الأشد { ثم ~~لتبلغوا أشدكم.. } [غافر: 67] أي: قوتكم { ثم ~~لتكونوا شيوخا.. } [غافر: 67] أي: تنحدرون مرة أخرى من القوة ~~إلى الضعف وإلى الشيخوخة، وهي مرحلة ضعف وهزال في الجسم. فإذا انتهت ~~مرحلة النمو والزيادة بدأت مرحلة الضعف والهزال، في مرحلة النمو تجد أن ~~ما يدخل له من الغذاء أكثر مما يخرج منه من الفضلات لذلك يزيد، أما في ~~مرحلة الشيخوخة فتكون الفضلات أكثر، فيحدث له النقص والهزال، وتأخذ قوته ~~في الانحدار وعضلاته في الضمور، إلى أن يصل إلى المخزن الأخير في الجسم ~~وهو العظام، فتحدث فيها هشاشة وتتكسر لما يمتص منها. لذلك قال سيدنا ~~زكريا: # رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا.. # [مريم: 4] فذكر آخر مراحل الشيخوخة وهي من وهن العظام. هذا في الناحية ~~الجسمية المادية، أما في الذاكرة والأشياء المعنوية فيعتريه النسيان، ~~كما قال سبحانه: # لكيلا يعلم من بعد علم شيئا.. # [الحج: 5] فيصل به النسيان كأنه لم يعلم شيئا في حياته، ثم نراه يحبو ~~ويحمل كما يحمل الأطفال: # ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون # [يس: 68]. وقوله: { ومنكم من يتوفى من قبل.. } [غافر: ~~67] يعني: منكم من يعاجله الموت فلا يصل إلى هذه المراحل، ربما يموت ~~الإنسان في بطن أمه أو بعد ولادته أو في طفولته { ولتبلغوا ~~أجلا مسمى.. } [غافر: 67]. فالأجل مختلف ومكتوب عند الله، منا ~~من عمره لحظة، ومن عمره دقائق، ومن عمره ساعات، ومن عمره أيام أو ~~شهور، ومن الخلق من لا يصل إلى تمام مراحل ms8892 الخلق، فيؤخذ وهو علقة ~~أو مضغة ولا يستكمل الخلق. وقوله: { ولعلكم تعقلون } [غافر: ~~67] يعني: افهم أن الله حين يعطيك الأشد، وتصل إلى مرحلة القوة أنها ~~ليست ذاتية فيك، إنما هي موهوبة لك وكل نعمة عندك موهوبة ليست ذاتية، ~~ويمكن أن تسلب منك في أي لحظة، وما دمت قد عرفت أنها موهوبة وقد ~~تسلب منك أي وقت، فالزم أدبك مع من وهبك هذه النعم. ### || [40.68] # عرفنا أن الإنسان في خلقه يمر بمراحل عدة، وأن عمره مظنون قد يموت ~~في أي مرحلة من هذه المراحل، فكيف نفهم قوله تعالى: { كن فيكون } ~~[غافر: 68] بالنسبة لمن عمره لحظة مثلا، أو لمن يموت في بطن أمه؟ ~~قالوا: كن هنا تقال لما يوجد عليه الإنسان ساعتها علقة أو مضغة أو ~~غيرهما، كأنه يقول له: كن حيا. ثم تؤخذ الحياة منه بقانونها في ~~أزمانها التي لا يعلمها إلا الله. ### || [40.69-70] # قلنا: يجادلون في آيات الله، وهي على ثلاثة أنواع: آيات كونية كالشمس ~~والقمر. وآيات المعجزات التي تصاحب بعثة الرسل. وآيات القرآن حاملة ~~الأحكام. ورأينا أنهم جادلوا في المعجزات فقالوا عنها: سحر. وقالوا: ~~شعوذة. وجادلوا في آيات الأحكام وقالوا: إنها غير مناسبة، أما الآيات ~~الكونية، فليست محلا للجدال. قوله: { أنى يصرفون } [غافر: 69] ~~أي: يصرفون عن الحق وهو واضح فأين عقولهم المفكرة { الذين ~~كذبوا بالكتاب وبمآ أرسلنا به رسلنا فسوف ~~يعلمون } [غافر: 70] قال: { كذبوا.. } [غافر: 70] بزمن الماضي، ~~لكن في الجزاء قال { فسوف يعلمون } [غافر: 70]. يعني: في ~~المستقبل، قالوا: لأن الجزاء ليس بالضرورة أن يكون في نفس الوقت أو وهم ~~موجودون في سعة الحياة الدنيا، يصح أن نؤخر لهم الجزاء في الآخرة. وكلمة ~~سوف دلت على المستقبل سواء القريب في الدنيا أو البعيد في الآخرة، ~~فإذا لم يدركهم العذاب في الدنيا فهو ينتظرهم في الآخرة، كما قال تعالى: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. الحق سبحانه وتعالى يريد أن يصلنا دائما به وصلا بحيث ~~لا يأتي غيره على بالنا، هذا الوصل يجعلك حينما تأتي الأشياء لا ms8893 تظن أنك ~~أخذتها بذاتيتك، إنما هي موهوبة لك، وللواهب أن يرجع في هبته. ولذلك ~~ينبهنا سبحانه فيقول: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7] ثم يقول بعدها: # إن إلى ربك الرجعى # [العلق: 8] يعني: تذكر مردك إليه ووقوفك بين يديه. وقوله الكتاب أي: ~~الذي أنزله الله حاملا لمنهجه { وبمآ أرسلنا به رسلنا.. } ~~[غافر: 70] أي: على ألسنة رسله، فإن قلت الكتاب هو ما أرسلنا به رسلنا، ~~نقول: لا.. هناك فرق، فالكتاب هو المنهج، أما الرسول فقد أرسل يحمل ~~المنهج ويبلغه وأسوة تطبيقه لذات المنهج كما قال سبحانه: # لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة.. # [الأحزاب: 21]. ### || [40.71-72] # أي: { فسوف يعلمون } [غافر: 70] متى؟ يوم القيامة { إذ ~~الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون } [غافر: 71] ~~تأمل مدى ما هم فيه من الإهانة { في الحميم ثم في النار ~~يسجرون } [غافر: 72]. الأغلال جمع غل، وهي قيود توضع في الأيدي ~~وتضمها إلى العنق، والسلاسل أي: من حديد تقيد بها الأرجل، أي ذلة بعد ~~هذا؟ ومعنى الحميم أي: الماء الذي تناهى حره، يعني: بلغ الدرجة ~~القصوى في حرارته، ثم بعد ذلك يسجرون في النار يعني تحمى بهم ويصيرون ~~وقودا لها. ### || [40.73-74] # تأمل هذا التبكيت للمشركين في هذا الموقف العصيب: أين شركاؤكم الذين ~~أشركتموهم مع الله؟ ادعوهم فليدفعوا عنكم هذا العذاب، والله إن كانوا ~~عبدوا أشخاصا أمثالهم فسوف يرونهم وقد سبقوهم إلى النار، وإن كانوا ~~عبدوا حجارة فسيرونها أمامهم وقودا لجهنم. لذلك هم الذين سيقولون: { ~~ضلوا عنا.. } [غافر: 74] يعني: لم يهتدوا إلينا ولم يعرفوا ~~طريقنا، ثم يرون أن الموقف أكبر من شركائهم فيكذبون { بل لم نكن ~~ندعوا من قبل شيئا.. } [غافر: 74] سبحان الله يكذبون حتى في ~~هذا الموقف، كما سبق أن أقسموا بالله أنهم ما أشركوا: # قالوا والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23]. لذلك يقول تعالى يصف هؤلاء الكذبة: # وكانوا يصرون على الحنث العظيم # [الواقعة: 46] إذن: فهم ألفوا الكذب، حتى إن موقف الحساب لم يردعهم ~~عنه فيقولون: { لم نكن ندعوا من قبل شيئا.. } [غافر: ~~74] يعني: ما أشركنا مع الله ms8894 أحدا، وقد يكونون صادقين في هذا لأنهم لم ~~يدعوا هذه الآلهة لأنهم يعرفون أنها لا تضر ولا تنفع، وما عبدوها إلا ~~ليرضوا رغبة التدين عندهم بآلهة لا منهج لها ولا تكاليف. { كذلك ~~يضل الله الكافرين } [غافر: 74] نعم الحق لا يضل أي إنسان ~~إنما يضل من كفر، فمن كفر كيف يهديه الله؟ سبق أن مثلنا لذلك ولله ~~المثل الأعلى قلنا: إن رجل المرور مثلا حين تسأله عن الطريق يدلك، ~~فإن اعترضت عليه ولم تطاوعه أو سخرت من رأيه. وقلت له: أنت لا تعرف ~~هذا المكان. تركك وتخلى عن إرشادك، فإن أذعنت لرأيه وشكرته على صنيعه ~~معك قال لك: لكن والله أمامك هناك على بعد كذا كيلو عقبة أو تحويلة، ~~سأذهب معك حتى تمر منها، إذن: هداه أولا بالدلالة، فكشره أنه هداه ~~فلما شكره استحق معونته. كذلك الحق سبحانه وتعالى يقول: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17] وهنا { كذلك يضل الله الكافرين } [غافر: 74] ~~أي: الذين لا يستحقون الهداية، لذلك قلنا أن من عشق الكفر وركن إليه ~~واختاره لنفسه، يقول الله له: أنا رب أعطيك ما تريد، وما دمت أحببت ~~الكفر فسوف أعينك عليه وأختم على قلبك، بحيث لا يدخله الإيمان، ولا ~~يخرج منه الكفر. ### || [40.75] # { ذلكم } إشارة إلى ما وقع بهم من العذاب بالأغلال والسلاسل والنار، ~~سببه { بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق ~~وبما كنتم تمرحون } [غافر: 75]. الفرح: انبساط النفس بما ~~يسرها ويسعدها، لكن الفرح الحقيقي أن تسعد وتسر بما يعينها على ~~غايتها الأصيلة، فهناك فرح بأي شيء ربما كان بالمعصية، وفرح بحق هو أن ~~تفرح بما يعينك على غايتك، أما الشيء الذي لا يعينني على هذه الغاية، بل ~~يصادمها، فهذه لذة عابرة تعقبها حسرات ربما تفوق أضعاف اللذة التي ~~حصلت من هذا الشيء. واقرأ مثلا في الفرح الحقيقي قوله تعالى: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بمآ آتاهم ~~الله من فضله.. # [آل عمران: 169-170]. نعم هذا هو الفرح بحق، بل يتعدى ms8895 الفرح ~~للآخرين: # ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ~~ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون # [آل عمران: 170] فهذا فرح يتعداك إلى غيرك فرح حقيقي، لأنه يحقق ~~الغاية الأصيلة في الوجود. ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58] هذا فرح بالفضل وبالرحمة من الله لا بعملهم، وهذا فرح مشروع. ~~ومن الفرح المشروع: # والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بمآ أنزل ~~إليك.. # [الرعد: 36] لأنه جاء مصدقا لما معهم ومؤيدا لمنطقهم في الحق، ~~وهذا تفرح به لأنه يعينك على الغاية الأصيلة في الوجود. ويقول تعالى: # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من ~~قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر ~~الله.. # [الروم: 1-5] فكم فرح مشروع إذن؟ فرح الشهداء بفضل الله وبرحمته، وفرح ~~الذين أوتوا الكتاب برسول الله، وفرح المؤمنين بنصرة منهج السماء على ~~منهج الأرض. وما عدا الفرح المشروع فرح أحمق، ومنه قوله تعالى عن ~~الكافرين: # إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا ~~قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون * ~~قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا.. # [التوبة: 50-51] يعني: ما أصابنا من الله محسوب لنا لا علينا. وقال: # إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة ~~يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم ~~كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط # [آل عمران: 120]. وقال تعالى أيضا في الفرح غير المشروع أو الأحمق كما ~~قلنا: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم ~~بغتة.. # [الأنعام: 44]. وقال تعالى: # لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا.. # [آل عمران: 188] يفرحون بأنهم آذوا المؤمنين وسخروا منهم # ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا ~~تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم # [آل عمران: 188]. وقال: # ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها ~~منه إنه ليئوس كفور * ولئن أذقناه نعمآء ~~بعد ضرآء مسته ليقولن ذهب السيئات عني ~~إنه لفرح فخور # [هود: 9-10]. وقال: # فتقطعوا أمرهم ms8896 بينهم زبرا كل حزب بما ~~لديهم فرحون # [المؤمنون: 53]. وما دامت قد تعددت الأحزاب، وفرح كل بما عنده، فهو ~~فرح باطل غير مشروع. وقال أيضا: # إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم ~~وآتيناه من الكنوز مآ إن مفاتحه لتنوء ~~بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح ~~إن الله لا يحب الفرحين # [القصص: 76]. إذن: عندنا فرح مشروع في أربعة مواضع، وفي تسعة مواضع، فرح ~~غير محمود وغير مشروع. هنا يقول تعالى: { ذلكم بما كنتم ~~تفرحون في الأرض بغير الحق.. } [غافر: 75] هذا دليل ~~على أن هناك فرحا بالحق وفرحا بغير الحق { وبما كنتم تمرحون ~~} [غافر: 75] المرح: هو المبالغة في الفرح والسير به في بطر وتفاخر ~~وخيلاء. ### || [40.76] # { مثوى } مرجع ومستقر { المتكبرين } الذين تكبروا على الله ~~الذي وهبهم الحياة، ومع ذلك لم يؤمنوا به، وهؤلاء تكبروا على الله فلم ~~يؤمنوا به، وتكبروا على رسله فلم يصدقوهم، وتكبروا على منهجه فلم ~~يعملوا به، اختاروا هواهم وأسلموا إليه قيادهم بدل أن يسلموه لله. بعد ~~ذلك يلتفت إلى رسوله صلى الله عليه وسلم يقول له: ستواجه كثيرا من ~~المتاعب تحتاج منك إلى صبر، لأن مهمتك شاقة، وسوف تؤذى بكل لون من ~~الإيذاء: { فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك ~~بعض... }. ### || [40.77] # نعم { إن وعد الله حق.. } [غافر: 77] أي: وعده بنصرة رسله ~~وهو حق، لأنه تعالى قادر على إنفاذ وعده، وبينا الفرق بين وعدك ووعد ~~الله، وعدك أنت غير الحق لأنك لا تملك أسباب الوفاء به وتضمنها، أما الحق ~~سبحانه فله صفات الكمال، ولا يمنعه شيء من تحقيق وعده. وقوله: { ~~فإما نرينك بعض الذي نعدهم.. } [غافر: 77] أي: من ~~العذاب في الدنيا. { أو نتوفينك.. } [غافر: 77] تموت قبل أن ~~ترى فيهم آية { فإلينا يرجعون } [غافر: 77] أي: في الآخرة حيث ~~لا يفلتون من العذاب لذلك قال تعالى: # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر لعلهم يرجعون # [السجدة: 21]. العذاب الأدنى ما يقع لهم في الدنيا، والعذاب الأكبر يوم ~~القيامة، يعني: لا مفر لهم. ثم يوضح سبحانه لنبيه صلى الله ms8897 عليه وسلم ~~حقيقة الرسالة، يقول له: اعلم يا محمد أنك لست بدعا من الرسل، ولست ~~أول من أوذي في سبيل دعوته، فكل من سبقك من إخوانك في موكب ~~الرسالات أوذي بقدر رسالته، لذلك فأنت أشدهم إيذاء، لأنك نبي آخر ~~الزمان، ورسالتك عامة للناس كافة في كل زمان ومكان، فلا بد أن يكون ~~ابتلاؤك أشد ممن سبقوك. يقول سبحانه: { ولقد أرسلنا ~~رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك... }. ### || [40.78] # نعم ذكر الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم أسماء بعض الرسل، وعددهم ~~في القرآن خمس وعشرون، قال الناظم: # في تلك حجتنا منهم ثمانية # من بعد عشر ويبقى سبعة وهمو # إدريس هود شعيب صالح # ذو الكفل آدم بالمختار قد ختموا # لكن الحق سبحانه يقول في موضع آخر: # وإن من أمة إلا خلا فيها نذير # [فاطر: 24] وهذا يعني أن الذين لم يذكروا من الرسل كثيرون. # وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله.. # [الرعد: 38] ما مناسبة هذه هنا؟ قالوا: لأنهم كانوا يقترحون عليه ~~الآيات، كما قال سبحانه: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا # [الإسراء: 90-91] يعني: لتستديم هذه الجنة # أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا أو ~~تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك ~~بيت من زخرف أو ترقى في السمآء ولن نؤمن ~~لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه.. # [الإسراء: 92-93] فماذا كان جوابه: # قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا # [الإسراء: 93] يعني: ما أنا إلا رسول من الله أبلغ ما أرسلت به. والحق ~~سبحانه أوضح لنا حينما لا يجيبهم إلى ما طلبوا من الآيات أنهم لم يكتفوا ~~بما عندهم ولم يقنعوا به، فطلب الآيات بعد ذلك يعد طعنا في الآية ~~السابقة هذه واحدة، وأيضا هناك أناس طلبوا الآيات فأجابهم الله، ومع ~~ذلك كفروا بها. إذن كوني أجاريهم في طلب الآيات عبث لا فائدة منه، ~~لذلك قال سبحانه: # وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب ms8898 بها ~~الأولون.. # [الإسراء: 59] أي: الآيات المطلوبة. وقوله سبحانه: { فإذا جآء ~~أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون } ~~[غافر: 78] معنى { قضي بالحق.. } [غافر: 78] ما دام القضاء ~~بالحق، فقد فاز المؤمنون وخسر { هنالك.. } [غافر: 78] أي: في الآخرة ~~{ المبطلون } [غافر: 78] الكافرون أهل الباطل، وهذه هي النهاية ~~الطبيعية والجزاء من جنس العمل. ### || [40.79-80] # { الأنعام } هي: الإبل والبقر والغنم والماعز وهذه لها مهمة { ~~لتركبوا منها.. } [غافر: 79] يعني: منها ما يركب وهو الإبل، ~~فلا نركب الخروف مثلا { ومنها تأكلون } [غافر: 79] أي: اللحوم ~~{ ولكم فيها منافع.. } [غافر: 80] أي: منافع أخرى غير الركوب. ~~والأكل، كأن ننتفع منها بالجلود والأصواف والأوبار، وكانوا يصنعون منها ~~الملابس والأغطية والمفروشات والخيام... الخ. وتأمل هنا عظمة الأداء ~~القرآني، ففي الركوب قال: { لتركبوا منها.. } [غافر: 79] وفي ~~الأكل قال: { ومنها تأكلون } [غافر: 79] قالوا: لأن الأكل من ~~المباحات، أما الركوب فمن الضروريات. وقوله: { ولتبلغوا ~~عليها حاجة في صدوركم.. } [غافر: 80] أي: أنها تبلغكم ~~حاجتكم في السفر للحج مثلا أو للتجارة وحمل الأثقال { وعليها ~~وعلى الفلك تحملون } [غافر: 80] عليها نعم لأننا نركبها ونضع ~~عليها الأحمال. أما { على الفلك.. } [غافر: 80] أي: السفن. فمعلوم ~~أننا نركب في السفينة كما قال تعالى في سفينة سيدنا نوح عليه السلام: # قلنا احمل فيها.. # [هود: 40] ولم يقل عليها، كيف؟ قالوا: لأن الحق سبحانه كأنه يعطينا ~~المراحل التي تمر بها صناعة السفن وكيفية الاستفادة منها، فسفينة نوح ~~كانت أول سفينة فكانت على صورة بسيطة، فأراد الحق سبحانه أن يعلمنا ~~أن صناعة السفن ستتطور، ويكون بها طوابق مختلفة فنركب عليها. لذلك كنا ~~سألناهم في سان فرانسيسكو عن السفن العملاقة هذه، متى صنعت؟ وكانوا لا ~~يعرفون سنة بالتحديد، فقال أحد الحضور: اعتبر أنها منذ قرن مثلا، قلت: ~~نعم، وفي القرآن الكريم إخبار بها ووصف دقيق لها، فهي متسعة من أسفل ~~تضيق في كل دور من الأدوار إلى أعلى، فتراها عملاقة على صفحة الماء مثل ~~الجبل. فكيف يقول الحق سبحانه في قرآنه وهو يعدد نعمه علينا في سورة ~~الرحمن: # وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام # [الرحمن: 24] يعني: كالجبال، ms8899 ومعلوم أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم ~~يركب البحر ولم ير مثل هذه السفن العملاقة، إنه دليل على صدق محمد صلى ~~الله عليه وسلم في البلاغ عن ربه. ثم قولوا لي: متى صنعت هذه ~~الأسانسيرات وهذه المصاعد الحديثة؟ قالوا: من خمسين عاما مثلا، قلت: ~~فالحق سبحانه يقول في القرآن الكريم: # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون # [الزخرف: 33]. معارج يعني: مصاعد كالتي عندكم منذ خمسين سنة، أخبرنا ~~الله بها منذ ما يزيد على أربعة عشر قرنا من الزمان. هذه كلها لقطات من ~~كتاب الله ذكرها الحق سبحانه لتكون دليلا على الإعجاز: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. ### || [40.81] # يعني { آياته } في هذه المخلوقات، وآياته في البحر حين تركبون السفن ~~وترون عوالم أخرى في البحر، وآيات هي أعظم مما ترونه على البر. ~~والآن وبعد التقدم العلمي الحاصل رأيناهم يصنعون للفلك نوافذ من زجاج ~~تحت سطح الماء، ويصنعون زوارق زجاجية تمكنك من رؤية الأعماق وما فيها ~~من بديع صنع الله وآياته الدالة على قدرته، لدرجة أنك تقول: سبحان ~~الله، كيف يكفر الكافر بعد رؤية هذه العوالم؟ كذلك حين تركب الإبل في ~~البر وتنتقل بها عبر المسافات ترى كثيرا من آيات الله في كونه، في ~~الجمل الذي تركبه والصحراء والجبال التي تمر بها، في كل ما حولك ترى آية، ~~لذلك تجد الحق سبحانه وتعالى يطلب منا السير في الأرض. فيقول سبحانه: # قل سيروا في الأرض فانظروا.. # [النمل: 69]. ويقول سبحانه في موضع آخر: # قل سيروا في الأرض ثم انظروا.. # [الأنعام: 11]. فكأن السير في الأرض لاعتبارين: السير في الأرض للاعتبار ~~فانظروا والسير في الأرض للتجارة والاستثمار فقال لكم: سيروا في الأرض ~~وابتغوا الرزق والاستثمار، لكن لا تحرموا أنفسكم لذة الاعتبار والتأمل ~~في بديع خلق الله، فقال: # قل سيروا في الأرض ثم انظروا.. # [الأنعام: 11] ومعلوم أن الفاء للترتيب والتعقيب، وثم للترتيب والتراخي. ~~وقوله: { فأي آيات الله تنكرون } [غافر: 81] يعني: ms8900 هذه ~~الآيات التي ترونها أيها تنكرون، وكيف تنكرونها وهي واضحة الدلالة على ~~قدرة الله، كما قال سبحانه في سورة الآلاء الرحمن: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13] كررها الحق سبحانه بعد كل نعمة من النعم، والمراد أنها ~~آيات لا ينبغي أن تكذب، ولا ينبغي أن تنكر. لذلك قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم لصحابته: # " لقد قرأت سورة الآلاء على إخوانكم الجن، فكانوا أحسن استجابة منكم، ~~كانوا إذا قرأت عليهم { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ~~نطقوا جميعا: ولا بشيء من نعمائك ربنا نكذب ". # وجاء بلفظ أي للمذكر مع أن آيات مؤنث ولم يقل آية قالوا: لأنها مؤنث ~~مجازى جاء بصيغة الجمع، فيجوز فيه التذكير، كما في قوله تعالى: # فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي.. # [الأنعام: 78] فقال: هذا مع أن الشمس مؤنث. ### || [40.82] # هذا سير كما قلنا للاعتبار، والاعتبار هنا بمن سبقهم من الأمم، يبين ~~لهم الحق سبحانه أن من سبقكم من الأمم المكذبة كانوا أكثر منكم ~~عددا، وأشد منكم قوة وآثارا في الأرض، والآثار هي ما يتركه القوم ~~بعدهم كالأهرام بالنسبة للفراعنة، مثلا يبقيها الله شاهدة عليهم. ~~وهناك آثار أخرى لم نرها لأنها مطمورة، لكن أخبرنا الله عنها كما في ~~قوله سبحانه: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 6-8] هذه آثار باقية # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137- 138]. فأين أنتم أيها العرب من هذه الحضارات الذاهبة؟ ~~لقد كان عليكم أن تفهموا الدرس من السابقين الذين كذبوا الرسل ~~وعاندوهم، أخذهم الله وهم أقوى منكم وأشد ونصر رسله ومنهجه، وأنتم دون ~~هؤلاء ولن تعجزوا الله، بل إن مسألتكم أسهل. وقوله: { فمآ أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون } [غافر: 82] يعني: هذه الحضارات وهذه ~~العمارة التي تعد إعجازا لم نصل إلى سره حتى الآن، لم تنفع ~~أصحابها. ولنتكلم عن آثارهم في مصر مثلا، عندنا آثار الفراعنة في ~~المعابد وفي الأهرام، رأينا الألوان على الجدران كما هي وكأنها منقوشة في ~~العصر الحديث، رأينا بعض الحبوب كما ms8901 هي وقالوا إنها صالحة للإنبات بعد ~~هذه الآلاف من السنين، وتعلمون ما في بناء الأهرام من الأسرار التي لم ~~نتوصل إليها حتى الآن. كل هذا التقدم لم يستطع أصحابه حمايته، ولم ~~يستطيعوا الإبقاء على هذه الحضارة، ولا حتى استطاعوا أن يتركوا لنا ما ~~يفسرها، ولولا شامبليون فك لنا رموز حجر رشيد لما استطعنا التوصل ~~إلى هذا التاريخ ولا معرفته. ### || [40.83] # أي: جاءتهم رسلهم بالآيات الواضحات وبالمعجزات قال: لسنا في حاجة إلى ~~الرسل كما قلنا أن سقراط الفيلسوف قالها على الفطرة، نحن قوم مهتدون ~~بطبيعتنا ولسنا في حاجة إلى رسل، ومع ذلك حكموا عليه بالقتل. لذلك قلنا: ~~إنهم حكموا عليه ظلما لأنهم لم يحتكموا في ذلك إلى شيء منطقي، فأنت سوي ~~السلوك في ذاتك، لكن هل منع عنك سيء السلوك؟ فكان يجب أن يوجد طرف محايد ~~يراعي ما لي وما علي. قوله: { فرحوا بما عندهم من ~~العلم.. } [غافر: 83] هذا نوع من الفرح الذي ذكرناه، وقلنا: إنه غير ~~مشروع وفرح أحمق. والمراد: فرحوا بما عندهم من العلم الذي يحاجون به ~~القرآن كقولهم: # ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنآ إلا الدهر.. # [الجاثية: 24] وهكذا يقول العلمانيون، ومثل قولهم: # لو شآء الله مآ أشركنا.. # [الأنعام: 148]. فكل قضية تعرض عليهم يريدون أن يعارضوها معارضة هم ~~مقتنعون بها رغم بطلانها، وهذا نوع من العلم عندهم. أو المعنى: فرحوا بما ~~عندهم من العلم بظواهر الحياة والحضارات التي أقاموها، فقالوا: لسنا في ~~حاجة إلى الرسل، لأن ما عندنا من العلوم أي المادية فيه كفاية. ونقول: ~~أنتم نظرتم إلى سطحيات الأمور وإلى الأشياء التي تبررون بها فكركم، ~~فقلتم: # لو شآء الله مآ أشركنا.. # [الأنعام: 148] يعني: تتهم الله، وهذا دليل على أنك تريد ذلك. والبعض ~~يقول أن { فرحوا.. } [غافر: 83] تعود على الرسل، يفرحون أن جعلهم ~~الله هداة مهديين، لكن هذا القول فيه خروج عن مقتضيات السياق في الآية، ~~ويتعارض مع تذييل الآية { وحاق بهم ما كانوا به ~~يستهزئون } [غافر: 83] أي: حل بهم ونزل بهم { ما كانوا ~~به يستهزئون ms8902 } [غافر: 83] يعني: جزاء استهزائهم، ومن الاستهزاء ~~قولهم: # قال إن كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من ~~الصادقين # [الأعراف: 106]. وقالوا: # أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد ~~آباؤنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # [الأعراف: 70]. ومعنى { يستهزئون } [غافر: 83] من هزء الباطل ~~من الحق، لماذا؟ قالوا: لأن الباطل حين يرى حقا يدفعه فلا بد له أن ~~يفت في عضد من يؤمن به، لأنه لو لم يفت في عضده جذبه هو إلى ~~الحق ولذلك سمعناهم يقولون: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون # [فصلت: 26]. والله لو لم يكونوا يعلمون حلاوة القرآن وأخذه لمن سمعه ~~واستيلاءه على الأسماع والقلوب، ولولا خوفهم من أن يأخذ القرآن منهم ~~سيادتهم لما قالوا هذا الكلام، ولما حذروا الناس من سماعهم، ولو كان ~~كلاما عاديا ما وقفوا منه هذا الموقف. إذن: فهموا أن القرآن حق، ~~ومن سمعه لا بد أن يهتدي به. ومعنى سمعه يعني: بمواجيده. # سمعنا كثيرا قصة إسلام سيدنا عمر بن الخطاب، وكان جبارا في الجاهلية ~~عنيدا غليظ القلب، فماذا حدث له بعد سماع القرآن؟ لقد سمعه أولا من ~~أخته فغضب ولطمها على وجهها، فسال الدم من وجهها، وعندها تحركت عاطفته ~~نحو أخته، فلما تحركت عاطفته غطت على لدد الخصومة عنده للإسلام، ولما ~~غطت على لدد الخصومة للإسلام وصل القرآن إلى قلبه بدون لدادة فأثر ~~فيه فآمن. وقد صور لنا القرآن في موضع آخر نموذجا لاستهزاء أهل ~~الباطل بأهل الحق، قال تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين # [المطففين: 29-33]. ثم يذكر الحق سبحانه عاقبة هذا الاستهزاء، واللقطة ~~الأخيرة في هذا الموقف # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على ~~الأرآئك ينظرون # [المطففين: 34-35] ثم يسألنا ربنا # هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون # [المطففين: 36] يعني: هل قدرنا أن نجازيهم بما يستحقون؟ ### || [40.84-85] # هذه الآية تمثل نفس الموقف الذي مر به فرعون لما ms8903 أدركه الغرق # قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا ~~إسرائيل وأنا من المسلمين # [يونس: 90] فرد الله عليه # آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين # [يونس: 91]. يعني: لا ينفعك الآن إيمانك. إذن: هناك فترة لا يمكن الرجوع ~~فيها من الكفر إلى الإيمان، وهي ساعة يحيق به الموت، إنما يقبل منه ~~الإيمان وهو في سعة من أمره حين يؤمن وفي مكنته ألا يؤمن. كذلك ~~هؤلاء { فلما رأوا بأسنا.. } [غافر: 84] أي: عذابنا حل ~~بهم في الدنيا { قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا ~~بما كنا به مشركين } [غافر: 84] فهل هذا وقت يقبل منهم فيه ~~إيمان؟ يقرر الحق سبحانه: { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا.. } [غافر: 85] يعني: ما كان يصح في عرف العقل، ولا ~~في عرف الحق أن ينفعهم هذا الإيمان، وكيف والآن لم تعد لهم حيلة في أن ~~يصادموا منهج الله ولا قوة، الآن ليؤمنوا؟ ما كان ينبغي أبدا أن ~~ينفعهم هذا الإيمان، وهذا الإيمان بظنهم هم، وإلا فهو إيمان باطل مردود، ~~ولا معنى له لأنه في غير وقته. وهذه { سنت الله التي قد ~~خلت.. } [غافر: 85] يعني: مضت { في عباده.. } [غافر: 85] وقد ~~رأينا هذه السنة على مر التاريخ، فكما أخذ أقواما بذنوبهم، ولم يقبل ~~منهم إيمانهم ساعة غرغرتهم، أو ساعة نزول العذاب بهم، كذلك أنتم ولن ~~تتغير هذه السنة لأنها ثابتة # ولن تجد لسنة الله تبديلا # [الأحزاب: 62]، وستظل سنة الله جارية على الخلق أجمعين. { وخسر ~~هنالك الكافرون } [غافر: 85] وهذا هو الأمر الطبيعي والنهاية ~~التي يستحقونها. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-2] # قلنا: حم من الحروف المقطعة، وقد حام العلماء حول معاني هذه الحروف وهذه ~~المحاولات إرضاء لشهوة البحث في العقل، ولكن الإيمان غير ذلك، فالإيمان ~~يأخذ القضية مسلمة، وما دام الله قد قالها فقد انتهت المسألة. ولذلك ~~سيدنا أبو بكر الصديق ساعة قالوا له: إن صاحبك يدعي أنه فعل كذا وكذا ~~قال: أو قاله رسول الله؟ قالوا: نعم، قال: فقد صدق يعني: هذه مسألة فوق ~~البحث، ولا مجال لإعمال العقل فيها لأن لها ms8904 رصيدا من الصدق يجعلها فوق ~~البحث. ولقد ذكرنا سابقا خلاصة القول في هذه الحروف، وهذه الحروف هي ~~التي يذكر الله فيها اسم الحرف، لأن كل حرف له اسم وله مسمى، فالألف ~~مثلا اسمه الألف ومسماه أ - أ - إ. الاسم لا ينطق به إلا ~~المتعلم، فالأمي لا يعرف الباء والتاء والثاء، لكنه ينطق بها حين ~~يتكلم. إذن: ينطق الأمي مسمى الحرف، ولا يعرف اسمه بدليل أننا حينما ~~نعلم الأولاد نقول لهم: تهج هذه الكلمة، فيقول: ك ت ب. أما الأمي ~~فينطقها كتب دون أن يعرف حروفها ولا هجاءها. اتفقنا على هذه المسألة. ~~اذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أميا، فما الذي أفهمه أن ح ~~اسمها حاء، و م اسمها ميم، بدليل أنك تقرأ في أول سورة البقرة الم ألف ~~لام ميم. أما في أول الشرح فتقول # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1] فلماذا قرأتها في البقرة هكذا، وفي الشرح هكذا؟ أنت قرأت في ~~البقرة اسم الحرف، أما في الشرح فقرأت مسمى الحرف، وهذه لا يفرق ~~بينها إلا متعلم، فمن علم محمدا هذه المسألة، والحروف هي نفس الحروف ~~بنفس الترتيب؟ شيء آخر: أن الحروف المقطعة في القرآن أخذت نصف حروف ~~الهجاء، حروف الهجاء معروف أنها ثمانية وعشرون حرفا، أخذت منها الحروف ~~المقطعة أربعة عشر حرفا موزعة توزيعا عجيبا، وما زال العلماء حائرين ~~في فهم معانيها. ففي الحروف التسعة الأولى لم يذكر منها إلا حرفين: الألف ~~والحاء. وفي الحروف التسعة الأخيرة جاء منها سبعة فقط، ولم يأت حرفان ~~على عكس الأولى، أما العشرة في الوسط فقد أخذ منها غير المنقوط وترك ~~المنقوط، فأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد وترك الضاد، وأخذ الطاء وترك ~~الظاء، وأخذ العين وترك الغين، إذن: هي مسألة مدروسة ليست رتابة، إنما هي ~~بنظام وحكمة مثل أسنان المفتاح، فهي دقة مقصودة. ثم ترى أنه سبحانه مرة ~~يأتي في أول السورة بحرف واحد مثل: ص، ق. ومرة حرفين مثل: حم، ومرة ثلاثة ~~مثل: الم، ومرة أربعة مثل: المر، وخمسة ms8905 مثل حمعسق، كهيعص. إذن: المسألة ~~حكمة مقصودة ليست هكذا دون نظام، لها مقصد، مقصد يضع الله فيه حد ~~الخلاف بين الحروف وباقي الكلام، كيف؟ قالوا: الحروف المقطعة تنطقها ~~أسماء، ولا بد أن تقف فيها فلا تقول مثلا: ألف لام ميم هكذا ~~بالوصل. # إنما تقول: ألف وتسكت. لام وتسكت. ميم وتسكت، مع أن القرآن كله في ~~مجمله مبني على الوصل لا على الوقف، تقول في سورة الرحمن: # مدهآمتان # [الرحمن: 64] هكذا بالكسر ليتم الوصل بما بعدها # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13]. حتى آخر كلمة في القرآن في سورة الناس تقول: # من الجنة والناس # [الناس: 6] لتبدأ بعدها وتوصلها ب # بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب ~~العالمين # [الفاتحة: 1-2]. أما الحروف المقطعة فجاءت مبنية على الوقف، لذلك قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " لا أقول الم حرف. ولكن ألف حرف ولام حرف، وميم حرف ". # إذن: في الحروف المقطعة مقاصد وحكم ما يزال العلماء يحاولون التوصل ~~إلى شيء منها، كل حسب ما فتح الله عليه منها، أما هي فكنز باق لا ينفد ~~يعطينا منه الحق سبحانه على قدرنا. يقولون: القرآن جاء معجزة أسلوبية ~~بلاغية، وأمة العرب مشهورة بالفصاحة والبلاغة، ومع ذلك ما استطاعوا ~~محاكاة القرآن ولا الإتيان بمثله، مع أن الله جاء به بلغتهم وبنفس حروفهم ~~وتعبيراتهم، وتحداهم بهذا كله، فلم يستطيعوا الإتيان ولو بآية واحدة من ~~مثله. وكأن الله يقول لهم: معكم نفس الحروف ونفس الكلمات، فلماذا لم ~~تنسجوا منها مثل نسجي؟ إذن: وجه الإعجاز هنا أنه سبحانه وتعالى هو ~~المتكلم بالقرآن، هو الذي صاغه وتكلم به. وأيضا، والمعنى الذي يجب أن ~~يسود في هذا كله، أن الحق سبحانه أنزل لنا عقائد وأحكاما صدرت ممن ~~اعتقدته وآمنت به، وقرآن يدل على ذلك، هذه ثلاثة: العقائد وهي الإيمان ~~بالوجود الأعلى وواجب الوجود، وأن له صفات الكمال المطلقة: الأول والآخر ~~والظاهر والباطن.. إلخ لأن هذه يقام عليها دليل عقلي. فهذا الكون البديع ~~المحكم لا بد له من خالق قادر حكيم عليم.. إلخ.. فالعقل يؤيد هذه ~~العقيدة ms8906 ويثبتها، لكن ليست هذه كل العقائد، بل هناك سمعيات لا يقوم عليها ~~دليل عقلي لأنها غيبيات كما نقول مثلا: في الجنة كذا وكذا، وصفتها كذا ~~وكذا. ومثلها كذلك عذاب القبر، هذه غيبيات، نعم لا يقوم عليها دليل من ~~العقل، إنما هي محمية فيما له دليل عقلي، فما دمت قد آمنت بهذا الإله، ~~ودلك العقل عليه، فخذ ما أخبرك به دون أن تناقشها، فقط تقف عند ~~سماعها. كذلك الأحكام مثل الصلاة، وأنها إدامة الولاء لله تعالى، والزكاة ~~للاستطراق المالي والاقتصادي في المجتمع، كذلك الحج لبيت الله الحرام. ~~وهكذا. فالأحكام أيضا فيها جانب عقلي وجانب سمعي، فالصلاة كعبادة لله ~~ودليل ولاء للمعبود سبحانه هذا أمر عقلي، أما كيفيتها وعدد ركعاتها ~~فهذا أمر سمعي نأخذه كما هو ولا نناقشه، كذلك كل العبادات. # والأحكام فيها أمر عقلي يفهم، وأمر سمعي يؤخذ مسلما به، فإن قلت: ~~كيف نقف عند أمور في الدين لا تناقش. نقول: نعم لأن هذا الوقوف في أمور ~~الغيبيات هو دليل إيمانك بالله، لأن الأمور العقلية يستوي فيها كل ~~الناس. قلنا: لو عندك مبلغ تخاف عليه السرقة مثلا، ووضعته تحت حجر في ~~الحديقة، وجاء آخر الشهر وأردت مثلا أن تعطي خادمك راتبه من هذا المال. ~~تقول له: يا فلان ارفع هذا الحجر وهات ما تحته، فيقول لك: لا أقدر على ~~رفعه وحدي، وسأنتظر فلانا يرفعه معي، تقول له: اعلم أن تحته الكيس الذي ~~به النقود التي ستأخذ منها راتبك، عندها يذهب ويرفع الحجر وحده. أما إن ~~قلت لشخص آخر: ارفع هذا الحجر فرفعه دون علة. فهل يستوي في طاعتك هذا ~~وهذا؟ كذلك أمر العقائد، فرق بين من يؤمن بالأمور العقلية الحسية، ~~ومن يؤمن ويصدق حتى بالأمر الغيبي الذي تخبر به. كذلك الحال في العقائد ~~وفي الأحكام وفي القرآن كل فيه الأمر العقلي والأمر الغيبي، وعليك أن ~~تحمل الأمور الغيبية على الأمور العقلية. والقرآن الكريم - وهذا هو ~~موضوعنا - فيه كلام عقلي يفهم بالعقل، وحروف لا يفهم معناها إلا أن ~~الله قالها، ولذلك نقول ms8907 فيها: والله أعلم بمراده. وقوله: { حم * ~~تنزيل من الرحمن الرحيم } [فصلت: 1-2] أنا أقول أن حم ~~هذه هي التي يقول الله عنها { تنزيل من الرحمن الرحيم } ~~[فصلت: 2] وما دامت تنزيلا من الرحمن الرحيم، فإياك أن تخوض فيها ~~وتقول: ماذا تعني، أو أنها مبهمة.. إلخ لا بل قف عندها وخذها على أن ~~لله فيها مرادا وهو أعلم به. واعلم أنه سبحانه يقول بعدها: # كتاب فصلت آياته.. # [فصلت: 3] ففي القرآن إذن الأمران: الأمر الغيبي الذي ينبغي الوقوف عنده ~~مثل حم، وهذه الغيبيات هي مجال اختبار الإيمان، ثم يعطيك أيضا الأمر ~~العقلي المفهوم يفصله لك تفصيلا. كلمة { تنزيل.. } [فصلت: 2] من ~~نزول الشيء، والنزول يكون من مكان عال إلى مكان منخفض عنه، أو من مكانة ~~عليا إلى مكانة أدنى، وهذه المادة جاءت كثيرا تدل على نزول القرآن ~~والمنهج من أعلى، وجاءت بكل الاشتقاقات: تنزيل، نزل، ننزل، نزلناه، ~~أنزلنا # وبالحق أنزلناه وبالحق نزل.. # [الإسراء: 105] وقال: # تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من ~~كل أمر # [القدر: 4]. لذلك ساعة تسمع كلمة { تنزيل.. } [فصلت: 2] تعلم أن الذي ~~جاءك من أعلى منك منزلة حتى لو كانت مكانته عندك، وتحت رجليك كما قال في ~~الحديد: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد.. # [الحديد: 25] فالحديد معلوم أنه من الأرض من حيث نشأته وتكوينه، لكنه ~~منزل من أعلى من حيث خالقه وواهبه لك. إذن: فكل هذه الاشتقاقات من نزل ~~تدل على علو الشيء المنزل، ومنزل من من؟ { من الرحمن ~~الرحيم } [فصلت: 2] فيجب أن تتلقى هذا المنزل إليك بالتسليم المطلق ~~والقبول، لذلك سيدنا أبو بكر لما قالوا له: إن صاحبك يدعي أنه أسري ~~به إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء لم يناقش هذه المسألة عقليا. # إنما قال لهم: إن كان قال فقد صدق. فجعل قول الله هو الأساس، فإن ~~حدث منه القول فهو صادق، لذلك منذ هذا اليوم لقب بالصديق. مع أن ~~الإسراء آية أرضية وفيه جانب عقلي، لأن المسافة معلومة لهم، وكيفية السفر ~~إلى بيت المقدس معلومة زمانا ومكانا، ومع ذلك لم يناقش ms8908 فيها. أما ~~المعراج فهو أمر غيبي، فكأنه جعل تصديق محمد فيما يعلمون في الأرض ~~وسيلة لتصديقه فيما لا يعلمونه في السماء. ونفهم أيضا من قوله تعالى: { ~~تنزيل من الرحمن الرحيم } [فصلت: 2] أن التكليف الذي ~~نزله الله لك لم يأت ليشق عليك، إنما هو من رحمن بك واسع الرحمة، ~~رحمته وسعت كل شيء المؤمن والكافر. و الرحيم يعني: دائم الرحمة لأن ~~رحمته تعالى تنسحب وتدوم حتى في الآخرة، فإن رأيت في التنزيل تكليفا ~~تظنه يشق عليك، فلا تفهم أنه من قاس عليك، إنما هو من رحمن رحيم. رحمن ~~بك، لأنه يدلك على ما يسعد دنياك ويسعد آخرتك، بدليل أنه سبحانه حين ~~يكلفنا بأمور قد تشق على النفس العادية لا يستفيد من هذا التكليف، فسواء ~~أن تكفر أو أن تؤمن، تصلي أو لا تصلي، لأنه سبحانه بصفة القدرة موجود، ~~وإن لم تؤمن به وإن لم تصل. فعملك إذن لا علاقة له بالله من حيث ~~النفع، العملية لصالحك أنت كما تقول لولدك مثلا: إذا نجحت هذا العام ~~سأشتري لك كذا وكذا. ### || [41.3] # سماه { كتاب.. } [فصلت: 3] لأن الكتاب تعني الجمع. والكتيبة جمع ~~الجنود، فالكتاب تجمع الكلمات إلى بعضها، والكتاب يعني: مجتمع فيه أشياء، ~~وفي القرآن اجتمع كل خير في الدنيا والآخرة، وهو كتاب لأنه مكتوب ~~ومسجل تستطيع أن تقرأه. ولذلك لما أرادوا جمع القرآن وضع الجامع ~~مبدأ، وهو ألا يكتب آية إلا إذا وجدها مكتوبة بالفعل على الرقاع أو ~~العظام أو غيره، مما كانوا يكتبون عليه، ثم يشهد على صحتها اثنان من ~~القراء، فهو كتاب لأنه مكتوب في السطور، وقرآن لأنه مقروء محفوظ في ~~الصدور. الحق سبحانه وتعالى أراد بذلك كما قال الشيخ المرحوم محمد عبد ~~الله دراز: أن تذكر إحداهما الأخرى، فالمكتوب من المقروء يتعاونان في ~~تسجيل كتاب الله تسجيلا دقيقا لا يتطرق إليه الشك. والدليل على ذلك أن ~~جامع القرآن وجد آية مكتوبة، وطلب لها شاهدين فلم يجد إلا واحدا يشهد ~~على صحتها فتوقف عن كتابتها، وكان هذا الشاهد هو سيدنا حذيفة ms8909 رضي الله ~~عنه، وجاء للكاتب من ذكره بحديث سيدنا رسول الله في شأن خزيمة حين ~~قال: # " من شهد له خزيمة فحسبه " # فجعل شهادة خزيمة بشهادتين، وأخذ عنه الآية وكتبها. ولها قصة: قالوا # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد استدان مالا من يهودي، ~~وأداه له دون شاهد بينهما، ثم جاء اليهودي مرة أخرى يطالب رسول الله ~~بالسداد فقال له رسول الله: لقد أديتك. قال: لا، قال أديتك، قال: إذن ~~ابغني شاهدا، فقام أحد الصحابة وقال: أنا يا رسول الله شهدت ذلك، ~~عندها سكن اليهودي لأنه كاذب. وبعد نهاية الموقف استدعى رسول الله ~~الصحابي وقال له: كيف شهدت بذلك ولم يكن معنا أحد؟ فقال له: يا رسول ~~الله، كيف أصدقك في خبر السماء وأكذبك في كذا درهم.. نعم: نقول هنا ~~نعم الاستنباط، لذلك استحق هذه المكانة من رسول الله " من شهد له ~~خزيمة فحسبه ". # ومعنى { فصلت آياته.. } [فصلت: 3] يقولون في الفعل فصلت مبني ~~للمجهول أو لما لم يسم فاعله، والمعنى هنا أن الله فصلها أولا ~~ففصلت أي: صارت مفصلة، فلما بلغها رسول الله للناس أصبحت هي ~~مفصلة لأمورهم ولأحكامهم. ومعنى { فصلت آياته.. } [فصلت: 3] ~~لأن القرآن مقسم ومفصل إلى سور، كل سورة قائمة بذاتها، وداخل ~~السور آيات، كل آية بذاتها، ففي السور الطويل والقصير، كذلك في ~~الآيات تجد كلمة واحدة آية، وتجد آية من عدة أسطر، كذلك فصل الكلمات من ~~حيث مادتها، كذلك فصل الحلال والحرام، وفصل الطاعة والمعصية، ألم ~~يفصل بين الوعد والوعيد، بين الثواب والعقاب. لقد فصل القرآن بين كل ~~هذه المسائل، أو فصلت فيه كل آيات الكون إلى قيام الساعة، لذلك قالوا: # " خطبنا رسول الله خطبة بليغة، ما ترك فيها شيئا، وما ترك من ورقة تسقط ~~إلا حدثنا عنها إلى أن تقوم الساعة، حفظها من حفظها ونسيها من ~~نسيها ". # نعم كما قال تعالى: # ما فرطنا في الكتب من شيء.. # [الأنعام: 38] يعني: أن الأمور التي تحدث في الكون موجودة عندكم في هذا ~~الكتاب. ولذلك لما سئلنا في إحدى ms8910 رحلاتنا إلى أوربا من أحد المستشرقين ~~قال: عندكم في القرآن: # هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله.. # [الصف: 9]. وفيه: # يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم والله ~~متم نوره ولو كره الكفرون # [الصف: 8]. ومع ذلك وبعد مرور أربعة عشر قرنا على ظهور الإسلام، ما ~~يزال اليهود والنصارى والملاحدة والمشركون موجودين، ولم يظهر عليهم ~~الإسلام، فكان الرد الذي وفقنا الله إليه أن الإسلام ظهر بالفعل عليهم ~~رغم وجودهم، والمراد بالظهور هنا ظهور الحجة، فالإسلام ظهر على هؤلاء ~~بالحجة من أعدائهم. وفرق بين أن تظهر الحجة من معتقده، وبين أن تظهر ~~الحجة من معاند، كيف؟ قالوا: ستظهر في الكون أقضية من صنع البشر لا ~~يجدون لها حلا، إلا أن يرجعوا إلى حكم القرآن. إذن: ظهر القرآن عليهم ~~وعلى أفكارهم وعلى أحكامهم وعلى حضارتهم، وإلا لما رجعوا إليه. ومثلنا ~~لذلك بقضية الطلاق في الإسلام، وهي من أهم القضايا التي عارضوها ~~وانتقدوها، وبعد ذلك اضطر الفاتيكان نفسه إلى إباحة الطلاق عندهم، وهذا ~~هو ظهور الإسلام، لا بأن يكونوا مسلمين، إنما بأن تظهر حجته ويشهد له ~~منهم من لم يؤمن به. وقوله: { قرآنا عربيا.. } [فصلت: 3] أي: ~~بلسان عربي وفي أمة عربية، لكن كيف ذلك وهو رسالة عالمية لكل البشر ولكل ~~اللغات؟ ولماذا لم ينزل بكل اللغات؟ قالوا: إذن لم يكن هناك لغة ~~اسبرانتو فالقرآن نزل على محمد في بيئته العربية، لأن الله تعالى يريد أن ~~يظهر هذا الدين في أمة أمية، وعلى لسان رسول أمي حتى لا يقول أحد: إن ~~القرآن وثبة حضارية. فالعرب كانوا أمة لا دولة لها تحكمها ولا نظام ولا ~~قانون، كانوا مجموعة من القبائل كل قبيلة لها قانونها، كل واحد منهم ~~شوكته من ظهره ومع ذلك تأتي مثل هذه الأمة وتوحد العالم كله بما فيه من ~~دول متحضرة من فارس في الشرق إلى الروم في الغرب. فمن أين أتت هذه الأمة ~~بذلك؟ كان عليهم أن يفهموا أنه قانون السماء جاء من أعلى، وإلا ما كان ~~العرب ليقوموا بهذا الدور ms8911 لولا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. إذن: لا ~~مجال لأن نقول عن الإسلام إنه وثبة حضارية، لذلك لما أراد الحق سبحانه ~~إعلاء دينه جعل محمدا صلى الله عليه وسلم يجهر بهذا الدين في مكة، ~~لماذا مكة بالذات؟ لأن فيها قريشا وهي موضع السيادة في الجزيرة كلها، ~~وفيها الصناديد الذين لا يجرؤ أحد على مواجهتهم. # فبين هؤلاء صاح محمد بالإسلام وجهر به، ومع ذلك لم ينصر الدين هؤلاء ~~السادة، إنما نصره المستضعفون والعبيد في المدينة، وقلنا: إن لهذه ~~المسألة حكمة، هي ألا يظهر أحد أن العصبية لمحمد هي التي خلقت الإيمان ~~بمحمد، ولكن الإيمان بمحمد هو الذي أوجد العصبية لمحمد. فالقرآن عربي ~~لأنهم أمة الدعوة الذين سيحملون لواءها ويسيحون بها في أنحاء العالم كله، ~~فالعرب أمة تقوم على الترحال ليس لهم بيوت، ولا يسكنون الفيلات ~~والعمارات، إنما هي الخيمة يحملها معه أينما سار، فوطنه إذن العالم كله ~~وبيته على ظهر جمله، كما أنها قبلية يتعصب كل لقبيلته، لذلك كثرت ~~بينهم الحروب حتى أن بعضها استمر أربعين سنة. هذه الحروب دربتهم على ~~القتال، وزرعت فيهم الشجاعة والتضحية بالنفس في سبيل المبدأ، لذلك لما ~~أراد رسول الله أن يعد جيشا لم يفتح له مدرسة حربية، إنما وجد جيلا ~~من الرجال جاهزا معدا يعلم كل فنون الحرب، كلما سمع أحدهم هيعة طار ~~إليها. هؤلاء هم الرجال الذين سيتلقون الدعوة من رسول الله، هم الذين ~~سينشرونها. إذن: لا بد أن يكون الكلام بلسانهم، والدعوة بلغتهم، ~~ليستطيعوا حملها. لذلك قال تعالى في موضع آخر: # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه.. # [إبراهيم: 4] نعم لأنهم هم الذين سيسمعون منه أولا. لكن كيف تكون ~~عالمية الدين؟ قالوا: حين يسمع منه قومه يؤمنون به، ثم يحملون دعوته إلى ~~الناس لا ألفاظا، لكن يحملونها منهجا وسلوكا وقدوة، ومعلوم أن ~~المناهج لا تختلف فيها اللغات، لذلك غزا المسلمون العالم كله، ليس ~~بالقرآن وآياته إنما بالسلوك وبالمبادئ التي أرساها القرآن. إذن: نزل ~~القرآن بلسان عربي، لأن العرب هم المعدون لهذه المهمة، ms8912 القادرون على ~~حملها، والسياحة بها في العالم كله لكونهم أمة بدوية غير متوطنة، وأمة ~~قتال، وهي أمة أمية لا يمكن أن نتهمها باختلاق هذا الدين، أو أنه وثبة ~~حضارية. وقوله: { لقوم يعلمون } [فصلت: 3] أي: يعلمون أساليب ~~العربية، بل ويجودون فيها، فهم أعلى قمة الفصاحة والبلاغة، بدليل أنك ~~لن تجد أمة في الأرض صنعت معارض للأدب وللكلمة كما صنع العرب في عكاظ ~~والمربد وذي المجاز والمجنة، ففيها كانوا يعرضون إنتاجهم الأدبي ~~ويقيمونه، وما استحسنوه منه يكرمونه بأن يضعوه على أستار الكعبة. إذن: ~~{ لقوم يعلمون } [فصلت: 3] العربية وينبغون فيها نبوغا، بحيث ~~نزل القرآن المعجز بلسانهم. والإعجاز لا يتأتى لمن لا يجيد مجال الإعجاز، ~~فالذي يجهل شيئا لا يصح أن تقول له: أتحداك في هذا الشيء، إنما يكون ~~الإعجاز للمجيد في الشيء المتحدى به، لأن الجاهل له أن يقول لك: والله ~~لو كنت أعلم الشيء الفلاني لغلبتك فيه. # ومن هنا تحدى الله العرب بالقرآن. ولذلك الحق سبحانه وتعالى لا ينزل ~~آية مع رسول من رسله لإثبات صدقه في الدعوة إلا من جنس ما نبغ فيه ~~القوم، فكانت معجزة سيدنا عيسى في الطب، فكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن ~~الله، وسيدنا موسى عليه السلام كانت معجزته العصا، لأن قومه نبغوا في ~~السحر، وجاءت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم في البلاغة والبيان، فتحدى ~~القوم بالقرآن، وبذلك يتأتى الإعجاز. لذلك نسمع من يقول: إن العرب ~~انهزموا أمام القرآن، وهذا غير صحيح، لأن العرب لم ينهزموا بل انتصروا ~~أمام القرآن، كيف؟ لأن الله تعالى لا يتحدى إلا قويا، فتحدى الله لهم ~~دليل على أنهم قوة، لديهم القدرة على البيان ويمتلكون ناصية اللغة. ### || [41.4] # قوله تعالى: { بشيرا ونذيرا.. } [فصلت: 4] هذا أول شيء في ~~التفصيل، كما قلنا: فصل الحق والباطل، والحلال والحرام، هنا بشيرا ~~ونذيرا { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } [فصلت: 4] ~~إعراض الكثرة يدل على أن القلة هي التي آمنت وهي القلة المستضعفة، أما ~~أكثرهم فكانوا أهل السيادة وأهل القوة الذين لم يقبلوا الدعوة الجديدة ~~التي تسويهم بهؤلاء الضعفاء ms8913 والعبيد. لذلك سيدنا أبو بكر لما تولى ~~الخلافة، وجاءه جماعة من هؤلاء الصناديد، وكان عنده جماعة من المستضعفين ~~السابقين للإسلام أخر الصناديد والكبراء حتى يفرغ ممن عنده فشق ذلك ~~عليهم، ووجدوا في أنفسهم شيئا، كيف يقدم أبو بكر عليهم العبيد ~~والضعفاء، فقال الصديق: ما بال هؤلاء؟ كلهم ورم أنفه أن قدمت ~~عليه فلانا وفلانا، فما بالهم إذا قدمهم الله عليهم يوم القيامة في ~~الجنة؟ لكن ما وجهة الإعراض في قوله تعالى: { فأعرض أكثرهم.. ~~} [فصلت: 4] قالوا: وجهة الإعراض أنهم يفهمون مطلوب الدين الجديد بقولهم: ~~لا إله إلا الله. وأن السيادة لن تكون إلا لهذه الكلمة، ولن تكون سيطرة ~~إلا لهذه الكلمة، وأن العباد سيكونون سواء أمامها، إذن: كيف يقولون لا ~~إله إلا الله، وهم يعرفون مطلوبها؟ لذلك لم يقولوها، ولو كانت مجرد كلمة ~~تقال لقالوها، لكنهم يعرفون معناها فوقفوا. وقوله: { فهم لا ~~يسمعون } [فصلت: 4] أي: لا يسمعون سماعا نافعا، وسماعا واعيا ~~مقبولا، وإلا فقوله تعالى: { فأعرض أكثرهم.. } [فصلت: 4] ~~دل على أنهم سمعوا دعوة رسول الله، سمعوها بالآذان فقط، ولم يستفيدوا ~~بهذا السماع، لذلك قال تعالى فيهم: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا.. # [محمد: 16]. لذلك يختلف الناس في تلقي القرآن، فواحد يسمع وينفعل ~~ويسجد لعظمة القرآن، وآخر يسمع ويقول: ماذا قال!! على سبيل الاستهزاء ~~والاستقلال. لأنه لا يسمع بأذن الاعتبار والتأمل، لماذا؟ لأن منافذ القلب ~~من العقل مضببة بالمطلوب الذي يطلبه الإيمان منهم، فقد ألفوا السيادة، ~~فساعة يسمعون ما يعارض سيادتهم وسلطتهم الزمنية يعرضوا. لذلك قلنا في ~~قصة إسلام سيدنا عمر أنه لما سمع القرآن أولا عاند وثار، لأنه قلبه لم ~~يكن معدا للاستقبال السليم، فلما لطم أخته وسال الدم منها رق قلبه ~~ولان، وزال عنه الضباب، فلما سمع القرآن تأثر به وانفعل به فآمن. ### || [41.5] # معنى { أكنة.. } [فصلت: 5] يعني: أغطية جمع كنان أي: غطاء. والغطاء ~~يغلف الشيء بحيث لا ينفذ إليه النور، وفي آية أخرى قال سبحانه: # إنا جعلنا على قلوبهم ms8914 أكنة أن يفقهوه.. # [الكهف: 57] فالأكنة مرة من جعل الله ومرة منهم، فأيهما أسبق؟ أجعل ~~الله لهم أكنة أولا ثم أصابتهم الغفلة، أم أن إعراضهم عن دين الله هو ~~الذي جعل الأكنة على قلوبهم؟ وقلنا: إن الإنسان إذا ألف الكفر وأنس ~~به زاده الله منه وختم على قلبه، بحيث لا يدخله الإيمان ولا يخرج منه ~~الكفر. إذن: يأتي منهم الكفر أولا، وبعد ذلك يختم الله على القلب، كذلك ~~في مسألة الأكنة جاءت منهم أولا، فزادهم الله، وجعل على قلوبهم الأكنة ~~وزادهم مرضا على مرض. إذن: المراد بالأكنة أي الأغطية التي تمنعهم ~~فهم وتدبر ما يسمعون، وما يلقي عليهم { وفي آذاننا وقر.. } ~~[فصلت: 5] وقر يعني: صمم يمنع السماع. وفي سورة البقرة قال: # صم بكم عمي.. # [البقرة: 18]. ومعلوم أن البكم ينشأ عن الصمم، لأن الأصم الذي لا يسمع ~~كيف يتكلم؟ لأن اللغة ظاهرة اجتماعية وهي بنت المحاكاة، فما تسمعه الأذن ~~يحكيه اللسان، فإذا لم تسمع الأذن شيئا لا ينطق اللسان بشيء، فاللغة ~~ليست جنسا، اللغة سماع ومحاكاة، بدليل أنك تأتي بالطفل الإنجليزي مثلا ~~في بيئة عربية ينطق العربية. والأصم عنده القدرة على الكلام، بدليل أنه ~~ينطق ببعض الأصوات غير المفهومة كما نسمع من الأخرس مثلا، حتى الإنسان ~~السوي الفصيح لا يستطيع أن يتكلم بكلمة لا يعرفها من لغته هو، من أين ~~يأتي بها؟ من السماع أولا. ولذلك أخذنا من هذه المسألة أدلة مادية على ~~وجود الخالق الأعلى سبحانه، نقول: أنت كيف تتكلم؟ يقول: أتكلم لأنني ~~سمعت في صغري أبي وأمي ومن حولي يتكلمون، فقلت كما يقولون، إذن: لا ~~تنشأ لغة إلا بالسماع. وكذلك الحال في الآباء وفي الأجداد، وارتق بهذه ~~السلسلة إلى آدم عليه السلام وقل: كيف تكلم آدم وليس قبله أحد يسمع ~~منه؟ لا بد أنه سمع، سمع من من؟ سمع من الله تعالى حين علمه ~~الأسماء كلها. منافذ الخواطر التي ترد الآذان، ومنافذ الخواطر التي تصدر ~~من اللسان، ولأن هؤلاء صم لا يسمعون لم يأخذوا شيئا، وبالتالي لم ~~يخرجوا شيئا، لذلك ms8915 قال سبحانه: { قلوبنا في أكنة.. } ~~[فصلت: 5] يعني: أغطية تمنع عنهم الاستفادة { وفي آذاننا وقر.. } ~~[فصلت: 5] يعني: صمم، ولم يأت هنا بذكر اللسان لماذا؟ لأنهم لن يتكلموا ~~في الدين لأنهم لم يسمعوه، فكونه لم يأت بالكلام هنا دل على أنهم لن ~~يسمعوا ولن يتكلموا، تأمل هنا الدقة لأنه كلام رب. # وقولهم: { ومن بيننا وبينك حجاب.. } [فصلت: 5] أي: ستر ~~غليظ يحجبك، فأنت تكون مع جليسك تحدثه ويحدثك، تسمعه ويسمعك، تراه ~~ويراك، تأنس به ويأنس بك.. إلخ لكن إن كان بينك وبينه حجاب امتنع ذلك ~~كله. هذا الحجاب قد يكون معنويا، تقول: بين فلان وفلان جفوة أي: جفوة ~~صغيرة سرعان ما تزول. لكن إن قلت: بين فلان وبين فلان جفوة، وكررت ظرف ~~المكان دل ذلك على أنها جفوة كبيرة ليس من السهل إزالتها. كذلك قالوا: ~~{ ومن بيننا وبينك حجاب.. } [فصلت: 5] يعني كثيف غليظ يستر ~~كل شيء، من هنا إلى هنا، يعني: يملأ كل ما بيننا من مسافة. قالوا: لما ~~كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم القوم، ويعرض عليهم دين ~~الله كان أبو جهل يأخذ ثوبه ويضعه على وجهه حتى لا يرى رسول الله. وما ~~دام أن بيننا وبينك حجابا، فلن نتفق وكل منا في طريق، وما دام أن لكل ~~طريقه { فاعمل إننا عاملون } [فصلت: 5] وهذه القضية أوضحها ~~الحق سبحان في سورة الكافرون: # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم ~~* ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم دينكم ولي ~~دين # [الكافرون: 1-6] هذه هي النتيجة الطبيعية للحجاب بينهما. بعض الناس حين ~~يقرأون هذه السورة يظنون بها تكرارا، وهذا ليس تكرارا، بل في السورة ~~قطع علاقات، وقطع العلاقات له ظرف يحكمه، ألم تر إلى الدول تقطع إحداها ~~علاقتها بالأخرى، ثم تصفو الأجواء مرة أخرى، وتعود العلاقات أحسن مما ~~كانت، ففرق في الدبلوماسية بين الماضي والحاضر. لكن في مسألة الكفر ~~والإيمان الأمر مختلف فهما ضدان لا يلتقيان، مهما حدث في المستقبل. فلن ~~تعود العلاقات ms8916 بينهما، لذلك قال سبحانه: # لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 2-3] أي: في الزمن الحاضر الآن # ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ ~~أعبد # [الكافرون: 4-5] أي: في المستقبل، فلا تظنوا أن العلاقات بيننا قد تتحسن ~~وتعود بيننا علاقة، لا.. لا التقاء بيننا.. لا في الحاضر ولا في ~~المستقبل. هذه هي قطع العلاقات، وما دام بيننا حجاب وحاجز، فكل منا في ~~طريقه والحمرة في خيله يركبها. { فاعمل إننا عاملون } ~~[فصلت: 5] اعمل ما يروق لك، وما يأتيك من إلهك وإسلامك، ونحن نعمل على ~~قدر آلهتنا وديننا وعبادتنا، اعمل لإلهك الذي أرسلك، ونحن نعمل لآلهتنا ~~التي نعبدها، أو اعمل لآخرتك ونحن نعمل لدنيانا، فالمسألة من الرسول ~~إصرار، ومنهم معاداة، إلى أن يستقيم الميسم، ويأبى الله إلا أن يتم ~~نوره. لذلك نرى تدرج الإسلام وانتشاره في بطء، أمر أتباعه بالهجرة إلى ~~الحبشة وإلى المدينة، تدرج بهم إلى أن تقوى شوكتهم، بدأ ضعيفا ~~بالضعفاء، ثم قوي حتى دخل الأقوياء، كان منحصرا في مكة ثم اتسعت ~~دائرته، وكانت تزيد كل يوم بحيث تزيد أرض الإسلام وتنقص أرض الكفر. # لذلك لما رأى خالد بن الوليد وعمرو بن العاص انتشار الإسلام على هذه ~~الصورة قال خالد لعمرو: والله لقد استقام الميسم، يعني: استقام أمر هذا ~~الدين فهيا بنا نسلم. وأخذ صناديد الكفر يعودون إلى الجادة، ويدخلون في ~~دين الله، فهذا عكرمة بن أبي جهل الذي قاد المعركة في فتح مكة يوم ~~الخندمة ثم أسلم وأبلى في الإسلام بلاء حسنا، حتى مات في إحدى المعارك، ~~وقال قبل أن يموت: أهذه ميتة ترضي عني رسول الله؟ ### || [41.6-7] # قل أي: في الرد عليهم { إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى ~~إلي.. } [فصلت: 6] يعني: لماذا تقفون مني ومن دعوتي هذا الموقف ~~المعاند؟ لماذا تجعلون بيني وبينكم الحجب، وأنا واحد منكم عربي مثلكم ~~تعرفون صدقي وتاريخي قبل ذلك بين ظهرانيكم. ومن رحمة الله بكم أن ~~أرسلني إليكم بشرا من جنسكم، ولم يرسل إليكم ملكا: # ولو جعلنه ملكا لجعلنه ms8917 رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9]، وتعلمون سوابقه في الصدق والأمانة والعفة. ثم لو جاءكم ~~ملك، أكنتم تقتدون به على ملكيته؟ إن الأسوة لا تكون من الملك ~~للبشر. وتأمل الأدب والتواضع من رسول الله في قوله: { إنمآ أنا ~~بشر مثلكم.. } [فصلت: 6] يعني: لا كبرياء ولا تعال، لكن فضلني ~~الله عنكم بأنه { يوحى إلي.. } [فصلت: 6] ومضمون هذا الوحي { ~~أنمآ إلهكم إله واحد.. } [فصلت: 6] وما دام يوحى ~~إلي فأنا مبلغ لا ذنب لي تؤاخذونني عليه، أنا بشر مثلكم ومن أنفسكم ~~لا أمتاز عليكم إلا بما ميزني الله به من الوحي. لذلك نجد الحق سبحانه ~~كثيرا ما يصحح لرسول الله ويعدل له الحكم ويعاتبه، ورسول الله هو ~~نفسه الذي يخبرنا بذلك، وهذا دليل على أنه أمين في البلاغ عن ربه، لذلك ~~يقول تعالى: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين # [الحاقة: 44-46]. وقال: { أنمآ إلهكم.. } [فصلت: 6] ولم يقل ~~ربكم لأنهم يؤمنون بوجود الله الخالق الرازق، المشكلة عندهم في الإله ~~المعبود، فالإله المعبود له أوامر ومطلوبات الإله يقتضي الطاعة في الأمر ~~وفي النهي، فهم مسلمون بالربوبية مشركون في الألوهية، فأراد أن يبين ~~لهم: { أنمآ إلهكم إله واحد.. } [فصلت: 6] ليس ~~متعددا، مرة يقول { إله واحد.. } [فصلت: 6] وفي سورة الإخلاص ~~قال: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] واحد يعني ليس له ثان، وأحد يعني أحد في ذاته غير مركب ~~من أشياء فهي تنفي التجزؤ. وقد اتخذ الكفار آلهة متعددة ليرضوا ما في ~~أنفسهم من عاطفة التدين، وليكون لهم إله معبود بلا منهج وبلا تكاليف، ~~لذلك قلنا: إن من الوسطية في ديننا أنه يؤمن بإله واحد، في حين يوجد من ~~يؤمن بآلهة متعددة، ويوجد من ينكر الإله بالمرة، فجاء الدين الإسلامي ~~وبين أن الإله واحد. وما دام هو إله واحد { فاستقيموا إليه ~~واستغفروه.. } [فصلت: 6] استقم يعني: سر على حد الاستقامة لا ~~تميل هنا ولا هناك. قالوا: كان رجل من طيء، اسمه ابن بندر رأى شابا بيته ~~هنا، لكن لا يذهب إليه من الطريق ms8918 المعتاد المستقيم، إنما يدور في طرقات ~~القرية ليذهب إلى بيته. فعرف من ذلك أن الشاب يقصد بدورانه في الطرقات ~~شيئا مريبا، فقال له: يا هذا استقم إلى بيتك يعني: اذهب إليه من الطريق ~~المستقيم، عندها عرف الشاب أن الرجل فقسه وعرف قصده غير الشريف فارتدع. # كذلك قوله تعالى: { فاستقيموا إليه.. } [فصلت: 6] يعني: ~~اقصدوه من طريق الاستقامة، وسمى طريقه الصراط المستقيم، وقد أثبت العلم ~~أن الطريق المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين، ثم إن الطريق المستقيم قد ~~يكون ضيقا يجبرك على الاستقامة عليه، وقد يكون واسعا يسمح بالميل ~~يمينا ويسارا أوتوستراد. فإن كان واسعا فاستقم فيه أيضا لتقصر على ~~نفسك مسافة الوصول، لأنك حين تميل تزيد المسافة، لذلك قال: # سوآء السبيل # [البقرة: 108] يعني: في وسطه دون ميل، بحيث يكون ما على يمينك مثل ما ~~على شمالك، فمرة قال # اهدنا الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6] ومرة قال # سوآء السبيل # [البقرة: 108]. فقوله تعالى: { فاستقيموا إليه.. } [فصلت: 6] ~~أي: بداية، فإن أصابتكم غفلة عن المنهج واقترفتم شيئا { ~~واستغفروه.. } [فصلت: 6] أي: اطلبوا منه المغفرة. { وويل ~~للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة.. } [فصلت: 6-7] ~~لأن الاستغفار طلب محو الشيء السابق، والقاعدة الشرعية تقول: إن درء ~~المفسدة مقدم على جلب المصلحة. ومثلنا لذلك بواحد يريد أن يرمي ~~لك تفاحة، وواحد يريد أن يرميك بحجر فأيهما أولى، الأولى دفع ~~الحجر، فقال { واستغفروه.. } [فصلت: 6] ليتم لكم مسح الذنوب، ~~ولتنشئوا مع الله علاقة جديدة قائمة على الطاعة والاستقامة. كلمة { ~~وويل.. } [فصلت: 6] يعني: هلاك { للمشركين * الذين لا ~~يؤتون الزكاة.. } [فصلت: 6-7] وهل فرضت الزكاة على مشرك؟ ~~الزكاة لم تكن فرضت حتى على المؤمنين في هذا الوقت. قالوا: المراد ~~بالزكاة هنا تطهير المال في حالة نموه، وكان المشركون يفعلون ذلك بالفعل، ~~لكن يفعلونه من منطق الكرم والسمعة الطيبة، ولم يكن الله في بالهم. ~~لذلك حكي أن المطعم بن عدي كان له قدر يطعم فيه كذا وكذا، حتى أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " كنت أستظل من وهج الشمس بظل قدر المطعم بن عدي ". # ومثله ms8919 حاتم الطائي وغيرهم من كرماء العرب، لكنه قال: { الذين لا ~~يؤتون الزكاة } [فصلت: 7] لأن الإنسان عادة يحب ماله، والحق ~~سبحانه يقول: # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون # [الحشر: 9] لأن للإنسان مطالب كثيرة في الحياة. كان البيع والشراء ~~تبادلا عينيا. يعني: تعطيني سلعة، وأعطيك مقابلها سلعة أخرى، وقت لم ~~يوجد النقد بعد تعطيني قمحا، وأعطيك تمرا مثلا، فكل شيء من هذه ~~الأشياء ثمن وسلعة، فالقمح عندك سلعة، والتمر عندي ثمن. فكل واحد منا ~~بائع ومشتر. لذلك قال تعالى في قصة سيدنا يوسف: # وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي ~~مثواه.. # [يوسف: 21] فقال: اشتراه يعني أخذه وقال عن الآخرين: # وشروه بثمن بخس دراهم معدودة.. # [يوسف: 20] يعني: باعوه. إذن هذه مبادلة، كل واحد منهم بائع ومشتر في ~~نفس الوقت. { الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة ~~هم كافرون } [فصلت: 7] أم أن هذه كلمة عامة، فبإشراكهم لم يأخذوا ~~حكم الله في الزكاة، فلم يعد فيهم خير لبيئاتهم ولا لمواطنيهم، لأن ~~الله تعالى يريد من الإيمان أن ينشر الاستطراق العبودي في البشر، بأن ~~يعين القوي الضعيف، والصحيح يعين المريض، والغني يعين الفقير، والعالم ~~يعين الجاهل. ولكن أهم زاوية من زوايا الحياة هي زاوية استبقاء الحياة ~~بالقوت، والقوت يحتاج إلى المال، لذلك الحق سبحانه وتعالى حين يتكلم في ~~هذه المسألة عن المؤلفة قلوبهم، وهم قوم نريد أن نرقق قلوبهم ناحية ~~دين الله، ونجذبهم إليه ليحسنوا التمعن والاختيار، لا أن نشتريهم للدين ~~كما يدعي البعض. ومن الطرق إلى هذه الغاية أن نحسن إليهم، لذلك جعلهم ~~الله تعالى مصرفا من مصارف الزكاة، وأعطاهم من مال الله لانت قلوبهم. ~~وحين تحسن إلى شخص ماذا فعلت به؟ أولا نفضت عنه البغض، وما دمت ~~نفضت عنه البغض، فلا ينظر إليك وهو كاره لك ولا حاقد عليك، وعلى الأقل ~~يسمع منك، وهذا ما حدث للمؤلفة قلوبهم. لذلك لما انتقل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ارتد جماعة من العرب عن دين الله، لماذا؟ أول شيء ارتدوا ~~من أجله فريضة الزكاة، ومن أجلها ms8920 كانت حروب الردة، لذلك سمعنا أن سجاح ~~مدعية النبوة ومسيلمة أول ما قالوا في دعواهم قالوا: نسقط عنكم الزكاة. ~~لينالوا بذلك الرضا عن نبوتهم المزعومة، يريدون بذلك تخفيف التكاليف التي ~~تشق على النفس. وبعضهم قال: نسقط عنكم نصف الصلاة، وكل مخفف لشرع الله ~~باطل وفيه إيذاء، لأنه ينزل من منهج الله إلى منهج التخفيف، والله سبحانه ~~حين يريد التخفيف والتيسير يأتي بالتيسير من عنده سبحانه، ومنهج الله لا ~~يستدرك عليه. وفي شرع الله أحكام كثيرة تدل على هذا التخفيف، كصيام ~~المريض والمسافر، وصلاة المريض والمسافر، وغير ذلك كثير في الشرع، فالله ~~المشرع لك هو الذي يحدد لك التخفيف، لا أنت، وهو سبحانه أعلم بمدى ~~المشقة التي تحتاج إلى تخفيف الحكم. لذلك نسمع من يقول: نريد أن نجدد ~~الإسلام، نقول: سبحان الله، يا قوم اتقوا الله كيف نجدد الإسلام؟ وكيف ~~نستدرك على أحكام الله، ونقول: يا شيخ جدد ما شئت فلن يلبس مسلم ~~جديدك، والعلة أن لباس التقوى من الخالق لا يخلق حتى يجدده مخلوق، ~~أريحوا أنفسكم. لكن لماذا جعل الله تعالى من الناس الغني والفقير ~~المحتاج؟ لماذا لم يجعلهم جميعا في سعة ولا داعي للزكاة إذن؟ قالوا: ~~لأن الله تعالى يريد أن يشيع بين خلقه التراحم والتواد، وحين يجد ~~الفقير الغني لا يتكبر عليه بغناه، بل يأتي إليه ويطرق عليه بابه، ويعطيه ~~حقه في مال الله، ساعتها يحبه ويحب له الخير والمزيد ولا يحقد عليه، ولا ~~يتمنى زوال النعمة من بين يديه. # إذن: حين تعطي إنما تستل الغضب والحقد من النفوس، فتجعل مالك عرضة ~~للمزيد. والحق سبحانه قادر على أن يجعل الناس جميعا أغنياء، إنما ~~الحكمة في أن يوجد الغني الفقير، وأن تتداول هذه المسألة، فقد لا يدوم ~~للغني غناه، ولا يدوم للفقير فقره، فالأحوال تتقلب، بحيث يرتبط كل ~~بكل ارتباط محبة ومودة، والارتباط هنا ليس ارتباط تفضل، إنما ارتباط ~~حاجة. إننا لو تخرجنا جميعا في الجامعة، فمن يكنس الشارع، ومن ~~يقود السيارة، ومن يصنع لنا كذا وكذا؟ تقول: يمكن ms8921 أن نتفق على أن يقوم ~~كل منا بعمل في يوم محدد. نقول: نعم لكن يكون العمل هنا تفضلا، ~~والتفضل لا يلزم أحدا إنما تلزمه الحاجة، والله يريد أن ترتبط مصالح ~~الناس بالحاجة، ولذلك تجد الرجل يعمل العمل الشاق، وربما فيه أذى، قد لا ~~تتحمله أنت، وقد ترى هذا العمل حقيرا، فما الذي حمله عليه؟ حملته ~~الحاجة، وألجأته إليه ضروريات الحياة، وأكل العيش ومسئولية الأسرة ~~والأولاد، وإلا ما أهان نفسه هكذا. ووالله لقد شاهدنا في بيت واحد رجلا ~~يعمل صرماتي، وأخاه يبيع العطور، وتأمل ماذا يشم كل واحد منهما. وكان ~~سيدنا الشيخ موسى رضي الله عنه كثيرا ما يدعو ويقول: اللهم أفقر ~~الصناع وأغن العلماء، وكنا نغضب من هذا الدعاء ونقول له: ماذا تقول ~~يا سيدنا؟ كيف ذلك؟ فيقول: والله لو افتقر العلماء لزلوا في الفتوى، ~~ولو اغتنى الصناع لما انتفعنا منهم بشيء. نعم رأينا فعلا العامل إن كان ~~في جيبه عشرة جنيهات قعد عن العمل حتى يصرفها. إذن: لا بد من الحاجة ~~لتقضى مصالح الخلق. الحق سبحانه وتعالى جعل استطراق المال في المجتمع ~~أهم قضية في الإسلام، لذلك جعلها من أركان الإسلام، فالحق سبحانه لم ~~يعف أحدا من أن يمد يد الاستطراق الاقتصادي للغير، إن كان واجدا ~~يبذل، وإن كان غير واجد مالا فليجد مقالا ينصح به من يجد. قال ~~تعالى: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله ما على المحسنين من سبيل.. # [التوبة: 91]. فإذا لم يكن لديه المال ولا المقال الذي يرقق به ~~القلوب، فلا أقل من أن يفعل ذلك في ذاته: # ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم.. # [التوبة: 92] أي في الجهاد # قلت لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ~~ينفقون # [التوبة: 92]. وهذه هي المرحلة الثالثة: إن كان واجدا فليبذل، وإن ~~كان غير واجد فليبذل المقال الذي يرقق به قلوب الواجدين، وأخيرا إذا ~~لم يجد هذا ولا هذا يحزن في ms8922 نفسه أنه لا يجد، فنفسه تتوق للبذل لكنه لا ~~يجد، ويصل به الوجد في هذه المسألة إلى أنه يبكي ألما وحزنا لشوقه ~~إلى العطاء. هذا كله لاستطراق المال والاقتصاد في المجتمع الإسلامي لأنه ~~عصب الحياة وبه تستبقى الحياة، وبه يكون القوت. وقوله سبحانه: { ~~وهم بالآخرة هم كافرون } [فصلت: 7] يعني: كفروا في البداية ~~حين أشركوا بالإله الواحد، وكفروا في النهاية بالآخرة، كفروا في المنبع ~~والمصب. ### || [41.8] # ذكر المقابل سمة من سمات الأسلوب القرآني، فبعد أن ذكر المشركين ~~ذكر بعدهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فلم يترك المسألة هكذا عائمة، بل ~~وضع أمامك الصورتين لتقارن أنت وتحكم كما في: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14]. وقال # فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا.. # [التوبة: 82]. ذلك لتتم المقارنة في وقتها. معنى { ممنون } [فصلت: ~~8] أي: غير منقطع، أو ممنون يعني: لا يمتن به عليهم، كما في # وإن لك لأجرا غير ممنون # [القلم: 3] وفيها ملحظ آخر أن الذي يعمل عملا صالحا، ثم تعجزه أموره ~~عن عمله يقول الله له: العجز فيك مني، ولذلك سأعطيك أجر ما كنت تعمله ~~أولا، ويظل لك أجره إلى يوم القيامة، هذا معنى { غير ممنون } ~~[فصلت: 8]. ### || [41.9] # انتقل السياق هنا إلى النظر في آيات الكون، لأنها هي الوسيلة للإيمان ~~بالمكون سبحانه، فالكون كون عجيب بديع متقن في نظامه وفي هندسته، ~~هذا النظام مستقر لا يتخلف ولا يطرأ عليه ما يخرجه عن هذا الإتقان، ~~فإن أردت أن ترقق قلوب الناس فذكرهم بالآيات الكونية الطبيعية ~~التي لا دخل للإنسان فيها. لذلك نجد كثيرا في القرآن: # ومن آياته.. # [الشورى: 32]. وهنا يحدثنا عن الخلق الأول وبداية نشأة هذه الأرض { قل ~~أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين.. } ~~[فصلت: 9] والهمزة هنا أفادت الاستفهام الإنكاري الذي ينكر عليهم كفرهم ~~بالخالق سبحانه، وكأنه يقول لهم: إن هذا العمل منكم معلوم لنا وهو لا ~~يجوز، فيريد سبحانه أن يلفتهم إلى المقابل. ثم لم يكتفوا بالكفر ~~بالخالق بل { وتجعلون له أندادا.. } [فصلت: 9] يعني: شركاء. ~~مع أنهم يعلمون أنه سبحانه الخالق ms8923 وحده # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى ~~يؤفكون # [الزخرف: 87] # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعلمون # [لقمان: 25]. هكذا يعترفون بها عندما يغيب عنهم اللدد والعناد. وقوله: ~~{ في يومين.. } [فصلت: 9] أي: اليوم المعروف لنا، واليوم عندنا من ~~الوقت إلى مثله، ويشمل الليل والنهار لأن الله يخاطبنا بما نعرفه { ~~وتجعلون له أندادا.. } [فصلت: 9] شركاء لم يخلقوا شيئا { ~~ذلك رب العالمين } [فصلت: 9] أي: هذا الذي تجعلون له أندادا ~~هو رب العالمين، وهو رب العالمين بإقراركم أنتم # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله.. # [لقمان: 25]. ### || [41.10-11] # تكلم الحق سبحانه عن خلق الأرض، وأخبر أنه خلقها في يومين، فهل معنى ~~هذا أن خلق الأرض استغرق مدة يومين بيومنا نحن؟ لا، إياك أن تظن ~~أن خلق الأرض استغرق يومين، أو أنه كان معالجة تحتاج إلى وقت. فالمسألة ~~كما تقول مثلا: أريد أن أصنع الزبادي عندي في البيت، فأقول لك: هات ~~اللبن وضع عليه المادة المعروفة لعمل الزبادي، ثم اتركه في درجة حرارة ~~معينة بمدة معينة، وبعدها يصير اللبن زبادي بعد عدة ساعات مثلا، فهل ~~يعني هذا أن صناعة الزبادي استغرقت منك عدة ساعات؟ لا بل دقائق أعددت ~~فيها المادة وتركتها تتفاعل لتصبح زبادي. مثلا حين تذهب للخياط ليخيط لك ~~ثوبا، يقول لك: تعال خذه بعد أسبوع، فهل استغرق الثوب في يده ~~أسبوعا؟ كذلك مسألة الخلق هذه. وبعد أن خلق الله الأرض جعل فيها ~~الرواسي، وهي الجبال الراسية الثابتة المستقرة، والتي بها تستقر الأرض، ~~كما قال سبحانه: # والجبال أوتادا # [النبأ: 7] ولو أن الأرض مستقرة بطبيعتها ما احتاجت إلى الجبال، إذن: ~~دلت الرواسي على أن الأرض تدور، فهذا دليل على دوران الأرض. { ~~وبارك فيها.. } [فصلت: 10] قلنا: البركة أن الشيء يعطي من الخير ~~فوق مظنة حجمه وفوق المنتظر منه، كأن تجد الطعام مثلا الذي تظنه يكفي ~~خمسة يكفي لعشرة فتقول: فيه بركة. وقوله { وبارك فيها.. } [فصلت: ~~10] في أي شيء؟ في الأرض حيث ذكرت أولا؟ أم في الجبال وهي آخر ms8924 مذكور؟ ~~قالوا { وبارك فيها.. } [فصلت: 10] أي: في الرواسي { وقدر ~~فيهآ أقواتها.. } [فصلت: 10] أي: في الجبال أيضا. وقد أثبت ~~الواقع ذلك، وأثبت العلم أن الجبال هي مصدر الخير لباقي الأرض، ومنها ~~عناصر الخصوبة والغذاء الذي لا بد منه لبقاء حياة الكائن الحي، ومعلوم ~~أن العناصر في التربة تنقص وتحتاج إلى مدد وتجدد من حين لآخر. وهذا ~~ما يحدث فعلا، حين يسقط المطر على الجبال فيفتت قشرتها، ويحمل السيل هذا ~~الفتات ويسير به ليوزعه على الأرض المسطحة المنزرعة، كما في طمي النيل ~~زمان وقبل بناء السد العالي، هذا الطمي من أين جاء؟ من منابع النيل في ~~أعلى الجبال. وكنا نرى ماء النيل مثل الطحينة، ويظل كذلك إلى المصب في ~~البحر المتوسط، ومن هذا الطمي نشأت الدلتا، فالبحر كان يمتد حتى دمياط، ~~والآن انظر لما بين دمياط ورأس البر مثلا. كذلك الحال في الوديان حول ~~الجبال، حيث تؤثر عوامل التعرية في القشرة الخارجية من الجبال، ويجرفها ~~السيل إلى الوديان، فتجدد التربة وتزداد خصوبتها، فكأن الجبال بالفعل ~~مخازن قوت البشر، لذلك قال عنها { وبارك فيها.. } [فصلت: 10]. ~~وتأمل أيضا الحكمة والهندسة الكونية العالية، فالجبل قاعدته أسفل وقمته ~~أعلى على عكس الوادي بين الجبلين، فرأس المثلث فيه إلى أسفل وقاعدته إلى ~~أعلى، وكل عام يأتي المطر ليأخذ من قمة الجبل ويعطي لقاعدة الوادي، ~~وكأنه تجدد واتساع للوادي يناسب الزيادة البشرية. # فالله تعالى يعطي من نعمه على قدر الزيادة التي تخيفنا الآن، يعني: ~~اطمئن فالرزق عند الله مضمون لذلك قال بعدها { وقدر فيهآ ~~أقواتها.. } [فصلت: 10]. هذه المراحل: { وجعل فيها رواسي ~~من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها.. } ~~[فصلت: 10] جاءت في { أربعة أيام.. } [فصلت: 10] هذه الأربعة ~~أيام { سوآء.. } [فصلت: 10] أي: أيام متساوية { للسآئلين } ~~[فصلت: 10] أي: الطالبين للرزق. أو { في أربعة أيام.. } ~~[فصلت: 10] يعني: في تتمة أربعة أيام { سوآء.. } [فصلت: 10] أي: استوت ~~وتمت. وحين نضيف هذه الأربعة أيام، إلى اليومين السابقين تعطينا ستة ~~أيام هي مجمل خلق السماوات والأرض في ستة أيام، كما قال سبحانه في موضع ~~آخر: # الذي ms8925 خلق السموت والأرض في ستة أيام.. # [الأعراف: 54]. بعد ذلك يتكلم سبحانه عن خلق السماوات على وجه ~~التفصيل، فيقول: { ثم استوى إلى السمآء وهي دخان ~~فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ ~~أتينا طآئعين } [فصلت: 11]. كلمة { استوى.. } [فصلت: 11] ~~عملت معارك بين العلماء، ولما حصرنا مادة استوى في القرآن الكريم وجدنا ~~أنها وردت اثنتا عشرة مرة، سبعة منها في الاستواء على العرش واثنتان ~~للسماء وللأرض، هذه الآية التي معنا { ثم استوى إلى السمآء ~~وهي دخان.. } [فصلت: 11] وواحدة في البقرة: # فسوهن سبع سموت.. # [البقرة: 29]. هذه تسعة، ويبقى ثلاثة مواضع، واحد خاص بالوحي في قوله ~~تعالى عن جبريل: # ذو مرة فاستوى # [النجم: 6] يعني: بلغ مداه. وواحدة في موسى: # ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما ~~وكذلك نجزي المحسنين # [القصص: 14] يعني: بلغ سن الرشد. وواحدة في التمثيل لهذه الأمة في ~~الإنجيل، قال تعالى: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في ~~التوراة.. # [الفتح: 29]. هذه صورة أمة محمد في التوراة، فهم قوم أشداء على الكفار ~~رحماء على المؤمنين، وهم ركع سجد لهم سيمة وعلامة يعرفون بها، ~~وهذه كلها قيم معنوية لم يأت فيها شيء مادي، ذلك لأن اليهود كانوا ~~يؤمنون بالماديات، حتى أنهم أرادوا أن يخلعوا الماديات على الخالق ~~الأعلى، لذلك قالوا لموسى عليه السلام: # أرنا الله جهرة.. # [النساء: 153]. أما مثلهم في الإنجيل فلم يأت بقيم ولا روحانيات، إنما ~~جعله مثلا ماديا بحتا، لماذا؟ لأن المسيحية كلها مواجيد دينية روحية، ~~ليس فيها شيء من مادة الأرض، لذلك سئل سيدنا عيسى عن مسألة ميراث. فقال: ~~لم أرسل مورثا. # لذلك جاء مثل أمة محمد عنده مثلا ماديا، فالمثل عند اليهود جاء ~~روحانيا لأنها مفقودة عند اليهود، وجاء ماديا لأن المادية مفقودة عند ~~النصارى، فقال: # ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ~~ليغيظ بهم الكفار.. # [الفتح: 29] هذا مثل مادي صرف، فالمثل المادي مفقود ms8926 في المسيحية، ~~والعنصر الروحي مفقود فيما اتخذه اليهود، فجاء الإسلام ليجمع بين ~~العنصرين معا في دين واحد. هذه اثنتا عشرة موضعا ذكرت فيها مادة ~~الاستواء، وكان الخلاف بين العلماء في المواضع السبعة التي تتكلم عن ~~الاستواء على العرش، وهذه المواضع السبع في سبع سور جمعها الناظم في ~~قوله: # ففي سورة الأعراف ثمة يونس # وفي الرعد مع طه فللعد أكد # وفي سورة الفرقان ثمة سجدة # كذا في الحديد فافهموا فهم مؤيد # كلمة { استوى.. } [فصلت: 11] إن كانت للعرش يقول: استوى على، وإن ~~كانت للسماء قال: استوى إلى، البعض فهم استوى على أنه كاستواء المخلوق ~~على الكرسي فوقعوا في التشبيه والتجسيم، أما استوى إلى السماء يعنيك ~~قصدها وتوجه إليها بإرادته سبحانه. ذلك لأن العرش في الموجودات سمة ~~التمكن من الحكم واستتباب الأمر للحاكم، فالحاكم إن كان عليه مشاغبات ~~لا يستقر على العرش ولا يستتب له أمر الملك إلا إذا دان له الجميع ~~وخضعوا. لذلك قال في بلقيس: # ولها عرش عظيم # [النمل: 23] يعني: استتب لها الأمر، فكلمة استوى على العرش دلت على ~~أن الكون كله استجاب له وانقاد لأمره دون منازع لذلك قال هنا عن السماء ~~والأرض { قالتآ أتينا طآئعين } [فصلت: 11]. وللعلماء في ~~الاستواء عدة مقالات جمعها الناظم في قوله: # ولهم مقالات عليها أربع # قد حصلت للفارس الطعان # وهي استقر وقد علا وكذاك # قد صعد الذي هو رابع # فالمعنى هنا { ثم استوى إلى السمآء.. } [فصلت: 11] أي: ~~قصدها وتوجه إليها بإرادته تعالى، واستوى على العرش يعني: استقر له ~~الأمر واستتب، لأن كل الوجود استجاب له وانقاد، فلما قال للأرض ~~وللسماء: { ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين ~~} [فصلت: 11]. لذلك قلنا: إن الحق سبحانه لم يقبل على قوله كن إلا ~~لعلمه تعالى أن شيئا من ملكه لن يتخلف عن الاستجابة لأمره لذلك قال # وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 2] يعني: فقط تسمع النداء فتستجيب فورا، لذلك شهد الله ~~لذاته بذلك: # شهد الله أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18] وبشهادته سبحانه لنفسه أنه لا إله إلا هو قال ms8927 لكل شيء: ~~كن فكان. وبعد ذلك شهدت الملائكة، وشهد أولو العلم. وقوله: { وهي ~~دخان.. } [فصلت: 11] أي: على هيئة الدخان الذي يسميه العلماء ~~السديم، والمراد أن الكون كان على هيئة غازية، ومن هذه المادة الغازية ~~تكونت الأرض والصخور والجبال. وبعد أن تكونت السماء والأرض أمرهما ~~الخالق سبحانه { ائتيا طوعا أو كرها. # . } [فصلت: 11] فكان الرد { أتينا طآئعين } [فصلت: 11]. وهذا ~~الرد دل على سرعة الاستجابة للأمر، وعلى انقياد الكون كله لخالقه ~~تعالى { أتينا طآئعين } [فصلت: 11] وهل نملك المخالفة، ولماذا ~~نأتي كارهين؟ هذا يعطيك دليلا على انقياد الكون لله، لأنه ليس له هوى ~~في نفسه يغير الموقف # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. أما الإنسان فكل له هوى، لذلك جاء في الحديث الشريف: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبع لما جئت به " # وما دام سيكون هواك تبعا لما جاء به النبي، وأنا هواي تبع لما جاء به ~~النبي، فالهوى إذن واحد # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموت ~~والأرض.. # [المؤمنون: 71]. { أتينا طآئعين } [فصلت: 11] هذا كلام السماء ~~والأرض، وكان القياس أن يقول: طائعين بالمثنى إنما قال { طآئعين } ~~[فصلت: 11] بصيغة الجمع. والسماء والأرض مؤنث، فكان القياس أن يقول: ~~طائعات. إذن: خالف في أمرين، لماذا؟ قالوا: لأن الشيء يكون مفردا لكنه ~~تحته. فإذا نظرت إلى المفرد جئت بالمفرد، وإذا نظرت إلى ما تحته جئت ~~بالجمع. قال تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما.. # [الحجرات: 9] فلم يقل: اقتتلتا بالمثنى المؤنث، إنما { اقتتلوا.. } ~~[الحجرات: 9] لأن أمر القتال راجع إلى رؤساء كل طائفة، هم الذين يقررون ~~القتال أو عدم القتال، وساعة القتال لا يمسك كل فريق بسيف واحد يقاتل به ~~الفريق الآخر، إنما يمسك كل فرد بسيفه. فالطائفة هنا مفرد تحته جمع، ~~فقال في القتال { اقتتلوا.. } [الحجرات: 9] لكن عند الصلح قال: # فأصلحوا بينهما.. # [الحجرات: 9] لأن أمر الصلح لا يكون مع أفراد الجيش، إنما يكون مع ~~القادة لكل طائفة الذين يصرفون الأمر حربا أو سلما. ### || [41.12] # قوله { فقضهن.. } [فصلت: 12] أي: جعل السماء وأبدعها وخلقها { ~~سبع ms8928 سموت.. } [فصلت: 12] في مدة يومين حين نجمع هذين اليومين ~~إلى الستة أيام السابقة تعطينا ثمانية أيام، إذن: خلق السماء والأرض ~~كان في ثمانية أيام، لا في ستة كما قالت الآية. هذا جعل بعض المستشرقين ~~يظنون هنا مأخذا وتناقضا في كلام الله، ولكن حاشا لله أن يكون في كلامه ~~تناقض، لأن الإجمال ستة والتفصيل ثمانية، وحين تجد إجمالا وتفصيلا، ~~فالتفصيل حجة على الإجمال لأنها أيام متداخلة، كيف؟ قالوا: لأن الله ~~تعالى خلق الأرض في يومين، ثم جعل فيها رواسي، والرواسي من الأرض، وبارك ~~فيها وقدر فيها أقواتها، هذا كله في الأرض، فحين يقول # في أربعة أيام.. # [فصلت: 10] أي: في تتمة أربعة أيام. فمجمل خلق الأرض في أربعة أيام، ~~فاليومان الأولان داخلان في الأربعة أيام. كما تقول مثلا: سرت إلى ~~طنطا في ساعتين، وإلى الإسكندرية في أربع ساعات، فالساعتان الأوليان ~~داخلتان في الأربع. إذن: خلق الله تعالى الأرض بما فيها من الرواسي في ~~أربعة أيام، فإذا أضفنا يومين في خلق السماء كان المجموع # في ستة أيام.. # [الأعراف: 54]. وقوله: { وأوحى في كل سمآء أمرها.. } ~~[فصلت: 12] أي: جعل فيها ودبر فيها أمرها. يعني: بين مهمتها وما فيها ~~من وجوه الخير، ومن الرسول الذي سيكون فيها.. إلخ وبين مهمتها التي ~~تقوم عليها في هداية حركة الحياة. { وزينا السمآء الدنيا ~~بمصبيح.. } [فصلت: 12] وهي الكواكب والنجوم التي تضيء في السماء ~~كالمصابيح ومنها الشمس والقمر، وتجد أن نور الشمس غير نور القمر، نور ~~الشمس يسمى ضياء. يعني: نور مع حرارة أما القمر فله نور فقط، لذلك ~~يسمونه النور الحليم، لأنه خال من الحرارة، لذلك قال تعالى: # هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا.. # [يونس: 5]. وقال: # سراجا وقمرا منيرا # [الفرقان: 61]. وقوله: { وزينا السمآء الدنيا ~~بمصبيح وحفظا.. } [فصلت: 12] السماء الدنيا هي السماء التي ~~نباشرها نحن ونرى فيها النجوم، والمصباح يقاد من ضوء الشمس حين ينعكس، ~~فيعطي ضوءا هادئا نسميه ضوء حليم يعني: لا حرارة فيه. والحق سبحانه ~~الذي خلق الخلق وهو أعلم بما يصلحه علم أن له زمنين: زمنا للكدح ms8929 ~~والحركة، وزمنا للراحة والسكون، فالليل للسكون، والنهار للحركة، ولا ~~يمكن أن تتحرك حركة قوية رشيدة إلا إذا كنت قد استوفيت أولا نوما ~~هادئا، وإلا من لم ينم ويسترح لا يقدر على العمل في الصباح، لكن بعض ~~الحركات لا تكون إلا ليلا. لذلك جعل لنا الخالق سبحانه ضوءا يهدينا في ~~ظلمة الليل مثل الوناسة كما نقول، فلا يمكن أن يتركنا في ظلمة نتخبط ~~فيها، فنحطم الأضعف منا، أو يحطمنا الأقوى. # لذلك قال سبحانه عن النجوم: # وعلامات وبالنجم هم يهتدون # [النحل: 16] الحق سبحانه صنع ذلك لتصويب حركة الحياة، لأن الله خلق ~~الخليفة آدم، وأمره أن يعمر الأرض، يعمرها بما أعطاه الله من مادة وعقل ~~يختار بين البدائل، وبما أعطاه الله من جوارح تنفذ مرادات العقل، فأراد ~~سبحانه أن يضمن سلامة الكون مع نفسه، هذا في المادة. وللنجوم مهمة أخرى ~~في القيم، قبل بعثة رسول الله. وقال تعالى: { وحفظا.. } [فصلت: 12] ~~وفي موضع آخر قال: # وحفظا من كل شيطان مارد # [الصافات: 7] فقد كان الجن يتسمع إلى الملأ الأعلى في السماء، فيأخذ ~~شيئا من أمور الخلق يسمعها من الملائكة وينزل بها إلى الكهنة، فيخبرون ~~الناس بها على أنهم يعلمون الغيب، وفعلا تصدق هذه الأخبار فيظن الناس ~~أنهم يعلمون الغيب، ويأتي الكاهن بالشيء الصادق صدفة، ومعه أشياء كثيرة ~~كذب. كان هذا قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، لكن لما جاء سيدنا رسول الله ~~حفظ الله السماء من استراق السمع، لذلك قال: # وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن ~~يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # [الجن: 9]. لذلك رأينا أن العرب كانوا يحتكمون إلى الكهان ~~ويصدقونهم، يروى أن هندا امرأة أبي سفيان كانت قد تزوجت رجلا ~~اسمه الفاكه بن المغيرة وكان سيدا من سادات قريش، وبيته مفتوح للقوم ~~يأتيه كل محتاج لشيء، يقولون: اذهبوا إلى الفاكه، لأن بيته كان قريبا من ~~نادي القوم. وفي يوم من الأيام نزلت هند تباشر أمور بيتها، فوجدت ~~رجلا نائما في ساحة البيت فرجعت، وفي هذه اللحظة دخل الفاكه ورأى ~~الرجل النائم فداخله ms8930 الشك في امرأته، فقال لها: الزمي بيت أبيك فذهبت ~~إلى أبيها عتبة، وشاع عند العرب أن الفاكه اتهم امرأته بكذا وكذا. جاء ~~أبوها عتبة وقال للفاكه: يا فاكه لقد جنت ابنتي، يعني: رميت بشيء، ~~ولا أرى إلا أن نحتكم إلى الكاهن ليقضي لنا في هذه المسألة، فاجمع من ~~رجالك ومن نسائك من شئت، وتكون ابنتي في وسطهم، ونذهب إلى الكاهن ~~ونسأله. كانت هند امرأة عاقلة، فقالت: يا أبي إنك تأتي إلى بشر يخطئ ~~ويصيب، وربما رماني بشيء ليس في، فتضل سبة لي وسبة لك، فقال لها: ~~اطمئني فأبوك ليس أحمق إلى هذا الحد، ولن أعرض أمرك عليه إلا إذا ~~أخبرني بالخبيء الذي خبأته له، وقبل أن يصل إلى الكاهن، وكان يركب ~~مهرا فنزل في خلاء وصفر للمهر فأدلى المهر متاع مائه، ففتح عتبة فتحة ~~متاع المهر ووضع فيها حبة قمح، ثم ركبه إلى الكاهن. ثم قال له: لن أعرض ~~عليك أمري حتى تخبرني بخبء خبأته لك. قال له الكاهن: حبة بر في إحليل ~~مهر. قال: أعد، قال: برة في كمرة، فأخبره عتبة بأمر ابنته وهي في ~~وسط النساء فمر الكاهن يمسك برؤوس النساء واحدة بعد الأخرى حتى وصل إلى ~~هند وتوقف عندها، ولم يكلم الأخريات، وعند هند قال لها: قومي غير رسحاء ~~ولا زانية، وستلدين ملكا اسمه معاوية. # هذ أخبار صحت، وهي من استراق السمع لا تدل أبدا على معرفة الكاهن ~~للغيب. فلما برئت هند وارتفعت رأسها بين القوم أراد الفاكه أن يتمحك ~~فيها، يعني: عفا الله عما سلف، وهيا بنا إلى البيت، فقالت له: والله لقد ~~غرك ملك معاوية، ولأحرصن أن يكون من غيرك.. اذهب عني، وبعدها ~~تزوجت أبا سفيان وولدت له معاوية. أنهى الله هذه المسألة لأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يسترق شيطان سمعا بعد بعثته صلى الله ~~عليه وسلم، يقول تعالى: # وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع.. # [الجن: 9] يعني: قبل البعثة # فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # [الجن: 9] وبذلك حمى الله ms8931 منهج السماء أن تدنسه شهوات الشياطين. { ~~ذلك تقدير العزيز العليم } [فصلت: 12] العزيز الذي لا ~~يغلب، وما دام لا يغلب، فلن يستطيع شيطان أن يسترق السمع، ويأخذ ~~شيئا من الأخبار، وهو سبحانه عليم بمصالح الخلق. ### || [41.13] # أعرضوا، يعني بعد كل هذه الآيات، وبعد أن أقروا هم بأنه سبحانه ~~خالقهم وخالق السماوات والأرض، خاصة وهذه مسألة لم يدعها أحد لنفسه، ~~فما دام أن مسألة الخلق هذه لم يدعها أحد فقد سلمت لله وحده، لذلك ~~قال تعالى: # شهد الله أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18] شهد الله لنفسه وأعلنها، فهل اعترض أحد عليها؟ لم يعترض ~~أحد. { فإن أعرضوا.. } [فصلت: 13] بعد هذه الآيات الواضحات { ~~فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } ~~[فصلت: 13] الإنذار يكون بشيء مخيف مروع قبل حدوثه، لا بعد أن يكون ~~حدوث المنذر به ليجدي الإنذار ونحتاط له، فلو وقع الأمر المروع لم ~~يجد الإنذار به. كذلك قلنا في البشارة بالأمر السار قبل أوانه ~~لنقبل عليه، إذن: البشارة والنذارة لا بد أن يكون كل منها قبل الحدث ~~المبشر به أو المنذر به. فقل يا محمد للذين كذبوا بآياتنا: { ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } [فصلت: 13] ~~أنذرتكم أي الحق سبحانه هو المنذر، وهو سبحانه عزيز لا يغلب، وما دام ~~أنذر بشيء فلا بد أن يقع وأن يتحقق. وقوله: { صاعقة مثل ~~صاعقة عاد وثمود } [فصلت: 13] يعني: المسألة ليست كلاما، ~~إنما واقع حدث بالفعل وسوابق، كما حدث مع عاد وثمود وأنتم على علم بها ~~وتشاهدون آثار هؤلاء. هنا كان عتبة بن ربيعة، وهو سيد من سادات قريش ~~حينما أسلم سيدنا عمر وأسلم حمزة والعباس، قال صناديد الكفر: إن أمر محمد ~~في اتساع، فلا بد أن نتدارك الأمر ونحدد موقفنا منه لنمنع هذا ~~الاتساع، فعلينا أن نختار واحدا منا على علم واسع باللغة والشعر، ~~وكاهنا يجيد أساليب الكهان، وكذلك يكون ساحرا، يعني: يجيد كل ما نتهم ~~محمدا به. فقال عتبة: أنا أعلم الناس بكل ذلك فدعوني أذهب إلى محمد، ~~فلما ذهب إلى سيدنا رسول الله ms8932 صلى الله عليه وسلم قال له: يا محمد أنت ~~خير أم جدك هاشم؟ أنت خير أم جدك قصي؟ أنت خير أم جدك عبد المطلب؟ ~~هؤلاء لم يسفهونا في عبادتنا، فهل أنت خير منهم لتأتي بدين جديد غير ~~دين آبائنا؟ إن كنت يا محمد تريد مالا جمعنا لك المال، وإن كنت تريد ~~ملكا ملكناك علينا ونجعلك سيدنا، وإن كنت تريد الزواج زوجناك ~~بأفضل نسائنا، واسكت عن هذا الأمر الذي تدعو إليه، وانته، عن سب ~~آلهتنا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتسمع؟ قال: نعم أسمع ~~فقرأ عليه من أول سورة فصلت إلى أن وصل { فقل أنذرتكم ~~صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } [فصلت: 13]. وعندها قام ~~عتبة ووضع يده على فم رسول الله، وقال: سألتك بالرحم ألا تكمل ما ~~قرأت، لماذا؟ لأنه علم أن محمدا لا يقول شيئا إلا وقع، وبعدها اعتزل ~~عتبة قومه حتى قالوا: لقد صبأ عتبة، لقد طمع فيما عند محمد من الخير، ~~يعني: افتقر إلى ما عند محمد من المال، وسمع عتبة هذا الكلام لكنه لم ~~يجب. # وبعد ذلك قال لهم: لا والله ما صبأت ولكني خفت على قومي إنذار محمد ~~بصاعقة تحل بهم مثل صاعقة عاد وثمود، لأنني أعلم أن كل شيء يقوله محمد ~~لا بد أن يقع، فأنا أنجيكم من هذا بأن أجعله لا يكمل هذه الآية.. وظل ~~رسول الله يقرأ السورة إلى السجدة. الحق سبحانه وتعالى حينما يعطي كلاما ~~نظريا يؤيده بواقع، وقريش تعلم قصة عاد وثمود، لكن ما هي الصاعقة؟ ~~الصاعقة هي الشيء الذي يصعق ما تحته، قد يكون ريحا مدمرة، وقد يصطحب معه ~~نارا محرقة، والقرآن قال: صاعقة، وسماها صيحة وقال: ريحا صرصرا ~~عاتية. ### || [41.14] # قوله: { جآءتهم الرسل.. } [فصلت: 14] هكذا بالجمع مع أن الكلام ~~عن عاد وثمود ولكل منهما رسول الله واحد، فلماذا جمع وقال الرسل؟ قالوا: ~~لأن كل رسول يأتي يؤمر من الله أن يأمر قومه بأن يؤمنوا بالرسل ~~السابقين، وأن يؤمنوا كذلك بمن يأتي من الرسل بعده، فكأن عادا وثمود ms8933 ~~حينما يؤمنون برسولهم يؤمنون كذلك بكل الرسل، أو أنهم كانوا متفرقين في ~~المواقع، بحيث يكون لكل موقع رسول خاص، فتعدد الرسل بتعدد المواقع. ~~وقوله { ألا تعبدوا إلا الله.. } [فصلت: 14] هذا ملخص ~~دعوة كل الرسل وقضية كل رسول من عند الله { قالوا لو شآء ربنا ~~لأنزل ملائكة فإنا بمآ أرسلتم به كافرون } ~~[فصلت: 14] يعني: أنتم بشر مثلنا، وإن أراد الله هدايتنا لأرسل لنا ~~رسولا من الملائكة. وهذا دليل غبائهم لأن الرسول جاء مبلغ منهج ~~وأسوة سلوك، فلو كان الرسول ملكا ما تحققت فيه مسألة القدوة والأسوة، ~~وما استطاع أن يأمر قومه بما يقوم هو به، ولقال له قومه: كيف نفعل ~~وأنت ملك ونحن بشر؟ فالأسوة هنا غير موجودة أصلا. إذن: فلا بد أن ~~يكون الرسول من جنس المرسل إليهم، حتى لو جئنا به ملكا كما تريدون ~~لجاءكم في صورة بشر، لأنكم لا ترونه على هيئته الملائكية، ولا تستطيعون ~~الاستقبال منه على هذه الهيئة لذلك قال تعالى: # ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا وللبسنا ~~عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 9] ولظلت الشبهة كما هي، إذن: لا بد أن يكون الرسول ~~رجلا من جنس القوم. وقولهم: { فإنا بمآ أرسلتم به ~~كافرون } [فصلت: 14] تأمل، إنهم يعترفون برسالة الرسل، ويقرون بذلك، ~~ونحن لا نريد منكم أكثر من هذا أن تعترفوا بأنهم مرسلون، وعجيب بعد ~~ذلك أن يكفروا، قالوا: ويجوز أن يكون المعنى { فإنا بمآ ~~أرسلتم به.. } [فصلت: 14] أي: كما تقولون أنتم بأفواهكم، أو ~~أرسلتم على سبيل الاستهزاء بهم، كما في قوله تعالى في المنافقين: # لا تنفقوا على من عند رسول الله.. # [المنافقون: 7] وقالها فرعون # إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون # [الشعراء: 27]. مجنون؟ والله أنت المجنون، فما دام أنه أرسل فلم ~~تعاند؟ إذن: المسألة كلها كفر وعناد، والكفر هو الجنون بعينه، جنون على ~~جنون. ثم أراد الحق سبحانه أن يفصل القول في أمر عاد وثمود، فقال ~~سبحانه: { فأما عاد فاستكبروا في... }. ### || [41.15] # قوله عن عاد: { فاستكبروا في الأرض بغير الحق.. } ~~[فصلت: 15] هل يعني أن هناك استكبارا بالحق؟ قالوا: نعم ms8934 تستكبر في قومك ~~ليكون لهم كبير يردعهم إن مالوا، لأن عادة الناس إن لم يكن لهم كبير ~~يهاب ويرجع إليه اختلطت عندهم الأمور وماجوا في بعض وتعدوا. وهذا ~~استكبار بحق، لأنه يصوب حركة الأفراد، ولا بد أن يكون من كبير كما ~~يقولون عندنا في الريف اللي ملوش كبير يشتري له كبير لماذا؟ لتعتدل ~~الأمور، ولا تكون فوضى، وصدق القائل: # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم # ولا سراة إذا جهالهم سادوا # هذا استكبار بالحق، لأن له رصيدا يسمح له بالاستكبار، أما الاستكبار ~~بغير الحق فهو الاستكبار بلا رصيد وبلا داع كالذي يستكبر بقوته أو ~~سلطانه أو غير ذلك من العوارض التي تنزع من الإنسان. { وقالوا من ~~أشد منا قوة.. } [فصلت: 15] وكذبوا في هذه أيضا، وظهر جهلهم ~~لأن الله تعالى أشد منهم قوة { أولم يروا أن الله الذي ~~خلقهم هو أشد منهم قوة.. } [فصلت: 15] قولهم: { من ~~أشد منا قوة.. } [فصلت: 15] استفهام إنكاري يعني: لا أحد ~~أشد منا يأمرنا فنطيعه لأننا الأقوى. نعم، لكم حق في هذه، لكن ما قولكم ~~في أن الله الذي خلقكم هو أشد منكم قوة، أليس ذلك دليلا على وجوب ~~طاعتكم له؟ إذن: المنطق كان يقتضي أن تتصاغروا لمن أرسله الله إليكم، ~~وأن تطيعوه طاعة لله الذي أرسله. نعم لا يصح للقوي أن يرضخ لطاعة ~~الضعيف، لكن نسألكم: أنتم أقوى أم الله؟ لا بد أن يقولوا الله لأنهم ~~معترفون له بالخلق، فلماذا عاندتموه وصادمتم رسله؟ أنتم صحيح أقوى على ~~بعض الخلق، لكنكم ضعاف أمام من خلق الخلق. وقوله: { وكانوا ~~بآياتنا يجحدون } [فصلت: 15] الجحود هو إنكار الشيء لجاجة ~~وعنادا كما قال تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # [النمل: 14] ففي حين يستيقنون بالآيات ويؤمنون بها في أنفسهم يجحدونها ~~بظاهرهم، فما الجزاء؟ ### || [41.16] # وصفت ريح العذاب هنا بأنها صرصر هكذا من مقطعين صرصر، وهناك صر ~~مقطع واحد. وهي الريح الشديد المزعج الذي يهدد ويكون فيه برودة شديدة، ~~والبرودة من شأنها شدة الرطوبة التي تجفف إلى درجة الإحراق. وهذه ~~الظاهرة يعرفها ms8935 الفلاحون في فصل الشتاء عندما يشتد البرد لدرجة أنه يحرق ~~الزرع. وهكذا يجمع الله فعل النار في الماء لأن الحق سبحانه لم يخلق ~~الكون بحركة ميكانيكية ثابتة، إنما خلقه بصفة القيومية التي تجمع بين ~~الأضداد، أرأيتم لموسى عليه السلام حينما ضرب بعصاه الماء، فصار كل ~~فرق كالطود العظيم، وجمع الله بين الشيء ونقيضه في وقت واحد، كذلك ~~ضرب الجبل فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وفي قصة سيدنا إبراهيم عليه ~~السلام ألقاه القوم في النار، فجعلها عليه بردا وسلاما، وعطل فيها ~~قانون الإحراق. فالصر هي الريح الشديد المزعج، لكن يهب لمرة واحدة، ~~فإن تكرر فهو صرصر { في أيام نحسات.. } [فصلت: 16] النحس: هو ~~الشؤم، وحينما يأتي اليوم بشيء من الشر يتشاءمون منه، وكما قال في موضع ~~آخر: # سبع ليال وثمانية أيام حسوما.. # [الحاقة: 7] يعني: حاسمة تستأصلهم، وتنتهي منهم. أي: سبع ليال وثمانية ~~أيام حاسمة، حسمت الجدل بين الرسل وبين المكابرين المعاندين. وفي الشعر ~~العربي قال الشاعر: # أوقد فإن الليل ليل قر # والريح يا غلام ريح صر # عل يرى نارك من يمر # إن جلبت ضيفا فأنت حر # { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا.. } ~~[فصلت: 16] هناك عذاب يؤلم، وعذاب يخزي ويهين المتكبر، ليس الغرض منه ~~الإيلام، إنما الإهانة والخزي والذلة، لأنه تكبر بلا رصيد ذاتي عنده، ~~ولو عذبناه عذابا يؤلم ربما تحمل الألم، لذلك نعذبه عذابا يخزيه ~~ويرغم أنفه ويهدم كبرياءه، فالخزي في تأديب النفس أقوى من الإيلام في ~~الحس. ومعلوم أن من الناس من يؤذيه الاستهزاء به والسخرية منه أكثر ~~مما يؤلمه الضرب الحسي. وهذا الخزي وهذه الإهانة { في الحياة ~~الدنيا.. } [فصلت: 16] أما الآخرة فلها شأن آخر في الآخرة أخزى، ~~لأن الخزي في الدنيا له وقت ينتهي فيه. أما في الآخرة فخزي دائم باق ~~فهو معذب وخزيان { ولعذاب الآخرة أخزى.. } [فصلت: 16] ~~لأنه دائم مستمر { وهم لا ينصرون } [فصلت: 16] يعني: لن يأخذ ~~أحد بأيديهم، ولن ينجيهم من العذاب شيء، فلا أمل لهم في النصرة، فهم لا ~~ينصرون ولا يردون. لذلك قلنا في الحشر: إن ms8936 الحق سبحانه يحشر الناس ~~جميعا مرة واحدة، لا يكونون على هيئة طابور مثلا، كل ينتظر دوره، ~~إنما يحشرون جميعا بعضهم مع بعض، الظالم والمظلوم، والتابع والمتبوع، ~~وهو يقطع أمل الكافرين في النجاة، فربما انتظروا قادتهم لينقذوهم لذلك ~~قال تعالى في شأن فرعون: # يقدم قومه.. # [هود: 98] أي: يتقدمهم ويسبقهم إلى النار. ### || [41.17] # هنا وقفة لعلماء الكلام { وأما ثمود فهديناهم.. } [فصلت: ~~17] الهدى هو الدلالة على طريق الخير الموصل إلى غاية خير، نقول ~~دله على الطريق، وحين تدل الناس منهم من يستمع لك ويطيعك، ومنهم من ~~لا يستمع إليك، فالأول تزيده هداية وإرشادا حتى يصل إلى غايته، والآخر ~~تتخلى عنه. لذلك قال تعالى: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17] أي: اهتدوا لطريق الدلالة. زادهم هدى. أي: بالمعونة ~~والتوفيق للعمل الصالح وكراهية عمل الشر، إذن: هناك هداية للدلالة، ~~وهداية للتوفيق والمعونة. وهل تعين إلا من أطاعك وآمن بك؟ وسبق أن ~~ضربنا لذلك مثلا برجل المرور الذي يقف على مفترق الطرق، وتحتاج إلى أن ~~تسأله عن الطريق الذي تقصده، يقول لك: الطريق من هنا، فإن شكرته على ~~صنيعه وتوجهت إلى الطريق الذي دلك عليه زادك إرشادا وبين لك ما في ~~الطريق من عقبات أو مصاعب. وربما صحبك حتى تمر من هذه الصعاب. فأنت ~~سألته فدلك فاتبعت دلالته وشكرته فقال: أنت أهل لمعونتي وإرشادي، ~~أما إن خالفت رأيه وسرت في طريق آخر غير طريق دلالته فلا بد أن ~~يتخلى عنك، وأن يدعك وشأنك. كذلك الحق سبحانه وتعالى يدل الجميع على ~~طريق الخير، كل الخلق دلهم الله، فمن أطاع في هداية الدلالة كان ~~أهلا للزيادة، وأهلا لهداية المعونة والتوفيق، ومن عصى وخالف في ~~هداية الدلالة لم يكن أهلا لهداية المعونة. كذلك كان شأن ثمود { ~~فهديناهم.. } [فصلت: 17] هداية دلالة { فاستحبوا العمى ~~على الهدى.. } [فصلت: 17] أي: استحبوا العمى عن فعل الخير، لأنهم ~~ارتاحوا للمخالفة وأرادوا الخروج من قيود التكاليف الشرعية، وإلا لماذا ~~عبدوا الأصنام وهم يعلمون ما هي، وصنعوها بأيديهم؟ عبدوها لأن في عبادتها ~~إرضاء للنفس بأن يكون ms8937 لها إله تعبده، وما أجمل أن يكون هذا الإله بلا ~~تكاليف وبلا منهج بافعل ولا تفعل، إذن: مشقة تكاليف الطاعة وحلاوة إتيان ~~المعصية تأتي من التكليف، فإن وجد إله بلا تكاليف مالت إليه النفس ~~وأحبته، لأن ذلك يرضي غريزة الفطرة الإيمانية في الإنسان، وهو أن كل ~~إنسان آمن بالعهدة الأول في مرحلة الذر # ألست بربكم.. # [الأعراف: 172]. إذن: فبضعة الإيمان في كل إنسان موجودة فيه من عهد ~~الذر، ولكن يختلف الناس في قبول التكاليف والمنهج، فمن الناس من يرى ~~في المنهج قيدا لشهواته، فلا يرتاح إليه ويسعى إلى التدين الخالي من ~~التكليف كهؤلاء الذين استحبوا العمى على الهدى، ومن الناس من يحب ~~الهداية والطاعة ويرتاح إلى المنهج ويأنس به. وتأمل قوله تعالى: { ~~فاستحبوا العمى.. } [فصلت: 17] استحب غير أحب. استحب ~~يعني: تكلف حبه، وهذا دليل أنه شيء لا يحب أصلا وطبيعة. # لكنه تكلف حبه ليحقق مراده من الشهوة، ولك أن تنظر إلى أي سيئة نهاك ~~الله عنها وهبها أنها واقعة عليك، هل تحبها؟ لا تحبها، إذن: هي لا ~~تحب. وفي موضع آخر، لما تكلم الحق سبحانه عن المؤمنين قال عنهم: # أولئك على هدى من ربهم.. # [البقرة: 5] وعلى تدل على الاستعلاء، فكأنهم مستوون على الهدى، وكأنه ~~دابة يركبونها توصلهم إلى غايتهم، فالهدى لم يأت ليشق عليكم، إنما جاء ~~ليحملكم ويوصلكم إلى غاية الخير، فالمؤمنون على الهدى فوقه يوصلهم، ~~ليس الهدى فوقهم يشق عليهم أو يكلفهم ما لا يطيقون، فالهدى إذن خدمة لكم ~~وفي مصلحتكم. وحين تتبع لفظة على في القرآن الكريم تجدها لا بد أن ~~تعطي الحكم من باب القوة والفضل، فمثلا قوله تعالى: # ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما ~~وأسيرا # [الإنسان: 8] بعض المفسرين قال: على حبه يعني: مع حبه فجعل على بمعنى ~~مع، وهذا مخالف للصواب لأن الإنسان لا يحب الطعام إلا إذا كان جائعا، ~~أما الشبعان فلا يلتفت للطعام. فالمعنى: ويطعمون الطعام رغم أنهم في ~~حاجة إليه، فكأن الجوع يطلب أن تأكل لكن حب الخير والصدقة يعلو عندك ~~على الجوع وحب ms8938 الطعام، لماذا؟ لأنك قدرت الجزاء الأوفى عليه، وما ~~دمت قدرت الجزاء الأوفى على إطعام الطعام، فقد غلبت حبك للطعام ~~وعلوت عليه، لذلك قال سبحانه: # ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.. # [الحشر: 9]. كذلك في قوله تعالى: # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر.. # [إبراهيم: 39] على هنا لا تعني وهب لي مع أني كبير لا أصلح للإنجاب، ~~إنما المعنى: وهب لي على الكبر، فكأن الكبر ضعف يقتضي عدم الإنجاب، ~~ولكن هبة الله وفضله علا على الضعف وعلا على الكبر كما جعل زكريا ينجب ~~يحيى عليهما السلام!! كذلك في قوله تعالى: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم.. # [الرعد: 6] فكأن الظلم كان يقتضي العقوبة، لكن مغفرة الله علت على ~~الظلم. ثم يقول سبحانه: { فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ~~بما كانوا يكسبون } [فصلت: 17] الصاعقة قلنا: هي كل ما يصعق ~~ويدمر، سواء كان بالريح أو النار، أو الصيحة المدمرة، والعذاب الهون أي: ~~المصحوب بالإهانة والخزي { بما كانوا يكسبون } [فصلت: 17] ~~يعني: وقع لهم هذا بسبب ما كسبوا، وما اقترفته أيديهم. يعني: جزاء ~~وفاقا، لا ظلما وعدوانا. ### || [41.18] # كثيرا ما نجد أسلوب القرآن الكريم يجمع بين الشيء ونقيضه ليبرز المعنى ~~وبضدها تتميز الأشياء، يقول تعالى: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14] هذه مقابلة يوضح فيها كل معنى المعنى المقابل، كذلك ~~هنا بعد أن حدثنا الحق سبحانه عن بعض المكذبين المعاندين أردف ذلك ~~بالكلام عن المؤمنين المتقين، وما آلوا إليه من الفوز والنجاة، فقال ~~سبحانه: { ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون } ~~[فصلت: 18]. ### || [41.19-20] # الحشر: يعني جمع المختلفين، والمختلفون كان فيهم التابع والمتبوع، ~~ضالين ومضلين، لا بد أن يجمعهم الله جميعا في وقت واحد يتقدمهم ~~الزعماء ورؤوس الكفر. # ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على ~~الرحمن عتيا # [مريم: 69] يعني: نأتي بالفتوات ونقدمهم إلى النار قبل الضعفاء، وكأن ~~الله يقول لهم: هؤلاء قادتكم يسبقونكم إلى النار، يعني: لا أمل لكم في ~~النجاة، حتى الوحوش يجمعها الله ويجمع المختلفين منها. # وإذا الوحوش حشرت # [التكوير: 5] والوحوش هي الحيوانات ms8939 غير المستأنسة كالأسد والنمر وغيره، ~~وكأن الحق سبحانه يريد أن يقول لنا: أنا الذي أذلل لك الخلق، ولولا أنني ~~ذللته لك ما استطعت أنت تذليله، نعم ذلل لك الجمل رغم حجمه الكبير، ~~لكن لم يذلل لك الثعبان الصغير # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 71-72]. والله لولا أن الله ذلل لنا هذه المخلوقات ما انتفعنا ~~منها بشيء، لذلك نقول على غير المذلل: حيوان متوحش، ألا ترى الطفل ~~والولد الصغير يقود الجمل الكبير ويحمله وينيخه ويسيره حيث يريد، ~~وأنت يزعجك البرغوث الصغير في الفراش ويمنعك النوم، إنها رسالة من الخالق ~~سبحانه بأن الأمر أمر تذليل من الله. { ويوم يحشر أعدآء ~~الله إلى النار فهم يوزعون } [فصلت: 19] في الدنيا الوحوش ~~تفر من الإنسان، ونحن نفر من الوحوش، أما في القيامة فيجمع الله الجميع ~~معا في موقف واحد، كيف؟ لأنه لم يعد لأحد منا قوة تصرف # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] فلما صار الملك لله لم يبق فينا نحن المخلوقين تفاوت قوة ~~تستضعف. وقوله { فهم يوزعون } [فصلت: 19] يعني: يساقون ويقادون ~~جميعا إلى النار من أولهم إلى آخرهم { حتى إذا ما جآءوها ~~شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما ~~كانوا يعملون } [فصلت: 20]. الله.. السمع وظيفة الأذن، والإبصار ~~وظيفة العين، والأنف للشم، والكف للمس، فكل جارحة من جوارح الإنسان لها ~~مهمة في حياته، لكن لم يذكر الحق منها هنا إلا ثلاثة فقط: السمع، ~~والأبصار والجلود. ولم يذكر اليد ولا الأنف. قالوا: لأن التكليف في أمر ~~الأنف نادر وقليل، كأن تشم رائحة الخمر مثلا، والعياذ بالله، أو تشم ~~رائحة امرأة متعطرة، إذن: فالأنف دوره محدود، أما السمع فهو أهم الحواس، ~~لأنك تستقبل به الدعوة إلى الله، والبصر هو الذي تبصر به آيات الله في ~~كونه وعجائبه في خلقه. أما الجلود فعامة في السمع والبصر وفي كل ~~الحواس، فكأن الجلد أعم شيء في الحس، ولذلك لم بحثوا في وظائف الأعضاء ~~ليعرفوا مهمة كل ms8940 عضو في الإنسان وجدوا أهمها الجلد، لأنه وسيلة الإحساس ~~بالألم خاصة في الطبقة الخارجية منه، ألا ترى أنك مثلا حين تأخذ حقنة ~~تشعر بألم الإبرة حين تدخل جسمك وتخترق الجلد، تؤلمك بقدر نفاذها في ~~الجلد كأن الجلد هو محل الإذاقة، وما دام هو محل الإذاقة فهو إذن ~~مستوعب لجميع الحواس. ولذلك يقول الحق سبحانه: # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. # [النساء: 56] إذن: فالجلد محل إذاقة العذاب والعياذ بالله، وهو ~~المستوعب لكل الحواس. ### || [41.21] # هم يتعجبون كيف تشهد عليهم جلودهم وهي منهم، والسؤال هنا كان ينبغي أن ~~يكون عن الكيفية: كيف شهدتم علينا لا عن السبب، فالسؤال بهذه الصيغة غير ~~وارد ليدل هذا على التضارب في الكلام. وكان الجواب { قالوا ~~أنطقنا الله.. } [فصلت: 21] فالسؤال عن شيء والجواب عن شيء آخر ~~فلو أجابوا عن السؤال: لم شهدتم علينا؟ لقالوا: شهدنا عليكم لأننا أقوى ~~حارس عليك في جميع الأوقات { قالوا أنطقنا الله الذي ~~أنطق كل شيء.. } [فصلت: 21] يعني: الأمر ليس بملكنا، نحن لم ~~نشهد من عندنا، إنما أنطقنا الحق بالحق، ولا حيلة لنا في هذا. ومعنى { ~~الذي أنطق كل شيء.. } [فصلت: 21] أن كل شيء في الوجود له لغة ~~خاصة به، لغة يتكلم بها، لغة تدل وتفهم، كما رأينا في قصة سيدنا سليمان ~~لما تكلمت نملة وحذرت قومها، وقالت: # ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده ~~وهم لا يشعرون # [النمل: 18]. ودل قول النملة على أن للنمل لغة يتفاهمون بها، ودل ~~على يقظتها وعلى عدالتها في الحكم حين قالت: # وهم لا يشعرون # [النمل: 18]. كذلك حديث الهدهد في نفس القصة حين قال: # أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين # [النمل: 22] ثم يتكلم بكلام في صلب العقيدة # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله.. # [النمل: 24] فالهدهد ليس مجرد متكلم بلغة، إنما فاهم لأهم قضايا ~~الإيمان ومسائل التوحيد. إذن: لكل شيء لغة، لكن لا يعرفها إلا من ~~علمه الله وأطلعه على هذه اللغة، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، لذلك ~~قال سيدنا سليمان # علمنا ms8941 منطق الطير.. # [النمل: 16] ولولا أن الله علمه ما فهم عن الهدهد. كذلك في الجماد له ~~لغة، كما قال تعالى: # إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي ~~والإشراق # [ص: 18]. لذلك يقول تعالى في إجمال هذه المسألة: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. وورد أن الحصى سبح في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على أن هذه معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم، وقلنا في تصويب هذه ~~المسألة: أن الحصى مسبح في يد رسول الله كما هو مسبح في يد أبي ~~جهل، فالصواب والمعجز أن نقول: سمع رسول الله تسبيح الحصى في يده، هكذا ~~يكون الكلام. بعض العلماء يقول عن هذا التسبيح أنه تسبيح دلالة على ~~خالقها لا تسبيح على الحقيقة، وهذا كلام مخالف لنص القرآن الكريم لأنه ~~لو كان تسبيح دلالة كما تقول فقد فهمته والله يقول: # ولكن لا تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44] إذن: فهو تسبيح على الحقيقة، تسبيح بلغة لا يعلمها إلا ~~خالقها، أو من علمه الله واختصه بمزيد من فضله. # والعجيب في مسألة الهدهد أنه ذكر سببا واحدا لوجوب الإيمان بالله ~~وتوحيده تعالى، فقال: # ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في ~~السموت والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون # [النمل: 25] فذكر الأمر الخاص به وهو إخراج خبأ الأرض، ومعلوم أن للهدهد ~~منقارا طويلا، يخرج به الدود من تحت سطح التربة ويتغذى عليه. وقوله: { ~~وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } [فصلت: 21] ~~يعني: لا تظنوا أن الله خلقكم وترككم هملا، إنما خلقكم لغاية ولا بد ~~لكم من الرجوع إليه، والمثول بين يديه يحاسبكم على النقير والقطمير، ~~والقليل والكثير، ويجازيكم بأعمالكم فلن تنفلتوا منه سبحانه، ستقفون بين ~~يديه للحساب يعدد عليكم نعمه، ويرى من شكرها ومن كفرها. ### || [41.22] # يعني: لقد فاتكم شيء هام ما تنبهتم إليه، وهو أنكم كنتم تستترون عن ~~الخلق أن يراك أحد حال المعصية، ونسيتم أن الله مطلع عليكم يراكم ~~ويرقب أفعالكم وما كنتم تستترون عن أنفسكم وجوارحكم، وغاب عنكم أن ~~الجوارح شاهدة عليكم يوم ms8942 القيامة. فاليد التي ضربت بها، والرجل التي ~~سعيت بها، واللسان والأذن والعين، كل الجوارح ستأتي شاهدة عليك يوم ~~القيامة، هذه الجوارح التي أمرها الله أن تنفعل لمراداتك في الدنيا ~~وتطيعك في كل ما تريد ستتحرر من هذا القيد يوم القيامة، فلا يكون لك ~~سلطان عليها، ساعتها ستشهد عليك. فإن أطاعتك في المعاصي في الدنيا، لأن ~~الله سخرها لك فقد أطاعتك وهي كارهة لفعلك بريئة منه، أما وقد عاد الجميع ~~إلى الله، وصار الملك كله لله # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16] فلا عجب إذن أن تشهد عليكم جوارحكم، وأن تكون خصما لكم ~~أمام خالقها عز وجل. وسبق أن مثلنا لهذه المسألة بقائد الكتيبة في ~~الجيش يأمر جنوده فيأتمرون بأمره ينفذون الأوامر حتى لو كانت خاطئة، حتى ~~إذا ما جاءوا إلى القائد الأعلى شكوا إليه تعسف القائد المباشر، ~~وقالوا: فعل بنا كذا وكذا. كذلك جوارح الإنسان أمرها الله أن تطيعه حتى ~~في المعصية، وأن تنفعل لمراداته، فجوارحك تطيعك في كل شيء تريده، في ~~الخير وفي الشر. وقوله: { ولكن ظننتم أن الله لا ~~يعلم كثيرا مما تعملون } [فصلت: 22] الحق سبحانه وتعالى ~~يقول في حديث قدسي: # " يا عبادي إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم فالخلل في إيمانكم، وإن كنتم ~~تعتقدون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم " # إذا كنت لا تستطيع أن تفعل في إنسان مثلك عملا يسوؤه على مرأى ومسمع ~~منه عيني عينك هكذا، فكيف تفعلها مع الله عز وجل؟ ### || [41.23] # قوله: { وذلكم.. } [فصلت: 23] أي: أفعالكم التي فعلتموها { ~~ظنكم الذي ظننتم بربكم.. } [فصلت: 23] يعني: ظننتم أنه ~~سبحانه لا يعلم ما تفعلون { أرداكم.. } [فصلت: 23] يعني: أهلككم هذا ~~الظن { فأصبحتم من الخاسرين } [فصلت: 23]. ### || [41.24] # أي: فإن يصبروا على ما هم عليه ويصروا على الكفران والجدل مع الرسل، ~~ماذا يحدث { فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم ~~من المعتبين } [فصلت: 24] أمر من اثنين. الإنسان حين يخالف ~~أوامر خالقه ويأتيه رسول يقول له، لا تفعل فإن كف فهو خير له، وإن ~~أصر وتمادى فالنار مثوى ms8943 له. ومعنى { يستعتبوا فما هم من ~~المعتبين } [فصلت: 24] يستعتبوا يطلبون العتبى. يقال: عتب فلان على ~~فلان. يعني: لامه على أمر ما كان يصح أن يكون منه، يقول: مثلا أنا ~~مرضت فلم تزرني، هذا عتاب، فيقول: معذرة فقد كنت مشغولا بكذا وكذا ~~فساعة يبين له العذر فقد أعتبه يعني أزال عتبه، وهذا لا يكون لهم في ~~الآخرة فإن طلبوا العتاب لم يعتبوا. لذلك جاء في حديث الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وهو عائد من الطائف بعد أن آذاه قومها، قال فيما قال صلى الله ~~عليه وسلم وهو يناجي ربه: # " لك العتبى حتى ترضى " # يعني: إن كان بدر مني شيء يغضبك فأنا أزيله وأعترف أنني ضعيف أطلب قبول ~~العتاب. لذلك قال الشاعر: # أما العتاب فبالأحبة أخلق # والحب يصلح بالعتاب ويصدق # إذن: أنت لا تعاتب إلا إذا كنت محبا لمن تعاتبه، حريصا على علاقتك ~~به. نقول: عتبت عليه فأعتبني يعني: أزال عتبي، أما هؤلاء في الآخرة فلن ~~يقبل الله منهم عتابا ولن يزيل عتبهم، والهمزة في أعتب تسمى همزة ~~الإزالة، والإزالة تكون بالهمزة أو بالتضعيف تقول: مرضت فلانا يعني: ~~أزلت مرضه. وقشرت الفاكهة يعني: أزلت قشرتها. ### || [41.25] # معنى { وقيضنا لهم.. } [فصلت: 25] يعني: أعددنا لهم وهيأنا ~~لهم { قرنآء.. } [فصلت: 25] أصحابا يلازمونهم، وأصل المقايضة في ~~البيع والشراء كأن تدفع الثمن وتأخذ السلعة لأن الله تعالى يريد للعبد ~~أن يسير على طريق الخير الذي رسمه الله له، وطريق الخير المرسوم لك من ~~الله يريد منه أن يؤكد صدقك في التوجه إليه، فيأتي بقرناء يعترضون طريقك ~~ويحاولون صرفك عنه. فإن أطعت هؤلاء القرناء ملت معهم وضللت طريقك ~~الذي اختاره الله لك، وإن عصيتهم فقد نجوت وخابت معك حيل الشيطان الذي ~~يزين لك سواء من شياطين الإنس أو من شياطين الجن. فكأن الشيطان ما جاء ~~إلا ليختبر إيمان المؤمن فهو يوسوس للجميع، ويزين الشر للجميع، لكن ~~قوي الإيمان يقف أمام هذه الوسوسة ويعرف مصدرها فلا يطيع، أما ضعيف ~~الإيمان فينقاد ويقع في المخالفة، ولولا وجود الشيطان لكان الإيمان ms8944 ~~رتابة لا معارض لها، لكن وجد المعارض، ومع ذلك ثبت أهل الإيمان على ~~إيمانهم. قوله: { فزينوا لهم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم.. } [فصلت: 25] ما بين أيديهم: الموجود الحالي من الشهوات، ~~وما خلفهم: أي: ما ينتظرهم من أمر القيامة والحساب { وحق عليهم ~~القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن ~~والإنس إنهم كانوا خاسرين } [فصلت: 25]. ### || [41.26] # تميز العرب قديما بملكة عربية تتذوق اللغة وتجيد أساليبها ~~وفنونها، بدليل أنهم جعلوا للكلمة مؤتمرات وأسواقا، ففي حين كانت البلاد ~~الأخرى تقيم المعارض والأسواق لترويج بضاعتهم، لم يكن عند العرب بضاعة ~~غير الكلام والفصاحة، فجعلوا لها سوقا ينشد فيها أجود أشعارهم ثم ~~يختارون أفضله، ويعلقونه على أستار الكعبة، وهو أشرف مكان على الأرض، ~~وهذا أمر لم يحدث في أي أمة أخرى. لذلك اختار الحق سبحانه أمة العرب ~~لتتلقى منهجه، وتبلغ دعوته سبحانه إلى خلقه ونزل عليها القرآن لأنها ~~الأمة الوحيدة التي ستفهم لغته وتتذوقها. إذن: جاء القرآن على أمة لها ~~نبوغ في اللغة والبيان لتكون مجالا للتحدي، وحين تعجز أمام تحدي ~~القرآن فعجز غيرها من باب أولى، وأيضا فلم يجعل الله لهم تقدما ~~في شيء غير تقدمهم اللغوي والبياني لأن مفتاح الدين ومعجزة الرسالة ستكون ~~هي القرآن. ولو كانت هذه الأمة أمة تقدم وحضارة في أي مجال من ~~المجالات غير اللغة لقالوا عن الإسلام ثورة حضارية، لا ليست أمة حضارية ~~بل أمة أمية ورسولها أيضا أمي. ومن هنا كانت الأمية ميزة وشرفا ~~لرسول الله، لكنها ليست شرفا فينا نحن لأن أمية رسول الله تعني أنه ~~لم تدخل عليه معلومة من البشر، وإنما كل معلوماته من الله، فمن إذن ~~رباه، ومن أدبه، ومن علمه؟ الله. فإذا كانت الأمة أمية، ~~ورسولها أميا، فهذا دليل على أن كل منافذ الخير في هذه الأمة ليست ~~من عند البشر. وأيضا تميزت هذه الأمة بأنها أمة ليس لها وطن، فالعربي ~~موطنه خيمته يضعها حيث وجد الماء والعشب ويحملها على بعيره إلى أي ~~مكان آخر حين يجف الماء أو ينتهي الكلأ، ms8945 ليس له وطن ولا بناء يعز عليه ~~أن يفارقه، فبيته على ظهر جمله، لذلك قال تعالى: # من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ~~ويوم إقامتكم.. # [النحل 80]. شيء آخر، وهو الأهم أن العرب كانوا دائما في محل قتال، ~~وتظل الحرب دائرة بين القبائل إلى أربعين سنة، هذه الحروب جعلتهم كلهم ~~أهل خبرة في فنون الحروب والقتال لذلك ساعة احتاج رسول الله إلى جنود ~~لنشر دعوته لم يدرب أحدا على القتال، إنما وجد جنودا جاهزين على ~~أهبة الاستعداد للقتال، لذلك لم يكن هناك مدارس حربية ولا معسكرات ~~للتدريب. فإذا أخذنا في الاعتبار أن العربي لم يكن له وطن يرتبط به، ~~وأنه ذو قدرة وكفاءة في فنون القتال، علما أنه من السهل تكوين الجيش، ~~ومن السهل إرسال جماعة هنا وجماعة هناك يحملون راية الإسلام، وقد أرسلهم ~~رسول الله بالفعل إلى فارس وإلى الروم وإلى الحبشة.. إلخ فسهل ذلك ~~عليهم. لذلك لم يكن لرسول الله جيش معد وموقوف للقتال، لأنه ليس ~~في حاجة إلى هذا الجيش، فإن أراد القتال نادى فقط حي على الجهاد ~~فيجتمع عليه الصحابة خاصة الشباب منهم يتسابقون إلى الخروج مع رسول الله، ~~لدرجة أن رسول الله كان يختار منهم فيقول: هذا يخرج وهذا لا يخرج، فكان ~~الذي لا يقع عليه اختيار رسول الله يغضب وربما بكى لأنه لم يخرج للجهاد ~~مع رسول الله. # إذن: تميزت هذه الأمة بعدة خصال أهلتها لأن تكون محلا لمنهج ~~الله وتبليغ رسالته، أولا: كانت أمة بلاغة وفصاحة. ثانيا: كانت أمة ~~ترحال لا توطن لهم. الثالث: أنهم كانوا على دراية بفنون الحرب والقتال ~~ولم يحتاجوا إلى تدريب في معسكرات، بل كانوا على استعداد تام، كلما سمعوا ~~هيعة طاروا إليها، وبذلك كانوا بطبيعتهم معدين لحمل هذه المهمة. ~~قوله تعالى حكاية عن كفار قريش: { وقال الذين كفروا لا ~~تسمعوا لهذا القرآن.. } [فصلت: 26] جاء نتيجة تمكن ~~العربي من اللغة، وتذوقه لها، وفهمه لمعانيها، فلو تركوا القوم ~~يستمعون لمحمد وهو يقرأ القرآن لا بد أن يتأثروا به، ولا بد أن ms8946 ~~يميلوا وينجذبوا إليه، فما الحل؟ الحل عندهم { لا تسمعوا لهذا ~~القرآن.. } [فصلت: 26] لأنهم علموا علم اليقين أنهم لو سمعوا لأخذهم ~~القرآن بجمال أسلوبه، وجلال معانيه، وقوة أدائه، ولو كانوا يعلمون خلاف ~~ذلك ما نهوا قومهم عن سماعه. ولم يقف الأمر عند النهي عن السماع، بل ~~وشوشوا عليه حين يقرأ { والغوا فيه لعلكم تغلبون } ~~[فصلت: 26] إذن وسيلة الغلبة ألا تسمعوا للقرآن، وأن تشوشوا عليه ~~حين يقرأ حتى لا تعطوا فرصة لمن يسمع أن يتدبر وقولهم { ~~لعلكم.. } [فصلت: 26] يعني: احتمال تكون لكم الغلبة، إن فعلتم ~~ذلك فهو أمر غير مؤكد عندهم. والدليل على ذلك على أنهم آمنوا ببلاغة ~~القرآن وإعجاز القرآن، وآخر المطاف لما ضاقت بهم الحيل قالوا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنه مجنون ورد الله عليهم، فقال لرسوله: # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4] وهل للمجنون خلق، وخلق عظيم؟ قالوا ذلك وهم يعلمون صدق رسول ~~الله وأمانته وحسن سيرته فيهم، فقالوا: ساحر والرد على هذا سهل، فلو أن ~~محمدا سحر من آمن به، فلماذا لم يسحركم كما سحرهم، وتنتهي المسألة؟ ~~وقال: شاعر وكذبوا أيضا، لأنهم أمة كلام وبيان، ويعلمون جيدا ما ~~الشعر، وما جربوا على محمد شيئا من هذا. وفي نهاية الأمر اعترفوا بصدق ~~القرآن وبلاغته وإعجازه، لكن اعترضوا على أن ينزل على محمد بالذات، ~~فقالوا: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. فالآفة ليست في القرآن، فالقرآن لا غبار عليه، الآفة في ~~نزوله على محمد وهو فقير من عامة القوم، ليس سيدا من ساداتهم من عتبة ~~وشيبة وغيرهما، وبذلك أقروا وشهدوا للقرآن بأنه كتاب كامل يستوعب كل ~~وجوه الخير وكمالات الخلق اللازمة لصلاح الدنيا والآخرة، فاعتراضهم إذن ~~على شخص رسول الله لا على القرآن. # لكنهم لم ينتبهوا إلى أن شهادتهم للقرآن وإقرارهم بإعجازه أولى عند ~~رسول الله من شهادتكم له هو لأن الذين آمنوا بالله وآمنوا بوحي الله ~~كانوا أقرب لرسول الله ممن أنكروه. فالرومان لم يصدقوا محمدا، ~~لكنهم يؤمنون بكتاب ويؤمنون بوحي وبرسل، ms8947 وفارس لم يكن عندها هذا ~~الإيمان الذين عند الرومان، فكانت قلوب رسول الله والمؤمنين تميل إلى ~~الرومان، لأنهم أهل كتاب ويؤمنون بالله لأن عصبية رسول الله لربه فوق ~~عصبيته لنفسه، ألا ترى أن المسلمين حزنوا لما غلبت الروم وفرحوا لما ~~انتصروا بعد ذلك؟ ### || [41.27] # الحق سبحانه وتعالى لم يترك عذاب الذنوب إلى الآخرة حتى لا يستشري أهل ~~الباطل في باطلهم، لكن يعجل الله لأهل الباطل لونا من العذاب في ~~الدنيا قبل عذاب الآخرة، وعذاب الآخرة أشد لذلك قال تعالى مخاطبا رسوله ~~صلى الله عليه وسلم: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. ثم يقول الحق سبحانه: { ذلك جزآء أعدآء... }. ### || [41.28] # { ذلك } يعني ما سبق ذكره من العذاب، والجحود هو الإنكار الشديد، ~~فالذين كفروا حينما وقفوا موقفهم من الإسلام، وتبين لهم كذب من دعوهم ~~إلى الضلال وأضلوهم أصبح لهم ثأر ليس عند المؤمنين، إنما عند الكافرين ~~الذين أضلوهم وأبعدوهم عن الإيمان لذلك يوم القيامة يبحثون عنهم لينتقموا ~~منهم، وليجعلوهم تحت أقدامهم، وتقوم معركة وجدال بين الفريقين التابعين ~~والمتبوعين: { وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين ~~أضلانا... }. ### || [41.29] # الحق سبحانه وتعالى في أكثر من موضع من القرآن يصور لنا هذه المعركة ~~الكلامية التي تدور بين الضالين والمضلين، وكيف أن كل واحد منهما ~~يلقي باللائمة على الآخر ويتنصل هو من المسئولية. لذلك إبليس سيغلب من ~~اتبعه في الضلال، وستكون له الحجة الأقوى، كما قال تعالى حكاية عنه: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ ~~أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22]. يعني: لا سلطان حجة تقنعكم، ولا سلطان قوة ترغمكم على ~~الفعل، وعجيب أن يقول الكافرون هنا في موقف القيامة { ربنآ أرنا ~~الذين أضلانا.. } [فصلت: 29] الآن يقولون ربنا، ويعترفون له ~~سبحانه بالربوبية، ومعنى { نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا ~~من الأسفلين } [فصلت: 29] يعني: نعذبهم نحن أولا قبل أن تعذبهم ~~أنت يا رب. وقولهم { تحت أقدامنا.. } [فصلت: 29] يعني: عذاب ~~إهانة لا عذاب إيلام. ثم يقول سبحانه: ms8948 { إن الذين قالوا ~~ربنا... }. ### || [41.30] # قالوا: ربنا الله، هناك لفظا رب وإله. ولكل لفظ منهما مجال ومعنى: ~~فالرب هو الذي يربي ويخلق ويتعهدنا بالنعم والأفضال، ومنه قولنا: ~~نربيه. يعني: نعطيه ما يؤهله لمهمته، فالله رب خلق من عدم وأمد من ~~عدم، وظل يأخذنا بحنان يوضع لبعضنا في بعض، إلى أن نقوى ويشتد ساعدنا، ~~ثم يكلفنا بعد ذلك تكليف الألوهية. إذن: فعطاء الربوبية عطاء عام يعم ~~المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. فالله رب الجميع وسع فضله كل ~~خلقه، خلقك وخلق لك مقومات حياتك قبل أن يخلقك، وجعل لك عقلا تميز ~~به وتختار بين البدائل، فإن أحسنت التصرف بعقلك فيما أعطاك من مقومات ~~تأخذ ثمرتها، وإن لم تحسن فأنت الخاسر، إذن: عطاء الربوبية للجميع، ~~والأسباب متاحة للجميع تعطي من يستحق العطاء حتى لو كان كافرا. ولذلك ~~تجد في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما قال: # رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من ~~الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر.. # [البقرة: 126] إذن: طلب الرزق فقط لمن آمن، فصحح الله له هذه ~~المعلومة، وقال: # ومن كفر.. # [البقرة: 126] لأن رزقي لكل خلقي، سواء آمن أو لم يؤمن لأنه خلقي ~~وصنعتي، وأنا الذي استدعيته للوجود، فعلي رزقه وعلي مقومات حياته، ~~هذا عطاء الربوبية. وسيدنا إبراهيم طرق بابه ليلا طارق يريد أن يبيت ~~عنده، فسأله أولا عن دينه، فعلم أنه غير مؤمن، فأغلق الباب في وجهه، ~~فانصرف الرجل، وعاتب الله نبيه إبراهيم، وقال له: يا إبراهيم وسعته في ~~ملكي ولم أقطع عنه رزقي مع كفره بي، وأنت تريد أن تغير دينه في ليلة ~~تستضيفه فيها؟ فأسرع سيدنا إبراهيم خلف الرجل حتى لحق به وأخذه في ضيافته ~~فتعجب الرجل وقال: لقد جئتك فرددتني. فقال له: لكن ربي عاتبني فيك، فقال ~~الرجل: أعاتبك ربك في شأني؟ قال: نعم، قال: فنعم الرب رب يعاتب ~~أنبياءه في أعدائه، ثم قال: أشهد ألا إله إلا الله، وأنك رسول الله. ~~لذلك كثيرا ما نتعجب من عطاء الله الواسع لغير المؤمنين، وأن في ~~أيديهم ms8949 كل نعيم الدنيا وزخرفها في حين يحرم منها المؤمن، ولا عجب في ~~ذلك لأن هذا عطاء الربوبية، وهؤلاء أحسنوا استغلال الأسباب فأعطتهم، ~~ولو أحسنتم أنتم كذلك لأعطتكم الأسباب. واقرأ قول الله تعالى: # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا ~~وسررا عليها يتكئون * وزخرفا.. # [الزخرف: 33-35]. وتأمل، ما المعارج؟ هي المصاعد التي لم نعرفها نحن ~~إلا في القرن العشرين، أخبرنا القرآن بها قبل أربعة عشر قرنا، هذه من ~~معجزات القرآن التي ينثرها علينا من حين لآخر. # فقوله: { إن الذين قالوا ربنا الله.. } [فصلت: 30] ~~يعني: اعترفوا له سبحانه بالربوبية، وأقروا أنه سبحانه هو الذي خلقنا ~~وربانا وأعطانا وأنعم علينا، ومن العجيب أنه لم يكلفنا إلا بعد أن ~~بلغنا أشدنا، يعني: تركني أربع في الدنيا وأنعم بنعمه خمسة عشر عاما ~~دون أن يكلفني بشيء، لماذا؟ لأنه لا يكلفك إلا بعد تمام تكوينك ~~واكتمال قوتك، لأنه لو كلفك قبل ذلك ثم طرأ عليك تغيير في الخلقة ~~وزيادة في نمو بعض أعضائك لقلت له: يا رب لقد كلفتني ثم حدث لي تغيير ~~في كذا وكذا، ولم أعد صالحا لهذا التكليف. ومتى تبلغ أشدك؟ قالوا: ~~حين تكون صالحا لإنجاب مثلك، عندها يكون اكتمال الخلق وتمام الرجولة، ~~ونحن نلاحظ هذا في الثمار، فالثمرة الناضجة تعطي بذرة ناضجة لو وضعت ~~في الأرض لأنبتت شجرة، خذ مثلا بطيخة قبل نضوجها تجد لبها أبيض ~~وطعمها مائعا، لماذا؟ لأنها لم تنضج بعد ولو زرعت بذرتها لم تنبت. ~~فكأن الله يحرس الثمرة حتى تنضج البذرة، وتصير صالحة لإنبات شجرة جديدة، ~~هذا نسميه استبقاء النوع، وإلا لانقرض النوع ولو نضجت البطيخة ~~وحلا طعمها قبل بذرها لأكلناها وما سألنا في مسألة البذرة والإنبات من ~~جديد، ولما كان هناك بقاء للنوع. ولذلك إذا غفلت عن الثمرة حتى ~~استوت على عودها ولم تقطفها وقعت لك هي على الأرض، وكأنها تقول لك: ~~خذني لأنها ستؤدي مهمة اللذة في الطعم لك، ومهمة إنبات شجرة جديدة من ms8950 ~~نفس النوع. والخلق على نوعين: خلق أول، وخلق ثان. الأول: خلق أصول ~~الأشياء. والثاني: خلق فروعا من أصول الأشياء لذلك السيدة مريم لما ~~قال لها يوسف النجار بعد أن ظهرت عليها علامات الحمل: يا مريم، أتوجد ~~شجرة بلا بذرة؟ قالت: نعم الشجرة التي أنبتت أول بذرة. هذا هو الخلق ~~الأول كخلق آدم عليه السلام خلق أولا، ومنه تناسل الناس. إذن: التكليف ~~لا يكون إلا بعد سن البلوغ واكتمال الرجولة، والذي يكلفنا هو الله، ~~فالرب خلق ورزق وربى، والله كلف وأمر بالعبادة، فالله هو المعبود ~~يعني: مطاع في أمره ونهيه، وقبل أن يكون مطاعا في أمره ونهيه أعطاك ~~عطاء ربوبية، فكأنه قدم الخير لك أولا قبل أن يأمرك بعبادته، فلا ~~أقل من أن تقدم الخير بأن تطيع من رباك. ولذلك جعل منزلة خاصة ~~للأبوين، وأوصى ببرهما، وحذر من عقوقهما، وجعل عقوق الوالدين من أكبر ~~الكبائر، لماذا؟ قالوا: لأن الله أراد أن يروضك ويعلمك أن تحترم من ~~كان سببا مباشرا في وجودك، ثم بعد ذلك ينقلك إلى احترام سبب وجودك غير ~~المباشر، وهو الله سبحانه لذلك قال: # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالولدين إحسانا.. # [النساء: 36]. فالحق سبحانه حينما يأمرنا ببر الوالدين إنما يدربنا ~~على عرفان الحق لله تعالى، فالله أوجد الخلق الأول، والوالدان أوجدا ~~الخلق الثاني، وجعل احترام سبب الإيجاد الثاني وسيلة لاحترام سبب الإيجاد ~~الأول. # إذن: نقول الربوبية عطاء، والألوهية تكليف، لكنه تكليف يعطيك أولا لأنك ~~في الدنيا، وعمر الدنيا هو مقدار وجودك أنت فيها، ولا دخل لك في عمر ~~الدنيا من لدن آدم حتى قيام الساعة، لأن هذا الزمن كله لا يعنيك وهذه ~~محكومة من الله طولا، هذا يعيش عشرة أعوام، وهذا خمسين، وهذا مائة، ~~فطول الأجل لا دخل لأحد فيه. فبعد أن ذكر الحق سبحانه لنا طرفا من ~~الأمم المكذبة المعاندة للرسل وما آل إليه أمرهم من العذاب، يذكر سبحانه ~~المقابل وهم أهل الإيمان والاستقامة على الجادة، فيقول تعالى: { إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا.. } [فصلت: 30] ~~قلنا: ms8951 العمل قول وفعل. فالقول عمل اللسان ويقابله الفعل، وهو عمل باقي ~~الجوارح: فالرؤية للعين، والسمع للأذن، واللمس لليدين، والسعي للقدمين.. ~~إلخ وكل من القول والفعل يسمى عملا. فما عمل القلب؟ القلب من الناحية ~~المادية هو الوعاء المسئول عن ضخ الدم، وهو سائل الحياة إلى باقي أجزاء ~~الجسم، وهو وعاء الإيمان والاعتقاد، فإذا ما عمر باليقين والإيمان أشاع ~~ذلك في كل ذرة من ذرات الجسم، لذلك نقول: عمل القلب الاعتقاد، والعقيدة ~~هي الشيء المعقود الذي لا يحل، الشيء الذي استقر في القلب فلا يخرج ~~ليناقشه العقل من جديد. قنا: إن الفكرة تعرض أولا على العقل ليبحثها ~~ويناقشها، فإن اطمأن إليها ألقاها إلى القلب لتستقر فيه عقيدة راسخة، ~~فالقلب إذن لا يستقبل إلا عقائد ثابتة، وهذه العقائد هي التي ستكون مبدأ ~~لك في حركات حياتك. ومن هنا نعلم أهمية دور اللسان وخطورته، فله نصف ~~العمل، ولباقي الجوارح النصف الآخر، ثم هو المعبر عنك المصفح عما ~~بداخلك، والجوارح كلها ينبغي أن تتفاعل مع الكون تفاعلا إيجابيا، ~~فالأذن تسمع، والعين ترى، والأنف يشم، واليد تلمس، فالجوارح تعطيني مادة ~~الفكر وبها يصل المؤمن إلى آيات الله في الكون، بها يعرف النافع ويعرف ~~الضار فيأخذ منها النافع ويبتعد عن الضار، فالأذن تسمع كل شيء، وعليك أن ~~توجهها لسماع الخير وتبتعد بها عن سماع الشر # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72]. والعين تنظر بها إلى بديع صنع الله في كونه، وتغضها ~~عن محارمه، وها هو الكون أمامك كتاب مفتوح، وما عليك إلا أن تقرأ ما فيه ~~من آيات ومعجزات، والسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وأجرام ومجرات ~~كلها تسير بنظام دقيق محكم، والأرض وما فيها من عناصر وما تنبته لنا من ~~خيرات. والحق سبحانه حينما يحدثنا عن هذه الخيرات ويمتن علينا بهذه ~~النعم يذكرنا بقدرته تعالى على زوالها ونقضها، وكيف أنه لو شاء ~~سبحانه لحرمنا، بل ولحول لنا هذه النعم إلى نقم والعياذ بالله، لذلك ~~لنا وقفة مع قوله سبحانه عن الزرع: # ءأنتم تزرعونه أم نحن ms8952 الزارعون # [الواقعة: 64] نعم نحن نحرث ونروي ونباشر، لكن الإنبات بيد من؟ ثم ~~يذكرنا سبحانه بقدرته على نقض هذه النعمة # لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون # [الواقعة: 65]. ثم يحدثنا عن نعمة الماء، وكيف ينقضها: # أفرءيتم المآء الذي تشربون * ءأنتم ~~أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء ~~جعلناه أجاجا فلولا تشكرون # [الواقعة: 68-70]. لكن حين يحدثنا الحق سبحانه عن نعمة النار يتركها ~~دون أن يذكر ما ينقضها: # أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم ~~شجرتهآ أم نحن المنشئون # [الواقعة: 71-72]. هكذا دون أن يذكر ما ينقضها كسابقها، لماذا؟ قالوا: ~~لأن هذه هي النار النافعة الصحية التي لا ضرر فيها نوقدها لننتفع بها، ~~وكل نار بعدها لها ضرر، لذلك لم يقل الحق سبحانه مثلا: لو نشاء لجعلناها ~~رمادا، ذلك لتظل النار باقية تذكرنا بنار الآخرة. ثم لك أن تلحظ عظة ~~الأداء القرآني ودقته في التعبير، فلما تكلم عن الزرع قال: # لو نشآء لجعلناه حطاما # [الواقعة: 65] هكذا بلام التوكيد، لماذا؟ ليؤكد قدرته تعالى على الذهاب ~~بالزرع مهما كان، والزرع للإنسان دور فيه وتدخل، فهو يحرث ويروي ويباشر، ~~إنما حين تكلم عن خلق الإنسان وعن الماء لم يذكر في ذلك توكيدا ذلك ~~لأن مسألة الخلق ومسألة نزول الماء من السماء لا دخل للإنسان فيها. ~~والآيات في كون الله كثيرة صنفها العلماء إلى ثلاثة أقسام: آيات ~~كونية: تثبت قدرة الخالق كالليل والنهار والشمس والقمر، ثم آيات معجزات: ~~صاحبت رسل الله لتثبت صدقه في البلاغ عن الله، وآخرها آيات الأحكام: وهي ~~آيات القرآن الكريم التي تحمل منهج الله للناس. وهذه كلها تخدم قضية ~~اليقين والإيمان بالله. فإذا أشرب الإنسان العقيدة الإيمانية أعلنها ~~بلسانه فرحا بها. وهنا يأتي دور اللسان المعبر عما في القلب والقائد ~~لباقي الجوارح، لذلك ورد في الحديث الشريف أن سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " ما من يوم إلا وتنادي الجوارح اللسان تقول: اتق الله فينا، فإنما ~~نحن بك، فإذا استقمت استقمنا، وإذا اعوججت اعوججنا ". # فقوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ms8953 } [فصلت: 30] ~~دل على قول المؤمنين الذي رسخ الإيمان في قلوبهم، فعبرت عنه الألسنة ~~{ ربنا الله } [فصلت: 30] موجدنا ومربينا الذي خلقنا من عدم، ~~وأمدنا من عدم، وأعطانا الأمن والأمان، لأنه القائل: # لا تأخذه سنة ولا نوم # [البقرة: 255]. فالإنسان إن أراد حارسا استأجر له حارسا، فكيف به إذا ~~نام حارسه، أما أنت أيها المؤمن ففي حراسة الله فنم مطمئن القلب، لأن ~~حارسك لا تأخذه سنة ولا نوم. فالمؤمن حين يباشر كل هذا النعيم، وحين ~~يرى مقومات حياته في متناول يده من طعام وشراب، وأمن وسلام، هواء يتنفسه ~~وأرض تعطيه كل ما يشتهي، يفرح بعطاء الله له ولا يملك إلا أن يقول ~~ربنا الله لأنها أصبحت عقيدة ثابتة في القلب. # وما دام ربك الله، فلا تحزن ولا تهتم لأمر الدنيا فالله متولي أمرك، ~~إنك ترى الولد في حياة أبيه لا يحمل هم شيء، ولا يفكر في غلاء ~~الأسعار، ولا في توفير القوت والسلع والملابس.. إلخ لأن والده موجود، فما ~~بالك إن كان الله هو الذي يتولاك؟ والله إن المؤمن الحق ليستحي أن يحمل ~~هم الرزق أو العيش، وهو يعلم أن ربه الله. وما دام { ربنا الله ~~} [فصلت: 30] فلا كرب وأنت رب. ربك سيتولاك، ويبعد عنك كل سوء، ~~ويكفيك كل ما أهمك. تذكرون قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون، فلما ~~اتبعه فرعون بجنوده # قال أصحاب موسى إنا لمدركون # [الشعراء: 61] هكذا يقول واقع الأحداث، فأمامهم البحر وخلفهم جنود فرعون ~~ولا مفر، لكن ماذا قال موسى؟ قال: كلا يعني: لن يدركونا ولن ينالوا منا. ~~قالها من رصيده الإيماني وثقته في ربه وحمايته له، فما كان الله ليرسل ~~رسولا ثم يسلمه لعدوه. # قال كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62] لذلك جاءه الفرج من ربه في التو: # فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ~~فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # [الشعراء: 63]. تأمل هنا حراسة الله لأوليائه، وتأمل هذه المعجزة، وهذه ~~الربوبية، فما أن قال موسى قولته بصدق الإيمان إلا وجاءه الرد، فسلب ~~الله من الماء خاصية السيولة ms8954 وتجمد الماء فسار على الجانبين، كل فرق ~~كالطود العظيم، وفي الوسط طريق جاف يابس عبر منه موسى وجنوده. حتى إذا ما ~~وصل الشاطئ الآخر أراد أن يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى سيولته ويغلق ~~الطريق في وجه فرعون. فأرشده ربه وصحح له وجهة نظره فلله تدبير آخر، ~~والموقف لم ينته بعد، فقال الله لموسى: # واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون # [الدخان: 24]. بعد أن نجى الله موسى وقومه وذهب بهم إلى الصحراء جعل ~~لنفس العصا دورا آخر: # وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك ~~الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.. # [البقرة: 60] فالعصا واحدة يضرب بها الماء فيصير جبلا، ويضرب بها الجبل ~~فيتفجر بالماء، فالأثر مختلف لأن الفاعل هو الله القادر. فقوله تعالى: { ~~ربنا الله } [فصلت: 30] تعطينا فكرة إجمالية عن عطاء الربوبية ~~للمادة وللقيم، فربك الذي أمدك بمقومات المادة ما كان ليتركك بدون ~~مقومات الروح والقيم، فكما أخذت نعمه في المطعم والمشرب والمسكن فخذ ~~نعمه في التكليف، لأنه بالتكليف يربي فيك الروح والقيم. وهذا ينبغي أن ~~نتأمل مثلا قوله تعالى: # يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من ~~آيات الله لعلهم يذكرون # [الأعراف: 26]. فالله تعالى أعطاك الضروري من اللباس وهو ما يستر عورتك، ~~ثم زادك الرياش وهو ترف اللباس والزينة التي يتباهى بها الإنسان، لذلك ~~نقول فلان ده متريش. # لكن لا تنس أن لباس التقوى ذلك خير، يعني: أفضل من اللباس الأول، فلباس ~~المادة يستر عورتك في الدنيا، أما لباس التقوى فيسترك في الدنيا وينجيك ~~في الآخرة. إذن: فهو عطاء ممتد باق خالد في الآخرة. فهو إذن خير لباس ~~لمن وعى وفهم. فربك بربوبيته لنا أعطانا ما يقيم مادتنا وما يسعد ~~دنيانا، وما كان سبحانه ليترك قلوبنا خالية من الأخلاق والقيم الروحية ~~التي تسعدنا في الآخرة. واقرأ إن شئت قوله تعالى: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ~~والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ~~والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع ~~الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب ms8955 # [آل عمران: 14]. فما عند الله في الآخرة هو الباقي، والمادة تفنى وتزول، ~~والدنيا كلها ما هي إلا مرحلة إعداد للآخرة الباقية، حيث يعطيك ربك ~~العطاء الحق، العطاء الممتد. انظر إلى الولد الصغير نعلمه ابتدائي ~~وإعدادي وثانوي وجامعة، لماذا كل هذا التعب؟ للثمرة المرجوة بعد ذلك ~~ليكون عضوا بناء في حركة الحياة، كذلك نحن في الدنيا نعمل لهدف ~~أسمى هو الآخرة، حيث النعيم الباقي الذي لا ينغصه شيء. وتأمل هذا ~~الإقرار من المؤمنين حين قالوا { ربنا الله } [فصلت: 30] إقرار ~~يجمع بين عطاء الربوبية والاعتراف به وعطاء الألوهية، فالرب هو نفسه ~~الإله المعطي هو نفسه سبحانه المكلف، ومن قبل من ربه عطاء الربوبية ~~وأخذ نعمه إيجادا من عدم وإمدادا من عدم لا يليق به أن يترك ~~تكاليفه، خاصة وهي تكاليف تسعد الإنسان في الدنيا والآخرة، ما جاءت لتضيق ~~عليه أو تشق عليه. فعطاء الربوبية موجود أيضا في عطاء الألوهية، ومعلوم ~~أن التكاليف جاءت فافعل ولا تفعل، وعليك أن تفعل في الأمر، وأن تنتهي ~~عند النهي، وما لم يرد فيه نص فأنت فيه حر وتفعل أو لا تفعل. ثم ~~يقول تعالى حكاية عن المؤمنين بعد أن قالوا ربنا الله وأقروا لله تعالى ~~بالربوبية والألوهية، واستقرت عندهم هذه العقيدة راسخة ثابتة يقول: { ~~ثم استقاموا } [فصلت: 30] يعني: بعد القول جاء العمل. وتأمل هنا ~~حرف العطف ثم، فهو يفيد في اللغة الترتيب والتراخي، ولم يقل سبحانه ~~فاستقاموا لحكمة، وكأن الحق سبحانه أراد أن يعطيك فرصة لتتأمل فيها هذه ~~العقيدة وتبحثها وتقتنع بها، أعطاك فرصة لتراجع هذه العقيدة في نفسك ~~لتؤمن بها عن رضا، وتعمل بها عن اقتناع، لتقبل عليها في حب قد يصل بك ~~إلى درجة العشق لهذه الاستقامة. ومعنى الاستقامة: أخذ الشيء على قوامه، ~~وهي تتطلب سيرا على خط مستقيم، الذي سماه الله الصراط المستقيم، ~~فالله يريد منك أيها المؤمن أن تجعل الوسيلة إلى الغاية من عمل التكليف ~~مثل الصراط لا تميل عنه قيد شعرة، ولا تنحرف عن جادته. # فأنت حين تسير في شارع متسع ms8956 يمكن في السير أن تذهب هنا مرة وهنا مرة، ~~نعم يجوز لك ذلك، لكن لا تنس أنه يطيل عليك المسافة ويزيد المشقة. لذلك ~~سمى الله طريقه الموصل إلى جنته # الصراط المستقيم # [الفاتحة: 6] وفي موضع آخر قال # سوآء السبيل # [البقرة: 108] يعني: في وسطه دون انحراف. فإذا كانت الغاية بعيدة احتاجت ~~منك للوصول إليها إلى الإسراع في الحركة لتدرك ما تريد، فما بالك بمن ~~كانت غايته الجنة؟ لا شك أنه يسرع إليها ولا يدخر في سبيل الوصول إليها ~~وسعا. لذلك نقول: لا ينبغي للمؤمن أن يكره الموت لأنه سيوصله إلى ~~غايته، إنما يكرهه إن كان عمله غير صالح، نعم يكره أن يلقى الله وهو ~~على غير الصلاح. فعند ظهور النتيجة مثلا ترى الطالب المجتهد يسرع ~~إليها، لماذا؟ لأنه مطمئن إليها، أما الكسول فتراه بطيئا غير مهتم. لذلك ~~ربنا تبارك وتعالى يعلمنا: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السموت والأرض أعدت للمتقين # [آل عمران: 133]. وقال في وصف المؤمنين: # إنهم كانوا يسارعون في الخيرات # [الأنبياء: 90] والمعنى: إياك أن تشغلك دنياك، أو تقيد حركتك إلى ~~الآخرة، بل سارع اجر في اتجاهها، لأنك لا تعرف كم تقطع من الطريق قبل ~~أن يدركك الموت. ومن عدالته سبحانه مع عبده أن أخذ لنفسه عمر العبد ~~طولا، لكن ترك له بعدين آخرين هما العرض والعمق، كيف؟ قالوا: عمرك من ~~حيث الزمن طولا لا يعلمه إلا الله، ولا يملك نهايته إلا الله وحده، لكن ~~ترك لك أن تمد في العرض كما شئت، فيمكنك أن تستثمر اللحظة التي تعيشها ~~وتوسع دائرة الخير فيها، وبذلك يكون العرض أكبر من الطول فليست ~~العبرة بطول العمر، ولكن بقدر العمل الصالح فيه. فمن الناس من يعمل في ~~العمر القصير أعمالا جليلة لا يعملها صاحب العمر الطويل، لذلك لما وصف ~~الله لنا الجنة قال: # وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها ~~السموت والأرض أعدت للمتقين # [آل عمران: 133]. فذكر العرض، وإذا كان عرضها السماوات والأرض، فما بالك ~~بطولها؟ ثم أعطاك بعدا آخر هو العمق، والعمق في ms8957 العمر يكون للإنسان بعد ~~موته وانقطاع عمله في الدنيا، وذلك بأن يبقى أثره خيره من بعده ممتدا في ~~عمق الزمان. والحق سبحانه حين يأمرنا بالسير على الصراط المستقيم، وحين ~~يأمرنا بالمسارعة في الخيرات إنما يريد لنا أيسر السبل التي توصلنا ~~إلى أشرف الغايات بأقل مجهود، ومعلوم عند علماء الهندسة أن الخط ~~المستقيم هو أقرب طريق وأقصر مسافة بين نقطتين. فالله لا يريد منا حركات ~~طويلة بلا جدوى، وفي نفس الوقت يأمرنا أن نسارع ليظل لدينا النشاط اللازم ~~للوصول. لذلك قال تعالى في أول سورة الكهف: # الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا * قيما.. # [الكهف: 1-2]. والاستقامة التي يريدها الله لنا لها أركان بينها النبي ~~صلى الله عليه وسلم في قوله: # " بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا، رسول ~~الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع ~~إليه سبيلا ". # وإياك أن تظن أن الدين في هذه الأركان الخمسة فحسب، لا، هذه هي القواعد ~~والأسس التي يقوم عليها بناء الدين، أما الدين تفصيلا فيتغلغل في كل ~~حركة من حركات الحياة. وهذه المسألة واضحة في الحديث الشريف: # " الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا ~~الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ". # فالأركان ليست هي كل الإسلام بل هي أسسه وقواعده، فالشهادتان إقرار لله ~~تعالى بالألوهية، وإذعان له سبحانه بالطاعة، وتصديق برسوله صلى الله ~~عليه وسلم، وفي الصلاة التي هي كل يوم خمس مرات إعلان للولاء الدائم لله ~~تعالى. وفي الزكاة تهذيب للنفس وتعويد لها على العطاء والمشاركة والنظر ~~إلى الفقير، فقير الإعاقة عن الحركة لا فقير الاحتراف، في الزكاة تكافل ~~فأنت اليوم قوي قادر على العطاء، فمن يدريك لعلك تصير إلى الضعف ~~وعدم القدرة فتجد في المجتمع من يمد لك يد العون. ثم إن الزكاة تنزع ~~من المجتمع فتيل الحقد والحسد والغيرة، وكيف يحسد الفقير الغني أو يحقد ~~عليه وهو يعطيه ثمرة عرقه ms8958 ويشركه في ماله؟ إذن: في الزكاة تأمين للفرد ~~المؤمن أعظم تأمين. لذلك قلنا في المجتمع الإيماني: إنك لا تعمل بقدر ~~حاجتك، إنما تعمل بقدر طاقتك، فما احتجت إليه فخذه، وما لم تحتج إليه ~~وزاد عنك فتصدق به على غير القادر، أنت تتصدق وأنت تذهب بنفسك إلى ~~باب الفقير لتعطيه لتحفظ لأخيك ماء وجهه، وتعفيه من مذلة السؤال ~~ولتنال أنت هذه الدرجة. ثم يأتي الحج ليضيف إلى هذه المعاني معنى ~~إيمانيا آخر، فربك الذي خلقك وأعطاك وأمدك ومنحك القدرة والاستطاعة ~~ألا يستحق منك أن تذهب إليه في بيته الذي اختاره لنفسه، ولو مرة واحدة ~~في العمر؟ إنها زيارة ليست بإرادة الضيف وإنما بدعوة من المضيف، لذلك حين ~~تذهب إلى بيت ربك في هذه الفريضة فسوف تعرض نفسك لعطاء آخر ما له ~~حدود، ثم في الحج منافع أخرى دينية ودنيوية لا تخفى على المتأمل. أما ~~الصوم فيعطيك بعدا آخر للطاعة، فأنت قبل الفجر تأكل وتشرب، وبعد الفجر ~~يحرم عليك أن تأكل وتشرب، فبين الحلال والحرام هنا لحظة. وأنت حين تصوم ~~تصوم عن شيء أحله الله لك قبل الصيام، فأنت حين تصوم تصوم على شيء حلال ~~أصلا لأن الإسلام حرم عليك أشياء تحريما مطلقا كالخمر مثلا. فنحن ~~والحمد لله لا نشربها ولا نفكر أبدا في شربها، حتى صار ذلك طبعا وعادة، ~~فأراد سبحانه أن يخرجنا من إلف هذه العادة، وأن يديم على عبده حلاوة ~~التكليف من الله في شيء حلال الآن، وبعد لحظة واحدة يكون حراما، فأخرجنا ~~الحق سبحانه من إلف العادة إلى شرف العبادة. # أما الركن الدائم الذي لا يسقط عن المؤمن إلا في حالة فقدان العقل فهو ~~الصلاة، فهي خمس صلوات في اليوم والليلة يراد بها دوام الحضور في معية ~~الله، فهي تختلف في دوامها عن باقي الفروض، فالزكاة مرتبطة بالمحصول أو ~~بدورة المال السنوية، والصوم مرتبط بشهر واحد في السنة هو رمضان، والحج ~~مرة واحدة في العمر. وكون الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة رحمة من ~~الله بعباده، فأنت صنعة ms8959 الله ويستدعيك إلى حضرته تعالى خمس مرات ليصلح ~~ما فسد فيك، وما بالك بصنعة تعرض على صانعها خمس مرات كل يوم وليلة؟ ~~وإذا كان المهندس مثلا يصلح الآلة بقطعة سلك أو قطعة غيار، فكذلك ربك ~~يصلحك، ولكم المهندس مادة يصلح بالمادة، والله غيب يصلحك بالغيب، فلا ~~تتعب نفسك في بحث هذه المسألة ودعها لله، فقط عليك أن تعرض نفسك عليه ~~سبحانه في الخمس صلوات في أوقاتها، وأن تتم لها ركوعها وسجودها ~~وشروطها. ولا شك أنك ستلحظ هذا الإصلاح في نفسك، وفي روحك، وفي مادتك، ~~وفي مالك، وفي أهلك، ستحس أن للصلاة أثرا في حياتك وراحة في بدنك، لذلك ~~كان سيدنا رسول الله يقول لبلال: # " أرحنا بها يا بلال " # نعم أرحنا بها، ولا أرحنا منها. ولأهمية الصلاة في حياة المسلم جعلها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أم الاستقامة وعنوانا لها، واقرأ إن ~~شئت قوله تعالى: # إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر # [العنكبوت: 45]. وفي الحديث الشريف: # " أول ما يحاسب العبد عليه يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح ~~سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله ". # لذلك كان للصلاة هذه المنزلة الخاصة، فأنت ترى الفقير لا زكاة عليه ولا ~~حج، وترى المريض لا يصوم، على خلاف الصلاة التي تلازم المسلم في صحته ~~ومرضه، في غناه وفي فقره، في سفره وفي إقامته، فقط الجنون هو الذي يرفع ~~عن صاحبه الصلاة. إذن: فهي الركن الملازم لك، ومن هنا كان للصلاة خصوصية ~~في فرضيتها، فكل العبادات فرضت بالوحي إلا الصلاة فقد فرضت على ~~سيدنا رسول الله بالمباشرة في رحلة الإسراء والمعراج، وهذا يدل على ~~أهميتها بين باقي العبادات. وسبق أن أوضحنا أن الرئيس في العمل قد يرسل ~~لك ورقة أو يحدثك في التليفون في أمر من الأمور، لكن إن كان الأمر ذا ~~أهمية وخصوصية استدعاك إلى مكتبه ليكلمك مباشرة، وهكذا كانت الصلاة فقد ~~أخذت قيمتها من هذه المباشرة حين فرضيتها. # ثم إن الصلاة ركن يجمع باقي الأركان ففيها الشهادتان، والشهادة التي ~~هي قمة الإيمان والعقيدة يكفي ms8960 أن يقولها المسلم ولو مرة واحدة، أما في ~~الصلاة فيقولها عدة مرات، وفيها صيام أبلغ من صيام رمضان فأنت في رمضان ~~تصوم عن الطعام والشراب والمفطرات، أما في الصلاة فأنت تصوم عن أكثر من ~~ذلك، تصوم عن الحركة وتصوم عن الكلام. وفيها حج لأنك لا تصلي إلا إذا ~~اتجهت بوجهك ناحية بيت الله الحرام وتمثلته أمامك، كأنك تنظر إليه. ~~وفي الصلاة زكاة لأنك تضحي في سبيلها بما هو أغلى من المال وهو الوقت. ~~لذلك بين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الفرق بين المؤمن ~~والكافر الصلاة، فقال: # " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر " # فإذا دعاك ربك إلى الصلاة فلم تجب فأنت عاص، أرأيت رئيسك في العمل ~~إذا دعاك إلى مكتبه فلم تلب، ماذا يحدث؟ ومن عظمة هذه الفريضة أنها ~~لقاء مع الله، لك أنت أيها العبد الحرية التامة فيه وتملك كل عناصره، ~~فأنت تحدد اللقاء مكانه وزمانه، وماذا تقول فيه، ومتى تنهي هذا اللقاء، ~~فقط تسمع النداء فتذهب وتتوضأ، ترفع يديك إلى السماء: الله أكبر. أنت إذن ~~في حضرة ربك، وفي رحاب خالقك، أنت معه على خط مباشر، ليس بينك وبينه حاجب ~~ولا دونه حراس ولا واسطة. لذلك يقول بعض الصالحين: # حسب نفسي عزا بأني عبد # يحتفي بي بلا مواعيد رب # هو في قدسه الأعز ولكن # أنا ألقى متى وأين أحب # فربك لا ينتظرك أن تأتيه، إنما يدعوك لزيارته، يقبل عليك قبل أن ~~تقبل عليه، ألم يقل في الحديث القدسي الشريف: # " من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ ~~خير منهم، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن تقرب مني ذراعا ~~تقربت منه باعا ". # إذن: فالزمام في يدك أنت، ونعم الرب رب يعامل عباده هذه ~~المعاملة، ويحسن إليهم كل هذا الإحسان. ومن كرمه سبحانه أن يثيب ~~العبد على كل حركة خير في دنياه، لأن هذه الحركة مطلوبة للإيمان، لذلك ~~يقول تعالى في سورة الجمعة: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة ms8961 من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع # [الجمعة: 9]. وبعد الصلاة قال: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله # [الجمعة: 10] فأخذك من عمل وأعادك إلى عمل، لأن العمل في ذاته طاعة، ~~والمؤمن لا بد أن يسهم في حركة الحياة مساهمة إيجابية بناءة. ~~الإسلام إذن لا يقتصر على هذه الأركان الخمس، بل يمتد إلى كل حركة من ~~حركات الحياة، فأنت تؤسس بيتا مثلا وتقيمه على أعمدة، لكن بعد ذلك ~~تقسمه إلى: حجرة نوم، وحجرة للسفرة، وحجرة للصالون، وحجرة للمطبخ وهكذا. ~~والإسلام يهدف إلى سلامة حركة الحياة وخلوها من الصراع، ومن التصادم، ~~يريد أن تتساند حركة الجماعة لا تتعاند، لا يريد واحدا يبني والآخر ~~يهدم، بل كلنا يبني ولا أحد يهدم، فالحق سبحانه أعطانا هذا الكون الذي ~~نعيش فيه وهو على حالة الصلاح وعلى هيئة الجمال والتناسق، وأوصانا أن ~~نحافظ عليه، وأن نزيد في صلاحه، وعلى الأقل نتركه على صلاحه ولا نفسده. # وعلمنا حين نصلح أن نصلح بحركة محسوبة العواقب، وألا ندخل في شيء ~~لا نعرف الخروج منه، وألا تغرنا ظواهر الأشياء، هذه صفات العقلاء ~~الذين يتصرفون في الأمور بحكمة، ويزنون الخير والشر فيقبلون على أسباب ~~الخير وينصرفون عن أسباب الشر. ونضرب مثلا في عصرنا الحالي بدودة القطن ~~التي كانت تعبث بغالب ثروة مصر من هذا المحصول الهام، إلى أن اخترع ~~العلماء مبيدا حشريا لها سموه ال D.D.T فتسابق الناس إلى استخدامه، ~~وظنوا أنه سيقضي على الدودة بلا رجعة، وأن المشكلة قد انتهت، وبعد عدة ~~سنوات أخذت الدودة حصانة من هذا السم، وأصبحت كما نقول كييفة D.D.T ~~وبقيت الدودة كما هي، وبقيت معها آثار جانبية أصابت الماء والزرع ~~والتربة ولوثت كل شيء في حياتنا، وها نحن الآن نعاني أشد المعاناة ~~بسبب المبيدات الحشرية. لذلك الحق سبحانه وتعالى يحذرنا من رعونة ~~الابتكار، ومن الاغترار بالخير الظاهري دون حساب للعواقب، فإياك أن تدخل ~~في أمر يعييك الخروج منه، تأمل قول الله تعالى وهو يمتن على عباده ~~ببعض نعمه عليهم: # والخيل ms8962 والبغال والحمير لتركبوها وزينة ~~ويخلق ما لا تعلمون # [النحل: 8]. نعم، كنا لا نعرف من وسائل النقل والركوب إلا الخيل والبغال ~~والحمير، ثم اخترع الإنسان بعد ذلك ما لم يكن يعلمه من السيارات ~~والطائرات والصواريخ، وهذه الوسائل المستخدمة لا شك أنها خدمت الإنسان ~~ويسرت عليه، لكن مع ذلك كان لها أضرار ومعاطب لم تكن في حسبان ~~من اخترعها. عندما ظهرت السيارات كنا نذهب بها إلى دمياط، ولم تكن ~~الطرق مرصوفة كما هي الآن، فكان السائق ينطلق بها بسرعة على الطريق ~~الترابي فتثير الغبار خلفها بشدة، غبار يؤذي الناس ويؤذي المزروعات، ~~فضلا عن عادم الوقود وما يسببه من أضرار للجهاز التنفسي. ثم كانت ~~تحدث كثيرا من التصادمات، وينتج عنها قتلى ومصابون تترك في المجتمع ~~مآسي، وإذا انتهى البنزين منها تقف مكانها لا تتحرك؟ فإذا ما قارنت هذه ~~الوسيلة بالوسائل الطبيعية التي خلقها الله وجدنا خلق الله أفضل ~~وأسلم، فالجمل أو الحمار يوصلك وينقل لك متاعك دون أن يسبب لك هذه ~~المعاطب، ففضلاته سماد للتربة، وإذا جاع لا يتوقف إنما يكمل بك المشوار، ~~ثم هل رأيتم مثلا جملين اصطدم أحدهما بالآخر. إذن: علينا قبل أن نخترع ~~شيئا أن نحسب عواقبه، وغلبة الخير فيه على الشر، والنفع على الضرر. ثم ~~يبين الحق سبحانه جزاء هؤلاء المؤمنين الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا، ما جزاؤهم؟ { تتنزل عليهم الملائكة ألا ~~تخافوا ولا تحزنوا } [فصلت: 30] نعم ملائكة الله في السماء ~~هذه المخلوقات النورانية التي لا عمل لها إلا تسبيح الله، فلا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فحين تنزل بالمؤمن شدة أو يصيبه ~~مكروه تتنزل عليه هذه الملائكة تثبته فيعود إلى ما يجب أن يعود ~~إليه من الصبر. # فيقول: لا كرب وأنت رب، أنا لي رب قوي قادر سيفرج همي ~~ويزيل كربي. وهذا حال المؤمن حين يحزبه أمر وتضيق به أسبابه يلجأ إلى ~~المسبب سبحانه، فيأتيه الإلهام من الله أن اصبر واحتسب، وربما كانت ~~المصيبة امتحانا من الله، أو كانت تكفيرا لذنب بدر مني فعاقبني الله ms8963 به ~~في الدنيا وعافاني منه في الآخرة، وهذه علامة حب الله للعبد أن يعجل ~~له العقوبة في الدنيا، ويغفرها له في الآخرة. لذلك كان الكفار يفرحون حين ~~تصيب المؤمنين مصيبة، فعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: # قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا # [التوبة: 51] فأنتم تفرحون إن نزلت بنا مصيبة، ونحن كذلك نفرح بها ~~لأنها من الله، والمصيبة للمؤمن إما يكفر الله بها من خطاياه، وإما ~~يرفعه بقدرها درجات. وعجيب أن نرى البعض إذا أصابته مصيبة أو نزل به ~~ما يكره لا يعالج أسبابها، ولا يفكر في تفاديها بعد ذلك، إنما يلجأ إلى ~~نسيانها ويذهب إلى شرب المسكر الذي يساعده على النسيان. وهذا خطأ فادح، ~~فالنسيان لا يحل مشكلة، إنما يحلها التفكير في أسبابها ومعالجة هذه ~~الأسباب، فالمخدرات والمسكرات تذهب بعقلك وتفسده في وقت أنت في أشد ~~الحاجة إليه، حين يمر الإنسان منا بمشكلة يحتاج إلى مزيد فكر، فكيف ~~تذهب بعقلك في وقت أنت في أمس الحاجة إليه؟ ألا ترى أنك تستعين بغيرك ~~وتستشيره في حل مشاكلك حينما تضيق بك الأسباب؟ إذن: انظر إلى ~~المصيبة، ما سببها إن كان لك دخل فيه، وهي نتيجة تصرف خاطئ منك ~~فأنت الملوم، وعليك أن تعدل من تصرفاتك وتعمل حسابا للعواقب، وهذه ~~أول خطوة في طريق الإصلاح، كالطالب يذهب لمعرفة النتيجة آخر العام ~~فيقولون له: أنت راسب فتعيده الصدمة إلى صوابه، ويصيح بأعلى صوته هذه ~~الصيحة العقلية الواعية: أنا السبب، أنا المهمل، أنا أستحق. أما إن كانت ~~المصيبة لا دخل لك فيها كالطالب الذي ذاكر دروسه واجتهد، لكن جاءه وقت ~~الامتحان دوار أو أصابه نسيان فلم يوفق، فهذا قدر الله لا بد أن ~~له حكمة، فهو شر في طياته خير، هو ابتلاء من الله ينبغي أن نرضى به، ~~وأن نتلمس له حكمة. فنحن دائما نحوم حولها، وصلنا أو لم نصل، قل ~~ربما كنت مغرورا فأراد الله أن يكسر في عنفوان الغرور، ربما لو ~~وفقت كنت سأحسد، أو ربما لم آت ms8964 بالمجموع المطلوب الذي كنت أرجوه، وهذه ~~كلها نماذج يؤيدها واقع الحياة. # والفعل لا يؤخذ لذاته إنما بمصاحبة الفاعل، من هو؟ قلنا: لو دخل عليك ~~ولدك يسيل دمه لا يشغلك الدم بقدر ما يشغلك من الفاعل؟ لذلك تسأله ~~أولا: من فعل بك هذا؟ فإن قال لك عمي مثلا، تهدأ ثورتك، وتقول ~~له: لا بد أنك فعلت شيئا يستحق العقاب فعاقبك. أما إن قال لك: فلان، ~~تغضب وتقيم الدنيا ولا تقعدها. إذن: نقول خذ الفعل بمصاحبة فاعله، ~~فإن كان من الله فارض وابحث عن حكمته، ولا بد أنك ستتوصل إليها ~~وستحمد الله. كن أمام الشدائد كالضرس ثابتا في مكانه يمضغ لا يعنيه ~~حلوا ولا مرا، فإن كان البلاء في نفسه يتأدب، وإن كان في غيره ~~يتعلم، فلا بد أن لله حكمة. سمعتم قصة الرجل الصيني الذي كان يتأمل ~~الأحداث ويرى الحكمة فيها، قالوا: كان هذا الرجل محبا لتربية الخيول ~~فكانت عنده مزرعة خيول، وفي يوم شرد منها حصان من أجود الأنواع، كانوا ~~يسمونه الطلوقة وضل في المزارع، فجاءه الناس يواسونه. فقال لهم: وما ~~أدراكم لعل في هذا الخير، ويكفي أنني لست سببا في فقد هذا الحصان؟ ~~وبعد أيام جاء الحصان يصطحب سربا من الخيول حتى دخل المزرعة، فجاءه ~~بعض الجيران يهنئونه، فقال لهم: وما أدراكم أن في هذا نعمة؟ ولم يمض ~~وقت طويل حتى ذهب ابنه يركب هذا الحصان، وكان مغرما به فأوقعه الحصان ~~فكسر رجله، فجاءه الناس يواسونه فقال لهم: لعل في ذلك خيرا، وفعلا ~~جاء المسئول عن التجنيد فوجد الشاب قد كسرت رجله فتركه. إذن: علينا أن ~~نفهم أن لله في أقداره حكما، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها. ~~لذلك نقول: إياك أن تأخذ شيئا بالإكراه لأنك لا تدري أن الخير لك، ~~وتذكر دائما: # وعسى أن تحبوا # [البقرة: 216] # وعسى أن تكرهوا # [البقرة: 216] لذلك يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدرس ~~فيقول: # " اطلبوا الأمور بعزة الأنفس، فإنها تجري بمقادير ". # ويقول أحد العارفين في مناجاته لله: أحمدك على كل قضائك وجميل ms8965 قدرك ~~حمد الرضا بحكمك، لليقين بحكمتك. وهكذا يريح الإنسان نفسه ويريح الدنيا ~~من حوله، وهذه كلها من تنزلات الملائكة في قوله سبحانه { إن ~~الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل ~~عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا } [فصلت: ~~30]. كذلك من تنزلات الملائكة أنها تنزل على المؤمن ساعة يحل الموت ~~بساحته فيخاف ويحزن، لأنه سيترك نعيم الدنيا، فتتنزل عليه الملائكة ~~تطمئنه وتبشره بنعيم آخر دائم وباق في الآخرة، لا يزول كما يزول ~~نعيم الدنيا. { تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ~~} [فصلت: 30] يعني: مما أنتم مقبلون عليه من أمور الآخرة، حتى إذا ~~قصرت بكم أعمالكم فأنتم مقبلون على رب غفور رحيم، فلا تخافوا ولا ~~تحزنوا { وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } ~~[فصلت: 30]. قلنا: البشارة الإخبار بخير وبما يسر قبل أوانه، ومن ~~الذي يبشرك بالجنة؟ والله لو إنسان مثلك لكنت تشك في قدرته على ~~الوفاء، لكن إن كان الذي يبشرك هو الله فثق بما بشرت به، فالذي ~~بشرك بالجنة هو وحده القادر على الوفاء، حيث لا قوة تحول بينه وبين ~~الوفاء بالبشرى. ### || [41.31] # يعني: أنصاركم المقربين منكم والمؤيدين لكم في الدنيا وفي الآخرة، ~~قالوا: لأن الملائكة جبلت على الطاعة لذلك عند خلق آدم قالوا: # أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك # [البقرة: 30] رد الله عليهم # قال إني أعلم ما لا تعلمون # [البقرة: 30]. يعني: خلقت الملائكة مجبولين على الطاعة # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6] والذي أريده طائعا لا يملك أن يعصي، لكني أريد خلقا ~~آخر لا يأتون إلي بالإكراه، إنما يأتونني طواعية ويقبلون علي محبة ~~وهم يملكون أن يعصوا، يأتون ألي بالاختيار لا بالقهر والإجبار. وسبق ~~أن ضربنا لذلك مثلا قلنا: هب أن لك عبدين تربط أحدهما وتشده إليك ~~بسلسلة، والآخر حر طليق، وتنادي عليهما فيسرعان إليك. أيهما يكون أطوع ~~لك من الآخر؟ فقوله: { نحن أوليآؤكم } [فصلت: 31] يعني: نأتيكم ~~في الشدة فننصركم، وفي البلاء فنصبركم. لذلك ورد في الحديث الشريف أن ~~واحدا من صحابة رسول الله صلى الله ms8966 عليه وسلم جلس يقرأ القرآن وبجواره ~~خيل فسمع لها صياحا وهمهمة، ورأى منها حركة غريبة، ورأى فوق رأسه ~~نورا، فذهب إلى سيدنا رسول الله وحكى له ذلك، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " هؤلاء هم الملائكة، جاءوا لسماع الذكر، والله لو صبرت لصافحوك ". # هذا من ولاية الملائكة لنا في الدنيا، أنا في الآخرة فهم أولياء لأنهم ~~سيكونون مندوبين عن الله في البعث وفي الحساب، وفي استقبال أهل الجنة ~~بالسلام كما حكى الحق سبحانه: # سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين # [الزمر: 73]. وقال: # سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار # [الرعد: 24] هذا سلام الملائكة، ثم يسلم الله عليهم كذلك، كما في ~~سورة يس: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم ~~فيها ما تدعون } [فصلت: 31] قالوا: ما تطلبه النفس من النعيم ~~تجده أمامك بمجرد أن يخطر على بالك، فأي رفاهية هذه؟ لقد ذهبنا إلى دول ~~كثيرة ودخلنا أكبر الفنادق هناك، فكان قصارى ما وصلوا إليه أنك تضغط على ~~زر معين يعطيك قهوة مثلا، وعلى زر آخر يعطيك شايا، فهل هناك أعظم مما ~~أعده الله لك في الجنة؟ مجرد أن يخطر ببالك الشيء تجده بين يديك، ثم ~~إن فيها من النعيم " ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب ~~بشر ". لذلك لما أراد سبحانه أن يصور لنا الجنة لم يصفها صراحة، إنما ~~قال سبحانه: # مثل الجنة التي وعد المتقون # [محمد: 15] مثلها، ليست هي، لماذا؟ قالوا: لأن ألفاظ اللغة توضع ~~لمعان ومسميات، ولا بد أن يوجد المعنى أولا ثم نضع له اللفظ ~~الدال عليه، فالمعدوم ليس له لفظ يدل عليه، فالتليفزيون مثلا قبل أن ~~يخترعوه ماذا كان اسمه؟ لم يكن له اسم، كان معدوما. # كذلك نعيم الجنة لا توجد في اللغة ألفاظ تدل عليه الآن، لأننا لا نعرفه ~~ولا نعرف أسماء هذه الأشياء، فهي أشياء لم ترها عين، ولم تسمعها أذن، ~~ولم تخطر على قلب بشر، فمن أين الألفاظ الدالة عليها؟ وقوله: { ~~ولكم فيها } [فصلت: 31] أي: في ms8967 الجنة { ما تشتهي أنفسكم ~~} [فصلت: 31] المراد النفوس الإيمانية التي استقامت على طريق الله، فليس ~~في الجنة محرم، وليس في الجنة من يشتهي المحرمات، فالنفس تشتهي ~~الحلال، حتى محرمات الدنيا إن وجدت في الآخرة فهي شيء آخر نزع منه ~~سبب التحريم. فالخمر في الدنيا معروف أنها تذهب العقل، وأنه لا لذة ~~في شربها، أما خمر الآخرة فقال الله عنها: # وأنهار من خمر لذة للشاربين # [محمد: 15.] وأنت تشاهد في الأفلام مثلا من يشرب الخمر كيف يشربها؟ ~~يصبها في فمه هكذا مرة واحدة، لماذا؟ لأن طعمها كريه يريد أن يمرره ~~من منطقة الذوق بسرعة، أما الذي يشرب كوبا من عصير المانجو مثلا تراه ~~يرشفه رشفة رشفة نقول يمزمز فيها، لأن طعمها لذة ورائحتها لذة. كذلك في ~~كل نعيم الجنة الذي له مثيل في الدنيا تجد الحق سبحانه ينقيه من ~~الشوائب ويخلصه من الأضرار التي نعرفها في الدنيا، تأمل قوله تعالى عن ~~ماء الآخرة: # أنهار من مآء غير ءاسن # [محمد: 15] يعني: لا يتغير ولا يصيبه عطن كماء الدنيا، وفي اللبن قال: # وأنهار من لبن لم يتغير طعمه # [محمد: 15] وقال عن العسل: { وأنهار من عسل مصفى } ~~[محمد: 15]. إذن: لا تقل: خمر كخمر الدنيا، ولا ماء كماء الدنيا، ولا ~~لبن كاللبن الذي تشربه، لا إنما هي نعيم من نوع آخر نقاه الخالق سبحانه، ~~وصفاه من شوائبه. { ولكم فيها ما تدعون } [فصلت: 31] يعني: ~~لكم في الجنة كل ما تتمنونه، وكل ما تطلبونه. ### || [41.32] # النزل هو المكان الذي أعد للضيف ينزل فيه، ولا بد أن يعد هذا ~~المكان بحيث يجد فيه الضيف كل ما يريد، فهو موطن الكرم، لذلك نسمي ~~الفندق نزل، نعم نزل أعده البشر للبشر، لكن الجنة نزل أعده ~~رب البشر وخالقهم، أعده لهم الغفور الرحيم بهم. لذلك قلنا: إننا لما ~~ذهبنا إلى سان فرانسيسكو وجدنا هناك فنادق على درجة عالية من الرقي وجودة ~~الخدمة، ورأيت الإعجاب بها في أعين زملائي فأردت أن ألفتهم لفتة ~~إيمانية، فقلت لهم: تعجبون مما ترونه، انظروا إليه نظرة تأمل، فهذا ms8968 ما ~~أعده البشر للبشر، فكيف بما أعده الله رب البشر للبشر؟ وبهذه ~~النظرة يخرج المرء نفسه من دائرة الحقد أو الحسد أو الاعتراض، فكل ~~نعيم تراه، وكل جمال تقع عليه عينك ينبغي أن يذكرك بنعيم الآخرة. ~~كثيرا عندما نرى مثلا عمارة عالية أو فيلا جميلة نقول: من أين كل هذه ~~الأموال؟ ويساورنا شيء من الحقد على صاحبها، أو نحسده على فضل الله الذي ~~اختصه به، لكن لو نظرنا إلى الموضوع من ناحية أخرى لوجدنا أن الله ~~تعالى سخر هذا الرجل وسخر ماله لخدمة المجتمع كله، فقد أتعب نفسه في ~~جمع هذه الأموال ثم أخرجها ليوزعها على العمال والصناع وأصحاب الحرف من ~~طوائف المجتمع المختلفة. فهو - إذن - يسهم في بناء المجتمع، ويسهم في ~~حركته لذلك علمنا ربنا تبارك وتعالى حين نرى شيئا يعجبنا أن نقول: # ما شآء الله لا قوة إلا بالله # [الكهف: 39]. يعني: هذا عطاء الله وفضله، يعطيه من يشاء من عباده، ~~وحين تسر بالنعمة عند غيرك، وتحبها له تحبك النعمة، لأن النعمة أعشق ~~للمنعم عليه من عشقه لها، أما إن كرهت النعمة عند الناس كرهتك ~~النعمة، وقالت له: والله لا تحضرك نعمة كرهتها عند غيرك. ثم إن النعمة ~~قدر، وعلى المؤمن أن يرضى بقدر الله، ولا يعترض عليه، وعليه أن يعلم أن ~~لكل قدر حكمة إيمانية. وقوله: { نزلا من غفور رحيم } [فصلت: ~~32] دل على أن هذا النزل وهذا النعيم لا يناله العبد بعمله، إنما يناله ~~بمغفرة الله ورحمته، وهذا يفسر لنا الحديث النبوي الشريف: # " لا يدخل أحد الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا ~~إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # وقد تستعمل كلمة النزل على سبيل الاستهزاء، فالنزل قد يكون في أحد ~~الفنادق، وقد يكون في السجن، يقول تعالى في سورة الكهف: # إنآ أعتدنا جهنم للكافرين نزلا # [الكهف: 102]. ### || [41.33] # بعد أن تكلم الحق سبحانه عن الكمال الذاتي للمؤمن الذي استكمل الإيمان ~~وأعلنها: ربي الله، ثم استقام على طريقة، يقول بعد أن استقبل المؤمن ~~الإيمان وباشرت حلاوته ms8969 قلبه يفيض هذا الإيمان منه إلى غيره، وهذه مهمة ~~من مهمات المؤمن أن ينقل الإيمان، وأن ينقل الخير إلى الغير. المؤمن ~~يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحرص على إصلاح المجتمع من حوله، المؤمن لا يقف ~~عند ذاته، ولا يكون أبدا أنانيا. والحق سبحانه يمدح منزلة الدعوة إلى ~~الله، ويجعلها أحسن ما يقول الإنسان: { ومن أحسن قولا ممن ~~دعآ إلى الله } [فصلت: 33] فأشرف الأعمال للذي تشبع قلبه ~~بالإيمان أن يعدى هذا الإيمان إلى غيره، وأن ينقل له الصورة الإيمانية، ~~فالمؤمن يصنع الخير لنفسه وللناس ذلك لأن خير الناس عائد إليه أيضا، كما ~~أن شرهم لا بد أن يناله وأن يصيبه من نصيب. إذن: من مصلحتك أيها ~~المؤمن أن يؤمن الناس، ومن مصلحتك أيها المستقيم على الجادة أن يستقيم ~~الناس لذلك حمل الله أمانة الدعوة إليه لكل مؤمن، لأنه سبحانه يريد ~~أن يعدى الإيمان ممن ذاقه إلى من لم يذقه لتتسع رقعة ~~الإيمان، ويعم الخير الجميع. وأول عناصر الدعوة إلى الله أن ندعو إلى ~~العقيدة أولا وإلى الإيمان بالله، أن نقول: ربنا الله، نقر بها ~~ونعلنها خالصة بلا تردد، ثم نلفتهم إلى آيات الله في الكون، إلى الآيات ~~الكونية إن كانوا لا يتأملونها، وإلى آيات المعجزات المصاحبة للرسل إن ~~كانوا لا يعلمونها، ثم إلى آيات الذكر الحكيم التي تحمل منهج الله بافعل ~~ولا تفعل. وتأمل قوله تعالى: { ومن أحسن قولا } [فصلت: 33] ~~الحق سبحانه أراد أن يبين لنا منزلة الدعوة إلى الله وفضل الداعية، ~~لكن لم يأت بذلك في أسلوب خبري يقرر هذه المنزلة إنما جاء بهذا السؤال ~~{ ومن أحسن قولا } [فصلت: 33] استفهام غرضه النفي، يعني: لا ~~أحد أحسن من هذا الذي يدعو إلى الله، ولا قول أحسن من قوله. قالها ~~الحق سبحانه في صورة سؤال لأنه سبحانه يعلم أنه لا جواب لها إلا أن ~~نقول: لا أحد أحسن قولا ممن دعا إلى الله، فجعلنا نحن نعلن هذه ~~الحقيقة ونقر بها، والإقرار كما يقولون سيد الأدلة. وأول داعية إلى ~~الله هو سيدنا رسول ms8970 الله صلى الله عليه وسلم، وكل داعية من بعده يأخذ من ~~معينه صلى الله عليه وسلم ويسير على خطاه، ولما كان صلى الله عليه وسلم ~~هو آخر الأنبياء فقد ترك لأمته هذه الرسالة، رسالة الدعوة إلى الله ~~بالحكمة والموعظة الحسنة، فخير رسول الله لم ينقطع، بل ممتد في أمته من ~~بعده، وكل داعية بعده إنما يأخذ مقاما من مقامه صلى الله عليه وسلم. # ومن رحمة الله بهذه الأمة أن جعل لها رادعا من نفسها، جعل فيها فئة ~~باقية على الحق تقوم المعوج، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وسوف ~~تظل هذه الفئة إلى يوم القيامة، لذلك جاء في حديث سيدنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم، حتى ~~يأتي أمر الله وهم كذلك ". # لذلك قال سبحانه: # كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون ~~بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله # [آل عمران: 110]. وهذه خاصية اختص الله بها أمة محمد لأنه خاتم الرسل ~~لذلك لن يعم الشر هذه الأمة، ولن يطم فيها الفساد، ففيها حصانة من ~~ذاتها. لقد كانت الأمم السابقة يستشري فيها الفساد حتى يعمها، فلا يكون ~~فيها آمر بمعروف ولا ناه عن منكر، وعندها كان لا بد من إرسال رسول ~~جديد، يعيد الناس إلى الطريق المستقيم. أما أمة محمد فلن يأتي فيها رسول ~~جديد، لذلك جعل الله فيها هذه الحصانة، وجعلها خليفة لرسول الله في ~~الدعوة إلى الله، وجعلها أمينة على هذه الدعوة، لذلك يقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة ". # وقد بين الله تعالى أن الرسول سيشهد أنه بلغ أمته هذه الدعوة، وهذه ~~الأمة ستشهد أنها بلغت دعوة رسولها إلى كل الأمم، قال تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.. # [البقرة: 143]. فشهادتنا على الأمم دليل على أن الخير باق فينا ولن ~~ينقطع أبدا. وقد حثنا رسولنا صلى الله عليه وسلم على حمل هذه الأمانة ~~ورغبنا فيها حين قال ms8971 صلى الله عليه وسلم: # " نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، وأداها إلى من لم يسمعها، ~~فرب مبلغ أوعى من سامع ". # والدعوة إلى الله مجال واسع يكون بالقول وبالفعل وبالقدوة الحسنة، يكون ~~ببيان العقائد والعبادات والأحكام للناس بأسلوب شيق ممتع جذاب، لا ~~ينفر الناس، ولا يذهب بهم إلى يأس أو قنوط من رحمة الله. الدعوة إلى ~~الله فن، اقرأ قوله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم: # ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك.. # [آل عمران: 159]. أين دعاتنا من قوله تعالى: # ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ~~الحسنة وجدلهم بالتي هي أحسن.. # [النحل: 125]. لا بد أن نعلم أن الدعوة إلى الله ليست مهمة علماء ~~الدين المختصين فحسب، إنما مهمة كل مسلم في كل زمان وفي كل مكان، كل ~~في مجال عمله يستطيع أن يكون داعية، نعم داعية بفعله والتزامه وتفانيه ~~وإخلاصه. لقد أجمع علماء الأمة على أن الإسلام ما انتشر بحد السيف، وما ~~انتشر بالقوة بقدر ما انتشر بسيرة المسلمين الطيبة، وما تحلوا به من ~~تسامح وحب للآخرين، ولنا فيهم قدوة. # الدعوة إلى الله مهمة كل مسلم ذاق حلاوة الإيمان ولذة التكاليف وأحب ~~للناس ما يحب لنفسه من الخير فينقله إليهم، والحق سبحانه ساعة يكلفنا ~~بالخير لا يترك أحدا ولا يحرم أحدا أن يكون له نصيب من هذا الخير، ~~ومن ذلك الآن نجد مثلا المشكلة الاقتصادية والحرب على الاقتصاد وعلى ~~الرغيف وعلى المياه، كيف تحل هذه المشكلات في المنظور الإسلامي؟ الحق ~~سبحانه وتعالى دائما يحنن الواجد على المعدم، وبعد أن فرض الزكاة في ~~مال الأغنياء للفقراء ترك الباب مفتوحا لأريحية الغني وحبه للعطاء، فجعل ~~الصدقة نفلا وزيادة لمن ذاق حلاوة التكليف. لذلك قال تعالى مرة: # والذين في أمولهم حق معلوم * للسآئل ~~والمحروم # [المعارج: 24-25] والمراد بالحق المعلوم الزكاة المفروضة، وقال في ~~الذاريات: # وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 19] هكذا بإطلاق الكلمة، والمراد الزيادة على الزكاة ~~المفروضة، وهذه نوافل من فعلها أخذ ثوابها، ومن تركها فلا شيء عليه. ~~قال تعالى في ms8972 سورة الذاريات وهو يبين لنا سبحانه منزلة الإحسان: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين # [الذاريات: 15-16] ولم يقل مؤمنين، فما هي درجة الإحسان؟ قالوا: المحسن ~~هو الذي يلزم نفسه بأمر لم يفرض عليه لكن من جنس ما فرض الله عليه، إذن: ~~فدرجة الإحسان أعلى من درجة الإيمان، فالفرض في الصلاة خمس صلوات، المحسن ~~يؤديها ويزيد عليها، وإن كان مقدار الزكاة الواجبة في المال 2.5% يخرجها ~~5% وهكذا في كل أبواب الخير. وفي آيات سورة الذاريات تفصيل لهذه الزيادة ~~التي يتطوع بها أهل الإحسان. قال تعالى: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا ~~قليلا من الليل ما يهجعون # [الذاريات: 15-17] وهل فرض الله عليك قيام الليل حتى أنك لا تهجع منه ~~إلا قليلا؟ لا بل لك أن تصلي العشاء وتنام حتى الفجر. أما المحسن فله ~~مع الليل شأن آخر، إنه ذاق حلاوة السهر لله والقيام لله، وشعر ~~بالفيوضات تتنزل عليه، ورحمة الله تغشاه، فعشق العبادة ووجد فيها لذته ~~وراحته، كذلك # وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق ~~للسآئل والمحروم # [الذاريات: 18-19] ولم يقل هنا حق معلوم، لأن الحق المعلوم هو الزكاة، ~~أما الحق المطلق هنا فيراد به الصدقة وهي متروكة لاختلاف حب الناس ~~ودرجاتهم وأريحيتهم في العطاء. وإذا أحب المؤمن الطاعة آثرها على أي ~~شيء آخر، لذلك لو أجريت إحصاء للحجاج لوجدت أن العوادين ثلاثة أضعاف ~~البادئين، وما ذلك إلا لعشق الناس لهذه الفريضة. لذلك جعل الله في العباد ~~استطراقا إحسانيا، كل حسب مرتبته فيه، والقرآن الكريم يعطينا صورة ~~للمؤمن المحب للبذل مع أنه لا يجد شيئا، قال تعالى: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور ~~رحيم * ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم ~~قلت لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم ~~تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ms8973 ينفقون # [التوبة: 91-92]. تبين هذه الآيات أن الله تعالى أشاع الخير بين كل ~~الناس، فالواجد عليه أن يعطي، وغير الواجد يكفيه أن ينصح الواجد وأن ~~يحثه على العطاء، فإذا لم يستطع لا هذا ولا ذاك يكفيه أن يكون محبا في ~~نفسه للعطاء يشتاق إليه، بل ويبكي أن فاتته الفرصة. وهؤلاء صدقتهم هذا ~~الشوق وهذا البكاء. وهكذا لم يحرم الخالق سبحانه أحدا من خيره، ولم يغلق ~~الباب في وجه أحد. هناك قضية تتعلق بالدعوة إلى الله، هي أن الإنسان ~~منا قد يكون عاصيا لربه في ناحية ما، فهل يمنعه هذا العصيان أن يكون ~~داعية إلى الله؟ قالوا: ينبغي ألا تمنعك المعصية عن الدعوة، فلعل ~~الذي تدعوه يفعل ما لم تفعله أنت، ولعل هذه عملية جبر لما فيك من نقص. ~~يحكى أن رجلا كان يطوف بالبيت، فسمع آخر يقول: اللهم إنك تعلم أني ~~عاصيك ولكني أحب من يطيعك، فاجعل اللهم حبي لمن أطاعك شافعا في ~~معصيتي. قالوا: حتى الذي يتكاسل عن الصلاة لا يمنعه ذلك من أن يدعو غيره ~~إلى الصلاة، لأنها خير يشيعه في الناس لن يحرم أجره، فكل من أشاع ~~خيرا له عمولة عند الله، وهكذا لا يخلو مخلوق من أن يصيبه فضل الله ~~الواسع، ولا يخلو مخلوق من خصلة خير لذاته أو لغيره، وهذه الإشاعة ~~للخير في ذاتها دعوة إلى الله. وقوله: { وعمل صالحا.. } [فصلت: ~~33] يعني: دعا إلى الله بالقول ثم بالفعل، ودائما ما يقرن القرآن بين ~~القول والعمل، وعرفنا أن قدوة الفعل أعظم أثرا في النفوس من قدوة ~~الكلام، وليس من الصواب أن تدعو الناس إلى شيء وأنت عنه بنجوى، يقول ~~تعالى: # أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ~~وأنتم تتلون الكتب أفلا تعقلون # [البقرة: 44]. ويقول سبحانه في سورة العصر: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3]. والتواصي تفاعل بين الناس، بحيث يوصي كل منهم الآخر، ~~فالطائع يوصي العاصي، وكل واحد منا موص في موقف، وموصى في موقف ~~آخر، لأن الانفعال ms8974 النفسي بطاعة أو بمعصية لا يدوم، فساعة تنفعل نفسك ~~للطاعة أوص من يعصي، وساعة تنفعل نفسك للمعصية ستجد من يوصيك ~~وهكذا، لأن النفس ليس لها سيال دائم، وكل منا يجبر ما عند صاحبه، هذا ~~معنى وتواصوا أي: فيما بينكم # بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3]. الحق سبحانه يقسم والعصر يعني: والزمن المعدود، يقسم على ~~ماذا؟ # إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 2] يعني: جنس الإنسان كله في خسر وضياع وضلال لا يستثنى من ~~ذلك # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا ~~بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3]. كأن الحق سبحانه يقول لنا: استقرئوا الزمن وتأملوا التاريخ، ~~انظروا إلى الحضارات الغابرة من قديم الزمان، أين هي؟ ماذا بقي منها؟ ~~حضارة الفراعنة في مصر وما وصلت إليه من تقدم في علوم لم نتوصل إلى ~~أسرارها حتى الآن مع أننا في عصر التقدم العلمي، حتى الأمريكان عجزوا أن ~~يصلوا إلى أسرارها. ومع ذلك بادت وذهبت كل هذه العلوم، لأن أصحابها ~~لم يجعلوا لها صيانة تحميها وتضمن لها البقاء، وكان طغيان القوم سبب ~~هلاكهم # وفرعون ذى الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * ~~فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط ~~عذاب * إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 10-14]. بل هناك حضارات أعظم من حضارة الفراعنة، لكنها مطمورة ~~تحت التراب لا نعرف عنها شيئا، حتى القرآن لما أخبر عنها أعطانا صورة ~~مجملة عبرت عن هذه العظمة # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 6-8]. نعم هذه حضارات كانت في يوم من الأيام ملء السمع ~~والبصر، لكنها لم تملك أسباب البقاء مع هذا التقدم الذي عاشت فيه، ويكفي ~~أن الله قال عنها # لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 8]، فكيف كانت إذن؟ وصدق شوقي حين قال: # والعلم إن لم تكتنفه شمائل # تعليه كان مطية الإخفاق # إذن: العمل حين تأخذه من الباقي يبقى، وحين تأخذه من الفاني يفنى. والذي ~~يبقى هو القيم، فكما أخذنا عطاء الله في المادة ينبغي أن نأخذ عطاءه في ~~القيم، فهي الصيانة التي ستبقي الأعمال وتجعلها ms8975 خالدة وتجعل لها معنى ~~وقيمة. وقوله تعالى: { وقال إنني من المسلمين } [فصلت: ~~33] هذا إعلان يعلنه المسلم ويفخر به، وسام على صدره، أنا مسلم، وإسلامي ~~هو المنطلق الذي من خلاله تكون حركتي في الحياة، وهذه في حد ذاتها ~~دعوة إلى الله ونشر لدين الله وإعلاء لكلمة الله حين لا تنشغل بنفسك ~~إنما تنشغل بدينك. فإن أنجزت عملا تنسبه إلى دين الله، تقول: لأن الله ~~أمرني، فترفع دين الله عند الناس ولا تهتم بذاتك الفاعلة، وحين ترفع دين ~~الله ثق أنه رافعك معه. إذن: فمن صفات المؤمن أن ينسب خيره وصلاحه ~~لدينه وإسلامه. لذلك نقف كثيرا عند قول قارون لما أعطاه الله المال ~~والجاه والسلطان، فقال: # إنمآ أوتيته على علم عندي.. # [القصص: 78] فرد الله عليه: ما دمت أوتيته على علم عندك فاحفظه ~~بعلمك، وكانت النتيجة # فخسفنا به وبداره الأرض.. # [القصص: 81] فحين تصل إلى ابتكار أو اختراع أو صلاح في الكون فاجعله من ~~منطلق الدين والمنهج، انسبه إلى دينك. وتذكر الحديث الشريف: # " ومن كانت الآخرة همه جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه، ~~وأتته الدنيا وهي راغمة ". # لذلك أتعجب حينما أسمع أسماء رنانة لنواد وجمعيات خيرية يقوم ~~عليها الأعيان ووجهاء القوم وسيدات المجتمع، صحيح نراهم يقدمون ~~المساعدات ويفعلون الكثير من الخير ووجوه البر، لكن حين تسألهم عن ~~المنطلق الذي يعملون من خلاله تسمع مصطلحات أخرى مثل الماسونية. ولما ~~عرفوا أن أصلها يهودي قالوا الروتاري، أنا أفعل هذا لأني روتاري، سبحان ~~الله قل: لأنني مسلم، لأن إسلامي أمرني بذلك، لماذا لا ترفع نفسك برفعة ~~دينك، ولماذا تفوت على نفسك ثواب هذا الخير في الآخرة. قلنا: إن العمل ~~إما أن يكون لله، وإما أن يكون للناس، العمل لله شرطه الإخلاص وجزاؤك على ~~الله في الآخرة، أما العمل للناس فيعطيك منزلة عندهم ووجاهة ورفعة، هذا ~~جزاؤك وقد أخذته في الدنيا فلا حظ لك في ثواب الآخرة، فالإنسان يطلب ~~أجره ممن عمل له. لذلك ما سئلنا عن علماء خدموا البشرية ~~باختراعاتهم وإنجازاتهم وابتكاراتهم: هل لهم نصيب ms8976 في الآخرة؟ نقول: لا ~~ليس لهم نصيب لأنهم فعلوا للناس وللبشرية ولتقدم المجتمع، وأخذوا أجورهم ~~صيتا وسمعة وشهرة وتخليدا لذكراهم.. إلخ. أما الله فلم يكن أبدا على ~~بالهم حين فعلوا هذه الأشياء، واقرأوا قوله تعالى في شأن هؤلاء: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. وفي موضع آخر قال: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. هكذا أعمال الكافرين في الآخرة كالسراب تحسبه شيئا، فإذا ~~ما ذهبت إليه لم تجده، وليت أمرهم ينتهي عند هذا الحد إنما تفاجئهم ~~الحقيقة التي طالما أنكروها في الدنيا # ووجد الله عنده.. # [النور: 39] نعم الله الذي أنكره أو كفر به يوقفه ويحاسبه: أنت فعلت: ~~ليقال وقد قيل فلا أجر لك عندي، ويبقى لك جزاء كفرك وعنادك. إذن: نقول: ~~ساعة تعلن أنك تعمل وتبتكر من منطلق إسلامك. ساعة تقول عملت لأنني مسلم، ~~تعلي شأن الإسلام وتلفت غير المسلمين إلى جمال هذا الدين، وأنت في ذلك ~~داعية إلى الله، أنت على نهج نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فإن ~~قابلتك بعض الصعاب فاصبر، لأن رسولك أوذي في سبيل دعوته فصبر. فالذي ~~يحمل أمانة الدعوة ويعلنها: أنا مسلم، وإسلامي هو الضابط لكل حركاتي في ~~الحياة ويصيبه سوء يعلم أنه أخذ طرفا من ميراث النبوة، فما من نبي إلا ~~أوذي وكان له أعداء، فلا بد لحملة هذه المسئولية أن يكون لهم أعداء، ~~وأن يشتموا وأن تكال لهم التهم، هذا أمر طبيعي في مسيرة الدعوة إلى ~~الله. يقول تعالى: # وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شيطين الإنس ~~والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا.. # [الأنعام: 112]. هذا يعني أن الداعية الذي يسلم من هذا الإيذاء ينقص ~~حظه من ميراث النبوة، وحظه من تركة النبي صلى الله عليه وسلم، إذن: ~~اصبر، وهل تابع محمد خير من محمد حتى يسلم من الأذى؟ فإذا لم يكن ~~لك أعداء في طريق الدعوة فاعلم أنك لست على ms8977 الطريق الذي رسمه لك صاحب ~~الدعوة، وعليك أن تراجع نفسك. الكلام هنا عن الدعوة إلى الله بحق ~~وتجرد وإخلاص، وعن الكلمة تقال في سبيل الله لا في سبيل جاه أو سلطان ~~أو منصب من متاع الدنيا الزائل، الدعوة إلى الله لا تكون أبدا قنطرة. ~~لذلك نقول: ما الذي يحمي الدعاة إلى الله الآن، وها نحن نقول بأعلى صوت ~~ونكتب في كل وسائل الإعلام، والله هو الحامي، والحمد لله لم نؤخذ ولم ~~نسجن، ولم يتعرض لنا أحد، كثير من علماء الدين يعلنون كلمة الحق مجردة ~~من الهوى والمصلحة، وساعة يعطي لهم الحاكم أذنه يسمعونه من الكلام ما ~~يرعشه، ومع ذلك نسمع عن اضطهاد رجال الدين. ونقول: إذا اضطهد رجل الدين ~~فلا بد أنه استعمل وسائل محرمة في الدعوة إلى الله، كهؤلاء الذين ~~يميلون إلى حل المشاكل بالقتل والدماء، أنت على خلاف مثلا مع وزير من ~~الوزراء تضربه بالنار؟ هل هذا هو الحل؟ وما ذنب الحراس الذين تهدر ~~دماؤهم وتيتم أطفالهم؟ أنت صاحب كلمة، قل ما شئت وأصلح بالكلمة ~~الطيبة، أسمعهم ما يكرهون، وسبق أن قلنا لهم ما لم يستطع أحد أن يقوله ~~عندهم، لأن الشجاعة الإيمانية في الدعوة إلى الله ليست كلمة حق تقال ~~على سلطان، إنما كلمة حق تقال عند سلطان جائر، نعم عنده في حضوره. وهذا ~~تطبيق عملي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ". # نحن لا نتاجر بالكلمة، إنما نواجه بها كل حاكم ظالم، نقول له: نحن لا ~~نكرهك ولا نطمع فيما في يدك من الحكم، بل نحن نحبك ونريد أن نعينك على ~~مهمتك، فقط نريد منك أن تحكمنا بالإسلام، أريد أن أحكم بالإسلام، لا ~~أن أحكم بالإسلام. ### || [41.34] # بعد أن حدثنا الحق سبحانه عن مهمة الدعوة إلى الله، وأنها ميراث ~~الأنبياء وتركة رسول الله لنا من بعده، يعلمنا هنا فنا من فنون ~~الدعوة ودرسا من دروسها، ألا وهو مقابلة السيئة بالحسنة { ولا ~~تستوي الحسنة ولا السيئة.. } [فصلت: 34]. نعم لا أحد ms8978 ~~يسوي بين الحسنة والسيئة والعقل يؤيد ذلك، تعال إلى اللص الذي يسرق ~~أموال الناس، ويسرق ثمرة عرقهم وقل له: أتحب أن يسرق الناس منك؟ ~~يقول: لا، نقول: إذن لا تحب لهم ما لا تحبه لنفسك، يقول لك: أنت تقيد ~~حريتي وأنا حر. نقول له: لا تنس أن الله قيد حريتك في سرقة الآخرين ~~وأنت فرد واحد، وقيد حركة الدنيا كلها في أن تسرق منك، فمن ~~المستفيد؟ كذلك في أمور الشرع التي حرم الله فيها أن تعتدي على ~~الآخرين حرم عليهم جميعا الاعتداء عليك، قال لك: لا تنظر إلى ما حرم ~~الله عليك بشهوة. وأمر الناس جميعا أن لا ينظروا إلى محارمك. والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يعطينا نموذجا في حكمة الدعوة، # " حين جاءه شاب صادق الإيمان، لكن عنده أمر ومسألة لا يستطيع الإقلاع ~~عنها، وهي شهوة النظر وشهوة الميل إلى النساء، فجاء وقال لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يا رسول الله، إئذن لي بالزنا. وتأمل هنا حكمته صلى الله ~~عليه وسلم، قال للشاب دون أن ينهره أو يقسو عليه، إنما تبسم في وجهه ~~وطمأنه أنه أمام داء له دواء، طالما أنه صادق الإيمان يواجه النبي ~~بدائه، لم يغش رسول الله ولم يغش نفسه. لذلك وصف له رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الدواء الذي اجتث هذا الداء من جذوره، وقام الشاب من ~~عند رسول الله وأشد ما يكرهه الزنا. قال له رسول الله: " يا هذا أتحب ~~ذلك لأمك؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أتحب ذلك لأختك؟ قال: لا يا رسول ~~الله، قال: أتحب ذلك لزوجتك؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أتحب ذلك ~~لابنتك؟ قال: لا يا رسول الله... وما زال الرسول يذكر له النساء من أهله ~~حتى ذكر العمة والخالة، وحتى قال الشاب: لا يا رسول الله جعلت فداك، ~~فقال رسول الله: كذلك الناس يا أخا العرب لا يحبونه لأمهاتهم ولا ~~لأخواتهم.... ". # عندها قال الشاب: والله ما هممت بشيء أنظر إليه إلا تذكرت أمي وأختي ~~وزوجتي وابنتي. ms8979 إذن: الدين يحتاج في الدعوة إليه إلى لين وحكمة وموعظة ~~حسنة حتى يقبل منك ما تقول، لأن الذي تنصحه بأمر من أمور الدين وهو على ~~غير دينك، أو على دينك لكنه ألف المعصية وثقلت عليه الطاعة، ينبغي ~~عليك أن تخرجه مما ألف بأسلوب لا يكرهه، حتى لا تجمع عليه المعاناة ~~حين تخلعه مما يحب، وقسوة الأسلوب وفظاظته، يكفي أن تخرجه مما أحب بما ~~لا يكره، وبذلك تمنع عنه شراسة الجدل وثورة العناد والمكابرة. # وكذلك في المعاملة، عليك أن تواجه السيئة بالحسنة { ادفع بالتي ~~هي أحسن.. } [فصلت: 34] يعني: رد باللين وبالحسنى { فإذا ~~الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } ~~[فصلت: 34] العداوة المدمرة هي التي تكون بين اثنين عدوين، كل منهما عدو ~~للآخر، وفي هذه الحالة يستشري العداء ويستحكم، ولا نصل فيه إلى حل، ~~فمتى تنكسر حدة العداوة؟ تنكسر حدتها حينما تكون من جانب واحد، ~~جانب عدو وجانب متسامح لا يرد السيئة بالسيئة، إنما يعفو ويصفح، وفي هذه ~~الحالة تهدأ نفس العدو، ولا يجد مجالا لعداوته، وهذه أولى خطوات ~~الإصلاح أن تأخذ عدوك في جانبك، لذلك يقولون: لا تكافئ من عصى الله ~~فيك بأكثر من أن تطيع الله فيه. وبهذه الطريقة ينقلب العدو إلى { ~~ولي حميم } [فصلت: 34] يعني: صديق قريب محب مخلص كيف؟ لا تقل ~~كيف، بقدرة الله خالق هذه النفوس وهذه القلوب ومقلبها. جاء رجل يشكو ~~قسوة أحد الأقارب، فقلنا له: يا شيخ اصبر عليه وقابله بالتي هي أحسن، ~~وتودد إليه عل الله يصلح ما بينكما، بعدها جاء وقال: دفعت بالتي ~~هي أحسن فلم يزدد إلا قسوة وصار أشد مما كان، قلت له: إذن راجع نفسك ~~لأن كلام الله قضية مسلمة، وابحث عن السبب عندك، فلعلك ظننت أنك دفعت ~~بالتي هي أحسن، والحقيقة أنك لم تدفع بالتي هي أحسن، أو أنك أردت أن ~~تجرب مع الله، والله تعالى لا يجرب، التجربة مع الله شك، فلو ~~صدقت مع الله لصدق الله معك. وما أجمل قول الشاعر في هذا المعنى: # يا من تضايقه ms8980 الفعال من التي ومن الذي # ادفع فديتك بالتي حتى ترى فإذا الذي ### || [41.35] # أي: هذه الخصلة وهذه المنزلة منزلة الدفع بالتي هي أحسن، هذه الخصلة لا ~~ينالها ولا يتحلى بها إلا الذين صبروا على الأذى، ولا يصل إليها إلا ذو ~~حظ عظيم. يعني: نصيب وافر من العطاء، لماذا؟ لأنه كبت نفسه وأمسكها عن ~~الرد بالمثل، فلما كبت نفسه من أجل الله جعل الله عاقبته خيرا، ~~وأجزل له العطاء. ونلحظ هنا على الأداء القرآني تكرار عبارة { وما ~~يلقاها.. } [فصلت: 35] فلم يقل الحق سبحانه: وما يلقاها إلا ~~الذين صبروا وذو حظ عظيم.. قالوا: تكررت العبارة لأن التلقي مختلف، هذا ~~تلقي صبر، وهذا تلقى جزاء. وكثيرا ما يقف المستشرقون وأهل البصر بالقرآن ~~أمام مواطن التكرار في كتاب الله باحثين عن الحكمة منه، لأن كتاب الله ~~محكم، ليس فيه حرف زيادة أو عبث. ومن هذه المواطن وقفوا عند التكرار في ~~قصة سيدنا يوسف لما قال لأبيه سيدنا يعقوب عليهما السلام: # إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4] قالوا: ما فائدة تكرار الفعل رأى هنا؟ نقول: يعني ساعة رأى ~~الشمس والقمر رآهم ساجدين، وهذا لا يتأتى إلا إذا رآهم أولا غير ~~ساجدين ثم رآهم يسجدون أمامه. إذن: فالرؤيا الأولى رأى أحد عشر كوكبا ~~ورأى الشمس والقمر في غير هيئة السجود، ثم رأى الشمس والقمر له ساجدين، ~~وهذا المعنى لا يكون إلا بتكرار الفعل. كذلك هنا { وما يلقاها ~~إلا الذين صبروا.. } [فصلت: 35] صبروا على الإيذاء، وصبروا ~~على ضبط النفس، وصبروا على مغالبة الشيطان الذي يوسوس لهم بالانتقام ~~ويزين لهم الرد بالمثل. وكانت عاقبة الصبر الجزاء والحظ الوافر. ~~وينبغي ألا نغفل دور الشيطان في هذه القضية، فمهمته أن يلهب نار ~~العداوة بين الناس، وأن يشعل الفتن ليلهيهم بها عن مطلوبات الله فسوف ~~يوسوس لك: لماذا تتسامح وقد أسيء إليك، لماذا تقبل الذل؟ أهو أفضل منك؟ ~~لأن إبليس منذ أمر بالسجود لآدم فأبى، وكانت النتيجة أن صار ملعونا ~~مطرودا من رحمة الله منذ هذا ms8981 الموقف، والعداء مستحكم بينه وبين ذرية ~~آدم، ولن يتركهم حتى يوردهم نفس مورده. لذلك أقسم: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص: 82-83] يعني: يا رب أنا لست متمردا عليك إنما على ذرية آدم، فالذي ~~تريده طائعا لا يمكن لي أن أغويه، فليس لي سلطان على المخلصين منهم. ~~ومن خيبة إبليس أنه أفشى سره، وأعلن عن وسائله في غواية بني آدم، ومعلوم ~~أن الذي يصنع مكيدة أو مؤامرة يحتفظ لنفسه بالتفاصيل، أما إبليس فأعلن ~~عنها، فأعطانا الله الاحتياط. قال تعالى حكاية عن إبليس: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] أقعد لهم على الصراط. يعني: على طريق الاستقامة وفعل ~~الخير لأشغلهم عنه وأفسده عليهم. ولذلك قلنا: إن الشيطان لا يذهب إلى ~~الخمارة مثلا، إنما يذهب إلى المسجد. وفي موضع آخر قال: # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم.. # [الأعراف: 17]. ### || [41.36] # ومن رحمة الله بنا أنه سبحانه لم يتركنا نهبا لهذا العدو الذي يتربص ~~بنا، إنما أعطانا الحصانة التي نتحصن بها منه، فقال تعالى: { وإما ~~ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله.. } [فصلت: ~~36] ذكره بالله القوي، فإن كنت أنت ضعيفا أمامه فاستعن عليه ~~بالإله القوي، وساعة يراك في جنب الله لا يجرؤ أبدا عليك، لأنك داخل في ~~هؤلاء الذين استثناهم # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83]. وانتبه أنه لن يأتيك إلا على الصراط المستقيم ليفسده عليك، ~~يأتيك في صلاتك ويذكرك بما لم يكن لك على بال، وبأهم الأمور عندك ~~في الدنيا، المهم عنده أن يفسد عليك الآخرة بأي ثمن. فإذا وجدت في نفسك ~~شيئا من نزغه ووسوسته فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قلها في ~~كل حال يأتيك فيه إبليس وأنت تصلي، وأنت تقرأ القرآن، وأنت في أي عبادة ~~من العبادات. لك أن تقول هذه الكلمة وهي لا تخرجك من عبادتك على أي ~~حال، وعندما تداوم على هذه الكلمة سييأس منك ويبتعد عنك، ويعرف أنك ~~صلب قوي تستمد قوتك من الله، عندها سينصرف عنك، ولم لا وأنت تعرف ~~ألاعيبه ms8982 وتكشف حيله؟ لكن الخيبة أن كثيرين منا ينساقون وراء الشيطان، ~~ويسلمون له قيادهم، وما يفعله الشيطان مع هؤلاء أنه يعطيهم أول الخيط ~~ويتركهم هم يكرون الباقي دون جهد منه ودون عناء، وهؤلاء هم الذين ~~استزلهم الشيطان وأخضع رقابهم، فهم يسيرون في ركبه دون تفكير أو ~~تأمل. هب أن لصا جاء يحوم حول بيتك، فقلت: إحم، تريد أن تسمعه ~~ويعرف أنك يقظ، لا بد أنه ينصرف، وقد يعتبر أنها مصادفة فيعاود مرة ~~أخرى فتقول: إحم، إذن: ليست مصادفة بل أنت له بالمرصاد فأنت متيقظ، لذلك ~~ينصرف عنك بلا رجعة، كذلك الشيطان. قلنا: من غباء إبليس وغفلته أن يعلن ~~لنا عن خططه في غواية بني آدم ويعلن عن أساليبه، والغباء يكون أعظم لمن ~~عرف هذه الخطط وهذه الأساليب، وانساق وراءها ولم يأخذ الحيطة. وحين ~~نتأمل قول إبليس: # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم.. # [الأعراف: 17] تلحظ أنه ترك جهتين لم يذكر أنه يأتي منهما: جهة أعلى ~~وجهة أسفل، لماذا؟ قالوا: لأن العلو جهة التوجه إلى الله، جهة عز ~~الربوبية، وجهة الأسفل تمثل ذل العبودية ساعة تسجد لله ذلا وخضوعا ~~له سبحانه، فهاتان الجهتان لا يأتي منهما الشيطان. وقوله: { إنه هو ~~السميع العليم } [فصلت: 36] الذي لا يغيب عن سمعه شيء، فإن ~~وسوس لك الشيطان بكلام سمعه وعلمه. بعد أن بين لنا القرآن هذا البيان، ~~يعود ليلفتنا ثانيا إلى بعض آيات الله في الكون، فبهذه الآيات نستدل على ~~وجود الخالق سبحانه وعلى قدرته تعالى، حيث لو جاءت هذه الآيات على أيدي ~~علماء كافرين بالله إلا أننا ننتفع بها، والله مساكين هؤلاء العلماء ~~ينفعون البشرية كلها ولا ينفعون أنفسهم، لأنهم - كما قلنا - لا ينطلقون ~~في اختراعاتهم وابتكاراتهم من منطلق الإيمان بالإله تبارك وتعالى، فهم ~~كالمطايا ينتفع الناس بخيرهم، ولا ينالهم من ذلك شيء، اللهم إلا متاع ~~الدنيا الزائل. # وأقرب آيات للإنسان نفسه لو تأملها، مثلا درجة الحرارة الطبيعية للجسم ~~37 تجدها ثابتة فيمن يعيش عند خط الاستواء، وفيمن يعيش عن القطب ms8983 ~~الشمالي، وأنتم تعرفون نظرية الاستطراق الحراري، لكن قدرة الله تحتفظ ~~للجسم بهذه الدرجة بصرف النظر عن الجو المحيط به. ثم في داخل الجسم ذاته ~~تجد حرارة الأعضاء مختلفة، فالعين لا تزيد درجة حرارتها عن 9 ، والكبد ~~لا يؤدي مهمته إلا عند 40 ، وهما في جسم واحد وغلاف واحد، ومع ذلك لا ~~يحدث استطراق للحرارة، وهذه آية ومعجزة لا يقدر عليها إلا الخالق سبحانه. ~~تأمل الدم سائل الحياة الذي يجري بداخلك لا بد له من درجة سيولة معينة ~~داخل الجسم، فإن قلت هذه السيولة تجلط وحدث شلل للجزء الذي تحدث به ~~الجلطة والعياذ بالله، وإن زادت سيولته أدى إلى نزيف، فمن يحفظ له ~~هذه الدرجة من السيولة؟ الله!! ثم يقول الحق سبحانه: { ومن آياته ~~اليل والنهار... }. ### || [41.37] # قوله تعالى: { ومن آياته.. } [فصلت: 37] من هنا تفيد التبعيض ~~يعني: هذه بعض آياته تعالى في الكون، وإلا فآيات الله في كونه كثيرة لا ~~تتناهى، والآية هي الشيء العجيب في تكوينه وخلقه الدال على قدرة الله ~~وحكمته وبديع صنعه. { اليل والنهار.. } [فصلت: 37] آيتان من ~~آيات الله الكونية، والليل والنهار يكونان معا اليوم الذي نعرفه، وهو من ~~الوقت إلى مثله، قال تعالى: # سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام ~~حسوما.. # [الحاقة: 7]. هذه الآيات الكونية المذكورة هنا { اليل والنهار ~~والشمس والقمر.. } [فصلت: 37] أخذت حظا واسعا في موكب ~~الرسالات وفي العقائد، ففي قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وهو يبحث ~~عن الحق والحقيقة لما نظر في الكون من حوله، فرأى كوكبا قال: # فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ~~ربي فلمآ أفل قال لا أحب الآفلين * فلمآ رأى ~~القمر بازغا قال هذا ربي فلمآ أفل قال لئن ~~لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * ~~فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذآ ~~أكبر فلمآ أفلت قال يقوم إني بريء مما ~~تشركون # [الأنعام:76-78]. إذن: فالشمس والقمر مرتبطان بالليل والنهار لهما مدخل ~~في العقيدة، هذا المدخل في العقيدة ينتقل من قسم العقيدة وهي الإيمان ~~بالإله الواحد إلى شيء آخر، هذا الشيء ms8984 جعل دليلا إيمانيا على أمر شك ~~العرب فيه لما نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كانت ~~دليلا على عدم انقطاع الوحي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~تعلمون قصة نزول الوحي على سيدنا رسول الله لأول مرة في غار حراء، وأنه ~~صلى الله عليه وسلم كان يعاني ويتعب من لقاء الملك لاختلاف الطبيعة ~~الملائكية عن الطبيعة البشرية، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى ~~أهله يقول مرة: زملوني زملوني، ومرة: دثروني دثروني لما كان يحدث ~~في طبيعته صلى الله عليه وسلم من تغيير، لذلك كان الوحي في بدايته ثقيلا ~~على رسول الله، وقد قال تعالى: # إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا # [المزمل: 5]. وروى الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم كان يتفصد جبينه ~~عرقا لما ينزل عليه الملك، والصحابي الذي كان يجلس بجوار رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يسند فخذه عليه، وكان يجد ثقلا لا يطيقه حينما ينزل ~~الوحي على رسول الله. لذلك أراد الحق سبحانه أن يخفف عن رسوله صلى الله ~~عليه وسلم هذه المعاناة، فانقطع الوحي لمدة ستة أشهر، ليستريح رسول الله ~~وتذهب عنه متاعب التلقي الأولى، وليشتاق إلى لقاء الملك من جديد، ~~وإلى كلام الله الذي انقطع عنه، ولا شك أن هذا الشوق سيعطيه طاقة ~~لتحمل أمر الوحي والدعوة بعد ذلك. # رأى كفار مكة في انقطاع الوحي عن رسول الله مأخذا، فقالوا: إن رب ~~محمد قلاه يعني: تركه وهجره، وهم لا يعلمون أن فتور الوحي ليس هجرا، ~~إنما هو وداع الحبيب لحبيبه إلى لقاء آخر أعظم وأطول، ولذلك أنزل الله ~~تعالى: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى # [الضحى: 1-3]. هذا هو موضع الشاهد، أن الحق سبحانه أقسم لهم بالضحى وهو ~~النهار، وبالليل إذا حل بظلامه، وجعل من هاتين الآيتين الكونيتين ~~دليلا على أن الوحي ما انقطع، إنما أراد الله لرسوله أن يرتاح من تعبه، ~~وأن يعاود نشاطه لتلقي الوحي من جديد، كما أنكم تتعبون في النهار ~~وترتاحون في ms8985 الليل. # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى # [الضحى: 1-3] ومعروف ان الضحى للشمس والليل للقمر، إذن: ففترة الوحي عن ~~رسول الله يراد بها التخفيف عنه، كما قال سبحانه: # ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك # [الشرح: 1-3]. والمراد: نشرح صدرك لنزول القرآن عليك فتشتاق إليه، ويكون ~~عندك طاقة لاستقباله، فكأن القرآن أخذهم من الآيات الكونية المحسوسة إلى ~~المعنويات، وجعل ما يرونه دليلا على ما ينكرونه، يعني: إذا كنتم في حركة ~~حياتكم اليومية تحتاجون لليل تسكنون فيه وترتاحون من عناء النهار، فكذلك ~~رسول الله يحتاج إلى هذه الفترة ليرتاح فيها من عناء وثقل الوحي في ~~بدايته، ليجدد نشاطه ويشتاق إلى لقاء الملك من جديد. لذلك قال تعالى ~~بعدها # وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى: 4] فمعاودة الوحي ستكون أعظم من الأولى وخير منها، لأن ~~المعاودة ستكون أطول وأقوى. وكما دخلت هذه الآيات الكونية التي هي ~~الليل والنهار والشمس والقمر في العقيدة في قصة سيدنا إبراهيم وفي الوحي ~~المنزل على سيدنا رسول الله، كذلك دخلت في حل بعض الإشكالات في ~~قضايا اجتماعية اهتم الإسلام بها، وهي قضية المساواة بين الرجل والمرأة. ~~وهذه قضية كثر الجدل فيها، وأخذها المغرضون ذريعة للهجوم على الإسلام، ~~مع أن الإسلام أعظم دين أنصف المرأة وأعطاها حقوقها، وألزم المجتمع ~~باحترامها، الإسلام ينظر إلى الرجل والمرأة على أنهما نوعان من جنس واحد ~~يعني: هما في الأصل شيء واحد. إذن: لا بد أن يكون بينهما قدر مشترك ~~ولما انقسما إلى قسمين ذكر وأنثى، صار بينها قدر غير مشترك، وصار لكل ~~منهما مهمته في حركة الحياة، ولكي يوضح لنا السياق القرآني هذه المسألة ~~قال تبارك وتعالى: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما ~~خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى # [الليل: 1-4] فكما أن الليل والنهار متكاملان متعاونان غير متعاندين، ~~وكما أن لكل منهما مهمته في الحياة، هذا للعمل وهذا للراحة، فكذلك حال ~~الرجل والمرأة، عنصران لشيء واحد، وهما يتكاملان ويتعاونان لا يتعاندان ~~كالليل والنهار، فحين تنظرون ms8986 إلى الرجل والمرأة لا تنظروا إليهما على ~~أنهما نوعان مختلفان في الجنس قد يكون بينهما تعاند، لأنهما من جنس واحد، ~~والجنس الواحد لا يصادم بعضه بعضا، الجنس الواحد رسالته واحدة، الكل ~~يتعاون في حملها كل بما يناسبه وبما خلقه الله له، وبما أعطاه من ~~قدرات وإمكانيات. # وهذه قضية اختلفوا فيها، خاصة الملاحدة الذين نظروا إلى الجنس، ولم ~~ينظروا إلى ما تحته من الذكر والأنثى، فرغم الاختلاف بين النوعين إلا ~~أنهم أرادوا أن يكون لهما مهمة واحدة لا اختلاف بين الذكر والأنثى. لذلك ~~الحق سبحانه يعطينا هذا المثل التوضيحي: الليل والنهار، وهل مهمة الليل ~~كمهمة النهار؟ لكل مهمته وطبيعته، ومن يعاند هذه الطبيعة يتعب في ~~حركة حياته. كذلك جعل الرجل للعمل وللقوة والسعي، وجعلت المرأة ~~للعاطفة واستقبال الأبناء وتربيتهم، خاصة وطفولة الإنسان هي أطول طفولة ~~في الكائنات، والإشراف عليها مهمة المرأة ولا يجيدها الرجل. فالحق سبحانه ~~حينما يعطينا هذا المثل يعلمنا أن نرد ما اختلفنا فيه إلى ما اتفقنا ~~عليه، فكما أننا لا نختلف في مهمة الليل ومهمة النهار، كذلك ينبغي ألا ~~نختلف في مهمة الرجل والمرأة، وألا نردد كلمة المساواة هكذا دون فهم ~~لطبيعة كل من الرجل والمرأة ودور كل منهما الذي خلقه الله له. وفي ~~موضع آخر يعلمنا الحق سبحانه هذه الحكمة من خلق الليل والنهار، فيقول ~~سبحانه: # قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ~~إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم ~~بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله ~~عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من ~~إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا ~~تبصرون # [القصص: 71-72]. وبعد ذلك، جعل سبحانه وتعالى للزمن مدخلا آخر غير ~~الليل والنهار، وهو فترات الزمن: الساعات والدقائق والثواني، وبها يتم ~~ضبط الزمن، والساعة التي تضبط لك الوقت لا تؤدي هذه المهمة إلا إذا كانت ~~هي نفسها منضبطة تماما، لذلك جعل الله تعالى للشمس وللقمر مهمة أخرى هي ~~مهمة ضبط الوقت، لذلك جعلهما منضبطتين في حركتهما بإحكام. يقول تعالى: # الشمس والقمر ms8987 بحسبان # [الرحمن: 5] يعني: بحساب دقيق محكم لا يختلف أبدا ولا يدخله فساد، ومن ~~حركة الشمس والقمر نحسب الوقت خاصة الأمور الدينية التي لا نستطيع أن ~~نضبطها إلا بهذه الحركة. قال تعالى: # لتعلموا عدد السنين والحساب.. # [يونس: 5] فمن حركة الشمس أعرف الليل والنهار، ومن حركة القمر أعرف ~~بدايات الشهور ونهاياتها. إذن: من حركة الشمس والقمر والليل والنهار ~~أستطيع أن أضبط حركة التكليف في الصلاة بأوقاتها المختلفة، هذه الأوقات ~~التي تضمن دوام إعلان الولاء لله تعالى في كل وقت وفي كل مكان نتيجة ~~لاختلاف المشارق والمغارب على مدار اليوم الكامل. لذلك قال تعالى: # رب المشرق والمغرب.. # [الشعراء: 28] وفي موضع آخر قال: # برب المشرق والمغرب.. # [المعارج: 40] وقال # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17]. نعم، هي مشارق متعددة ومغارب متعددة، لأن كل مكان له ~~مشرق وله مغرب، وكل مشرق في مكان مغرب في مكان آخر وهكذا، ألا ترون في ~~الصيام مثلا أننا نفطر في القاهرة قبل الاسكندرية بخمس دقائق، لماذا؟ ~~لأن مشرق القاهرة غير مشرق الإسكندرية، ومغرب القاهرة غير مغرب ~~الإسكندرية، لذلك نسمع المذيع يقول: مع مراعاة فروق التوقيت، أي: الفروق ~~الزمنية بين كل مكان ومكان. إذن: المتأمل في حركة الشمس يجدها في لحظة ~~لها شروق ولها غروب، وعليه فذكر الله في الصلاة وفي الآذان يسيح في ~~الزمن كله بلا انقطاع، لذلك يقول أهل التصرف: يا زمن وفيك كل الزمن، ~~فأنت حين تصلي الفجر، هناك غيرك يصلي الظهر، وغيره يصلي العصر، وغيره ~~يصلي المغرب، وغيره يصلي العشاء في الوقت نفسه وفي اللحظة نفسها، فتجد ~~الحق سبحانه معبودا في كل وقت بكل أنواع العبادة. وإن أردت الدقة أكثر ~~فاجعل هذه المسألة مرتبطة بعقرب الثواني في ساعتك لا عقرب الدقائق ولا ~~الساعات، ففي كل ثانية لله مؤذن يؤذن: الله أكبر. وغيره يقول: أشهد ~~ألا إله إلا الله، وغيره في نفس اللحظة يقول: أشهد أن محمدا رسول الله ~~وهكذا. فكأن شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله دائمة بدوام ~~الزمن لا تنقطع من الوجود أبدا. ثم ms8988 يعطينا الحق سبحانه ملحظا آخر للشمس ~~والقمر لأنهما من أعظم المخلوقات، وعرف عنهما الثبات والدقة والعظمة في ~~الخلق، حتى أن بعض الناس عبد الشمس أو القمر، فأراد الحق سبحانه أن ~~يلفت الخلق إلى عظمة الخالق الذي هو أولى بالعبادة من مخلوقاته. فجعل ~~الشمس والقمر يعتريهما تغيير هو الكسوف والخسوف، فمهما كانت الشمس، ~~ومهما كان القمر هما مخلوقان متغيران، والمتغير لا يكون معبودا أبدا ~~لذلك قال سبحانه في الآية التي معنا: { لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم ~~إياه تعبدون } [فصلت: 37]. الحق سبحانه في أول الآية قال: { ~~ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر.. } ~~[فصلت: 37] والآية هي الشيء العجيب في الخلق البديع في نظامه وإحكامه، ~~وهذا الخلق العظيم ينبغي أن يعظم بتعظيم الله له، لكن لا يجوز أن ~~يتعدى هذا التعظيم إلى حد العبادة، وإلى حد السجود للمخلوق مهما ~~كان عظيما، لأنه مخلوق متغير، والإله لا يتغير من أجل العباد، لكن ~~العباد يتغيرون من أجل الله. وهذه المسألة تفسر لنا قضية سجود ~~الملائكة لآدم عليه السلام، فلم يكن سجود عبادة، إنما كان امتثالا لأمر ~~الله لهم بالسجود لآدم، لكن لماذا أسجد الله الملائكة لآدم؟ قالوا: لأن ~~آدم سينزل إلى الأرض، وستكون له حركة إعمار فيها، وستكون الملائكة في ~~عونه تساعده على أداء مهمته في الأرض، الملائكة الموكلون بأمور الدنيا ~~وهم المدبرات أمرا، وكما قال تعالى في وصفهم: # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله.. # [الرعد: 11]. فالملائكة الذين أمروا بالسجود ليس هم كل الملائكة، إنما ~~الذين لهم علاقة بالإنسان، فكأن الحق سبحانه يعرفهم على هذا المخلوق ~~الجديد، الذي سيكونون في خدمته، فاسجدوا له سجود خضوع وامتثال، ليعلموا ~~أنهم في خدمته يدبرون له الأمور. لذلك ورد في الحديث الشريف # " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح ~~وصلاة العصر فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بكم: كيف ~~تركتم عبادي فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون " # يعني: على هيئة ورديات دائمة لا ms8989 تنقطع. ومن الملائكة نوع آخر لا دخل ~~له بالإنسان، ولا علاقة له به، بل لا يدرون عن عالمنا هذا شيئا، وهم ~~العالون الذين قال الله فيهم في الحديث عن إبليس: # أستكبرت أم كنت من العالين # [ص: 75]. إذن: إذا كان السابقون عظموا الشمس والقمر حتى سجدوا لهما، ~~فاعلموا أن خالقهما أولى بالسجود: { لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم ~~إياه تعبدون } [فصلت: 37] يعني: إن كنتم تأتمرون بأمره. ملحظ ~~آخر نأخذه من الشمس يوقفنا على شيء غريب لم نكن نعرفه من قبل، ففي ~~سورة الكهف يحكي لنا القرآن سياحة ذي القرنين، فيقول سبحانه: # ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم ~~منه ذكرا * إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من ~~كل شيء سببا * فأتبع سببا * حتى إذا بلغ ~~مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة.. # [الكهف: 83-86]. أي: مغرب الشمس في مرأى العين، لأنك لو وصلت إلى العين ~~الحمئة فسوف تجد الشمس ما زالت بعيدة # ووجد عندها قوما قلنا يذا القرنين إمآ أن ~~تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا # [الكهف: 86] ذلك لأنه رجل ممكن في الأرض، له منزلة وسلطان. ~~والممكن في الأرض مهمته أن يقيم فيها موازين العدالة ومعايير الصواب ~~والعقاب، لأن حركة الناس في الدنيا لا تستقيم إلا إذا أثيب المحسن ~~وعوقب المسيء. # قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ~~ربه فيعذبه عذابا نكرا*وأما من آمن وعمل ~~صالحا فله جزآء الحسنى وسنقول له من أمرنا ~~يسرا # [الكهف: 87-88]. ثم تكلم عن مطلع الشمس، فقال: # حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على ~~قوم لم نجعل لهم من دونها سترا # [الكهف: 90] يعني: ليس بينهم وبينها حجاب يسترها، ولم يذكر لنا شيئا ~~بعد مطلع الشمس كما ذكر الدرس السابق عند مغرب الشمس، حيث كان له عمل ~~ودور مع من أحسن ومن أساء، أما في مطلع الشمس فقال: # لم نجعل لهم من دونها سترا # [الكهف: 90] وسكت، فكأن الهدف أن نعرف أن ذا القرنين وصل إلى مكان، ~~نهاره طويل لا ms8990 شيء يحجب الشمس فيه. # وبعد أن اكتشف العلماء خطوط الطول وخطوط العرض عرفنا أن بعض الأماكن ~~عند القطبين يطول النهار حتى يصل إلى ثلاثة أشهر أو ستة أشهر، وهذه لقطة ~~من إعجاز القرآن العلمي. فإن قلت: فكيف يفعل من يعيش في هذه الأماكن؟ ~~كيف يصلي وكيف يصوم؟ نقول: يقدر لليوم العادي مقداره، ولليل مقداره ~~فيقسم الوقت إلى ليل ونهار كالمعتاد، وكذلك من كان ليله ثلاثة أشهر أو ~~ستة أشهر. ملحظ أخير يتعلق بصياغة الآية وما فيها من دقة بيانية، فالحق ~~سبحانه بدأ بآية الليل ثم النهار، وبدأ بالشمس ثم القمر { ومن ~~آياته اليل والنهار والشمس والقمر.. } [فصلت: 37] ~~وكانت المناسبة تقتضي أن يقول: والقمر ليناسب الليل، والشمس لتناسب ~~النهار. لكن لصياغة القرآن حكمة ودقة بيانية، فالحق سبحانه يبدأ بالأهم ~~في حركة الحياة، فالليل جعل للراحة والنهار للعمل، لأن الخالق سبحانه ~~خلق الإنسان لإعمار الأرض، وللسعي في مناكبها، ولا إعمار إلا بحركة، ~~والحركة تحتاج إلى زمنين: زمن للراحة، وزمن للعمل. فقدم الليل وقت ~~الراحة لأنك لا تنتج ولا تكد إلا إذا أخذت حظك من الراحة أولا، فكأن ~~الراحة أولا هي أصل يأتي بعدها العمل، وإلا فالمتعب المكدود لا ينتج ~~ولا ينجز، كذلك قدم الشمس على القمر، لأنها الأعظم والأهم، ومنها تستمد ~~كل النجوم والكواكب نورها. وما دمنا بصدد الحديث عن الليل والنهار، فلا ~~بد أن يواجهنا هذا السؤال: أيهما أول في الخلق؟ البعض يقول: الليل ~~أولا. بدليل أننا نثبت مثلا دخول رمضان بليله لا بنهاره، فحين نرى ~~الهلال نقول: غدا رمضان، والذين يعتقدون أن الليل وجد أولا لابد أن ~~لديهم قضية أخرى هي أن النهار غير سابق لليل. الحق سبحانه ينهي هذه ~~المسألة، فيقول سبحانه: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40]. وننتهي بذلك إلى حقيقة كونية أثبتها الحق سبحانه هي: لا ~~النهار يسبق الليل، ولا الليل يسبق النهار، لأنهما كما بينا وجدا في ~~بداية الخلق معا، في وقت واحد، ثم دار كل ms8991 منهما مع الآخر. ### || [41.38] # قوله تعالى: { فإن استكبروا.. } [فصلت: 38] أي: عن طاعة الله ~~في أمره ونهيه في الآية قبلها { لا تسجدوا للشمس ولا ~~للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن.. } [فصلت: 37]، ~~والاستكبار هنا يدل على عدم الإيمان بالله الآمر الناهي، لأنهم سجدوا ~~للشمس وسجدوا للقمر سجود عبادة، والعبادة تعني طاعة العابد لأمر المعبود، ~~والشمس والقمر ليس لهما أوامر ولا نواه، فعبادتهما باطلة، وتدل على ~~غباء من عبدها وعلى كذبه في هذه العبادة، لأنها مخلوقات لا أمر لها ~~ولا نهي ولا تكاليف، لا تثيب من أطاعها، ولا تعاقب من عصاها. لذلك ~~قلنا: إن كلمة العبادة هنا كذب وباطلة فنطزية يعني المهم يكون لهم معبود ~~يرضي عنده رغبته في التدين، وما أسهل أن يتخذ الإنسان معبودا لا ~~تكاليف له. لذلك لما قالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3] قلنا: كلمة نعبدهم هنا كذب، بدليل أنكم إذا نزل بكم الضر لا ~~تلجئون إلى الشمس ولا إلى القمر، إنما تلجئون إلى الله: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه.. # [الإسراء: 67]. وقال: # وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين ~~إليه.. # [الروم: 33]. وقوله تعالى: { فإن استكبروا فالذين عند ~~ربك يسبحون له باليل والنهار وهم لا ~~يسئمون } [فصلت: 38]. المعنى: أن الحق سبحانه مستغن عن طاعة هؤلاء ~~المستكبرين وعن عبادهم، فله سبحانه ملائكة مكرمون، لا يعصون الله ما ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولا عمل ~~لهم سوى التسبيح، وهم لا يسأمون ولا يملون ولا يتعبون. قالوا في ~~العندية هنا { فالذين عند ربك.. } [فصلت: 38] أنها عندية ~~مكانة، لا عندية مكان، عندية تكريم وشرف، كما قال سبحانه عن الشهداء: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]. وقال سبحانه: # إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند ~~مليك مقتدر # [القمر: 54-55]. فهؤلاء الملائكة ليسوا عند الله في مكان واحد، ولا هم ~~قاعدون معه سبحانه، إنما هي مثلنا تماما لا يرون الله سبحانه، ويؤمنون ~~به مثلنا ms8992 بالغيب، والله بالنسبة لهم غيب، وبعض التفسيرات وأنا أشجعها ~~تميل إلى أن الله تعالى ليس له مكان لأنه في كل مكان، فكل مكان عند الله. ~~ولذلك اقرأ قول الحق تبارك وتعالى: # فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ ~~تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا ~~تبصرون # [الواقعة: 83-85] البعض يقول: العندية هنا عندية علم، ولو كانت كذلك لم ~~يقل # ولكن لا تبصرون # [الواقعة: 85] فما دام قال # ولكن لا تبصرون # [الواقعة: 85] فهي عندية حقيقية شائعة في كل مكان. ### || [41.39] # ما يزال السياق القرآني يأخذنا إلى الآيات الكونية التي تثبت قدرة ~~الخالق سبحانه { ومن آياته.. } [فصلت: 39] من هنا قلنا للتبعيض. ~~يعني: هذه بعض آيات الله آياته أي: الكونية الدالة على قدرته تعالى، وهي ~~الشيء العجيب الدال على بديع الصنعة { أنك ترى الأرض ~~خاشعة.. } [فصلت: 39] أي: ساكنة مستقرة لا شيء عليها من زرع مثلا، ~~لأن الأرض خلقت لتكون تربة للنبات، وكأن الأرض التي لا زرع عليها ~~أرض حزينة خاشعة ساكتة ساكنة لأنها لم تنبت، وربما شابهت في ذلك المرأة ~~التي لا تنجب. { فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت ~~وربت.. } [فصلت: 39] اهتزت: تحركت وربت زادت وانتفشت، ترون ~~حبة الفول النابت مثلا تكون جافة جامدة، فإذا بللتها بالماء زادت في ~~الحجم وانتفشت، والمراد: اهتزت وتحركت بما يخرج منها من نبات. { إن ~~الذي أحياها.. } [فصلت: 39] أي: أحيا هذه الأرض الساكنة بالنبات ~~وحولها إلى هذا البساط الأخضر النضر { لمحى الموتى.. } [فصلت: ~~39] إذن: خذ من هذه الآية الحسية المشاهدة لك دليلا على صدق ما ~~غاب عنك وأخبرك الله به من أمر إحياء الموتى، فيا من تكذب بالبعث ~~وإحياء الموتى، أما لك عبرة في إحياء الأرض القفر الجدباء بالنبات. { ~~إنه على كل شيء قدير } [فصلت: 39] يعني: قدرة الله فيها ~~طلاقة، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء، والذي خلق الخلق الأول من عدم أقدر ~~على إعادته لأن بعث الميت يبعث شيئا موجودا وهذا أهون لو قلنا تجاوزا ~~في حق الله تعالى هين وأهون، لكي نفهم نحن، يقول تعالى: # أفعيينا بالخلق الأول بل هم ms8993 في لبس من خلق ~~جديد # [ق: 15]. الحق سبحانه وتعالى أخبرنا عن كيفية خلق الإنسان والذي يعرف ~~كيفية البناء يعرف منها كيفية الهدم، وقلنا: إنها عكس البناء، فما بني ~~أولا يهدم آخرا، وآخر شيء في البناء أول شيء في الهدم وهنا الروح. ولا ~~بد أن نذكر هنا أن الحق سبحانه حذرنا من المضلين الذين يضلون الناس ~~في مسألة الخلق. فقال: لا تصدقوا من يخبركم بشيء في هذا الموضوع ~~لأنه لم يشهد عملية الخلق: # مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. إذن: فكان الذين قالوا إن الإنسان أصله قرد جنود لهذه ~~الآية ودليل على صدقها، فالحق سبحانه يعلم ذلك ويتنبأ لنا به، وها هو ~~يحدث فلا تصدقوهم، إنهم كاذبون بدليل أن الإنسان عاش على هذه الأرض ~~آلاف السنين لم ير إنسانا تحول إلى قرد، ولا قردا تحول إلى ~~إنسان. ولقد توصل العلم الحديث إلى صدق القرآن في مسألة خلق الإنسان ~~من طين الأرض، حيث وجدوا أن عناصر تكوين الإنسان هي نفس عناصر تكوين ~~الأرض، وهي ستة عشر عنصرا، وحين يموت الإنسان تتحلل هذه العناصر وتذوب ~~في الأرض، فأجزاؤه موجودة يعلمها الله ويحصيها وهو وحده القادر على ~~إعادتها. # واقرأ: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4] فالمسألة صعبة بالنسبة لك، لكنها سهلة هينة على الخالق سبحانه، ~~فهو عز وجل يعلم كم نقص منك من عناصر ومقدار هذه العناصر ونحن بنو البشر ~~نختلف في أشكالنا وألواننا، لكن المادة واحدة هي الستة عشر عنصرا في ~~الكل، لكن الجزاء تختلف، ونسبة هذه العناصر تختلف من إنسان لآخر، ولذلك ~~تختلف شخصياتنا. فقوله: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم.. # [ق: 4] يعني: كم أخذت منك من الأكسوجين، وكم أخذت من الكربون، وكم أخذت ~~من الحديد.. وهكذا فهي إذن مقادير معلومة في علم الله سبحانه وفي هذا ~~الكتاب الحفيظ الذي يحفظ كل شيء بكل دقة، وحفيظ فعيل يعني: صيغة مبالغة ~~من الحفظ. فلا تكذب بالبعث، وخذ مما ترى دليلا على ms8994 صدق ما أخبرك ~~ربك به من الغيبيات. قلنا: لو أن إنسانا يزن مائة كيلو مثلا ثم ~~مرض، فنزل وزنه إلى ستين، فكم فقد من وزنه؟ فقد أربعين، أين هي؟ نزلت ~~فضلات إلى الأرض، نعم، ثم ذهب إلى الطبيب فعالجه وشفاه الله وبدأ يأكل ~~حتى عاد إلى وزنه الأول. هل أخذ نفس العناصر ذاتها التي فقدها؟ لا بل أخذ ~~مثلها، مثل المريض مثلا بنقص الحديد فيعطيه الطبيب دواء غنيا بالحديد ~~حتى تعتدل عنده نسبة الحديد في الدم، إذن: أخذ نفس العناصر التي فقدها من ~~عنصر الحديد، لكن ليست هي هي التي فقدها من قبل. ### || [41.40] # قوله تعالى: { يلحدون.. } [فصلت: 40] أي: يميلون بآيات الله عن ~~الحق والاستقامة إلى باطل يرونه هم حقا، أو يحرفون الآيات تبعا ~~لأهوائهم لأن آيات الله لها معان، فهم يلحدون فيها. يعني: يخفونها ~~ويظهرون لها معاني أخرى باطلة، كما نلحد نحن الميت في باطن الأرض، بعد ~~أن كان يسير عليها، فالمعنى يخفون حقائقها ليرضوا كفرهم وهواهم. ~~ومن الإلحاد في آيات الله ما وقع فيه البعض من التشبيه أو التمثيل في ~~أسماء الله وصفاته، فحين يقفون عند صفة لله تعالى يوجد مثلها في البشر ~~يشبهون، فالله له سمع ليس كسمعنا، وله يد ليست كأيدينا، وله بصر ليس ~~كبصرنا، إذن: لا بد أن نأخذ هذه الصفات في إطار عام للآيات الكلية # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11]. ومنه قولهم عن المعجزة سحر في قصة سيدنا موسى - عليه ~~السلام - مع فرعون وفرق بين السحر والمعجزة، المعجزة حقيقة والسحر ~~تخييل بعيد عن الحقيقة، صحيح أن معجزة موسى عليه السلام كانت من جنس ~~السحر لأنه المجال الذي نبغ فيه قومه لكنها لم تكن سحرا. فالحبال التي ~~رماها سحرة فرعون رآها موسى ثعابين تسعى، أما السحرة أنفسهم ~~فيرونها حبالا، فالسحر يخيل لك الشيء أنه غيره مع أنه ليس كذلك في ~~الحقيقة إنه مجرد خيال، لذلك قال تعالى: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66] تخييل لا حقيقة. لكن لما ألقى موسى عصاه، ماذا حدث؟ تحولت إلى ms8995 ~~حية حقيقية، بدليل قوله تعالى: # فأوجس في نفسه خيفة موسى # [طه: 67] ولا يمكن أن يخاف موسى من عصاه وهي عصا لا بد أنها انقلبت ~~إلى حية بالفعل وهو يراها كذلك، وبدليل أيضا أن سحرة فرعون وكانوا كثرة، ~~ولهم تمرس بأساليب السحر ويستطيعون التمييز بين السحر والحقيقة، ~~رأيناهم يرفعون راية التسليم لموسى ويؤمنون معه، لماذا؟ لأنهم رأوا معجزة ~~هم أخبر الناس بها، وأنها ليست سحرا من جنس سحرهم، ولا تخييل كما ~~يفعلون هم، ولو كان فعل موسى تخييلا ما قال الله له: # خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى # [طه: 21]. وكما قالوا في موسى - عليه السلام - أنه ساحر قالوها في سيدنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم، والرد عليها كما أوضحنا بسيط، نقول لهم: لو ~~كان محمد ساحرا سحر من آمن به، فلماذا لم يسحركم أنتم وتنتهي المسألة؟ ~~ومن إلحادهم في آيات الله قولهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~مجنون مع أنهم ما جربوا عليه شيئا من ذلك، وعرف بينهم بالصادق ~~الأمين، واتصف فيهم بكريم الأخلاق، وصاحب الخلق لا يكون أبدا مجنونا، ~~وقد رد الله عليهم # مآ أنت بنعمة ربك بمجنون # [القلم: 2]. ومن إلحادهم في القرآن أنهم قالوا عنه إنه شعر، وعجيب منهم ~~ذلك لأنهم أعرف الناس بأساليب الشعراء وتعبيرات الشعراء، هم يعرفون أن ~~القرآن معجز، وأنه من عند الله، وأن أسلوبه لا يضاهى، وأنه فريد من ~~نوعه ومع ذلك يكذبون، وهذا هو الإلحاد. # ومعلوم أن من عظمة القرآن الكريم أنه ليس له أسلوب يحتذى، وأن له ~~مذاقا خاصا، وتقرأ الحديث النبوي تجد له مذاقا آخر، وتقرأ الحديث ~~القدسي تجد له مذاقا آخر، فمن يجمع كل هذه الأساليب بهذا التميز، وكل ~~منها يفيض عليك بفيض غير الآخر، وقد رد الله عليهم هذا الإلحاد فقال: # وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون # [الحاقة: 41]. ومن إلحادهم أن يغيروا في الأشياء المطلوبة منهم، وأن ~~يحرفوا الكلمات، يقول تعالى: # من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ~~ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع ~~ورعنا ليا ms8996 بألسنتهم وطعنا في الدين.. # [النساء: 46]. فكانوا يقولون راعنا يلوون بها ألسنتهم يعني: من الرعونة، ~~لذلك نهى الله المؤمنين أن يقولوها، فقال سبحانه في سورة البقرة: # يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا ~~انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم # [البقرة: 104]. ومن ذلك إلحادهم في السلام على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فبدل أن يقولوا: السلام عليكم قالوا: السام عليكم. إذن: فوجوه ~~إلحادهم في آيات الله كثيرة، وقد أخبر الله عنهم أنهم نسوا حظا مما ~~ذكروا به، والذي لم ينسوه حرفوه، والذي لم يحرفوه كتموه، وليتهم ~~وقفوا عند هذا الحد، بل وصلت جرأتهم على الله أن يكتبوا الكتاب بأيديهم ~~ويقولون: هذا من عند الله، وما هو من عند الله، وهذا كله ألوان مختلفة ~~لإلحادهم. لذلك الحق سبحانه يخبر هنا: { إن الذين يلحدون ~~في آياتنا لا يخفون علينآ.. } [فصلت: 40] نعم لا يخفون ~~عن علم الله، فعدم الخفاء شيء لازم، لكن المراد أن نخبرهم بجريمتهم حتى ~~نعاقبهم عليها، لأن الجريمة شيء والعقوبة عليها شيء آخر، فالحق يعرفهم ~~بجريمتهم حتى يكون للعقوبة موضع، كما يقول أهل القانون: لا تجريم إلا ~~بنص. فكأن الحق سبحانه لا يأخذهم على غرة، ولا يتركهم في عمى، ~~إنما يوضح لهم قبل أن يؤاخذهم. { أفمن يلقى في النار ~~خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة.. } [فصلت: 40] هذا ~~سؤال معلوم الإجابة عنه، والحق يسألنا وهو يعلم أن الجواب سيكون كما يريد ~~سبحانه، فكأن الحق سبحانه يقول لنا من خلال هذا السؤال: احرصوا على أوامر ~~الله نفذوها، وإياكم والنواهي فاجتنبوها، فهذا هو سبيل الأمن والنجاة ~~من النار، وهل يستوي من يلقى في النار ومن يأتي آمنا سالما؟ وما ~~دام أن هذا السؤال جاء بعد الكلام عن الإلحاد في آيات الله فيكون المعنى: ~~الذين يلحدون في آيات الله لهم النار يلقون فيها يوم القيامة، ~~والذين لا يلحدون في آيات الله يأتون آمنين. # ومن الغباء أن الإنسان يلحد في آيات الله لينال بذلك سلطة زمنية أو ~~مكانة مؤقتة، مآلها إلى زوال محقق، ثم يلاقي بعد ms8997 ذلك مصيرا مؤلما في ~~نار خالدة لا نهاية لها. تعال إلى أعظم الناس نعيما في الحياة، أخذ ~~منها الغنى والقوة والسلطان والمهابة والعز كله، واسأله هل ينغص شيء ~~هذه النعمة؟ سيقول لك: أخاف ألا تدوم، نعم ينغصها على أصحابها عدم ~~دوامها، فإما أن تتركهم النعمة وهم أحياء يرزقون، وإما أن يتركوها هم ~~بالموت. لذلك يخبرنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حال هؤلاء ~~المنعمين في الدنيا من أهل الكفر كيف هم في الآخرة؟ يقول الرسول: # " أن الواحد منهم يغمس غمسة واحدة في النار - والعياذ بالله - ثم ~~تسأله الملائكة: هل رأيت في الدنيا نعيما قط، يقول: لا والله ما رأيت ~~فيها نعيما قط! ". # فمن إذن يترك نعمة باقية خالدة لنعمة منغصة زائلة فانية، ثم أنت ~~تتنعم في الدنيا على قدر إمكاناتك وقدراتك، وفي الآخرة تتنعم على قدر ~~قدرة الله وكرمه وعطائه في جنة فيها ما لا عين رأيت، ولا أذن سمعت، ~~ولا خطر على قلب بشر. وما دمنا أمام أمرين لا يستويان، ووجه الصواب ~~فيهما واضح، وما دمنا قد بينا لكم هذا البيان فأنتم أحرار اختاروا ~~لأنفسكم { اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير } ~~[فصلت: 40] والأمر هنا للتهديد وللتحذير، يعني: اعملوا ما شئتم فالله ~~يراكم، والله مطلع على أعمالكم، وقادر على أن يجازيكم عليها جزاء ~~وفاقا. ### || [41.41-42] # الكفر هنا بمعنى الستر أي: ستر الإيمان بواجب الوجود، لأن الستر يقتضي ~~مستورا، فما هو المستور في عملية الكفر؟ الكفر يستر مقابله، يستر ~~الإيمان، فكأن الإيمان أمر فطري وهو الأصل والكفر طارئ عليه ليستره، ~~وكأن الكفر بهذا المعنى جند من جنود الإيمان ودليل عليه. وكلمة { ~~بالذكر.. } [فصلت: 41] هنا بمعنى القرآن الذي نزل على قلب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قال تعالى # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] ويطلق الذكر أيضا على الكتب السابقة على القرآن: # فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون # [النحل: 43]. وقال تعالى: # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا ~~للمتقين # [الأنبياء: 48] ويطلق الذكر ويراد به الصيت ms8998 والمنزلة. # وإنه # [الزخرف: 44] أي: القرآن # لذكر لك ولقومك.. # [الزخرف: 44] وقال سبحانه: # لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم.. # [الأنبياء: 10]. ويطلق الذكر على تسبيح الله: # إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة ~~والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر ~~الله وعن الصلاة.. # [المائدة: 91]. ويطلق الذكر على ذكر الله بالطاعة، وذكر الله للعبد ~~بالفيوضات والمغفرة: # فاذكروني أذكركم.. # [البقرة: 152]. وقوله سبحانه: { وإنه لكتاب عزيز } [فصلت: ~~41] كلمة عزيز لها معان منها العزيز أي: النادر الثمين، والعزيز: ~~الغالب الذي لا يغلب. ومنه قوله تعالى: # والله عزيز ذو انتقام # [آل عمران: 4] فالقرآن غالب يعلو ولا يعلى عليه، يأخذ بالقلوب ~~ويستولي عليها، بدليل قولهم: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون # [فصلت: 26]. ذلك لأن الذي يسمع كلام القرآن، لا بد أن ينبهر به ~~شريطة أن يستقبله بقلب صاف ووجدان غير جامد، فإن صادف حسن ~~الاستقبال كان له هذا الأثر الذي رأيناه في قصة إسلام سيدنا عمر رضي الله ~~عنه، وكان من ألد خصوم الإسلام إلى اللحظة التي علم فيها بإسلام أخته ~~وزوجها، فجاء إليها ولطمها حتى سال الدم من وجهها، فكان هذا الدم ~~سببا في رقة قلبه رقة غلبت جهله، فلما سمع القرآن منها سمعه ~~هذه المرة بقلب ومواجيد وعاطفة صافية فتأثر به وأسلم. إذن: فالقرآن عزيز ~~غالب، لذلك ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ~~ظهرا أبقى ". # وقال: # " ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ". # فإذا أردت أن تختار بين أمرين أو توازن بينهما ينبغي أن تكون خالي ~~الذهن تماما وتخرج ما في قلبك من هوى لأيهما، ثم توازن ~~بينهما، فما ارتحت له فامض فيه، لذلك قال تعالى: # ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.. # [الأحزاب: 4]. إذن: هو قلب واحد، إن عمر بالشر كيف يستقبل الخير؟ لابد ~~أن تخرج الشر أولا لأن الشر سيطرد الخير. # يقول تعالى عن تلقي المنافقين والكافرين للقرآن: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا ms8999 خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا.. # [محمد: 16] يعني: كأنهم لم يتأثروا به ولم يفهموه، أي: كبرا وعنادا، ~~فرد الله عليهم # قل هو.. # [فصلت: 44] أي: القرآن # للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في ~~آذانهم وقر وهو عليهم عمى.. # [فصلت: 44]. فالقرآن واحد، لكن أثره مختلف باختلاف المتلقي، فهو هدى ~~وشفاء لأهل الإيمان، وعمى لأهل الكفر والنفاق. إذن: الحق سبحانه يريد ~~منا عدالة الاختيار وعدالة البحث والموازنة بين الأمرين، فإن توفرت ~~هذه العدالة فالقرآن غالب لا محالة، القرآن لا يزاحمه ولا ينافسه شيء ~~إذا استقبل الاستقبال السليم، حتى في الأمور التي يقف فيها العقل تجد ~~الوجدان يصدقها. لذلك قلنا: إن وارد الرحمن لا يطارده وارد الشيطان، ~~وهل عارضت أم موسى وارد الرحمن لما قال لها: # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا ~~تحزني.. # [القصص: 7] العقل لا يقبل هذا، لكن يقبله الوجدان الصافي، والذين سمعوا ~~القرآن فلم يتأثروا به ولم يثمر في أنفسهم ثمرته، إنما استمعوه وهم ~~مشغولون بضده. فنحن إذن في حاجة إلى عدالة الاختيار ثم حماية الاختيار، ~~لذلك نقول في الرد على من يدعي أن الإسلام نشر بحد السيف، هذا ~~غير صحيح، فالسيف في تاريخ الإسلام ما جاء ليفرض عقيدة، إنما جاء لحماية ~~الاختيار، وحماية حرية الدين في الإعلان عن نفسه، وحرية العقيدة أمر كفله ~~الإسلام بدليل أنه ترك في بلاد الإسلام ناسا على كفرهم وعلى ديانتهم، ~~وقال: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. # [الكهف: 29]. ولأن الإسلام انطلق من حرية الاعتقاد وجعل الدين اختيارا ~~حكم على المرتد بالقتل، والعجيب أن أعداء الإسلام يأخذون هذه المسألة ~~مطعنا في دين الله، ويقولون: إن الإسلام يحارب حرية الاعتقاد ويجبر ~~الناس على اعتناقه. وهذا اتهام باطل، فالمتأمل يجد أن الإسلام يعلن هذا ~~الحكم لمن لم يؤمن بعد، يقول له: انتبه قبل أن تدخل الإسلام، ولاحظ ~~أنك تقتل لو ارتددت عنه، وهذه عقبة في طريق الإسلام تمحص أهله بحيث ~~لا يقبل عليه إلا من اقتنع به واستقر الإسلام في قلبه ms9000 بلا منازع، ~~فالحكم بقتل المرتد يحمي إقبالك على الاختيار وينبهك، فإما أن تنصرف، ~~وإما أن تعرف أنه الحق فتؤمن به. وقوله تعالى: { لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. } [فصلت: 42] ~~يعني: لا يأتيه الباطل من أي جهة لذلك حاول المستشرقون أن يتلمسوا في ~~القرآن مأخذا.. وهيهات لهم ذلك.. فوقفوا مثلا عند قوله تعالى: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم.. # [الأنعام: 151] وفي موضع آخر قال سبحانه: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم.. # [الإسراء: 31]. ورأوا أن في الموضعين تكرارا فقالوا: إذا كان القرآن ~~بليغا فأي الآيتين أبلغ؟ وإن كانت إحداهما بليغة فالأخرى غير بليغة، ~~وهؤلاء يفتقدون الملكة التي تساعدهم على فهم كلام الله واستقبال ~~هديه، ولو نظروا إلى السياق لوجدوا أن الآيتين مختلفتان موضوعا، ~~فليس فيهما تكرار وكل منهما بليغة في التعبير عن موضوعها. فقوله ~~تعالى: # ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم ~~وإياهم.. # [الأنعام: 151] فكأن الفقر موجود عنده، فهو مشغول أولا برزق نفسه قبل ~~أن يشغل برزق أولاده، لذلك ذيلت الآية بقوله سبحانه: # نحن نرزقكم وإياهم.. # [الأنعام: 151] أما في الأخرى فقال # خشية إملاق.. # [الإسراء: 31] يعني: الفقر غير موجود لكن يخشاه حين يأتيه الولد، فطمأنه ~~الله أن الولد سيأتي ومعه رزقه، فقال: # نحن نرزقهم وإياكم.. # [الإسراء: 31] إذن: فكل آية بليغة في موضعها. كذلك وقفوا عند قوله ~~تعالى في سورة البقرة: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها شفعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ~~ينصرون # [البقرة: 48] وفي الآية الأخرى: # واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا ~~يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ~~ينصرون # [البقرة: 123]. النظرة المتعجلة لا ترى فرقا بين الآيتين، لكن المتأمل ~~وصاحب الملكة اللغوية يلحظ الفرق، فالآيتان تتحدثان عن نفسين: نفس ~~جازية، ونفس مجزي عنها. النفس المجزي عنها تعترف بذنبها وتقول: خذوا ~~العدل واتركوني، فنقول لها: لا، فتذهب إلى من هو أكبر منها ليشفع لها. ~~إذن: عرض العدل أولا، فلما لم ينفعها عرضت الشفاعة. أما النفس ms9001 ~~الجازية وهي الشفيع، أول ما يقف بين يدي الله تعالى يقول: يا رب أنا أشفع ~~في فلان، فإذا لم تقبل شفاعتي فيه فخذ العدل مني، إذن: فكل آية بليغة ~~في موضعها، لكن ماذا نفعل مع هؤلاء الذين لا يفهمون عن الله ولا يحسنون ~~التلقي، ومع ذلك يتهمون كلام الله؟! يقولون: ربكم قال كذا وكذا، نعم هو ~~ربنا والحمد لله، وكنا نحب أن يكون ربكم أيضا. ومن الآيات التي وقفوا ~~عندها أيضا قوله تعالى: # يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم والله ~~متم نوره ولو كره الكفرون # [الصف: 8] يقولون: أين ظهور الإسلام على الدين كله وبعد أربعة عشر قرنا ~~من الزمان ما يزال في العالم يهود وملاحدة ومسيحيون وغير ذلك من ~~الديانات. وهذا القول أيضا يدل على عدم فهمهم لآداء القرآن الكريم ~~ومعانيه. ومعنى # ليظهره على الدين كله.. # [الصف: 9] لا تعني أن يصبح الناس جميعا مسلمين، لأن معنى الظهور هنا ~~ظهور حجة يعني: يعلن حجته القوية، وبعد ذلك لهم الحرية يؤمن من يؤمن، ~~ويكفر من يكفر، هذا موضوع آخر. ولو كنت تقرأ القرآن ببصيرة لعرفت أن ~~ظهور الإسلام على الأديان الأخرى سيكون مع بقاء الشرك والكفر بدليل لفظ ~~الآية، فمرة قال سبحانه: # ولو كره المشركون # [الصف: 9] ومرة # ولو كره الكفرون # [الصف: 8]. إذن: فهما موجودان مع الإسلام، ويكفي في ظهور الإسلام على ~~الأديان الأخرى أنهم يضطرون للأخذ بقضاياه وأحكامه وهم غير مسلمين، ~~وتلجئهم ظروفهم الحياتية فلا يجدون حلا إلا في الإسلام، وهذه هي العظمة ~~في الظهور. تعلمون أن الفاتيكان كانت تعارض مسألة الطلاق التي جاء بها ~~الإسلام، لكن مع مرور الوقت وكثرة المشاكل عندهم اضطروا إلى العمل به ~~كحل لقضاياهم، أخذوا حكم الإسلام وهم غير مسلمين. إذن: صدق الله: # ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا # [النساء: 82] هذه الآيات وغيرها تدلنا على سلامة كلام الله وخلوه من ~~الباطل ومن الاختلاف { لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه.. } [فصلت: 42] لأن الباطل لا يأتي إلا إذا كان ~~المتكلم غير محق، والذي ms9002 يتكلم بالقرآن من؟ الله. لذلك قال بعدها { ~~تنزيل من حكيم حميد } [فصلت: 42] وحكيم وحميد فعيل من صيغ ~~المبالغة من الحكمة والحمد، الحكمة تقتضي وضع الشيء في موضعه المناسب، ~~والحمد يعني أنه تعالى يحمد على كل أفعاله، وكل قضائه، وكل قدره، ~~فالحمد لله موصول أوله بآخره. لذلك قلنا في قوله تعالى: # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2] أن من رحمته تعالى بنا أن علمنا صيغة حمده على نعمائه، ~~فجاء بها بصيغة المبتدأ والخبر الحمد لله لأنه سبحانه لو لم يضع لعباده ~~صيغة الثناء عليه سبحانه لاختلف فيها العباد، وتفاوت فيها الناس، ولكان ~~للأديب البليغ ثناء لا يقدر عليه الأمي وراعي الغنم. لو كان الأمر في ~~هذه المسألة متروكا لقدرات الناس لم يكن هناك تكافؤ فرص في حمد الله، ~~إذن: من رحمته سبحانه بنا أن قال لنا ارفعوا أيديكم عن الصيغة وأنا ~~أضعها لكم ليستوي في حمدي والثناء علي جميع خلقي، فالكل يقول كلمة ~~واحدة الحمد لله فقط، ولا أريد منكم أكثر من ذلك. لذلك علمنا سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول في الثناء على الله: " سبحانك لا ~~نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " فالذي تعلم هذه الصيغة الحمد ~~لله وهدي لأن يقولها ينبغي أن يحمد الله عليها ذاتها، يحمد الله أن ~~علمه كيف يحمده، وهكذا يظل الحمد من العبد لله تعالى موصولا، ويظل ~~العبد حامدا لربه حمدا لا نهاية له. وكلمة { تنزيل } [فصلت: 42] ~~ساعة تسمعها تشعر أنه منزل من أعلى، حتى وإن كان المنزل من مادة ~~الأرض، كما في قوله سبحانه في سورة الحديد: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس # [الحديد: 25] فالحديد وإن كان في الأرض لكنه منزل من علو القدرة ~~الخالقة لخدمة العباد في الأرض. ثم يعزي الحق سبحانه رسوله صلى الله ~~عليه وسلم ويخفف عنه ما يلاقي من عنت وعناد المشركين، فيقول تعالى: ~~{ ما يقال لك إلا... }. ### || [41.43] # كأن الحق سبحانه يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد أنت سيد ~~الرسل، والرسل ms9003 أوذوا، فلو كان الإيذاء على قدر المنزلة لكان إيذاء ~~قومك لك أضعاف إيذاء الرسل السابقين، وما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل ~~من قبلك، فلست بدعا في الرسل. والذي قيل للرسل من قبلك: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173] وأنت يا محمد واحد منهم، فأبشر بنصر الله لك ولجندك ~~ولمن تابعك. ويصح أيضا أن يكون المعنى { ما يقال لك } [فصلت: ~~43] أي: من أعدائك والمعاندين لك { إلا ما قد قيل للرسل من ~~قبلك } [فصلت: 43] أي: من أعدائهم والمعاندين لهم. يعني: لا تحزن ~~فهذه سنة الله في أهل الدعوات وحملة الرسالات، وأنت واحد منهم فلا ~~تتعب نفسك، ولا تحمل نفسك في سبيل دعوتك ما لا تطيق. # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. ذلك لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذاق حلاوة ~~الإيمان بالله أحبه الناس جميعا، وكانت عنده غيرة على ربه، يريد أن يسلم ~~الناس جميعا لا يفلت منهم أحد، ولا يشذ منهم عن الإيمان بالله أحد، ~~لذلك كان يجهد نفسه وكثيرا ما عاتبه ربه على ذلك عتاب المحب لحبيبه # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. وبين له صلى الله عليه وسلم # وما على الرسول إلا البلاغ # [العنكبوت: 18]. وكثيرا ما نرى القرآن الكريم يقص على سيدنا رسول ~~الله قصص الأنبياء السابقين تسلية لرسول الله وتخفيفا عنه، فسيدنا نوح ~~- عليه السلام - عمر في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما، ~~ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل. وحكى القرآن عنه قوله: # قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم ~~يزدهم دعآئي إلا فرارا * وإني كلما دعوتهم ~~لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم ~~واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا ~~استكبارا # [نوح: 5-7]. قوله: # جعلوا أصابعهم في آذانهم # [نوح: 7] مبالغة في الإعراض وسد الآذان عن السماع، فالذي يوضع في ~~الأذن الأنملة لا الأصبع، وأكثر من ذلك { واستغشوا ثيابهم } ~~[نوح: 7] يعني: غطوا بها وجوههم، ms9004 وبذلك سدوا كل منافذ الإدراك ~~والتلقي كأنهم لا يريدون سماعه ولا حتى رؤيته. إذن: اصبر يا محمد فلست ~~جديدا في الإيذاء ولا في الإعراض والعناد. وقوله سبحانه: { إن ~~ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم } [فصلت: 43] تأمل هذا ~~الكلام الذي نسميه كلام سياسي ويسميه العلماء ترغيب وترهيب، فالحق ~~سبحانه وتعالى يراعي أحوال هؤلاء المعاندين لرسوله صلى الله عليه وسلم، ~~ويخاطبهم بما يناسب كل الاحتمالات، فمن عاد منهم إلى الحق وإلى ~~الصراط المستقيم فباب التوبة مفتوح والله غفور رحيم، ومن أصر وتمادى ~~في عناده فالله ذو عقاب أليم. # وتلحظ هنا أن المغفرة سبقت العقاب، بل إن الحق سبحانه يعد من يؤمن ~~ويحسن إيمانه أن يكفر عنه ذنوبه، وأن يزيده بأن يبدل سيئاته ~~حسنات تفضلا منه وكرما، وكأن الحق سبحانه يؤنس عباده ويحننهم ~~إليه، وهو الغني عنهم. وتاريخ الإسلام حافل بهؤلاء الذين صادموا الإسلام ~~ودعوته وعاندوا رسول الله والمؤمنين معه، وكانوا ألد الأعداء، ثم صاروا ~~بعد ذلك حملة لوائه، وقدموا نفوسهم رخيصة في سبيله ولو أغلق الباب في ~~وجوههم ما دخلوا في دين الله، وأنتم تعرفون قصة إسلام عمر وحمزة وعكرمة ~~بن أبي جهل وخالد وعمرو وغيرهم ممن كانوا صناديد في الكفر. حتى أهل ~~الكتاب من اليهود والنصارى الذين أخذوا دين الله على أنه دين لا سلطة ~~زمنية أنصفهم القرآن، فقال فيهم: # ومن أهل الكتب من إن تأمنه بقنطار يؤده ~~إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده ~~إليك إلا ما دمت عليه قآئما # [آل عمران: 75]. وبعد ذلك يأتي القرآن ويحكم على أناس أنهم لن يؤمنوا ~~ولن يهتدوا، وهم في سعة الدنيا وفي وقت الاختيار، من شاء فليؤمن ومن ~~شاء فليكفر، ومع ذلك ظلوا على كفرهم ولم يؤمنوا حتى نفاقا، ولو رغبة ~~منهم في تكذيب القرآن لم يحدث. ومن هؤلاء أبو لهب عم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكان يمشي وراء رسول الله ويقول للناس: إنه كذاب، فحكم الله عليه ~~بأنه سيموت على كفره، وأن مصير النار والعياذ بالله، وفيه نزلت: # تبت يدآ ms9005 أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته ~~حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد # [المسد: 1-5]. وقد سمع أبو لهب هذه السورة، وكان بوسعه أن يقف أمام ~~نادي القوم وتجمعهم، ويقول بأعلى صوته: أشهد ألا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله، ولو كذبا، لكنه لم يفعل لأن الله تعالى حكم عليه أنه ~~لن يقولها أبدا. فالله تعالى { لذو مغفرة } [فصلت: 43] لكل كافر ~~ولكل مكذب ولكل معاند، رجع إلى الجادة وتاب وأناب { وذو عقاب ~~أليم } [فصلت: 43] لمن أصر على كفره وتمادى في عناده ومصادمته لدعوة ~~الحق. ولا يخفى أن الجمع بين المعنى وضده في موضع واحد سمة من سمات ~~الأسلوب القرآني، لأن الضد يظهره الضد، وبضدها تتميز الأشياء، ~~وربك يخبرك ويترك لك أن تختار لنفسك دواعي المغفرة أو دواعي العقاب. ### || [41.44] # قوله تعالى: { ولو جعلناه } [فصلت: 44] أي: القرآن وسمي ~~قرآنا لأنه يقرأ أعجميا أي: بلغة الأعاجم وهم غير العرب كالإنجليزية ~~والفرنسية وغيرها من اللغات غير العربية. { لقالوا لولا ~~فصلت آياته } [فصلت: 44] يعني: جاءت بالعربية ذلك لأن التوراة ~~نزلت بالعبرية وهي لغة سيدنا موسى - عليه السلام - وأصله، فقال بعضهم: ~~لولا كان القرآن باللغة العبرية مثل التوراة، لكن النبي محمدا عربي ~~الأصل واللغة فنزل عليه القرآن بلغته ولغة قومه. فالحق سبحانه يبين أن ~~القرآن لو نزل أعجميا لطلبوا وتمنوا أن يكون عربيا، لكن بصرف النظر عن ~~اللغة التي نزل بها هو في ذاته هدى وشفاء { قل هو للذين ~~آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم ~~وقر } [فصلت: 44] أي: الذين لا يؤمنون به في آذانهم صمم، فهم لا ~~يسمعون السماع النافع المثمر { وهو عليهم عمى } [فصلت: 44] ~~يعني: ظلمة وشبهات يتخبطون فيها. إذن: فالقرآن واحد لكن النتيجة ~~مختلفة، لأن استقبال القرآن يختلف باختلاف نية المستقبل، فالذي يسمعه ~~بأذن واعية وقلب صاف غير مشغول بنقيضه يجده هدى، ويجده شفاء، والذي ~~سمعه باستكبار وقلب غير مهيىء للإيمان يجده عمى، والأعمى يتخبط لا ~~يدري أين يتجه. فهذا يقرأ القرآن ms9006 أو يسمعه فلا يفهمه ولا يتأثر به، ~~وهؤلاء قال الله فيهم: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا # [محمد: 16]. وسبق أن أوضحنا نظرية الفاعل والقابل، فالفاعل يقوم بالفعل ~~والقابل يتأثر به، ففرق بين الفلاح الذي يضرب الأرض بفأسه وبين من ~~يضرب بها صخرة مثلا، الأرض تنفعل للفأس وتتأثر بها وتثمر وتنتج، أما ~~الصخرة فلا تقبل ولا تتأثر. إذن: لا تحكم على الشيء إلا إذا حدث هذا ~~التفاعل بين الفاعل والقابل، تذكرون أننا ضربنا مثلا في هذه المسألة ~~بكوب الشاي الساخن ننفخ فيه ليبرد، وتنفخ في يديك لتدفئها، فالنفخة ~~واحدة لكن الأثر مختلف لاختلاف القابل. وقوله تعالى: { أولئك ~~ينادون من مكان بعيد } [فصلت: 44] لأنهم سمعوا فلم يتأثروا ~~به، شبههم الله بمن ينادى من بعيد فلا يسمع. ### || [41.45] # القرآن هنا يقص على رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفا من قصة سيدنا ~~موسى - عليه السلام -، وهذا من ضمن # ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك # [فصلت: 43] وموسى من الرسل الذين تحملوا العنت والعناد وأتعبه قومه، ~~فقصته هنا تسلية لرسول الله { ولقد آتينا موسى الكتاب } ~~[فصلت: 45] أي: التوراة { فاختلف فيه } [فصلت: 45] أي: كانت ~~مجالا لاختلافهم، فمنهم من حرفها، ومنهم من نسي بعضها، ومنهم من ~~كتب الكتاب من عنده. وقال: هذا من عند الله. { ولولا كلمة ~~سبقت من ربك } [فصلت: 45] أي: سبقت كلمة الله وحكمة بنهاية ~~عذاب الاستئصال الذي يأخذ المكذبين جملة، كما رأينا في عاد وثمود وقوم ~~نوح وقوم لوط، أما هذه الأمة فلن يأخذها الله بمثل هذا في الدنيا، بل ~~يؤخر لها الجزاء إلى يوم القيامة. { ولولا كلمة سبقت من ~~ربك لقضي بينهم } [فصلت: 45] أي: في الدنيا كما فعل بالأمم ~~السابقة ممن كذب الرسل وإنهم أي: قومك يا محمد { وإنهم لفي ~~شك منه مريب } [فصلت: 45] يعني: تردد يأخذهم إلى القلق ~~والريبة. والشك نسبة من النسب الست المعروفة التي تعتري الأحداث: ~~أولها: العلم وهو أن يكون عندك قضية واقعة وأنت مقتنع ms9007 بها وتستطيع أن ~~تقدم عليها الدليل. ثم التقليد: وهو أن يكون لديك قضية واقعة يعني مطابقة ~~للواقع وأنت مقتنع بها، لكن لا تستطيع أن تقدم الدليل عليها، مثل الطفل ~~الصغير نلقنه مثلا أن الله واحد فيؤمن بها لثقته في والده الذي ~~يلقنه، لأنه يعلم أن والده يريد له الخير ولا يعلمه إلا الصواب، لكن ~~الوالد لا يستطيع أن يقيم الدليل على أن الله واحد. ثم الجهل: وهو أن ~~يكون عندك قضية غير مطابقة للواقع وأنت مقتنع بها. لذلك قلنا في هذه ~~المسألة: إن الجاهل أشق على معلمه من الأمي لأن الجاهل عنده قضية ~~باطلة كاذبة وهو مؤمن بها فيحتاج منك مجهودا مرتين: مرة لتخرجه من جهله، ~~ومرة لتقنعه بالصواب. أما الأمي فهو خالي الذهن ليس عنده قضية ما يدافع ~~عنها، لذلك تراه طيعا يقبل ما يلقى إليه دون أن يجادل. ثم بعد ذلك ~~الشك، وهو أن يكون لديك قضية واقعة لكن يقينك بها مساو لشكك فيها، ~~فأنت غير متأكد منها، ثم إن كان الثبوت والتأكيد أوضح فهو الظن، وإن ~~كان الشك أوضح من اليقين فهو الوهم. فقوله تعالى: { وإنهم لفي ~~شك منه مريب } [فصلت: 45] يعني: لم يصلوا إلى درجة العلم، ولا ~~درجة التقليد، ولا درجة الجهل. ### || [41.46] # الحق سبحانه يقرر هنا حقيقة واقعية، يريد سبحانه للعباد أن يؤمنوا بها، ~~حتى يرسخ في أذهانهم أن كلا منهم يعمل لصالح نفسه، وأن إيمان المؤمنين ~~لا يعود على الله تعالى بشيء، ولا يزيده سبحانه صفة لم تكن له. كذلك لا ~~تضره معصية العاصين، ولا جحد الجاحدين، ولا إنكار المنكرين، لأنه سبحانه ~~مستوف كل صفات الجلال والجمال والكمال قبل أن يخلق هذا الخلق، ~~فالله تعالى ليس في حاجة أبدا إلى طاعة الطائعين ولا إيمان المؤمنين، بل ~~العباد هم المستفيدون من أعمالهم الصالحة. وما أمور التكاليف الشرعية إلا ~~حرصا من الله تعالى على خلقه، ورحمة من الصانع بصنعته، فكل صانع ~~يريد لصنعته الصلاح، ويربأ بها عن الفساد وأسباب الهلكة. وتذكرون الحديث ~~القدسي: # " يا عبادي، لو ms9008 أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، وشاهدكم وغائبكم، كانوا ~~على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن ~~أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، وشاهدكم وغائبكم، كانوا على أفجر قلب رجل ~~واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل ~~البحر ذلك أني جواد ماجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا ~~أردته أن أقول له: كن فيكون ". # إذن: أنتم أحرار، يؤمن من يؤمن، ويكفر من يكفر، فكل مجازى بعمله ~~{ من عمل صلحا فلنفسه } [فصلت: 46] هو المستفيد، وليس ~~لي من عمله شيء { ومن أسآء فعليها } [فصلت: 46] أي: على نفسه ~~تحسب إساءته، هذه قضية يقررها ربك عز وجل، ولك أن تختار لنفسك، وأن ~~توردها المورد الذي يسعدها لا الذي يشقيها. ومن العجيب أن الإنسان بعد ~~أن عرف هذه الحقيقة يورد نفسه موارد الهلاك، لذلك وصفه الحق سبحانه بأنه ~~ظلوم وجهول. والحق سبحانه حين ينذرنا بالعقوبة، وحين يشددها ليس من حظه ~~أن يوقع هذه العقوبة بالعباد، إنما أراد سبحانه أن يصرفنا نحن عن ~~أسبابها ويخوفنا منها حتى لا نقع فيها، الله تعالى منزه عن الظلم { ~~وما ربك بظلم للعبيد } [فصلت: 46]. إنه يخوفك ~~حماية لك، بالله حين يقول لنا: من قتل يقتل، أيريد أن يقتل الناس، ~~أم يريد أن يحقن الدماء ويحفظها؟ ومن يقدم على القتل وهو يعرف أن من ~~قتل يقتل؟ لذلك تجد القرآن في مسألة القوة العسكرية يقول: # وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط ~~الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.. # [الأنفال: 60]. العجيب أن أعداء الإسلام يأخذون من هذه الآية دليلا على ~~أن الإسلام يؤيد الإرهاب لأنه ذكر كلمة ترهبون وهذا فهم خاطئ ~~لأسلوب القرآن، لأن معنى إعداد القوة التي ترهب أنني لا أريد المعركة ولا ~~أريد المواجهة، فحين يعرف عدوى أني مستعد يخاف ولا يقدم على القتال. # نسمعهم في المسائل العسكرية يقولون: توازن القوى، هذا التوازن هو الذي ~~يحفظ السلام في المجتمع الدولي كله، وأيام كان في العالم قوتان متكافئتان ~~هي روسيا ms9009 وأمريكا كان هناك استقرار عسكري، فكل منهما تخشى الأخرى ~~حتى كانوا يقولون على الحروب بينهما الحرب الباردة لكن لما تفككت قوة ~~روسيا أصبح لأمريكا الغلبة، فهي القوة الوحيدة الآن، ونراها تعمل ما ~~تريد دون رادع من قوة أخرى. إذن: نقول: الحق سبحانه وتعالى حين يأمرنا ~~بإعداد القوة العسكرية لا يعني أنه سبحانه يدفعنا إلى ساحة القتال، إنما ~~يعني حفظ السلام بيننا وبين غيرنا، ومعلوم أنك لا تقدم أبدا على ~~مهاجمة من هو أقوى منك، فالآية تريد السلام، لا تريد الإرهاب كما ~~يدعون. وقوله سبحانه: { وما ربك بظلم للعبيد } ~~[فصلت: 46] كلمة ظلام على وزن فعال، وهي صيغة مبالغة من ظالم مثل: ~~قاتل وقتال، والآية حينما تنفي صيغة المبالغة لا يقتضي ذلك نفي ~~الأصل وهو ظالم، فالوصف الأقل موجود، لأنك لو قلت في الإثبات فلان ~~علام دل ذلك على أنه عالم من باب أولى، لكن في النفي لو قلت: فلان ~~ليس بعلام، فلا يمنع أن يكون عالما. إذن: فهل يعني نفي المبالغة ~~ظلام إثبات ظالم - تعالى الله عن الظلم - قالوا: لا، لأن لفظ الآية { ~~وما ربك بظلم للعبيد } [فصلت: 46] ولم يقل للعبد، ~~فصيغة المبالغة جاءت من تكرار الفعل. يعني: ظلم عبدا واحدا يعني ظالم، ~~فإن ظلم الكل فلا بد أن عنده قوة كبيرة تحوله إلى ظلام. فنفي ~~ظلام بهذا المعنى نفي لظالم أيضا، ثم من يريد أن يظلم يظلم على ~~قدر قوته، فعلى فرض أن الحق سبحانه وتعالى يظلم فهو ظلام { وما ~~ربك بظلم للعبيد } [فصلت: 46]. الحق سبحانه وتعالى حين ~~ينفي صفة الظلم عن نفسه تعالى بعد قوله { من عمل صلحا ~~فلنفسه ومن أسآء فعليها } [فصلت: 46] كأنه يقول سبحانه: ~~أنا حكم عدل بينكم وبين أنفسكم، أجزي كل نفس بما عملت وبما سعت دون ~~ظلم، فأنا أحكم لكم وعليكم، فأنتم لستم خصوما لي. ### || [41.47] # قوله تعالى: إليه أي: إليه سبحانه وتعالى { يرد علم الساعة ~~} [فصلت: 47] الساعة هي القيامة وعلمها يعني وقتها، وهذه من الأمور ~~التي استأثر الله تعالى بعلمها، ولم يطلع عليها أحدا ms9010 من خلقه # لا يجليها لوقتهآ إلا هو ثقلت في السموت ~~والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك ~~حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون # [الأعراف: 187]. وفي إخفاء وقت الساعة حكم عظيمة، أهمها ألا يتكل ~~الناس وألا يتمادى أهل الباطل وأهل النزوات والشهوات في شهواتهم، بل ~~يستعد الجميع لها، ويبادر الجميع بالأعمال الصالحة لأن أحدا لا يضمن ~~ميعاد موته وخروجه من دنيا العمل إلى دار الحساب وقلنا: إنه من مات ~~قامت قيامته. لذلك قلنا: إن الموقوتات العبادية لها زمن من كذا إلى ~~كذا، فالظهر مثلا من استواء الشمس إلى ظل المثلين، والذي يصلي في كل هذه ~~المدة أدى الفرض، لكن يفضل المبادرة لماذا؟ لأنك لا تضمن عمرك إلى آخر ~~الوقت، فربما أتتك منيتك بعد لحظة من دخول الوقت فتكون قد أثمت. لذلك ~~لما سئل سيدنا رسول الله عن خير الأعمال قال: # " الصلاة لوقتها ". # وقال تعالى: # إن الصلوة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا # [النساء: 103] كذلك في الحج ترى الرجل موسرا وقادرا على تكاليف ~~الحج، لكنه لا يحج تسأله يقول لك: إن عشت لعام كذا وبعد كذا وكذا أحج، ~~سبحانه الله هل ضمنت عمرك أن تعيش إلى هذا الوقت؟ فالحق سبحانه لحكمة ~~أبهم وقت قيام الساعة، وأبهم وقت الموت، واستأثر سبحانه بعلمها، ~~والقيامة حق والموت حق وسهم أرسل إليك بالفعل، وعمرك بقدر ~~سفره ووصوله إليك. قالوا: وإبهام علم الساعة والأجل هو عين البيان، ~~فإشاعته في الوقت كله تجعلك مستعدا له تتوقعه وتنتظره في كل لحظة، لذلك ~~قال تعالى في سورة تبارك: # تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء ~~قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ~~أيكم أحسن عملا # [الملك: 1-2]. فقدم الموت في الخلق على الحياة مع أن الحياة كائنة ~~أولا، قدم الموت ليكون دائما في الذهن وعلى البال، قدم الموت ~~لتستقبل الحياة على حذر ولا تغتر بها، تستقبل الحياة بمصاحبة نقيضها ~~الموت، لتنتظره في أي لحظة. ومن رحمة الله بعباده أن جعل للقيامة ~~علامات يستدل بها على ms9011 قربها، علامات صغرى وعلامات كبرى ليخوف ~~الناس، ويوقظهم من غفلتهم عن الآخرة. وقوله { وما تخرج من ~~ثمرات من أكمامها } [فصلت: 47] الأكمام: جمع كم. وهو ~~القشرة الخضراء التي تغلف الثمرة، ثم تنفلق قليلا قليلا لتخرج الثمرة ~~منها، كما ترى مثلا الوردة قبل أن تتفتح تجدها داخل غلاف أخضر مغلق ~~عليها كأنها مغمضة، ثم تتفتح وتخرج من هذا الغلاف. # { وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } ~~[فصلت: 47] هذه كلها من الأمور التي تغيب عن علم الناس لكنها لا تغيب عن ~~علم الله، كلمة { وما تحمل من أنثى } [فصلت: 47] الحمل ~~معروف، وهو التقاء البويضة الأنثوية بالحيوان المنوي للذكر، ومن هذا ~~الالتقاء يحدث الحمل، وهو هبة من الله على أية حال. قال الحق سبحانه ~~وتعالى: # يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور # [الشورى: 49]. فكأن العقم نفسه هبة لمن تدبر وبحث عن الحكمة، حين ~~تنظر إلى الولد الذي قتل أباه أو قتل أمه، والولد الذي جلب العار لأهله ~~حتى تمنوا أن الموت يريحهم منه، حين تنظر في عقوق الأبناء تعرف أن ~~العقم نعمة وهبة من الله تستوجب الشكر كما تستوجبه نعمة الولد. ثم ~~تجد السياق القرآني يقدم الأنثى، لأنها كانت مكروهة عند العرب قديما ~~وغير مرغوب فيها لذلك جعل الله منزلة خاصة لمن يربي البنات ويحسن إليهن، ~~ولمن يحترم قدر الله في إنجاب البنات، وكأن هاتفا من الله يناديه: عبدي ~~ما دمت قد قبلت هبتي ونعمتي، وعزتي وجلالي لآتينك لكل بنت منهن ~~بزوج يحقق لك آمالك فيها، ويكون أبر لك من أبنائك. وفي مسألة الإنجاب ~~هذه رأينا عجائب تؤكد قدرة الله تعالى وطلاقة هذه القدرة، رأينا زوجين ~~لم يرزقا الإنجاب فافترقا، ثم تزوج الرجل بأخرى فأنجب منها وتزوجت ~~المرأة بآخر وأنجبت منه، فكأن الإنجاب كان ممتنعا بين هذين بالذات. ثم ~~حين تتأمل القسمة العقلية لمسألة الخلق هذه، تجد أن قدرة الله تعالى قد ~~استوعبتها بصورها الأربعة، فالإنجاب الطبيعي يأتي من ذكر وأنثى، لكن ~~قدرة الله جاءت بآدم بلا زوج ولا زوجة، وجاءت بحواء ms9012 من أب بلا أم، ~~وجاءت بعيسى من أم بلا أب، وقد يتوفر الأب والأم ولا يحدث الإنجاب، هذه ~~كلها صور تؤكد طلاقة القدرة الإلهية في مسألة الخلق. وقوله تعالى: { ~~ويوم يناديهم أين شركآئي } [فصلت: 47] هو سبحانه الذي ~~يقول شركآئي أي: في زعمكم، لأنه قال في موضع آخر # الذين كنتم تزعمون # [الأنعام: 22] فأجابوا - والكلام هنا يحكي موقفا من مواقف القيامة { ~~قالوا آذناك } [فصلت: 47] يعني: أخبرناك وأعلمناك، والأذن هي ~~وسيلة السمع، وإليها يصل الكلام، ويحصل العلم فكأن الأذن هي أول وسائل ~~العلم. لذلك قال تعالى عن الأرض: # وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 2] يعني: استمتعت للأوامر، { قالوا آذناك } [فصلت: ~~47] أخبرناك { ما منا من شهيد } [فصلت: 47] لا أحد منا يشهد أن ~~لك شركاء، فالحق سبحانه قال { شركآئي } ولم ينف الشركاء لينفوهم ~~هم. فبعد فوات الأوان يقرون بأن الله تعالى ليس له شريك، وكأن كلمة ~~الشريك هذه لم ترد يوما على لسان واحد منهم. ### || [41.48] # معنى { وضل عنهم } غاب وانصرف عنهم فهو غير موجود معهم { ما ~~كانوا يدعون من قبل } [فصلت: 48] من أوليائهم الذين أشركوهم ~~مع الله { وظنوا } هنا بمعنى أيقنوا وتأكدوا { ما لهم من ~~محيص } [فصلت: 48] ما لهم من مفر ولا مهرب ينجيهم من العذاب، فهو ~~ينظر هنا وهناك، فلا يجد ملجئا ولا منجى، فالمصيبة طامة لا نجاة ~~منها لذلك حتى نحن في العامية نقول: فلان حايس يعني: حائر لا يجد مكانا ~~يهرب إليه. ### || [41.49] # قوله تعالى: { لا يسأم } لا يمل { الإنسان } المراد الكافر { ~~من دعآء الخير } من طلب الخير لنفسه، الخير في ماله في أولاده، ~~في صحته وعافيته، ترى الرجل يقول: يا رب شقة أسكن فيها، فإن أعطاه الله ~~الشقة قال: يا رب فيلا صغيرة فإن أعطاه الله قال: يا رب عمارة تصرف على ~~الفيلا. فالإنسان جبل على حب الخير وعلى الطمع ولا يملأ عين ابن آدم ~~إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وقليل من الناس من يأخذ الأمور على ~~قدرها. سيدنا داود عليه وعلى نبينا السلام أعطاه الله من الخيرات الكثير ~~ومع ms9013 ذلك جلس في يوم من الأيام على سطح بيته فوجد سربا من جراد من ذهب ~~فثنى ثوبه وأخذ يجمع فيه الجراد، فتجلى الله له وقال: يا داود ألم ~~أغنك؟ قال: بلى يا رب لكن لا غنى لي عن فضلك. فإذا كان هذا حال نبي ~~الله داود، فما بال المؤمن العادي؟ وما بال غير المؤمنين، أمثال من ~~نزلت فيهم هذه الآية، ومن قال الله فيه # ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي ~~لأجدن خيرا منها منقلبا # [الكهف: 36] أو: # إن لي عنده للحسنى # [فصلت: 50]. إذن: فالإنسان هنا يعني الكافر، لأن الحق سبحانه أراد ~~للمؤمن أن يكون قنوعا، هذه القناعة التي علمنا إياها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين قال للصحابي الجليل عمه العباس بن عبد المطلب: # " قليل يكفيك خير من كثير يطغيك ". # وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: # " " نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع " وقال: " فثلث ~~لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه ". # وفي الحديث القدسي: # " من رضي بقدري أعطيته على قدري ". # الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمنا هنا طرق الوقاية من أمراض كثيرة، ~~ويعطينا الحلول الشافية لاقتصاديات الشعوب، قديما كان الأطباء لا ~~يرون علاقة بين ضيق التنفس والمعدة، يقولون: التنفس في الرئتين، ~~والطعام في المعدة، والآن تأكدوا أن العلاقة بينهما وطيدة، فإذا امتلأت ~~المعدة بالطعام ضغطت على الحجاب الحاجز وضيقت على الرئة وأرهقت ~~القلب. لذلك وجدوا تصحيح هذه المعلومة في حديث سيدنا رسول الله الذي ~~يعلمنا فيه كيفية الجمع بين مقومات الحياة المختلفة من طعام وماء ~~وهواء، وألا يكون المؤمن نهما " ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ~~". قلنا: إنك إذا عدت من عملك جائعا لا تنتظر الطعام حتى ينضج وربما ~~تجد أمامك بقايا طعام سابق، كسرة خبز وعود جرجير وجبنة، فتأكل وتجد ~~لهذا الطعام البسيط طعما ولذة، لماذا؟ لأنك أكلت وأنت جائع، والجوع ~~يجعلك تقبل أي شيء وتستسيغه. # لذلك قال الرجل العربي صاحب الفطرة السليمة: نعم الإدام الجوع، وقال: ~~طعام الجائع هنئ، وفراش ms9014 المتعب وطيء يعني مريح، نعم تجد المتعب ينام ~~ملء عينيه، ولو نام على الحصى والحصير، وغير المتعب يتقلب في فراشه ~~مؤرقا، حتى لو نام على الحرير. إذن: نقول تأملوا الإسلام، ففيه حل ~~لمشكلاتنا الاقتصادية وأزماتنا المتتالية. الإسلام يعلمني أن أقنع ~~بما في يدي، وألا أتطلع إلى ما هو فوق إمكاناتي، لأن الذي ينظر إلى ما ~~هو فوق إمكاناته، كالذي يشرب من ماء البحر، كلما شرب ازداد عطشا. ثم ~~يكمل الحق سبحانه الصورة: { وإن مسه الشر فيئوس قنوط } ~~[فصلت: 49] إن أصابه الشر فيئوس هذه صيغة مبالغة من اليأس والعياذ ~~بالله، واليائس هو من انقطع أمله ورجاؤه، واليأس صفة الوجدان، أما ~~قنوط فهي أيضا صيغة مبالغة من قانط، وهذه صفة الأبدان، قالوا: لأن ~~القنوط أثر اليأس الذي يظهر على الأبدان وعلى الوجه خاصة، فتراه مغبرا ~~مكشرا مقشعرا والعياذ بالله من حال هؤلاء، أما المؤمن فتعلو وجهه سيما ~~الصلاح ونور الإيمان تجده هاشا باشا منشرح الصدر مبتسما مستبشرا. ~~ثم يقول الحق سبحانه: { ولئن أذقناه رحمة منا... }. ### || [41.50] # قوله: { ليقولن هذا لي } [فصلت: 50] هذا من حقي، أستحقه ~~بعملي ومجهودي، يعني: ينكر أن هذا من الله، وهذا القول قاله قارون # قال إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص: 78] فرد الله عليه: ما دمت قد أوتيته على علم عندك فاحفظه ~~بعلم عندك # فخسفنا به وبداره الأرض # [القصص: 81]. وصدق الله حين قال: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. ثم يتمادى في غروره فيقول { ولئن رجعت إلى ~~ربي } [فصلت: 50] يعني في الآخرة. والمعنى: على فرض أن هناك بعثا ~~وحسابا { إن لي عنده للحسنى } [فصلت: 50] الجزاء الأحسن، ~~فكما أعطاني في الدنيا سيعطيني أحسن منه في الآخرة. { فلننبئن ~~الذين كفروا بما عملوا } [فصلت: 50] إذن: تنبيه المسيء إلى ~~إساءته وتعريفه إياها أول مراحل العذاب، نقول له: عملت كذا وكذا ونحصي ~~عليه سيئاته تمهيدا لمحاسبته عليها، وهو يعلم أنه لا رجعة ليصلح ما ~~بينه وبين ربه. لذلك حكى القرآن عنهم # قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت # [المؤمنون: 99-100] ms9015 فرد الله عليه # كلا إنها كلمة هو قآئلها ومن ورآئهم برزخ ~~إلى يوم يبعثون # [المؤمنون: 100]. وقال: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28]. وقوله { ولنذيقنهم من عذاب غليظ } ~~[فصلت: 50] عذاب شديد، والعذاب يوصف بأوصاف كثيرة، فمرة يقول # عذاب أليم # [الملك: 28] يؤلم و # عذاب مهين # [المجادلة: 16] فيه إهانة وإذلال، فمن المعذبين من يناسبه ويناسب ~~جريمته ويناسب طبيعته العذاب المؤلم، ومنهم من يؤثر فيه العذاب المهين ~~الذي يكسر عنفوان كبريائه، حتى وإن لم يكن مؤلما. ### || [41.51] # قوله تعالى: { أعرض ونأى بجانبه } [فصلت: 51] يعني: انصرف ~~عن المنعم سبحانه، لأنه أخذ حاجته ونال بغيته، وهذه الصفة كثيرا ما ~~نجدها في البشر، فالرجل يلجأ إليك في قضية من القضايا أو مشكلة من ~~المشكلات ويقف ببابك صباحا ومساء، فإذا قضيت حاجته ربما ينسى حتى أن ~~يقول لك شكرا. ولقد أجاد الشاعر الذي صور لنا هذه المسألة، فقال: # يسير ذوو الحاجات خلفك خشعا # فإن أدركوها خلفوك وهرولوا # وأفضلهم من إن ذكرت بسيىء # توقف لا ينفي ولا يتقول # فلا تدع المعروف مهما تنكروا # فإن ثواب الله أرضى وأجزل # وتذكر دائما أن الذين ينكرون يدك عليهم هم أربح الناس لك، لأن الذي ~~سيتولى الرد على جميلك هو الله عز وجل، وعطاء الله على قدر الله، ~~وعطاء الناس على قدر الناس. لذلك رأينا سيدنا نوحا عليه السلام يقول ~~لقومه: # يقوم لا أسألكم عليه أجرا # [هود: 51] المعنى: أن العمل الذي أقوم به كان ينبغي أن تعطوني عليه ~~أجرا، إنما أنا لا أريد أجري منكم، بل من ربي، فهو القادر على أن يعطيني ~~الجزاء، ويقدر علمي. ونلحظ في سياق هذه الآية التدرج في عملية الإعراض ~~{ أعرض } يعني: انصرف بوجهه، ثم { ونأى بجانبه } يعني استدار ~~بظهره، إذن: أعرض بوجهه ثم بجنبه ثم بظهره، وهذا الترتيب تجده نفسه في ~~قوله تعالى: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى ~~عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم ~~فذوقوا ما كنتم تكنزون # [التوبة: 34-35]. ms9016 قالوا: نزلت فيمن رد السائل المحتاج فأعرض عنه ~~أولا بوجهه، ثم بجنبه، ثم بظهره، فكأن الجزاء من جنس العمل، وبقدر الكنز ~~يكون الكي، والعياذ بالله. وقوله تعالى: { وإذا مسه الشر ~~فذو دعآء عريض } [فصلت: 51] مسه مجرد مس { فذو دعآء } ~~[فصلت: 51] يعني هو صاحب دعاء { عريض } مستمر ونلحظ أنه لم يقل دعاء ~~طويل، الشيء له طول وله عرض، والطول أكبر من العرض، لكن القرآن يستخدم ~~العرض للدلالة على كبر الشيء كما في قوله تعالى في وصف الجنة: # عرضها السموت والأرض # [آل عمران: 133] فإذا كان عرضها السماوات والأرض وهي أوسع ما نراه، ~~فما بالك بطولها؟ ### || [41.52] # قوله تعالى { قل } أي: قل لهم يا محمد { أرأيتم } أخبروني، ~~واحكموا أنتم { إن كان من عند الله ثم كفرتم به } ~~[فصلت: 52] أي: كفرتم بالمنعم { من أضل ممن هو في شقاق ~~بعيد } [فصلت: 52] يعني: لا أحد أضل ممن زرع الشقاق والخلاف بين ~~النعمة والمنعم، فأخذ النعمة وكفر بالمنعم، فمن هنا استفهامية أفادت ~~التعجب والإنكار، فالنعمة تقتضي شكر المنعم وحمده. والحق سبحانه في آيات ~~أخرى يعرض علينا نعمه عرضا كريما رحيما، ويمتن علينا بها فيقول: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] كلمة { إن } أفادت الشك لأن الإنسان لا يقبل على عد ~~شيء إلا إذا كان مظنة العد والإحصاء والحصر، فعلى فرض إن حدث وأقبلتم ~~على عد نعمة الله فلن تحصوها، وسماها نعمة بالإفراد ولم يقل نعم ~~لأنك حين تتأمل النعمة الواحدة تجد في طياتها نعما كثيرة. وهذه الآية ~~وردت في موضعين، لكن تذييل كل منهما مختلف عن الأخرى فواحدة: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان ~~لظلوم كفار # [إبراهيم: 34] والأخرى: # وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله ~~لغفور رحيم # [النحل: 18]. لأن عناصر الإنعام ثلاثة: نعمة ومنعم ومنعم عليه، فمن ~~ناحية النعمة فهي كثيرة لا تعد ولا تحصى، ومن ناحية المنعم فهو ~~سبحانه غفور رحيم، ومن ناحية المنعم عليه فظلوم كفار. فكأن ربك عز وجل ~~يقول لك: يا عبدي لا تيأس من رحمتي، ولا تزهد في ms9017 دعائي مهما كنت ظلوما ~~كفارا، لأن ربك غفور رحيم. ### || [41.53] # قلنا: إن السين في { سنريهم } تفيد الاستقبال، لذلك ستظل هذه ~~الكلمة لها موضع إلى يوم القيامة ستظل صادقة في كل زمان { آياتنا } ~~أي: الآيات الكونية الدالة على قدرة الله وبديع صنعه { في الآفاق } ~~جمع أفق وهو متسع امتداد نظرك إلى أن تنطبق السماء على الأرض. والآفاق ~~هنا تعني السماء والأرض، ومنه قولنا فلان أفقه واسع إذا كان بعيد النظر ~~في المسائل المعنوية، وبقدر ما تتسع البصائر تتسع الرؤية. قوله تعالى: { ~~سنريهم } يعني: في المستقبل هل تعني أن الله تعالى لم يرهم آياته ~~من الماضي؟ لا بل أراهم آيات كثيرة، لكنهم غفلوا عنها وأغمضوا أعينهم ~~عنها، غفلوا عن قوله تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. إذن: هذه سنة الله في عباده المرسلين، وهذا وعد من ~~الله بنصرتهم وغلبهم، والحق سبحانه لا شريك له ولا مناوئ يخالف هذا ~~الوعد. وقد علمتنا هذه الآية أصول الجندية، وأن للنصر شروطا فمن ~~توفرت فيه شروط الجندية استحق النصرة، ومن خالف شروط الجندية فلا بد ~~أن تتحقق فيه سنة الله لذلك قلنا: إذا رأيت المسلمين قد خسروا معركة ما ~~فاعلم أنهم خالفوا هذه الشروط، وساعة يهزمون لا يقال هزم الإسلام لا، ~~إنما هزم المسلمون الذين خالفوا أمر القائد وخالفوا شروط النصر، لابد ~~أن تكون الهزيمة لتعلمهم وتربيهم على الطاعة لأمر القائد، لأنهم لو ~~انتصروا مع المخالفة للجندية لهان عليهم أمر القائد بعد ذلك. هذا الدرس ~~تعلمناه في أحد يوم خالف الرماة رسول الله بالبقاء في أماكنهم العالية ~~مهما كانت نتيجة المعركة، لكنهم نظروا إلى متاع الدنيا الزائل وأغرتهم ~~الغنائم لما رأوا بشائر النصر، فنزلوا وتركوا أماكنهم، فما كان من خالد ~~بن الوليد إلا أن التف وطوق جيش المسلمين من الخلف وحدثت الهزيمة أو ~~على الأقل لم يكتمل الانتصار، فهل يجوز إذن أن نقول هزم الإسلام؟ إذن: ~~ينبغي أن نصحح فهمنا لهذه المسألة، فقد يهزم جيش المسلمين وفيه ms9018 ~~رسول الله لأنه لم يأخذ بأسباب النصر، وحينها لا نقول هزم الإسلام، بل ~~خالف المسلمون فاستحقوا الهزيمة، ابحثوا إذن في أسباب الهزيمة وفي أسباب ~~التخلف، فتشوا عن عيوبكم وعن مخالفتكم لمنهج الله فهي السبب، والتاريخ ~~شاهد بذلك. فيوم حنين قالوا: لن نهزم اليوم من قلة، ومن قالها؟ قالها ~~أبو بكر نفسه لما رأى المسلمين يبلغ العشرة آلاف مقاتل، فلما داخلهم شيء ~~من الغرور بالعدد أدبهم الله وأعطاهم درسا، فهزموا أول الأمر، لكن ~~أدركتهم رحمة ربهم فأعاد إليهم معنوياتهم وكتب لهم النصر في النهاية. # ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم ~~وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على ~~رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها ~~وعذب الذين كفروا وذلك جزآء الكافرين # [التوبة: 25-26]. فمقدمات الهزيمة التي رآها المسلمون في هذه الحرب كانت ~~نوعا من التربية ليست كرها من الله لعباده على حد قول الشاعر: # فقسا ليزدجروا ومن يك حازما # فليقس أحيانا على من يرحم # إذن: نقول إن وعد الله بالنصر لا يتخلف، وإنما تخلف المسلمون عن أن ~~يكونوا أهلا لتحقيق الوعد، وأن يكونوا على مستوى النصر الذي وعدهم الله ~~به. لكن لماذا يعاند المشركون كل هذا العناد ويغمضون أعينهم عن آيات ~~الله وهي واضحات؟ يعاندون لأنهم سادة ولهم سلطة زمنية، وجاء الإسلام ~~ليسلبهم هذه السيادة وينهي هذه السلطة الزمنية ويجعل الناس سواسية ~~كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى. ~~فسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي كلهم في الإسلام سادة وفي ~~الصفوف الأولى، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سلمان منا أهل البيت ". # فالنسب للإسلام والقرابة لدين الله، ففي الوقت الذي جعل فيه سلمان ~~واحدا من أهل البيت كان أبو لهب كافرا مطرودا من رحمة الله!! وقد ~~تعلمنا هذا الدرس من قصة سيدنا نوح مع ابنه، وكم كان نوح عليه السلام ~~حريصا على نجاة هذا الابن، وكم دعا الله له، لكن الحق سبحانه يعلمه هذا ~~الدرس ms9019 # قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير ~~صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك ~~أن تكون من الجاهلين # [هود: 46]. فالبنوة هنا والأهلية ليست للنسب والدم، إنما للدين وللمنهج ~~وللعقيدة، بنوة عمل صالح واتباع. فالجماعة الذين صادموا الإسلام وحاربوه ~~كانوا يدافعون عن سيادتهم ومكانتهم في الجزيرة العربية لذلك تكتلوا ~~واتحدوا ضد رسول الله ومن اتبعه من المؤمنين، ورأينا ذلك في الحصار ~~الذي ضربوه على رسول الله في الشعب، وكيف أنهم أغلقوا عليهم كل ~~المنافذ، وقطعوا دونهم كل سبل العيش حتى اضطروا لأكل الميتة وورق ~~الشجر. ثم حاولوا أن يقتلوا رسول الله أكثر من مرة، وآذوه أشد الإيذاء في ~~نفسه وفي أهله وفي صحابته، لكن هيهات لهم أن ينالوا من رسول الله، وهو ~~بعين الله وفي حفظه وكلاءته، وكأن الحق سبحانه أراد أن يقول لهم: إياكم ~~أن تفهموا أن محاولاتكم هذه ستعوق أمر الدعوة في الجزيرة العربية، إن ~~أمر الدعوة سينتشر لا في الجزيرة وحدها، إنما في كل آفاق الدنيا { ~~سنريهم آياتنا في الآفاق } [فصلت: 53]. وكانت دعوة الإسلام ~~مؤهلة لهذا الانتشار من عدة جوانب. أهمها: أن العرب أمة حروب وقتال ~~بطبيعتها لا تحتاج إلى تدريب، لذلك لما أراد رسول الله أن يحارب لم ينشئ ~~كلية حربية ولا درب أحدا على فنون القتال، بل وجد قوما جاهزين ~~للقتال، خبراء بفنونه وأساليبه، كان الواحد منهم كلما سمع هيعة طار ~~إليها، ذلك لأن القبائل العربية كما تعلمون كانوا في قتال مستمر، ومن ~~الحروب بينهم ما استمر أربعين سنة. # ثانيا: كان العرب أهل ترحال وتنقل، لا يعرفون التوطن ولا الاستقرار، ~~فبيت العربي على ظهر جملة يضربه أينما حل وحيثما وجد الماء والكلأ، ~~فعدم تعلق العربي بموطن جعله مستعدا لأن يسيح بالإسلام في كل آفاق ~~الدنيا وكل أرجاء العالم. ولم تكن مصادفة أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم أميا في أمة أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة، ولم يكن لها ~~ثقافة ولا حضارة. وهذه الصفات كلها وإن كانت عيوبا في الأمم ms9020 الأخرى إلا ~~أنها في أمة الإسلام وفي نبي الإسلام شرف وميزة، ولو كان العرب أمة ~~علوم وثقافة وأمة حضارة ورقي لقالوا عن الإسلام قفزة حضارية. هذه أمور ~~ثلاثة مهدت لنصرة الإسلام ولانتشاره في كل آفاق الأرض، وكأن الله تعالى ~~يقول للكافرين ولمن صادم دين الله وعاند رسوله وغفل عن قوله تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173] سنريهم آيات أخرى لن تغفلوا عنها في نصرة الإسلام ~~وسياحته في آفاق الأرض شرقا وغربا. لذلك يأتي لنا بصورة تضحكنا عليهم ~~وتغيظهم، حيث يقول سبحانه: # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا ~~والآخرة فليمدد بسبب إلى السمآء ثم ليقطع ~~فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ # [الحج: 15]. يعني: يربط نفسه بحبل إلى السماء، ثم يقطع هذا الحبل لينزل ~~مثل المشنوق، ثم ينظر هل يذهب غيظه أم لا، والمعنى أنه سينتهي ويموت ~~وغيظه لن ينتهي. وانظر إلى الإسلام في بداية أمره كيف بدأ وقام بالضعفاء ~~والعبيد، تلاهم الكبار والسادة، ولما ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ليدعو أهل الطائف فلاقى منهم ما لاقى من الإيذاء والاستهزاء، ولم يجد ~~أحدا يحميه أو ينزل بجواره إلا المطعم بن عدي وهو كافر، لكن سخره الله ~~تعالى لحماية رسوله # وما يعلم جنود ربك إلا هو # [المدثر: 31] كذلك في رحلة الهجرة اتخذ عبد الله بن أريقط دليلا على ~~الطريق، وكان أيضا كافرا. ثم يقول لهم: انظروا إلى أرض الإسلام وأرض ~~الكفر، فالإسلام بدأ وانطلق من أم القرى وما حولها، وهو الآن يغزو الأرض ~~كلها من المشرق إلى المغرب، فأرض الإسلام تزداد اتساعا، وأرض الكفر ~~تزداد تناقصا: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه # [الرعد: 41] أو لم يأخذوا من ذلك عبرة # والله يحكم لا معقب لحكمه # [الرعد: 41]. فهل بعد ذلك شك في نصرة الله لدينه؟ ألم تغز هذه الأمة ~~الأمية أعظم حضارتين على وجه الأرض آنذاك، هما حضارة فارس في الشرق، ~~وحضارة الروم في الغرب، ms9021 وفي وقت واحد وزمن متقارب، حتى أن هؤلاء كان ~~عندهم طرق للحرب وفنون لا يعرفها العرب ولا يجيدونها، ومع ذلك انتصروا ~~عليهم. # رووا أنهم كانوا يستخدمون الأفيال في الحروب، ولم يكن العرب يعرفون ~~شيئا عنها، لكن ألهم الله تعالى سيدنا سعد بن أبي وقاص إلى حيلة يتغلب ~~بها على الفيل، واهتدى إلى أن خرطوم الفيل نقطة ضعف فيه، فصنع لذلك ~~سيوفا خاصة يضرب بها خراطيم الأفيال فتسقط. ثم يدخل الإسلام هذه البلاد ~~شرقا وغربا في نصف قرن من الزمان، ويجد له أن هناك أنصارا ومحبين، ~~منهم من دخل الإسلام طواعية اقتناعا، ومنهم من وجد في الإسلام ضالته ~~حيث عدالة الإسلام وسماحته في مقابل جور الحكام هناك وكثرة المظالم ~~والفساد. هذه كلها آيات نفهمها من قوله تعالى: { سنريهم آياتنا ~~في الآفاق } [فصلت: 53] فالفتح الإسلامي الذي عم العالم كله آية من ~~الآيات، هذا الانتشار الواسع للإسلام لم تستطيعوا أن تصدوه، لأن الله وعد ~~به عباده المؤمنين ووعد به رسله، والحق سبحانه لما وعد الرسل بالنصرة لم ~~يعدهم سرا إنما في قرآن يتلى إلى يوم القيامة ويجهر به، قرآن تكفل ~~الله بحفظه وصيانته، والعادة أنك تحفظ ما لك لا ما عليك، أما الحق سبحانه ~~فيحفظ وعده الذي تكفل به لأنه واثق أنه واقع لا محالة. ومن المعاني التي ~~نفهمها من الاستقبال في { سنريهم آياتنا في الآفاق } [فصلت: ~~53] أن المسلمين كانوا في بداية الأمر مضطهدين غير مأمورين بقتال، وربما ~~مات بعضهم قبل أن يتحقق وعد الله بالنصر، فلما قرأوا: { سنريهم ~~آياتنا في الآفاق } [فصلت: 53] علموا أن النصر قادم حتى ولو ماتوا ~~قبل أن يروا فرحته. وتعلمون أن الله لم يأمر المسلمين بالقتال إلا بعد ~~أن تمكن الإيمان من نفوسهم، واستقرت العقيدة في قلوبهم، حتى أن بعضهم ~~يقول لسيدنا رسول الله: يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة إلا أن ~~أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ فيقول له رسول الله: بلى فيلقى الرجل تمرة كان ~~يمضغها ويبادر بنفسه إلى ساحة القتال، ويعجل المسير إلى الشهادة لما ~~استقر في ms9022 نفسه من عقيدة علمته أنه ذاهب إلى أفضل مما هو فيه ومقبل ~~على جنة عرضها السماوات والأرض. وسوف تظل هذه السين الاستقبالية { ~~سنريهم } باقية تمدنا بعطاء لا ينتهي حتى قيام الساعة التي ستكون هي ~~الآية الكبرى سنريهم آيات في كل زمان، آيات في صالح هذا الدين ونصرة ~~أهله في كل الآفاق. وقوله تعالى: { وفي أنفسهم } [فصلت: 53] ~~يعني: آيات في الأنفس، في الأشخاص، في لحمك ودمك وروحك، في أعضائك ~~وأجزائك، في كل شيء فيك آية لو تدبرت. الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان من ~~طين، وأخبرنا بكيفية الخلق ومراحله، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن ~~عالما من علماء التشريح ولا يعرف علم الأجنة إنما علمه ربه الأعلى، ~~وجاء العلم الحديث ليثبت صدق ما أخبر به في مسألة خلق الإنسان من طين، ~~وأن نسله من سلالة من ماء مهين، وأنه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ~~عظاما، ثم كسى العظام لحما. # وها هو العلم يكشف لنا كل يوم عن جديد في أنفسنا وعن عجائب لم نكن ~~نعرفها في أنفسنا من قبل، إنك حين تقرأ آخر ما توصلت إليه العلوم في جسم ~~الإنسان تعلم أنك في ذاتك عالم عجيب وبناء محكم دقيق، وصدق القائل: # وتحسب أنك جرم صغير # وفيك انطوى العالم الأكبر # وسبق أن تحدثنا عن بعض عجائب الخلق وقلنا مثلا: أن حرارة الجسم ~~العادية 37 تجدها حرارة من يعيش عند خط الاستواء، وحرارة من يعيش ~~عند القطبين، ومع ذلك لا يحدث استطراق حراري داخل الجسم، فتجد كل عضو من ~~الأعضاء يحتفظ لنفسه بالحرارة التي تناسبه، فالكبد درجة حرارته 40 ~~والعين لا تزيد عن 9 ، وهما في جسم واحد، ولا يحدث بينهما استطراق ~~حراري. تأمل الدم سائل الحياة في الجسم كله وكيف يحتفظ لنفسه بدرجة من ~~السيولة لو زاد عنها يحدث نزيف، ولو قلت تحدث جلطة وشلل والعياذ ~~بالله. تأمل الكليتين وما فيهما من أسرار وقدرة وإبداع، فالكلية لو حدث ~~لها فشل عن أداء وظيفتها تقوم الأخرى بمهمتها، ويكفي الجسم أن يعيش ms9023 بكلية ~~واحدة لو فقدت الأخرى، لذلك قلنا بتحريم نقل الكلية من شخص لآخر لأن ~~الخالق سبحانه جعل لنا كليتين، كل كلية منهما فيها مليون خلية مستعدة ~~للعمل لا يعمل منها سوى مائة ألف فقط، فإن توقفت هذه المائة تبعتها ~~المائة الثانية وهكذا. فكيف إذن يحدث الفشل الكلوي؟ قالوا: يحدث من أن ~~المائة ألف أدت مهمتها ثم توقفت ولم تنتبه المائة ألف الثانية لكي ~~تقوم بمهمتها، فحين نأخذ من شخص كليته ونعطيها لشخص آخر نقول: هذا إجرام ~~وانتحار، لأن الكلية الباقية لو توقفت لا بد أن يموت الإنسان. ومن ~~العجائب وآيات الخلق سبحانه في الإنسان آية الجلد وما فيه من أسرار، ~~فهمناها من قوله تعالى في الحديث عن عذاب الكافرين: # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب # [النساء: 56]. تعلمنا من هذه الآية أن الجلد هو موضع الإحساس، فلو حرق ~~لا يحدث الإحساس لذلك الحق سبحانه يجدد لهم جلودهم ليذوقوا العذاب ~~وليستمر الإيلام، والعالم لا يعرف هذه المسألة إلا بعد الحرب العالمية، ~~فقد توصل الألمان إلى أن الجلد هو آلة الإحساس في الجسم، بدليل أنك حين ~~تأخذ مثلا حقنة لا تؤلمك إلا بمقدار نفاذ الإبرة من طبقة الجلد بعدها لا ~~تشعر بالألم، فالقرآن سبق العالم كله إلى هذه الآية. ومن آيات الله في ~~الأنفس أنك تجد بداخل الجسم صيدلية طبيعية تعالج ما يحدث في الجسم من ~~خلل، هذه الصيدلية أخذناها من قوله تعالى: # من مضغة مخلقة وغير مخلقة # [الحج: 5] فالمخلقة: هي التي تكون منها الجسم بأعضائه وجوارحه ~~المشاهدة، وغير المخلقة الموجودة داخل الجسم كاحتياط له تكمل ما نقص منه ~~وتعالج ما مرض فيه، لذلك رأينا أحدث علاج للجروح والدمامل مثلا أن ~~تتركها لمقاومة الجسم الطبيعية حيث تلتئم دون تدخل بمواد كيماوية تضر ~~وتترك أثرا في الجلد. تأمل أي عضو من أعضائك، وأي جهاز من أجهزة ~~جسمك، تأمل كيفية بناء هذا الإنسان على هذه الهيئة المعتدلة المستقيمة، ~~وكيف يسير معتدلا مرتفع الهامة، تأمل كف يدك وما فيه من أصابع وما فيه ~~من ms9024 تناسق وتناسب وانسيابية. انظر إلى جهازك الهضمي أو التنفسي، انظر إلى ~~قلب هذه العضلة لتي لا تزيد عن قبضة اليد الواحدة، كيف أنها تعمل دون ~~توقف منذ الميلاد وحتى الوفاة، كلها آيات وعجائب وأسرار دالة على قدرة ~~الخالق وبديع صنعته سبحانه في الأنفس. ويظل عطاء هذه الكلمة { ~~سنريهم } ممتدا في الزمان كله وكل يوم نشاهد جديدا وآية وعجيبة من ~~عجائب الخلق في الآفاق وفي الأنفس، ولما تستقرئ القرآن تجده قد استوعب في ~~هذه المسألة الماضي والحاضر والمستقبل، فقال: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها.. # [الرعد: 41] وقال في المستقبل { سنريهم آياتنا في الآفاق ~~وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } ~~[فصلت: 53]. باقي في الاستقبال سوف وهي للمستقبل البعيد، قالوا: هي لأمور ~~الآخرة كما في قوله تعالى: # فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل ~~عليه عذاب مقيم # [هود: 39]. وفرق بين استقبال الفعل من الله تعالى واستقباله من البشر، ~~نحن نقول: ماضي ومضارع ومستقبل. أما بالنسبة للحق سبحانه فيستوي عنده ~~الزمن كله، اقرأ قوله تعالى: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه # [النحل: 1] والمراد هنا القيامة. لذلك وقف المستشرقون عند هذه الآية ~~يتهمون القرآن بالتناقض { أتى } تدل على الماضي و { فلا ~~تستعجلوه } تدل على المستقبل، لكن يجب أن نعلم أن المتكلم هنا هو ~~الله عز وجل الذي يملك الزمن كله، فحين يقول أتى يقولها برصيد قدرته ~~ووحدانيته، حيث لا يوجد له معارض يمنع حدوث الفعل، فالقيامة لأنها حق ~~واقع لا محالة عبر عنه بالماضي كأنه أتى بالفعل. قوله تعالى: { ~~سنريهم } دلت على أن هذه الآيات موزعة على الزمن، بحيث يجد كل ~~جيل في القرآن عطاء جديدا، فنحن الآن نعرف من آيات الله في الكون وفي ~~الأنفس ما لم يكن يعرفها أحد على زمن رسول الله مع أنها موجودة وأخبر ~~الله بها في القرآن. سألت مرة بعض إخواننا المختصين بالنواحي الاقتصادية ~~في العالم قلت لهم: متى عرف الإنسان الأسانسير؟ قالوا: سنة كذا يعني ~~في القرن العشرين، قلت: فاقرأوا قوله تعالى: # ولولا أن يكون الناس ms9025 أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون # [الزخرف: 33] والمعارج أي: ما نعرفه الآن ب الأسانسير. كذلك البواخر ~~والسفن العملاقة المكونة من طوابق، والتي تظهر في البحار وكأنها مدينة ~~متحركة لم تكن بهذه الصورة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر ~~الله بها في سورة الرحمن: # وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام # [الرحمن: 24] إذن: الحق سبحانه خلق وعلم ما سيحدث لخلقه في المستقبل. ~~فإن قلت: فلماذا لم تظهر هذه الآيات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفي زمن صحابته؟ قالوا: لو ظهرت هذه الآيات الكونية معاصرة لزمن النبي ~~وصحابته لأفرغ القرآن معجزاته وآياته في قرن واحد، واستقبلت القرون ~~التالية القرآن بدون عطاء جديد، وبدون آيات تبهرهم وتدلهم على قدرة ~~الخالق سبحانه. فالله تعالى أراد أن يظل استقبال الأجيال للقرآن ~~استقبالا جديدا، بحيث يكون لكل جيل نصيب من عطاء القرآن ليثبت لنا أن ~~الذي أنزل القرآن قديما أخبر فيه بما يحدث في المستقبل، وأنه سبحانه إله ~~واحد ليس معه شريك يرد عليه ما قال. وقوله تعالى: { حتى ~~يتبين لهم أنه الحق } [فصلت: 53] أي: يتضح لهم أن ~~القرآن حق وأن الله حق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، وضده ~~الباطل، والباطل متغير زاهق، الحق أبلج، والباطل لجلج. الله تعالى ~~يصور لنا الحق والباطل في مثال مادي مشاهد، فيقول سبحانه: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض # [الرعد: 17]. فالله تعالى هو الحق، ما يقوله حق، ومن الناس من يعرف ~~وجه الحق فيه، ومنهم من يرتاب وتخفى عليه الآيات لفترة ثم تصل بهم ~~الأحداث إلى أن يعرفوا أنه الحق من الله الحق، فعلا ووجودا. وقد ~~ينتصر الباطل ويعلو في فترة من الفترات، لكن لا بد أن تكون الجولة ~~الأخيرة للحق لذلك قالوا: دولة الباطل ms9026 ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، ~~والمؤمن الواعي الواثق بنصر الله لا يبالي لانتصار الباطل فهو موقوت، ~~وينتظر اللحظة التي يعلو فيها الحق ويزهق فيها الباطل. المؤمن يعلم أن ~~الباطل حين يعلو يكون جنديا من جنود الحق، فالباطل يظهر الحق لمن لا ~~يعرفه، والضد يظهر حسنه الضد، ولولا أن الناس شقوا بالباطل وعضتهم ~~الأحداث ما عرفوا الحق وما اشتاقوا إليه. لذلك لما تتأمل النسق القرآني ~~في قوله تعالى: # وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله ~~هي العليا # [التوبة: 40] تعلم أن الحق ثابت، وأنه الأصل الذي عليه قامت أمور ~~الخلق كلها، فكلمة الذين كفروا قد تعلو لكن ينتهي بها الأمر إلى أن ~~تكون هي السفلى، جعلها الله سفلى فهي جعل من الله. # أما # وكلمة الله هي العليا # [التوبة: 40] تجد كلمة هنا مبتدأ، فهي في أصلها عليا، ليست جعلا ~~كالأولى، يعني لم تكن أبدا سفلى، ثم جعلها الله عليا هي بطبيعتها ~~عليا. إذن: نقول: إن الباطل يعلو لبعض الناس بأحداثه فيتنبهوا للحق. ثم ~~يقول سبحانه { أولم يكف بربك أنه على كل شيء ~~شهيد } [فصلت: 53] بلى كفى به سبحانه شاهدا ومطلعا لا تخفى عليه ~~خافية، كأن الحق سبحانه يقول لهم ما كان يصح منكم أن تنتظروا الآيات ~~لتصدقوا الرسول، بل كان عليكم أن تصدقوه بمجرد أن يقول لأن الله شهيد ~~عليه، والله سبحانه ليس له معارض يعارضه ويرد حكمه. لذلك قلنا: لماذا ~~أصبح الصديق صديقا؟ لأنه لما قيل له إن صاحبك يدعي أنه نبي لم ~~يزد على أن قال لتوه: إن كان قد قال فقد صدق، هكذا دون أن يناقش ~~المسألة، كذلك لما بلغه خبر الإسراء والمعراج قال نفس قولته الأولى، ولم ~~ينتظر حتى ينزل القرآن، فيخبرهم بذلك وبعدها يصدق. فالقرآن إنما ينزل ~~يقنع الكافر المعاند أو الشاك المرتاب، والصديق رضي الله عنه كان في ~~أعلى درجات اليقين والإيمان، وكفاه تاريخ محمد سيرته فيما مضى، فأخذ من ~~صدقه في الماضي دليلا على صدقه في الحاضر. كلمة { شهيد } [فصلت: ~~53] هنا تحمل معنى الشاهد الذي ms9027 يثبت الحق، والقاضي الذي يحكم فيه، ~~والمنفذ الذي ينفذ الأحكام. ### || [41.54] # كلمة { ألا } أداة استفتاح لكلام جديد، فالمتكلم يريد ألا يفاجئ ~~المخاطب فينبهه لكي ينتبه إليه ولا يفوته شيء من كلامه، وكأنه يقول له: ~~استعد واسمع ما أقوله لك فهو كلام مهم. والكلام المهم هو قوله تعالى: { ~~إنهم في مرية من لقآء ربهم } [فصلت: 54] أي: الكفار ~~في شك من البعث بعد الموت يظنون أن المسألة خلقهم الله في الدنيا ~~وانتهت المسألة، فهم يشكون في أن هناك رجعة، ويرتابون في الحساب ~~والجزاء، ولا يعملون حسابا لهذا اليوم، لماذا؟ لأنهم لم يعملوا مقدمة ~~لهذا اللقاء لذلك يتغافلون عنه، يمنى الواحد نفسه أن هذا الكلام كذب، ~~وليس هناك بعث ولا حستب ولا جزاء، ومن يعترف منهم بهذا اللقاء يملؤه ~~الغرور، فيقول # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى # [فصلت: 50] وقال آخر: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36]. إذن: فهم في مرية من هذا اليوم أي شك وارتياب وتردد، ~~والمرية أيضا من المراء، وهو الجدال بالباطل والعناد والمكابرة على ~~قبول الحق والانصياع له لذلك قالوا: الجدل هو النقاش الموصل إلى شيء ~~بين طرفين، إلى نتيجة، أما المراء فهو جدل ينتصر فيه كل طرف لنفسه، ولا ~~يعنيه الوصول إلى الحق. والله تبارك وتعالى يعلمنا كيفية الاختلاف، ~~وكيفية النقاش، وأصول الجدل في قوله تعالى: # قل إنمآ أعظكم بواحدة # [سبأ: 46] ما هي يا رب؟ # أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما ~~بصاحبكم من جنة # [سبأ: 46] يعني: لا تبحثوا بحثا جماعيا جماهيريا، بل مثنى وفرادى، ~~لأن حكم الجماهير غير منضبط، فكل طرف فيه يريد أن ينتصر لرأيه، ولا يقبل ~~أن يهزم أمام الجمع فيتمادى في الباطل. وسبق أن قلنا: إن هتاف الجماهير ~~تتوه فيه الأصوات وتختلط فلا تتميز، ومثلنا لذلك بقول شوقي في ~~كليوباترا لما انهزمت في أكتيوم: # اسمع الشعب ديون # كيف يوحون إليه # ملأ الجو هتافا # بحياتي قاتليه # أثر البهتان فيه # وانطلى الزور عليه # ياله من ببغاء # عقله في أذنيه # والأمر المخزي ms9028 هنا أنهم في مرية، لم يقل من الجنة وإنما { في مرية ~~من لقآء ربهم } [فصلت: 54] فهذا هو الكسوف الكبير والخجل ~~والخزي، كما قالوا: موقف يتساقط فيه لحم الوجه خجلا من الحق سبحانه، وقد ~~عادوا إليه هذا العود المؤسف، وجدوا أنفسهم أمام الحق سبحانه وقد كفروا ~~به في الدنيا وجحدوه وأنكروه، ثم تفاجئهم هذه الحقيقة # ووجد الله عنده فوفه حسابه والله سريع ~~الحساب # [النور: 39]. والله لو قال في مرية من نعيم ربهم لكانت مقبولة، والناس ~~تتفاوت مراتبهم ودرجاتهم في العمل الصالح، فمنهم من يعمل خوفا من ~~النار، ومنهم من يعمل طمعا في الجنة، ومنهم من يعمل حبا في الله ~~الذي كلفه وإرضاء له سبحانه، لا خوفا من ناره، ولا طمعا في جنته، ~~إنما يعمل لذات الله. # لذلك ورد أن السيدة رابعة العدوية قالت في مناجاتها لله تعالى: اللهم ~~إن كنت تعلم أني أعبدك طمعا في جنتك فأحرمني منها، وإن كنت تعلم ~~أني أعبدك خوفا من نارك فاحرقني بها، إنما أحبك لأنك تستحق الحب، ~~واقرأ قوله تعالى: # فمن كان يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ~~ولا يشرك بعبادة ربه أحدا # [الكهف: 110] والجنة أحد. وقوله سبحانه: { ألا إنه بكل شيء ~~محيط } [فصلت: 54] تقرير لحقيقة أخرى بدأت أيضا ب { ألا } ~~الاستفتاحية، والمعنى أنه سبحانه يحيط علمه بكل شيء إحاطة تامة لا يفلت ~~أحد منها، ولا يغيب عنها مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، والمحيط ~~هو الدائرة التي تلف الشيء من كل جوانبه. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-2] # هذه الحروف من الحروف المقطعة التي تقع في بدايات بعض سور القرآن ~~الكريم، وقد سبق الحديث عنها في أكثر من موضع، ولكنا نذكر بأن القرآن ~~كله مبني على الوصل، الوصل في آياته، والوصل في سوره، والوصل في آخره ~~بأوله. فأنت تقرأ: # من الجنة والناس # [الناس: 6] هكذا بالكسر لتصلها ببسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة. أما ~~الحروف المقطعة فهي مبنية على الوقف، بحيث يقرأ كل حرف على حدة ~~تقول هنا حا ميم عين سين قاف. وأنت تقرأ في ms9029 أول البقرة ألف لام ميم وتقرأ ~~نفس الحروف في أول سورة الشرح: # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1] لتعلم أن القرآن ليس كأي كتاب آخر، وأن قراءته تعتمد أولا ~~على السماع، قال تعالى: # فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا ~~بيانه # [القيامة: 18-19]. إذن: حين تتدبر القرآن تجد للقراءة بالوصل حكمة، ~~وللقراءة بالوقف حكمة، ومعلوم أن الحرف هو اللبنة الأولى في بناء الكلمة ~~وبالتالي العبارة، وقد بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية الوقف ~~على هذه الحروف، فقال: # " لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ". # وحروف اللغة قسمان: حروف مبني وهي اللبنات التي تدخل في بناء الكلمات ~~والعبارات، فكلمة كتب تكونت من الكاف والتاء والباء، وهذه الحروف لا ~~تعطي معنى إلا إذا تركبت مع بعضها لتكون الكلمات، والأخرى حروف معنى ~~مثل كاف التشبيه في الجندي كالأسد، فالكاف هنا أفادت معنى التشبيه، وهذه ~~الحروف لا تعطي معنى إلا إذا ركبت مع غيرها من الكلمات. واللغة عامة ~~ظاهرة اجتماعية، وهي ألفاظ يعبر بها كل قوم عن أغراضهم، وبها ~~يتفاهمون، واللغة كما قال العلماء بنت المحاكاة، فما سمعته الأذن يحكيه ~~اللسان، فالولد الذي ينشأ في مجتمع عربي يتكلم العربية، ولو كان في مجتمع ~~إنجليزي لتكلم الإنجليزية. إذن: ليست اللغة جنسا ولا دما، بل ظاهرة ~~اجتماعية تعتمد على السماع، حتى في داخل اللغة الواحدة قد تسمع الكلمة ~~لأول مرة فلا تفهمها ولا تعرف معناها، مع أن ألفاظها عربية لكنها لم تمر ~~بسمعك من قبل. يروى أن أبا علقمة النحوي كان مغرما بالفصحى، ولا ينطق ~~إلا بها، فكان يأتي بألفاظ غريبة حتى شق ذلك على خادمه الذي كان لا ~~يفهم كثيرا من هذه الألفاظ، وفي إحدى الليالي استيقظ من نومه وسأل ~~الخادم: يا غلام أصقعت العتاريف؟ لم يفهم الغلام إلا أنه رد في ضيق ~~وقال له: زق فيلم فتعجب أبو علقمة وقال له: وما زق فيلم؟ قال ~~الغلام: وما صقعت العتاريف؟ قال: أردت أصاحت الديكة؟ قال: وأنا أردت ~~لم تصح؟ ومن ms9030 نوادر اللغة أن أحدهم ذهب إلى الطبيب، فقال له الطبيب ~~وكان اسمه أعين: ما بك؟ قال: أكلت من لحوم هذه الجوازيء فطسأت منها طسأة ~~أصابني منها وجع من الوابلة إلى دأية العنق ولم يزل ينمي حتى خالط ~~الحلب وألمت منه الشراسيف، فقال الطبيب: أعد علي فوالله ما ~~فهمت منك شيئا، فأعاد كالأولى، فرد الطبيب وقال له: خذ حرقفا ~~وسلقفا وسرقفا وزهزقه وزقزقه بماء روث ثم اشربه، فقال الرجل: أعد ~~علي فوالله ما فهمت منك شيئا. # فقال الطبيب: لعن الله أقلنا إفهماما لصاحبه. إذن: نقول إن اللغة بنت ~~المحاكاة، فهي تعتمد أولا على السماع، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، ~~فالولد الصغير يتعلم الكلام من أسرته وممن حوله، أما الأخرس فإنه لا ~~يتكلم لأنه لم يسمع لذلك قال تعالى: # صم بكم عمي # [البقرة: 18] فالبكم لا يأتي إلا بعد الصمم، ولو سلسلنا مسألة ~~تعلم الكلام هذه سنصل بها إلى أبينا آدم عليه السلام، فكل منا تعلم ~~الكلام من أبيه وأمه ممن حوله، أما آدم عليه السلام فعلمه ربه، كما قال ~~سبحانه: # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31] يعني أسماء الأشياء، فالله سبحانه هو المعلم الأول. وفي ~~الحروف المقطعة هذه ملحظ هام، فهي تعلمنا الإيمان بالغيب، كيف؟ الحق ~~سبحانه وتعالى له في خلقه غيب ومشهد، وقد جعل سبحانه للغيب مشهدا يدل ~~عليه، ففي مجال العقائد مثلا أنا معتقد أن لهذا الكون إلها خالقا، ~~وهذه العقيدة يمكن أن أدلل عليها بالآيات الكونية الموجودة المشاهدة. ~~لكن يأتي في العقيدة أيضا مسائل غيبية ليس لها دليل من المشهد ~~المحس، مثل الإيمان بالملائكة وهي غيب، وما دام هناك تكاليف وطاعة ~~ومعصية فلا بد أن توجد جنة ونار، وقبلها مرحلة القبر وما فيه من نعيم ~~أو عذاب، كل هذه أمور سمعية لا يقام عليها دليل عقلي، إنما نؤمن بها لأن ~~الإله الذي آمنا به أخبرنا بوجودها ونحن نثق في خبره. إذن: كل إيمان عقدي ~~مشاهد يأخذ بجانبه إيمانا غيبيا، والإيمان بالغيب هو الأهم لأنه ~~المحك في مسألة الإيمان، وهو الدليل ms9031 على قوة العقيدة، لأن الإيمان ~~بالمشهد يستوي فيه الجميع. قلنا: هب أن عندك خادما وقلت له: يا فلان ~~ارفع هذا الحجر في الحديقة مثلا فيقول لك: إنه ثقيل لا أقدر على رفعه ~~تقول له: إن تحته كيس النقود الذي سأعطلك منه راتبك فيسرع إليه ويرفعه، ~~هذا آمن بالغيب أم بالمشهد؟ آمن بالمشهد لم يثق بك وإنما بكيس النقود. ~~إذن: المحك الحقيقي للإيمان هو الغيب، لذلك قال تعالى في صفات المؤمنين # الذين يؤمنون بالغيب # [البقرة: 3] لأن المحس والمشاهد الكل يعرفه ويؤمن به. كذلك الحال في ~~كلام رب العالمين وفي قرآنه الكريم كلام وحروف لها معنى، وحروف أخرى ~~ليس لها معنى واضح نعرفه ونفهم تفسيره، وهذه هي الحروف المقطعة نؤمن ~~بها ونصدق بها على أنها من الغيب. # وسبق أن أوضحنا أن الحروف المقطعة في بدايات السور أخذت نصف حروف ~~المعجم يعني أربعة عشر حرفا، والمتأمل في هذه الحروف يجد لها نظاما ~~ورتابة لم تؤخذ هكذا كيفما اتفق، فلو قسمنا حروف الهجاء إلى تسعة حروف ~~في أولها وتسعة في آخرها ويتبقى عشرة في الوسط نجد الحروف المقطعة أخذت ~~فقط حرفين من المجموعة الأولى هما الألف والحا وترك سبعة، وأخذت سبعة من ~~المجموعة الأخيرة وتركت اثنين، وأخذت من الوسط الحروف غير المنقوطة وتركت ~~المنقوط، إذن: لها موازين ولها حكمة. ونحن نحاول ونفكر في معاني هذه ~~الحروف، ويحوم العقل حول هذه المعاني قد يبلغ بعضها، وقد يقف عاجزا ~~يقول: الله أعلم بمراده، وكل عالم يحاول فهم هذه الحروف أو استجلاء ~~الحكمة منها مجتهد ومثاب، أصاب أو جانبه الصواب. المهم أن الحق سبحانه ~~يريد منا أن نؤمن بهذه الحروف، وأن نقبلها كما هي، عرفنا معانيها أو لم ~~نعرف، فهي أشبه بأسنان المفتاح الذي يعنيك منها أن تفتح لك دون أن تعرف ~~لها نظاما، ويكفي أن صاحبها يعرف أسرارها، وأنها تؤدي لك مهمتها على ما ~~هي. فصحيح أننا نحوم حول هذه المعاني وقد نصل إلى شيء منها، لكن يظل ~~للقرآن إعجازه، وتظل هذه الحروف محتفظة بعطاء متجدد ms9032 لا ينفد. والقرآن لما ~~تحدى العرب وأعجزهم، البعض فهم من ذلك أنه تقليل من شأن العرب، لكن هذا ~~التحدي يعني براعتهم في هذا المجال وتمكنهم منه وإلا ما تحداهم القرآن، ~~إذن: تحدى القرآن لهم شرف لهم وإعلاء لشأنهم، ويكفي أن الله جعلهم ~~المقياس في هذه المسألة. والقرآن حين تحدى العرب لم يأت بكلمات جديدة ~~ولا بحروف جديدة، فهي نفس الحروف ونفس الخامات التي تتكون منها لغتهم، ~~ومع ذلك ظل كلام الحق سبحانه هو المعجز، ولم يستطيعوا الإتيان بمثله، ~~فوجه الإعجاز هنا أن القرآن كلام الله، الله هو الذي يتكلم، فكلامه ~~معجز لأنه سبحانه يضفي عليه من قدرته، وكلامك أنت أيها العبد غير معجز ~~لأن فيه شيئا من عجزك. وسورة الشورى من سور الحواميم. يعني: السور ~~التي بدأت بقوله تعالى حم وقد رأينا أن هذه الحروف جاءت بحرف واحد مثل ن ~~و ق و ص. وجاءت بحرفين مثل طس. وجاءت على ثلاثة أحرف مثل الم و طسم وجاءت ~~على أربعة أحرف مثل المر و المص. وعلى خمسة أحرف مثل حم عسق و كهيعص وهذه ~~الحروف لا تعرف معانيها، ونؤمن أنها من الغيب الذي يجب علينا التسليم ~~به، وأن نقول في تفسيرها: الله أعلم بمراده. ### || [42.3] # الكاف في { كذلك } حرف معنى يفيد التشبيه و { ذلك } إشارة إلى ~~الحروف المقطعة السابقة، يعني بمثل هذه الحروف { يوحي إليك ~~وإلى الذين من قبلك } [الشورى: 3] فهذه الحروف من وحي الله ~~إلى نبيه محمد، وما يأتي بعدها أيضا من وحي الله. والوحي: هو إعلام ~~بخفاء من المتكلم للسامع، فلو جاءك ضيف وتريد أن تخبر خادمك بأمر دون أن ~~يحس به الضيف، فإنك تنظر إلى الخادم أو تهمس إليه بطريقة ما يفهم منها ~~ما تريد، فكأنك أوحيت إليه بهذا الأمر. والوحي يقتضي: موحيا، ~~وموحى إليه، وموحى به، وقد أخبرنا الحق سبحانه أنه يوحي لمن يشاء ~~من مخلوقاته، يوحي إلى الملائكة: # إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا ~~الذين آمنوا.. # [الأنفال: 12]. ويوحي للرسل: # إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ ms9033 إلى نوح ~~والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب.. # [النساء: 163]. ويوحي إلى الصالحين من عباده، كما أوحى إلى الحواريين، ~~وكما أوحى إلى أم موسى، وأوحى للنمل، وأوحى إلى الأرض وهي جماد: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5]. كذلك أخبرنا الحق سبحانه أن الشياطين يوحي بعضهم إلى ~~بعضهم، ومثلهم شياطين الإنس، قال تعالى: # وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم.. # [الأنعام: 121] أي: من الإنس وقال: # يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا # [الأنعام: 112] والوصف العام لكلمة الوحي أنه بخفاء، هذا في المعنى ~~العام لكلمة الوحي، وهو يكون بالخير ويكون بالشر. أما الوحي الشرعي ~~المقصود هنا فالذي يكون من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بواسطة ~~الملك جبريل عليه السلام، قال تعالى: # وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ~~يشآء إنه علي حكيم # [الشورى: 51]. إذن: الوحي الشرعي: إعلام من الله لمن اختاره من الرسل ~~بإحدى هذه الوسائل: أن يرسل إليه ملكا أو عن طريق الإلهام، وسبق أن ~~أوضحنا أن وارد الرحمن لا يصطدم بوارد الشيطان، لأن وارد الرحمن أقوى لا ~~ينازعه شيء. ففي قصة أم موسى، قال تعالى # وأوحينآ إلى أم موسى # [القصص: 7] الوحي هنا بمعنى ألهمها، أو نفث في روعها، أو مرر بخاطرها # أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم # هذا أمر العقل لا يقبله، لكنه لما كان من الله لم يعارضه اختيار آخر ~~وأذعنت له أم موسى ونفذته على الفور. لذلك لما أراد الحق سبحانه أن ~~يعلم صحابة رسول الله أمور دينهم أنزل إليهم جبريل في صورة رجل، وأخذ ~~يسأل رسول الله عن الإيمان وعن الإسلام وعن الإحسان وكان يسأل ويصدق لذلك ~~تعجب منه الصحابة: كيف يسأل ويصدق، ولما انتهى الدرس قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إنه جبريل جاء يعلمكم أمور دينكم ". # وتبين هذه الآية: { كذلك يوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك الله العزيز الحكيم } [الشورى: 3] أن الموحي هو الله ~~عز وجل ولم تقل مثلا ربك، ms9034 فاختارت لفظ الألوهية لماذا؟ الله هو المعبود ~~بحق، والمعبود يعني له منهج وله تكاليف فيها أوامر وفيها نواه، فعطاء ~~الألوهية كما قلنا عطاء تكليف، أما عطاء الربوبية فتربية ورعاية ومنح ~~دون مقابل. فالحق سبحانه وتعالى في العطائين لا يعود عليه من العباد شيء ~~ولا ينتفع منهم بشيء، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، ~~وما جعل التكليف والمنهج إلا لإسعاد العباد وسلامة المجتمع. كأن الله ~~يقول لنا: أريدكم سعداء في مجتمع نظيف طاهر يقوم على المحبة والسلام، ~~ويخلو من الغل والحسد والنفاق، مجتمع يقول وينبه على الفضيلة ويخلو من ~~الرذيلة، ذلكم لأنكم عبادي وصنعتي، وكل صانع يريد لصنعته الصلاح، ويربأ ~~بها عن الفساد. لذلك قلنا: إن الرجل العاقل لا يحقد على من هو أعلى منه ~~في ناحية من النواحي ولا يحسده، وإذا اصطدم بظالم لا يدعو عليه إنما يدعو ~~له، وإذا رأى فسادا أصلحه، وإذا رأى غير المسلمين تمنى لو كانوا مسلمين، ~~لماذا؟ لأنه سيسعد بإصلاح هؤلاء، وسيجني ثمار صلاحهم واستقامتهم، وسيعود ~~عليه خيرهم. وقوله تعالى: { الله العزيز الحكيم } [الشورى: 3] ~~إشارة إلى أن الموحي بهذا الوحي والمنزل لهذا الكتاب ولهذا المنهج الله ~~أي: صاحب التكاليف والآمر بها. الله: علم على واجب الوجود، بعضهم قال: ~~هو مشتق من أله من العبادة، ومألوه يعني معبود، وبعضهم قال: الله علم ~~على الذات، لا تجد فيه إلا صفة العلمية على واجب الوجود، وهذا العلم ~~موصوف بكل صفات الكمال، فهو القوي العزيز الجبار المتكبر الرحيم الحكيم ~~الغفور الوهاب القهار. هذه من أسماء الحق سبحانه وهي صفات كمال لاسم ~~الله، لذلك قال تعالى: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما ~~تدعوا فله الأسمآء الحسنى # [الإسراء: 110]. الحق سبحانه يعلمنا كيف ندعوه في شتى أمورنا، فمن ~~أراد العلم يدعو العليم، ومن أراد القوة يقول يا قوي قوني، ومن ~~أراد الحكمة يقول: يا حكيم ألهمني الحكمة، ومن أراد سعة الرزق قال: يا ~~باسط ابسط لي الرزق، فإذا أراد كل هذه الصفات قال: يا الله. فهو ~~الاسم الجامع ms9035 لكل صفات الكمال. وهو سبحانه في تكاليفه لكم { العزيز } ~~يعني: غالب لا يغلب، وله صفات العزة والجبروت والغنى والاستغناء عن ~~الخلق. ثم هو سبحانه { الحكيم } يعني: حين كلف كلف بقدر وبحكمة ذلك ~~لأن القرآن به تكاليف قد يراها البعض شاقة، لكن إذا أخذنا هذه التكاليف ~~بمصاحبة ثمرتها والثواب عليها نجدها سهلة يسيرة لأنها تدر عليك نفعا ~~تهون أمامه كل المشاق. ألا تراك تتعب في الدنيا ثم تجني من الثمار على ~~قدر تعبك، ألا ترى أن نفاسة النتيجة على مقدار الكد؟ أنت في الدنيا ~~مثلا تزرع الفجل تجده فجلا، وتستطيع أن تأكل منه بعد عدة أيام، وتزرع ~~مثلا الخيار وتأكل منه بعد أربعين يوما والأرز مثلا بعد عدة شهور، ~~وتزرع المانجو فلا تعطيك إلا بعد عدة سنوات. # إذن: إذا كلفك الله بشيء فيه مشقة، فاعلم أن الثمرة على قدرها، واعلم ~~أن الذي أوحى إلى النبي بهذا التكليف عزيز حكيم، فإن كان شاقا في نظرك ~~فمكلفك به غني عنك وعن طاعتك لا يستفيد منه بشيء بل أنت المستفيد، ~~وهو حكيم يعني كلفك بما يؤدي إلى سلامة حركتك في المجتمع. وهذه العزة ~~لله تعالى فهمها إبليس حين قال: # فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] يعني: بغناك عنهم، وترك الاختيار لهم # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29] وإلا فالذي تريده وتستخلصه لك لا أستطيع أن أقترب منه: # إلا عبادك منهم المخلصين # [الحجر: 40]. إذن: المعركة ليست بين الحق سبحانه وبين إبليس، إنما بينه ~~وبين بني آدم، وهي معركة ممتدة منذ مسألة الأمر بالسجود لآدم وإلى قيام ~~الساعة، وقد ظهر غباء إبليس في الحوار الذي دار بينه وبين الحق سبحانه، ~~ثم بينه وبين سيدنا آدم، ففي قوله: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] كشف عن خططه وطريق إغوائه لبني آدم، وأنه سيأتيهم في ~~أماكن الطاعات ليفسدها عليهم. لكن الحق سبحانه وتعالى علمنا كيفية ~~التعامل مع هذا العدو، وعلمنا كيف نرده، فقال تعالى: # وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله # [الأعراف: 200] يعني الجأ إلى الله، وذكره بالله لأنه خناس ms9036 إذا ذكر ~~الله خنس، وهذه وصفة إياك أن تغفل عنها. وظهر أيضا غباؤه وتغفيله في ~~قوله لآدم وحواء وهما في الجنة: # ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن ~~تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين # [الأعراف: 20] فلو كان يعلم أنها شجرة الخلد لأكل منها من باب أولى، ~~ولم يسأل الله أن ينظره إلى يوم يبعثون، وهذه غفل عنها آدم أيضا، وقد ~~قال الله في حقه: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه: 115] ولذا لا نعتب على من نسي فإن الموصين بنو سهوان. ### || [42.4] # أي: لله تعالى ما في السماوات وما في الأرض ملكا لا يتصرف فيه الخليفة، ~~هذه منطقة حرام أن يتصرف أحد في ملك هو لله تعالى وحده، إنما يتصرف ~~الخليفة فيما دون ذلك من الأحداث. وحين نستقرئ هذه الآية وأمثالها في ~~القرآن نجد الحق سبحانه يقول مرة: { له ما في السموت وما ~~في الأرض } [الشورى: 4] ويقول مرة: # وله ما في السموت والأرض # [النحل: 52] ذلك لأن الخلق متفاوت، فهناك خلق موجود في السماء وفي ~~الأرض وهم الملائكة، وهناك خلق للسماء فقط، هم الملائكة العالون وهناك ~~خلق للأرض فقط هم: الجن والإنس. فحين يقول: { له ما في ~~السموت وما في الأرض } [الشورى: 4] يذكر الجنسين، وحين ~~يقول: # وله ما في السموت والأرض # [النحل: 52] يذكر الجنس المشترك بينهما. نفهم من ذلك أن الكون الذي نعيش ~~فيه ليس ملكا لأحد على الحقيقة، فالملكية لله تعالى وإن ملك بعضا ~~شيئا فهو موقوت، ومن باطن ملكه تعالى حتى لا يغتر أصحاب الأملاك ~~بأملاكهم، أنت مجرد خليفة لست مالكا، هذه الأرض عبارة عن ملعب نحن ~~جميعا فقط نلعب فيه ولا يملكه منا أحد # لله ملك السموت والأرض # [المائدة: 120]. وقالوا: اللام للملك كما في: القلم لزيد. وللاختصاص كما ~~لو قلت: الحبل للفرس، فالفرس لا يملك الحبل إنما يملكه صاحب الفرس، ~~فالحبل يخص الفرس. وفي قوله تعالى: { له ما في السموت وما ~~في الأرض } [الشورى: 4] تفيد المعنيين، فهي للملك وللاختصاص أو القصر ~~بتقديم ms9037 الخبر الجار والمجرور له، فالملك هنا لله وحده لا يشاركه في ملكه ~~أحد، تقول: لزيد القلم يعني خاص به ومقصور عليه، أما القلم لزيد يمكن أن ~~تقول: ولعمرو. والهاء ضمير الغائب في له تعود على الحق سبحانه، والغيبة ~~هنا هي عين الظهور والحضور، ومن عظمته سبحانه أنه غيب لا يدرك بالحواس # لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر وهو ~~اللطيف الخبير # [الأنعام: 103]. فمن عظمته أنه غيب، كما نقول: الحق هذه الكلمة التي ~~يدعيها الجميع أنه على الحق، وكذلك العدل.. هذه معان نتحدث عنها لكن لا ~~نعرف ما هي؟ ما شكلها؟ فلو كنا لا ندرك مجرد المعاني العالية، فكيف نطمع ~~في إدراك ذات الحق سبحانه؟ وفي موضع آخر قال سبحانه: # لله ملك السموت والأرض # [الشورى: 49] إذن: فالله يملك السماوات والأرض، وهي ظرف فيه أشياء هي ~~أيضا ملك لله { له ما في السموت وما في الأرض } ~~[الشورى: 4] وما في السماء أثمن من السماء، وما في الأرض أثمن من الأرض، ~~والعادة أن المظروف أنفس من الظرف الذي يحتويه. فكل ما في السماوات وما ~~في الأرض ملك لله ومسخر لخدمة خليفته في أرضه، فالحق سبحانه خلق لك ~~قبل أن يخلقك، وأعد لك كونا جاهزا لاستقبالك فيه مقومات حياتك، ~~هذا قلنا: إنه عطاء الربوبية. # فربك رباك بالمنهج الذي أنزله من السماء على يد الرسل، وحفظ له أسباب ~~الحياة واستبقاء الحياة بماء ينزل من السماء، وأرض تنبت لك مختلف ~~الأطعمة والقوت، وجعل لك الأنهار، وجعل لك الهواء. وبهذه العناصر الثلاث ~~يتم لك استبقاء الحياة وقلنا: من رحمته تعالى بخلقه أن جعل حاجتك ~~للطعام، غير حاجتك للشراب، غير حاجتك للتنفس، فالإنسان يصبر على الطعام ~~مثلا شهرا، ويصبر على الماء عدة أيام، لكنه لا يصبر على الهواء ولو ~~لنفس واحد. لذلك ملك الله الطعام لبعض البشر، فإن منعه عنك تعيش على ~~المخزون في جسمك، إلى أن تحتال عليه بأي وسيلة، وملك الماء قليلا، ~~لأن الصبر عليه أقل من الصبر على الطعام، أما الهواء فلم يملكه لأحد، ~~تصور لو غضب ms9038 عليك صاحب الهواء، والله لمت قبل أن تنال رضاه. وبعد ذلك ~~أعطاك ترف الحياة وما تتحلى به وتتزين، لذلك قال عن البحر: # وتستخرجوا منه حلية تلبسونها # [النحل: 14] وقال: # يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم وريشا # [الأعراف: 26] فالضروري في اللباس ما يستر العورة ثم يأتي الرياش، وهو ~~ما يكون للزينة. # ولباس التقوى ذلك خير # [الأعراف: 26] لأن لباس الدنيا يستر عورتك. وتحميك في الدنيا، أما لباس ~~التقوى فيسترك في الدنيا وفي الآخرة، ويعطيك حياة أخرى أبقى وأدوم. هذا ~~كله من ملك الله الذي في الأرض، فإن نظرت إلى أعلى تجد الهواء وهو نعمة ~~في طياتها نعم كثيرة، فالهواء عنصر هام في بقاء الحياة للكائنات الحية، ~~وهو المادة الموصلة التي ينتقل بها الصوت والصورة التي نراها في ~~التليفزيون مثلا. ثم تأمل في السماء من شمس وقمر ونجوم وكواكب ومجرات، ~~كلها آيات كونية ملك لله تعالى لا يتصرف فيها غيره سبحانه. { وهو ~~العلي العظيم } [الشورى: 4] العلي لا تعني أنه عال في المكان ~~فقط، إنما العلي يعني المتعالي عن كل شيء في الوجود { العظيم } أيضا ~~لا تعني ضخامة الحجم، إنما العظيم بقيومته وقدرته وصفات كماله. ### || [42.5] # قوله تعالى: { تكاد السموت.. } [الشورى: 5] أي: تقترب وتوشك { ~~يتفطرن } [الشورى: 5] يتشققن إما هيبة لله ومن عظمته سبحانه، كما ~~ورد في الحديث الشريف: # " أطت السماء وحق لها أن تئط " # وإما تشققت غضبا من الذين قالوا اتخذ الله ولدا. { من فوقهن.. ~~} [الشورى: 5] يجوز من فوق ملائكة الملأ الأعلى، حيث هيبة الملائكة من ~~الله، وتعظيمهم له سبحانه، أو من فوق الأرض حيث البشر أصحاب الذنوب ~~والذين قالوا اتخذ الله ولدا، لأن الحق سبحانه رد عليهم: # لقد جئتم شيئا إدا # [مريم: 89] أي: عجيبا وغريبا لا يقبله العقل # تكاد السموت يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا # [مريم: 90]. فالولد إنما يطلب إنا للمعونة في وقت الضعف والشيخوخة، ~~وإما لبقاء الذكر، وهذه أمور لا تجوز، ولا تنبغي للحق سبحانه لأنه غني ~~عنها، لذلك قال تعالى: # وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # [مريم: 92] أي: ms9039 أن الحق سبحانه لو أراد أن يتخذ ولدا لفعل، حيث لا ~~يمنعه من ذلك مانع، إنما جلال الله وعظمته وقيوميته تعالى لا ينبغي لها ~~ذلك، لا يجوز ولا يصح أن يكون له ولد، ونفي الانبغاء يدل على الكمال. ~~ومثال ذلك قوله تعالى في شأن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: # وما علمناه الشعر وما ينبغي له # [يس: 69] عندما اتهمه الكفار بأنه شاعر، والمعنى: أنه لا يقول الشعر ليس ~~لأنه عاجز عن قوله، بل عنده أدوات الشعر ويستطيعه، لكنه لا ينبغي أن ~~يقوله ولا يصح، لأن الله يعده لأمر أعظم من شعركم. فقوله سبحانه # وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا # [مريم: 92] تأكيد أنه تعالى لو أراد له ولدا لفعل، لكن هذا أمر لا ~~ينبغي في حقه تعالى لأنه منزه عنه، لذلك قال في موضع آخر: # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين # [الزخرف: 81] يعني: على فرض أن اتخذ ولدا فسأكون أول المؤمنين به. ~~وقوله: { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } [الشورى: ~~5] الملائكة من الغيبيات، والسماء والأرض من الحسيات، فالحسيات غاضبة ~~تكاد تتشقق من هذا القول، أما الملائكة فيسبحون بحمد ربهم وينزهونه عن ~~اتخاذ الولد، وجاء التسبيح قبل التحميد، التسبيح يعني نفي المماثلة لأي ~~كائن من كان، أما التحميد فيجب لله تعالى على نعمه ومنحه، فالتسبيح ~~أولى من التحميد ومقدم عليه. وقوله تعالى: { ويستغفرون ~~لمن في الأرض } [الشورى: 5] فهم لا يستغفرون لأنفسهم، بل يستغفرون ~~لمن في الأرض، وهذا يعني أنهم بلا ذنوب، ولو كان لهم ذنوب لاستغفروا ~~لأنفسهم من باب أولى. والاستغفار هنا عام لكل من في الأرض بما فيهم ~~الكفار. وفي موضع آخر قال: # ويستغفرون للذين آمنوا # [غافر: 7] أما هنا فقال: { لمن في الأرض } [الشورى: 5] فشمل ~~الجميع، والاستغفار لغير المؤمنين طلب المغفرة لهم وطلب الهداية، وأن ~~يلهمهم الله الإيمان به. # أما الحديث الشريف الذي ورد فيه: # " ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وينادي مناد من قبل الله تعالى ~~يقول: اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا ". # قالوا: الدعاء بالتلف للممسك هنا ms9040 لا يتعارض مع استغفار الملائكة لمن في ~~الأرض، لأن المنفق يستغني عن ماله وينفقه في سبيل الله، فحبه لله تعالى ~~أعظم من حبه للمال، أما الممسك فيحب ماله ويبخل به، وحين يدعو عليك ~~الملك بالتلف فإنما ليخلصه من مال صرفه عن الله، فتلف هذا المال نعمة ~~أو مصيبة يثاب عليها. إذن: هو دعاء بالخير في كلتا الحالتين. { ألا ~~إن الله هو الغفور الرحيم } [الشورى: 5] قلنا: إن ألا ~~أداة استفتاح وتنبيه، لأن المتكلم حر يتكلم متى شاء، أما السامع فليس ~~حرا في السماع، وقد يغفل عن سماع بعض الكلام، لذلك ينبغي للمتكلم أن ~~ينبه السامع وأن يخرجه من غفلته، لا سيما إن كان الكلام مهما يحرص على ~~أن يسمعه السامع دون أن يفوته منه شيء، لذلك يقول ألا في البداية يعني: ~~انتبه واسمع مني. ومن ذلك قول الشاعر الجاهلي: # ألا هبي بصحنك فاصبحينا # ولا تبقي خمور الأندرينا # وتذييل الآية: { ألا إن الله هو الغفور الرحيم } ~~[الشورى: 5] يناسب مسألة استغفار الملائكة لمن في الأرض ويقول لك: انتبه ~~فالذي تستغفره غفور ورحيم، غفور يغفر الذنب ويمحو آثاره ورحيم: يعني ~~يرحمك بعده من الوقوع في ذنب آخر. ### || [42.6] # معنى: { من دونه } [الشورى: 6] أي من دون الله { أوليآء } ~~يوالونهم ويعبدونهم من دون الله، كالذين عبدوا الشمس والقمر أو الشياطين ~~أو الملائكة { الله حفيظ عليهم } [الشورى: 6] يعني: رقيب يعلم ~~ما فعلوا، ويحصي عليهم ما قالوا، ويحاسبهم على هذا ويجازيهم بما يستحقون، ~~لأنه تعالى إليه المرجع وإليه المصير. وما دام الأمر كذلك فلا تحزن يا ~~محمد، ولا تهلك نفسك أسفا عليهم، فليس عليك هداهم، إنما عليك البلاغ { ~~ومآ أنت عليهم بوكيل } [الشورى: 6] وكيل: فعيل بمعنى مفعول، ~~وما أنت عليهم بموكول أن يؤمنوا، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب. ~~ومعلوم أن صيغة فعيل تأتي بمعنى فاعل مثل رحيم بمعنى راحم، وبمعنى مفعول ~~مثل قتيل بمعنى مقتول. ### || [42.7] # قوله تعالى كذلك أي: كهذا الوحي الذي سبق { أوحينآ إليك ~~قرآنا عربيا } [الشورى: 7] سمي قرآنا لأنه مقروء، وسمي ~~الكتاب لأنه مكتوب مسطر ms9041 في كتاب، ووصف بأنه عربي لأنه بحروف وبلسان ~~عربي مبين، وعربي منسوب إلى العرب، وقلنا: إن اللغة ألفاظ يعبر بها كل ~~قوم عن أغراضهم، وأنها بنت المحاكاة، فما سمعته الأذن يحكيه اللسان. ~~وليست اللغة جنسا ولا دما، بدليل أن الولد العربي لو عاش في بيئة ~~أجنبية يتكلم نفس لغتها، لأن اللغة تقليد ومحاكاة تعتمد على التلقي ~~والتقليد، حتى في لغتك التي تتكلم بها يطرأ عليك اللفظ فلا تعرف معناه، ~~لماذا؟ لأنك لم تسمعه من قبل. لذلك نقول: إن التلقين في اللغة دليل على ~~صدق الحق سبحانه فيما قال: # وعلم ءادم الأسمآء كلها # [البقرة: 31] فالله تعالى هو أول معلم للبشر، وإلا فمن علم آدم ~~الأسماء والحروف والكلمات؟ بعض المستشرقين وقف عند هذه الآية، وقال: كيف ~~يكون القرآن عربيا وفيه كلمات كثيرة من غير العربية، فيه من لغة الرومان ~~ومن لغة الفرس والحبشة؟ ونقول: معنى { قرآنا عربيا } [الشورى: 7] ~~أي: نزل بكلمات دارت على ألسنة العرب وتدوولت بينهم قبل نزول ~~القرآن، فصارت من لغتهم، ثم كم هي هذه الكلمات بالنسبة لكلمات القرآن؟ ~~إذن: فالقرآن عربي، والله تعالى يقول: # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم # [إبراهيم: 4] يعني: يتلقون عنه ويفهمون منه، وإلا ما تم البلاغ عن الله. ~~فإن قلت: كيف ذلك ومحمد صلى الله عليه وسلم مرسل للناس كافة في كل ~~مكان، وفي كل زمان؟ نقول: هذه مهمة أمة محمد من بعده، أن تتعلم هذه ~~اللغات، وأن تحمل إليها من دين الله في أي مكان، لأن محمدا خاتم الرسل ~~وآخر الأنبياء، فلا بد أن تحمل الأمة من بعده هذه المهمة، وأن تسيح ~~بها في أنحاء العالم. فالقرآن نزل بالعربية لأنه سبحانه اختار العرب لحمل ~~هذه الرسالة، وسبق في موضع قريب أن تكلمنا عن اختيار العرب بالذات لهذه ~~المهمة، والحكمة من كون رسول الله أميا في أمة أمية، وإذا كان القرآن ~~معجزا للعرب بلفظه وأسلوبه، فهو معجز لغير العرب بمعناه، ومعجز بآياته ~~الكونية التي تظهر للناس وتبهرهم من حين لآخر. تصوروا لو ms9042 أن محمدا كان ~~متعلما في أمة متعلمة ذات حضارة، ماذا كانوا يقولون، مع كثرة الكفرة ~~والمعاندين والملحدين، والله لو كان الأمر كذلك لقالوا: إن الإسلام قفزة ~~حضارية كالتي حدثت في كثير من الأمم. إذن: نقول: الأمية عيب في كل أمي ~~إلا في رسول الله فهي شرف، لماذا؟ لأنها تعني أنه تلقى كل علومه وكل ~~ثقافاته من أعلى، فهي شرف لارتقاء مصدرها إلى الحق سبحانه. # والعجيب أن من أعداء الإسلام من يقول بأن محمدا كان متعلما، وهو ~~الذي كتب القرآن من عنده سبحان الله، أأنتم متعصبون لمحمد أكثر من ~~أتباعه؟ والقرآن صريح في الرد عليهم: # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون # [العنكبوت: 48]. وبعد هذه الأمية جاء محمد صلى الله عليه وسلم بمنهج ~~أخضع له حضارات العالم، ودانت له أعظم حضارتين في هذا الزمن، حضارة فارس ~~في الشرق وحضارة الروم في الغرب، أخضعها له لا بالقوة إنما بأساليبه ~~ومعانيه الراقية التي تنظم حركة الحياة والمجتمع كله، وتنظفه من كل ~~القاذورات والسلبيات التي كانت منتشرة بين هؤلاء. وقوله تعالى: { ~~لتنذر أم القرى ومن حولها } [الشورى: 7] الإنذار هو ~~الإخبار بشر قبل أوانه والتخويف به قبل موعده، والحكمة أنني حين أخوفك ~~من الأمر قبل حدوثه أعطيك فرصة لتتجنبه. { أم القرى } [الشورى: ~~7]هي مكة، فهي أم القرى، أو أصل القرى، لأن بها أول بيت وضع للناس، ~~وآدم من الناس فالبيت إذن وضع قبل آدم لذلك فالقول الذي قال بأن ~~الملائكة هي التي وضعت هذا البيت قول صحيح. والمراد بمن حولها: ما حول ~~مكة من قرى وقبائل وتجمعات عربية، ولأن مكة هي أم القرى وأصلها، أخذت ~~قريش مكان الصدارة بين قبائل العرب في شبه الجزيرة العربية، وكانت قريش ~~لها شرف خدمة البيت، فهم سدنته القائمون على أمره تأتيهم كل القبائل في ~~موسم الحج، فتوفر لهم الأمن والحماية والمؤنة، لذلك كانت قوافل قريش ~~التجارية تحظى بالاهتمام والحماية في كل أنحاء الجزيرة في رحلتي الشتاء ~~والصيف. إذن: فالبيت هو الذي منح قريشا ms9043 هذه المهابة وهذه المنزلة، يقول ~~تعالى: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * ~~فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 1-4] فسيادة قريش من سيادة البيت ومن جوارهم له وقيامهم على خدمة ~~حجاجه، ولو انهدم البيت لزالت مهابة قريش، وفقدت هذه المكانة. وقوله ~~تعالى: { وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه } [الشورى: 7] أي: ~~تخوفهم من هذا اليوم وهو يوم القيامة والجمع في هذا اليوم يكون من عدة ~~وجوه: أولا: البعث حيث يجمع بين الجسم والروح، ويجمع الملائكة في الملأ ~~الأعلى بالبشر، ويجمع الظالم والمظلوم، والتابع والمتبوع. ونلحظ على هذا ~~التعبير القرآني { وتنذر يوم الجمع } [الشورى: 7] أنه سكت ولم ~~يذكر مفعول الفعل تنذر وهو يتعدى إلى مفعولين كما في قوله تعالى: # فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود # [فصلت: 13] فذكر المخوف منه على العموم ولم يذكر مفعول أنذر لماذا؟ لأنه ~~سيأتي لها شرح آخر، ففي قوله تعالى # وأنذرهم يوم الأزفة.. # [غافر: 18] أي: أنذر الكافرين وهذا مفعول أول، ويوم الجمع مفعول ثان. ~~وقوله: { لا ريب } [الشورى: 7] لا شك { فريق في الجنة ~~وفريق في السعير } [الشورى: 7] فما دام هناك تكليف فلا بد أن ~~توجد الطاعة، وأن توجد المعصية، الطائع يثاب والعاصي يعاقب، وهذه سنة ~~حتى عند البشر في أمور حياتهم، بدليل أنهم جعلوا لها قانونا للثواب ~~والعقاب، كذلك في يوم الجمع الذي لا ريب فيه سيكون الناس على قسمين: ~~فريق في الجنة، وفريق في السعير. # في اللغة أسلوب يسمى الاحتباك أي: الأمر المحبوك، وهو أن يحذف من ~~الشيء ما يدل عليه غيره على التقابل، ومن ذلك قوله تعالى: # قد كان لكم آية # [آل عمران: 13] يعني: أمر عجيب # في فئتين التقتا # يعني في حرب # فئة تقاتل في سبيل الله # [آل عمران: 13] وهي الفئة المؤمنة # وأخرى كافرة # [آل عمران: 13] أي: تقاتل في سبيل الشيطان. تأمل هذا النسق القرآني تجده ~~حذف الوصف مؤمنة لأنه دل عليها قوله # تقاتل في سبيل الله # [آل عمران: 13] وفي الأخرى ذكر الوصف كافرة وحذف المقابل أي ms9044 تقاتل في ~~سبيل الشيطان، فحذف من إحديهما ما دلت عليه الأخرى بالتقابل، وهذا يسمى ~~الاحتباك. وقوله تعالى: { فريق في الجنة وفريق في ~~السعير } [الشورى: 7] تفريق بعد الجمع في قوله: { وتنذر يوم ~~الجمع } [الشورى: 7] والتفريق بعد الجمع أسلوب آخر من أساليب القرآن، ~~وهناك الجمع والتفريق والتقسيم. ومن ذلك قوله سبحانه: # يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه # [هود: 105] هذا جمع # فمنهم شقي وسعيد # [هود: 105] هذا تفريق، ثم يقسم ويفصل القول في كل فريق: # فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير ~~وشهيق * خالدين فيها ما دامت السموت والأرض ~~إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما يريد * ~~وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما ~~دامت السموت والأرض إلا ما شآء ربك عطآء ~~غير مجذوذ # [هود: 106-108]. لكن لماذا هذا التفريق { فريق في الجنة ~~وفريق في السعير } [الشورى: 7] قالوا: لأن الحق سبحانه خلق ~~الخلق وخيرهم حين عرض عليهم الأمانة، وهي أمانة التكليف في قوله ~~تعالى: # إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [الأحزاب: 72]. يعني: تركنا لهم حرية الاختيار لحمل الأمانة فأشفقت كل ~~المخلوقات من حملها، فاختارت أن تكون مسيرة يتصرف فيها ربها كيف شاء ~~إلا الإنسان والجن، فقد اختار حمل الأمانة. # إنه كان ظلوما # [الأحزاب: 72] أي: لنفسه { جهولا } بالعواقب، لأنه قد تضمن نفسك ساعة ~~التحمل، لكنك لا تضمن ساعة الأداء، فقد تحول ظروفك بينك وبين أداء ~~الأمانة، فلأن الإنسان اختار حمل الأمانة واختار الاختيار كان لا بد ~~أن يسأل عن أمانته، وأن يحاسب عليها، أحفظ أم ضيع، وكان لا بد له ~~من دار جزاء وحساب، ففريق في الجنة وفريق في السعير. ### || [42.8] # يعني: لا تتعجب من أمر الله، فله المشيئة المطلقة في خلقه، ولو كانت ~~مشيئته مشيئة قهر ما استطاع أحد الخروج عليها، ولكان الناس جميعا ~~مؤمنين، لكن فرق بين الإيمان عن قهر وإجبار، والإيمان عن حب واختيار. ~~الحق سبحانه لا يريد منا القوالب الجامدة، إنما يريد القلوب المحبة، ~~يريدها ms9045 طواعية مختارة، وسبق أن مثلنا لذلك ولله المثل الأعلى برجل ~~عنده عبدان أحدهما حر طليق، والآخر مربوط إلى سيده بحبل، فحين ينادي ~~السيد يأتيانه ويجيبان نداءه، فأيهما أطوع وأيهما محب؟ الحق سبحانه ~~وتعالى حين عرض الأمانة على الخلق كله وخيرهم أثبت الجانبين القهر ~~والقدرة وأثبت المحبة، أثبت القدرة والقهر في أن جعل خلقا من خلقه ~~هو السماوات والأرض وكل الكائنات عدا الإنس والجن تأتي طائعة مؤمنة، ~~وتتنازل عن اختيارها لاختيار ربها وخالقها. ثم أثبت الحب في اختيار الإنس ~~والجن، لأنهم آمنوا حبا وكانوا يقدرون على الكفر. { ولكن يدخل ~~من يشآء في رحمته } [الشورى: 8] وهم المؤمنون يدخلون الجنة ~~بفضل الله وبرحمته لا بأعمالهم، فالأعمال سبب في دخول الجنة. وفي المقابل ~~{ والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير } [الشورى: 8] ~~يعني: سيدخلون النار، لأن الفريق الذي دخل الجنة دخلها بفضل الله ورحمته، ~~وهؤلاء ظالمون، والظلم جزاؤه النار. { ما لهم من ولي } ~~[الشورى: 8] يعني: قريب يواليهم ويدفع عنهم { ولا نصير } [الشورى: ~~8] ينصرهم ولو من بعيد، يراهم مغلوبين، فيحن عليهم وينصرهم. ثم بين ~~الحق سبحانه علة ذلك، وأنهم أعرضوا عن عبادة الله الواحد الأحد، ~~واتخذوا من دونه أولياء فاستحقوا هذا الخذلان: { أم اتخذوا من ~~دونه أوليآء فالله هو... }. ### || [42.9] # بعد أن قرر الحق سبحانه أن الظالمين ما لهم من ولي ولا نصير يسوق هذا ~~السؤال: { أم اتخذوا من دونه أوليآء } [الشورى: 9] هل ~~لهم أولياء لا نعلمهم، فالاستفهام هنا للنفي والإنكار، وما داموا ليس لهم ~~أولياء فلماذا لم يتخذوني وليا لهم، أو يكون المعنى: بل اتخذوا من دونه ~~أولياء، وعليهم أن يتفكروا في ذلك، وأن يراجعوا أنفسهم. { فالله ~~هو الولي } [الشورى: 9] الولي الحق لمن أراد وليا وناصرا { ~~وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير } ~~[الشورى: 9] جاء هنا بصفتين لا يستطيعهما أحد من أوليائهم إحياء الموتى ~~والقدرة، وهذه الصفات الخاصة به سبحانه نجدها في القرآن دائما مقرونة ~~بضمير الفصل للتأكيد على أنها لله وحده لا يشاركه فيها غيره، لذلك قال: { ~~فالله هو الولي وهو يحيي الموتى ms9046 وهو على ~~كل شيء قدير } [الشورى: 9]. وقال سبحانه: # وأنه هو أضحك وأبكى * وأنه هو أمات وأحيا # [النجم: 43-44] فهذه أفعال لا يقدر عليها إلا الله وحده، فمعنى أضحك ~~وأبكى أوجد فيك غريزة الضحك وغريزة البكاء، بدليل أنها موجودة في كل بني ~~آدم وفي كل الجنسيات، الضحك واحد عند العرب، وعند الهندي، وعند الروسي ~~ومثله البكاء فهي إذن غريزة، وكذلك مسألة الحياة والموت هي لله وحده لا ~~يقدر عليها أحد سواه. وفي قصة سيدنا إبراهيم يقول وهو يعدد نعم ~~الله عليه: # الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ~~ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ~~ثم يحيين # [الشعراء: 78-81]. ففي الأمور التي فيها شبهة فعل لغير الله يأتي ~~بضمير الفصل هو لتأكيد أن الفعل لله وحده كما في { فهو يهدين } ~~[الشعراء: 78] لأن الهداية قد تأتي على يد أحد من البشر، وفي { ~~يطعمني ويسقين } [الشعراء: 79] فالأب مثلا قد يظن فيه أنه ~~الذي يطعمني ويسقين، كذلك في { يشفين } [الشعراء: 80] لأن الطبيب ~~قد يظن البعض أن بيده الشفاء، أما في الأفعال التي لا شبهة لتدخل أحد ~~فيها فيأتي بها دون توكيد لأنها خالصة لله تعالى دون منازع { والذي ~~يميتني ثم يحيين } [الشعراء: 81]. وإحياء الموتى يراد به ~~البعث في الآخرة، وقد رأينا مثالا له في الدنيا كقصة العزير التي ~~حكاها القرآن: # أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على ~~عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ~~فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت ~~قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مئة ~~عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ~~وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر ~~إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما ~~تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء ~~قدير # [البقرة: 259]. ذلك لأن الشعور بالزمن يأتي من الأحداث، فحين تنعدم ~~الأحداث ينعدم الشعور بالزمن، لذلك لما مات عزير مائة عام قال لما أحياه ~~الله: لبثت يوما أو بعض يوم، فأراد الحق سبحانه أن يثبت له صدقه في ms9047 ~~يوم أو بعض يوم بنظره إلى طعامه الذي كان معه حيث وجده كما هو لم يتغير ~~ولم يتلف، وأن يثبت صدق الحق سبحانه في المائة عام، فقال له: انظر إلى ~~حمارك وكيف صار عظاما بالية، وهذا لا يحدث إلا في مائة عام. وقوله ~~تعالى: { وهو على كل شيء قدير } [الشورى: 9] دلت على ~~طلاقة القدرة لله تعالى، وهذه القدرة مشاهدة في آياته الكونية في ~~السماوات وفي الأرض وفي الأنفس، كلها تشهد لله بالقدرة المطلقة. نعم، ~~الله على كل شيء قدير وقد أرانا نماذج من إحياء الموتى في الدنيا لنأخذ ~~منها دليلا على صدقه تعالى في إحياء الموتى في الآخرة، مرت بنا قصة ~~إحياء العزير الذي أماته الله مائة عام. نموذج آخر في قوله تعالى: # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف ~~حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم ~~إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر ~~الناس لا يشكرون # [البقرة: 243]. ومن عظمة الحق سبحانه وقدرته على كل شيء أن يعدى إلى ~~خلقه شيئا من قدرته، فيجعل مثلا سيدنا إبراهيم قادرا على إحياء الموتى ~~بإذن الله، القوي من البشر مثلا حين يرى ضعيفا يعينه ويعدى إليه أثر ~~قوته فيحمل له متاعه ويظل الضعيف ضعيفا. أما الحق سبحانه فإنه حين ~~يعدي قوته إلى عبده يجعله يفعل بنفسه وينقل إليه شيئا من قدرته ومن ~~صفاته تعالى فتصير القوة فيك ذاتية. تعرفون قصة سيدنا إبراهيم لما أراد ~~أن يرى عملية إحياء الموتى بنفسه فطلب من ربه ذلك: # رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن ~~قال بلى ولكن ليطمئن قلبي # [البقرة: 260]. يعني: يا رب أنا مؤمن ومصدق لكن أريد الاطمئنان، أريد ~~الترقي إلى مرتبة أعلى في الإيمان، بعض المستشرقين يقولون في التعليق على ~~هذه الآية: هل الإيمان غير اطمئنان القلب؟ وما دام طلب اطمئنان القلب ~~فالإيمان إذن ناقص. نقول: سيدنا إبراهيم عليه السلام لم يقل: رب هل تحيي ~~الموتى أم لا؟ لقد قال: # رب أرني كيف تحيي الموتى # [البقرة: 260] فهو مؤمن بإحياء ms9048 الله للموتى ومصدق بقدرة الله على ذلك ~~ويريد أن يعرف الكيفية، فالاطمئنان للكيفية لا لإثبات الصفة لله تعالى، ~~كما لو قلت لك: كيف بنيت هذا المسجد، هل أنا أشك في بنائه؟ لا فهو ~~موجود بالفعل لكن أريد أن أعرف الكيفية. لذلك الحق سبحانه رد على نبيه ~~إبراهيم ردا منطقيا، فكيفية إحياء الموتى لا تعرف بالكلام إنما بالفعل ~~والممارسة، فجعله يمارس هذا الفعل بنفسه ويزاول عملية إحياء الموتى ~~ويعاينها # قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك # [البقرة: 260] يعني: تأكد منهن ومن علاماتهن ثم اذبحهن # ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ~~ادعهن.. # [البقرة: 260] إذن: أنت الفاعل بنفسك، وهذه من عظمة الخالق سبحانه. إذن: ~~{ وهو يحيي الموتى } [الشورى: 9] يعني: عملية مقصورة عليه ~~سبحانه، حتى وإن عداها لمن يشاء من عباده فهو صاحبها { وهو على ~~كل شيء قدير } [الشورى: 9] تجد بعض المخلوقات لها قدرة كما في ~~بعض البشر مثلا، أو بعض الملائكة التي اتخذوها من دون الله، لكنها قدرة ~~محدودة فإن قدرت الملائكة مثلا على فعل شيء عجزت عن أشياء، أما الحق ~~سبحانه فقدرته مطلقة لا يعجزها شيء، قدرة كاملة على كل شيء. ### || [42.10] # الاختلاف هو عدم التقاء الآراء في قضية ما، وينقسم الجمع إلى فريقين أو ~~أكثر، كل يؤيد رأيه ويعارض رأي الآخر، ويقابله الوفاق والآراء تختلف ~~إما في نقاش جاد مثمر يراد منه الوصول للحقيقة، وإما جدل ولجاجة لا ~~فائدة منها ومراء بالباطل. لذلك يعلمنا الحق سبحانه ماذا نفعل حين ~~نختلف، أن نرد الأمر والحكم لله، لذلك لما اختلفوا مثلا في الروح ~~وسألوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله تعالى: # ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ومآ ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85]. كذلك علمنا الحق سبحانه أدب الخلاف وألا نتعجل في ~~الحكم، وأن نبحثه بموضوعية، فقد يكون المختلفون متفقين في واقع الأمر وهم ~~لا يعلمون وجه هذا الاتفاق، # " ففي غزوة الأحزاب بعد أن عادت قريش إلى مكة، واليهود إلى أماكنهم أخبر ~~الحق سبحانه نبيه ms9049 صلى الله عليه وسلم أن اليهود هم سبب هذه الحرب، وأصل ~~هذه البلوى، فاذهب إليهم ولا تخلع لباس الحرب، فذهب رسول الله إلى جيشه ~~العائد من الحرب وقال لهم: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين ~~العصر إلا في بني قريظة ". # يريد الحرب، فعاد الصحابة وتوجهوا إلى بني قريظة، فدخل عليهم وقت ~~المغرب وهم في الطريق فاختلفوا في صلاة العصر، فريق يقول يجب أن نصليها ~~الآن قبل فوات وقتها، وفريق يقول: لا بل نصليها في بني قريظة كما أمر ~~رسول الله. إذن: رأى تعصب للزمان، ورأى تعصب للمكان، فمن تعصب ~~للزمان صلى في الطريق ومن تعصب للمكان صلى في بني قريظة، حتى إذا ما ~~التقوا برسول الله عرضوا عليه هذا الخلاف، فأقر كلا منهم على رأيه، ~~ولم يعارض هذا ولا ذاك. إذن: كان اختلافا شكليا، وهم لا يدرون أنهم ~~جميعا على الحق، وأنهم في وفاق، إذن: حين نختلف علينا أن نرد الأمر ~~إلى الله وإلى رسول الله، وأن نكون موضوعيين دون تعصب، هذا في الخلاف ~~بين المؤمنين. كذلك إن كان الخلاف مع أهل الكتاب اليهود أو النصارى، ~~ردوا خلافكم معهم إلى الله، لأن عندهم كتبا سماوية: التوراة ~~والإنجيل، وفيها تصديق بمحمد خاتم الرسل، وفيها بشارة به، وفيها صفاته ~~وعلاماته، بدليل أن منهم من آمن بعد بعثة رسول الله، فردوا خلافكم ~~معهم إلى الله لتقطعوا عليهم طريق اللجج والعناد والخصومة. ومعنى { ~~فحكمه إلى الله } [الشورى: 10] وأيضا إلى رسول الله لأنه نائب ~~عن الله في الأحكام، وقد أعطاه الله حق التشريع بدليل قوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7] وهذه ميزة لم ينلها أحد من الرسل قبل رسول الله، حيث كان ~~عليهم البلاغ فقط، أما سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد فوضه ربه ~~في التشريع. # لذلك لما قال أحد المجادلين: ما الدليل على أن الصبح ركعتان، والظهر ~~أربع، والمغرب ثلاث؟ قال: الدليل قوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. وكونك تحكم ms9050 الحق سبحانه في مسألة خلافية وتعرضها على قول ~~الله وقول رسول الله، هذه الرجعة تنهي الخلاف وتنهي المراء، ولا غضاضة ~~على أحد أن يحتكم إلى قوة أعلى تلتقي عليها القلوب في صفاء ورضا بحكمه ~~تعالى، ألا ترى أن الحكم عليك إن جاء من بشر مثلك ربما لا تقبله حتى لو ~~كان صوابا، أما حين يكون الحكم لله فلا غضاضة ولا حرج. { ذلكم ~~الله ربي عليه توكلت } [الشورى: 10] { ذلكم } اسم ~~اشارة للتعظيم، ف { ذا } إشارة، واللام للبعد، والكاف للخطاب { ~~ذلكم الله ربي } تقولها وأنت فخور بها، معتز بالانتساب إليه ~~سبحانه، وكأنه شيء عال فوق كل تصور، والرب قلنا: هو الذي يتولى ~~التربية والعطاء، ومنه الفضل والإنعام، وعليه أتوكل في كل أمري { ~~وإليه أنيب } [الشورى: 10] أرجع وأعود في الآخرة للحساب والجزاء. ~~وحين أقول { ذلكم الله ربي } [الشورى: 10] فأنا معتز بالربوبية ~~التي تربي وتعطي، ومعتز بالألوهية التي تكلف، لأن التكليف من تمام ~~التربية، ومقتضى تربيتي أن تكون دنياي سعيدة، لكن الدنيا موقوتة ومنتهية، ~~فالتربية الحقة إذن أن أربيك لشيء أبقى وأدوم وهي الآخرة التي لا ينقطع ~~نعيمها ولا أغادرها بموت ولا تغادرني بفناء. البعض يقول: التربية هنا ~~للمادة، نقول: للمادة وللقيم والروح أيضا، لذلك يقول تعالى: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم # [الأنفال: 24] ما معنى يحييكم هنا ألم يخاطبهم وهم أحياء يسمعون؟ إذن: ~~المراد حياة أخرى غير حياة المادة، المراد حياة القيم والروح، الحياة ~~الخالدة التي لا تفوتك ولا تفوتها. لذلك يسمى المنهج الذي يمنحك هذه ~~الحياة روحا قال تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52] نعم روحا، تعطيك الحياة الأبدية أما الروح الأولى فتعطيك ~~فقط الحياة الدنيا، ويسمى كذلك الملك الذي ينزل بالمنهج روحا: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]. إذن: نفهم أن الحياة المطلوبة ليست هي الحياة الدنيا، ~~إنما الدنيا وسيلة وأداة موصلة إلى غاية أفضل منها، ولكي أصل إلى هذه ~~الغاية ينبغي علي أن أستقيم على منهج من سيعطيني هذه الحياة. إذن { ~~ذلكم الله ربي } [الشورى: ms9051 10] جمعت بين لفظ الألوهية والعبادة ~~والتكليف وبين لفظ الربوبية التي تربي وتعطي وتمنح. وتأمل آداء القرآن ~~في مسألة التوكل عليه توكلت أهل اللغة يسمون هذا الأسلوب أسلوب ~~قصر بتقديم الجار والمجرور عليه مقدم على الفعل توكلت وهذا يفيد ~~القصر والحصر، فتوكلي على الله لا على سواه على الله فحسب، أما لو قلت: ~~توكلت على الله يجوز أن تزيد عليها: وعلى فلان. # فأسلوب القصر يقصر التوكل على الله وحده. قالوا: والتوكل على الله رصيد ~~من فقد الأسباب وخرج من حوله وقوته إلى قوة ربه وخالقه لأن الله تعالى ~~جعل لكل شيء أسبابا، فإذا عزت الأسباب نلجأ إلى المسبب سبحانه: # أمن يجيب المضطر إذا دعاه # [النمل: 62]. والمضطر هو الذي استنفد كل الأسباب المتاحة، وعندها لا ~~يسلم نفسه للأحداث ولا ييأس، إنما يقول: إن لي ربا فوق الأسباب، فهو ~~خالقها ومسببها ولن يتخلى عني حين ألجأ إليه. وسبق أن ذكرنا لكم قصة ~~سيدنا موسى عليه السلام لما أدركه فرعون وجنوده وحاصروهم عند شاطئ البحر، ~~حتى قال أصحاب موسى # إنا لمدركون # [الشعراء: 61] فواقع الأحداث أن البحر أمامهم والعدو خلفهم ولا مفر، ~~لكن لموسى مع ربه حسابات أخرى، فقال ردا عليهم: # قال كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. وهذا هو التوكل الذي يعتمد على الثقة بالله، توكل المضطر ~~الذي عزت عليه أسبابه، ولم يبق له إلا أن يلجأ إلى الله، لذلك جاء ~~الجواب من الحق سبحانه معجزة خالدة باهرة: # أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق ~~كالطود العظيم * وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا ~~موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين # [الشعراء: 63-66]. كذلك في { وإليه أنيب } [الشورى: 10] أسلوب ~~قصر بتقديم الجار والمجرور على الفعل يعني: أرجع إليه وحده لا إلى أحد ~~سواه. وتلحظ على الأسلوب هنا أن التوكل جاء بصيغة الماضي { عليه ~~توكلت } [الشورى: 10] أما الإنابة فجاءت بصيغة المضارع { ~~وإليه أنيب } [الشورى: 10] هذه الدقة في التعبير، لأن المتكلم ~~بهذا الكلام هو الله. فطبيعي أن تجد هذه الحبكة والدقة اللغوية، ذلك لأن ~~التوكل عقيدة راسخة من ms9052 أول الأمر وقبل أن تتكلم في التوكل، فهو ناشئ ~~أولا وموجود، أما الإنابة إليه والرجوع فيكون وقت الحدث في المستقبل ~~حينما نرجع إليه سبحانه. ثم يتحدث عن حيثية أخرى من حيثيات قدرته تعالى ~~وأنه هو الولي الحق: { فاطر السموت والأرض جعل لكم... ~~}. ### || [42.11] # وقال تعالى في أول سورة فاطر: # الحمد لله فاطر السموت والأرض # [فاطر: 1] الفاطر هو الخالق الذي يخلق الشيء على غير مثال سابق، ولا ~~نموذج يحتذى، كما يحدث مثلا في عالم الصناعة الآن، فهناك دولة متقدمة ~~صناعيا فتأتي دول أقل منها تأخذ صناعاتها وتقلدها وتصنع على مثالها، ~~صحيح تطور فيها وتجدد وتضيف لكن للدولة الأولى السبق في النموذج ~~الأول. فمعنى { فاطر السموت والأرض } [الشورى: 11] خالقهما ~~ومبدعهما على غير مثال سابق { جعل لكم } [الشورى: 11] دلت على أن ~~كل الأشياء مخلوقة لخدمة بني آدم هذا الخليفة الذي استخلفه الله في الكون ~~لذلك ورد في الحديث القدسي: # " يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تنشغل بما هو ~~لك عما أنت له ". # وقوله تعالى: { جعل لكم من أنفسكم أزواجا } [الشورى: ~~11] يراد بالأزواج هنا الذكورة والأنوثة، كما في قوله تعالى: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36]. وهذه حقيقة أثبتها العلم الحديث أن الزوجية موجودة في كل شيء ~~حتى في الجمادات، فهمناها في الموجب والسالب في الكهرباء، ورأيناها ~~في ذرات المادة، قديما كانوا يعرفونها في الأحياء في الإنسان والحيوان ~~والنبات، وبالتقدم العلمي وجدناها في كل شيء خلقه الله. وهذا دليل صدق ~~قوله تعالى: # ومما لا يعلمون # [يس: 36]. ومن عجائب الخلق في هذه المسألة أن ترى نباتا يحمل خصائص ~~الذكورة وآخر للأنوثة، ويتم التلقيح بينهما عن طريق الهواء أو الفراشات ~~مثلا، وفي نبات آخر تجد فيه خصائص الذكورة والأنوثة معا في شجرة واحدة، ~~فشجرة الجميز مثلا منها ذكر وأنثى والنخل كذلك، أما شجرة المانجو فهي ~~واحدة تلقح نفسها، ومثلها سنبلة القمح وعود الذرة، فهذه كلها تلقح ~~نفسها، لأن فيها عناصر للذكورة وأخرى للأنوثة ms9053 في نفس النبات. ومعنى { ~~من أنفسكم أزواجا } [الشورى: 11] يعني: من نفس النوع ومن نفس ~~جنسكم، والطبيعة تجذب كلا من النوعين الذكر والأنثى إلى الآخر فيحدث ~~تعايش بينهما ينشأ عنه غريزة هي غريزة الجنس، وهذه يصاحبها متعة. ومن ~~التقاء الذكر والأنثى يحدث النسل، فالإنسان أخدها للنسل وللمتعة معا، ~~أما الحيوان فأخذها للنسل فقط، فترى الذكر منجذبا إلى الأنثى حتى يحدث ~~الحمل، بعدها لا يقربها. أما الإنسان فغير ذلك، الإنسان أخذها متعة وبعد ~~ذلك يتهم الحيوان ويقول: شهوة بهيمية، هي في الواقع شهوة إنسانية، فلم ~~نظلم البهائم؟ ومن نعمه تعالى على خلقه أن جعل الأزواج من جنس واحد ~~ليتم التوافق والانسجام بين النوعين ويحدث التناسل وبقاء النوع لذلك ~~امتن الحق سبحانه على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن جعل لهم رسولا ~~من أنفسهم يحمل إليهم منهج الله # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. نفهم من ذلك حرص الإسلام على الحياة الأسرية، وأن هذه ~~الحياة ينبغي أن يسودها الود والوفاق والأنس، وأن تبنى على المحبة، ~~لذلك قال سبحانه: # وجعل بينكم مودة ورحمة # [الروم: 21]. والأزواج جمع زوج، وزوج لا تعني الاثنين كما يفهم البعض، ~~إنما تعني فردا معه مثله، كذلك كلمة توأم. { ومن الأنعام ~~أزواجا } [الشورى: 11] سبق في سورة الأنعام: # ثمنية أزوج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صدقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر ~~اثنين.. # [الأنعام: 143-144]. إذن: ما دام قال لنا ثمانية أزواج، ثم عدد أربعة ~~فكل نوع مكون من زوجين زوج وزوج { يذرؤكم فيه } [الشورى: 11] ~~أي: في الجعل ويذرؤكم يعني يكثركم، نلحظ أنه تعالى لم يقل يذرأكم به ~~يعني: يكثركم بالجعل، إنما { يذرؤكم فيه } [الشورى: 11] وفيه ~~تأتي بمعنى بسببه. كما في الحديث الشريف: # " دخلت امرأة النار في هرة حبستها " # يعني: بسبب هرة ونقول مثلا لما واحد فتوة يعمل جريمة نقول أهو راح فيها ~~يعني: بسببها. وقوله تعالى: { ليس ms9054 كمثله شيء } [الشورى: 11] ~~له مناسبته هنا، فلما تكلم الحق سبحانه عن الأزواج في كل شيء أراد سبحانه ~~أن ينزه ذاته تعالى عن هذه المسألة، فقال { ليس كمثله شيء ~~} [الشورى: 11] ولنفي المماثلة نقول: ليس مثله شيء، أما هنا فقال: { ~~ليس كمثله شيء } [الشورى: 11]. إذن: جعل لنفسه مثلا، لأن ~~العرب تنطق بالمثل وتريد به الإنسان نفسه، فإذا حدث من شخص أمر ما ~~يقولون له: مثلك لا يفعل هذا، يعني: أنت لا يصح أن تفعله، لأن مثلك لا ~~يفعله، مثلك لا يجبن عند الحرب، لكن لماذا لا يقولون أنت لا تجبن عند ~~الحرب وأتى بالمثل؟ تأمل هنا المرحلية اللغوية، حين تقول: زيد مثل ~~الأسد هذا يعني أنه دون الأسد، فأنت شبهته بالأعلى في الصفة. إذن: ~~المثل أقل من الأصل، ولو فرض أن الحق له مثل لا نقول: إن الله له مثل ~~لأن مثله أدنى منه. إذن: لا مثل له، وهذا معنى قول الشاعر: # ولم أقل مثلك أعني به # سواك يا فردا بلا مشبه # إذن: الأسلوب هنا في نفي المثلية أن يقول ليس مثله شيء، إنما أراد ~~سبحانه أن يؤكد هذه المسألة { ليس كمثله شيء } [الشورى: 11] ~~يعني: لو كان هناك مثل لله لا يكون له شبه، فكيف بالله تعالى؟ وكلمة { ~~شيء } [الشورى: 11] تطلق على جنس الأجناس يعني: كل ما يقال له شيء ~~فكل ما يطلق عليه شيء ليس كمثله. { وهو السميع البصير } ~~[الشورى: 11] أتى هنا بصفتين شركة بين الحق سبحانه وبين خلقه، فأنت ~~تسمع والله يسمع، وأنت تبصر والله يبصر، لكن ينبغي أن نأخذ هذه الصفات ~~لله تعالى في إطار { ليس كمثله شيء } [الشورى: 11] فليس السمع ~~كالسمع وليس البصر كالبصر. # معنى { السميع } [الشورى: 11] أي: للأصوات { البصير } [الشورى: ~~11] للمرئيات. وفي موضع آخر يقول سبحانه: # والله بصير بما يعملون # [المائدة: 71] فالسمع نفسه عمل، والقول عمل والبصر عمل، وسبق أن أوضحنا ~~أن العمل قول وفعل، والقول خاص باللسان، والفعل يشمل عمل كل الجوارح ~~عدا اللسان، وبذلك يكون اللسان وحده قد أخذ شطر العمل، لأن القول به ~~البلاغ، ms9055 وبه إعلان الإيمان، وبه يعبر المرء عن نفسه. وهذه الآية { ~~ليس كمثله شيء } [الشورى: 11] تعلمنا كيف ننزه الله ~~تعالى عن كل شبيه أو نظير أو مثيل، وتعلمنا أن نأخذ كل وصف مشترك بين ~~الحق وبين الخلق في هذا الإطار الإيماني. ولم لا ونحن في صفات البشر ~~نتفاوت، وفي إمكانياتنا نتفاوت، فتجد مثلا شيخ الغفر له بيت و مصطبة ~~لاستقبال الضيوف، وشيخ البلد والعمدة كل واحد له بيت وله مصطبة أو حجرة ~~جلوس على قدره، أما المأمور مثلا فهو أعلى من هؤلاء جميعا، وعنده ما ~~ليس عندهم، هذا تفاوت بين البشر، فما بالك بالصفات المشتركة بيننا وبين ~~ربنا عز وجل؟ ### || [42.12] # أولا: لاحظ هنا أسلوب القصر في { له مقاليد السموت ~~والأرض } [الشورى: 12] بتقديم الجار والمجرور، فمقاليد السماوات ~~والأرض له وحده وملكه وحده، ومقصورة عليه سبحانه لا يشاركه فيها أحد. ~~كلمة { مقاليد } [الشورى: 12] جمع مقلاد وهو المفتاح لذلك قال تعالى ~~في موضع آخر # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو.. # [الأنعام: 59] فله سبحانه مفاتيح الخير في السماوات وفي الأرض، ومعنى ~~مفاتيح أنها تغلق على شيء نافع ومفيد. والغيب خزينة من هذه الخزائن ~~المغلقة، فحين يعطي الله مفتاحها لأحد ويطلعه على شيء من الغيب يجريه ~~على لسانه مكرمة وفضلا منه تعالى عليه، ولا يعني هذا أنه أصبح عالما ~~للغيب ويفتح مكتب علم الغيب، بل يأخذ حاجته التي أكرمه الله بها ويعطي ~~المفتاح لصاحبه # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو.. # [الأنعام: 59] فمن يدعي علم الغيب لا يعرف كيف يتأدب مع الله. ونحن ~~نستخدم هذه الكلمة مقاليد في لغتنا العامة الآن فنقول: فلان بيده ~~مقاليد الحكم أو مقاليد الأمور في الشركة أو المصنع، يعني: هو المسئول ~~الذي يملك القرار وبيده مفاتيح العمل وأسراره. وقوله تعالى: { يبسط ~~الرزق لمن يشآء ويقدر.. } [الشورى: 12] أي: هنا بمفتاح ~~ومقلاد من هذه المقاليد هو مفتاح الرزق، يبسطه سبحانه لمن يشاء ويوسعه ~~وييسره، وأيضا يقبضه ويضيقه على من يشاء من عباده، والمقاليد على ~~الأرزاق تشرح لنا قوله تعالى: # وإن من ms9056 شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21] يعني: بسط الرزق أو يقبضه بعلم وبقدر وبحكمة. لا تظن أن ~~الأرزاق توزع هكذا كما اتفق لا، لأن الموزع لها عليم بخلقه وخبير ~~بأسرارهم وخفاياهم، حكيم يضع الشيء في موضعه، لذلك لا تتعجب حينما ترى ~~الغني المترف الذي يملك الملايين وجاره لا يجد قوت يومه، لا تتعجب حينما ~~ترى مثلا أصحاب المحلات التجارية، هذا يبيع ويشتري وعنده رزق وفير ~~وبجواره محل مثله لا يدخله أحد، لا تتعجب لأن وراء هذا وذاك حكمة عرفها ~~من عرفها وجهلها من جهلها. ويكفي أن تقرأ: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21] وهنا ذيل الآية بقوله: { إنه بكل شيء عليم ~~} [الشورى: 12] يعلم من يعطي ومن يمنع، ولذلك يقول سيدنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو يجلي لنا هذه الحكم، يقول: قال الله عز وجل في ~~الحديث القدسي: # " إن من عبادي من إذا أغنيته لفسد حاله، ومنهم من إذا أفقرته لصلح ~~حاله ". # والحق سبحانه يقول: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7]. ففقر الفقير لحكمة، والغنى عند الغني لحكمة، فلا ~~تعترض وتأمل فربما كان المال عندك أداة سطو وبطش وتعد وطغيان، وربما ~~دعاك المال إلى العصيان أو ولد عندك نزوعا للشر، فحين يمنعك الله هذه ~~الأداة فإنما منعك ليرحمك بالفقر فالغنى لا يناسبك، وصلاحك في الفقر، ~~وفي شيء من الرضا بما قسمه الله لك، وألا تمد عينيك إلى من هو ~~أعلى منك في متاع الدنيا وزخرفها. # كثيرا ما نرى أولاد الأغنياء فاسدين بسبب كثرة المال في أيديهم، في حين ~~تجد ابن الفقير معافى من هذا، وربما يكون أحسن حالا من ابن الغني، ~~وفي واقعنا نماذج كثيرة من ذلك. والمؤمن مطالب أن يعيش في حدود ~~إمكانياته المادية، والذي يتعب الناس الآن أنك تجد الواحد منا يفرض لنفسه ~~مستوى معيشة معين قبل أن يفرض لنفسه دخلا يوازي هذا المستوى الذي اختاره ~~لنفسه، فلما يحدث العجز يضطر للحرام للغش وللسرقة ms9057 وللرشوة وغيرها من ~~وسائل الكسب الحرام ليغطي نفقات معيشته. قال تعالى: # لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه ~~فلينفق ممآ آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ~~مآ آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا # [الطلاق: 7]. المؤمن يدخل السوق فيجد فيه ما لذ وطاب، الرومي واللحوم ~~والأسماك والفاكهة، وقد تشتاق نفسه إليها لكن يتحلى بالرضا ويقنع بما ~~في مقدوره، فيشتري كيلو فول أخضر ونصف كيلو جبنة، ويذهب ليأكل في وسط ~~أولاده فيجد لهذه الأكلة البسيطة طعما ولذة ربما لا يجدها الغني. أما إن ~~امتدت عينه إلى فوقه مستواه فتراه يشتري بالدين ويأكل كما يأكل ~~الأغنياء، بل ربما أسرف على نفسه ودخل في منطقة التبذير، ثم بعد أيام ~~يأتي من يطرق بابه يطالبه بدينه فيجد من مذلة المطالبة أضعاف ما وجد ~~من لذة الطعام. لذلك الحق سبحانه يخاطب ابن آدم: " يا ابن آدم، خلقتك ~~للعبادة فلا تلعب، وقسمت لك رزقك فلا تتعب - ولا يعني هنا تعب الجوارح ~~إنما تعب الفكر والهم وشغل البال - فإن رضيت بما قسمته لك أرحت ~~قلبك وبدنك وكنت عندي محمودا، وإن أنت لم تقنع بما قسمته لك فوعزتي ~~وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ~~ينالك منها إلا ما قسمته لك وكنت عندي مذموما. يا ابن آدم خلقت ~~السماوات والأرض ولم أعى بخلقهن أيعييني رغيف أسوقه إليك، يا ابن ~~آدم لا تطلب مني رزق غد كما لا أطالبك بعمل غد، يا ابن آدم أنا لك ~~محب فبحقي عليك كن لي محبا ". وحين يرضى الفقير بما قسمه الله ~~له، ولم يتطلع إلى أعلى من مستواه يقول الله له: رضيت بقدري، فالآن ~~أعطيك على قدري. لذلك تجد كل عظماء العالم وقادته بدأوا حياتهم في فاقة ~~وفقر مدقع وقد حدثونا عن تاريخ بعض هؤلاء، وكيف أنهم جاءوا من قاع ~~المجتمع. # ولما تتأمل مسألة تضييق الرزق على بعض الخلق تجد له حكمة اجتماعية، ~~هذا التفاوت يؤدي إلى نوع من التكامل بين عناصر المجتمع، وتصور لو ms9058 أن ~~المجتمع كله أغنياء مبسوط لهم الرزق، من سيقوم على خدمتهم؟ من يصنع ~~لهم ويزرع ويقضي المصالح الأدنى؟ إذن: لا بد من وجود طبقة الفقراء ~~لتقوم بهذا الدور، لا عن تفضل إنما عن حاجة يحتاج العامل أجره فيعمل، ~~ويحتاج الخادم أجره فيخدم ويمسح ويكنس، فالحاجة والمنفعة هي التي تربط ~~عناصر المجتمع. ومن العجيب أنك ترى الآن رجال الأعمال وأصحاب المصالح ~~يشتكون من العمال، يقول لك العامل ما دام معه فلوس وجيبه مليان لا يعمل ~~إلى أن ينتهي ما معه من نقود فيعود إلى العمل، وهكذا.. وأذكر من نوادر ~~أستاذنا الشيخ موسى شريف رحمه الله أن كان يقول ذات مرة: اللهم ارزق ~~العلماء واغنهم وافقر الصناع، فلما سألناه قال: لأن العالم إن لم يكن ~~غنيا ربما أذلته فتوى، أما الصانع أو العامل فإنه لا يعمل إلا إذا كان ~~محتاجا للمال. وسبق أن قلنا: إن الإنسان منا إذا اجتهد في عمله وأخلص ~~له مدة عشر سنين يعيش مرتاحا باقي عمره، وإن اجتهد عشرين سنة ارتاح ~~وأراح أولاده من بعده، وإن اجتهد ثلاثين سنة أراح أحفاده، إذن: على ~~قدر العمل يكون العطاء. ثم ينبغي أن نظل على ذكر لتقلب الأحوال، ~~والحق سبحانه يقول: # وتلك الأيام نداولها بين الناس.. # [آل عمران: 40] فالنعمة وبسطة الرزق عندك اليوم، وقد تصبح عند غيرك أو ~~تمسي. ### || [42.13] # هذه الآية هي المذكرة التفصيلية أو التفسيرية للآية الثالثة في أول ~~السورة: # كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله ~~العزيز الحكيم # [الشورى: 3] والتفصيل بعد الإجمال أسلوب من أساليب القرآن الكريم. قوله ~~تعالى: { شرع لكم من الدين.. } [الشورى: 13] يعني سن لكم ~~وبين ووضح، ومن هذه المادة شرع شرع وشريعة يعني طريقة واضحة، ~~والإنسان فيه جانبان المادة والروح. فكما أن الحق سبحانه ضمن له بقاء ~~حياة المادة بالماء والطعام والهواء، كذلك جعل له حياة لروحه حياة بالقيم ~~والأخلاق. هذه القيم هي منهج الله الذي نزل على قلب رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، وبهذا المنهج تحيا القلوب والأرواح كما تحيا الأبدان بالطعام ~~والشراب، ms9059 وهذا الشرع وهذه القيم ليست جديدة في موكب الرسالات، بل هي سنة ~~الله فيمن سبق كان لهم دين وشرع، كل بما يناسبه. لذلك قال بعدها: { ما ~~وصى به نوحا.. } [الشورى: 13] يعني: ما أمر به نوحا وألزمه من ~~التكاليف، واختار نوحا لأنه كان أول رسول في العموميات، وقد قال بعض ~~العلماء أن نوحا أرسل كذلك للناس كافة على اعتبار أن الناس في زمنه ~~كانوا هم ركاب السفينة، فعموميته خاصة بالموجودين معه على السفينة، أما ~~عمومية رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكانت عامة للناس في كل مكان على ~~وجه الأرض. ثم تأمل هنا دقة الأداء القرآني في { ما وصى به ~~نوحا.. } [الشورى: 13] ما هنا اسم موصول بمعنى الذي، وكان المنطق أن ~~يقول بعدها: وما أوحينا إليك. باسم الموصول ما لكن هنا الكلام عن الوحي ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بالذي وهي أم الموصولات كلها، ~~ومع غيره جاءت ما وهي كما يقول النحويون اسم موصول بمعنى الذي، ثم تلاحظ ~~الفعل وصى هكذا بالمفرد، إنما مع رسول الله قال: { والذي ~~أوحينآ إليك.. } [الشورى: 13] بنون الجمع ويسمونها نون العظمة. ~~ثم بعد ذلك يعود السياق إلى استخدام ما مرة أخرى: { وما وصينا ~~به إبراهيم وموسى وعيسى.. } [الشورى: 13] وهذه تدل على ~~خصوصية لسيدنا رسول الله من بين سائر الرسل عليهم جميعا السلام. قوله ~~تعالى شرع ووصى، بماذا؟ تأتي بعده أن ويسمونها أن التفسيرية، يعني: تفسر ~~لنا مدلول شرع ووصى { أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه.. } [الشورى: 13] ومثله قوله تعالى: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه.. # [القصص: 7] إذن: وصى الله هؤلاء الأنبياء بأن يقيموا الدين وبعدم ~~التفرق فيه والاختلاف. وإقامة الشيء أي جعله قائما، والقيام هو العمدة ~~في الدلالة على القوة والمقدرة، فالإنسان لا يقوم إلا حال قوته، فإن تعب ~~من القيام قعد، فإن تعب من القعود يضطجع، فالحق يريد منا أن نجعل الدين ~~قائما يعني: نقوم به لا نقعد ولا ننام، فالقيام هنا كناية عن الاهتمام ~~به والمحافظة عليه { ولا تتفرقوا فيه. # . } [الشورى: ms9060 13] نهى عن الاختلاف فيه. كلمة التفرق هذه وردت في قصة ~~سيدنا يوسف عليه السلام، اقرأ: # ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إني ~~أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل ~~فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا ~~بتأويله إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36] قوله: # إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36] دلت على أن الحسن مقدر حتى عند المسيء فالمعنى: ما ~~جئناك إلا لأنك من المحسنين، ودرجة الإحسان لا تأتي منحة من الله إنما ~~تأتي بالعمل والاستقامة على المنهج. وقد بين لهم هذا المنهج الذي رفعه ~~إلى درجة الإحسان فقال: # إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم ~~بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة آبآئي ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك ~~بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون # [يوسف: 37-38]. لذلك أراد سيدنا يوسف عليه السلام أن يفهمنا أن الوصول ~~إلى درجة الإحسان يسير، وأن يشرح لهما الطريق أولا، فلم يحدثهما ~~أولا عن تفسير الرؤيا إنما استغل الموقف لصالح دعوته ورسالته كداعية إلى ~~الله ورآهما في حاجة للتوجيه والوعظ والنصح. ثم إن حاجتهم إليه لتفسير ~~الرؤيا ستجعل الآذان مصغية لكلامه، لذلك دخل معهما في هذا الحوار ~~الإيماني الدعوي: # يصاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار # [يوسف: 39] ثم راح يحدثهم في العقيدة وتصفيتها من شوائب الشرك # ما تعبدون من دونه إلا أسمآء سميتموهآ أنتم ~~وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان إن الحكم ~~إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك ~~الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [يوسف: 40]. وبعد أنهى مهمته كداعية، أخذ يفسر لهما الرؤيا: # يصاحبي السجن أمآ أحدكما فيسقي ربه خمرا ~~وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي ~~الأمر الذي فيه تستفتيان # [يوسف: 41]. ولو أن يوسف عليه السلام قدم تفسير الرؤيا على النصيحة ما ~~كان أخذ من صاحبيه الاهتمام المطلوب، لأن العادة أن يكون الإنسان رهن ~~حاجته فإن قضاها انصرف عنك، وهذه المسألة تعلمنا: إذا كان لك حاجة ms9061 عند ~~المحتاج إليك فابدأ بها لتجد الاهتمام المطلوب، لأنه في مجيئه إليك شعور ~~بأنك الأعلى. إذن: قوله سبحانه: { أن أقيموا الدين ولا ~~تتفرقوا فيه.. } [الشورى: 13] لا تأخذوا أربابا من دون الله، ~~أو لا تتفرقوا في الدين شيعا وأحزابا، كما في قوله تعالى: # إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست ~~منهم في شيء.. # [الأنعام: 159] فساعة تتشتت الجماعة فرقا اعلم أنهم جميعا جانبوا ~~الصواب، لأن الحق واحد يجب أن نلتف جميعا حوله. { كبر على ~~المشركين ما تدعوهم إليه. # . } [الشورى: 13] كلمة كبر بالضم يعني عظم عليهم وشق عليهم، أما ~~كبر بالفتح فتقال للسن فالمشركون عظم عليهم ما تدعوهم إليه من ~~التوحيد وإخلاص العبادة لله تعالى، وشق عليهم أن ينطقوا بكلمة ~~الشهادة لا إله إلا الله، وهم يفهمون جيدا معناها ومقتضاها، فهي عندهم ~~ليست كلمة تقولها الألسنة إنما هي منهج حياة لها متطلبات، وإلا لكانوا ~~قالوها. عظم في أنفسهم وشق عليهم أن يكون الناس سواسية كأسنان ~~المشط لا فرق بينهم إلا بالتقوى والعمل الصالح، وهم السادة أصحاب السلطة ~~الزمنية من قديم، فكيف يأتي الإسلام ويسوي بين السادة والعبيد فكبر ~~عليهم ذلك، وعظم في أنفسهم. لذلك وقفوا في وجه رسول الله وعادوه وأخذوا ~~منه موقف اللدد والخصومة، لكن الحق سبحانه يطمئن رسوله فيقول بعدها: { ~~الله يجتبي إليه من يشآء ويهدي إليه من ~~ينيب } [الشورى: 13]. الحق سبحانه وتعالى يطمئن رسوله صلى الله عليه ~~وسلم يقول له: لا تهتم بموقفهم العدائي لك ومصادمتهم لدعوتك، فهذا أمر ~~طبيعي فوقوفهم في وجهك شهادة لك أنك على حق، لأنك ستأخذ منهم ~~وتسلبهم السيادة التي كانت لهم، وتمنع الفساد المنتشر في مجتمعهم وهم ~~منتفعون بهذا الفساد، والناس مستكينة لهم لأنهم مستضعفون لا حيلة لهم. ~~إذن: عداؤهم لك أمر طبيعي، فهم يسيرون وفق طبيعتهم وأنت تسير وفق طبيعتك، ~~يعني من شيمتهم الأعتداء والعناد والمكابرة، ومن شيمتك التحمل للأذى. ~~فكأن قوله تعالى: { الله يجتبي إليه من يشآء ~~ويهدي إليه من ينيب } [الشورى: 13] إشارة إلى أن هؤلاء ~~الصناديد المعاندين للدعوة سوف يكون منهم أنصار ms9062 لها وأعلام في سمائها، ~~فلا تعجل ولا تحزن ولا تهتم، سوف نأخذهم إلى ساحة الإيمان واحدا تلو ~~الآخر، وبالفعل صدق الله فيما أخبر به رسوله، فقد دخل في الإسلام عمر ~~وخالد وعمرو وعكرمة وغيرهم. كلمة يجتبي بمعنى يختار ويصطفي من عباده من ~~يشاء لنصرة دينه، وهذا الاصطفاء كأنه مقدمة للهداية، لذلك قال بعدها: { ~~ويهدي إليه من ينيب } [الشورى: 13] فيصطفيهم أولا بأن ~~يبعدهم عن عداوة الدعوة، ويحبب إليهم الإيمان كأنه يجهزهم لهذه المهمة. ~~قرأنا في تاريخ الغزوات مثلا أن أحد الصحابة يعود من الحرب حزينا لأنه ~~أفلت منه خالد أو عمرو أو عكرمة ويقول: كنت على وشك أن أقتله لولا كذا ~~وكذا، وهو لا يدري أن الله يدخره لنصرة دينه وإعلاء كلمته، فالله تعالى ~~كان يدخر هؤلاء وكان يعدهم ويجتبيهم، ثم بعد فترة هداهم للإسلام، فكانوا ~~هم حملة رايته وقادة مسيرته. وقبل أن نترك هذه الآية ينبغي أن نشير إلى ~~الفتنة التي أثارها بعض المستشرقين حول قوله تعالى { شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى.. } [الشورى: 13] ~~يقولون: ما الضرورة إذن لمجيء الرسالة الآخرة ما دامت الوصية لجميع الرسل ~~واحدة، ثانيا: قالوا بوجود تعارض بين الآيات، لأن الله تعالى قال في ~~موضع آخر: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا.. # [المائدة: 48]. إذن: فلكل نبي شريعة، وعند محمد أشياء غير ما وصى به. ~~وللرد على الشبهة الأولى نقول: إن الحق سبحانه وتعالى له أشياء ضرورية، ~~ألزم بها جميع الرسل في موكب الرسالات، فهم جميعا متفقون في هذه الأمور، ~~أولها التوحيد وعدم الشرك بالله، ثم الإيمان بالكتب السماوية وبالرسل، ثم ~~الإيمان بالبعث. فهذا قدر مشترك عند جميع الرسل لا يتغير، لأنها ثوابت ~~الدين وأعمدته، وهي المرادة في قوله تعالى: { شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى.. } [الشورى: 13]. ~~فالوصية هنا بالأشياء الضرورية والثابتة في كل الأديان السماوية، ~~فالتوحيد دعوة كل رسل الله، والصلاة وجدناها في كل الشرائع ms9063 السابقة، ~~وكذلك الزكاة، لذلك لا يمكن أبدا أن تخلو رسالة من الرسالات من هذين ~~الأمرين. ففي قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما أسكن من ذريته بواد ~~غير ذي زرع علل ذلك بقوله: # ربنا ليقيموا الصلاة # [إبراهيم: 37] ويقول تعالى في نفس القصة: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك ~~بي شيئا وطهر بيتي للطآئفين والقآئمين ~~والركع السجود # [الحج: 26]. وفي قصة سيدنا شعيب عليه السلام يقول له قومه: # قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك أن نترك ما ~~يعبد ءاباؤنآ.. # [هود: 87]. وفي قصة سيدنا زكريا عليه السلام: # فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب.. # [آل عمران: 39]. والزكاة كذلك من الثوابت التي جاءت في كل الأديان، اقرأ ~~مثلا قوله تعالى: # قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل ~~تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى * ~~إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم ~~وموسى # [الأعلى: 14-19]. كذلك اتفقت كل الأديان السماوية في تطهير النفس ~~والجوارح من الآثام والمعاصي التي تضر بالنفس وبالمجتمع، لأن التخلية من ~~الآثام تسبق التحلية بالطاعات. خذ الجوارح من أول القلب إلى القدم تجد كل ~~الأديان السماوية تدعو إلى تطهيرها، فالقلب وهو قائد الجوارح والأم ~~بينها، لذلك قال عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد ~~الجسد كله، ألا وهي القلب ". # ومطلوب للقلب عدة أشياء: أولا: عدم الإشراك بالله، ثم عدم الإصرار على ~~المعصية، ثم لا يأمن مكر الله ولا يقنط من رحمة الله. هذه كلها عقيدة ~~ينبغي أن تستقر في القلب. كذلك اللسان وهو عمدة البيان والتبليغ يجب أن ~~يتطهر من عدة أشياء: أولها: شهادة الزور، ثم قذف المحصنات، ثم اليمين ~~الغموس وهو يمين ليس له كفارة، ثم يتطهر اللسان من أن يقول الطلاسم التي ~~يقولها السحرة. # تعال إلى البطن ينبغي أن تتطهر وتبرأ من عدة أشياء: شرب الخمر، أكل ~~الربا، أكل مال اليتيم. وكذلك اليدان تبرأ من السرقة ومن القتل. وكذلك ~~العورات تبرأ من الزنا وغيره مما حرمه ms9064 الله عليها، وكذلك الرجلان ~~تبرأ من التولي يوم الزحف، ومن السعي إلى كل ما هو محرم. ومن هذه ~~الثوابت عقوق الوالدين، فهو محرم في كل الأديان كذلك وهو عام في كل ~~الجوارح، وقد حرمه الحق سبحانه لأن بر الوالدين تدريب ورياضة لطاعة الله، ~~ذلك لأن الوالدين سبب الوجود المباشر، والحق سبحانه وتعالى سبب الوجود ~~غير المباشر. فكأن طاعة الوالدين وبرهما باب ومدخل لطاعة الله. وهذا ~~البر محفوظ لهما، حتى وإن كانا مشركين: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15]. لذلك الحق سبحانه وتعالى يعلمنا بر الوالدين في موكب ~~الرسالات كلها، ففي قصة سيدنا عيسى عليه السلام، ولأنه جاء من أم بلا أب، ~~وقد تكون هذه المسألة مدخلا من مداخل الشيطان على سيدنا عيسى، فيوصيه ~~ربه بأمه فقط: # وبرا بولدتي ولم يجعلني جبارا شقيا # [مريم: 32] حتى يقطع على الشيطان مدخله. أما في قصة سيدنا يحيى عليه ~~السلام فقال: # وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا # [مريم: 14] بوالديه يعني: أباه وأمه، ونلحظ في القصتين أن سيدنا عيسى ~~عليه السلام هو الذي يتكلم عن أمه ويقول # وبرا بولدتي.. # [مريم: 32] فهذا إقرار واعتراف منه. أما في قصة سيدنا يحيى، فالحق ~~سبحانه هو الذي يحكي عنه أنه كان برا بوالديه، ونص على البر في قصة ~~سيدنا يحيى، لأن السببية في والديه مفقودة، فأبوه قد بلغ من الكبر عتيا، ~~وأمه كانت عاقرا، إذن: كيف يأتي الولد وهذا أيضا مدخل من مداخل الشيطان ~~على سيدنا يحيى. إذن: فالحق سبحانه يريد للجميع أن يكون نظيفا طاهرا ~~من كل هذه الآثام، لذلك طهر الجوارح كلها وجعلها أداة بناء ومودة ~~وتراحم، وبنى المجتمع على أسس قويمة تكفل لأفراده الحياة السعيدة ~~المطمئنة، وهذا قاسم مشترك في كل ديانات السماء، وهذه الأمور هي المرادة ~~بقوله سبحانه: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا.. ~~} [الشورى: 13]. أما قوله تعالى: # لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا.. # [المائدة: 48] فيراد بها الشرائع والأحكام الخاصة بكل ديانة، وهذه ms9065 ~~الشرائع تختلف باختلاف المجتمعات والبيئات والداءات الموجودة والآفات ~~المنتشرة بين القوم، فالشرائع تأتي لمعالجة الآفات في مجتمعها ولذلك ~~تختلف من دين لآخر. فجماعة انتشرت بينهم الرذيلة والفاحشة، وجماعة طففوا ~~المكيال والميزان، وجماعة عبدوا الأصنام، وآخرون عبدوا الكواكب أو ~~الملائكة. وهكذا، فلا بد إذن أن تختلف الشرائع في هذه الأمور ~~الاجتماعية. من هذا نعلم أن اعتراض المستشرقين لا محل له، فلكل آية ~~موضوعها. ثم يقول الحق سبحانه: { وما تفرقوا إلا من... }. ### || [42.14] # البيئة المكية كان بها كفار مكة وهم وثنيون يعبدون الأوثان، وكان فيها ~~أهل كتاب يهود أو نصارى، وكان الخلاف بينهما قائما ومستمرا، ومن غيظ ~~أهل الكتاب من الكفار كانوا يقولون لهم: لقد أطل زمان نبي منكم سيأتي ~~ونتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم. والحق سبحانه يخبر عن أهل الكتاب: # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جآءهم ما عرفوا # أي: محمد # كفروا به.. # [البقرة: 89]. نعم لقد بشرت الكتب السماوية بمجيء محمد وزمانه ومكانه، ~~وكان أهل الكتاب يعرفونه وعندهم أوصافه، وقد اعترف منهم كثيرون بأن ~~محمدا على الحق، وأنه نبي مرسل، ومن هؤلاء عبد الله ابن سلام. الحق ~~سبحانه يقول عنهم وعن معرفتهم لرسول الله بأوصافه: # يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.. # [البقرة: 146] لذلك يقول أحدهم: والله إني لأعرف محمدا كمعرفتي لابني، ~~ومعرفتي لمحمد أشد، ذلك لأن أوصافه مذكورة في كتبهم. ومع ذلك لما جاءهم ~~بالحق كفروا به وعاندوه. يقول تعالى: { وما تفرقوا إلا من ~~بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم.. } [الشورى: 14] أي: ~~العلم به في كتبهم التي بشرت به وذكرت أوصافه { ولولا كلمة ~~سبقت من ربك.. } [الشورى: 14] وهي وعده سبحانه بإمهالهم { ~~إلى أجل مسمى.. } [الشورى: 14] هو يوم القيامة، { لقضي ~~بينهم.. } [الشورى: 14] أي حكم بينهم بهلاك الكافرين واستئصالهم ~~ونجاة المؤمنين، والحق سبحانه لم يقض بإهلاكهم واستئصالهم، بل أخرهم ~~لأنه سيكون منهم من يؤمن ويصير جنديا من جنود الحق. { وإن ~~الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه ~~مريب } [الشورى: 14] قوله تعالى: { وإن الذين أورثوا ~~الكتاب.. } هم اليهود والنصارى المعاصرون للنبي صلى ms9066 الله عليه وسلم { ~~لفي شك منه.. } [الشورى: 14] أي من كتابهم { مريب } [الشورى: ~~14] يدعو إلى الريبة والتردد والحيرة، ذلك لأنهم أخذوا في كتابهم مآخذ ~~عدة أدت بهم إلى هذا الشك وإلى هذه الريبة. أولا: نسوا بعضه كما أخبر ~~الحق عنهم: # ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم ~~فنسوا حظا مما ذكروا به.. # [المائدة: 14] كما أخبر عن اليهود في الآية التي قبلها: # فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم ~~قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا ~~مما ذكروا به.. # [المائدة: 13]. والنسيان يعني عدم الاهتمام بالمنسي، فلو كان مهما ~~لكان على بالهم دائما وفي بؤرة اهتمامهم، وما لم ينس من الكتاب ~~تناولوه بالتحريف، ولو كان لهم عذر في النسيان، فما عذرهم في التحريف؟ ثم ~~بعد ذلك كتموا ما أنزل الله، قال تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ~~ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما ~~يشترون # [آل عمران: 187]. ويا ليتهم وقفوا بمسخ كتابهم عند هذا الحد، إنما ~~تمادوا في مسخه إلى أن يؤلفوا الكلام من عند أنفسهم، ويقولون هو من عند ~~الله، قال تعالى في حقهم: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل ~~لهم مما يكسبون # [البقرة: 79]. ### || [42.15] # الإشارة في قوله تعالى: { فلذلك.. } [الشورى: 15] إشارة للكلام ~~السابق، فلأنهم تفرقوا واختلفوا وكتموا الكتاب وحرفوه، ما داموا فعلوا ~~ذلك، فقم أنت بمهمة الدعوة لتصلح ما أفسد هؤلاء، وتقيم ميزان الحياة ~~بالحق وبالعدل، وترد هؤلاء عما هم فيه. ولاحظ هنا أن التعبير يجمع بين ~~القول والعمل { فادع واستقم كمآ أمرت.. } [الشورى: 15] ~~يعني: ليكن قولك موافقا لحركتك، كما قال في موضع آخر: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا.. # [فصلت: 30]. وسبق أن قلنا: إن الخط المستقيم هو أقرب طريق بين نقطتين، ~~فاستقم يعني كن على الجادة وعلى الطريق السوي، وقد سماه القرآن ~~الصراط المستقيم وسماه سواء السبيل وهو الذي يوصلك إلى غايتك من ~~أقرب طريق. فكأن الحق ms9067 سبحانه حينما يأمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بذلك إنما يقول له: استقم، لأن استقامتك على المنهج الذي جئت به أدعى ~~إلى القبول وإلى تصديقك والاستماع لك. ومعلوم أن التعليم والنصح بالعمل ~~أجدى وأنفع من الكلام النظري لذلك لما سأل أحد الصحابة رسول الله فقال: ~~يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك قال له: # " قل آمنت بالله ثم استقم ". # وهذا من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم. وبعد أن أمره ربه بالاستقامة ~~على منهج الحق نهاه عن اتباع أهواء القوم: { ولا تتبع ~~أهوآءهم.. } [الشورى: 15] فالهوى سبيل الاختلاف والتفرق، ومن هذه ~~الأهواء قولهم لرسول الله: تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، وفيها نزلت ~~سورة الكافرون: { وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب.. } ~~[الشورى: 15] كتاب هنا نكرة أفادت الشمول، يعني: آمنت بكل كتاب أنزله ~~الله من قبل. وكأنها رسالة إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى: لماذا ~~آمنتم بالديانات السابقة عليكم، ولم تؤمنوا برسالة محمد، وهي ديانة كباقي ~~الديانات، إذن: لكم سوابق في الإيمان، فلماذا وقفتم عند رسالتي وكذبتم؟ ~~كذبوا لأن عندهم مسائل يجادلون بها الضعاف من المسلمين. مثلا يقولون ~~لهم: ديننا أقدم من دينكم، وكتابنا أقدم من كتابكم، ورسولنا أقدم من ~~رسولكم، وقرآنكم يشهد لنا، ألم يقل القرآن: # يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم وأني فضلتكم على العالمين # [البقرة: 122] فنحن إذن مفضلون على العالمين بشهادة القرآن. والأفضلية ~~هنا ليست على إطلاقها، بل هي مقيدة بزمانهم. يعني: فضلتكم على العالمين ~~من أهل زمانكم، وإلا كانوا أفضل من إبراهيم وإسحاق، وهم لا يقولون بذلك. ~~وقوله تعالى: { وأمرت لأعدل بينكم.. } [الشورى: 15] العدل ~~أن تزن بميزان غير جائر، فكل واحد منهم يأخذ حقه، وأن يكون الجميع ~~أمامك سواسية، فمثلا لا تنه واحدا وتترك الآخر، ولا تفضل أحدا على ~~أحد في مرآك ولا في مجلسك ولا في نظرك. # لذلك كان صلى الله عليه وسلم إذا جلس بين أصحابه يوزع نظره عليهم ~~جميعا، فلا يهتم بواحد دون الآخر. فالجميع أمامه ms9068 سواسية، ولو اهتم لواحد ~~بعينه لظن أن له أفضلية أو سلطة زمنية أو قوة مركزية، أبدا كانوا ~~جميعا في نظره سواء، هذه كلها من عدالته صلى الله عليه وسلم بين الناس. ~~وقوله: { الله ربنا وربكم.. } [الشورى: 15] يعني: ليس ربنا ~~وحدنا، إنما هو ربكم أيضا، وما دام ربنا وربكم فلا بد أن تكون التربية ~~واحدة لنا جميعا، وقد أنزل لكم منهجا له زمن، وأنزل علي منهجا ~~خاتما. ومن كمال التربية: { لنآ أعمالنا ولكم ~~أعمالكم.. } [الشورى: 15] فكل مجازى بعمله { لا حجة ~~بيننا وبينكم.. } [الشورى: 15] لا حجاج ولا جدال، لماذا؟ لأن ~~الجدل معهم يوصل إلى اللدد والعناد والخصومة ولا يوصل إلى الحق، ~~والمعنى: أننا لن نلتقي فكل منا له طريق. والحق سبحانه قد تناول هذه ~~المسألة في سورة الكافرون: # قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا ~~أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم ~~* ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم دينكم ولي ~~دين # [الكافرون: 1-6]. إذن: لا مجال للجدال لأن المسألة منتهية، الآن ~~علمتنا السياسة أن الدول قد تختلف فتقطع العلاقات بينها وبين بعض، ثم ~~تضطرهم ظروف الحياة إلى إعادة العلاقات مرة أخرى وإلى التصالح، أما في ~~مسألة الإيمان والكفر فهما نقيضان لا يمكن أبدا أن يلتقيا. لذلك لما ~~تدقق في سورة الكافرون تجدها تنفي هذا الالتقاء في الحاضر الآن وفي ~~المستقبل، اقرأ: # لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد # [الكافرون: 1-3] أي: في الحاضر # ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ ~~أعبد * لكم دينكم ولي دين # [الكافرون: 4-6] أي: في المستقبل. وقوله: { الله يجمع بيننا ~~وإليه المصير } [الشورى: 15] يعني: ما دمنا لم نجتمع على الحق ~~في الدنيا فسوف يجمعنا الله جميعا يوم القيامة للحساب، حيث يجازى كلا ~~بعمله، ويعطى كل ذي حق حقه، وكونك ترد الأمر في الحكومة إلى عادل، ~~فهذا دليل على أنك على الحق، وكفى بالله حكما { وإليه المصير } ~~[الشورى: 15] المرجع والمآب. ### || [42.16] # قوله تعالى: { والذين يحآجون في الله.. } [الشورى: 16] أي ~~يجادلون في دين ms9069 الله، يجادلون من؟ يجادلون الذين استجابوا لدعوة الحق { ~~من بعد ما استجيب له.. } [الشورى: 16] يقولون لهم: ديننا أقدم ~~من دينكم، ورسولنا أقدم من رسولكم، والقرآن يشهد لنا أننا الأفضل في ~~العالمين، يريدون من ذلك الجدل أن يردوهم عن إيمانهم. هؤلاء { ~~حجتهم داحضة عند ربهم.. } [الشورى: 16] يعني: حجة باطلة ~~لا تقبل عند الله تعالى، ولا يصح أن يلتفت إليها أبدا { وعليهم ~~غضب.. } [الشورى: 16] أي: غضب من الله، لماذا؟ لأنهم لم يكتفوا بأنهم ~~كافرون في أنفسهم، إنما أرادوا أن يأخذوا غيرهم إلى الكفر، وبذلك يحملون ~~أوزارهم وأوزار من أضلوهم، فاستحقوا هذا المصير، وهو غضب الله عليهم، ~~والغضب هو أول مراحل العذاب. لذلك في حديث قدسي بين الحق سبحانه حال ~~جماعة غضب الله عليهم، ثم أمر بالحجاب عنهم، ثم لعنهم ثم طردهم من رحمته ~~تعالى، ولتوضيح هذه المسألة نقول - ولله المثل الأعلى - مثل رجل عنده ~~شركة فيها موظفون وفيها عمال، فواحد منهم ارتكب خطأ أغضب صاحب الشركة ~~فتغير قلبه من ناحيته لكن تركه في عمله ثم ارتكب خطأ آخر، فقال له: ~~ابتعد عني لا تجعلني أرى وجهك وكأنه ضرب بينه وبينه حجابا حتى لا يراه، ~~ثم في المرحلة الأخيرة قال: هذا الموظف لا بد أن يطرد من العمل. كذلك ~~الحق سبحانه غضب على هؤلاء، ثم ضرب دونهم حجاب ثم لعنهم ثم طردهم من ~~رحمته تعالى { ولهم عذاب شديد } [الشورى: 16] أي: في الآخرة. ### || [42.17] # قوله تعالى: { بالحق.. } [الشورى: 17] الحق هو الشيء الثابت الذي ~~لا يتغير، والحق غالب لا محالة، وإن علا عليه الباطل في فترة من ~~الفترات فإنما لحكمة، هي أن يعض الباطل الناس ليشحنهم بالحمية للحق ~~ويشوقهم إليه، فالعاقبة للحق مهما طال الباطل وصال وجال، لذلك قلنا: ~~إن الباطل جندي من جنود الحق. واقرأ هذه الصورة التي رسمها الحق سبحانه ~~يوضح لنا بها الحق والباطل، يقول تعالى: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق ms9070 والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. فالحق هو الباقي، والباطل زائل زاهق. لذلك نرى بعض أعداء ~~القرآن يحاولون أن يعيبوا أسلوبه، فيقولون مثلا في قوله تعالى: # وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله ~~هي العليا # [التوبة: 40] أنه أسلوب غير سليم، لأن القياس أن يقول: وكلمة الله ~~العليا كما قال في الأولى: كلمة الذين كفروا السفلى، وهذا الاعتراض نتيجة ~~عدم الفهم عن الله وعدم وجود الملكة التي تمكنهم من فهم أساليب ~~اللغة. فكلمة الذين كفروا السفلى أي: جعلها الله سفلى فهي مفعول جعل، أما ~~كلمة الله هي العليا فليست جعلا كالأولى، بل هي في أصلها عليا، يعني: ~~لم تكن سفلى وجعلها الله عليا، بدليل أنها جاءت بالرفع على أنها خبر. ~~وقوله: والميزان أتى بشيء حسي وهو الميزان، والميزان هو أداة إقامة ~~الحق، فالمسألة ليست هكذا بالزوفة إنما هناك ميزان حساس قائم على العدل ~~والمساواة. والميزان يختلف باختلاف الموزون، فميزان القمح أو البطاطا ~~مثلا غير ميزان الذهب، تجد الآن عند الصائغ ميزانا حساسا يضعه في ~~صندوق من زجاج، لماذا؟ ليحجز عنه الهواء لأن الهواء قد يتلاعب بالميزان، ~~فيخرجه عن الدقة المطلوبة في الوزن، وأقل ميل في ميزان الذهب له ثمن ~~بخلاف ميزان البطاطا مثلا. إذن: كلمة الميزان تعني الضوابط التي تضبط ما ~~بين الحق والباطل نقرأ في سورة الحديد # لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط.. # [الحديد: 25] يعني: بالعدل والحق، إذن: جاء الميزان ليعطي كل ذي حق حقه، ~~ويضبط الحقوق لأصحابها، فلا يأخذ أحد أكثر من حقه، ولا يغتصب أحد حق ~~الآخر، ولا يطمع فيما ليس له. وقوله سبحانه: { وما يدريك لعل ~~الساعة قريب } [الشورى: 17] لأنهم سبق أن طلبوا من الرسول أن ~~يأتي بها، كما حكى القرآن عنهم: # ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين # [الأنبياء: 38] طلبوها على وجه الاستهزاء والسخرية والتكذيب بها. والفعل ~~درى يدري أتى مرة بصيغة المضارع هنا { وما يدريك.. } [الشورى: ~~17] وأتى بصيغة الماضي ms9071 في قوله تعالى: # الحاقة * ما الحآقة * ومآ أدراك ما الحاقة # [الحاقة: 1-3]. معنى # ومآ أدراك # [الحاقة: 3] في الماضي يعني شيء قديم لم تعرفه من زمان، لكن تعرفه الآن. ~~أما { وما يدريك.. } [الشورى: 17] يعني: لا أحد يخبرك بها إلا نحن # لا يجليها لوقتهآ إلا هو.. # [الأعراف: 187]، أما صيغة المستقبل فلم تأت أبدا. ### || [42.18] # قوله تعالى: { يستعجل بها.. } [الشورى: 18] أي: بالساعة { ~~الذين لا يؤمنون بها.. } [الشورى: 18] ولأنهم لا يعرفونها ~~ولا يؤمنون بها ولا يعرفون ما يحصل فيها يطلبونها من رسول الله، يقولون ~~له: هات لنا هذه القيامة نريد أن نراها، هذا على وجه الاستهزاء بها، ~~ولو علموا شيئا عن أهوالها ما تجرأوا على طلبها وما تهكموا بها. هذا ~~حال غير المصدقين بيوم القيامة. أما المؤمنون بها فلهم شأن آخر { ~~والذين آمنوا مشفقون منها.. } [الشورى: 18] خائفون من ~~أهوالها لما يعلمونه من صدقها ودقة الحساب فيها وشدة كربها { ~~ويعلمون أنها الحق.. } [الشورى: 18] ولم يقل حق إنما قال ~~الحق يعني: هي الحق بعينه، فلا مجال فيها للتكذيب، ولا حتى للشك في ~~أمرها. لذلك وصف الذين يجادلون فيها مجرد جدال بأنهم في ضلال بعيد { ~~ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد ~~} [الشورى: 18] والمراء: هو الجدل العقيم الذي لا يوصل إلى الحقيقة. ~~ووصفهم بأنهم في ضلال بعيد، لأن مجرد النظر العقلي يثبت يوم القيامة ~~وضرورته بالنسبة للحياة الدنيا، فلو تأملوا واقع حياتهم لوجدوا أنهم في ~~أمور دنياهم يأخذون بمبدأ الثواب والعقاب، فلا بد لتستقيم الأمور من ~~مجازاة المحسن بإحسانه، ومعاقبة المسيء على إساءته. في واقع حياتهم تعليم ~~وتلاميذ في المدارس يجرون لهم اختبارات شهرية يصوب فيها الخطأ ~~بالأحمر ليعرف التلميذ خطأه ويصححه، أما في امتحان آخر العام فلا ~~تصوب الأخطاء، إنما تعطى عليها درجة يترتب عليها نجاح أو رسوب، هذا ~~هو الحساب والجزاء. فإذا كنتم تفعلون ذلك في أمور دنياكم، فلم تكذبون ~~به مع الله عز وجل، وفي البشر في رحلة الحياة المؤمن والكافر والطائع ~~والعاصي والمجرم والمحسن، كيف إذن يتساوى كل هؤلاء؟ الرجل الذي ms9072 قال: ~~لن يموت ظلوم حتى ينتقم الله منه، لأن العقل يقول ذلك ولا يصح أن ~~يفلت بجرائمه دون عقاب، فلما رأى ظالما مات سالما لم يصبه شيء قال ~~ماذا؟ قال: لا بد أن وراء هذه الدنيا حياة أخرى يعاقب الظالم على ~~ظلمه، لا بد وإلا فقد فاز المجرمون الظالمون وأفلتوا بجرائمهم، وضاع ~~حق المظلومين والضعاف في الدنيا وفي الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~الله لطيف بعباده... }. ### || [42.19] # معنى { لطيف.. } [الشورى: 19] أي رفيق في معاملة العباد، يعفو عن ~~الكثير ولا يؤاخذ عبده بأول جريمة لذلك لما جاءوا بامرأة سرقت في عهد ~~عمر. قالت له: والله ما سرقت قبل ذلك وهذه أول مرة، فقال لها: كذبت ما ~~كان الله ليفضحك من أول جريمة. ويقول عز وجل: # ويعفوا عن كثير # [الشورى: 30] يعني: عن كثير من سيئاتكم ولا يؤاخذكم إلى على البادي ~~منها. ومن معاني اللطيف أنه الدقيق الذي يتغلغل في الأشياء، وسبق أن ~~قلنا في الماديات: إن الشيء كلما دق وصغر عنف وصعب التحصن ~~منه، ومثلنا لذلك بمن بنى بيتا في الخلاء ووضع على الشبابيك شبكة ~~من الحديد تمنع الذئاب والوحوش، ثم وجد في البيئة ذبابا وناموسا فجاء ~~بشبكة أخرى أدق وأضيق. وهكذا، فمن صفاته تعالى أنه لطيف يعني: لا يحتجب ~~دونه شيء، ولا يخفى عليه شيء مهما دق ومهما صغر، ونحن نقول للإنسان ~~المهذب صاحب الخلق: فلان لطيف يعني لين في التعامل. فمن لطفه ~~سبحانه بنا أن جعل لنا توبة مقبولة، وجعل لنا مواسم للعبادة تضاعف ~~فيها الحسنات وتمحى السيئات، وكأنها أوكازيونات للطاعة وتحصيل الحسنات، ~~من لطفه تعالى بنا أن جعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، أما ~~السيئة فواحدة. وقوله تعالى: { يرزق من يشآء وهو القوي ~~العزيز } [الشورى: 19] يرزق لأنه الخالق، وهو سبحانه الذي استدعى هذا ~~الخلق لذلك تكفل له برزقه، وهو سبحانه القوي لأن اللطف لا يكون إلا من ~~قوة، وهو سبحانه العزيز الغالب الذي لا يمتنع عنه شيء ولا يغلبه شيء. ### || [42.20] # المعنى السطحي لكلمة الحرث هي حرث الأرض ms9073 بالمحراث وإثارتها لبذر النبات ~~فيها، ذلك لأن النبتة الصغيرة لا تقوى على شق التربة الجامدة فنشق ~~لها التربة ليسهل عليها النمو، ثم هي في حاجة إلى الهواء، والحرث يقلب ~~التربة، ويجعل الهواء يتغلغل فيها. ولما كان الحرث هو سبب الثمرة سمي ~~بها، فالحرث معناه الثمرة المرجوة من الزرع، ومنه قوله تعالى: # وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك ~~الحرث والنسل والله لا يحب الفساد # [البقرة: 205] وقوله تعالى: # وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت ~~فيه غنم القوم.. # [الأنبياء: 78] أي: في الزرع. فمعنى: { من كان يريد حرث ~~الآخرة.. } [الشورى: 20] يعني: ثوابها الدائم ونعيمها الخالد في جنات ~~عدن، فالحق سبحانه يوضح لنا الأمور الدينية بصور من واقع حياتنا ~~ليقربها للأذهان، اقرأ مثلا: # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1] أفلح من أفلح الأرض إذا حرثها وأعدها للزراعة، فهو ~~يوشك أن يجني الثمرة، كذلك المؤمن فاز بالثواب الدائم والنعيم المقيم. { ~~من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه.. } ~~[الشورى: 20] يعني: يجده في الآخرة أزيد مما كان ينتظر، وأيضا لا يحرم ~~من ثمرتها في الدنيا { ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته ~~منها.. } [الشورى: 20] أي: من ثمرات الدنيا، فالإنسان لا يحرم ثمرة ~~جهده وتعبه في الدنيا # إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا # [الكهف: 30]. فمن عمل للدنيا لا يحرم متعتها ولذتها، لكن حين ~~تعجل له الطيبات في الدنيا يحرم منها في الآخرة { وما له في ~~الآخرة من نصيب } [الشورى: 20] أي لا حظ له في ثواب الآخرة، ~~لأنه عمل في دنياه للجاه وللشهرة أو للغنى والثروة، فطالما أخذ بأسباب ~~الشيء يناله حتى لو كان كافرا بالله، والمؤمن إن تكاسل وقعد عن السعي ~~يحرم لأنه لم يأخذ بالأسباب. والحق سبحانه لا يقبل من العمل إلا ما كان ~~له خالصا، ومن كان يريد حرث الدنيا لم يكن الله أبدا في باله، لذلك ~~كثيرا ما يسأل الناس عن العلماء والمخترعين الذين خدموا البشرية ~~باختراعاتهم واكتشافاتهم، ما مصيرهم؟ نقول: مصيرهم النار لأنهم عملوا ~~للبشرية لا لله، عملوا للشهرة وقد أخذوها ms9074 في الدنيا. ### || [42.21] # يعني: لماذا كذبوا محمدا ولم يؤمنوا بما جاء به؟ ألهم شركاء وضعوا ~~لهم شرعا ومنهجا يتبعونه، ودينا يدينون به ويتركون دين محمد؟ والشركاء ~~أي: الأشياء التي عبدوها من دون الله، منهم من عبد الشمس، ومنهم من عبد ~~القمر أو الشجر أو الحجر أو الملائكة، فهل هذه الآلهة المدعاة لها شرع؟ ~~هل قالت لهم: افعلوا كذا ولا تفعلوا كذا؟ إذن: آلهة بلا منهج وبلا تكاليف ~~فعبادتها باطلة، وهم ما عبدوها إلا لذلك، لأنها بلا منهج وبلا تكاليف، ~~فقط ترضي ما في نفوسهم من الرغبة في التدين، وما أسهل أن يكون ~~للإنسان دين بلا تكاليف. والعبادة ما هي إلا طاعة العابد للمعبود في ~~أمره ونهيه، ثم ماذا أعدت هذه المعبودات لمن أطاعها، وماذا أعدت ~~لمن عصاها؟ إذن: هذه جمادات لم تقل لكم شيئا، ولم تأمركم بشيء، ولم ~~تشرع لكم دينا، بل أنتم شرعتم لأنفسكم واتبعتم أهواءكم لإرضاء عاطفة ~~في نفوسكم، آلهتكم من صنع أيديكم أو أفكاركم السقيمة الضالة. لذلك يقول ~~تعالى: # ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ~~ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله ~~الكذب وأكثرهم لا يعقلون # [المائدة: 103]. نعم هؤلاء قوم يفترون على الله الكذب، ويختلقون من عند ~~أنفسهم أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، فمن أين أتوا بالبحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام؟ هذه أشياء اخترعوها من عندهم افترا على الله وكذبا. ~~فالبحيرة هي الناقة التي ولدت خمس مرات، فهي عندهم أدت ما عليها، ~~فيشقون أذنها ويتركونها سائبة لا تركب ولا يشرب لبنها، ولا تدفع عن ~~الماء ولا عن المرعى، وهذه أمور ما شرعها الله، وقد أحل الله لهم حتى ~~الانتفاع بلحمها. كذلك السائبة: كانوا إذا اشتكى الواحد منهم من وجع أو ~~نزلت به نازلة قال: إذا حصل كذا وذهب المشكو منه أجعل ناقتي هذه سائبة ~~لا تركب ولا يشرب لبنها، ولا ترد عن الماء ولا عن المرعى. والوصيلة هي ~~الشاة كانت إذا ولدت ذكرا جعلوه للآلهة وذبحوه للخدم والسدنة، وإذا ~~ولدت أنثى أخذوها ms9075 لهم لتنجب عندهم، أما إذا ولدت ذكرا وأنثى احتفظوا ~~بهما الأنثى وصلت أخاها، فلم يؤخذ للآلهة بل يظل معها. والحام: هو ~~البعير حمى ظهره من أن يركب إذا أنتج عشرة أبطن فيقولون: إنه أدى ما ~~عليه، فلا يركب ولا يرد عن الماء ولا عن المرعى. هذه كلها أمور ~~أحلها الله لهم وحرموها على أنفسهم، لذلك قال سبحانه في سورة ~~الأنعام: # ثمنية أزوج من الضأن اثنين ومن المعز ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن ~~كنتم صدقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر ~~اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء ~~إذ وصكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى ~~على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله ~~لا يهدي القوم الظلمين # [الأنعام: 143-144]. فالحق سبحانه يقول لهم: أخبروني من حرم هذه ~~الأشياء # أم كنتم شهدآء إذ وصكم الله بهذا.. # [الأنعام: 144] أي: بهذا التحريم الذي شرعتموه من عندكم افتراء على ~~الله، إذن: أنتم جعلتم المشرع له مشرعا، شرع لنفسه بدل أن يتلقى ~~التشريع من الله. { ولولا كلمة الفصل.. } [الشورى: 21] أي: ~~الحكم بعدم إهلاكهم وتأخير عذابهم إلى الآخرة { لقضي بينهم.. } ~~[الشورى: 21] يعني: حكم عليهم بالعذاب العاجل. حين ننظر في الأشياء ~~التي أحلها الله والأشياء التي حرمها نجدها تعتمد على مراعاة المنفعة ~~ودفع المضرة عن الإنسان، فالحلال فيه نفع والحرام فيه ضرر، لذلك نجد بعض ~~المستشرقين يعترضون على أشياء حرمها الحق سبحانه على بني إسرائيل مثلا ~~وهي غير ضارة، وغيرهم يأكلها ولا تضره. نعم حرم الله على بني إسرائيل ~~كل ذي ظفر من البقر والإبل، وغير مشقوقة الأصابع مثل: البط والأوز ~~والنعام، وحرم عليهم الدهون # إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط ~~بعظم.. # [الأنعام: 146] وهذه كلها أشياء حلال لغير بني إسرائيل وليس فيها ضرر، ~~إنما حرمت عليهم عقابا لهم وتأديبا فليست العلة في التحريم الضرر. ~~قال تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم.. # [النساء: 160] فلما ظلموا ms9076 أدبهم الله بأن حرم عليهم ما أحل ~~لغيرهم. ثم نلحظ على الآية أنها عبرت عن باطلهم الذي جاءوا به من عند ~~أنفسهم بأنه دين { أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين.. } [الشورى: 21] فسمي الباطل دينا تجاوزا، لأنهم مؤمنون به ~~ويعتبرونه دينا، كما قال تعالى: # لكم دينكم ولي دين # [الكافرون: 6] على اعتقادهم، والدين ما يدين به الإنسان. { وإن ~~الظالمين لهم عذاب أليم } [الشورى: 21] الظالم إما يظلم ~~غيره، وإما يظلم نفسه، وهذا أشنع أنواع الظلم، فقد يعقل أن يظلم الإنسان ~~عدوه، إنما يظلم نفسه التي بين جنبيه؟! فكيف يكون ظلم الإنسان لنفسه؟ ~~يظلمها حين يعرضها للعقوبة، ويحرمها من الثواب والنعيم، وأشد أنواع ~~ظلم الإنسان لنفسه أن يظلمها في مسألة العقيدة والإيمان بالله # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. ### || [42.22] # كلمة { ترى.. } [الشورى: 22] تدل على كل ما يتأتى منه الرؤيا { ~~مشفقين.. } [الشورى: 22] خائفين مرعوبين { مما كسبوا.. } ~~[الشورى: 22] مما فعلوا من السيئات، قلنا: إن الفعل كسب يكسب من الزيادة ~~على رأس المال أي الربح، وأنها دائما تأتي في كسب الخير، أما اكتسب فهي ~~على وزن افتعل فيها افتعال ومحاولة وتأتي في الشر، لكن هنا استخدم كسب ~~للسيئات. وكما في قوله تعالى: # بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته.. # [البقرة: 81] قالوا: استخدم كسب هنا لأن السيئة أصبحت عنده عادة ~~وأمرا طبيعيا يشبه فعل الخير عند أهل الخير، فهو يفعل السيئة فلا تتعبه ~~لأنه ألفها. قوله: { مشفقين مما كسبوا.. } [الشورى: 22] ~~تصوير لموقفهم يوم القيامة، لأنهم في الدنيا ما خافوا وما عملوا لهذا ~~اليوم حسابا { وهو واقع بهم.. } [الشورى: 22] يعني: لا محالة ~~في ذلك لأنه وعد الله وحكمه الذي أخبر به. أو خائفين وهم ما يزالون في ~~سعة الدنيا، وفي هذا دليل على وجود الضمير والنفس اللوامة في الإنسان، ~~فهو يعرف السيئة ويعرف جرمه، ويعرف أنه محاسب عليه، لذلك يخاف منه ~~ويؤنبه ضميره. وفي المقابل { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشآءون عند ~~ربهم ذلك هو الفضل الكبير } [الشورى: 22] هذا إخبار من ~~الله تعالى وهو ms9077 حق، فعاقبة الإيمان والعمل الصالح روضات الجنات يعني ~~ملاذها وأطيب أماكنها يجدونها يوم القيامة، ويجدونها حتى في الدنيا ~~بالتخيل لها والشوق إليها. فالشهيد الذي يجود بنفسه في سبيل الله لم ~~يقدم على ذلك إلا لثقته في هذا النعيم، وأنه إذا قتل في سبيل الله ~~سيذهب إلى خير من هذه الحياة. وقد ذكرنا # " قصة الصحابي الذي سمع من رسول الله جزاء الشهداء، فقال: يا رسول الله ~~أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء فأقتل؟ قال صلى الله عليه ~~وسلم: بلى. فألقى الصحابي تمرة كانت في فمه وبادر إلى الشهادة، ولم ينتظر ~~حتى يمضغ التمرة التي كانت في فمه " # ، لماذا؟ لأنه واثق من صدق الجزاء في قوله تعالى: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]. نعم الشهداء أحياء، وأحياء عند من؟ عند ربهم، وهذه ~~قمة الشرف والعز والنعيم، وهي خصوصية لم ينلها غيرهم، فالشهادة نقلتهم ~~من حياة لحياة، فلا يموتون بعد ذلك، ويبعثون مع الناس وهم أحياء. وقد ~~عبر الشاعر عن هذا المعنى حين قال في سيد الشهداء حمزة ابن عبد المطلب ~~عم رسول الله: # أحمزة عم المصطفى أنت سيد # على شهداء الأرض أجمعهم طرا # وحسبك من تلك الشهادة عصمة # من الموت في وصل الحياتين بالأخرى # وقوله: { في روضات الجنات.. } [الشورى: 22] روضات جمع روضة، ~~وهي الحديقة أو البستان المليء بالخضرة والنضرة والأزهار والثمار، بحيث ~~إذا دخلتها تنفحك بأريج عطرها، وفي خلال ذلك أنهار تجري بالماء العذب. ~~فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات يعني: في أفضل أماكنها ~~وأطيبها { لهم ما يشآءون عند ربهم.. } [الشورى: 22] فهذه ~~العندية أشرف وأعظم من أي نعيم آخر، فهم في نعيم الجنات وملاذها، ~~يفوق ذلك كله أنهم عند ربهم، لذلك ختم الآية بقوله: { ذلك هو ~~الفضل الكبير } [الشورى: 22] أي: تفضلا من الله وتكرما ~~عليهم. والإنسان منا حين يتأمل هذا النعيم الدائم المقيم الذي أعده الحق ~~سبحانه لعباده المؤمنين تهون عليه كل مشاق الطاعات والعبادات، ويرى ~~أنها يسيرة إذا ما ms9078 قورنت بالجزاء عليها. فالإنسان يتعب في الدنيا ويجتهد ~~في طلب العلم عشرات السنين، أو في تعلم صنعة أو مهنة ويتحمل مصاعبها ~~وأخطارها، كل ذلك ليوفر لنفسه مجرد ضروريات الحياة، فإن اجتهد أكثر وعرق ~~وبذل الجهد، ربما يصل إلى مرحلة الرفاهية، فيكون له خادم يخدمه أو طباخ ~~مثلا يعد له الطعام، وهؤلاء يعملون عنده بأجر وربما قصروا في ~~أعمالهم، وربما أغضبوك وتمردوا عليك. لكن حين تعمل للآخرة تجد الأمر ~~مختلفا تماما، فالعبادة أمرها يسير، لا تحتاج منك إلى كل هذا الجهد ~~وهذا العرق وسهر الليل وعمل النهار وانشغال البال والذهن، ومع يسرها ~~وسهولتها فالجزاء عليها عظيم لا تحده حدود ولا يخطر على بال. قلنا: إن ~~قصارى ما توصل إليه البشر في التقدم العلمي في مجالات الخدمة الفندقية ~~مثلا أن تضغط على زر في ماكينة ينزل لك منها الشاي أو القهوة، وهذه آلة ~~يمكن أن تتعطل وخلفها عامل يعد لك الشاي أو القهوة، أما في الجنة ~~فالنعيم هناك صاف لا ينغصه شيء ودائم لا ينقطع، لا يحتاج منك إلى ~~طلب ولا ضغط على زر ولا مناداة على خادم، مجرد أن يخطر الشيء ببالك تجده ~~بين يديك، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # واقرأ مثلا في سورة البقرة: # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصلحت أن لهم ~~جنت تجري من تحتها الأنهر كلما رزقوا منها ~~من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ~~وأتوا به متشبها ولهم فيهآ أزوج مطهرة ~~وهم فيها خلدون # [البقرة: 25]. ففي الجنة إن شاء الله سنجد أشياء كنا نأكلها في الدنيا، ~~فنتصور أنها مثل نعيم الدنيا، لكن حين نتذوقها نجدها شيئا آخر # قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به ~~متشبها.. # [البقرة: 25] ذلك لأن كمالات الحق سبحانه لا تتناهى، فلا تظل على حالة ~~واحدة رتيبة، إنما فيها ارتقاء في النعمة. # إذن: نحن أمام نعيم دائم يهون في سبيله كل تعب وكل مشقة، ووالله لو ~~لم يكن ms9079 للطاعة جزاء إلا سلامة الإنسان وسعادته في الدنيا لكانت كافية، ~~يكفينا من الطاعة راحة البال وهدوء النفس والطمأنينة. وقد عبر الشاعر ~~عن هذا المعنى فقال: # قال المنجم والطبيب كلاهما # لا تبعث الأجساد قلت إليكما # إن صح قولكما فلست بخاسر # أو صح قولي فالخسار عليكما # لذلك الحق سبحانه وتعالى لما أراد أن يصف لنا الجنة لم يصف الجنة ذاتها ~~إنما مثلا لها، لأن الجنة وما فيها فوق تصور البشر، وإذا كان فيها ما لا ~~عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فيكف إذن توصف لنا على ~~حقيقتها؟ لأن الإنسان لا يضع اللفظ إلا لمسمى معلوم عنده، أما الشيء الذي ~~لا نعرفه فلا نعرف بالتالي اللفظ الدال عليه، فليس في لغتنا ألفاظ تصف ~~هذا النعيم، لذلك اقرأ: # مثل الجنة التي وعد المتقون.. # [الرعد: 35] فيها كذا وكذا. ثم إن هذا النعيم المقيم جزاء لمن؟ لمن آمن ~~وقرر الإيمان بالعمل الصالح، ودائما يقرن القرآن بين الإيمان والعمل ~~الصالح، قال تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30]. ثم يقول الحق سبحانه: { ذلك الذي يبشر ~~الله... }. ### || [42.23] # قوله تعالى: { ذلك.. } [الشورى: 23] إشارة إلى نعيم الجنة { الذي ~~يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات.. } [الشورى: 23] والبشارة هي الإخبار بالخير قبل أوانه، ~~ثم ينتقل السياق إلى قضية أخرى متعلقة برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأمر الدعوة { قل لا أسألكم عليه أجرا.. } [الشورى: 23] ~~يعني: قل لهم يا محمد: إنني لا أريد منكم أجرا على الدعوة والمهمة التي ~~أقوم بها من أجلكم، وأنت لا تقول هذه الكلمة إلا إذا كنت قد عملت عملا ~~تستحق عليه أجرا بالفعل. فالمعنى كأنه يقول: إن العمل الذي أقوم به من ~~أجلكم كان يجب أن يكون لي عليه أجر، لأنني أنصحكم وأدلكم على ما ينفعكم، ~~ومع ذلك لا أريد منكم أجرا. وكل رسل الله قالوا هذه الكلمة، لأن الإنسان ~~عادة يجازي من أسدى إليه جميلا أو دله ms9080 على خير أو أشار عليه مشورة ~~تريحه، لذلك في كثير من مواكب الرسالات نقرأ: # ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا ~~على الله.. # [هود: 29] نعم على الله، لماذا؟ لأنه عمل عظيم نفيس وشريف، لا يمكن لبشر ~~أن يقدره قدره، أو يعطي عليه ما يستحق من أجر، إذن: لا يعطيني أجري إلا ~~الله الذي بعثني. قلنا: كل الرسل قالوا هذه الكلمة إلا سيدنا إبراهيم ~~وسيدنا موسى عليهما السلام، لماذا؟ قالوا: لأن سيدنا إبراهيم أول ما دعا ~~دعا أباه آزر، فكيف يطلب منه أجرا؟ كذلك سيدنا موسى أول ما دعا دعا ~~فرعون، وكان له عليه فضل التربية. إذن: لا أريد منكم أجرا على مهمة ~~الدعوة التي أقوم بها، فأجري فيها على الله الذي بعثني، وهو الذي ~~يقدرها قدرها، شيء واحد أريده منكم { إلا المودة في ~~القربى.. } [الشورى: 23] يعني: مودتكم لقرابتي. والمودة: ميل القلب ~~إلى من تواده ثم معاملته بما يستحق من تكريم وتقدير. فكأن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول لهم: لقد أرسلت إلى الناس كافة، وقد ~~قابلتموني بالإيذاء وجابهتموني بالعداء واضطهدتم أصحابي، وألجأتموني إلى ~~غيركم مرة إلى الطائف، ومرة إلى القبائل الأخرى، وألجأتم أصحابي إلى أن ~~يتركوا بلادهم وديارهم، وأنا لي في كل بطن من بطون قريش قرابة حتى في ~~المدينة حيث أخوالي من بني النجار، فلا أقل من أن تعطوني حقي في ~~قرابتي، وحق القرابة ألا تؤذوني، فأنا لا أجبركم على الإسلام ولا أفعل ~~ما يدعو إلى الإيذاء، كذلك من حق القرابة ألا تسلموني لعدوي، فهذا ~~حقي عليكم. أو يكون المعنى { إلا المودة في القربى.. } ~~[الشورى: 23] يعني: أقاربي وأهل بيتي، ذلك لأن أقارب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حرموا من معين على العيش، فليسوا كباقي المسلمين، حيث ~~حرمت عليهم أموال الزكاة التي يستحقها الفقير من غيرهم، فلا أقل من ~~أن تعاملوهم بالحسنى وبالمعروف، وتراعوا منزلتهم مني. # لذلك نجد لهم أحاديث كثيرة في إكرام أهل البيت يقولون أن غيرهم قالها، ~~من ذلك: من مات على حب آل بيت ms9081 رسول الله مات شهيدا، مات مغفورا له، ~~مات وتحييه الملائكة في قبره، مات وفي قبره باب يؤدي به إلى الجنة، ~~ومن أبغض آل محمد فهو آيس من رحمة الله. قالوا هذا لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال كلاما مثل هذا، قال: # " أحبوا الله لما يغذوكم من النعم وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي ~~لحبي " # وهذا معنى آخر من معاني { إلا المودة في القربى.. } ~~[الشورى: 23]. أو يراد بها معنى ثالث { إلا المودة في ~~القربى.. } [الشورى: 23] قرباكم أنتم يعني كل منكم يود قريبه ~~ويعطيه ويرعى حق قرابته، ولو أن كل إنسان واجد عنده سعة من الرزق ~~يعطي قرابته ويكفيهم ويساعدهم على المعيشة الكريمة ما وجد بيننا فقير ~~ولا محتاج، والمجتمع عبارة عن دوائر متداخلة، فلو فعلنا ذلك لعم خير ~~الله جميع خلق الله. ثم إن الأقارب لهم حق في مالك غير الزكاة، لذلك ~~قال أحد الأغنياء: أنا أعطي أخي الفقير من مال الزكاة، فقلنا له: والله ~~لو يعلم أنك تعطيه من مال الزكاة ما قبلها، إذن أعطه من نسبة 97.5 % لا ~~من 2.5 % اترك هذه النسبة اليسيرة للفقراء الأباعد عنك. وآخر يقول: أضع ~~مال الزكاة في بناء مدرسة، وآخر يقول: في بناء مستشفى أو مسجد، سبحان ~~الله وهل نسبة 2.5 % تكفي كل هذا؟ اجعلوها لأصحابها كما فرضها الله ~~ليستقيم حال المجتمع، ثم لو فعلنا كل هذا من مال الزكاة ماذا سنفعل في ~~نسبة 97.5 %. إن وضع مال الزكاة في موضعه كما علمنا الحق سبحانه يحمي ~~المجتمع ويستر عوراته، فلا تجد فيه عاريا ولا جائعا ولا مريضا لا يجد ~~ثمن العلاج، لكن لما عطلنا أحكام الشرع في هذه المسألة ظهرت عورات ~~المجتمع المسلم كما نرى ونشاهد. الحق سبحانه وتعالى وزع خيره على كل ~~خلقه و هندس اقتصاد المجتمع، بحيث لو نفذت تعاليمه في هذه المسألة ~~لعاش الفقير في نفس مستوى معيشة الغني. ومن هذه العدالة في توزيع الخير ~~على الناس تجد مثلا رجلا غنيا في بلدة ما هي موطنه منذ مولده، ومع ms9082 ذلك ~~يحن إلى موطن آخر فيذهب إليه ويعمر فيه ويفيض من خيره على أهله، قالوا: ~~إذا رأيت مثل هذا الرجل فاعلم أن وجوده فائض عن حاجة أهل بلده، فنقله ~~الله إلى مكان آخر محتاج إليه. وإذا كنا نفعل هذا مع أقاربنا، فرسول الله ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فقرب رسول الله أولى، لأن رسول الله علم ~~أنه سوف تأتي عهود يضطهد فيها أهل بيته، والتاريخ شاهد على ذلك، وقد ~~رأيتم آل البيت وقد تشتتوا في سائر البلاد، بل وقتل منهم من قتل، ~~وتعلمون مدى حب شعب مصر لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، كذلك ~~نحب آبا بكر وعمر، وليس بيننا شيعي واحد. # والمودة والقربى أول ما تكون تكون لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه ~~وسلم، وإذا كانت المودة ميل القلب لمن تهواه، فهذا الميل له تبعات، فلا ~~تراه محتاجا وأنت واجد، ولا تراه جاهلا وأنت متعلم، وهكذا. ومن المودة ~~في القربى بر الوالدين. وقلنا: إن الحق سبحانه وتعالى جعل بر الوالدين ~~دربة ورياضة للإيمان بالله، لأنهما سبب الوجود المباشر، وهو سبحانه سبب ~~الوجود الأعلى، فقال سبحانه: # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا.. # [العنكبوت: 8] وفي آية أخرى # ووصينا الإنسان بولديه إحسانا.. # [الأحقاف: 15]. حتى في حال عصيانهما في أعلى منطقة وهي منطقة العقيدة ~~والتوحيد أمر ببرهما # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15] وأعطى الاهتمام الأكبر للأم في قوله تعالى: # ووصينا الإنسان بوالديه.. # [العنكبوت: 8] أي: الاثنين ولم يذكر حيثية للأب، إنما ذكر حيثية الأم ~~فقال # حملته أمه وهنا على وهن.. # [لقمان: 14] لأن دور الأم كان في حال الصغر وعدم التعقل لما تفعل، ~~فدورها غائب عنك، سابق لوعيك وإدراكك للأمور، فلما كبرت عرفت دور الأب، ~~لذلك ذكرك الحق سبحانه بدور الأم الذي غاب عنك. ثم نجد القرآن يحتاط ~~فيراعي حق التربية، حتى إن ربى غير الوالدين فيقول: # وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء: 24] فمن ربى كان في منزلة الوالدين واستحق البر مثلهما ms9083 ~~تماما. وقوله تعالى: { ومن يقترف حسنة.. } [الشورى: 23] ~~يعني: يفعل طاعة لله { نزد له فيها حسنا.. } [الشورى: 23] ~~فالأمر لا يقف عند حد المودة، إنما أيضا ترعاهم فيما يحتاجون إليه { ~~إن الله غفور شكور } [الشورى: 23] غفور وشكور صيغة مبالغة من ~~غافر وشاكر، فالحق سبحانه واسع المغفرة كثير الشكر، يغفر لمن تاب إليه ~~ويشكر من أطاعه، والشكر يكون بالزيادة كما قال سبحانه: # لئن شكرتم لأزيدنكم.. # [إبراهيم: 7]. ### || [42.24] # الكلام هنا عن كفار مكة الذين اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ~~كذب القرآن من عند نفسه ونسبه إلى الله { أم يقولون.. } [الشورى: ~~24] أي الكفار { افترى على الله كذبا.. } [الشورى: 24] يعني: ~~جاء بالقرآن من عنده. والافتراء منهم هم، فهم أهل الكلام وأصحاب القصائد ~~والخطب، وما عرفوا عن محمد - وقد عاش بينهم - أن له ريادة في هذا ~~المجال. إذن: أنتم أصحاب هذا الفن ولسانكم طويل، فلماذا لم تأتوا بمثل ما ~~جاء به؟ ولو حتى بسورة واحدة؟ فلو أن الافتراء وارد في حق محمد فأنتم ~~أولى، فلماذا تحداكم القرآن ولم تأتوا بشيء؟ لا بعشر سور ولا بسورة ~~واحدة. وفي موضع آخر يرد القرآن عليهم بالمنطق وبالحسنى: # أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي ~~إجرامي وأنا بريء مما تجرمون # [هود: 35]. لذلك ينتقل سياق الآية من الحديث عن الكافرين وافترائهم على ~~رسول الله إلى مخاطبة الرسول { فإن يشإ الله يختم على ~~قلبك } [الشورى: 24] يعني: إن حدث منك أن افتريت القرآن وجئت به من ~~عند نفسك، فالله قادر أن يختم على قلبك يا محمد فتنسى الذي تحفظه، وهل ~~حدث ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا بل ظل القرآن في صدره يتلوه ~~آناء الليل وأطراف النهار ويعلمه للناس. إذن: محمد لم يكذب القرآن، ~~ولم يفتر على الله بل أنتم المفترون. والقرآن في مواضع كثيرة يكشف ~~افتراءهم ويرد عليهم بالعقل وبالمنطق وبالتي هي أحسن، فيحكى كيف ~~يتمحكون في هذه المسألة: # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر.. # [النحل: 103] فقد اتهموا رسول الله أنه يختلف إلى رجل أعجمي يعلمه ~~القرآن، ms9084 فيرد عليهم الحق سبحانه # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. فالرجل الذي تقولون إن محمدا يتردد عليه ليعلمه القرآن ~~رجل أعجمي والقرآن بلسان عربي واضح، فأين عقولكم، وإن كنت كذوبا فكن ~~ذكورا حتى لا ينكشف زيفك وباطلك. ويحكي القرآن عنهم لونا آخر من ~~التعنت والعناد: # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا ~~يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير هذآ أو بدله ~~قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ~~ربي عذاب يوم عظيم * قل لو شآء الله ما تلوته ~~عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من ~~قبله أفلا تعقلون # [يونس: 15-16]. نعم جاء محمد بالقرآن بعد الأربعين، وهو بين أظهرهم، وما ~~رأوه خطيبا ولا شاعرا، ولم يعرف عنه شيء من ذلك. فلما يئسوا قالوا: ~~القرآن لا بأس به، لكن يعيبه أنه نزل على محمد بالذات: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. ثم يفضح الحق سبحانه موقفهم ويبين غباءهم ولددهم في ~~الباطل، وأن هذه الخصومة ما هي إلا عناد وتكبر عن قبول الحق، فيقول: # وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من ~~عندك فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا ~~بعذاب أليم # [الأنفال: 32]، فهل هذا كلام عقلاء، أم هو الحقد على محمد بذاته؟ ثم ~~يقول سبحانه: { ويمح الله الباطل ويحق الحق ~~بكلماته إنه عليم بذات الصدور } [الشورى: 24] الفعل ~~يمحو وحذفت الواو تخفيفا، والذي يمحى هو الباطل الذي قالوه، ~~والافتراء الذي كذبوه على رسول الله، هذا يمحوه الله وفي المقابل { ~~ويحق الحق.. } [الشورى: 24] يثبته ويقويه { بكلماته.. } ~~[الشورى: 24] أي المنزلة على قلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~القرآن الكريم. أو يراد بالكلمات كلمة كن فيكون { إنه عليم ~~بذات الصدور } [الشورى: 24] يعني: عليم بخفايا والذي لا يستطيع ~~الإنسان التعبير عنه باللسان فيكتمه في نيته وفي نفسه، كما قال سبحانه # يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور # [غافر: 19]. إذن: ظل ms9085 هؤلاء القوم يعاندون رسول الله ويحقدون عليه ~~ويصادمون دعوته ويتهمونه، إلى أن كشف الله باطلهم وأزهقه، وانتهى أمرهم ~~إما بالإسلام أو الهزيمة أو شملهم عفو رسول الله يوم فتح مكة يوم أن قال ~~لهم: " ما تظنون أني فاعل بكم " قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم، قال: ~~" اذهبوا فأنتم الطلقاء ". إذن:جاء نصر الله والفتح، وزهق الباطل، وثبت ~~الحق، وعلا وانتصر، وهل يعقل أن يرسل الله رسولا لهداية الخلق، ثم ~~يسلمه لأعدائه أو يخذله في مواجهته للباطل؟ قال تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. وأخيرا نلحظ على هذه الآية أن البعض ظن أن الفعل ~~يمحو معطوف على يشأ وأنه مجزوم مثله بعد إن الشرطية وهذا غير صحيح، لأن ~~الفعل يمحو جاء كلاما جديدا مستقلا بدليل تكرار لفظ الجلالة ورفع ~~ويحق، فهو فعل مرفوع وحذف الواو تخفيفا أو لالتقاء ساكنين. ### || [42.25] # من لطف الله بعباده ورحمته بهم أن شرع لهم التوبة وجعل بابها مفتوحا ~~لا يغلق، والتوبة أمل يتعلق به المسيء ويجد فيه حبل النجاة فيعود وتحسن ~~سيرته ويتقوم سلوكه وينتفع به مجتمعه، أما إن أغلقنا باب التوبة في ~~وجهه وألجأناه إلى اليأس تمادى في عصيانه فشقي وشقي به مجتمعه. ~~والتوبة تعني رجوع المسيء إلى الله، ولها مراحل: شرع الله التوبة ومجرد ~~مشروعيتها فضل من الله، ثم إذا تاب العبد قبل الله منه توبته، لذلك قال ~~تعالى # ثم تاب عليهم ليتوبوا # [التوبة: 118] تاب عليهم. يعني: شرع لهم التوبة ليتوبوا فيقبل توبتهم. ~~والتوبة ليست كلمة تقال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو وأتوب ~~إليه، إنما التوبة منهج متكامل، وقد بينها لنا الإمام علي رضي الله عنه ~~عندما أقيمت الصلاة فسمع رجلا في الصف يقول: أستغفر الله العظيم، الله ~~أكبر، فلما انتهى من الصلاة قال له: لقد استعجلت في التوبة فتوبتك تحتاج ~~توبة. إذن: ليست مجرد كلمة، إنما منهج وبرنامج تستعرض فيه أولا ما فاتك ~~من سيئات وما حدث منك من تفريط، فتندم ms9086 أولا على ما بدر منك، وقد ورد في ~~الحديث: # " الندم توبة ". # وفي قصة بني آدم: # فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من ~~الخاسرين # [المائدة: 30] فعندما هدأت عنده سورة الشر والخصومة عاد إلى الصواب ~~فندم على ما فعل، ثم تتذكر ما فاتك من فروض الصلاة فتقضيها أو تجبرها ~~بصلاة النوافل. ثم ترد المظالم إلى أهلها. فهذه شروط ينبغي توافرها، ثم ~~زد على ذلك أن تذوب في الحسنة كما ذبت في السيئة، وأن تذوق مرارة ~~مشقة الطاعة كما ذقت حلاوة المعصية. والقياس في اللغة أن نقول: يقبل ~~التوبة من عباده، لكن الحق يقول { عن عباده.. } [الشورى: 25] فكأن ~~الحق سبحانه يرد عنهم ذنوبهم حين يقبل منهم التوبة، فتكون النتيجة مغفرة ~~الذنوب التي ارتكبوها لكن الذنوب التي ارتكبوها لها صفات من الحق تطلب ~~حقها فيه. فحين يفعل العبد الذنب تأتي صفة القهار والجبار والمنتقم وهي ~~صفات الجلال، وهذه الصفات تقتضي العقاب، ثم تأتي صفات الجمال من الحق ~~سبحانه صفة الغفور الرحيم التواب.. إلخ. لذلك قال في حديث آخر رمضان: # " شفع المؤمنون، وشفع النبيون، وشفعت الملائكة، وبقيت شفاعة أرحم ~~الراحمين ". # فإذا كان المؤمنون والنبيون والملائكة سيشفعون عند الله تعالى فعند من ~~يشفع أرحم الراحمين؟ قالوا: لأن لله صفات جلال وصفات جمال، فإذا أخذت ~~صفات الجلال حقها من المذنب العاصي تأتي صفات الجمال لتشفع له عند صفات ~~الجلال في نفي مستحقاتها عنده. إذن { وهو الذي يقبل ~~التوبة عن عباده.. } [الشورى: 25] عبر ب عن مع أن ~~التوبة منهم، فقال عنهم ليحملهم عنهم. # لذلك تجد دقة في استخدام هذه الحروف في القرآن الكريم، ولكل منها معنى ~~لا يؤيده غيره، اقرأ مثلا قوله تعالى: # فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم في جذوع النخل.. # [طه: 71]. ومعلوم أن الصلب يكون على الجذوع، لذلك قال بعض المفسرين ~~أي: على جذوع النخل، لكن لماذا عدل القرآن عن على إلى في لا بد أن ~~لها معنى لا تؤديه على. إذن: المراد لأصلبنكم تصليبا شديدا محكما، ~~بحيث تدخل بعض أجزاء المصلوب في المصلوب عليه، ms9087 لذلك قال # في جذوع النخل.. # [طه: 71]. كذلك في قوله تعالى # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل.. # [إبراهيم: 39] بعضهم قال: يعني مع الكبر. كيف و على ثلاثة أحرف و مع ~~حرفان. فلا بد أن لها معنى لا تؤديه مع، ما هو؟ قالوا: على تفيد ~~الاستعلاء، فالكبر كان مانعا من الإنجاب، لكن قدرة الله وإرادته علت ~~وغلبت هذا المانع. ومثلها تماما قوله تعالى: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم.. # [الرعد: 6] فكأن المعصية التي فعلوها كانت تستوجب العقوبة، لكن عفو الله ~~ومغفرته ورحمته بعباده علت على العقوبة. وقوله: { ويعفوا عن ~~السيئات.. } [الشورى: 25] أي: يمحوها { ويعلم ما ~~تفعلون.. } [الشورى: 25] لأن علمه تعالى محيط شامل لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، فإذا كنت قد اقترفت سيئة ولا يعلم ~~بها أحد فالله يعلمها ولا بد أن تتوب عنها، حتى خواطرك التي تجول في ~~نفسك ولم تظهر على جوارحك يجب أن تتوب عنها. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~ويستجيب الذين آمنوا... }. ### || [42.26] # أي: ويستجيب الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات. والفعل { ~~ويستجيب.. } [الشورى: 26] دل على سرعة الاستجابة، لذلك لم يقل ~~يجيب { ويزيدهم من فضله.. } [الشورى: 26] تدل أيضا على أن ~~الاستجابة من الله لهم، وفي المقابل { والكافرون لهم عذاب ~~شديد } [الشورى: 26] والعذاب الشديد للكافرين هو نهاية المطاف، لأن ~~أول ما يقابلون به: الغضب من الله، ثم الحجاب، ثم اللعنة والإبعاد من ~~رحمته، ثم العذاب. ثم يقول الحق سبحانه: { ولو بسط الله ~~الرزق... }. ### || [42.27] # هذه الآية تقرر طبيعة في النفس الإنسانية، كما قال سبحانه في موضع آخر: # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7] لأن الرزق عندما يكون مبسوطا ميسرا لا يشغل المرء به ~~ولا بالحركة من أجله، فلا يكد ولا يتعب ويتفرغ لأمور أخرى تشغله ومنها ~~البغي. لذلك لما تحدث القرآن عن قارون، وهو أوضح مثال للغنى الطاغي، ~~قال سبحانه: # إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم.. # [القصص: 76] إذن: النعمة والثراء قد يدعوان الإنسان إلى الطغيان والبغي ~~بغير الحق، وبسطة ms9088 الرزق تعني سعته وتيسير سبله، وهي في هذه الحالة نوع ~~من الابتلاء. وقوله: { ولكن ينزل بقدر ما يشآء ~~إنه بعباده خبير بصير } [الشورى: 27] أي: يسوق الرزق بقدر ~~معين وبحساب على مقتضى علمه سبحانه وحكمته في تدبير شئون خلقه، فيعطيهم ~~بحساب بحيث لا يصل العبد إلى مرحلة الطغيان والبغي، وهو سبحانه أعلم ~~بطباع عباده وأعلم بما يصلحهم، لذلك ورد في الحديث القدسي: # " إن من عبادي من إذا أغنيته لفسد حاله، ومنهم إذا أفقرته لصلح حاله ~~". # وقد اهتم الإسلام بالجانب الاقتصادي في حركة الحياة وفرض الزكاة من أجل ~~استطراق الخير في المجتمع، وعلمنا أن نفرق بين الفقر عن عجز ~~واحتياج، والفقر عن حرفة وخداع، فمن يتخذ الفقر حرفة ليس له نصيب، ولا ~~يصح أن تعينه على التكاسل والقعود عن العمل. أما العاجز فمستحق، لأنه ~~غير قادر على الكسب، لذلك جعل الله له جزءا في مال القادر يصل إليه، وهو ~~معزز لا يريق ماء وجهه للقمة العيش، بل يحفظ له الحق سبحانه كرامته، ~~ويجعلك أنت أيها الغني القادر تذهب إليه وتطرق عليه بابه وتعطيه ليعلم أن ~~الله حين سلبه قدرته سخر له قدرات الآخرين. كذلك مثلا في فريضة الحج ~~ترى غير المستطيع حزينا لأنه لم يحج، والواقع أنه أحظ عند الله من ~~المستطيع الذي يحج لأن المستطيع قد يؤدي ولا يقبل منه، أما غير المستطيع ~~فقد سقط عنه الفرض أصلا. ويقولون: إن نسبة تسعين بالمائة من الناس لم ~~يروا البيت يعني لم يطوفوا به، فهل يعني هذا أن الله يحرمهم رؤيته؟ لا بل ~~لهم منه نصيب كما قيل: " من الناس من يطوف بالبيت، ومن الناس من يطوف ~~بهم البيت ". ثم إن حالة الفقر هذه أو العجز لا تدوم مداولة بين الناس، ~~كما قال سبحانه: # وتلك الأيام نداولها بين الناس.. # [آل عمران: 140]. وسبق أن بينا أن الفقر في المجتمع له حكمة، لأن ~~حركة المجتمع ومصالح الناس لا يمكن أن تقوم على التفضل، إنما تقوم على ~~الحاجة، فحين تلجئك الحاجة تعمل ولا تستنكف من العمل ms9089 الشاق أو الحقير، ~~وإلا فمن سيقوم بهذه الأعمال. ورأينا العامل حين يرضى بقدر الله فيه ~~ويخلص في عمله يقول الله له: رضيت بقدري فسأعطيك على قدري. فتراه بعد ~~فترة أصبح صاحب عمل بعد أن كان أجيرا، لأنه أخلص لصاحب العمل ولم يحقد ~~عليه، ولم يكره النعمة عنده. إذن: الحق سبحانه لا يضيق الرزق ولا يعطي ~~بقدر إلا في مظنة الضرر، فمن علم الله منه أن بسطة الرزق تفسده ~~يضيق عليه منافذ الرزق ليصلحه بالفقر. فالأصل أنه تعالى جواد كريم ~~يبسط رزقه لعباده، لذلك يقول في الآية بعدها: { وهو الذي ~~ينزل... }. ### || [42.28] # { الغيث.. } [الشورى: 28] المطر ينزل بعد انقطاع وجفاف، فيغيث الناس ~~وينقذهم من الجفاف والجوع والقحط الذي هم فيه { من بعد ما ~~قنطوا.. } [الشورى: 28] يئسوا من نزوله. { وينشر رحمته.. } ~~[الشورى: 28] يبسطها لعباده جميعا { وهو الولي.. } [الشورى: 28] ~~المتولي أمور عباده المحسن إليهم { الحميد } [الشورى: 28] أي: ~~المحمود على نعمه التي أسداها إلى الناس وتفضل بها عليهم، لأنه أنعم ~~عليك قبل أن يوجدك فخلق لك السماء والأرض والكون كله سخره في خدمتك، ~~فطرأت على كون معد وجاهز لاستقبالك، فيه كل مقومات حياتك. ### || [42.29] # كلمة { آياته.. } [الشورى: 29] مفردها آية، وهي الشيء العجيب الذي ~~يدعوك إلى التأمل، كما نقول: فلان آية في الأدب أو في العلم. وقلنا: إن ~~الآيات في القرآن الكريم وردت بمعان ثلاثة: آيات كونية تدل على قدرته ~~تعالى وبديع صنعه كالشمس والقمر والليل والنهار، وآيات معجزات تدل على ~~صدق الرسل في البلاغ عن الله، ثم الآيات الحاملة للأحكام وهي آيات ~~القرآن الكريم. الحق سبحانه وتعالى هنا يحدثنا عن بعض آياته الكونية { ~~ومن آياته خلق السموت والأرض.. } [الشورى: 29] فهما ~~شيء عجيب في الخلق دل على قدرة الله وحكمته وطلاقة قدرته، وفي موضع ~~آخر قال: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. نعم أكبر، لأن الإنسان يولد ويموت، يموت طفلا ويموت ~~شابا، بل ويموت في بطن أمه، وحتى لو عاش مائة عام سيموت، فأين هو إذن ~~من خلق السماوات ms9090 والأرض وما فيهما من آيات كونية تعمر ما يشاء الله؟ ~~إذن: على الإنسان أن يتذكر هذه الحقائق ويقول لنفسه: هل يعقل أن تكون ~~هذه الآيات أطول عمرا مني وهي مسخرة في خدمتي؟ إذن: لا بد أن لي ~~عمرا آخر يناسب منزلتي، وما فضلني الله به على هذه المخلوقات، إذن: لي ~~حياة أخرى أبقى فيها وأخلد حين تفنى كل هذه المخلوقات. وقوله: { ~~السموت والأرض.. } [الشورى: 29] يعني: وما فيهما لأنهما ظرف ~~مظروف فيه مخلوقات كثيرة، لذلك قال في موضع آخر: # لله ما في السموت وما في الأرض.. # [البقرة: 284]. ومعنى { وما بث.. } [الشورى: 29] أي نشر: { ~~فيهما من دآبة.. } [الشورى: 29] أي: في السماوات وفي الأرض، فما ~~يدب في الأرض أي: ما يمشي عليها من إنسان وحيوان طير، وما يدب في السماء ~~يقصد به الملائكة. { وهو على جمعهم إذا يشآء.. } ~~[الشورى: 29] يعني: يوم القيامة { قدير } [الشورى: 29] أي: قادر، كما ~~قال: # يوم الجمع لا ريب فيه.. # [الشورى: 7]. بعض العلماء ذهب إلى وجود مخلوقات أخرى في العلو، وهم ~~أمثالنا مكلفون، ففي المجموعة الشمسية عوالم أخرى غير الأرض مثل عطارد ~~والزهرة والمريخ والمشتري وغيرها. والعظمة في جمع كل هؤلاء. ### || [42.30] # كلمة أصاب مأخوذة من إصابة السهم للهدف، فإذا كان الرامي حاذقا أصاب ~~الهدف دون انحراف، فكأن المصائب في الدنيا سهام أطلقت بالفعل، وهي لا ~~بد صائبة أصحابها. لذلك يقولون: إن المصيبة ليست ناشئة حال وقوعها، ~~إنما هي مقدرة أزلا، وسهم أطلق بالفعل، فوقتها هو مسافة سفر السهم ~~إليك، كما سبق أن قلنا في مصيبة الموت. فهو إذن مسألة مفروغ منها وأمر ~~مسجل ومكتوب عليه أزلا ليس حادثا، فالكون كله له ماكيت مسجل ~~وموضح به كل شيء. لذلك قال تعالى: # مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا ~~في كتب من قبل أن نبرأهآ إن ذلك على الله ~~يسير # [الحديد: 22] إذن: لا مفر أبدا من المصيبة ولا مهرب منها، ولا يمكن ~~أبدا أن نحتاط لها، لأن السهم الذي أطلق لا يرد. والمصائب التي تصيب ~~الإنسان على نوعين: ms9091 نوع لك فيه دخل ويد، ونوع لا دخل لك فيه، فمثلا ~~التلميذ الذي يرسب آخر العام لأنه أهمل دروسه ولم يجتهد لا شك أن له ~~دخلا في هذه المصيبة التي حلت به آخر العام، فإذا كنت لا تريد أن ~~تصيبك هذه المصيبة فخذ بأسباب النجاح واحذر أسباب الفشل وسوف تجد ~~النجاح. الأخرى: مصيبة لا دخل لك فيها، كالتلميذ يذاكر ويجتهد ويحفظ ~~دروسه لكن يصيبه دوار ساعة الامتحان أو مرض مفاجئ فلا يستطيع إكمال ~~الامتحان فيرسب، هذا حدث بقدر الله والذي أجرى عليه القدر ربه عز وجل، ~~ولا بد أن له فيه حكمة، لذلك يجب الرضا بهذه المصيبة على أنها قضاء ~~الله وقدره، والمصيبة تهون مهما كانت عظيمة حينما يؤمن المصاب بها أنها ~~من الله لا من أحد سواه. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بمثال من الواقع. ~~قلنا: هب أنك جالس فدخل عليك ابنك الصغير ووجهه يسيل منه الدم، وإن أول ~~ما يتبادر إلى ذهنك أن تسأله: من فعل بك هذا؟ إذن: لم تحكم على الحدث ~~إنما سألت عن صاحبه لأن الحدث في ذاته لا يحزن ولا يفرح إلا بمصاحبة ~~الفاعل. فإن قال لك الولد: عمي فلان ضربني تهدأ. وتقول له: لا بد ~~أنك فعلت شيئا يستحق العقاب، أما إن قال لك: ضربني فلان جارنا تغضب ~~وتقيم الدنيا ولا تقعدها. إذن: الحدث إن كان من محب قبلناه، وعلمنا ~~أن وراءه مصلحة ورضينا به، وإن كان من عدو فلا مصلحة فيه واعترضنا ~~عليه. فالحق سبحانه يريد أن يعلمنا كيفية استقبال المصائب وأن كل ~~مصيبة تأتي لها سبب، فإن عرفناه كان بها، وإن جهلناه قلنا لا بد أن ~~لله فيه حكمة ودخلنا من باب الرضا والتسليم بدل أن ندخل من باب السخط ~~والاعتراض. # فالطالب الذي أصابه دوار ولم يؤد الامتحان يقول في نفسه: لعلني كنت ~~مغرورا، فأراد الله أن يقضي على غروري، أو لعلني كنت سأحصل على مجموع ~~أقل مما أريد، أو لعل الله دفع عني بذلك عيون الحاسدين. ألم يقل الحق ~~سبحانه ms9092 في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: # وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم.. # [القلم: 51]. والحق سبحانه وتعالى في سورة الكهف يعطينا مثالا ونموذجا ~~يعلمنا كيف نستقبل الأحداث؟ وكيف نتقبل المصائب؟ فما دام أنه لا دخل ~~لك فيها فلا بد أن لله فيها حكمة، تقرأون قصة العبد الصالح مع سيدنا ~~موسى عليهما السلام، فالعبد الصالح لم يكن نبيا ومع ذلك تعلم منه ~~النبي وطلب مصاحبته، فالعبد حينما يرتقي في علاقته بربه يفتح الله عليه ~~فتوحات من عنده ويعلمه علما لا يعطيه إلا لخاصته. العبد الصالح كان يعبد ~~الله على منهج سيدنا موسى، ومع ذلك تبعه موسى ليتعلم منه، لأن مهمة ~~الرسول أن يصل المرسل إليه بربه، فإذا ما وصله بربه تركه وشأنه مع الله، ~~وعندها يكون كل عبد وشطارته في علاقته بالله تعالى، فهذا العبد الصالح ~~تقرب إلى الله ودخل معه سبحانه في ود، فكان له معه شأن خاص. انظر ~~سيدنا موسى يقول للعبد الصالح: # قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما ~~علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا # [الكهف: 66-67] ذلك لأنك سترى أمورا لا تعجبك وأفعالا لا تدرك أنت ~~حكمتها # وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ~~ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا * ~~قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث ~~لك منه ذكرا # [الكهف: 68-70]. ثم تبدأ الرحلة وينطلق موسى في صحبة العبد الصالح، وأول ~~حدث بينهما كانت السفينة # فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال ~~أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا # [الكهف: 71]. هذا أول اعتراض من موسى، لأن الفعل في ظاهره غريب يستحق ~~الاعتراض. # قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا * قال ~~لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا ~~* فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال ~~أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا ~~نكرا # [الكهف: 72-74] يعني: منكرا. نعم موسى لم يستطع أن يصبر وهو يرى هذا ~~الفعل العجيب المنكر في نظره ms9093 # قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا * ~~قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد ~~بلغت من لدني عذرا * فانطلقا حتى إذآ أتيآ ~~أهل قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما ~~فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو ~~شئت لتخذت عليه أجرا # [الكهف: 75-77]. وكانت هذه هي الثالثة، وتحقق الشرط الذي قطعه موسى على ~~نفسه، فقرر العبد الصالح مفارقته، لكن قبل أن يفترقا قال له: تعال أوضح ~~لك ما لم يحتمله صبرك في هذه الأحداث: # قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ~~ما لم تستطع عليه صبرا * أما السفينة فكانت ~~لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها ~~وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # [الكهف: 78-79] أي: يأخذ كل سفينة صالحة. ولا شك أن خرق السفينة مصيبة ~~لأصحابها في ظاهر الأمر، لكن لله تعالى فيها حكمة، حيث كان وراء هؤلاء ~~المساكين ملك ظالم يأخذ كل سفينة جيدة ويغتصبها، فأردت أن أحدث بها ~~عيبا حتى لا يأخذها. إذن: فنحن هنا لا نقارن بين سفينة مخروقة وسفينة ~~صالحة، إنما بين سفينة مخروقة وعدم وجود سفينة أصلا، فخرق السفينة ~~أهون بالنسبة لأصحابها من أخذها كلية، ثم بإمكانهم أن يصلحوها بعد ~~ذلك، المهم أن تسلم لهم من هذا الملك. # وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينآ أن ~~يرهقهما طغيانا وكفرا * فأردنآ أن يبدلهما ~~ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما # [الكهف: 80-81] ففي علم الله تعالى أنه سيكون ولدا عاقا يحدث فتنة ~~لأبويه، كما قال سبحانه: # يأيها الذين آمنوا إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم.. # [التغابن: 14] فكان في القضاء عليه حكمة. فإن قلت: فما ذنب الغلام ~~يقتل وهو صغير؟ قالوا: لا ذنب له لكنه لم يخل من مصلحة وخير يلحقه هو ~~أيضا حيث أخذ وهو صغير، فقد اختصرنا له الحياة فلم يعان فيها، ولم ~~يقترف شيئا من سيئاتها، ومات قبل سن التكليف فلن يحاسب على شيء، ثم ~~سيكون في عداد الشهداء، ومسكنه في الجنة يتجول فيها حيث أراد ويدخل منها ~~أي ms9094 مكان حتى على رسول الله، فهو من دعاميص الجنة، إذن: فقتله جاء رحمة ~~به. # وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في ~~المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما ~~صالحا فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا ~~كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك ~~تأويل ما لم تسطع عليه صبرا # [الكهف: 82]. أولا عرفنا أن هذه القرية فيها ناس لئآم لا خير فيهم، ~~بدليل أنهم منعوهما الطعام ومنع الطعام فيه لؤم وخسة، لأن الذي ~~يسأل الطعام غير الذي يسأل المال، الذي يسألك مالا ربما ليكنزه، أما ~~سؤال الطعام فلا يكون إلا عن حاجة. لذلك قالوا: أصدق سؤال من يسألكم ~~طعاما، فلما منعوهما الطعام كان أمرا عجيبا أن يبني لهم العبد الصالح ~~الجدار، فما قصته؟ كان الجدار لغلامين يتيمين في المدينة، وتصور حال ~~اليتيمين بين هؤلاء اللئام، كيف لو ظهر لهم هذا الكنز؟ وقد فهمنا من هذه ~~المسألة أن صلاح الآباء ينفع الأبناء، وأن الغلامين كانا توأما، بدليل ~~قوله تعالى # أن يبلغآ أشدهما.. # [الكهف: 82] فلو كان أحدهما أكبر من الآخر ربما أخذه لنفسه، وأن العبد ~~الصالح بنى الجدار بناء موقوتا، بحيث يعيش فقط حتى سن البلوغ لهذين ~~الغلامين، ثم ينهار فيجدا الكنز ويستطيعا حمايته من هؤلاء اللئام، ثم في ~~بناء الجدار عقاب لهؤلاء البخلاء وقصاص منهم على بخلهم، حيث منعهم من أخذ ~~أموال هذا الكنز. # وأخيرا لم يفت العبد الصالح أن يبين لسيدنا موسى أن ما فعله ~~لم يكن من عنده، إنما بأمر من الله # وما فعلته عن أمري.. # [الكهف: 82] إنما عن أمر الله، إذن: حين تنزل المصيبة وليس لك فيها ~~دخل فابحث عن الحكمة منها، ولا بد أنك ستجدها وتهتدي إليها. والخطاب ~~في { ومآ أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم.. ~~} [الشورى: 30] خطاب للعموم يشمل المؤمنين والكفار، الكافر لأنه دخل ~~المعركة فهزم فإن أخذ ماله أو قتل فبكفره، أما المؤمن فقد يكون ارتكب ~~مخالفات ومعاصي تستوجب أن يعاقب كما في حد الزنا، وحد شرب الخمر ~~مثلا، أو أن يعزز. والحق سبحانه وتعالى أوحى ms9095 إلى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم أن ينبه أمته، وأن يعلمها كيف تستقبل المصائب، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما يصيب المؤمن من نصيب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله ~~بها من خطاياه ". # لذلك يقول أحد العارفين: إني لأعرف مقامي عند ربي من خلق دابتي، ~~يعني: حين تحرن منه دابته أو تتعثر يسأل نفسه: ماذا فعلت حتى تحرن ~~الدابة؟ وسيدتنا أسماء بنت سيدنا أبي بكر كان يلازمها شيء من الصداع، ~~فكانت تمسك برأسها وتقول: بذنبي ويعفو الله عن كثير. ولتوضيح هذه المسألة ~~قلنا: إن الحق سبحانه خلق الإنسان وحدد مهمته في الحياة، ووضع له ~~منهجا يحميه وينظم حركته فيها، فإن خالف هذا المنهج لا بد أن يحدث ~~له عطب، مثل الآلة يصنعها الإنسان، ويضع لها كتالوجا يوضح كيفية ~~استخدامها، فإن خالفت هذه التعليمات تعطلت الآلة. فالحق سبحانه يريد ~~منا أن نعي هذه القضية، ليطمئن المؤمن حين تصيبه مصيبة أو تنزل به ~~نازلة، فيصبر ولا يجزع ولا يتسخط، بل يبحث عن الحكمة أو ينظر في نفسه: ~~ماذا فعلت لتنزل بي هذه المصيبة، فهي ولا بد تغسل عني شيئا اقترفته ~~وذنبا ارتكبته. هذا حال المؤمن الناصح أن يعود لنفسه وأن يحاسبها لأنه ~~يعلم مما علمه الله أن الدنيا دار عمل لا دار جزاء، الجزاء في الآخرة # اليوم تجزى كل نفس بما كسبت.. # [غافر: 17] إذن: ما يقع لي في الدنيا من ابتلاءات ومصائب ليس جزاء إنما ~~لفت نظر للعمل الصالح، ولأتعلم من مادية الأشياء أن المخالفة لا بد ~~أن يكون لها عقاب. ثم نحن نشاهد المصائب تحل بالصديق وبالزنديق وتعم ~~الجميع حتى الأنبياء، لذلك ورد في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " أشد الناس بلاء: الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل ". # فالابتلاءات للأنبياء ليست لذنوب ارتكبوها، إنما امتحان في التكليف ~~وأسوة للغير، أسوة تصلح حال القوم وتعلمهم الصبر عند المصيبة، ~~فحين تنزل بنا المصائب نتذكر مصائب الأنبياء، وكيف أنهم صبروا فنصبر ~~مثلهم، ونصحح من سلوكنا مع الله. وقوله: { ويعفوا ms9096 عن كثير } ~~[الشورى: 30] يعني: كثير من ذنوبنا وخطايانا، ولولا عفوه تعالى ورحمته ~~بخلقه ما نجا أحد. لذلك نقول لمن تصيبه مصيبة كفارة إن شاء الله يعني: ~~جعلها الله كفارة لذنوبك، وقد ورد في الحديث القدسي: # " وعزتي وجلالي لا أخرج عبدي من الدنيا وقد أردت به الخير حتى ~~أوفيه ما عمله من السيئات، من مرض في جسمه، أو خسارة في ماله، أو فقد ~~ولده، فإذا بقيت عليه سيئة ثقلت عليه سكرات الموت حتى يأتي كما ~~ولدته أمه. وعزتي وجلالي لا أخرج عبدي من الدنيا وقد أردت به الشر حتى ~~أوفيه ما عمله من الحسنات: من صحة في جسمه، وكثرة في ماله، وسلامة في ~~ولده حتى يأتي يوم القيامة، وليس له عندي حسنة، لأنني قلت: لا أضيع أجر ~~من أحسن عملا " # نعم يغدق الله عليه الخير في دار الفناء لأنه لا حظ له في دار البقاء. ### || [42.31] # الحق سبحانه وتعالى يخاطب القوم الذين عاندوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وصادموا دعوته وجادلوه، يقول لهم: لن تفلتوا من عدالة السماء، ~~ومن أفلت من عقاب الدنيا منكم لن يفلت من عقاب الآخرة، كما قال سبحانه ~~مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. وهنا يقول لهم { ومآ أنتم بمعجزين في ~~الأرض.. } [الشورى: 31] المعجز هو الذي ينسبني للعجز، ويعجزني ~~يعني: يأتي بأمر لا أقدر أنا عليه، فالحق يقول لهم: لن تعجزونا ولن ~~تهربوا منا أبدا، فأينما كنتم سنأتي بكم. لذلك اتضح لنا ذكاء الجن، ~~حينما قالوا: # وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض ولن ~~نعجزه هربا # [الجن: 12] فالجن وهم أقدر على الهرب من الإنس، ومع ذلك يعترفون أنه لن ~~يستطيع أحد منهم أن يهرب أو يفر من الله عز وجل. لذلك # " مدح سيدنا رسول الله المؤمنين من الجن لما قرأ سورة الرحمن على بعض ~~صحابته، ثم قال لهم: " لقد قرأت هذه السورة على الجن، فكانوا أحسن ~~استجابة منكم، كانوا كلما سمعوا { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان ms9097 } قالوا: ولا بشيء من نعمائك ربنا نكذب فلك الحمد ". # ثم إن الحق سبحانه يملي للظالم ويمهله، حتى إذا أخذه لم يفلته، فكون ~~الحق سبحانه يملي لهؤلاء لا يعني أنه عاجز عن أخذهم، لأنه سبحانه قوي ~~قادر وله طلاقة القدرة، بحيث يأتي بهم متى شاء، أما الضعيف فإنه يستغل ~~أول فرصة للانتقام ولا يفوتها، لأنه يعرف أنها لن تعود، كما قال ~~الشاعر: # وضعيفة فإذا أصابت فرصة # قتلت كذلك قدرة الضعفاء # وقوله تعالى: { وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير } [الشورى: 31] الولي: القريب أو الصديق المقرب منك دائما، ~~والمفروض فيه أن يدفع عنك المصيبة قبل أن تقع، والنصير: المعين الذي ~~ينصرك ويعينك إذا وقعت بك المصيبة. فالحق سبحانه يعلمنا أن يستقيم ~~فينا أمر التكليف، وأن تكون صلتنا بالله مباشرة، وألا نعتقد أننا ~~نفوت منه سبحانه، وألا نعتقد في أحد من خلقه أن يكون وليا لنا أو ~~نصيرا. ### || [42.32] # الجوار في البحر صفة لشيء معروف هي السفن، فهي التي تجري على صفحة ~~الماء، والآن نرى سفنا عملاقة وبواخر ذات أوزان عالية يحملها الماء ~~بإذن الله، كما نجد سيارات النقل والحاويات ذات الأوزان العالية تحمل ~~على الهواء في العجلات، وهذه من آيات الله أن يحمل الخفيف الثقيل. ومعنى ~~{ كالأعلام } [الشورى: 32] الأعلام: مفردها علم، وهو الجبل، ~~سمي علما لعلوه وظهوره، لذلك قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر: # كأنه علم في رأسه نار # فقول الخنساء عن أخيها: كأنه علم في رأسه نار. كناية عن أنه ~~مشهور معروف للجميع، ولما سمع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ~~البيت قال: # " قاتلها الله، ما اقتنعت تجعله كالجبل فجعلت فوقه نارا ". # وفي هذه الآية مظهر من مظاهر الإعجاز وآية للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فلو سألنا رجال الاقتصاد والصناعة: متى وجدت السفن العملاقة المكونة ~~من عدة أدوار والتي تشبه جبلا يتحرك على صفحة الماء؟ قالوا: في القرن ~~الثامن عشر، إذن: محمد لم ير مثل هذه السفن، فمن أخبره بهذا التطور؟ ~~ومن قال له أنها ستكون كالأعلام؟ ms9098 إنه الله الذي يعطينا الآيات الدالة ~~على صدق نبيه صلى الله عليه وسلم. ثم إن الجواري التي تجري في البحر ~~تحتاج إلى طاقة تجريها، فمن أين هذه الطاقة؟ لما بدأت السفن كانت تجري ~~بقوة الهواء أو بقوة دفع الماء لها، فإن كانت تسير في نفس اتجاه ~~التيار أجراها التيار معه، وإن كانت تسير ضد اتجاه التيار استخدموا ~~الهواء في دفعها باستخدام القلع، فإن سكن الريح يظللن رواكد على ~~ظهره. إذن: هي تجري بأمر الله وتسكن بأمر الله، وإن كانت تسير في نهر ~~وتسبح ضد تيار الماء جاءوا بالعمال وبالحبال ليشدوا السفينة وهم على ~~الشاطئ ويسيرون بها: { إن يشأ يسكن الريح فيظللن ~~رواكد على ظهره... }. ### || [42.33] # معنى { فيظللن.. } [الشورى: 33] أي السفن { رواكد.. } ~~[الشورى: 33] ثوابت ساكنة لا تتحرك، قد يحركها الموج في مكانها لكنها ~~ثابتة لا تسير { إن في ذلك لآيات لكل صبار.. } ~~[الشورى: 33] صبار فعال وهذه صيغة مبالغة من صابر لأن جريان السفن ~~يحتاج إلى مجهود وإلى مشقة، فلا بد من الصبر الطويل. وكذلك { شكور } ~~[الشورى: 33] على وزن فعول، وهي أيضا صيغة مبالغة من شاكر، فجريان ~~السفن من آيات الله التي تستوجب شكره عليها. ثم إن هذه الآية جاءت بعد ~~قوله تعالى # ومآ أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم.. # [الشورى: 30] فالمصائب أيضا تحتاج إلى الصبار الشكور لأن المصيبة حين ~~تنزل بالمرء لا تصيب كل الأعضاء ولا تأتي عليه كله، فالله يصيبك في شيء ~~ويعافيك في أشياء، فالمصاب يحتاج إلى صبر والمعافى يحتاج إلى شكر. لذلك ~~روي أن سيدنا عبد الله بن جعفر لما ذهب إلى الشام جرحت رجله وهو ~~في الطريق، ولم يجد من يعالجه لطول المسافة، فقاحت وحدث بها تلوث ~~وأصابتها الغرغرينة، فلما بلغ دمشق ونزل في ضيافة الخليفة أتوا له ~~بالأطباء. فقرروا بترها والتمسوا له مرقد وهو مثل البنج الآن كي لا ~~يحس بالألم، لكنه رفض ذلك وقال: والله ما أحب أن أغفل عن ربي طرفة ~~عين، وفعلا قطعوا رجله دون تحذير، لأن الذي يتمتع بهذه المعية ويشعر ~~بهذا ms9099 الشعور حقيق ألا يشعر بألم وهو في معية الله. هذه المعية التي ~~احتمى بها سيدنا رسول الله وصاحبه في الغار حين قال له: لا تحزن إن الله ~~معنا، أبو بكر يقول: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فيقول ~~له صلى الله عليه وسلم: # " يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ " # ذلك لأنهما في معية الله، والله لا تدركه الأبصار، وكذلك من كان في معية ~~الله منحه الله شيئا من هذه الصفة. فلما قال سيدنا عبد الله بن جعفر: ما ~~أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين قطعوا رجله وهو في هذه الحالة فلم يشعر ~~بألمها، فلما أرادوا أن يدفنوها أمسك بها وقال: اللهم إن كنت ابتليت ~~في عضو فقد عافيت أعضاء. إذن: هذا مثال للعبد الصبار الشكور، صبار على ~~المصيبة شكور على النعمة. وفي قوله سبحانه: { إن يشأ يسكن ~~الريح.. } [الشورى: 33] لون آخر من الإعجاز القرآني، لأن السفينة ~~قديما كانت لا تسير إلا بالهواء، فكيف وهي الآن تسير بقوة الوقود أو ~~بالكهرباء ولا تحتاج إلى الريح، فهل يعني استغناء السفن عن الريح أن ~~الآية لم يعد لها مجال الآن؟ قالوا: لا بل هي خالدة باقية لها معنى ~~يعتبر إلى قيام الساعة، لأن من معاني كلمة الريح أي القوة أيا كانت. # واقرأ إن شئت قوله تعالى # ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.. # [الأنفال: 46] أي: قوتكم، فإن استغنيتم عن الريح بقي معنى القوة، سواء ~~أكانت بالبخار أو غيره. وقوله { إن في ذلك لآيات لكل ~~صبار شكور } [الشورى: 33] بعد { فيظللن رواكد على ~~ظهره.. } [الشورى: 33] إشارة لأصحاب السفن وركابها، أنها إذا توقفت ~~عن السير بسبب سكون الريح فلا تحزن، واستقبل هذه المسألة بشيء من الصبر، ~~واشكر الله أن جاءت الشدة على هذه الصورة، ولم تكن أكثر من ذلك كأن ~~يصيبها عطب أو إعصار أو غير ذلك من المصائب، يعني: اصبر على ما فاتك ~~واشكر على ما بقي لك. ### || [42.34] # معنى { يوبقهن.. } [الشورى: 34] يعني إما أن يظللن رواكد على ظهره ~~أو يغرقهن ms9100 { بما كسبوا.. } [الشورى: 34] بما فعلوا من المعاصي كشرب ~~الخمر ولعب القمار وغيره { ويعف عن كثير } [الشورى: 34] أي: يعفو ~~عن كثير من ذنوبهم فلا يؤاخذهم بها. وفي موضع آخر يشرح الحق سبحانه هذه ~~المسألة: # هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا ~~كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا ~~بها جآءتها ريح عاصف وجآءهم الموج من كل مكان ~~وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين * فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض ~~بغير الحق.. # [يونس: 22-23]. ### || [42.35] # يعني: ما لهم من ملجأ ولا مهرب من عذاب الله، فالذين يجادلون رسول الله ~~في آيات الله ويكذبونه يعلمون قدرة الله عليهم، وأنه سبحانه إن شاء ~~أخذهم أخذ عزيز مقتدر. و " حاص " في المكان. أي: ذهب إلى هنا أو هناك، ~~ولا يجد راحة، ونجد في تعبيرنا العامي ما يصور ذلك وهو قولنا " فلان ~~حايص " أي: لا يجد مكانا يرتاح فيه. ولا يعرف إلى أين يذهب، فلا مهرب ~~ولا منجى. ### || [42.36] # قوله: { من شيء.. } [الشورى: 36] يعني: كل ما يقال له شيء من متع ~~الحياة، كالمال والأولاد والزوجات والمناصب والصحة والجاه... إلخ. كل هذا ~~متاع الحياة الدنيا فحسب تتمتع به في الدنيا، والدنيا بالنسبة لك ليست هي ~~الفترة من آدم إلى قيام الساعة، بل هي مدة بقائك أنت فيها لا دخل لك ~~بمدة حياة الآخرين، فأنت لا تمر على الدنيا إنما الدنيا هي التي تمر ~~عليك. إذن: مهما كان متاعك فهو موقوت بعمرك في الدنيا وينتهي { وما ~~عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم ~~يتوكلون } [الشورى: 36] لأنك في الدنيا تتمتع على قدر جهدك فيها ~~وعلى قدر إمكانياتك، أما في الآخرة فالمتعة على قدر الحق سبحانه، وإن ~~كان متاع الدنيا يزول فمتاع الآخرة باق دائم خالد. إذن: عندما تقيس ~~مستوى النعمة التي تعيشها في الدنيا بمستوى النعمة في الآخرة تعلم أن ما ~~عند الله خير وأبقى، وحين تعلم هذه الحقيقة ينبغي عليك أن تعمل لها، لأن ms9101 ~~هذه الخيرية، وهذا البقاء موقوف على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، ~~فهنا عقيدة وعمل بالأسباب. وفرق بين من يتوكل على الله بأن يأخذ ~~أولا بالأسباب ثم يتوكل على الله، ومن يتواكل أي يقول توكلت على الله ~~ويترك السعي والأخذ بالأسباب. إذن: المؤمن يتوكل بقلبه ويعمل ~~بجوارحه. وقد نزلت هذه الآية { فمآ أوتيتم من شيء فمتاع ~~الحياة الدنيا.. } [الشورى: 36] في جماعة من صناديد قريش وعلى ~~رأسهم الوليد ابن المغيرة، لما حسدوا رسول الله وحقدوا عليه لما اصطفاه ~~الله للرسالة فقالوا: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31] يعني: عنده كذا وكذا، فرد الله عليهم أن هذا كله متاع ~~دنيوي زائل، وما عند الله خير منه وأبقى. ### || [42.37] # معنى { يجتنبون.. } [الشورى: 37] أي: يبتعدون عن الأسباب المؤدية ~~إلى { كبائر الإثم والفواحش.. } [الشورى: 37] الكبائر هي ~~الذنوب الكبيرة التي توعد الله فاعلها وجعل لها عقوبة. والفواحش كل ما ~~عظم فحشه وقبحه، وهذه كلها ذنوب توجب إقامة الحد على فاعلها. ~~وسبق أن قلنا: إن مواكب الرسل المختلفة اتفقت في تحريم هذه الكبائر ~~وحثت الجوارح النفسية أن تتبرأ من عيوبها، فالقلب يتبرأ من الشرك ومن ~~الإصرار على المعصية، وألا يأمن مكر الله، وألا ييأس من رحمة الله. ~~واللسان يبرأ من شهادة الزور وقول الزور وقذف المحصنات واليمين ~~الغموس الذي يغمس صاحبه في النار، وهو الحلف كذبا على شيء حصل في ~~الماضي، وهذا اليمين ليس له كفارة، لكن إن حلف على شيء في المستقبل، ~~وظهر له ما هو أفضل يسمح الله له إن يأتي الأفضل ويكفر عن يمينه. ~~كذلك البطن تبرأ من شرب الخمر وأكل مال اليتيم وأكل الربا. والفرج ~~يبرأ من كل اتصال لا يحل، واليد تبرأ من السرقة والقتل، والرجل تبرأ ~~من التولي يوم الزحف. وفوق هذا كله تبرأ كل هذه الجوارح من عقوق ~~الوالدين. وقوله تعالى: { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } ~~[الشورى: 37] الغضب فوران الغريزة الغضبية من شيء أغضبك أو أتعبك، وهذا ~~الشيء حدث من شخص ما فتتولد لديك رغبة الانتقام ms9102 أو مشاعر الحقد والحسد ~~نحوه. فالحق سبحانه يعلمنا كيف نغفر ونعفو ونصفح، وإذا كنت تحب أن ~~يغفر لك فاغفر لمن أساء إليك، وإذا تأملنا أحوال الناس نلاحظ أن عاقبة ~~الصفح والغفران حميدة، وعاقبة البطش والانتقام وخيمة. لذلك الحق سبحانه ~~وتعالى يرشدنا إلى أن نأخذ جانب العفو، ونحذر سورة الغضب، وألا ننساق ~~معها، وألا نتجاوز الحدود حين تأخذنا هذه السورة حتى في مسألة ~~القصاص: # كتب عليكم القصاص في القتلى.. # [البقرة: 178]. فبعد أن يشرع لنا القصاص يذكرنا بما هو أولى بنا ~~وأرشد وهو العفو # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ~~وأدآء إليه بإحسان.. # [البقرة: 178] فشرع القصاص ليحفظ الحق لصاحبه، ثم فتح باب العفو. لذلك ~~نجد الدين يمنع أي شخص أن يشفع في حد من حدود الله إلا القتل تجوز فيه ~~الشفاعة، لأن ولي المقتول حين يعفو عن القاتل يفشي الود في المجتمع، ~~ويصير القاتل مدانا له لأنه يعلم أن روحه رهن بهذا العفو. واقرأ قول ~~الله تعالى: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا ~~الذين صبروا وما يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم # [فصلت: 34-35]. هذه حقيقة يقررها الخالق سبحانه وهو أعلم بعباده، لذلك ~~نجد البعض في هذه المسألة يقول لك: والله أنا دفعت بالتي هي أحسن دون ~~فائدة، نقول له: عليك أن تراجع نفسك ومدى صدقك في تصرفاتك، فأنت تظن ~~أنك دفعت بالتي هي أحسن، لكن الواقع غير ذلك، فأنت تجرب مع الله ~~والتجربة مع الله شك، فلو صدقت لصدقت الآية معك. # وصدق القائل: # يا من تضايقك الفع # ال من التي ومن الذي # ادفع فديتك بالتي # حتى ترى فإذا الذي # ثم تأمل لماذا أكدت الآية الفاعل في { يغفرون } [الشورى: 37] ~~بذكر الضمير المنفصل هم؟ فقال تعالى: { وإذا ما غضبوا هم ~~يغفرون } [الشورى: 37] قال: هم ليؤكد أنهم أصحاب القرار، فالغفران ~~منهم هم، ليس مجاملة لأحد، ولا إجبارا من أحد، لأنك قد ترسل لصاحب الحق ~~من يشفع لك عنده، فحين يغفر صاحب الحق يكون الجميل ms9103 للشافع، فلماذا إذن ~~تحرم نفسك الثواب، لماذا لا تجعلها لك خالصة؟ ### || [42.38] # قوله تعالى: { والذين استجابوا لربهم } [الشورى: 38] ~~أي: بالإيمان وهذه تمثل العقيدة { وأقاموا الصلاة وأمرهم ~~شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون } [الشورى: 38] ~~تمثل العمل والتطبيق. هذه آية من آيات كثيرة قرنت بين الصلاة والزكاة، ~~لأن بهما يستقيم حال المجتمع المؤمن، الزكاة تنازل عن بعض مالك ~~للمحتاجين فأنت إذن تضحي فيها بالمال، كذلك في الصلاة زكاة أبلغ من زكاة ~~المال، لأنك في الصلاة تضحي بالوقت الذي هو مجال العمل وسبب كسب ~~المال. الجديد في هذه الآية في مسألة الجمع بين الصلاة والزكاة ذكر ~~مسألة الشورى بينهما، والمتحدث بهذا هو الحق سبحانه، فلا بد لنا أن ~~نقف هنا ونتلمس الحكمة: لماذا جعل الشورى بين هذين الأمرين اللذين ~~اجتمعا دائما في آيات الذكر الحكيم؟ نقول: معنى أقاموا الصلاة يعني: ~~أدوها على أكمل وجه، وهذا يكون في جماعة المسجد، فكأنه ينتهز فرصة ~~الاجتماع هذه ويأمرهم بأن يكون أمرهم شورى بينهم، والشورى لا تكون في ~~أمر وصانا الله به، ولا في أمر وصانا به رسوله صلى الله عليه وسلم، ~~إنما تكون في الأمور الخلافية التي لم يأت فيها نص، فيكون الحكم فيها ~~شورى بين أهل الاختصاص كما نرى في مسألة الفتوى. لذلك ندعو إلى أن تكون ~~الفتوى جماعية لا فردية، فلما تتناقش الجماعة لا بد أن يصلوا إلى ~~الصواب، ولا مانع أن تدافع عن رأي الجماعة حتى لو كان لك رأي مخالف. ثم ~~تأمل { وأمرهم شورى بينهم.. } [الشورى: 38] ولم يقل: ~~تشاور. فعبر بالمصدر ليؤكد أن أمرهم هو نفسه الشورى، كما تقول: رجل ~~عادل ورجل عدل، فجعلته العدل ذاته، وقد ورد أن الإمام عليا رضي الله ~~عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ترد علينا أمور لا ~~نرى لله فيها حكما، ولا نرى لسنة نبيه فيها حكما، فماذا نصنع؟ قال ~~صلى الله عليه وسلم: اجمعوا العباد، واجعلوها شورى ولا تقتدوا برأي واحد. ### || [42.39] # معنى { إذآ أصابهم البغي } [الشورى: 39] لحقهم ظلم واعتداء ~~والبغي: ms9104 مجاوزة الحد في الظلم { هم ينتصرون } [الشورى: 39] أي: ~~ينتقمون من الظالم بنفس القدر دون زيادة، وهذه الآية تقرر حكما لله ~~عز وجل هو جواز الانتقام من الظالم، لكن لا تنتهي المسألة عند هذا الحكم، ~~إنما يتبعه الحق سبحانه بحكم آخر لتكتمل الصورة، فيقول تعالى في الآية ~~بعدها: { وجزآء سيئة سيئة... }. ### || [42.40] # الحق سبحانه وتعالى رحيم بعباده لطيف بهم، وحينما أجاز لهم الرد بالمثل ~~في القصاص وفي المظالم أراد سبحانه أن يرضي مواجيد المظلوم وعواطفه، ~~وأن يريحه بالانتقام من ظالمه، لكن ضيق هذا الباب في حين أوسع باب ~~العفو ورغب فيه، ضيق عليك باب الانتقام حينما قال: # وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن ~~صبرتم لهو خير للصابرين # [النحل: 126]. فالحق سبحانه حينما قال { وجزآء سيئة سيئة ~~مثلها... } [الشورى: 40] إنما ليريح قلبك وينهي العداوة والبغضاء ~~بين الطرفين، لكن أتضمن حين تنتقم أن ترد بالمثل؟ إن المثلية هنا أمر ~~شاق جدا لا يقدر أحد عليه، ففي أبسط الأمور لو شخص ضرب الآخر ضربة، أو ~~لطمه لطمة على وجهه، أيستطيع أن يرد بمثلها دون زيادة؟ ولو زاد عليها ~~لكان هو الآخر ظالما. إذن: في العفو سعة ومخرج من هذا الحرج ومن هذا ~~التضييق. لذلك يحكى أنه كان في إيطاليا رجل مراب أقرض شخصا لأجل، ~~لكن اشترط عليه إذا لم يؤد في الموعد المحدد بينهما أن يقطع رطلا من ~~لحمه مقابل هذا الدين، فلما جاء الموعد ولم يدفع المدين ما عليه رفع ~~الدائن أمره إلى القاضي، فأقره القاضي على شرطه وقال له من حقك أن تأخذ ~~رطلا من لحمه لكن تذكر إن زاد أخذنا الزيادة من لحمك أنت، وإن نقص ~~أكملناه من لحمك أنت، فلم يملك المرابي إلا التراجع عن شرطه. لذلك يقول ~~تعالى: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا ~~يحب الظالمين } [الشورى: 40] وكأن الانتقام لا بد وأن يجر ~~صاحبه إلى منطقة الظلم. وعن الإمام علي رضي الله عنه قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إذا كان يوم القيامة نادى مناد ms9105 يقول: من كان أجره على الله ~~فليقم للجنة، فلم يرد أحد، فقال: من كان أجره على الله فليقم للجنة - ~~يعني بغير حساب - فقالوا: ومن الذي أجره على الله؟ قال: العافي عمن ~~أساء إليه ". # " وروي أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم بين أصحابه ~~فضحك فسأله عمر رضي الله عنه: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: رأيت ربي ~~يفصل في خصومة بين اثنين. فقال أحدهما: رب إن هذا أساء إلي فخذ من ~~حسناته وأعطني بقدر إساءته، فقال له: ليس له حسنات، لكن انظر، فنظر فإذا ~~بقصور وأشياء عجيبة، فقال: لمن هذه يا رب؟ قال: لمن عفا عن أخيه. ~~فقال: عفوت عنه، فقال: فخذ بيد أخيك وادخلا الجنة ". # ولك أن تتأمل كيف يصلح الخالق الخلق بهذه القيم، وما علينا إلا أن ~~نخرجها من المجال النظري إلى التطبيق والعمل. والسيئة في قوله تعالى: { ~~وجزآء سيئة سيئة مثلها.. } [الشورى: 40] يعني: عمل ~~فيه إساءة لك بقول أو فعل، وليست سيئة الذنوب والمعاصي في حق الله ~~تعالى. ### || [42.41-42] # قوله تعالى { ولمن انتصر بعد ظلمه.. } [الشورى: 41] يعني: ~~انتقم من ظالمه { فأولئك ما عليهم من سبيل } [الشورى: ~~41] يعني: لا مؤاخذة عليهم لأنهم ما تعدوا حدود الانتصار للنفس ~~والانتقام لها { إنما السبيل.. } [الشورى: 42] أي: سبيل المؤاخذة ~~{ على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض ~~بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم } [الشورى: 42]. ~~ثم يأخذ الحق سبحانه بأيدي العباد إلى طريق أسلم من الانتقام وأحمد في ~~العاقبة، فيقول تعالى: { ولمن صبر وغفر... }. ### || [42.43] # جاء في وصية لقمان لابنه: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17] هكذا دون توكيد باللام التي هنا { ولمن صبر وغفر ~~إن ذلك لمن عزم الأمور } [الشورى: 43]. صحيح أن المعنى ~~العام واحد وهو الدعوة إلى الصبر، لكن فرق بين الصبر على مصيبة ليس لك ~~فيها غريم، والصبر على مصيبة لك فيها غريم، فوجود الغريم يحتاج إلى قوة ~~في الصبر وتحمل، لأنك كلما رأيت غريمك هاجت عندك دواعي الانتقام، ~~فلقمان يوصي ولده بالصبر ms9106 على مصيبة ليس فيها غريم، فلم يحتج إلى توكيد. ~~أما هنا فالكلام عن الصبر حينما يكون لك غريم تفكر في الانتقام منه ~~ورد السيئة بمثلها، فأنت في حاجة إلى قوة تعينك على الصبر وطاقة تأخذك ~~من مجال الانتصار للنفس إلى مجال العفو والصفح، لذلك أكد الكلام باللام ~~مرتين في الآية. وقوله تعالى: { ولمن صبر وغفر.. } [الشورى: ~~43] يعني: أننا أمام مرحلتين: الصبر على الإساءة ثم غفران الإساءة، فكثير ~~من الناس يصبر على من أساء إليه لكنه لا يغفر له إساءته، لأن مرحلة ~~الغفران تحتاج إلى قوة إيمان وقوة عزيمة { إن ذلك لمن عزم ~~الأمور } [الشورى: 43]. يعني: الأمور المهمة التي تحتاج منك إلى عزيمة ~~وثبات وقوة تطفئ بها نار الحقد والثأر والانتقام، وقوة أخرى تستمد منها ~~طاقة للمغفرة، وهذه لا تكون إلا للمؤمن الواثق بأن ما عند الله خير ~~وأبقى، وأنه سينال بالعفو ما لم ينله بالانتقام. إذن: الحق سبحانه ~~أباح لك أن تنتقم لنفسك، ثم دعاك إلى العفو ورغبك فيه، فمتى يكون ~~الانتقام؟ ومتى يكون العفو؟ قالوا: العفو أولى من الانتقام والانتصار ~~للنفس، إلا إذا كان المسيء الظالم من الجاهلين الذين لا يزيدهم العفو إلا ~~تماديا في الظلم، ولا يزيده حلمك عليه إلا طمعا فيك، فهذا لا بد له ~~من المعاملة بالمثل ليرتدع ولا يتمادى في ظلم الناس. وقد تنبه إلى هذه ~~الحقيقة كثير من الشعراء العرب القدماء، يقول المتنبي: # من الحلم أن تستعمل الجهل دونه # إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم # وقال أيضا: # إذا أنت أكرمت الكريم ملكته # وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا # ووضع الندي في موضع السيف بالعلا # مضر كوضع السيف في موضع الندى # وقال آخر: # ولا خير في حلم إذا لم تكن له # بوادر تحمي صفوه أن يكدرا # وفي تاريخ قبائل العرب ما يؤكد ذلك، فبعض القبائل كانت شرسة وقوية لا ~~تقبل الضيم مثل بني مازن، كانت حجة في الانتصار لنفسها، فصار الناس ~~يرهبونها، ولا يجرؤ أحد على التعدي عليها، ومن القبائل التي كانت تجهل ~~وتغتر بعفو من ms9107 عفا عنها قبيلة بني اللقيطة من بني ذهل. أما طيء فكانت ~~قبيلة مسالمة تعفو وتصفح وتقابل السيئة بالإحسان، لذلك طمع فيها بنو ذهل ~~وتمادوا في التعدي عليها حتى فاض بشاعرهم بعد أن استباحوا أرضه وأخذوا ~~إبله، فضاق بما عليه قبيلته من العفو عمن لا يستحق العفو، فقال في ~~وصفهم: # كأن ربك لم يخلق لخشيته # سواهم من جميع الناس إنسانا # ويجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة # ومن إساءة أهل السوء إحسانا # ثم قال قصيدته المشهورة في الأدب العربي: # صفحنا عن بني ذهل # وقلنا القوم إخوان # عسى الأيام أن يرجعن # قوما كالذي كانوا # فلما صرح الشر # وأمسى وهو عريان # مشينا مشية الليث # غدا والليث غضبان # بضرب فيه توهين # وإضعاف وإقران # وطعن كفم الزق # غدا والزق ملآن # وبعض الحلم عند # الجهل للذلة إذعان # وفي الشر نجاة # حين لا ينجيك إحسان # وما أجمل قول الإمام علي رضي الله عنه: # لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني # إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج # ولي فرس للحلم بالحلم ملجم # ولي فرس للجهل بالجهل مسرج # فمن رام تقويمي فإني مقوم # ومن رام تعويجي فإني معوج ### || [42.44] # قوله تعالى { ومن يضلل الله.. } [الشورى: 44] يعني: يحكم الله ~~عليه بالضلال، لأن الهدى هدى الله، وهو سبحانه قد بين للناس طريق الخير ~~وطريق الشر بالدلالة على الخير والنهي عن الشر. وهذه الهداية التي نسميها ~~هداية الدلالة والإرشاد جعلها الحق سبحانه للمؤمن وللكافر، فالله دل ~~الجميع، المؤمن أخذ هذه الهداية فعمل بما فيها وسار على نهجها في الأمر ~~وفي النهي، فزاده الله هدى. أما الكافر فتجاهل هذه الهداية ولم يعمل بها ~~فزاده الله من الضلال الذي اختاره لنفسه، فالذي يريد شيئا ويعشقه يزيده ~~الله منه سواء المؤمن أو الكافر، لذلك قال عن المؤمن: # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17] أما الكافر فقد ختم على قلبه حتى لا يخرج منه كفره ولا يدخله ~~نور الإيمان. وقوله: { فما له من ولي.. } [الشورى: 44] أي: ~~يواليه وينصره { من بعده.. } [الشورى: 44] أي: من بعد الله ~~تعالى { وترى ms9108 الظالمين لما رأوا العذاب يقولون ~~هل إلى مرد من سبيل } [الشورى: 44] هل من طريق للرجوع إلى ~~الدنيا مرة أخرى لنتوب ونعمل العمل الصالح؟ استفهام العاجز الذي لا حيلة ~~له، وما حيلتهم للرجوع وقد عاينوا العذاب الذي طالما كذبوه وكفروا به ~~في الدنيا. والحق سبحانه يكذبهم في هذا الزعم، ففي آية أخرى يقول ~~سبحانه: والخطاب لسيدنا رسول الله: # ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا ~~نرد ولا نكذب بآيت ربنا ونكون من ~~المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ~~ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم ~~لكاذبون # [الأنعام: 27-28]. وفي موضع آخر قال سبحانه في الرد عليهم # حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون * ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة ~~هو قآئلها ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون # [المؤمنون: 99-100]. ### || [42.45] # قوله سبحانه: { وتراهم } أي الكفار { يعرضون عليها } على ~~النار { خاشعين من الذل } أي: خاضعين أذلاء من شدة الخوف، لذلك ~~{ ينظرون من طرف خفي } [الشورى: 45] يعني: يختلسون النظرة ~~ولا يستطيعون المواجهة بأعينهم، فما هم فيه من خزي يكسر أعينهم. لذلك ~~تقول لخصمك الذي يفتري عليك كذبا هات عيني في عينك لماذا؟ لأن المواجهة ~~بالأعين تظهر الحق، فصاحب الحق عينه قوية جريئة، تستمد قوتها من قوة ~~الحق الذي يدافع عنه، أما عين المبطل فمنكسرة ذليلة تتوارى من شعاع ~~الحق الذي يكشف زيفها. { وقال الذين آمنوا إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم ~~القيامة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم } [الشورى: ~~45] هذه المقولة يرددها المؤمن الذي نجا من العذاب وفاز بالجنة، يقول: ~~إن الخسارة الحقيقة هي ما فيه هؤلاء، لأنهم خسروا كل شيء { ألا إن ~~الظالمين في عذاب مقيم } [الشورى: 45] يعني: دائم لا ينقطع. ### || [42.46] # الكلام هنا عن يوم القيامة { وما كان لهم من أوليآء ~~ينصرونهم من دون الله } [الشورى: 46] أي: يدفعون عنهم العذاب ~~الذي حل بهم { ومن يضلل الله فما له من سبيل } ~~[الشورى: 46] يعني: ما له من طريق للهداية لأن الله تعالى هو الذي يهدي، ms9109 ~~يضع نموذجا للهداية. وسبق أن بينا أن الهداية على ضربين: هداية ~~الدلالة والإرشاد، وهداية التوفيق والمعونة، لذلك رأينا بعض المستشرقين ~~يقفون أمام بعض الآيات يتهمون القرآن بالتعارض بين آياته، ومن ذلك قوله ~~تعالى: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى # [فصلت: 17] وقوله تعالى: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56] وفي موضع آخر: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52]. فأثبت الهداية مرة ونفاها مرة أخرى، والخطاب هنا لسيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتراض هؤلاء على أسلوب القرآن ناتج عن ~~عدم فهمهم لكلام الله، فالنفي والإثبات هنا لأن الجهة منفكة، فمتعلق ~~إثبات الهداية له معنى، ومتعلق نفيها له معنى آخر. وسبق أن أوضحنا أن ~~الهداية نوعان: هداية إرشاد وهداية معونة وتوفيق، فرسول الله يملك هداية ~~الإرشاد والدلالة، ولا يملك هداية التوفيق والمعونة، هذه بيد الله وحده ~~يهدي إليه من يشاء. فقوله: # إنك لا تهدي من أحببت # [القصص: 56] نفى عنه هداية التوفيق والمعونة لأنها لله تعالى، وقوله: # وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم # [الشورى: 52] أثبت له هداية الإرشاد والدلالة. إذن: الجهة منفكة وليس ~~هناك تعارض بين الموضعين. واقرأ مثلا قوله تعالى مخاطبا رسوله صلى الله ~~عليه وسلم: # وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى # [الأنفال: 17] في الفعل وأثبته في موضع واحد، لأن الجهة أيضا منفكة، ~~ولكل فعل منهما معنى. وكذلك في قوله تعالى: # وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون # [الروم: 6-7] يعني: لا يعلمون حقائق الأشياء إنما يعلمون ظاهرها. وفي ~~واقعنا اليومي نستخدم هذا الأسلوب في نفي الفعل وإثباته في موضع واحد، ~~فلما ترى ولدك يفتح الكتاب وينظر في سطوره وهو منشغل عنه، أو تسأله بعد ~~المذاكرة فلا يجيب فتقول له: ذاكرت وما ذاكرت، يعني: ذاكرت شكلا ولم ~~تذاكر موضوعا أو مضمونا. ثم يقول الحق سبحانه: { استجيبوا ~~لربكم... }. ### || [42.47] # هنا أمر بالاستجابة لأمر من؟ لأمر الرب { لربكم } [الشورى: 47] ~~والرب هو الذي خلقك من عدم وأمدك من عدم، ms9110 وتولى تربيتك ورعايتك ~~وتفضل عليك، وهو سبحانه صاحب المنهج ومالك الجزاء وقادر عليه، فإليه ~~وحده المرجع والمآب. إذن: فهو حقيق بالاستجابة إذا أمر وأولى بالطاعة، ~~فالعاقل هو الذي يسارع بالاستجابة لله تعالى. ونلاحظ هنا أن القرآن عبر ~~بالاستجابة، بدل الإجابة، لأن الاستجابة فرع الطلب، لذلك قال سبحانه: # ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات # [الشورى: 26] أي: يستجيب الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات. فالحق ~~سبحانه حينما يناديك ويدعوك للصلاة مثلا يجب أن تجيب النداء، لأنه دعاك ~~لمصلحتك أنت، دعاك ليعطيك شحنة إيمانية لوجودك في معية الله، فنداء الله ~~أكبر يعني: تعال حي على الصلاة، حي على الفلاح، تعال قابلني. ~~فالرب سبحانه هو الذي يدعوك للمقابلة، ويرحب بك في بيته وفي معيته ~~ليصلحهم، فإذا لم يجيبوا كانوا آثمين مذنبين عاصين يستحقون العذاب، والحق ~~سبحانه لا يستفيد من ذلك بشيء. ولو عقدنا مقارنة بين لقاء الحق سبحانه ~~ولقاء رئيس أو مسئول لكان الفرق واضحا، فأنت الذي تطلب المقابلة، ولو ~~أتيحت لك حدد لك الموعد وموضوع الحديث ومكان اللقاء ونهاية اللقاء، ~~فأنت لا تملك من عناصره شيئا. أما لقاؤك بربك عز وجل فهو الذي يدعوك ~~لحضرته لا مرة بل خمس مرات في اليوم والليلة، ويفتح لك الباب لأن تقول ~~كل ما تريد، وتنهي اللقاء متى تحب. وفي اللقاء يمنحك شحنة إيمانية ~~تعينك على أمر دينك ودنياك وتصلح ما فسد في نفسك أو خواطرك، وتغفر ما ~~كان منك من صغائر الذنوب وتشرح صدرك ويطمئن بها قلبك. وقد يسأل سائل: ~~وكيف يحدث لي هذا كله؟ نقول: الله سبحانه غيب، فحين يصلحك يصلحك بغيبه، ~~وحين يعطيك بغيبه من حيث لا تشعر ومن حيث لا تحتسب، لذلك سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر قام في الصلاة. وكان صلى الله عليه ~~وسلم يقول عن الصلاة: # " أرحنا بها يا بلال " # وعليك أن تقتدي به، فإذا ضاقت بك الأسباب، وإذا ألم بك هم أو غم ~~فاهرع إلى الصلاة. وطبيعي أن تكون الاستجابة لأمره تعالى موقوتة بالحياة ~~الدنيا فهي ms9111 مجال العمل، لذلك قال { من قبل أن يأتي يوم لا ~~مرد له من الله } [الشورى: 47] أي: يوم القيامة الذي لا يرده ~~أحد، ولا يؤخره عن وقته. { ما لكم من ملجأ يومئذ } ~~[الشورى: 47] أي: تلجئون إليه ويحميكم من العذاب { وما لكم من ~~نكير } [الشورى: 47] ينكر عذابكم أو يعارضه ويستنكره. ### || [42.48] # قوله تعالى: { فإن أعرضوا.. } [الشورى: 48] أي: عن كل هذه ~~المسائل وتركوك وانصرفوا عن المنهج الذي جئتهم به، ومنه قوله سبحانه: # وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه # [الإسراء: 83] فإن انصرفوا عنك يا محمد { فمآ أرسلناك ~~عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ.. } [الشورى: 48]. ~~هذه تسلية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه كان دائما حريصا ~~على هداية القوم يحزنه إعراضهم وانصرافهم عن الهدى الذي جاء به، وقد كان ~~يشق على نفسه في هذه المسألة حتى يكاد أن يهلكها، لذلك خاطبه ربه في أكثر ~~من موضع يسليه ويخفف عنه وينهاه أن يحمل نفسه فوق طاقتها. قال ~~تعالى: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3] وقال في الكهف: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. وهنا يقول له: { فمآ أرسلناك عليهم حفيظا.. ~~} [الشورى: 48] يعني: مراقبا لهم من آمن ومن كفر، فمهمتك يا محمد ~~هي مجرد البلاغ { إن عليك إلا البلاغ.. } [الشورى: 48] وليس ~~لك أن تجبر أحدا على الإيمان. ثم يقرر الحق سبحانه حقيقة طبع عليها ~~الإنسان { وإنآ إذآ أذقنا الإنسان منا رحمة فرح ~~بها.. } [الشورى: 48] هذا أمر منطقي أن يفرح الإنسان بالرحمة وبالخير ~~يساق إليه، والفرح هنا بمعنى البطر، والإنسان هنا اسم جنس يفيد العموم. ~~{ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن ~~الإنسان كفور } [الشورى: 48] لاحظ أن الرحمة لم تنسب إلى الإنسان ~~لأنها ليست من عمل يده، إنما نسبت إليه السيئة لأنها نتيجة سعيه وجني ~~يديه. إذن: لا تنسب السيئة إلى الله لأنها بعملك أنت، فإن نسبتها لله ~~فقد كفرت به { فإن الإنسان كفور } [الشورى: 48] كفور لنعمة ~~الله عليه، ومن كفران النعمة أن تنسب الأسباب لغير المسبب. وكفران ms9112 ~~النعمة وجحودها طبع في الإنسان إلا من رحم الله، فمثلا يأتيك رجل ~~يطرق بابك لتتوسط له في مصلحة فتقف إلى جواره وتساعده حتى يقضي مصلحته، ~~الحقيقة أن الله هو الذي يقضي وييسر، وما أنت إلا سبب، وقد صادف تدخلك ~~فيها وقت قضائها. يعني: كانت ستقضى بدون واسطة. إذن: شفاعتك لم تأت ~~بالمصلحة للغير إنما صادفت القبول، العجيب بعد ذلك أن تجد الإنسان ~~متغطرسا لا يعترف بالجميل لصاحبه وينسبها لنفسه: أنا عملت كذا وكنت ~~على استعداد لكذا وكذا، لماذا؟ لأن الجميل إحسان، والإحسان يجعلك ~~ذليلا لمن أحسن إليك. # أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم # فطالما استعبد الإنسان إحسان # فمن ينكر الجميل يريد أن يتحرر من هذه الذلة، وما أشبه منكر ~~الجميل بقارون الذي قال: # إنمآ أوتيته على علم عندي.. # [القصص: 78] وقديما قالوا: اتق شر من أحسنت إليه، لماذا؟ لأنك ~~تذكره بحال ضعفه وحاجته للمساعدة. # إذن: { فإن الإنسان كفور } [الشورى: 48] أي: للنعمة يحب أن ~~ينسبها لنفسه، وفي ذات الوقت يبعد عنها الشر والسيئة، وكلاهما كفران ~~لنعمة الله. والحق سبحانه حينما يحدثنا عن نعمته يقول: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] أولا: استخدام إن التي تفيد الشك، لأن نعم الله من ~~الكثرة بحيث لا تعد، ولا يقدم أحد على عدها لأنك لا تقبل على ~~العد إلا لشيء مظنة الإحصاء، فلا أحد يقول مثلا: أعد حبات الرمال. ~~كذلك نعم الله فوق إمكان العد والإحصاء، ثم جاء بلفظ { نعمت } ~~[إبراهيم: 34] بصيغة المفرد ولم يقل نعم، فالنعمة الواحدة لا تعد، ~~فما بالك بالنعم؟ وهذه الآية # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] جاءت بهذا اللفظ في موضعين من كتاب الله، واحدة ختمت ~~بقوله تعالى: # إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34] والأخرى بقوله تعالى: # إن الله لغفور رحيم # [النحل: 18]. فاختلاف تذييل الآيتين له معنى، لأن أمر النعمة له عناصر، ~~منعم وهو الله عز وجل، ومنعم عليه وهو العبد، ثم النعمة وهي التي لا ~~تعد ولا تحصى. فصفة المنعم سبحانه أنه كريم يعطي عبده ويتفضل ~~عليه حتى وإن جحد ms9113 النعمة أو كفر بها، لذلك قال: # إن الله لغفور رحيم # [النحل: 18] والمنعم عليه من صفته أن يجحد النعمة، وأن يكفر بها ~~ظلما وعدوانا، لذلك قال في الأخرى: # إن الإنسان لظلوم كفار # [إبراهيم: 34]. ### || [42.49-50] # الحق سبحانه يتكلم هنا عن ملكيته تعالى للسماوات وللأرض كظرف للأشياء، ~~وفي أول السورة تكلم عن ملكيته تعالى لما في السماوات وما في الأرض، ~~فقال: # له ما في السموت وما في الأرض وهو العلي ~~العظيم # [الشورى: 4]. إذن: لله تعالى ملك السماوات والأرض وما فيهما من شيء، ~~وهذا الأسلوب # له ما في السموت وما في الأرض # [الشورى: 4] و { لله ملك السموت والأرض.. } [الشورى: ~~49] يسمى أسلوب قصر، حيث قدم الجار والمجرور على المبتدأ لإفادة ~~القصر، فالمعنى: لله وحده ما في السماوات وما في الأرض مقصور عليه، ولله ~~وحده ملك السماوات والأرض، فالملكية هنا ليس لها شريك ولا منازع. ~~ومادة م ل ك تنطق فيها الميم على وجوه ثلاثة: الفتح والضم والكسر، كلمة ~~ملك بالكسر هو كل ما في حوزتك وتتصرف فيه، وبالضم وهو التصرف في ملك ~~من يملك، وهو المعروف في نظام المملكة، وبالفتح مثل قوله تعالى: # مآ أخلفنا موعدك بملكنا.. # [طه: 87] يعني: غصبا عنا وبغير إرادتنا. أما اللام في ملك فتأتي أيضا ~~بالكسر ملك، وهو من يملك في غيره في تصرفه وفي إرادته، وبالفتح ملك ~~وهو المخلوق الأعلى من الملائكة. وملاك الأمر. يعني جوهره وحقيقته. ~~وقوله تعالى: { لله ملك السموت والأرض.. } [الشورى: ~~49] يعني: هو صاحبها وهو خالقها ومبدعها، لأنك قد تملك ما لا تعمل. { ~~يخلق ما يشآء } [الشورى: 49] يعني: خلقه وفق إرادته ومشيئته هو، ~~وله طلاقة القدرة في مسألة الخلق لا يعجزه فيها شيء ولا يستعصي عليه أمر. ~~لذلك يعطينا الدليل على ذلك من واقع حياتنا المشاهد في المجتمع وكلنا ~~يعرفه، اقرأ: { يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء ~~الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من ~~يشآء عقيما.. } [الشورى: 49-50] أولا لاحظ أن هذه المسألة هبة من ~~الله الخالق سبحانه { يهب لمن يشآء } [الشورى: 49] يعني: ليست ~~حقا لأحد، ms9114 وليست حقا لكل من ملك أسبابها، فقد تتوافر الحياة الزوجية ~~ولا يأتي لها ثمرة إنجاب ويبتلى الزوجان بالعقم وهو أيضا هبة من الله. ~~والذي يرضى بهذه الهبة ويؤمن أنها من الله يعوضه الله ويرى من أولاد ~~الآخرين من البر ما لا يراه الآباء، ويتمتع بهذا البر دون تعب ودون مشقة ~~في تربية هؤلاء الأولاد، وفي واقع حياتنا قد يأتي الابن ويكون عاقا ~~لوالديه. ثم تلاحظ أن الحق سبحانه قدم الإناث على الذكور { يهب لمن ~~يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور } [الشورى: 49] ~~لماذا؟ لأن الإناث كان النوع المبغوض غير المرغوب فيه في الجاهلية # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر ~~به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ~~سآء ما يحكمون # [النحل: 58-59]. ولم ينته الأمر عند حد الكراهية للبنات، بل تعداه ~~إلى قتلهن ووأدهن كما قال سبحانه: # وإذا الموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت # [التكوير: 8-9] ذلك لأن البنت ضعيفة لا تقوى على العمل ولا تشارك ~~قومها في حروبهم المستمرة، وهي عرض ينبغي المحافظة عليه. فلما جاء ~~الإسلام غير هذه الصورة تماما، ورفع من شأن الأنثى، وجعل النساء شقائق ~~الرجال لذلك قدم هنا الإناث على الذكور { يهب لمن يشآء ~~إناثا ويهب لمن يشآء الذكور } [الشورى: 49] ورقق قلوب ~~هؤلاء الغلاظ نحو الأنثى، وحببهم فيها وعلمهم أنها وعاؤكم الذي خرجتم ~~منه، فهي صاحبة فضل على كل ذكر. علمهم أن الأنثى لا يستقيم أمرها في ~~مجتمعها إلا حين ترعى ويحافظ عليها ويهتم بها وليها لأن كراهية ~~الأنثى تحملها على الاعوجاج وترغمها على التخلي عن دورها، فالبنت حين ~~يحبها أهلها ويكرمونها ويحنون عليها تتعود على الكرامة وعزة النفس ولا ~~تقبل الإهانة من أحد، لأنها شبت على أنها غالية عند أهلها عزيزة لديهم، ~~فلا يجرؤ أحد على التعدي عليها ولو بكلمة. على خلاف البنت التي هانت ~~على أهلها، وشبت بينهم على مشاعر الكراهية والاحتقار، فنراها تهون على ~~نفسها، ونراها رخيصة تفرط في كرامتها وتستميلها ولو بكلمة. ms9115 ثم يرقى ~~الحق سبحانه عطاءه للعبد، فيقول { أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا.. } [الشورى: 50] يعني: يزاوج بين النوعين، فيهب لك الذكور ~~ويهب لك الإناث. { ويجعل من يشآء عقيما } [الشورى: 50] يعني: ~~يحرم هذه الهبة لحكمة أرادها الله. وحتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يتعالى ~~أحد على أحد يعلمنا ربنا عز وجل أن مسألة الإنجاب هذه أو عدم الإنجاب ~~لا تؤثر على منازل العباد عند الله تعالى، فحين أهب الذكور أو الإناث أو ~~أزواج بينهما لا يعني هذا رضاي عن عبدي، وحين أحرمه لا يعني هذا سخطي على ~~عبدي، إنما هي سنتي في خلقي أن أهب الذكور وأن أهب الإناث، وأن ~~أجعل من أشاء عقيما. لذلك تجدون هذه السنة نافذة حتى في الرسل الذين ~~هم أكرم الخلق على الله، فسيدنا لوط وسيدنا شعيب وهبهما الله الإناث، ~~وسيدنا إبراهيم وهبه الله الذكور، وسيدنا محمد وهبه الله الذكور والإناث، ~~فكان له عبد الله والقاسم وإبراهيم وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة. إذن: ~~لكم في رسول الله أسوة حسنة. والذين يستقبلون أقدار الله في هذه المسألة ~~بالرضا، ويرتفع عندهم مقام الإيمان والتسليم، ويؤمنون أن هذه هبة من الله ~~حتى العقم يعتبرونه هبة، هؤلاء يعوضهم الله، فحين ترضى مثلا بالبنات ~~وتربيهن أحسن تربية، وتحسن إليهن يجعل الله لك من أزواجهن من ~~يعوضك عن الولد، وربما كانوا أبر بك من الأبناء بآبائهم. وتختتم ~~الآية بقوله تعالى: { إنه عليم قدير } [الشورى: 50] والعليم ~~يهب على قدر علمه بالأمور، وبما يصلح عبده وما لا يصلحه، فهو وحده ~~سبحانه الذي يعلم أن هذا يصلح هنا، وهذا يصلح هنا، ثم هو سبحانه { ~~قدير } [الشورى: 50] له القدرة المطلقة في مسألة الخلق، لا يعجزه ~~شيء ولا تقيده الأسباب. ثم يقول الحق سبحانه: { وما كان لبشر أن ~~يكلمه... }. ### || [42.51] # نعم. هذه وسائل ثلاث لا بد من وجود واحدة منها ليتم اتصال الحق ~~سبحانه بالبشر، ذلك لأن للبشر طبيعة تكوينية لا تقوى على مباشرة الأعلى ~~سبحانه، فلله صفات الجلال والكمال المطلق، ولا يمكن أن يلتقي الأعلى ~~بالأدنى دون ms9116 وسائط، منها الإلهام مثل الزبور الذي نزل على سيدنا داود، ~~فلم ينزل عليه بوحي من الله بواسطة رسول كما نزل القرآن، إنما جاء ~~إلهاما قذفه الله في روع سيدنا داود. يقول تعالى: { وما كان ~~لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآء ~~حجاب.. } [الشورى: 51] كما كلم سيدنا موسى { أو يرسل رسولا.. ~~} [الشورى: 51] يعني: يرسله بالوحي، والرسول هنا من الملائكة، كما أرسل ~~الله جبريل بالقرآن، وإن نزل في صورة بشر ليكون أقرب إليهم وآنس لهم. ~~فقوله: { إلا وحيا.. } [الشورى: 51] أي: إلهاما يقذفه الله في قلب ~~من يشاء، فإن قلت: فكيف نعرف الإلهام من وسوسة الشيطان؟ قالوا: ~~الإلهام من الله لا يناقضه مخالفة، بل يدخل عليك مسلمة لا جدال فيها، ~~وقلنا: إن وارد الرحمن لا يزاحمه وارد الشيطان أبدا. ومثلنا لذلك ~~بقوله تعالى في قصة سيدنا موسى وأمه: # وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت ~~عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني ~~إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7]. هذا وحي من الله بطريق الإلهام، لذلك لم تناقشه أم موسى ولم ~~تجادل فيه، بل أقبلت على تنفيذه راضية مطمئنة، وإلا فأي قياس عقلي ~~يقول للأم، إذا خفت على ولدك فألقيه في اليم. ونذكر هنا وقفة ~~للمستشرقين حاولوا فيها أن يجدوا على القرآن مأخذا، فقالوا بتكرارها، ~~لأن الحق سبحانه قال في موضع آخر: # إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في ~~التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم ~~بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت ~~عليك محبة مني ولتصنع على عيني # [طه: 38-39]. والمتأمل في الموضعين يجد الآية الأولى كانت تمهيدا للحدث ~~بدليل # فإذا خفت عليه.. # [القصص: 7] فإذا للمستقبل، أما قوله تعالى: # أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم.. # [طه: 39] فكان وقت التنفيذ. وقوله: { أو من ورآء حجاب.. } ~~[الشورى: 51] قلنا: كما كلم الله سيدنا موسى عليه السلام { أو ~~يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشآء.. } [الشورى: 51] ~~الوحي هنا ليس إلهاما كالأول، إنما وحي مباشر بواسطة رسول من الملائكة، ~~كما حدث في ms9117 نزول القرآن الكريم على قلب سيدنا رسول الله بواسطة أمين ~~الوحي جبريل، وكان يأتي رسول الله مباشرة ويعطيه ما شاء الله من القرآن. ~~إلا أن الله تعالى أراد أن يثبت هذه المسألة عندهم، فمرة يأتيهم ~~جبريل في صورة رجل حسن المنظر لا يرى عليه أثر السفر، كما ورد في ~~الحديث، ويسأل رسول الله ويصدقه ليتعلم الناس منه أمور الدين، فلما ~~انصرف قال سيدنا رسول الله # " إنه جبريل أتاكم يعلمكم أمور دينكم ". # وهذه المسألة نرد بها على الذين طلبوا أن يكون الرسول من الملائكة، ~~لأن الرسول لو جاء ملكا لجاءهم في صورة رجل ليتمكنوا من التلقي منه، ~~ثم إن الرسول أسوة وقدوة وسلوك، والقدوة لا تتم بالملائكة لأنه إن قال ~~لي افعل كذا وكذا لي أن أقول له لا أقدر على ذلك، فأنت ملك وأنا بشر لي ~~قدرة محدودة. إذن: نقول إن القرآن لم يأت إلهاما ولا نفثا في ~~الروع، ولم يأت من وراء حجاب، إنما جاء بالوحي المباشر بواسطة ~~الملك، وقد رأى سيدنا رسول الله جبريل على صورته الحقيقية # ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى # [النجم: 13-14] ومسألة الوحي والتلقي عن الحق سبحانه تقوم كلها على ~~الاصطفاء # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس # [الحج: 75]. فليست كل الملائكة تتلقى عن الله، بل من اصطفاه الله ~~لذلك، ثم يصطفي من الناس رسلا تتلقى عن الملك، فالمصطفى من الملائكة ~~ومعه المصطفى من البشر يمكنهما التلقي عن الله، وتذكرون أننا مثلنا ~~لذلك ب الترانس أي المحول الذي يعطي الجهاز الكهرباء على قدر حاجته ~~وإمكانياته، ولو ارتفع التيار لاحترق الجهاز، كذلك البشر لا يمكن أن ~~يتلقوا عن الله مباشرة. لذلك ختمت الآية بقوله سبحانه: { إنه ~~علي حكيم } [الشورى: 51] يعني: أعلى من أن يخاطب البشر مباشرة، ~~فالله أعلى من ذلك { حكيم } [الشورى: 51] في اختياره فيمن يصطفيه ~~للتلقي عنه سبحانه. ### || [42.52] # قوله تعالى: { وكذلك.. } [الشورى: 52] إشارة إلى ما سبق بيانه في ~~الآية السابقة من وسائل الوحي الثلاثة { وكذلك أوحينآ إليك ~~} [الشورى: 52] يا محمد { روحا من ms9118 أمرنا } [الشورى: 52] الروح ~~هنا: هو جبريل عليه السلام أمين الوحي فسمى الله جبريل روحا كما سمى ~~القرآن نفسه روحا، فشبهه بالروح التي يلقيها الحق سبحانه في الإنسان ~~فتدب فيه الحياة والحركة بعد أن كان قطعة لحم لا حراك فيها ولا ~~حياة. تعرفون أن الإنسان خلقه الله من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء ~~مهين، وحين يتكون الجنين في بطن أمه يرسل الله له ملكا ينفخ فيه من ~~روحه تعالى بعد 120 يوما من حمله، فتسري فيه الحياة، وتعمل الجوارح، ~~وتتحرك الأعضاء. فكما كانت الروح حياة للأبدان كان القرآن حياة ~~للقلوب وللقيم، من هنا سمى الله جبريل روحا، وسمى القرآن روحا، ~~ومن ذلك قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24]. فالحق سبحانه يخاطبهم وهم أحياء حياة البدن والمادة، ~~إذن: الحياة هنا حياة الروح، والقلب، حياة القيم والمبادئ لأن الحق ~~سبحانه ما كان ليعطي عبده روحا تحرك مادته وتسير جوارحه، ثم يترك ~~قيامه بدون منهج وبدون قيم وبدون أخلاق. ومن كرامة الإنسان على الله ~~تعالى أن يمنحه هذه الروح التي يحيا بها قلبه وقيمه وأخلاقه لأن حياة ~~البدن والمادة حياة موقوتة فانية تفنى بفناء البدن. أما حياة القيم ~~والمنهج فحياة باقية دائمة تصل حياتك في الدنيا بحياتك في الآخرة، وهذه ~~هي الحياة المقصودة في قوله سبحانه وتعالى: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24]. وقوله تعالى: { ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان.. } [الشورى: 52] أي: لا تعرف شيئا عن القرآن أو لا تعرف ~~الكتابة، ولا تعرف الإيمان يعني الشرائع التفصيلية، وقلنا: إن الأمية شرف ~~في حق رسول الله، وشرف في حق أمته، فالأمية مذمومة إلا في رسول الله ~~وفي أمة رسول الله. ولو كان محمدا متعلما يقرأ ويكتب لقالوا إنه جاء ~~بالقرآن من عند نفسه، ولو كانت أمته أمة تعليم وحضارة لقالوا عن ~~الإسلام قفزة حضارية يريدون أن يسودوا بها العالم. فمن عظمة محمد أن ~~يقول له ربه: { وكذلك أوحينآ ms9119 إليك روحا من أمرنا ~~ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } [الشورى: 52] ~~ويروى أنا الخليفة المأمون قال لرجل يريد الذم: أنت أمي، فقال الرجل: ~~إن رسول الله أمي، فقال له المأمون: الأمية في رسول الله شرف، وفيك تلف. ~~لذلك أمر الحق سبحانه نبيه في موضع آخر أن يقول: # قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. نعم أين عقولكم، فلقد لبث محمد بين أظهركم عمرا قبل ~~الرسالة، وأنتم أدرى الناس به، وتعلمون أنه أمي لا يعرف القراءة ولا ~~الكتابة ولم تروه من قبل خطيبا ولا شاعرا، لذلك كان من غبائهم ~~وعنادهم أن اتهموا رسول الله أنه يختلف إلى رجل أعجمي يعلمه القرآن، فكشف ~~القرآن زيفهم وقال: # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. إذن: ما نزل على محمد شيء جديد ليس من صنع بشر { ما ~~كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه ~~نورا نهدي به من نشآء من عبادنا.. } [الشورى: 52] ~~كلمة { جعلناه.. } [الشورى: 52] أي: القرآن { نورا.. } [الشورى: ~~52] ضياء يزيح ظلام الجهل والكفر، وهذا النور هو الذي يهدي من يشاء ~~الله له الهداية فيسير في الأرض على هدى وعلى بصيرة بحيث لا يصدم بشيء. ~~والتصادم يعني الخسارة والهلاك فإن اصطدمت بما هو أقوى منك حطمك، ~~وإن اصطدمت بما هو أضعف منك حطمته، لذلك قلنا: إننا في واقع حياتنا لا ~~بد أن نحتفظ بشيء من الضوء، حتى حال النوم نترك وناسة خافتة لنهتدي ~~بها في ظلمة الليل حتى لا نتخبط إذا قمنا بالليل. ومن نور المادة نرتقي ~~إلى نور الروح والقلب، وإلى المنهج الذي ينير حياتنا المعنوية، هذا ~~النور الذي قال الله عنه: # ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور # [النور: 40]. قلنا: والإنسان ينير مجال حركته في الحياة على قدره، فواحد ~~ينور حياته بشمعة، وآخر بلمبة جاز، وآخر بالكهرباء وهكذا، لكن إذا ~~سطعت الشمس غطى نورها على كل الأنوار كأنها تقول لنا: أطفئوا أنواركم ms9120 ~~فقد جاءكم نور الله، وحين نرتقي من النور المادي إلى النور القيمي نقول: ~~إذا جاءكم نور المنهج من الله فأوقفوا كل مناهجكم. وإذا جاءكم الحكم من ~~الله فأوقفوا كل أحكامكم وكل آرائكم ومقترحاتكم، ففي شرع الله ما ~~يغنيكم عن كل هذا، فكما أنك لا تحتاج إلى ضوء مصباحك أثناء النهار، ~~كذلك لا تحتاج إلى أي منهج آخر مع منهج الحق سبحانه فاستغنوا به عن ~~غيره. فإذا ما قارنت نور الله بنور البشر ظهر لك الفرق واضحا، في النور ~~المادي والمعنوي، فأنت تأتي بالشمعة مثلا وتضع فيها فتيلا، وتأتي ~~بالكبريت لتشعلها، ومع ذلك لو هبت عليها ريح تطفئها، واللمبة الكهرباء ~~تحتاج إلى أدوات لصناعتها وإلى ترانس ينظم الكهرباء وخلافه وبعد شهر ~~تحتاج غيارا، ولو زاد عليها التيار تحترق وهكذا. أما الشمس فتضيء العالم ~~كله، لا تحتاج منك إلى مزاولة شيء ولا إلى قطعة غيار ولا صيانة، ثم إن ~~ضوءك يعمر بقدر عمرك، أما ضوء الشمس فباق دائم دوام الكون وبقاء الدنيا ~~من قبل آدم وإلى قيام الساعة. # كذلك الفرق واضح في النور المعنوي، فأنتم ترون مناهج البشر وقوانينهم ~~لا تخلو من أخطاء ومن سلبيات، فإن ناسبت جماعة تعارضت مع جماعة أخرى، ~~لذلك نراهم يلجأون إلى تغيير هذه القوانين من حين لآخر، فهي مناهج قاصرة ~~قصور البشر. أما مناهج السماء فهي كاملة خالية من الأخطاء تراعي كل ~~الظروف، وتصلح لكل زمان ولكل مكان، لأنها جاءت من الله العليم بحال ~~خلقه، الخبير بما يصلحهم، وبما يقيم حياتهم. إذن: الحق سبحانه ما كان ~~ليمنحنا النور المادي ويحرمنا النور المعنوي لأنه أهم وأقوى في حياتنا ~~من النور المادي، ألا ترى أن الأعمى يستطيع أن يتحسس طريقه، ويستطيع ~~أن يأتي بمن يقوده ويوصله إلى غايته. أما من فقد النور المعنوي ~~فتراه يتخبط في متاهات الحياة دون هدى، وينتهي به الحال لا محالة إلى ~~الضياع، ثم إن نور المادة مرتبط بها ويفنى بفنائها، أما نور القيم فباق ~~ممتد من الدنيا إلى الآخرة، وهو أصل الخلافة في الأرض. ms9121 لذلك الحق سبحانه ~~يشرح لنا هذه المسألة في سورة النور، فيقول سبحانه: # نور على نور يهدي الله لنوره من يشآء ويضرب ~~الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم # [النور: 35]. فمعنى # نور على نور # [النور: 35] يعني: نور الهداية والقيم على نور المادة لتسير في دنياك ~~على هدى وعلى بصيرة، وتسلم من الانحراف والضلال في الدنيا، ثم يوصلك ~~هذا النور إلى سلامة الآخرة والفوز فيها، وهذا مثل { ويضرب الله ~~الأمثال للناس } [النور: 35] ليوضح لهم ما خفي عليهم، فالنور ~~المادي دليل على المعنوي، والمؤمن يرتقي من النور المادي إلى النور ~~المعنوي. ثم يبين لنا الحق سبحانه مصدر هذا النور في الآية التي ~~بعدها: # في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ~~يسبح له فيها بالغدو والآصال # [النور: 36] يعني: يا من أردت هذا النور المعنوي فالتمسه في بيوت ~~الله فهي مصدر إشعاعه، التمسه في الصلاة وفي ذكر الله وفي تنفيذ المنهج ~~الذي جاءك من الله. فالقرآن إذن نور عام حين نوظفه يعطينا نورا آخر ~~هو نور الطاعات والعبادات، وأسمى مصدر لهذا النور هو المسجد. لذلك ~~العلماء لما بحثوا في متعلق الجار والمجرور في # في بيوت.. # [النور: 36] قالوا هذا متعلق بقوله # نور على نور # [النور: 35] كأنك تقول: نور على نور في بيوت أذن الله أن ترفع وهي ~~المساجد. وهذه البيوت متصل فيها تسبيح الصباح بتسبيح المساء، وعمار ~~هذه المساجد يوصفون بأنهم { رجال } [النور: 37] نعم ومن الرجال إذا ~~لم يكن هؤلاء؟ إذن: الحق سبحانه يعطينا النور المعنوي المتمثل في منهجه ~~تعالى بافعل ولا تفعل، وبهذا المنهج تستقيم بالبشر أمور الحياة، لكن ~~سرعان ما يحدث منهم غفلة أو نسيان أو انفلات من هذا المنهج فيقعون في ~~المعصية، وتطرأ عليهم أقضية جديدة ومشاكل بقدر انفلاتهم وما يحدثون من ~~الفجور ومخالفة المنهج. # لذلك رأينا الرسل جاء الواحد بعد الآخر بمناهج مترقية، كل منهج منها ~~يناسب القوم ويصلح العلل الموجودة في هذا الوقت، مع أن هذه الشرائع ~~اتحدت جميعها في أمور العقائد والأخلاق، وفي ثوابت الدين مثل الصلاة ~~والزكاة، ms9122 ثم بعد ذلك يأتي الرسول بأحكام خاصة تناسب حال قومه وتعالج ~~أدواءهم. والمتأمل في موكب الرسالات يجد الرسالات يجد أنها تتطور يتطور ~~حركة الحياة وما يستجد في حياة الناس من أقضية، نحن مثلا في الريف نجعل ~~بين الحقول سكة ضيقة تسع مثلا مرور شخص واحد، أو حمارا محملا ~~ويسمونها، مدق غرضه أن نصل من خلاله إلى حقولنا لكن إن أردنا ~~طريقا بين قريتين نوسعه بعض الشيء ليسع سيارة مثلا، فإن كان بين ~~مدينتين كان أوسع. وهكذا رأينا تطورا كبيرا في إنشاء الطرق تطورا ~~يناسب حركة الحياة التي تطورت، انظر مثلا طريق مصر الإسكندرية الصحراوي ~~تجده طريقا متسعا واسعا ليسع حركة المرور عليه، وهو اتجاهان ذهاب ~~وإياب، به استراحات فيها كل ما تحتاجه لأنه طريق طويل. الحق سبحانه ~~حدثنا عن هذه المسألة فقال: # الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها ~~سبلا.. # [طه: 53] وسيدنا عمر لما أرادوا أن يخططوا مدينة البصرة قال لهم: ~~اجعلوا الطريق متسعا لجملين محملين متقابلين، وهذا هو ما نفعله في العصر ~~الحديث. وفي سورة سبأ قال تعالى: # وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها ~~قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ~~ليالي وأياما آمنين # [سبأ: 18]. القرى الظاهرة هي المحطات في الطريق الطويل والاستراحات التي ~~تجد فيها حاجتك وترتاح فيها، فالطريق الطويل لا بد أن يقسم إلى ~~مراحل ليكون السفر مريحا غير شاق، وكلما ارتقت حركة الحياة ترتقي معها ~~هذه الوسائل، حتى أننا نرى في بعض الاستراحات أماكن للراحة وللنوم. لذلك ~~الحق سبحانه يحكي عن الذين تعدوا وظلموا أنفسهم من الأعيان وأصحاب ~~المراكب الفارهة حتى قالوا: # ربنا باعد بين أسفارنا.. # [سبأ: 19] لماذا مع أن السفر وبعد السفر مشقة؟ قالوا: لأنهم أصحاب ~~غنى ومراكب لا تتوافر لغيرهم، فأرادوا بذلك ألا يقدر على السفر غيرهم، ~~ولا يسلك هذه الطريق للتجارة إلا الأغنياء. هذا مثل للارتقاء أيضا في ~~التشريع، فكلما جد جديد وكلما وجد أقضية جديدة ارتقى التشريع من رسول ~~لآخر ليعالج هذه الأقضية، إلى أن جاء التشريع الخاتم الصالح لكل ms9123 زمان ~~ومكان، والذي قال الله عنه: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا.. # [المائدة: 3]. وقوله تعالى: { ولكن جعلناه نورا نهدي ~~به من نشآء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم } [الشورى: 52] الكلام هنا عن القرآن، جعله الله نورا يهدي ~~الله به من يشاء من عباده، فأثبت أن الهداية لله بهذا النور المنزل ~~في الكتاب المحكم. # ثم أثبت أيضا الهداية لرسول الله وفوضه في أن يشرع للناس بدليل ~~قوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا.. # [الحشر: 7]. فهداية الحق سبحانه في الأصول والثوابت وهي ما ورد في آيات ~~الذكر الحكيم، ثم هداية الرسول في الفروع، وفي بيان هذه الأصول وشرحها، ~~فإن جد في حياتكم جديد، وطرأ عليها من المسائل ما لم يأت بشأنه ~~نص، لا من الكتاب ولا من السنة فأجمعوا أمركم وليكون الرأي شورى ~~بينكم، ولا تقضوا في هذه المسائل برأي الفرد، إنما برأي الجماعة. لذلك ~~ورد في الحديث: # " لا تجتمع أمتي على ضلالة ". # وما أجمل ما قاله شوقي رحمه الله: # رأي الجماعة لا تشقى البلاد به # رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها # لذلك جعلوا الإجماع هو المصدر الثالث من مصادر التشريع الإسلامي. فهذه ~~الآية أثبتت الهداية لله تعالى بالقرآن { ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشآء من عبادنا.. } [الشورى: 52] وهذه خاصة ~~بالأصول وثوابت الدين التي ورد بها نص في كتاب الله. ثم أثبتت هداية ~~أيضا لرسول الله في الفروع، وفي توضيح ما أجمل في كتاب الله { ~~وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } [الشورى: 52] وأعطت ~~سيدنا رسول الله الحق وفوضته في التشريع للناس، لذلك كانت سنته صلى الله ~~عليه وسلم هي المصدر الثاني للتشريع. وقلنا: إن هداية الحق سبحانه للعبد ~~هداية بيان وإرشاد ودلالة، فإن أطاع استحق هداية التوفيق والمعونة # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17] وهداية رسول الله هداية إرشاد وبيان فقط، وقد أوضحنا هذه ~~المسألة. قوله تعالى: { وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم } [الشورى: 52] أي: ترشد وتدل، والصراط المستقيم هو الطريق ~~السوي المستقيم الذي ms9124 يوصلك إلى غايتك في أسرع وقت وبأقل مجهود ودون ~~عناء، لأن الطريق كلما اعوج ازداد زمنه ومشقته، ثم إن هذا الطريق صراط ~~يعني محدد مثل الشعرة، وهذا يعني أنك لا بد أن تسير عليه بانضباط، لا ~~تنحرف عنه يمينا ولا شمالا، لذلك قال في موضع آخر # سوآء السبيل # [الممتحنة: 1] يعني: وسطه. والمراد بالصراط المستقيم المنهج الذي جاء به ~~سيدنا رسول الله، هذا المنهج الذي يصحبك في الدنيا لتستقيم به أمور ~~حياتك، ثم يعطيك الجزاء في الآخرة، لذلك الحق سبحانه علمنا أن ندعو ~~ونقول: # اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت ~~عليهم.. # [الفاتحة: 6-7]. ثم يوضح الحق سبحانه طبيعة هذا الصراط: { صراط ~~الله الذي له ما في... }. ### || [42.53] # قوله تعالى: { صراط الله.. } [الشورى: 53] أضاف الصراط إليه ~~سبحانه، فهو صاحبه وواضعه ليس من إنشائكم. يعني: لا دخل للعبد فيه، ~~وطالما أنه من الله فينبغي عليكم اتباعه والحذر من الانحراف عنه. ثم يصف ~~الحق سبحانه نفسه بهذه الصفة { الذي له ما في السموت وما ~~في الأرض.. } [الشورى: 53] يعني: صاحب هذا الصراط له ملك ما في ~~السماوات وما في الأرض، يعني في الدنيا، ثم تصير الأمور إليه وحده في ~~الآخرة. { ألا إلى الله تصير الأمور } [الشورى: 53] وهذا ~~أسلوب قصر يعني: إلى الله وحده لا إلى أحد غيره. إذن: هذا الصراط وهذا ~~المنهج وضعه لكم الذي يملك الدنيا ويملك الآخرة، فمن سار على منهجه في ~~الدنيا لم يحرم الجزاء في الآخرة. فالدنيا كلها من بداية صائرة إلى غاية ~~هي الآخرة، والغاية هذه إلى الله وحده، فما بين من و إلى أحسنوا أموركم ~~فيها لأنكم صائرون منها إلى الله، وتذكروا أن دار العمل موقوتة، وأن دار ~~الجزاء خالدة باقية، هذه دار شقاء وعنت، وهذه دار نعيم، فيها ما لا ~~عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومن يخطب الحسناء ~~يغلها المهر. وتأمل كيف ختمت هذه السورة بقوله تعالى: { ألا إلى ~~الله تصير الأمور } [الشورى: 53] ألا أداة تنبيه، والتنبيه لا ~~يكون إلا لأمر مهم ينبغي ms9125 الاهتمام به ولا نغفل عنه، قلنا: لأن المتكلم هو ~~الذي يعي كلامه ووقته ولا يغفل عنه، أما المخاطب فقد يغفل عما يقال ~~فيحتاج إلى تنبيه في الأمور المهمة. هذا الأمر المهم ما هو؟ هو { ألا ~~إلى الله تصير الأمور } [الشورى: 53] هذه برقية موجزة في ختام ~~السورة في طياتها كلام كثير، حتى في البشر حينما يوصي الإنسان أولاده ~~مثلا قبل موته لا يوصيهم بكل تفاصيل حركة الحياة، إنما بالأمور المهمة. ~~فقوله سبحانه: { ألا إلى الله تصير الأمور } [الشورى: 53] ~~يعني: تنبهوا أن المسألة كلها من الله وإلى الله، من الله منهج، وإلى ~~الله مرجع ومصير. فانظر في حركتك واجعلها موافقة لهذا المنهج، واعلم أنك ~~راجع إليه، وأمرك صائر إليه وحده، لأنه سبحانه لم يخلقنا عبثا، ولن ~~يتركنا سدى. هذه حقيقة ينبغي ألا تغيب أبدا عن عقولنا. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1] # سبق أن تحدثنا عن الحروف المقطعة في بدايات بعض سور القرآن، وأن لها ~~حكمة مرادة من الحق سبحانه نحوم حولها، ثم نقول: والله أعلم بمراده. ### || [43.2] # الواو هنا للعطف، يعني { حم * والكتاب المبين } [الزخرف: ~~1-2] هما شيء واحد، وهما قرآن يقسم الله به، لكن فصل بينهما بالعطف، لأن ~~{ حم } [الزخرف: 1] نقرؤها ونؤمن بها ولا نعرف معناها، بل نردها إلى ~~المتكلم بها سبحانه، أما { والكتاب المبين } [الزخرف: 2] أي: ~~الواضح البين المظهر للأشياء، لذلك نفهمه ونعرف معانيه. ### || [43.3] # هذا هو المقسم عليه، فالحق سبحانه يقسم بهذه الحروف العربية، وبالكتاب ~~المكون من هذه الحروف أنه جعله { قرآنا عربيا لعلكم ~~تعقلون } [الزخرف: 3] سماه كتابا لأنه مكتوب في السطور، وسماه ~~قرآنا لأنه مقروء، ووصفه بأنه عربي ليؤكد على أنه نزل بلسان القوم، كما ~~قال سبحانه: # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم.. # [إبراهيم: 4]. إذن: لا بد أن يكون الرسول بلسان قومه ليفهموا عنه ~~ولتتم عملية البلاغ. فإن قلت: فكيف إذن أرسل محمد صلى الله عليه وسلم ~~إلى الناس كافة على اختلاف لغاتهم؟ نقول: أرسل بلسان قومه الذين عاصروه ~~وباشروا تلقي توجيهاته الأولى، فلما فهموها واقتنعوا ms9126 وآمنوا بصدقها ~~حملوها إلى غيرهم من الأمم، وساحوا بها في أنحاء الأرض حركة وعملا ~~وسلوكا وتطبيقا. هذا معنى الرسالة إلى الناس كافة، فالإعجاز فيها في ~~السلوك العملي والتطبيق، لذلك يقول لنا التاريخ: إن الإسلام انتشر في ~~البلاد بالسلوك القويم الذي بهر الناس جميعا فدخلوا في دين الله ~~أفواجا، واقرأ: # ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صالحا ~~وقال إنني من المسلمين # [فصلت: 33]. ويقول سبحانه عن هذه الأمة: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.. # [البقرة: 143] وهكذا كلف الخلفاء جميعا بحمل هذه الرسالة، فالرسول يشهد ~~أنه بلغنا، والأمم الأخرى تشهد أننا بلغناهم. إذن: باللغة فهمت هذه ~~الأمة وترجمت هذا المنهج إلى عمل، فتحولت من أمة أمية جاهلة لا نظام ~~لها ولا قانون إلى أمة راقية جذبت إليها أرقى أمم الأرض مثل فارس في ~~الشرق، والروم في الغرب، لقد زلزلوا هاتين الحضارتين حينما طبقوا ~~تعاليم المنهج الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو الذي لفت ~~الأنظار إلى الإسلام. لذلك لما نتأمل في سورة سيدنا يوسف عليه السلام نجد ~~هذا النموذج العملي التطبيقي للإيمان، اقرأ: # ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إني ~~أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل ~~فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا ~~بتأويله إنا نراك من المحسنين # [يوسف: 36]. لقد نال يوسف هذه المنزلة وصار مقصدا للسائلين، لماذا؟ ~~لأنه وصل إلى درجة الإحسان، وهي القمة في التطبيق العملي للمنهج الذي جاء ~~به، ثم يوضح هو هذا المسلك العملي الذي أوصله إلى منزلة التأويل، فيقول: # قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما ~~بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ~~ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ~~وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة آبآئي ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك ~~بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون # [يوسف: 37-38]. يعني: لو فعلتم مثلي لأصبحتم قادرين على فهم الرؤيا ~~وتأويلها مثلي تماما. ms9127 # هذا المسلك العملي هو نفسه الذي جعل سيدنا يوسف عليه السلام يستغل ~~الفرصة ليؤدي مهمته الدعوية، فقبل أن يعطي السائلين ما أرادا أعطاهما ما ~~أراد هو أولا من الدعوة إلى الله، وهما في وقت الحاجة إليه، والاستماع ~~لكل كلمة يقولها. لذلك نراه يسرع بهذا الملخص الإيماني العقدي فيقول: # يصاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم ~~الله الواحد القهار * ما تعبدون من دونه إلا ~~أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله ~~بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا ~~تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون # [يوسف: 39-40] ثم بعد ذلك يفسر لهما الرؤيا. إذن: سلوك يوسف هو الذي لفت ~~إليه الأنظار، وكذلك السلوك الحق المستقيم في كل زمان ومكان هو الذي يلفت ~~إليك الأنظار، ويجذب إليك القلوب. ### || [43.4] # قوله تعالى: { وإنه } [الزخرف: 4] أي: الكتاب المبين الذي سبق ~~وصفه، وهو القرآن الكريم { في أم الكتاب } [الزخرف: 4] أم ~~الكتاب يعني: الكتاب الأصل أو اللوح المحفوظ، الذي أخذت منه كل رسالات ~~السماء، وسجل فيه كل الأحداث { لدينا } [الزخرف: 4] عندنا: عند ~~الله. يعني: لم يعطه لأحد، وهذا يعني أنه مصون محفوظ. { لعلي } ~~[الزخرف: 4] أي: في ذاته، والعلو الارتقاء، لأنه هو الكتاب الخاتم لجميع ~~الرسالات قبله والمهيمن عليها. وهيمنة القرآن على الكتب السابقة أنه اتفق ~~معها في الثوابت العقدية والأعمال العبادية والأخلاق، ثم نسخ من الرسالات ~~مثله ما لا يناسب العصر، ونفض عنها الفساد الذي لحق بها من تبديل وتغيير ~~أو تحريف. فالقرآن حكى عنهم أنهم نسوا حظا مما ذكروا به، وما لم ~~ينسوه كتموه، وما لم يكتموه حرفوه، بل زادوا على ذلك كله ولم يقفوا عند ~~حد التحريف، إنما جاءوا بكلام من عندهم وقالوا: هو من عند الله، ~~واقرأ: # فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم ~~يقولون هذا من عند الله.. # [البقرة: 79]. هذه هي هيمنة القرآن على ما سبقه من الكتب وعلوه ~~عليها. وقوله { حكيم } [الزخرف: 4] الحكيم هو الذي يضع الشيء في موضعه ~~من حيث زمنه ومكانه الذي يناسبه، فترى كل ms9128 شيء فيه منضبطا، والقرآن هو ~~الكتاب الذي ختمت به الكتب السماوية، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو ~~خاتم الرسل جميعا. فإن قلت: فلماذا يحفظ الحق سبحانه كلامه في أم ~~الكتاب، وهو سبحانه لا يضل ولا ينسى، ويحيط علمه بكل شيء ولا تخفى عليه ~~خافية؟ قالوا: حفظ الله تعالى كلامه في أم الكتاب من أجل الملائكة، ~~فحينما يرون اللوح المحفوظ يجدون فيه كلاما قديما تصدقه الأحداث ~~ومواقف الناس في الكون، ويأتي الواقع وفق ما أخبر الحق في كلامه، ~~فيزدادوا حبا في الله وعناية به، ويحكموا بأن الله هو العليم الحكيم. ~~هذا سر الكتابة لأنهم أي الملائكة سبق أن قالوا في مسألة خلق ~~الإنسان: # قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ~~ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ~~ما لا تعلمون # [البقرة: 30]. بعضهم قال في { أم الكتاب } [الزخرف: 4] ليس هو ~~اللوح المحفوظ لقوله تعالى عن القرآن: # منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات.. # فأم الكتاب هنا أي: الآيات المحكمات. فقد يكون في هذا المعنى تنبيه لنا ~~بأن هذه السورة الزخرف من الآيات المحكمات، ليس فيها آية واحدة من ~~المتشابهات. وقد بين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم حكم المحكم ~~والمتشابه، فقال: # " ما عرفتم منه فاعملوا به، وما لم تعرفوا فآمنوا به ". # قال تعالى في المتشابه: # وما يعلم تأويله إلا الله.. # [آل عمران: 7] ونقف، ثم # والراسخون في العلم يقولون آمنا به # [آل عمران: 7] إذن: نعمل بالمحكم ونؤمن بالمتشابه. ### || [43.5] # الهمزة هنا تحمل معنى الاستفهام الإنكاري، ومعنى { أفنضرب } ~~[الزخرف: 5] أي: نترك. نقول: ضربت عن العمل وأضربت عن العمل أي: تركته ~~وامتنعت عنه. ومنه: أضرب العمال عن العمل. فالحق يقول لهم: أنترك ~~تذكيركم، ونعرض عنكم ونترككم هكذا هملا، لأنكم أسرفتم على أنفسكم ~~وكذبتم بالذكر وكفرتم به؟ لا بل سنوالي لكم التذكير والبيان، ونلزمكم ~~الحجة والبرهان، فإن لم تؤمنوا بالحجة ولم تصدقوا جاء دور الغزو ~~والفتح والنصر عليكم حتى تؤمنوا. وهذه رحمة من الله بهم لأنهم عباده ~~وصنعته ويريد لهم النجاة، وهو أرحم ms9129 بهم من الوالدة بولدها حتى وهم كافرون ~~به. فلو تركهم وما أرادوا لتمادوا في فسادهم، واستحقوا الهلاك والعذاب، ~~والكافر حينما يؤمن يرحمه الله بالإيمان، ويرحم المجتمع من شره وفساده ~~إن ظل على كفره، فالذكر والمراد به هنا الوحي رحمة من الله وخير ~~يقدمه لعباده رحمة بهم. لذلك قالوا: إن كان لك عدو فلا تدع عليه ~~بالهلاك، إنما ادع له بالهداية لأنك لا تنتفع بهلاكه، إنما تنتفع ~~بسلوكه ويعود عليك خيره إن اهتدى، فثمار الخير تفيد المجتمع كله، ومن هذا ~~المنطلق نهانا الإسلام عن كتم العلم لأنك حين تكتم علما تحرم مجتمعك ~~من خيره، فحين تعلم غيرك تنتفع بخيره وتأمن شره. إذن: من رحمة الله ~~بهم أن يوالي لهم نزول القرآن رغم عنادهم وكفرهم وتماديهم في الضلال، ~~وفعلا مع مرور الوقت وتتابع نزول الوحي أسلم صناديد الكفر واحدا بعد ~~الآخر، أسلم عمر، وأسلم عمرو وخالد وعكرمة وغيرهم كثير. ثم يقول لهم الحق ~~سبحانه: أنتم في حاجة إلى قراءة التاريخ وأخذ العبرة من موكب الرسالات ~~لتروا عاقبة المكذبين للرسل، فتاريخ الرسالات يؤكد انتصار رسل الله ~~على المكذبين لهم، لأن هذه سنة الله في الرسل أن ينصرهم الله في ~~النهاية، وأن تكون العاقبة لهم على مكذبيهم، يأخذهم الله على قدر ~~تكذيبهم: # فكلا أخذنا بذنبه.. # [العنكبوت: 40]. وقد خاطبهم الحق سبحانه بقوله: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138] يعني: المسألة ليست كلاما نظريا، إنما واقع ~~معاش ومشاهد عليكم أن تعقلوه، وأن تتعلموا منه الدرس حتى لا ينزل ~~بكم من العذاب مثل ما نزل بهم. ### || [43.6-7] # كم هنا تفيد الكثرة { في الأولين } [الزخرف: 6] في الأمم السابقة ~~الذين كانوا يكذبون الرسل ويستهزئون بهم. ### || [43.8] # يعني: يا كفار قريش خذوا عبرة من الأمم السابقة، وممن أهلكهم الله ~~وكانوا أشد منكم قوة فلم تمنعهم قوتهم، ولم تدفع عنهم عذاب الله { ~~ومضى مثل الأولين } [الزخرف: 8] يعني: قصتهم وما حل بهم ~~لأن هذا وعد الله للرسل. # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون ms9130 # [الصافات: 171-173] فلابد أن تجدوا عاقبة هذا التكذيب: إما أن ~~تهزموا في الدنيا، وإما أن يدخر لكم العذاب في الآخرة. ### || [43.9-10] # الحق سبحانه يريد أن يبين لهم أنهم يكذبون رسول الله، ويصادمون ~~دعوته استكبارا وعنادا، ولا يعتمدون في ذلك على منطق العقل والحكمة، ~~ويأخذ هذه الحقيقة ويثبتها من لسانهم هم: { ولئن سألتهم من ~~خلق السموت والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم } [الزخرف: 9]. وفي موضع آخر: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # [الزخرف: 87] فهذه حقيقة لا ينكرونها ويعترفون بها، لأن مسألة الخلق ~~هذه لم يدعها أحد لنفسه ولم يقم لها منازع. أولا عجيب منهم أن ~~يؤمنوا بأن الله هو الخالق، وأنه عزيز وعليم، ومع ذلك يقفون من رسول الله ~~هذا الموقف المعاند، ثم لماذا لم يقولوا مثلا خلقهن الله لأنه ليس له ~~منازع، ووصفوا الحق سبحانه بالعزيز العليم؟ قالوا: لأنهم اتبعوا مناهج ~~آبائهم وظنوا أنها الأحسن، فقالوا: # بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ.. # [البقرة: 170] فصدهم هذا عن اتباع الحق. ومعنى { العزيز } ~~[الزخرف: 9] أي: الغالب الذي لا يغلب، فهم إذن ردوا على أنفسهم، فهم ~~مهما عملوا فلابد أن يغلبوا. وقولهم في وصف الحق سبحانه: { ~~العزيز العليم } [الزخرف: 9] من باب أن المتكلم يمكن أن يزيد من ~~عنده ما لم يلق إليه، كما لو أنك أرسلت شخصا برسالة وقلت له: اذهب ~~إلى فلان. هكذا بدون ألقاب وبدون أوصاف - وقل له كذا وكذا. فحين يذهب ~~الرسول يقول: والله فلان قال لي اذهب إلى الشيخ فلان، أو الأستاذ فلان، ~~وقل له كذا وكذا فيزيد الوصف من عند نفسه، كذلك هؤلاء يقولون { ~~خلقهن العزيز العليم } [الزخرف: 9] لأنهم يعلمون أن الله ~~تعالى عزيز وعليم. ثم أراد سبحانه أن يبين لهم قدرته وعلمه، فقال: { ~~الذي جعل لكم الأرض مهدا.. } [الزخرف: 10] والمهد في ~~الأصل هو الفراش الممهد الذي يستريح فيه الطفل جلوسا أو نوما، ومنه ~~نقول طريق ممهد يعني: معد ومسوى بحيث يريح من يمشي عليه. فالحق ~~يشبهنا بالأطفال، والطفل لا يستطيع أن يمهد لنفسه، فلولا أن الله ~~مهد لنا الأرض ms9131 ما قدرنا نحن على تمهيدها. { وجعل لكم فيها ~~سبلا.. } [الزخرف: 10] يعني: طرقا تسلكونها وتنتقلون عليها من مكان ~~لآخر، لأن مصالح الخلق تقتضي الانتقال من مكان إقامتهم إلى أماكن ~~مصالحهم { لعلكم تهتدون } [الزخرف: 10] أي: في سيركم إلى ~~مصالحكم وأغراضكم. الحق سبحانه حين يمتن عليهم ببعض نعمه عليهم إنما ~~ليرقق قلوبهم ويستميلهم إلى ساحته، لعلهم يهتدون إليه ويؤمنون به ~~ويصدقون برسوله. ### || [43.11] # قوله { من السمآء.. } [الزخرف: 11] أي: من جهة السماء { ~~بقدر.. } [الزخرف: 11] بحساب معين ومقدار محدد حسب ما تقتضيه حكمة ~~الله، بحيث ننتفع بهذا الماء ونحيي به الأرض دون منغصات، لأن الماء ~~قد يكون وسيلة إهلاك ودمار كما رأينا في قصة سيدنا نوح. لذلك قيد نزول ~~الماء هنا بقوله { بقدر.. } [الزخرف: 11] يعني: على قدر حاجتكم وعلى ~~قدر ما يصلحكم، لذلك علمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~نقول عند نزول المطر. # " اللهم حوالينا لا علينا، اللهم على الآكام والجبال والآجام والظراب ~~والأودية ومنابت الشجر ". # ومعنى { فأنشرنا به بلدة ميتا.. } [الزخرف: 11] أي: ~~أحييناها بالنبات، كما قال سبحانه في موضع آخر: # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج # [الحج: 5]. فالأرض الميتة التي لا نبات فيها، لذلك في الفقه تجد باب ~~إحياء الموات، وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أحيا أرضا مواتا فهي له ". # وهذه قاعدة لو أخذت بها دول العالم لقضينا على الفقر ولعم الخير ~~كل بقاع الأرض، ولما وجدنا شبرا واحدا صحراء. وعندنا في مصر مثال ~~واضح: لما ضيقت الحكومة على الناس ومنعت انتشارهم في الصحراء ازدحم ~~الناس في الوادي والدلتا وحدثت الفاقة، ولم نستطع أن نوفر الاكتفاء ~~الذاتي من المحاصيل الزراعية. ولما سمحت الدولة بزراعة الصحراء وشجعت ~~الناس عليها ماذا حدث؟ رأينا الصحراء تخضر وتخرج لنا ما لذ وطاب ~~من الخضر والفاكهة، ومن يسير في الطريق الصحراوي يرى ذلك. وقد بين ~~الحق سبحانه أن الماء ينزل من السماء فينتفع الناس به في زراعة الأرض ~~وما زاد عن حاجتهم ms9132 تمتصه الأرض حتى يتكون بداخلها أنهار تحت سطح ~~الأرض، قال تعالى: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ~~ينابيع في الأرض.. # [الزمر: 21]. كلمة ميتا ميت بالسكون. يعني: ما جرى عليه الموت بالفعل، ~~أما ميت بالتشديد فهو ما يحكم عليه بالموت وإن كان على قيد الحياة. # وتسألني تفسير ميت وميت # فدونك قد فسرت إن كنت تعقل # فمن كان ذا روح فذلك ميت # وما الميت إلا من إلى القبر يحمل # ومن ذلك قوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. وقال الشاعر في مدح سيدنا رسول الله: # أخوك عيسى دعا ميتا فقام له # وأنت أحييت أجيالا من العدم # وقوله تعالى: { كذلك تخرجون } [الزخرف: 11] كذلك يعني: مثلما ~~نحيي الأرض الميتة نحييكم ونخرجكم من قبوركم فخذوا مما تشاهدونه في ~~الأرض دليلا على ما غاب عنكم من أمور البعث وإحياء الموتى، فحين نقول ~~لكم أن الله يحييكم بعد موتكم فصدقوا. ### || [43.12] # كلمة { الأزواج.. } [الزخرف: 12] جمع: زوج. والزوج كما قلنا هو ~~المفرد الذي معه مثله، والزوجان كل متقابلين مثل: أبيض وأسود، حلو ~~وحامض، فوق وتحت، يمين وشمال. والزوجية كما أخبر الحق سبحانه موجودة في ~~كل شيء # ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون # [الذاريات: 49] ومنها ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه لذلك قال هنا { ~~والذي خلق الأزواج كلها.. } [الزخرف: 12] كلمة { كلها ~~} أي: مما نعلمه كالذكر والأنثى ومما لا نعلمه. وأهل الفكر والتدبر ~~يقفون عند هذه الآية يلتمسون ما فيها من حكمة، فالحق سبحانه يمتن بأن ~~خلق الأزواج كلها ليثبت لنا أنه سبحانه فرد لا زوج معه، فقانون ~~الاستقصاء العلمي يقول: إن الزوج يعني الاثنين، أو ما يقبل القسمة على ~~اثنين. فحين نأخذ الترتيب من أوله نقول: إن الواحد الذي ليس له ثان، ~~واثنان يعني واحدا انضم له واحد آخر. إذن: الاثنان كرقم يحتاج إلى ~~الواحد، أما الواحد فلا يحتاج إلى شيء، إذن: المفرد الحق هو الذي لا ~~يحتاج لشيء، وهذه لا تكون إلا لله عز وجل. إذن: الزوج يحتاج ms9133 إلى الفرد، ~~والفرد لا يحتاج إلى الزوج. وما دام أنه سبحانه خالق الأزواج كلها. إذن: ~~هو فرد لا مثيل له، والمتأمل يجد أن الزوجين مختلفان في الصفات مثل ~~الذكر والأنثى، لكل منهما صفاته مع وجود صفات مشتركة بينهما. فالصفات ~~المشتركة تعني أن لكل زوج منهما مثلا، والصفات المختلفة تعني أن كلا ~~منهما فيه نقص عن الآخر، والله سبحانه وتعالى فرد لا مثل له، وكامل لا ~~نقص فيه، فكأن الآية تثبت أن الله تعالى فرد خالق لا يحتاج إلى شيء، ~~ويحتاج إليه كل شيء. وقوله: { وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون } [الزخرف: 12] الفلك. أي: السفن. ومن ~~الأنعام التي تركب مثل الإبل، كما قال سبحانه: # وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه ~~إلا بشق الأنفس.. # [النحل: 7]. فالمعنى: خلق لكم من الفلك والأنعام ما تركبونه، لكنه قال { ~~ما تركبون } [الزخرف: 12] ولم ما تركبونها ليطمر الفلك في الأنعام، ~~والسفن لا نركبها إنما نركب فيها، لذلك سماها # الفلك المشحون # [الصافات: 140] وقال: # حتى إذا كنتم في الفلك.. # [يونس: 22]. إذن: نحن نركب على الأنعام ونستوي على ظهورها، ونركب في ~~السفن، حتى السفن القديمة كان لها جدران وبداخلها مقاعد، فما بالك ~~بالسفن المكونة من أدوار مثل البيوت والتي وصفها القرآن بأنها كالأعلام. ~~لكن لماذا غلب الأنعام وطمر فيها السفن؟ لا بد أن هنا حكمة، لأن ~~الحق سبحانه هو الذي يتكلم، لذلك تجد كل لفظة في موضعها بدقة تعبيرية، ~~فغلب الأنعام وقال { ما تركبون } [الزخرف: 12] لأننا نركب على ~~الأنعام، أما السفن ففي السفن. ثم لأن الأنعام خلق الله المباشر، ~~والفلك خلق الإنسان، كما أن الحق سبحانه يخاطب بهذه الآية العرب في ~~المقام الأول، والعرب لم يكن عندهم دراية بالسفن ولا يركبونها، إنما ~~كانت وسائلهم في الانتقال والحمل هي الأنعام، فهي معهودة لهم. ### || [43.13-14] # قوله تعالى: { لتستووا على ظهوره.. } [الزخرف: 13] ~~الاستواء هنا يدل على الراحة، فبعد أن كنت تسير وتتحمل مشقة السير ~~ركبت على دابة مذللة لك، لذلك طلب منك أن تتذكر أنها نعمة من الله عليك ~~تستوجب شكره ms9134 وذكره، والحذر من الغفلة عن تذكر النعم وشكر المنعم، ~~والدابة تسير بك على أربعة قوائم تجعلها ممهدة لك سهلة السير. والسفن ~~تحتاج في سيرها إلى ثلاثة عناصر: السفينة، والبحر الذي تسير فيه، ~~والهواء الذي يحركها، فساعة تسير بك تتذكر كل هذه النعم التي اجتمعت ~~لك لتسير بك حيث تريد. ثم يعلمنا ربنا عز وجل كيفية الذكر المناسب ~~لهذه النعمة، وهو أن نقول كما جاء في القرآن: { سبحان الذي ~~سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين } [الزخرف: 13]. ~~والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا دعاء السفر والركوب، وعلمنا أن نذكر ~~الله كما باشرنا عملا جديدا، لذلك قال سبحانه في قصة السفينة # بسم الله مجريها ومرساها.. # [هود: 41] وذكر الله هو الطاقة التي نستمد منها العون، القوة على السفر ~~أو على أداء العمل. وأنت حين تدعو بدعاء الركوب وتقول " سبحان الذي سخر ~~لنا هذا وما كنا له مقرنين " إنما تنفي عن نفسك الغرور، وتعترف أنك تركب ~~هذا المركب لا بقدرتك عليه، إنما بقدرة الله الذي سهله لك وسخره ~~لخدمتك، ولولا أن الله سخره ما استطعت السيطرة عليه ولا اعتلاء ظهره. ~~فالسفينة ربما تغرق بمن فيها، والدابة ربما تنفق منك في وسط الطريق، ~~إذن: تذكر دائما قدرة الله في هذه المسألة، وبادر بذكر الله عند ~~الركوب. هذه الدواب التي تركبها وتحمل عليها، ألك فضل فيها؟ حتى ~~السفن التي هي صناعة يدك لولا أن الله علم نوحا صناعة السفن ما كان ~~الإنسان عرفها # وحملناه على ذات ألواح ودسر # [القمر: 13] وقال: # واصنع الفلك بأعيننا ووحينا.. # [هود: 37] فالفكرة الأولى فيها من الله عز وجل. تذكر أن الحصان الذي ~~تركبه، والجمل الذي تحمل عليه أقوى منك، وإذا حرن لا تستطيع السيطرة ~~عليه لذلك قال تعالى في هذه الدواب # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 71-72] فلولا أن الله ذللها ما ذللناها. وسبق أن قلنا: إن الطفل ~~الصغير يقود الجمل ويركبه وينيخه، والجمل يطاوعه في يسر وسهولة، ms9135 صحيح ~~منظر يدعوك إلى التأمل في قدرة الله الذي سخر هذا المخلوق الضخم لخدمة ~~هذا الطفل الصغير الذي لا يقدر على شيء. وفي المقابل، تجد البرغوث مثلا ~~يقض مضجعك ويقلقك طوال الليل، ولا تستطيع أن تفعل له شيئا، لماذا؟ ~~لأن الخالق سبحانه سخر لك هذا ولم يسخر لك ذاك، فتأمل ولا تظن أنك ~~تركب هذه المراكب بقوتك ولا بقدرتك عليها. ومعنى { وما كنا له ~~مقرنين } [الزخرف: 13] أي: مطيقين أو غالبين، يعني: ليس لنا قدرة ~~عليه ولا سيطرة ولا تحكم إلا بتسخير الله له { وإنآ إلى ربنا ~~لمنقلبون } [الزخرف: 14] أي: راجعون وآيبون. ### || [43.15] # قوله سبحانه { وجعلوا له من عباده جزءا.. } [الزخرف: ~~15] إشارة إلى الذين نسبوا إلى الله تعالى الولد، تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا، ذلك لأن الولد جزء من أبيه، وفي الحديث الشريف قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " فاطمة بضعة مني " # يعني: قطعة مني. ولما نسبوا لله تعالى الولد مرة سموه ابن الله، ~~ومرة قالوا: الله، ومرة قالوا: ثالث ثلاثة. والعجيب أنهم وقعوا في هذا ~~الخطأ مع من؟ مع النبي الذي أرسله الله إليهم، فجعلوا النبي ذاته وسيلة ~~للشرك. الأمر الثاني: أن الجزء المنفصل عن الأبوين إما ذكر وإما أنثى، ~~ومعلوم أن الذكر عندهم أشرف من الأنثى ومقدم عليها، بدليل قوله تعالى: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر ~~به.. # [النحل: 58-59]. وهؤلاء لما نسبوا لله تعالى الولد نسبوا له الأنثى، وهي ~~مذمومة عندهم، تعلمون قصة أبي حمزة لما تزوج من امرأة لا تلد ذكرا، ~~فهجرها إلى غيرها، فقالت تنفس عن نفسها: # ما لأبي حمزة لا يأتينا # يظل في البيت الذي يلينا # غضبان إلا نلد البنينا # تالله ما ذلك في أيدينا # فنحن كالأرض لغارسينا # نعطي الذي غرسوه فينا # وهكذا أخبرت المرأة العربية قديما ما أثبته العلم الحديث من أن المرأة ~~غير مسئولة عن الذكورة أو الأنوثة في الولد، فهي متلقية وحاضنة فقط، ~~والرجل هو المسئول عن هذه المسألة. والقرآن يقول: # وأنه ms9136 خلق الزوجين الذكر والأنثى * من نطفة ~~إذا تمنى # [النجم: 45-46] والنطفة هي ماء الرجل الذي يلقح البويضة، ويتحكم في ~~الذكورة والأنوثة. ولأن نسبة الولد إلى الله تعالى أمر عظيم وفادح ~~ذيلت الآية بقوله سبحانه: { إن الإنسان لكفور مبين } ~~[الزخرف: 15] تأمل دقة التعبير هنا الذي يناسب فداحة الاتهام، ف { ~~إن.. } للتوكيد و { لكفور } [الزخرف: 15] صيغة مبالغة من كافر. و ~~{ مبين } [الزخرف: 15] يعني: بين وواضح الكفر، فكفره لا يخفى على ~~أحد. ### || [43.16] # الحق سبحانه يرد عليهم بهذا الاستفهام الذي يفيد التعجب { أم اتخذ ~~مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين } [الزخرف: 16] يعني: ~~أيعقل وهو سبحانه الخالق أن يصطفيكم بالبنين وهم الجنس الأعلى ويختص ~~نفسه بالبنات وهن الجنس الأدنى؟ وفي موضع آخر يقول سبحانه: # ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم ~~الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار ~~وأنهم مفرطون # [النحل: 62]. ثم يعطينا الحق سبحانه الدليل على كذبهم وافترائهم عليه: { ~~وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن... }. ### || [43.17] # قوله تعالى { بما ضرب للرحمن مثلا.. } [الزخرف: 17] ~~كناية عن البنات اللاتي نسبوها إلى الله وجعلوها مثيلا له سبحانه لأن ~~الولد كما قلنا مثيل لأبيه وجزء منه، وهم في حين ينسبون لله البنات ~~يكرههن ويسود وجه الرجل منهم إذا بشر بالبنت. { وهو كظيم } ~~[الزخرف: 17] يعني: يملؤه الغيظ والنكد والغم. إذن: كيف تنسبون لله ما لا ~~تقبلونه لأنفسكم، لذلك عبر القرآن عن هذه المسألة بأنها قسمة جائرة ~~ظالمة، فقال تعالى في سورة النجم: # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22]. واختار هذا اللفظ الغريب الذي لم يأت في القرآن إلا مرة ~~واحدة ليدل بغرابة اللفظ على غرابة القول الذي قالوه. ### || [43.18] # الهمزة هنا أيضا للاستفهام، يقول سبحانه: أتستوي عندكم البنت التي ~~تنشأ في الحلية بالولد. ومعنى { أومن ينشأ في الحلية } ~~[الزخرف: 18] يعني: تربى في الزينة والرفاهية، فالبنت عندنا مثلا ~~نهتم بها وبملبسها ومظهرها، نلبسها الحلق والأسورة والثياب الجميلة ~~على خلاف الولد. { وهو في الخصام.. } [الزخرف: 18] أي: في مواقف ~~الجدل والدفاع { غير مبين } [الزخرف: 18] يعني: ليس له ms9137 قوة في ~~إظهار الحجة. إذن: البنت التي نسبوها لله تربى على الرفاهية والنعمة، ~~ولبس الحرير والذهب والزينة، لأنها خلقت للاستمالة، ونحن نحرص على ~~مظهر البنت وشكلها ونزينها أولا وأخيرا لتتزوج. وفي الغالب نلجأ ~~للزينة وللجمال الصناعي حينما لا يتوفر للبنت الجمال الطبيعي، بدليل أن ~~العرب كانت تسمي المرأة الجميلة غانية. يعني: استغنت بجمالها الطبيعي عن ~~أي زينة. أما الذكر فعلى خلاف ذلك، الذكر مع أبيه في الحقل وفي المصنع، ~~وفي الخصام والجدال، وفي كل عمل شاق، فهل يستويان؟ وهذا لا يعني أن هذه ~~قاعدة عامة في الجنس كله، فقد نجد في النساء صاحبة الرأي السديد والحجة ~~القوية التي فاقت الرجال. تذكرون لما منع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وصحابته من دخول مكة للعمرة وهم على مشارفها، واضطر رسول الله لأن ~~يبرم معاهدة الحديبية مع كفار مكة على أن يعود هذا العام ويحج في ~~العام الذي يليه. عندما غضب الصحابة وثاروا وعز عليهم أن يمنعوا من ~~البيت وهم على مشارف مكة، حتى أن سيدنا عمر ثار وقال: يا رسول الله ألسنا ~~على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعطى ~~الدنية في ديننا؟ وكان القوم يخرجون عن طاعة رسول الله ويعصون أوامره، ~~حتى دخل خباءه على السيدة أم سلمة وهو مغضب، فقالت له: ما لي أراك ~~مغضبا يا رسول الله؟ فقال: هلك القوم، أمرتهم فلم يمتثلوا. فقالت: يا ~~رسول الله، اعذرهم فهم قوم مكروبون، وقد جاءوا من المدينة على شوق للبيت، ~~ويشق عليهم أن يمنعوه وهم على مشارف مكة، فاذهب يا رسول الله إلى ما ~~أمرك الله، فافعله أمامهم، فلو رأوك تفعل علموا أن الأمر عزيمة لا ~~جدال فيه، فلما فعل الرسول أمامهم فعلوا مثله، وانتهت المشكلة وعادوا ~~إلى المدينة. ورحمة بغيرة المسلمين على دينهم نزل الوحي على سيدنا رسول ~~الله وهو في الطريق وقبل أن يصلوا المدينة يوضح لهم الحكمة الإلهية من ~~عودتهم هذا العام، فقال تعالى: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا ms9138 أن يبلغ محله ولولا رجال ~~مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ~~ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما # [الفتح: 25]. إذن: الحكمة من العودة هذا العام أن مكة كان بها كثير من ~~المسلمين الذين أخفوا إسلامهم، فلو دخلتم مكة عنوة، وحدث بينكم وبين ~~الكفار قتال فسوف يصيب إخوانكم المسلمين، وسوف تلحقون بهم الضرر دون علم ~~منكم. وهكذا علموا صواب رأي رسول الله، وأنه صلى الله عليه وسلم على ~~الحق. هذا مثال لسداد الرأي في النساء، والتاريخ مليء بنماذج من نساء ~~تفوقن على الرجال في الجدل وقوة وسداد الرأي لأن الخالق سبحانه لا يخلق ~~بطريقة ميكانيكية، إنما بقدرة وحكمة فليس شرطا أن يكون الرجال جميعا ~~عندهم قوة في الجدال، والنساء جميعا عندهن ضعف في الرأي وعدم قدرة ~~على الجدال، فالقاعدة لابد أن يكون لها شواذ. فإذا كانت القاعدة في ~~النساء { أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام ~~غير مبين } [الزخرف: 18] فطلاقة القدرة لله عز وجل تجعل من هذا ~~الضعف قوة تتفوق على قوة الرجال، فنرى من النساء من كانت ملكة على ~~قومها، مثل ملكة سبأ مثلا التي قص القرآن قصتها مع سيدنا سليمان. ~~فهل وصلت للملك لعدم وجود الرجال؟ أبدا، بل تفوقت بذكائها وقوة رأيها ~~حتى سلم لها الرجال وقدموها عليهم. وحين نقرأ قصتها في سورة النمل نجد ~~ما يدل على هذا الذكاء وهذه الفطنة والسياسة والقدرة على الجدل، فلما ~~وصفها الهدهد قال: # إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ~~ولها عرش عظيم # [النمل: 23]. ولما وصلها كتاب سليمان لم تستأثر بالرأي إنما شاورت أهل ~~الرأي: # قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم # [النمل: 29] وأخذت بمبدأ الشورى # قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت ~~قاطعة أمرا حتى تشهدون # [النمل: 32]. ثم تحاول حل المسألة بطريقة ودية بعيدة عن العنف وإراقة ~~الدماء لأنها تعلم طبيعة الملوك: # قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها ~~وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة وكذلك يفعلون ms9139 * ~~وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع ~~المرسلون # [النمل: 34-35]. وتأمل لباقتها وسياستها في الرد لما نكروا لها عرشها ~~وسألوها: # أهكذا عرشك.. # [النمل: 42]؟ # قالت كأنه هو.. # [النمل: 42] ولما انتهى الأمر بإسلامها قالت: # رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله ~~رب العالمين # [النمل: 44] فهي لم تسلم خوفا من سليمان، ولا إرضاء له، إنما أسلمت ~~معه لله، فأنا وهو سواء في إسلام الوجه لله تعالى. وعندنا في مصر شجر ~~الدر، وكان لها رأي سديد وحنكة سياسية مكنتها من تجاوز الأزمة لما ~~مات زوجها فأخفت نبأ موته، وأدارت هي دفة الحكم حتى لا تفت في عضد ~~الجيش الذي كان خارج البلاد في مهمة حربية شجر الدر هي التي أوصلتنا ~~بالكعبة وهي التي كستها، وهي امرأة. وهذه الأمثلة ليست في تاريخ ~~الإسلام فحسب، إنما أيضا في الجاهلية وجدنا نساء بارزات لهن رأي ~~وحكمة تفوق الرجال. # ويروى أن أمامة بنت الحارث بن عمر تزوجت من عوف بن محلم الشيباني ~~وأنجبت له بنتا اسمها أم أناس، وكانت جميلة، تسامع العرب بجمالها ~~وفصاحتها، فأراد أن يتزوجها عمرو بن حجر أمير كندة، وكان سيدا من ~~سادات العرب. فقال عمرو لصاحبه ابن سنان: أرأيت يا بن سنان لو أني ~~خطبت من أي حي من العرب أيردونني؟ قال: نعم، أعرف من يردك، ~~قال: من؟ قال: عوف بن محلم، قال: فهيا نذهب إليه. فلما ذهبا ودخلا ~~عليه قال: مرحبا بك يا عمرو، ماذا جاء بك؟ قال: أتيتك خاطبا، قال له: ~~ولكنك لست هنالك - يعني: لست كفؤا لأن تتزوج ابنتي. سمعت امرأة عوف ~~هذا الحوار فقالت له: يا عوف ما رجل جاء إليك راكبا فلم يطل معك ~~الكلام؟ فقال: إنه عمرو بن حجر سيد من سادات العرب، فقالت: ولماذا لم ~~تستنزله؟ يعني: تستضيفه وتكرمه - قال: لأنه استهجنني، قالت: بماذا؟ قال: ~~أتاني خاطبا، قالت: إن كان سيدا من سادات العرب وجاءك خاطبا، فمن ~~تزوج بناتك إن لم تزوجهن سادات العرب؟ الحق به واسترضه. لحق عوف ~~بعمرو وصاحبه ابن سنان وناداه: يا عمرو ms9140 أربع علي ولك عندي ما تحب، فرجع ~~عمرو وصاحبه، فقال عوف: أتيتني وأنا مغضب وقلت لك ما قلت، ولكن ~~راجعت نفسي، وأخذه إلى البيت. وكان عند عوف ثلاث بنات: كبرى ووسطى ~~وصغرى. فجاء إلى الكبرى. وقال لها: يا ابنتي إن عمرو بن حجر جاء يخطبك، ~~فقالت: لا يا أبي، قال: لم؟ قالت: إني امرأة في ردة - يعني في وجهي ~~شيء يرد الناظر إليها - وفي خلقي شدة، والحارث ليس بجار لك ولا أنا ~~بنت عمه، وأخشى إن حدث شيء مني أن يطلقني فيصبح ذلك سبة لي، قال: ~~قومي بارك الله فيك. ثم ذهب إلى الوسطى فقال لها ما قال لأختها، فقالت: ~~لا يا أبي إني امرأة لست جميلة ولا صناع وأخشى أن يطلقني فيصبح ~~ذلك سبة لي. فقال لها: قومي بارك الله فيك. ثم جاء بالصغرى وقال لها ~~مثل ما قال لأختيها، فقالت له: نعم يا أبي، فأنا الحسنة خلقا، ~~والجميلة خلقا، والصناع يدا، فإن طلقني فلا بارك الله له ولا ~~أخلف عليه. فخرج عوف وقال لعمرو: زوجتك ابنتي الصغرى بهيسة، ثم أعد ~~له خباء في بيته ليدخل فيه على عروسه، فلما دخل عليها قالت له: لقد كنت ~~أحببتك واحترمتك، لكني الآن زهدت فيك، قال: لم؟ قالت: أيكون هذا عند ~~أبي وبين إخوتي، والله لا يكون أبدا. فقال: إذن نرحل إلى ديارنا. وأمر ~~صاحبه ابن سنان أن يسير مع الركب، وتخلف هو في جانب الطريق ودخل ~~عليها، فقالت: أهكذا كما يفعل بالسبية الأخيذة، والله لا يكون أبدا ~~إلا حين تذهب إلى حيك وتنحر وتذبح وتطعم الناس، وتصنع ما يصنع مثلك ~~لمثلي. # فلما وصل إلى حيه ذبح الذبائح وأطعم الناس، ثم أراد أن يدخل عليها، ~~فقالت: يا عمرو أترغب في النساء وفي العرب حيان يقتتلان، اذهب فأصلح ~~بينهما أولا، ثم لا يفوتك من أهلك شيء. خرج عمرو وأصلح بين الحيين ~~ودفع دية القتلى من الجانبين ثلاثة آلاف بعير من ماله، ثم عاد إلى ~~زوجته فلما علمت بما فعل قالت له: الآن يا ms9141 حارث. هذه أمثلة من النساء ~~اللاتي كان لهن عقل راجح ورأي سديد وقدرة على الجدل. ولما أراد عمر ~~خطبة أم أناس بنت عوف دعا امرأة من كندة اسمها عصام، وقال لها: اذهبي ~~حتى تعلمي لي علم ابنة عوف، فذهبت إلى بيت عوف وقابلتها أمامة، ~~وعرفت منها سبب مجيئها، جعلت أمامة لبنتها خيمة وقالت: اجلسي فيها ~~وستدخل عليك عصام فلا تستري عنها شيئا أرادت النظر إليه من وجه وخلق، ~~وناطقيها فيما استنطقتك به، لأنها جاءت لكذا وكذا. دخلت عصام على أم ~~أناس فوجدتها كما أرادت، لم تخف عنها شيئا. فقالت: ترك الخداع من ~~كشف القناع، فصارت مثلا عند العرب حتى الآن. فلما انتهت إلى عمرو قال ~~لها: ما وراءك يا عصام؟ قالت: أبدى المخض عن الزبد - يعني: الرحلة جاءت ~~بالنتيجة المرضية - فقال لها: ناطقيني، قالت: أخبرك حقا وصدقا، ثم ~~أخذت تصف له أم أناس من ساسها لراسها ونكتفي هنا بوصف ما لا يحرم. ~~قالت: رأيت جبهة كالمرآة الصقيلة، يزينها شعر كأذناب الخيل المضفورة، ~~إن مشطته خلته السلاسل، وإن أرسلته قلت: عناقيد كرم جلاها ~~الوابل، تحته حاجبان متقوسان كأنما خطا بقلم أو سودا بحمم، قد ~~تقوسا على عيني الظبية العبهرة التي لم يرعها قانص، ولم يفزعها قسورة. ~~بينهما أنف كحد السيف المصقول لم يخنس به قصر، ولم يمعن به طول، ~~حلقت به وجنتان كالأرجوان في بياض محض كالجمان، فيه فم كالخاتم لذيذ ~~المبتسم، ذو ثنايا غر، وفيه لسان مليء بيانا، يزينه شفتان حمراوان ~~كأنهما الورد، يجلبان ريقا كالشهد، وتحته عنق كإبريق الفضة اتصل به ~~عضدان ممتلئان.. إلى آخر ما قالت عصام في الوصف. وقبل أن تغادر أم ~~أناس بيت أبيها إلى بيت زوجها لم يفت أمامة بنت الحارث أن توصي ~~ابنتها هذه الوصية الغالية التي تضمن لها السعادة الزوجية، إن هي التزمت ~~بها، واسمع أمامة تقول: أي بنية.. إن الوصية لو تركت لفضل أدب ~~تركت لذلك منك، ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل، ولو أن امرأة ~~استغنت عن الزوج لغنى أبويها وشدة حاجتهما ms9142 إليك كنت أغنى الناس ~~عنه، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال. أي بنية.. إنك ~~مفارقة الجو الذي منه خرجت، وخلفت العش الذي فيه درجت، إلى وكر لم ~~تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فاحفظي له خصالا عشرا يكن لك ذخرا: أما ~~الأولى والثانية: فالرضا له بالقناعة، وحسن السمع له والطاعة. # وأما الثالثة والرابعة: فالتفقد لمواقع عينيه وأنفه، فلا تقع عينه ~~منك على قبيح. ولا يشم أنفه منك إلا أطيب ريح. وأما الخامسة ~~والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن تواتر الجوع ملهبة، ~~وتنغيص النوم مغضبة. وأما السابعة والثامنة: فالإحراز لماله، والإرعاء ~~على حشمه وعياله، وملاك الأمر في المال حسن التدبير وفي العيال حسن ~~التقدير. وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصين له أمرا، ولا تفشين ~~له سرا، فإنك إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني ~~غدره. ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مهتما، والكآبة بين يديه إن ~~كان فرحا.. هذه نماذج من النساء صاحبات العقل الراجح والتفكير السديد. ~~ولو أخذت الزوجات بهذه النصيحة لكفتنا شرا كثيرا من الخلافات ~~الزوجية التي نعاني منها اليوم. ### || [43.19] # هذه دعوى أخرى من دعاواهم وافتراءاتهم على الله، وتأتي هذه الآية بعد ~~أن نسبوا إلى الله الولد # وجعلوا له من عباده جزءا.. # [الزخرف: 15] ثانيا نسبوا إلى الله البنات واستأثروا لأنفسهم بالبنين، ~~وقد أوضح الحق سبحانه فساد معتقداتهم ورد عليهم بالحجة وبالدليل من ~~واقعهم المعاش. وهنا يصفون الملائكة الذين هم عباد الرحمن بالأنوثة وهذا ~~افتراء آخر، يرد الله عليهم { أشهدوا خلقهم.. } [الزخرف: 19] ~~يعني: كيف يحكمون هذا الحكم على الملائكة، أشهدوا خلق الملائكة وعلموا ~~أنهم إناث، ثم يهددهم { ستكتب شهادتهم ويسألون } ~~[الزخرف: 19] ستكتب وتسجل عليهم ويسألون عنها يوم القيامة، ~~ويحاسبون على كل هذه الافتراءات. وفي موضع آخر يقول سبحانه # مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. وجاء الواقع ليثبت صدق هذه الآية، ورأينا المضلين في كل ~~زمان يضلون الناس ويصرفونهم عن الحق، بداية من الذين نسبوا لله الولد، ~~ونسبوا لله البنات، ms9143 ووصفوا الملائكة بأنهم إناث إلى الذين قالوا بأن ~~الإنسان أصله قرد وتطور. ونسأل كل هؤلاء: أشهدتم خلق الله؟ الله الخالق ~~يقول: # مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق ~~أنفسهم # [الكهف: 51] إذن: لا تصدقوا هؤلاء فهم كذابون ومضلون، وقد سخرهم ~~الله تعالى لخدمة الحق، وجعلهم دليلا على صدق كلامه. ومن هؤلاء المضلين ~~قوم أنكروا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: نأخذ بما في القرآن ~~فقط ولا نعترف بالسنة، وقد جاءت هذه الجماعة دليلا على صدق سيدنا رسول ~~الله الذي أخبر بمجيئهم قبل أربعة عشر قرنا، فقال صلى الله عليه وسلم: # " يوشك رجل منكم يتكئ على أريكته يقول: بيننا وبينكم كتاب الله فما ~~وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ~~ما قال رسول الله كما قال الله ". ### || [43.20] # هذه دعوى أخرى من دعاواهم وافتراءاتهم على الله، لذلك يرد الله عليهم ~~بأن هذا الكلام كذب وافتراء تقولونه دون وعي ودون علم { إن هم إلا ~~يخرصون } [الزخرف: 20] يعني: ما هم إلا يكذبون في هذا الادعاء. ### || [43.21] # لماذا يفعلون هذا؟ هل جاءهم بذلك رسول يقول لهم هذا الكلام، أو يجيز لهم ~~أن يعبدوا الأصنام { فهم به مستمسكون } [الزخرف: 21] يعني: ~~بقوة. ### || [43.22] # إذن: القضية قضية تقليد أعمى دون تفكير أو تأويل، فقالوا { إنا ~~وجدنآ ءابآءنا على أمة } [الزخرف: 22] يعني: على دين أو ~~على ملة أو طريقة مقصودة من الفعل أم يعني: قصد { وإنا على ~~ءاثارهم } [الزخرف: 22] على طريقتهم { مهتدون } [الزخرف: 22] ~~يعني: هذه الطريقة هي التي تدلنا وتهدينا. والقرآن الكريم تناول هذه ~~القضية بتفصيل في مواضع أخرى، ففي آية قال سبحانه: # وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل ~~نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أولو كان آباؤهم ~~لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة: 170]. وفي آية أخرى قال سبحانه: # وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ ~~أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # [المائدة: 104]. وتأمل دقة الأداء القرآني في ms9144 هاتين الآيتين، وكيف ختمت ~~كل آية بما يناسبها، أولا تجد أن المعنى العام للآيتين واحد، لكنهم في ~~الأولى قالوا: # بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ # [البقرة: 170] وفي الأخرى قالوا: # حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ # [المائدة: 104]. فاستخدموا أسلوب القصر والحصر، وقصروا عبادتهم على ما ~~وجدوا عليه الآباء، فالإعراض في هذه أقوى من الأولى، لذلك جاء ذيل الآية ~~بما يناسب إعراضهم. ففي الأولى قال تعالى ردا عليهم بهذا الاستفهام ~~التعجبي # أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون # [البقرة: 170] وقال في الأخرى: # أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون # [المائدة: 104] فما الفرق بين # لا يعقلون # [البقرة: 170] و # لا يعلمون # [المائدة: 104]؟ يعقلون يعني: هو الذي يستنبط المسائل بنفسه وبعقله، ~~أما يعلمون. أي: لا يقدر على الاستنباط إنما يعلم من استنباط غيره. ### || [43.23] # قوله تعالى: { من نذير } [الزخرف: 23] يعني: من رسول، فما من رسول ~~أرسل إلا ووجه بهذا التكذيب وبهذا العناد { إلا قال مترفوهآ ~~} [الزخرف: 23] المترفون هم المنعمون المنغمسون في الشهوات، فهم ~~دائما قادة الكفر وقادة التكذيب للرسل { على أمة } [الزخرف: 23] ~~على ملة أو على طريقة { وإنا على ءاثارهم مقتدون } ~~[الزخرف: 23] يعني: سائرون وسالكون نفس طريقتهم. ### || [43.24] # هذا يدل على تصميمهم على الإعراض وتمسكهم بالضلال الذي هم عليه وآباؤهم. ### || [43.25] # لأن هذه سنة الله في الرسل وفي كل مكذب للرسل # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173]. ثم يأتي الحق سبحانه بما يفسد عملية التقليد هذه ~~ويبطلها ويبين كذبهم فيها، فيقول تعالى: { وإذ قال ~~إبراهيم... }. ### || [43.26] # يريد الحق سبحانه أن يكشف زيفهم ويفضح كذبهم في قولهم # بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ # [البقرة: 170] ويسوق لهم الدليل الواقعي من واقع حياتهم، فها هو سيدنا ~~إبراهيم الخليل أبو الأنبياء ومحط أنظار العرب جميعا يقدسونه ~~ويفتخرون بالانتساب إليه. يقولون: نحن من نسل إبراهيم، وإبراهيم لم ~~يقلد أباه في عبادته للأصنام، فلماذا تقلدون أنتم آباءكم ولم تقلدوا ~~إبراهيم؟ فالحق سبحانه ينقض مسألة التقليد عمليا في قصة سيدنا إبراهيم ~~وينقضها فلسفيا ms9145 أيضا، فلو تتبعت الوجود الأول لم نجد إلا آدم عليه ~~السلام، وآدم جاء بمنهج وسار عليه وسار عليه أولاده من بعده، فكيف حدث ~~الانحراف عن هذا المنهج؟ إذن: لا بد أنه جاء مع مرور الزمان أناس ~~خرجوا على المنهج وقلبوا الحقائق لهوى في أنفسهم، ومن هؤلاء جاء جيل ~~يعبد الأصنام، لأنهم غير محكومين بمنهج السماء ولا بقضية التكاليف: افعل ~~ولا تفعل، فناسبهم عبادة آلهة لا تكليف عندها، لذلك عبدوا الأصنام. قوله ~~تعالى: { وإذ قال إبراهيم لأبيه } [الزخرف: 26] دار حولها ~~جدل واسع بين العلماء: أهو أبوه الحقيقي أو هو عمه آزر؟ المتتبع لكلمة ~~أبيه في القرآن يجد أنها وردت ثماني مرات، أولها في سورة الأنعام # وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر # [الأنعام: 74] وآخرها في سورة الممتحنة، ولم تأت كلمة لأبيه بعد ذلك إلا ~~مرة واحدة في قصة سيدنا يوسف # إذ قال يوسف لأبيه # [يوسف: 4]. إذن: لم تأت آزر إلا في آية الأنعام فقط، وهي أول الآيات ~~الثمانية، فكأن الحق سبحانه حسم الخلاف في هذه المسألة، فأراد أن ~~يبين لنا أن آزر عمه، بدليل أنه قال { لأبيه آزر } [الأنعام: 74] ~~وفي باقي المواضع قال لأبيه أي: الذي عرفتموه أولا. أي: في سورة ~~الأنعام. وهذا أمر شائع في لغتنا أن نقول للعم أب، فحين يسأل رجل: أبوك ~~موجود؟ تفهم أنه يريد الأب الحقيقي، إنما لو قال لك: أبوك محمد موجود؟ ~~فهو يقصد عمك لأنه حدده بالعلم بعد الوصف. والقرآن يدخل العم ضمن ~~الآباء في قوله تعالى: # أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال ~~لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك ~~وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق # [البقرة: 133]. فكلمة { آبائك } [البقرة: 133] جمع يشمل إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق، وإذا اجتمع جمع في حكم جمع تكون القسمة مفردة، فتأخذ أب ~~هو إبراهيم، وأب هو إسماعيل، وأب هو إسحاق، فهؤلاء الثلاثة آباء ليعقوب، ~~وإسماعيل أخو إسحاق، وإن كان إسماعيل هو الأب إذن إسحاق ليس أبا، بل هو ~~عم. إذن: سمي العم أبا. لذلك الحق سبحانه في أول آية ms9146 تتكلم عن ~~سيدنا إبراهيم ذكر { لأبيه آزر } [الأنعام: 74] ليبين أن آزر ~~الذي جادله إبراهيم وناقشه في مسألة التوحيد ليس أبا إبراهيم الحقيقي، ~~إنما هو عمه. # ونجد دليلا على ذلك من سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال ~~في الحديث عن أصله صلى الله عليه وسلم: # " ما زلت أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، فأنا خيار من ~~خيار ". # وسلسلة النسب النبوي تصل إلى أبيه إبراهيم، فلا يصح إذن أن يكون أبو ~~إبراهيم كافرا عابدا للأصنام. وقوله: { إنني برآء مما ~~تعبدون } [الزخرف: 26] براء بمعنى بريء، والفرق بينهما أن براء ~~تقال للمفرد وللمثنى وللجمع، وللمذكر والمؤنث، أما بريء فتثنى ~~وتجمع، وتذكر وتؤنث، وفي موضع آخر وصفهم بالعدو: # فإنهم # [الشعراء: 77] أي: الأصنام # عدو لي إلا رب العالمين # [الشعراء: 77] فما دام في المسألة شرك أو كفر بالله فأنا أتبرأ منه. ### || [43.27] # معنى: { فطرني } [الزخرف: 27] خلقني وأبدعني { فإنه ~~سيهدين } [الزخرف: 27] دلت على أن المنهج لا بد أن يكون من ~~الذي خلق، فهو الذي يضع المنهج، وهو الذي يهدي، ولا يصح أن الله يخلق ~~والناس تضع المنهج. كما قلنا في مسألة الصانع الذي يضع كتالوج لصيانة ~~صنعته لأنه الأدرى بها الخبير بما يصلحها. هنا قال: { فإنه ~~سيهدين } [الزخرف: 27] بالسين الدالة على الاستقبال، وفي موضع آخر ~~قال # فهو يهدين # [الشعراء: 78] بالمضارع، وهذا يدل على الهداية من الله متصلة في الحاضر ~~والمستقبل. ولأن الهداية والمنهج لا يكون إلا من الذي خلق استخدم أسلوب ~~القصر: { فإنه سيهدين } [الزخرف: 27] وفي آية الشعراء # الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ~~ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 78-80]. فقدم الضمير المنفصل على الفعل، ليدل على قصر ~~الفعل على الله تعالى، لأن هذه الأفعال بها شبهة المشاركة مع الله ~~تعالى، أما في الأفعال التي لله وحده لا شبهة للمشاركة فيها، فتأتي بدون ~~قصر: # والذي يميتني ثم يحيين # [الشعراء: 81]. ### || [43.28] # قوله تعالى { وجعلها } [الزخرف: 28] أي سيدنا إبراهيم جعل كلمة ~~البراءة من الشرك، أو كلمة التوحيد التي وردت في قوله تعالى: # ووصى ms9147 بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن ~~الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون # [البقرة: 132]. جعل هذه الكلمة { باقية } [الزخرف: 28] سائرة { في ~~عقبه } [الزخرف: 28] في ذريته من بعده، وما زالت هذه الكلمة باقية ~~ودائرة على ألسنة الناس حتى يوم القيامة، لأنها كلمة طيبة، والكلمة ~~الطيبة ضمن الحق سبحانه لها البقاء في قوله تعالى: # ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة ~~كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء * ~~تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها # [إبراهيم: 24-25]. وسماها كلمة مع أنها كلام، لأن الكلمة في اللغة تطلق ~~على الكلام، كما نقول: ألقى فلان كلمة في الحفل، وابن مالك في الألفية ~~يقول: # وكلمة بها كلام قد يؤم # يعني: نقصد بالكلمة الكلام الكثير. ### || [43.29-30] # قلنا: إن المنهج ينطمس وينصرف الناس عنه بمرور الزمن حتى تدعو الحاجة ~~لنبي جديد يعيد الناس إلى الجادة، لأن الحق سبحانه خلق في النفس ~~البشرية مناعة طبيعية لأنه خليفة الله في أرضه، فهو الذي سيعمر هذه ~~الأرض، فلا بد أن يوفر له أسباب الاستقامة والحركة الإيجابية التي ~~يعمر بها الأرض. لذلك نرى الإنسان السوي حينما يفعل المعصية حين غفلة ~~منه عن منهج ربه يسرع بالتوبة والندم، لأن الاستقامة وبذرة الإيمان في ~~ذاته، فإذا أصيب المرء في ذاته وفقد هذه المناعة تأتي المناعة من ~~المجتمع، المجتمع الواعي المدرك لدوره الجماعي في الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، فإذا فقد المجتمع هو الآخر هذه المناعة لم يبق إلا أن ~~تتدخل السماء برسول جديد ومنهج جديد. إذن: حدث الانصراف عن المنهج بعد ~~إبراهيم وإسماعيل، فكانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فسيدنا إبراهيم ~~جعل كلمة التوحيد باقية في عقبه { لعلهم } [الزخرف: 28] أي: ذريته ~~من بعده { يرجعون } [الزخرف: 28] أي: إلى الله. لكن لم يحدث، فقال ~~سبحانه: { بل متعت هؤلاء } [الزخرف: 29] أي: كفار مكة { ~~وآبآءهم } [الزخرف: 29] بالجاه والسلطان والنعيم والأمن # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم # [العنكبوت: 67] وجعل لهم منزلة وقداسة بين العرب لمكانتهم من البيت، ~~وظلت لهم هذه المنزلة ms9148 { حتى جآءهم الحق } [الزخرف: 29] ~~أي: القرآن { ورسول مبين } [الزخرف: 29] أي: محمد صلى الله عليه ~~وسلم و { مبين } [الزخرف: 29] يعني: يظهر الحق على يديه وفي كل شيء ~~فيه. لكن هل آمنوا بهذا الحق، وصدقوا بهذا الرسول؟ لا { ولما ~~جآءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون } ~~[الزخرف: 30] أي: أن القرآن سحر يسحر من استمعه، وفي موضع آخر قالوا ~~عن الرسول أنه ساحر. وقلنا: إن الرد على هذا الافتراء سهل، فلو كان ~~القرآن سحرا ولو كان محمدا ساحرا سحر المؤمنين به، فلماذا لم يسحركم ~~أنتم أيضا، وتنتهي المسألة؟ إذن: وجودكم على الكفر دليل صدق محمد، وأنه ~~نبي ليس بساحر. ولما لم تفلح هذه الشبهة قالوا: # إنما يعلمه بشر # [النحل: 103] أي: أن رسول الله يختلف إلى رجل فارسي يعلمه القرآن، ~~فرد الله عليهم # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. فقالوا عنه صلى الله عليه وسلم: مجنون، فرد الله عليهم: # مآ أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا ~~غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 2-4] والمجنون لا يكون صاحب خلق عظيم، لأن الخلق يضبط سلوك ~~صاحبه. فلما أبطل الحق سبحانه دعاواهم وافتراءاتهم ورد عليهم بما يظهر ~~غباءهم قالوا: { وقالوا لولا نزل هذا... }. ### || [43.31] # وهذا إقرار منهم بأن القرآن حق ولا اعتراض عليه، إنما اعتراضهم على ~~شخص رسول الله، وأنه من أوسط الناس وليس عظيما من عظمائهم، ولا سيدا من ~~ساداتهم في القريتين أي: مكة والطائف. وقد كان في الطائف عروة بن مسعود ~~الثقفي، وفي مكة الوليد بن المغيرة وغيرهم. فرد الله عليهم: { أهم ~~يقسمون رحمت ربك... }. ### || [43.32] # يعني: إذا كنا قسمنا بينهم أبسط الأشياء وهي معايشهم في الدنيا أيريدون ~~هم أن يقسموا رحمة الله وفضل الله حسب أهوائهم، ورحمة الله يختص بها ~~من يشاء من عباده، فهي من يده سبحانه لا دخل لأحد في توزيعها. فقوله ~~تعالى { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات } [الزخرف: ~~32] دل على عجز الإنسان، وأن حركة الحياة لا تنصلح ms9149 إلا بمنهج الله الذي ~~ينظمها. ومن حكمة هذه القسمة أن جعل بعض الناس أغنياء وبعضهم فقراء، ~~بعضهم سادة وبعضهم خدم، ولولا هذه القسمة ما استقامت حركة المجتمع ~~وما وجدنا من يقوم بالأعمال الشاقة أو الأعمال الحقيرة. وسبق أن ~~أوضحنا أن حركة المجتمع وتقدمه لا يقوم على التفضل، إنما على الحاجة، ~~فحاجة الفقير هي التي تدفعه للعمل. والرحمة المرادة هنا { أهم ~~يقسمون رحمت ربك } [الزخرف: 32] هي النبوة، فهم يطمعون في ~~أن يجعلوها اختيارا يختارونه من ساداتهم وكبراء القوم فيهم، فالحق ~~سبحانه يصحح لهم ويقول: كيف تطمعون في ذلك وأنتم لا تقدرون على قسمة ~~أبسط الأشياء؟ ثم تلاحظ أن كلمة { ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات } [الزخرف: 32] كلمة مبهمة تعني أن الكل مرفوع ومرفوع عليه، ~~مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر. وهكذا يتكامل الخلق، وتتم ~~المصالح، وتقضى حاجات المجتمع كما قال الشاعر: # الناس للناس من بدو وحاضرة # بعض لبعض بما لا يعلموا خدم # فأنت مرفوع فيما تحسنه من الأعمال، ومرفوع عليك فيما لا تجيده، هذا ~~معنى قوله تعالى: { ليتخذ بعضهم بعضا سخريا } ~~[الزخرف: 32]. { ورحمت ربك خير مما يجمعون } ~~[الزخرف: 32] المراد برحمة ربك هنا الرسالة والمنهج الذي يهدي الخلق ~~إلى طريق الحق، هذه الرحمة في الحقيقة خير من هذا المتاع الزائل الذي ~~تتنافسون عليه في الدنيا، لأن الإنسان مهما وصل في الدنيا إلى الرفاهية ~~والترف والنعيم فسوف يموت ويتركه ولن يبقى له منه شيء. أما منهج الله ~~فيورثك فوزا باقيا تسعد به في الدنيا وتفوز به في الآخرة. إذن: هو خير ~~وهو أبقى، وهو أنفع لك وأدوم، هذا المنهج يضمن لك صلاح الدنيا وسلامة ~~الآخرة لذلك كان هو { خير } [الزخرف: 32] من كل ما تراه من بريق ~~الدنيا. ثم يتكلم الحق سبحانه عن الكافرين الذين ملكوا الدنيا، وأخذوا كل ~~مظاهر الزينة والترف والنعيم، وتحكموا حتى في قوت ومصائر المسلمين، ~~وبين أن هذا الزخرف شكل ظاهري زائل، والعاقبة لا بد أن تكون لأهل ~~الإيمان في النهاية: { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ~~لجعلنا... }. ### || [43.33-35] ms9150 # معنى { أمة واحدة } [الزخرف: 33] يعني: على دين واحد مجتمعين ~~على الكفر، ولولا أن الناس يرون الكافرين منعمين فيفتنون بهم لجعلت ~~لهم كل هذا النعيم، بحيث لا يكون أحد أفضل منهم لأن هذا النعيم نعيم ~~الدنيا ينتهي بنهايتها ولا يدوم، وإن كانت الدنيا لحساب الكافرين ~~فالآخرين للمتقين. والقرآن هنا يخبر بارتقاءات البشر التي عرفوها بعد ~~أربعة عشر قرنا من نزول القرآن، فالمعارج يعني: المصاعد أو السلالم التي ~~يصعد عليها { ومعارج عليها يظهرون } [الزخرف: 33] يعني: ~~يصعدون ويرتقون. فكأن الحق سبحانه يهون من أمر تنعم الكافرين، حتى لا ~~نغتر نحن بهم، ولا نتمنى ما هم فيه من زخرف زائل. وبعد ذلك يبين لنا ~~أن المنعمين والمترفين يأتي عليهم وقت يحبون فيه الرجوع إلى الأصل ~~الأول وإلى بساطة الطبيعة، فتراهم مثلا في نهاية الأسبوع يخرجون إلى ~~الخلاء ويرتمون في أحضان الطبيعة يأكلون مما تنبت الأرض ويعيشون على ~~الكفاف، لماذا؟ لأنهم ملوا حياة الرفاهية الزائدة، ملوا حياة التحضر ~~وما فيها من عيوب وسلبيات. ### || [43.36] # معنى: { يعش عن ذكر الرحمن } [الزخرف: 36] يعني: يعرض ~~عنه أو يتعامى ويغفل عنه، ولأنه غفل عن شيء هام لا ينبغي أن يغفل عنه أو ~~يعرض يعاقبه الله { نقيض له شيطانا } [الزخرف: 36] نعد له ~~شيطانا ونهيء له شيطانا { فهو له قرين } [الزخرف: 36] يعني: ~~ملازم له يضله ويوسوس له. قلنا: لأن الحق سبحانه الغني عن خلقه، وهو ~~رب المؤمن ورب الكافر، لذلك يعين كلا على ما يريد، فمن أراد ~~الهداية أعانه عليها وزاده منها، ومن أراد الكفر ختم على قلبه بحيث لا ~~يدخله إيمان ولا يخرج منه الكفر، لذلك أتى هنا بصفة الرحمن. لذلك أكثر ~~ما يجيء الشيطان للإنسان وقت الصلاة ليفسد عليه علاقته بربه، قلنا: إنه ~~يأتي المسجد ولا يأتي الخمارة، لذلك قال كما حكى عنه القرآن: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16]. ذكرنا قصة الرجل الذي وضع مالا في مكان ما، ثم نسيه، ~~فقال له صديقه: اذهب إلى أبي حنيفة فعنده مخرج لكل المسائل، لأنني ~~ذهبت إليه استفتيته في طلاق زوجتي لأنني ms9151 قلت لها وهي على السلم: أنت ~~طالق إن نزلت، وطالق إن صعدت، فقال له أبو حنيفة: قل لها تلقي ~~بنفسها من على السلم. المهم ذهب صاحبنا إلى أبي حنيفة وقال له: لقد ~~وضعت مالا في مكان كذا، ونسيت موضعه، فماذا أفعل؟ قال أبو حنيفة: ليس ~~في هذا علم، لكني سأحتال لك: إذا جاء الليل اذهب وصل لله ركعتين لأن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه أمر يهرع إلى الصلاة. وفعلا ~~ذهب الرجل، وهو في صلاته جاءه الشيطان يوسوس إليه بمكان المال حتى ~~ذكره به، وفي الصباح قابل الرجل أبا حنيفة وقص عليه ما حدث، فضحك ~~أبو حنيفة وقال: والله لقد علمت أنه لن يدعم تتم ليلتك مع ربك، فهلا ~~أتممتها شكرا لله؟ قال: سأفعل إن شاء الله. ### || [43.37] # أي: هؤلاء القرناء قرناء السوء { ليصدونهم عن السبيل } ~~[الزخرف: 37] يعني: يصرفونهم ويمنعونهم عن الحق وعن الطريق المستقيم { ~~ويحسبون أنهم مهتدون } [الزخرف: 37]. لذلك قال في موضع ~~آخر: # ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني ~~اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم ~~أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد ~~إذ جآءني وكان الشيطان للإنسان خذولا # [الفرقان: 27-29]. وقرناء السوء قرناء في الدنيا فحسب، أما في الآخرة ~~فسيكونون أعداء، يلوم كل منهم صاحبه # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. كذلك الشيطان سيتبرأ من أتباعه ويخذلهم في الآخرة: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم # [إبراهيم: 22]. وقد علمنا ربنا سبحانه وتعالى كيف نتحصن من الشيطان، ~~فقال: # وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله # [الأعراف: 200]. ### || [43.38] # قوله تعالى: { بعد المشرقين } [الزخرف: 38] بعد المشرق من ~~المغرب، وهذا الأسلوب يسمى في اللغة التغليب، لأن المشرق يقابله ~~المغرب، والعرب في المتقابلات تغلب أحدهما على الآخر، كما يقولون مثلا ~~في الشيخين أبي بكر وعمر يقولون العمرين. وحينما نتأمل في المشرق والمغرب ~~من الناحية الفلكية الجغرافية نجد أن المشرق مغرب آخرين، والمغرب مشرق ~~آخرين، إذن: كلاهما مشرق، وكلاهما ms9152 مغرب. ### || [43.39] # لأن هذه بلوى عامة تشمل الجميع، فالبلوى حينما تصيب رجلا واحدا من بين ~~الناس يعز عليه ذلك، ويشق عليه أن يحزن والآخرون سعداء، لكن لما تعم ~~البلوى تهون ويخف وطؤها على الجماعة لمشاعر المشاركة، حتى ولو كانت ~~المشاركة في الحزن. وهذا المعنى عبرت عنه الخنساء في رثائها لأخيها ~~صخر حين قالت: # ولولا كثرة الباكين حولي # على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن # أعزي النفس عنه بالتأسي # وقال آخر: # وهون فجعات المصائب أنني # وإن هصرتني لست في مرها وحدي # نعم، إذا عمت المصائب هانت، لكن هذا في مصائب الدنيا، أما مصيبة ~~الآخرة فلا تهون ولا تخفف { ولن ينفعكم اليوم } [الزخرف: ~~39] أي: يوم القيامة { إذ ظلمتم أنكم في العذاب ~~مشتركون } [الزخرف: 39]. ### || [43.40] # المعنى - والخطاب هنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفر نفسك ~~يا محمد، ولا تجهدها ولا تحملها ما لا تطيق في سبيل هداية هؤلاء. ~~ووصفهم بالصمم وبالعمى مع أنهم في واقع الأمر يبصرون ويسمعون، يسمعون ~~الحق ولا يتبعونه، ويرون الطريق المستقيم ولا يسلكونه، فصار مثل الأصم ~~الذي لا يسمع، ومثل الأعمى الذي لا يرى. لذلك قال سبحانه في موضع آخر: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46] إذن: هم معرضون معاندون متكبرون عن قبول الحق. وهذا هو ~~معنى الضلال في { ومن كان في ضلال مبين } [الزخرف: 40]. وهل ~~هناك ضلال أبين وأوضح من ضلال من يرى الحق ولا يتبعه؟ والحق سبحانه ~~وتعالى لا يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الخطاب إلا إن كان فعلا ~~يشق على نفسه، ويكاد أن يهلكها في سبيل دعوته لذلك خاطبه ربه بقوله: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6] وخطابه بقوله # إن عليك إلا البلاغ # [الشورى: 48] ذلك لأن رسول الله كان محبا لرسالته، ومحبا لمنهجه، ~~محبا لأمته جميعا يريد أن يذيقهم ما ذاق من حلاوة الإيمان، يريد أن ~~يطبق في نفسه أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك. ### || [43.41-42] # يعني: يا محمد ms9153 اطمئن، فإن مت فسوف نريك عذابهم وانتقامنا منهم في ~~الآخرة، وإن كنت موجودا على قيد الحياة سنريك عذابهم المعجل لهم في ~~الدنيا. ومعنى { الذي وعدناهم } [الزخرف: 42] يعني: عذاب الدنيا ~~قبل عذاب الآخرة { فإنا عليهم مقتدرون } [الزخرف: 42] ~~مقتدرون: مبالغة من قادر، يعني: نحن مقتدرون عليهم متمكنون من إنزال ~~العذاب بهم، ولن يفلتوا منا. ### || [43.43] # يعني: تمسك بقوة بما يلقى إليك من الوحي، ولا يغرنك إعراضهم عن دين ~~الله، لأنك أنت على الحق وهم على الباطل { إنك على صراط ~~مستقيم } [الزخرف: 43] طريق قويم معتدل. ### || [43.44] # قوله تعالى { وإنه } [الزخرف: 44] أي: القرآن الكريم الذي أرسلت ~~به يا محمد، هذا الكتاب منهج حياة وهو معجزة باقية خالدة إلى قيام ~~الساعة، وهذا القرآن { لذكر لك ولقومك } [الزخرف: 44] يعني: ~~شرف وعزة وفخر لك ولقومك - أي العرب - لأنه نزل بالعربية، وكم عز ~~أقوام بعز لغات. فشرف للعربية، وشرف لكل عربي أن ينزل القرآن بها، ~~والإنسان في طبعه يحب الفخر، ويحب الشهرة وذيوع الصيت، ولا يخفى على أحد ~~الآن أن القرآن هو الذي أعطى العربية مكانتها بين لغات العالم. ولولا ~~القرآن لاندثرت العربية كما اندثر غيرها من اللغات، ونجد الآن كثيرين من ~~أمم أخرى يقبلون على تعلم العربية وإجادتها ليتمكنوا من حفظ القرآن ~~وتفسيره وفهم معانيه. ### || [43.45] # هنا وقفة تأمل لنفهم الآية { وسئل من أرسلنا من قبلك ~~من رسلنآ } [الزخرف: 45] كيف يسألهم رسول الله وهم أموات، لماذا ~~يأمره ربه عز وجل هذا الأمر؟ وإذا أمر الحق سبحانه رسوله أمرا وجب ~~عليه أن يطيع. وقد هيأ الحق سبحانه هذه الفرصة لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم في رحلة الإسراء والمعراج حيث التقى فعلا بإخوانه الأنبياء ~~السابقين، واجتمع بهم وصلى بهم إماما في بيت المقدس وهم أموات بقانون ~~الموت وهو حي بقانون الأحياء. وثبت أنه خاطب بعضهم، وتحدث معه كما ~~تحدث مع سيدنا موسى عليه السلام، وأنه راجعه في أمر الصلوات الخمسين، إلى ~~أن جعلها الله خمسا. فإن قلت: كيف يجتمع الضدان ميت و حي ويكون ~~بينهما كلام وتفاهم؟ نقول: يجوز ms9154 ذلك لأنه فعل القدرة وطلاقة القدرة لله ~~تعالى، فطلاقة القدرة لا ترتبط بقوانين الحي والميت. وسبق أن قلنا: ~~إنه ينبغي أن ننسب الفعل للفاعل لنستريح، فهذه المسألة غيب نؤمن به ~~وننسب كل عجيب فيها إلى منشئ هذا العجب. تذكرون قصة سيدنا إبراهيم لما ~~ألقوه في النار، ماذا حدث؟ القانون أن النار تحرق، لكن ماذا إن أرادها ~~الله بردا وسلاما وهي ما زالت نارا مشتعلة؟ لما أرادها الله كانت ~~بردا وسلاما على إبراهيم، وتعطل فيها قانون الإحراق. ولو شاء ~~سبحانه لسخر لهذه النار سحابة تمطر عليها حتى تنطفئ، ولو شاء ما ~~تمكنوا من إبراهيم ولا أمسكوا به، لكن لتتم المعجزة مكنهم الله من ~~إبراهيم وألقوه بالفعل في النار وهي تشتعل، ومع ذلك لم تحرقه، فهذه هي ~~طلاقة القدرة. كذلك رأينا طلاقة القدرة في قصة عصا سيدنا موسى لما ضرب ~~بها البحر فانفلق، وتجمد فيه الماء حتى صار كل فرق كالطود ~~العظيم، وهي نفس العصا ضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، ~~فالحق يعطينا لقطات لطلاقة القدرة وخرق العادة والقوانين لنقيس ~~عليها. بعض المفسرين يستبعدون هذه المسألة. أي: اللقاء بين الحي والميت ~~- ويؤولون المعنى بما يوافق ميولهم، فيقولون: المراد واسأل أتباع ~~الرسل قبلك لأنهم أخذوا الدين عنهم. وأصحاب هذا الرأي يريدون أن يفلتوا ~~من مسألة التقاء الحي بالميت، ومن إثبات هذه المعجزة الخارقة للعادة، ~~لكن لا غرابة في ذلك ولا عجب لأن الفاعل من؟ الله. أو: أن المراد ~~بالسؤال في { وسئل من أرسلنا من قبلك } [الزخرف: 45] ليس ~~السؤال في ذاته ولا الجواب في ذاته، إنما المراد العظة والاعتبار على ~~حد قول الخطيب مثلا في خطبة الجمعة: سل الأرض من أجرى فيها ~~الأنهار، ومن أنبت فيها الأشجار، سل الروض مزدانا، سل الماء ~~جاريا.. إلخ. إذن: ليس المراد أن نسأل الأرض، إنما نسأل أنفسنا ونتفكر ~~ونتأمل. # كذلك في قوله سبحانه: { وسئل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنآ } [الزخرف: 45]. لكن اسأل رسول الله من قبله من الرسل عن ~~هذه المسألة { أجعلنا من دون الرحمن ms9155 آلهة يعبدون ~~} [الزخرف: 45]؟ الواقع أنه لم يسأل، لماذا؟ لأن عنده من اليقين ما يجعله ~~في غنى عن هذا السؤال، فرسول الله ليس في حاجة لمن يؤكد له أنه ليس ~~مع الله آلهة تعبد. لذلك ورد عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قال: ~~لو كشف عني الحجاب ما ازددت يقينا. يعني: أنا مؤمن بالغيبيات ~~إيمانا راسخا مستقرا، وكأني أطلع عليه وأراه، ولو كشف لي ما زاد في ~~يقيني شيء، لأن إخبار الله لرسوله بالشيء أصدق من رؤيتنا له. اقرأ: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1] ومعلوم أن الرسول ولد عام الفيل، يعني لم يره، لكن أخبره ~~الله # ألم تر # [الفيل: 1] يعني: ألم تعلم، تعلم بأي وسيلة؟ تعلم بحواسك، أو تعلم بخبر ~~خالق هذه الحواس. إذن: إخبار الحق آكد وأصدق من رؤية العين. والاستفهام ~~في { أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون } ~~[الزخرف: 45] يراد منه النفي والإنكار، فعبادة غير الله أمر غير وارد ~~من الرسل، إذن: هو من صنع البشر، استحدثوه لإرضاء أهوائهم في أن يكون ~~لهم معبود، لكن معبود على هواهم، معبود لا يقيد شهواتهم ورغباتهم بمنهج ~~افعل كذا و لا تفعل كذا. ومن هنا عبدوا الأصنام وعبدوا الشمس والقمر ~~والكواكب وغيرها، وكلها معبودات بزعمهم هم - ما أنزل الله بها من سلطان، ~~ولا شرعها في أي شريعة من الشرائع. ### || [43.46] # قلنا: الآيات هي المعجزات الدالة على صدق الرسول في البلاغ عن الله، ~~وسيدنا موسى عليه السلام كان من أكثر الرسل حيازة للمعجزات وخوارق ~~العادات، وهذا يعني أن قومه كانوا أكثر خلق الله عنادا وإعراضا عن ~~المنهج، قال تعالى: # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات # [الإسراء: 101]. ما مناسبة أن يأتي القرآن بلقطة من قصة سيدنا موسى في ~~هذا الموضع؟ قالوا: لأن كفار مكة كانوا قد اجتمعوا ووقفوا في وجه الدعوة، ~~واعترضوا على أن تأتي الدعوة على يد محمد بالذات، فقالوا: { وقالوا ~~لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين ~~عظيم } [الزخرف: 31]. يقصدون مكة وكان فيها الوليد بن المغيرة، ~~والطائف وكان ms9156 بها عروة بن مسعود الثقفي، وغيرهما من سادة القوم أصحاب ~~المال والجاه والهيبة في القوم. إذن: لم يكن الاعتراض على القرآن، إنما ~~الاعتراض على من جاء القرآن على يديه. لذلك أراد الحق سبحانه أن ~~يعطيهم مثلا من موكب الرسالات، فهذا موسى - عليه السلام - لم يكن ~~صاحب مال، ولا صاحب جاه ولا سلطان، وأرسله الله إلى من هو أشد كفرا ~~من أهل مكة وصناديدها، أرسله إلى فرعون الذي لم يكن يعارض الدعوة إلى ~~الله فقط، إنما كان يقول: أنا إله. إذن: لا عجب في إرسال محمد، وهو من ~~عامة القوم وفقرائهم إلى السادة الأغنياء، وهو الوليد وعروة وغيرهما من ~~رؤوس الكفر كانوا أشد من فرعون. فالرسالة إذن لا يطلب فيها أن يكون ~~الرسول صاحب مال ولا صاحب جاه ولا سلطان، ثم هذه رحمة الله يقسمها كيف ~~يشاء، ويختار لها من يشاء، ويصطفي من عباده. والمتأمل في رسالتي موسى ~~ومحمد يجد أن حياة موسى في مجتمعه أقل من حياة محمد في مجتمعه، لأن موسى ~~تربى في بيت فرعون إلى أن شب وحدثت حادثة القتل التي قتل فيها ~~موسى واحدا من القوم، ثم جاء رجل من أقصى المدينة، وقال # يموسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج ~~إني لك من الناصحين * فخرج منها خآئفا يترقب ~~قال رب نجني من القوم الظالمين # [القصص: 20-21]. بعد ذلك وصل إلى مدين وهناك وجد: # ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما ~~خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء ~~وأبونا شيخ كبير * فسقى لهما ثم تولى إلى ~~الظل فقال رب إني لمآ أنزلت إلي من خير ~~فقير # [القصص: 23-24]. أولا: نقول إن هذه الأيام تعطينا منهجا ودستورا ~~للتعامل مع المرأة المسلمة، وكيف ومتى تخرج من بيتها، فالعلة في خروج ~~هاتين المرأتين أن أباهما شيخ كبير، ولا يوجد من يقضي لهما حاجتهما. ~~إذن: لا تخرج المرأة من بيتها إلا لضرورة، وإذا خرجت تحشمت وتحجبت ~~ولم تخالط الرجال، ثم مهمة المجتمع ms9157 الإيماني أن يراعي حق المرأة وأن ~~يأخذ بيدها فيما تريده من عمل، لأنه مجتمع الرحمة والقربى بين المسلمين ~~جميعا. # وأذكر أننا أول مرة سافرنا مكة سنة 1950 كنا نسكن في بيت رجل موسر، ~~كان يتطوع ويوصلنا إلى العمل بسيارته الخاصة، وفي مرة ونحن نسير وجد ~~أمام أحد البيوت لوحا من الخشب الذي يوضع عليه العجين، وكان باب البيت ~~مغلقا فنزل وأخذ اللوح في سيارته وذهب. فلما سألته عن ذلك قال: والله ~~عندنا عادة لما نرى الباب مغلقا، وأمامه شيء مثل هذا، نعرف أن صاحب ~~البيت غائب وأهل البيت يحتاجون شيئا فنقضيه لهم، المهم أخذ الرجل لوح ~~العجين وملأه بالخبز، وبما قدره الله عليه، وأعاده إلى أصحابه. وهذا هو ~~المعنى الذي تعلمناه من قصة سيدنا موسى # فسقى لهما # [القصص: 24] ونعود إلى القصة # ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لمآ أنزلت ~~إلي من خير فقير # [القصص: 24] يعني: موسى كان رجلا فقيرا، لا يملك من الدنيا سوى قوته ~~البدنية، فهذا الذي يجلس تحت ظل شجرة ليس له مأوى، أبعد ذلك مسكنة وضعف؟ ~~هذا يدل على أنه كان رجلا غلبان لا يملك من حطام الدنيا شيئا، ولو ~~قارنا بينه وبين محمد نجد محمدا أطول إقامة في قومه، فقد نشأ بينهم ~~منذ مولده، وكان يرعى الغنم لأهله بأجرة، ولما كبر اشتغل بالتجارة، وكان ~~كما نقول مدير أعمال السيدة خديجة، وكان يكسب ومعه مال. ومع ذلك أرسل ~~الله موسى الذي هو أضعف من محمد إلى فرعون الذي هو أقوى وأشد من الوليد ~~وعروة وغيرهم. وبهذا نفهم لماذا أتى ذكر سيدنا موسى في هذا الموضع: { ~~ولقد أرسلنا موسى بآيتنآ إلى فرعون ~~وملإيه } [الزخرف: 46]. ثم هناك نقطة ضعف أخرى في رسالة سيدنا ~~موسى أنه أرسل إلى فرعون الذي تربى في بيته، لذلك الحق سبحانه ~~يعلمه كيفية الدخول إليه في أمر الدعوة لأنه كان يمتن عليه. # قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من ~~عمرك سنين # [الشعراء: 18] فعلمه الله أن يقول له القول اللين # فقولا له قولا لينا ms9158 لعله يتذكر أو يخشى # [طه: 44]. وقوله: { بآيتنآ } [الزخرف: 46] أي: بالمعجزات الظاهرات ~~التي صاحبت دعوة سيدنا موسى لتؤيده وتثبت للقوم صدقه في البلاغ عن ~~الله، وقلنا: إنه يشترط في المعجزة أن تكون موضعا للتحدي، بحيث لا ~~يقدر أحد على الإتيان بمثلها، وأن تكون من جنس ما نبغ فيه القوم ليكون ~~التحدي له معنى، وإلا كيف أتحداك بشيء لا تعرفه أنت ولا تجيده؟ ولأن ~~قوم موسى نبغوا في السحر كانت معجزة العصا من المعجزات التي أعطاها ~~الله تعالى لسيدنا موسى، وقد دربه ربه عز وجل على استخدام هذه العصا ~~وعرفه ما فيها من أسرار قبل لقائه بفرعون. # واقرأ: # وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى * قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي ~~حية تسعى # [طه: 17-20]. كان هذا الموقف تدريبا لموسى على استخدام معجزته أمام ~~فرعون، وعندها علم موسى أنه إذا كانت مآربه من عصاته أن يتوكأ عليها ~~ويهش بها على غنمه، فلله تعالى مآرب أخرى غير هذه المآرب الظاهرة. ~~لذلك رأينا بعض المستشرقين يقولون: إن القرآن كرر قصة عصا موسى هذه في ~~أكثر من موضع، والواقع أن القصة لا تكرار فيها، بل هي مواقف مختلفة ~~للعصا مع موسى، فالمرة الأولى كما قلنا كانت تدريبا لموسى حتى لا يفاجأ ~~بما تفعله العصا إذا ألقاها أمام فرعون. وكانت المرة الثانية أمام فرعون، ~~والثالثة لما جمع فرعون السحرة. إذن: ليس في المسألة تكرار، إنما هي ~~مواقف مختلفة لشيء واحد، والقرآن حينما عرض لنا هذه القصة علمنا الفرق ~~بين السحر والمعجزة، السحر: تخييل وخداع للنظر إنما المعجزة حقيقة واقعة. ~~لذلك قال عن العصا: # فإذا هي حية تسعى # [طه: 20] يعني: على وجه الحقيقة، ولما تكلم عن حبال السحرة قال: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66] والدليل على ذلك أن السحرة وأهل التمرس والخبرة في هذا ~~المجال لما رأوا العصا ساعة انقلبت حية خروا سجدا وآمنوا بموسى ~~وبما جاء به، لأنهم أدرى القوم بهذه المسألة # قالوا آمنا ms9159 برب هارون وموسى # [طه: 70]. والحق سبحانه في موضع آخر يقول: # سحروا أعين الناس واسترهبوهم # [الأعراف: 116] معنى: سحروا أعين الناس أن الأمر في السحر موقوف عند ~~العين وعند النظر، فهو تخييل في مرأى العين فحسب. وواقع حياتنا أيضا ~~يشهد بذلك، فأذكر أنني كنت رئيس بعثة الأزهر في الجزائر، وهناك تعرفت ~~على سفير السعودية بالجزائر الشيخ رياض الخطيب بن فؤاد الخطيب الشاعر ~~العظيم، وحدث بيني وبينه مودة، وصادف أنه نقل من الجزائر إلى باكستان، ~~وبعدها سافرت أنا إلى باكستان ونزلت على الشيخ رياض. وفي يوم تحدثنا ~~عن السحر فقال: سأريك مسألة غريبة، هنا ساحر هندي يفعل كذا وكذا. فقلت: ~~والله فرصة نرى ماذا يفعل، وفي الصباح ذهبنا إلى قرية وأتوا بالساحر ~~الهندي، فقعد وعمل نصبة وأتى بقطن جعله على هيئة حبل ولواه هكذا، وكان ~~معه ولد صغير، أشار إليه أن يصعد على هذا الحبل حتى رأى جميع الجالسين ~~الولد فعلا طالعا على الحبل. في اليوم التالي وبعد أن راجعت آيات ~~السحر في كتاب الله أخذت معي كاميرا فوتوغرافيا وأحببت أن أصور هذا ~~المشهد، وفعلا صورته، في اليوم التالي وجدت الصورة بعد تحميضها بيضاء ~~ليس بها شيء أبدا. فقال لي صاحبي: إذن بم تفسر هذا التخييل الذي ~~رأيناه؟ قلت: والله من حديث القرآن عن الجن نعلم أنه يتشكل بكل الصور، ~~ولا مانع أبدا أن الساحر يستعين بالجن، قال تعالى: # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا # [الجن: 6]. إذن: لا مانع عقلا أن يسخر الساحر من الجن من يساعده ~~في هذه المسألة، ويتشكل له كما يريد. والقرآن الكريم نص على أن الآيات ~~والمعجزات التي أرسل بها سيدنا موسى كانت تسع آيات: # ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسئل بني ~~إسرائيل إذ جآءهم فقال له فرعون إني لأظنك ~~يموسى مسحورا # [الإسراء: 101]. وقال في موضع آخر: # وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها.. # [الزخرف: 48] وهذا يعني أنها كانت آيات كثيرة واضحة ظاهرة بينة. وقوله ~~سبحانه { إلى فرعون وملإيه } [الزخرف: 46] الملأ: ms9160 هم القوم، ~~خاصة الوجهاء منهم، وأصحاب المنزلة من قولنا: فلان ملء العين. وفي آية ~~أخرى قال: # وقارون وفرعون وهامان ولقد جآءهم موسى ~~بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا ~~سابقين # [العنكبوت: 39]. وقوله تعالى: { فقال إني رسول رب ~~العلمين } [الزخرف: 46] ملخص لرسالته وموجز لما جاء به. ### || [43.47] # في آية العنكبوت السابقة بينت رد فعلهم وهو الاستكبار، والاستكبار هنا ~~يعني أنهم علموا أن موسى على الحق، وأنه صاحب معجزات ومع ذلك استكبروا ~~على أن يؤمنوا به، وهنا بينت الآية وجها آخر للاستكبار. { إذا هم ~~منها يضحكون } [الزخرف: 47] يضحكون إما إعجابا بالمعجزة وللآية ~~التي رأوها، وأنها خارقة للعادة وخلاف كل ما رأوه من السحرة، أو يضحكون ~~سخرية واستخفافا. ### || [43.48] # معنى { آية } [الزخرف: 48] يعني: معجزة { إلا هي أكبر من ~~أختها } [الزخرف: 48] يعني: كل معجزة أعظم وأوضح من سابقتها، وهذا ~~يعني أن الإعجاز واضح في جميع الآيات على كثرتها، فكل آية كبيرة من جهة ~~ما لأن المقصود من الآيات الإعجاز وإثبات شيء ليس في مقدور البشر ولا ~~طاقتهم، وما دام أن كل آية تؤدي هذا الغرض فهي آية كبيرة. وقوله: { ~~وأخذناهم بالعذاب } [الزخرف: 48] أي: عاقبناهم على تكذيبهم ~~بالعذاب، وقد أوضح الحق سبحانه هذا العذاب في موضع آخر، فقال: # ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين ونقص من ~~الثمرات لعلهم يذكرون # [الأعراف: 130]؟ وتأمل تذييل هاتين الآيتين، مرة: { لعلهم ~~يرجعون } [الزخرف: 48] ومرة { لعلهم يذكرون } ~~[الأعراف: 130] فالحق سبحانه لا يعذب خلقه لأنه يحب أن يعذبهم إنما ~~يعذبهم ليعودوا إليه، فحتى العذاب هنا رحمة بهم. # فقسا ليزدجروا ومن يك حازما # فليقس أحيانا على من يرحم # وقوله: { لعلهم يرجعون } [الزخرف: 48] أي: عن المكابرة ~~والجدال والعناد، لكن هل رجعوا؟ أبدا ظلوا على كفرهم وجحودهم، حتى ~~بعد أن أخذهم الله بالسنين يعني: القحط وجدب الأرض وجفافها، فنتج عن ~~ذلك نقص الثمرات وضيق العيش. ثم بعد ذلك كله # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم آيات مفصلات # [الأعراف: 133] يعني: آيات واضحة الدلالة بينة، فأصبحوا في ضيق ~~وهزال مشغولين بلقمة العيش، فذهبوا إلى موسى عليه السلام بعد ms9161 أن يئسوا ~~وقالوا: { وقالوا يأيه... }. ### || [43.49] # كلمة الساحر هنا لا تعني اعترافهم بتفوقه في مجال السحر فحسب، إنما تعني ~~الرجل الماهر في كل شيء، المتفوق عليهم في السحر وفي العلم وفي الإحاطة ~~بأمور الحياة، يعني لا مثيل له. وهذا يذكرنا بموقف من سيرة سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث # " وفد عليه الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وهما من سادة العرب، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن الأهتم: ما تقول في الزبرقان بن بدر؟ ~~فقال: يا رسول الله مطاع في ناديه شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره، ~~فقال الزبرقان: يا رسول الله والله إنه ليعلم مني أكثر مما وصفني به ~~ولكنه حسدني. فقال عمر: والله يا رسول الله إنه زمر المروءة ضيق العطن ~~لئيم الخال أحمق الموالد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن ~~الأهتم: وما حملك على أن تقول ما قلت؟ فقال: يا رسول الله رضيت، ~~فقلت أحسن ما أعلم، وغضبت فقلت أسوأ ما أعلم، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " إن من البيان لسحرا ". # الشاهد هنا أن السحر يأتي بمعنى التفوق عامة في أي ناحية من نواحي ~~الحياة. إذن: لما رأوا تصرفات موسى خضعوا له وسلموا له بالتفوق ~~عليهم، وإن كانوا لم يؤمنوا به، ولكن لأنهم مقتنعون بتفوقه بل وبصدق ~~دعوته ذهبوا إليه وطلبوا منه أن يدعو لهم، وأن يفرج عنهم ما هم فيه ~~من ضنك العيش. فقالوا: { يأيه الساحر ادع لنا ربك } ~~[الزخرف: 49] إذن: يعترفون بصلته بربه، لكن ربه هو لا ربهم أيضا بدليل { ~~ادع لنا ربك } [الزخرف: 49] ولم يقولوا مثلا: ربنا. { بما ~~عهد عندك } [الزخرف: 49] لأن ربك يطاوعك ويفعل لك ما تريد، ووعدك ~~بكشف العذاب عمن آمن بك { إننا لمهتدون } [الزخرف: 49] ~~يعني: لو كشفت عنا ما نحن فيه فسوف نهتدي ونؤمن بك. ### || [43.50] # إذن: قولهم { إننا لمهتدون } [الزخرف: 49] كانت مجرد كلمة ~~تقال نفاقا من طرف اللسان، ليس لها رصيد من صدق الواقع لأن الحق سبحانه ~~كشف عنهم العذاب فعادوا ms9162 لما كانوا عليه، ومعنى { ينكثون } [الزخرف: ~~50] يرجعون إلى ما كانوا عليه، وينقضون العهد الذي قطعوه على أنفسهم ~~بأن يهتدوا. ### || [43.51] # هنا يشعر فرعون بالخطر، وتهتز مكانته أمام قومه، يشعر أن موسى يسحب ~~البساط من تحت قدميه حيث تتجه إليه الأنظار خاصة بعد حادثة السحرة الذين ~~آمنوا برب هارون وموسى ولم ينتظروا إذنا من فرعون. وبعد أن نزل بهم ~~القحط، وأصابهم الجدب حتى يئسوا فتوجهوا إلى موسى وطلبوا منه كشف ما ~~هم فيه، لذلك نرى فرعون يحاول أن يعيد مكانته ويحسن صورته أمام قومه. ~~{ ونادى فرعون في قومه } [الزخرف: 51] بماذا نادى مناديه؟ ~~{ قال يقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار ~~تجري من تحتي أفلا تبصرون } [الزخرف: 51] يعني: انتبهوا ~~إلى مكانتي وملكي وقدرتي عليكم ولا تهتموا بأمر موسى، فأنا لا أزال ~~ملك مصر، والأنهار تجري من تحتي. يعني: لا أزال ولي نعمتكم. { ~~أفلا تبصرون } لكن نلاحظ في ندائه هذا أنه لم يقل شيئا عن ~~ألوهيته. ولم يقل: أنا ربكم الأعلى فقد تنازل عن هذه الشعارات التي لم ~~يعد لها موضع بعد ما حدث مع موسى. ثم تأمل صيغة النداء { أليس لي ~~ملك مصر } [الزخرف: 50] بهذا الاستفهام التقريري، يعني: قولوا لي ~~ألم أزل ملكا عليكم، ولم يأت مثلا بأسلوب الخبر: أنا ملك مصر. إذن: ~~يتحدث فرعون الآن من موقف الضعف، نعم لأنه كان يقول # فقال أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24] والآن يقول: { أليس لي ملك مصر } [الزخرف: ~~51]. كلمة { ملك } [الزخرف: 51] مادتها م ل ك، نلاحظ أن الميم تأتي ~~مرة بالكسر، ومرة بالفتح، ومرة بالضم، فالميم المكسورة ملك. يعني: كل ما ~~تمتلكه ولو حتى اللباس الذي تلبسه يسمى ملك. وملك بالضم تعني الإدارة ~~والسيطرة على من له ملك. يعني: يملك من يملك، وملك بالفتح يعني ~~الإرادة والاختيار، كما في قوله تعالى: # مآ أخلفنا موعدك بملكنا # [طه: 87] أي: بإرادتنا. وفي اسم الفاعل نقول ملك ومالك، مالك تقال لكل ~~منا يسمى مالك، حتى لو كان يملك مجرد ملابسه. أما ملك فلا تقال إلا ~~لمن يملك ويتحكم في ms9163 المالك. لكن حين نقرأ مثلا في سورة الفاتحة: # ملك يوم الدين # [الفاتحة: 4] ولم يقل ملك، صحيح هي في إحدى القراءات { ملك ~~يوم الدين } لكن الأشهر مالك، فما الحكمة أن يعدل عن اللفظ ~~الأقوى إلى الأقل منه؟ قالوا: اختار الحق سبحانه لفظ مالك ليقول أنه ~~سبحانه مالك ليوم القيامة، وغيره يملك الأرض وما عليها، فقوله { ~~ملك يوم الدين } [الفاتحة: 4] يعني: غيره لا يملك هذا اليوم، ~~فهي لله وحده، لذلك قال: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. هكذا بالقصر عليه سبحانه دون غيره. إذن: لفظة مالك هي ~~المطلوبة هنا، وهي التي تؤدي المعنى المراد، فهي الأدل على المعنى وإن ~~كانت أدنى من ملك. # كما قلنا مثلا في كلمة كبير و أكبر، أكبر: أفعل تفضيل من كبير فهي ~~أقوى، ومع ذلك في نداء الصلاة نقول: الله أكبر وليس في أسماء الله أكبر، ~~بل من أسمائه سبحانه الكبير، فلماذا عدل عن الكبير إلى أكبر؟ قالوا: قال ~~الله أكبر لحكمة، هي أن الأقل هنا له موضع، لأنك حين تدعو الناس إلى ~~الصلاة تخرجهم من عمل وسعي مشروع هو قوام حياة الناس ومعايشهم ومصالح ~~الناس وأعمالهم ليس بالشيء التافه الذي لا قيمة له في دين الله، إنما هو ~~من الأمور المطلوبة للشرع. فهو إذن مهم وكبير، لكن إذا جاء وقت الصلاة ~~فاعلم أن الله أكبر. يعني: أكبر من العمل ومن السعي. وهذه المسألة ~~بينها لنا الحق سبحانه في سورة الجمعة: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع # [الجمعة: 9] ثم بعد انقضاء الصلاة قال: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا ~~من فضل الله # [الجمعة: 10]. إذن: أخذك للصلاة من العمل، ثم أعادك إليه مرة أخرى، لأن ~~به يتم إعمار الأرض وقضاء مصالح الخلق. إذن: أكبر هي الأنسب في أداء ~~المعنى المراد. قوله: { ونادى فرعون في قومه } [الزخرف: ~~51] فرعون لم يناد هو، إنما أمر من ينادي في القوم بهذا النداء، فلما ~~كان النداء بأمره نسب إليه، وقوله { أليس لي ms9164 ملك مصر } ~~[الزخرف: 51] يعني: القطر كله لا العاصمة، كما نقول نحن اليوم مصر على ~~القاهرة، فمصر التي ملكها فرعون كانت من الأسكندرية إلى أسوان. ومصر ~~علم على هذه البقعة، وهي مكونة من ثلاثة أحرف. أولها: كسرة، ووسطها ~~ساكن والسكون يعطي خفة في النطق، فهي اسم سهل في النطق، وجاء على أقل ~~صيغ تكوين الاسم في اللغة، لأن الاسم في العربية أقله ثلاثة أحرف، ~~وأكثره خمسة إذا كان مجردا من أحرف الزيادة. والمتأمل يجد أن مكة وهي ~~بلد الله الحرام ومحل بيته المقدس ذكرت في كتابه الكريم مرتين: # وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة # [الفتح: 24]. وجاءت بلفظ بكة في قوله تعالى: # إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين # [آل عمران: 96]. أما مصر فذكرها الحق سبحانه في كتابه خمس مرات: { ~~أليس لي ملك مصر.. } [الزخرف: 51] وفي: # وقال الذي اشتراه من مصر # [يوسف: 21] وفي # ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين # [يوسف: 99] وفي # وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما ~~بمصر بيوتا # [يونس: 87] وفي # اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم # [البقرة: 61]. وجاءت مصر في الآية الأخيرة هكذا بتنوين الفتح. وقال ~~المفسرون: يعني أي مصر من الأمصار يكون فيه ما تريدون، ولو اعتمدنا هذا ~~التفسير فمصر في هذه الحالة داخلة فيه لأنها مصر من الأمصار. وقوله: { ~~وهذه الأنهار تجري من تحتي } [الزخرف: 51] كلمة { من ~~تحتي } [الزخرف: 51] تدل على التمكن والسيطرة، وبالفعل كانت قصوره ~~على النهر مباشرة وكأن النهر يمر من تحتها. # وجمع الأنهار، مع أننا نعرف أن في مصر نهرا واحدا هو نهر النيل، ~~وأنه يتفرع إلى فرعين دمياط ورشيد، فلماذا قال { وهذه الأنهار ~~} [الزخرف: 51]. قالوا: كانت على أيام الفراعنة خمسة أنهار، أي: أنهم ~~فرعوا من النهر خمسة فروع ليزيدوا من الشواطئ، وبهذا كان لديهم عشرة ~~شواطئ تبنى عليها قصورهم. وأذكر في هذا المقام أنه كان لنا شيخ فاضل ~~اسمه الشيخ عمر العمروسي من طنطا الجزيرة، وكنت أجلس إليه وأستفيد من ~~علمه، ومعي الشيخ سيد شرف والدكتور ياسين عبد ms9165 الغفار. وفي يوم من الأيام ~~سألني، وهو يعرف أنني في الأزهر فقال لي: يا شعراوي، ماذا فعلتم في ~~مسألة: { وهذه الأنهار تجري من تحتي } [الزخرف: 51]. ~~قلت له: في قراءة التاريخ وجدنا أن مصر في أيام الفراعنة كان بها خمسة ~~أنهار، نهر اسمه الملك لأن على شاطئه قصر الملك، ونهر اسمه دمياط، ونهر ~~اسمه تنيس والعجيب أن منها نهرا يسمى طولون، ونحن نعرف أحمد بن طولون ~~وكان في القرن التاسع الميلادي فكيف سمي باسمه، وبعد البحث عرفنا أن ~~ابن طولون هو الذي ردم هذا الفرع من النهر فسمي باسمه. والنهر الخامس ~~كان يسمى الخليج. إذن: زادوا من تفريعات النهر الرئيسي لتزداد فرص ~~البناء المطل على النهر، وهذا إن دل فإنما يدل على ترف الحياة حين ~~ذاك. أما الشيخ عمر فكان له في تفسير الأنهار رأي آخر، قال: اسمع يا ~~ابني أنت وهو، الفراعنة جعلوا مصر على هيئة نموذج للجنة، فجعلوا بها ~~أربعة أنهار. واقرأوا القرآن: # مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من ~~مآء غير ءاسن وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار ~~من عسل مصفى # [محمد: 15]. لكن من أين عرف الفراعنة هذه الصورة عن الجنة فحاكوها على ~~أرض مصر؟ قالوا: لأنهم كانوا يسيرون في أمور حياتهم وفي سياستهم خلف ~~الكهنة، والكهنة كانوا على علم، وقرأوا الكتب السماوية السابقة. حتى أنهم ~~قالوا: إن العلوم التي عرفها الفراعنة وبنوا بها الأهرامات وأبا الهول ~~والمعابد الموجودة الآن والتي لم نصل بعد تطور العلوم إلى أسرار بنائها، ~~وعملية تحنيط الموتى وغيرها من الأسرار عرفوه من الكهنة. وما دامت من ~~الكهنة فمصدرها وحي السماء، بدليل أنه لما انتهى عصر الكهنة ولم يعد ~~لهم وجود لم نجد لهذه العلوم أثرا حتى الآن. وأذكر أنني في أثناء تولي ~~المهندس حسب الله الكفراوي اقترحت عليه إعادة حفر هذه الأنهار، بحيث ~~تلتقي كلها عند القناطر الخيرية، ونزيد مساحة الشاطئ عندنا، واقترحت ~~عليه لحل أزمة البناء، وبدلا من البناء على الأرض الزراعية أن نبني ~~المساكن ms9166 والمرافق الحكومية فوق فروع الترع والرياحات، لأنها تحتل ~~مساحات واسعة. ومعظمها عليه طرق من اليمين ومن الشمال، ويمكن أن نقيم ~~أعمدة مسلحة على هذه الرياحات، ونبني فوقها كل مؤسسات الدولة بدل ~~التكدس في العاصمة، فوعدني بدراسة هذه المقترحات لكن لم ينفذ منها ~~شيء. المفسرون يقولون في { وهذه الأنهار تجري من تحتي ~~} [الزخرف: 51] أن الأنهار كانت تجري من تحت قصوره بالفعل، قالوا: حتى ~~أنه جعل من تحت سريره الذي ينام عليه مجرى مائيا كالنهر. ### || [43.52] # فرعون يجري هذه المفاضلة بينه وبين موسى فيقول: أنا خير من هذا يقصد ~~موسى، واكتفى بالإشارة إليه امتهانا به مهين يعني: ضعيف حقير، حيث لا ~~قوة تحميه، وليس له جند يدافعون عنه. { ولا يكاد يبين } ~~[الزخرف: 52] أي: يبين عن نفسه ويفصح عنها. والمعنى: لا يستطيع الكلام ~~بإبانة وطلاقة، ذلك لأن موسى عليه السلام كان به لثغة في لسانه. لذلك ~~قالوا أنه طلب من ربه عز وجل أن يعينه على هذه المسألة بأن يرسل معه ~~أخاه هارون # وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ~~ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون # [القصص: 34]. ويروى أن سبب هذه اللثغة في لسانه وهو صغير قال كلمة فيها ~~جرأة على فرعون حتى شك في أمره وتخوف منه، فقالوا له: إنه صغير لا ~~يعرف شيئا. وليثبتوا لفرعون ذلك أتوا لموسى بتمرة وجمرة، فأخذ الجمرة ~~فلسعته في لسانه، وأحدثت به هذه اللثغة. ### || [43.53] # هذه هي الصورة المادية التي يتصورها فرعون للرسول أن يأتي يرتدي ~~الأسورة من الذهب، وهي دلالة على القوة والسيطرة والعظمة، أو يأتي ومعه ~~ملائكة مصاحبون له يؤيدونه ويشهدون بصدقه. ### || [43.54] # الاستخفاف يعني العجلة والطيش وعدم التدبر في المسائل، أي: استخفهم ~~فرعون بهذا الكلام فأطاعوه على الضلال الذي هو فيه ووافقوه على الفساد، ~~ولا يوافق على الفساد إلا المنتفع به، أو وجدهم أهل طيش ورعونة وعدم ~~تفكر في الأمور، فضحك عليهم بهذا الكلام. ### || [43.55-56] # معنى { آسفونا } [الزخرف: 55] أغضبونا فكانت النتيجة { انتقمنا ~~منهم } [الزخرف: 55] كيف { فأغرقناهم أجمعين } [الزخرف: ~~55] وبالغرق جعلهم الله سلفا ms9167 السلف من تقدم. أي: جعلهم الله قدوة ~~وعبرة لمن يأتي بعدهم { ومثلا للآخرين } [الزخرف: 56] عبرة ~~لغيرهم من الكافرين. ### || [43.57] # هنا الفعل ضرب مبني لما لم يسم فاعله، فمن الذي ضرب ابن مريم ~~مثلا؟ الحق سبحانه وتعالى هو الذي جعل ابن مريم مثلا، لأنه ولد لأم ~~بلا أب، وجاء من نفخة الحق سبحانه في مريم، فنسبوه إلى الله، تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا، فرد الله عليهم بأن عيسى في الخلق مثل آدم. # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب ثم قال له كن فيكون # [آل عمران: 59] فإذا كان عيسى بلا أب، فآدم بلا أب وبلا أم، والذي يقدر ~~على الأعلى يقدر على الأدنى من باب أولى، فلا تفتنوا فيه. وبعد أن ~~نزل قوله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98] تبين أنه الضال بعبادة غير الله هو ومعبوده في جهنم ~~معا # حصب جهنم # [الأنبياء: 98] يعني: وقودها. # " وجاء رجل اسمه عبد الله بن الزبعري قبل أن يسلم إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال له: يا محمد أهذه الآية لنا أم لجميع الخلق؟ قال ~~صلى الله عليه وسلم: لجميع الخلق، فقال له: كيف وعيسى عبد من دون ~~الله، والعزير عبد من دون الله، والملائكة عبدوا من دون الله، أيذهب ~~هؤلاء مع عابديهم إلى النار؟ فلم يجبه رسول الله إلى أن نزل قول الله ~~تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى ~~أولئك عنها مبعدون } ". # ولما بلغت هذه المسألة سيدنا عليا رضي الله عنه قال: ما هنا لغير ~~العاقل، فلا يدخل في هذا الحكم عيسى ولا العزير ولا الملائكة، وهذه من ~~حكمة الإمام علي الذي تربى في حضن النبي وتعلم في مدرسته منذ صغره، ~~وجاءت ثقافته من نور النبوة. لذلك ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " أنا مدينة العلم، وعلي بابها ". # وكان من الفقهاء أصحاب الاستنباط الواعي حتى أمام كبار الصحابة، حتى إن ~~عمر بن الخطاب الذي كان ينزل القرآن ms9168 وفق رأيه يقف في مسألة لا يحلها ~~إلا على، حيث عرضت عليه مسألة المرأة التي ولدت لستة أشهر فقال ~~بإقامة الحد عليها، لأن المشهور في أشهر الحمل تسعة أشهر. فقال: يا ~~أمير المؤمنين لا شيء عليها لأن الله يقول: # وحمله وفصله ثلثون شهرا # [الأحقاف: 15] ويقول: # والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين # [البقرة: 223] إذن: مدة الحمل يمكن أن تكون ستة أشهر. ومرة دخل على ~~سيدنا عمر ومعه درة، يريد أن يضرب بها سيدنا حذيفة فقال له: ما لي أراك ~~مغضبا يا أمير المؤمنين؟ قال: سألت حذيفة كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت ~~أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في ~~السماء. # فقال علي: صدق والله يا أمير المؤمنين. فقال عمر: أتقولها يا أبا الحسن؟ ~~قال: أما الفتنة فقال تعالى: # واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة # [الأنفال: 28] والحق الذي يكرهه هو الموت، ويصلي على النبي صلى الله ~~عليه وسلم بغير وضوء، وله في الأرض زوجة وولد وليس لله زوجة ولا ولد. ~~عندها قال عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن. ومن لطائف ما روي ~~عنه رضي الله عنه أنه مر بجماعة اختلفوا في أي مخلوقات الله أشد وأكثر ~~قوة، فسألوه: ما أشد جنود الله يا أبا الحسن؟ فكأنه كان على علم مسبق ~~بهذه المسألة، وأنه سيسأل عنها، لذلك قال - وحصر العدد قبل المعدود: ~~وأشار بيده أنها عشرة: الجبال الرواسي، والحديد يقطع الجبال، والنار تذيب ~~الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب يحمل الماء، والريح يحمل السحاب، ~~وابن آدم يغلب الريح يستتر بالثوب ويمضي إلى حاجته، والسكر يغلب ابن ~~آدم، والنوم يغلب السكر، والهم يغلب النوم، فأشد جنود الله الهم. ~~وفي بعض أحاديثنا مع الإخوان طلبوا مني أن أذكر لهم خطبة الإمام على ~~التي قالها لما ماتت فاطمة بنت محمد، وكنت كلما ذكرتها لهم قالوا أعد ~~مرة أخرى، قلت: لما ماتت فاطمة دفنت بجوار رسول الله والصحابة. وبعد ~~أن دفنت قالوا له: يا علي لو أننا أبحنا لكل أولاد الرسول أن يدفنوا ms9169 ~~إلى جواره لضاق المسجد بالناس، فقال: ضعوها نهارنا وسوف أنقلها ليلا كي ~~لا تحدث فتنة، وبالليل نقلها إلى البقيع. وكان مما قاله الإمام علي وهو ~~يدفن فاطمة إلى جوار أبيها، قال: السلام عليك يا رسول الله، مني ومن ~~ابنتك النازلة في جوارك السريعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك ~~صبري، ورق عنها تجلدي، إلا أن لي في التعزي بمصيبتك موضع سلوى. ~~فقد وسدتك يا رسول الله في ملحودة قبرك، وفاضت بين سحري ونحري ~~نفسك، أما ليلي فمسهد، وأما حزني فسرمد إلى أن يختار الله لي داره ~~التي أنت فيها مقيم، وستخبرك ابنتك عن حال أمتك فأصفها السؤال، ~~واستخبرها الحال - هذا ولم يطل منك العهد، ولم يخل منك الذكر. فلما أراد ~~أن ينصرف قال: والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم، فإن ~~أنصرف فلا عن ملالة، وإن نقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله به عباده ~~الصابرين. ومعنى { يصدون } [الزخرف: 57] أي: يرفعون أصواتهم بالضحك ~~والسخرية من رسول الله. ### || [43.58] # يعني: كان هدفهم من الحديث عن عيسى والعزير والملائكة، وسؤالهم: ~~أيدخلون النار من عابديهم، مجرد جدل، وهذا جدل مذموم، لأنهم يريدون أن ~~يبرروا باطلهم. إذن: جدل باطل ممنوع، أما الجدل المحمود الذي شرعه ~~الشارع فهو الجدل البناء الموصل إلى الحق. لذلك قال الحق عنهم: { ~~بل هم قوم خصمون } [الزخرف: 58] معنى خصم يعني: مبالغة في ~~الخصومة، وهي الجدل بالباطل، واللدد والعناد، نقول: خاصمني فلان ~~فخصمته يعني: انتصرت عليه. ### || [43.59] # { إن هو } [الزخرف: 59] هنا تفيد النفي يعني: ما هو أي سيدنا عيسى { ~~إلا عبد } [الزخرف: 59] عبد لله كسائر الخلق يعني ليس إلها كما ~~يدعون { أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني ~~إسرائيل } [الزخرف: 59] مثلا يعني عبرة أو عجيبة من عجائب الخلق ~~تظل باقية أبد الدهر، أليس عجيبا أن يتكلم عيسى في المهد؟ فلما سئلت ~~عنه أمه لم تشأ أن تتكلم، لأن كلامها لن ينفي عنها تهمة القوم، فأشارت ~~إليه، عندها تعجبوا # كيف نكلم من كان في المهد صبيا # [مريم: 29] فنطق عيسى وهو ms9170 في مهده: # قال إني عبد الله # [مريم: 30]. فكان أول كلامه أن أثبت عبوديته لله، وهذه المسألة يخفيها ~~بعض النصارى، لأنها تتعارض ومعتقداتهم في المسيح. وعجيب أن يقول بعد ذلك # آتاني الكتاب وجعلني نبيا # [مريم: 30] هكذا بصيغة الماضي وهو ما يزال في مهده، كيف؟ لقد آتاه الله ~~الكتاب وجعله نبيا بعد أن كبر وبلغ مبلغ التكليف وحمل الرسالة، إذن: ~~ما يريده الله سوف يحدث لا محالة، وقد أخبره الله بذلك وهو في مهده. ~~وكلمة { عبد } [الزخرف: 59] محل العطاء الأوفى من الله، ما دمت ~~تخلص العبودية لله. هذا الإخلاص الذي رفع العبد الصالح إلى أن يسير موسى ~~عليه السلام في ركابه ويتعلم منه، وقال الله عنه: # فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا ~~وعلمناه من لدنا علما # [الكهف: 65]. وفي الإسراء قال تعالى: # سبحان الذى أسرى بعبده # [الإسراء: 1] فكأن العبودية هي محل العطاء، عطاء الرسالة وما هو فوق ~~رسالة. وهنا أيضا كانت عبودية المسيح هي محل { أنعمنا عليه } ~~[الزخرف: 59] بماذا؟ أنعمنا عليه بالاصطفاء للرسالة، وخلقناه على غير ~~مثال سابق في الخلق لذلك قال سبحانه: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # [المؤمنون: 50] أي: معجزة عجيبة دالة على طلاقة القدرة. وقال هنا { ~~وجعلناه مثلا لبني إسرائيل } [الزخرف: 59] لأنهم قوم ~~ماديون لا يؤمنون بالغيبيات، ودائما يطلبون الشيء المادي الذي تقع عليه ~~حواسهم. ألم يقولوا لموسى: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153] وهو سبحانه غيب # لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر # [الأنعام: 103]. ولما أنزل الله عليهم المن والسلوى، وهو من أجود ~~الطعام وأحسنه قالوا: # يموسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك ~~يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها ~~وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي ~~هو أدنى بالذي هو خير # [البقرة: 61]. ### || [43.60] # يعني: لو أراد الحق سبحانه لجعل بدلا منهم - أي: بني إسرائيل - ملائكة ~~يخلفونهم في عمارة الأرض، ولا يكون ذلك إلا بهلاكهم وإبادتهم، فهذا الأمر ~~ليس بعسير على قدرة الله، وفي الآية دليل على طلاقة القدرة، وأنه سبحانه ~~يفعل ما يريد، فلو شاء لفعل. ### || [43.61] # { وإنه ms9171 } [الزخرف: 61] أي: عيسى عليه السلام { لعلم ~~للساعة } [الزخرف: 61] يعني: علامة من علاماتها يدل على قرب ~~وقوعها { فلا تمترن بها } [الزخرف: 61] لا تشكون فيها ولا ~~تجادلون في وقوعها لأنها حق لا مرية فيه. { واتبعون } [الزخرف: 61] ~~كونوا تابعين لي مقتنعين بكلامي مقلدين لي، لأني أسوة لكم في حركة ~~الحياة وفي العبادة { هذا } [الزخرف: 61] أي: ما جئتكم به { صراط ~~مستقيم } [الزخرف: 61]. والحق سبحانه وتعالى جعل للساعة علامات ~~واضحة تدل عليها، لأنها من الغيب الذي لا يطلع عليه أحد إلا الله ولا ~~يعرفها أحد، وكل ما نعرفه عن الساعة علاماتها الدالة عليها. والذي ~~نعتقده في سيدنا عيسى أنه حي في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض. وفي ~~حديث الإسراء أنه نزل وصلى خلف رسول الله، وهو وإن كان حيا في السماء ~~إلا أنه سينزل إلى الأرض ويموت ويدفن. ونقول لمن يعارض هذه المسألة، ~~وكيف أن عيسى حي في السماء: لقد أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعرج به إلى السماء، وظل هناك فترة من الزمن طالت أم قصرت، فحين ~~نقول: إن عيسى في السماء، فالخلاف فقط في مسألة الفترة، والذي يمكث في ~~السماء ساعة أو ساعتين يمكث أكثر. ### || [43.62] # يعني: لا يمنعكم ولا يصرفكم عن الحق والهدى { إنه لكم عدو ~~مبين } [الزخرف: 62] يعني: واضح العداوة، وعداوته لكم راسخة وقديمة ~~منذ أبيكم آدم، فلا تعطوه الفرصة لأن يصدكم عن الحق أو يفتح لكم أبواب ~~الشبهة، لأنه يتصيد مواطن الخلاف ويحوم حولها حتى يوقعكم في الضلال. ~~فهو القائل: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] أي: في أماكن الطاعة ليفسدها عليهم، والحق سبحانه ~~يعلمنا كيف نتحصن منه # وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله # [الأعراف: 200] فاسم الله هو الذي يطرد عنك وساوس الشيطان ونزغاته، لأن ~~وارد الشيطان لا بقاء له أبدا مع وارد الرحمن. قلنا: لو أن لصا يحوم ~~حول بيتك فسمعك تقول إحم، فإنه يتراجع وينصرف ولو قلتها حتى مصادفة، ~~فأي نزغ من الشيطان ساعة تشعر بأنه يحوم حولك، ما عليك إلا أن تذكر ~~الله وتستعيذ به ms9172 من وساوسه. تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم تقولها ~~بصوت عال، وقد اعترف الشيطان نفسه بأنه لا سلطان له على الذين آمنوا ~~وأخلصوا لله تعالى: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين # [ص: 82-83]. ### || [43.63] # { بالبينات } [الزخرف: 63] الآيات والمعجزات { قال قد ~~جئتكم بالحكمة } [الزخرف: 63] يعني: الإنجيل وما فيه من أحكام ~~{ ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه } [الزخرف: 63] ~~والذي اختلفوا فيه قبل عيسى أو بعد أن انتقل عيسى، فقالوا عنه: ابن الله. ~~وقالوا: ثالث ثلاثة. واليهود قالوا أكثر من هذا. الحق سبحانه يقول: أنا ~~أعطيته الحكمة يعني: الإنجيل. والحكمة تعني: وضع الشيء في موضعه، وعيسى ~~عليه السلام جاء بعد اليهودية، وكانت اليهودية مسرفة في المادية ومنها ~~ينطلقون في كل شيء. وقلنا: إن هذه المادية هي التي دعتهم إلى أن يطلبوا ~~من رسولهم رؤية الله # فقالوا أرنا الله جهرة # [النساء: 153] فلا مجال للغيبيات في حياتهم، حتى في طعامهم وشرابهم لما ~~أنزل الله عليهم المن والسلوى لم يقتنعوا به، وأرادوا طعاما يصنعونه ~~بأيديهم، فقال لهم: # اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم # [البقرة: 61]. لذلك حينما تقرأ التوراة لا تجد فيها ذكرا لليوم الآخر ~~وكذلك التلمود، مع أن اليوم الآخر والإيمان به ركن من أركان الإيمان، ~~لكنهم لماديتهم لا يصدقون به لذلك لما جاءت رسالة عيسى عليه السلام جاءت ~~كلها روحانيات لتجبر النقص الروحي في اليهودية ولتستوي كفة الاعتدال ~~في الخلق. لذلك لا نجد في الإنجيل شيئا عن تقنينات المجتمع، فإن ~~أرادوا شيئا من ذلك أخذوه من التوراة، وقد اضطروا - مع ما بينهم من عداء ~~- إلى أن يجمعوا التوراة والإنجيل في كتاب واحد وأسموه العهد القديم ~~لأن عيسى عليه السلام سئل مرة عن الميراث فقال: أنا لم أبعث ~~مورثا. إذن: لما طغت المادية قابلها بروحانية، ليحدث الاعتدال في ~~حركة الحياة لأن الروحانية هي التي تدفع الحركة المادية لذلك جاءت رسالة ~~عيسى تربي المواجيد الدينية وترتفع بالروحانيات. فالحياة تحتاج ~~للجانبين معا الحركة المادية التي تتفاعل مع الكون والطبيعة، ففي الكون ~~أشياء تعطيك دون أن تتفاعل ms9173 معها كالشمس والقمر والنجوم والماء والهواء، ~~فأنت فقط مستقبل، وأشياء أخرى لا تعطيك إلا حين تتفاعل معها، كالأرض ~~تزرعها وتحرثها وترعاها فتعطيك الزرع. ولأن اليهودية بالغت في المادية ~~بالغت كذلك المسيحية في الروحانية، ومن أقوال السيد المسيح عليه السلام ~~أنه لما رآهم يرجمون امرأة قال: " من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها " ، ~~وقال: من ضربك على خدك الأيمن أعطه خدك الأيسر. وهذه رهبانية لم ~~يكتبها الله عليهم، إنما تطوعوا بها، وآفة ذلك أنهم ما رعوها حق ~~رعايتها، يقول تعالى: # ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ~~ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب ~~الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ~~ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان ~~الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون # [الحديد: 27]. إذن: الذي أخذ عليهم ليس الرهبانية، إنما أخذ عليهم ~~أنهم ما رعوها حق رعايتها، وما دامت اليهودية بالغت في المادية، ~~وجاءت المسيحية روحانية صرفة ليس فيها شيء قوانين تنظيم المجتمع، كان لا ~~بد من إصلاح الحالتين، واحتاجت حركة الحياة لدين جديد ورسالة جديدة ~~تراعي الجانبين الروحاني والمادي، فكانت هي رسالة الإسلام. وتأمل كيف ضرب ~~القرآن مثلا لمحمد وأمته، مرة في التوراة، ومرة في الإنجيل: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ~~ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره ~~فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ~~ليغيظ بهم الكفار # [الفتح: 29]. هكذا جمعت أمة الإسلام بين الروح والمادة، فالمسلم لم ~~يطبع على الشدة، ولم يطبع على الرحمة، بل يشكله الموقف، لكن أشداء ~~على من؟ ورحماء لمن؟ وتأمل دقة التعبير القرآني في إعطاء مثل لأمة ~~الإسلام في التوراة وفي الإنجيل، فلأن اليهود كانوا قوما ماديين أعطاهم ~~الجانب الروحي وفي الإنجيل، فلأن اليهود كانوا قوما ماديين أعطاهم ~~الجانب الروحي في الإسلام: # تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود # [الفتح: ms9174 29]. أما في الإنجيل فذكر الجانب المادي في الإسلام: # كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على ~~سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار # [الفتح: 29]. فكأن الإسلام بجمعه بين المادية والروحية هو المنهج ~~المناسب الصالح لقيادة حركة الحياة، فالروحية لا تستقيم أبدا بدون ~~المادية، فالعابد مثلا لا يقيم عبادته إلا برغيف يقيم أوده وثوب يستر ~~عورته، فمن أين يأتي بالرغيف؟ ومن أين يأتي بالثوب؟ الرغيف يحتاج إلى ~~فلاح يزرع ويحصد، ويحتاج إلى مطحن، وإلى مخبز وعمال.. إلخ وكذلك الثوب ~~وكلها حركة مادية. لذلك جعل الحق سبحانه القرآن مهيمنا على الكتب ~~السابقة # ومهيمنا عليه # [المائدة: 48] وقال: # وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم # [الزخرف: 4] أي: يعلو على كل الكتب السماوية. وقوله تعالى: { ~~ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه } [الزخرف: 63] ~~مثل الأشياء المحرمة على اليهود، والتي أحلها الله لهم مثل الإبل، كما ~~قال تعالى: # ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم # [آل عمران: 50] وقال: # وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن ~~البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهمآ إلا ما ~~حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم # [الأنعام: 146]. ### || [43.64] # نلاحظ هنا استخدام الضمير المنفصل { هو } [الزخرف: 64] الذي يفيد ~~القصر، فالله هو ربي، ليس غيره ربا لي ولا لكم { فاعبدوه } ~~[الزخرف: 64] لأنه حق { هذا } [الزخرف: 64] أي: ما أدعوكم إليه { ~~صراط مستقيم } [الزخرف: 64] طريق سوي لا عوج فيه. وقلنا: إن ~~الصراط المستقيم هو الطريق العدل الذي يوصلك للغاية من أقرب مسافة ~~وبأقل مشقة، وإذا كان الطريق يوصلك من إلى، فالطريق إلى الله يوصلك ~~من الله إلى الله، من الله تكليفا، وإلى الله ثمرة وأجرا، حيث الرجوع ~~إليه وحده. ### || [43.65] # { الأحزاب } [الزخرف: 65] جمع: حزب وهم الجماعة من الناس يجمعهم ~~فكر واحد واعتقاد واحد، واختلاف الأحزاب يدل على أنها على خطأ وأنها ~~أحزاب الشيطان، لأن حزب الله واحد يأخذ فكره ومعتقداته من كتاب الله: # أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم ~~المفلحون # [المجادلة: 22]. { فويل للذين ظلموا من عذاب يوم ~~أليم } [الزخرف: 65] ويل يعني: هلاك، هلاك ممن؟ من الله والفعل ms9175 كما ~~قلنا يقاس بقوة الفاعل، فما بالك إن كان العذاب والهلاك من الله؟ ~~وقالوا: ويل واد في جهنم { للذين ظلموا } [الزخرف: 65] أي: ~~ظلموا أنفسهم بالشهوات وبالمعاصي، أو ظلموا غيرهم من الناس { من ~~عذاب يوم أليم } [الزخرف: 65] فما بالك بالعذاب نفسه، إذا كان ~~اليوم الذي يحدث فيه العذاب يوما مؤلما، فكيف يكون العذاب؟ والعذاب ~~يوصف بأنه أليم يعني: مؤلم للحسن. ويوصف بأنه مقيم يعني: دائم لا ~~ينقطع. ويوصف بأنه عظيم وشديد، ويوصف بأنه مهين لمن أراد الله ~~إهانته وإذلاله فوق العذاب. إذن: لكل مجرم ما يناسبه من العذاب. ### || [43.66] # أي: لا ينتظرون إلا الساعة أي القيامة { أن تأتيهم بغتة } ~~[الزخرف: 66] أي: فجأة { وهم لا يشعرون } [الزخرف: 66] فإذا علم ~~أنها تأتي فجأة وجب الاستعداد لها، حيث لا أحد يعرف موعدها # لا يجليها لوقتهآ إلا هو # [الأعراف: 187]. وقلنا: إبهام القيامة وإبهام الموت هو عين البيان وغاية ~~التوضيح، فالإبهام الزمني يوسع العظة فتستعد وتنتظره في كل وقت، كذلك ~~إبهام السبب وإبهام المكان. # وما تدري نفس بأي أرض تموت # [لقمان: 34] والموت من دون أسباب هو السبب. ### || [43.67] # الكلام هنا عن يوم القيامة، حيث تنقلب موازين الإخاء والخلة، قوله ~~تعالى: { الأخلاء } [الزخرف: 67] جمع: خليل، وهو الصاحب الذي توده ~~وتحبه حتى كأنك تداخلت في أعضائه واختلط بلحمه ودمه، كما قال الشاعر: # ولما التقينا قرب الشوق جهده # خليلين ذابا لوعة وعتابا # كأن خليلا في خلال خليله # تسرب أثناء العناق وغابا # والخلة إما أن تكون في الخير، وإما أن تكون في الشر، خلة ~~الخير هي التي تعينك على منهج الله، والخليل الحق هو الذي إن رآك على ~~الخير أعانك، وإن رآك على غير ذلك نصحك وأخذ بيدك. يقول تعالى في وصف ~~الذين آمنوا: # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا ~~بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3]. وهذان هم الخلان اللذان عناهما رسول الله في الحديث ~~الشريف: # " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ومنهم: ورجلان تحابا في ~~الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه " # وهذه خلة الحق وخلة الصدق التي تدوم ms9176 في الدنيا وتتصل مودتها إلى ~~يوم القيامة، فهم أخلاء في الدنيا، أخلاء في الآخرة. أما الأخلاء في ~~الشر الذين يجتمعون على الشهوات وعلى انتهاك حرمات الله، فهؤلاء تنقلب ~~خلتهم في الآخرة إلى عداوة وبغضاء، حيث يلوم كل منهم صاحبه، فالشر ~~الذي اجتمعوا عليه في الدنيا أهلكهم في الآخرة، والمعاصي التي تحابوا ~~من أجلها هي التي ألقتهم في العذاب المقيم. فكل واحد منهم يرى في ~~الآخر عدوا له لأنه لم يزجره ولم ينهه. ومن هنا اهتم الإسلام باختيار ~~الصديق والصاحب، وعلمنا كيف نختار الجليس الصالح والرفيق الصالح. إذن: ~~ساعة الجزاء ينكشف زيف العلاقات، ولا تبقى إلا وشائج الخير التي تربط ~~الأخ بأخيه، والقرآن الكريم في أكثر من موضع يصور لنا ما يدور بين ~~هؤلاء الأخلاء في الدنيا الأعداء في الآخرة. من ذلك قوله تعالى: # وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا ~~من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا ~~من الأسفلين # [فصلت: 29]. ### || [43.68] # كلمة عيد تجمع على: عبيد وعباد ولكل منهما معنى، عبيد تشمل كل الناس ~~المؤمن والكافر والطائع والعاصي، لأنهم جميعا عبيد بمعنى خاضعين لله في ~~قهريات لا يمكنهم أبدا الفكاك عنها كالمرض والموت وغيره، كلنا مشتركون ~~فيها، وكلنا عبيد بهذا المعنى. أما العباد فهم الخاصة الذين اختاروا ~~الله، وأخلصوا له العبادة، وتنازلوا عن اختيارهم لاختيار ربهم ومراده ~~فاستحقوا هذه المنزلة. { يعباد } [الزخرف: 68] فنسبهم الله إليه ~~وأضافهم إلى ذاته تعالى، ولم يأت لفظ عباد خلاف هذا المعنى إلا في موضع ~~واحد في معرض الحديث عن يوم القيامة: # أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء # [الفرقان: 17] فسماهم عبادا مع أنهم ضالون. قالوا: لأن الكلام هنا عن ~~يوم القيامة حيث لم يعد لأحد اختيار في أن يؤمن أو يكفر، فالجميع هنا ~~طائع لا اختيار له فسماهم عبادا. فالحق سبحانه يكرمنا بهذا النداء { ~~يعباد } [الزخرف: 68] ويشرفنا بالانتساب إليه سبحانه على حد قول ~~الشاعر: # ومما زادني شرفا وعزا # وكدت بأخمصي أطأ الثريا # دخولي تحت قولك يا عبادي # وأن صيرت أحمد لي نبيا # وقوله: { لا خوف عليكم اليوم ولا ms9177 أنتم تحزنون } ~~[الزخرف: 68] نعم فأي خوف ونحن عباد الله؟ أي خوف يصيبنا بعد أن ~~التحمنا به تعالى، ألسنا في الدنيا نقول: لا كرب، وأنت رب؟ إذن: { لا ~~خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون } [الزخرف: 68] ~~أي: على ما فاتكم من نعيم الدنيا لأنكم مقبلون على ما هو خير وأبقى من ~~نعيم الدنيا. ### || [43.69] # هذه الآية تبين أن هناك فرقا بين الإيمان والإسلام، الإيمان عمل القلب، ~~والإسلام عمل الجوارح التي تنفذ المنهج الذي أمرك به الله، لذلك رأينا ~~المنافقين هم أسبق الناس إلى الصلاة، مع أن قلوبهم ليست كذلك. واقرأ ~~قوله تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا # [الحجرات: 14] لذلك كانوا يقفون في الصف الأول لينفوا عن أنفسهم تهمة ~~النفاق، ومن العجيب أن يظهر النفاق في المدينة وهي بلد الأنصار ومنطلق ~~الإسلام، ولم يظهر في مكة معقل الكفر والأصنام، وأشد البلاد عداء ~~للإسلام. ولما تأملنا هذه الظاهرة قلنا: إن النفاق لا يظهر إلا أمام قوة ~~ترهب فيظهر من ينافقها، وقد أصبح رسول الله في المدينة قوة ترهب، وله ~~شوكة وأنصار وجيش، أما في مكة فكان في موقف ضعف واضطهاد، فعلام ~~ينافق؟ قوله تعالى: { الذين آمنوا بآياتنا } [الزخرف: 69] ~~أي: اقتنعت قلوبهم بها، والاقتناع له مراتب: علم اليقين حين يخبرك من ~~تثق في صدقه، وعين اليقين حين تشاهد الشيء بعينك، وحق اليقين حين تباشره ~~وتجربه بحواسك أنت. أذكر أنني سافرت مرة إلى أندونيسيا، ورأيت هناك ~~أصابع الموز الأصبع الواحد نصف متر، فتعجبت وأخذت منها معي حين عودتي ~~إلى مصر ليراها أولادي، فلما عدت قلت لهم تصوروا لقد رأيت في ~~إندونيسيا كذا وكذا، طبعا تعجبوا وهم يعرفون أني لا أكذب عليهم، هذا ~~يسمى علم اليقين. ثم قلت لهم: افتحوا هذه الحقيبة، ففتحوها ووجدوا ~~بها أصابع الموز كما أخبرتهم، هذا يسمى عين اليقين، فلما أخرجوها ~~وتذوقوا طعمها وباشروا ملمسها ولونها أصبح الأمر حق اليقين، وهكذا. ~~فالذي يؤمن علم اليقين هل ينفذ ما آمن به، الذي يعمل وينفذ مسلم، والذي ~~لا ينفذ منافق، لأنه ms9178 آمن باللسان ولم يعمل بما آمن به. والأعراب لما ~~سمعوا هذه الآية اطمأنوا إلى أنهم سيؤمنون في المستقبل، لأنهم يعرفون ~~معنى لما، فهي تفيد نفي الماضي والحاضر دون المستقبل. فقوله تعالى: # قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم # [الحجرات: 14] إذن: سيدخل فيما بعد. ### || [43.70] # هذا هو الجزاء، جزاء الذين آمنوا وكانوا مسلمين، يقول الله لهم أي يوم ~~القيامة: { ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون } ~~[الزخرف: 70] وخص الأزواج لأن كل متعة يتمتعها الإنسان ويسر بها ~~تدب فيه غرائز المراهقة، ويميل إلى أن تكون له زوجة تشاركه متعته ~~وسروره، وهي كذلك. فالزوج إذن - سواء الزوج أو الزوجة - هو المرافق ~~المشتهي أولا، والمعين ثانيا سكنا ومودة ورحمة، السكن والمودة ~~معروفة بين الزوجين، أما الرحمة فمتى تكون؟ الرحمة نراها بين الزوجين في ~~فترة الكبر والشيخوخة حينما يكون كل منهما في حاجة إلى الرحمة من ~~الآخر، الرحمة قبل أي مشاعر أخرى. ومعنى { تحبرون } [الزخرف: 70] ~~الحبور: شدة السرور، وهو شيء من الصفاء والوضاءة والبهاء تعلو وجه ~~الإنسان حينما يفرح فرحا لا ينغصه شيء، كما جاء في قوله تعالى: # تعرف في وجوههم نضرة النعيم # [المطففين: 24]. ### || [43.71] # الحديث هنا عن نعيم الجنة، والصحاف: جمع صحفة وهي الطبق الواسع الذي ~~تأكل فيه الأسرة كلها، والأكبر منها قصعة، والأكبر من القصعة جفنة، لذلك ~~ورد في الحديث الشريف أن رسول الله أخبر عن ابن جدعان أنه كان له جفنة، ~~كبيرة حتى أنه كان يستظل بظلها من حر الشمس. وفي قصة سيدنا سليمان ~~والجن الذي سخره الله لخدمته، قال تعالى: # يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وجفان ~~كالجواب وقدور راسيات.. # [سبأ: 13]. كذلك في الجنة صحاف لكن من ذهب. { وأكواب } [الزخرف: ~~71] جمع كوب، وهو إناء يشرب فيه ليست له عروة، وهناك الأباريق جمع ~~إبريق، وهو إناء يشرب فيه له عروة وفتحة من أعلى، وهناك الكأس وهي الكوب ~~إذا كان ملآنا بالشراب. { وفيها ما تشتهيه الأنفس ~~وتلذ الأعين } [الزخرف: 71] هذا وصف موجز للمتعدد الذي ~~يطول المقام بذكر ms9179 تفاصيله، فالذي يقدم في هذه الصحاف وفي هذه الأكواب ~~مما تشتهيه الأنفس من الطعام والشراب، هذا من حيث الطعم. { وتلذ ~~الأعين } [الزخرف: 71] يعني: لونه رائق لك جميل في عينك، مجرد النظر ~~إليه فيه لذة، فما بالك بطعمه ومذاقه، لذلك حينما تستضيف مثلا عزيزا ~~لديك تقول له: ماذا تحب أن تأكل، لماذا؟ لتصنع له ما يشتهيه وما تميل ~~إليه نفسه. يعني: المسألة ليست حشو بطن فحسب. وتلحظ أنه ذكر الصحاف ~~أولا، ثم الأكواب، لأن الإنسان عادة يأكل ثم يشرب، ففيها ترتيب ~~للأهمية. وذكر لذة الأعين بالطعام، لأنك تجد بالنظر إليه متعة ربما تفوق ~~متعة الأكل، لذلك قال تعالى في موضع آخر # انظروا إلى ثمره إذآ أثمر # [الأنعام: 99] فجمع إلى لذة الطعام لذة النظر إليه. وقوله: { وأنتم ~~فيها خالدون } [الزخرف: 71] لأن هذه دار بقاء وخلود، ليس فيها ~~موت، وليس فيها انقطاع للنعمة فلا تفوتك النعمة ولا تفوتها، يعني: لذة ~~صافية لا ينغصها شيء، كما قال تعالى: # لا مقطوعة ولا ممنوعة # [الواقعة: 33] لأنها عطاء الله، وعطاء الله دائم لا ينقطع. ### || [43.72] # قوله { أورثتموها } [الزخرف: 72] أخذتموها إرثا، والإرث يكون بعد ~~موت صاحبه كالميت يموت ويترك ملكه وتركته لمن بعده من أولاده وأقاربه، ~~إذن: هؤلاء يملكون التركة بدون عقد وبدون ثمن، لكن ورثوا من؟ يقول ~~تعالى في آية أخرى: # أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس ~~هم فيها خالدون # [المؤمنون: 10-11] قالوا: الحق سبحانه وتعالى حين خلق الخلق أحصاه ~~عددا وكتب في الميقات الأزلي كل شيء، وقد صح أن القلم قد جف على ~~ذلك. ولما سئل المأمون: ما شغل ربك الآن وقد صح أن القلم قد جف؟ ~~قال: أمور يبديها ولا يبتديها، يرفع أقواما، ويخفض آخرين. قالوا في ~~مسألة الإرث هذه أن المؤمنين في الجنة ورثوا الكافرين وأخذوا أماكنهم في ~~الجنة، لأن الحق سبحانه جعل لكل إنسان مكانا في الجنة ومكانا في النار، ~~حتى إن جاء كل الخلق مؤمنين طائعين كانت لهم أماكن تكفيهم في ~~الجنة، وكذلك إن كفروا جميعا وجدت لهم أماكن في النار. فساعة ms9180 يدخل ~~أهل النار النار تخلو أماكنهم في الجنة فيجعلها الحق سبحانه من حق ~~المؤمنين ويورثهم إياها تفضلا منه وتكرما أولا، ثم جزاء تفوقهم ~~في الإيمان والعمل الصالح في الدنيا. لذلك قال: { أورثتموها بما ~~كنتم تعملون } [الزخرف: 72] فالعمل الصالح إذن هو المعول الأساس ~~في دخول الجنة، وفي إرث أماكن أهل النار. ونلاحظ في مسألة الإرث أنه ينقل ~~ملكية الشيء من المورث إلى وارثه، ويكون هذا الإرث حلالا للوارث بصرف ~~النظر عن مصدره من أين، من حلال أو من حرام، فلو أن رجلا كسب مالا من ~~حرام فيتحمل هو وزره وحده ويطوق به يوم القيامة. فإن انتقل إلى ~~الوارث كان بالنسبة له حلالا لا شيء عليه فيه، لأن المسؤولية هنا لا ~~تتعدى، وقد حسم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المسألة لما قال: # " شركم من مات بشر، وترك عياله بخير ". # لذلك الوارث ليس له أن يسأل عن مصدر هذا المال الذي ورثه، فهو مثل ~~الزوجة لا تسأل زوجها عن مصدر النفقة التي يدفعها لها، ومثل الولد دون ~~البلوغ ليس له أن يسأل والده من أين يأتي بالمال الذي ينفقه عليه. لكن ~~للولد ذلك لما يبلغ ويصبح قادرا على الكسب، فله أن يسأل لأنه أصبح ~~قادرا على الكسب من الحلال بنفسه. ذلك قياسا على قوله تعالى: # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا ~~كما استأذن الذين من قبلهم # [النور: 59] فبعد البلوغ لم يبق له حق على أبيه، بل انتقل الحق ~~منه لأبيه إلا أن يتفضل الأب. وقلنا: إن قضية تفضل الأب عندنا أثرت ~~بالسلب على اقتصادياتنا، لأن حنان الآباء الزائد وتدليل الأولاد جعل ~~فترة الطفولة تمتد في شبابنا إلى سن الخامسة والعشرين بل والثلاثين، ~~والولد فيها عالة على أبيه يريد منه كل شيء، حتى الشقة والجهاز ~~والزواج، ركن الشباب عندنا إلى الراحة وألقوا بالمسئولية على الآباء، ~~وهذا يضيع علينا طاقات كثيرة لا تستغل. # لذلك تفوق علينا الغرب في هذه المسألة، ففي مثل هذه السن يخرج ~~الشاب عندهم إلى الحياة وإلى ساحة العمل، ms9181 ويتحمل مسؤوليته بنفسه، ~~ويستقل كلية عن الأسرة، صحيح أنهم وقعوا في خطأ في هذا الموضوع أنهم ~~سووا بين الفتى والفتاة، لأن الفتاة لها وضع آخر، لذلك هنا نحتضنها ~~إلى أن تتزوج، فلا تخرج من بيت أبيها إلا إلى بيت زوجها. ### || [43.73] # سبق أن ذكر الحق سبحانه الطعام والشراب في الجنة وأنها في صحاف وفي ~~أكواب وهذه معروفة للعرب، وهنا يذكر أن من نعم الجنة الفاكهة، والعرب ~~لم تكن تعهد الفاكهة ولا تعرف الكثير منها، لذلك خص الفاكهة بعد ذكر ~~الطعام والشراب، والفاكهة بعد الطعام والشراب دليل على الرفاهية والمتعة ~~التامة، والفاكهة من التفكه. يعني: ليست من الضروريات بل من الرفاهية ~~فنطظية يعني. الحق سبحانه وتعالى أعطانا ضروريات الحياة من المأكل ~~والمشرب والملبس، ثم زادنا ما نرفه به حياتنا، اقرأ مثلا: # يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير.. # [الأعراف: 26] فاللباس الذي يواري السوءة من الضروريات ورياش للزينة ~~والترفه، ثم نبه إلى ما هو أهم من اللباس المادي، إنه اللباس المعنوي ~~الذي يسترك في دنياك وأخراك، إنه لباس التقوى. وبعد أن أعطانا الحق ~~سبحانه صورة موجزة لأهل الجنة وبعض ما فيها من نعيم ليعطينا المقابل ~~لتتضح الصورة أكثر، وهذه سمة من سمات الأسلوب القرآني، لأن النفس حين ~~تذكر لها ما تنبسط له، ثم تذكر ما تنقبض له يظهر لها الفرق، مثل قوله ~~تعالى: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14]. وهنا يقول تعالى: { إن المجرمين... }. ### || [43.74-75] # الحق سبحانه يقرر لنا حقائق ثلاث عن المجرمين: أنهم خالدون في العذاب ~~فهو عذاب ممتد لا نهاية له، ثم { لا يفتر عنهم.. } [الزخرف: ~~75] يعني: لا يخفف عنهم { وهم فيه مبلسون } [الزخرف: 75] ~~يعني: متحسرون يائسون من النجاة، يائسون من الخير لا أمل عندهم في ~~الخروج منها، وهكذا جمع عليهم كل جوانب الألم والحسرة واليأس وقطع ~~الرجاء. ### || [43.76] # لأن ما صاروا إليه من العذاب جزاء عملهم ليس ظلما لهم، لأننا ~~هديناهم وبينا لهم الخير والشر # وهديناه النجدين # [البلد: 10] وقال: ms9182 # فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس: 8] ومع ذلك ظلموا أنفسهم حين تعجلوا لها الشهوات، وأخذوها في ~~الحرام فحرمهم الله من المتعة الحلال الأبدية في الآخرة، وشر الظلم ~~أن يظلم الإنسان نفسه، وظلم النفس حمق وتعد. ### || [43.77-78] # الكلام هنا عن أهل النار والعياذ بالله ينادون مالك خازن النار { ~~يمالك ليقض علينا ربك.. } [الزخرف: 77] يعني: بالموت ~~لنستريح مما نحن فيه من العذاب الدائم الذي لا ينتهي، لأن الحق سبحانه ~~يقول # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. # [النساء: 56]. وقلنا: إن العلوم الحديثة أثبتت أن الجلد هو موضع ~~الإحساس، بدليل أنك حين تأخذ حقنة مثلا لا تشعر بالألم إلا بمقدار نفاذ ~~الإبرة من الجلد، وقد سبق القرآن كل العلوم في بيان هذه الحقيقة، لذلك ~~يطلب أهل النار الموت لينقذهم من هذا العذاب. لكن نلحظ أن الفعل { ~~ليقض.. } [الزخرف: 77] جاء بصيغة الأمر، واقترن أيضا بلام الأمر، ~~فهل الحق سبحانه وتعالى يؤمر وخاصة من أهل النار؟ قلنا: إن الطلب إن ~~كان من الأعلى للأدنى فهو أمر، وإن كان من المساوي لك فهو التماس، وإن ~~كان من الأدنى للأعلى فهو دعاء، فنحن إذن لا نأمر الله إنما ندعوه. قال ~~أي مالك { إنكم ماكثون } [الزخرف: 77] باقون في النار خالدون ~~فيها، لأنه لا عذر لكم { لقد جئناكم بالحق.. } [الزخرف: 78] ~~أي: الدين الحق والمنهج الحق { ولكن أكثركم للحق ~~كارهون } [الزخرف: 78] وهذا معنى # وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين # [الزخرف: 76]. ثم يوجه السياق الحديث إلى سيدنا رسول الله، وكثيرا ~~ما يخاطبه ربه ليسليه ويخفف عنه لأنه لاقى من عنت قومه وعنادهم ~~الكثير، وآذوه في نفسه وذاته حينما أغروا به سفهاءهم ورموه بالحجارة ~~حتى أدموا قدميه، وألقوا سقط البعير والقاذورات على ظهره وهو يصلي. ~~وآذوه في معنوياته فقالوا عنه: ساحر وكاهن وكذاب وشاعر ومجنون، فالحق ~~سبحانه يبين له أنه جاء على فترة من الرسل بعد أن فسد الخلق ~~وانتشر الشر، ووراء هذا الفساد قوم يستفيدون منه ويدافعون عنه، وطبيعي ~~أن يصادموك وأن يقفوا في وجه دعوتك، لأنهم يريدون الإبقاء على مكانتهم ~~وانتفاعهم ms9183 بهذا الفساد. وقد وصل كره هؤلاء لرسول الله أن بيتوا ~~للقضاء عليه والخلاص من دعوته، قال تعالى: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله ~~والله خير الماكرين # [الأنفال: 30]. وهنا يخاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم: { ~~أم أبرموا أمرا... }. ### || [43.79] # يعني: أحكموا كيدا لك يا محمد وبيتوه واتفقوا عليه، فلا تهتم لأننا ~~لهم بالمرصاد { فإنا مبرمون } [الزخرف: 79] يعني: نحكم كيدا ~~كما أحكموا كيدا. ونحن نعلم ما يبيتونه ولا يخفى علينا، وهم لا ~~يعلمون ما نبيته لهم، إذن: أي الفريقين أقوى؟ ### || [43.80] # أيظنون أنا لا نسمع ما يبرمونه وما يحكمون تخطيطه لإيذاء رسول ~~الله، ولا نسمع سرهم، والسر هو الحديث تسر به إلى آخر، أو السر ~~إذا سمعت شيئا وبقي سرا في صدرك لا يطلع أحد عليه. والنجوى هي ~~الحديث الخافت بين اثنين بحيث لا يسمعهما ثالث لكن الله يسمع سرهم ~~ويسمع نجواهم، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، بل وأكثر من ذلك { ~~ورسلنا لديهم يكتبون } [الزخرف: 80] يعني: نسمعهم ونحصي ~~عليه ما قالوا، فلنا رسل وملائكة تكتب وتسجل ما يقولون وما يفعلون. فلو ~~قلت: إذا كان الحق سبحانه يعلم ويسمع ولا يخفى عليه شيء من أمرهم، فما ~~فائدة التسجيل عليهم وكتابة سرهم ونجواهم؟ قلنا: الكتابة تفيد ~~الملائكة فهي من أجلهم، حتى إذا ما رأوا الأحداث تحدث كما سجلت في ~~اللوح المحفوظ يعلمون أن الله عليم حكيم فيزدادوا يقينا فوق يقينهم، ~~وإيمانا على إيمانهم. ### || [43.81] # هذا أمر لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قل يا محمد لمن يدعي ~~أن للرحمن ولدا { قل } [الزخرف: 81] أي على سبيل الفرض { قل إن ~~كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } [الزخرف: ~~81] وعلى اعتبار إن شرطية فالمعنى إن كان للرحمن ولد وهو سبحانه الذي ~~يخبرني بهذه الحقيقة فأنا أول العابدين له، لأنني آخذ ثقافتي وآخذ ~~أوامري من ربي لا منكم. وبعضهم قال إن هنا نافية، مثل قوله تعالى: # ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم # [المجادلة: 2] فالمعنى: قل ما ms9184 كان للرحمن ولد فأنا أول من ينفي ذلك ~~لأنني أول العابدين، وأول المؤمنين بوحدانية الله تعالى. الحق تعالى وصف ~~نفسه سبحانه بوصفين، البعض يظن أنهما بمعنى واحد، لكن طالما هما لفظان ~~مختلفان فلا بد أن لكل منهما معنى خاصا لا يؤديه الوصف الآخر الحق ~~وصف نفسه بأنه واحد أحد. قلنا: واحد يعني فرد لا ثاني له فهي تنفي ~~التعددية، أما أحد أي واحد في ذاته ليس له أجزاء، لأن الشيء المكون من ~~أجزاء يكون كل جزء فيه محتاجا إلى الأجزاء الأخرى. وطالما أنه تعالى أحد ~~في ذاته إذن ليس له ولد لأن الولد جزء من أبيه، وفي الحديث الشريف قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " فاطمة بضعة مني " # يعني: جزء مني. وإذا أخذنا بهذا المبدأ وسلسلنا نسب كل منا لا ~~بد أن نصل إلى أبينا آدم عليه السلام، وعرفنا أن كلا منا فيه بضعة ~~أو ذرة من أبيه آدم، هذه الذرة هي التي شهدت العهد الأول الذي أخذه الله ~~تعالى على بني آدم وهم في مرحلة الذر: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون # [الأعراف: 172-173]. وهذه الذرة هي بذرة الخير وموضع الإيمان في ~~الإنسان، ومنها تنطلق حركة الخير، ألا تراه يندم على الذنب ويعزم على ~~التوبة؟ إنه عمل هذه الذرة وأثرها في النفس الإنسانية لأنها أول من ~~سمع نداء الله وبلاغ عن الله. والقرآن الكريم أفاد أن الجن أوعى من ~~الإنس في هذه المسألة، فإذا كان الإنسان قد تجرأ على الحق سبحانه وتعالى ~~ونسب له الولد فالجن نفت ذلك ونزهت الله عن الولد وعن الصاحبة، ~~واقرأ قوله تعالى: # وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ~~ولدا # [الجن: 3]. يعني من عظمته تعالى أنه لم يتخذ لا صاحبة - يعني زوجة - ولا ~~ولدا، والمتأمل يجد أن الصاحبة والولد ms9185 من أسباب الفساد في الكون، يقول ~~تعالى: # إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم # [التغابن: 14]. ونحن نقول مثلا في أعراف البشر: تزوج مبكرا لتجنب ~~ولدا يعولك في شيخوختك، وهل الحق سبحانه يتخذ الولد لأنه في حاجة إليه ~~كما نحتاجه نحن؟ ثم الذين قالوا إن عيسى ابن الله ما قولهم في الزمن قبل ~~عيسى ألم يكن لله فيه ولد؟ وما بعد عيسى أين الولد الذي اتخذه الله؟ ~~إذن: هذا كله افتراء على الله. ### || [43.82] # من المناسب أن تبدأ هذه الآية بكلمة { سبحان رب السموت ~~والأرض } [الزخرف: 82] بعد الحديث في الآية السابقة عن نفي الولد ~~عن الله تعالى، كلمة سبحان يعني: تنزيها لله تعالى عن كل ما يدور ~~بخاطرك. لذلك لا تأتي كلمة سبحان الله إلا مقترنة بشيء عجيب فوق تصور ~~العقل البشري: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36]. # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا # [الإسراء: 1]. يعني: حينما تقف عقولكم عند هذه المسائل قولوا سبحان ~~الله، ونزهوا الله عن مشابهة الخلق، ولا تقيسوا قوته بقوتكم، ولا ~~فعله بفعلكم، ولا قدرته بقدرتكم، نزهوا الله في أسمائه وفي صفاته وفي ~~أفعاله. ثم تأمل كيف يأتي الحق سبحانه في هذه الآية بالصفات التي تناسب ~~نفي الولد عنه سبحانه، فيقول { رب السموت والأرض } ~~[الزخرف: 82] وهل مالك السماوات والأرض ومن فيهن بحاجة إلى الولد؟ وفي ~~آية أخرى يقول: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون # [غافر: 57]. وأعظم من السماوات والأرض العرش رب العرش إذن: هو سبحانه في ~~غنى عن اتخاذ الولد. وقوله: { عما يصفون } [الزخرف: 82] عما ~~يكذبون فيه، أو عما يصفون الله به من اتخاذ الولد. وقلنا: إن تسبيح ~~الله دائر في الزمن كله وثابت لله تعالى قبل الزمن، فالله منزه وهي ~~صفة ذاتية فيه سبحانه قبل أن يخلق من يسبح، فكلمة سبحان ذاتية لله ~~قبل أن يخلق الخلق. فلما أوجد هذا الكون سبح الكون لله # سبح لله ما ms9186 في السموت وما في الأرض # [الحشر: 1]. وهذا التسبيح مستمر في الحاضر والمستقبل # يسبح له ما في السموت والأرض # [الحشر: 24] وطالما أن الكون منظومة واحدة مسبحة لله تعالى فلا تشذ ~~أيها الإنسان عن هذه المنظومة وكن أنت أيضا مسبحا: # سبح اسم ربك الأعلى # [الأعلى: 1]. ### || [43.83] # هذا أمر لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم { فذرهم } [الزخرف: ~~83] اتركهم يا محمد وما يخوضون فيه من هذا الحديث الكاذب، وكلمة { ~~يخوضوا } [الزخرف: 83] من الخوض. وأصلها خوض الإنسان في لجة الماء ~~الكثير، ثم استعملت مجازا فيمن يخوض في الحديث دون دراية. وأكثر ~~استعمالها في الحديث الباطل، والخوض توحي بالتخبط والمشي في أماكن مجهولة ~~لا تدري ما يقابلك فيها من أخطار، فتكون أنت الجاني على نفسك. إذن: لا ~~بد أن تتحسس قبل أن تخوض، واحذر الخوض في الباطل. وقوله: { ~~ويلعبوا } [الزخرف: 83] لأني أمرتهم أن يجدوا في الحياة، فإذا ~~هم يلعبون فيها، فالجد يقابله اللهو واللعب، والفرق بين اللهو واللعب ~~أن اللعب أن تعمل شيئا لا فائدة منه إلا التسلية، وهذا قبل أوان ~~التكليف، فإذا كان مكلفا وفعل ما لا فائدة منه فهو لهو. ومنه قوله ~~تعالى: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قآئما # [الجمعة: 11] إذن: اللهو أن تنشغل بلعب لا يفيد عن واجب طلب منك. ~~وقوله تعالى: { حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون } ~~[الزخرف: 83] إذن: أوعدهم الله بهذا اليوم ولم يتركهم هملا ولم يخلقهم ~~عبثا، بل بين لهم الحق والباطل، ووعدهم الجزاء كل بما يستحق، فالفعل ~~{ يوعدون } [الزخرف: 83] من أوعد من الوعيد، وهو الإنذار بالشر قبل ~~أوانه لتتجنبه. وهناك وعد من الوعد، والوعد لا يكون إلا بالخير. إذن: ~~الذين يدخلون النار لم يظلمهم الله ولم يأخذهم على غرة، بل أوعدهم ~~وحذرهم من هذا المصير. والقرآن مليء بالوعد والوعيد، واقرأ: # فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * ~~فسنيسره لليسرى * وأما من بخل واستغنى * ~~وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى # [الليل: 5-10]. فالحق سبحانه وتعالى قدم لعبده الخير في وعده وفي ~~وعيده، نعم حتى الوعيد فيه خير لأن الذي يحذرك ms9187 من الشر قبل أن تقع فيه ~~يسدي لك جميلا يستحق عليه الشكر. وفي ضوء ذلك فهمنا قوله تعالى وهو ~~يعدد نعمه علينا في سورة الرحمن # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36] فهل النار والشواظ والنحاس يمكن أن يكون في عداد نعم ~~الله؟ نعم هي نعمة من الله لأنه يحذرك من أسباب الوقوع فيها ويبعدك عنها. ~~فالآية إذن { فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلقوا ~~يومهم الذي يوعدون } [الزخرف: 83] دعوة لرسول الله أن ~~يهون الأمر على نفسه ولا يشق عليها بسبب عناد قومه وتماديهم في ~~ضلالهم. فالحق سبحانه يسلي رسوله ويخفف عنه، كما خاطبه في آيات كثيرة ~~بهذا المعنى مثل قوله سبحانه: # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم ~~بما يصنعون # [فاطر: 8]. ### || [43.84] # البعض يظن أن الله تعالى في السماء، فإذا دعاه بصوت عال ليسمعه. والله ~~سبحانه في كل مكان وفي كل زمان، ليس له مكان يسعه ولا زمان يحتويه، ~~لأنه سبحانه خالق الزمان وخالق المكان، والمخلوق لا يسع الخالق. لذلك لا ~~نستعمل أين ولا متى مع الله { وهو الذي في السمآء إله ~~وفي الأرض إله } [الزخرف: 84] إذن: فهو في كل مكان، وهذه الصفة ~~إله ذاتية فيه سبحانه، وهي صفة كمال لا تفارقه ولا تنفك عنه، لا في ~~السماء ولا في الأرض. وكان للمستشرقين وقفة عند هذه الآية بسبب تكرار ~~النكرة { وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله ~~} [الزخرف: 84] فكلمة إله نكرة كررت، والقاعدة اللغوية أن النكرة إذا ~~كررت كانت الثانية غير الأولى كما لو قلت: لقيت رجلا، وأكرمت رجلا، ~~فرجل الثانية غير الأولى. أما المعرفة إذا كررت كانت الثانية هي عين ~~الأولى لو قلت: لقيت الرجل فأكرمت الرجل، إذن: هو هو. وهذه القاعدة ~~وضعتنا في إشكال مع هذه الآية، ومن يقول بإله في السماء وإله آخر في ~~الأرض؟! وفي حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يؤكد هذه ~~القاعدة، لأنه حين قرأ: # فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا ms9188 # [الشرح: 5-6] قال: # " ولن يغلب عسر يسرين " # فالعسر جاءت معرفة، واليسر جاءت نكرة. وهذه الآية لها معنا قصة مع ~~الناس الدراويش في المسجد الأحمدي بطنطا، ففي يوم من الأيام جاءنا الشيخ ~~محمود شلتوت وكان شيخا للأزهر ليزور مدينة طنطا، وجاء المسجد الأحمدي ~~ليصلي، وبعد الصلاة سأله الشيخ أبو العينين وكان أستاذا للتفسير وقال ~~له: الحمد لله يا مولانا أنني وجدتك هنا لأنني في درس التفسير أمس وقفت ~~أمام الآية: { وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض ~~إله } [الزخرف: 84] والقاعدة أن النكرة إذا كررت كانت الثانية ~~غير الأولى؟ وبمجرد أن بدأ الشيخ شلتوت في الجواب وقال: والله العلماء ~~قالوا إن القاعدة أغلبية، وعندها دخل رجل لا نعرفه قبل ذلك ولا عرفناه ~~بعدها، وكان عاري الرأس وفي يده عصا، وقال: يا علماء أنتم نسيتم اسم ~~الموصول { وهو الذي } [الزخرف: 84] اسم الموصول معرفة وما بعده ~~صلته، إذن: الكلمة المكررة صلة لموصول واحد، يعني هو هو، ثم انصرف ~~الرجل وجلسنا نحن لم يتكلم منا أحد لمدة نصف ساعة. وقوله: { وهو ~~الحكيم العليم } [الزخرف: 84] الحكيم: الذي يضع الشيء في موضعه ~~بحكمة، والعليم بما يصلح خلقه وبما يعينهم على معايشهم وعلى معادهم، ~~فما كان سبحانه ليعطيهم مقومات المادة بالطعام والشراب والهواء ثم ~~يتركهم دون منهج ودون قيم تغذي أرواحهم كما غذى أبدانهم. لذلك سمى ~~هذا المنهج روحا، فهو للقلب مثل الروح للأبدان، والفرق بين الروحين أن ~~الروح التي في البدن لها موعد تفارق فيه البدن بالموت، أما روح القيم ~~والمنهج فهي باقية خالدة تلازمه في الدنيا، وتصاحبه إلى الآخرة. ### || [43.85] # كلمة { وتبارك } [الزخرف: 85] كلمة جامدة لا اشتقاق فيها، تعني: ~~تعالى قدره وكثر عطاؤه. وتبارك من البركة يعني: كثرة الخير حيث ~~يعطيك القليل الكثير الذي ما كنت تنتظره. وقوله سبحانه: { له ~~ملك السموت والأرض وما بينهما } [الزخرف: 85] وفي ~~آية أخرى قال: # له ما في السموت وما في الأرض # [الحج: 64] يعني: له الظرف والمظروف. وفي سورة طه قال سبحانه: # له ما في السموت وما في الأرض وما بينهما ms9189 وما ~~تحت الثرى # [طه: 6]. وهكذا استوعبت الآيات الكون كله، وجعلته ملكا لله تعالى، ~~الكون كله بسمائه وأرضه، ما في السماء وما في الأرض، وما بين السماء ~~والأرض وما تحت الأرض كله ملك الله. وأخيرا عرفنا أن الخير كله ~~مطمور تحت الثرى يطلع الله عباده عليه إذا شاء حسب تطور حياتهم ~~ورقيها، ففي باطن الأرض الآن الماء والبترول والمعادن والأحجار الكريمة ~~والأشياء النفيسة. وكأن الحق سبحانه ينبهنا بقوله # وما تحت الثرى # [طه: 6] إلى الاهتمام بباطن الأرض وحفرها، والتنقيب فيها لاستخراج ~~خيراتها. لذلك نرى علماء الجيولوجيا وعلماء الحفريات والبترول يجوبون ~~البلاد من أقصاها إلى أقصاها بحثا عن هذه الخيرات حتى في البحار، لأنها ~~تدخل في هذا المعنى، فهي من الأرض وإن كانت تمثل ثلاثة أرباع الأرض. ~~ثم يأتي قوله تعالى: { وعنده علم الساعة وإليه ~~ترجعون } [الزخرف: 85] هكذا بأسلوب القصر في الموضعين، حيث قدم ~~الجار والمجرور ليفيد قصر علم الساعة على الله وحده دون سواه. كذلك { ~~وإليه ترجعون } [الزخرف: 85] إليه هو دون سواه، لا ترجعون إلا ~~إليه، وكأنها رسالة موجزة إلى الإنسان أن تذكر نهايتك وآخرتك، وتذكر ~~الجزاء على العمل، ولا تغرنك النعمة فبعدها حساب وجزاء. # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى * إن ~~إلى ربك الرجعى # [العلق: 6-8] فكل شيء من الله وإلى الله: من الله خلقا وإمدادا ~~وتربية، وإلى الله مرجعا ومآبا. ### || [43.86] # أي: الذين يدعونهم من دون الله كالشمس والقمر والنجوم والأصنام، هذه ~~المعبودات معبودات باطلة، بدليل أنهم لا يملكون الشفاعة ولا يملكون دفع ~~الضر عنهم، وهم لا يملكون الشفاعة لأن الشفاعة عند من؟ عند الله. وكيف ~~يقبل الله شفاعتهم، وهم السبب في ضلال هؤلاء { إلا من شهد ~~بالحق وهم يعلمون } [الزخرف: 86] هذا استثناء يعني: لا يشفع ~~عند الله إلا من شهد بالحق. ### || [43.87] # إذن: هؤلاء يؤمنون ويعترفون بأن الله هو خالقهم، وفي آية أخرى: # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض وسخر ~~الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون # [العنكبوت: 61] وعجيب منهم بعد هذا الاعتراف ألا يؤمنوا بالله ولا ~~يصدقوا رسوله. ms9190 لذلك ذيل الآية بقوله تعالى: { فأنى يؤفكون } ~~[الزخرف: 87] كيف يصرفون عن هذا الحق وهم يعترفون به ويشهدون لله بأنه ~~خالقهم وخالق السماوات والأرض. لذلك يتعجب الحق سبحانه في سورة البقرة من ~~كفرهم، الذي لا مبرر له ولا حيثيات، يقول تعالى: # كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا فأحيكم ~~ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون # [البقرة: 28]. ### || [43.88-89] # كلمة قيله مصدر لقال، نقول: قال قولا ومقالا وقيلا، فمعنى قيله ~~يعني قوله، قول من؟ قول سيدنا رسول الله يخاطب ربه { يرب إن ~~هؤلاء } [الزخرف: 88] كفار مكة { قوم لا يؤمنون } ~~[الزخرف: 88]. لاحظ أنه صلى الله عليه وسلم أوذي من هؤلاء القوم في ~~نفسه إيذاءا وفي معنوياته برميه بما ليس فيه من السحر والشعر، والكهانة ~~والجنون، وفي أهله، ولاقى منهم الأمرين، ومع ذلك لم يذكر شيئا عن هذا ~~كله، وكل ما اهتم به هو مسألة إيمان القوم، فلم يقل: يا رب إن قومي ~~آذوني وفعلوا كذا وكذا، إنما قال { يرب إن هؤلاء قوم ~~لا يؤمنون } [الزخرف: 88]. هذا الذي حز في نفسه وأغضبه صلى ~~الله عليه وسلم، وقد ثبت في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ما ~~انتقم لنفسه قط ولا غضب لنفسه قط، إنما كانت غيرته وغضبه لله وللحق ~~الذي جاء به ودعا الناس إليه. هذا المعنى الذي عبر عنه أحمد شوقي في ~~قوله: # فإذا غضبت فإنما هي غضبة # للحق لا ضغن ولا شحناء # ومعنى الواو في أول الآية وقيله هذه الواو بمعنى القسم، فكأن الحق ~~سبحانه يقسم بقول رسول الله { يرب إن هؤلاء قوم لا ~~يؤمنون } [الزخرف: 88] يقول: وبحق هذا القول. وجواب القسم هنا محذوف ~~للعلم به، أي: لأعذبنهم عذابا يشفى صدرك منهم، فلا تهتم بعدم إيمانهم ~~ولو شئت لأرغمتهم على الإيمان ولخلقتهم على هيئة الملائكة، وكل ما ~~عليك يا محمد أن تصفح عنهم. { فاصفح عنهم وقل سلام } ~~[الزخرف: 89] لأن الصفح عنهم سيجذبهم إلى ساحة الإيمان بك، وسوف يكون من ~~هؤلاء جند من جنود الإسلام، وبالفعل رأينا خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي ~~جهل ms9191 وعمرو بن العاص وغيرهم من صناديد الكفر يصيرون قادة في صفوف ~~المسلمين. وفي آية أخرى قال سبحانه: # فاصفح الصفح الجميل # [الحجر: 85] لأنك قد تصفح عمن أساء إليك، لكن يبقى عندك شيء من ~~الغيظ والغضب أو الحقد عليه، أما الصفح الجميل فهو الصفح الذي يصاحبه ~~تسامح يقتلع كل جذور الغضب والغيظ والحقد. وكأن الحق سبحانه يقول ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم: اصفح عنهم صفحا جميلا ولا تغضب، لأن غضبك ~~يؤثر فيك ويؤثر في تكوينك ووراءك رب يغضب لك فلا تغضب أنت، وهذا أدب ~~عال يعلمنا إياه الإسلام. معلوم أن الشارع الحكيم لا يحاسبك على ~~خواطر نفسك وخلجات صدرك طالما لم تترجم إلى عمل ونزوع، وبعد ذلك يسمو بك ~~فيدعوك إلى التخلص من مجود هذه الخواطر إن كانت خواطر شر تجاه ~~الآخرين. وهذه مراحل تعلمناها من قوله تعالى: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # [آل عمران: 134] فالمرحلة الأولى كظم الغيظ، والثانية العفو، وفي هذه ~~المرحلة تتخلص من كل خواطر الشر في نفسك، بحيث تراها صافية ليس فيها ~~بقايا من غيظ أو كره أو حقد. # ثم المرحلة الأخيرة وهي أن تحسن لمن أساء إليك، وهذه مرحلة الخواص ~~الذين عرفوا سماحة الشرع ونظروا إلى ما عند الله. كثير من الناس ~~يتعجبون من مسألة أن تحسن إلى من أساء إليك، كيف يلزمنا بها الشرع. ~~نقول: هب أن أحد أولادك ضرب الآخر، وجاء المضروب يبكي ويشتكي، فإلى ~~من تحن وعلى من تعطف؟ على الضارب أم على المضروب، كذلك الحق ~~سبحانه يكون في جانب الضعيف المتسامح الذي يحسن إلى من أساء إليه. ~~والحسن البصري رضي الله عنه بلغه أن رجلا شتمه فأرسل إليه هدية طبقا من ~~الرطب، فلما سئل عن ذلك قال: لأنه أهدى إلي حسناته. وقوله: { ~~وقل سلام } [الزخرف: 89] والتقدير: قل لهم سلام عليكم. ونفهم من ~~هذا أن كلمة سلام هكذا بدون عليك وحدها تقال لمن كان بينك وبينه خصومة ~~وتريد أن تفارقه، ونجن نقولها في واقع حياتنا حينما تختلف مع شخص آخر ~~ولا ms9192 تصل معه إلى حل تقول له سلام، لذلك سيدنا إبراهيم في جداله مع ~~أبيه قال له: # سلام عليك سأستغفر لك ربي # [مريم: 47] أي: سلام وداع ومفارقة لا سلام تحية. وقوله: { فسوف ~~يعلمون } [الزخرف: 89] يعني: لما تفعل هذا سوف يعلمون عاقبة ما ~~قلته، وسوف يعلمون كيف أعاقبهم على تكذيبهم لك. ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-2] # سورة الدخان من سور الحواميم. أي: التي تبدأ بالحروف المقطعة حم وقد ~~تحدثنا في هذه الحروف بما يغني عن الإعادة هنا، وهذه الحروف تقف ~~العقول عند حد النطق بها كما هي، وكما نطق بها رسول الله، ولا نسأل ~~أنفسنا عن معانيها، ولا حجر على العقول أن تحوم حولها محاولة ~~استنباط بعض المعاني، ولو لنقنع أنفسنا بشيء من الصواب حول معانيها ثم ~~نقول والله أعلم بمراده منها. ذلك لأن الدين منه أمور تتصل بالعقيدة، ~~وأمور تتصل بالأحكام، وأمور تتصل بالقرآن المعبر عن العقيدة والأحكام. ~~وفي كل واحدة من هذه الثلاثة غيب ومشهد، الغيب ويوكل العلم به إلى ~~الله تعالى حتى يظل الإنسان عاجزا أمام علم الله وأمام مسائل لا ~~يفهمها، ولكن يؤمن بها لمجرد أن الله أخبر بها في كتابه، أو على لسان ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو لا ينطق عن الهوى. ففي العقائد مثلا ~~مسألة الإيمان بإله واحد، هذا غيب لكن يمكن للعقل أن يدلل عليها ~~لأنه لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، ولو كانت آلهة متعددة يختص ~~كل واحد منها بشيء من الخلق لكان كل واحد منها محتاجا إلى الآخرين ~~ولا يصلح لأن يكون إلها. إذن: يمكن بالعقل أن نثبت أن الله إله واحد. ~~لكن هناك في العقائد أمور غيبية لا يمكن للعقل التدخل فيها، ويقف فيها ~~عند ما سمعه مثل أمور: القبر والبرزخ والحساب والآخرة. وكذلك في الأحكام ~~غيب ومشهد، فالصلاة في ظاهرها المشاهد أنها تحدث استطراقا عبوديا ~~في الكون، فساعة نسمع الله أكبر نذهب إلى المساجد، ونقيم أنفسنا بين يدي ~~ربنا ركعا وسجدا يستوي في ذلك الرئيس والمرؤوس، الغني والفقير، ~~القوي والضعيف، ms9193 الكل ضارع لله. هذا جانب مشاهد في الصلاة، وفيها أيضا ~~غيب لا دخل للعقل فيه، فالصلاة من حيث عدد ركعاتها غيب لا نعرف له ~~تفسيرا، لماذا كان الصبح ركعتين، والظهر أربعا، والمغرب ثلاثا؟ لذلك ~~فالسؤال الذي يدور حول عدد الركعات سؤال باطل. كذلك الحال في القرآن، فيه ~~غيب لا مجال للعقل فيه، وهو هذه الحروف المقطعة التي نكل العلم ~~فيها إلى قائلها سبحانه وتعالى. وقوله سبحانه: { والكتاب المبين ~~} [الدخان: 2] أي: الظاهر الواضح المحيط بكل شيء، وهذا يمثل المشهد أي ~~الذي نعرفه ويتدخل فيه العقل. إذن: جمع الحق سبحانه في صدر هذه السورة ~~بين الغيب في حم والمشهد في { والكتاب المبين } [الدخان: 2] ~~كلاهما من الله فلا قسم على هذا. أو أن الأسلوب هنا أسلوب قسم، أقسم ~~بحم، وأقسم بالكتاب المبين الظاهر الذي تفهمه العقول، وهما الاثنان من ~~الله. والمقسم عليه: { إنآ أنزلناه في ليلة مباركة ~~إنا كنا... }. ### || [44.3-5] # مسألة الإنزال تعني إنزال شيء من أعلى إلى أسفل، وتقتضي: منزل، ~~ومنزل، ومنزل إليه، فالذي أنزل هو الله، وما دام أن المنزل هو ~~الله فالإنزال من جهة العلو بصرف النظر عن المكانية، لأنه قال عن الحديد: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس # [الحديد: 25] والحديد في باطن الأرض، والإنزال يشعر بعلو المنزل. ~~ثم الشيء المنزل هو القرآن الكريم { أنزلناه } [الدخان: 3] إلى ~~من أنزل إلى الناس { في ليلة مباركة } [الدخان: 3] هي ليلة ~~القدر يعني: زمن النزول العام للقرآن. وقال { في ليلة } [الدخان: ~~3] لأن الليل محل السكون والهدوء، حيث لا لغط ولا ضوضاء ولا صخب ~~يمكن أن يشوش على المنزل، كذلك يكون الإنسان ساكنا غير منشغل ~~الجوارح بشيء. إذن: في الليل يتوفر للعقل كل مقومات الانتباه ~~والاستيعاب وصفاء النفس، لذلك اقرأ في أول سورة المزمل: # يأيها المزمل * قم اليل إلا قليلا * نصفه ~~أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ~~ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا * إن ~~ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا # [المزمل: 1-6]. إذن: نزل القرآن ليلا لأنه أنسب وقت لنزوله، ms9194 ونزل على ~~قلب رسول الله بمكة، فهي ليلة مكة لا غيرها، ومكة وسط العالم ومركزه، ~~لذلك قال تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا # [البقرة: 143]. البعض قال عن هذه الليلة: هي ليلة القدر لقوله تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] وآخرون قالوا: بل هي ليلة النصف من شعبان، والمسألة هذه ~~تحتاج منا إلى تمحيص لأنه نزل في واحدة منها. نقول: القرآن قبل أن ينزل ~~ويباشر مهمته في الوجود كان في أي مكان؟ كان في اللوح المحفوظ # إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه ~~إلا المطهرون # [الواقعة: 77-79] وقال: # وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم # [الزخرف: 4]. فالنزول الأول للقرآن كان جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى ~~السماء الدنيا، لكن هل نزل ما سجل في اللوح المحفوظ أو نسخة منه؟ ~~قالوا: بل نسخة منه بعد استنساخه. ثم بعد ذلك نزل منجما حسب الأحوال ~~والأحداث، نزل به الملك جبريل على قلب سيدنا رسول الله، كل نجم منه ~~في مناسبة. إذن: عندنا مراحل ثلاث لنزول القرآن: الأولى استنساخه من ~~اللوح المحفوظ، وهذا له زمن، ثم نزوله جملة واحدة إلى سماء الدنيا وله ~~زمن، ثم نزوله منجما حسب الأحوال، وهذا النزول له زمن ممتد على مدى ~~الأحداث استغرق عدة سنوات. ومن الممكن أن نجد في هذه المراحل الثلاث ~~مخرجا من إشكال: أهو في ليلة القدر أم في النصف من شعبان؟ ولا مانع من ~~اشتراك الليلتين في هذا الفضل في أي مرحلة من مراحله. # ثم إن ليلة النصف من شعبان لها شرفها وكرامتها الخاصة بها، وهي مسألة ~~تحويل القبلة التي هي متجه المسلمين جميعا في كل بقاع الأرض، ثم إن ~~الاتجاه إلى بيت المقدس كان له زمن وله حكمة، ثم التحول إلى الكعبة كان ~~أيضا له زمن وله حكمة. فليست المقارنة هنا بين حق وباطل، بل الفرق ~~بين أمرين حكيمين، لكن هذا له زمن وهذا له زمن، لذلك الحق سبحانه لم يشأ ~~أن يجعل تحويل القبلة في ms9195 فرض من أوله، إنما في أثناء الفرض قسمه الأمر ~~بالتحويل قسمين، فصلى نصف الصلاة الأولى إلى بيت المقدس، ونصفها الآخر ~~إلى الكعبة. وهذا إن دل فإنما يدل على أن بيت المقدس داخل في ~~مقدسات المسلمين كالكعبة تماما، وحادثة الإسراء من بيت المقدس تؤكد ذلك. ~~إذن: شاء الله تعالى أن يكون متجه الصلاة مرة إلى بيت المقدس، ومرة إلى ~~الكعبة لحكمة في كليهما. الأولى: أن يكون بيت المقدس من مقدسات ~~المسلمين. الثانية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له ألفة بقبلة ~~إبراهيم عليه السلام. لذلك قال تعالى: # قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك ~~قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام.. # [البقرة: 144]. والصلاة فرضت على رسول الله بعد معراجه إلى السماء من ~~بيت المقدس، والصلاة هذه بها متجه القبلة، فالقبلة لابد أن تأخذ ~~الاثنين مبدأ التشريعي ومبدأ الاستبقائي، وهذا جعله الله فتنة للمسلمين ~~ولغير المسلمين، لأن القبلة لما كانت إلى بيت المقدس قالوا: ما الذي ~~حوله عن قبلة إبراهيم إلى قبلة داود وسليمان، وقلنا: لكي تدخل في ~~مقدسات الإسلام ولا يستبدوا بها. واليهود التقطوا هذه المسألة وجعلوها ~~شبهة وقالوا: إذا كان محمد رافضا لديننا فكيف يتبع قبلتنا؟ إذن: كانت ~~فتنة للطرفين لكي يلتزم الإنسان التوجيهات الإلهية بدون تدخل للعقل ~~فيها. وقالوا في الليلة المباركة: إنها ليلة البراءة وليلة الصك وليلة ~~الرحمة، ليلة البراءة مأخوذة من البراءة التي كان يعطيها العامل على ~~الزكاة للممول حين يعطيه حق الله في المال وهو الزكاة، فيعطيه ~~العامل صك البراءة الذي يدل على أدائه للزكاة وبراءة ذمته منها، ~~والصك بنفس المعنى. وليلة الرحمة، قالوا: رحمة برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أولا، لأن نفسه كانت تتوق للتوجه نحو قبلة إبراهيم. ~~وقوله سبحانه: { إنا كنا منذرين } [الدخان: 3] بعد أن ذكر ~~الإنزال ذكر الإنذار، فالإنزال للإنذار، لأن القاعدة الشرعية أن درء ~~المفسدة مقدم على جلب المصلحة فذكر منذرين قبل مبشرين. وسبق أن ~~قلنا: هب أن واحدا يرمي لك تفاحة، وفي ذات الوقت آخر يرميك بحجر، ~~فبأيهما ms9196 تنشغل؟ لا شك أنك تحرص أولا على دفع الحجر عنك وتقدمه ~~على استقبال التفاحة. كذلك الحال في هذا الأسلوب القرآني { إنا كنا ~~منذرين } [الدخان: 3] كلمة كنا دلت على الماضي مع أن الإنذار ~~مستمر ولا يزال، لأن الحق سبحانه لا يحكمه زمن معين، لأنه سبحانه خالق ~~الزمن، وما دام الزمن من خلق الله فالمخلوق لا يتحكم في الخالق. # فالماضي والحاضر والمستقبل في حقنا نحن البشر، أما في حق الله ~~تعالى فالزمن كله سواء، فحين تقرأ مثلا # وكان الله غفورا رحيما # [الأحزاب: 50] تقول: كان ولا يزال وسيكون في المستقبل، لأنه ما دام كان ~~في الأزل، وهو سبحانه لا يعتريه تغيير فهو من الأزل إلى الأبد غفور رحيم. ~~وقوله تعالى: { فيها يفرق كل أمر حكيم } [الدخان: 4] أي: ~~في هذه الليلة { يفرق } [الدخان: 4] بمعنى يوضح ويفصل ~~ويبين، والفرق هنا ليس بين حق وباطل، إنما بين أمرين كلاهما حق، وله ~~حكمة في زمنه. وتأمل وصف الأمر ذاته بأنه حكيم لأنه أمر الله { أمرا ~~من عندنآ } [الدخان: 5] يعني: ليس هناك حكمة ترتقي إلى هذا الأمر ~~الذي يأتي من قبل الحق سبحانه { إنا كنا مرسلين } [الدخان: ~~5] يعني: لم نترك خلقنا هملا إنما خلقناهم وأرسلنا لهم من يأخذ ~~بأيديهم إلى الصراط المستقيم ويدلهم على الهدى ويبين لهم. فالحق ~~أول ما خلق الخلق أرسل الرسل لهدايتهم، لذلك كان آدم عليه السلام وهو ~~أول البشر رسولا، لأن الخالق سبحانه خلق الإنسان، لماذا؟ لأنه خلقه ~~لعمارة الأرض # هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها.. # [هود: 61] يعني: طلب منكم عمارتها، والعمارة تقتضي الصلاح وتمنع الفساد ~~ولا أقل من أن نترك الصالح على صلاحه إذا لم نزد في الصلاح. وقد ~~أوضحنا هذه المسألة بالبئر في الصحراء. وقلنا: إذا لم ترتق به بأن ~~تبني حوله سورا وحافة تحميه من زحف التراب عليه، أو تجعل عليه آلة ~~لرفع الماء، فلا أقل من أن تتركه على حاله ولا تهدمه. كذلك حال ~~الإنسان في عمارة الأرض عليه أن يعمل عقله في البدهيات ليصل منها إلى ~~نظريات ترتقي بها ms9197 حياته، عندنا مثلا الصوف والوبر والشعر، لكل منها ~~صفاته الخاصة وما يصلح له، لذلك قال القرآن # ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ أثاثا ومتاعا ~~إلى حين # [النحل: 80]. ومعلوم أن الوبر للجمال، والصوف للغنم، والشعر للماعز، ~~ولكل نوع منها خصائص يستخدمه الإنسان في ثيابه ومسكنه، وهذا من عمارة ~~الأرض، حتى لو نظرنا إلى القواعد الهندسية والنظريات نجدها تعتمد في ~~بدايتها على أمر بديهي موجود في الكون. إذن: كل ارتقاء في الكون أتى من ~~أمر بديهي موهوب من الله، وعمل العقول في البدهيات من عمارة الأرض. لذلك ~~عندما تتأمل أسلوب القرآن في مخاطبة الناس تجده يبدأ بأمور بسيطة بعيدة ~~عن التعقيد الفكري، فيحدثهم أولا عن أصل المنهج وما به تستقيم حياتهم ~~وتنسجم حركاتهم في الحياة، ويحدث العقول بما يناسب ارتقاءها الفكري. # فإذا ما نضج الفكر الإنساني وتمكن المنهج في الناس سلوكا وتطبيقا بدأ ~~يحدثهم عن نظريات عقلية ويقول لهم: إن الأرض كروية، وأنها تدور حول ~~الشمس لأن العقول أصبح عندها استعداد للبحث والتقصي. انظر مثلا إلى ~~الطرق، وكيف كانت بدائية، مجرد مدق في الصحراء يسع البعير الواحد؟ وكيف ~~تطورت الآن وما توفر لها من أسباب الراحة والأمان والسرعة والسلامة ~~وغيرها، إنه العقل حينما يعمل ليرتقي. ألم يتعلم الإنسان من الغراب كيف ~~يدفن الموتى؟ ألم نتعلم من الكلاب ونستخدمها الآن رغم التطور العلمي في ~~تقصي الأثر والتعرف على المجرمين باستخدام حاسة الشم؟ إذن: أخذنا ~~الأمور الفطرية التي وهبها الله لنا وبنينا عليها، وطورناها لعمارة ~~الأرض. وعمارة الأرض لا تقوم إلا إذا استقام المنهج أولا، فهو أساس ~~الارتقاء وأساس الإصلاح، لأن الخالق سبحانه لما خلق الخلق جعل له ~~منهجا يحكمه وينظم حركته في الحياة بافعل كذا ولا تفعل كذا. فإن استقام ~~على منهج ربه وخالقه استقامت حياته، وإن شذ وانحرف ظهرت عورة ~~المجتمع وبدت مظاهر الفساد تدب في أوصاله. وسبق أن مثلنا ذلك ~~بالكتالوج الذي يضعه الصانع لحماية صنعته وصيانتها، كذلك أنت إن سرت ~~على منهج خالقك لا يصيبك عطب أبدا. ومن هنا كانت مهمة الرسل، ms9198 للبيان ~~وللتذكير بالمنهج افعل كذا و لا تفعل كذا، حتى سيدنا آدم ماذا حدث له لما ~~خالف المنهج؟ ربنا قال له: كل من الجنة كما شئت إلا هذه الشجرة فأكلا ~~منها، ماذا حدث؟ لما خالف حدث له العطب، وظهرت عورته لما أكل من الشجرة ~~واضطر لما لم يعهده من قبل من خروج الريح والغائط واضطراب البطن، وهذه ~~أمور لم يكن يشعر بها قبل المخالفة. وقوله سبحانه: { إنا كنا ~~مرسلين } [الدخان: 5] يعني: مرسلين رسلا إلى من استخلفناه في ~~الأرض حتى تسلم حركة الحياة من العطب، وحتى يسلم المجتمع من ~~الشرور، ويتساند ولا يتعارض. ### || [44.6] # أي: أن الإرسال رحمة من الله بالعباد، لأنه أمر لنا أنا وأنت من أعلى ~~منا، لا نجد غضاضة في ذلك، فلا أحد منا يتعالى على الآخر، لأننا ~~نتلقى أوامرنا من الله، ولذلك الناس البسطاء في الفلاحين يقولون الأصبع ~~الذي يجرحه الشرع ميخرش دم لأن الكل يذعن لأمر الله ويخضع لحكمه ويرضى ~~به. إذن: تستقيم بنا الحياة حين نسير على المنهج، لذلك سماه الصراط ~~المستقيم وسماه سواء السبيل يعني: في الوسط لا يميل هنا ولا هنا، لأنه ~~يريد أن يوفر عليك المجهود ويوفر الوقت، كل هذا ثمرة المنهج والسير على ~~الصراط المستقيم. وهذه رحمة من الله بنا، نعم رحمة بنا ألا يتركنا ~~للتجربة يموج بعضنا في بعض حتى نصل إلى الصواب وإلى الحق وإلى الصراط ~~المستقيم، من رحمته بنا ألا يتركنا نتعاند ونتصادم بعضنا ببعض، بل جعل ~~لنا قوانين، وجعل لنا منهجا نسير عليه من بداية الطريق. وفرق بين أمر ~~يلجئك إلى أن تعدل مسارك وبين أمر معتدل من البداية، من رحمة الله ~~بنا أن يجعلنا نسير في اتجاه واحد بحيث تكون كل الحركات في اتجاه ~~البناء، وكل المجهودات إلى غاية واحدة، يتعاون فيها كل الأفراد، ويتساند ~~فيها كل الأفراد. وإلا لو كانت الحركات متصادمة فهي تهدم وتدمر، وما ~~فائدة أن تبني وغيرك يهدم، على حد قول الشاعر: # متى يبلغ البنيان يوما تمامه # إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم ms9199 # وتأمل لفظ القرآن { رحمة من ربك } [الدخان: 6] ولم يقل ~~رحمة من الله، لأن الرب هو متولي التربية والرعاية، وسبق أن قلنا ~~إن الألوهية تكليف والربوبية عطاء، فهذه الرحمة رحمة الرب الراعي الرحيم ~~كالأم تربي طفلها الصغير وتحنو عليه وتقويه. وما دام هو سبحانه ربكم ~~ومربيكم وخالقكم كان يجب عليكم أن تطيعوه وألا تخرجوا عن منهجه { ~~إنه هو السميع العليم } [الدخان: 6] السميع لكل آلام الناس ~~وشكاواهم إن جهروا بها، وهو العليم بأحوالهم وما يختلج في صدورهم إن ~~كتموها في أنفسهم، وإن كان الخطاب هنا بصيغة المفرد وموجها إلى سيدنا ~~رسول الله. { رحمة من ربك } [الدخان: 6] أي: يا محمد. وهذه ~~عناية خاصة من الله برسوله وبيان لمنزلته صلى الله عليه وسلم من الله، ~~فعين الله تحرسه، وعزيز عليه أن يصيبه أذى أو ألم من قومه، فهو أغلى ~~البشر عنده، لذلك رباه التربية التي تجعله لا مهديا في نفسه فحسب، ~~إنما وهاديا للناس. ### || [44.7] # بعد أن قال سبحانه { رحمة من ربك } [الدخان: 6] أكدها ~~بقوله { رب السموت والأرض وما بينهمآ } [الدخان: 7] ~~ثم رد الأمر إلى يقينهم { إن كنتم موقنين } [الدخان: 7] كأنه ~~واثق أنهم عندما يسألون لن يقولوا إلا هذا، فما دمتم موقنين بأن الله ~~هو خالق السماوات والأرض وما بينهما، فلماذا كذبتم رسوله؟! إن الآيات ~~الكونية واضحة الدلالة على خالقها عز وجل، هذه السماء التي تظلكم، وهذه ~~الأرض التي تقلكم وما بينهما من خيرات وأسرار، بل وما تحت الثرى من ~~ثروات كلها تدل على الله. وإذا كان هذا الذي نراه في الأرض والسماء عالم ~~الملك، فما بالك بعالم الملكوت؟ عالم الملك تستطيع أن تقف عليه بحواسك، ~~أما عالم الملكوت فغيب لا نعرف منه إلا ما أخبرنا الله به، كما قال ~~تعالى في شأن سيدنا إبراهيم: # وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموت والأرض.. # [الأنعام: 75]. وقوله { إن كنتم موقنين } [الدخان: 7] اليقين ~~استقبال القضية بدون شك علما أو عينا أو حقيقة، كما سبق أن أوضحنا ~~علم اليقين، ثم عين اليقين، ثم حقيقة اليقين، فاليقين هو الاعتقاد الثابت ~~الذي ms9200 لا يتغير بالحكم عليه في الوجود علما وعينا وحقيقة. وهذه ~~المراحل الثلاث ذكرت في قوله تعالى: # كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ~~ثم لترونها عين اليقين * ثم لتسألن ~~يومئذ عن النعيم # [التكاثر: 5-8]. وقال في سورة الواقعة: # وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من ~~حميم * وتصلية جحيم * إن هذا لهو حق اليقين ~~* فسبح باسم ربك العظيم # [الواقعة: 92-96]. لكن أكان هؤلاء القوم فعلا موقنين بأن الله رب ~~السماوات والأرض وما بينهما؟ القرآن يقول لهم: { إن كنتم موقنين ~~} [الدخان: 7] وإن هنا أفادت الشك في يقينهم، لأنهم لو كانوا موقنين ~~لآمنوا برسول الله وصدقوه، فهم يعترفون بأن الله خالقهم وخالق الكون ~~كله، ومع ذلك صادموا دين الله، لماذا؟ لأن الدين يقيد حركتهم ويحرمهم ~~من الشهوات ومن الاستفادة بالفساد الموجود في مجتمعهم الدين الحق يحرمهم ~~من السيادة، ويسوي بينهم بين السادة والعبيد، إذن: كرهوا الدين الحق ~~للمنهج الذي جاء به، ومالوا لدين باطل لأنه خال من المنهج، ليس فيه ~~أوامر ولا نواه. ### || [44.8] # الحق سبحانه وتعالى يريد منا أن تنسحب مقولتنا على أفعالنا، كلمة { لا ~~إله } [الدخان: 8] الإله هو المعبود الحق، لأنهم لما عبدوا الأصنام ~~سموها آلهة، نعم آلهة بزعمهم وفي تصورهم هم، لكنها آلهة باطلة وتسمية ~~باطلة، لأن الإله هو المعبود بحق والذي له منهج ويقوم على ذلك الدليل. ~~أما دعواهم فدعوى ليس لها دليل، اللهم إلا أنها عبادة ترضي ما في ~~نفوسهم من ميل للتدين حتى لو كان المعبود صنما لا تكاليف له ولا ~~منهج عنده. فالتدين كما قلنا فطرة في الإنسان، والواقع والتجربة تثبت ~~ذلك، فلما تضيق الأسباب بالإنسان حتى الكافر يقول: يا رب ويلجأ إلى ~~المعبود الحق ولا يخدع نفسه، لأن الشدة التي نزلت به يعرف أنها لا كاشف ~~لها إلا الله. لذلك لم يقل أحد يا لات ولا يا عزى، لكن للأسف حين يكشف ~~الله عنهم ويفرج كربهم يعودون إلى ما كانوا عليه، وكثيرا ما تحدث ~~القرآن حول هذا المعنى، قال تعالى: # وإذا مس الإنسان الضر ms9201 دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما ~~كانوا يعملون # [يونس: 12]. ويغيب عن أذهان الناس أن الدين عندما يقيد حركتك فيما لا ~~يجوز وأنت فرد يقيد حركة الناس جميعا من أجلك. فقال لك: لا تسرق من ~~الناس. وقال للناس جميعا أن لا يسرقوا منك. إذن: أنت المستفيد الأول من ~~تطبيق منهج الله. وبعد أن قال: { لا إله إلا هو.. } [الدخان: ~~8] أتى بالدليل عليها { يحيي ويميت.. } [الدخان: 8] لأن مسألة ~~الإحياء والإماتة لله وحده لا منازع له فيها، والذين يتمتعون بالحياة لا ~~يعكر عليهم صفو هذه المتعة إلا أنهم يرون الموت حولهم يحوم ويوشك أن ~~يصيبهم. إذن: الحق سبحانه وتعالى أتى هنا في الشيء الذي يحبه، فالذي يملك ~~حياتك ويملك موتك هو الله، فلا يليق بك أن تغفل عنه، أو أن تنصرف عن ~~منهجه وسبيله إلى سبيل غيره. وقوله { يحيي ويميت.. } [الدخان: 8] ~~واقع بالفعل على الغير وإن كان من صفاته أنه حي قيوم، كما في آية ~~الكرسي: # الله لا إله إلا هو الحي القيوم.. # [البقرة: 255] والبعض يقول: الحي اسم الله الأعظم لأنه أصل، وكل صفة ~~أخرى أو اسم آخر فرع منه. قالوا: الحي هو الاسم الأعظم في العطاء، والله ~~الاسم الأعظم في العبودية، لأن معنى كلمة الله المعبود المطاع في كل ~~أوامره. وما دام مطاعا في كل أوامره. إذن: أنت عندما تسأل الله تقول: ~~بسم الله، يعني: بسم الله أقبل على هذا العمل، لأن العمل يحتاج إلى طاقة، ~~ويحتاج إلى عقل يفكر قبل أن تشرع في العمل، ويحتاج إلى حكمة. # وهذه الأشياء ممن تستمدها؟ من الله، لأنه وحده الذي يجمع كل صفات ~~الكمال ويفيض عليك من صفاته فوجب الاستعانة به والتوكل عليه، فالذي قال: ~~إن الاسم الأعظم الحي نظر إلى العطاء، والذي قال الله نظر إلى التكليف. ~~وقوله سبحانه: { ربكم ورب آبآئكم الأولين } [الدخان: ~~8] أراد سبحانه أن يجادل الكفار المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم ~~قالوا: # إنا وجدنآ ءابآءنا ms9202 على أمة وإنا على ~~ءاثارهم مقتدون # [الزخرف: 23] فأراد أن يبين كذبهم في هذه المقولة، فلو أنهم مقتدون ~~فعلا بالآباء لساروا على منهج آدم عليه السلام، لكنهم شذوا عنه ~~وانحرفوا عن هديه حتى تغير منطق الدين، وتعددت رسل الله لهدايتهم. ### || [44.9] # الحق سبحانه وتعالى هنا جمع لهم وصفين: أنهم في شك من دين الله، ~~وأنهم يلعبون يعني: غير جادين في هذه المسألة، ولو كان وصف واحد منهما ~~لكان كافيا لإبعادهم عن ساحة الإيمان. { هم في شك.. } [الدخان: 9] ~~لنعرف معنى الشك نقول: إن النسب العقلية في القضايا ست نسب. منها: ~~العلم: وهو أن تعتقد قضية يؤيدها الواقع. والجهل: أن تعتقد قضية مخالفة ~~للواقع. والتقليد: وهو أن تعتقد قضية ولا تستطيع التدليل عليها كالطفل ~~يقلد أباه فيقول: الله أحد لكنه لا يقيم الدليل عليها، ثم الشك وهو أن ~~يستوي عندك أمران لا ترجح أحدهما على الآخر، فإن رجحت أحدهما فالراجح ~~ظن، والمرجوح وهم. فالشك إذن أن يستوي عندهم الكفر والإيمان، وليتهم ~~في شك فقط، إنما أيضا { يلعبون } [الدخان: 9] فلو كانوا في ~~شك وجادين في البحث والتأمل لوصلوا إلى الحق، لكنهم هازلون لاعبون، ~~لا حرص عندهم للوصول إلى الحق. ثم يقول الحق سبحانه: { بل هم في ~~شك... }. ### || [44.10-12] # الحق سبحانه يبين أنه لن يترك هؤلاء الشاكين المكذبين لرسوله، ~~اللاهين اللاعبين وأن لهم يوما يقتص فيه منهم، فيقول صلى الله عليه ~~وسلم { فارتقب } [الدخان: 10] انتظر { يوم تأتي السمآء ~~بدخان مبين } [الدخان: 10] أي: دخان ظاهر وكثيف. والدخان: غازات ~~تتداخل وتملأ الجو مثل الشبورة التي نراها في الصباح، ولكثافتها تؤدي إلى ~~حجب الرؤية، لأن تداخل الذرات يسد الفجوات التي ينفذ منها البصر، ثم ~~تسبب ضيقا في الهواء وفي التنفس، فإذا جمعت عدم الرؤية مع ضيق التنفس ~~تجد أن الكرب عظيم لا يتحمله الإنسان. قالوا: إن الدخان هنا دلالة ~~على الجدب الذي أصابهم والقحط الذي نزل بهم، لأنهم لما بالغوا في تكذيب ~~رسول الله واشتدوا في إيذائه وإيذاء أصحابه دعا عليهم وقال # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها ms9203 عليهم سنين كسني يوسف ". # فأصابهم القحط والجدب حتى أكلوا الجيف والكلاب الميتة، حتى أكلوا ~~العلهز وهو الصوف أو الوبر المخلوط بالدم الجاف. إلى أن ضجوا وذهبوا ~~إلى رسول الله يطلبون منه أن يدعو الله لهم أن يكشف عنهم ما نزل بهم. ~~وقد بين الله لرسوله كذبهم، فلو كشفنا عنهم العذاب فلسوف يعودون إلى ~~ما كانوا عليه من الكفر والتكذيب. ومعنى { يغشى الناس } [الدخان: ~~11] يعني: يحيط بهم ويغطيهم { هذا عذاب أليم } [الدخان: 11] ~~لأنه يمنع عنهم الرؤية ويضيق التنفس فيجأرون { ربنا اكشف عنا ~~العذاب إنا مؤمنون } [الدخان: 12] والله يعلم أنهم كاذبون في ~~هذه المقولة. لذلك يقول بعدها: { أنى لهم الذكرى... }. ### || [44.13-14] # قوله: { أنى لهم الذكرى } [الدخان: 13] من أين لهم التذكر ~~والاتعاظ؟ ومن أين لهم الإيمان الذي يدعونه وقد جاءهم { رسول ~~مبين } [الدخان: 13] بأكبر من هذا الدخان: بينات معجزات قائمة، كتاب ~~حكيم معجز، حكمة تسير الكون على نظام بديع، يسعد الفرد والمجتمع واضح ~~الحجة، واضح البيان، كثير الخيرات، محيط بكل وجوه الخير التي تعود عليهم، ~~فما كان منهم إلا الإعراض والتكذيب. { تولوا عنه } [الدخان: 14] ~~أعرضوا { وقالوا معلم مجنون } [الدخان: 14] يعني لم ~~يعرضوا عنه ويتركوه في حاله، إنما تعدوا عليه بالقول والاتهام الكاذب ~~{ معلم.. } [الدخان: 14] أي: يعلمه غيره. كما قال سبحانه في موضع ~~آخر: # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر # [النحل: 103] فيرد الله عليهم ويبطل اتهاماتهم # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. وقد قالوا أنه صلى الله عليه وسلم يختلف إلى رجل فارسي ~~يعلمه القرآن، ورد عليهم في قولهم مجنون فقال سبحانه # وما صاحبكم بمجنون # [التكوير: 22]. وقال: # ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون * وإن لك لأجرا غير ممنون * وإنك ~~لعلى خلق عظيم # [القلم: 1-4]. وما دام على خلق عظيم فهو لا يتعدى مقاييس الفضيلة، ولا ~~تصدر عنه الأفعال إلا عن تدبر وتعقل وأدب، وما أبعد هذا عن الجنون!!. ### || [44.15] # أي: عذاب الدنيا الذي نزل بهم، والذي سماه القرآن العذاب الأدنى # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ms9204 ~~الأكبر لعلهم يرجعون # [السجدة: 21] سنكشف عنهم عذاب الدخان والقحط والجوع الذي اضطرهم لأن ~~يأكلوا الميتة، سنكشفه عنكم قليلا لنثبت لكم أنكم كاذبون ولو أمام ~~أنفسكم لتقتنعوا بهذه الحقيقة لأن المؤمنين بي يعرفونها ويشهدون بها، أما ~~أنتم فتنكرونها. أو يكشف كذبهم أمام الناشئة، منهم الذين لم يتمكن منهم ~~الكفر فيحدث خلخلة في صفوفهم، ويظهر الكافرون على حقيقتهم فلا يقلدهم ~~أبناؤهم الذين يتابعون هذه المواقف، ويشاهدون كذب الآباء والأجداد. ~~وفعلا رأينا من أبناء الكافرين من أسلم وأبلى في الإسلام بلاء حسنا ~~أمثال عكرمة بن أبي جهل وغيره، ممن عاينوا كذب الآباء وعدم وفائهم مع ~~الله. من هؤلاء مصعب بن عمير فتى قريش المدلل، وأغنى أغنيائها، وكان ~~يتقلب في ألوان النعيم لما رأى ما عليه القوم من التناقض، ترك الكفر ~~إلى الإسلام، وترك كل مظاهر النعيم ورضي بعيش التقشف. وقد رآه ~~سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة بعد أن هاجر يرتدي جلد ~~شاة على كتفه، فتعجب وقال: انظروا إلى صاحبكم، كيف فعل الإيمان به؟ ~~ولما مات مصعب لم يجدوا ما يكفنونه به. هؤلاء شباب اختطفهم الإيمان من ~~براثن الكفر. وقوله: { إنكم عآئدون } [الدخان: 15] يعني: راجعون ~~مرة أخرى إلى كفركم وعنادكم وتكذيبكم لرسول الله. ### || [44.16] # يعني: اذكروا هذا اليوم ولا تغفلوا عنه { يوم نبطش البطشة ~~الكبرى } [الدخان: 16] البطش: الأخذ بقوة والضربة القوية التي ~~تستوعب كل جوارح الجسم ولا تبالي على أي عضو وقعت، نقول: فلان بطش ~~بفلان يعني: ضربه بقسوة وعنف دون أن يراعي على أي عضو وقع الضرب، وبعد ~~هذا الوصف سماها الكبرى تأكيدا على قسوتها وشدتها على الكافرين. { ~~إنا منتقمون } [الدخان: 16] والانتقام يدل على التكافؤ، فالبطشة ~~ليست اعتداء منا، بل جزاء ما قدمتم من تكذيب وإيذاء لرسول الله. ~~فالبطشة إذن جزاء من جنس العمل، ولولا هذه البطشة لم تتحقق عدالة السماء ~~بين المؤمنين والكافرين، ولكانت مساواة بين المؤمنين الذين تحملوا ~~الإيذاء والعنت والاضطهاد، وبين الكافرين الظالمين المعتدين. كان لا ~~بد أن تحدث هذه البطشة بالكافرين ليرى المؤمنون ثمرة إيمانهم، ms9205 وكيف ~~أن الله نجاهم بالإيمان فيفرحون، ويرى الكافرون ثمرة كفرهم وعنادهم ~~فيتحسرون ويندمون ويتألمون. وفي أكثر من موضع حكى لنا القرآن الكريم ~~حوارا بين أهل الجنة وأهل النار يوضح فرح المؤمنين وندم الكافرين ~~وتحسرهم: # ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا ~~علينا من المآء أو مما رزقكم الله قالوا إن ~~الله حرمهما على الكافرين # [الأعراف: 50]. فقوله تعالى { إنا منتقمون } [الدخان: 16] إشارة ~~إلى عدالة السماء وكأن الله تعالى يقول لهم: لا تلومونا على أن أخذناكم ~~هذه الأخذة، فأنتم صنعتنا، ونحن أرأف بكم من الوالدة بولدها، لكن لا ~~بد من الانتقام لتستوي الكفة، وحتى لا تكون فتنة. ### || [44.17-18] # كأنه يقول لهم: لستم بدعا في ذلك، فقد سبقكم أمم كذبوا الرسول فنزل ~~بهم مثل ما نزل بكم، كلمة { فتنا } [الدخان: 17] يعني: ابتلينا ~~واختبرنا، والفتنة لا تذم لذاتها، وإنما تذم لنتيجتها مثل الامتحان ~~لا يمدح ولا يذم لذاته، إنما حسب ما يترتب وما ينتج عنه. وتعرفون قصة ~~قوم فرعون { وجآءهم رسول كريم } [الدخان: 17] هو سيدنا موسى ~~عليه السلام، فهو كريم على الله الذي أرسله، ومن كرامته جعله كليما ~~يكلمه من وراء حجاب، ذلك لأنه سيتعرض لا لفساد خلقي ولا لفساد ~~اجتماعي، إنما لفساد عقدي. وكأن الله تعالى يعد للقائه مع رأس ~~الكفر، وهو فرعون الذي وصل به الضلال إلى أن يدعي الألوهية، ويقول ~~للناس: أنا ربكم الأعلى. ومن هنا كانت مهمة موسى عليه السلام مهمة صعبة ~~وشاقة، لذلك دربه ربه عز وجل على استخدام الآيات والمعجزات قبل أن ~~يظهرها أمام فرعون. اقرأ: # وما تلك بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ ~~عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى * قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي ~~حية تسعى # [طه: 17-20]. فالحق سبحانه عرف موسى مهمة العصا في المعركة العقدية ~~التي سيخوضها مع فرعون ودربه على التعامل معها، حتى إذا واجه فرعون واجهه ~~بثقة وثبات واطمئنان إلى نصر الله وتأييده له، لذلك قلنا: إن المستشرقين ~~تصيدوا هذه القصة، واتهموا القرآن بالتكرار. وهذا يدل على عدم فهمهم ms9206 ~~للآيات في سياقها، فقصة العصا فعلا وردت ثلاث مرات، مرة بين موسى وربه ~~عز وجل كتدريب ومران على هذه المسألة، والمرة الثانية كانت أمام فرعون، ~~والمرة الثالثة كانت أمام سحرة فرعون. إذن: كان لكل مرحلة حكمة، ~~والمسألة ليست فيها تكرار، إنما هي مواقف مختلفة، كل في موعدها. وقوله ~~سبحانه: { أن أدوا إلي عباد الله } [الدخان: 18] ساعة ~~تسمع { أدوا إلي } [الدخان: 18] تعرف أن هناك أمانة يجب ~~تأديتها، فما الأمانة التي يطلب موسى من قومه أن يؤدوها إليه؟ قالوا: ~~الحق الذي طالب به موسى قوم فرعون هو أن يأخذ بني إسرائيل، وأن يخرجهم ~~من العذاب المهين الذي يلاقونه من قوم فرعون وهذه هي مهمة موسى الأولى، ~~أما دعوته لفرعون فكانت على هامش المهمة الأساسية، وكلامه مع فرعون زائد ~~على مهمته وعن التشريع الذي أتى به بني إسرائيل. وسبب اضطهاد قوم فرعون ~~لبني إسرائيل أن الهكسوس لما دخلوا مصر عاثوا فيها فسادا، وكان بنو ~~إسرائيل يعاونون الهكسوس ويساعدونهم، فلما خرج الهكسوس من مصر لم يعد ~~لهم عدو إلا بني إسرائيل لذلك اضطهدوهم. وكما حكى القرآن: # يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم # [البقرة: 49] فجاء سيدنا موسى أصلا لإنقاذ بني إسرائيل من العذاب ~~وليخرجهم من مصر. # فالحق سبحانه وتعالى لطف ببني إسرائيل لأنهم كانوا هم المؤمنين في هذا ~~الوقت وكان الآخرون وثنيين. إذن معنى: { أدوا إلي عباد ~~الله } [الدخان: 18] يعني: اعطوني بني إسرائيل الذين تعذبونهم ~~واتركوني وشأني. ومن إعجاز القرآن أنه لما تكلم عن حاكم مصر سماه ~~فرعون، إلا في فترة سيدنا يوسف عليه السلام سماه الملك: # وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان ~~يأكلهن سبع عجاف # [يوسف: 43]. وقد ثبت أن الهكسوس أثناء وجودهم في مصر غيروا اسم ~~الفرعون وقالوا الملك وكان وجودهم في مصر أيام سيدنا يوسف عليه السلام. ~~وقوله: { إني لكم رسول أمين } [الدخان: 18] يعني: مؤتمن على ~~رسالتي من الله أؤديها كما يجب أن يكون الأداء. ### || [44.19-20] # قوله: { وأن لا تعلوا على الله } [الدخان: 19] أرجع الأمر ~~إلى مصدره الأول، فلم يقل أن لا تعلوا علي ms9207 إنما على الله، يعني: ~~افهموا أن المعركة ليست بيني وبينكم، بل بينكم وبين الله الذي أرسلني، ~~فحين تعلون وتعاندون لا تعلون علي، إنما على الله الذي كلفني وأرسلني ~~إليكم. { إني آتيكم بسلطان مبين } [الدخان: 18] بحجة ~~واضحة وآية بينة وهي العصا، والعصا آية من جنس السحر الذي نبغ فيه قوم ~~فرعون، ولكنها ليست من نوعه لأن السحر في حقيقته تخييل للأعين كما قال ~~سبحانه: # سحروا أعين الناس واسترهبوهم # [الأعراف: 116]. لذلك لما رأى السحرة عصا موسى تلقف ما صنعوا ~~خروا ساجدين لا لموسى، بل لربه دون أن ينتظروا إذنا من فرعون لماذا؟ ~~لأنهم رأوا شيئا غير السحر ليس تخييلا للأعين، إنما حقيقة واقعة، ~~وهم أدرى الناس بماهية السحر. وقوله { وأن لا تعلوا على ~~الله } [الدخان: 19] يعني: لا أتكلم من عند نفسي إنما بأمر السماء، ~~وفيه إشارة أيضا إلى إبطال ألوهيتهم المدعاة، يعني: أنتم بينكم وبين ~~أنفسكم تعلمون أنكم لستم آلهة، وأن هذا ادعاء كاذب، لذلك خوفهم بالإله ~~الحق. { وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون } ~~[الدخان: 20] يعني: لجأت إليه وتحصنت به من أذاكم، وتأمل ساعة قالها ~~موسى وكيف أنه استعاذ بمعاذ، ولجأ إلى ركن شديد لا يضام من التجأ ~~إليه. ماذا حدث بعد أن استعاذ بالله؟ سخر الله له رجلا من قوم فرعون ~~يصدق موسى ويدافع عنه. وهذه الاستعاذة أيضا ستنفعه في المستقبل في قضية ~~انفلاق البحر، لما أدركه فرعون وجنوده عند شاطئ البحر، حتى قال أصحاب ~~موسى # إنا لمدركون # [الشعراء: 61] حيث لا أمل في النجاة. أما موسى فلديه رصيد من الثقة ~~بربه، فقال: # قال كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62] قالها وهو واثق بها لأنه جربها قبل ذلك وأفلح بها. إذن: ~~لما حزبه الأمر وضاقت به أسبابه لجأ إلى الله لجوء الواثق المطمئن ~~فأوحى الله إليه # أن اضرب بعصاك البحر # [الشعراء: 63] لم يكذب موسى الأمر ولم يتردد فيه مع أنها كانت شيئا ~~عجيبا يفوق تخيل العقل، لكن صدق الله معه في الأولى، شجعه أن ~~يطيع الأمر وألا يتردد فيه. # اضرب بعصاك البحر ms9208 # [الشعراء: 63] فكانت المعجزة أن انفلق البحر، فكان كل فرق كالطود ~~العظيم، ونجى الله موسى ومن معه، وأهلك فرعون وجنوده، وهذا من طلاقة ~~القدرة أن يهلك، وأن ينجي بالشيء الواحد، لأن الأشياء لا تنفعل لذاتها، ~~إنما لإرادة الله. وقوله { أن ترجمون } [الدخان: 20] دل على أن ~~الرجم كان موجودا في الأمم السابقة التي كانت تكذب رسولها. ### || [44.21-22] # يعني: إن لم تصدقوني فيما أقول فلا أقل من أن تعتزلوني وتتركوني ~~وشأني فلا تؤذونني. وقوله { فدعا ربه أن هؤلاء قوم ~~مجرمون } [الدخان: 22] فيه إشارة إلى يأسه من صلاحهم حتى شكاهم إلى ~~الله، وطلب الخلاص منهم. ### || [44.23-24] # الحق سبحانه وتعالى يقي أولياءه ويعطيهم الحصانة اللازمة، فالأمر لموسى ~~أن يخرج ببني إسرائيل ليلا، ويخبره بما سيحدث من فرعون وقومه، وأنهم ~~سيتبعونهم فلم يتركه للمفاجأة بل أعطاه حقنة وقاية بالعلم بالشيء، وهذه ~~من أسباب النصرة والتأييد. وهذا هو الذي شجعه أن يقول كلا لن يدركونا ~~ولن ينتصروا علينا، ونحن مؤيدون من الله، والذي أمرني أن أسري ~~بعباده، وأخبرني ما سيكون من عدوي لن يخذلني. إذن: كل لقطة في هذه القصة ~~دلت على طلاقة القدرة التي تعمل في الأشياء كلها، وتنقل الشيء إلى ~~ضده. وقوله: { واترك البحر رهوا } [الدخان: 24] هذا الأمر جاء ~~بعد الأمر بضرب البحر بالعصا في موضع آخر. إذن: هي لقطات متفرقة بين ~~الآيات تتكامل لتخدم فكرة واحدة، وتكون نسيجا واحدا للقصة، فهناك قال ~~له # اضرب بعصاك البحر # [الشعراء: 63] وهنا أمره { واترك البحر رهوا } [الدخان: 24] ~~كلمة رهوا مصدر من رها يرهو رهوا. مثل: عدا يعدو عدوا. عدا يعني: ~~جاوز المكان جريا. وضده رها يعني: سكن في مكانه. فموسى حين ضرب البحر ~~تجمد الماء وسكن في مكانه على شكل جبلين كبيرين بينهما يابس، ورأى موسى ~~هذا اليابس طريقا ممهدا فعبره إلى الجانب الآخر. وطبيعي وحسب تفكير ~~العقل أن يفكر أن يضرب البحر مرة أخرى ليعود في سيولته، ويمنع فرعون ~~وجنوده من اللحاق به، لكن لله تعالى في الأمر تدبير آخر، فقال له: { ~~واترك البحر رهوا } [الدخان: 24] أي: ms9209 على سكونه. موسى يفكر ~~ببشريته، والحق سبحانه يأمر بحكمته، وهذه ليس فيها غضاضة على موسى، لأن ~~الذي يصوب له هو ربه عز وجل، وهذا شرف لموسى وعظمة. وسيدنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذي نقل لنا هذا التصويب حين يخطئ الرسل في ~~أمر لم يرد فيه نص، كذلك صوب الله له في قوله: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ~~تبتغي مرضات أزواجك # [التحريم: 1] وعاتبه ربه بقوله: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43] فمن الذي أخبرنا بهذا التصويب وبهذا العتاب؟ إنه رسول ~~الله الصادق في البلاغ عن ربه. إذن: الحق سبحانه صوب لنبيه موسى عليه ~~السلام وقال له { واترك البحر رهوا } [الدخان: 24] لأني ~~أريد أن أهلك فرعون وجنوده بنفس الشيء الذي نجيتك به، وهذه من طلاقة ~~قدرة الله، ففرعون لا بد أن يغتر بهذا الطريق اليابس الذي يراه وسوف ~~يعبره خلفك. وفعلا ما أن وصل موسى إلى الناحية الأخرى من البحر حتى كان ~~فرعون في وسطه، وعندها أمر الله الماء أن يعود إلى استطراقه وسيولته، ~~وأغرق فرعون وجنوده { إنهم جند مغرقون } [الدخان: 24] ~~فبطلاقة القدرة أنجى الله سبحانه وأهلك بالشيء الواحد. ثم يبين لنا ~~الحق سبحانه ما كان فيه هؤلاء من النعمة، وما آلوا إليه من النقمة ~~والعذاب: { كم تركوا من جنات... }. ### || [44.25-27] # يعني: بعد أن أغرقهم الله تركوا هذا النعيم، كم خبرية تفيد الكثرة { ~~من جنات } [الدخان: 25] حدائق وبساتين نضرة { وعيون } [الدخان: ~~25] يعني: عيون الماء العذب الذي يجري خلال هذه البساتين. { ومقام ~~كريم } [الدخان: 26] مقام بفتح الميم اسم مكان القيام إذا كنت ~~جالسا، قمت، واسم مكان الإقامة مقام بضم الميم لموضع الإقامة، والمقام ~~لا يوصف بأنه كريم إلا إذا توفرت لمن يقيم فيه سبل الراحة والرفاهية، ~~فالمقام نفسه فيه كرم. يعني: يجمع لصاحبه كل وسائل الخير حين يقوم وحين ~~يجلس. وكأن الخير تابع له مطيع لأوامره، ولا يكون ذلك إلا إذا كان له ~~تابعون وهو متبوع، وهؤلاء التابعون يؤدون له أوامره في قيامه وفي قعوده. ~~والإنسان حينما ms9210 يكون قاعدا أو نائما أو مضطجعا ما الذي يجعله يقوم؟ ~~أمر جد عليه فأقامه، وهذا الأمر نوعان: إما خير يفرحه ويهش إليه ~~فيقوم له مثل حبيب أو صديق غائب وهو يعود، أو أمر يحزنه ويفزعه فيقوم ~~له. كما وردت كلمة مقام بضم الميم، وهي بمعنى مكان الإقامة في قوله ~~تعالى: # إنها سآءت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 66]، وفي قوله تعالى: # خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما # [الفرقان: 76]. وقوله: { ونعمة كانوا فيها فاكهين } ~~[الدخان: 27] كلمة نعمة أيضا وردت بفتح النون مرتين كما هنا، ووردت ~~بكسر النون مثل # اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم.. # [البقرة: 40] في 34 موضعا إما مفردة وإما مضافة إلى الله، ووردت ~~نعمتي ونعمتك ونعمته للغائب. والفرق بينهما أن نعمة بالكسر تعني: ما ~~يتنعم به، ولكن يلاحظ أن المتنعم به أشياء خارجة عن الذات، فمرة توجد ~~النعمة وتوجد القدرة على التنعم بها. ومرة توجد النعمة ولا توجد ~~القدرة على التنعم بها. أما النعمة بالفتح فتعني وجود النعمة، ووجود ~~القدرة على التنعم بها. وقوله { كانوا فيها فاكهين } [الدخان: ~~27] من التفكه والتلذذ، مأخوذة من الفاكهة وهي تدل على الرفاهية، ~~لأن الطعام منه أشياء ضرورية أساسية، وهي التي بها قوام الحياة ~~واستبقاؤها، وطعام آخر للترف والمتعة كالفاكهة تؤكل بعد الطعام. وهذه ~~الأشياء التي تؤكل للترف والمتعة يمكن الاستغناء عنها لأنها ليست من ~~الضروريات، بدليل أن كثيرا من الناس لا يعرفون أكل الفاكهة وهم أحياء ~~يرزقون. إذن: كانوا في رفاهية من العيش وفي متعة فضلا عن الضروريات. ### || [44.28] # { كذلك } [الدخان: 28] يعني: مثل هذا، سلبها الله منهم وأعطاها ~~لغيرهم، ولو سلبت منهم فقط لكانت أخف عليهم، إنما سلبت منهم ~~وأعطيت لغيرهم فهذا أنكى. لذلك الذي جعل الحسد مذموما أن الحاسد ~~يتمنى زوال النعمة عن الغير ولو لم تأت إليه، المهم أن تذهب عن فلان ~~لأنه يكره النعمة عنده، وحين يكره النعمة تكرهه ولا تأتيه. ومقابل الحسد ~~الغبطة، وهي أن تحب النعمة عند الغير، وتتمنى مثلها لنفسك، وحين تحب ~~النعمة تحبك وتأتيك ساعة تقول: " اللهم بارك له فيها، وأنعم ms9211 علي ~~بمثلها ". لكن من هم القوم الآخرون الذين ورثوا النعمة بعد قوم فرعون؟ ~~هم بنوا إسرائيل القوم الذين عذبوا، الذين ذبحتم أبناءهم واستحييتم ~~نساءهم، ومطلق التذبيح فيه إذلال وإهانة، وأفظع منها ما يفعل بالنساء ~~بعد موت الرجال لذلك كان العرب إذا خرجوا للحرب أخذوا معهم نساءهم كيلا ~~يتركوهن للأعداء لو نزلت بهم الهزيمة. ### || [44.29] # تثبت هذه الآية أن للجمادات عاطفة، وأنها تحب وتكره، وتبكي وتفرح، ~~فالعاطفة إذن موجودة في كل المخلوقات على قدر الحاجة، فالعاطفة في ~~الإنسان باقية، فتراه مثلا يحب ولده، حتى لو كان الولد غبيا أو ~~مشاغبا، ويستمر معه هذا الحب، وربما يعطف عليه أكثر من السوي. لذلك ~~لما سألوا الأعرابي: من أحب بنيك إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والغائب ~~حتى يعود، والمريض حتى يشفى. أما الحيوان فعاطفته على قدر الحاجة، فترى ~~الحيوان يعطف على ولده الصغير ويدافع عنه، فإذا ما كبر تركه وكأنه لا ~~يعرف عنه شيئا، ولو ذبح أمامه ما شعر نحوه بشيء، لأن عاطفته بقدر حاجة ~~الصغير للتربية. كذلك الجماد، الحق سبحانه يرتقي به ويجعل له عاطفة، ومن ~~هذه العاطفة أن السماء والأرض ما بكت على هؤلاء المهلكين لأنهم خالفوا ~~منهج الله. لذلك خاطب الله الجمادات، وجعلها في منزلة أولي الألباب ~~المستنيرين الذين يفهمون ويعقلون، بدليل أن الله تعالى خير السماوات ~~والأرض والجبال في مسألة حمل الأمانة: # إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.. # [الأحزاب: 72]. فدل ذلك على أن لها اختيارا وتعقلا، وبعضهم قال: إن ~~السماء والأرض مسخران ومقهوران على العبادة، قلت: لا بل كل شيء في ~~الوجود عدا الله خير، فمنها من تنازل عن اختياره لاختيار ربه، وعن ~~مراده لمراد خالقه، ومنها من اختار أن يكون مختارا وهو الإنسان. ~~وقلنا: فرق بين وقت التحمل ووقت الأداء، فأنت تضمن وقت التحمل وتثق به، ~~لكنك لا تضمن وقت الأداء، إذن: كانت الجمادات أكثر موضوعية من الإنسان في ~~هذه المسألة لأنها اختارت بداية أن تكون مقهورة لربها، أما الإنسان ~~فاختار أن يكون ms9212 مخيرا، وعند الأداء منهم من آمن ومنهم من كفر، ~~منهم من أطاع، ومنهم من عصى. فإن قلت: فبأي لغة تتكلم الأرض ~~والسماء؟ وكيف تفهم؟ نقول: يخاطبها ويفهم منها خالقها سبحانه، فهو الذي ~~يعلم لغتها لذلك يعطينا الحق سبحانه أمثلة لكلام هذه المخلوقات وتسبيحها ~~لله تعالى، فقال: # وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير ~~وكنا فاعلين # [الأنبياء: 79] وقال: # وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا ~~تفقهون تسبيحهم.. # [الإسراء: 44]. وفي قصة سيدنا سليمان عليه السلام تكلم الهدهد كلاما ~~دل على علمه وفهمه لقضية التوحيد كأحسن ما يكون الفهم، وتكلمت نملة ~~ووجدنا عندها مقاييس الحق والعدالة. ووالله إن الإنسان ليتعجب حينما يقرأ ~~قوله تعالى: # ألم تر أن الله يسجد له من في السموت ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق ~~عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم ~~إن الله يفعل ما يشآء # [الحج: 18]. # فكل الكائنات تسبح على إطلاقها ودون استثناء، إلا الإنسان هو ~~المخلوق الوحيد الذي يشذ عن هذه المنظومة المسبحة. لذلك قلنا: إن ~~المخلوقات الأخرى غير الإنسان كانت أكثر فهما منه حين رفضت التخيير ~~وتنازلت عن مرادها لمراد ربها. إذن: لا تغتر أيها الإنسان، واعلم أن ~~المخلوقات من حولك لها دور ولها منزلة عند الله، وقد خلق فيها مثل ما ~~خلق فيك من الفهم والعاطفة. وقد ورد في الحديث الصحيح عن سيدنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما يؤيد هذه المسألة، فقال عن أحد: # " أحد جبل يحبنا ونحبه ". # وثبت أن الجبل اهتز به هو وصحابته، فقال له # " اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ". # وقال: # " والله إني لأعرف حجرا كان يسلم علي بمكة قبل البعثة ". # وثبت أيضا في الحديث أن الأرض تبكي لموت المؤمن وتفرح لموت الكافر. ~~والعرب تقول نبت به الدار يعني: كرهته. وما هذا إلا لأن هذه الجمادات ~~لها فهم وتعقل على كيفية ما، وأنها منسجمة تماما مع منهج الله، فهي ~~طائعة مسبحة، لذلك تحب من كان على شاكلتها من ms9213 البشر وتكره من شذ ~~منهم عن منهج الله وقضية التوحيد. لذلك سيدنا الإمام علي لما سئل: ~~أتبكي السماء والأرض؟ قال: " نعم، إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع ~~في الأرض وموضع في السماء. أما موضعه في الأرض فموضع سجوده أو مصلاه، ~~وأما موضعه في السماء فمصعد عمله " فكأن هناك صحبة بين المكان والمكين ~~فيه، بين المكان والإنسان المؤمن. وبهذا نفهم { فما بكت عليهم ~~السمآء والأرض } [الدخان: 29] وكيف تبكي السماء على هلاك عدو ~~الله فرعون بعد أن بارز الحق سبحانه وادعى أنه إله من دون الله؟ ~~وقوله: { وما كانوا منظرين } [الدخان: 29] يعني: مؤخرين ~~ومؤجلين عن موعدهم الذي جعله الله نهاية لهم، لأن أجل الله إذا جاء لا ~~يؤخر. ### || [44.30-31] # قوله تعالى: { من العذاب المهين } [الدخان: 30] العذاب هو ~~المؤلم للمادة ويكون بالنار وبغيرها، كقطع جزء من الجسم أو الجلد ~~مثلا، وقد يضاف إلى العذاب الحسي عذاب آخر معنوي وهو الإهانة ~~والإذلال، وبعض الناس يتحمل العذاب الحسي، ولا يتحمل أن تهينه بكلمة ~~ربما كانت أشد عليه من العذاب. وبنو إسرائيل كانوا يعانون العذاب ~~بتذبيح الأبناء، ويعانون الإهانة باستحياء النساء، والنساء نقطة ضعف عند ~~الرجل، وعرض ينبغي المحافظة عليه، لذلك كان التعدي على نساء الرجل ~~أعظم إهانة له. وقد تدارك الحق سبحانه برحمته بني إسرائيل ونجاهم من ~~العذاب المهين { من فرعون } [الدخان: 31] فهو سبب هذا العذاب. { ~~إنه كان عاليا } [الدخان: 31] يعني: متكبرا على الناس ~~مستعليا عليهم { من المسرفين } [الدخان: 31] أي: المسرفين على ~~أنفسهم، والمسرف هو الذي يتجاوز الحد الذي وضعه الله فيه إلى غيره، ~~ففرعون كان مستكبرا ومسرفا في استكباره، ويكفيه إسرافا أن يدعي ~~الألوهية، ويقول للناس: أنا ربكم الأعلى، وأن يخدع قومه ويغرر بهم. ~~وقلنا: فرق بين أن يكون الإنسان ضالا في نفسه، وأن يكون ضالا ~~ومضلا للآخرين. وفرعون ضل وأضل أمة بأكملها واستعبدها، وصدق ~~القائل: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ ### || [44.32] # الكلام هنا عن بني إسرائيل، وهم يتمسكون بهذه الآية ويبنون عليها أنهم ~~شعب الله المختار، فيقولون: إن الله الذي ms9214 خلقكم وبعث إليكم رسولا هو ~~الذي اختارنا على العالمين. وهذا ادعاء باطل لأن معنى { على ~~العالمين } [الدخان: 32] أي: العالمين في زمانهم والمعاصرين لهم من ~~قوم فرعون وغيرهم، وهؤلاء كانوا في الغالب وثنيين، ففضل الله بني ~~إسرائيل عليهم لأنهم يؤمنون بالله وكانوا في هذا الوقت خيرة خلق الله ~~جميعا. لكنهم أرادوا أن يسحبوا هذا الحكم على الناس جميعا، وعلى ~~العالمين في كل زمان ومكان، وهذا لا يجوز، بدليل أنهم لما خالفوا منهج ~~الله قطعهم في الأرض أمما، وبعثرهم في كل مكان عقابا لهم. حتى أنك ~~تجد في كل بلد من البلاد حارة باسمهم تسمى حارة اليهود، تراهم مجتمعين ~~ومنغلقين على أنفسهم لا ينسجمون ولا يذوبون في المجتمع من حولهم. حتى أن ~~القرآن عبر عن هذا المعنى بقوله تعالى # وقطعناهم في الأرض أمما # [الأعراف: 168] فكل جماعة منهم في مكان تمثل أمة بذاتها لأنهم لا يذوبون ~~في غيرهم من الأمم. والذي ينفي ادعاءهم هذا قوله تعالى: # وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم ~~القيامة من يسومهم سوء العذاب # [الأعراف: 167] وهذا هو الذي يحدث بالفعل، فمن حين لآخر يسلط الله ~~عليهم من يسومهم سوء العذاب. ثم يقول تعالى: { وآتيناهم من ~~الآيات... }. ### || [44.33] # وقوله: { وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين } ~~[الدخان: 33] الآيات هي: المعجزات التي صاحبت دعوة سيدنا موسى، وبهذه ~~الآيات نجاهم الله من الغرق، ونجاهم من قوم فرعون. والعجيب أنهم ~~بمجرد أن نجاهم الله من الغرق ومن فرعون، وبمجرد خروجهم سالمين رأوا ~~قوما يعبدون أصناما لهم، فقالوا لموسى عليه السلام # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138] فأشركوا بالله، وما تزال أقدامهم مبتلة من عبور البحر. ~~وفي فترة التيه أكرمهم الله، وأنزل عليهم المن والسلوى، وهما من ~~أرقى ما يكون الطعام، وألذ ما يؤكل ينزل عليهم دون تعب ودون مجهود، ~~لكنهم لماديتهم اعترضوا على المن والسلوى. وقالوا لموسى: # لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج ~~لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها ~~وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي ms9215 هو خير.. # [البقرة: 61] يريدون الشيء المادي الذي يباشرونه بأنفسهم ويعلمون مصدره، ~~بل بلغت بهم المادية إلى أن قال لنبي الله موسى: # أرنا الله جهرة # [النساء: 153]. البعض قال: إن موسى عليه السلام هو الذي فتح لهم هذا ~~الباب حينما قال: # رب أرني أنظر إليك # [الأعراف: 143]. وكلمة { بلاء } [الدخان: 33] يعني: امتحان واختبار ~~لنعلم ردود أفعالهم، بعد أن رأوا الآيات أو بعد أن رأوا النعم، وقلنا: ~~الابتلاء والامتحان لا يذم ولا يمدح لذاته، إنما حسب النتائج المترتبة ~~عليه. ### || [44.34-35] # الإشارة في { إن هؤلاء ليقولون } [الدخان: 34] قد يراد ~~بها بني إسرائيل، لأنك لو نظرت إلى التوراة أو التلمود لا تجد فيه شيئا ~~عن اليوم الآخر، مع أنه عنصر أساسي من عناصر الإيمان، لكنهم قوم لا ~~يؤمنون بهذا اليوم. والمسألة عندهم كما حكى القرآن قولهم: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودات # [آل عمران: 24] يعني: ثم تنطفئ عنا وتنتهي المسألة. وقالوا في آية ~~أخرى: # نحن أبنؤا الله وأحبؤه # [المائدة: 18]. أو يراد بهؤلاء منكرو البعث عموما، سواء بنو إسرائيل ~~أو غيرهم، وقولهم { إن هي إلا موتتنا الأولى } [الدخان: ~~35] يريدون بالموتة الأولى العدم الذي سبق الخلق، فيعتبرون العدم موتة، ~~ثم خلق الله آدم ومنه جاء سائر الخلق. كما قال تعالى: # وكنتم أموتا فأحيكم # [البقرة: 28] يعني: لن نموت إلا هذه الموتة، وليس هناك موتة أخرى بعدها ~~بعث ولا حساب { وما نحن بمنشرين } [الدخان: 35] يعني: مبعوثين ~~أحياء بعد الموت. ### || [44.36] # قلنا: إن الإيمان يعتمد على آيات الغيب فتؤمن بوجود الله وبالجنة والنار ~~دون أن تراها، هذا موطن الإيمان، أما الآيات المشاهدة فلا إيمان فيها، ~~لا تقول: أؤمن بأن الشمس طالعة، لكن هؤلاء للمادية التي تحكمهم يريدون ~~آية الغيب مشاهدة، فيقولون { فأتوا بآبآئنا إن كنتم ~~صادقين } [الدخان: 36] وليس مع العين أين. هم هم لا يصدقون إلا ~~بالأمر الحسي، لذلك يريدون إعادة آبائهم من بعد الموت ليؤمنوا بأن ~~البعث حق، ونقول لهم: إن كنتم تريدون ذلك فعندكم كتب التاريخ ~~والرسالات السماوية تحكي لكم مثل هذا الذي تريدونه مثل قصة العزير: # أو كالذي ms9216 مر على قرية وهي خاوية على ~~عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ~~فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت ~~قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مئة ~~عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ~~وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر ~~إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما ~~تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء ~~قدير # [البقرة: 259]. كذلك في قصة أهل الكهف، يقول تعالى الذين أحياهم الله ~~بعد ثلاثمائة سنة وتسع، أيضا ساعة قاموا من نومهم أو موتهم قالوا # لبثنا يوما أو بعض يوم # [المؤمنون: 113] لأن هذه الفترة المعتادة لنوم الإنسان. وهذه وغيرها ~~وقائع حدثت في فترات سابقين، هم يعرفونهم ويؤمنون بهم، كذلك في قوله ~~تعالى: # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف ~~حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم # [البقرة: 243]. وهؤلاء الذين أحياهم الله بعد الموت لا يعيشون إلا بقدر ~~المعجزة ثم يموتون. إذن: لا حجة لهؤلاء في طلب إحياء آبائهم، بدليل أن ~~الله أحيا الموتى وبلغهم ذلك على لسان الرسل، ومع ذلك لم يؤمنوا، ولو ~~أحيا الله لهم الآباء أيضا لم يؤمنوا. ### || [44.37] # الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقارن بين هؤلاء وبين من سبقهم من الأمم ~~المكذبة، ويقول لهم: لستم بدعا في ذلك ولستم بمنجى عن هذا المصير ~~الذي حاق بمن كذب قبلكم. { أهم خير.. } [الدخان: 37] يعني: ~~بنو إسرائيل { أم قوم تبع } [الدخان: 37] تبع الحميري من ملوك ~~اليمن، واليمن قديما كانت تسمى الأرض الخضراء أو اليمن السعيد لكثرة ~~خيراته. وكان تبع رجلا صالحا لكن خالفه قومه وكذبوه، فأخذهم الله ~~أخذ عزيز مقتدر بعد أن دمر السد الذي كان يوفر لهم الماء ~~للزراعة فبتدمير السد دمرت حياتهم كلها. وهذه القصة ذكرتني بأيام ~~كنا في الجزائر، وهناك بنوا سدا يحجز ماء المطر، وسموه سد مأرب، ~~ولما ذهبنا مع الرئيس لافتتاحه قام أحدهم خطيبا، وقال فيما قال: والآن ~~بني السد، وسوف تروون أرضكم وزراعاتكم، أمطرت السماء أم لم تمطر. ms9217 ~~فاستوقفني هذا الكلام ورأيت فيه مخالفة، لا للدين فحسب بل للعقل ~~وللمنطق، فقلت لوزير خارجيتهم: قل للسيد الخطيب: لو لم تمطر السماء ~~ماذا يحجز هو أو السد؟ وقوله: { إنهم كانوا مجرمين } ~~[الدخان: 37] كلمة مجرم لا تقال إلا لمن بالغ في المعصية وارتكاب ~~الآثام مبالغة عظيمة. ومجرم يعني: يأتي بالجرم الفاحش. هنا جاء بكلام ~~على وجه العموم { والذين من قبلهم أهلكناهم } [الدخان: ~~37]. وفي موضع آخر فصل الكلام في هذا الإهلاك، فقال: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا.. # [العنكبوت: 40]. وفي سورة الفجر: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد # [الفجر: 6-10]. هذه كلها أمم كان لها حضارات، لكن لم تمكنهم حضاراتهم ~~أن يحتفظوا بها، وأن يمنعوها من الزوال بحيث تنتهي كأن لم تكن. الحق ~~سبحانه وتعالى كان يأخذ الأمم المكذبة أخذ عزيز مقتدر، لأن الرسل ~~السابقين لم يطلب منهم القتال، فقط تبليغ رسالات الله. وكانت السماء هي ~~التي تتولى تأديب المكذبين والانتقام منهم، ولم يؤذن في القتال إلا ~~لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه هو المأمون على أن يسود البشر ~~برأيه المشبع بمنهج الله، لذلك لم يأت بعده رسول، وكونه لم يأت بعده ~~رسول دليل على شهادة الخير لأمته، وسيظل فيها هذا الخير إلى قيام ~~الساعة. ### || [44.38-39] # يريد الحق سبحانه أن يلفت الأنظار إلى قضية كونية تستوعب الزمن كله في ~~الماضي وفي الحاضر، هذه القضية هي صفة الثبات في خلق السماوات والأرض، ~~فهي منذ خلقها الله تعالى تسير على نظام محكم لا يتخلف ولا يتبدل ~~ولا يتغير. هذا الثبات يعني أنها خلقت على الحق وبالحق، فالحق هو ~~الثابت أما الباطل فيتغير، لذلك قلنا: لو نظرت إلى شاهد الزور أمام ~~القاضي لا بد أن تتضارب أقواله، ويظل المحقق يحاوره حتى يوقعه في ~~تناقض ويكشف الزور الذي يحاول أن يلبسه ثوب الحق. ويأتي ms9218 التناقض في ~~أقواله لأنه يستوحي باطلا من نسج خياله، أما الذي يستوحي الحق وينطق به، ~~فإن أقواله لا تتغير ما دام متمسكا بالحق، فالحق ثابت وهو الواقع، ~~فيمن أين يأتي التناقض؟ وللمحققين طرق وأساليب يكشفون بها الزور، ويصلون ~~بها إلى الحق، لذلك قالوا: إن كنت كذوبا فكن ذكورا. لكن لا بد في ~~مرة من المرات أن تخونك الذاكرة، ولا بد أن ينتصر لسان الحق على ~~لسان الباطل. وأذكر عندنا في دقادوس أحد المزارعين وكان رجلا فشارا، ~~وفي مرة كنا عائدين من البندر ميت غمر وكان صاحبنا هذا يحكي بعض قصصه، ~~فقال: حدث هذا في ليلة العيد الصغير والدنيا قمر ضهر. سبحان الله، كيف ~~يكون القمر ظهرا في ليلة العيد الصغير؟ وحتى الناس العامة يقولون في ~~أمثالهم: الكذب ملوش رجلين، نعم. الحق هنا يقول: { وما خلقنا ~~السموت والأرض وما بينهما لعبين } [الدخان: 38] ~~إذن: خلقناهما بالجد لا باللعب، وبالحق لا بالباطل، وفي آية بعدها قال: { ~~ما خلقناهمآ إلا بالحق } [الدخان: 39] وهذا الثبات دل ~~على الدقة في الخلق، وأنها خلقت بعناية وهندسة دقيقة محكمة، وبقوانين ~~لا تتعارض منذ خلقها الله وإلى قيام الساعة. تأمل مثلا الشمس في مشرقها ~~وفي مغربها، وفي حركتها وسرعتها بالنسبة للأرض، تأمل القمر وما يحدث من ~~ظاهرتي الكسوف، كل هذه الآيات تحدث بدقة متناهية وموازين لا تتخلف ~~أبدا ولا تتعارض، وهات لي أي آلة بشرية تعمل وتظل على الدقة طوال ~~الوقت. والذي خلق السماوات والأرض على نظام دقيق لا يتعارض خلقها ~~لغاية، هذه الغاية هي هي منذ آدم عليه السلام وإلى آخر الدنيا. قلنا { ~~إلا بالحق.. } [الدخان: 39] الشيء الثابت الذي لا يتغير، ويقول ~~سبحانه: # والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في ~~الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان # [الرحمن: 7-9]. في هذه الآية إشارة لطيفة من الحق سبحانه. يقول: انظروا ~~إلى السماء وما فيها من كواكب وأجرام، هل رأيتم فيها خللا أو تعارضا؟ ~~أبدا لأنها مخلوقة بالحق وبالميزان وبالدقة كذلك، إن أردتم أن تعتدل ~~أمور حياتكم وتستقيم، فخذوا بميزان ms9219 الحق في كل حياتكم، وعندها لن تجدوا ~~في المجتمع تناقضا ولا تصادما. # ولأن الحق هو الثابت فهو الباقي وهو الأعلى لذلك قالوا: الحق أبلج ~~والباطل لجلج، والحق لا ينطمس أبدا وإن علا الباطل عليه فلحين، فالحق ~~سبحانه يجعل للباطل جولة يعلو فيها حتى يعض الناس ويشعرهم بأهمية الحق. ~~فكأن الباطل نفسه جندي من جنود الحق، والكفر جندي من جنود الإيمان، ولو ~~لم يذق الناس بطش الباطل وقسوته ما عرفوا لذة الحق، لذلك لما جاء ~~الإيمان ما أسرع إليه إلا أشد الناس معاناة من الكفر. وقوله: { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون } [الدخان: 39] لا يعلمون هذه ~~الحقائق لأنهم معرضون عن آيات الله في الكون، معرضون عن التأمل، كما ~~قال سبحانه: # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. ### || [44.40-42] # فإن كانوا معرضين عن آياتنا في الدنيا فسوف يعرضون علينا في الآخرة ~~في يوم الفصل { إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين } ~~[الدخان: 40] يوم القيامة هو موعدهم حيث يجمعهم الله جميعا، التابع ~~والمتبوع، المؤمن والكافر، الطائع والعاصي، المكذبين والمصدقين ~~بالرسل. الكل سيجتمع { يوم لا يغني مولى } [الدخان: 41] لا ~~ينفع صديق صديقه { عن مولى شيئا } [الدخان: 41] ولا يدفع قريب ~~عن قريبه. وفي آية أخرى قال سبحانه: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67] المتقون فقط هم الذين تبقى أخوتهم وخلتهم، أما الأخلاء ~~على حطام الدنيا ومصالحها فسوف يكونون أعداء يوم القيامة، يلقى كل ~~منهم بالتبعة على صاحبه لأنه رآه في يوم ما على معصية فلم يزجره عنها ولم ~~ينصح له. { ولا هم ينصرون } [الدخان: 41] لا يجدون من ينصرهم ~~من دون الله { إلا من رحم الله } [الدخان: 42] رحمه أولا في ~~الدنيا بأن أنقذه من الكفر، وجعله مؤمنا به مصدقا برسوله، رحمه ~~بأن جعله على منهجه وعلى صراطه المستقيم حتى يلقاه، وهذه الرحمة تمهيد ~~للرحمة الكبرى يوم القيامة. وكلمة مولى تتسع لتشمل الأولاد والأقارب ~~والأصدقاء والخلان، وبعض الناس يتخذ العبيد والخدم، ويدخل فيها كل ~~تابع لك، وكل هؤلاء { لا يغني مولى عن مولى شيئا.. ms9220 } ~~[الدخان: 41] يعني: لا يدفع عنه ضرا، ولا يتحمل عنه وزرا، لأن كل ~~واحد مشغول بنفسه، ينوء بحمله هو، هذا في البشر، وكذلك في الأصنام لن ~~تنفع عابديها، وفي كل معبود سوى الله تعالى. لذلك قال تعالى عن ~~فرعون: # يقدم قومه يوم القيامة.. # [هود: 98] يعني: يسبقهم إلى النار. ### || [44.43-46] # الحق سبحانه وتعالى هنا يعطينا صورة لطعام أهل النار والعياذ بالله، ~~وفي موضع آخر يعطينا صورة لشرابهم، لأن الطعام والشراب هنا قوام ~~الحياة، فطعامهم الزقوم، وهو شجرة صغيرة منتنة الرائحة، وطعمها مر. ~~أما شكلها، فقال عنه سبحانه في آية أخرى # طلعها كأنه رءوس الشياطين # [الصافات: 65] وهو تشبيه يؤدي المراد منه بدقة، فالمراد إظهار بشاعتها ~~وقبح منظرها. لذلك وجدنا بعض المستشرقين يعترضون على هذا التشبيه ~~يقولون: كيف يشبه مجهولا بمجهول لأن أحدا لم ير رؤوس الشياطين، ~~والأصل في التشبيه أن تشبه مجهولا بمعلوم ليتم الإيضاح. يقولون هذا ~~لأنهم لا يعرفون شيئا عن إعجاز القرآن وطريقة أدائه للمعنى، فلو أننا ~~أجرينا مسابقة بين رسامي الكاريكاتير في العالم وقلنا لهم: ارسموا لنا ~~صورة الشيطان، فكل واحد سيرسمها من تخيله للقبح في نظره هو. وهكذا ~~سيكون عندنا صور متعددة، كلها قبيح مع أنها مختلفة، لأن القبح له ألوان ~~مختلفة، والشيء البشع عند البعض قد لا يكون كذلك عند آخرين، مثل مقاييس ~~الجمال نجدها نسبية بين الناس، فمثلا البعض يرى الجمال في الشفاه ~~الرقيقة، وآخر يراه في الشفاه الغليظة. وهكذا تختلف مقاييس القبح في ~~الذهن الإنساني، والصورة التي تفزع شخصا قد لا تفزع الآخر، فأراد ~~الحق سبحانه بهذه الصورة أن يشيع قبحها وبشاعتها، وأن يقبحها ~~قبحا عاما يستوعب كل نواحي القبح والبشاعة عند مختلف الناس. إذن: ~~الإبهام هنا أفضل، لأنه يجعلك تذهب في تصور القبح كل مذهب، لذلك ~~نستطيع أن نقول: إن الإبهام هنا هو غاية الإيضاح وعين البيان. إذن: هي ~~شجرة كريهة في شكلها وفي طعمها وفي رائحتها، ثم يزيد على ذلك فيشبه ~~طعمها بأنه { كالمهل يغلي في البطون } [الدخان: 45] المهل ~~هو: المعدن المذاب الذي بلغ ms9221 الغاية في الحرارة، أو هو الزيت المغلي. ~~فمثلا نرى صانع الطعمية يغلي الزيت لفترات طويلة، حتى يتحول إلى مواد ~~سامة سوداء اللون يسمونها الدردى، هذا الذي يسمونه المهل إذا كان ~~من أصول لينة، وقد يكون من أصول صلبة كالمعادن مثل: الذهب والحديد ~~والنحاس. ومعنى { يغلي في البطون } [الدخان: 45] أن درجة حرارته ~~- والعياذ بالله - لا تنخفض بشربه، فنحن مثلا حين نشرب الشاي ساخنا ~~نشعر بلسعة الحرارة في الفم أثناء تناوله، لكن حين ينزل إلى المعدة ~~تنخفض هذه الدرجة. أما الزقوم والعياذ بالله فيظل يغلي حتى في بطونهم ~~{ كغلي الحميم } [الدخان: 46]. مثل غليان الماء الذي بلغ أقصى ~~درجة، وتناهت حرارته. ### || [44.47-49] # لو تأملت فعل الأمر هذا { خذوه.. } [الدخان: 47] والآمر هو الحق ~~سبحانه وتعالى نجده مخيفا مرعبا، ووالله لو قالها ضابط شرطة لمجرم ~~لكانت مخيفة، فما بالكم لو قال الحق سبحانه { فاعتلوه.. } [الدخان: ~~47]؟ يعني: جروه بشدة وغلظة ودون رحمة أو هوادة، إلى أين؟ { إلى ~~سوآء الجحيم } [الدخان: 47] ولم يقل إلى الجحيم، فسواء الجحيم ~~يعني: وسطها لأنه لو كان متطرفا هنا أو هناك ربما أعطاه أملا في الخروج ~~منها، أو جاءه نسمة هواء تخفف عنه، إنما في وسطها بحيث تكون الجحيم ~~حوله من كل ناحية مطبقة عليه. ليس هذا وفقط { ثم صبوا فوق ~~رأسه من عذاب الحميم } [الدخان: 48] فالغليان في جوفه وفوق ~~رأسه، وبعد هذا العذاب الحسي يأتي العذاب المعنوي والسخرية والاستهزاء. ~~{ ذق إنك أنت العزيز الكريم } [الدخان: 49] لأن الذوق ~~يستوعب جميع أعضاء الجسم { إنك أنت العزيز الكريم } ~~[الدخان: 49] أي: في الدنيا وظننت أنك ستكون كذلك في الآخرة، كما قال ~~سبحانه: # ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36]. وقوله: { العزيز الكريم } [الدخان: 49] على سبيل ~~التهكم به والسخرية منه. ### || [44.50] # { هذا.. } [الدخان: 50] أي: العذاب الذي نزل بهم { ما كنتم به ~~تمترون } [الدخان: 50] يعني: تشكون فيه وتكذبونه أصبح حقيقة ~~واقعة. ثم يذكر الحق سبحانه الصنف المقابل، فيقول تعالى: { إن ~~المتقين... }. ### || [44.51-54] # الجمع بين المتقابلات من أساليب الأداء القرآني، لأن التقابل يزيد ~~الصورة وضوحا. وقد ms9222 فطن الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال: # فالوجه مثل الصبح مبيض # والشعر مثل الليل مسود # ضدان لما استجمعا حسنا # والضد يظهر حسنه الضد # ومن ذلك قوله تعالى: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14] وعليك أنت أن تعقد مقارنة وأن تختار، لذلك الحق ~~سبحانه بعد أن حدثنا عن مصير المجرمين وما أعده لهم من ألوان العذاب ~~يذكر سبحانه مصير المتقين وما أعده لهم من النعيم. { إن ~~المتقين في مقام أمين } [الدخان: 51] والمتقي هو الذي يجعل ~~بينه وبين صفات جلال الله وقاية صفات الجلال، مثل: القهار الجبار ~~المنتقم ذي البطش الشديد، فاجعل أيها المؤمن بينك وبين هذه الصفات من ~~الله وقاية، لأنك لا تحتمل صفات الجلال من الله. لذلك قال تعالى # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله.. # [البقرة: 278] وقال: # فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة.. # [البقرة: 24] لأنها جندي من جنود صفات القهر والجلال. إذن: هما ~~يؤديان نفس المعنى. وقوله { في مقام أمين } [الدخان: 51] ~~المقام هو مكان الإقامة أو المسكن الذي تسكن فيه وله أجزاء، تقعد في جزء ~~وتنام في جزء وهكذا، لكن من أهم مقومات المسكن أن يكون آمنا تأمن ~~فيه على نفسك ومالك. لذلك حينما نفكر في إقامة مدينة سكنية لا بد أن ~~نوفر لها أولا مقومات الأمان لساكنيها، وأول هذه المقومات أن تكون ~~بعيدة عن مراتع الوحوش والحيوانات المفترسة، كذلك آمنا من السرقة أو ~~الخائن، وهو البشر الذي يتغلغل فيك في بيتك، ويزعجك بحيث إذا كنت نائما ~~أو قاعدا قمت ووقفت له. فالمكان الأمين أو المقام الأمين هو الذي تأمن ~~فيه من كل شيء إذن: الأمن في المقام، فوق الأمن في المقام بالضم. لذلك ~~سيدنا إبراهيم دعا ربه # رب اجعل هذا بلدا آمنا.. # [البقرة: 126] يعني: أمنا عاما كما يشترط في أي بلد. فلما أعطاه هذه ~~دعا بالأمن الخاص، فقال: # رب اجعل هذا البلد ءامنا.. # [إبراهيم: 35] ثم أعطاه الحق سبحانه آمنا فوق هذا كله، وهو حرمة البيت ~~الحرام فقال: # ومن دخله كان آمنا.. # [آل عمران: 97] حتى أن الرجل ms9223 كان يلقى فيه قاتل أبيه فلا يتعرض له ~~لحرمة البيت. لذلك لما حدثت أحداث البيت الحرام، وأطلق فيه النار ~~وفزع فيه الآمنون، خرج علينا من الملاحدة من انتهز هذه الفرصة وأخذ ~~يشكك في قوله تعالى: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97] لأن ما حدث يتعارض مع هذه الآية. وينبغي هنا أن نفرق ~~بين أسلوبين من أساليب الأداء القرآني، فقوله تعالى: # ومن دخله كان آمنا # [آل عمران: 97] لا يعني الإخبار بأن من دخله كان آمنا، إنما المراد ~~منه: أطلب منكم أن تؤمنوا من دخله، فهو أمر شرعي يحتمل أن نطيعه ~~فنؤمن من دخله، ويحتمل ألا نطيع فنروع من دخله. # إذن: الآية فيها إنشاء طلبي، وليست خبرا، ومعلوم أن الخبر يحتمل الصدق ~~أو الكذب، أما الإنشاء فلا يحتمل الصدق ولا يحتمل الكذب. ومن ذلك قوله ~~تعالى: # الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات ~~والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات.. # [النور: 26] البعض يفهم الآية على أن فيها إخبارا من الله تعالى بأن ~~الخبيثات من النساء لابد أن يكن للخبيثين من الرجال، ثم يرى في واقع ~~المجتمع خلاف ذلك فيشك في صدق الآية. لكن المعنى غير ذلك، المعنى ~~تشريعي: أعطوا الخبيثات للخبيثين، وأعطوا الطيبات للطيبين، فهذا أمر ~~شرعي قد يطاع من البعض، وقد يعصى من آخرين. والحكمة والصواب في اتباع ~~أوامر الله ليحصل التكافؤ بين الاثنين، وتعتدل كفة الحياة الزوجية، ~~فلو تصورنا رجلا طيبا يتزوج امرأة خبيثة ماذا يحدث؟ يحدث خلاف وعدم ~~توافق ثم يعيرها الزوج بماضيها ويذلها بسيئاتها السابقة، أما إن أخذ ~~الخبيث الخبيثة حدث التوافق، وإن قال لها: أنت كنت، قالت له: وأنت ~~كنت. إذن: الحق سبحانه فرض أشياء كونية لا تختلف أبدا، ولا يعارضها ~~واقع الحياة، وفرض أشياء شرعية متروكة لاختيار المكلف يعمل بها أو لا ~~يعمل، فهذه الآية وأمثالها ليست أمرا كونيا، إنما هي أمر شرعي، كأن ~~الله يقول: يا من تؤمن بأمر شرعي نفذ هذا الكلام. وقوله تعالى: { في ~~جنات وعيون } [الدخان: 52] الجنات هي البساتين والحدائق، وهي عند ~~العرب شيء جميل ونعمة كبرى، فإن ms9224 كان الأمن من الضروريات فالجنات والعيون ~~من الترف وزيادة النعمة. وقال { وعيون } [الدخان: 52] لأن الجنات ~~لابد لها من عيون تروي زرعها، وتغذي ثمارها، وبعد أن ضمن لهم الأمن ~~وترف الحياة يضمن لهم الملبس الحسن { يلبسون من سندس ~~وإستبرق متقابلين } [الدخان: 53]. السندس هو الحرير ~~الرقيق، والإستبرق الحرير السميك الغليظ، وهذا يدل أيضا على الرفاهية ~~والرياش الدال على الفخفخة لأن اللباس منه الضروري الذي يستر ~~العورة، ومنه الرياش، لأنهم كانوا يزينون اللباس بريش النعام، لذلك ~~يقولون حتى الآن فلان متريش يعني: عنده رفاهية في عيشه. قال تعالى: # يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير.. # [الأعراف: 26]. إذن: هذه ثلاثة أنواع من اللباس: لباس ضروري يواري ~~العورة، ولباس الترف والزينة، ولباس التقوى، وهو أفضلها وخيرها، لأن ~~قصارى ما تأخذه من اللباس هو ستر عورتك في الدنيا وإظهارك بمظهر حسن ~~بين الناس، فهو لباس موقوت بعمرك في الدنيا، وربما يموت الإنسان بعد أن ~~ينزل من بطن أمه مباشرة، فلا يكون له نصيب من هذا اللباس، ولا يكون له ~~عورة تستر. أما لباس التقوى فهو زينة لك في الدنيا ونجاة لك في الآخرة ~~دار البقاء ودار الخلود لذلك قال سبحانه: # ولباس التقوى ذلك خير.. # [الأعراف: 26]. نلاحظ أن الحق سبحانه بعد أن ذكر ما أعده للكافرين من ~~عقاب ذكر ما أعده للمؤمنين به المصدقين برسله، وجعل يوم القيامة ~~يوما للفصل بينهما # إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين # [الدخان: 40]. والفصل يكون بين شيئين اتحدوا في أمر واختلفا في آخر، ~~فالمؤمنون والكافرون اتحدوا في الوجود وفي عطاء الربوبية والتمتع بنعم ~~الله تعالى في الدنيا، فالله تعالى جعل مقومات الحياة للجميع: الماء ~~والهواء والطعام. فهم فيه سواء لأنه ربهم جميعا وخالقهم، وهو الذي ~~استدعاهم للوجود، فلابد أن يضمن لهم مقومات حياتهم، لكن جعل هذه ~~المقومات على مراتب، فلما تكلم عن اللباس قال: # يبني ءادم.. # [الأعراف: 26] ولم يخص المؤمنين، لأن هذا العطاء عطاء ألوهية. # قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم.. # [الأعراف: 26] إذن: هما شركاء في اللباس ms9225 الضروري الذي يواري العورة، ~~وفي الرياش الدال على الأبهة والزينة الزائدة عن الضرورة، وهذه كلها ~~من متع الحياة الدنيا، أما لباس التقوى ففصله عن سابقيه، لأنه لباس ~~خاص بأهل الإيمان. إذن: بعد أن سوى الله بيننا جميعا في عطاء ~~الربوبية لأن الجميع عباده جاء يوم الفصل، حيث يأخذ كل منا ما ~~يستحقه، فالأمر في الآخرة مختلف، فللكافرين شجرة الزقوم التي تغلي في ~~البطون كغلي الحميم، أما المتقون ففي جنات وعيون في مقام أمين. كلمة ~~سندس و إستبرق من أصل فارسي دخلت العربية، واستعملها القرآن الكريم ~~على أنها كلمة عربية سارت على ألسنة العرب لذلك وقف المستشرقون عند هذه ~~الكلمات ومثلها القسطاس وغيرها، ولا غضاضة أن تستخدم اللغة ألفاظ لغة ~~أخرى. وما دامت هذه الكلمات دخلت على العربي، واستخدمها وفهم معناها ~~حتى أصبحت جزءا من لغته التي يتفاهم بها، فما المانع من استخدامها ~~ككلمات عربية؟ ونحن الآن مثلا نستخدم كلمة بنك وهي غير عربية، وربما ~~نجدها أخف وأرق من كلمة مصرف العربية. وقوله تعالى: { متقابلين ~~} [الدخان: 53] في وصف أهل الجنة وكيفية إقامتهم فيها، والتقابل يدل ~~على الأنس حين تكون الوجوه متقابلة متواصلة متقاربة، وضدها متدابرة، ~~والتدابر لا يكون إلا في الخصام، فكلمة { متقابلين } [الدخان: 53] ~~تدل على أنس أهل الجنة بعضهم ببعض، ومحبتهم وتآلفهم. ثم يقول سبحانه: { ~~كذلك.. } [الدخان: 54] يعني: مثل هذا النعيم وزيادة عليه { ~~وزوجناهم بحور عين } [الدخان: 54] الفعل زوج يتعدى بنفسه ~~ويتعدى بالباء، تقول: زوجته فلانة يعني: جعلتها زوجة له، وهو الزواج ~~الشرعي المعروف بين الذكر والأنثى. أما زوجته بكذا يعني: أضفت إليه ~~فردا مثله يكون معه زوجا، وليس من الضروري أن يكون أنثى، فقوله ~~تعالى: { وزوجناهم بحور عين } [الدخان: 54] تعدت بالباء. ~~فالمعنى انتقل من مسألة الزوجية التي نعرفها إلى الأنس بالجمال الذي هو ~~قمة ما نعرف من اللذات، وليس بالضروري العملية إياها لأننا في الآخرة ~~سنخلق خلقا جديدا غير هذا الخلق الذي نعيشه، بدليل أنك تأكل في ~~الجنة ولا تتغوط. # وعليه فالمعنى المزاوجة بين اثنين، بصرف النظر عن الذكر ms9226 والأنثى لأن ~~المتعة هناك متعة النظر، ومتعة الكلام، ومتعة الأنس بقيم أخرى غير التي ~~نعرفها الآن. وقوله { بحور عين } [الدخان: 54] حور: جمع حوراء وهي ~~من نساء الجنة، والحور صفة في العين تعني: شدة البياض وشدة السواد في ~~العين وعين جمع عيناء، وهي الواسعة العينين مع جمالهما. إنك إذا نظرت ~~إلى فمها لوجدت أنه أصغر من عينها مرتين، لذلك يصفون جمال الفم بأنه مثل ~~خاتم سليمان، ولك أن تتخيل هذا المنظر. ولما كان زواج الرجل بالمرأة ~~من أعظم متع الدنيا، ويحرص عليه كل من الرجل والمرأة حينما يبلغان ~~الرشد جعله الله من متع الآخرة، لكن على صورة أخرى أنقى، جعله الله من ~~متع الآخرة بصرف النظر عن العملية الجنسية إياها، فالمسألة إيناس بما ~~كنتم تعتبرونه نعمة في الدنيا، أما في الآخرة فمقاييس أخرى، في الآخرة ~~أنقى لكم الأشياء من منغصاتها التي كانت في الدنيا. أرأيتم مثلا ما ~~في الدنيا من خمر وعسل ولبن، لكم منها في الآخرة، لكن بعد أن نصفيها ~~لكم مما ينغصها، فجعل خمر الآخرة لذة للشاربين، وخمر الدنيا لا لذة ~~فيه، وجعل اللبن لا يتغير طعمه، وجعل الماء غير آسن. كذلك جعل الزواج ~~نقيا من شوائبه في الدنيا ومنغصاته، حتى أزواج الدنيا حينما يجمعهم ~~الله في مستقر رحمته في الجنة يجد الزوج زوجته في الدنيا على هيئة أخرى ~~لأن الله تعالى طهرها له ونقاها من عيوبها التي كان يأخذها عليها في ~~الدنيا. فلو كانت مثلا غير جميلة وجدها على أجمل ما تكون النساء، ولو ~~كانت في الدنيا طويلة اللسان وجدها على أحسن ما يكون، لأن الله ~~سينشئهن نشأة جديدة: # إنآ أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن أبكارا * ~~عربا أترابا * لأصحاب اليمين # [الواقعة: 35-38] وقال # وأزواج مطهرة.. # [آل عمران: 15]. إذن: قوله سبحانه: { وزوجناهم بحور عين } ~~[الدخان: 54] هذه الباء نفهم منها أنه زواج غير الذي نعرفه في الدنيا ~~بين الرجل والمرأة، وأنه بعيد عن المسألة إياها، لأن الحياة الأخرى لها ~~نعيم آخر ومقاييس أخرى غير ما نعرفه في الدنيا. وكلمة حور عين تلفت ms9227 ~~الأذهان إلى متعة النظر والتلذذ به، كما ينظر الإنسان إلى صديق يحبه، ~~فإذا اقتنع واكتفى بهذه النعمة فأهلا وسهلا، وإذا لم يقنعه النظر، ففي ~~الجنة ما تشتهيه الأنفس ويلذ الأعين. ### || [44.55-56] # معنى { يدعون.. } [الدخان: 55] يطلبون { فيها.. } [الدخان: 55] ~~أي: في الجنة، فإن قلت: فلماذا يطلبونها وفي الجنة يأتيك الشيء بمجرد ~~أن تريده، قالوا: المسألة أنه أكل الأكل الطبيعي أو الضروري، كما قال ~~تعالى: # ولحم طير مما يشتهون # [الواقعة: 21]. وبعد أن أكل يريد التفكه، وما دام تشتهيها نفسك تأتيك ~~حتى لو كانت { بكل فاكهة.. } [الدخان: 55] يعني: من كل الأنواع ~~ومن كل الأشكال، فالواحد منا مهما بلغ من نعيم الدنيا يأكل بعد وجبته ~~الأساسية نوعا أو نوعين من الفاكهة، أما في الجنة فيدعون بكل فاكهة يعني ~~يا رب هات لنا بكل الفواكه. وهنا نسأل: ما البطن التي تتحمل وتتسع ~~لكل هذا؟ وما هي النفس التي تستقبل كل هذه الأشياء المتماثلة؟ والله ~~لو كنا في الدنيا لحدثت لنا مشاكل في المعدة وفي الأمعاء وغيرها، أما في ~~الجنة فالأمر مختلف. وانظر إلى ذيل الآية { آمنين } [الدخان: 55] ~~فجاءت كلمة آمنين لتزيل كل استغراب وتعجب، فهناك كل كل ما تحب، ~~وكل ما تشتهيه نفسك. إنه أكل آمن من معاطب الطعام التي عرفتها في ~~الدنيا، أكل أعده لك ربك عز وجل ونقاه من كل ما ينغصه، ومن ~~كل عيوب الطعام التي عرفتها في الدنيا، ويكفي في نقائه أنك تأكل منه ~~ما شئت ولا تتغوط. إذن: نعمة الجنة مصفاة وخالصة من الشوائب ومن ~~المتاعب. وقوله سبحانه: { لا يذوقون فيها الموت إلا ~~الموتة الأولى.. } [الدخان: 56] أي: في الجنة أيضا، فالجنة ظرف ~~وليس في الجنة موت، إذن: كيف يستثنى فيها { إلا الموتة ~~الأولى.. } [الدخان: 56] إذن: المعنى أنهم لا يذوقون في الجنة الموت، ~~فالموت بالنسبة لهم انتهى بالموتة الأولى التي حدثت لهم في الدنيا، أما ~~في الجنة فلا موت. وكلمة { يذوقون.. } [الدخان: 56] جعلت حاسة ~~الذوق التي تقتصر على اللسان والمنطقة التي حوله المسئولة عن تذوق ~~الأشياء، جعل هذه الحاسة عامة في كل ms9228 الجسم تستوعب كل الحواس الأخرى. ~~كما قال سبحانه في عذاب أهل النار # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49] فهو يذوق العذاب لا بلسانه، ولكن بكل عضو فيه، وقال ~~سبحانه في آية أخرى: # فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا ~~يصنعون # [النحل: 112] فجعل حاسة التذوق هنا كاللباس الذي يستوعب الجسم كله، ~~فكأن كل جزء من جسمه يذوق طعم العذاب. وقوله { ووقاهم عذاب ~~الجحيم } [الدخان: 56] أي: أولا وقبل هذا النعيم وقاهم عذاب ~~الجحيم، فالوقاية من العذاب سابقة لدخولهم الجنة ومقدمة عليه، لأن ~~القاعدة كما قلنا: التخلية قبل التحلية، لذلك قال سبحانه: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185]. ### || [44.57] # أي: أن الجنة وما فيها من النعيم وقبل ذلك الوقاية من العذاب، كل هذا { ~~فضلا من ربك.. } [الدخان: 57] أي: تفضلا منه سبحانه علينا ~~وتكرما منه على خلقه ليس بأعمالهم. وهذه المسألة موضع خلاف بين ~~العلماء، لأن الحق سبحانه قال في آية أخرى: # ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون # [النحل: 32] وقال أيضا: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. إذن: عندنا آيات تقول بفضل الله، وآيات تقول بالعمل، ولا ~~بد أن يتصيد خصوم الإسلام مثل هذه المسائل، ويحاولوا أن يشككوا ~~في كلام رب العالمين، وأن يتهموه بالتناقض، تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا. ولبيان هذه المسألة نقول: أنت حين تهتم بولدك وتنفق عليه وتعطيه ~~دروسا ليتفوق، تفعل ذلك لصالحه أم لصالحك أنت؟ وحين يتفوق تأتي له ~~بجائزة تحفزه على الاستمرار في النجاح. إذن: أنت كلفت نفسك بأشياء ~~ونفقات لا تعود عليك، إنما تعود على ابنك. كذلك الحق سبحانه وتعالى ~~يتعامل مع خلقه، فالله خلقنا وخلق لنا مقومات حياتنا، ثم أعطانا ~~المنهج وأثابنا عليه فانتفعنا بالاستقامة عليه في الدنيا وبالثواب عليه ~~في الآخرة. والحق سبحانه يفعل ذلك وهو الغني عنا، فله سبحانه كل ~~صفات الكمال قبل أن يخلق هذا الخلق، إذن: لا تنفعه طاعة، ولا تضره ~~معصية. وإياك أن تظن أنك بطاعتك لله وعبادتك له سبحانه أنك تسند عرشه ms9229 ~~جل وعلا أو تزيد في خلقه، فأنت المستفيد أولا وأخيرا بمنهج الله، ~~وشرف أن تنتسب إلى هذا المنهج، وأن تكون عبدا لله تعالى. لذلك ورد ~~في الحديث القدسي: # " يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل ~~واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم ~~وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد من ذلك في ملكي ~~شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد ~~وسألني كل واحد مسألته فقضيتها له ما نقص ذلك في ملكي شيئا إلا كما ~~ينقص المخيط إذا أدخل البحر، ذلك أني جواد ماجد واجد، عطائي ~~كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون ". # إذن: التكليف الذي يأتينا من الله تعالى لا ينتفع الله منه بشيء، إنما ~~يعود نفعه علينا، ولو أخذنا المسألة بالعقل لقلنا أنه كان علينا أن ~~ندفع الثمن، فالثواب على الطاعة إذن محض فضل من الله، بل مجرد التشريع ~~والمنهج الذي كلفك الله به محض فضل منه سبحانه. لذلك قال تعالى: { ~~فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم } [الدخان: 57] ~~الفوز العظيم أنني حين أسير على وفق منهج الله أنتفع به في الدنيا ~~وأثاب عليه في الآخرة. أما قوله سبحانه: # ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون # [النحل: 32] قالوا: يعني بسبب أعمالكم الصالحة، فالعمل الصالح ليس ثمنا ~~للجنة ولكنه سبب لدخولها، وقد أوضح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هذه المسألة حين قال: # " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ~~ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ". # وفي ضوء هذا الحديث نفهم قوله تعالى: # قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو ~~خير مما يجمعون # [يونس: 58]. ### || [44.58] # الحق سبحانه يعود هنا لمخاطبة نبيه صلى الله عليه وسلم وبيان نعمته ~~عليه، ومن هذه النعم أنه سبحانه يسر له القرآن يقرؤه بلسان عربي مبين، ~~فالضمير في { يسرناه.. } [الدخان: 58] يعود ms9230 على القرآن بدليل قوله ~~{ بلسانك.. } [الدخان: 58] فهذا إمداد لغوي حيث جعله الله بلسان ~~ولغة عربية وهو لسان الرسول صلى الله عليه وسلم ولغته التي ينطلق بها. ~~وقوله: { لعلهم يتذكرون } [الدخان: 58] دل على أنه بلسانك ~~وبلسان قومك، قال تعالى: # ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه # [إبراهيم: 4] فهو بلسانك تبليغا وبلسانهم تلقيا واستقبالا، ثم بلاغا ~~أيضا لأنهم هم الذين سيقومون بمهمة البلاغ بعد رسول الله. ### || [44.59] # { فارتقب.. } [الدخان: 59] يعني: انتظر { إنهم مرتقبون ~~} [الدخان: 59] منتظرون، فماذا ينتظر رسول الله؟ وماذا ينتظر الكافرون؟ ~~رسول الله صاحب دعوة وهدى، جاء بنور يهدي به هؤلاء القوم، وهم مناهضون ~~لدعوته يناصبونه العداء، ويريدون أن يطفئوا هذا النور، هو حريص عليهم ~~محب لهدايتهم رغم إيذائهم لهم وسخريتهم منه، حتى إنه ليكاد أن يهلك ~~نفسه في سبيل دعوته. لذلك كثيرا ما خاطبه ربه مسليا له مخففا ~~عنه، يخبره # إن عليك إلا البلاغ.. # [الشورى: 48] # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. وقال: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33] يعني: لا تحزن يا محمد لما يقولونه عنك، لأنهم يحبونك، ~~ويقدرونك ويعلمون صدقك ومكانتك، فأنت عندهم أعلى من أن تكذب عليهم، ~~ولكن المسألة أنهم يجحدون بآياتي، فالمسألة عندي أنا. كلمة { ~~فارتقب.. } [الدخان: 59] جاءت في هذه السورة مرتين هنا، وفي قوله ~~سبحانه: # فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين # [الدخان: 10] لما دعا رسول الله عليهم وقال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ". # فنزل بهم من القحط والجدب ما نزل حتى أكلوا الجيف والعلهز وضجوا ~~يدعون الله أن يكشف عنهم، والله يعلم أنه لو كشف عنهم لعادوا لما كانوا ~~عليه من التكذيب لرسوله. لذلك خاطب الله رسوله بقوله: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. فمعنى { فارتقب.. } [الدخان: 59] أي: انتظر ما يحل ~~بهم من العذاب لأنهم يرتقبون ما يريحهم منك ويخلصهم من دعوتك، لذلك ~~ربنا سبحانه وتعالى يعلم رسوله كيف يجادلهم، فيقول لهم: # قل هل تربصون بنآ إلا ms9231 إحدى الحسنيين ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون # [التوبة: 52]. يعني: قل لهم يا محمد: أنتم تتربصون بنا إحدى الحسنيين، ~~إما النصر عليكم، وإما أن نموت شهداء، فإن انتصرنا عليكم علا منهج ~~الله وساد، وإن متنا كنا شهداء أحياء عند ربنا نرزق. ونحن نتربص ~~بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، إذن: نحن تربصنا بكم ~~بشر لكم، وأنتم تربصتم بنا بخير لنا. ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-2] # هذه السورة أيضا من الحواميم، وهي السور التي افتتحت بقوله تعالى حم، ~~وسبق الكلام فيها، لكن ما دام أن الحق كررها فلا بد لنا أن نتعرض ~~لها بما يفتح الله به ولا يعد هذا تكرارا. فإذا نظرنا إلى الحياة التي ~~نراها وجدنا فيها ملكا مشاهدا، وملكوتا غير مشاهد، وكل ما غاب عن ~~حواسك فهو غيب لا يعلمه إلا الله، خذ مثلا العقائد والعبادات تجد ~~أنها تقوم على هذين الجانبين الغيب والمشهد. فأنت تستطيع بالعقل أن ~~تبرهن على وحدانية الله، وعلى وجوده سبحانه، وأنه خالق هذا الكون كله، ~~فالإنسان طرأ على هذا الكون ووجده كما هو الآن، الشمس والقمر والنجوم، ~~السماء والأرض، الماء والهواء. لذلك لم يدع أحد أنه خلقه، قال سبحانه # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله.. # [لقمان: 25] وقال: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # [الزخرف: 87]. هذا مشهد، وفي العقائد أمور أخرى غيب نؤمن بها لأن ~~الله أخبرنا بها، كأمور الآخرة والبعث والحساب والجنة والنار، خذ مثلا ~~من العبادات الصلاة نستطيع أن نفهم لها عللا عقلية، فنقول: إن الله ~~فرضها علينا خمس مرات في اليوم والليلة ليتردد العبد على خالقه، ~~وليستمد منه القوة والعون، وليأنس بلقائه، وليأخذ من فيض عطائه ~~وإشراقاته. والصلاة كذلك تسوي بين العباد الغني والفقير، الرئيس ~~والمرؤوس الكل ساجد لله، هذا استطراق عبودي في الكون، هذا كله مشهد، ~~لكن بالله قل لي: لماذا كان الصبح ركعتين، والظهر أربعا، والمغرب ~~ثلاثا؟ هذه غيب نؤمن به كما هو، وكما أخبرنا به ms9232 رسول الله المؤتمن ~~على شرع الله. كذلك في القرآن الكريم غيب ومشهد، غيب في هذه الحروف ~~المقطعة التي استأثر الله بعلم معناها، وباقي القرآن بعد ذلك مشهد ~~لأنه بين واضح المعنى ظاهر القصد، لأن الحق سبحانه يريد أن يتعبدنا ~~بالغيب كما تعبدنا بالمشهد. والغيب هو محل الإيمان. أما المشهد فليس ~~مجالا للإيمان أو الكفر، فلا تقول مثلا: أومن بأن الشمس طالعة، لكن ~~أقول: أومن باليوم الآخر. فقوله تعالى هنا: حم يعني: حروف مقطعة في ~~بداية بعض سور القرآن هي غيب نؤمن به ونترك معناه لمنزله سبحانه { ~~تنزيل الكتاب.. } [الجاثية: 2] هذا هو المشهد، وفي السورة قبلها ~~حم غيب # والكتاب المبين # [الدخان: 2] مشهد. # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة.. # [الدخان: 3] يعني: الاثنان الغيب والمشهد منزل من عند الله، فهما سواء ~~في التعبد لله تعالى، فكما تعبدك بالواضح المفهوم تعبدك بالغيب الذي ~~لا تفهمه، وكل ما هنالك أننا نحوم حولها، نحاول أن نستشف بعض أسرارها. ~~لذلك نقول: إن القرآن كله مبني على الوصل في الآيات وفي السور، حتى ~~أن آخر كلمة في سورة الناس موصولة بأول كلمة في الفاتحة، فنقول: { من ~~الجنة والناس بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد ~~لله رب العالمين } وهكذا. # لذلك نسمي قارئ القرآن الحال المرتحل يعني: ما يكاد ينتهي من القرآن ~~حتى يبدأ من أوله. أما الحروف المقطعة في أوائل السور فمبنية على ~~الوقف تقول: حا، ميم، ألف لام ميم، في حين أنك لا تقف على نفس الحروف في # ألم نشرح لك صدرك # [الشرح: 1]. إذن: لكل نطق علة وله أسرار، فهو أشبه بأسنان المفتاح ~~الذي يفتح لك، فمفتاح يفتح لك بسن واحد، ومفتاح يفتح لك بسنين، ~~ومفتاح يفتح لك بثلاثة. وقوله: { من الله العزيز الحكيم } ~~[الجاثية: 2] اختار هنا اسم العزيز، لأن القرآن سينزل وسوف تجد من القوم ~~من يكذبه، فلا تهتم لذلك ولا يغرنك تكذيبهم، فالله منزل هذا ~~الكتاب عزيز لا يغلب، وهذه العزة ليست بقهر، إنما عزة بحكمة { ~~الحكيم } [الجاثية: 2] والحكيم: هو الذي يضع الشيء في موضعه المناسب. ### || [45.3] # قوله ms9233 تعالى: { إن في السموت والأرض.. } [الجاثية: 3] جعل ~~السماوات والأرض ظرفا فلا تنظر إلى السماوات والأرض في ذاتها، بل انظر ~~لما فيهما من الآيات والأسرار، فهي مليئة بالآيات التي يجليها الله ~~لوقتها، وكلما تفتحت العقول وتطورت العلوم ظهر لنا آية من آيات الله ~~في السماوات والأرض. انظر مثلا إلى الثورة في مجال الاتصالات، وما في ~~الهواء من ذبذبات وبث للتلفزيون، ومع ذلك لا تختلط ولا تتداخل، انظر ~~إلى الفضاء الواسع وما توصل إليه الإنسان من غزو الفضاء وإطلاق سفن ~~وصواريخ تصل إلى كواكب أخرى وتستقر عليها وترسل لنا صورا منها، كل ~~هذه آيات من آيات الله يجليها سبحانه لنا في وقتها المناسب. إذن: ~~آيات الله كثيرة في السماوات والأرض بل وتحت الأرض، لذلك يمتن الله ~~بنعمه علينا، فيقول: # له ما في السموت وما في الأرض وما بينهما وما ~~تحت الثرى # [طه: 6]. لذلك سيدنا عبد الله بن مسعود يقول: أثيروا القرآن. يعني هيجوه ~~مثل الأرض حينما نحرثها لنأخذ ما فيها من خيرات، كذلك كل شيء منسوب إلى ~~الله تعالى فيه ما لا يحصى من كنوز الخير. وإذا كانت السماوات والأرض ~~ظرفا فلنا أن نسأل: أيهما أثمن الظرف أم المظروف فيه؟ فالخطاب أو ~~الرسالة أثمن أم الظرف الذي توضع فيه؟ الخزينة أو ما يوضع فيها أنفس. ~~كذلك السماوات والأرض مع عظمهما وقوتهما، فما فيهما من آيات وعجائب ~~أعظم منهما وأنفس، لذلك تذكرون أننا حرمنا أن نضع شيئا بين أوراق ~~المصحف، لماذا؟ حتى لا يكون كتاب الله تعالى ظرفا لشيء، مهما كان غاليا ~~وثمينا عندك، لأن القرآن أثمن وأغلى من أي شيء آخر، فلا تجعله ظرفا ~~لشيء. وقوله: { لأيت للمؤمنين } [الجاثية: 3] آيات جمع آية، ~~وهي الشيء البالغ في الحسن مبلغا كما نقول: فلان آية في الحسن أو ~~في البلاغة، أو في الكرم، إذن: آية تعني الشيء العجيب في بابه. وبينا ~~أن كلمة آية تطلق على معان ثلاثة: آيات كونية تثبت قدرة الخالق سبحانه ~~وحكمته # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر.. # [فصلت: 37]. فإن كان هذا ms9234 الشيء متفردا بشيء عجيب دال على القدرة ~~سمي آية وحده، ومن ذلك قوله تعالى: # وجعلنا اليل والنهار آيتين.. # [الإسراء: 12] فكل منهما آية وحده. وقال في عيسى بن مريم عليه السلام ~~وأمه مريم: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية.. # [المؤمنون: 50] فهما آية واحدة، لأن وجه العجب فيهما واحدة، والجامع ~~بينهما في الإعجاز أمر واحد، فكانا آية واحدة. ثم بعد ذلك آيات معجزات ~~تأتي مصاحبة للرسل لتؤيدهم وتثبت صدقهم في البلاغ عن الله مثل: عصا ~~موسى، وناقة صالح. ثم النوع الثالث من الآيات هي آيات الذكر الحكيم في ~~القرآن الكريم، ويسمونها حاملة الأحكام. # فمعنى: { لأيت للمؤمنين } [الجاثية: 3] يعني: أيها المؤمنون ~~بي تنبهوا لهذه الآيات لتقنعوا بها غيركم ممن لم يؤمن من الكافرين ~~والملاحدة، لذلك نقعد ندادي فيهم ونقول لهم: انظروا كذا وانظروا كذا، ~~تأملوا قدرة الله في كذا وكذا. هذه رسالتنا أن ندعو الناس، وأن ~~ندلهم على الله بماذا؟ بآياته في الكون، لذلك ربنا سبحانه يعلمنا ~~كيف ندل الناس بالآيات فيقول: # ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر لا ~~تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي ~~خلقهن إن كنتم إياه تعبدون # [فصلت: 37]. يعني: لا تغرنكم عظمة هذه الآيات فخالقها أعظم، وأحلى من ~~الحسن من خلق الحسن، فاياكم أن تنصرفوا بإعجابكم بالليل والنهار ~~والشمس والقمر عن خالقها، فهو المستحق للعبادة وليس هي، وهذا يعني أن ~~الخالق سبحانه حريص على صنعته، حريص على هداية الناس ونجاتهم مما ~~يهلكهم. فكأن هذه الآية تقول للمؤمنين بالله إن هذه الآيات الكونية ~~جعلها الله لتقنعكم أولا، ثم تقنعون بها غيركم. لذلك لو نظرنا إلى علماء ~~الدين وعلماء الطبيعة في مجالات الإنسان والحيوان والنبات والجمادات ~~وجدنا علماء الطبيعة أسبق لأن علماء الدين يبينون للناس الحلال ~~والحرام، إنما ينطلقون أولا من الإيمان بالله، فبيان الأحكام فرع ~~الإيمان، فكأن النظر في الآيات الكونية والاستدلال بها على خالقها عز وجل ~~أهم. ومن عجائب صنع الله في خلقه أنهم في أواخر العشرينيات قالوا عن ~~السماوات السبع أنها الكواكب السبع التي تدور حول الشمس، وفي العام ms9235 الذي ~~يليه اكتشفوا كوكبا آخر إلى أن وصل عددهم إلى عشرة، ثم اكتشفوا كوكب ~~الزهرة، وهكذا تغيرت كل النظريات القديمة. ومن عجائب الخلق في هذه ~~الكواكب أننا نعرف أن اليوم أقل في الزمن من السنة، لأن اليوم 1/365 من ~~السنة، وبعد أن عرفنا علم الهندسة الفراغية وجدنا الزهرة وهو ثاني نجم ~~بعد الشمس، وقبله عطارد. ومن العجيب أنهم وجدوا أن يوم الزهرة أطول من ~~عام الزهرة، فاليوم عندنا هو دورة الأرض حول نفسها، والسنة دورتها حول ~~الشمس، فلما لاحظوا يوم الزهرة قياسا على يوم الأرض وجدوا أن اليوم ~~أطول من السنة، فيوم الزهرة 244 من أيام الأرض، والسنة 225 من أيام ~~الأرض. وهذا صحيح لأن الجهة منفكة، فلكل نجم حركته، وهذه الحركة قد ~~تكون سريعة في دورانه حول نفسه، وبطيئة في دورانه حول الشمس أو العكس، ~~ومن هنا يأتي الاختلاف ولا مانع أن يكون اليوم أطول من السنة، وآخر ~~هذه الكواكب بلوتو وجدوا أن يومه يساوي 6.5 يوم من أيام الأرض، وسنته 268 ~~يوما من أيام الأرض. نفهم من هذا قدرة الخالق سبحانه، وأن هذا الكون ~~خلق بدقة وإحكام ليس مصادفة، وليس مجرد نظام رتيب مثل القوالب ~~الجامدة، إنما طلاقة قدرة وقيومية تحرك هذا الكون وتديره بكل دقة ~~وإحكام. # ثم لو نظر الإنسان في نفسه لوجد عالما آخر مليئا بالآيات، انظر إلى ~~الناس واختلاف لغاتهم ولهجاتهم وتكوينهم وبصماتهم: # ومن آياته خلق السموت والأرض واختلاف ~~ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات ~~للعالمين # [الروم: 22]. ولو شاء سبحانه لجعلنا على لون واحد، ولسان واحد، لكن من ~~حكمته تعالى في الخلق أن يجمعك بغيرك في شيء متفق، ثم يميزك عنه ~~بشيء آخر مختلف تماما. كنا نعرف في التمييز بين الناس بصمة الإصبع، الآن ~~وجدوا بصمة للصوت، وبصمة للفك، وبصمة للرائحة، كل هذه البصمات تميز ~~الإنسان، بمعنى أنها لا تتكرر في شخص آخر على كثرة العدد، أليس هذا ~~إعجازا في الخلق يدعونا إلى الإيمان بالخالق جل وعلا؟ قلنا: من ~~عجائب الخلق في جسم الإنسان أنه ms9236 لا يحدث فيه استطراق حراري كما يحدث ~~في باقي الأجسام، فحرارة الجسم العادية 37 تجدها في الإنسان عند خط ~~الاستواء وفي الإنسان في القطب المتجمد، لأن الجسم يحتفظ في داخله بهذه ~~الدرجة، ثم تجد لكل عضو من أعضاء الجسم حرارته المناسبة له كي يؤدي ~~مهمته. فتتعجب حين تعلم أن العين لا تزيد حرارتها عن 9 ، في حين أن ~~الكبد لا تقل حرارته عن 40 ، وهما في جسم واحد متصل، ومع ذلك لا يحدث ~~فيه استطراق حراري فتتعدى حرارة الكبد إلى حرارة العين مثلا. لذلك ~~كما اهتم الإسلام بتشريع الحلال والحرام وبيانه للناس اهتم بدرجة ~~أكبر ببيان آيات الله الكونية في كل أنواع المخلوقات إنسان وحيوان ~~ونبات وجماد. واقرأ إن شئت: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن ~~الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله ~~عزيز غفور # [فاطر: 27-28]. ها هنا حكم شرعي في الصلاة أو الحج أو الصيام؟ كلها دعوة ~~للنظر وللتأمل في الكون، والعلماء هنا هم علماء الكونيات لا علماء الدين، ~~فهم أعرف الناس بآيات الله، وهم أعرف الناس بالله وهم أكثر الناس لله ~~خشية، لماذا؟ لأنهم وقفوا على آياته بأنفسهم، فهم أعرف الناس بها، لذلك ~~لم يهمل الدين علما من العلوم أبدا، لأن العلم يخدم قضية الإيمان وقضية ~~التوحيد. الحق سبحانه وتعالى يعطينا في القرآن كل هذه الأمثال لنأخذ ~~منها الدليل على وجوده تعالى، ونأخذ منها صفات القهر والحكمة والعزة ~~والرحمة.. الخ بل نأخذ من الآيات الكونية ما تستقيم به حياتنا وما ~~نصحح به مفاهيمنا عن الأشياء. فمثلا خذ علاقة الرجل بالمرأة، البعض ~~يرى أن الرجل ضد المرأة وأنهما على طرفي نقيض، فنسمع أنصار المرأة ~~ويقابلهم أنصار الرجل وكأنها معركة، في حين أننا نقرأ القرآن فنجد قوله ~~تعالى # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما ~~خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى # [الليل: 1-4]. فالمخلوقات المتقابلة ms9237 لا تعني أنها متضادة، وإياك أن ~~تظن أن الليل ضد النهار، نعم هو يقابله في طبيعة الأشياء لكن لا ~~يضاده، فالليل يساند النهار ويساعده، والنهار يساند الليل ويساعده فهما ~~متكاملان، الليل للراحة والنهار للعمل، وكلاهما مهم للآخر، وكلاهما له ~~مهمة في الحياة ودور. كذلك الحال في الذكر والأنثى. إذن: هذه الآية ~~الكونية تعلمنا درسا في حياتنا الاجتماعية، وأنه لا داعي لكل هذه ~~الضجة حول علاقة الرجل بالمرأة، وعودوا إلى القرآن ففيه الشفاء، وفيه ~~حلول كل مشاكلنا. ثم يقول الحق سبحانه: { وفي خلقكم وما ~~يبث... }. ### || [45.4] # السياق القرآني هنا ينقلنا من النظر في آيات السماوات والأرض إلى النظر ~~في ذات أنفسنا، كما قال سبحانه: # وفي أنفسكم أفلا تبصرون # [الذاريات: 21] فالدليل على الوجود الأعلى لا يقتصر على آيات السماوات ~~والأرض، فالإعجاز في الذرة كما هو في المجرة، وفي جسم الإنسان ~~وأعضائه آيات وعجائب. وقد عبر الشاعر عن ذلك حين قال: # وتحسب أنك جرم صغير # وفيك انطوى العالم الأكبر # وكلمة { خلقكم.. } [الجاثية: 4] ساعة تسمع كلمة الخلق تفهم منها ~~الإيجاد من العدم، كان الشيء معدوما فأوجده الله، والخلق لا يطلق ~~على الحدث إنما يطلق على المخلوق لذلك قال تعالى: # هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من ~~دونه.. # [لقمان: 11] فمعنى خلق هنا يعني مخلوق. وبمعنى الحدث في # ماذا خلق الذين من دونه.. # [لقمان: 11]. فقوله: { وفي خلقكم.. } [الجاثية: 4] أي: من الآيات ~~الكونية خلقكم أي البشر. عملية الخلق لها مراحل هي التي مر بها ~~سيدنا آدم حيث لم يكن موجودا فأوجده الله من العدم، فكان طينا ~~فسواه ونفخ فيه الروح فدبت فيه الحياة وصار إنسانا، ثم جعل نسله من ~~بعده بالتزاوج بين الذكر والأنثى. إذن: في خلقنا مرحلتان مرحلة الخلق ~~الأول لأبينا آدم، ومرحلة البث والنشر عن طريق التكاثر، لذلك قال ~~سبحانه في آية أخرى: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما ~~رجالا كثيرا ونسآء.. # [النساء: 1]. إذن: لنا خلق من عدم وبث أي نشر، وانتشار من التناسل، ~~أما الدواب ms9238 فلم يذكر فيها إلا مرحلة البث { وما يبث من دآبة.. ~~} [الجاثية: 4] أي: ينشر، فأين مرحلة خلقها؟ أولا: الدابة هي كل ما ~~يدب على الأرض غير الإنسان، وفي اللغة لون من الأسلوب يسمونه ~~الاحتباك وهو باب من أبواب البلاغة يعرفه المتخصصون فيها. والاحتباك أن ~~يكون في الكلام شيئان يوضح أحدهما الآخر، ويغني عنه، وأوضح مثال على ~~ذلك في القرآن قوله تعالى: # قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل ~~في سبيل الله وأخرى كافرة.. # [آل عمران: 13]. فقوله # وأخرى كافرة.. # [آل عمران: 13] دل على أن الأولى مؤمنة، أي: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل ~~الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان، فدل المذكور على المحذوف ~~بالمقابلة. فالمعنى في قوله تعالى: { وفي خلقكم وما يبث من ~~دآبة } [الجاثية: 4] أتى بالخلق في الأولى وترك البث، وأتى بالبث ~~في الثانية وترك الخلق، وعليه يكون المعنى: وفي خلقكم وما بث منكم، ~~وفي خلق الدواب وما بث منها. { ءايت لقوم يوقنون } ~~[الجاثية: 4] فالحق سبحانه عرفنا كيفية الخلق الأول من العدم بخلقه ~~لآدم، وأخبرنا بمراحل هذا الخلق حتى استوى آدم إنسانا كاملا يتحرك ~~ويسعى في الأرض ولم يذكر تفاصيل خلق غيره لنقيس نحن على ما عرفناه. # فلما تكلم عن حواء قال: # الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها ~~زوجها.. # [النساء: 1] يعني: على طريقتها، كذلك لم يتكلم في خلق الدواب لأنها ~~تقاس على خلق آدم. ولا شك أن المتأمل في خلق الإنسان والدواب يجد ~~الكثير من الآيات والمعجزات الدالة على طلاقة القدرة للخالق سبحانه، ~~ففي الخلق الأول طلاقة قدرة حيث خلق من العدم وعلى غير مثال سابق، ~~فأوجد آدم بلا أب وبلا أم، ثم خلق منه حواء فكانت من أب بلا أم، وخلق ~~عيسى عليه السلام من أم بلا أب، وخلق عامة الخلق من أب وأم. إذن: طلاقة ~~القدرة استوعبت كل احتمالات المسألة عقليا، حتى ولو مرة واحدة ~~ليحدث بها الدليل والإعجاز وليثبت الحق لنفسه سبحانه: # إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن ~~فيكون # [يس: 82]. والذي يملك ms9239 العطاء يملك المنع، فقد تتوافر دواعي الخلق ~~والإنجاب لكن لا يحدث # يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور * ~~أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء ~~عقيما.. # [الشورى: 49-50]. وتعرفون من قصة سيدنا زكريا عليه السلام كيف أنه لم ~~ينجب حتى بلغ من الكبر عتيا، وكانت امرأته عاقرا حتى إنه يئس من هذه ~~المسألة، فلما أراد الله أن ينجب طوع له الأسباب وبشره بولد وأيضا ~~سماه له. هذه كلها آيات من آيات الخلق، وهي كثيرة وممتدة، ففي كل ~~مرحلة من مراحلها إعجاز وقدرة، بداية من اللقاء بين الزوج والزوجة ~~والتقاء الحيوان المنوي الذكري بالبويضة الأنثوية، فإن تم تخصيب ~~البويضة حدث الحمل وتحول الدم في غذاء للجنين فهو رزقه حتى يولد، وإن ~~لم يحدث الحمل نزل هذا الدم في فترة الحيض. وهذا يعني أن الخالق سبحانه ~~حين يخلق الإنسان يخلق معه رزقه، فالجنين لا يتغذى بغذاء أمه إنما ~~بغذائه الخاص، بدليل أن الأم لا تستفيد بهذا الدم إن لم يحدث حمل. وقوله ~~سبحانه: { ءايت لقوم يوقنون } [الجاثية: 4] من اليقين وهو ~~الإيمان والعقيدة الراسخة التي استقرت في القلب، بحيث لا يتطرق إليها ~~شك، وبحيث لا تطفو إلى العقل ليناقشها مرة أخرى، فهي عقيدة يعني القلب ~~معقود عليها. وسبق أن بينا هذه المسألة بأن الحواس تنقل المحسات ~~والقضايا إلى العقل الذي يفاضل بينها ويغربلها، فما اقتنع به استقر ~~في القلب عقيدة ومبدأ يسير عليه ويؤمن به بحيث لا يطفو للعقل مرة أخرى. ~~هذا اليقين درجات أولها علم اليقين، وعين اليقين، ثم حق اليقين، فعلم ~~اليقين حين يخبرك بالخبر صادق لا تشك في صدقه، وعين اليقين حين تراه ~~بعينك، وحق اليقين هو أن تباشره بنفسك. وقلت: أننا ذهبنا مرة إلى ~~إندونيسيا، ورأينا هناك أصبع الموز قرابة نصف المتر، فلما عدت أخبرت ~~أولادي بذلك، فصار عندهم علم بذلك لأنهم يثقون بي ويعرفون أني لا أكذب. ~~فلما رأيتهم مندهشين من الخبر فتحت الشنطة وأخرجت منها أصابع الموز، ~~فلما رأوها صار عندهم عين اليقين بهذه القضية، لكن ms9240 لعله شيء آخر غير ~~الموز أو نموذج من مادة أخرى، فأخذنا الموز وقطعناه وأكلنا منه ~~فتحولت المسألة إلى حق اليقين. وهذه المراحل الثلاث ذكرت في القرآن ~~الكريم في سورة التكاثر: # كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ~~ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر: 5-7] وفي سورة الواقعة: # إن هذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ربك ~~العظيم # [الواقعة: 95-96]. ### || [45.5] # أي: من آياته الكونية الدالة على قدرته تعالى اختلاف الليل والنهار، ~~وفي آيات أخرى عرفنا أن الليل وحده آية والنهار وحده آية، والكلام هنا عن ~~اختلاف الليل والنهار، ومجرد اختلافهما آية من آيات الله. فالليل والنهار ~~مختلفان من عدة وجوه: مختلفان في ظلمة الليل ونور النهار، ومختلفان ~~طولا وقصرا، وكذلك مختلفان في المهمة، وهما ظرفان لزمن الأحداث، وقد ~~يطول الليل ويقصر النهار، أو يطول النهار ويقصر الليل، ثم يتساويان في ~~المدة. فمثلا نجد الليل يطول في الشتاء ويقصر في الصيف، وهذا لحكمة، ~~فنحن نعمل طوال يوم الشتاء حيث اعتدال الجو الذي يساعد على العمل لذلك ~~نحتاج إلى فترة أطول للراحة، فنجد ذلك في ليل الشتاء الطويل. ثم لو نظرت ~~إلى الليل والنهار بصورة أوسع تشمل الكرة الأرضية كلها وجدت أنهما ~~متداخلان، فالنهار عندك ليل عند غيرك، والليل عندك نهار عند غيرك، ~~فهما موجودان معا، لكن في أماكن متباعدة من الأرض. وهكذا تجد كل لحظة ~~من لحظات الزمن يبدأ فيها ليل وينتهي نهار، أو يبدأ فيها نهار وينتهي ~~ليل، إذن: هي حركة دائرة لا تنتهي، مواقيت مختلفة في الزمن كله. فلو ~~أخذنا مثلا الأذان لوجدناه يدور في كل لحظة من لحظات الزمن بكل لفظ ~~من ألفاظه، ففي اللحظة التي تقول فيها الله أكبر غيرك يقول أشهد ألا إله ~~إلا الله وغيرك يقول أشهد أن محمدا رسول الله وهكذا. والأمر كذلك في ~~الصلاة، فحين تصلي الظهر، غيرك يصلي العصر، وغيرك يصلي المغرب، وآخر ~~يصلي العشاء في اللحظة ذاتها. إذن: نستطيع أن نقول بوجود كل الأوقات ~~في كل الأوقات، وأن الحق سبحانه يعبد في كل ms9241 لحظة بكل أنواع ~~العبادات، وأن ألفاظ الأذان دائرة في سمع الدنيا كلها، تستوعب كل ~~الزمان وكل المكان. وهذا كله من اختلاف الليل والنهار طولا ~~وقصرا، والطول والقصر ناتج عن حركة الشمس، وهذه مسألة أخرى تحتاج ~~إلى دقة في الملاحظة، فالشمس حين تشرق عندك تغيب عند غيرك، فكل مشرق ~~عند قوم مغرب عند آخرين. وهذه تفسر لنا قوله تعالى: # رب المشرقين ورب المغربين # [الرحمن: 17] فقال مشرقين ومغربين، لأن المشرق عندك مغرب عند غيرك في ~~نفس الوقت. فإذا نظرت إلى امتداد الزمان في جزئياته الدقيقة بالثانية ~~وجدت مشارق ومغارب، كما قال سبحانه: # برب المشرق والمغرب.. # [المعارج: 40] فإذا نظرت إلى المكان الواحد وجدت مشرقا ومغربا، وقد ~~قال سبحانه # رب المشرق والمغرب.. # [المزمل: 9] إذن: فهو صادق في كل ما أخبرنا به سبحانه. ومن آيات الليل ~~والنهار أيضا أن الله جعلهما خلفة، يعني: الليل يخلف النهار ~~والنهار يخلف الليل، قال تعالى: # وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة لمن أراد ~~أن يذكر أو أراد شكورا # [الفرقان: 62]. وقد فهمنا من هذه الآية أن الأرض كروية، فهذه النظرية ~~العلمية الحديثة أثبتها القرآن وسبق بها، فمعنى أن الليل والنهار خلفة ~~أن الأرض مثل الكرة بحيث في الخلق الأول خلقت الأرض مواجهة في ناحية ~~منها للشمس. فكانت هذه الناحية النهار والمقابلة لها الليل، إذن: خلق ~~الليل والنهار معا، وولدا معا، ثم لما دارت الأرض خلف الليل ~~النهار، وخلف النهار الليل، ولو لم تكن الأرض مكورة ما حدث هذا. ~~وهذه الحقيقة أكدها الحق سبحانه بصورة أوضح في قوله تعالى: # لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا اليل ~~سابق النهار وكل في فلك يسبحون # [يس: 40] لأن العرب كانوا يعتقدون أن الليل أسبق من النهار، لذلك كانوا ~~يؤرخون للمناسك بدورة القمر، فالشمس نعرف منها اليوم، والقمر نعرف منه ~~الشهر، ومن الشهر تكون السنة. كذلك رمضان يثبت بليله لا بنهاره، لأنه ~~يعتمد على ظهور الهلال لذلك اعتقدوا أن الليل أسبق من النهار فصوب ~~لهم القرآن هذا الاعتقاد فقال: # ولا اليل سابق النهار.. # [يس: ms9242 40] فوافقهم في أن النهار لا يسبق الليل وعدل لهم # ولا اليل سابق النهار.. # [يس: 40]. إذن: خلقا في وقت واحد، وهذا لا يكون أبدا إلا إذا كانت ~~الأرض مكورة. فلا سبق لأحدهما على الآخر. وقوله سبحانه: { ومآ ~~أنزل الله من السمآء من رزق فأحيا به الأرض ~~بعد موتها.. } [الجاثية: 5] أنزل الله من السماء آيات كثيرة منها ~~المادي ومنها المعنوي، المعنوي هو الكتاب الذي أنزله على رسول الله ~~لهداية الخلق، والمادي مثل المطر وسماه رزقا لأنه سبب الرزق حين ينزل ~~على الأرض فيحييها بالنبات والثمار. وكل رزق جاء من جهة العلو الخالقة ~~فهو منزل، حتى لو كان في باطن الأرض لذلك قال سبحانه عن الحديد: # وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.. # [الحديد: 25] لذلك جعله الله أداة لإثبات قدرته تعالى للمعاندين ~~للدين، فقال في ختام الآية: # وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب.. # [الحديد: 25]. وقوله: { من السمآء.. } [الجاثية: 5] معلوم أن ~~السماء ليست محلا للماء، الماء في السحاب وهو كما قلنا ضاحية من ضواحي ~~الأرض وتابع لها، أما السماء فشيء آخر أبعد من أن يتصوره العقل، ~~والمراد: من جهة السماء. والمتأمل في دورة الماء في الطبيعة يجد أنه في ~~الأرض حيث ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ماء، وغالبه الماء المالح، وهذا ~~لحكمة أن نسبة الملح في الماء تحفظه من التغير والعطن، وبالبخر ~~تتكون السحب وينزل المطر يحمل الماء العذب الصالح للشرب وللزراعة ~~وغيرها. ومن آيات الله في الماء أن تتسع رقعة الماء المالح لتتسع رقعة ~~البخر، وبالتالي تزيد مساحة تبخر الماء العذب الذي يكفي بعد ذلك ~~لحياة الأحياء على الأرض، ثم تجد ملوحة الماء في البحار والمحيطات ~~بالقدر المناسب الذي يحفظ الماء من الفساد ويسمح بمعيشة الأسماك ~~والحيوانات البحرية الأخرى. # ولو زادت الملوحة عن هذا الحد لماتت فيها الثروة السمكية، كما نجد ~~مثلا في البحر الميت، حيث تزيد فيه نسبة الملوحة لأنه مغلق ولا يأتيه ~~مدد من روافد أخرى تقلل من ملوحته. ولنعرف قدرة الله في إنزال الماء ~~العذب من السحاب هذا الماء الذي يكفي ms9243 للشرب ولزراعة الأرض، انظر كم ~~تتكلف زجاجة الماء المقطر حين تعدها في المعمل، هذا الماء ينزل لك ~~من السماء عذبا صافيا زلالا دون مجهود منك ودون نفقات. هذا الماء في ~~حد ذاته آية من آيات الله، لأن به تكون الحياة، لذلك سماه القرآن ~~رزقا، البعض قال: يعني سبب في الرزق والبعض قال: لا بل هو نفسه رزق، هو ~~سبب في الرزق حينما نروي به الزرع، لكن هو رزق حينما نشربه أو ندخله في ~~الطعام. وقوله: { فأحيا به الأرض بعد موتها.. } ~~[الجاثية: 5] وهذه آية أخرى، والأرض الميتة هي الجرداء القاحلة التي لا ~~نبت فيها، فالله يحييها بالنبات كما قال في آية أخرى: # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت.. # [الحج: 5]. ثم ينتقل إلى آية أخرى { وتصريف الرياح.. } ~~[الجاثية: 5]. تصريف الرياح يعني: تغيير اتجاهها من هنا إلى هناك، أو ~~تغيير أحوالها، فهي مرة نسيم لطيف، ومرة ريح عاصف، ومرة تكون حارة، ومرة ~~باردة، مرة معمرة ومرة مدمرة. هذه كلها أحوال للرياح يصرفها خالقها ~~عز وجل كيف يشاء، ولا يصرفها غيره. وحين تدقق وتتأمل في عملية ~~تصريف الرياح تجد فيها مظهرا من مظاهر الإعجاز للخالق سبحانه، انظر إلى ~~هذه الأبراج وناطحات السحاب، واسأل نفسك من يقيم هذه الأبنية العملاقة؟ ~~ومن يسندها فلا تميل رغم هبوب العواصف عليها؟ الذي يسندها هو الهواء ~~الذي يحيط بها من كل ناحية، ولو فرغت جانبا منها من الهواء ~~لانهارت في هذا الجانب الفارغ من الهواء. إذن: الهواء هو الذي يحفظ ~~توازنها، لذلك ساعة تجد القرآن يستعمل كلمة الريح بصيغة الجمع فاعلم أنها ~~للعمار وللخير، وساعة تكون مفردة فهي للدمار وللخراب. الريح الواحدة ~~تدمر، والرياح تسند وتعمر، لأن هذه تأتي من ناحية واحدة، وهذه تأتي من ~~جميع النواحي فتحدث التوازن المطلوب. واقرأ هنا في سياق الحديث عن آيات ~~الله وتعداد نعمه: { وتصريف الرياح.. } [الجاثية: 5] وفي آية ~~أخرى قال سبحانه: # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * ~~تدمر كل شيء بأمر ربها.. # [الأحقاف: 25] وقال: # وفي عاد ms9244 إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم * ما ~~تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم # [الذاريات: 41-42]. وقوله: { ءايت لقوم يعقلون } ~~[الجاثية: 5] لأن العقل هو الذي يستقبل الأحداث ويناقشها ويفاضل بين ~~القضايا، ويستخلص منها الحق، ويلقيه إلى القلب فيصير عقيدة راسخة لا ~~تقبل الشك. # ورحم الله الفخر الرازي الذي أجرى مقارنة علمية دقيقة بين هذه الآيات في ~~الجاثية بداية من قوله تعالى: { إن في السموت والأرض ~~لأيت للمؤمنين } [الجاثية: 3] إلى { لقوم يعقلون } ~~[الجاثية: 5] وبين الآية 164 من سورة البقرة: # إن في خلق السموت والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس ومآ أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا ~~به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة ~~وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السمآء ~~والأرض لآيات لقوم يعقلون # [البقرة: 164]. أولا: وجد الاختلاف الأول بين الموضعين أن الجاثية ~~فيها # إن في السموت والأرض.. # [الجاثية: 3] أما البقرة # إن في خلق السموت والأرض.. # [البقرة: 164] وهما بمعنى واحد، لأن الخلق حدث الإيجاد، فالحدث نفسه ~~يسمى خلقا، ويطلق أيضا على المخلوق بدليل قوله تعالى: # هذا خلق الله # [لقمان: 11] أي مخلوقه. إذن: المعنى في الموضعين واحد. ثانيا: عد ~~الآيات الكونية المذكورة في الجاثية فوجدها ست آيات، وفي البقرة ثماني ~~آيات، فلما بحث الزيادة في البقرة وجدها في قوله تعالى: # والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس.. # [البقرة: 164] # والسحاب المسخر بين السمآء والأرض.. # [البقرة: 164]. فقال: هاتان الآيتان في الفلك وفي السحاب أغنى عنهما ~~قوله تعالى في الجاثية { وتصريف الرياح } [الجاثية: 5] لأنهما ~~يجريان بحركة الرياح. الاختلاف الأخير بين الموضعين أن آية البقرة ختمت ~~بمقطع واحد هو { لآيات لقوم يعقلون } [البقرة: 164] أما آيات ~~الجاثية ففيها ثلاثة مقاطع هي: { لأيت للمؤمنين } [الجاثية: ~~3] { ءايت لقوم يوقنون } [الجاثية: 4] { ءايت لقوم ~~يعقلون } [الجاثية: 5]. المؤمن ساعة يسمع من الله يصدق ويؤمن بما ~~أخبر الله به، واليقين يكون لدى طالب الحقيقة الذي يبحث عنها في قضية ~~علمية يريد أن يصل إلى اليقين من خلالها. والإنسان إذا لم يكن مؤمنا ~~واثقا ولا ms9245 طالبا للحقيقة فلا أقل من قدر من العقل يميز به بين ~~الأشياء، ويعرف به ماذا يأكل؟ وماذا يشرب؟ وماذا يأخذ؟ وماذا يدع. إذن: ~~هذه المقاطع الثلاثة تمثل مراحل الإدراك السليم. والتعقل هو أدنى ~~مرتبة، لذلك ختمت بها آية البقرة. ### || [45.6] # { تلك.. } [الجاثية: 6] إشارة إلى آيات القرآن، أو إلى الآيات ~~الكونية التي سبقت { نتلوها عليك بالحق.. } [الجاثية: 6] ~~والحق كما قلنا هو الشيء الثابت الذي لا يتغير ويقابله الباطل، الحق هو ~~الحكم بقضية مطابقة للواقع، والباطل الحكم بقضية مخالفة للواقع. لذلك ~~قلنا: إن شاهد الحق لا تتغير أقواله مهما أعدت عليه السؤال، أما شاهد ~~الزور فهو لا بد أن يغير في أقواله، ذلك لأن شاهد الحق يصور ~~واقعا فيأتي واحدا لا يتغير، وشاهد الزور يصور أوهاما وتخيلات ~~فلا بد أن تتغير. لذلك الحق سبحانه يريد منا أن نأخذ بالحق، ~~وأن نجعله مقياسا للأشياء كلها كما نتخذ المتر مثلا وحدة للقياس ولا ~~نخرج عنها. يريد منا أن نحكم بالحق وأن نجعله أساسا في بناء ~~الأشياء، فالساعة لا تضبط لك التوقيت إلا إذا كانت هي في ذاتها منضبطة. ~~لذلك قال تعالى في آيتي الشمس والقمر: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5] يعني: مخلوقان بحساب دقيق، ولأنهما خلقا بحسبان جعلهما ~~الله تعالى آلة لحساب الزمن، فالشيء الذي تعتبره مقياسا لا بد أن ~~تقيسه أولا على الحق وتقيمه على الحق. لذلك أخبر سبحانه أنه خلق ~~السماوات والأرض بالحق، فهي تسير بميزان دقيق محكم لا يتخلف أبدا منذ ~~خلق الله هذا الكون وإلى قيام الساعة. وقلنا: لأن الحق هو الشيء الثابت ~~الذي لا يتغير فهو الباقي، وهو المنتصر، وهو الذي يعلو في نهاية ~~الصراع، وإن علا الباطل فلحين وليعطي فرصة للباطل حتى يعض الناس ~~ويشقى به المجتمع فيعود الناس إلى ساحة الحق. لذلك نقول: إن الباطل ~~جندي من جنود الحق، وإذا كان الإسلام قد علا في جزيرة العرب لإعجاز ~~القرآن، فكيف علا وانتشر في بلاد فارس والروم. قالوا: لأنهم كانوا في ~~ذلك الوقت مقهورين بالباطل، فلما رأوا عدل الإسلام ms9246 وسماحته أسرعوا إليه ~~لذلك فتح الإسلام نصف الدنيا في نصف قرن من الزمان، لأن الناس كانت ~~متشوقة إلى مثل هذا الدين الحق. والحق سبحانه يريد أن يعطينا صورة ~~محسوسة تصور الحق وتصور الباطل في لوحة واحدة، فيقول عز وجل: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. وقوله سبحانه: { فبأي حديث بعد الله ~~وءايته يؤمنون } [الجاثية: 6] يعني: إذا لم تقنعهم كل هذه ~~الآيات الكونية وكل هذا الإعجاز، وإذا لم يقنعهم كلام الله فبأي شيء ~~يؤمنون بعد ذلك. إذن: المسألة بالنسبة لهم عناد ولدد، فإذا لم يقنعهم ~~حديث الله فأي حديث بعده يقنعهم. ونسألهم: أهناك حديث أصدق من حديث ~~الله؟ أو إخبار أصدق من إخباره؟ إنه سبحانه يتودد إليكم ببيان آياته في ~~كونه لتؤمنوا وليأخذ بأيديكم إلى ساحة الإيمان وهو الغني عنكم، فقط يحرص ~~عليكم لأنكم عباده وصنعته ويريدكم في أحسن حال. لذلك أرسل لكم الرسل، ~~وأنزل لكم الكتب، وبين لكم الحلال والحرام والحق والباطل فلم اللدد؟ ~~ولم العناد في الإيمان؟ مع أن الإيمان بالله شرف، والعبودية له ~~سبحانه عزة، كلمة عبودية كلمة ممقوتة تدل على الذلة والانكسار، أما مع ~~الله فهي شرف وكرامة وعزة. ### || [45.7-8] # كلمة ويل قالوا: واد في جهنم، أو هلاك لا مفر منه ولا نجاة، وكلمة ~~الويل تختلف حسب قائلها المنذر بها، فحين يقول لك واحد مثلك: ويل لك. ~~تتوقع أن يكون الويل على قدره، ويتناسب مع قدرته عليك، وتمكنه من تنفيذ ~~ما هددك به من بطشه وفتكه. فإذا كان المتكلم بذلك التهديد هو الحق ~~سبحانه فهمنا أنه هلاك محتم لا قبل لأحد به، ويل كبير لا يرد ~~ولا يدفع. فلمن هذا التهديد؟ { لكل أفاك.. } [الجاثية: 7] ~~الأفاك من الإفك، وهو قلب الشيء على وجهه أو قلب الحقائق عمدا، ~~ومن ذلك قوله تعالى: ms9247 # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53] وهي القرى التي قلبها الله تعالى رأسا على عقب وجعل ~~أعلاها سافلها. ومن ذلك أيضا قصة الإفك في حق السيدة عائشة # إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم.. # [النور: 11] إذن: الإفك هو أفظع أنواع الكذب لأنه كذب متعمد يصرف الناس ~~عن الحق إلى الباطل. وهو لا يضر واحدا، إنما يقع ضرره على جمع من ~~الناس فشره يتعدى ويلزمه عقوبة تناسب هذا التعدي على الخلق، لذلك ~~ساعة تسمع كلمة ويل فاعلم أنها لذنب كبير. وكلمة { أفاك.. } ~~[الجاثية: 7] صيغة مبالغة على وزن فعال، ولو كذب مرة واحدة لكان آفك ~~إنما تكرر منه هذا الذنب حتى بالغ فيه ومثله في المبالغة { أثيم } ~~[الجاثية: 7] يعني: كثير الإثم. فهي صيغة مبالغة أيضا على وزن فعيل. أي: ~~مبالغ في الآثام. تقول: آثم وأثيم. مثل: عالم وعليم. فالمرء لو فهم ~~علما من العلوم سمي عالم، أما عليم فيعني العلم في ذاته، لذلك لا ~~تقال إلا لله تعالى # وفوق كل ذي علم عليم # [يوسف: 76] فكأن هذا الآثم قد تمرس في الإثم حتى صار طبعا له ~~وديدنا. ثم يصف الحق سبحانه هذا الأفاك الأثيم، فيقول: { يسمع ~~ءايت الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن ~~لم يسمعها.. } [الجاثية: 8] كأن الحق سبحانه يريد أن يعرفنا ~~الإفك على حقيقته، فالكذاب يكذب على مثله، أو يكذب على أسرة أو جماعة، ~~لكن هذا يكذب على الدنيا كلها حين يزور الحقائق ويقلبها وهو متعمد. ~~وهذا معنى { يصر مستكبرا.. } [الجاثية: 8] ولذلك في القانون ~~يقولون مع سبق الإصرار والترصد { مستكبرا.. } [الجاثية: 8] أي: ~~متعاليا على الحق. وفي الحديث الشريف " الكبر بطر الحق، وغمط الناس ~~" فهو يتكبر لأنها تأتي له أي الآيات بواسطة من كان يعتقد أنه دونه، ~~وبذلك اعتدى على الحق واعتدى على محق، كما حكى القرآن عنهم: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. إذن: المشكلة عندهم ليست في القرآن، لأنهم أهل فصاحة ~~وبلاغة ويعلمون إعجاز القرآن وصدقه لكن يحسدون الرجل الذي جاء القرآن ~~على يديه، يقيسونه بمقاييس الجاه والثراء عندهم. ms9248 # فالرسالة في نظرهم ينبغي أن تأتي على يد رجل غني من عظماء القوم وأهل ~~السيادة، وهذا عجيب منهم لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان له مكانة ~~عظيمة بينهم قبل البعثة، وكانوا يتحدثون بصدقه وأمانته، بدليل أنهم ~~حكموه في أمر الحجر الأسود حينما أرادوا وضعه في مكانه واختلفوا عليه، ~~فالتناقض في مواقفهم نحوه ظاهر، كانوا يقولون عنه ساحر وكاهن وكذاب ~~وشاعر، فلما فتر عنه الوحي قالوا: إن رب محمد قلاه. وقوله تعالى: { ~~فبشره بعذاب أليم } [الجاثية: 8] معلوم أن البشارة إخبار ~~بخير قبل أوانه، وسماها بشارة لأنها تظهر البشر والسعادة على الوجوه ~~ساعة تسمع خبرا يسرك، فاستخدام البشارة في العذاب تكون على سبيل ~~التهكم والسخرية وهي لون من ألوان العذاب والإهانة، مثل رجل كان ~~يحث ولده على المذاكرة والجد، ولكن الولد خالف أوامر أبيه، فلما ظهرت ~~النتيجة وجد ولده راسبا فقال له: أبشر لقد رسبت، يريد أن يتهكم به ~~ويعاقبه على إهماله. ### || [45.9] # لأنه بعد أن أصر على الإعراض عن آيات الله، وبعد أن استكبر عليها لا ~~بد أن يعود في لحظة ما إلى نفسه ويعمل عقله فيما يسمع فيصله بعض العلم ~~عن آيات الله { وإذا علم من ءايتنا شيئا اتخذها ~~هزوا.. } [الجاثية: 9] جعلها مجالا للسخرية والاستهزاء { ~~أولئك لهم عذاب مهين } [الجاثية: 9] وقبل ذلك بشره رب ~~العزة بأن له عذابا أليما. وهذه ألوان مختلفة من العذاب والعياذ بالله، ~~فالعذاب الأليم الذي يؤلم الحواس ويوجع وتتألم له المادة والأعضاء، ~~وهذا غير العذاب المهين، فالجهة كما يقولون منفكة، والعذاب المهين هو ~~عذاب النفس حيث يهينها ويذلها ويهدم كرامتها، لأن بعض الناس قد لا ~~يؤلمه الضرب الحسي ولكن يؤلمه أن تجرح كرامته ولو بكلمة. وهناك في ~~آيات أخرى عذاب عظيم يعني: مبالغ فيه، وهكذا جمع عليهم الحق سبحانه كل ~~ألوان العذاب جزاء استكبارهم ولددهم وعنادهم في آيات الله، وهي أوضح من ~~أن ينكرها منكر. وهنا استخدم المصدر { هزوا } [الجاثية: 9] ليدل على ~~المبالغ، وأن الاستهزاء أصبح صفة لازمة له لاصقة فيه كما نقول: فلان ms9249 ~~عادل، وفلان عدل كأنك جعلته هو والعدل شيئا واحدا. وفي الآية دليل ~~على أن الإنسان إذا تجرد للحق وأخلى فكره ثم فكر بعقله في الأشياء ~~بموضوعية لا بد أن يصل إلى الخيط الذي يوصله إلى الحق، فالعودة ~~الصادقة إلى النفس تؤدي إلى الحق. لذلك الحق سبحانه يعلم الناس كيفية ~~التفكير السليم وكيفية البحث عن الحق، فيقول: # إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة.. # [سبأ: 46] يعني: اتركوا تفكير الجماهير وتعصبهم لأنه غير منظم، يؤدي ~~إلى فوضى يتوه فيها الحق. والفكر عمل العقل، والعقل هو السلطان الذي ~~يعصمك من الآراء الضالة ويرشدك ويأخذ بيدك إلى الحق، والعقل حتى في اسمه ~~من العقال الذي يعقل الدابة حتى لا تشرد من صاحبها، كذلك العقل يعقل ~~صاحبه. إذن: هؤلاء لما عادوا إلى أنفسهم واستعملوا عقولهم عقلوا ووصلوا ~~إلى شيء من الحق، لكن كبرياءهم وعنادهم منعهم من اتباعه، وأدل شيء على ~~ذلك قول بعضهم لبعض: # لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون # [فصلت: 26]. ولولا أنهم واثقون من صدق القرآن وتأثيره في النفوس ما ~~قالوا هذا الكلام، لكن أسلوب القرآن أسرهم وتغلغل في أعماقهم، ولو تركوا ~~أنفسهم على طبيعتها لآمنوا، لكنهم استقبلوا القرآن بنفوس تملؤها نوازع ~~الشر وحب الانفلات من قيود المنهج الحق الذي أتى به هذا القرآن. ### || [45.10] # كلمة وراء في اللغة لها معان متعددة، أوضحها في المعنى قوله # فنبذوه ورآء ظهورهم.. # [آل عمران: 187] يعني: خلف ظهورهم. وهذا هو المعنى المشهور لكلمة وراء؟ ~~لكن تأتي بمعنى الشيء الذي سيأتيك في المستقبل كما في هذه الآية { من ~~ورآئهم جهنم.. } [الجاثية: 10] فهي تنتظرهم في المستقبل. وتأتي ~~وراء بمعنى أمام كما في قوله تعالى في آية الكهف: # وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا # [الكهف: 79] فأحداث القصة تقول أن الملك كان ينتظرهم على الشاطئ ليستولي ~~على كل سفينة صالحة فهو أمامهم لا وراءهم. والوراء هو الشيء الذي يوجد ~~دونه ما يواريه، والذي يواري العلم إما حجاب الزمان وإما حجاب المكان، ~~فنحن ms9250 مثلا نجلس الآن في مكان واحد، ويرى كل منا الآخر لكنا لا نرى ~~من هو خارج هذا المكان، فالذي يواريه عنا إذن حجاب المكان. ولما أحدثك ~~عن المستقبل تجد الزمن المستقبل أيضا محجوبا عنك بحجاب الزمن المستقبل، ~~كذلك في الزمن الماضي حجبه عنك حجاب الزمن الماضي. وعلم الحق سبحانه ~~يخرق كل هذه الحجب، والزمن عنده سواء الماضي أو الحاضر أو المستقبل، ~~لذلك يأتي بالماضي، ويتحدث عنه كأنه حاضر، ويقول سبحانه مخاطبا نبيه ~~محمدا صلى الله عليه وسلم: # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل ~~مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون # [آل عمران: 44]. لذلك يخرق حجاب الزمن المستقبل كما في قوله سبحانه في ~~الصراع بين فارس والروم: # الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون * في بضع سنين.. # [الروم: 1-4] لأن المسلمين حزنوا لانتصار فارس على الروم. فالفرس كانوا ~~مجوسا ليس لهم علاقة بالسماء، أما الروم فكانوا أهل كتاب، ويؤمنون ~~بالرسل، فكان حظ الإسلام أن ينتصر الروم فبشرهم الله بذلك ~~الانتصار قبل أن يحدث ببضع سنين، والبضع في اللغة من ثلاث إلى تسع سنين. ~~فالحق يخبر نبيه بأحداث المستقبل في قرآن يتلى ويتعبد به في كل ~~صلاة، فكيف يعلن الرسول هذه البشارة ويسمعها الناس في فارس وفي الروم؟ ~~إذن: يعلنها وهو واثق أنها حق وصدق، ولا بد أن تتحقق. هذا خرق ~~لحجاب المستقبل، وفعلا بعد بضع سنين انتصر الروم على فارس، وصادف ذلك ~~انتصار المسلمين على الكافرين في بدر، فقال سبحانه: # ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله.. # [الروم: 4-5]. فقوله سبحانه: { من ورآئهم جهنم.. } ~~[الجاثية: 10] يعني: تنتظرهم في المستقبل، فهي أمامهم وهذا من خرق حجاب ~~الزمن المستقبل. { ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا.. } ~~[الجاثية: 10] يعني: لا يدفع عنهم شر ما هم فيه بسبب ما اكتسبوه في ~~الماضي من عبادة الأصنام وتأليه لخلق الله، وهل يغني الصنم عن عابده ~~وهو الذي صنعه؟ وهو الذي يقيمه إذا قلبه الهواء وأطاح به؟ كذلك من ~~عبدوهم من البشر سوف يسبقونهم إلى جهنم. ms9251 # إذن: لا ناصر لهم ولا دافع عنهم. واستخدم هذا الفعل المجرد كسب في ~~الشر، ولم يقل اكتسبوا. وسبق أن بينا أن كسب للخير واكتسب للشر، لأن ~~الخير والطاعة تأتي طبيعية لا افتعال فيها، على عكس المعصية فهي تحتاج ~~إلى افتعال واحتيال. ولا تستخدم كسب في الشر إلا إذا أصبح الشر عادة ~~وأخذ عند صاحبه حكم الكسب، فلم يعد يأنف منه وهان عليه أن يقع فيه ~~مرة بعد مرة حتى أصبح الشر عادته. فقال: { ما كسبوا.. } [الجاثية: ~~10] أي: من الشر { ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء ~~ولهم عذاب عظيم } [الجاثية: 10] أي: الآلهة التي عبدوها من دون ~~الله، كذلك هي لا تغني عنهم { ولهم عذاب عظيم } [الجاثية: 10] ~~فالأمر لا ينتهي عند خذلانهم وعدم الدفاع عنهم، بل ولهم عذاب عظيم. يعني: ~~شديد ومبالغ في الإيلام. ### || [45.11] # { هذا.. } [الجاثية: 11] إشارة إلى الهدى، وهو المنهج الذي جاء به ~~سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القرآن، والهدى هو الذي يهديك ~~يعني يدلك على الطريق الموصل للغاية من أقرب الطرق وأسهلها وأكثرها ~~أمنا دون مشقة على النفس. وفي أول سورة البقرة # أولئك على هدى من ربهم.. # [البقرة: 5] فكأن الهدى مركب يحملك إلى غايتك، ودابة تسير بك حتى تنجيك. ~~{ والذين كفروا بآيت ربهم.. } [الجاثية: 11] قال ربهم ~~مع أنهم كافرون به، لأنه تعالى رب يتودد إليهم حتى مع كفرهم ~~وجحودهم، وهذا كما قلنا عطاء الربوبية الذي لا يفرق بين مؤمن وكافر ~~فيعطي الكل ويتحنن إلى الجميع، فهم جميعا عباده وصنعته. { لهم ~~عذاب من رجز أليم } [الجاثية: 11] مرة يقول: عذاب أليم، ومرة ~~{ لهم عذاب من رجز أليم } [الجاثية: 11] والرجز هو أشد ~~ألوان العذاب، والعذاب إيلام الحي. وكلمة العذاب هذه حلت كثيرا من ~~الإشكالات بين العلماء، حيث قال البعض: إنه لا يوجد رجم في القرآن إنما ~~يوجد الجلد، واستدلوا بقوله تعالى في الأمة: # فعليهن نصف ما على المحصنت من العذاب.. # [النساء: 25]. الكلام هنا على الحد يقام على الحرة وعلى الأمة، ~~معنى المحصنات يعني: الحرائر، فقالوا: إن الرجم ms9252 لا ينصف والذي ينصف ~~هو الجلد، تجلد هذه مائة، وهذه خمسين، وما دام الرجم لا ينصف. إذن: ~~في الآية كلام. ونقول: قد يكون كلامهم صحيحا إذا قال تعالى # نصف ما على المحصنت.. # [النساء: 25] وسكت ولكنه قال بعدها # من العذاب.. # [النساء: 25] والعذاب إيلام الحي ولكن الرجم إماتة. إذن: إيلام ~~الحي في أن يجلد، إنما الرجم يذهب بالحياة فلا تتعذب. بدليل أن الحق ~~سبحانه لما تكلم عن هدهد سيدنا سليمان - عليه السلام - قال: # لأعذبنه عذابا شديدا أو لأاذبحنه.. # [النمل: 21] إذن: العذاب غير الذبح. ومعنى { كفروا بآيت ~~ربهم.. } [الجاثية: 11] يعني: ستروها وجحدوها، إذن: هي موجودة لكنهم ~~أخفوها، ومثله كفروا بالله يعني: ستروا وجوده سبحانه، فالستر لا ~~يكون إلا لموجود أولا ثم يستر، فكأن الإيمان موجود وأصله في النفس، ~~ثم يأتي الكفر فيستره. ### || [45.12] # التسخير يعني التذليل وأن يكون المسخر رهنا لخدمة المسخر له، وزمان ~~كان في مصر نظام السخرة، وهو أن يعمل العمال بدون أجر، فالحق سبحانه ~~سخر لنا البحر وذلله لخدمتنا، ولولا ذلك ما استطعنا أبدا ركوبه، ولا ~~السير فيه ولا الانتفاع به. ومن تسخير البحر ما عرفناه من قصة سيدنا موسى ~~لما ألقته أمه في البحر تنفيذا لأمر الله، قال سبحانه: # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا ~~تحزني إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين # [القصص: 7]. إذن: صدرت الأوامر إلى البحر أن يلقيه بالساحل، وألا ~~يأخذه إلى الداخل، كما قال سبحانه: # فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل.. # [طه: 39]. فالحق سبحانه كما يأمر العاقل يأمر الجمادات فتأتمر وتطيع، ~~لذلك قال عن السماء: # وأذنت لربها وحقت # [الانشقاق: 2]. والتسخير تكليف الشيء تكليفا قهريا أن يكون في خدمة ~~الخليفة وهو الإنسان، فالكون كله مسخر له. يعني: يطيعه ويأتمر بأمره، ~~ومن هذا التسخير سخر للإنسان جوارحه تطيع مراده وتنفعل لإرادته ~~انفعالا تلقائيا سهلا لا تكلف فيه. فاللسان ينطق بلا إله إلا الله ~~لمجرد أن أردت ذلك وينطق بكلمة الكفر والعياذ بالله أيضا لمجرد ~~الإرادة، اليد والعين والرجل، وكل جوارحك لا تعصي لك أمرا، تنفعل ms9253 ~~لك من حيث لا تدري لأن خالقها سخرها لك وذللها لخدمتك. وقال لها: ~~أطيعي عبدي، لأنني أريد أن أحاسبه بعد أن أعطيه الاختيار في أن يفعل ~~أو لا يفعل، ولو كان الإيمان قهرا لقهرته عليه كما قهرت الملائكة، ~~لكنني لا أريد قوالب تخضع، إنما أريد قلوبا تخشع، أريدك أن تأتي إلي ~~طواعية وأنت قادر على الإعراض والانفلات. لذلك قلنا: إن السيف في الإسلام ~~لا ليفرض على الناس عقيدة، إنما ليحمي اختيارهم لعقائدهم، وبعد ذلك ~~يتشدقون بأن الإسلام فرض بحد السيف، وهذا غير صحيح بدليل بقاء ~~كثيرين على دينهم بعد الفتح الإسلامي. والحق سبحانه حينما سخر كل شيء ~~في الوجود لخدمة الإنسان قال سبحانه في الحديث القدسي: # " يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي، فلا تنشغل بما هو ~~لك عما أنت له " # يعني: لا تنظر إلى عبيدك بل انظر أنت عبد لمن ومن سيدك. وهذا التسخير ~~للجوارح موقوت بالحياة الدنيا، أما في الآخرة فسوف تنطلق الجوارح من هذه ~~القيود وتنفك من هذا القهر وهذا التسخير، لأنه كان مرتبطا بإرادة العبد، ~~وحيث لا إرادة له في الآخرة. وأصبحت الإرادة للمريد الأعلى سبحانه، فلا ~~طاعة له ولا خضوع لأوامره، فالأمر كله يومئذ لله # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. لذلك تتحول الأعضاء والجوارح إلى شهود، يشهدون بالحق أمام ~~الواحد الأحد، فاللسان يقول: قلت. واليد تقول: بطشت. # والرجل تقول: مشيت. والعين: رأيت، وهكذا. وقد شبهنا هذه المسألة ~~بقائد الكتيبة يأمر الجنود، فيطيعون حتى لو كان المر خطأ، ثم حين يعودون ~~للقائد الأعلى يقولون حدث من قائدنا كذا وكذا، ولم نخالف أوامره لأننا ~~مأمورون بطاعة الأوامر ولو خطأ. والحق سبحانه حينما يسخر لنا جوارحنا ~~وأعضاءنا إنما ليعطينا مثالا ونموذجا لقيوميته تعالى على كل شيء، وأنه ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فيقول للمكابر: قل لي بالله ما ~~هي العضلات التي تحركها لتتكلم أو تقوم أو تقعد؟ ما هي الحركة التي تحدث ~~بداخلك لتفعل؟ ما الأعصاب التي تشارك في هذه ms9254 الحركات؟ أنت لا تعرف شيئا ~~عنها ولا تأمرها، بل مجرد أن تريد تنفعل لإرادتك وتطيع، فإذا كان هذا ~~عطاء الله لك، ونعمة من نعمه عليك، فكيف تستبعده في حق الله عز وجل؟ ~~وكيف تنكر أنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون؟ وأول مظاهر تسخير ~~البحر أن جعله الله صالحا لسير السفن على ظهره، كما قال سبحانه: # وترى الفلك مواخر.. # [النحل: 14] وأول سفينة في الكون هي سفينة سيدنا نوح عليه السلام صنعها ~~بأمر الله ووحيه إليه، حيث علمه كيفية صناعتها من ألواح ودسر: # وحملناه على ذات ألواح ودسر # [القمر: 13]. والسفينة لا تسير على صفحة الماء إلا إذا توفرت لها بعض ~~القوانين، وهذا هو التسخير. أولا: لا بد أن يكون الماء سائلا ليسمح ~~بجريان السفينة حين يحركها الهواء ويدفعها، ولو كان جامدا ما حصل ~~السير. ثانيا: يكون الماء خاليا من اللزوجة. ثالثا: تكون كثافة الماء ~~أقل من كثافة السفينة، فلو أخذت مثلا قطعة من المعدن ورميت بها في ~~الماء فإنها تغرق فيه، إنما لو طرقت هذه القطعة وجعلتها مفلطحة ~~ووسعت مساحتها فإنها تعوم. فمن تسخير الله للبحر أن جعله صالحا لسير ~~السفن { الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك ~~فيه بأمره.. } [الجاثية: 12] كما قال في موضع آخر: # بسم الله مجريها ومرساها.. # [هود: 41]. ومن تسخير الله للبحر أن جعله مصدرا لكثير من المأكولات ~~والأرزاق { ولتبتغوا من فضله.. } [الجاثية: 12]. ففضل الله ~~في البحر كثير، فيه القوت اللازم لاستبقاء الحياة، وفيه الترف والزينة ~~مثل اللؤلؤ والمرجان وغيرهما من الأشياء الثمينة حتى قالوا: إن الثروات ~~في أعماق البحار أكثر من الثروات فوق سطح الأرض. ثم على سطح الماء تسير ~~بكم السفن إلى مواطن الأرزاق في أي مكان. وفي آيات أخرى فصل الحق ~~سبحانه قوله: { ولتبتغوا من فضله.. } [الجاثية: 12] فقال: # وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما ~~طريا.. # [النحل: 14] وهو أنواع الأسماك والحيوانات البحرية التي تؤكل: # وتستخرجوا منه حلية تلبسونها.. # [النحل: 14]. والمراد اللؤلؤ والمرجان والأحجار الكريمة التي تستخرج من ~~أعماق البحار لذلك قال العلماء: إن ms9255 حلية البحر غير محرمة مع أنها أغلى ~~من الذهب، لكن لم يأت النص بتحريمها على الرجال كما فعل في الذهب، ~~لماذا؟ لأن الذهب نقد يتعامل الناس به على شكل عملات وجنيهات نقدية، ~~فغرضه أساسا التعامل بين الناس في البيع والشراء، وهو واسطة بين الإنتاج ~~والاستهلاك، وليست حلية البحر كذلك. # وقوله: { ولعلكم تشكرون } [الجاثية: 12] أمر بالشكر على ~~النعمة، فكلما رأيت مظهرا من مظاهر نعمة الله قل الحمد لله واعترف ~~لله بالفضل، لذلك علمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء ~~الركوب للسفن أو غيرها، ومن هذا الدعاء: # " سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ~~". ### || [45.13] # الحق سبحانه وتعالى ينقلنا من تسخير البحر إلى تسخير السماوات والأرض، ~~فهي مسخرة للإنسان منذ خلقها الله، لكن لم يعلم الإنسان وجوه هذا ~~التسخير مرة واحدة، إنما يعلمها بمرور الزمن وتطور العلوم. كما قال ~~سبحانه: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. فأنت مثلا حين تقرأ قوله تعالى في الفلك # وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام # [الرحمن: 24] لا بد أن تعمل العقل وتسأل كما سألنا: متى عرف الناس ~~السفن ذات الأدوار؟ فكلمة المنشآت تدل على البناء، وكالأعلام يعني: عالية ~~ومرتفعة كالجبال، قالوا: عرف الإنسان السفن ذات الأدوار في أواخر القرن ~~الثامن عشر، وكانت قبل ذلك عبارة عن سطح لا شيء عليه. فمن أخبر سيدنا ~~رسول الله بأن السفن سيكون منها منشآت كالأعلام، كذلك في قوله تعالى: # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون # [الزخرف: 33]. والمعارج جمع معراج، وهو بلغة اليوم الأسنسير والحضارة ~~الحديثة لم تعرف الأسنسير إلا في أواخر القرن العشرين، إذن: هذه مظاهر ~~لإعجاز القرآن وصدقه وصدق المبلغ للقرآن، فصدق الله وصدق رسوله. ~~وهذا يدل على أن هذه المستحدثات موجودة في علمه تعالى ولها ماكيت قبل ~~أن يصل إليها فكر البشر، والله يظهرها لعباده حسب حاجتهم ومع مرور ~~الزمن وتطور العلوم، وهذا معنى ms9256 # سنريهم.. # [فصلت: 53]. قوله تعالى: { وسخر لكم ما في السموت ~~وما في الأرض.. } [الجاثية: 13] قلنا: كل من السماوات والأرض ~~ظرف لأشياء كثيرة، منها ما نعلمه، ومنها ما لم نتوصل إليه حتى الآن، ~~فالسماء ننظر إليها من جهة العلو، ولا نرى من مخلوقات الله فيها إلا ~~الشمس والقمر والنجوم والسحاب، وهذا كله في السماء الدنيا. لذلك قال ~~سبحانه: # وزينا السمآء الدنيا بمصبيح.. # [فصلت: 12] أما السماوات السبع فشيء آخر لا نعرف عنه شيئا، ويكفي أن ~~تعرف أن بينك وبين الشمس ثماني دقائق ضوئية، وهناك مخلوقات بينك وبينها ~~مائة سنة ضوئية اضربها في 365 يوما في 24 ساعة في 60 دقيقة في سرعة ~~الضوء. إذن: فوقك عالم آخر فوق ما يتصوره عقلك، لذلك قال تعالى: # والسمآء بنينها بأييد وإنا لموسعون # [الذاريات: 47] بأيد، أي بقوة. فيكفي أن تتأمل في مجال تسخير الكون لك ~~أن تنظر إلى الشمس، وكيف سخرها الخالق لك فتعطيك النور والدفء والطاقة ~~والأشعة المختلفة دون أن تبذل في سبيل ذلك شيئا، ودون صيانة، ودون ~~وقود، ودون أن تصل إليها أصلا. فهي تعمل في خدمتك منذ خلقها الله وإلى ~~أن تقوم الساعة لا تحتاج منك إلى شيء، فقط عليك أن تستفيد منها، وأن ~~تفكر في طبيعتها وكيفية استغلالها فيما ينفعك، ومثلها القمر يعطيك النور ~~الحالم الهادئ، وبه نهتدي في ظلمة الليل: # وعلامات وبالنجم هم يهتدون # [النحل: 16]. والشمس والقمر خلقهما الله على هيئة الحركة، فهما متحركان ~~منذ خلقهما الله وإلى قيام الساعة، يتحركان دون وقود وبلا طاقة بقانون ~~العطالة كما قلنا، وهو أن يظل المتحرك متحركا ما لم تسكنه، ويظل ~~الساكن ساكنا ما لم تحركه. وهذه الحركة قلنا بحساب دقيق محكم # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5]. والأرض كذلك ظرف لأشياء كثيرة وأجناس متعددة، ففيها الجماد ~~وهو أدنى الأجناس، فإذا أضيف إليه النمو كان النبات، فإذا أضيف إليه ~~الإحساس كان الحيوان، فإذا أضيف إليه العقل كان الإنسان وهو أعلى هذه ~~الأجناس وأكرمها على الله. لذلك سخر الله له كل هذه الأجناس وجعلها في ~~خدمته، وجعله سيدا ms9257 عليها وخليفة له في أرضه. والحق سبحانه عندما تكلم عن ~~الجماد قال: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود # [فاطر: 27] فقدم الثمار وهي من النبات قدمها على الجماد، لأننا لا ~~نأكل الجماد وإنما نأكل النبات والثمار هي محصلته وما يهمني منه، وهي من ~~مقومات الحياة. ثم تكلم عن الجبال وهي مصدر الخيرات والثروات والمعادن ~~والأحجار الكريمة لذلك قال عنها في آية أخرى: # وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 10] أي: في الجبال. وسبق أن بينا أن الجبال هي مصادر القوت ~~ومخازنه في الأرض، ذلك لأنها مصدر التربة الغنية الخصبة التي تنساب مع ~~ماء المطر، وتنتشر في أنحاء الأرض فتزيد من خصوبتها: # وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله ~~إلا بقدر معلوم # [الحجر: 21]. فأجناس الخلق كلها فيها آيات، فالجماد انظر مثلا إلى ~~الجبال وما فيها من خيرات وألوان شتى فيها الرخام والجرانيت والمرمر ~~وغيرها، والنبات ويمثل المصدر الأساسي للقوت، انظر مثلا إلى النخلة ~~العربية وقارنها بالنخلة الأفرنجي، فالنخلة عندنا مصدر للقوت وننتفع بكل ~~شيء فيها بحيث لا يرمى منها شيء أبدا. لذلك تجد لها درجا يمكنك من ~~الصعود عليها لتقليم جريدها أو جمع ثمارها، أما النخلة الأفرنجي فهي ~~للزينة، لذلك تجدها ملساء يصعب الصعود عليها، هذا من حكمة الخلق ودقته، ~~فتبارك الله أحسن الخالقين. تأمل جريدة النخيل تجدها عريضة من أصلها ~~ونحيفة رفيعة من طرفها، والورق فيها على عكس ذلك فهو مسطح منبسط من ~~أعلى، ثم يأخذ ينبرم إلى أن يصير شوكا عند أصل الجريدة، القريب من ~~الثمر، وذلك لأن هذه الأشواك تحمي الثمار من الفئران، ثم تأمل أن هذه ~~الأشواك تنتهي عند أصل الجريدة، ولا تمتد إلى الشماريخ التي تحمل الثمار. ~~ثم تأمل الساق فهي في النخلة طويلة مستقيمة على خلاف الأشجار الأخرى ~~تجدها قصيرة ومتفرعة، لأن الثمار عليها صغيرة يسهل حملها على الفروع، ~~أما ثمرة البطيخ مثلا فهي على ms9258 ساق رفيع لولبي يتمدد على الأرض، لأن ~~الثمرة ثقيلة. # إذن: المسألة قدرة ليست ميكانيكا، وفي الأكل تأكل مثلا قشرة المشمش ~~وتترك اللب بعكس اللوز فتأكل اللب وتترك القشرة، هذه طلاقة قدرة وحكمة ~~عالية للخالق عز وجل، ثمرة التين تأكلها كلها فليس لها قشرة، أما ~~البرتقال أو اليوسفي فله قشرة، ثم تأمل اختلاف الألوان والطعوم في ~~النباتات وهي تسقى بماء واحد. وقل: سبحان الخالق. تأمل الأشجار تجد ~~منها أشجارا خضراء ليس لها ثمار وتظن أنها لا فائدة منها، لكن لا بد ~~أن يكون لها فائدة إما لك وإما لغيرك من المخلوقات، ويكفي أنها زينة ~~وجمال ومصدر للأكسوجين وربما كانت لها فوائد أنت لا تعرفها، تجد مثلا من ~~هذه الأشجار لها أزهار مختلفة الأشكال والألوان والروائح. وهذا عالم آخر ~~من الإبداع الجمالي في الطبيعة، ولهذه الألوان والروائح المختلفة حكمة ~~لأنها تجذب الفراشات والحشرات التي تقوم بعملية التلقيح للمزروعات، ولكل ~~فراشة أو حشرة مزاج في اللون وفي الرائحة. لذلك لما انتشرت المبيدات ~~الحشرية قلت هذه الظاهرة ولم نعد نرى الأزهار في الحقول لماذا؟ لأن ~~المبيدات قتلت الفراشات التي تقوم بمهمة التلقيح. وحين تتأمل عملية ~~التلقيح ذاتها تجد فيها آية من آيات الخلق وبديع صنع الله تعالى، فمن ~~المزروعات ما نعرف كيفية تلقيحه كالنخيل مثلا، ونعرف أن منه الذكر ومنه ~~الأنثى، وهذا واضح في شكل الشجرة لكن شجرة المانجو مثلا لا نعرف كيف تتم ~~فيها عملية التلقيح؟ وحين ترى كل هذا الجمال في الخلق، عليك أن تذكر ~~الخالق وتقول: تبارك الله أحسن الخالقين. وأجمل من الحسن من خلق ~~الحسن. وكلمة { جميعا منه.. } [الجاثية: 13] كلمة جميع من كلمات ~~التوكيد، فهي تعني كل ما في السماوات وما في الأرض من الله بلا استثناء، ~~فكل صغيرة وكل كبيرة من الذرة إلى المجرة من فضل الله، ما تعرفه وما ~~لم يحط به علمك. وكلمة منه قرأها بعضهم منة والمعنى لم يبعد عن ~~المراد فهي من الله، وهي منة من الله. وأنتم تعرفون أن القرآن أول ما ~~جمع جمع ms9259 بدون نقاط وبدون تشكيل اعتمادا على الملكة العربية في فهم ~~المعاني واستنباطها، ويروى أن حمادا الراوية كان لا يحفظ القرآن، فلما ~~جاءوا له بالمصحف قرأ: # عذابي أصيب به من أشآء.. # [الأعراف: 156] وبالسين يظل المعنى صحيحا، لكن لفظ القرآن أشاء. وقرأ: ~~صنعة الله ومن أحسن من الله صنعة. فنطق الغين عينا وهي نفس المعنى. إذن: ~~عطاء القرآن عطاء ممتد، ويستطيع المتذوق للعربية أن يصل إلى معانيه ~~وحكمه. لكن لما فسدت الملكات اضطروا للنقط والتشكيل ليتضح المعنى، ~~مع أنهم كانوا زمان يعتبرون تشكيل الكتاب سوء ظن بالمكتوب له، لأن ~~في ذلك اتهاما له بعدم الفهم. # ثم يقول سبحانه: { إن في ذلك.. } [الجاثية: 13] أي: في هذه ~~المخلوقات المسخرة لكم { لأيت.. } [الجاثية: 13] عجائب ودلائل { ~~لقوم يتفكرون } [الجاثية: 13]. إذن: هذه دعوة للإيمان، فالحق ~~سبحانه يعرض علينا صنعته وإبداعه في الكون، ويدعونا أن نتأمل فيه، وأن ~~نعمل فيه عقولنا، والصانع لا يفعل هذا بصنعته إلا إذا كان واثقا من ~~جودتها. قلنا: لو أنك ذهبت إلى بائع القماش تشتري منه مثلا بدلة صوف ~~فتراه يعرض عليك أثواب القماش، ويبين لك جودتها، ثم يأخذ منها فتلة ~~ويشعل فيها النار أمامك ليظهر لك حقيقة هذه الجودة، وهو لا يفعل ذلك إلا ~~لثقته في بضاعته. أما الآخر صاحب البضاعة الفاسدة المغشوشة فيدوك عليك ~~ويوهمك بالكلام والتدليس والزور، ولا يجرؤ أن يبين لك حقيقة ما عنده. ~~إذن: حينما يخاطبك ربك: اعقل، تدبر، تذكر، فهذا يعني أنك لو أعملت ~~الفكر في هذه الآية لأوصلتك إلى الحق وإلى مراده منك، لذلك يحذر الحق ~~عباده من الإعراض عن الآيات # وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون ~~عليها وهم عنها معرضون # [يوسف: 105]. ثم يقول الحق سبحانه: { قل للذين ءامنوا ~~يغفروا للذين لا يرجون أيام... }. ### || [45.14] # كلمة قل دلت على دقة رسول الله في البلاغ عن الله، وأنه صلى الله ~~عليه وسلم لا يأتي بشيء من عند نفسه ولا يبلغ كلام الله بالمعنى إنما ~~بالحرف، وإلا فقد كان بإمكانه في قوله تعالى: # قل هو الله أحد ms9260 # [الإخلاص: 1] أن يقول للناس: الله أحد. وأنت مثلا حين ترسل ولدك إلى ~~عمه وتقول له: قل لعمك: أبي يريدك، فالولد يذهب ويقول لعمه: أبي ~~يريدك، فالمعنى وصل بهذا اللفظ وتم التعبير عنه بدون قل. أما رسول الله ~~فينطق بما نطق الله به، ولا يتدخل في نص ما ألقي إليه، كأنه يقول لنا: ~~هذا الكلام ليس من عندي إنما هو كلام الله يبلغه كما سمعه. والعجيب أن ~~نسمع من ينادي بحذف هذه الكلمة من المصحف ويدعي أنها لا تضيف شيئا ~~للمعنى: ونقول له: يكفي أن الله نطق بها ونطق بها رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم إن لها مهمة كما بينا. { قل للذين ءامنوا ~~يغفروا.. } [الجاثية: 14] أي: يصفحوا ويتجاوزوا ولا يؤاخذوهم على ~~التفاهات ما دام أنها لا تتجاوز القول إلى الفعل. { للذين لا ~~يرجون أيام الله.. } [الجاثية: 14] أي: الذين لا يخافون أيام ~~الله ولا يعتبرون بها ولا يعملون لها حسابا، والرجاء نوع من الطلب، وفيه ~~معنى تمن والطمع في حصول ما ترجوه، فالرجاء طلب الشيء المتوقع ~~الحدوث. والممكن على خلاف التمني، وهو طلب المحال البعيد المنال، كما ~~قال الشاعر: # ألا ليت الشباب يعود يوما # فأخبره بما فعل المشيب # أما الرجاء فهو مظنة أن يتحقق، تقول: أرجو أن أوفق أو أسافر. ومعنى { ~~أيام الله.. } [الجاثية: 14] كما نقول مثلا أيام العرب يعني: ~~وقائعهم والأحداث الكبار التي مرت بهم، فأيام الله يعني وقائعه ~~بأعدائه، فأيام الله على المؤمنين نصره لهم وعلى الكافرين هزيمتهم، فهم ~~لا يقفون عند هذه الأحداث ولا يتأملونها ولا يأخذون منها عبرة ويمرون ~~عليها مر الكرام أو مرور الغافل عن حكم الأشياء، وهؤلاء هم ~~المنافقون. ولهذه الآية قصة، ففي غزوة بني المصطلق كان هناك بئر يشربون ~~منه اسمه المريسيع، وعلى هذا البئر اجتمع غلام لعمر بن الخطاب وغلام ~~لعبد الله بن أبي رأس المنافقين، فغلام عمر منع الآخر، وقال: لا حتى ~~أسقي لرسول الله أولا، فقال الآخر: أفرغت؟ قال: لا، لا يزال دلو أبي ~~بكر، ثم دلو عمر، قال: هذا لعلمه ms9261 أنه منافق. فأبطأ العبد على عبد الله ~~بن أبي فقال: ما أبطأك؟ قال: مولى لعمر بن الخطاب فعل كذا وكذا، فهز ~~رأسه هزة المنافق وقال: إنا وإياهم كما قال القائل: سمن كلبك ~~يأكلك، قال هذه الكلمة ليشفى بها ما في صدره، ووصلت هذه الكلمة إلى عمر ~~فأخذ سيفه وأراد أن يقتله فأنزل الله هذه الآية: { قل للذين ~~ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله. # . } [الجاثية: 14]. نعم يغفرون لهم ويتجاوزون عن هذه الهفوات لأنها في ~~حيز القول ولم تصل إلى مستوى الأفعال، فإذا وصلت إلى الفعل كان لها ~~شأن آخر كما حدث في مسألة المرأة المسلمة في بني قينقاع لما رفع واحد ~~منهم ذيل ثوبها إلى أعلى، فلما قامت انكشفت عورتها فكان لا بد من ~~قول يؤدبهم. أما الكلام فلا بأس من التسامح فيه مع هؤلاء المنافقين، ~~وحسبك في المنافق أنه يذل نفسه بالنفاق لأنه يفعل ما لا يعتقده ولا يؤمن ~~به. ثم إن النفاق في حد ذاته دليل على قوة الإيمان، حيث أصبح الإيمان ~~قوة تنافق، وهذه من عزة الإيمان وذلة النفاق. ولذلك حكى القرآن قولهم: # لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها ~~الأذل.. # [المنافقون: 8] فصدق الله على قولهم أن يخرج الأعز الأذل، لكن من ~~الأعز ومن الأذل؟ فقال سبحانه: # ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.. # [المنافقون: 8]. يكفي أن هؤلاء المنافقين كانوا يقفون في الصلاة في الصف ~~الأول ليستروا بذلك نفاقهم، ففي داخلهم تناقض وتردد، وهذه ذلة أمام ~~أنفسهم أولا. وروي أن فنحاص اليهودي لما نزل قوله تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا.. # [البقرة: 245] ضحك وقال: افتقر رب محمد ويطلب منا السلف، وهي كلمة شفى ~~بها ما في صدره من غل، ومع ذلك كانوا في كل معركة وفي كل صلاة في الصف ~~الأول. فالحق سبحانه وتعالى حين أمر المؤمنين أن يغفروا لهؤلاء ~~المنافقين إنما ليذل المنافق أمام نفسه، لذلك أثار المستشرقون ضجة حول ~~قوله تعالى: # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله.. # [المنافقون: 1] فكيف يقول ms9262 بعدها # والله يشهد إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1]. ذلك لأن هناك فرقا بين القول ومقول القول، فهم صادقون ~~في مقول القول، وهو # إنك لرسول الله.. # [المنافقون: 1] لكنهم كاذبون في القول لأنهم منافقون. فالحق سبحانه لم ~~يكذبهم في إنك رسول الله. إنما كذبهم في قولهم # نشهد إنك لرسول الله.. # [المنافقون: 1] لأن الشهادة تعني موافقة القلب للسان، والمنافق قلبه في ~~واد ولسانه في واد آخر. إذن: معنى { أيام الله.. } [الجاثية: ~~14] الأحداث المشهورة مثل يوم بدر وأحد والحديبية، وهذه الأيام فيها ~~نصر للمسلمين يفرحهم ويثلج صدورهم، وفيها هزيمة للكافرين تحزنهم وتكدر ~~حياتهم، ومثلها الوقائع التي حدثت في الأمم المكذبة للرسل. وهؤلاء ~~المنافقون لا يخافون هذه الوقائع بمعنى لا يعتبرون بها، لذلك لم تصرفهم ~~عن اللدد والجدال والعناد، وهذه المسألة شرحها الحق سبحانه في قوله: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا.. # [العنكبوت: 40]. وقوله سبحانه: { ليجزي قوما بما كانوا ~~يكسبون } [الجاثية: 14] فكأن الحق سبحانه يقول لنبيه: اتركهم لي. ~~إذن: الأمر بالمغفرة لهؤلاء ليس إكراما لهم ولا رحمة بهم إنما ليوقع ~~بهم عذابا أكبر وأشد، وليتولى الحق سبحانه تأديبهم بقوته سبحانه. إذن: ~~خلوا ساحتهم لانتقام الله منهم، لأنهم في واقع الأمر لا يقفون ضدكم، إنما ~~يقفون ضد الحق سبحانه. ثم إن المغفرة لها أصول ولها حدود، فأنت تغفر ~~لمن أساء وتغفر وتغفر، ولا تجد في المقابل إلا اللدد والجحود، وعندها لا ~~بد أن تتحول من الحلم إلى الجهل فهو أنفع وأنسب في هذا الموقف. وقد ~~فطن الشاعر العربي إلى هذا المعنى: فقال: # من الحلم أن تستعمل الجهل دونه # إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم # وقال الآخر: # صفحنا عن بني ذهل # وقلنا القوم إخوان # عسى الأيام أن يرجعن # قوما كالذي كانوا # فلما صرح الشر # وأمسى وهو عريان # مشينا مشية الليث # غدا والليث غضبان # بضرب فيه توهين # وإضعاف وإقران # وطعن كفم الزق # غدا والزق ملآن # وبعض الحلم عند # الجهل للذلة إذعان # وفي الشر نجاة حين ms9263 # لا ينجيك إحسان # وقوله تعالى { بما كانوا يكسبون } [الجاثية: 14] سبق أن ~~أوضحنا أن كسب تقال في الخير واكتسب للشر، لأن فيها افتعالا، فالخير ~~يأتي من فاعله طبيعيا لا تكلف فيه والكسب في اللغة هو الزيادة في ثمن ~~البيع عن ثمن الشراء، وهذا أمر محمود. لكن قد يتعود المرء المعصية ~~ويألفها، ولا يأنف من ارتكابها، وربما تباهي بها فتصير في حقه كسبا ~~فيفعل المعصية كما تفعل أنت الطاعة، يعني لا يندم على فعلها ولا تؤنبه ~~نفسه عليها، فكأن هؤلاء يعتبرون المعصية كسبا يفرحون به، لذلك قال: { ~~بما كانوا يكسبون } [الجاثية: 14] ولم يقل: يكتسبون. إذن: أمر ~~الحق سبحانه المؤمنين أن يغفروا الزلة الخفيفة دفعا بالتي هي أحسن ~~لعل المقابل يرتدع، قال تعالى: # ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم # [فصلت: 34]. فالشارع الحكيم يحرص كل الحرص على الإبقاء على الروابط بين ~~الناس، حتى في أعنف معارك العداوة وهي القتل تراه يبيح القصاص # ولكم في القصاص حيوة يأولي الألباب.. # [البقرة: 179]. وفي ذات الوقت يدعو إلى العفو: # فمن عفي له من أخيه شيء.. # [البقرة: 178] تأمل كلمة أخيه هنا، فرغم العداوة هم إخوة: # فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان.. # [البقرة: 178]. وكثيرا ما نسمع من يقول: دفعت بالتي هي أحسن ولم أجد ~~النتيجة التي أخبر الله بها، نقول له: أنت في الواقع لم تدفع بالتي هي ~~أحسن لأنك لو فعلت لوجدت الجواب كما أخبر الله، لكنك تخيلت أنك دفعت ~~بالتي هي أحسن وجعلتها تجربة مع الله، والتجربة مع الله شك. ثم يرتقي ~~الحق سبحانه بالنفس الإنسانية إلى مرتبة أعلى من الغفر، لأنك قد تغفر لمن ~~أساء إليك، لكن يبقى في نفسك منه شيء فيدعوك إلى أن تتخلص من آثار ~~الإساءة ثم ينقلك إلى مرتبة أعلى، وهي أن تحسن لمن أساء إليك: # والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله ~~يحب المحسنين # [آل عمران: 134]. وقد سئل الحسن البصري فقال: لأن الذي يسيئ إليك يجعل ~~ربك في جانبك، والذي يجعل ربي في جانبي يستحق أن يكافأ، ثم ms9264 هو بعد ذلك ~~نقل إلي حسناته. لذلك الرجل الصوفي لما بلغه أن رجلا سبه في مجلس ~~أرسل إليه هدية طبقا من الرطب وقال لخادمه: اذهب به إلى فلان وقل له: ~~سيدي يهديك هذا لأنك أهديت إليه حسناته بالأمس. ونحن نرى في واقع ~~حياتنا العملية حينما يضرب أحد الأولاد أخاه تجد الوالد يعطف على ~~المضروب و يطبطب عليه وينهر الضارب ويؤنبه، فكأن الضرب جاء في مصلحة ~~المضروب. إذن: الحق سبحانه يريد أن يحنن الخلق بعضهم على بعض، ومعنى ~~ذلك أن الحياة تبنى على المودة والمحبة لا على البغضاء والشحناء، تبنى ~~على التساند ولا على التعاند. لذلك العلماء لما عالجوا هذه المسألة جعلوا ~~المصيبة التي تصيب المرء على قسمين: مصيبة تصيبك ولك فيها خصم، ومصيبة ~~ليس لك فيها خصم، الأولى يتسبب فيها شخص فتأخذه خصما لك، وهذه تكون أشد ~~على النفس لأنها تدعوك إلى الانتقام. والأخرى هي التي تكون من الله لا ~~دخل لإنسان فيها، وهذه أهون وأخف على النفس حيث لا خصم فيها، فالخصم من ~~شأنه أن يحرك في نفسك نوازع الانتقام كلما رأيته. لذلك جاء في وصية ~~لقمان لولده: # واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور # [لقمان: 17] والمراد هنا المصيبة تصيبك من الله، لذلك لم يأت أمر ~~بالمغفرة والتسامح، وحينما يتكلم عن المصيبة تصيبك من البشر يقول: # ولمن صبر وغفر.. # [الشورى: 43] أي: غفر للخصم. # إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] فزاد هنا التأكيد باللام في # لمن عزم الأمور # [الشورى: 43] لأن الصبر في هذه الحالة أشق، ويحتاج إلى مجهود ومجاهدة ~~أكثر من الأولى. وقوله تعالى في آخر الآية: { ليجزي قوما بما ~~كانوا يكسبون } [الجاثية: 14] دل على عدالة الجزاء، وأنه من ~~جنس العمل، وقد أوضح الحق سبحانه هذه المسألة في الآية بعدها: { من ~~عمل صلحا فلنفسه... }. ### || [45.15] # فتأمل { فلنفسه.. } [الجاثية: 15] في العمل الصالح وعليها في ~~الإساءة { ثم إلى ربكم ترجعون } [الجاثية: 15] فكأن ~~الجزاء السابق له وعليه قبل الرجوع إلى الله في الآخرة. نعم هذا في ~~الدنيا ليعتدل ميزان حركة الحياة، ms9265 لأن الجزاء كله لو أخر إلى الآخرة ~~لاستسهل الناس الذنب، وهان عليهم الوقوع فيه فاستشرى الباطل وزاد الشر. ~~لذلك لا بد من حدوث شيء من العقاب الدنيوي لتستقيم الأمور لذلك يقول ~~تعالى: # وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك.. # [الطور: 47]. وقال عن عذاب أهل النار: # ولنذيقنهم من العذاب الأدنى.. # [السجدة: 21] يعني: القريب في الدنيا # دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون # [السجدة: 21] أي: في الآخرة. وهذا المبدأ واضح في سورة الكهف في قول ذي ~~القرنين: # أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه ~~فيعذبه عذابا نكرا # [الكهف: 87]. ### || [45.16] # هذه تسلية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت عانى فيه أشد ~~المعاناة من المعاصرين له من صناديد الكفر عنادا وجحودا واستكبارا ~~وإيذاء بالقول وبالفعل وبالمكر والتآمر، فلم يتركوا شيئا يؤذي رسول ~~الله إلا فعلوه. لذلك يسليه ربه يقول له: لست بدعا في ذلك، فقد ~~واجه إخوانك الأنبياء السابقون مثل هذا العنت والتكذيب، فخذ من تاريخ ~~الدعوة قبلك سلوى، لأنك جئتهم بالحق وهم يريدون الباطل، فلا بد أن ~~يصادموك. يقول تعالى: { ولقد آتينا بني إسرائيل ~~الكتاب.. } [الجاثية: 16] أي: التوراة كما أنزل عليك القرآن { ~~والحكم.. } [الجاثية: 16] أي: مقاييس العدل التي بها تستقيم أمور ~~الخلق. والحكم في بني إسرائيل مثل السنة عندنا مثلا لذلك خاطب الحق ~~سبحانه نساء النبي بقوله: # واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله.. # [الأحزاب: 34] أي: القرآن # والحكمة # أي: أحاديث رسول الله. { والنبوة.. } [الجاثية: 16] حيث جعل الحق ~~سبحانه النبوة في بني إسرائيل أكثر من أي أمة أخرى، حتى إنهم ليفتخرون ~~على باقي الأمم بهذه المسألة، والواقع أنها ليست مجالا للفخر بل دلت ~~على عيب فيهم ومأخذ يؤخذ عليهم، لأن كثرة الأنبياء تدل على فساد الخلق، ~~فالأمة لا تحتاج إلى رسول جديد إلا إذا استشرى فيها الفساد. إذن: كثرة ~~الأنبياء دلت دلت على كثرة الفساد فيهم. إذن: كثرة الأنبياء فيهم ليست ~~شهادة لهم، بل عليهم، لذلك وجدناهم يكثرون من قتل الأنبياء بما لم يحدث ~~في أي أمة أخرى، لذلك وجدناهم يتآمرون ms9266 لقتل محمد هو الآخر لكن هيهات. ~~الحق سبحانه وتعالى بين لهم أن هذه المسألة خاصة بكم أنتم ومقتصرة على ~~أنبيائكم فقط فحبسها عليهم، فقال تعالى: # فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل.. # [البقرة: 91] يعني: هذا الكلام كان زمان، أما الآن فلا ولن تتمكنوا منه ~~أبدا. وقوله تعالى: { ورزقناهم من الطيبات.. } ~~[الجاثية: 16] ومن هذه الطيبات المن والسلوى التي أنزلها الله عليهم ~~في فترة التيه، حيث لا استقرار ولا أرض تزرع، فأنزل الله عليهم المن ~~وهو سائل يشبه العسل ينزل على أوراق الشجر حبيبات شفافة تتساقط في ~~الصباح، طعمه حلو كأنه خليط من العسل والقشدة. أما السلوى فهو طائر مهاجر ~~مثل السمان ويتوافر فيه البروتين، إذن: من المن والسلوى أعطاهم الغذاء ~~الكامل، ومع ذلك غلبت عليهم ماديتهم، وأرادوا أن يأكلوا مما تحت أيديهم ~~مما تخرج الأرض، يقولون إن هذا الطعام الجاهز قد لا يأتي، فقد لا ينزل ~~المن ولا يأتيهم السلوى. لذلك قالوا لموسى: # لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج ~~لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها ~~وعدسها وبصلها.. # [البقرة: 61]. بل وصلت بهم ماديتهم إلى أن طلبوا من موسى عليه السلام ~~رؤية الحق سبحانه فقالوا: # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة.. # [البقرة: 55]. وقوله سبحانه: { وفضلناهم على العالمين } ~~[الجاثية: 16] قالوا: عالمي زمانهم، ليست على إطلاقها، لأن بني إسرائيل ~~عاشوا في زمن ساد فيه الكفر والوثنية، وكانوا هم أهل كتاب يؤمنون بالله، ~~فكانوا هم أفضل ممن عاصرهم. ### || [45.17] # قد يسأل سائل: ما مناسبة هذا الحديث عن اليهود هنا؟ قالوا: يريد الحق ~~سبحانه أن يقول: اذكر يا محمد أن أمتك قريش وغيرها عندهم شيء من طباع ~~اليهود، وفعلوا كثيرا من أفعالهم، فأنزل الله بهم مثل ما أنزل ~~بسابقيهم. قال تعالى: # أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم.. # [العنكبوت: 67]. فكان أي واحد يخرج فقط عن مكة يخطفونه ويغتالونه ~~ويأخذون ماله ومتاعه، لكن أهل مكة لم يجرؤوا على هذا لمكانتهم من البيت، ~~وحرصا على سلامة قوافلهم التجارية التي تسافر بين ms9267 اليمن والشام وتمر ~~بمعظم القبائل. ثم إن خدمة قريش للبيت وزواره أمنت تجارتهم وحمت ~~قوافلهم، ولم لا وهم يستقبلون عندهم في مكة ضيوف الرحمن ويقومون على ~~خدمتهم. لذلك نجد أن هذه المسألة هي الرابط بين سورة الفيل وسورة قريش، ~~اقرأ: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم ~~يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم ~~كعصف مأكول # [الفيل: 1-5]. فلو قلت: لماذا رد الله أصحاب الفيل وجعلهم كعصف مأكول ~~نجد الجواب في أول سورة قريش: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف # [قريش: 1-2] فلو هدم البيت لهدمت معه مكانة قريش، ولضاعت مهابتها من ~~قلوب أهل الجزيرة العربية، فلم يتمكنوا من رحلة الشتاء والصيف. فكأن ~~الحق سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: أنا عملت مع هؤلاء كذا ~~وكذا، ودافعت عنهم، وجعلت لهم مكانة ومنزلة، ومع ذلك يقفون من دعوتك ~~موقف العداء، لأنك ستسلبهم السيادة المتجبرة والسيادة الطاغية التي ~~اعتادوا عليها. فقوله تعالى: { وآتيناهم بينات من ~~الأمر.. } [الجاثية: 17] أي: دلائل وعلامات في صفة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فما ذهب اليهود إلى مدينة رسول الله إلا لعلمهم بقدومه، ~~وعلمهم بصفاته وبزمن بعثته، وكانوا يفتخرون بقدومه ويستفتحون به على ~~الكفار والوثنيين. يقولون: لقد أظل زمان نبي من العرب، سنتبعه ~~ونقتلكم به قتل عاد وإرم، فلما بعث رسول الله صادموه وكفروا بدعوته، ~~كما قال تعالى: # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ~~فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به.. # [البقرة: 89]. وقال تعالى عن معرفتهم لرسول الله: # يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم.. # [الأنعام: 20]. لذلك رأينا عبد الله بن سلام وهو أحد أحبار اليهود، ~~يقول: والله لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني ومعرفتي لمحمد أشد، ومع ~~هذه المعرفة أنكروا رسالته وكفروا به، وأغفلوا ما عندهم من علاماته ~~ودلائل نبوته. # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # [النمل: 14]. لذلك لما هدى الله عبد الله بن سلام للإسلام ذهب إلى ~~سيدنا رسول الله وقال له: يا رسول الله لقد شرح الله صدري للإسلام لكني ms9268 ~~أخشى إن أسلمت أن يذمني اليهود ويتهموني عندما يعلمون ذلك فاسألهم عني ~~يا رسول الله قبل أن يعلموا بإسلامي. # وفعلا سألهم رسول الله: ماذا تقولون في ابن سلام؟ فقالوا: هو سيدنا ~~وابن سيدنا وحبرنا وابن حبرنا، وعندها نطق عبد الله بن سلام ~~بالشهادتين وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقالوا: بل ~~هو كذا وكذا وأخذوا يسبونه ويشتمونه، فقال عبد الله: ألم أخبرك يا رسول ~~الله أنهم قوم بهت؟ ومن العجيب أن كفار مكة حين سألوا اليهود: أنحن ~~أهدى أم محمد؟ قالوا: بل أنتم أهدى من محمد، كل هذا لأن لهم سلطة زمنية ~~يريدون الاحتفاظ بها، وقبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة كانوا يعدون ابن أبي ليكون ملكا عليهم، وقد جهزوا له تاج ~~الملك، لكن سبقه رسول الله، وما إن وصل إلى قباء واستقبله أهل المدينة ~~لم يجدوا مجالا لذلك، وظل ابن أبي يكظمها في قلبه إلى أن مات. وقوله: ~~{ فما اختلفوا.. } [الجاثية: 17] أي: في رسول الله { إلا من ~~بعد ما جآءهم العلم.. } [الجاثية: 17] برسول الله { بغيا ~~بينهم.. } [الجاثية: 17] لأن بعضهم صدق برسول الله وأسلم، وبعضهم ~~كذبه وأنكره. وكان منهم من أثنى عليه رسول الله، فقال: نعم اليهود ~~مخيريق وهو رجل شرح الله صدره للإسلام، وصادف ذلك خروج الرسول لغزوة من ~~الغزوات فخرج مع رسول الله، ووهب له كل ما يملك دون أن يعلن عن ذلك، ~~وفي هذه الغزوة قتل مخيريق دون أن يصلي لله ركعة. وقوله سبحانه: { ~~إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا ~~فيه يختلفون } [الجاثية: 17] أي: في قضية الإيمان برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. ### || [45.18] # أي: جعلناك يا محمد على الطريق المستقيم، والشريعة هي الطريق الموصل إلى ~~الماء الذي هو أصل الحياة # وجعلنا من المآء كل شيء حي.. # [الأنبياء: 30] فسمى الدين شريعة. فكما أن الماء حياة الأبدان، ~~فالدين حياة الأرواح والقلوب، وهو الذي يمنحهم الحياة الأخرى الباقية، ~~حيث لا يفوتهم النعيم ولا يفوتونه، وهذه هي الحياة الحقيقية التي ms9269 قال ~~الله عنها: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24] فلا شك أنه يخاطبهم وهم أحياء في حياتهم الدنيا، إذن: ~~معنى يحييكم، أي: الحياة الآخرة الباقية. وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم، دعك مما يفعل هؤلاء من التكذيب والعناد، فهذا أمر ~~معروف منهم، وله سوابق في مواكب الرسل قبلك، فتحمل أنت ما يعترض طريقك ~~من الإيذاء. لذلك في أول بعثته صلى الله عليه وسلم لما ذهبت به السيدة ~~خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وقصت عليه ما حدث لسيدنا رسول الله، ~~فقال: إن هذا هو الناموس الذي كان ينزل على موسى. وقال لرسول الله: إنك ~~نبي هذه الأمة، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، وليتني أكون ~~حيا يوم يخرجونك. فقال صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال: نعم، ما ~~جاء أحد بمثل ما جئت به إلا أخرجه قومه. إذن: فالهجرة كانت موجودة منذ ~~الخطوات الأولى للبعثة، لأنها تمام لإشراق الإسلام في مكة. وقوله: { ~~فاتبعها.. } [الجاثية: 18] أي: اتبع هذا الطريق المستقيم وهذه ~~الشريعة { ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون } ~~[الجاثية: 18] أهواء الكافرين لأنهم اقترحوا على رسول الله وقالوا: تعبد ~~آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فنهاه الله عن اتباعهم، وفي هذه المسألة ~~نزلت سورة الكافرون. ### || [45.19] # أي: كفار مكة لأنهم ذهبوا إلى عمه أبي طالب وقالوا: لو كان ابن أخيك ~~يريد المال جمعنا له من أموالنا حتى يصير أغنانا، وإن كان يريد الملك ~~ملكناه علينا، فقال سيدنا رسول الله قولته المشهورة: # " والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك ~~هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ". # { وإن الظالمين بعضهم أوليآء بعض.. } [الجاثية: ~~19] أي: يعين بعضهم بعضا ويساند بعضهم بعضا، فقد جمعهم الظلم ووحد ~~أهدافهم { والله ولي المتقين } [الجاثية: 19] أي: في ~~المقابل الله، هو ولي المتقين يعينهم ويؤيدهم وينصرهم، فهذه من ~~المقابلات التي تزيد المعنى وضوحا. ### || [45.20] # كلمة { بصائر.. } [الجاثية: 20] جمع بصيرة، وهي ما يوجد ms9270 في وجدان ~~الإنسان من نور الحق، فالبصر يرى الماديات، والبصيرة ترى المعنويات ~~والقيم وتميزها. إذن: محلها القلب، فهي نور يقذفه الله تعالى في قلب ~~عبده، نقول: فلان عنده بصيرة، يعني: نظر ثاقب للأمور، ويمكنه أن يتنبأ ~~بالشيء فيأتي وفق تنبؤه. والهدى أو الهداية أن تصل إلى الحق من أقرب ~~طريق وأيسره عليك، فليس في الهدى مشقة، لذلك وصف الله المؤمنين بقوله: # أولئك على هدى من ربهم.. # [البقرة: 5] فهم على الهدى كأنه دابة تحملهم إلى غايتهم، وإلى مراد ~~الحق منهم. { ورحمة.. } [الجاثية: 20] هذه كلها أوصاف للقرآن ~~الكريم، فهو بصائر للناس وهو هدى وهو رحمة، وفي آية أخرى قال سبحانه: # وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة ~~للمؤمنين.. # [الإسراء: 82]. وقلنا: هناك فرق بين الشفاء والرحمة، فالشفاء يعني ~~وجود داء يعالجه القرآن أو اعوجاج يقومه القرآن ويصحح مساره، ~~فالقرآن يجبر ما فينا من نقص، ومن تقصير، ومن غفلة، ومن انحراف ويعدل ~~مسارنا إلى الطريق الصحيح وإلى الحركة البناءة. مثل التلميذ حين ينصرف عن ~~دروسه، فإنه يرسب ويفشل فإن عاد إلى الصواب وذاكر ينجح كذلك، فنحن إن ~~غفلنا عن كتاب ربنا وعن منهجه أصابتنا الأمراض فإن عدنا إليه شفانا. ~~أما الرحمة فتعني ألا يأتي الداء أصلا. وقوله سبحانه: { هذا ~~بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون } ~~[الجاثية: 20] أي: أن هذا الأثر للقرآن لا يكون إلا للموقنين المؤمنين به ~~وبصدقه، وأنه هو المنهج الحق الذي يحوي النور والهداية والشفاء والرحمة. ### || [45.21] # الفعل { حسب.. } [الجاثية: 21] بكسر السين يعني: ظن، وهناك حسب ~~بالفتح من الحساب والعد. ومعنى { اجترحوا السيئات.. } ~~[الجاثية: 21] يعني: فعلوها واكتسبوها لذلك نسمي الجوارح من الطيور ~~الكاسبات لأنها تستخدم للصيد، فهي كواسب. والسيئة هي كل ما يسوء صاحبه، ~~يسوءه عقابا أو ذما. وفي الآية استفهام يفيد الإنكار والتعجب من هذا ~~الظن، فكيف نسوي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين الطائعين والعاصين، ~~فالذين انصرفوا عن دعوتك يا محمد، وظنوا أن نسويهم بالذين آمنوا ظنهم ~~خاطئ. فشتان بين هذا وذاك، ولن نعاملهم كما نعاملكم، بل نعاملهم في ~~الدنيا بالهزيمة، ms9271 ونعاملكم بالنصرة والتمكين، ونعاملهم في الآخرة ~~بالعذاب، ونعاملكم بالنعيم والثواب. { سوآء محياهم ~~ومماتهم.. } [الجاثية: 21] يعني: لا نسوي بينكم وبينهم، لا في ~~الحياة الدنيا ولا في الآخرة { سآء ما يحكمون } [الجاثية: 21] ~~فمن يحكم بالمساواة هنا ساء حكمه وبطل، لأنه حكم جائر مناف للحق ~~وللعدل. فكأن ظنهم هذا هو الذي أرداهم وأغراهم بعدم الإيمان بك، وإلا لو ~~أيقنوا أن الغاية مختلفة، وأن الجزاء مختلف لآمنوا وعملوا الصالحات. ### || [45.22] # بعد أن تكلم الحق سبحانه أن الظن الجائر والخاطئ من الكافرين، وهو ~~أن نسويهم بالذين آمنوا. وبعد أن بين سبحانه وجه الظلم في هذا ~~الظن يحدثنا هنا عن عدله سبحانه، وعن ميزان الحق الذي به قامت ~~السماوات والأرض بداية، وقبل أن يخلق الإنسان، وقبل أن يوجد المؤمن ~~والكافر. فبالحق خلق الله السماوات والأرض، وأنشأهما بحساب دقيق وعدل ~~مطلق، فعدالة السماء لا تقتصر على جزاء الآخرة كل بعمله، إنما هي ~~عدالة أزلية بها قامت عملية الخلق. { وخلق الله السموت ~~والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم ~~لا يظلمون } [الجاثية: 22] والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، ~~ونحن نرى آيات الله في الكون سمائه وأرضه نجدها آيات ثابتة تسير بنظام ~~محكم دقيق لا يتخلف أبدا ولا يتبدل، لأنها بنيت بداية على الحق. وكأن ~~الله تعالى يعطينا إشارة ويلفت أنظارنا إلى أن حركة حياتنا في هذه الدنيا ~~لن تستقيم ولن تسير في سلام إلا إذا قامت على الحق وبنيت بميزان الحق، ~~الذي به قامت السماوات والأرض. اقرأ مثلا: # الشمس والقمر بحسبان # [الرحمن: 5] أي: خلقت بحساب دقيق # والنجم والشجر يسجدان * والسمآء رفعها ووضع ~~الميزان # [الرحمن: 6-7]. وتأمل ختام الآية: { ولتجزى كل نفس بما ~~كسبت وهم لا يظلمون } [الجاثية: 22] فما دام الأمر قائما ~~على الحق، فلا بد أن تتحقق العدالة في الجزاء، وأن ينتفي الظلم. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه... ~~}. ### || [45.23] # الإله هو المعبود الذي تكرس كل حياتك لخدمة مراده منك، وكلمة المعبود ~~كلمة عامة تطلق على المعبود بحق، وهو الله تعالى الخالق الرازق ms9272 المبدع ~~لهذا الكون وتطلق على المعبودات بالباطل كالذين عبدوا الأصنام أو الشمس ~~أو القمر. هذه وغيرها معبودات باطلة لا تضر ولا تنفع، وما عبدها الجهلاء ~~إلا لإرضاء عاطفة التدين عندهم، فهم يريدون دينا بلا تكاليف، وإلها بلا ~~أوامر ولا نواه. ومن هذه الآلهة الباطلة الهوى، فمن الناس من يتخذ ~~إلهه هواه، والهوى في حد ذاته مذموم، لذلك قالوا: آفة الرأي الهوى. ~~ولما مدح الحق سبحانه رسول الله قال: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3] حتى وإن عدل له ربه تعالى بعض الأحكام لأنها ساعة الحكم ~~الأول لم تصدر منه عن هوى نفسه، لذلك قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم: # " أدبني ربي فأحسن تأديبي ". # ثم يبين الحق سبحانه أن الذي اتخذ إلهه هواه إنسان ضال { ~~وأضله الله على علم.. } [الجاثية: 23] أي: حكم بضلاله ~~لأنه جعله مختارا، فاختار هواه، ولو جعله مقهورا كالسماء والأرض ما ~~استطاع المخالفة، وقلنا: إن الله يريد منا القلب لا القالب، يريدنا أن ~~نذهب إليه طواعية. يقول الحق سبحانه: # ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس: 7-8] إذن: لما اختار الضلال ووجده الله تعالى ضالا حكم عليه ~~أزلا بأنه ضال، وجاء الواقع كما حكم الحق سبحانه، وكما علم الله منه. ~~لذلك قلنا: إن الملائكة تظل تتعجب حينما يرون واقع الحياة وفق ما ~~كتب في اللوح المحفوظ فيقولون: نعم الرب. معنى { أفرأيت.. } ~~[الجاثية: 23] يعني: أعلمت سواء أكنت رأيت بعينك أو لم تر، كما في ~~قوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1] أي: ألم تعلم، لأن رسول الله ولد في هذا العام ولم ير ~~حادثة الفيل. وقوله تعالى: { وختم على سمعه وقلبه ~~وجعل على بصره غشاوة } [الجاثية: 23] معنى ختم يعني: ضرب ~~وطمس، وهنا جمع كل وسائل الإدراك في النفس الإنسانية، الأذن التي تسمع ~~آيات الله تسمع بلاغة كلام الله ووعده ووعيده، والبصر الذي يرى الآيات ~~الكونية ويتأملها ويستدل بها على خالقها ومبدعها، والقلب محل الاعتقاد. ~~وما ختم الله على كل هذه الوسائل إلا لأن صاحبها أحب الكفر ms9273 وارتاح إلى ~~الضلال، فأعانه الله على ما يحب، وختم على هذه الجوارح حتى لا يخرج منها ~~الكفر ولا يدخلها الإيمان، وكيف يؤمن من لا يسمع كلام الله ولا يرى ~~آياته في الكون ولا يميل قلبه إلى لذة الإيمان بالله. لذلك قال في ختام ~~الآية: { فمن يهديه من بعد الله } [الجاثية: 23] لا أحد ~~يملك هدايته كما قال في موضع آخر: # ومن يضلل الله فما له من هاد # [غافر: 33]. ### || [45.24] # هذا إنكار منهم لليوم الآخر، ولكن الحق لا بد وأن يظهر في فلتات ~~الألسنة، فوصفهم للحياة التي يعيشونها بأنها دنيا دليل واعتراف منهم بأن ~~هناك حياة أخرى أشرف وأعلى من هذه. كما جاء في قولهم: # لا تنفقوا على من عند رسول الله.. # [المنافقون: 7] فيعترفون أنه صلى الله عليه وسلم رسول الله مع أنهم ~~معادون له كافرون بدعوته. وقولهم: { نموت ونحيا.. } [الجاثية: ~~24] يقصدون نموت نحن ويحيا أبناؤنا من بعدنا، وهذا لأنهم لا يؤمنون ~~بالحياة بعد الموت، فالحياة التي يقصدونها هي امتداد أبنائهم من بعدهم. { ~~وما يهلكنآ إلا الدهر.. } [الجاثية: 24] أي: الزمن هو الذي ~~يميتنا، ومعلوم أن الزمن ظرف للأحداث، وهو مخلوق لله تعالى لا يميت، إنما ~~الذي يميت هو الله، وفي الحديث القدسى: # " لا تسبوا الدهر فأنا الدهر " # أي: خالقه ومالكه. { وما لهم بذلك من علم إن هم ~~إلا يظنون } [الجاثية: 24] وما دام ليس لهم علم بذلك، فلماذا ~~يعاقبهم الله؟ قالوا: يعاقبهم لأنهم ردوا العلم الذي جاءهم من ربهم ~~على ألسنة الرسل { إن هم إلا يظنون } [الجاثية: 24] ما هم ~~إلا يظنون أي في قولهم: { ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر.. } [الجاثية: 24]. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وإذا تتلى عليهم ءايتنا ~~بينات... }. ### || [45.25] # لم تستقم للكافرين حجة واحدة، بل كانت لهم حجج كثيرة يسوقونها للتملص من ~~الإيمان بالله ورسوله وقرآنه، لذلك نجدهم عندما تتلى عليهم آيات الله ~~أي: آيات القرآن نجد لهم حججا كثيرة متنوعة. يقول تعالى: # وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو ~~نشآء لقلنا مثل هذا.. # [الأنفال: ms9274 31]. وفي آية أخرى يقول: # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا ~~يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير هذآ أو بدله.. # [يونس: 15]. فهم يطلبون طلبين. الطلب الأول: يريدون قرآنا غير الذي ~~أنزله الله. والطلب الثاني: أنهم يريدون تبديل آية مكان آية. وهم قد ~~طلبوا حذف الآيات التى تهزأ بالأصنام، وكذلك الآيات التي تتوعدهم بسوء ~~المصير. وكما طعنوا في القرآن وأرادوا تبديله وتغييره طعنوا في رسول الله ~~الذي أنزل عليه هذا القرآن، فقالوا: # وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا ~~إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آبآؤكم ~~وقالوا ما هذآ إلا إفك مفترى وقال الذين ~~كفروا للحق لما جآءهم إن هذآ إلا سحر ~~مبين # [سبأ: 43]. حجج تتلوها حجج، ومقصدهم أن لا يؤمنوا، وهم يعلمون أن كل ~~حججهم ساقطة لا أساس لها، وقد يسأل سائل: إذا كان الله يسوق حججهم في عدة ~~أيات من قرآنه. فلماذا يقول في آية سورة الجاثية: { ما كان ~~حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبآئنآ.. } [الجاثية: ~~25]. فلماذا حصر حجتهم هنا ب ما كان وإلا؟ ولو تأملنا كل الحجج السابقة ~~سنجدها مجرد تلاكيك لأن لا يؤمنوا، ولكن حجتهم الرئيسية التي كانت أصيلة ~~فيهم وفي تفكيرهم هي أنهم لم يكونوا يؤمنون بالبعث بعد الموت. لذلك قال ~~الله تعالى: { ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا ~~بآبآئنآ.. } [الجاثية: 25]. وقد قال الحق سبحانه: # إن هؤلاء ليقولون * إن هي إلا موتتنا ~~الأولى وما نحن بمنشرين * فأتوا بآبآئنا إن ~~كنتم صادقين # [الدخان: 34-36]. وكان منهم من أمسك عظاما بالية في يده وفركها حتى ~~أصبحت رمادا ويتطاير # وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا ~~لمبعوثون خلقا جديدا # [الإسراء: 49]. لقد كانوا يستبعدون البعث بعد الموت، لأنهم غفلوا عن ~~بداية الوجود وبداية خلق الإنسان، ولو أحصينا تعداد العالم لوجدناه ~~يتزايد في الاستقبال ويقل في الماضي، وهكذا إلى أن نصل بأصل الإنسان إلى ~~الأصل الأصيل وهو آدم وحواء، فمن أين أتيا إلى الوجود؟ فهذه قضية غيبية ~~كان لا بد أن يفكروا فيها. ولقد رد عليهم القرآن إنكارهم ms9275 للبعث وقولهم: # أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا # [الإسراء: 49] بقوله تعالى: # قل هل من شركآئكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده ~~قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى ~~تؤفكون # [يونس: 34]. إن الله سبحانه هو وحده القادر على ذلك، فكيف تقلبون ~~الحقائق لأنكم تعرفون الواقع وتكذبونه كذبا متعمدا؟ هؤلاء { وإذا ~~تتلى عليهم ءايتنا.. } [الجاثية: 25] أي: إذا تتلى عليهم ~~آيات القرآن بينات واضحات الدلالة. { ما كان حجتهم.. } ~~[الجاثية: 25] يعني: لم يجدوا حجة يحتجون بها على عنادهم وإنكارهم { ~~إلا أن قالوا ائتوا بآبآئنآ.. } [الجاثية: 25] أي: الذين ~~ماتوا إن كنتم صادقين. وهذا طلب يدل على إفلاسهم وعنادهم، فليس عندهم ~~منطق ولا حجة تبرر هذا العناد. لذلك رد الله عليهم بقوله: { قل ~~الله يحييكم ثم يميتكم... }. ### || [45.26] # أي: قل لهم يا محمد { الله يحييكم ثم يميتكم.. } ~~[الجاثية: 26] أي: في الدنيا { ثم يجمعكم.. } [الجاثية: 26] بعد ~~البعث والنشور { إلى يوم القيامة لا ريب فيه.. } ~~[الجاثية: 26] لا شك فيه { ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } [الجاثية: 26] فنفى عنهم العلم. إن علمهم قاصر عن أن يدرك ~~حقائق الأمور، فكما أن الخلق آية من آيات الله فكذلك الموت آية من آيات ~~الله نراها ونلمسها كل يوم، وما دمت تصدق بآية الخلق وآية الموت ~~وتراهما ولا تشك فيهما. فحين نقول لك إن بعد هذه الحياة حياة أخرى ~~فصدق، لأن صاحب هذه الآيات واحد، والمقدمات التي تحكم أنت بصدقها يجب ~~أن تؤدي إلى نتيجة تحكم أيضا بصدقها، وها هي المقدمات بين يديك صادقة. { ~~قل الله يحييكم.. } [الجاثية: 26] أي: يعطي المحي ما يحييه ~~قوة يؤدي بها المهمة المخلوق لها، والإحياء الأول في آدم حين خلقه ربه ~~وسواه ونفخ فيه من روحه ثم أوجدنا نحن من ذريته. وفي آية أخرى يقول ~~الحق سبحانه: # كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا فأحيكم.. # [البقرة: 28]. فكفركم لا حجة لكم فيه ولا منطق، فقضية الإحياء من عدم ~~والخلق قضية لا تحتمل الجدل، فأين كان آدم قبل أن يخلقه الله، وأين كنتم # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن ms9276 شيئا ~~مذكورا # [الإنسان: 1] أي: لم يكن له وجود. فقضية الحياة والموت لا يمكن لأحد أن ~~يجادل فيها، فالله سبحانه وتعالى خلقنا من عدم، ولم يدع أحد قط أنه خلق ~~الناس أو خلق نفسه. وقوله تعالى { ثم يميتكم.. } [الجاثية: 26] ~~فإن أحدا لا يشك في أنه سيموت، فالموت مقدر على الناس جميعا، ~~والخلق من العدم واقع بالدليل، والموت واقع بالحس والمشاهدة. ولذلك ~~فمن رحمة الله بالعقل البشري بالنسبة للأحداث الغيبية أن الله سبحانه ~~قربها لنا بشيء مشاهد.. كيف؟ فالحق تبارك وتعالى أخبرنا عن مرحلة في ~~الخلق لم نشهدها، ولكن الموت شيء مشهود لنا جميعا. وما دام الموت ~~مشهودا لنا، فالحق سبحانه يأتي به كدليل على مراحل الخلق التي لم ~~نشهدها، فالموت نقض للحياة. ثم يقول الحق سبحانه: { ثم يجمعكم ~~إلى يوم القيامة.. } [الجاثية: 26] فالجمع هنا أي بعد البعث ~~والإعادة والإحياء من الموت، إنه يوم الجمع، قال تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا لتنذر أم ~~القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب ~~فيه.. # [الشورى: 7] أي: تخوفهم من هذا اليوم وهو يوم القيامة، والجمع في هذا ~~اليوم يكون من عدة وجوه: البعث حيث يجمع بين الجسم والروح، ويجمع ~~الملائكة في الملأ الأعلى بالبشر، ويجمع الظالم والمظلوم، والتابع ~~والمتبوع. يقول تعالى: # الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا # [النساء: 87]. ثم يقول الحق سبحانه: { ولله ملك السماوات ~~والأرض... }. ### || [45.27] # هنا أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور، أفاد قصر ملكية السماوات والأرض ~~على الله وحده لا شريك له: { ويوم تقوم الساعة.. } [الجاثية: ~~27] تقوم القيامة كأنها كانت نائمة وقامت، وأبهم الساعة لننتظرها في ~~أي لحظة. فالإبهام هنا كما قلنا عين البيان، لأنه يجعلنا دائما على ~~استعداد لها، كما أبهم الله تعالى أجل الإنسان ليستحضره دائما في أي ~~وقت ولا يغفل عنه، ومن لا يملك لنفسه البقاء طرفة عين جدير ألا يغفل ~~عن آخرته ويحذر أن يأتي أجله وهو على معصية الله. فمن مات على شيء ~~بعث عليه خاصة ms9277 إذا كان الموت لا ينتظر أسبابا. فالموت من دون أسباب هو ~~السبب، مات لأنه يموت وقد حان أجله، وقد تنبه الشعراء لهذا المعنى فقال ~~أحدهم: # في الموت ما أعيا وفي أسبابه # كل امرئ رهن بطي كتابه # أسد لعمرك من يموت بظفره # عند اللقاء كمن يموت بنابه # إن نام عنك فأي طلب نافع # أو لم ينم فالطب من أذنابه # نعم يدخل غرفة العمليات فلا يخرج منها ويكون الطب هو سبب موته. إذن: ~~الحق سبحانه يبهم لحكمة وهدف. ومن رحمته تعالى بخلقه أنه لما أبهم ~~الساعة جعل لها علامات تنبه الغافل حتى لا تفاجئ الناس. من رحمته بنا ~~أن جعل لها علامات صغرى وعلامات كبرى، هذا حنان من الله على خلقه: # لا يجليها لوقتهآ إلا هو ثقلت في السموت ~~والأرض لا تأتيكم إلا بغتة.. # [الأعراف: 187]. وقوله: { يومئذ يخسر المبطلون } ~~[الجاثية: 27] أي: المستمرون في الباطل، وكلمة يخسر من الخسارة التي ~~يقابلها المكسب، وهذه مسألة يعرفها التجار، فكل تاجر يريد المكسب أي: ~~الزيادة على رأس المال. إذن: كل عمل من الأعمال يجب أن يحسب من حيث ~~المكسب والخسارة، فالكافر في الدنيا يظن أن عمله يعود عليه بالمكسب في ~~الدنيا، لكن سيفاجأ يوم القيامة حيث انتهى وقت العمل أن عمله عاد عليه ~~بالخسران. # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا.. # [آل عمران: 30]. ومعنى الخسارة هنا أن يجد كل أعماله ذهبت هباء منثورا ~~دون فائدة: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. لذلك لما سئلنا عن أصحاب الاختراعات والابتكارات التي ~~خدمت البشرية ويسرت على الناس حركة الحياة، وخففت آلام المتألمين: ~~كيف بعد هذا كله يدخلون النار؟ قلت: نعم، لأنهم عملوا هذه الأعمال لخدمة ~~الإنسانية ولم يكن الله في بالهم، لذلك أخذوا أجورهم من البشرية ~~تكريما وتخليدا لذكراهم وتمجيدا لهم، فعملوا لهم التماثيل وألفوا ~~فيهم الكتب.. إلخ. إذن: ms9278 لا نصيب لهم في ثواب الآخرة، ولو عملوا لله ~~لوجدوا الأجر عند الله، لأن الأجير لا يطلب أجره إلا ممن عمل له. لذلك ~~سيفاجأ الكافر بهذه الحقيقة، هذه المفاجأة نفهمها من قوله تعالى: # ووجد الله عنده فوفه حسابه.. # [النور: 39] فوجئ بإله لم يكن في باله، أو كان منكرا له كافرا به. ### || [45.28] # أي: يوم القيامة ترى كل أمة جاثية، من الفعل جثا جثوا أي: برك على ~~ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه، وهذا وضع الخائف الخاضع الذليل، ومنه ~~قوله تعالى: # ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا # [مريم: 68]. وقريب منه الفعل جثم جثوما أي: لزم مكانه أو لصق بالأرض، ~~ومنه قوله تعالى: # فأصبحوا في ديارهم جاثمين # [هود: 94]. إذن: فالموقف موقف عصيب، موقف رعب وهول وهلع بحيث لا يتمكن ~~الناس من القعود على مقاعدهم فيقعدون على ركبهم، فإن اشتد الهول ~~وقفوا على أطراف أصابعهم، وهي وقفة من ينتظر الخطر والهول، أما القعود ~~الطبيعي فيمكن الإنسان مقعدته من الأرض ويكون في حال الاطمئنان. ~~وفرق بين القعود والجلوس وإن كانت المحصلة واحدة، إلا أن القعود يكون ~~بعد الوقوف. نقول: كان قائما فقعد، أما الجلوس فيكون من حال الاضطجاع. ~~كان مضطجعا فجلس. إذن: هنا مسألة فلسفية: القعود يكون من وضع أعلى وهو ~~القيام، والجلوس من وضع أدنى وهو الاضطجاع، والجلوس أو القعود يضمن ~~للإنسان الراحة حيث يكون معظم جسمه على الأرض فيرتاح على خلاف القائم ~~مثلا فتحمله قدماه. لذلك إذا وقفت مدة طويلة تتعب وتبادل بين قدميك في ~~الوقوف، ثم يزيد الحمل على القدمين إن أضفت إلى القيام المشي، ثم يزيد ~~إذا أضفت على المشي شيئا تحمله، وهكذا. فإذا تعب الإنسان فأول شيء يضع ~~الحمل الذى يحمله ليخف الحمل على القدمين، ثم يتوقف عن المشي ليقلل ~~المجهود، ثم يقعد، وبعد ذلك يضطجع فيلقي بكل جسمه على الأرض، وهذا الوضع ~~يضمن منتهى الراحة للبدن. لكن هذا التصوير القرآني في جاثية أو جاثمة لا ~~يدل على الراحة، إنما يدل على الخضوع والذلة والانكسار وشدة الخوف الذي ~~يجعل الإنسان ms9279 والعياذ بالله يلتصق بالأرض، أو يجثو على ركبتيه من شدة ~~الخوف. فالحق سبحانه يصور هذا الموقف تصويرا لفظيا يشعرك بفظاعة ~~الموقف وشدة كربه، ولك أنت أن تتخيل الموقف، وأن تأخذه تجربة مررت بها ~~بالفعل في موقف رهيب ينشغل فيه كل امرىء بنفسه. فالقيامة قامت، قامت ~~يعني: لن تقعد والأمة جاثية، الكل المؤمن والكافر، الكل جاث ينتظر ما ~~سيحدث، لا أحد هنا فوق القانون مفيش جستنة فالفزع والهول يغشى الجميع، ~~والكل ينتظر كلمة الحق. { كل أمة تدعى إلى كتابها.. } ~~[الجاثية: 28] فنسب الكتاب إلى الأمة، لذلك وقف المستشرقون عند هذه الآية ~~يعترضون، لأن الحق سبحانه يقول في آية أخرى: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق.. # [الجاثية: 29]. فمرة أسند الكتاب إلى الأمة، ومرة أسنده إليه سبحانه، ~~ولو فهموا عن الله ما وجدوا في ذلك وجها للاعتراض. فمعنى كتابنا أي: ~~الذي طلبنا من الحفظة أن يكتبوه ليكون حجة على صاحبه يوم القيامة، ~~فنقول له: # اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. وهو أيضا كتابهم أي الذي كتب عليهم فيه، وسجل فيه ~~أعمالهم، إذن: لكل لفظ معناه ودلالته، ومعلوم في أسلوب القرآن أنه يستعمل ~~اللفظ هنا بمعنى وهناك بمعنى آخر. والقرآن مجمله يحتاج في فهمه إلى تأمل ~~وتدبر وعلم بأسباب النزول وملابسات الآيات: اقرأ مثلا قول الله تعالى: # ولا تؤتوا السفهآء أموالكم.. # [النساء: 5] السفيه: هو الذي لا يحسن التصرف في ماله، لذلك لم يجعل له ~~الشارع مالا، إنما المال في حال السفه ملك لوليه. لذلك قال # أموالكم.. # [النساء: 5] مع أنها من حق هذا السفيه، لأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ~~ويسعى بذمتهم أدناهم. إذن: نأخذ مال السفيه ونحافظ له عليه حتى نأنس منه ~~رشدا فندفع إليه ماله ليتصرف هو فيه، لذلك قال تعالى في إعادته: # فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم.. # [النساء: 6] ونسبها إليهم لأنها صارت ملكا لهم، ولهم حرية التصرف ~~فيها. وقوله سبحانه: { اليوم.. } [الجاثية: 28] أي: يوم القيامة { ~~تجزون ما كنتم تعملون } [الجاثية: 28] فالجزاء من جنس ~~العمل. ### || [45.29] # قوله: { هذا كتابنا.. } [الجاثية: 29] أي: كتاب الأعمال ms9280 { ~~ينطق عليكم بالحق.. } [الجاثية: 29] معلوم أن النطق يكون ~~باللسان لأنه وسيلة البيان الأولى، واللسان هنا لسان الحال مع أن الكتاب ~~في الواقع يقرأ ولا ينطق، لكن هذا الكتاب لشدة إظهاره للحق كأنه ينطق ~~ويشهد على صاحبه. { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ~~[الجاثية: 29] معنى نستنسخ نثبت، أن نأخذ منه نسخة أخرى نعطيها لصاحب ~~الكتاب ليقرأها وليطلع على ما قدم في دنياه. كما نقول مثلا: أصل وصورة، ~~فنعطيه صورة من كتابه ومن أعماله لتكون حجة عليه. ومن معاني النسخ ~~الإثبات الذي لا يترك شيئا، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، قال ~~تعالى: # يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما ~~عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا ~~بعيدا.. # [آل عمران: 30] وقال: # ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد # [ق: 18]. ### || [45.30] # ما دمنا بصدد الحديث عن كتاب الأعمال الذي يقرأه الإنسان، فهذه الآية ~~تتحدث عن النوع الاول وهو المؤمن الذي عمل صالحا، فأخذ كتابه بيمينه ~~ووجده على أحسن صورة ففرح به وتباهى. فهذه الآية أوضحها الحق سبحانه في ~~آية أخرى: # فأما من أوتي كتبه بيمينه فيقول هآؤم ~~اقرءوا كتبيه * إني ظننت أني ملاق حسابيه * ~~فهو في عيشة راضية * في جنة عالية * قطوفها ~~دانية * كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في ~~الأيام الخالية # [الحاقة: 19-24]. وتأمل هنا كلمة { في رحمته.. } [الجاثية: 30] ~~فكأن الرحمة ظرف لهم يدخلهم فيه ويعمهم به، فالرحمة تغمرهم وتحيط بهم ~~من كل جانب، فليس لهم هنا إلا الرحمة لأنهم شقوا في الدنيا وتحملوا ~~أعباء العبادة والعمل الصالح وتقلبوا بين نعمة وشقاء، ومكسب وخسارة، ~~وصحة ومرض، أما هنا فلن يجدوا إلا رحمة الله تعمهم وتشملهم. وكلمة { ~~آمنوا وعملوا الصالحات.. } [الجاثية: 30] دلت على أن ~~الإيمان القلبي وحده لا يكفي، بل لا بد له من ثمرة، وثمرة الإيمان ~~وفائدته أن توظفه لخدمة امن آمنت به. لذلك دائما يقرن القرآن بين ~~الإيمان والعمل الصالح، كما في قوله تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات.. # [العصر: ms9281 1-3] لأن الإيمان بالله وبالبعث والحساب والقضاء والقدر يجعل ~~الإنسان على يقين من أنه محاسب مسئول عن كل تقصير. وما دام أنك ستسأل ~~فلا بد أن تكون يقظا لا تستهين بالذنب مهما كان صغيرا، ولا تزهد في ~~الخير مهما كان يسيرا، فمن كانت نهايته الحساب كان جديرا ألا ~~تفلت منه هذه المسائل إلا سهوا أو نسيانا، فالسهو والنسيان يجبرهما ~~الاستغفار والتوبة. وقلنا: من رحمة الحق بالخلق أن شرع لهم التوبة مجرد ~~مشروعية التوبة، وفتح بابها للناس رحمة، رحمة بالمقصر المذنب، ورحمة ~~بالمجتمع الذي يشقى بذنوب المذنبين. وقوله سبحانه: { ذلك.. } ~~[لجاثية: 30] إشارة إلى دخول أهل الإيمان والعمل الصالح في رحمته { هو ~~الفوز المبين } [الجاثية: 30] الواضح المحيط بالنفع الكامل، بحيث ~~لا يتسرب إليه شيء يناقض الحق في الرحمة. ثم في المقابل: { وأما ~~الذين كفروا... }. ### || [45.31] # هؤلاء في مقابل الذين آمنوا، وهؤلاء يأخذون كتابهم بشمالهم، قال تعالى: # وأما من أوتي كتبه بشماله فيقول يليتني ~~لم أوت كتبيه * ولم أدر ما حسابيه * يليتها ~~كانت القاضية # [الحاقة: 25-27]. إذن: جزاء هؤلاء النار، لكن قبل أن يدخلوها لا بد ~~أن يعاتبهم أو يؤنبهم هذا التأنيب، ويبين لهم أنه لا عذر لهم في ~~عدم الإيمان، فقد جاءتهم الآيات البينات وجاءتهم الرسل فما قصرنا في ~~حقهم، وما تركناهم هملا، ولم نأخذهم على غرة، وطالما دعوناهم ~~وتحننا إليهم. ونلاحظ أن هؤلاء جمعوا بين الاستكبار عن الحق وبين ~~الإجرام، فالاستكبار يعني رد الحق وعدم قبوله من صاحبه الذي جاء به وهو ~~الرسول، وليتهم وقفوا عند هذا الحد وتركوا الناس في حالهم إنما ~~تجاوزوا ذلك إلى الإجرام، وهو أن تهزأ بمن آمن وتسخر منه. وهذه المسألة ~~شرحت في قوله تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون # [المطففين: 29-30] أي: سخرية واستهزاء. ثم # وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين # [المطففين: 31] وهذا يدل على أنه وأهله في الإجرام سواء، وأن الفساد ~~يعم الجميع. ونحن نرى هذا الصنف من البشر في كل زمان نراهم يسخرون ~~ممن يصلي أو ms9282 ممن يتشبه بسيدنا رسول الله، ونسمع منهم كلمات ~~السخرية مع أنهم يقرأون معنا هذه الآية. لكن الحق سبحانه يطمئن أهل ~~الإيمان ويقول لهم: لا تهتموا بهذا الذي ينالكم منهم في الدنيا، وانتظروا ~~ما يحدث في الآخرة: # فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على ~~الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون # [المطففين: 34-36] نقول: نعم يا رب لقد جازيتهم بما يستحقون. ### || [45.32] # هؤلاء نوع آخر من المكذبين بالبعث، فالنوع الأول متيقن ومصدق أنه لا ~~يوجد بعث ولا حساب، وهؤلاء لم يصلوا إلى مرحلة اليقين، إنما هم يظنون أن ~~هناك بعثا، والظن أن ترجح شيئا على شيء. وسبق أن أوضحنا: أن النسب ~~خمسة: علم، وجهل، وشك، وظن، ووهم. الظن أن تغلب الشيء الذي تظنه. ~~والوهم: أن تغلب الباطل. فهناك شيء أنت تجزم به، وشيء لا تجزم به، وما ~~تجزم به وتدلل عليه هو علم يقين، أما ما لا تستطيع التدليل عليه فليس ~~علم يقين، بل تقليد، كأن يقول الطفل: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. وهذا حق، لكن الطفل لا يستطيع أن يدلل عليه أو أن يقال ~~شيء ومن يقوله جازم به وهو غير واقع، فذلك هو الجهل. والعلم هو القضية ~~المجزوم بها، وهى واقعة وعليها دليل على عكس الجهل الذي هو قضية مجزوم ~~بها وليس عليها دليل. والظن هو تساوي نسبتين في الإيجاب والسلب، بحيث لا ~~تستطيع أن تجزم بأي منهما، لأنه إن رجحت كفة كانت قضية مرجوحة، والقضية ~~المرجوحة هي شك أو ظن أو وهم، فالظن هو ترجيح النسب على بعضها، والشك ~~هو تساوي الكفتين. ### || [45.33] # يعني: ظهر لهم عملهم السيء في الدنيا { وحاق بهم.. } [الجاثية: 33] ~~يعني: أحاط بهم فلا يجدون منه مفرا ولا مهربا { ما كانوا به ~~يستهزئون } [الجاثية: 33]. ### || [45.34] # هنا تأمل لطف الله ورحمته حتى بأعدائه والكافرين به، فالفعل { وقيل.. ~~} [الجاثية: 34] مبني للمجهول فلم يقل قال الله، فمن رحمته بهم ألا ~~يواجههم بهذه الحقيقة { اليوم.. } [الجاثية: 34] أي: يوم القيامة { ~~ننساكم.. } [الجاثية: 34]. الحق سبحانه وتعالى لا ينسى، فالمعنى ~~نترككم ms9283 في العذاب مهملين، ولا نلتفت إليكم بالرحمة، كما يترك الناس ~~الأمر فلا يخطر ببالهم، لأنه لو خطر بباله ربما أخذته الرحمة بهم. ثم ~~يبين الحق سبحانه علة هذا النسيان { كما نسيتم لقآء يومكم ~~هذا.. } [الجاثية: 34] يعني: ننساكم في العذاب كما نسيتم هذا اليوم ~~وكما تركتم العمل له { ومأواكم النار.. } [الجاثية: 34] المأوى: ~~هو المكان الذي يأوي إليه الإنسان ليرتاح من التعب، أو يأمن من الخوف، ~~فما بالك إن كان مأوى هؤلاء النار ومستقرهم ونهايتهم، ماذا يكون حالهم؟ ~~وفوق هذا كله { وما لكم من ناصرين } [الجاثية: 34] هذا ~~قطع للأمل في النجاة، وتيئيس لهم، فهم في هذا المأوى لن يجدوا من ~~يخلصهم منه أو يعطف عليهم ويخفف عنهم العذاب، بل بالعكس سيتبرأون منكم ~~ويتركونكم في العذاب، بل ويسبقونكم إليه، كما قال في فرعون: # يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار.. # [هود: 98]. ### || [45.35] # { ذلكم.. } [الجاثية: 35] أي: الذي نزل بكم وحاق بكم من العذاب، سببه ~~أعمالكم السيئة في الدنيا، فهو جزاء وفاق ولم نظلمهم مثقال ذرة { ~~ذلكم بأنكم اتخذتم ءايت الله هزوا.. } ~~[الجاثية: 35] أي: مهزوءا بها، فهم أنكروها وكذبوا بها وسخروا منها. ~~وكلمة { هزوا.. } [الجاثية: 35] مبالغة في الاستهزاء كما تقول: فلان ~~عادل وفلان عدل. يعني: هو العدل نفسه. { وغرتكم الحياة ~~الدنيا.. } [الجاثية: 35] أي: خدعتكم بزخرفها وبهجتها وبهرجها فعملتم ~~لها ونسيتم العمل للآخرة { فاليوم لا يخرجون منها.. } ~~[الجاثية: 35] أي: من النار. { ولا هم يستعتبون } [الجاثية: ~~35] من الفعل عتب، والعتاب لا يكون إلا بين الأحبة، لذلك قالوا: ويبقى ~~الود ما بقي العتاب، فإذا أسأت مثلا إلى صديق لك فيأتي هو إليك ~~ويعاتبك، ويريد أن يسمع منك اعتذارا أو عذرا ليستديم مودتك، لأنه لا ~~يريد القطيعة بينكما. فيقال: استعتب فلان فأعتبه. يعني: أزال سبب عتابه، ~~وهذه الهمزة تسمى همزة الإزالة، قال الشاعر: # أما العتاب فبالأحبة أخلق # والحب يصلح بالعتاب ويصدق # لذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما عاد من الطائف بعد أن ~~آذاه أهلها جلس يناجي ربه: إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكنه ~~تذكر ms9284 فقال: لكن عافيتك هي أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى. يعني: لك عندي يا ~~رب ما أزيل به عتابك، يعنى: لام على شيء ظنه تقصيرا. إذن: أعتبه أزال ~~عتابه، مثل: أعجم الحرف يعني أزال عجمته، وتعرفون أن الحروف العربية ~~كانت تكتب أولا بدون نقط اعتمادا على الملكة العربية الصافية التي ~~تستطيع أن تستشف الحرف المراد. فلما ضعفت هذه الملكة عند الناس ~~احتاجوا إلى النقط لفهم المعنى المراد. فالحق سبحانه يقول عن هؤلاء { ~~ولا هم يستعتبون } [الجاثية: 35] لا يقبل منهم عتاب، ولا ~~يقبل لهم عذر، ولا يقبل فيهم شفاعة، فإن طلبوا إرضاء الله تعالى ~~بأي وسيلة ترد ولا تقبل، حتى التوبة لأنها لا تفيد في هذا اليوم. ### || [45.36] # أولا: كلمة لله الحمد جملة من مبتدأ وخبر قدم فيها الخبر لإفادة قصر ~~الحمد على الله وحده، فالحمد واجب لله تعالى قبل كل شيء، واجب لله على ~~أنه خلق من عدم وأمد من عدم، وهدى الناس بآياته البينات إلى سبيل ~~الحق. الحمد واجب لله على قيومته، وعلى المنهج الذي هدانا به، وعلى دار ~~الجزاء التي يثيب فيها المؤمن ويعاقب فيها الكافر، الحمد واجب لله على ~~أن أحيانا بروح منه أحيت مادتنا في الدنيا، وروح منه أحيت قيمنا في ~~الآخرة. لذلك خاطبنا ونحن أحياء قال: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24] فالمراد بالحياة هنا حياة القيم التي تمنحك الحياة ~~الباقية الخالدة في الآخرة. # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64]. يعني: الحياة الحقيقة التي تستحق أن نعمل لها. ومن ~~نعمه تعالى التي تستوجب الحمد أن علمنا كيف نحمده سبحانه بهذه ~~الكلمة الخفيفة على اللسان التي يستوي في نطقها العالم والأمي. الكل ~~يقول: الحمد لله. الكل يثني على الله بلفظ واحد، ولو لم تكن هذه ~~المساواة لفاز المتعلمون والبلغاء وأصحاب الفصاحة والبيان وخسر الأمي ~~الذي لا يحسن الكلام والعيي الذي لا يقدر على التعبير. لذلك سيدنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نبهنا إلى هذه المسألة، حين قال ms9285 في الثناء على ~~الله تعالى: # " سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ". # ومعنى { فلله الحمد.. } [الحاثية: 36] أن الحمد حق لله دائم ~~لا ينقطع ولا ينتهي، لا من الحامد ولا من المحمود عليه. ثم يأتي الحق ~~سبحانه بالحيثية على الحمد لله { رب السموت ورب الأرض ~~رب العالمين } [الجاثية: 36] والرب هو المربي والمالك ~~والمعطي، فكيف لا يحمد؟ ### || [45.37] # وهذه حيثية أخرى لوجوب الحمد لله، أن يتصف سبحانه بصفة الكبرياء، ~~والكبرياء هو العظمة والجلال والقهر، وأيضا الأسلوب هنا أسلوب قصر { ~~وله الكبريآء.. } [الجاثية: 37] يعني: له وحده، وهذه من أعظم ~~نعم الله علينا حتى لا نكون عبيدا لغيره. فالله ما جعلك عبدا له إلا ~~ليكفيك العبودية لغيره، ولولا هذا الكبرياء لله تعالى لكنا عبيدا لكل ~~ذي قوة ولكل من نحتاج إليه، حتى الحداد والنجار الذي يقضي لك مصلحة ~~يمكن أن يستعبدك. إذن: معنى { وله الكبريآء في السماوات ~~والأرض.. } [الجاثية: 37] كأنه يقول لك: اطئمن يا عبدي فلن تكون ~~عبدا لغيري، فالعظمة والجلال والكبرياء لي وحدي وأنا لكم جميعا، والخلق ~~كلهم عيالي، وأحبهم إلي أرأفهم بعيالي. ألسنا في المثل الشعبي نقول: ~~اللي ملوش كبير يشترى له كبير، كذلك الحق سبحانه مع المؤمنين به، الذين ~~يعبدونه وحده يكون في جانبهم ييسر لهم أمورهم، ويقضي لهم حوائجهم، ~~يستعينون به فيعينهم ويلجأون إليه فيحميهم ويؤيدهم. إذن: هذه الصفة لله ~~تعالى تعد من أعظم نعمه على عباده. والحديث القدسي يؤكد هذه الصفة ~~لله تعالى وحده، فقال سبحانه في الحديث القدسي: # " الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قذفته في ~~النار ". # لماذا؟ لأنه لم يخلق هذا الخلق ولا يؤتمن عليه، لذلك الإنسان لا ~~يتكبر على الخلق إلا إذا حجبت نفسه عن استحضار كبرياء الحق سبحانه: ~~إنما الذي يستحضر في نفسه دائما كبرياء الله يستحي أن يتكبر، وأن ~~ينازع ربه في هذه الصفة. والكبرياء مادتها كبر تقال بفتح الباء للدلالة ~~على الكبر والزيادة في المادة، وبالضم تدل على العظم، ومنه قوله تعالى: # كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن ms9286 يقولون إلا ~~كذبا # [الكهف: 5] في حادثة الإفك. والحق سبحانه أخبرنا أن من أسمائه تعالى ~~الكبير ولم يقل الأكبر، مع أن الأكبر تعطي ميزة على الكبير، لكن جعلها ~~الله تعالى صفة له في شعار الصلاة، فنقول: الله أكبر. لأنها تعني أن ~~الصلاة تخرج من الكبير إلى الأكبر، وكأنه تعالى يريد أن يقول لنا: إن ~~أعمال الحياة وحركتها شيء مهم وهو كبير لكن الله أكبر. ولأهمية العمل ~~والسعي في حركة الحياة ترى أنه في سورة الجمعة أخرجك من العمل لتؤدي ~~الصلاة، ثم بعد الصلاة أمرك بالعودة إلى السعي والعمل: # يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع.. # [الجمعة: 9]. فأخذنا من قمة العمل وهو البيع ليعطينا الشحنة الإيمانية ~~التي تعيننا على الاستمرار في مسيرة الحياة، فلما انقضت الصلاة قال ~~لنا: # فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ~~واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون # [الجمعة: 10]. إذن: لا نحقر العمل لأنه عند الله كبير، وبه قوام الحياة ~~واستمرارها، لكن إذا ما قورن العمل والسعي بالصلاة فالصلاة أكبر وأهم ~~وأعظم، فإذا عدنا إلى التسمية نجد أن الله اختار لنفسه سبحانه الكبير ~~لا الأكبر، لأن الأكبر ما دونه كبير، أما الكبير فما دونه صغير، فكل ~~شيء دون الله صغير. وقوله: { وهو العزيز الحكيم } [الجاثية: ~~37] العزيز هو الغالب الذي لا يغلب، والحكيم هو الذي يضع الشيء في ~~موضعه، فصفة الكبرياء لله تعالى لا تعني القهر والجبروت والفتونة بلا ~~ضابط، بل هو أيضا سبحانه حكيم يصرف الأمور وفق حكمة مطلقة. والمتأمل ~~في سورة الجاثية يجد أنها بدأت بقول الله تعالى: # حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم # [الجاثية: 1-2] وختمت أيضا بقوله تعالى: { وهو العزيز ~~الحكيم } [الجاثية: 37]. وكأن السورة وضعت بين قوسين من العزة ~~والحكمة لله تعالى والكبرياء والحمد لله سبحانه، ومن العجيب أن الأحقاف ~~بعدها بدأت أيضا بقول الله تعالى: # حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم # [الجاثية: 1-2]. فكأن الله تعالى يؤكد على هذه الصفات ويرسخها في ~~نفوس المؤمنين ليزيدهم اطمئنانا ms9287 به سبحانه وبمنهجه. وكأنه سبحانه يقول ~~لهم: اطمئنوا، فالذي أنعم عليكم قديما بأن أوجدكم من عدم وأحيا مادتكم ~~بروح منه، ثم أمدكم بمقومات الحياة واستبقائها وهداكم إليه بآياته ~~التي تحيي قلوبكم وتعطيكم الحياة الباقية يوم القيامة. فهو سبحانه كما ~~ضمن لكم الماضي يضمن لكم المستقبل، فنعمه لا تسلب، وعطاؤه لا ينفد، ~~لأن له الكبرياء في السماوات والأرض، فلا توجد قوة غيره سبحانه تنقض هذا ~~الخير أو تمنعه عنكم. والحق سبحانه وتعالى حينما يجمع بين صفتي العزة ~~والحكمة إنما ليقول لنا: انتبهوا إذا أصابتكم أحداث تناقض هذه العزة في ~~مشوار الدعوة، فاعلموا أنها ما حدثت إلا لحكمة. فقد يقول قائل مثلا: ~~إذا كان الله عزيزا لا يغلب، فلماذا ترك رسوله لأهل الطائف يؤذونه ~~ويسبونه ويقذفونه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين. نقول: ابحثوا ~~عن الحكمة، فمن الحكمة المرادة لله تعالى حين يعلو الشر أن يمحص أهل ~~الخير، وأن يصفي قاعدة الإسلام بحيث لا يثبت عليه إلا الأشداء في ~~العقيدة الثابتون على الحق، فلا يحيدون عنه، فعلى أكتاف هؤلاء سيحمل ~~الدين وتنتشر الدعوة، فلا بد من التمحيص وتمييز المؤمنين من المنافقين. ~~تذكرون قصة الحديبية عندما رد الكفار رسول الله والمؤمنين الذين جاءوا ~~معه لزيارة البيت الحرام ومنعوهم من دخول مكة وهم على مقربة منها، وقد ~~وافق رسول الله صلى الله عليه وسلم على العودة دون أن يدخل مكة، ودون ~~أن يعتمروا وعقد معهم صلح الحديبية. لذلك غضب المسلمون وكادوا أن ~~يخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعودة إلى المدينة، # " حتى إن عمر بن الخطاب يجادل رسول الله يقول له: يا رسول الله ألسنا ~~على الحق؟ يقول رسول الله: بلى، يقول: أليسوا على الباطل؟ يقول: بلى. ~~يقول: فلم نعطي الدنية في ديننا، فيقول له الصديق: الزم غرزك يا عمر، ~~إنه رسول الله " # يعني: الزم حدودك واعرف مركزك. ذلك لأن المسلمين كانوا على شوق للبيت ~~وتحملوا مشقة السفر إليه حتى كانوا على بعد عشرين كيلوا مترا من ~~مكة، وساقوا معهم هديهم واستعدوا للعمرة ms9288 فشق عليهم أن يمنعوا منها، ~~لذلك تململوا من قرار الرجوع. # " حتى إن سيدنا رسول الله يقول لزوجته السيدة أم سلمة رضي الله عنها: ~~هلك الناس يا أم سلمة. فتقول: ولم؟ قال: أمرتهم فلم يطيعوا، قالت: يا ~~رسول الله اعذرهم فقد جاءوا على شوق للبيت، لكن اذهب يا رسول الله وافعل ~~ما أمرك الله به، فإذا رأوك تفعل عرفوا أن الأمر عزيمة وفعلوا مثلك، ~~فطابت نفس رسول الله وذهب ففعل ". # فلما رآه القوم فعلوا مثله وهدأت نفوسهم إلى قرار رسول الله، وعادوا ~~إلى المدينة دون عمرة، وقبل أن يصلوا إلى المدينة نزل الوحي على سيدنا ~~رسول الله يبين لهم الحكمة التي غابت عنهم ويعطيهم الدرس في أن ~~العزة مقرونة بالحكمة. قال تعالى: # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال ~~مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن ~~تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ~~ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما # [الفتح: 25]. فالحكمة إذن في منعهم من دخول مكة هذا العام، لأن فيها ~~إخوانا لهم آمنوا سرا وستروا إيمانهم، فلو دخلوا معهم في معركة لالتقى ~~المؤمنون وجها لوجه، ولقتلتم إخوانكم وأصابتكم معرة بسبب ذلك. يعني: ~~إثم أو سبة وعار. ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-2] # هذه واحدة من الحواميم السبع، وهي السور التي بدأت بقوله تعالى حم، وهي ~~سبع سور متصلة في القرآن الكريم أولها غافر: # حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم # [غافر: 1-2] أى: العليم بما يصلحكم، ولا تخفى عليه منكم خافية. ثم ~~فصلت: # حم * تنزيل من الرحمن الرحيم # [فصلت: 1-2] ثم الشورى: # حم * عسق * كذلك يوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك الله العزيز الحكيم # [الشورى: 1-3] ثم الزخرف: # حم * والكتاب المبين # [الزخرف 1-2] ثم الدخان: # حم * والكتاب المبين # [الدخان: 1-2] ثم الجاثية: # حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم # [الجاثية: 1-2] ثم الأحقاف: { حم * تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم } [الأحقاف: 1-2]. وهي آخر الحواميم. ونلاحظ أن ~~هذه السور ms9289 تسير في بدايتها على نظام واحد يؤكد على أن حم وغيرها من ~~الحروف المقطعة منزلة من عند الله، وهي وحي يعلم الله مراده، وهي ~~في التنزيل مثل باقي القرآن وباقي الآيات الواضحات، لذلك مرة يقول # حم * تنزيل من الرحمن الرحيم # [فصلت: 1-2] أي: هي ذاتها منزلة. وفي آية أخرى يقول: # حم * والكتاب المبين # [الزخرف: 1-2] يعني: حم والقرآن الظاهر الواضح المعنى، كلاهما تنزيل ~~منزل من عند الله # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة # [الدخان: 3]. ونحن نؤمن بأن كل هذه الآيات من عند الله الذي نعرف معناه ~~والذي لا نعرف معناه. قلنا: لأن الله تعالى يريد أن يحرس كل إيمان ~~بمشهد، فالإيمان لا يكون إلا في الغيبيات، ولا يكون الإيمان في ~~المشاهد لنا. فمثلا لا يصح أن نقول: نحن نؤمن بأننا نجلس الآن مع ~~الإخوان في مسجد الفردوس ونلقي درسا، لكن نقول: نؤمن بأن الله موجود، ~~بأن الجنة حق. ومن رحمة الله ولطفه بنا أن يحرس الإيمان الغيبي بأمر ~~مشاهد لنأخذ من المشاهد لنا دليلا على صدقه فيما غاب عنا. إذن: هذه ~~الحروف المقطعة التي لا نعرف معناها نزلت هكذا لحكمة. خذ مثلا رحلة ~~الإسراء والمعراج تجد فيها غيبا يحرسه مشهد، كيف؟ تعرفون أن سيدنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تعرض لكثير من الأذى وضيق عليه وعلى دعوته ~~وعلى المؤمنين به، وكان آخر ذلك في الطائف حيث آذاه أهلها حتى شق عليه ~~ما يلاقي. وقلنا: إنه جلس يناجي ربه ويشتكي إليه قسوة هؤلاء ويطلب منه ~~النصرة. بعدها جاء حادث الإسراء والمعراج، وكأنه رحلة تخفف عن رسول ~~الله ورسالة تقول له: يا محمد إن جفاك أهل الأرض فسوف احتفل بك في أهل ~~السماء وأذهب بك إلى مكان لم يذهب إليه أحد قبلك، وأريك من آياتي ما لم ~~يره أحد قبلك. والمتأمل في سير هذه الرحلة يجد أن الحق سبحان مهد ~~بالإسراء للمعراج، فجعل رحلة الإسراء آية أرضية وهي آية مشاهدة معروفة ~~أبعادها وتفاصيلها، وكثير من أهل مكة يذهبون في هذه الرحلة من ms9290 مكة إلى ~~بيت المقدس، ويمكن أن يقام عليها دليل عقلي لمن لا يؤمن بها؟ لذلك لما ~~كذبه قومه وقالو: أتزعم أنك أتيت بي المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها ~~أكباد الإبل شهرا؟ ثم طلبوا من رسول الله أن يصف لهم بيت المقدس، وأن ~~يعطيهم علامات في الطريق، ولو كانوا على يقين من هذه الرحلة ما سألوا ~~رسول الله ذلك. # فهم إذن يريدون تعجيز رسول الله. لكن الله أيد رسوله وعرض أمامه صورة ~~تفصيلية لبيت المقدس فأخذ رسول الله يصفه لهم، ثم أخبرهم بالعير التي لهم ~~في طريق التجارة، وأنها بمكان كذا، وفيها كذا وكذا، ولما وصلت قوافلهم ~~التجارية وجدوها كما أخبر رسول الله. إذن: أمكن إقامة الدليل على صدقه ~~صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء لتكون مقدمة للمعراج، وهو رحلة ~~سماوية لا يطلع عليها أحد، ولا يمكن إقامة الدليل العقلي عليها، لكن الذي ~~خرق القوانين الكونية لمحمد في رحلة الإسراء يمكن أن يخرق له القوانين ~~في رحلة المعراج. إذن: جعل الغيب الذي يقام عليه دليل مقدمة للغيب الذي ~~لا دليل عليه. ثم إن كلمتهم التي اعترضوا بها على رسول الله لما ~~قالوا: كيف ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهرا، هذه الكلمة نفعتنا فيما ~~بعد ونرد بها على دعاة التنوير والفلسفة الفارغة الذين يقولون إن ~~الإسراء كان بالروح لا بالجسد. فنقول لهم: لو كان الإسراء بالروح ما قال ~~كفار مكة هذه الكلمة، وما قالوها إلا لعلمهم أنه كان حقيقة بالروح ~~وبالجسد، وأن رسول الله ذهب إليها وقطع المسافات على وجه الحقيقة. فالله ~~تعالى ينطق ألسنتهم بما يؤيد الحق دون أن يشعروا، وبما يثبت عنادهم ~~وتغفيلهم كما فعل اليهود في حادثة تحويل القبلة، علم الله ما سيقولونه ~~وأخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم: # سيقول السفهآء من الناس ما ولهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها.. # [البقرة: 142]. وأعلن محمد صلى الله عليه وسلم هذه الآية وتلاها على ~~الملأ وتداولتها الألسنة ومع ذلك قالوها، ولو كان عندهم قليل من التعقل ~~الديني لا الدنيوي ms9291 لتوقفوا عن قولها. ومن ذلك أيضا قولهم: # لا تنفقوا على من عند رسول الله.. # [المنافقون: 7] فالحق ينطلق من ألسنتهم دون أن يشعروا به. كذلك الحال ~~في آيات القرآن الكريم فيها مشهد وغيب، فنأخذ المشهد دليلا على صدق ~~الغيب، نأخذ الآيات الواضحة المعنى دليلا على الآيات ذات الحروف ~~المقطعة التي لا نعرف معناها ونقف عندها ونقول: الله أعلم بمراده منها، ~~لكن هي حق وهي من عند الله نزلت كما نزلت باقي الآيات لكن معناها غير ~~واضح. # لذلك الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى هذه المسألة إشارة تفرق بين حم # والكتاب المبين # [الزخرف: 2] حم الآيات الغامضة التى لا تعرفون لها معنى # والكتاب المبين # [الزخرف: 2] البين الواضح المعنى. فجعل الآيات الواضحات المعنى مبنية ~~كلها على الوصل من أول بسم الله الرحمن الرحيم في الفاتحة إلى # من الجنة والناس # [الناس: 4]. فالقرآن في مجمله مبني على الوصل إلا هذه الحروف ~~المقطعة الأربعة عشر فهي مبنية على الوقف، فتقرأ: ألف لام ميم حاميم ~~وكأن هذا الوقف إشارة من الحق سبحانه أن لا تأخذوا هذه الحروف على نفس ~~نسق القرآن في النطق لأنها شيء آخر له خصوصية. صحيح أنها جميعا من معين ~~واحد، وكلها من عند الله لكن قفوا عند هذه الحروف وأرجعوا معناها إلى ~~منزلها سبحانه، فقد استأثر بها لنفسه ليستديم إيماننا بالغيب، وليصلنا ~~دائما به إيمانا وإسلاما. وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرح ~~لنا هذه المسألة فيقول: # " ولا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف " # فكأن هذا الحرف وحده قائم بذاته له مدلول وله معنى يحسن السكوت عليه، ~~وإلا لما بنيت هذه الحروف على الوقف. وطالما أنها مختلفة عن باقي آيات ~~القرآن في النطق، فلا بد أن لها خصوصية، وأن فيها أسرارا وكل ما ~~بأيدينا أن نحوم حولها. ونلاحظ أيضا أن الحروف في اللغة تنقسم إلى حروف ~~مبني وحروف معنى، فالكاف مثلا حرف مبني يعني يدخل في بناء الكلمة، ولا ~~معنى له في كتب لكنه حين ينضم إلى غيره يعطي معنى ms9292 كتب. أما الكاف في # ليس كمثله شيء.. # [الشورى: 11] فالكاف هنا حرف معنى يفيد التشبيه، كذلك الباء حرف مبني في ~~كتب وحرف معنى في بالله لأنه يفيد القسم، كذلك في الحروف المقطعة في ~~أوائل السور هي حروف مبني في شكل نطقها، لكنها حروف معنى عند قائلها الذي ~~يعلم معناها. وقد يطلع بعض عباده على هذه المعاني أو شيء منها فيفهمون ~~منها معاني، ولذلك نقول في تفسيرها: والله أعلم بمراده، لأن حديثنا عنها ~~مجرد اجتهاد ومحاولة للفهم. وقلنا: إن هذه الحروف أربعة عشر حرفا من ~~حروف الهجاء الثمانية والعشرين، يعني أخذ نصف حروف المعجم، ولكن أخذها ~~بنظام محكم لا يمكن أن يأتي عفوا، فأخذ من التسعة أحرف الأولى الألف ~~والحاء وأخذ من التسعة الأخيرة سبعة وترك اثنين على عكس التسعة الأولى، ~~فلم يترك منها إلا الواو والفاء. إذن: ليس لها نسق معين، لكن هندسة ~~مقصودة لغاية مقصودة، ثم العشرة الباقية في الوسط أخذ منها غير المنقوط، ~~وترك المنقوط، فأخذ الراء وترك الزاي، وأخذ السين وترك الشين، وأخذ الصاد ~~وترك الضاد، وأخذ الطاء وترك الظاء، وأخذ العين وترك الغين. فإن قال ~~قائل: كيف وإعجام الحروف أي نقطها لم يأت إلا في عصر الدولة الأموية. # نقول: ربها وقائلها الناطق بها يعلم ما تصير إليه، فكلها داخلة في ~~العلم الأعلى، لذلك نقف عندها ونأخذها بالكمال الذي وضعه قائلها فيها، ~~فهي كما قلنا مثل أسنان المفتاح التي تفتح لك. فإذا تغير المفتاح لا ~~يفتح. إذن: كل شيء في القرآن وضع بحكمة، حتى في القراءة سواء المتعلم ~~الذي يعرف المعنى أو الأمي الذي لا يعرف تجد القراءة على نوعين قراءة ~~تأمل وتعبد وقراءة استنباط، وهذه ينبغي أن تعمل فيها عقلك. وإن قرأت ~~للتعبد فإياك أن تعمل عقلك، وخذ الكلمة أو الحرف بمراد قائله منه، ~~وأنت حين تأتي بالمعنى الذي على قدرك سوف تحدد كمال الله وكمالاته التي ~~لا تتناهى. لذلك وجدنا أسرع الناس حفظا للقرآن هم الذين يقرأونه دون ~~توقف عند معناه، بل يقرأونه كما هو بفهم ms9293 أو بغير فهم. وقوله تعالى: { ~~تنزيل.. } [الأحقاف: 2] أي: الذي نزل حم نزل { الكتاب.. } ~~[الأحقاف: 2] أي: القرآن { من الله العزيز الحكيم } ~~[الأحقاف: 2] وتأمل هنا الوصف بالحكمة، فكل شيء نزل بحكمة حتى في هذه ~~الحروف التي لا نعرف لها معنى. ثم يقول الحق سبحانه: { ما خلقنا ~~السموت والأرض وما بينهمآ... }. ### || [46.3] # قوله تعالى: { إلا بالحق.. } [الأحقاف: 3] يعني: ما خلقت ~~عبثا، إنما خلقت بنظام دقيق محكم لا يتغير، وقلنا: الحق هو الشيء ~~الثابت الذي لا يتغير، كذلك خلقت لغاية، لذلك انظر إلى السماء مثلا، ~~خلقها الله من غير عمد. وهي كذلك منذ خلقها الله، وسوف تظل إلى قيام ~~الساعة على هذا الاستقرار، وعلى هذا الثبات، وعلى هذا الحق الذي خلقت ~~به. كذلك الشمس هي الشمس ما احتاجت إلى صيانة ولا إلى قطعة غيار ولم ~~يصبها عطل ولا عطب، لماذا؟ لأنها خلقت بالحق وبالعدل الذي لا يتغير ~~أبدا، لأنه بني من أساسه على الحكمة، ولو بني هذا الكون منذ نشأته على ~~غير الحكمة لأصابه العطب والخلل. إذن: خلقت السماوات والأرض من البداية ~~على الحق، حق مطلب لم يسبقه باطل ولم يسبقه خلق آخر تم تعديله، بل ~~هو منذ نشأته الأولى كذلك، كما سبق أن قلنا في قوله تعالى وهو يحاور ~~أعداء الإسلام، فقال: # وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله ~~هي العليا.. # [التوبة: 40]. فالأولى جعل، جعلها الله سفلى، أما الأخرى فهي بطبيعة ~~الحال ومنذ البداية هي العليا، لذلك لم يقل: وجعل كلمة الله هي العليا، ~~لأنها لم تكن أبدا دنيا فجعلها الله عليا. إذن: الباطل جعل، والحق ~~هو الحق ثابت منذ خلقه الله. وقوله: { وأجل مسمى.. } [الأحقاف: ~~3] يعني: وقت معلوم هو يوم القيامة، فهذا الخلق لم يخلقه الله ويتركه ~~هملا، إنما لأجل محدود هو القيامة، يوم يتغير هذا الكون الثابت، ويهدم ~~كل ما فيه وينقض بناءه لبنة لبنة. # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت.. # [إبراهيم: 48] يوم تكور الشمس ويضيع القمر، وتهدم كل أسباب العيش على ~~الأرض. أما في الآخرة: # وأشرقت الأرض بنور ربها.. # [الزمر: ms9294 69] فليس هناك شمس ولا قمر، فأنت في الدنيا تعيش بالأسباب، أما ~~في الآخرة فتعيش بالمسبب سبحانه. وقوله: { والذين كفروا ~~عمآ أنذروا معرضون } [الأحقاف: 3] أي: منصرفون، وقلنا ~~الإنذار: التخويف من الشر قبل أوانه، وهو مظهر من مظاهر رحمة الله بعباده ~~ولطفه بهم وحرصه على نجاتهم. فالذي يحذرك من الشر قبل أن تقع فيه محسن ~~إليك. إذن: من رحمة الله بالناس أن أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، ~~وأنزل إليهم الكتب وبين لهم العاقبة، لكن ماذا تفعل فيمن أعرض وانصرف ~~عن هذا الإنذار ولم يلتفت له؟ لذلك في سورة الرحمن جعل الحق سبحانه ~~وتعالى الإنذار والتخويف نعمة من نعم الله التي تستوجب الشكر، فقال ~~سبحانه: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 35-36]. فالتخويف بهذه الألوان من العذاب نعمة، لأنك حين تخاف ~~من العاقبة لا ترتكب الفعل الذي يؤدي إليها، كما يقولون في الطب: الوقاية ~~خير من العلاج، كذلك البعد عن المعصية خير من مقاساة العقاب عليها. ### || [46.4] # الحق سبحانه وتعالى يريد أن يثبت أن الذين اتخذوا من دون الله أولياء ~~اتخذوهم بلا سابقة كمال أو سابقة نفع، فاتخذوا الأصنام آلهة يعبدونها ~~من دون الله وهم صانعوها بأيديهم. لذلك سيدنا إبراهيم عليه السلام قال ~~لقومه: # أتعبدون ما تنحتون # [الصافات: 95]. ومعنى { أرأيتم.. } [الأحقاف: 4] أخبروني، إن ~~كنتم رأيتم فأخبروني { ماذا خلقوا.. } [الأحقاف: 4] أي: هذه الآلهة ~~المدعاة { من الأرض.. } [الأحقاف: 4] وأتى بالأرض أولا لأنها ~~محل إقامتهم ومسرح حركتهم { أم لهم شرك في السموت.. } ~~[الأحقاف: 4] أي: مشاركة مع الله في عملية الخلق. الحق سبحانه وتعالى ~~هو الذي أعلن: أنا خالق السماوات والأرض، وهذا الإعلان سمعه هؤلاء ~~المعاندون فهل عارضه أحد؟ هل ادعى أحد أنه خلق هذا الكون؟ إذن: لو كان ~~لله شريك في الخلق لأعلن عن نفسه، والعقل يقول إن الدعوى تثبت لصاحبها ~~ما لم يقم لها معارض. الحق سبحانه قال: لا إله إلا أنا، ولا خالق غيري ~~ولم نسمع من يعارض هذه المقولة، إذن: هي لله وحده لا شريك له ms9295 ولا ~~منازع. ولو تأملت الخلق وما فيه من حكم ودقائق لعرفت أنه خلق ~~الله وحده، ولا يقدر غيره على هذا الإبداع، فالخالق سبحانه خلق الصغير ~~وخلق الكبير، خلق الضخم وخلق النحيف ومع ذلك تجد في الصغير كل خواص ~~الكبير، فالفيل يأكل ويتحرك، والبعوضة تأكل وتتحرك. بل ربما قدرت على ~~الفيل، ولم تقدر على البعوضة، لذلك قال تعالى: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه.. # [الحج: 73] نعم هل تستطيع أن تسترد ما أخذته الذبابة من طعامك؟ # ضعف الطالب والمطلوب # [الحج: 73]. ومن مظاهر العظمة في الخلق أن الله خلق لنا هذه المخلوقات ~~وذللها لخدمتنا، ولولا أن الله ذللها لنا ما قدرنا عليها، تتعجب حينما ~~ترى الطفل الصغير يقود الجمل ويحمل عليه الأشياء، والجمل يطاوعه، في حين ~~أنك لا تقدر على البرغوث ولا تسيطر عليه، وقد يؤلمك ويقض مضجعك طوال ~~الليل، لماذا؟ لأن الخالق سبحانه ذلل لك هذا ولم يذلل لك ذاك. إذن: ~~العظمة في الخلق التذليل، لذلك قال تعالى: # أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ ~~أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ~~ركوبهم ومنها يأكلون # [يس: 71-72]. وأنت حين تتأمل خلق الله تجد العظمة في كل شيء في الكبير ~~والصغير، لذلك كان المعارضون ينتقدون الحق سبحانه في أنه يتكلم عن البعوض ~~والذباب والعنكبوت. فرد الله عليهم: # إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ~~فوقها.. # [البقرة: 26] قالوا: ما فوقها في الصغر لا في الكبر، يعني: الميكروبات ~~والفيروسات ودقائق المخلوقات التي لا ترى بالعين المجردة. لذلك نجد الحق ~~سبحانه يتحداهم: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ~~ولو اجتمعوا له.. # [الحج: 73]. وقوله: { ائتوني بكتاب من قبل هذآ.. } ~~[الأحقاف: 4] أي: من قبل القرآن أخبركم بهذا { أو أثارة من ~~علم.. } [الأحقاف: 4] يعني: بقية من العلم الذي يؤثر عن السابقين { ~~إن كنتم صادقين } [الأحقاف: 4] في دعواكم أنهم آلهة، وأنهم ~~شاركوا الحق سبحانه في مسألة الخلق. ### || [46.5] # معنى { ومن ms9296 أضل.. } [الأحقاف: 5] استفهام غرضه النفي، يعني: لا ~~أحد أشد ضلالا من هذا الذى يدعو من دون الله من لا يستجيب له، لا ~~الآن ولا في المستقبل ولا يوم القيامة خاصة، وهو يعلم أن إلهه الذي يدعوه ~~لا يستجيب له. الله سبحانه وتعالى هو المعبود بحق، وهو الكبير المتعال، ~~لذلك الكافر حين يصيبه خير لا يلجأ إلى آلهته الباطلة، فلا ينادي يا هبل ~~أبدا. لا يقولها في وقت الشدة، لأنه يعلم أن هبل لا يسمعه ولن يجيبه، ~~وهو لا يخدع نفسه ولا يكذب عليها في هذه الحالة، فتراه يلجأ إلى الله ~~ويدعوه رغم أنه كافر به. يقول تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه.. # [الإسراء: 67] نعم ساعة الضيق يبحث عن الإله الحق الذي يملك له النفع ~~ويملك له الضر. فيقول: يا رب لكن ساعة يكشف الله عنه ضره يعود إلى ~~كفره وعناده. يقول تعالى: # وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا ~~أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم ~~يدعنآ إلى ضر مسه.. # [يونس: 12]. لماذا؟ لأن الدين أصبح عند هؤلاء فنطظية آمنوا بإله لا ~~منهج له ولا تكاليف، لم يقل لهم: افعل ولا تفعل، لذلك كانت آلهة باطلة ~~حتى في التسمية، لأن الإله هو المعبود المطاع في أمره ونهيه، إذن: هذا ~~كله كذب وضلال. الحق سبحانه حين يوضح لنا هذه المسألة أتى بها في صورة ~~هذه السؤال لنجيب نحن { ومن أضل.. } [الأحقاف: 5] فنقول: لا أحد ~~أضل من هذا، فيكون إقرارا منها وشهادة بهذا. وقوله: { وهم.. } ~~[الأحقاف: 5] أي: الآلهة المدعاة { عن دعآئهم غافلون } ~~[الأحقاف: 5] لا يدرون بمن يدعوهم. ثم يقول الحق سبحانه: { وإذا ~~حشر الناس كانوا لهم أعدآء... }. ### || [46.6] # { وإذا حشر الناس.. } [الأحقاف: 6] أي: يوم القيامة { ~~كانوا.. } [الأحقاف: 6] أي: الآلهة { لهم أعدآء.. } [الأحقاف: ~~6] نعم في هذا الموقف تظهر العداوة بين هؤلاء جميعا ويتبرأ كل منهم من ~~الآخر، ويلعن بعضهم بعضا، قال تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. وقال سبحانه: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ms9297 وما كانوا ~~يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم ~~* وقفوهم إنهم مسئولون * ما لكم لا تناصرون * ~~بل هم اليوم مستسلمون * وأقبل بعضهم على ~~بعض يتسآءلون * قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن ~~اليمين * قالوا بل لم تكونوا مؤمنين * وما كان ~~لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين * ~~فحق علينا قول ربنآ إنا لذآئقون * ~~فأغويناكم إنا كنا غاوين * فإنهم يومئذ في ~~العذاب مشتركون * إنا كذلك نفعل بالمجرمين # [الصافات: 22-34]. هذا تصوير للحوار الذي يدور بين هؤلاء الظالمين وما ~~يدور بينهم من لوم وعتاب، حيث يقلي كل منهم التبعة على الآخر، ومن ذلك ~~أيضا قوله تعالى: # وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا ~~من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا ~~من الأسفلين # [فصلت: 29]. وهذه هي حجة الشيطان يوم القيامة. يقول: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم.. # [إبراهيم: 22]. وقلنا: معنى # سلطان.. # [إبراهيم: 22] يعني: حجة، وهي نوعان: إما حجة تقنعك بأن تفعل، أو قوة ~~ترغمك على أن تفعل، وأنا ليس عندي لا هذه ولا هذه # مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22] من أصرخ. يعني: نادى واستغاث. وأصرخه يعني: أغاثه. إذن: ~~يوم القيامة العداوة واضحة بين الظالمين والكافرين بين العابد والمعبود، ~~ومأواهم جميعا في النار: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون # [الأنبياء: 98]. البعض يعلق على هذه الآية، فيقول: كيف ومنهم من ~~عبد عيسى عليه السلام من دون الله، فكيف يكون عيسى حصب جهنم؟ وهؤلاء ~~غفلوا عن ما وهي لغير العاقل، ولم يقل: من. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات... }. ### || [46.7] # معنى { بينات.. } [الأحقاف: 7] يعني: واضحات ظاهرات، ومع ذلك { ~~قال الذين كفروا للحق لما جآءهم.. } [الأحقاف: 7] ~~قالوا عن الحق، فاللام هنا بمعنى عن، أو أنهم بالغوا فبدل أن يواجهوا ~~من آمن بالحق واجهوا الحق ذاته، فقالوا: { هذا سحر مبين } ~~[الأحقاف: 7]. وإبطال هذا الادعاء سهل ميسور، وهو أن نقول لهم: لو ~~صدقانكم في أنه سحر، وأن محمدا سحر به ms9298 من آمن به، فلماذا لم يسحركم ~~كما سحرهم، وتنتهى المسألة؟ ### || [46.8] # بعد أن قالوا عن القرآن أنه سحر سحر به محمد أصحابه فآمنوا به. ~~قالوا: إنه افتراء افتراه محمد، والافتراء هو الكذب المتعمد، فرد الله ~~عليهم { قل.. } [الأحقاف: 8] قل لهم يا محمد { إن افتريته ~~فلا تملكون لي من الله شيئا.. } [الأحقاف: 8]. يعني: لا ~~تدفعون عني عذاب الله إن افتريت عليه وكذبت في البلاغ عنه، لذلك يقول ~~سبحانه في آية أخرى توضح هذه المسألة: # ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم ~~من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 44-47]. فكيف يكذب رسول الله على الله بعد هذه الكلمة، وسيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبل بعثته عرف بين قومه بالصادق، ~~لأنهم لم يجربوا عليه كذبا قط. تعرفون # " قصة الصحابي الجليل خزيمة بن ثابت مع رسول الله عندما اشترى رسول الله ~~فرسا من يهودي اشتراه نسئ الثمن، وفي يوم لقيه رسول الله وأعطاه الثمن ~~دون أن يكون بينهما شاهد على السداد، فاستغل اليهودي هذه الفرصة وادعى ~~على رسول الله أنه لم يعطه ثمن الفرس. فلما كلمه رسول الله قال: هات ~~لي شاهدا، فقام خزيمة، وقال: أنا أشهد يا رسول الله أنك أعطيته ثمن ~~الفرس، فبهت اليهودي وظن أن خزيمة كان موجودا لكن لم يره. بعدها ~~استدعى رسول الله خزيمة، وقال له: يا خزيمة ما حملك على أن قلت ما ~~قلت ولم تكن موجودا، ولم تشهد هذه المسألة؟ فضحك خزيمة وقال: يا رسول ~~الله أصدقك في خبر السماء وأكذبك في عدة دراهم؟ فتبسم رسول الله ~~وأعطاه نيشانا غاليا، فقال: " من شهد له خزيمة فحسبه " " # ومن يومها وشهادة خزيمة تعدل شهادة رجلين. وهذا النيشان انتفع به ~~المسلمون في مسألة جمع القرآن، حيث كان جامعو القرآن لا يكتبون الآية ~~إلا إذا وجدوها مسجلة في الرقاع، وشهد على صحتها اثنان من العدول، ~~حتى جاءوا في آخر سورة التوبة، فوجدوا آية مكتوبة وليس لها إلا شاهد واحد ~~هو خزيمة، فأخذوا ms9299 بشهادته وحده، لأن شهادته تعدل شهادة رجلين. وتأمل أدب ~~الحوار حتى مع المخالفين لرسول الله ومع الذين يتهمونه بالكذب اتهاما ~~صريحا، يقول لهم: { إن افتريته.. } [الأحقاف: 8] وإن تفيد الشك ~~{ فلا تملكون لي من الله شيئا.. } [الأحقاف: 8] يعني: لا ~~تدفعون عني عذاب الله { هو أعلم بما تفيضون فيه.. } ~~[الأحقاف: 8] بما تكثرون فيه الكلام والاتهام، وادعاء أن القرآن مكذوب. { ~~كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم ~~} [الأحقاف: 8] يرجع الأمر إلى الله ويفوض أمره إليه، ويرضى بشهادته ~~بينه وبين خصومه، وشهادة الله هي شهادة الحق وشهادة الصدق. # لذلك شهد الله بها لنفسه سبحانه شهادة الذات للذات: # شهد الله أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18] وشهدت بها الملائكة، شهادة مشهد، وشهد بها أولو العلم ~~شهادة استدلال # والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط # [آل عمران: 18]. إذن: في هذه القضية رسول الله لا يستطيع أن يأتي بشاهد ~~على صدقه في تبليغ القرآن عن الله، فيكتفي بأن يجعل الله شاهدا بينه ~~وبينهم. وهذا من أدب الحوار الذي تأدب به سيدنا رسول الله، فهم يتهمونه ~~بتعمد الكذب وهو يتودد إليهم، وفي موضع آخر يرد عليهم فيقول الحق ~~سبحانه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: # أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي ~~إجرامي وأنا بريء مما تجرمون # [هود: 35]. وقوله في ختام الآية { وهو الغفور الرحيم } ~~[الأحقاف: 8] كأنه يتحنن إليهم، ويستميل قلوبهم، فرغم هذا الادعاء الكاذب ~~فما يزال باب المغفرة والرحمة مفتوحا أمامكم. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~قل ما كنت بدعا من الرسل... }. ### || [46.9] # { قل.. } [الأحقاف: 9] أي: قل لهم يا محمد { ما كنت بدعا ~~من الرسل.. } [الأحقاف: 9] البدع هو الشيء الجديد المستحدث الذي ~~لم يسبق له مثال. ومن ذلك قوله تعالى: # بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد ولم ~~تكن له صحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم # [الأنعام: 101] أي: خالقهما على غير مثال سابق، نقول: فلان مبدع يعني: ~~جاء بشيء لم يسبقه أحد إليه. والمعنى: ما جئت على سنة غير التي جاء ~~عليها من سبقني من ms9300 الرسل، أو ما كنت مبتدعا ما أدعوكم إليه، لست أول ~~رسول يقابل بالتكذيب ويواجه بالكفر والعناد والاضطهاد، بل سبقني إلى ~~ذلك كل الرسل السابقين، أوذوا وكذبوا وصبروا حتى نصرهم الله، كما قال ~~تعالى: # فكلا أخذنا بذنبه.. # [العنكبوت: 40]. فكانت سنة الله في الرسل السابقين أن تتولى السماء ~~تأديب المكذبين للرسل المعارضين لدعوة الحق، أما في رسالة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقد أمن الله محمدا وأمن أمته على أن يتولوا هم ~~تأديب المكذبين للدعوة المصادمين لها، وأن ينصروا الحق، وأن يكون ~~أهلا له إلى قيام الساعة. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة " # والمراد الخير في حصرا وفي أمتي نثرا، بحيث يأخذ كل جيل أو كل واحد ~~منهم جزءا من هذه الخيرية. وقوله: { ومآ أدري ما يفعل بي ~~ولا بكم.. } [الأحقاف: 9] أي: الآن لا أدري لكن لعله يدري في ~~المستقبل بما يوحيه الله إليه، كما حدث في مسألة محاربة الكفار والجهر ~~بالدعوة، حين طلب بعض من أسلم مع رسول الله محاربة الكفار. فكان يقول ~~لهم صلى الله عليه وسلم: ما أمرت، ما أمرت. فلما هاجر صلى الله عليه ~~وسلم إلى المدينة وافقهم على القتال. إذن: جهر بدين الله في مكة ولم ~~يحارب إلا في المدينة، وهنا حكمة، فمكة كانت موطن قريش ومحل سيادتها، ~~وقريش كانت موضع اهتمام واحترام من كل قبائل العرب لمكانتها من بيت الله ~~الحرام وخدمتها لحجاجه. ولتوسط مكة طريق التجارة بين اليمن والشام في ~~رحلة الشتاء والصيف، فكان لا بد من مراعاة هذه المكانة لقريش، وعدم ~~إعلان الحرب عليها في هذا الوقت. وحين نقرأ مثلا سورة الفيل: # وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة ~~من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول # [الفيل: 3-5] لو قلت: لماذا؟ تجيبك سورة قريش: # لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف # [قريش: 1-2]. يعني: فعل الله هذا لمصلحة قريش، ولتظل لهم المكانة ~~والمهابة بين قبائل العرب، ولتظل آمنة مطمئنة في رحلة تجارتها بين اليمن ~~والشام. لذلك قال بعدها: # فليعبدوا رب هذا ms9301 البيت * الذي أطعمهم من ~~جوع وآمنهم من خوف # [قريش: 3-4]. والمعنى في { ومآ أدري ما يفعل بي ولا ~~بكم.. } [الأحقاف: 9] يعني: ما أدري أيأمرنا الله أن نقاتل هؤلاء؟ ~~أم يأمرنا بترك مكة إلى مكان آخر نلتمس فيه نصرته، لذلك بعدها أمرهم ~~رسول الله بالهجرة إلى الحبشة، وقال: # " إن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد ". # وكأن سيدنا رسول الله كانت عنده خريطة للعالم من حوله، وفعلا لما ذهبوا ~~إلى الحبشة أكرمهم النجاشي، ومنعهم حينما أرسلت قريش عمرا في طلبهم، ~~فرد عمرا ورد هدايا قريش، وآمن بمحمد ودعوته، لذلك وكله رسول الله ~~في أن يزوجه من أم حبيبة، ولما مات النجاشي صلى الله عليه رسول ~~الله. والهجرة إلى الحبشة كانت مرحلة انتقالية يحتمي فيها المضطهدون من ~~المسلمين عند هذا الرجل الذي لا يظلم أحد عنده، وحتى يأذن الله لرسوله ~~في الهجرة إلى المدينة، وحيث تأتي نصرة الإسلام وإعلاء كلمته هناك. ~~والحكمة أن الصيحة الأولى للدعوة كانت في مكة، أما نصرة الدين وتأييده ~~فكانت في المدينة، ذلك لأن قريشا كانوا سادة العرب وأصحاب السيطرة في ~~الجزيرة العربية. ولو أن النصرة جاءت في مكة لقالوا إنها بسبب سيادة ~~قريش وسلطتها التي تعدت الجزيرة إلى العالم من حولها، فكانت الحكمة أن ~~تكون الصيحة الأولى للإسلام في أذن هؤلاء السادة تهزهم وتقبح ~~أفعالهم، وتبطل ما هم عليه من عبادة الأصنام. لكن النصرة تؤجل إلى ~~المدينة لينتصر الدين بالمهاجرين والأنصار، حتى لا يظن ظان أن العصبية ~~لمحمد هي التي خلقت الإيمان بمحمد، بل إن الإيمان بمحمد هو الذي خلق ~~العصبية لمحمد. وقوله: { إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~ومآ أنا إلا نذير مبين } [الأحقاف: 9] انظر هنا إلى ~~العظمة في شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو يتكلم بما عنده كأنه ~~يقول: " يرد علي فأقول: أنا لست كأحدكم، ويؤخذ مني فاقول ما أنا إلا ~~بشر مثلكم ". إذن: سيدنا رسول الله لم يأت بشيء من عنده إلا في المسألة ~~التي لم يرد فيها حكم، فإن اجتهد في مسألة ms9302 لم يرد فيها حكم وأخطأ قبل ~~أن يعدل الله له، وأن يصحح له ولا يأنف من ذلك، وهو الذي يخبرنا ~~بهذا التعديل، كما في قوله تعالى: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ~~تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم # [التحريم: 1]. ثم يقول الحق سبحانه: { قل أرأيتم إن كان من ~~عند الله وكفرتم به... }. ### || [46.10] # معنى { أرأيتم.. } [الأحقاف: 10] أخبروني أنتم إن كنتم شاهدتم { ~~إن كان من عند الله وكفرتم به.. } [الأحقاف: 10] ~~الجواب تقديره: ماذا يحدث لكم؟ والجواب معلوم: إن كان هذا القرآن من عند ~~الله ومع ذلك كفرتم به فلن تنالوا إلا غضب الله في الدنيا وعقابه في ~~الآخرة. { وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله.. ~~} [الأحقاف: 10] الشاهد الذي شهد على صدق القرآن، وأنه من عند الله هو ~~عبد الله بن سلام، وهو أحد أحبار اليهود وأسلم وشهد لمحمد وللقرآن. { ~~على مثله.. } [الأحقاف: 10] على مثل القرآن من الكتب السابقة ~~كالتوراة والإنجيل، فهو مثلها من عند الله يدعو إلى ما دعت إليه من ~~عبادة الله وتوحيده، فكما نزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى نزل ~~القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، وصفته ثابتة عندهم في التوراة. ~~لذلك كان يقول عن رسول الله: والله لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لولدي ~~ومعرفتي لمحمد أشد. نعم عرفه من العلامات التي وردت في كتبهم. يقول ~~تعالى: # ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما ~~معهم.. # [البقرة: 89] أي: القرآن # وكانوا من قبل.. # [البقرة: 89] أي من قبل نزول القرآن # يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما ~~عرفوا كفروا به.. # [البقرة: 89] لماذا؟ لأنه سيسحب بساط السيادة والسلطة من تحت أقدامهم. ~~وقال أيضا فيهم: # ونسوا حظا مما ذكروا به.. # [المائدة: 13] وإن كان لهم عذر في النسيان فليس لهم عذر في كتمان ~~الكتاب وتحريفه، بل كان منهم صنف # يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من ~~عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم ~~مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون # [البقرة: 79]. إذن: اليهود نسوا وكتموا وحرفوا وبدلوا، لكن الحق ms9303 ~~سبحانه وتعالى لا بد أن يوقعهم في أشياء تدل على فعلهم وتكون منافذ ~~للحق، فمثلا في مسألة الذبيح عارضوا وقالوا: الذبيح إسحاق لا إسماعيل. ~~والرد على هذا الادعاء أن نقول لهم: إن كان الذبيح إسحاق، فلم شرعت ~~مناسك الفداء ورمي الجمرات هنا، ولم تشرع في موطن إسحاق. وارجعوا إلى ~~كتبكم أنتم، ففي التوراة في الأصحاح الرابع والعشرين قال الله لإبراهيم: ~~يا إبراهيم اصعد بابنك الوحيد جبل المرية وقدمه قربانا لله، وهل كان ~~إسحاق وحيدا؟ وفي الأصحاح الذي بعده مباشرة يقول: لقد ولد إسحاق وعمر ~~إسماعيل أربعة عشر عاما. إذن: كلامهم متناقض تماما مع ما في كتبهم، ~~وهذه منافذ للحق يقيم بها الحجة عليهم. وقوله: { فآمن ~~واستكبرتم.. } [الأحقاف: 10] أي: آمن هذا الشاهد في حين استكبرتم ~~أنتم على قبول الحق، وسبق أن ذكرنا قصة إسلام عبد الله بن سلام، # " وأنه أتى النبى صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله لقد أشرب ~~قلبي حب الإسلام، ولكن اليهود قوم بهت، فإذا علموا ذلك قالوا: في ~~ما ليس في، فاسألهم عنى قبل أن أسلم. فلما اجتمعوا عند رسول الله ~~سألهم: ماذا تقولون في ابن سلام؟ فقالوا: هو سيدنا وابن سيدنا وحبرنا ~~وابن حبرنا ومدحوه. عندها قال: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله، فقالوا: بل كذاب وكذا وكذا، فضحك ابن سلام وقال: ألم أقل لك يا ~~رسول الله أنهم قوم بهت " # وقوله تعالى: { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } ~~[الأحقاف: 10] هذه الكلمة حلت لنا إشكالا وبينت معنى الهداية، ~~لأن البعض يقول: إذا كان الله قد حكم على الكافر بالكفر ولم يهد القوم ~~الظالمين فلم يعذبهم؟ وهذه مغالطة. ولو كان السؤال منطقيا لأكمل ~~الصورة، فقال: ولم يثيب الطائع وقد كتب له الطاعة؟ وسبق أن أوضحنا في ~~هذه المسألة أن الله تعالى هدى الجميع هداية دلالة وإرشاد، وهذا القسم ~~يشمل المؤمن والكافر، والطائع والعاصى، فقد دل الله الجميع وبين لهم ~~الطريق المستقيم، فمن أخذ بهذه الهداية وسار على نورها استحق من الله ~~المزيد. # والذين ms9304 اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17] وهذا النوع هو النوع الثاني من الهداية، وهي هداية المعونة ~~والتوفيق. فقوله تعالى: { إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين } [الأحقاف: 10] يعني: لا يهديهم هداية معونة، لذلك قال ~~عن ثمود: # وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على ~~الهدى.. # [فصلت: 17] أي: هديناهم هداية دلالة وإرشاد فاستحبوا العمى والضلال ~~وفضلوه على الهدى فأعانهم الله عليهم، كما أعان أهل الهدى على هداهم. ~~وتذكرون المثل الذي ضربناه سابقا لتوضيح هذه القضية قلنا: لو أنك سألت ~~رجل المرور مثلا عن الطريق فدلك عليه فأخذت بقوله وشكرته فإنه يزيدك ~~إرشادا، وربما ذهب معك حتى يوصلك إلى غايتك. إذن: الحق سبحانه لا ~~يهدي القوم الظالمين بسبب ظلمهم، ولا يهدي القوم الفاسقين بسبب فسقهم، ~~ولا يهدي القوم الكافرين بسبب كفرهم. وقبل أن نتجاوز هذه الآية ينبغي أن ~~نذكر هنا أن عبد الله بن سلام قبل أن يعلن إسلامه سأل رسول الله عن ~~أشياء ثلاثة، أراد بها أن يستوثق من صدق رسول الله، فقال له: ما شرط ~~الساعة أو علامتها؟ قال: نار تخرج من قبل المشرق فتحشرهم إلى المغرب. ~~قال: ما أول ما يأكل أهل الجنة؟ قال زيادة كبد الحوت، قال: متى ينزع ~~الولد إلى أبيه؟ ومتى ينزع إلى أمه؟ أو: متى يأتي الولد ومتى تأتي ~~الأنثى؟ قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا سبق ماء الرجل نزع الولد إلى أبيه، وإذا سبق ماء المرأة نزع ~~الولد إلى أمه ". # وهذه المسألة الأخيرة أثبتها العلم الحديث وأثبتتها الأبحاث، ودلت ~~على الإعجاز في الحديث النبوي الشريف وعلى صدقه صلى الله عليه وسلم، ذلك ~~لأن الرجل والمرأة شركة في عملية الإنجاب. # البعض يتصور أن العملية الجنسية هي التي تأتي بالولد، لا فما هي إلا ~~إثارة تمكن الرجل من إخراج الميكروب المنوي، أما ماء المرأة فلا دخل ~~له في الإنجاب، كيف؟ لأن البويضة التي تحتضن الميكروب، لها مواعيد تنزل ~~فيها بصرف النظر عن العملية الجنسية، فهي موجودة إذن بطبيعة الحال، فإن ~~صادفت وجودها عملية جنسية تسابق ماء الرجل إليها وهي ms9305 في مكانها. إذن: لا ~~دخل للبويضة في تحديد النوع كما أثبت العلم الحديث. وإذا فهمنا المعنى ~~اللغوي لكلمة سبق تأكدنا من موافقة الحديث النبوي للعلم، فالسبق يعني ~~انطلاق المتسابقين من مكان واحد، فنقطة الاندفاع واحدة إذن. نفهم من هذا ~~أن التسابق بين الحيوان المنوي الذي يمثل الذكورة والحيوان المنوي ~~الذي يمثل الأنوثة، فأيهما سبق كان النوع له، وعليه فدور المرأة أنها ~~حاضنة لا يلقيه الرجل. صحيح أن القرآن جاء كتاب عقائد ومنهج وتشريع، ~~وهو أيضا كتاب إعجاز يمس الكونيات بقدر ما تتسع له العقول، وخصوصا ~~أنه نزل في أمة أمية، وهل بالله كان من الممكن أن يقال في هذه الأمة إن ~~الأرض كروية، لو قلنا هذا في هذا الوقت لقالوا: كذب. لذلك يأتي القرآن ~~بهذه الحقائق الكونية يغلفها ليؤجل فهمها إلى أن تنضج العقول وتستطيع ~~إدراك هذه الحقائق، ويترك للزمن وأحداثه أن يشرح هذه الآيات، فإذا ما ~~توصلنا إليها وجدنا لها دليلا ونصا من كلام الله. وهل فهم العرب ~~الذين استقبلوا القرآن معنى قوله تعالى: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب.. # [النمل: 88]؟ الجبال نراها في الواقع ثابتة مستقرة، فمعنى مرورها أنها ~~تدور بدوران الأرض. ونقرأ: # يكور الليل على النهار ويكور النهار على ~~الليل.. # [الزمر: 5] إذن: الأرض شبه كرة تدور. أعطانا الحق سبحانه هذه المعاني ~~مغلفة حتى لا تفاجىء الناس فينصرفوا عن القرآن. فهذا الكون كله بآياته ~~الكونية هو الذي يشرح لنا معنى قوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53] والسين كما تعلمون تدل على الاستقبال. وهذا يعني أن هذه ~~الآية سيظل معناها قائما وله مدد من الآيات إلى قيام الساعة، بحيث ~~تتجلى الآيات وفق ما يتناسب وعقول الناس وتطور علومهم وإمكاناتهم. وقد ~~شرح القرآن الكريم مسألة خلق الإنسان، وشرح معنى كلمة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم " إذا سبق ماء الرجل.. " واقرأ قوله تعالى: # ألم يك نطفة من مني يمنى # [القيامة: 37]. والنطفة هي الميكروب الذي يحمل الذكورة أو الأنوثة، ~~والمني هو السائل ms9306 الذي يعيش فيه هذا المكيروب، والمني من الرجل لا من ~~المرأة. وهذا ما أثبته العلم، لذلك سماه العلماء X XY يعني: الاثنان من ~~الرجل. ثم يقول الحق سبحانه: { وقال الذين كفروا للذين ~~آمنوا... }. ### || [46.11] # القائل هنا الذين كفروا. قالوا لمن؟ للذين آمنوا { لو كان خيرا.. ~~} [الأحقاف: 11] أي: الإسلام { ما سبقونآ إليه.. } [الأحقاف: ~~11] وللعلماء ملحظ في هذه الآية يتوقف على معنى كلمة { للذين ~~آمنوا.. } [الأحقاف: 11]. فمن أخذها بمعنى اللام اعتبر هذا القول ~~مواجهة من الكافرين للمؤمنين، فقالوا لهم وهم حضور: لو كان خيرا ما ~~سبقتمونا إليه هكذا بتاء الخطاب، ومن اعتبر اللام بمعنى عن المؤمنين ~~يعني: وهم غائبون عن مجلس القول: لو كان خيرا ما سبقونا إليه. فكأن ~~السياق عدل عن الحرف عن إلى اللام ليعطينا المعنيين: معنى الإيذاء في ~~المواجهة، والإيذاء في الغيبة، ويجمعهما في نص واحد. وقوله تعالى: { ~~وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم } ~~[الأحقاف: 11] الإفك: هو أقبح الكذب { قديم } يعني: معروف ومعهود منذ ~~القدم. أي: عند الأولين. ### || [46.12] # قوله تعالى: { ومن قبله.. } [الأحقاف: 12] من قبل القرآن { ~~كتاب موسى.. } [الأحقاف: 12] التوراة { إماما ورحمة.. } ~~[الأحقاف: 12] يعني: في زمنه وحال كونه إماما وقدوة يهتدون به ويؤدي إلى ~~رحمة من تمسك به. { وهذا.. } [الأحقاف: 12] أي: القرآن { ~~كتاب مصدق.. } [الأحقاف: 12] أي: للكتب السابقة كما جاءت من ~~عند الله، وقبل أن تحرف أو تبدل، وفي موضع آخر بين سبحانه أن ~~القرآن جاء مصدقا لهذه الكتب ومهيمنا عليها جميعا { لسانا ~~عربيا.. } [الأحقاف: 12] بلسان عربي { لينذر الذين ~~ظلموا.. } [الأحقاف: 12] يخوفهم عاقبة ظلمهم { وبشرى ~~للمحسنين } [الأحقاف: 12] والبشرى: الأخبار بالخير قبل أوانه. ### || [46.13] # هذه الآية لها نظير في سورة فصلت: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ~~تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30]. نعم { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ~~[الأحقاف: 13] فأي خوف يصيبهم، وأي حزن ينزل بهم وقد قالوا هذه ~~الكلمة { ربنا الله.. } [الأحقاف: 13] وهي لب العقيدة ثم لم ~~يقولوها كلمة جوفاء، إنما قرنوها بالعمل بمقتضى هذا الإيمان. ms9307 { ثم ~~استقاموا.. } [الأحقاف: 13] أي: على أوامر العقيدة ونواهيها، ومعنى ~~الاستقامة: السير على الطريق المستقيم الذي رسمه لك من آمنت به. وهذه ~~الاستقامة تصلح لك حركة حياتك وحركة الآخرين معك، والاستقامة بمفهوم ~~الهندسة هي أقصر الطرق التي توصلك إلى غايتك. لذلك قلنا: إن الهدى ~~مطية تحملك وتوصلك، الهدى ليس عبئا على صاحبه بل أنت حمل عليه، ~~يقول تعالى: # أولئك على هدى من ربهم.. # [لقمان: 5] فهم يعتلون الهدى وهو يحملهم. إذن: من نطق بهذه الكلمة { ~~ربنا الله.. } [الأحقاف: 13] ثم استقام عليها في حركة حياته ضمن ~~الله له عدم الخوف وعدم الحزن، ولم يؤجله إلى الآخرة، بل جعله بشرى ~~تبشرهم بها الملائكة في آية فصلت: # تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون # [فصلت: 30]. أي: تتنزل عليهم ساعة الموت تبشرهم وتطمئنهم، فلا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون، الخوف توقع أمر يؤذي ويضر، والحزن الفجيعة ~~والألم لفقد شيء محبوب، فهم في أمن من هذا وذاك. وما دام الأمر كذلك فلا ~~تخافوا من أعدائكم فلن ينالوا منكم شيئا أبدا. لذلك كان عندهم قضية ~~يقولونها لأعدائهم بشجاعة: # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون # [التوبة: 52]. يعني: إن تواجهنا في قتال فنحن ننتظر أحد أمرين، إما أن ~~ننتصر عليكم ونكسر شوكتكم ونذلكم، وإما أن نقتل فنظفر بالشهادة، فنحن ~~رابحون على أي حال، أما أنتم فننتظر أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا، لذلك دخل المسلمون على هذه المسألة بثقة ويقين لا يخالطه ~~شك. ### || [46.14] # قوله تعالى: { أولئك.. } [الأحقاف: 14] إشارة للذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا، فالحق يحدثنا عن جزائهم وعاقبة إيمانهم واستقامتهم، ~~فهم { أصحاب الجنة.. } [الأحقاف: 14] أصحابها إما مالكوها، وإما ~~أنها مصاحبة لهم وهم مصاحبون لها، يعني: بينهما علاقة ود وتفاهم ~~وميل، كل منهم يميل إلى الآخر ويشتاق إليه. والصاحب هو من تصطفيه من ~~خلق الله ممن توافق أخلاقه أخلاقك، وطباعه طباعك، وسلوكه سلوكك. ~~فهؤلاء الذين قالوا ms9308 ربنا الله ثم استقاموا اختاروا الجنة واختارتهم ~~واتخذتهم أصحابا وأصفياء. وقد ورد أن الجنة تشتاق إلى أهلها وتنتظرهم ~~وتسأل عنهم، كما أن النار تشتاق إلى أهلها وتنتظرهم. ولا غرابة في ذلك، ~~فكل مخلوق له لغته التي يعبر بها، حتى الجمادات. وقال تعالى: # كل قد علم صلاته وتسبيحه.. # [النور: 41] فكل يسبح بلغته هو أنت لا تفهمها لأنه لا يتحدث بلغتك، ~~إنما الذي خلقها أعطاها لغة خاصة تتفاهم بها مع جنسها. والقرآن يخبرنا ~~أن النملة تكلمت مع بني جنسها وتفاهمت معهم، وسمع سليمان كلامها وشكر ~~الله أن أعطاه نعمة الفهم عن هذه المخلوقات، لذلك صوبنا مقولة: إن ~~الحصى سبح في يد رسول الله. فهذه ليست ميزة لأن الحصى مسبح بطبيعة ~~الحال، فهو يسبح حتى في يد أبى جهل، لكن الصواب أن نقول: سمع رسول ~~الله تسبيح الحصى في يده. { أولئك أصحاب الجنة ~~خالدين فيها.. } [الأحقاف: 14] لأن نعيم الجنة باق خالد لا ينتهي ~~ولا ينغصه ما ينغص نعمة الدنيا، فلا يفوتك ولا تفوته { جزآء بما ~~كانوا يعملون } [الأحقاف: 14] قالوا: هذا الجزاء أهو حق ~~للعبد؟ أم هو تفضل من الله؟ قالوا: الجنة تفضل من الله، والعمل ما هو إلا ~~سبب لا ثمن لدخولها، لأن الحق سبحانه وتعالى حينما شرع لنا الشرائع ~~إنما شرعها لمصلحتنا ولسلامتنا واستقامة أمور حياتنا على مستوى الفرد ~~وعلى مستوى الجماعة. فنحن نجني ثمرة العمل الصالح ونسعد به في دنيانا، ~~ومع ذلك يثيبنا الله عليه بثواب الآخرة دون أن يعود منه شيء على الله ~~تعالى، ودون أن ينتفع منه بشي. إذن: دخول الجنة زيادة وتفضل من الله. ~~وقوله: { بما كانوا يعملون } [الأحقاف: 14] فيه لفتة: ما هو ~~العمل؟ العمل انفعال الجارحة لمهمتها، فاليد تتحرك واللسان ينطق والعين ~~ترى وهكذا، لكن لو تأملت العمل تجده على قسمين: قول وفعل، فأخذ اللسان ~~وحده شطر العمل، وأخذت باقي الجوارح الشطر الآخر ولذلك: يقولون، ويفعلون ~~ولأن بالقول بلاغ المنهج الذي تنفعل له الجوارح طاعة أو معصية. ### || [46.15] # قوله تعالى: { ووصينا الإنسان بولديه.. } [الأحقاف: 15] ~~أمرناه بذلك وألزمناه ms9309 به، والوصية أن تطلب ممن توصيه عملا خيرا ~~يفيده في حياته وآخرته، ويعينه على آداء مهمته، لذلك تجد معظم الوصايا ~~بالأمور المهمة تأتي في أخريات العمر، وكأنه يقول لأهله ولمن يوصيه: ~~الحقوا خذوا مني نتيجة تجاربي في الحياة. وهذه المادة أتت في القرآن ~~بلفظ: وصى وأوصى. وصى تفيد تكرار الفعل، كما في قوله تعالى: { ~~ووصينا الإنسان بولديه.. } [الأحقاف: 15] وفي قوله ~~تعالى: # ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب.. # [البقرة: 132]. أما أوصى فهي للتعدية، كما في قوله تعالى على لسان ~~المسيح عليه السلام: # وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا # [مريم: 31] فهي مثل أنزل ونزل، وأنزل أي مرة واحدة، ونزل يعني ~~تباعا. وكلمة { الإنسان.. } [الأحقاف: 15] وهو الموصى تفيد الإطلاق ~~والعموم أي الإنسان على إطلاقه من آدم إلى قيام الساعة في اسم جنس تقابل ~~في الخلق المختار كلمة الجن، نقول: الإنس والجن، الإنس يعني الإنسان من ~~الأنس. يعني: يأنس بعضنا إلى بعض. أما الجن فلا أنس بيننا وبينه، ~~لأننا لا نراهم ولا نتفق معهم في الطبيعة، قال تعالى: # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم.. # [الأعراف: 27]. إذن: هذه الوصية موجهة من الحق سبحانه للناس كافة ~~وللإنسان عموما، فتشمل المؤمن والكافر، والكبير المكلف والطفل دون ~~التكليف، فإن فعل بالوصية يثاب عليها، وإن تركها لا يعاقب. يمكن أن ~~نقيس هذه المسألة على الصلاة، ففي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: # " مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر ". # إذن: الأمر منكم وكذلك العقوبة منكم أيضا، لأنه ما يزال دون سن ~~التكليف الشرعي. والصلاة في هذه السن تدريب له وتعود ليرتاد ويألف ~~الصلاة منذ صغره فيشب عليها، حتى إذا بلغ التكليف كانت سهلة عليه ~~ومعتادة عنده. وكلمة الوالدين أي: الأب والأم، وهما السبب المباشر ~~للوجود، لأن هناك سببا غير مباشر، وهو الوجود الأعلى الذي أوجد آدم ~~وحواء، وهذا الوجود كان عن عدم، أما وجودنا نحن بالتناسل، فكان عن سبب ~~وهو الوالدان. ولبقاء النوع وعمارة الأرض ربط الله تعالى - ولحكمة عملية ~~- الإنجاب بأقوى غرائز الإنسان وأقوى لذة عنده، ms9310 كيف؟ قالوا: أنت حين ~~تنظر إلى منظر جميل تستمتع به عينك أو تشم رائحة طيبة يستمتع بها ~~أنفك. كذلك حين تأكل أكلة محببة إليك. إذن: كل جارحة من جوارحك لها ~~متعة خاصة، أما العملية الجنسية فتحدث لذة ومتعة تستوعب الجوارح كلها، ~~وتشارك فيها الجوارح كلها، لذلك شرع الله الغسل بعدها لاشتراك جميع ~~الجوارح في هذه العملية، وأيضا لأنك تغفل في هذه الأثناء عن الله ~~فاستوجب ذلك الغسل. # وأيضا لأن الحق سبحانه وتعالى علم أن الأولاد يمثلون عبئا على الأهل ~~ومشقة في التربية والإنفاق والسعي عليهم، لذلك أقسم الله بهذه المسألة ~~فقال: # ووالد وما ولد # [البلد: 3]. ولولا أن الله ربط الإنجاب بهذه اللذة لربما زهد فيها كثير ~~من الناس، ترون المرأة كم تعاني من آلام الحمل والولادة، حتى أنها تقول ~~توبة لن أعود، ثم تنسى آلامها ومقاساتها وتحن من جديد للحمل. إذن: ~~ربط الإنجاب بهذه اللذة لحكمة، لكن العجيب أن الناس تسرف فيها وتبالغ ~~وتخرجها عن حدها فتجعل اللذة هي الأصل. ونحن نرى الحيوانات مثلا ~~تمارسها لبقاء النوع فقط، لذلك ساعة يأتي الفحل للأنثى يشمها أولا، ~~فإن وجدها حاملا لا يقربها، وهي أيضا لا تمكنه من نفسها، والعجيب ~~أننا نعيب الحيوانات ونقول: شهوة بهيمية.. سبحان الله!! ثم إننا نلاحظ في ~~هذه المسألة أن طفولة الإنسان هي تقريبا أطول فترة طفولة إذا ما قورنت ~~بباقي المخلوقات، فالحيوان مثلا يلد ثم ترضع الأم ولدها، وبعد فترة ~~الرضاعة لا تعرفه ولا تهتم به. أما في الإنسان فهو طفل حتى سن البلوغ، ~~اقرأ: # وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم.. # [النور: 59] ذلك لأن الإنسان مرتبط ومكلف تكليفا أعلى من الحق سبحانه ~~ومطلوب منه أن يأتمر بأمره، وأن ينتهي عن نهيه. إذن: طبيعة الإنسان ~~وتكريمه بصلته بالله جعلت فترة تربيته طويلة تناسب مهمته في الحياة. ~~انظر مثلا إلى البقرة تلد فينزل ولدها يتحرك وينفض عن نفسه البلل، ثم ~~يقف بعد دقائق ثم ينهض واقفا، ثم يجري حولها كل هذا في ساعة من الزمن. ~~أما الولد عندنا فيستطيع الجلوس ms9311 مثلا بعد عدة أشهر ثم يحبو ثم يقف ثم ~~يمشي بعد سنة أو أكثر، بل وعندنا من يمد فترة الطفولة لأبنائه إلى سن ~~25 سنة، وهو في حكم الطفل يعوله وينفق عليه ولا يحمله المسئولية. ~~والتوصية بالوالدين وردت في القرآن في أربعة مواضع مقرونة بعبادة الله: # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالولدين إحسانا.. # [النساء: 36] وقال: # وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا ~~الله وبالوالدين إحسانا.. # [البقرة: 83]. وفي سورة الأنعام: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا ~~تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا.. # [الأنعام: 151] وفي سورة الإسراء: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا.. # [الإسراء: 23]. هذه أربعة مواضع يأمر فيها الحق سبحانه الأولاد بالإحسان ~~إلى الوالدين، ويقرن هذا لأهميته بعبادة الله وكأنهما في الميزان سواء ~~لأن الوالدين كما ذكرنا هما سبب الوجود المباشر، وبرهما والإحسان ~~إليهما تمهيد وتدريب يذكرك بالسبب الأعلى لوجودك، وهو الخالق سبحانه ~~وتعالى. وهذه الوصية يلزمنا الله بها حتى إن كان الولدان كافرين كما ~~قلنا في وصية عامة، يقول تعالى: # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك ~~لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهمآ إلي ~~مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون # [العنكبوت: 8]. وقال سبحانه: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15] فإذا كان الله تعالى يوصينا بالوالدين حتى إن كانا مشركين ~~لأنهما سبب الوجود المباشر، فما بالك بسبب الوجود الأعلى سبحانه؟ وقد ~~اعترض بعض المستشرقين هنا وقالوا: القرآن يقول: # فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15] وفي آية أخرى يقول: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ~~آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.. # [المجادلة: 22]. فرأى تعارضا بين الآيتين، وهذا ناتج عن عدم فهم اللغة ~~وعدم الإلمام بأساليبها وأسرارها، فهناك فرق بين الود والمعروف. الود ~~منشؤه الحب والعاطفة القلبية، أما المعروف فجميل تصنعه مع من تحب ومع ~~من تكره. والحق سبحانه حينما يأمرنا ببر الوالدين إنما ليعطينا ms9312 ~~دربة ورياضة على أن تبر من خلقك وخلقهم، وهو الموجد الأعلى ~~سبحانه. وكلمة إحسانا مصدر أحسن. والإحسان في الشرع أن تصنع من الخير ~~والمعروف فوق ما فرض عليك ومن جنس ما فرض عليك، وهذا المعنى شرحه لنا ~~الحق سبحانه في سورة الذاريات: # إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ~~ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين # [الذاريات: 15-16]. ثم يصفهم ويعطينا حيثيات الإحسان: # كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار ~~هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل ~~والمحروم # [الذاريات: 17-19]. وواضح أن هذه المسائل الثلاثة المذكورة ليست فرضا ~~على المسلم، بل هي زيادة من جنس ما فرض عليه، ألا تراه يقول في الأموال: # حق للسآئل والمحروم # [الذاريات: 19] لكن عندما يتحدث عن فريضة الزكاة يقول: # حق معلوم # [المعارج: 24]. فالحق المعلوم هو الزكاة الواجبة، لكن حق هكذا مطلقة، ~~فهي للصدقات التي تخرج زيادة على الفريضة، ومن يقدم هذه الزيادة في ~~الطاعة تدخله في دائرة الإحسان التى هي أعلى مراتب العبادة. كذلك الحق ~~سبحانه يأمرنا ببر الوالدين والإحسان إليهما، لأن لهما فضلا علينا في ~~الإيجاد وفي التربية وفي الإنفاق، فيجب أن نعطيهم أكثر مما يستحقون، ~~وحين تعطي أكثر مما يجب عليك فأنت محسن إليهما. إذن: الأمر في بر ~~الوالدين لا يتوقف عند الواجب الضروري إنما يتعداه إلى مرتبة الإحسان. ~~لذلك الحق سبحانه حينما يحدثنا عن حق الوالدين يقول: # فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما # [الإسراء: 23] وأف: اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، وهي تدل على الضيق. ~~فاحذر أن تقول لهما هذه الكلمة أو تتأفف منهما خاصة حال كبرهما عندما ~~يردان إلى أرذل العمر ويكونان في أمس الحاجة للحنان والرعاية. ففي ~~هذه السن يعود الإنسان إلى الطفولة مرة أخرى، فيحتاج من يحمله ~~ويقعده ويؤكله، وربما حدث منه ما يدعو إلى التأذي، فإياك أن تتأذى ~~منه في هذه الحالة. # ربما ارتعشت به قدماه فوقع على الأرض أو كسر فازة مثلا، فاحذر أن ~~تظهر له ما يؤذيه، واعلم أنك مثاب على هذا، وأنه مدخر لك ودين ~~سيؤدى، ومن ms9313 بر والديه بره أبناءه. ويكفي أنك حين تبره وتتحمل ~~أذاه تفعل ذلك وأنت تتمنى موته، وقد فعل معك أكثر من هذا وكان يتمنى لك ~~طول العمر. وفي ضوء هذه العلاقة بين الآباء والأبناء نفهم حديث سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، ~~وأحصن للفرج ". # فالزواج المبكر فوق أنه عصمة لصاحبه هو أيضا، كما قال العربي: أقرب ~~طريق لإنجاب أب يرعاك في طفولة شيخوختك، حيث يصير الولد في هذه الحالة في ~~منزلة الأب الذي يرعى ولده. وفي موضع آخر قال الحق سبحانه: # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا.. # [العنكبوت: 8] وفرق بين حسن وإحسان، فالإحسان أن تفعل معهما فعلا ~~حسنا، أما الحسن فهو مصدر هذا الفعل واسم هذه العملية التى تقوم بها، ~~كما تقول فلان عادل، وفلان عدل. يعني: بلغ الغاية في تحقيق العدل حتى ~~جعلته هو والعدل شيئا واحدا. إذن: الحسن أبلغ من الإحسان، ورد ~~الإحسان بأحسن منه مبدأ إسلامي، لذلك قال تعالى: # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ~~ردوهآ.. # [النساء: 86]. والحق سبحانه لم يأت بحيثية: # ووصينا الإنسان بوالديه حسنا.. # [العنكبوت: 8]. وإنما قال بعدها: # وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهمآ.. # [العنكبوت: 8] يعني: حتى في وضع المخالفة العقدية حفظ لهما هذا الحق ~~وأكد ووصى على برهما على أحسن ما يكون البر: # إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون # [العنكبوت: 8] وفي الآية الأخرى قال: # فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا.. # [لقمان: 15]. قالوا: لأن الآباء على قسمين: أب يكون في حاجة إلى ولده ~~ليعيش، وأب لا يحتاج لولده يعني: غني بنفسه، فمن كان في حاجة فعليك أن ~~تصاحبه بالمعروف يعني: تعينه وتقيم حياته إقامة كريمة، ومن كان غنيا ~~بنفسه فهو وشأنه، ومرد الجميع إلى الله. وهنا في الآية التي معنا لم ~~يقل حسنا ولا إحسانا، بل ذكر حيثية الوصية فقال: { حملته ~~أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصله ثلثون ~~شهرا.. } [الأحقاف: 15] فحدد هنا مدة الحمل مع الرضاعة جملة واحدة، ~~وفي آية ms9314 أخرى قال عن الرضاعة وحدها: # وفصاله في عامين.. # [لقمان: 14]. إذن: كل آية أخذت لقطة، وبجمع الآيتين أمكننا أن نحل ~~بعض الإشكالات في مسألة مدة الحمل ومدة الرضاعة. فقد روي أن سيدنا عليا ~~رضي الله عنه دخل على سيدنا عمر وعنده امرأة يريد أن يقيم عليها حد ~~الزنا لأنها ولدت لستة أشهر وهي في بيت زوجها، والمشهور عندهم أن مدة ~~الحمل تسعة أشهر. # فقال علي: على رسلك يا ابن الخطاب، ثم قرأ عليه هذه الآية: { ~~وحمله وفصله ثلثون شهرا.. } [الأحقاف: 15] وقال في ~~الآية الأخرى: # وفصاله في عامين.. # [لقمان: 14]. وبطرح العامين من الثلاثين شهرا يكون من الجائز أن تكون ~~فترة الحمل ستة أشهر، وهي أقل فترة ممكنة للحمل. لذلك قال عمر: بئس ~~المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن، نعم لأن عليا رضي الله عنه اشتهر ~~بالعلم والفتوى، لأنه دخل الإسلام وهو صبي، وشرب من معين النبوة منذ ~~صغره، فكانت ثقافته من بدايتها ثقافة إسلامية، فكأن الخميرة الثقافية ~~عنده منذ صغره إسلامية، في حين كان غيره أصحاب ثقافة جاهلية. ومن فقه ~~الإمام علي وإلمامه بمسائل الشرع لما انتقل سيدنا رسول الله إلى ربه عز ~~وجل، اجتمع المهاجرون والأنصار في السقيفة، ودارت بينهما مناقشات كل ~~يريد أن تكون له الخلافة بعد رسول الله، وتطلع الأنصار إلى ذلك، ثم ~~قالوا: منا أمير ومنكم أمير. فلما بلغ ذلك سيدنا عليا قال: لم تحسنوا ~~حجاجهم. قولوا لهم أي للأنصار: ألم تسمعوا قول رسول الله # " إذا ملكتم فاستوصوا بالأنصار خيرا " # إذن لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم. ومن المسائل الطريفة ~~التي كانت بين علي وعمر أن عليا دخل عليه فوجده مغضبا، فقال: ما ~~أغضبك يا أمير المؤمنين؟ قال: سألت حذيفة: كيف أصبحت يا حذيفة؟ فقال: ~~أصبحت أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس ~~لله في السماء. فضحك علي وقال: صدق يا أمير المؤمنين، فقال: أتقولها يا ~~أبا الحسن؟ قال: نعم، هو يعني: أصبح يحب ماله وولده، وقرأ: # إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة.. ms9315 # [التغابن: 15]. ويكره الحق، يعني: الموت، ومن منا يحبه يا أمير ~~المؤمنين، ويصلي بغير وضوء، يعني: يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وله في الأرض ما ليس لله في السماء. أي: له زوجة وولد. والعجيب أن نسمع ~~في زماننا من يقلل من شأن هؤلاء، بل يريد أن يلغي شخصيات أبي بكر ~~وعمر وعلي من تاريخنا. ثم نلاحظ أيضا في هذه الآية أن الحق سبحانه قال: ~~{ حملته أمه كرها ووضعته كرها.. } [الأحقاف: 15] ~~أي: كارهة أو على مشقة، وفي الآية الأخرى: # حملته أمه وهنا على وهن.. # [لقمان: 14]. والوهن أي الضعف نتيجة الحمل والولادة، أما الكراهية لهذه ~~المسألة فتأتي من أن النساء لها طبائع مختلفة، فمنهن من تحب هذه ~~العملية، ومنهن من تكرهها لكن تطيع زوجها وهي كارهة ثم تتحمل بعد ذلك ~~مشاق الحمل والوحم ثم الآم الوضع، وبعد الولادة تنشغل بالمولود وتحنو ~~عليه. في حين ينشغل الوالد بالسعي وطلب الرزق، لذلك يغلب على الرجل ~~العقلانية وعلى المرأة العاطفة كل حسب مهمته في الحياة. # لذلك يخطىء البعض في فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم # " عن المرأة وأنها خلقت من ضلع أعوج، وأعوج ما في الضلع أعلاه فإن ~~رحت تقيمه كسرته، وكسرها طلاقها ". # وحين نتأمل هذا الحديث نجد اعوجاج الضلع لحكمه، لأن الضلوع خلقت ~~لتصون أثمن وأهم جهازين في الجسم هما القلب والرئتان، ولو كان الضلع ~~معتدلا ما أدى هذه المهمة. وهل نقول مثلا عن الخطاف أنه أعوج، أو أن ~~اعوجاجه عيب فيه؟ أبدا لأن طبيعة عمله ومهمته تقتضي أن يكون على هذا ~~الشكل، إذن: شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة بالضلع، لأن ~~مهمتها العطف والحنان. الحق سبحانه لما وصانا بالوالدين أتى بحيثيات ~~الوصية بالأم، ولم يذكر شيئا من حيثيات الوصية بالأب، قالوا: لأن دور ~~الأم جاء في زمن ليس للطفل فيه إدراك يدرك به دور أمه وفضلها في مرحلة ~~الحمل والولادة والرضاعة. أما دور الأب من الإنفاق والرعاية فيأتي في زمن ~~الطفل فيه مدرك لجميل والده، فاهم لدوره في تربيته ms9316 والقيام على أمره، ~~لذلك احتاج الولد أن نذكره بدور أمه وفضلها، لأنه غير مدرك له، أما ~~دور الوالد فهو يعرفه. ما دمنا بصدد الحديث عن دور الوالدين في التربية ~~فلا بد أن نذكر قول الحق سبحانه: # وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا # [الإسراء: 24] فهذه الآية تعطينا منهج التربية العام لكل الأطفال. ~~فالوالدان استحقا هذه الوصية لأمرين أنهما سبب الوجود المباشر الذي ~~يذكرك بسبب الوجود الأعلى، وهما يقومان بالتربية فيذكرانك ~~بالمربي الأعلى سبحانه. فالله رب ومرب، خلقنا من عدم وأمدنا من ~~عدم، فهو الذي ربانا وأمدنا بأسباب التربية. إذن: الوصية بالإحسان إلى ~~الوالدين تعطينا دربة على الإحسان في علاقتنا بالله خالقنا ~~ومربينا. ثم نفهم من هذه الآية أيضا أن التربية وحدها سبب وحيثية ~~للإحسان، فقد يربي الطفل غير والديه فيكون لمن رباه فضل عليه ~~يستوجب الإحسان لأنه قام بشطر العملية. فالوالد والوالدة لهما فضل ~~الإيجاد، والمربي له فضل التربية وله نصف الثواب، وهذه المسألة تشجع ~~على كفالة الأيتام وتربيتهم ابتغاء وجه الله. فمن مات أبوه فالمجتمع ~~كله أبوه، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: # " أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة ". # لأن الأب لو مات وترك أولادا إذا لم يجدوا من المجتمع من يرعاهم ~~ويكون لهم والدا بدلا عن والدهم، إذا لم يجدوا هذا نشأ عندهم حقد على ~~باقي الأولاد وحقد على المجتمع كله، وربما تعدى ذلك إلى التمرد على ~~الله الذي كتب عليهم اليتم. وكلمة # كما ربياني صغيرا # [الإسراء: 24] تعني أن التربية لها وقت هو وقت الصغر، لذلك أذكر أنني ~~دعيت لإلقاء محاضرة بعنوان. # تربية الشباب، وكانت في إحدى جامعاتنا لكن قبل أن أبدأ المحاضرة قلت: ~~أستأذن السيد مدير الجامعة في تغيير عنوان المحاضرة لأن الشباب لا ~~يربى، الشباب طاقة تستغل في حركة الحياة، الشباب تربى بالفعل. فلو ~~قلنا تربية الشباب كان هذا العنوان غير صحيح، بل تربية الطفولة أو ~~النشء، لأن الطفولة هي العجينة التي تقبل التشكيل دون أن تعترض، أما ~~الشباب فقد تم تشكيلهم، لذلك يعترضون ولهم تتنيحة حين ms9317 توجه له نقدا أو ~~توجيها. لكن الشباب الموجودين بالجامعة قالوا: نحن ربينا خطأ ~~فاستأنفوا تربيتنا من جديد. فقلت لهم: إذن فاستأنفوا معنا طفولتكم ~~وتقبلوا التوجيه والنقد دون أن تعترضوا، كونوا مثل المريض بين يدي ~~الطبيب يقبل ما يقول دون مناقشة. ومن أخطائنا في التربية أننا نطيل فترة ~~الطفولة عند أولادنا، فالأسرة تظل تحتضن الابن وتنفق عليه حتى سن ~~العشرين والخامسة والعشرين. لذلك فاقنا الغرب في هذه المسألة، فالولد ~~عندهم حين يصل سن البلوغ يستقل عن أسرته وينفق على نفسه حتى لو كان ~~أبوه مليونيرا. وبذلك كثرت الأيدي العاملة، وقلت البطالة، وزاد ~~الإنتاج، وهذه كلها وسائل للتقدم نفتقدها نحن، ولم نتمكن حتى الآن من ~~استغلال طاقات الشباب. إنك لو ذهبت إلى عاصمة من عواصم الغرب فلن ترى ~~هناك الشباب يملأ الشوارع والنواصي، ولن تجد قهاوي تمتلئ بالعاطلين، لكن ~~تراهم في وقت الراحة يخرجون كالجراد لتناول الغداء، لكن الخطأ الذي وقعوا ~~فيه أنهم عمموا هذا الحكم على الفتى والفتاة. وكلمة # ربياني.. # [الإسراء: 24] للمثنى يعنى: الوالد والوالدة، فلكل منهما دوره في ~~التربية، فالأب يجلب، والمرأة تدبر وتقوم على شئون بيتها. فهما إذن شركاء ~~في هذه المسألة، ووجود المرأة بصفة عامة في البيت يجعل تأثيرها أقوى من ~~تأثير الرجل في عملية التربية، ولذلك حينما نهتم بالتربية النوعية نعطي ~~الولد ما يناسبه، ونعطي البنت ما يناسبها. لذلك يجمل بنا الآن أن نذكر ~~وصية الأم العربية لابنتها، وهي تجهزها للانتقال إلى بيت الزوجية، ~~فتقول لها: أي بنية إن الوصية لو تركت لفضل أدب لتركت لذلك منك، ~~ولكنها تنبيه للغافل ومعونة للعاقل. أي بنية، إنك غدا تفارقين البيت ~~الذي فيه نشأت والعش الذي فيه درجت إلى بيت لم تألفيه، وقرين لم تعرفيه، ~~فكوني له أمة يكن لك عبدا. أي بنية: لو أن المرأة استغنت عن ~~الرجل لغنى أبويها وعدم حاجتها إلى غيرهما لكنت أغنى الناس عنه، ولكن ~~النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال. أي بنية احفظي عني ~~عشر خصال تكن لك ذخرا: أما الأولى والثانية: فالمعاشرة له ms9318 بالقناعة ~~وحسن السمع له والطاعة، وأما الثالثة والرابعة فالتفقد لمواقع عينيه ~~وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح. وأما ~~الخامسة والسادسة فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن تواتر الجوع ملهبة، ~~وتنغيص النوم مغضبة، وأما السابعة والثامنة فالاحتراس لماله والإرعاء على ~~حشمه وعياله. # وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير. وأما ~~التاسعة والعاشرة فلا تعصن له أمرا ولا تفشن له سرا، فإنك إن ~~خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره. ثم إياك ~~والفرح بين يديه إذا كان مهتما أو الكآبة بين يديه إذا كان فرحا. ~~هذه وصية أمامة بنت الحارث لابنتها أم أناس بنت عوف بن محلم ~~الشيباني، وهذه الوصية كانت قبل الإسلام، ومع ذلك فيها من الآداب ~~والنصائح ما إن أخذت به الزوجة في عصرنا الحاضر لحلت معظم المشاكل ~~الأسرية التي تمتلئ بها المحاكم اليوم. ولو ربت كل أم ابنتها على هذه ~~الآداب لانصلح حالنا، لكن الواقع أننا تركنا هذه النصائح وغفلنا عن العمل ~~بها في بيوتنا، بل وتركنا البيوت للخادمات، وتركنا التربية لغير أهلها ~~حتى صرنا إلى ما نحن فيه. وقوله سبحانه: { حتى إذا بلغ ~~أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن ~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي.. } ~~[الأحقاف: 15] هذا طور آخر من أطوار الحياة هو طور البلوغ { بلغ ~~أشده.. } [الأحقاف: 15] أي: بلغ الغاية في اكتمال الجسم والقوة ~~والعقل. ومن ذلك قوله تعالى في سيدنا يوسف: # ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك ~~نجزي المحسنين # [يوسف: 22] وقال في سيدنا موسى: # ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما ~~وكذلك نجزي المحسنين # [القصص: 14]. إذن: بلوغ الأشد والاستواء واكتمال البدن والجسم والقوة ~~واكتمال العقل هو بداية إلقاء الحكمة وهو بداية التكليف، فلو كلف قبل ~~البلوغ ثم طرأ عليه البلوغ ومرحلة المراهقة وما تفعله من تغيرات بالجسم ~~ربما يقول العبد: لقد طرأ علي تغيرات لم تكن في بالي عند الإيمان بك ~~لذلك أجل العملية كلها حتى سن البلوغ، وهو منتهى ms9319 النضج. ومنتهى النضج ~~في الإنسان أن يصير قادرا على إنجاب مثله، كذلك الحال في الثمار ~~مثلا، قلنا: إن البطيخة لا تحلو للأكل إلا إذا استوى لبها واسود ~~بحيث إذا زرعته يعطيك نباتا جديدا، فإذا أكلت هذه ضمنت لك وجود ~~غيرها. لكن إذا حلت ولبها غير مستو أكلتها ثم تزرع اللب فلا ينبت، ~~إذا هنا حكمة لبقاء النوع. لذلك يقول تعالى: # انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه.. # [الأنعام: 99] كلمة ينعه أنك تضمن أن تأتي بشجرة جديدة. كما أنك تلاحظ ~~في الشجر المثمر أنك إذا لم تقطف الثمار تقع هي بطبيعتها. ومن حكمة ~~الخالق سبحانه وعجائب الخلق أنك في مرحلة النمو وقبل سن البلوغ تجد أن ~~عملية النمو تتم بحساب وإعجاز محكم، فأشياء في الجسم تنمو ومثيلاتها في ~~الجسم لا تنمو. خذ مثلا الشعر ينمو ونقصه من حين لآخر، أما شعر الحاجبين ~~مثلا والرموش فلا ينمو، كذلك العظام تنمو بنمو الطفل إلى أن يبلغ ~~الأشد، في حين أن الأسنان وهي أيضا عظام تقف عند شكل معين ولا تنمو، ~~ولو كانت تنمو كنمو باقي العظام لصارت مثل ناب الفيل. # إذن: المسألة ليست كما قلنا ميكانيكا إنما هي هندسة من مبدع هذا الكون ~~سبحانه. { وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن ~~أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي.. } ~~[الأحقاف: 15] لأن سن الأربعين هي السن التي ينبغي أن يقف الإنسان ~~عندها ويحاسب نفسه ويصحح مساره. سن الأربعين هو قمة النضج العقلي، ~~وهي أيضا بداية الانحدار نحو النهاية، لذلك يلفت الحق سبحانه نظرنا إلى ~~الأربعين بالذات لنقف ونتدارك ما كان. كلمة { أوزعني.. } [الأحقاف: ~~15] يعني: ألهمني وأعني وقوني { أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي.. } [الأحقاف: 15] بداية من نعمة الإيجاد، ونعمة ~~السلامة والعافية، ونعمة الإسلام، ونعمة التوفيق للطاعة، ونعمة أن جعلت ~~لي أبا وأما قاما على تربيتي. ثم يعدي الشكر إلى الوالدين { وعلى ~~والدي.. } [الأحقاف: 15] لأن النعمة عند الوالد نعمة عند ولده { ~~وأن أعمل صلحا ترضه.. } [الأحقاف: 15] أي: وفقني ~~وأعني على العمل الصالح. والعمل الصالح هو الاستقامة بتنفيذ ms9320 الأمر ~~واجتناب النهي فيما ورد فيه نص، أما ما لم يرد فيه نص فلك الحرية ~~تفعل أو لا تفعل. { ترضه.. } [الأحقاف: 15] يعني: بأن يكون هذا ~~العمل وفق المنهج الذي شرعت، أو ترضاه فتقبله، أو تثيبني عليه. { ~~وأصلح لي في ذريتي.. } [الأحقاف: 15] دعاء بأن يجعل صلاحه ~~ممتدا في ذريته، أو أنني يا رب أسرفت على نفسي وقصرت، ولا أريد ذلك ~~لذريتي، أريد لها الصلاح الذي لم يتحقق لي. وهذا مبدأ معروف أن الأب يحب ~~أن يتدارك ما فاته في حياته يحققه في حياة أولاده، وذريته من بعده، ~~يريد أن يحقق فيهم الكمال الذي لم يصل هو إليه، لذلك يكون الإنسان ~~سعيدا لو تفوق ولده عليه. وتأمل الفعل { وأصلح.. } [الأحقاف: 15] ~~تجده يتعدى بنفسه، فلماذا ذكر في فقال { وأصلح لي في ~~ذريتي.. } [الأحقاف: 15] ولم يقل: وأصلح لي ذريتي؟ ما الضرورة ~~لذلك؟ الأسلوب هنا كأنه جعل الذرية ظرفا للإصلاح، وظرف الإنسان قلبه. ~~لذلك ورد في الحديث الشريف: # " ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد ~~الجسد كله، ألا وهي القلب " # إذن: عداها ب في ليجعلها ظرفا ومظروفا. وقوله: { إني تبت ~~إليك وإني من المسلمين } [الأحقاف: 15] التوبة باب مفتوح ~~إلى آخر العمر، لكن ينبغي ألا تؤخر وألا نغفل عنها إذا كنا أسرفنا على ~~أنفسنا، لكن البعض منا تأخذه الدنيا وتنسيه نفسه فيؤخر التوبة والتصالح ~~مع ربه إلى هذه السن. # لذلك ورد في الأثر: # " إن الله يجرى يده على وجه العبد بعد الأربعين إن لم يتب فيقول: أما ~~آن لهذا الوجه أن يستحي ". # وفي معنى حديث آخر يقول: # " من بلغ الأربعين ولم يكن خيره أكثر من شره، فليجهز نفسه - ~~والعياذ بالله - لجهنم ". # لماذا؟ لأنك أخذت راحتك في شبابك، وأشبعت رغبتك مما تريد، لكن إذا ~~وافيت الأربعين فاستح أن تعصي الله بعدها، واستح أن تؤجل التوبة وأنت ~~لا تضمن عمرك بعدها. وكلمة { وإني من المسلمين } [الأحقاف: ~~15] تعني: أن العطل أو التقصير لم يكن في العقيدة، إنما في تنفيذ مطلوب ~~العقيدة في الأحكام. ms9321 ### || [46.16] # وكلمة { أولئك.. } [الأحقاف: 16] إشارة لمن سبق ذكرهم وأوصافهم { ~~الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا.. } [الأحقاف: ~~16] المشهور عن الفعل تقبل أنه يتعدى بمن، كما جاء في قول سيدنا ~~إبراهيم: # وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت ~~وإسمعيل ربنا تقبل.. # [البقرة: 127]. وفي موضع آخر: # وهو الذي يقبل التوبة عن عباده.. # [الشورى: 25]. إذن: يتعدى مرة ب من ومرة ب عن ولكل معنى، فقوله ~~تعالى: { أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما ~~عملوا.. } [الأحقاف: 16] يعني: أن التوبة تحمل عنك عبء المعاصي ~~وثقلها، لأنها تزحزحها عنك. لذلك قال: { عنهم.. } [الأحقاف: 16] لأن ~~مجيء حرف مكان حرف لا بد أن له حكمة، وأنه يضيف معنى لا يعطيه الحرف ~~الآخر، وسبق أن أوضحنا هذه المسألة في قول الحق سبحانه: # الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل.. # [إبراهيم: 39] ورأينا كل المفسرين يقولون: على هنا بمعنى: مع الكبر. ~~وبتأمل الآية نجد مع حرفان وعلى ثلاثة أحرف، فلماذا عدل القرآن عن مع ~~وجاء ب على؟ كيف يترك السهل في حرفين إلى الثلاثة؟ ولما نتأمل مسألة ~~كبر سيدنا إبراهيم نجد أن المعية التي تفيدها مع لا تكفي، فالمراد حرف ~~يعطي المعية المتغلب عليها، فالكبر موجود مع سيدنا إبراهيم ومصاحب له، ~~لكنه كبر متغلب عليه بقدرة الله. فكأن طلاقة القدرة علت على قانون ~~الكبر، وخرقت الناموس فجاء إسماعيل على هذا الكبر، وهذا المعنى لا يقوم ~~باستخدام مع بل على. كذلك في قوله تعالى: # وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ~~ربك لشديد العقاب # [الرعد: 6] فكأن الذنب يقتضي العقوبة، لكن مغفرة الله علت على العقوبة ~~وتغلبت عليها. إذن: حينما يستخدم حرفا مكان حرف فلا بد أنه يضيف ~~معنى لا يضيفه الحرف الأول. إذن: { نتقبل عنهم أحسن ما ~~عملوا.. } [الأحقاف: 16] حملنا عنهم عبء ما كان قبل التوبة، وفي موضع ~~آخر يشرح الحق سبحانه هذا المعنى: # فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات.. # [الفرقان: 70] حتى قال أحدهم: والله لقد أسفت أني لم أرتكب الكبائر، ~~لأن الله كان سيبدلها حسنات، وهذا خطأ، فمن يدريك أنك ستعيش حتى تتوب؟ ms9322 ~~وقوله: { ونتجاوز عن سيئاتهم.. } [الأحقاف: 16] أي: نعفو ~~عنها ونتسامح { في أصحاب الجنة.. } [الأحقاف: 16] سبق أن ~~قلنا: أصحاب الجنة يعني بينهم وبينها مصاحبة أو صداقة، أو أصحابها يعني ~~المالكين لها. لكن هنا يقول { في أصحاب الجنة.. } [الأحقاف: ~~16] فكأن هؤلاء الذين نتحدث عنهم في وسط الجنة، وأهل الجنة محيطون بهم، ~~فهم في المركز، هذا الفهم جاء من معنى في هنا، لكن لماذا استحق هؤلاء ~~أن يكونوا في الوسط وفي المركز وأهل الجنة حولهم؟ قالوا لأن الذي ألف ~~المعصية ثم يذهب إلى الطاعة تشق على نفسه بعد أن استهوى المعصية ~~وارتاض عليها، فهو يجاهد نفسه للاستمرار على الطاعة، على خلاف من لم ~~يجرب المعصية، فالطاعة عنده طبيعية لا تحتاج إلى مجاهدة كالأول، لذلك ~~يعاملهم الله بهذا التساهل وهذا الفضل فيبدل سيئاتهم حسنات، وهذا ~~منتهى الكرم. # ثم يطمئنهم الحق سبحانه وتعالى: { وعد الصدق الذي كانوا ~~يوعدون } [الأحقاف: 16] فكأنهم لا يصدقون أن الله يعاملهم بكل ~~هذا الفضل، فيذكرهم أن هذا وعد الله، ووعد الله وعد صدق لا يخلف ~~أبدا، ولا يوجد من ينقضه أو يفسخ هذا الوعد. والحق سبحانه يعطي عباده ~~كل هذه التسهيلات والإغراءات، فيقبل توبة التائبين ويعفو عن المسيئين، ~~ويبدل سيئاتهم حسنات، لا لنجاة التائب وحده، وإنما لنجاة المجتمع كله، ~~فلو لم تشرع التوبة لشقي المجتمع بكل عاص سد في وجهه بابها، ~~ولاستشرى الشر وساد. ### || [46.17] # القرآن الكريم أعطانا عدة لقطات للوالدين مع الأولاد، وهذه اللقطات ~~تختلف باختلاف الأحوال، ولأهمية هذه العلاقة بين الوالد والولد قرن ~~الله الوصية بالوالدين بعبادته سبحانه، وأعطاها نفس الأهمية والقداسة. ~~فقال سبحانه: # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا.. # [الإسراء: 23] لأن الوالد والولد هما الخلية الأساسية لبناء المجتمع، ~~فإذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع، وصلاح هذه الخلية ~~يقتضي منا أن نعلم منزلة الوالدين، وأنهما السبب المباشر في الوجود فلهما ~~حق السببية في الإيجاد، يعني: لولاهما ما وجد الولد. وحين نبرهما ~~ونحترمهما تكون دربة لنا على تعظيم واحترام الموجد الأول سبحانه ~~والأصل الأصيل في المسألة. لذلك ms9323 جاءت هذه الوصية عامة، لا فرق بين مؤمن ~~وكافر، فالحق يوصي بالوالدين حتى إن كانا كافرين، لأنه تعالى رب ~~الجميع يتكفل بالجميع حياة ورزقا وإقامة ، لأنه عبده وصنعته. وقلنا: ~~يجب أن نلحظ الفرق بين الألوهية والربوبية: فالربوبية عطاء وتربية، ~~والألوهية تكليف وتعبد بطاعة الأمر واجتناب النهي. فهو أيضا عطاء، لكن ~~عطاء تكليفي بافعل ولا تفعل، عطاء لأن فائدته تعود على العبد ولا ينتفع ~~الله منها بشيء، ولا تزيده طاعة الطائعين صفة لم تكن له سبحانه، ولا ~~تسلبه معصية العاصين صفة ثابتة له سبحانه. فالله له صفات الكمال المطلق ~~قبل أن يوجد هذا الخلق، لذلك نرى الإنسان حين يحزبه أمر لا يقدر عليه ~~من أمور حياته يقول: يا رب، فيدعو بصفة الربوبية يعني يا رب، يا من تتولى ~~رعايتي وتربيتي خذ بيدي وأعني. لكن إذا أراد أن يستعين على أمر ~~تكليفي لله تعالى يقول: يا الله، يعني يا إلهي، يا من كلفتني أعني ~~على طاعتك فيما كلفتني. إذن: الحكمة من التكليف لا تعود على الله إنما ~~تعود على المكلف، والحق سبحانه يريد مجتمعا مؤمنا صالحا يبني ~~ويعمر، ويكون على أحسن حال، كما تحث ولدك الصغير على المذاكرة وتقول ~~له: إن نجحت سأشتري لك عجلة أو بدلة، فأنت تريد له الخير ولن تنتفع أنت ~~بما ستشتريه له. لذلك ورد في الحديث القدسى: # " يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني، ~~يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، وإنسكم وجنكم، وشاهدكم ~~وغائبكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ~~ولو أن أولكم وآخركم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ~~ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم.. اجتمعوا في صعيد واحد، ~~فسألني كل واحد مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص ~~المخيط إذا أدخل البحر. ذلك أني جواد ماجد، عطائي كلام، وعذابي ~~كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن فيكون " # إذن: ms9324 حظ التكليف صلاح المكلف. وقد أوضحنا هذه المسألة في بيان معنى قوله ~~تعالى: # أولئك على هدى من ربهم.. # [البقرة: 5] فكأن الهدى دابة ومطية تحمل المهتدي وتوصله إلى غايته ~~التي يسعى إليها، فالهدي ليس حملا وليس ثقلا على صاحبه إنما معين ~~له. والآية التي معنا { والذي قال لوالديه أف لكمآ.. ~~} [الأحقاف: 17] تعطينا لقطة للوالدين حينما يكونان مؤمنين والولد غير ~~مؤمن، وتصور لنا حرص الوالدين على نجاة الولد، كما رأينا مثلا في قصة ~~سيدنا نوح وولده. وهذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر وكان أبواه ~~قد أسلما، وأبى هو أن يسلم، فكانا يدعوانه إلى الإيمان بالله والإيمان ~~بالبعث، فيقول لهما: أين فلان؟ وأين فلان؟ ممن ماتوا في السابقين. ثم ~~أسلم عبد الرحمن بعد ذلك وحسن إسلامه. وإن كانت هناك روايات عن السيدة ~~عائشة أنها نفت ذلك، وقالت: إنما نزلت الآية في شخص آخر وذكرت اسمه. ~~قوله تعالى: { والذي قال لوالديه.. } [الأحقاف: 17] أي: اذكر ~~الذي قال لوالديه { أف لكمآ.. } [الأحقاف: 17] وأف اسم فعل مضارع ~~بمعنى أتضجر، يقولون: فلان يتأفف. يعني: يقول أف ويظهر الضيق والضجر من ~~شيء قذر أو منتن أو فعل لا يعجبك. وقوله { لكمآ } دل على غضبه ~~منهما لأنها يلحان عليه. فقال: { أف لكمآ.. } [الأحقاف: 17] ~~أنتما ليس بعيدا عنكما. لكن لماذا يتأفف؟ قالو: لأن الوالدين يلحان ~~عليه أن يؤمن وهو لا يريد الإيمان، فلما أكثرا عليه تأفف، وقال: { ~~أتعدانني أن أخرج.. } [الأحقاف: 17] يعني: أبعث بعد الموت، ~~والهمزة هنا استفهام للتعجب أو الإنكار فهو ينكر البعث. ثم يأتي بالدليل ~~الذي يؤيد وجهة نظره { وقد خلت القرون من قبلي.. } ~~[الأحقاف: 17] أي: مضت القرون ومات كثيرون ممن سبق، ولم أر أحدا ~~منهم قام من قبره. لكن من قال أن البعث سيكون في الدنيا، البعث موعده ~~الآخرة بعد أن يموت الجميع ولا يبقى إلا الله. لكن الوالدين بعد أن ~~سمعا هذا الكلام، ولمسا هذا التصميم على الكفر لم يجدا منقذا سوى الله ~~فتوجها إليه: { وهما يستغيثان الله ويلك آمن.. } ~~[الأحقاف: 17]. وهذا تصوير لطبيعة ms9325 الوالدين وشدة حرصهما على نجاة الابن، ~~فهما يتضرعان ويلحان على الابن أن يؤمن، وأن يذوق حلاوة الإيمان التي ~~ذاقاها. وكلمة { ويلك آمن.. } [الأحقاف: 17] حث له على أن ~~يؤمن، أو الويل لك إن لم تؤمن، ونلاحظ هنا أن الفعل يستغيث يتعدى بالباء ~~فيقول: يستغيث فلان بالله، فلماذا حذف الباء وعدى الفعل بنفسه فقال: { ~~يستغيثان الله.. } [الأحقاف: 17]. قالوا: هذا يدل على أنهما ~~أمام أمر صعب، وأمام قلب قاس متحجر معاند، لا يقبل الدعوة ولا يستجيب ~~لنداء الوالدين، ولا يقدر مشاعرهما. # لذا توجها إلى الله مباشرة أن يهدي هذا الولد، وأن يشرح صدره، وأن ~~يلين هذا الطبع القاسي، ليسمع ويطيع وينجو، لذلك قلنا: لا تجد إنسانا ~~يحب لك الخير كما يحبه لك والدك، يحب أن تكون أحسن حالا منه، وهذه لا ~~تتوافر إلا في الوالد والولد. إذن: أمام هذا العناد ليس أمام الوالدين ~~إلا التوجه إلى الله مقلب القلوب ومسبب الأسباب، فما ضاقت به ~~أسباب الخلق دعه للخالق سبحانه، فالقلوب بين أصبعين من أصابعه ~~سبحانه يقلبها كيف يشاء. وسبق أن قلنا ذلك في قصة أم موسى لما قال ~~الله لها: # فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا ~~تحزني.. # [القصص: 7] بالله أتقبل أم تخاف على ولدها أن تلقيه في البحر؟ تقبل أن ~~تنجيه من موت مظنون بموت محقق؟ لكنها آمنت وصدقت ونفذت. لأن الله ~~قلب قلبها، ووارد الرحمن لا يعارضه ولا يعطله وارد الشيطان، لذلك قال ~~تعالى: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه.. # [الأنفال: 24]. وهذه المسألة حدثت مع فرعون، فحال الله بينه وبين قلبه ~~وما يريد، فهو يبحث عن الأطفال ويقتلهم، ومع ذلك جاءه طفل في صندوق ملقى ~~في البحر، وعلى هيئة مريبة تدعو إلى الشك، ومع ذلك استقبله واحتضنه ~~ورباه وصدق امرأته لما قالت عن الولد # قرت عين لي ولك.. # [القصص: 9]. إذن: هذا غباء، ممن؟ من فرعون الذي ادعى الألوهية وقال ~~للناس: أنا ربكم الأعلى. ثم لما نتأمل القصة نجد دلالات أخرى لغباء هذا ~~الرجل، فقد قال له السحرة: إن ms9326 زوال ملكك سيكون على يد طفل يولد من ~~بني إسرائيل، فما دمت قد صدقت بهذه النبوءة، فلماذا تقتل الأطفال؟ ~~إذن: أقدار الله لا بد أن تتحقق، وأن يهيء لها أسبابها، وهذا هو ~~معنى { وهما يستغيثان الله.. } [الأحقاف: 17] يقولان: يا رب ~~أنت قادر على كل شيء وأنت فوق الأسباب، وليس لنا حيلة مع هذا الولد ويعز ~~علينا أن نتركه على كفرة فيهلك. وقد علمنا سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن نلجأ إلى الله، فكان إذا حزبه أمر يعني: غلبه وضاقت عنه ~~أسبابه قام إلى الصلاة ليقف بين يدي ربه، فيحل له كل شاق ويهون ~~كل عسير. وكلمة { آمن } يعني: انطق بالشهادة واعترف بأن الله إله ~~واحد. ومادة أمن لها في القرآن معان متعددة، تقول: آمنت بالله. وهذا ~~الفعل متعد بالباء يعني: شهدت وصدقت، وأمنت له: صدقته كما في قوله ~~تعالى: # ومآ أنت بمؤمن لنا.. # [يوسف: 17] يعني: مصدق، وأمنته يعني أعطيته الأمان. وقولهما: { إن ~~وعد الله حق.. } [الأحقاف: 17] يؤكدان له هذه الحقيقة، وما دام ~~حقا فسوف يحدث ولا مفر منه، لأن الله إله واحد لا شريك له، ولا أحد ~~ينقض هذا الوعد أو يعارضه، وهو سبحانه القادر القوي الذي يملك إنفاذ ما ~~وعد به. # لذلك قال تعالى في شأن الساعة: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى ~~عما يشركون # [النحل: 1] هكذا بالفعل الماضي، لأن وعد الله يستوي فيه الماضي ~~والحاضر والمستقبل، فهو سبحانه خالق الزمن ومالكه والمتصرف فيه، فيعبر ~~عن المستقبل بالماضي لأنه يعلم أنه لا توجد قوة تعارضه. إذن: فالقيامة ~~التي ستأتي في المستقبل أتت بالفعل وهي حادثة لا شك فيها، لذلك يتصرف ~~في الكون بشهادته سبحانه لنفسه، فأول من آمن آمن الله بذاته سبحانه، ~~فقال: # شهد الله أنه لا إله إلا هو.. # [آل عمران: 18]. فقد شهد الله لذاته قبل أن يشهد بذلك أحد من خلقه، ~~وكأنه سبحانه بهذه الشهادة يقبل على كل شيء يريده وهو يعلم أنه لن يتخلف، ~~وما هي إلا كن فيكون. كذلك سيدنا رسول الله ms9327 يشهد لنفسه بالرسالة قبل ~~أن يشهد بها أحد، ففي رواية # " أن سيدنا جابر بن عبد الله كان عليه دين لرجل يهودي، ووعده حين يثمر ~~النخل أن يجز نخله ويقضيه دينه، فلما جاء أوان الثمر خاب ولم يعط ~~الثمر المرجو منه، وعجز جابر عن السداد. فذهب بعض إخوان جابر وحكوا القصة ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث لليهوي وقال له: أنظر جابرا حتى ~~يقضي ما عليه. فقال: لا يا أبا القاسم، فأعاد الرسول عليه: أنظر ~~جابرا. فقال: لا يا أبا القاسم. فتركه رسول الله وذهب إلى بستان جابر ~~ومر خلاله، ثم قال: أين عريشك يا جابر؟ فأخذ جابر رسول الله وأجلسه في ~~عريشه، فقال: دعني هنا يا جابر واذهب فجذ واقض ما عليك، فذهب جابر ~~إلى نخله فجذ منه حتى قضى ما عليه وبقي له ما يكفيه، فجاء بطبق من ~~الرطب إلى رسول الله وقال له: يا رسول الله قضيت ما علي وبقي لي ما لم ~~يكن يبقى في أي عام سابق، عندها ضحك سيدنا رسول الله وقال: أشهد أني ~~رسول الله ". # فقوله تعالى: { إن وعد الله حق.. } [الأحقاف: 17] يعني: ~~صادق لا يتخلف، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، لأن الله هو الذي ~~قضاه وحكم به، فلا أحد يغيره، لذلك يقول سبحانه: # سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا # [الفتح: 23]. وقوله تعالى: { فيقول ما هذآ إلا أساطير ~~الأولين } [الأحقاف: 17]. أي: يقول هذا الولد المعاند لوالديه، وهما ~~يدعوانه للإيمان بالبعث والنشور: إن ما تقولانه ما هو إلا أساطير ~~الأولين، وهي أكاذيبهم وقصصهم التي جاءت في كتبهم، يعني: ما تدعواني ~~إليه كذب أشبه بالأساطير والخرافات. ### || [46.18] # نلاحظ أن الكلام كان في الآية السابقة عن مفرد، وهو الذي قال لوالديه ~~أف لكما لكن هنا يشير إليه الحق سبحانه بصيغة الجمع { أولئك.. } ~~[الأحقاف: 18] فيأتي بالقرار ويخبر عنه { أولئك الذين حق ~~عليهم القول.. } [الأحقاف: 18]. كأن الذي لا يفهم منها المفرد ~~إنما يفهم منها الجمع، كما في قوله تعالى # والعصر ms9328 * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا.. # [العصر: 1-3] فاستثنى الجمع من المفرد. وقالوا في هذه الآية ما قالوا في ~~الآية السابقة. أي: أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، وهذا القول لا ~~يستقيم مع معنى الآية لأن سيدنا عبد الرحمن أسلم وحسن إسلامه، وهذه ~~الآية تتحدث عمن حق عليهم العذاب. إذن: نزلت في شخص آخر غير عبد ~~الرحمن. وقد ورد لهذه المسألة قصة في كتب التاريخ، فالذي قال أنها نزلت ~~في عبد الرحمن هو مروان بن الحكم، وكان أميرا على المدينة. فلما بايع ~~معاوية ابنه يزيد بالخلافة طلب من مروان أن يأخذ البيعة ليزيد، فاعترض ~~على ذلك عبد الرحمن بن أبي بكر. وقال: أجعلتموها هرقلية؟ يعني: ملكية ~~يخلف الولد والده؟ فقال: اسكت يا هذا، ثم قال: أتعلمون من هذا؟ هذا الذي ~~قال الله فيه # والذي قال لوالديه أف لكمآ.. # [الأحقاف: 17]. وبلغت هذه المقولة السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت: ~~والله ما هو، ولو شئت أن أسمي الذي قيلت فيه لقلته، ولكن قولوا ~~لمروان: إن الله قد لعنك في ظهر أبيك. ذلك لأن الحكم بن العاص كان ~~يوما يقلد رسول الله في مشيته استهزاء به، فالتفت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فرآه، فأشار إليه بيده فنفي إلى الطائف، وبعد العز الذي ~~كان فيه في المدينة صار يرعى الغنم، إلى أن جاء سيدنا عثمان وتشفع له ~~عند رسول الله فأذن له. ولكن الصحابة قالوا: لم نسمع من الرسول، فقال ~~عثمان: أنا سمعته. ومعنى { حق عليهم القول.. } [الأحقاف: 18] ~~يعني: وجب وثبت لهم العذاب الذي حذرناهم منه { في أمم قد خلت ~~من قبلهم.. } [الأحقاف: 18] يعني: مضت وذهبت { من الجن ~~والإنس إنهم كانوا خاسرين } [الأحقاف: 18] لأن الله قال ~~عن المؤمنين # قد أفلح المؤمنون # [المؤمنون: 1]. ففي المقابل، وخسر الكافرون المكذبون. وهذه الآية تدل ~~على أن الجن أيضا مكلف، ومنهم الطائع والعاصي، والمؤمن والكافر، لذلك ~~قال في سورة الجن: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15] إذن: سيعذبون بما يناسب طبيعتهم. ### || [46.19] # قوله تعالى: { ولكل.. } [الأحقاف: ms9329 19] لكل من الصنفين: المؤمنين ~~الذي سبق ذكرهم في قوله تعالى: # إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا.. # [فصلت: 30] والكافرين الذين قال الله عنهم: # أولئك الذين حق عليهم القول.. # [الأحقاف: 18]. فلكل من المؤمن والكافر والطائع والعاصي، كل له ~~جزاء على قدر درجته ومنزلته { درجت مما عملوا.. } [الأحقاف: ~~19]. ومعلوم أن الجنة درجات، وأن النار - والعياذ بالله - دركات، لذلك ~~قال تعالى: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار.. # [النساء: 145] لكن هنا جعلها درجات للمؤمنين وللكافرين، فكيف؟ قالوا: ~~هذا نوع من السخرية والاستهزاء بهم والتأنيب لهم، كما في قوله سبحانه: # فبشرهم بعذاب أليم # [الانشقاق: 24]. ومعلوم أن العذاب لا يبشر به، البشارة لا تكون إلا ~~بشيء سار مفرح. إذن: هذا تهكم كما في # ذق إنك أنت العزيز الكريم # [الدخان: 49] وهو في هذا الموقف مهان معذب محتقر، أو: أنه يسميها ~~درجات لإغاظتهم ليزدادوا تحسرا وألما. وقوله تعالى: { ~~وليوفيهم أعملهم.. } [الأحقاف: 19] من الوفاء، وهو أن ~~تعطي الجزاء كاملا غير منقوص كما تقول: وفيت فلانا دينه. يعني: أعطيته ~~كاملا { وهم لا يظلمون } [الأحقاف: 19] يعني: لا ينقصون من ~~أجورهم شيئا. ### || [46.20] # التقدير هنا: واذكر يا محمد يوم يعرض الذين كفروا على النار، فساعة ترى ~~الظرف فابحث عن الحدث الذي فيه، لأن الزمن لا يمدح ولا يذم لذاته، ~~إنما بحسب الفعل الذي يحدث فيه. والحدث هنا أن يعرض الذين كفروا على ~~النار، لكن من يعرض على من؟ النار غير عاقل والكافرون عقلاء، ~~فالنار تعرض عليهم كما تقول: عرضت القماش على المشتري، لكن يوم القيامة ~~سيتبين لهم أن النار عاقلة وهم الذين سيعرضون عليها. واقرأ: # يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من ~~مزيد # [ق: 30] وثبت في الحديث الشريف أنها تشتاق لأهلها من الكافرين والعاصين ~~وأنها ستتكلم وتنطق. والحق سبحانه يخاطب ما شاء بما شاء. إذن: لا نفهم ~~هذه الآية بقوانين البشر، لأن لله قوانين أخرى مع الأشياء، لذلك لو ~~علمها الله لأحد من خلقه لعلمها وتعامل بها، كما رأينا في قصة سيدنا ~~سليمان عليه السلام # ففهمناها سليمان.. # [الأنبياء: 79]. فكان يفهم ms9330 لغة الحيوان والطير، لذلك لما سمع النملة ~~وفهم منها تبسم ضاحكا من قولها، وشكر المنعم عليه بهذه النعمة. ومنهم ~~من قال: إن في الآية قلبا كما تقول: عرضت الحوض على الناقة، والواقع ~~أنك تعرض الناقة على الحوض لتشرب منه. وقوله تعالى: { أذهبتم ~~طيبتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها.. } ~~[الأحقاف: 20] أى: يقال لهم هذا الكلام في الآخرة بعد أن تقوم الساعة. ~~لكن هناك آية أخرى يظن البعض أنها تتعارض مع هذه. وهي قوله تعالى: # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر: 46] ففهموا منها أن العرض يكون في الدنيا لأنه عطف عليها بقوله: # ويوم تقوم الساعة.. # [غافر: 46]. لكن المتأمل في هذه الآية يجد أن هذا العرش ليس في الدنيا ~~ولا في الآخرة، إنما في مرحلة البرزخ، كيف؟ لأن الغدو والعشي ناشىء من ~~حركة الشمس ووجود الليل والنهار، والآخرة ليس فيها شيء من هذا. فالآخرة ~~ليس فيها شمس ولا قمر، ولا ليل ولا نهار # يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموت.. } ~~[إبراهيم: 48] فنحن في الدنيا نعيش بالأسباب، أما في الآخرة فنعيش ~~بالمسبب سبحانه الشمس تنير لنا في الدنيا، أما الآخرة { وأشرقت ~~الأرض بنور ربها.. # [الزمر: 69]. إذن: العرض هنا في البرزخ # ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد ~~العذاب # [غافر: 46] فالعرض ليس في الآخرة بل الدخول، فالعرض في الأولى غير العرض ~~في الثانية، وما يدريك أنهم قبل أن يدخلوا النار يعرضون عليها، لأن ~~الصراط مضروب على متن جهنم، فيعرضون على النار قبل أن يدخلوها. وقوله ~~تعالى: { أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها.. } [الأحقاف: 20] هذه الآية حلت لنا ~~إشكالا، حيث نرى أهل الكفر والإلحاد أكثر منا مالا وزينة في الدنيا، ~~والبعض يسأل عن المخترعين والمكتشفين من غير المسلمين الذين خدموا ~~البشرية بعلومهم، هل لهم جزاء على ذلك؟ الجواب هنا { أذهبتم ~~طيبتكم في حياتكم الدنيا. # . } الأحقاف: 20] ولم يبق لهم نصيب في الآخرة، فهذه سنة الله التي لا ~~تتبدل، فالله تعالى أعطى الأسباب للمؤمنين وللكافرين. فمن أحسن في ~~الأسباب لم ms9331 يحرم ثمرة إحسانه. حتى لو كان كافرا، ومن قعد وتخاذل حرم ~~ولو كان مؤمنا، لأن هذا عطاء الربوبية. والذين قدموا للبشرية هذا ~~العطاء وخدموها هذه الخدمة، أكان في بالهم الله؟ أبدا كان في بالهم ~~الحضارة والتقدم وخدمة التاريخ والإنسانية، وقد أخذوا منها جزاءهم سمعة ~~وصيتا وتخليدا لذكراهم، أقاموا لهم التماثيل وألفوا فيهم الكتب. إذن: ~~أخذوا أجورهم ممن عملوا لهم وانتهت المسألة. لذلك يقول تعالى في وصف ~~حال هؤلاء: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. فوجىء بإله يحاسبه لم يكن في باله ساعة العمل، هذا حال ~~الكافر، أما المؤمن فيعمل العمل في الدنيا وعينه على الآخرة. # " يروى أن سيدنا رسول الله مر على أهل الصفة فوجدهم يلبسون ~~الملابس المخرقة ولا يجدون ما يرقعونها به، فقال لهم: أي أيامكم ~~خير؟ أهذا اليوم أو يوم يغدي عليكم بجفان ويراح عليكم بجفان، وتغدون ~~في حلة وتروحون في حلة أخرى، وعلى أبوابكم ستائر مثل ستائر الكعبة ". # وسيدنا عمر بن عبد العزيز كان قبل الخلافة مشهورا بأنه الفتى المدلل ~~الذي يتقلب في النعيم ليل نهار، حتى إنه كان يلبس الحرير، وكان الخدم ~~الذين يغسلون له ملابسه يأخذون من الناس رشوة ليغسلوا ملابسهم في الماء ~~الذي غسل فيه ثياب عمر لكثرة ما بها من العطر والطيب. فلما تولى الخلافة ~~زهد في هذا النعيم وعاش حياة الزهد والتقشف، وارتدى الثياب الخشنة، فلما ~~سألوه عن ذلك قال: والله لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأحسنكم ثيابا، ~~لكني أستبقي طيباتي للآخرة، وإن لي نفسا تواقة - يعني: عندهما طموح ~~للأحسن - تاقت للإمارة، فلما نلتها تاقت للخلافة، فلما نلتها تاقت ~~للجنة. لذلك روي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان يمر ~~الهلال ثم يمر الهلال، ثم يمر الهلال. يعني: ثلاثة أشهر ما يوقد في بيت ~~محمد نار. قيل: فما طعامكم؟ قالت: الأسودان الماء والتمر. إلا أنه قد كان ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم ms9332 جيران من الأنصار كانت لهم منائح، وكانوا ~~يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم فيسقينا. إذن: كان بيت ~~سيدنا رسول الله نموذجا ومثالا وأسوة للفقراء. وقوله { في ~~حياتكم الدنيا. # . } [الأحقاف: 20] بالله ساعة تفكر في معنى كلمة الدنيا، هل تجد لها ~~وصفا أدنى وأقل من هذا؟ وساعة تسمع الدنيا لا بد أن تتذكر المقابل، وأن ~~هناك حياة مقابلة توصف بأنها العليا، وهي التي فيها الجزاء. { ~~فاليوم تجزون عذاب الهون.. } [الأحقاف: 20] أي: يوم ~~القيامة تجزون على أعمالكم عذاب الهون. يعني: الهوان والذلة، لأنكم ~~استكبرتم في الدنيا عن قبول الحق. ومن الهون هذه أخذت كلمة الهون، ~~وهو الآلة التي ندق فيها الأشياء في المطبخ، فهو آلة الطحن والدق وسحق ~~المادة التي توضع فيه. فكأن العذاب الذي سيلاقونه سيسحق كبرياءهم ~~ويجعلهم أذلة مهانين { بما كنتم تستكبرون.. } [الأحقاف: ~~20] يعني: بسبب استكباركم وتعاليكم عن قبول الحق { في الأرض بغير ~~الحق.. } [الأحقاف: 20] دل على أن هناك استكبارا بالحق، وهو أن ~~تتكبر على المتكبر لذلك قيل: الكبر على أهل الكبر صدقة. لذلك كان سيدنا ~~حمزة في الحرب يرتدي عصابة الموت، وهي عصابة حمراء ويرفع سيفه، ثم يسير ~~بين الصفوف يتبختر مزهوا بنفسه، فنظر إليه سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال: هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا الموقف، وقال: رحم ~~الله امرءا أبدى لهم من نفسه قوة. ونفهم من آيات القرآن الكريم أن ~~المؤمن من وصفه في القرآن أنه غير مطبوع على طبع واحد ولا قالب واحد، ~~إنما الموقف الذي يعيشه هو الذي يملي عليه الطبع المناسب للموقف. واقرأ: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم.. # [الفتح: 29] وقال: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.. # [المائدة: 54]. إذن: هو عزيز في موقف، وذليل في موقف آخر، شديد في موقف، ~~ورحيم في موقف آخر، فهو يجمع بين المتناقضين لأن المقام مختلف. وقوله: { ~~وبما كنتم تفسقون } [الأحقاف: 20] إذن: هناك استكبار وهناك ~~فسق، الاستكبار: التعالي عن قبول الحق، والفسق: من فسقت الرطبة يعني: ~~خرجت عن قشرتها. ms9333 والبلح له في استوائه أعمار، فلما يكتمل الحجم يبدأ ~~اللون أحمر أو أصفر ثم يرطب وتكون له قشرة، فإذا كان في بيئة جافة جمد ~~وجف ولصقت القشرة في لحم البلحة، وهذا أجود أنواع التمر. فمعنى الفسق ~~هنا يعني الخروج عن وعاء الطاعة، ولما تتأمل الاستكبار والفسق تجد أنهما ~~يجمعان بين عمل القلب وعمل الجوارح. فالإنسان له قلب وقالب، القلب محل ~~الأسرار والغيبيات، ومحل الإخلاص أو الرياء، ومحل التواضع أو التعالي، ~~فالاستكبار من أعمال القلب، قال تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # [النمل: 14]. أما الفسق فهو الخروج عن الطاعة التي هي عمل الجوارح. ### || [46.21] # قوله تعالى { واذكر.. } [الأحقاف: 21] أي: اذكر يا محمد، كأن هذا ~~الذكر جاء لتذكير رسول الله بمواقف إخوانه من الرسل في موكب الإيمان، ~~يعني: انظر لمن سبقك منهم ولما تحمل في سبيل دعوته، فأنت لست بدعا ~~في الرسل. نعم تحملوا المشقة والأذى، لكن صدق الله وعده بنصرتهم في ~~النهاية، لذلك تلاحظ على أسلوب القرآن تعدد القصة الواحدة بتعدد ~~الأحداث التي تمر بالرسول، يقول تعالى: # وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت ~~به فؤادك.. # [هود: 120]. فكلما حدث لرسول الله أمر مع قومه يذكره الله بموقف من ~~مواقف الرسل السابقين ليطمئنه وليثبت فؤاده على الحق، وإذا كان كل ~~رسول يتعرض للأذى على قدر مهمته فلا شك أنك ستكون أشد الرسل إيذاء ~~لأنك الرسول الخاتم. وقوله: { أخا عاد.. } [الأحقاف: 21] المراد ~~سيدنا هود # وإلى عاد أخاهم هودا.. # [الأعراف: 65] كلمة أخ تجمع على إخوة وإخوان، إخوة تعني أخوة النسب، ~~كما جاء في قوله تعالى: # وجآء إخوة يوسف.. # [يوسف: 58]. إما إخوان فيراد بها أخوة المنهج والدين والقيم كما في ~~قوله تعالى: # إخونا على سرر متقبلين # [الحجر: 47] فقوله: { أخا عاد.. } [الأحقاف: 21] أخاهم في النسب، ~~وعاد هي القبيلة أو الأمة التي أرسل فيها سيدنا هود عليه السلام. ~~والإضافة في { أخا عاد.. } [الأحقاف: 21] تحنين لهم وإثارة لمشاعر ~~الرحمة والدم والواحد، فالذي جاءهم ليس غريبا عنهم، إنما هو أخ لهم، ~~وإن جاءهم منهج مخالف لما هم ms9334 عليه وأراد أن يخرجهم عما ألفوه من ~~الضلال والفساد، والأخ لا يغش أخاه سواء أكانت أخوتهم له للنسب، أم ~~للدين والمنهج والقيم. إذن: عليهم أن يستقبلوا دعوته بالحنان الذي ~~تقتضيه الأخوة. { أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف.. } ~~[الأحقاف: 21] عاد كانت جماعة من العرب البائدة، وكانت تسكن الأحقاف في ~~جنوب شبه الجزيرة العربية، والأحقاف جمع حقف: وهو الرمل المستطيل الذي ~~يعلو وينخفض ويتحرك يمينا وشمالا، وهنا وهنا. والرمل لنعومته تحركه ~~الرياح والأعاصير بسهولة، حتى إن الهبة الواحدة من الإعصار في هذا ~~المكان كانت تطمر قافلة وتغطيها في هذا الوادي، لذلك لم تظهر آثار قوم ~~عاد حتى الآن لأنها مطمورة على مسافات بعيدة تحت الرمال. كذلك الآثار ~~القديمة في كل مكان لا توجد إلا تحت الأرض في حفريات، لأن عوامل التعرية ~~تطمرها. لذلك ترى الواحد منا إذا سافر مثلا وترك بيته لعدة شهور مثلا ~~يعود فيجده مغطى بطبقة من التراب، مع أنه مغلق بإحكام، فما بالك في ~~الخلاء مع هبوب الرياح والأعاصير. وفي سورة الفجر، الحق سبحانه يعطينا ~~طرفا من تاريخ هذه الأمم وما حل بها من العذاب: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * ~~الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * ~~فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك ~~لبالمرصاد # [الفجر: 6-14]. ونحن حتى الآن لا نعرف أين ديارهم، ولا نعرف آثارهم إلا ~~ما أخبرنا الله به، ذلك لأنها تحت مسافات في باطن الأرض. وقوله تعالى: { ~~وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه.. } ~~[الأحقاف: 21] فهو ليس أول الرسل إليهم ولا هو آخرهم، فقد مضت الرسل { ~~من بين يديه.. } [الأحقاف: 21] يعني: قبله { ومن خلفه.. } ~~[الأحقاف: 21] يعني: من بعده. والنذر جمع نذير، وهو الذي يخوفك ~~ويحذرك من الشر قبل حلوله، وفائدة الإنذار أنه ينبهك من الخطر قبل أن ~~تقع فيه فتتجنبه، ويجب أن يكون الإنذار قبل حدوث الشر بمدة كافية ~~تمكنك من تدارك الأمر وتجنب الوقوع فيه. ms9335 وقوله: { ألا تعبدوا ~~إلا الله.. } [الأحقاف: 21] يعني: هذه القضية اتفق عليها جميع ~~الرسل من قبل هود ومن بعده، فكل الديانات ما جاءت إلا لخدمة هذه القضية ~~ودعوة الناس إليها. والعبادة كما بينا طاعة العابد لأوامر المعبود ~~ونواهيه، وهذا المعنى ينقض ويبطل عبادة غير الله، فكلها آلهة باطلة ~~وعبادتها باطلة لأنها آلهة بلا منهج وبلا أمر ولا نهي. فالشمس، ماذا قالت ~~لمن عبدها؟ بم أمرته وعم نهت؟ ماذا أعدت لمن عبدها من الجزاء؟ ~~وماذا أعدت لمن كفر بها؟ فإن سألت لماذا عبدها الناس وعبدوا غيرها ~~من الأشياء؟ نقول: لأن التدين غريزة في الإنسان منذ خلقه الله ومنذ كان ~~في عالم الذر، لكن التدين الحق له مطالب ومسئوليات تكبح جماح النفس ~~وتقيد شهواتها. لذلك لجأ البعض إلى عبادة ترضي عندهم غريزة التدين ~~وتعفيهم من مطالب الدين الحق، فراحوا إلى الآلهة الباطلة وعبدوها، لأنها ~~لا تلزمهم بشيء ولا تكلفهم شيئا، وتطلق العنان لشهواتهم. وقوله: { ~~إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } [الأحقاف: 21] هذا ~~الخوف هو مقتضى الأخوة، فالأخ حريص على مصلحة أخيه، حريص على نجاته، لذلك ~~قال تعالى في سيدنا رسول الله: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما ~~عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم # [التوبة: 128]. وهنا وصف يوم العذاب بأنه يوم عظيم، أنتم فب دنياكم ~~تصفون بعض الأشياء بأنها عظيمة، وهذا العظمة في وجودكم المادي مردودة إلى ~~الفناء مهما طال أجلها، كذلك كل نعيم في الدنيا ينغصه على صاحبه ~~أمران: أن يفوته النعيم، أو يفوت هو النعيم ويتركه بالموت. فوصف هذا ~~اليوم بأنه عظيم لأنه دائم لا يزول، ولا يموت صاحبه فيستريح منه. ### || [46.22] # الكلام هنا عن قوم هود، فلما دعاهم إلى عبادة الله وحده { قالوا ~~أجئتنا لتأفكنا.. } [الأحقاف: 22] يعنى: تصرفنا { عن ~~آلهتنا.. } [الأحقاف: 22] أي المدعاة. والإفك: قلب الشيء على ~~وجهه، وصرف الحق إلى الباطل، والصدق إلى الكذب. ومنه قوله تعالى: # والمؤتفكة أهوى # [النجم: 53] وهي القرى التي قلبها الله رأسا على عقب { فأتنا ~~بما تعدنآ.. } [الأحقاف: 22] أي: من العذاب { إن كنت من ms9336 ~~الصادقين } [الأحقاف: 22] والعذاب الذي يعدهم به لا يأتيهم في الحال ~~إنما يوم القيامة لكنهم يستعجلونه. لذلك خاطبهم بقوله: # أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن وقد كنتم به ~~تستعجلون # [يونس: 51]، وقال: # يوم هم على النار يفتنون * ذوقوا فتنتكم ~~هذا الذي كنتم به تستعجلون # [الذاريات: 13-14]. فهم يستعجلون العذاب لأنهم لا يؤمنون به ~~ويكذبونه، ولو أنهم يؤمنون به ما استعجلوه. ثم يرد عليهم بالجواب ~~الطبيعى: { قال إنما العلم عند الله... }. ### || [46.23] # أي: علم الساعة عند الله # لا يجليها لوقتهآ إلا هو.. # [الأعراف: 187] وما أنا إلا رسول أبلغكم ما أرسلت به من ربي { ~~ولكني أراكم قوما تجهلون } [الأحقاف: 23]. وهذه ~~خلاصة الأمر أنكم تجهلون. يعني: عندكم جهل بالأمور، والجهل هو المشكلة ~~الكبرى التي تقابل الرسل، البعض يفهم أن الجهل عدم العلم، لكن الجهل ~~علم يناقض الحق. لذلك قلنا: إن الأمي الذي لا يعلم شيئا وليست لديه ~~قضية أهون من الجاهل، لأنه فارغ الذهن فتلقي إليه بالمعلومة فيقبلها، ~~أما الجاهل فعنده قضية مناقضة للحق فيحتاج إلى إخراجها أولا، فتكن ~~دعوته للحق أصعب. وقوله: { وأبلغكم مآ أرسلت به.. } ~~[الأحقاف: 23] أي: أنني ما جئت من تلقاء نفسي، إنما جيء بي لأدعوكم إلى ~~الله فلا بد أن ينسب الفعل إلى فاعله. { أرسلت.. } [الأحقاف: ~~23] أي: من الله، كما قلنا في # سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد ~~الحرام إلى المسجد الأقصا.. # [الإسراء: 1] فمحمد صلى الله عليه وسلم لم يقل سريت إنما قال: أسري ~~بي. وهذا يعني أنهم كذابون في قولهم # أجئتنا.. # [الأحقاف: 22] لأنه لم يأت من عند نفسه، إنما أرسله الله للبلاغ # وما على الرسول إلا البلاغ المبين # [العنكبوت: 18] فأنا مرسل فقط للبلاغ، ولا أعرف متى يأتي العذاب، إنما ~~يعرفه الذي يقدر عليه. { ولكني أراكم قوما تجهلون } ~~[الأحقاف: 23] أي: تجهلون أن الرسول جاء مبلغا، ولا علم عنده بحلول ~~العذاب بمن كذبه. ### || [46.24] # يعني: بعد أن استعجلوا العذاب، وقالوا: # فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # [الأحقاف: 22] فجاءهم العذاب في صورة سحاب { فلما رأوه ~~عارضا.. } [الأحقاف: 24] يعني: سحابا يعترض ms9337 في جو السماء { ~~مستقبل أوديتهم.. } [الأحقاف: 24] مقبلا عليهم { قالوا ~~هذا عارض ممطرنا.. } [الأحقاف: 24] يعني: ظنوه سحابا ~~عاديا سيمطر على أوديتهم ويأتيهم بالخير. إذن: الهاء في { رأوه.. } ~~[الأحقاف: 24] تعود على السحاب، لأنه هو المعلوم في الكلام بدليل قولهم ~~ممطرنا ولا يمطر إلا السحاب، فالقرينة دلت على أنه السحاب. وكثيرا ما ~~يعتمد القرآن في أسلوبه على القرائن التي تبين مرجع الضمير اعتمادا على ~~أن العقل يدرك بذاته المسألة. اقرأ: # ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ~~ظهرها من دآبة.. # [فاطر: 45] والمراد: ظهر الأرض مع أنها لم تذكر في السياق، لكن هي التي ~~تأتي في الذهن، ولا يفهم من الكلام إلا هذا. فالقاعدة أن الضمير لا بد ~~ان يكون له مرجع، ولا يوجد ضمير غائب ليس له مرجع إلا شيء واحد هو إذا ~~كان الضمير الغيبي للغيب المطلق وهو الحق سبحانه وتعالى، واستدلوا بقوله ~~سبحانه: # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1] هو من؟ الله لأنها لا تنصرف إلا إليه سبحانه. تقول: جاء ~~زيد فأكرمته - أى زيدا، وجاءت فاطمة فأكرمتها. الهاء تعود على فاطمة ~~وهكذا، ومرجع الضمير يكون لذات الشيء كما لو قلت: جاءني رجل فأكرمته - ~~أي: أكرمت الرجل، وقد يعود على غير ذات الشيء كما لو قلت: تصدقت ~~بدرهم ونصفه، فالهاء في نصفه لا تعود على الدرهم المذكور إنما على درهم ~~مثله، أي على نصف درهم مثله. لكن، لماذا ظنوا السحاب المعترض ممطرا؟ ~~قالوا: لأنهم كانوا في جذب وقحط ينتظرون الماء، فرأوا سحابا يعترض أفق ~~السماء رأوه داكنا بطيئا في سيره وهذه علامات السحاب الممطر، لأن أبطأ ~~الدلاء فيضا أملؤها، وأثقل السحب مشيا أحفلها، فبطء السحاب دلالة ~~على أنه محمل بالماء وهم مستشرفون للمطر، فظنوه مطرا. إذن: أعطاهم ~~الأمل في نزول المطر، فكل العلامات تدل عليه، وفجأة تقطع عنهم هذا ~~الأمل، وبين بسط النفس بالأمل وقمعها بقطع الأمل نوع من النكاية ~~والحسرة، يسمونه يأس بعد طمع. وهذا نوع من التعذيب في حد ذاته ~~يستعمله مثلا القائمون على التعذيب في السجن، فيمنعون الماء ms9338 عن المسجون ~~حتى يشتد به العطش ويتوسل إليه ليشرب، فيأتيه العسكري بكوب ويقربه ~~منه حتى يكون على شفتيه فيرميه على الأرض، وهذا إيلام وتعذيب، فليته ما ~~جاء بالماء أصلا، لأن مجيء الماء أمامه بلاء فوق بلاء العطش. كذلك الحال ~~في هؤلاء، استشرفوا للمطر وقالوا: يخلصنا مما نحن فيه من الجدب، فإذا به ~~ينزل عليهم العذاب بدلا من الماء، إذا به العذاب الذي سبق لهم أن ~~كذبوا به واستعجلوه { بل هو ما استعجلتم به. # . } [الأحقاف: 24] أي: من العذاب جاء متمثلا في صورة { ريح فيها ~~عذاب أليم } [الأحقاف: 24]. قلنا: إن كلمة الريح إذا جاءت هكذا ~~مفردة دلت على أنها تحمل العذاب والشر. فقوله ريح أي: عذاب مجمل ثم ~~يفصله { فيها عذاب أليم } [الأحقاف: 24] أما إذا جمعت رياح ~~فإنها تدل على الخير، كما في قوله تعالى: # وتصريف الرياح.. # [الجاثية: 5] لأن تصريفها يسوق السحاب ويجري السفن ويلقح الزهر.. إلخ. ~~لذلك ورد في الحديث الشريف في دعاء هبوب الريح: # " اللهم اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا ". # وسبق أن بينا أن الرياح طاقة وقوة تصلح وتنفع إذا جاءت من جميع ~~الجهات، وتدمر إذا جاءت من جهة واحدة، وتفريغ الهواء الآن علم له ~~قواعد يستخدمونه في التدمير. ثم إن الهواء نفسه مقوم من مقومات ~~الحياة وبدونه لا توجد حياة، لذلك جعله الله عاما شائعا في الكون لا ~~يملكه أحد كما يملكون الطعام مثلا، لأن مالك الهواء لو منعه عنك لحظة ~~تموت، على خلاف الماء والطعام مثلا. ثم بعد ذلك يفصل القول في كلمة { ~~فيها عذاب أليم } [الأحقاف: 24] فيقول: { تدمر كل شيء ~~بأمر ربها... }. ### || [46.25] # كلمة { تدمر.. } [الأحقاف: 25] تهلك { كل شيء.. } [الأحقاف: ~~25] يعني: لا تبقي لهم شيئا { بأمر ربها.. } [الأحقاف: 25] ~~خالقها ومجريها، فهي لا تهلك بطبيعتها إنما بأمر الله لها، فبدل أن ~~تأتيهم بالخير أتتهم بالشر، فتحتاج هنا إلى أمر زائد من الله بأن تتحول ~~إلى الشر، وتهلك بدل أن تعمر. ولا يملك هذا الأمر إلا الله، ولا ~~يخرجها عن طبيعتها إلا خالقها سبحانه، كما أخرج النار عن طبيعتها ms9339 في قصة ~~سيدنا إبراهيم، فقال لها: # ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. إذن: استجابت الريح لأمر ربها، وأهلكتهم هلاكا لم ~~يبق لهم شيئا من متاعهم إلا بقايا بيوتهم { فأصبحوا لا يرى ~~إلا مساكنهم.. } [الأحقاف: 25] ولماذا أبقت على مساكنهم؟ ~~قالوا: لتكون عبرة لغيرهم، وأثرا من آثارهم الدالة عليهم وعلى نزول ~~العذاب بهم، وإن كانت هذه القرى مطمورة تحت الأرض، لأنهم كما قلنا: ~~كانوا في واد من الرمال هو الأحقاف، وهذه الرمال هي التي طمرتهم. قالوا: ~~لما أراد الله إهلاكهم وسلط عليهم الريح العاصف، فأول من رأى ~~العذاب امرأة منهم، رأت بيتها يطير في الهواء مثل الطير. ولما فاجأهم ~~العذاب دخلوا البيوت يحتمون بها من شدة العواصف، فدخلت الريح وراءهم ~~البيوت، ودخلت عليهم الرمال حتى دفنتهم فيها، ونفس الريح التي طمرتهم هي ~~التي كشفت عنهم وأظهرت جيفهم ليعتبر الناس بها ثم ألقوا في البحر. ~~{ كذلك.. } [الأحقاف: 25] أي: بمثل هذا { نجزي القوم ~~المجرمين } [الأحقاف: 25] فالجزاء ليس ظلما ولا عدوانا، إنما ~~جزاء من جنس العمل، فما استحقوا هذا العذاب إلا لأنهم مجرمون. أما الذين ~~آمنوا بسيدنا هود وصدقوا دعوته فقد حصنهم من العذاب بأن خط حول ~~مساكنهم خطا، وكأن لسان حاله يقول: يا رب هؤلاء هم المؤمنون بدعوتي، ~~فنجهم واحرسهم فنجاهم الله. وقوله تعالى: { كذلك نجزي ~~القوم المجرمين } [الأحقاف: 25] إنذار وتحذير لكفار قريش، ~~يعني: يا كفار قريش خذوا عبرة ممن كذب الرسل قبلكم، فهذا جزاء كل ~~كافر مخالف لمنهج الله مكذب لرسله، وهذه هي الصورة أمامكم. ثم يوجه ~~الخطاب إليهم: { ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم ~~فيه... }. ### || [46.26] # هذا خطاب لقريش ولفت لهم أن هؤلاء المعذبين من قوم عاد كانوا أقوى ~~منكم وأحسن أثاثا ورئيا، وأكثر منكم أموالا، وأثاروا الأرض وعمروها، ~~ولهم حضارة من أعظم حضارات الدنيا. # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 6-8]. ومع ذلك كان هذا مصيرهم فلم تغن عنهم قوتهم، ولم تدفع ~~عنهم الحضارة شيئا من عذاب الله وأنتم لستم أقوى ms9340 منهم، فاحذروا ما ~~وقعوا فيه من تكذيب الرسول، واحذروا أن يصيبكم ما أصابهم. فقوله تعالى: ~~{ ولقد مكناهم.. } [الأحقاف: 26] يعني: مكنا قوم عاد. ~~والتمكين يعني: أعطيناهم القوة والاستطاعة، وبسطنا لهم في أسباب الدنيا ~~حتى عملوا ما لم يعمله غيرهم من الأمم. { فيمآ إن مكناكم ~~فيه.. } [الأحقاف: 26] إن هنا نافية كما في قوله تعالى: # ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ~~ولدنهم.. # [المجادلة: 2] ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، وهنا مكنا لهم ما لم ~~نمكن لكم، وبسطنا لهم ما لم نبسط لكم من الأسباب. ثم { وجعلنا ~~لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فمآ أغنى عنهم ~~سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء.. } ~~[الأحقاف: 26]. السمع والأبصار والأفئدة هي وسائل الإدراك الرئيسية في ~~الإنسان، وقد وردت في كل مواضعها في القرآن بهذه الصيغة: السمع مفرد، ~~والأبصار والأفئدة جمع. وهذه من دقائق التعبير في القرآن، فالسمع لا ~~تجمع لأن الصوت يسمعه الجميع كأننا في السماع واحد، ترى مصدر الصوت أو ~~لا تراه لكن تسمعه. أما البصر فيختلف من شخص لآخر، فواحد يرى والآخر لا ~~يرى، واحد نظره حاد، وآخر نظره كليل، وآخر أعور. إذن: الأبصار مختلفة، ~~كذلك تختلف الأفئدة في استقبال الأشياء. وقد ثبت في علم وظائف الأعضاء أن ~~الأذن هي أول جهاز يعمل في الطفل بعد ولادته مباشرة، أما العين فترى بعد ~~ثلاثة إلى عشرة أيام، ثم بعد ذلك تعمل الأفئدة. إذن: هذا هو الترتيب ~~الطبيعي لعمل الجوارح التي هي وسائل الإدراك، ولأهمية السمع جعله الله ~~أول هذه الجوارح عملا، فهو أول ما يستقبل من مدركات بعد الولادة، وهو ~~الحاسة التي لا تنتهي مهمتها حتى في النوم. فالعين مثلا لا ترى أثناء ~~النوم، أما الأذن فتسمع لأنها وسيلة الاستدعاء للنائم، فلا بد أن تكون ~~مستعدة دائما للتلقي والسماع. وهذه المسألة رأيناها في قصة أهل الكهف ~~في قوله تعالى: # فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا # [الكهف: 11] لأن الكهف في صحراء يكثر بها الأصوات المزعجة ليلا ~~بالإضافة إلى أصوات الرعد والبرق والريح، فلو كانت الأذن على طبيعتها ~~لأزعجتهم ms9341 هذه الأصوات، لكن ضرب الله عليها حتى لا تسمع. # ولأن السمع هو وسيلة التلقي واستقبال البلاغ عن الله جعلها الله ~~سبحانه أول هذه المدارك عملا، لذلك سن لنا سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن نؤذن في أذن الطفل بمجرد أن يولد. ولو كانت الأذن لا ~~تعمل في هذا الوقت كان التكليف عبثا، فإذا قلت مثلا: وهل يفهم الطفل ~~هذا؟ نقول: نعم يفهم بما فيه من العهد الذي أخذ على آدم ونحن في مرحلة ~~الذر. إذن: أول ما يجب أن يعنى به الوالدان أن يسمعا الطفل هذا ~~النداء: الله أكبر الله أكبر من كل شيء آخر، وهذه هي الخميرة الإيمانية ~~التي تدور حولها كل خمائر الإيمان. ما زلتم تذكرون حديثنا عن قوله تعالى: # والذي قال لوالديه أف لكمآ.. # [الأحقاف: 17] فماذ يشغل هذين الوالدين في هذه المرحلة من عمر الابن؟ لم ~~ينشغلا بالقبول ثم الثانوية ثم الجامعة، أبدا إنما بالأمر الأحق والأهم، ~~وهو مسألة الدين والعقيدة، فهذه أولى بالاهتمام في الصغر حتى يشب ~~عليها. لذلك نستقبل المولود بألفاظ الأذان لنغرسها فيه وفي تكوينه وهو ~~صافي الذهن نقي القلب، فترسخ عنده، وتتمكن منه ولا تفارقه، على حد قول ~~القائل: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فصادف قلبا خاليا فتمكنا # قلنا: إن السمع مقدم على البصر، هذا في الدنيا، أما في الآخرة قالوا: # أبصرنا وسمعنا.. # [السجدة: 12] فقدم البصر على السمع لأنه حين تقوم القيامة يفاجأ ~~الإنسان بمنظر رهيب، فيرى قبل أن يسمع. ثم يقول تعالى في وصف قوم عاد: { ~~فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شيء.. } [الأحقاف: 26] إذن: سمعوا وكأنهم ما ~~سمعوا، وأبصروا وكأنهم ما أبصروا لم يستفيدوا من هذا، كما قال تعالى: # وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ~~ءاذانهم وقرا.. # [الإسراء: 46]. وبالتالي أصبحت أفئدتهم خالية، كما قال سبحانه: # وأفئدتهم هوآء # [إبراهيم: 43]. وقال: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ~~لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بهآ أولئك ~~كالأنعام بل ms9342 هم أضل أولئك هم الغافلون # [الأعراف: 179]. لكن، ما العلاقة بين السمع والبصر والفؤاد أي القلب؟ ~~ولماذا جمع بينهم؟ قالوا: لأن السمع يدرك المسموع، والبصر يدرك المرئي، ~~ومن هذه الإدراكات يكون الإنسان الفكر ثم يعرضه على العقل ليختار منه ~~ويفاضل بين مكوناته، فيأخذ الطبيب ويترك الخبيث، يأخذ الصواب ويترك ~~الخطأ، يأخذ ما وافق الشرع ويترك ما خالفه. فإذا استقر على أمر ألقاه إلى ~~القلب ليثبت فيه، ويكون عقيدة راسخة لا تتزحزح، وإيمان لا يتذبذب ولا ~~يطفو إلى العقل ليناقش مرة أخرى، فالقلب إذن هو محل العقائد. لذلك قال ~~عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد ~~كله، ألا وهي القلب ". # لأنه الوعاء الذي حمل سائل الحياة ويضخه لجميع أجزاء الجسم، وحين يمتلىء ~~بالإيمان يضخ هذا الإيمان مع الدم إلى جميع أجزاء الجسم، فتأتي التصرفات ~~والأفعال على وفق هذا الإيمان، وتؤدي كل حاسة مهمتها بدقة. وهكذا تجد أن ~~واهب الحياة لك لا يعطيك ما يعوقك عنه، ولا ما يعطل عندك أداء منهجه. ~~لذلك اقرأ: # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ ~~أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي ~~الجاهلين # [القصص: 55]. وقال: # وقد نزل عليكم في الكتب أن إذا سمعتم آيات ~~الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ~~إن الله جامع المنفقين والكفرين في جهنم ~~جميعا # [النساء: 140]. إذن: إذا تمكن الإيمان من قلب العبد لا يصدر منه إلا ~~ما يوافق مقتضيات الإيمان قولا وعملا، وانطبعت كل حركاته في الحياة ~~بهذا الطابع. أما قوم عاد الذين نتحدث عنهم فلم ينتفعوا بما سمعوا من ~~رسولهم، ولا بما رأوا من آيات الكون، ولم يذوقوا إذن طعم الإيمان بالله. ~~{ إذ كانوا يجحدون بآيات الله.. } [الأحقاف: 26] ~~وينكرونها وينصرفون عنها، ولو آمنوا لشرح الله صدروهم، لكن ختم الله على ~~قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم، لأنهم اختاروا الكفر وأحبوه فأعانهم ~~الله عليه، لأنه رب يعطي عبده ما ms9343 يريد. لذلك قلنا للمرأة التي تبالغ ~~في الحزن على فقد عزيز عليها: أحذري من ذلك، واخرجي من دائرة الحزن ولا ~~تألفيه، وانظري لا إلى ما أخذ بل إلى ما أبقى، وإلا أدام الله عليك ~~الحزن وأخذ منك الباقي. وهنا درس مهم، وهو إذا أصابك مكروه في شيء عزيز ~~عليك فلا تنظر إلى ما أخذت المصيبة، لكن انظر فيما أبقت لك، حتى تهون ~~وحتى لا تدخل من باب الجزع واليأس، وسوف تجد أن ما بقي أكثر، وأن مصيبتك ~~أهون من غيرك. لذلك حكيم الصين لما جاءه الناس يشكون إليه متاعب الحياة ~~وهمومها، قال لهم: فليكتب كل واحد منكم همومه ومتاعبه في ورقة، ثم يلقي ~~بها في هذا الصندوق وليأتني بعد أسبوع، وبعد أسبوع جاء الشاكون فقال ~~للأول: مد يدك وخذ ورقة مما في الصندوق فأخذ ورقة. ولما نظر فيها قال: ~~لا أريد ورقتي، لماذا؟ لأنه وجد مصيبته أهون من مصيبة غيره. وقد ترجم ~~العامة هذا المعنى فقالوا اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته. ~~ويروى أن سيدنا عروة بن الزبير سافر إلى الخليفة الأموي في الشام، وفي ~~الطريق جرحت رجله ولم يجد من يداويها حتى وصل إلى دمشق فوجدوها قد ~~قاحت ولم يجدوا حلا إلا قطعها، فبحثوا له عن مرقد يعنى بنج قال: لا ~~فأنا لا أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين، لكن اتركوني حتى أدخل في الصلاة. # فلما دخل في صلاته قطعوا رجله فلم يشعر بها، ثم أخذوها وكفنوها فقال ~~لهم: أعطوني إياها، فأمسك بها وقال: اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو ~~فقد عافيت في أعضاء. نعم، وهل الذي يغيب في معية الله يشعر بألم، ويجب ~~أن نصدق بهذه الأخبار ولا نستبعدها، لأنه من أسرار الأذن أنك إذا أحكمت ~~سدها لا تشعر بالألم، فإن حاولت وشعرت بشيء من الألم فاعلم أنك لم ~~تحكم سدها تماما. ونداء الله أكبر هو الذي يخرجك من عمل الدنيا ~~ويوقفك بين يدي الله، وهو تكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة، سبق أن ~~بينا أن ms9344 معنى الله أكبر أن العمل والسعي يعتبر كبيرا، لكن الله أكبر، ~~فلا يستهان أبدا بعمل الدنيا والسعي فيها واستنباط خيراتها، فالدنيا ~~أهم من أن تنسى، ولكنها أحقر من أن تكون غاية. والمتتبع لقصة قوم عاد ~~يجد أنها وردت في عدة سور، وردت هنا على وجه الإجمال والإيجاز، وجاء ~~تفصيل هذه القصة في سورة هود. وفي سورة الحاقة فصل لقطة العذاب التي ~~جاءت هنا، فقال سبحانه: # وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية * سخرها ~~عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى ~~القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية * ~~فهل ترى لهم من باقية # [الحاقة: 6-8]. فالريح التي أهلكتهم ريح صرصر. يعني: شديدة لها صوت ~~مزعج تأيتهم من أعلى في سبع ليال وثمانية أيام حسوما، والحسوم جمع حاسم ~~فهي حاسمة يعني: حسمت الموقف وأنهت المسألة، فلم تبق لهم على شيء. ~~فإن قلت: فلماذا قال: # سبع ليال وثمانية أيام.. # [الحاقة: 7] مع أن العادة في التشريع أن الليالي تسبق الأيام، والزمن ~~يدخل بليله لا بنهاره، بدليل أننا في رمضان نثبت دخوله بليله، فقبل أن ~~نصوم نصلي القيام. لذلك جعلوها لغزا فقهيا: ما السنة التي تسبق الفرض؟ ~~ويبدو أن العذاب نزل بهم في الصبح فاستقبل النهار وانتهى عند المغرب، ~~وبذلك استمر سبع ليال وثمانية أيام. وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية ~~يعترضون على طريقة القرآن في تأنيث العدد مع المذكر، وتذكيره مع المؤنث # سبع ليال وثمانية أيام.. # [الحاقة: 7] وقالوا: متى يلبس الذكران قلائد النسوان؟ ومتى تبرز ~~ربات الحجال في عمائم الرجال؟ والقاعدة في علم النحو أن تأتي الأعداد ~~من الثلاثة إلى التسعة على خلاف المعدود من حيث التذكير والتأنيث، ولهذا ~~علة، فالأصل في الكلمة التذكير تقول كاتب، أما المؤنث فيحتاج إلى علامة ~~تميزه فوضعوا له تاء التأنيث نقول كاتبة. فالتأنيث فرع التذكير، لذلك ~~احتاج إلى ما يميزه، أما ألفاظ الأعداد من الثلاثة إلى التسعة فهي أصلا ~~موضوعة على التأنيث نقول: ثلاثة أربعة خمسة. فلما جاء مع المذكر جاء على ~~أصله، ومع المؤنث احتاج إلى علامة، فبدل ms9345 أن يأتوا بعلامة أخرى قالوا ~~بحذف العلامة الموجودة في المؤنث. # وهكذا أتى العدد مخالفا للمعدود في التذكير والتأنيث، فقال تعالى: # سبع ليال وثمانية أيام.. # [الحاقة: 7]. ثم إن اليوم عند الفلكيين يحسب من الوقت إلى مثله من ~~اليوم التالي، لذلك نراهم عند الساعة الواحدة بعد الظهر يقولون: الواحدة ~~مساء. ونحن ما نزال في وسط النهار، وكذلك في الواحدة بعد منتصف الليل ~~يقولون: الواحدة صباحا ونحن ما نزال في الليل. أما اليوم في التشريع، ~~فمن طلوع الشمس إلى غروبها، والليل من غروب الشمس إلى طلوعها. نلاحظ أن ~~هذه السورة جاءت ببعض اللقطات من القصة، لكن لها تفصيل في سورة سميت ~~باسمه، هي سورة هود تعرضت لكثير من اللقطات التي لم ترد هنا. ففي هذه ~~السورة ركز السياق على ثلاث لقطات أو مسائل، هي: الدعوة إلى عبادة الله ~~وحده، ثم التحذير من عبادة غيره، لأنهم إن عبدوا غير الله عرضوا ~~أنفسهم للعقاب، وهو أخوهم وحريص على نجاتهم، ثم ردوا عليه # أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنآ ~~إن كنت من الصادقين # [الأحقاف: 22]. أما سورة هود فقد زادت على ذلك لقطات أخرى، فقال تعالى ~~هناك: # وإلى عاد أخاهم هودا قال يقوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره.. # [هود: 50] وهذه متفقة مع التي معنا، وقال هنا: # أخاف عليكم عذاب يوم عظيم # [الأعراف: 59] وهناك قال: # إن أنتم إلا مفترون # [هود: 50] والافتراء ينشأ عنه العذاب العظيم. إذن: تكلم هنا عن ~~المسبب وهناك عن السبب، فالعذاب العظيم سببه أنكم افتريتم على الله بأن ~~اتخذتم له شركاء. ثم ذكر زيادة أخرى في هود هي قوله تعالى: # يقوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على ~~الذي فطرني أفلا تعقلون # [هود: 51]. فكأن المسألة في العقل وبقانون المبادلات أنني أستحق أجرا ~~على دعوتي لكم، لكن أنا لا أريد منكم أجرا فأنتم لا تقدرون عليه لأنه ~~عظيم وفوق قدرتكم، لذلك لا أطلبه إلا من الله الذي أرسلني وانتدبني لهذا ~~الأمر. وقوله: # الذي فطرني.. # [هود: 51] أي: خلقني وأنشأني، ولم يقل الذي أرسلنى، ms9346 فالمراد أنه تعالى ~~خلقني لأكون رسولا وأصلح لأن أحمل دعوته سبحانه، وأكون سفيرا له إلى ~~خلقه. حتى اسمه جاء موافقا لهذه المهمة، فكلمة هود من هاد يعني: رجع ~~وتاب وأناب إلى ربه، ومنه قوله تعالى: # إنا هدنآ إليك.. # [الأعراف: 156] يعني: تبنا ورجعنا إلى الله. ثم في هود يأمرهم ~~بالاستغفار والتوبة: # ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه.. # [هود: 52] والاستغفار للذنب الذي مضى، أما التوبة فهي عدم الرجوع إلى ~~الذنب مرة أخرى فهي للمستقبل، ثم يبين لهم ثمرة ذلك: # يرسل السمآء عليكم مدرارا ويزدكم قوة ~~إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين # [هود: 52] وهذه لم تأت في الأحقاف. # ومن التفاصيل التي وردت في هود ولم تأت هنا قولهم: # إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال ~~إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما ~~تشركون # [هود: 54]. وهنا نلاحظ أنه لم يرد الدعوى عن نفسه، إنما ردها عن الله ~~فيتبرأ من هذا القول، ثم يقول لهم: # إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دآبة ~~إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي على صراط ~~مستقيم # [هود: 56]. فيظهر في حديثه هنا ثقة المؤمن بربه، فيقول متحديا لهم: ~~افعلوا ما شئتم فما جئتكم من نفسي ولا أواجهكم بجاهي ولا قوتي ولا عزوتي، ~~إنما أواجهكم بالله الذي أرسلني وعليه توكلت في دعوتي. وهنا درس عقدي ~~مهم إذا نزل بك بلاء فلا تيأس ولا تغضب وعد إلى رصيد الإيمان في نفسك، ~~فإن توقفت قوانينك فقوانين الله لا تتوقف، وإن خذلتك الأسباب ~~فالمسبب موجود فارجع إليه. وفي هود يعطينا لقطة لنجاة المؤمنين به لم ~~تذكر هنا # ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا ~~معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ # [هود: 58] هذه آية كونية خرقت النواميس كلها # ولما جآء أمرنا.. # [هود: 58] أي: بهلاكهم وبالعذاب الذي كانوا يستعجلونه نجينا هودا ~~والذين آمنوا معه، بماذا؟ { برحمة منا.. } [هود: 58] فقط رحمة ~~الله هي التي تداركتهم، لأن ما حدث كان ثورة طبيعية وغضبة للطبيعة على ~~المخالفين لخالق هذه الطبيعة، الريح هي الريح عاصفة مدمرة مزعجة صرصر ms9347 ~~عاتية، ومع ذلك خالفت كل نواميس التكوين البيئي، فأهلكت هؤلاء وتركت ~~هؤلاء. ### || [46.27] # الخطاب هنا لقريش يريد أن يلفت أنظارهم إلى مصير الأمم المكذبة حولهم { ~~ما حولكم من القرى.. } [الأحقاف: 27] يعني: حول مكة. وقد ~~خاطبهم في موضع آخر: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138] نعم يمرون على مدائن صالح وعلى قوم نوح، وعلى ~~الأحقاف على عاد وثمود، ويشاهدون آثارهم وما لحقهم من عقاب الله. وفي ~~موضع آخر قال سبحانه: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو ~~سريع الحساب # [الرعد: 41]. يعني: يا قريش تنبهوا ولا تغتروا بما لكم من سيادة على ~~العرب وسيطرة على قبائل شبه الجزيرة، وأن لكم منزلة في قلوب الناس، لأن ~~قوة الإيمان التي تتغلغل في قلوب الناس سوف تسحب بساط السيادة من تحت ~~أقدامكم. وها أنتم ترون كل يوم زيادة أرض الإيمان وتراجع مساحة الكفر ~~فخذوا عبرة من ذلك، وهذه المسألة هي سبب إيمان خالد بن الوليد وعمرو بن ~~العاص وغيرهم من قادة وزعماء الكفر، حين رأوا أمر محمد في ازدياد فقالوا: ~~لقد ظهر أمر محمد واستقام، وأصبحت له قوة لا يقف في وجهها أحد، وفعلا ~~آمنوا بدعوته. وقوله سبحانه: { وصرفنا الآيات.. } [الأحقاف: 27] ~~حولناها وقلبنا لهم البراهين كل وجه وبأساليب مختلفة: { لعلهم ~~يرجعون } [الأحقاف: 27] يعني: عن كبريائهم وغطرستهم وعنادهم، يرجعون ~~عن كفرهم وجحودهم لنعم الله، فبعد أن أخذوا النعمة كفروا بالمنعم ~~وجعلوا له شركاء. لذلك قال في الآية بعدها: { فلولا نصرهم ~~الذين اتخذوا... } [الأحقاف: 28]. ### || [46.28] # يعني: هذه الآلهة التي اتخذوها من دون الله { فلولا.. } [الأحقاف: ~~28] يعني: هلا، وهي تفيد الحض، وفي المعنى تهكم بهم أي: هلا نصروهم ~~ووقفوا إلى جوارهم في مصائبهم، ومعنى { قربانا.. } [الأحقاف: 28] ~~يعني: تقربهم إلى الله، وهذا كله لم يحدث لماذا؟ لأنها آلهة باطلة ~~مدعاة، لا تضر ولا تنفع. بل هي من صنع أيديهم، وباشروا صناعتها ~~بأنفسهم فأقاموا الحجر وجعلوا له ذراعين ورجلين وأنف وأذن، وإذا وقع ~~رفعوه، وإذا كسر ذراعه أصلحوه، بالله هل ms9348 هذه عقول؟ وقولهم { ~~قربانا.. } [الأحقاف: 28] كما قالوا في موضع آخر: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3]. وعجيب منهم هذا الكلام وهم أمة الفصاحة والبيان، ويعلمون ~~جيدا معنى العبادة، فلو قالوا ما نحترمهم إلا ليقربونا إلى الله ~~لكان معقولا، لكن # نعبدهم.. # [الزمر: 3] وأنتم تعرفون أن العبادة طاعة أمر المعبود في أمره ونهيه، ~~وهل للآلهة هذه أوامر أو نواه؟ لذلك يرد الله عليهم { بل ضلوا ~~عنهم.. } [الأحقاف: 28] يعني: تاهوا وغابوا عنهم، من قولنا: ضل فلان ~~الطريق، ومنه قوله تعالى: # وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا ~~إياه.. # [الإسراء: 67] لماذا؟ لأن المسألة هلاك. والإنسان لا يخدع نفسه، ففي وقت ~~الشدة يترك الآلهة المدعاة، ويلجأ إلى الإله الحق الذي يملك النفع ويملك ~~الضر، ففي هذا الموقف لا يقول أبدا: يا هبل، لأنه يعلم أن هبل لن ينقذه ~~لكن يقول: يا الله. { وذلك.. } [الأحقاف: 28] إشارة إلى اتخاذهم ~~آلهة من دون الله { إفكهم.. } [الأحقاف: 28] الإفك هو الكذب ~~المتعمد، وهو أشد أنواع الكذب { وما كانوا يفترون } ~~[الأحقاف: 28] يختلقون من الكذب من قولهم أن هذه آلهة، فكأن المعنى العام ~~للآية: أن عدم النصرة نتيجة الإفك والافتراء على الله باتخاذ آلهة من ~~دونه. ### || [46.29-30] # ينتقل السياق بنا إلى مجال آخر من مجالات الدعوة، فبعد أن حدثنا عن ~~موقف الإنس وما كان منهم من تصديق لرسول الله أو تكذيب يحدثنا عن ~~الجن، وهم الجنس المقابل للإنس في الدعوة. حيث أرسل سيدنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى الثقلين الإنس والجن، إذن: الجن جنس مكلف مثلنا، ~~لكنه غيب عنا فلا نراه # إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم.. # [الأعراف: 27]. والجن له خفة في الحركة وتغلغل في الأشياء لطبيعته ~~النارية، لذلك لو أشعلت النار خلف هذا الجدار بعد لحظات تحس بها هنا. ~~إذن: صدق أنه من نار، وأنه يتغلغل خلال الأشياء، وأن له طبيعة غير ~~طبيعة الآدمي. الحق سبحانه يريد أن يبين لنا أن الجن وإن كان غائبا ~~عنا إلا أنه مثلنا في التكليف وأنه مثلنا ms9349 مخاطب بالقرآن، ومنه المؤمن ~~والكافر والطائع والعاصي. ونحن نعلم قصة الصراع بين الجن والإنسان، منذ ~~خلق آدم عليه السلام وأمر إبليس بالسجود له فأبى واستكبر، وكانت حجته أنه ~~خلق من نار، وآدم خلق من طين، فكيف يسجد له وهو أفضل منه على حد ~~قوله: # خلقتني من نار وخلقته من طين # [الاعراف: 12]. صحيح أن آدم هو أيضا وقع في المعصية، لكن فرق كبير ~~بين معصية آدم ومعصية إبليس، آدم عصى ربه حين أكل من الشجرة التي نهاه ~~الله عن الأكل منها، عصى عن غفلة وتغلب النفس ووسوسة الشيطان. ثم لما عرف ~~معصيته اعترف بها وتاب عنها واعترف بأنه أخطأ في حق ربه وظلم نفسه # قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين # [الأعراف: 23] وقال في البقرة: # فتلقى ءادم من ربه كلمت فتاب عليه إنه ~~هو التواب الرحيم # [البقرة: 37]. إذن: قبلت توبة آدم لأنه لم يرد حكم الله، أما إبليس ~~فرد الحكم ولم يخضع له فطرد من رحمة الله وأبعد، وفرق بين أن تعصي ~~الحكم وأنت معترف به، مصدق بأنه من الله، وبين أن ترده. لذلك نقول ~~هذا الكلام لمن يجادل مثلا في مسائل من الدين الحكم فيها واضح، كالربا ~~مثلا أو إطلاق اللحية فيقول: التعامل بالربا الآن حلال، نقول لهذا: أنت ~~بهذا القول ترد حكم الله في الربا، والأسلم لك أن تقول أنه حرام لكن ~~ظروفي تجبرني عليه مثلا. ثم لك أن تقتدي بأبيك آدم فتتوب، تستغفر لعل ~~الله يغفر لك، بدل أن تعاند ربك في حكمه، وهذه لا تقدر عليها، وتذكر ~~قول الشيطان # ولأمرنهم فليغيرن خلق الله.. # [النساء: 119]. فاحذر هذه المسألة، وأنت تعلم أن إبليس كان في يوم من ~~الأيام طاووس الملائكة فلما عاند واستكبر ورد حكم الله جعله ملعونا ~~مطرودا من رحمة الله. # ولنا ملحظ هام في أمر الله لآدم بعدم الأكل من الشجرة # ولا تقربا هذه الشجرة.. # [البقرة: 35] فالنهي عن مجرد قربها، وهكذا كل أمر في ما حرمه الله # تلك حدود الله فلا تقربوها.. ms9350 # [البقرة: 187]. أما ما أحل الله لك فقال فيه: # تلك حدود الله فلا تعتدوها.. # [البقرة: 229] يعني: لا تتعدوا ما أحل الله، أما الحرام فلا تقربوه ~~لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وذرية إبليس تسير على نهجه ~~في إغواء بني آدم، ونحن لا نراهم كما لا نرى الملائكة، مع الفارق بينهما، ~~فالملائكة من نور، والشياطين من نار. وهنا ينقل الحديث في شأن رسالة محمد ~~صلى الله عليه وسلم من الإنس إلى الجن، والإخبار بأن الجن مكلف، وبأنه ~~يستمع القرآن لم يأت به محمد صلى الله عليه وسلم من عند نفسه، إنما يحكي ~~لنا ما أخبره الله به من أن الجن يستمعون القرآن. فقال في سورة الجن: # قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ~~فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى ~~الرشد فآمنا به.. # [الجن: 1-2]. وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه محمد: أنا لم أبعثك لتذهب إلى ~~الجن وتخاطبهم لأنك لا تراهم، لذلك صرفتهم إليك، وأتيت بهم إليك ~~ليستمعوا القرآن وأنت لا تشعر بهم، ولولا إخباري لك بذلك ما كنت تعلمه. ~~وهنا يقول: { وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرآن.. } [الأحقاف: 29] فأنت تقرأ وهم حولك يستمعون. ~~وقولهم في سورة الجن # يهدي إلى الرشد.. # [الجن: 2] وهنا قالوا: { كتابا أنزل من بعد موسى.. } ~~[الأحقاف: 30] دل على أن للجن صلة بالأنبياء السابقين، وأنهم مكلفون ~~مثلنا. وفي سورة الرحمن: # سنفرغ لكم أيه الثقلان # [الرحمن: 31] يعني: نفرغ لحسابكم، فبعد أن تركناكم على راحتكم تفعلون ~~ما تريدون، لا تظنوا أن هذه غفلة منا عنكم، إنما أمهلناكم لنؤكد أمر ~~الاختيار الذي خلقناه فيكم ومنحناكم إياه. فالثقلان: الجن والإنس سواء ~~في الحساب، كما هم سواء في التكليف. روي عن سيدنا أنس رضي الله عنه أنه ~~قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبل من جبال مكة، فإذا رجل ~~عجوز يقبل علينا معه عكاز يتكىء عليه، فلما رآه رسول الله عرفه. وقال: ~~كأنها مشية جني ونظمته، فقال الرجل: نعم أنا من الجن، فقال له ms9351 رسول ~~الله: من أنت؟ قال: أنا هامة بن هيم بن لاقيس بن إبليس، فقال له: بينك ~~وبين أبيك إبليس أبوان اثنان؟ قال: نعم، ولقد أدركت من الزمن أكثره وبقى ~~أقله، ولقد شاهدت قابيل وهو يقتل هابيل. فهذه الرواية دليل على طول ~~أعمارهم، وأنهم يتشكلون بأشكال مختلفة، كما يتشكل الملك، فنحن لا نرى ~~الملك على حقيقته، ولا نرى الجني على حقيقته، إلا إذا تشكل في صورة ~~إنسي. # وأنتم تعرفون حديث جبريل الطويل # " لما جاء مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في صورة رجل غريب، لكن لا يرى ~~عليه أثر السفر، ولا يعرفه من الجالسين أحد، حتى جلس بجوار رسول الله، ~~وأخذ يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والرسول يجيب، ثم انصرف فلما ~~سأل الصحابة عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه جبريل: جاء ~~يعلمكم أمور دينكم ". # لذلك رأينا بعض أعداء الدعوة المحمدية يثيرون حولها بعض الإشكالات، ~~ومنها قولهم أن يكون الرسول ملكا وهذا إشكال مردود، فلو جاء الرسول ~~ملكا لجاءهم في صورة رجل، وإلا كيف يبلغهم وكيف يكون التلقي عنه؟ ~~إذن: سيظل الإشكال قائما، ثم إن الملك لا تصح الأسوة به، لأنهم لا يعصون ~~الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فكيف يكون أسوة لمن في طبيعته ~~الخطأ والغفلة والنسيان؟ إذن: شرط في النبي الرسول أن يكون من جنس من ~~أرسل إليهم لتقوم به الأسوة. والحق سبحانه أعطانا صورة تفصيلية لحال ~~الجن، وأن منهم المؤمن والكافر، فقال حكاية عنهم: # وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم ~~فأولئك تحروا رشدا * وأما القاسطون فكانوا ~~لجهنم حطبا # [الجن: 14-15]. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لقد قرأت سورة الرحمن على إخوانكم الجن، فكانوا أشد استجابة منكم، ~~كانوا إذا سمعوا { فبأي آلاء ربكما تكذبان } ينطقون في ~~نفس واحد: لا بشيء من نعمائك ربنا نكذب " # ، فلك الحمد، يكررونها بتكرار الآية. واسمعهم يقولون: # وأنه تعالى جد ربنا.. # [الجن: 3] يعني: تعالت عظمته، ولهذه العظمة # ما اتخذ صاحبة ولا ولدا # [الجن: 3] إذن: الجن يعلمون قضايا الإيمان وقضايا التوحيد، ms9352 وربما كانوا ~~أدق منا في التعبير عنها، ويكفي أنهم حكموا على إبليس بالسفه، ~~فقالوا: # وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا # [الجن: 4]. نعود إلى ما كنا بصدده من قوله تعالى: { وإذ صرفنآ ~~إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن.. } [الأحقاف: ~~29] النفر: هم الجماعة من الثلاثة إلى الأربعين، صرفناهم إليك يعني: ~~أتينا بهم إليك بدل أن تذهب أنت إليهم. { فلما حضروه.. } ~~[الأحقاف: 29] حضروا القراءة { قالوا أنصتوا.. } [الأحقاف: 29] ~~استمعوا باهتمام وتدبر يعني: وصى بعضهم بعضا بالإنصات { فلما ~~قضي.. } [الأحقاف: 29] انتهت القراءة { ولوا إلى قومهم ~~منذرين } [الأحقاف: 29] ذهبوا إلى قومهم ينذروهم ويبلغونهم ما ~~سمعوه. { قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتابا أنزل من ~~بعد موسى.. } [الأحقاف: 30] أي: القرآن، وقولهم { من بعد ~~موسى.. } [الأحقاف: 30] يدل على أنهم كانوا على صلة بالرسل السابقين، ~~وأنهم كانوا مؤمنين بسيدنا موسى يعني: كانوا من اليهود. وذكروا موسى دون ~~عيسى - عليهما السلام - لأن كتاب موسى هو المنهج الذي ينظم حركة الحياة ~~وفيه شرائع وأحكام، أما كتاب عيسى فكان مجرد وجدانيات ووصايا، لذلك ~~تنبهوا لهذه المسألة وجمعوا بين الإنجيل والتوراة في كتاب واحد مع وجود ~~عصبية بينهما، وأسموه الكتاب المقدس. # ومعنى { مصدقا.. } [الأحقاف: 30] أي: القرآن مصدق { لما ~~بين يديه.. } [الأحقاف: 30] لما قبله من الكتب السماوية، وما دام ~~مصدقا لها إذن جاء بما جاءت به ولكن يزيد عليها أنه { يهدي ~~إلى الحق وإلى طريق مستقيم } [الأحقاف: 30] بما يناسب ~~عالمية التدين. فكل رسول قبل محمد كان يأتي ليعالج أمراض مجتمعه في زمن ~~محدود ومكان محدود، وقد يتعاصر الرسولان، كما رأينا في سيدنا إبراهيم، ~~عاصره سيدنا لوط، وسيدنا موسى عاصر سيدنا شعيب. فالعالم في هذا الوقت كان ~~في انعزال ووحدة، لم يكن هناك الالتقاء الموجود الآن، والذي يجعل ~~العالم كله كقرية صغيرة، فهذه الحياة المنعزلة تجعل كل مجتمع لا يدري ~~بغيره. لذلك كان لهم مفاسد خاصة تحتاج كل منها إلى رسول ليصلحها ويأخذ ~~بأيدي قومه إلى الله، فقوم عبدوا الأصنام من دون الله، وآخرون طففوا ~~المكيال والميزان، وآخرون انحرفوا جنسيا عن الطبيعة التي خلقها الله، ~~وكل ms9353 جماعة من هؤلاء تحتاج إلى رسول. لكن لما التقى العالم، ووجدت بينه ~~وسائل انتقال كان لا بد من رسول واحد، لأن المفاسد والآفاق ستتحد، لا ~~بد من رسول واحد يصلح لكل زمان ومكان، لذلك شرف كل زمان ومكان بالجامع ~~للخير في كل زمان ومكان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. إذن: من ~~الجن جماعة سمعوا وتحملوا مهمة البلاغ، لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " نضر الله أمرأ سمع مقالتي فوعاها، وأداها إلى من لم يسمعها، ~~فرب مبلغ أوعى من سامع ". # نعم ومن يدريك لعل المبلغ يكون أحرص على التطبيق من السامع، وقد فطن ~~الشاعر العربي إلى هذا المعنى فقال: # فخذ بعلمي ولا تنظر إلى عملي # واجن الثمار وخل العود للنار # ثم يستمر هؤلاء الجماعة من الجن فى تبليغ قومهم وإنذارهم بما سمعوه: { ~~يقومنآ أجيبوا داعي الله... }. ### || [46.31-32] # معنى { داعي الله.. } [الأحقاف: 31] الأصل فيه رسول الله ثم ~~المبلغ عنه منهج الله للقوم { وآمنوا به.. } [الأحقاف: 31] أي: ~~بما جاء به { يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من ~~عذاب أليم } [الأحقاف: 31] قال: { من ذنوبكم.. } [الأحقاف: ~~31] فأفادت من التبعيض. يعني: يغفر لكم بعض الذنوب، وهذه المغفرة ثمرة ~~الإيمان. ولم يقل كل الذنوب، لأن الحق سبحانه يغفر بعضها ويترك بعضها ~~للتوبة والإنابة إليه، فمثلا من الذنوب ما تغفرها الصلاة إلى الصلاة، أو ~~الجمعة إلى الجمعة، أو رمضان إلى رمضان. لكن هناك ذنوب لا بد لها من ~~توبة، ويكون لمغفرتها شروط أخرى كما لو كانت في حق العباد، وهناك ~~مظالم ومتعلقات لا بد أن ترد إلى أصحابها { ويجركم من ~~عذاب أليم } [الأحقاف: 31] إذن: الذنوب ينشأ عنها العقاب في النار، ~~وإذا غفر الذنوب أجار صاحبها من النار، وهذه قاعدة التخلية قبل التحلية ~~كما ذكرنا. لكن لم يقل هنا أنهم يدخلون الجنة، وهذا يفرض علينا سؤالا: ~~هل يدخل الجن المؤمن الجنة؟ البعض يرى أنهم بعد الحساب سيتحولون إلى ~~تراب وتنتهي المسألة، بدليل أنه لم يقل هنا أنهم يدخلون الجنة بعد أن ~~يجيرهم من النار. ms9354 لكن ما داموا مكلفين مثلنا، ومنهم المؤمن والكافر، ~~إذن: لا بد من الجزاء بالجنة أو بالنار، فإن وقفت عند مسألة أنهم ~~خلقوا من النار، فكيف يعذبون بها؟ هذا أمر بعيد في أذهاننا نحن، ~~لكنه يسير على الخالق سبحانه، فله قوانين أخرى. وسبق أن قلنا: أنت مخلوق ~~من طين، فهل معنى ذلك أنك إذا نزلت البحر مثلا تبوش ثم اقرأ إن شئت: # إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم # [الصافات: 64] فكيف تنبت شجرة في إصل الجحيم؟ إذن: لا تتكلم في هذه ~~المسألة والله أعلم بخلقه. وقوله سبحانه: { ومن لا يجب داعي ~~الله فليس بمعجز في الأرض.. } [الأحقاف: 32] معجز يعني: ~~يعجز غيره. والعجز ضعف لا يمكنك من الفعل تقول: أعجز فلان فلانا ~~يعني: سبب له ما يعجز عنه، ومنه قولنا: القرآن معجز يعني: أعجز العرب ~~عن الإتيان بمثله. فؤلاء الذين عصوا الداعي إلى الله وكفروا به لن ~~يعجزونا، ولن يجدوا لهم مهربا من عقابنا ولا مفرا منه. { وليس ~~له من دونه.. } [الأحقاف: 32] من دون الله { أوليآء.. } ~~[الأحقاف: 32] يعني: يتولونهم ويدافعون عنهم أو يشفعون لهم، ولا قوة تمنع ~~عنهم عذاب الله { أولئك في ضلال مبين } [الأحقاف: 32] ~~يعني: هؤلاء الأولياء ضلوا عنهم، تاهوا فلا وجود لهم. { مبين } ~~[الأحقاف: 32] محيط، كما يفعل التائه الذي ضل طريقه، فيذهب إلى هنا ~~ويذهب إلى هناك، فلا يهتدي للغاية التي يريدها. ثم يعود السياق ويلفتهم ~~إلى الآيات الكونية لعلهم يتدبرونها، لأنهم جحدوا وأنكروا ولم يستفيدوا ~~بما خلقه الله فيهم من وسائل الإدراك من سمع وبصر وتعقل، والحديث مرة ~~أخرى عن الآيات الكونية وإظهارها لهم من باب تلوين العظات. ### || [46.33] # الحق سبحانه هنا ذكر آية من أعظم آيات الخلق، وهي { خلق ~~السموت والأرض.. } [الأحقاف: 33] لذلك قال في موضع آخر: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57]. فأتى بخلق السماوات والأرض ولم يذكر خلق الإنسان لأنها ~~الآية الأكبر، وأين عمر الإنسان الذي يعيش عدة سنوات، أو حتى مائة سنة من ~~عمر السماوات والأرض. { ولم يعي بخلقهن.. } [الأحقاف: 33] ~~لم يتعب تعالى الله ms9355 عن ذلك، كما قال في آية أخرى: # وما مسنا من لغوب # [ق: 38] فمن كانت هذه صفاته، وهذه آيات خلقه، أليس بقادر على أن ~~يحيي الموتى؟ ويأتي الجواب بلى يعني: نعم قادر، وجاءت بلى هنا لإفادة ~~الإثبات، لأن السؤال سؤال منفي، والقاعدة أن نفي النفي إثبات { ~~إنه على كل شيء قدير } [الأحقاف: 33] تذييل يؤكد قدرة ~~الله لا على إحياء الموتى فحسب، إنما قدرته تعالى على كل شيء. ### || [46.34] # هذه لقطة أخرى لمسألة العرض على النار والعياذ بالله، فقبل هذه قال ~~سبحانه: # ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم ~~طيبتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها.. # [الأحقاف: 20] فذكر لهم علة عرضهم على النار، وهي استنفاد الطيبات ~~كلها في الدنيا، بحيث لم يبق لهم شيء في الآخرة. لذلك قلنا: إن النعمة ~~التى تشغل صاحبها عن المنعم هي في الحقيقة نقمة عليه ووبال، والنعمة ~~حقيقة هي التي تذكرك بالمنعم، لذلك علمنا سيدنا رسول الله حينما نرى ~~نعمة عندنا أو عند غيرنا أن نقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. فترد ~~الفضل إلى صاحبه وتبرىء نفسك من الغرور، ونسبة النعمة إلى نفسك، وأنها ~~جاءت بفضل مهارتك وشطارتك، كما حصل من قارون فقال: # إنمآ أوتيته على علم عندي.. # [القصص: 78]. فكانت النتيجة: # فخسفنا به وبداره الأرض.. # [القصص: 81] وكأن الحق سبحانه يقول له: ما دمت أوتيته على علم عندك ~~فاحرسه بعلم من عندك أيضا. # " يروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه دخل على سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فوجده ينام على حصير قد أثر في جنبه، ولم يجد عنده شيئا ~~يلفت نظره من متاع الدنيا، فتألم لحال رسول الله ولم يستطع إخفاء ما في ~~نفسه. فقال: يا رسول الله ادع الله أن يوسع على أمتك كما وسع على ~~فارس والروم، فنظر إليه رسول الله وقال: " أفي شك أنت يا بن الخطاب؟ ~~هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم فى حياتهم الدنيا ". # وذكرنا قول عمر بن عبد العزيز: والله لو شئت أن أكون أطيبكم طعاما، ~~وأحسنكم لباسا لفعلت، ولكني ms9356 أستبقي، لذلك قال تعالى: # كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام ~~الخالية # [الحاقة: 24]. إذن: من ذكر الجزاء واستحضر نعيم الآخرة هانت عليه مشقة ~~الطاعة في الدنيا، كالتلميذ الذي يذاكر ويسهر ويحرم نفسه لذة الراحة ~~شوقا إلى لذة أعظم هي لذة النجاح. قوله تعالى: { ويوم ~~يعرض.. } [الأحقاف: 34] الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~ويوم ظرف زمان يعني: اذكر يوم يعرض الذين كفروا على النار وذكرهم به. ~~وقل لهم: { أليس هذا بالحق.. } [الأحقاف: 34] أي: الحق ~~الذي كنتم تكذبونه ها هو أصبح واقعا. وسبق أن بينا أن العلم ثلاث ~~مراحل: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، فالإخبار عن الآخرة وما ~~فيها من ثواب وعقاب علم يقين، ثم حين نرى هذا الجزاء يصير عين اليقين، ثم ~~حين نباشره ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يصير حق اليقين. ~~وهذه المراحل ذكرت في موضعين في قوله تعالى: # ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا ~~سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو ~~تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم ~~لترونها عين اليقين * ثم لتسألن يومئذ عن ~~النعيم # [التكاثر: 1-8]. أما حق اليقين فذكر في قوله تعالى: # وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من ~~حميم * وتصلية جحيم * إن هذا لهو حق اليقين ~~* فسبح باسم ربك العظيم # [الواقعة: 92-96]. وقوله: { قالوا بلى وربنا.. } [الأحقاف: ~~34] هذا جوابهم على السؤال { أليس هذا بالحق.. } [الأحقاف: ~~34] والجواب ب بلى هنا يعني نعم، لأن نفي النفي إثبات، نعم هذا هو ~~الحق الذي كنا نكذبه ولا يكفيهم الإقرار به، بل ويقسمون أيضا ~~لتأكيد المسألة. { بلى وربنا.. } [الأحقاف: 34] لأنهم عاينوه ~~وباشروه، ثم يأتي الحكم النهائي { فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون } [الأحقاف: 34] أي: بسبب كفركم. ### || [46.35] # الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الحق سبحانه يسليه ويثبته ~~ليتحمل الإيذاء من الكافرين، فليس هو بدعا في ذلك، فقد سبقه كثير من ~~إخوانه الرسل، فليصبر محمد كما صبروا. تعرفون أن سيدنا رسول الله تعرض ~~لكثير من أذى قومه، آذوه بالقول فقالوا: ساحر وشاعر ومجنون وكاهن ms9357 وكذاب. ~~ثم تعدى الإيذاء إلى الإيذاء بالفعل، فاعتدوا عليه في الطائف حتى أدموا ~~قدميه، وكسرت رباعيته في أحد، ورموا على ظهره سلى البعير وهو يصلي. ~~آذوه في نفسه، وآذوه في أهله وفيمن آمن معه، بل تآمروا على قتله، ~~وضيقوا عليه حتى اضطروه لترك مكة والهجرة إلى المدينة، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم يتحمل ذلك كله لكنه بشر ويشق عليه ذلك. فأراد الحق سبحانه أن ~~يضع أمامه أسوة ونموذجا لمن صبر من الرسل السابقين { فاصبر كما ~~صبر أولوا العزم من الرسل.. } [الأحقاف: 35]. فسيدنا ~~إبراهيم عليه السلام وصل الأمر به إلى أن ألقي في النار، ومع ذلك لم ~~يفقده الموقف ثقته بربه، بدليل أن جبريل عليه السلام لما عرض عليه أن ~~يطفىء هذه النار قال له: أما إليك فلا فجاء الأمر من السماء # ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم # [الأنبياء: 69]. في صغره ابتلي في نفسه، وفي كبره ابتلي بذبح ولده ~~الوحيد، وصبر على الابتلاء ففدى الله الذبيح إسماعيل، وزاده على ذلك بولد ~~آخر هو سيدنا إسحاق ومن بعده سيدنا يعقوب، وكلهم كانوا أنبياء. وجاء هذا ~~العطاء نتيجة التسليم لله في قضائه وقدره والرضا به. ولنا في أبي ~~الأنبياء أسوة في الرضا بالقضاء، وأن نربي أجيالنا على ذلك، لأن ~~التسليم والرضا بقضاء الله أول أسباب رفع القضاء، فلا يرفع قضاء حتى ~~يرضى صاحبه به، وإلا ظل البلاء نازلا به. والذين يطول عليهم قضاء الله ~~هم سبب ذلك، لأنهم في الواقع معترضون، ولو رضوا لرفعه الله عنهم، مثل ~~الأب الذي يضرب ولده على خطأ ارتكبه، فإن خضع وانصاع لوالده تركه، بل ~~ويحنو عليه ويرضيه. فإن اعترض زاده ضربا. إذن: الله تعالى يريد أن ~~يربي عبده بالابتلاء، لذلك ورد في الحديث القدسي: # " من رضي بقدري أعطيته على قدري ". # كذلك من أولي العزم سيدنا نوح عليه السلام وظل يدعو قومه ألف سنة إلا ~~خمسين عاما، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل وكانوا يضربونه حتى يغمى ~~عليه. انظر إلى الابتلاءات التي مر بها سيدنا يوسف، ففي ms9358 صغره ألقي في ~~الجب، وبيع رقيقا، وفي كبره ابتلي بامرأة العزيز وألقي في السجن، ~~لكنه صبر فمكن الله له # وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها ~~حيث يشآء نصيب برحمتنا من نشآء.. # [يوسف: 56]. وسبق أن بينا أن الأقدار لا تخلو من حكمة، وأن الحدث لا ~~ينفصل عن فاعله، فقبل أن تعترض انظر من الفاعل. والنبي صلى الله عليه ~~وسلم حين يتأمل مواكب إخوانه من الرسل السابقين وما تعرضوا له يهون عليه ~~إيذاء قومه، ويكون ذلك تسلية له. وقوله تعالى: { ولا تستعجل ~~لهم.. } [الأحقاف: 35] يعني: لا تستعجل عذابهم، خاصة وأنهم كانوا ~~يستعجلون العذاب جهلا وعنادا منهم، لذلك خاطبه ربه بقوله: # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77] يعني: إن مت يا محمد قبل أن ترى انتقام الله منهم فموعدهم ~~الآخرة. وقوله: { كأنهم يوم يرون ما يوعدون.. } ~~[الأحاقف: 35] يعني: يوم القيامة { لم يلبثوا إلا ساعة ~~من نهار.. } [الأحقاف: 35] يعني: تمر مرحلة البرزخ كأنها ساعة من ~~نهار، فمنذ مات سيدنا آدم وإلى أن تقوم الساعة وهو لا يشعر بهذا الوقت، ~~وما هو بالنسبة له إلا ساعة من نهار، لأن الوقت كما قلنا فرع الحدث، ~~فإذا لم يوجد الحدث لا يوجد الوقت، كما عند النائم مثلا. وهذا رأيناه في ~~قصة أهل الكهف، فقد ألقى الله عليهم النوم فناموا # ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا # [الكهف: 25] ومع ذلك لما قاموا قالوا: # لبثنا يوما أو بعض يوم.. # [الكهف: 19] لماذا لانعدام الأحداث التي تشعر بالزمن، إذن: لا تستعجل ~~لهم العذاب لأنها مجرد ساعة مهما طال الزمن. وتعرفون قصة العزير # أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على ~~عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها ~~فأماته الله مئة عام.. # [البقرة: 259]. وقوله سبحانه: { بلاغ.. } [الأحقاف: 35] البلاغ: هو ~~الوصول للغاية يقول تعالى: # هذا بلاغ للناس ولينذروا به.. # [إبراهيم: 52] يعني: نهاية ما يمكن أن أعظكم به. وما دام قال سبحانه هذا ~~إذن: لا بد أن يحدث ولا يمنعه شيء لأنه إله واحد لا شريك له ولا معارض { ~~فهل ms9359 يهلك إلا القوم الفاسقون } [الأحقاف: 35]. الفسق: ~~الخروج عن الطاعة، وهو سبب الهلاك في الآخرة أو حتى في الدنيا. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1] # تأمل هنا ما أحسن التقاء وتناسب نهاية السورة مع بداية الأخرى، ففي ~~نهاية الأحقاف: # فهل يهلك إلا القوم الفاسقون # [الأحقاف: 35] وهنا { الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله أضل أعملهم } [محمد: 1] فكأن الفاسقين هم الذين كفروا ~~وصدوا عن سبيل الله. عرفنا الكفر أنه الستر ستر الحقيقة، أو ستر ~~آثار الحقيقة، فكلمة كفر تقتضي بمدلولها وجود مستور، والكفر ماذا يستر؟ ~~يستر نقيضه وهو الإيمان، إذن: وجد الإيمان أولا، ثم جاء الكفر ليستره. ~~فكلمة الكفر أول دليل من أدلة الإيمان، لأن الإيمان أمر فطري، وغريزة في ~~النفس البشرية وهي ما تزال في عالم الذر لما أخذ الله عليها العهد # ألست بربكم.. # [الأعراف: 172]. وقد لا يستر الكفر الشيء، إنما يستر آثاره، كما في قوله ~~تعالى: # وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة ~~يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم ~~الله.. # [النحل: 112]. إذن: كفرت بالله شيء، وكفرت بأنعم الله شيء آخر. والكفر ~~بالنعمة يكون من عدة وجوه، فمن كفر النعمة الغفلة عنها وعدم البحث عن ~~أسبابها، وعدم استنباطها في الكون بما فيه من أسباب: الماء والهواء ~~والأرض. اقرأ مثلا: # قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * ~~وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها.. # [فصلت: 9-10]. إذن: ربنا أعطانا الأسباب وأمرنا بالبحث فيها واستنباطها، ~~وعدم التكاسل عن استخراج ما في الطبيعة من خيرات، فبعد أن أعطاك الله ~~أسباب النعمة فلا تتهاون في شأنها وتعيش شحاذا عالة على غيرك. وقد يبحث ~~الإنسان عن النعمة ويستنبطها لكن يسترها عن مستحقيها ويكنزها عنهم، ~~وهؤلاء قال الله فيهم: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى ~~عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم ~~فذوقوا ما كنتم تكنزون # [التوبة: 34-35]. إذن: الكفر إما كفر بالله بإنكار ms9360 وجوده سبحانه، أو كفر ~~بنعمه والآئه. وقوله تعالى { وصدوا عن سبيل الله.. } [محمد: ~~1] يعني: منعوا الناس أن يؤمنوا بالله، أو منعوا آذانهم أن تسمع إنذار ~~الدعوة إلى الله، وصدوا أبصارهم ومنعوها أن ترى آيات الله في الكون ~~وأن تتخذ منها دليلا على الخالق سبحانه، وصدوا قلوبهم عن الإيمان ~~بالله وقبول اليقين. فهذه كلها مفعولات لصدوا، إذن: هؤلاء كفروا ولم ~~يقتنعوا بكفر أنفسهم، بل حاولوا أن يجروا غيرهم إلى ساحتهم. لذلك وقف ~~المستشرقون عند هذه المسألة يقولون: أنتم تقولون آيات محكمة، ثم بعد ذلك ~~نجد فيها شبهة التناقض، مثل قوله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى.. # [الزمر: 7]. ويقول في موضع آخر: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم.. # [النحل: 25] الواقع أنه لا تناقض بين الآيتين، لأن الحدث مختلف، لأنهم ~~لما ضلوا في أنفسهم حملوا أوزارهم، ولما أضلوا غيرهم حملوا وزر ضلالهم، ~~ووزر إضلالهم للغير. ومعنى: { أضل أعملهم } [محمد: 1] أبطلها ~~وجعلها غير ذات فائدة، لأن معنى الضلال عدم الاهتداء إلى الطريق الموصل ~~للغاية وهؤلاء عملوا أعمالا لا تعود عليهم بالنفع، وما النفع في الكفر ~~وصد الناس عن الإيمان؟ حتى الذين يفعلون الخير وهم خارج ساحة الإيمان لا ~~يقبل منهم ولا يشفع لهم هذا الخير في الآخرة، لأنهم ما فعلوه من منطلق ~~الإيمان، إنما فعلوه من منطلق الشهرة والسمعة والحضارة وخدمة البشرية إلى ~~آخر هذه الشعارات. لذلك يقول تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23]. ويقول: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39] فهؤلاء هم الذين يقال لهم يوم القيامة: # أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها.. # [الأحقاف: 20]. وفى المقابل يقول سبحانه: { والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات... }. ### || [47.2] # قلنا: إن المتقابلات يظهر بعضها بعضا، وذكر المتقابلات من أسلوب ~~القرآن، ليحدث مقارنة بين الأمرين فتتضح الصورة كما في قوله تعالى: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14]. وهنا ms9361 يقول في مقابل الذين كفروا { والذين ~~آمنوا.. } [محمد: 2] ولم يقل آمنوا بمن، لأن الإيمان أمر فطري، ~~وساعة يطلق ينصرف إلى الإيمان بالله، لأنه هو الإيمان الأول. والفعل آمن ~~يتعدى بالباء تقول آمن به يعني: اعتقد وجوده، ويتعدى باللام، تقول آمن ~~له: يعني صدقه، وقد يتعدى بلا حرف كما في # وآمنهم من خوف # [قريش: 4] وكلها تؤدي معنى الأمان والاطمئنان والسلام. وقوله: { ~~وعملوا الصالحات.. } [محمد: 2] دائما ما يقرن القرآن بين ~~الإيمان والعمل الصالح، لأن الإيمان عمل القلب، أما العمل الصالح فعمل ~~القالب والجوارح، فمن القلب والقالب يكون الامتثال إيمان قلب للعقيدة، ~~وإيمان قالب لطاعة الأمر ممن يعتقد به. وسيد الجوارح كلها في الإنسان هو ~~القلب، لأنه الآلة التي تضخ الدم وهو سائل الحياة إلى جميع أجزاء الجسم، ~~فإذا عمر القلب بالإيمان ضخه إلى كل الأعضاء فاستقامت. لذلك قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد ~~كله، ألا وهي القلب ". # عمل القلب أن يؤمن بالله وبما يخبر الله به من الغيبيات: يؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويؤمن بالقدر خيره وشره، ثم يأتي عمل ~~الجوارح، فالعين لا تمدها إلى محارم غيرك، واللسان لا تشهد به زورا، ولا ~~تغتب به الناس، ولا تقذف به المحصنات، ولا تحلف به يمينا كاذبة. والبطن ~~لا تملؤها إلا من الحلال، واليد لا تسرق بها، ولا تقتل النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق، والرجل لا تسعى بها إلى محرم. إذن: كل جارحة لها عمل ~~صالح، ويجب أن تجنبها الحرام، وهناك من العمل الصالح ما يشمل كل الجوارح ~~وهو بر الوالدين. لذلك قرنه الله بعبادته فقال: # واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ~~وبالولدين إحسانا.. # [النساء: 36]. وفي سورة العصر بيان لأهمية العمل الصالح بعد الإيمان ~~بالله، فقال تعالى: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات.. # [العصر: 1-3]. وقوله تعالى: { وآمنوا بما نزل على ~~محمد وهو الحق من ربهم.. } [محمد: 2] قوله تعالى: { ~~وآمنوا بما نزل على محمد.. } [محمد: ms9362 2] بعد { ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات.. } [محمد: 2] دل على ~~وجوب الإيمان بالرسل السابقين. لذلك قال تعالى: # شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى ~~وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه.. # [الشورى: 13]. ذلك لأن أصل الدين واحد وهو عبادة الله وحده، فقضية ~~الإيمان واحدة عند كل رسل الله، ومن الإيمان بالله يتفرع الإيمان بالكتب ~~وبالرسل وبالآخرة والحساب، لأنك آمنت بالله. لكن هل يخاطبك الله وحدك ~~ويقول لك: افعل كذا ولا تفعل كذا؟ لا إنما يختار للبلاغ عنه من يصطفيه ~~من الرسل # الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس.. # [الحج: 75]. اصطفى من الملائكة جبريل ليكون آمين وحيه، واصطفى من الناس ~~الرسل والأنبياء، ففرع الإيمان بالله أن نؤمن برسل الله كلهم، وأن ~~نسوي بينهم في التعظيم. وأذكر أن أحد المستشرقين سألني في سان ~~فرانسيسكو: كيف تبيحون للمسلم أن يتزوج كتابية، ولا تبيحون للكتابي أن ~~يتزوج بمسلمة؟ لماذا لم تجعلوها كالطعام والشراب؟ قلت لهم: لأن المسلم ~~مؤمن برسول الكتابية، أما الكتابي فهو غير مؤمن برسول من يريد أن ~~يتزوجها المسلمة. وقوله: { وهو الحق من ربهم.. } [محمد: 2] ~~أي: ما نزل على محمد هو الحق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا ~~يتبدل، ثم تأتي ثمرة الإيمان { كفر عنهم سيئاتهم ~~وأصلح بالهم } [محمد: 2]. من رحمة الله بعباده أن شرع لهم ~~التوبة، وفتح لهم باب الاستغفار، فهو سبحانه خالقهم وأعلم بهم وبما ~~يصلحهم، يعلم أن الإنسان من طبيعته الغفلة. لذلك قال: # ويعفوا عن كثير.. # [المائدة: 15] وشرع لنا الكفارات، فالصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى ~~الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كلها مكفرات للذنوب وكأنها أوكازيونات ~~للمغفرة حتى لا نيأس من رحمة الله، ولا نتمادى في المعصية. فالمغفرة ~~للذنوب رحمة يرحم الله بها عباده حتى لا يدخلوا من باب اليأس وتنتشر ~~المعصية وتستشري بين الناس. وقوله: { وأصلح بالهم } [محمد: 2] ~~كل المفسرين يقولون يعني: أصلح حالهم كله النفسي والمعنوي والمادي، لكن ~~فرق بين بال وحال: البال هو في الواقع الخاطر الذي يخطر في ms9363 العقل، ~~تقول: هذا الشيء في بالي يعني: في عقلي لا يفارقني، والإنسان عادة ما ~~يشغل باله بالحالة التي هو فيها، فالطالب مثلا: يشغل باله بالنجاح ~~والرسوب والكلية والعمل بعد التخرج، فمن أصلح الله باله انصلح حاله. ### || [47.3] # قوله تعالى: { ذلك.. } [محمد: 3] إشارة إلى الجزاء الذي تقدم جزاء ~~الكافرين الذين أضل أعمالهم، وجزاء المؤمنين الذين كفر عنهم سيئاتهم ~~وأصلح بالهم، هنا يبين علة ذلك وسببه، فالكافرون اتبعوا الباطل، ~~والمؤمنون اتبعوا الحق، الباطل معدوم والحق ظاهر وثابت، فمن اتبع ~~المعدوم ينعدم عنده كل خير، ومن اتبع الحق الثابت الموجود يوجد عنده ~~كل خير. لكن لماذا اتبع أهل الباطل الباطل؟ اتبعوه لأنه ليس له تكاليف ~~تقيد شهواتهم، وليس عنده محاذير ينبغي الوقوف عندها، البالطل يطلق للنفس ~~العنان لتخوض في شهواتها وملذاتها ورغباتها. بالباطل يسرق ويعيش على عرق ~~بل دماء الآخرين، بالباطل يحقد على غيره ويحسده ويقتله، أما الحق فيمنعك ~~من هذا كله ويقيد عندك كل حركة منافية لمقتضيات الإيمان. وإلا لماذا ~~عبدت الأصنام، وعبدت الشمس والقمر والنجوم؟ نعم هم يعلمون أنها لا تضر ~~ولا تنفع، لكن ليس لها تكاليف تقيدهم، لذلك عبدوها. وقوله تعالى: { ~~كذلك يضرب الله للناس أمثالهم } [محمد: 3] ضرب ~~الأمثال لون من ألوان البيان لتوضيح المعنى في القرآن الكريم، ففي ~~المسائل التي تقف فيها الأفهام يوضحها الحق سبحانه للناس بالمثل ~~ليقربها للأذهان. كما ضرب لنا مثلا للذين يتخذون الشركاء مع الله، فقال ~~سبحانه: # ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ~~ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا.. # [الزمر: 29]. وأنت حين تقرأ هذا المثل يتضح لك مغبة الشرك وسلامة ~~التوحيد، فهما نقيضان لا يستويان، كما لا يستوي عبد لعدة أسياد، وليتهم ~~متفقون إنما مختلفون فيما بينهم، بحيث لا يستطيع إرضاء أحد منهم، وآخر ~~عبد لسيد واحد. وكما ضرب الله لنا مثلا لنوره أو لتنويره للكون في ~~سورة النور: # الله نور السموت والأرض مثل نوره كمشكاة ~~فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها ~~كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية ms9364 يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار نور على نور.. # [النور: 35]. ومن الأمثال التوضيحية: # مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت لو كانوا يعلمون # [العنكبوت: 41]. ### || [47.4] # قوله تعالى: { فإذا لقيتم الذين كفروا.. } [محمد: 4] أي: ~~في ساحة القتال، ودارت بينكما رحى الحرب { فضرب الرقاب.. } ~~[محمد: 4] المصدر ضرب بمعنى: اضربوا رقابهم. والمراد: القتل سواء بضرب ~~الرقاب أو غيره، لكن ذكر ضرب الرقاب لأنه الآكد في القتل { حتى إذآ ~~أثخنتموهم.. } [محمد: 4] يعني: أذهبتم حركتهم وأضعفتموهم عن ~~المقاومة، ومادة ثخن هي نفسها تخن، أي: تماسك وصار ثقيلا لا يتحرك. نفهم ~~هذا المعنى حينما نتأمل مثلا ربة البيت وهي تطبح أرزا باللبن أو بصارة ~~أو تغلي العسل لتصنع منه المربى، فمع الغليان يتبخر الماء وتبقى مادة ~~تخينة ثقيلة، لذلك لا تتحرك مع الغليان، وتكون حرارتها شديدة، نقول: ثخن ~~الشيء أو تخن. { فشدوا الوثاق.. } [محمد: 4] يعني: قيدوهم ~~واربطوهم بالسلاسل والحبال، وأحكموا قيدهم ليكونوا أسرى في أيديكم ولا ~~يفروا. وهذا يعني أنك إذا تمكنت منه لا تتركه { فإما منا بعد ~~وإما فدآء.. } [محمد: 4]. إما أن تطلقوهم وتسرحوهم منا بلا ~~مقابل أو فداء أي: تأخذون منهم الفدية. لكن متى؟ تطلقون سراحهم بلا ~~مقابل في حالة ما إذا تركوا أسرانا عندهم بلا مقابل، وتأخذون الفدية إذا ~~طلبوا هم أخذ فدية لأسرانا عندهم. وهذه يسمونها المعاملة بالمثل، وهي ما ~~انتهت إليه الأمم المتحدة الآن في مثل هذا الموقف. وقوله سبحانه: { ~~حتى تضع الحرب أوزارها.. } [محمد: 4] الحرب هنا مجاز عن ~~أصحابها وأهلها المشتركين فيها، فالمعنى: افعلوا ذلك حتى تقف رحى ~~الحرب، ومعنى { أوزارها.. } [محمد: 4] أي: يضعوا أثقال الحرب، ~~فالحرب ثقل على أهلها ومشقة. لذلك قال الله فيها: # كتب عليكم القتال وهو كره لكم.. # [البقرة: 216] نعم فأنت في الحرب معرض لأن تفقد مالك، ولأن تفقد ~~أهلك، ولأن تفقد حياتك كلها إلى جانب ما فيها من متاعب ومشاق الكر ~~والفر والضرب والجرح.. إلخ. { ولو يشآء الله ~~لانتصر منهم.. } [محمد: 4] غلبهم وانتقم منهم بقدرته ودون ms9365 قتال ~~منكم، فهذا أمر هين على الله، كما وقع للأمم السابقة أهلكهم الله بعذاب ~~من عنده وببأسه الذي لا يرد عن القوم الكافرين، فهذه ليست عجيبة، بل ~~واقع يشهد به التاريخ. واقرأ: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا.. # [العنكبوت: 40]. إذن: لماذا شرع القتال وهو مكروه وفيه مشقة؟ قال ~~تعالى: # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين # [التوبة: 14]. فشرع القتال لإظهار قوة المؤمنين، ثم لاختبار إيمانهم ~~وثباتهم على الحق، وتمييز المؤمنين من المنافقين { ولكن ~~ليبلوا بعضكم ببعض.. } [محمد: 4]. أي: يبلو المؤمنين ~~بالكافرين والكافرين بالمؤمنين، ليمحص إيمان المؤمن لأنه صاحب رسالة ~~وصاحب منهج، وسيحمل مسئولية الدعوة يسيح بها في كل أنحاء الأرض، فكان ~~لابد من تمحيصه ليظهر الغث والثمين. # من سيصبر على آلام الحرب ويصمد ولا يفر، من سيضحي بماله ونفسه، ~~والله حين يختبر يختبر، لا ليعرف هو سبحانه، فهو يعلم بكل شيء لكن لنعرف ~~نحن، لتظهر ميزة هذه الأمة وميزة هذه الرسالة، وعظمة هذا النبي الخاتم ~~الذي بعث للناس كافة في كل زمان وفي كل مكان. ولا بد أن يكون أتباعه ~~على مستوى هذه المسئولية وأهلا لتحمل أعباء الرسالة بعد سيدنا رسول ~~الله صلى الله عليه سلم. ولذلك روي أن سيدنا مصعب بن عمير كان فتى قريش ~~المدلل، وكان يغدو ويروح عدة مرات، كل مرة بثوب جديد تفوح منه رائحة ~~العطر ألوانا، فلما أسلم تغير حاله، وأرسله رسول الله إلى المدينة ~~ليعلم الناس، فارتدى الثياب الخشنة، وزهد فيما كان فيه من نعيم الدنيا. ~~فلما علمت أمه بحاله حزنت عليه وأضربت عن الطعام وجلست في حر الشمس ~~لتثني ابنها عما هو فيه وتعيده إلى دين الآباء والأجداد، فلما علم ~~مصعب بصنيع أمه قال لهم قولوا لأمي: والله لو كان لها مائة نفس خرجت ~~نفسا نفسا على أن أترك هذا الدين ما تركته، ودعوها فإن عضها الجوع ~~أكلت، وإن أحرقتها حرارة الشمس استظلت. وأقام مصعب ms9366 بالمدينة حتى جاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه يلبس جلد كبش، فقال: # " انظروا ما فعل الإيمان بصاحبكم ". # إذن: الحرب في الإسلام لحكمة، فهي مثل النار التي تنفي خبث الذهب ~~والحديد فيصير صلبا، لذلك أعد الله هذه الأمة لتكون أمة قتال وشجاعة ~~حتى قبل بعثته صلى الله عليه وسلم. فلما اضطر سيدنا رسول الله للحرب لم ~~يدرب جنودا، ولم يفتح كلية حربية، إنما وجد رجالا متمرسين في فنون ~~القتال، لأن الحروب التي كانت تنشب بين القبائل وتستمر زمنا يصل إلى ~~أربعين سنة جعلت من هذه الأمة جيشا على أهبة الاستعداد، فكانوا كلما ~~سمعوا هيعة طاروا إليها. ثم إنها كانت أمة بدوية تعيش على الترحال، ~~بيوتهم على ظهور الجمال يتبعون مساقط الأمطار ومنابت العشب، وكأن الله ~~تعالى كان يعدهم لحمل هذه الرسالة. { والذين قتلوا في سبيل ~~الله فلن يضل أعمالهم } [محمد: 4] الذين قتلوا في سبيل ~~الله هم الشهداء { فلن يضل أعمالهم } [محمد: 4] لن يبطلها بل ~~يوفيهم أجورهم ويثيبهم عليها، لأن الشهيد وهب حياته لله وضحى بأغلى ما ~~يملك فى سبيل الله، لذلك يجازيه بما لا يخطر على باله من الإكرام ~~والتفضيل. يجازيه بقاعدة # وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ.. # [النساء: 86] فلأنه جاد بنفسه في سبيل الله يبرئه الله من الموت مرة ~~أخرى إذن: حياته موصولة بحياة الآخرة، فالشهيد بعد أن يقتل في الدنيا ~~يصير حيا عند الله إلى أن يبعث بهذه الحياة في الآخرة. # وهذا المعنى تنبه إليه الشاعر العربي وهو يمدح حمزة سيد الشهداء فقال: # أحمزة عم المصطفى وسيد # الشهداء أجمعهم طرا # وحسبك من تلك الشهادة عصمة # من الموت في وصل الحياتين بالأخرى # لذلك الذين يعترضون على حياة الشهيد ويقولون: هل لو فتحنا القبر على ~~شهيد سنجده حيا؟ لا ستجده ميتا، لكن هذه نظرة ضيقة لمسألة الحياة ~~والموت، ولتريح نفسك اقرأ: # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]. وتأمل كلمة # عند ربهم.. # [آل عمران: 169] ولم يقل عندكم: إنما عند ربهم أحياء ms9367 بحياة لا يعلمها ~~إلا هو سبحانه، فهذه من الغيبيات التي يجب التسليم بها، فهو حي عند ~~ربه وإن كان ميتا عندكم. ثم في قوله: # يرزقون # [آل عمران: 169] دليل آخر على حياته، لأن الرزق من أسباب استبقاء ~~الحياة. ### || [47.5-6] # كيف سيهديهم وهم مهتدون؟! وما نالوا الشهادة إلا وهم مهتدون، فالهداية ~~هنا من باب # والذين اهتدوا زادهم هدى.. # [محمد: 17] يهديهم إلى الجنة أو إلى الاعتراف بفضله وشكره على نعمته. ~~لذلك حكى عن أهل الجنة: # وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده.. # [الزمر: 74] وقال عن أهل النار والعياذ بالله: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون * من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم # [الصافات: 22-23]. فهؤلاء يهدون إلى النعيم وهؤلاء يهدون إلى الجحيم. ~~ومن هذه الهداية يعرف الشهيد قصره في الجنة بدون عنوان، فهو يعرفه لا ~~يدله أحد عليه لذلك قال سبحانه بعدها: { ويصلح بالهم * ~~ويدخلهم الجنة عرفها لهم } [محمد: 5-6] ومعنى: { ~~ويصلح بالهم } [محمد: 5] أي: يصلح بالهم. ### || [47.7] # هذه قضية معاركية قتالية بالنسبة للمسلمين، وهي قضية واقعة ومبدأ لا ~~يتخلف، وسنة من سنن الله لا تتبدل ما دام شرط الجندية قائما لله ولنصرة ~~دين الله. لذلك قلنا: إذا رأيت انهزام المسلمين في معركة فاعلم أنهم لم ~~يحققوا شرط الجندية لله، وابحث فيهم هم عن سبب الهزيمة، لأن سنة الله في ~~نصرة الفئة المؤمنة سنة ثابتة. قال تعالى: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173] لذلك رأينا ما حدث في غزوة أحد عندما خالف الرماة ~~أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجوا عن شرط الجندية. كذلك الحال ~~يوم حنين الذي قال الله فيه: # ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن ~~عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم ~~وليتم مدبرين # [التوبة: 25]. حتى إن الصديق نفسه لم يسلم من مشاعر الإعجاب بالعدو، ~~فقال: لن نهزم اليوم عن قلة، لما داخلهم الغرور بالعدد والإعجاب بالكثرة ~~حلت بهم الهزيمة في أول الأمر. لكن تداركتهم رحمة الله، فانتصروا في ~~نهاية ms9368 المعركة، وكأنه كان تأديبا من الله لعباده المؤمنين ودرسا عمليا ~~حتى يدخلوا الحرب، وليس في بالهم إلا الله، ونصرة دين الله. وقوله: { ~~ويثبت أقدامكم } [محمد: 7] تثبيت الأقدام كناية عن الثبات ~~في المعركة، وكناية عن القوة، لأن الأقدام هي أداة الفرار من الحرب، فإذا ~~ثبتها الله ثبتت ولم تفر، لذلك أمانة القدم ألا تفر يوم الزحف. ### || [47.8] # هذا هو المقابل، فبعد أن ذكر المؤمنين ووعدهم بالنصرة ذكر الكافرين وما ~~يحل بهم من التعس، والتعس هو الانكباب على الوجه الذي هو أشرف ما في ~~الإنسان، لذلك في التعبير عن الذلة والانكسار يقولون: مرغ أنفه في ~~التراب. إذن: { فتعسا لهم.. } [محمد: 8] يعني: ذلة أو هلاكا ~~لهم، وإهانة الوجه هي أشد ما يمكن أن يهان به المرء، لذلك قال سبحانه: # فإذا جآء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم.. # [الإسراء: 7]. وقوله: { وأضل أعمالهم } [محمد: 8] أحبطها ~~وأبطلها بحيث لا فائدة منها، لأنهم ما عملوها لله. والمراد أن أعمالهم ~~الطيبة تذهب هباء لا يستفيدون منها بشيء: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39]. ### || [47.9] # قوله: { ذلك.. } [محمد: 9] إشارة إلى ما تقدم من جزاء الكافرين من ~~التعش وإحباط الأعمال: { بأنهم كرهوا مآ أنزل الله.. } ~~[محمد: 9] هذا سبب إحباط الأعمال. لكن لماذا كرهوا ما أنزل الله؟ كرهوا ~~ما أنزل الله، لأن منهج الله سيسحب بساط السيادة والجبروت من تحت ~~أقدامهم، سيسوي بينهم وبين عبيدهم بعد أن ألفوا السيادة والمكانة بل ~~والتسلط على الخلق، لذلك كرهوا الحق لما جاءهم به رسول الله. ولما ذهب ~~سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، كانوا يجهزون عبد الله ~~بن أبي ليتوجوه ملكا على المدينة فلما وصل رسول الله انفض عنه ~~القوم وشغلوا بمقدم رسول الله، وظلت هذه في نفس عبد الله واستمر في ~~عدائه للرسول حتى بعد أن أعلن إسلامه لم يخلص فيه وكان منافقا مشهورا ~~نفاقه. ومع ذلك له ابن أسلم وحسن إسلامه وصحب رسول الله، ms9369 فلما علم أن ~~رسول الله أمر بقتل هذا المنافق جاء لرسول الله، وطلب منه أن يأذن له في ~~قتله حتى لا يقتله رجل آخر من الصحابة، فيجد في نفسه شيئا منه، فلما ~~قال هذا أبي رسول الله إلا أن يرحمه، وأن يعفيه من هذا فقال: لا ~~تقتلوه وأرجئوه إلى الله. وقوله: { فأحبط أعملهم } [محمد: 9] ~~قلنا: أبطلها، إما أعمالهم وتدبيرهم وكيدهم للمسلمين بأن انتصر المسلمون ~~عليهم وجعل الله كيدهم في نحورهم. أو: أحبط أعمالهم الصالحة لأنهم ما ~~ابتغوا بها وجه الله. ومعلوم أنه كان من هؤلاء من له أعمال صالحة لها ~~وزنها في مجتمعهم، فيروى أن ابن جدعان والمطعم بن عدي كانت لهما قدور ~~للطعام يمكن أن يستظل الرجل بظلها، فكانت لهم مآثر في الكرم والشجاعة ~~وإغاثة الملهوف وغير ذلك، لكن ما فعلوا هذا لله فذهب هباء. ### || [47.10] # قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض.. } [محمد: 10] استفهام ~~غرضه التعجب من صنيع الكافرين، كيف يكفرون بالله وهم أمة ترحال وأسفار، ~~ويمرون في أسفارهم على بقايا ديار الأمم المكذبة، ويرون ما نزل بها من ~~العذاب وكيف أخذها الله، أفلم يأخذوا منها عبرة!!؟ قال تعالى في أية ~~أخرى: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138] وقال: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو ~~سريع الحساب # [الرعد: 41]. وفي آية أخرى: # أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافهآ ~~أفهم الغالبون # [الأنبياء: 44] يعني: خذوا عبرة من واقع الحياة، أرأيتم رسولا انهزم ~~أمام خصومه؟ إذن: فليأخذوا عبرة من الأمم السابقة { فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم.. } [محمد: 10] ماذا فعل الله ~~بهم { دمر الله عليهم.. } [محمد: 10] دمرهم الله لها معنى. ~~يعني: أهلكهم في أنفسهم، إنما دمر عليهم يعني: خرب عليهم وأطبق عليهم ~~العذاب، فدمرهم ودمر أموالهم ودمر أهلهم ولم يبق لهم على شيء. { ~~وللكافرين أمثالها } [محمد: 10] يعني: هذا المصير ليس ببعيد ~~عنكم يا كفار مكة فاحذروا، كما قال في آية أخرى: # وما هي من الظالمين ببعيد # [هود: 83]. ثم يقول ms9370 الحق سبحانه: { ذلك بأن الله مولى ~~الذين آمنوا... }. ### || [47.11] # قوله تعالى: { ذلك.. } [محمد: 11] أي: ما حدث من انتقام الله من ~~الكافرين ونجاة المؤمنين ونصرتهم { بأن الله مولى الذين ~~آمنوا.. } [محمد: 11] مولاهم يعني: الذي ينصرهم ويلي أمورهم، وهو ~~سبحانه عزيز لا يغلب { وأن الكافرين لا مولى لهم } ~~[محمد: 11] لا ناصر ولا معين، لأنهم عبدوا آلهة لا تضر ولا تنفع. ### || [47.12] # الحق سبحانه وتعالى يحدثنا هنا عن عمل أهل الإيمان وعاقبته، وعمل أهل ~~الكفر وعاقبته، فالمؤمن عمر قلبه بالإيمان، وعمرت جوارحه بالعمل ~~الصالح، فكان العاقبة { جنات تجري من تحتها الأنهار.. } ~~[محمد: 12] حيث النعيم الدائم الذي لا ينفد أبدا. ومعنى { من ~~تحتها.. } [محمد: 12] أن ماءها ذاتي فيها متوفر لها لا يأتيها من ~~بعيد ولا يخشى انقطاعه. أما الكافرون فيأكلون ويتمتعون بالطعام والشراب ~~يملأون به بطونهم وقوالبهم، أما القلوب فهي خاوية خراب من المعاني ومن ~~الإيمان. إذن: فهم يعيشون عيشة أشبه ما تكون بعيشة الحيوانات والبهائم، ~~فعندهم تخمة في المادة، وعندهم فقر في المعاني والقيم، هذا حالهم في ~~الدنيا، ثم تأتي العاقبة والجزاء الطبيعي { والنار مثوى لهم } ~~[محمد: 12] يعني: مآلهم ومرجعهم ومستقرهم ومصيرهم. ### || [47.13] # قوله تعالى: { وكأين.. } [محمد: 13] يعني: كثير من القرى { هي ~~أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم ~~فلا ناصر لهم } [محمد: 13] المراد هنا مكة، فهي التي أخرجت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأين هي من القرى التي أهلكها الله وكانت أشد ~~منها وأكثر عددا وحضارة وعمارة. كما قال الحق سبحانه وتعالى عنهم: # ولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ~~الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة ~~وأثاروا الأرض وعمروهآ.. # [الروم: 9]. أين هم من عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين ~~جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الأوتاد، أين هم من هؤلاء المهلكين؟ { ~~أهلكناهم فلا ناصر لهم } [محمد: 13] فلا مدافع عنهم يرد ~~عنهم العذاب. ### || [47.14] # الحق سبحانه وتعالى يريد أن يقرر هذه الحقيقة، لكن يأتي بالقضية على ~~صورة سؤال: هل يستوي هذا وذاك { أفمن كان على بينة من ~~ربه.. ms9371 } [محمد: 14] يعني: على هدى وعلى حجة ونور من ربه. والرب هو ~~الخالق وهو المربي، وما بالك بالتربية إن كانت من الله، لذلك قال صلى ~~الله عليه وسلم في سياق بيان فضل ربه عليه: # " أدبني ربي فأحسن تأديبي ". # ومعنى { على بينة.. } [محمد: 14] على أمر واضح، ويقين ثابت، ~~ومنهج مستقيم، يضمن له الخير في الدنيا والسلامة في الآخرة. هل يستوي هذا ~~مع من زين له سوء عمله واتبع الشهوات والأهواء؟ لا بد أنك ستقول: لا ~~يستويان. ومن أشد الفتن التي يقع فيها الإنسان أن يزين له هواه سوء ~~عمله فيراه حسنا، والهوى هو الميل والرغبة التي تميل بك عن الطريق ~~المستقيم، لذلك قالوا: آفة الرأي الهوى، لذلك مدح الحق سبحانه نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بقوله: # وما ينطق عن الهوى # [النجم: 3]. ثم يعود السياق مرة أخرى إلى ضرب الأمثال، فيقول سبحانه: { ~~مثل الجنة التي وعد المتقون... }. ### || [47.15] # كلمة { مثل.. } [محمد: 15] تقال بكسر الميم، حينما تشبه مفردا ~~بمفرد. تقول: هذا مثل هذا، وبالفتح حينما تشبه صورة لها أجزاء بصورة ~~أخرى لها أجزاء، لذلك هنا يقول تعالى: { مثل الجنة التي ~~وعد المتقون.. } [محمد: 15] يفتح الميم، لأنها تمثل جمعا وصورة ~~كلية لها عناصر وأجزاء متعددة. اقرأ قوله تعالى: # مثل الحياة الدنيا.. # [الكهف: 45] أي: بما فيها من الميلاد إلى الموت # كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات ~~الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله ~~على كل شيء مقتدرا # [الكهف: 45]. والمثل تشبيه تلحق فيه مجهولا لك بمعلوم عندك، لذلك سيدنا ~~رسول الله لما سئل عن أوصاف سيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهما السلام ~~شبههما بما هو معلوم للصحابة، فقال: أما موسى فرجل طوال كأنه من رجال ~~أزد شنوءة، وهي معروفة عندهم، وأما عيسى فكثير خيلان الوجه - يعني في ~~وجهه حسنات كثيرة - يقطر وجهه ماء كأنما خرج من ديماس يعني: من حمام، ~~وأشبهه من أصحابي عروة بن مسعود الثقفي، إذن: شبه المجهول بما هو ~~معلوم. كذلك ضرب رسول الله لنا الأمثال ليوضح لنا أمور الدين، فقال في ~~حديثه: # " أنما ms9372 مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن ~~فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي ~~". # وكلمة { الجنة.. } [محمد: 15] في أصلها تعني الشيء المستور ومنها ~~الجن، وجن الليل، حتى جنة الدنيا تحمل هذا المعنى، لأنها قطعة الأرض ~~المليئة بالأشجار متشابكة الأغصان بحيث تستر وتخفي ما فيها، أو تجن ~~صاحبها يعني تستره وتمنعه من الخروج منها حيث توفر له كل متطلبات ~~حياته. والحق سبحانه ضرب المثل بها: # كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ~~ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل.. # [البقرة: 265]. وقال: # واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما ~~جنتين... # [الكهف: 32]. والفرق بين الجنتين أن جنة الدنيا من صنع البشر ومباشرة ~~الأسباب في الحرث والزرع، أما جنة الآخرة التي وعدها الله المتقين فهي ~~قائمة بلا أسباب، قائمة بقدرة المسبب، لذلك حدث اختلاف في الجنة التي ~~دخلها سيدنا آدم عليه السلام: أهي جنة الدنيا، أم جنة الآخرة؟ حينما نقرأ ~~هذه القصة في كتاب الله نعلم أنها جنة الله جنة الآخرة، بدليل أنه لم ~~يحرث فيها ولم يزرع، ولم يباشر أسبابا، إنما أكل مما أعده الله له، ~~وكان في أمان ذاتي مدة إقامته على طاعة أمر الله في الأكل. فلما أغواه ~~الشيطان أن يأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها حدث له تغير في الوضع ~~الطبيعي الذي كان فيه، ورأى من نفسه مسألة الإخراج التي لم يألفها من ~~قبل، وتنبه إلى عورته وراح يسترها بورق الأشجار هو وزوجه. # وكانت هذه المسألة عملية تدريب لآدم على احترام المنهج وعدم الخروج ~~عليه، ونحن نفهم أيضا كذلك أنه لا تظهر عورة في المجتمع المسلم إلا حين ~~يحدث انحراف عن المنهج، وآدم عليه السلام لم يكن رجلا عاديا، إنما ~~كان نبيا رسولا، فأراد الحق سبحانه أن يعلمه الدرس بصورة عملية. وقوله ~~تعالى: { وعد المتقون.. } [محمد: 15] أي: وعدهم الله بها ووعد ~~الله حق نافذ، لأنه إله واحد ليس معه شريك يعارضه، ولا توجد قوة تحول ~~بينه سبحانه وبين إنفاذ ما وعد، كما ms9373 يحدث مثلا في وعد البشر بعضهم لبعض، ~~لأن البشر يطرأ عليهم التغيير ويلحق بهم الموت. أما الحق سبحانه فهو ~~الدائم الباقي وهو الحق. والجنة وعد الله لا يعد بها غيره، يعد من؟ ~~يعد بها المتقين، والمتقي هو الذي يسير وفق منهج الله، وأن يجعل بينه ~~وبين عذاب الله وقاية، ولا يكون ذلك إلا باتباع المنهج وعدم اتباع ~~الشيطان والهوى. قال تعالى: # الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء ~~والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع ~~عليم # [البقرة: 268]. ووعد الله وعد الصدق ووعد الحق قال تعالى: # ومن أصدق من الله قيلا # [النساء: 122]. قوله تعالى: { مثل الجنة.. } [محمد: 15] يعني: ~~أن هذا الوصف ليس وصفا للجنة، لكن مثل يقربها للأذهان، لأنه لو أراد ~~أن يعطينا وصفا للجنة على حقيقتها لن يصل إلى ذلك إلا من خلال الألفاظ ~~التي تعبر عن المعاني. ومعلوم في اللغة أن المعنى يوجد أولا، ثم نضع له ~~اللفظ الدال عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم لما وصف لنا الجنة قال: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # أولا: تأمل في الحديث هذا الترقي في الحواس والإدراكات، فالعين ترى ما ~~كان في مجال الرؤية، أما الأذن فتسمع ما تراه أنت وما يراه غيرك، وأوسع ~~من هذا كله ما يخطر بالبال أو القلب. فإذا كنا لا نصل بإدراكاتنا إلى ما ~~في الجنة، ولا حتى يخطر لنا على بال، فكيف نصفه؟ وكيف نضع له الألفاظ ~~المعبرة عنه؟ إذن: هذا ليس وصفا لحقيقة الجنة، إنما مجرد مثل يقربها ~~من أفهامنا، لذلك قال تعالى عن الجنة: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين.. # [السجدة: 17]. إذن: فيها أشياء لا نعرفها، فكيف نضع لها أسماء؟ لذلك ~~نقربها بمثل مما نعرفه في الدنيا. ففيها كما في الدنيا ماء ولبن وخمر ~~وعسل، لكنه مشذب، ومصفى من كل ما يشوبه، فلا يشبه نعيم الدنيا إلا في ~~الأسماء { فيهآ أنهار من مآء غير ءاسن.. } [محمد: 15]. ~~فماء الدنيا يأسن ويعطن وتتغير رائحته، أما ماء الجنة ms9374 فماء غير آسن، وبدأ ~~بالماء لأنه الأصل في الارتواء من العطش، وبه ينضج الطعام، وبه تتم نظافة ~~الإنسان، بل هو عنصر أساسي في خلق كل كائن حي، قال تعالى: # وجعلنا من المآء كل شيء حي.. # [الإنبياء: 30]. وإذا كنا نعرف أن مصدر الماء العذب في الدنيا هو ~~البحار، وبعملية البخر وتكون السحب ينقى من الملوحة فيصير عذبا ~~صالحا، فماء الجنة لا نعرف مصدره. قال الله عنه # مآء طهورا.. # [الفرقان: 48] لا تشوبه شائبة، ولا تلحق به ملوثات تفسده، إذن: نعمة ~~لا ينغصها شيء ولا تشوبها شائبة، لأنك في الدنيا تعيش بأسبابك التي ~~خلقها الله لك. ومنا من يعكر صفو هذه الأسباب، أما في الآخرة فأنت تعيش ~~بالمسبب سبحانه مباشرة، أنت تستضيء في الدنيا بالشمس نهارا، وبالقمر ~~والنجوم ليلا، أما في الآخرة فلا شمس ولا قمر ولا نجوم، إنما تعيش بنور ~~الله # وأشرقت الأرض بنور ربها.. # [الزمر: 69] يعني: بلا أسباب. كذلك الماء تأخذه في الدنيا بالأسباب، وفي ~~الجنة بلا أسباب، واقرأ قوله تعالى عن الماء في الدنيا: # وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السمآء ماء ~~فأسقيناكموه.. # [الحجر: 22]. وقال عن ما ء الجنة: # وسقاهم ربهم شرابا طهورا # [الإنسان: 21]. وفرق في المعنى بين أسقى وسقى: أسقى: أوجد الماء الذي ~~نستقي منه إن أردنا السقيا. فينزل الماء من السحاب فنحجزه وراء ~~السدود حتى نحتاج إليه، لكن سقى باشر السقيا بالفعل. ومن العجيب في ~~أنهار الجنة أنها ليس لها شطآن، وأنها متداخلة دون أن يختلط بعضها ~~ببعض، ولا تسأل هنا عن كيفية ذلك، لأن هذا النعيم لا يقوم بالأسباب التي ~~نعرفها، بل بالمسبب سبحانه، فلا يحكم عليها حكمك على مثلها في الدنيا. ~~وقوله: { فيهآ.. } [محمد: 15] أي: أنها ظرف لهذه الأنهار. { ~~وأنهار من لبن لم يتغير طعمه.. } [محمد: 15] ~~ولبن الدنيا يتغير طعمه بمرور الوقت ويفسد { وأنهار من خمر ~~لذة للشاربين.. } [محمد: 15] نعم أنهار من خمر معدة ~~وجاهزة، ليس هناك عنب يعصر، إنما بكن فيكون. وإذا كانت خمر الدنيا ~~محرمة، وتذهب بالعقل ولها رائحة كريهة، فخمر الآخرة لها لذة عند ms9375 شربها ~~ولا تذهب بالعقل، فليس لها من خمر الدنيا إلا اسمها. وليس في الدنيا ~~أنهار من خمر لأن خمر الدنيا بالأسباب، فهو كميات قليلة بمقدار ما يعصر ~~من العنب أو غيره، والحق سبحانه لما تكلم عن خمر الدنيا قال: # يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم ~~كبير ومنفع للناس وإثمهمآ أكبر من ~~نفعهما.. # [البقرة: 219]. فالمنافع لا قيمة لها إذا ما قورنت بالمضار والحرمة، ~~صحيح هي تشعرك بشيء من النشوة أو السعادة، وتضحك وتفرح وتنسي همومك، ~~لكنها بعد ذلك تغتال عقلك وتسلبك وقارك. فإذا أضفت إلى ذلك أنها محرمة، ~~وأنها من أكبر الكبائر بان لك ضررها. # صحيح فيها ربح لمن يتاجر فيها، لكنه ربح حرام، لذلك جعل الله خمر ~~الدنيا قليلة، أما خمر الآخرة فأنهار لأنها في الآخرة لذة للشاربين. # لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون # [الصافات: 47] يعني: لا تغتال العقل، ولا ينتج عن شربها أضرار، والنزف ~~هو إخراج شيء من شيء كمن يقيئ مثلا بعد شربها، أو يصيبه دوار أو صداع. { ~~وأنهار من عسل مصفى.. } [محمد: 15] إذن: ذكر الماء أولا ~~لأهميته بالدرجة الأولى ثم اللبن، لأنه يحمل محمل الماء حتى يوجد الماء، ~~وهو عنصر أساسي في الغذاء، ثم ذكر الخمر، لأن الإنسان بعد أن يأكل ويشرب ~~يحتاج في كمال السعادة كأسا من هذه الخمر. أما العسل فيأتي في آخر هذه ~~القائمة لأن الله تعالى قال فيه: # فيه شفآء للناس.. # [النحل: 69] إذن: الميزة التي تميز العسل ليست في طعمه وحلاوته، بل في ~~كونه شفاء، والجنة لا مرض فيها. إذن: يشرب في الجنة للذته وجمال طعمه. ~~ومعنى: { مصفى.. } [محمد: 15] ليفرق بينه وبين عسل الدنيا الذي لا ~~يخلو من شوائب، لأن الإنسان يجمعه من الجبال، فهي أول مسارح النحل # وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون # [النحل: 68]. والعالم الأمريكي الباحث في حياة النحل وجد أن نحل الجبال ~~هو أقدم أنواع النحل، وما دام من الجبال فلا يخلو من شوائب، أما عسل ~~الجنة فمصفى بقدرة الذي أعده ms9376 سبحانه. ثم يقول سبحانه: { ولهم ~~فيها من كل الثمرات.. } [محمد: 15] بعد أن ذكر الحق سبحانه ~~ما في الجنة من السوائل يذكر ما فيها من الثمرات دون أن يسميها لأننا لا ~~نعرفها. لذلك قال في آية آخرى: # وأتوا به متشبها.. # [البقرة: 25] يعني: ثمار متشابهة، لكن مختلفة المذاق، حتى لما أعطانا ~~مثالا بالعنب والعموميات، فهي في الجنة غير الذي نعرفه في الدنيا. وإذا ~~كانت الثمار عندنا لها بيئات تجود فيها ولها مواسم، فثمار الجنة موجودة ~~في كل الأوقات، فالبيئات في الدنيا من الأسباب، أما الآخرة فبالمسبب ~~سبحانه. وقوله تعالى: { ومغفرة من ربهم.. } [محمد: 15] بعد ~~أن أعطانا ربنا سبحانه لذة المادة والقالب في الجنة يعطينا لذة أعلى هي ~~لذة نيل للمغفرة من الله كرما وتفضلا، لأنهم ما دخلوا الجنة إلا ~~بالمغفرة، لكن قد يذكر أحدهم ذنبه فيقول له: أنت مغفور لك. وقد ورد في ~~الحديث القدسي أنه بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة يسألهم رب العزة ~~سبحانه: # " أرضيتم يا عبادي؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطينا كذا ~~وكذا فيقول: الآن أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا ". # ثم يضعنا الحق سبحانه أمام هذه المقارنة بين أهل الجنة وأهل النار، ~~فيقول: { كمن هو خالد في النار وسقوا مآء حميما ~~فقطع أمعآءهم } [محمد: 15] يعني: أيهما أفضل، واحكم أنت ~~وسنرتضي حكمك. # هذه هي الجنة أو مثل لها: أتستوي مع مقابلها وهو الخالد في النار؟ { ~~وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم } [محمد: 15] فكما ذكر ~~الماء أولا في الجنة ذكره أيضا أولا في النار والعياذ بالله. وكلمة { ~~وسقوا.. } [محمد: 15] ولم يقل شربوا لأن الشرب طواعية واختيار، ~~إنما { وسقوا.. } [محمد: 15] يعني: رغما عنهم ودون إرادتهم، مثل ما ~~تعطي الولد الصغير الدواء فتسقيه له على كره منه. { مآء حميما.. } ~~[محمد: 15] الماء معروف أنه يشرب للارتواء ويشرب باردا، أما ماء جهنم ~~والعياذ بالله فهو حميم يعني: تناهت حرارته، فكيف بهم وهم في النار ~~ويريدون أن يبردوا حرارة أجوافهم فيسقون الحميم الذي يزيدهم حرارة فوق ~~حرارة النار. لذلك قال ms9377 تعالى في آية أخرى: # وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي ~~الوجوه.. # [الكهف: 29]. ثم يبين أثر هذا الماء الحميم { فقطع أمعآءهم } ~~[محمد: 15] وليتها قطعت وانتهت المسألة، إنما هم في عذاب مقيم دائم لا ~~يفتر عنهم. # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. # [النساء: 56] والأمعاء جمع معى بكسر الميم، وقد ورد في الحديث الشريف ~~قول سيدنا رسول الله: # " المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء " # يعني: المؤمن يأكل على قدر حاجته أو في أكله وفي طعامه بركة، أما الكافر ~~فيأكل حتى تمتلىء بطنه. ### || [47.16] # قوله تعالى: { ومنهم.. } [محمد: 16] ممن؟ ستعرف بعد أن تقرأ ~~أوصافهم { من يستمع إليك.. } [محمد: 16] يستمع إلى رسول الله ~~وهو يقرأ القرآن { حتى إذا خرجوا من عندك.. } [محمد: 16] ~~يا محمد { قالوا للذين أوتوا العلم.. } [محمد: 16] أمثال ~~ابن مسعود وابن عباس { ماذا قال آنفا.. } [محمد: 16] يعني: ما ~~الجديد فيما قاله محمد، كأنهم يحتقرون ما سمعوه من رسول الله. هذه إذن ~~ليست صفات الكافرين، لأن الكافرين لم يكونوا يستمعون للقرآن، إنما هي ~~صفات المنافقين الذين كانوا يشاركون المسلمين صلاتهم ومجالسهم ويذوبون ~~فيهم بخبث ودهاء، لكن كان القرآن ينزل على رسول الله فيكشفهم. لذلك كان ~~النفاق أسوأ وأضر على المسلمين من الكفر، فالكافر معلوم أنه عدو ظاهر ~~العداوة، ويمكن أن تحتاط له، أما المنافق فواحد من الجماعة المسلمة ~~يعلن الإسلام ويبطن الكفر، فعداوته غير ظاهرة وخطرة أعظم. والذي يتتبع ~~تاريخ النفاق في الإسلام يجده لم يظهر في مكة إنما ظهر في المدينة، فرغم ~~العداء الشديد بين الإسلام والكفار في مكة إلا أنه كان عداء ظاهرا ~~معلنا يمكن مواجهته، فلم يوجد فيها نفاق، لم يظهر إلا في المدينة، ~~لماذا؟ لأن النفاق لا يكون إلا مع القوي، فالضعيف لا ينافق الضعيف، تعلن ~~العداء في وجهه، أما القوي فتنافقه لتتغلب عليه. إذن ما الداعي للنفاق في ~~مكة والمسلمون فيها قلة مستضعفة، هذا يعني أن النفاق ظاهرة تدل على قوة ~~الإيمان، وأنه أصبح له شوكة تنافق، وهذا حدث في المدينة. لذلك قال ms9378 ~~سبحانه وتعالى في حقهم: # ومن أهل المدينة مردوا على النفاق.. # [التوبة: 101]. كلمة { يستمع.. } [محمد: 16] وردت هذه المادة في ~~القرآن بلفظ: سمع واستمع وتسمع، سمع أي: دون إرادة منه للسماع، واستمع ~~لمن يحب أن يسمع شيئا محبوبا لديه، أما تسمع ففيها تفعل وتكلف ~~للسماع ومحاولة. إذن: قال: { ومنهم من يستمع إليك.. } ~~[محمد: 16] يعني: برغبته وارادته وهو محب لأن يسمع، وهكذا كان حال ~~المنافقين يجلسون في الصفوف الأولى ويبدون من الاهتمام ما لا يبديه ~~غيرهم، فلا تفوتهم كلمة ولا تفوتهم صلاة ليحبكوا خطتهم ويخفوا نفاقهم. ~~{ أولئك الذين طبع الله على قلوبهم.. } [محمد: ~~16] لأنهم سمعوا الكلام ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بمقتضاه، فكان الجزاء ~~أن ختم الله على قلوبهم وطبع عليها، وكأن الله يقول لهم: ما دمتم ~~أحببتم النفاق فسوف أزيدكم منه وأختم على قلوبكم حتى لا يخرج منها النفاق ~~ولا يدخلها الإيمان. { واتبعوا أهوآءهم } [محمد: 16] الهوى ~~أن يميل قلبك إلى شيء تعتقد أنه سار ومفرح لك، فرح عاجل ولذة وقتية ~~دون النظر في العواقب بعد هذه اللذة. # إذن: اجعل لهواك ضوابط، واختر الهوى الأبقى أثرا والأدوم نفعا، اجعل ~~هواك فيما ينفعك لا فيما يضرك، كالذي يأكل شطة مثلا، لأنها تجعل للأكل ~~لذة وطعما هو يرغب فيه الآن حين يأكل، لكنه غفل عن مسألة إخراج هذا ~~الطعام، وأنه سيجر عليه ألما يفوق لذة الأكل. إذن: على العاقل أن ~~يتدبر عواقب هواه، ويحذر أن يميل به الهوى، لذلك يقول تعالى: # ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السموت ~~والأرض.. # [المؤمنون: 71]. والحق سبحانه أتى لنا بالمنهج ليحمينا من الهوى، لأن ~~أهواء النفوس متضاربة ومتعارضة، فهي أداة اختلاف وتنافر، والله يريد لنا ~~أن نتفق، وأن نتساند لا أن نتعاند. وفي الحديث الشريف يقول صلى الله ~~عليه وسلم: # " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ". # البعض يقف عند قوله تعالى: { أولئك الذين طبع الله ~~على قلوبهم.. } [محمد: 16] فيقول ما دام أن الله طبع على قلوبهم ~~وأراد لهم الضلال، فلماذا يعذبهم؟ نقول: الله يهدي العباد لا يضلهم، ms9379 وهم ~~الذين يختارون الضلال ولا يهتدون بالإيمان. لذلك نقرأ: # والله لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264] و # والله لا يهدي القوم الفاسقين # [المائدة: 108] و # والله لا يهدي القوم الظالمين # [البقرة: 258]. فالضلال إذن وعدم الهداية ناشىء عنهم هم ونتيجة مسلكهم ~~غير المستقيم، فالله لم يهدهم لأنهم إما كافرون أو فاسقون أو ظالمون. ~~وإلا فالحق سبحانه في واقع الأمر هدى الجميع، المؤمن والكافر، لأنه نادى ~~الجميع في قوله سبحانه: # يأيها الناس # [البقرة: 21] فدل الجميع وأرشدهم إلى منهجه وعاقبة السير على هذا ~~المنهج، وأنذرهم عاقبة الخروج عنه. وبين لهم أن المنهج ما وضع إلا ~~لمصلحتهم باستقامة أمورهم في الدنيا وسلامتهم في الآخرة، وأنه سبحانه لا ~~تنفعه طاعة، ولا تضره معصية، فهو سبحانه غني عنهم مستغن عن عبادتهم، لأن ~~له صفات الكمال قبل أن يخلقهم، يقول لعبده: يا عبدي أقبل علي أعطك ~~خيري. واقرأ قوله تعالى في قوم ثمود: # وأما ثمود فهديناهم.. # [فصلت: 17] يعني: دللناهم وأرشدناهم إلى طريق الخير # فاستحبوا العمى على الهدى.. # [فصلت: 17] فلما استحبوا العمى أعماهم الله. ثم إن الذين يقولون: ~~لماذا يعذبهم الله وهو أضلهم؟ لماذا لا يذكرون المقابل فيقولون: ما دام ~~كتب عليهم الطاعة، فلماذا يثيبهم عليها؟. لذلك ورد في الحديث القدسي: # " قالت السماء: يا رب إئذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم فقد طعم خيرك ~~ومنع شكرك، وقالت الأرض: يا رب إئذن لي أن أخسف بابن آدم فقد طعم خيرك ~~ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب إئذن لي أن أسقط على أبن آدم فقد طعم ~~خيرك ومنع شكرك، فقال الله لهم: دعوني وخلقي لو خلقتموهم لرحمتموهم، فإن ~~تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، وأبتليهم بالمصائب ~~لأطهرهم من المعايب ". # وسبق أن مثلنا مسألة الهداية - ولله المثل الأعلى - برجل المرور حين ~~تذهب إليه فتسأله عن الطريق، فيقول لك: الطريق من هنا، فإن أطعته زادك ~~وقال لك: إن في الطريق عقبة في المكان الفلاني فانتبه لها، أو يأخذك ~~بنفسه حتى تبلغ ما تريد. وهكذا الحق سبحانه دل الجميع وأرشد ms9380 الجميع، ~~فمن سمع وأطاع زاده هداية، ومن أعرض وتمرد زاده ضلالا بأن ختم على ~~قلبه. لذلك قسم العلماء الهداية إلى نوعين: هداية الدلالة وهي للمؤمن ~~وللكافر، وهداية التوفيق والمعونة، وهي خاصة بالمؤمن، لذلك قال في الآية ~~بعدها: { والذين اهتدوا زادهم هدى... }. ### || [47.17] # قوله تعالى: { زادهم هدى.. } [محمد: 17] أي: بالتوفيق وبالمعونة ~~على الطاعة { وآتاهم تقواهم } [محمد: 17] فكأن التقوى هي التي ~~تأتي إليهم لا يذهبون هم إليها، يسرها لهم وحببها إليهم، في حين أن ~~البعض يظن أن التكليف مشقة على النفس وقيد يقيدها لكن أبدا؟ المتأمل ~~يجد في التكليف راحة وطمأنينة للنفس والبال، التكليف عصمة للنفس ووقاية ~~لها من المعاطب، لذلك أقرأ مثلا: # أولئك على هدى من ربهم.. # [البقرة: 5]. ومعنى # على هدى.. # [البقرة: 5] أن الهدى مطيتهم إلى الغاية التي يقصدونها، فهو ليس عبئا ~~على العبد لأن الخالق سبحانه لم يكلفنا أبدا ما لا نطيق، وما استعبدنا ~~إلا لمصلحتنا نحن في استقامة الدنيا وسلامة الآخرة. لذلك قلنا: إن ~~العبودية لغير الله ذل وهوان، والعبودية لله عز وشرف، فالعبودية للبشر ~~تعطي السيد خير عبده لكن العبودية لله تعطيك خير الله. حين يفهم العبد ~~العبادة بهذا المعنى يحبها ويتشوق إليها ويجد فيها لذة لا تدانيها ~~لذة، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال مؤذنه: # " أرحنا بها يا بلال " # أي: بالصلاة، فكم هي سهلة خفيفة على قلب المؤمن، وكم هي ثقيلة على قلب ~~المنافق. إذن: من الهدى أن تصلي كما يصلي عامة الناس، ومن زيادة الهدى ~~أن تتشوق للصلاة وتنتظرها وتجد فيها راحتك، لأنك في حضرة ربك عز وجل، ~~والله غيب ويصلح عبده أيضا بالغيب، فالصلاة تصلحك وتصلح حالك من حيث لا ~~تدري. ومن ثمرات التقوى قوله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل ~~لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر ~~لكم والله ذو الفضل العظيم # [الأنفال: 29]. فمن يتقي الله بموجب الفرقان الذي جاءه من الله وهو ~~القرآن يزيده، بأن يجعل له هو فرقانا آخر خاصا به، فرقانا يهديه ~~وينير له الطريق ويميز به بين ms9381 الأشياء. إذن: ما عليك في مسألة التقوى ~~إلا أن تسير إليها تقصدها لتفعل وتطيع، ثم ستجدها هي التي تسعى إليك ~~وتطلبك. ### || [47.18] # الحديث هنا عن الكافرين الذين لا يلتفتون إلى أدلة وجود الله في الكون، ~~ولا إلى معجزات الرسل فيؤمنون بهم ويصدقونهم، ولا إلى أحكام الله فيعملون ~~بها، هؤلاء القوم ماذا ينتظرون؟ { فهل ينظرون.. } [محمد: 18] أي: ~~ينتظرون { إلا الساعة.. } [محمد: 18] الساعة بالنسبة لهم يعني ~~الموت، لأن الزمن ينتهي بالنسبة للإنسان بالموت، فمن مات قامت قيامته، ~~والمرء لا يعرف أجله ولا متى يموت، لأن الله أخفاه واحتفظ به لنفسه ~~سبحانه، فلا يطلع عليه أحد. إذن: طول العمر وقصره نحن لا دخل لنا به، ~~ولا نتحكم فيه، لأنه متروك لمن بيده الأعمار والآجال، لكن بيدك عرضه بأن ~~تشغل عمرك بعمل الخير، وتوسع دائرة الخير في حياتك وتنفع الآخرين، كما ~~يمكنك أن تضيف لحياتك بعدا آخر، بأن تفعل من الخير ما يبقى ذكرا لك ~~بعد موتك، وذخرا لك عند ربك. فإذا علمت أن العمر نفس يدخل ولا يخرج، ~~أو طرفة عين لا تعود كنت على حذر من أن تموت على معصية الله، على حذر من ~~أن تؤخر التوبة أو تسوف فيها، لأنك لا تضمن متى يداهمك الموت. فحين ~~تسمع نداء الصلاة قم ولب النداء، ولا تقل الوقت طويل، وسوف أصلي، معك ~~مال وتقدر أن تحج لا تقل أحج العام القادم، لأنك إذا كنت لا تضمن عمرك ~~لحظة، فكيف تضمنه بعد عام؟ صحيح ليس في تأخير هذه الأعمال عقوبة لكن ~~يفوتك بالتأخير فضل الصلاة لوقتها وفضل الجماعة. لذلك ورد في الحديث ~~الشريف: # " اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ". # البعض فهم من الحديث " اعمل لدنياك " أي: ما يكفيك طوال العمر، لكن ~~المراد بالعمل هنا: اعمل للدنيا على رسلك ولا تستغرق فيها، وما فاتك منها ~~اليوم تدركه غدا. يعني على مهل ولا تأخذ المسألة من أول صفقة. والذي ~~يعاب في السعي من أجل الدنيا أن تستحوذ الدنيا على كل اهتمامك ~~وتأخذ كل ms9382 وقتك وتريدها على عجل. والأخطر من ذلك أن نستعين بالنعمة ~~وبالمال على المعصية أو نروج السلعة بشيء محرم شرعا، فتنقلب النعمة في ~~أيدينا إلى نقمة. لذلك يقول تعالى: # ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا.. # [إبراهيم: 28] ككثيرات من بناتنا الآن نراهن كايسات عاريات يظهرن ما ~~حباهن الله من جمال، وبدل أن تشكر النعمة بصيانتها تكفرها بتبرجها. ~~وياليت الضال يضل في نفسه، أنما الأدهى من ضلاله أن يكون مثالا لغيره ~~فتشيع الفتنة في المجتمع، لذلك يقول تعالى في تتمة الآية: # وأحلوا قومهم دار البوار # [إبراهيم: 28] ما هي دار البوار؟ # جهنم يصلونها وبئس القرار # [إبراهيم: 29]. فهذه الفتن تعصف بالشباب خاصة في مراحل المراهقة وعدم ~~وجود فرصة عمل وهم ما يزالون عالة على أهاليهم، لذلك نقول لبناتنا: أتقين ~~الله فالشباب معذور غلبان كفاه أن يدافع سعار المراهقة، فلا تهيجن ~~فيه سعارا جديدا بما تفعلن من التبرج والسفور وعدم التحشم. # وأذكر مرة أنهم أرادوا أن يكرموا أحد رجالهم البارزين فأقاموا له حفلا ~~وأحضروا فيه الراقصات وما إلى ذلك، فقلت: سبحان الله أهكذا يكون تكريم ~~البارزين عندنا، ثم أمسكت بصاحبنا وقت له يا سلام الرقص الليلة كان ~~حلوا، فالبنت كانت تتشخلع بورع وتتثنى بتقوى!! إيه حكايتكم بالضبط؟ ~~نعم: # وأحلوا قومهم دار البوار # [إبراهيم: 28]. وقوله تعالى: { أن تأتيهم بغتة.. } [محمد: ~~18] يعني: فجأة { فقد جآء أشراطها.. } [محمد: 18] أي: علاماتها ~~وسماتها المميزة لها المنذرة بقربها، وقد ذكر لنا سيدنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم طرفا من هذه العلامات، فقال: # " نساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة لا ~~يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا ". # صحيح، فالرأس على شكل مش عارف إيه والشفايف حمروها، والحواجب ~~دققوها.. إلخ يغيرن خلق الله ويستعن بنعمة الله على معصية ~~الله، وهذه من علامات الساعة. لذلك نسأل الله الهداية لبناتنا، وأن تحفظ ~~كل منهن جمالها، وأن تجعل حمد الله على النعمة طاعة له سبحانه، ~~وألا تجعل نعمة الله عليها مسممة بمعصيته وأقول لأولياء الأمور: ~~اتقوا ms9383 الله في البنات ولا تضطروهن للعمل في الإعلانات الخليعة لأنها ~~محرمة، ومن يأكل منها إنما يأكل سحتا من حرام. كذلك من أشراط الساعة ~~التي أخبر بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم # " إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ~~فانتظر الساعة ". # وقال: # " إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة " # وغير ذلك من العلامات. وقوله سبحانه: { فأنى لهم إذا ~~جآءتهم ذكرهم } [محمد: 18] يعني: كيف أو من أين لهم التذكر ~~وقد فات أوانه وباغتتهم القيامة، أنى لهم التذكر، وأنى لهم أن ~~يستأنفوا عملا صالحا. ثم يختمها بقضية القضايا التي إن صلحت صلح ~~للإنسان كل شي، فيقول: { فاعلم أنه لا إله إلا ~~الله... }. ### || [47.19] # معنى { فاعلم أنه لا إله إلا الله.. } [محمد: 19] ~~لا تطلب بأي شيء سببا غير الله، ولا يجوز لك أن تلجأ لغير الله، ~~فاللجوء لغير الله لا يفيد، وقوله: { فاعلم.. } [محمد: 19] العلم إما ~~علم يقين إذا أخبرك به من تثق في صدقه، وعين يقين حينما تراه بعينك ~~وترى أثره، وحق اليقين حينما تباشره بنفسك. والحق سبحانه حينما يقول ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم { فاعلم أنه لا إله إلا ~~الله.. } [محمد: 19] هل يعني هذا أنه لا يعلمها؟ لا بل المراد داوم ~~عليها، وكما علمتها في الماضي فاجعلها في الحاضر وفي المستقبل. وهذا من ~~باب قوله تعالى: # يأيها الذين ءامنوا ءامنوا.. # [النساء: 136] فيأمرهم بالإيمان وقد ناداهم به. قالوا: إذا أمر الله ~~أمرا وهو موجود بالفعل في المأمور فالمراد داوم عليه، فأنت مؤمن لكن ~~مطلوب منك أن تداوم على إيمانك في المستقبل. والحق سبحانه حينما يأمر ~~نبيه هذا الأمر إنما ليطمئنه على أنه إن جحد وعودي وأوذي بشتى ~~أنواع الإيذاء والاستهزاء لا يحزن ولا يهتم، لأن الله بجواره ينصره ~~ويؤيده، ومهما فعل البشر فلن يمنعوه من إنفاذ دعوته. فسنة الله في الرسل ~~أن ينصرهم: # ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم ~~لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 171-173] لذلك قلنا: إذا رأيت جنديا منتسبا للإسلام ~~وغلب، فاعلم أن ms9384 شروط الجندية اختلت عنده وإلا ما هزم. وأخذنا ~~مثالا على ذلك بما حدث للمسلمين يوم أحد من مخالفة أمر رسول الله ~~فهزموا وهو بينهم، وهذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا، ولو ~~انتصروا بعد أن خالفوا أمر الرسول لهان عليهم أمره بعد ذلك، ولقالوا في ~~أنفسهم: لقد خالفناه وانتصرنا. إذن: جاءت الهزيمة لتردهم إلى الصواب ~~وتوقظ غفلتهم في مسألة طاعة أمر رسول الله. وقوله سبحانه: { ~~واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات.. } [محمد: ~~19] فهل يعني هذا أن للرسول ذنبا يجب الاستغفار منه؟ هذه من المسائل ~~التي دار حولها جدل كثير، والمعنى هنا: إذا سهت نفسك فأذنبت فاستغفر ~~لا أنه أذنب بالفعل، يقول له ربه: إذا حصل منك ذنب فاستغفر له، وكذلك ~~استغفر للمؤمنين والمؤمنات. وفي آية أخرى قال تعالى: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر.. # [الفتح: 1-2] فذكر الذنب في حق الرسول رغم أنه معصوم. والعلماء حينما ~~بحثوا مثل هذه الآيات قالوا: هي من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين. ~~ومعلوم أن المقربين درجة من درجات الطاعة والامتثال لله أعلى من درجة ~~الأبرار، لأن الأبرار هم الذين يطيعون الله ويفعلون الخيرات وينفذون ~~الأوامر. # أما المقربون فهم الذين يزيدون على ذلك تقربا إلى الله، حتى في عرف ~~الناس المقرب منك هو الصديق الملازم لك الذي لا يفارقك ويحبك ويخاف ~~عليك. كذلك المقرب من الله، له قانون آخر في التعامل غير قانون الأبرار، ~~ومقياس آخر للحسنات والسيئات يناسب درجة قربه من ربه عز وجل. ترى لو أنك ~~مثلا مرضت لا قدر الله وجاءك أحد معارفك وزارك في مرضك ولو مرة واحدة ~~ماذا تفعل؟ تشكره وترى أنه أدى الواجب. أما صديقك المقرب لو زارك مرة ~~واحدة مثله ماذا تفعل؟ تعاتبه وتلومه لأنك كنت تنتظر منه أكثر من زيارة، ~~هذا هو معنى: حسنات الأبرار سيئات المقربين. إذن: الحسنة من الإنسان ~~العادي قد تعد سيئة بالنسبة للنبي، فالنبي مقرب وللمقرب حساب آخر، ~~ولهذه القربى ثمن، وكان الله يقول لك: حافظ ms9385 على هذه الدرجة من القرب مني، ~~وإياك أن يحدث منك ولو شيء بسيط بالنسبة لغيرك. أو أن سيدنا رسول الله ~~كما قال: # " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " # فقوله عن أمتي يعني: أنه غير داخل في هذا الحكم، فلا يجوز منه النسيان ~~الذي يجوز من غيره والنسيان في حقه إذن يعد ذنبا. # " لذلك لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة رباعية وسلم منها بعد ~~ركعتين قال له أحد الصحابة وهو ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا ~~رسول الله؟ قال: كل ذلك لم يكن، قال: بل بعض ذلك كان " # انظر عظمة الصحابي في السؤال، وعظمة رسول الله في الرد، وعظمة الإيمان ~~الذى ربى هؤلاء. إذن: من الممكن أن ينسى رسول الله ويعد نسيانه ذنبا ~~لماذا؟ لأنه رسول وصاحب رسالة مكلف بتبليغها وإشراقات النبوة لا ~~تفارقه فكيف ينسى؟ لذلك لما سأل أحد العامة العالم العابد المنقطع لله ~~وقال له: ما حكم من سها في الصلاة؟ قال له: عندنا أم عندكم؟ قال: بل ~~عندنا. قال: يسجد للسهو، قال: وعندكم؟ قال: نقتله. ولماذا نذهب بعيدا ~~وقصة معصية سيدنا آدم معروفة للجميع، قال تعالى - في حق آدم # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121] فسمى نسيان آدم معصية، لماذا؟ قالوا: لأن آدم خلقه الله ~~بالمباشرة، خلقه الله بنفسه ونفخ فيه من روحه، فله ميزة في الخلق ليست ~~لغيره، ولم يكلف إلا تكليفا واحدا هو عدم الأكل من الشجرة، فأي شيء ~~ينساه وأي شيء يذكره وهو أمر واحد. لذلك كان النسيان في حقه معصية، لأنه ~~نبي رسول وهو أبو البشر، لذلك معصية آدم جاءت لحكمة لأنه أبو البشر، ~~والبشر على قسمين: معصوم وغير معصوم، المعصوم هم الرسل. وغير المعصوم هم ~~بقية الخلق فلا بد أن يتمثل في آدم القسمان. فحينما يخاطب الحق سبحانه ~~نبيه صلى الله عليه وسلم ويقول له: { واستغفر لذنبك. # . } [محمد: 19] أي: من النسيان الذي تجاوزت عنه لأمتك استغفر أنت منه ~~لأنه لا يغفر لك كما يغفر لأمتك. ثم تعال وانظر في ms9386 المواضع التي عاتب ~~الله فيها نبيه محمدا، اقرأ مثلا: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ~~تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم # [التحريم: 1] مجرد أن واحدة من زوجاتك غضبت من شيء تحرمه على نفسك وقد ~~أحله الله لك، فعد هذا ذنبا. كذلك لما أذن لبعض الصحابة في التخلف عن ~~القتال عاتبه ربه: # عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك ~~الذين صدقوا وتعلم الكاذبين # [التوبة: 43] إذن: عاتبه على ذلك، لكن بدأه بالعفو عنه. ثم إن الرسول ~~فيه جانبان جانب البشرية وجانب الرسالة، فآدم عليه السلام عصى ببشريته ~~بدليل قوله تعالى: # وعصى ءادم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب ~~عليه وهدى # [طه: 121-122] إذن: ما جاءته الرسالة إلا بعد أن خاض هذه التجربة، وكان ~~منه ما يكون من البشر، ثم اجتباه ربه بالرسالة. وحين نتأمل القضايا التي ~~عاتب فيها نبيه محمدا نجدها مسائل عامة ليس فيها نص ولا حكم شرعي خالفه ~~رسول الله، فكان يجتهد فيها برأيه كبشر وكما يمليه الموقف. فمثلا في قصة ~~عبد الله بن أم مكتوم الذي عاتب الله رسوله من أجله، فقال: # عبس وتولى * أن جآءه الأعمى # [عبس: 1-2] تجد هذا العتاب ليس اعتراضا على ما فعله رسول الله إنما ~~رحمة به وشفقة عليه. لأنه ترك عبد الله وهو مؤمن جاء ليسأله عن حكم من ~~أحكام الشرع، وأعرض عنه ليتفرغ لبعض صناديد الكفر، فهو صلى الله عليه ~~وسلم بتفكيره البشري حريص على هداية هؤلاء، أما عبد الله فهو مؤمن بطبيعة ~~الحال. إذن: رسول الله يشق على نفسه في سبيل دعوته، ثم اقرأ إلى نهاية ~~القصة # وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر فتنفعه ~~الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى * وما ~~عليك ألا يزكى * وأما من جآءك يسعى * وهو ~~يخشى * فأنت عنه تلهى # [عبس: 3-10]. فكأن الحق سبحانه يقول لنبيه: يا محمد ليست مهمتك أن يؤمن ~~الناس، مهمتك أن تدلهم وأن ترشدهم فقط # فإنما عليك البلغ.. # [آل عمران: 20] وخاطبه في موضع آخر بقوله: # لعلك باخع نفسك ms9387 ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. وفي الكهف: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6] يعني: ما عليك إلا أن تبلغ، أما مسألة الإيمان فأريدهم ~~مؤمنين قلبا لا قالبا، طواعية لا إجبارا. وقال تعالى: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4] أي: أجبرناهم على الإيمان. وقوله سبحانه: { والله ~~يعلم متقلبكم ومثواكم } [محمد: 19] معنى { ~~متقلبكم. # . } [محمد: 19] ذهابكم إلى أعمالكم وسعيكم في أنحاء الأرض الواسعة طلبا ~~للرزق. و { ومثواكم } [محمد: 19] مرجعكم إلى بيوتكم ومأواكم إلى ~~مضاجعكم بالليل. والمعنى: أنه سبحانه يعلم كل أحوالكم ولا يخفى عليه شيء ~~من أموركم. وسبق أن تحدثنا عن فضل السعي في مناكب الأرض واستنباط ~~خيراتها، لأنك في بيتك ستأخذ خيرات هذه البيئة وحدها، أما حين تنتقل في ~~شتى نواحي الأرض فإنك تجد ألوانا أخرى من الخيرات. الخالق سبحانه وزع ~~خيره على جميع أرضه، فكل أرض ولها عطاء، الصحراء لها عطاء، والأرض ~~الزراعية لها عطاء، ليس هناك أرض فقيرة وأخرى غنية، بحيث لو أخذت قطاعا ~~طوليا من الكرة الأرضية لوجدت فيه من الخيرات مثل ما في القطاعات ~~الأخرى. وقد كنا نظن أن الصحراء الجرداء لا خير فيها، والآن هي مصدر ~~الرزق الوفير لأصحابها الذين صبروا على شظف العيش فيها أعمارا طويلة. ~~لذلك يقول تعالى: # قل سيروا في الأرض فانظروا.. # [النمل: 69] وقال: # قل سيروا في الأرض ثم انظروا.. # [الأنعام: 11] أي: تأملوا ما فيها من آيات وعبر، والإنسان يسافر ويتنقل ~~إما للسياحة، وإما لطلب الرزق، وفي كلتا الحالتين ينبغي ألا يغفل عن ~~الاعتبار والنظر في آيات الكون. وفي موضع آخر قال تعالى: # ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها.. # [النساء: 97] فالتقلب هو الخروج من المكان الذي تستوطنه إلى مكان لا ~~تستوطنه، وهذا يحتاج إلى قدرة مالية وصحبة وقوة، لذلك قال سبحانه # أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين # [النحل: 46]. قالتقلب إذن دليل القوة، فالرجل الغني هو الذي يسافر كل ~~يوم إلى مكان يتقلب في أنحاء الأرض، أما الفقير فيلزم مكانه لا يبرحه. ms9388 ### || [47.20] # كلمة { لولا نزلت سورة.. } [محمد: 20] ساعة تسمع كلمة لو ~~كأنها تمن للشيء أن يحدث، فهم يتمنون أن تنزل على رسول الله سورة ~~تأمرهم بالقتال، والسورة نزلت بالفعل لكن نزلت تأمرهم بالصبر وتحمل ~~المشاق وعدم التعرض لأعدائهم. لكن كل شيء له أوانه، وهذا يعني أن حركة ~~المؤمن أصبحت منضبطة بأوامر الحق، وعناد الكفار ووقوفهم في وجه الدعوة لا ~~يعني أن نهجم عليهم ونقاتلهم من تلقاء أنفسنا إنما ننتظر الأوامر. { ~~فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال.. } ~~[محمد: 20] الذي تريدونه { رأيت الذين في قلوبهم مرض.. ~~} [محمد: 20] أي: المنافقين { ينظرون إليك نظر المغشي ~~عليه من الموت.. } [محمد: 20] هذا تشبيه كنظر المغشي عليه من ~~الموت. يعنى: المغمى عليه خوفا وهلعا. والمنافق سهل عليه أن يذهب ~~ويصلي مع الجماعة في المسجد، بل ويقف في الصف الأول، لكن إذا وصلت ~~المسألة للقتال اختلف الأمر وانكشف المستور من النفاق. { فإذآ ~~أنزلت سورة محكمة.. } [محمد: 20] واضحة الدلالة على المعنى ~~المراد { رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون ~~إليك نظر المغشي عليه من الموت.. } [محمد: 20] ~~يقال: جاءك الموت يا تارك الصلاة، هل أذهب للقتال وأضيع نفسي؟! { ~~فأولى لهم } [محمد: 20] أي: الأولى أنهم يطيعون الأمر ويخرجون ~~للقتال، والعلماء فسروا هذه الآية وقالوا: { فأولى لهم } [محمد: ~~20] يعني: الهلاك لهم، وهذا تهديد إن لم يرجعوا عن نفاقهم. ### || [47.21] # قوله تعالى: { طاعة.. } [محمد: 21] بعد # فأولى لهم # [محمد: 20] تجعلنا نصرف نظرنا عن إثبات الهلاك لهم ونقول: طاعة منهم ~~لأمر الله، وقول معروف أولى من موقفهم وأولى من نفاقهم. { فإذا ~~عزم الأمر.. } [محمد: 21] يعني: صمم وجند عزيمته للعمل، كما قال ~~سبحانه: # فإذا عزمت فتوكل على الله.. # [آل عمران: 159] لكن هل الأمر هو الذي يعزم أم صاحبه؟ إذن: هنا مبالغة ~~جعلت من الأمر المعنى شخصا يعزم ويصمم ويعقد العزم على العمل، ذلك لأن ~~الحديث هنا عن القتال، والقتال هو أشق ما يمكن أن يتحمله المرء، لأنه ~~يعني إما الشهادة وإما النصر على العدو. # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله ms9389 بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون # [التوبة: 52]. إذن: { فإذا عزم الأمر.. } [محمد: 21] أبلغ في ~~التعبير عن المعنى من: عزمت أنت على الأمر، فكأن الأمر نفسه هو الذي يلح ~~عليك، ولا يلح عليك الأمر إلا إذا كان فيه خير كثير لك، وهل هناك أفضل من ~~الشهادة في سبيل الله؟ وقصة مخيريق اليهودي مشهورة، فبعد أن أعلن إسلامه ~~نودي للقتال فخرج وقاتل حتى قتل ودخل الجنة وهو لم يصل لله ركعة ~~واحدة. لذلك قال عنه الرسول صلى الله عليه وسلم: # " مخيريق خير يهود " # صحيح احرص على الموت توهب لك الحياة، الحياة الباقية مع الله في الجنة. ~~وقوله: { فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم } [محمد: 21] ~~أي: صدقوه في أوامره ومنهجه لكان خيرا لهم، والخير هنا هو البراءة من ~~الموت بعد ذلك لأنه جاد بنفسه طواعية في سبيل الله فوهبه الله الحياة ~~عنده. ### || [47.22-23] # هذا استفهام من الله بهل، ورجاء من الله بعسى، والله لا يستفهم ليعلم ~~إنما يستفهم ليقرر حقيقة واقعة. كلمة عسى فعل يدل على الرجاء وبعدها ~~الشيء المرجو، والرجاء يكون لأمر محبوب متوقع الحدوث وممكن الحدوث، على ~~خلاف التمني فهو لشيء محبوب، لكن مستحيل أن يتحقق كقول الشاعر: # ألا ليت الشباب يعود يوما # فأخبره بما فعل المشيب # أما الرجاء فتقول: عسى إن ذاكرت أن تنجح، لكن يختلف الرجاء باختلاف ~~القائل والمقول له، فعندما أقول لك: اذهب إلى فلان عسى أن يقضي حاجتك، أو ~~عساني أفعل لك شيئا فالرجاء هنا في بشر، فإذا كان الرجاء في الله كان ~~أقوى كأن تقول: عسى الله أن يغفر لي. فقوله تعالى: { فهل عسيتم ~~إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم } [محمد: 22] لعلكم يحدث منكم هذا ويتوقع منكم، إذن: ظلوا ~~على ما أنتم عليه من الإيمان والطاعة ولا تدخلوا من باب الذنوب والمعاصي. ~~{ إن توليتم.. } [محمد: 22] أي: أعرضتم عن الإيمان، أو توليتم ~~بعض المناصب كالرئاسة مثلا تأتي لك بالمصيبة إليك. { أن تفسدوا ~~في الأرض.. } [محمد: 22] يعني: مع الخلق جميعا { وتقطعوا ~~أرحامكم.. } [محمد: ms9390 22] رقى المسألة إلى الأقارب والأرحام يعني: ~~يتعدى فسادكم الناس جميعا إلى الأقارب والأرحام. أو نقول: { فهل ~~عسيتم.. } [محمد: 22] ما الذي صرفكم عن الحق الذي جاء به محمد، ~~ولماذا تضعون في طريقه العقبات؟، وأولها أن تسخروا منه، وأن تصفوه بما ~~ليس فيه من قولكم: ساحر، وكاهن، وشاعر، وكذاب. ثم آذيتموه في نفسه بالسب ~~وفي بدنه وفي أهله وفي أصحابه، بل بيتم له لتقتلوه، ما الذي جعلكم ~~تفعلون ذلك؟ هل ظننتم ورجوتم أنكم إذا فعلتم ذلك تصبحون على حل ~~شعوركم للإفساد في الأرض وقطع الأرحام. والحق سبحانه يريد أن يعلمنا أن ~~الرسل لا تتدخل ولا تأتي السماء بمنهج جديد إلا إذا عم الفساد ~~المجتمع كله، لأن الفساد له مراحل: أولها: فساد النفس وهذا له رادع من ~~النفس اللوامة، وهي مناعة في النفس الإنسانية تعود بها إلى الجادة ~~وتقوم سلوكياتها. فإذا فسدت النفس وتلاشى دور النفس اللوامة جاء دور ~~الردع من المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم يكن ~~رادع من المجتمع وعم الفساد الجميع هنا تتدخل السماء برسول جديد يأتى ~~بمعجزة ليقنع الناس ليؤمنوا بما جاءهم به. فأنتم حين توليتم عن الدعوة ~~وأعرضتم عنها ووضعتم في طريقها العراقيل تنتظرون أن تظلوا على الفساد ~~الذي نشأتم عليه في الأرض عموما أو في تقطيع الأرحام، لا فأنتم تجنون ~~على أنفسكم، ألم تنظروا إلى من سبقكم من الآباء والأجداد أين ذهبوا، إن ~~مصيركم كمصيرهم، فاحذروا # هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم ~~لا يشعرون # [الزخرف: 66]. وقال: # واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم من ~~قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون ~~* أن تقول نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب ~~الله وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن ~~الله هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ~~ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين # [الزمر: 55-58] إذن: لماذا لا تعملون حسابا لهذا اليوم؟ والذين استشروا ~~في الفساد ظنوا أنه ينفعهم، لكن الفساد في الكون يضر الجميع، فالذين ~~ينهبون أموال الناس ms9391 سيأتي من هو أقوى منهم وينهب أموالهم، فأنت إذن لست ~~بمنجى عن أن يطولك الفساد وتكتوي بناره، لأن المجتمع مركب واحد يضم ~~الجميع. ثم إن القيم ثابتة لا اختلاف عليها، فالخير خير حتى عند أهل ~~الشر، والدليل على ذلك لو أن هناك صحبة من الأشرار، وأراد واحد منهم أن ~~يتزوج أخت الآخر، فقال له: لا لا أزوجك أختي أنا ملقتش غيرك أنت يا حرامي ~~إذن: القيم هي القيم. فالكذاب يحترم الصادق، والمنحرف يحترم المستقيم، ~~وهكذا. إذن: الحق سبحانه يقول لهم لا تفسدوا في الأرض، وأحرصوا على إنهاء ~~الإفساد في مجتمعكم، فإن كانت لكم الآن قوة تفرضون بها الفساد على الناس ~~فسوف يأتي من هو أقوى منكم، ويفرض عليكم مثله وأكثر. وكلمة { ~~توليتم.. } [محمد: 22] أي: أعرضتم تدل على أنهم سمعوا كلاما لا ~~يعجبهم، فلو أعجبهم لسمعوا وما أعرضوا عنه، لكن كيف وهم يريدون الفساد ~~الذي يحقق لهم شهواتهم، فالفساد سبقه تول وإعراض. لذلك يقول تعالى: # أرأيت إن كذب وتولى # [العلق: 13] كذب لأن الكلام لا يوافق هواه، لا أنه لا يوافق الواقع، ~~إذن: أنت مخطئ في هذه المسألة ومخطئ في تكذيبك. ثم نشأ عن هذا الخطأ خطأ ~~آخر بأن توليت وظننت وتوقعت أن تظل على حالك في الإفساد في الأرض ~~وتقطيع الأرحام. والإفساد في الأرض أن تجعل الصالح فيها غير صالح، لأن ~~الخالق سبحانه خلق الكون على هيئة الصلاح المطلق قبل أن يخلق الإنسان، ~~إذن: عليك أن تزيد في صلاح الكون بما لديك من طموح للأفضل وللأرقى، أو ~~أن تيسر الصلاح للناس، وإذا لم تزد في صلاح الكون فلا أقل من أن ~~تتركه على صلاحه لا تفسده. لذلك رأينا أن عورات المجتمع ظهرت بظهور ~~الفساد في الأرض والملوثات في البيئة التي أفسدت الماء والهواء ~~والطعام وكل شيء # ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي ~~الناس.. # [الروم: 41]. والحق سبحانه وتعالى حينما يحذرنا من الإفساد في الأرض ~~إنما يريد منا أن يستطرق الخير في المجتمع كله ويعم الجميع. وقال ~~بعدها: { وتقطعوا أرحامكم } [محمد: ms9392 22] لأن الإفساد في ~~الأرض يكون عاما لكل الناس أقارب وغير أقارب، فخص الأقارب لأنهم ~~الأولى بالمعروف والإحسان لا بالقطيعة والهجر، والأقارب إما ذكور وإما ~~إناث، الذكور لهم قوة تحمل، أما النساء ففيهم ضعف وحاجة. # لذلك كانت قطيعتهم أشد وأعظم عند الله. لذلك يصل المجتمع إلى قمة ~~الفساد حين يصل الفساد إلى هذه المرحلة، مرحلة إهانة المرأة أو قطيعتها ~~وهي من رحمك. وإذا رأيت المرأة في مجتمع مهيضة الجناح، أو وقع عليها ظلم ~~أو تركت لكسب العيش والسعي على المعيشة، فاعلم أن هناك خللا في ~~الأسرة، وأن الرجل فيها لا يقوم بدوره، أو قل ليس عنده شهامة ولا نخوة، ~~فترك زوجته للشقاء ولم يكفها مؤنة لقمة العيش، لكن متى تخرج المرأة ~~للعمل؟ وكيف تخرج؟ نجد الجواب في قصة سيدنا موسى مع ابنتي سيدنا شعيب ~~عليهما السلام، اقرأ: # ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما ~~خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء ~~وأبونا شيخ كبير # [القصص: 23]. إذن: علة الخروج أن أباهما سيدنا شعيب شيخ كبير لا يقدر ~~على القيام بهذه المهمة، ثم لما اضطرتهما الظروف للخروج لم يتخليا عن ~~الوقار والحشمة ولم يختلطا بالرجال # لا نسقي حتى يصدر الرعآء.. # [القصص: 23] يعني: حين ينصرف الرجال. ثم يأتي دور المهمة الإيمانية في ~~المجتمع # فسقى لهما.. # [القصص: 24] لابد أن يوجد هذا النموذج الشهم في المجتمع، وأن يكون ~~للرجولة دور، ذكرت لكم زمان لما سافرت للسعودية سنة خمسين، وفي يوم ~~ركبت السيارة للذهاب إلى الكلية، وفجأة نزل السائق وأخذ طاولة عليها ~~عجين من أمام أحد البيوت، فسألته: لماذا أخذته والباب مغلق؟ فقال: هذا ~~العجين يعني أن صاحب البيت غير موجود، وعلى من يراه أن يأخذه ويخبزه ~~ويعيده إلى مكانه. وقوله تعالى: { أولئك.. } [محمد: 23] أي: الذين ~~ارتضوا التولي والإعراض عن دعوة الحق وتكذيب الداعي ليفسدوا في الأرض ~~ويقطعوا الأرحام. { الذين لعنهم الله.. } [محمد: 23] يعني: ~~طردهم من رحمته وأبعدهم عن رضوانه، والذين يلعنهم الله تلعنهم كذلك ~~الملائكة، ويلعنهم ms9393 اللاعنون في كل زمان ومكان، ويلعنهم كل من شقي ~~بفسادهم. { فأصمهم وأعمى أبصارهم } [محمد: 23] هذه ~~نتيجة طبيعية لمن لعنه الله أن يصم آذانهم عن سماع الحق ويعمي أبصارهم ~~عن رؤية الآيات فلا يتدبرونها. إذن: هم يسمعون ويبصرون، لكن لا يسمعون ~~إلا الشر، ولا يرون إلا الباطل، فقد حجبهم الله عن كل خير، وفتح عليهم ~~باب كل شر جزاء وفاقا، لأنهم أغلقوا قلوبهم عن الحق وأحبوا الباطل ~~فأعانهم الله عليه ويسر سبله لهم. ### || [47.24] # قوله تعالى: { أفلا.. } [محمد: 24] استفهام يفيد الحض والحث على ~~التدبر { يتدبرون.. } [محمد: 24] يتأملون معانيه وينظرون في آياته ~~ومعجزاته ويتبصرونها { القرآن.. } [محمد: 24] هو كلام الله المنزل ~~على قلب رسوله والذي يحمل منهجه إلى الناس، وهو معجزة تدل على صدق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. وتدبره يعني تأمله، بحيث لا نقف عند ظاهر ~~الآيات وسطحيتها، بل نغوص في أعماقها ونتأمل معطياتها، ونتلمس أسرارها، ~~ففي القرآن كنوز نكتشف منها كل يوم جديدا. # بين فيه كل شيء ومنه # آخذ قدر ذهنه كل تالي # وقوله: { أم على قلوب أقفالهآ } [محمد: 24] يعني: لا ~~يتدبرون القرآن بل على قلوبهم أقفال فلا تفهم ولا تتأمل، على قلوبهم ~~مغاليق تحول بينهم وبين التفاعل مع كلام الله. والله غني عن إيمان ~~المؤمنين، وغني عن طاعة الطائعين، فهو سبحانه لا تنفعه طاعة ولا تضره ~~معصية، وله صفات الكمال المطلق قبل أن يخلق هذا الخلق. فبصفات الكمال ~~فيه سبحانه خلق، وبصفات الكمال فيه ربى ورزق، وبقيوميته أبقى نعمه على ~~خلقه حتى الكافر منهم. تذكرون قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - حينما ~~جاءه ضيف يطرق بابه يريد حاجة، فخرج له سيدنا إبراهيم وسأله بداية عن ~~دينه، فقال: أنا مجوسي فأغلق الباب فى وجهه. ولما انصرف الرجل عاتب الله ~~تعالى نبيه إبراهيم في هذا الرجل، وقال له: أمن أجل بيتوتة ليلة تريد منه ~~أن يغير دينه وأنا أسعه طوال عمره وهو كافر بي، فخرج سيدنا إبراهيم في ~~أثر الرجل حتى لحق به وقال له: تعال فقد عاتبني ربي فيك، فقال: نعم ms9394 الرب ~~الذي يعاتب أنبياءه في أعدائه وشهد ألا إله إلا الله. إذن: الحق سبحانه ~~وسع كل الخلق بعطاء الربوبية، أما عطاء الألوهية فقد خص به المؤمنين ~~به. ### || [47.25-26] # الحديث هنا عن المنافقين، وقد بينا أن النفاق لم يظهر في مكة رغم ~~عدائها للدين، لكنه ظهر في المدينة التي احتضنته، ومنها انطلق للعالم ~~كله، والسبب في ذلك أن الضعيف لا ينافق إنما ينافق القوي، فلما قوي ~~المسلمون في المدينة وجد بينهم النفاق. يقول تعالى عنهم: { إن ~~الذين ارتدوا على أدبارهم.. } [محمد: 25] يعني: كانوا ~~مؤمنين باللسان إنما قلوبهم ليست مؤمنة { من بعد ما تبين ~~لهم الهدى.. } [محمد: 25] ظهر لهم الحق والرشاد والصراط المستقيم ~~الذي جاء به محمد. { الشيطان سول لهم.. } [محمد: 25] سول لهم ~~يعني: هيأ لهم وزين لهم وحسن في نظرهم هذا المسلك المنحرف عن الحق ~~فسول بمعنى وسوس، كما قال تعالى حكاية عنه: # قال فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم # [الأعراف: 16] وقال: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82]. ثم يلزم حدوده فيقول # إلا عبادك منهم المخلصين # [ص: 83] فهؤلاء لا سلطان لي عليهم ولا مدخل لي إليهم. والعجيب أن يكشف ~~إبليس عن خططه في الإغواء، فيقول: # لأقعدن لهم صراطك المستقيم # [الأعراف: 16] يعني: في طريق الطاعة ليفسدها عليك، لذلك قلنا: الشيطان ~~يأتي المسجد ولا يأتي الخمارة. وقال: # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم.. # [الأعراف: 17] من كل ناحية، وبأي شكل ومن أي باب يجد فيه ضعفا منك ~~يأتيك من باب المال وحب التملك، أو من باب النساء، أو من باب الشهرة وحب ~~الظهور.. إلخ فلكل واحد من الناس مفتاح يدخل إليه من خلاله. ومن رحمة ~~الله بنا أن علمنا كيف نتحصن منه، فقال تعالى: # وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ ~~بالله.. # [الأعراف: 200] لأنك لا تقدر على رده بنفسك فاستعن عليه بمن خلقه، ~~فإذا استعذت بالله منه خنس وتضاءل، لذلك سماه الوسواس الخناس. أما إن ~~حاولت رده عنك بنفسك فإن المعركة بينكما ستطول، لأنه أقوى منك وصاحب ~~خبرة في الغواية والإضلال ms9395 يلون لك الوسائل ويلف حولك الحبال من حيث لا ~~تدري حتى يوقعك في مصائده. ومن غباء الشيطان أن يكشف لنا خططه في ~~الإغواء، فالذي يدبر لك خطة ليوقعك بها لا يكشف عنها، لكنه أراد من ذلك ~~أن يقيم الحجة على كل من طاوعه وسمع كلامه، لذلك سيقول بعد ذلك: # وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ ~~أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22]. والإنسان يستطيع أن يعرف مصدر الوسوسة، أهي من نفسه أم ~~من الشيطان؟ فالشيطان يريدك عاصيا على أي لون وبأي طريقة، فإذا لم ~~يفلح معك من باب المال جاءك من باب الشهرة، فإن لم يفلح جاءك من باب ~~النساء، وهكذا حتى يوقعك. # أما النفس فلها شهوة بعينها تقف بك عندها وتلح عليك. ثم تلاحظ أن ~~الشيطان - كما قال - يأتيك من كل اتجاه إلا من جهتين، هما أعلى وأسفل، ~~لماذا؟ قالوا: لأنهما يمثلان العلاقة بين العبد وربه، حيث سمو الألوهية ~~حيث يتجه بنظره إلى أعلى وذل العبودية حين يسجد واضعا جبهته على الأرض ~~اعترافا لربه بالعبودية، لذلك لا يأتي من ناحيتهما الشيطان. وقوله: { ~~وأملى لهم } [محمد: 25] أمهلهم وأمد لهم الأماني ليستمروا في ~~ضلالهم ويتمادوا في شهواتهم { ذلك بأنهم قالوا للذين ~~كرهوا ما نزل الله.. } [محمد: 26] هم اليهود: بنو النضير ~~وبنو قريظة { سنطيعكم في بعض الأمر.. } [محمد: 26] أي: ~~نؤيدكم ونساندكم في بعض الأمور التي تعرقل مسيرة دعوة محمد. وفي آية أخرى ~~بين الحق سبحانه ما أبهمه في كلمة بعض الأمر حيث قال سبحانه: # ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم ~~لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن ~~قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون ~~* لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ~~ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ~~ينصرون # [الحشر: 11-12]. { والله يعلم إسرارهم } [محمد: 26] أي: ~~ما يسرون وما يخفون من الكيد للإسلام، وما دام أن الله يعلم ذلك فسوف ~~يبطله. ### || [47.27] # يعني: ما ms9396 حالهم وهم يفعلون ذلك؟ وكيف بهم إذا جاءتهم الملائكة يتوفونهم ~~ويضربون وجوههم وأدبارهم؟ كيف بهم عند ذلك؟ أيستطيعون أن يدفعوا عن ~~أنفسهم؟ إذن: لماذا يعاندون؟ ولماذا يقفون في وجه الدعوة ويتآمرون عليها؟ ~~وكان أولى بهم أن يساندونها. ### || [47.28] # قوله تعالى: { ذلك.. } [محمد: 28] إشارة إلى سوء عاقبتهم وما يكون من ~~ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم، لماذا؟ { بأنهم اتبعوا مآ ~~أسخط الله.. } [محمد: 28] اتبعوا الباطل الذي أسخط الله عليهم ~~وأكثر من ذلك { وكرهوا رضونه.. } [محمد: 28] كرهوا الحق الذي ~~يؤدي إلى رضوان الله { فأحبط أعملهم } [محمد: 28] أبطلها ~~وجعلها بلا فائدة. فهل كان لهم أعمال تستحق الثواب فأبطلها الله؟ قالوا: ~~نعم كانوا يكرمون الضيف ويغيثون الملهوف وأمثال ذلك من خصال الخير، لكن ~~فعلوا الخير وليس في بالهم الله، فعلوه للشهرة والسمعة وحديث الناس إذن، ~~فليأخذوا أجورهم ممن فعلوا له، حيث لا نصيب لهم في ثواب الآخرة. قال ~~تعالى: # وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء ~~منثورا # [الفرقان: 23] وقال: # مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد ~~اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما ~~كسبوا على شيء.. # [إبراهيم: 18]. ### || [47.29] # يعني: أظن هؤلاء الذين في قلوبهم { مرض.. } [محمد: 29] نفاق { أن ~~لن يخرج الله أضغانهم } [محمد: 29] أي: يظهر أحقادهم ~~ويكشف خباياهم، بل هو قادر سبحانه على ذلك، وقد كشفهم لرسوله وبينهم له، ~~وعرى أحقادهم الدفينة، لذلك قال في الآية بعدها: { ولو نشآء ~~لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم... }. ### || [47.30] # والأعمال تشمل الأقوال والأفعال. فلا يخفى على العاقل أن يعرف المنافق ~~من سيما وجهه وملامحه، فالكذاب له سيما تدل عليه، والصادق في وجهه من ~~التألق ما يدل على صدقه وهكذا. وقوله { في لحن القول.. } [محمد: ~~30] أي: في زلة اللسان أو في ليه بالألفاظ والتلاعب بها كما قال اليهود ~~له صلى الله عليه وسلم: # " السام عليك يا محمد، وقد فطنت لها السيدة عائشة فردت عليهم بما ~~يستحقون " # ، لذلك قال الشاعر الجاهلي: # ومهما تكن عند امريء من خليقة # وإن خالها تخفى على الناس تعلم # وقد فضحهم الله تعالى في قوله: # ومنهم الذين يؤذون ms9397 النبي ويقولون هو أذن ~~قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين ~~يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم # [التوبة: 61]. قولهم عن رسول الله # هو أذن.. # [التوبة: 61] كما نقول نحن: فلان ودني يعني: كثير السماع، فرد الله ~~عليهم # قل أذن خير لكم.. # [التوبة: 61] نعم هو أذن، لكن أذن خير يسمع الخير ويدلكم عليه. قوله: { ~~بسيماهم.. } [محمد: 30] أي: بعلاماتهم الواضحة على وجوههم { في ~~لحن القول.. } [محمد: 30] صرفهم للألفاظ عن معانيها المتعارف ~~عليها. ### || [47.31] # الكلام هنا للمؤمنين الذين آمنوا بالله وصدقوا برسول الله، يقول الله ~~لهم { ولنبلونكم.. } [محمد: 31] نختبركم ونمتحنكم بالشدائد ~~والمشاق. { حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ~~ونبلوا أخباركم } [محمد: 31] لنعرف من يثبت مع البلاء ممن ~~هو في شك وتردد، يريد الله أن يمحص المؤمنين، وأن يختبر قوة إيمانهم ~~وصبرهم وتحملهم للمشاق، فعلى أكتاف هؤلاء ستقوم الدعوة وهي دعوة عالمية ~~لا يصمد لها إلا راسخ الإيمان ثابت العقيدة لا يتزعزع على حد قول ~~القائل: # ولست أبالي حين أقتل مسلما # على أي جنب كان في الله مصرعي # هؤلاء الذين حرصوا على الموت حرص غيرهم على الحياة، فأعطاهم الله ~~منزلة الشهادة وبرأهم من الموت بعد أن ضحوا بأرواحهم في سبيله، ووصل ~~حياتهم في الدنيا بحياتهم في الآخرة. وقوله: { والصابرين.. } ~~[محمد: 31] أي: على المشاق مشاق الدعوة ومشاق التكليف، وحين تتأمل حال ~~هذه الأمة قبل الإسلام تجد كأن الله تعالى يعدها لحمل رسالة الإسلام، ~~فهي أمة حرب وقتال، تعلم فنونه وتجيد الكر والفر، وهي أمة بدوية لا ~~تستقر في مكان، بل بيوتهم على ظهور الدواب، وهي أمة أمية ليس لها نظام ~~ولا قانون ولا منهج حياة. كل هذا أهلها لأن تحمل دعوة الحق إلى الدنيا ~~كلها، تحارب الباطل وتفقه الناس في دين الله، قال سبحانه وتعالى: # فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ~~ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم.. # [التوبة: 122]. إذن: الإسلام في صراعه مع أعدائه يحتاج إلى قوتين ~~للجهاد: قوة تجاهد لحفظ الكلمة، وقوة تجاهد لإثبات صدق الكلمة، لذلك ms9398 كان ~~الاختبار والابتلاء ضرورة، والاختبار { ولنبلونكم.. } [محمد: ~~31] لا يمدح ولا يذم لذاته إنما بحسب نتيجته، فالذي يدخل الاختبار ~~وينجح نمدحه والذي يفشل نذمه. وقوله: { حتى نعلم.. } [محمد: 31] ~~الله يقول ذلك وهو يعلم، إذن: المراد نعلم علم الواقع بالفعل ليكون ~~الواقع حجة على صاحبه، حتى لا يقول لو دخلت الاختبار لنجحت. وكلمة { ~~والصابرين.. } [محمد: 31] دلت على أن في التكاليف مشقة وتضييقا ~~على النفس، لذلك بعض الناس يتحملها ويصبر، وبعضهم يضيق بها ويجزع. قال ~~تعالى: # واصبر وما صبرك إلا بالله.. # [النحل: 127] فالله هو الذي يعينك على الصبر بأن يبين لك عاقبته ~~الحميدة. وقال سبحانه: # وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر # [العصر: 3] تواصوا يعني يوصي كل منكم الآخر به، لأن الإنسان مرة يصبر ~~ويتحمل، ومرة يضعف ويجزع، فمرة توصيني ومرة أوصيك، وكلمة الوصية بلفظها ~~لا تكون إلا في الشيء الغالي الثمين الذي يستحق الاهتمام، ويستحق أن ~~نحرص عليه. ### || [47.32] # إذن هؤلاء لم يكتفوا بأن كفروا في أنفسهم، بل تعدوا ذلك { ~~وصدوا عن سبيل الله.. } [محمد: 32] منعوا الناس أن يؤمنوا ~~بالله ووقفوا في وجه الدعوة وحاربوها. ثم { وشآقوا الرسول.. } ~~[محمد: 32] يعني: خالفوه وعادوه، بحيث كانوا في شق وهو في شق { من ~~بعد ما تبين لهم الهدى.. } [محمد: 32] أي: الحق الواضح. ~~والنتيجة { لن يضروا الله شيئا.. } [محمد: 32]. فهذه كلها ~~محاولات فاشلة لن تغني عنهم شيئا، ولن تؤثر في مسيرة الدعوة، لماذا؟ لأن ~~الحق سبحانه ما كان ليبعث رسولا إلى الخلق ثم يسلمه إليهم ليقتلوه، هذه ~~سنة من سنن الله في الكون لم يقتل رسول. نعم أخبرنا الحق سبحانه عن بني ~~إسرائيل أنهم كانوا يقتلون الأنبياء، ولم يقل الرسل: # قل فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل إن كنتم ~~مؤمنين # [البقرة: 91] وتأمل هنا كلمة { من قبل } فليس لأحد من اليهود أو حتى ~~من المسلمين أن يقول أنه من الممكن أن اليهود يقتلون رسول الله كما ~~قتلوا أنبياءهم، لأن هذا القتل كان قبل محمد. إذن: اطمئنوا لن ينالوا من ~~رسول الله شيئا، فهذه الآية أحدثت اطمئنانا عند المسلمين ويأسا عند ms9399 ~~الكافرين من هذه المسألة، وهم بالفعل قد حاولوا لكن هيهات لهم ذلك. ثم إن ~~كفره في نفسه له جزاء، وصده لغيره عن الإيمان له جزاء آخر، لأنه ضل ~~وأضل، ونفهم من كلمة { وصدوا عن سبيل الله.. } [محمد: 32] أن ~~سبيل الله طريق معتدل مستقيم يجذب الناس إليه بالمنطق المعتدل، وبحلو ~~الكلام، وبالأسلوب الجميل الشيق الذي تلين له القلوب رغم غلظتها. فطبيعي ~~من الكافرين أن يقفوا على هذه الطريق يمنعون الناس عن الإيمان وعن سماع ~~القرآن، لذلك حكى القرآن عنهم قولهم: # وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن ~~والغوا فيه لعلكم تغلبون # [فصلت: 26] فهم على يقين من أن سماع القرآن سيؤثر فيهم ويعطف قلوبهم ~~إليه. ولم يكتفوا بعدم السماع، إنما # والغوا فيه.. # [فصلت: 26] شوشوا عليه حتى لا يصل إلى أسماع الآخرين، ذلك لأنهم أهل ~~لغة وأهل فصاحة يتذوقون الألفاظ والأساليب وينفعلون لها. وقوله تعالى: { ~~وسيحبط أعمالهم } [محمد: 32] يعني: يبطلها ويجعلها غير ذات ~~جدوى، ومعنى أعمالهم أي: أعمالهم في الصد عن سبيل الله، أو أعمالهم ~~الخيرة التي فعلوها في الدنيا، ومن أعمالهم أنهم كانوا ينفقون الأموال ~~ليصدوا الناس بها عن الحق. وفي هذا يقول الله تعالى: # إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن ~~سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ~~ثم يغلبون.. # [الأنفال: 36]. فقد أنفقوا أموالهم دون فائدة أخذها الناس منهم وضحكوا ~~عليهم، كما يحدث عندنا مثلا في الانتخابات، يشترون الأصوات بالأموال، ~~فيأخذ الناس الأموال ولا يعطونم أصواتهم لأنهم لا يستحقونها. # القسم الثاني من أعمالهم بعد المال هو القتال، والقتال له واقع في ~~صراعهم مع الحق، والله يدعوهم: يا من تحملون السلاح لتشاقوا الرسول، ~~اعتبروا من الواقع الذي أمامكم: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها.. # [الرعد: 41] ألم يروا أن أرض الإسلام كل يوم في ازياد، وأرض الكفر كل ~~يوم في انحسار ونقصان. وفي بدر يقول سبحانه: # وإذ يعدكم الله إحدى الطآئفتين أنها لكم.. # [الأنفال: 7] طائفة العير التي تحمل البضائع والأموال وكان حراسها ~~قليلين، وطائفة النفير التي خرجت لحماية القافلة والتي كان ms9400 يقودها أبو ~~سفيان. فكان المسلمون يريدون طائفة العير التي فيها الأموال، لكن لله ~~تعالى شأن آخر، هم يريدون المال، والله يريد إحقاق الحق وإعلاء كلمته ~~ودحر الكفر، وحتى لا تكون هناك شبهة تؤخذ على المسلمين، وأنهم ما خرجوا ~~إلا للمال والغنائم التي تعوض خسارتهم في مكة. يقول تعالى: # وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم.. # [الأنفال: 7] أي: العير # ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع ~~دابر الكافرين * ليحق الحق ويبطل الباطل ~~ولو كره المجرمون * إذ تستغيثون ربكم ~~فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين # [الأنفال: 7-9]. نعم لجأ الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه واستغاثه: # " اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في ~~الأرض " # وسيدنا أبو بكر يقول للرسول: يا رسول الله بعض مناشدتك ربك. وكان صلى ~~الله عليه وسلم يتطلع إلى النصر على طائفة النفير ذات الشوكة لأنه لا ~~يريد المال، إنما يريد أن يحق الحق ويزهق الباطل، وعلى مقدار الصبر ~~يكون المدد من الله، فإن أردت أن تكبر المدد فكبر الصبر وكبر ~~الرضى وكبر العزيمة. الله تعالى لو شاء لانتصر منهم بدون قتال، لكن أراد ~~أن تقاتلوهم لتظهروا قوتكم وتفوقكم عليهم # قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم ~~وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين # [التوبة: 14] ولو هزمهم بآية كونية من عنده سبحانه لقالوا: ظاهرة طبيعية ~~كونية، لا قدرة لنا عليها. كذلك في يوم حنين # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين ~~إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ~~وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم ~~مدبرين # [التوبة: 25]. فلما اغتر المسلمون بكثرة العدد لقنهم درسا يؤدبهم ~~به، وتفوق عليهم أعداؤهم، ثم تداركهم برحمته، وكتب لهم النصر في نهاية ~~المعركة، ففي نفس اللقاء أدب المؤمنين برسول الله، وأدب الذين شاقوا ~~رسول الله. وهذا يعلمنا درسا هو أن الهزيمة للمؤمنين، ليست لهوانهم ~~على الله، إنما تربية لهم ليصححوا المفاهيم ويعدلوا المسيرة، وهذا ~~الدرس واضح في غزوة أحد كما تعلمون. فلما خالفوا أوامر القائد هزموا، ~~ولو انتصروا ms9401 في هذه الغزوة لهان عليهم بعد ذلك أمر رسول الله، ولقالوا: ~~خالفنا أوامره في أحد وانتصرنا. لذلك يقولون في هذه الغزوة: هزم ~~المسلمون وانتصر الإسلام. إذن أحبط الله أعمالهم في الجانبين، جانب ~~المال، وجانب القتال. ### || [47.33] # النداء هنا للذين آمنوا، فالإيمان هو حيثية الأمر في { أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول.. } [محمد: 33] وفي النهي { ولا ~~تبطلوا أعمالكم } [محمد: 33] فالمؤمن هو الذي يسمع النداء ~~ويطيع الأوامر، لأنه يعلم أنها من رب حكيم هو الخالق والرازق والقيوم. ~~الخير في طاعته، والخسران في مخالفة أمره، لذلك المؤمن حين ينزل به بلاء ~~أو شدة يعود إلى نفسه. ويقول: ماذا فعلت؟ لا بد أنني خالفت منهج ربي ~~فيصحح ما كان منه. ونقف هنا عند تكرار فعل الأمر { أطيعوا.. } ~~[محمد: 33] مرة معه الله، ومرة مع رسول الله، لابد أن لها ملحظا، نعم ~~قالوا: لأن الله يشرع المبدأ العام على سبيل الإجمال، والرسول يشرع ~~ما يبين وما يفصل هذا الإجمال كما في الصلاة مثلا: فالله فرضها ~~إجمالا والرسول بين لنا أوقاتها وعدد ركعاتها، وكل ما يتعلق بها. ~~إذن: لله تعالى طاعة في المبدأ المجمل، وللرسول طاعة في التفصيل، فإذا لم ~~يكرر الفعل كما في # وأطيعوا الله والرسول.. # [آل عمران: 132] فالأمر واحد توارد عليه كلام الله وكلام رسول الله. ~~ويأتي الأمر بصورة أخرى: # وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم.. # [النساء: 59] فلم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم، لكن جعل طاعتهم من باطن ~~طاعة الله وطاعة رسول الله، فلا طاعة لهم خاصة. ولا طاعة لهم منفصلة عن ~~طاعة الله وطاعة رسول الله، لأنه كما تعلمون لا طاعة لمخلوق في معصية ~~الخالق، وهذه قاعدة شرعية. وقوله: { ولا تبطلوا أعمالكم } ~~[محمد: 33] لأنكم تعملون أعمالا حسنة وأفعالا طيبة، فحافظوا عليها ولا ~~تبطلوها بفعل السيئات، على حد قول الشاعر: # ولم أر في عيوب الناس عيبا # كعجز القادرين على التمام # والإمام الشافعي يقول: # إذا كنت في نعمة فارعها # فإن المعاصي تزيل النعم # فمن العيب أن ينتكس المسلم ويفعل السيئة بعد أن وفق للحسنة، ويقول ~~تعالى: # إن الحسنات يذهبن ms9402 السيئات ذلك ذكرى ~~للذاكرين # [هود: 114]. وفي الحديث الشريف: # " وأتبع السيئة الحسنة تمحها ". # فمن رحمة الله بنا أن الحسنة تمحو السيئة، لكن السيئة لا تمحو الحسنة ~~لكن يلزمها الاستغفار. ومن أخطر الأمراض التي تبطل العمل الصالح أن ~~يداخله رياء أو سمعة أو نفاق أو شبه شرك، والعياذ بالله. ### || [47.34] # قوله تعالى: { ثم ماتوا وهم كفار.. } [محمد: 34] يعني: ~~ماتوا على الكفر ولم يستدركوا الأمر بالتوبة قبل أن يداهمهم الموت { ~~فلن يغفر الله لهم } [محمد: 34] هذا يعني أنهم لو تابوا قبل ~~الغرغرة وفي فسحة الدنيا لغفر لهم. وفي آية أخرى يقول تعالى: # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء.. # [النساء: 48] والموت على الكفر بعد أن بان الهدى وظهر للناس دليل على ~~الإصرار، فكيف تناله رحمة الله؟! ### || [47.35] # معنى: { فلا تهنوا.. } [محمد: 35] لا تضعفوا في مواجهة الأعداء ~~لأنكم أمامهم في معركة، ولو لمسوا فيكم بوادر الضعف لتجرأوا عليكم وطمعوا ~~فيكم، ومن مظاهر الضعف أن تدعوهم إلى المسالمة والموادعة { وأنتم ~~الأعلون.. } [محمد: 35] فتصرفوا من هذا المنطلق، ومن هذا الاعتقاد ~~أنكم الأعلون عليهم. ولم لا { والله معكم.. } [محمد: 35] ~~يقويكم ويحمي ظهوركم، وهو سبحانه الركن الشديد الذي لا يخذل أبدا ~~من لجأ إليه، وهو صاحب هذا المنهج الذي تقاتلون من أجله، فكيف يتخلى ~~عنكم أو يسلمكم لأعدائكم؟! إذن: إذا حمي الوطيس واشتدت الحرب ~~فاثبتوا، ولا ترهبكم منهم عدة ولا عدد ولا حيلة ولا مكر، لأن الله معكم. ~~لذلك في قصة سيدنا موسى عليه السلام لما كاد فرعون أن يلحقه هو وجنوده، ~~حتى كان البحر من أمامه وجنود فرعون من خلفه، وقال أحد جنود موسى: # إنا لمدركون # [الشعراء: 61] ماذا قال موسى؟ # قال كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62] قالها بملء فيه وهو واثق من نصر الله. ونفهم من قوله ~~تعالى: { وتدعوا إلى السلم.. } [محمد: 35] نهى عن أن نطلب ~~نحن السلام ولا نرفع نحن الراية البيضاء، بل نتركهم يطلبون هم، لذلك يقول ~~سبحانه في الآية الأخرى: # وإن جنحوا للسلم فاجنح لها.. # [الأنفال: 61] ذلك ms9403 لأنهم يفهمون أن السلام من طرفكم ضعف واستسلام، ~~وأيضا لا تطلبون السلام لأنكم الأعلون والأعز والأقوى. { والله ~~معكم.. } [محمد: 35] ومن كان في معية الله يخلع الله عليه من ~~صفاته، أرأيتم في قصة الغار كيف وقفوا على فتحة الغار، حتى قال الصديق: # " يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". # وما دام الله ثالثهما، فهم في معيته تعالى، وما دام الله لا تدركه ~~الأبصار، فكذلك من كان في معيته لا تدركه الأبصار. معنى { ولن ~~يتركم أعمالكم } [محمد: 35] وتر الشيء يعني: فقده، والمعنى: ~~لن ينقصكم من أجور أعمالكم شيئا، بل سيوفيكم إياها وزيادة. ### || [47.36-37] # القرآن الكريم أعطانا صورا متعددة للحياة الدنيا تدل في مجملها على ~~أنها حياة قصيرة هينة تغر الناس وتخدعهم، من هذه الصور قوله تعالى: # واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه ~~من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما ~~تذروه الرياح # [الكهف: 45]. وهنا: { إنما الحيوة الدنيا لعب ~~ولهو.. } [محمد: 36] وهذا أسلوب قصر يؤكد أن الدنيا ما هي إلا كذلك ~~لعب ولهو، فليحذرها العاقل ولا يغتر بها. اللعب أن تنشغل بشيء لا يضر ~~لكنه لا ينفع، لذلك أخذت بعض المجتمعات المتقدمة ترشد لعب الأطفال، ~~بحيث تؤدي الغرض في تسلية الطفل، وأيضا تعلمه شيئا للمستقبل. لذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل ". # واللعب بالنسبة للطفل يكون قبل التكليف، أما اللهو فهو الانشغال بعمل لا ~~يفيد ولا ينفع ويلهيك عن عمل مفيد نافع، كالذي يجلس على القهوة مثلا ~~يلعب الشطرنج، ويؤذن للظهر فلا يقوم للصلاة. وفي سورة الجمعة: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ~~وتركوك قآئما قل ما عند الله خير من اللهو ~~ومن التجارة والله خير الرازقين # [الجمعة: 11]. والمتتبع لآيات القرآن يجدها تصف الدنيا في أكثر من موضع ~~بهذا الوصف، لعب ولهو بهذا الترتيب الوجودي، لأن اللعب للأطفال واللهو ~~للكبار إلا في سورة العنكبوت، فيقول: # وما هذه الحياة ms9404 الدنيآ إلا لهو ولعب وإن ~~الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون # [العنكبوت: 64] لأن الكلام هنا عن الفتن التي تضر بالآخرة وتبعدك عن ~~ثوابها، فذكر اللهو قبل اللعب. ثم يكفي في تحقير الدنيا وهوان شأنها ~~اسمها { إنما الحيوة الدنيا.. } [محمد: 36] فلا أقل من هذا ~~الوصف، وأنت حين تقول الدنيا تتذكر المقابل لها وهي الآخرة، فإن كانت ~~هذه دنيا فهذه عليا، وإن كانت هذه فانية فهذه باقية. ومع ذلك لا ~~تذم الدنيا عموما، وإنما تذم إن حدث فيها ما يذم، وتمدح إن ~~حدث فيها ما يمدح، وهي مزرعة الآخرة ولا تدخل الجنة إلا بعمل الدنيا، ~~فالدنيا موضوع الدين أما الآخرة فجزاء، والجزاء على الشيء ليس هو الشيء. ~~وسبق أن قلنا: إن الدنيا في نظر المؤمن أهم من أن تنسى لأنها توصلك ~~للآخرة، ولكنها أتفه من أن تكون غاية لأن غاية الشيء نهايته والدنيا ~~ليست نهايتك، إنما وراءك غاية أهم منها هي الآخرة، هي الغاية الحقيقية ~~التي ليس بعدها بعد. وقوله سبحانه: { وإن تؤمنوا وتتقوا.. } ~~[محمد: 36] أي: تؤمنوا بالله وتطبقوا منهجه في افعل ولا تفعل { ~~يؤتكم أجوركم ولا يسألكم أمولكم } [محمد: 36] ~~يعني: يعطيكم أجور الأعمال كاملة دون نقصان، ولا يأخذ منك الأموال التي ~~تفضل بها عليكم. # بدليل أنه سبحانه حين يأمرك بأن تتصدق يعتبر هذه الصدقة قرضا يرده ~~إليك مع الزيادة # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له ~~أضعافا كثيرة.. # [البقرة: 245]. وقوله تعالى: { إن يسألكموها فيحفكم ~~تبخلوا ويخرج أضغانكم } [محمد: 37] الحق سبحانه لا ~~يسألنا أموالنا، لأن الإنسان جبل على حب المال ويشق عليه أن يؤخذ منه، ~~فالله يقول: لو سألتكم الأموال سيحتاج السؤال إلى إلحاح. { ~~فيحفكم.. } [محمد: 37] يلح عليكم في السؤال وأنتم تكرهون ذلك لأنه ~~يظهر ما عندكم من البخل، ويظهر ما في نفوسكم من ضغائن وأحقاد. وحين ~~تظهر أضغان النفوس تفسد العلاقات بين أفراد المجتمع وقد رأيتم ذلك مثلا ~~في مسألة التأميم التي حدثت لأن المال عادة تكسبه بتعب وعرق فيعز عليك ~~أن يؤخذ منك ويعطي لغيرك، وهنا يظهر ms9405 الضغن. وقوله تعالى: { إن ~~يسألكموها فيحفكم.. } [محمد: 37] كما في قوله سبحانه: # لا يسألون الناس إلحافا.. # [البقرة: 273]. وقالوا في { ولا يسألكم أمولكم } [محمد: ~~36] أنها تفيد عموم السلب لا سلب العموم، كيف؟ كما نقول مثلا: لم ينجح ~~كل الطلاب، هذا يعني أن البعض نجح، فالسلب هنا للعموم على خلاف لو قلت: ~~كل الطلاب لم ينجحوا. هذا عموم السلب حيث لم ينجح منهم أحد. كذلك { ولا ~~يسألكم أمولكم } [محمد: 36] أي: كلها، فالمعنى أنه يسألكم ~~بعضها كما يحدث في الزكاة والصدقات والفدية والكفارات. ### || [47.38] # قوله تعالى: { ها أنتم هؤلاء.. } [محمد: 38] ها أداة تنبيه ~~لجذب الانتباه، وأنتم ضمير للخطاب، وهؤلاء إشارة لهذا المخاطب أنتم، ~~فالمخاطب هو عين المشار إليه، إذن: جمعت الآية بين أدوات ثلاثة لتأكيد ~~التنبيه ولمزيد الاهتمام. جاء ب هاء التنبيه لأن المتكلم حر يتكلم في ~~الوقت الذي يريده فهو يملك زمام الأمر، أما المخاطب فلا يملك ذلك ولا ~~يدري متى تتكلم ليسمع، لذلك نأتي بأداة التنبيه ليستعد ولا يفوته شيء من ~~الكلام. فالحق سبحانه وتعالى يخاطبهم بكل هذه الأدوات ليؤكد نداءه لهم ~~ودعوته لهم لينفقوا { تدعون لتنفقوا في سبيل الله.. } ~~[محمد: 38] من الذي يدعو؟ الله يدعوهم لينفقوا. تأمل هنا كيف أن الحق ~~سبحانه يحترم ويقدر مجهودات البشر؟ فرغم أنه هو سبحانه الخالق الرازق ~~مسبب الأسباب منحك القوة التي تعمل بها، والعقل الذي تفكر به، والمادة ~~التي تستعملها، ومع ذلك احترم دورك في أن توجه الطاقة المخلوقة لله ~~في شيء نافع مفيد وقال لك: أنفق كأن المال مالك وهو يقترضه منك قرضا ~~حسنا. كما أنك تعطي ابنك مصروفه اليومي فيدخره مثلا في حصالة، ثم يطرأ ~~عليك ظروف تحتاج فيها ما في حصالة الولد. فتقول له: أعطني ما في الحصالة ~~سلف وسوف أرده إليك لما أقبض. يقول تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه ~~له.. # [البقرة: 245] فالحق سبحانه حرم الربا في التعامل بين البشر، لكن أحله ~~لنفسه تعالى حين يقترض منهم، وهذا فضل وتكرم من الله على الخلق في ~~الأولى وفي الآخرة. ms9406 وقوله: { لتنفقوا في سبيل الله.. } ~~[محمد: 38] في كل الوجوه التي يحبها الله في الإنفاق من خلقه لخلقه، ~~وهو سبحانه قادر أن يغني الجميع فلا يحتاج أحد لأحد، إنما أراد سبحانه ~~أن تتواصل القلوب وتتشابك المصالح ويترابط الخلق بمشاعر الإيمان، حيث ~~يعطف الغني على الفقير، ولا يحقد الفقير على الغني، وحيث يرحم القوي ~~الضعيف. لكن لما دعاهم الله للإنفاق كان منهم قسم يبخل { فمنكم من ~~يبخل.. } [محمد: 38] وهؤلاء هم الذين لا يفهمون فلسفة التجارة مع ~~الله ولا عاقبة الإنفاق، لا يعرفون أن النفقة بهذا الشكل تزيد المال ولا ~~تنقصه، واقرأ: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له ~~أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ~~ترجعون # [البقرة: 245]. الإنفاق في سبيل الله مثل رجل حصد القمح وأدخل المخزن ~~عنده عشرة أرادب مثلا عندما يأخذ أردبا منها ليزرع به الأرض من جديد، ~~هل يقول أن القمح نقص أردبا؟ لا لأنه سيأخذه مضاعفا. إذن: لا تنظر إلى ~~ما يخرج لكن انظر أيضا إلى ما سيأتي لتكتمل الصورة ويكون الحساب صحيحا، ~~حتى الربا في تعاملات الناس يعطيك بزياة خمسة أو عشرة في المائة. # أما ربك عز وجل فيعطيك سبعين أو سبعمائة أو أضعاف ذلك، واقرأ: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع ~~عليم # [البقرة: 261]. لذلك وقف المستشرقون عند حديث سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " مكتوب على باب الجنة أن الصدقة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر " # وقالوا: هذا مناقض للقرآن الذي يقرر أن الحسنة بعشر أمثالها، والواقع ~~أنه لا يوجد بينهما تناقض أبدا، لأنني حين أخرج الدرهم قرضا يعطيني ~~عشرة منها الدرهم الذي دفعته. إذن: أعطاني تسعة فحين تضاعف تكون ثمانية ~~عشر. والحق سبحانه وتعالى لما حثنا على القرض علمنا كيف نتعامل مع ~~المقترض، فقال: # وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن ~~تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون # [البقرة: 280]. فالمرحلة الأولى أن تنظره لحين يتيسر له السداد، ms9407 ثم لك ~~بعد ذلك أن تكمل إحسانك وتتسامح في هذا القرض أو بعضه على سبيل الصدقة، ~~وهذا هو الخير لمن تتوق نفسه إلى معالي الأمور. ثم في قوله تعالى: { ~~فمنكم من يبخل.. } [محمد: 38] إنصاف لأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وبيان لشرفها، فالكثرة تنفق والقلة تبخل، في الأمة من أنفق كل ~~ماله في سبيل الله، ومن أنفق شطر ماله في سبيل الله. وقد بلغ البذل ~~والعطاء في هذه الأمة مبلغا لا مثيل له في التاريخ، حيث كان الأنصاري ~~يقول لأخيه المهاجر: انظر إلى نسائي أيهن أعجبتك أطلقها لتتزوجها أنت، ~~مع ما هو معلوم من مكانة المرأة خاصة عند الرجل، لكنها السماحة والتضحية. ~~وفي المقابل تجد هذا الصحابي المهاجر، وهو سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي ~~الله عنه يرفض هذا العرض السخي ويدعو لأخيه ويقول له: لا يا أخي، بارك ~~الله لك في نسائك، لكن دلني على السوق. وذهب عبد الرحمن إلى السوق ~~وتاجر، حتى كان أغنى صحابة رسول الله، حتى قالوا: إنه لو تاجر في التراب ~~لربح فيه. وكان عنده ألف عبد، وجاء رجل يسأل أحدهم: ما حال ابن عوف ~~فيكم؟ فقال: والله لو أقبلت علينا وهو معنا لا تعرفه من بيننا لأنه ~~يلبسنا مما يلبس، ويطعمنا مما يأكل. فرغم ما ركز في النفس الإنسانية من ~~حب المال وحب التملك إلا أنه يوجد من الناس من جبل على الجود والكرم، ~~يعطي بلا حدود، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، انظر مثلا إلى كرم حاتم ~~الطائي وهو يقول لغلامه: # أوقد فإن الليل ليل قر # والريح يا غلام ريح صر # عل يرى نارك من يمر # إن جلبت ضيفا فأنت حر # ويروى أنه جلس جماعة من القوم في ساحة مكة يتحدثون عن أجود أهل زمانهم، ~~واختلفوا في ذلك، واحد قال: أجودهم سعيد بن سعد بن عبادة. # وآخر قال: بل عبد الله بن جعفر. وآخر قال: عرابة الأوسي في المدينة أجود ~~منهما. وكادوا يقتتلون، فقال رجل عاقل منهم: ابعثوا إلى كل واحد من هؤلاء ms9408 ~~رجلا يدخل عليه على أنه عابر سبيل وله حاجة، وانظروا كيف يقابله. فبعثوا ~~رجلا إلى عبد الله بن جعفر، فوجده يركب للصيد، وقد وضع رجلا في ~~الركاب والأخرى على الأرض، فقال له: يا ابن بنت رسول الله، عابر سبيل ~~وطالب حاجة فأنزل رجله من الركاب، وقال له: اركب وهذه حقيبة فيها أربعة ~~آلاف دينار وفيها كسوة كذا وكذا، وفيها سيف علي بن أبي طالب فاحرص عليه. ~~وذهب آخر لسعيد بن سعد بن عبادة وطرق الباب فردت الخادمة: من؟ قال: ~~عابر سبيل، وطالب حاجة. فقالت: إن صاحب البيت نائم، فماذا تريد؟ فقال: ~~طالب حاجة، فقالت: حاجتك أهون من أن أوقظه، والله ما عنده إلا سبعمائة ~~دينار خذها واذهب إلى معاقل الإبل، واختر لك راحلة وخادما يخدمها، فلما ~~استيقظ سعيد قالت له: حدث كذا وكذا، فقال: أفعلت ذلك؟ قالت: نعم، قال: ~~فأنت حرة. ثم تلاحظ أن الأمر بالنفقة هنا لمن؟ للذين آمنوا خاصة الذين ~~ناداهم: # يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول.. # [محمد: 33] ذلك لشرف الإنفاق ومنزلة وثوابه المضاعف يريد ألا يحرم ~~المؤمن نفسه من هذا الخير. حتى كلمة نفقة مأخوذة من سوق نافقة. يعني: ~~رائجة رابحة لأنها تجارة مع الله، فلا تظن أنها تجارة كاسدة خاسرة، نعم ~~سوق أقامها الحق سبحانه بين عباده لحكمة أرادها، فجعل منهم الغني ~~والفقير، والقوي والضعيف، واختبر كلا منهما بالآخر ليحدث هذه الحركة ~~التكاملية في مجتمع الإيمان. لذلك قلنا: إن الله تعالى يريد من المؤمن ~~أن يعمل على قدر طاقته لا على قدر حاجته، لأنه لو عمل على قدر حاجته ~~وحاجة من يعول لن يبقى شيء للضعيف الذي لا يقدر على العمل، ثم إن ~~الأيام دول، وقد يصير القوي إلى حال الضعف فيحتاج، أو يصير الغني إلى ~~حال الفقر، عندها يجد من يعطيه، والإنسان ابن أغيار. إذن: نستطيع أن ~~نقول: إن الإنفاق الذي أمرنا الله به يمثل التأمين لمستقبل المؤمن، فلا ~~يخاف على نفسه ولا على أولاده من بعده إن ألجأته الظروف إلى الحاجة، ~~ويكون على ms9409 ثقة بأن المجتمع المؤمن سيمد له يد العون. والعجيب في أمر ~~النفقة أن الحق سبحانه لم يعف منها أحدا، فمن لا يقدر على نفقة المال ~~تلزمه نفقة المقال، اقرأ قول الله تعلى: # ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على ~~الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور ~~رحيم # [التوبة: 91]. فمن كان واجدا وبخل على غير الواجد أن ينصحه وأن ~~يوقظ غفلته، فإذا لم يفعل كان آثما، فإذا لم يكن لديه هذا ولا ذاك، ~~شرحها الحق سبحانه في قوله: # ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا ~~أجد مآ أحملكم عليه.. # [التوبة: 92] ماذا يصنعون؟ # تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا ~~يجدوا ما ينفقون # [التوبة: 92]. فهذا الذي لا يملك شيئا إلا البكاء والعواطف الجياشة ~~التي تعبر عن شوقه إلى الإنفاق ورغبته فيه، لكنه لا يملك فيكفيه هذه ~~العواطف، وتحسب له الأعمال بالنيات، وقد يشجعه هذا الموقف على أن يسعى ~~ليفعل شيئا ليعطي أي شيء. وليحذر الغني أن يكون فتنة للفقير حين ~~يمنعه حقه فيتذمر ويعترض على قضاء الله الذي حكم عليه بالفقر وعلى غيره ~~بالغنى، لا تجمع عليه الفقر وعدم الرضا بالقضاء. واقرأ: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى ~~عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم ~~فذوقوا ما كنتم تكنزون # [التوبة: 34-35]. والعاقل من خفف حمله يوم تثقل الأحمال على أصحابها، ~~فلا يحملها عنهم أحد، ومن أراد أن يخفف عن نفسه فلا أقل من أن ~~يعطي الزائد عن حاجته لمن يستحق. كلمة { فمنكم من يبخل.. } ~~[محمد: 38] البخل هو قبض اليد عن الإنفاق، وهو عملية حركية تنشأ نتيجة ~~مواجيد راسخة في النفس الإنسانية هي مشاعر الشح التي تدعو صاحبها لعدم ~~الإنفاق. لذلك قال تعالى: # ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون # [الحشر: 9] أي: يتغلب على هذه الطبيعة فيه، ويكبت جماح نفسه حتى تطاوعه ~~فينفق. ثم يبين الحق ms9410 سبحانه عاقبة البخل: { ومن يبخل فإنما ~~يبخل عن نفسه.. } [محمد: 38] يعني: بخله ناشىء من شح نفسه، ~~أو يبخل عن نفسه يحرمها ثواب الصدقة والإنفاق ويحرمها مضاعفة الأجر. إذن: ~~قوله عن أعطتنا معنيين: إما بيان مصدر البخل وهو شح النفس، أو بيان عاقبة ~~البخل، وهي حرمان النفس من الثواب لا حرمان أحد آخر. وقد فهم العلماء ~~العارفون هذه المعنى، فالإمام علي رضي الله عنه لما سئل: أريد أن أعرف ~~أنا من أهل الدنيا أم من أهل الأخرة، قال السائل: الجواب عندك أنت، قال: ~~كيف؟ قال: إذا دخل عليك شخص بهدية وآخر يطلب عطية، فلأيهما تبش ~~وبأيهما تفرح؟ إن كنت تفرح بحامل الهدية فأنت من أهل الدنيا، وإن كنت ~~تفرح بطالب العطية فأنت من أهل الآخرة. لذلك كان بعض الصالحين إذا دخل ~~عليه سائل يقف له ويرحب به ويقول: مرحبا بمن جاء يحمل زادي إلى ~~الآخرة بغير أجرة. وقوله سبحانه: { والله الغني وأنتم ~~الفقرآء.. } [محمد: 38] لأن اليهود قالوا: إن الله فقير ونحن ~~أغنياء، لأنه يقترض منا، فالله يرد عليهم بل الغنى لله، غني في ذاته عن ~~خلقه، ويفيض من غناه فيغني الخلق بأن يزرع بينهم المودة والرحمة ~~ويحببهم في النفقة، فلا يتكبر الغني بغناه، ولا يحقد الفقير على الغني ~~بسبب فقره، فالكل راض يقول: الحمد لله، فكأن الغني كله مصدره الحق ~~سبحانه وتعالى. # ثم يقول سبحانه: { وإن تتولوا.. } [محمد: 38] أي: تعرضوا ~~وتمتنعوا عن الإنفاق الذي أمركم الله به، ولا تصدقوا ما وعدكم الله به ~~من الزيادة، فاعلموا أن الله لن يترك الضعيف والفقير والعاجز عن الكسب، ~~إنما سيستبدلكم بمن هو خير منكم فيستجيبوا لأمر الله وينفقوا على خلق ~~الله. { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا ~~يكونوا أمثالكم } [محمد: 38] لا يكونوا أمثالكم في البخل والشح ~~وقبض اليد عن العطاء، لأنك عبدي وموظف عندي، فإن خالفتني آتي بغيرك ~~يكون أفضل منك، فإذا لم تجد الخير في قوم ستجده في آخرين، وإذا لم تجده ~~في بلد ستجده في بلد أخرى. ومعلوم أنه لما انتشر ms9411 الإسلام في المشارق ~~والمغارب كثر أهل الجود في شتى بلاد الإسلام، ولهم في جودهم قصص وحكايات. ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1] # الحق سبحانه وتعالى هنا يتكلم بصيغة الجمع إنا الدال على العظمة، ذلك ~~لأن الله تعالى يزاول ملكه لا بصفة واحدة، إنما بصفات متعددة وكمالات ~~شتى، في القدرة والعلم والحكمة وغيرها من صفاته سبحانه. لكن حينما يتكلم ~~عن ذاته سبحانه يتكلم بصيغة المفرد الواحد، فيقول مثلا: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا.. # [طه: 14] ليثبت لنفسه تعالى الوحدانية، فإن تكلم عن فعل من أفعاله قال: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9]. ونلاحظ هنا أنه سبحانه أكد ضمير المتكلم إنا بقوله نحن ثم ~~كرر الضمير في نزلنا وفي # وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] ذلك ليؤكد أهمية المنهج الذي جاء به القرآن، وأنه منهج سماوي ~~من عنده سبحانه، وأنه معجز للخلق، وفي هذا بيان لفضل القرآن الكريم. ~~ومادة فتح تأتي بمعان متعددة، نقول، فتح الباب. وهذا المعنى يدل على فتح ~~المغاليق ويكون في الأمر الحسي، كما في قوله تعالى في قصة سيدنا يوسف ~~عليه السلام: # ولما فتحوا متاعهم.. # [يوسف: 65]. وهناك فتح معنوي في الأمر الذي يأتي بالخير كما في قوله ~~تعالى في المنافقين: # أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به ~~عند ربكم.. # [البقرة: 76] أي: ما أعطاكم في التوراة من صفات النبي صلى الله عليه ~~وسلم المذكورة في التوراة. وهناك فتح بمعنى: حكم وفصل كما في قوله تعالى: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت ~~خير الفاتحين # [الأعراف: 89]. ومن معاني الفتح: النصر كما في الآية التي معنا، بدليل ~~قوله تعالى بعدها: # وينصرك الله نصرا عزيزا # [الفتح: 3] لأن الدعوة حين قامت، وعارضها كفار مكة وصموا آذانهم عنها ~~وعاندوها استهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وإيلاما له ولمن آمن ~~بدعوته. كان الحال كأن الباب مغلق في وجه الدعوة، فقال الله له { إنا ~~فتحنا لك فتحا مبينا } [الفتح: 1] أي: فتح ظاهر واضح، فتح ~~لباب انتشار الدعوة وقوتها بحيث يكون لها قوة وشوكة ومنعة، فبعد أن ms9412 كانت ~~قريش تحاصرها لتقضي عليها فتح لها الباب فجابت الجزيرة العربية كلها، ~~وبعد أن كانت قريش تضيق على الدعوة الخناق أصبح العرب كلهم يحتضنونها ~~ويدافعون عنها. وفي آية أخرى شرح لنا مسألة الفتح هذه، فقال سبحانه: # أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من ~~أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه.. # [الرعد: 41] يحكم بنصرة الإسلام وانتشاره في بقاع الأرض، وإذا حكم الله ~~وقضى فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه # ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها.. # [فاطر: 2] وما دام أن الله فتح فلا يضرك أن يغلق البشر. الفعل فتح ~~يتعدى بنفسه في الفتح الحسي نقول: فتح الباب ويتعدى باللام كما في { ~~إنا فتحنا لك. # . } [الفتح: 1] أي: نصرناك ويتعدى ب على في الأمور المعنوية، وفي ~~الخيرات يسوقها الله إليك وينزلها عليك. لذلك مشهور في الدعاء أن نقول: ~~فتح الله عليك، كأن الخيرات ستنزل عليك كالمطر ينزل على رأسك، ومن ذلك ~~قوله تعالى مع الفارق بين الحالين: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء.. # [الأنعام: 44] يعني: أتيناهم بالخيرات من كل ناحية # حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا.. # [الأنعام: 44] أي: فرح البطر والتعالي # فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون # [الأعراف: 95]. لأنه كما سبق أن قلنا: إذا أردت أن توقع برجل لا ~~توقعه من على الحصيرة مثلا، إنما ترفعه إلى أعلى ليزيد الإيلام، كذلك ~~هؤلاء فتح الله عليهم أبواب الخيرات من كل ناحية ليؤمنوا، لكنه نسوا ما ~~ذكروا به، فأخذهم أخذ عزيز مقتدر. والنعمة إذا لم تقابل بالشكر ~~انقلبت إلى نقمة # كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى # [العلق: 6-7] والأخذ حال النعمة والرفاهية أنكى وأوجع من الأخذ حال ~~الفقر، فالأخذ مع النعمة فيه يأس بعد إطماع، مثل السجين الذي يطلب الماء ~~لشدة عطشه، فيأتي له الحارس بكوب الماء حتى يقترب من فمه فيريقه على ~~الأرض. وقوله تعالى: { ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر... }. ### || [48.2-3] # سبق في سورة محمد أن بينا معنى الذنب في حق النبي صلى الله عليه وسلم ms9413 ~~لأنه معصوم وقلنا: إنه من باب: حسنات الأبرار سيئات المقربين، لذلك عد ~~النسيان في حقه ذنبا لأنه نبي موصول بالوحي، مؤتمن على منهج الله، فلا ~~يتصور منه النسيان الذي يحدث من باقي أمته. لذلك تجاوز الله لهم عن ~~النسيان في حين لم يتجاوز عنه لرسول الله، ومثلنا لذلك بنسيان سيدنا آدم # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد ~~له عزما # [طه: 115] وسمي هذا النسيان معصية. فالمغفرة لرسول الله من هذه الأمور ~~أمثال عتاب الله له: # يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ~~تبتغي مرضات أزواجك.. # [التحريم: 1] وقوله: # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا ~~يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون # [الأنعام: 33] وقوله: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6]. فالله يعاتب رسوله شفقة عليه ورحمة به صلى الله عليه وسلم، ~~وكأنه يقول له: يا محمد لا تحزن ولا تحمل نفسك فوق طاقتها، لأن لك ~~رصيدا من الله فالاستغفار من مثل هذه الأمور، لا أنه أذنب ذنبا فيه ~~مخالفة للمنهج حاشاه صلى الله عليه وسلم أن يكون منه ذلك. وكلمة { ~~ليغفر.. } [الفتح: 2] من غفر والغفر هو الستر، وستر الذنب إما ~~أن يكون بعده بمنع العقوبة عليه أو يستر الذنب قبل أن يحدث فلا يحدث ~~أصلا، هذا معنى { ما تقدم من ذنبك وما تأخر.. } ~~[الفتح: 2] ما تقدم يستر عقوبته، وما تأخر يستر الذنب نفسه فلا يقع. { ~~ويتم نعمته عليك.. } [الفتح: 2] تمام النعمة على رسول الله ~~أن بعثه الله للناس كافة لكل زمان ولكل مكان، وكان الرسل قبله يبعث ~~الرسول إلى قوم معينين في زمن معين، أما سيدنا رسول الله فقد جاء على ~~موعد مع التقاء حضارات الدنيا كلها واتصال بين المشرق والمغرب، فجاء ~~رسولا عاما وخاتما للرسالات، لذلك نقول: سيد الرسل وخاتم الأنبياء. ~~ومن تمام النعمة أن الله فتح له، وأزال من أمامه العقبات التي كانت تعرقل ~~مسيرة الدعوة حتى دانت له الجزيرة العربية كلها وشملها الإسلام، وعلى ~~يديه هدى الله هذه الأمة ms9414 فحملت رسالته من بعده وساحت بها في شتى بقاع ~~المعمورة. فجذب إليه أعظم حضارتين في هذا الوقت، هما: حضارة فارس في ~~الشرق، وحضارة الروم في الغرب، حتى إنهم ليقولون: من عجائب هذا الدين أنه ~~فتح نصف الكرة الأرضية في نصف قرن من الزمان، وهذه لم تحدث من قبل. والحق ~~سبحانه يشرح لنا مسألة تمام النعمة هذه في قوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا.. # [المائدة: 3]. لذلك لما سمع سيدنا أبو بكر هذه الآية قال: لقد نعى محمد ~~نفسه بهذه الآية. لأنه لا شيء بعد التمام إلا النقصان، فأخذوا من هذه ~~إشارة إلى قرب موته صلى الله عليه وسلم وانتقاله إلى الرفيق الأعلى لينال ~~الجزاء. # " لذلك لما جاءه ملك الموت وخيره صلى الله عليه وسلم قال: بل الرفيق ~~الأعلى ". # فاختار جوار ربه ليس هربا من المسئولية بل لعلمه بتمام الأمر واستوائه، ~~وأنه ليس له مهمة بعد ذلك، بعد أن أدى الأمانة وبلغ الرسالة، ونصح ~~الأمة، وأظهر أمر الدين، وأرسى قواعده. وقوله: { ويهديك صراطا ~~مستقيما } [الفتح: 2] فبعد أن رأى النعمة قد تمت، وليس هناك ~~مغاليق اطمأن إلى أن الله لا يتخلى عنه. وقوله تعالى: { وينصرك ~~الله نصرا عزيزا } [الفتح: 3] هل النصر هو العزيز أم المنصور؟ ~~المنصور هو العزيز، إنما وصف النصر بالعزة فكأن نصر الحق يسعد النصر ~~نفسه ويعزه وليقول له: إنك بهذا النصر أخذت ما لم يأخذه مثلك أبدا. وفي ~~موضع آخر بين الحق سبحانه أنه ناصر رسوله في وقت الرخاء كما في فتح ~~مكة، وناصره وقت الشدة كما في حنين: # لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين ~~إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ~~وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم ~~مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله ~~وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب ~~الذين كفروا وذلك جزآء الكافرين # [التوبة: 25-26]. فلما اغتروا بالكثرة أدبهم، ثم تداركهم برحمته ~~ونصرهم، وما كان الله لينصرهم في فتح مكة ثم يخذلهم في حنين، كان الله ms9415 ~~يقول لرسوله: أعلم أن الله وراءك وناصرك ومؤيدك، لكن عليك وعلى أمتك ~~ألا تغتروا بنصر أو بقوة أو بعدد # كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله.. # [البقرة: 249]. ### || [48.4] # قوله تعالى: { هو الذي أنزل السكينة.. } [الفتح: 4] أي: ~~الطمأنينة والأمان بعد أن اشتد الكرب عليه، وبعد أن كانوا في ذلة # وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي ~~المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا # [الأحزاب: 10-11]. نعم إذا اشتد الكرب هان، ومع الضيق يأتي الفرج وتدخلت ~~السماء وجاء نصر الله { ليزدادوا إيمنا مع إيمنهم.. ~~} [الفتح: 4] ولينفي عنهم ما خالطهم وما ساورهم من الغرور بالعدد ومخالفة ~~قواعد الجندية لله تعالى. { ولله جنود السموت ~~والأرض.. } [الفتح: 4] يعني: لا تظنوا أنكم أنتم جنود الله فقط، بل ~~لله جنود كثيرة # وما يعلم جنود ربك إلا هو.. # [المدثر: 31] فمن جنود الله الملائكة المدبرات أمرا أي التي تدبر ~~شئون الكون بأمر الله. # له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه ~~من أمر الله.. # [الرعد: 11] وقد أقسم الله بهم فقال: # فالمدبرات أمرا # [النازعات: 5] هؤلاء جنود الله في السماء. نعم لله جنود في السماوات ~~وجنود في الأرض، أهلك الله بهم الأمم المكذبة، اقرأ: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا.. # [العنكبوت: 40]. هذه كلها من جنود الله: الحاصب والصيحة والخسف والغرق ~~وغيرها. وهذه الجنود لا يعلمها إلا الله من حيث كيف تعلم وكيف تدبر ~~لتحارب أعداء الله لأنها تعمل في خفاء. ومع ذلك لما أراد الحق سبحانه ~~نصرة رسوله صلى الله عليه وسلم لم ينصره بآية من هذه الآيات الكونية، ~~إنما نصره بقوة إيمان المؤمنين به وثباتهم في مواجهة أعدائهم وإلا لقالوا ~~لولا الظواهر الطبيعية لم يقدروا علينا. لكن جعل الحق سبحانه النصر ~~منسوبا إلى الجنود الخفية بالفعل، أما الظاهر فمنسوب إلى هؤلاء المؤمنين ~~لكي تظل رهبتهم في قلوب أعدائهم. لذلك نقرأ في حادثة الهجرة: # إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين ~~كفروا ثاني ms9416 اثنين إذ هما في الغار إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله ~~سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها.. # [التوبة: 40]. فجند الله كانوا في هذا الموقف، لأن الصديق يقول لرسول ~~الله: لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، إذن: هناك جنود منعت رؤيتهم، الحمام ~~الذي عشش والعنكبوت الذي نسج خيوطه لم يكن إلا جنديا من جنود الله. ~~سراقة بن مالك لما ساخت قوائم فرسه في الرمال، فكانت الرمال جندا من ~~جنود الله، والأعجب من ذلك أن يسخر الله من الكفرة أنفسهم من يساعد ~~في إتمام الهجرة وهو الدليل عبد الله بن أريقط وكان كافرا لا يعرف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ذلك لأن الله غالب على أمره: فجعل هادي ~~المادة يهدي هادي المعنى!! وقال: # واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه.. # [الأنفال: 24] قلنا: لأن وارد الرحمن لا ينازعه ولا يعارضه وارد ~~الشيطان، وهذه رأيناها في قصة أم موسى لما أوحى الله إليها أن تلقيه في ~~البحر، مع أنها أم تخاف على وليدها ومع ذلك ألقته، ورأيناها في فرعون ~~الذي يقتل الذكور من بني إسرائيل يأتيه موسى على هذه الصورة، ومع ذلك لم ~~يشك في أمره ورباه في بيته، فالله تعالى رب القلوب خالقها ومقلبها ~~كيف يشاء، يجعلها تقبل حكمه دون مناقشة. وقوله تعالى: { وكان الله ~~عليما حكيما } [الفتح: 4] عليما بجنوده، وهو سبحانه حكيم في ~~توجيهها في أوقات مخصوصة وإلى قوم بعينهم، فالمسألة ليست قوة باطشة بلا ~~حساب ولا بلطجة ولا ظلم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات... }. ### || [48.5] # يروى أنه لما نزلت: # إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته ~~عليك ويهديك صراطا مستقيما # [الفتح: 1-2] قال الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله، هذا ما أعده الله ~~لك، فماذا أعد لنا؟ فنزلت: { ليدخل المؤمنين ~~والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها.. } [الفتح: 5] هذا ما لهم. وقد وقف المستشرقون عند قوله سبحانه: ms9417 ~~{ ويكفر عنهم سيئاتهم.. } [الفتح: 5] وقالوا: كيف ~~يكفر عنهم سيئاتهم وقد أدخلهم الجنة بالفعل؟ إنهم لا يدخلون الجنة إلا ~~بعد أن كفر عنهم سيئاتهم. نقول: المعنى يسترها عليهم حتى لا تنغص ~~معيشتهم في الجنة ولا موقفهم من ربهم عز وجل، أو يسترها عنهم فينسوها حتى ~~لا يخجلوا منها، كما لو أنك أحسنت إلى من أساء إليك. فكلما زدت في ~~الإحسان إليه زاد تأنيبا لنفسه، لذلك يستر الله عنهم سيئاتهم، فلا ~~يذكرونها حتى لا تنغص عليهم ما هم فيه من لذة النعيم. وهنا ملحظ في { ~~ليدخل المؤمنين والمؤمنات.. } [الفتح: 5] أولا اللام ~~هنا للتعليل كما في قوله تعالى: # وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون # [الذاريات: 56] فالعلة في الخلق هي العبادة، أما القول بأن أفعاله ~~تعالى لا تعلل نقول: لا تعلل بعلة ترجع إلى نفعه سبحانه إنما إلى نفع ~~غيره، إذن تعلل. ثم ذكر المؤمنات هنا بعد المؤمنين، فلماذا خصهن ~~بالذكر مع أن العادة أن النساء يذكرن في الحكم في طي الرجال في ~~أغلب آيات القرآن، كما في # يأيها الذين آمنوا.. # [البقرة: 104] ولم يقل: يأيتها المؤمنات، لأن المرأة مستورة في الرجل، ~~ولا تذكر إلا إذا كان لها حكم خاص بها، فلماذا إذن ذكرها هنا؟ قالوا: ~~لأن المقام مقام حديث عن الجهاد بدليل قوله تعالى: # وينصرك الله نصرا عزيزا # [الفتح: 3] والمرأة لا تجاهد، لذلك ذكرها الحق سبحانه ليؤكد على أن لها ~~أجرا في الجهاد، ولينزع عنها الشك في هذه المسألة. وقوله سبحانه: { ~~جنات تجري من تحتها الأنهار.. } [الفتح: 5] بينا أن هذه ~~الآية أتت بلفظ # تجري تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100] وهذا ليس تكرارا للمعنى الواحد إنما لكل منهما معنى، ~~فالماء حينما يجري من تحتك تطمئن إلى استمراره، فلن يقدر أحد أن يمنعه ~~عنك لأنه ناشىء في ملكك. إنما # تجري تحتها.. # [التوبة: 100] ربما كان يجري من مكان بعيد عنك ويمر عليك، فتخشى أن ~~يمنع عنك. وقوله: { خالدين فيها.. } [الفتح: 5] ليذهب ما في نفسك ~~من الخوف من فوات النعيم، لأن نعيم الدنيا مهما كان ينغصه عليك مخافة ~~أن يفوتك ms9418 أو تفوته أنت، فالله يطمئنك على أن نعيم الجنة دائم لا ينقطع ~~وخالد لا يفنى، فلا يفوتك بأن يذهب عنك، ولا تفوته أنت بالموت. # لذلك سماه فوزا عظيما { وكان ذلك عند الله فوزا ~~عظيما.. } [الفتح: 5] ما بالك حين يوصف الفوز بالعظمة؟ وما بالك إن ~~كان هذا كله عند الله؟ فالعطاء يكون على قدر المعطي، إنك تسر وتسعد ~~حينما يرضى عنك مسئول كبير مثلا، وتسر حينما تحسن إلى شخص فيعطيك هدية ~~أو مكافأة، فكيف إذا كافأك الله؟ لذلك دائما أذكر يوم أن ذهبنا مع بعض ~~الوزراء إلى سان فرانسيسكو وذهبنا إلى فندق فخم تعجب الجميع من هيئته ~~وجمال تصميمه وما فيه من إمكانيات، فلما رأيت الإعجاب في أعينهم قلت ~~لهم: خذوها دليل إيمان وقولوا: هذا ما أعده البشر للبشر، فكيف بما ~~أعده رب البشر للبشر؟ ### || [48.6] # تأمل هنا المقابلة التي تظهر الفرق وتضعك أمام مقارنة بين ما أعده ~~الله للمؤمنين من الجزاء وما أعده للمنافقين والكافرين، والجمع بين ~~المتقابلات أسلوب من أساليب القرآن لكي تبدو المفارقة، لذلك الشاعر ~~العربي قال في وصف محبوبته: # الوجه مثل الصبح مبيض # والشعر مثل الليل مسود # ضدان لما استجمعا حسنا # والضد يظهر حسنه الضد # ونلاحظ هنا أنه ذكر المنافقين والمنافقات قبل المشركين والمشركات في ~~مقاساة العذاب، نعم لأن المنافق أشد جرما من المشرك، المنافق ستر ~~كفرا وأظهر إيمانا فتسلل إلى صفوف المؤمنين وانطوى تحت لوائهم، وهو ~~في حقيقته مشرك معاند يكيد للمؤمنين تحت ستار. أما المشرك فظاهره مثل ~~باطنه وعداوته معروفة، ومن اليسير أن تأخذ حذرك منه لذلك قال تعالى عن ~~المنافقين: # إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن ~~تجد لهم نصيرا # [النساء: 145] يعني: هم تحت المشركين وأدنى منهم. وقوله تعالى: { ~~الظآنين بالله ظن السوء.. } [الفتح: 6] الظن: الحكم بشيء ~~على غير حقيقة، وحين تقول: أظن كذا يعني أنا غير متيقن منه. وأقل من ~~الظن الوهم: لكن ما الظن الذي ظنوه ووصفه الله بأنه ظن السوء؟ قالوا: إن ~~محمدا لن ينتصر علينا أبدا، وقد بين الحق ms9419 سبحانه هذا المعنى في قوله ~~تعالى: # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا ~~والآخرة فليمدد بسبب إلى السمآء ثم ليقطع ~~فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ # [الحج: 15]. يعني: الذي يظن هذا الظن ليس أمامه إلا أن يمد حبلا إلى ~~السماء ويتعلق به كالمشنوق، ثم ليقطع هذا الحبل، وينظر هل يذهب هذا ~~غيظه. وهذا الظن في الله سبحانه وتعالى، وأول ظنهم في الله أن قالوا: ~~ليس له وجود. وآخرون قالو: موجود وله شريك. وآخرون قالوا: القرآن ليس من ~~عند الله بل من عند محمد. وآخرون أنكروا البعث والقيامة. وهذا كله ظن ~~سوء بالله، لذلك يقابله الحق سبحانه بعذاب أيضا سوء فيقول: { ~~عليهم دآئرة السوء.. } [الفتح: 6] والدائرة منطقة لها محيط ~~مغلقة، فكأنهم لا يقدرون على الإفلات منها لأنها محيطة بهم. وفي موضع آخر ~~قال سبحانه: # والله من ورآئهم محيط # [البروج: 20] ليس هذا وفقط، بل أيضا { وغضب الله عليهم ~~ولعنهم وأعد لهم جهنم وسآءت مصيرا } [الفتح: ~~6] سبحان الله، كم جمع عليهم من ألوان النكال والعذاب والغضب واللعنة؟! ~~الغضب انفعال يثير الغاضب على المغضوب عليه فينتقم منه، الحق سبحانه ~~وتعالى غني عن الانفعال، إنما يحدثنا على قدر فهمنا، وعلى قدر ما ~~في لغتنا من وسائل التعبير. { ولعنهم.. } [الفتح: 6] طردهم من وساع ~~رحمته وأبعدهم عنها، ثم بعد ذلك تلعنهم الملائكة ويلعنهم اللاعنون { ~~وأعد لهم جهنم.. } [الفتح: 6] أعدها بالفعل فهي موجودة الآن ~~{ وسآءت مصيرا } [الفتح: 6] وقوله: { عليهم دآئرة ~~السوء.. } [الفتح: 6] هي الجزاء الطبيعي لظن السوء الذي ظنوه ~~بالله. ### || [48.7] # ذكر هنا أيضا جنود الحق سبحانه لأنها تنزل على قسمين: جنود رحمة تنزل ~~بالخير كالملائكة ينزلون بالتنزيل وبالوحي، وأخرى بالماء، وهناك جنود ~~تنزل بالنقمة والطمس والعذاب والإذلال. ونفهم من قوله تعالى { وكان ~~الله عزيزا حكيما } [الفتح: 7] أن المراد بالجنود هنا جنود ~~العذاب، فهي التي تناسب وصف العزة. والعزيز هو الذي يغلب ولا يغلب، وهذه ~~العزة مقيدة بالحكمة منزهة عن البطش أو الظلم، تعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. ### || [48.8-9] # الخطاب هنا لسيدنا رسول الله صلى ms9420 الله عليه وسلم، يقول له ربه تعالى: { ~~إنآ أرسلنك.. } [الفتح: 8] يا محمد { شهدا.. } [الفتح: 8] ~~أي: على أمتك وعلى من سبقك من الرسل أنهم قد بلغوا الرسالة، نعم شاهد ~~عليهم بما أخبره الله به في القرآن. وفي آية أخرى قال تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.. # [البقرة: 143] أي: تشهدون على الناس أنكم قد أبلغتموهم، لأن هذه الأمة ~~ورثت الدعوة عن رسول الله وحملتها من بعده. لذلك ورد في الحديث الشريف ~~قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم # " نضر الله أمرءا سمع مقالتي فوعاها وأداها إلى من لم يسمعها، ~~فرب مبلغ أوعى من سامع ". # وقوله: { ومبشرا ونذيرا } [الفتح: 8] مبشرا بالخير ونذيرا ~~بالعذاب، وقلنا: البشارة أو النذارة تكون قبل وقوع الحدث. لكن لماذا ~~بشيرا ونذيرا؟ قال: { لتؤمنوا بالله ورسوله ~~وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا } ~~[الفتح: 9]. إذن: علة الإرسال لتؤمنوا بالله ورسوله { وتعزروه.. } ~~[الفتح: 9] تعظموه وتنصروا دينه وتعلوا كلمته { وتوقروه.. } ~~[الفتح: 9] أي: تعظموه وتقدرونه حق قدره، لأنه سبحانه جعل لخلقه ~~منهجا يحرس حركة حياتهم من الطيش. فلما خلق الله آدم وسواه على ~~صورته ونفخ فيه من روحه دبت فيه الحياة واستوى مخلوقا كاملا، بمعنى ~~أنه لم يكن طفلا ثم كبر فصار شابا فرجلا. لا بل دبت فيه الحياة، ~~وهو رجل كامل الرجولة، وطرأ آدم على كون أعده الله له فيه كل ~~مقومات حياته من ماء وهواء وأرض وشمس وقمر، وبعد أن أعطاه قوام مادته ~~أعطاه القيم التي هي قوام الروح. لذلك بعد أن من الله عليه بروح ~~المادة أعطاه روحا أخرى للقيم # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا.. # [الشورى: 52] لذلك سمى القرآن روحا، وسمى الملك الذي نزل به روحا # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193] وخاطب الأحياء بقوله: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24] فعلم أن هناك حياتين حياة المادة وحياة الروح وهي المنهج. ### || [48.10] # الحديث هنا عن بيعة الحديبية التي كانت عند شجرة الرضوان التي قال الله ~~فيها في نفس هذه ms9421 السورة # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة ~~عليهم وأثابهم فتحا قريبا # [الفتح: 18]. إذن: الفتح الذي نحن بصدده ظهرت بشائره في هذه البيعة في ~~بداية الفتح الأعظم، لذلك لما اعترض سيدنا عمر وقال لسيدنا رسول الله: ~~لم نعط الدنية في ديننا؟ نهره الصديق أبو بكر وقال له: الزم غرزك ~~يا عمر. يعني: لا تتعد حدودك واعرف مكانك. وكان الصديق يقول: والله ما ~~كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية، لماذا؟ لأنه الذي مهد ~~لفتح مكة، ولكن الناس وقتها لم يتسع ظنهم لما بين محمد وربه، ومن طبيعة ~~الناس العجلة. أما الحق سبحانه فلا يعجل بعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما ~~أراد، وتعلمون قصة السيدة أم سلمة # " لما دخل عليها سيدنا رسول الله مغضبا، فقالت له: ما أغضبك يا رسول ~~الله؟ قال: هلك المسلمون يا أم سلمة أمرتهم فلم يمتثلوا. قالت: يا رسول ~~الله إنهم مكروبون جاءوا على شوق لرؤية الكعبة، ثم يمنعون عنها وبينهم ~~وبينها كذا وكذا، اعذرهم يا رسول الله وانظر إلى ما أمرك الله به فافعله ~~ولا تكلم أحدا، فإنهم إن رأوك فعلت فعلوا ". # ونحجت خطة أم سلمة ونجى المسلمون من فتنة كادت تهلكهم، صحيح هي عصبية ~~إيمانية وأمر في ظاهره يرضي رسول الله، لكن إن كان الأمر الأعلى من ~~الله فهو أولى بالسمع والطاعة. لذلك قالوا: من الشجاعة أن تجبن ساعة، ~~هب ونحن جالسون في مكان وبيننا أكابر وعظماء ودخل علينا مجرم وفي يده ~~مسدس وأمرنا بالقيام وهددنا، ماذا نفعل؟ لابد أن نمتثل لأمره في هذا ~~الموقف حتى لا نخاطر بأنفسنا. فهناك شجاعة على الغير، وشجاعة على النفس، ~~وهذه من الحنكة والسياسة، وهذا ما فعله رسول الله وما رآه بما لديه من ~~نورانية موصولة بالحق سبحانه. وكان هذا الصلح رفعة للإسلام وإعلاء ~~لرايته مع أنهم عادوا ولم يدخلوا مكة، ذلك لأن قريشا كانت تتخذ من ~~الإسلام عدوا، ولا تسمح له بأن يعبر عن نفسه، والآن تفتح معه باب ms9422 ~~الحوار والمناقشة. إذن: أصبح للإسلام كيان وكلمة تسمع، وارتفع عن ذلة ~~الماضي وهوانه. كذلك كان الصلح تهدئة لقريش وإزالة لما لديها من حقد ~~وشحناء ضد المسلمين، فبالصلح معهم نأمن جانبهم لنتفرغ لنشر الدعوة في ~~باقي جزيرة العرب، وقبل أن يصل المسلمون في طريق عودتهم إلى المدينة ~~بين الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم المسألة، فقال: { إن ~~الذين يبايعونك إنما يبايعون الله.. } [الفتح: ~~10]. # والمبايعة عقد بين طرفين واتفاق، والبيع أمر محبوب للإنسان على خلاف ~~الشراء، لذلك قال تعالى في الجمعة # فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع.. # [الجمعة: 9] لأنك تحب أن تبيع، أما الشراء فلا تحرص عليه كما تحرص على ~~البيع وقد تشتري وأنت كاره. إذن: يبايعونك يعني: يعقدون معك عقد بيع، هذا ~~العقد شرحه الحق سبحانه في قوله: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة.. # [التوبة: 111]. إذن: عقدوا هذه الصفقة مع الله { إن الذين ~~يبايعونك إنما يبايعون الله.. } [الفتح: 10] لأنك يا ~~محمد لا تأخذ شيئا لنفسك، إنما تأخذ لمنهج الله الذي أرسلك به وبعثك من ~~أجله. فبيعة الرسول هي في الحقيقة بيعة لله، لذلك قال: { يد الله ~~فوق أيديهم.. } [الفتح: 10] أي: فوق الأيدي التي امتدت لتبايع ~~رسول الله، فكانت يد الله فوق يد الجميع، لأن المنة هنا من الله فلا ~~تظنوا المنة منكم بأن بايعتم، بل المنة من الله عليكم، ويده فوق أيديكم ~~وهو الذي ساق لكم هذا الخير الذي يسعدكم في الدنيا وفي الآخرة. واليد ~~هنا ليست هي اليد التي نعرفها كأيدينا، بل هي يد المنة والمعروف، كما ~~تقول مثلا: فلان له على يد. يعني: نعمة أو مكرمة وجميل. وقوله: { ~~فمن نكث.. } [الفتح: 10] أي: نقض عهده { فإنما ينكث على ~~نفسه.. } [الفتح: 10] فهو المضار، لأن الله تعالى لا يضره شيء من ~~أفعال العباد، لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية. وفي المقابل: { ومن ~~أوفى بما عاهد عليه الله.. } [الفتح: 10] يعني: وفى ~~وكان عند العهد الذي أخذه على نفسه { فسيؤتيه أجرا عظيما.. } ~~[الفتح: 10]. ذكر البخاري ومسلم هذه القصة، وأن ms9423 الحديبية مكان يبعد عن ~~مكة حوالي 22 كم عند شجرة كانت مائلة فسميت الحديبية، أو عند عين ماء ~~كانوا يرتوون منها، وأن عددهم كان ألفا وأربعمائة، في رواية البخاري روى ~~سيدنا سلمة بن الأكوع أنهم بايعوا رسول الله على الموت، وفي رواية مسلم ~~أنهم بايعوه على ألا يفروا من المعركة. ### || [48.11-12] # هذا إخبار من الله تعالى بغيب يخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم ويعلمه ~~بما سيقوله هؤلاء، والمخلفون جمع مخلف وهم الذين طلب منهم الخروج مع ~~رسول الله لأداء العمرة فلم يخرجوا وتعللوا بعدها بهذه الحجج التي كشف ~~القرآن زيفها وكشف نواياهم وما كان يدور في نفوسهم. والأعراب هم البدو ~~وسكان البادية، وقولهم: { شغلتنآ أموالنا وأهلونا.. } ~~[الفتح: 11] يعني: عن الخروج معك. وقولهم: { فاستغفر لنا.. } ~~[الفتح: 11] دل على أنهم أذنبوا وأخطأوا، وإلا ما طلبوا من رسول الله ~~أن يستغفر لهم. والواقع أنهم كاذبون في هذا، فما شغلتهم الأموال ولا ~~الأولاد إنما خافوا على أنفسهم الخروج، لأنهم ظنوا في أنفسهم أن رسول ~~الله لن يرجع من هذه العمرة ولن يعود إلى أهله، لأن قريشا تتربص به ~~ومعهم جماعات من الأحابيش ومن ثقيف وكنانة وغيرها. فقالوا في أنفسهم ما ~~أخبر الله به { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا.. } [الفتح: 12] لذلك بهت ~~من قال هذا الكلام لما سمع الله يخبر به ويكشف مكنونات صدورهم. والعجيب ~~أن هذا الإخبار { سيقول لك المخلفون.. } [الفتح: 11] نزل في ~~قرآن يتلى علانية ويسمعه هؤلاء المخلفون، وكان بأيديهم ألا يتعللوا ~~بهذه الحجج لكن صدق الله وقالوا بالفعل ما أخبر القرآن به. هذه كما حدث ~~تماما في قوله تعالى في مسألة تحويل القبلة # سيقول السفهآء من الناس ما ولهم عن قبلتهم ~~التي كانوا عليها.. # [البقرة: 142]. سمع اليهود هذا الكلام وسمعوا هذا الوصف، ومع ذلك قالوا ~~ما أخبر الله به وصدقوا على أنهم سفهاء، فهذه وأمثالها من علامات صدق ~~القرآن الكريم، فالذي يتكلم به هو الذي يعلم ما سيحدث في المستقبل ويخبر ~~به قبل أن يقع ثم ms9424 يأتي الواقع موافقا لما قال. قالوا: كان هؤلاء ~~المخلفون من سبع قبائل أظن، منها أشجع ومزينة وهوازن وبخع وأسلم ~~وغيرها. هؤلاء قالوا: إن محمدا ألقى بنفسه في التهلكة، ولن يعود من هذه ~~العمرة لما يعلمون من القوة التي تواجهه فتخلفوا، في حين أنهم كانوا ~~يتمنون الخروج إلى خيبر، حيث الغنانيم والأموال التي لا حصر لها هناك. ~~وقوله تعالى: { يقولون بألسنتهم ما ليس في ~~قلوبهم.. } [الفتح: 11] أي في قولهم: { فاستغفر لنا.. } ~~[الفتح: 11] فهذه الكلمة باللسان فقط، فهم لا تهمهم المغفرة ولا يفكرون ~~فيها. ثم يبين لهم الحق سبحانه حقيقة الأمر: { قل.. } [الفتح: 11] ~~يعني: قل لهم يا محمد { فمن يملك لكم من الله شيئا ~~إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا.. } [الفتح: ~~11]. هذا استفهام للتعجب أو للتوبيخ يقول لهم: من يرد عنكم قضاء الله ~~ومن يدفع عنكم الضر إن أصابكم في أموالكم أو في أهليكم، من؟ لا أحد. # كذلك لا أحد يمنع عنكم النفع إن أراده الله لكم، إذن: هذه حجة باطلة لا ~~تجدي، وكذب لا فائدة منه { بل كان الله بما تعملون ~~خبيرا } [الفتح: 11] يعني: لا يخفى عليه من أموركم شيء. ثم يؤدبهم ~~بأن يكشف عن الكلام الذي أسروه بعضهم إلى بعض فيقول: { بل ~~ظننتم أن لن ينقلب.. } [الفتح: 12] أي: يرجع { الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا.. } [الفتح: 12] ويؤكدون ~~ظنهم لاقتناعهم به { وزين ذلك في قلوبكم.. } [الفتح: 12] ~~أي: زينه بعضكم لبعض، أو لقي استحسانا منكم. { وظننتم ظن ~~السوء.. } [الفتح: 12] أي: الظن الفاسد والمراد به أن رسول الله لن ~~يعود إلى أهله ولا المؤمنون معه، وهذا يعني النهاية لمسيرة الدعوة. { ~~وكنتم قوما بورا.. } [الفتح: 12] يعني: مثل الأرض البور التي لا ~~خير فيها، فأنتم مثل هذه الأرض أهل فساد لا خير فيكم. ### || [48.13] # الكلام هنا فيه إشارة مفهومة تعني هؤلاء المخلفين، وقوله { ~~أعتدنا.. } [الفتح: 13] أي: أعددناها بالفعل فهي موجودة، فالسعير لا ~~تعد لهم بعد حضورهم إليها، إنما هي معدة لهم من الآن تنتظرهم ~~وتتشوق إليهم. وسبق أن أوضحنا أن الحق سبحانه أعد الجنة ms9425 بحيث تكفي ~~جميع الخلق على اعتبار أنهم جميعا مؤمنون، كذلك أعد النار بحيث تكفي ~~جميع الخلق لو كفروا. فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ~~بقيت أماكن أهل النار خالية في الجنة، لذلك يورثها الحق سبحانه لأهل ~~الجنة، وهذا قوله تعالى: # أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس ~~هم فيها خالدون # [المؤنون: 10-11]. ### || [48.14] # يقول البلاغيون: في الآية أسلوب قصر بتقديم الخبر الجار والمجرور على ~~المبتدأ { ولله ملك السموت والأرض.. } [الفتح: 14] ~~أي: لله وحده وملكيتها مقصورة عليه سبحانه دون شريك، ومادة ملك تأتي بضم ~~الميم وفتحها وكسرها، أما اللام فساكنة. نقول: ملك بالكسر يعني: ما تملكه ~~وتملك التصرف فيه، إنما ملك الضم فهو لمن يملك الشيء ويملك مالك ~~الشيء، وهذه لله عز وجل. أما ملك بالفتح فهي بمعنى المقدرة كما جاءت في ~~قوله تعالى: # مآ أخلفنا موعدك بملكنا.. # [طه: 87] أي: بإرادتنا ولكننا كنا مجبرين. وهذه الآية جاءت هنا للظرف { ~~ولله ملك السموت والأرض.. } [الفتح: 14] وجاءت في ~~موضع آخر للمظروف # لله ما في السموت وما في الأرض.. # [التغابن: 1] لأن السماوات والأرض ظرف لأشياء كثيرة. ومعلوم أن المظروف ~~يكون أنفس من الظرف الذي يحفظه، كما قلنا: إن ما في الخزنة أنفس منها ~~وأغلى، وإلا ما حفظ فيها. فإذا كانت السماوات والأرض فيها من العجائب ما ~~لا يحصى، فما بالك بما فيها من مخلوقات لله تعالى، وها نحن كل يوم يكتشف ~~العلماء شيئا جديدا في خلق الله فيه من الإعجاز ما فيه. خذ مثلا ~~الهواء الذي كنا نظنه فقط لعملية التنفس، الآن عرفنا أنه مجال واسع ~~لموجات صوتية وضوئية، والأثير الذي حولنا مليء بما لا حد له من هذه ~~الأشياء. إذن: ابحثوا في الظرف عن نفاسة المظروف، ألا نراهم الآن يتجهون ~~إلى باطن الأرض حيث الثروات الثمينة من الماس والذهب والمعادن والبترول.. ~~كذلك في الجبال الأحجار الكريمة والجرانيت والمرمر والرخام، وفي البحار ~~في أعماقها اللؤلؤ والمرجان. إذن # لله ما في السموت وما في الأرض.. # [التغابن: 1] فيه توجيه وإشارة للبحث في المظروف، لكن { ولله ms9426 ~~ملك السموت والأرض.. } [الفتح: 14] فيه إشارة إلى وجوب ~~النظر والتأمل في عجائب السماوات والأرض في ذاتها. وقوله تعالى: { ~~يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء.. } [الفتح: 14] البعض ~~يفهم هذه الآية فهما خاطئا. يقول: إذن أين الاختيار؟ والمعنى: أن الله ~~يغفر للمؤمن الذي اهتدى لمنهج الله، ولا يغفر للكافر الذي أعرض عن منهج ~~الله. إذن: ساعة يقول # والله لا يهدي القوم الكافرين # [البقرة: 264] أي: لا يهديهم بسبب كفرهم، لأن الكافر قلبه ملىء كفرا ~~حتى لم يعد فيه مجال للإيمان، لأن الحيز الواحد لا يسع إلا شيئا ~~واحدا، فكان عليه أن يخرج الكفر من قلبه قبل أن يبحث قضية الإيمان. ~~فإذا تجرد قلبه من الهوى وناقش نفسه، وقارن بين الكفر والإيمان، ثم ~~يدخل ما اطمأن إليه منهما كان ولا بد أن يختار الإيمان، لذلك نقول: ~~إن الكافر لم يترك للمناظرة العقلية بينه وبين نفسه مجالا. # واقرأ في ذلك قوله تعالى: # قل إنمآ أعظكم بواحدة.. # [سبأ: 46] ما هي # أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما ~~بصاحبكم من جنة.. # [سبأ: 46]. إذن: الحق سبحانه لا يرضى لنا غوغائية التفكير، ولا يرضى لنا ~~المراء و الجدل العقيم، لذلك حدد كيفية النظر والتأمل والبحث، إما أن ~~تكون بمفردك وتناقش نفسك، أو على الأكثر يكون الاثنان معا، هذا يقول ~~وهذا يعدل له، فهما بعيدان عن المراء وعن العصبية، وقريبان من الوصول ~~إلى الحق. ومع أن الآية تتحدث عن المغفرة وعن العذاب { يغفر لمن ~~يشآء ويعذب من يشآء.. } [الفتح: 14] إلا أنها تختم ~~بالمغفرة والرحمة فهما الاغلب { وكان الله غفورا رحيما } ~~[الفتح: 14]. ### || [48.15] # هنا أيضا الحق سبحانه وتعالى يخبر بما سيقوله المخلفون، والمغانم يراد ~~بها مغانم خيبر { ذرونا نتبعكم.. } [الفتح: 15] يعني: لنأخذ ~~منها كما تأخذون { يريدون أن يبدلوا كلام الله.. } ~~[الفتح: 15] يعني: حكمه عليهم بعدم الخروج إليها. وقد بين الحق سبحانه ~~ذلك في قوله: # ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ~~كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع ~~القاعدين * لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ~~ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة ms9427 وفيكم ~~سماعون لهم والله عليم بالظالمين # [التوبة: 46-47]. فالمراد بكلام الله هنا حكمه عليهم بعدم الخروج لخيبر، ~~وحكم الله لا ينقض، وكلمة الله لا ترد، وقد أرجأهم الله لفرصة أخرى، ~~قادمة يمكنهم الاشتراك فيها وهي حروب الردة. ثم جاء الرد عليهم: { قل ~~لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل.. } [الفتح: ~~15] أي: قبل رجوعنا { فسيقولون بل تحسدوننا.. } [الفتح: ~~15] أي: على أن نأخذ معكم من الغنائم { بل كانوا لا يفقهون ~~إلا قليلا } [الفتح: 15] نعم لا يفقهون إلا قليلا، لأن المسألة ~~ليست مسألة غنائم. ### || [48.16] # يعني: يا جماعة المخلفين عن الخروج مع رسول الله في عمرة الحديبية، ~~لقد منعكم الله من الخروج إلى خيبر، لأن لها أناسا هم أولى بها ~~منكم، وهم الذين أطاعوا رسول الله في الخروج إلى الحديبية. أما أنتم ~~فالفرصة أمامكم في حروب الردة، حيث تقاتلون قوما { أولي بأس ~~شديد.. } [الفتح: 16] أصحاب قوة وتمرس في الحروب: { وإن ~~تتولوا.. } [الفتح: 16] تعرضوا وتتخلفوا { كما توليتم ~~من قبل.. } [الفتح: 16] أي: في الحديبية { يعذبكم عذابا ~~أليما } [الفتح: 16]. ### || [48.17] # أي: ليس على هؤلاء إثم، ولا مؤاخذة في تخلفهم عن الخروج إلى الجهاد ~~لأنهم أصحاب أعذار وليس لديهم وسائل الجهاد. ثم يضعنا السياق أمام هذه ~~المقارنة بين الفعل والجزاء عليه # ومن يطع الله ورسوله.. # [النساء: 13] أي: في الأمر بالخروج { يدخله جنت تجري من ~~تحتها الأنهر ومن يتول.. } [الفتح: 17] يعرض { ~~يعذبه عذابا أليما } [الفتح: 17]. ### || [48.18-19] # هذه بيعة الرضوان وهي بيعة الحديبية { فعلم ما في قلوبهم.. } ~~[الفتح: 18] من الشوق لرؤية البيت وآداء العمرة { فأنزل السكينة ~~عليهم.. } [الفتح: 18] السكون والطمأنينة لأنهم انصاعوا لأمر رسول ~~الله. { وأثابهم.. } [الفتح: 18] جازاهم { فتحا قريبا } ~~[الفتح: 18] وهو صلح الحديبية الذي كان بمثابة التمهيد للفتح الأكبر فتح ~~مكة { ومغانم كثيرة.. } [الفتح: 19] هي مغانم خيبر. ### || [48.20] # قوله تعالى: { فعجل لكم هذه.. } [الفتح: 20] أي: مغانم ~~خيبر { وكف أيدي الناس عنكم.. } [الفتح: 20] كف عنكم ~~أيدي أعدائكم من اليهود وغيرهم ممن كانوا حول المدينة، حيث ألقى في ~~قلوبهم الرعب. ### || [48.21] # أي: مغانم أخرى، والمراد بها مغانم غزوة حنين يبشرهم ms9428 الله بها في ~~المستقبل، وقد جاءت بالفعل بعد الفتح. ### || [48.22-23] # قوله: { لولوا الأدبار.. } [الفتح: 22] أي: فروا وانهزموا { ~~ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا } [الفتح: 22] لا يجدون ~~صديقا ولا معينا، وهذه { سنة الله.. } [الفتح: 23] أي: طريقته ~~وعادته في خلقه أن ينصر أهل الحق ويخذل أهل الباطل { التي قد خلت ~~من قبل.. } [الفتح: 23] أي: مضت في الأمم السابقة. ### || [48.24] # بطن مكة مكان قريب من الحديبية { من بعد أن أظفركم ~~عليهم.. } [الفتح: 24] نصركم عليهم وأظهركم عليهم، وهذه القوة هي ~~التي أجبرت كفار مكة على الجلوس مع رسول الله للتفاوض، فقد أصبح للمسلمين ~~كلمة تسمع ورأي يحترم، لذلك جاءت قريش لتعقد معهم معاهدة. ### || [48.25] # الحق سبحانه وتعالى يبين لهم الحكمة من الصلح وعدم الدخول مع الكفار في ~~قتال في هذا الوقت، صحيح أنهم صدوكم عن الكعبة ومنعوكم من دخول مكة وأنتم ~~على شوق للبيت ومعكم الهدي تسوقونه للبيت. والهدي دليل السلام، وأنكم ما ~~جئتم للحرب، بل لعمل ديني تعبدي { والهدي معكوفا أن يبلغ ~~محله.. } [الفتح: 25] الهدي ما يهدى لفقراء الحرم من الأنعام { ~~معكوفا.. } [الفتح: 25] مقيدا ومحبوسا لهذا الغرض و { محله.. ~~} [الفتح: 25] أي: المكان الذي يذبح فيه. ثم يكشف لنا عن واقع أهل مكة ~~في هذا الوقت، ففي مكة إخوان لكم مسلمون يكتمون إسلامهم، بين الكفار ~~هناك مؤمنون ومؤمنات لا تعرفونهم، فلو تواجهتم معهم في حرب لقتلتموهم، ~~وأنتم لا تعلمون هذه الحقيقة. { فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم.. } [الفتح: 25] معرة يعني ضرر وتكون سبة في حقكم ~~أنكم قتلتم إخوانكم. { لو تزيلوا.. } [الفتح: 25] تفرقوا ~~وتميزوا المؤمن من الكافر { لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما } [الفتح: 25] يعني: عذبناهم بأيديكم وسمحنا لكم في ~~قتالهم. ### || [48.26] # الحق سبحانه وتعالى يبين لرسوله صلى الله عليه وسلم علة أن صدوه عن ~~دخول مكة هذا العام، فالمسألة كلها مجرد حقد وحمية جاهلية تمكنت من ~~قلوب هؤلاء، فكبر عليهم أن يدخل محمد وأصحابه مكة، ففي دخولهم هذا ~~العام إهانة لهم. الحمية هي الطيش والغرور والغطرسة، فالقوة لا تمدح ولا ~~تذم إلا من خلال أثرها ms9429 على صاحبها، فالقوة تمدح إن جلبت الخير ~~لصاحبها، وتذم إن جرته إلى الشر وأوقعته في الهلاك. { فأنزل ~~الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين.. } ~~[الفتح: 26] السكينة يعني الطمأنينة، والثقة في نصر الله، والرضا بالصلح، ~~والعودة دون دخول مكة هذا العام. { وألزمهم كلمة ~~التقوى.. } [الفتح: 26] وهي كلمة التوحيد { وكانوا أحق ~~بها وأهلها.. } [الفتح: 26] أجدر بها وأهل لها، حيث استحقوها ~~بطاعتهم لله ولرسوله. ### || [48.27] # الحق سبحانه وتعالى يقص علينا قصة شوق المسلمين للبيت بعد أن اغتربوا ~~عن مكة مدة طويلة واشتاقوا لأداء العمرة وللطواف بالبيت، ولكن حمية ~~الجاهلية وطيشها وغرورها بقوتها الكاذبة حالت دونهم ودون ما يريدون. ~~والحق سبحانه حينما يتكلم في هذه المسألة يتكلم عنها على أنها رؤيا سبقت ~~واقع القصة، والرؤيا كما تعلمون ما يراه النائم من أشياء، قد يكون لها ~~واقع وقد لا يكون. والرؤيا تحدث القرآن عنها في قصة سيدنا يوسف عليه ~~السلام: # يأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس ~~والقمر رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4]. وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية، واعترضوا على أسلوب ~~القرآن في تكرار الفعل رأى في هذه الآية # والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4]. والمتأمل في القصة وتفاصيلها لا يجد تكرارا، لأن كل فعل ~~منهما له دلالة ومعنى، فالأول قال: # رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر.. # [يوسف: 4] ولم يقل: ساجدين. وفي الأخرى قال: # رأيتهم لي ساجدين... # [يوسف: 4]. وهذا يعني أن الرؤيا الأولى غير الأخرى، الأولى رآهم بلا ~~سجود، رأهم في وضعهم الطبيعي، ثم رآهم في حالة السجود، لأنك لا تعرف ~~الشمس مثلا ساجدة إلا إذا عرفتها غير ساجدة ثم طرأ عليها السجود. إذن: ~~لابد من تكرار الفعل هنا مرة لغير السجود، ومرة أخرى للسجود، يعني ~~فوجىء بها تسجد، ولو قال: رأيتها ساجدة بداية لقلنا: كيف؟ لأن السجود ~~لا يكون إلا بحركة ساكن وتحرك بالسجود. إذن: الحق سبحانه لا يضع لفظا ~~إلا لغاية ومعنى، وللقطة لابد منها. ولما قص يوسف على أبيه هذه ~~الرؤيا قال: # قال يبني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا ~~لك كيدا.. # [يوسف: ms9430 5] لأن سيدنا يعقوب عليه السلام علم أن هذه الرؤيا تعني علو شأن ~~يوسف على إخوته، وإذا كانوا قد حقدوا عليه لاهتمام أبيه به أو منحه بعض ~~العطف أكثر منهم. فكيف إذا قص عليهم هذه الرؤيا؟ كيف إذا عرفوا أن ~~الملأ الأعلى من المخلوقات سجدوا له؟ كذلك هنا رؤيا { لقد صدق ~~الله رسوله الرءيا بالحق.. } [الفتح: 27] فكأن سيدنا ~~رسول الله قد رأى رؤيا هي { لتدخلن المسجد الحرام إن ~~شآء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا ~~تخافون.. } [الفتح: 27]. وقد قص رسول الله هذه الرؤيا على أصحابه، ~~فاطمأنوا إلى دخولهم مكة وآداء العمرة، كذلك لما منعهم سفهاء قريش من ~~دخول مكة تعجبوا واعترضوا على منعهم من الدخول. وسيدنا عمر يقول لسيدنا ~~رسول الله: ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم ~~نعط الدنية في ديننا؟ صحيح هم على الحق وجاءوا على شوق للبيت، لكن إن ~~دخلوا مكة غصبا ودون رضا أهلها ستقوم بينهم معركة. # وقلنا: إنها ستصيب جماعة من المسلمين في مكة لم يعلنوا عن إسلامهم كما ~~ذكر في الآية السابقة. لذلك قال الحق سبحانه بعدما { فعلم ما لم ~~تعلموا.. } [الفتح: 27] فالحق سبحانه أخبر نبيه بالرؤيا وصدقها في ~~الواقع، لكن لم تحدث بعد، لأن الله يعلم من واقع الأمر ما لا تعلمون، ~~لذلك أجل العمرة هذا العام، وجعل الرسول يعقد معاهدة الصلح بينه وبين ~~كفار مكة على أن يؤدوا العمرة العام المقبل. واقرأ قوله تعالى: { ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله.. } [الفتح: 27] ~~ولم يحدد لها زمنا، فلو قال قائل مثلا: ألم تقل أننا سنؤدي العمرة ~~وندخل المسجد الحرام يقول له: ليس بالضرورة هذا العام. والمتأمل في ألفاظ ~~الآية يجدها تدل على هذا المعنى، وأن العمرة لن تكون هذا العام، نفهم هذا ~~من معاني الكلمات { لتدخلن المسجد الحرام إن شآء ~~الله آمنين.. } [الفتح: 27]. فلو دخلتم دون إذن قريش ورضاها لن ~~يتحقق لكم هذا الأمن، فسوف يقاتلونكم ويعتدون عليكم، حتى لو سمحوا لكم ~~بالدخول فلن يتحملوا رؤيتكم وأنتم تطوفون بالبيت، وسوف تأخذهم حمية ms9431 ~~الجاهلية لابد. ثم قال: { محلقين رءوسكم ومقصرين لا ~~تخافون.. } [الفتح: 27] وهذا أمن آخر بعد أداء العمرة، لأن قريشا ~~كانت إذا دخل أحد الحرم لنسك لا يتعرضون له، لكن يعتدون عليه بعد أن ~~يفرغ من نسكه. فقوله { لا تخافون.. } [الفتح: 27] دل على أنهم ~~آمنون في بداية العمرة وفي نهايتها، وهذا لا يتوفر لهم إلا إذا دخلوا ~~برضا قريش وإذنها. كلمة { الرءيا بالحق.. } [الفتح: 27] الحق ~~هو: الشيء الثابت الذي لا يتغير، فما دام أن الله أراه الرؤيا فلا بد ~~أن تصدق في الواقع، لأن رؤيا الأنبياء حق، ونبوة سيدنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بدأت أول ما بدأت بالرؤيا الصادقة، وقد مكث رسول الله ~~في مرحلة الرؤيا هذه ستة أشهر. فإذا ما قارنا بين هذه المدة وبين مدة 23 ~~سنة هي عمر بعثته صلى الله عليه وسلم وجدناها 1/46، لذلك ورد في الحديث ~~الشريف # " أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة " # ، وبدأ النبوة بالرؤيا الصالحة لأنها تأتي والإنسان نائم، وليس له خواطر ~~خاصة في شهوة أو خلافة. وقوله تعالى: { فجعل من دون ذلك ~~فتحا قريبا } [الفتح: 27] أي: جعل من بعد صلح الحديبية ورجوعهم ~~بدون عمرة فتحا قريبا للإسلام وللمسلمين. وهذا الفتح من عدة وجوه: ~~أولا الهدنة مع قريش والتصالح معها، وهذا التصالح أعطى فرصة لنشر الدعوة ~~خارج مكة، حيث تفرغ المسلمون لذلك بعد أن أمنوا جانب قريش. وهذا يعني ~~أيضا الاعتراف بمحمد وبدعوته واحترام العهد معه، فقد أصبح للإسلام كلمة ~~تسمع بعد أن كان مضطهدا. # ثم كان هذا الصلح عزة للمسلمين، كما قال تعالى # وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها ~~وأهلها.. # [الفتح: 26] كلمة الله هي كلمة لا إله إلا الله، لذلك قال فيها # إن أكرمكم عند الله أتقاكم.. # [الحجرات: 13] فالكرامة هنا، وإياكم أن تظنوا أن قريشا حين تصدكم عن ~~المسجد الحرام أن هذا يعني عزة لها، أبدا لأن العزة لله والكرامة عند ~~الله بالتقوى، لا بالطيش والغرور بالقوة الكاذبة. والرسول صلى الله عليه ~~وسلم في هذا الصلح يعطينا ms9432 درسا في الحنكة السياسية، فقد قبل الصلح مع ~~الكفار، وقبل أن يعود هو وأصحابه دون دخول مكة هذا العام وهم على مقربة ~~منها، لأن في ذلك صالح المسلمين والإسلام، حتى إنه في أثناء المعاهدة ~~تنازل عن أشياء ما كان أحد يظن أنه يتنازل عنها. فلما جاءوا لكتابة ~~المعاهدة أملى رسول الله الكاتب وهو الإمام علي: هذا ما تعاهد عليه محمد ~~رسول الله، فقال سهيل بن عمرو: لا لو كنا نعلم أنك رسول الله ما حاربناك ~~ولا وقفنا منك هذا الموقف، فرد عليه رسول الله: بل اكتب محمد بن عبد ~~الله ونزل على رأي سهيل بن عمرو لكن اعترض علي. وقال: بل اكتب رسول الله، ~~فقال له رسول الله: اكتبها وستسام مثلها فتقبل. وفعلا مرت السنوات، ~~وحدث الخلاف بين علي ومعاوية ولما انتهيا للصلح. قال علي: اكتب، هذا ما ~~تعاقد عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، فاعترضوا على كلمة أمير ~~المؤمنين وقالوا: لو نعلم أنك أمير المؤمنين ما قاتلناك فرضي بها وكتب: ~~علي بن أبي طالب. وكانت هذه المسألة علامة من علامات النبوة. وأيضا لما ~~أملى الرسول صلى الله عليه وسلم في أول العقد: بسم الله الرحمن الرحيم ~~فرفضوا كتابتها وقالوا: نحن لا نعرف هذا، بل اكتب: باسمك اللهم فرضي بها ~~أيضا سيدنا رسول الله. وهذه كلها تنازلات من رسول الله، جاءت مراعاة ~~لمصلحة الإسلام والمسلمين في إطار { فعلم ما لم تعلموا.. } ~~[الفتح: 27] وكانت النتيجة { فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ~~} [الفتح: 27] وفعلا بعد هذا الصلح توالت الفتوحات بعد أن أمنوا شر ~~قريش لمدة عشر سنوات. ### || [48.28] # الهدى هو الدلالة على طريق الخير الموصل للغاية التي تسعد صاحبها في ~~الدنيا والآخرة، وقد أرسل سيدنا رسول الله بالهدى للناس كافة فدل ~~الجميع، فمن اهتدى بهداه أعانه الله وزاده هدى # والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم # [محمد: 17] ومن انصرف عنه واختار الضلال زاده الله ضلالا بأن ختم على ~~قلبه. ومثلنا لذلك بشرطي المرور حين يرشدك إلى الطريق، فإن سمعت ~~كلامه واهتديت بدلالته ms9433 لك زادك وصحبك حتى يوصلك إلى غايتك، وإن ~~انصرفت عنه ولم تأخذ برأيه تركك ومصاعب الطريق، وربما رآك على الطريق ~~الخاطئ، فلم ينصح لأنك لم تسمع له. والقرآن الكريم لما تكلم عن الهدى ~~قال: # أولئك على هدى من ربهم.. # [البقرة: 5] وهذا المعنى يصحح الفهم الخاطىء عند البعض، حيث يرون أن ~~الهدى عبء على صاحبه ومشقة وتكاليف وتقييد للحرية. لكن الهدى في الواقع ~~غير ذلك، الهدى مطية تحملك إلى غايتك، فأنت على هدى يعني مستعل عليه ~~تركبه ليوصلك، فالمنهج وإن كان في ظاهره يقيد حركتك، إلا أنه يقيدها ~~لصالحك أنت ويقف ضد شهواتك لصالحك أنت. المنهج حين يقيد يدك عن السرقة ~~يقيد يد الناس جميعا، أن تسرق منك، وحين يأمرك بغض البصر عن محارم ~~الناس يأمر الناس جميعا بغض البصر عن محارمك. إذن: أنت الفائز في هذه ~~المسألة. المنهج يقيد حركتك عن شهوة عاجلة في الدنيا ليعطيك نعيما ~~باقيا في الآخرة. وقوله: { ودين الحق.. } [الفتح: 28] أي: ~~الإسلام، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. { ليظهره على ~~الدين كله.. } [الفتح: 28] يعليه ويعلي كلمته على كل الأديان ~~التي سبقته، لأن القرآن جاء مهيمنا على كل هذه الكتب، كما قال تعالى: # وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين ~~يديه من الكتاب ومهيمنا عليه.. # [المائدة: 48]. والظهور هنا ظهور حجة وبرهان، وظهور كمال في التعاليم ~~وفي المنهج، وهذا لا يمنع وجود ديانات أخرى ما زالت حتى الآن وبعد أربعة ~~عشر قرنا من الإسلام. لذلك سئلنا هذه السؤال في إحدى سفرياتنا، فقلنا { ~~ليظهره على الدين كله.. } [الفتح: 28] لا تعني أن يكون ~~الناس جميعا مسلمين، لأن الظهور هنا ظهور تعاليم، وحدث هذا بشهادتكم ~~أنتم فقد ألجأتكم قضايا الحياة إلى منهج الإسلام حيث لا حل لكم إلا ~~فيه. لذلك رأيناهم يأخذون مثلا بأحكام الطلاق في الإسلام، وهذا إظهار ~~للدين لأنهم أخذوا تعاليمه دون أن يؤمنوا به، كذلك في مسألة تعدد ~~الزوجات كانوا يهاجمونها ويتعرضون عليها والآن ينادون بها. والعجيب أنهم ~~يرضون بتعدد الخليلة يعني العشيقة، ولا يرضون بتعدد الحليلة ms9434 أي الزوجة، ~~وهذا فساد في الطبع والذوق وتصرف تأباه الشرائع. كذلك في الناحية ~~الاقتصادية، لما تكلم كنز ملك الاقتصاد عندهم انتهى إلى القول بأن ~~المال لا يؤدي وظيفته الاجتماعية في الكون إلا إذا انخفضت الفائدة إلى ~~صفر، وهذا هو رأي الإسلام. # لذلك حرم التعامل بالربا لأن الربا عملية بين غني وفقير، غني عنده ~~فائض يقرض، وفقير معدم يقترض، فكيف نطلب من الفقير الذي لا يملك الأصل ~~أن يعطي الغني الذي يملك الأصل وزيادة. ثم هب أن الفقير أخذ المال ~~ليستثمره في التجارة ثم خسرت هذه التجارة. إذن: يكون مطلوبا منه أن ~~يسدد رأس المال ثم الفوائد إلى جانب جهده الذي راح هباء طوال مدة ~~التجارة. إذن: كم مصيبة حلت به؟ إذن: تحريم الربا يقدر أولا ~~مصلحة الفقير، ويقدر أيضا مصلحة الغني في كل شيء لأنك إن كنت ~~قادرا فأقرضت نظرت إلى حال الغني. لكن قد تتقلب الأوضاع، ويصير الغني ~~فقيرا يحتاج إلى أن يقترض. إذن: ليس من مصلحته أن يتعامل بالربا. ~~وقوله: { وكفى بالله شهيدا } [الفتح: 28] يعني: شهادته كافية، ~~لأن الشاهد حينما يشهد يشهد بما رأى ورؤيته محدودة، إنما حين يشهد الله ~~فهي شهادة العلم المحيط إحاطة تامة ولا يوجد من يغيرها، لكن { شهيدا } ~~[الفتح: 28] على ماذا؟ قالوا: على أن الذي يتبع الهدى مصيره إلى الجنة، ~~وهي دار النعيم الدائم الذي لا ينقطع، والنعمة التي لا تزول. ### || [48.29] # { محمد } اسمه صلى الله عليه وسلم { رسول الله.. } [الفتح: ~~29] وصفه الجديد، لأننا عرفنا محمدا أولا قبل أن يكون رسول الله، ~~ومحمد من الحمد يعني أن الناس تحمده وقد حمده قومه منذ صغره، وقالوا: ~~الصادق الأمين. فقد كانت سيرته وماضيه بينهم يدل على هذه الصفات، وعلى ~~أنه شخص مميز بين أقرانه وأنه غير عادي. وقد أجمعوا على ذلك حتى قبل ~~الرسالة، وكانوا يرون في طفولته أنه لم يصب بشيء من لوثة الطفولة ~~ولهوها ولعبها، رأوا أنه كان يرعى الغنم وكان مثله من الفتيان الذين ~~يرعون الغنم في البادية ينزلون بالليل إلى مكة يحضرون ms9435 سهرات اللهو. أما ~~هو فقد فكر مرة في أن ينزل معهم، فلما ذهب معهم إلى هناك أخذه النوم، ~~فلم يستيقظ إلا بعد أن انفض السامر. فكأن الله عصمه ونزه سمعه وبصره ~~أن يسمع أو يرى شيئا من هذا، أما رفاقه فقد تعجبوا لأنهم لم يروه ~~بينهم، لذلك أصبح مأمونا عندهم، ولما لم يجربوا عليه كذبا قط أصبح ~~جديرا بأن يقولوا عنه: الصادق الأمين. وفي يوم من الأيام اجتمع الصبيان ~~لحمل حجر ثقيل يلعبون به، فلما ثقل عليهم شمروا ثيابهم حتى لايؤثر ~~الحجر في أكتافهم، وكان معهم رسول الله فأمسك بثوبه، وأراد أن يفعل ~~مثلهم، فسمع صوتا يقول له: عورتك يا محمد، فكان هو الوحيد الذي لم يكشف ~~عن عورته. وقد لاحظوا عليه ذلك قبل سن التمييز، فأخذوا عنه فكرة أنه ~~مهيأ من ناحية أخرى، ثم عرفوا سداد رأيه وحسن تفكيره في مسألة وضع ~~الحجر الأسود في مكانه، حينما اختلفت قبائل قريش من ينال شرف وضع ~~الحجر في مكانه حتى كادوا أن يتقاتلوا، ثم قالوا: نحكم أول داخل ~~علينا. فكان محمد الصادق الأمين الذي لا يختلف على أمانته اثنان، فأخذ ~~رداءه ووضع عليه الحجر، وأمر كل قبيلة أن تأخذ بطرف منه، حتى إذا ما ~~وصلوا به إلى موضعه من الكعبة حمله ووضعه في مكانه، وهكذا انتهى الخلاف ~~الذي أثار حفيظة القوم. فقوله تعالى: { محمد.. } [الفتح: 29] أي: ~~هذا الذي تعرفونه وتعرفون صدقه وأمانته وكرم أخلاقه، هذا الذي لبث بين ~~ظهرانيكم أربعين سنة هو رسول الله الذي اختاره الله للرسالة. إذن: أنتم ~~شهدتم له قبل أن أرسله إليكم، وما دام قد شهدتم له بالخلق الجميل وسداد ~~الرأي فواجب عليكم أن تصدقوه. والحق سبحانه وتعالى لم يصف محمدا في ~~ذاته إنما صفى أصوله، وزكاهم بأن عصمهم من السجود للأصنام، وهي ~~عبادة كانت شائعة في هذا الوقت، وقد أجمعوا على أن أجداده لم يسجد أحد ~~منهم لصنم. لذلك جاء في الحديث الشريف: # " ما زلت أتنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات " # أي: أنه صلى الله ms9436 عليه وسلم جاء من نسل طاهر لم يخالطه شيء من سفاح ~~الجاهلية. وقصة أبيه عبد الله مع زينب الخثعمية معروفة في الجزيرة ~~العربية كلها خاصة في مكة، حيث رأت فيه جمالا وجلالا فعشقته حتى راودته ~~عن نفسه، وعندها قال الأبيات المشهورة: # أما الحرام فالممات دونه # والحل لا حل فأستبينه # يحمي الكريم عرضه ودينه # فكيف بالأمر الذي تبغينه؟ # فلما تزوج عبد الله من آمنة بنت وهب وحملت في رسول الله انتقل إليها هذا ~~النور الذي كان في وجه عبد الله، فلما رأته الخثعمية بعد ذلك قالت: ~~وماذا أفعل به وقد ذهب النور الذي كان في وجهه؟ وهذا يعني أن الحق سبحانه ~~وتعالى صنع محمدا على عينه، وحماه من سفاح الجاهلية، وحماه في كل ~~مراحله. وبعد ذلك مات أبوه واسترضع في بني سعد، ورأت له مرضعته كثيرا ~~من الكرامات والمعجزات، فلما قالت لإخوته في الرضاعة: احموا محمدا من حر ~~الشمس. فقالوا: والله يا أماه ما نجده أبدا في حرها، لأنه إذا سار نرى ~~فوقه غمامة تظلله. إذن: شهد له في ذاته، وشهد له في آبائه، علم الجميع ~~أنه مؤيد من أعلى. فقوله تعالى: { محمد رسول الله.. } ~~[الفتح: 29] يعني أنه اختار الرسول على وفق رأيكم، فإياكم أن تكذبوه، ~~ومحمد هنا مبتدأ مخبر عنه بقوله: { رسول الله.. } [الفتح: 29]. ~~أي: أن محمدا المعروف لكم هو رسول الله، والله أعلم حيث يجعل رسالته، ~~فكان الواجب ساعة يرسل إليكم أن تؤمنوا به وأن تصدقوه. والحق سبحانه ~~وتعالى لما أيد محمدا بالمعجزات أيده بمعجزة عقلية، وفرق بين معجزة ~~عقلية ومعجزة كونية، فالمعجزة الكونية تقع مرة احدة، كما رأينا في قصة ~~سيدنا عيسى عليه السلام، وأنه كلم الناس في المهد، ولم ير هذه ~~المعجزة سوى القوم الذين حضروها وعاينوا هذا الموقف. أما بالنسبة لنا فهو ~~خبر نصدقه ونؤمن به، لأن القرآن أخبر به. أما محمد فرسالته عامة وخاتمة ~~للرسالات إلى قيام الساعة، إذن: فمعجزته يجب أن تتناسب مع عمومية ~~الرسالة، يجب أن تكون معجزة خالدة باقية لا تنتهي بانتهاء ms9437 الموقف. لذلك ~~جاء القرآن معجزة باقية ببقاء الرسالة إلى قيام الساعة، فمنذ نزلت ~~الرسالة ونحن نقرأ { محمد رسول الله.. } [الفتح: 29] وستظل ~~تقرأ إلى قيام الساعة، محمد رسول الله بدليل هذا القرآن المعجز. لذلك ~~قال تعالى: # إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون # [الحجر: 9] فتولى الحق سبحانه بنفسه حفظ القرآن على خلاف الكتب ~~السابقة عليه، حيث وكل الله حفظها إلى أهلها ومن آمن بها. # والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب ~~الله.. # [المائدة: 44] ومعنى # استحفظوا.. # [المائدة: 44] أي: طلب منهم حفظها تكليفا من الله، والتكليف عرضة ~~لأن يطاع ولأن يعصى، وقد رأيناهم لم يحافظوا بل بدلوها وغيروها ~~ونسوا الكثير منها. # أما القرآن فهو كما هو منذ أنزله الله على قلب رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، لأن الله حفظه بحفظه، ولم يأتمن على ذلك البشر. ومن مظاهر حفظ الله ~~للقرآن أن يسخر له من يخدمه حتى ممن لا يؤمنون به، فكثير ممن ~~يقومون على طباعة القرآن وزخرفته الآن من غير المسلمين، وقد رأينا الرجل ~~الألماني الذي طبع القرآن كله في صفحة واحدة مع أنه لم يفعل هذا في ~~الإنجيل وهو كتابه. إذن: نقول أن ماضي رسول الله بين قومه أهله لمهمة ~~الرسالة، لذلك الذين استقبلوا خبر بعثته صلى الله عليه وسلم سارعوا إلى ~~تصديقه قبل أن يسمعوا من القرآن آية واحدة، لماذا؟ لأنهم أخذوا الدليل ~~على صدقه من ماضيه فيهم، فما جربوا عليه كذبا قط، والذي لا يكذب على ~~الناس من باب أولى لا يكذب على الله رب الناس. ومثل هذا الموقف ~~رأيناه أيضا من الصديق أبي بكر في حادثة الإسراء والمعراج، فلما بلغه ~~أن رسول الله يدعي أنه أسري به قال: إن كان قال فقد صدق. أما ~~المعجزة فقد جاءت لمن كذب وأنكر رسالته صلى الله عليه وسلم، جاءت ~~لمن لم يؤمن ولمن اتهم القرآن بأنه كذب وافتراء، فجاء ليقول لهم { ~~فأتوا بسورة مثله.. } [يونس: 38] أي: مفتراة. وقوله: { ~~والذين معه.. } [الفتح: 29] أي: آمنوا به وأصلحوا في معيته ~~البشرية والمنهجية، وهؤلاء وصفهم بأنهم { أشدآء ms9438 على الكفار ~~رحمآء بينهم.. } [الفتح: 29] إذن: جمعوا بين الشيء ونقيضه، بين ~~الشدة والرحمة. وهذا دليل على أن المؤمن ليس له طبع واحد يحكمه، إنما ~~يتغير تبع التكليف الذي يأتيه من ربه عز وجل، فمع الأعداء تجده قويا ~~شديدا عليهم، يريهم أن قناة المؤمن لا تلين، أما مع إخوانه المؤمنين ~~فهو رحيم بهم شفيق عليهم. وفي موضع آخر عبر القرآن عن هذا المعنى، ~~فقال: # أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين.. # [المائدة: 54] فالمنهج الإيماني هو الذي يحكم سلوك المؤمن ويوجهه، وهذا ~~ما رأيناه بالفعل في تصرفات كل من الصديق أبي بكر والفاروق عمر. فأبو ~~بكر مع ما عرف عنه من اللين والرحمة لما جاءت مسألة الردة بعد وفاة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيناه يخرج عن هذا الطبع اللين، ويكون ~~في أشد ما يمكن. ويقول لعمر: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها ~~لرسول الله لقاتلتهم عليه، وينهر عمر ويقول له: أجبار في الجاهلية ~~خوار في الإسلام. والمتأمل في مسألة الردة يجد أنها تحتاج إلى قسوة ~~وحزم، وإلا انتشرت خاصة بين ضعاف الإيمان، والناس ما يزالون حديثي عهد ~~بالدين، وهذا ما أخرج أبا بكر من طبع اللين إلى طبع الشدة. # وقوله تعالى: { تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من ~~الله ورضوانا.. } [الفتح: 29] فهم مع هذه الشدة على الكفار تراهم ~~ركعا سجدا، والركوع والسجود مراحل لإظهار العبودية الكاملة لله تعالى، ~~فالركوع تنحني بقامتك لله، والسجود أعظم من الركوع حيث تخر إلى الأرض ~~وتضع جبهتك، وهي أشرف موضع فيك على الأرض تواضعا وتذللا لله وخضوعا له ~~سبحانه. لذلك قلنا: في الركوع والسجود كمال العبودية لله، وهذا فهمناه من ~~قول إبليس الذي حكاه عنه القرآن: # ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن ~~أيمانهم وعن شمآئلهم.. # [الأعراف: 17]. فلم يذكر باقي الاتجاهات أعلى وأسفل، لماذا؟ لأن الأعلى ~~يمثل علو الألوهية، حين نرفع أيدينا بالدعاء، والأسفل يمثل ذل ~~العبودية حينما تسجد الجباه، وتخضع لله تعالى، لذلك لا يأتي الشيطان من ~~هذين. وقوله تعالى: { يبتغون فضلا من الله ورضوانا.. ms9439 ~~} [الفتح: 29] هذه هي علة كونهم أشداء على الكفار ورحماء بينهم، وكونهم ~~يحافظون على الركوع والسجود، أي: يفعلون هذا ابتغاء فضل الله وطمعا في ~~رضوان الله عنهم. وهذا قمة الإخلاص في الأعمال، فهدفهم من العمل وجه الله ~~لا ينظرون إلى غيره، لماذا؟ لأنهم يحسبون حساب هذا اليوم الذي سيقفون فيه ~~أمام الله، ولا يجدون غير الله يحاسبهم ويجازيهم. لذلك قلنا في العلماء ~~والمخترعين الذين خدموا البشرية بأعمالهم الحسنة ومع ذلك لا نصيب لهم في ~~الآخرة، لأنهم ما عملوا لله إنما للبشرية وللحضارة. لذلك قال الله عنهم: # والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد ~~الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب # [النور: 39] فوجئ بالإله الحق الذي لم يكن في باله هو الذي يحاسبه، ~~وهو الذي يجازيه. ومن علامات هؤلاء المؤمنين أيضا { سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود.. } [الفتح: 29] سيماهم أي علامتهم ~~المميزة لهم هي الأثر الذي يتركه السجود في جبهة الإنسان والتي نسميها ~~زبيبة الصلاة. فالخالق سبحانه لم يخلق البشر في الكون على قالب واحد، ~~إنما لكل إنسان قالبه الخاص به، والذي لا يتطابق مع قالب آخر على كثرة ~~الخلق، وهذه من طلاقة القدرة في عملية الخلق، فالناس مختلفون في ~~الطول والقصر والعرض واللون والملامح.. إلخ. لكن الصفة المميزة لجميع ~~المؤمنين الذين وصفهم الله بهذه الصفات، { سيماهم في وجوههم ~~من أثر السجود.. } [الفتح: 29] وهذه العلامة يلازمها نور في ~~الوجه وبشاشة نلاحظها على وجه المؤمن، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ~~ساجد. وكثيرون منا يجد لذة في إطالة السجود، ويجد فيه أنسا بالله ~~فيعتاد ذلك، فتظهر هذه العلامة على جبهته إلى جانب هذا النور والإشراق ~~الذي يبدو على وجهه. وتستطيع أن تلاحظ هذا إذا قارنت بين رجل قضى ليله ~~في الشرب والخلاعة والاستهتار، وآخر قضى ليله في عبادة الله وتسبيحه. # وهذه الوجوه تأتي هكذا # وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ~~ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * ~~أولئك هم الكفرة الفجرة # [عبس: 38-42]. ونحن نلاحظ هذه ms9440 الصورة، ونرى بدايتها في الدنيا قبل ~~الآخرة. وقوله تعالى: { ذلك.. } [الفتح: 29] أي: الأوصاف التي سبق ~~ذكرها للمؤمنين مع محمد وهي: { أشدآء على الكفار رحمآء ~~بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من ~~الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر ~~السجود.. } [الفتح: 29] هذه الصفات هي: { مثلهم في ~~التوراة.. } [الفتح: 29] وهكذا وصفتهم التوراة، فكأن التوراة فيها ~~ذكر ومثل للمؤمنين الذين يؤمنون بمحمد الرسول الخاتم، لأن التوراة ~~مبشرة به. أما الإنجيل فقد وصفهم بأوصاف أخرى غير هذه { ومثلهم ~~في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ ~~فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم ~~الكفار.. } [الفتح: 29]. فهؤلاء المؤمنون مثلهم في الإنجيل مثل ~~الزرع الذي أخرج { شطأه.. } [الفتح: 29] أي فروعه، والشطأ هو أعلى ~~العود أو السنبلة { فاستغلظ.. } [الفتح: 29] يعني: اشتد العود ~~وقوي وامتلأ { فاستوى على سوقه.. } [الفتح: 29] يعني: بلغ ~~مبلغه حتى إنه { يعجب الزراع.. } [الفتح: 29] لكمال استوائه ~~واستقامته { ليغيظ بهم الكفار.. } [الفتح: 29]. ولك الآن أن ~~تقارن بين هذين المثالين تجد المثل الأول في التوراة اهتم بالنواحي ~~الروحية، وذكر أمورا وأوصافا كلها قيم ومعنويات، فأتباع محمد أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم، وهم ركع وسجد يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا، وهم سيماهم في وجوههم من أثر السجود، كلها قيم ومعنويات ليس ~~فيها شيء من الماديات أبدا. أما مثلهم في الإنجيل فمثل مادي يخلو تماما ~~من الروحانيات أو القيم، لماذا؟ قالوا: لأن اليهود كانوا قوما ماديين ~~مبالغيين فيها بحيث لا يقتنعون إلا بها. ففي فترة التيه التي كتبها الله ~~عليهم رزقهم المن والسلوى، وهو طعام حلو شهي يأتيهم دون تعب، ~~وينزل عليهم دون سعي منهم، فلم يرضوا به لأنه غيب لا يعلمون مصدره، ~~وطلبوا من الله أن يرزقهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها ~~وعدسها وبصلها. أي: ما يزرعونه بأيديهم ويباشرونه بأنفسهم. حتى في ~~علاقتهم بالله أرادوا أن يكون سبحانه مادة، فقالوا: لموسى عليه السلام # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة.. # [البقرة: 55] والحق سبحانه وتعالى غيب # لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر.. # [الأنعام: 103]. أما رؤيتنا له سبحانه في ms9441 الآخرة فلأننا نعد فيها ~~إعدادا آخر يناسب هذا الشرف، بحيث نتمكن من رؤيته تعالى، أما في الدنيا ~~فلا نقدر على ذلك لأن الله تعالى لم يمنع تجليه على خلقه، لكن نحن في ~~الدنيا لا نقدر على تحمل هذا التجلي. # وهذا المعنى واضح في قصة سيدنا موسى عليه السلام، لما قال لربه عز وجل # رب أرني أنظر إليك.. # [الأعراف: 143] فكان الجواب # قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن ~~استقر مكانه فسوف تراني.. # [الأعراف: 143] وهذا يعني أن غيرك يمكن أن يراني. # فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا.. # [الأعراف: 143] فلما تجلى ربنا للجبل اندك الجبل، فكيف إذا تجلى ~~سبحانه وتعالى على الإنسان، وموسى عليه السلام رأى الجبل وهو يندك فخر ~~وصعق من هول ما رأى من أثر التجلي على المتجلى عليه. نقول: فلما ~~كانوا بهذه الصورة من المادية جاء لهم بمثل كله روحانيات وقيم، فكأنه ~~ذكر في التوراة من صفات المؤمنين بمحمد ما ينقض أهل التوراة، يقول لهم: ~~أنتم بالغتم في المادية، وسوف آتي بنبي له أمة تقيم الروحانيات والقيم ~~التي قصرتم أنتم فيها. أما النصارى فكانوا يغلبون الروحانيات، ~~والإنجيل ذاته كله روحانيات وقيم، لذلك لما سئل سيدنا عيسى عليه ~~السلام عن مسألة ميراث قال: أنا لم أبعث مورثا. وهذا التباين بين ~~التوراة والإنجيل جعل اليهود والنصارى يلتقون على كتاب واحد، مزيج من ~~التوراة والإنجيل ليجمعوا بين المادية والروحانية، وسموه الكتاب ~~المقدس، التقوا عليه رغم ما بينهم من العداوة والخلاف. ولما كان الإنجيل ~~بهذا الوصف جاء مثل المؤمنين فيه مثلا ماديا تماما، وهو الشيء الذي ~~يفتقده الإنجيل، فالإنجيل يخلو تماما من الحديث عن المعاملات وعن حركة ~~الحياة، إذن: فكل مثل منهما جاء ليجبر نقصا، فاليهود ينقصهم ~~الروحانيات، والنصارى ينقصهم الماديات في حركة الحياة. ونقف هنا عند قوله ~~تعالى: { ليغيظ بهم الكفار.. } [الفتح: 29] هذه إشارة إلى أن ~~تقدمنا في الماديات وبلوغنا فيها درجة الاستواء والاستقامة والاكتفاء ~~الذاتي، هذا أمر يغيظ الكفار، فاحذروا أن يسبقوكم في هذا المجال. إنهم ~~إن سبقوكم ms9442 فيه أذلوا أعناقكم، وتحكموا في مقدراتكم، واستعلوا عليكم بما ~~يملكون من إمكانيات ليست عندكم. وهذا للأسف ما حدث، فقد احتجنا إليهم في ~~معظم الصناعات حتى في لقمة العيش، وها هم يفعلون بنا الأفاعيل، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله. فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول لنا: يا من آمن بمحمد ~~فارتضى بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا عليكم أن تأخذوا من ~~كل بطرف، خذوا من الماديات ما يعلي شأنكم، وما يعينكم على حركة ~~الحياة. وخذوا من الروحانيات ما يعصمكم من الزلل، ويصلح دينكم ودنياكم، ~~لأن مثلكم في التوراة قيم، ومثلكم في الإنجيل مادة. لذلك جاء الإسلام ~~مؤيدا بالعلم الكوني لا يتعارض معه، والقرآن مليء بالحديث عن هذه ~~الكونيات، واقرأ إن شئت وتدبر هذه الآيات: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن ~~الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله ~~عزيز غفور # [فاطر: 27-28]. فذكر أجناس الوجود كلها الإنسان والحيوان والنبات ~~والجماد، وكلمة العلماء هنا لا تقتصر على علماء الدين، إنما كل العلماء ~~في كل المجالات دينية أو دنيوية. فكأن الحق سبحانه أراد لنا دينا يجمع ~~بين الدنيا والآخرة، بين العبادة وحركة الحياة، فإياكم أن تأخذوا الدين ~~وتتركوا الدنيا لأعدائكم يستزلونكم بها. وسبق أن قلنا: من أراد أن ~~تكون كلمته من رأسه فلتكن لقمته من فأسه، فإياكم أن يتفوق عليكم ~~أعداؤكم في هذا المجال، لأن عطاء الربوبية واحد للمؤمن وللكافر، فلا ~~تتركوه اعتمادا على عطاء الألوهية. إنك لا تستطيع أن تقيم العبودية لله ~~إلا إذا أخذت بعطاء الربوبية، وسعيت إلى تطوير حركة الحياة والاستفادة ~~منها والمشاركة فيها. وسبق أن أشرنا إلى مسألة ستر العورة مثلا، وهي ~~واجبة، ولا تتم العبادة إلا بها، انظر كم حركة من حركات الحياة نقوم بها ~~لنستر عورتنا باللباس؟ تتبع بذرة القطن من حين أن تضعها في الأرض إلى ~~أن تصير ثوبا تلبسه، إذن: نقول حركة ms9443 الحياة هي التي تعين على حركة ~~الدين. ثم يقول تعالى: { وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما } [الفتح: 29] ~~انظر { آمنوا.. } [الفتح: 29] هذا جانب الدين { وعملوا ~~الصالحات.. } [الفتح: 29] هذا جانب الدنيا وما تحتاجه من حركة ~~الحياة. فإياك إذن أن تهمل جانبا لحساب الآخر، لأن دينك دين جامع ~~للروح وللمادة. والذين آمنوا هم الذين جمعوا هذه الصفات ووعدهم الله هذا ~~الوعد. والإيمان هو العقيدة الراسخة المستقرة في النفس، والتي لا تقبل ~~المناقشة، فالقلب مطمئن بهذه العقيدة، وأنها تسعد دنياه وآخرته، والأصل ~~في الإيمان أن تؤمن بالله ربا وخالقا للكون، تؤمن بأسمائه وصفاته. ~~فإذا آمنت بهذه الصفات اطمأن قلبك إلى ما يجري عليك من قضائه وقدره، فهو ~~سبحانه يبتليك بالخير لتشكر، ويبتليك بالشر لتصبر، فأنت مثاب في كلتا ~~الحالتين. والإيمان من مادة أمن فهي تدور حول الأمان والاطمئنان. تقول: ~~آمنت بكذا. يعني: اعتقدته اعتقادا جازما لا يدخله شك، وآمنت له ~~يعني: صدقته. وأمنه يعني: طمأنه على مستقبل حياته، إذن: كلها تدور ~~حول الاستقرار والثبات وعدم التحول إلى النقيض. وثمرة الإيمان { ~~وعملوا الصالحات.. } [الفتح: 29] يراد بها ما تقدم من قوله ~~تعالى: { أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ~~ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا ~~سيماهم في وجوههم من أثر السجود.. } [الفتح: 29] وهم ~~في الماديات وفي حركة الحياة مثل الزرع الذي استوى على سوقه يعجب ~~الزراع ليغيظ بهم الكفار. والوعد للمؤمنين بماذا؟ { مغفرة ~~وأجرا عظيما } [الفتح: 29] قلنا: فيها تخلية ثم تحلية يغفر أولا. ~~ثم يعطي الأجر. # والقاعدة الشرعية أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. لذلك يقول ~~تعالى: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185] فالزحزحة عن النار في ذاتها نعمة، لذلك ضرب الصراط على ~~متن جهنم، فلا بد لمن يمر عليه أن يرى جهنم بعينه # ثم لترونها عين اليقين # [التكاثر: 7]. وهذا يشعرك بعظمة الإيمان، وأنه النعمة الكبرى لأنه ~~نجانا من هذه النار وأدخلنا الجنة، والعمل الصالح هو الذي أخذ بيدك ~~وتجاوز بك هذه العقبة. واقرأ: # والعصر * إن الإنسان ms9444 لفى خسر * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر # [العصر: 1-3] فمطلق الإنسان في خسر لا يستثنى منهم، ولا ينجو إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات. والتواصي بالحق يدل على وجوب الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، والتواصي بالصبر يدل على أن هذا الطريق ~~محفوف بالمخاطر، ويحتاج منك إلى صبر على الأذى من الخصوم ومن المعارضين ~~فالنصح ثقيل. وكلمة # وتواصوا.. # [العصر: 3] تعني أن الكل يوصي، ففيها استمرارية ومداومة وعدم يأس، لأن ~~المعارض الذي تنصحه قد يصبر هو أيضا ويتمادى، فعليك أن تغالبه في ~~الصبر، وهذا معنى قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا.. # [آل عمران: 200]. ووعد الله هو الوعد الحق الذي لا يتخلف، لماذا؟ لأنه ~~وعد ممن يملك كل أسباب الوفاء ولا يعوقه عن الوفاء شيء ولا يمنعه ~~مانع، ولأنه سبحانه الحق الذي لا يتبدل ولا يتغير ولا يتحول، فمن إذن ~~يحول دونه ودون تحقيق وعده؟ فهو سبحانه الإله الواحد الأحد الذي لا شريك ~~له في ملكه، ولا منازع له في سلطانه، وهو القوي، فلا توجد قوة أخرى ~~تمنعه. أما الوعد من البشر فقد لا يتحقق لأن الإنسان لا يملك كل ~~أسباب الوفاء، وهو أهل أغيار وتقلب. لذلك يقول سبحانه: # إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم.. # [الرعد: 11]. إذن: نقول إن الحق سبحانه ثابت لا يتغير من أجلنا، لكن ~~علينا نحن أن نغير من أنفسنا من أجله تعالى. وكلمة { مغفرة.. } ~~[الفتح: 29] تعني: أن الخالق سبحانه وهو أعلم بخلقه علم أننا خطاءون ~~كثيرو النسيان كثيرو الجهل، لكن هذا كله متوقع منا، ولا ينبغي أن ~~ييئسنا من رحمة الله لأنه هو الذي خلقنا على هذه الصورة، وهو الذي تكفل ~~لنا بالمغفرة، وما علينا نحن إلا أن نطرق أبوابها # وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى # [طه: 82]. ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1] # تستطيع هنا أن تلاحظ المناسبة بين هذه الآية في مفتتح سورة الحجرات وبين ~~نهاية سورة الفتح، الحق سبحانه في أواخر آيات الفتح حدثنا عما دار في ms9445 ~~الحديبية، وكيف انتهى الموقف هناك بالصلح، وكيف أن هذا الصلح أحدث خلافا ~~بين الرسول وبين المؤمنين به. # " ووقف رسول الله وحده وقبل الصلح وقبل كل شروطهم، وتنازل لهم عن ~~أشياء دلت على حنكته السياسية وعلى بعد نظره، في حين عارضه المؤمنون ~~كما رأينا. حتى أن عمر يقول له: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ يقول: بلى، ~~يقول: أليسو على الباطل. يقول: بلى، يقول: فلم نعط الدنية في ديننا؟ ". # وقلنا: أنهم قبل أن يعودوا إلى المدينة أخبرهم الحق سبحانه بالحكمة من ~~العودة دون أداء العمرة هذا العام. إذن: كان للمؤمنين رأي، وكان لرسول ~~الله رأي آخر، لأن المسلمين تعصبوا لأنفسهم أما رسول الله فقد تعصب ~~للإسلام. ولما حدثت المعارضة لرسول الله جاءت سورة الحجرات لتعالج هذه ~~المسألة في أول آية منها: { يأيها الذين آمنوا لا ~~تقدموا بين يدي الله ورسوله.. } [الحجرات: 1] ~~والنداء هنا خاص بالذين آمنوا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ~~ورسولا. { لا تقدموا بين يدي الله ورسوله.. } ~~[الحجرات: 1] يعني: إياكم أن تقدموا رأيا أو تقطعوا أمرا قبل أن ~~يأذن الله لكم به ويأذن رسوله ويقضي فيه، لأن رسول الله لا يصدر إلا عن ~~وحي من الله. وأنتم حينما تقفون في وجه أمر الرسول فأنتم في حقيقة الأمر ~~تعارضون أمر الله الذي ارتضيتم به ربا وإلها وآمنتم بصفاته، ومقتضى هذا ~~الإيمان ألا تقدموا رأيكم على رأيه، ولا حكمكم على حكمه، فإذا قال ~~الله أو قال رسول الله فلا تقدموا رأيا من عندكم. وكلمة { بين يدي ~~الله ورسوله.. } [الحجرات: 1] بين يديك يعني: أمامك، يعني لا ~~تسبقوه بأن تقطعوا أمرا دونه، وتذكر أنك أمام الله وفي مواجهته، فهو ~~لا يكلفك حركة فتلتفت يمينا أو شمالا. وقوله: { واتقوا ~~الله.. } [الحجرات: 1] يعني: إن أردتم ألا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله فاتقوا الله في ذلك. يعني: لا تكونوا كذابين فيه، ولا تعودوا مرة ~~أخرى إلى المخالفة فهذا لا يصح. { إن الله سميع عليم } ~~[الحجرات: 1] يعني: اتقوا من هذه صفاته فهو سميع يسمع كل ما يقال، ms9446 ~~وعليم بكل ما يختلج في نفوسكم، ولا يخفى عليه شيء من أموركم. وما دمتم ~~قد آمنتم به فقد وجبت عليكم طاعته وطاعة رسوله. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم... }. ### || [49.2] # النداء هنا أيضا للذين آمنوا، ألا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي في ~~حضرته، وكذلك لا يرفعوا رأيهم فوق رأيه، ومن أدب الحديث عموما ألا ~~ترفع صوتك، لأن رفع الصوت فيه استعلاء، أو على الأقل فيه مساواة، فما ~~بالك إن كان محدثك رسول الله؟. إذن: وجب عليك ألا يعلو صوتك على ~~صوته، بل يكون صوتك أقل وأخفت، وتكلمه بأدب وخشوع، فكما آمنت به ~~نبيا ورسولا مبلغا وقدمت رأيه على رأيك. فكذلك حين تحدثه لا ~~ترفع صوتك فوق صوته، فصوته صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون الأعلى، ~~لأنه الأولى بالاستماع وبالاهتمام، ونحن في حقبة من تاريخنا شاعت ~~بيننا مقولة لا صوت يعلو فوق صوت المعركة لأن المعركة في هذا الوقت كانت ~~هي الحل. والمعنى: لا يعلو صوت على صوته. { ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض.. } [الحجرات: 2] لا تنادوه ~~كما ينادي بعضكم بعضا، فلا نقول: تعالى يا أحمد تعال يا محمد. بل نقول: ~~يأيها النبي يأيها الرسول، يا رسول الله، لأن ربك الذي خلقك وخلقه وأرسله ~~لك رسولا خاطبه هكذا. في حين أنه تعالى خاطب كل الرسل بأسمائهم: يا آدم، ~~يا نوح، يا إبراهيم، يا موسى، يا عيسى إلا محمدا صلى الله عليه وسلم لم ~~يخاطبه باسمه إنما بوصفه يا أيها النبي يا أيها الرسول فإذا كان خالقه لم ~~يدعه باسمه. إذن: وجب عليك أن تدعوه بهذه الوصف، إلا إذا كنت أنت أعلى ~~مقاما من الذي خلقك والعياذ بالله. وقوله تعالى: { أن تحبط ~~أعمالكم.. } [الحجرات: 2] أي: خشية أن تحبط أعمالكم. يعني: تبطل ~~وتفسد، لماذا؟ لأن الجهر لرسول الله بهذه الصورة أو رفع الصوت عنده يعد ~~مخالفة للمنهج الذي جاء به. فرسول الله لم يأت بمنهج من عنده، إنما هو ~~مبلغ عن الله، فمن خالف في ذلك فقد ms9447 خالف منهج الله واستحق أن يحبط ~~عمله، ثم في إهانة الرسول إهانة لمن أرسله. وقوله: { وأنتم لا ~~تشعرون } [الحجرات: 2] أي: يحبط عملك ويبطل وأنت لا تدري، فهذه ~~المسألة من الأشياء الدقيقة التي ينبغي التنبه لها، فمع كونه صلى الله ~~عليه وسلم بالمؤمنين رؤوف رحيم لكن لا تغرنك هذه الصفات وتجعلك تساويه ~~بغيره في النداء، بل احتفظ له صلى الله عليه وسلم بمنزلته ومهابته ~~وكرامته، ولا تجعله مثلك في الخطاب، مثل رجل يدلل الخادم فيغتر الخادم ~~بذلك، حتى أن سيده يناديه فلا يجيب. لذلك الرجل العربي دخل على قوم لا ~~يعرفهم ولا يعرفونه. فقال: السلام عليكم قوم حسنت أخلاقهم، قالوا: ~~وكيف علمت حسن أخلاقنا؟ قال: عرفت حسن أخلاقكم من سوء أخلاق عبيدكم، ~~أي: أنهم يدللون العبيد ولا يعاقبونهم. وقد ورد عن سيدنا أنس بن مالك ~~رضي الله عنه أنه قال: # " خدمت النبي صلى الله عليه وسلم، فما قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا ~~لشيء تركته: لم تركته؟ ". # ثم يقول الحق سبحانه: { إن الذين يغضون أصواتهم عند ~~رسول الله... } [الحجرات: 3]. ### || [49.3] # معنى { يغضون أصواتهم عند رسول الله.. } الحجرات: 3] ~~يخفضونها ويخافتون بها في حضرته صلى الله عليه وسلم، احتراما له ~~وتكريما. { أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى.. } [الحجرات: 3] أي: صفاها وأخلصها لتكون محلا للتقوى ~~وللطاعة، ولحمل منهج رسول الله إلى الناس كافة، فهم مؤهلون لحمل هذه ~~الرسالة بعد أن نقى الله قلوبهم وطهرها وصفاها من الخبث، ونفى عنها ~~أمراض الرياء والنفاق وضعف الإيمان. لقد صهرتهم الأحداث في بوتقة ~~الشدائد، بحيث لم يبق في صفوف الإيمان إلا أقوياء العقيدة القادرون ~~على حمل أمانة هذه الدعوة. لذلك قال تعالى: # وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا.. # [البقرة: 143] فالرسول يشهد أنه بلغنا، ونحن نشهد أننا بلغنا الناس. ### || [49.4-5] # نزلت هذه الآية في جماعة كان لهم أسرى، فجاءوا يراجعون رسول الله في ~~أمرهم ليطلق سراحهم، لكنهم أخطأوا من عدة وجوه: أولا: جاءوا بيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم من الوراء ولم يأتوا ms9448 من الأبواب. ذلك لأنهم لا يعرفون ~~في أي حجرة يقيم رسول الله، أهو عند عائشة؟ أمن عند حفصة؟ أمن عند أم ~~سلمة؟ وهم يعلمون أن لرسول الله مهمات شتى، له مهمة مع الناس، ومهمة مع ~~أهله، ومهمة قبل ذلك مع ربه. فكان عليهم إذا لم يظهر لهم رسول الله في ~~المسجد أن ينتظروا خروجه وألا يزعجوه، فهو ولابد في مهمة من هذه ~~المهمات وربما كان مشغولا في خلوة مع ربه عز وجل أو مع أهله. ثانيا: ~~نادوا رسول الله كما ينادي بعضهم بعضا، ولم يراعوا حرمة رسول الله ~~ومنزلته، لذلك وصف أكثرهم بأنهم لا يعقلون، فالتعقل يقتضي خلاف هذا ~~التصرف. { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم ~~لكان خيرا لهم.. } [الحجرات: 5] نعم خيرا لهم لأنه صلى الله ~~عليه وسلم بعد أن نادوه واضطروه للخروج أطلق نصف الأسرى، وقال: والله لو ~~صبروا حتى أخرج عليهم لأطلقت الأسرى كلهم. إنما جعل ذلك تأديبا لهم ~~لخروجهم عن اللياقة والأدب في التعامل معه صلى الله عليه وسلم. { ~~والله غفور رحيم } [الحجرات: 5] لم يأخذهم بالعذاب ورسول الله ~~عاقبهم على قدر أعمالهم حتى لا يكون غضبه لنفسه. ثم قول الحق سبحانه: { ~~يأيها الذين آمنوا إن جآءكم فاسق بنبإ... }. ### || [49.6] # أيضا نداء خاص بالذين آمنوا، وهو النداء الثالث بعد # يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله.. # [الحجرات: 1] وبعد # يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي.. # [الحجرات: 2] وهنا { يأيها الذين آمنوا إن جآءكم ~~فاسق بنبإ فتبينوا.. } [الحجرات: 6]. ونلاحظ أن النسق ~~القرآني لم يجمع بين هذه الأمور الثلاثة في نداء واحد، ولم يستخدم أدوات ~~العطف إنما خص كل أمر منها بنداء خاص لمزيد التأكيد والاهتمام. ففي ~~وصية سيدنا لقمان لابنه قال: # يبني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13]. وقال: # يبني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن ~~المنكر واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم ~~الأمور * ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في ~~الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور * ~~واقصد في ms9449 مشيك واغضض من صوتك إن أنكر ~~الأصوات لصوت الحمير # [لقمان: 17-19]. إذن: خص مسألة العقيدة بنداء خاص لأهميتها، وجمع عمل ~~الجوارح في نداء واحد لأنها على مستوى واحد من الأهمية في الدين. إذن: ~~نفهم من تكرار النداء بيأيها الذين آمنوا أنه يعطي أهمية خاصة لكل نداء. ~~ومعنى { إن جآءكم فاسق بنبإ.. } [الحجرات: 6] الفاسق وصف ~~مأخوذ من قولنا فسقت الرطبة. يعني: خرجت عن قشرتها، وخروج الرطبة عن ~~قشرتها يعرضها للحشرات وللآفات الضارة. كذلك المؤمن يغلفه الإيمان ~~ويحميه أن تصيبه آفات النفوس، فإذا فسق يعني: خرج عن حدود الإيمان وشذ ~~عنه أصابته الأمراض المهلكة، لذلك قالوا عن الفاسق هو مرتكب كبيرة أو ~~مجهول الحال. فإذا جاءك النبأ أي الخبر من مثل هذا من فاسق فلا تسلم له ~~بما قال، إنما { فتبينوا.. } [الحجرات: 6] يعني: تثبتوا من صحة ~~هذا الخبر ومن صدقه. قف حتى تتبين وجه الحقيقة فيما سمعت حتى يكون ~~حكمك على الأمور واقعيا، ولا تأخذك العجلة والحمية فتقع في محظور { ~~فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا ~~على ما فعلتم نادمين } [الحجرات: 6]. الحق سبحانه يأمرنا ~~بالتثبت هنا لأن الإنسان ابن أغيار كثير التقلب، فربما اتصف بالصدق، لكن ~~كذب هذه المرة أو اتصف بالكذب، لكن صدق هذه المرة، فالتثبت احتياط واجب، ~~حتى يأتي الحكم والتصرف بعد ذلك موضوعيا ولا نقع في دائرة الظلم والتعدي ~~على الآخرين. تبين من خبر الفاسق لعله يكون من الأشياء التي عصى الله ~~فيها، لأن العصيان عنده سهل، فلو صدقته ربما تصيب قوما لا ذنب لهم. ~~{ بجهالة.. } [الحجرات: 1] وأنت تجهل حقيقة الأمر، وعندها يصبح ~~المصاب صاحب حق وأنت معتد فتندم على تعديك وتجاوزك للصواب، تندم لأنك ~~جعلت من أسأته صاحب حق عليك. وفرق بين من يفعل الذنب بجهالة ~~ومن يفعله متعمدا، وبحسب موقف النفس البشرية من المعصية يكون قبول ~~التوبة، وأذكر ونحن في فرنسا أن واحدا من الزملاء رشح لأن يكون ~~مبعوثا إلى فرنسا، هذا ذاهب إلى هناك لقصد العلم فقط وليس في باله أي ~~أغراض أخرى، وهناك سكن على ms9450 طريقة الغرباء في أحد البيوت مع إحدى الأسر. # وفي ليلة دخلت عليه بنت هؤلاء الذين يسكن معهم، ربما قد يكون ارتكب ~~معصية معها في هذا الموقف لكنه وقع فيه عن جهالة ودون أن يخطط له. على ~~خلاف شخص آخر حينما يذهب إلى هذه البلاد يذهب وفي باله هذه المسائل، ~~وربما اتصل بمن يعطيه عناوين أهل المعصية. لذلك يحدد الحق سبحانه شروط ~~التوبة المقبولة، فيقول: # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب ~~الله عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست ~~التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر ~~أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين ~~يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا ~~أليما # [النساء: 17-18]. والندم على المعصية أول مراحل التوبة، لكن الأمر ~~بالتثبت من خبر الفاسق، أهو وعظ ابتداء أم له سبب نزل القرآن من ~~أجله؟ قالوا: بل له سبب وهو حادثة الوليد بن عقبة بن أبي معيط لما ~~ولاه رسول الله جباية أموال الزكاة من بني المصطلق. فلما ذهب إليهم ~~خرجوا جميعا لمقابلته والاحتفاء به حين علموا أنه رسول رسول الله، لكنه ~~خاف من جمعهم على هذه الصورة، وخشي أن ينالوه بشر خاصة وقد كان له دية ~~قديمة عندهم من أيام الجاهلية. ففر عائدا إلى رسول الله وقال: يا رسول ~~الله منعوني الزكاة، فرسول الله تثبت من الأمر وسألهم فقالوا: بل ~~خرجنا فرحا به يا رسول الله، ولو صدق رسول الله هذا الخبر لاعتبرهم ~~مرتدين، وربما كان حدث ما لا تحمد عقباه. وروي أن سيدنا رسول الله بلغه ~~أن السيدة مارية القبطية أم إبراهيم لها ابن عم يزورها ويدخل عندها، ~~فأغضبه ذلك وقال لعلي: خذ هذا السيف واذهب إليه فإن وجدته فاقتله. ~~فقال: يا رسول الله أنا في أمرك أأقتله. أم يرى الشاهد ما لا يرى الغائب؟ ~~انظر هنا إلى احتياط علي رضي الله عنه. فلما ذهب وجده عند مارية فهم ~~بسيفه ليقتله، لكن الرجل أسرع إلى نخلة فصعد عليها بحيث لا يناله ms9451 سيف ~~علي، ثم ألقى بنفسه على الأرض وفتح بين ساقيه حتى بانت لعلي أماكن عورته ~~فرآه علي أمسحا، يعني: ليس له ما للرجال فكف عنه. وذهب إلى رسول الله ~~وأخبره الخبر فقال: صدقت يا علي، يرى الشاهد ما لا يراه الغائب. ونفهم ~~من هذه القصة أن الذي أخبر بها رسول الله فاسق أراد الوقيعة والتشهير ~~بأم إبراهيم. ### || [49.7] # الكلام هنا له علاقة بما حدث من مخالفة المسلمين لرأي رسول الله في ~~الحديبية، فالحق سبحانه يقول لهم { واعلموا أن فيكم رسول ~~الله.. } [الحجرات: 7] كأنه يقول لهم احترموا وجوده بينكم فهو رسول ~~الله ولا يخفى عليه شيء لأنه مؤيد من الله، والله يخبره بالواقع، فليس ~~علمه بالأمور كعلمكم. وكلمة { فيكم.. } [الحجرات: 7] تدل على الظرفية ~~كما تقول: الماء في الكوب، أو المال في الخزانة، ومعلوم أن المظروف أغلى ~~وأنفس من المظروف فيه، وأنتم ظرف لرسول الله ومنهج رسول الله لذلك ~~قرأوا: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم.. # [التوبة: 128] بفتح الفاء. إذن: وجود رسول الله بينكم ميزة لكم وعصمة ~~وحماية لأنه موصول بربه، وهذه المسألة كان يعلمها كفار مكة وصناديدهم، ~~لكنهم غلبهم العناد والمكابرة وحجبتهم عن الإيمان. لذلك اجتمع في يوم من ~~الأيام كل من أبي سفيان والحارث بن هشام وثابت بن قيس، وكان بلال يؤذن ~~للصلاة، فقال ثابت: لقد رضي الله عن أبي حيث قبضه قبل أن يرى هذا المنظر، ~~يعني: أن بلالا الحبشي الأسود هو الذي يؤذن لرسول الله، وقال الحارث: ~~أما رأى رسول الله غير هذا الغراب الأسود يؤذن، وقال أبو سفيان: والله ~~أحب أن أقول يعني مثل قولكما، لكني أخشى أن يخبر الله رسوله بما أقول. ~~إذن: كان هؤلاء القوم يعلمون صدق رسول الله، لكن منعهم اللدد والعناد ~~والكبر عن قبول الحق. أيضا تعلمون أن سيدنا رسول الله قد زوج ابنتيه ~~رقية وأم كلثوم لولدين من أولاد أبي لهب، وكان هذا قبل البعثة، فلما ~~اشتدت العداوة بين أبي لهب ورسول الله أجبر أبو لهب ولديه على تطليقهما. ~~وفي يوم قابل أحد ms9452 هذين الولدين رسول الله في الطريق ونظر إليه ثم تفل ~~وتنبه رسول الله لما فعل، فدعا عليه وقال: يأكلك كلب من كلاب الله وبلغت ~~هذه الدعوة أبا لهب فخاف على ولده، وعندما خرج مع القافلة التجارية إلى ~~الشام جمع رجالها وقال لهم: إذا عرستم - يعني أويتم للمبيت - فاجعلوا ~~ولدي فلانا بينكم، فإنني أخشى عليه دعوة محمد. إذن: كان يعلم أن محمدا ~~على الحق، وأن دعوته مستجابة. وبالفعل جعلوه بينهم لما ناموا، وسلط الله ~~عليه أسدا حقيقا اختطفه من بينهم. فصدق رسول الله كان معلوما ~~لهؤلاء، وكانت ألسنتهم تغلبهم وتنطق بهذا التصديق، من ذلك قولهم: # لا تنفقوا على من عند رسول الله.. # [المنافقين: 7] وأخبر الحق عنهم بقوله: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا.. # [النمل: 14]. وقوله تعالى: { لو يطيعكم في كثير من ~~الأمر لعنتم.. } [الحجرات: 7] ومن ذلك ما حدث منكم في الحديبية، ~~فلو أطاعكم في عدم الصلح { لعنتم. # . } [الحجرات: 7] أصابكم العنت والمشقة والإثم. ومثلها قوله تعالى: # عزيز عليه ما عنتم.. # [التوبة: 128] يعز عليه أن يراكم في مشقة، لأنه بكم رؤوف رحيم، فإن ~~رآكم على المعصية استغفر لكم، وإن رآكم على الطاعة حمد الله، هذا حتى ~~بعد أن يموت. { ولكن الله حبب إليكم الإيمان ~~وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان.. } [الحجرات: 7] لكن هنا استدراك لما سبق، ~~يعني أن رسول الله لم يطعكم فيما ذهبتم إليه من التصميم على دخول مكة ~~وأداء العمرة، ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، فعدتم ~~إلى رأي رسول الله ولم تقضوا أمرا خلاف أمره ورضيتم به. وهذا نتيجة ~~هداية الله لكم، وتحبيبه الإيمان وتزيينه في قلوبكم، فلولا ذلك لخرجتم ~~عن أمره وهلكتم بعصيانكم له، وفي نفس الوقت { وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان.. } [الحجرات: 7] وهذا من أعظم ~~نعم الله عليكم. { أولئك.. } [الحجرات: 7] أي: الذين اتصفوا ~~بهذه الصفات فأحبوا الإيمان وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان، أولئك { ~~هم الراشدون } [الحجرات: 7] جمع راشد، وهو الذي التزم طريق الحق ~~والهداية فلم يحد عنه، ومن ذلك قولنا: ترشيد النفقات وترشيد ~~الاستهلاك، يعني ms9453 أن نضعه في موضعه المناسب. ### || [49.8] # الفضل يعني الزيادة، والمراد هنا أن الله تعالى عاملهم بمزيد من نعمه ~~وكرمه. قالوا لأحد الصالحين: احكم بيننا، فقال: بالعدل أم بما هو أحسن من ~~العدل؟ قالوا: وهل هناك أحسن من العدل؟ قال: أحسن من العدل الفضل، العدل ~~أن تأخذ حقك، والفضل أن تتنازل عنه تفضلا. كذلك نعم الله علينا من ~~باب الفضل، لأن التكليف الذي كلفنا الحق به يعود علينا نحن بالمصلحة ~~ولا ينتفع الله منه بشيء، لأنه سبحانه الغني عن خلقه لا تنفعه طاعة، ~~ولا تضره معصية، وهو سبحانه بصفات الكمال فيه خلقنا، إذن: النعم ليست ~~مقابلا للطاعة، إنما هي محض فضل من الله. أما في مثله قوله تعالى: # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10] فسمى لهم أجرا ليعلموا أن عملهم مقبول، وسيجزون عليه ~~الجزاء الأوفى. وقوله سبحانه: { والله عليم حكيم } [الحجرات: ~~8] عليم وعلمه محيط لا يخفى عليه شيء من أمرك، والسر عنده علانية # يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور # [غافر: 19]. إذن: إياك أن يخالط عملك نفاق أو رياء أو عجب أو كبرياء. ~~وقلنا: إن الله تعالى يريد القلوب لا مجرد عمل الجوارح. ثم هو سبحانه { ~~حكيم } [الحجرات: 8] يدبر شئون ملكه بمقتضى حكمته تعالى، والحكيم هو ~~الذي يضع الشيء في موضعه المناسب. ### || [49.9] # كلمة { طآئفتان.. } [الحجرات: 9] مثنى طائفة وهي مفرد في اللفظ، ~~وإن دلت في واقعها على الجمع مثل كلمة قوم، تجمع طائفة على طوائف. ~~وهذه الآية تقرر حكما يتعلق بالحرب وضرورة الصلح بين الطائفتين ~~المتحاربتين، حتى لا تستمر الحروب بين المؤمنين بعضهم البعض. ونلاحظ هنا ~~أن لفظ { طآئفتان.. } [الحجرات: 9] مثنى. والقياس أن يقول: اقتتلتا ~~لكن القرآن جمعها فقال: { اقتتلوا.. } [الحجرات: 9] لماذا؟ قالوا: ~~لأن الطائفة كتنظيم تتمثل في واحد، هو رئيس هذه الطائفة، لكن إذا دار ~~القتال تقابل أفراد الطائفتين، فالقتال بمجموع الأفراد. بدليل أنه لما ~~تحدث عن الصلح عاد إلى لفظ المثنى، فقال: { فأصلحوا ~~بينهما.. } [الحجرات: 9] لأن مجلس الصلح ليس بالضرورة أن يحضره ~~جميع أفراد الطائفة، بل ينوب عنهم شخص ms9454 واحد يعقد الصلح. { فإن بغت ~~إحداهما على الأخرى.. } [الحجرات: 9] أي: بعد أن تم الصلح ~~وبغت إحدى الطائفتين على الأخرى. يعني: تعدت وتجاوزت الحد في ~~العدوان ولم تحترم الصلح { فقاتلوا التي تبغي.. } [الحجرات: ~~9] أي: لردعها { حتى تفيء.. } [الحجرات: 9] ترجع { إلى أمر ~~الله.. } [الحجرات: 9] أي: إلى الحق. وهكذا أصبح لدينا ثلاث طوائف، ~~طائفتان اقتتلتا، وطائفة تحكم بينهما بالصلح، ذلك لأن المجتمع المؤمن في ~~مجموعة مؤتمن على هذه المهمة، مهمة الحكم بين المتخاصمين، ولديه ما ~~يؤهله للعدل وعدم الميل أو اتباع الأهواء في عملية الصلح، وإذا لم تتوافر ~~هذه الشروط في الحكم لا يتم الصلح، بل تتفاقم الأمور وتزيد تعقيدا. ~~ويكفي أن صاحب الهوى والميل في الحكومة بين الطرفين يسقط من نظر الجميع، ~~حتى الفئة التي حكم لصالحها زورا تمقته، لذلك قالوا عن شاهد الزور: ~~ترتفع الرؤوس على الخصم بشهادته، وتدوس الأقدام على كرامته. وقوله تعالى: ~~{ فإن فآءت.. } [الحجرات: 9] أي: بعد القتال وعادت إلى الصواب، ~~فعودوا أنتم إلى الصلح { فأصلحوا بينهما بالعدل ~~وأقسطوا.. } [الحجرات: 9] والمعنى: لا تتركوا الفئة التي فاءت ~~إلى الحق دون أن تصلحوا بينهما، صحيح هي عادت إلى الحق لكن ما زال ~~الخلاف قائما فلا بد من الصلح حتى لا تفرخ حربا أخرى وتبقى جذور ~~الخلاف تتأجج في الصدور فتشعل المعارك من جديد. إذن: منعنا المعركة ~~أولا، ورددنا المظالم إلى أهلها، ونزعنا فتيل الحرب. وكلمة { ~~وأقسطوا.. } [الحجرات: 9] من أقسط يقسط فهو مقسط أي: اعدلوا ~~بينهما { إن الله يحب المقسطين } [الحجرات: 9] العادلين، ~~وهناك قسط يقسط فهو قاسط أي: جائر. ومنه قوله تعالى: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15] فالهمزة في أقسط همزة إزالة. أي: أزال الجور والظلم. ### || [49.10] # وهذه المسألة لها سبب، ففي حنين اختلفوا على شيء وتفاقم بينهم هذا ~~الخلاف، حتى صار معركة خاصة بين سفهاء القوم منهم واستعملوا فيها الأسلحة ~~الخفيفة مثل العصي وسعف النخيل والشماريخ، وقبل أن تتحول إلى حرب ~~حقيقية بلغ الأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: # " أصلحوا بين أخويكم ". # ذلك لأن المؤمنين إخوة في ms9455 النسب من آدم عليه السلام، وإخوة في الإيمان، ~~وإخوة النسب أسبق وتبعها إخوة الإيمان، وهذا يعني أن للكافر حق أخوة ~~النسب، وإن لم يكن له حق في أخوة الإيمان. لذلك نقول في إخوة النسب ~~إخوة، وفي الإيمان نقول: # إخونا على سرر متقبلين # [الحجر: 47] لذلك تكتمل الأخوة في إخوة الإيمان. ويروى أن معاوية دخل ~~عليه حاجبه. فقال: يا أمير المؤمنين بالباب رجل يستأذن في الدخول، ~~ويدعي أنه أخوك، فضحك معاوية وقال: خدمتني كذا وكذا ولا تعرف إخوتي؟ ~~قال: هكذا قال لي، قال: أدخله، فلما دخل سأله معاوية: أي إخوتي أنت؟ ~~فقال: أخوك من آدم، فضحك معاوية وقال: رحم مقطوعة، والله لأكونن أول ~~من وصلها، وقضى له حاجته. ولفظ الإخوة هنا يقرب النفوس، ويزيل ما ~~بين الناس من طبقية أو عصبية، لذلك نجد الأسلوب القرآني حتى في مسألة ~~القصاص في القتلى يقول: # فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف.. # [البقرة: 178]. يريد أن يذكره أنه أخوه رغم ما بينهما من عداوة و ~~شحناء، فالله يرقق القلوب حرصا على سلامة المجتمع المسلم، ولمنزلة ~~الأخوة في العلاقات الإنسانية قالوا في الحكم: رب أخ لك لم تلده ~~أمك. حتى أن البعض يرى أن الإنسان حينما يتعثر في الطريق فيصيبه مكروه ~~يقول: أخ. كأنه يستنجد بأخيه، أي أخ له قريب منه يمكن أن يسعفه. وقوله ~~تعالى: { واتقوا الله لعلكم ترحمون } [الحجرات: 10] ~~أي: اتقوا الله في عملية الإصلاح بين الطرفين. { لعلكم ترحمون ~~} [الحجرات: 10] ترحمون من ماذا؟ ترحمون من استمرار العداوات بين ~~المؤمنين، وهذا يعني ضرورة إنهاء الخلافات قبل أن تستفحل وتتمادى، وفي ~~استفحالها ضرر يصيب الجميع، يصيب الطرفين المتنازعين أولا، ثم يتعدى ~~إليكم. حيث ترى كل طائفة أنكم تنحازون للأخرى. إذن: من مصلحة المجتمع كله ~~إنهاء العداوات وحقن الدماء بين المؤمنين. ### || [49.11] # نلاحظ هنا أن القرآن وجه النهي ألى القوم مرة، وإلى النساء مرة، ~~وخص كلا منهما بنهي، ذلك لأن كلمة قوم لا تقال إلا للرجال، لأنهم ~~هم الذين يقومون على شئون الأسرة، أما المرأة فليس لها ms9456 قيام إلا على ~~بيتها، يقول الشاعر: # وما أدري ولست إخال أدري # أقوم آل حصن أم نساء # إذن: القوم تقال للنساء وفي آية أخرى قال تعالى: # الرجال قومون على النسآء.. # [النساء: 34] البعض يفهم من كلمة { قومون } أنها للقهر وللضرب، ~~أبدا، بل الرجال قوامون على النساء. يعني: يقومون على رعايتهن وتدبير ~~أمورهن. لذلك نقول للمرأة ست بيت فكأن الرجل هو الخادم الراعي لها، ونحن ~~نقول: فلان قائم بهذا الأمر. يعني: يتولى العمل الشاق فيه. تذكرون في ~~قصة سيدنا آدم لما أسكنه الله الجنة هو وزوجه، وحدثت من آدم المخالفة ~~لأمر الله، قال تعالى: # فقلنا يآءادم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا ~~يخرجنكما من الجنة فتشقى # [طه: 117] هذا خطاب لآدم وحواء. والقاعدة أن يقول فتشقيا بالتثنية، لكن ~~قال { فتشقى } أي: آدم وحده، لأن مهمة الكدح والشقاء وتحمل ~~مسئولية الأسرة للرجل فقط، اما المرأة فهي للبيت ولها دور فيه ودور هام ~~يملأ كل لحظة في حياتها، لكن ماذا نفعل وهن يردن أن يشقين مع ~~الرجال؟ والنهي عن السخرية في هذه الآية له سبب في الرجال، وله سبب في ~~النساء: # " فيروى أن ثابت بن قيس دخل على مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فوجد الصف الأول قد اكتمل، وأراد أن يجلس في الصف الأول لأنه كان ثقيل ~~السمع، فجاء إلى رجل من ضعفاء القوم وقال له: تزحزح فلم يتزحزح، فقال له: ~~من أنت؟ قال: فلان، قال: ابن فلانة؟ وكانت لها سيرة سيئة بين الناس، ~~وسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من قال ابن فلانة؟ قال: أنا يا ~~رسول الله، فقال: انظر في مجلسنا فنظر فيه، فقال له: ماذا رأيت؟ قال: ~~رأيت الأسود والأبيض والأحمر. قال: أفضلكم عند الله أتقاكم ". # ثم لم ينس الرجل الذي قيل له تفسح فلم يتفسح، ونزل في حقه قوله تعالى: # إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا ~~يفسح الله لكم.. # [المجادلة: 11]. ويروى أن السيدة أم سلمة كانت قصيرة، وفي مرة أصابها ~~وجع في رجلها فربطتها بقطعة من القماش، ms9457 وكان فيها بقية تتدلى على الأرض ~~تجرها خلفها، فرأتها على هذا الحال السيدة عائشة والسيدة حفصة. فقالت ~~إحداهن للأخرى: تمشي ولها ذيل كذيل الكلب. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فنزلت الآية. لذلك يقول الحق سبحانه في يوم القيامة: # " جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم ~~وقلتم: أكرمنا فلان ابن فلان، فاليوم - أي يوم القيامة - أرفع نسبي ~~وأضع أنسابكم ". # ودخل رجل أعرج على أحدهم، فراح ينظر إليه نظرة سخرية لعرجته، ففهم ~~الأعرج قصده، فقال له: أتعيب الصنعة أم تعيب الصانع؟ فأفحمه حتى ندم ~~على سوء أدبه معه، وقال: والله لوددت عندها أن أكون أنا مثله وهو ~~مثلي. والحق سبحانه وتعالى حينما ينهانا عن السخرية، إنما يريد المساواة ~~بين جميع خلقه، فالخلق جميعا خلقه وصنعته وعبيده، وليس فيهم من هو ~~ابن الله، ولا من بينه وبين الله قرابة، فلم إذن يسخر بعضنا من بعض؟ ~~إياك والسخرية من الناس مهما كانوا أقل منك، عليك إن رأيت عيبا في دين ~~أو خلق أن تقومه وتصلح من شأنه ما استطعت. وإذا كان العيب في ~~الخلق، وفيما لا دخل للمخلوق فيه فتأدب مع الخالق، ووالله لو ~~علمتم ما جعله الله للمؤوف - يعني: من به آفة - لتمنيتم جميعا أن ~~تكونوا مؤافين، فإن الله تعالى ليس له ولد، بل وزع أسباب فضله على ~~عباده، فإن أخذ من واحد منهم شيئا فقد عوضه خيرا منه. والسخرية ~~والاستهزاء لا يكونان إلا من إنسان علا في شيء أمام إنسان نقص في هذا ~~الشيء كأن يسخر الغني من الفقير، أو القوي من الضعيف، أو سليم التكوين ~~من المعاق.. وهذا السلوك نتيجة الغفلة عن ميزان التفاضل بين الخلق ~~جميعا، ألا وهو التقوى. وقلنا: إنك لو نظرت في الوجود كله لوجدت فيه ~~قضية عادلة، هي أن كل إنسان منا، مجموع نعم الله عليه تساوي مجموع أي ~~إنسان آخر، لأن الخالق سبحانه وزع فضله على عباده لكن هذا أخذ 100% في ~~العقل وهذا أخذ 100% في الصحة لكن المجموع في النهاية ms9458 متساو. ذلك لأن ~~الله تعالى لا يريد نسخا مكررة من البشر، إنما يريدنا متفاوتين في ~~المواهب لتستقيم بنا حركة الحياة وتتكامل ويرتبط البشر ببعض ارتباط حاجة، ~~لذلك قلنا إن الباشا قد يحتاج إلى عامل المجاري. فقوله تعالى: # ورفع بعضكم فوق بعض درجات.. # [الأنعام: 165] يعني كل منا مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر. ~~تعلمون أن بتهوفن الموسيقي الشهير كان أصم لا يسمع، وأن تيمور لنك الذي ~~دوخ الدنيا بالفتوحات كان أعرج. هذا يعني أنك لا تسخر من أحد، ولا ~~تحتقر أحدا لأنك رأيته أقل منك في شيء ما، فكلنا سواسية في ميزان الحق ~~سبحانه، وكأنه سبحانه يريد أن يعطينا درسا في أنه سبحانه ليس له ولد ~~وليس له صاحبة. لذلك كانت الجن أفضل فهما منا حين قالت: # وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ~~ولدا # [الجن: 3] فكلنا عيال الله، بل تبلغ هذه المساواة إلى أن رسول الله ~~يأمرنا بأن نسوي بين أولادنا ولو في القبلة. # وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كيف نتصرف إذا ما حدث ~~بيننا شيء من التهكم أو السخرية، وكيف نقابله ونرد عليه. فيروي في سبب ~~نزول هذه الآية # " أن السيدة صفية بنت حيي بن أخطب، وكان زعيم بني المصطلق، ولما غزاهم ~~رسول الله كانت السيدة صفية في الأسرى فأراد صلى الله عليه وسلم أن ~~يكرمها لأنها بنت ملكهم فتزوجها فغارت منها نساء النبي، والغيرة كما ~~يقولون فقاقيع الحب. وكانت عائشة أكثر زوجات الرسول غيرة عليه، فقالت ~~لصفية: يا يهودية بنت يهوديين، فذهبت صفية باكية إلى رسول الله وحكت له ~~ما كان من عائشة، فضحك رسول الله لأنه يعلم غيرة عائشة عليه. لذلك لم ~~يؤنب عائشة، إنما أرضى صفية وطيب خاطرها وقال لها: إن قالت لك هذا ~~فقولي لها: ولكن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد ". # انظر كيف عالج سيدنا رسول الله هذا الموقف. وكيف أعلى من شأن صفية، فهب ~~سليلة الرسل والأنبياء وزوجة نبي، نعم رد يفحم ولا يخطر على بال أحد، ms9459 ولم ~~لا وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم. ومثل هذا الموقف أيضا حدث # " من السيدة عائشة للسيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله، حيث كانت تغار ~~من السيدة خديجة، ومن ثناء رسول الله عليها في كل موقف، حتى قالت له: ~~ماذا يعجبك في عجوز شمطاء حمراء الشدقين، قد أبدلك الله خيرا منها؟ كيف ~~رد رسول الله؟ قال لها: لا والله ما أبدلني الله خيرا منها، فقد آمنت ~~بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذا كذنبي الناس، وواستني بمالها إذ حرمني ~~الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء ". وبعد ذلك لما ~~قابلت فاطمة قال لها: لا يغرنك ثناء رسول الله على أمك، فقد تزوجها ~~ثيبا وتزوجني بكرا، فلما اشتكت لرسول الله قول عائشة قال لها: ~~إذا قالت لك هذا فقولي لها: ولكن أمي تزوجت رسول الله بكرا وأنت تزوجته ~~ثيبا ". # والبعض يقول: كيف يحدث كل هذا في بيت رسول الله؟ نقول: نفهم من هذه ~~الغيرة إلى جانب أنها علامة الحب لسيدنا رسول الله، إلا أنها أيضا تعني ~~أن عائشة التي تزوجها رسول الله وهي بنت التاسعة، ومع ذلك كانت تغار على ~~كبره، وهذا يعني أنه صلى الله عليه وسلم غير مزهود فيه. وقوله سبحانه: { ~~ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب.. } ~~[الحجرات: 11] هنا نهي عن صفة أخرى مذمومة لا تليق بأهل الإيمان، هي ~~صفة اللمز وهو أن تعيب الآخرين، وتأمل دقة الأداء القرآني في قوله: { ~~ولا تلمزوا أنفسكم.. } [الحجرات: 11] والإنسان لا يلمز نفسه ~~إنما يلمز غيره، لكنه أنزل الآخرين منزلة الإنسان نفسه، ثم إنك حين تلمز ~~الناس تجرئهم على أن يلمزوك، على حد قول الشاعر: # لسانك لا تذكر به عورة امريء # فكلك عورات وللناس ألسن # وعينك إن أبدت إليك مساوئا # فصنها وقل يا عين للناس أعين # ومن ذلك أيضا قوله تعالى: # فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم.. # [النور: 61] لأنك حين تسلم على الناس يريدون عليك السلام فكأنك ~~سلمت على نفسك. وقوله سبحانه: { ولا تنابزوا بالألقاب.. } ~~[الحجرات: 11] نهي آخر ms9460 عن التنابز بالألقاب. أي: لا يدع أحدكم أخاه بلقب ~~يكرهه، والتنابز من نبز الشيء يعني: أبعده وتركه، كذلك حين تنادي شخصا ~~بلقب يكرهه، فكأنك تبعده عنك وتوسع الفجوة بينك وبينه. والأسماء عندنا ~~في اللغة اسم ولقب وكنية: الاسم هو ما يطلق على المسمى فيصير علما ~~مثل محمد. واللقب هو ما يشعر بمدح أو ذم مثل الصديق، أو أن نسمي أحد ~~الضعفاء مثلا سليمان بطة، أما الكنية فهي ما صدرت بأب أو أم. مثل ~~أبي بكر، أم المؤمنين. إذن: لا يجوز أن ننادي شخصا مثلا بلفظ مكروه ~~وهو لا يحبه ولا يحب أن ينادى به، من ذلك ما ذكرناه من قول عائشة لصفية: ~~يا يهودية. والتنابز بالألقاب يزرع الأحقاد والضغائن، ويهيج الغرائز ~~والغضب عليك، ولم لا تناديه بأحب الأسماء إليه لتعطفه إليك. حتى أن ~~الفقهاء قالوا: إذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه إياك أن تذكره به أو ~~تعيره به، لأن ذلك يعد قذفا له، إلى جانب أنك تعين عليه الشيطان، ~~كمن تاب عن الخمر ونقول له يا خمورجي، أو تاب عن القمار ونقول له يا ~~قمرتي وهكذا. لذلك قال بعدها: { بئس الاسم الفسوق بعد ~~الإيمان.. } [الحجرات: 11] يعني: بئس ما تقول لأخيك حينما تذكره ~~بماض يريد أن ينساه، وقبيح بك أن تعيره بعد أن تاب، كما أنه قبيح ~~بك الفسوق بعد الإيمان. { ومن لم يتب.. } [الحجرات: 11] يعني: عن ~~التنابز بالألقاب { فأولئك هم الظالمون } [الحجرات: 11] ~~نعم ظالمون لأنفسهم بعدم اتباع المنهج في هذا النهي، وظالمون لغيرهم حين ~~ينادونهم بهذه الألقاب المكروهة، فمن حق الذي تاب ألا تذكره بعيبه، ~~وألا تعيره به. ### || [49.12] # الحق سبحانه يأمرنا أن نجنتب كثيرا من الظن، والظن هو الخاطر يخطر ~~بالبال. وهو نوعان: ظن حسن، وظن سيء، الظن الحسن لا شيء فيه ولا إثم ~~عليه، بل هو من مطلوبات الشرع كما سنرى، والمنهي عنه هنا هو ظن السوء ~~الذي يؤدي إلى فساد في العلاقات ويترتب عليه عقوبة. لذلك علمنا سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجتنب ms9461 ظن السوء، # " فلما كان صلى الله عليه وسلم معتكفا وجاءته السيدة صفية تطلب منه ~~شيئا فخرج إليها وكانت محتجبة، ورآهما أبو بكر وعمر فانصرفا مخافة أن ~~يراهما رسول الله وهو في هذه الحالة لكنه ناداهما وقال: على رسلكما يعني: ~~قفا إنها صفية، وعلما ما أراد رسول الله، فقالا له: لا يكون هذا معك ~~يا رسول الله، فقال: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ". # إذن: فسيدنا رسول الله يعلمنا أن نغلق باب ظن السوء، ونقطع أسبابه ~~ونربأ بأنفسنا أن نضعها في هذا الموضع. وفي قصة الإفك في سورة النور ~~يعلمنا الحق سبحانه ويحثنا على أن نظن بالمؤمنين خيرا، وأن نبتعد ~~عن ظن السوء فيهم، فيقول سبحانه عن حديثهم في شأن السيدة عائشة: # لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا وقالوا هذآ إفك مبين # [النور: 12]. والظن الحسن هو أن تحتاط للأمر، ولا تجعل له أثرا سيئا ~~في نفسك، فمثلا إن جاءك رجل وقال لك: إن في هذا الطريق جماعة يتربصون ~~بك ويريدون بك شرا، كان عليك أن تأخذ بالأحوط لك وأن تصدقه وتحذر ما ~~حذرك منه، لأن الغالب أنه يريد لك السلامة لا يريد لك الإيذاء. أما إن ~~كان الظن يترتب عليه حكم شرعي، فقد وجب عليك أن تتحقق من صحته. وتأمل ~~دقة الأداء القرآني واحتياطه في قوله تعالى: { كثيرا من الظن.. ~~} [الحجرات: 12] يعني: أن أكثر الظن ظن سيء يجب اجتنابه، والقليل ظن ~~حسن لا مانع منه، لذلك قال بعدها: { إن بعض الظن إثم.. } ~~الحجرات: 12] لا كله، فاحذر أن تقع في الإثم حين تظن بالمؤمنين السوء ~~دون بينة. وقوله سبحانه: { ولا تجسسوا.. } [الحجرات: 12] لا ~~تتبعوا عورات الناس ولا تبحثوا عن خصوصياتهم، وفي الحديث: # " من تتبع عورات المسلمين تتبع الله عورته حتى يفضحه في عقر داره ". # ونذكر هنا لطيفة من لطائف أسماء الله الحسنى تلاحظ أن كثيرا من أسمائه ~~تعالى لها مقابل كما في المحيي المميت، المعز المذل القابض الباسط. لكن ~~الستار ألها مقابل بنقول الفضاح؟ تعالى الله سبحانه عن ms9462 هذه الصفة لأن ~~ستره مسدول على عباده مهما حدث منهم لا يفضحهم، والستار صيغة مبالغة من ~~ستر ساتر. # لذلك ورد في بعض الأحاديث قوله تعالى: أبغض العاصي ولكني أكره من ~~يتتبعه، لماذا؟ لأن تتبع العورات والسقطات يشيع الفاحشة في المجتمع. ~~فالحق سبحانه يحمي مجتمع الإيمان من هذا، ويكفي أن المستتر بالمعصية ما ~~يزال عنده حياء الإيمان. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا بليتم - أي بشيء من المعاصي - فاستتروا ". # وهذا كمن لا يقدر على الصوم مثلا وعنده عذر ويباح له الفطر، لكن مع ~~ذلك لا يجوز له أن يجاهر بفطره أمام الناس، حتى لا يكون قدوة سيئة ~~للشباب الذين لا يدركون هذه الأعذار. فحين يرونه يفطر تتربى عندهم ~~خميرة ذهنية أنه يجوز لهم الفطر في رمضان، إذن: عليه أن يستر فطره حتى ~~لا تحدث هذه الأسوة. ولخطورة التجسس، قال الفقهاء: لو أن رجلا يعيش في ~~عشة من البوص والعيدان، وجاء آخر فنظر إليه من خلال الثقوب، فجاء صاحب ~~العشة بعود ففقأ عينه لا يكون لعينه مقابل ولا تعويض، لأنه اقتحم على ~~الأول منزله، ونظر إليه دون إذنه. ومثل هذا في سنة رسول الله حيث بلغه أن ~~رجلا ينظر إليه من ثقب الباب. ويروى أن سيدنا عمر كان يتفقد أحوال ~~رعيته، ويقوم بالعس ليلا، وقد بلغه أن رجلا يشرب الخمر مع أصحابه في ~~بيته، فتسور عليه داره فوجده مع رجل من أصحابه جالسين، وليس في المجلس ~~خمر ولا شيء من هذا. فلما رأه الرجل قال: لقد ظننت بي كذا وكذا، لكن فاتك ~~من أمور الدين ما هو أهم من ذلك. أولا: دخلت البيت من السور، والله ~~يقول: # وأتوا البيوت من أبوابها.. # [البقرة: 189] ثانيا: دخلت علي بيتي بدون استئذان، فانصرف عمر ولم ~~يقل شيئا. وفرق بين التجسس بالجيم والتحسس بالحاء التحسس تتبع وبحث ~~عن الغير، لكن بدون قصد العورات، ومن ذلك قوله تعالى: # يبني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه.. # [يوسف: 87] أي: ابحثوا عنه حتى تصلوا إليه، كما يفعل رجال المباحث ~~مثلا. وقوله: ms9463 { ولا يغتب بعضكم بعضا.. } [الحجرات: 12] هنا ~~نهي عن الغيبة عموما، لأن القرآن لم يحدد من يغتاب ومن يغتاب فيه. # " ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة قال: ذكرك أخاك ~~بما يكره وهو غائب. فقال السائل: فإن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان ~~فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته، أي: ~~افتريت عليه وكذبت ". # ثم يعطينا القرآن صورة حسية للغيبة، فيقول: { أيحب أحدكم ~~أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه.. } [الحجرات: 12] ~~تأمل كم في هذه الصورة من منفرات تبين فظاعة هذا العمل، فالذي يغتاب أخاه ~~في غيبته كالذي يأكل لحمه وهو ميت. # أي: غائب عن الحياة ولا يقدر أن يدافع عن نفسه. إذن: شبهه بصورة شنيعة ~~تنفر منها النفس السوية. وقالوا: إن سبب نزول هذه الآية أنها نزلت فى ~~الوليد بن عقبة ابن أبي معيط حينما بعثه رسول الله لجمع أموال الزكاة من ~~بني المصطلق، وكان عليه لهم دية في الجاهلية، فلما رأوه خرجوا لمقابلته، ~~فخاف منهم الثأر وعاد إلى رسول الله، وقال: إنهم امتنعوا عن دفع الزكاة. ~~وروي أن أسامة بن زيد كان القائم على مؤنة الطعام في بيت رسول الله، ~~فأراد رجلان أن يذهبا لكي يطعما في بيت رسول الله، فبعثوا سلمان ~~الفارسي ليسأل أسامة الطعام، فلما سأله قال: ليس عندنا طعام، فعاد إليهما ~~سلمان وقال: يقول أسامة: ليس عندنا طعام، قالا: بل عنده لكنه بخل به، ثم ~~قالا لسلمان: أنت وجهك وجه شؤم، ولو ذهبت إلى بئر سميحا يعني: فوارا - ~~لغاب ماؤه. وهكذا اغتابوا كلا من أسامة وسلمان، فلما رآهما رسول الله ~~قال: إني لأشم من أفواهكم ريح لحم نتن، قالوا: يا رسول الله والله ما ~~أكلنا لحما، قال: لقد اغتبتما أسامة وسلمان، اذهبا فارضوهما لأنك إذا لم ~~ترض المغتاب فستكون عند الله أقبح من الزاني. لذلك لما اغتاب رجل ابن ~~سيرين فجاءه وقال له: يا إمام أحل نفسي منك، فقال: لم؟ قال: لأني ~~اغتبتك، فقال: أنا لا ms9464 أحل ما حرم الله. والحسن البصري علم أن رجلا ~~اغتابه، فأرسل إليه خادمه بطبق من الرطب، وقال له: قل له هذا هدية لك ~~من سيدي، لأنه علم أنك أهديت إليه حسناتك بالأمس. هذا يدل على أنك تدفع ~~حق من اغتبته من حسناتك، فإن لم تكن لك حسنات أخذ من سيئاته ~~فطرح عليك، وقد دل على ذلك الحديث النبوي الشريف. وقوله تعالى: { ~~واتقوا الله إن الله تواب رحيم } [الحجرات: 12] ~~اتقوا الله فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه، وتجنبوا أسباب عقابه { إن ~~الله تواب رحيم } [الحجرات: 12] أي: كثير التوبة على من ~~تاب، كثير الرحمة لمن أناب. وهذا الختام يعطي العاصي الأمل في رحمة الله، ~~ولا ييئس المغتابين من رحمته تعالى، فمن زل لسانه بالغيبة فليبادر ~~بالتوبة، وإذا علم أن ربه تواب رحيم عاد من قريب ولا يستمريء هذه الفعلة ~~ولا يتمادى فيها. وسبق أن أوضحنا أن من أعظم نعم الله علينا أن شرع لنا ~~التوبة، وفتح لنا باب القبول، وإلا تمادى العاصون وفسدت الحياة. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { يأيها الناس إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى... }. ### || [49.13] # تلاحظ أن النداءات السابقة كانت بيأيها الذين آمنوا، لأنها توجيهات ~~وتشريعات خاصة بالذين آمنوا، لأن الله تعالى لا يكلف إلا من آمن به. ~~أما النداء هنا فنداء عام للناس جميعا يلفت أنظارنا إلى آية الخلق، ~~وإلى عظمة الخالق سبحانه، وهذا الآية تشمل الجميع، فالخالق سبحانه خلق ~~المؤمن والكافر، والذكر والأنثى، هما أصل هذا الخلق، فالذكر وحده لا ~~يتناسل، وكذلك الأثنى وحدها. أما قوله تعالى في سورة السجدة: # الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان ~~من طين * ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين # [السجدة: 7-8] فهذا خاص بالخلق الأول، وهو آدم عليه السلام، حيث خلقه ~~الله وصوره بيديه، وكل شيء في الكون مقدور بقول: كن فيكون. لذلك قال ~~تعالى لإبليس: # ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي.. # [ص: 75] يعني: كيف لا تسجد لشيء أنا خلقته بيدي، إذن: أنت لا تسجد لآدم ~~إنما تسجد طاعة ms9465 لمن أمرك بالسجود. وبعد أن خلق آدم من طين جعل ذريته من ~~بعده # من سلالة من مآء مهين # [السجدة: 8] وهذا يقتضي الزوجية بين الذكر والأنثى. وفي سورة النساء قال ~~سبحانه: # يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة.. # [النساء: 1] أي آدم عليه السلام # وخلق منها زوجها.. # [النساء: 1] يعني: حواء. إذن: حينما يقول سبحانه: { من ذكر ~~وأنثى.. } [الحجرات: 13] لا يعني بداية الخلق، إنما النسل الذي جاء ~~بعد الخلق الأول. لذلك قال في آخر آية النساء: # وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء.. # [النساء: 1] وهؤلاء الرجال والنساء تفرقوا في أنحاء الأرض وصاروا { ~~شعوبا وقبآئل.. } [الحجرات: 13] فالعرب شعب، والروم شعب، والفرس ~~شعب، ثم انقسمت الشعوب إلى قبائل، والقبائل إلى بطون، والبطون إلى أفخاذ ~~وهكذا. وفي داخل الأسرة الواحدة تختلف الأسماء، لأننا لا نترك الأشخاص ~~بدون أسماء ليتم التعارف، فهذا محمد وهذا أحمد وهذه فاطمة.. والحكمة من ~~ذلك هي { لتعارفوا.. } [الحجرات: 13] على مستوى الأفراد وعلى ~~مستوى الشعوب. والتعارف أمر ضروري بين البشر، لأن مصالحهم في أن ~~يتعارفوا، وسوف تضطرهم ظروف الحياة لهذا التعارف، حيث سيحتاج بعضهم إلى ~~بعض، لأنه كما قلنا: الحق سبحانه وزع أسباب فضله على خلقه، فما توفر ~~لك قد لا يتوفر لغيرك. لذلك رأينا مثلا أوربا التي بلغت من الحضارة ~~والتقدم مبلغا تحتاج إلى سكان الصحراء رعاة الغنم والإبل حيث البترول ~~وثروات الجبال من المعادن والأحجار الكريمة. وهذا الاختلاف في الفضائل ~~يؤدي إلى أن يتعاون الخلق ويتساندوا، بحيث يكمل بعضهم نقص بعض. إذن: ~~اختلاف يؤدي إلى التكامل لا إلى التعاند. وهذا التكامل شاهدناه في آية ~~خلق الرجل والمرأة، فالرجل والمرأة ليسا ضدين، بل هما عنصران متكاملان، ~~لأن لكل منهما مهمة لا يؤديها الآخر. # والحق سبحانه أوضح لنا هذه المسألة بقوله تعالى: # والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى # [الليل: 1-2] فهل يقول عاقل أن الليل ضد النهار؟ ومثل الليل والنهار ~~الذكر والأنثى، لذلك أقسم بعدها بخلقهما، فقال: # وما خلق الذكر والأنثى # [الليل: 3] فالرجل لتحمل مشاق الحياة، للكدح وللعمل، والمرأة حنان ~~وعاطفة، وكل ميسر ms9466 لما خلق له. لذلك نعجب ممن ينادي بالمساواة بين ~~الرجل والمرأة، كيف ولكل منهما مهمته التي خلق لها. والبعض يظلم ~~النساء ويقول: ناقصات عقل ودين، لأن العقل مهمته الترتيب والاختيار بين ~~البدائل، وهذه ليست مهمة المرأة بل مهمة الرجل الذي يدير دفة الأسرة في ~~رحلة الحياة. أما المرأة فمهمتها عاطفية، تحنو على الصغير والكبير، وتفتح ~~صدرها لتستوعب، وتريح المتعب والمريض في أسرتها، ومع ذلك نراها إذا ترملت ~~قامت بالمهمتين وحلت محل الزوج، وربما كانت أكثر نجاحا في تربية ~~الأولاد وصيانتهم. الحق سبحانه وتعالى خلق آدم من طين، وسواه ونفخ فيه ~~من روحه، لكن لم يخلق حواء بنفس الطريقة، إنما أخذ من ضلع آدم جزءا وخلق ~~منه حواء، لماذا إذن لم يخلقها كخلق آدم؟ قالوا: خلقها من الرجل لتكون ~~له القوامة عليها. كذلك في مسألة الحمل تأخذ منه البذرة، ثم تكمل هي ~~عملية النسل، قال تعالى: # وخلق منها زوجها.. # [النساء: 1]. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: # " خلقت المراة من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه " # وكما شرف آدم بأن الله خلقه وسواه بيده، كذلك شرفت حواء أنها خلقت ~~من شيء خلقه الله بيده. والعالم الآن مشغول بعملية الاستنساخ، وهو يعني ~~أن نأخذ من الأصل نسخة مطابقة له، كما نقول نسخ الكتاب. يعني: أن نأتي ~~منه بصورة أخرى مثله، وهذه العملية نراها في الجماد مثلا، نرى الزلط منه ~~الكبير والصغير والمتوسط، فهل رأينا زلطة مثلا تكبر عن حجمها أبدا، ~~لماذا؟ قالوا: لأن له مطامر تحت الأرض، تتم فيها عملية التكاثر أو ~~الاستنساخ هذه، فإذا خرج إلى الهواء جمد على ما هو عليه. كذلك نجده في ~~النبات، فهل رأيتم مثلا تقاوي القصب أو التين البرشومي؟ أبدا ليس له ~~تقاوي، إنما نأخذ عقلة من عود القصب ونزرعها فتخرج عود القصب، ونأخذ ~~لوحا من ألواح التين ونزرعه فيعطينا شجرة تين، أليس هذا استنساخا؟ كذلك ~~بالإمكان أن نجده في الحيوان، وبالفعل تحدثوا عن استنساخ تم بالفعل في ~~الحيوان، كما حدث في النعجة دوللي. وهي محاولة ms9467 على أية حال. أما في ~~الإنسان فهي عملية لا يقدر أحد عليها، لأن الإنسان مختلف عن باقي أجناس ~~الكون، لأنه خليفة الله في الأرض، وهو المخلوق المكرم وباقي الأجناس في ~~خدمته، فلو تصورنا الاستنساخ في الجماد والنبات والحيوان فلا نتصوره ~~أبدا في الإنسان، لأن التكاثر فيه له شروط وضوابط لا مجرد استخراج نسخ ~~مكررة منه. # لذلك لا يتم التكاثر في الإنسان إلا من خلال اللقاء بين الزوجين الذكر ~~والأنثى، وداخل أسرة تحتضن الطفل وتحبه وتربيه وتعتني به، لا يليق ~~بالإنسان أن يخرج من مفرخة مثل مفرخة الكتاكيت مثلا. لذلك نرى أن طفولة ~~الإنسان هي أطول طفولة في المخلوقات كلها، وعندنا من الأطفال من تبلغ ~~طفولته حتى سن 14 سنة، أما الطيور والحيوانات فتعتني بصغارها حتى ~~تستطيع الحركة والأكل ثم تتركها وكأنها لا تعرفها، وربما ذبح الحيوان ~~أمام أمه وهي لا تدرى به. فكيف إذن نتصور الاستنساخ في الإنسان وهو ~~الخليفة المكرم، إن الأديان كلها ترفض الزنا وتأبى أن يأتي الولد بطريق ~~غير شرعي، تأبى أن يرمى المولود في الشارع، أو حتى يربى في الملاجىء، ~~فكيف الحال إذا تم استنساخه؟ من هنا نقول: إن عملية الاستنساخ لا تكون ~~أبدا في الإنسان، ولا يقدر عليها إلا الله خالق الإنسان، ويريد له ~~الصلاح، يريد له أن يأتي في أحضان أب يرعاه وأم تحنو عليه يأخذ منهما ~~الفضائل، ويتعلم منهما القيم. ثم إن نجاحهم في استنساخ الحيوان لا يعني ~~أبدا الطعن في القدرة الإلهية، بل هو دليل جديد من أدلة الإيمان ~~بالقدرة، فالذي استنسخ النعجة لم يأت بها من العدم، إنما جاء بها من نعجة ~~أخرى هي خلق من خلق الله، والعقل الذي فكر خلق من خلق الله. ثم ~~يضع الحق سبحانه القاعدة التي بها تتفاضل هذه الشعوب وهذه القبائل، ~~فيقول: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم.. } [الحجرات: ~~13] أي: أن أشخاص الشعوب تتميز بالتقوى. لذلك ورد في الحديث القدسي: # " يقول الرب: جعلت لكم نسبا وجعلتم لأنفسكم نسبا، قلت: إن أكرمكم عند ~~الله أتقاكم فأبيتم، وقلتم: ms9468 فلان بن فلان. فاليوم - يعني: يوم القيامة - ~~أرفع نسبي وأضع أنسابكم ". # وقوله: { إن الله عليم خبير } [الحجرات: 13] عليم بخلقه، ~~يعطي كلا منهم ما يناسب مهمته ودوره في حركة الحياة، كما قال سبحانه: # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. فالله أعلم بخلقه وأعلم بقدراتهم ومقدارهم، ويسر كلا ~~منهم للعمل الذي يناسبه، لذلك نراهم طبقات فيهم أستاذ الجامعة، وفيهم ~~الحداد والسباك والنجار وماسح الأحذية فيهم الصانع والزارع، وإلا كيف ~~تستقيم حركة الحياة لو أن الناس جميعا ذكاترة جامعة؟ ### || [49.14] # الأعراب: اسم جنس ليس له مفرد، والأعراب هم سكان البادية لم يذهبوا إلى ~~الحضر، لذلك نجدهم على طبيعتهم تغلب عليهم الجفوة. والحق سبحانه يخبر ~~عنهم أنهم قالوا { آمنا.. } [الحجرات: 14] والله سبحانه أعلم أنهم لم ~~يصلوا إلى درجة الإيمان لأن الإيمان ليس كلمة تقال بل عقيدة راسخة تعمر ~~القلب. أما الإسلام فهو الشكل الظاهري وعمل الجوارح من صوم وصلاة وغيرها ~~من العبادات، لذلك صحح لهم القول، وقال: { قل لم تؤمنوا ~~ولكن قولوا أسلمنا.. } [الحجرات: 14]. يعني: تنفذون فقط ~~أوامر الإسلام بعمل الجوارح، إنما قلوبكم ليس فيها إيمان، وساعة يقول لهم ~~{ لم تؤمنوا.. } [الحجرات: 14] فهذا دليل على أنه صادف شيئا في ~~نفوسهم، وهو سبحانه لا تخفى عليه من عباده خافية، وهم يعلمون هذه ~~الحقيقة. إذن: أخبرهم بواقع في نفوسهم، يقول لهم: كونوا صادقين مع أنفسكم ~~وقولوا أسلمنا والله يعلم غيب قلوبكم، فهم في هذا الموقف أشبه ~~بالمنافقين حيث كانوا يحرصون على الصلاة في الصف الأول، ينصتون لسماع ~~القرآن، وهذه كلها ظواهر والله يعلم سرائرهم، ويعلم أنها خلاف ما ~~يظهرون. وقوله: { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم.. } ~~[الحجرات: 14] لما أداة نفي مثل لم، تنفي وقوع الحدث في الزمن الماضي على ~~التكلم، لكنها تعطي معنى آخر هو احتمال حدوث الفعل بعد ذلك، كما تقول ~~مثلا حينما تدخل البستان: البستان لما يثمر بعد. أي: أنه سوف يثمر ~~فيما بعد. لذلك العلماء قالوا في هذه الآية: أنها لم تغلق في وجوههم باب ~~الإيمان، وبشرت بأنهم سيؤمنون فيما بعد، ثم ms9469 إن كشف القرآن لمستور ~~قلوبهم وإخبار الرسول لهم بذلك هو الذي جعلهم يفكرون في الأمر ويقتنعون ~~ويدخلون ساحة الإيمان. وقوله سبحانه: { وإن تطيعوا الله ~~ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا.. } [الحجرات: ~~14] الحق سبحانه يطمئنهم على ثمرة أعمالهم الصالحة، فهي محفوظة لن تضيع ~~بل لن تنقص. ومعنى { لا يلتكم.. } [الحجرات: 14] لا ينقصكم من ~~الفعل: ألت يألت. { إن الله غفور رحيم } [الحجرات: 14] وفي ~~موضع آخر يقول: # وهو الرحيم الغفور # [سبأ: 2] فمرة يقدم الرحمة، ومرة يقدم المغفرة، وذلك بحسب الحال. ~~فمثلا حينما يقف الجاني أمام السلطان مقرا بذنبه، لكن يلاحظ السلطان ~~أنه رقيق الحال، رث الثياب، مصفر اللون فيشفق عليه، ثم يأمر له بطعام ~~وكسوة. وبعد ذلك يعفو عنه. هنا قدم الرحمة على المغفرة، أو العكس يعفو ~~عنه أولا، ثم قبل أن ينصرف من مجلسه يقول لرجاله: أعطوه كذا وكذا. وهذه ~~المادة ألت وردت في موضع آخر في قوله تعالى: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم ~~من شيء.. # [الطور: 21] فالكلام هنا عن جماعة مؤمنين، وذريتهم تابعة لهم، كذلك في ~~الإيمان فهم مشتركون فيه، فما ضرورة الإلحاق هنا؟ قالو: ألحقناهم بهم في ~~الثواب، لأن لكل منهما عملا، لكن عمل الآباء أكثر ودرجتهم أعلى، فكرامة ~~لهم نلحق بهم الأبناء ونجعلهم جميعا في منزلة واحدة، فألحق الأدنى ~~بالأعلى. وقوله: { وإن تطيعوا الله ورسوله.. } [الحجرات: ~~14] في ماذا؟ تطيعونه في الإيمان لأنهم كانوا بالفعل مسلمين، فأراد أن ~~يحثهم على الإيمان ويبعدهم عن الكذب والادعاء. ### || [49.15] # الحق سبحانه يريد أن يوضح لهم معنى الإيمان، وأنه ليس كلمة تقال، إنما ~~عقيدة راسخة لا يداخلها شك ولا ارتياب { الذين آمنوا بالله ~~ورسوله ثم لم يرتابوا.. } [الحجرات: 15] آمنوا بالله ~~وبوحدانيته، وأنه سبحانه وحده الخالق الرازق المدبر لشئون هذا الكون، ~~آمنوا بأسماء الله وصفاته، كذلك آمنوا برسول الله، وأنه أمين صادق في ~~البلاغ عن الله، ثم لم يرتابوا ولم يشكوا في شيء من هذا. ومن صفات ~~المؤمنين أيضا { وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله.. } [الحجرات: 15] وهل هناك ms9470 أدل على صدق الإيمان ~~والإخلاص فيه من أنك تجود بنفسك في سبيل هذا الإيمان؟ لذلك قال { ~~إنما المؤمنون.. } [الحجرات: 15] أي: المؤمنون حق الإيمان، ~~هذه صفاتهم، ثم في آخر الآية يصفهم بالصدق في إيمانهم. { أولئك ~~هم الصادقون } [الحجرات: 15] نعم صادقون في إيمانهم، لأنهم ضحوا ~~بأغلى وأعز ما يملك الإنسان بالمال ثم بالنفس، والشهيد ما ضحى بنفسه وما ~~قدم ماله إلا وهو على يقين من أنه سيجد عند الله أفضل مما ترك في ~~الدنيا. لذلك يجزيه ربه بالحياة الباقية، فلا يدركه موت بعد ذلك # ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]. أي: يعاملون معاملة أهل الجنة، فيأكلون ويشربون ~~ويتمتعون، ولاحظ أن هذه الحياة وصفها الحق سبحانه بقوله: # أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169] لا عندك أنت. وهذا يعني أنك لو فتحت على شهيد قبره لن ~~تجده حيا، لأنه ليس حيا عندك، إنماهو حي عند الله. وفي قوله تعالى: { ~~أولئك هم الصادقون } [الحجرات: 15] تعريض بهؤلاء الذين ~~كذبوا على الله وادعوا الإيمان، كأنه يقول لهم: لقد آمن أولئك وصدقوا ~~في إيمانهم، أما أنتم فكذبتم وتجاوزتم الحقيقة. ### || [49.16] # يعني: تنبهوا إلى هذه الحقيقة، فأنا خالقكم وأعلم بكم من أنفسكم ولا ~~يخفى علي منكم خافية، فإياكم أن تقولوا آمنا وتظنون أنكم تدارون ~~الحقيقة وتسترون كذبكم، فأنا أعلم المؤمن من غير المؤمن، أعلم الصادق ~~وأعلم المنافق. { قل أتعلمون الله بدينكم.. } [الحجرات: ~~16] أي: تخبرونه بما أنتم عليه من الإيمان، كيف { والله يعلم ما ~~في السماوات وما في الأرض.. } [الحجرات: 16] أي: لا يخفى ~~عليه شيء فيهما، بل { والله بكل شيء عليم } [الحجرات: 16] ~~يعني: علمه تعالى لا يتوقف عند السماوات والأرض، إنما يتعدى ذلك. { ~~والله بكل شيء عليم } [الحجرات: 16] لأن السماوات والأرض ~~بعض كون الله الفسيح، لذلك وصفهما أي السماوات والأرض وما بينهما، فقال: ~~مثل حلقة ألقيتها في فلاة، فما نعرفه نحن من السماوات والأرض لا يكاد ~~يذكر في كون الله. ثم يقول الحق سبحانه: { يمنون عليك أن ~~أسلموا قل لا تمنوا ms9471 علي إسلامكم... }. ### || [49.17] # يروى أن هذه الآية نزلت في جماعة من الأعراب، وقيل: من بني أسد أتوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فقالوا: جئناك نشهد أن لا إله ~~الله وأنك رسول الله، ولم تبعث إلينا بعثا، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو ~~فلان. فأنزل الله: { يمنون عليك أن أسلموا قل لا ~~تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن ~~هداكم للإيمان إن كنتم صادقين } [الحجرات: 17]. إذن: ~~من يمن على من؟ أنتم لا ينبغي أن تمنوا بإسلامكم على رسول الله، ~~لأن إسلامكم في صالحكم يعود عليكم بالنفع، فالإسلام هو الذي أمنكم من ~~القتال والحرب والأسر، وأخذتم ما يتميز به المسلم من حق في الزكاة ~~والحماية، والله تعالى لا تنفعه طاعة، ولا تضره معصية. إذن: لا تمنوا ~~بإسلامكم { بل الله يمن عليكم.. } [الحجرات: 17] لأنه ~~أرشدكم إلى طريق الصواب والهداية { أن هداكم للإيمان.. } ~~[الحجرات: 17] إذن: إن كان هناك منة، فالمنة من الله عليكم، لأن طاعة ~~الله والسير على منهجه هو الذي يحمي لكم حركة الحياة وينظمها حتى لا ~~تتعارض مصالحكم. { إن كنتم صادقين } [الحجرات: 17] أي: في ~~ادعائكم الإيمان، وإن تفيد الشك فكأنهم يمنون بشيء هم كاذبون فيه، ~~وحتى لو كانوا صادقين ما كان لهم أن يمنوا به. ### || [49.18] # سبق أن أوضحنا أن السماوات والأرض ظرف، وفي هذا الظرف عجائب وبدائع من ~~خلق الله أعظم من الظرف، لأن القاعدة أن المظروف أعلى وأعظم من المظروف ~~فيه. لذلك الحق سبحانه يقول: # ولله ملك السموت والأرض.. # [آل عمران: 189] وفي موضع آخر: # ولله ما في السموت وما في الأرض.. # [النجم: 31] فالسماوات والأرض رغم ما فيهما من عجائب الخلق وإبداع ~~وهندسة كونية إلا أنهما يحويان ما هو أعجب. هنا يحدثنا الحق سبحانه ~~عما في السماوات والأرض من غيب، والغيب كل ما غاب عن إدراكك، والشيء قد ~~يغيب عن إدراكك اليوم ويظهر لك غدا، فمثلا الكهرباء قبل اكتشافها كانت ~~غيبا لا ندري عنه شيئا، والآن أصبحت مشهدا نحسه جميعا ونتعامل ~~معه. إنك لو نظرت إلى الموجبات التي ms9472 تحمل الصوت والصورة في الهواء ~~لوجدت أمرا عجيبا حقا، لأنك لو جئت مثلا بمائة راديو ومائة ~~تليفزيون، ووضعتها في مكان واحد، ووجهت كلا منها إلى جهة لوجدت ~~إرسالات مختلفة بالصوت والصورة. فكيف تداخلت هذه الموجات في هواء واحد، ~~ووصلت إلينا بهذه الدقة وهذا الوضوح، وهي من أقصى بلاد الدنيا؟ هذه كلها ~~أسرار من غيب السماوات والأرض تدعونا إلى الإيمان بقوله تعالى: # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. ورغم عظمة الخلق في السماوات والأرض، فغيب السماوات ~~والأرض أعظم من الجميع، وسيظل هذا الغيب مددا لا ينفد، وعطاء لا ينتهي، ~~يطالعنا من حين لآخر بشيء جديد من غيب الله ليظل القرآن معجزا إلى ~~قيام الساعة. ومن حكمة الحق سبحانه وتعالى أن وزع عطاءات القرآن على ~~عصور الزمان كلها حتى لا يستقبل عصر القرآن وهو بلا عطاء. ثم إن هذا ~~العطاء يأتي على قدر العقول، وعلى قدر البحث والتأمل في ملكوت الله، ~~وبذلك نفهم معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم عن القرآن: # " لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ". # فأنت تقرأ مثلا أعظم القصائد الشعرية، ولا بد أن تسأم منها بعد مرة ~~أو حتى بعد عدة مرات، لكن تقرأ القرآن فلا تمله، بل تزداد له حبا كلما ~~أمعنت في القراءة، لأنه كلام الله وله سر مع كل تال له، وله عطاء ~~لكل متأمل فيه، فعطاءات القرآن متعددة يأخذ منه كل تال له على قدره. ~~وختام السورة بهذه الآية { إن الله يعلم غيب السموت ~~والأرض.. } [الحجرات: 18] يدل على أن ملك الله واسع وعجائبه لا ~~تنتهي، وليس لها حصر ولا عد، ومهما وصلت البشرية من التقدم فسوف يبقى ~~عند القرآن الجديد، وفي آيات الله ما يبهر العقول. كنا في الماضي نتحدث ~~عن عصر الفحم، ثم عصر البخار، ثم عصر الكهرباء، والآن يتحدثون عن عصر ~~الطاقة النووية والطاقة الذرية، فأين كانت هذه الطاقات؟ كانت غيبا في ~~علم الله وكشف عنها لعباده حينما تقدمت العقول وارتقت الأفكار، وكلها ~~اكتشافات ms9473 لم يأت أحد بشيء من عنده، كلها من عند الله وفيض من عطائه ~~مطمور إلى حين. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1] # سبق أن تحدثنا عن الحروف المقطعة في أوائل بعض سور القرآن، وهنا نكتفي ~~بالإشارة إلى أن هذه الحروف المقطعة مثل ق تمثل جانب الغيب في القرآن، ~~والغيب هو محك الإيمان كما بينا. فالفلاح الأمي مثلا يستخدم ~~التليفزيون ويتنقل بين قنواته دون أن يعرف كيف يعمل وكيف ينتقل من قناة ~~إلى أخرى، فهو يستفيد به دون معرفة بكيفية عمله، كذلك يستخدم رافعة ~~المياة الطلمبة، وهو لا يعرف ميكانيكية عملها. كذلك نحن مع الحروف ~~المقطعة هذه نؤمن بها وندع معانيها لقائلها سبحانه. والدين ينقسم إلى ~~عناصر ثلاثة: عقائد تعمر القلوب، وعبادات وتكاليف هي عمل الجوارح، ثم ~~الكلام الذي ينقل هذه الأمور كلها وهو مهمة اللسان أي التعبير. وكل من ~~العقائد والتكاليف والتعبير فيه غيب ومشهد، فالله غيب، لكن آثار قدرته في ~~الكون مشهد، والصلاة من حيث ترددك على المسجد خمس مرات وما فيها من ركوع ~~وسجود وحركات مشهد، لكن عدد ركعاتها غيب. فكأن الحق سبحانه يعطينا الغيب ~~في هذه الأشياء ليختبر فينا حقيقة الإيمان، فما علمته دليل على صدق ما لم ~~تعلمه. كذلك الحال في حروف القرآن الكريم وآياته، فآيات القرآن على وجه ~~العموم نفهمها ونعرف معانيها، لكن الحروف المقطعة هي الغيب الذي يجب ~~علينا أن نؤمن به حتى ولو لم نعرف معناه، وتبقى هذه الحروف دليل إعجاز ~~القرآن. فقوله تعالى: { ق والقرآن المجيد } [ق: 1] جمعت بين ~~الاثنين، الغيب في ق والمشهد في { والقرآن المجيد } [ق: 1] وهما ~~المكونان للقرآن الكريم ق دليل الإعجاز { والقرآن المجيد } ~~[ق: 1] إذن: أتى بالدليل والمستدل عليه. وق تحمل معنى القسم، وهي حرف ~~واحد كما أقسم الله بالشيء الواحد، فقال: # والعصر * إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 1-2] وقال: # والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى # [النجم: 1-2]. كما يقسم بالحرفين مثل يس، طه، حم، وكذلك يقسم بشيئين من ~~مخلوقاته مثل: # والضحى * والليل إذا سجى # [الضحى: 1-2] ويقسم ms9474 بثلاثة أحرف مثل الم، وبثلاثة أشياء مثل: # والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتليت ~~ذكرا # [الصافات: 1-3]. ويقسم بأربعة في # المص # [الأعراف: 1] وفي # والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد ~~الأمين # [التين: 1-3] كما يقسم بخمسة أحرف في # كهيعص # [مريم: 1] وفي قوله سبحانه # والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * ~~والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر ~~المسجور # [الطور: 1-6]. إذن: جاء هذا القسم على خمسة أضرب من الواحد إلى خمسة، ~~ولم يزد على ذلك حتى لا يكون القسم ثقيلا على اللسان، ولأن أقصى ما ~~يمكن في الكلمة المجردة خمسة أحرف، لكن في القسم بآياته الكونية زاد على ~~ذلك. اقرأ: # والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار ~~إذا جلاها * والليل إذا يغشاها * والسمآء وما ~~بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها # [الشمس: 1-7]. ولو فعل مثل ذلك في القسم بالحروف لخرج عن بنية الكلمة في ~~اللغة. ونلاحظ أيضا أن القسم بالحروف المقطعة لم يأت إلا في أوائل ~~السور، أما القسم بالآيات الكونية فيأتي في أولها كما رأينا، وياتي في ~~خلالها كما في قوله تعالى: # كلا والقمر * والليل إذ أدبر * والصبح إذآ ~~أسفر # [المدثر: 32-34]. ثم إن القسم بالحروف المقطعة لا يأتي بالواو، إنما ~~تأتي واو القسم مع الآيات الأخرى التي تفهم معناها، وهنا يقول: { ق ~~والقرآن المجيد } [ق: 1] ولم يقل وق لأن الواو حرف، وق حرف، ~~فيحدث بينهما لبس، هذه من إعجازات القرآن التي ينبغي أن نقف عندها ~~وقفة تأمل. والتصديق بهذه الغيبيات هو الذي يثبت صدق الإيمان، وإلا فما ~~الميزة في أن تكون كل آيات القرآن مفهومة معلومة المعنى والمراد؟ ما ~~الميزة في أن تكون كل أمور الدين معلومة لنا خاضعة للقياس العقلي وعليها ~~دليل؟ وسبق أن أوضحنا أن المشهد والإيمان بالمشهد أمر عادي الكل يؤمن ~~به، المهم أن تؤمن بما غاب عنك ثقة منك فيمن أبلغك به. هب أنك ~~ذهبت إلى الطبيب وبعد أن فحص حالتك كتب لك الدواء، بالله هل تناقشه لم ~~كتبت كذا؟ ولم كتبت كذا؟ إنك لا تناقشه لأنك ذهبت إليه مختارا، ms9475 ذهبت ~~إليه وأنت تثق به ومستعد لأن تنفذ تعلمياته وتتناول الدواء الذي وصفه لك ~~وأنت لا تعرف شيئا عنه. فإذا كنت تثق بالطبيب وهو إنسان مثلي ومثلك ~~وعرضة للخطأ، فما بالك بالله؟ ألا تثق في كلامه؟ ولأهمية الإيمان ~~بالغيب مدح الله المؤمنين به، فقال: # الذين يؤمنون بالغيب.. # [البقرة: 3] فكما نؤمن بالآيات واضحة المعنى نؤمن بالحروف غير واضحة ~~المعنى، فهذا قرآن مشهد، وهذا قرآن غيب، وكما نؤمن بالآيات الكونية ~~المشاهدة نؤمن بالله خالقها ومبدعها، وهو سبحانه غيب. وقوله تعالى: { ~~والقرآن المجيد } [ق: 1] القرآن اسم لما نزل من عند الله على ~~قلب سيدنا رسول الله، ودل على صدقه في البلاغ عنه. وسمي قرآنا ليدل ~~على أنه مقروء، وسمي الكتاب ليدل على أنه مكتوب، فهو مسجل في ~~السطور محفوظ في الصدور. وللقرآن مزية خاصة به لم تعط لكتاب قبله، هي ~~أن القرآن يحمل المنهج ويحمل المعجزة معا، أما الرسالات السابقة عليه ~~فكان المنهج في الكتاب، والمعجزة منفصلة عنه. فسيدنا عيسى مثلا كان ~~كتابه الإنجيل، ومعجزته أن يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن ~~الله، وسيدنا موسى كان كتابه ومنهجه في التوراة، أما معجزته فكانت في ~~العصا، أما سيدنا رسول الله فكانت معجزته هي عين منهجه، لماذا؟ لأن ~~رسالته دائمة باقية في الزمان كله إلى قيام الساعة وباقية في المكان كله، ~~فلها عمومية الزمان وعمومية المكان، ونحن الآن نقول: هذا محمد رسول الله ~~وهذه معجزته، في حين لا نستطيع أن نقول ذلك مع سيدنا موسى مثلا أو ~~سيدنا عيسى، لأن معجزاتهما انتهت بانتهاء زمانيهما. # ومعنى { المجيد } [ق: 1] أي: العظيم صاحب الشرف والمجد والعلو، ~~ومجيد على وزن فعيل، وهي من أوزان المبالغة مثل رحيم، وفعيل وتأتي مرة ~~بمعنى فاعل مثل رحيم أي: راحم، وتأتي بمعنى مفعول مثل قتيل أي: مقتول. ~~فمعنى { المجيد } [ق: 1] أي: ماجد في ذاته وممجد في ذاته فهي تحمل ~~المعنيين، فهو ماجد وممجد، لأنه أعلى وأرفع كلام وأغلى الكتب وأشرفها، ~~فهو في ذاته مجيد. ثم لأنه جاء من مجيد أعلى هو الحق سبحانه، ms9476 وبلغه ~~ملك مجيد إلى رسول مجيد، ويبقى بعد ذلك أنه أنزل على أمة مجيدة. لكن ~~إذا كانت: { ق والقرآن المجيد } [ق: 1] قسم فأين جوابه؟ قالوا: ~~قسم على أن البعث حق، أي: ق والقرآن المجيد لتبعثن، والأقرب من ذلك أن ~~نأخذ الجواب من الكلام بعد القسم، وهو قوله تعالى: { بل عجبوا أن ~~جآءهم منذر منهم... }. ### || [50.2] # والعجب لا يكون إلا من شيء غير معتاد، والنفس لا تهتدي إلى سببه، ولا ~~إلى علته مثل الساحر نعجب لما يفعل لأننا لا نفهمه، والحديث هنا عن ~~الكفار المعاصرين لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أوضح القرآن هذه ~~المسالة وشرحها في موضع آخر هو قوله تعالى: # وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. # وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا ~~لقضي الأمر ثم لا ينظرون * ولو جعلنه ملكا ~~لجعلنه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون # [الأنعام: 8-9]. إذن: عجبهم أو اعتراضهم ليس على القرآن، إنما على محمد ~~صلى الله عليه وسلم، كيف ينزل عليه القرآن وهو من عامة الناس، ولماذا لم ~~ينزل على أحد عظماء القوم ثم أتوا بشبهة أخرى، لماذا لم ينزل على ملك. ~~وقد رد القرآن عليهم وبين لهم هذه الشبهة، فمحمد صلى الله عليه وسلم ~~رسول وقدوة، والقدوة لا تتم إلا إذا كان الرسول من جنس المرسل إليهم، ~~وإلا كيف نقتدي بملك وله طبيعة غير طبيعتنا، وقدرة غير قدرتنا. ولو أمرنا ~~بعمل ما كان من حقنا أن نقول له: لا نستطيع أن نفعل مثلك، لأنك ملك ~~تقدر على ما لا نقدر عليه، فلا تتم الأسوة إذن. فمن عظمة الرسالة أن ~~يكون الرسول منكم، لذلك من الله عليهم بذلك، فقال: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم.. # [التوبة: 128] أي: جنسكم بل من قومكم، ومن أقرب الناس لكم، وأنتم تعرفون ~~صدقه وأمانته حتى قبل الرسالة، وشهدتم له بذلك. وقوله تعالى: { فقال ~~الكافرون هذا شيء عجيب } [ق: 2]. يعني: أن الكافرين هم ~~الذين تعجبوا من اختيار محمد صلى الله عليه وسلم للرسالة، إذن: ms9477 غير ~~الكافرين لم يتعجبوا من ذلك، وإذا كان القرآن نزل على مدى ثلاث عشرة سنة، ~~فمن الناس من آمن بمحمد وصدقه من أول آية نزلت عليه. وقال: نزل علي ~~اليوم كذا وكذا. بل إن سيدنا أبا بكر صدق رسول الله وآمن به بمجرد أن ~~قال: إني رسول الله دون أن يسأله عن شيء، لماذا؟ فماضيه في قومه يؤهله ~~لهذه المكانة، ولم لا يصدقه وهو الصادق الذي ما جرب عليه كذب قط، ~~والذي لا يكذب على الخلق أحرى ألا يكذب على الخالق. كذلك صدقه في ~~خبر الإسراء والمعراج ولم يناقش مثل غيره، بل قال عن رسول الله: إن قال ~~فقد صدق، لقد أخذها بالعقل، وبما لديه من مقدمات من سيرة رسول الله. لذلك ~~كلمة محمد ذاتها دليل على صدقه، فقوله تعالى: # محمد رسول الله.. # [الفتح: 29] محمد مبتدأ أخبر عنه بأنه رسول الله، ومحمد بمعنى محمود ~~يحمده الناس ويثنون عليه. # إذن: هو من بدايته ونشأته معد لهذه المهمة، لذلك ما جربوا عليه ~~كذبا أبدا، ولا شيئا مما كان يفعله أترابه في الجاهلية، فكأنه يقول ~~لهم: محمد هذا الذي تعرفونه، وتعرفون ماضيه وسيرته فيكم هو رسول الله، ~~وكأن علة الإيمان بالرسول أنه محمد. وسبق أن بينا كيف عصمه الله من ~~الزلل؟ وكيف عصمه من انكشاف عورته؟ لذلك ورد على لسانه صلى الله عليه ~~وسلم وهو يجادل قومه: # فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. يعني: أنتم تعرفون عني كل شيء، تعرفون أني لا أكذب، ولم ~~يسبق لي أن وقفت خطيبا فيكم ولا شاعرا. إذن: لماذا تكذبونني؟. ~~وكلمة { هذا شيء عجيب } [ق: 2] ليست تكرارا للتعجب في { بل ~~عجبوا.. } [ق: 2] بل عجيب بالذي قيل، عجيب قالها الكافرون، وقد ~~شرحها القرآن في قوله تعالى: # وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ~~إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا # [الإسراء: 94]. فرد عليهم: ماذا تريدون؟ قالوا: نريده ملكا، فقال ~~لهم: إذا كان ملكا فسوف يأتيكم في صورة بشر، إذن: ستظل الشبهة كما هي. ### || [50.3] # هنا ms9478 نقلوا المسألة من الاعتراض على بشرية الرسول إلى التشكيك في عملية ~~البعث بعد الموت، وهكذا أصبح لدينا جوابان للقسم # ق والقرآن المجيد # [ق: 1]. الجواب الأول: إنك لمنذر والثاني: لتبعثن، الأول: أخذناه من ~~قوله: # بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم.. # [ق: 2] والثاني: من قوله سبحانه: { أءذا متنا وكنا ترابا ~~ذلك رجع بعيد } [ق: 3]. ومعنى { رجع بعيد } [ق: 3] أي: ~~رجوع إلى الحياة بعد أن نموت ونصير ترابا، هذا أمر بعيد عن أذهانهم، ~~لماذا؟ وأنتم عندكم آثار سيدنا إبراهيم وإسماعيل وبقايا الديانات ~~السابقة، وتعرفون الله وتعترفون أنه خالقكم وخالق السماوات الأرض. في قصة ~~سيدنا إبراهيم عليه السلام حكى القرآن قوله: # قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال ~~أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي.. # [البقرة: 260]. وقلنا: إن السؤال هنا ليس شكا من سيدنا إبراهيم في قدرة ~~الله على إحياء الموتى، إنما سؤال عن الكيفية فقط # كيف تحيي الموتى.. # [البقرة: 260]. فأراه الله سبحانه الكيفية ليست قولا إنما فعلا ~~وتجربة مشاهدة، يجربها هو بنفسه، وكأن الله تعالى يقول له ولنا: أن ~~إحياء الموتى ليس صعبا ولا معجزا لي، بل إذا أردت أعدي قدرتي إلى ~~عبد من عبادي، فيفعل ذلك بإذني. # قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم ~~اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن ~~يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم # [البقرة: 260]. هذا أثر من آثار قدرة الله يمنحه لعبد من عباده. وفي قصة ~~سيدنا عيسى عليه السلام: # أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ ~~فيه فيكون طيرا بإذن الله.. # [آل عمران: 49]. والقرآن يرد على منكري البعث، فيقول: { قد علمنا ~~ما تنقص الأرض... }. ### || [50.4] # يعني: لم تعجبون وتنكرون البعث بعد الموت، والله علم مكوناتكم ~~وجزئيات وعناصر هذا الجسم وكمية كل عنصر منها، ويعلم ما تأخذه الأرض منكم ~~وقادر على جمعه وإعادته كخلقه الأول هو هو، وإن كانت العناصر التي ~~خرجت منه لا تزال خارجة، إذن: نحن نختلف باختلاف عناصر التكوين، لا ~~باختلاف مجموع العناصر. ومعنى { قد علمنا.. } [ق: 4] أي: أن هذه ms9479 ~~العملية تقوم على علم وعلى دراية لا مجرد كلام، ثم تستند إلى توثيق آخر: ~~{ وعندنا كتاب حفيظ } [ق: 4] فهذا العلم مؤيد بكتاب مسجل ~~مسطور مشهود يحصى فيه كل شيء. فإن قلت: فما فائدة الكتاب بعد العلم؟ ~~نقول: علم الله واسع، وهو صفة من صفاته تعالى، وهو سبحانه لا ينسى، لكن ~~يكتب في كتاب ليكون الكتاب حجة على من أنكر، كما في مسألة الحسنات ~~والسيئات. فالله تعالى يعلمها ويحصيها، ولا يحتاج من يذكره بها، ~~لكن يكتبها للعبد لتكون حجة عليه يوم يقول له: # اقرأ كتبك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # [الإسراء: 14]. وكلمة { حفيظ } [ق: 4] مبالغة على وزن فعيل، وهي هنا ~~بمعنى فاعل. أي: حافظ لكل شيء، مسجل لكل صغيرة وكبيرة، وهو أيضا محفوظ ~~فلا تمتد إليه يد فتختلس منه شيئا، أو تغير فيه شيئا. لذلك قال: # إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه ~~إلا المطهرون # [الواقعة: 77-79]. وقال: # وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ~~ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا ~~يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا ~~يابس إلا في كتب مبين # [الأنعام: 59]. والذي يحاول التشكيك في البعث أو نقضه هم الناس ~~المستهترون المسرفون على أنفسهم، فهؤلاء لو صح البعث وصح الحساب ~~والجزاء، فستكون العاقبة بالنسبة لهم سوداء، فحظهم إذن أن يشككوا في ~~البعث، وأن يكذبوه، بل الدين كله في نظرهم كذب. وتأمل مثلا إفلاسهم ~~في الحجة حين يقولون في تكذيبهم بالبعث: لو أن رجلا مات وزرعت فوق ~~بقاياه شجرة تفاح مثلا، فسوف تتحلل عناصره وتتغذى منها هذه الشجرة، ~~فسوف يأتي من يأكل منها. وبذلك تصله بعض عناصر الأول، فإذا مات الثاني ~~فكيف تبعث هذه العناصر من الأول أم من الثاني؟ وهذه شبهة واهية، وللرد ~~عليها نقول: لو أن رجلا وزنه مثلا مائة كيلو، وأصابه مرض أنقص من وزنه ~~النصف حتى صار شبحا، ثم من الله عليه بالشفاء حتى استعاد صحته ووزنه ~~الأول، فهل عادت إليه نفس عناصره الأولى؟ أبدا، لأنه يأكل عناصر ms9480 أخرى ~~غير التي فارقته لكن تبقى الشخصية وتبقى المعنويات المميزة لها، وحين ~~تعود تعود كما كانت هي هي. إذن: المسألة ليست مسألة نفس العناصر، إنما ~~مسألة إعادة شخص بعينه، وما دام الحق سبحانه قال: { قد علمنا ما ~~تنقص الأرض منهم.. } [ق: 4] فهو سبحانه قادر على جمعها ~~وتكوينها من جديد، بقوله تعالى: كن فيكون. ### || [50.5] # فهمنا من قولهم: # أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد # [ق: 3] أنهم منكرون للبعث لا يصدقون أنهم سيبعثون بعد الموت، وهذا ~~الإنكار لا يغير من الواقع شيئا، فالبعث حق وسيحدث لكنهم يكذبون به ~~لأنه ليس في صالحهم. لذلك قال هنا: { بل كذبوا بالحق لما ~~جآءهم.. } [ق: 5] والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير أبدا مهما ~~طرأت عليه من أحداث، فسوف تمضي الأحداث والوقائع ويبقى الحق ثابتا. ~~والحق سبحانه أعطانا مثلا محسوسا للحق وللباطل، فقال سبحانه: # أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها ~~فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه ~~في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله ~~كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد ~~فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في ~~الأرض كذلك يضرب الله الأمثال # [الرعد: 17]. كذلك سيذهب إنكارهم وتكذيبهم وتبقى الحقيقة ويبقى الحق ~~ثابتا لا يتغير، وفي القرآن آيات كثيرة تحمل هذا المعنى، اقرأ: # وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله ~~هي العليا.. # [التوبة: 40] ف كلمة الأولى مفعول به، أما الأخرى فهي مبتدأ لإنشاء ~~كلام جديد غير معطوف على الأول. فالأولى مجعولة، والأخرى أمر ثابت أزلا، ~~جعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله عليا بداية، يعني: لم تكن ~~سفلى فجعلها عليا، هذا يعني أن الحق شيء ثابت أزلا وباق لا يتغير. ~~وقوله تعالى: { فهم في أمر مريج } [ق: 5] معنى مريج، أي: ~~مختلط، فهم مذبذبون مترددون، مرة: تعجبوا وقالوا # هذا شيء عجيب # [ق: 2] ومرة أنكروا، ومرة كذبوا، فالأمر بالنسبة لهم مختلط من قولهم: ~~مرج الخاتم في الإصبع إذا كان واسعا سهل الحركة. والدليل على أنهم في ~~أمر مريج أنهم استقبلوا سيدنا رسول الله صلى ms9481 الله عليه وسلم بمجموعة من ~~الاتهامات، كلما خاب سعيهم في واحدة قالوا بالأخرى، لأن القرآن لهم ~~بالمرصاد يرد كيدهم عن رسول الله. لذلك سمعناهم يقولون: ساحر، شاعر، ~~مجنون، كاهن. إذن: { فهم في أمر مريج } [ق: 5] لا يدرون ماذا ~~يقولون، فكلما قالوا تهمة كشف القرآن كذبها، فالحق شيء واحد، لذلك نراه ~~ثابتا، أما الباطل فمتعدد لذلك لا يثبت. وهذه المسألة نشاهدها في ~~الشهادة أمام القاضي، فشاهد الحق يأتي قوله واحدا لا يتغير لأنه يصف ~~واقعا، أما شاهد الزور فيغير ولا يصمد أمام محاورات القاضي، وسرعان ما ~~يقع وينكشف كذبه، لأنه لا يصف واقعا، إنما يؤلف الأحداث من عنده. ثم ~~ينقل الحق سبحانه وتعالى مجال الحديث إلى الآيات الكونية التي تثبت قدرة ~~الله تعالى وتمس مسألة العقيدة، فحين نصحح لهؤلاء عقيدتهم ونعطفهم إلى ~~الإيمان بالله سيفكرون في رسالة محمد، ويهتدون إلى الحق. لذلك ترك الحديث ~~عن تكذيبهم لرسول الله وللبعث، إلى الحديث عن الآيات الكونية في السماوات ~~والأرض. ### || [50.6-8] # الاستفهام في { أفلم ينظروا.. } [ق: 6] غرضه الحث على النظر ~~والتأمل في خلق السماوات وما فيها من آيات ومعجزات، لأن هذه الآيات هي ~~دليل القدرة، وكلمة { بنيناها.. } [ق: 6] دلت على أن السماء على ~~اتساعها مبنية، ومع اتساع هذا البناء لا نجد له عمدا ترفعه. لذلك قال ~~تعالى في آية أخرى: # الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها.. # [الرعد: 2] إذن: طالما ليس لها عمد تحملها، فهي ممسوكه من أعلى، ولا ~~يمسك هذه السماء إلا قوة عظمى هي قدرة الله # إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا.. # [فاطر: 41]. وهذه الفكرة رأيناها في بناء الكباري الطويلة التي ليس لها ~~قواعد وأعمدة تحملها، فيعلقونها من أعلى، وتسمى الكباري المعلقة. ~~والحق سبحانه وتعالى يقرب لنا هذه المسألة بقوله: # أولم يروا إلى الطير فوقهم صفت ويقبضن ~~ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير # [الملك: 19] فكما يمسك الطير في السماء يمسك السماوات أن تقع على الأرض ~~إلا بإذنه. ثم لم يقف الأمر عند بناء السماء، بل { وزيناها.. } ~~[ق: 6] بما فيها ms9482 من الكواكب والنجوم التي تضيء { وما لها من ~~فروج } [ق: 6] يعني: ليس فيها شقوق ولا فتوق، بل نراها مستوية ملساء، ~~انظر إليها وهي صافية تجد روعة الألوان. وبعد أن حدثنا عن الآيات ~~العليا في السماء يحدثنا عن آياته سبحانه في الأرض، وإذا كانت الآيات ~~في السماء بعيدة عنا، فالآيات في الأرض قريبة منا وتحت إدراكاتنا. { ~~والأرض مددناها.. } [ق: 7] بسطناها وجعلناها مستوية صالحة ~~للمعيشة، والمد هو البسط، والشيء المنبسط الممتد ليس له نهاية، وهذه صفة ~~الأرض، فأينما سرت تجدها أمامك منبسطة ليس لها حافة تنتهي عندها، وهذا ~~الامتداد فسر لنا كروية الأرض. { وألقينا فيها رواسي.. } ~~[ق: 7] هي الجبال الثابتة التي تثبت الأرض، فلا تميد، كما قال سبحانه # والجبال أوتادا # [النبأ: 7] أي: هي الأرض مثل الأوتاد للخيمة { وأنبتنا فيها.. } ~~[ق: 7] أي: في الأرض { من كل زوج بهيج } [ق: 7] من النبات ~~والزوج أي الصنف، وهو فرد معه مثله. فالنبات لكي يعطي إنتاجا لا بد له ~~من زوجين ذكر وأنثى، كما في الإنسان والحيوان، لذلك قال تعالى: # ومن كل شيء خلقنا زوجين.. # [الذاريات: 49] لأن التناسل لا يتم إلا بهما. ومعلوم أن التلقيح في ~~النبات يتم بواسطة الفراشات والحشرات الطائرة التي تنقل حبوب اللقاح من ~~عنصر الذكورة لعنصر الأنوثة، لذلك لما كثرت الحشرات في أحد البساتين ~~وضعوا لها المبيد الحشري فماتت، فلاحظوا أن الأشجار في البستان لم تزهر ~~ولم تثمر، لماذا؟ لأن الفراشات والحشرات التي تلقح الزرع ماتت. # وقد لاحظوا أن الحشرات تتلون بلون الزهرة التي تلقحها، بحيث يكون ~~بينهما توافق بديع في الألوان، فلا تكاد ترى الفراشة وهي على الزهرة، ~~وهذه الألوان في تناسقها مظهر من مظاهر الإبداع في الخلق. وقوله: { ~~بهيج } [ق: 7] أي: جميل حسن المظهر. وقد فهم العلماء من قوله تعالى: { ~~وألقينا فيها رواسي.. } [ق: 7] أن الأرض غير ثابتة، وأنها ~~تدور، فلو كانت الأرض مخلوقة على هيئة الثبات ما احتاجت إلى الجبال ~~الرواسي لتثبتها فلا تميل بأهلها. وهذه كلها كانت من غيب السماوات والأرض ~~كشفه الله لنا بتقدم العلوم وتطور الحضارات، لذلك ms9483 نقرأ مثلا: # وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر ~~السحاب.. # [النمل: 88] نعم السحاب يمر ويتحرك بحركة الهواء، فكيف تتحرك الجبال وهي ~~راسية مستقرة مثبتة على سطح الأرض؟ إذن: الجبال لا تتحرك إلا مع حركة ~~الأرض، ولأنك ستتعجب من هذه الحقيقة، قال الحق بعدها # صنع الله الذي أتقن كل شيء.. # [النمل: 88] فما دام الفعل لله والصنعة لله، فلا تتعجب ولا تستبعد ~~الأمر. ثم يقول سبحانه: { تبصرة وذكرى.. } [ق: 8] أي: أن هذه ~~الآيات الكونية في السماوات وفي الأرض تعطي بصيرة للناس، وتذكرهم ~~بقدرة الخالق سبحانه ليتفكروا في خلق هذا الكون وما فيه من هندسة ~~وإبداع. والتبصرة هي الآية الثابتة، و { وذكرى.. } [ق: 8] هي ~~الظاهرة تأتي وتتغير، مثل الأرض تكون جرداء قاحلة، فإذا نزل عليها المطر ~~اخضرت. وقوله: { لكل عبد منيب } [ق: 8] كثير الرجوع إلى الله ~~بالتوبة، ويأخذ من آيات الله في الكون دليلا على قدرته تعالى، فيذعن لها ~~ويؤمن بها. ### || [50.9-10] # قوله: { ونزلنا.. } [ق: 9] مادة نزل أتت بلفظ أنزلنا ونزلنا، ~~أنزلنا للشيء ينزل جملة واحدة، كما في قوله تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] أي: أنزلناه في هذه الليلة جملة، ثم نزل به الروح الأمين ~~متفرقا حسب الأحداث، فقال: # نزل به الروح الأمين * على قلبك.. # [الشعراء: 293-194]. كذلك الماء لا ينزل من السماء جملة واحدة، إنما ~~ينزل متتابعا متفرقا، فقال: { ونزلنا.. } [ق: 9] وقوله: { من ~~السمآء.. } [ق: 9] أي: من جهة السماء، لأن المطر في السحاب وأصله من ~~الماء المالح في الأرض، حيث تتم عملية البخر ويتكثف بخار الماء في السحاب ~~فيتكون الماء الذي يسوقه الله تعالى بقوة الهواء حيث ينزل حينما يصادف ~~الأماكن الباردة. وقال عنه { مآء مبركا.. } [ق: 9] لأن الله بارك ~~فيه وجعله صالحا للشرب ولسقي النبات، فهو عذب سائغ للشاربين. وساعة ~~ينزل هذا الماء المبارك على الأرض تهتز الأرض وتخرج ما فيها من نبات { ~~فأنبتنا به جنت.. } [ق: 9] جمع جنة، وهي المكان المليء ~~بالأشجار التي تجن من يسير فيها. أي: تستره فسميت جنة، ومنه قوله ~~تعالى: # فلما جن عليه الليل.. ms9484 # [الأنعام: 76] يعني: ستره بظلمته. ومعنى { وحب الحصيد } [ق: 9] ~~أي: الحب الذي يحصد مثل القمح والشعير والذرة والأرز، وهو يزرع كل عام ~~ويحصد ليزرع من جديد، أما الجنات فهي الشجر الدائم الذي يعمر لعدة سنوات ~~ويثمر، فنجمع منه الثمار فقط وتبقى الشجرة كما هي للعام التالي. وقوله: { ~~والنخل باسقات.. } [ق: 10] عاليات مرتفعات، والعلو في النخل من ~~عجائب الخلق ودقة الإبداع، لأننا رأينا العواصف تقتلع بعض الأشجار ~~الضخمة، لكن لم نر نخلة وقعت من العاصفة فجأة كما تقع الشجرة. لكن ~~إذا ضعفت النخلة نراها تميل شيئا فشيئا على فترات حتى تصل إلى الأرض، ~~ففيها رفعة، وفيها شموخ. وذكر الحق سبحانه النخل بعد شجر الجنات وحب ~~الحصيد لأن النخل يجمع الصفتين معا لأن يعطي ثماره مثل الشجر كل عام، ~~لكن إذا لم يلقح جاءت الثمار كما يقولون: صيص يعني بلح لا ينفع ولا ~~فائدة فيه فيقطع ويرمى. ومعنى { لها طلع نضيد } [ق: 10] ~~الطلع كوز أخضر يتفتح وتخرج منه السباطة، والسباطة هذه تحتوي على ~~الشماريخ التي تحمل حبات البلح، ومن عجائب الخلق أنك ترى هذه الحبات ~~منضدة، يعني: مرصوصة بنظام دقيق في الشمروخ الذي يحملها، فلا تجد مثلا ~~بلحة أمام الأخرى، لكن موزعة على الشمروخ بالتساوي على شكل رجل غراب ~~كما يقولون. إذن: الحق سبحانه أعطانا طرفا من آياته في السماوات والأرض، ~~وقلنا: أن السماوات والأرض ظرف لما فيهما، ومع عظم خلق السماوات ~~والأرض، إلا أن المظروف فيهما أعظم. # والإنسان في هذه الظرفية له خصوصية لأنه خليفة الله في الأرض، فالناس ~~باعتبار أنهم مظروف ليس لأحد منهم حظ أوفر من الآخر، فهم في هذه ~~الظرفية سواء، لأن الظرف مهمته حماية المظروف فيه فيستوي في الحماية ورقة ~~بخمسين مع الورقة بمائة، ويستوي الذهب والفضة والحديد، فالصيانة للجميع ~~وإن كان المصون مختلفا. كذلك الإنسان له حظه من الصيانة مع أن قيمة ~~الناس تختلف، وهذا الاختلاف جاء لحكمة أرادها الحق سبحانه لصالح المجتمع ~~كله: # ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم ~~بعضا سخريا # [الزخرف: 32]. فالناس منهم القوي ms9485 والضعيف، والغني والفقير، العالم ~~والجاهل، والذكي والغبي يتم بينهم التكامل في حركة الحياة، وقلنا: ماذا ~~لو أن الناس جميعا تخرجوا في الجامعة؟ فمن إذن سيقوم بالأعمال ~~الدنيا، إذن: لابد أن يوجد ناس للقمة، وناس دونهم للخدمة، وإلا ما ~~استقامت حركة الحياة. ومع هذا الاختلاف في القيمة من حيث عمل كل إنسان ~~وإجادته لعمله يبقى أننا جميعا عيال الله وعبيده، ليس منا من هو ابن ~~الله، فليلزم كل منا أدبه وحدوده، فكل منا مرفوع في شيء ومرفوع عليه ~~في شيء آخر، يعني مفيش حد أحسن من حد. يقول الحق سبحانه: { رزقا ~~للعباد وأحيينا به... }. ### || [50.11] # فقد أنبت سبحانه جنات وبساتين ومزروعات، منها ما يعطي حبا يكون قوتا ~~للناس وهو ما يحصد مثل القمح مثلا، وأنبت أيضا نخلا عاليا باسقات في ~~جو السماء تعطي الخير للناس لأجيال طويلة. لذلك قال تعالى: { رزقا ~~للعباد.. } [ق: 11] وهو رزق لكل عباد الله مؤمنهم وكافرهم، طائعهم ~~وعاصيهم، لأنه خلق الجميع ولا بد أن يتكفل لمن خلق برزقه الذي يعيش به، ~~حتى ولو لم يؤمن به سبحانه. ثم يقول تعالى: { وأحيينا به.. } [ق: ~~11] الضمير في به يعود على الماء المذكور في قوله تعالى: # ونزلنا من السمآء مآء مبركا # [ق: 9]. هذا الماء { وأحيينا به بلدة ميتا.. } [ق: 11] ~~أي: أحيينا به أرض بلد ميت. وهي الأرض الميتة الجدباء الجرداء الخالية ~~من النبات، فإذا نزل عليها الماء أحياها بالنبات، كما في قوله تعالى: # وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا عليها المآء ~~اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج # [الحج: 5]. والحق سبحانه جعل إحياء الأرض الميتة دليلا ومثلا حيا على ~~البعث والإعادة بعد الموت، قال تعالى: { كذلك الخروج } [ق: 11]، ~~وهذا نحو قوله تعالى: # والذي نزل من السمآء مآء بقدر فأنشرنا به ~~بلدة ميتا كذلك تخرجون # [الزخرف: 11]. ومثل قوله تعالى: # يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ~~ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون # [الروم: 19] أي كمثل ذلك تخرجون وتبعثون، فمن أنكر البعث فلينظر عملية ~~إحياء الأرض الجامدة بالنبات بعد نزول المطر عليها. ms9486 فالأرض تكون ميتة ~~هامدة جرداء لا أثر فيها لحياة، فلما ينزل عليها الماء ويسقيها المطر ~~تتحرك وتهتز وتزيد فتنغلق الشقوق التي في التربة بفعل العطش ثم تنبت من ~~كل زوج بهيج، فهي نموذج حي مشاهد للخلق وللحياة. ### || [50.12-14] # هذه تسلية لرسول الله، وتخفيف عنه لما يلاقيه من تكذيب قومه له، وقد ~~عرضت الآيات موقفهم أولا # بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم # [ق: 2] ثم كذبوا بالبعث الذي أخبر به، فقالوا: # أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد # [ق: 3]. فأراد الحق سبحانه أن يعرض على رسوله موكب الرسالات السابقة ~~عليه، وكم حدث فيها من تكذيب لإخوانه الرسل. وكأنه يقول له: يا محمد لست ~~بدعا في ذلك { كذبت قبلهم.. } [ق: 12] أي: قبل قومك كذب { ~~قوم نوح.. } [ق: 12] مع أنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، ومع ~~ذلك كذبوا ولم يؤمن معه إلا القليل منهم. لكن هل تركهم الله؟ لا بل ~~انتقم منهم بالغرق الذي أبادهم عن آخرهم، فما كان الحق سبحانه ليترك أهل ~~الفساد وأهل التكذيب ومصادمة الرسل دون عقاب، بل يملي لهم ثم يأخذهم بلا ~~هوادة. فقوم نوح عليه السلام كانوا يسخرون منه، وهو يصنع السفينة، فيقول ~~لهم: سيأتي اليوم الذي نسخر نحن منكم كما تسخرون منا، وكأنه على ثقة من ~~نصر الله وتأييده لدعوته، وكما كذب قوم نوح كذب { وأصحاب الرس.. ~~} [ق: 12]. والرس اسم بئر معروفة { وثمود } [ق: 12] وهم قوم سيدنا ~~صالح { وعاد } [ق: 13] قوم سيدنا هود { وفرعون.. } [ق: 13]. ~~وقصة فرعون مع سيدنا موسى معروفة { وإخوان لوط.. } [ق: 13] أي ~~قومه { وأصحاب الأيكة.. } [ق: 14] والأيكة الحديقة كثيفة ~~الأشجار متشابكة الأغصان، وسكان هذه الحديقة هم قوم سيدنا شعيب. { ~~وقوم تبع.. } [ق: 14] تبع كان ملكا من ملوك اليمن يقال له أبو ~~كرب الحميري. وكل هؤلاء المكذبين كانوا أصحاب حضارة وأهل نعمة ورفاهية، ~~لكن بعد أن كذبوا الرسل وخالفوا منهج الله بدل الله حالهم، وقلب ~~أوضاعهم فأهلكهم بذنوبهم. لذلك يقول هنا { كل كذب الرسل ~~فحق وعيد } [ق: 14] أي: لما كذبوا رسلي حق عليهم ما ms9487 وعدتهم ~~به من العذاب ووجب لهم الهلاك. وفي آية أخرى فصل ذلك الانتقام فقال: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [العنكبوت: 40]. ### || [50.15] # عاد السياق هنا إلى مناقشة المنكرين للبعث الذين قالوا: # أءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد # [ق: 3] عاد إلى هذا الموضوع ليقول لهم: لم تنكرون البعث؟ أليس أمامكم ~~الخلق الأول { أفعيينا بالخلق الأول.. } [ق: 15] أي: هل ~~عجزنا عنه وهل أعيانا؟ أبدا بل قدرنا عليه وأنشأناه من العدم. والخلق ~~الأول خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام ~~والقادر على الخلق بداية قادر على إعادته من باب أولى. { بل هم ~~في لبس من خلق جديد } [ق: 15] أي: في خلط وتردد، كما قال ~~عنهم في الآيات السابقة # فهم في أمر مريج # [ق: 5] أي: مختلط. ### || [50.16] # بعد أن حدثنا سبحانه عن آياته الكونية في السماوات والأرض يحدثنا عن ~~آياته في خلق الإنسان، وقد بين لنا الحق سبحانه أن آيات السماوات ~~والأرض أكبر من الآيات التي في خلق الناس. # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس.. # [غافر: 57] ووعدنا سبحانه بقوله # سنريهم آياتنا في الآفاق.. # [فصلت: 53] آفاق السماوات والأرض # وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53]. يقول سبحانه: { ولقد خلقنا الإنسان.. } [ق: 16] ~~وأكد لهم الكلام ب اللام وب قد لأنهم منكرون لهذه الحقيقة مكذبون ~~بها، وهذا الإنكار جحود منهم، لأنه سبحانه قال في موضع آخر: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]. وما دام الحق سبحانه قد قال { ولقد خلقنا ~~الإنسان.. } [ق: 16] فلا يتأتى أن يقال أنه من الممكن أن يتم استنساخ ~~الإنسان، فالإنسان الذي يكون أسرة من أب وأم لا يمكن استنساخه أبدا، ~~إنما يستنسخه من خلقه فقط. بدليل أنه خلق آدم وأخذ منه ضلعا جعل منه ~~حواء، أما أنتم فلن تستطيعوا هذا، قد تستطيعون استنساخ نبات أو حيوان، ~~فإنه ليس مطلوبا من هذه الكائنات أن تكون ms9488 أسرة. فالمطلوب من النبات أو ~~الحيوان التكاثر فقط، أما الإنسان فليس مطلوبا منه التكاثر فقط بل مطلوب ~~منه القيم أيضا ككائن في مجتمع. فالإنسان يسعى لتكوين أسرة وله مواصفات ~~فيمن يتزوجها، وكيف يعيش معها وكل منهما يقوم بمهمة في التربية تناسبه، ~~هو يكدح خارج البيت وهي تقوم بمهمتها في البيت ومهمتها أعلى وأهم من ~~مهمته. لذلك نجد اللقيط شقيا في حياته، لأنه ليس له أب ينسب إليه، أما ~~من له أب فابنه محسوب عليه ومسئول عنه أمام المجتمع، يقوم له بأمور ~~معيشته ودراسته، فلو فرضنا أنه من الممكن أن يكون هناك إنسان مستنسخ ~~فترى كيف تكون حياته؟ فالله هو خالق الإنسان ومبدعه، والخالق هو الأعلم ~~بمن خلق، والأعلم بأسراره وما يصلحه { ونعلم ما توسوس به ~~نفسه.. } [ق: 16] يعني: لا نعلم ظواهر عمله فحسب، إنما نعلم بواطنها، ~~ونعلم ما يختلج في نفسه من خواطر وأفكار. # ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير # [الملك: 14]. الذي يعلم دقائق الأمور وخفاياها، كالصانع يعلم دقائق ~~صنعته، فالساعة مثلا حين تتعطل منك لا تعرف فيها شيئا، فتذهب بها إلى ~~الساعاتي، وبمجرد أن ينظر إليها يعرف مكان العطل بها ويصلحه بحركة ~~بسيطة جدا. فالحق سبحانه خلق الإنسان، فالإنسان صنعته وإبداعه، لذلك ~~يعلم خفايا نفسه لا مجرد ظواهر عمله، لأن ظواهر العمل معروفة للناس، فلا ~~مزية في معرفتها، أما ما توسوس به النفس فهو أمر غيبي عن الآخرين لا ~~يطلع أحد عليه ولا يعلمه إلا الله، وهذه من آيات الله في الأنفس # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم.. # [فصلت: 53]. وسمى الخواطر التي ترد على البال وسوسة، وهي في الأصل صوت ~~الحلي، والوسوسة تكون مرة من النفس ومرة من الشيطان، لذلك لا تكون إلا ~~بشر، وقد بين الإمام علي الفرق بينهما حينما سأله سائل: كيف أعرف ~~مصدر هذه الوسوسة، أهي من النفس أم من الشيطان؟ فقال: النفس تقف بك عند ~~معصية بعينها لا تتزحزح عنها، أما الشيطان فيريدك عاصيا على أي صورة، ~~فإن خالفته في معصية زين لك الأخرى ms9489 وهكذا حتى يوقعك. والنفس هي الأصل في ~~الوسوسة، لأننا لو أخذنا معصية إبليس الأولى وقلنا من وسوس له بها؟ ~~نفسه، والشاعر لما نظم هذا المعنى قال: إبليس لما عصى من كان إبليسه؟ ~~فالمسألة إذن راجعة للنفس، وإبليس يستغل شهوة النفس وينميها ويزينها ~~لصاحبها، والعجيب أن هذه الوساوس حينما تلح على الإنسان تغرقه في الهموم ~~والتخيلات التي لا أساس لها، فينشغل بأشياء لم تحدث يتصور أنها حدثت، أو ~~أحداث ماضية يعيدها من جديد. وهكذا تحاصره الهموم فتكلمه تجده ساهيا أو ~~يمشي يكلم نفسه، والعقال هو الذي لا يترك نفسه نهبا لهذه الوساوس، ~~ويعلم أنه له ربا يعلم ما توسوس به نفسه. رب كريم يفرج الكروب ويزيل ~~الهموم، العاقل هو الذي يعلم أن ما مضى فات والمؤمل غيب، ولك الساعة التي ~~أنت فيها. وخلق المؤمن أن يكون عنده رصيد من إيمانه يعصمه، فإن عزت ~~عليه الأسباب لجأ إلى المسبب، فهو أبدا لا ييأس ولا يستسلم. قلنا: لو ~~أن رجلا معه جنية واحد لا يملك غيره وضاع منه لا شك أنه يحزن، خاصة ~~إذا كان غريبا مثلا، لكن لو ضاع منك جنيه وفي البيت عشرة، فالحزن يكون ~~أقل، فما بالك إن كان معك رصيد من رب العالمين؟ لذلك يقولون: لا كرب ~~وأنت رب: وهذا الرصيد الإيماني رأيناه في قصة سيدنا موسى عليه السلام، ~~فلما ضاقت به أسبابه قال: # قال كلا إن معي ربي سيهدين # [الشعراء: 62]. وقوله سبحانه: { ونحن أقرب إليه من حبل ~~الوريد } [ق: 16] حبل الوريد عرقان في الرقبة يحملان الغذاء إلى ~~الجسم كله، وإذا انقطع الوريد انتهت الحياة، والكلام هنا فيه كناية عن ~~قرب الحق سبحانه من عبده، وكأنه يقول له: أنا قريب منك وأعرف تفاصيلك، ~~وأعرف وسوسة نفسك. ### || [50.17-18] # بين الحق سبحانه وتعالى أن علمه محيط لا يعلم مجرد عمل الجوارح، إنما ~~يعلم ما يدور في النفس، يعلم خلجاتها وأفكارها قبل أن تترجم إلى عمل. ~~إذن: العلم بالوسوسة أولى من العلم بالجوارح وعملها، لكن قد يقول ~~العبد: أختبئ فلا يراني أحد. ms9490 فبين الله له أنه إذا اختبأ من الناس فلا ~~يختبئ من الله، ولا يخفى عمله على الملكين الكاتبين اللذين يتلقيان عمله ~~ويحفظانه، ملك عن يمينه يكتب الحسنات، وملك عن شماله يكتب السيئات. ومعنى ~~{ قعيد } [ق: 17] يعني: كل منهما قاعد له بالمرصاد متفرغ له يرقبه ~~ولا يغيب عنه { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد } [ق: 18] فإن قلت ما دام أن الله تعالى عالم بعمل العبد، ولا ~~تخفى عليه خافية، فلم يكتب عمله ولم يسجله عليه؟ قالوا: يكتب الأعمال ~~لتكون حجة على صاحبها يوم القيامة، فكما أن الله تعالى سينطق الجوارح ~~لتشهد على صاحبها، كذلك سينطق هذا الكتاب. واقرأ: # يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون # [النور: 24]. وقال سبحانه: # وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء # [فصلت: 21] وقال: # هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق # [الجاثية: 29]. ومن رحمة الله بعباده في كتابة الأعمال أن الحفظة تكتب ~~الحسنة بعشر أمثالها، وتكتب السيئة بواحدة، تكتب الحسنة بمجرد أن تفكر ~~فيها ولا تكتب السيئة إلا بعد الوقوع فيها، بل وتعطيك فرصة لعلك تتوب أو ~~تراجع نفسك. ### || [50.19] # معنى: { سكرة الموت.. } [ق: 19] غشيته أو الغيبوبة التي تأخذ ~~الإنسان وهي وقت الغرغرة وخروج الروح، وسميت سكرة الموت لأنها مقدمة ~~للموت، وقوله: { بالحق.. } [ق: 19] لأن الحق هو الموت، فهو حق واجب ~~لكل مخلوق، وسهم أطلق إلى كل مولود، وعمرك بقدر وصوله إليك. لذلك يموت ~~الإنسان جنينا، ويموت طفلا، ويموت شابا، ويموت شيخا. ومن آيات الله ~~في الموت أن أبهمه زمانا، وأبهمه مكانا، فجاء الإبهام أوضح بيان، لأن ~~الإبهام جعلك تنتظره في كل وقت، وجعلك تستعد له بالتوبة والعمل الصالح، ~~جعلك تستحي من الله أن يفاجئك الموت وأنت على معصية. وقوله: { ذلك.. ~~} [ق: 19] أي: الموت { ما كنت منه تحيد } [ق: 19] أي: تميل عنه ~~وتخاف منه، نعم كلنا يخاف الموت ويبعده عن نفسه، يتصور أن كل الناس ~~سيموتون إلا هو. لذلك ورد في الحديث: # " لا أرى يقينا أشبه بالشك من يقين الناس بالموت ms9491 ". # والابتعاد عن شبح الموت له حكمة مرادة للحق سبحانه وتعالى، فلو استحضر ~~كل واحد منا حقيقة الموت ما هنئ له عيش ولا قر له قرار، وما انتفع ~~أحد منه بعمل. إذن: الأمل في الحياة هو الأولى، الأمل هو الذي يعمر ~~حركة الحياة، حب الحياة هو الذي يأخذنا لعمارة الحياة، المهم أن هذا ~~الأمل لا ينسيك الموت، فكن على استعداد له بالتوبة والاستغفار إن بدر ~~منك ذنب. ### || [50.20-21] # هنا يعطينا مشهدا من مشاهد يوم القيامة، يوم ينفخ في الصور، قالوا: هي ~~النفخة الثانية التي يقوم الناس لها من قبورهم. والصور هو البوق الذي ~~ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام. { ذلك يوم الوعيد } [ق: 20] أي: ~~الذي توعدناكم به وخوفناكم منه. والوعيد عكس الوعد، الوعيد يكون بشر ~~آت والوعد بالخير. والموت لا يخاف منه إلا صاحب الأعمال السيئة، كامتحان ~~آخر العام لا يخاف منه إلا التلميذ المهمل أما المجتهد فيفرح به. كذلك ~~صاحب الأعمال الصالحة يفرح بلقاء الله، لأنه قادم على الجزاء الأوفى من ~~الله، لذلك حين يموت الرجل الصالح نقول: اللهم ألحقنا به. وقوله سبحانه: ~~{ وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد } [ق: 21] سائق ~~يسوقها إلى أرض المحشر، وشهيد يشهد عليها بما عملت. ### || [50.22] # { لقد كنت في غفلة من هذا.. } [ق: 22] في غفلة ونسيان ~~لهذا اليوم { فكشفنا عنك غطآءك.. } [ق: 22] أي: كشفنا عنك ~~غطاء الغفلة. { فبصرك اليوم حديد } [ق: 22] أي: حاد ونافذ ~~يستطيع أن يدرك الأمور على حقيقتها، أي: أمور الآخرة وما فيها من بعث ~~وحساب وجزاء. ### || [50.23-26] # معنى { قرينه.. } [ق: 23] أي: الملك المقارن والملازم له عن يمينه ~~وعن شماله يسجل عليه كل أعماله وكل نفس من أنفاسه، يأتي ويقول: { ~~هذا ما لدي عتيد } [ق: 23] هذا ما عندي لهذا العبد، وهذا ما ~~سجلته عليه جاهز ومعد. كما نرى مثلا رجل البوليس حينما يقدم تقريرا ~~للنيابة يقدم فيه الأدلة ويقول: هذا ما عندي وقد انتهت مهمتي وعلى ~~النيابة الحكم في المسألة. وقوله تعالى: { ألقيا في جهنم كل ~~كفار عنيد } [ق: 24] هذا أمر من الحق سبحانه ms9492 وتعالى لكل من السائق ~~والشهيد أن يلقيا في جهنم كل كفار شديد الكفر متمكن فيه. والكفر إما ~~كفر للنعمة كما حدث من أهل سبأ، فقال الله فيهم: # ذلك جزيناهم بما كفروا.. # [سبأ: 17] أي: كفروا نعمة الله، أو كفر المنعم سبحانه وهو كفر الألوهية. ~~وكلمة { كفار.. } [ق: 24] صيغة مبالغة من كافر، أي كفر مرة واحدة ~~إنما كفار يعني يتكرر منه الكفر، لذلك وصفه بعدها بأنه { عنيد } [ق: ~~24] أي: عنيد في كفره مصر عليه متماد فيه. والكفر في اللغة هو ~~الستر، وكفر النعمة يأتي على قسيمن: ستر النعمة في مكانها، بمعنى أنهم ~~لم يذهبوا إليها بجهد العمل والسعي والاستنباط، أو أنهم جمعوها وأتوا بها ~~في جيوبهم ثم بخلوا بها على المحتاجين. كذلك كلمة { عنيد } [ق: 24] ~~فيها مبالغة نقول معاند وعنيد، فالعنيد هو الذي يعاند كلما دعوته للحق ~~ويصر على موقفه، ولا شك أن دعوة الرسول للناس بأن يؤمنوا تتكرر ~~دائما، لكن العنيد يعاند ولا يقبلها ولا يهتدي، ويتمادى متمسكا برأيه، ~~لا يقبل حجة ولا يقبل نقاشا. إذن: كفر بالنعمة وكفر بالمنعم. وقوله ~~تعالى: { مناع للخير معتد مريب } [ق: 25] هذا هو ~~الوصف الثالث للكافر العنيد، فبالإضافة إلى شدة كفره، وعناده، هو { ~~مناع للخير.. } [ق: 25] ومناع أيضا صيغة مبالغة من مانع، فهو ~~كثير المنع للخير يمنعه حتى عن نفسه بعد أن منعه عن الآخرين حين وقف في ~~وجه الدعوة للإيمان، وحين منع ماله ولم يعط المحتاجين. ثم هو بعد ذلك كله ~~{ معتد مريب } [ق: 25] فلم يكتف بمنع الخير، بل تعدي على الخير ~~عند غيره فأخذه دون وجه حق، أخذه مرة بالسرقة، ومرة بالرشوة، ومرة بالخطف ~~والغصب، ومرة بالتدليس، ومرة بالغش.. إلخ. فهو إذن معتد بأي وجه من ~~وجوه التعدي، وهو { مريب } [ق: 25] أي: شاك مرتاب في هذا اليوم، ~~ولو كان مؤمنا به وبالحساب والجزاء ما فعل ذلك، لو كان يؤمن بالمقابل ~~لأعطى ولم يمنع. ومن صفاته أيضا { الذي جعل مع الله ~~إلها آخر.. } [ق: 26] الخطأ هنا في القمة في مسألة الإيمان بالله، ~~والله يقول: ms9493 # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء.. # [النساء: 116] لذلك كان الجزاء { فألقياه في العذاب ~~الشديد } [ق: 26]. إذن: عندنا نوعان من العذاب: عذاب مطلق لم يوصف ~~بأنه شديد في قوله تعالى: { ألقيا في جهنم.. } [ق: 24] وهذا ~~لمن عصى الله وارتكب من الكبائر ما دون الشرك بالله. ثم عذاب يوصف بأنه ~~شديد لمن أشرك بالله تعالى، ذلك لأن مرتكب الكبيرة ينطق بلا إله إلا ~~الله، ويمكن أن يتوب لأن كلمة التوحيد لها أثر في حماية النفس حتى في ~~العاصي. أما المشرك فلا ينطق بكلمة التوحيد، وليس لها أثر في نفسه، ولو ~~أدخلنا هذا مع هذا لكانت كلمة التوحيد ليس لها معنى ولا أثر. والمغفرة في ~~قوله: # ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء.. # [النساء: 116] قد تكون المغفرة معجلة له ونهائية وهو حي، وذلك لمن ~~تاب وأناب وبدل عمله السيء بالعمل الصالح. فيدخل تحت قوله تعالى: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات.. # [الفرقان: 70]. وإما أن تؤخر له المغفرة، فيعذب فترة في النار، ثم ~~تتداركه رحمة الله وتشمله بركة لا إله إلا الله، فتخرجه من النار كرامة ~~لكلمة التوحيد. ### || [50.27] # القرين هنا بمعنى الصاحب والملازم له الذي زين له الضلال سواء من الجن ~~أو من الإنس، وهذا القرين يقول معتذرا لنفسه ومدافعا عنها { ربنا ~~مآ أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد } [ق: 27] يريد ~~أن يتبرأ من صاحبه الضال ويتركه في المأزق الذي وقع فيه. والقرآن الكريم ~~شرح لنا في أكثر من موقف هذا الحوار الذي دار بين التابع والمتبوع، ~~ممن سلكوا طريق الضلال، وكيف أن كل طرف منهما يلقي باللائمة على ~~الآخر. يقول تعالى: # وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قالوا ~~إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين * قالوا بل لم ~~تكونوا مؤمنين * وما كان لنا عليكم من سلطان ~~بل كنتم قوما طاغين * فحق علينا قول ربنآ ~~إنا لذآئقون * فأغويناكم إنا كنا غاوين * ~~فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون * إنا كذلك ~~نفعل بالمجرمين # [الصافات: 27-34]. كذلك يتبرأ ms9494 الشيطان ممن اتبعه، فيقول: # وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم ~~وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي ~~عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ~~فلا تلوموني ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ~~ومآ أنتم بمصرخي.. # [إبراهيم: 22] يعني: لا أحد منا يستطيع أن يدافع عن صاحبه. ### || [50.28-29] # الحق سبحانه وتعالى ينهي هذا الحوار وهذه الخصومة بين الضال والمضل، ~~وينهي هذه المعركة ويقول لهما { لا تختصموا لدي.. } [ق: 28] ~~لأن الخصومة لا تنفعكم الآن فلا يلقي كل منكم بالمسئولية على الآخر، ~~فأنا أعلم بكم، أعلم بالذنب وبالمذنب، بالضال والمضل. فلا فائدة إذن من ~~هذه الخصومة { وقد قدمت إليكم بالوعيد } [ق: 28] أي: ~~قدمت لكم الوعيد في الدنيا وبينت لكم المنهج والحلال والحرام، ~~والجزاء عليه في الجنة أو في النار. { ما يبدل القول لدي.. ~~} [ق: 29] يعني: تخاصمكم الآن لن يغير شيئا فيما قضيته، ولن أرجع في ~~كلامي، والمراد قوله تعالى: # ألقيا في جهنم كل كفار عنيد # [ق: 24]. وهذا قطع للعشم والرجاء وتيئيس لهم من رحمة الله { ومآ ~~أنا بظلام للعبيد } [ق: 29] يعني: قضائي حق وعدل تحكمه ~~حكمة لا جبروت وظلم. فهذه المدافعة وهذه المخاصمة بينكم لن تشفع لأحد ~~منكم. وقوله تعالى: { ومآ أنا بظلام للعبيد } [ق: 29] ~~كلمة ظلام صيغة مبالغة من ظالم، فقولنا: فلان ظلام يعني أنه من باب أولى ~~ظالم لكن في النفي، فنفي ظلام لا تنفي ظالم. إذن: فقوله تعالى { ومآ ~~أنا بظلام للعبيد } [ق: 29] نفت ظلام لكن لم تنف ~~ظالم، فهل يعني هذا إثبات صفة ظالم لله تعالى؟ نقول: قد تكون المبالغة في ~~تكرار الحدث، فحين نقول مثلا فلان أكول قد يكون لا يأكل كثيرا، إنما ~~يأكل رغيفا واحدا لكن يأكل عدة مرات في اليوم. كذلك هنا الحق سبحانه لا ~~يتحدث عن واحد، إنما عن الناس جميعا عن العبيد كلهم، وعلى هذا المعنى ~~يكون نفي ظلام نفيا لظالم أيضا. وقد يكون المقصود نفي الحدث نفسه، ~~لأن الظلم قدرة ظالم على مظلوم، إذن: فالظلم يتناسب قوة وضعفا مع قوة ~~الظالم، فلو ms9495 فرضنا أن الحق سبحانه وتعالى يوصف بالظلم، تعالى الله عن ~~ذلك - لكن ظلمه قويا شديدا، فنقول: ظلام لا ظالم. ### || [50.30] # سبق في الآيات قوله تعالى: { ألقيا في جهنم كل كفار ~~عنيد } [ق: 24] وهنا يسأل الحق سبحانه جهنم { هل امتلأت.. } [ق: ~~30] وأيضا سبق الوعد من الله أن يملأ جهنم # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [السجدة: 13]. إذن: لا بد أن يوفيها هذا الوعد، فالسؤال هنا { هل ~~امتلأت.. } [ق: 30] سؤال إقرار، ويأتي الجواب { هل من مزيد } ~~[ق: 30] يعني هي امتلأت، لكن تريد المزيد، فأين تضعهم فيها؟ تذكرون أننا ~~قلنا زمان أن الخالق سبحانه أزلا خلق الجنة لتسع الناس جميعا لو ~~آمنوا، وخلق النار لتسع الناس جميعا إن كفروا، وبذلك تخلوا أماكن ~~المؤمنين في النار، وتخلو أماكن الكافرين في الجنة، فالنار تقول { هل ~~من مزيد } [ق: 30] لتملأ الأماكن الخالية فيها. ### || [50.31] # بعد أن تحدثت الآيات عن جهنم والعياذ بالله تذكر هنا المقابل وهو الجنة ~~{ وأزلفت.. } [ق: 31] أي: قربت من المتقين، لأنهم بشروا بها ~~في الدنيا، وبأن الله تعالى لا يخلف الميعاد. أما الآن ونحن في موقف ~~الآخرة فهي تقرب منهم { غير بعيد } [ق: 31] أي: أزلفت منهم ~~إزلافا غير بعيد. ### || [50.32-33] # قوله تعالى: { هذا.. } [ق: 32] إشارة إلى ما تقدم من تقريب الجنة ~~للمتقين { ما توعدون.. } [ق: 32] أي: وعد الله به { لكل ~~أواب } [ق: 32] أواب صيغة مبالغة نقول: آيب وأواب يعني كثير ~~الأوب والرجوع إلى الله إن حصلت منه معصية، فسرعان ما يندم عليها ~~ويتوب. والحق سبحانه وتعالى شرح لنا هذا المعنى في قوله تعالى: # إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة.. # [النساء: 17] يعني: لا يسعون إليها ولا يرتبون لها. # ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله ~~عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست التوبة ~~للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم ~~الموت قال إني تبت الآن.. # [النساء: 17-18]. والأواب كثير الرجوع إلى الله بالتوبة، لا يعني أنه ~~كثير الخطايا، إنما إن حدثت منه غفلة عن الطاعة سارع بالتوبة، لأن الذي ~~يرجع في توبته من ms9496 الذنب ثم يعود إليه وتتكرر منه هذه، فقد شبهه رسول ~~الله بالمستهزئ بربه، وهذه صفة لا تليق بالأواب. ومعنى: { حفيظ } ~~[ق: 32] هي أيضا صيغة مبالغة من حافظ، والحفيظ هو كثير الحفظ لحدود الله ~~وحرمات الله، يحفظ نفسه من الوقوع في المعصية، بل يحفظ نفسه من الاقتراب ~~منها. وهذا هو معنى الحديث الشريف: # " احفظ الله يحفظك " # وحفظ الله يكون بحفظ حدوده والوقوف عند أوامره ونواهيه. ومن صفات ~~المتقين الذين وعدهم الله هذا الوعد { من خشي الرحمن ~~بالغيب } [ق: 33] الخشية معناها الخوف وهو على نوعين: تخاف وأنت ~~تكره من تخافه وتلعنه لأنه أقوى منك، أو لأنه يذلك ويقهرك، فأنت ~~تخافه وتحتقره، وهذا خوف العباد من العباد. وهناك خوف بحب وهيبة وإجلال ~~على حد قول الشاعر: # أخافك إجلالا وما بك قدرة # علي ولكن ملء عين حبيبها # فأنت تحب من تخافه، وتعلم أن له جميلا عندك، وأنك لا تستطيع أن ~~توفيه حقه، وهذا هو الخوف من الله. ويساعدنا على فهم هذا المعنى قول ~~الله تعالى: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن ~~الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء.. # [فاطر: 27-28]. الحق سبحانه هنا لم يأت بحكم شرعي يلزمنا به أو ~~يخوفنا من التهاون فيه، إنما تحدث عن آيات كونه، أرادنا أن نبحث ~~فيها ونتأملها، وأن ننقب عن أسرارها وما فيها من جمال. فكلما نظرنا في ~~آيات الكون من حولنا ازددنا لله خشية، ومهابة وإجلالا لعظمته ونعمته ~~علينا، والعلماء هم أولى الناس بهذا النظر، وأقرب الناس إلى خشية الله ~~وتقديره حق قدره. # وتأمل هنا الاداء القرآني: { من خشي الرحمن ~~بالغيب.. } [ق: 33] فاختار صفة الرحمة، ولم يقل من خشي القهار أو ~~الجبار، لأن الخشية هنا مغلفة بالحب وبالرحمة والتعظيم والإجلال لله ~~الذي نخافه ونخشاه. ثم قيد هذه الخشية بأنها { بالغيب.. } [ق: 33] ~~يعني: ليست معلنة أمام الناس، فالمؤمن الحق يخشى الله في سره قبل ~~جهره، ms9497 وفي خلوته قبل جلوته، يخافه بينه وبين نفسه. أما ضعيف الإيمان ~~فيخاف الله أمام الناس، وإذا كان في جمع منهم تحدث عن الحلال والحرام، ~~لكن إذا خلا بنفسه انتهك حرمات الله. إذن: فخشيته من الله فيها رياء ~~ويخالطها شرك، لذلك وصف المتقين، ووصف أهل الجنة بأنهم يخشوع الله ~~بالغيب. ومن معاني الغيب أيضا أن المؤمن لما تخوفه عذاب الله وتذكر ~~له النار وهو ما يزال في سعة الدنيا يخاف منها، ويؤمن بوجودها وهو لم ~~يرها، فهذه خشية بالغيب، لأن النار بالنسبة لنا الآن غيب وما صدقنا ~~بوجودها إلا لأن الله أخبرنا بها. والمؤمن يأخذ الخبر عن الله كأنه واقع ~~يراه بعينه، ويلمسه بحواسه، فالخبر من الله أصدق من رؤية العين، وهذه ~~المسألة أوضحناها في قوله تعالى: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل # [الفيل: 1]. فالخطاب هنا لسيدنا رسول الله، وهو لم ير حادثة الفيل، ~~فقد ولد في هذا العام، فلماذا لم يخاطبه بقوله: ألم تعلم وعدل عنها إلى: ~~ألم تر؟ قالوا: لأن الخبر من الله أصدق من رؤية العين، نعم لأن الرؤية قد ~~تخدعك، أما إخبار الله فصدق مطلق. { وجآء بقلب منيب } [ق: ~~33] أي: قلب أخلص لله وصدق في الطاعة، والقلب هو موضع الإيمان، والله ~~تعالى - كما ذكرنا - يريد منا القلب لا القالب، فالقالب يمكن أن تقهره ~~على أن يؤمن، أما القلب فلا يأتي إلا بالحب والطواعية. لذلك جعل الحق ~~سبحانه الإيمان أمرا اختياريا لا إجبار فيه، وإلا لو شاء سبحانه لأجبر ~~الخلق جميعا على أن يؤمنوا به سبحانه، كما أجبر السماوات والأرض، لكن ~~أراد لعباده أن يأتوه طواعية واقتناعا. ### || [50.34-35] # أي: ادخلوا الجنة { بسلام.. } [ق: 34] سلامة خالية من المنغصات، ~~ولا تنتقل إلى غم أو ضيق أبدا بعد ذلك. وهذا القول { ادخلوها ~~بسلام.. } [ق: 34] هو قول الملائكة حين يلقونهم بالسلام. وكذلك ~~يقولها لهم الحق سبحانه في قوله: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58] والذي يلقاه ربه بالسلام فلا شقاء له بعدها أبدا. أو { ~~ادخلوها بسلام.. } [ق: 34] أي: مسلمين على إخوانكم، ms9498 تقولون ~~لهم: السلام عليكم كما كنتم تسلمون عليهم وتحيونهم بها في الدنيا، ~~كذلك في الآخرة تحيون بها مالكا على باب الجنة، وتحيون بها إخوانكم. { ~~ذلك يوم الخلود } [ق: 34] ذلك إشارة إلى يوم القيامة { يوم ~~الخلود } [ق: 34] يوم البقاء والدوام والنعيم الذي لا ينقطع ولا ~~يزول، وهذا هو الفرق بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة. نعيم الدنيا مهما ~~كان يؤرقه على صاحبه أمران: أن يفوت النعيم بالموت، او يفوته النعيم ~~بالفقر أو المرض، أما نعيم الآخرة فسالم من كل المنغصات. وقوله سبحانه: ~~{ لهم ما يشآءون فيها.. } [ق: 35] أي: في الجنة. وقد وقف ~~المستشرقون عند هذه الآية يقولون: كيف يثبت لهم مشيئة فيما يريدونه وقد ~~ورد: # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # والمشيئة تعني أنهم يعرفون ما يريدونه؟ قالوا: يشاء ما كان يعلمه ويتلذذ ~~به من نعيم الدنيا، في حين أن نعيم الآخرة غيره تماما ليس له منه إلا ~~الأسماء، أما حقيقة الشيء فتختلف، لذلك قال بعدها { ولدينا مزيد ~~} [ق: 35]. وقد بين الحق سبحانه هذه المسألة في قوله سبحانه: # وبشر الذين آمنوا وعملوا الصلحت أن لهم ~~جنت تجري من تحتها الأنهر كلما رزقوا منها ~~من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل ~~وأتوا به متشبها.. # [البقرة: 25]. يعني: إذا اشتاقت نفسه مثلا لأن يأكل المانجو يجدها غير ~~ما عرفه في الدنيا، فإن طلبها في اليوم التالي وجدها غير التي أكلها في ~~اليوم الأول وهكذا، فهي متشابهة لكن ليست هي هي. إذن: جعل لهم مشيئة فيما ~~يعرفون من نعيم الدنيا وفيما يشتهونه منها، أما في الآخرة فشيء آخر بدليل # " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". # لأنك إذا اشتهيت شيئا طلبته باسمه، والاسم فرع لمعرفة المعنى، وما دام ~~أنها أشياء غريبة عنا فنحن إذن لا نعرفها ولا نعرف لها اسما. ### || [50.36] # كم هنا خبرية تفيد الكثرة، أي كثيرا ما أهلكنا { قبلهم.. } [ق: ~~36] أي: قبل قومك قريش { من قرن.. } [ق: 36] هم الجماعة ms9499 الذين عاشوا ~~في زمن محدود، وقدروه بمائة عام. وقد يزيد القرن في المعنى عن هذا إذا ~~ارتبط بنبي مثل قوم نوح عليه السلام، فقد اقترنوا جميعا في نبوته التي ~~استمرت ألف سنة إلا خمسين عاما، فالقرن من الاقتران، سواء أكان الاقتران ~~في زمن ملك أو نبي أو حدث. وفي آية أخرى بين الحق سبحانه كيف أهلك ~~الأمم المكذبة بهم قبلهم، فقال سبحانه: # فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه ~~حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من ~~خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا.. # [العنكبوت: 40]. وكل هؤلاء كانوا أشد من قريش قوة وبطشا، وأين هم من ~~إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد؟ وأين هم من فرعون ذي ~~الأوتاد. { فنقبوا في البلاد.. } [ق: 36] تنقلوا فيها وسافروا ~~خلالها، والتنقل دليل القوة والتمكين، وأنهم غير مشغولين بأمور حياتهم. ~~وقد بين الحق سبحانه أن الانتقال والسير في الأرض قد يكون للاعتبار كما ~~جاء في قوله سبحانه # قل سيروا في الأرض فانظروا.. # [النمل: 69] وقد يكون لطلب الرزق والسياحة كما في قوله تعالى: # قل سيروا في الأرض ثم انظروا.. # [الأنعام: 11]. إذن: { فنقبوا في البلاد.. } [ق: 36] ساروا ~~خلالها للمتعة وللانتفاع، حيث لم يكتفوا بما في أوطانهم، بل جابوا ~~أوطانا أخرى، ولا يفعل ذلك إلى القوي، أما الضعيف فلا يبرح مكانه ويرضى ~~بالقليل. وفي موضع آخر قال عنهم # وأثاروا الأرض وعمروهآ أكثر مما عمروها.. # [الروم: 9]. وكلمة نقب تدل على البحث عن غير الظاهر عن المستور في باطن ~~الأرض. إذن: لم يكتفوا بالظاهر من النعم وبحثوا عن المستور منها. وقوله: ~~{ هل من محيص } [ق: 36] أي: ملجأ يلجأون إليه ويحميهم من العذاب، ~~والمعنى أن هؤلاء مع ما هم فيه من القوة والتمكين والسير في جنبات الأرض ~~لما نزل بهم العذاب لم يجدوا لهم ملجأ يحميهم، ولا مأوى يدفع عنهم عذاب ~~الله. وكلمة { محيص } [ق: 36] من حاص فهو حايص. نقولها حتى في ~~العامية يعني: حائر يذهب إلى هنا، ويذهب إلى هناك، فلا يغيثه أحد، فلا ~~مهرب ولا مفر. وجاء بالمعنى ms9500 المراد في صيغة الاستفهام { هل من ~~محيص } [ق: 36] لتجيب أنت وتقر بالواقع، هل وجدوا ملجأ يلجأون إليه ~~من العذاب؟ والجواب لا. وهذه الآية وردت لتسلية سيدنا رسول الله والتخفيف ~~عنه لما يلاقيه من عنت قومه وعنادهم، كأنه تعالى يقول لنبيه: لا تحزن يا ~~محمد وخذ أسوة بإخوانك من الرسل السابقين، فالغلبة لك في نهاية الأمر. ### || [50.37] # قوله تعالى: { إن في ذلك.. } [ق: 37] أي: في قصص الأمم السابقة ~~الذين أخذهم الله { لذكرى.. } [ق: 37] تذكير لكم كان يجب عليكم أن ~~تعتبروا بهم، وقد بلغكم خبرهم، إما بمشاهدة آثارهم وبقايا ديارهم # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138]. وإما بلغكم بسماع خبرهم من الكتب السماوية، والسمع ~~والبصر أهم وسائل الإدراك في الإنسان، لذلك قال هنا { أو ألقى ~~السمع وهو شهيد } [ق: 37] يعني: سمع وشاهد. وقوله سبحانه: { ~~لمن كان له قلب.. } [ق: 37] أي: قلب واع متأمل ومدرك غير لاه ~~ولا غافل، وإلا فما فائدة السمع لمن ليس له هذا القلب، إنه يسمع من هنا ~~ويخرج من هنا، فلا يستفيد بما يسمع. وكلمة { أو ألقى السمع.. } ~~[ق: 37] فيها كناية عن الاهتمام بالمسموع، فلم يقل مثلا لمن يسمع: إنما ~~ألقى أذنه وأنصت ليستمع بحضور قلب ليعي المسموع ويستقبله بما يناسبه من ~~البحث العقلي. { وهو شهيد } [ق: 37] وشهيد صيغة مبالغة على وزن ~~فعيل تدل أيضا على الاهتمام بما يشاهده وعلى الانتفاع به، فهو يسمع ~~ويشاهد بقلب حاضر وفهم واع بعيد عن الغفلة. ثم يقول الحق سبحانه: { ~~ولقد خلقنا السموت والأرض... }. ### || [50.38] # الحق سبحانه وتعالى يبين لنا أنه خلق السماوات والأرض وما فيهن وما ~~بينهما من الآيات الكونية فيما مجموعه ستة أيام { وما مسنا من ~~لغوب } [ق: 38] ما أصابنا من تعب ولا نصب. وهذه الآية لها نظائر في ~~القرآن الكريم دلت على أن أيام الخلق ثمانية أيام، اقرأ: # أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ~~وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين # [فصلت: 9] إذن: معنا الآن يومان. # وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر ~~فيهآ أقواتها ms9501 في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 10] هكذا يكون المجموع ستة أيام # ثم استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين * فقضهن سبع سموت في يومين.. # [فصلت: 11-12]. إذن: المجموع الظاهر ثمانية أيام، وهذا جعل بعض ~~المستشرقين يتهمون الآيات بالتضارب، أهي ستة أيام أم ثمانية. وهذا ~~الاتهام وليد عدم فهمهم لأساليب اللغة ومراميها. فالحق سبحانه تكلم أولا ~~عن خلق الأرض كجرم مستقل، ثم تكلم عن خلق ما يتبع الأرض في تمام ~~أربعة أيام، فالزمن هنا متداخل، واليومان الأولان داخلان في تتمة ~~الأربعة، لأنها في خلق شيء واحد هو الأرض. لذلك بعد أن تحدث عن خلق ~~الأرض قال سبحانه: # في أربعة أيام سوآء للسآئلين # [فصلت: 10] أي: استوت تتمة الأربعة أيام مثل لو قلت: سرنا من القاهرة ~~إلى طنطا في ساعة، وإلى الإسكندرية في ساعتين. إذن: ليس في الآيات تعارض، ~~بل هي منسجمة مع بعضها البعض. ومن القضايا التي أثاروها حول هذه الآية ~~قولهم: إن كان الحق سبحانه ينفذ إرادته ولا يحتاج في الفعل إلى معالجة، ~~فلماذا لم يخلق هذا الكون بكلمة كن، ولا يستغرق الخلق ستة أيام؟ وقلنا ~~في بيان ذلك أن هناك فرقا بين خلق الشيء وبين جعل مقدمات للخلق، ~~ثم يدور الشيء في نفسه ويتفاعل إلى ما يصير إليه. ووضحنا هذا بصناعة علبة ~~الزبادي، حيث نأتي باللبن والخميرة ونخلطهما، ثم نجعل هذا الخليط تحت ~~درجة حرارة معينة، وبعد مدة تتفاعل هذه المكونات وتعطينا الزبادي. إذن: ~~عالجت هذه المسألة في عدة دقائق لكنها تفاعلت في عدة ساعات، حتى صار إلى ~~ما نريد بعد أن وضعنا فيه الأصول والمواد التي تكونه، كذلك في مسألة ~~خلق الكون في ستة أيام طبعا من الأيام التي نعرفها. ومعنى اللغوب هو ~~القصور الذي يأتي بعد التعب من العمل، إذن: النصب والتعب يصاحب العمل، ~~واللغوب قصور واسترخاء بعد الانتهاء، فإذا نفى الأقل فالأكثر من باب ~~أولى لم يحدث. إذن: المراد لم يحدث القصور ولم يحدث التعب، كما جاء في ~~قوله ms9502 تعالى: # لا تأخذه سنة ولا نوم.. # [البقرة: 255] والسنة غفلة تسبق النوم، فنفي السنة يعني نفي ~~النوم من باب أولى. ### || [50.39-40] # الحق سبحانه وتعالى يريد أن يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم بعدما ~~لاقى من إيذاء قومه. يقول له: باشر أمر دعوتك ولا تحزن لما يقولون، ولا ~~تيأس من نصرك عليهم، لأن رسول الله وصحابته لما اشتد بهم الإيذاء ~~استبطأوا النصر. وفي ذلك قال تعالى: # وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه ~~متى نصر الله.. # [البقرة: 214] وهنا يقول له { فاصبر.. } [ق: 39] لأن كل صبر على ~~بلاء وإيذاء بأجر ومنزلة، فكلما ازدادوا في الإيذاء اصبر على أذاهم، فهم ~~يزدادون إثما وأنت تزداد أجرا. وقوله تعالى: { وسبح بحمد ~~ربك.. } [ق: 39] أي: نزه ربك تعالى عن كل نقص، وعن كل ما لا يليق ~~به سبحانه من صفات يتصف بها خلقه، فالله له يد لكن ليست كأيدينا، وله ~~سمع ولكن ليس كسمعنا، فخذ هذه الصفات في إطار # ليس كمثله شيء وهو السميع البصير # [الشورى: 11]. لذلك الحق سبحانه وتعالى استهل خبر الإسراء والمعراج ~~بقوله تعالى: # سبحان الذى أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] أي: نزه الله عن صفات النقص، ونزه الله عن مشابهة ~~خلقه، لأن في القصة خرقا للنواميس التي يعرفها الخلق. إذن: لا ~~تستبعد هذا الحدث لأنه منسوب إلى الله لا إلى البشر، فمحمد لم يقل: ~~سريت بل قال: أسري بي. والسرعة هنا في قطع المسافة تحسب بقوة الفاعل، ~~فأنت تسافر من القاهرة إلى الإسكندرية بالحصان في عشر ساعات، وبالسيارة ~~في ثلاث ساعات، وبالطائرة في نصف ساعة، وبالصاروخ في عدة دقائق. وهكذا ~~تتناسب السرعة مع فاعلها، فكلما ازدادت القوة قل الزمن، فإذا كان صاحب ~~السرعة هو الحق سبحانه وتعالى، فالزمن هنا لا يذكر، وكون رسول الله ~~استغرق في هذه الرحلة ليلة، فهذا لأنه تعرض لمرائي عدة استغرقت هذا ~~الوقت. ومعنى { وسبح بحمد ربك } [ق: 39] أي: سبح ربك ~~تسبيحا مقرونا بالحمد على النعم، لذلك تجد أن لفظ التسبيح يأتي دائما ~~مقرونا بنعمة من نعم الله، وآية لا يستطيعها أحد ms9503 سواه # سبحان الذى أسرى بعبده.. # [الإسراء: 1] # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36]. لذلك رأينا على مر التاريخ الكفار والمشركين والملاحدة ~~يعبدون أصنامهم وآلهتهم ويقدسونها، ومع ذلك لم يقل أحد لمعبوده: سبحانك ~~أبدا لأنها لا تقال إلا لله. كما أن لفظ الجلالة الله لم يسمه أحد ~~رغم وجود الملاحدة ومنكري الألوهية، لكن لم يجرؤ أحد منهم أن يسمي ~~ولده هذا الاسم، لأنه يخاف أن يسمي ولده الله. لذلك قال تعالى: # هل تعلم له سميا # [مريم: 65] إذن: أمران لم يجرؤ أحد عليهما لعظمة الله سبحانه، حتى فيما ~~للخلق فيه اختيار. # كما نفهم من قوله تعالى { وسبح بحمد ربك.. } [ق: 39] أن ~~السبحانية هذه من النعم التي تستوجب الحمد، فكون الحق سبحانه منزه ~~عن الشبيه، منزه عن المثيل، منزه عن الشريك، هذه من أعظم النعم على ~~العباد. فلو أن لله تعالى مثيلا أو شريكا أو نظيرا لفسدت حياتنا، ~~ولشقينا نحن بهذه المثلية، وما هنئ لنا عيش. لذلك يقول تعالى: # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22] وقال: # ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا ~~لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما يصفون # [المؤمنون: 91]. ومعنى { قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ~~* ومن الليل فسبحه وأدبار السجود } [ق: 39-40] ~~يعني: سبحه تسبيحا دائما لا ينقطع، فهذه الأوقات المذكورة تستوعب ~~اليوم والليلة، لأن من الناس من يعمل بالنهار وينام بالليل، ومنهم من ~~يعمل بالليل وينام بالنهار، فهذا انقطع تكليفه بالليل، وهذا انقطع تكليفه ~~بالنهار. وهذه الآية لها نظائر في آيات أخرى لكن لكل منها معنى، يقول ~~تعالى في موضع آخر: # فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل ~~طلوع الشمس وقبل غروبها.. # [طه: 30] فهنا قال: { الغروب } [ق: 39] وهناك قال # غروبها.. # [طه: 30] فقالوا: إذن: ما الفرق بينهما؟ وأيهما أبلغ؟ نقول: كل لفظ ~~منهما بليغ في موضعه، فالشمس حين تغرب، منا من يشاهد آية الغروب، ومنا ~~من لا يشاهده لغيم أو غيره، ms9504 ويحكم بالغروب بشواهد أخرى تدل عليه. لذلك ~~في رمضان مثلا، كثير منا لا يرى غروب الشمس، ومع ذلك يفطر لأن لديه ~~أدلة أخرى على الوقت، إذن: قوله تعالى # وقبل غروبها.. # [طه: 30] لمن شاهد الغروب، وقوله: { وقبل الغروب } [ق: 39] لمن ~~لم يشاهده. كذلك في قوله تعالى: { ومن الليل فسبحه ~~وأدبار السجود } [ق: 40] وقال في موضع آخر: # ومن آنآء الليل فسبح.. # [طه: 30] فالأولى لمن يريد أن يسبح في وقت واحد من الليل ثم ينام، ~~والأخرى لمن أراد أن يسبح ثم ينام، ثم يسبح ثم ينام، يعني مرات ~~متعددة أثناء الليل. ومعنى { وأدبار السجود } [ق: 40] يعني: عقب ~~الصلوات، وقد بين لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيفية ~~التسبيح عقب الصلوات. ### || [50.41-42] # المنادي هنا إسرافيل الملك المكلف بالنفخ في الصور، والمراد بالصيحة ~~النفخة الثانية التي تخرج الناس من القبور للبعث، الحق سبحانه وتعالى ~~يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: { واستمع يوم يناد ~~المناد.. } [ق: 41]. والكلام هنا يأتي بعدما تعرض له رسول الله من ~~الإيذاء بالقول وبالفعل، فكأن ربه عز وجل يواسيه، يقول له: إن كانوا ~~فعلوا ذلك فانتظر هذا اليوم يوم ينادي عليهم المنادي يوم يقفون للحساب ~~والجزاء. واستمع لما يحدث منهم في هذا الموقف، وكيف سيندمون ويتبرأ بعضهم ~~من بعض ويلعن بعضهم بعضا، ويشتم بعضهم بعضا، كما يقولون في المثل ~~الفلاحي بكره نقعد على الحيطة ونسمع الظيطة يعني: انتظر يا محمد وسوف ~~تسمع بهم. وقوله: { من مكان قريب } [ق: 41] أي: أن المنادي سيكون ~~قريبا من كل واحد كأنه ملازمه، وكأن كل واحد منا معه مناديه { يوم ~~يسمعون الصيحة.. } [ق: 42] أي النفخة الثانية { بالحق.. } ~~[ق: 42] الحق الذي كانوا ينكرونه في الدنيا ويكذبون به وهو البعث. وقد ~~حكى القرآن قولهم: # أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد.. # [الرعد: 5] وقوله سبحانه: { ذلك يوم الخروج } [ق: 42] أي: ~~البعث والخروج من القبور، والنفخة الثانية ستكون بعد موت جميع الخلائق ~~بالنفخة الأولى. لذلك كان سيدنا رسول الله دائما يقرأ بسورة ق في ~~العيدين لقوله تعالى فيها { ذلك ms9505 يوم الخروج } [ق: 42] والخروج ~~مستحب في العيدين حتى الحائض تخرج ليس للصلاة، إنما لتشهد الخير وجماعة ~~المسلمين في هذا اليوم. ولذلك سن لنا رسول الله أن تكون صلاة العيدين ~~في الخلاء، لأنها صلاة يحضرها من لا تصح الصلاة منه. كما أن في القراءة ~~بسورة ق في العيدين إشارة إلى أن يوم العيد والخروج والفرحة والزينة ~~ينبغي ألا تنسينا يوم الخروج الأكبر، يوم القيامة. ### || [50.43-44] # بعد أن قال سبحانه # ذلك يوم الخروج # [ق: 42] يقرر هذه الحقيقة ويأتي بالنتيجة، فيقول { إنا نحن ~~نحيي ونميت.. } [ق: 43] ولأن البعض ينكر هذه الحقيقة أكدها ~~سبحانه بتكرار الضمير. { إنا نحن.. } [ق: 43] فهو وحده سبحانه ~~القادر على ذلك { وإلينا المصير } [ق: 43] أي: المرجع والمآب، ~~فالبداية منا والنهاية إلينا. { يوم تشقق الأرض عنهم ~~سراعا.. } [ق: 44] أي: يخرجون منها مسرعين لأنهم يستجيبون للصيحة في ~~وقت واحد فيخرجون مسرعين دون تأخير. { ذلك.. } [ق: 44] إشارة إلى ما ~~يحدث في ذلك اليوم من تشقق الأرض وخروج الناس من قبورهم مسرعين، ~~وجمعهم في مكان واحد للحشر، وهذا الحشر { علينا يسير } [ق: 44]. ### || [50.45] # وما دام أننا أعلم بهم وبما يقولون فدع الجزاء لنا، لأنك إن جازيتهم ~~تجازيهم على قدر قوتك، ونحن نجازيهم على قدر قوتنا، ولن نرحمهم ولن ~~يفلتوا من العقاب، إذن: اترك لنا هذه المسألة فنحن أقدر على تأديبهم. { ~~ومآ أنت عليهم بجبار.. } [ق: 45] فمهمتك البلاغ فلا تتعب ~~نفسك معهم، ولا تكلف نفسك فوق طاقتها، كما عاتب الحق سبحانه قوله: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. ومعنى { ومآ أنت عليهم بجبار.. } [ق: 45] ~~أي: تجبرهم على الإيمان، لأني لو أردت ذلك لأجبرتهم على الإيمان كما ~~أجبرت غيرهم، إنما أنا أريدهم طواعية مختارين. { فذكر ~~بالقرآن.. } [ق: 45] فهذه مهمتك أن تذكر الناس بهذا القرآن. ثم ~~قيد التذكير هنا بقوله: { من يخاف وعيد } [ق: 45] أي: يخاف ~~وعيدي وإنذاري، ولا يخاف الوعيد إلا مؤمن وعنده استعداد وقابلية للتلقي ~~والاستجابة. وسبق أن أوضحنا الفرق بين الفعل والقابل للفعل، فليس كل ~~من يستمع القرآن سواء، فمن الناس من يستمع ms9506 ويثمر فيه السماع فيستجيب، ~~ومنهم من يستمع دون وعي ودون تأمل، فكأنه لم يسمع شيئا. لذلك قال ~~تعالى في وصفهم: # ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من ~~عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا.. # [محمد: 16]. فهذا السماع عمل الجارحة فقط بلا قلب يستقبل ويعي # قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى.. # [فصلت: 44]. إذن: فالقرآن واحد لكن المستقبل مختلف، منهم من يستمع ~~بقلب واع ونفس صافية وذهن خال من الضد ومن العقائد الفاسدة فيتأثر ~~ويستجيب، ومنهم من يستمع بقلب معاند وذهن مشغول بعقائد مخالفة تمنعه من ~~الاستجابة. لذلك قلنا لمن يفاضل بين أمرين: ينبغي أن تخرج الجميع من ~~قلبك، ثم تخلو من نفسك وتفكر وتبحث في الأمرين. قال تعالى: # قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة.. # [سبأ: 46] فالتفكير الجماعي تفكير غير منظم ولا يصل إلى الصواب غالبا. ~~تذكرون أننا قلنا في توضيح اختلاف الأثر للفعل الواحد أنك تنفخ في يدك في ~~الشتاء للتدفئة وتنفخ في الشاي مثلا لتبرده. فالحق سبحانه وتعالى هنا ~~خص بالتذكير { من يخاف وعيد } [ق: 45] لأنه صاحب القلب الواعي ~~والذهن الخالي من المخالف الخالي من الغش ومن الضلال، وهذا هو المستقبل ~~الصحيح للقرآن. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-4] # الواو هنا واو القسم، فهذه أقسام يقسم بها الحق سبحانه، ونحن لا نقسم ~~إلا بالله لأنه لا توجد عند المؤمن عظمة فوق عظمة الله، أما الحق سبحانه ~~فيقسم بما يشاء من مخلوقاته لأنه سبحانه أعلم بأوجه العظمة فيها ومواطن ~~الحكمة في كل قسم منها. فمثلا يقسم سبحانه فيقول # والضحى * والليل إذا سجى # [الضحى: 1-2] فلماذا أقسم سبحانه بالضحى والليل إذا سجى بالذات، ولم ~~يقسم بشيء آخر؟ جاء هذا القسم ردا على كفار مكة عندما فتر الوحي عن ~~رسول الله فرحوا وقالو: إن رب محمد قد قلاه. فالقسم هنا له مغزى ومناسبة، ~~فالضحى محل الحركة والعمل، والليل محل الراحة والسكون، وكل منهما لا ~~يستغني ms9507 عن الآخر. فهنا إشارة إلى الحكمة من فتور الوحي، كأنه يقول لهم: ~~تأملوا في الزمن الذي يشملكم، وكيف أنه ليل للراحة ونهار للعمل، وكل ~~منهما يكمل الآخر. كذلك مسألة الوحي لما نزل على رسول الله بداية الأمر ~~كان شاقا عليه مرهقا له صلى الله عليه وسلم، وقد وصف رسول الله هذه ~~المشقة فقال عن الملك # " " ضمني حتى بلغ مني الجهد " ولما عاد إلى بيته قال: " زملوني ~~زملوني " " دثروني دثروني ". # فكان فتور الوحي عن رسول الله فرصة يستريح فيها من العناء، ويشتاق فيها ~~لمباشرة الملك من جديد، فشبه نزول الوحي أولا بالنهار وفتوره ~~بالليل. هنا الحق سبحانه يقسم بالذاريات، وهي الرياح، والرياح قوة وطاقة ~~ضرورية للحياة في هذا الكون { ذروا } [الذاريات: 1] أي: تذرو الأشياء ~~وتحركها، والذاريات هي التي تحمل بخار الماء إلى مواطن تكون السحاب. ~~فقال بعدها { فالحاملات وقرا } [الذاريات: 2] وهي السحب تحمل ~~الماء وتتجمع حتى تصير ثقيلة، كما قال سبحانه: # ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ~~ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله.. # [النور: 43]. والوقر: الحمل الثقيل، يقول سبحانه: # وينشىء السحاب الثقال # [الرعد: 12] ثم إن هذه السحب بعد أن تتكون لا تقف في مكانها إنما ~~تحركها الرياح. { فالجاريات يسرا } [الذاريات: 3] أي: السحب ~~تجري جريا خفيفا، وتسبح في الفضاء في خفة ونعومة. وقوله: { ~~فالمقسمات أمرا } [الذاريات: 4] أي: التي تقسم هذه السحب، ~~وتسوقها إلى مواطن سقوطها، كما قال سبحانه: # فيصيب به من يشآء ويصرفه عن من يشآء.. # [النور: 43] ثم يأتي جواب هذه الأقسام الأربعة: { إنما ~~توعدون... }. ### || [51.5-6] # أي: ما توعدون من البعث والحساب { لصادق.. } [الذاريات: 5] حق ~~وواقع { وإن الدين لوقع } [الذاريات: 6] الدين يعني يوم ~~الدين، يوم الجزاء على الأعمال { لوقع } [الذاريات: 6] جار وحادث ~~لا شك فيه. لكن ما مناسبة القسم بهذه الأشياء على صدق يوم الدين؟ ~~قالوا: حين تنظر إلى الكون الذي نعيش فيه تجد أن الخالق سبحانه خلق فيه ~~كل شيء وكل المقومات هذه كما هي في كون الله منذ خلقها الله، وهي باقية ~~إلى يوم القيامة، ms9508 بحيث لا يعاد في الخلق إلا الإنسان. خذ مثلا الماء ~~أو الهواء اللذين أقسم الله بهما تجد الماء هو هو منذ خلق الله هذا ~~الكون، لا يزيد ولا ينقص، لأنه يدور في دائرة تعود به إلى الماء الطبيعي ~~الذي خلقه الله. فأنت مثلا تشرب في رحلة الحياة عدة أطنان من الماء ~~مثلا، هل تبقى فيك؟ أبدا إنما تخرج منك على هيئة بول وعرق وخلافه وتعود ~~مرة أخرى إلى مصدرها، وهكذا حتى القدر القليل الذي يتبقى في جسم الإنسان ~~تمتصه الأرض بعد موته ويعود إلى المياة الجوفية. إذن: هنا إشارة إلى أنك ~~تولد وتموت وتعود ونأتي بك مرة أخرى، فخذ من الكون المادي حولك دليلا ~~على إمكانية إعادتك مرة أخرى، خذ المادي المشاهد دليلا على صدق الغيب ~~الذي أخبرك الله به، إذن: لا تستبعد أن الشيء الذي يفنى يعود مرة أخرى. ~~ثم يقول سبحانه: { والسمآء ذات... }. ### || [51.7-9] # هذا قسم آخر يقسم الحق سبحانه بالسماء { ذات الحبك } [الذاريات: ~~7] من مادة حبك نقول مثلا: هذا الشيء محبوك يعني: صنع بدقة لا ~~زيادة فيه ولا نقصان، وهكذا السماء نراها ملساء مستوية ليس فيها شقوق ~~ولا فطور، لأنها خلقت بدقة وإحكام، وقالوا: { ذات الحبك } ~~[الذاريات: 7] أي: الطرق التي تسلكها الكواكب في سيرها. وجواب هذا ~~القسم { إنكم لفي قول مختلف } [الذاريات: 8] والكلام عن ~~كفار مكة المعاندين لرسول الله الذين اختلفت أقوالهم فيه كأن الحق ~~سبحانه يعطيهم إشارة إلى أن القول يجب أن يكون واحدا قصدا لا التواء ~~فيه، كما في خلق السماء خلقا محكما لا اختلاف فيه. كما قال: # والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا في ~~الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ~~الميزان # [الرحمن: 7-9] فالسماء استوت واستقامت لأنها خلقت بميزان الحق، فإن ~~أردتم أن تستقيم أموركم فأقيموها على وفق هذا الميزان، وإلا اختلفتم ~~واختلفت أقوالكم. ومعنى { يؤفك عنه من أفك } [الذاريات: 9] ~~أي: يصرف عنه أي عن رسول الله وعن الإيمان به { من أفك } ~~[الذاريات: 9] صرفته الشياطين عن الإيمان، فمن مهمة الشيطان أن يصرف أهل ~~الحق ms9509 عن الحق، وأن يزين لهم الباطل # وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم ~~ليجدلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون # [الأنعام: 121]. ### || [51.10-14] # معنى { الخراصون } [الذاريات: 10] أي: الكذابون، كما قال في آية ~~أخرى: # إن هم إلا يخرصون # [الزخرف: 20] لكن كيف يقول { قتل.. } [الذاريات: 10] وهم أحياء،؟ ~~قالوا: المراد هنا لعنوا مني وأبعدوا عن رحمتي، والقتل يخرجك من نعيم ~~الدنيا، أما اللعن فيخرجك من رحمة الله في الآخرة ويدخلك في عذابه ~~والعياذ بالله. كأنه سبحانه يقول لهم من تقتلون ومن تلعنون، بل أنتم ~~الذين ستقتلون وتبعثون وتحاسبون، وأنتم الذين ستلعنون وتطردون من ~~رحمة الله. ثم يصفهم سبحانه بقوله: { الذين هم في غمرة ~~ساهون } [الذاريات: 11] يقولون: غمره الماء إذا شمله وأغرقه، فكأن ~~هؤلاء غمرهم الجهل حتى غرقوا فيه فأعماهم، ومعنى { ساهون } [الذاريات: ~~11] غافلون لاهون منصرفون عما يراد منهم. ومثل هؤلاء لا نجاة لهم يوم ~~القيامة، هذا اليوم الذي يكذبون به ويسألون عنه سؤال الشك والاستهزاء ~~{ أيان يوم الدين } [الذاريات: 12] متى هذا اليوم؟ فيبينه ~~الله لهم { يوم هم على النار يفتنون } [الذاريات: 13] يوم ~~الدين الذي تكذبون به هو هذا اليوم الذي ستلقون فيه في جهنم وتذوقون ~~فيه العذاب ألوانا، جزاء استهزائكم وسخريتكم. { ذوقوا فتنتكم.. ~~} [الذاريات: 14] ذوقوا آثار فتنتكم في الدنيا، والنار أيضا تسمى فتنة ~~حين تصهر المعدن مثلا لتنقيه وتخرج شوائبه. فيوم الدين الذي تسألون ~~عنه سؤال استهزاء وإنكار له هو يوم تفتنون على النار وتحرقون بها كما ~~يفتن الذهب والحديد، وإن كان الذهب والحديد يفتن ليخرج منه خبثه وشوائبه ~~فيصير صلبا فأنتم تفتنون على النار لتعذبوا بها وتقاسموا الآلام ~~التي لا تنتهي. { هذا } [الذاريات: 14] أي: عذاب يوم القيامة { ~~الذي كنتم به تستعجلون } [الذاريات: 14] واستعجالهم له ~~نتيجة تكذيبهم به، فلو آمنوا بأنه حق ما استعجلوه. وقد حكى القرآن ~~قولهم: # فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين # [الأحقاف: 22]. إذن: سؤالهم عن يوم الدين { أيان يوم الدين } ~~[الذاريات: 12] استهزاء به وإنكار له، لأنهم يؤمنون بشيء غيبي أخبر الله ~~عنه، مع أنهم أخذوا النعم المادية التي أنعم الله بها عليهم، وخلق بها ms9510 ~~النفع لهم، لكنهم أخذوا النعمة ولم يلتفتوا إلى المنعم، بل اغتروا ~~بالنعمة فقالوا ما قالوا من إنكار واستهزاء. لذلك نجد آيات كثيرة تجادلهم ~~بالحجة وبالبرهان، وتثبت لهم أن القيامة حق، فلما قالوا: # أءذا كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا ~~جديدا # [الإسراء: 49] رد عليهم: # قل كونوا حجارة أو حديدا * أو خلقا مما يكبر ~~في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم ~~أول مرة.. # [الإسراء: 50-51]. فلأنهم استبعدوا إحياء العظام نقلهم نقلة أعلى من ~~العظام، فالعظام لها أصل في الحياة، فيقول لهم: حتى لو كنتم جمادا حجارة ~~أو حديدا مما يتصف بالصلابة ولا صلة له بالحياة، فنحن قادرون على ~~إحيائكم. بعد أن تكلم الحق سبحانه عن المعاندين لرسول الله المكذبين ~~بالقيامة يذكر سبحانه المقابل، وقلنا في ذكر المقابل توضيح للصورة، والضد ~~يظهر حسنه الضد، فيقول سبحانه: { إن المتقين في جنات... ~~}. ### || [51.15-19] # قوله تعالى: { إن المتقين.. } [الذاريات: 15] إن تفيد توكيد ~~الكلام، والمتقين جمع المتقي، والتقوى كما قلنا أن تجعل بينك وبين عذاب ~~الله وقاية، لذلك نجد القرآن يقول مرة: # واتقوا الله.. # [الحشر: 18] ومرة يقول # واتقوا النار.. # [آل عمران: 131]. والمراد: الزموا طاعة الله، وتجنبوا معصيته وأسباب ~~عذابه، لأن لله تعالى صفات جمال وصفات جلال، والتقوى أن تجعل بينك وبين ~~صفات الجلال وقاية من صفات الجلال التي تزجر المخالف وترده عن الشر. فمن ~~صفات الجمال أن خلق لنا ما ننتفع به في الدنيا، ومن ذلك النار # أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم ~~شجرتهآ أم نحن المنشئون # [الواقعة: 71-72]. لكن هذه النار التي تنتفعون بها في الدنيا وتعد نعمة ~~من نعم الله عليكم احذروها في الآخرة، لأنها ستكون أداة تعذيب، ستكون ~~جندا من جند الله لقهر المخالفين، فاتقوها. إذن: المعنى واحد: اتقوا ~~الله، واتقوا النار. وتلاحظ هنا أن { المتقين.. } [الذاريات: 15] ~~في زمان التكليف وهي جمع و { جنات.. } [الذاريات: 15] في زمن الجزاء ~~وهي جمع، وكذلك { وعيون } [الذرايات: 15] فكأن الحق سبحانه وتعالى ~~يقول: إن لكل متق جنة وعينا تجري خلالها، نعم جنة خاصة به، لأن ~~القاعدة إذا قوبل ms9511 الجمع بالجمع اقتضى القسمة آحادا. كما يقول المدرس ~~مثلا للتلاميذ: أخرجوا كتبكم، والمراد أن يخرج كل منهم كتابه، لكن ~~نجد في سورة الرحمن يقول سبحانه: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46]. فكيف نجمع ونوفق بين الآيتين؟ قالوا: لأن سورة الرحمن ~~جاء الخطاب فيها للثقلين الجن والإنس، فالمعنى: ولمن خاف مقام ربه من ~~الإنس أو الجن جنة، جنة للإنس وجنة للجن. أو أن المعنى: له جنتان بالفعل، ~~وسبق أن أوضحنا أن الحق سبحانه خلق الجنة على فرض أن يؤمن جميع البشر، ~~وخلق النار كذلك تكفي للبشر جميعا إن لم يؤمنوا. وقلنا: هناك لا توجد ~~أزمة مساكن، فإذا دخل أهل النار النار فرغت أماكنهم في الجنة فورثها ~~المتقون، فكأنه أخذ جنته وجنة الكافر الذي تركها، وذهب إلى النار. والجنة ~~هي البستان المليء بالأشجار متشابكة الأغصان بحيث تستر من يسير فيها ~~وتجنه، أو أن فيها كل مقومات الحياة بحيث لا يحتاج إلى الخروج منها، ~~كما نقول في كلمة قصر يعني: قصرك في مكانه عن الأمكنة الأخرى، فلا تخرج ~~منه إلى مكان آخر لتلتمس أسباب الحياة.. وقال: { في جنات وعيون ~~} [الذاريات: 15] أي: عيون الماء، لأن الجنات الأصل فيها الخضرة والنماء ~~والثمار، وهكذا الأشياء وليدة وجود الماء، فالعيون في الجنات لاستبقائها ~~ودوامها كجنة. لذلك لما تحدث القرآن الكريم عن أنهار الجنة وتوفير ~~الماء اللازم لها قال مرة # تجري تحتها الأنهار.. # [التوبة: 100] وقال مرة # تجري من تحتها الأنهار.. # [الصف: 12]. فمن هنا تفيد أن الماء ذاتي فيها، حتى لا نظن أن الماء ~~الجاري الذي يمر بها قد ينقطع فيقول لك: اطمئن فماء الجنة مضمون لأنه ~~نابع منها. وقوله سبحانه: { آخذين مآ آتاهم ربهم.. } ~~[الذاريات: 16] يعود السياق هنا إلى الماضي ويحدثنا عن الحيثية، ~~فهؤلاء المتقون نالوا هذا الجزاء، لأنهم أخذوا منهج الله برضا وقبول. { ~~آخذين.. } [الذاريات: 16] جمع آخذ اسم فاعل، وهو الذي يتناول الشيء ~~بعشق ولهفة، ويأخذه برضى وقبول، والإنسان لا يمد يده ليأخذ إلا لشيء ~~فيه نفع له على خلاف شيء يرمى عليك فتأخذه وأنت كاره. فكأن ms9512 هؤلاء سمعوا ~~منهج الله، وعلموا أن فيه قوام حياتهم وصيانة حركتهم ونجاة آخرتهم ~~فأخذوه، أخذوه بلهفة وحب وعشق، أخذوه بقوة كما قال تعالى: # خذوا مآ ءاتينكم بقوة.. # [البقرة: 63]. فالقوة في الأخذ تدل على أن الآخذ يقدر المنفعة الجميلة ~~التي ينالها، ثم إنك أخذت وغيرك ترك، فأحسنت وأساءوا، مع أنك مختار ولك ~~مطلق الحرية تأخذ أو تترك. لقد أحسنت وأنت قادر على الخير وعلى قبول ~~الشر. فكونك تسمع وحي الله وتطيع وتتحمل التكاليف عن رضا وقبول، فأنت ~~أهل لهذا الجزاء. ثم تبين الآيات أن الأخذ هنا أخذ مقيد، لا نأخذ كل ~~شيء وكل ما يأتينا بل نأخذ ما جاءنا من ربنا وخالقنا { آخذين مآ ~~آتاهم ربهم.. } [الذاريات: 16] واختار هنا صفة الربوبية لأنها ~~عطاء، فالرب هو الذي خلق من عدم وأمد من عدم، وأبقى لك مقومات ~~الحياة بقيوميته، نقول: فلان قائم على الأمر يعني: مهتم به لا يتركه ~~لغيره. فالله بحكمته وقدرته خلق، وبقيوميته استدام الخير، لذلك ساعة ~~يأتيك الخير تذكر الربوبية التي منحتك. والربوبية أسبق في حياة الإنسان ~~من الألوهية، لأن الله تعالى أعطاك وأمدك قبل ان تخلق وما كلفك إلا ~~بعد سن البلوغ. وما دمت قد أخذت عطاء الربوبية وتمتعت به فقد وجب ~~عليك أن تأخذ عطاء الألوهية، وكما أخذت العطاء الأول بحب ورغبة وعشق، ~~فعليك أن تأخذ العطاء الآخر أيضا بحب ورغبة وعشق، لا يليق بك أن تأخذ ~~الأول وتترك الثاني وتتنكر له لأنك لو تأملت عطاء الألوهية لوجدته أنفع ~~لك من عطاء الربوبية وأدوم. فعطاء الربوبية الأول أعطاك مقومات الحياة ~~الدنيا وهي موقوتة فانية، أعطاك مقومات القالب الزائل، أما عطاء الألوهية ~~فعطاء يضمن لك الآخرة الباقية ويحيي فيك الروح الباقية التي لا تفنى. ~~إذن: فأيهما أحق بالأخذ؟ لذلك الحق سبحانه وتعالى حينما حدثنا عن هذه ~~المسألة قال سبحانه: # يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري ~~سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير.. # [الأعراف: 26]. فاللباس الذي يواري السوأة يمثل الضروريات والريش للزينة ~~والكماليات، وهذا قصارى ما نأخذه في الدنيا. # ثم ms9513 يلفت الأنظار إلى ما هو أهم # لباس التقوى ذلك خير.. # [الأعراف: 26] خير من نعيم الدنيا وزينتها وزخرفها، لأن هذا زائل وهذا ~~باق دائم، لباس الدنيا يسترك في الدنيا، ولباس التقوى يسترك في الدنيا ~~وفي الآخرة. ولما كان لعطاء الألوهية هذه الأهمية لم يعطه الله إلا لمن ~~آمن به مختارا، فلم يكلف إلا المؤمن، لذلك نقرأ دائما في مجال التكاليف # يآأيها الذين آمنوا.. # [البقرة: 153]. ثم تذكر الآيات صفة أخرى من صفات المتقين { إنهم ~~كانوا قبل ذلك محسنين } [الذاريات: 16] أي: ما استحقوا هذه ~~المنزلة إلا لأنهم { كانوا قبل ذلك محسنين } [الذاريات: ~~16] والإحسان درجة عالية من درجات الإيمان عرفها العلماء فقالوا: ~~الإحسان هو ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". # والإحسان هو الزيادة في الطاعات فوق ما أمرك الله به، لذلك نزلت هذه ~~الآية في مكة قبل أن تفرض الزكاة في مكة، قال تعالى: { وفي ~~أموالهم حق للسآئل والمحروم } [الذرايات: 19] ولم ~~يقل حق معلوم، فالحق المعلوم هو الزكاة وقد فرضت بالمدينة، أما الصدقة ~~فكانت في المرحلة المكية. إذن: معنى الإحسان أنهم ذهبوا إلى مراتب ~~الإحسان قبل أن يكلفوا بها، وهذا يعني أن مراتب الإحسان فطرية ~~وطبيعية، وفي إمكانك ولا تكلفك، وهكذا كل أمور الطاعة والاستقامة تأتي ~~طبيعية لا تكلف فيها على خلاف المعصية. لذلك نقول: إن المستقيم مثلا ~~يوفر ثمن الجلوس على القهاوي وشرب الدخان والقهوة والمخدرات والمسكرات، ~~فالاستقامة من الناحية الاقتصادية أوفر لصاحبها. حتى في عمل الجوارح تأتي ~~الاستقامة طبيعية، أما المعصية فتحتاج إلى تكلف وتلصص واحتيال، لذلك ~~في الاشتقاق اللغوي عبر القرآن عن الطاعة ب كسب وعن المعصية ب اكتسب. ~~فالكسب أمر طبيعي، و كسب على وزن فعل، أما اكتسب ففيها افتعال وهي على ~~وزن افتعل، وهذا الافتعال تراه مثلا فيمن يحتال لينظر إلى ما حرم الله ~~عليه، كيف يتلصص ويسارق الناس النظرات، كذلك تراه فيمن يذهب إلى المسجد ~~ومن يذهب إلى الخمارة وهكذا. وقد عرف العلماء ms9514 درجة الإحسان في ~~العبادة، فقالوا: الإحسان أن تؤدي ما فرضه الله عليك من العبادة، وتزيد ~~عليها من جنس ما فرض الله، فالمؤمن يؤدي الصلوات الخمس والمحسن يؤديها ~~ويزيد عليها ما استطاع من النوافل. المؤمن يؤدب الزكاة بمقدار نصف العشر ~~أو ربع العشر، والمحسن يؤدي فوق ذلك وهكذا. إذن: المحسن هنا له معنيان: ~~أنه أحسن قبل التكليف وبادر بعمل الخيرات قبل أن تفرض عليه، أو أدى ~~ما فرض عليه ثم زاد على ما فرض من جنس ما فرض الله عليه. ثم يصف الحق ~~سبحانه وتعالى المحسنين بقوله: { كانوا قليلا من الليل ما ~~يهجعون } [الذاريات: 17] والهجوع هو: الثبات عن الحركة في الخير ~~وعدم عمل الشر، ونقول للولد المشاغب الذي تزيد حركته: اهجع. # يعني: كف عن الحركة المزعجة. ومن هنا قالوا: نوم الظالم عبادة، نعم ~~عبادة لأنه يكفه عن الظلم، فهؤلاء لهم أن يصلوا العشاء ويناموا ~~بعدها إلى الفجر، لكن حبهم للطاعة جعلهم لا يهجعون من الليل إلا قليلا، ~~ونفي الهجوع نفي للنوم من باب أولى. والإحسان نتيجة لحب العبد ~~لربه، فالله أحسن إليك حين كلفك وحياك بهذا التكليف، فعليك أن ترد ~~التحية بأحسن منها، فإن كلفك بخمس صلوات تجعلها عشرا، وإن كلفك ~~بنصف العشر أو بربع العشر في الزكاة تجعلها أضعاف ذلك، وهكذا في سائر ~~العبادات وأوجه الخيرات. ولما سئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الإحسان قال: # " هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " # والذي تراه يكون حاضرا ليس غيبا، وتصور أنك أجير عند رجل يجلس خلفك ~~يراقبك ويرصد كل تحركاتك، هل تستطيع عنده إذن أن تتهاون في عملك أو ~~تقصر فيه؟ كذلك حال المحسن في عبادته، وقد ورد في الحديث القدسى: # " يا عبادي إن كنتم تعتقدون أني لا أراكم، فالخلل في إيمانكم، وإن ~~كنتم تعتقدون أني أراكم، فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟ ". # وقوله تعالى: { وبالأسحار هم يستغفرون } [الذاريات: 18] ~~الأسحار جمع السحر، وهو آخر الليل وقبل طلوع الفجر، حيث يظهر ضوء بسيط ~~يخيل للإنسان ms9515 أنه ضوء الشمس وهي لم تطلع بعد، ولذلك يسمى ضوءا ~~تخيليا. ومنه كلمة السحر، فالسحر قلب للحقائق بطريق التخيل ولا ~~حقيقة له، ومنه قوله تعالى: # سحروا أعين الناس.. # [الأعراف: 116]. ووقت السحر من أفضل الأوقات للاستغفار، لكن مم ~~يستغفر هؤلاء الذين وصفهم ربهم بالتقوى، وأنهم أخذوا ما آتاهم ربهم، ~~وأنهم نالوا درجة الإحسان، وكانوا قليلا من الليل ما يهجعون؟ إذن: ليس ~~لهم ذنوب يستغفرون الله منها، قالوا: إن لهؤلاء استغفارا يليق بدرجة ~~الإحسان، فهم لا يستغفرون الله من ذنوبهم، بل يستغفرونه للتقصير الذي ~~يظنونه في عباداتهم وأعمالهم وكأنهم استقلوا ما فعلوه ورأوه دون ما ~~يستحق الله تعالى من التقدير والعبادة، وهذا من باب " حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين ". وقوله تعالى: { وفي أموالهم حق ~~للسآئل والمحروم } [الذاريات: 19] نسب إليهم المال، فقال { ~~أموالهم.. } [الذاريات: 19] لأنه يتملكه الآن وإن كان في الحقيقة ~~مال الله، والإنسان مستخلف فيه إلى حين. لذلك قال سبحانه: # وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه.. # [الحديد: 7]. والإنسان خليفة لله في الأرض، وعليه بمقتضى هذه الخلافة ~~أن يطيع أمر من استخلفه بأن يعطي السائل والمحروم من مال الله ~~المستودع عنده، يعطي العاجز غير القادر على العمل والكسب، حتى لو يعطيه ~~شكرا لله الذي منحه القوة ليعمل، في حين أن غيره عاجز محروم من هذه ~~القوة. # والحق سبحانه وتعالى حينما يأمرنا بذلك إنما يؤمن حياة ومستقبل ~~القادر وغير القادر على العمل، لأن الدهر يتقلب بالناس، وأحداث الحياة ~~دائمة التغيير، وربما أصبح القادر اليوم غير قادر غدا، وعندها يجد من ~~يمد إليه يد المساعدة. لذلك قلنا: إن الشارع الحكيم علمنا أن نعمل على ~~قدر الطاقة لا على قدر الحاجة، فحينما تعمل على قدر الطاقة التي وضعها ~~الله فيك فإنك ستأخذ حاجتك وتتصدق على غير القادر أن يعمل، ولو توفر ~~لنا هذا التضامن وهذا التأمين لعاش الإنسان لا يهاب أحداث الحياة ولا ~~يخشى الفقر عليه وعلى ذريته من بعده. وقوله تعالى: { للسآئل ~~والمحروم } [الذاريات: 19] السائل هو المحتاج وتضطره الحاجة لأن ~~يسأل الناس، ومثله المحروم هو أيضا محتاج ms9516 لكنه يتعفف عن المسألة فيحرم ~~وربما يجوع أو يهلك، وهو في هذه الحالة يكون آثما في حق نفسه، لأن ~~الله تعالى شرع له أن يسأل، فهو محروم من التملك أولا، وحرم نفسه ~~ثانيا من السؤال الذي شرع له. ومن هنا حث الإسلام على التعارف وعلى ~~حضور الجماعات التي يتعارف فيها الناس، ويسأل بعضهم عن بعض، ومن خلال هذا ~~التعارف نعرف المحتاج فنساعده ونعرف المريض فنزوره، وهكذا. وأحد الصالحين ~~جاءه سائل فأعطاه حاجته، ثم دخلت عليه زوجته فوجدته باكيا، فقالت له: ~~ما يبكيك وقد أعطيته حاجته؟ فقال: أبكي لأني تركته حتى يسألني. إذن: ~~الواجب أن يصل الحق إلى أصحابه دون سؤال واجب على الغني أن يكفي الفقير ~~مذلة السؤال. ### || [51.20-21] # الأرض هي الأرض التي نعيش عليها وهي مفردة، وفي الحقيقة هى أراضي ~~متعددة، كما قال تعالى: # خلق سبع سموت ومن الأرض مثلهن.. # [الطلاق: 12] فهي إذن سبع أرضين. قالوا: لأن الأرض بيئات متعددة من حيث ~~الطقس حرارة وبرودة، ومن حيث التربة وما تحويه من عناصر وما تخرجه من ~~خيرات. ومن هنا تعددت الأراضي، لذلك العلماء يقولون: هذا حزام القمح ~~مثلا، وهذا حزام الموز، وهذا حزام كذا. فالحق سبحانه أعطى كل أرض ما ~~يصلحها لنبات معين يناسب السكان عليها، والعيب أننا ننقل إنتاج أرض إلى ~~أرض أخرى لا يصلح لها، ولو صلح للسكان هنا لكان موجودا عندهم. لذلك نجد ~~النبات في غير أرضه تصيبه الآفات، فلو نظرنا مثلا إلى حزام الموز تجده ~~في أماكنه قويا لا تصيبه آفة ولا عطب، فإذا نقلته إلى غير أرضه كثرت ~~فيه الآفات وأصابه العطب. كأن الخالق سبحانه يقول لنا: هذا ليس مخلوقا ~~لبيئتك، بل له بيئته التي يجود فيها، حيث تتوفر له مقومات نموه. والآيات ~~جمع آية، وهي العلامة الدالة على قدرة الخالق سبحانه، وأول الآيات في ~~الأرض نلحظها في توزيع رقعة الأرض بين الماء واليابسة، الماء منه عذب ~~فرات، ومنه ملح أجاج. العذب نشرب منه، ونسقي الزرع والدواب، والمالح ~~نأخذ منه الأسماك # ومن كل تأكلون لحما ms9517 طريا وتستخرجون حلية ~~تلبسونها.. # [فاطر: 12]. والأرض فيها الخصب السهل الصالح للزراعة، ومنه الصحاري ~~والجبال، وفي كل منها الخيرات التي تناسبه. ومن الآيات في الأرض أن الماء ~~ثلاثة أرباع اليابسة، والحكمة من ذلك أن تتسع رقعة الماء، وتتسع رقعة ~~البخر التي تعطينا بعد ذلك المطر الذي يكفي للشرب وللزراعة. إذن: الماء ~~المالح هو مخزن الماء في الأرض، وجعله الله مالحا ليحفظه من العطب ~~ويصونه من التغير، يقول تعالى: # وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ~~حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ~~فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات ~~كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون # [الأعراف: 57]. ومن الآيات في الأرض أن مجاري المياة العذبة أعلى مستوى ~~من مجاري المياه المالحة، ولو أن المالح كان أعلى لأفسد المياة العذبة ~~ولما انتفعنا بها، يقول تعالى: # بينهما برزخ لا يبغيان # [الرحمن: 20]. ومن عجائب القدرة في خلق النبات أن تجد أجود أنواع ~~النخيل والتين مثلا على الشواطىء المالحة كما في العريش وغيرها، وهذه من ~~طلاقة القدرة التي لا تخضع للأسباب، إنما تفعل ما تريد، فمن الماء المالح ~~نأكل أشهى وأحلى الثمار. ومن الآيات في الأرض الجبال: # ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها ~~وغرابيب سود # [فاطر: 27] والجبال كما قلنا هي مخازن الخصب، ومخازن القوت، ومخازن ~~للخيرات الكثيرة من المعادن والأحجار الكريمة. # وسبق أن أوضحنا أن الحق سبحانه نثر الخيرات ووزعها على الأرض كلها، ~~بحيث إذا أخذنا من الأرض قطاعا من محيط الأرض إلى مركزها لوجدنا فيه من ~~الخيرات ما يساوي القطاع الآخر، فهذا به معادن، وهذا بترول، وهذا ~~مزروعات، وهكذا. ومن الآيات في الأرض أن تجد التربة واحدة وتسقى بالماء ~~الواحد، ومع ذلك تعطي مختلف الثمار ومختلف الطعوم # وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب ~~وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء ~~واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون # [الرعد: 4]. نعم يعقلون قدرة الله في الخلق، وأن هذه الآيات مخلوقة ~~لقادر حكيم قيوم. وهنا قال { آيات للموقنين ms9518 } [الذاريات: 20] ~~أي: الذين يوقنون بذلك ويؤمنون به، فأعظم درجات العلم هي العلوم الكونية ~~التي تبحث في الكون، وتستدل بآياته على قدرة الله. اقرأ مثلا: # ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا ~~به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن ~~الناس والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك ~~إنما يخشى الله من عباده العلماء.. # [فاطر: 27-28]. لاحظ أنه تعالى لم يذكر هنا حكما شرعيا يتعلق بصوم ولا ~~صلاة ولا زكاة، إذن: المراد بالعلماء هنا علماء الطبيعة والكونيات الذين ~~يبحثون فب النبات والحيوان والإنسان والجماد، ويستدلون بالقدرة على ~~القادر سبحانه، ويأخذون بأيدي الخلق إلى ساحة الإيمان بالخالق، وهذه ~~حقيقة تنفعهم في الدنيا وفي الآخرة. والمتأمل لقوله تعالى: { وفي ~~الأرض آيات للموقنين } [الذاريات: 20] يفهم منه أن الإنسان ~~إذا نظر في الكون من حوله ويستدل منه على وجود الخالق سبحانه، لذلك أوقع ~~الكافرين في الفخ عندما سألهم: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # [الزخرف: 87] # ولئن سألتهم من خلق السموت والأرض ~~ليقولن الله.. # [الزمر: 38]. نعم لم يقولوا غير ذلك لأنها مسألة واضحة وضوح الشمس ولم ~~يدعها أحد لنفسه، وكيف يدعيها وقد خلق رضيعا لا يقدر على شيء فكيف ~~يقول: خلقت نفسي، وقد طرأ على الكون كما هو فكيف يدعي أنه خلقه؟ وقوله ~~تعالى: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } [الذاريات: 21] أي: ~~كما أن في الأرض آيات كونية دالة على قدرة الله، كذلك في أنفسكم آيات، ~~فإذا لم تصل إلى آيات الكون من حولك فانظر في نفسك التي بين جنبيك. وقال ~~تعالى: { أفلا تبصرون } [الذاريات: 21] لأن آيات الكون من حولك ~~إن بعدت عليك فإن آيات نفسك قريبة منك، وأولى بالنظر والتأمل. ~~والآيات في النفس كثيرة خذ مثلا درجة حرارة الجسم تجدها واحدة هي 37 ~~لمن يعيش عند القطب المتجمد، ولمن يعيش عند خط الاستواء، ولا تستقيم ~~حركة الأعضاء والجوارح إلا عند هذه الدرجة، ولو زادت لاختل نظام الجسم ~~كله واضطربت حركته. # أما في داخل الجسم فكل جهاز من أجهزته له درجة حرارة ms9519 تناسبه دون أن ~~يحدث استطراق حراري في الجسم الواحد كما نعلم، فإذا كانت الحرارة العامة ~~في الجسم 37 فإن حرارة العين مثلا تقف عند تسع درجات لا تزيد عنها، ~~ولو زادت عن ذلك لانفقأت العين. أما الكبد فلا يؤدي دروه في الجسم إلا ~~عند أربعين درجة، والعجيب أن هذا التفاوت داخل جلد واحد وجسم واحد، ~~فتبارك الله أحسن الخالقين. كذلك لو تأملت الدم الذي يجري في العروق، ~~التنفس، القلب، المخ، العظام كل شيء في جسمك فيه آية، بل آيات حين ~~تتأملها تقول: سبحان الخالق المبدع، سبحانه من له طلاقة القدرة. إذن: ~~لا حجة لمن لم يؤمن بعد ما رآه من الآيات في نفسه وفي الكون من حوله. ### || [51.22] # هذا الأسلوب يسمى في البلاغة أسلوب قصر، بتقديم الجار والمجرور على ~~المبتدأ، فالرزق في السماء فقط لا في غيرها، الرزق يأتيك من أعلى من ~~الله، والرزق كل ما ينتفع به، فالمال رزق، والصحة والعافية رزق، والعقل ~~رزق، والأمن رزق. ومعنى أن الرزق في السماء. أي: أنه أمر وتقدير أزلي ~~مكتوب في اللوح المحفوظ، فإن أردت الحياة المادية التي نعيشها، فهي ~~أيضا مصدرها الماء النازل من السماء، لأنه قوام الحياة ومصدر القوت. { ~~وما توعدون } [الذاريات: 22] أي في السماء أيضا، فكل شيء مقدور ~~ومكتوب في اللوح المحفوظ، كل صغير وكبيرة، وشاردة وواردة، يقول تعالى: # وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ~~ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتب ~~مبين # [الأنعام: 59]. إذن: ما دامت الأرزاق مقسمة عند الله، وما دام كل شيء ~~مكتوبا أزلا، فأجملوا في الطلب، ولا تنشغلوا بمسألة الرزق، إلا أن ~~تذهب إليه وأن تسعى في طلبه، فأنت لا تخلقه ولكن تذهب إليه كما قال ~~سبحانه: # فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه.. # [الملك: 15]. فالمشي والسعي سبب للرزق المقسوم لك أزلا، وهذا الدرس ~~تعلمناه من السيدة هاجر أم إسماعيل لما تركها سيدنا إبراهيم هي وولدها ~~عند الكعبة وانصرف فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لن ~~يضيعنا. فهي واثقة ms9520 أن الرزق عند الله، وما كان سعيها سبعة أشواط بين ~~الصفا والمروة إلا نموذجا للسعي، فكأن الحق سبحانه أراد أن يجعلها ~~شاهدا على صدق هذه الآية، فلما استنفدت السيدة هاجر أسبابها في السعي ~~عادت إلى وليدها مطمئنة بقولها: إن الله لن يضيعنا. وعندها ضرب الوليد ~~الأرض برجله فتفجرت من تحتها زمزم، وبعد ذلك جعلها الله لنا مشعرا من ~~مشاعر الحج والعمرة ليذكرنا دائما بهذه الحقيقة، وهي أن الرزق عند ~~الله، لكن السعي إليه مطلوب، والحركة في اتجاهه سبب من أسبابه. ### || [51.23] # حكى الأصمعي أنه قابل يوما أعرابيا، فسأله الأعرابي: من أين؟ فقال: من ~~أصمع، قال: من أين أتيت؟ قال: من المسجد، قال: وماذا تصنعون فيه؟ قال: ~~نقرأ قرآن الله، قال: فاقرأ علي. فقرأت عليه سورة الذاريات حتى وصلت ~~إلى قوله تعالى: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون # [الذاريات: 22] فأتى بأدوات الصيد التي كانت معه فكسرها، وقال: ما دام ~~رزقي في السماء والله لا يكذب. قال الأصمعي: فخرجت مع هارون الرشيد ~~للحج، فلقيت هذا الأعرابي لكنه كان هذه المرة نحيفا مصفر اللون ~~فقلت له: ألست فلانا؟ قال: ألست الأصمعي؟ قلت: نعم ما الذي صيرك ~~إلى هذا؟ فقال: اقرأ علي ما قرأته سابقا فقرأت عليه إلى قوله تعالى: ~~{ فورب السمآء والأرض إنه لحق مثل مآ ~~أنكم تنطقون } [الذاريات: 23] فتعجب وقال: ومن أغضب الجليل ~~حتى ألجأه أن يقسم. وظل يرددها، فما انتهى من الثالثة حتى فاضت روحه ~~معها. وحكيت مرة أنني كنت أحج أنا والشيخ أحمد أبو شقرة، فعن لنا أن ~~نصعد إلى غار حراء، فقال لي: نريد دليلا يرشدنا فقلت له: نحن نعرف ~~الطريق وسرنا، لكن وجدنا أنهم كسروا الطريق المؤدية إلى الغار فضللنا. ~~ثم تنحى صاحبي عني جانبا ليبول، وفجأة قال لي: انظر يا شيخ. فنظرت. ~~فإذا بحشرة أتت وأخذت تشرب من بوله، فقلت: سبحان الله وكأننا ضللنا ~~الطريق لنسقي هذه الحشرة، ثم مر بنا رجل عرف أننا ضللنا الطريق ~~فأرشدنا. الحق سبحانه وتعالى هنا يقسم بذاته سبحانه، وربوبيته للسماء ~~والأرض، لأن ms9521 السماء ينزل منها المطر، والأرض تستقبل هذا المطر، وتنبت به ~~النبات الذي به قوام المعيشة والحياة. وقوله: { إنه لحق.. } ~~[الذاريات: 23] أي قوله تعالى: # وفي السمآء رزقكم وما توعدون # [الذاريات: 22] هذا قول حق لا شك فيه، لأنه تقدير أزلي سجل في ~~اللوح المحفوظ. ثم يعطينا مثالا يجسم لنا هذه المسألة، فيقول { ~~مثل مآ أنكم تنطقون } [الذاريات: 23] فكما تدرك أنك تتكلم، ~~وكما أنك متأكد من هذه الحقيقة ولا تشك فيها لأنك تباشرها بنفسك، فكذلك ~~لا تشك في مسألة الرزق، وأنه من عند الله وثق بهذا الخبر، لأن الذي ~~أخبرك به صادق. ### || [51.24-25] # هذا إخبار من الله تعالى عن سيدنا إبراهيم عليه السلام، ولأنه خبر هام ~~وعجيب بدأه الحق سبحانه بهذا الاستفهام { هل أتاك.. } [الذاريات: ~~24] وهل تلازم دائما الشيء العجيب الذي يستحق أن نلتفت إليه. ويشوقنا ~~الحق سبحانه إلى معرفته، كما في قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ~~تنجيكم من عذاب أليم # [الصف: 10] يشوقنا لنقول: نعم يا رب دلنا. ولأن قصة ضيف سيدنا ~~إبراهيم قصة عجيبة قال الله عنها { هل أتاك حديث.. } [الذاريات: ~~24] أي نبأ { ضيف إبراهيم المكرمين } [الذاريات: 24]. ~~وسيدنا إبراهيم أبو الأنبياء كرمه الله بقوله: # إن إبراهيم كان أمة.. # [النحل: 120] لأن فيه من الفضائل ومن خصال الخير ما يوجد في أمة ~~بأكملها، لأن الله تعالى وزع الفضائل على الخلق جميعا، فأنت لك فضيلة، ~~وغيرك له فضيلة ثانية وثالثة وهكذا. هذا ليتكاتف الخلق ويتعاون الناس، ~~وإلا لاستغنى بعضنا عن بعض ولحدث التفكك في المجتمع، لذلك تجد العاقل لا ~~يحتقر أحدا مهما رأى نفسه أفضل منه لأنه يعلم ميزان المساواة بين ~~الخلق في هذه الفضائل، فيقول في نفسه: إن كنت أفضل منه في شيء فلا ~~بد أنه أفضل مني في شيء آخر. وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # " إن الله أخفى ثلاثا في ثلاث: أخفى رضاه في طاعته، فلا تحتقرن طاعة ~~مهما قلت، فإن الله قد غفر لرجل لأنه سقى كلبا يأكل الثرى من العطش. ~~وأخفى غضبه في معصيته ms9522 فلا تحقرن معصية مهما صغرت، فإن الله تعالى ~~أدخل امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي ~~تركتها تأكل من خشاش الأرض، وأخفى أسراره في خلقه فلا تحقرن عبدا ما ". # والإمام علي رضي الله عنه يقول: عندما ترى من هو أدنى منك في شيء ~~فتحسر، لأنك لا تعرف الفضيلة التي فضل بها عليك، ولا بد للخلق ~~أن يعي هذه الحقيقة لأنهم أمام الله سواسية، والله تعالى لم يلد ولم ~~يولد، وخلقه عنده سواء، لا يتفاضلون إلا بالتقوى والعمل الصالح. كلمة { ~~حديث.. } [الذاريات: 24] يعني الخبر المتداول، وفيه حقيقة أو حكمة، ~~لذلك يتداوله الناس ويهتمون به { ضيف إبراهيم.. } [الذاريات: ~~24] جاءت كلمة ضيف مفردة مع أنهم كانوا جمعا من الملائكة، فلم يقل ضيوف ~~ولا أضياف، إنما اختار اللفظ المفرد، فقال: ضيف. قالوا: لأن ضيف تطلق ~~على المفرد والمثنى والجمع ممن استدعيته إلى بيتك أو جاءك فصار ضيفا ~~عليك، والمستضيف ينبغي أن يعامل الأضياف جميعا معاملة واحدة ويستقبلهم ~~بوجه واحد لا يفضل أحدا على أحد، ولا يحتفي بأحد دون الآخر. فكأنهم ~~عنده شخص واحد لا يميز أحدا، لا في مجلسه ولا في نظره إليهم، لذلك عبر ~~القرآن عنهم بصيغة المفرد، فهم في حكم الرجل الواحد. # وقد علمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الدرس، فقد روي عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه كان يسوي بين جلسائه حتى في نظره إليهم حتى ~~ليظن كل منهم أنه لا يوجد في المجلس غيره. وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة ~~تستخدم المفرد وتريد به الجماعة، ذلك حينما يكون توجههم واحدا وهدفهم ~~واحدا، وحينما يجتمعون على أمر الله، وأمر الله دائما واحد لا اختلاف ~~فيه، والجماعة حينئذ في حكم الواحد. اقرأ هذا مثلا في قوله تعالى في قصة ~~سيدنا موسى وسيدنا هارون # فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين # [الشعراء: 16]. إذن: ضيف يعني أضياف، ومعنى { المكرمين } ~~[الذاريات: 24] جمع مكرم، وهو الذي يقع عليه الكرم من غيره، والفاعل ~~مكرم والمفعول مكرم، فوصف الملائكة بأنهم مكرمون فمن ms9523 أكرمهم؟ ~~قالوا: لها معنيان: أكرمهم الله تعالى كما قال سبحانه: # وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون # [الأنبياء: 26-27]. أو مكرمون أكرمهم سيدنا إبراهيم حينما أعد لهم ~~طعاما وباشر خدمتهم بنفسه لا بعبيده، وجعل امرأته تشاركه في خدمتهم، مع ~~أن المرأة مستورة وأكرمهم بأن بادرهم بالتحية. ثم إنه لم يقدم لهم الطعام ~~الحاضر، إنما أكرمهم وذبح لهم عجلا مرة وصفه بأنه سمين، ومرة وصفه بأنه ~~حنيذ وهذا كمال في الوصف، فهو سمين في ذاته. أي: ليس هزيلا في تكوينه. ~~وهو حنيذ، والحنيذ هو أفضل أنواع الشواء عندهم، فهو من حيث طريقة طهيه ~~حنيذ مشوي، وهذا منتهى الإكرام. وقوله: { إذ دخلوا عليه.. } ~~[الذاريات: 25] أي: الملائكة في صورة بشر { فقالوا سلاما.. } ~~[الذاريات: 25] فرد عليهم { سلام قوم منكرون } [الذاريات: ~~25] أي: غير معروفين لنا، ويقال: إنه قالها في نفسه ولم يجهر بها. ونلاحظ ~~هنا فرقا بين سلام الملائكة ورد السلام من سيدنا إبراهيم، لأنهم ~~حيوه بقولهم { سلاما.. } [الذاريات: 25] هكذا بالنصب فرد عليهم { ~~سلام.. } [الذاريات: 25] بالرفع، هم بادروه بالسلام، لأن القادم قد ~~يخشى المقدوم عليه منه، فبادروه بالسلام ليأمن جانبهم. وكلمة { ~~سلاما.. } [الذاريات: 25] بالنصب دلت على أنها مفعول لفعل مقدر ~~أي: نسلم عليك سلاما، والجملة الفعلية تدل دائما على حدث سيحدث، وهو ~~الأمر الذي جاءوا من أجله. أما رد السلام فكان بالرفع { سلام.. } ~~[الذاريات: 25] أي: سلام عليكم، فهي جملة اسمية، والجملة الاسمية تدل ~~على الثبوت، وهو حال المستقبل سيدنا إبراهيم. ### || [51.26-27] # معنى { فراغ إلى أهله.. } [الذاريات: 26] أي: ذهب خفية من ~~الضيوف إلى امرأته، لأن العادة ساعة يدخل الضيف يقوم المضيف ليعد له ما ~~يكرمه به، فيقول له الضيف: اجلس والله ما أنت قايم، لذلك تسلل سيدنا ~~إبراهيم خفية من أضيافه ليعد لهم الطعام دون أن يشعروا به، ودون ~~أن يقولوا له اجلس لا نريد شيئا. فلما جاءهم بالعجل السمين المشوي ~~قربه إليهم وقدمه أمامهم ليأكلوا، فرأى أنهم لا يقبلون على الطعام ~~كعادة الناس، قال لهم { ألا تأكلون } [الذاريات: ms9524 27] يحثهم على ~~الأكل، لكنهم لم يأكلوا ولم تمتد أيديهم إلى الطعام فأحس بالخوف ~~منهم: { فأوجس منهم خيفة... }. ### || [51.28-30] # لما بدت على إبراهيم علامات الخوف بادرته الملائكة تطمئنه { لا ~~تخف.. } [الذاريات: 28] ثم بشروه بغلام عليم هو سيدنا إسحاق، ووصفه ~~بأنه عليم يعني يبلغ في العلم مبلغا، لكن كيف ذلك وسيدنا إبراهيم رجل ~~عجوز وامرأته سارة عقيم لا تلد. { فأقبلت امرأته في ~~صرة.. } [الذاريات: 29] في ضجة وصيحة شديدة { فصكت وجهها.. ~~} [الذاريات: 29] لطمته متعجبة من هذه البشرى { وقالت عجوز ~~عقيم } [الذاريات: 29] يعني: كيف ألد وأنا عجوز عقيم. إذن: قاست ~~المسألة بمقياس الأسباب البشرية، فالأسباب البشرية تقول أنها مستحيل أن ~~تلد، لكن لله تعالى مقياسا آخر، ولقدرة الله كلام آخر نطقت به ملائكة ~~الله. { قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم ~~العليم } [الذاريات: 30] كلمة { كذلك قال ربك.. } ~~[الذاريات: 30] يعني: ما دام قد قال سبحانه فهو أمر واقع لا شك فيه، ~~لأن قدرة الله فوق الأسباب. وهذا التعجب من السيدة سارة لما بشرت ~~بإسحاق، رأيناه من السيدة مريم لما بشرت بعيسى عليه السلام # قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر ~~قال كذلك الله يخلق ما يشآء.. # [آل عمران: 47]. وقوله تعالى: { إنه هو الحكيم العليم } ~~[الذاريات: 30] الحكيم الذي يضع الشيء في موضعه، والعليم هو الذي يحيط ~~علمه بكل شيء، ويعلم أنه إذا أمر بشيء أطاعه ولم يمتنع عليه. ### || [51.31-34] # { قال.. } [الذاريات: 31] أي: سيدنا إبراهيم عليه السلام للقوم الذين ~~دخلوا عليه { فما خطبكم.. } [الذاريات: 31] يعني: ما شأنكم؟ وما ~~حكايتكم؟ وما الأمر الخطير الذي جئتم من أجله؟ كلمة الخطب تدل على الأمر ~~الخطير وحدث هام أراد أن يعرف ما هو وهل هو متعلق به أم بغيره؟ وهذا ~~الكلمة جاءت بهذا المعنى أيضا في قوله تعالى في قصة سيدنا يوسف: # قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه.. # [يوسف: 51] أي: الأمر العجيب الذي حملكن على هذا الفعل. وقالها سيدنا ~~موسى لما رأى ابنتي سيدنا شعيب قد خرجتا لسقي الغنم # قال ما خطبكما.. # [القصص: 23] أي: ما الذي ألجأكن ms9525 للخروج، فكأنه أمر عجيب غير عادي. ~~إذن: هذه الكلمة وضعت للأمر الخطير الذي يدعو إلى الدهشة والتعجب. ~~فرد الملائكة { قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم ~~مجرمين } [الذاريات: 32] وهنا اطمأن سيدنا إبراهيم، وعرف أن الأمر ~~لا يتعلق به، والقوم المجرمون في هذا الوقت هم قوم لوط، ثم بينوا ~~مهمتهم { لنرسل عليهم حجارة من طين } [الذاريات: 33]. ~~ومفهوم أن الحجارة تختلف عن الطين، الحجارة فيها صلابة وقساوة تختلف قوة ~~وصلابة حسب نوع الحجر بداية من المرمر، ثم الجرانيت والرخام والجير. فكيف ~~تكون الحجارة من طين، وهما وصفان في الظاهر متناقضان؟ قالوا: هو طين ~~أحمي عليه في النار حتى صار صلبا قاسيا، كما نفعل مثلا في صناعة ~~الفخار. ومعنى { مسومة عند ربك للمسرفين } ~~[الذاريات: 34] أي: معلمة، فكل حجر منها يحمل اسم صاحبه وعنوانه، ~~فهو مخصص له لا لغيره وموجه إليه لا يخطئه. وقوله { عند ربك.. ~~} [الذاريات: 34] دل على أنها نزلت من السماء وليست من حجارة الأرض، ~~وأنها معلمة من عند الله جاءت هكذا جاهزة، ونحن مهمتنا أن نرميهم بها ~~بأسماء أصحابها، فلا يختلط حجر بحجر. ومعنى { للمسرفين } ~~[الذاريات: 34] المسرف هو الذي تجاوز الحد في المعصية فكأن هناك حدودا ~~للأمور، وحدودا للحلال وحدودا للحرام، وقد بينها الحق سبحانه، ~~وعلمنا كيف نقف عند هذه الحدود، فقال تعالى في الحلال # تلك حدود الله فلا تعتدوها.. # [البقرة: 229]. وقال في الحرام # تلك حدود الله فلا تقربوها.. # [البقرة: 187] أي: قف عند حدود الحلال لا تتجاوزه إلى غيره، أما ~~الحرام فإياك أن تقربه. احذر مجرد الاقتراب منه، لأنك لو اقتربت منه ~~توشك أن تقع فيه فهي حماية لك. كما قال سبحانه لآدم # ولا تقربا هذه الشجرة.. # [البقرة: 35] وقال # ولا تقربوا الزنى.. # [الإسراء: 32] ففي الحرام لا يمنعنا من الفعل، بل يمنعنا من الاقتراب من ~~أسبابه. ففي أي شيء أسرف هؤلاء المجرمون المسرفون؟ أسرفوا في فعل ~~محرم يناقض الطبيعة النقية التي خلقها الله لأن الله تعالى لما أراد ~~أن يجعل خليفة في الأرض خلق آدم وخلق معه زوجه ليتم التكاثر، وتأتي ~~القبائل التي تعمر ms9526 الأرض، لأن عمارتها لا تقوم بواحد أو اثنين إنما تحتاج ~~إلى جمهرة من الناس. # ثم جعل التكاثر أيضا في كل شيء يريد له النمو والاستمرار ليخدم هذا ~~الخليفة # ومن كل شيء خلقنا زوجين.. # [الذاريات: 49]. فإذا كان الإنسان سيتكاثر فلا بد أن تكبر رقعة ~~الأرض التي يعيش عليها ويتكاثر النبات الذي يعيش عليه، قال تعالى: # وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء.. # [النساء: 1] إذن: نحتاج إلى زرع يتناسب وهذه الزيادة. والمتأمل في مسألة ~~التكاثر هذه في النبات وفي الإنسان يجدها بحسب أهمية الشيء ومدى ~~الاستفادة منه والانتفاع به. قلنا مثلا: حينما تزرع الفجل يمكن أن تأكل ~~منه بعد عشرة أيام، والخيار بعد أربعين يوما. والتمر بعد أربعة أعوام. ~~فكل شيء قبل أن يعطيك يأخذ منك على قدر أهميته، فإن أردت الإنسان فإنه ~~ولا شك يحتاج إلى كثير من الجهود والتبعات، لذلك ربطه الخالق سبحانه في ~~مسألة التكاثر بلذة جامحة تفوق كل لذة أخرى يشعر بها الإنسان في كل ~~جوارحه تفوق لذة العين حين ترى، والأذن حين تسمع، واللسان حينما يتذوق، ~~والأنف حينما يشم، واليد حينما تلمس، لأن الجوارح لكل منها مهمته ووجهته. ~~أما لذة الجنس فهي تستغرق الجوارح كلها، ولولا أن الخالق سبحانه ربط ~~التكاثر بهذه اللذة ما أقبل أحد عليه ولا تحمل تبعاته. ولك أن تتصور ~~الفرق بين تربية طفل وتربية حمل أو عجل مثلا، الحمل يقوم ويمشي خلف ~~أمه بعد عدة دقائق من ولادته، والطفل يمشي بعد عام ونصف العام. ومشيه ~~يأتي على مراحل، فبعد عدة شهور يستطيع أن يجلس، وبعد عدة شهور أخرى يحبو ~~ثم يقف ثم يمشي. لذلك نرى طفولة الإنسان أطول طفولة في المخلوقات كلها، ~~ومن هنا ربط الخالق سبحانه عملية التكاثر في الإنسان بهذه اللذة الجارفة ~~التي لا يستطيع الإنسان مقاومتها لتكون حافزا له على التكاثر، وإلا ما ~~أقبل على تحمل هذه المسئولية وهذه المعاناة. ومن هنا أيضا اهتم ~~الإسلام بتكوين الأسرة، ووضع لها من الضوابط ما يكفل لها النجاح، فهذه ~~الغريزة لا تأتي هكذا كما في ms9527 الحيوانات، إنما جعل لها قواعد لاختيار ~~الزوجة الصالحة، وحث على اختيار ذات الدين، وجعل فترة للخطوبة ~~ليتعرف كل طرف على الآخر. وأباح لكل منهما أن ينظر إلى الآخر ليختار ~~كل من الزوجين ما يناسبه ويرضى ذوقه ورغبته في الجنس الآخر، ثم شرع ~~المهر وعقد القرآن، كل ذلك لتكون نواة الأسرة قوية متينة، معدة ~~لاستقبال الحياة بكل ما فيها من تبعات ومسئوليات. والجريمة التي ~~ارتكبها هؤلاء القوم واستحقوا بها ما حاق بهم من ألوان العذاب أنهم صرفوا ~~هذه الغريزة التي جعلها الله في الإنسان عن وجهها الحلال إلى وجه آخر ~~محرم لا فائدة منه ولا ثمرة له. # وجه ينافي الفطرة السليمة والأذواق المستقيمة، فكانوا يأتون الذكران بدل ~~أن يأتوا النساء كما أحل الله، ومعلوم أن الإتيان مقصور على مكان الحرث ~~والاستنبات. # فأتوا حرثكم أنى شئتم.. # [البقرة: 223]. إذن: فعلتهم هذه كانت إسرافا منهم على أنفسهم، ومجاوزة ~~للحد الذي شرعه الله، والإتيان في غير المحل يستوي فيه إتيان الرجل ~~وإتيان المرأة فكله محرم. ولما كان هذا الفعل زنا يستحق الرجم رجمهم الله ~~لا بحجارة من الأرض، إنما بحجارة من السماء تنزل على كل واحد منهم ~~باسمه تخصه دون غيره، بحيث لم تبق منهم أحدا وأبادتهم عن بكرة ~~أبيهم. ### || [51.35-37] # أي: قبل أن ينزل بهم العذاب أخرجنا من كان في القرية من المؤمنين، ~~والمعنى: ما قلنا لهم اخرجوا، إنما هيأنا لهم سبيل الخروج بخواطر قذفناها ~~في نفوسهم، فخرجوا ولم يصبهم العذاب. { فما وجدنا فيها.. } ~~[الذاريات: 36] أي: في القرية { غير بيت من المسلمين } ~~[الذاريات: 36] إذن: تكلم أولا عن المؤمنين ثم عن المسلمين، ومعلوم أن ~~الإيمان أعم من الإسلام، فالإيمان أمر عقدي، والإسلام أمر سلوكي، فكل ~~مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا. والإيمان والإسلام يلتقيان في أنك لا ~~تسلم زمامك في التكليف إلا لمن آمنت بحكمته في التكليف، أما إن نافق ~~المؤمن أو راءى فموضوع آخر، لذلك قال تعالى: # قالت الأعراب آمنا.. # [الحجرات: 14] فرد عليهم # قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا.. # [الحجرات: 14] أي: الإسلام الظاهري # ولما ms9528 يدخل الإيمان في قلوبكم.. # [الحجرات: 14]. إذن: هنا قال في الناجين المؤمنين والمسلمين، وفي موضع ~~آخر قال: # إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من ~~الغابرين # [العنكبوت: 33] لأن الأهلية على حقيقتها ليست أهلية الدم والنسب، إنما ~~أهلية الدعوة، أهلية اتباع بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: # " سلمان منا أهل البيت ". # وسيدنا نوح لما قال لربه عز وجل: # رب إن ابني من أهلي.. # [هود: 45] قال له: # إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.. # [هود: 46]. وقوله سبحانه: { وتركنا فيهآ آية للذين ~~يخافون العذاب الأليم } [الذاريات: 37] أي: في القرية والمكان ~~الذي حدثت فيه هذه العملية، قالوا: الآية الباقية بعد هلاكهم هي الحجارة ~~التي أهلكهم الله بها ما تزال موجودة، ومن يراها يقول: هذه ليست من ~~حجارة الأرض، بل هي نوع آخر هي الحجارة التي نزلت على هؤلاء المجرمين ~~فأهلكهم الله بها. وهكذا تظل هذه الآية باقية لردع كل من تسول له ~~نفسه أن يفعل فعلهم. وقالوا: بل الآية التي تركها الله شاهدا عليهم هي ~~عين منتنة، لا يطيق الإنسان أن يشمها. ### || [51.38-40] # بعد أن حدثتنا الآيات عن طرف من قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام ~~تحدثنا الآن عن سيدنا موسى عليه السلام، لماذا؟ لأن القرآن كثيرا ما ~~يأتي بإبراهيم وموسى في قرن واحد لما بينهما من تشابه في مسيرة الدعوة ~~إلى الله. اقرأ: # إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم ~~وموسى # [الأعلى: 18-19] وقال: # أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي ~~وفى # [النجم: 36-37]. فالقرآن يربط بينهما لأن سيدنا إبراهيم أول ما تعرض ~~في أمر الدعوة تعرض للرجل الذي حاجه في ربه، ويبدو من سياق القصة أنه ~~ادعى الألوهية بدليل قوله # أنا أحيي وأميت.. # [البقرة: 258]. وبعد ذلك كان لإبراهيم مواقف في إظهار آيات الله للناس، ~~فهو أول من علمهم أن ينظروا في الآيات الكونية، ثم كانت له مواقف مع ~~عبدة الأصنام، خاصة مع أبيه آزر، ثم جاءت أحداث إلقائه في النار، ثم ~~رزق الولد، وابتلي بالأمر بذبحه، ثم جاءت قصة بناء البيت، ms9529 إلى آخر ~~أحداث قصته. لذلك قال الله في شأنه: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124] أي: أداها كاملة لا بالمنطق العادي في الأشياء، إنما ~~بمنطق الإجادة والإحسان، لذلك مدحه ربه فقال: # إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم ~~يك من المشركين # [النحل: 120] أي: يجمع من خصال الخير ما لا يتوفر إلا في أمة كاملة. ~~كذلك مر سيدنا موسى عليه السلام بمواقف وابتلاءات مشابهة في رحلة ~~دعوته لفرعون الذي ادعى الألوهية، فقال لقومه: # ما علمت لكم من إله غيري.. # [قصص: 38]. الواو في { وفي موسى.. } [الذاريات: 38] عاطفة، فالمعنى ~~في موسى آية من آيات الله معطوفة على قوله تعالى: # وفي الأرض آيات للموقنين # [الذاريات: 20] كذلك في موسى آيات { إذ أرسلناه إلى ~~فرعون بسلطان مبين } الذاريات: 38] أي: بحجة واضحة بينة. ~~وسبق أن أوضحنا أن السلطان قد يكون سلطان قوة وقهر تخضع المقابل، أو ~~سلطان برهان وحجة يقنعه. سلطان القهر يقهر القالب، وسلطان الحجة يقنع ~~العقل ويستميل القلب، وموسى عليه السلام لم يكن يملك إلا حجة الإقناع، ~~ولا قوة له على فرعون يقهره بها، فأعطاه الله سلطانا مبينا يقنع به ~~فرعون، وهو الآيات والمعجزات التي صاحبت دعوته. والمعجزة لا تؤتي ثمارها ~~في القوم إلا إذا كانت من جنس ما نبغوا فيه وأتقنوه، ولو تحداهم بشيء لا ~~يعرفونه ما كان للتحدي معنى، لذلك كانت معجزة سيدنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم القرآن، لأن العرب نبغوا في البلاغة والفصاحة، فتحداهم بما ~~نبغوا فيه. أما قوم فرعون فقد نبغوا في السحر فكانوا سحرة، لكن مكرهين ~~على السحر بدليل أن فرعون لما استدعاهم من الآفاق لمقابلة موسى بسحرهم ~~قالوا # أإن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين # [الشعراء: 41] لأن الأعمال التي كانوا يعملونها كانت سخرة بدون أجر، ~~كما رأينا مثلا في بناء الأهرامات. والأصل في دعوة سيدنا موسى أنه ما ~~جاء ليدعو فرعون إنما ليأخذ منه بني إسرائيل، ولينقذهم من بطشه، هذا هو ~~الأصل لكن جاءت دعوته لفرعون على هامش هذا الأصل وتابعة له، بدليل قوله ~~تعالى: ms9530 # فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم.. # [طه: 47]. فقبل أن يدعو موسى بني إسرائيل كان عليه أن يخلصهم من فرعون ~~واستبداده بهم، ومعلم أن فرعون اضطهد بني إسرائيل لأنهم ساعدوا الهكسوس ~~لما أغاروا على مصر وتعاونوا معهم ضد فرعون، حتى انتصر الهكسوس وألغوا ~~الفرعونية وجعلوها ملكية. لذلك عرفنا أن الهكسوس دخلوا مصر في عهد سيدنا ~~يوسف عليه السلام، لأن القرآن لما تكلم عن حكام مصر تكلم عن فرعون، لكن ~~لما ذكر يوسف ذكر لفظ الملك # وقال الملك.. # [يوسف: 50] ولم يأت بلفظ الفرعون. فلما أراد الحق سبحانه أن يخلص ~~بني إسرائيل من قبضة فرعون أرسل موسى لهذه المهمة. وقوله تعالى: { ~~فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون } [الذاريات: 39] ~~أي: فرعون أعرض عن موسى ودعوته { بركنه.. } [الذاريات: 39] أي: أعرض ~~بسبب ركنه. أي: قوته وسلطانه وجبروته واستعلائه في الأرض. أو بركنه ~~يعني بجانبه. وحين تعرض عن إنسان تعطيه جانبك، ثم تدير له ظهرك بعد أن ~~كنت في مواجهته، وهذا المسألة صورها القرآن الكريم بقوله تعالى: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها ~~في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم * يوم يحمى ~~عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم ~~وجنوبهم وظهورهم.. # [التوبة: 34-35]. وبهذا الترتيب يكون الإعراض عن طالب الحاجة، حيث يعرض ~~أولا بوجهه، ثم بجنبه، ثم بظهره، وهكذا يكون الكي يوم القيامة جزاء ~~وفاقا، وعلى قدر حركات الامتناع عن الخير. وقوله: { وقال ساحر ~~أو مجنون } [الذاريات: 39] تأمل التناقض حتى في الاتهام، فالساحر ~~له قدرة على ترتيب الأشياء، وعنده ذكاء بحيث يخيل للناس رؤية الأشياء ~~على خلاف ما هي، أما المجنون فعلى خلاف ذلك، لأنه لا يرتب الأشياء، ~~ولا قدرة له على السيطرة على مراداته ونزوعه، لكنه تخبط الباطل ~~وإفلاسه. ثم ينتقم الحق سبحانه من فرعون { فأخذناه وجنوده ~~فنبذناهم في اليم وهو مليم } [الذاريات: 40] أخذهم ~~الله بأن ألقى في نفوسهم حب اللحاق بموسى وأغراهم بذلك حتى تبعوهم ~~وخاضوا البحر خلفهم. فأطبق الله عليهم الماء فأغرقهم بعد أن نجى موسى ~~وبني إسرائيل { فنبذناهم في اليم.. } [الذاريات: 40] ~~ألقيناهم في البحر ms9531 وهو أي فرعون { وهو مليم } [الذاريات: 40] أي: ~~فعل ما يلام عليه من عتوه وجبروته وادعائه للألوهية. والمعنى: أن الله ~~تعالى لم يهلكه وجنوده بظلم أو جبروت، إنما أهلكهم بما يستحقون من ~~العذاب. ### || [51.41-42] # أيضا هنا الواو عاطفة تعطف { وفي عاد.. } [الذاريات: 41] على # وفي الأرض آيات للموقنين # [الذاريات: 20] وعلى قوله: # وفي موسى.. # الذاريات: 38] والمعنى: وفي عاد آية لكم، فكأن القرآن يسلي سيدنا ~~رسول الله يقول له: لا تحزن من عناد قومك لك، ووقوفهم في وجه دعوتك. ~~فالعاقبة لك، ومصيرهم سيكون مثل مصير أمثالهم من المكذبين للرسل ~~السابقين، فلك فيهم عبرة. { وفي عاد.. } [الذاريات: 41] أتى باسم ~~القبيلة ولم يذكر النبي. وفي موضع آخر قال: # وإلى عاد أخاهم هودا.. # [الأعراف: 65] فذكر القبيلة لأنه يتحدث عن سوء عاقبتها وما نزل بها لما ~~كذبت نبيها، وعاد عند الأحقاف. وقد قال الله فيهم: # ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * ~~التي لم يخلق مثلها في البلاد # [الفجر: 6-8] ثم ذكر بعدها # وفرعون ذو الأوتاد # [ص: 12]. فكأن حضارة عاد كانت أقوى وأعظم من حضارة الفراعنة، لكنها ~~مطمورة تحت التراب، لأن الله أهلكهم بالريح فدفنتهم تحت الرمال، ولا عجب ~~في ذلك فهذه منطقة رملية إذا هبت فيها عاصفة فيمكن أن تطمر قافلة ~~كاملة تبتلعها الرمال. لذلك نجد آثار هذه الأمم حفائر تحت الأرض. ومعنى { ~~الريح العقيم } [الذاريات: 41] أي: الريح المدمرة المهلكة، لأن ~~الريح قد تهب لينة سلسة رقيقة، وتسمى النسيم، وقد تشتد فتكون إعصارا ~~مدمرا، فهي آية من آيات الله تكون نعمة ونقمة. الريح هي الهواء الذي ~~نتنفسه، وهو أهم عنصر في عناصر استبقاء الحياة، ولو منع عن الإنسان يموت ~~ولو نفس واحد، والهواء عنصر أساسي في تكوين الماء وبه تسير السحب ~~وينزل المطر، وبه يحيا الحيوان والنبات وهو الذي يلقح الثمار ~~والمزروعات. وسبق أن قلنا إن الريح تأتي في الشر وفي الهلاك، أما الرياح ~~بالجمع فتأتي في وجوه الخير، فقال هنا { الريح العقيم } ~~[الذاريات: 41] أي المدمرة، وقال: # وأرسلنا الرياح لواقح.. # [الحجر: 22]. ووصف الريح هنا بأنها ms9532 عقيم، لأنها لا فائدة منها ولا تأتي ~~بخير، لا مطر ولا لقاح، إنما تأتي بالشر والخراب. وقوله تعالى: { ما ~~تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم } ~~[الذاريات: 42] معنى: تذر أي: تترك ومثله الفعل تدع، وكل منهما مضارع ليس ~~له ماض في اللغة إلا في قراءة: # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى # [الضحى: 1-3] في قراءة ما ودعك بفتح الدال من غير تشديد. أما الفعل ~~يذر فليس له ماض، فهذه الريح لا تأتي على شيء ولا تمر على شيء إلا ~~أهلكته وتركته { كالرميم } [الذرايات: 42] وهو الشيء الجاف الذي ~~تفتت وصار هباء تذروه الرياح. ### || [51.43-45] # معنى { وفي ثمود.. } [الذاريات: 43] أي: وآية أيضا في ثمود، وهم ~~قوم سيدنا صالح عليه السلام { إذ قيل لهم.. } [الذاريات: 43] أي: ~~اذكر إذ قيل لهم { تمتعوا حتى حين } [الذاريات: 43] وهذا ~~تهديد لهم ووعيد بعد ما فعلوه مع نبي الله صالح، يقول لهم تمتعوا إلى ~~حين، فسوف يعاجلكم العذاب، وسيأخذكم الله أخذ عزيز مقتدر. ومع هذا ~~التهديد والتوعد ظلوا على عنادهم { فعتوا عن أمر ربهم.. ~~} [الذاريات: 44] فلم يجد معهم التهديد، والعتو يعني: مالوا عن أمر بهم ~~وتركوه وهجروه. وهذا الفعل عتى عتوا يتعدى ب على كما في قوله تعالى: # أشد على الرحمن عتيا # [مريم: 69] وهنا تعدى بعن { فعتوا عن أمر ربهم.. } ~~[الذاريات: 44] فقد عتوا عن الأمر لا على الآمر { فأخذتهم ~~الصاعقة وهم ينظرون } [الذاريات: 44] الصاعقة صوت مزعج يأتي ~~من أعلى تصاحبه إما نار حارقة، أو ريح مدمرة. { فما استطاعوا من ~~قيام.. } [الذاريات: 45] أي لهول ما نزل بهم فزعوا فزعا أقعدهم، فلم ~~يستطيعوا القيام ولا الهرب من باب أولى، فالصاعقة صعقتهم وأفقدتهم ~~القوى { وما كانوا منتصرين } [الذاريات: 45] يعني: لم يستطيعوا ~~نصر أنفسهم، ولم ينصرهم أحد، ولم يدافع عنهم أحد. ### || [51.46] # قوم نوح أيضا آية وعبرة { من قبل.. } [الذاريات: 46] قبل فرعون ~~وقبل عاد وثمود { إنهم كانوا قوما فاسقين } [الذاريات: ~~46] خارجين عن طاعة الله مكذبين لنبيه نوح عليه السلام. وقد بسط ~~القرآن قصتهم في مواضع أخرى بالتفصيل، وأن ms9533 نوحا لبث في دعوتهم ألف سنة ~~إلا خمسين عاما، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل، وأنهم صموا آذانهم عن ~~دعوته واستغشوا ثيابهم، وأصروا واستكبروا استكبارا إلى أن يئس منهم ~~نوح فدعا عليهم. # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * ~~إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا ~~فاجرا كفارا # [نوح: 26-27]. وهنا أجمل القول فيهم { إنهم كانوا قوما ~~فاسقين } [الذاريات: 46] أي: خارجين عن طاعة الله من قولنا: فسقت ~~الرطبة عن قشرتها. أي: انسلخت منها. والرطب هو البلح اللين الذي توفر له ~~الماء ففيه مائية، لذلك جعله الله تعالى طعاما للسيدة مريم، فقال ~~سبحانه: # وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا ~~جنيا * فكلي واشربي وقري عينا.. # [مريم: 25-26] أي: كانت الرطب بالنسبة لها طعاما وشرابا في آن واحد. ~~فهذه صورة بيانية تصور شرع الله بالغشاء الذي يحمي الثمرة، فالشرع ~~يحمي المؤمن كما تحمي القشرة الثمرة، فاحذر أن تخرج عن هذا الغشاء الذي ~~يسترك ويحميك ويزينك. ### || [51.47-49] # السماء يراد بها كل ما علانا { بنينها بأييد.. } ~~[الذاريات: 47] أي بقوة واقتدار وحكمة والبناء يتطلب العملية التي فيها ~~مكين. ثم قال { والأرض فرشناها.. } [الذاريات: 48] أي: ~~مهدناها وبسطناها. فالسماء فيها صفة الثبات، فقال { بنينها.. } ~~[الذاريات: 47] والأرض صفتها التغيير، فالمرتفع منها يصير إلى منخفض ~~والتضاريس عليها يطرأ عليها التغيير، فقال { فرشناها.. } [الذاريات: ~~48] وهيأناها على وضع يريح سكانها كما نهيء للطفل فراشه، فلا يكون فيه ~~ما يقلقه. { فنعم الماهدون } [الذاريات: 48] من كلمة المهد، وهو ~~الفراش المريح، وحتى فراش الطفل دائما ما ننظفه ونغيره من حين لآخر، ~~فكذلك الأرض من صفتها التغير وعدم الثبات. وقوله سبحانه { ومن كل ~~شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون } [الذاريات: 49] ~~وفي موضع آخر قال تعالى: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ~~ومن أنفسهم ومما لا يعلمون # [يس: 36] هذه الكلمة # ومما لا يعلمون # [يس: 36] جعلتنا ننتظر زوجية لا نعرفها. ومع تقدم البحث العلمي وجدنا ~~زوجية في الذرة، ووجدنا أن المطر لا يتكون إلا إذا حدث له تلقيح ذري، ~~وعرفنا الزوجية في التيار ms9534 الكهربائي، ووجدوها حتى في الجمادات. وما يزال ~~في جعبة العلماء الكثير، وكلها مسائل كانت العقول لا تطيقها قبل ذلك، ~~لأن الأمة العربية التي نزل فيها القرآن كانت أمة أمية، ليس عندها شيء من ~~الثقافة، ولو كشفت لهم هذه الأمور ربما ضاقوا بها وانصرفوا بسببها عن ~~أصل الدعوة. لذلك الحق سبحانه وتعالى يعطيهم برقية موجزة في # سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى ~~يتبين لهم أنه الحق.. # [فصلت: 53] ليظل الباب مفتوحا يستوعب كل التطورات ويحتاط لكل جديد. ~~فالسين دلت على المستقبل ونريهم مضارع يفيد الاستمرار، فهذه الاكتشافات ~~باقية، ومعينها لا ينضب إلى يوم القيامة. وإذا كانت عملية التكاثر في ~~الغالب والجمهرة أنها تأتي من ذكر وأنثى، فالحق سبحانه يحتفظ لنفسه ~~بطلاقة القدرة، ويعطينا نماذج من البشر جاءت على غير هذه القاعدة. وكأنه ~~سبحانه يقول لنا: إياكم أن تظنوا أنني أقف عند هذه الأسباب بل أخلق ما ~~أشاء، أخلق من زوجين، وأخلق بلا زوجين أصلا، وأخلق من زوج واحد. يعني: ~~استوعبت طلاقة القدرة في هذه المسألة كل أوجهها، ثم # ويجعل من يشآء عقيما.. # [الشورى: 50] فيتوفر الزواج، لكن لا يأتي التكاثر. ولأن مسألة خلق ~~الأزواج كلها مسألة عجيبة استهلها الحق سبحانه بقوله: # سبحان الذي خلق الأزواج كلها.. # [يس: 36] يعني: لا تتعجب لأنك أمام قدرة الله، وتنزه سبحانه عن أن ~~تقيسه بشىء آخر. ### || [51.50-51] # هذا أمر بالفرار، والفرار أي الهرب يكون من مخوف يقبل عليك وأنت تخاف ~~منه، وتريد أن تنجو بنفسك منه وتفر إلى مأمن يحميك، وهذه العملية ~~عناصرها فار، ومفرور منه، ومفرور إليه. والمخاطبون هنا من الله تعالى ~~هم عباده يقول لهم { ففروا إلى الله.. } [الذاريات: 50] من أي ~~شيء يفرون؟ إذا كان الفرار إلى الله، فهم يفرون من كل ما يناقض الله، ~~ومن كل ما يخالف شرعه، يفرون من إبليس الذي ينازع الله في التكاليف، ~~يفرون من شهوات نفوسهم، يفرون إلى الله من الأهواء والنزوات، يفرون من ~~العذاب إلى النعيم المقيم. إذن: معنى الفرار هنا الانتقال من شيء مخيف ~~إلى شيء آمن، ms9535 ولن تجدوا لكم ملجأ أأمن لكم من حضن خالقكم سبحانه، ففيه ~~الأمن والراحة والسعادة والنعيم، حتى العقوبة حينما يشرعها على ~~المخالفة يشرعها من أجل أن تعودوا إليه وتفروا إلى ساحته. فهو سبحانه ~~حريص عليكم لأنكم عباده وصنعته، وكل صانع يحرص على سلامة صنعته ~~وحمايتها مما يتلفها. ونحن بدورنا نتعلم من ربنا تبارك وتعالى هذا الدرس ~~فنتقن أعمالنا، كما علمنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ". # فإتقان الصنعة يزيد النغمة الإيمانية العقدية في الكون، ويكفي أن كل ~~من يرى صنعتك يقول: الله الله، فتكون أنت سببا لذكر الله، وهذه النغمة ~~لا يرددها الإنسان فحسب، إنما يرددها الكون كله ويطرب لها، فالإنسان ما ~~هو إلا فرد في هذه المنظومة الذاكرة. إذن: { ففروا إلى الله.. ~~} [الذاريات: 50] تعلقوا بحبله، واستمسكوا بهديه، وكونوا في جانبه، كونوا ~~مع شرعه، سيروا معه حيث سار، كما يقولون عندنا في الفلاحين اتشعلق في ~~ربنا وحط رجلك زي ما أنت عايز فما دمت في جنب الله فلن يضرك شيء، وصدق ~~القائل: # يا رب حبك في دمي وكياني # نور أغر يذوب في وجداني # أنا لا أضام وفي رحابك عصمتي # أنا لا أخاف وفي رضاك أماني # وقوله تعالى: { إني لكم منه نذير مبين } [الذرايات: ~~50] المتكلم هنا رسول الله فهو النذير من عند الله، وقال { نذير.. } ~~[الذاريات: 50] لأن الفرار يناسبه الإنذار لتفر مما يخيفك إلى ما ~~يؤمنك. و { مبين } [الذاريات: 50] أي: نذارتي لكم واضحة، وحجتي ~~بينة ظاهرة. { ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني ~~لكم منه نذير مبين } [الذاريات: 51] أي: لا تتخذوا إلها ~~إلا الله تأتمرون بأمره، ومعلوم أن الذين عبدوا الأصنام أو عبدوا ما دون ~~الله تعالى، عبدوها لأنها لا أوامر لها ولا تكاليف ولا منهج، لذلك كانت ~~عبادتها باطلة. أما الله تعالى فهو الإله الحق الذي يستحق أن يعبد ~~وأن يطاع في أمره ونهيه، والنهي في { ولا تجعلوا مع الله ~~إلها آخر. # . } [الذاريات: 51] متعلق بالأمر في { ففروا إلى الله.. } ~~[الذاريات: 50] حيث ms9536 لا إله غيره، ولا ملجأ لكم إلا هو. وهذا هو الدين ~~الحق الذي ارتضته الفطرة السليمة منذ كنا في مرحلة الذر، وأخذ الله ~~علينا هذا العهد # ألست بربكم.. # [الأعراف: 172]. وما شذ الخلق عن هذا العهد إلا بسبب الغفلة أو ~~وسوسة الشيطان ونزغات وشهوات النفوس، وما عبد الكفار الأصنام إلا لإرضاء ~~فطرة التدين فيهم، عبدوها تدينا بها إرضاء للفطرة، وارتياحا لعدم ~~التبعة لأنها لا أمر لها، ولا نهي. وعلى العاقل قبل أن يقدم على العمل ~~أن يستحضر عواقبه والجزاء عليه، فحينما يقبل على المعصية يتصور ~~العذاب الذي ينتظره عليها، وحينما يكسل عن الطاعة يتصور النعيم الذي ~~أعد له، ولو فعل الناس ذلك ونظروا في العواقب لفروا من المعصية إلى ~~الطاعة. ### || [51.52-53] # قوله تعالى: { كذلك.. } [الذاريات: 52] أي: كما حدث لمن تقدم، ~~وحصل لهم ما حصل من نزول العذاب بهم بالصاعقة وبالريح العقيم فانتظر أن ~~ينزل بهم مثل هذا، فما هم عنه ببعيد، ولا تحزن فلست أول رسول يكذبه ~~قومه { كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول ~~إلا قالوا ساحر أو مجنون } [الذرايات: 52]. وسبق أن ~~اتهموا رسل الله بالسحر وبالجنون، فاصبر # فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك ~~فإلينا يرجعون # [غافر: 77]. يعني: إن لم ينزل بهم العذاب في الدنيا فهو ينتظرهم في ~~الآخرة. وقد رحم الله هؤلاء المكذبين لرسوله رغم كفرهم وعنادهم تقديرا ~~لوجود رسول الله بينهم، وهذا هو معنى قوله تعالى: # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال: 33]. وقد كان سيدنا رسول الله حريصا على هداية قومه مهما حدث ~~منهم، وكان يناجي ربه دائما يقول: أمتي أمتي. وسبق أن بينا بطلان هذا ~~الاتهام، فالنبي لا يكون أبدا ساحرا ولا مجنونا، فهاتان الصفتان أبعد ~~ما تكونان عن وصف النبي، لأنه قدوة في السلوك وما شاهدتم عليه أبدا ~~علامة من علامات السحر أو الجنون. ولو كان ساحرا لسحركم فآمنتم به كما ~~آمن غيركم، ولو كان مجنونا لما استطاع ترتيب الأمور على هذه الصورة ولما ~~بلغكم رسالة ربه، ms9537 ثم إن الاتهام بالسحر ينافي الاتهام بالجنون، فكيف ~~جمعتم عليه هاتين الصفتين؟ لذلك يقول تعالى بعدها: { أتواصوا ~~به.. } [الذاريات: 53] كأن الأمم المكذبة على مر التاريخ أوصى ~~بعضهم بعضا بهذا القول: قولوا للنبي ساحر ومجنون، وكأنه اتفاق مسبق ~~بينهم وإصرار منهم على تكذيب الرسل، والتمادي في اللدد والعناد. لذلك ~~يضرب الله عنهم وعن اتهاماتهم، ويقول: { بل هم قوم طاغون } ~~[الذاريات: 53] أي: دعك من هؤلاء، فهم قوم طاغون. أي: متجاوزون للحدود. ### || [51.54-55] # معنى: { فتول عنهم.. } [الذاريات: 54] أعرض عنهم ودعك منهم، ~~فأنت غير مطالب بأن تحملهم على الإيمان، وما عليك إلا البلاغ وفقط، وفي ~~أكثر من موضع خاطب الحق سبحانه نبيه بهذا المعنى: # لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين # [الشعراء: 3]. أنت ستهلك نفسك من أجلهم وحرصا على هدايتهم، والهداية ~~ليست مهمتك، مهمتك البلاغ والهداية من الله # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4]. يعني: لو شئت لجعلتهم مؤمنين قهرا كإيمان السماء ~~والأرض، لكنني أريد أيمان القلب لا إيمان القالب. { فمآ أنت ~~بملوم } [الذاريات: 54] يعني: لا لوم عليك في عدم إيمانهم، وإن حدث ~~لوم لرسول الله فهو لوم له لا عليه، لوم لصالحه ورحمة به صلى الله ~~عليه وسلم، كما لامه ربه في مسألة الأعمى عبد الله بن أم مكتوم فقال ~~تعالى: # عبس وتولى * أن جآءه الأعمى * وما يدريك ~~لعله يزكى # [عبس: 1-3] لامه لأنه كلف نفسه فوق طاقتها، وأعرض عن هذا المؤمن ~~حرصا منه على هداية صناديد قريش. وقوله سبحانه: { وذكر.. } ~~[الذاريات: 55] يعني مهمتك أن تذكر الناس بالله وبمنهج الله، ذكر ~~وفقط، ذكر من جاءك ومن انصرف عنك { فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين } [الذاريات: 55]، فالمؤمن هو الذي ينتفع بالتذكير ~~ويتمسك بالإيمان. ### || [51.56-58] # قوله تعالى: { وما خلقت.. } [الذاريات: 56] الخلق هو إيجاد ~~المادة من عدم وتصويرها على غير مثال سابق، والخلق بهذه الصورة لا يكون ~~إلا لله وحده، ومع ذلك لم يحرم خلقه من هذه الصفة، فأعطاهم صفة الخلق ~~على قدرهم. وقال سبحانه عن نفسه: # فتبارك الله أحسن الخالقين # [المؤمنون: 14] فأنت ms9538 خالق حينما تبرز للوجود شيئا جديدا لم يكن من ~~قبل، كالذي يصنع الكوب مثلا من الرمل يسمى خالق لأنه أوجده، نعم هو ~~خالق ولم يحرم ثمرة جهده. أما الحق سبحانه فهو أحسن الخالقين، ومعلوم أن ~~البشر يخلقون من مادة موجودة، أما الحق سبحانه فيخلق من غير موجود، البشر ~~يخلقون مادة جامدة لا حياة فيها، أما الخالق سبحانه فيخلق خلقا حيا ~~متجددا ينمو ويكبر، إلى غير ذلك من الوجوه في هذه المسألة، فنحن نخلق ~~لكن الله أحسن الخالقين. ثم إن الحق سبحانه خص هنا الجن والإنس في ~~مسألة العبادة، ولم يذكر خلقا آخر أعظم هم الملائكة، قالوا: لم يذكر ~~الملائكة في هذا المقام لأنهم خلقوا للعبادة وليس لهم اختيار فيها، فهم ~~مخلوقون بداية، ومهيئون لعبادة الله، وجبلوا على ذلك # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]. والحديث هنا عن الخلق المختار الذي ينتظر منه الطاعة، ~~وينتظر منه العصيان. فإن قلت: فلماذا قدم الجن على الإنس في هذه ~~المسألة؟ قال بعض العلماء: قدم الجن على الإنس، لأن العبادة إما سرية ~~وإما جهرية، وعبادة الجن سرية لأننا لا نراهم، والعبادة السرية أفضل ~~لأنها لا يدخلها الرياء، أما عبادة الإنس فجهرية في الغالب ويدخلها ~~الرياء. وهذا القول يمكن الرد عليه بأن عبادة الجن سرية بالنسبة لنا، ~~لأننا لا نراهم لكن جهرية بالنسبة لجنسه، ويمكن أيضا أن يدخلها الرياء، ~~فهم يرى بعضهم بعضا. لكن يمكن توجيه المسألة توجيها آخر، فنقول: لو أنك ~~قرأت القرآن باستيعاب لوجدت أن الجن خلقوا قبلنا # والجآن خلقناه من قبل من نار السموم # [الحجر: 27] فقدمه على الإنس لأنه خلق قبلهم. ثم إن معظم انصراف ~~الإنس عن العبادة بسبب الشيطان وهو من الجن # إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه.. # [الكهف: 50] ولهذا قدموا علينا في مسألة العبادة. والأسلوب في قوله ~~تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ~~[الذاريات: 56] أسلوب قصر. أي: قصر خلق الإنس والجن على العبادة، فهي ~~العلة الوحيدة لهذا الخلق، ما خلقهم لشيء آخر سوى عبادته ms9539 سبحانه. ~~والعبادة تعني طاعة العابد للمعبود في أمره ونهيه، وهذه العبادة بهذا ~~المعنى هي العبادة الحق، وهي مطلوب الله من العباد، لذلك لا يقبل الله ~~إلا ما كان له خالصا. وهذه العبادة الحق لا يأتي بها كل الخلق، بل ~~يأتي كل منهم على قدر روحه وعلى قدر نظره للإله الحق الذي يعبده. # والناس كبشر متفاوتون في هذه المسألة، وأعلاهم فيها هم الرسل، وأفضل ~~الرسل خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الذي حقق العبادة على وفق ~~مراد الحق سبحانه منها. لذلك البعض يغالي فيقول: ما خلق الكون كله إلا ~~من أجل محمد صلى الله عليه وسلم، ونقول، يكفي أنه صلى الله عليه وسلم ~~أحسن عابد لله، لأن العبادة معنى، والمعنى لا يتحقق إلا بعابد حق، ~~وهو الذي يؤدي المراد لله. وهذا العابد الحق لا يأتي من الناس العاديين، ~~إنما يأتي من الأنبياء وسيد الأنبياء وخاتمهم سيدنا رسول الله، فهو خير ~~من حقق العبادة لله. إذن: علة الخلق هي العبادة، والله تعالى ~~منزه في أفعاله عن العلة، فهو سبحانه يفعل ما شاء لما شاء فيما شاء. ~~والعلة الممنوعة في أفعاله تعالى العلة التي تعود عليه سبحانه. أما ~~العلة التي تعود على غيره فلها تعليل، فالعبادة ليست له سبحانه إلا ~~لمصلحة الخلق جميعا، لأنها هي التي تسعدهم في الدنيا وتنجيهم في ~~الآخرة، ولا يعود على الله منها شيء، لأنه سبحانه الغني عن خلقه، فلا ~~تنفعه طاعتهم ولا تضره معصيتهم. فقد خلق الخلق بكامل صفات الكمال فيه، ~~فلم يزدد بهذا الخلق صفة لم تكن له من قبل، فهو خالق قبل أن يخلق، ~~ورازق قبل أن يرزق، ومسبح قبل أن يوجد ما يسبحه. وإذا كانت ~~العبادة كما قلنا طاعة العابد للمعبود في أمره افعل ولا تفعل، فهي بهذا ~~المعنى تشمل حركة الحياة كلها، ولا تقتصر على الصلاة والصيام والزكاة كما ~~يريدها البعض من الذين يعزلون الدين عن حركة الحياة. يقولون: لا سياسة في ~~الدين ولا دين في السياسة. وهذا قول باطل وغير صحيح، والذين ms9540 فعلوا ذلك ~~يريدون أن يجعلوا لأنفسهم سلطة زمنية تخضع لأهوائهم ليفعلوا ما يريدون. ~~لقد تعمدوا عدم الارتباط بمنهج السماء في إدارة شئون الأرض، لأن منهم ~~السماء يقيد حركتهم، ونسوا أنه أيضا يقيد حركة المحكومين لمصالحهم. ~~إذن: منهج الله شمل الحياة كلها، من قمة لا إله إلا الله إلى إماطة الأذى ~~عن الطريق، ولو كان الأمر كما يقولون أنترك القاتل فلا يقتل، ونترك ~~الزاني فلا نقيم عليه الحد، ونترك شارب الخمر، ونترك المفسدين يفسدون، ~~ونترك الناس لا يتناهون عن منكر فعلوه؟ إذن: ماذا يريدون من تعطيل شرع ~~الله وعزله عن حركة الحياة، الحق سبحانه جعل العبادة لصالح الخلق، تنظم ~~حركة حياتهم وتسعدهم. ودائما في هذه المسألة نذكر الحديث القدسى: # " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل ~~واحد منكم ما زاد ذلك في ملكى شيئا، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ~~كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا ". # فكيف نقصي دين الله عن حركة حياتنا، وقد تدخل في أبسط الأمور، # " فدخل رجل عاص الجنة لأنه سقى كلبا، ودخلت امرأة النار في هرة ~~حبستها " # ، فما بالك بالإنسان الذي كرمه الله، أنهتم بسياسة الكلاب ونترك سياسة ~~البشر؟ وورد أيضا في الحديث القدسي: # " يا بن آدم، خلقتك لعبادتي فلا تلعب " # يعني جد في حركة الحياة، لأن اللعب حركة بلا فائدة وبلا مغزى، والله ~~يريد لحركة العباد أن تكون حركة نافعة ذات مغزى. فلو أنك أخذت جانب ~~العبادة وأهمها الصلاة مثلا، ألست تحتاج لإقامة هذا الواجب إلى ستر ~~العورة كيف؟ ثياب تلبسها، كيف تصل إليك هذه الثياب؟ تأمل من أول زراعة ~~القطن إلى أن يصلك ثوب تلبسه، إنها رحلة طويلة من السعي والعمل والجد، ~~يشترك فيها آلاف يخدمونك في هذه المسألة. إذن: حركة الحياة ليست هي ~~الصلاة فحسب، بل كل ما يعينني على أداء الصلاة وكل ما يعينني على أداء ~~الزكاة والصوم والحج. إذن: العبادة أمر شائع في كل حركة الحياة، فكيف ~~نفصل الدين ms9541 عن حركة الحياة كلها، فضلا عن أن نفصله عن سياسة أمر ~~الخلق وتدبير شئونهم؟ وقوله سبحانه: { مآ أريد منهم من ~~رزق ومآ أريد أن يطعمون } [الذاريات: 57]. أي: ما أريد من ~~خلقي أن يرزقوني، نعم لأنه هو سبحانه الرزاق المتكفل بأرزاق كل ~~الخلق، فكيف ينتظر منهم رزقا، وهو يرزق مؤمنهم، ويرزق كافرهم؟ كيف وهو ~~موجود سبحانه قبل أن يوجدوا، وله صفات الكمال كلها قبل أن يخلقهم. ومن ~~باطن هذا الرزق يرزق الناس بعضهم بعضا، فرزق هذا من يد هذا، والحق ~~سبحانه وتعالى يشجع العبد على أن يعطي فيقول له: حينما ترزق عبدي فكأنك ~~رزقتني، وحينما تعطيه كأنك أعطيتني. ذلك لأنه تعالى هو الذي خلق الناس ~~واستدعاهم إلى الوجود، وتكفل لهم بالرزق، فيد الله ممدودة لخلقه ~~بخلقه، لذلك سمى الصدقة على الفقير قرضا، فقال: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا.. # [البقرة: 245]. وفي الحديث القدسي: # " يا بن آدم مرضت فلم تعدني، فيقول العبد: يا رب كيف أعودك وأنت رب ~~العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو ~~عدته لوجدتني عنده. يا بن ادم استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: يا رب كيف ~~أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول: لقد استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما ~~علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي... ". # إذن: فعل الخير يقع في يد الله قبل أن يقع في يد العبد، والحق سبحانه ~~وتعالى لو أراد لأنزل رزقه إلى عباده مباشرة، لكن جعله من أيدي الناس ~~لأيدي الناس ليزرع بينهم الألفة والمودة والمحبة، ويشيع بينهم التراحم ~~وعدم الاستكبار، فالله يريد المجتمع أن تكاتف وأن يتعاون. # وقوله تعالى: { ومآ أريد أن يطعمون } [الذاريات: 57] فعطف ~~الطعام على الرزق، لماذا؟ سبق أن بينا أن الرزق هو كل ما ينتفع به، ~~وعلى هذا فالعلم رزق، والحلم رزق، والكرم رزق، والصحة رزق وهكذا، فالرزق ~~هنا الرزق العام لذلك خص بعده الطعام لأنه أظهر شيء في الرزق، وبه ~~تقوم الحياة وتستبقي. قالوا: ولم يذكر الشراب لأنه داخل في الطعام. { ~~إن الله ms9542 هو الرزاق ذو القوة المتين } [الذاريات: ~~58] السياق هنا يؤكد على هذه الحقيقة ليرسخها في الأذهان، ليطمئن كل ~~منا على أن رزقه مضمون { إن الله هو الرزاق.. } [الذاريات: ~~58] فاستخدم إن ثم ضمير المنفصل هو { ذو القوة.. } [الذاريات: 58] ~~أي: صاحب القوة. وهذا يعني أن الذات شيء، والقوة شيء منفصل عنها. وفي ~~موضع آخر يتكلم عن القوة والغلبة فيقول: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي ~~عزيز # [المجادلة: 21] فالقوة هنا في الذات، فلم يقل هنا ذو قوة. لأن المقام ~~مقام بيان للغلبة في وجه المعاندين. لذلك قال # قوي.. # [المجادلة: 21] والقوي هو الذي يغلب، لكن قد تتكاتف عليه قوى أخرى ~~تغلبه، فقال # عزيز # [المجادلة: 21] يعني: غالب لا يغلب أبدا. وهنا قال: { المتين } ~~[الذاريات: 58] أي: الشديد في قوته، لأن القوة قد يصيبها الوهن فتضعف. ### || [51.59] # من أساليب القرآن أن يذكر المتقابلات، فبعد أن تكلم عن المؤمنين يتكلم ~~عن كفار مكة، فهم المقصودون بقوله تعالى: { فإن للذين ~~ظلموا.. } [الذاريات: 59] ظلموا بتكذيبهم وعنادهم لرسول الله ووقوفهم ~~في وجه الدعوة، فاستحقوا أن يكون لهم { ذنوبا مثل ذنوب ~~أصحابهم.. } [الذاريات: 59] أي: نصيب من العذاب مثل نصيب أصحابهم من ~~المكذبين في الأمم السابقة عاد وثمود وفرعون. والذنوب هو الدلو الذي ~~نخرج به الماء من البئر، والحبل الذي يشد به الدلو يسمى الرشاء، ~~فإن كان الماء كثيرا خرج الدلو ثقيلا بطيئا، لذلك قالوا: # وأبطأ الدلاء فيضا أملؤها # وأثقل السحائب مشيا أحفلها # والشاعر العربي يعبر عن هذا المعنى، فيقول: # وإذا امرؤ مدح امرءا لنواله # وأطال فيه فقد أطال هجاءه # لو لم يقدر فيه بعد المستقى # عند الورود لما أطال رشاءه # لأن بعد الماء في البئر يستدعي طول الرشاء، كذلك بعد النوال عند ~~الممدوح يستدعي طول المديح. إذن: استخراج الماء بالدلو كانت عادة عربية، ~~وإن كان الذنوب يصب له الماء ليشربوا في الدنيا، لكن الذنوب هنا سيصب ~~عليهم العذاب صبا. كما قال تعالى: # يصب من فوق رءوسهم الحميم # [الحج: 19] يصب على المكذبين من قريش، كما صب على قوم نوح وعاد وثمود ~~وقوم ms9543 فرعون، لأن الكفر ملة واحدة على مر العصور. لذلك لما تكلم الحق ~~سبحانه عن عذاب قوم لوط قال: # وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود * ~~مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد # [هود: 82-83] فالعذاب الذي نزل بالسابقين ليس بعيدا عن اللاحقين. وهنا ~~أكد على هذا المعنى فقال: { فلا يستعجلون } [الذاريات: 59] لأنه ~~واقع بهم لا محالة وغير بعيد عنهم، والمسألة مسألة وقت وأوان ينتظرهم. ### || [51.60] # كلمة ويل قالوا: واد في جهنم، وقالوا: ويل. يعني: هلاك وعذاب ولعن من ~~الله لهؤلاء الذين خرجوا عن طاعته ولم يؤدوا المهمة التي خلقوا من ~~أجلها وهي عبادة الله وحده. فلما استغنوا عن الله استغنى الله عنهم، ~~فأبعدهم من رحمته وخلدهم في عذابه، فلا يقضي عليهم فيموتوا، ولا يخفف ~~عنهم من عذابها. لذلك حكى الله عنهم: # ونادوا يمالك ليقض علينا ربك قال إنكم ~~ماكثون # [الزخرف: 77] وقال عنهم: # كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا العذاب.. # [النساء: 56]. وقوله تعالى: { من يومهم الذي يوعدون } ~~[الذاريات: 60] أي: يومهم الذي وعدهم الله به وحذرهم منه، فالله تعالى ~~لم يأخذهم على غرة، ولم يتركهم في غفلة، إنما بين لهم العواقب. فقال: # من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها.. # [فصلت: 46]. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-3] # نلاحظ أن مطلع سورة الطور يتشابه ومطلع سورة الذاريات قبلها، ففي ~~الذاريات يقسم الحق سبحانه: # والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات ~~يسرا * فالمقسمات أمرا # [الذاريات: 1-4] وجواب القسم # إنما توعدون لصادق * وإن الدين لوقع # [الذاريات: 5-6]. وهنا يقسم الحق سبحانه: # والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * ~~والبيت المعمور * والسقف المرفوع * والبحر ~~المسجور # [الطور: 1-6] وجواب القسم # إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع # [الطور: 7-8] فكلاهما يقسم على صدق الإخبار بيوم القيامة، وما فيه من ~~العذاب الذي لا يرد ولا يدفع. وحينما نتأمل المقسم به في الموضعين ~~نجده في سورة الذاريات أقسم بأشياء مادية، أقسم بالرياح والسحب التي ~~تحمل الماء الذي يحيي الأرض. وفي الطور أقسم بأشياء روحية قيمية، ~~فالمادة تسعدك في الدنيا، والقيم تسعدك في الدنيا ms9544 والآخرة، والدنيا مهما ~~طالت تنتهي إلى الآخرة الباقية التي لا نفاد لنعيمها. لذلك خاطبنا الحق ~~سبحانه بقوله: # يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ~~إذا دعاكم لما يحييكم.. # [الأنفال: 24] يخاطبهم وهم أحياء يرزقون، إذن: يقصد حياة أخرى غير هذه ~~الحياة، يقصد حياة القيم، حياة النعيم الدائم الذي لا يزول. وهذا معنى ~~قوله تعالى: # وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا ~~يعلمون # [العنكبوت: 64] الحيوان أي: الحياة الحقيقية التي لا يهددها فناء. ~~لكن لماذا أقسم الحق سبحانه هنا بالطور؟ قالوا: لأن الرسل كلموا ~~بالوحي، أما موسى عليه السلام فكلمه الله مباشرة بالكلام المباشر من ~~على هذا الجبل، ومن هنا كانت لجبل الطور منزلة خاصة. ذلك لأن بني إسرائيل ~~قوم عندهم لدد وعناد في الخصومة، ويميلون إلى المادية في كل شيء حتى في ~~الدين، لذلك قالوا لموسى: # لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة.. # [البقرة: 55] فلو قال لهم: إن الوحي أتاني سرا ما صدقوه. قوله تعالى: ~~{ والطور } [الطور: 1] الواو هنا واو القسم، فالحق سبحانه يقسم ~~بالطور أي جبل الطور، وقلنا: إن الحق سبحانه يقسم بما يشاء من مخلوقاته، ~~والطور وردت في القرآن عشر مرات لعظم هذه المكان عند الله. ومن على جبل ~~الطور كلم الله سيدنا موسى { وكتاب مسطور } [الطور: 2] كتاب أي ~~مكتوب وهو التوراة وفيها الألواح. ومسطور يعني: كتابة منظمة في سطور مش ~~منعكش. وقوله: { في رق منشور } [الطور: 3] الرق: كل ما يكتب ~~فيه من جلد، وهو أول ما كتبوا فيه أو عظم أو غيره { منشور } [الطور: ~~3] مبسوط غير مطوي أو مغلق، مثل تاجر القماش ينشر لك الثوب ويعرضه عليك، ~~وهذا يعني أنه ثوب جيد لا عيب فيه ولو كان فيه عيب ما نشره، وما أعطاك ~~الفرصة لتتفقده. فالحق سبحانه نشر كتابه وعرضه على الخلق ليقرؤوه، وهذا ~~يعني أنه كتاب محكم دقيق، لا عيب فيه ولا خلل. ### || [52.4-6] # معنى { والبيت المعمور } [الطور: 4] قسم بالبيت وهو الكعبة، ~~وهذا دليل على وجود أناس في هذا الزمن استجابوا لمنهج الله وذهبوا إلى ~~البيت وعمروه. وقالوا: البيت ms9545 المعمور في السماء وتطوف به الملائكة. ~~وكأن الله تعالى يقول لهم: # " إياكم أن تظنوا أني أترجى فيكم لتؤمنوا ولتأتوا إلى عمارة بيتي، ~~فعندي البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ~~من دخله مرة لا يدخله أخرى وهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره يعملون ". # ومعنى { والسقف المرفوع } [الطور: 5] أي: السماء سقف مرفوع ~~بلا عمد { والبحر المسجور } [الطور: 6] كلمة مسجور لها معنيان: ~~مسجور يعني مليء بالماء، والبحر قسمان: مالح وعذب. والعجيب أن الله تعالى ~~قال عنهما # ومن كل تأكلون لحما طريا.. # [فاطر: 12] فلا نأكل الفسيخ من البحر المالح، إنما نأكل منه السمك كالذي ~~نأكله من الماء العذب، فملوحة الماء لم تؤثر في طعم السمك. المعنى ~~الآخر: مسجور يعني مشتعل، نقول: سجره يعني: صيره نارا تشتعل، ومعلوم ~~أن الماء والنار من المتناقضات، فهذه البحار التي تزخر بالماء تأتي يوم ~~القيامة وقد اشتعلت نارا بعد أن تبخر ما فيها من ماء. ثم يأتي جواب ~~القسم: { إن عذاب ربك... }. ### || [52.7-8] # أي: عذاب الآخرة واقع أي حادث لا شك فيه، لأن الذي وعد به وأخبر به هو ~~القوي والقادر الأعلى الذي لا يرد أحد كلمته، ولا يقف أحد ليمنعه عن ~~إرادته، فالله سبحانه ليس له ند وليس له شريك، وليس له نظير ولا ~~معارض. ما دام الأمر كذلك { ما له من دافع } [الطور: 8] أي: لا ~~أحد يستطيع أن يدفع عذاب الله إن وقع، ولا يمنعه إن جاء موعده. ومتى ~~موعده؟. يقول: { يوم تمور السمآء... }. ### || [52.9-12] # الحديث هنا عن يوم القيامة، وفيه تمور السماء مورا، فهذه السماء وهذا ~~السقف المرفوع المحفوظ، وهذا البناء المحكم الذي قال الله فيه # والسمآء بنينها بأييد.. # [الذاريات: 47] أي: بقوة وإحكام، وقال: # وبنينا فوقكم سبعا شدادا # [النبأ: 12]. هذه السماء تمور يعني: تتحرك وتضطرب أو تتقطع، كما يحدث ~~للقماش القديم المهترىء، وفي موضع آخر عبر عن هذا المعنى بقوله سبحانه: # يوم تكون السمآء كالمهل # [المعارج: 8]. وهذا يعني أن بناء السماء تهدم وتفككت أوصاله كما ~~تهدم كل شيء في ms9546 الكون، حيث لم يعد لها مهمة، فمهمة السماء في الدنيا ~~أنها كانت من أسباب الحياة الدنيا. أما في الآخرة فلا حاجة للأسباب، ~~لأننا هناك نعيش بالمسبب سبحانه، لا حاجة لنا في هذه الأسباب التي نحيا ~~بها. لذلك يقول سبحانه في هذا اليوم: # وأشرقت الأرض بنور ربها.. # [الزمر: 69] يعني: لسنا في حاجة إلى الشمس، لأننا نستضيء بنور رب ~~الشمس ومسببها سبحانه. وقوله تعالى: { وتسير الجبال سيرا } ~~[الطور: 10] كما قال: # وإذا الجبال سيرت # [التكوير: 3] هذه الرواسي الثابتة كالأوتاد على ضخامتها تسير وتتحرك، ثم ~~تتفتت وتتناثر. قال سبحانه: # وتكون الجبال كالعهن # [المعارج: 9] أي: الصوف المندوف المتناثر، نعم فلم يعد لها مهمة، ~~كانت مهمتها تثبيت الأرض، والآن تهدم كل هذا النظام وتفكك. { ~~فويل يومئذ للمكذبين } [الطور: 11] ويل لهم، لأنهم ~~أخذوا بالأسباب وانتفعوا بها ونسوا المسبب، فها هي الأسباب تفنى ولم ~~يبق إلا مسببها الله الذي كفرتم به وكذبتم رسله، والآن لا يأخذ ~~خير المسبب إلا من آمن به وصدق رسله ساعة بقاء الأسباب. لذلك نقول: إياك ~~أن تغتر بالأسباب مهما طاوعتك ومهما أعطتك، واعلم أن وراء الأسباب ~~مسببها. تذكرون أن باكستان في فترة من الفترات خططت لزراعة مساحات ~~واسعة من القمح، وجاءت دراسة الجدوى تبشرهم بالاكتفاء الذاتي ثم ~~التصدير حتى لأمريكا، وفعلا زرعوا الفمح حتى قارب على الاستواء، فنزلت ~~عليه آفة أفسدته، وفي هذا العام استوردوا القمح لأنهم اعتمدوا على ~~الأسباب ونسوا المسبب سبحانه. أيضا في قصة قارون: # قال إنمآ أوتيته على علم عندي.. # [القصص: 78] فلما اغتر بعلمه وفهمه تركه الله وقال: احفظ مالك أيضا ~~بعلمك، ثم جاءته الطامة التي لا يستطيع أن يدفعها # فخسفنا به وبداره الأرض.. # [القصص: 81] فأين عنديتك الآن؟ نعم { فويل يومئذ ~~للمكذبين } [الطور: 11] الذين كذبوا بالله الموجد الأعلى ~~وكذبوا رسله، وظنوا أن الحياة الدنيا هي الغاية، وهي نهاية المطاف كما ~~يقول الذين يؤمنون بالطبيعة ويكفرون بالله. لذلك زاد في تعريفهم، فقال: { ~~الذين هم في خوض يلعبون } [الطور: 12] وفي موضع آخر قال: # فذرهم يخوضوا ويلعبوا.. # [المعارج: 42]. والخوض يكون في الماء، وفيه ms9547 إشارة إلى التخبط وعدم ~~الهدى، فأنت مثلا حينما تسير على قدميك على الأرض تستطيع أن تتحسس ~~مواضع قدمك، وتشعر بأماكن الخطر في الطريق لأنك تسير فيه على هدى ~~وبصيرة. لكن حينما تسير في الماء فأنت لا تعرف أين تضع قدميك ولا تأمن ~~العطب، لذلك حين نتأمل القرآن الكريم نجده لم يستخدم الخوض إلا في ~~الباطل، فقال: # ثم ذرهم في خوضهم يلعبون # [الأنعام: 91] وقال: # وإذا رأيت الذين يخوضون في ءاياتنا فأعرض ~~عنهم.. # [الأنعام: 68]. وقد عبر القرآن عن هذا المعنى، فقال: # الذين هم في غمرة ساهون # [الذاريات: 11] كأنهم في ماء يغمرهم ويتخبطون فيه. ### || [52.13-14] # الفعل: { يدعون.. } [الطور: 13] من دع نقول دعه. أي: دفعه بشدة ~~وعنف حتى كفأه على وجهه، ومنه قوله سبحانه: # أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع ~~اليتيم # [الماعون: 1-2] أي: يدفعه بقسوة. فالذي جاءه يتيم جاءه ليطلب منه حاجة ~~تقيم حياته، وكان بوسعه أن يعطيه أو يرده ويسكت عنه دون أذى، لكنه ~~دعه ودفعه وآذاه، لذلك استحق هذا الجزاء. كذلك الحال هنا مع هؤلاء ~~المكذبين { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا } [الطور: ~~13] أي: يساقون إليها دفعا شديدا قويا، دفعا فيه إهانة لهم، ومن ~~الذي يدفعهم نحو النار؟ إنهم الملائكة. ووالله لو كانوا بشرا لكان ~~كافيا في إذلالهم، كما ندفع المجرم في الدنيا إلى باب السجن مثلا، فما ~~بالك حين تدفعهم ملائكة العذاب إلى داخل النار، فإذا دخلوها تتلقاهم ~~ملائكة أخرى لهم معهم مهمة أخرى: # يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس ~~سقر # [القمر: 48]. إذن: الدع هنا يتناسب وقوة الملائكة، فكيف يكون؟ ومن ~~الإهانة لهم أن يقابلهم الملائكة بهذه الحقيقة: { هذه النار ~~التي كنتم بها تكذبون } [الطور: 14] أصبحت عيانا ~~تشاهدونها، وتقاسون حرها. ### || [52.15-16] # تأمل هذا التوبيخ والتقريع، فقد كانوا يتهمون الرسول ويقولون ساحر ~~ويقولون للقرآن سحر، فالآن يخاطبهم بنفس كلمتهم، يقول لهم { أفسحر ~~هذا.. } [الطور: 15] أي: هذا العذاب الذي تقاسونه أهو سحر؟ السحر ~~تخييل لا تتألمون منه، لكنكم تتألمون. إذن: ليس سحرا بل هو حقيقة { أم ~~أنتم لا تبصرون ms9548 } [الطور: 15] إما هذه وإما هذه. { اصلوها.. ~~} [الطور: 16] ادخلوها أي جهنم، وذوقوا حرها وعذابها. { فاصبروا ~~أو لا تصبروا.. } [الطور: 16] هذه أول مرة نرى الصبر لا فائدة ~~منه، وليس لهم أجر، إنه صبر هؤلاء على حر جهنم. { سوآء عليكم.. ~~} [الطور: 16] يستوي عندنا صبرتم أو لم تصبروا، فالأمران سيان، ولن ~~تخرجوا منها أبدا، وهذا ليس ظلما لهم إنما جزاء وفاقا. { إنما ~~تجزون ما كنتم تعملون } [الطور: 16] لم نأت بشيء من عندنا، ~~إنما هي أعمالكم نوفيكم إياها، فأنتم الذين وضعتم أنفسكم هذا الموضع. ### || [52.17-19] # ذكر المتقابلات سمة من سمات الأسلوب القرآني، ومظهر من مظاهر عظمته، ~~فكما قلنا: الضد يظهر حسنه الضد، لذلك كثيرا ما نقرأ هذه المتقابلات ~~كما في قوله سبحانه: # إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم # [الانفطار: 13-14]. وهنا بعد أن تكلم عن الكافرين وجزائهم في جهنم ~~والعياذ بالله يحدثنا سبحانه عن المتقين وما ينتظرهم من النعيم. فساعة ~~نقرأ هذه الآيات ونستحضر الصورتين المتقابلتين يقول المؤمن: الحمد لله أن ~~إيماني أنقذني من هذا المصير المخزي. ويقول الكافر: يا حسرتي لقد أبعدني ~~الكفر وحرمني هذا النعيم. فالمقابلة تفرح المؤمن وتحزن الكافر، تعز ~~المؤمن وتذل الكافر، لذلك قال تعالى: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185]. وقوله تعالى: { إن المتقين.. } [الطور: 17] ~~معنى التقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، وقلنا: إن الحق سبحانه ~~قال: # اتقوا الله.. # [البقرة: 278] وقال: # فاتقوا النار.. # [البقرة: 24] والمعنى واحد هو أن تجعل بينك وبين صفات الجلال لله ~~وقاية، وحين تقي نفسك من النار فإنك تقي نفسك من الله، لأنها جند من ~~جنود الله. وتلاحظ هنا { إن المتقين في جنات ونعيم } ~~[الطور: 17] المتقين جمع وجنات جمع. وهذا يعني أن لكل متق جنة خاصة ~~به، كما لو قلنا للتلاميذ: أخرجوا كتبكم. أي: ليخرج كل واحد منكم ~~كتابه، فمقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحادا. لذلك قلنا في آية ~~الرحمن: # ولمن خاف مقام ربه جنتان # [الرحمن: 46] فكيف نجمع بينهما؟ قالوا: جنتان، لأن الحديث هنا عن الإنس ~~والجن الثقلان # سنفرغ ms9549 لكم أيه الثقلان # [الرحمن: 31]. فالمراد: من خاف مقام ربه من الجن له جنة، ومن خاف مقام ~~ربه من الإنس له جنة. وحرف الجر { في جنات.. } [الطور: 17] يعني: أن ~~الجنات ظرف والمتقين مظروف، الجنة محيطة بالمتقي، ثم قال: { ونعيم } ~~[الطور: 17] لأن من في الجنة ليس بالضرورة أن يكون في نعيم. كما نرى ~~مثلا الباشا يجلس في حديقة منزله، وفيها الأشجار والزهور والثمار، وعنده ~~العامل يقصف الأشجار يقلمها ويرويها، فالحديقة نعيم فقط لصحابها، ~~لكنها لست نعيما لمن يعمل فيها. أما هؤلاء المتقون فهم في جنات وفي ~~نعيم، فهم يتنعمون فيها، لذلك أكد الحق سبحانه هذا المعنى، فقال ~~بعدها: { فاكهين بمآ آتاهم ربهم.. } [الطور: 18] أي: ~~فاكهين بما هم فيه من النعيم، وفاكهين يعني: فرحين. هذه إضافة أخرى لأن ~~الإنسان قد يكون في جنة وفي نعيم لكنه غير فرح بما هو فيه. وهذه المسألة ~~رأيناها مثلا في مصر بعد الثورة، حيث رأينا الباشا فلان عنده الحدائق ~~والبساتين وفيها ألوان الفاكهة والثمار ويأكل منها، لكنه غير فرح بها ~~وينغصها عليه خوف التأميم، لأنهم كانوا يأخذون الأرض منهم ويؤممونها ~~للدولة، فهو في جنة، وفي نعيم، لكنه غير فاكه بها. # ومعنى { بمآ آتاهم ربهم.. } [الطور: 18] أي: بالمسبب لا ~~بالأسباب. فالمتقون في جنات وفي نعيم وهم فرحون به فاكهون بما آتاهم ~~ربهم، وفوق ذلك وقبله: { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم } ~~[الطور: 18] وهذا من تمام النعمة، فيمكن بعد أن يدخل الجنة يخاف أن ~~يخرج منها النار. فيقول له: لا لأن الذي يدخلها يبقى فيها لا يخرج منها، ~~أو وقاهم عذاب الجحيم بداية قبل أن يدخلوا الجنة كما قال سبحانه: # فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز.. # [آل عمران: 185]. وقوله تعالى: { كلوا واشربوا هنيئا بما ~~كنتم تعملون } [الطور: 19] وفي آية آخرى قال تعالى: # فكلوه هنيئا مريئا # [النساء: 4] أي: في الجنة كلوا منها واشربوا هنيئا مريئا. فالهنيء هو ~~الطعام أو الشراب تتناوله فتجد له طعما ولذة تمتعك لحظة تأكل أو تشرب، ~~لكن ربما أحسست بعدها بآثار غير مرغوب فيها، كأن بعده ms9550 حموضة في ~~المعدة مثلا أو غازات وانتفاخات وغير ذلك. فهو إذن هنيء لكن ليس مريئا، ~~فالله يصف طعام الجنة وشرابها بأنه هنيء ومريء. يعني: يمري عليك ولا تجد ~~له آثارا ضارة. وإن كان طعام الجنة وشرابها ليس فيه شيء من هذا لأن ~~الإنسان هناك لا يأكل عن جوع، بل يأكل تفكها، وحتى لو لم يأكل لا فرق. ~~ثم يذكر سبحانه ألوانا أخرى من ألوان النعيم. ### || [52.20] # الاتكاء هيئة من هيئات الجلوس، لا يجلس على مقعدته إنما يجلس على جنب، ~~وهي جلسة تدل على الراحة والطمأنينة، وأنه لا يوجد شيء ينغصها. أما ~~المهموم والعياذ بالله فتجده في جلسته قلقا لا يكاد حتى يسند ظهره إلى ~~مسند، لماذا؟ لأن عنده ما يشغله حتى عن الراحة في الجلسة. فقوله تعالى: { ~~متكئين.. } [الطور: 20] دلت على هدوء البال وخلوه من ~~المنغصات والهموم { على سرر.. } [الطور: 20] جمع سرير، وهو ما ~~يجلس عليه. ولفظه يدل على السرور { مصفوفة.. } [الطور: 20] منظمة ~~منسقة، موصولا بعضها ببعض. لذلك لما ذهبنا إلى فرنسا شاهدنا هناك ~~فنادق غاية في الروعة والجمال والراحة، اندهش منها الناس، فقلت لهم: ~~تندهشون من هذا الذي أعده البشر للبشر، فما بالكم بما أعده رب ~~البشر للبشر؟ ومعنى: { وزوجناهم بحور عين } [الطور: 20] أي: ~~قرناهم بالحور العين، والفعل زوج يتعدى بنفسه تقول: زوجت فلانا ~~فلانة، لأن الزواج هنا مصلحة متبادلة يتمتع بها الزوج والزوجة معا. أما ~~في تزويج الحور العين فهي مصلحة من جانب واحد، فالمؤمن في الجنة يتمتع ~~بالزواج بالحوراء، أما هي فليس لها متعة في ذلك، فقال { وزوجناهم ~~بحور عين } [الطور: 20] فتعدى الفعل بالباء. ومعنى: الحور العين، ~~جمع حوراء وهي شديدة بياض العين وشديدة سوادها، والعين جمع عيناء، وهي ~~واسعة العينين في جمال وملاحة. ### || [52.21] # { والذين آمنوا.. } [الطور: 21] أي: آمنوا بالله وحده لا شريك ~~له، وأنه واحد أحد، واعتقدوا ذلك، واحد أي ليس معه غيره، وأحد أي في ~~ذاته، وأحد ليس له أجزاء # قل هو الله أحد # [الإخلاص: 1]. والإيمان لا يكون كاملا إلا إذا صحبه عمل بمقتضى ms9551 هذا ~~الإيمان، عمل بالمنهج الذي وضعه لك من آمنت به، لذلك قرن في مواضع ~~كثيرة بين الإيمان والعمل الصالح، فقال: # آمنوا وعملوا الصالحات.. # [الطلاق: 11]. وقوله تعالى: { واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان.. } [الطور: 21] فالرجل آمن وعمل صالحا واتبعته في هذا ~~ذريته من بعده، آمن مثله، لكن عمله دون عمل أبيه وأقل منه، فالحق سبحانه ~~بكرمه ورحمته بالذرية، وكرامة للأب المؤمن يرفع إليه ابنه إلى المرتبة ~~الأعلى. { ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من ~~عملهم من شيء.. } [الطور: 21] ما نقصناهم شيئا، زدنا الأبناء ~~ولم ننقص الآباء، لأن شرط الإيمان متوفر في الاثنين، أما العمل فإن ~~قل يجبر تفضلا من الله وتكرما. معنى ذرية هي النسل المتسلسل، ~~فذرية الرجل أولاده وأولاد أولاده، فالأب من الذرية، والابن من الذرية ~~ففيها تسلسل النسب، والذرية قسمان: ذرية قبل التكليف وذرية بعد التكليف. ~~والمراد هنا الذرية المكلفة والمطلوب منها الإيمان والعمل الصالح. ~~وكلمة { ومآ ألتناهم من عملهم من شيء.. } [الطور: ~~21] أي: أي شيء مهما كان صغيرا. وقوله تعالى: { كل امرىء بما ~~كسب رهين } [الطور: 21] رهين صيغة مبالغة على وزن فعيل، وهذا الوزن ~~يأتي فعيل بمعنى فاعل مثل رحيم أي: راحم. وتأتي فعيل بمعنى مفعول مثل ~~قتيل أي: مقتول. وهنا رهين بمعنى مرهون من الرهن، والرهن كما تعرفون شيء ~~عيني يجعله المحتاج للمال عند صاحب المال ضمانا له حتى يقضي دينه، ~~فالرهن موقوف على المال حتى يعود إلى صاحبه، كذلك العبد يوم القيامة ~~مرهون بعمله محبوس عليه. أو نقول: رهين بمعنى راهن فاعل أي: راهن عمله ~~إن خيرا وجده خيرا. وإن شرا وحده شرا. ### || [52.22-23] # قوله تعالى: { وأمددناهم.. } [الطور: 22] يعني: أن هذا عطاء جديد ~~فوق ما سبق وزيادة عليه { يتنازعون فيها.. } [الطور: 23] أي: في ~~الجنة يتنازعون الكأس أي: يتجاذبونه. وهذا التجاذب ليس عن خلاف أو بغضاء، ~~إنما عن موادعة وملاطفة وأنس، فكأنهم يشربون في متعة وانسجام وتدلل. { ~~يتنازعون فيها كأسا.. } [الطور: 23] الكأس هو الوعاء الذي ~~يشرب فيه الخمر، ولا يسمى كأسا إلا إذا كان ممتلئا فإن كان فارغا ~~فهو كوب. ومعنى ms9552 { لا لغو فيها.. } [الطور: 23] اللغو: العمل الذي ~~لا فائة منه، وهو الكلام الساقط الذي لا معنى له لكن لا إثم فيه { ولا ~~تأثيم } [الطور: 23] لا إثم فيه ولا يجرك إلى محرم. وهذه ميزة خمر ~~الآخرة، والفرق بينها وبين خمر الدنيا، أن خمر الدنيا تذهب العقل وتحمل ~~شاربها على الهذيان وفقدان العقل، وبالتالي يحدث منه اللغو، ويحدث منه ~~الإثم. أما خمر الآخرة فمنزهة عن هذا، لذلك وصفها الحق سبحانه بقوله: # وأنهار من خمر لذة للشاربين.. # [محمد: 15] إذن: صفاها الحق سبحانه من عيوبها، فليس لها من خمر الدنيا ~~إلا الاسم، وإذا رأيت الذي يشرب الخمر تراه يدلقها في خلقه هكذا مرة ~~واحدة لماذا؟ لأنها كريهة الطعم والرائحة. أما في الآخرة فيتذوقها ويتمتع ~~بلذتها، فإذا كانت خمر الدنيا بهذه الصفة فلماذا يشربونها؟ حين تسأل يقول ~~لك: لأنسى همومي وأحزاني ومشاكلي. وهذا عجيب لأن الله تعالى لا يريد ~~منا أن ننسى الهموم والأحزان ونفر منها، إنما يريد منا أن نعايشها ~~ونعرف أسبابها، ونحاول التغلب عليها. إذن: لا فائدة من نسيانها وسترها. ### || [52.24] # أي: يطوف عليهم في الجنة غلمان بكئوس الشراب. والغلمان جمع غلام وهو ~~الولد الصغير جميل الصورة. وفي موضع آخر قال تعالى في وصفهم: # ولدان مخلدون.. # [الإنسان: 19] يعني في سن صغيرة ثابتة لا يكبرون عنها، لأن الغلام ~~إذا كبر صار إلى الشيخوخة، أما هؤلاء فيقفون عند هذه السن ولا يكبرون. ~~ومعنى { لهم.. } [الطور: 24] أي: مخصصين لخدمتهم، لأن اللام تأتي ~~للملكية وتأتي للاختصاص، تقول: المال لزيد يعني ملكه. واللجام للفرس. أي: ~~يخصه لأن الفرس لا يملك اللجام، وكلمة لهم دلت على أن هذا الساقي ~~يخدمهم دون أجر يأخذه منهم ولا منفعة. وقوله سبحانه: { كأنهم ~~لؤلؤ مكنون } [الطور: 24] يعني: هؤلاء الغلمان في البياض ~~والصفاء أمثال اللؤلؤ، واللؤلؤ مشهور بصفائه وبياضه ولمعانه، فما بالك ~~إذا أضيف إلى ذلك أنه مكنون. أي: مصون ومحفوظ في أصدافه، قالوا: لأنه ~~حين يخرج من أصدافه يتعرض للغبار وللأتربة التي تشوب صفاءه. ### || [52.25-27] # الكلام هنا ما يزال عن أهل الجنة { وأقبل ms9553 بعضهم على بعض ~~يتسآءلون } [الطور: 25] يتسامرون، أو يسأل بعضهم بعضا { قالوا ~~إنا كنا قبل.. } [الطور: 26] أي: في الدنيا { في أهلنا ~~مشفقين } [الطور: 26] الإشفاق الخوف، والخوف يكون بكراهية المخوف ~~منه، ويكون هيبة وتعظيما لمن تخاف منه. والمراد هنا خوف الهيبة والتعظيم ~~لأنهم خائفون من الله، لكن لماذا؟ قالوا: يخافون التقصير في عبادة الله، ~~نعم أطاعوا وأدوا حق الله لكن ما عبدوا الله حق عبادته، فهو يستحق ~~أكثر من هذا. إذن: خوفهم فيه رجاء وفيه أمل في الله أن يتدارك هذا ~~التقصير، لذلك قال الله تعالى عن الملائكة: # بل عباد مكرمون # [الأنبياء: 26] وهم # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6]، ومع ذلك قال عنهم: # يخافون ربهم من فوقهم.. # [النحل: 50] أي: خوف مهابة وتعظيم. أو يكون المعنى { في أهلنا ~~مشفقين } [الطور: 26] أي: يخافون الموت أن يفرقهم ويشتت شملهم ~~بعد اجتماع، فإذا بهم في الآخرة أحسن مما كانوا فيه في الدنيا. أو خائفين ~~من عذاب الله في الآخرة. ومعنى { فمن الله علينا.. } [الطور: ~~27] أي: تفضل علينا وأعطانا فوق ما نستحق فضلا منه تعالى وتكرما، ~~من علينا منا لا يعقبه ضرر، ولا يعقبه عذاب { ووقانا عذاب ~~السموم } [الطور: 27] السموم والعياذ بالله هي اللهب الخالص، ~~وسمي السموم لأنه ينفذ من مسام الجسم. ### || [52.28] # يذكر هنا حيثية دخولهم الجنة ونجاتهم من النار، فالسبب أنهم كانوا كثيري ~~الدعاء، لم يقولوا بأعمالنا، ولكن بدعائنا وتضرعنا ورجائنا في الله، ~~ندعوه ربا رحيما، برا كريما، ونطمع في رحمته التي سبقت غضبه. { ~~إنه هو البر الرحيم } [الطور: 28] فاستجاب لنا استجابة ~~ظهرت آثارها في أننا دخلنا الجنة، وصرنا إلى أفضل مما كنا فيه بدون ~~تعب ولا هم ولا حزن، صرنا إلى نعيم لم يكن يخطر لنا على بال. و { ~~البر.. } [الطور: 28] واسع الكرم والإحسان { الرحيم } [الطور: ~~28] كثير الرحمة بخلقه تعالى، لأنه ربهم وخالقهم والمتكفل بهم، خلقهم ~~من عدم وأمدهم من عدم، ولم يكلفهم إلا بعد البلوغ واستواء العقل إلى ~~غير ذلك من النعم. ### || [52.29] # هذا أمر لسيدنا رسول الله صلى الله ms9554 عليه وسلم أن يذكر قومه، ~~والتذكير أن تعيد ما أخبرت به وتكرره مرارا، والتذكير لا يكون إلا ~~للنسيان، وهذه طبيعة البشر التي جبلهم الله عليها. والتذكير ينفع من وجوه ~~عدة: أولا ينفع المذكر لأنه حين يكرر التذكرة لا يحرم ثوابها، ثم ~~ينفع المؤمن الذي تذكره # وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين # [الذاريات: 55]. فأحداث الحياة تمر على المؤمن، ويمكن أن تضبب عنده ~~صفاء العقيدة، فالتذكير يزيل هذا الضباب ويمسح غبار الغفلة والنسيان. ~~لذلك كان سيدنا معاذ كثيرا ما يسأل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن المسائل الفائتة. فقال صلى الله عليه وسلم: # " تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأيما قلب أنكرها ~~نكتت فيه نكتة بيضاء، وأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى ~~تكون على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، ~~وآخر كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ". # كذلك التذكير لا مانع أن ينفع الكافر بدليل أن صناديد الكفر في مكة ~~آمنوا بالتذكير، المهم أن يصادف التذكير قلبا صافيا ليطفىء فيه حمية ~~الجاهلية. وقد رأينا هذه المسألة في قصة إسلام سيدنا عمر، وكان جبارا في ~~الجاهلية، ومع ذلك لما سمع القرآن تأثر به ورق له قلبه، لأنه لما لطم ~~أخته حتى سال الدم من وجهها تحركت عنده عاطفة الأخوة وما يلزمها من ~~الحنان ورقة القلب، فلما انفتح قلبه دخله نور الهدى فأسلم، إذن: نفعه ~~التذكير. وقوله سبحانه: { فمآ أنت بنعمة ربك بكاهن ~~ولا مجنون } [الطور: 29] الحق سبحانه ينفي عن رسوله هذه التهمة ~~التي اتهموه بها، وأكد هذا النفي باستخدام أسلوب الخطاب. { فمآ أنت.. ~~} [الطور: 29] واستخدام الباء في { بكاهن.. } [الطور: 29] يعني: ما ~~فيك شيء من الكهانة أبدا، والكاهن هو العراف الذي يدعي علم الغيب، ~~وكانوا كثيرين في هذا الوقت. وكانت لهم خلقة شاذة عن الخلق، فمثلا كان ~~منهم شق أنمار له نصف عين، ونصف أنف، ونصف فم، ونصف يد، ونصف رجل. ~~ومثل هذا ربنا رضي له شيئا من الصفاء، فكان الشياطين ينزلون عليه ms9555 ~~ويوحون إليه بأشياء من استراق السمع قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، وقيل ~~أن تغلق السماء في وجوههم، فكانوا يغرون الناس بأشياء فيها قليل من ~~الحقيقة وكثير من الباطل يزيدونه من عندهم فيضلونهم. وهؤلاء الكهان كانت ~~لهم كلمة مسموعة، وكان الناس يستشيرونهم ويأخذون برأيهم في كل أمور ~~دينهم ودنياهم. وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد ما يكون عن هذه ~~الصفة، كذلك نفى عنه صفة الجنون، والمجنون الذي لا عقل له، ولا يستطيع ~~أن يرتب الأشياء ولا أن يدبر حركة حياته. فهل شاهدتم شيئا من هذا ~~على رسول الله، وقد عرف بينكم برجاحة العقل وحسن التصرف والصدق ~~والأمانة؟ كيف وقد مدحه الله بقوله # وإنك لعلى خلق عظيم # [القلم: 4]. وقوله سبحانه: { فمآ أنت بنعمة ربك.. } ~~[الطور: 29] أي: أن نعم الله عليك كثيرة، ومنها أنك لست كما يقول، لا ~~كاهن ولا مجنون، أو ذكر بنعمة ربك لا بنعمة الكاهن ولا بنعمة المجنون، ~~ثم ينفي عنه تهمة أخرى، فيقول: { أم يقولون شاعر نتربص ~~به... }. ### || [52.30-31] # قالوا عن رسول الله بعد أن أعيتهم الحيل ولم يجدوا صدى لقولهم: كاهن ~~ومجنون قالوا شاعر ولم يفلحوا في هذه أيضا، لأن رسول الله جاء في أمة ~~أفصح ما يكون. عندهم ملكة البلاغة ودقة الأداء اللغوي والبياني، فهم ~~أدرى الناس بالشعر، ويعرفون أن ما جاء به محمد وما يتلوه عليهم ليس شعرا ~~وما جربوا عليه شيئا من هذا قبل بعثته. لذلك قال تعالى في إبطال ~~دعواهم: # قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ~~به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون # [يونس: 16]. أين عقولكم المفكرة، فقد عشت بين أظهركم أربعين سنة ما ~~جربتم علي قول الشعر، فهل تفجر عندي بعد الأربعين، ومعلوم أن ~~العبقريات تأتي في العقد الثاني من العمر. ثم ما الذي كان يضمن لي أن ~~عندي عبقرية تأتي بهذا الكلام قبل أن أموت؟ ثم أنا لا أقول لكم هذا ~~كلامي أنا. إنما هو من عند الله بوحي من الله لا يعطى لكاهن، ms9556 لأن الكاهن ~~إنما يتلقى عن الشياطين # وإن الشيطين ليوحون إلى أوليآئهم.. # [الأنعام: 121] ولا يعطى لمجنون، ولا يعطى لساحر ولا لشاعر. فلما ~~فشلوا في هذه أيضا قالوا: # أساطير الأولين # [القلم: 15] وقالوا: إن محمدا يختلف إلى رجل من أهل الكتاب يعلمه ~~هذا الكلام، لكن فضحهم القرآن وبين كذبهم وتضارب أقوالهم، فقال تعالى: # ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ~~لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. إذ: هذا كله عناد ولدد في الخصومة لا يثبت أمام العاقل ~~المتأمل. ومعنى { نتربص به ريب المنون } [الطور: 30] ~~ننتظر ما يجري عليه من أحداث الحياة ومباغتة الموت الذي يريحنا منه، ~~فرد الله عليهم { قل تربصوا فإني معكم من ~~المتربصين } [الطور: 31]. فالأمر هنا { قل تربصوا.. } ~~[الطور: 31] أمر للتهديد، كما تقول لخصمك أعلى ما في خيلك اركبه يعني: ~~افعل ما شئت، والمعنى: مهما فعلت فلن تنال مني شيئا. فالله يقول لهم: ~~تربصوا كما تريدون، فلن تنالوا منا ولن تكيدوا لنا، لأننا في حضانة ~~الله وفي أعين الله. وسبق أن جربتم، آذيتمونا بالكلام فلم تنالوا ~~منا، وآذيتمونا بالفعل فما تخلينا عن رسالتنا، آذيتمونا بالمكر والتبييت ~~على قتلنا، فرد الله كيدكم في نحوركم، ولما لم تفلحوا في الكيد الظاهر ~~ذهبتم إلى الكيد الخفي واستعنتم علينا بالجن وبالسحرة، فما وصلتم إلى ~~بغيتكم، وخيب الله سعيكم. إذن: تربصوا كما شئتم، واعلموا أننا ~~أيضا نتربص بكم، وقد شرح الله تعالى هذه المسألة في آية أخرى، فقال ~~سبحانه # قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن ~~نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده ~~أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون # [التوبة: 52]. أي: ماذا تنتظرون فينا إما النصر عليكم، وإما أن نقتل ~~فننال الشهادة وكل منهما حسنى، ونحن ننتظر فيكم: إما أن يعذبكم ~~الله في الآخرة بكفركم، أو يعذبكم بأيدينا حينما ننتصر عليكم. فتربصوا ~~بنا فلن تصلوا من الكيد لنا إلى شيء، لأننا في حضانة الله وفي أعين الله. ### || [52.32] # معنى الأحلام: العقول، والعقول حينما تأمرهم { بهذآ.. } [الطور: ~~32] أي: بهذا العناد ومصادمة ms9557 دعوة الله دليل على فساد هذه العقول وفساد ~~هذا التفكير، لأن العقول لو تركت للفطرة التي جبلت عليها ولو ~~تحررت من الأهواء ما انتهت إلا إلى الإيمان بالله ورسوله، وما وقفت ~~هذا الموقف. { أم هم قوم طاغون } [الطور: 32] الحق سبحانه ~~وتعالى كرر أم هنا في عدة مواضع ليعرض كل المواقف والاحتمالات التي ~~مروا بها، ومعنى { طاغون } [الطور: 32] متجاوزون للحد في الكفر ~~وفي العناد ومصادمة الدعوة. ### || [52.33-34] # { تقوله.. } [الطور: 33] اختلقه وأتى به من عند نفسه، ولما لم ~~تنطل هذه الفرية قالوا: # إنما يعلمه بشر.. # [النحل: 103] فرد الله عليهم # لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان ~~عربي مبين # [النحل: 103]. وهنا يرد عليه الحق سبحانه { بل لا يؤمنون } ~~[الطور: 33] يعني المسألة ليست مسألة قرآن من عند محمد، إنما المسألة ~~أنهم لا يريدون أن يدخلوا ساحة الإيمان، هكذا ظلما وعنادا ~~واستكبارا عن قبول الحق دون نظر ودون تأمل أو تفكير. فكل هذه التهم ~~التي حاولوا إلصاقها برسول الله أو بكتابه يعرفون أنها باطل أتوا بها ~~من عند أنفسهم، ليصرفوا محمدا عن دعوته، وهم يعلمون أنه صادق، وأن ~~القرآن حق، وأنه من عند الله، لكنهم لا يريدون أن يؤمنوا. لذلك ~~يعلمهم الحق سبحانه كيفية التفكير السليم الموصل إلى الحق، فيقول ~~لهم: # قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى ~~وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة.. # [سبأ: 46]. أي: اتركوا التفكير الجماعي والكلام الجماهيري، لأنه لا ~~يوصل إلى الحق. إذن: إذا فكرتم وأعملتم عقولكم بطريقة صحيحة فلابد ~~أن تصلوا إلى حقيقة، هي أن محمدا صادق فيما جاءكم به. والقرآن لا ~~يدعوهم إلى التفكر إلا إذا كان هذا التفكر سيصل بهم إلى هذه الحقيقة، ~~لذلك نقرأ كثيرا # أفلا يعقلون # [يس: 68] # أفلا تذكرون # [يونس: 3] # أفلا تتفكرون # [الأنعام: 50]. وقوله سبحانه: { فليأتوا بحديث مثله إن ~~كانوا صادقين } [الطور: 34] يعني: إن كان القرآن مختلقا كما ~~يدعون فليأتوا بقرآن مثله أي مختلق، وهم أقدر الناس على الكلام ~~والبيان، وأكثر الناس فصاحة، ولهم أسواق للخطابة وللشعر { إن كانوا ~~صادقين } [الطور: 34] أي: في هذا ms9558 الادعاء. ### || [52.35-36] # الحق سبحانه وتعالى يسوق لهم البراهين العقلية التي تثبت صدق رسوله في ~~البلاغ عن الله، ويتعجب من فعلهم، وكيف يكفرون بالله ويعاندون دعوة ~~رسوله. لذلك يسأل: { أم خلقوا من غير شيء.. } [الطور: 35] ~~كيف والخلق إيجاد من عدم، فهل جاءوا إلى الكون هكذا دون خالق؟ والعقل ~~يقول: إنه لا يمكن أن يوجد شيء إلا بموجد حتى في أتفه الأشياء. في هذا ~~الكوب الذي نشرب فيه الآن كوب كريستال شفاف بعد أن كنا نشرب في الصاج ~~أو الفخار، هل يعقل أن نقول إن هذا الكوب وجد هكذا بدون موجد؟ إذن: ~~لابد لهذا الخلق من خالق. ثم ينتقل إلى جزئية أخرى في مسألة الخلق: { ~~أم هم الخالقون } [الطور: 35] أي: الخالقون لهذا الخلق، وفي ~~موضع آخر قال تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله.. # [الزخرف: 87]. نعم لا يستطيعون أن يقولوا غير هذا، لأن الإنسان طرأ على ~~كون بديع فيه شمس وقمر ونجوم وأرض وماء وهواء وسماء وجبال، فكيف يقول: ~~أنا الذي خلقته وهو أقدم منه، ولا يستطيع أن يقول خلقت نفسي، ولو قالها ~~فمن الذي خلق أباك وسلسلها إلى أن تصل إلى آدم عليه السلام. إذن: هذا ~~التسلسل المنطقي لا بد أن يصل بنا إلى خالق خلق ولم يخلق، هو الحق ~~سبحانه وتعالى. لذلك قال بعدها: { أم خلقوا السماوات ~~والأرض بل لا يوقنون } [الطور: 36] فإذا لم يستطيعوا خلق ~~أنفسهم فهم من باب أولى ما خلقوا السماوات والأرض. وسبق أن قلنا: إن ~~مسألة الخلق هذه لم يدعها أحد لنفسه، والقضية تسلم لمن ادعاها إلى ~~أن يظهر له معارض، ولم يقل أحد أنه خلق السماوات والأرض. ### || [52.37] # يعني: أهم يملكون خزائن الأرزاق، فيرزقون من يريدون، ويحرمون من ~~يريدون، أو يملكون خزائن الرحمة فيرحمون من يريدون { أم هم ~~المصيطرون } [الطور: 37] أصحاب السلطة والسيطرة والأمر والنهي ~~والغلبة. والجواب: لا هذه ولا هذه، لأن الله تعالى فقط أمسك عنهم المطر ~~فجاعوا، حتى أكلوا أوراق الشجر العلهز، وهو الدم المخلوط بالوبر، ثم ~~ذهبوا يستسقون بعم النبي صلى الله ms9559 عليه وسلم. واعترفوا أن الخزائن خزائن ~~الله وليس لهم من الأمر شيء، بدليل أنهم مرة أغنياء ومرة فقراء، مرة ~~أقوياء ومرة ضعفاء. إذن: ليس عندهم خزائن شيء، الخزائن عند من تكرهه ~~وتكذب به. كذلك ليس لهم غلبة ولا سيطرة على مقاليد الكون ولا إدارة ~~الأمور، بدليل أن القلة المؤمنة هزمتهم على كثرتهم يوم بدر، وأسرت ~~صناديدهم وجاءوا يفاوضون رسول الله على أن يفدوهم. ### || [52.38-39] # يقول لهم: أعندكم { سلم.. } [الطور: 38] أي: مرقى ومصعد تصعدون به ~~إلى السماء فتأتون بمثل ما أتى به محمد، إذن: هذا قرار منك بأن السماء ~~فيها شيء، لكن ينقصكم السلم تصعدون به، والذي ليس عنده سلم أتاه الوحي ~~من السماء إلى عنده. { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } ~~[الطور: 38] أي: إن كان عندهم مستمع فليأت بحجة واضحة يغلب بها محمدا. ~~وقوله سبحانه: { أم له البنات ولكم البنون } [الطور: 39] ~~الآية تسفه أحلام القوم في مسألة البنات، فقد كانوا يحتقرون الإناث ~~ويفضلون الذكور. وقد سجل القرآن عليهم ذلك في قوله تعالى: # وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا ~~وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بشر ~~به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب.. # [النحل: 58-59]. وذكر وأدهم للبنات فقال: # وإذا الموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت # [التكوير: 8-9] ثم نسبوا لله الأدنى ولأنفسهم الأعلى، قال تعالى # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون # [الزخرف: 19]. وفي موضع آخر يبين الحق سبحانه تعديهم في هذه المسألة ~~فيقول: # ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى # [النجم: 21-22] أي: قسمة جائزة ظالمة. فكيف يكون لله الخالق الجنس ~~الأدنى ولكم الجنس الأعلى؟ ### || [52.40] # ما زالت الآيات تتساءل عن سبب إعراض هؤلاء القوم وتكذيبهم لمنهج الحق، ~~فهل سألهم رسول الله أجرا على دعوته لهم، فأثقل عليهم ذلك ولم يقدروا ~~على أدائه؟ والمغرم هو المال الذي يدفع في غير جناية أو حق، ومعنى ~~{ مثقلون } [الطور: 40] متعبون لا يقدرون عليه. وقد سجل القرآن في ~~عدة مواضع أن الرسل لم تطلب أجرا على ms9560 دعوتهم للناس، وأن أجرهم في ذلك ~~على الله الذي بعثهم، قال تعالى: # فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله.. # [يونس: 72]. ### || [52.41] # أم اطلعوا على الغيب فوجدوا أنهم أسياد في الآخرة كما كانوا أسيادا في ~~الدنيا، وأن آخرتهم ستكون أفضل من دنياهم، كالذي قال: { ولئن ~~رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا } ~~[الكهف: 36] والمعنى: أن دعوتك يا محمد لا تهمهم في شيء، لأنهم سيدخلون ~~الجنة على أية حال ومن أي طريق!! ### || [52.42] # أي: يريدون بك كيدا، والكيد هو الاحتيال والتدبير في الخفاء لإلحاق ~~الضرر برسول الله صلى الله عليه وسلم، وخطورة الكيد أنه يدبر في خفاء ~~فلا تراه لتواجهه، لذلك هو دأب الضعيف العاجز الذي لا يقدر على المواجهة. ~~وحين ينتهز الفرصة لا يضيعها كما قال الشاعر: # وضعيفة لما أصابت فرصة # قتلت وتلك طبيعة الضعفاء # وقوله سبحانه: { فالذين كفروا.. } [الطور: 42] أصحاب الكيد ~~والتدبير { هم المكيدون } [الطور: 42] كما قال سبحانه # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله.. # [فاطر: 43] لأنهم حين يكيدون يخفون كيدهم عن أمثالهم من الناس، لكن ~~حينما يكيد لهم الله فلا أحد يستطيع رد هذا الكيد، فكيده سبحانه ~~بالكافرين أليم وشديد. ومعنى { هم المكيدون } [الطور: 42] أي: ~~الواقع عليهم الكيد، فهي اسم مفعول. والدليل على أن الله خيب سعيهم أنه ~~أبطل كيدهم لرسول الله، بل وجعل كيدهم ينقلب عليهم، فهم كادوا لرسول الله ~~ليلة الهجرة، وأجمعوا على قتله وتآمروا عليه بحيث يتفرق دمه بين ~~القبائل، ومع ذلك التدبير والاحتيال هزىء بهم وألقى التراب على رؤوسهم، ~~ونجا هو ولم يصبه أذى. ### || [52.43] # هذا استفهام آخر: ما الذي صرفهم عن دعوة الله؟ ألهم إله غير الله الإله ~~الحق، ولو كان أين هو من مسألة خلق السماوات والأرض؟ ولماذا سكت ولم ~~يرد؟ والحق سبحانه وتعالى يناقشهم في هذه المسألة ويقول: # لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا ~~إلى ذي العرش سبيلا # [الإسراء: 42]. ثم يأتي عجز الآية ليوضح الاستفهام في أولها { ~~سبحان الله.. } [الطور: 43] تعالى وتنزه { عما يشركون } ~~[الطور: 43] وعما يدعون، لأن الله ms9561 واحد أحد فرد صمد ليس له ولد، ~~وليس له شريك، وليس كمثله شيء. ### || [52.44] # { كسفا.. } [الطور: 44] جمع كسفة، وهي القطعة العظيمة من السحاب، ~~ومعنى { مركوم } [الطور: 44] يعني: مجموع بعضه فوق بعض، كما قال ~~تعالى في موضع آخر: # ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله.. # [النور: 43]. انظر كيف تخدعهم الظواهر الكونية، حيث يظنونها نعمة فإذا ~~بها نقمة وعذاب، فحينما يرون قطع السحاب تمر بهم يظنون أنها تحمل ~~المطر والخير، فإذا بها تسقط عليهم عذابا. وهذا المعنى واضح في قوله ~~سبحانه: # فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا ~~هذا عارض ممطرنا.. # [الأحقاف: 24] أي: سحاب يسقينا # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * ~~تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى ~~إلا مساكنهم.. # [الأحقاف: 24-25]. وهذا يقول الحق سبحانه: { فذرهم حتى ~~يلقوا... }. ### || [52.45-46] # { فذرهم.. } [الطور: 45] دعهم واتركهم، والمعنى أنه لا فائدة منهم ~~ولا أمل فيهم، فاتركهم ولا تحمل نفسك في سبيل هدايتهم ما لا تطيق، وقد ~~خاطبه ربه بقوله: # فإنما عليك البلاغ.. # [النحل: 82]. إذن: فاتركهم { حتى يلقوا يومهم الذي ~~فيه يصعقون } [الطور: 45] أي: تصيبهم الصاعقة والهلاك، والمراد ~~يوم القيامة، ثم يزيد هذا اليوم بيانا فيقول: { يوم لا يغني ~~عنهم كيدهم شيئا.. } [الطور: 46] أي: كيدهم لرسول الله ~~وتآمرهم عليه. { ولا هم ينصرون } [الطور: 46] ليس لهم ناصر من ~~الله ولا دافع يدفع عنهم العذاب، لأن الأمر لله وحده في هذا اليوم. ### || [52.47] # المراد هنا كفار مكة، لأنهم ظلموا أنفسهم بالكفر وحرموها من نعمة تدوم ~~في الآخرة إن هم آمنوا، كما قال تعالى: # وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون # [النحل: 118] فهؤلاء لهم { عذابا دون ذلك.. } [الطور: 47] أي ~~قبل عذاب الآخرة سيلحق بهم العذاب في الدنيا { ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون } [الطور: 47]. ### || [52.48-49] # هذا أمر لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر لحكم الله وقضائه، ~~وهو أمر مصحوب بهذه الرعاية وهذه العناية التي ما اختص بها إلا سيدنا ~~رسول الله وسيدنا نوح عليهما السلام، وقد خاطبه ربه بقوله: # اصنع الفلك بأعيننا ووحينا.. # [المؤمنون: 27]. فالحق سبحانه ms9562 يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم ~~ويطمئنه: اصبر يا محمد على أذى القوم وأنت تحت نظرنا وفي رعايتنا ~~وحفظنا، فلا تهتم لما يفعلون. وهذه المكانة خص بها أيضا سيدنا موسى ~~عليه السلام في قوله تعالى # ولتصنع على عيني # [طه: 39]. إذن: فقوله تعالى: { فإنك بأعيننا.. } [الطور: 48] ~~منزلة أعلى تناسب مقام سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم { وسبح ~~بحمد ربك حين تقوم } [الطور: 48] أي: سبحه تسبيحا ~~مقرونا بالحمد { حين تقوم } [الطور: 48] أي: حين تقوم من مجلسك ~~تقول: سبحان الله والحمد لله، فهي كفارة لما قد يكون حدث في مجلسك وهي ~~تطهير للمجلس وخاتمة له، والقعود والجلوس بمعنى واحد وهيئة واحدة ولكن ~~القعود يكون عن قيام، والجلوس يكون عن اضطجاع، نقول: كان مضجعا فجلس، ~~وكان قائما فقعد. أو { حين تقوم } [الطور: 48] أي: حين تقوم من ~~نومك فتسبح الله وتحمده على أن أعاد عليك روحك، وأعاد إليك نشاطك بعد ~~النوم، وقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقول عندما نقوم: # " سبحان الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور " # ، وأن نقرأ عند القيام من المجلس سورة العصر فهي كفارة لما حدث فيه. ~~كذلك { ومن الليل فسبحه.. } [الطور: 49] أي: سبح ربك آناء ~~الليل، في أوله وفي آخره { وإدبار النجوم } [الطور: 49] أي في ~~وقت السحر حينما تغيب النجوم، فالمعنى سبح ربك في كل هذه الأوقات ~~فهو تسبيح موصول، ذلك لأن الله أنعم عليك وخصك بنعم تستوجب هذا التسبيح ~~وهذا الحمد. ### | [53 - سورة النجم] ### || [53.1-2] # الحق سبحانه وتعالى يقسم بما يشاء من مخلوقاته وهنا يقسم بالنجم، فالواو ~~واو القسم النجم مقسم به، والنجم يطلق في اللغة على معنيين: النجم ~~الذي في السماء كالشمس والقمر. وقد قال الله فيه # وعلامات وبالنجم هم يهتدون # [النحل: 16] أي: في سيرهم ليلا، والنجم هو العشب الذي لا ساق له ~~وترعاه الإبل في الصحراء. وقد جمع الحق سبحانه المعنيين في قوله تعالى: # الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر ~~يسجدان # [الرحمن: 5-6]. وجمعهما الشاعر فقال: # أراعي النجم في سيري إليها # ويرعاه من البيدا جوادي ms9563 # وتأمل هنا دقة الأداء القرآني، فالشمس والقمر دلت على نجم السماء، ~~والشجر دل بالمصاحبة على نجم الأرض، والجميع يسجد لله ويخضع له أعظم ~~شيء وأدنى شيء، الكل في الانقياد سواء. وفي موضع آخر قال سبحانه: # فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو ~~تعلمون عظيم # [الواقعة: 75-76] فالقسم بالنجم قسم بآية عظيمة من آيات الله، والقسم ~~بالنجم هنا يخص حالة من حالاته. { والنجم إذا هوى } [النجم: ~~1] أي: سقط، فالنجم علامة في السماء تهدي السائر وتدله، فإذا سقط ~~امتنعت الهداية، وامتنعت الفائدة، لكن محمدا صلى الله عليه وسلم ما ~~ضل وما غوى. { ما ضل صاحبكم وما غوى } [النجم: 2] وهذا ~~هو جواب القسم، وكأنه سبحانه يقول: وإن سقط النجم الذي يهدي السائرين، ~~فنجم محمد لا يسقط أبدا، نجم السماء يهدي للماديات وهي موقوتة، ونجم ~~محمد يهدي للقيم وللمعنويات وهي باقية دائمة. ومعنى { ما ضل.. } ~~[النجم: 2] أي: ما حاد عن الحق ولا مال عنه، ولا عدل عن سبيل الهدى { ~~صاحبكم.. } [النجم: 2] هو محمد صلى الله عليه وسلم، وصاحب القوم ~~واحد منهم محبب إليهم ذو مكانة بينهم { وما غوى } [النجم: 2] ~~الغواية هي الاعتقاد الباطل، فما اعتقد محمد اعتقادا باطلا أبدا حتى ~~قبل بعثته. ### || [53.3-6] # هذه الآيات امتداد لجواب القسم # ما ضل صاحبكم وما غوى # [النجم: 2] وهنا يقسم الحق على صفة أخرى لسيدنا رسول الله { وما ~~ينطق عن الهوى } [النجم: 3] النطق هو القول، أي ما يقول عن ~~هواه، ولا يأتي بشيء من عنده ولا باجتهاده. { إن هو.. } [النجم: 4] ~~أي: ما هو والمراد القرآن الكريم الذي نطق به محمد { إلا وحي ~~يوحى } [النجم: 4] أي: من عند الله، وهذا أسلوب قصر: ما القرآن إلا ~~وحي وليس شيئا آخر. { علمه شديد القوى } [النجم: 5] الذي ~~علمه محمدا وأوحاه إليه { شديد القوى } [النجم: 5] وهو أمين ~~الوحي جبريل عليه السلام. والقوى جمع قوة، فله قوى متعددة تناسب ~~مهمته، له قوة ذكاء في الاستقبال، وقوة في الحفظ. وقوة في الإرسال ~~والإلقاء، وليس لديه هوى يغير ما جاءه ولا خيانة ولا كذب. وهذه الصفات ms9564 هي ~~التي حمت القرآن من التغيير كما غيرت الكتب السابقة. وقد حكى الله ~~تعالى عن أهل الكتاب: # يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من ~~عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا.. # [البقرة: 79]. وكلمة { شديد القوى } [النجم: 5] فسرها في آيات ~~أخرى فقال، حتى قبل نزول القرآن: # إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه ~~إلا المطهرون # [الواقعة: 77-79]. وقال: # نزل به الروح الأمين # [الشعراء: 193]، وقال: # ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين # [التكوير: 20-21] هذه كلها صفات جمعت لجبريل عليه السلام. وهنا ~~قال: { ذو مرة فاستوى } [النجم: 6] أي صاحب مرة وهي القوة ~~في كل ما يتناوله، وهي الدقة التي لا تخطئ، والمرة صفة تقوى الشيء، ~~ترون الحبل مثلا عندما يفتل يكون فتله مناسبا لمهمته، فحبل الغسيل ~~مثلا غير الحبل الذي يشد به شراع المراكب. كذلك مهمة سيدنا جبريل مع ~~سيدنا محمد، أن يؤدي هذه المهمة بقوة ودقة وذكاء بحيث يأتي رسول الله ~~بصورة مقبولة لا ترد، صورة فيها تشويق لتلقي الوحي ولا تردها طبيعة ~~محمد البشرية، كذلك كان للكلام حلاوة لأنه كلام الله ليس كلام البشر، وله ~~ظواهر تدل عليه وعلى مصدره الإلهي. وأول ما جاء الوحي رسول الله أجهده، ~~لأنها المرة الأولى التي تلتقي فيها الطبيعة البشرية بالطبيعة الملائكية، ~~لذلك تصبب عرقا وبرد وقال: زملوني دثروني، إذن: أثر في جسده ونفسه، ~~حتى أنه خاف أن يكون ما حدث له شيئا من مس الشيطان. ولما أخبر السيدة ~~خديجة بالأمر وكان لها فطنة في هذه المسألة فقالت له: عندما يأتيك ~~أخبرني، فلما جاءه الوحي أخبرها فجلست على ركبته وقالت: أتراه؟ قال: ~~نعم، فكشفت عن صدرها وقالت: أتراه؟ قال: لا، قالت: إذن هو ملك وليس ~~شيطانا. # وتأمل هنا حصافة السيدة خديجة وما تتمتع به من فقه قبل نزول الإسلام، ~~وكأن الحق سبحانه أعد للإسلام أناسا من الرجال والنساء يستقبلون ~~خبره الأول ويؤيدونه ويصدقونه دون أن ينتظروا معجزة يرونها ~~ليصدقوه، لأن معجزة رسول الله عندهم كائنة في شخصه وفي سيرته بينهم، ~~معجزته بالنسبة ms9565 لهم في صدقه وأمانته وكرمه ومروءته. ويكفي أن نذكر في ~~هذا المقام موقف الصديق لما قالوا له: إن صاحبك يدعي أنه نبي ~~ويوحى إليه، فقال الصديق وكان عائدا من سفر: إن كان قال فقد صدق، ~~إذن: دليل صدقه في نظر الصديق أن يقول، مجرد أن يقول يكفي قوله ليصدق. ~~وهذا المعنى واضح في قوله سبحانه: # محمد رسول الله.. # [الفتح: 29] يعني: يكفي في تعريفه أنه محمد الذي تعرفونه هو رسول الله، ~~فمنزلة رسول الله بين قومه لا تحتاج إلى وصف ولا إلى تعريف فوق ذلك. وكان ~~المنتظر منهم أن يقولوا: ومن أولى بالرسالة منه، لكنهم قالوا كما حكى ~~القرآن # لولا نزل هذا القرآن على رجل من ~~القريتين عظيم # [الزخرف: 31]. ومن معاني { ذو مرة.. } [النجم: 6] أي: صاحب الخلق ~~الحسن والمنظر الحسن الجميل، فكان يأتي رسول الله بالمنظر الحسن الذي ~~يحبه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب النظر إلى دحية الكلبي فكان يأتي على ~~صورته. إذن: معنى { ذو مرة.. } [النجم: 6] أي: فيه كل الصفات الطيبة ~~التي تجعله مقبولا غير مردود، وهو موصوف مع ذلك بالقوة، فلما ظهر لرسول ~~الله بصورته الحقيقية ظهر في صورة طائر جميل له أجنحة. كما قال تعالى: # أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في ~~الخلق ما يشآء.. # [فاطر: 1] ويكفي في بيان قوته أنه ضرب قرى لوط بريشة واحدة من جناحه ~~فدكها وجعل عاليها سافلها. وما أدراك بمن { علمه شديد ~~القوى } [النجم: 5] فالتعلم يشرف بشرف المعلم، كما نرى مثلا ~~خطيبا مفوها لا يلحن في خطبته لحنا واحدا، فنقول: نعم فالذي درس ~~له فلان. كذلك الذي علم رسول الله هو جبريل بكل ما عنده من صفات ~~القوة والذكاء والأمانة والصدق.. { ذو مرة.. } [النجم: 6]. ومعنى { ~~فاستوى } [النجم: 6] علمه جبريل حتى استوى رسول الله ونضج في ~~عملية التحصيل الكافي لهداية العالم، فحمله هذه المهمة ليهدي الناس، ~~ومنه قوله تعالى في سيدنا موسى: # ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما ~~وكذلك نجزي المحسنين # [القصص: 14]. لكن كان الوحي في أوله يثقل على رسول الله كما ms9566 قال سبحانه: ~~{ سنلقي عليك قولا ثقيلا } [المزمل: 5] فأراد الحق سبحانه ~~أن يريح رسوله من هذا التعب ليعطيه الفرصة ليتذوق حلاوة ما ألقى إليه ~~ويشتاق إليه من جديد، فيكون الوحي أخف على قلبه وتهون عليه معاناته. ~~ومعلوم أن الإنسان عادة يتحمل المشاق في سبيل ما يحب، لذلك لما فتر الوحي ~~عن رسول الله ستة أشهر، فأخذها أعداء الدعوة فرصة وقالوا: إن رب محمد ~~قلاه، سبحان الله، الآن وفي المصيبة يعترفون برب محمد. # لذلك رد الله عليهم # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما ~~قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 1-5]. أي: ما ودعك ربك يا محمد وما قلاك، إنما أراد لك أن ~~ترتاح. ثم أعطاه مثالا من واقع حركة الكون، فما أنت بالنسبة للوحي إلا ~~مثل الضحى والليل، فالضحى للعمل، والليل للراحة، ثم يعاود من جديد لتقبل ~~عليه في نشاط وقوة، كذلك الوحي سيعاودك وسيكون أحب إليك وأيسر عليك، ~~وستكون الآخرة خيرا لك من الأولى. ثم إن كلمة الوداع # ما ودعك ربك وما قلى # [الضحى: 3] تدل في ذاتها على المحبة، فلم يقل هجرك مثلا إنما ودعك، ~~والوداع يكون على أمل اللقاء كما يودع الحبيب حبيبه عند سفره. ### || [53.7-9] # قالوا: الكلام هنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان بالأفق ~~الأعلى في رحلة الإسراء والمعراج، قال تعالى: # ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى # [النجم: 14-15]. يعني: رآه مرة في الأرض ومرة في السماء { ثم دنا ~~فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى } [النجم: 8-9] ~~أي: أنه صلى الله عليه وسلم بعد أن استوى وبلغ الغاية التي تؤهله لأداء ~~رسالته في البلاغ عن ربه تعرض لكثير من المتاعب والأذى من قومه بالقول ~~وبالفعل في مكة حتى لجأ إلى الطائف فأغروا به سفهاءهم، ورموه بالحجارة ~~حتى أدموا قدميه. وفي نفس العام ماتت زوجه خديجة التي كانت تخفف عنه ~~عناء ما يلاقي من قومه، ومات عمه أبو طالب الذي كان يحميه ويدفع عنه ~~عداوة قريش. لذلك سمي ms9567 هذا العام بعام الحزن كما تعلمون، حتى أنه صلى ~~الله عليه وسلم لما عاد من الطائف عاد مكسور الخاطر، ولم يجد في مكة من ~~ينزله في داره، وكما عز عليه النصير في الطائف عز عليه الجوار في ~~مكة، إلى أن استقبله المطعم بن عدي وكان كافرا، فأنزله في جواره، مما ~~يدلنا على أن الله تعالى قد يؤيد رسوله ودعوته حتى بالكفار. لذلك أراد ~~الحق سبحانه وتعالى أن يجبر خاطر نبيه، وأن يعوضه عن أذى أهل الأرض ~~له، فقال له: إن كانت هذه حفاوة أهل الأرض بك فسأريك حفاوة أهل السماء ~~فأخذه في رحلة الإسراء والمعراج لتكون تخفيفا عنه صلى الله عليه وسلم. ~~وهناك رأى الأفق الأعلى، وكان قاب قوسين أو أدنى من مقام ربه عز وجل، ~~وهذه هي المراد من قوله: # وللآخرة خير لك من الأولى # [الضحى: 4]. وبعد ذلك نصر الله دينه وأيد نبيه، وتساقط أهل الكفر ~~وصناديد قريش، واحدا بعد الآخر، حتى أن خالد بن الوليد يقول لعمرو بن ~~العاص: يا عمرو لقد استقام الميسم لصاحبك. يعني: استتب الأمر لمحمد ~~وعلا نجمه ولم يعد له منازع، فليس هناك فائدة إلا أن نذهب إليه ~~ونؤمن به، بعدها فتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا. إذن: الكلام ~~هنا { ثم دنا فتدلى } [النجم: 8] أي: رسول الله دنا من مقام ~~ربه ومن سدرة المنتهى. ومعنى { فكان قاب قوسين أو أدنى } ~~[النجم: 9] أي: مقدار قوسين. والقوس هو أداة الرمي المعروفة { أو ~~أدنى } [النجم: 9] أو أقرب من ذلك، فأو هنا تأكيد لمقدار قاب قوسين. ~~كما قال تعالى: # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147] فالزيادة هنا تؤكد وجود العدد مائة ألف، بحيث لا ينقص عن ~~ذلك بل يزيد. كذلك قاب قوسين أو أقرب من القوسين. ومن المفسرين من يرى ~~أن الكلام هنا عن جبريل، فيقولون { فاستوى } [النجم: 6] أي: ظهر ~~جبريل لمحمد على صورته الحقيقة وبأجنحته التي تسد الأفق، وقوله: { ثم ~~دنا فتدلى } [النجم: 8] دنا جبريل من محمد { فكان قاب ~~قوسين أو أدنى } [النجم: 9] أي: ms9568 قرب من رسول الله وصار منه ~~على هذه المسافة. ### || [53.10-11] # أي: أوحى الله تعالى إلى { عبده.. } [النجم: 10] محمد صلى الله عليه ~~وسلم { ما كذب الفؤاد ما رأى } [النجم: 11] هذا يعني أن رسول ~~الله لم ير الله تعالى بعينه، بل رآه بفؤاده وقلبه، فموسى سمع الكلام ~~في الأرض، ومحمد رأى ببصيرة قلبه في السماء. ومعنى { ما كذب ~~الفؤاد.. } [النجم: 11] تحذير للذين يشككون في هذه المسألة أو ~~ينكرونها، لذلك يأتي بعدها بهذا الاستفهام الإنكارى: { أفتمارونه ~~على... }. ### || [53.12-15] # الهمزة هنا للاستفهام الذي يفهم منه الإنكار والتعجب من تكذيبهم ~~لرسول الله فيما أخبرهم به بعد رحلة الإسراء والمعراج من صعوده للسماء ~~ورؤيته لربه عز وجل. والفعل { أفتمارونه.. } [النجم: 12] من ~~المراء وهو الجدل، لكن جدل بالباطل يراد منه التكذيب والتشكيك، ولا ~~يراد منه الوصول للحق. { ولقد رآه نزلة أخرى } [النجم: ~~13] أي: رأى رسول الله جبريل مرة أخرى { عند سدرة المنتهى } ~~[النجم: 14] السدرة: هي شجرة السدر التي عن يمين العرش. { المنتهى } ~~[النجم: 14] أي: عندها ينتهي علم الخلائق، ولا يتجاوزها أحد من الملائكة ~~فضلا عن البشر، وعند هذه السدرة رأى جبريل للمرة الثانية. وفي هذا ~~المكان من القرب فرضت الصلاة على سيدنا رسول الله، والصلاة هي الفريضة ~~الوحيدة التي فرضت مشافهة، وهذا يعني أن رسول الله سمع كلام الله في هذه ~~المشافهة. لكن لما سئل عن رؤيته لربه عز وجل قال: # " نور أنى أراه " # أي: كيف أراه، تعبير دقيق من رسول الله، فلما نظر لم يجد إلا نورا، ~~والنور لا يرى، وإنما يرى به الأشياء، فإذا كان الحق سبحانه نورا فلا ~~سبيل إلى رؤيته سبحانه. أما الرؤية في مثل قوله تعالى: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23] فالكلام هنا عن يوم القيامة، حيث يعاد الخلق على ~~هيئة أخرى غير هيئتهم في الدنيا. وبهذه الهيئة سوف يتمكنون من رؤية ربهم ~~سبحانه وتعالى، بدليل أننا بهذه الطبيعة الجديدة في الآخرة نأكل ولا ~~نتغوط، ونشرب ولا نتبول ولا نعرق، لماذا؟ لأن الله أعدنا إعدادا آخر ~~يناسب نعيم الآخرة. ms9569 ثم إننا نأكل في الدنيا من طهينا وإعدادنا، وأما فى ~~الآخرة فنأكل من طهي الله، طهي بحساب دقيق بحيث لا يبقى منه في الجسم أي ~~فضلات. كذلك من الإعجاز في رحلة الإسراء والمعراج أن رسول الله أعده ~~الله إعدادا خاصا ليتمكن من الصعود، فمن المعلوم أن الأكسجين ينعدم في ~~طبقات الجو العليا. وهذه الحقيقة قررها القرآن في قوله تعالى: # فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلم ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا ~~كأنما يصعد في السمآء كذلك يجعل الله ~~الرجس على الذين لا يؤمنون # [الأنعام: 125]. ومسألة رؤية الله تعالى مسألة خلافية كثر فيها الكلام ~~دون داع، فرسول الله رأى نورا، والرؤية الحقيقية تكون في الآخرة، ويجب ~~أن نقصر الكلام في هذه المسألة على ما ورد فيها، ثم هو علم لا ينفع وجهل ~~لا يضر. المهم المنهج الذي جاء به ومدى التزامنا بتطبيقه في حياتنا ~~العملية، وقمة هذا المنهج الصلاة التي فرضت عليه مباشرة لأهميتها في ~~حركة الحياة وتقويم المعوج منها. # وسبق أن أوضحنا مثالا وقلنا: إن الرئيس يبعث للموظف تأشيرة افعل كذا ~~وكذا، فإن كان الأمر أهم من ذلك اتصل به تليفونيا، وإن كان أهم ~~استدعاه إلى مكتبه وأخبره بما يريد مباشرة، هكذا كانت الصلاة. لذلك نراها ~~واجبة على كل مسلم ومسلمة لا تسقط أبدا على أية حال خلافا لباقي ~~العبادات التي تسقط بالأعذار. والحديث: # " بني الإسلام على خمس... " # يوضح هذه المكانة، فالصلاة من عمد الدين وقوائمه التي يقوم عليها، ~~ويوضح أيضا أن هذه الخمس ليست هي كل الإسلام، بل الإسلام أوسع مجالا ~~منها، الإسلام يشمل حركة الحياة كلها، بداية من قمة لا إله إلا الله محد ~~رسول الله إلى إماطة الأذى عن الطريق. لذلك نتعجب من الذين ينادون بفصل ~~دين الله عن سياسية الدنيا، ويقولون: لا سياسة في الدين ولا دين في ~~السياسة. فهذا قول باطل لا يصح، وهل يجوز أن نترك القاتل والزاني ~~والسارق وغيرهم من أصحاب الجرائم يعربدون في خلق الله دون عقاب أو ms9570 ~~رادع؟ ولأهمية الصلاة في حركة الحياة جعلها الله كتابا موقوتا، ~~ففرضيتها مقرونة بوقتها، وهذا الوقت موزع على مدى اليوم والليلة، ليظل ~~المؤمن على صلة دائمة بربه، وعلى ذكر دائم للمنهج، ولا يجوز تأخير الصلاة ~~عن وقتها إلا لعذر مقبول عند الشارع الحكيم. فمن نام عن صلاة فوقتها ~~حين يستيقظ، ومن كان ناسيا فوقته حين يتذكر، وفي هاتين الحالتين لا ~~تقضى الصلاة إنما تصلى حاضرا، أما إذا فاتته الصلاة تكاسلا وبدون عذر ~~فلا تقضى صلاته لأن لها وقتا مخصوصا وقد فوته على نفسه بدون عذر ~~شرعي. والحكمة من توقيت الصلوات بوقت محدد أن الإنسان لا يدري متى ~~يفاجئه أجله، فليبادر أولا بآداء صلاته في موعدها، والصلاة فيها دوام ~~واستمرار على مدى الساعات، على خلاف الحج مثلا، فهو مرة واحدة في العمر ~~كله. نقول: إذن لا داعي لأن نختلف حول رؤية الروسل لربه عز وجل في رحلة ~~الإسراء والمعراج، المهم أنه انتقل إلى مكان أعلى في التكليف، كان يكلف ~~وهو في الأرض والآن يكلف وهو في السماء، ويكفي أن الله تعالى كلمه دون ~~وحي، ويكفي أن يقول صلى الله عليه وسلم عن رؤيته لربه تعالى: # " نور أنى أراه؟ " # ولقائل أن يقول: لماذا جاءت الرؤية في السماء بالذات والله قادر أن ~~يتجلى على رسوله ويظهر له وهو في الأرض؟ نقول: المكان لا للمرئي ولكن ~~اللرائي، فالرائي لا يرى إلا في هذا المكان. كما لو قلت لكم مثلا ونحن ~~في المسجد: ظهر القمر، فقال أحدكم: لكني لا أراه. أقول له: يراه الذي ~~بالخارج أو فوق السطح. وقوله تعالى: { أفتمارونه على ما ~~يرى } [النجم: 12] تأكيدا للرؤية وترجيح لها وتحذير من التشكيك فيها، ~~ولم التشكيك إذا كان الأمر كله في هذه المسألة لله، ومحمد لم يدع لنفسه ~~قوة، بل قال: أسري بي؟ تذكرون لما تكلمنا عن قوله تعالى: # يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا ~~بسلطان # [الرحمن: 33] قال بعض العلماء: المراد سلطان العلم. قلنا: لا بل سلطان ~~من ms9571 الله القادر على ذلك، ولو أن المراد سلطان العلم لما قال تعالى بعدها: # يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران # [الرحمن: 35]. ولولا هذه الآية لكانت السماء مفتوحة يسهل للجن ~~اختراقها. ورؤية رسول الله لجبريل في قوله تعالى: { ولقد رآه ~~نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى } [النجم: 13-14] تعد ~~تشريفا لجبريل وتشريفا لرسول الله. والسدرة كما قلنا شجرة النبق، وهو ~~حب يؤكل في حجم الزيتون. وإذا كان النبق في الدنيا له شوك فسدرة المنتهى ~~لا شوك لها، فهي كما قال تعالى: # في سدر مخضود # [الواقعة: 28] يعني لا شوك فيه. وقال في وصف ثمارها أنها كقلال هجر أي: ~~كالبلاص الكبير. ثم لا تعجب من كون هذه الشجرة في السماء السابعة، فهذا ~~من طلاقة القدرة، ألم يجعل شجرة في جهنم والعياذ بالله، فقال سبحانه # إنها شجرة.. # [الصافات: 64] أي: شجرة الزقوم # تخرج في أصل الجحيم * طلعها كأنه رءوس ~~الشياطين # [الصافات: 64-65]. وقوله تعالى: { عندها جنة المأوى } ~~[النجم: 15] أي: التي يأوي إليها وينتهي إليها الشهداء الذين قتلوا في ~~سبيل الله، فكأنها جنة خاصة بهم غير جنة الآخرة التي تكون بعد الحساب. ~~فالذي مات شهيدا وضحى بروحه في سبيل الله يقول الله له: لا تموت عندي ~~فيبرئه من الموت مرة أخرى، كأنه يقول: أنا واهب الحياة وأنا الذي آخذها ~~فإذا أخذها غيري أكيده بأن أجعل الشهيد حيا عندي، موصولة حياته الدنيا ~~بحياته في البرزخ. تذكرون لما تكلمنا عن سيدنا يحيى عليه السلام. قلنا: ~~إن الله تعالى هو الذي سماه يحيى ونحن حينما نسمي أولادنا نختار الاسم ~~الحسن تفاؤلا به، فنسمي ذكي أملا في أن يكون كذلك، ونسمي سعيدا عسى ~~أن يكون سعيدا في حياته. لكن قد يأتي الواقع على خلاف ما نتمنى، نسميه ~~ذكي فيكون غيا، أو سعيد فنراه في الواقع شقيا، ذلك لأننا لا نملك تحقيق ~~ما نتمناه. فإن كان المسمى هو الله تعالى فلا شك أن تسميته تطابق ~~الواقع، لأن الله تعالى لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، ولا أحد ~~يستطيع الاعتراض على أمره. ms9572 فكانت تسمية يحيى إشارة إلى أنه سيحيا حياة ~~دائمة موصولة، والعلماء أصحاب الفهم عن الله فهموا من ذلك أنه سيموت ~~شهيدا، لأن الشهادة هي التي تضمن له استمرار الحياة، حيث تصل حياته ~~الدنيا بحياة الشهادة عند الله. ### || [53.16-17] # معنى { يغشى السدرة.. } [النجم: 16] يغطيها أو يحيط بها ~~ويسترها، وما تفيد الكثرة والشيء العظيم المستحق للتعجب، فسدرة المنتهى ~~يغشاها الكثير من المخلوقات العجيبة التي لا يعلمها إلا الله. فهي كما في ~~قوله تعالى قبلها # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10] أي: أوحى إليه بأمور كثيرة عظيمة وعجيبة، وكما تقول أكرمته ~~ما أكرمته. وقد ورد من هذه المخلوقات العجيبة حول سدرة المنتهى أشكال ~~وألوان عجيبة من الطيور، وإذا كنا نرى الكثير من عجائب الخلق في ~~الطيور في الأرض وما لها من أشكال جميلة نضعها للزينة في أقفاص في البيوت ~~وما لها من أصوات، فما بالك بطيور جعلها الله حول هذه السدرة في السماء؟ ~~وذكر أيضا جراد من ذهب، ولجراد الذهب هذا قصة مع سيدنا داود عليه ~~السلام. # " فيروى أنه كان يجلس على سطح منزله يعبد الله ويناجيه، وذات يوم رأى ~~جرادا من ذهب يحلق فوقه، ففرض له ثوبه، فصار الجراد يقع فيه فيأخذه ~~داود، فقال الله له: يا داود ألم أغنك؟ قال: بلى يا رب لكن لا غنى ~~لي عن فضلك ". # وقوله سبحانه: { ما زاغ البصر وما طغى } [النجم: 17] أي: ما ~~زاغ بصر سيدنا رسول الله في هذه الرحلة، وزاغ فعل بمعنى مال عن القصد، ~~وزاغ تعطي معنى راغ التي وردت في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام: # فراغ إلى أهله فجآء بعجل سمين # [الذاريات: 26] أي: مال إلى أهله ميلا خفيا لا يدركه الحاضرون. ~~والفرق بينهما النقطة على الزاي، لكن المعنى واحد وقريب منه، قولنا: فلان ~~زوغ. أي: خرج خفية بحيث لا يشعر أحد به، وقريب من هذا المعنى أيضا ~~قوله تعالى: # الذين يتسللون منكم لواذا.. # [النور: 63] أي: يتسللون خفية. وقوله بعدها: { وما طغى } [النجم: ~~17] ما طغى بصره ولا تجاوز الحد في الرؤية وما ms9573 مده لغير غايته، وهنا ~~نتعلم الأدب في النظرة، وكيف تكون في حدود المسموح به، كالضيف يدخل بيتك ~~في وجود أهلك وبناتك فلا تمتد عينه ليرى ما لا يجوز له رؤيته. ### || [53.18] # أي: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من آيات الله في رحلة ~~الإسراء والمعراج، آيات في الأرض وآيات في السماء، وكلمة { الكبرى } ~~[النجم: 18] مؤنث جمع كبيرة، وللمذكر كبير وأكبر. والمعنى أنه صلى الله ~~عليه وسلم رأى كثيرا من آيات ربه التي توصف بأنها آيات كبرى، أو رأى ~~الكبرى من الآيات كلها. وبعد أن حدثتنا الآيات وأقسمت على صدق ~~سيدنا رسول الله في البلاغ عن ربه، وذكرت لنا بعض الآيات الكونية ~~والمعجزات تنتقل بنا إلى المقابل، إلى الحديث عن الأصنام وعباد ~~الأصنام. ### || [53.19-22] # الاستفهام في { أفرأيتم.. } [النجم: 19] بمعنى أخبروني عن شأن ~~هذه الأصنام التي اتخذتموها آلهة من دون الله، وقد كانوا يتخذون الآلهة ~~على أشكال شتى، إنسان أو حيوان أو شجرة، وربما يتخذون صنما لا شكل له. ~~و { اللات.. } [النجم: 19] صنم على شكل رجل كان عندهم يلت العجين ~~ليريح النساء من هذا العمل الشاق، ومات ولم يترك خلفا بعده يقوم بهذا ~~العمل، فحزنوا لموته، وصنعوا له تمثالا تكريما لذكراه ثم بعد ذلك ~~عبدوه. و { والعزى } [النجم: 19] اسم شجرة كانوا يعبدونها، وقد أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم خالدا أن يذهب ويقطعها، وكان يقول: # يا عزى كفرانك لا غفرانك # إني رأيت الله قد أهانك # { ومناة الثالثة الأخرى } [النجم: 20] مناة أيضا اسم صنم ~~لهم، وقال: { الثالثة الأخرى } [النجم: 20] فهي ثالثتهم ولم ~~تكن على شكل إنسان أو حيوان، فقال: { الأخرى } [النجم: 20] على ~~سبيل تحقيرهم والاستهزاء بهم وبمن عبدوهم. الحق سبحانه وتعالى جعلهم ~~حكاما على ما يفعلون وعلى عبادتهم للأصنام، فقال لهم: أخبروني عن هذه ~~الأصنام هل تستحق أن تعبد، هل لها قدرة أو إرادة، وهي أحجار جئتم بها ~~بأيديكم وصورتموها على صورة تريدونها؟ ثم إذا سقط الصنم وأطاحت به ~~الريح أقمتموه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه، فكيف تعبدونها؟ وأين عقولكم؟ ~~لكنها طبيعة ms9574 التدين في الفطرة البشرية، فقد جبل الخالق سبحانه الإنسان ~~على التدين، وقبل أن يخلق آدم وهو ما يزال في عالم الذر وأخذ علينا ~~العهد ونحن في عالم الذر في ظهر آدم عليه السلام. فقال سبحانه: # وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ~~ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ~~قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك ~~آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون # [الأعراف: 172-173]. إذن: عبدوا الأصنام لما عندهم من إيمان الفطرة في ~~النفس، لكن الإيمان له تبعات ومطلوبات قد تشق على النفس وتقيد حركتها ~~نحو الشهوات، فيميل الإنسان إلى عبادة إله بدون تكليف ليرضي غريزة ~~التدين في نفسه، ومن هنا عبدوا الأصنام لأنها آلهة في زعمهم، لكن ليس لها ~~مطلوبات وليس لها منهج، وما عبدوها إلا لراحة مواجيدهم الإيمانية. ونلاحظ ~~هنا دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: { أفرأيتم اللات ~~والعزى * ومناة الثالثة الأخرى } [النجم: 19-20] ~~لأنهم عبدوا أيضا الملائكة من دون الله، لكن لم يذكرها مع اللات والعزى ~~ومناة، لأن الملائكة لا ترى. فلا يصح أن يقول: أفرأيتم الملائكة لأنهم ~~لم يروا الملائكة، إنما سمعوا عنها وآمنوا بها غيبا، وقالوا على كل ~~هؤلاء: شعفاؤنا عند الله، وقالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3] إذن: حتى في كفرهم بالله يتمحكون في الله. وقوله تعالى: { ~~ألكم الذكر وله الأنثى } [النجم: 21] استفهام للتعجب ~~والإنكار عليهم، حيث نسبوا لله تعالى الملائكة وجعلوها إناثا لوجود تاء ~~التأنيث بها. والملائكة مخلوقات لله تعالى نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا ~~تتناسل، ولا توصف بذكورة ولا بأنوثة. فهذا تعد في الحكم وقسمة سماها ~~القرآن { تلك إذا قسمة ضيزى } [النجم: 22] جائرة ظالمة، ~~لأنكم نسبتم لأنفسكم الجنس الأعلى ولله الجنس الأدنى، فالخطأ الأول أنهم ~~جعلوا الملائكة إناثا، والثاني أنهم عبدوها. والحق سبحانه يرد عليهم: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون # [الزخرف: 19]. وقال: # إنكم وما تعبدون من دون ms9575 الله حصب جهنم.. # [الأنبياء: 98] أي: وقودها الذي تتأجج به والعياذ بالله. فالمأزق الذي ~~وقع فيه عباد الأصنام أنهم قالوا: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3] ولو قالوا: ما نتقرب إليهم إلا ليقربونا إلى الله لكانت ~~مقبولة، لكن قالوا: نعبدهم وهو قول باطل، فرد الله عليهم: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم.. # [الأنبياء: 98]. فإن قلت: فما ذنب عيسى والعزير؟ وما ذنب الملائكة ~~وقد عبدوها من دون الله؟ والجواب في نفس الآية، تأمل # وما تعبدون.. # [الأنبياء: 98] فما هنا لغير العاقل ولم يقل: ومن تعبدون، فسيدنا ~~عيسى والعزير والملائكة لا يشملهم هذا الحكم. وتأمل كلمة { ضيزى } ~~[النجم: 22] تجدها كلمة غريبة في تركيبها وفي نقطها ولم تتكرر في مفردات ~~القرآن، جاءت هكذا عجيبة لتدل على أن فعلهم غريب وعجيب، وأن قسمتهم هذه ~~جائزة ظالمة، لأنهم نسبوا لله تعالى وهو الخالق الجنس الأدنى. أي: في ~~نظرهم هم. فالعقائد لا تفضل الذكر على الأنثى، فهما سواء في ميزان ~~الشرع، ولبيان هذه المسألة اقرأ مثلا في قصة السيدة مريم: # إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في ~~بطني محررا.. # [آل عمران: 35] أي: محررا وموقوفا على خدمة البيت، والخدمة في أماكن ~~العبادة خاصة بالذكور ولا تصح لها الإناث. # فلما وضعتها قالت رب إني وضعتهآ أنثى ~~والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى.. # [آل عمران: 36] أي: ليس كلأنثى في آداء هذه المهمة، فبين الله لها أن ~~الأنثى التي أريدها ستأخذ منزلة لم تأخذها أنثى غيرها. فالذكر الذي ~~طلبته ليس كالأنثى التي وهبتها لك، لأن هذه الأنثى سيكون لها منزلة في ~~تاريخ العقائد، موقف يرفعها على جميع النساء. لذلك لما تكلم عن نماذج من ~~النساء قال امرأة ولم يسم إلا مريم، فقال: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح ~~وامرأت لوط.. # [التحريم: 10] وقال: # وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون.. # [التحريم: 11] ولم يسمها إلا رسول الله، فقال: هي آسية بنت مزاحم. # فالحق سبحانه لم يسم هؤلاء، فهن نماذج لحالات مختلفة هدفها واحد ~~وهو حرية ms9576 العقيدة للمرأة، ولا أحد يستطيع أن يرغم أحدا على عقيدة ~~بعينها. أما مريم فسماها باسمها واسم أبيها # ومريم ابنت عمران.. # [التحريم: 12] لأنها نموذج فريد وحالة خاصة لن تتكرر بعدها. إذن: إبهام ~~الشخصيات له موضعه، وتعينها له موضعه، وكل له حكمته. ففي قصة أهل ~~الكهف ذكر قصة الفتية # إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى # [الكهف: 13] ولم يعين القرآن أسماءهم ولا عددهم، ولم يذكر عنهم إلا ~~وصف الإيمان بالله، وهذا هو القدر المراد في قصتهم ولا يهم بعد ذلك ~~عددهم أو أسمائهم، فهو علم لا ينفع، وجهل لا يضر كما يقولون. فهم نموذج ~~للفتية المؤمنين المتمسكين بعقيدتهم المجابهة للظلم في أي زمان وفي ~~أي مكان، بأي عدد وبأي صورة، ولو عينهم وسماهم لكانوا حالة خاصة ~~ليس بالضرورة أن تتكرر. وأحب أن أستدرك الحديث عن مسألة رؤية سيدنا ~~رسول الله لربه، لأنها مسألة كثر فيها الكلام بين المفسرين، وتباينت ~~فيها الآراء بين مؤيد ومعارض. وأقول: أولا إنها مسألة لا تضر أصل ~~العقيدة، لأنها لا تأتي بشيء جديد إلا أن نعرف منزلة محمد من ربه، ~~فالذين يحبون رسول الله يريدون أن يصلوا به إلى مرتبة أنه رأى ربه ~~فيثبتون له ذلك. وآخرون محبون أيضا لرسول الله لكنهم يريدون أن ~~يجنبوا الناس متاهات الشك، فيحاولون تخفيف هذه المسألة بأنها رؤية على ~~غير الحقيقة. ونحن بدورنا نريد أن نبسط المسألة تبسيطا ييسرها ~~على الجميع، ومن الطبيعي أن تختلف آراء العلماء، وهو اختلاف يعزز ~~الدين في ذاته ولا يقدح فيه. والمتتبع لآيات سورة النجم من أولها يجدها ~~تحدثت عن الوحي في موضعين: الأول: # إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى # [النجم: 4-5] والمراد: الوحي الذي نزل به جبريل على محمد وهو في الأرض. ~~إذن: فقوله تعالى بعدها: # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10] ليست بالمعنى الأول، بل تضيف جديدا، فالوحي فيها يقصد به ~~الوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد. بدليل أن الآية هنا لم تذكر ~~جبريل واسطة الوحي، ثم أبهمت الوحي فقالت: # مآ أوحى # [النجم: ms9577 10] والوحي الذي نزل به جبريل معلوم وغير مبهم. كما أن إبهام ~~الوحي هنا يدل على عظمه، وأنه شيء كثير فوق الحصر، أو أنه شيء غريب ~~وعجيب كما جاء في قوله تعالى: # فغشيهم من اليم ما غشيهم # [طه: 78]. إذن: نحن أمام نوعين من الوحي، وإذا كانا بمعنى واحد فما ~~ضرورة أن يذهب رسول الله في هذه الرحلة من الأرض إلى السماء ما دام ~~جبريل ينزل عليه. ويوحي إليه؟ نفهم من ذلك أن # فأوحى إلى عبده مآ أوحى # [النجم: 10] عطاء جديد لرسول الله، لكنه عطاء مغلف بالغيب، فليست كل ~~العقول مهيئة لتقبله، وعلى قدر صفاء النفس يكون الاقتناع بمثل هذه ~~المواقف، والناس يختلفون كثيرا في هذه المسألة. # ومن هنا رأينا المؤيد والمعارض، والحمد لله فهذا خلاف لا يقدح في ~~العقيدة، والحق سبحانه وتعالى خاطب الجميع من اكتفى بالفرائض، ومن ~~زاد عليها وأوغل في النوافل، جعل لكل عطاء يناسبه. والوحي المباشر من ~~الله تعالى لنبيه محمد يقتضي القرب، ويقتضي السماع، وقد أوضح سيدنا ~~رسول الله الرؤية فقال: # " نور أنى أراه " # ، فقد رأى صلى الله عليه وسلم النور، وهل بعد ذلك غاية تدرك؟ وقد ورد ~~في أثر ما يؤكد هذا أن رسول الله ضرب على صدر أحد الصحابة حتى أحس برد ~~أنامله. وقال: أعطاني ربي ثلاثة أوعية: وعاء أمرني بتبليغه وهو الصلاة، ~~ووعاء خيرني فيه يعني: أبلغه لأصحاب الصفاء الذين يحسنون الاستقبال عني ~~وأكتمه عن الذين لا يحسنون الاستقبال، ووعاء نهاني الله عنه وفي هذا ~~الوعاء أمور فوق مدارك البشر جميعا ولا تتحمله عقولهم فأمر رسول الله ~~بأن يكتمه. والصحابة أنفسهم كانوا يتفاوتون في فهم مثل هذه الأمور، ~~فسيدنا عمر لما طاف بالكعبة ووقف أمام الحجر الأسود قال: والله إني لأعلم ~~أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما ~~قبلتك. يريد عمر أن يلفتنا إلى أن العمل العبادي لا يؤدى لذاته، ~~إنما ثقة في الآمر به. أما سيدنا علي فعنده لون آخر من الفيض ومن ~~الفهم، فيأتي سيدنا عمر ms9578 ويقول له بينه وبينه: يا أمير المؤمنين، ولكني ~~أعرف أنه يضر وينفع، ألا يشهد لصاحبه يوم القيامة. إذن: ليس بالضرورة أن ~~نعلم كل شيء، والله يقول: # ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الإسراء: 85] مهما كنت، وعندنا في حياتنا اليومية نغلف الشيء النفيس في ~~أكثر من غلاف، فنضعه في ظرف، والظرف في خزينة محكمة، والخزينة في مكان ~~خاص، فما بالك إذا كان الأمر خاصا برؤية الله جل وعلا، فلا بأس أن ~~تغلف في هذه الأساليب ولكل عقل أن يتقبل منها ما يريد. ثم في قوله ~~سبحانه: # أفتمارونه على ما يرى # [النجم: 12] الوحي يرى أم يسمع؟ الوحي يسمع، فلماذا قال # على ما يرى # [النجم: 12] إذن: لابد أن يكون هناك رؤية. والذين لا يقبلون الرؤية ~~يستشهدون بقوله تعالى: # لا تدركه الأبصر وهو يدرك الأبصر.. # [الأنعام: 103]. نعم لا تدركه الأبصار، فقد حدد آلة الإدراك وهي ~~الأبصار، وهذا يعني أنه لا مانع أن يدرك بغير الأبصار، فالمنع هنا ~~للأبصار فقط، فحين يرد خبر معناه: انعكس بصري على بصيرتي، فرأيت من لا ~~كمثله شيء لابد أن نفهم أن المسألة فيها تغليف وستر لأمر نفيس وعجيب. ~~بل إن المتدبر للآيات يجدها تذهب إلى أبعد مما تتكلمون فيه، اقرأ: # أفتمارونه على ما يرى # [النجم: 12] وبعدها # لقد رأى من آيات ربه الكبرى # [النجم: 18] يعني: رأى أكثر من الذي تتكلمون فيه، فما حالكم لو أخبرناكم ~~بكل ما رأى؟ وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام لما قال لربه: # رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر ~~إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما ~~تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا.. # [الأعراف: 143]. تأمل أولا # لن تراني.. # [الأعراف: 143] ولم يقل: لن أرى، يعني: لن تراني يا موسى وأنت على هذه ~~الهيئة لأنها لا تمكنك من الرؤية، لكن تجلى للجبل والتجلي يقتضي ~~الرؤية. إذن: الأمر هنا في الرائي ومدى استعداده للرؤية. ومحمد مثل موسى ~~في هذه المسألة، لكنه لما صعد إلى السماء أخذ شيئا من الملائكية تمكنه ~~من الصعود والاختراق، ملائكية ms9579 غطت على بشريته وتغلبت عليها. ### || [53.23] # ما زال الكلام موصولا عن الأصنام: اللات والعزى ومناة، فيخبر عنها الحق ~~سبحانه { إن هي.. } [النجم: 23] أي: ما هذه الأصنام { إلا ~~أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله ~~بها من سلطان.. } [النجم: 23] أسماء من تأليفكم لأصنام من صنع ~~أيديكم. ومعلوم أن الاسم يوضع ليدل على مسمى، أما هذه الأصنام فأسماء ~~دون مسمى فهي باطلة، قلتم آلهة وهي حجارة لا تضر ولا تنفع. { ~~سميتموهآ أنتم وآبآؤكم.. } [النجم: 23] لأنهم ورثوها عن ~~الآباء والأجداد كما حكى عنهم: # إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ~~ءاثارهم مقتدون # [الزخرف: 23] إذن: أقروا بخطأ آبائهم، وأنهم سائرون على منهجهم. ثم ~~يبين لهم بطلان معتقداتهم { مآ أنزل الله بها من ~~سلطان.. } [النجم: 23] أي: هي من عند أنفسكم ليست من عند الله، ولا ~~برهان ولا دليل على صدقها، وأنتم وآباؤكم لستم مشرعين. فالتشريع ~~والأمور العقدية لا تؤخذ عن البشر، إنما تؤخذ عن الله، وهؤلاء لا ~~يتبعون هدى الله، إنما { إن يتبعون.. } [النجم: 23] إن نافية ~~بمعنى: ما يتبعون { إلا الظن وما تهوى الأنفس.. } [النجم: ~~23] لا يتبعون حقائق ولا واقع. الظن نسبة من النسب الكلامية الست التي ~~سبق أن بيناها، وهي: العلم والجهل والتقليد والشك والظن والوهم، ~~فالنسبة الكلامية إن كان لها واقع مجزوم به ويمكن إقامة الدليل عليها ~~فهي علم، وإن كان لها واقع مجزوم به وليس عليها دليل فهي تقليد. فإن ~~كانت النسبة الكلامية ليس لها واقع فهي جهل، هذا في النسبة المجزوم بها، ~~فإن كانت النسبة الكلامية غير مجزوم بها يعني تحدث أو لا تحدث، فإذا ~~تساوت الكفتان فهذا الشك، فإن كان الوقوع راجحا فهو الظن، وإن كان ~~الوقوع مرجوحا فهو الوهم. والظن يمكن العمل به في الأمور العادية، فلو ~~أردنا مثلا السفر إلى الإسكندرية فقلت لصاحبي: هذا الطريق سهل وعليه ~~متطلبات السفر، فقال: الطريق الآخر أظن أنه أفضل لأنه حديث وكذا وكذا، ~~فيجوز أن أترك اليقين الذي أعلمه عن الطريق وأسلك الطريق الآخر المظنون، ~~لأن الاختيار لو كان خطأ فالضرر الحاصل ms9580 به قليل. أما في مسائل الدين ~~والعقيدة فيجب الأخذ باليقين لا بالظن، والحق سبحانه يخبر عن هؤلاء أنهم ~~اتبعوا الظن في أمور العبادة، فقالوا: إن لله تعالى جلالا وكبرياء، ولا ~~نقدر أن نلتحم به ونعبده، ولكن نعبد شيئا آخر يوصلنا إليه ويشفع لنا ~~عنده. إذن: قوله تعالى: { إن يتبعون إلا الظن.. } [النجم: ~~23] أي: في العقيدة { وما تهوى الأنفس.. } [النجم: 23] في السلوك ~~والعمل يتبعون هوى النفس، والهوى يطلق على ما يذم من مطلوبات النفس. { ~~ولقد جآءهم من ربهم الهدى } [النجم: 23] اللام ~~للتوكيد، وقد حرف تحقيق. يريد سبحانه أن يؤكد على هذه الحقيقة، وهي أن ~~هدى الله جاءهم وبلغهم رسول الله منهج الله، ومع ذلك تركوا الحق واليقين، ~~واتبعوا الظن وما تهوى الأنفس، ولو اتبعوا الظن والهوى قبل أن يأتيهم ~~منهج الحق لكان لهم عذر، أما وقد فعلوا ذلك بعد أن جاءهم الهدى من الله ~~فلا عذر لهم ولا حجة. ### || [53.24-25] # أيظنون وقد فعلوا من الانصراف عن هدى الله إلى ظنون كاذبة، أيظنون أن ~~الإنسان يسير في الدنيا على هواه؟ وأن له ما تمنى حتى لو كانت أمانيه ~~مخالفة لمنهج ربه؟ الواقع أنه ليس له ذلك، لأن الدين والعقيدة لا تؤخذ ~~بالأماني، والحق سبحانه ليس على هواك. والتمني طلب شيء لا يمكن الوصول ~~إليه وغير ممكن الحدوث، والتمني لا يعني إلا أنك تحب هذا الشيء الذي ~~تتمناه، نعم تحبه لكنه لن يحدث، كما قال الشاعر: # ألا ليت الشباب يعود يوما # فأخبره بما فعل المشيب # فهم يتمنون ذلك، يتمنون أن يكون للإنسان ما يريده وما يحبه دون ~~ضوابط، فهذه أمنية، والأمنية شيء يحبه الإنسان، لكنه لا يتحقق، لأن ~~الإنسان لا يملك الظروف المتعلقة به، ولا يملك الأسباب التي تحقق له كل ~~ما يريد، بل له رب يقدر الأقدار والأفعال والخير والشر. وفي آيات ~~متعددة يبين الحق سبحانه أمنية هؤلاء، فمن أمانيهم قولهم: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3] ومن أمانيهم ما حكاه القرآن عن صاحب الجنة في سورة الكهف: # ولئن رددت ms9581 إلى ربي لأجدن خيرا منها ~~منقلبا # [الكهف: 36]. وفي موضع آخر قال أحدهم: # ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى.. # [فصلت: 50] وهكذا تمني الإنسان لنفسه لا يقف عند حد، قال تعالى: # لا يسأم الإنسان من دعآء الخير وإن مسه ~~الشر فيئوس قنوط # [فصلت: 49]. ومن أمانيهم ما حكاه القرآن عن الوليد بن المغيرة: # أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا ~~وولدا * أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن ~~عهدا # [مريم: 77-78] لا هذا ولا ذاك، لأنه ما اطلع على الغيب، وليس له عند ~~الله عهد بأن يعطيه ما يريد. ثم يرد الله عليه: # كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا * ~~ونرثه ما يقول ويأتينا فردا # [مريم: 79-80]. إذن: ليس للإنسان ما تمنى، وكيف يكون له ذلك والأمر كله ~~لله وحده في الأولى وفي الآخرة { فلله الآخرة والأولى } ~~[النجم: 25] هنا أسلوب قصر بتقديم الخبر الجار والمجرور على المبتدأ، أي: ~~لله وحده { الآخرة والأولى } [النجم: 25]. فقدم الآخرة لأنهم ~~قالوا عن الأصنام: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فأخبر أن الآخرة لله وحده، ~~ولا تنفعكم هذه الشفاعة لأنها باطلة { والأولى } [النجم: 25] أي: ما ~~يتمنونه في الدنيا مما لا قدرة لهم على تحقيقه. وقالوا: قدم الآخرة ~~على الأولى مع أن الترتيب الأولى والآخرة، لأن الآخرة هي محل النزاع بين ~~مصدق بها ومنكر لها، ومحل شك في وقوعها، لذلك قدمها على الأولى ~~للتأكيد على أنها حق، وحق آكد من الأولى التي عاينتموها. ### || [53.26] # لما اعتقدوا في الأصنام أنها تشفع لهم عند الله، وقال: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3] فرد الله عليهم بما يبين بطلان اعتقادهم، فكيف تنتظرون ~~شفاعة الأصنام عند الله، والملائكة المقربون والعباد المكرمون عنده ~~سبحانه ليس لهم شفاعة إلا بإذنه سبحانه. قوله تعالى: { وكم من ~~ملك.. } [النجم: 26] أي: كثير من الملائكة، فكم هنا خبرية تفيد ~~الكثرة، لأنها تسأل عن عدد لا حصر له { لا تغني شفاعتهم ~~شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ~~ويرضى } [النجم: 26]. إذن: هنا شرطان لقبول شفاعة ms9582 الملائكة، الشرط ~~الأول: أن يأذن الله للملك أن يشفع، الثاني: أن يرضى عن المشفوع له، ~~ولا يرضى الله إلا عن أهل التوحيد الخالص، فهذه كرامة للشافع، وكرامة ~~للمشفوع فيه. يقول تعالى في آية الكرسي # من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه.. # [البقرة: 255]. فإذا كان هذا حال الملائكة في قبول الشفاعة وهم عباد ~~مكرمون لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون، وقال عنهم # لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون # [التحريم: 6] فكيف إذن بشفاعة الأصنام؟ ونلاحظ على الأداء القرآني في ~~هذه الآية أن كلمة { ملك.. } [النجم: 26] جاءت بصيغة المفرد، ثم أخبر ~~عن المفرد بصيغة الجمع، فقال { لا تغني شفاعتهم.. } [النجم: ~~26] ولم يقل شفاعته. قالوا: لأن كم الخبرية تفيد الكثرة، فلما اجتمعت مع ~~المفرد أعطته معنى الجمع، فالمعنى { وكم من ملك.. } [النجم: ~~26] كثير من الملائكة، والمناسب أن يقول شفاعتهم، بصيغة الجمع. ### || [53.27-28] # الحق سبحانه يفضح اعتقادهم الكاذب في قولهم # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى.. # [الزمر: 3] وفي اعتبارهم الملائكة شفعاء لهم عند الله، فهذا مجرد كلام ~~وحجج واهية لأنهم في الأصل لا يؤمنون بالآخرة، فكيف يتحدثون عن ~~الشفاعة؟ { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة.. } [النجم: 27] ~~أي: الكفار { ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } ~~[النجم: 27] أي: يدعون أن الملائكة بنات الله { وما لهم به.. } ~~[النجم: 28] ما لهم بهذا القول { من علم.. } [النجم: 28]. وفي موضع ~~آخر قال سبحانه: # مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق ~~أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا # [الكهف: 51]. إذن: لا علم عندهم بخلق الملائكة، فهم في هذا الادعاء ~~كاذبون يقولون ما لا يعلمون، والمسألة أنهم يتبعون في هذه القضية ظنهم ~~الباطل، ظنوا الملائكة إناثا لوجود تاء التأنيث في الملائكة. { وإن ~~الظن لا يغني من الحق شيئا } [النجم: 28] أي: أن ظنهم ~~هذا ظن باطل لا يمت إلى الحقيقة بصلة ولا يغني عنها، والحق في هذه ~~المسألة ما أخبرنا الله به، لأنه خالقهم والأعلم بهم، فالظن لا يحل ~~أبدا محل العلم القاطع البين. ### || [53.29-30] # بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه ms9583 وسلم موقف خصومه، ~~وكيف أنهم لا يريدون الحق، بل يريدون الهوى والظن والشهوات، يقول له: يا ~~محمد أرح نفسك من هؤلاء، فلا فائدة منهم. وقد كان سيدنا رسول الله حريصا ~~كل الحرص على هداية قومه، وكان يحمل نفسه في سبيل دعوتهم إلى الحق ~~فوق ما تحتمل، لذلك خاطبه سبحانه بقوله: # فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا ~~بهذا الحديث أسفا # [الكهف: 6] وقال له: # إن عليك إلا البلاغ.. # [الشورى: 48]. وقد بينا أن الله تعالى لا يريد منهم قوالب تأتي راغمة، ~~إنما يريد قلوبا تأتي إليه طواعية واختيارا. لذلك يقول سبحانه لنبيه: { ~~فأعرض عن من تولى عن ذكرنا.. } [النجم: 29] فأعرض: أمر ~~من الفعل عرض عارض، وأعرض معرض. والهمزة هنا تسمى همزة الإزالة. أي: ~~إزالة العرض، تعرفون المعرض الدولي الذي نعرض فيه المنتجات، فصاحب المنتج ~~عارض يعرضه على الناس، ويبين لهم مزاياه فهو عارض. وهكذا كان سيدنا ~~رسول الله يعرض الهدى ومنهج الحق على قومه، ويبين لهم أهدافه ومزاياه، ~~فلم يكن منهم إلا الصبر والأذى والإعراض عنه والانصراف. وظل كذلك ألى ~~أن أمره ربه بالإعراض عنهم، فقال له: { فأعرض.. } [النجم: 29] من ~~أعرض، وهو عكس عرض، وهمزة الإزالة تحول الفعل إلى ضده، فكما انصرفوا ~~عنك فانصرف عنهم، أعرضوا عنك فأعرض عنهم. وهمزة الإزالة في أعرض مثل ~~أعجم. نقول: أعجم الكتاب. أي: أزال عجمته ومنه معجم، وهو الكتاب الذي ~~يزيل غموض الألفاظ، كذلك أعرض أي: أزال العرض. { فأعرض عن من ~~تولى عن ذكرنا.. } [النجم: 29] إذن: هم البادئون بالإعراض عن ~~ذكر الله، أي: عن القرآن وعن المنهج لأنه يقيد حريتهم في الشهوات، ~~المنهج تكليف، وهم لا يريدون تكليفا، يريدون الانطلاق خلف شهواتهم ~~وملذاتهم دون رقيب. ولو تأمل هؤلاء المعرضون منهم الله لعرفوا أنه في ~~صالحهم، لأنه مثلا حين ينهاك عن السرقة وأنت فرد ينهى الناس جميعا أن ~~يسرقوا منك، كف يدك وكف أيدي الملايين عنك. إذن: قبل أن تنظر إلى ~~مشقة التكاليف انظر إلى عطائها. تذكرون الصحابي الشاب الذي أتى سيدنا ~~رسول الله وقال له:يا ms9584 رسول الله إئذن لي بالزنا، تصوروا ماذا كان رد فعل ~~رسول الله على هذا المطب الغريب؟ لم ينهره بل أدناه منه وتبسم في وجهه ~~وقال له: يا أخا العرب أتحبه لأختك؟ فيقول: لا يا رسول الله جعلت ~~فداك، فيقول: أتحبه لأمك؟ أتحبه لابنتك؟. يقول الراوي: حتى ذكر العمة ~~والخالة، والرجل يقول: لا يا رسول الله جعلت فداك، ثم يقول له سيدنا ~~رسول الله: كذلك الناس يا أخا العرب لا يحبونه لأخواتهم ولا لأمهاتهم ولا ~~لبناتهم. # فيقول الشاب: فانصرفت من عند رسول الله، وليس شيء أبغض إلي من الزنا، ~~وما هممت بشيء إلا تذكرت أختي وأمي وابنتي. لذلك الحق سبحانه وتعالى في ~~أول سورة البقرة يقول عن المتقين: # أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون # [البقرة: 5] فالتكاليف الدينية والمنهج ليس عبئا عليك، إنما هو دابة ~~تحملك وتوصلك إلى غايتك، فهم على الهواء وعلى تفيد الاستعلاء، فالمنهج ~~هو الذي يحملك، وهو الذي يساعدك ويسعدك. وقوله تعالى: { ولم يرد ~~إلا الحياة الدنيا } [النجم: 29] أي: هي غايتهم، فلا يعملون ~~إلا لها وقد أقروا بذلك فقالوا: # ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنآ إلا الدهر.. # [الجاثية: 24] فالآخرة ليست في حساباتهم. لذلك الحق سبحانه وتعالى يسفه ~~هذا الرأي ويقول: { ذلك مبلغهم من العلم.. } [النجم: 30] ~~أقصى ما وصلوا إليه من العلم الذاتي فقد وقف بهم عند هذا الحد. والعجيب ~~أنهم أغلقوا آذانهم وصموا أسماعهم عن الهدى، فلم يأخذوا بعلم الله ~~الذي أنزله عليهم { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله وهو أعلم بمن اهتدى } [النجم: 30]. نقف أولا ~~عند أسلوب القصر { هو أعلم.. } [النجم: 30] حيث قصر العلم على الله ~~وحده، لأن الهداية والضلال أمر في غالبه غيبي لا يطلع عليه إلا عالم السر ~~وأخفى، ثم إن الجميع يدعي أنه على الهدى، وأن غيره على الضلال، لذلك ~~اختص الله بهذا العلم نفسه سبحانه. وقد جاءت هذه الآية { إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن ~~اهتدى } [النجم: 30] بعد قوله تعالى لنبيه: { فأعرض ms9585 عن من ~~تولى عن ذكرنا.. } [النجم: 29] فهنا تناسب بين الآيتين، لأن ~~الله تعالى سبق علمه بخلقه من يضل ومن يهتدي، من سيقبل على ~~الدعوة، ومن سيعرض عنها. لذلك قال لنبيه أرح نفسك # إن عليك إلا البلاغ.. # [الشورى: 48] والحق سبحانه وتعالى أخبر رسوله بمن سيهتدي وبمن سيظل ~~على ضلاله، فأبو لهب وأبو سفيان وعمرو وخالد بن الوليد كانوا جميعا في ~~خندق واحد ضد الإسلام، فشاء الله أن يؤمن أبو سفيان وخالد وعمرو. أما ~~أبو لهب فقد ظل على كفره، حتى بعد أن نزلت فيه # تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله ~~وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب # [المسد: 1-3]. ### || [53.31] # هذا أيضا أسلوب قصر بتقديم الخبر. أي: لله وحده. وفي آية أخرى قال ~~تعالى: # لله ملك السموت والأرض.. # [الشورى: 49] فالسماوات والأرض عجيبة في ذاتها، والذي فيها أعجب { ~~ولله ما في السموت وما في الأرض.. } [النجم: 31] ~~وقال # ولله غيب السموت والأرض.. # [النحل: 77]. فهذه مراحل ثلاث في ملك الله، يملك سبحانه الظرف السماوات ~~والأرض، ويملك المظروف أي: ما في السماوات وما في الأرض وكل منهما عجيب ~~ويملك الأعجب من ذلك، وهو ما خفي عنا في ملكوت السماوات والأرض. وهذا ~~يعني أنك أيها الإنسان لا تزهد في الاستنباط، فالكون مليء بما تعلمه وما ~~لا تعلمه من الآيات والعجائب، وفيه عطاءات لا تتناهى ولا تنفد، ما دامت ~~السماوات والأرض، فإذا نفدت العجائب والأسرار بنفاد الدنيا جاءت عجائب ~~وأسرار الآخرة. ثم يبين سبحانه أن هذه الملك في السماوات والأرض يترتب ~~عليه الجزاء في الآخرة، لأن الملك ملك الله، والخلق خلق الله، ~~والرسل رسل الله، والمنهج منهج الله، فأمامك أيها الإنسان الكون الفسيح ~~وما فيه من آيات كونية تدل على قدرة الخالق سبحانه فاستدل بالخلق على ~~الخالق. ثم أرسل لك الرسل وأنزل الكتب وشرع الشرائع وبين الحلال ~~والحرام، وبين الحدود، وبين الجزاء، فلا بد أن ينتهي ملك السماوات ~~والأرض إلى الجزاء، والجزاء لا بد وأن يكون من جنس العمل { ليجزي ~~الذين أساءوا بما عملوا ويجزي ms9586 الذين أحسنوا ~~بالحسنى } [النجم: 31]. والآيات ثلاث كما قلنا: آيات كونية تدل على ~~قدرة الله، وآيات معجزات تدل على صدق الرسول في البلاغ عن الله، وآيات ~~الأحكام التي يضمها القرآن الكريم، فمن لم يعتبر بهذه الآيات ولم يحسن ~~استقبالها فقد أساء فيجزي بإساءته. ومن أحسن استقبالها يجزى بإحسانه ~~وكأنه حيا المكلف سبحانه وتعالى بالطاعة فيحييه الله بأحسن منها { ~~ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } [النجم: 31] أي: ~~بالأحسن مما قدموا، فإذا كنا قد أمرنا في الدنيا بأن نرد التحية بأحسن ~~منها، فالله أولى بذلك. وتأمل هنا اللياقة في التعبير والدقة في الأداء، ~~فلم يقل: ليجزي الذين أساءوا بالسوء، ولكن { بما عملوا.. } ~~[النجم: 31] فلم يواجههم بكلمة السوء، ولكن وضع أمامهم العمل الذي ~~قدموه. وفي هذا إشارة إلى عدل الله # وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون # [آل عمران: 117]. ثم يقدم جزاء أهل السوء على جزاء أهل الإحسان، ليكون ~~الجزاء بالحسنى هو آخر ما يباشر أسماعنا. ثم تشرح الآيات وتفصل القول ~~في الذين أحسنوا، ما وجوه الإحسان في أعمالهم. ### || [53.32] # فمن صفات الذين أحسنوا أنهم { يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش.. } [النجم: 32] أي: يتركون بالكلية الكبائر من الذنوب ~~ولا يقتربون من هذه المنطقة المحرمة { إلا اللمم.. } [النجم: 32] ~~وهو صغائر الذنوب. فكأن الله تعالى من رحمته بخلقه تكفل لنا بالصغائر ~~أن يمحوها، وجعل لها أستيكة أي ممحاة تزيلها وهي الصلوات الخمس، شريطة ~~أن نجتنب الكبائر. وفي الحديث: # " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارة لما ~~بينهن إذا اجتنبت الكبائر " # فمن فعل ذلك وسار على هذا المنهج كانت له الحسنى، وكان من أهل ~~الإحسان. إذن: الإثم والفواحش هي الذنوب الكبيرة التي توعد الله ~~مرتكبيها، والفواحش ما فحش من الكبائر وعظم، وقد جعل الله له عقوبة ~~وحدا. أما اللمم الذي استثناه الله وعفا عنه فهو لمم. يعني: صغائر ~~هينة لا يترتب عليها كبير ضرر، وهذه آيضا مشروطة بعدم الاجتراء عليها ~~أو المبالغة فيها حتى تصير لك عادة. وإذا عاملك الله تعالى بهذه المنطق ~~فاستح منه سبحانه أن تتجرأ عليه ولو ms9587 بالصغائر، لأن الصغيرة إذا أضيفت ~~إلى الصغيرة وكان في الأمر مداومة وإصرار صارت كبيرة، ثم للعاقل أن ~~ينظر في حق من هذه الصغيرة، إنها في حق الله، إذن: فاقصر. قلنا: إن ~~الكبائر جمع كبيرة ما توعد الله عليه بالعذاب في الآخرة، أو أقام عليه ~~الحد في الدنيا، وهذا فيما يتعلق بحقوق العباد، فالله سبحانه قدم ~~حق العباد على حقه تعالى، وجعل له القصاص العادل في الدنيا. ألا ترون ~~أن الله جعل أداء الدين مقدم على أداء فريضة الحج؟ ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لم يصل على جنازة أحد الصحابة لأن عليه دينا، وحثهم ~~على قضاء دينه أولا. حتى أنهم قالوا في معنى # " من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه " # قالوا: هذا فيما يتعلق بحق الله، أما حقوق العباد فتظل كما هي، إلى ~~أن يكون الأداء أو القصاص، ذلك يحدث الردع ولا يجترئ الناس على ~~التعدي وانتهاك الحرمات. وقد علمنا رسول الله هذا الدرس في دعائه: # " اللهم ما كان لك منها فاغفره لي، وما كان لعبادك فتحمله عني " # يعني: إن لم أقدر على الوفاء به. لذلك قلنا في السارق الذي أسرف على ~~نفسه وتمادى في هذه الجريمة، ثم أراد أن يتوب ماذا يفعل؟ لا بد أن ~~يجهد في إعادة الحقوق إلى أصحابها، فإذا لم يقدر يحسب جملة ما سلبه من ~~خلق الله ويتصدق به بنية صاحبه، وحين يعلم الله منه صدق التوبة، فقد ~~يتحمل عنه هذه الحقوق رحمة به. نلاحظ أن الآية عطفت { والفواحش. # . } النجم: 32] على { كبائر الإثم.. } [النجم: 32] لأنها كلها ~~كبائر، لكن الفواحش تضيف إلى الكبيرة صفة الفحش والقبح، فهي أعظم وأشد ~~إثما من الكبائر، لأنها منكر مستبشع. وقد تكلم العلماء في الكبائر ~~وربطوا بينها وبين الجوارح التي تؤدى بها، فعمرو بن عبيد كان عالما ~~ورعا يتجنب ما يفعله غيره من العلماء والشعراء من الدخول على الملوك ~~والأمراء لنيل عطاياهم، حتى قال فيه الشاعر، وذلك في العصر العباسي: # كلهم طالب صيد # غير عمرو بن ms9588 عبيد # عمرو بن عبيد وقف عند مسألة الكبائر هذه، وأراد أن يسأل عنها أعلم أهل ~~زمانه بالكتاب والسنة، فلم يجد أعلم من سيدنا جعفر الصادق بن سيدنا محمد ~~الباقر بن سيدنا علي زين العابدين بن سيدنا الحسين بن سيدنا علي بن أبي ~~طالب من السيدة فاطمة الزهراء. وكان جعفر الصادق كثير البحث في آيات ~~القرآن واستيعاب أسراره والتفتيش عن كنوزه، وكان يستنبط المعاني ويأتي ~~بالدليل عليها. ومن ذلك قوله: عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تعالى: # حسبنا الله ونعم الوكيل # [آل عمران: 173] فإني سمعت بعقبها يقول: # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء.. # [آل عمران: 174]. وعجبت لمن اغتم ولم يفزع إلى قوله تعالى: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87] فإني سمعت الله بعقبها يقول: # فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي ~~المؤمنين # [الأنبياء: 88]. وعجبت لمن مكر به ولم يفزع إلى قوله تعالى: # وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد # [غافر: 44] فإني سمعت الله بعقبها يقول: # فوقاه الله سيئات ما مكروا.. # [غافر: 45]. وعجبت لمن طلب الدنيا ولم يفزع إلى قوله تعالى: # ما شآء الله لا قوة إلا بالله.. # [الكهف: 39] فإني سمعت الله بعقبها يقول: # فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك.. # [الكهف: 40]. فهذه روشتة وضعها سيدنا جعفر، أخذها بالدليل من كتاب الله ~~وتشمل كل ما يطرأ على العبد من أحوال. وراح عمرو بن عبيد يسأل سيدنا ~~جعفر عن الكبائر، كل كبيرة بحسب الجارحة التي تؤديها. فقال: القلب مطلوب ~~منه ألا يشرك بالله، وألا ييأس من روح الله، وألا يأمن مكر الله. ثم ~~أتى بالدليل من كتاب الله على كل واحدة، ففي مسألة الشرك # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء.. # [النساء: 48] وفي اليأس من روح الله # قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا ~~تقنطوا من رحمة الله.. # [الزمر: 53] وهكذا. وكبائر اللسان: شهادة الزور # والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو ~~مروا كراما # [الفرقان: 72] وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات، واليمين ms9589 الغموس وهو ~~الحلف على شيء مضى وتعمد مخالفة الواقع، كذلك من كبائر اللسان السحر. أما ~~البطن فيتعلق بها شرب الخمر والعياذ بالله، وأكل مال اليتيم، وأكل ~~الربا. # والفرج يتعلق به الزنا. واليدان السرقة والقتل. والرجلان الفرار من ~~الزحف. ولكل من هذه الكبائر دليلها الواضح من كتاب الله. ومن الكبائر ترك ~~الصلاة وهي كبيرة، يشترك فيها جوارح كثيرة، وتركها كبيرة لأنها فرضت ~~كما قلنا من الله مباشرة لرسوله، فهي لا تسقط عن المسلم بحال، لذلك ~~قلنا عنها أنها ركن من اركان الإسلام، وكذلك هي ركن من أركان المسلم، ~~لأنها ملازمة له لا تسقط عنه. أما اللمم فهو ما دون الكبائر من الذنوب، ~~وتسمى الصغائر مثل النظرة، لذلك قالوا: لك الأولى وليس لك الثانية، ~~لأن النظرة الأولى طرأت عليك وبها تتعرف على الأشخاص. أما النظرة ~~الثانية ففيها قصد للتمادي، وهذا يجرنا إلى النظرة المحرمة، فالذي يطيل ~~النظرة الأولى ليقول أنها الأولى التي رخص فيها عليه أن يحذر، لأن ~~المراقب للنظرة هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وحتى النظرة ~~الأولى في الواقع ليست لك، لكنك معذور فيها، لأنها طرأت عليك، فهي ~~تلقائية ليس فيها قصد. وكذلك من الصغائر الضربة الخفيفة التي لا تؤذي، أو ~~أن تعيب على غيرك صفة من صفاته، أو خلقا من خلقه، إلى غير هذا من ~~الأمور، لذلك سماها الله اللمم، وهذا السجل سرعان ما يغفر بالاستغفار ~~وفعل الطاعات اليومية. لذلك يقول الحق سبحانه بعدها: { إن ربك ~~واسع المغفرة.. } [النجم: 32]. نعم واسع المغفرة. أي: كثير ~~المغفرة، لأنه تعالى خلق الإنسان ويعلم مناطق الضعف فيه، ولما كلفه لم ~~يضيق عليه ولم يشق عليه، بل كلفه على قدر الاستطاعة، ولم يكلفه إلا ~~بعد سن البلوغ، فيظل يرتع في الكون دون تكليف أكثر من عشر سنوات. ثم ~~بعد أن يكلف يتحمل عنه الصغائر، ويبين له عاقبة الكبائر حتى لا ~~يقربها، وهذه رحمة من الله بعبده، لذلك قال في موضع آخر: # ويعفوا عن كثير.. # [المائدة: 15] فالله واسع المغفرة، كثير العفو، سبقت رحمته ms9590 غضبه، وسبق ~~عفوه عقابه. ثم تأتي التوبة الكبيرة: # حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ~~رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ~~وعلى والدي وأن أعمل صلحا ترضه وأصلح لي ~~في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين # [الأحقاف: 15]. لذلك الذي يعصي ربه عز وجل بعد سن الأربعين يكون بايخ، ~~نعم لأنه وصل للسن التي لا عذر له في أن يتجرأ على الله بالمعصية ~~فإذا ما بلغ المسلم في الإسلام الكبر والشيخوخة استحى الله أن يعذبه، ~~وقد شاب في الإسلام. وقوله سبحانه وتعالى: { هو أعلم بكم إذ ~~أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون ~~أمهاتكم.. } [النجم: 32] نعم النشأة الأولى للإنسان لا يعلمها إلا ~~الله # مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق ~~أنفسهم.. # [الكهف: 51]. ومعنى { أنشأكم.. } [النجم: 32] خلقكم بداية من طين ~~الأرض، والمراد خلق آدم عليه السلام وما دمنا من الأرض نشأة وهي ~~البداية والأم، فالابن متعلق بأمه ومرده إليها. ثم يذكر سبحانه طورا ~~آخر من أطوار الخلق { وإذ أنتم أجنة في بطون ~~أمهاتكم.. } [النجم: 32] فإذا كان أدم خلق من طين الأرض فنسله ~~جاء من التزاوج الذي تنشأ عنه الأجنة في بطون الأمهات. { فلا ~~تزكوا أنفسكم.. } [النجم: 32] تزكية النفس يعني: مدحها وادعاء ~~الصلاح { هو أعلم بمن اتقى } [النجم: 32] أي: أن الله تعالى ~~أعلم بخفي الأمور وحقيقتها، أعلم بكم من ساسكم لرأسكم، ولا يخفى عليه ~~منكم شيء، فلا مجال إذن لتزكية النفس. حتى في حالة مدح الآخرين والثناء ~~عليهم علمنا أن نقول: ولا نزكي على الله أحدا، لأن الله تعالى هو ~~الذي يزكي، وهو أعلم بأهل الطاعة وبأهل التقوى الحقيقية. ثم يقول الحق ~~سبحانه: { أفرأيت الذي... }. ### || [53.33-37] # قالوا: نزلت هذه الآيات في الوليد بن المغيرة، حيث كانت بداية علاقته ~~بدعوة الحق أن تولى عنها وأعرض عن سماع القرآن، ثم حن قلبه وأعجب ~~بما يقوله رسول الله، فأعطى قليلا من الأمان لأمر الدعوة واطمأن لها. ثم ~~تذكر عزته ومكانته بين قومه وخاف أن يقال صبأ عن دين الآباء والأجداد ~~فنكص ms9591 على عقبيه وتراجع. وقالوا: جاءه رجل وحذره من الإيمان بمحمد. وقال ~~له: إن كنت خائفا من العذاب، فأنا أتحمله عنك مقابل أن تعطيني كذا ~~وكذا، فأعطاه ثم تراجع ومنعه. وقالوا: نزلت في النضر بن الحارث أيضا: ~~جاءه رجل وقال له: إن عذاب الله شديد وأنا أتحمله عنك، وأعطني خمس قلائص ~~أي: خمسا من الجمال لكنه استكثرها، فمنع الرجل هذا العطاء. وقالوا أيضا: ~~نزلت في صفوان. هذا معنى { أفرأيت.. } [النجم: 33] يا محمد { ~~الذي تولى } [النجم: 33] أي: أعرض عنك وتركك ومضى { وأعطى ~~قليلا.. } [النجم: 34] من العطاء أو من الأمان. { وأكدى } ~~[النجم: 34] منع عطيته من الكدية يقولون: حفر فلان الحفرة فاستقامت له. ~~أي: وجد ما ينتظره منها، وحفر فلان الحفرة فأكدت. أي: لم يجد شيئا، أو ~~وجد حجرا كبيرا منعه من الوصول إلى بغيته، والحجر هذا يسمى كدية. ~~ومنه قولنا: عقبة كأداء. يعني: تمنعك من الوصول إلى هدفك. { أعنده ~~علم الغيب فهو يرى } [النجم: 35] أطلع على الغيب وعلم ~~الحقيقة أن هذا الرجل سيفي في التحمل عنه { أم لم ينبأ بما ~~في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى } [النجم: 36-37] ~~يعني: ألم يعلم هذا المعرض عن دعوة الحق ما جاء في صحف موسى وفي صحف ~~إبراهيم؟ لكن ماذا يعني بما جاء في صحف موسى وإبراهيم؟ يجيب القرآن ~~ويفصل المجمل في الاسم الموصول بما فيقول سبحانه: { ألا تزر ~~وازرة وزر... }. ### || [53.38-41] # هذا الذي ورد في صحف موسى وفي صحف إبراهيم { ألا تزر وازرة ~~وزر أخرى } [النجم: 38] لا تحمل نفس ذنب نفس أخرى، فإياك أن تظن ~~أن أحدا يتحمل عنك وزرك، ويقع عليه العذاب بدلا عنك، لأن الحساب في ~~الآخرة بالقسط وبالعدل. { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } ~~[النجم: 39] ليس له إلا عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهذا يقطع ~~الأمل في الانتفاع بعمل الغير، كما قال تعالى: # كل نفس بما كسبت رهينة # [المدثر: 38] فأنت لا تنتفع إلا بعملك وسعيك فاجتهد. وفي آخر سورة ~~الأعلى، قال سبحانه: # إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم ~~وموسى # [الأعلى: ms9592 18-19] لكن لما كان المقام هنا مقام الحديث عن الوفاء فيمن قال ~~له: أتحمل عنك ذنوبك، ذكر سبحانه صفة الوفاء في سيدنا إبراهيم، فقال # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37]. لذلك قال تعالى في سيدنا إبراهيم: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن.. # [البقرة: 124] نعم أتم سيدنا إبراهيم ما أمره الله به غاية التمام، ونجح ~~في الامتحان بامتياز مع مرتبة الشرف، وهذا واضح من قصة بناء البيت، وقصة ~~ذبح ولده إسماعيل عليهما السلام. فلما أتم ما أمر به قال الله له: # إني جاعلك للناس إماما.. # [البقرة: 124] فكانت المكافأة على قدر الإتمام، وعلى قدر صدق الأداء. ~~وقف بعض المستشرقين عند هذه الآية { ألا تزر وازرة وزر ~~أخرى } [النجم: 38] وقالوا: كيف نجمع بينها وبين قوله تعالى: # ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن ~~أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما ~~يزرون # [النحل: 25] فأيهما أصح؟ نقول: كلاهما صحيح، لأن لكل منهما معنى، ~~فالأولى تتحدث عن الذنب وعن الشر يرتكبه الإنسان بنفسه في ذاته، فهو يحمل ~~عقوبة ذلك، لا يحمله عنه أحد. أما الآية الأخرى فتتحدث عن الإنسان الذي ~~يضل غيره، ضل في نفسه وعدى ضلاله إلى الغير، فيتحمل وزره ووزر ~~من أضله بغير علم. وقد اختلف العلماء حول قوله تعالى: { وأن ~~ليس للإنسان إلا ما سعى } [النجم: 39] فقال بعضهم: المعنى ~~أن الإنسان ليس له إلا ما قدم، ولا ينتفع أحد بعمل أحد. وقال آخرون: بل ~~ينتفع الإنسان بعمل غيره، وفي تاريخنا وسنة سيدنا رسول الله ما يؤيد ~~ذلك. ونحن نرجح القول الثاني، لأن السعي هو مطلق الحركة لغاية، وهذه ~~الحركة قد تكون بالشر كالذي يسعى في الأرض فسادا وظلما، وقد تكون ~~بالخير كالذي يسعى لإصلاح الكون وصلاحه. والسعي يختلف باختلاف قوة ~~الساعي، ومدى إيمانه بقضايا دينه ووطنه، فواحد يسعى لنفسه ولا يرى إلا ~~ذاته، وآخر يسعى لأسرته، وآخر يسعى لبلده، وآخر يسعى لإسعاد العلم كله، ~~نعم: # على قدر العزم تأتي العزائم # وتأتي على قدر الكرام المكارم # لذلك قالوا: للرجال أوطان تختلف باختلاف هممهم، فرجل وطنه نفسه، ms9593 ورجل ~~وطنه أسرته، ورجل وطنه بلدته، ورجل وطنه العالم كله، وهذه من فلسفة ~~الإيمان الذي يحث المؤمن على أن يعدي خيره للناس جميعا حتى الكافر ~~منهم. وبهذه الفلسفة، وبهذا المعنى ينفع الرجل غيره، والأدلة على هذا ~~الرأي كثيرة، فسيدنا رسول الله ألم يبعث للعالم كله، ألم تشمل رحمته ~~المؤمن والكافر؟ ألم يقل الله في حقه: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. ومن رحمته بأهل الموقف في الآخرة أن يشفع لهم في أن ~~يعجل لهم الحساب، لأنهم في موقف يتمنون فيه الانصراف ولو إلى النار. ~~ومن شفاعته صلى الله عليه وسلم أن يشفع في أهل التوحيد الذين دخلوا ~~النار أن يخرجوا منها، أليس هذا انتفاعا بعمل الغير؟ ثم ألم يأمرنا ~~الشرع بالصلاة على الميت؟ ولو كانت الصلاة على الميت لا تنفعه لكانت ~~عبثا، بدليل أننا ندعو له فيها، وهذا انتفاع، لكن المعارضين لهذا الرأي ~~يقولون: وهل نصلي على كل ميت؟ نحن نصلي على الميت المسلم، فالمنفعة تأتي ~~من كونه مسلما، فإسلامه هو الذي ينفعه. قلنا لهم: خذوا دليلا آخر في ~~قوله سبحانه: # والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ~~ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم ~~من شيء.. # [الطور: 21] ألم ينتفع الأبناء بصلاح الآباء؟ قالوا: انتفعوا بصلاحهم ~~لأنهم تحملوا مشقة هذا الصلاح في الدنيا، فعوضهم الله ما حرموا منه ~~في الآخرة، بمعنى أن الإنسان المستقيم الذي يتحرى الحلال في مأكله ومشربه ~~لا شك يضيق على أولاده، على خلاف الذي يرتع في الدنيا طولا وعرضا، ولا ~~يلقي بالا لمسألة الحلال والحرام فأولاده يكونون أحسن حالا في المأكل ~~والمشرب والملبس، وهكذا، إذن ما يجده أبناؤه الصالحون من نعيم الآخرة، ~~جاء عوضا عما تحملوه في الدنيا. أيضا يروى # " عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مر على رجل يصلي وحده، ~~منفردا، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا؟ أي: يصلي معه ليأخذ ثواب ~~الجماعة " # ، أليس هذا انتفاعا بعمل الغير؟ وسيدنا رسول الله لما امتنع عن الصلاة ~~على الميت المدين كان امتناعه لمنفعة الميت، وقد انتفع ms9594 بهذا الامتناع ~~بالفعل، رسول الله امتنع عن الصلاة عليه، لأنه قال في الحث على قضاء ~~الدين: # " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه.. ". # ويبدو أن هذا الميت مات وعليه دين لا يستطيع قضاءه، فأراد رسول الله أن ~~يحرك مشاعر الخير في نفوس الصحابة ليبادروا بسداد دين صاحبهم، وبالفعل ~~لما قال عليه الصلاة والسلام: # " صلوا على صاحبكم، قام أبو قتادة وقال: أنا أسد عنه يا رسول الله، ~~عندها صلى عليه رسول الله " # ، أليس هذا انتفاعا بعمل الغير؟ ولكي ننهي هذا الخلاف ونحل هذا ~~الإشكال نقول: لو تأملنا الآية: { وأن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى } [النجم: 39] سنجد فيها ما يؤيد رأينا، فاللام هنا كما يقول أهل ~~اللغة للملك، كما تقول: ليس لزيد عندي إلا عشرة. # هذا هو الحق. إذن: الله تعالى ذكر العدل ولم يذكر الفضل، فأنت حين تدخل ~~مطعما مثلا لتتناول الغداء وعند الانصراف تقول للعامل: كم الحساب؟ ~~يقول: كذا وكذا. تقول له خذ وخلي الباقي علشانك. هذا بين الناس في أمور ~~الدنيا الهينة، فما بالك بأمور الدين والشرع؟ وإن كان هذا عطاؤك فكيف ~~بعطاء الله؟ وقوله تعالى: { وأن سعيه سوف يرى } [النجم: ~~40] فهذا السعي لا يترك هكذا دون تعقيب عليه، بل سيراقب وسيرى، كما ~~قال تعالى: # وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله ~~والمؤمنون.. # [التوبة: 105]. وكلمة سوف تدل على المستقبل، فسعيك لن يذهب هباء بل ~~عملك في الدنيا سيراه الله ويراه رسول الله ويراه المؤمنون. أى: في ~~الآخرة وسوف تنال عليه الجزاء المناسب، ليس الجزاء بالعدل، إنما الجزاء ~~بالفضل. { ثم يجزاه الجزآء الأوفى } [النجم: 41] تأمل، لم ~~يقل: الجزاء العادل، بل الجزاء بالزيادة والفضل والحوافز { الجزآء ~~الأوفى } [النجم: 41] والأوفى من صيغ التفضيل التي تدل على الزيادة. ### || [53.42] # إلى ربك المرجع، وإلى ربك المصير والمنتهى، والآية فيها أسلوب قصر ~~بتقديم الخبر على المبتدأ { إلى ربك المنتهى } [النجم: 42] ~~إلى ربك وحده دون سواه تنتهي الأمور في الآخرة، فالدنيا ليست هي نهاية ~~المطاف، وليست هي الغاية، وهذه مسألة يقر بها العقل قبل الشرع. ms9595 فلو ~~كانت الدنيا هي الغاية وهي النهاية، لكانت الحظوة لأهل الشهوات ولأهل ~~الظلم والتعدي، لأنهم حققوا ما يريدون في الدنيا وعاشوها بالطول ~~والعرض، ففازوا بمتاع الدنيا، ولم يعاقبوا عليه ولم يحاسبوا. إذن: العقل ~~يقول: لا لابد أن هناك يوما للحساب وللقصاص، العدل يقتضي ذلك. ولو ~~أيقن الناس بهذه الآية وفهموا هذا المعنى لاستقامت أمورهم، ولفكر ~~الإنسان مرة وألف مرة قبل أن يقدم على معصية الله أو ظلم الخلق، ~~ولعمل حسابا لهذا المنتهى الذي لابد له أن ينتهي إليه. وهذه الآية ~~أيضا تدلنا على أن العبد وإن خلقه ربه مختارا يؤمن أو يكفر، يطيع أو ~~يعصي، فإن هناك منطقة أخرى قهرية لا اختيار له فيها، وهل لك اختيار في ~~غناك أو فقرك؟ صحتك أو سقمك؟ حياتك أو موتك؟ إذن: مهما كنت حرا ~~ومختارا فلا غنى لك عن ربك، ولا ملجأ لك غيره، فلا تتمرد عليه بالعصيان، ~~لأن منتهاك إليه في الآخرة للحساب، ومنتهاك أيضا في أمور حياتك الدنيوية ~~إليه وحده، فأنت في قبضة قدره لا تستطيع الانفلات منها. فالذي يتمرد على ~~منهج الله أيستطيع أن يتمرد على المرض إن أصابه؟ أيستطيع أن يمتنع عن ~~ملك الموت إن جاء أجله، إذن: لك منتهى في الدنيا قبل منتهى الآخرة. ثم ~~يقول الحق سبحانه: { وأنه هو أضحك... }. ### || [53.43-46] # قوله تعالى: { وأنه هو أضحك وأبكى } [النجم: 43] أي: ~~خلق فيك الضحك وخلق فيك البكاء جعلك تسر وتحزن، أنت مثلا حينما تشاهد ~~عملا كوميديا تضحك، فالكوميديا سببت عندك الضحك، لكن لم تخلق فيك ~~طبيعة الضحك. لذلك لما كان في هذا الفعل شبهة المشاركة أكد الحق سبحانه ~~تفرده بالعمل، فلا دخل لأحد غيره فيه، فقال تعالى: { وأنه هو.. ~~} [النجم: 43] فأكد الضمير المتصل بضمير آخر منفصل، فهو وحده الذي جعلك ~~تضحك، بمعنى خلق فيك هذه الطبيعة وجعلك صالحا لها. لذلك نجد أن المشاعر ~~والعواطف والأمور الطبيعية في البشر تتحد في جميع اللغات وعند كل الشعوب ~~على اختلافها، فليس هناك مثلا ضحك عربي، وضحك إنجليزي أو ألماني، ليس ~~هناك بكاء ms9596 روسي، وبكاء ياباني. ففي هذه الأمور يتحد الناس، حتى في ~~الإشارة نجدها واحدة على اختلاف اللغات، الكل يفهمها لأنها أصل التفاهم ~~بين البشر قبل وجود اللغات، فالإشارة لغة عالمية. كذلك في قوله سبحانه: { ~~وأنه هو أمات وأحيا } [النجم: 44] أكد الضمير المتصل ~~بالضمير المنفصل، لأن مسألة الإحياء والإماتة فيها شبهة المشاركة، فقد ~~يظن البعض أن الطبيب مثلا هو الذي أمات المريض أو أحياه، أو يظن أن ~~القاتل هو الذي أمات القتيل. فالحق سبحانه يختص لنفسه سبحانه بهذه ~~الأمور له وحده سبحانه دون سواه { وأنه هو أمات وأحيا } ~~[النجم: 44] فالواقع أن القتيل حين قتل لم يمته القاتل، إنما جاء ~~أجله موافقا لهذه الضربة فمات، مات لأنه سيموت في هذه اللحظة حتى لو لم ~~يضربه القاتل. لذلك قال سبحانه في موضع آخر: # الذي خلق الموت والحياة.. # [الملك: 2] فالموت والحياة خلق لله وحده لا دخل لأحد فيهما، لذلك قال ~~الشاعر: # من لم يمت بالسيف مات بغيره # تعددت الأسباب والموت واحد # وقالوا: والموت من دون أسباب هو السبب. يعني: مات لأنه سيموت. وقوله ~~تعالى: { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى } [الجم: ~~45] لاحظ هنا أنه سبحانه لم يقل: وأنه هو، لأن المسألة لا تحتاج إلى هذا ~~التأكيد، فقضية الخلق الكل يسلم بها لله، ولم يدعها أحد لنفسه، ~~وليس فيها شبهة المشاركة من الخلق. ومعنى الزوجين أي: النوعين الذكر ~~والأنثى. فالزوج فرد معه مثله، كما جاء في قوله تعالى: # ثمنية أزوج من الضأن اثنين.. # [الأنعام: 143]. { من نطفة إذا تمنى } [النجم: 46] فأصل ~~الخلق نطفة وهي قطرة المني. { إذا تمنى } [النجم: 46] أي: تدفع ~~وتلقى في رحم المرأة، فيكون منها الولد بقدرة الله. وهذه الآية حلت ~~لنا إشكالا طال الخلاف فيه بين العلماء، فقد كان البعض يعتقدون أن ~~المرأة هي المسئولة عن النوع: ذكر أم أنثى. لكن حينما نقرأ هنا { ~~وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى * من نطفة ~~إذا تمنى } [النجم: 45-46] نعلم علم اليقين أن الرجل هو المسئول عن ~~هذه المسألة، فالنطفة هي نطفة الرجل يلقيها في رحم زوجته، فالزوجة إذن ms9597 ~~مستقبلة تعطي ما أخذت. # وقلنا: إن المرأة العربية قد توصلت بطبيعتها وفطرتها إلى هذه الحقيقة، ~~فالمرأة التي تزوج عليها زوجها لأنها لا تلد له إلا البنات، قالت: # ما لأبي حمزة لا يأتينا # يظل في البيت الذي يلينا # غضبان ألا نلد البنينا # تالله ما ذلك في أيدينا # ونحن كالأرض لغارسينا # نعطي لهم مثل الذي أعطينا # إذن: انتهت المرأة العربية بفطرتها إلى ما انتهى إليه العلماء مؤخرا، ~~ولا بد أن نفرق بين النطفة والمني: النطفة هي السائل الذي يعيش فيه ~~الحيوان المنوي، والمني الميكروب نفسه الذي يكون منه الولد. ورحم الله ~~العقاد حينما قال: إن نصف كستبان الخياطة يحوي أنسال الدنيا كلها، ~~ويمكن أن نملأ نصف كستبان الخياطة بقذفة واحدة للرجل، سبحان الله. ### || [53.47-49] # يعني: لا تظن أن الدنيا هي نهاية المطاف، فالذي أنشأكم هذه النشأة في ~~الدنيا قادر على إعادتكم في نشأة أخرى يوم القيامة، كما قال سبحانه في ~~موضع آخر: # أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق ~~جديد # [ق: 15]. والخلق الجديد سيكون في الآخرة حين يبعث الله الموتى، والذي ~~خلق بداية من عدم قادر من باب أولى على الإعادة من بقايا الخلق ~~الأول، لذلك قال سبحانه: # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب ~~حفيظ # [ق: 4]. { وأنه هو أغنى وأقنى } [النجم: 48] لاحظ هنا ~~التخصيص والتأكيد بإعادة الضمير المنفصل بعد الضمير المتصل، وهذا يدلنا ~~على أن مسألة الرزق والغنى والفقر لله وحده لا دخل لأحد فيها، فهو وحده ~~سبحانه الذي يسوق الأرزاق، ويجعل هذا غنيا وهذا فقيرا. إذن: لما وجدت ~~الشبهة في أن أحدا يشارك الله في هذه المسألة جاءت الآية بهذا الأسلوب، ~~ألا ترى للآية قبلها { وأن عليه النشأة الأخرى } ~~[النجم: 47] هذكا بدون هو لأن مسألة النشاة الأخرى ليس فيها شبهة ~~المشاركة. معنى { أغنى.. } [النجم: 48] أغناك أيها العبد بما ملكه لك ~~عما في يد غيرك، فالغنى إذن كل ما أغناك عن الناس من مال أو قوة أو غيره ~~{ وأقنى } [النجم: 48] أقنعك وأرضاك بما عندك مهما كان قليلا. ~~وكثيرا ms9598 ما نرى أناسا ضيق عليهم الرزق، ومع ذلك تراهم راضين بقسم ~~الله، بل سعداء به، وربما كانوا أحسن حالا من الأغنياء، إذن: هذا عطاء ~~وهذا أيضا عطاء، فالقناعة والرضا تساوي الغنى وسعة العيش. ومن ذلك ~~قالوا: " القناعة كنز لا يفنى " في حين أن كنز المال ربما يفنى، فالغنى ~~الحقيقي إذن في النفس ليس في العرض. وقالوا { وأقنى } [النجم: 48] ~~من القنية أي: ما يقتنيه الإنسان من المتاع والأثاث ونحوه. { وأنه ~~هو رب الشعرى } [النجم: 49] الشعرى كوكب من الكواكب، قالوا: ~~إنه من الضخامة بحيث يسع مليون شمس مثل هذه الشمس، وأنه لو اقترب من ~~الأرض لاحترقت، فكأنه يمد الشمس بالحرارة وهي تمدنا، فلا نأخذ منها ~~مباشرة مثل التيار الكهربائي. فلو أخذنا للبيوت من التيار العالي في ~~الأكشاك لاحترقت الأجهزة والمصابيح في البيت، لأن الضعيف لا يستطيع أن ~~يستقبل من القوي مباشرة، بل لا بد من المنظم أو الترانس، وهكذا تكون ~~الشمس بالنسبة للشعرى. ### || [53.50-52] # معلوم أن عادا قوم سيدنا هود عليه السلام، وقد أهلكهم الله بريح صرصر ~~عاتية لما كذبوا نبيهم، ومعنى { عادا الأولى } [النجم: 50] أن هناك ~~عادا أخرى، قالوا: لما نزلت عليهم الريح أهلكت الموجودين منهم في هذا ~~المكان الذي حل عليه العذاب، وكان منهم جماعات متفرقة تجمعوا، ~~والتمسوا مكانا آمنا، فذهبوا إلى مكة، وهذه هي عاد الأخرى. { وثمود ~~فمآ أبقى } [النجم: 51] فكما أهلك عادا أهلك ثمودا بالصيحة { ~~فمآ أبقى } [النجم: 51] لم يبق منهم أحدا. كذلك { وقوم ~~نوح من قبل.. } [النجم: 52] أهلكهم الله، ثم ميزهم عن سابقيهم ~~بصفتين { إنهم كانوا هم أظلم وأطغى } [النجم: 52]. ~~إذن: كان الظلم والطغيان موجودا في عاد وفي ثمود، أما قوم نوح فهم أظلم ~~أشد ظلما وأطغى أشد طغيانا. ويكفي دليلا على ذلك أن نبيهم لبث فيهم ~~ألف سنة إلا خمسين عاما، وما آمن معه إلا قليل. ### || [53.53-54] # { والمؤتفكة } [النجم: 53] معطوفة على عاد وثمود وقوم نوح. وهي ~~قرى قوم لوط، سميت المؤتفكة، لأن الله تعالى كفأها رأسا على عقب، وجعل ~~عاليها سافلها، لذلك نسمي الكذب إفكا لأنه ms9599 يقلب الحقائق، ومنه حادثة ~~الإفك التي تناولت السيدة عائشة في سورة النور. ومعنى { أهوى } ~~[النجم: 53] أنها هوت وسقطت، لأن الملائكة رفعتها إلى عنان السماء ثم ~~كفأتها على من فيها { فغشاها ما غشى } [النجم: 54] غشاها ~~نزل بها وعمها أو غطاها. { ما غشى } [النجم: 54] ما تعجبية تفيد ~~الكثرة التي تفوق الوصف. أي: غشاها أمر فظيع عجيب وهول رهيب، نعم لأن ~~الله تعالى جمع على قوم لوط ألوانا من العذاب في وقت واحد أو متتابعة ~~بعضها إثر بعض. قال تعالى: # فلما جآء أمرنا # [هود: 82] أي: بهلاكهم # جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة ~~من سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من ~~الظالمين ببعيد # [هود: 82-83]. ومعنى # مسومة # [هود: 83] أي: معلمة، كل حجر عليه اسم صاحبه فلم تكن عشوائية، بل ~~كانت محسوبة بدقة، فالحجر ينزل على صاحبه لا يتعداه، ومثلها الحجارة ~~التي أمطر بها أصحاب الفيل: # وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة ~~من سجيل # [الفيل: 3-4]. والعجيب بعد أن صرح السياق القرآني بلفظ الحجارة أن ~~نسمع من يقول، بل هي ميكروب أو فيروس أصابهم جميعا، والميكروب له مدة ~~حضانة لينشط بعدها، أما هذه فنزلت عليهم في لحظتها. ### || [53.55] # الحق سبحانه وتعالى يسلي رسوله صلى الله عليه وسلم ويطمئنه على ~~نصرة الله له وتأييده الدعوة، فسنة الله في الدعوات أن ينتهي الأمر ~~بنصرة الحق، وها هي الأدلة باقية شاهدة على إهلاك المكذبين، فقال تعالى: # وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وباليل ~~أفلا تعقلون # [الصافات: 137-138] فآثارهم باقية ترونها ليل نهار. يقول تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم { فبأي آلاء ربك تتمارى } [النجم: ~~55] بأي نعم ربك يا محمد { تتمارى } [النجم: 55] المراء الشك أو ~~الجدال، كأنه تعالى يقول له اطمئن فسوف يتم الله عليك نعمه. وفي سورة ~~الرحمن: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13] والحديث للإنس والجن، والرسول صلى الله عليه وسلم لما ~~قرأها قال: # " لقد قرأت سورة الرحمن على إخوانكم من الجن فكانوا أحسن استجابة ~~منكم، فلما سمعوا { فبأي آلاء ربكما تكذبان } قالوا: ~~ولا بشيء من نعمائك ربنا نكذب ms9600 فلك الحمد ". # إذن: مشروع أن ننفعل للقرآن عند سماعه بما يناسب المقام، فعند الحمد ~~نحمد الله، وعند التسبيح نقول سبحان الله. وعند ذكر الجنة ندعو الله بها، ~~وعند ذكر النار نستعيذ بالله منها وهكذا. وفرق بين إعجاب صامت مكبوت في ~~النفس، وإعجاب منطوق معبر عنه، ثم إنك حين تعبر عن تفاعلك مع القرآن ~~باللفظ تكون قدوة في ذلك لمن يسمعك. كلمة أي هذا تفيد الكثرة وآلاء ~~نعم جمع ألى أي: نعمة. والمراء أي: الجدال ويكون بين طرفين يجتهد كل ~~منهما لإقامة حجته على الآخر. والمراء في اللغة مأخوذ على معنيين: مرو ~~الحبل يعني فتله لتقويته، وبحسب مهمة الحبل يكون عدد الخيوط المفتولة. أو ~~مأخوذ من يمري الناقة. أي: يحلبها ويأتي بكل ما في ضرعها. إذن: تجادل ~~لتقوي حجتك، أو تجادل لتخرج كل ما في جعبة الخصم. ### || [53.56-58] # قوله تعالى: { هذا.. } [النجم: 56] إشارة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وما جاء به من دعوة الحق، والنذير هو الذي ينذر الناس ويحذرهم من ~~الشر قبل أوانه { من النذر الأولى } [النجم: 56] النذر ~~الأولى. أي: التي خلت قبل رسول الله من مواكب الرسل السابقين، فعظمة ~~النذارة في سيدنا رسول الله أنه آخر نذير وخاتم الرسل أجمعين. وقوله ~~تعالى: { أزفت الآزفة } [النجم: 57] أي: اقتربت الساعة فكأنه صلى ~~الله عليه وسلم جاء على فم الساعة، فبعد أن قال { هذا نذير } ~~[النجم: 56] أعقبها { أزفت الآزفة } [النجم: 57]. لذلك جاء في ~~الحديث الشريف: # " بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالسبابة والوسطى " # فبعثته صلى الله عليه وسلم تعد من علامات الساعة. وقد خاطبه ربه تعالى ~~بقوله: # فيم أنت من ذكرها # [النازعات: 43] أي: من ذكرى الساعة وعلاماتها. وما دام أزفت الآزفة ~~واقتربت فانتبه، فهذه آخر الرسالات فتعلق بها وتمسك بهذا الرسول ~~الخاتم والنذير الأخير الذي ليس بعده نذير فانج به. ونفهم من معنى { ~~أزفت } [النجم: 57] اقتربت أنها هي التي تسعى إليك وتطلبك بخطوات ~~حثيثة تسرع إليك. وبعد قليل في أول القمر سيقول: # اقتربت الساعة # [القمر: 1]. { ليس لها من دون الله كاشفة } [النجم: ms9601 58] ~~يعني: إذا جاءت أهوال الساعة لا أحد غير الله يستطيع أن يدفعها، فأنت ~~في أحداث الدنيا وخطوب الحياة قد يوجد من يكشف عنك الكرب أو يدفع عنك ~~السوء. أما في الآخرة فالخطب جلل، ليس لأحد قدرة على دفعه، وإلا كيف ~~يدفعها، وهي الطامة الكبرى التي تعم الجميع، كيف يدفع عنك وهو لا يستطيع ~~أن يدفعها عن نفسه؟ إذن: استعدوا لهذا الموقف، وخذوا لكم دافعا من ~~الله، فهو وحده لا شريك له القادر أن يدفع عنك في هذا اليوم. ولا غرابة ~~في أزفت الآزفة واقترتب الساعة، وقد ظهرت لنا في واقع الحياة علاماتها ~~الصغرى التي أخبرنا بها سيدنا رسول الله # " من وجود نساء في مجتمع المسلمين كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن ~~كأسنمة البخت المائلة ". # وقوله: # " إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة " # ، وقوله: # " وإعجاب كل ذي رأي برأيه " # " وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان " # إلى غير هذه من العلامات التي شاهدناها بالفعل، فلم العجب إذن؟ ### || [53.59-62] # الهمزة هنا استفهام للتعجب، فهم يتعجبون من { هذا الحديث } ~~[النجم: 59] أي: من القرآن وهو يتعجب منهم، يقول لهم: أتتعجبون من ~~القرآن؟ الأولى بكم أن تتعجبوا من حالكم وما أنتم فيه من لهو وغفلة ~~وانصراف عن الحق، وهذا يفوت عليكم الفرصة ويحرمكم خيرا كثيرا. ونفس ~~المعنى في { وتضحكون ولا تبكون } [النجم: 60] تضحكون سخرية ~~واستهزاء، وكان الأولى بكم أن تبكوا على أنفسكم وعلى ما فاتكم من ~~الخير { وأنتم سامدون } [النجم: 61] لاهون غافلون. وهذا حال من ~~قست قلوبهم وغلبهم الشيطان والنفس، تراهم إلى جانب انصرافهم عن الحق ~~يسخرون من أهله ويضحكون استهزاء بهم. كما قال تعالى في تصوير هذا ~~الموقف: # إن الذين أجرموا # [المطففين: 29] سماهم مجرمين # كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا ~~بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم ~~انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء ~~لضالون * ومآ أرسلوا عليهم حافظين # [المطففين: 29-33]. نعم، هذا حال أهل الباطل الذين يقلبون الحقائق في ~~الدنيا، لكن الدنيا ليست هي الغاية، وليست هي نهاية المطاف، فهناك اليوم ms9602 ~~الآخر الذي يفصل فيه بين الظالم والمظلوم، كما قالوا: وعند الله تجتمع ~~الخصوم. فالله يطمئن أهل الإيمان: # فاليوم # [المطففين: 34] أي: يوم الحساب # الذين آمنوا من الكفار يضحكون # [المطففين: 34] ومن يضحك أخيرا يضحك كثيرا # على الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا ~~يفعلون # [المطففين: 35-36] وعندها نقول: نعم يا رب جازيتهم بما يستحقون. وقوله ~~سبحانه: { فاسجدوا لله واعبدوا } [النجم: 62] نلاحظ أولا ~~أسلوب الاختصار في الأداء القرآني الذي يترك مجالا لفطنة المتلقي، ~~فالمعنى: فاسجدوا لله واعبدوا الله، لأنه وحده المستحق للعبادة لا شريك ~~له، فالأمر بالعبادة لا ينصرف إلا إليه سبحانه، حتى لو لم يذكر المعبود ~~سبحانه. الحق سبحانه وتعالى حينما يأمرهم بالسجود والخضوع والطاعة كأنه ~~يقول لهم: كان أولى بكم البكاء والخضوع والتضرع، وأن تتمسكوا بهذا ~~الحق الذي جاءكم ليأخذ بأيديكم، فهو حبل النجاة فلا تقابلوه بالسخرية. ~~وهنا ملحظ في نهاية السورة يأتي الأمر بالسجود { فاسجدوا لله ~~واعبدوا } [النجم: 62] كأن الله يتودد إلى عباده حتى الكافرين يقول ~~لهم: يا عبادي أنتم صنعتي وعيالي، فتعالوا إلى ساحتي. انهوا الخلاف ~~والمعارضة، واخضعوا لي بالسجود والعبادة، فأنا أريد لكم الخير، وهل هناك ~~صانع يريد الشر لصنعته؟ لذلك ورد في الحديث القدسي: # " يا بن آدم، أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبا ". # ولله المثل الأعلى: أرأيت لو أن رجلا غنيا وسع الله عليه وعنده ولد ~~فاسد، فينادي عليه: يا بني تعال انتفع بمالي، فأنت أحق به، كذلك الحق ~~سبحانه ينادي على الخارجين عن منهجه: تعالوا فالخير ينتظركم. وإذا كان ~~الأمر في { فاسجدوا لله واعبدوا } [النجم: 62] للكافرين، ~~فهو أيضا يكون للمؤمنين: اسجدوا شكرا لله الذي هداكم إلى الإيمان ~~ونجاكم من الكفر. ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1] # الساعة من أسماء يوم القيامة، فهي: الساعة، والحاقة، والصاخة، ~~والواقعة، والطامة، وغيرها، وكل وصف من هذه الأوصاف فيه جانب من الفزع ~~والإخافة. ونلاحظ المناسبة بين أواخر النجم وبداية القمر، فهناك قال: # أزفت الآزفة # [النجم: 57] وهنا قال: { اقتربت الساعة.. } [القمر: 1] وقلنا: ~~إن مجرد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ms9603 علامات الساعة، نعرف أن ~~الساعة لن تقوم إلا على شرار الخلق حين لا يقال في الأرض: الله، الله. ~~أما أهل القبور، من لدن سيدنا آدم عليه السلام إلى من مات قبل قيام ~~الساعة، فكما قلنا إن الزمن في حقهم متوقف، لأن الزمن فرع الأحداث، ~~فإذا لم توجد الأحداث لا يوجد الزمن. لذلك قال تعالى عنهم: # كأنهم يوم يرونها # [النازعات: 46] أي: القيامة # لم يلبثوا إلا عشية أو ضحها # [النازعات: 46] والرجل الذي حاج إبراهيم في ربه أماته الله مائة سنة، ~~وقال بعد أن أحياه الله # لبثت يوما أو بعض يوم.. # [البقرة: 259]. وقالها أهل الكهف بعد ثلاثمائة سنة وتسع، لأن هذه هي ~~الفترة التي يمكن أن يستغرقها النائم في نومه، كذلك ستمر فترة البرزخ ~~على أهل القبور هكذا، وكأنهم ناموا نومة وقاموا منها. والله سبحانه ~~وتعالى هو مالك الزمن، وهو القابض والباسط، يقبضه لمن يشاء ويبسطه ~~لمن يشاء. ومعنى { اقتربت الساعة.. } [القمر: 1] يعني: هي ~~قريبة منك على المستوى الشخصي، فلا تنظر أنت إلى العلامات الصغرى، ثم إلى ~~العلامات الكبرى وتقول: ما زال الوقت طويلا بيننا وبين القيامة، لا ليس ~~كذلك يكون تصور القيامة. فالقيامة للإنسان هي أن يموت، ليست بعد آلاف ~~أو ملايين السنين لقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من مات فقد قامت قيامته ". # نعم لأنه انتقل من مرحلة الدنيا إلى مرحلة الآخرة، وانقطع عمله في ~~الدنيا، والحق سبحانه أبهم وقت الموت ومكانه ليظل الإنسان على ذكر له ~~في كل لحظة. وقوله تعالى: { وانشق القمر } [القمر: 1] انشقاق ~~القمر آية كونية ثابتة بالكتاب والسنة، فقد ورد أن القمر انشق لرسول ~~الله حتى ظهر حراء بين الشقين، وقد رأى هذه الآية أهل هذا الزمان ممن ~~تيسر لهم الرؤية فشاهدوه على هذه الصورة. لا نقول رآه العالم كله، لأن ~~الآيات الكونية معجزات يراد منها تثبيت الرسل، وبيان صدقهم في البلاغ عن ~~الله، فليس بالضرورة أن يرى هذه الآية كل أهل هذا الزمان، كيف ونحن ~~الآن مع التقدم العلمي الهائل وتوفر وسائل الاتصال نسمع ms9604 عن حدوث خسوف أو ~~كسوف في وقت كذا وكذا، وفعلا تنقله القنوات المختلفة، ومع ذلك ومع ~~الإعلان عن الظاهرة مقدما إلا أن القليل هم الذين يتمكنون من رؤيتها، ~~والقمر آية ليلية في وقت معظم الناس فيه نائمون. # ثم إن المعجزات والآيات الكونية للرسل لا يقصد منها المعجزة الدائمة، ~~بل معجزة لمن شاهدها ليثبت على إيمانه إن كان مؤمنا، أو يؤمن بالله ~~إن كان كافرا. لذلك قالوا: هي كعود الكبريت لا يشتغل إلا مرة واحدة، ~~وهكذا كل معجزات الرسل، فلولا أن القرآن أخبرنا بعصا موسى ما كنا عرفنا ~~عنها شيئا. والآيات الكونية هذه خرق للنواميس في لحظتها، ثم تعود ~~الأمور إلى طبيعتها، فالقمر انشق فعلا وخرق العادة، ثم عاد إلى ما كان ~~عليه بعد أن رآه كفار مكة المكذبون لرسول الله، ليس كل الكفار بل بعضهم، ~~فهذا البعض الذي شاهد المعجزة كاف لإثباتها. وقالوا: معنى { اقتربت ~~الساعة.. } [القمر: 1] أي: ساعة كل إنسان وأجله الذي ينتظره { ~~وانشق القمر } [القمر: 1] أي: ينشق عنه ويغيب ويعتزل حياته. وما ~~دام أن الله تعالى قال { اقتربت.. } [القمر: 1] فقد اقتربت بالفعل، ~~ولا تبحث في هذه المسألة. والحق سبحانه قال أيضا: # أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى ~~عما يشركون # [النحل: 1] فقال أتى بلفظ الماضي كأنه حدث بالفعل فكيف يقول # فلا تستعجلوه.. # [النحل: 1] قالوا: لأن الله هو الذي قال أتى ولا أحد يستطيع أن يعترض ~~عليه أو يمنعه أن يحقق ما أخبر به. كذلك في قوله { اقتربت ~~الساعة.. } [القمر: 1] فقد اقتربت بالفعل، إما ساعة كل إنسان حينما ~~يأتي أجله وهذا قريب، أو الساعة العامة فهي أيضا قريبة، لأن انشقاق ~~القمر من علاماتها وبعثته صلى الله عليه وسلم من علاماتها. ويروى أن ~~المكذبين لرسول الله قالوا له: إن كنت صادقا فيما تخبر به فأت بآية ~~الآن تدل على صدقك، قالوا: الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص ~~بن وائل، والعاص بن ربيعة، والأسود ابن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب، ~~وربيعة بن الأسود، والنضر بن الحارث. وكل هؤلاء ms9605 وغيرهم حضروا هذه ~~الواقعة، حيث دعا رسول الله وسأل ربه فانفلق القمر نصفين، نصف على جبل ~~أبي قبيس، ونصف على قينقاع حتى ظهر غار حراء بينهما، فلما رأوا ذلك ~~قالوا: هذا سحر، أما أهل التعقل فقالوا: نسأل المسافرين في الصحراء ~~بعيدا عن هذا المكان، فلما سألوهم قالوا: نعم رأيناه وقال آخرون: لم ~~نره. وقد أرجع الإمام علي رضي الله عنه هذا الاختلاف إلى أن آية انشقاق ~~القمر آية ليلية، البعض رآها بالفعل، والبعض بل الأكثر لم يرها. ~~وباستقراء الآيات التي وردت في قيام الساعة وما يسبقها من علامات، نقرأ # إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت # [التكوير: 1-2] وغيرها كثير مما يصور لنا انهدام هذه الكيانات. أما ~~القمر فلم يأت فيه إلا قوله تعالى: # فإذا برق البصر * وخسف القمر # [القيامة: 7-8] والخسف أهون، وأقل من تكوير الشمس. ونفهم من هذا أن ~~حادثة انشقاق القمر في الدنيا ستدخر له في الآخرة، فلا يحدث له ما يحدث ~~لغيره من النجوم. لذلك يقول سبحانه: # ونفخ في الصور فصعق من في السموت ومن في ~~الأرض إلا من شآء الله.. # [الزمر: 68] إذن: هناك من يصعق وهناك من ينجو. وفي تصوير سيدنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لموقف القيامة يقول: فلما أفقت وجدت أخي ~~موسى آخذا بعضد العرش. وهذا يعني أنه عليه السلام لم يصعق فيمن صعق ~~- لذلك تعجب رسول الله. ثم بين أنه صعق مرة في الدنيا وهو على جبل ~~الطور: # فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا.. # [الأعراف: 143] وما كان الله سبحانه وتعالى ليجمع على نبيه موسى ~~الصعقتين، فلما صعق في الدنيا نجاه من صعقة الآخرة. وهذا هو الاستثناء # إلا من شآء الله.. # [الزمر: 68]. وهكذا الحال في مسألة انشقاق القمر، وهذا يعني أن الانشقاق ~~كان حقيقيا وآية كونية أخرجت القمر عن طبيعته وكيفيته، لذلك لا يصيبه ~~ما يصيب النجوم الأخرى في الآخرة. ms9606